صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين
المؤلف: نايف عيد جابر السهيل
الناشر: مكتبة الاستقامة
مكان النشر: مسقط
تاريخ النشر: 1418ه/ 1998م
الطبعة: 2
الكلمات الدالة: الإباضية في الخليج العربي، تاريخ الإباضية، أصول الإباضية، المذهب الإباضي
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=200&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/58
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 ذو القعدة 1446ه/ 03 - شهر 05 - 2025م. الإباضية في الخليج العربي
في القرنين الثالث والرابع الهجريين
دكتور
نايف عيد جابر السهيل
الناشر
مكتبة الاستقامة
مسقط
الطبعة الثانية:
1418 ه- 1998 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الإباضية في الخليج العربي
في القرنين الثالث والرابع الهجريين
دكتور
نايف عيد جابر السهيل
الناشر
مكتبة الاستقامة
مسقط
الطبعة الثانية
1418 هـ ـ 1998 م (1/3)
صفحة 4
محتويات البحث
الموضوع
الصفحة
الفصل الأول
توطئة
عوامل انتشار المذهب الإباضي في الخليج العربي
أولاً: نشأة فرقة الإباضية فى البصرة - حاضرة الخليج العربي.
جابر بن زيد العماني «المؤسس الحقيقي للفرقة الإباضية»
أبو عبيدة يسير على نهج جابر بن زيد
الربيع بن حبيب يخلف أبا عبيدة
ثانياً: تجاوب أهل الخليج العربي مع مباديء الفكر الإباضي. 1 - انتماء رواد الإباضية لقبيلتي تميم والأزد المنتشرتين في منطقة الخليج العربي والبصرة. 2 - رفض الإمامة الإباضية شرط «القرشية» في الإمامة، ومطالبتهم بخلع الإمام إن فقد أى شرط من الشروط الأخرى للإمامة. إعجاب أهل الخليج العربي بقوة المناظرة والبراعة في الجدل وفصاحة
اللسان عند الإباضية.
4 - الزهد وشدة التدين عند فقهاء الإباضية. ه عدم رضا أهل الخليج العربي عن حكم غير أبناء بلدهم لهم، واستعدادهم الدائم للثورة.
6 - اشتراك الإباضية في التأثير بأسباب ودوافع الخروج على الخلفاء في
دمشق وبغداد.
- عزلة قبائل الخليج العربي، واحتفاظ غالبية أفراد تلك القبائل بالطبائع البدوية.
-- طباع سكان مناطق الخليج العربي في الاندفاع والحماسة والشجاعة (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم} (1/5)
صفحة 6
الصفحة
الموضوع
إلى حد التهور، والمغالاة إلى حد التطرف.
9 - التطرف الجغرافي للخليج العربي وبعده عن السلطة المركزية للدولة
الإسلامية.
الفصل الثاني
قيام الإمامة الإباضية فى الخليج العربي ودولتها في عمان
في القرنين الثالث والرابع الهجريين
أولاً: مقدمات الكيان السياسى للإباضية في الخليج العربي
1 - إقرار مبدأ التقية الدينية.
2 - الالتجاء إلى الحسم والقسوة.
3 - التنظيم الثورى
إنشاء المجالس السرية
أ - المجالس العامة.
ب- مجالس المشايخ. ج- مجالس حملة العلم
4 - بيت مال الإباضية
5 - تصنيف الإباضية
أ - مجتمع الظهور
ب- مجتمع الدفاع
ج- مجتمع الشراة
ثانياً: إمامة الظهور الإباضية في الخليج العربي ودولتها في عمان في القرنين الثالث والرابع الهجريين
1 - انتقال قيادة الإباضية في الخليج العربي من البصرة إلى عمان:
أ- قيام «إمامة الظهور الإباضية في عمان.
ب انتقال عاصمة الإمامة الإباضية إلى مدينة نزوى. (1/6)
صفحة 7
(ج)
الصفحة
الموضوع
-2 - ازدهار دولة الإباضية في عمان أ - أئمة الشراة.
ب تأمين الدولة داخلياً وخارجياً.
3 - اضمحلال دولة الإباضية في عمان
الفصل الثالث
أ - أزمة الحكم الإباضي في عمان. ب الأئمة المستضعفون
ج- أئمة الدفاع.
أثر الإباضية في حياة الخليج العربي
الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية
أولاً: أثر الإباضية على الحياة الفكرية والثقافية في الخليج
العربي.
أ - المنابع الفكرية للإباضية وتياراتها
ب المنابع الثقافية للإباضية وتياراتها.
ثانياً: أثر الإباضية على الحياة الاجتماعية في الخليج العربي. ثالثاً: أثر الإباضية على الحياة الاقتصادية في الخليج العربي.
الفصل الرابع
مقدمة
العلاقات الخارجية للإمامة الإباضية في عمان
في القرنين الثالث والرابع الهجريين
أولاً: العلاقات الخارجية لإباضية عمان مع الدولة العباسية.
ثانيا: علاقات إباضية عمان مع القوى الإسلامية وغير
الإسلامية المعاصرة لهم.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع مصر. (1/7)
صفحة 8
الموضوع
علاقات إباضية الخليج العربي بإباضية المغرب العربي.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع الصين.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع الهند. أندونيسيا
- علاقات إباضية الخليج العربي مع
- علاقات إباضية الخليج العربي مع جزر الملايو.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع سيلان
- علاقات إباضية الخليج العربي مع جزر المالديف والكاديف.
- علاقات إباضية عمان مع البحرين.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع شرق أفريقيا
الخاتمة:
ملحق رقم (1)
ملحق رقم (2)
ملحق رقم (3)
ملحق رقم (4)
ملحق رقم (5) الخرائط:
ثبت المصادر والمراجع
(د)
الصفحة (1/8)
صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وسيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد الهادي الأمين، وبعد
يرتبط الخليج العربي في تكوينه الحضاري والسياسي في ظل الإسلام بالإباضية وهى إحدى الفرق الإسلامية الكبرى التى نشأت بالبصرة نتيجة قبول على بن أبي طالب التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان بعد معركة صفين (
سنة 37 هـ / 657 م).
وقد تناولت الدراسات العديدة انتشار مذهب الإباضية وتركز اهتمامها على نشاطه فى المغرب الإسلامي، كما تعددت المؤلفات قديماً وحديثاً عن الإباضية من حيث نشأتها وانتشارها في القرنين الأول والثاني للهجرة، سواء في الخليج العربي أو في المغرب الإسلامي، ولم تتطرق تلك الدراسات إلى الحديث عن الإباضية بعد القرنين الأول والثاني للهجرة إلا نادراً أو في معالجة بعض القضايا المتفرقة، وهو الأمر الذي جعل تاريخ الإباضية في القرنين الثالث والرابع الهجريين بحاجة إلى دراسة علمية، تتناول جوانب هذه الفرقة ونشاطها الذى تبلورت معالمه في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وأتخذت من الخليج العربي مقراً لها وأرضاً لاستمرارها
وكيانها. (1/9)
صفحة 10
المقدمة
(ز)
وكانت هذه الفترة من حياة الإباضية في القرنين الثالث والرابع للهجرة - لذلك - موضوع دراستي.
وزاد من أهمية إختيارى لدراسة الإباضية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وهي الفترة التي تعالجها الرسالة -، أنه قام ارتباط عضوي واضح بين سكان الخليج العربي والإباضية تدعمت فيه أواصر الصلة التي بدأت معالمها بين سكان الخليج العربي والإباضية على امتداد القرنين الأول والثاني للهجرة، فقد كانت البصرة في تلك المرحلة الزمنية الأولى مركز إمامة الكتمان للإباضية». وتميزت بقيام رواد الإباضية في البصرة من أبناء عمان من الخليج العربي، ومن ثم جاءت معالجة الرسالة للإباضية في القرنين الثالث والرابع للهجرة دراسة للإباضية في مرحلة «إمامة الظهور»، وهو ما لم تتناوله الدراسات بالبحث المتكامل المستفيض.
وشهدت حركة الإباضية خلال القرنين الثالث والرابع للهجرة أحداثاً وتطورات جعلت الإهتمام بموضوع الرسالة ومجالها الزمني في القرنيين الثالث والرابع للهجرة. تلك الأحداث والتطورات الكبرى ما يلي:
ومن
أ - أن مصطلح الإباضية لم يظهر ولم يستخدم إلا في القرن الثالث الهجري، وقد قبل الإباضية أنفسهم استخدام هذا المصطلح دلالة عليهم بعد أن كانوا يطلقون هم على أنفسهم اسم «الشراة» و «جماعة المسلمين»، على حين أطلق عليهم اعداؤهم «القعدة». وكان شيوع مصطلح الإباضية في القرن الثالث الهجرى نقطة انطلاق في حياة هذه الفرقة ليست في الخليج العربي فحسب، بل في علاقاتهم الخارجية.
اسم
ب وحفلت تلك التطورات أيضاً فى حياة الإباضية منذ القرن الثالث الهجرى بأحداث هامة فى نشاطها وكيانها، ومنها انتقال مركز الإباضية من البصرة في القرن الثالث الهجرى إلى عمان، ذلك أن البصرة أصبحت مكاناً غير آمن للدعوة الإباضية (1/10)
صفحة 11
المقدمة
(ح)
بسبب ما تعرضت له تلك المدينة من أخطار متلاحقة تمثلت في ثورة الزط (1) وثورة الزنج (2)، وأخيراً حركة القرامطة.
ج استطاعت الإباضية أن تسهم في الأحداث والتطورات التي وقعت في القرنين الثالث والرابع للهجرة من مركزها الجديد في عمان وأن تتابع في ظل «إمامة الظهور الانطلاق وإثبات كيانها في العالم الإسلامي، وهو الكيان الذي ما زال قائماً إلى اليوم، في مهده الخليج العربي، حيث كانت الدولة الرستمية قد زالت من بلاد المغرب في أواخر القرن الثالث الهجرى.
ولقد سار منهج البحث على اتباع أسلوب الدراسة والاستقصاء والتحليل والمقارنة لكل المصادر والمراجع التي تم العثور عليها بمختلف اتجاهاتها وتنوع بروح علمية بعيدة عن الهوى والتعصب، ووثقت النتائج مؤيدة بالأدلة والأسانيد قدر جهدى، أملاً في أن يتدارك أهل العلم ما جاء في هذا البحث من
مذاهبها
نقص أو خطأ إحقاقاً للحق، وتطويراً لهذا البحث للانتفاع به خير انتفاع.
أما صعوبات البحث، فتمثلت فى ندرة المادة التاريخية عن الإباضية أولاً، وندرة المصادر السياسية عن الحركة الإباضية ثانياً. لذا كان الاعتماد على المخطوطات التي ألفها كتاب الإباضية، ولحسن الحظ أن الكثير منها قد وثق في كتب حديثة في أيامنا المعاصرة مما يسهل الحصول على المعلومات المطلوبة عن الدعوة الإباضية ونشاطها في القرنين الثالث والرابع للهجرة، هذا فضلاً عن الحوليات
(1)
وهي فتنة حدثت من عناصر هندية هددت مركز الخلافة العباسية انتهزت فوضى النزاع بين الأمين والمأمون وقامت بفتنة واستقلوا ببلادهم وهزموا عسكر المأمون (الطبرى 257/ 10) (2) حركة الزنج من الحركات المارقة، وهى تنسب للزنج الذين كانوا يعيشون في البصرة واستغلهم علي بن محمد (صاحب الزنج فى حركة كان يرمي بها إلى تحقيق اطماعهم في السيطرة على البصرة والكوفة والسيطرة على الخليج العربي (انظر: حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلامي السياسي والديني، ج 3، ص 209) (1/11)
صفحة 12
المقدمة
(ط)
كتب التاريخ العام التي تناولت تلك الفترة أيضاً بالدراسة
•
وزاد من صعوبات البحث تباين وجهات النظر واختلاف الآراء حول نشأة ومذهب ومبادئ الإباضية بطريقة جوهرية، حيث كان لكل رأى وجهة نظر مؤلفاته و أسانيده، التي تطلبت مزيداً من الوقت لدراستها دراسة وافية، ونقدها النقد السليم البناء القائم على الأسانيد والإثباتات في سبيل الوصول للحقيقة.
وقد اعتمد البحث - في هذه الرسالة - على المصادر الأصلية، واستخلاص المادة العلمية التي توضح جوانب الدراسة وذلك في ضوء المناقشة والتحليل
والمقارنة.
والمصادر التي أفاد منها البحث كثيرة ومتعددة منها المخطوط، ومنها المطبوع، ومن أهمها ما يلى:
من المصادر المخطوطة نجد مخطوطة «كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة» لسرحان بن سعيد الأزكوى عاش فى القرن (12 هـ / 18 م)، وهو مخطوط بمكتبة معالى السيد محمد بن أحمد. بن سعود البوسعيدي برقم 571. وهذا المخطوط أورد أخباراً هامة عن الإباضية، فتناول نشأة الإباضية وسير أئمة الظهور» وغير ذلك من أخبار هامة ونادرة عن الإباضية.
ويعتبر
هذا المخطوط من أهم مصادر الإباضية، وقد استفاد البحث كثيراً من الأخبار والمعلومات التي أوردها صاحب هذا المخطوط والتي كانت لها أهمية خاصة في هذا البحث، خصوصاً عند الحديث عن بداية نشأة الإباضية، وعند دراسة الأسس والمبادئ التي قامت عليها الإباضية كفرقة مستقلة فيما بعد فضلاً عن نشاطها في القرنين الثالث والرابع للهجرة. (1/12)
صفحة 13
المقدمة
(ك).
ومن المصادر الأساسية: كتاب تاريخ أهل عمان» لمؤلف مجهول، تحقيق د. سعيد عبد الفتاح عاشور) وزارة الثقافة، مسقط (1986 م). وقد أفاد البحث من هذا الكتاب إفادة كبيرة حيث إنه تناول تاريخ عمان منذ دخول الإسلام فيها وشرح الكثير من الأحداث التي تخص تاريخ عمان خصوصاً أثناء فترة الحكم الإباضي
لعمان.
واعتمد البحث كذلك على مراجع منها كتاب «إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء» لمؤلفه سالم بن حمود بن شامس السيابي مسقط 1982 م). وهو أيضاً صاحب کتاب «عمان عبر التاريخ» وكذلك هو مؤلف كتاب «طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي». وقد استفاد البحث من هذه الكتب خصوصاً كتاب إزالة الوعثا اء عن أتباع أبى الشعثاء، الذي يلقى الضوء على نشأة فرقة الإباضية، ويتناول معلومات قيمة عن رواد الإباضية وسيرهم، ويوضح موقف المذهب الإباضي من بقية المذاهب الأخرى.
واعتمد البحث أيضاً على مراجع حديثة منها كتاب: «قيام دولة الأدارسة بالمغرب قيامها وتطورها حتى منتصف القرن الثالث الهجرى» للأستاذ الدكتور حسن علي حسن.
كما أفاد البحث من هذا الكتاب أثناء تناوله فصل العلاقات الخارجية حيث إن مؤلف الكتاب المذكور أتبع فيه طريقة جديدة جديرة بالتقليد، هذا إضافة إلى
المعلومات المستفيضة عن رواد الإباضية وطريقهم في إنشاء الدول المستقلة
واستفاد البحث أيضاً من كتاب «عمان في فجر الإسلام» للدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف (الطبعة الثالثة) (1989، سلطنة عمان ويتناول هذا الكتاب بداية نشأة الفقة الإباضي ودراسة سير رواد الإباضية، وكذلك أفكار وآراء علماء (1/13)
صفحة 14
المقدمة
(ل)
إباضية عمان بعد عزل الإمام الصلت إلى سقوط الدولة الإباضية الثانية في عمان على أيدى الجيوش العباسية في القرن الثالث الهجرى (280 هـ / 893 م).
وقد أفاد هذا الكتاب الرسالة في جوانب مهمة خصوصاً في نشأة الإباضية، وأفكار وآراء علماء الإباضية بعد افتراقهم سنة 280 هـ (القرن الثالث الهجرى) وظهور فرقتين، تختلفان فى الرأى وهما فرقة أو حزب «نزوى» وفرقة أو حزب «الرستاق».
واعتمد البحث أيضاً على كتاب نشأة الحركة الإباضية» للدكتور عوض خليفات (الأردن (1978). ويتناول هذا المرجع الأصول التاريخية للإباضية وطور كتمان الدعوة وبداياتها، وقد شرحها وبينها بدراسة مستخلصه بين فيها الخطوات التي اتبعها رواد الإباضية في سبيل المحافظة على دعوتهم وتطورها في مرحلة الكتمان والتخفى وراء التقية الدينية والإجراءات المشددة حتى لا يفضح أمرهم. واستفاد البحث من هذا الكتاب في توضيح ودراسة الأصول التاريخية لفرقة الإباضية، والمجالس التي كانوا يعقدونها أثناء فترة كتمان الدعوة.
وقد اقتضى معالجة ودراسة موضوع «الإباضية في الخليج العربي خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين» تقسيم الدراسة إلى مقدمة، وأربعة فصول وخاتمه وثبت لأهم المصادر.
وقد تناولت المقدمة أهمية، الموضوع وسبب اختياره، والمنهج الذي اتبع في دراسته، مع توضيح لأهم المصادر التي أفاد منها البحث.
أما الفصل الأول: وعنوانه: عوامل انتشار المذهب الإباضي في الخليج
العربي». (1/14)
صفحة 15
المقدمة
(م)
تضمن ثلاثة عناصر رئيسة هي:
أ - التوطئة وتناول فيها الباحث التعريف بجغرافية الخليج العربي، وتوضيح أهمية منطقة الخليج العربي في الدولة الإسلامية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ب نشأة فرقة الإباضية في البصرة - حاضرة الخليج العربي». وتتناول بدايات ظهور الفكر الإباضي في البصرة بعد الفتنة الكبرى، وظهور الحركات المناوثة للدولة الأموية، و التي انبثقت منها الحركة الإباضية، مع تبيين حقيقة تسمية أتباع جابر بن زيد بالإباضية. ويتناول سير رواد الإباضية، وبخاصة جابر بن زيد المؤسس الحقيقى للفقه الإباضي، إضافة إلى لسان الإباضية عبد الله بن إباض.
جـ - تجاوب أهل الخليج العربي مع مبادئ الإباضية».
ويتناول بالدراسة والتحليل أهم العوامل والدوافع التي حملت أهل الخليج العربي على التجاوب مع مبادئ الإباضية، وتنوعت هذه العوامل والدوافع، فمنها ما كان يخص طبيعة أهل الخليج أنفسهم، ومنها ماكان يخص الحركة الإباضية نفسها سواء فكر، وفقه ومبادئ تلك الحركة أم ما كان يتجلى من صفات وذكاء ودهاء رواد الإباضية.
الفصل الثاني: وعنوانه: «قيام الإمامة الإباضية في الخليج العربي،
ونشاطها خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين».
وقد اشتمل هذا الفصل على ثلاثة عناصر رئيسة هي:
ا - «مقدمات الكيان السياسي عند الإباضية».
يبين المبادئ والأسس التي استند إليها رواد الإباضية في بناء دعوتهم، (1/15)
صفحة 16
المقدمة
(ن)
كل
و اعتمادهم فيها على السرية التامة والتقية الدينية، مع إجادة الإفادة من الظروف التي أحاطت بهم في منطقة الخليج العربي الاجتماعية، و السياسية وحتى الجغرافية) لخدمة أهداف دعوتهم والعمل على تحقيق هدفهم الأسمى، وهو إقامة
«إمامة الظهور».
2 - «قيام الإمامة الإباضية في بلدان الخليج العربي وبخاصة في عمان». ويتناول هذا العنصر قيام إمامة الظهور في عمان، وما صاحب ذلك من ترتيب للأئمة الذين تولوا الحكم بعمان في القرنيين الثالث والرابع الهجريين، وأهم الأحداث التي دارت رحاها أثناء تولى كل منهم دفة الحكم في عمان.
«أزمة الحكم الإباضى عند أئمة الظهور في عمان».
وهى الأزمة التي اتخذت مظهرين هما:
أ - «أزمة الحكم الإباضي في عمان بعد خلع الإمام الصلت «سنة
280 هـ / 893 م:
وتتناول فترة التوتر السياسى واضطراب الأمور في عمان، والذي اقترن بانقسام أهل عمان وتفرق كلمتهم، مما أدى إلى تصدع صرح الحكم الإباضي وتقويض أركانه في عمان خلال القرن الرابع الهجرى وهو الأمر الذي انتهى بدخول القوات العباسية عمان وفرض السيطرة عليها، بل وتدمير الكثير من قواعد البنية الأساسية فيها، وعودة عمان أخيراً إلى عصور الفرقة والضعف والانقسام والظلام.
ب «انقسام أهل عمان بعد سقوط الإمامة الإباضية الثانية سنة 280 هـ/893 م» ويتناول هذا الجزء، انقسام أهل عمان بعد سقوط الإمامة الإباضية على أيدى القوات العباسية (سنة 280 هـ / 893 م) ودخول العمانيين في (1/16)
صفحة 17
المقدمة
(ع)
جدل فيما بينهم مما أدى إلى ظهور حزبين كبيرين في عمان هما: 1 - حزب أو فرقة النزوانية (نسبة إلى مدينة نزوى بعمان): وهو الحزب المؤيد لعزل الإمام الصلت بن مالك. 2 - حزب أو فرقة الرستاقية) نسبة إلى مدينة الرستاق بعمان): وهو الحزب المعارض لعزل الإمام الصلت بن مالك.
وكان لكل حزب أو فرقة أفكار وآراء خاصة حول قضية عزل الإمام الصلت
بن مالك (سنة 273 هـ / 886 م) وعقد الإمامة لراشد بن النظر.
وتم في هذا العنصر طرح ومناقشة كل الأفكار التي دارت حول هذه القضية. الفصل الثالث: ويعالج: «أثر الإباضية في حياة أهل الخليج العربي الفكرية
والثقافية والاقتصادية والاجتماعية».
وقد تناول هذا الفصل أثر الإباضية في حياة أهل الخليج العربي الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية أيضاً، وتطرق البحث إلى شرح مفهوم إباضية عمان المصطلح المذهب الإباضي)، ومصطلح الخلافة عند المسلمين. وكذلك دراسة الأصول العقائدية عند الإباضية مع توضيح دور الاقتصاد العماني في دعم الدعوة الإباضية، وكذلك الموروث والمنابع الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية للإباضية.
أما الفصل الرابع والأخير فيبحث في العلاقات الخارجية للإباضية».
ويدرس هذا الفصل علاقات الإباضية في الخليج العربي، وذلك من حيث الروابط بين إباضية البصرة وإباضية عمان وكذلك العلاقات بين إباضية الخليج العربي «عمان» مع إباضية شمال وشرق أفريقيا، ومصر،، وكذلك العلاقات مع الهند والصين وسيلان واندونيسيا وجزر الملايو وجزر المالديف واللكاديف والبحرين. مع (1/17)
صفحة 18
المقدمة
(ف)
توضيح الدور الكبير لإباضية الخليج العربي وبصفة خاصة «إباضية عمان» في نشر الدعوة الإسلامية وتعاليمها خصوصاً في بلدان الشرق الأقصى.
وأخيراً خاتمة البحث، وفيها يسجل البحث أهم النتائج التي توصل إليها
والقضايا التي اشتمل عليها
وإني لأرجو.
-
•
من خلال هذا البحث - أن أكون قد وفقت إلى الصواب، وأن
يكون هذا البحث إسهاماً منى للباحثين عند دراسة فرقة الإباضية وإقامة كيانها
السياسي في الخليج العربي، وأن لا يحرمنا الله
-
سبحانه وتعالى - جزاء هذا العمل فى الدنيا والآخرة، وأن يجازى من عاوننا فيه خير الجزاء، إنه نعم المولى
ونعم النصير. (1/18)
صفحة 19
الفصل الأول
عوامل انتشار
المذهب الإباضي
في الخليج العربي (1/19)
صفحة 20
الفصل الأول
(2)
توطئة
الفصل الأول
عوامل انتشار المذهب الإباضي في الخليج العربي
اولاً: نشاة فرقة الإباضية فى البصرة - حاضرة الخليج العربي. ثانياً: تجاوب اهل الخليج العربى مع مبادئ الفكر الإباضي. 1 - انتماء رواد الإباضية لقبيلتي تميم والأزد المنتشرتين في منطقة الخليج العربي والبصرة.
2 - رفض الإمامة الإباضية شرط «القرشية» في الإمامة ومطالبتهم بخلع الإمام إن فقد أى شرط من الشروط الأخرى للإمامة. - إعجاب أهل الخليج العربي بقوة المناظرة والبراعة في الجدل
-
-
وفصاحة اللسان عند الإباضية.
- الزهد وشدة التدين عند فقهاء الإباضية
- عدم رضا أهل الخليج العربي عن حكم غير أبناء بلدهم لهم
واستعدادهم الدائم للثورة.
6 اشتراك الإباضية في التأثير بأسباب ودوافع الخروج على الخلفاء
في دمشق وبغداد.
- عزلة قبائل الخليج العربي، واحتفاظ غالبية أفراد تلك القبائل بالطبائع البدوية.
- طباع سكان مناطق الخليج العربي في الاندفاع والحماسة
-
والشجاعة إلى حد التهور، والمغالاة إلى حد التطرف.
التطرف الجغرافي للخليج العربي وبعده عن السلطة المركزية
للدولة الإسلامية. (1/20)
صفحة 21
الفصل الأول
توطئة
(3)
أهمية منطقة الخليج العربي في الدولة الإسلامية سياسيا واقتصادياً
واجتماعياً،
: «
وصف الخليج العربي: الخليج العربي هو ذراع طويل من المحيط الهندي ربطه بعدة دول، كانت بدون هذا الخليج منقطعة عن العالم، كما يعتبر الخليج العربي منفذاً لمناطق واسعة بالجزيرة العربية كانت - لولاه - معزولة تماماً.
وقد اكتسب الخليج العربي أهمية خاصة منذ القدم، وهي الأهمية التي فرضتها طبيعته الجغرافية في منطقة المعبرين بين المشرق والمغرب، بل وفي ساحة الاحتكاك بين عدة حضارات نشأت فيما بعد على أرض الهند وفارس وبلاد الرافدين، تلك الطبيعة الجغرافية التي جعلت الباحث الفرنسى «جان جاك بيري» يقول عنه: إنه قلب الشرق الأوسط جغرافياً وبابه السحري، وصندوقه الذهبي الرائع الذي يسيل له اللعاب (1)
والخليج العربي لا ينعم بهذا الموقع الممتاز في قلب العالم القديم من فراغ فهو امتداد للمعبر البرى المشهور باسم الهلال الخصيب الواقع بين نطاق جبال زاجروس – طوروس شرقاً، وهضبة بلاد العرب في الجزء الغربي (2)، ثم إن هذا الخليج يقع على الحدود الجنوبية والشرقية لشبه جزيرة العرب التي هي نقطة الانطلاق للإسلام، ومصدر انضمام أهم الأقطار الجغرافية المجاورة لحكم الإسلام (3).
،
(1) جان جاك بيرى، الخليج العربي تعريب نجده هاجر وسعيد الغز. ص 21 (بيروت - 1959 م). (2) سليمان العسكرى، التجارة والملاحة في الخليج العربي في العصر العباسي ص 5 (طبعة
المدنى، القاهرة) (3) موريس لومبارد، الجغرافيا التاريخية للعالم الإسلامي، ترجمة عبد الرحمن حميدة ص 8 (دار
الفكر، دمشق). (1/21)
صفحة 22
الفصل الأول
وكان للخليج العربي دور استراتيجي مهم عبر عصور التاريخ المختلفة.
(4)
ويشتمل الخليج العربي على مساحة كبيرة تقدر بسبعة وتسعين ألف ميل
أي ما يعادل خمسين ومائتي ألف كيلو متر مربع، وهي مساحة مغمورة بالمياه
ويبلغ طول هذا الخليج ثمانمائة كيلو متر، ويتراوح عرضه ما بين تسعين ومائتي كيلو متراً في قسمه الجنوبي، وسبعة وأربعين كيلو متراً عند مضيق هرمز (1)
ومياة الخليج ضحلة، وظاهرة المد والجزر توجد بوضوح على شواطئه (2) والجانب الشرقى للخليج عبارة عن ساحل ضيق تليه سلاسل جبلية عالية نسبياً، تابعة لجبال زاجروس، وإن كانت تبدو كأنها امتداد لسلاسل جبال قفقاسية وأرمينية الموزعة في اتجاهات مختلفة. بينما يتكون الساحل الغربي للخليج الملاصق لشبه الجزيرة العربية من سلاسل جبلية قليلة الارتفاع، وهو ساحل كثير التعرج. بينما يحد الخليج من الشمال منطقة سهوب رسوبية حديثة التكوين، وهي سهوب
ساحلية ضيقة تشكل امتداداً لمنطقة سهوب بلاد الرافدين بجنوب بلاد العراق (3)
4
"
وتتأثر منطقة الخليج بالرياح القارية التي تهب عليها ولا تحول السلاسل الجبلية، وبخاصة الشمالية منها دون هبوب الرياح الشمالية وتقدمها. ويهب على المنطقة نوعان من الرياح: الرياح الشمالية، وهى صيفاً حارة جداً تتأثر بها المناطق الشمالية من الخليج، أما في المناطق الجنوبية فإن هذه الرياح تكون أقل حرارة. وينعكس الحال في فصل الشتاء حيث تكون هذه الرياح شديدة البرودة. كذلك تهب على الخليج رياح جنوبية شرقية شديدة الرطوبة صيفاً، دافئة شتاء تسمى عند أهل
(1) قدري قلعجي، الخليج العربي جدا ص 46 (دار الكتاب العربي).
(2) مصطفى مراد الدباغ، جزيرة العرب جـ 2.
ص
97
(3) قدرى قلعجي، المرجع السابق ج 1 ص 27 و 28. (1/22)
صفحة 23
الفصل الأول
(0)
الخليج باسم (رياح الكوس).
أما معدل الأمطار التي تتساقط على منطقة الخليج قليلة، حيث يبلغ المعدل السنوى ثلاث بوصات (1). وتتباين درجات الحرارة بمنطقة الخليج العربي حيث تبلغ
46 درجة مئوية صيفاً و 4 درجة مئوية شتاء.
والخليج العربي باعتباره امتداداً للمحيط الهندى حقق للدول المطلة عليه
أهمية استراتيجية من حيث ربطها بالعالم بحراً وتمتعها بمنافذ بحرية حيوية مهمة بالإضافة لتوسط الخليج العربي جميع الخطوط البحرية والجوية الرئيسية، وهو بحق قلب الشرق الأوسط جغرافيا (2)
•
وساد منطقة الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين العنصر العربي، وكانت منطقة البحرين آهلة بأبناء عبد القيس، وبكر بن وائل، وتميم (3). بينما
اتصف أهل عمان بالقناعة والنحافة والطعام القليل (4)
(3)
واشتغل معظم سكان منطقة الخليج العربي بالغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وكذلك بالزراعة والتجارة والصناعة، وذلك قبل ظهور البترول في الخليج العربي. حيث اشتهرت بعض مناطقه مثل البحرين بخصوبة التربة ووفرة المياه الجوفية - وهى
(1) مصطفى الدباغ، المرجع نفسه ج 2 ص 98 (2) أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي جـ 7 ص 411
ص
(3) ياقوت الحموي، معجم البلدان جـ 2. (4) المقدسي، أحسن التقاسيم لمعرفة الأقاليم
74 (الطبعة الأولى، القاهرة 1906 م).
ص
1.0 (1/23)
صفحة 24
الفصل الأول
(6)
قريبة من سطح الأرض - مما جعل استغلالها للزراعة يسير (1). واستخدمت هذه المياه في زراعة المحاصيل كالشعير، والحنطة، وزراعة أشجار النخيل، وبعض الفواكه مثل الرمان، والتين الأبيض، الخوخ، المشمش، الكمثرى، والليمون (2)، كما كثرت زراعة النخيل والأشجار بالبصرة (3)). بالإضافة إلى فواكه المناطق الحارة التي تكثر في عمان مثل الرمان والنبق (4)
وكانت موانيء الخليج العربى وفى مقدمتها البصرة وعمان وسيرفا تزدحم بالمراكب الوافدة والصادرة، حاملة معها الخير والمتعة والعلم (5). حيث كان ميناء سيراف أهم مراكز تجمع التجارة الشرقية في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي)، حيث كانت البضائع تنقل منه إلى البحر الأحمر (1
(6)
وساعد امتداد الساحل الشرقي للخليج العربي إلى مدينة تيزمكدان على أطراف بلاد السند حيث المصدر الرئيسي للتجارة الشرقية على أن يكتسب
،
الخليج العربي أهمية خاصة مع الأخذ في الاعتبار امتداد ساحله الغربي حتى خليج
عدن (7)
واشتهرت البحرين بتجارة اللؤلؤ، والبصرة بتجارة التمر والحناء (8)، بينما
(1) أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي جـ 7 ص. (2) خليفة بن أحمد النبهاني: المرجع السابق جا ص. (3) الغزويني: أثار البلاد وأخبار العباد ص 309 (4) أبو الفدا: تقويم البلدان.
ص
99
(5) قدرى قلعجي: المرجع السابق ج 1 ص 56
413
34
(6) إبراهيم أحمد العدوى: الإمبراطورية البيزنطية والدولة الإسلامية ص 76
(7) ابن رسته، الألام النفيسة ص 83، 88.
(8) المقدسي، المرجع السابق ص 115. (1/24)
صفحة 25
الفصل الأول
(V)
كان سكان عمان يشتغلون في صناعة المنسوجات كالثوب الهجرى نسبة إلى هجر، والثوب القطرى نسبة إلى قطر، وأصبحت هذه الأسماء على مر الزمن تدل على صفات الثوب لا على المكان الذي صنع فيه.
ويجمع الخليج العربي إليه إيضاً بلاد عمان التي صارت مركزاً هاما من مراكز نشاط الإباضية سواء في مراحلهم الأولى فى القرنين الأول والثاني للهجرة أم في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وهو موضوع الدراسة في هذا البحث.
وتطل عمان كغيرها من الأقطار الخليجية على البحر من جهة واليابس من جهة أخرى (1). وقال عنها ياقوت الحموي (2): إنها تقع شرق هجر بطول يبلغ أربعاً وثلاثين دقيقة وثلاثين درجة في الأقليم الأول، وعرض يصل إلى تسع عشرة
درجة وخمس وأربعين دقيقة، ومساحتها حوالي مائة وعشرين ألف ميل مربع. وأكثر أهل عمان إباضية، ليس بها من غير هذا المذهب إلا طارئ غريب ويقال أعمن الرجل أى أتى عمان، والعمن: هم المقيمون في عمان، وقال ياقوت:
سميت بعمان سبأ بن يغثان بن إبراهيم خليل الرحمن لأنه بنى مدينة عمان (3).
?
(مزونا) أو وكانت عمان تسمى في فترة من الفترات - قبل الإسلام (مازن)، وهذا اسم يعود في أصله إلى السومريين، وقيل إن الفرس هم الذين أطلقوا هذا الاسم على عمان. كما قيل إن الأزد أسمت (عمان) (عمان) لأن منازلها كانت على واد لهم بمأرب يقال له عمان فشبهوها به (4)
(1) عمر رضا كحالة، جغرافية شبه الجزيرة العربية ص 443.
(2) ياقوت الحموي، المصدر السابق ج 1 ص 343.
(3) ياقوت الحموي، المصدر السابق جا ص 215
•
(4) سرحان بن سعيد الأزكوى، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص 22، تحقيق عبد المجيد
حسيب القيس (الطبعة الثانية، سلطنة عمان 1986 م). (1/25)
صفحة 26
الفصل الأول
(A)
وتحيط الخلجان والبحار بعمان شمالاً وشرقاً وجنوباً، فعمان تطل على الخليج العربي، وخليج عمان، ثم بحر عمان وبحر العرب، وهما امتداد للمحيط الهندي، ولذا نبغ في عمان منذ القدم التجار المهرة والملاحون الحاذقون. ويرى البلاذرى أن عتبة بن غزوان حين فتح الأبلة كتب إلى عمر بن الخطاب يعلمه بذلك ويخبره أن الأبلة فرضة البحرين وعمان والهند والصين (1).
وبفضل موقع عمان الجغرافي، إضافة إلى نشاط أهلها، نشأت الحاضرة العمانية وازدهرت في ظل الإسلام ودخولها المذهب الأباضي كما تطلب موقعها الجغرافي من ناحية أخرى يقظة العمانيين والسهر لحمايتها من أطماع الطامعين (2) وقد أكسبها هذا الموقع أهمية عسكرية وتجارية كبيرة، مكنت العمانيين من المساهمة وبشكل كبير في الملاحة والتجارة، وبخاصة مع البلاد الواقعة على جانبي المحيط الهندي.
أما أهم المراكز التجارية والملاحية في عمان عند ظهور الإسلام هي: 1 - صحار: تقع على خليج عمان، وكانت عند ظهور الإسلام مركزاً تجارياً مهماً. كما كانت مركزاً لنسج الثياب الصحارية التي انتشرت في جزيرة العرب. وأصبحت صحار بعد الإسلام من أهم المراكز الرئيسية للملاحة والتجارة والإدارة، حيث إنها
كانت قصبة عمان، والمركز الرئيسى للتجارة مع البلاد المطلة على المحيط الهندى والميناء الرئيسى لسفن الصين، وكانت عامرة غنية مزدحمة بالسكان.
ب - مسقط: وهى ميناء على الخليج العربي تحيط بها جبال شاهقة، وهي ميناء
ص
249
6
(1) البلاذري، فتوح البلدان. (2) سيدة إسماعيل كاشف، عمان في فجر الإسلام صـ 11 (الطبعة الثالثة، سلطنة عمان
1989 م). (1/26)
صفحة 27
(9)
:
الفصل الأول
طبيعي ممتاز. ووصف المقدسى مسقط بأنها
أنها
«أول ما يستقبل المراكب اليمنية، ورأيته موضعاً حسناً» (1). وذكر البكرى مجمع المراكب التي تخرج من صحار (2). وتقع مسقط بالقرب من الشطوط التي يكثر فيها محار اللؤلؤ، ولذلك أصبحت مركزاً للغواصيين.
ب- دبا: وهى ميناء على الخليج (3). وتعتبر مركزاً تجارياً مهماً، يأتيها تجار من السند والهند والصين وأهل المشرق والمغرب. وبعد ظهور الإسلام ضعفت وطغت عليها صحار في الأهمية.
يتضح من ذلك الدور الحضارى المشرق للعمانيين في الملاحة والتجارة. كما كانت المصدر الرئيسي الذي يعمل فيه حوالى 80? من أهل البلاد. وقد ساعد على ذلك المساحات الواسعة من الأراضى الخصبة، والواحات التي تكثر بها الفاكهة، وبخاصة منطقة الباطنة، ووادى سحايل.
ومن أشهر المنتجات العمانية الحنطة والشعير والخضروات وقصب السكر وفواكه المناطق الاستوائية والعنب وجوز الهند.
أما
•
عن سكان عمان فهم كغيرهم من سكان الخليج العربي، يقترن تاريخهم بتاريخ بقية سكان شبه الجزيرة العربية، والتي استوطنها لأول مرة قبل الميلاد الكوشيون (يعتقد أنهم من المصريين، ولهم الفضل في المحاولات الأولية للملاحة والتجارة البحرية.
(1) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص 93
(2) الأصطخرى، المسالك والممالك ص
215
(3) عبد الرحمن عبد الكريم العافي، دور العمانيين في الملاحة والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع الهجرى ص 31 (الطبعة الثانية، سلطنة عمان 1986 م). (1/27)
صفحة 28
الفصل الأول
(1.)
ثم عاش الفينيقيون فترة طويلة قبل الميلاد في عمان، وكذلك استوطن عمان
الساميون، كما استوطهنا الأحباش قبل الإسلام. لكن سوء حكمهم جعل العرب
يستنجدون بالروم، ثم بالفرس في عهد كسرى أنوشروان (531 - 578 م) واستطاع الفرس بمعاونة أهل البلاد القضاء على الأحباش في اليمن ثم في عمان.
وعلى أثر انهيار سد مأرب - قبل الإسلام - تفرقت القبائل والبطون اليمنية
في أنحاء شبه الجزيرة العربية وفى أطرافها. وكان ممن خرج على عمان من الأزد مالك بن فهم، ومن أطاعه من قومه وعشيرته، وبعد حرب شرسة مع عامل الفرس على عمان، استطاع مالك بن فهم من تحرير هذه الأرض العربية من أيدى محتليها وبعد هذا الانتصار أخذت قبائل الأزد اليمانية تتوافد على
- حينذاك
عمان (1).
-
ولم يكن الأزد اليمانية هم وحدهم سكان عمان، بل سكنها بطون وقبائل من العرب العدنانية من بنى سعد وبنى عبد القيس وبن تميم وبني شيبان وبنى بكر وبني عبس، وكذلك سكنها أخلاط من الأعراب البدو، وسكنها قوم من الفرس،
فضلاً.
أخلاط عن من الناس.
،
(1) سيدة إسماعيل، كاشف، المرجع السابق ص 13. (1/28)
صفحة 29
(11)
الفصل الأول
أولا: «نشاة فرقة الإباضية في البصرة - حاضرة الخليج العربي»
ولدت فرقة الإباضية في مدينة البصرة - حاضرة الخليج العربي (1)، وفيها شبت ومنها أيضاً تفرعت وانتشرت». وهى إحدى الفرق الإسلامية الكبرى التي بدأ ظهورها أثناء التحكيم بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان في أعقاب معركة صفين سنة 37 هـ / 657 م إذ رفض نفر من جند على بن أبي طالب قبول التحكيم، وهم الذين عرفوا باسم الخوارج.
(1) تأسست البصرة سنة 14 هـ / 635 م على يد عتبة بن أبي غزوان، وهو أحد القادة المسلمين الذين بعث بهم الخليفة عمر بن الخطاب إلى جبهة العراق وفارس. وتطورت البصرة سريعا منذ ذلك الوقت بحث أصبحت حاضرة الخليج العربي. وتجمع تحت إمرتها مناطق الساحل الشرقي للخليج العربي حتى عمان، فقد جمع معاوية بن أبي سفيان لزياد ابن أبيه حكم البصرة، والبحرين وعمان سنة 45 هـ 665 م وكان يزيد بن المهلب يحكم العراق والمشرق بما في ذلك البصرة وأقليم الخليج العربي بما فيه عمان التي ولى عليها أخاه زياد، وظل زياد والياً على عمان بالخليج العربي منذ سنة 96 هـ / 715 م حتى نهاية دولة بني أمية، فيما عدا فترة خلافة الخليفة عمر بن عبد العزيز وفي عهد دولة بني العباس كان يتولى البصرة وأعمالها سليمان بن على عم الخليفة أبو العباس السفاح، وكان يجمع هذا الوالى العباسي إلى جانب البصرة وأعمالها البحرين وعمان حتى سنة 133 هـ / 752 م. واستمر هذا التقليد في الإدارة الخاصة بالبصرة باعتبارها حاضرة الخليج العربي في عهد أبي جعفر المنصور وابنه المهدى ثم الهادى وبداية عهد هارون الرشيد. وظل هذا النظام الإدارى بالبصرة باعتبارها - حاضرة الخليج العربي حتى قيام الإمامة الإباضية الثانية في عمان سنة 177 هـ / 794 م، قبل قيام القرن الهجرى بثلاثة وعشرين عاماً استقلت عمان بنفسها عن الخلافة العباسية وانتقال مركز الإباضية من البصرة إليها. انظر الطبري: تاريخ الرسل والملوك جـ 7. ص
459 و
ابن الأثير، الكامل في التاريخ جا ص 49، 94 و
، حيث
صالح أحمد العلى، التنظيمات الإدارية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجرى ص 36
(طبعة بيروت) (1/29)
صفحة 30
الفصل الأول
(12)
فرقتين: الصفرية (1)، والإباضية. والفرقة التي سميت بالإباضية ترجع في أصولها
(2)
إلى أتباع الفقيه جابر بن زيد العماني (2)، الذي لعب دوراً كبيراً في بلورة آراء وأفكار تلك الجماعة، بحيث أصبح هذا الفكر متميزاً عن غيره من المذاهب – رغم أنه - أى جابر) لم يحاول تأسيس مذهب خاص، فقد كان يدين بالدين الإسلامي ويتبع سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
حقيقة تسمية أتباع جابر بن زيد بالإباضية:
أما
عن تسمية تلك الفرقة - من أتباع جابر بن زيد ـ بالإباضية، فهي نسبة
(3)
إلى عبد الله بن إباض (3، الذي تعتبره الغالبية العظمى من المصادر غير الإباضية مؤسس المذهب الإباضي وذلك على العكس من المصادر الإباضية التي تعتبر جابر بن زيد هو المؤسس الحقيقى لتلك الفرقة، وهم على حق في ذلك وفي تأكيد إمامة جابر وأنه هو صاحب ومؤسس الفكر الإباضي. فحقيقة الأمر أن عبدالله بن إباض - بالرغم من أنه – أحد علماء وشجعان ودعاة الإباضية وهو المناظر والمجادل باسم أتباع جابر بن زيد، وبالرغم من أنه لا يقل في التقوى والورع والإصلاح والنزاهة عن جابر بن زيد إلا أنه لا يعتبر المؤسس الأول لتلك الفرقة وأنه تابع لجابر بن زيد المؤسس الحقيقي للفقه الإباضي
(1) هم أتباع زياد بن الأصفر، وظهروا سنة 65 هـ / 684 م ولهم موقف عقدى وسط بين الأزارقة المتطرفين والإباضية المعتدلين) فلم يكفروا العقدة عن القتال إذا كانوا موافقين في الدين والاعتقاد) (الشهرستاني: الملل والنحل ص 123) (2) تلقي جابر بن زيد بداية تعليمه في وطنه عمان، وحين أراد التخصص في علوم الشريعة رحل إلى البصرة حيث ملتقى العلماء والفقهاء، وتوفى في البصرة سنة 93 هـ، أو في سنة 96، أو في تاريخ بين هاتين السنتين. انظر السيابي السمائلي: إزالة الوعثاء عن
(3)
الإسلامية)
أتباع أبي الشعثاء ص
من
32 - 13
قبيلة تميم إحدى أهم قبائل البصرة آنذاك، وقد توفي قبل عام
100 هـ، والمصادر التاريخية
لا تذكر سنة وفاته بالتحديد
• (1/30)
صفحة 31
الفصل الأول
(10)
والباحث وراء السبب في عدم إظهار الإباضية لأسم الإمام جابر بن زيد منذ البداية، وإصرار جماعته على إخفائه أيام عبد الله بن إباض ثم ما تلاه من أيام أبي عبيدة مسلم التميمي يكمن في تفضيل أتباع تلك الفرقة أن تبقى الحركة سرية بقدر الإمكان وأن يبقى اسم مؤسسها وصاحب فكرها مستوراً حتى لا يبطش به الأعداء والولاة، نظراً لما لقيه أتباع الفرق المعارضة للدولة الأموية
واضطهاد وبطش.
عنت من
وشاع في عصر الدولة الأموية - بسبب ما أنزلته من اضطهاد بالخارجين عليها - إنتساب الفرقة إلى عبد الله بن إباض ولم ينسبوها إلى جابر بن زيد حتى لا يجذبون إليها الأنظار، وذلك بسبب مكانة جابر الفقهية الرفيعة وعلمه الواسع ومنزلته بين فقهاء البصرة، فنسبوا هذه الفرقة إلى عبد الله بن إباض الأقل منزلة من جابر في العلم والفقه، وهو أمر يجب أن يوضع موضع الاعتبار عند النظر إلى سياسة الدولة الأموية التي اعتمدت فى كثير من تصريفاتها للأمور السياسية على الحيل والدهاء والمكر السياسى الذى لا يضع أبطالاً من المعارضين لحكم الدولة الأموية. ويبدو أن الإباضية أنفسهم قد آثروا الصمت عن التسميات العديدة التي أطلقها عليهم غيرهم من الطوائف، حتى أن اسم الإباضية نفسه لم يتردد في مراجعهم الأولى التي كتبها كبار مشايخهم مثل: «مدونة أبي غانم الخراساني». وكتاب «الزكاة لأبي عبيدة» وغيرها، ولكن يبدو أنهم مع مرور الزمن وإصرار مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قد قبلوه به، وخصوصاً أنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أو يسيء إليهم، وقد ظهر لأول مرة في المؤلفات الإباضية المغربية في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري (1)
(1) عوض خليفات، الأصول التاريخية للفرق الإباضية ص 12) الطبعة الثالثة - سلطنة عمان) (1/31)
صفحة 32
الفصل الأول
(16)
وهناك احتمال لابد من أخذه في الاعتبار، وهو المكانة العزيزة لجابر بن زيد وتأثيره الشخصي في الرأى العام، والخوف عليه من بطش الأعداء، إن هو ظهر إمام دولة ليست سلهة فى مجابهة معارضيها كالدولة الأموية. ولذا كان حرص الإباضية على إخفاء دور جابر بن زيد فى الفرقة وقيادته لها، ولذا فإن استمرار الإباضية في قبول تسمية الأمويين لهم نسبة لعبد الله ابن إباض، كان له أسبابه ودواعيه الأمنية من الجانب الإباضي غير أن هناك حقيقة لا يجب إغفالها، وهى حقيقة ترتبط بشخصية عبد الله بن إباض وقدرته على المجادلة والمناظرة ووضوح حجته في عرضها أمام مخالفيه في نفس الوقت الذي تزايدت فيه الإشاعات والأقاويل حول إرهاب الخوارج وإشاعتهم للفزع بين المسلمين، فكان لابد أن تنفى الإباضية عن نفسها تهمة التصاقهم بالخوارج أو انخراطهم في زمرتهم وتنزيه فكرهم عن فكر الخوارج المتطرف وتوضيح حقيقة أفكارهم حرصاً على أتباعهم من ناحية، وحفاظاً على قوة الجذب الكامنة في فكرهم باعتباره فكرا معتدلاً يهدف إلى أن تقوم الدولة الإسلامية في حكمها على قواعد الشريعة الإسلامية والسنة النبوية العطرة، التي لم تشوبها شائبة من أمثال تلك المظاهر الغريبة التي وفدت على
الدولة الإسلامية من شعوب الأقاليم التي فتحها المسلمون من ناحية أخرى.
وهكذا ظهرت الحاجة الشديدة لمتحدث شديد المراس، قادر على عرض أفكار الفرقة بطريقة جيدة واضحة مقنعة، الأمر الذى تطلب ترشيح شخص مناسب من الفرقة الإباضية، فوقع اختيار فقهاء وكبار الفرقة على عبد الله بن إباض باعتباره أجدر من يقوم بتلك المهمة، لما يتمتع به من فقه وعلم وإفصاح ونزاهة ومقدرة فائقة على المجادلة والمناظرة، لذا كان ابن إباض هو المؤهل للقيام بمهمة الدعوة، خصوصاً أنه ينتمى إلى قبيلة تميم، إحدى قبائل البصرة الكبرى آنذاك، ومن الصعب على الولاة أن يتعرضوا له بأذى خوفاً من غضب قبيلته. وهى ملاحظات توضحها (1/32)
صفحة 33
الفصل الأول
(17)
الأقوال التي جاءت في الخطبة الشهيرة التى ألقاها عبد الله بن إباض مجادلاً عبد
الملك بن مروان والتي جاء فيها: «أما بعد وكتبت إلى تحذرني الغلو في الدين
سن
.
،
وأني أعوذ بالله من الغلو في الدين، وسأبين لك ما الغلو في الدين إذ جهلته فإنه ما كان يقال على الله غير الحق، ويعمل بغير كتابه الذي بين لنا، وسنة نبيه التي كما فعل عثمان والأئمة من بعده، وأنت على طاعتهم تجامعهم على معصية الله وتتبعهم، وقد اتبعوا أهواءهم ... فهؤلاء أهل الغلو في الدين ... إنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق (1) وأتباعه من الناس، لقد كانوا على الإسلام فيما ظهر لنا حين خرجوا، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إسلامهم، فنبرأ إلى الله منهم .... فإنك كتبت إلى أن أكتب إليك بجواب كتابك، وأجتهد لك في النصيحة، وكان حقاً على أن أنصح لك .... أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله
عليه وسلم - لتحلوا حلاله وتحرموا حرامه ولترضوا بحكمه» (2)
ويتضح من دراسة تلك الرسالة وتحليل ما جاء فيها ما يلى:
-1
أن عبد الله بن إباض قد خاطب عبد الملك باسمه مجرداً دون أن يلقبه
بأمير المؤمنين أو خليفة المسلمين، ورغم ذلك فإن عبد الملك لم يتخذ أية إجراءات بشأنه)، ولا تورد المصادر عن أى توتر بين الطرفين (3). وهذا دليل على أن ابن إباض الذي ينتمي إلى قبيلة تميم كان آنذاك. يحتمى بالقبيلة مما جعل اضطهاده أمراً صعباً، خصوصاً أنه لم يحمل سيفا أو يجر سلاحا ضد الحكام الأمويين، رغم أن
(1) نافع بن الأزرق هو رأس فرقة الخوارج الأزارقة. (2) ابن حميد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية. ص 134، 137، و
سالم بن حمود، إزالة الوعثاء ص 86 إلى 101.
(3) أو على الأقل لم يقع في أيدنا ما يثبت أن عبد الملك قد أوقع الأذى بابن إباض أو أحداً من أهله
في أعقاب تلك الخطبة الشهيرة. (1/33)
صفحة 34
الفصل الأول
(18)
الأمويين لم يكونوا بتلك السهولة في تعاملهم مع معارضيهم بل على العكس من
ذلك فإنهم لم تأخذهم في كثير منهم شفقة ولا رحمة.
،
2 - أن عبد الله بن إباض قد فند رأى عبد الملك بن مروان حول دلالة الغلو وبين حرصه القوى على التمسك بالإسلام الذي سلكه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون، وبين أن المسلم المؤمن هو الذي يطبق دون إفراط كتاب الله وسنة رسوله، مخالفاً في ذلك الدعوة إلى الغلو التي نادى بها ابن الأزرق وجماعته في تطبيق التعاليم الإسلامية ومخالفاً أيضاً في الوقت نفسه بني أمية الذين جرفتهم مفاتن الدنيا (في رأي ابن إباض على الأقل)، وتركوا حكم الله وفارقوه، فقال عبد الله بوضوح وصراحة: فاتق الله يا عبد الملك ولا تخادع
نفسك في بني أمية وسيرتهم» (1).
3 - أعلن عبد الملك بن أباض رأيه الصريح في سيرة عثمان رضي الله عنه، وبني أمية، ومؤكداً اعتراضه على سيرة الخليفة الراشد في أخر أيام خلافته، ولم يكن ذلك شاذاً ولا خارجاً من الإباضية فقد حدث أن اعترض كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - على سياسة عثمان التي اتبعها بعد ست سنوات من توليه الخلافة، خصوصاً في تبديل الولاة وأسباب اختيارهم، وإغداق الأموال على أقاربه، وقد عرض ابن إباض قاصداً بالطبع في رأيه هذا إلى وجهة نظر الإباضية في هذه المسألة. ومن ثم فليس معنى اعتراض البعض (الإباضية) على تصرفات خليفة راشد أن يكونوا قد خرجوا على ملة الإسلام، أو إنتقض ذلك من عقيدتهم، فلم يكن هذا بالطبع رأى الإباضية وحدهم في سيرة عثمان رضى الله عنه، وبالتالي فإن معظم كتب الإباضية لا تتجاوز هذا الرأي في سردها لآرائها تجاه
(1) ابن حميد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية ص ص 134، 137 (طبعة عمان). (1/34)
صفحة 35
الفصل الأول
(19)
سيرة الخلفاء الراشدين.
الله عنه
"
ومن الواضح أن عصر الفتنة الكبرى، إبان خلافة على بن أبي طالب رضى قد شهد خليطاً من الأوضاع ومزيجاً من الأحداث جعلت الأمور أمام الفرق المختلفة غير واضحة المعالم ولا بيئة التفاصيل، الأمر الذي إنعكس بشدة على التصورات الفكرية والعقائدية للفرق الإسلامية بعد ذلك، إلا أن الإباضية في كل مؤلفاتهم تقريباً، كانوا أكثر هذه الفرق تعقلاً في إبداء آرائهم فعلى الرغم من شدة هجومهم على الدولة الأموية وهذا ليس بمستغرب على نشأة الفرقة ودواعى مقاصدهم وشدة هجوم الأمويين عليهم. إلا أنهم كانوا شديدي التعقل في آرائهم في ولاة الأمر، وبخاصة مسألة خلافة عثمان رضى الله عنه، فلم يجرحوا هذا الخليفة كما جرحته فرق كثيرة، ولم يشككوا في خلافته كما فعلت أيضاً فرق كثيرة. وهذه نقطة تحسب للإباضية وتزيد من رصيدهم باعتبارهم إحدى الفرق الإسلامية الأصلية، وأتاحت لهم تحقيق مآربهم في الخليج العربي على امتداد القرنين الثالث والرابع للهجرة.
4 - وأخيراً يظهر موقف الإباضية الصريح من رفض غلاة الخوارج، حيث قال ابن إباض في جلاء: «أما زعيم الخوارج - ابن الأزرق – فنحن نتبرأ منه لغلوه
•
وتشدده، وإفراطه في الأحكام، حين حكم في المسلمين المذنبين بالكفر!!» (1) وهذه الجملة تحدد التطور الفكري لفرقة الإباضية من جماعة الخوارج وأفكارها ولا سيما من حيث حكمها على المسلمين بالكفر، واستحلالهم دماء المسلمين. ومن ثم يعلن ابن إباض إنضمامهم (أى) الإباضية إلى الركب الأسلامي في نفوره من الغلو في فكر الخوارج، والالتزام بالاعتدال في الفكر الذي شهده التاريخ الحضاري
(1) ابن حميد الحارثى، العقود الفضية في أصول الإباضية ص 137 (1/35)
صفحة 36
الفصل الأول
(20)
للإسلام منذ نشأته.
ويلاحظ أن هذه الرسالة تشكل واحدة من أهم الأسس التي يقوم عليها
التطور الفكرى لفرقة الإباضية وتجنبها تهمة الخروج على الإسلام.
(1)
جابر بن زيد العماني: «المؤسس الحقيقى للفرقة الإباضية»: تستمد آراء وأفكار عبد الله بن إباض أصولها وينابيعها من جابر بن زيد العماني (1)، الذي يعتبر المؤسس الحقيقى للفكر الإباضي. وهو جابر بن زيد الأزدى الجوفى البصرى، أو أبو الشعثاء نسبة لابنته: من قبيلة اليحمد الأزدية في عمان، وقد عرف بالجوفى نسبة إلى درب الجوف في البصرة حيث استقر مع أسرته فيما بعد، وقد ولد في فرق من أعمال نزوى في عمان
(2)
أما السنة التي ولد فيها فلا تعرف على وجه التحديد، وتعطى المصادر تواريخ مختلفة، إلا أنها كلها محصورة بين عامى 18 و 22 هجرية (639 م - 641 م)، وترجح سنة 21 هـ 640) (3). كما لا تذكر المصادر أيضاً تاريخاً لقدومه إلى البصرة، ويبدو أنه جاء في وقت مبكر من حياته طلباً للعلم حيث كانت البصرة آنذاك أهم مركز فكرى في العالم الإسلامي، واستقر بين أقاربه من الأزد الذين سكنوا أحد أحياء البصرة.
وقد كان جابر يكنى بابنته الشعثاء»، والتي لا يزال قبرها معروفاً في مدينة «فرق» في عمان إلى الآن، وأما الوعثاء في أصلها اللغوى فهى المشقة
(1) انظر ما سبق عن جابر بن زيد.
(2) سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 1 (3) نور الدين السالمي اللمعة المرضية من أشعة الإباضية ص 8 الطبعة الثانية، سلطنة عمان
1983 م). (1/36)
صفحة 37
الفصل الأول
والجهد (1)
(21)
(2)
ويروى عنه أنه قال: «أدركت سبعين بدرياً، فحويت ما عندهم من العلم» (2) وفي القول دلالة على أن جابر قد أخذ عن مجموعة من الصحابة ممن عايشوا ورافقوا الرسول صلى الله عليه وسلم ونقلوا عنه علمه وسنته الشريفة، وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود،، وأنس بن مالك،، وغيرهم كما أخذ عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها. إلا أنه كان أكثر ملازمة لعبد الله بن عباس من غيره، فكان أنجب تلاميذه، وكان عبد الله
بن عباس يقول عنه:
«لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً في كتاب الله» (3) وفي رواية أخرى عبد الله بن عباس كان يحيل سائليه إلى تلميذه جابر
ويقول: «اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه» (4) كما قال أيضاً ابن عباس رضى الله عنه: «عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وفيهم جابر بن زيد!!». ولما توفى جابر بن زيد قال أنس بن مالك صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «اليوم مات أعلم من على ظهر الأرض» (5).
كما شهد لجابر بالفقه والعلم والدين وسماحة الخلق كثير من الصحابة والتابعين. وقد روى عن جابر أكثر وأشهر أهل المذاهب واعتمدوا على ثقته وأمانة،
(1) سالم بن حمود شامس، إزالة الوعثاء عن أبي الشعثاء ص 2، تحقيق سيده إسماعيل كاشف
(سلطنة عمان (1979 م).
(2) نفس المصدر السابق ص
19
(3) سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أبي الشعثاء ص 17
(4) سالم بن حمود، المرجع السابق ص
(5) أحمد.
17
•
بن سعيد الشماخي، كتاب السير ص 70 (القاهرة 1301 هـ). (1/37)
صفحة 38
الفصل الأول
(22)
فروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. حيث لم يكتف جابر بمن التقى بهم في البصرة، بل كان يرتحل إلى أماكن أخرى طلباً للمزيد من العلم، ولا يترك فرصة يتزود فيها بالعلم إلا واغتنمها، فكان يتردد على الحجاز، ويلتقى بالسيدة عائشة رضى الله عنها ويأخذ عنها العلم، ويسألها عن سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم- ليعرف منها أدق الأسرار عن السنة الشريفة وقد أهلته معرفته العميقة لأن يصبح من أعظم فقهاء البصرة، وصاحب شهرة في منطقة الخليج العربي، وواضع أساس نشاط الإباضية السياسي فيما بعد في القرنين الثالث والرابع للهجرة ..
وقد ألف كتاباً أسماه «الديوان كان من الضخامة بحيث يعجز عن حمله لبعير، ويقع في عشرة أجزاء كبيرة، وكانت نسخة منه موجودة في إحدى مكتبات بغداد الكبرى في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وتوارثها أئمة الإباضية في البصرة (1). ولا شك أن جابر قد وظف علمه ومواهبه في خدمة مبادئه التي آمن بها، كما اقتنع بطريقته السلمية في نشر الدعوة التي رسمها ووضع أسسها وخطوط السير فيها، واستفادته من نتائج الثورات السابقة والتي أملت عليه إتباع الطريقة السرية فى بداية تأسيس فرقته لإبعادها عن بطش رجال السلطة
المركزية.
وقد انضم جابر لفرقة القعدة المحكمة (الإباضية) بعد أن اشتد عودها وقوى
شأنها، وذلك بعد انتهاء السنوات الأولى من خلافة عثمان بن عفان (حوالي سنة
(1) يقال إن عبد الملك بن مروان وبنيه استولوا على ديوانه وحرموا دراسته ونشره على الناس
وروى أن العباسيين حرموا على الناس استنساخه ووضعوه في مكتبة دار الحكمة في بغداد
وكانوا يعلمون أنه من مفاخر المسلمين. وكان ديوانه العظيم ثروة علمية عظيمة.
•
انظر: (الاباضية) الشماخي، السير ص 70.
• (1/38)
صفحة 39
الفصل الأول
(23)
29 هـ)، وكذلك بعد قبول على بن أبي طالب للتحكيم، ومبايعة الخارجين على التحكيم عبد الله بن وهب الراسبي أميراً للمؤمنين في سنة (37 هـ/657 م) (1). فلم يكن لجابر بن زيد أي دور في زعامة تلك الحركة بعد وفاة عبد الله بن وهب الراسبي مباشرة، لأن جابراً آنذاك كان لا يزال شاباً صغيراً يتراوح عمره بين السادسة عشرة والعشرين سنة فقط، ومن غير المحتمل أن يكون في هذه السن قد اكتسب العلم الكافى والخبرة الضرورية ليتقدم أصحابه زعيماً مرشداً لهم.
