صفحة 1
الكتاب: الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الإباضية في المغرب الأوسط
مزهودي (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
تَقديم
إنَّ الكشف عن التاريخ وتعريف الأجيال الصاعدة المتلاحقة به واجب وحقٌّ: واجب على كلِّ مؤهَّل لذلك، وعلى كلِّ من يعي دور التاريخ في التوجيه والتربية، وفي بناء الشخصية، وبلورة كيان الأمَّة. وحقٌّ لكلِّ فرد ينشد التعرُّف على حقيقته، وعلى أصوله وماضيه؛ حتَّى يتمكَّن من انتزاع اعتراف الآخرين به، ومن ثَمَّ يحتلُّ مكانته في عصره، ويضمن استمرار ذكره في المستقبل ... لأنَّ صياغة الحاضر تتأثَّر بالأحداث المتعاقبة المترابطة، التي وقعت في مختلف الفترات التي مرَّت بها أمَّة ما أو شعبٌ ما، وبالتَّفسير الذي يعطى لهذه الأحداث وتطوُّراتها. وبناء المستقبل يقوم أساساً على استحضار الماضي، واسترداد كلّ ما دار فيه؛ لمعرفة الملابسات التي اكتنفته، والظُّروف التي وجَّهته وسيَّرته: الظروف السياسية والاِجتماعية والفكريَّة ... ويتمُّ توجيه الحياة والتخطيط لها على هذا الأساس.
من هنا توصف مهمَّة التاريخ بأنَّها صعبة وشاقَّة ومسؤوليَّة كبيرة، تحتاج إلى تذليل عقبات، وتخطِّي حواجز، والتخلُّص من مشاكل تعيق البحث التاريخي؛ منها سوء الفهم والنقد لبعض المواقف، وتأويل بعض الرُّؤى، وعدم التوفيق في التصرُّف الحسن في المعلومات التاريخيَّة، بما يخدم التاريخ، وينصف صانعيه. وعدم القدرة على التخلُّص من الضغوط النَّفسية والاجتماعية والسِّياسية والفكريَّة، التي تمنع من كتابة التاريخ كتابة صحيحة. ومنها الافتقار إلى الصبر على فهم المسار الذي تتحرَّك فيه الأحداث والوقائع، واكتشاف المصبِّ الذي تصبُّ فيه، والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها، وعدم الاهتداء إلى معرفة المكوِّنات الثقافيَّة والفكريَّة لمن نقل إلينا الأخبار والوقائع وهذا التاريخ.
ومنها انعدام الشجاعة لنقدٍ، يشمل كلَّ من ينقل المسائل التاريخيَّة، ولو كانوا أساطين في ذلك، ومصادرَ أساسية في هذا المجال. والخوف من الخروج عن الإجماع في تسجيل الأحداث، وتقدير المواقف، وتأويل الوقائع، ولو لوحظت واكتشفت تجاوزات وأخطاء، يحرّم السكوت على التَّنبيه إليها. ويكون تقبُّل ذلك؛ لمجرَّد أنَّ ناقليه إلينا كتَّاب كبار، ومتلقِّيه أجيال متلاحقة متعاقبة؛ فيوصف ما يتداول بأنَّه إجماع، لا يمكن التخلِّي عنه، ولو اكتشفت فيه تناقضات ومغالطات ...
ومن العقبات التي تعيق عمليَّة التأريخ الاِبتعادُ عن الشموليَّة في الرؤية والنظرة في العرض والمناقشة والتحليل ...
هذه الصعوبات تسِم الكتابة التاريخيَّة بالمسؤولية الكبيرة؛ لأنَّها تسهم إسهاماً كبيراً في توجيه مسار الأمَّة، وترسم مواصفاتها بناءً على طبيعة تلك الكتابة، وما (1/5)
صفحة 3
توفَّرَ أو لم يتوفَّر فيها من شروط الكتابة التاريخيَّة؛ ومن ثمَّ تتحدَّد علاقة تلك الأمَّة بغيرها: إيجابا وسلباً.
بعض هذه الأخطاء وقع فيها زميلنا وأخونا الأستاذ مسعود مزهودي في دراسته التي نال بها درجة الماجستير في جامعة القاهرة «الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستميَّة إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب». وهو ما لم يساعده على تقديم صورة واضحة حقيقيَّة عن الإباضية في الجزائر. وقد قمنا بتقديم ملاحظات عن هذه الدراسة حين صدرت (1). وقد عمل أخي الأستاذ بهذه الملاحظات بعد أنْ حاول الردَّ عليها (2) وأعاد النظر في دراسته تلك، فجاءت محاولته الثانية مختلفة كثيراً عن الأولى من حيث الدقَّة في سرد الأحداث، والتروِّي في نقل الأخبار والوقائع، وحسنِ الاستفادة من المصادر والمراجع، والتأنِّي في التأويل والتفسير ... وقد امتازت هذه الدراسة بالجدِّية، وهي تعدُّ - بعد التعديل - بحقٍّ إضافة مهمَّة في تسجيل تاريخ الإباضية بخاصَّة، والتاريخ الإسلامي بعامَّة. ويمكن إجمال ذلك فيما يأتي:
1) بيَّنت هذه الدراسة مدى انتشار المذهب الإباضي في مختلف مناطق الجزائر، وفضل أتباعه الكبير في تاريخ المغرب الأوسط. وذلك في شتَّى المجالات؛ الفكريَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة.
في الجانب الثقافي والفكري أبرزت الدِّراسة الفعاليَّة التي عرفها الإباضية في التعليم والتأليف وتطوير الفكر الإسلامي، وخدمة الثقافة الإسلامية بعامَّة. والقيام بنشر ذلك في الجزائر وخارجها.
وفي الجانب الاجتماعي بيَّنت أنَّ للإباضية عملاً كبيراً في ربط أبناء المذهب برباط اجتماعي متماسك من خلال الأنظمة المقترحة والمعتمدة لتسيير الحياة، ومن خلال الهيكلة المحكمة التي تتميَّز بالشَّكل الهرميِّ، يكون المسجد في قمَّته دائماً؛ لتكون له الهيمنة والإشراف، ومحاولات جادَّة لإيجاد علاقات وطيدة بإخوانهم في الإسلام. من ذلك الإيماء لهم بالسير في طريقهم، ونهج نهجهم في المجال الاِجتماعي.
وفي المجال التجاريِّ أثبتت أنَّ للإباضية علاقات تجارية مع غيرهم داخل القطر الجزائري وبعض المناطق العربيَّة والإفريقية. وقد كانوا يستغلُّون التنقُّل للتجارة في نشر الإسلام. يقول: الأستاذ مسعود مزهودي «لم يكتف الإباضية بنقل سلعهم فقط، بل نقلوا كذلك أفكارهم ومذهبهم الديني، فالمصادر الإباضية تذكر أنَّ للتجار الإباضية دوراً كبيراً في نشر الإسلام في ... بلاد السودان».
كما أبانت الدراسة عن الظروف الصعبة التي عاشها الإباضية، فأبرزت شدَّة مقاومتهم لها، وقوَّة تحدِّيهم وصدقهم في المحافظة على مبادئهم، التي هي مبادئ إسلامية.
هذه الإشارات وَسَمَت هذه الفترة أو الحقبة من تاريخ المسلمين بالمهمَّة؛ لذا يجب
__________
(1) - ينظر مجلَّة المجاهد الأسبوعي (الجزائر) ع: 1508 - ع: 1523. ومجلَّة النهضة (سلطنة عمان) ع: 433، 434، 437. كما قدَّم له أستاذنا الشيخ محَمَّد بن بابه الشيخ بالحاج ملاحظات أخرى.
(2) - ينظر مجلَّة المجاهد الأسبوعي، ع: 1514. (1/6)
صفحة 4
الكشف عنها لربط حلقات التاريخ الإسلامي والحركة الفكريَّة الإسلاميَّة برباط محكم لإعادة صياغة الحاضر على أسس سليمة، تعين على التعارف والتفاهم والتقارب بين المسلمين.
2) كشفت الدراسة عن جانب من تاريخ الإباضية، الذي ما يزال مجهولاً لدى كثير من الناس بعامَّة، والمثقَّفين والدارسين بخاصَّة. وهو ما تسبَّب في عدم وضوح الرؤية عن هذه الفرقة الإسلاميَّة؛ رغم كونها أقدم مذهب إسلامي نشأ في الإسلام.
3) توفَّرت الدراسة على معلومات وحقائق مهمَّة، تدعو أبناء هذا المذهب إلى الاعتزاز بماضيهم وتراثهم، وبما حقَّقه وسجَّله أسلافهم من أمجاد، يجب الاطلاع عليه، والاضطلاع بالمحافظة عليه، والتطلُّع إلى الإضافة إليه. وتشير إلى أبناء الإسلام بعامَّة إلى الاعتراف بهذا الدور الكبير الذي قام به أقطاب هذه الجماعة من أعمال كبيرة في مجال إثراء الفكر الإسلامي؛ على عكس ما وصفهم به مَن لا يتحلَّى بخصال الباحث الحقيقيَّة، ومَن يرسل الكلام على عواهنه في كتاباته وأحاديثه.
4) اشتملت الدراسة على معلومات قيِّمة عن بعض المصادر الإباضية التاريخيَّة، التي -ولا شكَّ- تفيد الدارس الجاد، وتستثير الباحث الهاوي المخلص، وتغريه، وتغازله للاهتمام بها من أجل الاستفادة منها.
كما أنارت الدراسة قضايا مهمَّة كثيرة كضياع كثير من المخطوطات الإباضية، وتسجيل مشاعر الاستياء والإشفاق على وضعية بعض المخطوطات المزرية، التي تشكو حالات الاحتضار. وبيان أنَّ الكثير منها -المحقَّق- في حاجة إلى عمل أكثر جدِّية؛ لإخراجها بطريقة علمية ليستفاد منها.
وكوجود ثغرات وفجوات كثيرة في تاريخ الإباضية، تحتاج إلى ملء، وعمل جاد من أبناءِ المذهب بخاصَّة لاستدراك ما فات. وكتجاهل بعض المؤرِّخين لتاريخ الإباضية وتراثهم كابن خلدون، الموسوعة والمرجع في التاريخ، والموثّق في الكتابة التاريخيَّة. يقول الأستاذ مسعود مزهودي: «وعلى الرَّغم من أنَّ ابن خلدون أمدَّنا بمعلومات وفيرة عن البربر إلاَّ أنَّه تجاهل الإباضية تماماً، فلم يتحدَّث عن تأسيس (سدراته) بل تعرَّض للدَّولة الرُّستميَّة في فترات متقطِّعة، وكأنَّه لم يكن لهم أيُّ دور في تاريخ المغرب ... ».
وكتأويل الدَّارسين الخاطئ لبعض أقوالهم وآرائهم، وتفسير غير صحيح لبعض الأحداث التي وقعت لهم.
وكأنِّي بالمؤلِّف يحمِّل أبناء المذهب -وبكلِّ إخلاص- مسؤولية تصحيح التاريخ، والتعريف بالمذهب، وإنقاذ التراث.
5) تمتاز الدراسة بحسن التوثيق والإحالة، وكثرة المصادر والمراجع وتنوُّعها. وهو ما زاد البحث قيمة وأهمِّية. وهي بذلك تقدّم للباحث الجاد، الذي يجري وراء الحقيقة لذاتها، تقدِّم له خدمات جلَّى في موضوع الإباضية، حيث يجد بغيته في المادة العلمية.
6) تضمَّنت الدراسة معلومات خطيرة (مهمَّة) في حاجة إلى اهتمام وتحليل ومناقشة وإثراء من الباحثين، وبعضها يعدُّ وجهات نظر خاصَّة، ناتجة عن تأويل واستنتاج خاصٍّ ... أرجو من الدارسين مناقشتها. كقوله: «ولعلَّ كثرة الوافدين إلى (1/7)
صفحة 5
وارجلان هي التي جعلت الإباضية ينتقلون إلى وادي ميزاب، لأنَّ الإباضية يفضِّلون العزلة وعدم الاِختلاط مع أتباع المذاهب الأخرى ... »
وكحديثه عن الاِختلافات الفقهيَّة والفتن الداخليَّة، والفرَق المنشقَّة عن الإباضية. وإشارتُه إلى "الفرثية" على سبيل المثال تحتاج إلى توضيح ومناقشة (1).
ومن أمثلة ذلك ما ورد في الملحق رقم واحد: «لائحة نظام العزَّابة في وادي ميزاب في العصر الحاضر والمعمول بها في القرى السبع ... » وردت فيه معلومات في حاجة إلى مراجعة في المصادر الإباضية، وفي الواقع المعيش في وادي ميزاب حاليًّا، لأنَّها غير واضحة، وغير مفهومة على حقيقتها، كما أثبتت في الملحق. كما أنَّ الكثير ممَّا جاء فيها، وقع فيه تعديل ومراجعة، ثمَّ إنَّ المطَّلع -غير الإباضي- على هذا الملحق لا يستطيع فهم حقيقة ما يقصده الإباضية من ذلك التنظيم وتلك القواعد والشروط. والباحث لم يذكر مصدره حتَّى يمكن التحقُّق ممَّا أورده في الملحق.
خلاصة القول: إنَّ الدراسة مهمَّة ومفيدة للدارسين والباحثين عن الحقائق، والمتطلِّعين للمعرفة والتعرُّف على الإباضية، ففي الدراسة تعريف وإثارة قضايا وتصحيح مفاهيم، وتحميل مسؤولية. والحقُّ يقال: إنَّ زميلي الأستاذ مسعود مزهودي قد نذر نفسه وأوقفها في خدمة التاريخ الإبَاضِي. وقد تنقَّل في سبيل ذلك بين مختلف أماكن وجود الإباضية، وما يظنُّ أنْ يجد فيه تراثاً إباضيًّا. وقد زار عدَّة مكتبات في الجزائر وتونس، كما قام بزيارة لبولونيا، زيادة على اتصالاته العديدة بشخصيات كثيرة، وجلوسه إلى بعض المشايخ والأساتذة للتزوُّد بمعلومات تاريخيَّة في الموضوع. كما له في هذا المجال محاولات جادَّة: جمع النصوص والوثائق، وتحقيق بعضها، وترجمة أخرى ... كما أعدَّ مشروعاً سمَّاه «دائرة معارف عن الإباضية» وقد عرضه على جمعيَّة التراث للإثراء والشروع في تنفيذه. وهو الآن يعدُّ بحثاً حول الإباضية في جبل نفوسه لنيل درجة الدكتوراه. وهو يكاد يكون متخصِّصاً في الدراسات الإباضية.
أعانه الله ووفَّقه إلى مايخدم المعرفة العلمية والحقيقة التاريخية، وما يسهم في تصحيح التاريخ الإسلامي، ويساعد على وحدة الصف، ولمِّ الشمل، وجمع الكلمة والله في عونِ المسلم ما دام يسير في طريق الخير.
باتنة يوم الأحد 22 شوال 1414 هـ/03 أفريل 1994 م.
الأستاذ الدكتور: محَمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام
- - -
__________
(1) - يُرجعُ في هذا الموضوع إلى كتابيْ الشيخ علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلاميَّة، والإباضية دراسة مركَّزة في أصولهم تاريخهم. (1/8)
صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدِّمة
يتناول موضوع البحث «الإباضية في المغرب الأوسط من سقوط الدولة الرستميَّة إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (296 - 442هـ) (909 - 1058م)».
وترجع أهمِّية الموضوع إلى سببين:
أوَّلهما: أنَّ الإباضية هي الفرقة الإسلامية الوحيدة التي استطاع أتباعها أنْ يؤسِّسوا دولة في طرابلس بزعامة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السَّمح المعافري، والتي دامت من سنة (140هـ - 757م) إلى سنة (144هـ - 761م)، ... ودولة في "تاهرت" دامت قرابة قرن ونصف قرن من الزمن (160 - 296هـ) (776 - 909م). (1)
وثانيهما: أنَّ هذه الفرقة خلَّفت لنا تراثاً فكريًّا قيِّماً لا زال معظمه مخطوطاً، ويحتاج إلى دراسة من ذوي الاختصاص، ويعدُّ هذا البحث محاولة لدراسة إباضية المغرب الأوسط دراسة علمية وباللغة العربية. صحيح إنَّ وارجلان كتبت عنها دراسات كثيرة، لكن أغلبها كانت دراسات اقتصاديَّة لبعض المستشرقين الذين درسوا تاريخ الجزائر من وجهة نظر معيَّنة إبَّان الاحتلال الفرنسي. كما كتب عنها «علي يحي معمَّر» ضمن سلسلة كتبه «الإباضية في موكب التاريخ». كما كتب عنها الدكتور: ابراهيم فخَّار بحثاً عنوانه: «الإباضية في شمال إفريقيا» باللغة الفرنسيَّة والذي يتناول الإباضية في المغرب بشكل عام. كما أنَّ معظم المؤرِّخين والدارسين ركَّزوا في أبحاثهم على الدولة الرستميَّة. (2)
ولهذه الأسباب رأينا أنْ تتناول هذه الدراسة إباضية المغرب الأوسط وبخاصة إباضية وارجلان وسدراتة في الفترة التي تلت سقوط الدولة الرستميَّة. وبذلك تكون هذه الدراسة تكملة للدراسات السابقة. وقد زار الباحث الكثيرَ من مكتبات الإباضية الخاصَّة سواء في الجزائر أو في تونس إلاَّ أنَّه لاحظ أنَّ أغلب المصادر التاريخيَّة
__________
(1) - الفرقة الأخرى التي استطاع اتباعها أنْ يؤسسوا دولة ــ ولكن في المغرب الأقصى ــ هي الصفرية، حيث أسسوا دولة بني مدرار في «سجلماسة» جنوب المغرب الأقصى (140 - 296هـ) (757 - 909م). انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج: 11 بيروت، 1968، ص: 267 - 271.
(2) - انظر:
1 - محمود اسماعيل عبد الرَّزَّاق: الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة بيروت 1976.
2 - محَمَّد عيسى الحريري: الدولة الرستميَّة بالمغرب الإسلامي (حضارتها وعلاقتها الخارجيَّة بالمغرب والأندلس) دار القلم، ط3، الكويت 1987.
3 - بحَّاز ابراهيم بكير: الدولة الرستميَّة (دراسة في الأوضاع الاقتصاديَّة والحياة الفكريَّة) مطبعة لافوميك، الجزائر 1984. (1/10)
صفحة 7
غير موجودة. فمعظمها قد استولى عليه المستشرقون الذين كانوا يعملون في الجزائر إبَّان الاحتلال الفرنسي.
وقد حاول الباحث الاِتصال ببعض هؤلاء للاِستفادة من المصادر التي يمتلكونها دون جدوى. وكان أوَّلهم المستشرق الفرنسي «جون لوتيو Jean Lethilleux» الذي ألَّف كتاباً يتناول تاريخ وارجلان منذ ظهورها حتَّى القرن العشرين. وقد جاءت دراسته قيِّمة، كشفت الكثير من خبايا تاريخ الإباضية. فهو يؤرِّخ لسدراتة منذ بداية القرن الأوَّل الهجري (الثامن الميلادي)، معتمداً في ذلك على مخطوط يحمل عنوان: «كتاب البراهمي في سلوك المذهب الإبَاضِي»، والذي يتناول تاريخ الإباضية في بلاد المغرب بالتفصيل، يتألَّف من خمسة مجلَّدات. ويذكر أنَّ مؤلفه "سليمان بن ابراهيم بن بانوح" (293 - 407هـ) (905 - 1016م) عاش في مدينة سدراته. والغريب أنَّ هذا الكتاب النفيس لم تذكره المصادر الإباضية القديمة، ولم تنقل عنه. بل إنَّ البرادي الذي أحصى تآليف إباضية المغرب في كتابه "الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ به كتاب الطبقات" لم يشر إليه. كما أنَّ "لوتيو" لم يذكر المكان الذي وجد فيه هذا المخطوط. ويبدو أنَّه يملكه. وقد حاول الباحث الاتصال به مراراً دون جدوى.
والمعروف أنَّ معظم التراث الإبَاضِي ــ خاصة ما يتناول الجانب التاريخي منه ــ موزَّع بين عدد كبير من المستشرقين الذين استقرُّوا في الجزائر، واستطاعوا في ظلِّ الاستعمار أنْ ينهبوا كلَّ شيء حتَّى الكتب. فالمستشرق "سموقورزفسكي Z. Smogorzewski" اقتنى عدداً كبيراً من المخطوطات الإباضية. وتذكر المراجع الحديثة أنَّ هذه المجموعة توجد في جامعة "كراكوفا" ببولندا. وقد سافر الباحث إلى هذه المدينة لكن مدير المكتبة بها نفى وجود هذه المجموعة.
واستطاع الباحث أنْ يتَّصل بالمستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي Tadeusz Lewicki" الخبير في الدراسات الإباضية، والذي يعدُّ أحسن من كتب عن تاريخهم، فأخبرنا بأنَّ مجموعة "سموقورزفسكي" موجودة اليوم في جامعة "لفوف" ( Lwow) في الاتحاد السوفياتي سابقاً، ولم يسمح لأحد الاطلاع عليها.
ومن الأمور التي اعترضت سبيل الباحث في هذه الدراسة أنَّ الموضوع يتناول تاريخ جماعات، وليس تاريخ دولة. ولذلك فالعثور على مادة تاريخيَّة كافية تغطِّي جوانب الموضوع أمر صعب.
بالإضافة إلى أنَّ البحث في تاريخ الإباضية يعتمد بالدرجة الأولى - طبعاً - على المصادر الإباضية التي انفردت بالحديث عن هذه الجماعات، وأغلب هذه المصادر تنقل على بعضها البعض. كما أنَّ ضعف الإباضية في هذه الفترة التي تعرَّضوا فيها لشتَّى ألوان الاضطهاد، قلَّل من نشاطهم السياسي فعادوا إلى مرحلة الكتمان، حتَّى يجنِّبوا أنفسهم التقتيل. وأدَّى ذلك إلى إغفال المصادر السنِّية والشيعية لهم. كما أنَّ الإباضية في هذه الفترة لم يكونوا في حاجة للمصادر التاريخيَّة بقدر ماهم في حاجة لكتب الفقه خشية زوال مذهبهم الذي كافحوا من أجله الكثير، فلذلك قلَّت كتبهم التاريخيَّة.
وقد قسَّمنا الموضوع إلى مقدِّمة وخمسة فصول. تناولنا في الفصل الأوَّل انتقال الإباضية من تاهرت إلى وارجلان وسدراتة بعد سقوط الدولة الرستميَّة. فبدأنا بنبذة (1/11)
صفحة 8
تاريخيَّة عن مدينة وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرستميَّة. ثمَّ تحدَّثنا عن فِرار الإباضية إلى هاتين المدينتين ومدن أخرى، ثمَّ تطرَّقنا إلى الاختلافات المذهبيَّة والفتن الداخليَّة التي حدثت في وارجلان، وأثرها على المجتمع الإبَاضِي، ثمَّ أنهينا الفصل بالحديث عن هجرة الإباضية إلى منطقة وادي ميزاب مع بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).
أمَّا الفصل الثاني فخصَّصناه لدراسة علاقات الإباضية مع دول المغرب. فتحدَّثنا عن علاقاتهم بالفاطميين التي تميَّزت بكثرة الثورات كثورة النكارية وثورة الوهبية. ثمَّ تناولنا علاقاتهم ببني زيرى وبني حماد، وبإخوانهم في إفريقيَّة والمشرق.
أمَّا الفصل الثالث فقد خُصِّص للحياة الاقتصادية حيث تناولنا الأهمية التجارية لوارجلان وسدراتة ومواطن الإباضية الأخرى. وتحدَّثنا عن النشاط الاقتصادي فيها، والطرق التجارية في المغرب الأوسط خاصة الطرق التي تربط بين وارجلان ومدن المغرب كلِّه وبلاد السودان، والمبادلات التجارية بين مدن المغرب ووارجلان وبلاد السودان. وبيَّنا مدى امتداد نشاط الإباضية التجاري في المغرب الأوسط كله. ثمَّ ختمنا الفصل بالحديث عن المستوى الاقتصادي الذي حقَّقه نشاطهم التجاري.
وفي الفصل الرابع تناولنا بالدراسة نشأة نظام العزَّابة، فتناولنا شروط العضويَّة في مجلس العزَّابة، والآداب التي يجب أنْ يتَّصف بها الأعضاء، ومهام كلِّ عضوٍ، وأبرزنا الدور الذي لعبه هذا النظام في الحياة الاجتماعية.
أمَّا الفصل الخامس فقد خصِّص للحياة الثقافية، حيث تعرَّضنا إلى نظام التعليم عند الإباضية الذي يعدُّ جزءاً من نظام العزَّابة، وتناولنا بالتفصيل هذا النظام من حيث تصنيف التلاميذ والطلبة، والمشرفين على التعليم وأوقات الدراسة، وسير حلقة التدريس، وطريقة الامتحانات، ثمَّ ختمنا هذا الفصل بالحديث عن علماء الإباضية ودورهم في الحياة الثقافية، وما أسهموا به في حركة التأليف.
ولا يفوتني هنا أنْ أقدِّم الشكر الجزيل إلى كلِّ إباضية وادي ميزاب وعلى رأسهم "الحاج سعيد مَحمَّد أيُّوب" الذي وضع مكتبته الخاصَّة تحت تصرُّفي، وقدَّم لي كلَّ المساعدات الممكنة. كما أشكر المشرفين على مكتبة "القطب"الخاصَّة في "بني يزقن" بغرداية، ومكتبة الطلبة بمدينة "العطف" ومكتبة الإباضية في الجزائر العاصمة، وأشكر الحاج يوسف الباروني في جزيرة "جربة" بتونس. كما أوجِّه الشُّكر إلى المستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي" وزوجته "كوتيلا" اللذين استقبلاني في منزلهما أحسن استقبال، وزوَّداني ببعض أبحاثهما، كما زوَّداني بالنصائح والتوجيهات القيِّمة. كذلك أشكر المستشرق الفرنسي ( Pierre Cuperly) مدير مركز الأبحاث الكنسية بالجزائر العاصمة. كما لا يفوتني أنْ أوجِّه جزيل الشكر إلى أساتذتي الأفاضل بجامعة القاهرة الذين أشرفوا على هذه الدراسة وهم: الأستاذ الدكتور: "عصام الدين عبد الرَّؤوف الفقي" الذي يرجع له الفضل في تسجيل هذا الموضوع، والأستاذ الدكتور: "عطيَّة أحمد محمود القوصي" الذي تابع الباحث أثناء جمع مادة البحث. وأكثر الشكر، والعرفان بالجميل أوجهه إلى أستادي الفاضل الدكتور: "حسن أحمد محمود" الذي تابع الباحث في أصعب مرحلة وأهمِّها على الإطلاق وهي مرحلة الكتابة، وأعطاني من وقته الثمين ما أخرج البحث بهذه (1/12)
صفحة 9
الصورة. كما أوجِّه شكري إلى لجنة المناقشة التي تكوَّنت من الأستاذ الدكتور: "سعيد عبد الفتَّاح عاشور"، والأستاذ الدكتور: "حسن علي حسن"، ولا يفوتني في الأخير أنْ أوجِّه شكري الجزيل إلى زميلي الأستاذ: "محَمَّد ناصر بوحجَّام" والشيخ الفاضل: "محَمَّد بن بابه الشيخ بلحاج" الذيْن أبدَيا لي ملاحظاتهما القيِّمة. كما أشكر "جمعيَّة التراث" بالقرارة التي قدَّمت لي الدَّعم لطبع هذا الكتاب.
والله الموفِّق
تكوت في 2 - 4 - 1993م (1/13)
صفحة 10
تقييم المصادر والمراجع
1 - المصادر الإباضية:
«كتاب سير الأئمَّة وأخبارهم»: لأبي زكرياء يحيى بن بكر: يعتبر هذا المصدر من المصادر الإباضية الهامَّة ذلك أنَّ مؤلِّفه عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وبداية القرن السادس الهجري (العاشر والحادي عشر الميلادي) في مدينة وارجلان، ثمَّ غادرها متَّجها إلى مدينة "تَامْلُسْت" التي تقع جنوب شرق تونس للدراسة على يدي الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي. وقبل وفاة شيخه بفترة قصيرة انتقل إلى وادي أريغ في المغرب الأوسط وسكن في قرية تسمَّى "تِينْ وَالْ". وفي سنة 474هـ (1081م) عاد إلى وارجلان ثانية واستقرَّ بها نهائيًّا. ويذكر أنَّه ألَّف كتابه هذا سنة 500هـ (1106م).
يتكوَّن المصدر الهام من جزأين، الجزء الأوَّل حقَّقه إسماعيل العربي سنة 1979م. أمَّا الجزء الثَّاني فقد حقَّقه عبد الرحمن أيُّوب وصدر عن الدار التُّونسيَّة للنشر سنة 1985م. ويعتبر هذا المصدر من المصادر الهامَّة التي لا يستغني عنها الباحث في التاريخ الإبَاضِي نظراً لأهمِّية الفترة التي عاصرها المؤرِّخ. وقد استفاد منه الباحث كثيراً وفي مختلف فصول الرسالة، فأعطانا معلومات تاريخيَّة مفصَّلة عن انتقال الإباضية إلى وارجلان. كما أفادنا بما كتبه عن ثورة الوهبيَّة في عهد بني زيري. إلاَّ أنَّه لم يعطنا أيَّة تفاصيل عن مدينة سدراته التي عرفنا أهمِّيتها وحضارتها الراقية من خلال الحفريات الأثرية التي أجريت ... بالمنطقة حديثاً.
«كتاب السير»: لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان بن عبد الله الوسياني (عاش في القرن 6 هـ / 12م). ويعتبر هذا المؤرِّخ خليفة لأبي زكرياء. ويعتبر كتابه (1) الذي يتكوَّن من جزأين موسوعة تاريخيَّة مكتملة للإباضية. فهو يتناول تاريخ الإباضية منذ الدَّولة الرستميَّة إلى عهده. وقد استفاد منه الباحث كثيراً خاصة تراجمَه المهمَّة لعلماء الإباضية، بالإضافة إلى تناوله الحياة الاجتماعيَّة والثقافيَّة في التجمُّعات الإباضية سواء في إفريقية أو في المغرب الأوسط، كما أفادنا في دراسة علاقات الإباضيَّة بإخوانهم، ودراسة حركة التجارة، والأسواق، والمبادلات التجاريَّة بين الإباضية وبلاد السُّودان. كما أفادنا كثيراً في دراسة الحياة الثقافيَّة من خلال وصفه لمجالس العلم، والمناظرات الفقهيَّة التي كانت تتمُّ في الحلقات العلميَّة. كما بيَّن لنا الدَّور الذي لعبه العزَّابة في الحياة عامَّة. غير أنَّ هذا
__________
(1) - توجد نسخة من المخطوط بدار الكتب المصريَّة تحت رقم: 9113ح. وقد اعتمد الباحث على نسخة لصاحبها الحاج سعيد محَمَّد أيُّوب بمدينة غرداية - الجزائر. (1/14)
صفحة 11
المصدر الهام لا يزال مخطوطاً إلى يومنا هذا. (1)
«الدليل والبرهان»: لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد السدراتي الوارجلاني (ت 570هـ/1175م). وهو أحد علماء الإباضية المشهورين في وارجلان. ألَّف عدَّة كتب في الفقه الإبَاضِي، نذكر منها كتاب "العدل والإنصاف في أصول الفقه" الذي يتكوَّن من ثلاثة أجزاء، وكتاب "مرج البحرين في المنطق والهندسة والحسابات"، وكتاب "الدليل والبرهان في عقائد الإباضية" الذي يتكوَّن من ثلاثة أجزاء. ويُعرف كذلك باسم "الدليل لأهل العقول". وبالإضافة إلى تآليفه الفقهيَّة والرياضيَّة، فقد كان شاعراً. ولا زالت قصيدته الطويلة المسمَّاة بِـ"القصيدة الحجازية" والتي يصف فيها رحلته إلى الحجِّ مخطوطة. وقد استفاد الباحث فقط من كتابه "الدليل والبرهان" حيث ذكر المسائل التي خالف فيها النكارية الوهبية. ولعلَّ أهمَّ كتاب لهذا العالم والذي لا يزال مفقوداً والمعوَّل عليه في كشف الكثير من غموض التاريخ الإبَاضِي هو كتاب "فتوح المغرب الأقصى" ويسمَّى كذلك "المُغرب في تاريخ المغرب" وهو كتابه الوحيد في التاريخ. وقيل: إنَّه موجود في إحدى مكتبات ألمانيا الشرقية إلاَّ أنَّه لم يعثر عليه هناك. ويعلِّق الإباضية أملاً كبيراً على هذا المصدر الذي يحتمل جدًّا أنَّه أرَّخ لمدينة وارجلان التي عاش فيها. ويرجَّح أنْ يكون هذا المصدر ضمن مجموعة "سموقورزفسكي" التي هرَّبها من الجزائر إبَّان الاحتلال الفرنسي، وهي الآن حبيسة في مكتبة جامعة "لفوف Lwow" في الاِتحاد السوفياتي. ولم يُسمح لأحدٍ بالاطلاع عليها حسب ماذكره لنا المستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي".
«طبقات المشائخ في المغرب»: لأبي العبَّاس أحمد الدرجيني (توفي في منتصف القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي). يتألَّف هذا المصدر الإبَاضِي الهام من جزأين. نشره إبراهيم طلاَّي دون تحقيق. وقد استفاد الباحث من هذا المصدر الشامل واعتمد عليه اعتماداً كلِّياً في مختلف فصول البحث لأنَّه أرَّخ للإباضية منذ نشأة المذهب الإبَاضِي في العراق. ورغم أنَّه ينقل كثيراً عن أبي زكرياء، إلاَّ أنَّه أتى بتفاصيل أكثر خاصَّة وأنَّ كتابه جاء بطريقة الطَّبقات، وميزة هذا المصدر أنَّه ذكر وصفاً دقيقاً لشيوخ الإباضية وعلمائهم، مبرزاً دورهم في الحركة الإباضية. وهذا ما أغفلته المصادر السنية والشيعية التي غالباً ما تتعرَّض للإباضية في حالة قيامهم بثورات ضدَّ الدول القائمة في بلاد المغرب. كما زوَّدنا هذا المصدر بمعلومات عن نشاط الإباضية في حركة التجارة. كما قدَّم لنا معلومات قيِّمة عن الحياة الاجتماعيَّة؛ ووصف لنا نشأة نظام العزَّابة بدقَّة كبيرة، ووضَّح دوره في الحياة الاجتماعيَّة. كما وصف حلقات العلم ونظمها.
«الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ به كتاب الطبقات»: لأبي الفضل بن القاسم ابن إبراهيم البرادي (عاش في القرن 9 هـ / 15م). ويتَّضح من عنوان هذا المصدر أنَّ
__________
(1) - حاول الأستاذ إسماعيل العربي تحقيقه سنة 1985م، وصدر جزء من المخطوط محقَّقاً عن ديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر، إلاَّ أنَّه شوّه المصدر لأنَّه اختار مقتطفات من المخطوط وحقَّقها في كتاب لا تتعدَّى صفحاته المائة، رغم أنَّ المخطوط تتجاوز ورقاته الثلاثمائة. (1/15)
صفحة 12
مؤلِّفه جعله ذيلاً وتكملةً لكتاب الطبقات للدرجيني، بإضافة ما أهمله هذا الأخير من أحداث. وختم كتابه بإحصاء تآليف أهل المغرب والمشرق. وقد أفادنا هذا المصدر فيما يخصُّ نظام العزَّابة، إذ أفاض في شرح قانون العزَّابة وآدابهم. كما أفادنا في الفصل الخاص بالحياة الثقافية، إذ أحصى لنا البرادي ما ألَّفه شيوخ الإباضية من كتب في مختلف أنواع العلوم. كما أفادنا في دراسة التعليم ومراحله وآداب حلقة العزَّابة، وفئات التلاميذ، والعلوم التي تدرَّس لهم.
«السير»: لأحمد بن عبد الواحد الشماخي (ت 928هـ / 1521م)؛ يعدُّ الشماخي من العلماء البارزين، ألَّف عدَّة تصانيف في مختلف أنواع العلوم. وقد اشتهر بكتاب السير الذي يؤرِّخ فيه للإباضية منذ نشأتهم في المشرق الإسلامي. فكتابه هذا هو موسوعة شاملة لتاريخ الإباضية. وقد ركَّز في كتابه على إباضية جبل نفوسة. وقد استفدنا منه استفادة جمَّة في مختلف ... فصول البحث.
«سير العزَّابة»: لأبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي (عاش في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي). ويتناول هذا المخطوط قانون نظام العزَّابة فقط. ولذلك فقد اعتمدنا عليه اعتماداً كلِّياً في الفصل الخاص بنظام العزَّابة.
وإلى جانب هذه المصادر التي اعتمدنا عليها اعتماداً كلِّياً هناك مصادر إباضية ثانويَّة اعتمدنا عليها أحياناً مثل مخطوط «سير مشائخ نفوسة» لمقرن البغطوري (عاش في القرن 6هـ / 12م)، والذي يؤرِّخ فيه لإباضية جبل نفوسة فقط، إلاَّ أنَّه أفادنا في حديثه عن تنقُّل علماء الإباضية بين مواطن إخوانهم، وسفر الإباضية للتجارة في بلاد السودان أو إفريقيَّة.
كما استفدنا من مخطوط «كتاب المعلَّقات» لمؤلِّفٍ مجهول في الحياة الاقتصاديَّة بحديثه عن الأسعار والأسواق، ومخطوط «كتاب الألواح» لأبي العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر الذي أفادنا بأخبار عن شيخ وارجلان في فترة البحث أبي صالح جنون بن يمريان. كما استفدنا من «عقيدة التوحيد» لأبي زكرياء يحيى الجناوني (توفي في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي) حيث أوضح لنا مراحل الإمامة عند الإباضية وشروطها. كما استفدنا من كتاب «سير الحلقة» لأبي عبد الله محَمَّد بن بكر مؤسِّس نظام العزَّابة ... (345 - 440هـ) (956 - 1048م) والذي ذكر فيه قانون العزَّابة وقوانين التعليم عند الإباضية. كما استفدنا من كتاب «فرق الإباضية الست وما زاغت به عن الحقّ» لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني حيث أورد لنا الفرق التي انشقت عن المذهب الإبَاضِي، وشرح آراء كلّ فرقة. كما استفدنا من «كتاب السير» لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471/ 1078م) خاصة في تناوله لنظام العزَّابة.
2 - المصادر السنِّية والشيعيَّة:
«عيون الأخبار وفنون الآثار»: للدَّاعي المطلق إدريس عماد الدين القرشي (ت 872هـ / 1467م). يعتبر القرشي من مؤرِّخي الشيعة، الذي أتى بوصف دقيق لقيام الدولة الفاطميَّة في بلاد المغرب. وقد اعتمدنا على السُّبع الخامس من هذا المصدر. (1/16)
صفحة 13
وهو الجزء الذي تناول فيه قيام الخلافة الفاطميَّة في بلاد المغرب، وانتقالها إلى مصر. فأفادنا بتفاصيله الدقيقة عن ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد، إذ تتبَّع قيام هذه الثورة وأرَّخ لها خطوة فخطوة، وهذا ما لم نجده في مصادر أخرى. كما ضمَّ المصدر وثائق هامَّة مثل خطب الخلفاء التي أوردها كاملة.
«معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان»: لعبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله الأنصاري المعروف بالدبَّاغ (ت 696هـ / 1196م). أفادنا كثيراً هذا المصدر خاصَّة الجزء الثالث والرابع منه عن انضمام مالكيَّة القيروان لثورة أبي يزيد، وأعطانا تفاصيل دقيقة عن تحضير المالكيَّة للثورة، وكشف لنا مدى ... كراهيَّة المالكيَّة للمذهب الشيعي، وأثرُ هذه الثورة على الأوضاع السياسيَّة ... والاجتماعية والاقتصادية.
«أخبار بني عبيد وسيرتهم»: لأبي عبد الله محمَّد الصنهاجي (ت 628 هـ / 1230م). أفادنا هذا المصدر خاصة في الفصل الثاني إذ أعطانا هو الآخر تفاصيل دقيقة عن ثورة أبي يزيد.
«كتاب العبر»: لعبد الرحمن بن خلدون (ت 808هـ / 1406م). يتَّفق المؤرِّخون على أنَّ ابن خلدون هو المصدر الأوَّل الذي يجب الاعتماد عليه في دراسة تاريخ المغرب باعتباره موسوعة تاريخيَّة شاملة. ورغم كلِّ ذلك فالباحث لم يستفد منه كثيراً سِوى أنَّه انفرد بالحديث عن تأسيس مدينة وارجلان، وأمدَّنا بمعلومات عن منطقة وادي ميزاب ووادي أريغ، وعن القبائل التي كانت تسكن هذه المناطق. ويلاحظ أنَّ ابن خلدون تجاهل الإباضية تماماً، حتَّى أنَّ تناوله للدولة الرستميَّة جاء موزَّعاً بين صفحات كتابه، ولم يفرد لها باباً مثل بقيَّة الدول المغربيَّة. كما أنَّه لم يكتب شيئاً عن مدينة سدراتة، وتطرَّق فقط إلى القبيلة، وحتَّى ما كتبه عن ثورة أبي يزيد جاء ملخَّصاً بينما نجد أنَّ ابن الأثير (رغم أنَّه مشرقي) اهتمَّ بها في كتابه أكثر من ابن خلدون.
«البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب»: لابن عذاري (توفي بعد سنة 721هـ / 1321م). يأتي هذا المصدر بعد ابن خلدون من حيث الأهمِّية التاريخيَّة ورغم ذلك فهو لا يؤرِّخ للإباضية عامَّة، وأفرد صفحات قليلة للحديث عن ملوك تاهرت. وقد أفادنا هذا المصدر فيما ذكره عن ثورة أبي يزيد وانضمام مالكيَّة القيروان إلى صفوفه، وعن تحوُّل بني زيري من المذهب الشيعي إلى المذهب السنِّي.
«الكامل في التاريخ»: لابن الأثير (ت 630هـ / 1233م). رغم أنَّ ابن الأثير مشرقيٌّ إلاَّ أنَّه قد اهتمَّ اهتماماً كبيراً بتاريخ المغرب. ويعتبر أحسن من كتب عن ثورة أبي يزيد بعد القرشي. فقد أورد تفاصيل دقيقة لم نجدها في مصادر أخرى سواء مشرقيَّة أو مغربيَّة.
«المغرب في ذكر بلاد إفريقيَّة والمغرب»: للبكري (ت 487هـ / 1113م). يعتبر كتاب البكري من المصادر الجغرافيَّة الهامَّة خاصَّة وأنَّه قريب من فطرة البحث، بالإضافة إلى اهتمامه الدقيق بوصف الطرق التجارية، والأسواق، وحركة التجارة، والسلع الصادرة والواردة، والأسعار والموازين والمكاييل، كما وصف المدن المغربيَّة وبلاد السودان وصفاً دقيقاً. وقد اعتمدنا عليه اعتماداً كبيراً في الفصل (1/17)
صفحة 14
الخاصِّ بالحياة الاقتصادية.
«صورة الأرض»: لابن حوقل (توفي في النصف الثاني من القرن4هـ/10م). أهمُّ ما يميز كتاب ابن حوقل أنَّ صاحبه عاش في فترة الدولة الفاطميَّة في بلاد المغرب. وقد أفادنا كثيراً في دراسة الحياة الاقتصادية في العصر الفاطميِّ حيث أتى بمعلومات دقيقة عن التجارة والمحاصيل الزراعية، وهو الذي أخبرنا باستعمال الصكوك في المعاملات التجارية.
«المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس»: للشريف الإدريسي ... (ت 548 هـ / 1154م) أفادنا في دراسة الطرق التجارية، والنشاط التجاري في بلاد المغرب والتبادل التجاريِّ بين مدن المغرب وبلاد السودان. وهو الجغرافي الأوَّل الذي ذكر بأنَّ أهل وارجلان كانوا يضربون الدنانير باسم بلادهم. كما أفادنا هذا المصدر بالدور الذي لعبته وارجلان في حركة التجارة.
«كتاب الجغرافية»: لابن سعيد المغربي (ت 685 هـ / 1286م). أفادنا هذا المصدر الجغرافي بمعلومات قيِّمة عن دور تجَّار وارجلان في تجارة العبيد. بالإضافة إلى أنَّه أخبرنا بأنَّ وارجلان كانت تتكوَّن من عدَّة مدن، وأنَّ قاعدتها هي مدينة "تمارية". كما أعطانا تفاصيل عن موقع "كوكو".
وإلى جانب هذه المصادر فقد استفدنا كثيراً من المراجع العربيَّة والأجنبيَّة خاصَّة الأبحاث التي قام بها المستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي" بالإضافة إلى ما كتبه فرحات الجعبيري وعوض محَمَّد خليفات عن العزَّابة، وما كتبه علي يحيى معمَّر عن الإباضية ضمن سلسلة كتبه "الإباضية في موكب التاريخ". (1/18)
صفحة 15
الفصل الأوَّل
الإباضية في وارجلان وسدراتة
1 - وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة.
2 - فرار الإباضية إلى وارجلان وسدراتة.
3 - الانقسامات المذهبية، والفتن الداخليَّة.
4 - انتقال الإباضيَّة إلى وادي ميزاب. (1/19)
صفحة 16
1 - وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة:
كانت وارجلان في القرن الثاني والثالث والرابع للهجرة (الثامن والتاسع والعاشر الميلادي) مركزاً هاماًّ من مراكز الإباضية في المغرب الأوسط. ولا يقصد بِ"وارجلان" اسم المدينة فقط، بل كذلك اسم المنطقة المحيطة بها.
هذه المنطقة التي تحدُّها شرقاً بلاد الزاب (1)، وغرباً منطقة وادي ميزاب (2) وجنوباً مدينة سدراتة وقراها. أمَّا شمالاً فلم نستطع تحديده نظراً لعدم وجود تجمُّعات سكنية تابعة لوارجلان. ويتبيَّن لنا ذلك من خلال المصادر الجغرافيَّة. فياقوت الحموي (ت 625 هـ) مثلا ً يذكر أنَّ وارجلان كورة بين إفريقيَّة وبلاد الجريد (3)، وأنَّ عاصمة هذه الكورة تسمَّى "فجوهة" (4). أمَّا ابن سعيد (ت 685 هـ) فيذكر أنَّ اسم قاعدتها تمَّاريَّة. (5) بينما يصفها الحميري (ت ق 8هـ) بأنَّها عبارة عن سبعة مدائن مسوَّرة حصينة قريبة من بعضها البعض (6).
وإلى جانب هذه المدن نذكر مدينة "أجْلُو" (7) وهي تقع قرب بلاد أريغ (8)،
__________
(1) - هي بلاد على طرف الصحراء قريبة من بلاد الجريد التونسيَّة تبعد عن القيروان بعشر مراحل، أهمُّ مدنها مدينة "طبنة" كان ينزلها الولاَّة في عصر اليعقوبي (ت 284 هـ) بالإضافة إلى مدينة "باغاية" ومدينة "بسكرة" التي تبعد عن قلعة بني حمَّاد بمرحلتين. وصف بلاد الزاب كلُّ من صاحب كتاب الاستبصار واليعقوبي بأنَّها كثيرة النخل، بها مدن كثيرة.
انظر. مؤلِّف مجهول: كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، مطبعة جامعة الإسكندريَّة (د. ت) ص: 171، اليعقوبي: صغة المغرب المأخوذة من كتاب البلدان، نشره دي خوية بريل 1850، ص: 11.
(2) - تبعد منطقة وادي ميزاب عن وارجلان بـ: 190 كيلومتر في اتِّجاه الغرب. وتسمَّى كذلك منطقة بني مصعب نسبة لمصاب بن يادير من زناتة. وهي منطقة صحراوية جبليَّة. انظر: اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة في تاريخ وادي ميزاب (مخطوط)، ورقة 25.
(3) - هي بلاد تعرف بهذا الاسم كما تعرف باسم بلاد قسطيليَّة، تضمُّ أربعة مدن هي نفطة وتوزر وقفصة وبلاد نفزاوة. انظر: مؤلِّف مجهول: المصدر السابق، ص: 155 - 156.
(4) - ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج 4، منشورات مكتبة الأسدي، طهران 1965، ص: 920.
(5) - ابن سعيد المغربي: كتاب الجغرافية، تحقيق إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعيَّة الطبعة الثانية الجزائر 1982، ص: 126.
(6) - محَمَّد بن عبد المنعم الحميري: كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عبَّاس مكتبة لبنان ط2 بيروت 1984، ص: 600.
(7) - تقع هذه المدينة قرب مدينة "بلدة عمر" ضواحي مدينة تقرت الحالية، والتي تبعد عن وارجلان بِ: 190 كيلومتر.
(8) - تقع بلاد أريغ شرق وارجلان طولها نحو مسيرة خمسة أيَّام بها حروث، ونخل كثير، ومياه كثيرة تنبع على وجه الأرض، ولها سوق كبيرة تعقد يوم الجمعة. وأرض تبعد عن أشير عاصمة بني زيري بمرحلتين.
انظر: الإدريسي: المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس، نشره دوزي ودي خوية، المطبعة الشرقية أمستردام 1969،ص:85،.ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 126. (1/20)
صفحة 17
التي وصفها الإدريسي بأنَّها «أرض متَّسعة وحروث ممتدَّة وفواكه وبساتين» (1). وبقربها تقع مدينة "تَجْدِيتْ" التي وصفها صاحب "رسالة العامَّة" فقال: «إنَّه كان فيها من أهل الدعوة ــ أي الإباضية ــ والعلماء والطلبة ما لم يوجد في غيرها» (2). وقصارى القول فإنَّ وارجلان كانت اسماً لإقليم كبير، عُرف بعدَّة أسماء في المصادر، مثل: وارجلان، واركلا، ... وارقلا، واقلان.
وتعتبر مدينة وارجلان من المدن الصحراوية القديمة في بلاد المغرب الأوسط. أمَّا سكَّانها الأصليُّون فهم الأثيوبيُّون أو القرمانيُّون الذين كانوا يسكنون وسط القارَّة الإفريقيَّة. (3)
وأمَّا وجود البربر في منطقة وارجلان، فيرجع إلى الغزو الروماني، والحروب الدينيَّة الدامية التي جرت في بلاد البربر، ممَّا تسبَّب في هجرة البربر إلى هذه المدينة. يذكر كلٌّ من التيجاني والقلقشندي أنَّه بعد الحروب تلك الدامية، وقع الصلح بين الرومان والبربر على أنْ تعود المدن والبلاد الساحليَّة للروم والجبال والصحاري وأطراف البلاد للبربر. (4)
ويضيف اليعقوبي أنَّ عدداً من قبائل البربر هاجرت سجلماسة قادمة من إفريقيَّة، وخصَّ بالذكر قبيلة نفوسة ولماية، أمَّا قبيلة "لمطة"، فقد هاجرت ــ كما يقول: ــ إلى جبال "هكان" (5).
ويذكر ابن خلدون في حديثه عن مواطن قبيلة هوارة (6) أنَّ منهم من غادر نواحي طرابلس التي سكنوها أوَّل الفتح إلى الصحراء، وجاوزوا "لَمْطَة" من قبائل الملثَّمين فيما يلي بلاد "كَوْكَوْ" (7) من السودان. ويضيف بأنَّ اسمهم يعرفُ بِ
__________
(1) - الإدريسي: نفس المصدر، ص: 85.
(2) - عبد الله بن يحيى الباروني: رسالة سلَّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمَّة الدِّين، مطبعة النجاح، القاهرة 1324هـ ص: 24.
(3) - ... Le gouverneur général d’Alger: Notes pour servir à l’historique de Ouargla, revue Africaine N° 316 - 317, année 1923, pp 381 - 382.
(4) - التجاني: رحلة التيجاني، تصحيح حسن عبد الوهَّاب، المطبعة الرسميَّة تونس 1958، ص: 160. القلقشندي: صبح الأعشي في صناعة الإنشا، ج5، عرض وتحليل عبد اللَّطيف حمزة، المؤسسة العامَّة للطباعة والنشر، القاهرة (د. ت) ص: 116.
(5) - اليعقوبي: تاريخه، ج 1، بيروت 1960، ص 154.
(6) - قبيلة هوارة من بطون البرانس تنتسب إلى هوار بن أوريغ بن برنس وبطون هوارة كثيرة، وأكثرهم بنو نبه وأوريغ. كانت مواطنهم في منطقة طرابلس وبرقة، ومنهم من سكن في أقصى الصحراء فيما يلي بلاد كوكو من السودان ويعرفون بِ"هكارة" ==انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1968، ص: 282 - 286.
(7) - هي إحدى ممالك السودان الكبيرة تخضع لها عدَّة ممالك مثل مملكة المرو، مملكة الجبا، مملكة الهربر. تقع هذه المملكة شرق نيل غانا تبعد عن تادمكَّة بمسيرة تسعة أيَّام. انظر: اليعقوبي: تاريخه، ج 1 ص: 157، ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 93. (1/21)
صفحة 18
"هُكَّارة" وأنَّ المذهب الخارجي خاصَّة الإبَاضِي قد فشى فيهم (1).
ونلاحظ هنا تشابه اسم "هُكَّارَة" عند ابن خلدون مع "هُكَّانْ" التي ذكرها اليعقوبي. ونعتقد أنَّها تعني السكَّان الذين استوطنوا جبال "هُقَّار" الواقع في أقصى الصحراء الجزائريَّة، فسمُّوا باسمه.
ومعنى هذا أنَّ الرومان دخلوا إلى وارجلان لكنَّهم لم يستقرُّوا فيها، لأنَّهم اكتفوا بإقامة عدَّة نقاط للمراقبة في الصَّحراء، ووصلت إحدى حملاتهم التي قادها "كور نيليوس بالبوس" Cornilius Balbus" إلى النيجر سنة 20 ق. م. ويحتمل أنَّهم قدموا لجمع الضرائب من سكان وارجلان، واستمر هذا الوضع إلى القرن الثامن الميلادي، وهو التاريخ الذي استطاع فيه أهل وارجلان التحرُّر نهائياًّ من السيطرة الرومانية، نتيجة انشغال الرومان بحروب بربر الشمال (2).
ويرى "لارجو" Largeau" أنَّ مدينة وارجلان لم تكن موجودة في هذه الفترة وأنَّ القرى التي كانت في المنطقة إبَّان الفتح الإسلامي لبلاد المغرب هي قصر "نَقُوصَة"، قرية "بَامَنْدلْ"، "سدراتة" قصر "رويسات" (3)، وبعض القرى الأخرى التي لا تُعرف أسماؤها (4).
ولا نشك في وجود كلّ هذه القرى خاصة إذا عرفنا أنَّ هذه المنطقة كانت تشقُّها الأنهار، بداية من "أَدْرار" (5) وجبال الهُقَّار (6) حتَّى المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسِّط، بالإضافة إلى كثرة الغابات. فلا غرو إذن أنْ يذكر ابن خلدون أنَّ ببلاد "أريغ" حوالي ثلاثمائة قرية تقع على ضفاف الوادي الذي ينحدر من المغرب إلى المشرق. (7).
ويبدو أنَّ الحروب التي شنَّها العرب الفاتحون ضدَّ السكان الأصليين أدَّت إلى نزوح البربر إلى الداخل. وكان من بين القبائل النازحة "بنو وَارْكْلاَ" من زناتة الذين استقرُّوا في منطقة وارجلان وسمِّيت المدينة باسمهم وظلُّوا مدَّة طويلة خاضعين لبني "تُوجِيْن". (8)
__________
(1) - ابن خلدون: المصدر السابق، مج 11، ص: 284 - 286.
(2) - Le Gouverneur d’Alger: Notes, pp 381 - 382.
(3) - V. Largeau: Le pays de Rirha, Ouaregla, Paris 1879, pp 151 - 154.
(4) - تقع هذه القرى في منطقة وارجلان. وهي تحيط بها من كلّ جانب، ولا تبعد كثيراً عنها.
(5) - هي مدينة تقع في الجنوب الغربي من وادي ميزاب وتبعد عنه بحوالي 350 كلم.
(6) - يسمِّيها ابن بطُّوطة بلاد هكار في حديثه عن طريق "غات" الآخذ إلى مصر وطريق توات في الصحراء. تبعد بلاد هكار عن توات بمسيرة عشرة أيام. وبلاد هكار واسعة مسيرها شهر، ومنها إلى توات ثمَّ سجلماسة.
انظر: ابن بطُّوطة: الرحلة، نشرها:
C. Defermery, BR. Sanguinelti, , Imprimerie imperial, Paris(S.D), P 445.
(7) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 199.
(8) - بنو توجين من أكبر أحياء بني يادين وأكثرهم عدداً، كانوا يقطنون على ضفاف وادي "شلف" في المغرب الأوسط. كما اتخذوا المنطقة الممتدَّة بين "بني راشد" و"جبل دَرَاك" موطناً لهم. حالفوا المعزّ بن باديس ضدَّ حمَّاد بن بلكين. من أشهر بطونهم بنو "يد للتنْ" و"بنو نمزى"و"بنو مادون" و"بنو زنداك". وكانوا في فصل الشتاء يصِلُون إلى وادي ميزاب وبلاد الزاب. أمَّا في الصيف فينتقلون إلى الشمال. انظر: ابن خلدون: نفس المصدر، مج 7، ص: 106، 318 - 320. (1/22)
صفحة 19
ولمَّا دخل أتباع المذهب الإبَاضِي إلى إفريقيَّة، استطاعوا نشره بسرعة مذهلة، رغم هزيمة أبي الخطَّاب وأبى حاتم الملزوزي، اللذيْن تزعَّما الإباضية في إفريقيَّة. وكان من نتائج هزائم الإباضية أنْ فرَّ العديدُ منهم إلى مختلف المناطق البعيدة عن مركز الثورات كتاهرت ووارجلان اللتين أصبحتا من المراكز المهمَّة بعد ذلك.
ويحتمل أنَّ عاصماً السدراتي (1) لمَّا عاد من البصرة إلى المغرب ــ بعد تلقِّيه تعاليم المذهب ــ سافر إلى جنوب المغرب الأوسط لنشر المذهب بين قبائل سدراتة التي ينتسب إليها.
ورغم عدم وجود ما يدلُّ على ذلك في المصادر، إلاَّ أنَّه يبدو أنَّ الإباضية اختاروا الجبال والصحاري مركزاً لدعوتهم خاصَّة في المراكز التجارية الهامَّة. ذلك أنَّ اشتغالهم بالتجارة ساعدهم على نقل مذهبهم إلى الآفاق حتَّى وصل إلى سجلماسة. ومن الطبيعيِّ أنْ يبتعد الإباضية عن الحواضر لنشر مذهبهم، لأنَّه حديث العهد في المنطقة، ومازال يتحسَّس طريقه. وهذه الظَّاهرة معروفة في التاريخ بالنسبة للمذاهب والدعوات الجديدة التي تجد نفسها في محيط غريب فتبدأ بمناطق معزولة، فيلجأ الدعاة إلى التجمُّعات السكَّانية في الجبال والصحاري.
وتذكر بعض المصادر أنَّ كلَّ الأمراء المدراريِّين الذين سبقوا محمَّد بن الفتح بن ميمون الملقَّب بِ"الشاكر للهِ" (2) كانوا على رأي الإباضية والصفرية. (3) ولكنَّنا نستبعد ذلك تماماً لأنَّ بني مدرار كانوا على المذهب الصفري منذ أنْ تأسَّست دولتهم سنة 140هـ (757م). أضف إلى ذلك أنَّ المصادر الإباضية لا تشير إطلاقاً إلى مثل هذا القول. ولكن ليس ببعيد أنْ يكون الإباضية قد وصلوا فعلاً إلى منطقة وارجلان في وقت مبكِّر، ثمَّ زادت أعدادهم تدريجيًّا نتيجة الهجرات. ويبدو أنَّها كانت كبيرة إذ يقول ابن خلدون: «نزل الكثير منهم (أي الخوارج) مابين قصور الزاب وواركلا (أي وارجلان) فاختطُّوا قرى كثيرة في عدوة وادٍ ينحدر من الغرب إلى الشرق. ويشتمل على المصر الكبير والقرية المتوسِّطة ... وأكبر هذه الأمصار تسمَّى
__________
(1) - هو أحد علماء الإباضية في بلاد المغرب. كان ضمن البعثة العلمية التي سافرت إلى البصرة لتعلُّم أصول المذهب الإبَاضِي، وشارك في الثورة التي قام بها أبو الخطاب لكنه قُتل مسموماً أثناء حصار القيروان سنة 144هـ (761م).
انظر: الشماخي: السير، ص: 267.
(2) - هو محَمَّد بن الفتح بن ميمون الأمير، تولَّى الحكم بعد تغلُّبه على ابن عمِّه المنتصر سمكو، وأخذ بمذاهب أهل السنَّة ورفض الخارجيَّة. ولمَّا استولى الفاطميُّون على سجلماسة سنة 347هـ (958م) فرَّ إلى حصن تاسكرات على أميال من سجلماسة.
انظر ... ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 270.
(3) - ابن خلدون: نفس المصدر، والجزء، ص269 - 270. والقلقشندي: صبح الأعشى، ج5، ص 167. (1/23)
صفحة 20
"تُوقُّرْتْ" (1).
وفي أهل تلك الأمصار من مذاهب الخوارج وفرقهم كثير. وأكثرهم على دين العزَّابة (أي الإباضية)» (2).
وعلى الرغم من أنَّ ابن خلدون أمدَّنا بمعلومات وفيرة عن البربر إلاَّ أنَّه تجاهل الإباضية تماماً. فلم يتحدَّث عن تأسيس "سدراتة" بل تعرَّض للدولة الرُّستُمِيَّة في فترات متقطِّعة وكأنَّه لم يكن لهم أيُّ دور في تاريخ المغرب. وإذا كان قد تجاهل الحديث عن تأسيس "سدراتة" فإنَّه أمدَّنا بمعلومات عن تأسيس مدينة "وارجلان" حين قال: «بنو وَارْكْلاَ هؤلاء إحدى بطون زناتة من ولد فَرِينِي بن جَانَا، وأنَّ إخوانهم يَزْمَرْتَنَ ومَنْجَصَة ونَمَالْتَه المعروفين لهذا العهد، منهم بنو واركلا. وكانت فئتهم قليلة. وكانت مواطنهم قبلة الزاب، واختطُّوا المصر المعروف بهم لهذا العهد على ثماني مراحل من بسكرة (3) ... بنوها قصوراً متقاربة الخطَّة ثمَّ استبحر عمرانها فائتلفت وصارت مصرا». (4)
وإذا كان ابن خلدون قد تحدَّث عن تأسيس وارجلان، فإنَّنا لا نعرف إلاَّ الشيء القليل عن مدينة سدراتة القريبة منها. إذ تصعب التفرقة بين اسم المدينة واسم القبيلة. بمعنى: هل يقصد بتسمية شخص ما بِ"السَّدْرَاتي" نسبة للقبيلة أم للمدينة؟ والأرجح أن تكون النسبة للقبيلة.
ففيما يخصُّ القبيلة يذكر البكري (ت 487هـ) أنَّ قبيلة سدراتة كانت تستوطن مدينة "بسكرة" رفقة بني مَغْرَاوَة. (5) وقد أخطأ "رشيد بورويبة" حين ذكر أنَّ أوَّل إشارة لمدينة سدراتة وردت في كتاب السير للشمَّاخي (ت 928هـ / 1522م) عند حديثه عن عاصم السَّدراتي الذي ذكرناه سابقاً. (6)
والواقع أنَّ أوَّل إشارة إلى هذه المدينة نجدها عند "مقرن البغطوري" ... المتوفى في ق6هـ / 12م حينما ذكر أنَّ رجلاً من سدراتة -لم يذكر اسمه - ضيَّع زكاة غنمه مدَّة سنتين فحمل زاده وسافر حتَّى يعرض مسألته (7).
ويبدو أنَّ مدينة سدراتة تنسب إلى القبيلة التي أسَّستها رغم الافتقار إلى الدليل القاطع، إذ نلاحظ اليوم وجود عدَّة قرى تسمَّى بهذا الاسم ممَّا يدلُّ على أنَّ مواضع
__________
(1) - تقع هذه المدينة في الحدود الغربية لبلاد الزاب تشتهر بزراعة النخيل، تبعد عن مدينة وارجلان بحوالي 160كلم. وهي تقع ضمن بلاد أريغ التي ذكرتها المصادر الجغرافيَّة.
(2) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج7، ص: 96 - 100.
(3) - تقع مدينة بسكرة في بلاد الزاب وهي قاعدته. تشتهر بزراعة النخيل فكانت تصدِّر أجود التمور إلى تونس وبجاية، يحدُّها من الغرب مدينة المسيلة التي بناها الفاطميُّون، ومن الشرق بلاد الجريد في إفريقيَّة.
انظر: ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 126. البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، طبعة دي سلان، الجزائر. 1857، ص:52.
(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 96 - 100.
(5) - البكري: المصدر السابق، ص: 53.
(6) - رشيد بورويبة: آثار مندثرة، مطبعة رغاية، الجزائر (د، ت) ص: 43.
(7) - مقرن البغطوري: سير مشائخ نفوسة، (مخطوط) ورقة 15. (1/24)
صفحة 21
هذه القرى كانت مواطن لقبيلة سدراتة في الماضي البعيد.
ونعلم أنَّ سدراتة كانت مُوزَّعة في عدَّة مناطق من بلاد المغرب. وقد مرَّ بنا أنَّ البكري أشار إليها في حديثه عن مدينة بسكرة. كما أنَّ ابن خلدون يذكر أنَّ سدراتة اجتمعت على "إدريس" (1) بالمغرب الأقصى مثلها مثل قبائل زواغة ولوَّاتة وغياثة ونفزة (2).
ورغم ضياع العديد من المصادر الإباضية المهمَّة، إلاَّ أنَّ أغلب المؤرِّخين يرجِّحون تأسيس مدينة سدراتة إلى ما بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة أي: ... (296هـ -909م)، حيث نجد كلاًّ من السيد عبد العزيز سالم، وعبد الرحمن الجيلالي، ورشيد بورويبة وغيرهم، يرجِّحون تأسيس سدراتة إلى القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي (3).
في حين يرى الإباضية أنَّ تأسيس المدينة كان في القرن الأوَّل الهجري وأنَّها كانت عامرة بالإباضية وحدهم ابتداء من سنة (101هـ - 720م) (4). وتضيف "مارغريت فان برشم" Marguerite Van Berchem أنَّه من الخطأ أنْ نعتقد أنَّ الإباضية لمَّا فرُّوا من تاهرت اتَّجهوا إلى منطقة وارجلان لبناء مدينة جديدة. ويحتمل جدًّا أنَّ الإباضية لم يجدوا منطقة سدراتة صحراء، بل وجدوها مدينة يعود تاريخها إلى زمن بعيد. وقد نهض بها النازحون الجدد بفضل خبرتهم في مختلف الفنون التي اشتهرت بها الدولة الرُّستُمِيَّة. (5)
ونميل إلى ترجيح الرأي الأخير، خاصَّة إذا علمنا أنَّ عاصماً السدراتي شارك بعدد كبير من السدراتيين في حصار القيروان، وأنَّ القيروانيين انتقموا منه بتقديم قثَّاء مسمومة له فأكلها. (6) وهناك من يُرجِّع تاريخ وُجُود مدينة "سدراتة" إلى سنة 42هـ (662م) (7).
__________
(1) - هو إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي فرَّ إلى بلاد المغرب بعد مقتل الحسن بن علي بن الحسن المثلث بمكَّة سنة 169هـ (787م) وفي المغرب الأقصى اجتمعت إليه قبائل البربر فأسَّس دولة الأدارسة.
انظر: القلقشندي: صبح الأعشى، ج5 ص: 180.
(2) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج5، ص: 24.
(3) - السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج 2، دار النهضة العربيَّة، بيروت. 1981، ص: 581. عبد الرحمان الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، دار الثقافة، ط4، بيروت 1980، ص: 186.
==
Rachid Bourouiba: cités disparues,complexe graphique de Reghaïa,Alger,P 49.
M.H. Dweyrier: Isedraten et le schisme Ibadite, revue d’ethnographie, T2, 1883, p 203.
(4) - إبراهيم صالح أعزَام: غصن البان في تاريخ وارجلان (مخطوط) ورقة 32.
(5) - Marguerite Van Berchem: Sedrata Une ville au moyen âge ensevelie dans les sables du sahara Algerien, documents Algeriens, N°11,1953,P5.
(6) - الشماخي: السير، ص: 141.
(7) - يرى "جون لوتيو" في كتابه "صحراء ورقلة" أنَّ بناء مدينة سدراتة يرجع إلى أربعينيات القرن الأوَّل الهجري، معتمداً في ذلك على وثائق ليست معروفة ولأوَّل مرَّة يُعتمد عليها. وترجع أهمِّية هذه الوثائق أنَّ مؤلِّفيها وأوَّلهم سليمان بن ابراهيم بن بانوح ولد في سدراتة سنة 293هـ (905م) وتوفي في وارجلان سنة 407هـ (1006م). =فقد كتب هذا الأخير في خمسة مجلَّدات تاريخاً دقيقًا للإبَاضِيَة تحت عنوان: "كتاب البراهمي في سلوك المذهب الإبَاضِي". وثانيهم هو أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني الذي ألَّف كتاباً من ثلاثة أجزاء عنوانه: "فتوح المغرب الأقصى"، خصَّص أغلبه للحديث عن الإبَاضِيَة. أمَّا المؤرِّخ الثالث فهو باستشري بكر بن هود بن صالح بن قاسم بن عيسى الذي ألَّف كتابه سنة 656هـ (1257م) الذي يذكر بأنَّه عثر على عدَّة مخطوطات في مسجد "هود" بسدراتة من بينها كتاب في التاريخ ألَّفه تيمور بن اسحاق بن يعقوب. فهذه المصادر تذكر أنَّ عدداً لا بأس به من المسلمين كانوا مقيمين في طرابلس سنة 23هـ وتوَّغَّلوا في حبل نفوسة ثمَّ قاموا سنة 27هـ بملاحقة فرق باتريس البيزنطي (قريقوار) في ضواحي سبيطلة، وقاموا بغارات متعدِّدة. وحسب باستشري فإنَّ سبعة من المسلمين استقرُّوا في جبل نفوسة ثمَّ اتَّجه اثنان منهم إلى وادي ميَّة. ولا يعرف هل وصلا إلى الوادي كزوَّارٍ فقط؟ أم كانت نيَّتهم الاستقرار خاصَّة وأنَّ المنطقة معروفة بنشاطها التجاري. ومهما يكن من أمر فعن طريق القوافل القادمة من زنجبار والسودان وصل في 7 رجب 39هـ (658م) عبد الرزَّاق بن عبدان بن عبد الحق المولود بحضرموت، وأسَّس مدينة أطلق عليها اسم تيميمون. وفي سنة 41هـ و 42هـ (661 - 662م) وصلت جماعات أخرى إلى وادي مية. قاد إحداها أبو حفص عمروس بن فتح الفار من جبل نفوسة نتيجة عدم الاستقرار، فقام هؤلاء الوافدون ببناء مسجد ثمَّ بنيت حوله المساكن. وبذلك ظهرت سدراتة كمدينة للوجود.
للمزيد من التفاصيل انظر:
Jean Lethilleux: Ouargla cité saharienne des origines au debut du XX, Paul Geuthner, Paris 1983, pp 23 - 39. (1/25)
صفحة 22
ونظراً لوقوع هاتين المدينتين على الطريق التجاري الذي يربط المغرب الأوسط ببلاد السودان، ازدادت الهجرات إليهما ممَّا أدَّى إلى اتساعهما، فكثرت المساكن، وحفرت آبار المياه.
أمَّا عن أوضاع هاتين المدينتين في ظلِّ السيادة الرُّستُمِيَّة فلا نعرف عنها الكثير. فالمؤرِّخون لم يعتنوا بذكر اهتمام الرُّستُمِيين بجنوب الدولة مثل تركيزهم على ذكر عنايتها بجبل نفوسة (1). وهذا يرجع إلى طمأنينة الدولة على أمن وسلامة المنطقة أمَّا العناية بجبل نفوسة التابع للمغرب الأدنى فتعود إلى عدَّة اعتبارات: منها بُعد المسافة، وأهمِّية الجبل ووزنه في قوَّة الدولة بشريًّا وعلميًا واقتصاديًا. ولذلك حظِيَ بأكبر اهتمام من قِبَل الأيمَّة الرُّستُمِيين كانوا يعيِّنون الولاَّة عليه، ويعتمدون على سكَّانه في حروبهم. وقد عُرف عن النفوسيين بأنَّهم كانوا حماة الدولة الرُّستُمِيَّة، حتَّى أنَّ الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم (171 - 190هـ) / (787 - 805م) ــ ثاني إمام رستُمِي ــ قال: «إنَّما قام هذا الدين ــ يقصد ... الإبَاضِيَة ــ بسيوف نفوسة وأموال مزاتة» (2).
__________
(1) - هو الجبل الذي سكنته قبيلة نفوسة الإبَاضِيَة، وإليها ترجع تسمية الجبل، يقع قرب طرابلس، وصفه ابن حوقل بأنَّه جبل عال مسيرته ثلاثة أيَّام فيه مدينتان كبيرتان تسمَّى إحداهما "شروس" والأخرى "جادو". كان هذا الجبل تابعًا للدولة الرُّستُمِيَّة. وبعد سقوطها أصبح مستقلاًّ. انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 92 - 93.
(2) - الشماخي: السير، ص: 267. أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 103. (1/26)
صفحة 23
ويبدو أنَّ مدينتي وارجلان وسدراتة كانتا مستقلَّتين، وكلُّ ما ربطهما بالدولة الرُّستُمِيَّة من علاقات هو اعترافهما بالتبعية الاسميَّة لها. وكان أبو صالح جنون بن يمريان (1) هو الذي يتولَّى أمورها. وكان كما وصفه الشماخي: والدرجيني: «أحد أقطاب الدين وثمال [كذا] اليتامى والمساكين» (2).
2 - فرار الإبَاضِيَة إلى وارجلان وسدراتة:
عندما استطاع أبو عبد الله الشيعي دخول تاهرت خرج يعقوب بن أفلح بن عبد الوهَّاب مع أهله وجمعٍ غفير من التاهرتيين متَّجهين إلى وارجلان وسدراتة خوفاً من بطش الشيعيِّ. ويبدو أنَّ رفقاء يعقوب كانوا كثيرين حتَّى أنَّه يذكر أنَّه ولد لهم في الطريق في ليلة من الليالي سبعون ذكراً (3).
ولا يعرف على وجه التحديد الطريق الذي سلكه يعقوب بن أفلح ورفقاؤه. ومهما يكن من أمر فإنَّ الفاطميِّين لم يغفلوا هذه الهجرة، فقد ظلُّوا متخوِّفين من فرار هذا الإمام، خاصَّة وأنَّه توجَّه إلى وارجلان. فقد بعث أبو عبد الله خيرة رجاله لملاحقته. وتصف المصادر الإبَاضِيَة تصدِّي الإمام لهذه الحملة. فتذكر أنَّه كان يبارزهم وحده حتَّى يبتعد أصحابه ثمَّ يلحق بهم، حتَّى وصلوا إلى وارجلان سالمين. يقول أبو زكرياء: «إذا نظروا إليه وعرفوه (أي يعقوب) توقَّفوا له من هيبته» (4).
ولاتقاء شرّ هذه الحملة، اعتصم الإبَاضِيَة بجبل كريمة الذي يقع على بعد عشرة كيلومترات جنوب وارجلان. ولمَّا وصل رجال هذه الحملة ضربوا عليهم الحصار، حتَّى يموتوا من العطش والجوع، إلاَّ أنَّ أحداً اقترح أن تحضر قصاعٌ كبيرة مملوءة بالزيت، وجعلوا يقدِّمونها للجِمال التي تمكَّن منها العطش. فأقبلت عليها الجمال معتقدة أنَّه الماء. ولمَّا وجدته زيتًا لفَظته من أفواهها، واعتقد المحاصرون أنَّهم يعطون الماء لجمالهم، وتأكَّدوا من فشل الحصار (5). فقرَّروا تخريب المدينة والاستيلاء على ما بها من الغنائم. وأثناء عودتهم إلى إفريقيَّة لحق بهم أحد الوارجلانيِّين ليخبرهم بالحقيقة، إلاَّ أنَّ جماعة من سدراتة قتلته حتَّى تفسد هذه الوشاية (6).
هذا ورغم إشارة المصادر الإبَاضِيَة إلى هذه الحملة، إلاَّ أنَّ الغموض يكتنف بعض جوانبها. فهل انطلقت الحملة من تاهرت مباشرة بعد استيلاء الشيعة عليها؟ أم
__________
(1) - هو العالم: أبو صالح جنون بن يمريان حاكم وارجلان، كان معاصراً للدولة الرُّستُمِيَّة في أيَّامها الأخيرة. وهو الذي ترجع إليه أمور المدينة. كما أنَّه هو الذي طلب من الإمام يعقوب بن أفلح إحياء الدولة الإبَاضِيَة المندثرة. انظر: الشماخي: السير، ص: 362 - 364. وعلي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ج 4، مطبعة الدعوة الإسلامية، الطبعة الأولى، القاهرة 1979، ص: 162 - 170.
(2) - الشماخي: نفس المصدر، ص: 362. الدرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 341 - 342.
(3) -الشماخي: السير، ص: 365 وما بعدها. حمو محَمَّد عيسى النُّوري: دور الميزابيِّين في تاريخ الجزائر قديماً وحديثاً، ج 1، دار الكروان، باريس، 1984، ص: 107.
(4) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 124.
(5) - الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 65 - 66.
(6) - أبو زكرياء: المصدر السابق، ج 1، ص: 114. الدرجيني: نفس المصدر، ج 1،ص:96 (1/27)
صفحة 24
انطلقت من سجلماسة بعد تحرير الخليفة من السجن؟ أم من إفريقيَّة؟ وإجابة على ذلك، يرى "لوتيو" أنَّ الحملة انطلقت من إفريقيَّة. ويعلِّل ذلك بأنَّ فرار الإمام يعقوب إلى وارجلان لم يعق الشيعة عن مواصلة زحفهم إلى سجلماسة. وبعد إخراج الشيعي وابنه من السجن، عاد الشيعة إلى القيروان لكنَّهم لم ينسوا الإمام الإبَاضِي الفار. وكانوا يعرفون أنَّ رخاء المدينة وثراء أهلها لاشتغالهم بالتجارة سيمكِّن الإمام من إحياء الدولة الرُّستُمِيَّة. هذه الدولة التي قد تشكِّل خطراً على الدولة الفاطميَّة (1). لذلك فإنَّه يرى أنَّ الحملة حدثت بعد عودة الجيش الفاطميِّ من سجلماسة، وليس أثناء فتح تاهرت لأنَّ ذلك الفتح لم يكن في الحسبان لولا أنَّ فتحها لا يتطلَّب جهداً كبيراً خاصَّة بعد خروج الناس لاستقباله خارج تاهرت عارضين عليه المساعدة. ويضيف "لوتيو" أنَّ الثورات التي قامت في المغرب، كثورة "كتامة" التي وقعت بعد عودة "المهدي" من سجلماسة وثورة أهل الزاب (2) التي قامت سنة 299هـ (911م) وانتفاضة طرابلس (3) في سنة 300هـ (912م)، قد شغلت الفاطميِّين من محاربة الإبَاضِيَة. ولهذا فإنَّه يرى أنَّ الحملة انطلقت من إفريقيَّة بين سنتي 297هـ (909م) و 299هـ (911م). (4)
ونستبعد ما ذكره "لوتيو" من أنَّ الحملة انطلقت من إفريقيَّة لأنَّه ليس من المعقول أنْ يغادر الجيش الفاطمي "تاهرت" متَّجها إلى سجلماسة ثمَّ يعود إلى إفريقيَّة مرَّة ثانية ويرسل حملة من هناك، والإبَاضِيَة الفارُّون لم يصلوا وارجلان بعد، لأنَّ المسافة بين سجلماسة و"رقَّادَة" (5) أضعافُ أضعافِ المسافة بين وارجلان وتاهرت.
والأرجح أنَّ الحملة أرسلت من تاهرت لتعقُّب الإبَاضِيَة. وقد مرَّ بنا أنَّ الإمام أبدى شجاعة كبيرة في التصدِّي لها قبل أنْ تتحصَّن في جبل ... "كْريمَة" المنيع.
كما يبدو أنَّ شطراً من الجيش قام بالحملة، أمَّا بقيَّة الجيش فقد واصل طريقه إلى سجلماسة. ويبدو كذلك أنَّ أفراد الحملة سارو إلى سجلماسة بعد فشل حملتهم، لأنَّ الشيعة ــ كما يقول: ابن خلدون ــ: «أقاموا في سجلماسة أربعين يوماً بعد إخراج
__________
(1) - Jean LETHILLEUX: Ouargla cité saharienne des origines au début du XX, Paul Geuthner Paris 1983, P 33.
(2) - قامت كتامة بهذه الثورة بسبب قتل المهدي لأبي عبد الله الشيعي. فحاربهم أبو =القاسم نزَّار وهزمهم. انظر ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 78.
(3) - في سنة 300 هـ (912م) قام سكَّان طرابلس بثورة، فطردوا عاملهم ماكنون، واستطاع أبو القاسم نزار من الدخول إليها، بعد حصار طويل، وقام بتغريمهم بثلاثمائة ألف دينار. انظر: ابن خلدون: نفس المصدر، نفس الجزء والصفحة.
(4) - J. LETHILLEUX: Ouargla, p45.
(5) - تقع هذه المدينة في إفريقيَّة وكانت عاصمة لدولة بني الأغلب (184 - 296هـ). تبعد عن القيروان مسافة أربعة أميال. يصفها البكري بأنَّها كثيرة البساتين. ويذكر أنَّ أوَّل من أبتدأ البناء في موضعها إبراهيم بن أحمد سنة 263هـ ثمَّ انتقل إليها من مدينة القصر القديم، وبنى بها القصور ثمَّ عمِّرت بالأسواق والحمَّامات والفنادق. ولمَّا سقطت دولة الأغالبة سكنها أبو عبيد الله إلى أنْ انتقل إلى المهديَّة سنة 338هـ.
انظر: البكري: المغرب، ص: 27. (1/28)
صفحة 25
المهدي وابنه من السجن». (1) فربَّما كانوا ينتظرون عودة أفراد هذه الحملة.
ومهما يكن من أمر فقد استُقبِل يعقوب بن أفلح استقبالاً حارًّا من قبل الشيخ "أبي صالح جنُّون بن يَمْرِيَّانْ" متولِّي أمور وارجلان، وأهل مدينته. فلمَّا دخل الإمام المدينة أكرموه، وأحسنوا إليه، وطلبوا منه أنْ يتولَّى أمرهم بغية إحياء الدولة المندثرة، إلاَّ أنَّه رفض قائلاً: «لا يستتر الجمل بالغنم» (2)، معبِّراً عن الضُّعف الذي حلَّ بهم. وبذلك فضَّل "يعقوب" إمامة الكتمان (3) على إمامة الظهور. (4)
ولا نتَّفق مع الدكتور سعد زغلول عبد الحميد حين اعتقد أنَّ "يعقوباً" قد وقف إلى جانب ابنة أخيه "دَوسَرْ" طلباً للثأر. ولابدَّ أنَّ عفو الشيعيَّ قد شملهما، وأنَّ ذهابهما إلى وارجلان تمَّ بموافقته معتمداً على إشارة وردت عند الدرجيني، تذكر أنَّ يعقوباً وابنة أخيه "دَوْسَرْ" خرجا خفية إلى وارجلان. (5) ولو صحَّ هذا فما الذي دعا أبا عبد الله إلى إرسال جيش لملاحقة يعقوب إلى وارجلان مع أنَّ الأمور لم تكن قد استقرَّت بعد للفاطميِّين في بلاد المغرب.
كانت وارجلان في هذه الفترة عاصمة من عواصم الصحراء الكبرى يتولَّى أمورَها الشيخ أبو صالح جنُّون بن يَمْرِيَّان، وكان يعلِّم الناس وينفق على تلاميذه من ماله الخاص. ونظراً لمكانته العلميَّة اتَّجه العلماء إلى وارجلان للاستفادة من علمه الغزير. كما كان ينفق على فقراء وارجلان ومساكينها ويصفه الشماخي قائلاً:
«كان عالماً ورعاً سخيًّا، ذا كرامات، وهو أحد أقطاب الدين وثمال اليتامى والمساكين». (6)
رأينا فيما سبق أنَّه لمَّا استولى الفاطميُّون على تاهرت فرَّ عددٌ من الإبَاضِيَة مع إمامهم يعقوب بن أفلح إلى الصحراء. لكنَّ المصادر لا تذكر أنَّ هجرة كثيفة خرجت من "تاهرت" ويعني هذا أنَّ عدداً غير قليل منهم من فضَّل البقاء في المدينة، واقتصرت تلك الهجرة على الأسرة الرُّستُمِيَّة، وبعضِ ... شيوخ الإبَاضِيَة.
__________
(1) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 75.
(2) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 124. الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 105. الشماخي: السير، ص: 365 - 366.
T. Lewicki: Les hakims du Gabal Nafusa au moyen âge, ROCKZNIK orientalistyczny T 26, 1962, P 95.
(3) - أي الحفاظ على الدين دون إعلانه حتَّى لا يمنع تطبيقه مثلما كان حال شيوخ الإبَاضِيَة الأوائل أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة حيث كتما مذهبهما. =انظر: الجناوني: عقيدة التوحيد، نشرت ضمن
Extraits du bulletin d’études orientales, T 32 - 33, 1980, P 49.
(4) - هي الإمامة الكبرى المعلنة. ويشترط في إقامة هذه الإمامة أن يكون للإبَاضِيَة عدَّة وقوَّة في المال والعلم بدين الله، مثل الدولة الرُّستُمِيَّة. انظر: أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرَّد على أهل الخلاف، ج 2، ش و ن ت الجزائر 1978، ص: 236.
(5) - سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربي، ج 2، منشأة المعارف الأسكندريَّة 1979، ص: 397.
(6) - الشماخي: السير، ص: 362. (1/29)
صفحة 26
لذلك نرجِّح أنْ تكون الجماعات المهاجرة أقلّ بكثير من الجماعات التي اختارت البقاء في تاهرت. ولا شكَّ أنَّ هؤلاء لعبوا دوراً كبيراً في الحياة السياسيَّة في المدينة. وعلى الرغم من أنَّ المصادر الإبَاضِيَة تشير فقط إلى فرار "يعقوب بن أفلح" وجماعته إلى سدراتة وورجلان، إلاَّ أنَّه من خلال المصادر الجغرافيَّة نلاحظ ازدحام بعض المناطق بالإبَاضِيَة القادمين من تاهرت خاصَّة منطقة الزَّاب وجبل أوراس. (1) فابن سعيد يشير في حديثه عن جبل "أوراس" إلى أنَّ معظم سكَّانه من قبائل "لواتة" (2) وهم إباضيَّة (3) لذلك فإنَّ أبا يزيد مخلد بن كيداد، (4) عندما فرَّ من السجن نزل بجبل "أوراس" وزار بني "برزال" (5) بالمسيلة" (6) لأنَّهم إبَاضِيَة.
كما تضاعف عدد الإبَاضِيَة في مدن "الزَّاب" وقَسْطيلْيَة (7) وقَفْصَة (8)
__________
(1) - هو جبل يقع في المغرب الأوسط، مسيرته سبعة أيَّام، يطل على بلاد الزَّاب، به مدن كثيرة تسكنها قبائل هوارة ومكناسة، ومعظمهم من الإبَاضِيَة. وفي هذا الجبل اعتصم أبو يزيد مخلد بن كيداد أثناء الحصار الذي شنَّه الخليفة الفاطمي القائم. كما أنَّ هذا الجبل كان مقرًّا للكاهنة. ومن المدن التي تحيط بهذا الجبل مدينة طبنة وباغاية. تصفه المصادر الجغرافيَّة بأنَّه خصيب، فيه المياه الغزيرة والمراعي. انظر: مؤلِّف مجهول: الاستبصار في عجائب الأَمصار، ص: 164. الإدريسي: المغرب، ص: 144، اليعقوبي: صفة المغرب المأخوذة من كتاب البلدان نشره دي خوية، مطبعة بريل 1850، ص: 11. ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 84.
(2) - لواتة بطن من بطون البربر البتر، تنتسب إلى لوا الأصغر بن لوا الأكبر بن رخيك. من بطون لواتة نذكر سدراتة، مزاتة أغلب مواطنهم بجبل أوراس. وكان لهم اليد الطولى في ثورة أبي يزيد النكاري كما استوطنوا مدينة "تاهرت". انظر: ابن خلدون: كتاب ... العبر، مج 11، ص: 234 - 236.
(3) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 144.
(4) - هو مخلد بن كيداد الزَّناتي الخارجي، قام بثورة كبيرة في بلاد المغرب على الدولة الفاطميَّة ابتدأها سنة 316هـ (928م) واستمرَّت ثورته حتَّى سنة 336هـ (947م). واستطاع الاستيلاء على معظم مدن إفريقيَّة. للمزيد من التفاصيل انظر: الفصل الثاني من البحث.
(5) - بنو برزال "فخد من بني دمر من زناتة. كانوا يقيمون في ضواحي مدينة المسيلة التي بناها علي بن حمدون. وقد دان هؤلاء بالمذهب الإبَاضِي. وسنرى فيما بعد أنَّ أبا =يزيد اعتمد عليهم كثيراً في ثورته. انظر: اليعقوبي: صفة المغرب، ص: 13.
(6) - هي مدينة في المغرب الأوسط بناها علي بن حمدون الأندلسي (بطلب من الفاطميِّين) على ضفاف وادي ماء كثير. تشتهر بالإنتاج الزراعي من فواكه وثمار. نذكر منها السفرجل المعنَّق الذي يصدر إلى القيروان، إلى جانب الحنطة والشعير. أمَّا سكَّانها فهم بنو برزال وبنو زنداج وهوَّارة ومزاتة.
انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 85.
(7) - قسطيلية هو إقليم كبير يشتمل على مدن كثيرة أهمُّها مدينة "توزر" التي تقع في أقصى إفريقيَّة من نواحي الزَّاب الكبير من أعمال الجريد. ومن مدنها كذلك مدينة نفطة التي تبعد عن توزر بعشرة فراسخ أي عشرين ميلاً، ومدينة "تقيوس" وهي عبارة عن أربعة مدن متقاربة عليها أسوار، كثيرة النخل والزيتون، لا تبعد كثيراً عن توزر، ومدينة الحامَّة. يشتهر هذا الإقليم بزراعة النخيل لأنَّ أرضها سبخة. لذلك فإنَّ ابن حوقل يذكر أنَّ الطعام غال بها في معظم السنة لأنَّه لا يزرع بها وإنَّما يجلب إليها.
انظر: صورة الأرض، ص: 92. مؤلِّف مجهول: الاستبصار، ص: 155 - 156. ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج 5، ص: 57. اليعقوبي: صفة المغرب، ص: 10.
(8) - مدينة قفصة تبعد عن القيروان بمسيرة ثلاثة أيَّام. يصفها البكري بأنَّها كثيرة البساتين والمزروعات وهي أكثر بلاد إفريقيَّة إنتاجاً للفستق، ومنها يصدَّر إلى بقيَّة مدن إفريقيَّة والأندلس ومصر وسجلماسة. انظر: المغرب، ص: 47. (1/30)
صفحة 27
وبَشْرَة (1)، وسُومَاطَة (2) في منطقة نَفْزَاوَة (3). كما انتقل الإبَاضِيَة إلى جبل نفوسة وجزيرة جَرْبَة (4)، في جنوب إفريقيَّة. (5)
كما زادت أعدادهم في مدينة "باغاية" (6). فالبكري يذكر أنَّ سكان باغاية من "مَزَاتَة" (7). و"ضْريسَة" (8) كانوا كلُّهم إبَاضِيَة، وأنَّهُم كانوا يظعنون في الشتاء إلى الصحراء، حيث لا توجد الأمطار خوفاً على نتاج إبِلِهِم. (9)
ولا شكَّ أنَّ الهجرات كانت كثيرة نظراً للظُّروف الصَّعبة التي مرَّت بها تاهرت بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة. وقد عبَّر عنها ابن حوقل (ت ق 4 هـ) بقوله: «تغيَّرت تاهرْت عمَّا كانت عليه، وأهلُها وجميعُ من قاربها من البربر في وقتنا هذا فقراء
__________
(1) - يسمِّيها ابن حوقل مدينة بشرى، قريبة من نفزاوة، لها سور، تقع على الطريق الذي يربط سجلماسة بإفريقيَّة. انظر: المصدر السابق، ص: 92.
(2) - مدينة سوماطة تقع قرب نفزاوة وبشرى، انظر: ابن حوقل: نفس المصدر، ص: 92.
(3) - نفزاوة هي اسم لقبيلة وفي نفس الوقت اسم لمدينة في إفريقيَّة. فأمَّا القبيلة ــ كما يقول: ابن خلدون ــ «فإنَّها تنتسب إلى يطوفت بن نفزاوة بن لوا الأكبر وبطونها كثيرة منها غساسة ومرنيست وزهيلة»، وسوماتة وورفجومة. أمَّا المدينة فهي تبعد =عن القيروان بمسيرة ستَّة أيَّام نحو الغرب، تشتهر بعين ماء تعرف باسم "تاورغي" لغزارتها، لها أسواق حافلة بالتجارة. أمَّا المسافات بينها وبين المدن الأخرى القديمة منها فهي كالتالي: من نفزاوة إلى قابس ثلاث مراحل وبينها وبين قفصة مرحلتان. انظر: ابن خلدون كتاب العبر، مج 11، ص: 231. البكري: المغرب، ص: 47.
(4) - هي جزيرة كبيرة في إفريقيَّة على مقربة من مدينة قابس، تتميَّز بكثرة البساتين. أمَّا أهلها فمعظمهم من الخوارج. انظر: الادريسي: المغرب، ص: 19.
(5) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 93. موسى لقبال: دور كتامة في تاريخ الخلافة الفاطميَّة، ش. و ن ت، ط1، الجزائر 1979، ص: 348. نفس المؤلِّف: من قضايا التاريخ الرُّستُمِي، مجلَّة الأصالة عدد 41، سنة 1977، ص: 57.
(6) - هي إحدى مدن الزاب كانت في عهد اليعقوبي موطناً لقبائل من الجند والعجم من أهل خراسان وبعض الرُّوم، وبعض بطون قبيلة هوارة. يصفها كلٌّ من البكري وابن حوقل بأنَّها مدينة جليلة كثيرة الأنهار والمزارع، أكثر غلاَّتها الحنطة والشعير.
انظر: البكري: المغرب، ص: 50، ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 84.
(7) - مزاتة قبيلة من قبائل البربر تنتسب إلى بني زاير بن لوا الأضغر، وهي من أكبر بطون قبيلة لواتة. كانت مواطنهم بجبل أوراس وتاهرت. انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 234 - 236.
(8) - هي قبيلة من البربر البتر يعود نسبها إلى ضريس بني زحيك بن مادغيس الأبتر لها بطون كثيرة مثل زواوة وزواغة وغيرهم كثير. انظر: ابن خلدون: نفس المصدر، مج 7، ص: 239 - 261.
(9) - البكري: المغرب، ص: 144 - 145. (1/31)
صفحة 28
بتواتر الفتن عليهم، ودوام القحط وكثرة القتل والموت» (1).
3 - الاختلافات الفقهيَّة والفتن الداخليَّة:
لم ينج إبَاضِيَة وارجلان من الخلافات الفقهيَّة، فقد شهدت وارجلان اختلافاً آخر، يضاف إلى بقيَّة الاختلافات الفقهيَّة التي ظهرت في الدولة الرُّستُمِيَّة. تزعَّم هذا الخلاف أبو سليمان بن يعقوب بن محَمَّد بن أفلح بن الإمام الإبَاضِي الفار إلى وارجلان. وكان أبوه قد حذَّر أهل وارجلان من ابنه الذي كانت له بعض الاجتهادات الفقهيَّة (2).
ولمَّا مات والده، أصبح سليمان يقوم بالفتوى، مخالفاً الجماعة في سبع مسائل منها تنجيس الفرث، وما طبخ فيه من الطعام، وحرَّم أكل الجنين، ونجَّس دم العروق بعد غسل دم المذبح ودم الجوف، ونجَّس عَرَق المجنب وعَرَق الحائض. وقال: لا تعطى الزكاة إلاَّ للقرابة ولا تحلُّ لغيره. ويبدو أنَّ جماعته كانت قليلة إذ لم يلعبوا دوراً يذكر لهم. ولهذا أصبحت فرقته تعرف بِ"الفرثية" (3).
وكاد هذا الخلاف في بادئ الأمر أنْ يؤدِّي إلى الفتنة، لولا تدخُّل الشيخ الفاضل: أبي صالح جنون بن يمريان شيخ وارجلان حيث عقد مناظرة مع أبي سليمان حول تنجيس الفرث، انتهت في النهاية بانتصار أبي صالح. (4)
كما عرفت بلاد المغرب خلافاً آخر أثَّر على وحدة الإبَاضِيَة. وقد تزعَّم هذا الخلاف "الشكَّاس" الذي شذَّ ببعض المسائل التي لا تعد على الإبَاضِيَة، منها: إبطال السنة، وإبطال رأي المسلمين. وقال: «إنَّ صلاة الجماعة بدعة، وإنَّ الأذان بدعة»، حتَّى أنَّه إذا سمع صوت المؤذِّن قال: «نهيق الحمير»، كما قال: «إنَّ الصلاة لا تجوز بثوب فيه قمل، وإنَّ الأندر إذا بالت فيها الدواب لا يطهر القمح الذي تدرسه إلاَّ بالغسل». ومن غرائب هذه الفرقة قولهم: «إنَّه إذا مات أحد أفرادها لا يصلُّون عليه بل يجعلون مرابط في رجله، ويجرُّونه إلى مكان يدفنونه فيه» (5).
ومن حسن الحظِّ أنَّ انتشار آراء هذه الفرقة لم يتجاوز مدينة قنطرارة بإفرقيَّة. ورغم عدم وجود أتباع لهذه الفرقة في المغرب الأوسط إلاَّ أنَّها أثَّرت على وحدة الإبَاضِيَة في بلاد المغرب كلِّه.
وإلى جانب هذه الفتن الداخليَّة، فإنَّ المنطقة كانت عبر تاريخها الطويل مطمع الأعداء من غير الإبَاضِيَة، حيث كثرت الحملات عليها، وانتشر في أراضيها البدو وقطَّاع الطرق الذين غالبا ما ضايقوا سدراتة ووارجلان.
__________
(1) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 93.
(2) - الشماخي: السير، ص: 366. الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 106.
(3) - المارغني: فرق الإبَاضِيَة الست ومازاغت به عن الحق، طبعة حجريَّة (د. ت)، ص:20. اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة في تاريخ وادي ميزاب (مخطوط) ورقة 83. علي يحيى معمَّر: أضواء على الإبَاضِيَة، ط. سلطنة عمان.
(4) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، مج 1، ص: 126.
(5) - أبو زكرياء: نفس المصدر والجزء، ص: 134 - 135. (1/32)
صفحة 29
فلم تعرف هذه الواحة الهدوءَ والاستقرارَ حتَّى خرَّبها المنصور الحمَّادي (481 - 498هـ) (1088 - 1104م) (1) سنة 442هـ (1052م). ممَّا أدَّى إلى هجرة من تبقَّى من الإبَاضِيَة إلى منطقة "وادي ميزاب". كما شهدت المدينة في القرن الرابع الهجري (العاشر الملادي) عدَّة غارات استولى من خلالها المُغيرون على ممتلكات السكان. كما قامت قبائل بني توجين المتمركزة بضواحي وارجلان بالهجوم على المدينة والاستيلاء على أغنام السكان. إلاَّ أنَّ الإبَاضِيَة بقيادة الشيخ مَاكْسَنْ بن الخير (2) وأبي العبَّاس الويليلي (3) استطاعو استردادها (4).
كما تعرض المصادر لموقعة تعرف بوقعة "خيران" اشترك فيها أهل وَغْلاَنَة وبني يَجْناسَن (5). كما اقتتلوا مرَّة أخرى عندما خرجت قافلة من وارجلان في طريقها "لأريغ". وكان سبب هذا القتال ــ كما يقول المؤرِّخون ــ: الازدحام حول بئر، كانوا يسقون منها إبلهم. (6)
وإضافة إلى كلِّ هذا فإنَّ الطرق كانت غير آمنة، حيث كان قطَّاع الطرق من البدو منتشرين في المنطقة. ويذكر أنَّ أحد رعاة الشيخ أبي عبد الله محَمَّد بن بكر ــ مؤسِّس نظام العزَّابة ــ خرج بغنمه إلى جبال بني مصعب (7)، فأغارت عليه قبيلة من القبائل. (8)
وعلى الرغم من كثرة الفتن والقلاقل، وانتشار الفساد في مدينة وارجلان وضواحيها، إلاَّ أنَّ الإبَاضِيَة حاولوا بقدر المستطاع إعادة الأمن والاستقرار. ويذكر
__________
(1) - هو المنصور بن الناصر الحمادي أمير دولة بني حماد، تولَّى الحكم بعد وفاة والده الناصر سنة 481هـ (1088م). وهو الذي حوَّل عاصمة الإمارة من القلعة إلى مدينة بجاية الساحليَّة سنة 483هـ (1090م). كان مولعاً بالبناء فبنى عدَّة قصور في بجاية منها اللؤلؤة وقصر أميمون. انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 357.
(2) - هو العالم الإبَاضِي ماكسن بن الخير، تصنِّفه المصادر الإبَاضِيَة ضمن الطبقة العاشرة (450 - 500هـ). تعلَّم في جزيرة جربة في حلقة أبي محَمَّد واسلان (أو وايسلان) بن أبي صالح أحد علماء جربة البارزين. ولمَّا أنهى تعليمه عاد إلى وارجلان فسكنها مدَّة ثمَّ انتقل إلى أريغ، وامتهن التدريس إلى أنْ توفِّي سنة 498هـ.
انظر: الوسياني: السير، مج 2، ورقة 35 - 36. الدرجيني: الطبقات، ج 2، ص:430 - 431. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، ... ص: 193 - 197.
(3) - هو من علماء الطبقة العاشرة، عرف بكثرة سفريَّاته إلى جبل بني مصعب ربَّما للدَّعوة للمذهب الإبَاضِي، كما كان كثير التنقُّل بين وارجلان وأريغ. انظر: الدرجيني: نفس المصدر، مج 2، ص: 446.
(4) - الشماخي: السير، ص: 415 - 417.
(5) - أهل وغلانة وبني ينجاسن من القبائل التي انتحلت مذهب الإبَاضِيَة. كانت تتمركز في المناطق البدويَّة بين مدينة وارجلان وأريغ، أهمُّ ما يميِّزها أنَّها قبائل تعتمد في عيشها على الرعي.
(6) - الوسياني، السير، ج 1، ورقة 79.
(7) - تقع هذه الجبال في شمال غرب وارجلان، وهي المنطقة المعروفة اليوم بوادي ميزاب، وتبعد عن ورقلة الحالية (وارجلان) بحوالي 190كلم.
(8) - الشماخي: السير، ص: 390. (1/33)
صفحة 30
أنَّ "بني وَرْمَازْ" (1) طغوا وأكثروا من الفساد، فاجتمع شيوخ أريغ إلى الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن بكر الذي ذكَّرهم بما يقوم به "بنو ورماز" من فساد، وقتل للعزَّابة الذين كانوا يزورون المدينة. ويبدو أنَّ "بني ورماز" كانو في أعداد كبيرة، حيث أنَّ أحد شيوخ "أريغ" أعرب عن عدم استطاعتهم وضع حد لطغيانهم. ممَّا أدَّى إلى غضب الشيخ أبي عبد الله ورحيله عن "أريغ" متجها إلى مدينة "فْرَانْ" (2) من نواحي وارجلان. ونظراً لمكانة أبي عبد الله الدينيَّة والعلميَّة، رجوه أنْ يعود إليهم، إلاَّ أنَّه اشترط القضاء على الفساد الذي يحدثه "بنو ورماز". عندئذٍ اتَّحد الإبَاضِيَة ووضعوا حدًّا لعدوانهم. (3)
لقد أدَّت هذه المشاكل إلى هجرة العلماء، وعدم رغبة البعض منهم في العودة إليها مرَّة أخرى. ويذكر أنَّ الشيخ أبا نوح (4) عاد إلى وارجلان بعد موت الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان، فوجد البلاد قد تغيَّرت، وكثر فيها الفساد. وخرج الإبَاضِيَة عن مذهبهم وأكثر العبيدُ من الاستيلاء على أموال الناس. كما اشتدَّت الفُرقة فغادرها الشيخ من فوره، ولم يبت ليلته فيها (5)
كما أنَّ الصراع المذهبي والتناحر بين الفرق الإسلاميَّة الموجودة في وارجلان بلغ أشُدَّه. فالشماخي يذكر أنَّ أهل وارجلان قتلوا جماعة من الأشعريَّة. (6)
إنَّ هذه الأوضاع المتردِّية أدَّت إلى هجرة العلماء. فقد كانت وارجلان كعبة علماء الإبَاضِيَة، ومركزاً كبيراً لحلقات التدريس. وقد ساء حال المدينة حتَّى أنَّ أبا يعقوب يوسف بن محَمَّد (7) قال: «إنَّ ذكر وارجلان مضرَّة وكيف بدخوله» (ها ((8)
وقد زارها العلماء في هذه الفترة، إلاَّ أنَّهم لم يمكثوا فيها سوى بضعة أيَّام، ومنهم من لم يدخل المدينة قطُّ. يروي الوسياني أنَّ أبا يعقوب سافر إلى تاهرت من
__________
(1) - بنو ورماز هم قبائل كانو يقيمون في ضواحي مدينة أريغ، عرفوا بأنَّهم كانوا قطَّاع طرق. انظر: الشماخي: نفس المصدر، ص: 388.
(2) - تقع هذه المدينة التي لم يرد ذكرها في المصادر الجغرافيَّة قرب مدينة سدراتة.
(3) - الشماخي: السير، ص: 388 - 389، أبو زكرياء: سير الأئمَّة وأخبارهم، مج 2، ص: 326 - 327، علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، مج 4، ص: 183 - 185.
(4) - هو أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي أحد علماء الإبَاضِيَة، عاش في القرن الرَّابع الهجري كان معاصراً لشيخ وارجلان أبي صالح جنون بن يمريان كان أبو نوح مهتمًّا بتربية الإبل والغنم والخيل إلى جانب اهتمامه بالتعلُّم. انظر: علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، مج 4، ص: 171 - 175.
(5) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 154 - 155.
(6) - الشماخي: السير، ص: 438.
(7) - هو أبو يعقوب يوسف بن محَمَّد المعروف بالطرفي الوارجلاني. يصفه الوسياني بأنَّه شيخ الرَّأي الناصح من أهل "تينْ يمْصُونْ" في ضواحي وارجلان. تعلَّم هذا الشيخ في تاهرت على يدي عبد الرحمن بن رستم. انظر: السير، ج 2، ورقة 46.
(8) - الوسياني: نفس المصدر، ج 2، ورقة 50 - 51. (1/34)
صفحة 31
جبل نفوسة، فلمَّا وصل إلى وارجلان لم يدخلها خوفاً من الخلاف والشقاق بل كان يبعث من يقضي له حوائجه. (1)
لقد تركت هذه الظُّروف أثراً كبيراً في الحياة الاجتماعيَّة والثقافية والاقتصادية في المدينة، فقلَّت حلقات التدريس وفتُرت حركة التجارة ... لعدم أمان الطرق التجاريَّة. وأطلَّت الطَّائفيَّة برأسها ممَّا أدَّى إلى ضعف الإبَاضِيَة عامَّة.
ويبدو أنَّ مجلس العزَّابة - وهو حديث العهد في المدينة - عجز كلِّية عن القيام بدوره كما ينبغي، نتيجة لفتور الحماس الديني وكثرة العناصر غير الإبَاضِيَة في المنطقة. فلم يعد ممكنا أنْ تسري عليها قرارات العزَّابة.
وعلى الرغم من مشاكل وارجلان وفتنها، إلاَّ أنَّ الهجرات إليها ظلَّت متَّصلة خاصة في فترات الاستقرار. ففتن وارجلان واضطراب أمورها أهون على المهاجرين من العيش في إفريقيَّة والمناطق الأخرى التي عاشت الحروب والصِّراعات بين الدول القائمة. أضف إلى ذلك رغبة الإباضيَّة الفارِّين العيشَ قرب إخوانهم وتحمُّل ما يتحمَّلونه من متاعب.
ومن بين الإبَاضِيَة الذين فرُّوا إلى وارجلان انقاذاً لأرواحهم إبَاضِيَةُ "قلعة درجين" (2) بإفريقيَّة، عندما استولى عليها بنو زيري.
والسرُّ في هجرة الإبَاضِيَة إلى وارجلان ــ كما تقول المصادر الإبَاضِيَة ـ يرجع إلى اعتقادهم أنَّ قرية "جُغْرَافْ" (3) هي آخر مابقي للإبَاضِيَة (4).
ومن الهجرات الأخرى التي تذكرها المصادر انتقال إبَاضِيَة طرابلس إلى وارجلان عقب حدوث القحط الكبير ببلادهم سنة 430هـ (1038م). (5) كما انتقل
__________
(1) - نفس المصدر والجزء، ورقة 51.
(2) - هي مدينة في إفريقيَّة تقع قرب مدينة نفطة في كورة قسطيلية، يصفها صاحب الاستبصار بأنَّها مدينة كبيرة تشتهر بصناعة الكسى، وبالقرب منها بلد سوف، ولا يعرف بعده عمران إنَّما صحراء وجبال. انظر: مؤلِّف مجهول: كتاب الاستبصار، ص: 159.
(3) - انتشرت هذه الخرافة بين الإبَاضِيَة، وهي زعمهم أنَّ دولة اباَضِيَّة تقوم في مدينة تُسمَّى جغراف، تمتاز بالعدل والصَّلاح، ولمَّا رأى الناس صلاح مدينة أجلو (أريغ) اعتقدوا أنَّها جغراف التي ذكرتها القصص. وهناك رواية تقول: لا يبقى مسلم في آخر الزَّمان إلاَّ في جغراف. وحسب اعتقادهم فإنَّه إذا انتقل بن درجين من قنطرارة إلى أسوف راح أهل أسوف إلى أريغ ثمَّ انتقل أهل أريغ إلى وارجلان. فإن اجتمعوا في وارجلان ارتحلوا إلى جغراف. انظر: الوسياني: السير، (مخ) ج 2، ورقة 82. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ح 4 هامش، ص: 436.
T. Lewicki: Une croyance des Ibadites nord Africains sur la fin du monde: le pays de GUGRAF; Vem congrés international d’arabisants et d’Islamisation, Brurelles 31 aout - 6 septembre 1970, publications du centre pour l’étude des problémes du monde musulman contemporain, pp 317 - 327.
(4) - الوسياني: نفس المصدر، ورقة 82.