ويتضح من المعلومات الواردة في المصادر الإباضية المتوافرة أن جابر بن زيد قد انضم إلى القعدة أبان ولاية عبد الله بن زياد الأموى (676/ 56 م - 64 هـ / 684 م).
ولذا فإن جابر بن زيد هو المؤسس الحقيقى للفقه والفكر الإباضي بلا شك وقد قال صاحب كتاب «إزالة الوعثاء عن أتباع أبى الشعثاء» بكل وضوح: إن مذهب الإباضية مبنى على مسند الربيع بن حبيب (2)، وأحاديثه مروية عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة، حيث كان جابر بن زيد من أوائل التابعين الذين عنوا بتدوين الأحاديث والسنة النبوية العطرة. وسبق جابر ذلك أصحاب المذاهب الأربعة المشهورين الإمام مالك «95 هـ / 714 م - 179 هـ / 796 م»، الإمام أبي حنيفة «80 هـ / 699 م - 150 هـ / 769 م»، الإمام الشافعي «150 هـ / 769 م -204 هـ / 819 م والإمام أحمد بن حنبل (146 هـ / 765 م - 241 هـ / 855). وقام جابر بن زيد بالعمل على قيام الإمامة العادلة المبنية على الأصول
(1) سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 3. (2) الربيع بن حبيب توفي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجرى وله الجامع الصحيح مطبوع في القدس 1381 هـ وله طبعة أخرى فى المطبعة البارونية بالقاهرة. (1/39)
صفحة 40
الفصل الأول
(24)
مروان
الصحيحة للإسلام. مما يدل على شجاعته وفقهه المتميز وعلمه الواسع وإيمانه القوى الراسخ، إنه لم يتوقف لحظة عن دروسه وتعاليمه، رغم سيطرة الحجاج بن يوسف الثقفى على العراق وحاضرتها البصرة أيام حكم عبد الملك بن (65 هـ / 685 م - 86 هـ / 705 م)، والوليد بن عبد الملك (86 هـ/705 م - 96 هـ / 715 م) (1)، ومعاملته القاسية والشديدة لأهل العراق (2).
وقد ارتكزت سياسة جابر في تأسيس فرقة الإباضية بالبصرة على قواعد أساسية يمكن إجمالها فيما يلى
1 - أن كل المصادر التاريخية قد سجلت أن جابراً قد أصر في قرارة نفسه على أن ينتهج سياسة مخالفة لتلك التي اتبعها هؤلاء الذين خرجوا ضمن من خرج وقت قبول على التحكيم من الأزارقة وغيرهم من متطرفي الخوارج، ويبدو أن هذا التصرف من جابر بن زيد كان ينم عن ذكاء سياسي حاد لم يفهمه غير الحجاج بن
(1) سيده إسماعيل كاشف، عمان في فجر الإسلام ص 57) (الطبعة الثالثة 1989 م - سلطنة
عمان).
أن
(2) وفى وسط هذا الجو المشحون بالإرهاب والشدة، حرص جابر على تعريف المسلمين بدينهم، كما كان بطلاً في ترويض نفسه وحملها على الصراط المستقيم، وها هو يرى أحد طلابه يكتب أثناء دروسه فنهاه أن يكتب شيئا غير آية محكمة، أو سنة متبعة، أما رأيه فلا عبرة به، لأنه قد يجد في المساء حجة أقوى من التي استند إليها في الصباح فيرجع عنها إلى ما ثبت بالدليل الأقوى، ويذهب الطالب بما كتب ينشر الباطل في الناس، وكان يكره التمتع بالدنيا حتى يزيد بن مسلم كاتب الحجاج بن يوسف الثقفى قد جعل الحجاج يعرض على جابر القضاء لكنه رفض، فعرض عليه أن يكون في أعوان صاحب الديوان بالبصرة فرفض، كما أنه رفض التمتع بأي مزايا وهو في ضيافة يزيد بن مسلم فأصر مثلاً على ركوب البغلة بدلاً من «البرذون» (فيل تركي). وقام بغسيل رأسه ولحيته بعد خروجه من يزيد بن مسلم، بعد أن أمر جواريه بدهان رأس جابر ولحيته إمعانا في كرم الضايفة)، فدلك رأسه ولحيته في نهر دجلة تدليكاً شديداً قائلاً: «اللهم لا تجعل حظى منك منزلتى عند هؤلاء القوم». انظر: سالم بن حمود، إزالة
الوعثاء ص 22 (1/40)
صفحة 41
الفصل الأول
(25)
من
يوسف الثقفى الذى - بعد أن استنفذ كل طرق المحايلة والإغراء مع جابر بن زيد - لجأ إلى نفيه إلى عمان، الأمر الذي زاد من حماسة جابر بن زيد من ناحية أخذ يعمل على تقوية نشاط فرقة الإباضية فى الخليج العربي، وذلك بتوطين فكر وآراء فرقته في عمان توطينا ظهرت قوته في القرنين الثالث والرابع للهجرة وليس شك في أن إتصال أهل عمان العلمى بالبصرة، فضلاً عن اتصال أبناء العشائر والقبائل بعضهم ببعض كان من أكبر العوامل التي ساعدت على انتشار علم وأفكار وآراء جابر بن زيد بين مواطنيه في عمان بالخليج العربي ورغم أن المصادر المختلفة لا تبين متى نفى جابر بن زيد إلى عمان ولا متى عاد (1)، لكن الثابت أن جابر بن زيد عاد إلى البصرة مكملاً لمذهبه الديني والسياسي، محاولاً القضاء على أي ملك مستبد لا يستند على القرآن والسنة والإجماع (2)
وأخذ جابر ينشر آراءه وأفكاره بين الناس من خلال أحاديثه وفتاويه، وكان يتفحص تلاميذه فمن وجد فيه استعداداً قوياً لآرائه وحماسة لمبادئه دعاه إلى مذهبه، وذلك في سرية تامة مستنداً في تحقيق أهدافه إلى «التقية الدينية». وإمعانا في كتمان أمر دعوته فقد كان يأمر أتباعه بقتل كل من يكشف أسرار الجماعة أو يخون الجماعة بإذاعة أسمائهم مثلاً. فإن حدث وترك أحد أتباع الفرقة جماعته وتخلى عن مبادئها دون أن يطعن في أصحابه القدامى أو يفشي أسرارهم فكان الإباضية يتبرأون منه دون أن يتعرضوا له بأذى باعتباره واحداً من المخالفين الموحدين الذين لا تحل دماؤهم إلا إذا بدأوا هم بالعدوان (3)
وقد أوضح جابر بن زيد بنشاطه العلني هذا أن هناك اختلافا بين فرقة
(1) سيده إسماعيل كاشف، عمان في فجر الإسلام ص 63 (2) سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أتباع أبى الشعثاء ص 3. (3) عوض خليفات، الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، ص 22 (1/41)
صفحة 42
الفصل الأول
(26)
الإباضية التي تؤمن بكل ما يؤمن به المسلمون وفرق الخوارج الأخرى التي غالت في تفكيرها، وها هو بتواجده المعلن يقول للجميع أننا لن ننسحب من المجتمع الإسلامي وسنعيش فيه، ولن ننعزل عن الناس، ولن ندعو الناس للخروج والتطرف والهجرة كما فعل الأزارقة وغيرهم من غلاة الخوارج.
2 - وكان جابر بن زيد مع زهده سياسيا محنكاً مع الحزم والدهاء على نحو ما يتضح فيما يلى:
1 - الحزم السياسى عند جابر بن زيد:
فقد أصبح جابر بن زيد قدوة لمن جاء بعده من الأئمة الإباضية في حزمه السياسي حيث أحلوا الدماء بالظلم والابتداء به (1) فمثلاً إذا خرج من مذهب المسلمين (الإباضية) أحد وعاب عليهم وطعن في معتقدهم وأفشى أسرارهم، فقد كان جابر يأمر أتباعه بقتل كل من يندرج تحت هذا النوع، مع التسامح مع الذى يتركهم دون أن يفشي سرهم، والواقع أن جابراً كان يكرر الطلب في وجوب السرية في جميع مراسلاته مع أعوانه وأتباعه، ويطلب أحيانا تمزيق رسائله إليهم وحرقها لا تصل إلى أيدى أعدائهم، فتؤدى بالتالي إلى كشف تنظيم وإجهاض
حركتهم.
وقد استطاع جابر أن يتجنب تنكيل الولاة الأمويين به، وبإصحابه لفترة طويلة، واستطاع في نفس الوقت - والأهم – أن يكسب عدداً من الأتباع ممن تولوا فيما بعد مركز المسؤلية بالطبع دون علم السلطات بمعتقدهم، وكانوا يستعينون بآراء إمامهم جابر في تسيير الإدارة والأعمال في المناطق الخاضعة
(1) عوض خليفات، المرجع السابق، ص 23 (1/42)
صفحة 43
الفصل الأول
(27)
لنفوذهم) (1). ومن بين هؤلاء الأشخاص النعمان بن مسلمة الذي أرسل إلى جابر يسأله عن كيفية جمع الجزية، وكذلك يزيد بن يسار الذي كان يقطن عمان ويتبع أفكار جابر بن زيد، وعين عاملاً في إحدى مناطق عمان. هذا وقد وجد كذلك كثيرون خارج البصرة كانوا على علاقة حميمة مع جابر يدينون بأفكاره وآرائه ويصدرون عن أمره، وكانوا عيوناً له، وممثلين له فى المناطق التي يسكنونها
ب - الدهاء السياسي عند جابر بن زيد:
من أبرز أمثلة هذا الدهاء هو تجنب جابر لأى احتكاك مع السلطة، ولم يؤثر أنه تعرض لأذى قبل تولى الحجاج السلطة في العراق على الرغم من أن بعض أصحابه قد لقى عنتا كبيراً على يد الولاة منذ أيام ابن زياد، حتى أنه عندما رفض قبول منصب القضاء الذي عرضه عليه الحجاج، فقد رفض ذلك بذكاء قائلاً «أنا أضعف من ذلك» (2) مخفياً قدرته وإبداء ضعفه للوالى حتى يبعد الشبهات عنه، وحتى لا يخطر ببال الوالى أن رجلا بلغ هذه الدرجة من الضعف يمكنه أن يقوم بتأسيس حركة سرية مناوئة للحكم.
ثم إن موافقة جابر على تولى أتباعه عدداً من المراكز والمهام الرسمية في جهاز الدولة (3) - التي يعمل ضدها - حيث كان يرى أن هؤلاء يسهمون في توفير مناخ مناسب لنشر دعوته في تلك الأمصار والولايات ويشكلون دعامة لها، هذه الموافقة تعتبر درباً آخر من دروب الفطنة السياسية عند جابر بن زيد، الذي رفض هو نفسه قبول أي منصب عند الدولة الأموية.
(1) عوض خليفات، المرجع السابق، ص،
26
(2) سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 21
(3) عوض خليفات، المرجع السابق، ص 1
27
• (1/43)
صفحة 44
الفصل الأول
(28)
وقد كان من نتائج السياسة التي انتهجها جابر بن زيد هو أن الحركة الإباضية أصبحت تضم عناصر من قبائل عربية مختلفة كما انضم إليها الكثير من الموالي، ولم يمت جابر بن زيد (1) إلا وغدت الدعوة الإباضية دعوة شاملة اجتذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس متعددة، وأخذت القناعات المذهبية لدى كثير من أتباع الدعوة الإباضية تحل محل الولاءات القبلية والعرقية (2)، وكان جابر يبعث بالدعاة لمختلف المناطق، وهو الأمر الذي تم في عهد خلفه أبي عبيدة من تدريب للدعاة الذين عرفوا باسم «حملة العلم، وكان جابر على صلة وثيقة مع أتباع دعوته في الولايات المختلفة، ومن بينهم أناس من الأزد وتميم وغيرهم من قبائل أخرى، مما مهد لنشاط الإباضية في الخليج العربي، وصار أساساً من أسس كيان الإباضية السياسي في القرنين الثالث والرابع للهجرة.
أبو عبيدة يسير على نهج جابر بن زيد:
تولى أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمى زعامة أهل الدعوة الإباضية بعد موت الحجاج عام 95 هـ / 714 م وخروجه من السجن، واتفق ذلك بداية حكم الخليفة سليمان بن عبد الملك (96 هـ / 715 م - 99 هـ / 717 م). وكان الخليفة على علاقة وثيقة مع المهالبة، زعماء الأزد الذين انضموا إلى الحركة الإباضية بأعداد وفيرة إبان إمامة جابر بن زيد الأزدى. ولحسن حظ أتباع الحركة الإباضية أن الخليفة الأموى سليمان بن عبد الملك قد عين زعيم الأزد يزيد بن المهلب والياً على العراق وخراسان، ونتيجة للعلاقات الطيبة التي تربط الأزد وآل المهلب بالحركة الإباضية فإنهم لم يتعرضوا لأى اضطهاد خلال تلك الفترة، وكذلك خلال فترة حكم
(1) توفى بالبصرة عام 93 هـ أو سنة 96 هـ أو في تاريخ بين السنتين
(2) سيده إسماعيل كاشف، عمان في فجر الإسلام ص 58. (1/44)
صفحة 45
الفصل الأول
(29)
الخليفة عمر ابن عبد العزيز (99 هـ / 717 م - 101 هـ / 720 م) الذي حاول أن يحل مشاكل الدولة الإسلامية مع أحزاب المعارضة ومن بينهم الإباضية بالطرق
السلمية.
وأرسل الإباضية وفدا برئاسة جعفر بن السماك أحد أبرز مشايخ الإباضية في البصرة إلى دمشق؛ ولكن بالرغم من عدم نجاح مهمة هذا الوفد في استمالة الخليفة إلا أن الوفد عاد راضياً عن سياسة وسلوك الخليفة. وتذكر بعض مصادر الإباضية
أن الوفد استطاع أن يستميل ابن الخليفة عبد الملك، واعتنق المذهب الإباضي
•
وأثناء هذه الفترة من العلاقات السلمية، وأحياناً الودية، بين الإباضية
والسلطة الأموية الحاكمة، والتي امتدت خلال حكم الخليفتين سليمان بن عبد الملك فقد استغل أبو عبيدة ومشايخ الدعوة في البصرة هذه
وعمر بن عبد العزيز
"
الفرصة لتنظيم حركتهم على أسس متينة وقوية من أجل الوصول إلى الهدف الأسمى وهو تأسيس إمامة الظهور (1)، وانتخاب خليفة للمسلمين من بين أتباع
الدعوة الإباضية.
تنظيم أبي عبيدة للمجالس السرية:
قام أبو عبيدة بتطوير نظم المجالس السرية التي كانت تقام في البصرة وتضم مشايخ الدعوة وأتباعها حيث يلقون ويتلقون دروسهم ومبادئ مذهبهم، وكل ما يمت إلى دعوتهم بصلة سواء في النواحي الدينية أو الدنيوية.
(1) إمامة الظهور: وتعنى الانتهاء من فترة الإعداد والكتمان والإعلان الرسمى والعلني لإقامة كيان سياسي مستقل وهو الهدف الأسمى الذى كان يسعى إليه رواد الإباضية. (1/45)
صفحة 46
الفصل الأول
(30)
والحقيقة أن هذه المجالس السرية كانت موجودة منذ زمن أبي بلال مرداس بن
أدية التميمي الذي تزعم حركة القعدة بعد النهروان. إلا أن الفضل يعود للإمام
أبي عبيدة في توضيح معالم هذه المجالس وتصنيف وظائفها وترتيب طبقاتها
ويمكن أن نقسم هذه المجالس إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
•
المجالس العامة وهى التى لم تقتصر على جماعة معينة بل إن دخولها مباح لأى شخص من أهل الدعوة (1). وكان الأعضاء يرتادون هذه المجالس التي تعقد سراً في بيت أحد المشايخ وفى سراديب أرضية خاصة، وفي بعض الأحيان في
بيوت النساء والعجائز.
ولم يكن لهذه المجالس العامة برنامج معين. بل كان الأعضاء يجتمعون في المجلس ويتلقون دروساً في العقيدة وإرشادات من كبار المشايخ الذين كانوا يقومون بإلقاء الخطب الواحد تلو الآخر حول موضوع معين أو مواضيع مختلفة وقد تكون هناك أوامر ملزمة للأتباع. وكان مشايخ الإباضية البارزين يشرفون علي هذه المجالس العامة. لذلك فقد سمي كل مجلس باسم الشيخ المشرف عليه مثل مجلس عبد الملك الطويل ومجلس أبي مودود حاجب الطائي وغيرها
القسم الثاني:
مجالس المشايخ ويحضرها زعماء الإباضية فقط. وفي هذه المجالس تقرر السياسة التي يجب علي آل الدعوة اتباعها. وكان مجلس المشايخ عبارة عن مجلس تخطيط وتنظيم الحركة ثورية سرية (2). ولا يجوز لأحد غير الإمام وكبار
(1) عوض خليفات، المرجع السابق ص 36
(2) عوض خليفات، المرجع السابق ص 39. (1/46)
صفحة 47
الفصل الأول
(31)
المشايخ حضور هذه المجالس.
القسم الثالث:
بن
مجالس أو مدارس حملة العلم، حيث كان الدعاة من مختلف الأمصار يتلقون العلم ومبادئ وأصول الدعوة وتعاليمها مباشرة من الإمام أبي عبيدة مسلم أبي كريمة التميمي. الذى أقام مدرسة لهذه الغاية في سرداب أرضى لا يعرفه إلا الدعاة (حملة العلم وشيوخ الإباضية البارزين. ومن هذه المدرسة تخرج دعاة الإباضية. وكان يتم اختيار حملة العلم أو الدعاة غالباً من السكان الأصليين للبلاد التي يبشرون فيها. وقد نظم أبو عبيدة العلاقة بين مركز الدعوة في البصرة والدعاة في الخليج العربي وغيره من بلاد الدول الإسلامية.
وإذا حدث خلاف بين الدعاة فى أى من الأمصار كان عليهم العودة لمشايخ البصرة للنظر والعمل على حله. وكان أبو عبيدة يرسل أحد أصحابه المعروفين بالحصافة والعلم للنظر في مثل هذه الطواريء. وكان رسوله في معظم الأحيان حاجب الطائى ساعده الأيمن ومستشاره الأول والمسؤول عن الشؤون العسكرية والمالية وشئون الدعوة خارج البصرة. ومن أمثلة ذلك ما حدث بين أتباع الدعوة من
أهل حضرموت حينما خلعوا رئيسهم عبد الله بن سعيد وبايعوا رجلا غيره وأرسل لهم أبو عبيدة حاجب الطائي في موسم الحج.
•
هكذا كانت تدار أمور أتباع الإباضية في تنظيمات متسلسلة مدروسة لنشر مباديء وتعاليم مذهبهم في تقية عالية وسرية تامة حيث إنهم لم يتركوا وسيلة لإخفاء تنظيمهم إلا واتبعوها وكانوا يتخذون كل الإجراءات الممكنة لمنع تسرب أية معلومات عن مجالسهم أو أماكن انعقادها، كما كانوا يذهبون لحضور هذه المجالس متنكرين على هيئة النساء أو الباعة المتجولين. بالإضافة إلى توزيع الحرس من (1/47)
صفحة 48
الفصل الأول
(32)
أتباعهم لمراقبة أماكن مجالسهم وإبلاغهم بأية أخبار أولاً بأول حتى لا يكشف أمرهم ويلقى القبض عليهم. ونتيجة لهذه الوسائل والإجراءات الحذرة التي اتبعها الإباضية في البصرة لم يؤثر عنهم «أنهم ظفر بهم في مجلس قط» (1).
-
واستطاع الإباضية نتيجة للتنظيم الدقيق والتعاليم والمباديء الفقهية المتمسكة بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم أن يكسبوا أعواناً كثيرين في مناطق متعددة من الدول الإسلامية خلال الربع الأخير من القرن الأول
الهجرى.
وفي بداية القرن الثاني الهجرى وبعد أن اعتلى يزيد بن عبد الملك عرش
،
الخلافة (101 هـ - 105 هـ) حدثت بعض التطورات السياسية في نشاط الإباضية حيث قام يزيد بن المهلب ومعه المهالبة قادة الأزد وزعماؤهم والكثيرون من أفراد تلك القبيلة والمعتنقين للمذهب الإباضي، باحتلال البصرة وامتد نشاطهم إلى الأهواز وكرمان وفارس حتى السند. ولما علم الخليفة بذلك أرسل لهم جيشاً كبيراً بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك حيث استطاع هذا الجيش الشامي أن يهزم الثوار في معركة العقر سنة 102 هـ / 721 م وقتل فيها يزيد بن المهلب وهرب البقية إلى قندابيل في السند وتتبعهم. هلال بن أحوز التميمي وهزمهم هزيمة منكرة وقتل معظم أفراد أسرة المهالبة وأسر الباقون. ونتيجة لهذه الثورة صب الخليفة جام غضبه على الأزد في كل مكان.
وأدى ذلك بالتالي إلى خنق الإباضية بالبصرة بسبب وجود عد كبير من أفراد تلك القبيلة ضمن فرقة الإباضية. مما أدى إلى ارتفاع أصوات بعض مشايخ الإباضية بوجوب الانتقام وإعلان الثورة ومن بين هؤلاء: الشيخ الإباضي أبو نوح
(1) عوض خليفات، المرجع السابق ص 38. (1/48)
صفحة 49
الفصل الأول
(33)
صالح الدهان وبعض أفراد الأزد الذين نجوا من الموت، ومن بينهم عاتكة أخت يزيد المهلب المعروفة بحماسها الشديد للمذهب الإباضي. لكن الإمام أبا عبيدة رفض
بن
ذلك بشدة حيث رأى أن الوقت لم يحن بعد
•
وتكرر نفس الموقف زمن خلافة هشام بن عبد الملك (105 هـ / 724 م - 125 هـ / 743 م) الذي عين خالداً القسرى والياً على العراق، إذ اتسمت فترة ولاية خالد باللين والتسامح مع كافة المعارضين، حتى أن بعض مشايخ الإباضية كانوا يشتمونه على منابر المساجد. وقد تزعم هذه الحملة أحد شيوخ الإباضية البارزين وهو أبو محمد النهرى. لكنه بعد أن عزل خالداً القسرى وتولى بدلاً منه يوسف بن عمر الثقفى اتبع الأخير سياسة مخالفة تماماً لسياسة سلفه حيث استعمل العنف والشدة والقسوة ضد المناوئين للسلطة حتى لو لم يرفعوا السيف في وجه الحكومة مما أدى إلى مطالة أتباع أبو عبيدة في وجوب التحرك والخروج.
،
لكن الإمام أبا عبيدة كان أبعد نظراً وأدق تفكيراً من هؤلاء، فرفض الخروج على طريقة متطرفي الخوارج أو على منوال الثورات الأخرى التي قامت في العراق والتي كانت نتيجتها القمع بعنف بل والقضاء عليها. لذلك قرر أبو عبيدة الاستمرار في كتمان الدعوة في البصرة، لكنه اتخذ خط آخر سار فيه بحذر سير شديد جداً، كان له أكبر الأثر فى انتصار الدعوة وإعلان إمام الظهور فيما بعد في
الخليج العربي.
وكانت تلك الخطة مختلفة عن خطط كل ما سبق من ثورات وحركات. وأكد بأنه صاحب فكر سديد وقائد محنك وسياسي داهية، كما حذر في نفس الوقت أصحابه من قبول أية مناصب رسمية بل أنه لم يحبذ التزاوج بين أتباع الدعوة وبقية المسلمين. رغم مشروعية ذلك في الإسلام وفي المذهب الإباضي أيضاً، لكن ذلك كان بهدف المحافظة على سرية الدعوة وعلى استمرار تمسك أتباعه بروحهم الأخوية (1/49)
صفحة 50
الفصل الأول
(34)
كما أنه لم يغفل حاجة بعض أتباع ومشايخ الإباضية للمال لذلك أنشأ بيت مال خاص بجماعته ووكل الحاجب الطائى مهمة الإشراف على الشؤون المالية والعسكرية وشؤون الدعوة. وقد كان أبو عبيدة ذكياً في الربط بين الناحيتين المالية والعسكرية وذلك لأن موارد بيت مال الإباضية كانت تستخدم لمساعدة الدعاة والمحتاجين والثوار الإباضية فى المناطق البعيدة. وكانت موارد بيت المال تأتى من مصدرين: الأول عبارة عن ضريبة فرضها الإمام على أتباعه في البصرة. ولا تذكر المصادر متى كانت تدفع ولا مقدارها، ولكن من الثابت أنها لم تكن تفرض بالتساوى بل كانت تتفاوت حسب ثراء المكلف وإمكانياته، ويبدو أن هذه الضريبة كانت تجمع عند الحاجة.
أما المورد الثاني لبيت المال فكان يأتي من التبرعات السخية التي يدفعها
أثرياء الإباضية والمقتدرين رجالاً ونساء.
الامام الربيع بن حبيب يخلف أبا عبيدة:
(توفي في النصف الثانى من القرن الثاني الهجري): وهو من أهل الباطنة من عمان من غضفان. رحل الربيع إلى البصرة لطلب العلم، وكانت البصرة آنذاك عمانية برجالها الأفاضل العلماء، وكان الربيع شابا حين التقى بالإمام جابر بن زيد، وكان يقول: أخذت الفقه من ثلاث أبي عبيدة وأبى نوح وضمام السائب الأزدى العماني» (1). وكانت وفاته في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري.
وفي البصرة عكف الإمام الربيع على كتابة مسنده، الذي ترجع أهميته إلى ورع الإمام الربيع وعلمه وفقهه، فضلاً عن أنه كان يعتمد في إسناده على الفقيه
جابر بن زيد
(1) سيده إسماعيل كاشف، عمان في فجر الإسلام ص 71. (1/50)
صفحة 51
الفصل الأول
(35)
ويعتبر الربيع الداعية الذى أرسى القاعدة المباشرة لنشاط الإباضية بالخليج العربي، وبخاصة في عمان في القرنين الثالث والرابع للهجرة. وحمل العلم عن صاحب مسند الربيع، من البصرة إلى عمان خمسة علماء عمانيون كان لهم الفضل الأكبر في ازدهار الحياة العلمية في فجر الإسلام في عمان، وهم أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني، ومنير بن النير الجعلاني، وموسى بن أبي جابر الأزكوى، ومحبوب بن الرحيل (ت 260 هـ / 873 م)، ومحمد بن المعلا الكندي (1).
ويفضل هؤلاء العلماء وعلى رأسهم جابر بن زيد وساعده الأيمن أبو عبيدة مسلم، ونتيجة لتنظيماتهم الدقيقة الذكية، وانطلاقاً من روح الأخوة والتسامح والمودة والتعاون التي سيطرت على جميع أتباع المذهب الإباضي في طوره الأول. وتتويجاً لنشاط حملة العلم المتحمسين فقد استطاعت الدعوة الإباضية أن تنتصر، ويتمكن أتباعها من إحراز نجاح باهر في أماكن مختلفة من مناطق الخليج العربي وغيرها من أرجاء اء العالم الإسلامي
ففي العقد الثالث من القرن الثانى للهجرة، استغل مشايخ الإباضية في البصرة الظروف التي كانت تمر بها الدولة الأموية (2)، وأوغروا إلى دعاتهم وحملة العلم منهم إلى إعلان الإمام إمامة الظهور»، في عمان بالخليج العربي، فضلاً
(1) سالم بن حمود المصدر السابق ص 41 (2) وأهم هذه الظروف، خروج زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب أيام هشام بن عبد الملك، وكذلك قتل الخليفة الوليد بن عبد الملك في 126 هـ / 745 م، ووفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بعد فترة حكم لم تزيد على الخمسة أشهر واثنين وعشرين يوماً أخذ فيها الحكم الأموى
يضطرب (1/51)
صفحة 52
الفصل الأول
(36)
عن اليمن وحضرموت، والمغرب (1)
لكن هذا النجاح السياسي للإباضية لم يعمر طويلا حيث قضى الأمويين على إمامة اليمن وحضرموت، على حين قضى العباسيون على إمامة «الظهور الأولي» في عمان.
وعلى الرغم من ذلك ارتبط تاريخ عمان بالمذهب الإباضي ولا يزال هذا
الارتباط مستمراً حتى يومنا هذا
وهكذا يتضح أن البصرة كانت مركزا لنشاط الإباضية في الخليج العربي حيث غصت بالأعيان من أهل عمان، وامتلأت برجال العلم الأجلاء الذين لهم الشرف الخالد على صفحات تاريخ الخليج العربي. وكانت البصرة مقر العلماء الأعلام من أهل عمان والخليج العربي، حتى كادت أن تكون إذ ذاك عمانية
خليجية محضة
'
(1) قامت في بلاد المغرب على يد دعاة الإباضية من البصرة الدولة الرستمية الإباضية في بداية العقد السابع من القرن الثاني الهجرى. وقد عمرت هذه الدولة أكثر من قرن وثلث، قضى عليها الفاطميون عام 297 هـ / 909. وعلى الرغم من ذلك فقد بقى المذهب الإباضي في مناطق نائية بعيدة عن متناول السلطة المركزية للدولة الإسلامية. ولا تزال بقايا الإباضية موجودة حتى يومنا هذا في جبل نفوسة في ليبيا، وفي جزيرة جربة في تونس وفي وادي ميزاب في الجزائر. أنظر حسن علي حسن، قيام دولة الأدارسة ص 245. (1/52)
صفحة 53
الفصل الأول
(37)
ثانيا: تجاوب أهل الخليج العربى مع مباديء الفكر الإباضي: كان تجاوب أهل الخليج العربي مع الإباضية، هو نفس تجاوب العديد من القبائل في الدولة الإسلامية مع حركات الخوارج، حيث كان لكل قوم دوافعهم في ذلك. غير أن الخليج العربي كانت له بعض المميزات والخصائص التي دفعت أهله للتجاوب مع الحركة الإباضية، وتتضح فيما يلى:
ا: انتماء أوائل الإباضية لقبيلتى نعيم (1) والأزد المنتشرتين في منطقة الخليج العربي والبصرة:
كان للقبائل العربية المقيمة في البصرة والخليج العربي من الأزد وتميم رؤساء أشبه برؤساء القبائل في الجاهلية ولهم نفوذهم ومكانتهم العالية، منهم على سبيل المثال الأحنف بن قيس سيد تميم في البصرة الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف سيف لا يدرون فيما الغضب (2)
وكانت القبائل المشاركة في صنع الأحداث في منطقة الخليج العربي تنتشر ما بين البصرة والكوفة شمالاً، وحتى ظفار (عمان) جنوباً. وهى قبائل لم تقبل الخلفاء القرشيين أمويين وعباسيين)، الذين أصبحوا يحكمون دولة مترامية الأطراف، ولم تكن نظرة أهل الخليج العربي إلى الخلفاء دينية خالصة دائماً، وإنما كانت نظرة شابها الكثير من العصبية القبلية. والواضح هنا أن العنصر البشرى كان له دور كبير في صنع أحداث تلك الفترة
•
(1) قبيلة تميم كانت تنتشر من بادية البصرة حتى البحرين واليمامة. انظر ابن حوقل، صورة
الأرض ص 41.
(2) أحمد أمين، فجر الإسلام ص 186 (1/53)
صفحة 54
الفصل الأول
(38)
فبالرغم من أن الحركة الإباضية لم تكن حركة قبلية، إلا أن دور القبيلة بدا واضحاً وفعالاً في نجاح تلك الحركة، فقد كان جابر بن زيد المؤسس الحقيقي للفقه الإباضي ينتمي إلى قبيلة الأزد، ووجه بالتالي قسماً كبيراً من جهوده نحو إقناع بعض أفراد هذه القبيلة للانضمام إلى حركته، وقد نجح في ذلك. كما انضم إلى الإباضية أعداد كبيرة من أهل عمان وحضرموت واليمن التي انتشرت فيها قبائل
الأزد.
وخلف جابر في زعامة الدعوة الإباضية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهو أيضا من قبيلة تميم التي ينتمى إليها عبد الله بن إباض لسان الإباضية، والذي كان يعتمد بالإضافة إلى قدرته في المناظرة والمجادلة إلى قبيلته – قبيلة تميم والتي تعد أيضاً من أهم قبائل البصرة آنذاك.
ويلاحظ أن شيوخ الإباضية كانوا يحتمون بقبائلهم التي كانت تحتل مواقع مهمة في الدولة الإسلامية. كما أن هذه القبائل هي التي احتضنت الفقه الإباضي النابع من فكر أبنائها والمستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة، ولذا لا نستغرب أن أول الدويلات الإباضية ظهرت في اليمن وحضرموت وعمان.
وهكذا كان لقبائل تميم والأزد بالخليج العربي أكبر الفضل في احتضان الإباضية واستمرارها وبقائها حتى يومنا هذا (1/54)
صفحة 55
الفصل الأول
(39)
2: رفض الإباضية شرط «القرشية» في الإمامة، ومطالبتهم بخلع
الإمام إن فقد أمن شرط من الشروط الأخرى للإمامة:
رفض الإباضية شرط انتماء الخليفة أموياً كان أم عباسيا لقبيلة قريش
وأكدوا على أحقية كل شخص مسلم تتوافر فيه بقية الشروط الواجب وافرها
بالخليفة وأن يتم اختيار الخليفة بالشورى (وأمرهم شورى بينهم)
•
،
وقد أعجب هذا الرأى أهل الخليج العربي وصاروا بالتالي أكثر قابلية لتلقى الأفكار الجديدة والدخول في المذهب الإباضي. كما أعجبتهم الأفكار الجديدة للإباضية والتي تتضمن المطالبة بخلع الإمام إذا فقد أى شرط من شروط الإمامة. ومعنى ذلك أن أي إمام يحاول أن يشغل الإمامة لأي غرض كان، أو أنه أساء معاملة الرعية، أو أى مخالفة تبدو من الإمام تنفى عنه أى شرط من شروط الخلافة. فإن ذلك يمكن أن يكون عذراً أو سنداً للرعية في المطالبة بإعفاء الإمام و خلعه، أي أن الإمام المستبد لامكان له بين الرعية. وهذا ما يحفظ حق الرعية ويسند موقفهم أمام الإمامة ويجعلهم في استقرار دائم لا يخشون البطش من أى
إمام. (1/55)
صفحة 56
الفصل الأول
(40)
: إعجاب أهل الخليج العربي بقوة المناظرة والبراعة في الجدل وفصاحة اللسان عند الإباضية:
لقد كان الإباضية مثلهم مثل الخوارج يستمسكون بآرائهم أشد الاستمساك وهم ذوو فصاحة في اللسان وطلاقة وعلم وفقه ودين، وكانوا ثابتي الجنان لا يتحيرون أمام خصومهم، ولا تأخذهم حبسة فكرية، ويحبون الجدل والمناظرة وطرح الأفكار للمناقشة بكل وضوح واعتدال، رغم أنهم فى جدلهم شديدو التعصب، بل لا تزيد قوة حجة الخصوم لديهم إلا إمعاناً في اعتقادهم، وتغلغل مذهبم في نفوسهم، وسيطرته على كل مواقع تفكيرهم، وفيهم تشدد وشدة وكانوا يتمسكون بظواهر القرآن، وما يظهر لهم باديء الأمر يتوقفون عنده، ولا يتحركون بعد قيد أنملة (1)
وتظهر قوة المناظرة والمجادلة الشجاعة الحقة عند الإباضيين متمثلة في الناطق باسمهم وهو عبد الله بن إباض، الذي كان يطرح آراء تلك الجماعة المسلمة المؤمنة التي سميت فيما بعد باسم «الإباضية»، ثم يبدأ فى المناقشة والإقناع ملتزماً بالشريعة الإسلامية شارحاً للفقه الإباضى وأفكار وآراء الفرقة التي وضع مباد ها جابر بن زيد. وتتجلى قمة الشجاعة في طرح تلك الأفكار في كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان.
واجتذب أهل الخليج العربي إلى الإباضية قدرتهم على المناظرة والجدل وطرح الأفكار والآراء ومناقشتها بطريقة ودية متصفة بالاعتدال وعدم اللجوء إلى العنف، ومن ثم ظهر الفكر الإباضي إلى النور وأخذ في الانتشار في بلاد الخليج العربي
وغيرها
من البلاد الإسلامية، وبخاصة في الجزيرة العربية وفي بلاد المغرب
(1) الإمام محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية ص 68. (1/56)
صفحة 57
الفصل الأول
(41)
: الزهد وشدة التدين عند فقهاء الإباضية:
أوضحت كتب وخطب الإباضية شدة تدين فقهاء الإباضية وتمسكهم بالقرآن الكريم والسنة النبوية العطرة، ولا أدل على ذلك من تنقلهم بين أنحاء الدول الإسلامية ملاحقين لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يأخذون عنهم مباشرة ما جاء عن الرسول الكريم. فقد أخذ المؤسس الحقيقي للفقه الإباضي جابر
بن زيد العلم عن عبد الله بن العباس (1)، وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك
"
وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم وغيرهم من الصحابة، حيث قال جابر بن زيد أنه أدرك سبعين بدرياً (2). وقال ياقوت إن أبا الشعثاء جابر بن زيد
أئمة السنة.
أحد
كما شهد له الكثير من الفقهاء وأهل العلم بشدة تدينه وفقهه إضافة إلى الفطانة والصدق والأمانة فتلقوا آثاره في مؤلفاتهم، واحتجوا بأقواله في أحكامهم. أمور قربت إليهم قلوب أهل بلدان الخليج العربي، حباً في حياة العبادة
وهي
وطهرها.
وسار فقهاء الإباضية وروادها على نهج الإمام جابر بن زيد، فاشتهروا بالزهد وشدة التدين مما فرض احترامهم لدى كافة المسلمين، فكان ذلك أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تجاوب العديد من المسلمين من كافة أنحاء الخليج العربي وغيره من بلاد الدولة الإسلامية مع آراء وأفكار الإباضية.
(1) ابن عم الرسول، وكان يروى عنه كما كان لغوياً وأخبارياً وينسب إليه تفسير الكثير من
الألفاظ اللغوية. توفى سنة 68 هـ / 688 م.
(2) ممن حضروا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - غزوة بدر. (1/57)
صفحة 58
الفصل الأول
(42)
0: عدم رضى أهل الخليج العربي عن حكم غير أبناء بلدهم لهم و استعدادهم الدائم للثورة:
"
لقد كان أهل الخليج العربي جماعات متفرقة لا ينضون تحت لواء واحد وعلى استعداد دائم للثورة على أي حاكم من غير أبناء بلدهم، هذا فضلاً عن أنهم كانوا يخرجون على بعض لأوهى الأسباب، ويعتبرون الصديق عدواً دون جريرة تذكر (1). وهم فى هذا أبناء البيئة التي نشأوا فيها وترعرعوا فيها لم تعودهم إلا على الحكم القبلى حيث حكومات شيوخ القبائل والعشائر غير المنظمة والقائمة على الأحكام العرفية التي تتمشى مع أوضاعهم القبلية. لذا فإنهم لا يتأقلمون مع نظام حكم جديد يفرض بالقوة وتطبق مبادئه وقراراته ونظمه بالقوة الجبرية. وما حدث بالكوفة والبصرة وعمان مثال واضح لتلك الطباع الثورية العربية الشديدة التطرف والحادة المزاج، وقد أثرت الفتن والحركات السياسية التي كانت تندلع بين الحين والحين في الدولة الإسلامية بأهل الخليج العربي، حيث إنهم كانوا في قلب تلك الثورات الدائمة.
مما جعل مسرح الأحداث في الخليج العربي مهينا للحركات الانفصالية عن الدول الإسلامية التي كانت تحكم دمشق أو بغداد، وقد وجدت الإباضية في تلك البيئة مناخاً صالحاً لمزيد من الانتشار، ومزيد من التغلغل بين قبائل الخليج
العربي.
لذا يتضح أثر عادات وتقاليد أهل الخليج العربي في تقبلهم للفكر الإباضي لأنهم لم يعتبروا فقهاء المذهب الإباضي غرباء عنهم، إذ معظمهم من أهل عمان وعلى رأسهم جابر بن زيد المؤسس الحقيقى للفقه الإباضي، الذي استمد قواعده من
الشريعة الإسلامية، والسنة النبوية الطاهرة.
(1) أحمد شلبي موسوعة التاريخ الإسلامي جـ 2 ص 265 (1/58)
صفحة 59
الفصل الأول
(43)
7: اشتراك الإباضية في التأثر بأسباب ودوافع الخروج على الخلفاء في دمشق وبغداد:
فقد نال الفكر الإباضي جزءاً منها ومن أهدافها، فبعد أن كان الهدف الأوحد للمؤسسين الأول للفكر الإباضي هو إقامة تعاليم الدين الإسلامي، فإنه ظهرت بعد ذلك أهداف ودوافع دنيوية يسياسية مثل الصراع على الإمامة، كما ظهرت دوافع اقتصادية حيث التنافس على التجارة وغير ذلك من الأمور الأخرى.
واتضحت هذه الأمور جلياً في القرنين الثالث والرابع للهجرة في عمان التي تعتبر الموطن الأم للإباضية في العالم الإسلامي، حيث اعتبرت الحرب الأهلية التي مزقت عمان في أواخر القرن الثالث الهجري، منعطفاً هاماً في الحركة
الإباضية (1)
وهنا لابد من توضيح أن أوائل أئمة الإباضية وفقهائهم لم يسعوا إلى استقلال دعوتهم في تحقيق اهداف دنيويه، لكنه يبدو أن أتباع الفكر الإباضي قد تأثروا بأسباب ودوافع الخروج في الدولة الإسلامية، أو أن أمور الدنيا قد انحرفت بهم إلى المنزلق الدنيوي فاختلطت الأهداف الدينية بالأهداف الدنيوية، وبالرغم من هذا المنعطف الخطير إلا أن العناصر المعتدلة من رجال الدين بقيت تنتهج نهج رواد الفكر الإباضي وتعمل على تأسيس إمامة تنتهج الفكر الإباضي المعتدل والمستمد من فكر المؤسس الحقيقي للفقه والفكر الإباضي ألا وهو جابر بن زيد
•
(1) انظر تفصيل ذلك في الفصل الثاني من هذا البحث. (1/59)
صفحة 60
الفصل الأول
(44)
: عزلة قبائل الخليج العربي، واحتفاظ غالبية أفراد تلك القبائل بالطبائع البدوية:
ينقسم العرب في أصولهم إلى عرب الجنوب وهم القحطانيون من يمنيين
وأزد، وعرب الشمال: وهم العدنانيون من مضريين ونزاريين (1)
ولا يعنى هنا بشكل هام أنساب العرب، ولكن الأهم هنا طباع هؤلاء العرب ونماذج سلوكهم وما يحرك ويثير تصرفاتهم، حيث أن الإباضية سلكوا مسلك القبائل العربية خصوصاً قبيلتي تميم والأزد بالخليج العربي.
وكانت القبائل العربية قبل الإسلام تعيش على الفطرة وتعبد الأصنام، ولكن بعد ظهور الإسلام وانتشاره الواسع في الجزيرة العربية والخليج العربي، تأثرت تلك المناطق تأثراً شديداً بتعاليم الدين الإسلامي.
كما تأثر أهلها بالأفكار التي تدعو إلى العودة للعمل بالشريعة الإسلامية واتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وماعمل به الخلفاء الراشدين، هذا فضلاً عن التمسك بعاداتهم البدوية المتعصبة والمتشدده والتي تمثل اندفاع أفراد تلك القبائل وراء الأفكار والآراء التي تدعو إلى الإصلاح.
(1) عاش القحطانيون في بلاد اليمن ولهم ممالكهم المشهورة ثم بعد هجرتهم للعراق كان منهم اللخميون ملكوك العراق والغساسنة ملوك الشام، ومنهم ملوك كنده، وقبائل الأزد الذين ينتسب لهم أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وجاءت قبائل الشمال من أولاد عدنان ولد إسماعيل ليشتهر منهم مضر وقريش وقصى وهاشم وعبد المطلب، ولقد كان ظهور الإسلام في بلاد العرب حدثاً فريداً أثار انتباه المؤرخين والناس أجمع، حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم عربياً عاش بأرض الحجاز بين أهله، فكتبوا عن عرب الشمال كثيراً، وأخذ تاريخهم المكانة الأولى وتعهد سكان الحجاز بالدعوة الإسلامية، وأغفل الكثير من المؤرخين عرب الجنوب وتناسوا أن من استجاب أولاً لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أبناء الأزد في المدينة المنورة من عرب الجنوب. (1/60)
صفحة 61
الفصل الأول
(20)
وكانت طبيعة أهل الخليج العربي البدوية وعاداتهم القديمة المتوارثة منذ القدم
تقوم بدور هام في توجيه حياة أهالى تلك القبائل في مناطق الخليج العربي،
(1)
فاشتهروا بعدم الاستقرار ومنها القبائل العربية العريقة أمثال تميم (1)، بالإضافة إلى عادات السلب والنهب والإغارة وكثيراً ما كانت القبائل تحتمى ببعضها في حلف لا يستمر طويلاً، بل سرعان ما ينقض اجتماعهم وتنفصم وحدتهم، فينقلب المتحالفون أعداء متحاربين (2)
ثم أن من أشهر ما عرف عن العرب طبيعة التنافس على الرئاسة، وقل أن يسلم واحد منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه أو أخاه، أو كبير عشريته إلافي النادر، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، على نحو ما أشار إليه ابن خلدون قائلاً: وتختلف الأيدى على الرعية في الجباية والأحكام، فيفسد العمران وينتقص، وانظر إلى ما ملكوه من الأوطان من لدن الخليفة كيف تقوض عمرانه، وأقفر
ساکنه) (3).
وهم من أصعب الناس انقياداً لبعضهم البعض للغلظة والأنفة، وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم من أجل ذلك لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة (4)
ولم يتخل أهل الخليج العربي عن التعصب للقبيلة، ولا عن الحياة الاجتماعية
(1) من هذه القبيلة عبد الله بن إباض لسان الإباضية وأحد شيوخها وهو الذي سميت الفرقة نسبة
له.
(2) أحمد أمين، فجر الإسلام ص 9.
(3) ابن خلدون، البيان والتبيين ج 3.
ص
126
(4) ابن خلدون، المرجع السابق ج 3 ص 300. (1/61)
صفحة 62
الفصل الأول
(46)
الخاصة، أو عن نظرتهم إلى النظم الحكومية الجديدة عليهم، حيث نظروا إليها في كثير من الجفاء، وعدم التأييد واللامبالاة مفضلين عليها أنظمتهم العربية القبلية المحافظة من زعامة الشيوخ ورؤساء القبائل.
وقد كان للبداوة الغالبة على أهل الخليج العربى أثرها البالغ في احتضان هذه المنطقة للحركة الإباضية، ويبدو أن دويلات الإباضية، وأئمتهم حين قامت دولهم في الخليج العربي وبخاصة في القرنين الثالث والرابع للهجرة قامت على أسس بدوية خالصة، وإن أخذت الإمامة عنواناً لها، وقد تجاوب أهل الخليج مع الإباضية، خصوصاً سكان البحرين وعمان والتي تمسك أهلها تمسكاً شديداً بالإباضية بحيث أنه صار تاريخ عمان هو سيرة سيرة الإباضية. (1/62)
صفحة 63
الفصل الأول
(47)
8: طباع سكان مناطق الخليج العربي في الاندفاع والحماسة والشجاعة إلى حد التهور، و المغالاة إلى حد التطرف
يتسم سكان مناطق الخليج العربي بالاندفاع والحماسة الشديدة والشجاعة إلى حد التهور والمغالاة إلى حد التطرف في أحيان أخرى، والاستهانة بالدنيا إلى أقصى حد دفاعاً عن رأى يعتقدونه، أومبدأ يدينون به
وللطبيعة البدوية أثرها في سكان مناطق الخليج العربي، حيث خلفت من مجموعهم نفوساً مؤمنة متعصبة ولكنها ضيقة العقول و متهورة مندفعة لأنها نابعة من الصحراء، وزاهدة في الحياة (1)
وهذه المغالاة وهذا التطرف التصقا بالحركة الخارجية طوال مسيرتها، وأصبح
لاحديث عن الخوارج دون التحدث عن التهور والمغالاة والتطرف.
ويبدو أن الإباضية قد وجدوا في هذه الصفات عند أهل الخليج الذين احتفظوا بصفاتها البدوية وما صاحبها من تهور واندفاع ومغالاة وشجاعة فرصة سانحة لانتشار المذهب الإباضي، بإعتباره مناوى لحكومة الدولة الإسلامية آنذاك
أمويين وعباسيين
من
ومما لاشك فيه أن نفى جابر بن زيد واتجاهه إلى منطقة الخليج العربي، ونشره للمذهب الإباضي هناك، لم يكن محض صدفه، بل أنه من أهالي عمان، ويعرف عادات وتقاليد الناس في تلك المناطق، إضافة إلى أن جابر بن زيد قد جاء بفكر إسلامي مستمد ومعتمد أساساً على القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا عجب في ذلك خصوصاً وأن المذهب أو الفكر الإباضي أقدم من إسمه حيث
(1) محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية ص 61، 62 (طبعة سلطنة عمان) (1/63)
صفحة 64
الفصل الأول
(48)
اتصل أوائل الإباضية بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا عن الأصول
الصحيحة (1)، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والحديث والإجماع.
لذا فإن إقتناعهم بالفكر الإباضي، جعلهم يتمسكون به تمسكاً شديداً، يدافعون عن هذا الفكر الإسلامي ويحاولون نشره، حتى نجحوا في تأسيس إمامة لهم في عمان، كان لها في القرنين الثالث والرابع للهجرة الدور البارز والهام في أن تكون الركيزة الأساسية لحماية هذا الفكر والعمل على نشره، ولاسيما في بلدان الخليج العربي.
(1) سالم بن حمود السيابي إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 69. (1/64)
صفحة 65
الفصل الأول
(49)
9: التطرف الجغرافى للخليج العربي، وبعده عن السلطة المركزية للدولة
الإسلامية:
توضح المصادر التاريخية أن البيئة المكانية كان لها دور هام في صنع بعض ملامح وتوجهات الفتن والثورات والحركات الخارجية وهوما ينطبق على الحركة الإباضية، حيث نشأت وتطورت تلك الحركة، بل أنها نجحت في تأسيس عدة دويلات في مناطق متطرفة من الدولة الإسلامية كشمال أفريقيا وحضر موت واليمن
وعمان.
فمع البدايات والحماسة للفتن والثورات كان العمل والنشاط في القلب والمركز في أقاليم الدولة الإسلامية في العراق والبصرة والكوفة ثم تتحول بعد ذلك إلى الأقاليم الأكثر بعداً عن السلطة المركزية كشمال أفريقيا واليمن وعمان.
فكانت مطاردة الدولة لهم أشبه بالقوة الطاردة المركزية التي يعرفها العلماء اليوم، جعلتهم يبتعدون دائماً عن المركز ليذهبوا دوماً إلى الأطراف بعيداً عن متناول يد السلطة. ولكن دون أن تنقطع اتصالاتهم بمراكزهم الأولى، خصوصاً بعد أن بدأت الحركة الإباضية تميل إلى التوطن والهدوء بعد أن تبدلت الظروف السياسية والاجتماعية للدولة الإسلامية. ونتيجة لهذا التوطن في أطراف الدولة الإسلامية والبعد عن مركز السلطة في الدولة الإسلامية، أصبح مناصري الفرقة الإباضية أقل تعرضاً للبطش والتعسف والظلم الذى كان أتباع الحركات المتطرفة الأخرى غالباً ما يلقونه من عمال السلطة المركزية، وأصبحت الفرصة سانحة للإباضية للتعبير عملياً عن تذمرهم من السلطة الحاكمة وطرح أفكارهم وآرائهم، ومحاولة إقناع الناس
وكسب الأتباع الذين هم وقود الحركات وأساس نجاحها أو فشلها. (1/65)
صفحة 66
الفصل الأول
(0.)
والواقع أن أطراف الدولة الإسلامية لم تكن وحدها مركزاً للثورات الخارجية ولكنها كانت ملجأ لها أكثر منها مركزاً (1).
فقد كانت لهذه الثورات مراكز داومت على الانطلاق منها، فكان مركز انطلاق الحركة الإباضية من البصرة حاضرة الخليج العربي ومركز الإشعاع العلمي آنذاك، ومنها ينشر دعاة الإباضية، ومنها يتلقى أتباع الإباضية في جميع أنحاء الدولة
الإسلامية التعليمات.
ويتضح
أخيراً أن التطرف في العقيدة ظهر أول ما ظهر بين البدو الذين ارتبطوا دائماً بالبصرة والكوفة اللتان تأسستا في عهد عمر بن الخطاب لتكونا معسكرين للقوات الإسلامية على حدود فارس وما بعد فارس من أمصار ومواطن، لذا فضل العرب الإقامة فيهما جالبين إليها الغنائم الوفيرة.
وصار الخليج العربي بقبائله وشعوبه بذلك مركزاً صالحاً للحركات والثورات. وكان للطبيعة الجغرافية للخليج العربي أثر هام في احتضان أهل الخليج العربي للحركة الإباضية والحرص عليها، ولذا فقد وجدت الحركة في أرض الخليج العربي المهد اللازم لنموها وتطورها
وتفاعلت بذلك عوامل كثيرة عند سكان منطقة الخليج العربي مع بعضها ومع الآراء الأفكار التي جاء بها رواد الإباضية وعلى وجه الخصوص جابر بن زيد، لتهييء المسرح في منطقة الخليج العربي لتقبل هذا الفكر الإسلامي، بل والتجاوب معه والأخذ والعمل به، مما أدى لانتشار الفقه الإباضي بين القبائل والشعوب التي كانت تقطن منطقة الخليج العربي ونجاحها على امتداد القرنين الثالث والرابع للهجرة
(1) أحمد أمين، فجر الإسلام ص 257. (1/66)
صفحة 67
الفصل الأول
(01)
على تحقيق الهدف الأسمى، وهو إنشاء إمامة إباضية «إمامة الظهور» في عمان، التي غدت إلى اليوم الموطن الأم للإباضية. (1/67)
صفحة 68
الفصل الثاني
قيام الإمامة الإباضية فى
الخليج العربي ودولتها
في عمان في القرنين
الثالث والرابع الهجريين (1/68)
صفحة 69
الفصل الثاني
(53)
الفصل الثاني
قيام الإمامة الإباضية في الخليج العربي
ودولتها فى عمان فى القرنين الثالث والرابع الهجريين
أولاً: مقدمات الكيان السياسى للإباضية في الخليج العربي ثانياً: إمامة الظهور الإباضية فى الخليج العربي ودولتها في عمان في القرنين الثالث والرابع الهجريين 1 - انتقال قيادة الإباضية في الخليج العربي من البصرة
إلى عمان:
أ- قيام إمامة الظهور الإباضية في عمان.
ب انتقال عاصمة الإمامة الإباضية إلى مدينة نزوى.
-2 - ازدهار دولة الإباضية في عمان
(177 - 280 هـ / 794 - 893 م)
أ - أئمة الشراة.
ب تأمين الدولة داخلياً وخارجياً.
3 - اضمحلال دولة الإباضية في عمان
(280 - 405 هـ / 893 - 1014 م).
أ - أزمة الحكم الإباضي في عمان.
ب الأئمة المستضعفون (280 - 320 هـ / 893 - 932 م)
ج-
أئمة الدفاع (320 - 405 هـ / 932 - 1014 م). (1/69)
صفحة 70
الفصل الثاني
أولا: مقدمات الكيان السياسى للإباضية في الخليج العربي
(02)
يستند الكيان السياسي للإباضية وما دار في فلكه من أحداث وتطورات في منطقة الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع للهجرة إلى تقاليد راسخة ومقومات ثابتة استقرت أوتادها في مرحلة الكتمان بالبصرة على عهد رواد الإباضية الأول منذ جابر بن زيد وخلفائه ودعاتهم من حملة العلم حتى مطالع القرن الثالث الهجري.
فقد كونت تلك التقاليد والمكونات دستور الكيان السياسي للإباضية في القرني الثالث والرابع الهجري، كما غدت أيضاً علامات الهدى للأئمة الإباضية في ممارسة الحكم وتوجيه دفة الأمور بين الناس.
وتتمثل تلك التقاليد الراسخة للإباضية ومقوماتها والتي جسدت الجانب السياسي للفكر الإباضي وفقهه أيضاً فيما يلى
:
ا - اقرار الإباضية لمبدأ التقية الدينية وسيلة للإعداد للعمل السياسي
الثوري:
ويعتبر اقرار هذا المبدأ نقطة هامة في تنظيم الثورات والحركات الإباضية الذين استفادوا من استخدام التقية الدينية باعتبارها وسيلة للإعداد لبناء كيانهم السياسي ولم يكن مبدأ التقية الدينية واستخدامه من وضع الإباضية وإنما كان مبدأ من مبادئ الشيعة أجاد الإباضية استخدامه والإفادة منه في تحقيق أهدافهم نحو إقامة كيانهم السياسي في الخليج العربي.
ويشكل هذا التصرف من جانب قادة الإباضية في إقرار مبدأ «التقية الدينية»
استفادة جيدة من تجارب الحركات الثورية السابقة من خوارج وشيعة
لحفظ (1/70)
صفحة 71
الفصل الثاني
(00)
قوة الدفع في الحركة الثورية الإباضية.
ولعل استفادة الإباضية وقادتهم من تصرف الحركات السابقة عليهم يشكل دلالة مهمة إذ توصى بأن هؤلاء القادة لم يتصرفوا فيما تصرفوا دون تمحيص أو دراسة لما سبق من حركات ثورية، بل استفادوا منها أعظم استفادة، إذ علمتهم على الأقل إنشاء تنظيم قوى لا يعرف الضعف حتى يتحمل ضربات السلطة القوية وويلاتها وهجماتها
•
2 - الإلتجاء إلى الحسم والقسوة الشديدة أحياناً لحماية التنظيم السياسي
الإباضي:
فقد ألزم الإباضية أنفسهم بهذه القسوة وفرضوها على كل أتباعهم، حتى
لا يقعوا فيما وقعت فيه الحركات المماثلة من استهتار أساء إلى حركتهم.
وتورد المصادر الإباضية أمثلة كثيرة منع فيها بعض أتباع الدعوة من الدخول إلى المجالس التي عقدت من أجل الحركة، ومن ذلك، ما يذكره أبو سفيان من أن شعيب بن عمر، وهو من أفاضل شباب أهل الدعوة قد حاول دخول أحد مجالس المشايخ وكان منعقداً في الليل في بيت زوج أخته حاجب الطائي. ولما علم الأخير به رفض السماح له وطلب منه العودة إلى بيته الذي كان يبعد أكثر من
أميال (1).
ثلاثة
ولاشك أن هذه الملامح الرئيسية للتنظيم الثورى للإباضية، قد ساعد الحركة الوليدة في الحفاظ على مصادرها البشرية وفكرها المتقد وتراثها الذي أرادت أن
تشكل على أساسه كيانها السياسي.
(1) عوض خليفات المرجع السابق ص 34. (1/71)
صفحة 72
الفصل الثاني
(07)
- إجادة التنظيم الثورى:
حيث اتخذ عدة أشكال تمثلت في عدد من المجالس السرية الثورية
فقد كان لأبي عبيدة (1) الزعيم الإباضى الذى خلف جابر بن زيد في قيادة الحركة الإباضية بالبصرة، فضل تطوير أعمال هذه المجالس السرية الثورية، بل وفضل إنشائها أصلاً.
وكانت هذه المجالس تقام في البصرة، وتضم مشايخ الدعوة، وأتباعها حيث يتداولون فيها خططهم ويتعلمون فيها مبادئ عقيدتهم وكل ما يمت إلى دعوتهم بصلة سواء في النواحي الدينية أم الدنيوية (2)
يتعبد مع
(1) كان أبو عبيدة زنجياً أسود اللون، أعور فقيراً وكان يقتات بعمل السعف يصنع منها قفافاً فلقب بالقفاف،، ولكنه كان سيد البيض بعلمه وعقله وفقهه. راجع عن أبي عبيدة مسلم: محمد على زبور، المغرب الكبير جـ 3 ص 150 - 153. (2) والحقيقة أن هذه المجالس السرية كانت موجودة منذ زمن مرداس بن أدية التميمي الذي تزعم حركة القعدة بعد معركة النهروان أى فى أيام زياد بن أبيه وابنه عبيد الله. وتذكر الروايات أن عروة بن أدية، أخا مرداس، قد قبض عليه وهو مختبئ فى سرداب سرى تحت الأرض حيث كان أصحابه. ويذكر المؤرخ الإباضي أبو سفيان أمثله أخرى تدل على وجود مثل هذه المجالس السريعة في زمن مبكر من الدعوة، منها قوله: حدثني يسار وهو من خيار من أدركت عن والدته، وهى تقارب الثمانين سنة. قال: أدركت أخوين من بنى راسب يقال لأحدهما بترح والأخر مازن إبني كنان، وكانا من خيار من مضى من أهل هذه الدعوة. وكانا نظيرى أبى بلال وأخيه عروة رحمهم الله، وكان في زمانهما، فأما يترح فكان عابداً مصلياً لا يفتر من العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كدير البعير، وكان قد اتخذ سرداباً في الأرض يعبد الله فيه مع أصحابه. أنظر: عوض خليفات، المرجع السابق ص 35. وقد روى أنهم كانوا يعيشون في مغارات في الأرض، يضعون سلسلة على باب الغار الذي يدرسون ويتناقشون فيه، فإذا جاءهم أحد من الشرطة أو الجواسيس تتحرك تلك السلسلة، فيتركون ماهم عليه ويأخذون في صنع القفاف، وإذا قيل لهم ما سبب وجودكم هنا؟ أجابوا: «كامنين أنفسنا حتى لا نسمع أو نرى شيئاً لايليق». انظر: سالم بن حمود السيابي، إزالة الوعثاء عن أتباع أبى الشعثاء
ص 57، 58 و
انظر: محمود إسماعيل الحركات السرية في الإسلام ص 31. (1/72)
صفحة 73
الفصل الثاني
(57)
ويمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من المجالس السرية كالآتي:
(1): المجالس العامة:
وهي التي لم تكن مقصورة على جماعة معينة بل إن دخولها مباح لأى شخص من أهل الدعوة.
وكان الأعضاء يرتادون هذه المجالس التي تعقد سراً في بيت أحد المشايخ وفي سراديب أرضية خاصة، أعدت لهذا الغرض.
وفي بعض الأحيان كانوا يعقدون هذه المجالس في بيوت النساء العجائز، أو
في بيت الكراتين تجنباً للشبهات وإمعاناً في الحيطة والحذر.
ولم يكن لهذه المجالس العامة برنامج معين أو خطة واحدة. بل كان الأعضاء يجتمعون في المجلس ويتلقون دروساً في العقيدة وإرشادات من كبار المشايخ الذين كانوا يقومون بإلقاء الخطب الواحد تلو الآخر حول موضوع معين أو مواضيع
مختلفة.
وكان المتحدثون يتكلمون بصوت منخفض حتى لايسمعهم الجيران أو المارة، وكانوا يعينون أشخاصاً منهم لمراقبة الأحياء والطرق المؤدية إلى مكان الإجتماع.
ولم يترك الإباضية وسيلة لإخفاء تنظيمهم إلا واتبعوها وكانوا يتخذون كل الإجراءات الممكنة لمنع تسرب أية معلومات عن مجالسهم أو أماكن انعقادها، كما كانوا يذهبون لحضور هذه المجالس في هيئة النساء في النهار، وغير ذلك من وسائل
التخفي. (1/73)
صفحة 74
الفصل الثاني
(OA)
وكان مشايخ الإباضية يحذرون أتباعهم من العيون والجواسيس ويوصونهم بطرد أي شخص يشكون في أمره ونتيجة لهذه الوسائل والإجراءات الحذرة التي اتبعها الإباضية لم يؤثر عنهم «أنهم ظفر بهم في مجلس قط» (1)
وكان مشايخ الإباضية البارزين يشرفون على هذه المجالس العامة، ولذلك فقد سمى كل مجلس باسم الشيخ المشرف عليه مثل مجلس عبد الملك الطويل، ومجلس أبي سفيان قنبر ومجلس أبى الحر على بن الحصين ومجلس أبي مودود حاجب الطائي وغيرها من المجالس.
(ب) مجالس المشايخ:
ويحضرها زعماء الإباضية فقط. وفى هذه المجالس تقرر السياسة التي يجب
على أهل الدعوة اتباعها.
وكان مجلس المشايخ عبارة عن مجلس تخطيط وتنظيم لحركة ثورية سرية، ولا يجوز لأحد غير الإمام وكبار المشايخ حضور هذه المجالس، في أنهم كانوا يردون أصحاب الدعوة غير المسموح لهم بالدخول مهما كان إخلاصهم للدعوة.
(جـ) مجالس حملة العلم:
حيث كان الدعاة من مختلف الأمصار يتلقون العلم وأصول الدعوة وتعاليمها مباشرة من «إمام الكتمان»، على نحو ما قام به الإمام أبو عبيدة بن مسلم بن كريمة التميمي الذي أسس مدرسة لهذه الغاية في سرداب أرضى لا يعرفه إلا الدعاة (حملة العلم) وشيوخ الإباضية البارزين الموثوقين.
(1) عوض خليفات المرجع السابق ص 38. (1/74)
صفحة 75
الفصل
(09)
وكان أبو عبيدة يتظاهر بصنع القفاف (1)، لذلك دعى بالقفاف (2)
وبينما كان الإمام يلقى دروسة علي تلاميذه كان هناك حارس يجلس عند الباب الخارجي.
وكانت البصرة مركز الدعوة الإباضية فمنها يرسل الدعاة الذين عرفوا بحملة العلم» إلى الأمصار وغيرها من بلدان الخليج العربي بعد تلقيهم أصول الدعوة، و تدريبهم على أساليب نشرها.
وكانت برامج إعداد الدعاة تدور حول عقائد المذهب مع الإلمام بكافة علوم العصر التقنية والعقلية، فضلاً عن تبصيرهم بفنون الإدارة وأساليب الحكم، وتلقينهم المهارات في كسب الأتباع وترغيبهم في اعتناق المذهب أو الفقه الإباضي، و تنظيمهم داخل فصائل وخلايا.
وبعد تأكد المشايخ من إعداد الدعاة إعداداً كافياً يزودون بالمال والمتاع للرحيل إلى مواطن نشر الدعوة، ومن هناك يباشرون مهامهم، كما يبعثون برسائلهم في انتظام إلى شيخ التنظيم في البصرة، ليقف على نشاطهم أولاً بأول، ومنه يتلقون الأوامر والنصائح فيما تواجههم من مشكلات ولا يخفى أن التنظيم الأم كان يبعث عيونه لمراقبة نشاط الدعاة ومعرفة مدى إخلاصهم وإلتزامهم بتنفيذ الأوامر (3)
(1) جمع قفه وهي معروفة حتى الآن، عبارة عن سلال خشبية. (2) سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 33. (3) محمود إسماعيل الحركات السرية في الإسلام ص 31. (1/75)
صفحة 76
الفصل الثاني
- إنشاء بيت مال خاص بجماعة المسلمين «الإباضية» بالبصرة:
(7.)
وهدف بيت المال هذا استخدام موارده المساعدة الدعاة والثوار الإباضية في
المناطق البعيدة
وكانت موارد بيت المال تأتي من مصدرين:
أ. المصدر الأول: عبارة عن ضريبة فرضها الإمام على أتباعه في البصرة،
وتتفاوت حسب ثراء المكلف بها ودخله (1)
ب أما المورد الآخر، فكان يأتي من التبرعات السخية التي يدفعها أثرياء الإباضية. ويبدو أن التجار الإباضية كانوا من الأغنياء المعدودين، وكانت تجارتهم تتجاوز البصرة وماجاورها، وتصل عن طريق الخليج العربي إلى الصين والشرق
الأقصى.
- تصنيف الإباضية (جماعة المسلمين)
على أساس أصل من أصول الفكر السياسي الإباضي الذي يعتبر «النهي عن المنكر والأمر بالمعروف»، وإزالة الظلم واجب على كل أفراد الأمة الإسلامية، ومن هذا التصور ترى الإباضية مواقف المجتمع الإسلامى الذي يتعاملون معه،
وتصنيفها على النحو التالي
:
(1) عوض خليفات الأصول التاريخية للفرقة الباطنية ص 46. (1/76)
صفحة 77
الفصل الثاني
أ – مجتمع الظهور:
(91)
السلطة
وهو المجتمع الذي يشهد قيام الدولة بالمعنى السياسي المعبر عن الحاكمة والسيادة العامة والتنفيذ، كظهور الدولة الإسلامية الأولى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أخر خلافة على بن أبي طالب.
وهذه الدولة لها جميع المقومات الأساسية تأمر بالمعروف جهراً، وتنهى عن المنكر جهراً أيضاً، وتطبق حدود الله، وتعلن الحرب على المرتدين والكفار، وتحكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والظهور هو الأصل الذي يجب أن يكون عليه المسلمون (1)
ب - مجتمع الدفاع:
•
وهو المجتمع الذي يقف دفاعاً يحارب عدواً داهمه واحتل دياره، أو أن يقف ضد حاكم (إمام) عبث بمصير الأمة الإسلامية وانحرف عن تطبيق كتاب الله عز وجل، وفي هذه الحالة، فإن المجتمع مطالب بتعيين إمام من قبل الأمة الثائرة تجب عليهم طاعته.
وإذا زال القتال زالت إمامته وله الحق أن يرشح نفسه لإمامة المسلمين من جديد، ولكن في ظل الدولة الفتية المنتصرة على حسب شروط الإمامة والتي أهمها
الكفاءة والأهلية.
(1) على يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 69 و
•
انظر: أبو حفص عمر بن جميع، مقدمة التوحيد ص 74. (1/77)
صفحة 78
الفصل الثاني
مجتمع الشراة:
(62)
وهو المجتمع الذي يعلن الجهاد أمام السلطة الجائرة، وينذر فيه أربعون مسلماً
فما فوق أنفسهم لله عز وجل. استشهاداً بقوله تعالى: (ومن الناس من يشرى
نفسه ابتغاء مرضاة الله)
(1)
وسموا شراة لأنهم اشتروا الجنة بأنفسهم ولا يجوز لهم الرجوع إلى ديارهم حتى ينقصوا عن ثلاثة رجال، وهم فى جهاد دائم حتى أن الصلاة تقصر في ديارهم، إذا دعت الضرورة بالاجتماع فيها مع أنصارهم الذين يعملون داخل المدن وخارجها، لضرب مضاجع ومعاقل السلطة الجائرة وزعزعة هيبتها، حتى تشعر الأمة الإسلامية أن هناك قوة روحية إلهية أقوى وأشد من القوة المادية الحاكمة التي
وصلت إلى الحكم عن طريق الوسائل اللا أخلاقية، لأجل حب الرئاسة ومفاتنها
- مجتمع الكتمان:
وهو المجتمع الذى لا يساعد الظالمين، ويبتعد عن وظائفهم، ويرشد الناس إلى الخير العام وتهذيب نفوسهم عن طريق المساجد وجمعيات الدعوة الدينية التي تسعى إلى غرس فضائل الإسلام وقيمه الخلقية وتربية النشء تربية إسلامية سليمة، وهو المجتمع الذي يمارس أدنى درجات الجهاد (2)
(1) سورة البقرة: 207.
(2) بكير بن سعيد، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 110. (1/78)
صفحة 79
الفصل الثاني
(63)
واستقرت التقاليد السالفة الذكر التي أرسى الإباضية قواعدها في مرحلة
الكتمان على امتداد القرنين الثالث والرابع للهجرة حيث نجح الإباضية – على هذه تلك التقاليد - في إقامة «إمام الظهور في عمان بالخليج العربي مع نهاية القرن الثاني الهجرى ومطالع القرن الثالث الهجرى)
(1)
(1) قامت «إمامة ظهور» في عمان سنة (134 - 137 هـ / 753 - 756 م) سميت بإمامة الظهور الأولى في عمان، وبعد ذلك وعلى وجه التحديد فى (177 هـ / 794 م) قامت «إمامة ظهور جديدة سميت بإمامة الظهور الثانية وهى الإمامة التي قضت عليها جيوش الدولة العباسية
بقيادة محمد بن نور سنة (280 هـ / 893 م). (1/79)
صفحة 80
الفصل الثاني
ثانيا: إمامة الظهور الإباضية في الخليج العربي
ودولتها في عمان في القرنين الثالث والرابع الهجريين
(92)
انتقال قيادة الإباضية فى الخليج العربي من البصرة إلى عمان
(1) قيام «إمامة الظهور الإباضية» في عمان
يتمثل الكيان السياسي للإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين في «إمامة الظهور (1) التي قامت دولتها في عمان (سنة 177 هـ / 794 م) (2)، أي قبل بداية القرن الثالث الهجرى بثلاثة وعشرين عاماً، ثم
(1) «إمامة الظهور» كما سبق ذكره في ص 22: تعنى الانتهاء من فترة الكتمان والإعلان الرسمى والعلني لإقامة كيان سياسى مستقل وهو الهدف الأسمى الذي كان يسعى إليه رواد الإباضية. فالإباضية كانوا يرون في إقامة دولة لهم على رأسها الإمام هو تقليد لما كان عليه
النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة وأقام دولة بها وأمر بالجهاد. (2) تعرف هذه المرحلة من إمامة الظهور فى مان (177 هـ / 794 م) باسم الإمامة الإباضية الثانية حيث سبقها في عمان قيام الإمامة الإباضية الأولى على عهد الإمام الجلندى سنة (134 هـ / 753 م، وهى الدولة التى لم تستمر إلا عامين فقط حيث قضى العباسيون على تلك الإمامة (137 هـ / 756 م). ويلاحظ أن الإباضية قد أقاموا إمامة الظهور» في النواحي التالية: أ - في حضر موت واليمن على يد عبد الله بن يحيى الكندي الذي اطلق على نفسه اسم طالب الحق وذلك في سنة (128 هـ / 747 م)، ولكن قضى بني أمية على هذه الدولة الإباضية سنة (130 هـ (749 م. ب - في بلاد المغرب حيث أقام أبو الخطاب الإباضي دولة في المغربين الأدنى والأوسط سنة (140 هـ /759 م). وأقام الإباضيون بعد ذلك إمامة الظهور الثانية في المغرب على يد عبد الرحمن بن رستم (سنة 160 هـ / 777 م) وهى الدولة التي قضى عليها الفاطميون (سنة 296 هـ /908 م). (1/80)
صفحة 81
الفصل
(70)
امتد بها العمر إلى نهاية القرن الرابع الهجرى حين أطاحت بهذه الدولة الإباضية جيوش العباسيين التي استردت بلاد عمان وأعادت سلطان الخلافة
العباسية عليها.
"
وتتميز هذه المرحلة من «إمامة الظهور ودولتها فى عمان (177 هـ / 794 م) بأنها لم تكن تجسيدا فقط للفقه الإباضي وفكره السياسي في الحكم، وإنما غدت هذه الإمامة الإباضية أيضاً ودولتها في عمان حجر الزاوية ومركز الثقل السياسي والحضاري للمذهب الإباضي ودعاته في سائر أرجاء الدولة الإسلامية، في وقت زالت فيه جميع الدول الأخرى التي أسستها أئمة الظهور الإباضية سواء في حضرموت واليمن أم في بلاد المغرب العربي.
وبدأت مقدمات هذا المركز الجديد للإباضية في عمان، ونشاطها في الخليج
العربي في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري.
ذلك أن آخر أئمة الكتمان بالبصرة (170 هـ / 787 م) وهو «أبو سفيان ابن محبوب ابن الرحيل انتقل إلى عمان فراراً من شدة الرقابة العباسية على البصرة وتضيقها الخناق على الإباضية في هذه المدينة التي كانت مركز قيادة الدعوة السرية للإباضية في الخليج العربي.
وكانت الأحوال في عمان مهيأة لأن تنتقل إليها قيادة الدعوة الإباضية السرية بانتقال آخر أئمة الكتمان إليها وكذلك كان إباضية عمان يعملون على دفع الحركة الإباضية إلى الخروج من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور وتحقيق رسالة مذهبهم
وأهدافها. (1/81)
صفحة 82
الفصل الثاني
(66)
إذ تقاسمت عمان عند انتقال آخر أئمة الكتمان إليها ثلاث قوى هي: السلطات العباسية التي اقتصر نفوذها على المناطق الساحلية من عمان، وقوة القبائل العمانية التي سادتها المنازعات والخلافات عقب زوال الإمامة الإباضية الأولى (134 هـ / 753 م) وأخيراً قوة الإباضية الذين اعتصموا بالجهات الداخلية من عمان البعيدة عن بطش العباسيين وعمالهم.
ونجح «شيوخ» الإباضية وهم قادة الفقه والرأى في استقلال هذه الأوضاع التي سادت عمان عند انتقال آخر أئمة الكتمان من البصرة إلى عمان، وأجادوا تعبئة القوى على اختلاف مشاربها وذلك عن طريق المكاتبات والمراسلات وتنظيم الدعوى الإباضية، ثم وضعوا الحشود التي جمعوها تحت قيادة أحد شيوخ الإباضية الأعلام وهو محمد بن المعلا الكندى وشنوا الحرب على أحد الزعماء الموالين للعباسيين في عمان هو «راشد بن شاذان بن النظر بن الجلندى وانزلوا به هزيمة ساحقة سنة (177 هـ / 794 م) (1)
من
وترتب على هذا الانتصار الإباضي زوال سلطان العباسيين والموالين لهم أيضاً آل الجلندى من عمان وإعلان إمامة الظهور الإباضية في البلاد. «إذ لما تحقق المسلمون أى (الإباضية من هذا النصر رجعوا إلى قلب عمان ليجتمعوا إلى إخوانهم أعمدة الإيمان، ويتناظرون وإياهم في ذلك الشأن (أي الإمامة) فإنهم قاتلوا راشداً بلا إمام ولا سلطان وإنما كانوا جمهوريين يتبعون علمائهم
(2)
وتم اجتماع الإباضية تحت قيادة شيخهم ورئيسهم إذ ذاك وهو «موسى بن أبى
(1) مجهول، تاريخ أهل عمان ص 56، و
سالم بن حمود السيابي عمان عبر التاريخ ج 2 ص 100 (1982
(2) سالم بن حمود السيابي نفس المرجع لسابق ص 100.
سلطنة عمان) (1/82)
صفحة 83
الفصل الثاني
(67)
«مشورتهم»
جابر الأزكوى الذى قام بتوزيع المناصب في عمان على نحو ما استقرت عليه وذلك تجنباً للطموح الشخصى الذى كان يسيطر على قادة الإباضية نحو الوصول إلى الرئاسة وتم توزيع أولئك القادة على الأقسام الإدارية الرئيسية في عمان، كما كان منهم محمد بن المعلا الكندى الذى نال ولاية صحار (1) وما ولاها (وهي منطقة الباطنة)، وتولى قائد آخر من الإباضية وهو محمد بن عبد الله أبي عنان اليحمدي مدينة نزوى وقرى الجوف
(2)
بن
واستطاع محمد بن عبد الله بن أبي عفان اليحمدي أن يتغلب على نظرائه في عمان وكذلك الأحلاف القبلية القائمة في البلاد وأن ينفرد بالأمر ويصبح أول
أئمة الظهور الدولة الإباضية في عمان (177 هـ / 794 م).
•
(1) تقع مدينة صحار على البحر الخليج العربي وهي العاصمة، ويقيم بها كثير من التجار الملاحين الذين يتاجرون في السفن مع البلاد الأخرى وهى أكثر المدن العمانية تعداداً للسكان،
وأكثر منها ثراء.
انظر: اندرو ويليامسون، صحار عبر التاريخ (طبعة سلطنة عمان، 1982 م).
(2) سرحان بن سعيد الأزكوى العماني تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأئمة ص 41، 42 (الطبعة الثانية 1986) - عمان، وسالم بن حمود السيابي، المرجع السابق
ص 100، 1.1. (1/83)
صفحة 84
الفصل الثاني
(68)
ب - انتقال عاصمة الإمامة الإباضية إلى مدينة نزوى:
صاحب قيام «إمامة الظهور الإباضية في عمان (سنة 177 هـ / 794 م) اتخاذ مدينة نزوى عاصمة دائمة للدولة الجديدة ومقراً للإمامة بدلاً من مدينة صحار وغيرها من المدن الأخرى التي تنقلت بينها الإمامة الإباضية أحياناً إذ رأى «المسلمون (أى الإباضية) تحويل عاصمة الإمامة من صحار إلى داخلية عمان في مكان يكون صالحاً لاستقرار كرسى الرئاسة، لأن صحار كانت مهددة من أعداء عمان سواء من الداخل أم الخارج» (1).
واتجهت أبصار الإباضية نحو مدينة نزوى لتكون عاصمة ومقراً للإمامة لأنهم وجدوها «أمنع لهم وأصون لزعامتهم وأقر لسلطانهم لأنها تقع في داخل البلاد وعلى مقربة من النواحى الشرقية الأمنة وتبعد في الوقت نفسه عن الغرب حيث كان غزاة عمان يأتون دائماً من الجانب الشمالي الغربي (2).
واستقر رأى شيوخ الإباضية على أن يقيم الإمام في مدينة نزوى، ولا يخرج منها إلا للأمور الهامة ويستطيع بذلك إذا هاجم عدو البلاد أن يعد الإمام من مقره الأمن في نزوى العدة لصد العدو، وسد الثغور في وجهه» وذلك تقديراً منهم لمكانة الإمام وإعلاء شأنه ولأن الإمام فئة قومه وإليه يلجأ الخائف (3)
وصارت مدينة نزوى كرسى الإمامة في عمان ومقر «بيت الإمامة» ويعلو شأن هذه العاصمة بعد انتهاء حكم مؤسس الدولة وهو محمد بن عبد الله
بن
أبي
(1) سالم بن حمود السيابي المرجع السابق جـ 2 ص 134. (2) سالم بن حمود السيابي المرجع السابق جـ 2 ص 134. (3) سالم بن حمدو السيابي المرجع السابق جـ 2 ص 134. (1/84)
صفحة 85
الفصل الثاني
(79)
عفان اليحمدي (سنة 179 هـ / 796 م) (1) حيث خلفه في الإمامة في مدينة نزوى الإمام الوارث بن كعب الخروصي الذي دخلت في عهده دولة عمان الإباضية في مرحلة مزدهرة بالقوة والحضارة.
(1) عبد الله بن حميد السالمي تحفة الأعيان ج 1، 2 ص 114) مكتبة الاستقامة، سلطنة
عمان). (1/85)
صفحة 86
الفصل الثاني
(V.)
(1) ائمة الشراة:
ازدهار دولة الإباضية في عمان
(سنة 177 - 28 هـ / 794 - 893 م)
بدأت «إمامة الظهور» ودولتها في عمان تنعم منذ قيامها سنة (177 هـ إلى سنة 280 هـ) بمجموعة من الأئمة العظام جرت بيعتهم طبقاً للفقه الإباضي «أئمة
شراة».
والإمام الشارى هو أعلى درجات الإمامة عند الإباضية، فهو ينال البيعة من
شيوخ الإباضية بالثقة المطلقة منهم جميعاً ويخص بإجماعهم على إمامته (1). وكان في نزوى مقر الإمام وعاصمة الدولة «بيت للمشورة» يجتمع فيه أهل الحل والعقد من أهل العلم والرأى حيث يقومون تحت رئاسة كبير علماء الإباضية بالنظر فيمن هو جدير بأن تنعقد عليه بيعة الإمامة.
وكانت تتم مبايعة الإمام على أساس «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» و «على الشرى» (2) في سبيل الله عز وجل وعلى إظهار الحق وإخماد الباطل، وعلى الجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية (3)
(1) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 75 و
انظر: سرحان الأزكوي، المرجع السابق ص 46.
(2) الشرى: مصطلح يستخدمه الإباضية إستناداً إلى قوله تعالى: (ومن الناس من يشرى
ابتغاء مرضاة الله).
(3) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 158، و
انظر: سيدة إسماعيل كاشف عمان في فجر الإسلام ص 82 (1/86)
صفحة 87
الفصل الثاني
(71)
وكانت هذه البيعة هي أصل الإمامة وعليها يدور محور إمامة المسلمين منذ
أهل
عهد الخلفاء الراشدين والمنوطة أعمالهم بشيوخ الإباضية وعلمائهم الذين هم الحل والعقد وقامت هذه الجماعة بعد بيعة الإمام بمسئوليات عديدة تدور حول تقديم المشورة والنصائح للإمام ليكون دائماً على علم بما يدور في دولته وعلى دراية كاملة بحركات أهل الظلال وأن يكون يقظاً لما تتطلبه الدولة من أعمال، هذا فضلاً عن قيام «أهل الحل والعقد إلى جانب النصح بواجبات المراقبين بكل ما يطرأ على الدولة من أحوال وأن ينهضوا أيضاً بمهمة «الناظرين» في سير
الأعمال
ومراعاة أمور الدولة والدين (1)
•
(ب) تأمين الدولة داخلياً وخارجياً
:
كانت أولى المهام التي اضطلع بها أئمة الشراة» هو توفير الأمن والأمان للدولة الإباضية الجديدة باعتبار أن ذلك هو القاعدة التي تقوم عليها سلامة الدولة وأداء رسالتها.
واجهت عناية أئمة الشراة بأعداد قوات الدولة البرية والبحرية على أسس جديدة واستراتيجية تكفل حرية العمل في الداخل والخارج في نفس الوقت حيث كان يتربص بتلك الإباضية الجديدة أعداء من بقايا المناوئين للإباضية في البلاد القوى الخارجية من عباسيين وغيرهم الذين كانوا يتطلعون للسيطرة على عمان ووأد قوة الإباضيين بها بعد أن تحقق لهم الانتقال من مرحلة الكتمان
فضلاً
عن
إلى مرحلة الظهور.
(1) سيدة إسماعيل الكاشف المرجع السابق ص 82 و سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 164. (1/87)
صفحة 88
الفصل الثاني
(72)
واستند البناء الجديد للجيش الإباضي في عمان على تنظيم القوات البرية (1) على أساس تنظيمها في وحدات «سرايا» سريعة الحركة جيدة التدريب قادرة على مفاجئة العدو إلى جانب اعداد اسطول يضم سفناً صغيرة «كان يطلق عليها اسم «القرف» وأخرى زوارق كان يطلق عليها اسم «شذاءات»، وكان في مقدور هذه الوحدات البحرية الجديدة التصدى للسفن الكبرى «البوارج» التي كانت تهاجم أهل عمان من البحر، واثبت أئمة الشراة بذلك أنهم كانوا من أبناء عمان أصحاب الخبرة العالية بالبحر وركوبه وشئونه.
ووجه
أئمة الإباضية جهودهم لتأمين دولتهم ضد الأخطار الخارجية التي تهدد الكيان الإباضي في عمان وتمثلت جهود الأئمة فيما يلى:
أ- صد الجيش العباسي الذي بعث به الخليفة هارون الرشيد لاسترداد عمان التي كان يتولى إمامتها في ذلك الوقت الوارث بن كعب الخروحي
(192 - 179 هـ).
وجاءت هذه الحملة العباسية في أواخر سنة (192 هـ /807 م) وتولى قيادتها ابن عم الخليفة نفسه وهو عيسى بن جعفر بن المنصور دلالة على اهتمام الخلافة
(1) استند اباضية الظهور في اعداد قواتهم البرية على تراث الأمام الجلندى بن مسعود (الإمامة الأولى في عمان) فقد رتب هذا الإمام «الشراة وهم المحاربون مراتب عديدة منظمة فجعل الشراة كتائب وجعل لهم مراتب فكان على كل مائتين من الشراة إلى ثلاثمائة وأربعمائة قائد من أهل الفضل والحجة والبصيرة والثقة والعلم والمعرفة والفقه الحزم والقوة. وجعل على كل عشرة من أصحابه مؤدب من أهل الفقه يعلمهم الدين ويؤدبهم بالمعروف ويبعدهم عن ا الظلال ويهديهم إلى ما فيه صلاح أمرهم. وأصبحت قوات الإمامة في عمان على استعداد لمواجهة ما قد يهدد الدولة
وأمنها. (1/88)
صفحة 89
الفصل الثاني
(73)
العباسية باسترداد عمان، وكان الجيش العباسي يتألف من ستة آلاف مقاتل، فيهم ألف فارس وخمسة آلاف رجل وبلغ العمانيين نبأ خروجه (أي الجيش العباسي) عليهم ليمحوهم من الوجود الإباضي)
(1)
وبلغت أنباء هذه الحملة العباسية واتجاهها إلى عمان وصحار الذي كتب بذلك فوراً إلى الإمام الوارث حتى تتمكن الإمامة من الاستعداد لمواجهة هذا الخطر الكبير وقام الإمام بدوره بإعداد جيش من ثلاثة آلاف مقاتل جعل على قيادته خيرة رجال الإباضية هو «مقارش بن محمد اليحمدى والتقى الجيشان الإباضي والعباسي شمال صحار وكان النصر حليف الجيش الإباضي واندحار القوات العباسية وهروب بعض أفرادها إلى السفن الراسية في ميناء صحار ليتحصنوا بها ولكن نفراً من جند الإباضية أعدوا ثلاثة مراكب وهجموا بها على السفن العباسية ووقع في أيديهم القائد العباسي عيسى بن جعفر أسيراً وحملوه إلى صحار.
وكان الإمام قد
أعد
قواته وخرج بها من نزوى إلى صحار حيث بلغته وهوفي الطريق أنباء انتصارات الجيش الإباضي على الجيش العباسي.
وانتهى الأمر بقتل القائد العباسي وتأمين الدولة الإباضية، وزاد من قوة انتصار الإباضية أن الخليفة هارون الرشيد قد توفى فى السنة التالية لتلك المعركة (سنة 193 هـ / 808 م)، وهو الأمر الذى حال دون استئناف العباسيين لحملاتهم
على عمان.
ب تأديب القراصنة الهنود الذين دأبوا على مهاجمة سواحل عمان وذلك على عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192 - 207 هـ / 807 - 822 م).
(1) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ص 119. (1/89)
صفحة 90
الفصل الثاني
(74)
وكانت إغارات القراصنة الهنود شديدة الخطر حيث عمدوا إلى انزال الرعب في طريق المسلمين (الإباضية البحري عند سواحل عمان، فكانت البوارج (السفن الكبيرة التي تحمل القراصنة الهنود يقعدون باطراف عمان ويسلبون المارة وكل من خرج في البحر ثم يهربون إلى ناحية فارس والعراق (1) حتى صارت النواحي الشمالية من عمان ومنها دبا وجلفار رأس الخيمة وماحولها من تلك الأطراف تعانى من تلك الهجمات من جانب القراصنة الهنود.
وشجع القراصنة الهنود على تكرار اغاراتهم على سواحل عمان الشمالية
من
بعدها عن عاصمة الإمامة في نزوى التي تقع بداخل البلاد، إذ كان الانتقال نزوى إلى صحار على الساحل يتم على الرواحل وعلى الأقدام وذلك يستدعى أياماً في الطريق .. فمتى تصل الأخبار عنه أى الساحل) إلى عمان الداخلية إلا بعد مدة لاسيما إذا كان المسير على الأقدام أو الرواحل العادية، فإذا كان الأمر مهماً فعلى الإبل المعدودة لهذا الشأن أو الخيل المهيأة لهذا المسومة عند أهل
عمان» (2)
وبادر الإمام غسان إلى تنظيم قوة بحرية ذات زوارق خفيفة الحركة لضرب بوارج (السفن الكبيرة) القراصنة الهنود وهو أول من اتخذها من أئمة عمان، وذهب بنفسه إلى صحار وأقام بها ستة عشر يوماً استطاع خلالها أن يؤدب القراصنة الهنود بحيث كلما جاؤوا إلى جانب من ساحل عمان) وجدوا شراة البحرى (أى الإباضية على استعداد تام فألقى الله الرعب في قلوبهم فهربوا وانقطع فسادهم وزال بغيهم وعنادهم» (3)
(1) سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 43، 44. (2) سالم بن حمود السيابي، المصدر السابق ج 2 ص 128. (3) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 129 و انظر: مجهول، تاريخ أهل عمان ص 60. و انظر: سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 44، 45. (1/90)
صفحة 91
الفصل الثاني
(75)
و حافظ الأئمة في عمان من بعد غسان بن عبد الله اليحمدي على تلك القوة البحرية التي أعدها هذا الإمام وأضافوا إليها قطعا بحرية أخرى حتى بلغ الأسطول الإباضي على عهد الإمام المهنا بن جيفر (226 - 237 هـ / 840 - 851 م)، أكثر من ثلاثمائة بارجة حربية إلى جانب الزوارق خفيفة الحركة.
وكان يعزز هذه القوة البحرية قوات مرابطة في العاصمة نزوى كان قوامها سبعمائة ناقة وستمائة فرس لتلبية أول نداء لمواجهة الخطر، وكانت بالعاصمة نزوى قوات إباضية أخرى برية بلغت عشرة آلاف مقاتل يخدمها تسعة آلاف مطية وهو الأمر الذي عزز تأمين الدولة الإباضية في عمان.
ج - جهود الإمامة الإباضية في تأمين الأراضى العمانية التي هاجمتها قوات الحبشة على عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي (273 - 237 هـ/
851 - 886 م).
وكانت الحبشة قد دأبت على إعداد أساطيل لها هاجموا بها سقطرى (1) أحد المواني العمانية، وذلك لبعد هذا الميناء عن العاصمة وصعوبة دفاع القوات الإباضية هذا الميناء غير أن والى سقطرى كان يتابع إغارات سفن الحبشة على سقطرى، وقد حدث أن إحدى تلك الإغارات الحبشية قد أنزلت الفزع بين أهالى سقطرى وبخاصة بين نسائها. فأنشدت إمرأة من سقطرى قصيدة بعثت بها إلى الإمام
عن
الصلت
بن مالك تخبره بتلك الأعمال الوحشية التي نزلت بسقطرى جاء فيها:
(1) سقطرى: جزيرة مهمة من الجزر العمانية طولها ثمانون فرسخاً ويكثر بها النخيل والعنبر وتقع
في الطريق بين عمان والحبشة. (1/91)
صفحة 92
الفصل الثاني
(76)
قل للإمام الذي ترجى فضائله ابن الكرام وابن السادة النجب
وابن الجحاجحة الشم الذين هم كانوا سناها وكانوا سادة العرب
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة بعد الشرائع والفرقان والكتب (1 وأعد الإمام الصلت بن مالك قوات برية وبحرية كبيرة فكانت لديه القوات التي سبق اعدادها على عهد أسلافه من الأئمة وكذلك السفن التي أعدها سلفة المهنا بن جيفر وكانت جملة المراكب الحربية التي أعدها الإمام الصلت لاسترداد سقطرى من الحبشة نحو مائة مركب هذا فضلاً عن القوات البرية التى ولى عليها قائدين من خيرة قادة عمان وهما محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال وزود القادة بتعليمات امتداد للتعليمات التي كان الخلفاء الراشدون يزودون بها قادة الجيوش عند خروجهم للغزو ويؤكدون فيها الالتزام بآداب الجهاد في الإسلام حتى يكون الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأرض والوطن (2)
تعد
واستطاعت القوات الإباضية البرية والبحرية تنفيذ تعليمات الإمام الصلت ابن مالك بدقة واستطاعت استرداد جزيرة سقطرى وأقاموا بها حامية تؤمن أرض تلك الجزيرة وثبتت قواعد الشريعة على مبانيها وارتفع صوت عمان على
ربوعها (3).
(1) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 191.
(2) انظر الملحق رقم (2)
(3) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 194. (1/92)
صفحة 93
الفصل الثاني
(77)
وكانت انتصارات جيش الإمام الصلت بن مالك إضافة إلى بقائه فترة طويلة في «إمامة الظهور» سبباً في حدوث أزمة في نظام الحكم الإباضي (278 هـ / 91 م تركت أعمق الآثار في البناء السياسي للإباضية في الوقت الحاضر. (1/93)
صفحة 94
الفصل الثاني
اضمحلال دولة الإباضية في عمان
(280 - 405 هـ / 893 - 1014)
(أ) أزمة الحكم الإباضي في عمان:
(78)
حتى
تعرضت إمامة الإباضية في عمان إلى أزمة خطيرة في أواخر أيام الصلت الذي قضى في الإمامة خمسة وثلاثين عاماً، (237 هـ - 273 هـ) وهنت قوته وضعفت قبضته على مؤيديه وأتباعه.
من
وهو الأمر الذي أفسح الطريق للتجمعات القبلية في عمان إلى العمل على استعادة سلطانها مما فتح الباب لصراع مرير على السلطة بين المؤيدين مباشرة لحكم وهم رجال الحلف القبلي من بني يحمد الذين كانوا يستوطنون
الصلت،
الإمام السهول الشرقية لمنطقة الجوف وبين قبائل الشمال التي كانت تمتد سيطرتها حتى الجانب الغربي من سلسلة الجبال في المنطقة السفلى من الجوف (حيث العاصمة
نزوى)، وهي القبائل التي كانت في ذلك الوقت مستبعدة من الحكم.
وفي عام (273 هـ / 886 م) قامت مجموعة من رجال الدين الإباضية بزعامة شيخهم موسى بن موسى من أسرة بنى سامح التي ظلت فترة مائة عام تقريباً تشكل العمود الفقرى لعملية انتخاب الأئمة بخلع الإمام الصلت. بن مالك وتنصيب راشد بن النظر إماماً (1)، وهو ممن كانوا ينتمون إلى أحد الفروع القبلية ذات المنزلة
(1) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 67، 68 و انظر: سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 49. (1/94)
صفحة 95
الفصل الثاني
العادية في عمان.
(79)
وقد صاحب عزل الإمام الصلت بن مالك نقاش وجدل منذ أواخر القرن الثالث الهجري دار حول القضايا الدستورية للإمامة، وهو الأمر الذي عجل بتعميق الخلافات السياسية في عمان (1)
وكانت هذه الفتنة بحق منعطفاً هاماً في تاريخ الحركة لإباضية، حيث فجرت معالم الخلاف القبلى وقسمت عمان إلى معسكرين سياسيين، يعتمدكل منهما على ما توافر لديه من امكانات مادية وبشرية.
وزاد فى خطورة هذه الفتنة ومضاعفاتها اختلاف موسى بن موسى مع الإمام الذي نصبه وهو راشد بن النظر، حيث بري موسي بن موسى من الإمام راشد بن النظر، وفسقه وضلله، وثار عليه وعزله سنة (277 هـ/890 م)، وغين بدلاً منه الإمام عزان بن تميم (2)
ولكن الخلاف ما لبث أن دب مرة أخرى بين موسى بن موسى والإمام عزان بن تميم الذي قام بعزل موسى بن موسى عما كان يتولاه من مناصب، وبخاصة منصب
القضاء (3)
وبذلك اشتعلت نيران الفتن في عمان وأهلها، حتى «صار أمر الإمامة بينهم لعبا ولهوا وبغيا وهوى، لم يقتنعوا بكتاب الله ولا السلف الصالح من آبائهم وأجدادهم، حتى أنهم عقدوا في عام واحد ست عشرة بيعة، ولم يفوا ببيعة واحدة
(1) ولسون، المرجع السابق ص 25. (2) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 68.
(3) سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص
0. (1/95)
صفحة 96
الفصل الثاني
(A.)
حتى بلغ الكتاب أجله (1).
وتجلت خطورة هذه الفتنة حين اشتد بطش الإمام عزان بن تميم بأعدائه، إذ خرج نفر منهم وعلى رأسهم محمد القاسم وبشير بن المنذر (2)، من بنى سامة بن لؤي بن غالب وقصدوا البحرين حيث كان عاملها إذ ذاك هو محمد بن نور، من قبل الخليفة العباسي المعتضد، وطلبوا منه المساعدة ضد الإمام عزان بن تميم. فأشار عليهما أن يذهبا إلى الخليفة العباسي ببغداد، ويذكرا له أمرهما، وأنهما قدما يريدان، نصرته فسار محمد بن القاسم إلى الخليفة المعتضد، وكرر له الأمر، واستخرج منه لمحمد بن نور عهداً إلى عمان ورجع إلى البحرين وسلم محمداً بن نور أمر الخليفة بالزحف إلى عمان.
الجند،
وقام محمد بن نور بجمع العساكر من سائر القبائل وبخاصة النزارية، وسار معه ناس من الشام من طيء (3)، وخرج يريد عمان في خمسة وعشرين ألفاً من ومعه ثلاثة آلاف وخمسمائة فارس وعليهم الدروع والجواشن وعندهم الأمتعة (4)، ووصل خبره إلى عمان التي اضطريت أحوالها حين وصلت إليها هذه الاستعدادات
العباسية.
(ووقع بين أهلها الخلف والعصبية، وتفرقت أراؤهم، وتشتت قلوبهم، فمنهم
(1) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 70، و
انظر: سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 51050.
(2) أي أنهم من نفس قبيلة موسى بن موسى. (3) طبيء، بن أدد قبيلة عظيمة من كهلان من القحطانية تفرعت منهم بطون وأفخاذ.
(4) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 71 و
انظر: سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 53. (1/96)
صفحة 97
الفصل الثاني
(81)
من خرج من عمان بأهله وماله ومنهم من أسلم نفسه للهوان لقلة احتياله، وخرج سلمان بن عبد الملك السلمى ومن اتبعه من عمان إلى هرمز، وخرج أهل صحار بأهلهم وأموالهم إلى شيراز والبصرة» (1).
ثم قدم محمد نور بجنوده وعساكره وافتتح «جلفار» (رأس الخيمة حالياً)،
(2)
وزحف على العاصمة «نزوى» نفسها، وقد تخاذل الناس عن الإمام عزان بن تميم، مما مهد الطريق أمام زحف محمد بن نور إلى نزوى، وسلمت له نزوى، ثم مضى قاصداً (سمد الشان) (3) فلحق بعزان بن تميم ودارت بينهما الحرب، وذلك.
يوم الأربعاء
(4)
لخمس وعشرين من شهر صفر من سنة (280 هـ / 893 م) فى معركة السمد (4) فكانت الهزيمة على أهل عمان وقتل عزان بن تميم (5)، وخرجت عمان من يد أهلها، ولم يغير الله ما بهم، بل غيروا ما بأنفسهم، وكان قتالهم وحربهم ونيتهم طلباً للملك، ورغبة منهم في الرئاسة، وكل منهم يود أن يكون الملك بيده، أو بيد فسلط الله من هو للملك أطلب
من
الله
مال إليه بوده، وأفسدوا منهم، دينهم فنزع عنهم دولتهم، فسلط الله عليهم عدوهم، وكانت دولة الإباضية منذ ملكوها إلى أن خرجت من أيديهم قد بلغت مائة سنة وثلاثا وستين إلا شهراً واثنى عشر يوماً (6).
(1) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 72.
(2) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 73.
(3) سمد الشان، قرية في الأقليم الشرقى على الجانب الأيسر لوادي سمد.
(4) محمد أمين، المرجع السابق ص 28.
(5) بعد مقتل عزان بن تميم في معركة سمد (280 هـ / 893 م) انتهت الإمامة الإباضية الثانية.
(6) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 73. (1/97)
صفحة 98
الفصل الثاني
(82)
وقد بعث محمد بن نور (1) برأس عزان بن تميم إلى الخليفة المعتضد ببغداد، ورجع إلي نزوى وأقام بها. وقامت ثورة مضادة للحكم العباسي قادها أحد الموالين للإمام المقتول، وهو «الأهيف بن همام الهنائي، وخرج في جيش جرار، وعسكر ضخم يبغى طرد عامل العباسيين، وهو محمد بن نور من عمان. ودخل الفزع في قلب محمد بن نور وخرج هارباً من نزوى وتبعه الأهيف بعساكره، وسرعان ما جاءت امدادات للجيش العباسي ساعدت على إيقاع الهزيمة نهائياً بأهل عمان، وقتل «الأهيف بن همام» (2).
قائدها
ورجع محمد بن نور إلى نزوى واستولى على كافة عمان، وفرق أهلها وعاث في البلاد، وأهلك بقية الحرث والأولاد وجعل أعزة أهلها أذلة، وقطع الأيدى والأرجل، والآذان وسمل الأعين وجعل على أهلها النكال والهوان، ودفن الأنهار، وأحرق الكتب، وذهبت عمان من أيدى أهلها (3).
وعاد محمد بن نور إلى ولايته بالبحرين، بعد أن جعل على عمان والياً من قبله هو أحمد بن هلال، ومقره في «ببهلا» (4)، وآخر اسمه (بحيرة) ومقره في
العاصمة نزوى.
وتجلت أزمة الحكم الإباضي في عمان بعد خلع الإمام الصلت بن مالك، ليست في استعادة العباسيين لعمان فحسب، وإنما في الجدل الخطير الذي دار بين علماء
(1) بعض الكتب تسميه محمد بن بور أو ابن ثور في اختلاف باللفظ انظر: الطبري، ابن الأثير
وابن خلدون
•
(2) سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 55. (3) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 74. (4) وتكتب أيضاً (بهلي) غربي نزوى بالداخل. (1/98)
صفحة 99
الفصل الثاني
(83)
الإباضية أنفسهم، بحيث صار خلع الإمام الصلت هو المحور الذي كانت تدور حوله كتاباتهم نظراً لأن ذلك الحادث كان يمثل النظرية التي تقوم عليها عقيدتهم بالنسبة للعلاقات الدستورية التي تربط بين «الإمام والجماعة»، تماماً كما حدث إبان خلافة عثمان بن عفان التى كانت منطلقاً لوضع الأسس النظرية للدولة في الإسلام، ومن ثم كانت هذه الفتنة التي عقبت خلع الإمام الصلت بن مالك بمثابة رحلة بحث عن الحق عند الإباضية وعلمائهم، يجدر بنا أن نلقى عليها مزيداً من الضوء وذلك للأسباب التالية:
-
1 - أن هذه الفتنة رغم أهميتها
-
قد أسدلت كل المصادر التاريخية
الإسلامية (عدا المصادر (الإباضية) ستاراً عنيفاً من التجاهل والتناسي، - ولا نقول النسيان - لأن ما كان يحدث في عمان من أحداث جسام لم يكن غريباً أن يسمعه كل من يسكن بقاع الدولة الإسلامية حينئذ
2 - أن ما ذكر من الفتن لم يكن ليذكر تقديراً لأهل عمان أو تسجيلاً لأحداثهم، وإنماهو تسجيل لدور الخليفة العباسي، حينما شاء له أهل عمان أنفسهم
أن يتدخل، فتدخل، وحينئذ أشارت المصادر التاريخية لما حدث في عمان!
3 - إن أهم ما تم بحثه في رحلة الفتن هذه في عمان، واضطراب الأحداث، هو موقف المذهب الإباضي نفسه بالنسبة للأصول الإسلامية، فقد دار الجدل بين العمانيين حول التطبيق السليم لهذه الأصول الإسلامية، وبخاصة من حيث إباحة أموال المسلمين ودمائهم.
4 - أن الفتن الداخلية التي حدثت في عمان قد تأثرت بالمحيط الخارجي كما أثرت هي بنفسها في ذلك المحيط الخارجي أيضاً.
ه - إن عصر الفتن شاهد نفراً من ألمع الرجال، وإن كانوا رجال علم، وليسوا (1/99)
صفحة 100
الفصل الثاني
(84)
رجال سياسة. فهم فكانوا جانباً مضيئاً في تلك الفترة، وإن غاب في زحمة الأحداث.
ومن المؤكد أن مسألة الخلاف على عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي قد أتخذت منذ أواخر القرن الثالث الهجري، وخلال القرن الرابع الهجرى أيضاً شكلاً جدلياً بين العلماء في عمان، وتجلى هذا في كتاباتهم وانقسمت عمان بعلمائها إلى حزبين كبيرين (مدرستين) (1)
:
1 - حزب أو فرقة أو مدرسة النزاونية (نسبة إلى نزوى): وهو الحزب المؤيد لعزل الإمام الصلت بن مالك (المدرسة النزوانية).
-2
حزب أو فرقة أو مدرسة الرستاقية) نسبة إلى رستاق): وهو الحزب
المعارض لعزل الإمام الصلت بن مالك (المدرسة الرستاقية)
(1) المدرسة النزوانية:
وتدور أفكارها وأراؤها في الفتنة حول ما يلى:
أ - أن حكم تقديم موسى بن موسى لراشد بن النظر على الصلت بن مالك حكم الدعوى المحتمل للحق والباطل، والخطأ والصواب.
هو
فالإمام إذا لم تقم الحجة عليه فما تزول إمامته «بالعالمين»، وموسى وراشد لم يظهر منهما فى تقدمهما على الصلت تكفير له يجب به خلعهما، وإنما ادعوا عليه دعوى إن كانوا صادقين فهم محقون، وإن كانوا كاذبين فهم يبطلون، وفي ذلك دليل على احتمال صدقهما في دعواهما أنه مسلم للمسلمين لما ضعف واعتزل عن
الإمامة.
(1) أبو بكر الكندي، الأهتداء ص 9، 10 (1/100)
صفحة 101
الفصل الثاني
(A 0)
ب اختلفوا بعد اجتماعهم على القول بالاحتمال لموسى وراشد في تقدمهما على الصلت على هذه الصفة على قولين:
1 - تصح إمامة الصلت، ولكن الصلت كبر في السن حتى كان يتكأ على
مناة معروضة على أكف الرجال.
- ويصح أيضاً تقديم راشد على الصلت ولا يصح بغى راشد.
ج- أن حكم اختلاف شاهدى الحدث فيه، وفى محدثيه، هو حكم اختلاف الدعاوى يحمل لكل فريق منهم على قول الصدق والكذب والحق والباطل، وهم بمنزلة
المتداعين.
ر-
أن صفة هذا الحدث ليست، بدعة وإنما هي دعوى، حيث إن البدعة هي استحلال الحرام، وهذا لم يحدث إذ اعتزل الصلت الإمامة
هـ - يصرون على أن الاختلاف بين أهل عمان حول:
هل الصلت أعلن اعتزال الإمامة أم لا؟
و - يقولون إن تقديم إمام على إمام يجوز لمن علم بزوال إمامته في السريرة ولو لم يظهر ذلك، أو أن الإمام (محجور) حتى يشهر ذلك.
ز - أن الصلت لم يصح عنه بإجماع نكير على موسى وراشد حين تقديمهما عليه، وقد ترك نكيرة عليهما اعترافاً بصوابهما وحقهما.
ح- إن من أسباب تقديم موسى وراشد على الصلت:
1 - ضعف وعجز الصلت عن القيام بمهام الدولة. (1/101)
صفحة 102
الفصل الثاني
2 - أن موسى من أعلام المسلمين في عصر الصلت.
- أن موسى وراشد لم يكفرا الصلت.
(86)
4 - أن موسى وراشد قد وطئوا أثر الصلت، واستعملوا عماله ولم يخطئوه، وهذا يؤكد عدم نكير الصلت لهما في تقدمهما عليه.
ط - إن الصلت أرسل إليهم شارات الإمامة ومنها الخاتم ومفاتيح الخزانة (1)
(2) المدرسة الرستاقية: (مؤيدو الإمام الصلت بن مالك)
وأهم أفكارها هي:
أ - أمر الله أن نتبين الخبر من الفاسق وذلك حتى يصح التخصيص.
أما اختلاف الرأى فالمهم أنه لم يأت فيه بعينه من الأصول الثلاثة وهى: الكتاب والسنة والإجماع.
ب أن حكم تقديم موسى لراشد على الصلت قبل ظهور السبب الموجب لزوال إمامته بالشهرة التي يستوى فيها الخاص والعام من رعيته، حكم «البدع» لا يحتمل الحق بوجه من الوجوه.
ولذلك فإن راشداً بن النظر هو المستحق لضرب العنق، لأن الصلت إمام بإجماع
في حكم الظاهر.
وقول موسى وراشد أن الصلت سلم الإمامة للمسلمين واعتزلها، وإن خرج مخرج الدعوى، واحتمل الصدق والكذب، فإنه غير تقدمهما عليه، وهذا التقدم غير
(1) أبو بكر الكندي، الاهتداء ص 100 - 135. (1/102)
صفحة 103
الفصل الثاني
(87)
قولهما أنه سلم وإعتزل، فالعلة هنا تقدمهما على إعلان التسليم والاعتزال، وبذلك
فهما مبتدعان.
ج- إن اختلاف المشاهدين للحدث، ومحدثيه، جاء على ضربين:
1 - اختلافهم فيما تزول به إمامة الصلت.
2 - اختلافهم في حكم تقديم موسى لراشد وولايتهما عليه وبراءته منها أما اختلافهما في أن الصلت تبرأ من الإمامة واعتزلها، فهو ليس مقبول على الصلت، لأن الإمام إذا ثبتت إمامته بإجماع لم تزل إلا بإجماع.
وإنما الخلاف في ولاية فريق منهم لموسى وراشد و تصويبهما وخروجهما عليه قبل ظهور ما ادعوا عليه بالشهرة وبراءة فريق منهما وتخطئتهم لهما على ذلك، فهذا حكمه حكم اختلاف لا يحتمل الحق بوجه من الوجوه، والمحق من هؤلاء هم المتبرءون من موسى وراشد.
للبدعة.
د-
إن الحدث على الصفة التي عليها اتفاق الطائفتين هي صفة موجبة
هـ- يصرون على أن اختلاف أهل عمان لم يكن حول: أن الصلت اعتزل الإمامة أم لا. ولكن الخلاف حول: التقديم علي الصلت قبل شهره زوال إمامته في
مملكته.
لأن القائلين بأن الصلت تبرأ من الإمامة لو لم يتقدموا عليه ولا صوبوا
المتقدمين عليه، لما قال أحد أنهم مخطئون.
و - لايجوز عزل الإمام لمن علم بزوال إمامته في السريرة، ولو لم يظهر ذلك (1/103)
صفحة 104
الفصل الثاني
(88)
ومن قال بهذا خرج من قول الإباضية.
ز - إذا سلمنا أن الصلت لم يصح منه نكير على موسى وراشد في تقدمهما عليه، لا يحتمل به حقهما ولا يبيح لهما التقديم عليه إلا بعد صحة عند الرعية أولاً في حكم الظاهر بالشهرة.
ح - أن الأسباب التي يستندون إليها في تقديمهما على الصلت بدعة وهي:
1 - ضعف الصلت ووهنه فلا دليل على صحة هذا القول بإجماع.
2 - إن كان موسى من أعلام المسلمين فالأعلام محجور عليهم التقديم على الإمام ما كان ثابت الإمامة في حكم الظاهر.
-3
أن موسى وراشداً لم يكفرا الصلت فلا دليل على صحة إدعائهم في احتمال الحق لهم في خروجهما على الصلت.
-4
أن توطئة أثر الصلت واستعمال عماله فإن هذا لا يعلل الخروج على الأئمة والعقد عليهم في حال ثبوت إمامتهم في حكم الظاهر
-0
- إن عدم وجود نكير مجتمع للصلت على صحته، كما اجمع على صحة تقدم موسى وراشد لا يحل لهما التقدم عليه.
6 - إن انفاذ الصلت للكمة والخاتم ومفاتيح الخزانة لادليل فيه على احتمال حقهما في عقدهم عليه في حال ثبوت إمامته في حكم الظاهر، إذ وقع هذا بعد
خروجهما عليه. (1/104)
صفحة 105
الفصل الثاني
(89)
والواقع أن هذه الفتنة كان لها في عمان وشعبها أبلغ الأثر إذ هي التي سببت
الفتنة مرتين:
أ - عندما وقعت الأحداث نفسها
ب حينما تحول الحدث إلى سبب فتنة دائمة انشغل بها الناس وانقسموا على
أنفسهم. حتى إنه يبدو واضحاً وجلياً أن عمان ليست هي عمان قبل هذه الفتنة وتطور تلك الأحداث بين موسى وراشد وأنصارهما من جهة والصلت وأنصاره من جهة أخرى، أو قل عمانيين عمان النزوانية بعلمائها وآرائها وأئمتها أحياناً، وعمان الرستاقية بعلمائها وآرائها وأئمتها أحياناً أخرى وهذه غير تلك.
الأمر الذي أضعف شوكة الحكم الإباضي أشد إضعاف، وما أن قامت الإمامة حتى زالت مرة أخرى.
ويلاحظ أن المدرسة النزوانية قد اتخذت شكل الاعتدال
والمرونة.
وعدم التطرف
واتخذت المدرسة الرستاقية شكل التطرف والتشدد (حتى في أمور أخرى
غير ما يمس جوهر الاختلاف بينهما، وهو حدث موسى بن موسى وراشد بن النظر من جهة والإمام الصلت من جهة أخرى).
وطوال أزمة الإمامة حافظ حزب نزوى على مواقف الاعتدال التي كان
يتخذها، وكان أعضاؤه من الملتفين حول شخصية مهمة هي شخصية: (1/105)
صفحة 106
الفصل الثاني
(9.)
محمد بن محبوب بن الرحيل) ت 260 هـ - 4873).
وهو من أبرز علماء عمان، وظل كتابه (الرئيس) باقياً، وسر تأثيره (وبالتالي استفاد حزب نزوى من هذا التأثير)، وينحدر من أسرة عريقة لها مكانتها الدينية حيث يتصل ابن الرحيل بمنابع الحركة الإباضية صلة قديمة تعود إلى باكورة الإسلام، ومنذ أن كان جده سيف بن هبيرة أحد فرسان النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد
(1)
أفراد قبيلة مخزوم بن كعب بن لؤي (1). لذلك كانت قبيلته معروفة في عمان. ولكن أسرة ابن الرحيل لم تحاول استغلال مكانتها في أغراض سياسية بل على العكس كانوا من غلاة المعارضين للإمامة الوراثية واتخذوا موقف الحياد في المنازعات القبلية، كما أنهم بفضل من أنجبوا من أساطين العلم ورجال الدين قد تبوءوا مركزاً هاماً في المجتمع العماني (2)
ويقف إلى جانب محمد بن محبوب بن الرحيل ودوره في مدرسة نزوى العالم أبو سعيد الكدمي» (القرن الرابع الهجرى - العاشر الميلادي)، وهو مؤرخ إباضي. وتنبع أهميته أساساً من سمتين أساسيتين في مؤلفاته:
أ - أنه قد أرخ لعلماء مدرسة نزوى وأئمتها تأريخاً دقيقاً.
(1) ولسون، عمان تاريخ وعلماء، ترجمة محمد أمين عبد الله ص 53.
(2) وقد كان للاتجاه المعتدل لاتباع مدرسة نزوى دور هام في إعطائهم كلمة مؤثرة في عملية بعث الإمامة في عمان، وكان الرأى العام وقتها لايزال حاداً، مما حال بين معظم القبائل واتخاذ موقف موحد حيالها. وبقيت هناك معلومات تمثل وجهة نظر أصحاب مدرسة نزوى مسجلة في كتاب «السيرة» لأبي عبد الله بن روح، وهو من سكان «سمد»، وقد كانت مدرسة نزوى في ذلك الوقت مركز الاتجاه المحايد من حيث بدأ أبو عبد الله نبهان بن عمان في محاولاته لإحياء الإمامة. انظر: ولسون، المرجع السابق ص
00 (1/106)
صفحة 107
الفصل الثاني
(91)
ب أن تأثير أفكاره المعتدلة قد هيأ الفرصة لانتهاج تلك الطريقة التي تميزت بها الحركة الإباضية في باكورة عهدها، ويعود الفضل أساساً إلى آراء أبي سعيد الكدمي في التغلب على الصعاب التي تجمعت مع نهاية القرن الثالث للهجرة وتحويلها لمصلحة عمان، وفي الحفاظ على «الإمامة مؤسسة للحكم في البلاد»، وصار الفضل يعود إلي مرونة أصحاب مدرسة نزوى في نجاح الإباضية في تطوير نوع من نظم الإمامة التي تبلورت بعد أزمة الحكم على عهد الإمام الصلت بن مالك، وهيأت للإمامة البقاء حتى العصر الحاضر. (1/107)
صفحة 108
الفصل الثاني
(92)
(ب) الأئمة المستضعفون (280 - 320/ 893 - 932 م):
دخلت الإمامة الإباضية في عمان في مرحلة خطيرة من حياتها بعد أن تغلبت جيوش العباسيين بقيادة محمد بن نور على آخر أئمة الشراة وهو الإمام عزان بن تميم وقتله سنة (280 هـ /893 م) في موقعة سمد.
وكان قوام هذه المرحلة هو تنصيب أهل عمان لنفر من الأئمة لم يكن سلطانهم شاملاً لكل عمان وإنما كان يقتصر على ناحية دون أخرى أو مدينة دون أخرى فضلاً عن أنهم لم يكونوا سلسلة متصلة الحلقات وإنما كانت توجد فترات من «الشقور» لا يوجد بها إمام هذا فضلاً عن أن التوفيق لم يكن حليفهم ولا العدل ا نصيرهم ولا الاستقامة دعامتهم» (1).
وكان يطلق على هؤلاء الأئمة اسم الأئمة المستضعفين»، حسب قواعد الفقه الإباضي. وهى تعنى بالإمام الضعيف هو الإمام الذى يكون بحاجة إلى مشورة علماء المسلمين وفقهائهم وغالباً ما كان الناس لا يلجأون إلى مثل هذا الإمام الضعيف وإنما كانوا يلجأون إلى كبار العلماء لحل مشاكلهم (2
(2)
وكان أول أولئك الأئمة المستضعفين هو محمد بن الحسن الذي أقام في العاصمة نزوى (282 هـ (895 م)، وقد عجز هذا الإمام عن مواجهة السلطات العباسية وعمالها في العاصمة وغيرها من أرجاء عمان وقد جرى الأمر سجالاً بين هذا الإمام وعمال السلطة العباسية وهو أمر صار سمة للأئمة المستضعفين وأعمالهم.
(1) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 298.
(2) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 76 و
سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 298. (1/108)
صفحة 109
الفصل الثاني
(93)
فكان الحاكم العباسي في عمان وهو ما أطلق عليه الإباضية لقب «السلطان» - وهو لقب يحمل في عرف الإباضية الظلم والجور - حين يأتي إلى العاصمة نزوى لجباية الأموال المقررة على أهلها كان الإمام يعتزل بمعنى أنه يعتزل بيت الإمامة ويذهب إلى منزلة الشخصى في العاصمة نزوى، وحين يخرج السلطان من يرجع الإمام إلى بيت الإمامة حيث تكون إمامته اسماً دون معنى.
العاصمة
وقد صار نفر من أولئك الأئمة المستضعفين أحياناً عمالاً «للسلطان» وهو الحاكم العباسي نفسه (1)
وكان المسيطر على عمان زمن الأئمة المستضعفين أسرة «بنى سامة بن لؤى» الذين عهدت إليهم السلطات العباسية بتصريف شئون عمان فكان «بنو سامة» يستهينون بأولئك الأئمة المستضعفين حتى إنهم كانوا يقولون «للسلطان العباسي» حين يدخل نزوى
اتركه (أي الإمام) في مكانه إسماً وأنت معنى ولا تخش منه شيئاً فإنه لم
يكن بيده أمر من أمور الدولة (2)).
وزاد في سوء أحوال الأئمة المستضعفين تكالب «بنى سامة» على الزعامة في عمان، فكانوا عائلة تتهارش على ملك عمان وهم يلقبون أنفسهم سلاطين» (3). ويعملون دائماً في الوقت نفسه على طمس شخصية الأئمة المستضعفين برغم
عجزهم وخلوهم من أي معلم من معالم السلطة.
(1) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 298. (2) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص. (3) سالم بن حمود السيابي، المرج السابق ج 2 ص 331. (1/109)
صفحة 110
الفصل الثاني
(94)
وتجلت هذه الظاهرة من الاستكانة والعجز عند الأئمة المستضعفين على عهد أحدهم وهو «عمر بن محمد بن مطرف الحداني، والذي اعتزل بيت الإمامة حين سيطر «بنو سامة» على شئون العاصمة نزوى.
وقام إمام آخر من الأئمة المستضعفين وهو «محمد بن يزيد الكندى» باعتزال الأمامة حين دخل نزوى «سلطان بنى سامة»، وأصبح هذا الإمام بهروبه متخلياً
إمامته.
عن
وعزز «بنو سامة» سلطانهم واستعلاءهم على الأئمة المستضفعين حين باتخذهم قوات دائمة لهم داخل العاصمة نزوى وخارجها.
وأصبح السلطان من بنى سامة» إذا دخل نزوى تخرج الأمامة من العاصمة كلها وتصبح لاشيء أما حينما يخرج السلطان فإن الإمامة تبرز من مخبئها وتعلن أمرها، بحيث صار الذي بيده الحل والعقد هو السلطان والذي له اسم الإمامة لا يهتم السلطان بأمره ولا بشأن وجوده (1)
عن
وبلغ هوان الأئمة المستضعفين أقصاه على عهد الإمام الحكم بن الملا البحرى الذي وصفه أحد الإباضية قائلاً: لا نعلم أن إماماً كان من أهل القبلة قبله في الضعفة والوهنة، مسلماً ولا مجرماً (2)، فلم يكن لهذا الإمام حول ولا طول أمام
قوة بنى سامة.
(1) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 302 و انظر: مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 77.
ص
302 و
(2) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2. انظر: مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 80. (1/110)
صفحة 111
الفصل الثاني
(90)
وزاد في خطورة مرحلة الأئمة المستضعفين في عمان هجوم القرامطة (1) على تلك البلاد، بعد أن اشتدت شوكتهم في البحرين وقاموا بانتزاع الحجر الأسود من مكة سنة (317 هـ / 929 م). وكان الصراع حينذاك في عمان على أشده بين الأئمة المستضعفين وبنى سامة من جهة وبين بنو سامة بعضهم ببعض من جهة أخرى. وقد لجأ بعض المتنازعين على السلطان من بنى سامة إلى القرامطة في البحرين وطلبوا منهم المساعدة وذلك على عهد أبو طاهر القرمطي» الذي قد اقتلع الحجر الأسود من مكة (سنة 317 هـ / 929 م وفى نفس السنة دخل القرامطة عمان تحت ستار مساعدة بنى سامة وكان هذا في عهد أحد الأئمة المستضعفين وهو «عمر بن محمد بن مطرف الحداني»، الذي اعتزل بيت الإمامة حين تخاذل عنه الناس لصد القرامطة لأنه رأى التخاذل من قومه وأن شأنهم التغلب والتلاعب عندما يجدون من الغير ما يحبون» (2)
(1) حركة القرامطة حركة هدامة ذات طابع سياسي اجتماعي،اقتصادي، اتخذت من الدعوة الإسماعيلية قناعاً تسترت خلفه، نسبت إلى أحد زعمائها وهو حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط. ظهرت دعوتهم في الكوفة وجنوب العراق بعد منتصف القرن الثالث للهجرة، وامتدت دعوتهم إلى اليمن والشام والبحرين وعمان وفى سنة 311 هـ غزا القرامطة البصرة، وقطعوا الطريق على حجاج بيت الله الحرام. ثم قاموا سنة (317 هـ / 929 م) بغزوتهم الشهيرة التي نهبوا فيها مكة وهتكوا حرمتها واختطفوا الحجر الأسود ونقلوه معهم إلى الأحساء. وقد أحدث القرامطة هزة عنيفة في جسم الدولة الإسلامية حتى حلت بهم الهزيمة في العراق (سنة 375 هـ / 985 م، وهى نفس السنة التي شهدت أيضاً نهاية نفوذهم في عمان، على قول ابن خلدون في مقدمته، والطبري، تاريخ الطبرى والمسعودى مروج الذهب، وابن الجوزي، المنتظم
وابن الأثير، الكامل في التاريخ.
(2) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 76، و
انظر: سالم بن حمود السيابي المرجع السابق ج 2 ص 292. (1/111)
صفحة 112
الفصل الثاني
(96)
وظل القرامطة في عمان يسيطرون على الأمور من دون الأئمة المستضعفين حتى اضطروا إلى مغادرة عمان في أيام الإمام أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر وذلك) سنة 375 هـ 985 م، فقد شجع هذا الإمام على الهجوم على القرامطة وإخراجهم من عمان وزوال سلطان القرامطة على يد أهل الأحساء، وقد قام هذا الإمام بحرق بيوت القرامطة إمعانا في طردهم نهائياً من عمان، وقد استشهد في إحدى معاركة مع القرامطة وقعة الغشب) من الرستاق (1)
وقد ترتب على هذا النصر الإباضي على القرامطة قيام مرحلة جديدة في تاريخ الأئمة الإباضية في دولة عمان حيث انتقل أولئك الأئمة من مرحلة الضعف
إلى مرحلة العمل على استرداد سلطانهم الفعلي في عمان (2)
(1) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 298، 299، و انظر: مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 82 و 90، و
انظر: سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 62.