(5) - الشماخي: السير، ص: 400. (1/35)
صفحة 32
إليها أهل "تاغَرْوِيتْ" (1) نتيجة اضطراب الأحوال الاقتصادية (2)
وقد زادت هذه الهجرات خاصة أثناء الغزو الهلالي لبلاد المغرب نتيجة الخراب الذي أحدثوه في إفريقيَّة والمغرب الأوسط. فاضطرب أمر إفريقة وخرب عمرانها، وأصبحت طرقها غير آمنة وخير وصف لهذا التخريب ما ذكره ابن خلدون حين قال: «جاء العرب فدخلوا البلد واستباحوه واكتسحوا المكاسب وخرَّبوا المباني، وعاشوا في محاسنها، وطمسوا من الحسن والرونق معالمها ... وشملوا بالعبث والنَّهب سائر من فيها، وتفرَّق أهلها في الأقطار فعظُمت الرزية وانتشر الدَّاء وأعضل الخطب» (3).
وعلى الرغم من عدم وصول الهلاليِّين إلى وارجلان آنذاك إلاَّ أنَّهم ضاعفوا المشاكل، وزادوا الأمور تعقيداً. فلا شكَّ أنَّ الفارِّين من الغزاة قد لجأوا إلى المدن البعيدة في أطراف الصحراء، خاصَّة القبائل التي كانت مواطنُها في بلاد الزاب والمسيلة ذلك أنَّ بني هلال أحدثوا فيها تخريباً فتركوها كما يقول ابن خلدون: «قاعا صفصفا أفقر من بلاد الجنِّ وأوحش من جوف العير، وغوَّروا المياه، واحتطبوا الشجر وأظهروا في الأرض الفساد» (4)
ومهما يكن من أمر فإنَّ بني واركلا رأووا مدينتهم وارجلان قد اكتظَّت بالسكَّان إثر قدوم الجماعات البدويَّة الزناتيَّة الذين طردوا من مواطنهم ممَّا تسبَّب في عدم استقرار المنطقة. إذ بعد هذا اضطربت أمور إفريقية خاصَّة بعد الهجرة الثانية لبني هلال. فقد استغلَّ ابن "خَزْرُونْ" (5) زعيم زناتة هذه الظروف فاستولى على بعض المدن التابعة لدولة بني حماد، وأرغم الأمير الحمَّادي الناصر بن علناس (481 - 498هـ) (1088 - 1104م) على ترك بلاد "الزاب" ووادي "أريغ". وفي يوم دخول ابن خزرون إلى مدينة بسكرة، قتله بعض رجال "العَرُوسْ بن سِنْدِي". (6) وأخذاً بالثأر طلب الزنَّاتيون المساعدة من الأثبج (7) الهلاليين. فما كان من الناصر إلاَّ أنْ
__________
(1) - تاغرويت هي قرية مجاورة لمدينة نالوت بجبل نفوسة. انظر: الشماخي: نفس المصدر، ص: 400.
(2) - الشماخي: نفس المصدر، ص: 296، وانظر: كذلك
T.Lewicki: Tamsiya suyuh Nafusa wa Qurahum, Warsyawa, 1955, p 79
(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 34.
(4) - ابن خلدون: نفس المصدر، مج 11، ص: 43.
(5) - هو المنتصر بن خزرون الزناتي زعيم زناتة خاض عدَّة ثورات ضدَّ الناصر ثمَّ أقطعه ضواحي الزاب ووريغة وأوعز إلى عروس بني سندى (هندي) حاكم بسكرة بقتله. انظر: ابن خلدون: نفس النصدر، مج 11، ص: 355 - 356.
(6) - يسمِّيه ابن خلدون عروس بن هندي. انظر: كتاب العبر، مج 11، ص: 356.
(7) - الأثبج هم قبائل من الهلاليين مثل زغبة وعدى ورباح وهم من بني عامر بن صعصعة وبنو جشيم بن معاوية بن بكر. وهي قبائل مضرية عدنانية. استوطنوا منطقة الحضنة في مدينة طبنة والمسيلة ونقاوس. انظر الطاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف: ط2، القاهرة، 1963، ص: 222. موسى لقبال: طبنة مدينة الزاب والأوراس في العصور الوسطى، الأصالة. عدد 60 - 61 سنة 1978، ص: 91. (1/36)
صفحة 33
أرسل حملة قادها ابنه المنصور (498 - 500هـ) (1104 - 1106م) استولت على وارجلان وبعض قرى أريغ (1).
يقول: ابن خلدون: «بعث إليه (أي الناصر) أهلُ الزاب أنَّ عمر و"مغراوة" (2) ظاهروا الأثبج من العرب على بلادهم، فبعث ابنَه المنصور في العساكر ونزل وَعْلاَنْ (3) بلد المنتصر بن خزرون، وهدَّمها، وبعث سراياه وجيوشه إلى بلد "واركلان" وولِّي عليها، وقفل بالغنائم والسبي» (4).
ولم يستطع أهل وارجلان مقاومة هذه الحملة نظراً لانقسامهم وعدم اتِّفاقهم على الدفاع على مدينتهم.
أمَّا مدينة سدراتة فقد خرِّبت في فترة متأخِّرة عن خراب وارجلان على يد علي يحيى بن اسحاق الميورقي المسوفي المعروف بابن غانية سنة 634هـ (1236م) حيث «خرَّب عمرانها، واجتثَّ شجرها، وغوَّر مياهها» (5)
وهكذا كانت نهاية سدراتة التي لا زالت آثارها موجودة إلى يومنا هذا تخفيها كثبان الرمال. وقد أُجريت في موقعها عدَّة حفائر إلاَّ أنَّ وعورة المنطقة وكثرة الرمال حالت دون كشف المدينة كلِّها. ونتيجة للحفريات التي قام بها "تارى" TARRY، بلانشي، BLANCHET، فوشر FAUCHER، مارغريت فان برشم Marguerite VAN BERCHEM، تمَّ الكشف عن آثار قيِّمة لمبانٍ كبيرة، ونقوش مزخرفة، وأشكال هندسيَّة، وأوانٍ متنوِّعة. ويذكر علماء الآثار أنَّ "سدراتة" كانت تتكوَّن من ثلاثمائة وخمسة وعشرين قرية، ولها ألف وإحدى وخمسون عيناً جارية. واكتشفوا أنَّ قنوات المياه المتفرِّعة في ضواحي المدينة سليمة، منها واحدة تصل إلى وارجلان. (6)
كما تمَّ الكشف عن قصر يحتوي على أربع وثلاثين غرفة، ترتفع جدرانه إلى أربعة أمتار، وبأعمدته نقوش عربيَّة. كما كشفوا عن زوايا زخرفيَّة ولآلي وورود، ورسوم. وكانت زهرة الزنبق وتنوُّع أشكالها أهمَّ عنصر للزخرفة (7).
وأثبتت الحفريَّات التي قامت بها "فان برشم"، وجود مدينة يزيد طولها عن كيلومترين وعرضها عن كيلومتر واحد. وأنَّ هذه المدينة كانت تتكوَّن من عدَّة قرى مبنيَّة على التلال تربطها الطرق. كما عثرت على آثار سور وأبراج للمراقبة، واستطاعت كشف شبكة قنوات المياه التي كانت تسقي المزارع والجنان المحيطة
__________
(1) - ابن خلدون: المصدر السابق، مج 11، ص: 356.
(2) - هي قبائل زناتية وتعتبر أقوى بطونها. كانت لهم الرئاسة على المغرب الأوسط مع بني يفرن. ومن بطون مغراوة بنو "سَنْجَاسْ" وبنو زَنْدَاجْ وبنو روا وبنو ورسيفان وورْداجة وغيرهم. انظر ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 103. سنوس ... يوسف إبراهيم: زناتة والخلافة الفاطميَّة، مكتب سعيد رأفت، ط1، القاهرة، 1986، ص: 59 - 60.
(3) - هي قرية في بلاد الزاب يسمِّيها الوسياني "وغلانة". انظر: السير، ج 2، ورقة 30.
(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 356.
(5) - نفس المصدر، مج 7، ص: 98.
(6) - رشيد بورويبة: الفن الرُّستُمِي بتاهرت وسدراتة، مجلَّة الأصالة، منشورات وزارة الشؤون الدينيَّة، عدد: 41، الجزائر، سنة 1977، ص: 189.
(7) - نفس المرجع، ص: 190 - 191. (1/37)
صفحة 34
بسدراتة. وتَعتَقِد "فان برشم" بأنَّ القصر الذي يتكوَّن من أربع وثلاثين غرفة هو قصر الأمير (1).
كما أظهرت هذه الاكتشافات أنَّ سكان سدراتة كانوا يحيون حياة حضاريَّة منتظمة، تؤكِّدها الرُّسوم الزخرفيَّة المستوحَاة من طبيعة المنطقة (2).
ويرى الدكتور عبد العزيز سالم أنَّ الرُّستُمِيين تأثَّروا بالفنِّ الزُّخرفيِّ العراقيِّ والفارسيِّ، حيث زُيِّنت جدران مسجد سدراتة بطاقات حفرت فيها تجاويف مقوَّسة تعلوها أنصاف قباب مسطَّحة وأحد هذه الجدران مزيَّن بضلوع بارزة كالفصوص التي تشابه تجاويف قصر "الأخيضر" بالعراق (3).
ومن آثار المدينة الباقية إلى يومنا هذا مسجد ومقبرة أبي صالح جنون بن يمريان، وضريح الإمام يعقوب بن أفلح (4).
ومن أهمِّ الصور التي وجدت على جدران أحد البيوت صورة ثلاثة رجال يحملون السيوف، وخمسة فرسان يركبون "المهري" (5) يحملون السيوف وكذلك عدَّة جمال ونعامتان ونخلة وأسد، ورجل ملثَّم يقود سجيناً. وهذه الصور تعطينا فكرة عن الحياة الاجتماعيَّة التي كانوا يحيونها (6).
4 - انتقال الإبَاضِيَة إلى وادي ميزاب:
قبل أنْ نتطرَّق إلى بداية هجرات الإبَاضِيَة إلى هذه المنطقة نودُّ أنْ نوضِّح أصل هذه التسمية ــ أي ميزاب ــ. يرى اطفيَّش أنَّ أصل التسمية مشتق من "الميزاب". ويحتمل أنَّ الأصل الأوَّل للتسمية هو "مصاب". وسميت "بني مصعب" لأنَّ بعض سكَّانها من مصعب. فإذا كان أصل التسمية من "مصاب"، فـ"مصاب" من زناتة وهو مصاب بن يادين بن جانا وبني يادين من ولد رزجيك الذي ينسب إليه بنو عبد الواد. ومنهم بنو توجين وبنو مصاب وبنو برزال، كلُّهم ينتسبون إلى يادين بن محَمَّد. وكانوا يعرفون بين زناتة الأولى ببني واسين قبل أنْ تتشعَّب هذه البطون والأفخاذ. وكانت مواطنهم بإفريقيَّة وبرقة. (7) وغدامس (8) والزاب والحامة (9).
__________
(1) - Marguerite VAN BERCHEM: Deux compagnes de fouilles à Sedrata (1951 - 1952), travaux de l’institut de recherches sahariennes, T 10, 1953, p 128.
(2) - Claud BAVARD: La civilisation urbaine au M’Zab, SNED Alger, (S.D), p 11.
(3) - السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج 2، ص: 582.
(4) - النوري: دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديماً وحديثاً، ج 1، ص: 109.
(5) - المهري نوع من الجمال يعرف بسرعته في المسير.
(6) - HAROLD TARRY: Les villes berbèes de la vallès de l’oued MYA, revue d’éthnographie, T 3, 1885, p 10 et 13.
(7) - تقع برقة جنوب بلا د إفريقيَّة يصفها الإدريسي بأنَّها مدينة متوسِّطة كانت في عصره غير عامرة. وهي أوَّل محطَّة للقادم من مصر إلى القيروان. انظر: الإدريسي: ... المغرب، ص: 131.
(8) - هي مدينة في إفريقيَّة تبعد عن تادمكت بأربعين مرحلة. يصفها البكري بأنَّها مدينة لطيفة كثيرة النخل والمياه. وهي كذلك تبعد عن جبل نفوسة بسبعة أيَّام.
انظر: البكري: المغرب، ص: 182.
(9) - ابن خلدون: العبر، مج 13، ص: 121 - 123. أطفيَّش: الرسالة الموسَّعة، ورقة 25. (1/38)
صفحة 35
يقول ابن خلدون: «من بني واسين هؤلاء بقصور مصاب على خمسة مراحل من جبل "تيطَرْ" في القبلة لما دون الرمال، على ثلاث مراحل من قصور بني ريغة (أريغ) في المغرب. وهذا الاسم للذين اختطوها ونزلوها من شعوب بني يادين، وضعوها في أرض حرَّة على أحكام وخراب ممتنعة في مسارحها، بين الأرض المحجَّرة المعروفة "بِالحَمَادَة" في سمت العرق متوسطة فيه قبالة تلك البلاد على فراسخ في ناحية القبلة، وسكانها لهذا العهد شعوب زناتة، وإنْ كانت شهرتها "مصاب"» (1).
أمَّا التسمية التي يرى الإبَاضِيَة أنَّها أقرب إلى الصواب فهي "ميزاب" ومعناها "أصحاب الميزاب". ويُرجِعون تلك التسمية إلى الشيخ الإبَاضِي "أبي بلال مرداس بن حدير" (2) الذي قام ذات ليلة بدخول الحرم في مكَّة، وجلس تحت الميزاب يدعو ربَّه أنْ يظهر له صحَّة دينه فنزلت عليه قطرة ماء من الميزاب، فعدَّ ذلك استجابة لدعائه. ومن يومها أصبح الإبَاضِيَة يقفون في الطواف تجاه ميزاب الكعبة. (3)
ويبدو أنَّ تسمية الوادي الذي يسكن حوله الإبَاضِيَة بوادي ميزاب ترجع إلى آلة للوزن. فالميزاب هو اسم لآلة الوزن مشتق من كلمة "موزان"، أو مأخوذ من وزَب الماء يزِب أي سال وانحدر (4).
ورغم وعورة المنطقة وعدم صلاحيتها للزِّراعة إلاَّ أنَّ الإبَاضِيَة اختاروها ملجأ لهم بعد عمليَّات التشريد التي تعرَّضوا لها طوال حياتهم. ولعلَّ طبيعتها تلك هي التي جعلتهم يفضّلونها على غيرها حتَّى لا يزاحمهم العرب أو البربر، فيحيون حياة تطبَّق فيها القوانين والأحكام الإبَاضِيَة حتَّى لا يتعرَّضوا لمثل ما تعرَّضوا له في سدراتة ووارجلان.
كانت منطقة وادي ميزاب منذ القدم مستقرًّا لجماعات من المعتزلة الواصليَّة. وكانوا يتنقَّلون من الجنوب إلى الشمال في فصل الربيع ثمَّ يعودون مع بداية فصل الشتاء. فأبو زكرياء يشير إلى قتال هؤلاء الواصليَّة للإمام الرُّستُمِي عبد الوهَّاب في أحواز تاهرت بقوله: «تكاثفت كلمة الواصليَّة واجتمعوا من كلّ نقب، وجازوا من كلِّ أوب». (5)
__________
(1) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 13، ص: 123.
(2) - هو من علماء الطبقة الثانية (50 - 100هـ) كان معاصراً لإمام الإبَاضِيَة الأوَّل جابر بن زيد الأزدي. ويعتبر من علماء الإبَاضِيَة المشارقة الأوائل الذين ساهموا في إثراء المذهب الإبَاضِي. انظر: الدَّرجيني: الطبقات: ج 2، ص: 214 - 226. البرادي: الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ كتاب الطبقات: نشره حمد بن يوسف الباروني، قسنطينة 1302هـ، ص: 167.
(3) - اطفيَّش: رسالة شافية في تاريخ وادي ميزاب (مخطوط)، ورقة 47 - 48. نفس المؤلِّف: رسالة إن لم تعرف الإبَاضِيَة ياعُقبي ياجزائري، القاهرة 1328هـ، ص: 42.
(4) - اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة، ورقة 48.
(5) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 67. (1/39)
صفحة 36
ولا شكَّ أنَّ هذه القبائل كانت تحترف الرعي. فالقرية المسمَّاة "أغَرْمْ نتْلَزْضِيتْ"، وهي إحدى قراهم التي مازالت آثارها موجودة إلى يومنا هذا في وادي ميزاب وتعني قرية الصوف. (1)
وتذكُر المصادر أنَّ مؤسِّس نظام العزَّابة أبا عبد الله محَمَّد بن بكر كان يزور هذه المنطقة قادماً من أريغ يدعو سكَّانها للمذهب الإبَاضِي، والتفَّ حوله الكثيرون رغم وقوف الواصليَّة في وجهه وقتلهم أحد أبنائه. (2)
ولمَّا تمكَّن هذا الشيخ من نشر المذهب الإبَاضِي في هذا الوادي انتقلت إليه جموع الإبَاضِيَة خاصَّة عندما كثرت الفتن والقلاقل في سدراتة ووارجلان. كما أنَّ غزو بني هلال لبلاد المغرب كان له هو الآخر تأثير على تلك الهجرة الجماعيَّة.
ويبدو أنَّ انتقال الإبَاضِيَة إلى منطقة وادي ميزاب تمَّ مع بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، ذلك أنَّهم أسَّسوا مدينتهم الأولى التي عرفت باسم "العطف" سنة 402هـ (1011م). وسمِّيت بهذا الاسم لانعطافها جانب الوادي. وكان سكان هذه المدينة في البداية يقيمون بقرية "أغرم نتلزضيت" التي كانت تسمَّى كذلك "تَجْنِينْت" أو "تكنينت" بمعنى الإناء. ذلك أنَّ أهلها كانوا يسقون مزروعاتهم بالآنية. (3)
أمَّا المدينة الثانية فهي مليكة سنة (408هـ) (4)، والمدينة الثالثة التي أسَّسوها هي غارداية سنة 442هـ (1053م). سمِّيت باسم غار كانت تسكنه امرأة تدعى "داية". كما يفسِّرها آخرون بأنَّ التسمية جاءت من أنَّ هذا الغار كان وكراً للغربان، لأنَّ الداية في لغة سكان المغرب تعني الغراب. (5)
__________
(1) - اطفيَّش، المرجع السابق، ورقة 25.
(2) - ابراهيم محَمَّد طلاَّي: ميزاب بلد كفاح، مطبعة البعث قسنطينة، 1970، ص: 13 - 15.
(3) -اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة، ورقة 24 - 25.
(4) -تختلف المصادر اختلافاً كبيراً في تواريخ بناء مدن وادي ميزاب. فهناك من يرى بأنَّ مدينة مليكة بنيت سنة 395هـ (1004م)، وقيل: سنة 408هـ (1017م) وقيل: سنة 518هـ (1124م). ونفس الشيء بالنسبة لمدينة العطف 402هـ أو 403هـ أو 404هـ (1011م، 1012م، 1013م)، وبنورة 438هـ أو 440هـ أو 810هـ (1046م، 1048م، 1407م). وأسِّست كلٌّ من بني يسقن سنة 748هـ (1347م) وقرارة سنة 1040هـ (1630م)، وبرِّيان سنة 1090هـ (1679م).
(5) - اطفيَّش: نفس المرجع، ورقة 22. (1/40)
صفحة 37
الفصل الثاني
علاقات الإبَاضِيَة بدُوَل المغْرِب
1 - بالدولة الفاطميَّة
ا - أوضاع الإبَاضِيَة في العهد الفاطمي
ب - ثورة النكَّارية:
1 - تعريف النكَّارية.
2 - نشأة أبي يزيد.
3 - استيلاء أبي يزيد على القيروان
4 - حصار المهديَّة.
5 - انتقال أبي يزيد إلى تونس.
6 - حصار سوسة.
7 - ثورة النكارية بعد أبي يزيد.
8 - تدعيم الخلافة الأمويَّة للثَّورة.
9 - نتائج ثورة أبي يزيد ومميِّزاتها. (1/41)
صفحة 38
جـ - ثورة الوهبيَّة:
1 - أسباب الثورة.
2 - التحضير للثَّورة.
3 - بداية الثورة.
4 - نتائج الثورة.
2 - علاقات الإبَاضِيَة ببني زيري وبني حماد.
3 - علاقات الإبَاضِيَة بإخوانهم في إفريقيَّة المشرق. (1/42)
صفحة 39
أ) - أوضاع الإبَاضِيَة في العهد الفاطمي:
كان موقف الفاطميين من الإبَاضِيَة سيِّئاً، نظراً للعداوة القديمة بين الفرقتين. وهي العداوة التي تعود إلى تاريخ ظهورهما. ومن الطبيعي أنْ تتفاقم هذه العداوة، خاصَّة وأنَّ الفاطميين هم الذين قضوا على الدولة الرُّستُمِيَّة.
وازدادت أوضاعهم سوءاً عندما تمكَّن الشيعة من الاستيلاء على "تاهرت" سنة 296هـ (909م)، والسماح للجيش بالقتل والسبي. كما قاموا بحرق "المكتبة المعصومة" التي اشتهرت بها الدولة الرُّستُمِيَّة للقضاء على تراثهم الديني. وأمام هذا الغزو فرَّ الإبَاضِيَة ــ كما مرَّ بنا ــ إلى سدراتة ووارجلان وجربة، وبلاد الجريد، وجبل نفوسة خوفاً من المزيد من الاضطهاد.
أمَّا إباضيَّة جبل نفوسة، فإنَّهم لم يعانوا ما عاناه إخوانهم في المغرب الأوسط بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة. يذكر الباروني أنَّ المعزَّ لدين الله الفاطمي (341هـ-365هـ) (952م-975م) (1) لَّما وصل إلى مدينة "طرابلس" (2) في طريقه إلى مصر، انفصل عنه جمع من عساكره إلى جبل "نفوسة" ولم يقدر عليهم. (3)
وأهمُّ ما يميِّز السياسة الداخليَّة للدولة الفاطميَّة في بلاد المغرب والتي عانى منها سكَّانه، جمعُ المال لتحقيق الهدف البعيد وهو السيطرة على العالم الإسلامي. لذلك فرض الفاطميُّون ضرائب جديدة مثل "دينار الهجرة" و "درهم الفطرة" على كتامة كما فرضوا على الحُجَّاج المرور بالمهديَّة حتَّى يدفعوا ضريبة الحجِّ.
وراح بعض المؤرِّخين الشيعة يدافعون عن خلفائهم ويُفتون بضرورة تقديم الأموال حتَّى ولو أكل بها الخلفاء لحوم الحيَّات. (4)
وإلى جانب هذه السياسة هناك المعتقدات الشيعيَّة التي نفر منها أصحاب المذاهب الأخرى. كعصمة الإمام وتقديسه، وتجريح كبار الصَّحابة، وأصبحوا يرون في مذهبهم مذهب كفر. لذلك صمَّموا على عدم السكوت على مثل هذه الافتراءات.
وهكذا التقت جميع المذاهب الأخرى في صفٍّ واحدٍ مناوئ للشيعة فكثرت الثورات في مختلف مناطق المغرب. وسنعرض للثورات التي قامت ... في وجههم.
__________
(1) - هو أبو تميم معد، الملقَّب بِ"المعز لدين الله بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله" بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور. تولَّى الخلافة سنة 341هـ (952م) وتوفي سنة 365هـ (975م).
(2) - هي إحدى مدن إفريقيَّة، وتقع في طريق مصر. يصفها ابن حوقل: بأنَّها مدينة خصبة حصينة صالحة الأسواق، كثيرة الضياع. انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 71.
(3) - الباروني: مختصر تاريخ الإبَاضِيَة، مطبعة الإرادة، تونس، 1938، ص: 50.
(4) - القاضي النعمان: كتاب المهمَّة في آداب اتباع الأئمَّة، دار الفكر العربي القاهرة، (د. ت)، ص: 67. الحبيب الجنحاني: دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت 1986، ص: 69. السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج 2، ص: 605. (1/43)
صفحة 40
ب) - ثورة النكارية:
1 - تعريف النكارية:
سميت جماعة "النكار" بالنُكَّارِيَّة لأنَّهم أنكروا إمامة عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم (171 - 190هـ) (787 - 805م) كما سمُّوا بِ"النجوية" لأنَّهم أكثروا النجوى في إبطال إمامة عبد الوهَّاب وسمُّوا بِ"الشغبية" لإكثارهم من الشغب في "تاهرت" وأرباضها، كما سمُّوا بِ"النكاث" لأنَّهم نكثوا بيعة الإمام بعد أنْ بايعوه. (1)
وقد اتخذت هذه الفرقة طابعاً سياسيًّا في البداية برفضها إمامة عبد الوهَّاب ثمَّ ما لبث أنْ تحوَّل هذا الطابع إلى طابع ديني. وأصبحت لها عقائد غريبة عن المذهب الإبَاضِيِّ وعن الإسلام عموماً، منها أنَّهم قالوا: «إنَّ حجَّة الله لا تقوم إلاَّ بسماع» وأنكروا عذاب القبر (2). كما قالوا: «إنَّ ولاية الله وعداوته تتقلَّب بالأحوال، وإنَّ الإمامة غير مفترضة. ومن لم تبلغه دعوة الإسلام، ودعي إلى دين سماوي آخر لا يجوز له أنْ يجيب». وقالوا: «إنَّ صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمَّة الجور، وإنَّ عطايا الملوك لا يحلُّ أخذها، وإنَّ الله لم يأمر بالنَّوافل». كما قالوا بلزوم العمل بالفرائض دون لزوم العلم بها ولا من معرفتها شيء، وأنَّ الحرام المجهول حلال (3).
كما قالوا بشرب الخمر على التقيَّة، وقالوا: «لا تجوز إمامة أحد المسلمين وفي المسلمين أفضل منه». وهذا الشرط هو الذي خالفوا فيه الإمام ... "عبد الوهَّاب" ورفضوا الاعتراف بإمامته، وظلُّوا يحاربونه حتَّى استطاع القضاء على ثوراتهم. (4)
وهكذا نجد أنَّ النكار عُرفوا بالغلوِّ في الدين عكس الإبَاضِيَة الوهبيَّة (5) الذين عُرفوا بالأخلاق الفاضلة والاستقامة والورع. ويحقُّ للإبَاضِيَة الوهبيَّة أنْ يتبرَّأوا من هؤلاء ويعتبروهم غير إبَاضِيَة لأنَّهم خرجوا عن عقائد المذهب الإبَاضِي، وأصبحوا
__________
(1) - الشماخي: السير، ص148. اطفيَّش: رسالة شافية، و 46. يحيى هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام في القارَّة الإفريقيَّة، ج 1، مكتبة النهضة المصريَّة، القاهرة 1965، ص: 45.
(2) - المارغني: فرق الإبَاضِيَة الست ومازاغت به عن الحق، ص: 54. الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج 3، القاهرة (د. ت)، ص: 33. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة دراسة مركَّزة في أصولهم وتاريخهم، المطبعة العربيَّة، غرداية، 1976، ص: 75.
(3) - المارغني: فرق الإبَاضِيَة، ص: 55. صابر طعيمة: الإبَاضِيَة عقيدة ومذهباً، دار الجيل، بيروت 1986، ص: 52. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة بين الفرق الإسلاميَّة، مطابع سجلَّ العرب، الطبعة الأولى، القاهرة 1976، ص: 263.
(4) - المارغني: نفس المصدر والصفحة، طعيمة: نفس المرجع والصفحة.
(5) - هم أتباع الإمام الرستمي عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم، ظهرت هذه الفرقة عندما انقسم الإبَاضِيَة إلى فرقتين: فرقة تناصر يزيد بن فندين، وفرقة وقفت إلى جانب الإمام، فسمُّوا "وهبيَّة" نسبة إليه. وقيل: إنَّما سمُّوا كذلك نسبة لعبدالله بن وهب الراسبي مثلما قال ابن حوقل. انظر: صورة الأرض، ص: 93. الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 47 - 51. (1/44)
صفحة 41
لا يمتُّون له بصلة، بينما ظلَّ الوهبيَّة ـ إلى يومنا هذا ـ متمسِّكين بتعاليم المذهب الصحيحة. والدليل على بطلان معتقدات النكارية وزيغها عن الحق، وخروجها عن الدين أنَّه لم يبق اليوم من يدين بمعتقداتهم.
2 - نشأة أبي يزيد:
هو مخلد بن كيداد بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورينت بن حونيفر بن سميدان بن يفرن بن جانا وكنيته أبو يزيد. وهو من بني واركو إخوة مرنجيصة (1)، من بطون بني يفرن من زناتة. (2) ويُرجع ابن حوقل أصله إلى قبيلة سماطة. (3) بينما ينسبه أبو عبد الله الصنهاجي إلى بني جعفر (4) من زناتة. ومهما يكن من أمر فإنَّ جُلَّ المصادر تتَّفق على ... نسبه الزناتي.
وكان والده "كيداد" يسكن مدينة توزر (5)، وكان تاجراً في بلاد السودان حيث ولد له أبو يزيد من امرأة هوارية بمدينة كوكو، اشتراها أبوه ... من تادمكت. (6)
ولماَّ عاد "كيداد" من بلاد السودان إلى مدينة توزر، أصبح ابنُه يتردَّد على توزر و"تقيوس"، (7) فحفظ القرآن، وخالط النكَّارية الذين كانت أعدادهم كبيرة في "بلاد الجريد" فتأثَّر بمذهبهم، ومال إلى اعتقاداتهم. (8) ثمَّ عكف أبو يزيد على دراسة الفقه الإبَاضِي حتَّى تفوَّق فيه وأصبح من كبار المجادلين فيه، وأنشأ مدرسة في "توزر" لتعليم الصبيان قرب عين ماء تعرف ... بِ "عين النكارة". (9)
__________
(1) - كان هذا البطن من بني يفرن يقيم بإفريقيَّة، وكانوا في عدد كبير. وعندما خرج أبو يزيد وأعلن الثورة على الشيعة، انضمَّ إليه اخوانهم من بني واركو ولمَّا فشلت ثورة أبي يزيد ضعفوا، وبقيت منهم أحياء في القيروان وتونس. انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج 13، ص: 48 - 49.
(2) - ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، مج 1، دار الثقافة بيروت 1980، ص: 216. ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 26.
(3) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 94.
(4) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 29 - 30.
(5) - هي مدينة تقع في أقصى إفريقيَّة من نواحي الزاب الكبير من أعمال الجريد.
انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج 5، ص: 57.
(6) - تقع هذه المدينة على طريق بلاد السودان، وأهلها بربر مسلمون يعيشون من اللحم واللبن، ويجلب إليهم الذرة وسائر الحبوب من بلاد السودان، يتعاملون بنوع من الدنانير يسمَّى "الصلع". تبعد عن غانة بمسيرة خمسين يوماً، وعن غدامس بأربعين مرحلة. ... انظر: البكري: المغرب، ص: 181 - 183.
(7) - هي مدينة بإفريقيَّة قريبة من "توزر" تتكوَّن من أربعة مدن متقاربة كثيرة النخل والزيتون والفواكه. انظر: مؤلِّف مجهول: كتاب الاستبصار، ص: 156.
(8) - ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفرِيقِيَّة وتونس، تحقيق محَمَّد شمَّام، مطبعة 20 مارس، الطبعة الثالثة، تونس 1387هـ، ص: 57 - 58. ابن خلدون: كتاب العبر، ج7،ص:27.
(9) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 109 - 111. (1/45)
صفحة 42
وعن تفضيل أبي يزيد للمذهب النكاري دون الوهبي يذكر الدَّرجيني: «أنَّ عالماً من علماء الإبَاضِيَة يدعى "أبا الربيع" خرج برفقة أبي يزيد، وأثناء مرورهم بحي من أحياء الوهبيَّة لم يكترثوا بهما فوقع ذلك في نفس أبي يزيد. وعندما مرَّا بالنكارية أكرموهما، وأحسنوا استقبالهما فأدَّى هذا إلى استمالته إليهِم، واعتناقه معتقداتهم، والدعوة لها». (1)
ونحن لا نصدِّق هذه الرِّواية لأنَّ هناك أسباباً أخرى أقرب إلى الصحَّة، منها القبلية لأنَّ زعيم فرقة النكارية هو يزيد بن فندين الذي ينتمي إلى بني يفرن وهي نفس قبيلة أبي يزيد. والمعروف أنَّ النكَّارية أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ولم يعترفوا بها، كما تضمَّن مذهب النكَّار أفكاراً تخدم مصالح أبي يزيد منها: قتل المخالفين إذا أذنبوا، وبتكفير أهل الملَّة، وعدم توريث البنت، وهذه القضيَّة الأخيرة تهدم أساساً جوهريًّا في الدعوة الشيعيَّة القائمة ببلاد المغرب. ومعنى ذلك أنَّ المذهب النكاري يتوافق مع تطلّعات أبي يزيد ومصالحه. كما يتوافق مع طبيعة شخصيَّته التي فطرت على الشغب والتطرُّف. وهذا يتوافق مع مذهب النكَّار المتصف بالغلو.
ويبدو أنَّ عدم إكرام أبي يزيد من طرف الوهبيَّة ليس هو السبب الحقيقيُّ في تفضيله وتبنِّيه لآراء النكارية، وإنَّما كثرة مخالطته لهم خاصَّة وأنَّ ... بلاد الجريد كانت تضمُّ أعداداً كبيرة منهم، جعلته يُقبل عليهم ويتولَّى الدعوة لمذهبهم.
لم يمكث أبو يزيد طويلاً في مدينة "توزر" بل انتقل إلى "تاهرت" وفيها احترف تعليم الصبيان. ولمَّا خرج أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة (2) لإطلاق سراح المهدي المسجون، انتقل إلى "تقيوس". وهناك اشترى ضيعة، وباشر مرَّة أخرى عمله التعليمي. كما بدأ يدعو إلى الثورة ضدَّ العبيديين، وذلك سنة 316هـ (928م) فـ «كان يذهب إلى تكفير أهل ملَّته واستباحة الأموال والدماء، والخروج على السلطان. ثمَّ أخذ نفسه بالحسبة على الناس، ... وتغيير المنكر» (3).
وقد لقيت هذه الدعوة إقبالاً كبيراً بين الناس، وأصبحوا يجتمعون حوله خاصَّة النكاريَّة منهم. ولمَّا بلغ خبره الخليفة "القائم بأمر الله" (4) (322 - 334هـ) (933 -
__________
(1) - نفس المصدر والجزء، ص: 110 - 111.
(2) - تقع هذه المدينة في إقليم "تافيلالت" جنوب المغرب الأقصى. كانت عاصمة لدولة بني مدرار (140 - 296هـ) (758 - 909م) اشتهرت هذه المدينة بتجارتها مع بلاد السودان الغربي. يصفها ابن حوقل بأنَّها مدينة حسنة الموضع تقع على نهر. فكانت ذات =نخيل وبساتين. أمَّا أهلها فهم قوم مياسير. تبعد سجلماسة عن مدينة "فاس" بثلاث عشرة مرحلة، وعن أغمات بثماني مراحل، وعن أودغست بمسيرة شهر. انظر: صورة الأرض، ص: 90 - 91.
(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 84. ابن الأثير: الكامل، مج 8، ص: 422.
(4) - هو أبو القاسم محَمَّد بن عبيد الله القائم بأمر الله، تولَّى الخلافة بعد وفاة المهدي (297 - 322هـ) (909 - 934م). ويقال أنَّ اسمه نزار "ولقِّب بالقائم بِأمر الله. انظر: أبو عبد الله الشيخ محَمَّد الباجي المسعودي: الخلاصة النقيَّة في أمراء إفرِيقِيَّة، مطبعة بيكار، الطبعة الثانية، تونس 1323هـ، ص: 39. (1/46)
صفحة 43
945م) أرسل إلى عامله على قسطيلية يأمره بالقبض عليه. وتمَّ القبض عليه، وزجَّ به في السجن، وبعد قضائه مدَّة في السجن اجتمع أصحابه وتشاوروا في الأمر، فاتَّفقوا على اختيار أربعة رجال يقومون بالهجوم على السجن وإخراج صاحبهم. وبعد إعداد خطَّة الهجوم، دخل الرجال ... إلى "توزر"، وكسروا باب السجن وقتلوا السجَّان ثمَّ أخلوه من ... المساجين، وأخرجوا صاحبهم مكبَّلاً بالحديد، فحمله أحدُهم على ظهره ولاذوا بالفرار. (1)
وبالقرب من مدينة الحامة (2) كسروا أغلاله على صخرة عرفت بِ"صخرة أبي يزيد"، ثمَّ أسرعوا إلى صحراء "سماطة" غايتهم الوصول إلى "قلعة بني درجين" (3) يطلبون مساعدة أهلها، وكان بنو درجين في عدد كبير، حتَّى أنَّهم قُدِّروا بثمانية عشر ألف فارس، إلاَّ أنَّهم لم يكترثوا به، إذ كان على ... غير مذهبهم (4).
ولمَّا رأى أبو يزيد وجماعُته ذلك الاستقبال الفاتر غادر "بني درجين" متوجِّها إلى "بني واركلا"، وأقام بها سنة يختلف إلى جبل "أوراس" وإلى "بني برزال" في مواطنهم بالجبال قبلة المسيلة، وإلى "بني زنداكْ" (5) من مغراوة، إلى أن أجابوه فوصل إلى أوراس «ومعه أبو عمَّار الأعمى في إثني عشر من الراحلة». (6)
ويبدو أنَّ دعوة أبي يزيد لقيت إقبالا كبيرا في جبل أوراس، وساعده على ذلك الاختلافُ الحادّ بين الشيعة والإباضية، ومغالاة الشيعة في - بلاد المغرب - في تفسير الأحكام، وإلزام الناس بالدخول في مذهبهم وسخط أهل المغرب من ذلك. بالإضافة إلى إسقاط الفاطميِّين للدولة الرُّستُمِيَّة حاملةِ لواء المذهب الإبَاضِي، وسوء الأوضاع الاقتصاديَّة لعامَّة سكَّان المغرب نتيجة الضرائب التي فرضها المهديُّ ممَّا دفع الناس إلى الانضمام إلى حركة أبي يزيد. يقول الدَّرجيني: «كان عند إخوانه بالجبل مكرَّماً». (7) فكان بنو كملان (8) في جبل أوراس هم الساعد الأيمن لحركته، وبهم قويَ، واشتدَّت شوكته واستفحل أمره. (9)
__________
(1) - القرشي: عيون الأخبار، ص: 173.
(2) - مدينة في الجنوب التونسي تقع قرب مدينة "توزر" وصفها صاحب الاستبصار بأنَّها مدينة قديمة مسورة، يسكنها قوم من البربر يعرفون بمطماطة، وهي كثيرة التمر والزيتون والفواكه. انظر: مؤلِّف مجهول: كتاب الاستبصار، ص: 150.
(3) - هي مدينة قديمة قرب "نفطة" و"بلد سوف"، اشتهرت بصناعة الكسى.
انظر: نفس المصدر، ص159.
(4) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص97 - 98.
(5) - بنو زنداك هؤلاء من قبائل مغراوة المعروفة بأنَّها أكبر بطون زناتة، بنتسبون إلى مغراو بن يصليتن بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا، إخوة بني يفرن وبني ترنيان، كانت مواطنهم في المغرب الأوسط في المنطقة الممتدّة من شلف إلى تلمسان.
انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج13، ص50.
(6) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص27 - 28.
(7) - الدَّرجيني: الطبقات، مج 1، ص: 98.
(8) - هم قوم من هوارة كان موطنهم أوراس. وقفوا إلى جانب أبي يزيد طيلة ثورته. وقد قتل منهم الكثير في موقعة الرؤوس قرب باتنة. انظر: ابن خلدون: المصدر السابق، مج 13، ص: 34.
(9) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 30. (1/47)
صفحة 44
وقد ظلَّت عمليَّة البحث عنه متَّصلة. فلمَّا علم"القائم بأمر الله" بموضعه، أرسل إليه جيشاً كبيراً حاصَره في جبل أوراس سبع سنوات عانى فيها أصحابُه كثيراً. وكاد هذا الحصار أنْ يقضي عليه لولا الفكرة التي أشار إليها أبو يزيد لصدِّ هذا الهجوم وفكِّ الحصار حيث أمر ذات ليلة بخمسمائة ثور، على أنْ يربط في كلِّ قرن من قرون الثيران حزمة من الحلفاء، وفي أذنابهم حزم أخرى، واختار لهذه المهمَّة خمسمائة رجل من خيرة رجاله، وأمرهم أنَّ يسوقوا الثيران. وعندما اقتربت من معسكر الفاطميِّين، أشعل كلّ واحد النار في الحلفاء، فلمَّا أحسَّت الثيران بالنار، انطلقت كالسهام والرجالُ وراءها بالسيوف يقتلون كلّ من كان أمامهم. وبذلك تمَّ إلحاق هزيمة قاسية بالفاطميِّين. وكان من نتائج هذا الانتصار أنْ ارتفعت معنويَّات أصحاب أبي يزيد، وازداد إقبال الناس عليه إذ انضمَّ إليه عدد كبير من عساكر الفاطميِّين. (1)
أمَّا الإبَاضِيَة الوهبية فإنَّهم ــ كما يقول الدَّرجيني ــ: لم يشاركوا في هذه الثورة إذ أنَّ مسارة بن غني ــ أحد أصحاب أبي يزيد ــ قال له: «لا تظن أنَّ الوهبيَّة خرجوا معك، فإنَّهم في مساجدهم». (2)
ويبدو أنَّ الإبَاضِيَة الوهبيَّة شاركوا كذلك في هذه الثورة لا حبًّا في أبي يزيد. فالعداوة شديدة بين النكارية والوهبية، وإنَّما لوحدة الهدف الذي ينشده كلا الفريقين. ولتجنيد الرجال ــ لضمان نجاح الثورة ــ فقد زار أبو يزيد مدينة وارجلان سنة 325هـ (936م) ونزل عند "بني زنداك" و"بني واركلا" حيث أمضى سنة كاملة ينتقَّل في هذه المناطق بين مدينة "المسيلة" وبين وادي أريغ والزاب لتجنيد الرجال. كما مرَّ بِ"مَرْمَاجَنَّة" (3) وفيها أهداه سكانها حماراً أشهبَ، ظلَّ يركبه مدَّة طويلة حتَّى أنَّه أصبح يُعرف بِ "صاحب الحمار".
ولمَّا عاد أبو يزيد إلى "أوراس" صحبة شيخه أبي عمَّار الأعمى سنة 331هـ (942م) أخذت له البيعة على قتال العبيديين. فإذا انتصروا واستولوا على المهدية (4) والقيروان، أصبح الأمر شورى بينهم. (5)
وبداية من هذا التاريخ انطلقت ثورة أبي يزيد ولقِّب بشيخ المؤمنين، خاصَّة وأنَّه
__________
(1) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 105.
(2) - نفس المصدر، مج 1، ص: 105.
(3) - تقع هذه المدينة بإفرِيقِيَّة، قريبة من مدينة "الأريس" وبينها وبين مدينة مجانة مرحلتان. انظر: الحميري: الروض المعطار، ص: 540.
(4) - هي مدينة استحدثها المهدي القائم بالمغرب وسمَّاها بهذا الاسم، وانتقل إليها من رقادة سنة 308هـ، وأصبحت عاصمة للدولة الفاطميَّة. انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 73.
(5) - القرشي: عيون الأخبار، ص: 173. ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 28. سليمان بن الحاج داود بن يوسف: ثورة أبي يزيد جهاد لإعلاء كلمة الله، مطبعة البعث، ط1، قسنطينة 1971، ص: 28. محمود اسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص: 178. (1/48)
صفحة 45
لقي الدعم من الخليفة الناصر صاحب الأندلس. (1) وبدأ ثورته عندما زحف إليه عامل باغاية "صولت بن ملول" فلقيه أبو يزيد وألحق به الهزيمة. وواصلَ طريقه إلى باغايَةْ فحاصرها ثمَّ انهزم فيها. ولذلك أرسل سنة 333هـ (944م) إلى بني واسين (2) الزناتيين المقيمين بضواحي قسطيلية يطلب منهم محاصرة هذه المدينة. أمَّا هو فقد واصل السير حيث فتح مدينة تبسَّة (3) ومجانة (4) صلحاً وطرد من "الأريس" (5) عسكر كتامة، واستولى عليها عنوة. ولم ينج أحد من أهلها حتَّى الذين لجأوا إلى الجامع. كما استولى على مدينة "سبيبة" (6) وقتل عاملها (7).
وبهذه الانتصارات الخاطفة أحسَّ القائم بأمر الله بالخطر الذي يداهمه وأنَّه لا يستبعد أنْ يهدِّده في عاصمته المهدية. لذلك جهز الجيوش وأرسلها إلى كلٍّ من رقادة والقيروان بقيادة "ميسور الخصي". كما أرسل جيشاً آخر إلى باجة (8) فنهبها وأحرقها، وقتل الأطفال وسبي النساء.
وقد حاول بشرى إعادة الكرَّة من جديد حيث أرسل جيشاً من تونس استطاع أنْ يهزم أبا يزيد في البداية، إلاَّ أنَّ قوَّة أبي يزيد أرهبت "بشرى" فجعلته عاجزاً أمامه، حينئذ طلب أهلُ "تونس" (9) الأمان من أبي يزيد فأمَّنهم وولَّى عليهم أحد أصحابه
__________
(1) - هو الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر (300 - 350هـ) (913 - 962م) تولَّى الحكم بعد وفاة الأمير عبد الله بن محَمَّد سنة 300هـ. وهو أوَّل من تسمَّى بأمير المؤمنين.
انظر: أحمد بن محَمَّد المقري التلمساني: نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج1، تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت 1968، ص: 353.
(2) - بنو واسين ينتمون إلى الطبقة الثانية من زناتة، ويرجع نسبهم إلى يصلتين إخوة مغراوة وبني يفرن. ويقال إنَّهم من بني وانتن بن ورسيك بن جانا إخوة مسارت وتاجرت. كانت مواطنهم في قسطيلية والزاب وغدامس والحامة وقصور مصاب.
ابن خلدون: المصدر السابق، مج 13، ص: 120 - 122.
(3) - تبسَّة أو تبسا هي مدينة أزلية من بلاد إفرِيقِيَّة كثيرة البساتين والفواكه، ويجود بها الجوز الذي يضرب به المثل في إفرِيقِيَّة.
انظر: الحميري: الروض المعطار، ص: 129 - 130.
(4) - هي مدينة من مدن إفرِيقِيَّة تبعد على مرماجنة بمرحلتين، انظر: الحميري: نفس المصدر، ص: 540.
(5) - هي مدينة لها إقليم واسع وغلات بها عينان جاريتان "عين رباح"و"عين زياد" اشتهرت في إفرِيقِيَّة بزراعة الزعفران. انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 86.
(6) - هي مدينة في إفرِيقِيَّة أزليَّة ذات أنهار وثمار. انظر: البكري: المغرب، ص: 49.
(7) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 4، ص: 86، ابن الأثير: الكامل، مج 8، دار صادر بيروت 1979، ص: 423 - 424. سنوسي: زناتة والخلافة الفاطميَّة، ص: 206 - 208.
(8) - هي مدينة بإفرِيقِيَّة تعرف كذلك بباجة القمح. سمِّيت بهذا الاسم لكثرة حنطتها وهي تبعد عن مدينة "تنس" بيومين. انظر: الحموي: معجم البلدان، مج 3، ص: 314.
(9) - هي مدينة أزلية كانت تسمَّى في القديم "ترشيش". فلمَّا ابتنى المسلمون فيها سميت تونس. تمتاز بالمياه الجارية، وكثرة الغلاَّت والبساتين.
انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 75. (1/49)
صفحة 46
ويسمَّى "رحمون"، ثمَّ توجَّه إلى القيروان. (1)
وفي هذه الظروف أرسل الخليفة القائم قائدَ جيشه "بشرى" مرَّة أخرى للقاء أبي يزيد، وتمكَّن في هذه المرَّة من إلحاق الهزيمة بالنكارية. (2)
ولمَّا رأى أبو يزيد ماحلَّ بأصحابه اغتاظ من ذلك فجمع أصحابه وانطلق إلى قتال الكتاميين، واستطاع أنْ ينتصر عليهم ويطاردهم إلى رقادة ثمَّ نزل بقواته بالقرب من القيروان (3). ثمَّ ما لبث أنْ عاد إلى رقادة وهاجمها. كما أرسل عسكراً إلى القيروان، ودخلها دون مقاومة. (4)
ويبدو أنَّ تهاون وتقاعس والِيها خليل بن إسحاق من قِبل الفاطميين وتكاسله عن الدفاع عنها سهَّل المهمَّة لأبي يزيد. بالإضافة إلى عدم تحمُّس المالكيَّة إذ سبق وأن انضمَّ بعضهم إلى حركته وتقاعس بعضهم عن الدفاع عن المدينة كراهية من النفوذ الفاطمي.
وبفضل هذه الهجمات الخاطفة، استطاع أبو يزيد أنْ يستولي على جزء كبير من إفرِيقِيَّة. كما اشتدَّ الخوف في المدن حيث ظلَّ مدَّة ثمانية وستين يوما يبثُّ سراياه في جميع مدن إفرِيقِيَّة ينهبون ما يجدونه من قوت وسلاح. كما بعث جيشاً إلى مدينة "سوسة" (5) فأحرقها وبطش بأهلها، أشدَّ بطش حتَّى أنَّ ابن أبي دينار يقول: «فعل بأهل سوسة ما لا تفعله أعداء الدين» (6) وعن الخراب الذي أحدثته هذه الثورة، يضيف قائلاً: «ولم يبق بإفرِيقِيَّة منزلٌ عامرٌ». (7)
وتجدر الإشارة إلى أنَّ ما يميِّز هذه المرحلة من مراحل ثورة أبي يزيد انضمام شيوخ القيروان إليه، إذ أصبحت هذه الثورة تهمُّ كلَّ سكان بلاد المغرب بمختلف أجناسه ومذاهبه. ففي البداية كانت الثورة ثورة النكارية ثمَّ ما لبث أنْ انضمَّ إليها الوهبيَّة والمالكيَّة وبعض الشيعة الذين فرُّوا من عسكر الفاطميين. ذلك أنَّ هؤلاء اعتبروا هذه الثورة إحدى الفرص للخلاص من حكم الشيعة، لأنَّ مظهر الحركة في البداية كان سنيًّا يُظهر الترحُّم على أبي بكر وعمر، وقراءة مذهب الإمام مالك والعمل به، وضرورة تطبيق الشريعة الإسلاميَّة طبقاً للكتاب والسنَّة، وأنَّه ثار من أجل العدالة والإسلام، وإزالة البدع التي أراد الفاطميُّون إدخالها على العقائد والعبادات. والحقيقة أنَّ أبا يزيد كان يتطلَّع إلى تكوين دولة إبَاضِيَة نكارية. لذلك نراه
__________
(1) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 4، ص: 84 - 86.
(2) - نفس المصدر والجزء، والصفحات.
(3) - المقريزي: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمَّة الفاطميِّين الخلفاء، دار الفكر العربي، القاهرة 1948، ص: 111.
(4) - ابن الأثير: الكامل، مج 8، ص: 424 - 425.
(5) - هي مدينة أزلية تقع على ساحل البحر في شرق تونس، فيها بنيان عظيم يسمَّى "الملعب"، اشتهرت بكثرة الأمتعة وجودة الثياب الرقاق. انظر: مؤلِّف مجهول: الاستبصار، ص: 119.
(6) - ابن أبي دينار: المؤنس، ص: 59.
(7) - نفس المصدر، ونفس الصفحة. (1/50)
صفحة 47
يهادن كافة الفرق المناوئة للفاطميين باستعمال الحيلة. (1)
ونلاحظ أنَّ انضمام المالكيَّة إلى الثورة لم يأت لإعجابهم وانبهارهم بخطب أبي يزيد الحماسية التي كان يلقيها، بل كانت وحدة الغرض هي التي دفعت مالكيَّة القيروان إلى الوقوف بجانبه، فشرعوا لتوِّهم في إثارة حماس القيروانيين لتجنيدهم إذ أكثروا من الخطب والاجتماعات في المساجد، يحثُّون الناس على مؤازرة أبي يزيد لطرد الشيعة. وراح البعض منهم ينظِّم الشعر الحماسي، كالقصيدة التي أنشدها شاعر يدعى، "أبا القاسم الفزَّاري" بين يدي أبي يزيد بحضور علماء القيروان، يستعطفه لمحاربة الشيعة كما أنشد قصائد أخرى هجا فيها العبيديين (2).
وقد تزعَّم أهلَ القيروان في تلك الدعوة "أبو الفضل عبَّاس بن عيسى الممسي. (3) "، وربيع بن سليمان القطان (4)، وأبو اسحاق السبائي (5)، وأبو العرب بن تميم (6)، وأنَّ «أبا العرب خطب في الناس قائلا: إنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: يكون في آخر الزمان قوم يقال لهم الرافضة، فإذا أدركتموهم فاقتلوهم، فإنَّهم كفَّارٌ،
__________
(1) - ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، طبعة ليدن 1948، ص: 217. عبد العزيز المجذوب: الصراع المذهبي بإفرِيقِيَّة، ص: 197 - 199. حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار مطابع المستقبل، القاهرة 1980، ص: 133. السيد محَمَّد أبو العزم داود: الأثر السياسي والحضاري للمالكيَّة في شمال إفرِيقِيا حتَّى قيام دولة المرابطين، المكتبة الفيصليَّة 1985، ص: 195. موسى لقبال: الحلف بين أهل السنة والنكاريَّة في القرن 4هـ (10م) وأثره في تطور أوضاع مدن إفرِيقِيَّة والزاب والحضنة والأوراس، الأصالة عدد 60 - 61 سنة 1978، ص: 62.
(2) - الدباغ: معالم الإيمان، ج 3، ص: 86، سليمان بن الحاج داود: ثورة أبي يزيد، ص: 57.
(3) - هو أحد علماء المالكيَّة في القيروان عرف بشدَّة الورع حيث حفظ القرآن وعمره لم يتجاوز ثماني سنين كما حفظ الموطأ. كان ممَّن خرج لقتال الفاطميين. وقد توفي قرب مدينة المهدية في مكان يعرف بِ"الوادي المالح" في يوم الإثنين لثمان بقين من رجب سنة 333هـ. انظر: الدباغ: نفس المصدر والجزء، ص: 31 - 35.
(4) - هو أبو سليمان ربيع بن سليمان بن عطاء الله تعلَّم في بلاد المشرق في مجالس عدَّة شيوخ منهم أبو الحسن الدينوري بمصر، وأبو يعقوب الهرجوري بمكَّة ثمَّ عاد إلى القيروان وواصل الاستماع إلى شيوخها. كانت له حلقة بجامع القيروان. كما كان يؤلِّف الخطب والرسائل ويقول: الشعر. انظر: الدباغ: نفس المصدر والجزء، ... ص: 35 - 36.
(5) - هو أبو اسحاق ابرهيم بن احمد السّبائي الزاهد. كان رجلاً صالحاً مشهوراً بالعبادة والاجتهاد، يتذاكر العلماء في حلقته أمثال أبي القاسم بن شبلون وأبي الحسن القابسي وسعيد بن ابراهيم. توفي يوم الثلاثاء النصف من رجب سنة 356هـ. انظر: الدباغ: معالم الإيمان، ج 3، ص: 77 - 80.
(6) - هو محَمَّد بن أحمد بن تميم بن تمام بن تميم التميمي كان جدُّه تميم بن تمام من أمراء إفرِيقِيَّة. كان أبو العرب فقيها ألَّف عدَّة كتب منها كتابه المعروف في: طبقات علماء إفرِيقِيَّة إلى جانب كتاب عباد إفرِيقِيَّة. وسند حديث مالك، وكتاب التاريخ من سبعة عشر جزءا، وكتاب مناقب ابن تميم وغيره من الكتب. كان ممَّن دعوا إلى الخروج عن الفاطميين، فخرج من القيروان وانضمَّ إلى أبي يزيد أثناء حصار المهدية، فأُسِر وقتل في الثاني والعشرين من ذي الحجَّة سنة 333 هـ (945م). انظر: الدباغ: نفس =والمصدر والجزء، ص42 - 43، السنوسي: زناتة والخلافة الفاطمية، هامش ص212. (1/51)
صفحة 48
فلمَّا أتمَّ الحديثَ كبَّر الناس، وعلت الأصوات في الجامع حتَّى ارتجَّ». (1)
واعتبر "أبو الفضل عبَّاس بن عيسى الممسي" أنَّ الخروج مع أبي يزيد والقضاء على الدولة الفاطميَّة فرض، لأنَّ الخوارج من أهل القبلة، أمَّا بنو عبيد فإنَّهم مجوس (2).
ومن شيوخ المالكيَّة الذين دعوا إلى مساندة أبي يزيد العالم أبو سليمان ربيع بن سليمان بن عطاء الله، المعروف بـ"ربيع القطَّان"، وكان هذا الشيخ أحد علماء القيروان البارزين، له حلقة علم بجامع القيروان، يؤلّف الخطب والرسائل، ويقول الشعر، «فكان لسان إفريقية وقته في الزهد والرقائق»، (3) «وبلغت كراهيته للفاطميين درجة كبيرة، حتَّى إنَّه جعل على نفسه أن لا يشبع من طعام ولا نوم حتَّى يقطع اللهُ دولة بني عبيد» (4)
ويبدو أنَّ مشاورات ومناظرات حامية قامت حول شرعية الانضمام إلى ثورة أبي يزيد، فقد عوتب "ربيع القطَّان" على خروجه مع أبي يزيد، فقال: لمعاتبيه: «كيف لا أفعل وقد سمعت الكفر بأذني» (5).
ولعب "ربيع" هذا دوراً كبيراً في الإعداد النفسي للقيروانيين لخوض غمار المعركة حتَّى إنَّه طلب من جماعته أنْ يكون هو أوَّل مَن يبدأ هذا الأمر.
فأسرع الفقهاء والعلماء بسلاحهم، واجتمعوا في الجامع يوم الجمعة، وعملوا البنود والطبول. وأتوا بالبنود وركَّزوها أمام المسجد المعروف بـ"الحدادين" وبلغ عدد هذه البنود سبعة (6).
ولمَّا اجتمع الناس، وحضرت صلاة الجمعة، قام الإمام أحمد بن محمَّد بن أبي
__________
(1) - الدبَّاغ: نفس المصدر والجزء، ص44.
(2) - نفس المصدر والجزء، ص32.
(3) - الدباغ: نفس المصدر، مج 3، ص: 35 - 36.
(4) - نفس المصدر والجزء، ص: 36.
(5) - نفس المصدر، والجزء، والصفحة.
(6) - أوَّلها أصفر اللون لربيع القطَّان كتب عليه البسملة، والبند الثاني لربيع كذلك كتب عليه: «نصر من الله وفتح قريب، على يد أبي يزيد، اللهمَّ انصره على من سبَّ بيتك»، وفي الثالث - وهو أصفر اللون - لربيع كذلك كتب فيه بعد البسملة: «قاتلوا أئمَّة الكفر إنَّهم لا أيمان لهم لعلَّهم ينتهون». وفي البند الرابع - وهو أحمر اللون - لأبي الفضل عبَّاس الممسي كتب عليه: «لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله».
أمَّا البند الخامس - وهو أخضر اللون - لمروان العابد كتب عليه بعد البسملة: «قاتلوهم يعذِّبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مومنين».
أمَّا البند السادس - فهو أبيض اللون - كتب عليه بعد البسملة: «لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله، أبو بكر الصدِّيق، عمر الفاروق».
وفي البند السابع لصاحبه إبراهيم بن العشماء الحنفي - وهو أكبر البنود، أبيض اللون - كتب عليه: «لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله، إِلاَّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إنَّ ... الله معنا».
انظر ابن عذاري: البيان المغرب، ج2، ص217؛ محمَّد أبو العزم: الأثر السياسي والحضاري للمالكية، ص199 - 200 (1/52)
صفحة 49
الوليد «على المنبر، وخطب خطبة أبلغ فيها، محرِّضاً الناس على الجهاد، فأثَّرت خطبته في الناس فأبْكَتهم بكاء شديداً»
وممَّا جاء في خطبته في سبِّ الفاطميين ما يلي: «اللهمَّ إنَّ هذا القرمطيَّ الكافر الصنعاني، المعروف بابن عبيد الله المدعي "الربوبية" من دون الله، جاحداً لنعمتك، كافراً بربوبيتك، طاعناً في أنبيائك مكذِّباً لمحَمَّد نبيِّك، وخيرتك من خلقك» (1)
وهكذا نرى أنَّ هذا الحماس الذي أثاره علماء المالكيَّة في القيروانيين أدَّى إلى إقبال القبائل، وانضمامهم إلى قوات أبي يزيد. وبفضل هذه التعبئة الكبيرة، استطاع أبو يزيد أنْ يحرز انتصارات حاسمة ضدَّ الفاطميين. فكانت خطوته التالية هي الاستيلاء على القيروان خاصة وأنَّ أهلها وقفوا إلى جانبه.
3 - استيلاء أبي يزيد على القيروان:
لمَّا رأى أبو يزيد خروج أهل القيروان في استقباله، طالبين منه الأمان، معرِبين له عن استعدادهم للوقوف في صفِّه، عزم على الاستيلاء على المدينة.
وبالرغم من الاستقبال الكبير الذي حُظيَ به، إلاَّ أنَّه سمح لأصحابه بنهبها يقول المقريزي: «خرج شيوخ القيروان إلى أبي يزيد ـ وهو برقادة ـ فطلبوا الأمان فماطلهم، وأصحابُه يقتلون وينهبون». (2)
ولوضع حدٍّ لهذا التخريب والقتل، قام القيروانيون بتقديم شكوى لأبي يزيد حتَّى يكفَّ أصحابه عن النهب والقتل، فأمَّنهم «على أنْ يبذلوا له أموالهم ويخرجوا للجهاد معه» (3) واستعدَّ لقتال ميسور الذي وصل بجيشه إلى ضواحي القيروان. ولمَّا اقترب ميسور من القيروان أبلغ القائم أنَّ "بني كملان" اتَّصلوا بأبي يزيد لتمكينه من "ميسور". فأرسل إليه يحذِّره منهم، ويطلب منه طردهم فعادوا إلى أبي يزيد ونصحوه بأنْ يسارع إلى لقائه. وكانت المعركة حامية الوطيس انتهت بانتصار أبي يزيد ومقتل "ميسور". من قبل رجال "بني كملان". وحمل رأسه إلى أبي يزيد انتقاماً منه لطردهم، وطيف به في القيروان. (4) وأُرسلت الرسائل إلى مختلف الجهات تبشِّر بهذا الانتصار. يقول المقريزي: «سير أبو يزيد الكتب إلى عامَّة البلاد يخبر بهذا الظفر». (5) لقد أثَّرت هذه الهزيمة تأثيراً كبيراً على الخليفة القائم، حتَّى إنَّه خاف على سقوط المهدية، كما أنَّ السكان الذين كانوا يقيمون في أرباض المدينة تحوَّلوا منها ودخلوا إليها، واحتموا بسورها. إلاَّ أنَّ القائم منعهم من فعل ذلك، ... وعمل على رفع معنوياتهم ووعدهم بالظفر والانتصار فرجعوا إلى ... "زويلة" (6) واستعدُّوا للحصار. وذلك سنة 333هـ (944م). وفي البداية قاموا
__________
(1) - الدباغ: معالم الإيمان، ج 3، ص: 39 - 40.
(2) - المقريزي: اتعاظ الحنفا، ص: 112.
(3) - القرشي: عيون الأخبار، ص: 194.
(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 30.
(5) - المقريزي: اتعاظ الحنفا، ص: 112.
(6) - تقع هذه المدينة قرب "المهدية" عاصمة الفاطميين. وتعتبر ربضاً من أرباضها جعل فيها المهدي الأسواق والفنادق، وأدارها بالخنادق لتجمع بها المياه، انظر التجاني: الرحلة، ص: 324. (1/53)
صفحة 50
بحفر خندق حول أرباض المدينة. كما كاتب القائم صنهاجة وكتامة يستنفرهم إلى المهدية. (1)
وبعد هذا الانتصار الذي حقَّقه أبو يزيد على "ميسور" في القيروان، ظلَّ طيلة شهرين وثمانية أيَّام مقيماً في خيام "ميسور" التي استولى عليها يرسل السرايا للنهب. (2)
4 - حصار المهدية:
لمَّا علم أبو يزيد باستعداد "صنهاجة" و"كتامة" وغيرهم للقتال مع الخليفة القائم، انتقل إلى المهدية، ونزل على خمسة عشر ميلاً منها، وقام ببناء مصلَّى، أصبح يعرف بِ"مصلَّى أبي يزيد". (3) ثمَّ أرسل عيونه إلى المهدية فانشغلوا بالنهب. واجتمع سكان المهدية للتشاور فيما يصنعون. واتَّفقت كتامة وأصحاب القائم على الخروج إلى أبي يزيد لقتاله في معسكره، حتَّى لا يسمحوا له بالوصول إلى المدينة وعلموا أنَّ عسكره تفرَّق للغارة والنهب. (4)
وكان خروج "المهديين" لقتال أبي يزيد في يوم الخميس لثمانٍ بَقيْن من جمادى الأولى سنة 333هـ (944م). ولمَّا علم أبو يزيد بذلك أرسل ابنه "فضل" العائد بعسكره من القيروان لقتال كتامة. وكان اللقاء على بعد ستَّة أميال من المهدية في موقع يعرف بِ"سوق الأحد." كان القتال شديداً خاصَّة بعد انضمام أبي يزيد إلى "فضل" الذي كان على وشك الهزيمة فما أنْ رأى الكتاميُّون جيش أبي يزيد حتَّى انهزموا من غير قتال. (5)
وواصل أبو يزيد زحفه بمطاردة الكتاميين إلى "باب الفتح" ــ أحد أبواب المهدية ــ ثمَّ عاد إلى معسكره الذي نصبه قرب المدينة. وفي جمادى الأخيرة كرَّ من جديد على المهدية وتمكَّن من الوصول إلى مصلَّى العبيد. (6)
ولم يبق بينه وبين المهدية سوى رمية سهم، لكن أصحابه تفرَّقوا في "زويلة" يقتلون وينهبون، على الرغم من أنَّ أهلها طلبوا الأمان. كما ... كان القتال قائماً بين كتامة والبربر قرب "باب الفتح" وانتهى الأمر ... بانهزام الخوارج. (7)
__________
(1) - ابن أبي دينار: المؤنس، ص: 59، القرشي: عيون الأخبار، ص: 196 - 199.
(2) - من هذه السرايا سريَّة أرسلها إلى سوسة أكثرت من القتل والنهب وعاثت فيها فساداً وعذَّبوا أهلها بمختلف أنواع العذاب. انظر: القرشي: نفس المصدر، ص:197
(3) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 101.
(4) - القرشي: عيون الأخبار، ص: 201. ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 426 - 427.
(5) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 4، ص: 87.
(6) - بدأت هذه المعركة بمشاغبة أصحاب أبي يزيد للعبيد الواقفين وراء الخندق في الوقت الذي قام فيه بقيَّة جيشه بالهجوم على المدينة من البحر، وتمكَّنوا من اجتياز السور وإلحاق الهزيمة بالعبيد. انظر: القرشي: عُيُون الأخبَار، ص: 202.
(7) - القرشي: نفس المصدر، ص: 202، ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 427 - 428. (1/54)
صفحة 51
وفي هذه الأثناء وصل الخبر بوصول "زيري بن مناد" (1) ومن ورائه صنهاجة وكتامة بالطبول والبنود، فظنَّ سكان أرباض المهدية أنَّ الخليفة القائم خرج بنفسه للقتال، فكبَّروا وازداد قتالهم شدَّة وعنفاً. (2)
أمَّا أبو يزيد فقد انسحب إلى "ثَرْنُوطَة" (3)، وأقام على معسكره خندقا في الوقت الذي وصلته الإمدادات من كلِّ حدبٍ وصوبٍ من نفوسة والزاب وأقاصي المغرب. ذلك أنَّ الاستيلاء على المهدية يعني سقوط ... الدولة الفاطميَّة.
ولذلك كانت المشاركة كبيرة. وشرع أبو يزيد في الحصار، وأصبح من الصعب الدخولُ إلى المدينة أو الخروج منها. فكان مصير الخارجين منها القتل. يقول: أبو عبد الله الصنهاجي: «كان أصحابه البربر يقتلون كلَّ من ظفروا به من الناس كائناً من كان عيثاً وعبثاً، خاصَّة من خرج من المهديَّة عند حصارهم إيَّاها فراراً من الجوع والحصار، ويشقُّون بطونهم أحياناً فتشاً عن المال، وتوهما (منهم أنَّهم) ابتلعوه». (4)
وفي اليوم السابع من جمادى الأخيرة من نفس السنة، زحف أبو يزيد على المهدية حيث جرى قتال عنيف قتل فيه خيرة رجال القائم. ونتيجة لشدَّة قتال أصحاب القائم أرسل إلى عامله بالقيروان يطلب منه التعجيل لإرسال الجيش إليه. وبمجرَّد أنْ وصلت هذه الإمدادات، قام بالهجوم لكنَّه مُنِيَ بهزيمة نكراء، وأعاد الكرَّة في العشر الآخر من شوَّال، فلم يحرز انتصاراً كبيرا، وعاد إلى معسكره. (5)
ولمَّا انصرف أبو يزيد عن "المهديَّة" كثر خروج الناس نتيجة للجوع الذي لحق بهم، ففتح القائم الأهراء التي عملها المهدي، وفرَّق ما فيها من أطعمة على أهل المهدية للحدِّ من الهجرة. فقد غادرها التجار والرجال غير القادرين على القتال "ولم يبق بها سوى الجند" (6)
وما أنْ علم أبو يزيد بنزول كتامة في مدينة "قَسَنْطِينَة" (7)، وأرسل إليهِم قوَّة من وَرْفَجُومَة (8)، تمكَّنت من تفريقها. وفي هذه المرحلة انسحب عدد كبير من
__________
(1) - كانت العلاقات بين القائم وزيري بن مناد حسنة. فأثناء حصار المهدية راسله القائم ليخبره بما وصلت إليه الأوضاع في المهدية فأرسل له زيري ألف حمل حنطة ومائتي فارس من صنهاجة، وخمسمائة من عبيده. انظر: النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 24، الهيئة العامَّة للكتاب، القاهرة 1983، ص: 163.
(2) - القرشي: المصدر السابق، ص: 203.
(3) - يسمِّيها التجاني "ترنوط"، تبعد عن المهدية بخمسة أميال. وانظر: الرحلة، ص: 326.
(4) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 31.
(5) - القرشي: عُيُون الأخبَار، ص: 205. ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 429. محمَّد أبو العزم: الأثر السياسي والحضاري للمالكيَّة، ص: 204.
(6) - ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 429.
(7) - تقع هذه المدينة في المغرب الأوسط (شرق الجزائر حاليَّا) يصفها البكري بأنَّها مدينة أزليَّة ذات حصانة. تشقُّها ثلاثة أنهار تجري فيها السفن لذلك أعدَّت عليها القناطر، تسكنها قبائل من أهل ميلة ونفزاوة وقسطيلية وقبائل كتامة. انظر: البكري: المغرب، ص: 63.
(8) - هي قبيلة من البربر يعود نسبها إلى ورفجُومة بن تيدغاس بن ولهاص وهي إحدى بطون ولهاصة. كما أنَّ لورفجومة عدَّة بطون منها زكولة. وتعتبر ورفجُومة من أوسم بطون نفزاوة وأشدِّها بأساً وقوَّة. كانت تنتحل المذهب الإبَاضِي والصفري. انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 11، ص: 231. (1/55)
صفحة 52
القبائل المقاتلة مع أبي يزيد، وتوقَّفت القبائل عن تقديم الإمدادات لأنَّ أبا يزيد انحرف عن مبادئه التي أعلنها مع بداية الثورة، إلى جانب غدره بالذين وقفوا في يوم ما إلى جانبه كالقيروان مثلاً.
ويبدو أنَّ القبائل التي آزرته إنَّما آزرته طمعاً في الغنائم والنهب ليس إلاَّ. يقول: القرشي: «حين أفنوا ما بإفرِيقِيَّة كلِّها، توقَّفوا عن الوصول إلى أبي يزيد. ولم يبق معه غيرُ أهل جبل أوراس وبني كملان» (1) واستغلَّ الخليفة القائمُ تفرُّق قوَّات أبي يزيد، وتوقُّفها عن مؤازرته.
وفي يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة 333هـ (944م) خرج بعساكره إلى أبي يزيد الذي وصلته إمدادات من أوراس، غير أنَّ الرياح القويَّة التي هبَّت على ميدان القتال فأظلم لها الجوُّ، ساعدت أبا يزيد على دحر عسكر القائم، ومعاودة الحصار مرَّة أخرى. وقد أدَّى هذا الحصارُ إلى موجة أخرى من الهجرة، إذ فرَّ عدد كبير من سكَّان المهدية إلى جزيرة صقلية وطرابلس. ومصر وبلاد الروم. (2)
ولمَّا رأى الكتاميُّون أنَّه لا مناص من الخروج إلى أبي يزيد اختاروا مائة فارس من خيرة الرجال، وانطلقوا انطلاقةَ رجلٍ واحد على أصحاب أبي يزيد فقتلوا عدداً كبيراً منهم، وأسروا العديد. وكادوا يصلون إلى أبي يزيد نفسه لولا أنَّه خلَّصه أصحابُه. وقد رفعت هذه الحملة معنويًّا "المهديِّين" بعد اليأس، وفرحوا كثيراً بهذا النتصار الذي أعاد إليهِم الأمل. (3)
5 - انتقال أبي يزيد إلى تونس:
لمَّا رأى أصحاب أبي يَزيد تفرُّق القبائل عنه، اجتمعوا واقترح بعضهم الذهاب إلى القيروان لتجميع البربر، والعودة بهم دون أنْ يعلم أبو يزيد بذلك. وبمجرَّد أنْ وصله خبَرُهُم، أسرع مع قلَّة من رجاله للَّحاق بهم، تاركاً وراءه أثقاله كلَّها. وفي القيروان حاول بعض سكَّانها القبض عليه بعد طلبهم الأمان من القائم.
وعندما علم أبو يزيد بذلك أمر عامله بأنْ يخرج برجاله ليتحوَّلوا إلى تونس. (4)
وفي العشرين من صفَر سنة 334هـ (945م) وصل أبو يزيد إلى مدينة تونس حيث شرع أصحابُه في النهب وسبي النساء والأطفال. وتمكَّنوا من ردِّ الجيش الذي أرسله القائم في بادئ الأمر. ولمَّا حاول أبو يَزِيد ملاحقتهم مُني بهزيمة قتلَ فيها من جيشه خلق كثير، ودخل رجال القائم إلى تونس وقام "أيوب بن أبي يَزيد" بجمع
__________
(1) - القرشي: عيوُن الأخبَار، ص: 209.
(2) - القرشي: نفس المصدر، ص: 210، ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 429.
(3) - القرشي: نفس المصدر، ص: 210، ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 429.
(4) - ابن الأثير: نفس المصدر والجزء، ص: 430 - 431. (1/56)
صفحة 53
رجاله، وعاد إلى تونس فأحرقها ثمَّ انتقل إلى "باجة" وأحرقها هي الأخرى. (1)
وظلَّ القائم يعمل بكلِّ ما في وسعه للقضاء على أبي يَزيد خاصة بعد تقلُّص عدد قوَّاته. فأرسل "علي بن حمْدون" (2) إلى مدينة المسيلة وسطيف (3) لجمع الجند منها. ولمَّا اجتمع له خلق كثير عاد إلى المهدية وفي طريقه انقضَّ عليه "أيُّوب" وأثخن القتل في معسكره، ففرَّ "علي بن حمْدون" وشنَّ أبو أيُّوب هجوماً على طائفة من أصحاب القائم قدمت من تونس، إلاَّ أنَّه هزم، واضطرَّ بعدها إلى الدخول إلى القيروان في شهر ربيع الأوَّل سنة 334هـ (945م). (4)
ومن القيروان خرج أيُّوب مرَّة أخرى لقتال علي بن حمدون الذي كان معَسْكِراً في "بَلْطَة" (5). وممَّا ساعد أيُّوب على الانتصار والدخول إلى المدينة أنَّ عليًّا بن حمدون أوكَلَ حراسة أحد أبواب المدينة لرجل يُدعى "أحمد" فراسله أيُّوب يطلب منه تقديم مبلغ من المال مقابل السماح له بالدخول عبر الباب الذي يحرسه، فأجابه أحمد إلى ذلك.
وهكذا تمَّ الاستيلاء على المدينة دون جهد، وأرغم "علي بن حمدون" على تركها، فسار إلى بلاد كتامة. وراح يجمع الرجال من كتامة ونفزة ومزاتة، وغيرهم. ولمَّا تمَّ له ذلك انتقل إلى "قسنطينة" وشنَّ حملة على هوارة. ويبدو أنَّ هوارة استنجدت بأبي يَزيد، فحاول الدفاع عنها إلاَّ أنَّه فشل فشلاً ذريعاً، وأصبح الجيش الفاطمي يسترجع المدينة تلو الأخرى. وكانت مدينة "تِيجسْ" (6) وبَاغَايَة من المدن التي تمَّ استرجاعها (7)
6 - حصار سوسة:
انطلق أبو يَزِيد إلى مدينة "سوسة" في السادس من جمادى الأخيرة سنة 334هـ (946م)، وقام بمحاصرتها وتضييق الخناق عليها. وفي هذه الأثناء توفي القائم، وولَّى بعده ابنه إسماعيل (8) الذي كتم خبر موت أبيه حتَّى لا يؤثِّر ذلك في
__________
(1) - نفس المصدر والجزء، ص: 432.
(2) - وهو علي بن حمدون الأندلسي آخر خدم الفاطميين وهو الذي استحدث مدينة المسيلة، انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 85.
(3) - هي مدينة كثيرة الخير قريبة من مدينة ميلة والمسيلة وقسنطينة كانت تسكنها قبائل كتامة وهي التي وقفت إلى جانب أبي عبد الله الداعي، انظر، ابن حوقل: نفس المصدر، ص: 93.
(4) - ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 433.
(5) - هي مدينة تقع قرب مدينة باجة التونسيَّة، اشتهرت بانتاج العنب، انظر: البكري: المغرب، ص: 57.
(6) - هي مدينة تقع قرب قسنطينة في شرق الجزائر. يصفها البكري بأنَّه كان عليها سور صخري، وبها أسواق كثيرة، تسكنها قبائل البربر مثل نفزة وورغروسة، انظر: المغرب، ص: 63.
(7) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 4، ص: 88 - 89. ابن الأثير: الكامل، ج 8، ... ص: 433 - 434.
(8) - هو أبو الطاهر إسماعيل بن أبي القاسم. تولَّى الخلافة بعد موت أبيه القائم بأمر الله سنة 334هـ. فلم يتَّسم بالخليفة ولم يغيِّر السكَّة أو الخطبة إلاَّ بعد أنْ قضى على ثورة أبي يَزيد. توفِّي المنصور سنة 341هـ في مدينة وارجلان، انظر: القرشي: عيُون الأخبَار، ص: 230. القلقشندي: صبح الأعشي، ج 5، ص: 123 - 124. المسعودي: الخلاصة النقيَّة، ص: 40. (1/57)
صفحة 54
الجيش، ويزيد في قوَّة أبي يَزيد فلم يضرب السكَّة باسمه، ولم يذكر اسمه في الخطبة. وشرع لتوِّه في تهيئة قواته للمضيِّ إلى "سوسة"، فبنى السفن وأرسلها إلى "سوسة" بقيادة "رشيق الكاتب" و"يعقوب بن اسحاق" وأوصاهما بأنْ لا يقاتلا حتَّى يأتيهم أمره. وفي الغد لحق بهم "المنصور"، وخرج بنفسه لقتال ... أبي يَزيد. (1)
استطاع الخوارج في البداية، إلحاق الهزيمة ببعض رجال المنصور إلاَّ أنَّ "رشيق الكاتب" قام بإلقاء النار في الحطب الذي جمعه أبو يَزِيد لإحراق سور المدينة. ولمَّا اشتعلت النيران ظنَّ أبو يَزِيد أنَّ أصحابه هلكوا في تلك الناحية، نظراً للظلام الذي أحدثه الدخان، فانهزم أبو يَزِيد وفرَّ إلى القيروان، إلاَّ أنَّ أهلها منعوه من الدخول إليها. كما قاموا بمحاصرة دار عامله. فما كان من أبي يَزيد إلاَّ أنْ انتقل إلى ناحية "سَبيبَة" التي تبعد مسيرة يومين عن القيروان، وذلك في أواخر شوَّال سنة 334هـ (945م). (2)
ولمَّا وصل المنصور إلى القيروان، يتتبع تحرُّكات أبي يَزيد، أمَّن أهلها واهتمَّ بأسرة أبي يَزيد، ثمَّ سارع إلى إرسال سريَّة لمعرفة أخباره وتحرُّكاته فاستطاعت أنْ تهزم سرِّية أبي يَزيد التي أرسلها لنفس الغرض. (3)
وابتداءً من هذه المعركة مالت الكفَّة لصالح جيش الخلافة حيث ضعفت قوات أبي يَزِيد بانسحاب عدد كبير من القبائل، وتحوَّلَ من الهجوم إلى الدفاع، وأصبح يتلقَّى الهزيمة تلو الأخرى، فَ «كلَّما لحق به (أي المنصور) أوقعَ بأصحابهِ وأفلت». (4)
انطلق الخليفة المنصور يتتبَّع أبا يزيد، وذلك في ربيع الأوَّل سنة 335هـ (946م)، وصار يطارده من مكان إلى آخر حيث اتجه إلى باغاية عندما علم بمحاصرة أبي يَزيد لها. ولمَّا فرَّ هذا الأخير إلى بسكرة، انطلق المنصور متتبعاً خُطاه، وفي الطريق لحق به عاملُه جعفر بن علي بن حمدون (5). ثمَّ قدما معاً إلى مدينة بسكرة ومنه اتَّجها إلى مقرة. (6)
__________
(1) - ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 434. سنوسي: زناتة والخلافة الفاطميَّة، ص: ... 226 - 227.
(2) - ابن الأثير: نفس المصدر، ج8، ص: 434 ...
Farhat DACHRAOUI: Le califat fatimide au Maghreb, (296 - 362h) (909 - 973) STD Tunis 1981, pp 181 - 182.
(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 4، ص: 90.
(4) - القاضي النعمان: كتاب افتتاح الدعوة، تحقيق وداد القاضي، دار الثقافة، الطبعة الأولى، بيروت 1970، ص: 279.
(5) - هو أمير المسيلة والزاب، ولاَّه المنصور بعد موت أبيه على بن حمدون. كما كان عدوًّا لدوداً لزيري بن مناد. ولمَّا سافر المعزّ إلى مصر سنة 362هـ، دعا جعفر إلى نقص طاعة المعزّ والدعاء للخليفة المستنصر الأموي، انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 176، وانظر: عنه كذلك في ج 13، ص: 39 - 40.
(6) - تقع هذه المدينة قرب المسيلة في المغرب الأوسط كان لها حصون كثيرة يصفها اليعقوبي بالمدينة العظمى. كان يسكنها قوم يقال: لهم "بنو ضبَّة" وقوم من العجم وقبائل بني زنداج. انظر: اليعقوبي: صفة المغرب، ص: 12. (1/58)
صفحة 55
وفي هذه الأثناء كان أبو يَزِيد يحشد القوَّات من بني برزال بجبل "سالات" (1). كما أنَّ الجيش الفاطمي حُظي هو الآخر بانضمام القبائل إليه بعد استمالتهم بتقديم الأكسية والطعام. كما أرسل "المنصور" إلى "زيري بن مناد" و "ماكسن بن سعد" أموالاً كثيرة للاِنضمام إليه وفي مدينة "المسيلة" قام المنصور بتوزيع الأموال على أهلها، وتجنيد الكثير من رجالها. وراسل قبيلة "هوارة" بِ"الغدير" (2) يأمرهم بالقبض على "أبي عمَّار الأعمى" وأصحابه. كما وصل إلى المسيلة "يعقوب بن محَمَّد بن خزر" (3) صحبة بعض رجاله، والذي حظي بتكريم من الخليفة. (4)
ولمَّا أتمَّ المنصور استعداداته خرج من "المسيلة" في طلب أبي يَزيد حين علم بتمركزه في جبل سالات المعروف بوعورة مسالكه. وعندما وصل المنصور إلى سفح الجبل نزل إليه سكَّانه جائعين، فسألهم المنصور عن أبي يَزيد، فلم يجد عندهم خبراً. حينئذ اتجه إلى بلاد صنهاجة. وفي موضع يقال له: "حائط حمزة"، وصل إليه زيري بن مناد في جمعٍ غفير وانطلقا إلى تاهرت. وعندم علم أبو يزيد بذلك هجم على المسيلة وضرب على أهلها الحصار، إلاَّ أنَّ هذا الحصار لم يدم طويلاً نتيجة قدوم المنصور. ولمَّا فرَّ أبو يزيد إلى جبل كنانة، قام المنصور بإرسال "ميسور الفتى" إلى "سطيف" لاستنفار كتامة، وخفيف الفتى إلى "ميلة" (5) لنفس المهمَّة. كما وصله رسول "الخير بن محَمَّد بن خزر الزناتي" (6) ومعه مائة
__________
(1) - هو جبل يقع في بلاد بني بزرال قرب المسيلة، ويقع قرب جبل كنانة الذي القي فيه القبض على أبي يَزيد، ويسمِّيه ابن خلدون: جبل كتامة، انظر: ابن خلدون: المصدر السابق، ج 13، ص: 33.
(2) - تقع هذه المدينة قرب "المسيلة" من بلاد الزاب تبعد عنها بحوالي ثمانية عشر ميلاً وتبعد عن طبنة بمرحلتين. كما تبعد عن قلعة بني حمَّاد بثمانية أميال يصفها الحميري بأنَّها مدينة حسنة بها أسواق عامرة وفاكهة كثيرة. وسكَّانها من قبائل هوارة. انظر: الروض المعطار، ص: 427.
(3) - هو ابن محمَّد بن خزر المغراوي الزناتي الذي بايع الأدارسة سنة 170هـ، وعقد له إدريس الأكبر على تلمسان. وظلَّت بعض ضواحي المغرب الأوسط لمحمَّد بن خزر إلى أنْ كانت دولة الشيعة. خاضت هذه الأسرة عدَّة حروب ضدَّ الشيعة ثمَّ دخلوا في طاعة الفاطميِّين. ومن أشهر أفراد هذه الأسرة الخير بن خزر، معبد بن خزر ويعقوب، انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 13، ص: 51 - 52.
(4) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص:38.
(5) - تقع هذه المدينة على أربع مراحل من قلعة بني حمَّاد. وهي مدينة عامرة قريبة من الساحل، لها مرسى يقال له: «جيجل»، ومرسى "قلعة خطاب" ومرسى "اسكيكدة" ومرسى "دنهاجة" واشتهرت بكثرة العمران والأشجار والثمار. انظر: اليعقوبي، صفة المغرب، ص: 11 - 12.
(6) - هو أحد أبناء محمَّد بن خزر الذي ذكرناه سابقاً، قام رفقة يعلى بن محمَّد اليفرني بالاستيلاء على وهران سنة 343هـ، وتاهرت، وخطب على منابرها لعبد الرحمن الناصر، واستطاع جوهر الصقلي الفتك بيعلى. أمَّا الخير فقد دخل في طاعة الفاطميين ونبذ الدعوة للأمويين، انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 13، ص: 36. (1/59)
صفحة 56
فارس. (1)
وهكذا صار أبو يَزِيد محاصراً في الجبل، إلاَّ أنَّ الإمدادات كانت تصله من "سدراتة" و"بنْطْيُوسْ" (2). فأمر المنصور بالإغارة على سدراتة حتَّى لا تزوِّده بالمؤونة. ذلك أنَّ الفاطميِّين لم يستطيعوا السيطرة على الطرق التجاريَّة العابرة للصحراء، بل ظلَّت في يد الزناتيين لذلك نجد المنصور يحتفي برسول "الخير بن محَمَّد بن خزر الزناتي" ويجزل له العطاء مقابل أنْ لا يزوِّدوا أبا يزيد بالطعام. ولمَّا أغارت قوات الفاطميِّين على سدراتة، وقتلوا منهم الكثير، وسبوا حريمهم، واستولوا على أموالهم، توقفوا عن إمداد أبي يزيد بالأقوات. (3)
وقد اعتزم المنصور القبضَ على أبي يَزيد، وأصبح هو شغله الشاغل حتَّى أنَّه كان يقول: «إنْ أنا لم آخذ أبا يزيد وأسلخه فلست بابن فاطمة، ولست لكم بإمام». (4)
أمضى المنصور عيد الأضحى لسنة 335هـ (946م) وهو محاصر لأبي يزيد في الجبل. وفي خطبة العيد أخبرهم بوفاة أبيه القائم.
في بداية سنة 336هـ (947م) وقعت معركة بين أبي يَزيد والمنصور، بين المسيلة وأوراس، قتل فيها كثيرٌ من أصحاب أبي يَزيد، كان أكثرهم من بني كملان ومزاتة، حتَّى أنَّ هذه المعركة عرفت بِ"يوم الرؤوس". كما عرفت بِ"موقعة الحريق"، واستطاع الفاطميون في هذه الموقعة القبض على ... أبي يَزيد مثخنا بالجراح ومات متأثِّراً بجراحه في آخر شهر محرَّم ... سنة 336هـ (947م). (5)
وجملة القول: إنَّ المنصور قد استطاع القبض على هذا الثائر الذي دوَّخ بلاد المغرب، وأنزل الخراب بإفرِيقِيَّة. وكاد أنْ يسقط الخلافة الفاطميَّة لولا افتراق أصحابه عنه نظراً لخروجه عن المبادئ التي أعلنها مع بداية الثورة وخداعه لأصحابه من القيروانيين الذين آزروه.
ويروي ابن عذارى ما قاله أبو يَزِيد لأصحابه: «إذا التقيتم مع القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتَّى يتمكَّن أعداؤكم من قتلهم فيكونوا هم الذين قتلوهم لا نحن فنستريح
__________
(1) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 39 - 40.
(2) - تقع هذه المدينة في بلاد الزاب قرب بسكرة إلى الجنوب الغربي، انظر: البكري: المغرب، ص: 56.
(3) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 41. الحبيب الجنحاني: دراسات في التاريخ الاقتصادي، ص: 172.
(4) - ابن الآبار: الحلَّة السيراء، ج 1، الشركة العربيَّة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، القاهرة 1963، ص: 388.
(5) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 13، ص: 34، القرشي: عيُون الأخبَار، ص: 296 - 306. (1/60)
صفحة 57
منهم». (1)
ولو تمسَّك أبو يَزِيد بمبادئه لكان له شأن آخر. ذلك أنَّه اعتمد على الحرب الخاطفة وسرعة التحرُّك والتنقُّل حتَّى أنَّ الجيش الفاطمي عجز عجزاً تامًّا عن تتبُّعه بل حتَّى عن معرفة مكان وجوده. ويمكن أنْ نوجز عوامل إخفاقه فيما يلي:
1 - التبدُّل في سلوك أبي يَزيد؛ فبعد أنْ بدأ زاهداً متقلِّلاً في طعامه، صار ــ كما يقول ــ ابن خلدون: «يلبس الحرير ويميل إلى الرفاهيَّة والتنعُّم. هذا السلوك أغضب أتباعه المقرَّبين إليه منهم أبو عمَّار الأعمى.»
2 - غدره بالمالكيَّة وتعريضهم للقتل بسيوف الفاطميِّين.
3 - الدور الذي لعبته قبيلتا كتامة وصنهاجة في مؤازرة الخلافة في وقت محنتها وصراعها ضدَّ أبي يَزيد.
4 - إسراف جنوده في عمليَّة السلب والنهب، وتخريب العديد من المدن.
5 - المقاومة الشيعيَّة في بعض المدن المغربيَّة ومقاومتهم لحركة أبي يَزيد.
7 - تورة النكارية بعد أبي يَزيد:
بعد انهزام أبي يَزيد وموته متأثِّراً بجراحه، حاول ابنه "فضل" مواصلة الثورة ضدَّ الفاطميِّين، حيث اتحدت بقايا الجيش مرَّة أخرى، وانضمَّ إليه "معبد بن خزر" (2)، وأتته الأموال من الأندلس. في البداية حاول فضل الهجوم على مؤخرة جيش الخليفة "المنصور" لكنَّه وقع في فخٍّ رتبه له "زيري بن مناد" في الوقت الذي قام فيه "المنصور" بمطاردة "معبد بن خزر" إلى مدينة المسيلة. ولمَّا غابت أخباره عن الخليفة انشغل بأمور أخرى. (3)
واتجه المنصور إلى تاهرت لمَّا بلغه خبر هروب "حميد بن يصل" ... من السجن. (4)
__________
(1) - البيان المغرب، ج 2، ص: 218.
(2) - هو أخ محمَّد بن خزر الذي ذكرناه سابقاً، انضمَّ إلى ثورة النكارية. واستطاع المنصور قتله سنة 340هـ. ونصب رأسه بالقيروان. انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 13، ص: 54 - 55.
(3) - ابن عذارى: المصدر السابق، ج 1، ص: 198، ابن خلدون: نفس المصدر، ج 7، ص: 34، محمَّد بن عميرة: دور زناتة في الحركة المذهبيَّة بالمغرب الإسلامي، المؤسَّسة الطنيَّة للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1984، ص: 214.
(4) - ألقاه في السجن عبيد الله المهدي. ولمَّا فرَّ انضمَّ إلى محمَّد بن خزر الزناتي. وكان الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصرقد ولاَّه على المغرب الأوسط في الوقت الذي كان فيه الشيعة منشغلين بثورة أبي يَزيد. ومع نهاية الثورة قام "حميد" بفرض الحصار على "تاهرت"، وطرد عاملها داود بن ابراهيم العجيسي سنة 333هـ (944م). انظر: ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص: 198،
HADY ROGER IDRIS: La bérbérie orientale sous les Zirides, X - XII, T 1, librairie d’amerique et d’orient adrien maison neuve paris 1962, pp 24 - 25 (1/61)
صفحة 58
ولمَّا استعاد المنصور تاهرت، ولَّى عليها اليفرني يعلى بن محَمَّد (1) كما عيَّن "زيري بن مناد" قائداً أعلى لصنهاجة، ثمَّ اتجه المنصور إلى مدينة المنصوريَّة في جمادى الثاني سنة 336هـ (948م). وبمجرَّد أنْ علم بخبر خروجه في أوراس انطلق إليه، وفي طريقه استولي على "حصن ماداس" (2). ولمَّا غابت أخبار "فضل" مرَّة أخرى عاد إلى "القيروان" ومنها إلى المهدية في رمضان ... 336هـ (948م) (3)
وإذا كان أبو عبد الله الصنهاجي وابن خلدون يذكران أنَّ فضلاً ــ أثناء حصاره مدينة باغاية ــ غدر به أحد أصحابه وأتى برأسه إلى المنصور (4)، فإنَّ أبا زكرياء يذكر أنَّه لمَّا اجتمع لِ"فضل" جمع كبير قصد قبيلة "مزاتة" طالباً منهم أنْ يسلموه العالِمَين أبا القاسم يزيد بن مخلد، وأبا خزر يغلى بن زلتاف. ولمَّا رفضوا هاجمهم "فضل" فمني بالهزيمة وفرَّ إلى إحدى القرى. وفيها ألقي القبض عليه، وقتل وحمل رأسه إلى القيروان في اليوم الأوَّل من ذي القعدة 336هـ (948م) (5)
وعلى الرغم من مواصلة أيُّوب لثورة أبيه إلاَّ أنَّ قوَّاته كانت ضعيفة فلم تحقِّق انتصارات تذكر. وتمَّ اغتيال أيُّوب سنة 341هـ (952م) كما استطاع "بلكين بن زيري" (6) القضاء على ثورة يزيد بن أبي يَزيد وهو الابن الثالث لأبي يَزيد مخلد بن كيداد. (7)
8 - دعم الخلافة الأموية في الأندلس لثورة أبي يَزيد:
عرفت بلاد المغرب صراعاً حادّاً بين الأمويين والفاطميين خاصَّة بعد أنْ نجح الشيعة في تأسيس دولة لهم. والواقع أنَّ هذا الصراع يعود إلى ما قبل ظهور الإسلام،
__________
(1) - هو زعيم بني يفرن في المغرب الأوسط من تاهرت إلى طنجة، كان يدعو للناصر الأموي. ولمَّا أغزى المعزّ لدين الله قائده جوهر الصقلي إلى المغرب سنة 347هـ لاقاه يعلى بن محمَّد واذعن لطاعته، وقيل: قتله ناحية شلف، انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 13، ص: 37.
(2) - يقع هذا الحصن في بلاد الزاب. ويذكر ابن خلدون أنَّ المنصور فتحه سنة 335هـ (946م)، انظر: ابن خلدون: نفس المصدر، ج 13، ص: 34.
(3) - ابن خلدون: نفس المصدر والجزء، ص: 34، بن عميرة: دور زناتة، ص: 216.
(4) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 47، ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 35.
(5) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 120 - 121. وانظر كذلك: بن عميرة: دور زناتة، ص: 216 - 217.
(6) - هو أبو الفتوح يوسف بن بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الذي استخلفه المعزّ على إفرِيقِيَّة عندما انتقل إلى مصر سنة 361هـ. وقد استخلفه المعزّ لخوفه من التغلُّب على البلاد بعد رحيله إلى مصر. توفي بلكين سنة 373هـ في وارجلان، انظر: بطرس البستاني: دائرة المعارف، ج 5، مطبعة المعارف بيروت 1886، ص: 573.
(7) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 35، عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ص: 222. (1/62)
صفحة 59
إلاَّ أنَّ حدَّته ازدادت بعد وفاة الرسول عليه الصلاة السلام نتيجة الصراع على الخلافة. ولذلك فإنَّ هذه العداوة انتقلت من المشرق إلى المغرب. فالفاطميون يرون بأنَّهم أحقُّ من غيرهم بالخلافة الإسلاميَّة لانتسابهم إلى علي وفاطمة. وبالتالي ظلُّوا يطمحون في السيطرة على كافَّة العالم الإسلامي مشرقه ومغربه.
أمَّا الأمويون فقد عملوا جاهدين على إيجاد مناطق نفوذ لهم في بلاد المغرب. فقاموا بتشجيع كلِّ حركة ثوريَّة تناوئ الفاطميين كما قامت الحرب الدعائيَّة بين الطرفين، وكثرت أعمال التجسُّس. وإذا كان الأمر لم يصل إلى درجة الحرب، لأنَّ الفاطميين كان همُّهم الاستيلاء على مصر والحجاز، ثمَّ نزع الخلافة من العباسيين، وكانت الاستعدادات على أشُّدِّها بين الطرفين خوفا من غدر أحدهم بالآخر.
ولهذه الأسباب وقف أمويُّو الأندلس إلى جانب أبي يَزيد باعتبار أنَّ عدُّو العدو صديق. إضافة إلى أنَّ أبا يزيد ــ مع بداية ثورته ــ دعا للأمويين. لذلك أرسل الوفود إلى الأندلس لطلب المساعدة. وقد اهتمَّ بنو أمية بتلك الوفود اهتماما كبيراً. فابن الأبار يصف استقبال الخليفة الناصر لأيُّوب بن أبي يَزيد قائلاً: «قدِّم عليه أيُّوب بن أبي يَزيد رسولاً لوالده أبي يَزيد .. » وذلك يوم السبت لستٍّ بقين من ربيع الأوَّل سنة خمس وثلاثين، فقعد له الناصر قعودا فخماً وأوصله إلى نفسه، وأكرم لقاءه، وسمع منه وأجمل الردَّ عليه وأمر بإنزاله في قصر الرصافة ... فأقام هناك تحت رعي وكرامة موصولة (1)
ولشدَّة اهتمام الأمويين بهذه الثورة، كانت أخبارها كلها تصلهم عن طريق الوفود. ومن الأمثلة على ذلك أنَّ ابن الأبار يذكر أنَّ وفداً من إفريقيَّة وصل إلى الأندلس أثناء إقامة أيُّوب في ضيافة الخليفة الناصر، يخبر بهجوم أبي يَزيد على مدينة المسيلة ويطلب منه الإسراع في إحضار الفرسان الذين سيمدُّهم به الناصر. (2)
كما وصل في آخر شوال سنة 333هـ (944م) إلى قرطبة ليخبر الناصر بتغلُّب أبي يَزيد على القيروان ورقادة. (3)
ويبدو أنَّ هذه الوفود كانت قد عبرت إلى الأندلس لطلب الإمدادات العسكريَّة. ومرَّ بنا أنَّه لمَّا استبطأ أبو يَزِيد عودة ابنه أيُّوب بعث إليه رسولا يطلب منه التعجييل بالعودة.
ويحتمل أنَّ "الناصر" كان يشكُّ في قدرة أبي يَزيد على الإطاحة بالدولة الفاطميَّة، وربَّما كان يخشى غدره ويشكُّ في وفائه. فالناصر يعلم غدر أبي يَزيد بمالكيَّة القيروان، بالإضافة إلى أنَّ الأندلس شهدت عدَّة ثورات داخليَّة ناهيك عن تربُّص الفرنجة بالأندلس. يصف لنا ابن عذارى أوضاع الأندلس في عهد الناصر بقوله: «ولَّى (أي الناصر) والأندلس جمرة تحتدم ونار تضطرم شقاقاً ونفاقاً». (4)
__________
(1) - ابن الأبار: الحلة السيراء، ج 2، ص: 390.
(2) - ابن الأبار: نفس المصدر والجزء والصفحة.
(3) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج 2، ص: 312، سنوسي: دور زناتة، ص: 211 - 212.
(4) - ابن عذارى: نفس المصدر، ج 2، ص: 157. (1/63)
صفحة 60
وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ الناصر قدَّم المساعدات المالية لأبي يَزيد. وليس ببعيد أنَّه قام بسكِّ النقود، وضربها في دار السكَّة بقرطبة. فقد عثر سنة 1966م في الحفريات التي تمَّت في القيروان على 25 قطعة من الدنانير الذهبيَّة مؤرَّخة بسنة 333هـ (944م) طول قطر الدينار الواحد 18.9 مليمتر ووزنه 4.20 غرام. جاء في وجهه الأوَّل وفي الهامش: «بسم الله الرحمن الرحيم، ضرب هذا الدينار بالقيروان سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة». وكتب في وسطه: «ربنا الله لا حكم إلاَّ لله، لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له الحق المبين». (1)
أمَّا في الوجه الثاني، وفي الهامش الأوَّل، فقد كتب: «الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه، واتَّبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون». وفي الهامش الثاني: «محَمَّد رسول الله بالهدى ودين الحق، ليظهره على ... الدين كلِّه». وفي الوسط كتب: «العزَّة لله، محَمَّد رسول الله خاتم النبيين» (2) (انظر ملحق رقم 6).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هذه الآيات هي شعار الخوارج الذي أعلنوه يوم التحكيم. (3) ويلاحَظ أنَّه لم يرد ذكر اسم أبي يَزيد على الدينار. فربَّما يعود ذلك إلى رغبة أبي يَزيد في عدم إثارة حفيظة أصحابه أو حفيظة الناصر نفسه.
وكتب على هذا الدينار بخط كوفي بارز يشبه إلى حدِّ بعيد نقود الدولة الأغلبيَّة. (4) ويبدو أنَّه ذكر ضربه في القيروان للتضليل فقط. ولو ضرب حقيقة في القيروان لأشار إليه المؤرِّخون كبقيَّة الدنانير التي ضربها الثوار مثل نقود "أبي فهم الخراساني الداعي" (5)، الذي ظهر في عهد المنصور الصنهاجي. (6) مع
__________
(1) - فيلالي عبد العزيز: العلاقات السياسية بين الدولة الأمويَّة في الأندلس ودول المغرب، 1982، ص: 171، وهامش ص: 172، علي الشابي: دولة صاحب الحمار ونقوده، المؤتمر الرابع للآثار في البلاد العربيَّة، تونس 1963، ص: 600
(2) - فيلالي: نفس المرجع والصفحة، الشابي: نفس المرجع والصفحة.
(3) - جرى هذا التحكيم أثناء الخلاف بين علي ومعوية. وقد حضره أبو موسى الأشعري ممثلاً لعليٍّ بن أبي طالب، وعمرو بن العاص ممثلا لمعاوية بن أبي سفيان. وكان من المفروض أنْ يخلع كلّ واحد صاحبه، لكن عمرو بن العاص ثبت صاحبه. وهو اليوم الذي فارق فيه الخوارج على ابن أبي طالب وخرجوا إلى "حروراء".
انظر: ابن الأثير: الكامل، ج 3، ص: 316 - 340.
(4) - أسَّسها بنو الأغلب (184 - 296هـ) (800 - 909م) عندما أرسل هارون الرشيد إبراهيمَ ابن الأغلب لتولِّي أمور إفرِيقِيَّة بشرط أنْ لا يزاحم الأدارسة، وكان ابراهيم هذا حاكماً على الزاب، ثمَّ ما لبث أنَّ استقبل عن الخلافة العباسيَّة. وحافظ فقط على رمز الخلافة. ولمَّا ضعف الأمراء سقطت الدولة في يد الشيعة سنة 296هـ (909م)، انظر: استانلي لين بول: طبقات سلاطين الإسلام، ترجمة زيد فرحات، الدار العالميَّة للطباعة والنشر والتوزيع، ط: 1، بغداد 1986، ص: 40 - 41.
(5) - ظهر هذا الثائر سنة 376هـ حيث اجتمع إليه خلق كثير من كتامة وضرب السكة لكنه قتل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر سنة 377هـ انظر: ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، (ط 1948)، ص: 241 - 243.
(6) - هو المنصور بن يوسف ثاني امراء بني زيري تولَّى الإمارة سنة 363هـ، وتوفي سنة 386هـ، انظر: لين بول: المرجع السابق، ص: 43. (1/64)
صفحة 61
أنَّ ثورته ليست لها أهمِّية المقارنة بثورة أبي يزيد. (1)
وإذا قارنا بين دينار الخوارج ودينار الدولة الفاطميَّة نجد أنَّ وزن دينار أبي يَزيد 4.20 غرام بينما يزن دينار الدولة 1.10 غرام. فمن غير المعقول أنْ يكون دينار فرد أكبر وزنا من دينار الدولة. فالظروف الاقتصادية العسيرة التي كانت تمرُّ بها إفرِيقِيَّة نتيجة الخراب الذي أحدثته ثورة الخوارج لم يسمح للدولة الفاطميَّة بضرب نقود ذات وزن كبير. (2)
والرأي الأرجح أنَّ هذا الدينار ضرب في بلد آخر غير إفرِيقِيَّة، ربَّما في الأندلس أو وارجلارن. ويحتمل أنَّه ضرب في وارجلان انطلاقاً من الإشارة الهامَّة التي ذكرها الإدريسي في وصفه لوارجلان حيث يقول: «هي مدينة فيها قبائل مياسير وتجَّار أغنياء، يتجوَّلون في بلاد السودان إلى بلاد غانة وبلاد وانقارة (3) فيخرجون منها التبر ويضربونه في بلادهم باسم بلدهم». (4)
ولا نعرف ديناراً ضربه الإبَاضِيَة بعد سقوط دولتهم. والاحتمال المطروح أنَّ دينار أبي يَزيد هو الذي يقصده الإدريسي. ولا يستبعد أنْ يكون إبَاضِيَة وارجلان وسدراتة وفَّروا له الذهب خاصة وأنَّهم يسيطرون على أهمِّ مركز تجاريٍّ يربط بلاد المغرب الأوسط بالسودان، وقد مرَّ بنا أنَّ سدراتة كانت تموِّل أبا يزيد بالمواد الغذائية ثمَّ توقَّفت بعد أنْ قاتلها الفاطميون.
9 - نتائج ثورة أبي يزيد ومميِّزاتها:
من خلال هذه الدراسة لثورة أبي يَزيد نجد أنَّ نتائج الثورة كانت وخيمة على الإبَاضِيَة سواء النكارية منهم أو الوهبية، إذ أصبح أصحاب المذاهب يرون في المذهب الإبَاضِي مذهب النهب والقتل خاصة أهل السنَّة. وأدَّى ذلك إلى ضعف الإبَاضِيَة في المغرب الأوسط وإفرِيقِيَّة، وأصبحت السيطرة التامَّة للمذهب المالكيِّ الذي حلَّ محلَّ المذهب الشيعي.
كما كانت هذه الثورة وغيرها من الثورات سبباً في عدم استقرار الأوضاع للفاطميِّين في بلاد المغرب، ممَّا جعلهم يعجِّلون بالانتقال إلى مصر. بالإضافة إلى أفول نجم زناتة وظهور صنهاجة كقوَّة كبيرة، تولَّت حكم بلاد المغرب بعد رحيل الفاطميين.
أمَّا فيما يخصُّ الحياة الاقتصادية فإنَّ آثار هذه الثورة كانت وخيمة. فقد أصيبت موارد الدولة بالإفلاس نتيجة الخراب الذي أحدثته في البلاد حتَّى إنَّه «لم يبق
__________
(1) - الشابي: دولة صاحب الحمار، ص: 601.
(2) - نفس المرجع، ص601.
(3) - هي جزيرة طولها ثلاثمائة ميل وعرضها مائة وخمسون ميلاً، تقع في بلاد السودان قرب غانا يحيط بها النيل من كلّ جهة، تجارة أهلها الذهب يبيعونه لأهل وارجلان وأهل المغرب الأقصى، وهو عندهم كثير، انظر: الحميري: الروض المعطار، ص:611.
(4) - الإدريسي: المغرب، ص: 160. (1/65)
صفحة 62
بإفرِيقِيَّة منزل عامر» (1) وأصبحت خزائن الدولة فارغة نظراً لتوقف دفع الضرائب.
وقد أدَّت إلى تدخُّل القوى الخارجيَّة في شؤون المغرب، فأمويُّو الأندلس أمدُّوا أبا يزيد بالمال. كما قام العبَّاسيون بإرسال داعية في شهر محرَّم سنة 334هـ (948م) يدعو للعبَّاسيين حاملاً شعارهم. واستطاع أن يجمع حوله الكثير من الناقمين على الفاطميين وعلى أبي يَزيد.
كما كشفت هذه الثورة عن دهاء أبي يَزيد، وكذلك الخليفتين القائم والمنصور، فأبو يَزِيد تظاهر بالمالكيَّة لكسب أتباع المذهب. أمَّا القائم فإنَّنا نجده يساند معارضي أبي يَزيد، ويعمل على تأليب الرأي العام ضدَّه. كما استعمل المنصور الرشاوي، وإعطاء الأمان لبعض القبائل شريطة أنْ تتعاون معه لرصد حركة أبي يَزيد.
كما تميَّزت هذه الثورة بالحرب الخاطفة من جانب أبي يَزيد، وسرعة التحرُّك. كما أنَّ النهب والسلب كان الطابع الذي صحبها، وكأنَّ أصحابها خرجوا للنهب فقط وليس لطرد الفاطميِّين.