(2) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 299. (1/112)
صفحة 113
الفصل الثاني
(97)
(ج) أئمة الدفاع: (320 - 405 هـ / 932 - 14 - 1 م):
انتهت مرحلة الأئمة المستضعفين حين ولى الإمامة في عمان (سنة 320 هـ / 932 م) الإمام سعيد بن عبد الله الرحيل، حيث قامت بيعته على الدفاع لا على الشراة: ذلك لأن «الجور والظلم والفوضي أحاطت بعمان من كل جانب فكان غاية الأمل في ذلك الحال الدفاع عن البيضة وحماية الحوزة (أى الدفاع عن الأهالي من هجوم الأعداء ومطاردتهم عنها» (1).
وكانت الإباضية يلجأون إلى اختيار إمام الدفاع» في الظروف الحرجة الصعبة، حيث يختاره أعلام القوم، ليلم الشعب ويوحد الصفوف ويقودهم إلى المعركة، وربما لا تتوافر فيه كل الشروط الواجب توافرها فى الإمام، وبعد القضاء على الخطر ينظر في إمامته فإما أن يبقى وإما أن يطلب منه الاعتزال (2)
وتجلت قوة أئمة الدفاع في أداء رسالتهم لحماية عمان وأهلها حين تصدى الإمام سعيد بن عبد الله الرحيل لأحد الطغاة أسرة آل وجيه، وهو إذ ذاك- يوسف من
وجيه
ه، فكان هو وأسرته «أعمدة جور وظلم تسلطوا على عمان ببني العباس» (3) وكان يوسف بن وجيه قد سيطر على معظم أرجاء عمان واتجه إلى نزوى للاستيلاء عليها والإطاحة نهائياً بالإمام الجديد سعيد بن عبد الله وقد دارت المعركة في شمال نزوى وانتهى الأمر بهزيمته (سنة 320 هـ / 932 م).
(1) سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص 64، و
انظر: سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 317. (2) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 76، و
انظر: سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ص 317.
(3) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 319. (1/113)
صفحة 114
الفصل الثاني
(98)
ومما يجدر ذكره هنا أن الإمام سعيد بن عبد الله بعث بكتاب إلى يوسف بن وجيه قبل المعركة ينصحه فيه - جرياً على قواعد الفقه الإباضي والتي جرى عليها العرف الإسلامي أيضاً.
تعذر فالقتال.
-
على العمل على حل المشاكل سلمياً أولاً وإن
فكشف الإمام في كتابه ليوسف بن وجيه الغاية من الحروب وعن عمل المسلمين في حرب أعدائهم وأنه إذا كف عن معارضة الإباضية فليس لهم رغبة في معارضته وهو مالم يدركه يوسف بن وجيه وانتهى الأمر بهزيمته على يد الإمام سعيد بن عبد الله الذى ملأت هيبته عمان وأشرق فيها نور العرفان» (1)، بعد
(1)
نجاحه في أداء مهامه في حماية عمان باعتباره إماماً من أئمة الدفاع (2). وقد لقي الإمام سعيد بن عبد الله مصرعه وهو يتابع مهمته بصفته إماماً للدفاع في مبادرته بالعمل على حل الصراعات الداخلية التي تنشب بين أهل عمان، فقد حدث سنة (328 هـ/939 م صراع بين طائفتين من أهل عمان نشب بسبب إمرأة كانت تجفف حباً في الشمس وجاءت شاة فأكلت الحب فرمتها بحجر وهنا تدخلت جماعة من أصحاب مالك تلك الشاة حيث تصدت لهم جماعة أخرى من أنصار المرأة التي قذفت الشاة بالحجارة والتحم القوم إقتتالاً ونشبت بينهم عظيمة وجاء الإمام مسرعاً ليكف بعضهم عن بعض ولكن قتل الإمام أثناء حدة القتال دون أن يعرف قاتله وكان ذلك في سنة (328 هـ/939 م)، ضارباً المثل الأعلى على أنه خير من يمثل مهام إمام الدفاع» (3)
(1) سالم بن حمود السيابي المرجع السابق ج 2 ص 323. (2) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 81، و
انظر سرحان الأزكوى، المصدر السابق ص
(3) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 327، 328.
فتنة (1/114)
صفحة 115
الفصل الثاني
(99)
وبعد مصرع الإمام سعيد بن عبد الله بايع الإباضية أحد رجالهم وهو راشد بن الوليد (سنة 328 - 342 هـ) (1) على سبيل الدفاع، وكان من علماء الشريعة ومن خيرة أهل عمان ولم يكن من «اليحمد» ولا من «ا «الأزد» وإنما تمت البيعة له لقدرته على القيام بمهام الدفاع عن عمان وكان سلطانه يمتد على القرى في شرق عمان، أما غرب عمان فكانت تحت سيطرة العباسيين وكانت تلك المنطقة الغربية تعتبر مفتاح الباب العماني حيث يتجمع فيها عمال العباسيين وغيرهم من الموالين لهم.
وبدأ الإمام راشد مهمته باعتباره إماماً للدفاع حين توجه بنو مكرم وهم من وجوه عمان إلى بغداد وطلبوا مناصرة أصحاب السلطان فيها إذ ذاك وهم بنو (2)، للحصول على ملك عمان.
بويه
وقام بالهجوم على عمان أبو القاسم المطهر بن محمد، وزير عضد الدولة البويهي (3)، وتمكن من الزحف على نزوى حيث مقر الإمام الإباضي راشد بن الوليد، وقد انفض من حول الإمام اتباعه حين تقدمت جيوش البويهيين على
(1) عمل العباسيون في عهد الإمام راشد بن الوليد على ضم عمان وفرض سيطرتهم الفعلية عليها. وعندما تصدى الإمام لهم مدافعاً عن استقلال بلاده خذله الناس وانصرفوا عنه، فحلت به الهزيمة وهرب إلى الجبال، ثم مات سنة (342 هـ / 953 م). وانقطع بموته عهد الإمامة في عمان، وذلك إلى حين ظهور الخليل بن شاذان سنة (405 هـ). (2) ظهر بنو بنويه في عالم التاريخ في أوائل القرن الرابع الهجرى وذلك حين دخلوا بغداد وسيطروا على مقاليد الأمور فيها من دون الخلافة العباسية، ثم حكموا، فارس، كما امتد سلطانهم في العراق والأهواز وكرمان وهمذان وأصبهان ..
(3) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (مكتبة الاستقامة
سلطنة عمان) جا
ص 285، و «الوزارة في العصر البويهي رسالة ماجستير غير منشورة، اعداد: هاشم
عبد الراضي - دار العلوم سنة 1990 م.
انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ حوادث سنة 363 هـ. (1/115)
صفحة 116
الفصل الثاني
(1 .. )
العاصمة مما اضطره إلى الهرب إلى داخل عمان والاعتصام بالجبال ولكن انتهى الأمر بسيادة البويهيين على عمان وذلك (سنة 342 هـ / 953 م)
ودخلت عمان مرة أخرى في مرحلة خضعت فيها للعباسيين أو «لسلطان الجور» على حد تعبير الإباضية. وظلت هذه المرحلة خمسة وستين عاماً انتهت حين تمكن الإباضية من استرداد نشاطهم على عهد الإمام الخليل بن شاذان (1)، الذي تولى الإمامة (سنة 405 هـ / 1014 م)، وهى السنة التي أستأنف فيها الإباضية على هدى تراثهم ونشاط أئمة الظهور فى دولتهم على امتداد القرنين الثالث والرابع للهجرة العمل على إعادة الكيان السياسي للإباضية وهو الكيان الذي ما زالت
معالمه تظهر وترفع ألويتها في عمان اليوم.
(1) بعد موت الإمام راشد بن الوليد (سنة 342 هـ / 953 م بقيت عمان خاضعة للولاة مدة خمسة عاماً تداول فيها على حكم عمان عمال الخلافة العباسية وبعض صنائعهم المحليين ثم
وستين
القرامطة. حتى اختير الخليل بن شاذان إماماً في بضع وأربعمائة للهجرة. انظر:
ابن الأثير، الكامل في التاريخ في حوادث سنة 363 وما بعدها، و
انظر: السالمي، تحفة الأعيان ج 1 ص 303. (1/116)
صفحة 117
الفصل الثالث
أثر الإباضية في حياة الخليج
العربي الفكرية والثقافية
والاجتماعية والاقتصادية (1/117)
صفحة 118
الفصل الثالث
الفصل الثالث
أثر الإباضية في حياة الخليج العربي
الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية
(102)
أولاً:: أثر الإباضية على الحياة الفكرية والثقافية في الخليج
العربي.
أ- المنابع الفكرية للإباضية وتياراتها.
ب المنابع الثقافية للإباضية وتياراتها
ثانياً: أثر الإباضية على الحياة الاجتماعية في الخليج العربي.
ثالثاً: أثر الإباضية على الحياة الاقتصادية في الخليج العربي. (1/118)
صفحة 119
الفصل الثالث
(103)
أولا: أثر الإباضية على الحياة الفكرية والثقافية في الخليج العربي
(أ) المنابع الفكرية للإباضية وتياراتها:
تأثرت حياة الخليج العربي الفكرية بالفقه الإباضي وما تركه في نفوس أتباعه
من مبادئ التزموا بها التزاماً صادقاً.
وتجلت معالم هذا التأثير الفكرى للإباضية في رؤيتهم للخلافة وشروطها. حيث كانت مسألة الخلافة هى المحرك الأساسي للفكر في الدولة الإسلامية، وتحديد دور الإباضية وفكرهم في هذه المسألة أيضاً
والمعروف أن الإباضية سموا «القعدة المحكمة بسبب الخلافة، وأن اختلاف بلال بن مرداس، وعبد الله بن وهب الراسبي مع غيرهم من معاصري الفتنة الكبرى كان سببه «الخلافة» أولاً ثم «التحكيم ثانياً، وأن جميع من خرج - حينما خرجوا - قال: «حكموا الرجال في كتاب القرآن».
كانت هذه الصيحة هي بداية الشقاق. حيث انفتح بعدها حوار – لم يغلق حتى الآن - بين كل المسلمين حول الخلافة وشروطها وكيفيتها وأساسها، وصفات الخليفة، وواجباته ومسؤلياته، وحقوق الرعية.
ويمكن توضيح رأى الإباضية في مسألة الخلافة على النحو التالي: أ - أن الإباضية قد شاركوا فرقاً إسلامية أخرى في رفضهم الشديد والمتكرر لمسألة تضمين شرط «القرشية» ضمن شروط الخلافة (1)
ومسألة أن يكون الخليفة قرشياً، قد وضعت أمام فرق إسلامية كثيرة، وسببت
(1) محمد بن أبي زهرة شروط الخلافة.
ص
97. (1/119)
صفحة 120
الفصل الثالث
(104)
فرقة واسعة بين كثير من أهل الإسلام وأوطانه.
وقد كانت هذه المسألة بالذات من أعظم المسائل عند الإباضية، ولسنا الآن بصدد تبيان صحتها من بطلانها من الناحية الدينية أو الفقهية، ولكننا من الناحية التاريخية نؤكد أن كل ما كتب مؤرخو الإباضية فيه، وجميع ما خطوه، قد شمل التأكيد على أن هذه المسألة مرفوضة رفضاً تاماً من الإباضية، وانهم في نقاشهم هذا لم يكونوا ليجرؤا أن يعلنوا رأيهم هذا بكل وضوح إلا وقد تأكدوا من أن «جابر ابن زيد الإمام الفقيه والتابعى الجليل قد أعلن هذا الرأى دون تردد أو اهتزاز. وكان الإباضيون من أقل الفرق إثارة للإضطرابات، وأكثرهم احتواء للخلاف، وبعداً عن التعصب المذهبي، ولذا فإنهم على الرغم من إصرارهم الشديد على عدم قبول مبدأ القرشية (1) شرطا للخلافة إلا أنهم لا يمانعون من مبايعة المستقيم من قريش، وإذا بويع وجبت طاعته لا من حيث إنه قرشى بل من حيث أنه صالح، فإن المطلوب للأمة الصلاح.
وحديث الأئمة من قريش والحديث القائل: «قدموا قريشاً ولا تتقدموها». لم يول قريشاً فقط وإنما ولى عدة قبائل في العرب وصحة الإمامة أصل لصحة الولاية وكأنها فرع عليها، وما جاز في الأصل جاز في الفرع، ولم يجعلها الله عز وعلا في أمة خاصة أو في قبيلة خاصة تتميز بها عن بقية القبائل
ومن ثم فإن الإباضية احتفظوا برأيهم لأنفسهم وأتباعهم، ولم يكفروا أو
يسفهوا من لم يتبع رأيهم فيها.
(1) سالم بن حمود، الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز ص 25. (1/120)
صفحة 121
الفصل الثالث
(1.0)
ب- تميز الإباضية عن الكثير من الفرق الإسلامية الأخرى، حيث أنهم كانوا من أكثر الفرق إهتماماً بمن يحكم وكيف يحكم؟ وعلى أي الأسس يُحاكم من يحكم؟ ولأي الأسباب يُعزل؟
ولذا فإن الإباضية حينما حددوا فكرهم السياسي، والذي يقوم على «الإمامة» وضعوا لهذه الأمامة شروطاً ومواصفات تكاد تنعدم في غيرهم من الفرق، نظراً للتراث الضخم الذي خلفوه في هذه المسألة، فهم يكادون يضعون للإمام جدول حياته اليومية (1)
ويبدو أن اختلافهم حول شروط الخلافة مع غيرهم من الفرق، قد انعكس على هذه الشروط وهذا التنويع في الإمامة، وشروط الخروج على الإمام أو استمراره
فيها.
وبعيداً
ذلك فإن جوهر نظرة الإباضية لمسألة الخلافة يكاد يلخصه صاحب عن «إزالة الوعثاء عن أتباع أبى الشعثاء» فيما أورده عن الإمام جابر بن زيد (2)
حيث أكد جابر بن زيد مسألة الخلافة ودرسها بعمق وإهتمام واستفاضة، انتهى
القرآن
فيها إلى رأى ثابت صحيح بنى على روح العدالة في الإسلام، ومستمد من الكريم والسنة النبوية العطرة، ومستند على سيرة السلف الصالح، حيث كان يرى أن الخلافة أهم مرافق الدولة، وأعظم مظهر للأمة، وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله وتطبيق أحكام الكتاب والسنة اللذين هما المصدر الصحيح لأحكام الله عز وجل، وعلى هذا النحو فإن الخلافة لابد. أن:
من
:
(1) مقدمات الكيان السياسي عند الإباضية (الفصل الثاني)
(2) سالم بن حمود إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 65. (1/121)
صفحة 122
الفصل الثالث
(1.9)
1 - لا ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون.
2 - يشترط فيها الكفاءة المطلقة لأن الله عز وجل أشار إلى المقصود فيها بالذات، بقوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، والمطلوب في هذا دعامتان:
أ- الكرم بجميع معانية.
ب التقوى، وهي الأصل الذي لاتصح بدونه.
ولا يخفى عن كل ذي عقل أن التقوى روح الإيمان، فإذا لم تكن هناك تقوى، فلا إيمان إجماعاً.
وإذا حصلت الكفاءة المطلقة ديناً وخلقاً وعملاً وعقلاً فقد حصلت الخصال المطلوب فيها والمشترط لصحتها، وقامت حجتها على المسؤلين عنها الذين تلزمهم عند حصولها، فإذا كانت في فريق من الناس فقد حصلت لأن تحمل عبء الأمة وتقوم بما يجب في الإسلام القيام به.
«وما القرشية أو الهاشمية أو العربية إلا وسائل ترجيح، وهي كمالية فقط
(عندنا) (1)
وعلى هذا فإن الإباضية يرون في الخلافة كل الشروط إلا شرط القرشية، وقد فسروا رفضهم هذا بسبب التقوى والكمال الذي لا يعتمد على جنس أو لون أو
قبيلة.
ويؤكد الإباضية تأكيداً قوياً على ضرورة تمتع الخليفة أو الإمام بالقوة والعلم،
(1) هكذا نص العبارة كما أورده سالم بن حمود، إزالة الوعثاء ص 65. (1/122)
صفحة 123
الفصل الثالث
(107)
وأن هذا من ضرورات الإسلام فيما ورد في الكتاب الكريم والسنة النبوية العطرة، فهم بهذا يسايرون روح الإسلام الحق، ولعل أحسن ما أوضحته كتابات الإباضية في قضية الخلافة، أنها قضية دينية شرعية فقهية
وتجلى التطبيق العملي لإصرار الإباضية على شرط القوة والعلم في الخليفة في عزل الأئمة الذين تولوا دولة الإباضية في عمان في القرنين الثالث والرابع
للهجرة.
ومن
أمثلة ذلك عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي (273 هـ / 887 م) حين امتدت امامته خمساً وثلاثين سنة وبلغ فى أخرها من الكبر عتياً. فقد وهنت قوته
إذ ذاك «وصار إلى حد الضعف والزمانة والعجز عن القيام بالإمامة» (1)
وهو أمر يؤكد حرص الإباضية على سلامة الإمام وسلامة الأمة وكيانها
السياسي أيضاً.
(1) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص
Y.1 (1/123)
صفحة 124
الفصل الثالث
(108)
(ب) المنابع الثقافية لإباضية الخليج العربي وتياراتها:
وتجلى تأثير الإباضية أيضاً في حياة الخليج العربي الثقافية من اعتزازهم بأنفسهم على أساس أنهم ورثة الفكر النبوى وفكر أبي بكر وعمر بن الخطاب وعمار ابن ياسر، وعبد الله بن وهب إمام أهل النهروان والمعلم الأكبر لهم جابر بن زيد. وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب، وعبد الله بن إباض،، وعبد الله ابن يحيى الإمام طالب الحق، ووائل بن أيوب، ومحبوب بن الرحيل، وموسى بن على، ومحمد بن محبوب بن الرحيل، وعزان بن الصقر))
(1)
ولا شك فى أن الحروب والفتن التي تعرضت لها عمان في فترات القلاقل والفتن من تاريخها، تسببت في ضياع الجزء الأكبر من هذا التراث الفكري الذي شكل موروثاً ضخماً في المكتبة العربية.
وقد تردد في كتب التاريخ أن الفتنة التي وقعت في عمان سنة (280 هـ /
893 م) (2)، قد صحبها تدمير وحرق للكتب إضافة إلى رميها بالأنهار.
وقد عدد نور الدين السالمي (ت 1332 هـ) وهو من مؤرخي الإباضية المتأخرين بعض الكتب التي اهتمت بالتاريخ الإباضي وذلك في مؤلفه «اللمعة المرضية من أشعة الإباضية» (3).
(1) سعيد عاشور، حصاد ندوة الدراسات الإسلامية، باب: عمان حصن الأمان للعروبة والإسلام ص 287، 288 (سلطنة عمان) (2) في سنة (280 هـ / (893 م غزا محمد بن نور - عامل الخلافة العباسية في البحرين وانتصر على إمامها آنذاك عزان بن تميم واستولى على كل عمان، ونكل بأهلها ودفن الأنهار،
وأحرق الكتب .. انظر:
مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 74.
(3) نور الدين السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، سلطنة عمان، 1983 م.
عمان، (1/124)
صفحة 125
الفصل الثالث
(1.9)
ولاشك أن الميراث الفكرى الإباضي يدل دلالة مهمة على النظرة الإباضية
الحضارية، وثقتهم في سلامة فكرهم واعتدال آرائهم، وأنهم يستمدون فكرهم من
المنابع الفكرية الإسلامية (1) نفسها وهى
:
والفقهاء
القرآن الكريم، والسنة النبوية العطرة، وآراء العديد من العلماء والساسة الذين أثروا الفكر الإباضى بعلومهم المختلفة والتي تناولت شتى المجالات الفقهية والفكرية والسياسية والاجتماعية
أهمها:
وقد اشتهر العديد من هؤلاء العلماء والفقهاء وذاع صيتهم لأسباب مختلفة
أ - الشهرة: وهي السمعة والشهرة والمعرفة الواسعة التي عرفت بمؤسسى الفكر الإباضي وهم الذين وردت أسماؤهم في كافة المصادر خصوصاً المصادر
الإباضية.
ب الاتفاق: اتفاق المصادر الإباضية على فقهاء وعلماء معلومين لدى الجميع بأهمية آرائهم وأفكارهم وتأثيرهم على الفكر الإباضي.
جـ - الجهد: وهو الجهد الذي بذله علماء وفقهاء الإباضية سواء لتأسيس الفكر الإباضي أم لتطويره أم لتنظيم الحركة الإباضية أي تسجيل جهد واضح يحقق
لصاحبه الشهرة بين الناس.
وهناك الكثير من العلماء والفقهاء ممن أثروا الفكر الإباضي، تضمهم الحلقات
الأربع التالية:
(2) انظر الملحق رقم (4) عن مؤتمر الفقه الإسلامي في عمان. (1/125)
صفحة 126
الفصل الثالث
الحلقة الأولى: حلقة الصحابة (1).
الحلقة الثانية: حلقة التابعين (2).
الحلقة الثالثة: حلقة مشاهير أهل عمان في الصدر الأول (3).
الحلقة الرابعة: حملة العلم إلى الأمة:
(11.)
وبعد حملة العلم الأساس الذي قام عليه صرح الحياة الثقافية في دولة الإباضية في عمان في القرنين الثالث والرابع للهجرة. ومن أشهر حملة العلم إلى
الأمة:
(1) المقصود بحلقة الصحابة هم: الذين نقلوا للإباضية سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتهم ابن عم الرسول الكريم وهو ابن عباس بن عبد المطلب الملقب بالبحر لسعة علمه. وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والسيدة عائشة أم المؤمنين)، وأنس بن مالك (خادم الرسول الكريم)، أبو الله هريرة، وعبد بن وهب الراسبي، وغيرهم كثيرون ....
(2) المقصود بحلقة التابعين هم من تلوا صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتهم الإمام جابر بن زيد، وأبو عبيدة، مسلم والإمام الربيع بن حبيب وعبد بن الجلندى، وكعب بن سوار الكندي العماني وغيرهم كثيرون ...
(3) حلقة مشاهير أهل عمان في الصدر الأول: وأشهر هؤلاء الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن أبى الحسن الأزدي العماني، أبو عبيدة الصغير عبدالله بن القاسم (من علماء القرن الثاني للهجرة)، وحيان الأعرج) من علماء القرن الأول للهجرة)، وعبد الله بن عبد العزيز (من علماء القرن الثانى للهجرة)، أبو نوح صالح الدهان (علماء القرن الأول من للهجرة) وأبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي من مدرسة الربيع بن حبيب، والمثنى بن معروف،
وغيرهم كثيرون (1/126)
صفحة 127
الفصل الثالث
1 - ابو المنذر بشير بن المنذر:
هو النزواني العقرى (من أهل عقر ((1)، وكان يسمى الشيخ الكبير، وهو
من بنى نافع من خصوص ذرية سامة بن لؤى بن غالب القرشي، وينسب إليه بنو زياد الموجودين بعمان.
وكان مقام بشير بعمان مقام مرموق تخضع له الرؤوس وتتضاءل بين يديه النفوس حتى شاع عليه لفظ «الشيخ» دون غيره، وأردف بعد ذلك بالكبير، فقيل الشيخ الكبير».
عن
وقد ملأ التراث العماني بفتاويه، ورضى الناس بأقواله، وكان يروى العلم. الربيع عن أشياخه أبي عبيدة، وجابر بن زيد، وأبى نوح، وضمام بن السائب، وهؤلاء الخمسة أشبه بالجوارى الكنس) (2) في السماء حيث العهد جديد، والرائد يحمل
علم الصدق.
2 - منير بن النير الجعلاني:
أحد حملة العلم من البصرة إلى عمان وهو الشيخ المعروف بالجعلاني، وهو منير بن النير بصيغة التصغير لأبيه بن عبد الملك بن وسار بن وهب بن عبيد بن يحيى بن حضرمي بن ريام الريامي.
(1) من نواحي نزوي.
(2) الجوارى الكنس: من التنزيل فلا أقسم بالخنس الجوار الكس. قال الزجاج: الكنس النجوم تطلع جارية. وكنوسها: أن تغيب عن مغاربها التي تغيب فيها. وقيل في الخنس والكنس: هي النجوم الخمسة تخنس في مجراها وترجع وتكنس وتستتر كما تكنس الضباء في المغاور. والنجوم الخمسة هي: بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشترى انظر: ابن منظور - لسان العرب. مادة كنس، خنس). انظر: سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 42. (1/127)
صفحة 128
الفصل الثالث
(12)
حضرمي، وا
وحضرمى هذاهو جد الطائفة المعروفة ببنى حضرمي في عمان فهم بنو ريام، بل هم أعرق في نسب بني ريام، جاء هذا النسب في العوتبي، وعليه فهو من بنى، وأشيع بالريامي، لذلك فإن الشهرة لبنى ريام بذلك على الصحيح (1) وهو أحد زعماء العلم في الرعيل الأول، وقد خرج مع الأهيف بن حمحام الهنائي ومعه رجال من أهل جعلان، وكان يومئذ ابن مائة وعشر سنين (2)، فبلغ محمد بن بور خروجهم فدخل الرعب في قلبه فخرج هارباً، ولكن الله أراد أن يقضى أمراً كان مفعولاً، فتبعه الأهيف ومن معه ووقعت الهزيمة على الأهيف وقتل كما قتل منير بن النير الجعلاني وهو أحد حملة العلم، وذلك في ست وعشرين خلت من ربيع الآخرة سنة 281 هـ / 894 م
•
وقد عاش منير عمراً طويلاً، أى كان من المعمرين ويقال أن الأهيف أخذه معه للاستشارة فقط، وعاصر أخصب فترة في تاريخ عمان، وهي التي كانت مليئة
بالحوادث.
ومنير من تلاميذ الربيع بن حبيب وجاء عمان مع إخوانه، ووصف سيرة الإمام الجلندى للإمام غسان بن عبد الله، فيكون الشيخ المذكور قد عاصر الإمام الجلندى بن مسعود، ومرت تلك الحوادث المهولة، وهى قتل الإمام المذكور، ورجال دولته، ثم قتل شيبان الخارجى وهرب خازم بن خزيمة وعهد الجبابرة الذين تولوا عمان بعد ذلك، ودولة محمد بن أبي عفان وما حدث فيها، وعهد الإمام الوارث، ودخول عيسى بن جعفر بن المنصور العباسي عمان.
(1) سالم بن حمود، نفس المرجع السابق ص 43
(2) سالم بن حمود، المرجع السابق ص 43. (1/128)
صفحة 129
الفصل الثالث
(113)
"
وعاصر الإمام عبد الملك بن حميد وشاهد عهد المهنا بن جيفر، والصلت بن
مالك وراشد بن النظر، وما وقع في الظروف المشار إليها، وكأنه لم يتعرض في تلك الأيام كلها لأمر، ولم يذكر عنه أخذ أو رد أو اعتراض أو انتقاد، وكأنه كف نفسه عن الدخول في أمور الناس بعمان حتى هذا العهد، فإنه رأى هنا من الواجب الخروج لطرد ذلك الظالم الطاغية ولينال عند الله عز وجل الشهادة، والحمد لله الذي وفق من ارتضى للحق بإذنه.
ويعتبر الشيخ منير من أجل العلماء العمانيين، وهو الذي قام بالبيعة للإمام
(1)
الصلت بن مالك الخروصي 1
-3 - موسى بن أبى جابر الأزكوى ت 181 هـ
أحد حملة العلم الذين عرفوا في القطر العماني بأعمالهم الزكية، وتداول العلماء بعدهم أقوالهم فدونوها، وأعمالهم فاتبعوها (2).
وهو من بني ضبة من بنى سامة بن لؤي بن غالب، وهم معروفون في أزكى، ومنهم الأمراء الساميون الذين جروا محمد بن بور على عمان حال افتراق أهل عمان إلى قحطانية وعدنانية، وفيهم خرج المثل: لا تكون فتنة في عمان إلا وأصلها من
جرنان.
وموسى بن أبى جابر لايزال له فى الأثر العماني الصوت العالي، ولايزال
مقدماً على أبناء جنسه ولازالت علاميته موقرة وأراؤه مقدمة ومعتبرة. أحد علماء الصدر الأول، وأحد تلامذة الربيع، وأحد أجنحة الطائر
وهو
(1) نفس المرجع السابق ص 44.
(2) سالم بن حمود، المرجع السابق ص 45. (1/129)
صفحة 130
الفصل الثالث
(118)
العلمي إلى عمان وكان في أيامه مرجع العلماء وسار في أيامه الميامين حتي توفاه الله عز وجل في سنة 181 هجرية.
سير زملائه
ولم يزل الأثر العماني يندبه، والعالم العماني يرثى له إذ كان أحد الشهب الخمسة التي أضاءت القطر العماني بنور العلم، ولكن لابقاء في هذه الدنيا إلا لله
الواحد القهار
(1)
- محبوب بن الرحيل:
الإمام محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة المخزومي القرشي المعروف بكنيته الشائعة بأبي سفيان
كان محبوب بن الرحيل علامة من فحول الرجال الذين يشار إليهم من بعيد، انتقل إلى عمان آخر زمانه حاملاً علماً جماً، وهدى واسعاً. جاء هو والربيع بن حبيب، وعمان في ذاك الوقت فى غاية الابتهاج بهم ونزل ابن الرحيل صحار التي كانت تزخر بالعلم وتفخر بالهدى. أى أن ابن الرحيل نزل صحار في شمال عمان، ونزل الربيع بن حبيب بفتوحه باطنة عمان كمانزل موسى بن أبى جابر بنزوى فى قلب عمان، ونزل منير بن في شرق عمان (2).
النير
أى أن هؤلاء العلماء الأفاضل أقتسموا عمان لنشر العلم والفكر الإباضي في
جميع أنحاء عمان.
(1) سالم بن حمود، المرجع السابق ص 45. (2) سالم بن حمود، المرجع السابق ص 47. (1/130)
صفحة 131
الفصل الثالث
(110)
- محمد بن المعلى الكندي:
من أهل فشح من قلب عمان، وكان في طليعة الرجال المعدودين بعمان، وهو أحد حملة العلم إلى عمان. حتى أنه رفض أن يكون له سلطان فيقع في القصور أو التقصير، وكان فقيهاً واسع الإطلاع، لا ينكر فضله.
ولا يدرى صاحب كتاب إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء» متى مات؟ وماذا فعل؟ وإلى أين انتهى أمره؟ ولكن يعلم فقط أنه أول من حكم بقتال راشد ابن النظر (1)
الأئمة المعقود
هكذا شكل علماء عمان الخط الثاني لإدارة مقاليد البلاد مع لهم في عمان فكان لهم كلمتهم النافدة، وكان الأئمة يعترضون أحياناً فيدب الخلاف كما تم توضيح ذلك في عهد الفتن (2). وخاصة خلاف موسى بن موسى والأئمة الثلاثة، الصلت بن مالك راشد بن النظر، وعزان بن تميم.
وكان الأئمة يعتبرون العلماء شركا يهم في الأمر وأعوانهم عليه، ويتلقون من أولئك العلماء النصح المستمر (3)
وهو الأمر الذي بلغ قمة ازدهاره على عهد الإمام الصلت بن مالك آخر الأئمة الشراة، فكان العلماء المشاهير في عهد إمامة الصلت لا يحصون عدداً.
حيث نشط العلم في عمان على امتداد إمامة الصلت بن مالك»، التي بلغت خمساً وثلاثين سنة، وطالت أغصانه (العلم) وانتشر العلماء في عمان حيث صار
(1) سالم بن حمود، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 48
(2) تم توضيح ذلك في الفصل الثاني.
(3) سالم بن حمود، تاريخ أهل عمان جـ 2 ص 153 (1/131)
صفحة 132
الفصل الثالث
(117)
في كل بلد جلة العلماء، وغصت المدن العمانية بهم.
وحفلت عمان بالمكتبات الزاخرة بالمؤلفات القيمة وهي مجموعات للأسف تعرضت إلى الضياع بسبب هجوم أعداء الإباضية على عمان، أو حين شب حريق ومن ذلك ما روى أن حريقاً شب فى مدينة واحدة وهي: مدينة الرستاق
بالمكتبات
حيث إلتهم حوالي تسعة آلاف مجلد (1)
ويكفى دليلاً على كثرة تلك المؤلفات ما بقى منها إلى اليوم على الرغم مما تعرضت له مكتبات عمان من إصابات عديدة (2).
واعتز الإباضية بهذا الازدهار العلمى على عهدهم في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وعبروا عن هذا المجد الذي آل إليهم، وذلك في قولهم: «إن العلم مثله مثل طائر باض في المدينة المنورة، وفرخ في البصرة، وطار إلى عمان» (3).
ص 228 (مسقط، 1987 م)
(1) سعيد عاشور وعوض خليفات، عمان والحضارة الإسلامية. (2) قامت وزارة التراث القومى والثقافة بسلطنة عمان بطبع كثير من المخطوطات التي حوتها مكتبة عمان في شتى الدراسات الفقهية واللغوية والأدبية والدينية والتاريخية، مما يشهد بعظم التراث
الثقافى والفكرى الاباضي. (3) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان جا. إزالة الوعثاء عن أتنباع أبى الشعثاء ص 3.
ص 87، وانظر: سالم بن حمود، (1/132)
صفحة 133
الفصل الثالث
(117)
ثانيا: أثر الإباضية على الحياة الاجتماعية في الخليج العربي حمل أهل الخليج العربي في حياتهم الاجتماعية صورة صادقة للفقه الإباضي وأراء شيوخه التي تتمثل فيما يلى:
أ - يرون دار مخالفيهم دار توحيد (1)) وكيف لا وهم نطقوا بالشهادتين، وصلوا وصاموا وحجوا بيت الله الحرام ودانوا لله بالواجبات العملية)، ولكن دار السلطان دار بغى إذا كان متمرداً على الله فى أوامره ونواهيه، ورآه المسلمون (الإباضية) باغياً (2)
ب- وهم يجيزون الصلاة خلف أئمة غير أئمتهم من المذاهب الأخرى، إذ لم يفعل ما يفسد الصلاة بالطبع (3)
جـ- وهم لايرون فرقاً بين الإباضية وغيرهم فى المواريث المنصوص عليها في الكتاب العزيز ولا في السنة إلا ما قيل فيه مما لم يبلغ حد الشهرة (كخلافهم في الأخوة وفى ميراث ذوى الأرحام، وميراث المولى للمعتق)
الجد مع فقهي عادي (4)
، وهو خلاف
وصار شأن الإباضية بذلك في الخليج العربي شأن أهل السنة في حياتهم
(1) انظر ملحق رقم (4) مؤتمر الفقه الإسلامي. (2) سالم بن حمود، الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز ص
18
(3) سالم بن حمود، أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج ص 41، تحقيق د. سيدة
إسماعيل كاشف (مسقط، 1979)
(4) نفس المصدر السابق، ص 42 (1/133)
صفحة 134
الفصل الثالث
(118)
الاجتماعية، فهم يتبعون تعاليم الإسلام السمحة في حياتهم اليومية: لباسهم، ومأكلهم، ومشربهم، ونكاحهم، ومواريثهم، وغيرها من الأصول الاجتماعية الإسلامية، فالمجتمع الإباضي مجتمع إسلامى يحتوى على كل القيم والعادات والتقاليد المتطبعة في المجتمعات الإسلامية أينما كانت
وإن كان لهم بعض الأراء والطباع والتقاليد المعينة، فهي من منطلق الحرص الزائد على تطبيق المفهوم الإسلامي في السلوك البشرى، وليس من منطلق ابتداع بدعة جديدة أو اختراع وسيلة لم يكن لها سند من الإسلام: (القرآن والسنة). ولعل من المفاهيم الشائعة في هذا الصدد ما يسمى بالولاية والبراءة:
الولاية هي الود بالجنان والثناء باللسان أى الحب والإخلاص، والأخوة الصادقة التي يظهرها ويكنها المسلم لأخيه المسلم في الله لا غير (1) {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) (2)
والبراءة: هى هجرة من جاهر بالبغى، و العدوان، ومن ارتكب الكبائر جهراً
حتى يتوب.
فهي تنطبق على الكافر، والإنسان العاصى الذى خرج عن جادة الإسلام وضع أركانه، أو قام بارتكاب الكبائر أو إلحاق الضرر بمصلحة المجتمع الإسلامي، فإذا تاب أو استغفر واعترف بذنبه تعاد له كل حقوقه ويعامل مثل بقية أخوانه المسلمين يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء) (3)
وقد انطلق الفكر الإباضي في هذين المبدأين من منطلق أن الدين هو أقوى
(1) بكير بن سعيد، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 103
(2) محمد: 19
(3) الممتحنة: 1. (1/134)
صفحة 135
الفصل الثالث
(119)
أنواع الرقابات التهذيبية في المجتمع، وهذه الرقابة التهذيبية تتمثل في الولاية والبراءة، فالولاية توجب فى حكم الوجوب على المسلمين الحب في الله والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، حتى يكتمل الإيمان، وهذا مبدأ إسلامي، وإن تطرق الإباضية فى التأكيد عليه، وهو يشكل ركيزة من ركائز الإسلام
والبراءة من الفواحش، هي وسيلة الإسلام في علاج سلوك المنحرفين
إجتماعياً، حتى لا يشهروا الفواحش، ولا يقلدهم الآخرون (1).
فلا شك أن وجد هؤلاء المنحرفين الجفاء من أبناء المجتمع الإسلامي، وحسوا أنهم منبوذين من المجتمع، وأن مصالحهم قد تعطلت كلية، ففي هذه الحالة سيقومون بإصلاح أنفسهم عن طريق التربية الذاتية الهادفة إى تغيير أنماط سلوكهم والسعى إلى اكتساب الفضيلة الأخلاقية، والابتعاد عن الرذيلة
والإباضية ينفردون بهذا الركن الاجتماعي (المدعم بالأدلة) أن المذاهب الأخرى ترى بولاية الأشخاص وبراءتهم لكن لا تنطبق البراءة عندهم على عصاة المسلمين بل على الكفار. وهم لا يصرون عليها مثل إصرار الإباضية.
ولو أن أبا عبيدة وجد من الضروري في مرحلة الإعداد لقيام «إمامة الظهور»، أن يحافظ على سرية الحركة ويمنع الإغراءات لبعض أتباعها، وقد تطرف إلى هذا حتى أنه (لم يحبذ) (2) التزاوج بين أتباع الدعوة وبقية المسلمين، مع أن هذا مشروع في الفكر الإباضي المستمد من الشريعة الإسلامية، إلا أن الإمام فعل
(1) تم توضيح كيف أن الإمام أبو عبيدة بن أبي كريمة قد استند على هذه القاعدة في تنظيمه السرى المغلق لتأمين عدم تأثر أهل الدعوى بغيرهم انظر: مقدمات الكيان السياسي عند
الإباضية، الفصل الثاني).
(2) عوض خليفات، الأصول التاريخية للحركة الإباضية ص 41
• (1/135)
صفحة 136
الفصل الثالث
(120)
ذلك من قبيل المحافظة على عدم اختلاط أهل الدعوة مع غيرهم ومنع تسرب أية
معلومات عن نشاطها وتحركاتهم بينما كان يسمح الإمام جابر بن زيد بمثل ذلك. ورغم هذا فقد استند أبو عبيدة إلى مبدأ الولاية فخلق من أتباعه مجتمعاً
تسوده المودة والمحبة والأخاء في العقيدة، وتسيطر عليه روح الجماعة.
وكان يحثهم على التأليف والتعاون فيما بينهم، كما طلب من الأغنياء أن يكونوا عوناً للفقراء وسنداً لهم حتى لا يضطر الفقير من جماعته لاحتياج أحد من
المخالفين، وقد لبى الأثرياء من الإباضية هذا الطلب بحماس منقطع النظير.
وتورد المصادر الإباضية أمثلة كثيرة تشير فيها إلى تنافس الأغنياء في سد حاجة الفقراء من المسلمين «الإباضية» لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر وما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها .. يأتى الرجل بالجمال حتى يقف به على باب الدار، فيقول: ادخل، فيكتب في خرقة كلوا واطعموا (1)
ويروى كذلك أن شخصا من الإباضية يدعى ديال بن يزيد كان يستأجر الأكسية في البرد الشديد .. بألف درهم أو أقل أو أكثر وليس عنده منها شيء، وإنما يتوكل على الله وعلى المسلمين (الإباضية). ثم يفرقها بين الفقراء ويجمع بعد ذلك من أغنياء الإباضية.
ثمنها
وكان الداعية الإباضي، أبو الحر، موسراً جداً وتأتيه غلته سنوياً فيقسمها نصفين، فيفرق نصفها في فقراء المسلمين (الإباضية) وفى معاونتهم. ليس هذا فحسب بل إن أغنياء الإباضية كانوا يتسابقون في دفع الديون المتبقية على من
يموت من أصحابهم.
(1) عوض خليفات، المرجع السابق، ص 48 (1/136)
صفحة 137
الفصل الثالث
(121)
وكل هذا التعاون والتعاطف موجود بالقيم الإسلامية، لكن الإباضية طبقوه في مجتمعهم تطبيقاً رائعاً يحقق أهداف الشريعة الإسلامية وخصوصاً أهداف الزكاة. (على الرغم من أن المساعدات من أغنياء الإباضية هذه تختلف عن
زكاتهم).
وقد جعل هذا التعاون المجتمع الإباضي مجتمعاً تسوده روح المودة والتراحم حقد الفقير على الغنى، بل سادت هذا المجتمع روح الإسلام من حيث
والمحبة وعدم.
التماسك والترابط والعمل على كل ما فيه خير المجتمع ورقيه
"
نفس
وغدت الملامح الاجتماعية التي سار وفقها الإباضية في حركتهم هي الملامح الاجتماعية التي تحكم حركة كل الفرق الإسلامية من أهل السنة، في أمرهم بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى والإحسان بالوالدين وذوى القربي، واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب، والصاحب بالجنب وابن السبيل، و (ما ملكت أيمانكم، وغض البصر عن الحرام، وحفظ الفرج عن الفواحش، ولين الجانب، وحسن الصحبة، وحسن المعشر، وستر الزينة التي أمر الله بسترها إلا ما ظهر منها، والاستئذان في البيوت، والتسليم على أهلها، والاغتسال من الجنابة، والابتعاد عن النساء في المحيض، وأداء الأمانة إلى جميع الناس: البار منهم والفاجر، وذكر اسم الله على الذبيحة، والاحتفاء بأهل الذمة (1)
وقد وعى أهل عمان في ظل الحكم الإباضى معنى الجزية، وجباية الصدقات، والتأكيد على أن الجزية تستتبع الحماية. وقد عهد الصلت بن مالك الخروصي (237 - 272 هـ) لأحد ولاته ما يتعلق بجزية أهل الذمة وحسن معاملتهم ومن
يعفى منها (2)
(1) سيده إسماعيل كاشف، عمان في فجر الإسلام ص 82، 83. (2) ذكر فيمن يعفى منهم: الصبيان والشيوخ والفقراء والزمناء والنساء والعبيد والأماء»، انظر:
الملحق رقم (2) (1/137)
صفحة 138
الفصل الثالث
(122)
السلوك عند الإباضية:
يتمسك الإباضية بجميع أنواع السلوك والأخلاق التي أمر بها الإسلام ومن
مظاهر ذلك أنهم:
1 - يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب في الحدود التي بينها القرآن الكريم ووضحها الرسول الكريم في سنته الصحيحة.
2 - الولاية والبراءة عند الإباضية لاتلزم إلا باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين ولا تبطل إلا بيقين.
3 - يرون أن جميع المسلمين يتساوون في الحقوق والواجبات باستثناء شيء وهو الدعاء بخير الجنة وما يتعلق به فإنه حق خاص للمتولى أي المسلم الموفى بدينه الذي يستحق الولاية بسبب طاعته.
واحد.
4 - عندما تكون الأجهزة الحاكمة جائرة غير متمسكة بأحكام الشريعة يجوز للمسلمين البقاء تحت حكمها والخروج عليها، وإذا بقوا تحت حكمها فإنه تجب عليهم الطاعة في غير معصية الله وإذا كانت تنفذ أحكامها على مقتضى مذهب مخالف لهم. فإن أحكامهم نافذة عليهم بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ما دامت تلك الأحكام مطابقة لمذهب إسلامي (1)
أما بالنسبة للزواج عند الإباضية: فهم يتبعون تعاليم القرآن الكريم والسنة
النبوية الطاهرة، بالفريضة، والبيعة العادلة، ورضى المرأة وإذن الولى
والطلاق بالشهود، والعدة ما نصت عليها الشريعة الإسلامية، وقد أجاز
(1) على يحيي معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية جـ 2 ص 141 1420. (1/138)
صفحة 139
الفصل الثالث
(123)
الإباضية مناكحة مخالفيهم من بقية مذاهب الإسلام (إعترافاً منهم بأن الخلاف في المذهب لايفرق بين المسلم وأخيه المسلم).
مع ملاحظة أن الإباضية يغلبون جانب الأب في الحضانة على جانب الأم، فهم يرون أن الجدة للأب أولى بالحضانة من جانب الأم.
أما بالنسبة للميراث: فإن الإباضية يجيزون موارثة أهل المذاهب الأخرى من
غير مذهبهم!
(1)
مع ملاحظة رؤية الإباضية فى أن الجد يمنع الإخوة من الميراث، وبعض المذاهب الأخرى ترى أن يقتسموا معه، ولا حرج لدى الإباضية بالعمل بمذهب الدولة التي هم تحت حكمها.
والإباضية كغيرهم من المسلمين يحرمون شرب الخمر، وكل ما دخل في حكمه من المسكرات، وتحريم ما حرم الله من المشارب والمحارم، والمأكل والمناكح، وتحريم الكذب، وتحريم قذف المحصنين والمحصنات.
كما يقر الإباضية الوفاء بالعهد لجميع الناس البار منهم والفاجر (وهذا مؤشر مهم على طبيعتهم السنية الخالصة، وبعدهم عن فرق الخوارج في تصريفها للأمور مع الناس والعدل في الوزن، والوفاء في الكيل، وتحليل البيع وتحريم الربا، وتحريم مال اليتيم، وعدم قطع الرحم ولا للتجسس على العورة، ومع ذلك فمن حق الإباضية أن يعلنوا:
«إنهم لن يدخلوا في مذهبهم من لا يكتم سرهم ولايرى غيبتهم، ولا يقول
(1) سالم بن حمود، أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج ص 30. (1/139)
صفحة 140
الفصل الثالث
(124)
قولهم، ولا يرضى رضاهم، ولا يسخط سخطهم ولايوالي وليهم، ولا يعادي
عدوهم (1).
المرأة في المجتمع الإباضي:
نعلم أن الإسلام اهتم بالمرأة والأسرة إهتماماً كبيراً. وقد سار أئمة عمان على نهج الإسلام في إعطاء المرأة حقوقها كاملة نظير إلزامها بواجباتها التي حددها ووضحها دين الإسلام.
وقد لاحظنا أن تاريخ عمان مليء بوصايا الأئمة لعمالهم تحثهم على اتباع القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة، ولم تغفل تلك الوصايا الحث على العناية بالنساء والنظر في أمورهن والذود عنهم. وكان يشار إلى الحاكم الفاسق، بأنه
(2)
لا يذود عن الحريم وهذا إن دل على شيء فهو يدل دلالة واضحة على منزلة المرأة وكرامتها وحقوقها في المجتمع الإباضي الذي لم ينقص أى من حقوق المرأة التي كفلها الإسلام
لها.
وهكذا شكلت الأصول الإجتماعية للإباضية أعظم تجسيد للأصول الإجتماعية الإسلامية في أزهى صورها من حيث التزام الإباضية بالمبادي، والتعاليم والقيم الإسلامية وما حثنا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته العطره، لإنشاء مجتمع إسلامى مبنى على الأسس والقواعد الإسلامية المتينة التي لو اتبعها أي كان، فإنه سيصبح مجتمعاً مثالياً بكل ما في الكلمة من معان.
(1) أبو بكر الكندي، الاهتداء ص 237
(2) انظر: ملحق رقم (2).
• (1/140)
صفحة 141
الفصل الثالث
ومن
(125)
وتجلت هذه المثالية للقواعد الإجتماعية الإباضية والحرص على تطبيقها في سياسة أئمة الدولة الإباضية في عمان، حتى أن بعضهم ضحى بنفسه في سبيلها ذلك ما قام به الإمام الوارث بن كعب الخروصى سنة 192 هـ /807 م) حين خرج بنفسه لإنقاذ حبس للمسلمين في كلبوه) من نزوى)، حيث دهمت السيول هذا السجن، ولكن السيل كان خطيراً، وجرف الجميع ومعهم الإمام الوارث الذي استشهد وهو يقول: «هم أمانتي، وأنا المسئول عنهم غداً يوم القيامة» (1).
1
وحافظ الإباضية في الخليج العربي على تعاليم مذهبهم الاجتماعية من حيث التسامح وحرية الفكر مع مخالفيهم في الرأي.
فرغم سياده المذهب الإباضي في عمان فإنهم لم يقفوا فى عداء مع الأخرى التي قامت في بلادهم.
المذاهب
ومن ذلك أنه كان في ميناء صحار في القرن الثالث الهجرى جماعات من «القدرية» و «المرجئة»، وازداد عددهم في عهد الإمام عبد الملك بن حميد (207 - 226 هـ / 822 - 840 م)، وصاروا يدعون الناس إلى مذهبهم، واستجاب لهم الكثيرون، حتى امتد نشاطهم إلى توام (البريمي)، وغيرها من نواحي عمان، الأمر الذي أزعج والى، صحار، وكتب بذلك إلى الإمام يطلب منه رأيه في هذا النشاط وما يجب عليه القيام به ()
وهو
(2)
وكان للشيعة أيضاً وجود في صحار وفي تلك الفترة أيضاً، فضلاً عن انتشار
(1) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 60
وانظر: سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق جـ 2 ص 124
(2) نور الدين السالمي، المرجع السابق جا ص.
168 (1/141)
صفحة 142
الفصل الثالث
(126)
السنة في البلاد (1)
وعاشت هذه المذاهب الثلاث الإباضية والسنة والشيعة في عمان، في ظل التسامح الاجتماعي الإباضي، وقواعده الفقهية المثالية في البناء الاجتماعي.
(2) سالم بن حمود السيابي، المرجع السابق ج 2 ص 138. (1/142)
صفحة 143
الفصل الثالث
(127)
ثالثا: تأثير الإباضية على الحياة الاقتصادية في الخليج العربي
لقد عرف الإباضية أهمية ربط الناحيتين المالية والعسكرية منذ البدايات الأولى لتأسيس فرقة الإباضية، وكان ذلك أيام أبو عبيدة مسلم الذي أنشأ بيت مال خاص بجماعة المسلمين (الإباضية) في البصرة، ووكل إلى حاجب الطائي مهمة الإشراف على الشئون المالية والعسكرية وشئون الدعوة (1)
وقد أصاب أبو عبيدة في الربط بين الناحيتين المالية والعسكرية ووضعهما في يد رجل واحد قدير، وذلك لأن موارد بيت المال كانت تستخدم لمساعدة الدعاة والثوار الإباضية وكافة المحتاجين من أتباع تلك الفرقة المسلمة.
وطبيعي أن هذه الفرقة لم تكن تملك الإمكانيات الانتاجية والصناعية والتجارية، لأنها كانت في بداية الطريق ولم تكن قد نجحت في تأسيس أية إمامة
إباضية.
لذلك فقد كانت موارد بيت المال تأتي من مصدرين
المصدر الأول: عبارة عن ضريبة فرضها الإمام أبو عبيدة على أتباعه في البصرة. ولا تذكر المصادر متى كانت تدفع ولا مقدارها، ولكن من الثابت أنها لم تكن تفرض بالتساوى، بل تتفاوت بحسب ثراء المكلف ودخله.
كما لا تذكر المصادر أن أحداً من الإباضية تخلف عن دفعها، ربما لأنهم يعتبرونها جزء من واجبات دينهم التي ستساعد على انتصار دعوتهم التي تمثل في
(1) سالم بن حمود، الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز. 19 (طبعة وزارة التراث القومي - سلطنة عمان 1980 م). (1/143)
صفحة 144
الفصل الثالث
(128)
اعتقادهم الإسلام الحق كما كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويبدو
أن هذه الضريبة كانت تجمع عند الحاجة أى أنها أقرب إلى أن تكون مساهمة تدفع وقت الحاجة، حسب إمكانية المساهم وتقديره لسبب طلب هذه
المساهمة.
المصدر الثاني: وهو التبرعات السخية التي كان يدفعها أثرياء الإباضية. ويبدو أن التجار الإباضية كانوا من الأغنياء المعدودين وكانت تجارتهم تتجاوز البصرة وماجاورها وتصل إلى الصين والشرق الأقصى.
ولم تقتصر هذه التبرعات - والتي كانت تدفع طوعاً وربما بدون طلب – على اء من أتباع هذه الفرقة المسلمة (الإباضية) بل تعدتهم إلى بقية أتباع الدعوة
الأغنياء
رجالاً ونساء.
وتذكر المصادر أنهم كانوا يسارعون بالدفع كلما طلب منهم ذلك لدعم فرقتهم ومساعدتها على العمل بصورة فعاله تحقق لهم تطلعاتهم بإنشاء إمامة الظهور ونشر أفكارهم وكسب الأتباع.
هذا إضافة إلى خلق مجتمع تسوده المودة والمحبة والإخاء في العقيدة وتسيطر عليه روح الجماعة وروح التعاون يسند الغنى فيه الفقير من جماعته حتى لا يضطر لاحتياج أحد من المخالفين
•
ومن هؤلاء التجار الإباضيين نذكر على سبيل المثال لا الحصر، النظر بن ميمون وأبا عبيدة بن القاسم (المعروف بأبي عبيدة الصغير)، وغيرهم من خيار
المسلمين (الإباضية).
أي أن السياسة المالية التي اتبعها الإباضية نجحت في دعم حركتهم ونتج عنها (1/144)
صفحة 145
الفصل الثالث
(129)
إنشاء إمامات إباضية لا إمامة واحدة، فقد انتشرت الإمامات الإباضية في عمان والجزيرة العربية كما انتشرت في شمال أفريقيا.
أى أن قيام دولة إباضية في عمان يحتاج إلى دعم وتنظيم الاقتصاد لأن ذلك ضرورة من ضرورات استمرار ورقى الدول في أي بقعة على الأرض، ومهما كان
حجم
تلك الدولة
•
لذا فإن عمان التي كانت مركزاً مهماً للملاحة والتجارة منذ استقرار الدولة الإسلامية حتى أوائل القرن الرابع الهجري، حيث بدأت التجارة تتحول تدريجياً من الخليج العربي وتسلك طريق البحر الأحمر فأخذت الموانئ اليمنية تزدهر وتحل محل الموانئ العمانية (1)
ونتيجة لموقع عمان المتميز إضافة إلى صلاحية أراضيها للزراعة ونشاط أهلها المتميز في التجارة والزراعة والصناعات البسيطة كل ذلك جعل من عمان بلداً كثير الموارد غنياً بالخيرات.
وهذا مما سهل نجاح قيام الدولة الإباضية بعمان ودعم أركانها وجعلها تسعى دائماً للاستقلال عن الدولة الإسلامية.
بل إن الإباضية سعوا لأكثر من ذلك في استقلال الاقتصاد القوى واتباع السياسة الاقتصادية في نشر الفكر الإباضي عن طريق التجار خصوصاً ممن كانوا يجوبون البحر منهم، حيث تذكر المصادر امتداد نشاط العمانيين البحرى بعد الإسلام إلى جهات بعيدة، وكذلك سيطرتهم على سواحل أفريقية الشرقية ووصولهم إلى
(1) عبد الرحمن العاني، تحول الطريق التجارى من الخليج إلى البحر الأحمر وازدهار عدن، مقالة منشورة في مجلة كلية الآداب / جامعة بغداد / العدد 28/ 1980 م. (1/145)
صفحة 146
الفصل الثالث
(130)
جزيرة قنبلون (مدغشقر) و سقالة) موزمبيق) والصين أيضاً (1)
ويبدو أن النشاط التجارى والأرباح وقوة الاقتصاد العماني قد بلغت في القرن الرابع الهجرى حداً كبيراً، فقد قال المقدسي من أراد التجارة فعليه باليمن أو عمان أو مصر (2)
ويرجع الازدهار في عمان إلى كونها المركز الرئيسى للتجارة البحرية مع بلاد الهند والشرق الأقصى وأفريقية، وإلى السلع الغالية والمهمة التي كانت تمر بها فتدر أرباحاً كبيرة (3).
وقد كانت عمان تنتج سلعاً كثيرة، كما أنها لعبت دوراً بارزاً في التجارة الآسيوية التقليدية، فاشتهرت بتجارة البلح والفواكه الجافة، والعنبر، والنحاس، وبيع الخيول.
كما كان العمانيون يتاجرون بسلع كثيرة كالسلع الكمالية والتوابل بين الشرق الأقصى والهند. كما أن السلع الإفريقية كانت تستأثر باهتمام التجار العمانيين وأهمها العاج، والجلود، والسلاحف والعنبر. كما كانوا يتاجرون في الحرير الصيني والجواهر، والأحجار الكريمة وبضائع أخرى مختلفة ...
كما كان هناك العديد من الصناعات مثل صناعة الفخار والزجاج والصناعات
اليدوية المختلفة
1. Y
1.A
(1) المسعودي، مروج الذهب جاص (2) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص 35
(3) عبد الرحمن عبد الكريم العاني، دور العمانيين في الملاحة والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع الهجرى. . ص 19 (وزارة التراث القومى، سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1986 م). (1/146)
صفحة 147
الفصل الثالث
يتضح
(131)
أخيراً أن العمانيين اهتموا خلال القرنيين الثالث والرابع الهجريين
بالنواحي الاقتصادية والتجارية على الرغم من اضطراب الأحوال في عمان نتيجة للصراعات القبلية التي عصفت بعمان، إضافة إلى السياسة التي أتبعتها الدولة العباسية في التعامل مع عمان، خصوصاً في سنة (280 هـ / 893 م)، حيث أرسل الخليفة المعتضد عامله على البحرين محمد بن نور إلى عمان، فكان تدخله سبباً في إحداث الخراب والدمار في عمان حيث قام بحرق المكتبات وذبح العديد من علماء وأبناء عمان، كما دمر أنظمة الرى التي كان يعتمد عليها السكان في معيشتهم (1) ودفن الأنهار (2)
ورغم ذلك كله بقى الاقتصاد العماني سنداً قوياً للدعوة الإباضية، بل أن التجار العمانيين لعبوا دوراً كبيراً في نشر الفكر الإباضي وطرح آراء فقهائهم في البلاد التي كانوا يتاجرون معها خاصة البلاد الواقعة على جانبي المحيط الهندي. حيث قامت عمان بدور فعال في نشر الإسلام واللغة العربية، والحضارة الإسلامية في مناطق بعيدة في آسيا وأفريقيا، وكان لتجارها وملاحيها الفضل في ذلك (3).
(1) اندور ويليا مسون، صحار عبر التاريخ. ص 37 ترجمة محمد أمين عبد الله (إصدار وزارة
التراث القومي، سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1982 م).
(2) مؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان ص 74 تحقيق سعيد عاشور (إصدار وزارة التراث القومي
سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1986 م)
(3) انظر: تفاصيل ذلك في الفصل الرابع من الرسالة. (1/147)
صفحة 148
الفصل الرابع
العلاقات الخارجية للإمامة
الإباضية في عمان خلال
القرنين الثالث والرابي
المجريين (1/148)
صفحة 149
الفصل الرابع
مقدمة
الفصل الرابع
العلاقات الخارجية للإمامة الإباضية في عمان
في القرنين الثالث والرابع الهجريين
(133)
أولاً: العلاقات الخارجية لإباضية عمان مع الدولة العباسية.
ثانيا: علاقات إباضية عمان مع القوى الإسلامية وغير الإسلامية
المعاصرة لهم.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع مصر.
- علاقات إباضية الخليج العربي بإباضية المغرب العربي.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع الصين.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع الهند. - علاقات إباضية الخليج العربي مع أندونيسيا.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع جزر
الملايو
- علاقات إباضية الخليج العربي مع سيلان.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع جزر المالديف والكاديف.
- علاقات إباضية عمان مع البحرين.
- علاقات إباضية الخليج العربي مع شرق أفريقيا (1/149)
صفحة 150
الفصل الرابع
مقدمة
(134)
ارتبط تاريخ الخليج العربي وبصفة خاصة تاريخ عمان خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين ارتباطاً وثيقاً بأوضاع السلطة المركزية للدولة الإسلامية في بغداد حيث كانت كل بلدان الخليج العربي تدين بالولاء للخليفة العباسي، وفي نفس الوقت كان بعضها يعمل للحصول على الاستقلال، ومن بين هذه البلدان كانت عمان، وكانت تدفعها للحصول على الاستقلال أسباب متعددة أهمها:
1 - بعد عمان عن السلطة المركزية للدولة العباسية في بغداد.
2 - اعتقاد أتباع المذهب الإباضي بأن حكام كل من الدولتين الأموية والعباسية قد بعدوا عن الإسلام الصحيح لذلك وجب الخروج عليهم.
3 - رغبة أهل عمان بالانفصال عن الدولة الإسلامية وتأسيس دولة تتبنى وتناصر وتنشر الفكر الإباضي الذي ارتبط بالفعل بكفاح أهل عمان من أجل
الاستقلال.
4 - التوسع التجاري والاقتصادي والملاحي لأهل عمان، حتى أن المقدسي قال: «من أراد التجارة فعليه باليمن أو عمان أو مصر (1)
)
وقد أعطى الاقتصاد العماني القوى لأهلها دافعاً قوياً ومشجعاً للاعتماد
على الإيرادات الذاتية في تمويل الحركة الانفصالية عن الدولة الإسلامية والحصول
على الاستقلال الذاتي على أقل تقدير
•
- تمتع عمان بخصائص جغرافية فريدة فهى باشرافها على الخليج العربي،
(1) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص 35. (1/150)
صفحة 151
الفصل الرابع
(135)
وبحر العرب تتحكم في المعابر البحرية والتجارية التي تربط جنوب شرق أسيا بالهلال الخصيب وبلاد الشام مما يعطيها قابلية للاستقلال والاعتماد على نفسها اقتصادياً. فضلاً عما تتمتع به في الداخل من تنوع أنماط التضاريس، ابتداء من الشريط الساحلي المطل على الخليج العربي، ومروراً بالصحراء الرملية المجدبة التي تحيط بعمان من الشمال إلى الجنوب، ثم انتهاء بالجبال التي تعلوها المروج الخضراء الممتدة وسط عمان وعلى أطرافها (1)
كل ذلك أعطى إباضية عمان حرية الحركة، والانسحاب إلى الصحراء والجبال للاحتماء بها في حالة شن غارات من قبل قوات الدولة العباسية أو غيرها من
القوات التي تحاول الإغارة على اتباع الحركة الإباضية في عمان (3).
-1
أخيراً لابد من الإشارة إلى الإهمال المؤقت للسلطة المركزية في الدولة العباسية للأقاليم التي تقع بأطراف الدولة، حيث إن السلطات العباسية كانت مشغولة في مرحلة التأسيس الإباضي في عمان بتوطيد أركان الدولة، ولم يلتفتوا
إلى ما كان يجرى فى المناطق النائية البعيدة عن مركز الخلافة العباسية.
الانفصال
كل هذه الأسباب مجتمعة ساعدت أتباع الإباضية في عمان على السعي وراء الدولة الإسلامية والحصول على الاستقلال الذاتي، وقد تم بالفعل هذا عن الاستقلال حينما أعلن الإباضية في عمان مبايعتهم للجلندى بن مسعود أول إمام ظهور (سنة 134 هـ / 753 م) (3). وطلبوا من بقية المسلمين مبايعته إمام
(1) زلوم، عبد القادر، عمان والامارات السبع ص 34. (2) محمد رشيد العقيلي الإباضية في عمان وعلاقاتها مع الدولة العباسية في عصرها الأول ص 14 اصدار وزارة التراث، سلطنة عمان
(3) كان ذلك سنة (132 هـ (751 م حيث يتزامن قيام إمامة الظهور رئاسة الجلندي في عمان، نجاح الدعوة العباسية في اسقاط الحكم الأموى. (1/151)
صفحة 152
الفصل الرابع
للمسلمين (1)
•
(136)
ومن الطبيعي أن الدولة العباسية لم تقف مكتوفة الأيدى إزاء استقلال عمان، بل كانت تحاول السيطرة عليها كما هو الحال بالنسبة لبقية الاقاليم التي حاولت الحصول على الاستقلال عن الدولة العباسية، حيث كان العباسيون يحاولون السيطرة على تلك الدول المستقلة ذاتياً وإدخالها تحت حكمها كلما واتتها الفرصة المناسبة.