جـ - ثورة الوهبيَّة:
1 - أسباب الثورة:
ترجع أسباب هذه الثورة إلى مقتل أحد علماء الإبَاضِيَة الوهبيَّة من قِبل الفاطميِّين، وهو العالم أبو القاسم يزيد بن مخلد. ولد هذا العالم في مدينة الحامة، وتعلَّم على كبار علمائها أمثال "سحنون بن أيُّوب" (2) وأبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي. (3) ولم يكتف بالتعلُّم في القيروان بل سافر إلى "سجلماسة" للتزوُّد بالعلم والمعرفة عند شيوخها، ثمَّ عاد إلى القيروان وعكف على دراسة الكتب رفقة العالم الإبَاضِي أبي خزر يغلى بن زلتاف. (4) ويعتبر هذان الشيخان من علماء الطبقة السابعة ــ طبقاً لتصنيف المصادر الإبَاضِيَة ــ أي النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري (العاشر الملادي). (5)
__________
(1) - ابن أبي دينار: المؤنس، ص: 59.
(2) - هو من علماء الطبقة السابعة (300 - 350هـ) لا نعرف عنه الكثير سوى أنَّه عالماً جليلاً وفقيهاً، له عدَّة مؤلَّفات كانت متداولة في طرابلس.
انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج2، ص: 339.
(3) - هو من نفوسة تابديوت قرية بجبل تيرشوين ومن العلماء البارزين له ديوان يشتمل على أنواع من علوم الدين. وقد تعلَّم وتفقَّه بسجلماسة صحبة ابن كيداد عند شيخ يعرف بابن الجمعي. ولمَّا عاد استقرَّ في قسطيلية بإفرِيقِيَّة، انظر: الدَّرجيني: نفس المصدر، ج1، ص: 109 - 110.
(4) - هو أحد علماء الإبَاضِيَة من أهل الحامة بإفرِيقِيَّة، برع في العلوم، تعلَّم عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن زرقون، وسحنون ابن أيُّوب، قام بامتهان التعليم حيث عقد حلقة علميَّة لدراسة علم القرآن والأصول والحديث والفقه، انظر: الدَّرجيني: نفس المصدر والجزء، ص: 119 - 120.
(5) - الدَّرجيني: نفس المصدر، ج 1، ص: 119 - 120، علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة، دار الثقافة، ط: 1، بيروت 1966، ص: 51 - 52، صالح باجية: الإبَاضِيَة بالجريد في العصور الإسلاميَّة الأولى، دار بو سلامة، ط1، تونس 1976، ص: 126. (1/66)
صفحة 63
ويبدو أنَّه كانت للشيخين منزلة مرموقة، حتَّى إنَّهما كانا سبباً في نشوب القتال بين فضل بن أبي يَزيد وقبيلة مزاتة. ويظهر أنَّ "فضلاً" كان يريد ضمَّهما إلى صفوفه للاستفادة من شعبيتهما وتأثيرهما الكبير على الإبَاضِيَة الوهبية حتَّى يقفوا إلى جانبه.
ونظراً لمكانتهما العلميَّة كان المعزّ لدين الله الفاطمي (1) يشركهما في مجلسه إلى جانب علماء الفرق الأخرى للمناظرة؛ يقول أبو زكرياء: «كان أبو تميم يجمع بين يديه علماء الفرق، ويتكلَّمون بين يديه وقوفاً، ويتناظرون فيحكم بينهم». (2)
عكف هذان العالمان على الخروج إلى البادية ليعلِّما الناسَ أمور دينهم. وكان يصحبهما في رحلاتهما طلاَّبهما. بل إنَّ أبا القاسم كان ينفق عليهم ويطعمهم ويكسيهم من ماله. ذلك أنَّ أبا القاسم كان ذا مال وفير. يقول الشماخي: «كان له عشرون جملاً محلاَّة بالخلاخل يسافر بها إلى القيروان. وكان مشهوراً بالعلم والأدب عظيم المنزلة شديدَ الورع، وأهل القيروان يعرفونه بذلك. وإذا دخلها اضطربت المدينة يسألونه عن المشكلات، ويستفتونه بل يدَّخرونها لوروده من مُوافق ومخالف». (3)
وقد سمحت لهما مكانتهما العلميَّة بتكوين حلقة علميَّة لأهل الدعوة أي للإبَاضِيَة، ونيلِ منزلة رفيعة عند الخليفة المعزّ خاصة أبو القاسم. فقد كان المعزّ يقبل شفاعته في أهل مدينة الحامة. (4)
كما كان المعزّ معجباً بأبي خزر يغلى بن زلتاف، وأبي نوح سعيد بن زنغيل، فهو الذي قال فيهما: «أمَّا يزيد بن مخلد فلم تلد العرب مثله، وأمَّا يغلى فعالم ورع، وأمَّا سعيد بن زنغيل ففتى مجادل» (5)
ورغم هذه الصداقة التي ربطت المعزّ بهؤلاء العلماء إلاَّ أنَّه كان يخشاهما خاصَّة أبا القاسم، الذي كان يتبوأ مركز الزعامة بين الإبَاضِيَة. (6)
__________
(1) - هو رابع الخلفاء الفاطميِّين في بلاد المغرب، ولَّى الخلافة بعد موت أبيه المنصور سنة 341هـ امتازت خلافته باستقرارالبلاد وافتتاح مصر سنة 358هـ على يد قائده جوهر الصقلي الذي اختط له القاهرة. وفي خمسة من رمضان سنة 362هـ قدِم المعزّ إلى مصر، انظر: القلقشندي: صبح الأعشي، ج 5، ص: 124.
(2) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 148.
(3) - الشماخي: السير، ص: 347.
(4) - يروى أنَّ المعزّ إذا سخط على بلدة ما أرسل لها جيشاً يحمل الراية الحمراء. أمَّا الراية البيضاء فهي إلى من استجوب الرضا. ولمَّا وجَّه المعزّ جيشه إلى الحامة حاملاً الراية الحمراء، توجَّه أبو القاسم مسرعاً إلى القيروان ليقابل أبا تميم ويطلب منه العفو، فعفا عنهم وأعطاهم الراية البيضاء. ولمَّا عاد إلى الحامة انسحب الجيش. انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 132، الشماخي: نفس المصدر، ص: 448، اطفيَّش: رسالة إنْ لم تعرف الإبَاضِيَة، ص: 56 - 57.
(5) - الدَّرجيني: نفس المصدر، ج 1، ص: 123.
(6) - حدث ذات مرَّة أنْ كان أبو القاسم في مجلس المعزّ فطلب منه أنَّ يريه سيف رسول الله (ص) ذا الفقار، فأراه المعزّ إيَّاه. ولمَّا أخذه أبو القاسم ورفعه بين يديه، ارتعد المعزّ خوفاً منه حتَّى أنَّ المعزّ قال لأحد وزرائه بعد خروج أبي القاسم من مجلسه: «لم آمن على نفسي حين أمكنت أبا القاسم من السيف حتَّى دخل يدي». انظر: أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 138، الشماخي: السير، ص: 448. (1/67)
صفحة 64
فكثر الطاعنون فيه، وزادت الوِشايات خاصَّة من وزراء المعزِّ. ويُذكر أنَّ أبا القاسم كان يتحدَّث يوماً مع يهودي في أمر "المعزّ" فقال له أبو القاسم: «ليس بيننا وبينه إلاَّ يسير، فنقوم عليه ونخرجه من تلك المدينة إنْ شاء الله». (1) ويقصد بذلك مدينة "القيروان" فما كان من اليهودي إلاَّ أنْ أبلغ المعزَّ بالحوار الذي جرى بينهما.
وممَّا زاد في خشية "المعزّ" أنَّ أبا القاسم كان كلَّ ربيع يخرج رفقة المشايخ إلى مواطن "مزاتة" التي كانت لهم بها قوَّة كبيرة قدِّرت باثني عشر ألف فارس، إضافة إلى أنَّ وزراءه كانوا يحذِّرونه من خروجه عليه. (2)
ولمَّا كثرت التحذيرات أرسل المعزّ إلى عامله بمدينة "الحامة" يأمره بقتل أبي القاسم ويبعث له برأسه، قبل أنْ يستفحل أمره فتباطأ العامل في تنفيد الأمر، لأنَّه كان من المعجبين بأبي القاسم، ونصحه بأنْ يمضي إلى الحج حتَّى يتَّقي شرَّ المعزّ، إلاَّ أنَّ نصيحته قوبلت بالرَّفض. ولمَّا أتاه أمر آخر يستعجله، أشار عليه العامل بالسفر إلى وارجلان، والإقامة هناك بين إخوانه فرفض مرَّة أخرى. ولمَّا تباطأ العامل مرَّة أخرى وصله كتاب يهدِّده ويخيِّره بين رأسه ورأس أبي القاسم، فلمَّا أحسَّ العامل بأنَّه هالك لا محالة إذا لم ينفِّذ الأمر، أغلق على نفسه الباب حتَّى لا يرى صاحبه يقتل بسيوف الجند. (3)
وتبالغ المصادر الإبَاضِيَة في وصف دفاع أبي القاسم عن نفسه بخنجر، وأنَّه استطاع التغلُّب على أفراد الحملة في البداية. وفي نهاية الأمر قتل وتمَّ القبض على أحد أصدقائه ويدعى "أبا محمَّد ويسلان" (4) وزُجَّ به في السجن. (5)
2 - التحضير للثورة:
كان مقتل أبي القاسم ذا أثر عظيم في أهل الدعوة، واغتاظ الإبَاضِيَة من ذلك فقام كلٌّ من أبي خزر وأبي نوح بمشاورة أهل الدعوة، وخرج أبو نوح إلى طرابلس وجبل نفوسة ليشاورهم فيما يعملونه فأعربوا له عن ضعفهم بعد موقعة "مانو" (6)، إلاَّ أنَّهم مستعدون إذا ما تهيَّأت الأمور واتَّحد الإبَاضِيَة. كما حلَّ
__________
(1) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 124.
(2) - الدَّرجيني: نفس المصدر والجزء والصفحة.
(3) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 139.
(4) - هو أبو محمَّد ويسلان (أو واسلان) بن يعقوب المزاتي من علماء الطبقة الثامنة (350 - 400هـ) (962 - 1010م) كان في بداية حياته راعياً للغنم، ثمَّ التحق بتلامذة القرآن في أيَّام أبي القاسم يزيد بن مخلد، ثمَّ تعلَّم علم الكلام ولمَّا أخذ قسطاً وافراً من العلم سافر إلى جبل نفوسة. وهناك قضى سبع سنين في دراسة كتب الفقه، انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 369 - 372.
(5) - أبو زكرياء: المصدر السابق، ج 1، ص: 139.
(6) - وقعت هذه المعركة سنة 383هـ حين قام ابراهيم بن احمد من بني الأغلب (261 - 289هـ) (874 - 902م) بالهجوم على قبيلة نفوسة لأنَّها لم تسمح له بالمرور على أرضها لملاقاة ابن طولون الذي شنَّ حملة على بلاد المغرب. وقد انهزمت نفوسة هزيمة ساحقة. انظر: الباروني: الأزهار الرياضيَّة في أئمَّة وملوك الإبَاضِيَة، ج 2، تحقيق محمَّد علي الصليبي، مطابع العالميَّة الطبقات: 1، عُمان 1987، ص: 342 - 343. (1/68)
صفحة 65
بجزيرة جربة فوجدهم عازمين على المطالبة بدم أبي القاسم على الرغم من رفض شيخ "جربة" أبي صالح اليراسني". وبعد أنْ أتمَّ أبو نوح المهمَّة التي أرسل من أجلها عاد ليخبر صاحبه "أبا خزر" بردود فعل أهل الدعوة، وعزمهم على الأخد بثأر شيخهم. ولمَّا اتفقوا على الخروج كاتبوا بني أمية، وأخبروهم بما هم عازمون على القيام به. وقد وقع هذا الكتاب في يد المعزّ فزاده حقداً على الإبَاضِيَة. (1)
واعترض البعض علىلثورة. فقد نصحهم الشيخ أبو محمَّد ويسلان بالقعود لأنَّهم ليسوا في قوَّة تسمح لهم بمعادات الدولة الفاطميَّة. كما قال لهم الشيخ أبو صالح اليراسني: «لا تهيجوا على أنفسكم أهل الخلاف، فإنَّهم أكثر منكم عدداً ومدداً». (2)
3 - بداية الثورة:
لمَّا عَزم الإبَاضِيَة على الخروج، أرسل المعزّ جماعة من المشايخ إلى الإبَاضِيَة يطلب منهم أنْ يعودوا إلى بلادهم التي تولَّوها من "تاهرت" و"بلاد الجريد". فقبل أبو خزر ذلك، أمَّا العامَّة فقد رفضت اقتراح المعزّ، وصمَّمت على الانتقام. حينئذٍ أرسل أبو خزر "أبا محمَّد جمال" (3) إلى بلاد "الزاب" و"أريغ" يستنفرهم. وقد لبَّى إباضِيَة المنطقة هذا الطلب، وخرجوا في عُدَّة وعدد كبيرين. كما أتت جموع مزاتة إلى أبي خزر وبايعوه إماماً للإبَاضِيَة، فإنْ كان النصر حليفهم ولَّوه إمامة الظهور. (4)
وبالرَّغم من الاستعدادات الكبيرة التي قام بها الإبَاضِيَة لِلَمِّ الشمل، إلاَّ أنَّ أبا خزر تسرَّع في الهجوم. ولم ينتظر وصولَ عسكر وارجلان. فقد نزل على مدينة "باغاية" وحاصرها ثمَّ هزم حاميتها في الثالث والعشرين من شوال سنة 358هـ (968م). (5)
ولمَّا انسحبت مزاتة (6) انكسر عسكر أبي خزر. ولم يبق فيها سوى أبي خزر
__________
(1) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 142، الشماخي: السير، ص: 349 - 350، مرمول: السياسة الداخليَّة للخلافة الفاطميَّة في بلاد المغرب، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر 1983، ص: 183.
(2) - الشماخي: السير، ص: 350.
(3) - هو أبو محمَّد جمال المدوني، لا نعرف عنه الكثير سوى أنَّه من علماء الطبقة السابعة حسب التصفيف الإبَاضِي أي (300 - 350هـ) (913 - 962م)، انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 345 - 349.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص: 350، صالح باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص: 130.
(5) - الشماخي: السير، ص: 351.
IDRIS: La berbérie musulmane, pp 29 - 30.
(6) - تذكر المصادر أنَّ خدعة وقعت في صفوف أبي خزر أدَّت إلى انهزامه في نهاية الأمر. ذلك أنَّ فخذاً من قبيلة مزاتة يقال له: "بني يليان" غلب عليه الطمع، حيث قبلوا عرض أهل باغاية بتقديم المال لهم مقابل الانسِحاب. أمَّا الذريعة التي جعلوها مبرِّراً لانسحابهم هي أنَّ بدنة ــ فخذ آخر من مزاتة ــ أغارت على أهلهم وأولادهم. انظر الشماخي: نفس المصدر والصفحة. (1/69)
صفحة 66
وأبي نوح. أمَّا التلاميذ الذين كانوا معهم فقد قتلوا عن آخرهم. ولمَّا علم أهل الزاب ووارجلان بما وقع لإخوانهم، عادوا من حيث أتوا، وكانوا قد وصلوا موضعاً يبعد مسيرة نصف يوم فقط عن باغاية. وبعد هذه الهزيمة فرَّ أبو خزر إلى جبل نفوسة بعد أنْ اختفى أربعين يوماً في جبل "تَلَتْمَاجَرْتْ" (1) رفقة أبي محمَّد يوجين. (2)
أمَّا أبو نوح فقد تنكَّر في هيئة رعاة الإبل ولمَّا أنفذ المعزّ العسكر في طلب الشيوخ الذين تزعَّموا الخروج وجدوه يرعى الإبل فأخذوه وطافوا به في أسواق المدينة ثمَّ ألقِيَ به في السجن، لأنَّ الخليفة كان يعتقد أنَّه هو الذي راسل بني أمِّية. (3)
كما أنفذ المعزّ يوسف بن زيري وجعفر بن علي للبحث عن أبي خزر. ولمَّا علم المعزّ بمكان إقامته أرسل إليه الأمان. فسار إلى القيروان ودخل على المعزّ في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة 359هـ (969م) حيثُ رحَّب به وَرفع منزلته وأدنى مجلسه، وسنى قدرُه، وشاع في الفضائل ذكرُه، وأمر له بحلَّة جزيلة، وخلع عليه خلعة نفيسة جليلة، وكان مجلسه على سريره دون جميع الجلساء». (4)
وحين عَزم المعزُّ على الانتقال إلى مصر أراد أنْ يصحب في رحلته كلاًّ من أبي خزر وأبي نوح. فلمَّا كلَّمهما في ذلك أبدى أبو خزر رغبته في السفر إلى القاهرة، بينما فضَّل أبو نوح البقاء في المغرب. (5)
ولمَّا علم الإبَاضِيَة بخروج أبي خزر في طريقه إلى مصر جاؤوا لتوديعه من لماية والقيروان. وجاءه من جربة عدد من العلماء من بينهم العالم أبو زكرياء: فصيل بن أبي مسور (6) الذي أراد أنْ يعرف منه مسائل أشكلت عليه. وعند وصوله
__________
(1) - هو جبل يقع في جبل نفوسة بليبيا، انظر: الشماخي: السير، ص: 351.
(2) - نفس المصدر، ص: 351،
IDRIS: La berbérie musulmane, pp 29 - 30.
أمَّا أبو محمَّد يوجين فلا نعرف عنه الكثير سوى أنَّه من علماء الطبقة التاسعة (450 - 500ه) (1059 - 1106م)، انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 405.
(3) - للتأكُّد من تلك المراسلة قام يهودي بإحضار ورق ومحبرة إلى أبي نوح وطلب منه أنْ يكتب طلب عفو للخليفة، ويعتذر له عمَّا حدث. والهدف من ذلك هو المقارنة بين الكتابين لكن أبا نوح تنبَّه للخديعة وقام بتغيير خطَّه. ولمَّا أحضروه إلى مجلس المعزّ للتحقيق معه، دافع أبو نوح عن نفسه دفاعاً ذكيًّا حتَّى سرَّ المعزّ بكلامه وممَّا قاله للمعز: «كيف نكاتب بني أمية ونأمنهم، وقد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار ويوم الجمل وصفين. وهم الشجرة الملعونة التي ذكر الله في القرآن»، انظر: الشماخي: المصدر السابق، ص: 352.
(4) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 136.
(5) - الشماخي: السير، ص: 354.
(6) - من علماء الطبقة الثامنة (350 - 400هـ) (962 - 1010م) كان يسكن جربة ممتهنا التعليم. يقول: عنه الدَّرجيني: «إنه كان يصرف على تلاميذه حيث يجعل الدراهم في القراطيس والصرر ثمَّ يعلِّقها في ألواح التلاميذ. فلمَّا مات انقطع عن التلامذة ماكانوا يأخذونه من دراهم» انظر: الطبقات، ج 2، ص: 361 - 364. (1/70)
صفحة 67
مصر سمع علماؤها بقدوم أبي خزر. وكان قد شاع عندهم أنَّ أبا تميم وصل ومعه عالم من المغرب، فجاؤوا ليناظروه ويستفيدوا من علمه الغزير. كما أنَّ المعزّ زاد في إكرام أبي خزر وأقطعه الديار والعقَّارات والمستغلاَّت. ولمَّا توفي المعزّ سنة 365هـ (975م) تنكَّر له خليفته العزيز بالله نزار (365 - 386هـ) (975 - 996م) (1)
أمَّا أبو نوح فقد انتقل إلى وارجلان حيث رحَّب به كبار شيوخها أمثال أبي صالح جنون بن يمريان وجمعوا له المال حتَّى يضمنوا له حياة كريمة. ويظلّ بينهم يستفيدون من علمه الغزير. وبعد سنوات قضاها في التدريس بمسجد "جنون" عاد إلى إفرِيقِيَّة. (2)
كانت هذه الثورة آخر ثورة قام بها الإبَاضِيَة في بلاد المغرب وبعد هذه المحاولة الفاشلة تحوَّل الإبَاضِيَة ثانية إلى الكتمان، وتقلَّصت أعدادهم بإفرِيقيَّة حيث نزحوا إلى الصحراء سواء إلى بلاد الجريد أو وارجلان.
ومهما يكن من أمر فإنَّ عصر المعزّ يعتبر عصر أمان في بلاد المغرب. فقد قلَّت الثورات خاصَّة بعد تأديب الثائرين أمثال بني كملان وبعض قبائل هوارة. وخير وصف لهذا الأمان ما ذكره ابن خلِّكان حيث قال: «لم يبق بلد من هذه البلاد إلاَّ أقيمت فيه دعوته، وخطب له في جمعته وجماعته إلاَّ مدينة سبتة. (3) فإنها بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس». (4)
4 - نتائج ثورة الوهبية:
من نتائج هذه الثورة، أنَّها بيَّنت مدى تماسك الإبَاضِيَة الوهبية سواء في بلاد المغرب الأوسط أو إفرِيقِيَّة. كما أنَّ هذه الثورة لم يتمّ التحضير لها تحضيرا جيِّداً، لأنَّ الإبَاضِيَة كانوا في حالة من الضعف لا تسمح لهم بمعاداة الدولة.
وقد رأينا أنَّ إبَاضِيَة نفوسة أعربوا عن ضعفهم، لكنَّهُم لم يبخلوا بالمساعدة، ودلَّت هذه الثورة على التسرُّع من جانب ابن خزر وخيانة مزاتة التي انحرفت عن المذهب الإبَاضِي وعدَلت عن مساعدة إخوانها، بعد أنْ كانت الساعد الأيمن للإبَاضِيَة.
2 - علاقات الإبَاضِيَة ببني زيري وبني حماد:
اتَّبع بنو زيري في البداية سياسة التسامح مع مختلف المذاهب الدينيَّة الموجودة في بلاد المغرب. ورغم هذا التسامح إلاَّ أنَّ الصراع ظلَّ باقياً بين المذاهب خاصَّة بين المالكيَّة والشيعة. وبفضل بلاء المالكيَّة وصمودهم منذ الخلافة الفاطميَّة أصبح
__________
(1) - نفس المصدر، ص: 139 - 143، الشماخي: المصدر السابق، ص: 355 - 356.
(2) - الشماخي: السير، ص: 357 - 358.
(3) - تقع هذه المدينة في آخر بلاد المغرب غرباً، يصفها ابن حوقل بأنَّها مدينة لطيفة على نحر البحر بها بساتين وبها معدن المرجان. انظر: صورة الأرض، ص: 79.
(4) - ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء الزمان، ج 1، تحقيق إحسان عبَّاس، دار الثقافة، بيروت 1968، ص: 225. (1/71)
صفحة 68
المذهب المالكيُّ مذهب الغالبيَّة وأصبح محتَّماً على الدولة أنْ تأخذه بعين الاعتبار.
وقد استفاد الإبَاضِيَة من هذه المهادنة وحَظِيَ بعض شيوخ الإبَاضِيَة الوهبية بمنزلة رفيعة منهم أبو نوح الذي كان المنصور (1) يحسن إليه ويكرِم مثواه، ويفضِّله على كثير من جلسائه وأصحابه. (2)
كما كان مقدَّم "بني درجين" "ويجنين بن وريغول" (3) مقرَّباً من المنصور، الذي كان يجمع في مجلسه العلماء من مختلف المذاهب الإسلاميَّة. فالشماخي يحدِّثنا عن مجلس من هذه المجالس حضره كلٌّ من أبي نوح من الإبَاضِيَة الوهبية وبعض المعتزلة والنكارية. (4)
كان الوهبيَّة والصنهاجيُّون مرتاحين لهذه الزيارات التي كان شيوخ الإبَاضِيَة يقومون بها للصنهاجيين. فكان منهم من يقدِّم الهدايا لأمراء صنهاجة رغبة في التقرُّب منهم. فهذا محمَّد بن عبد الله بن أبخت حفيد "أبي باديس أبخت بن باديس" الزناتي (5) أهدى للمعزِّ بن باديس (6) مهرين، أعجب بهما المعزّ كثيراً وأكرم صاحبهما. (7) لكن بعض وزراء المعزّ حذَّروه منه، وطعنوا فيه رغبة في القضاء عليه. (8)
ويلاحظ أنَّ مرحلة التسامح المذهبي لم تدم طويلاً، فسرعان ما بدأ بنو زيري في محاربة المذاهب عدا المالكيَّة، ذلك أنَّ المذهب المالكي كان المذهب الغالب، بينما المذهب الشيعي كان مفروضاً على الناس. وقد مرَّ بنا أنَّ العديد من العلماء كانوا مناوئين للشيعة ويعتبرونهم كفرة.
وكان صمود علماء المالكيَّة وتمسُّك العامَّة بهم باعتبارهم أولياء الله الصالحين سبباً في اقتناع بنو زيري بضرورة ترك المذهب الشيعي حفاظاً على استقرار ملكهم.
__________
(1) - هو منصور بن بلكين بن زيري (373 - 386هـ) (983 - 996م) تولَّى الحكم بعد بلكين بن زيري، انظر: لين بول: طبقات سلاطين الإسلام، ص: 43.
(2) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 147، باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، 143 - 144.
(3) - هو أحد شيوخ الإبَاضِيَة في قلعة بني درجين بإفرِيقيَّة عاش في القرن الرابع الهجري، كانت له علاقات طيِّبة مع المنصور بن بلكين بن زيري الصنهاجي. ونشير إلى أنَّ الدرجيني يسمِّيه "وحنين بن وريغول"، انظر: الدَّرجيني: نفس المصدر والجزء، ص: 145 - 146.
(4) - الشماخي: السير، ص: 358 - 359.
(5) - هو أبو باديس أبخت بن باديس بن زيدان اليكشني من علماء القرن الثالث الهجري ولد في أواخر الدولة الرستميَّة. كان مهتمًّا بتربية الخيول والأنعام إلى جانب تدريس فتيان مزاتة حيث كان ينتقل بين أحيائهم في عناية شرق المغرب الأوسط. انظر: علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ج 4، ص: 151 - 158.
(6) - هو المعزّ بن باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري صاحب إفرِيقِيَّة (406 - 453هـ) (1015 - 1061م) تولَّى الإمارة بعد وفاة أبيه باديس ولقَّبه الحاكم بأمر الله شرف الدولة سنة 407هـ، انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 5، ص: 233 وما بعدها.
(7) - الوسياني: السير، (مخ) ورقة 45 - 46.
(8) - الشماخي: السير، ص: 383 - 384، علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ج4، ص: 156. (1/72)
صفحة 69
وقد بلغت كراهية المالكيَّة للشيعة درجة كبيرة، فأصبحوا لا يحضرون صلاة الجمعة فراراً من دعوتهم. يقول ابن عذارى: «تمادى الأمر على ذلك حتَّى قطع أهل القيروان صلاة الجمعة، فراراً من دعوتهم، وتبديعاً لإقامتها باسمائهم. فكان بعضهم إذا بلغ إلى المسجِد، قال سرًّا: "اللهمَّ اشهد، اللهمَّ اشهد"، ثمَّ ينصرف فيصلِّي ظهراً أربعاً إلى أنْ تناهى الحال حتَّى لم يحضر الجمعة من أهل القيروان أحد». (1)
ولم يكثف المالكيَّة بمقاطعة صلاة الجمعة بل أصبحوا يصَلُّون وحدهُم الصلوات الأخرى. يذكر ابن حوقل أنَّ "أهل السوس" (2) كانوا فرقتين مختلفتين مالكيَّة وشيعة، ولهم بالبلد مسجد جامع كلّ فرقة تصلِّي فيه لوحدها. (3)
ولمَّا تولَّى المعزّ بن باديس الحكم (406 - 453هـ) (1015 - 1061م) صار يتنكَّر للشيعة ويميل إلى أهل السنَّة (4) وأصبح ينكل بالشيعة جهراً. ففي سنة 409هـ (1018م) خرجت طائفة من الشيعة قاصدين المهديَّة للرُّكوب منها إلى "صقلية". وعند وصولهم إلى إحدى القرى انقضَّ عليهم أهلها وقتلوهم. (5)
كما حدثت مذبحة أخرى في حي يعرف بِ"درب المعلى" بِ"القيروان" حيث كان الشيعة يتستَّرون بمذهبهم هناك وسرعان ما امتدَّت هذه الحرب المعلنة ضدَّ الشيعة إلى مناطق أخرى، وتفاقم الأمر حتَّى إنَّه «قتل من لم يعرف مذهبه بالشبهة لهم». (6)
وفي سنة 439هـ (1047م) أوْ 440هـ (1048م) تحوَّلت الدعوة من الفاطميين إلى العباسيين حيث دعا للقائم العباسي (7) وبذلك أعلنت القطيعة واستقرَّت الدعوة لبني العباس (8) بإفرِيقيَّة. (9)
__________
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص: 277.
(2) - هو بلد بالمغرب كان الروم يسموه "قمونية"، وقيل: السوس بالمغرب كورة مدينتها طنجة. وهناك كذلك السوس مدينته "طرقلة" ومن السوس الأدنى إلى السوس الأقصى مسيرة شهرين. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص: 281.
(3) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 90.
(4) - كان مربي المعزّ بن باديس أبا الحسن بن علي الرجال المالكي المذهب. ولا شكَّ أنَّه قد أثَّر في المعزّ إلى الأخذ بالمذهب المالكي، انظر: حسن احمد محمود: محنة الشيعة بإفرِيقيَّة في القرن 5هـ. فصل من مجلَّة كلية الآداب ج 12، ج2، مطبعة فؤاد الأوَّل، القاهرة 1950، ص: 93 - 94.
(5) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص: 269.
(6) - نفس المصدر والجزء، ص: 268.
(7) - لمَّا توفِّي القادر بالله سنة 422هـ، تولَّى الخلافة ابنه القائم بأمر الله أبو جعفر بن عبد القادر. توفي ليلة الخميس ثالث عشر شعبان 467هـ، انظر: أبو الفدا: تاريخه، ج 1، طبعة دار المعارف، بيروت (ب، ت) ص: 158.
(8) - لمَّا أظهر المعزّ بن باديس الدعاء للدَّولة العباسيَّة وصله السجل من القائم بأمر الله واصفاً إيَّاه بِ"الملك الأوحد نور الإسلام وشرف الأيَّام وعمدة الأنام ناصر دين ا وقاهر أعداء ا. ومؤيِّد سنة رسول الله (ص) انظر النويري: نهاية الارب، ج 24، ص: 209.
(9) - الدواداري: كنز الدور وجامع الغرر (الدورة المضيئة في أخبار الدولة الفاطميَّة)، ج6، تحقيق صلاح المنجد، مطبعة (ل. ت. ن. ت) القاهرة 1961، ص: 331. (1/73)
صفحة 70
ولم يكتف المعزّ بقطع الخطبة للفاطميِّين، بل أمر الخطباء بأنْ يسبُّوهم ويلعنوهم. (1) كما أمر المعزّ بن باديس سنة 441هـ (1049م) بتغيير السكَّة (2)، وإعادة سبك ماكان عنده من الدنانير التي ذكرت فيها أسماء بني عبيد. وأصبح من يتصرَّف بدنانير عليها أسماء بني عبيد يتعرَّض للعقاب. (3)
ولمَّا تخلَّص المعزّ من الشيعة ومذهبهم انتقل إلى بقيَّة الفرق الأخرى وأوَّلها الإبَاضِيَة، حيث قام بإرسال حملة سنة 440هـ (1048م) إلى قلعة بني درجين، وتمكَّن بعد حصار شديد أنْ يدخل ويقتل الكثير من الإبَاضِيَة خاصَّة شيوخَهم. أمَّا الناجون فقد فرُّوا إلى المغرب الأوسط أو إلى جبل نفوسة. (4)
كما تعرَّض بعض شيوخ الإبَاضِيَة لأعمال البطش، وألقي بالبعض الآخر منهم في السجون مثل "أبي نوح" الذي سجن في مدينة توزر. (5)
ونتيجة لهذا الاضطهاد الذي عاناه الإبَاضِيَة من الصنهاجيين أصبحوا يبغضون التعامل معهم حتَّى في التجارة. (6)، وأصبحوا لا يثِقُون في أمراء بني زيري. وفضَّلوا الابتعاد عن إفرِيقِيَّة مهاجرين إلى أقاصي الصحراء للعيش في مجتمعات صغيرة، تحكمها تعاليم المذهب الإبَاضِي، كما انقطعت صِلاتهم بمجالس الأمراء، وأصبحوا يهجرون كلّ من زار أميرا من الأمراء، فالإبَاضِيَة يقولون: «إذا رأيتم العالم يمشي إلى أبواب السلطان فاتهموه على أمر دينكم». (7)
والمصادر لا تعطينا معلومات عن طبيعة علاقة الإبَاضِيَة ببني حماد. وإذا كان الدكتور عبد الحليم عويس يرى أنَّ "وارجلان" كانت تقع ضمن حدود دولة بني حماد. بمعنى أنَّ هذه المدينة كانت تابع للدولة فإنَّ المصادر الإبَاضِيَة تذكر بأنَّ
__________
(1) - ممَّا جاء في هذا اللعن: "اللهمَّ العن الفسقة الكبار المارقين أعداء الدين وأنصار الشيطان المخالفين لأمرك والناقمين لعهدك، المتبعين غير سبيلك المبدلين لكتابك" انظر: ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص: 277 - 278.
(2) - نقش على أحد وجهي الدينار الجديد "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وعلى الوجه الآخر: لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله" انظر ابن عذارى: نفس المصدر والجزء، طبعن ليدن 1948، ص: 278، اسماعيل العربي: عواصم بني زيري، بيروت 1984، ص: 137.
HENRI LAVOIX: Catalogue des monnaies musulmanes de la bibliothèque nationale, (Epagne et Afrique), imprimerie national, p 407.
(3) - ابن عذارى: نفس المصدر والجزء، طبعة بيروت 1980، ص: 279، محمَّد أبو العزم: الأثر السياسي والحضاري للمالكيَّة، ص: 244.
(4) - الشماخي: السير، ص: 400، باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص: 147.
(5) - الشماخي: السير، ص: 360.
(6) - من الأمثلة على ذلك أنَّ إباضيًّا يدعى عبد السلام اشترى خرفانا في إفرِيقِيَّة فلمَّا أراد صاحبها قبْض الثمن، قال له: «آرا» وهي بلغة صنهاجة ومعناها "هات" فدفع ثمن الخرفان، وتصدَّق بها تحرُّجاً من رزق صنهاجة، انظر أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 2، ص: 306 - 307.
(7) - الشماخي: المصدر السابق، ص: 384. (1/74)
صفحة 71
وارجلان كانت مستقلَّة استقلالاً تامًّا يحكمها مجلس شيوخ يعرف بمجلس العزَّابة.
وفي موضع آخر يذكر نقلاً عن دائرة المعارف الإسلاميَّة أنَّ حدود دولة بني حمَّاد تمتدُّ من البحر المتوسِّط في الشمال إلى بلاد الزيبان في الجنوب. ومن الحضنة في الشرق إلى تاهرت في الغرب. ويرى أنَّ كلمة "زيبان" هي تحريف لكلمة "بريان" (1). وهي المدينة الصحراويَّة الواقعة جنوب وادي ميزاب بحوالي خمسين كيلومتراً. والحقيقة كلمة "زيبان" تطلق على مدينة بسكرة وضواحيها، والتسمية هي جمع لكلمة الزاب التي كانت تطلق على هذه المنطقة في العصور الوسطى.
فلم تكن وارجلان تابعة لدولة بني حماد. ويكون قد حدث ذلك بعد سنة 454هـ (1062م) أي في عهد الناصر. فقد أرسل ابنه المنصور على رأس جيش تمكَّن من الاستيلاء على المدينة وولَّىحد العمَّال عليها. (2)
كما قام حماد بن بلكين (398 - 419هـ) (1007 - 1028م) بحملة على إباضيَّة "بني غمرت" (3) فخربها وأجلى سكانها منها. (4)
3 - علاقات إبَاضِيَة المغرب الأوسط بإخوانهم في
إفرِيقِيَّة والمشرق:
أهم ما يميِّز هذه العلاقات كثرة تنقُّل الإبَاضِيَة وعلمائهم بين مواطن إخوانهم سواء لتفقُّد أحوالهم أو لطلب العلم عندهم. وكان العلماء يداومون على زيارة وارجلان وغيرها برفقة تلاميذهم. وتعطينا المصادر الإبَاضِيَة وصفاً دقيقاً لهذه الزيارات. ومن الأمثلة على ذلك أنَّ الشيخ أبا عبد الله محمَّد بن بكر كان ينتقل إلى وارجلان للإشراف على أمور الدعوة. كما كان العلماء يزورونه خصِّيصاً للاستفادة من علمه. ومن العلماء الذين زاروه "محمد بن سليمان النفوسي" (5) الذي كان يدرس الكتب في غيران "بني أجاج" (6)
ونظراً لاستقرار أبرز العلماء في وارجلان، كان الكثير من الإبَاضِيَة سواء من إفرِيقِيَّة أو جبل نفوسة، يأتونهم لطلب الفتوى. كما كان الإبَاضِيَة يقومون بالزيارات الجماعيَّة لإخوانهم. فقد سار جماعة من أهل "وارجلان" إلى جربة يرأسهم الشيخ عمران بن زيري. كما وفد سنة 449هـ (1057م) إلى وارجلان وفدٌ كبير من أهل
__________
(1) - عبد الحليم عويس: دولة بني حماد في الجزائر، رسالة ماجستير بكلِّية دار العلوم، 1973، ص: 112.
(2) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 11، ص: 356.
(3) - بنو غمرت هم من قبائل البربر الخارجة من طلب زناتة: انظر ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 102.
(4) - الشماخي: السير، ص: 402.
(5) - هو من علماء الطبقة التاسعة (450 - 500هـ) كانت له حلقة علميَّة من التلاميذ فكان يصرف عليهم حيث يطعمهم ويكسيهم من ماله. انظر الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 417 - 420.
(6) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 2، ص: 304. (1/75)
صفحة 72
طرابلس، حتَّى إنَّ تلك السنَة سمِّيت بسنة الزيارة. (1)
ولم تقتصر هذه الزيارة على طلب العلم والفتوى فحسب بل كانت للتسوُّق أو للتعزية في وفاة الشيوخ المعروفين. يقول الشماخي: «إنَّ من عادة أهل وارجلان إذا مات أحد من فضلائهم بعثوا إلى سائر القرى يحضرون جنازته». (2)
أمَّا عن اتصال إبَاضِيَة المغرب الأوسط بإخوانهم المشارقة، فكان يتمُّ سواء بإرسال الوفود أو البقاء في موسم الحجِّ. وكانت هذه العلاقات منتعشة في عهد الدولة الرستميَّة، لكنَّها في هذه الفترة كانت قليلة جدًّا. ولا توجد دلائل كثيرة تدلُّ على استمرارها. ومهما يكن من أمر فإنَّ الحجَّ كان فرصة لالتقاء الإبَاضِيَة بإخوانهم. فعند ذهابهم إلى الحج كانوا يمرُّون بإخوانهم ببلاد الجريد وجبل نفوسة ومصر. وكان البعض منهم يواصل طريقه إلى عمان بعد انقضاء موسم الحج. كما أنَّ النفوسيِّين كانوا يرسلون أبناءهم إلى وادي ميزاب للتعلُّم خاصَّة بعد هجرة بني هلال بالإضافة إلى تبادل الكتب فيما بينهم.
وإلى جانب هذه الزيارات كانوا يتراسلون، فالوارجلانيُّ يذكر أنَّ الشيخ أبا صالح جنون بن يمريان أرسل إلى الشيخ أبي خزر أثناء إقامته في مصر، يطلب منه الكتابة له في المسائل التي لا يسع الناسَ جهلُها. (3)
ويبدو أنَّ أعداداً كبيرة من الإبَاضِيَة كانت تقيم في مصر. فالشيخ اطفيَّش ينفرد بالقول إنَّ صلاح الدين يوسف بن أيُّوب (4) جعل المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العبَّاس أحمد بن طولون (5) مأوى للطلبة الإبَاضِيَة يدرسون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق في كلِّ شهر، وسمح لهم بأنْ يُولُّوا عليهم من يهتمُّ بشؤونهم يتحكَّمون إليه في أمورهم. (6)
كما يقدِّم مقرن البغطوري معلومات عن علاقات إبَاضِيَة المغرب بإباضِيَة المشرق فيذكر أنَّهم كانوا يتزاورون، يزور أهلُ المشرق أهلَ المغرب، ويزورهم أهل المغرب، وكان حجاج الإبَاضِيَة المغاربة يجتمعون بعد عودتهم من المشرق في مكان
__________
(1) - الشماخي: السير، ص: 347.
(2) - نفس المصدر، ص: 420.
(3) - الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج 2، ص: 16.
(4) - هو مؤسِّس الدولة الأيوبيَّة (564 - 648هـ) (1169 - 1250م) من أصل كردي، كان بخدمة نور الدين محمود بن زنكي، فنصبه حاكماً على الشام ثمَّ على مصر بعد ضمِّها إلى بلاد الشام، وتحوَّل من الدعوة للفاطميِّين إلى الدعوة للخليفة المستضيء العباسي ببغداد، وفي عهده أصبح الرَحمان الشريفان تابعين لمصر إلى جانب بيت المقدس. توفي صلاح الدين سنة 589هـ (1193م)، انظر لين بول: طبقات سلاطين الإسلام، ص: 71 - 72.
(5) - هو أبو العبَّاس بن احمد بن طولون الذي أعلن استقلال مصر عن الخلافة العباسيَّة 254هـ (868م) أمَّا أبو العبَّاس فهو الذي انتقض على أبيه أحمد عندما رحل إلى الشام وسار إلى إفرِيقِيَّة يطلب ملكها بالقضاء على الأغالبة وقد مني بهزيمة ساحقة سنة 267هـ. انظر ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 645.
(6) - اطفيَّش: رسالة إنْ لم تعرف الإبَاضِيَة، ص 3. (1/76)
صفحة 73
يقال له "تَمَصْرُون" (1) حتَّى يتَّفقوا على السير إلى الحجِّ في الموسم القادم. ولمَّا سقطت تاهرت أصبح إباضيَّة إفرِيقِيَّة وطرابلس وجربة يجتمعون في موضع غير معروف يقال له: "أمَّاسَنْ" (2) البساتين والزروع والقطن والحنطة والشعير والكتَّان. وكان أهلها يربُّون الماشية. وقد تقلَّص نشاطها الاقتصادي فيها فيما بعد. فابن حوقل يصف أهلها قائلاً: «صاروا بعد السعة إلى الضيق والذلَّة والصغار والشتات والقلَّة مشرَّدين في البلاد». (3) إلاَّ أنَّه يبدو أنَّ المدينة انتعشت في عهد الادريسي إذ يذكر أنَّ بها صنائع وتجارات وأموالاً. (4)
ومن المراكز التجارية التي اشتهرت في بلاد المغرب الأوسط خاصة في القرنين الثالث والرابع لهجرة (التاسع والعاشر الميلادي) مدينة تاهرت، عاصمة الدولة الرُّستُمِيَّة ذلك أنَّ الأئمَّة الرُّستُمِيين اهتمُّوا بالتجارة فأقاموا علاقات تجارية نشطة مع دول المغرب وبلاد السودان وسبق الذكر أنَّه كان يربطها طريق مباشر ببلاد السودان يمر على وارجلان وقد وصفتها معظم المصادر الجغرافيَّة بكثرة الخيرات يصفها ابن حوقل قائلاً: «هي إحدى معادن الدواب والماشية والغنم والبغال والبراذين .. ويكثر عندهم العسل والسمن وضروب الغلاَّت». (5) كما يذكر الإدريسي أنَّ أسواقها عامرة وبها تجارات وبضائع متنوِّعة. (6) وكانت تنتج القمح والشعير والحمص والفول والعنب والرمان، وغيرها من الفواكه. أمَّا السلع النادرة في تاهرت فكانت تجلب إليها من المدن المغربيَّة. (7)
واشتهرت قلعة بني حمَّاد قبل انتقال الحمَّاديِّين إلى بجاية بكثرة التجار الوافدين إليها. وأصبحت تنافس مدينة وارجلان. وكان التجَّار الإبَاضِيَة يزورون أسواقها لرخص أسعار السلع فيها خاصة الفواكه والنَّعم واللحوم. يصفها الإدريسي قائلاً: «من أكبر البلاد قطراً وأكثرها خلقاً، وأغزرها خيراً، وأوسعها أموالاً، وأحسنها قصوراً ومساكن، وأعمِّها فواكه وخصباً، وحنطتها رخيصة، ولحومها طيِّبة سمينة». (8)
وإلى جانب هذه المراكز التجاريَّة توجد مراكز أخرى قليلة الأهمِّية بالمقارنة مع المراكز الأولى، منها مدينة مرسى الدجاج التي كانت الأسعار فيها رخيصة. تكثر فيها الحنطة وسائر الفواكه واللحوم. وكان تينها يحمل إلى سائر الأقطار
__________
(1) - لم نستطع معرفة هذا الموضع.
(2) - مقرن البغطوري: سير مشائخ نفوسة، (مخ) ورقة 2 - 3.
(3) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 85.
(4) - الإدريسي: المغرب، ص: 93.
(5) - ابن حوقل: المصدر السابق، ص86.
(6) - الإدريسي: المصدر السابق، ص87.
(7) - القلقشندي: صبح الأعشي، مج 5، ص112 - 113.
(8) - الإدريسي: المغرب، ص86. (1/77)
صفحة 74
والمدن. (1)
كما كانت مدينة جزائر بني مزغنَّة آهلة بالتجار. يصفها الإدريسي بأنَّ تجارتها مربحة، وأسواقها كثيرة، يكثر فيها العسل والسمن الذي كان يحمل إلى مختلف الجهات. (2)
وامتلأت مدينة أشير بالتجَّار. يذكر النويري أنَّ الناس كانوا لا يتعاملون بالذهب والفضَّة، إنَّما بالبعير والبقرة والشاة، إلى أنْ ضرب زيري السكَّة فكثرت الدنانير والدراهم في أيدي الناس. (3)
واشتهرت مدينة تلمسان ــ قاعدة المغرب الأوسط ــ بأسواقها وأنهارها التي أقيمت عليها الطواحين. وكانت مقصداً لتجَّار الآفاق، لأنَّ أسعارها رخيصة وتجارتها مربحة حتَّى أنَّ البكري يذكر أنَّه: «لم يكن في بلاد المغرب بعد مدينة أغمات وفاس أكثر من أهلها أموالاً ولا رأفة ... منهم حالاً». (4)
كما كانت تنس تصدِّر سائر الحبوب إلى كلّ الآفاق في المراكب. بالإضافة إلى الفواكه خاصَّ’ السفرجل الطيِّب المعنَّق. (5) كما كانت بمدينة وهران أسواق وصنائع كثيرة، وتجارات نافقة، وأسعارها رخيصة خاصة أسعار السمن والزبد والبقر والغنم. (6) أمَّا بجاية التي أصبحت عاصمة لبني حمَّاد بعد انتقالهم إليها من القلعة فكانت مركزاً تجاريًّا هامًّا حيث كانت تردُّ إليها السفن والقوافل محمَّلة بمختلف السلع والأمتعة. وكان أهلها يجالسون تجار المغرب الأقصى وتجار الصحراء والمشرق. (7)
وإلى جانب هذه المدن الكبيرة هناك القرى الصغيرة التي تقام فيها الأسواق مثل سوق "بني زندوي" الذي يقام كلّ يوم جمعة. (8)
كانت وارجلان وسيطاً تجاريًّا فقط. فالمدينة لم تعرف بكثرة محاصيلها الزراعيَّة عدا التمور، إلى جانب أنَّها اشتهرت بتربية الإبل. لذلك فإنَّ أغلب السلع التي كان يحملها التجار الإبَاضِيَة إلى بلاد السودان كانت تجلب من المدن التي ذكرناها. كما أنَّ أهلها كانوا يتولَّون قيادة القوافل إلى بلاد السودان. ومن الأمثلة على التبادل التجاري أنَّ تجَّار وارجلان كانوا يجلبون التمور الجيدة التي اشتهرت بها بلاد الزاب ليبيعونها في السودان. فالشماخي يذكر أنَّ «تملى
__________
(1) - نفسه، ص89.
(2) - نفسه، ص89.
(3) - النويري: نهاية الارب، مج 24، ص121.
(4) - البكري: المغرب، ص80.
(5) - الإدريسي: المغرب، ص83.
(6) - نفسه، ص84.
(7) - الإدريسي: نفس المصدر، ص90.
(8) - نفسه، ص97. (1/78)
صفحة 75
الوسياني» كان يسافر إلى تادمكّة لبيع التمر. (1)
وإلى جانب التمر هناك الفواكه التي تحمل من مدن إفرِيقِيَّة والمغرب الأوسط لتباع من جديد في بلاد السودان. وقد ذكر ابن خلدون أنَّ فواكه بلاد السودان كانت تصلها من صحراء المغرب مثل توَّات وتكدرارين ووارجلان. (2) كما كان التجَّار يحملون الثياب والأكسية الرفيعة والجلود والسلع التي يكثر عليها الطلب في بلاد السودان. وفي المقابل كان تجَّار وارجلان يحضرون العبيد من السودان، ويبيعونهم في الأسواق المغربيَّة. (3)
ومن السلع التي كان يحملها التجَّار الإبَاضِيَة سواء إلى مدن المغرب أو بلاد السودان عسل التمور. فقد عثر على بعض القلل التي كانت تستعمل في جمع العسل. ولذلك نجد أنَّ سكَّان "سدراتة" اهتمُّوا بصناعة الفخَّار. (4)
كما كان التجَّار الإبَاضِيَة يتاجرون بالإبل، وكانت أسعارها رخيصة ويذكر صاحب كتاب المعلَّقات أنَّ سعر الجمل بلغ ثمانية دنانير وبيع في بعض الأوقات بأربعة وعشرين ديناراً. (5) وكانت تادمكَّة سوقاً رائجة لبيع الجمال. فأبو زكرياء يذكر أنَّ الجمال تباع بكثرة فيها ويقول عن عدم تمكُّن تاجر من بيع جمله: «ما سمعنا بجمل رجع من تادمكَّة قطّ إلى وارجلان». (6) كما كان الإبَاضِيَة يحملون إليها الثياب. (7) وكانت القوافل تصل إلى وارجلان قادمة من المهديَّة. (8) ولا شكَّ أنَّها كانت محمَّلة بمنتوجات المهديَّة مثل التين والعنب والزبيب، والجلود. ويذكر صاحب كتاب المعلَّقات كذلك أنَّ القوافل كانت تنطلق من وارجلان في اتجاه القيروان محمَّلة بمختلف أنواع التمور. وكان القيروانيون ــ كما يقول ــ متشوِّقين للتمر. وكانت بعض هذه القوافل تتَّجه من القيروان إلى غانة محمَّلة بالسلع. (9)
كما ساهم سكَّان وادي ميزاب في الحركة التجاريَّة. وكانت مدينة "غارداية" مركزاً رئيسيًّا للتبادل التجاري في شمال الصحراء. فكان التجَّار يبادلون فيها مسحوق الذهب وريش النعام والعبيد والسلع المجلوبة من السودان بالخضر والفواكه المجلوبة من الشمال. وكانت المعاملات التجاريَّة، تمُّ بالمقايضة. (10)
__________
(1) - السير، ص411.
(2) - المقدِّمة، 93.
(3) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص126.
(4) - LETHEILLEUX: Ouargla, p 54.
(5) - ورقة 12.
(6) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 2، ص313.
(7) - نفس المصدر والجزء والصفحة.
(8) - مجهول: كتاب المعلَّقات، (مخ)، ورقة 12.
(9) - مجهول: نفس المصدر، (مخ)، ورقة 18.
(10) - PAVARD: Lumières du M’Zab, p 20. (1/79)
صفحة 76
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ إباضيَّة وارجلان كان لهم نشاط ملحوظ في وادي ميزاب خاصَّة وأنَّهُم كانوا يمرُّون عليه في طريقهم إلى تاهرت. وأثناء عودتهم يحضرون الفواكه والخضر والقمح والشعير المتوفِّر بكثرة في تاهرت. فالمصادر تصفها بأنَّها "عراق المغرب".
وأهمُّ سلعة يوفِّرها تجَّار وارجلان لمدن المغرب العبيد. ذلك أنَّ تجارة الرقيق كانت رائجة خاصة في عصر الدولة الفاطمية حيث كانوا يستخدمون في الجيش وبعض الأعمال. ومن الأمثلة على ذلك أنَّ عبد الله ابن محَمَّد الكاتب عامل إفرِيقِيَّة جعل سنة 373هـ (983م) على كلّ عامل ثلاثين عبداً، وكذلك على أصحاب الخراج. كما استعمل المعزّ العبيد في الجيش. وبلغ عدد العبيد أكثر من ثلاثين ألف. (1)
وكانت وارجلان وزويلة وسجلماسة من أكبر المراكز التي تورد العبيد. فأسعارهم رخيصة في بلاد السودان خاصة عبيد قبائل "لملم" ممَّا شجَّع التجَّار على جلب أعداد كبيرة منهم. يقول الحميري: «وأهل بريسي وسلى وتكرور وغانة يغيِّرون في بلاد "لملم" ويُسبون أهلها ويسوقونهم إلى بلادهم، فيبيعونهم إلى التجَّار الواصلين إليهِم فيخرجهم التجَّار إلى سائر الأمصار». (2)
وكانت القوافل المغربيَّة تخرج من مدن المغرب محمَّلة بالبضائع والسلع لتباع في بلاد السودان، مارَّة بالمحطَّات الرئيسيَّة الواقعة في الجنوب مثل وارجلان وسجلماسة وأوجله (3) وغدامس وزويلة. وتعتبر هذه المحطَّات مراكز لانطلاق القوافل إلى بلاد السودان. وفيها يرتاح التجَّار لأنَّ العمران منعدم على طول الطريق حيث تسير القوافل في صحراء قاحلة إلى بلاد السودان. لذلك يتجهَّز التجَّار بكلِّ ما يلزمهم من احتياجات السفر في هذه المحطَّات من مؤونة خاصَّة الماء.
وقد وصف كلّ من ابن سعيد وياقوت الحموي مشاقَّ السفر إلى بلاد السودان. فذكرا أنَّ التجار كانوا يأخذون معهم من سجلماسة مثلاً الجمال القويَّة، ويحملون الماء من بلاد لمتونة في الروايا والأسقية، ويسيرون فيجدون مياه الآبار فاسدة. فكانوا يستكثرون من حمل المياه، خاصَّة وأنَّهُم يمرُّون على صحاري تكثر فيها الرياح التي تجفف المياه داخل الأسقية فصاروا يحضِّرون معهم جمالاً يعطشونها قبل ورودهم على الماء ثمَّ يسقونها حتَّى تمتلئ أجوافها. فإذا ما جفَّت أسقيتهم نحروا جملاً، وشربوا ما في بطنه. (4)
__________
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، مج 1، ص247، عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصاديَّة، ص175.
(2) - الحميري: الروض المعطار، ص511.
(3) - تقع هذه المدينة قرب مدينة جدابية، وهي ناحية ذات نخيل وغلات من التمر كانت في عصر ابن حوقل تابعة لبرقة. انظر: صورة الأرض، ص70.
(4) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص113، الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص12. (1/80)
صفحة 77
وكان هؤلاء التجاَّر يصلون إلى المراكز التجاريَّة المشهورة في بلاد السودان مثل التكرور (1) وكومبى، وتومبكتو، وكوكو. وكانت حركة التجارة منتظمة بين مدن المغرب والمدن السودانيَّة. وساهم فيها تجار الإبَاضِيَة مساهمة كبيرة. وعادت على التجَّار بالمال الوفير من تدفُّق الذهب وجلب العبيد. وكانت أهمُّ سلعة وأشهرها على الإطلاق الذهب لكثرته في بلاد السودان. فهناك بلد يعرف ببلد التبر (غانة)، إليها ينسب الذهب الخالص. (2)
وتتَّفق المصادر على أنَّ غانة كانت من أكثر بلاد السودان ذهباً. فالبكري يقول إنَّ أفضل الذهب في بلاد غانة هو ذهب مدينة غياروا. (3) بالإضافة إلى معادن التبر الموجودة قرب مدينة كوغة. (4)
ويذكر أبو حامد الغرناطي أنَّه يظهر في رمال غانة الذهب التبر، وهو كثير عندهم. (5) وقد اشتهرت غانة بأرباحها التجاريَّة الطائلة. فموقعها وموقع عاصمتها "كومبى صالح" على حدود الصحراء الجنوبيَّة جعلها تتحكَّم في الطرق التجاريَّة المؤدِّيَة إلى مناجم الذهب. وكانت لِغانة علاقات تجاريَّة مع جميع المدن الكبيرة في شمال إفريقيا والمغرب الأقصى. يقول الحميري: «وإليها يقصد المياسير من جميع البلاد المحيطة بها من سائر بلاد المغرب الأقصى». (6)
وكانت حركة التجارة منتظمة بين غانة ومدن المغرب. فكانت غانة تصدِّر الذهب والرقيق وأنواعاً من جلود الماعز المدبوغة التي يتَّخذ منها الخفاف. فكان الجلد الواحد يباع بعشرة دنانير. كما كانت تصدِّر العاج والصمغ والقطن. (7)
وكان الرقيق من السلع المحبَّب حملها إلى بلاد المغرب من بلاد السودان. فكثرت في مدن المغرب أسواق النخاسة في عهد الدولة الفاطميَّة. فاليعقوبي يذكر أنَّ زويلة كانت من المنافذ الرئيسيَّة التي يدخل عبرها الرقيق. (8)
كما كانت تجلب إلى أودغست وغيرها من مدن المغرب الجواري السودانيَّات المعروفات بحسن الطبخ "تباع الواحدة منهنَّ بمائة مثقال وأكثر". (9) وذكر ابن
__________
(1) - تقع هذه المدينة في السودان قرب مدينة تسمَّى "صنغانة". تبعد عن سجلماسة بأربعين مرحلة. وأقرب البلاد إليها مدينة أزقّى التي تبعد عنها بخمس وعشرين مرحلة. انظر الحميري: الروض المعطار، ص134.
(2) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص93.
(3) - البكري: المغرب، ص176 - 177.
(4) - نفسه، ص179.
(5) - كتاب تحفة الألباب، نشر ضمن journal asiatique عدد TCC XII سنة 1925، ص41
(6) - الروض المعطار، ص425.
(7) - أبو حامد الغرناطي: المصدر السابق، ص43. ابراهيم علي طرخان: امبراطورية غانة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970م، ص65.
(8) - صفة المغرب، ص158.
(9) - البكري: المغرب، ص158. (1/81)
صفحة 78
حوقل أنَّ من بين ما يجهَّز من المغرب إلى المشرق الخدم المجلوبون إلى السودان. (1)
ومن السلع الواردة إلى المغرب كذلك الدرق اللمطيَّة التي تصنع من جلد حيوان "اللمط". تمتاز بالخفَّة واللين، لا ينفذ منها النشَّاب ولا يؤثِّر فيها السيف. فيها يقاتل أهل المغرب لأنَّها تحمي الفارس وفرسه. (2) بالإضافة إلى سلع أخرى كجلود النمور والصمغ وريش النعام. (3) كما كان يجلب من السودان دواء للعيون. (4)
وكان يتجهّز إلى بلاد المغرب الشبّ من "كوّار". فالإدريسي يذكر أنَّ أهل مدينة "أنكلاس" - قرب كوَّار- كانوا يصلون إلى بلاد وارجلان وسائر المغرب الأقصى. (5)
أمَّا السلع الصادرة إلى بلاد السودان فكثيرة، إلاَّ أنَّ الملح كان أشهر سلعةٍ يحملها التجّار المغاربة إلى السودان. ذلك أنّ ملوك غانة - كما يقول ابن حوقل -: «كانوا في حاجة ماسّة إلى هذا الملح، خاصّة الملح المستخرج من مناجم "تاغازا" و"أوليل" و"توتك"». (6)
وكان الملح يحمل إلى غانة من مدينة سجلماسة. يقول أبو حامد الغرناطي: «يحمل التجّار إليهم - أي سكّان غانة - (حجارة) الملح على الجمال من الملح المعدني، فيخرجون من بلدة يقال لها سجلماسة، آخر بلاد المغرب الأعلى ... فإذا وصلوا إلى غانة باعوا الملح وزنا بوزن الذهب، وربَّما باعوه وزنا بوزنين أو أكثر، على قدر كثرة التجَّار وقلّتهم» (7) وفي بعض الأحيان بلغ ثمن الحمل من الملح في أقاصي السودان ما بين مائتين إلى ثلاثمائة دينار. (8)
وكانت مناجم الملح متوفّرة بكثرة، منها منجم يبعد عن سجلماسة بمسيرة عشرين يوما، يحفر عن الملح في الأرض كما يحفر عن سائر المعادن. ويوجد تحت قامتين، ويقطع كما تقطع الحجارة. ويسمَّى هذا المعدن "تاتنتال"، وعليه حصن مبنيٌّ بحجارة من الملح. ومن هذا المنجم يتجهَّز بالملح إلى سجلماسة وغانة وسائر بلاد السودان. كما يوجد منجم آخر عند بني جدالة بموضع يسمَّى "أوليل" على شاطئ البحر. (9)
وكان سكَّان "تاغازا" يجمعون الملح طول السنة. ولمَّا تأتي القوافل يبيعونه للتجَّار، ويأخذون من ثمنه قدر نفقاتهم. أمَّا الباقي فيسلِّمونه إلى أوليائهم من
__________
(1) - صورة الأرض، ص95.
(2) - الإدريسي: المغرب، ص59. الغرناطي: تحفة الأباب، ص43 - 44.
(3) - جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسَّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984م، ص267.
(4) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، ورقة4.
(5) - الإدريسي: المغرب، ص: 39 - 40.
(6) - صورة الأرض، ص91 - 98.
(7) - تحفة الألباب، ص42.
(8) - ابن حوقل: المصدر السابق، ص98.
(9) - البكري: المغرب، ص171. (1/82)
صفحة 79
"مسوفة". (1)
وكانت أسعار الملح مرتفعة حيث كان التجَّار يحصلون مقابله على وزن أو وزنين من الذهب، وربَّما أكثر. ويذكر ابن حوقل أن ثمن الملح بلغ سعره في بلاد السودان بين مائتين وثلاثمائة دينار. (2) ولكن قلَّت تجارة الملح فيما بعد خاصَّة في القرنين الرابع والخامس للهجرة (العشار والحادي عشر الميلادي). ويذكر أن الوقر كان يباع بمائة دينار، وأنَّ العبد كان يباع بكمِّية من الملح. فكان يجعل تحت قدمه مقدار نعل فيكون قيمة له. ولمَّا كثر العرض من الملح انخفضت أسعاره، وأصبح العبد يباع مقابل حمل جمل. (3)
أمَّا عن طريقة التبايع بين تجار المغرب وأهل السودان فقد وصفها ياقوت بدقَّة حيث يذكر أنَّه إذا وصل التجَّار إلى الموضع الذي يفصل بينهم وبين أصحاب التبر ضربوا الطبول. وبمجرَّد أن يسمعوا دقَّات الطبول يخرجون ما معهم من بضائع، ويضع كلّ تاجر بضاعته، كلّ صنف على حده، ثمَّ يغيبون مدَّة معيَّنة فيأتي أصحاب التبر فيضعون إلى جانب كلّ سلعة مقداراً من التبر ثمَّ ينصرفون. ثمَّ يأتي التجَّار ويأخذ كلّ واحد ما وجده من تبر قرب بضاعته، ثمَّ ينصرفون بعد أنْ يضربوا الطبول. (4)
ولم تقتصر صادرات بلاد المغرب على الملح فقط بل حملت سلع أخرى إلى السودان. فكان يحمل مثلاً إلى أودغست النحاس المصنوع والثياب المصبوغة. (5) وكان يحمل إلى "كوغة" النحاس المسبوك والتّاكوت الذي يستعمل في الدباغة. (6)
ومن السلع التي كان يحملها التجَّار كذلك النحاس الأحمر والملوَّن والأكسية وثياب الصُّوف والعمائم والمآزر والزجاج والأصداف والأحجار والأفاويه والعطر وآلات الحديد المصنوع. (7)
كما استوردت غانة الفواكه المجفَّفة، ومن بينها التمر، والمسابح وأدوات الزينة. (8) يقول الإدريسي: «ليس في بلاد السودان شيء من الفواكه الرَّطبة إلاَّ ما يجلب إليها من التمر من بلاد سجلماسة أو بلاد الزاب، ويجلبه إليهم أهل وارجلان». (9)
وقد كشفت الحفريَّات التي تمَّت في منطقة ( IGHO VKWU) التي تبعد خمسة وعشرين ميلاً شرق "اونيتشا" ( ONITSHA) في جنوب النيجر بين سنتي 1959 -
__________
(1) - جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجيَّة، ص272 - 273.
(2) - صورة الأرض، ص98.
(3) - المرجع السابق، ص273.
(4) - معجم البلدان، مج 2، ص13.
(5) - البكري: المغرب، ص158.
(6) - نفسه، ص179.
(7) - جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجيَّة، ص274.
(8) - طرخان: امبراطوريَّة غانة، ص65.
(9) - المغرب، ص4. (1/83)
صفحة 80
1964 أكثر من ثلاثين سوارا من النحاس والبرونز والخزف تعود إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). كما عثر في أودغست على أواني فخَّارية واردة من المغرب، منها أباريق كرويَّة ومصابيح زيتيَّة. (1)
وتعتبر مدينة تادمكّة إحدى المدن التي ضمَّت تجمُّعاً إباضياً كبيراً. وقد سبق أن ذكرنا (2) أنَّ والد أبي يزيد مخلد بن كيداد كان مقيماً في تادمكَّة، وجمع التجَّار الإبَاضِيَة المقيمين في بلاد السودان ثروات طائلة. يذكر الوسياني أنَّ عبد الحميد الفزَّاني ــ أحد علماء الإبَاضِيَة ــ كان يرتحل إلى بلاد السودان كثيراً. (3)
ومن التجَّار الإبَاضِيَة الذين كانوا يتاجرون في بلاد السُّودَان أبو نوح الصغير، وأبو نوح سعيد بن يخلف، وأبو صالح، وأبو القاسم يونس الفرسطائي، وأبو موسى هارون بن أبي عمران، ومعظمهم عاش في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). (4)
وكانت تادمكّة إحدى الأسواق المعروفة بتجارة الذهب. ويذكر أنَّ تاجراً إباضيًّا من بلاد الجريد عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) يدعى "يخلفتن بن أيُّوب المسناني" (5) سافر إلى تادمكّة للتجارة. ونشير هنا إلى أنَّ أغلب التجَّار الذين كانوا يسافرون إلى تادمكَّة من زناتة. ولا شكَّ أنَّ هؤلاء الزناتيين وعائلاتهم هم الذين كوَّنوا الجالية الإبَاضِيَة في مدينة تادمكَّة. (6)
كما كانت جالية إبَاضِيَةٌ تقيم في مدينة "درج" الواقعة شرق مدينة "غدامس". وقد سافر إليها أبو صالح الأرجاني في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (الحادي عشر الميلادي).
وكانت بها حلقة علميَّة بلغ عدد تلامذتها ثلاثمائة. (7) ويرجع استقرار الإبَاضِيَة في تادمكَّة إلى العائد المادي الكبير الذي تدرّه التجارة فيها خاصَّة وأنَّ المدينة أصبحت في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أحسن من مدينة غانة وكوكو كما يقول البكري (8): «وأصبحت لها علاقات تجارية منتظمة مع المدن المغربيَّة خاصة وارجلان».
ولم يكتف الإبَاضِيَة بنقل سلعهم فقط بل نقلوا كذلك أفكارهم ومذهبهم الديني.
__________
(1) - جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجيَّة، ص275.
(2) - انظر: الفصل الثاني، ص68.
(3) - الوسياني: السير، (مخ)، ج 2، ورقة 4.
(4) - جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجيَّة، ص282 - 283.
(5) - هو ابو سعيد يخلفتن بن ايوب النفوسي من أتباع مذهب نفَّاث بن نصر المنشق عن المذهب الإبَاضِي. تلقَّى تعليمه في "تماوطت"، ونبغ في العلوم. وكان أحد الذين ألفوا الديوان أي ديوان نفوسة. انظر الشماخي: السير، ص480.
(6) - T. LEWICKI: Les origines et l’islamisation de la ville de tadmekka d’aprés les sources arabe, bibliothéque d’outre-mer, N° 5 - 6, Paris 1981.
(7) - T. LEWICKI: Les petits états du desert lybique et du sahara tripolitain dans le haut moyen age excepte le fezzan et le kouar estrattod DA: alti ella setimana intero-zionale di studi mediterrane medioev ali E moderni cagliari 27 April, 1 er Maggio, 1979, P 134.
(8) - المغرب، ص186. (1/84)
صفحة 81
فالمصادر الإبَاضِيَة تذكر أنَّ للتجَّار الإبَاضِيَة دوراً كبيراً في نشر الإسلام في بلاد السودان.
فالشماخي يقول إنَّ أبا يحيى زكرياء بن أبي القاسم يونس الفرسطائي استطاع بفضل دعوته أنْ يُدخل ملك بلاد السودان في الإسلام. (1) وهي نفس الرواية التي وردت في كتاب البكري، لكنَّه لا يذكر اسم الداعية. ويذكر البكري أنَّ في بلاد السُّودَان وراء مملكة "دو" يوجد بلد اسمه "ملل" يسمَّى ملكهم بِ"المسلماني" أجدبت بلاده سنوات. وكان أهلها يستسقون بقرابينهم حتَّى كادوا يفنونها دون جدوى، بل ازدادت بلادهم قحطاً وجدباً. وكان أحد المسلمين يقيم في مملكته يعلِّم القرآن والسنَّة فشكا إليه الملك ما حلَّ بهم فدعاه المسلم إلى الإقرار بوحدانيَّة الله وبرسالة رسوله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى يخرجهم الله برحمته من هذه الأزمة. وظلَّ هذا المسلم يعلِّم الملك أمور الدين حتَّى أسلم وأقاما الصلاة مع بعضهما ودعا كلّ منهما الله. فما أنْ طلع النهار إلاَّ وابتدأت الأمطار تسقط. حينئذٍ أمر الملك بكسر الأوثان والدكاكير وطرد السحرة من بلاده، وانتشر الإسلام بين أهله وسكّان مملكته. (2)
ومهما يكن من شيءٍ فلا شكّ أنَّ التجَّار الإبَاضِيَة ساهموا بدور ما في نشر الإسلام والمذهب الإبَاضِي في بلاد السُّودَان. وقد أثبتت الدراسات الحديثة من خلال مقارنة بين الطراز المعماريِّ في المنشآت الدينيَّة في بلاد المغرب وبلاد السُّودَان وجود تشابه كبير بين مساجد وادي ميزاب وبعض المساجد في تمبكتو مثل مسجد "سنكورى" و"جنجيري" خاصة في المآذن المستطيلة. (3)
كما أنَّ بعض المسلمين هناك لا يرفعون أيديهم في الصلاة عند تكبيرة الإحرام، وهو ما يفعله الإبَاضِيَة. (4) بالإضافة إلى ذلك فإنَّنا نجد في مالي المئذنة ذات الدرج والمحراب المستطيل الشكل، وعدم وجود منبر داخل المسجد، وهذا ما يشبه إلى حدٍّ كبير الطراز المعماري الإبَاضِي. (5)
ب ـ أسعار السلع:
تتَّفق المصادر على أنَّ أسعار السلع كانت رخيصة، إلاَّ أنَّها كانت في غالب الأحيان تتأثَّر بالأوضاع السياسيَّة السائدة في البلاد. فتارة ترتفع وتارة تنخفض. فلمَّا اندلعت ثورة أبي يزيد غلت الأسعَار نتيجة قلّة الإنتاج، وتقلَّصت حركة التجارة لعدم أمان الطرق. فكانت أسعار الأغذية في مدينة برقة رخيصة. وكذلك أسعار الفواكه في قابس ومرسى الدجاج وبونة وقسطيلية. والدليل على رخص الأسعَار أنَّ حمل جمل من التمر بيع بدرهمين في قسطيلية، وأنَّ سعر اللحم في القيروان كانت الخمسة
__________
(1) - السير، ص312، SCHACHT (J): Sur la diffusion des formes d’architecture religieuse musulmane à travers le sahara, travaux de l’institut de recherche sahariennes, T 11, 1954.p73
(2) - المغرب، ص178.
(3) - Marcel MERCIER: Notes sur une archetecture bèrbère saharienne, hesperis, T 8, 1928.; pp422 - 424
(4) - الباروني: رسالة سلَّم العامَّة، ص23.
(5) - Claude PAVARD: Lumière du m’Zab, pp 18 - 19. (1/85)
صفحة 82
"امناء" (1) بدرهم، والتين عشرة "امناء" بدرهم. وبيع الزيت في صفاقس بمثقال واحد للأربعين ربعاً قرطبيَّة، وبيع القناطر من السكر في "ايجلي" بمثقالين. (2)
وكانت الأسعَار أثناء الكوارث الطبيعيَّة ترتفع. ففي سنة 303هـ (915م) حدثت مجاعة في إفريقيَّة، فوصل ثمن المدِّ من القمح ثلاثة دنانير. وفي سنة 307هـ (919م) غلت الأسعَار بسبب انتشار الأوبئة في القيروان. كما زادت الأسعَار سنة 317هـ (929م). وبلغ قفيز القمح بالكيل القرطبي مثقال ذهب. وحدث نفس الشيء في المغرب سنة 379هـ (989م) عندما اجتاحت العواصف البلاد، واستمرَّت حتَّى سنة 380هـ (980م) ثمَّ عمَّ الرخاء بعد ذلك. (3)
وكانت الأسعَار في بعض المدن مرتفعة مثل أسعار الطعام في قسطيلية. يقول ابن حوقل: «وسعر الطعام بها في سائر الأوقات غال لأنَّه يجلب إليها، ولا يزرع بها من الشعير ولا القمح إلاَّ زرع تافه». (4)
ولا يعني أنَّ كل المنتجات زهيدة السعر، فهناك بعضها تصنع خصيصاً للأثرياء. فالمصادر تذكر أنَّه يغزل بِ"سوسة" غزل يباع المثقال منه بمثقالين ذهبا. يصف الحميري هذه الثياب بقوله: «هي مخصوصة بكثرة الأمتعة وجودة حوك (حياكة) الثياب الرقاق وقصارتها، وجميع أشغال الثياب الرفيعة من طرز وكمد لا يصنع ببلد مثل صنعته بهذه المدينة. ويباع الغزل بها زنة المثقال بمثقالين». (5)
الخلاصة أنَّه إذا كان عصر الفاطميِّين قد شهد نشاطاً تجاريًّا مزدهراً، فإنَّ الأحوال قد اضطربت بعد رحيلهم خاصة بعد هجرة بني هلال حيث انعدم الأمن، واضطربت الحياة الاقتصاديَّة بعد اشتداد الصراع بين زناتة وصنهاجة. ولم يستطع الزناتيون حماية الفلاحين من غارات البدو. وتحوّل الرخاء إلى قلَّة في الانتاج وغلاء في الأسعار بل حدثت المجاعات في بعض الأحيان. ويذكر أنَّ الزناتيين كانوا يقتحمون الديار ليأخذوا ما يجدونه من طعام، ويستولوا على أموال التجَّار بالقوَّة. (6)
ولا شكَّ أنَّ تدهور الإنتاج الزراعي قد نتج عن الصراع الدائم بين أمراء تلمسان المغراويين وبني حمَّاد الصنهاجيين من جهة، وبينهم وبين بني توجين الزناتيين من جهة أخرى. بالإضافة إلى الصراع بين بني خزرون في طرابلس وبين بني زيري، والصراع على السلطة بين بني خزرون. (7)
__________
(1) - المن وزن في مصر يساوي رطلاً.
(2) - المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة ليدن، الطبعة الثانية 1906، ص224 - 225 و230، البكري: المغرب، ص19 - 20، عفيفي: أحوال بلاد المغرب، ص139 - 140.
(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص80، عفيفي: نفس المرجع، ص139 - 140.
(4) - صورة الأرض، ص92.
(5) - الروْضُ المعْطَار، ص331.
(6) - حسن أحمَد محمُود: قيام دولة المرابطين، دار الفكر العربي، القاهرة (د. ت)، ص86 - 89.
(7) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 11، ص349، سنُّوسي يوسف ابراهيم: دور زناتة في المغرب الإسلامي بعد خروج الفاطميِّين حتَّى قيام المرابطين، ص381. (1/86)
صفحة 83
ولعلَّ أكبر ضربة للحركة التجاريَّة في بلاد المغرب كانت على يد بني هلال. فقد نتج عن قدومهم تغيير كبير في الحياة السياسيَّة والاقتصادية والاجتماعيَّة والثقافيَّة. فانتشرت الفوضى في مختلف مدن إفريقيَّة والمغرب الأوسط. يصفهم الأنصاري قائلاً: «كانوا كالجراد المنتشر لا يمرُّون بشيء إلاَّ أتوا عليه فعثوا في البلاد وأظهروا الفساد». (1) وكان من نتيجة ذلك انعدام الأمن فساءت أحوال الناس وانقطعت أسفارهم. (2)
وقد أدَّى هذا الغزر إلى هجرة البربر من إفريقيَّة بعد أنْ خرِّبت بلادهم، ونهبت أموالهم. فانتقل الكثير منهم إلى بلاد بني حمَّاد لحصانتها، فعمّرت بلادهم، وكثرت أموالهم. (3)
جـ ـ الحسبة وضبط السوق:
تعتبر الحسبة من الوظائف الدينيَّة إذ يقوم المحتسب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان معروفاً في بلاد المغرب أنَّ المحتسب يعيِّنه القاضي، ويجعل له مساعدين يساعدونه في القضاء على الغشِّ، ومعاقبة التجَّار الذين يقومون بذلك وردعهم، أو التجَّار الذين يقومون ببيع بضائع فاسدة. أمَّا عند الإبَاضِيَة فإنَّ مجلس العزَّابَة هو الذي كان يتولَّى أمور الحسبة في مواطن الإبَاضِيَة. فيقومون بمراقبة الأسواق والحفاظ على النظام فيها. ونظراً لعدم اختلاف نظام الحسبة عند الإبَاضِيَة عن نظام الحسبة عند غيرهم، فسوف ندرس هذا النظام بصفة عامَّة مع الاعتماد على أمثلة توضِّح مدى تمسُّك الإبَاضِيَة بالحسبة.
وبما أنَّ الحسبة تتمثَّل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد كان يشترط في المحتسب أنْ تتوفَّر فيه شروط معيَّنة. ولا شكَّ أنَّ الشروط التي رأيناها في اختيار العزَّابَة كافية لأنْ يتولّوا هذه المهمَّة. وتضع كتب الحسبة شروطاً يجب أنْ تتوفَّر في المحتسب منها أنْ يكون فقيهاً عارفاً بأحكام الشريعة ليعلم ما يأمر به وينهى عنه. (4)
كما يشترط أنْ يكون رجلاً عفيفاً ورعاً، عالماً غنيًّا نبيلاً عارفاً بالأمور لا يقبل الرشوة. لذلك فإنَّه يشترط فيه أنْ يكون غنيًّا حتَّى لا "يأكل أموال الناس بالباطل، والمهابة لأنَّه لا يهاب إلاَّ من كان له مال وحسب". (5)
كما ينبغي أنْ يكون عارفاً بأصناف المعايش وحيل التجَّار حتَّى يستطيع بسهولة معرفة الغشِّ والتدليس الذي يحدث أثناء عمليَّات البيع. (6)
__________
(1) - المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب، مطابع الغندور، بيروت (د. ت)، ص121.
(2) - ابن غلبون الطرابلسي: تاريخ طرابلس الغرب، تحقيق الطاهر أحمد الزاوي، المطبعة السفليَّة، القاهرة 1349هـ، ص25.
(3) - النويري: نهاية الارب، ج 24، ص: 221.
(4) - عبد الرحمن بن نصر الشيزري: كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق السيد الباز العريني، دار الثقافة، الطبعة الثانيَّة، بيرُوت 1981، ص6.
(5) - ابن عبدون: رسالة في القضاء والحسبة، نشره ليفي بروفنسال ضمن Journal Asiatique Avril - Juin 1934.، ص18.
(6) - الجرسيفي: رسالة عمر بن عثمان بن عبَّاس الجرسيفي في الحسبة، نشرها لوفي بروفنسال ضمن ثلاث رسائل أندلسيَّة في آداب الحسبة والمحتسب، المعهد العلمي الفرنسي، القاهرة 1955، ص120. (1/87)
صفحة 84
ومن واجبات المحتسب أنْ يعمل بما يعلم، وأنْ يكون قوله مطابقاً لفعله. وينبغي عليه أنْ يكون مواظباً على سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قصّ الشارب، ودهان الإبط بالمسك، مع قيامه بالفرائض والواجبات التي تزيد من توقيره. وأنْ يكون ليِّن القول ذا أخلاق حميدة حتَّى يسهل عليه استمالة القلوب عندما يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وأنْ يتأنَّى في اتخاذ العقاب فإذا عثر على نقص في الكيل أو الوزن، أو غشٍّ في سلعة ما يستتيب البائعَ ويخوفه وينذره فإذا كرَّر فعلته تلك عاقبه طبقاً للجرم الذي قام به، وعليه أنْ يَتَّخذ له عيوناً في الأسواق ليعرف أخبار السوق. (1)
ومن واجبات المحتسب كذلك النظر في الأسواق والطرقات فينبغي أنْ تكون الأسواق في الارتفاع والاتساع على ما وضعه الروم قديماً. ويجب أنْ يكون من جانبي السوق رصيف (افريزان) يمشي عليه الناس في الشتاء. كما لا يجوز لأحد من السوقة أنْ يخرج مصطبة أمام دكَّانه. (2)
يذكر الوسياني أنَّه ذكر للشيخ ماكسن أنَّ أولاده زادوا إلى عتبة الباب شيئاً من الطريق العام، فأرغمهم على إزالة ما بنوه أمام الدكَّان. (3)
كما يجب عليه أنْ ينظِّم الأسواق ويجعل لكلِّ صنعة سوقاً تختصُّ بصنَّاعها.
يقول ابن عبدون: «يجب أنْ يرتِّب أهل الأسواق ... يجب للقاضي أنْ يجعل في كلّ صناعة رجلاً من أهلها فقيهاً عالماً مخيَّراً يصلح بين الناس إذا وقع بينهم الخلاف في شيء من أمورهم». (4)
ويعود تنظيم الأسواق بالنفع على الناس. فمثلاً من كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار كالخبَّازين والحدَّادين يجب أنْ يكونوا بعيدين عن دكاكين العطَّارين. (5)
ولا يحقُّ للمحتسب أنْ يلزم التجَّار ببيع سلعهم بسعر معلوم. وإذا رأى المحتسب أنَّ تاجراً يحتكر الطعام كي يبيعه في وقت الغلاء ألزمه ببيعه لأنَّ الاحتكار حرام. كما يمنع أنْ تباع السلعة قبل حملها إلى الأسواق. (6)
كما يمنع أحمال الحطب والتبن من دخول الأسواق، بل يُخَصِّصُ لهم موقفاً لبيع سلعتهم، ولا يترك أحداً منهم يدخل السوق لأنَّهم يؤْذُون الناس إذا كان الحطب الذي يحملونه يمزِّق ثياب الناس (7) ويرغمون كذلك على وضع أحمال الحطب والتبن
__________
(1) - الشيزري: كتاب نهاية الرتبة، ص11.
(2) - نفسه، ص11.
(3) - السير، (مخ)، ج2، ورقة37.
(4) - رسالة في القضاء، ص21.
(5) - الشيزري: كتاب نهاية الرتبة، ص11.
(6) - نفسه، ص12.
(7) - ابن عبدون: رسالة في القضاء، ص36. (1/88)
صفحة 85
من على ظهور الدَّواب إذا توقَّفت لأنَّ ذلك يضُرُّها. كما يأمر أهل السوق بكنسها وتنظيفها. (1)
ويجب على المحتسب أنْ يهتمَّ بنظافة الطرقات، فيأمر بأنْ تكنس الطرقات وتصلح المواضع الفاسدة التي تجتمع فيها المياه والطين، فيجب على كلّ أحد أنْ يصلح فناء داره ويمنع من له قناة أنْ يجريها في زمن الصيف. (2) ويمنع من يجلس في الطرقات الخالية ويتعرَّض لحرم المسلمين، ويمنع من يشتغل بالكاهنة. (3) وقد مرَّ بنا كيف أنَّ العزَّابَة كانوا يفضِّلون القعود وقت الراحة بعيداً عن التجمُّعات أو في الطرقات.
ويشترط في المحتسب أنْ يكون عارفًا بالمكاييل والموازين والنقود لأنَّه على أساسها تقوم المعاملات التجاريَّة. فلذلك ينبغي عليه أنْ يعتمد في المعاملات على الدينار والدرهم والمكيال والميزان. فالدرهم يجب أنْ يكون موزوناً محقَّقاً ليس فيه زيادة أو نقصان ويجب أنْ يكون الدينار مثقالاً. (4)
ولتجنُّب الغشّ والتدليس في الأوزان يأمر المحتسب الوزَّان أنْ يطهِّر ميزانه، ولا يوزن المأكول بما يوزن به غيره. ويجب أنْ يكون ثقب الميزان في قصبته وعموده، ويكون الثقب واسع الجهتين ضيِّق الوسط مشوكة مثل المسمار. وبما أنَّ للكيَّالين والوزَّانين أنواعاً من الحيل في الغش، فعلى المحتسب أنْ يتفقَّدهم ويكشف عن خدعهم. (5)
وقد سبق أنْ ذكرنا أنَّه لا خلاف بين نظام الحسبة عند الإبَاضِيَة ونظام الحسبة عند المالكيَّة والشيعة. والخلاف الوحيد أنَّ نظام الحسبة في المذاهب الأخرى يتولاَّه القاضي الذي يولِّى محتسباً يكون تابعاً له. أمَّا عند الإبَاضِيَة فإنَّ العزَّابَة هم الذين يتولَّون القيام بالحسبة.
وقد قام الإبَاضِيَة بالحسبة حتَّى قبل قيام الدولة الرُّسْتُمِيَّة. فالمصادر تذكر أنَّ أبا الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري هو أوَّل من قام بالحسبة من الإبَاضِيَة عندما أخرج قبيلة "ورفجومة" الصفريَّة من القيروان. (6)
كما قام أبو منصور النفوسي (7) عامل جبل نفُّوسة محتسباً عندما استنجد به
__________
(1) - الشيزري: المصدر السابق، ص13 - 14.
(2) - ابن عبدون: المصدر السابق، ص35.
(3) - أحمد سعيد المجليدي: كتاب التسيير في أحكام التسعير، تحقيق موسى لقبال، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الجزائر 1981، ص70.
(4) - الشيزري: كتاب نهاية الرتبة، ص15 - 16.
(5) - أحمد سعيد المجليدي: المصدر السابق، ص60.
(6) - للمزيد من التفاصيل انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 11، ص224،
T. LEWICKI: La repartition géographique, P 308.
(7) - هو إلياس بن منصور النفوسي التندميرتي ولاَّه على جبل نفوسة أبو اليقظان بعد وفاة أفلح بن العبَّاس، يساعده القاضي عمروس بن فتح النفوسي، انظر: الباروني: الأزهار الرياضيَّة، ج2، ص311 - 319. (1/89)
صفحة 86
سكَّان طرابلس إثر هجوم بني طولون سنة 267هـ (880م). فالباروني يذكر أنَّ أبا منصور قال للعبَّاس أحمد بن طولون: «بلغني من قبيح أفعالك ما لا يسعُني التخلُّف معه عن جهادك». (1)
وفي عهد الدولة الرُّسْتُمِيَّة كان القاضي هو الذي يتولَّى أمور الحسبة مع بعض المساعدين. ولم يرد في المصادر اسم "المحتسب".يقول ابن الصغير: «أمر أي (أبو اليقظان) (2) قوما من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر». (3)
وبعد سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة كان أبو يزيد مخلد بن كيداد يقوم بالحسبة و «أخذ نفسه بالحسبة على الناس وتغيير المنكر». (4)
ولمَّا نشأ نظام العزَّابَة أصبح أعضاء العزَّابَة هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فالوسياني مثلاً يذكر في حديثه عن شيخ من شيوخ العزَّابَة يُدعى «أبا صالح بكر بن قاسم اليراسني أنَّه كان شديداً على العصاة، شديدًا على العتاة». (5)
وكان كلّ من اقترف منكراً يعاقب. وكانت الوسيلة التي يعاقب بها مرتكب الجناية تسمَّى "أزقّور". وربَّما هي نفس الوسيلة التي كانت تستعمل لتأديب الأطفال في الكتاتيب. يقول الوسياني: «كان في مدّته ــ أي في زمن أبي صالح بكر بن قاسم اليراسني ــ أدهم حديد عمود يقال له: "أزقّور" فيجعل فيه خيَّات حلق حديد، فإذا أخذ من كان فيه الحق جعل رجله في تلك الخيَّة والحلق فينقلب العمود على رجله لئلاَّ يهرب ويعذَّب، ويصيحون فيه صياح التيوس من شدَّة الحرِّ والبرد». (6)
والعزَّابِيُّ يحقُّ له التصرُّف بحرِّية إذا رأى منكراً ووجب عليه تغييره. وقد ذكرنا في الفصل الثالث أنَّ شيخاً كان يدعى أبا يعقوب يوسف بن نفَّاث كان يتفقَّد المزارع والطرق. فإذا رأى أحداً أفسدها ضربه، وأنَّ عزَّابيًّا كسر معزف امرأة كانت تغنِّي في أحد الملاهي.
كما كان العزَّابَة يتفقَّدون المزارع. فالمصادر تذكر أنَّ الشيخ أبا معروف ويدرن بن جواد؛ إذا جاز على البساتين ووجد أغصان الأشجار تمنع السابلة من المرور فإنَّه يكسرها ويرميها في بستان صاحبها. (7)
كما كان القضاة يقومون بالحسبة، ويتولَّون الفصل في الخصومات بين الناس. وكان الإبَاضِيَة إذا أرادوا أنْ يستقضُوا رجلاً اختبروه أوَّلاً حتَّى يتأكَّدوا من كفاءته
__________
(1) - نفس المرجع، ص318.
(2) - هو أبو اليقظان محمَّد بن أفلح تولَّى الإمامة في الدولة الرُّسْتُمِيَّة سنة 241هـ، وبعد وفاته سنة 281هـ، تولَّى ابنه أبو حاتم يوسف. انظر: الباروني: نفس المرجع، ص295 - 326.
(3) - تاريخ الأئمَّة الرُّسْتُمِيِّين، ص41 - 42.
(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج7، ص84.
(5) - السير، (مخ)، ج2، ورقة 14.
(6) - نفس المصدر والجزء والصفحة.
(7) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، ورقة 4. (1/90)
صفحة 87
في تولِّي هذه المهمَّة. وكان العزَّابَة يتدخَّلون لفضّ الخصومات بين التجَّار، ويراقبون الأسواق. فالمصادر تذكر أنَّهم كانوا يراقبون الجزَّارين ليتأكَّدوا من أنَّ الذبائح لم تكن مريضة. (1)
كما كانوا يمتنعون بيع الملامسة والمنابذة، كأنْ يلمس الرجل طرف الثوب ولا ينشره، ولا يعلم ما فيه ويلزمه البيع. أمَّا المنابذة فهي أنْ يرمي الرجل ثوبه للآخر ويرمي له الآخر ثوبه، ولم ينظر كلّ واحد منهما إلى ثوب صاحبه. كما كانوا يمنعون "النجش" والناجش هو الذي يزيد في سعر السلعة ولا يشتريها. (2)
وكتب الفقه الإبَاضِي حوت مختلف المسائل الخاصَّة بإفساد المزروعات والتعويضات التي يقدِّمها المفسد لصاحب الزرع. قال جابر بن زيد في مفسد الغرسة: «فإنْ كالها مدّ غرست سنة فعليه دينار نسخ من حين غرست. وإنْ كان سنتين فديناران، وإنْ كان ثلاث سنين فثلاثة دنانير، وإنْ كان أربع فأربعة دنانير، وإنْ كان خمس فخمسة دنانير، وما زاد على ذلك فقيمتهما». (3) وإذا دخلت ماشية زرعاً وأفسدته فيلزم أصحاب الماشية درهم لكلّ عشرة شياه، وأربعة دراهم لكلّ جمل، ودرهم لكلّ ثور ودرهم ونصف لكلّ ذي حافر. (4)
كما كان العزَّابَة يشترطون على بائعي الثمار أنْ تكون نظيفة ليس بها تراب. وإذا كان بها تراب يجب عليهم أنْ يخبروا المشتري ... بذلك. (5) كما يجب على التاجر ألاَّ يمزج ثمراً قديماً بثمر جديد. وإذا كان ممزوجاً فيجب عليه أنْ يخبر المشتري بذلك. (6)
ويقول الإبَاضِيَة إنَّه إذا دخل الحرام إلى السوق كالخمر وغيرها من المحرَّمات فإنَّها تغلق ثلاثة أيَّام ثمَّ تفتح بعد ذلك. (7)
د - نظم التعامل:
1 - المكاييل والموازين:
كانت وحدة الكيل في بلاد المغرب "القفيز" و"الويبة" و"المدّ" و"المطر" و"الصحفة" و"القادوس" و"العمورة" و"القليلة" و"اللوح" و"القنفل" و"الزّلاقة". وكانت هذه المكاييل تختلف من قطر إلى آخر. فالمالكي يذكر أنَّه: «قد اصطلح كلّ إقليم وبلد على أرطال يتفاضل في الزيادة والنقصان». (8) فقفيز القيروان مثلاً كان
__________
(1) - نفسه، ورقة 28.
(2) - مجهول: كرَّاس في الحديث، ورقة 27.
(3) - مجهول: كتاب المعلَّقات، ورقة 21.
(4) - نفس المصدر والورقة.
(5) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج2، ص314.
(6) - المصدر السابق، ص 13.
(7) - نفس المصدر، ورقة29.
(8) - الشيزري: كتاب نهاية الرتبة، ص7. (1/91)
صفحة 88
يساوي اثنين وثلاثين ثمناً، والثمن هو ستَّة أمداد بمدّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -، بينما يساوي قفيز الأندلس ستِّين رطلاً. (1) أمَّا الويبة فهي تساوي أربعة أثمان.
وللمأكولات مكاييل خاصة. يذكر البكري أنَّ رطل اللحم والتين وسائر المأكولات في القيروان عشرة أرطال فلفليَّة. أمَّا قفيز الزيت عندهم فهو ثلاثة أرطال فلفليَّة، والمطر يسع خمسة أقفزة من زيت. (2)
وكان الفاطميُّون يستعملون نوعاً من الكيل يسمَّى "الدوَّار" وهي تزيد على ويبة مصر بشيء يسير. يصف المقدسي بقوله: «ألجم رأسها بعارضة من حديد، وأقيم عمود من قاعها إلى العارضة فوقه حديد يدور على رأس الويبة. فإذا أترعها أدار الحديد فمسحت فم الويبة وصحَّ الكيل، وأرطاله رصاص على كلّ رطل اسم أمير المؤمنين. فإن اجتمعت أرطال بموضع واحد بسط صبَّها، وطبع على كلّ رطل ولو كانت عشرة» (3)
وكان الرطل المستعمل في بلاد المغرب هو رطل بغداد وكان مستعملاً في كلّ المعاملات التجاريَّة في الدولة الفاطميَّة. (4) أمَّا الصحفة فقد كانت في "نكّور" مثلاً تساوي خمسة وعشرين مدّا بمدّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -، ويسمُّون نصف "الصحفة" السدس. أمَّا الرطل فهو عندهم اثنتان وعشرون أوقية، وقنطارهم يساوي مائة رطل ودراهمهم عدد بلا وزن. (5)
ويوضّح عفيفي الاختلافات في المكاييل بين مدن المغرب في هذا الجدول. (6)
القيروان ... القفيز ... 8 ويبات ... الويبة ... 4 أثمان ... الثمنة ... 6 أمداد بمدِّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -
تاهرت ... الصحفة ... 48 قادوساً ... القادوس ... 3 أمداد بمدِّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -
تاكسور ... الصحفة ... 25 مدًّا بمدِّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - (نصفه يسمَّى السدس)
أصيلة ... المد ... 20 مدًّا بمد النبيء - صلى الله عليه وسلم - ... قليلة (مكيال الزيت) ... 112 أوقية
فاس ... المدّ ... 80 أوقية ... اللوح ... 120 مدًّا
سجلماسة ... المدّ ... 12 قنفلاً
القنفل ... 8 زلافات
الزلافة ... 8 أمداد بمدِّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -
أمَّا الموازين فكانت وحدة الوزن المتداولة في بلاد المغرب "القنطار" و"الأوقية" و"الرطل" و"الدرهم". وتختلف الموازين تبعاً لنوع السلعة. فمثلاً نجد رطلاً لوزن الفلفل ورطلاً لوزن بقيَّة الأشياء. وكان لكلّ منطقة أو إقليم قيمة لرطلها. ويرجع هذا الاختلاف إلى رخص السلعة أو ارتفاع ثمنها. فرطل تونس مثلاً كان اثنتي عشرة أوقية، أي مائة وأربعة وأربعون درهماً، ورطل أرشقول بالمغرب الأقصى كان اثنتين وعشرين أوقية. (7)
بينما كان الكيل في مدينة باغاية الإبَاضِيَة بالويبة وهي أربعة وستُّون مدًّا بمدّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -، وهو قفيز ونصف قفيز قرطبي، وقفيز الزيت قروي وهو خمس ربع قرطبي، ورطل اللحم يساوي عشرين رطلاً فلفليَّة. (8)
في حين كان الكيل في مدينة "مليلة" يساوي خمسة وعشرين مدًّا بمدّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -، ورطل "مليلة" مثل رطل "نكّور" حيث يساوي اثنتين وعشرين أوقية، والأوقية خمسة وعشر درهماً. وقنطارهم من جميع الأشياء بهذا الرطل. أمَّا الدراهم فيها عدَّة قراريط، كلّ قراط يساوي خمسة أثمان درهم. (9)
واختلاف قيمة الرطل أدَّى إلى اختلاف القنطار في أقاليم بلاد المغرب. فقد بلغ
__________
(1) - المقدسي: أحسن التقاسيم، ص220، GOLVIN (L): Le maghreb central à l’époque de zirides, recherches d’archeologie et histoire: Paris, 1957; p83
(2) - المغرب، ص26 - 27.
(3) - المقدسي: المصدر السابق، ص220.
(4) - نفسه، ص220، GOLVIN (L): Le maghreb, pp 83 - 84
(5) - البكري: المغرب، ص91.
(6) - أحوال بلاد المغرب، ص149 - 151.
(7) - البكري: المغرب، ص78، عفيفي: نفس المرجع، ص147.
(8) - نفس المصدر، ص145.
(9) - نفسه، ص89. (1/92)
صفحة 89
قنطار الزيت في تاهرت قنطارين غير الثلث. أمَّا الفلفل فكان قنطاراً عادياًّ. كما اختلف في قيمة ما تحتويه الأوقية من دراهم. (1)
أمَّا الدراهم فقد كان درهم العدل في "تنس" يساوي ثلاثة قراريط (القيراط يساوي ثلث درهم) أو اثنتي عشرة صقلبيَّة عدّا. بينما كان درهم "مليلة" به عدّة قراريط، كلّ قيراط خمسة أثمان درهم. (2) وكان درهم "أرشقول" يساوي ثمانية خراريب (الخروبة تساوي أربع حبَّات). (3)
كما كان يستعمل نوع آخر من الأوزان يسمَّى "الصنّوج" وهو عبارة عن قطعة مستديرة بقدر الدرهم. وفي بعض الأحيان يكون أكبر منه أو أصغر منه. وكانت هذه "الصنّوج" تصنع من زجاج مطبوع في وزن النقود الذهبيَّة والفضِّية. وكانت تضرب في دور الضرب ثمَّ توزَّع على الصيارفة والتجَّار. فمن أراد أن يصرف ديناراً يختبر وزنه بالصنج لكي يتأكّد من استيفاء وزنه. (4)
وهناك أنواع أخرى من "الصنوج" أعدَّت خصِّيصاً لوزن الأشياء الثمينة كالمجوهرات، ويشير هنا إلى أنَّ "الصنوج" كانت تضرب من الزجاج لكي تبقى نظيفة، ولا يلتصق بها شيء. أمَّا في الأوزان الثقيلة فلا تستخدم، إنَّما توزن بأوزان تصنع من الرصاص، يكتب عليها اسم أمير المؤمنين. (5)
وقد اهتمَّ الإبَاضِيَة اهتماماً شديداً بالمكاييل والموازين والتي لا تختلف عن المكاييل التي ذكرناها. فالوسياني يذكر أنَّ تاجراً إباضيًّا يدعى "أبا معروف ويدرن بن جوَّاد" كان دأبه إذا وزن للناس أوفى ممَّا له خرّوبة، وإن اشترى سلعة أنقص خرّوبة. ولمَّا حضرته الوفاة أوصى بعشرين ديناراً لغلطة الميزان. (6)
وإذا كانت وحدات الوزن والكيل في المغرب واحدة رغم الاختلافات في القيمة، فإننا نجد أنَّ إباضيَّة نفّوسة يسمّون مدّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - "الكرّ"، بينما يسمَّى عند إباضيَّة "عمان" والمغرب الأوسط "المنَّ". (7)
2 - النقود:
بما أن البحث يتناول تاريخ جماعات وليس تاريخ دولة فإنَّه من المستبعد أنْ تكون لها عملة مستقلَّة، بل تتعامل بعملة الدولة التي تعيش تحت سلطتها. وإذا كان الإبَاضِيَة في عهد الدولة الرُّسْتُمِيَّة تعاملوا بالفلس الذي ضربه عبد الرحمن بن رستم مؤسِّس الدولة، فإنَّه بعد سقوط هذه الدولة وسيطرة الفاطميِّين على كافة بلاد المغرب، أصبح من الضروري التعامل بعملة الدولةالجديدة. فقد قام الفاطميون
__________
(1) - البكري: نفس المصدر، ص69.
(2) - نفسه، ص 78.
(3) - نفسه، ص78.
(4) - عفيفي: أحوال بلاد المغرب، ص148.
(5) - المقدسي: أحسن التقاسيم، ص220، عفيفي: نفس المرجع، ص148.
(6) - السير، (مخ)، ج2، ورقة 4.
(7) - نفس المصدر والجزء، ورقة 24. (1/94)
صفحة 90
بضرب الدينار الذهبي، واشتهرت النقود التي ضربها المعزُّ لدين الله الفاطمي حيث تعامل بها الناس في كافة بلاد المغرب من أدناه إلى أقصاه. وكان الدينار الذهبي هو العملة التي يتعامل بها التجَّار المغاربة في الشراء والبيع. (1)
ولا شكَّ أنَّ الإبَاضِيَة في المغرب الأوسط كانوا في العصر الفاطميِّ يتعاملون بالدينار الفاطميِّ. ولا نعرف ديناراً ضربه الإبَاضِيَة وتعاملوا به عدا الدينار الذي ضربه أبو يزيد (2) على الرغم من أن الإدريسي ــ كما ذكرنا ــ يقول بأنَّ سكَّان وارجلان كانوا يستخرجون الذهب ويضربونه في بلدهم باسم بلدهم. ويذكر الحميري أنَّ دنانيرهم على نوع المرابطيَّة. (3)
ويبدو أنَّ الإبَاضِيَة كانوا كغيرهم يتعاملون بدنانير الدولة الفاطميَّة، ولم يعثر على دينار واحد من هذه الدنانير التي تحدَّث عنها الإدريسي أو الحميري حتَّى الدنانير التي ضربها أبو يزيد غيرمؤكَّدة تاريخيًّا، ولم يرد ذكرها في المصادر التاريخيَّة، رغم أنَّها تحمل شعار الخوارج.
وإلى جانب الدينار الذهبي كان التعامل كذلك بِ"السفانج". (4) وهي عبارة عن أوراق ماليَّة، أو خطابات ضمان تستعمل في المعاملات التجاريَّة الكبيرة خشية اللصوص وقطَّاع الطرق لأنَّها خفيفة الحمل. (5)
كما كانت تستعمل الصّكوك في المعاملات التجاريَّة. فابن حوقل يذكر أنَّه رأى صكًّا في "أودغست" باثنين وأربعين ألف دينار، وقَّع عليه شاهدان من
__________
(1) - ضرب المعز لدين الله (341 - 365هـ) (952 - 975م) أوَّل دينار سنة 343هـ (954 - 955م) في صقلية نقش عليه مايلي: «ضرب هذا الدينار بصقلية سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله وعليه أفضل الوصيين، المعزُّ لدين الله أمير المؤمنين، دعا الإمام محمَّد لتوحيد الإله الصمد».
LAVOIX (Henri): Catalogue des monnaies musulmanes de la bibliotèque nationale de paris V2 (Espagne et Afrique), Paris 1891, p40.
(2) - بعد استيلاء أبي يزيد على القيروان سنة 333هـ أصدر عملة نقديَّة مكتوباً عليها على أحد وجهيها: «ربَّنا الله لا حكم إلاَّ لله لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له الحق المبين» وعلى الهامش: «بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينار بالقيروان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة» أمَّا على الظهر ففي المركز: «العزَّة لله محمَّد رسول الله خاتم النبيين». والهامش الداخلي: «الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون». أمَّا الهامش الخارجي: «محمَّد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون». انظر محمَّد باقر الحسيني: دراسات عن نقود الثوار والشعارات والمقابسات المضروبة في إفريقيَّة، مجلَّة المسكوكات، عدد 7، بغداد 1976، ص36.
(3) - الروْضُ المِعْطَار، ص600.
(4) - استخدمت "السفانج" في المعاملات التجاريَّة بين بلاد المغرب وغيرها من البلاد المجاورة. وقد عثر على سفنجة بمبلغ مائتي دينار أرسلها تاجر من طرابلس إلى أحد تجار مدينة الفسطاس في مصر. انظر عفيفي: أحوال بلاد المغرب، ص153.
(5) - نفس المرجع، ص154. (1/95)
صفحة 91
العدول. (1)
وكان التعامل بالدراهم الفضِّية، وكان للدرهم نصف يسمَّى "القيراط"، وربع ثمن يسمَّى "الخرّوبة"، وكذلك الفلس النحاسي والبرونزي. (2)
ويبدو أنَّ هناك قيراطاً من الذهب. فالوسياني يذكر أنَّ رجلاً باع لآخر مطحنة بستِّين قيراطاً ذهباً، وأنَّ الدراهم كانت في جزيرة جربة الإبَاضِيَة "الحندوس". (3)
وكانت المقايضة متعارفاً عليها في بلاد المغرب خاصة في المدن الواقعة جنوب الصحراء. ويعرف ذلك بالتجارة الصامتة. فالبكري يذكر أنَّ أهل "زويلة" كانت مبايعاتهم بثيّاب قصار حمر. (4)
وكان الإبَاضِيَة يتعاملون بالقروض والودائع. يذكر الوسياني أنَّ رجلاً من مزاتة أعطى لرجل قرضًا كان يتاجر به. (5) وفي موضع آخر يذكر أنَّ تاجراً كانت معه ودائع الناس. ولمَّا مات طلب الناس ودائعهم، فقام أحد القضاة بتفتيش تركة التاجر، فمن وجد له وديعته سلَّمها له. (6) ولا شكَّ أنَّ هذه الودائع كانت تسجَّل، ويحتمل كذلك أن تكون للقروض تواريخ محدَّدة للسداد.
ويذكر المقدسي أن نقود بلاد المغرب في جميع مناطق الدينار، يزيد عن المثقال بحبَّة أي شعيرة، وكذلك القيراط وربع ثمن، ونصف ثمن الذي يسمَّى "الخرنوبة". ويذكر كذلك أنَّ المغاربة لا يرخّصون التعامل بالقطع، وكذلك "السنج" الذي يضرب من زجاج مطبوع من الأرطال. (7)
ويذكر العمري والقلقشندي أنَّ الدينار كان أهمَّ عملة ويسمّونه الدينار الكبير، والدرهم نوعان: نوع يعرف بالقديم وآخر بالجديد، ولهما نفس الوزن. أمَّا الفرق بين الاثنين فيكمن في أنَّ الجديد مصنوع من الفضَّة الخالصة، أمَّا القديم فهو مغشوش بالنحاس، وتفاوت ما بينهما أنَّ كلّ عشرة دراهم قديمة بثمانية دراهم جديدة. ويعرف عند أهل المغرب أنَّ كلّ عشرة دراهم قديمة بدينار. وأنَّ هذا الدينار هو عند المغاربة مسمَّى لا حقيقة له. (8)
ولمَّا انتقل الفاطميُّون إلى مصر ظلَّ التعامل بالنقود الفاطميَّة، وظلَّت تضرب على طراز مسكوكاتهم. واستمرَّ ذلك إلى عهد المعزّ بن باديس سنة 439هـ (1047م). ويتَّضح من ذلك أنَّ بني زيري لم تكن لدولتهم شخصيَّة مستقلَّة حتَّى إنَّه يصعب التمييز بين الدنانير المضروبة، وتعرف فقط من خلال ذكر مكان الضرب.
__________
(1) - صورة الأرض، ص65.
(2) - عفيفي: المرجع السابق، ص153.
(3) - السير، (مخ)، ج2، ورقة 14.
(4) - البكري: المغرب، ص11.
(5) - السير، (مخ)، ج2، ورقة 57.
(6) - نفس المصدر والجزء، ورقة 11.
(7) - أحسن التقاسيم، ص220.
(8) - وصف إفريقيَّة والمغرب والأندلس، نشره وعلَّق عليه حسن حسني عبد الوهَّاب، مطبعة النهضة، تونس (د. ت)، ص302، صبح الأعشي، ج5، ص114. (1/96)
صفحة 92
كما أنَّ النقود التي كان يتعامل بها بنو حمَّاد قبل انتقالهم من القلعة إلى بجاية، هي نقود فاطميَّة. ويذكر عزَّ الدين أحمد موسى أنَّ العملة الفاطميَّة ظلَّ التعامل بها مستمرًّا كعملةٍ رسميَّة في بلاد المغرب إلى أنْ أعلن المعزّ ابن باديس الانفصال عن الفاطميِّين، وضرب السكَّة باسمه. (1)
6 - المستوى الاقتصادي الذي حقَّقه هذا النشاط:
لا شكَّ أنَّ قيام الإبَاضِيَة بالتجارة عاد بالرخاء الوفير عليهم. وهذا ماجعل الإدريسي يصف سكَّان وارجلان بأنَّهم مياسير أغنياء. وممَّا يدلُّ على غناهم أنَّ المُزارع منهم كان يحفر البئر بأزيد من مائة دينار. وهذا المبلغ مرتفع جدًّا حتَّى أنَّ الحميري تعجَّب لذلك. وهذا يدلُّ على الدخل المرتفع الذي يتحصَّل عليه أهل وارجلان سواء من التجارة أو من قيادة القوافل إلى بلاد السودان. إلى جانب اكتظاظ أسواقها بالتجارة من مختلف المناطق ممَّا يزيد في كثرة المال ... في المدينة.