ولعل زيادة طموحات الإباضية في الاستقلال - ليس بعمان فقط بل في الكثير من أقاليم الدولة العباسية كالمغرب الإفريقى مثلاً، حيث انتخب هناك أبو الخطاب إماماً سنة 140 هـ. وبعد ذلك بأربع سنين أسس عبد الرحمن بن رستم حكماً إباضياً في تاهرت (2)
وقد كان التنسيق مستمراً بين إباضية المشرق وإباضية المغرب، لذلك أسرعت السلطة العباسية كما يذكر الطبرى (3) بتطويق خطر الإمامة الإباضية والقضاء علهيا. وقد سوغت السلطة العباسية ذلك لنفسها باعتبار الحركة الإباضية ثورة خارجة على سلطة الدولة المركزية لابد من ارجاعها إلى سيادة الخلافة العباسية (4)
أى أن الدولة العباسية كانت تسعى دائماً لفرض سيطرتها على عمان ولم
4.
(1) السالمي .. تحفة الإعيان ج 1 ص (2) فاروق عمر، العباسيون الأوائل ص 132.
(3) الطبري، المصدر السابق ج 7 ص 462.
(4) محمد رشيد العقيلي، الإباضية في عمان وعلاقاتها مع الدولة العباسية في عصرها الأول
ص 19. (1/152)
صفحة 153
الفصل الرابع
(137)
تترك عمان تنفصل وتستقل عنها، ورغم ذلك فإن عمان كانت تسعى دائماً للحصول على الاستقلال الذاتي كلما واتتها الفرصة المناسبة. لذلك كان استقلال عمان عن السلطة العباسية استقلالاً مؤقتاً كان يحصل خلال فترات زمنية
متقطعة.
وبطبيعة الحال فإن ذلك يؤثر سلبياً على السياسة الخارجية لدولة الإباضية في عمان ويضعف من شأنهم.
وهناك أيضاً عوامل أخرى كانت لها تأثيرات سلبية على السياسة الخارجية لإباضية عمان وأهمها بدون شك الصراع الداخلي في عمان وتفريق الكلمة وانقسام أهل عمان على أنفسهم.
علاقاتها
وتتناول السياسة الخارجية المنهج الذى كانت تلتزم به إباضية عمان في إقامة مع الخلافة العباسية ثم مع غيرها من الدول الإسلامية وغير الإسلامية المعاصرة لها، سواء كانت هذه العلاقات دبلوماسية أم عسكرية أم اقتصادية أم تجارية أم علمية أم ثقافية.
وقيام أى نوع من أنواع العلاقات بين الدول بعضها والبعض الآخر لايأتي من فراغ ولايأتي أيضاً عن طريق الصدفة، وإنما ينشأ ويتحقق بعد طول مدارسة لعوامل وظروف كثيرة مختلفة ومتشابكة بل ومتعارضة في بعض الأحيان، وكذلك بعد تحديد أسلوب أو أساليب محددة واضحة يمكن انتهاجها لتحقيق مثل
هذا الهدف. (1/153)
صفحة 154
الفصل الرابع
(138)
أولا: العلاقات الخارجية الإباضية عمان
مع الدولة العباسية
كانت الخلافة العباسية تحاول السيطرة على الدول المستقلة عن سيادتها وتعمل على إدخالها تحت حكمها كلما واتتها الفرصة المناسبة، ومن ثم لم يكن هناك اعتراف رسمى من قبل الخلافة العباسية باستقلال عمان، وهذا بطبيعة الحال يدل على أنه لم تكن هناك أية اتصالات رسمية أو تبادل وفود رسمية لإقامة أو مناقشة أي نوع من العلاقات ما بين الدولة العباسية من ناحية وعمان من ناحية أخرى.
أما موقف إباضية عمان من الخلافة العباسية فإنه يستنتج من نظرة فقهاء الإباضية للخلفاء العباسيين، حيث نظروا إلى حكام الدولة العباسية على أنهم بعدوا عن الإسلام الصحيح وساروا في خط آخر، ولهذا وجب الخروج عليهم.
وقد ارتبط كفاح أهل عمان في سبيل الحصول على الاستقلال عن
الخلافة
العباسية ومن قبلها الدولة الأموية بالفكر الإباضي الذي أصبح بالفعل هو الشعار
الذي رفعه أهل عمان في مواجهة الخلافة العباسية ومحاولتهم الاستقلال عنها
• (1/154)
صفحة 155
(139)
الفصل الرابع
ثانيا: علاقة إباضية عمان
مع القوى الإسلامية وغير الإسلامية المعاصرة لهم
:
إن الحديث عن علاقة الإباضية في عمان بالإباضية في مصر والمغرب وغيرهما البلدان الأخرى يكاد يكون من الموضوعات الصعبة للغاية والتي تشكل عبئاً من كبيراً على الباحث الذي يريد أن يتطرق في بحثه ودراسته لهذا الموضوع، والسبب في ذلك يرجع إلى ندرة المعلومات عن هذه العلاقات التي تركها لنا قدامى الكتاب والمؤرخين وهى مجرد إشارات عابرة خلال الحديث عن علماء مذهب الإباضية في هذه البلدان، فضلاً على أن الكثيرين من الكتاب والمؤرخين كانوا يقفون من المذهب الإباضي موقفاً معادياً على طول الخط لا لشيء اللهم إلا تأييداً ومساندة لخلفاء الدولة العباسية وحكام بعض البلدان الذين تصدوا للإباضية وبذلوا الجهد الكبير للقضاء عليها تماماً أو اضعافها على الأقل.
إذ كانت الإباضية بأفكارها السياسية المستقاه من القرآن والسنة تشكل خطراً كبيراً على الخلفاء والحكام الذين بعدوا إلى حد كبير عن الالتزام والعمل بما جاء في القرآن والسنة وبخاصة فيما يتصل بنظام الحكم ومشتملاته.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلت للقضاء على الإباضية إلا أنها بدعاتها
مما
المخلصين لم تضعف أو تستسلم، بل استطاع دعاة هذا المذهب – على الرغم. لاقوه من اضطهاد بني أمية وبنى العباس - أن يحققوا نجاحاً كبيراً في نشر أفكارهم وترسيخ أقدامهم، وذلك بفضل رغبتهم الشديدة في نشر دعوتهم وبث
أفكارهم. (1/155)
صفحة 156
الفصل الرابع
(12.)
وقد ساعدهم على ذلك ماكان يمتاز به مذهبهم من اعتدال، وما كان يدعو إليه من إصلاح ومساواة وعدالة، وما كان ينادى به من تطبيق لهذه المباديء في ضوء أخوة الإسلام التي تجمع الجميع ولا تفرق بين عربى ومصرى وبربرى عملاً بقول الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه: «لافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».
وكان لدعاة المذهب الإباضي دور كبير في نشر المذهب بين مواطنيهم وبين غيرهم، فازداد انتشاره وكثر اتباعه. وكان الحج فرصة أو وسيلة أخرى ساعدت على نشر المذهب الإباضي بين الحجيج من خلال قيام علماء المذهب بالدعوة إلى مذهبهم بإلقاء الدروس والمواعظ والإجابة على الأسئلة وإعطاء الفتاوى، وعن طريق المناظرات التي كانت تقوم بينهم وبين غيرهم من. علماء المذاهب الأخرى.
فضلا عما كان يقوم به التجار من نشاط كبير في الارتحال والانتقال بين عمان وغيرها من البلدان مما كان له أثر كبير على دفع الحركة الإباضية إلى الأمام، حتى انتشر المذهب بين الكثيرين فى مصر واعتنقه عدد هائل من البربر في بلاد المغرب الأدنى والأوسط وأدى في النهاية إلى قيام الدولة الرستمية الإباضية في هذه البلاد سنة (160 هـ / 777 م) والتي استمرت فترة طويلة من الزمن.
وكان من الطبيعي أن تقوم علاقات بين هذه الدولة وبين الإباضية في البلدان الأخرى، ومن ثم كان من الضرورى تتبع هذه العلاقات على اختلاف أشكالها من سياسية ومذهبية وثقافية وتجارية لبيان كيف دعمت هذه العلاقات من أواصر الصداقة والقربى والاتصال والترابط بين إباضية هذه البلدان رغم بعد الديار ومشقة
الاتصال. (1/156)
صفحة 157
الفصل الرابع
(121)
علاقات إباضية الخليج العربي مع مصر
(أ) العلاقات السياسية:
لم يكن لمصر علاقات سياسية بإباضية الخليج العربي وذلك بالمعنى المتعارف عليه بالنسبة للعلاقات السياسية
مصر
إذ إن مصر في هذه الفترة أومنذ أن قام بفتحها عمرو بن العاص في عام (20 هـ / 640 م) وحتى منتصف القرن الثالث للهجرة أو حتى قيام الدولة الطولونية في القرن الثالث الهجرى (868/ 254 م، لم تكن مصر دولة مستقلة حتى يمكنها إقامة علاقات سياسية مستقلة غيرها من الدول ولكن الصحيح أن كانت ولاية من بين ولايات الدولة الأموية، ثم إحدى ولايات الخلافة العباسية بعد ذلك، والخلافة الأموية ثم العباسية كانتا تعارضان وبشدة الخوارج وتعملان من أجل القضاء على نشاطهم ونفوذهم بل ووجودهم في أي من بقاع الأرض التي كانت تحت سيطرة الخلافتين، فضلا عن الدعاية الأموية ثم العباسية التي نشطت نشاطاً كبيراً في حرب الخوارج والتشنيع عليهم والتشهير بهم والإساءة إليهم والتشكيك فيهم وفي أهدافهم وذلك من خلال كافة الوسائل الرسمية وغير الرسمية مشروعة كانت أم غير مشروعة، وكأن الخوارج ليسوا من المسلمين، بل هم قوم آخرون.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر كان له دوره في ألا تكون لمصر علاقات سياسية بالمعنى المعروف مع الإباضية في الخليج العربي، وهذا العامل هو أن مصر كانت ولاية سنية تتبع خلافة سنية تناهض الإباضية وتسعى للقضاء عليها.
عن
الخلافة
ولعل سعى إباضية الخليج العربي الدءوب من أجل الاستقلال العباسية - بينما تتبع مصر هذه الخلافة كان له أثره الواضح في عدم قيام
علاقات سياسية واضحة بين إباضية الخليج العربي ومصر. (1/157)
صفحة 158
(142)
الفصل الرابع
ومع كل ذلك يمكن القول: إن إباضية الخليج العربي كان لهم دورهم فيما يجرى بمصر من الأحداث السياسية، حيث تشير بعض الروايات التاريخية إشارات عابرة إلى أن إباضية البصرة وعمان كذلك كانوا وراء اتصال عبد الله بن يحيى الكندي إمام الإباضية في حضرموت واليمن (سنة 128 هـ / 744 م) بإباضية مصر، وكان هذا الإمام قد نجح في تولى الإمامة بتأييد وموافقة إباضية البصرة. كما قام وبمساعدة عسكرية من أباضية عمان والبصرة بثورة ضد الحكم الأموى حيث تمكنت جيوشه من احتلال بلاد الحجاز وتلقب بطالب الحق (سنة 160 هـ / 777 م) (1).
وفي الوقت نفسه أرسل إمام حضرموت واليمن وهو طالب الحق أحد الدعاة
إلى مصر لدعوة الناس فيها وبخاصة الإباضية إلى بيعته فاستجاب له نفر من قبيلة «تجيب» اليمنية ومن غيرها من القبائل التي كانت تقيم فى مصر
(2)
ومن ثم فإن إباضية الخليج العربي في البصرة وعمان كانوا يتصلون بالإباضية في مصر لتحرضيهم ضد ولاتها سواء كانوا من قبل الخلافة الأموية أومن قبل الخلافة العباسية وساعد على استجابة الكثيرين من أهل مصر لدعاة الإباضية في الخليج العربي أن عدداً كبيراً أهل من مصر كانوا قد اعتنقوا المذهب الإباضي
وتعمقوا في دراسته حتى صار منهم علماء وفقهاء وصلوا إلى مرتبة الفتيا.
وتشير المصادر إلى أنه في عام (211 هـ / 826 م) أيام إمامة عبد الملك بن حميد في عمان (سنة 226/ 208 هـ) قام الإباضية فى مصر بحركة ضد الحكم
(1) أبو الفرج الأصفهاني، الأغانى ج 23.
ص
224 و
ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 2 ص 197.
(2) سيدة الكاشف مصر في فجر الإسلام ص
12. (1/158)
صفحة 159
الفصل الرابع
(143)
العباسى فى عصر الخليفة المأمون، و كانت خطيرة للغاية الأمر الذي جعل الخليفة المأمون يرسل قائد جنده الشهير عبد الله بن طاهر بن الحسين في ربيع الأول من عام 211 هـ / يوليو 826 م لقمع الثورة والثوار وقد نجح هذا القائد في مهمته وانتصر
على الثوار وظفر بهم
(1)
(ب) العلاقات المذهبية:
يبدو أن العلاقات بين أباضية الخليج العربي وأباضية من مصر كانت في معظمها
علاقات مذهبية.
إذ انتشر المذهب الاباضي بين الكثير من المصريين بداية من القرن الثاني للهجرة، وظل موجوداً بينهم على امتداد القرنين الثالث والرابع الهجريين إلى عصر صلاح الدين الأيوبى فى القرن السادس الهجرى. وكان هناك عوامل وأسباب أدت إلى انتشار المذهب الإباضي في مصر، من بين هذه العوامل والأسباب ماهو رئيسى
ومنها ما هو ثانوى:
فمن الأسباب الرئيسية:
ا - اضطهاد الإباضية في البصرة وعمان:
ففي البصرة لجأ العمال الأمويون والعباسيون إلى سياسة البطش والتعذيب والنفى والقتل ضد معارضيهم بصفة عامة ولم يستثنوا من هذه السياسة جماعة القعدة أو جماعة المسلمين التي عرفت باسم الإباضية فيما بعد.
وشدد عمال بني أمية وعمال العباسيين في العراق على هذه الجماعة خوفاً من
(1) ياقوت، معجم البلدان ج 4 ص 265. (1/159)
صفحة 160
الفصل الرابع
(144)
دعوتها التي كانت تستشرى بين الناس، وتحاشيا للشرقبل وقوعه وقمعاً للنفاق (الإباضي) قبل أن ينجم كما قالوا» (1).
علماً بأن هذه الجماعة الإباضية فى مصر لم تتبع أسلوب الخوارج في التطوف
والعدوان وترويع الآمنين ورفع السيف في وجه الدولة.
ومن ثم تحمس الإباضية في الخليج العربي إلى الخروج بمذهبهم إلى مصر والأطراف البعيدة والعمل على نشر مذهبهم فيها بكل ما أوتوا من قوة، وكانوا يتمنون أن يظهر مذهبهم ولو يوماً واحداً ولا يبالون بعد ذلك أن يموتوا في آخر هذا اليوم غير نادمين (2)
وكان هناك من العوامل الثانوية ما ساعد على تواجد المذهب الإباضي في
مصر منها:
تكاتف وجود الأزد في مصر:
إن تكاتف الأزد فى مصر ساعد على انتشار المذهب الاباضي فيها أو على الأقل أضفى الحماية على رجال هذا المذهب.
من علماء ودعاة.
ومما يجدر ذكره هنا هو أن المذهب الأباضي قام في البصرة على أيدى رجال من الأزد العمانيين، كما أن عمان ومعظم سكانها من الأزد احتضنت هذا المذهب بعد أن انتشر فيها. وكان هؤلاء الأزد من أزد عمان الذين كانوا قد قدموا ويرجع الوجود الأزدي في مصر إلى عصر الفتوحات نفسه مع عكرمة بن أبي جهل بعد انتهاء مهمتة في عمان وفي حضرموت واليمن، ثم توجهه مع الجيوش التي أرسلها الخليفة
(1) ابن الأثير الكامل في التاريخ ج 2 ص 182.
(2) الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب ج 2 ص 11، 12. (1/160)
صفحة 161
الفصل الرابع
(120)
أبو بكر الصديق رضى الله عنه لفتح بلاد الشام وفيها كثير من الأزد
الجنوب.
وعرب
وبعد فتح الشام قام عمرو بن العاص بفتح مصر: قادماً إليها من فلسطين، وان أغلبية جيش عمرو من الأزد وعرب الجنوب بصفة عامة (1) وكان بعض هؤلاء الأزد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثال ذلك جنادة بن أبي أمية الأزدى الذي فتح – فيما بعد - جزيرة قبرص ورودس وأرواد وكريت (2)
ولم يقتصر تواجد الأزد في مصر على أزد الفتح، بل إن بعضهم جاء إليها مهاجراً بعد ذلك، كما أن بعضهم جاء إليها مبعداً من بلاده التي كان يسكنها. مثال ذلك ما حدث من هجرة نفر كبير من أزد البصرة، وهم عمانيون بلا شك، إلى مصر بعد أن أبعدهم إليها والى البصرة زياد بن أبيه. وكان هذا الوالي قد اتهمهم بممالأة أعدائه ومساعدتهم ضده، فأقبلوا إلى مصر ونزلوا فى الفسطاط بموضع يقال له
الظاهر.
وقد ارتاح هؤلاء الأزد وطابوا نفساً بسكناهم فى مصر لنزولهم بين قومهم من عرب الجنوب (3).
وقد شارك هؤلاء الأزد الذين اشتركوا في فتح مصر واستقروا فيها أو قدموا إليها بعد ذلك في الأحداث السياسية التي مرت بها مصر في عهد الخلافة الراشدة (4)
(1) حسن محمود الإسلام والثقافة العربية في افريقية ص 101 (الطبعة الثالثة، دار الفكر
(1949
(2) الطبري، ج 5 ص 288، 293، 322.
(3) ياقوت، معجم البلدان ج 1 ص 311 - 312.
(4) الكندى ولاة مصر تحقيق حسين نصار ص 39 دار صادر، بيروت). (1/161)
صفحة 162
الفصل الرابع
(129)
ولاشك أن دعاة المذهب الاباضى عندما أقبلوا من البصرة إلى مصر وجدوا | دعماً ومساندة من هؤلاء الأزد خصوصاً وأن الفترة كانت فترة سلام بين الخلافة الأموية في عهد سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وبين الإباضية والأزد بصفة عامة. حيث إن سليمان رفع من شأن الأزد وولاهم العراق كما أن عمر بن عبد العزيز جاور الإباضية وسالمهم ولم يتعرض لهم بسوء. ولذلك انتشر المذهب في مصر دون أن يلقى معارضة كبيرة.
وعلا نفوذ الأزد في مصر علواً كبيراً على عهد الخلافة العباسية إذ إنهم ساندوا قيام هذه الخلافة منذ البداية. وسارع أزد مصر في البيعة لأول خلفاء بني العباس، فكافأ العباسيون الأزد بأن ولوهم أكبر الولايات وأسمى الوظائف، وصار أبو عون عبد الملك بن يزيد الهنائي من أزد عمان والياً على مصر.
واستمر العباسيون يواصلون سياستهم الخاصة بتولية الأزد على إمارة مصر
وعلى قضائها وشرطتها كذلك.
ومما لاشك فيه أن دعاة المذهب الأباضي في مصر وجدوا العون والمساعدة بشكل غير علنى من هؤلاء الأزد ذوى الأصل العماني أو غير العماني لأن مصر كانت ولاية تتبع خلافة سنية، ومع ذلك فقد وجد هؤلاء الدعاة الأمن والحماية واطمأنوا على أنفسهم، ولذلك لم نسمع عن اضطهاد وقع على الإباضية في مصر من قبل الولاة أو الحكام الذين تولوا حكمها في عهد بني أمية أو عهد بني
العباس. (1/162)
صفحة 163
الفصل الرابع
(147)
(جـ) العلاقات الثقافية:
قامت بين الإباضية في عمان وبين الإباضية في مصر علاقات ثقافية وطيدة وقوية، وكان لهذه العلاقات أثرها الفعال والأكيد في توثيق الروابط وازدياد الصلات بين الجماعتين. وقد تعددت مظاهر هذه العلاقات الثقافية وتنوعت.
1 - الزيارات والرحلات المتبادلة بين علماء الإباضية:
ء الإباضية
لقد قام علماء الأباضية في عمان برحلات إلى مصر،، وقام. علماء مصر برحلات إلى عمان، غير أن هذه الرحلات كانت قليلة أو نادرة في القرن الثاني الهجرى ثم تتابعت وزادت فيما تلا ذلك على امتداد القرنين الثالث والرابع
للهجرة.
وكان شعيب بن المعروف أول علماء الإباضية في مصر قد قام برحلات إلى البصرة والمغرب وكان بصحبته مجموعة من علماء الإباضية في مصر.
2 - التقاء علماء الإباضية في موسم الحج، والجوار في مكة:
لقد
تم التقاء علماء أباضية عمان بعلماء أباضية مصر في بلاد الحجاز منذ وقت مبكر، واستمر طوال عصور التاريخ الإسلامي، ومن العوامل التي ساعدت على استمرار هذا اللقاء ما يلى:
1 - أن الإباضية كانوا من أكثر الناس حجاً، وكان الأئمة الإباضية يشجعون الناس على أداء هذه الفريضة، وكانوا هم أنفسهم يخاطرون بالذهاب إلى بلاد الحجاز لأدائها، كما كان علماء الإباضية يأتون من مصر للحج، ومنهم من كرر الحج
مرات عديدة (1/163)
صفحة 164
الفصل الرابع
(148)
وكان هؤلاء العلماء الإباضية يجتمعون في بلاد الحجاز يتبادلون الرأى والمشورة ويصدرون الفتاوى ويردون على أسئلة الحجيج من الإباضية وغيرهم، ويصدرون أحكامهم فيما يرد إليهم من مسائل فقهية أو مذهبية، فإذا حدث خلاف بين الإباضية في أي بلد من بلدانهم كان أصحاب هذا الخلاف غالبا ما ينتهزون فرصة تجمع علمائهم في موسم الحج ويرسلون إليهم بشكاواهم أو أسئلتهم. فيصدرون لهم الفتوى.
وقد قام الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بإرسال رسوليه إلى مصر ومكة حيث قابلاً في مصر الفقيه الاباضى المصرى محمد بن عباد، وفي مكة الفقيه الاباضى البصرى العماني الربيع بن حبيب الفراهيدى الازدي لأخذ الفتوى فيما نشب بينه وبين ابن فندين من خلاف ونزاع.
وكان من الفقهاء المجاورين في مكة في عصر ابن سلام الاباضي في القرن الثالث للهجرة مائة وخمسون من الاباضية منهم خمسة وعشرون من أهل عمان وحدها، وعديد ومن أهل البصرة ومصر وغيرها.
3 - تبادل المراسلات والكتب العلمية والفقهية والأدبية:
لم يكن اللقاء في موسم الحج متاحاً للكثيرين من الحكام والأئمة الإباضية إذ كان المشهورون منهم لا يذهبون إلى الحج خوفاً من أن يقعوا في قبضة العباسيين، فيكون اضطهادهم وتعذيبهم وسجنهم كما حدث مع ابن الإمام أفلح بن عبد الوهاب الذي أودعه العباسيون السجن في بغداد.
فاستعاض علماء الإباضية بالمراسلة عن الحج، حيث كانوا يتراسلون فيما بينهم، فيرسل بعضهم بالأسئلة والاستفسارات ويرد عليهم أخوانهم في شكل (1/164)
صفحة 165
الفصل الرابع
(129)
رسائل مطولة أو فتاوى قصيره.
ولم يقتصر التعاون العلمى والفقهى بين أباضية عمان وأباضية مصر على طلب الفتوى أو الرد على الاستفسارات وإرسال الرسائل، وإنماكان الإباضية هنا وهناك يروون العلم بعضهم عن البعض الآخر، ويأخذون من مدونات بعضهم البعض، ويطلبون ما عند إخوانهم في البلدان المتباعدة من كتب.
ووصلت كتب إباضية عمان إلى مصر. وكانت هذه الكتب تصل إليهم على أيدى العلماء الذين كانوا يتبادلون الرحلات والزيارات ومع التجار وأثناء موسم
الحج الذي كان فرصة ممتازة لالتقاء إباضية عمان والبصرة بإباضية مصر.
وقد كان أئمة الأباضية وشيوخهم في مصر يحرصون على استقدام كتب العلم الإباضية وغير الاباضية (1)
وقد درس الإباضية في مصر مدونة أبى غانم بشر بن غانم الخراساني وذلك بعد أن وصلت إليهم هذه المدونة وقاموا بنسخها، ولذلك كان اعتماد الإباضية المصريين في الفقه على هذه المدونة، وفي الحديث على كتب الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي العماني.
وكما أفاد المصريون من كتب العمانيين من الإباضية، فقد أفاد الأباضية من العمانيون من كتب المصريين، وذلك من خلال لقاءاتهم بالعلماء المصريين الذين كانوا يرحلون إلى عمان أو أثناء التقائهم بهم في مكة أثناء موسم الحج.
(1) الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب ج 2 ص 247، 248) تحقيق إبراهيم طلاى، مطبعة البعث
الجزائر - 1974 م). (1/165)
صفحة 166
الفصل الرابع
(10.)
ويلاحظ أن الكتب التي تبودلت بين إباضية عُمان إباضية مصر كان معظهما خاصاً بالمذهب وما صنف فيه، وفى مشايخ وعلماء الاباضية، غير أن الإباضية تبادلوا الكتب في غير المذهب سواء في الأدب أم الشعر أم النحو أم غير
ذلك.
وهكذا تنوعت وتعددت مظاهر العلاقات والاتصالات الثقافية والفكرية بين إباضية عمان من جهة وبين إباضية مصر من جهة أخرى، حيث كان لها أكبر الأثر في استفادة علماء كل بلد من علم زملائهم في البلدان الأخرى وإلى تنشيط حركة التأليف والتدوين فى الفقه الأباضي والعلوم الدينية وغيرها من العلوم، وإلى إثراء كبير في مجال الحركة العلمية الأباضية على وجه الخصوص في القرنين الثالث والرابع للهجرة.
د - العلاقات التجارية:
لقد اشتغل كثير من العلماء والإباضية في كل من عمان ومصر وغيرهما من البلدان التي يتواجد فيها الإباضية، بالتجارة أثناء الزيارات التي قام بها بعضهم للبعض الأخر.
وكان العمل في التجارة أثناء مرحلة السرية للدعوة الأباضية وسيلة للكسب ووسيلة للتخفى والنجاة من مطاردة الأمويين والعباسيين، ولقد نشط الأباضية في التنقل بتجاراتهم من بلاد المشرق إلى مصر إذ كانوا تجاراً من الطراز الأول، وكانوا يعتمدون فى حياتهم بصفة رئيسية على التجارة.
وقد ساعد الأباضية في عمان والبصرة على العمل بالتجارة وعلى الاتصال التجارى بأباضية مصر أن عمان والبصرة كانتا أهم المراكز التجارية الواقعة على الخليج العربي وفي المشرق الإسلامي بصفة عامة، كما أن العمانيين كانوا من أنشط (1/166)
صفحة 167
الفصل الرابع
(101)
التجار في المحيط الهندى وبحر الصين، كما كانوا يجلبون السلع الافريقية من ساحل
شرقي افريقيا
•
وقد استغلوا هذه الفرصة أحسن استغلال حيث دعموا علاقاتهم بالبلدان الإسلامية بصفة عامة وبالبلدان الإباضية المذهب أو التي يوجد بها أباضية مثل مصر بصفة خاصة ساعدهم على ذلك وجود طرق عديدة برية وبحرية تربط فيما بين البصرة وعمان وبين مصر وبلاد المغرب.
وكانت تجارة البصرة وعمان تأتى إلى موانى جدة والحجاز، ومنها تسير بالسفن إلى موانى مصر البحرية وخاصة ميناء القلزم السويس)، ومنه كانت تحمل متاجر الشام ومصر وبلاد المغرب إلى بلاد الحجاز واليمن وعدن وعمان وسواحل الخليج العربي وإلى بلاد السند والهند والصين (1)
هو
وكان هناك طريقان آخران يربطان مصر تجارياً بعمان والبصرة، أولهما: الطريق البحرى الذى يصل ميناء القلزم (السويس) بزبيد وعدن مباشرة عبر البحر الأحمر، وثانيهما: الطريق الذى يمر عبر نهر النيل أو على شاطئه حتى مدينة قوص في أعالي صعيد مصر، ومنها يجتاز التجار الصحراء الشرقية إلى ميناء عيذاب أو ميناء القصير، وهما الميناء ان المصريان اللذان يقعان على البحر الأحمر، ومنهما يركب التجار هذا البحر إلى زبيد أو عدن (2)
ولقد ازدهرت التجارة التي كانت تمر عبر هذه الطرق التجارية العديدة ازدهاراً كبيراً ولعبت. مصر دوراً هاماً في هذا الازدهار، إذ كانت تمثل دور الوسيط التجاري
(1) الاصطخرى المسالك والممالك.
(2) القلقشندي، صبح الأعشى ج 5 ص 17 (وزارة الثقافة، القاهرة). (1/167)
صفحة 168
الفصل الرابع
(152)
بين الشرق والغرب (1) أو بين عمان والبصرة من جانب وبلاد المغرب من جانب آخر وأصبحت مخزناً لمختلف البضائع المشرقية والمغربية (2) وأصبحت موانيها وأسواقها تعج بالتجار من شتى الأجناس والملل وبمختلف أنواع السلع وضروب التجارة، وكانت خير رابط بين أباضية المشرق وأباضية المغرب.
-
وهكذا نرى أن العلاقات بين أباضية الخليج العربي وأباضية مصر - في القرنين الثالث والرابع للهجرة كانت مزدهرة ومتألقة في جوانبها المتلفة: السياسية والمذهبية والثقافية والتجارية وذلك منذ أن ظهر المذهب في مصر وانتشر بين كثير من أهلها
وقد ترتب على قيام علاقات وطيدة بين أباضية عمان وأباضية مصر نتائج
هامة منها
:
أ - انتشار المذهب الاباضى فى كثير من أنحاء بلاد المغرب والصحراء والسودان وذلك نتيجة لقدوم العلماء الأباضية من عمان والبصرة إلى هذه البلدان، ونتيجة لسيل الكتب الإباضية الذى انهمر عليها من البصرة وعمان، فضلا عن التواصل الفكرى واللقاء فى موسم الحج في بلاد الحجاز.
ب إمداد عمان بطاقة روحية كبيرة جعلتها تصمد أمام عتو الخلافة العباسية في أوج ازدهارها، إذ أحس أباضية عمان بأنهم لا يقفون في الميدان وحدهم ضد هذه
الخلافة
ج- تحقيق الوحدة الفكرية والمذهبية بينهما، إذ كان لهما موقف موحد إزاء
(1) سيدة الكاشف الاهتداء.
ص
(2) المرجع السابق ص 193.
YAT (1/168)
صفحة 169
الفصل الرابع
(153)
المسائل الفكرية والمذهبية والسياسية التي عرضت لهما. ومما يدل على تحقق الوحدة الفكرية والمذهبية وعلى سيادتها عند جمهور أباضية المشرق والمغرب، عدم رضا جمهور أباضية مصر ومشايخها بما فعله شعيب بن المعروف وأتباعه من الخروج على ما اتفق عليه الإباضية في بعض النواحي الفقهية الخاصة بالمذهب وخالفهم فيها شعيب وأبو المؤرج عمر بن محمد.
د-
انتشار اللسان العربي بين سكان جنوب الصحراء الكبرى وبلاد السودان الغربي، بالإضافة إلى تشجيع ودعم حركة التعريب في بلاد البربر. حيث أخذت هذه الحركة في هذه البلاد دفعة قوية نتيجة لامتزاج واختلاط التجار والعلماء المشارقة بالتجار والعلماء المغاربة من الإباضية وكذلك المصريون. (1/169)
صفحة 170
الفصل الرابع
(102)
علاقات إباضية الخليج العربي بإباضية المغرب العربي
لقد انتشر المذهب الاباضى انتشاراً واسعاً بين المغاربة وحقق نجاحاً منقطع النظير حتى استطاع هؤلاء المغاربة أن يقيموا لهم دولة أباضية سنة 134 هـ 753 م وكذلك سنة 160 هـ 777 م، وهى الدولة الرستمية التي شمل سلطانها معظم أراضى المغربين الأدنى والأوسط.
وكانت هناك أسباب رئيسية وعوامل مساعدة كان لها أثرها الكبير في انتشار المذهب الاباضي في المغرب، هي نفسها الأسباب والعوامل التي أدت إلى انتشار
المذهب الإباضي في مصر
(1)
ومما يجدر ذكره في هذا المقام هو أنه إذا كان وجود الأزد في مصر من العوامل التي ساعدت علي انتشار المذهب الاباضي بين كثير من أهلها وارتباطهم بإباضية الخليج العربي، فإن وجود الإباضية في بلاد المغرب أدى نفس الوظيفة، إذ كان عرب
الجنوب أغلبية العرب في بلاد المغرب بأجزائه الثلاث: الأدنى والأوسط والأقصى.
وقد غلب الأزد وعرب الجنوب بصفة عامة على هذه البلاد المغربية، ولا شك أن هذا الوجود الأزدى واليمنى أعطى دعماً للأباضية في المغرب العربي فقد كان أئمة الأباضية الأوائل في المغرب العربي من عرب الجنوب، والمثال على ذلك هو عبدالله بن مسعود، التجيبي، والحارث بن تليد الحضرمي وقاضيه أو وزيره عبد الجبار ابن قيس المرادى، وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (2)
(1) راجع أسباب انتشار المذهب الأباضي في مصر في نفس هذا الفصل. (2) أبو زكريا، سير الأئمة وأخبارهم المعروف بتاريخ أبي زكريا، تحقيق إسماعيل العربي ص 57 - 99، الطبعة الثانية، بيروت – 1982 م). (1/170)
صفحة 171
الفصل الرابع
(100)
وكان تطرف الصفرية في بلاد المغرب من العوامل التي ساعدت على انتشار المذهب الأباضي فيها، إذ كان الخوارج الصفرية ذا تطرف شديد في معاملتهم لخصومهم سواء كانوا من العرب أم من البربر، فقد كانوا يستحلون النساء سبي أهل الذمة، ويستحلون الأموال ويسفكون الدماء (1) وقد أدى تطرف
وسبي
الصفرية إلى:
أ - كراهية البربر للصفرية حتى أنهم قاموا ضدهم في كثير من المواقف، وأقبلوا على الإباضية ومالوا إليهم وبخاصة بعد أن رأوا أن الإباضية يغيثون أهل القيروان من ظلم وفجور قبيلة ورفجومة.
ب- انتشار المذهب الأباضي بين كثير من البربر الذين لم يكونوا قد اعتنقوه، بعد أن لمسوا بأنفسهم مدى السماحة والاعتدال الذي يتصف به الاباضية.
أ - العلاقات السياسية:
لقد نمت العلاقات السياسية بين أباضية عمان وأباضية المغرب في ظل دولتي الأباضية في المغرب، أولهما دولة أبى الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري التي أقامها في عام 140 هـ / 757 م في بلاد المغرب الأدنى وخصوصا في إقليم طرابلس وجبل نفوسة وامتد حكمها ليشمل جزءاً كبيراً من ولاية افريقيا وبخاصة القيروان والمناطق المحيطة بها، وثانيهما الدولة الرستمية التي أقامها عبد الرحمن بن رستم الفارسي في عام 160 هـ 776 م في تاهرت في بلاد المغرب الأوسط، وامتد حكمها ليشمل معظم بلدان المغربين الأدنى والأوسط، وعاصرت قيام إمامة الظهور (في عمان سنة 177 هـ / 794 م)
(1) ابن عبد الحكم، فتوح مصر وأخبارها ص 219 223 (ليدن – 1920 م). (1/171)
صفحة 172
الفصل الرابع
(109)
فقد قامت الدولة الأولى للأباضية في بلاد المغرب بجهود الدعاة الذين أرسلهم مشايخ المذهب الأباضي في عمان، ولم يتم اختيار أبي الخطاب لإمامة ورياسة الدولة إلا بإشارة شيخ المذهب وإمام الكتمان في البصرة وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
وتوطدت العلاقات بين مركز الدعوة في البصرة وبين قواد الدعوة والدولة في بلاد المغرب، وكان أباضية البصرة حريصين كل الحرص على نجاح واستمرار هذه الدولة الوليدة.
ومع بدء قيام الدولة الإباضية الثانية (الرستمية) حرص أباضية عمان والبصرة
خلال
على مساندة الدولة بكل ما لديهم من إمكانات مادية وغير مادية، وذلك من الاعتراف بإمامها إماماً لكل الأباضية سواء في المشرق أم في المغرب وبتقديم العون لها من الناحية المادية، والمساهمة في حل مشاكلها السياسية والمذهبية بإرسال النصائح والفتاوى اللازمة لحل هذه المشاكل.
وقد اعترف أباضية عمان بإمامة عبد الرحمن بن رستم (1)، وأن إمامته أصبحت لازمة لأباضية المشرق والمغرب معاً.
وكان أباضية عمان يرسلون رسلهم لتفقد أحوال أباضية المغرب والوقوف على مشاكلهم ولتوطيد أواصر الصداقة والمودة والتواصل معهم في جميع الأحوال
والظروف (2).
(1) ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين تحقيق محمد ناصر وإبراهيم بحار ص 37، 38 (لبنان -
(1986
(2) تاريخ أبي زكريا ص 84، و
انظر: الدرجيني، المصدر السابق ص 248، 249، و
انظر: الشماخي كتاب السير. جزءان تحقيق أحمد بن سعود السيابي (1987
مسقط (1/172)
صفحة 173
الفصل الرابع
(10 V)
وجاء كثير من أباضية المشرق إلى بلاد المغرب للعمل بالتجارة أو الاشتغال بالعلم ونشر المذهب بين البربر أو هرباً من اضطهاد العباسيين لهم، وهكذا تدفق
علماء المشارقة من اء وتجار وحرفيين وصناع على بلاد المغرب بصفة عامة وعلى تاهرت بصفة خاصة لما توافر فيها من أمن وأمان وعدالة وسماحة وبنى هؤلاء المشارقة من البصريين والكوفيين والمصريين وغيرهم الدور والقصور والمساجد والمحلات التجارية (1) وكان هذا الازدهار وهذه القوة نتيجة طبيعية للعلاقات السياسية والمذهبية الوطيدة التي ربطت بين أباضية المغرب وأباضية عمان.
ب - العلاقات الثقافية
:
لقد كان للعلاقات الثقافية الوطيدة التي قامت بين الأباضية في عمان والأباضية في المغرب أثر فعال في توثيق الروابط وازدياد الصلات بين الجماعتين،
وقد تعددت مظاهر هذه العلاقات الثقافية وتنوعت
(1) الزيارات والرحلات المتبادلة بين علماء الأباضية:
تشير المصادر الأباضية إلى وصول عالم أو علماء من أباضية البصرة إلى جبل نفوسة بليبيا ثم إلى تاهرت بالجزائر لزيارة أهل الدعوة من الإباضية وللإطلاع على
أحوالهم في هذه البلاد، ولاختبار مدى تعمقهم في المذهب ومدى دراستهم له.
وقد خرج العالم الكبير أبو غانم بشر بن غانم الخراساني من البصرة متوجها إلى بلاد المغرب لزيارة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (سنة 160 هـ/ 777 م، وفى جبل نفوسه وقبل أن يصل إلى تأهرت، التقى بعالمها الكبير
(1) ابن الصغير المصدر السابق ص 36 37. (1/173)
صفحة 174
الفصل الرابع
(10^)
عمروس بن فتح النفوس وترك معه مدونته للاطلاع عليها، فقام عمروس بنسخها (1). وقد تمكن بعض الأباضية في جبل نفوسة من كتابة القرآن وحفظه على يد هؤلاء الواردين المشارقة الذين كانوا يمرون بهذا الجبل (2)
لقد أتى العالم المشرقى الكبير ابن الجمع إلى مصر ومنها رحل إلى بلاد المغرب في القرن الرابع للهجرة حيث التقى في مدينة توزر ببلاد الجريد في تونس بعالم الأباضية أبي الربيع سليمان بن زرقون النفوس، وهناك أخذ ينشر علمه وفقهه بين كثير من أباضية المغربين الأدنى والأوسط، وكان يتنقل في القرى والمدن مصطحباً معه أبا الربيع. وبلغ بهما الترحال إلى مدينة سجلماسة في جنوب المغرب الأقصى، حيث أخذ ابن الجمع يعلم أهلها (3)
ولاشك أن علماء الأباضية الذين توافدوا إلى بلاد المغرب كانوا يفدون إلى أولاً ويستقرون فيها بعض الوقت حيث يقابلون من فيها من الأباضية ويتعرفون على أحوالهم، ثم يقومون باستئناف الرحلة لزيارة إخوانهم من أباضية
مصر
المغرب.
ووصل بعض العلماء والطلبة الأباضية المغاربة إلى عمان لتلقى المزيد من
العلم والدراسة.
ويحكى لنا ابن الصغير الذي عاصر نهاية الدولة الرسمية أن أحد علماء
(1) الدرجيني المصدر السابق ج 2 ص 320 و
انظر: الشماحى المصدر السابق ج 1.
ص
(2) الشماخي، المصدر السابق ج 1 ص 127. (3) أبو زكريا المصدر السابق ص. 193، و
192
انظر: الدرجيني، المصدر السابق ج 1 ص 109 - 110. (1/174)
صفحة 175
الفصل الرابع
(109)
الأباضية في عصر أبي اليقظان محمد بن أفلح (261 - 281 هـ / 784 م - 894 م) ويسمى عبد العزيز بن الأوز كانت له رحلة إلى المشرق، والمقصود بالمشرق هنا إما البصرة أوعمان أو الاثنين معاً. وكان هذا العالم ذا فقه بارع وصيت ذائع (1)
ب - التقاء علماء الأباضية في موسم الحج، في مكة:
لقد تم اللقاء بين علماء أباضية عمان وعلماء أباضية المغرب في بلاد الحجاز منذ وقت مبكر، واستمر طوال عصور التاريخ الإسلامى ولقد دفع علماء الأباضية في المغرب للتجمع في بلاد الحجاز في موسم الحج، هو تشجيع الأباضية للعلم والعلماء وحرصهم على التعلم، وكان اللقاء في مكة هو أحد الوسائل الهامة لتحصيل هذا العلم
ومن المعروف أن الإمام الأول للدولة الرستمية وهو عبد الرحمن بن رستم له تفسير منسوب إليه، وله ديوان نفيس وله أيضاً رسائل متعددة وأجوبة كثيرة في فنون العلم بعضها موجود وبعضها مفقود (2). كما كان ابنه الإمام عبد الوهاب وأخوه يتعلمان مسائل الفرائض والشريعة ونبغا في ذلك حتى تعلم منهما الكثيرون من أهل المشرق والمغرب (3)
وتتواتر الأخبار باشتغال معظم الأئمة الرستميين الآخرين بالفقه والعلم مما شجع كثيراً من الناس علي طلب العلم وتحصيله والاشتغال به وتعليمه، ولذلك كثرت الرحلة في طلبه. وكان الحج من الرحلات المفيدة في هذا الصدد
(1) ابن الصغير المصدر السابق ص 99
ص
(2) الشماخي، المصدر السابق ج 1 (3) أبو زكريا، المصدر السابق ص 99
167 (1/175)
صفحة 176
الفصل الرابع
(17.)
ومن المجاورين من علماء الأباضية بمكة الفقيه أبو مروان العباس بن الوضاح،
وسفيان بن محبوب الكندى وهما من المغاربة.
ويحدثنا الدرجيني وغيره بأن الأباضية حجوا حجة لم يحجها مغربي قبلهم
ولا بعدهم نظراً لاجتماعهم واتفاقهم.
جـ تبادل المراسلات والكتب العلمية والفقهية والأدبية:
وفي حالة تعذر اللقاء بين علماء الأباضية في كل من عمان والمغرب أو تعذر الانتقال إلى مكة فإن الأباضية كانوا يستعيضون عن ذلك بالمراسلة. فقد كانوا
يتراسلون فيما بينهم للاستفسار وإصدار الفتاوى
فقد قام محمد بن محبوب بن الرحيل سنة 260 هـ - 873 م وكان يعيش في عمان بالكتابة إلى أهل المغرب فى شأن الذين يقومون بأعمال تخالف ما يأمر به الإمام كما أنه كتب على لسان إمام عمان الصلت بن مالك 237 هـ 851 م- 273 هـ - 886 م رداً على بعض الأسئلة التي كان قد أرسلها إليه أهل المغرب بخصوص العالم أو الإمام أو القاضى أو العامل الذي يتلقى الهدية من الناس (1)
ولم يقتصر التعاون العلمي والفقهى بين أباضية المغرب والمشرق على جانب طلب الفتوى أوالرد على الاستفسارات وإرسال الرسائل وإنما كان الأباضية هنا وهناك يروون العلم بعضهم عن البعض الآخر ويطلبون تأليف كتاب يعن كما حدث عندما طلب أباضية عمان من إخوانهم أباضية المغرب أن يؤلفوا لهم كتاباً في سيرة مشايخ المذهب من المغاربة، فقام الدرجيني على هذا العمل خير قيام.
(1) أبو عبد الله الكندى، بيان الشرع ج 28 ص 195 (72 مجلد، مسقط 1984 - 1988 م). (1/176)
صفحة 177
الفصل الرابع
(171)
وروى المغاربة عن أباضية عمان والمشرق فصالح يعلو بن صالح الصدويني يأخذ برأى أبي صالح الدهان أحد مشايخ الإباضية في عمان في بعض المسائل الفقهية (1).
ومن الكتب العمانية الهامة التي وصلت إلى بلاد المغرب، كتاب الدعائم لأحمد ابن النظر العماني وكان هذا الكتاب محل دراسة وتقدير حتى إن الإباضية هناك كانوا يعتبرون ما خالفه فهو مخالفا للسنة (2)
وكما أفاد المغاربة من كتب العمانيين من الاباضية، فقد استفاد العمانيون من الأباضية من كتب المغاربة وذلك من خلال لقاءاتهم بالعلماء المغاربة الذين كانوا يرحلون إلى عمان أو عند لقائهم بهم في مكة أثناء موسم الحج.
وقد وصل إلي عمان عدد وفير من كتب الأباضية في المغرب حيث تكثر الإشارة عند بعض أباضية عمان إلى الاستفادة من هذه الكتب.
جـ - العلاقات التجارية:
كان اشتغال كثير من العلماء والحجاج الأباضية في المشرق والمغرب بالتجارة فرصة عظيمة للدعوة إلى المذهب ووسيلة للكسب وكان للطرق التي ربطت بين مصر وبلاد المغرب سواء البحرية أم البرية أم الصحراوية دور كبير في ازدهار النشاط التجارى بين الخليج العربي والمغرب العربي
وازدهرت الحركة التجارية في القرن الثالث للهجرة إذ إن التجار الرستميين الإباضية استعملوا الطرق والسبل التي توصل إلى بلاد السودان وإلى جميع البلدان
(1) الشماخي، المصدر السابق ج 2 ص 136.
(2) الدرجيني، المصدر السابق ج 2 ص 486، 487. (1/177)
صفحة 178
الفصل الرابع
(162)
من مشرق ومغرب في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم الفارسي
(1)
ووقد أصبحت تاهرت عاصمة الدولة في عهده وعهد أولاده وأحفاده ملتقى التجار الذين وفدوا بتجاراتهم من كل الأمصار والآفاق من البصرة والكوفة ومصر وافريقية والمغرب هرباً من ولاة العباسيين واضطهاداتهم، وكثر استقرار الإباضية في تاهرت وفى نواحيها وبنوا فيها المنازل والقصور والمساجد من أجل الاستقرار والعمل في هذه التجارة الواسعة.
وقد بلغ من كثرة التجار الذين كانوا يفدون من المشرق الخليج العربي) ومصر إلى بلاد نفوسه وإلى تاهرت وسائر بلدان الإباضية في المغرب العربي أن بعض علماء نفوسة حفظوا القرآن وتعلموا العلم عن طريق جلوسهم في الطرق التي يمر بها هؤلاء التجار الإباضية، إذ كانوا ينتظرون قدومهم ويترقبون حضورهم فيجلسون بين أيديهم ويأخذون عنهم ويتعلمون منهم، ثم ينتظرون قافلة أخرى يتعاملون معها بنفس الأسلوب (2)
وقد ساعد على ازدهار هذه الحركة التجارية ما قام به أئمة الدولة الرستمية من حمايتهم للتجار واشتغالهم - أنفسهم - بالتجارة قبل توليهم الإمامة، وتشجعيهم لهذا الضرب من ضروب النشاط الاقتصادي، فقد كان أول إمام للدولة الرستمية وهو عبد الرحمن بن رستم، يعمل بالتجارة، ثم عمل بالتجارة أيضاً ابنه عبد الوهاب وهو الإمام الثاني للدولة (3)
•
(1) ابن الصغير المصدر السابق ص 36.
(2) الشماخي، المصدر السابق ج 1.
ص
(3) أبو زكريا، المصدر السابق ص 56.
127 (1/178)
صفحة 179
الفصل الرابع
(163)
ثم ازداد هذا النشاط التجارى نظراً لما قام به الإمام أفلح بن عبد الوهاب (208 هـ 823 - 240 هـ 854) من توفير الأمن والأمان للتجار وما يحملونه من
سلع، وذلك بتوفير الحراسة للقوافل والطرق التي تمر فيها هذه القوافل (1)
وكان من مظاهر ازدهار الحركة التجارية بين عمان والمغرب أن صارت تاهرت عاصمة كبيرة متألقة بين حواضر المغرب الكبري في ذلك الوقت حتى أصبحت تسمى بالعراق الصغير أو عراق المغرب، تشبيها لها ببلاد العراق التي كانت تزدحم بمختلف الأجناس والملل (2) وتزخر بشتى أنواع الأنشطة الاقتصادية والتجارية بحكم كونها عاصمة للدولة الإسلامية المترامية الأطراف.
والحقيقة أن أباضية المغرب بصفة عامة كانوا على نفس هذه الصفة وكانت بلادهم على نفس هذا الحال من تباين الأجناس واختلاف التجار إليها وتنوع مظاهر الحياة الاقتصادية فيها وازدهارها إلى حد كبير وقيام أهلها بالعمل في التجارة.
وكان من نتائج العلاقات بين أباضية المغرب وأباضية عمان، تدعيم الدولة الأباضية في بلاد المغرب وعمان في المجالات السياسية والمذهبية والمادية والثقافية، كما نتج عن هذه العلاقات تحقيق الوحدة الفكرية بين أباضية عمان وأباضية المغرب، فضلاً.
عن انتشار الإسلام بين كثير من البربر وبخاصة في الصحراء الكبرى وبين السودانيين والزنج جنوب هذه الصحراء وكان ذلك بفضل دعاة المذهب الأباضي
القادمين من المشرق.
(1) ابن الصغير المصدر السابق ص 71 (2) محمد عيسى الحريري، المرجع السابق ص 234. (1/179)
صفحة 180
الفصل الرابع
(198)
ومن النتائج الأخرى التي ترتبت على توثيق أواصر العلاقات بين إباضية
عمان وإباضية المغرب تشجيع ودعم حركة التعريب في بلاد البربر.
ونسمع أنه يوجد في بلاد المغرب أسر ومدن كانت ولا زالت تحمل أسماء عمانية مثال مدينة أوزكى وهى إحدى مدن الدولة الرستمية (1) وكما يلاحظ فإن هذه
المدينة تحمل نفس اسم المدينة العمانية الشهيرة ازكي.
وهناك أثر آخر لهذه العلاقات وهو انتقال الفن المعمارى المشرقي في البناء إلى الدولة الرستمية وإلى افريقيا الغربية ويظهر ذلك في بناء المآذن المدرجة والمحراب
المثلث.
(1) المقدسي، احسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص 219 (ليدن، 1967 م). (1/180)
صفحة 181
الفصل الرابع
(190)
الهجرى
علاقات إباضية الخليج العربي مع الصين
لقد عرف أهل الخليج العربي وبخاصة أهل عمان بلاد الصين منذ القرن الثاني أثناء عهد أئمة الكتمان في البصرة». وذلك عن طريق الملاحين الذين
أبحروا إلى بلاد الصين.
فقد أبحر أبو عبيدة عبد الله بن القاسم العماني إلى بلاد الصين ووصل إلى ميناء كانتون حوالي عام (133 هـ / 750 م)، وتعتبر رحلته من أقدم رحلات العرب إلى بلاد الصين.
كما رحل غيره من تجار عمان وعلمائها إلى الصين مثل النظر بن ميمون وقد قال الشماخي عن هؤلاء التجار العمانيين الذين رحلوا إلى الصين: إنهم كانوا من خيار التجار إلى بلاد الصين (1).
ولقد كان ملاحو عمان وتجارها من العناصر المؤثرة فى ازدهار النشاط الاباضي وكذلك حركة الملاحه فى المحيط الهندى فمن صحار ومسقط والمواني العمانية الأخرى ظهر عدد كبير من الملاحين العمانيين الأكفاء الذين سيطروا على التجارة البحرية مع الشرق الأقصى وافريقية الشرقية.
وأصبحت عمان (مركز الإباضية في الخليج العربي) بلداً بحرياً
من
الطراز
الأول، ففيها كان تلتقى طرق التجارة العالمية وإليها كانت مراكب الصين والهند
وغيرهما تأتي محملة بأنواع التجارة (2)
(1) الشماخي، المصدر السابق ص 160. (2) المسعودي، المصدر السابق ج 1 ص 139. (1/181)
صفحة 182
الفصل الرابع
(177)
كما كانت عمان ملتقى لبعض التجار الذين كانوا يسلكون البر منحدرين من
سمرقند في آسيا إلى البصرة ومنها إلى عمان ثم إلى الصين وذلك إذا ما كانت هناك
اضطرابات سياسية تمنع هؤلاء التجار من التوجه من «سمر قند» رأساً إلى الصين وصارت موانى عمان من المحطات الأمامية الرئيسية، وأصبحت من أهم المراكز التجارية طوال العصور الوسطى وبخاصة في القرون الأربعة الأولى للهجرة نتيجة لما كانت تجنيه هذه الموانى من أرباح وما كانت تحصله من مكوس وضرائب على التجارة الواردة إليها أو الصادرة منها.
واستمرت رحلات العمانيين الإباضية إلى ميناء كانتون الصينى حيث كان لهم وكلاء عديدون في هذه المدينة وغيرها من مدن الصين التي فتحت أبوابها لتجارتهم فكانوا هم الذين قاموا بمعظم النشاط التجارى مع بلاد الصين في القرن الثالث الهجرى بصفة خاصة.
ووصل العمانيون بمتاجرهم إلى أقصى شمال الصين، إلى مدينة قانصوا وبلاد الشيلا التي يعتقد أنها بلاد كوريا الآن أو اليابان (1)، وتوغلوا في داخل البلاد حيث كانت بعض الموانى الصينية لاتقع على الساحل الذي يطل على بحر الصين أو
المحيط الهندي مباشرة، بل كانت تقع على سواحل بعض الأنهار في الداخل. ولقد كان أبو عبيده عبد الله بن القاسم وهو أول التجار العمانيين الذين وصلوا خلال القرن الثالث للهجرة إلى بلاد الصين كان من علماء الأباضية واستطاع من خلال رحلاته التجارية أن يعمل على نشر الإسلام سواء على يديه أو على أيدى زملائه من التجار العمانيين الآخرين الذين قصدوا بلاد الصين مثل
(1) ابن خرداذا به ص 70، المسالك والممالك. (مكتبة المثنى بغداد). (1/182)
صفحة 183
الفصل الرابع
(167)
النضر بن ميمون الذي يقول عنه الشماخي كان من خيار المسلمين (أي الإباضية)
ومن تجار الصين (1).
ولا شك أن أزدهار العلاقات التجارية بين عمان والصين يرجع إلى:
:
i
-
تلك الثروة الوفيرة التي كان يحصل عليها التجار العمانيون من وراء
تجارتهم واتصالهم ببلاد الصين.
ب الأمان الذي كان ينعم به التجار العمانيون أثناء تواجدهم في الصين. فقد كان في القصر الامبراطورى قضاة يعاقبون بأشد العقوبات كل من يتعرض للتجارة الخارجية والتجار الغرباء بسوء، إذ كانت التجارة الخارجية تدر أرباحاً طائلة للدولة، وكان لابد من حمايتها بحماية هؤلاء التجار الغرباء (2)
وكان لتجار عمان الرئاسة للعرب والمسلمين في كانتون نتيجة لما اشتهر به هؤلاء التجارة بسبب مذهبهم الإباضي من حميد الصفات وجميل السجايا، ولم يكن تجار عمان ممن يتصفون الأنانية أو الجشع أو الحرص أو الشح، كما أنهم كانوا أهالي البلاد التي يتاجرون معها ويحاولون بشتى الطرق كسب
يندمجون مع
•
ودهم ومعاملتهم معاملة طيبة مما كان يؤدى بلا شك إلى إعجاب الصينيين بهم وبأخلاقهم التي كانت تتمثل في الأمانة والصدق بدرجة كبيرة.
وقد بذل التجار العمانيون وبخاصة الإباضية منهم جهوداً كبيره لنشر الإسلام.
في بلاد الصين إلا أنه على الرغم من ذلك لم يغلب الإسلام على بلاد الصين. ولم
يكن المسلمون الصينيون إلا أقلية
(1) الشماخي، المصدر السابق، ج 1 ص 95
(2) داند سون، بازل، أفريقيا تحت أضواء جديدة ترجمة جمال محمد أحمد، ص 255 (دار الثقافة للنشر والتوزيع، بيروت). (1/183)
صفحة 184
الفصل الرابع
(194)
والسبب في ذلك يرجع إلى أن التجار العمانيين وغيرهم من تجار المسلمين كانوا يركزون نشاطهم فى الموانى البحرية فقط وكان توغلهم في داخل البلاد بقدر محدود، ولم يكن هذا التوغل توغلاً عميقاً إذ إن التجارة الداخلية كانت في أيدى الصينيين أنفسهم، ولهذا لم يتوغل الإسلام داخل الصين وبقى محدوداً في المراكز والمدن التجارية المتناثرة على ساحل بحر الصين وعلى سواحل بعض الأنهار لمسافة لا تزيد عن مسيرة ستة أو سبعة أيام. (1/184)
صفحة 185
الفصل الرابع
(169)
علاقات إباضية الخليج العربي مع الهند
أئمة
لقد كان لعمان في ظل الإباضية نشاط تجارى في الهند، وقد دعم الإباضية في عمان أسطولهم البحرى والتجارى بأسطول حربي في محاولة منها للقضاء على قراصنة الهند الذين كانوا يتعرضون للسفن العمانية أثناء رحلاتها بين الهند والصين وبين عمان
وقد أنشأ إمام عمان الإباضي غسان بن عبد الله اليحمدي (192 هـ /7.2 هـ) أسطولاً بحرياً مسلحاً لحماية الشواطى العمانية وتجارتها البحرية من هجمات القراصنة الهنود (1)
وقد ازداد الأسطول العماني البحرى قوة في عهد الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي (266 هـ (237 هـ) حيث وصلت في عهده قوات عمان البحرية درجة عظيمة من القوة والاستعداد، إذ كان له أسطول ضخم يتكون من ثلاثمائة بارجة حربية مسلحة بالسلاح.
وقد كان لمسقط قدم في الهند والواقع أن بلاد الهند كانت في حاجة ماسة إلى توطيد علاقاتها ببلاد العرب عامة وبعمان خاصة إذ إن الهند كانت في حاجة شديده إلى اللبان (البخور) الذي كان يأتيها من عمان، كما أن حاجتها من العاج الإفريقى كانت شديدة أيضاً، وكانت سفن عمان تنقل هذا العاج من ساحل شرقي افريقيا إلى عمان نفسها أولاً ومنها إلى بلاد الهند وكانت الهند أيضاً في حاجة إلى الخيول العربية التي كانت تأتيها من عمان ومن ظفار على وجه الخصوص.
(1) مايلز، الخليج ص 82 (1/185)
صفحة 186
الفصل الرابع
(170)
وكانت الهند تبيع الأقطان الجيدة لعمان، فضلاً عن الأقمشة والتوابل والعطور وخشب النارجيل جوز الهند اللازم لصناعة وبناء السفن، فقد كانت مراكب العمانيين تقصد ميناء الديبل بأمتعتها وبضائعها حيث تجد مراكب الصين والهند محملة بالثياب والأفاوه العطرية الهندية فيشترون ذلك جزافاً لأنهم أهل يسار وأموالهم كثيرة (1).
وكان أهل صحار وقلهات وظفار يفضلون ارتداء الملابس المصنوعة من القطن
المستورد من الهند، كما كان غداؤهم هو الأرز الهندى
وكانت السفن العمانية تقصد ساحل مالابار وهو الساحل الغربي لبلاد الهند حيث تعود إلى عمان محمله بالعديد من منتجات الهند الزراعية والصناعية بجانب شجر النارنج والأترج المدور. وقد استورد العمانيون شجر النارجيل من الهند وزرعوه في بلادهم، كماظهر في ظفار أيضاً كثير من نباتات الهند الأخرى مثل الرانج والتنبل (2)
ونظراً لهذه العلاقات التجارية الواسعة بين الهند وعمان فقد ذكر في العديد من المصادر وصول سفن عمان إلى بلاد الهند، ووصول سفن الهند إلى عمان وكانت أكثر سفن الهند ترسو بميناء قلهات العامر الأهل بالسكان.
وكان أهل عمان فرحون كثيراً عند وصول السفن القادمة من الهند إلى بلادهم، لأنهم أهل تجارة ومعيشتهم مما يأتي إليهم في البحر الهندي.
(1) الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار ص 249 (جمعة عام (866 هـ / 1463 م)، تحقيق
إحسان عباس، الطبعة الثانية، بيروت، 1984 م).
(2) القلقشندي، المصدر السابق ج 5 ص 12. (1/186)
صفحة 187
الفصل الرابع
(171)
وفي المقابل كانت السفن العمانية ترسو بموانى الهند العديدة مثل ميناء تامة وقندرينا وكباية، وجرفتن وكلها تقع على الساحل الغربي للهند المسمى بساحل ملبار (1) وكان العمانيون يأتون إلى هذه الموانى ببضائعهم أو بالبضائع الأخرى التي يوكلون في بيعها، إذ كان بعضهم يعملون وكلاء لأهل العراق فينقلون بضائعهم إلى الهند ويعودون بسلع الهند إلى العراق.
ومما سهل على العمانيين هذا النشاط وجود بعض المنازل التي بناها العرب من عمانيين وغيرهم على الساحل الغربي لبلاد الهند
وقد كان استقرار كثير من التجار العمانيين في موانى الهند ومشاركتهم الهندوس في سكنى هذه الموانى نتيجة لتطور النشاط التجاري العماني المتزايد على أرض الهند ونظراً لهجرة اعداد من بلاد العرب وفارس واستقرارهم في الهند بالإضافة إلى وجود التجار والدعاة الإباضيون فقد انتشر الإسلام في هضبة الدكن وفي جنوب الهند، بالإضافة إلى السواحل التي كان قد تحول معظم سكانها إلى
الإسلام. ومما ساعد أيضاً على انتشار الإسلام بين الهنود أن سكان المستوطنات والمراكز التجارية التي أقامها العمانيون وغيرهم من العرب والمسلمين كانوا يستقرون فيها لمدد طويلة، وكان بعضهم يستقرون فيها نهائياً ويصاهرون السكان المحليين ويتخذون لغتهم وكثيراً من عاداتهم وتقاليدهم التي لا تتنافى مع الإسلام، وبذلك كانوا مؤهلين تماماً كدعاة أباضيون لنشر الإسلام فى هذه البلاد وخصوصا بين الهنديات اللاتي تزوجن من هؤلاء الوافدين المستقرين وأيضاً بين الهنود الذين
(1) الادريسي، المرجع السابق ص 13. (1/187)
صفحة 188
الفصل الرابع
(172)
ارتبطوا معهم بعلاقات تجارية (1)
وتقدمت الحركة الإسلامية في الساحل والداخل بفضل العمانيين ونتيجة لعوامل أخرى ترتبط بأحوال الهنود أنفسهم منها سوء أحوالهم الاجتماعية الذي يرجع إلى نظامهم الطبقي وسيطرة رجال الدين على الناس واستغلالهم لمصلحتهم، والإهانات والاحتقار الذي تعرضت له الطبقات الدنيا على أيدى أخوانهم في الدين وقد سهلت هذه الأحوال عملية التحول إلى الإسلام بين كثير من الهنود نظراً للمزايا العديدة التي يقدمها الإسلام لأمثال هذه الطبقات المطحونة، ولذلك كان تغيير الدين عند هؤلاء الناس هو السبيل الوحيد الممهد أمامهم للخلاص (2) فرحبوا بديانة الإسلام الذى لا يعترف بالطبقية والذى يقر مبدأ المساواة بين الناس جميعاً، ولا يفرق بين إنسان وآخر على أساس الجنس أو العنصر أو اللون أو الوضع الاجتماعي أو المالي، ومن ثم انتشر الإسلام في كل مكان وصله تاجر أو داعية أو فقيه مسلم، وخاصة في سواحل الهند وهضبة الدكن وغيرهما من أنحاء الهند وأقاليمها العديدة مثل البنغال الذى انتزع الإسلام السواد الأعظم من سكانها وبخاصة طبقة الفقراء والعشائر الذليلة التي قدم لها الإسلام مثلاً أسمى للأخوة الإنسانية ومنفذاً حراً تنفذ منه إلى نظام اجتماعي جديد
(3)
وقد حظى الذين دخلوا في الإسلام من أهالى هذه البلاد بالاحترام والتقدير اللذين حظى التجار الغرباء بهما أيضاً. الأمر الذى دفع بالحركة الإسلامية دفعات كبيرة بين الهنود ملوكاً ورعية.