وبلغ التجَّار الإبَاضِيَة درجة كبيرة من الثراء. فرأينا أنْ "تملي الوسياني" كان يبعث كلّ سنة من تادمكَّة ستَّة عشر كيساً من المال، يحتوي كلّ كيس على خمسمائة دينار ذهبي لتوزَّع على المحتاجين من إخوانه في المذهب في مدينة قسطيلية بإفريقيَّة. وإذا كان هذا المبلغ الضخم يتبرَّع به فلا شكَّ أنَّ ... ثروته طائلة.
ونظراً لرخاء المدينة فقد سافر إليها الكثير من التجَّار من مختلف المناطق خاصَّة من المغرب الأوسط وإفريقيَّة فكبرت المدينة، واتَّسعت وأصبحت تتكوَّن ــ كما قال الحميري: ــ «من سبع مدائن مسوَّرة حصينة». (2) خاصَّة بعد فقدان سدراتة لأهمِّيتها التي اشتهرت بها في القرن الثاني والثالث للهجرة (الثامن والتاسع الميلادي)، ونزوح سكَّان سدراتة إلى وارجلان.
ولعلَّ كثرة الوافدين إلى وارجلان هي التي جعلت الإبَاضِيَة ينتقلون إلى وادي ميزاب، لأنَّ الإبَاضِيَة يفضِّلون العُزلة وعدم الاختلاط مع المذاهب الأخرى.
__________
(1) - النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري، دار الشروق، ط1، بيرُوت 1983، ص298 - 299.
(2) - الروْضُ المِعْطَار، ص600. (1/97)
صفحة 93
الفصل الثالث
الحياة الاقتصادية في المغرب الأوسط
1 - موقع مدينتي (وارجلان وسدراتة)
2 - الصناعة والزراعة.
3 - طرق التجارة الصادرة والواردة.
4 - أسواق وارجلان وسدراتة ونشاطها الاقتصادي.
5 - علاقتها بأسواق المغرب الأخرى والسودان.
ا - السلع الصادرة والواردة.
ب - الأسعار.
جـ - الحسبة وضبط السوق.
د - نظم التعامل (المكاييل - الموازين - النقود).
6 - المستوى الاقتصادي لهذا النشاط .. (1/98)
صفحة 94
يتناول هذا الفصل الحياة الاقتصادية في المغرب الاوسط. وإذا كانت الدراسة تتركَّز على نشاط الإبَاضِيَة في الحركة التجاريَّة إلاَّ أنَّنا قمنا بدراسة الحياة الاقتصاديَّة في المغرب الأوسط كلّه لأنَّ نشاطهم امتدَّ إلى كافَّة المغرب الأوسط بل امتدَّ إلى إفريقيَّة والمغرب الأقصى.
وكان تجار الإبَاضِيَة ينتقلون بين مدن المغرب كلِّه. فكان لزاماً علينا أنْ نُغطِّي جغرافيًّا المغرب الأوسط كلّه مع التركيز طبعاً على موضوع البحث الذي يتناول الإبَاضِيَة. وسنعرض في هذا الفصل للطرق التجاريَّة التي كانت تربط بين مواطن الإبَاضِيَة وبين المدن المغربيَّة مع التركيز على مدينة وارجلان وسدراتة مع أنَّهما تضمَّان أكبر تجمُّع إباضي في المغرب الأوسط كلِّه، دون أنْ ننسى التجمُّعات الإبَاضِيَة الصغيرة الأخرى في مدن المغرب الأوسط مثل جبل أوراس وباغاية وبلاد الزاب والمسيلة. كما سنعرض في هذا الفصل للأسواق التي كانت تقام في وارجلان وسدراتة ووادي أريغ وأسوف، وبقيَّة مواطن الإبَاضِيَة. بالإضافة إلى أسواق المغرب الأوسط كلِّه، والأسواق الأخرى التي امتدَّ إليها نشاط الإبَاضِيَة. وسوف نتعرَّض إلى علاقات هذه المواطن بأسواق بلاد المغرب الأوسط والسودان فنتحدَّث عن السلع الصادرة والواردة، وعن أسعار السلع في بلاد المغرب، وعن الحسبة ونظم التعامل بما فيها المكاييل والموازين والنقود. كما نتاول في هذا الفصل مدى امتداد نشاط الإبَاضِيَة إلى المغرب الأوسط كلِّه. وننهي الفصل بالحديث عن المستوى الاقتصادي الذي حقَّقه هذا النشاط بالنسبة للإبَاضِيَة. وحتَّى لا تكون الدراسة عامَّة (1) التزمنا بالتركيز على دور إبَاضِيَة المغرب الأوسط في الحياة الاقتصادية حتَّى لا نخرج عن موضوع البحث.
1 - موقع مدينتي وارجلان وسدراتة:
حظيت مدينة وارجلان وسدراتة بشهرة كبيرة حيث إنَّهما كانتا مراكز هامَّة من المراكز التجاريَّة خاصَّة وارجلان، ومنطلقاً للقوافل التجاريَّة القادمة من إفرِيقِيَّة وشمال المغرب الأوسط والمتَّجهة إلى بلاد السودان الغربي. ويمكن مقارنة أهمِّية هذا الطريق بالطريق التجاري الغربي الذي يمرُّ بسجلماسة.
وكانت وارجلان المركز الأوَّل لتجارة الرستميين باعتبارها قاعدة للدَّولة الرستميَّة في الصحراء واشتهر أهلها بقيادة القوافل إلى بلاد السودان. واستمرَّ هذا النشاط الحيوي الذي قام به سكَّان المدينة إلى ما بعد سقوط الدولة الرستميَّة. ويمكن القول إنَّ وارجلان كانت تحتكر تجارة المغرب الأوسط مع بلاد السودان
__________
(1) - هناك عدَّة رسائل جامعيَّة وكتب مطبوعة تناولت الحياة الاقتصاديَّة في بلاد المغرب مثل: كتاب التجارة في المغرب الإسلامي من القرن 4 هـ إلى القرن 8 هـ لنجاة باشا، وكتاب المغرب الإسلامي، دراسة في الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، للحبيب الجنحاني، ورسالة الدكتوراه التي أعدَّها عفيفي محمود وموضوعها "أحوال بلاد المغرب الاقتصاديَّة في ظلِّ السيادة الفاطميَّة"، والرسالة التي أعدَّها أحمد إلياس حسين حول الطرق التجاريَّة عبر الصحراء الكبرى. (1/99)
صفحة 95
الغربي. (1) ونتيجة لهذا الاحتكار ازداد تجَّار وارجلان غنًى. فالإدريسي يصف المدينة بقوله: «هي مدينة فيها قبائل مياسير، وتجار أغنياء يتجوَّلون في بلاد السُّودان إلى غانة وبلاد "ونقارة" فيخرجون التبر ويضربونه في بلادهم باسم بلدهم». (2)
ومن خلال وصف الإدريسي يتَّضح أنَّ هناك مسبكاً للذَّهب في وارجلان في عهده حيث كان سكان المدينة الإبَاضِيَة يقومون بضرب الذهب المجلوب من السودان باسم بلدهم. ولعلَّ ذلك ردّ فعل لاضمحلال عملة تاهرت بعد سقوط دولة بني رستم، والتي حلَّت محلَّها عملة الفاطميِّين. كما أنَّ الفاطميِّين قاموا بسبك عملة الرستميِّين وإعادة ضربها مرَّة أخرى باسمهم نظراً للسياسة الماليَّة الصَّارمة التي انتهجوها في بلاد المغرب. (3) ونظراً لمكانة وارجلان التجاريَّة فقد بنيت بها الفنادق بكثرة لاستقبال التجار الوافدين إليها. (4)
وإذا تتبَّعنا أخبار وارجلان في المصادر الجغرافيَّة وغيرها عرفنا أنَّها ظلَّت تحتفظ بأهمِّيتها منذ عصر اليعقوبي إلى عصر ابن خلدون. فابن سعيد مثلاً يذكر أنَّها «بلاد نخل وعبيد ومنها تدخل العبيد إلى المغرب الأوسط وإفرِيقِيَّة، والسفر منها في الصحراء إلى بلاد السودان كثير». (5)
ويذكر ابن خلدون أنَّ وارجلان كانت في عهده باباً للسفر من الزاب إلى المفازة الصحراويَّة المؤدِّية إلى بلاد السودان، يسلكها التجَّار الداخلون إليها بالبضائع. (6)
وبالإضافة إلى مدينة وارجلان وسدراتة هناك مواطن إبَاضِيَة أخرى لعبت دوراً في الحياة الاقتصاديَّة. فمثلاً مدينة "بَنْطيُوس" التي تقع قرب بلاد الزاب، اشتهرت ثمارها ونخيلها وزيتونها، وتتكوَّن هذه المدينة من ثلاث مدن قريبة من بعضها، منها واحدة يسكنها قوم من الفرس يعرفون بـ"بني جرح"، والثانية يسكنها المولدون. أمَّا الثالثة فهي للبربر. (7) كما أنَّ "ريغة" عرفت بكثرة الفواكه والجنان والأنهار. (8)
2 - الزراعة والصناعة:
عرفت مدينة وارجلان وسدراتة وبلاد أريغ نشاطاً زراعيًّا ملحوظاً خاصَّة وأنَّ
__________
(1) - مولاي بلخميسي: ورقلة من خلال النصوص الأجنبيَّة، مجلَّة الأصالة عدد 41 سنة 1977، ص: 209.
(2) - المغرب، ص: 120 - 121.
(3) - بحاز ابراهيم: الدولة الرُّستُمِيَّة، ص: 185 - 186.
(4) - الوسياني: السير، (مخ) ج 1، ورقة 92.
(5) - كتاب الجغرافيَّة، ص: 126.
(6) - كتاب العبر، ج 7، ص: 107.
(7) - البكري: المغرب، ص: 72.
(8) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 89. (1/100)
صفحة 96
متطلَّبات الزراعة من مياه وأرض خصبة وأيدٍ عاملة (العبيد) متوفِّرة. فقد اشتهرت وارجلان بوفرة المياه الباطنيَّة. فالحميري يتعجَّب لوفرة هذه الكمية من المياه الجوفيَّة إذ يقول: «والعجب أنَّ الرجل منهم يحفر فيها بئراً بأزيد من مائة دينار، فإنَّ أرضهم صلبة والماء بعيد يدرك على أزيد من مائة قامة، فيجد على الماء طبقاً من حجر صلد فيستبشر عند وجوده، ويطعم أصحابه فرحاً به وينزل إليه من يعرف كيف ينقره مربوطاً في حبال وثيقة وينقره فيفور الماء. فإن أبطأ الرجال في رفعه حتَّى يدركه الماء هلك لحينه». (1)
وإذا كانت عمليَّة حفر الآبار مكلِّفة نوعاً ما لصعوبة الأرض وطول عمق المياه الذي يبلغ مائة قامة، إلاَّ أنَّ المزارعين حفروا آباراً كثيرة لأنَّهم كانوا مياسير وأغنياء. فالمصادر تذكر أنَّ بمدينة سدراتة وحدها ما يزيد عن ألف وإحدى وخمسين عينًا ــ وهو عدد مبالغ فيه نوعاً ما ــ اشتهرت منها عين تعرف بِ"وادي الصفا". وقد سمِّيت بِ"الوادي" لغزارة مياهها حتَّى إنَّ مجاريها كانت كالخنادق لكثرة المياه المنسابة فيها. (2)
وإلى جانب هذه العيون الجارية كانت تقام السدود في المناطق الجافَّة كوادي ميزاب مثلاً لحفظ المياه. فكان الإبَاضِيَة يتبرَّعون بالأموال لإقامة سدود صغيرة في مجاري الوديان. ومن الأمثلة على ذلك ما يروى أنَّ أبا صالح الياجراني تبرَّع بدينار لقوم كانوا يجمعون المال لبناء سدٍّ. (3)
كما وضع نظام لتوزيع المياه بالعدل على أصحاب الضياع والبساتين. فكان لكلِّ مزارع نوبته من الماء. قد اشتهرت سدراتة أكثر من غيرها من المدن الإبَاضِيَة بمياهها الغزيرة. فقد كشفت الحفريات الأثريَّة عن وجود شبكة من القنوات الكبيرة كانت تزوِّد المنطقة كلها بالمياه، ومنها قنوات تصل إلى مدينة وارجلان أي مسافة اثني عشر كيلومتر تقريباً.
وكانت هذه القنوات مغطَّاة حتَّى لا تردمها الرمال، ووضعت لها فتحات كثيرة حتَّى يمكن تصفيتها بسهولة ليستمرَّ انسياب المياه إلى المزارع. (4)
ويلاحظ أنَّ عيون سدراتة كانت مقسَّمة بين الأسر. فالعين المعروفة باسم "وادي الصفا" كان لها ثلاثة مصارف، مصرف لأولاد ابراهيم بن اسماعيل، ومصرف لأولاد عيسى بن أحمد، ومصرف لأولاد بن الشيخ. (5)
أماَّ العيون الأخرى والتي تأتي في المرتبة الثانية من حيث كمِّية المياه فهي المعروفة باسم "القبائل"، وتقع في "يفرن" قرب سدراتة وهي الأخرى لها ثلاثة مصارف: مصرف لأولاد محمَّد بن عيسى، ومصرف لأولاد جابر بن ابراهيم، ومصرف لأولاد بوّين بن الصعب. كذلك نجد أنَّ العين التي تسمَّى بِ"الحوَّاس" في
__________
(1) - الروض المعطار، ص: 600.
(2) - أعزام: غصن البان، (مخ)، ورقة 13 - 14.
(3) - اطفيَّش: رسالة شافية، (مخ)، ورقة 58.
(4) - LARGEAU: Le pays de rirha, pp 188, 189, BOUROUIBA: Cités disparues, p 53.
(5) - النوري: دور الميزابيِّين، ج 1، ص: 108. (1/101)
صفحة 97
"نقوصة" مقسَّمة بين ثلاثة أسرٍ وهي: أولاد عيسى بن نوح وأولاد عيسى ابن ابراهيم، وأولاد عيسى بن سليمان. (1)
ورغم أنَّ المصادر لا تعطينا أيَّة تفصيلات عن هذه الأسر، إلاَّ أنَّ المرجَّح أنَّ هذه الأسر تعاونت على شقِّ قنوات هذه العيون. ونتيجة لتوفُّر مقوِّمات الزراعة ظهرت بعض المنتجات الزراعيَّة في الأماكن التي توفَّرت فيها المياه، إلاَّ أنَّ النخل كان أهمَّ زراعة يقوم بها الفلاَّحون في وارجلان وسدراتة لتمُّيزها بالمناخ الصحراوي. لذلك فإنَّ الغابة التي تتكوَّن من أربعمائة ألف نخلة اليوم لا تمثِّل سوى جزءٍ فقط من الأرض التي كانت مستغلَّة في الماضي. (2)
وقد وصفت المصادر الجغرافيَّة وارجلان بأنَّها مدينة كثيرة النخل إلى جانب بعض الزراعات الأخرى كالحمضيات. (3) وقد ذكر صاحب كتاب الألواح أنَّ رجلاً بعث إلى ابن عمِّه جنُّون بن يمريَّان يطلب منه القدوم إليه، وترك البلاد الفقيرة ــ أي وارجلان ــ رفض وقال له: «بادرني بمن معك فإنَّ قبلنا أرضاً قعدة رجل تعيي الجمال، وأراد بذلك النخلة». (4)
وإلى جانب زراعة النخيل كانت تزرع الحمضيات والحبوب والفواكه والخضر، لكنَّها بكمِّيات قليلة. ورغم أنَّ المصادر لا تفصِّل أمر هذه الزراعة، إلاَّ أنَّ الوسياني أشار إلى أنَّ رجلاً من "زواغة"يدعى "محرز بن مارات" كان يستخدم ثلاثمائة جمل عدا البقر. (5)
كما يذكر ابن خلدون أنَّ معظم الفواكه التي تصدَّر إلى بلاد السودان هي قصور من صحراء المغرب مثل "توَّات" و"تكدرارين" ووارجلان. (6) لكنَّنا لا نعرف هل هذه الفواكه من منتجات وارجلان أم أنَّ تجَّار الإبَاضِيَة كانوا يشترونها من مدن الشمال، ثمَّ يبيعونها ثانية في بلاد السودان؛ وإلى جانب الزراعة اهتمَّ الإباضيَّة بتربية الأغنام والجمال. وتذكر المصادر الإبَاضِيَة أنَّ بعض الرعاة كانوا ينتقلون إلى جبال "بني مصعب" أي وادي ميزاب للرعي. (7)
وبما أنَّ وارجلان ذات طابع صحراوي فمن الطبيعي أنْ يكون الجمل ذا أهمِّية باعتباره وسيلة من وسائل المواصلات ويعتمد عليه في التجارة. لذلك اهتمَّ سكَّان
__________
(1) - أعزام: غصن البان، (مخ)، ورقة 13.
(2) - بحاز: الدولة الرُّستُمِيَّة، ص: 152.
MARCEL MERCIER: La civilisation urbaine au M’Zab, étude de sociologie africaine, imprimerie administrative et commerciale, Emile pfister, Alger 1922, P 16.
(3) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 126، ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 5، ص: 371، الحميري: الروض المعطار، ص: 600.
(4) - أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر: كتاب الألواح، مخطوط بمكتبة العطف، غرداية، ورقة 1.
(5) - السير، (مخ) ج 1، ورقة 142.
(6) - المقدِّمة، ص: 93.
(7) - الشماخي: السير، ص: 390. (1/102)
صفحة 98
وارجلان وسدراتة بتربية الجمال. وقد بلغ سعر الجمل بسوق وارجلان بأربعة وعشرين ديناراً. (1)
أمَّا عن ملكيَّة الأراضي في هذه الفترة فلم تذكر المصادر عنها شيئاً. لذلك يعتقد أنَّ الملكيَّة الخاصَّة كانت الشائعة بين السكان. وقد وزِّعت الأراضي في عهد الدولة الرُّستُمِيَّة. يقول: الوسياني: «ذكر عن الإمام عبد الوهَّاب أنَّه كتب إلى نفوسة الراحلين من الجبل كتاباً، وهم الخارجون عنه وكانوا في ألف رجل، وخاف ممَّا يعتريهم من التغيير والتشتيت فكتب إليهِم كتاباً مع عامله عليهم. وقطع لهم أرضاً كبيرة». (2)
وكان الرقيق المجلوب من بلاد السودان يقوم بزراعة الأرض لحساب أصحابها وملاَّكها. فوارجلان كانت مركزاً هامًّا من مراكز تصدير العبيد ببلاد المغرب الأوسط وإفرِيقيَّة.
أمَّا فيما يخصُّ الصناعة فإنَّ المصادر لا تعطينا تفاصيل عنها. ويبدو أنَّ الإبَاضِيَة لم يهتمُّوا بالصناعة بقدر اهتمامهم بالتجارة والزراعة. وربَّما اهتمُّوا بصناعات النسيج لكثرة اهتمامهم بتربية الأغنام. أمَّا ما عدا ذلك فالمصادر لا تذكر شيئاً.
3 - طرق التجارة الصادرة والواردة:
لعبت طرق التجارة دوراً كبيراً في حركة التجارة خاصَّة الطرق التي تكثر فيها المحطَّات التي توفِّر للتجَّار ما يحتاجونه من مؤن ووسائل نقل وراحة. وقد ارتبطت وارجلان بأكبر الحواضر سواء في إفرِيقِيَّة أوالمغرب الأوسط، ولعلَّ أشهر هذه الطرق هي:
1) وارجلان - تاهرت:
يعتبر الطريق الذي يربط وارجلان بتاهرت من الطرق المستعملة منذ وقت مبكِّر إذ يرجع إلى عهد الدولة الرُّستُمِيَّة، وربَّما قبلها. فالمصادر تذكر أنَّ الإمام الرُّستُمِي أفلح بن عبد الوهَّاب (190 - 240هـ) (805 - 854م) (3) طلب من أبيه السماح له بالسفر إلى مدينة كوكو في بلاد السودان. ويذكر ابن الصغير أنَّ أفلح أرسل مع رجل يسمَّى "محمَّد بن عرفة" بهديَّة إلى ملك السودان. (4)
ولا شكَّ أنَّ الطريق الذي يربط "تاهرت" بمدينة كوكو يمرُّ بوارجلان. وربَّما هو
__________
(1) - مجهول: كتاب المعلَّقات، (مخ)، ورقة 12.
(2) - السير، (مخ) ج 2، ورقة 29.
(3) - هو ابن الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم، تولَّى الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 190هـ (805م). شهدت فترة حكمه عدَّة ثورات لكن الإمام تصدَّى لها بشجاعة كثورة خلف بن السمح في طرابلس، والانقسام الذي أحدثه نفاث بن نصر في صفوف الإبَاضِيَة. توفِّي أفلح سنة 240هـ (854م)، وتولَّى بعده أبو بكر (240 - 241هـ) (854 - 855م). انظر الباروني: الأزهار الرياضيَّة، ج 2، ص: 221 - 280.
(4) - تاريخ الأئمَّة الرستميين، نشره: A. de C. Motylinski ضمن acte du XX congré des orientalistes T 3, Alger 1905.، ص: 31. (1/103)
صفحة 99
نفسه الطريق الذي كان يسلكه أفلح في رحلته إلى بلاد السودان. وهناك ما يدلُّ على وجود طريق مباشر بين وارجلان وتاهرت في عهد الإمام أفلح إذ يذكر أنَّ شيخين من شيوخ نفوسة هما: أبو يوسف بن المنيب وأبو يعقوب بن المنيب مرّا على وارجلان قادمين من جبل نفوسة ومتجهين إلى تاهرت. (1)
كما أنَّ يعقوب بن أفلح سلك هذا الطريق أثناء فراره من تاهرت بعد الغزو الشيعي. وعلى الرغم من أنَّنا لا نعرف مراحل الطريق الذي مرَّ به، إلاَّ أنَّه لا يستبعد أنْ يكون الطريق يمرُّ بواحة وادي أريغ التي يصفها الإدريسي بأنَّها أرضٌ متَّسعة تكثر فيها البساتين، وتعقد بها سوق كبيرة كلَّ ... يوم جمعة. (2)
وتعتبر أريغ محطَّة رئيسيَّة للسالك من تاهرت إلى مدينة وارجلان نظراً لتوسُّطها المسافة بين المدينتين. بالإضافة إلى أنَّها مركز من مراكز التجارة المرتبطة ببلاد السودان، ومرحلة من مراحلها الأساسية. ويبدو أنَّ الطريق ينطلق من تاهرت في اتجاه "المسيلة" فالإدريسي يذكر أنَّ تاهرت تبعد عن المسيلة بثماني مراحل. ينطلق الطريق من تاهرت ويمرُّ بعدَّة قرى إلى أنْ يصل ... إلى المسيلة. (3)
أمَّا الطريق بين المسيلة وورجلان فقد حدَّد الإدريسي مسافته بمسيرة اثني عشر يوماً. (4) وإذا كان "ليفيسكي" يرى أنَّ هذا الطريق (أي تاهرت - وارجلان) كان مستعملاً منذ القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ثمَّ ترك استعماله بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة سنة 296 هـ (909م). (5) لكن يبدو أنَّ هذا الطريق ظلَّ مستعملاً، لكنَّه فقد أهمِّيته التي عرف بها إبَّان الدولة الرُّستُمِيَّة. فابن حوقل يصف أحوال تاهرت بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة بأنَّها مزرية، وأصبح أهلها فقراء نتيجة تواتر الفتن عليهم واستمرار القحط ... وكثرة الثورات. (6)
لكن المدينة انتعشت في عهد البكري إذ أقيمت فيها الأسواق العامرة، وكثرت بها الفنادق لإقامة التجار، واكتظَّت أرباضها بالبربر بعد استتباب ... الأمن بها. (7)
كما أنَّ وارجلان حافظت على نشاطها التجاري كوسيط رئيسي بين مدن بلاد المغرب وبلاد السودان بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة إذ تحوَّل النشاط التجاري إليها بعد رحيل الإبَاضِيَة إليها خاصة أثناء الثورات التي قامت بها زناتة.
2) وارجلان - جبل نفوسة:
يبدو أنَّ لإبَاضِيَة وارجلان علاقات منذ فترة مبكِّرة مع الإبَاضِيَة القاطنين في الجنوب الشرقي من تونس، ومنطقة طرابلس خاصة مع إبَاضِيَة جبل نفوسة. فقد كان
__________
(1) - الوسياني: السير، (مخ) ج 2، ورقة 51.
(2) - المغرب، ص: 85.
(3) - نفس المصدر، ص: 87.
(4) - نفسه، ص: 120.
(5) 3 - LEWICKI: Etude, P 13.
(6) - صورة الأرض، ص: 93.
(7) - المغرب، ص: 28 - 29. (1/104)
صفحة 100
هذا الجبل مركزاً تجاريًّا هامًّا خاصَّة عاصمة الجبل "جادو" التي يسكنها البربر الإبَاضِيَة. فابن حوقل (ت.380هـ) يذكر أنَّ طول هذا الجبل مسيرة ثلاثة أيَّام، وأنَّ فيه مدينتين هما: "شروس" و"جادو"، وتشتهر الأولى بكثرة مياهها وكرومها وأعنابها وتينها. (1)
أمَّا البكري والبغدادي فيحدِّدان طول الجبل بمسيرة ستَّة أيَّام من الشرق إلى الغرب، وأنَّه يبعد عن مدينة طرابلس مسيرة ثلاثة أيَّام، وعن القيروان بستَّة أيَّام. (2)
ويذكر البكري أنَّ "جادو" مدينة كبيرة تكثر فيها الأسواق ويسكنها يهود كثيرون. كما يصف "شروس" بأنَّها مدينة كبيرة آهلة تحيط بها القرى الكثيرة التي يتجاوز عددها ثلاثمائة قرية آهلة. (3)
وكانت لإبَاضِيَة جبل نفوسة علاقات تجاريَّة نشطة في منطقة "فزَّان" وبلاد "كانم" في السودان الأوسط، ومدينة "غدامس" التي تقع على الطريق الذي يمرُّ ببلاد كانم وقد اشتهرت هذه المدينة كما يقول ابن سعيد «بجلدها المفضَّل وإليها ينسب». (4) وهي ليست بعيدة عن جبل نفوسة إذ يحدِّد البكري المسافة بسبعة أيَّامٍ في الصحراء. (5) وربَّما كانت "غدامس" المحطَّة الرئيسيَّة بين جبل نفوسة وتادمكة لأنَّه يوجد طريق يربط تادمكة بغدامس. فالبكري يصف مراحل هذا الطريق ويحدِّد المسيرة بينهما بخمسة وعشرين يوماً. (6)
ولا نعرف الجذور الأولى لهذه العلاقات التجاريَّة التي كانت بين جبل نفوسة و"وارجلان" لكن ممَّا لاشكَّ فيه أنَّ هذه العلاقات كانت وثيقة باعتبار أنَّ جبل نفوسة كان له دور كبير وفعَّال في انتشار المذهب الإبَاضِي. وكانت قبيلة نفوسة السنَد القوي للإبَاضِيَة في المغرب الأوسط طيلة القرن الثاني والثالث للهجرة (الثامن والتاسع الميلادي).
وأوَّل إشارة لهذا الطريق جاءت في كتاب الإدريسي حيث ذكر بأنَّ هناك طريقاً بين جبل نفوسة ووارجلان مسيرته ثلاث عشرة مرحلة (7) لكنَّه لا يشير إلى مراحله. ويرى "ليفيسكي" أنَّ هذا الطريق يمرُّ بواحة "أسوف" متَّجهاً إلى "نفزاوة" ومنها إلى جبل نفوسة. (8) وهذا ما يؤكِّده أبو زكرياء حين ذكر أنَّ أبا يعقوب يوسف بن الوالي ــ أحد شيوخ الإبَاضِيَة ــ لمَّا أراد مغادرة "تين يسلي" إلى نفزاوة
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 92.
(2) - البكري: المصدر السابق، ص: 9، والبغدادي: مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، ج 3، دار المعرفة، ط: 1، بيروت 1955، ص: 1382.
(3) - البكري: نفس المصدر، ص: 9.
(4) - كتاب الجغرافيَّة، ص: 127.
(5) - المصدر السابق، ص: 182.
(6) - نفس المصدر، ص: 182.
(7) - المغرب، ص: 106.
(8) 4 - LEWICKI: Etudes, P 29. (1/105)
صفحة 101
سار إلى "أسوف" صحبة قافلة، وفيها وجد قافلة اعتزمت السفر إلى نفزاوة فاصطحبها. (1) و"أسوف" هذه لا تبعد كثيراً عن مدينة نفطة وإفرِيقِيَّة. ومنها يبدأ الطريق المتَّجه إلى نفزاوة. فالإدريسي يصف مراحل طريق قفصة - نفزاوة بقوله: «من مدينة قفصة إلى مدينة "نفطة" مرحلتان صغيرتان ... ومن قفصة إلى نفزاوة جنوباً يومان وبعض يوم، ومن توزر إلى نفزاوة يوم ونصف يوم». (2)
ويبدو أنَّ هناك طريقاً يربط بين جبل نفوسة ونفزاوة، فالإدريسي يذكر أنَّ بين جبل نفوسة ومدينة نفزاوة مدينة "لوحقة" التي تتصل بها غرباً مدينة "بسكرة" و"باديس" في الزاب. (3)
ولا يعرف موقع مدينة "لوحقة" التي ذكرها الإدريسي. ويعتقد "ليفيسكي" أنَّها تقع بين جبل نفوسة وبلاد نفزاوة. ويرى أنَّ الطريق يبدأ من "قابس" متَّجها إلى جبل نفوسة في اتجاه الجنوب الشرقي مروراً بمدينة "يغمراسن" التي تقع في الشمال الغربي من "تطاوين" (4) ثمَّ يتَّجه شرقاً إلى "زغاوة". كما أنَّ هذا الطريق يمرُّ بمدينة "تلالت" التي ورد ذكرها في المصادر الإبَاضِيَة. (5) فقد كان فيها مصلَّى خاص بالإمام عبد الوهَّاب لمَّا زار منطقة طرابلس في بداية القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). (6)
ويحتمل أنَّ هذا الطريق ــ أي طريق نفزاوة ــ جبل نفوسة ــ يمرُّ على مدينة "شروس". هذه المدينة التي كانت تمثِّل مرحلة من مراحل القوافل التي تمرُّ بطريق وارجلان وطريق التكرور (السودان الغربي). وغاية هذه القوافل الوصول إلى طرابلس التي تبعد عن "شروس" بمسيرة خمسة أيَّام. كما أنَّ هناك طريقاً آخر للقوافل يربط بين "شروس" وبين جبل نفوسة طوله سبعة أيَّام، وبين "غدامس" وتادمكة مسيرة خمسة وعشرين يوماً. ويؤدِّي هذا الطريق إلى بلاد "كوكو" التي تبعد نحو تسع مراحل عن "تادمكة". ومن أهمِّ مدنها مدينتان: مدينة الملك ومدينة المسلمين ويسمَّى ملكهم "قندا". (7)
والخلاصة أنَّ وارجلان كانت لها علاقات مع أهمِّ مراكز التجارة في إفرِيقِيا الشماليَّة ابتداء من سجلماسة في المغرب الأقصى إلى "جادو" في جبل نفوسة، وأنَّ وارجلان كانت تقوم بدور الوسيط التجاري بين بلاد المغرب وبلاد السودان.
__________
(1) - سير الأئمَّة وأخبارهم، ج 2، تحقيق عبد الرحمن أيُّوب، الدار التونسيَّة للنشر، ط: 1، تونس 1985، ص: 330.
(2) - المغرب، ص: 105.
(3) - نفس المصدر، ص: 106.
(4) - يصفها الإدريسي بأنَّها حصن يبعد عن البحر الشامي مسافة خمسة أميال وتسكنه قبيلة من البربر تسمَّى "مجكسة". انظر: المغرب، ص: 170.
(5) - LEWICKI: Etudes, P 30.
(6) - الشماخي: السير، ص: 159.
(7) - البكري: المغرب، ص: 182 - 183، LEWICKI: Tasmiya, P 44. (1/106)
صفحة 102
3) وارجلان - القيروان:
يمرُّ هذا الطريق ببلاد الزاب التي تتكوَّن من ثلاث مناطق هي الزاب الغربي وعاصمته "طولقة" (1) والزاب الأوسط، وقاعدته "تهودة" (2) ثمَّ "بسكرة" التي يصفها ابن سعيد بأنَّها قاعدة بلاد الزاب، واشتهرت بنخيلها ومنها كانت تصدَّر التمور إلى تونس وبجاية. (3) وبلغت جودة تمورها أنَّ أبا عبد الله الشيعي كان يأمر عمَّاله بمنع بيع أحد أصناف التمور الذي يُعرف بـ"اللياري" ... وإرساله إليه. (4)
أمَّا الزاب الشرقي ففيه عدَّة مدن لكنَّها قليلة الأهمِّية، بالمقارنة مع الزاب الغربي والأوسط. ومن مدن الزاب الشرقي مدينة "باديس"، و"تنُّومة". فباديس امتازت بزراعة الشعير مرَّتين في السنة، يربطها طريق "قيطون بياضة". (5) وهو أوَّل بلد سماطة، ومنه يتفرَّع الطريق إلى عدَّة طرق تؤدِّي إلى بلاد السودان، وطرابلس والقيروان. (6)
ويشير ابن خلدون إلى وجود طريق مباشر يربط بين وارجلان والزاب في حديثه عن الحملة التي قام بها الأمير الحمادي المنصور بن الناصر انطلق ... من الزاب، ومرَّ على كلٍّ من وعلان (جنوب بسكرة) ووارجلان ... سنة 460هـ (1067م). (7)
وظلَّت وارجلان حتَّى نهاية القرن الثَّامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) باب الصحراء حيث كان المسافرون يأتون إليها من الزاب لكي ينتقلوا إلى بلاد السودان ببضائعهم. وتقع وارجلان على الطريق الذي يربط مدينة "تادكة" في السودان الأوسط ببسكرة. فعبَّر هذا الطريق قدم سفير من إمارة "تادكة" إلى الأميير يوسف بن مزنى ببسكرة، وقابله ابن خلدون سنة 754هـ (1353م). (8)
__________
(1) - تقع هذه المدينة في بلاد الزاب، وهي عبارة عن ثلاث مدن عليها أسوار وخنادق تحيط بها الأنهار من كلِّ جانب. عرفت بإنتاج الزيتون والتمر. انظر الحميري: الروض المعطار، ص: 400 - 401.
(2) - تقع قرب بسكرة وهي مدينة أوَّليَّة، بنيانها بالحجر يمرُّ عليها نهر يأتيها من جبل أوراس وهي التي استشهد فيها عقبة بن نافع بعد عودته من المغرب الأقصى، انظر الحميري: نفس المصدر، ص: 142.
(3) - ابن سعيد: كتاب الجغرافيَّة، ص: 126.
(4) - البكري: المغرب، ص: 52.
(5) - تقع هذه القرية في بلاد الزاب، وهي تبعد عن قفصة بتلاث مراحل وعن نفطة بمرحلة واحدة، انظر الحميري: الفروض المعطار، ص: 488.
(6) - البكري: المصدر السابق، ص: 74.
(7) - كتاب العبر، ج 11، ص: 356.
(8) - ابن خلدون: نفس المصدر، ج 13، ص: 108، يضيف ابن خلدون أنَّ "تاكدة" تبعد عن وارجلان بعشرين مرحلة. وأنَّها في عهده كانت مركزاً تجاريًّا هامًّا. فقد أخبره رسول تاكدة (تكدة) أنَّه اجتاز عليهم سنة 754هـ (1353م) مجموعة من تجَّار المشرق إلى بلد مالي كانت زكاتهم اثني عشر ألف راحلة. (1/107)
صفحة 103
ومن هنا يتَّضح أنَّ هناك طريقاً يربط الزاب بوارجلان في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) يمرُّ بواحة "وعلان" ووادي أريغ. وبالإضافة إلى هذا الطريق هناك طريق آخر يمرُّ على مدينة "بنطيوس" و"بسكرة" و"تهودة" و"باديس" متَّجها إلى "قيطون بياضة" الذي يبعد مسيرة يوم أو يومين ... غرب "نفطة". (1)
وعند "قيطون بياضة" يتفرَّع الطريق إلى ثلاثة طرق فرعيَّة، واحد منها يتَّجه إلى السودان. والبكري لا يعطينا أيَّة تفاصيل عن هذا الفرع، لكن الطريق الوحيد الذي يعبر الصحراء هو الذي يربط بسكرة بمدينة "نفطة". وهو الطريق الذي يتَّجه نحو الجنوب. ويحتمل أنَّه يمر بوادي أسوف، ومنه إلى وارجلان. ذلك أنَّه يوجد طريق يربط بين نفزاوة وأسوف. فأبو زكرياء يذكر أنَّ خزرون بن فلفول لمَّا أراد السفر إلى طرابلس ارتحل إلى أسوف. وفيها وجد قافلة متَّجهة إلى نفزاوة فاصطحبها. (2)
ويذكر ابن حوقل أنَّ هناك طريقاً يأتي من مدينة المسيلة ويمرُّ على بلاد الزاب متَّجهاً إلى مدينة القيروان. فمن المسيلة إلى قفصة تسع مراحل. (3) وقد حدَّد البكري المسافة بين قفصة والقيروان بمسيرة ثلاثة أيَّام. (4)
4) تلمسان - وارجلان:
يبدأ هذا الطريق متَّجهاً إلى قلعة ابن الجاهل التي تقع جنوب تلمسان. ويصفها البكري بأنَّها قلعة منيعة تكثر فيها الثمار والأنهار، يتَّصل بها جبل "تارنى". ومن هذه القلعة يمرُّ الطريق بِ"تزيل"، وهي أوَّل الصحراء ومنها يسافر التجار سواء إلى سجلماسة أو وارجلان أو إلى القلعة لكن البكري لا يذكر طول هذا الطريق. (5)
5) تلمسان - تنس:
حدَّد الإدريسي المسافة بين مدينة تلمسان وتنس بسبع مراحل حيث يخرج الطريق من تلمسان إلى قرية "العلويين"، ومنها إلى "بابلوت" مرحلة وهي قرية صغيرة ومنها إلى قرية "سي" التي تبعد عنها بمرحلة ثمَّ إلى "رحل الصفاصف" مرحلة، ومنها إلى "أفكان" مرحلة كذلك ثمَّ يتَّجه الطريق إلى مدينة "معسكر" مرحلة، ويمرُّ بجبل "فرحان" مارًّا مع أسفله إلى قرية "عين الصفاصف" مرحلة، ومنها إلى مدينة "يلل" مرحلة ثمَّ إلى مدينة "غزَّة" التي يصفها الإدريسي بأنَّها مدينة صغيرة فيها سوق تقام في يوم معلوم. ومنها إلى مدينة "سوق ابراهيم" مرحلة، ومنها إلى "باجة" مرحلة كذلك. ومن هذه الأخيرة إلى مدينة ... "تنس"
__________
(1) - البكري: المغرب، ص: 74.
(2) - سير الأئمَّة، ج2، ص: 330.
(3) - صورة الأرض، ص:87.
(4) - المغرب، ص: 47.
(5) - نفس المصدر، ص: 77. (1/108)
صفحة 104
مرحلة. (1)
6) تنس - قلعة بني حمَّاد:
ينطلق الطريق من مدينة "تنس" حيث يمرُّ "ببني وازلفن" بعد سير مرحلة في جبال وعرة وهي قرية كبيرة لها كروم وجنَّات. ومن "بني وازفلن" إلى "الخضراء" مرحلة، وهي مدينة صغيرة تقام فيها سوق يجتمع فيها تجَّار تلك الناحية. ومن "الخضراء" إلى مدينة "مليانة" مرحلة، ومنها إلى "كزناية" ومنها إلى "ريغة" مرحلة، ومنها إلى "ماورغة" ثمَّ إلى "أشير" مرحلتان. ومن أشير إلى "تامزكيدة" مرحلة. وفي النهاية يصل الطريق إلى المسيلة بعد سير مرحلتين. وبين المسيلة وقلعة بني حمَّاد اثنا عشر ميلاً. (2)
7) تلمسان - المسيلة:
تبلغ مسافة هذا الطريق أربع مراحل حيث يمرُّ الطريق انطلاقاً من مدينة تلمسان بقرية "تادرة" بعد اجتياز مرحلة، ومنها إلى قرية "ندَّاي" مرحلة، ومنها إلى مدينة "تاهرت" مرحلتان. (3)
8) تنس - أشير:
يمرُّ هذا الطريق بمدينة "بني جليدا" التي كان يسكنها في عصر البكري الأندلسيُّون والقرويُّون، وتطلُّ على فحص "شلف". وتقع قربها مدينة "شلف" التي تعرف بِ"شلف بني واطيل" لزواغة ومنها إلى "بني واريفن" ثمَّ إلى مدينة "مليانة". ويصل الطريق في النهاية إلى مدينة "أشير" التي شيَّدها بنو زيري. (4)
9) أشير - مرسى الدجاج:
لا يشير البكري إلى طول هذا الطريق، إنَّما يورد المراحل فقط حيث يمرُّ بشعبة، ومنها إلى مضيق بين جبلين، ثمَّ فحص "أفلح" فمدينة تسمَّى "حمزة". ومن "حمزة" إلى قرية "بلياس" ثمَّ إلى "مرسى الدجاج". (5)
10) أشير - جزائر بني مزغنَّة:
يمرُّ هذا الطريق بمدينة "المدية"، ومنها إلى مدينة "فزرونة" التي تقع على نهر كبير، عليه الأرجاء والبساتين، ويقال لها "متيجة"، اشتهرت بكثرة الكتَّان، ثمَّ إلى مدينة "أغزر"، ومنها إلى "جزائر بني مزغنَّة". (6)
__________
(1) - المغرب، ص: 82 - 83.
(2) - الادريسي: نفس المصدر، ص: 84 - 86.
(3) - نفسه، ص: 86 - 87.
(4) - البكري: المغرب، ص: 69.
(5) - نفس المصدر، ص: 64 - 65.
(6) - البكري: نفس المصدر، ص: 65 - 66. (1/109)
صفحة 105
11) المسيلة - سطيف:
تبلغ المسافة بين مدينة المسيلة ومدينة سطيف مرحلتين من السير، حيث يمرُّ الطريق على "غدير وارُّوا" الذي يسكنه "بنو يغمراسن" من هوارة، ومنها إلى مدينة "سطيف". (1)
12) تلمسان - وهران:
تبعد مدينة وهران عن مدينة تلمسان بمرحلتين كبيرتين، وقيل: ثلاث مراحل. والطريق يخرج من تلمسان إلى وادي "وارُّو" الذي يبعد عنها بمرحلة، ومنه إلى قرية "تانيت" مرحلة، ومنها إلى مدينة وهران التي يصفها الإدريسي بأنَّها كثيرة التجارة والصنائع، وبها أسواق مقدَّرة. (2)
13) تلمسان - تاهرت:
تبلغ المسافة بين تلمسان وتاهرت مسيرة أربع مراحل حيث يخرج الطريق من تلمسان إلى "تادرة"، بعد اجتياز مرحلة، ثمَّ يصل إلى قرية "نداي"، ومنها إلى مدينة تاهرت التي تبعد عن "نداي" بمرحلتين من السير. (3)
14) وهران - تاهرت:
يخرج الطريق من وهران إلى مدينة "تنس" التي تبعد عنها بثلاثمائة وأربعة أميال. ومن "تنس" يتَّجه الطريق إلى قرية "برشك" بعد مسافة ستَّة وثلاثين ميلا. ومن "تنس" إلى مليانة مرحلتان. وبين مليانة وتاهرت ثلاث مراحل. (4)
15) شرشال - بجاية:
تبلغ المسافة بين شرشال وبني مزغنَّة سبعين ميلاً، ومن الجزائر إلى "تامدفوس" شرقا ثمانية عشرة ميلاً. ومن "تامدفوس" إلى "مرسى الدجاج" عشرين ميلاً. ومن مدينة "تدلس" أربعة وعشرين ميلاً، ومنها إلى "بجاية" سبعين ميلاً في البر، وتسعين ميلاً في البحر. (5)
وكانت بجاية في عصر الإدريسي قطبا لكثير من البلاد، ولذلك كثرت الطرق التي تؤدي إليها. فهي تبعد مثلاً عن "إيكجان" بمسيرة يوم واحد، وعن "بلزمة" بمرحلتين، وعن "سطيف" بمسيرة يومين وعن "باغاية" بثمانية أيَّام، وعن "قلعة بشر" بخمسة أيام. وتبلغ المسافة بين بجاية وقالمة ثماني مراحل، وبينها وبين "تبسَّة"
__________
(1) - نفسه، ص: 75 - 76.
(2) - المغرب، ص: 83 - 84.
(3) - نفس المصدر، ص: 86 - 87.
(4) - نفسه، ص: 88.
(5) - الإدريسي: نفس المصدر، ص: 90. (1/110)
صفحة 106
ستَّة أيَّام وبين بجاية و"طبنة" سبع مراحل، وبين بجاية و"القصر" ستَّة أيَّام. (1)
16) بجاية - القلعة:
يخرج الطريق من بجاية إلى "سوق الأحد" ثمَّ "وادي وهت" إلى حصن "تاكلالت" ومنه إلى "تادرقت"، إلى "سوق الخميس" و"حصن بكر". كما يمرُّ هذا الطريق بِ"حصن وارقو" و"القصر" و"حصن الحديد" و"الشعراء" و"قصر بني تراكش" ثمَّ إلى "تاورت" و"الباب" و"السقائف" و"حصن الناظور" و"سوق الخميس" و"الطماطة" و"سوق الإثنين" و"حصن تافلكانت" ثمَّ إلى "تازكا" و"قصر عطيَّة". وبعد المرور بعدَّة حصون يصل الطريق إلى حصن القلعة. (2)
17) قسنطينة - بجاية:
تبلغ مراحل الطريق بين هاتين المدينتين ستَّة أيَّام، أربعة منها إلى مدينة "جيجل" الساحليَّة ومنها إلى بجاية بعد مسيرة خمسين ميلاً. وهناك طريق آخر يتَّجه إلى بجاية مروراً بقرية "أبرس" التي تبعد عن قسنطينة بخمس مرحل. (3)
أمَّا الطريق الثالث فإنَّه يخرج من قسنطينة إلى النهر إلى فحص "فارة"، إلى قرية بني خلف ثمَّ إلى حصن "كلديس"، ومنه إلى قسنطينة عشرون ميلاً. ومن هذا الحصن يتَّجه الطريق إلى جبل "سحاو" بعد سير ثمانية أميال ثمَّ إلى "سوق يوسف" اثني عشر ميلاً، ومنه إلى سوق "بني زندوي" و"تالة"، ومن حصن "تالة" إلى "المغارة"، إلى ساحل البحر ثمَّ إلى "مسجد بهلول" فمدينة جيجل. ومن مدينة جيجل إلى طرف "مزغيطن"، إلى جزائر "العافية" إلى "فجّ الزرزور"، إلى حصن "المنصورة" إلى "متوسة" التي تبعد عن بجاية باثني عشر ميلاً، وإلى بجاية بخمسين ميلاً. (4)
أمَّا الطرق التجاريَّة التي كانت تربط وارجلان بمدن السودان فهي كالتالي:
1) وارجلان - كوكو:
يبدو أنَّ أقدم الطرق التجاريَّة التي تربط "وارجلان" وكل مدن المغرب الأوسط وببلاد السودان هو طريق وارجلان ــ كوكو الذي يمرُّ على تادمكة. فقد أشار البكري إلى الجزء الشمالي من هذا الطريق الذي يربط وارجلان بتادمكة. فذكر أنَّه من أراد الطريق من تادمكة إلى القيروان فإنَّه يسير في الصحراء خمسين يوماً إلى مدينة وارجلان ومنها إلى القيروان سبعة أيَّام. (5)
أمَّا الجزء الجنوبي من الطريق فلم يشر إليه الجغرافيون القدامى. ومن خلال هذا النصِّ نلاحظ أنَّ طريق وارجلان ــ كوكو كان مستخدماً في القرنين الخامس
__________
(1) - نفسه، ص: 91.
(2) - نفسه، ص: 92 - 93.
(3) - الإدريسي: نفس المصدر، ص: 96.
(4) - نفسه، ص: 96 - 98.
(5) - المغرب، ص: 182. (1/111)
صفحة 107
والسادس للهجرة (الحادي عشر والثاني عشر للميلاد) حيث كانت القوافل تخرج من وارجلان موغلة في الصحراء إلى مدينة تادمكة، ومنها تسير القوافل تسعة أيَّام فتصل إلى مدينة كوكو. (1)
ويعرّف ابن سعيد بموقع كوكو حيث يذكر أنَّها تقع شرق نيل غانة، وهي منسوبة إلى مدينة صاحب البلاد، وكوكو جبل يضرب به المثل فهو يقابل من الغرب مسلمي غانة، ومن الشرق مسلمي الكانم. (2)
ويرى اليعقوبي أنَّ مملكة كوكو من أعظم ممالك السودان. لذلك فإنَّ كلّ الممالك تدين لملكها بالطاعة، وأنَّ مملكة كوكو اسم المدينة ذاتها. وتوجد عدَّة ممالك أخرى يخضعها ملوكها لملك كوكو، منها مملكة "المرو" ومملكة "الجبا" ومملكة "الهربر"، ومملكة "الزيانير"، ومملكة "أرور"، ومملكة "تتاروت"، وغيرها. (3)
ومن التجار الإبَاضِيَة الذين سافروا من وارجلان إلى تادمكة أبو صالح الأرجاني الذي تضعه المصادر الإبَاضِيَة ضمن الطبقة الثامنة أي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). (4)
كما تذكر المصادر أنَّ أحد التجار الإبَاضِيَة يسمَّى "تملي الوسياني" من قسطيلية كان يسافر كثيراً إلى تادمكة للتجارة. فكان يرسل إلى قسطيلية كلّ سنة ستَّة عشر كيساً من المال، يحتوي كلّ كيس على خمسمائة دينار ذهبي، لتنفق على المحتاجين من الإبَاضِيَة وفقرائهم. (5)
ومن الصعب تحديد الطريق الذي يربط وارجلان بتادمكَّة. وقد رجَّح "ليفيسكي" أنَّ هذا الطريق كان يمرُّ بمدينة "القليعة" و"قلعة البكري" ثمَّ يتَّجه إلى مدينة "عين صالح" ومنها إلى جبال "مويدير" أو (أمدير) في الهقَّار. وفي منطقة الهقَّار يتفرَّع الطريق إلى عدَّة مسالك، أهمُّها المسلك الذي يتَّجه إلى "أغاديس" و"كوكو". أمَّا المسلك الثاني فهو الذي يربط الهقَّار بمدينة كوكو. ويمرُّ على كلّ من "أبلسَّة" و"تِينْ زَاوَاتِينْ" و"كِيدَلْ" ثمَّ "بُورم"، ومنها إلى كوكو. ويشير إلى أنَّ هذا الطريق يمر على مدينة تادمكَّة. (6)
وحتَّى إذا أراد المسافر السفر إلى القيروان انطلاقاً من تادمكَّة فإنَّه يمرُّ على وارجلان. فالبكري يذكر أنَّ المسافة بين تادمكّة وورجلان مسيرة خمسين يوماً ثمَّ إلى قسطيلية أربعة عشر يوماً، وبينها وبين القيروان سبعة أيام. (7)
__________
(1) - بحاز ابراهيم: الدولة الرُّستُمِيَّة، ص: 217.
(2) - كتاب الجغرافية، ص: 93.
(3) - تاريخه، ج 1، ص: 157.
(4) - الدَّرجيني: الطبقات، ص: 374 - 375، الشماخي: السير، ص: 379.
(5) - الوسياني: السير، (مخ) ج 1، ورقة 22.
LEWICKI: Quelques extraits inédits relatifs aux voyages des commerçants et des missionnaires Ibadites nord Africains au pays du soudan accidental, folia-orientalia T 2, 1960, pp 18 - 19.
(6) - LEWICKI: Etudes, p 36.
(7) - المغرب، ص: 182. (1/112)
صفحة 108
وتعتبر مدينة تادمكّة من المحطَّات الرئيسيَّة على هذا الطريق التجاري فهي ــ كما يقول البكري: ــ «مدينة كبيرة أحسن بناء من مدينة غانة». (1) ويشتهر سكَّانها بالتجارة والسفر إلى بلاد السودان. (2)
وقد لعبت هذه المدينة دوراً كبيراً في الحركة التجاريَّة منذ وقت مبكِّر ربَّما قبل القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) نظراً لوقوعها على الطريق الأوسط عبر الصحراء الكبرى. لذلك استقرَّ فيها العديد من التجار المغاربة. ويذكر أنَّ أغلب سكَّانها برابرة مسلمون. (3)
ويذكر ابن حوقل أنَّه في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانت دولة تادمكَّة يحكمها ملوك من "بني تانماك"، وهم فرع من قبيلة صنهاجة. ويضيف أنَّ أصلهم سودان ابيضَّت أبشارهم وألوانهم لقربهم من الشمال وبعدهم عن أرض كوكو. وكان وقتئذٍ ملِكُها "فَسْهَرْ بن الفَارَه". (4)
ويضيف ياقوت أنَّ مدينة "زكرام" قصبة مملكة تادمك. (5) ومن هذا نتبيَّن أنَّ تادمك أي (تادمكَّة) لا تعني اسم المدينة فقط بل اسم المملكة، وتادمكَّة عاصمتها. أمَّا "زكرام" فلم تتحدَّث عنها المصادر الجغرافيَّة الأخرى. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ سكان "زكرام" ينتمون إلى زناتة مثلهم مثل سكان وارجلان، وبلاد الجريد وليس إلى صهناجة التي تنتسب إليها القبائل القاطنة بمملكة تادمكَّة بأكملها. وينتسب إليها "بنو تانماك" حكَّام تادمكَّة. وربَّما يرجع ذلك إلى التجار القادمين إلى تادمكَّة من وارجلان ووادي أريغ وبلاد قسطيلية أمثال كيداد بن مخلد وتملَّى الوسياني الزناتيين.
ويرى "ليفيسكي" أنَّ اسم "زكرام" الذي جاء في معجم ياقوت يشابه إلى حد كبير كلمة "أكرم" المحرَّفة عن كلمة "أغرم"، وتعني "قلعة" مثل "أغرم أنْ أكَّامن" (6) و"أغرم عنَّان" في جبل نفوسة ويعني "قصر النفس". وهذه الأسماء وردت كثيراً في المصادر الإبَاضِيَة. (7)
ومن المدن السودانيَّة التي ذكرها البكري في حديثه عن الطريق بين غانة وتادمكَّة مدينة "تِيرَقِّي" (8) التي لا يعرف موقعها. وكان لهذه المدينة نشاط اقتصادي ملحوظ حيث كانت الوسيط التجاري بين تادمكَّة وبين غانة. يقول البكري:
__________
(1) - نفس المصدر، ص: 181.
(2) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 115.
(3) - البكري: المصدر السابق، ص: 181، ابن سعيد: نفس المصدر، ص: 115.
(4) - صورة الأرض، ص: 105.
(5) - معجم البلدان، ج 3، دار صادر بيروت 1984، ص: 145.
(6) - يسمِّيها البكري "أغرم أن يكامن" أي حصن العهود. انظر: المغرب، ص: 182.
(7) - LEWICKI: Les origines et l’islamisation de la ville de Tadmekka d’aprés les sources arabes, bibliothèques d’outre_mer T 5 - 6, Paris 1981, pp 441 - 442.