(1) أرنولد، تاريخ الخليج، ص 403) سلطنة عمان، الطبعة الثالثة 1985).
(2) أرنولد، المرجع السابق ص 323.
(3) أرنولد، المرجع السابق.
ص
314 (1/188)
صفحة 189
الفصل الرابع
(173)
ويحرص المسلمون من الهنود على تأكيد الروابط التي تجمعهم بالتجار العمانيين الذين كانوا سبب إسلامهم فيقولون إنهم ينحدرون من أنجال هؤلاء التجار المسلمين الذين أقاموا في بلادهم منذ أزمنة بعيدة. وكانت جماعات المسلمين في جنوب الهند يعزون دخولهم فى الإسلام إلى تعاليم الدعاة الذين ما زالوا يمجدون قبورهم حتى الوقت الحاضر.
وهكذا نرى أنه نتيجة لجهود إباضية عمان وغير العمانيين انتشر الإسلام في الهند، والتزم الهنود المسلمون بتعاليم الإسلام وتقاليده، وحافظوا على دينهم رغم ما تعرضوا له من هجوم شبه مستمر من ملوك الهند ومهراجاتهم الذين ما فتئوا يشنون الغارات على المسلمين. (1/189)
صفحة 190
الفصل الرابع
(174)
علاقات إباضية الخليج العربي مع أندونيسيا
كان لازدياد النشاط الملاحي والتجارى لإباضية عمان وغيرهم وتأسيسهم المستوطنات للتجارة والإقامة أثر كبير في أن انتشر الإسلام تدريجياً بين الأهالي
في سومطره وجاوه حتى بورينو وجزيرة سلبيس.
وتمكن العرب من إقامة سلطنة إسلامية في جاوة هى سلطنة داماك (1) مما أدى إلى دفع الحركة الإسلامية بقوة إلى الأمام في الجزر الأخرى وإلى فتح الباب أمام
التجار العمانيين وغيرهم لمزيد من التجارة والهجرة.
وهناك إشارات تدل على تأثر جاوة بالتجار الإباضية العمانيين، إذ عثر على مساجد أثرية قديمة كثيرة العدد بغير زخارف مما يدل على أنها من بناء التجار العمانيين، أو على الأقل متأثرة بالطابع العماني في بناء المساجد، والبساطة طبقاً للمذهب الإباضي وقد حرص الجاويون علي التعلم والتفقه في الدين.
وكان الإسلام أسبق في الوصول إلى سومطره بحكم موقعها وقربها من مضيق ملقاد من الحركة الإسلامية النشطة في شبه جزيرة الملايو وقد تردد التجار الإباضيون من عمان على موانى سومطرة وكان لهم وجود ونشاط في هذه الجزيرة. وقد تكاثف هذا الوجود وازداد غلبة وتأثيراً لدرجة أن أهل هذه الجزيرة كانوا جميعاً مسلمين.
والعرب هم الذين نشروا الإسلام في سومطره. وقد كان تجار عمان وغيرهم من التجار العرب قدموا إلى هذه الجزيرة وقاموا ببناء المستوطنات والمراكز التجارية فيها. ويمكن أن يكون التجار العرب المقيمون بسواحل الهند ومراكزها التجارية هم
(1) ستودارد، المرجع السابق ج 1 ص
345 (1/190)
صفحة 191
الفصل الرابع
(180)
الذين أقبلوا إلى سومطرة ونشروا الإسلام فيها.
وقد استجاب أهل أندونسيا للإسلام وحافظوا على تقاليده، وقد ظهرت هذه الإستجابة واضحة في أمور أخرى منها أنهم أخذوا بالأبجدية العربية في كتابة لغاتهم، ما هيأ الفرصة لانتشار مفردات وكلمات عربية كثيرة في هذه اللغات، والمثال على ذلك اللغة الاتشهينيزية وهى إحدى لغات سومطره التي استعملت الأبجدية العربية أثناء تحولها من لغة شفوية إلى لغة مكتوبة، كما أدخلت في
بنياتها مفردات عربية عديدة متعلقة بالفقه والفلسفة والدين وألفاظ عامة.
وكان إسلام مملكة سوكدنة على أيدى العرب وأن هؤلاء العرب أتوا من سومطره، ولما كان العمانيون يشكلون أغلبية العرب الذين كانوا يعملون بالملاحة والتجارة في هذه الجهات، فإن المرجح أن التجار العمانيين هم الذين كان لهم فضل تحويل مملكة سوكدنة إلى الإسلام حيث كانت هذه المملكة تقع في طريقهم إلى بلاد الصين، كما كان لهم الفضل أيضاً في دخول الإسلام في جزائر ملوكس. فقد كان العرب يأتون إليها لشراء الفلفل الذى كان يجود في أراضيها، واستطاعوا أن يدخلوا ملوكها في دين الإسلام، وخصوصا في جزيرة ترنات التي اعتنق أهلها الإسلام، وكان سلطان هذه الجزيرة كما يحكى البرتغاليون أول زعماء ملوكس دخولاً في الإسلام، وكان ذلك على يد أحد التجار المسلمين (1)
واعتنق الإسلام ملك جزيرة تيدور على يد داعية عربي يسمى الشيخ منصور، وتحول كثير من رعايا هذه الجزيرة إلى الإسلام عقب إسلام ملكهم. وانتحل
هذا الملك اسماً إسلامياً هو جمال الدين
(1) أرنولد، المرجع السابق ص 426، 427. (1/191)
صفحة 192
الفصل الرابع
(189)
وفي جزيرة سليبس دخلت القبيلتان اللتان تسيطران على الجزيرة في الإسلام، وهما ماكبتار والبوجي، ثم لم تلبث قبيلة الغور التي تقطن الداخل أن أسلمت هي الأخرى وكان عدد من الدعاة والتجار العرب عمانيين وغير عمانيين قد وصلوا إلى هذه الجزائر، وأقام بعضهم فيها، مما أدى إلى رسوخ الإسلام وازدياد انتشاره بين الناس حتى أسلم الملك فأسلمت الرعية قرب نهاية العصور الوسطى.
وقد وصلت الدعوة إلى الإسلام إلى جزائر الفليبين أيضاً على يد دعاة من
تجار العرب وخاصة العمانيين.
وهكذا كان لجهود الإباضية في الخليج العربي دور كبير في نشر الإسلام في
هذه البلاد. (1/192)
صفحة 193
الفصل الرابع
(177)
علاقات إباضية الخليج العربي مع جزر الملايو
كانت سفن عمان وتجارها الإباضيون وغيرهم يأتون إلى جزر الملايو بقصد التجارة وللمرور منها إلى بلاد الصين. وكان ميناء كله KALA أو كله بار KALAH - BAR الذي يقع على الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايو في ولاية كدة
الحالية قويدة عند العرب هو منتصف الطريق بين أراضي الصين وبلاد العرب، وأن ميناء كله هذا كان من الأعواد والكافور والصندل والعاج
مجمع
الامتعة
والرصاص القلعي والقصدير والأبنوس .. وغير ذلك»، ومنها إلى عمان (1)
وكان التجار والملاحون العمانيون في ذلك الوقت أكثر من غيرهم نشاطاً في نقل المتاجر والسلع من ميناء كله بار إلى عمان ومن عمان إلى كله بار ووصلت السفن العمانية إلى صندابور (2) ولعلها سنغافورة الآن. وكان تجار عمان يستوطنون هذه الجهات أو يقيمون فيها فترات طويلة حتى أن بعضهم كانوا ينتسبون إليها. وقد أدى ذلك إلى انتشار اللغة العربية في بعض هذه الأنحاء.
وكانت التجارة المتبادلة بين عمان والملايو كبيرة الحجم وعظيمة القدر وكان العرب منتشرين أيضاً في جزائر ملوقة ومحتكرين لتجارتها، وملوقة أو ملقا من أشهر المضايق التي تتحكم في مرور التجارة مثله في ذلك مثل مضيق هرمز في شمال عمان ومضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر من الجنوب، ومضيق جبل طارق شمال بلاد المغرب الأقصى. ومعنى ذلك أن عرب عمان كانوا يتحكمون في اثنين من هذه المضايق، هما مضيق هرمز ومضيق ملقا، مما يدل على مدى قوة
(1) ياقوت، المصدر السابق ج 4 ص 478.
(2) برزك، عجائب الهند ص 192، 130 (ليدن، 1883
(1447
- (1/193)
صفحة 194
الفصل الرابع
(178)
النفوذ الملاحي العماني في العصور الوسطى أمام عهد «إمامة الظهور» في تلك
البلاد.
وربما كان العرب وخاصة العمانيين سادة التجارة مع الشرق دون منازع ومن ثم يمكن القول: إن هؤلاء العرب لابد وأنهم أسسوا مستوطنات لهم ومراكز تجارية في بعض جزائر أرخبيل الملايو منذ وقت مبكر.
وقد أصبحت هذه المستوطنات مراكز للدعوة الإباضية بجانب كونها مراكز للتجارة، فقد قدم إليها كثير من الدعاة والتجار سواء من عمان أم من غيرها. وقد تمكن هؤلاء الدعاة من نشر الإسلام في ملقا بالملايو بعد أن نجحوا في تحويل ملكها
إلى الإسلام. (1/194)
صفحة 195
الفصل الرابع
(179)
علاقات إباضية الخليج العربي مع سيلان
ان لإباضية الخليج العربي أثراً عظيماً في نشر الإسلام في سواحل الهند وفي الصين وفي أندونيسيا، وكان لهم نفس الأثر في نشر الإسلام في جزيرة سيلان (سرنديب) والتي تعرف الآن باسم سريلانكا.
ونظراً لأن السفن التي كانت تقصد جنوب شرقى أسيا والصين كانت تمر بهذه الجزيرة، فقد تهيأت الظروف لوصول تجار عمان الإباضية إلى سيلان وانتشار الإسلام في بعض ربوعها.
وكان العمانيون متواجدين في جزيرة سرنديب وغيرها من الجزر التي كانت تنمو فيها أشجار النارجيل) جوز الهند حيث كانوا يقطعونه ويصنعون من خشبه اً، وساعدهم على ذلك أن أهل سرنديب كان لهم خبرة في زراعة النارجيل وكانو يقومون بحفظه ويبيعونه للصادر والوارد ابتغاء الأجر وطلب المثوبة (1)
سفناً،
كما كان تجار عمان يحرصون على قصد سرنديب نظراً لأنها كانت مقصد مراكب أهل الصين وسائر البلاد المجاورة لها فكان العمانيون يأتون منها بالحرير والياقوت بجميع ألوانها كلها والبنور والماس والعطور المختلفة
يوم
ولم ينقطع التواجد العماني الإباضي على أرض سرنديب ذات حتى أن تجار الأحجار الكريمة في سريلانكا (سرنديب) الآن يعتقدون أنهم منحدرون من أصول عربية، بل إن هناك من يشير إلى أن أغلب المسلمين الموجودين في هذه الجزيرة من أصل عربي، وإن كان فيهم عدد غير قليل من أهل البلاد الأصليين
الذين اعتنقوا الإسلام.
(1) الحميري، المصدر السابق ص 313 (1/195)
صفحة 196
(180)
الفصل الرابع
وفي المقابل كان السلطان هذه الجزيرة سفنه المجهزة للسفر إلى بلاد اليمن (1) وهو اسم كان يطلق على جنوب شبه الجزيرة العربية بما فيه عمان في أغلب
الأحيان.
ونظراً لهذه العلاقات التجارية الوطيدة بين سرنديب وأهل عمان، وللتواجد العماني العربي على أرض هذه الجزيرة، فقد انتشر الإسلام في بعض نواحيها. وكان انتشار الإسلام فى سرنديب نتيجة لنشاط التجار المسلمين الذي كانوا
(1)
يترددون بصفة مستمرة على هذه المناطق الساحلية. وقد انتشر الإسلام في كثير من أنحاء سرنديب حتى اضطر ملكها أن يعين أربعة وزراء مسلمين ضمن وزرائه الستة عشر، ورتب لهم موضعاً يجتمع فيه أهل ملتهم فيكتبون عنهم سيرة نبيهم وقصص ملوكهم في سالف الأزمان ويعلمونهم ما لا يعلمونه من أمر دينهم وأخيراً يمكننا القول: إن الإسلام لم ينتشر بدرجة كافية في جزيرة سرنديب وإنما كان أكثر أهلها كما أشار القزويني من مجوس، وبعضهم كان من المسلمين منهم الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي، والنسبة إلى سرنديب على هذا النحو تدل على توطن الإسلام في بعض نواحى هذه الجزيرة وإلى أن بعض أهلها اعتنقوا الإسلام، منهم هذا الرجل الذي ينسب نفسه إليها
(1) ابن بطوطه المصدر السابق ج 2 ص 677.
(2) الإدريسي، المصدر السابق ص 37. (1/196)
صفحة 197
الفصل الرابع
(181)
علاقات الخليج العربي مع جزر المالديف واللكاديف
امتدت علاقة إباضية عمان إلى جزر المالديف التي كانت تعرف في القرون الأولى للهجرة باسم جزر الديبجان.
وكان الجغرافيون العرب يميزون بين اللكاديف والمالديف التي تقع جنوبها، بأن الأولى كانت تصنع فيها الحبال من قشر جوز الهند بينما كانت الأخرى تنتج أصدافاً صفراء كانت تستخدم عملة في جزر المالديف وفى بعض مجتمعات أفريقيا والهند، ولذلك كانت السفن العمانية وغيرها تعرج على هذه الجزر لتحمل شحنات من هذه الأصداف للإتجار فيها وفى أصداف السلاحف التي كانت تزحف إلى الشاطيء
بالآلاف لتضع بيضها.
ويدين
سكان هذه الجزر بدخلوهم في الإسلام إلى تجار عمان الإباضية وكذلك الفرس الذين استوطنوا هذه البلاد وتصاهروا مع الأهالى، ومهدوا بذلك لنشر تعاليم
الإسلام فيها بنشاط وقوة، وذلك منذ القرن الثالث للهجرة.
وتحدث الكثيرون عن وصول التجار العمانيين بالذات إلى هذه الجزر منذ العصور الإسلامية الأولى، ومعهم الآت النجارة فيقطعون من خشب النارجيل ثم يجففونه ويصنعون منه السفن، كما كانوا ينسجون من سعف النارجيل شراعاً، ثم يملئون هذه السفينة بخشب النارجيل وثماره ويعودون إلى عمان فيبيعونه هناك الصناع السفن.
وصار تواجد التجار والملاحين العمانيين الإباضية في جزر المالديف مكثفاً ولا يقل عن تواجد غيرهم من التجار المسلمين الآخرين. وقد شجع على هذا التواجد موقع هذه الجزر المهم بالنسبة للسفن التي كانت تقصد ساحل الهند الغربي، إذ كانت (1/197)
صفحة 198
الفصل الرابع
(182)
هذه الجزر تقع مباشرة على الطريق الذي يصل بلاد العرب بهذا الساحل، كما أنها كانت منطقة مكتظة بنخيل جوز الهند الذى يستخدم في صناعة السفن والحبال عند العمانيين ولذلك كثر مرور سفنهم بها (1/198)
صفحة 199
الفصل الرابع
(183)
علاقات إباضية عمان مع البحرين
قامت علاقات قوية بين إباضية عمان والبحرين التي كان اسمها يطلق قديماً على المنطقة الممتدة من ظفار حتى قطر وكانت تتداخل مع منطقة البحرين القديمة التي كانت تسمى جزيرة ابن كاوان والتى كان أهلها شراة (أباضية (مثل عمان، مما يدل على مدى التداخل بين البلدين، وبذلك كانت عمان دولة كبيرة المساحة واسعة النفوذ (1)
وحدود عمان قبل ظهور الإسلام كانت تمتد لتتداخل مع حدود البحرين بمفهومها القديم الذي كان يشمل الأحساء. وكان ملك عمان قبل الإسلام يمتد نفوذه السياسي أحياناً ليشمل البحرين.
وكان للأزد وجود في البحرين مما يدل على أن أزد عمان كان لهم وجود في البحرين القديمة مهاجرين أو مقيمين أو تجاراً منذ عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما تلا ذلك من عصور، ولذلك فإن عمان كانت تدخل في عصر الخلافة الراشدة وفي عصر الدولتين الأموية والعباسية مع البحرين القديمة
وقد تعرض أهل عمان لاضطهاد وغزو القرامطة من البحرين عدة مرات، كانت أولاها قبيل نهاية القرن الثالث للهجرة (2)
و تصدى أباضية عمان للقرامطة، هؤلاء الذين كانوا قد استطاعوا السيطرة على أجزاء كثيرة من عمان منتهزين فرصة الصراع الداخلى القبلى الناشيء بين العمانيين أنفسهم. غير أن العمانيين وحدوا صفوفهم وتصدوا للقرامطة وأخرجوهم
(1) ابن خرد زابه المسالك والممالك ص
(2) العوتبي الأنساب ج 2 ص 246) جزءان، مسقط 1984 م). (1/199)
صفحة 200
الفصل الرابع
(184)
من بلادهم، وتبرأوا منهم ومن أفعالهم المشيئة.
وفي ذلك قال أبو الحواري، وهو أحد علماء الأباضية في عمان في القرن الرابع للهجرة: «نحن نبرأ من أبي سعيد القرمطى ونبراً ممن تولاه، ونبراً ممن وقف عنه، ونبراً ممن شك فيه (1).
ولقد لعبت حكومة الخلافة العباسية - القوية آنذاك - دوراً كبيراً في الضغط على عمان وإحداث الخراب والدمار فيها، بهدف القضاء على الأباضية.
(1) الاصطخرى، المصدر السابق، ص 149، و انظر: نور الدين، السالمي، تحفة الإعيان جا ص.
999 (1/200)
صفحة 201
الفصل الرابع
(140)
علاقات إباضية الخليج العربي مع شرق أفريقيا
لاشك أن ارتباط عمان بشرق أفريقيا قد بدأ منذ أمد طويل قبل الإسلام، حيث عرف العرب ركوب البحر، وعرفوا الانتقال من ساحل البحر الأحمر الشرقي إلى الساحل الغربي لهذا البحر الذى ما زال يربط القارة الأفريقية بالجزيرة العربية، باعتبارها امتداداً للمحيط الهندي جغرافياً وحياة.
وتسجل كل المصادر التاريخية نبوغ أهل عمان حتى قبل دخولهم في الإسلام - في ركوب البحر، وقدرتهم الفائقة فى ركوب البحر، وبخاصة أن هذا البحر بالنسبة لهم كان المحيط الهندى بحدوده المترامية عند الهند من ناحية وعند جزر وساحل افريقياً الشرقى والجنوبي من ناحية أخرى، وكان هذا بالتحديد هو مساحة الاحتكاك الحضارى بين الشعب العماني على مر الزمان، والشعوب القاطنة في هذه الحدود الشرقية أو الجنوبية أو الغربية للمحيط الهندي.
وقد كان الوجود العماني في شرق أفريقيا بكل المقاييس - أكبر كثافة وأكثر عمقاً منها في آسيا أو بالتحديد جنوب شرقي آسيا، ولذلك كان تأثيرهم في هذه المنطقة من قارة أفريقيا أشد وأقوى، ذلك أن هجراتهم لجنوب شرق آسيا كانت هجرات فردية وغير دائمة في أغلب الأحيان، أما وجودهم في شرقي أفريقيا فلم يكن كذلك، لأنه اعتمد بجانب الروابط الملاحية والتجارية على الهجرة العمانية الدائمة (فردية وجماعية (لمناطق شرق أفريقيا، حيث تعود الشعب العماني على رحلات منتظمة إلى شرق أفريقيا ساهمت طبيعة المنطقة الجغرافية على تثبيتها وانتظامها، حيث كانت عمان أقرب البلدان في شبه جزيرة العرب إلى ساحل شرق أفريقيا، ولذلك كان الاتصال التجارى والبشرى والثقافى مستمراً، وممتداً بين عمان وبين شرق أفريقيا على مدى التاريخ. (1/201)
صفحة 202
الفصل الرابع
(149)
فكانت السفن العمانية تخرج من موانيها العديدة المطلة على بحر عمان وبحر العرب مثل صحار ومسقط وقلهات وصور ومرابط وتتجه رأساً إلى موانى ومدن الساحل الافريقى الشرقى، ولا شك أن دلائل كثيرة كانت تشير إلى معرفة العمانيين الوثيقة بالبحر ورياحة وأمواجه، واتجاه الركوب فيه، مما ساعد العمانيين بشدة على اختيار الرياح الموسمية فيه صيفاً وشتاء تلك الرياح التي تدفع سفنهم في المحيط الهندي فيتركونها تسير حتى ترسوا بمحاذاة الساحل الأفريقي، وفي عودتهم – بعد التجارة والثقافة - تكون نفس الرياح قد عادت أدراجها في اتجاه عمان مرة أخرى فيركبونها وسفنهم عائدة بهم إلى عمان مرة أخرى.
وقد كان هذا الانتظام الدقيق في مواعيد تلك الرياح هو السر وراء انتظام المجيء وانتظام الرحيل لأهل عمان مع شرق أفريقيا (1).
وقد كان أهل المراكب من العمانيين يقطعون خليج بربرة الممتد بين الحبشة
من
والصومال، أمام باب المندب إلى جزيرة «مبنول» (وهي جزيرة مدغشقر حالياً) بحر الزنج، وكانت مراكبهم تصل «سفالة» وهى أقاصى بلاد الزنج، وهى غاية مقاصدهم في أسافل بحر الزنج (2)
وقد أبحر المسعودى نفسه في القرن الرابع للهجرة من صحار إلى ساحل شرقي أفريقيا، ثم ما أبحر من جزيرة بينلو إلى عمان مستعملاً هذا الخط الملاحي المعروف الذي كان يربط عمان بساحل شرقي أفريقيا.
(1) أحمد محمود المعمري عمان وشرقي، افريقيا، ترجمة محمد أمين عبد الله مسقط وزارة التراث عام 1980 ص 44، و
انظر: محمد عبد الله النقيرة، انتشار الإسلام في شرقى افريقياً ومناقضة العرب له
، ص
دار المريخ للنشر سنة 1982 الرياض.
(2) المسعودي، مروج الذهب ج 1 ص 131. (1/202)
صفحة 203
الفصل الرابع
(187)
ونستطيع القول بوضوح أن كافة المصادر التاريخية تؤكد على وثوق الصلة بين عمان – في كل العصور - وبين الشرق والجنوب الأفريقي، حتى انهم وصلوا إلى تنزانيا ومدغشقر، وجنوب الصومال، وجزر القمر، ومنطقة نورديفان، وكلوة، وبمبا، وزنجبار، وان هذا الوصول بشكل رئيسي بل وبصورة وحيدة عن طريق ركوب البحر، وذلك هو خط الاتصال الأول بين عمان وأفريقيا.
وقد كان لدينا دائماً شك كبير في أن تكون الصلة «البحرية» هي التي وصلت وحدها بين عمان وأفريقيا بصفة خاصة - في فترات حكم الإباضية» – وبالذات بعد ظهور الدويلات الإباضية في جبل نفوسة والدولة الرستمية كدويلات إباضية رسمية، وقد تأكد لدينا هذا الهاجس، ونحن ننظر في علاقات تلك الدويلات، وذلك الرباط المتواصل بين أباضية المغرب وأباضية المشرق ولقاؤهم الدائم في موسم الحج، وبعد أن استقرت دويلات الإباضية في بلاد المغرب الأدنى والأوسط وقامت
لهم قائمتهم.
•
فقد انطلق رجال الإباضية في حماسة عالية، نحو الصحراء الأفريقية الكبرى وعرفوا كل واحاتها، وانطلقوا إلى بلاد السودان بعدها، يتاجرون ويدعون إلى الإسلام، وأسسوا نظاماً مستقراً للقوافل التجارية السيارة بين شمال أفريقيا الذي أصبح إباضياً في معظمه، وبين غرب ووسط أفريقيا وأصبح للإباضية سيطرتهم
الكاملة عليها
وأكثر التجار الذين يرتادونها في ذلك الوقت إباضية، سواء كانوا من تاهرت أو «ورجلان» أو وادى ميزاب أو طرابلس أو جبل نفوسة، أو حتى من الإباضية الوافدين من بلاد المشرق والذين وصلوا في رحلاتهم إلى بلاد سجلماسة، وبلاد السودان، وكان الطريق الذي يربط بين ليبيا وحوض بحيرة تشاد، أو من طرابلس (1/203)
صفحة 204
الفصل الرابع
(188)
وزويلة يسيطر عليه أباضية جبل نفوسة وأباضية فزان (1).
والطريق الذي يربط تاهرت وبلاد الجزائر بأواسط نهر التيجر والذي يمر ببلاد ورجلان»، و «تادمكت» ثم يصل إلى كوكو على نهر التيجر، يسيطر عليه أباضية هذه البلدان الثلاث) تاهرت وورجلان، وتادمکت).
أما الطريق الذي يربط المغرب الأقصى بأعالى نهر التيجر، ونهر السنغال، فقد كان يسيطر عليه صفرية سجلماسة (2)، وكان به أباضية كثيرون، والطريق الرابع الذي كان يربط تونس ببلاد «الهوسافي» شمال نيجيريا الحالية، فهو الطريق الوحيد الذي كان يسيطر الأغالبة على بدايته ولكنه بعد أن يخرج من تونس كان يقع في أرض يسيطر عليها الإباضية لأنه يمر بغدامس أو ورجلان، وكلاهما كانا من ضمن الدولة الرستمية (3).
وقد كانت هذه الطرق البرية الشهيرة والتي ما زالت تستخدم حتى الآن للربط بين الصحراء الكبرى وبلاد الجنوب الأفريقى هى همزة الوصل بين الأباضية وبين أفريقيا داخلياً.
وقد كانت هذه هي الصلة الثانية بأفريقيا عن طريق البر بجانب الصلة الأولى التي أشرنا إليها عن طريق البحر.
(1) جودت عبد الكريم العلاقات الخارجية للدولة الرستمية ص 272 طبعة الجزائر 1984 م). (2) وكان بها كثير من الأباضية يبعثون بزكاة أموالهم إلى أئمة تاهرت (انظر ابن الصغير، المصير
السابق ص
(97
(3) تيم سيفرن، رحلة السندباد - خريطة رقم 2 ترجمة د. سامى عزيز (مسقط - وزارة التراث -
1405 هـ / 1985 م). (1/204)
صفحة 205
الفصل الرابع
(189)
وهكذا وصل الإباضية إلى جنوب وحول البحيرات الاستوائية وإلى بحيرة نيانسا ومنابع نهر الزمبيزى، وموزمبيق وبحيرة تنجانيقاً، وفيكتورياً، والبرث، وكيوجا المعروفة الآن باسم بوردوندي ورواندا، وغربي كينيا، وغربي وجنوب أوغندا، ومملكة كارنجا (زيمبابوى)
وهكذا اخترق الإباضية العمق الأفريقى بحراً وبراً ووصلوا إلى اعماق النقاط الجغرافية فيها، حتى المنطقة الوسطى التي تقع تقريباً بين وسط تنزانيا وكينيا (1) وقد كانت عبارة عن مئات الأميال من الأراضى الوعرة غير الخصبة، حيث تنمو الحشائش البرية، وأشجار الغابات الجافة غير المثمرة فيما يعرف بالأخدود الأفريقى الذي يفصل بين الساحل، ومنطقة البحيرات، وقد حدث اختراق هذه المنطقة الوسطى
من ناحيتين:
الناحية الأولى نجمت عن تحرك جماعات صغيرة من فلاحي البانتو (1) إلى داخل هذه المنطقة منذ وقت مبكر يعود إلى القرن العاشر الميلادى (أو الرابع الهجرى)، ورغم أنهم انتشروا ببطء إلا أن أعدادهم زادت بسرعة، وأصبحوا كالجسر أو القنطرة التي عبر عليها بانتوا الداخل، ومهدوا لفتح الطريق بين الساحل، وهذا الداخل، وانتهز العمانيون الإباضيون هذه الفرصة، وهم على معرفة بدقائق الأمور الأفريقية، ولم يفوتوا هذه المناسبة، إلا وقد استفادوا من هذا الوصل بين الساحل والداخل، وتدفقوا في تجارتهم عبر هذا الطريق مستخدمين الإبل في رحلات تستغرق شهوراً داخل القارة.
(1)
وهي منطقة المحميات الطبيعية التي تضم الحيوانات المتوحشة الآن (تقرير الأمم المتحدة للبيئة
عام 1982). (1/205)
صفحة 206
(19.)
الفصل الرابع
ولم يكن الاتصال سهلاً قبل ذلك بين الساحل والداخل بسبب الطبيعة الوعرة فيه بعد أن كانت قبائل البانتو متفرقة بين الساحل والداخل.
وقد ساعد أيضاً على اختراق هذه المنطقة العازلة وجود جماعات من الحاميين النيليين الذين كانوا يسكنونها قبل تواجد هؤلاء البانتو فيها (1)، وكانت لهم عادات وتقاليد تحمى القوافل، وتساعد عابر السبيل، وشجع ذلك العمانيين وبخاصة التجار منهم على ارتياد هذه الطريق التي فتحها البانتو حتى منطقة البحيرات وكانت هذه الطرق بالتحديد هي السبيل الوحيد إلى وصول الإسلام إلى هذه المناطق الداخلية النائية في أفريقيا، وقد كان عرض الواحد من هذه الطرق العديدة يبلغ تسعة أقدام، وتحده على الجابنين حجارة مرصوفة (2)
وهكذا تواصل أباضية عمان مع أفريقيا في خطوط متوازية بحراً، وبراً، وكان من المنطقى أن تسود بينهما علاقات وطيدة في كافة المجالات، فقد تأثر كل منهما بالآخر، وصارت بينهما العلاقات هبوطاً وصعوداً، حسب تطور الأحداث في عمان نفسها، حيث كان مركز الإشعاع الحضاري يكمن فيها وتترجمت العلاقات بين عمان وأفريقيا في كافة المجالات الثقافية والتجارية والسياسية، بل وتزاوج رجال عمان بنساء أفريقيا وجاء الجيل الجديد تعبيراً عن هذا المزج الحضاري الذي ترجم نفسه سريعاً في تزاوج آخر بين اللغة العربية التي حملها الإباضية إلى أفريقيا، ولغة الأفارقة أنفسهم، فنشأت اللغة «السواحيلية» التي جاءت وليدة هذا التزواج العربي الإفريقي، والتي يتكلم بها أهل الشرق والجنوب الأفريقى حتى اليوم.
(1) قبائل شديدة المراس متوحشة الطباع كانت تسكن الساحل الافريق (دولت صادق – شرق أفريقيا ـ دراسة في جغرافية الإسلام - المؤتمر الجغرافي الإسلامي الأول - الرياض سنة 1984.
ج 4 ص 24).
Murphy, op. Cit. p. 238 - 239. (2) (1/206)
صفحة 207
الفصل الرابع
(191)
ونوضح فيما يلي أهم جوانب هذه العلاقات الخارجية التي ربطت أفريقيا
بأباضية عمان ثقافياً وتجارياً وسياسياً.
1 - العلاقات الخارجية الثقافية:
كان العلاقات الثقافية الخارجية للأباضية مع شرق أفريقيا تعتمد على الأساس المذهبي بشكل أساسي، شأنها شأن كل التوجهات المذهبية، وإن كان الإباضية في علاقتهم الأفريقية بالذات قد أثبتوا حسن نيتهم المذهبية – إن جاز التعبير – حيث حرصوا أشد الحرص على نشر الإسلام أولاً ثم فكروا في أي شيء آخر بعد ذلك.
ومع قراءة المصادر التي تتحدث عن تلك العلاقات الأفريقية تنوعت الأوصاف لسكان تلك القارة ما بين «البربر» أو «السودان» أو «الزنج» أو «ألبانتو» وقد وجدناها كلها مؤشراً لشيء واحد هو ساكن أفريقيا.
وهكذا نستطيع أن نقول أن الإباضية في القرنين الثالث والرابع الهجريين قد أثروا في البربر أو السودان أو الزنج أو البانتو تأثيراً دينياً كبيراً أبسط ما يقال عنه تحول هذه القارة من الوثنية إلى الديانة - وأى ديانة – إنها الإسلام، إلا من المناطق التي صعب على رجال الإباضية الوصول إليها.
وهكذا انتشر الإسلام بين كثير من البربر، وبخاصة في الصحراء الكبرى، وبين السودانيين والزنج جنوب هذه الصحراء (1)، إذ مما لاشك فيه أن دعاة المذهب الاباضى القادمين من الشرق قد ساهموا مساهمة جليلة في ترسيخ مفاهيم الإسلام
(1) فرحات الجعبيرى نظام العزابه عند الإباضية الوهبية في جربة ص 7 (تونس، 1975). (1/207)
صفحة 208
الفصل الرابع
(192)
في ذهن ابناء أفريقيا.
وقد أكد علماء الإباضية على السنوات أن كل ما عاناه أهل أفريقيا من بعض تصرفات الدويلات أو الولايات الإسلامية في شمال أفريقيا لاينتمى للإسلام، وإنما هو من صنع حكام دنيويين.
وهكذا وجدنا طريقاً للمذهب الإباضى كى يفرد لنفسه بين سكان القارة بعض
الصفحات (1)
وقد ساهمت قوافل التجار القادمة من مراكز الإباضية وبخاصة في تاهرت ورجلان، وواحة الأغواط وغيرها فى إنشاء العديد من الزوايا» على طول شبكة الطرق التجارية الممتدة عبر، أفريقيا، وقد كانت هذه الزوايا (2) تستعمل مسجداً، ومركزاً لتلاقى التجار، ومكاناً للمبيت والإقامة وفي صحن هذه الزاوية كان التجار يقضون الليل ويقومون بمعاملاتهم التجارية، وكان لكل زاوية شيخ هو في نفس الوقت رئيس للجماعة والمكلف بتنفيذ أحكام الشريعة، وعادة كانت الجماعات الإباضية تنشأ زاوية أخرى في قرية أو واحة جديدة.
وهكذا شيئاً فشيئاً نشأت شبكة الزوايا الإباضية التي كانت لها أكبر الأثر في نشر الإسلام في الصحراء الأفريقية المدارية أى بلاد تشاد والنيجر ومالى وفولتا، وكذلك في السودان النيلي في مناطق كردفان وماداى ثم بحيرة تشاد نفسها التي كانت فيها بالفعل دول إسلامية أهمها دولة الكانم والبرنو، وأسلم بالفعل أحد ملوك
(1) فرحات المرجع اسابق ص 7، 8.
(2) ما زالت موجودة إلى الآن وساهمت في العصر الحديث في ثورات السنوسي في ليبيا، وفي ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي. (1/208)
صفحة 209
الفصل الرابع
(193)
زغاوة التي تقع شمالي الكانم وبحيرة تشاد على يد أحد مشايخ نفوسة
الإباضية (1).
،
فقد أرسل قاضي جبل نفوسة الإباضي عمروس بن فتح الذي كان من أعلم أهل زمانه في النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة عالماً إباضياً كبيراً إلى هذه البلاد حيث استقر هناك وطاب له المقام فأسلم كثير من الزغاويين على يديه (2) وهذا يؤكد دور الدولة الرستمية في نشر الإسلام في أفريقيا على عكس ما قد يثيرة البعض من أن هدف الرستميين في ذلك الوقت كان التجارة وحدها (3) وأنهم لم يشغلوا أنفسهم بنشر المذهب في أفريقيا، ولاننكر انتشار التجارة على أيدى التجار الرستميين، ولكنهم - بلا استثناء ساهموا في نشر الإسلام وشغلوا
-
أنفسهم بذلك وإن لم يشغلوا أنفسهم كثيراً بنشر المذهب الإباضي نفسه (4)
ولعل هذا ما نستقيه من ذلك الحوار الشيق الذي دار بين الداعية الإباضي أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسكائي - الذي سافر إلى بلاد السودان – وأحد ملوك بلاد السودان الذى لم يذكر اسمه، وكان الحديث عن الإيمان بالله والملائكة والرسل والجنة والنار والحساب، حتى أسلم هذا الملك، ولم نلمس حديثاً من هذا الداعية عن المذهب الإباضي أو مبادئه أو فقهه (ه)
(1) حسين مؤنس معالم وتاريخ المغرب والأندلس - ص 106، و
انظر، محمود إسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب في منتصف القرن الرابع الهجري ص
(القاهرة، 1986 م).
(2) الدرجيني، المصدر السابق ج 2 ص
(3)
321، و
محمود إسماعيل، المرجع السابق ص 229
جودت عبد الكريم العلاقات الخارجية للدولة الرستمية ص 285 (الجزائر، 1984).
(4) د. محمود إسماعيل، المرجع السابق ص 299.
(5) الشماخي، المصدر السابق ج 2 ص 6 - 8.
14 (1/209)
صفحة 210
الفصل الرابع
(192)
وقد ساعد على نشر الإسلام بين الأفارقة عدة عوامل ساهم فيها الإباضية أنفسهم، وبالذات في القرنين الثالث والرابع الهجريين يأتي في مقدمتها:
أولاً: حرص التجار الإباضية على إقامة الشعائر الدينية:
تواجدهم
كان هذا الحرص والالتزام بأحكام العبادات بين تجار الإباضية، أثناء في الأراضي الأفريقية واحداً من أهم عوامل انجذاب السكان هناك إلى الإسلام متأثرين بما كانوا يرونه من هذه الشعائر وبما كانوا يحسونه من القوة الروحية المسيطرة للإسلام حتى شعروا بأن هذه القوة ذاتها وراء شفاء المرضى، والحماية من السحر في المناطق التي ينتشر فيها هؤلاء التجار (1)
ثانياً: الحماية التي كان يسبغها رؤساء القبائل أو الحكام الأفارقة على تجار
الإباضية:
وقد أدت هذه الحماية إلى رفع مكانة وشأن هؤلاء التجار، وبالتالي إلى ارتفاع مكانة وشأن الثقافة والدين اللذين يحملانهما، مما دفع الكثير من الأهالي إلى اعتناق هذا الدين وتلك الثقافة (2)، ولاشك أن اهتمام هؤلاء الحكام بتجار الإباضية كان ينبع في البداية من الاستفادة التي كانوا يحققونها من ورائهم، والأموال التي كان يحملها هؤلاء التجار مقابل البضائع الأفريقية التي يشترونها والتي كان هؤلاء الحكام يسيطرون عليها بكل تأكيد
ثالثاً:
وجود بعض العلماء والمعلمين المتفرغين للدعوة الإسلامية:
حيث صحب التجار الإباضيون دائماً معهم مثل هؤلاء الدعاة والمعلمين
(1) محمد النقيرة، المرجع السابق ص
142
Lewis: op. cit. pp 21, 26 - 27. (2) (1/210)
صفحة 211
الفصل الرابع
(190)
المتفرغين لمثل هذا العمل النبيل من أجل الله، وقد تبع هؤلاء المعلمون التجار إلى أجزاء كثيرة من القارة سواء في الداخل أم في الساحل أم في شرق أفريقيا أم أفريقيا الاستوائية.
ولم يلبث أن تركهم التجار في مثل هذه المواقع أو في بعض المستوطنات والمراكز التجارية التي أنشأوها للقيام بعمليات تحويل الناس إلى الإسلام، ولقد قام هؤلاء المعلمون والدعاة في أماكن وأزمنة متباعدة بتعليم الناس وإدخالهم في الدين على نحو واسع، نتيجة لما كان يشاع في ذلك الوقت من البركة التي تحل معهم. والتي كان الأفارقة يتلمسونها منهم كمصلحين في النواحي الدنيوية بالإضافة إلى الشئون الدينية (1)
ولاشك أن اصطحاب مثل هؤلاء الدعاة لتجار الإباضية يؤكد أن المسألة التجارية عند الإباضية لم تجعلهم يغفلون أبداً عن دورهم في نشر المذهب الإباضي في القارات والبلدان التي تعاملوا معها حيث لم يكن من المتصور أن يكون هناك أي هدف دنيوى وراء اصطحاب مثل هؤلاء الدعاة والمعلمين، بل العكس هو الصحيح حيث إن اصطحابهم بالتأكيد كان فيه تكلفة تزيد عن التكاليف المقررة للرحلات التجارية.
رابعاً: العلاقات الاجتماعية الوثيقة التي نشأت بين العمانيين وبين أهل
أفريقيا.
وقد تمثلت هذه العلاقات الوثيقة في تحول أهل الجماعتين الأفريقية والعمانية إلى جماعة واحدة تقريباً، واختلطت بينهم الأنساب فأصبحوا نسباً واحداً وقد تمثل
Lewis: op. cit. pp 27 - 29. (1) (1/211)
صفحة 212
الفصل الرابع
ذلك في ظاهرتين أساسيتين:
1 - ظاهرة الزواج الإباضي من الإفريقيات:
(199)
حيث تزوج التجار أو الدعاة الإباضية من الإفريقيات، وتناسلوا وكونوا جماعات كبيرة ازدادت أعداداً بالهجرات الجماعية العمانية الكبيرة لمثل تلك المناطق وقد ساعد هذا الزواج على تحول كثير من الأفارقة إلى الإسلام، وحرصوا على تعلم شعائر الإسلام خصوصاً وأن الدعاة الإباضية قد اختلطوا تماماً بتلك المجتمعات وصار الأفارقة يلتمسون منهم الإرشاد لا في مجال العقيدة وحدها بل في كثير من أمور حياتهم (1)
وظهر بعد ذلك عدد من المدن فيها عرب من أصل عماني خالص أو أصل مخلوط، ومع نشاط قوافل التجارة فى الداخل استقرت هناك الجماعات العربية في عدد كبير من مدن وقرى يعرف اليوم باسم كينيا وتنزانيا وأوغندا وزائير وبوروندي ورواندا مما أدى إلى انتشار الإسلام بدرجات متفاوتة في نواح كثيرة من
هذه البلدان.
أما الساحل فقد تحول أهله جميعاً أو معظمهم على الأقل إلى الإسلام، وقد شهد نتائج ذلك ابن بطوطة عندما زار هذا الساحل (عام) 731 هـ / 1331 م) فقرر أن كل الناس الذين رآهم في المدن التي زارها كانوا مسلمين.
(1) أحمد عطية سالم الجاليات العربية في أفريقيا (بحث في كتاب العرب وأفريقيا، بيروت،
الطبعة الأولى سنة 1984، ص 156. (1/212)
صفحة 213
الفصل الرابع
(197)
2 - ظاهرة التعامل الطيب مع الرقيق:
ذلك أن المناطق الساحلية كانت في حاجة إلى الأيدي العاملة الرخيصة، فكان الأفارقة سواء كانوا عبيداً أم أحراراً يأتون إلى هذه المناطق للارتزاق، وخبرة التجار والسادة العرب في مزارعهم وبيوتهم وحوانيتهم ومراكزهم التجارية، وكان الرقيق من هؤلاء يلقون معاملة طيبة عرفها الأفارقة لأول مرة، وحسن تعاملهم شهد به المتعاملون مع هؤلاء العرب (1)
- المعاملة الأمينة والصادقة لدى التجار الإباضية:
لمس الأفارقة ذلك بأنفسهم سواء حينما كان العرب ينتقلون إليهم من الساحل إلى الداخل، أم حينما ينتقل الأفارقة أنفسهم من الداخل إلى الساحل ليشتروا ما يحتاجونه من هؤلاء التجار العرب، فكان اختلافهم لمثل هؤلاء التجار يتيح لهم فرصة الاحتكاك بالحياة الإسلامية عن قرب، ويدفعهم إلى اعتناق الإسلام، وعندما يعودون إلى ذويهم كانوا ينشرونه بينهم في حماس كبير (2)
ولم يكن توافد الأفارقة من الداخل قاصراً على قدومهم افراداً فقط، بل إنهم كانوا أحياناً كثيرة يأتون في شكل جماعات كبيرة أو قبائل بأكملها، تأتى وتستقر على الساحل وتستوطنه بصورة دائمة أو شبه دائمة، وفى بعض الأوقات كان هناك أكثر من سبعين قبيلة أتوا من الداخل وتركز معظهم في الساحل وأصبحوا ينتمون إلى المياة السواحيلية بتأثيراتها الإسلامية القوية أكثر من انتمائهم إلى قبائلهم
Marsh & Kingsnorth: op. cit, P. 9 (1)
(2)
حسن محمود، الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا - دار الفكر العربي - (القاهرة- الطبعة الثالثة - 1986 م) ص 392. (1/213)
صفحة 214
(198)
الفصل الرابع
الوثنية في الداخل (1)
وهكذا نستطيع أن نؤكد أن الإباضية لم يبخلوا بجهد اجتهدوه لنشر الإسلام في ربوع افريقيا، وهذا يفند كل ما ادعاه أرنولد بأن العرب لم يكونوا هم ولا أحفادهم. دعاة إسلام في شرق أفريقيا (2)، ولم يكن بحال من الأحوال تصديق هذه المقولة بعد أن أصبح الساحل الافريقى الشرقى يضم سبعاً وثلاثين مدينة إسلامية من مقديشيو إلى سفالة في الجنوب، ولم تلبث أن تحولت بعض هذه المدن إلى إمارات وإلى دويلات عربية إسلامية كان لها وجود منذ عصور الإسلام
الأولى (3).
ولا يمكن تصديق كلام أرنولد عن تحول العرب إلى أهداف مادية من تجارة رصيد رقيق، وأنهم تركوا قبائل افريقية الشرقية سادرة في جهلها المطبق (4)، ولم يتركوا فيهم أقل أثر للصفات الراقية التي كان يتحلى بها جيرانهم طوال خمسة قرون اتصل فيهم هؤلاء العرب بهم، وهذا الكلام هو عكس كل الشواهد التي تدل على حماسة التجار الإباضية لنشر مفاهيم الإسلام في ربوع أفريقيا.
لم يكن نشر الإسلام ومفاهيمه هو النتيجة الوحيدة للعلاقات الخارجية الثقافية للإباضية، بل إن هناك جانباً هاماً من جوانب الثقافة المنقولة للقارة الأفريقية على أيدى رجال الإباضية، وهو مظاهر التعريب التي بدأت تطغى على
A.
(1) ترمنجهام، الإسلام في شرق أفريقيا - ترجمة محمد عاطف النواوى (الأنلجو المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة " نة 1973 م) ص (2) أرنولد المرجع السابق ص 2380 نقلاً عن jose Ph Thomson في كتابة:
Mohammedism in Central Africa, p. 871
Lewis. op. cit. p. 12, Gideon & Derek op. cit. p. 21. (F)
Lewis: Reginal Review of the Dismbution, spread & islam p. 11 (£) (1/214)
صفحة 215
(199)
الفصل الرابع
لغة وكتب ووثائق الأفارقة، وإن لم يأخذ هذا الصبغة العربية الخالصة، لأن البانتو كانوا يشغلون غالبية السكان ولغلبة العناصر البنتوية فى الثقافة التي سادت تلك المناطق وبخاصة الساحلية، والتي أفرزت ثقافة. هي مزيج من الثقافة العربية والثقافة الأفريقية وهى ما تسمى بالثقافة السواحيلية، حيث ذابت العناصر العربية داخل المجتمع السواحيلي في خلال جيل أو جيلين، فيصبح هؤلاء سواحليين (1). وعلى الرغم من أن بعض المصادر تؤكد أنه في مناطق مثل كلوة، كان السكان يتكلمون العربية بصفة أساسية بجانب عدد من اللغات الأخرى، وأن سجلات كلوة كتبت باللغتين العربية والسواحيلية، وكان سكانها – أو على الأقل معظمهم من العمانيين (2). فقد دخلت على اللغة العربية بعض الكلمات نتيجة التأثر باللغة السواحيلية، التي يعود حوالي نصف مفرداتها في لغة الشعر السواحيلي القديم، وحوالي خمس مفرداتها في لغة التخاطب إلى أصل لغوى
عربي
(3)
ومثال ذلك ما ذكره المسعودى حينما زار في بداية القرن الرابع للهجرة (بداية القرن العاشر للميلاد جزيرة مدغشقر، وقال عنها: «إنها جزيرة عامرة فيها قوم من المسلمين (إباضية)، إلا أن لغتهم زنجية غلبوا على هذه الجزيرة، وسبوا من كان فيها من الزنج كغلبة المسلمين على جزيرة (اقريطس) أو (كريت) في البحر الرومي، وذلك في مبدأ الدولة العباسية ونقض الأموية» (4)
(1) محمد النقيرة، المرجع السابق ص 284.
(2) ابن بطوطة المصدر السابق ج 1، ص.
YAL
(3) عبد الهادي التازي، الصلات التاريخية بين المغرب وعمان ومسقط وزارة التراث صنة 1981
(4)
مروج الذهب، المصدر السابق ج 1 ص 97. (1/215)
صفحة 216
الفصل الرابع
(200)
وهكذا من نفس كلام المسعودى نؤكد أن ظاهرة امتزاج اللغة العربية باللغة
الزنجية أى الافريقية قد أثمرت لغة جديدة هي اللغة السواحيلية.
ولعل المسعودى هنا يقرر ضمناً تاريخ دخول العمانيين الإباضية إلى تلك الجزيرة في بداية حكم العباسيين وهى الفترة التي تمتعت فيها عمان باستقلال حقيقي (1)
>>
وتبدو أيضاً حركة التعريب جلية مع النشاط الإباضي في أفريقيا على نحو ما يتضح في تلك الأسماء العربية التي بدأت تغزو مواقع ومدائن أفريقيا، حتى إن اسم «سفالة» الذي كان يطلق على المنطقة الحميرية القديمة بالجزيرة العربية ما زال علماً على أحد موانى الساحل الأفريقى (2)، ونجد أن نهر «سابي» (3) الذي لا يبعد كثيراً عن مدينة زيمبابوى ما هو إلا اسم محرف لكلمة «سبأ» وهوا العربية التي قامت في بلاد اليمن قبل الميلاد بقرون عديدة.
سم
الدولة
كما أن جزءاً من الساحل الشرقى الأفريقى يقع بين رأس حفوني ورأس الشيل في بلاد الصومال كان يسمى «عزائيا» أو «أزانيا» وهى تحريف لكلمة خزائن العربية الأصلية التي ما زالت تطلق على بر في الصومال يقال له
«بر
الخزائن وصار يطلق على أراضى الصومال وكينياً، وتنزانياً فصار يعرف بساحل «أزاتيا» (4) ولعلنا نلاحظ الشبه أيضاً بين هذه الكلمة، وكلمة «مزون» التي كانت تعرف بها عمان قبل الإسلام، وقيل إنه كانت توجد مملكة باسم مملكة «عزان» في
(1) ستودارد، المرجع السابق ج 3 ص 139.
(2) حوراني، المرجع السابق ص.
128
(3) شوقى الجمل، حضارة زمبابوى - مجلة «الدراسات الأفريقية العدد 56 سنة 1977 - ص)
(4) جيان، المرجع السابق ص 59.52.
0 (1/216)
صفحة 217
الفصل الرابع
(201)
منطقة ما من جنوب الجزيرة العربية في فترة سابقة على ظهور الإسلام لم تحدد
تحديداً واضحاً، ولكنه اسم عربى تداولته الأجيال جيل تلو الآخر أنه ويبدو اختفى ليظهر على الساحل الشرقى لأفريقيا (1) على أيدى التجار العمانيين الإباضية
الذين ما لبثوا كذلك أن أطلقوا على منطقة أخرى في شرق أفريقيا وهي مدغشقر اسم «مسلج» اشتقاقاً من اسم «مسقط» عاصمة عمان (2)
ودون أى خجل فإن بعض المصادر قد أشارت إلى أن العمانيين قد تعلموا كثيراً من أهل هذه المناطق كيف يلبسون وكيف يرتدون ثيابهم، وهو ما أثار دهشة البرتغاليين في عام 904 هـ / 1498 ميلادية حينما جاء فاسكو دى جاما فوجد شيخها متشحاً بالثياب الحريرية ومتقلداً السيف والخنجر، وفي معيته أقوام من العرب في أفخر الثياب (3)
ويبدو واضحاً ذلك الأثر المعماري الإسلامي الذي ما زال موجوداً حتى الآن في تلك المناطق الأفريقية، ويظهر هذا الأثر فى انتقال الفن المعماري الشرقي في البناء إلى أفريقيا الغربية، وجنوب الصحراء، وبناء المآذن المدرجة والمحراب المثلث، كما أن غياب المنبر والنقوش في بعض المساجد الموجودة في أفريقيا الغربية لهو دليل واضح على الأثر الإباضي الذي لايزال موجوداً عند إباضية وادي ميزاب في جنوبي
الجزائر حتى الآن (4)
(1) دافدسون، المرجع السابق ص
241
(2) جمال زكريا قاسم، استقراء العرب، ص 303، و
جيان المرجع السابق ص.
44
(3) جيان المرجع السابق ص 320.
(4) يوسف فضل حسن الجذور التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية (بحث في كتاب العرب وأفريقيا) بيروت - الطبعة الأولى - سنة 1984، ص 57، 58. (1/217)
صفحة 218
الفصل الرابع
(202)
ولا ننكر أن التأثير الثقافى الإباضي قد اختلط بتأثيرات ثقافية إسلامية ليست من المذهب الإباضي في شيء، ولكن افريقيا قد عرفتها، وعرفتها فيما بعد في نفس أو بعد الفترة التي عرفت فيها المذهب الإباضي نفسه، ولكنها بالتأكيد ليست عن طريق الإباضية.
أو
ويتجلى هذا في الطرق الصوفية وحلقات الذكر التي انتشرت في الداخل والخارج في شرقي أفريقياً، وكانت تقام حلقات الذكر أسبوعياً إما في ليلة الجمعة بعد صلاة الجمعة، ولا يمكن أن يكون هذا عن طريق رجال الإباضية التي تنكر هذه الطريقة في العبادات بكل أشكالها، ولا يمكن اغفاله التشابه بين حلقات الذكر وحلقات الرقص التي كان الأفارقة يحبونها بشدة، ولعل هذا ما ساعد على انتشار ثل هذه الطرق الصوفية رغم وجود علماء الإباضية وانتشارهم المكثف ونظراتهم مل هذه المظاهر.
ولا يمكن أن ينكر أحد دور الإباضية في تسليط الأضواء على إنسان هذه القارة والصبغة الحضارية ويكفى أنه تخلص بعد الاحتكاك الحضاري برجال الإباضية من عادات قبيحة كان أقبحها على الإطلاق أكل لحوم البشر، وتقديم لإنسان قرباناً مذبوحاً للآلهة، ودفن الجواري والزوجات مع الملك المتوفى، ووأد أطفال أحياء (1) إذا ولدوا مشوهين بل إنهم تعلموا الاغتسال والطهارة والوضوء
النظافة على يد الإباضية.
(1) حسن إبراهيم حسن، المرجع السابق ص 89. (1/218)
صفحة 219
الفصل الرابع
(203)
ب - العلاقات التجارية مع أفريقيا:
لاشك أن العلاقات التجارية للإباضية مع شرق أفريقيا كانت أعمق وأكثر من مثيلاتها مع جنوب شرقى أسيا، لأنها لم تعتمد فقط على النشاط الملاحي والتجاري فقط، ولكن على الهجرات الدائمة - لا الهجرات الفردية - والتي كانت بلا شك هجرات متلاحقة، وقد شكل هذان العاملان أهم العوامل التي ساعدت على انتشار وكثافة العلاقات الخارجية التجارية بين الإباضية والأفارقة ومن هذه العوامل
ما يلي:
أولاً:
أن عمان بما فيها من إباضية كانت أقرب البلدان في شبه جزيرة العرب إلى ساحل شرقي أفريقيا، ولذلك كان الاتصال التجارى والبشرى والثقافى مستمراً و ممتداً، فكانت السفن العمانية تخرج من موانيها العديدة المطلة على بحر عمان وبحر العرب مثل صحار ومسقط وقلهات وصور ومرباط وتتجه رأساً إلى موانى
ساحل شرقي أفريقيا (1)
ثانياً
:
أن الإباضية كانوا في عمان تقريباً شبه مفصولين عن باقي الجزيرة العربية لأسباب جغرافية ولأسباب غير جغرافية، فجغرافيا لأن عمان بطبيعتها مفصولة
(1) جيان، المرجع السابق ص 24 و محمد أبو العلا محمد، المرجع السابق ص
36035
أحمد محمود العمري عمان وشرقي أفريقيا: ترجمة محمد أمين عبد الله (مسقط وزارة التراث
سنة 1980)
ص
44 (1/219)
صفحة 220
الفصل الرابع
(204)
عن باقى الجزيرة العربية بالصحراء الواسعة الشاسعة وقسوة الحياة في هذه الصحراء التي تدفع سكانها دفعاً إلى ركوب البحر والذهاب إلى أقرب الأماكن إليها وهى الشرق الأفريقى (1)
ثم إن الإباضية – مذهبياً - كانوا مفصولين عن باقي الجزيرة العربية التي لم تخضع لمبادئ المذهب الإباضي بل حاربته واعتبرته في بعض الأحيان خروجاً عن الدين الإسلامي نفسه، وخروجاً على ولى الأمر المسلم، الأمر الذي دفعهم دائماً إلى الذهاب إلى أبعد الأماكن عن هذا الولى المسلم هروباً من هذه التهمة وبحثاً عن مزيد من الأتباع حتى ولو كانوا في كلوة، وبمبا، وزنجبار، وماقيا، وجزر القمر،
وجزيرة مدغشقر.
ثالثاً: الأمان الذي ساد البحر العربي بين عمان وشرق أفريقيا:
شهد القرنان الثالث والرابع الهجريين بالتحديد نشاطاً بحرياً لم تشهده البحار من قبل، وهو أمر جاء نتيجة سيطرة الدولة العباسية على طرق التجارة العالمية المعروفة، وقتذاك، وأصبحت الدولة العباسية تسيطر على مياه البحر المتوسط. ومضيق جبل طارق وعلى مياه البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وعلى الخليج العربي ومضيق هرمز، وعلى مياه المحيط الهندى وبحر الزنج، ولذلك أصبح المجال رحباً أمام تجار عمان كى يجوبوا البحار بفاعلية أكثر، وساندهم النفوذ الأدبي والسياسي للدولة الإسلامية لتبوء مكان الزعامة في مجال النشاط البحرى والتجارى فى المحيط الهندى كله وأصبحت التجارة العمانية هي أساس التجارة العربية (2)
Murphy: op. cit: p. 223. (1) Murphy, op. cit, pp 225, 227 (2) (1/220)
صفحة 221
الفصل الرابع
أما
(1.0)
من ناحية الأمان الداخلى فى المناطق التي يتاجرون فيها، فبعد أن كان
خلال
شعب البانتو قد بدأ في الظهور على الساحل بما فيه من فرص أفضل للحياة، من حيث المطر والأسماك وفرص التجارة، وقد كانوا بدواً أفارقة مسلحين وأشداء أكثر من السكان الأصليين المرفهين والمترفين نتيجة الثراء والاشتغال بالتجارة، وقد كانت هجرات البانتو إلى الساحل الأفريقي قد استقرت مع بداية القرن التاسع الميلادي الثالث الهجرى، وتكيف هؤلاء المهاجرون مع المجتمع الجديد، من المعايشة المستمرة مع الإباضية الذين كانوا مقيمين في مراكز تجارية أو الذين يأتون من عمان بعد أن كان العمانيون قد امتنعوا عن التجارة لفترة أثناء الهجرات الشرسة لشعوب البانتو إلى الساحل الشرقى الأفريقى هروباً من الظروف القاسية في الداخل (1)
وهكذا انتفى عامل الخوف من الذهاب إلى مثل هذه المناطق، وتوافر الأمان الداخلى بالإضافة إلى الأمان البحرى لتجار الإباضية مما ساعدهم على التجارة
المكثفة
مع أفريقيا الشرق.
رابعاً: الخبرة العمانية بشؤون الملاحة
:
?
كان الخبرة العمانيين بشئون الملاحة والتي استخدمها التجار للوصول إلى أفريقيا، الفضل في التشجيع على ركوب البحر وهم مطمئون إلى مهارة الملاحين الذين يقودون تلك السفن، وقد كان نواخذة أو رؤساء وربانية السفن والأساطيل التجارية كلهم عمانيون اباضيون (2)
Marsh & Kingsnorth, op. cit. pp. 8. (1)
(2) ابن بطوطة، المصدر السابق ج 1 ص 279. (1/221)
صفحة 222
الفصل الرابع
(2.6)
وقد أفرد المسعودي العمانيين بالذكر في القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد فقال: «إن أهل المراكب من العمانيين يقطعون هذا الخليج إلى جزيرة «قنبلو» (مدغشر أو ما لاجاش) من بحر الزنج» (1).
>>>
وهكذا ربط المسعودى ركوب البحر بأهل عمان فقط، وأكد أن هؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عمان كما أشار إلى أنهم وصلوا في أبحارهم جنوباً
حتى سفالة في موزمبيق وإلى بلاد الواق واق التي تقع في أقصى بحر الزنج (2)
ويؤكد رحالة معاصر للمسعودى وهو بزرك بن شهريار الرامهرمزي على المهارة الملاحية في بحر الزنج، فيقول إن يزيد العماني النواخذة حدثه، من أنه رأى في بلاد الزنج جبلين عظيمين» (3)، كما أن الناخوذة العماني اسمعيليويه ذكر له أنه خرج هو وجماعة من البحريين من عمان في مركبه يريد قبيلة (ملاجاس أو مدغشقر) في عام 310 هـ/ 922 م (4)
•
وهكذا تؤكد كافة المصادر أن السفن العمانية والنواخذة العمانيون كانوا أكثر
من غيرهم نشاطاً، وكانوا يقومون بنقل السلع الأفريقية في أساطيلهم التجارية
التي بلغ عدد سفن واحد منها،
-
332 هـ / 943 م - ست عشرة سفينة (5)
وقد أبحر من بلاد الزنج إلى عمان عام
(1) مروج الذهب، المصدر السابق ج 1 ص 116، 131، 154، 159.
(2) مروج الذهب، المصدر السابق ج 1 ص 106.
(3) بزرك، المصدر السابق ص 150.
(4) بزرك، المصدر السابق ص 050 51.
(5) بزرك المصدر السابق ص
1. (1/222)
صفحة 223
الفصل الرابع
(207)
وهكذا أطمأن العمانيون الإباضية إلى وسيلة مواصلات أمنة في بحر آمن إلى شط آمن، فما الذي يمنعهم - إذن - من أن يكونوا زعماء التجارة مع أفريقيا بلا
منازع.
خامساً: مستحدثات العمانيين لتنشيط التجارة:
اشتهر التاجر العماني بأنه تاجر حريص. وعلى الرغم من روح المغامرة إلا إننا نجده حريصاً على أمواله وأرواح من معه، فلم يكن التجار العمانيون يتوغلون داخل الجزر الإفريقية إلا بعد الدراسة والتأنى وكانوا يخشون - بجانب القبائل المتوحشة - الأوبئة الأفريقية ووعورة الأرض، وكلها عوامل تكفى لهروب أى تاجر لا يتخذ حيطة نحو ذلك.
إلا أن العمانين، لم يكلفوا أنفسهم عناء التعرض لمثل هذه العوامل، طالما توفرت السلع التي يريدونها على الساحل.
أيضاً لم يكتف العمانيون بذلك بل استحدثوا طريقة أخرى لامتداد وتكثيف تجارتهم، قد يظنها أي تاجر للوهلة الأولى صفقة خاسرة لا لزوم لها، وهي تأسيس «مراكز تجارية دائمة» على الساحل الإفريقي، تلك المراكز التي تحولت مع الزمن إلى مدن وحواضر يحفل بها الساحل الشرقي لأفريقيا إلى اليوم.
وقد استحدث التجار العمانيون هذه الوسيلة ليوفروا لتجارتهم الاستمرارية
والأمن في الوقت نفسه، وحتى يتم معرفتها بشكل دائم من قبل الأفارقة (1) وبقيت آثار هذه «المراكز التجارية الدائمة موجودة حية حتى الآن، مثل مدينة
(1) ستودارد، المرجع السابق جـ 3 ص 139. (1/223)
صفحة 224
الفصل الرابع
(208)
(سالالا) التي أنشأها العمانيون القادمون من «صلالة العمانية، للتجارة وأسموها على اسم مدينتهم «صلالة»، فأصبحت الآن على ألسنة أهل مدغشقر (سالالا)،
وهي واقعة في شمال الجزيرة (1)، وفى الشاطئ الشمالي الغربي للجزيرة كانت
R
هناك أيضاً مدينة تسمى «ليرانة» ذكرها ابن سعيد المغربي
وقال ابن فاطمة الملاح العربي الذي دار حول أفريقيا من الغرب إلى الشرق ووصف سواحل السنغال وجزر القمر، ودخل مدغشقر: «إنها للمسلمين كمقديشيو وأن أهلها. مجتمعون من الأقطار، و ر، وهي بلد حط واقلاع» (2)، أي أن «ليرانة» كانت مركزاً تجارياً بحرياً دائماً.
سادساً: السيطرة الإباضية على الطرق التجارية الكبرى عبر الصحراء الأفريقية الكبرى.
تلك الطرق التي استطاع الإباضية السيطرة عليها، وإقامة العديد من الزوايات فيها لتوفير الأمن والراحة لقوافل التجار، وهى الطرق التي سيطرت عليها
البلاد الإباضية الثلاثة تاهرت وورجلان، و تادمکت (3).
وقد كانت السيطرة الإباضية سيطرة روحية بالإضافة إلى السيطرة المادية حيث إن معظم التجار المشاهير الذين ساروا على هذه الطرق قد أضفوا على هذه الطرق روحاً وهيبة لما اشتهر على أيديهم من أن تجار الإباضية هم تجار علماء، وأصبح منهم نجوم معروفون على طول هذه الشبكة من الطرق التجارية الكبرى
(1) محمد ناصر العبودي مدغشقر بلاد المسلمين الضائعين الرياض، 1980) ص
(2) ابن سعيد المغربي، كتاب الجغرافية
(3)
ص
084
جودت عبد الكريم العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، ص 272. (1/224)
صفحة 225
الفصل الرابع
(209)
منهم: أبو نوح الصغير، وأبو نوح سعيد بن يخلف المذاتي الذي كان من أكبر التجار ثراء، وحج ثم عاد للتجارة في تادمكت (1)، وأبو صالح حنون الذي كان يرحل إلى ورجلان لبيع الإبل ومنها إلى تادمكت (2)، وأبو يحيى بن أبي القاسم يونس الفرسطائي الذي قتل في موقعة «مانو» (عام 283 هـ / 896 م) وكان فقيهاً و تاجراً إباضياً كبيراً دعا إلى الإسلام في إحدى بلاد السودان، وله مسجد في
فرسطاء (3)
وهكذا نجوم عديدة ارتبطت أسماؤهم بتلك الشبكة الضخمة من الطرق التجارية الكبرى مما أضفى على التجار وقوافلهم بعداً جديداً ساعد على ازدهار التجارة الإباضية في أفريقيا.
سابعاً: الحالة البدائية السياسية وعدم وجود دولة تضم الأفارقة:
هذه الحالة التي جعلت الساحل الشرقى الإفريقى عبارة عن قبائل متفرقة، لكل سوق أو مدينة أو قرية زعيم أو شيخ مستقل عن الآخر تماماً، ولذلك كان جميع هؤلاء الزعماء والمشايخ يتبارون في تقديم الخدمات والتسهيلات للتجار العمانيين الإباضية (4)
وكان العمانيون أدرى الناس بغنى تلك المناطق الإفريقية وثرائها، مثل كميات العاج، والذهب، الدقيق، والحديد، وجلود النمور وخشب الصندل، والأبنوس،
(1) الدرجيني المصدر السابق ج 2
ص
367
(2) الدرجيني، المصدر السابق ج 2 ص 374، 375.
(3) فرحات الجعبرى المرجع السابق ص 451. (4) المسعودي، مروج الذهب جـ 2 ص 6، و الإدريسي، المصدر السابق ص 32 - 35، و
ابن سعد، المصدر السابق ص
83 (1/225)
صفحة 226
(210)
الفصل الرابع
والعنبر الممتاز، وأصداف السلاحف وزيت النخيل وجلود الحيوانات المختلفة
الأشكال والألوان.
بينما كانوا يحملون من عمان إلى أفريقيا منتجات كان الأفارقة يتنافسون عليها «كالتمر العماني» الذى وصل بالأفارقة حبهم له انهم كانوا يسجدون والعياذ بالله العرب حينما يزورونهم لأنهم من بلاد التمر أو النخيل
(1)
ولم يكن التمر العماني هو المحصول الوحيد الذي كان يجد سوقاً رائجة في شرقي أفريقيا، وقد أشار الإدريسي إلى أن أهل جزيرة أنفوجة (مدغشقر) كان أكثر عيشهم من الموز المتعدد الأنواع ومنه الموز العماني الذي كان يتميز عن غيره بطيب طعمه وشدة حلاوته وكبر حجمه ثقل وزنه حتى إن الثمرة الواحدة منه كانت تزن اثنتي عشرة أوقية (2)
كذلك الموز (المروارى) أى «الجوهر» نظراً لصفاته الممتازة وكان يزرع في، هذا بالإضافة إلى العقود والأقمشة والخناجر والفئوس وأنواع مختلفة
«قلهات»
من الزجاج والتوابل (3).
كما كان التجار الإباضية من عمان يوردون لهم الحرير والأوانى البورسلين من أرخبيل الملايو، ومن بلاد الصين حيث كان أغنياء العرب والأفارقة يحبون الأكل فيها، كما كانوا يجلبون لهم الأوانى المصنوعة من الزجاج من فارس، وبلاد العرب،
132
ر
(1) أبو زيد الحسن السيرافي، سلسلة التواريخ ص
(2) ابن بطوطه المصدر السابق جا، ص 288 - 296
انظر الإدريسي، نزهة المشتاق ص
34
Marsh & Kingsnorth, p.p. 8, 9, 10 (3) (1/226)
صفحة 227
الفصل الرابع
(211)
وسوريا، والأقمشة الملونة المصنوعة من القطن من بلاد الهند، وكذلك كانوا يوردون لهم القمح من أجل كسب صداقة المواطنين (1).
والواضح أن أهم عامل في تطوير العلاقات الخارجية التجارية بين عمان الإباضية وافريقيا هو حاجة كل منهما للآخر، هذه الحاجة التي تمثلت في مجموعة من البضائع التي لا يستغنى عنها كل طرف وهكذا ازدادت تلك العلاقات التجارية
عمقاً وكثافة وقوة على أيدى الإباضية.
(1) مجهول، السلوة في أخبار كلوة، تحقيق: محمد على الصليبي) وزارة التراث، مسقط سنة
1985 م) ص 6، و
انظر جيان، المرجع السابق ص 26. (1/227)
صفحة 228
الفصل الرابع
(212)
جـ - العلاقات السياسية:
ارتبط إباضية عمان بشكل عام بشرق أفريقيا سياسياً أكثر من أي جزء آخر من الجزيرة العربية، وكانت إمامة الظهور الإباضية في عمان حريصة أشد الحرص على استقلالها عن الخلافة العباسية، وهو الأمر الذي دفع إباضية عمان في النهاية إلى توثيق صلاتها بشرق أفريقيا باعتبارها أكثر الأجزاء بعداً عن الخلافة العباسية من ناحية وباعتبار تواجد جالية عمانية كبيرة فيها ترحب بأخوة لهم يأتون هرباً السلطة المركزية في بغداد من ناحية أخرى. من
ثم إن الساحل الشرقي الإفريقى نفسه كان يحمل العديد من العوامل السياسية التي تشجع على الارتباط السياسي الوثيق معه، إذ لم يوجد في تلك الفترة أى دولة يمكن أن تفرض نفوذها على تلك الأراضى الشاسعة والقبائل المتفرقة التي سمحت للعمانيين وللإباضية أن يصلوا في السيطرة على تلك المناطق إلى حد إقامة إمارات تابعة لهم.
وهكذا تطورت العلاقات الإباضية العمانية الأفريقية لظروف في الخلافة العباسية أو لظروف في عمان نفسها أو لظروف في أفريقياً شجعت على الالتحام السياسي بين إباضية عمان وأفريقيا، وبخاصة في القرنين الثالث والرابع الهجريين.
أما الظروف التي في الدولة العباسية فكانت بسبب الصراع الذي لم يقف منذ الخلاف بين الأمويين والزبيريين، ثم بينهم وبين الخوارج ومن بينهم الإباضية، واشتد هذا الصراع في الدولة العباسية بين العباسيين وخصومهم السياسيين من شيعة
وخوارج.
وظهرت جماعات وفرق عديدة، وقامت ثورات ودول مناهضة لحكم بني (1/228)
صفحة 229
الفصل الرابع
(213)
العباس، مثل ثورة الزنج في جنوبي العراق عام (255 هـ / 869 م)، ومثل قيام دولة القرامطة في البحرين، ومثل حكم الإمامة في عمان.
كل هذه التطورات والصراعات كان لابد أن تؤدى إلى فرار الكثير من الخصوم، والثوار المهزومين، أو المضطهدين إلى أطراف بعيدة عن سيطرة الدولة الإسلامية مثل ساحل شرق أفريقيا، مما دفع كل من يختلف مع الدولة الإسلامية مثل أئمة عمان أن يعتبروا هذا الساحل هو خط الدفاع الثاني بالنسبة لهم، واعتبرته أباضية عمان بالذات عمقاً استراتيجياً لها.
ود أب إباضية عمان في صراعهم من أجل استقلالهم عن الخلافة العباسية على الهجرة إلى ساحل شرقي أفريقيا سواء لطبيعة البلاد الجغرافية أم لطبيعة الموقع الذي أثر في طباع السكان وميولهم وجعلهم فى حالة رفض دائمة لأى محاولة للخضوع السياسي حتى ولو كان لقوى محلية عمانية مختلفة مثلما حدث في فترات الصراع بين الإمامة الإباضية وبعض القبائل العمانية أو بينها وبين التكتلات والأحلاف القبلية ذات الأهداف السياسية المعارضة للإمامة أو الطامعة في تولى الحكم والسلطان. وذلك على نحو ما حدث في الصراع الذي دار بين الإمام الصلت ابن مالك (237 - 273 هـ 851 - 886 م، وبين خصومه، ثم انقسام البلاد بعد إقالته إلى رستاقية ونزوانية (1)، ثم إلى نزارية ويمنية بعد ذلك (2) وقيام الصراع
بينهما.
(1) انظر ما سبق في الفصل الثاني من الرسالة. (2) جمال زكريا قاسم، المرجع السابق ص 286، 287. (1/229)
صفحة 230
الفصل الرابع
(214)
وتفشى الانقسام بين القبائل العمانية لدرجة أن بعضها كان يستنجد بالحكام المجاورين لعمان مثل محمد بن نور حاكم البحرين من قبل الخليفة العباسي المعتضد، وذلك في عام 280 هـ / 893 م (1)، وكالقرامطة في عام 317 هـ / 929 م، وفى 355 هـ / 966 م (2).
ومهما يكن من أمر فإن هذه الأحوال المضطربة بين إباضية عمان قد دفعت الناقمين على الوضع كله أو الباحثين عن الهدوء والمسالمة إلى الهجرة من عمان: فمنهم من هاجر إلى منطقة الإحساء بعيداً عن هذا الصراع الدامي، ومنهم من هاجر إلى شرقى افريقيا (3).
وبالتأكيد فإن المشايخ والعائلات العمانية قد هاجروا إلى ساحل شرقي
أفريقيا، كما هرب بعض العمانيين إلى زنجبار وبعضهم إلى اليمن.
ووجد هؤلاء المهاجرون إلى ساحل شرقي أفريقيا استقبالاً طيباً لأن تلك المنطقة من القارة الأفريقية لم تنعم بوجود وحدات سياسية كبيرة تستطيع منع المهاجرين من الدخول أو تقف عقبة في طريقهم.
وكل ما كان موجوداً هناك هو قبائل تعيش على الساحل في قرى صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن ألف نسمة، ورحبت بالمهاجرين من إباضية عمان وذلك نظراً لما كانت تحصل عليه هذه القبائل من فوائد جمة من وراء هؤلاء المهاجرين.
(1) الطبري، المصدر السابق ج 10 ص 33، و
المسعودي، المصدر السابق ج 4 ص 275.
(2) ابن الأثير، المصدر السابق ج 8، ص و 568.
(3) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان: ج 1
انظر ما يلز، المرجع السابق ص 95.
ص
259، و (1/230)
صفحة 231
(215)
الفصل الرابع
وقد كان هؤلاء المهاجرون وأسلافهم على معرفة كاملة بالمنطقة منذ زمن بعيد نتيجة للعلاقات التي كانت قائمة بينهما (1)، كما كانوا على معرفة أيضاً بخيراتها، وما فيها من سلع ومحاصيل كانت مطلوبة في الأسواق العالمية، وعلى معرفة بأن هناك مراكز تجارية دائمة أو مستوطنات عربية يمكنهم اللجوء إليها، والاقامة فيها حتى تتحسن أحوالهم وحتى يستطيعوا التكيف مع هذا المتجمع
الجديد.
كل هذه الأسباب أدت إلى توثيق العلاقات السياسية بين عمان الإباضية وشرقي أفريقيا، حتى أصبح شرقي أفريقيا تابعاً لعمان تماماً، وأسس العمانيون إمارات عديدة لهم هناك (2)، بعد أن حولوا المراكز التجارية الدائمة إلى مدن كبيرة بنوها وبخاصة في الجزر المنتشرة قرب الساحل الافريقى ليسهل الدفاع عنها ضد أى غزو من القارة الأفريقية (3).
وكانت أولى الإمارات العمانية التي أسست على ساحل شرقي أفريقيا هي إمارة «لامو»، وكانت كبرى موجات الهجرة المكثفة عن عمان بين عامى 291 هـ 1 هـ / 913 م بسبب اضطهاد القرامطة لهم، وبسبب سمعوه من الزنوج أو الجنود السود الذين كانوا بجيش القرامطة عما كان يوجد في الأرض الجديدة من خيرات وثمار.
وتحقيقاً لذلك فقد قام سبعة أخوة من «الحرث» على رأس عشيرتهم، وأتوا
(1) محمد النقيرة، المرجع السابق ص 68.
(2) مايلز، الخليج: ص
80، و
Rensch, op.
cit.
73
(3) دافيد سون، المرجع السابق ص 277، 278. (1/231)
صفحة 232
الفصل الرابع
(216)
في ثلاث سفن ضخمة مليئة بالمحاربين والمهاجرين الأخرين الذين تركوا الاحساء ونزلوا بعد رحلة بحرية طويلة على ساحل بنادر، بالصومال، واحتلوا هذا الساحل خلال وقت قصير، ومدوا نفوذهم حتى «ممبة»، وحدث صراع عربي – عربي في تلك المناطق مع الشيعة الزيدية في هذه المناطق كانت الغلبة فيه للحرث (1)
وقد كانت مقديشيو أول مدينة عربية بناها «الحرث» على ساحل «بنادر» عام 295 هـ / 907 م، وبنوا كذلك مدن براوة عام 365 هـ / 975 م (2)، ومدينة مركة، وقركاوة، والنجا، وبذونة، وماندا، وأعوزي.
كما ظهرت في عهدهم مدن جليب، وكندر شيخ وجزيرة دار شيخ (3)، وقد
اسسوا فيها دولة لهم أو سلطنة استمروا في حكمها طوال العصور الوسطى.
وعندما وصل الشيرازيون المهاجرون بقيادة حسن بن على إلى مدينة مقديشيو بعد ذلك بسبعين عاماً من بنائها، لم يستطيعوا أن ينزلوا فيها، ولم يستطيعوا أن يحطموها فاتجهوا جنوبا إلى كلوة (4)، ولم يفعلوا ذلك لأن أهل مقديشيو كانوا يختلفون عنهم فى المذهب، بل لأن مقديشيو كانت من القوة والتحصين مما جعلها صعبة المنال على هؤلاء الوافدين الجدد وعلى من أتى بعدهم من الغزاة (5)، بدليل أن نفس العمانيين هم الذين استقبلوا الشيرازيين في كلوة عام
Rensch, op. cit.,
p.
90 (1)
(2) آدم متز الحضارة الإسلامية ج 2.
(3) حسن محمود، .. المرجع السابق ص.
ص 436، ويجعل بناء مقديشيو في عام 296 هـ.
398
(4) رجب محمد عبد الحليم العلاقات السياسية بين مسلمى الربيع، ونصارى الحبشة في العصور
الوسطى،
و النهضة العربية سنة 1985، ص
(5) أحمد شلبي، المرجع السابق 6، ص 396. (1/232)
صفحة 233
الفصل الرابع
(217)
مع
365 هـ / 975 م حينما وجد على بن الحسين بن على الشيرازي بعض المسلمين العمانيين في المناطق الداخلية فى كلوة ووجدوا مسجداً واحداً، ورجلاً مسلماً عائلته، قام بمهمة الترجمة بين القادمين الجدد وبين ملك الجزيرة الأفريقى (1) إلا أن العمانيين لم يتركوا كلوة للشيرازيين على طول المدى، بل قام محمد بن الحسين المنذرى العماني التاجر العماني الواسع الثراء بتجهيز جيش من أتباعه جاء كلوة متنكراً، وأرغموا سلطانها حسن بن سليمان على الفرار لاجئا إلى زنجبار، وأقام مع محمد بن الحسين المنذرى حاكماً لكلوة، بمساعدة قبيلة «مواتا ماندلين» صاحبة دولة موزمبيق في ذلك الوقت (2).
وقد تأثرت أيضاً أفريقيا بعلاقاتها مع إباضية عمان، فظهر في نظم الحكم فيها معالم المذهب الإباضى فكان هناك الإمام والمشايخ، وأهل الشورى من الوزراء والفقهاء.
وهكذا أقامت العلاقات الخارجية بين إباضية الخليج العربي وغيرهم من الإباضية المنتشرين في العالم الإسلامى شبكة قوية الاتصال، مركز الدائرة فيها عمان بأئمتها وفقهائها وتجارها من أبناء المذهب الإباضي.
(1) مجهول السلوة في أخبار كلوة، ص 29. (2) عبد المنعم عامر، عمان في أمجادها البحرية ص 36 و مجهول السلوة في أخبار كلوة ص 31 و (1/233)
صفحة 234
الخاتسمية (1/234)
صفحة 235
الخاتمة
(219)
الخاتمة
لقد كان لفرقة الإباضية دور مهم في الخليج العربي إبان القرنين الثالث والرابع الهجريين، وهذا الدور لم يحظ بعناية تذكر من قبل الباحثين في حقل التاريخ الإسلامي، فرأى الباحث أن يضطلع بمهمة إماطة اللثام عن الدور الفعال لهذه الفرقة، ولاسيما أنه لا يزال لها وجود قوى في منطقة عمان التي احتضنت فكر الإباضية، كما أن هناك العديد من النواحي التي تتعلق بإباضية الخليج العربي، لايزال الجدل حولها قائماً ولم تحظ بدراسة كافية لحسم هذا الجدل والتوصل إلى نتائج مرضية.
وقد شهدت حركة الإباضية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين أحداثاً وتطورات زاد من أهميتها وجود ارتباط عضوي واضح بين سكان الخليج العربي والإباضية تدعمت فيه أواصر الصلة بين سكان الخليج العربي
والإباضية
ولما كان الموضوع من الأهمية بمكان، فقد رأى الباحث أن تأتى الدراسة في أربعة فصول، عالجت القضايا الرئيسة فيه.
واقتضت طبيعة البحث أن ينتهج صاحبه أسلوب الدراسة والاستقصاء
مع التحليل والمقارنة لكل جزئيات الموضوع. واستظهار مصادره.
تناول الفصل الأول عوامل انتشار المذهب الإباضي في منطقة الخليج العربي وتطلب هذا الحديث عن جغرافية الخليج العربي وأهميته بالنسبة للدولة الإسلامية من النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية كما حوى (1/235)
صفحة 236
الخاتمة
(220)
الفصل نبذة عن نشأة فرقة الإباضية في البصرة، حاضرة الخليج العربي آنذاك، حيث كان مهد الفكر الإباضي، بعد صراع على ومعاوية، ثم انطلق منها إلى أطراف العالم الإسلامي، وبخاصة الخليج العربي حيث تجاوب أهله مع مبادئ الفكر الإباضي.
وفي الفصل الثاني تعرض الباحث إلى مقدمات الكيان السياسي للإباضية في الخليج العربي وانتقال قيادة الإباضية في الخليج العربي من البصرة إلى عمان حيث قامت إمامة الظهور الإباضية هناك.
ثم عرض الباحث لازدهار «إمامة الظهور في عمان، واضمحلالها بعد ازمة الحكم الإباضي.
وجاء الفصل الثالث ليوضح أثر الإباضية فى حياة أهل الخليج العربي الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. حيث تم إبراز جوانب الفكر الإباضي المعتدلة التي تدل على التزامهم بالنهج الإسلامي، كما أبرز الفصل السلوك السوى للإباضية، وتأثيره على أهالى الخليج العربي، هذا السلوك الذي جاء وفقاً للقيم الإسلامية، إضافة إلى تأثر أهل الخليج العربي بالفقه
الإباضي.
ومن ثم اختتمت الرسالة بالفصل الأخير الذى تناول العلاقات الخارجية لإباضية الخليج العربي مع الدولة العباسية، وشرق آسيا، والصين، ومصر وشمال وشرق أفريقيا، وقد تنوعت هذه العلاقات بين علاقات سياسية واقتصادية وثقافية وفكرية، واجتماعية، بالإضافة إلى توضيح الدور المهم (1/236)
صفحة 237
الخاتمة
(221)
لتجار وملاحى الإباضية في نشر الدين الإسلامى واللغة العربية في كثير من البلدان التي أرتحلوا إليها.
وربما تسنى للباحث من خلال الدراسة أن يبرز كثيراً من الجوانب التي شابها الغموض والتي لم تكن - قبل هذا البحث - إلا شذرات متناثرة في ثنايا كتب العقيدة والتاريخ التي عرضت للإباضية.
كما ألقى البحث مزيداً من الضوء على بعض النواحي السياسية والاجتماعية والفكرية لأصحاب هذا المذهب، ودورهم في منطقة الخليج العربي
فضلاً
عن
ذلك الدور - الذي ظهر لنا جلياً من خلال البحث - في نشر
الإسلام واللغة العربية.
واهم النتائج التي توصل إليها البحث ما يلى:
1 - أن مصطلح الإباضية شاع فى القرن الثالث الهجري وقبل الإباضيون أنفسهم إسم أهل الاستقامة»، و «جماعة المسلمين» و «الشراة».
2 - أن مركز الدعوة الإباضية في الخليج العربي انتقل في الربع الأخير من القرن الثاني الهجرى من البصرة إلى عمان التي أصبحت على امتداد القرنين الثالث والرابع للهجرة مركز الدعوة الإباضية وقيادة
لوانها
3 - أن الدعوة الإباضية في الخليج العربي دخلت مع انتقالها إلى عمان في القرنين الثالث والرابع الهجريين انتقلت إلى دور «إمامة الظهور»، وهو الهدف الأسمى الذى كان يسعى إليه رواد الإباضية (1/237)
صفحة 238
الخاتمة
(222)
من دعوتهم وهو أن تنقل دعوتهم من دور الكتمان إلى دور الظهور.
4 - أن عمان باعتبارها مقر إمامة الظهور في الخليج العربي قد أصبحت حجر الزاوية في البناء السياسي والثقافي للكيان الإباضي وكذلك مركزاً للدعوة الإباضية وانتشارها خارج الخليج العربي حيث سارت العلاقات الخارجية للإباضية في الخليج العربي مع جيرانهم سواء في مصر وشرق وشمال أفريقيا وشرق أسيا، سارت هذه
العلاقات في القرنيين الثالث والرابع الهجريين في خط متوازن مع نشاط «إمامة الظهور الإباضية في عمان
•
فيجدر بالباحث أن يلفت أنظار الدارسين إلى أهمية التعمق في دراسة
الإباضية من النواحى الفكرية، وبحث بعض النقاط التي لا يزال الجدل حولها
قائماً، بعض العادات والسلوكيات التي ينفرد بها أصحاب هذا المذهب.
فضلاً
عن ضرورة التعرف على الأسباب الحقيقية التي كانت وراء بقاء
هذا المذهب - إلى اليوم - فى منطقة الخليج العربي، على الرغم من
اضمحلاله في بعض البلدان التي دخلها
وأخيراً فإن دور تجار الإباضية في نشر الدين الإسلامي الحنيف في
قارتي آسيا وأفريقيا يحتاج للكثير من التوضيح.
ولعلني من خلال هذه الدراسة أكون قد وفقت إلى ما كنت أسعى إليه
بهذا البحث، والتوصل إلى نتائج مرضية.
والله نعم الموفق ونعم النصير. (1/238)
صفحة 239
ملحق رقم (1)
جدول بالمة
إمامة الظهور
الإباضية في عمان (1/239)
صفحة 240
ملحق رقم (1)
جدول بأئمة (إمامة الظهور الإباضية في عمان
ما بين (177 - 405 هـ / 794 - 1014 م)
(224)
ائمة «إمامة الظهور» في عمان
177 إلى 405 هـ
اولا: ائمة الشراة
(177 - 280 هـ)
محمد بن أبي عفان
خلفاء دولة بني العباس
المعاصرون «لإمامة الظهور»
هارون الرشيد
177)
179 هـ)
(170 - 193 هـ)
الوارث بن كعب الخروصي
(179 - 192 هـ)
غسان بن عبد الله الفحجي اليحمدي الأمين (193 - 198 هـ)
(192 - 208 هـ)
عبد الملك بن حميد الأزدي
(208 - 226 هـ)
المأمون (198 - 218 هـ)
المعتصم
(218 - 227 هـ)
المهنا بن جيفر الفحجي اليحمدي
266)
237 هـ)
الواثق (227 - 232 هـ) (1/240)
صفحة 241
ملحق رقم (1)
(225)
ائمة «إمامة الظهور» في عمان 177 إلى 405 هـ
الصلت بن مالك الخروصي
(237 - 273 هـ)
راشد بن النظر اليحمدي
(273 - 277ھـ)
عزان بن تميم الخروصي
277)
280 هـ)
خلفاء دولة بني العباس المعاصرون «لإمامة الظهور»
المتوكل على الله (232 - 247 هـ) المستنصر بالله (247 - 248 هـ)
المستعين بالله (248 - 252 هـ)
المعتز (252 - 255 هـ)
المهدى (255 - 256 هـ)
المعتمد على الله (256 - 279 هـ)
المعتضد بالله
-
279)
289 هـ)
ثانيا: الأئمة المستضعفون
(281 - 320 هـ)
محمد بن الحسن الخروصي
المعتضد بالله
(تقريباً 284 هـ)
(279 - 289 هـ)
الصلت بن القاسم الخروصي
(لم تحدد فترة حكمه)
غران بن الهزير المالكي اليحمدي
(لم تحدد فترة حكمه) (1/241)
صفحة 242
ملحق رقم (1)
(226)
ائمة «إمامة الظهور» في عمان 177 إلى 405 هـ
عبد الله بن محمد
(أبي سعيد القرمطي) (286 هـ)
الصلت بن القاسم (للمرة الثانية)
(287 هـ)
خلفاء دولة بني العباس
المعاصرون «لإمامة الظهور»
الحسن بن سعيد السخنى
(287 هـ)
الحواري بن مطرف الحداني
(292 هـ)
المكتفى
-
289)
295 هـ)
عمر بن محمد بن مطرف
300 هـ)
المقتدر
(295 - 320 هـ)
محمد بن يزيد الكندي
(لم تحدد فترة حكمه)
الحكم بن الملا البحرى
) لم تحدد فترة حكمه) (1/242)
صفحة 243
ملحق رقم (1)
(227)
أئمة «إمامة الظهور» في عمان
177 إلى 405 هـ
خلفاء دولة بني العباس
المعاصرون «لإمامة الظهور»
ثالثا: أئمة الدفاع (320 - 405 هـ)
سعيد بن عبد الله
-
320)
328 هـ)
راشد بن الوليد
328)
-
342 هـ)
القاهر بالله (320 - 322 هـ)
الراضي بالله (322 - 329 هـ) المتقى لله (329 - 333 هـ) المستكفى بالله (333 - 334 هـ)
المطيع لله (334 - 363 هـ)
الخليل بن شاذان
الطائع لله (363 - 381 هـ)
(405 هـ)
القادر بالله (381 - 422 هـ) (1/243)
صفحة 244
(228)
ملحق رقم (1)
-1
ملاحظات علي ما ورد في الملحق رقم (1)
تم تقسيم أئمة «إمامة الظهور في عمان إلى ثلاثة أقسام كما قسمها رواد
الإباضية.
2 - لم يرد ذكر الإمام الجلندى بن مسعود (132 134 هـ) مؤسس دولة الإباضية الأولى في عمان التي قضى عليها العباسيون سنة 134 هـ.
انقطعت الإمامة في عمان من سنة (134 هـ / 753 م)، وحتى مبايعة الإمام محمد بن أبى عفان، لتبدأ المرحلة الثانية لإمامة الظهور الإباضية في عمان التي استمرت إلى أن قضى عليها العباسيون سنة (280 هـ / 893 م)
4 - بعد سنة 280 هـ خضعت عمان لنفوذ الأئمة المستضعفين» حتى سنة 320 هـ، حيث بدأت مرحلة «أئمة الدفاع» التي استمرت إلى 342 هـ، حيث خذل الناس الإمام راشد بن الوليد الذى مُني بهزيمة من الجيش العباسي، ثم عاشت عمان – بعد ذلك - مدة خمسة وستين عاماً تناوب فيها على حكم عمان عمال الخلافة العباسية وبعض صنائعهم المحليين مثل القرامطة (انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير
-0
حوادث سنة 363 هـ وما بعدها)
- يلاحظ أن الأئمة المستضعفين لم تخضع لهم عمان بأسرها، وإنما تبعهم بعض بلدانها
دون البعض الآخر.
كما أن بعض هؤلاء الأئمة المستضعفين» لم تعرف فترات حكمهم على وجه
التحديد. (1/244)
صفحة 245
ملحق رقم (2)
د حمد الإمام الصالة بن مالك الخروصي
AAT-A 01/29 VVF-FFV)
إلى قادة الجيش المرحل التحرير
وتخليص جزيرة سقطرى العمانية
من قوات الحبشة الغازية. (1/245)
صفحة 246
ملحق رقم (2)
(230)
هذا ما يقول الإمام الصلت بن مالك: الله الرحمن الرحيم. إني أشهد أن
بسم
لا إله إلى الله وحده لا شريك له، ومقاليد كل شيئ عنده الواحد الأحد، العلى
الجد، الذي ليس لعظمته حد، ولا لملكه عد، ولا لقدره صاد، ولا لأمره راد
ولا له نظير ولا مضاد؛ تفرد بفطر الخلق، ونصر الحق، ورتق الفتق، وعلا فدنا
•
وسمع ورأى، وأعلم وأحصى، وقدر وقضى، وأعز وأذل، وهدى
•
ودنا فنأى وأضل، وآثر وأقل، وأفهم وأدل، فهو الهادى الدليل، وكل جبار عنده ذليل وكثير عنده قليل، وهو الجواد بالتفضيل، والمجازى لمن عصاه بالعذاب الوبيل وأشهد أن محمداً أمين الله، أرسله بما أنزله وفضله، فعرفه الله العقول، وأقام به الحجة على الجهول، وتبتر به الأوثان، وشرع به شرائع الإيمان، ودفع به حزب الشيطان، وأقمى به كل جبار عنيد، وكل معتد مريد، فحاربه الكفر وأهله إلى تشريد وتطريد، وظهر أمر الله وهم كارهون، وأرادوا أن يطفؤا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، فالحمد لله على قضائه الغالب
ودينه الواصب، وحقه الواجب، كما هو أهله من الحمد والثناء، وكل وجه لوجه
"
،
يعني، وأوصيكم ونفسى بتقوى الله غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، فإليه توبوا فإنه يغفر الذنوب لمن تاب
وأمن وعمل صالحا ثم اهتدى.
وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الخاسرين، أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأكون من المحسنين - قال الله تعالى بلى قد جاءتك أياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين، ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله (1/246)
صفحة 247
ملحق رقم (2)
(231)
وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين، وينجى الله الذين اتقوا
بمفازتهم من العذاب لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون).
فالزموا تقوى الله فى الغيوب وداووا بها العيوب وتجهزوا للقاء الله بالطاهرة
من العيوب فإن الله يغفر لمن يحوب، ثم ينصح إذ يتوب.
وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى
تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما).
فتوبوا إلى الله من سيء مما مضى، وأصلحوا فيما بقى بما عنكم به يرضى،
وصونوا دينكم، ولا تبيعوا دينكم بدنياكم ولا بدنيا غيركم، وقفوا عن الشبهات، وأحرموا عن محارم الشهوات، وغضوا أبصاركم عن مواقعة الخيانة، واحفظوا فروجكم من الحرام، وكفوا أيديكم وألسنتكم عن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم
بغير الحق، واجتنبوا قول الزور، وأكل الحرام ومشارب الخمر، وجماعة السوء ومداهنة العدو، وأدوا الأمانات إلى أهلها.
"
وإذا قلت فاعدلوا ولو كان ذا قربي، وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به
لعلكم تذكرون).
:
وإذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وأقيموا الصلاة بقيامها وقراءتها وركوعها وسجودها وتحياتها وتكبيرها وتسبيحها، والخشوع فيها لله فإن الله مدح المؤمنين فقال قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون (1/247)
صفحة 248
ملحق رقم (2)
(232)
، أولئك. هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)
فافهموا عن
الله، وأقبلوا ما جاء من الله، ولا ترخصوا لأنفسكم في شيئ
من
طاعته الواجبة دخلا ولا كسلا، ولا تبيتوا شيئا من معاصيه عبلا ولا خبلا ولا تركنوا إلى حاده تعصبا وميلا، فأخاف عند ذلك أن يخذلكم
،
إن ينصركم الله فلا غالب لكم وأن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده
وعلى الله فليتوكل المؤمنون).
،
واعلموا أني وليت عليكم يا معشر الشراة والمدافعة – على جميع سقطرى أهل السلم منها وأهل الحرب وعلى الصلاة، وقبض الزكاة، والجزية، والمصالحة والمسالمة والمحاربة لأهل النكث من النصارى، أو من حاربكم من المشركين في سفركم أو في مستقركم، على الأمر والنهي، وإعطاء الحق ومنع الباطل، وإنصاف المظلوم من الظالم، ووضع الأمور في مواضعها، وإعطاء كل ذي حق نصيبه من، من قريب الناس وبعيدهم. وقسم ثلث الصدقات على أهلها، وتزويج النساء التي لا يصح لهن أولياء في مواضعهن بمن رضين به، إذا كان لها كفؤا على ما ترضوا به من الصداق، ولا يكون الصداق أقل من أربعة دراهم، وإقامة الوكلاء لليتامى والأغياب الذين لا أوصياء لهم ولا وكلاء في أموالهم، وفرض الفرائض لليتامي في أموالهم، وللنساء النفقات على أزواجهن بالعدل والمعروف -
العدل
محمد بن عشيرة، وسعيد بن شملال، فاسمعوا لهم وأطيعوا لهم في طاعة الله وفيما دعاكم إليه من حق، ومجاهدة أعدائه مجتمعين أو متفرقين في بر أو بحر، ولتصدق نياتكم، وتحسن رعايتكم، وتألوا على الحق قلوبكم
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ربحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب
" (1/248)
صفحة 249
ملحق رقم (2)
(233)
عظيم}، {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون).
فانصحوا لولييكم، ووازروهما، وتكنفوهما وانصروهما على الحق، ولا تخذلوهما، وأجيبوهما ولا تخلفوا ولا تبطوا عن دعوتهما، وتناصحوا فيما بينكم ولا تغاشوا، ولا تباغضوا، ولا تغضبوا، ولا تحزنوا، ولا تكاذبوا، ولا تكالبوا، ولا تحاسدوا، ولا تكايدوا، ولا تماكروا، ولا تضاغنوا، ولا تطاعنوا في الأحساب، ولا تفاخروا في الأنساب، ولا تضادوا، فإنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلم أخو المسلم لا يضاره ولا يشاره ولا يماكره وهم كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وتكون غيب بعضكم لبعض في الشهادة والسرائر كالعلانية، كأنهم نفس واحدة، على كلمة واحدة، وولاية واحدة وعداوة واحدة وحياة واحدة وميتة واحدة، وأن الله يقول لنبيه وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) وقال: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتأمنون بالله ولو آمن أهل القرى لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون)
وقد بغى هؤلاء النصارى وطغوا ونقضوا عهودهم، ونرجو أن يديل الله عليهم، وإلى الله نرغب ونبتهل أن يهدم محاصنهم، ويخرب بالعدل مساكنهم ويغنمكم أموالهم وطعامهم، إن ربنا سميع قريب. فإذا سرتم أو نزلتم فاكثروا ذكر الله فإن بذكر الله تطمئن القلوب وقال الله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}
وشدوا على ربابنة السفن أن لا يتفرقوا، ولا يسبق بعضهم بعضا، فمن سبق (1/249)
صفحة 250
ملحق رقم (2)
(234)
فليقصر على أصحابه بقدر ما يكون، حيث يسمع بعضهم دعاء بعض، فإن عناهم معنى تكيف ووازر بعضهم بعضا إن شاء الله. فإذا أقدمكم الله الجزيرة، فتناظروا وتشاوروا، وأرجوا ألا يجمعكم الله على ضلال، فإن رأيتم أن لا يكون صمدكم ومنزلكم قريبا من القرية الناكثة، فتحاصروهم ويكون رسلكم إليهم من هناك، وترسلون إلى أهل العد الذين لم ينقضوا عدهم، حتى يصل إليكم وجههم ورؤساؤهم، فإن رأيتم أن يكون منزلتكم في القرية حيث عود ينزل الولاة والشراة، فافعلوا من ذلك ما اجتمع عليه رأيكم، من بعد مشورة أهل الخبرة بذلك، ممن ترجون بركة رأيهم وفضل معرفتهم. فإذا أرسلتم إلى أهل السلم والعهد فاعلموهم مع رسلكم أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم وحريمهم وذراريهم وأموالهم. وأنكم وافون لهم بالعهد والذمة والجزية على الصلح الذي يقوم بينهم وبين المسلمين فيما مضى، ولا ينقض ذلك ولا يبدله، ومروهم بإحضار جزيتهم إليكم، واختاروا إليهم رجالا من خيارهم من يثبت إلى الصلاح منهم، فوجهوهم إلى هؤلاء الناقضين لعهدهم، الناكثين على المسلمين ببغيهم، واجعلوا ممن توجهون رجلين صالحين ممن يوثق بهم من أهل الصلاة، فأن لم يمكنكم بعث اثنين صالحين من أهل الصلاة فواحد، فتأمروهم إن يصلوا إلى الذين نقضوا العهد، فتدعوهم عن لساني وألسنتكم إلى الدخول في الإسلام، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مع حقوق الله والانتهاء عن معصيته، فإن قبلوا ذلك فهى أفضل المنزلتين لهم وذلك يمحو ما كان من حدثهم، لأن الله يقول في المحكم من كتابه.
•
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم وإن كرهوا أن يقبلو الإسلام ويدخلوا فيه، فلتدعوهم إلى الرجعة من نكثهم والتوبة من حدثهم إلى الدخول في العهد الأول الذى كان بينهم وبين المسلمين، على (1/250)
صفحة 251
ملحق رقم (2)
(235)
أن لهم وعليهم الحكم بالقرآن وحكم أهل القرآن من أهل أولى العلم بالله وبدينه من أهل عمان ممن نزل إليهم أمر المسلمين، فإن أجابوا وتابوا فلتقبلوا ذلك منهم ولتأمروهم بترك ما في أيديهم وأيدى أصحابهم من أهل الحرب من نساء مسلمات، ثم لا يتزوج رسلكم من عندهم حتى يقدم معهم رؤساء أهل الحرب، ويسلموا إليهم النساء المسلمات اللاتي سبوهن واجعلوا لرسلكم أجلا في رجعتهم بمن أجابهم وبالسبايا إلى ذلك الأجل أن لا تظلموهم، ولا تخادعوهم، ولا تماكروهم بالباطل والتواني في ذهاب الأيام، فإن وصلوا إليكم بمن أجابهم من أهل الحرب وقد
استسلموا وتابوا من حدثهم وجاءوا بالنساء المسلمات فاقبلوا ذلك منهم ولا تعرضوا لأحد ممن وجاءكم تائبا متأمنا مستسلما بسفك دمه، ولا انتهاك حرمته ولا سبى ذريته، ولا غنيمة ماله، وليكونوا مثلكم آمنين، واحفظوهم ألا يرجعوا إلى هرب من أيديكم، وتأمروهم أن يرسلوا إلى من ورائهم من أصحابهم أن يلقوا بأيديهم إلى ما ألقوا هؤلاء بأيديهم، وتأمروهم أن يبعثوا إلى من ورائهم بإحضار جزية هؤلاء الذين قد أمنتموهم الماضية، ولا يعلموا بما تريدون فيهم فإن جاء الذين من وراءهم كما جاء هؤلاء وألقوا بأيديهم فاقبلوا ذلك منهم، وخذوا جزية من وصل إليكم منهم، وأما من تمرد وأراد أن يبعث بجزيته ويقيم في منزله على حدثه فلا تقبلوا ذلك منهم، ومن صار منهم إلى أمانكم وعهدكم فليكونوا في أسركم آمنين وأحسنوا إليهم في طعامهم وشرابهم، وامنعوهم ممن أراد ظلمهم حتى توصلوهم إلى
والى المسلمين إن شاء الله، فإن الله يقول
:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله
ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون).
فإذا أعطوها فلا سبيل عليهم، وإن رجع إليكم رسلكم فأخبروكم بأنهم كرهوا (1/251)
صفحة 252
ملحق رقم (2)
(236)
، وسبي
الدخول في الإسلام، والرجعة عن نكثهم، وحدثهم إلى العهد والذمة وإعطاء الجزية، وكان فى رسلكم رجلان ثقتان، أو رجل واحد من أهل الصلاة ممن تثقون به في صدق خبره، فقد حل لكم عند ذلك مناصبة هؤلاء الناكثين، ومحاربتهم بالمكائد والقتل لهم حيث وجدتموهم بالبيات وغير البيات، وغنيمة أموالهم ذراريهم الذين ولدوا في حال نقضهم، ونكثهم فأما من كان مولودا في حال سلمهم قبل أن ينقضوا عهدهم فأولئك لا سبى فيهم، وحل لكم أيضا سبى نسائهم، واتقوا الله فيما غنمتم، فلا تستحلوا قليلا ولا كثيرا من الشسع فما فوقه، ولا وطء النساء من السبايا فإن ذلك حرام، ومن الخيط والمخاط، ولا تغلوا من ذلك شيئا فإن ذلك عار وشنار ونار، حتى تباع الغنائم فيحفظ خمسها من وليته أمركم محمد ابن عشيرة، وسعيد بن شملال، فإن حدث بأحدهما حدث فالباقي منهما يقوم مقام صاحبه، فإن حدث بهم جميعا حدث، فقد أقمت مقامهما حازم بن همام، وعبد الوهاب بن يزيد، وعمر بن تميم، وأما ما قدرتم عليه من سبى نسائهم وذراريهم الذين وصفت لكم كيف يحل سبيهم، فلا تبيعوهم هناك حتى توصلوهم إلى، وأنفقوا عليهم من مال الله من الغنائم حتى تصلوا بهم إلى، وإن لم تقدروا على رجلين ولا رجل من أهل الصلاة ممن تثقون به في إبلاغ الحجة عليهم وإبلاغ
مقالتهم إليكم فلا تبيتوهم، ولا تغتالوهم بالقتل، ولا تسبوا لهم سبيا ولا ذرية ولا تغنموا لهم مالا حتى تسيروا إليهم بأنفسكم، فإن كانوا متفرقين فرأيتم أن توجهوا منكم طائفة، وتقيم منكم طائفة في عسكرهم، إن لم تخافوا مكائد الفسقة على الطائفة الخارجة إليهم وإكمانهم لهم، فاخرجوا لهم من رأيتم في كم رأيتم من الرجال من أهل النجدة، والرحلة، والخفة، حتى يأتوا إلى من رجوا أن يدركوهم في تواحدهم وانفرادهم من جماعتهم، فإذا وصلوا إليهم دعوهم إلى الإسلام والدخول فيه، فإن أجابو اقبلوا منهم، وإن كرهوا دعوهم إلى الوفاء بالعهد (1/252)
صفحة 253
ملحق رقم (2)
(237)
من
والرجعة عن النكثة إلى حكم القرآن وحكم أهله من المسلمين بعمان، وإن قبلو اقبلوا منهم، وإن كرهوا هللوا الله وكبروه وحكموه وقاتلوهم، فإن أظفرهم الله بهم قتلوا من قاتلهم في المعركة وسبوا ذراريهم الذين ولدوا بعد نقض العهد كما وصفت لك سباهم، ولا يقاتلوا مواليا إلا أن يقاتلهم، فإن استأسر أخذوه ولم يقتلوه، وإن خفتم مكيدتهم واجتماعهم على طائفة إن وجهتموها فلا توجهوا إليهم طائفة دون طائفة، ولكن استعينوا بالأدلة من أهل العهد. وسيروا بأجمعكم، فإن خفتم على عسكركم، وعلى ما تخلفون فيه من طعامكم فرأيتم أن تكوروا السفن في البحر وردوا فيها الأطعمة، وتخلفوا فيها رجالا من رجالكم فافعلوا، ثم سيروا ولا قوة إلا باللله إلى حيث رجوتم أن تهجموا عليهم أو على أحد منهم، وإن كانت الحجة قد صحت عندكم كما وصفت لكم برجلين ثقتين من أهل الصلاة، أو بواحد أهل الصلاة بأنهم قد كرهوا الدخول في الإسلام، والرجعة إلى النكث إلى العهد، فليس عليكم أن تحتجوا عليهم بعد طلك ولا أن تدعوهم، فاصبوا لواءكم واعطوه أرجى لكم في أنفسكم بالكرة على عدوكم، والتخصيص لواليكم لمن يتقدم ولا يتأخر، ويثبت لواءه ولا ينكسه ويظهره ولا يدسه، ثم اذكروا الآخرة وانسوا الدنيا فإنكم الحنفاء، والله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا، ثم سدوا الصفوف، وقووا النيات، وجردوا السيوف واجعلوا لكم ميمنة وميسرة وقلبا، وإن رأيتم أن تجعلوا منكم كمينا لعدوكم فافعلوا وهى طائفة تكون لا يراها العدو حتى تأتى من ورائهم واعلموا أنه يقال إن السيوف مفاتيح الجنة، وأن الجنة تحت البارقة، فلا يهولكم عدوكم، وهبوا الله أنفسكم، وامضوا إليه زحوفا ولاحموا لهم صفوفا، وليكن شعاركم «لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا حكم إلا لله. ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله وخلعا وبراءة وفراقا لجميع أعداء الله» فإنها ساعة تفتح لها أبواب السموات وأبواب الجنات، وتزين فيها الحور العين، وتهبط (1/253)
صفحة 254
ملحق رقم (2)
(238)
فيها الملائكة ويأتى نصر الله ويمدكم إن شاء الله بأضعافكم من الملائكة، ويقلل الله عدوكم في أعينكم وبكثركم في أعينهم، فيجعل الله أصواتكم بالتكبير والتحكيم، كالرعد القاصف في أسماعهم، ولوامع سيوفكم كالبرق الخاطف في أبصارهم، وعند ذلك لا تحصى أجوركم، وما أعد الله للصابرين الصادقين أهل السموات وأهل الأرض من أجوركم، فاصبروا ساعة يفرق الله بين الحق والباطل وقولوا كما قال إخوانكم لو ضربونا حتى نبلغ الغاف من عمان لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل، وهم حزب الشيطان وأنتم حزب الرحمن، وقال الله:
إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) اصبروا وصابروا، ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) فإن الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوه الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله. المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم}، {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل).
رمي
وليبلي
فما غنمتم من سلاح، أو طعام، أو أنعام، أو أثاث فليس لأحد منكم أن يذهب منه شيئا قليلا ولا كثيرا لا طعام ولا غيره، فأما الأثاث والطعام، والأنعام، وما ثقل عليكم فلا يمكن لكم حمله، فذلك يباع كله فيمن يزيد بالاجتهاد منكم
من
في طلبه غاية الثمن، ويتولى بيعه محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال، أو شهد ذلك منهما، ثم يعزل خمس ذلك حتى يوصل إلي، وتقسم أربعة أخماس
على المقاتلة، على من حضر الحرب كلهم بالسواء، وما كان من سلاح، أو نساء، أو ذرية من الذين ولدوا بعد نقض العهد، فأولئك يحملون إلى ويرفع وينفق عليهم من مال الله من المغانم إلى وصولهم. ويرفع السلاح إلى ومن غنم شيئا ووقع في (1/254)
صفحة 255
ملحق رقم (2)
(239)
يده شيء من النساء، فليتق الله فلا يطأهن حتى يبيعهن ويقبض ثمنهن. فمن شككتم فيه واشتبه عليكم فيه من الذرارى ولم تدروا أكان مولده بعد العهد أو في العهد فخلوا سبيلهم ولا تسبوهم. وما كان من المسلمات اللاتي سبوهن قد ولدن أحد من منهم،، أو كان في بطونهن حبل فإن أولادهن لحق أمهاتهم المسلمات وهم مسلمون مثل أمهاتهم، ولا يكونن لحقا بآبائهم ولو دخلوا في العهد ورجعوا عن النكث، وإن كان من النساء المسلمات المسبيات أحد قد ارتد عن الإسلام جبرن حتى يرجعن إلى الإسلام.
وإذا التحمت الحرب بينكم وبينهم فلا تقتلوا صبيا صغيرا. ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، إلا شيخا أو امرأة أعانوا على القتال، ومن قتلتموه عند المحاربة فلا تمثلوا به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة، وكذلك ما أخذتم من الجزية فارفعوه إلى، وأما إن كان فيها شيء من الصدقات على أحد من أها الصلاة فقبضتموه ففرقوا ثلثه على فقراء البلد بالاجتهاد منكم في ذلك، وارفعوا إلى ثلثيه، والذي عليه عزم رأيي أن يكون منزلكم في القرية حيث كان ينزل ولاة المسلمين قبلكم، فتعمروا عسكركم ومسجدكم بالصلوات والذكر لله بالغدو والآصال،
•
ثم لا تغفلوا عن الحرس في الليل واجعلوه نوائبا بينكم في كل ليلة حول قريتكم فإنه يقال إن الله يباهي بنفر من عباده من أهل أرضه ملائكته منهم مقدمة القوم إذا حملوا وحاميهم إذا انهزموا وحارسهم إذا ناموا، تتموا الصلاة ما دمتم في القرية، وإذا خرجتم أكثر من فرسخين من القرية صليتم قصرا، وجمعتم الصلاتين الظهر والعصر، والعشاء والعتمة، وإن حضرتكم الصلاة وأنتم مواقعون لعدوكم، وهم في وجوهكم أو من وراء ظهوركم، وأنتم فى القرية، أو في السفر، فأي صلاة حضرتم في ذلك الوقت فليقم الإمام مستقبل القبلة وخلفه طائفة أصحابه من، وتقيم طائفة أخرى في نحر العدو مستقبلين لوجوههم وجوه العدو وحيث يسمعوا (1/255)
صفحة 256
ملحق رقم (2)
(240)
تكبير الإمام جميعا، فيوجه الإمام الطائفتين جميعا ويكبر الإمام تكبيرة الإحرام وتكبرها معه الطائفتان جميعا، فإن كان في صلاة النهار قرأ فاتحة الكتاب وحدها، وإن كان في صلاة فيها قراءة قرأ فاتحة الكتاب وسورة من قصار السور، ثم كبر الإمام وركع وركعت الطائفة التي وراءه معه، ووقفت الطائفة الأخرى في نحر العدو راكعة لا ساجدة، فيركع الإمام وتركع الطائفة التى خلفه ويسجد الإمام وتسجد الطائفة التي خلفه ويسجد الإمام سجدتين، ثم يرفع الإمام رأسه وينتصب الإمام قائما وتمضى هذه الطائفة الذين كانوا خلفه فتركد في نحر العدو، حيث كانت الطائفة الأخرى، وترجع الطائفة الأخرى، فتقوم مقام الطائفة الذين كانوا خلف الإمام، فتكون خلف الإمام فيقرأ الأمام ثم يركع وتركع معه الطائفة ويسجد وتسجد معه سجدتين، ثم يقرأ التحيات ويسلم وتسلم الطائفتان جميعا، ثم ترجع الطائفة إلى أصحابهم فهذه صلاة الحرب في موضع التمام وفي موضع القصر، وأما صلاة المضاربين بالسيوف عند التقاء الزحوف فهى خمس تكبيرات، وصلاة الهارب خمس تكبيرات، حيث كانت وجوههم، وأما الطالب لعدوه فيصلى صلاة نفسه إذا كان لا يخاف عدوا وإنما هو الطالب لعدوه، فإن كان في حد التمام صلى تماما، وإن كان في حد القصر صلى قصرا، ومما أوصيكم به أن تتقوا الله ولا تبيعوا شيئا من الأسلحة بسقطرى، ولا تشربوا نبيذا، ولا يحدثن أحدكم امرأة خاليا، ولا يشتمن بعضكم بعضا، ولا يكونن مجلسكم في لهو ولا لعب ولا هزل ولا كذب، فمن ظفرتما عليه أنتما أعنى محمد بن عشيرة، وسعيد بن شملال» أو عليه أنه شرب نبيذا حراما، أو خلا بامرأة يحدثها غير ذات محرم منه ممن تسبق إلى قلوبكم فيه التهمة، أو يكون منهم اللهو باللعب أو بالغناء أو بشيء مما يكرهه الله والمسلمون، أو أذى أحدا من المسلمين أو والى أحدا من عدوهم، أو باع سلاحا في أرض الحرب، فقد أذنت لكما في قطع صحبتهم، وإخراجهم من عسكركم،
صع
معكما (1/256)
صفحة 257
ملحق رقم (2)
(241)
وقطع النفقات والإدام عنهم، ومن كان معه منهم شيء من أسلحة المسلمين فتضمنوه، إلا من تاب منهم واستغفر ربه وراجع ما تحبون منه، فاقبلوا توبته وأقيلوا عثرته، وردوا عليه نفقته ورزقه، إلى أن يسلمكم الله وترجعوا إلينا إن شاء الله، ومن أراد من أهل سقطرى من أهل الصلاة من رجال، أو نساء، أو صبيان، أن يخرجوا معكم إلى بلاد المسلمين إن شاء الله، ومن كان هنالك من أولاد الشراة وأعوان المسلمين فاحملوهم إلى بلاد المسلمين، فإن تلك دار لا تصلح لهم بعد تلاحم الحرب بيننا وبينهم.
واعلموا أنه لا يحل لأحد من المسلمين نكاح نساء النصارى من أهل سقطرى لا نساء أهل العهد منهم، ولا نساء أهل الحرب، إلا نساء الذين يقرءون الإنجيل من أهل العهد، فأما منهم من يقرأ الإنجيل منهم من أهل العهد، فلا يحل نكاح نسائهم، ولا أكل ذبائحهم، ولا طعامهم، وأما أهل الحرب فلا يحل نكاح نسائهم قرءوا الإنجيل أم لم يقرءوه، ولا تؤكل ذبائحهم كانوا من أهل العهد أم من أهل
الحرب.
وما اشتبه عليكم من الأمر الذى أنتم فيه فلم تجدوه في الآثار ولا في الكتاب
ولا في السنة، ولا في كتابي هذا، فقفوا عنه حتى تردوه إلى إن شاء الله، وإن
انقضى الأمر بينكم وبين عدوكم إلى رأس الزنج فاخرجوه في رأس الزنج وتختلفوا بعد أن ينقضى الأمر بينكم وبينهم، وإن لم ينقض الأمر بينكم وبينهم إلى تبرمة فتأخروا إلى تبرمة إن شاء الله، فإني أرجوا أن يكون معكم من الطعام ما يكفيكم إلى ذلك إن شاء الله
لا تختلفوا في آرائكم، ولا فى سلمكم ولا فى حربكم، وليكن رضاكم واحدا، وغضبكم واحدا، ووليكم واحدا، وعدوكم واحدا سواء، ودمكم سواء. (1/257)
صفحة 258
ملحق رقم (2)
(242)
فإني أسأل الله أن يهديكم للائتلاف وأن يؤمنكم، ويؤمن بكم من المخاوف، وأن يعيذكم ويعذكم من الارتجاف والاختلاف، وأن يكسيكم كل خلق واف، وكل علم كاف، وكل عمل صاف، وأن يدفع بكم أهل الإنصاف، ويملك بكم أهل الشرك والإسراف، وأن يجر بكم من المصارع، ويجب بكم منهم المطامع، ويصم بكم منهم المسامع، ويحصدهم لكم بالقواطع اللوامع، ويأسرهم لكم في المجامع، حتى، ويهب لنا فيكم أكمل الصنائع، ويجعلكم وإيانا منه في بكم الشرائع يحيي الحمى والودائع، وأستودع الله أنفسكم ودينكم وخواتم أعمالكم فإنه خير حافظ وهو أرحم الراحمين، ولا جعله الله آخر العهد بيننا وبينكم، وذكرنا وإياكم برحمته، وأيدنا وإياكم بعصمته، وزادنا وإياكم من نعمته، وهدانا وإياكم لحكمته، وأعاذنا الله وإياكم الفتن والإحن والحزن، وجعل كلمتكم العلياء، وكلمة الذين كفروا السفلى، وأيدكم بروح القدس الذى لا يهزم ولا يغلب، وأذل الشيطان وحزبه بالرعب والرهب والغرق، وقطعهم شذرا ومذرا، ومنحكم منهم أدبارا، وهتك بكم منهم أستارا، وأهلك بكم منهم أرواحا وأبشارا، وأصلاكم بهم بوارا ونارا، آمين يارب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله، خاتم النبيين عليه السلام ورحمة الله وبركاته، شهد الله على ما نقول وكفى به شهيدا، أشهدكم الله وملائكته، ناصرين وضاربين لوجوه الكافرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1).
(1) انظر: نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان جدا ص 169 إلي 183 (مكتبة الاستقامة،
سلطنة عمان) (1/258)
صفحة 259
ملحق رقم (3)
عمد الإمام الصالت بن مالك
لاحد ولاته على رستاق مجار (1/259)
صفحة 260
ملحق رقم (3)
(244)
د عهد الإمام الصلت بن مالك لأحد ولاته على رستاق هجار
(1)
عهد عهده الإمام الصلت مالك، لغسان بن جليد (1 بن، حين بعثه واليا علي رستاق هجار: «إنى أوصبك بتقوى الله فى سرك وجهرك، وإن تكون على أمر الله حدثا (2)) وفي مرضاته راغبا، وإن تعمل بالعدل في الرعية، وأن تقسم بينهم بالسوية، وأن تأمر بالمعروف وتحث أهله عليه، وتنهى عن المنكر وترده على من عمل به، وتنزل كل ذي حدث حيث أنزله حدثه، وأن تقيم فيه كتاب الله الله صلى الله عليه وسلم، وتسير فيهم بسيرة ة أئمة الهدى أن
نبي
وتحيي فيهم. سنة في حد الغضب منك والرضا، ولا يخرجك غضبك من الحق، ولا يدخلك رضاك في الباطل ولا تتعاطى من الناس عند قدرتك عليهم ما لم يأذن الله به لك فيهم، ولا تخف في الله لومة لائم، واجعل الناس عندك في الإنصاف سواء واحذر أن ستميلك إلى أحد منهم هوى، ولا تركن إلى أهل الجهل والباطل والطمع والغى فإن الله قد حذر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال
:
واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) وقال: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون). وقال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين).
ولا تتخذ من الأصحاب إلا الأمناء الذين تؤمنهم على ما يغيبون به عنك من أمانتك فيما يرفعونه إليك من رعيتك، فإني قد ائتمنتك على أمانتي، ووثقت
(1) خ خليد.
(2) يقال رجل حدث بين الحداثة، أي تكون على أمر الله ثابتا ظاهرا كأنك فيه ابتدا أو فتيا. (1/260)
صفحة 261
ملحق رقم (3)
(245)
بك على حمايتي، بالقيام بالقسط في رعيتي، والمساعدة لي على ما أنا قائم لسبيله من أمر ربي، وكن كما رجوت فيك وعند ظني بك، فإنك عين لى على ما
غاب عنى والله شهيد عليك وعلي، وناظر إليك وإلي وسائلك وسائلى فلست بمعنى لك من الله، ولا أنت بدافع ولا نافع لى عند الله، إلا بحفظ أمانته
ورعاية حقوقه والصدق عليه، فبالله فاكتف، ومنه فاستح، وإياه فاتق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
واعلم أنك قادم على رعية قد رعاها رعاة قبلك، وأفضل منك ما أنت قادم عليه، وأن تأمرهم بطاعة الله، وتعمل بما فيهم، وتدعوهم إلى الوفاء بعهد الله، وتفى به لهم، وتحضهم على شرائع الإسلام، والرضا بالحلال وترك الحرام، وأن يعملوا بفرائض القرآن فيما سا. أو سرهم أو نفعهم أو ضرهم، وأن يسمعوا
هم
ويطيعوا لمن ولاه الله أمرهم فيما أطاع الله فيه، وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وأن تعدلوا بالحق وتجتمعوا على العدل، توادو أهل الطاعة، ولا توادوا أهل المعصية فإن الله يقول:
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا اباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه).
فمن كان من الله وجد فيه بعث الله للمؤمنين (1) وازجرهم عن العصيان والحميات (2)، فإنها من صفات الجاهلية فانه عن ذلك وقدم فيه، وأخمد ذلك
(1) هذه العبارة غير صحيحة ولم نجد لها أصلا نرجع إليه فليتأمل. (2) الحميات جمع حمية وهى ميل المرء إلى قومه، أو من يحبه في حال الفساد وقوله قدم فيه أي قدم إلى الحد والتعزير من يستحق ذلك من أهل الحمية الجاهلية. (1/261)
صفحة 262
ملحق رقم (3)
(246)
واطفه، وحذرهم الفتنة والبغى والضغائن والفساد والحقد والهمز واللمز لبعضهم بعضا، فإن ذلك يورثهم الإحن فيما بينهم، وترك ذلك عونا لهم على سلامة الصدور، وصلاح ذات البين، واشدد عليهم فى الانتهاء عن مشارب الحرام، ومجالس الخوض واللعب واللهو الباطل والسفه والجهل والظلم والخيانات، وامرهم بعمارة مساجدهم، وتقديم أهل الفضل والصلاح للإمامة في صلاتهم، فمن قبل ما أوصيته به وأجاب دعوتك واستقام على ذلك فاخفض لأوليائك جناحك، وألن لهم جانبك واقبل منهم واحسن إلى محسنهم، ومن كره قبول العافية وأعرض عن الدعوة وخاف الحق وترك السنة وركب المعصية، فشمر لأولئك عن الساق واحسر لهم عن الذراع، وأبسط عليهم من العقوبة ما يستحقونه بإحداثهم، وأنزلهم حيث أنزلهم الحق فإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم
:
يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) وأنزل الناس منك منازل على قدر منازلهم من الخير والشر، ولينفع بذلك أهل المعروف، وليضر أهل الباطل والمنكر فعلهم عندك. وشاور من يخاف الله في أمرك وشاركهم في عنايتك، فإنك تحتاج إليهم ولا غنى لك عنهم، واتخذهم لسرك ولمشورتك، ولا تأخذ تعديل الناس إلا بالثقات الذين لا شبهة في صلاحهم، ولا يختلف في عدلهم فأولئك فاسأل وعنهم فاقبل، واحذر أهل الدنيا الذين تخاف مكرهم، ولا تأمن شرهم وغدرهم، ولا تقم شيئا من الحدود قبلك، ولا تحكم بين الناس في القصاص، ولا في الأرش ولا في الأموال ولا في نكاح ولا في طلاق ولا
في عتاق، حتى ترفع ذلك إلى، ولك ما اشتبه عليك شيء من الحكم فيما بين الناس، فقف، ولا تقدم عليه حتى تشاورني، فأنظر فيه أنا ومن معى من أهل الرأى ثم أطلعك من ذلك على ما أرجو به السلامة، فإن ذلك أسلم لى ولك إن شاء الله، وانصف الضعيف من القوى، والفقير من الغنى، والعبد من المولى، وكل (1/262)
صفحة 263
ملحق رقم (3)
(247)
حق صح معك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك ولا تكن فظا غليظا القلب من كثرة المعانى، ولا محتجبا عن مطالب الحق والضعفاء واليتامى، واجعل للنساء حظا من خلوتك فإن لهن أسرار أنت موضعها (1)، واصبر نفسك لذلك، ولا تضجر من كثرة المعاني، ولا تحكم بين الناس وأنت غضبان، ولا تبع ولا تبتع في ولايتك شيئا إلا ما لابد منه من بيعه ومن طعام الصدقات من غير أن تجبر أحدا يشترى منك شيئا، ولا تعلم أحدا أنه متخذ بذلك عندك يدا، ولا تجبر أحدا يحمل طعاما من بلد إلى بلد استكراها منك لهم، ولا تقبل من أهل ولايتك الهدايات، ولا تجبهم إلى الدعوات، وأمر بذلك ولاتك، وأصحابك، فإن ذلك من المعائب، ولا يدعو إلى الأدهان والإصغاء، والركون إلى الهوى، فأعاذنا الله وإياك من الشيطان وفتنته، رغب الناس فيما افترض الله عليهم، من أداء زكواتهم ودفعها ليضعوها في مواضعها، واعلمهم أن من وفى بها فهو من الله في رحبة من الأثر في سعيه والإيجاب له من ثواب ورحمته، ومن سترها أو شيئا منها فقد خان الله ورسوله، فليس من الله في شيء، ولا يقبل الله صلاة لمن كان لزكاته خائنا، قال الله تعالى:
"
قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إلى من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين) ومن لم يؤدى زكاته لم يقم بما أنزل الله من فرائضه وشرائع أداها دينه، ومن إليكم طائعا فاقبلوها منه، ومن اتهمتموه فيها وكان عند أهل المعرفة متهما فاستحلفوه بالله ما ستر عنكم ما لله فيه حقا من غير تهديد منكم
(1) وذلك لأجل الاستفتاء والرجوع في قضاياهن، والنظر في شكواهن، فإن الوالي العادل التقى موضع اطمئنان الخائف الوجل، والذي يعتريه الخجل والحياء كالمرأة وللمرأة أسرار كمسائل الحيض والنفاس. والأحوال الزوجية قد تأبى أن يعلم بها أحد من الناس سوى القاضي، أو المفتى، فإن الأحوال العائلية كثيرا ما تضن بها كرائم العائلات إلا في المجلس الخاص للفصل فيها صونا للكرامة. (1/263)
صفحة 264
ملحق رقم (3)
(248)
ولا قيد ولا ضرب، فإن يك صادقا فقد سلمتم وسلم وإن يك كاذبا بحبس فسيلقى الله بخانته وأنتم أبرياء منها، ولعمرى لأن يلقى الله بخيانته أحب إلى أن تلقوه بعقوبته على غير بيان ولا برهان، وحاسبوا أهل التجارات على تجاراتهم بالرفق والدعة، ويقوم عليهم كلما أرادوا التجارة بقيمة عادلة وسطا على أوسط سعر البلد، ومن ادعى أن عليه دينا وقال إنه يريد أن يقضي دينه من ورقه في سنة طرح عنه دينه، فإن بقى في يده ما يبلغ فيه الصدقة أخذت منه، وإن لم يبق ما يبلغ في الصدقة فلا سبيل عليه، وإن اتهم فيما ادعى استحلف بالله أن عليه من الدين كذا وكذا، وكل دين على رجل مفلس فإنه لا يحاسب عليه، ولا يكمل به الصدقة، ولا يؤخذ بما في أيدى الناس من ثمارهم، ولا يقوم ذلك عليهم في ساب ورقهم حتى يبيعوها ويصيروها دراهما، ويحمل مال الولد على مال والده دام ولده في حجره ولو كان بالغا، وما كان أوفر للزكاة من حمل الورق على الذهب أو الذهب على الورق حمل، ويقوم الذهب والفضة بأوسط صرف البلد، ومن أراد أن يعطى ما يلزمه من الفضة فضة بقدر ما وجب عليه بالمصارفة على صرف فضة في البلد فله ذلك
واعلم أن الناس يختلفون في محل صدقاتهم، وكل امريء منهم تؤخذ صدقته في محلها ولا تعجل عليه قبل وقته، ولا تؤخر بعد وقته، وأما السلف فإنما
يحسب رأس المال ما لم يقبض، وقد قيل فيه أنه إذا حل قوم على سعر البلد إذا كان على الأوفياء، والقول الأول أحب إلينا ونرجوا أن يكون أبعد من الشبه وأسلم، وهو أكثر قول الفقهاء، وأما الثمار فتؤخذ منها الصدقة على ما أدركت وإن أدركت على سقى الأنهار أو ماء الأمطار وبلغت ثلاثمائة صاع بصاع
عليه،
النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من كل عشرة مكائك مكوك، ولا يحمل شيء من
الثمار بعضها على بعض، إلا البر والشعير فإنه يحمل أحدهما على صاحبه
، (1/264)
صفحة 265
ملحق رقم (3)
(249)
وليس على ما يطعم الفقير صدقة، ولا ما أعطى لله إلا أن يعجز الكيل عن تمام الزكاة، فعند ذلك يحسب ما أطعم الفقراء حتى يكمل به الصدقة ثم يأخذ ما بقى، وليس فيما يدفع إلى الفقراء صدقة، وإذا كان الزوجان متفاوضين في الثمار حمل ثمرة أحدهما على الآخر، ولا تحبس على الناس ثمرة نخلهم، بعد إدراكها من أجل حضوركم إياها لأخذ صدقاتكم فإن الرياح والأمطار تضر بها وتفسدها بعد إدراكها، ولكن يؤذن لهم بجدادها، وهم أمناء على ما انتمنهم الله عليه، ومن اتهم بالخيانة استحلف بالله ما ستر من ثمرته حذار الصدقة، وكذلك ينبغي أن يعجل عليهم فى جداد ثمرتهم شيئا من ثمرته حذار الصدقة، وكذلك لا ينبغي أن يعجل عليهم في جداد ثمرتهم قبل إدراكها، ولا صدقة في البسر الذي لم يدرك. ولا في الرطب حتى يصير تمرا.
واعلم أن الذين يجمعون الصدقة من أصحابك تكون نفقة من جملة الصدقة ما داموا في جمعها، فإذا فرغوا من جمعها كانت نفقتهم في الثلثين دون الثلث فإذا اجتمع الصدقة من الورق دون الثمار، فأخرج ثلث جميع ذلك، ثم اجمع صالحي أهل البلد وأشهد على ذلك أنت بنفسك في كل قرية حتى يقسموا صالحوا القرية ثلثها على فقرائهم، ويفضل أهل الفضل في دينهم، وأهل الأمانة وأهل الفقه على غيرهم، ولا تستبق من ذلك شيئا، ولا تعط أحدا من أصحابك منها شيئا كان محتاجا إلى ذلك فتعطيه ما تعطى رجلا من أهل البلد، ولا تمكن من
إلا من قسم الثلث واحدا ولا اثنين إلا الجماعة من ثقات البلد، ولا تغب أنت إن شاء الله.
عن ذلك
وإذا خرج الساعى فلا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق، حذرا الصدقة، والمجتمع ما اجتمع في الرعى والحلب والمأوى، فإن تفرق في شيء من هذه الخصال فهى متفرقة، وإن اجتمعت في الحلب فهى مجتمعة، فإذا وجدت الغنم يبلغ فيها (1/265)
صفحة 266
ملحق رقم (3)
(250)
الصدقة فلتصدعها بنصفين، فيبتدئ رب المال فيختار أحد النصفين، ثم يختار أيضا رب المال من النصف الآخر شاة، ويختار المصدق شاة، ويختار رب المال شاة، ثم يختار المصدق شاة، ولا يزال على ذلك حتى يستوفى المصدق، ولا يعد من السخال إلا ما قطع الوادي راعيا، ولا يأخذ المصدق، الفحل ولا الماخض، ولا ذات النتاج، وليس عليه أيضا أن يأخذ ذات عور، ولا جربة، ولا جذعة، وعليه أن يأخذ من الضأن بقدر حصتها، ومن المعز بقدر حصتها
وأما الإبل والعوامل، والبقر والزواجر، فإنها لا تؤخذ منها الصدقة، فما كان في الشنق أخذ من صاحبها شاة وسطا، ولا يكلف صاحبها شططا، ولا يؤخذ من نصف الشاة شاة وسطة، يقبضها المصدق ثم إن أراد أن يبيعها منه
(1)
الدراهم حتي عن تراض منهما على ما اتفقا عليه من الثمن بغير جبر، ولا إكراه، وكذلك الفريضة إذا وجبت في الإبل فلا تباع من صاحبها حتى يحضر فيقف ثم يقبضها
المصدق، فإن اتفقا على المبايعة وإلا أخذ المصدق فريضته، ولا يكلف صاحب المال
أن يأتى بفريضة من غير إبله، ولا يقال إن إبلك ليس فيها فريضة كريمة
"
فأحضرنا فريضة كريمة، فإن ذلك ليس عليه إنما عليه أن يعطى ذلك الشيء الذي وجب عليه من إبله، وإن لم يوجد ذلك في الشيء ووجد دونه، أو فوقه أخذ المصدق ما فوق ذلك السن، ويرد على صاحب الإبل بقدر الفضلة من الورق والغنم ولا يأخذ دون ذلك السن ويسترد الفضل من صاحب الإبل، ويأمر الساعي أن يقسم ثلث كل حي على فقرائهم، ولا يسلم ذلك إلى أهل الأموال، فإن لم يكن معه فقراء تجاوز إلى فقراء أقرب الأحياء إليهم، وليس للسعاة أن يحسبوا شيئا
من مؤنتهم على الثلث
(1) سقط بالأصل. (1/266)
صفحة 267
ملحق رقم (3)
(251)
واعلم أن أهل الذمة تؤخذ منهم الجزية عند انسلاخ الشهر، ويؤخذ من
الدهاقين والملوك من كل واحد أربعة دراهم كل شهر، ويؤخذ من سائرتهم وأهل
السعة من كل واحد منهم در همان كل شهر، وليس على الصبيان والشيخ الفاني
ولا على الفقراء، ولا على الزمناء، وعلى النساء، ولا على العبيد، ولا على الإماء شيء، وينبغى أن يؤخذوا بربط أوساطهم بالكساتيج (1)، وجنز
نواصيهم، وشرك نعالهم حتى لا يشبهوا بأهل الصلاة، ويركبوا على الأكف ولا يركبوا على السروج، ويزجروا عن شراء عبيد أهل الصلاة وإمائهم، فمن فعل ذلك منهم عزم عليه حتى يبيعهم لأهل الصلاة، وكل مال من مال أهل الصلاة اشتراه أهل الذمة ففيه العشر تاما، وكذلك المواشى التي كانت لأهل الصلاة ثم صارت إليهم ففيها الصدقة، وأظهر الشدة والتخويف لأهل الخلاف لقول المسلمين ومن يرى رأى القدرية، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، وأحمد أمرهم وأمه بدعتهم، وأوعر عليهم في اللفظ على ألسنتهم، والكف عن القول بغير قول أهل هذه الدعوة، فمن أظهر شيئا من ذلك فارفع إلى أمرهم حتى أنظره، وأمرك فيهم برأى إن شاء الله.
واعلم أني قد وضعت لك جملا في كتابي هذا، مما أرجو لك ولى فيه السلامة من العيب، والإحياء للسنة، والإماتة للبدعة، واقتد بما كتبت لك، ولا تجاوز شيئا من ذلك، ولا تختر عليه غيره، فإنك إن تركت شيئاً مما كتب لك، وعملت بخلافه لم آمن عليك العيب في الدنيا والآخرة، وكلما جاوزت أمرى فلزمك في ذلك قصاص لأحد أو أرش أو غرامة في مال فهو عليك في نفسك ومالك دون مال المسلمين، وإن عرض لك أمر مما لم أكتب به لك في كتابي هذا فلا تقدم على إنفاذه
(1) واحدها كستيج بضم الكاف خيط غليظ بشده الذمي فوق ثيابه دون الزنار. (1/267)
صفحة 268
ملحق رقم (3)
(252)
حتى تشاورني فيه إن شاء الله
هذا كتابي لك، ونصيحتى إياك، وموعظتى لأهل ولايتك، والله أسأله لك
ولنا التوفيق، وقبول النصائح والاقتداء بآثار الصالحين، وأن يهجم بنا وبك على
عدل الأمور وأصوبها وأرضاها لله، واقرأ كتابي هذا على ولاتك إن شاء الله
والحمد لله رب العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد، وآله الطيبين وسلم ورحم وكرم، ولا تخرج أصحابك إلى الماشية إلا بعد الفطر، فإن كل شيء أخذوه قبل الفطر فهو حرام مردود، وإن ارتبت فرد العهد إلى إن شاء الله تعالى، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما (1)
(1) انظر: نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان جا ص 184 إلى 193 (مكتبة |
تقامة
سلطنة عمان) (1/268)
صفحة 269
ملحق رقم (4)
رؤية معاصرة للإباضية
في مؤتمر الفقه الإسلامي
المنعقد في سلطنة عمان
في شهر مارس 1988 م (1/269)
صفحة 270
ملحق رقم (4)
رؤية معاصرة للإباضية فى مؤتمر الفقه الإسلامي
المنعقد في سلطنة عمان في شهر مارس 1988 م
(254)
(1)
عقد مؤتمر للفقه الإسلامى بسلطنة عمان في شهر مارس سنة 1988 م، وكان الفقه الإباضى أحد محاوره الأساسية، وكان في مقدمة كبار الحضور كافة المسئولين عن الأزهر، شيخه ووکيله ورئيس جامعته، ومفتى مصر وأمين مجمع البحوث الإسلامية، وبعض وزراء الأوقاف السابقين، وعدداً أساتذة من الشريعة والأصول، ومن السعودية شارك رئيس مجمع الفقه الإسلامي، ومن الأردن وزير الأوقاف (2)، والمفتى وعميد كلية الشريعة والدكتور مصطفى الزرقا (3). ومفتي سوريا، وممثلوا كليات الشريعة في الجامعات الخليجية، وعدد من فقهاء الإباضية فى تونس والجزائر وعمان، وعدد من أساتذة الجامعات العربية والإسلامية (4)
•
وقد تم تقديم خمسة أبحاث تتعلق بالمذهب الإباضي من بين أربعة عشر بحثا عرضت على المؤتمر، إلا أن محاور البحث الأخرى كانت متصلة بالموضوع بصورة غير
مباشرة.
(1) إن أحد الأسباب الرئيسية لعقد هذا المؤتمر هو: أن بعض الشباب السعودي توجه إلى فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن باز (رئيس الإفتاء بالمملكة العربية السعودية) وسألوه، هل تجوز الصلاة خلف أتباع المذهب الإباضى / فرد فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز: إن الإباضية فرقة ضالة لا تجوز الصلاة وراء أتباعها!! انظر: جريدة الأهرام المصرية، العدد الصادر بتاريخ 1988/ 4/26 م.
(2) على يحيى معمر، مؤلف كتاب الإباضية في مركب التاريخ.
(3) يطلق عليه الفقهاء، شيخ فقهاء الشام المعاصرين.
(4) راجع قائمة المشاركين في مؤتمر الفقه الإسلامي سلطنة عمان مارس 1988 م (1/270)
صفحة 271
ملحق رقم (4)
(255)
وقد أشارت أبحاث المؤتمر إلى أن عدد الإباضية في العالم الإسلامي يبلغ الآن مليونين من المسلمين، حافظوا على أنفسهم في التجمعات البعيدة عن الأنظار في المناطق النائية، غائبة عن المعترك السياسى والفكرى الذى ارتبط بمقر الخلافة في المشرق الإسلامي، مما ساهم في التجهيل بها، فضلاً عن الترويج لمختلف الاتهامات التي ألصقت بهم، وفي مقدمتها نسبتهم إلى الخوارج، وأضافتهم إلى من ضل من فرق المسلمين، رغم أن الحركة الإباضية كان لها حضورها في التاريخ الإسلامي، هذا الحضور الذي لم يظهر بحجمه في مختلف كتب التراث الإسلامي، وماظهر منه إما جاء مشوهاً أو نادر المعلومات وقليل الحقائق
والمشكلة أن هذه الفرقة تعرضت إلى التباس كبير أحاط بمذهبهم وأهله طوال القرون التي انقشت من التاريخ الإسلامي، فهم خرجوا فعلاً على الإمام على ولكنهم يبرأون من الخوارج ج (1)، والتقاؤهم مع الخوارج في الموقف السياسي لم يؤثر على التقائهم مع أهل. السنة فى الموقف الفكرى أو الفقهى، وهم دائماً جزء من الواقع الجغرافي الإسلامي، لكنهم أسقطوا من الحسبان عندما دون التاريخ الإسلامي.
وعلى الرغم من كثرة وفخامة مصنفاتهم الفقهية، فإنها لم تر النور إلا منذ سنوات قليلة، عندما أنشأت سلطنة عمان وزارة للتراث القومي، ونهضت بتلك المهمة
(2)
والواقع أن فرقة الإباضية قد تعرضت لملاحقة الأمويين عملياً وأدبياً منذ وقفوا في صف المعارضة لهم (2)، ولذا فإن موسوعات التاريخ الإسلامي لاتمر على عمان وأهلها من الإباضية إلا مروراً سريعاً وخاطفاً، وعلماء الإباضية لايشار إليهم في كتب الطبقات (3).
1988/ 4/26 م.
(1) انظر فهمي هويدي، جريدة الأهرام المصرية عدد يوم (2) انظر بحث د. الشكعة في «موتمر الفقه الإسلامي»، سلطنة عمان مارس 1988 م.
(3) أشهرها ابن سعد، كتاب الطبقات. (1/271)
صفحة 272
ملحق رقم (4)
(256)
وحسناً فعل «مؤتمر الفقه الإسلامي» حين اختار أصول المذهب الإباضي كمؤشر هام لاختبار مدى صحة هذا المذهب من الناحية الفقهية وما يشمله من أصول تمس العقيدة وغيرها من الأصول الإسلامية الهامة لسلامة العقيدة والعبادة.
وقد أشار الدكتور يحيى محمد بكوش (1) (الجزائر)، إلى أن مجرد زعامة جابر
(Y)
بن زيد لهذا المذهب فيه سلامة له، فجابر بن زيد هو أحد رموز عصر التابعين الذي لم يعرف التعصب أو التقاليد الجامدة، ولم تكن تلزمهم سوى القيود الشرعية المتفق عليها بين أهل الثقة والورع، وان هذا العصر حلقة الوصل بين عصر النبوة والصحابة، وعصر تكوين المذاهب الفقهية التي ظهرت فيما بعد
وقد أكد الدكتور فرحات بن على الجعبيرى على دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية في بحثه المقدم لمؤتمر الفقه الإسلامي، أن المدرسة الإباضية سلكت منذ يومها الأول المسلك المتفق عليه في الفقه والاجتهاد فاعتبرت مصادر الشريعة الإسلامية الأساسية، متمثلة في الكتاب والسنة والرأي.
وتساءل هذا الباحث في استغراب لماذا لا يعترف الكتاب المحدثون بأن المذهب الإباضي هو من صميم السنة الأصيلة؟ ولماذا يخشون ذلك؟ ويعلنون دائماً أنه أقرب المذاهب إلى أهل السنة بعد أن ثبت أن المذهب الإباضي هو أسبق المذاهب اعتماداً على السنة اعتماداً كلياً في تأصيل الشريعة.
وقد أكد أيضاً الدكتور إبراهيم عبد العزيز بدوى (جامعة الأزهر) (3)، أن المذهب الإباضي ليس مستحدثاً، وإنما نشأ متأصلاً على القواعد الصحيحة، مدعماً بالأصول الواضحة الثابتة، فبالنظر والتتبع لا يوجد في فقهه ما يخالف الكتاب والسنة النبوية
(1)
يحيى
محمد بكوش، البحث المقدم حول مدرسة جابر بن زيد وأثرها في الفقه الإسلامي».
(2) يقصد: الفقه الإباضي.
(3) انظر البحث المقدم من إبراهيم بدوى «مؤتمر الفقه الإسلامي سلطنة عمان 1988 م. «دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية. (1/272)
صفحة 273
ملحق رقم (4)
(257)
ولعموم الأصول التي اتفق عليها المسلمون جميعاً.
والمهم كما أكد الأستاذ فهمي هويدي (1)، أن كل مناقشات «مؤتمر الفقه الإسلامي»
الذي عقد في رحاب جامعة قابوس بمسقط، اتفقت على صحة المحاور الأساسية للفقه
الإباضي، ولم يجادل فيها أحد، ولم يختلف عليها أحد
وهذا ما يعنى «براءة الإباضية من كل ما ألصق بهم من تهم وأباطيل، وأنهم فرقة أصيلة من فرق الإسلام آن الأوان كي يعرف أبناء الإسلام دورها ورجالها وحقائقها، وهو يعنى أيضاً أن المسلمين كسبوا جولة هامة من جولات معركة وحدة الصف
الإسلامي.
ومع
ذلك فإنه لا يستطيع الباحث أن يقطع الصلة بين مؤسس المذهب الإباضي وعلاقته بحركة الخوار حتى وإن كانت علاقة سلبية اتخذت فيها مواقف مع الرأى العام والأغلب لعناصر الرفض.
إلا أن المذهب الإباضي بانتمائه التاريخي يشكل مذهباً جذره التاريخي منطلق من تيار الخوارج، حتى وإن اختلف المذهب فيما بعد وأصبح يشكل معطيات جديدة لا تضعه أبداً بين أجنحة الغلو في الفكر الخارجي
(2)
ويستخلص من ذلك كله أنه لا التقاء بين الإباضية مع الخوارج إلا في نقطتين
اثنتين هما:
أ - رأيهما في التحكيم بإعتباره خطأ وخدعة كبرى.
-
ب أنهم لا يعترفون بالقرشية أساساً أو مؤهلاً وحيداً للإمامة، وسواء كان ذلك خطأ أم صواب وهي قضية ليست محل مناقشة فإن الأمة، كل الأمة، سواء عن رضى واقتناع أو عن واقع تعيشه فقد أصبح رأى الأمة الإسلامية اليوم هو:: رأى
(1) جريدة الأهرام المصرية، عدد يوم 1988/ 4/26 م.
(2) صابر طعيمة، الإباضية عقيدة ومذهبا (دار) الجمل، بيروت 1986 م).
> (1/273)
صفحة 274
ملحق رقم (4)
(258)
الإباضية والخوارج لما فيه الكثير من الوجاهة والقبول.
وفيما عدا هاتان النقطتان فإن الإباضية تنفصل عن الخوارج إنفصالاً كاملاً لا لقاء
معه، ويقفون أمامهم أعنف المواقف.
•
وتتجه الرؤيا المعاصرة لأصول الإباضية
-
على نحو ما جاء في مؤتمر الفقه
الإسلامي في سلطنة عمان - أن الإباضية ساروا وفق المنهج الإسلامي ولم يخرجوا عن ملة الإسلام، ولم يفعلوا ما يغضب الله والمسلمين منهم، وإنما كان لهم رأيهم حينما قبل على بن أبي طالب التحكيم، وترك أمر الخلافة لحكمين.
لذا فهم يرون أن من حقهم – كما هو حق لكل المسلمين – أن يبدوا رأيهم حسب ما تقتضية الشريعة الإسلامية وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأمرهم شورى بينهم، وشاورهم في الأمر)، أى أن الأمر، شورى، كما أن أسس اختيار الخليفة وطرق الاعتراض عليه لم تتبع هنا
لذلك انشقت جماعة على الخليفة على بن أبى طالب عندما أصر على تنفيذ اجراءات التحكيم، ونادت بإنتخاب خليفة للمسلمين عبر طريق الشورى دون إعتبار للنسب القبلي، من هذه الجماعة، جماعة الإباضية (1)
أى أن الإباضية لم يفعلوا ما يعطى الحق باتهامهم بالخروج عن ملة الإسلام، وعلى الرغم من ذلك فإن كثيراً من كتاب الفرق والعقائد والنحل والكثير من الكتاب القدماء والمحدثين يعتبرون الإباضية احدى فرق الخوارج، وهذا واضح في كتابات الأشعرى (2)، والملطى الشافعي))
(3)
(1) على يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ ص 33، 35) مكتبة وهبة، القاهرة 1964). (2) الأشعرى: أبو الحسن على بن إسماعيل (ت 533 هـ)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين
ج 21: تحقيق محيى الدين عبد الحميد (مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية 1389 هـ 1969 م) (3) الملطى الشافعي: المعروف بالطرائفى (أبو الحسن محمد أحمد بن عبد الرحمن) (ت 277 هـ)، التنبية والرد على أهل الأهواء والبدع الطبيعة الثانية، القاهرة 1368 هـ). (1/274)
صفحة 275
ملحق رقم (4)
(259)
والبغدادى (1) والخطيب الرازي (2)، وابن حزم الأندلسي (3) والشهرستاني (4)
(0)
والشاطبي الغرناطي
فضلاً
عن
الكثير جداً
من الكتاب المعاصرين المستشرقين منهم وغير
المستشرقين (6)
وأدخل بعضهم عن جهل أو تعصب الإباضية ضمن فرق الغلاة الذين غلو بدينهم، وخرجوا عن أصول الإسلام، ولا يوجد أدنى شك في أن أعداء الإسلام في مختلف
الأزمنة، قد دسوا نصوصاً ليحطموا روح دولة الإسلام ويدمروا كيان المسلمين (7) ومعروف أن الإباضية أخذوا بالقرآن الكريم كمصدر رئيسي للدين، ومصدرهم السنة الصحيجة، وبعدها الإجماع إذا استوفى الشروط المعروفة عند الأصوليين، والمصدر الرابع هو القياس، وأخيراً المصدر الخامس وهو الاستدلال.
الثاني هو
(1) البغدادي عبد القاهر بن طاهرين محمد البغدادي، الإسفرائيني التميمي المتوفى 429 هـ، الفرق بين الفرق، (الطبعة الأولى دار الآفاق الجديدة، بيروت (1973 م).
(2) الرازي: الإمام فخر الدين محمد بن عمر الخطيب (ت 606 هـ)، اعتقادات فق المسلمين والمشركين (مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة 1398 هـ - 1978 م).
الأندلسي: الإمام أبو محمد على الظاهرى (ت 456 هـ)، الفصل في الملل والأهواء
(3) ابن حزم والنحل (مؤسسة الخانجي، مصر)
(4) الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم (ت 8548)، الملل والنحل، اخرجه محمد بن فتح الله بدران، مطبعة الأزهر (5) الشاطبي الغرناطي أبو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الاعتصام (المكتبة التجارية
الكبرى القاهرة 1332 هـ).
(6) أمثلة لذلك فلهوزن) يوليوس) الخوارج والشيعة ترجمة عبد الرحمن بدوى (القاهرة 1958 م)، على مصطفى الغرابي، تاريخ الفرق الإسلامية (الطبعة الأولى القاهرة 1948 م).
(7) سيده إسماعيل كاشف عمان في فجر الإسلام ص 50. (1/275)
صفحة 276
(260)
ملحق رقم (4)
كما أنهم كانوا معتدلين بآرائهم ولم يغالوا بفكرهم ولم يستحلوا دماء وأموال العصاة من المسلمين وأن كبائرهم كالزنا والخمر لا تخرجهم من ملة الإسلام، فهم موحدون، أي يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (1)
لذلك فإن من يخلط بين الإباضية والخوارج، ويعتبر الإباضية من فرق الخوارج عليه أن يعيد النظر في ذلك، ويتعمق بدراسة الفقه الإباضي، ويعادل كفه مصادره و مراجعه بالرجوع إلى المصادر والمراجع الإباضية.
ولكن هذا الخلط مقصوداً كان أو غير مقصود، فإن هناك عدة أسباب ربما كان لها أثراً كبيراً في هذا الخلط منها: تزامن ميلاد الاتجاهين ومنها استخدام الإباضية أنفسهم لوصف «الخوارج» في حديثهم عن باقى الفرق الإسلامية المتهمة بالغلو والتطرف أو الخروج على الإسلام.
ومنها أيضاً اشتراك الإباضية مع الخوارج في إطلاق اسم «الشراة» على أنفسهم أحياناً، فيذكر مؤرخو الإباضية أحياناً أن الإمام الإباضى بويع على الشراء» (2) أو كان إماماً شارياً» (3)، أو بويع على قطع الشرى (4)، كما يقول الخوارج «شرينا أنفسنا
لدين الله فنحن لذلك شراة» (5)
كذلك
من أسباب الخلط بين الإباضية والخوارج هو اتفاقهم في بعض آرائهم حول
إمام المسلمين أو «خلافة المسلمين».
وبالرغم من وجود هذه المؤشرات للخلط بين الإباضية والخوارج، إلا أنه توجد
هناك
(1) أبو يعقوب الوارجلاني، الدليل لأهل العقول (طبعة القاهرة 1306 هـ) (2) السالمي (الشيخ محمد عبد الله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان. الجزء الأول ص 14) الطبعة الأولى، القاهرة 1332 هـ)
(3) المصدر السابق ج 1 ص 214.
(4) المصدر السابق ج 1 ص 214.
(5) المقريزي: المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار ج 2 ص 355، 356 (طبعة بولاق، القاهرة
127 هـ) (1/276)
صفحة 277
ملحق رقم (4)
(261)
أفعال إباضية لاتدع مجالاً للخلط منها ماتورده المصادر الإباضية، ومنها ما ورد في
المصادر غير الإباضية.
-
في موقف تنقله المصادر الإباضية ان عبد الله بن إباض لما عزم على الخروج بعد لقاء ابن الزبير - بالقطع مع نافع بن الأزرق وسمع دوى القراء ورنين المؤذنين وحنين المسبحين عندئذ قال لأصحابه أعن هؤلاء أخرج؟ وكتم أمره، واختفى ولم يخرج معهم» (1).
وفي موقف آخر تنقله المصادر غير الإباضية: حين اصطلح أهل البصرة على عبدالله بن الحارث، فتجرد الناس للخوارج وأخافوهم، فلحق نافع بالاهواز في شوال سنة أربع وستين، و خرج من بقى منهم بالبصرة إلى ابن الأزرق إلا من لم يرد الخروج يومه ذلك، منهم عبد الله بن الصفار، وعبد الله بن إباض ورجال معهما على رأيهما، ونظر نافع فيما يرويه عنه ابن الأثير (2)، فرأى أن ولاية من تخلف عنه لانجاة له، فقال لأصحابه ذلك ودعاهم إلى البراءة منهم، وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا يجوز قبول شهاداتهم وأخذ العلم عنهم ولا يحل ميراثهم، ورأى قتل الأطفال والاستعراض وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، فأجابه إلى ذلك بعضهم وفارقه بعضهم.
"
وممن فارقه «نجدة بن عامر وسار إلى اليمامة، فأطاعة الخوارج الذين بها وتركوا أبا طالوت فكتب نافع إلى عبد الله بن إباض وإبن الصفار يدعوهما ومن معهما إلى ذلك، فقرأ ابن صفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا أو يختلفوا، فأخذه ابن إياض فقرأه فقال: «قاتله الله أى رأى رأى؟ لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً، وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين، ولكنه كذب
(1) سالم بن حمد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية ص 122 (طبعة دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان)
(2) إبن الأثير، الكامل في التاريخ ج 4 ص 167) طبعة دار صادر - بيروت 1979 م). (1/277)
صفحة 278
ملحق رقم (4)
(262)
فيما يقول: إن القوم براء من الشرك ولكنهم كفار بالنعم والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم،
:
وما سوى ذلك فهو حرام علينا، فقال له ابن الصفار برئ ا
الله منك فقد قصرت، وبرئ الله
من ابن الأزرق فقد غلا، فقال إبن إباض، برئ الله منك ومنه (1)
أي أن الإباضية يتبرأون من الفرق التي غالت فى الدين، ويؤكدون في هذا أنه
لا تجمعهم بالخوارج جامعة، ولا يمتون إليهم بصلة.
ويتعجب مؤرخو الإباضية من لصق صفة «الخوارج» بأتباع المذهب الإباضي، فهم لم يشاركوا في سفك قطرة دم واحدة من دماء المسلمين التي حرم اله قتلها إلا بالحق، ولم يكن للإباضية في المغالاة ناقة ولا جمل ولم يكن بفكرهم ما يؤدى إلى الإلحاد والزيغ (2).
وبطل الإباضية عبد الله بن إباض هو أول من فارق المارقين (3): من الرافضة والزيدية والأشعرية والخوارج المارقين من المعتزلة.
أما المحدثون من الباحثين والمؤرخين فقد سار معظمهم حسب ما أورده قدامى الكتاب، وأنهم - وقد تعدد المصادر والمراجع أمامهم، وعرفوا كثيراً عن حقائق الإباضية وآرائهم - حاولوا أن يصححوا مفاهيماً وردت في كتب المقالات القديمة تجاه الإباضية. ولكن ليس جميعهم ملك الشجاعة وأعلن حكمه النهائى فى الإباضية من حيث براءتهم من الخروج على الدين أو المروق والتمرد على الخلفاء الأتقياء، وكذلك حول براءة الإباضية من تهمة «الخوارج».
ورغم ذلك لا يمكن إنكار أن الإباضية قد خرجوا مع كافة من خرج، لكنهم استطاعوا
(1) ابن الأثير الكامل في التاريخ ج 4 ص 167، 168 و
الطبري، ج 5 ص
566، 568
(2) محمد يوسف إطفيش إزالة الاعتراض عن محقى أل إباض ص 53.
(3) حميد بن حمد بن رزيق الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان ص 11 (وزارة التراث
القومي، سلطنة عمان) (1/278)
صفحة 279
ملحق رقم (4)
(263)
أن يتميزوا عن الخوارج منذ نشأتهم، ففكر الإباضية شيء وفكر الخوارج شيء آخر، وما يراد الخوارج من مغالاة وتطرف يقابله الإباضية بالاعتدال وعدم التطرف. أى أن تراث الإباضية في مفهومه وفلسفته يختلف عن تراث الخوارج بقيادة
الأزارقة والنجدات.
يلي:
وقد أوضح الدكتور عوض خليفات (1) في نفيه صفة الخوارج عن الإباضية ما
1 - أن الإباضيين ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل، وكما يعد بعض الكتاب المحدثين الذين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص، والواقع أن الإباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى انكار التحكيم.
- أن الإباضية حرموا قتل الموحدين وإستحلال دمائهم وحرموا استعراض الناس
و امتحانهم كما فعل متطرفو الخوارج مثل الأزارقة والنجدية.
- أن الإباضيين ينظرون إلى الدين نظرة واحدة متكاملة لافصل فيها بين المظاهر الروحية والمادية ولا طغيان لأحدهما على الأخرى، وتبعاً لذلك فقد أنكروا التصوف
ورفضوه.
4 - إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين إتباعاً للسنة الشريفة والاقتداء بها. أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب.
وعمر.
-0
أنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى فى الحكم بعد الخليفتين أبي بكر
(1) عوض خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص
054053 (1/279)
صفحة 280
ملحق رقم (4)
(264)
ويتضح من ذلك كله أن الإباضية خرجوا مع من خرج على التحكيم ولكنهم ابتعدوا عن التطرف الذي سار فكر الخوارج ونشاطهم، ومن ثم كانت الرؤيا المعاصرة نحوهم تميل إلى انصافهم مع عدم تغيير حقيقة وضعهم التاريخي، واعتبارهم نموذجاً للفكر الإسلامي للتحرر من التطرف ومواكبة متطلبات المجتمع الإسلامي وهو الأمر الذي اتسم به الإباضية فعلاً وعملاً حتى الوقت الحاضر. (1/280)
صفحة 281
ملحق رقم (5)
الخرائط (1/281)
صفحة 282
ملحق رقم (5)
(266)
جزر
جارة
الصين
خانفر کانتون
الهند
تانه
الطرق البحرية التجارية التي سلكها تجار الخليج العربي
بحر الهند
بحر الحبشة
بحر الزنج
الجزيرة الخضراء (بيا)
زنجبار
ابور مردانه (1/282)
صفحة 283
ملحق رقم (5)
(267)
0000
بلاد الصين
خانقو (کانتون)
به پوتين (هاوي)
(فهيج البنتقال)
مکران
نزيرة
الحمد
بھر لاروي
تو مسمو (البحر العربي) مو قطع
ل يوم ملي
جزائر العريجات
بلاد الزنج
بحر الانج
الطرق الملاحية البحرية في العصر العباسي
نقلا عن الدكتور/ سليمان العسكري، التجارة والملاحة في الخليج العربي
(سين) (1/283)
صفحة 284
ملحق رقم (5)
(268)
القلزم
لي مورد نيا
الاندلس
بر ناطة مالقة
انطاكية
ية البحر المتوسط
القيروان
مصر
مصر وشمال أفريقيا في عهد الدولة العباسية
الأغالبة
تاهرت
رن
تلمسان
الأدارسة
دولة.
السوس الأدنى
الدولة المدرارية
السوس الأقصى (1/284)
صفحة 285
ملحق رقم (5)
اسه
c.
اليمن
اعلان
عدود شو
براون
تمايد
يط الهندي
200
مدغش
زنجباري
بجدايي ما فاضي حلوة
الساحل الشرقي لأفريقيا
موزمبيق
L.
سفال
(269) (1/285)
صفحة 286
ملحق رقم (5)
کرمان
اصطخ
فارس
اصبحان
(270)
متهور حلوان
نهاوند
چند بابور
النهروان
الاحواز
ليج العربي
البصرة الابله
كاظمة
يز مكران
مکران
خليج عمان
الباطنة
رستاق
از کي
نزوة
وسير
هجر
جوانا
جزيرة العرب
المشقر
البحر العربي
أقاليم الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين (1/286)
صفحة 287
بسم الله الرحمن الرحيم
المصادر والمراجع (1/287)
صفحة 288
المصادر والمراجع
(272)
المصادر والمراجع
هذه المصادر والمراجع رتبت ترتيباً أبجدياً حسب اسم المؤلف، مع عدم وضع (ال،
ابن، أبو) في الاعتبار.
أولا: القرآن الكريم:
ثانياً: المصادر العربية القديمة:
ابن الأثير (ت 630 هـ / 1338 م): على بن أحمد بن أبى الكرم.
1 - الكامل في التاريخ، 12 مجلد (بيروت، 1982 م).
الإدريسي (ت 557 هـ / 1162 م): أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريس الحسنى 2 - نزهة المشتاق في اختراق الآفاق نسخة مصورة بجامعة القاهرة، بدون
تاريخ.
الأزكوى) عاش في القرن (13 هـ / 18 م): سرحان بن سعيد
3 - كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، مخطوط بمكتبة معالى السيد /
أحمد محمد بن
بن سعود البوسعيدي برقم 571، وكذلك تحقيق عبد
المجيد حسيب القيسى (الطبعة الثانية سلطنة عمان 1986 م).
أبو إسحاق الحربي (198 - 285 هـ / 13 - 898 م): إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن
بشير بن عبد الله بن ديسم.
4 - مناسك الحج، حققه د. حمد الجاسر تحت عنوان «كتاب المناسك وأماكن
طرق الحج ومعالم الجزيرة دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، الطبعة الثانية 1401 هـ / 1981 م. (1/288)
صفحة 289
المصادر والمراجع
(273)
الأصطخري (ت قبل عام 350 هـ / 961 م) أبو إسحاق إبراهيم بن محدم المعروف
بالكرخي
ه - مسالك الممالك، ليدن سنة 1387 هـ / 1967 م.
أبو الفرج الأصفهاني (ت 356 هـ /976 م): على بن الحسين
6 - الأغاني، 24 مجلد طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، دار
إحياء التراث العربي سنة 1963 م.
أبو بركة) عاش في القرن 4 هـ / 10 م): أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوى
العماني.
كتاب الجامع جزءان حققه وعلق عليه عيسى بن يحيى الباروني،
مسقط الطبعة الثانية 1394 هـ / 1974 م.
بزرك (عاش في القرن،3، 4 هـ / 0/ 9 ام: بزرك بن شهريار الناخداه الرامهرمزي
- عجائب الهند جمع مادته بين عامى،288، 293 هـ، ليدن سنة 1883
- 1886 م.
ابن بطوطة (ت 779 هـ / (1377 م): أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي
- رحلته المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، جزءان،
تحقيق د. على المنتصر الكتاني مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة
الرابعة سنة 1405 هـ / 1985 م).
أبو بكر الكندي (ت 557 هـ / 162 ام): أبو بكر أحمد بن عبد الله موسى الكندي 10 - المصنف، 42 جزء، تحقيق عبد المنعم عامر، مسقط 1981 م.
الأهتداء، تحقيق د. سيده کاشف
البكرى (487 هـ / 094 1 م): أبو عبد الله بن عبد العزيز.
11 - المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب ليدن، الطبعة الثانية، 1911 م (1/289)
صفحة 290
المصادر والمراجع
(274)
12 - جزيرة العرب جزء من كتاب المسالك والممالك» تحقيق ودراسة د. عبد الله يوسف الغنيم ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الأولى سنة 1397 هـ / 1977 م.
البلاذري (ت 279 هـ / 892 م): أبو الحسن بن يحيى بن جابر البغدادي.
13 - فتوح البلدان تحقيق د. رضوان محمد، رضوان، دار الكتب العلمية بيروت، سنة 1403 هـ / 1983 م.
الجاحظ (20150 - 255 هـ / 7672 - 8690 م): أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ 14 - البيان والتبيين، أربعة أجزاء في ملجدين تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الخامسة، سنة 1405 هـ / 1985 م.
الجيطالى (عاش في القرن (807 هـ /14013 م): أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي.
15 - قناطر الخيرات ثلاثة أجزاء مسقط، سنة 1403 هـ / 1983 م.
ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ / 63 - 1 م): أبو محمد على الظاهري 16 - الملل والأهواء والنحل) مؤسسة الخانجي جمهورية مصر العربية).
الحميري (93 هـ / 15 م): محمد بن عبد المنعم الصنهاجي.
17 - الروض المعطار في خبر الأقطار، جمعة عام 966 هـ/1463 م، تحقيق د. إحسان عباس مكتبة لبنان بيروت الطبعة الثانية، سنة 1984 م.
ابن حوقل (ت 367 هـ / 977 م): أبو القاسم محمد بن على النصيبي 18 - صورة الأرض، أو المسالك والممالك مكتبة الحياة بيروت، 1979 م). (1/290)
صفحة 291
المصادر والمراجع
(275)
ابن خرداذبة) ت حوالى عام 300 هـ / 912 م) أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله
19 - المسالك والممالك، ومعه نبذ من كتاب الخراج وصنعة الكتابة لأبي
الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادى (المتوفى 320 هـ / 932)
مكتبة المثنى، بغداد بدون تاريخ
ابن خلدون (808 هـ / 1405 - 1406 م): عبد الرحمنين محمد
20 - مقدمة ابن خلدون (طبعة القاهرة 1311 و طبعة بيروت) 21 - العبر وديوان المبتدأ والخبر المعروف بتاريخ ابن خلدون 7 أجزاء
(القاهرة 1284 هـ) وطبعة) دار الكتاب اللبناني، بيروت).
ابن خلكان (608 - 681 هـ / 1311 - 1383 م): أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد
بن أبي بكر
22 - وفيات الأعيان وأنباء الزمان 7،مجلدات، تحقيق د: إحسان عباس،
(دار صادر، بيروت، بدون تاريخ).
الدرجيني (ت 670 هـ / 1271 م): أبو العباس أحمد بن سعيد.
23 - كتاب طبقات المشايخ بالمغرب تحقيق إبراهيم طلاى، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر سنة 1394 هـ / 1974 م.
ابن أبي دينار (ت 110 هـ / 1698 م): محمد بن أبي القاسم بن عمر القيرواني 24 - المؤنس فى أخبار أفريقية وتونس (تونس، 1286 هـ)
ابن رسته (عاش في القرن 3 هـ / 9 م): أبو على أحمد بن عمر.
25 - الأعلام النفيسة ألفه عام 290 هـ/903 م، المجلد السابع (ليدن
1891 م). (1/291)
صفحة 292
المصادر والمراجع
(276)
أبو زكريا (ت 471 هـ): أبو زكريا يحيى بن أبى بكر.
26 - كتاب سير الأئمة وأخبارهم المعروف بتاريخ أبي زكريا، تحقيق
إسماعيل، العربي دار الغرب الإسلامي بيروت الطبعة الثانية، سنة 1402 هـ / 1982 م.
ابن سعد (230 هـ / 845 م): أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري 27 - الطبقات الكبرى 8 أجزاء دار التحرير، القاهرة، سنة 1388 هـ /
أبو سعيد
1968 م.
الكدمى) عاش في القون 4 هـ / 10 م): الشيخ أبو سعيد محمد بن سعيد بن
محمد بن سعيد الكدمي
28 - الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، ه أجزاء، مسقط 1986 م.
29 - الاستقامة، تحقيق محمد أبو الحسن، مسقط 1985 م.
ابن سعيد المغربي (610 - 673 هـ / 13214 - 1375 م): أبو الحسن على بن موسى - كتاب الجغرافيا تحقيق إسماعيل العربي المكتبة التجارية للطباعة
والنشر والتوزيع، بيروت الطبعة الأولي 1970 م.
ابن سلام الإباضي) عاش في النصف الثاني من القرن 3 هـ / 9 م).
1 - الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية تحقيق. ر. ف. شفارتز، وسالم ابن يعقوب، دار اقرأ للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت الطبعة الأولى
سنة 1985 م.
الشماخي (ت 938 هـ / 1532 م): أحمد بن سعيد بن عبد الواحد.
32 - كتاب السير جزءان، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، مسقط 1987 م. (1/292)
صفحة 293
المصادر والمراجع
(277)
الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم (ت 548 هـ /1153 م). 33 - الملل والنحل، القسم الأول (طبعة بيروت).
ابن الصغير (عاش في القرن 3 هـ /9 م):
34 - أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق د. محمد ناصر، إبراهيم بحار، دار الغرب الإسلامي، بيروت سنة 1406 هـ / 1986 م.
الطبري (14 هـ / 83 - 923 م: أبو جعفر محمد بن جرير
35 - تاريخ الطبري) تاريخ الأمم والملوك)، 10 أجزاء، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم دار، سويدان، بيروت، بدون تاريخ.
أبو عبد الله الكندى (508 هـ / 114 ام): محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي. 36 - بيان الشرع، 72 مجلد، مسقط 1984
1988 م.
ابن عبد الحكم) (ت 257 هـ / 871 م): أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد
بن أعين القرشي المصري.
37 - فتوح مصر وأخبارها، ليدن، 1920 م.
ابن عبد ربه (ت 349 هـ / 960 م) شهاب الدين أحمد
38 - العقد الفريد، 3 أجزاء. القاهرة 1346 هـ.
ابن عزارى المراكشي) عاش فى القرن 7 هـ /13 م):
الله بن عبد الحكم
39 - البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ج. س. كولان، أ. ليفي بروفنسال دار الثقافة بيروت، الطبعة الثالثة 1983 م.
العوتبي الصحارى) عاش في القرن 5 هـ / 1 ام): سلمة بن مسلم 40 - الأنساب، جزءان، مسقط، 1984 م. (1/293)
صفحة 294
المصادر والمراجع
(278)
أبو الغدا) 732 هـ / 1331 م): إسماعيل بن على عماد الدين صاحب جاه
41 - تقويم البلدان، (طبعة القاهرة)
القزويني) 628 هـ / 1283 م): أبو عبد الله زكريا الأنصاري 42 - أثار البلاد وأخبار العباد، جوتنجن 1848 م.
القلقشندي (ت 821 هـ / 1418 م أبو العباس أحمد بن على 43 - صبح الأعشى في صناعة الانشا، سلطنة عمان بدون تاريخ
الكندي (283 - 350 هـ / 1896 - 961 م) محمد بن يوسف
44 - ولاة مصر، تقحيق د. حسين نصار، دار صادر، بيروت، بدون
تاريخ.
المبرد (ت 285 هـ / 898 م): أبو العباس محمد بن يزيد.
مجهول:
45 - الكامل في اللغة والآدب جزءان فى مجلد، مكتبة العارف، بيروت
بدون تاريخ.
46 - تاريخ أهل عمان، تحقيق وشرح د. سعيد عاشور، الطبعة الثانية سلطنة عام 1986 م.
المسعودي (ت 346 هـ / 957 م: أبو الحسن على بن الحسين بن على 47 - موج الذهب ومعادن الجوهر أربعة أجزاء، شرح وتقديم د. مفيد محمد، قميحة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1406 هـ 1986 م. (1/294)
صفحة 295
المصادر والمراجع
(279)
المقدسي (335 - 390 هـ / 946 - 1000 م) محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء الشامي المقدسى المعروف بالبشاري
48 - أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن، الطبعة الثانية 1967 م.
ابن النديم (ت 438 هـ / 046 ام: محمد بن إسحاق المعروف بالوراق
49 - الفهرست، تحقيق د ناهد عباس، عثمان دار قطرى ابن الفجاءة قطر، الطبعة الأولى، سنة 1985 م.
ابن النظر (عاش في القرن 5 هـ / ام: أبو بكر أحمد بن النظر العماني ه كتاب الدعائم، مسقط، سنة 1980 م.
-0.
النوريرى (773 هـ / 1371 م): شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب
-01
نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق على محمد البجاوي، الهيئة
المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة 1976 م.
ياقوت (626 هـ / 1330 م): الإمام شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد
الحموي الرومي
52 - معجم البلدان طبعة دار صادق ودار بيروت سنة 1984 م.
الله
اليعقوبي (ت 272 هـ / 895 م: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب
العباسي المعروف باليعقوبي.
53 - تاريخ اليعقوبي، جزءان، طبعة دار بيروت 1980 م. (1/295)
صفحة 296
المصادر والمراجع
ثالثا: المراجع العربية الحديثة والكتب المترجمة:
إبراهيم أحمد العدوى:
أحمد أمين
أحمد شلبي:
-02
(YA.)
الأمبراطورية البيزنطية والدولة الإسلامية (الدار القومية للطباعة
والنشر
55 تاريخ العالم الإسلامي ج 1) طبعة الأنجلو المصرية (1983 م)
ج 2 طبعة الانجلو المصرية 1984 م).
56 - فجر الإسلام (القاهرة: 1928 م).
57 - موسوعة التاريخ الإسلامى، أجزاء مختلفة وطبعات متعددة، مكتبة
النهضة المصرية.
أحمد عطية سالم
58 - الجاليات العربية في أفريقيا (بحث في كتاب العرب وأفريقيا)
بيروت، الطبعة الأولى، 1984 م).
أحمد محمود المعمرى:
59 - عمان وشرقي أفريقيا، مسقط، 1980 م.
أندروويلياسون:
60 - صحار عبر التاريخ ترجمة محمد أمين عبد الله (الطبعة الثانية
أرنولد ويلسون:
مسقط، 1982 م).
61 - تاريخ الخليج ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط، الطبعة الثانية سنة
1985 م. (1/296)
صفحة 297
المصادر والمراجع
(281)
بكير بن سعيد
يرمنجهام
62 - دراسات إسلامية في الأصول الإباضية (سلطنة عمان)
63 - الإسلام في شرق أفريقيا، ترجمة محمد عاطف النواوي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى 1973 م.
تشانغ زون يان
64 - الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعمان عبر التاريخ، مسقط
تيم سخون:
1981 م.
65 - رحلة السندباد، ترجمة، د. سامي عزيز، مسقط 1985 م.
66 - الخليج العربي، تعريب نجده هاجر وسعيد الغزو (بيروت
جان جاک بيري
1959 م).
جمال زكريا قاسم
،
67 - استقرار العرب في ساحل شرقي أفريقيا، حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، مصر عدد 10، سنة 1967.
جودت عبد الكريم يوسف:
68 - العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، طبعة الجزائر، 1984 م.
جورج فاضلو حوراني:
69 العرب والملاحة في المحيط الهندى ترجمة د. يعقوب بكر، مكتبة
الأنجلو المصرية. (1/297)
صفحة 298
المصادر والمراجع
جيان:
(282)
70 - وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن أفريقيا الشرقية، كتبة عام 1856 م، نقله إلى العربية ملخصاً كمال القاهرة، الطبعة الأولى سنة
1345 هـ / 1927 م.
حسن إبراهيم حسن:
71 - تاريخ الإسلامي السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، أربعة أجزاء، طبعات مختلفة، مكتبة النهضة المصرية.
حسن أحمد محمود:
72 - الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا (الطبعة الثالثة، دار الفكر،
1986 م).
حسن علي حسن:
حسين مؤنس:
73 - دراسات في تاريخ المغرب العربي (طبعة القاهرة).
74 - قيام دولة الأدارسة بالمغرب: قيامها وتطورها حتى منتصف القرن
الثالث الهجري.
75 معالم تاريخ المغرب والأندلس دار ومطابع المستقبل، القاهرة، الطبعة
الأولى، سنة 1980 م.
ابن حميد الحارثي:
76 - العقود الفضية في أصول الإباضية (طبعة، مسقط).
خليفة بن أحمد النبهاني
77 - التحفة النبهانية فى إمارات الجزيرة العربية (طبعة، بغداد). (1/298)
صفحة 299
المصادر والمراجع
دافد سون، بازل:
(283)
78 - أفريقيا تحت أضواء جديدة، ترجمة جمال محمد أحمد، دار الثقافة
للنشر والتوزيع، بيروت بدون تاريخ.
سالم بن حمود السيابي السمائلي:
ستودارد
سعيد عاشور:
79 - ازالة الوعثاء عن أتباع أبى الشعثاء تحقيق د. سيدة إسماعيل
کاشف، مسقط 1979 م.
80 - أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج، تحقيق وشرح د. سيده إسماعيل كاشف، سلطنة عمان 1979 م.
81 - الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز (مسقط
1980 م).
82 حاضر العالم الإسلامي جزءان، ترجمة وتعليق وإضافة شكيب أرسلان، دار الفكر العربي، مصر، بدون تاريخ.
83 - حصاد ندوة الدراسات الإسلامية باب عمان حصن الأمان للعروبة
والإسلام (سلطنة عمان)
سليمان العسكرى:
•
84 - التجارة والملاحة فى الخليج العربي في العصر العباسي (طبعة المدنى
القاهرة).
سيده إسماعيل الكاشف:
85 - عمان في فجر الإسلام، الطبعة اثالثة، سلطنة عمان 1989 م. 86 مصر فى فجر الإسلام، دار الرائد العربى بيروت الطبعة الثالثة، سنة
1406 هـ 1986 م. (1/299)
صفحة 300
المصادر والمراجع
شاكر مصطفى:
شوقى الجمل:
(284)
87 - دولة بني العباس، جزءان، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة
الأولى، سنة 1973 م.
88 - حضارة زمبابوي مجلة الدراسات الأفريقية، العدد 56 لسنة 1977 م.
صالح أحمد العلى:
التنظيمات الإدارية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجرى
(طبعة بيروت).
صالح باجية:
90 - الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، دار بوسلامة للطباعة والنشر، تونس، الطبعة الأولى (سنة 1396 هـ / 1976 م)
فرحات الجعبيرى:
قدرى قلعجي:
عامر النجار:
91 - نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، تونس 1975 م.
92 - الخليج العربي (دار الكتاب العربي).
93 - الخوارج، عقيدة وفكر وفلسفة (مكتبة القدسى).
عبد الجبار الجو مرد:
94 هارون الرشيد (جزءان) طبعة المكتبة العمومية بيروت (1/300)
صفحة 301
المصادر والمراجع
(YAO)
عبد الرحمن عبد الكريم العاني:
95 - دور العمانيين في الملاحة والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع الهجري
الطبعة الثانية، مسقط 1986 م.
96 - تحويل الطريق التجارى من الخليج إلى البحر الأحمر، مقالة منشورة في مجلة كلية آداب بغداد العدد 1980/ 28
عبد المجيد أبو الفتوح بدوى:
97 - التاريخ السنى في المشرق الإسلامى من القرن الخامس الهجرى حتى
سقوط بغداد، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع
1988 م.
عبد المنعم ماجد:
"
المنصورة.
- التاريخ السياسي للدولة العربية ج 1 (الطبعة السابعة، القاهرة
1982 م).
99 - العصر العباسي الأول في القرني الذهبي في تاريخ الخلفاء العباسيين. (الطبعة الثالثة في 1984 م).
عبد الهادي التازي:
100 - الصلات التاريخية بين المغرب وعمان، مسقط، 1981 م.
على يحيى معمر
101 - الإباضية بين الفرق الإسلامية، مسقط، 1986 م. 102 - الإباضية في موكب التاريخ، القاهرة، 1966 م.
عمر رضا كحالة
:
1.3 - جغرافية شبة الجزيرة العربية (الشركة المتحدة للتوزيع) (1/301)
صفحة 302
المصادر والمراجع
(286)
عوض خليفات:
104 - العالم الإسلامي (الشركة المتحدة للتوزيع)
105 - الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، الطبعة الثالثة، مسقط،
1988 م.
106 - نشأة الحركة الإباضية، الأردن، 1978 م.
مايلز، س. ب (1838 - 1914 م)
107 - الخليج، (مسقط سلطنة عمان)
محمد بن أبي زهرة
108 - تاريخ المذاهب الإسلامية (القاهرة 1959 م)، وطبعة دار الفكر
العربي بالقاهرة 1971 م.
محمد رشيد العقيلى:
109 - الإباضية في عمان وعلاقاتها مع الدولة العباسية في عصرها الأول،
(سلطنة عمان، 1984 م).
محمد عبد الله النقيرة:
110 - انتشار الإسلام في شرقي أفريقيا ومناهضة الغرب له، دار المريخ
للنشر، الرياض سنة 1982 م.
محمد عيسى الحريري:
111 - مقدمات البناء السياسي للمغرب الإسلامي (الدولة الرستمية) دار
القلم، الكويت، الطبع الثانية، 1983 م.
محمد يوسف أطغيش
112 - رسالة إن لم تعرف الإباضية ياعقبى ياجزائري، ذيلها عبد الله بن حميد السالمي وصححها قاسم الشماخي ومصطفى بن إسماعيل
العمري. (1/302)
صفحة 303
المصادر والمراجع
محمود إسماعيل عبد الرزاق:
(287)
113 - الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، القاهرة
1986 م.
مصطفى مراد الدباغ
114 - جزيرة العرب، جزءان (دمشق، سوريا)
موريس لومبارد:
115 - الجغرافيا التاريخية للعالم الإسلامي، ترجمة عبد الرحمن حميدة
دار الفكر (دمشق)
نايف معروف:
116 - الخوارج في العصر الأموى (الطبعة الثالثة، دار الطليعة
بيروت).
نور الدين عبد الله بن حميد السالمي (ت 1332 هـ).
117 - تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان جزءان في مجلد (مكتبة
الاستقامة، مسقط، الطبعة الثانية، بدون تاريخ
118 - اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، الطبعة الثانية، مسقط
1983 م).
يوسف فضل حسن:
119 - الجذور التاريخية للعلاقات العربية الأفريقيقة، بحث في كتاب العرب وأفريقيا، بيروت، الطبعة الأولى 1984 م. (1/303)
صفحة 304
(YAA)
المصادر والمراجع
رابعا: الدوريات:
120 - تقرير الأمم المتحدة للبيئة عام 1982.
121 - جريدة الأهرام.
122 مؤتمر الفقه الإسلامى المنعقد بسلطنة عمان في شهر مارس سنة
1988 م.
خامسا: المراجع الأجنبية:
- Lewis, I. M:
- Regiond Review of the Disnbuhan's pread of islam.
-
- Islam in Tropical Africa, second Edition, London, 1980.
Marsh, Zoe & Kingsnorth, G. W:
-
An Introduction to the history of East Africa, Com- bridge, 1961.
Murphy, Iefferson:
Mohammedan Empire in Spain.
- History of African Cwilization, New York, 1972.
Reusch, Richard:
-
History of East Africa, Stuttgart, 1954.
Goseph, Thomson:
-Mohammed in Central Africa.
- Trinningham, J, Spencer:
-
The influence of Islam upon Africa, London, 1968. (1/304)
صفحة 305
[صفحة فارغة] (1/305)
صفحة 306
المصادر والمراجع
(286)
104 - العالم الإسلامي (الشركة المتحدة للتوزيع)
عوض خليفات:
105 - الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، الطبعة الثالثة، مسقط،
1988 م.
106 - نشأة الحركة الإباضية، الأردن، 1978 م.
مايلز، س. ب (1838 - 1914 م)
-
107 - الخليج، (مسقط سلطنة عمان)
محمد بن أبي زهرة
108 - تاريخ المذاهب الإسلامية (القاهرة 1959 م)، وطبعة دار الفكر
العربي بالقاهرة 1971 م.
محمد رشيد العقيلي
109 - الإباضية في عمان وعلاقاتها الدولة العباسية في عصرها الأول،
(سلطنة عمان، 1984 م).
محمد عبد الله النقيرة:
110 - انتشار الإسلام في شرقي أفريقيا ومناهضة الغرب له، دار المريخ
للنشر، الرياض سنة 1982 م.
محمد عيسى الحريري:
111 - مقدمات البناء السياسي للمغرب الإسلامي (الدولة الرستمية) دار
القلم، الكويت، الطبع الثانية، 1983 م.
محمد يوسف أطغيش:
112 - رسالة إن لم تعرف الإباضية ياعقبى يا جزائري، ذيلها عبد الله حميد السالمي، وصححها قاسم الشماخي ومصطفى بن إسماعيل
بن
العمري. (1/306)
صفحة 307
المصادر والمراجع
محمود إسماعيل عبد الرزاق:
(287)
113 - الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، القاهرة
1986 م.
مصطفى مراد الدباغ
114 - جزيرة العرب، جزءان (دمشق، سوريا).
موريس لومبارد:
115 - الجغرافيا التاريخية للعالم الإسلامي، ترجمة عبد الرحمن حميدة
(دار الفکر دمشق).
نايف معروف:
116 - الخوارج في العصر الأموى (الطبعة الثالثة، دار الطليعة،
بيروت).
نور الدين عبد الله بن حميد السالمي (ت 1332 هـ).
117 - تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان جزءان في مجلد (مكتبة
الاستقامة، مسقط، الطبعة الثانية بدون تاريخ
•
118 - اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، الطبعة الثانية، مسقط
1983 م).
يوسف فضل حسن:
119 - الجذور التاريخية للعلاقات العربية الأفريقيقة، بحث في كتاب العرب وأفريقيا، بيروت، الطبعة الأولى 1984 م. (1/307)
صفحة 308
(YAA)
المصادر والمراجع
رابعا: الدوريات:
120 - تقرير الأمم المتحدة للبيئة عام 1982.
121 - جريدة الأهرام.
122 - مؤتمر الفقه الإسلامى المنعقد بسلطنة عمان في شهر مارس سنة
1988 م.
خامسا: المراجع الأجنبية:
-
Lewis, I. M:
-
- Regiond Review of the Disnbuhan's pread of islam.
- Islam in Tropical Africa, second Edition, London, 1980.
Marsh, Zoe & Kingsnorth, G. W:
An Introduction to the history of East Africa, Com- bridge, 1961.
Murphy, Iefferson:
- Mohammedan Empire in Spain.
- History of African Cwilization, New York, 1972.
Reusch, Richard:
- History of East Africa, Stuttgart, 1954.
Goseph, Thomson:
-Mohammed in Central Africa.
Trinningham, J, Spencer:
- The influence of Islam upon Africa, London, 1968. (1/308)