(8) - يسمِّيها الحميري "تيركّي" ويصفها بأنَّها مدينة عظيمة تقع في آخر عمل غانة ... وهي عامرة بتجَّار غانة وتادمكَّة. تبعد عن غانة بستَّة أيَّام. انظر: الروض المعطار، ... ص: 145. (1/113)
صفحة 109
«يجتمع في سوق هذه المدينة أهل غانة وأهل تادمكَّة». (1)
أمَّا الادريسي فيذكر أنَّ "تيرقّي" تقع في بلاد "ونقارة التبر". (2) أمَّا ابن سعيد فإنَّه يذكر أنَّها كانت تابعة لمملكة كانم. (3)
ويلاحظ أنَّ مدينة تادمكَّة لعبت دوراً كبيراً في الحركة التجاريَّة في النصف الأوَّل من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) ثمَّ تقلَّص دورها تدريجيًّا. فياقوت مثلاً لم يصفها في معجمه. أمَّا مدينة كوكو فقد ورد ذكرها في المصادر الجغرافيَّة .. فاليعقوبي مثلاً اعتبرها من أعظم ممالك السودان. (4) أمَّا ابن حوقل فإنَّه يذكرها في حديثه عن الطرق التي تربط بين كوكو وبعض مدن السودان الغربي. فهي تبعد عن زويلة بمسيرة ثلاثة أشهر. (5) وقد حدَّد البكري المسافة بين كوكو وتادمكَّة بمسيرة تسع مراحل وأعطى وصفاً دقيقاً عن حياة سكَّانها ولباسهم، وسير ملوكهم. وذكر أنَّ تجارتهم كانت في الملح، وأنَّ هذا الملح يجلب إليهم من بلاد البربر من بلدة يقال لها: «تَوْتَكْ»، تبعد عن تادمكَّة بستِّ مراحل. (6)
2) وارجلان - غانة:
إلى جانب طريق وارجلان كوكو هناك طريق تجاري آخر يربط مدينة وارجلان بأسواق السودان الغربي. ونقصد هنا طريق وارجلان ـ غانة الذي كان مستخدماً في نفس الفترة التي وجد فيها طريق وارجلان ــ أجلو الذي يربط وارجلان بغانة عاصمة المملكة. وكان لهذا الطريق أهمِّية كبيرة باعتبار أنَّ غانة كانت باب دخول التجار المغاربة إلى منطقة "ونقارة". (7)
وأقدم طريق يربط بلاد المغرب بغانة كان ينطلق من مدينة "طَرْقَلَة" عاصمة "السوس الأقصى"، وذلك قبل تأسيس سجلماسة سنة 140هـ (757م)، لكنَّه لا يعلم شيءٌ عن هذه المدينة وموقعها. وتتحدَّث المصادر فقط عن مدينة "تَرْغَة" و"زِيزْ" القريبتين من سجلماسة. (8)
ويذكر البكري أنَّ عبد الرحمن بن حبيب حفر الآبار على الطريق الذي يربط بين "تَامْدُلْتْ" (9) وأودغست، منها بئر قرب "تازقّى" وبئر آخر يقال له:
__________
(1) - المغرب، ص: 180.
(2) - المغرب، ص: 35.
(3) - كتاب الجغرافيَّة، ص: 115.
(4) - تاريخه، ج 1، ص: 157.
(5) - صورة الأرض، ص: 92.
(6) - المغرب، ص: 183.
(7) - LEWICKI: Etudes, p 41.
(8) - البكري: المصدر السابق، ص: 148.
(9) - تقع هذه المدينة في بلاد السوس الأقصى، أسَّسها عبد الله بن إدريس العلوي وهي مدينة سهليَّة عامرة الأسواق، يمرُّ عليها نهر درعة. تبعد عن درعة مسيرة ستَّة أيَّام. انظر الحميري: الروض المعطار، ص: 128. (1/114)
صفحة 110
"ويطونان" (1)
ولا يعرف على وجه التحديد تاريخ ظهور التجَّار المغاربة الإبَاضِيَة في غانة. وأوَّل إشارة إلى ذلك وردت في كتاب السير للشماخي حيث ذكر ... أنَّ الشيخ أبا موسى هارون بن أبي عمران الوسياني مرَّ على وارجلان ... قاصداً غانة. وقد ترجَّاه أبو صالح جنُّون بن يمريَّان، وبقيَّة المشائخ أنْ ينظِّم حلقة لتلاميذ وارجلان، وأعطوه مائة دينار فأبى وسافر إلى غانة، ومنها إلى "غيارو" (غيارة). (2)
ويضيف الشماخي أنَّ تاجراً إباضيًّا آخر يدعى عمران بن محمَّد بن ... رستم سافر إلى غانة مروراً بوارجلان لكنَّه لا يعرف الفترة التي عاش فيها عمران هذا. (3)
كما قدم العالم اسماعيل بن علي النفزاوي من "تِينْ بَمْر" ضواحي "نَفْزَاوَة"، متَّجهاً إلى غانة. وفي طريقه أمضى ليلة في "تمَّوات" في ضواحي وارجلان في ضيافة أبي العبَّاس أحمد بن محمَّد بن علي (عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي). (4)
والمصادر الجغرافية لا تذكر نوع التجارة المتبادلة بين وارجلان وغانة على الرغم من إشارتها إلى علاقات المدينتين. فالبكري مثلاً يذكر أنَّ معظم سكَّان "أودغست" (إحدى مراحل طريق سجلماسة - غانة) من أهل إفرِيقِيَّة و"برقجَّانة" و"نفوسة" و"لوَّاتة" و"زناتة" و"نفزاوة". (5)
ويحتمل أنَّ هؤلاء جاؤوا من إفرِيقِيَّة إلى أودغست عبر الطريق الذي يمرُّ على وارجلان وبلاد الجريد بأربعة عشر يومًا. (6)
ويذكر الشماخي أنَّ شيخاً إباضيًّا يدعى أبا الحسن علي بن مجبر الوسياني (من سكَّان مدينة تغيار بضواحي وارجلان) سافر إلى أودغست لمقابلة أحد الإبَاضِيَة. وأبو الحسن هذا كان معاصراً لأبي صالح جنُّون بن يمريَان أي النصف الأوَّل من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). (7) أمَّا المسافة بين وارجلان وغانة، فقد حدَّدها الإدريسي بمسيرة ثلاثين مرحلة. (8)
ورغم عدم إشارة المصادر الجغرافية إلى المحطَّات الموجودة على الطريق
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 157.
(2) - انظر: ص: 372 - 373.
(3) - السير، ص: 516،
LEWICKI: Quelques extraits, pp 19 - 20
LEWICKI: Etudes, p 43.
(4) 4 - LEWICKI: Etudes, p 43.
(5) - المغرب، ص: 158.
(6) - الروض المعطار، ص: 60.
(7) - السير، ص: 477 - 478.
(8) - المغرب، ص: 121. (1/115)
صفحة 111
الرابط لوارجلان بسجلماسة إلاَّ أنَّ "ليفيسكي" يرجِّح أنَّ الطريق يمرُّ على مدينة "القليعة" و"قرارة" اللتين لا تذكرهما المصادر الجغرافية. (1) أمَّا فيما يخصُّ الجزء الثاني من الطريق الذي يربط سجلماسة بغانة فقد أورد البكري تفاصيل دقيقة نوعاً ما عنه، وحدَّد المسافة بين المدينتين بمسيرة شهرين في صحراء غير عامرة يقطنها "بنو مسوفة" من صنهاجة خاصة في وادي درعة الذي يبعد عن سجلماسة بمسيرة خمسة أيَّام. (2)
أمَّا المحطَّات الرئسيَّة الكبرى التي ذكرها البكري فهي ثلاثة: "تادمُلت" "إيزل" "أودغست". وأورد تفاصيل دقيقة عن الطريق بين سجلماسة وأودغست. وذكر أنَّ المسافة بينهما إحدى وخمسون مرحلة. وفي موضع آخر يضيف أنَّ المسافة بينهما مسيرة شهرين. (3) أمَّا المسافة بين أودغست وغانة فهي ثلاث عشرة مرحلة، وبين أودغست ووارجلان إحدى وثلاثون مرحلة. (4)
ورغم دقَّة التفاصيل التي أوردها البكري إلاَّ أنَّ بعض المحطَّات غير معروفة. فَ"إيزل" هي "كدية ايجيل" التي ظهر على مقربة منها فيما بعد موضعٌ يسمَّى "حصن الملح" الذي وصفه ابن سعيد بأنَّه مبنيٌّ على ملح معدني. وأنَّ التجَّار كانوا يأخذونه إلى بلاد السودان. ويبعد هذا الحصن عن قاعدة لمتونة "أزقَّى" بمسيرة سبعة أيَّام. (5)
أمَّا تامدلت فقد ذكر اليعقوبي بأنَّها إحدى قرى "بني درعة" لصاحبها "يحيى بن إدريس العلوي"، أمَّا سُكَّانها فمن البربر يقال لهم: «بنو ترجا». (6)
وإذا تتبَّعنا الطريق كما وصفه اليعقوبي نجده يذكر محطَّتين فقط بين سجلماسة وبلاد السودان. فالمحطَّة الأولى التي تبعد عن سجلماسة بخمسين مرحلة وهي مواطن قبائل "أنبيَّة" من صنهاجة. أمَّا المحطة الثانية فهي: "غسط" التي وصفها بأنَّها عبارة عن وادٍ عامر كثيرِ المنازل يرأس أهلها ملك لا دين له، ويغزو بلاد السودان. (7)
وقد أشار ابن سعيد إلى إحدى محطَّات هذا الطريق، وهي محطَّة "أزقَّى" التي تبعد سبعة أيَّام عن "حصن الملح". (8) ويبدو أنَّه من "أزقَّى" يبدأ الطريق الذي يربط سجلماسة بغانة، ويصفها الحميري بقوله: «(هي) مدينة بالمغرب، وهي أوَّل مراقى الصحراء ومنها إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة، ومنها إلى "نول لمطة
__________
(1) 5 - LEWICKI: Etudes, p 45.
(2) - المغرب، ص: 149.
(3) - نفس المصدر، ص: 159 - 164، 168.
(4) - الإدريسي: المغرب، ص: 32.
(5) - كتاب الجغرافيَّة، ص: 113، LEWICKI: Etudes, p 45.
(6) - صفة المغرب، ص: 27.
(7) - نفس المصدر، ص: 22.
(8) - كتاب الجغرافية، ص: 113، يرى "ليفيسكي" أنَّ هذه المسافة تنطبق تماماً على المسافة بين "سبخة إيجيل" و"أزقَّى" والتي تقدَّر بمائتين وخمسين كيلومتراً بمعدَّل ستَّة وثلاثين كيلومتر في اليوم. انظر: LEWICKI: Etudes, p 46. (1/116)
صفحة 112
"سبع مراحل، وليست بالكبيرة ولكنَّها متحضِّرة. ولابدَّ من الدخول على هذه المدينة لمن أراد "تكرور" وغانة من بلاد السودان». (1)
أمَّا المحطَّة الثالثة على هذا الطريق التي ذكرها البكري فهي مدينة "أودغست" التي كان يسكنها مسلمون من مختلف قبائل البربر. ووصفها ابن حوقل بأنَّها مدينة لطيفة شبيهة بمكّة لأنَّها بين جبلين. (2)
ووصفها البكري بأنَّها مدينة كبيرة آهلة بالسكَّان سوقها عامرة دائماً وتجارها يتبايعون بالتبر. (3) بينما يذكر الإدريسي أنَّ أودغست ليست عامرة كثيراً، وليست بها تجارة كبيرة. (4)
ويضيف أنَّ المسافة بين أودغست ووارجلان إحدى وثلاثون مرحلة وبينها وبين غانة ثلاث عشرة مرحلة. (5)
أمَّا المسافة بين أودغست وسجلماسة فهي مسيرة شهرين وبين أودغست وغانة بضعة عشر يوماً. (6)
كانت مدينة غانة ملتقى للطرق التجاريَّة الصحراويَّة. وقد وصفها ياقوت بأنَّها مدينة كبيرة في جنوب بلاد المغرب قريبة من بلاد السودان فيها يجتمع التجار، ومنها ينتقلون إلى بلاد التبر. وبدون المرور على هذه المدينة يصير السفر مستحيلاً لأنَّها تحتلُّ موقعاً منعزلاً بالنسبة لبلاد المغرب وبلاد السودان. فمنها يتزوَّدون بالمؤن. (7)
ويوجد طريق آخر يربط بلاد "جدالة" بغانة. وجدالة هذه تقع شمال مجرى نهر السنِغال الأدنى. ويمرُّ هذا الطريق على بلاد "تكرور" التي تقع على جانبي النيل (نيل السنغال). وسكَّانها قسمان: قسم تحضَّر يسكن المدن، وقسم من البدو كانوا يعيشون على ضفاف النيل الشمالي وفي جنوبه. وفي عصر ابن سعيد كانوا لا زالو كفَّاراً، وصاحب تكرور كان يسبي الرقيق من قبائل "لملم". (8)
ويذكر البكري أنَّ هناك طريقاً آخر يربط غانة بتادمكَّة مسيرته خمسون يوماً، وأنَّ المسافة بين غانة وبين "سفنقو" ثلاث مراحل (9) وآخر عمل غانة ثمَّ إلى
__________
(1) - الروض المعطار، ص: 28.
(2) - المغرب، ص: 158، صورة الأرض، ص: 91.
(3) - نفس المصدر، ص: 158.
(4) - المغرب، ص: 32.
(5) - نفس المصدر والصفحة.
(6) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 92.
(7) - معجم البلدان، ج 4، ص: 184.
(8) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 91.
(9) - تقع هذه المدينة في طريق غانة ــ تادمكّة. تبعد عن غانة بثلاث مراحل. انظر البكري: المغرب، ص: 181. (1/117)
صفحة 113
"بوغارت" (1) التي تسكنها قبيلة "مداسة" من صنهاجة ومن "بوغارت" إلى مدينة "تيرقّي"، ومنها إلى تادمكَّة. (2)
وهناك طريق آخر يربط غانة بمصر يمرُّ على "كوكو" و"مرندة" و"وزويلة" و"اجدابية" وصفه ابن حوقل. فمن غانة إلى "كوغة" مسيرة شهر ومن "كوغة" إلى "سامة" أقلّ من شهر، ومن "سامة" إلى "كزم" مسيرة شهر، ومن "كزم" إلى "كوكو" شهر، ومن "كوكو" إلى "مرندة" شهر كذلك، ومن "مرندة" إلى "زويلة" شهران، ثمَّ إلى "اجدابية" شهر، ومن "زويلة" إلى "فزَّان" خمس مراحل. (3)
ويبدو أنَّ طريق غانة - كوكو يمرّ بمواطن قبيلة "أميمة"، التي كانت تتعرّض كلّ سنة لهجوم من أهل غانة لاقتناص أهلها، وبيعهم في سوق الرقيق. ويمكن الوصول إلى مواطن هذه القبيلة سواء من كوكو أو من وارجلان. ويحتمل أنَّ السلعة الوحيدة التي تقدّمها قبائل "أميمة" مقابل الحصول على السلع المغربية من لباس وكتّان وزعفران هي العبيد. فهم أفقر سكّان السودان الغربي. يصفهم ابن خلدون بقوله: «هم كفَّار يكتوون في وجوههم وأصداغهم، وأهل غانة والتكرور يغيرون عليهم، ويُسبونهم ويبيعونهم للتجَّار، فيجلبونهم إلى المغرب، وكلّهم عامّة رقيقهم، وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلاَّ أناس أقرب إلى الحيوان العجم من المناطق». (4)
2) وارجلان - غيارو:
لم يكتف الإباضيَّة بالوصول إلى مدينة غانة، بل تجاوزوها ودخلوا إلى السودان الغربي إلى "غيارو" للحصول على الربح الوفير، وتجنّب منافسة الآلاف من التجّار المغاربة. (5) وقد سبق أنَّ ذكرنا أنَّ أبا موسى سافر إلى "غيارو"، ويذكر البكري أنَّ أفضل الذهب في مملكة غانة يوجد في غيارو، وأنَّها تبعد عن عاصمة المملكة بمسيرة ثمانية عشر يوما في بلاد عامرة بقبائل السودان. (6)
ويصف البكري مراحل الطريق بين غانة وغيارو فيقول: «إنّه من غانة إلى "سامقندى" أربعة أيَّام، وبعد ثلاثة أيَّام يصل الطريق إلى غيارو». (7)
ويذكر ابن سعيد أنَّ في شرق مدينة سامقندى توجد جزيرة التبر. وفيها يعثر
__________
(1) - يسمِّيها الحميري "بوغرات" انظر: الروض المعطار، ص: 119.
(2) - المصدر السابق، ص181.
(3) - صورة الأرض، ص92 - 93.
(4) - المقدمة، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الثانية، بيروت، 1979م، ص93.
(5) - يقول ابن خلدون إنَّ نقل السلع من البلد البعيد المسافة أو شدَّة الخطر في الطرقات يكون ذا فائدة أكبر للتجار. وإنَّ هذه السلع تكون قليلة نظراً لبعد سكانها. فلذلك يعز وجودها، ووإذا قلَّت غلت أثمانها. وبالعكس إذا كان البلد قريب المسافة والطريق إليه آمناً فحينئذٍ يكثر ناقلوها فتكثر وترخص أثمانها. لذلك نجد أنَّ الإبَاضِيَة وصلوا إلى أقصى السودان، وتوغَّلوا في مدن السودان البعيدة. انظر: المقدمة، ص: 706 - 707.
(6) - البكري: المغرب، ص: 176.
(7) - نفسه، ص: 177. (1/118)
صفحة 114
التجار على الذهب الكثير حتَّى أنَّه يلمع بالليل إذا انحسرت المياه عن رملها. (1)
4) أسواق وارجلان وسدراتة ونساطها الاقتصادي:
كان للموقع الجغرافي المتميِّز للمدينتين أثر طيِّب على نشاطها الاقتصادي. فهما تقعان في طريق بلاد السودان. وكان لزاما على تجَّار المغرب الأوسط المرور على وارجلان محطَّة أساسية على الطريق الذي يربط المغرب الأوسط ببلاد السودان. لذلك كانت أسواقها كثيرة، تتوفَّر فيها مختلف السلع الصادرة من بلاد المغرب، والواردة من السودان. وعلى الرغم من أنَّ المصادر الجغرافيَّة لا تذكر شيئاً عن أسواقها، بل تكتفي بوصف سكَّانها فقط بأنَّهم أغنياء لقيامهم بالتجارة، إلاَّ أنَّه من المؤكَّد أنَّ أسواقها كانت آهلة بالتجارة كغيرها من الأسواق القريبة، منها سوق أريغ التي كانت تعقد كلّ يوم جمعة. (2)
أمَّا فيما يخصُّ مدينة سدراتة فإنَّ المصادر الجغرافية لا تذكر شيئاً عن أسواقها، بل تتجاهل المدينة تماماً. ويبدو أنَّ أهمِّيَة سدْرَاتَة تقلَّصت بعمارة وَارِجْلاَن، واكتظاظها بالسكان وأصبحت هذه المدينة أكبر مركز تجاري في جنوب صحراء المغرب الأوسط. أضف إلى ذلك أنَّ سدْرَاتَة أصبحت بمرور الزمن ربضًا من أرباض وَارِجْلان لأنَّها لا تبعد عنها إلاَّ باثني عشر كيلومتراً.
5) علاقاتهما بأسواق المغرب الأخرى والسودان:
1 - السلع الصادرة والواردة:
اشتغل سكان وَارِجْلان بالوساطة التجاريَّة فقط. إذ أنَّ مدينتهم لم تشتهر بالزراعة المتنوِّعة مثل المدن الشمالية. وعرفت فقط بإنتاجها من التمور وتربية الأغنام والجمال. ويبدو أنَّ هذه المنتجات كانت أساسية، وربَّما الوحيدة التي تصدرها وَارِجْلان إلى مدن بلاد المغرب أو إلى بلاد السودان لكن هذا لا يعني أنَّ التجار الإبَاضِيَة اكتفوا فقط بهذه السلع في تجارتهم، إنَّما كانوا يحملون مختلف أنواع السلع التي يقلُّ وجودها في بلاد السودان، وكان التجَّار الإباضيَّة يتجوَّلون في بلاد المغرب طولا وعرضا لشراء أنواع السلع، وإعادة بيعها في أسواق السودان مقابل الحصول على العبيد والذهب. وكانت الأسواق الموسميَّة، في بلاد المغرب تتركَّز في المدن الكبرى، فكثرت بها أنواع البضائع وازدادت وفود التجار والصناع والمزارعين. وإلى جانب هذه الأسواق الموسميَّة، هناك الأسواق الأسبوعيَّة التي كان يفد إليها الفلاحون ليعرضوا منتجاتهم الزراعيَّة، والصناع بمصنوعاتهم. ومن خلال دراسة الطرق التجاريَّة التي كانت تربط وَارِجْلان بمختلف المدن الكبرى، وجدنا أنَّ التجار الإبَاضِيَة كانوا يصلون إلى هذه الأسواق المشهورة.
ونحاول الآن أنْ نلقي نظرة عامَّة عن أهمِّ الأسواق التي كانت تقام في المدن مع إبراز مساهمة هذه الأسواق في حركة التجارة. فمن المراكز التجاريَّة التي اشتهرت بها بلاد المغرب الأوسط: المسيلة، وتلمسان، وتاهرت، ومرسى الدجاج، وقلعة بني
__________
(1) -ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 92 - 93.
(2) - الإدريسي: المغرب، ص: 85. (1/119)
صفحة 115
حمَّاد، وانقاوس، وأشير، وسطيف، وبلاد الزاب. واشتهرت كلّ مدينة بنوع معيَّن من المحاصيل الزراعيَّة والمصنوعات. فمدينة المسيلة مثلاً كانت في عصر ابن حوقل تزرع الكروم والسّفرجل الذي كان يحمل إلى مختلف المدن إلى جانب القطن والحنطة والشعير. (1) ويذكر البكري أنَّ أسواقها كثيرة وتكثر فيها البساتين التي تنتج أجود أنواع القطن. وهي كذلك كثيرة اللحم رخيصة الأسعار. (2) أمَّا الإدريسي فيذكر بأنَّه يوجد فيها نوع من السمك لم ير مثله في بلد آخر. وكان يحمل إلى قلعة بني حمَّاد وغيرها من المدن. (3)
كما كانت ببلاد ريغة (أريغ) التي تقع قرب وَارِجْلان أسواق نشطة منها سوق تقام يوم الجمعة يقصدها التجار من مختلف المدن. (4) أمَّا بلاد الزاب بمدنها الثلاث بسكرة وطبنة وانقاوس فاشتهرت بكثرة النخيل والزيتون.
فبمدينة بسكرة قاعدة الزاب توجد الفنادق الكثيرة لاستقبال التجار. واشتهرت هذه المدينة بجودة التمور. (5) وقد ذكرنا سابقاً أنَّ أبا عبيد الله الشيعي كان يأمر عمَّاله بمنع بيع نوع من التمور يُعرف بـ"اللياري".
أمَّا طبنة التي كانت قاعدة المغرب في عهد الولاَّة، فإنها عرفت بكثرة (6)
__________
(1) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 85.
(2) - البكري: المغرب، ص: 59.
(3) - الإدريسي: المغرب، ص: 86.
(4) - نفس المصدر، ص: 85.
(5) - البكري: المغرب، ص: 53.
(6) - (1/120)
صفحة 116
الفصل الرابع
نظام العزَّابَة وأثره في الحياة الاجتماعيَّة.
1 - نشأة نظام العزَّابَة.
2 - شروط العضويَّة في مجلس العزَّابَة.
3 - أعضاء هيئة العزَّابَة.
4 - وجبات الأعضاء الباقين من هيئة العزَّابَة.
5 - تقاليد العزَّابَة وآدابهم.
6 - دور العزَّابَة في الحياة الاجتماعيَّة. (1/121)
صفحة 117
1 - نشأة نظام العزَّابَة.
تعرَّض الإبَاضِيَة في بلاد المغرب لعدَّة نكسات، جعلتهم يفكِّرون في إيجاد نظام جديد، يسمح لهم بالحفاظ على ممارسة مذهبهم بكلِّ حرِّية، ويقيهم شرَّ الأعداء، هؤلاء الأعداء الذين ظلُّوا يلاحقونهم في كلّ مكان يحلُّون به. فلم ينجوا في البصرة، عندما علم الولاَّة والخلفاء بأخبارهم. كما أسقطوا أيَّ محاولة لإقامة دولة إبَاضِيَة. (1)
وقد جرَّب الإبَاضِيَة إمامة الظهور، وهي آخر مراحل الإمامة عند الإبَاضِيَة، لكنَّهم فشلوا في الحفاظ عليها، منها الإمامة الخطابيَّة (2) التي قامت في طرابلس، وتوسَّعت في بلاد إفريقيَّة، إلاَّ أنَّها سقطت وعجزت عن الدفاع عن وجودها أمام جيوش الخلافة العباسيَّة المرسلة من القيروان والقادمة من مصر.
وكان من نتائج هذه الهزائم أن عاد الإبَاضِيَة إلى مرحلة الكتمان ... مرَّة أخرى. واستمرَّت هذه المرحلة حتَّى سنة 160هـ (776م)، حين تمكَّن إبَاضِيَة المغرب الأوسط من تأسيس دولة لهم اتخذت تاهرت عاصمة لها (160 - 296هـ) (776 - 909م).
وتعتبر هذه المرحلة من أطول مراحل "الظهور" عند الإبَاضِيَة. وفي سنة 296هـ (909م) تعرَّضت الدولة لغزو الشيعة الذين استولوا عليها، وقتلوا أيمَّتها وشيوخها. ولم يتمكَّنوا من استرداد ملكهم المفقود رغم الثورات التي قاموا بها كما مرَّ بنا.
بعد هذه المحاولات الفاشلة، أحسَّ الإبَاضِيَة بضعفهم وعجزهم عن إقامة دولة لهم. لذلك فكَّر شيوخهم في ضرورة إيجاد نظام جديد يحلُّ محلَّ الإمامة أو الدولة للحفاظ على كيانهم ومذهبهم، دون أن يتعرَّضوا لغزوات أخرى تضيف إلى ضعفهم الماديِّ ضعفا أكبر، وقد اقتنع الإباضيَّة اقتناعاً تاماًّ بأنَّه لا قدرة لهم على تكوين إمامة الظهور. وأصبح المقيمون منهم في المدن المغربيَّة عاجزين على التعايش نظراً لتعوُّدهم على الحياة التي تسودها القوانين والعادات والتقاليد الإبَاضِيَة. فلا بدَّ من نظام جديد يحقق لهم هدفين بالغي الأهمِّية، أوَّلهما أنَّه يتمشَّى مع مرحلة الكتمان وثانيهما أمه يلم شملهم بعد أن فرَّقتهم السيوف، ويقيهم من أعدائهم، ويحافظ على كيانهم. فكان النظام الذي ابتكره شيوخ الإبَاضِيَة وهو نظام العزَّابَة بمثابة «السلطان
__________
(1) - من بين هذه المحاولات نجاح عبد الله بن يحيى الكندي في تأسيس إمامة إبَاضِيَة في اليمن سنة 129هـ (747م)، غير أنَّ قرية من مركز الخلافة أثار له الكثير من المتاعب. فقد أرسل له الخليفة الأموي "مروان بن محمَّد" (127 - 132هـ) (744 - 750م) جيشًا ألحق به الهزيمة وبصاحبه أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي. انظر سالم بن حمود بن شامس السيابي: الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضيَّة باليمن والحجاز، مطابع سجلّ العرب، القاهرة 1980، ص111 - 114، يوليوس فلهاوزن: أحزاب المعارضة في الإسلام (الخوارج والشيعة)، القاهرة 1968، ص143 - 145.
(2) - انظر: الفصل الأوَّل، ص26 وما بعدها. (1/122)
صفحة 118
العادل في العدل سواء» (1)
ذلك أنَّ العزَّابي عند الإبَاضِيَة يجب أنْ يكون «مجتهدا في حقوق الضعفاء والمساكين، ومنتصفاً من الظالم والمظلوم، وقائماً بحقوق الأسواق والمجازر وحقوق المدينة، وقائماً بما ينوب الضعيف». (2)
ومعنى هذا أنَّ مجلس العزَّابَة هو الذي يشرف على المجتمع الإبَاضِي إشرافاً تامًّا، وفي مختلف شؤون الحياة. فهو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. وهوالقاضي الذي ينصف المظلوم، ويدافع عن حقِّه. وهو الذي يقوم بإصدار الأحكام في المشاكل التي تقع بين الناس. ولا زال هذا النظام يمارس ويطبَّق في المدن الإبَاضِيَة بالجزائر إلى يومنا هذا. وقد تطوَّر هذا النظام بتطوُّر الحياة، وأضاف إليه الشيوخ بعض الزيادات حسب ما تقتضيه الأمور.
وقبل أنْ نتحدَّث عن تأسيس هذا النظام نودُّ أنْ نوضِّح أصل تسمية هذا النظام بِ" العزَّابَة " جاء في المصادر الإبَاضِيَة أنَّ كلمة "عزَّابَة" مشتقَّة ... من "العزبة"، ومعناها «العزلة والغربة والتصوُّف، والتهّجُد على رؤوس الجبال». (3)
ويطلق على الفرد الواحد الذي ينتمي إلى مجلس العزَّابَة اسم "عزَّابي"، وتعني كلَّ من لازم الطريق وطلب العلم، وعزب عن الحياة الدنيويَّة، أي بعُد عنها، وكان أوَّل استعمال لهذه التسمية في عصر الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن بكر (345 - 440هـ) (956 - 1048م) الذي أسَّس نظام العزَّابَة، ووضع له القوانين منذ سنة 409هـ (1018م) (4)
كما يطلق على هذا النظام اسم "الحلقة". ويعني مجلس العزَّابَة، لأنَّ العزَّابَة عندما يجتمعون يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، ويعني في نفس الوقت ... "حلقة العلم".
ويرجع الفضل في تأسيس نظام العزَّابَة إلى الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن بكر، فهو «أوَّل من ألهم سلوك الطريقة التي حفظ الله بها هذا المذهب فرسم المهمل وقيَّد الشارد» (5)
ويعود سبب تأسيس الحلقة إلى الشيخ "أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور (6).
__________
(1) - أبو عمَّار عبد الكافي: السير، (مخ)، ورقة 5، الجعبيري: نظام العزَّابَة عند الإبَاضِيَة الوهبيَّة في جربة، المطبعة العصريَّة، تونس 1975، ص25.
(2) - نفس المصدر، ورقة 2.
(3) - أبو عمَّار الكافي: نفس المصدر، ورقة 2، أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي: كتاب السير، طبعة حجريَّة، المطبعة العلميَّة، تونس 1321هـ، ص91.
(4) - الدرجيني: الطبقات، مج1، ص170، صالح باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص185، باباواسماعيل عمر: وادي ميزاب، مجلَّة التاريخ، عدد 19، سنة 1985، ص106.
(5) - الدرجيني: نفس المؤلِّف المصدر والجزء، ص 167.
(6) - من علماء الطبقة الثامنة حسب قائمة التصنيف الإبَاضِي أي (350 - 400 هـ) كان معاصرًا للشيخ جنّون بن يمريان شيخ وارجلان. وهو من علماء جزيرة جربة المرموقين. عرف عنه أنَّه كان يقدِّم الأموال لقواد القيروان لاتقاء شرّهم بما كان يعلّم التلاميذ وينفق عليهم حيث يجعل الدراهم في القراطيس والصرر ويعلّقها في ألواح التلاميذ، انظر الدرجيني: نفس المصدر، ج2، ص342 - 364. (1/123)
صفحة 119
إذ أرسل ولديه زكرياء ويونس وابن أخته أبا بكر بن يحيى وغيرهم للتعلُّم عند أبي عبد الله، فانطلق هؤلاء من "جربة" يبحثون عن موضعه، نظراً لكثرة تجواله وزياراته لإخوانه الإبَاضِيَة في إفريقيَّة والمغرب الأوسط، فالتقوا به في مدينة "تيقيوس"، حيث كان عائداً من "القيروان" بعد تعلُّمه النحو والعربيَّة، وكان متَّجهاً إلى أبي عمران موسى بن أبي زكرياء (1) القاطن بِ"تَجْدِيتْ" لتعلُّم الفقه، ولمَّا أخبروه بغايتهم امتنع كلّ الامتناع فظلُّوا يلِحُّون عليه حتَّى أجابهم بشرط أنْ لا يسألوه عن مسألة، ولا يجيبهم إلاَّ بعد مضيِّ أربعة أشهرٍ. (2) ولعلَّ أبا عبد الله كان يرى أنَّه مازال في حاجة إلى مزيد من العلم.
وهكذا تأسَّست الحلقة، وكانت بدايتها في مسجد "المنية" بِ"تقيوس" (3) ولم يكن الأمر مستَقِرًّا في إفريقيَّة وقتذاك فاتَّفق رأيهم على الانتقال ... إلى "أريغ" (4)
ولمَّا عزموا على الانتقال إلى "أريغ"، أرسل أبو عبد الله رسولاً إلى أبي القاسم يونس بن يَزْكَنْ الوِيلِيلي (5)، يخبره بما عزموا عليه ويطلب منه أنْ يجهِّز غاراً يجتمع فيه التلاميذ للدراسة وطلب العلم. (6)
ولمَّا انتهى أبو القاسم من تهيئة الغار لحلقة التدريس انتقل إليه التلاميذ رفقة شيخهم سنة 409هـ (1018م). وفي هذا الموضع شرع أبو عبد الله في ترتيب الحلقة وأصبح أعضاؤها "يكابدون" مؤونة العيش لأنفسهم واجتهدوا غاية الاجتهاد في عزمهم" (7) ويعرف هذا الغار باسم "التِّسعي" نسبة إلى سنة 409هـ (1018م) ويقع في موضع يقال له: "تِينْ يَسْلِي" في ضواحي أريغ في ... المغرب
__________
(1) - هو أحد علماء الإبَاضِيَة ممَّن عاصروا مؤسِّس نظام العزَّابَة. اشتهر بتولِّيه نسخ الديوان المشهور الذي ألَّفه الفقهاء السبعة في غار "تِينْ يَسْلِي" يصفه الشماخي قائلاً: «هو أحد أعلام المذهب ورؤوسه وممن أضاء الله به دجى الجهل وظلمته». انظر الشماخي: السير، ص401.
(2) - الدرجيني: نفس المصدر، ج1، ص167.
انظر: أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص173 - 174.
Aicha DADDI ADDOUN: Sociologie et histoire des Algeriens .Ibadites, imprimerie el arabia, Ghardaïa 1977, p 119
(3) - عن هذه المدينة انظر: الفصل الثاني، ص28، هامش4.
(4) -الدرجيني: نفس المصدر، ج1، ص167. وانظر: أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص173 - 188.
(5) - يسمِّيه أبو زكرياء: أبو القاسم ورقون الويلي. ولا نعرف عن هذا العالم الكثير سوى أنَّه كان أحد أعيان مدينة "أريغ". انظر: نفس المصدر، ج1، ص174.
(6) - أبو عبد الله محمَّد بن بكر (345 - 440هـ): سير الحلقة، نشر ضمن Annali Instituto Universitario orientale Di Napoli, Nuova Serie X, Napoli, 1960, p 10.
(7) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص174 - 175. (1/124)
صفحة 120
الأوسط. (1)
يرتبط نظام العزَّابَة الذي استحدث ارتباطاً وثيقًا بجماعة الغار. وهي الجماعة التي لا بُدَّ أنْ يكون لها دور ما في وضع قواعد هذا النظام. فالشماخي يخبرنا في حديثه عن "أبي الخطاب عبد السلام بن منظور بن وزجونة المزاتي" (2) قائلاً: «هو أحد من رتَّب للحلقة الأساس، وأحكم لها الأمراس ... » وكان مع التلاميذ حين رتَّبوا الحلقة على أبي عبد الله بن بكر، وكانت هذه الجماعة تتألَّف من عدَّة أعضاء هم:
1 - أبو عمران موسى بن زكرياء المزاتي الدمرى (3)
2 - أبو محمَّد عبد الله بن مانوج اللمائي الهواري (4)
3 - أبو عمر النميلي الزواغي (5)
4 - أبو يحي زكيرياء بن جرناز النفوسي (6)
5 - جابر بن سدرام.
6 - كباب بن مصلح المزاتي.
7 - أبو مجبر توزين المزاتي. (7)
8 - أبو عبد الله محمَّد بن بكر بن أبي بكر، وهو مؤسِّس نظام العزَّابَة وعلى الرغم من أنَّ المصادر الإبَاضِيَة تتَّفق على أنَّ أبا عبد الله هو مؤسِّس نظام العزَّابَة، إلاَّ أنَّه لا يمكن إنكار دور الآخرين في ذلك ونتَّفق مع "فرحات الجعبيري" في الرأي حين قال: «إنَّ الفكرة قد راودتهم جميعاً بضرورة إيجاد نظام يلائم مرحلة الكتمان، ويستطيع الحفاظ على كيانهم. كما أنَّ جماعة الغار اشتهرت بتأليف أوَّل
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص170. انظر: أبو عبد الله: سير الحلقة، ص10.
(2) - هو أبو الخطَّاب عبد السلام بن منظور بن وزجونة المزاتي، (ويسمِّيه الدرجيني أبا الخطاب عبد السلام بن منصور بن أبي وزجون) أحد علماء الطبقة التاسعة (450 - 500هـ)، كان معاصرًا لأبي عبد الله مؤسِّس نظام العزَّابَة. وقد تتلمذ أبو الخطَّاب على يد ابن زنغيل. وكان واحداً ممَّن رتَّب الحلقة أقام مدَّة من الزمن في جبل نفوسة. وبعد عودته من الحج انتقل إلى قسطيلية وسكن قلعة بني درجين. ولمَّا خربت درجين ارتحل إلى أسوف وسكن مدينة آجلو. انظر: الدرجيني: نفس المصدر، ج2، ص404 - 407.
(3) - انظر: ص198، هامش3.
(4) - هو أحد علماء الطبقة التاسعة (450 - 500هـ) تعلَّم على يدي شيوخ جزيرة جربة بإفريقيَّة أمثال أبي مسور وأبي صالح وأبي موسى عيسى بن السمح: وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بنسبتهم إلى غار أمجماج. انظر: الدرجيني: الطبقات، ج2، ص400 - 401. الشماخي: السير، ص396.
(5) - هو أحد علماء جزيرة جربة المصنَّف ضمن الطبقة الثامنة (400 - 450هـ) عاش مائة وعشرين سنة، قتله بنو ونزان زويلة. وهؤلاء الذين قتلوه هم جيش أرسله المعزّ بن باديس. انظر: الشماخي: نفس المصدر، ص372 - 373.
(6) - كان من جملة أصحاب الغار كما عرف بتولِّيه الفتوى في طرابلس وجربة.
انظر الشماخي: نفس المصدر، ص402.
(7) - لا نعرف عن جابر وكباب وأبي مجبر الكثير، ولم ترد الترجمة لهم في المصادر. (1/125)
صفحة 121
موسوعة إبَاضِيَة اشترك أغلبهم في تأليفها وتسمَّى "ديوان الأشياخ" أو "ديوان العزَّابَة"» (1)
ويعدُّ نظام العزَّابَة أحد أنظمة الحكم عند الإبَاضِيَة لأنَّ فترات الحكم عندهم مرَّت بأربع مراحل: مرحلة الظهور، مرحلة الدفاع، مرحلة الشراء، ومرحلة الكتمان. وتعتبر مرحلة الظهور الإمامة الكبرى المعلنة. ويشترط في إقامة هذه الإمامة أنْ يكون للإبَاضِيَة عُدَّة وقوَّة في المال، والعلم بدين الله. وأنْ تكون عدَّتهم النصف لمن يليهم من أعدائهم، كما حدث عند قيام الدولة الرُّسْتُمِيَّة. (2)
أمَّا مرحلة الدفاع فتكون أثناء تعرُّض الإبَاضِيَة لعدو خارجي. وقد رأينا كيف أنَّ الإبَاضِيَة ولَّوا أبا حاتم الملزوزي إمامة الدفاع، ليقودهم ضدَّ جيوش "ابن الأشعت" (3)، وميزة هذه الإمامة أنَّها تزول بزوال العدوِّ. (4)
أمَّا مرحلة الشراء فهي تعني شراء الإنسان نفسه من النار أو شراء الجنَّة بنفسه. يقول أبو زكرياء يحيى الجناوني: «الشراء مثل حالة "أبي بلال مرداس" (5)، ومن أخذ أخذه من المسلمين، ولا يصحُّ لهم الخروج إلاَّ بأربعين رجلاً فما فوق ذلك، باعوا أنفسهم لله بجنَّته وليس لهم المقام حتَّى يظهر أمر الله أو يموتوا». (6)
في حين تعني مرحلة الكتمان وجوب الحفاظ على الدين دون إعلانه حتَّى لا يمنع تطبيقه كما حدث مع شيوخ الإبَاضِيَة الأوائل أمثال "جابر بن زيد" (7)، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (8). حيث "كتما دينهما ولم يقدرا على إظهاره". (9)
__________
(1) - الجعبيري (فرحات): نظام العزَّابَة، ص23. و ... انظر سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، ج1، دار الجويني للنشر، تونس 1986، ص98.
(2) - أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال، ج2، 236.
(3) - هو محمَّد بن الأشعث الذي أرسله الخليفة العبَّاسي أبو جعفر المنصور (136 - 158ه) (754 - 775م) إلى مصر، مكلَّفا إيَّاه بالقضاء على الفتنة في إفريقيَّة. واستطاع أنْ يهزم الإبَاضِيَة بموضع قرب طرابلس يعرف باسم "تاورغا"، ويقتل أبو الخطَّاب وينهزم أصحابه شرَّ هزيمة سنة 144هـ (761م). انظر أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص45. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، ص42.
(4) - امحمد بن يوسف اطفيَّش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، دار الفتح، ط2، بيرُوت 1972، ص303.
(5) - انظر التعليق عنه في الفصل الأوَّل، ص59، هامش2.
(6) - أبو زكرياء يحي الجناوي: عقيدة التوحيد، نشر ضمن Extraits du bulletin d’études orientales T 32 - 33, -1980 - 1981, p49.
(7) - هو أبو الشعتاء جابر بن زيد اليحمدي العماني، أحد أئمَّة السنة، من أصحاب عبد الله بن عبَّاس. سكن مدينة البصرة، وفيها تعلَّم. اشتهر بديوانه في الفقه، عاش بين سنة21هـ و96هـ. يرجع الإبَاضِيَة مذهبهم إلى هذا الفقيه.
انظر سالم بن حمود بن شامس السمائلي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعتاء، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف، مطابع سجل العرب، القاهرة 1979، ص14 - 32.
(8) - هو من أتباع جابر بن زيد. وهو الذي أصبح مرجع الإبَاضِيَة بعد وفاة جابر تولَّى التدريس في البصرة. وعنده تعلَّم حملة العلم الخمسة المغاربة:
عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، ... أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، أبو داود النفزاوي، توفي في خلافة ... أبي جعفر المنصور.
وانظر السمائلي: نفس المرجع، ص33 - 39.
(9) - الجناوني: عقيدة التوحيد، ص49. (1/126)
صفحة 122
ولا يعني هذا أنْ يتستَّر الإبَاضِي عن مذهبه تستُّراً كاملاً. ذلك أنَّ الكتمان مرحلتان، مرحلة الاختفاء والتستُّر، والانعزال التام عن المجتمع لممارسته المذهب. وقد مارس الإبَاضِيَة هذه المرحلة إبَّان ظهور المذهب الإبَاضِي في البصرة أيَّام جابر بن زيد وأبي عبيدة، نظراً للظروف القاسية التي مرُّوا بها، والتي جعلتهم يبالغون في إخفاء مذهبهم، اتِّقاءً لغضب الوُلاَّة والحكَّام. فمن شدَّة حذَرهِم أقاموا الحلقات العلميَّة في سراديب، وفي بيوت العجائز متشبِّهين بالنساء، حيث لبسوا لباسهنَّ حتَّى لا يُكشَفَ أمرُهُم. (1)
أمَّا مرحلة الكتمان الثانية فهي مرحة الكتمان المعتدل الظاهر. وفيها يكون الإبَاضِيَة متمتِّعين بنوع من حرِّية الرأي، وإظهار نشاطهم الديني، إلاَّ أنَّهم غير قادرين على تأسيس دولة تجمَعُهم.
وتعتبر المرحلة التي تلت سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة مرحلة كتمان معتدل. إذ ظلَّ الإبَاضِيَة الفارِّين إلى وارجلان يمارسون نشاطهم الدينيَّ طبقاً لمذهبهم.
وعلى الرغم من اعتقاد الإبَاضِيَة بوجوب الإمامة وضرورة وجودها في المجتع الإبَاضِي، إلاَّ أنَّهم يقيمونها حسب الظروف. لذلك نجد علماء الإبَاضِيَة يضعون لها شروطًا، إذا ما توافرت يصبح إعلان الإمامة أمراً واجباً. ويرى علي يحيى معمَّر أنَّ مجلس العزَّابَة في مرحلة الظهور والدفاع يمثِّل مجلس الشورى للإمام، وفي مرحلة الكتمان يمثِّل الإمام نفسه. (2)
ولمَّا أنشئ نظام العزَّابَة لم يستقر مؤسِّسه في مكان واحد بل راح يتنقَّل بين مواطن الإبَاضِيَة. فما أن استقرَّ في "أريغ" حتَّى كثر قطَّاع الطرق من قبائل بني "ورماز" (3). وأصبح الطريق غير آمن، ممَّا تسبَّب في بعض الأحيان في تعرُّض الشيوخ والتلاميذ الوافدين إلى حلقته للتعلُّم للقتل. حينئذٍ طلب الشيخ من "بني مغراوة" (4) ــ سكَّان المنطقة ــ التصدِّي لهؤلاء.
ولمَّا أعربوا عن عدم قدرتهم، انتقل إلى وارجلان. ولم يرجع إليهم إلاَّ بعد أن أعادوا الأمن والاستقرار إلى المنطقة بعد تأديب "بني ورماز" (5)
__________
(1) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص36.
انظر عدُّون جهلان: الفكر السياسي عند الإبَاضِيَة من خلال آراء الشيخ محمَّد بن يوسف اطفيَّش، (1818 - 1914)، رسالة ماجستير في الفلسفة الإسلاميَّة، جامعة الجزائر 1987، ص235 - 237.
(2) - علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص97.
(3) - انظر التعليق في الفصل الأوَّل، ص50، هامش3.
(4) - انظر التعليق في الفصل الأوَّل، ص55، هامش4.
(5) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص386. (1/127)
صفحة 123
كما أنَّ أبا عبد الله كان يزور أهل الدعوة للوعظ والإرشاد ويزور كلّ سنة جبال "بني مصعب" ــ أي منطقة وادي ميزاب ــ ليدعو سكَّان المنطقة. ويذكر أنَّ أبا عبد الله كان يبحث عن منطقة وعرة المسالك تكون حصناً للإباضية في المستقبل. كما أنَّ الإبَاضِيَة أرادوا الانتقال إلى مكان آخر بعد القحط الذي عرفته وارجلان وضواحيها، وكثرة الوافدين على هذه المنطقة بعد غزوات بني هلال. (1)
ومن خلال زياراته المتعدِّدة لجبال "بني مصعب" استطاع أبو عبد الله أنْ يرُدَّ بعض الواصليَّة إلى المذهب الإبَاضِي، وتخرَّج على يديه تلاميذ أصبحوا فيما بعد من العلماء البارزين.
ولم تقتصر هذه الزيارات على المغرب الأوسط، بل حلَّ في معظم مواطن الإبَاضِيَة سواء في إفريقيَّة أو في المغرب الأوسط.
وبعد هذه الرحلات عاد هذا الشيخ مرَّة أخرى إلى أريغ ليواصل نشاطه الديني رغم فقدانه البصر. وقد كلِّلت عودته هذه بافتتاح ثلاث مدارس جديدة، كلّ مدرسة تختصُّ بعلم من العلوم، يقوم بتدريسها للتلاميذ شيخ واحد. وكان "أبو يعقوب محمَّد بن بدر" يجلب التلاميذ المبتدئين من أهاليهم فيعلِّمهم الأدب والسير ثمَّ ينتقلون إلى محمَّد بن يوسف الوسياني (2)، فيقرئهم القرآن والإعراب والنحو. فإذا أجازهم الشيخ وصلوا إلى أبي عبد الله محمَّد بن بكر الذي يعلِّمهم الدين والعلم والأصول. (3)
وقد ظلَّ أبو عبد الله المرشد الدينيَّ للإبَاضِيَة في ذلك العهد. وهو الطريق الذي رسمه لنفسه منذ تكوين الحلقة، وأصبح شغله الشاغل خدمة أهل الدعوة إلى أن وافته المنيَّة سنة 440هـ (1048م) (4) تاركاً ثلاثة أبناء هم: أبو العبَّاس احمد، أبو يعقوب يوسف، وابراهيم بن محمَّد. وقد اشتهر أبو العبَّاس بكثرة تآليفه. (5)
2 - شروط العضويَّة في مجلس العزَّابَة:
وضع أبو عبد الله محمَّد بن بكر شروطاً هامَّة للارتقاء إلى هيئة العزَّابَة، حيث يشترط في العزَّابي أنْ يكون أديباً مشمِّرا في طلب العلم، لا يكثر دخول الاسواق والقعود في الجماعات، فإذا أراد الراحة ذهب إلى المواضع التي لا ينكر الجلوس
__________
(1) - الدرجيني: نفس المصدر، ج1، ص183 - 184. انظر الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص39.
(2) - لا نعرف الكثير عن أبي يعقوب أو محمَّد بن يوسف سوى أنَّهما كانا يقومان بتعليم الصبيان.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص397.
Addoun: Sociologie et histoire; p161
(4) - لا زال قبر الشيخ معروفًا إلى يومنا هذا. ويوجد قرب غار "تين يسلي" "ببلدة اعمر" قرب مدينة "توقّرت" بالجنوب الجزائري، ويشتهر بقبر سيدي محمَّد السائح، وعرفانًا بنشاطه البارز في خدمة المذهب بني المسجد قرب الغار الذي كان يعقد فيه حلقته سنة 441هـ (1049م). ... انظر الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص46.
(5) - الشماخي: السير، ص423. (1/128)
صفحة 124
فيها كمواضع الأشجار البعيدة عن التجمُّعات. (1)
كما يشترط في العزَّابيِّ أنْ يكون حافظاً للقرآن الكريم. وأنْ يكون تلميذاً من التلاميذ قد تعلَّم الآداب الإسلاميَّة والسيَر منذ مدَّة. (2)
كما يجب ألاَّ يكون تاجراً لأنَّهم يرون أنَّ التجارة تعلِّم الغشَّ والرِّبا (3) ويحبَّذ أن يكون عملُه في الزراعة أو غيرها من المهن التي لا تعرف الاختلاط الكثير مع العامَّة، وألاَّ يلتفت لأهل الدنيا ولا يكثر الاجتماع معهم، ولا يوجد إلا في داره أو حديقته أو في المسجد. فأهل الحلقة ــ حسب النظام ــ هم أناس يبيعون أنفسهم لله وهدفهم الأسمى هو الثواب يوم القيامة. (4)
وإذا كانت هذه الشروط مهمَّة جدًّا للارتقاء إلى هيئة العزَّابَة إلاَّ أنَّ الشرط الخاص بحفظ القرآن، يصبح غير ضروري في حالة تعذُّر وجود من يحفظ القرآن كلّه، كما هو معمول به اليوم. وفي بعض الظروف يُختار العزَّابيُّ من خيرة العوام، أو من قدماء التلاميذ.
ولا يعني توفُّر الشروط في شخص ما أنَّه نجح في الارتقاء إلى مجلس العزَّابَة، ذلك أنَّه يخضع لفترة اختبار. وإذا تبيَّن أنَّ الشخص مؤهَّل لتولِّي مهامه في المجلس أدخلوه وأصبح عضواً منهم. وإذا رفضوا يبقى الشخص في منزلته المصنَّف فيها. أمَّا إذا أجمع المجلس على قبول عضو جديد، فرفَض فإنَّه يعاقب. فقد عيِّن أبو عبد الله محمَّد بن بكر عريفاً على أهل طرابلس. فلمَّا رفض أخرجه إلى الخطَّة ــ أي البراءة ــ إلى أنْ تاب فأرجعه. (5)
وعندما يقبل العضو الجديد في هيئة العزَّابَة يتمُّ استدعاؤه ليباشر عمله. وبمجرَّد قبوله في المجلس تلزمه أمور كثيرة كلبس الزيِّ الخاصِّ بالعزَّابَة. ذلك أنَّ المظهر الخارجيَّ للعَزَّابَة مهمٌّ جدًّا. وقد اعتنى مؤسِّس نظام العزَّابَة بهذا الأمر فأعطى سماتٍ وشروطا لهذا المظهر حيث «جعل للعَزَّابَة علامات ليعرفوا بسيماهم ويتميَّزوا من سواهم» (6)
ويصف البرادي الزي الذي يجب أنْ يظهر به العزَّابِي قائلاً: «أوَّل ما يتخلَّى عنه حلق الشعر ولا يتركه يطول، والعزَّابَة من شعارهم عدم الشعور، ومنها لا يلبس ثوباً مصبوغاً إلاَّ البياض ولا بأس بعلم الطرفين والطراز ما لم يتفاحشا. وإنْ اقتصر على عباءة أو ملحفة لم تُشِنه وكان أليق. وإنْ كان ذلك على قميص كان أكمل، ولا سبيل إلى اقتصاره على قميص دون اشتماله والتحافه وارتدائه، وان اعتمَّ فالتحى على ما
__________
(1) - أبو عبد الله: نظام الحلقة، ص2.
(2) - أبو عمَّار: السير، و6رقة.
(3) - هذا الشرط غير معمول به اليوم، فهناك العديد من العزَّابَة هم كبار التجار.
(4) - نفس المصدر، و3رقة. و ... انظر المزاتي: السير، ص94،
عوض محمَّد خليفات: النظم الاجتماعيَّة والتربويَّة عند الإبَاضِيَة في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان، عمَّان 1982، ص28.
(5) - الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص71.
(6) - الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص171. (1/129)
صفحة 125
جاء في الأثر وليس لبس العمامة بضربة لازب لا بأس باستغنائه عنها، وإن اقتصر على العباءة أو اللحاف غطَّى رأسه وألقى الطرف الأعلى من هدب الحاشية من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر لا يلقي الهدب كلَّه من الجانب الأيسر فإنَّ ذلك مؤدٍّ إلى انكشاف العورة». (1)
ويدلُّ هذا الزي المميَّز على البساطة والتواضع (حسب اعتقاد الإبَاضِيَة) ولا زال العزَّابَة يلبسونه إلى يومنا هذا، ويشترط العزَّابي أن يلبسه في كلّ مكان يتَّصل فيه بالناس. كما يجب أن يكون نظيفًا. فمن سيرهم النقاء ... والتطهير للثياب.
3 - أعضاء هيئة العزَّابَة:
تتكوَّن هيئة العزَّابَة من اثني عشر عضواً. وقد يزيد العدد لتزايد المهامِّ كزيادة المحاضر والمساجد ليصل إلى أربعة عشر عضواً أو أكثر ولكلِّ عضو في الهيئة خليفة، يكون مرشَّحاً لتولِّي المهمَّة في حالة غيابه أو موته، أو البراءة منه. (2) وكلُّ عضو أو مجموعة أعضاء لهم وظائف معيَّنة هي:
1 - شيخ الحلقة (وهو أكبر المناصب في نظام العزَّابَة).
3 - إمام الصلاة.
3 - المؤذِّن.
4 - ثلاثة أعضاء يُقرئون التلاميذ.
5 - أربعة أو خمسة أعضاء يغسلون الموتى.
6 - وكيلاَ المسجد.
7 - قاضي البلد.
أمَّا عن اجتماعات الهيئة، فإنَّ العزَّابَة يعقدونها في إحدى زوايا المسجد المخصَّصة للعبادة وقراءة القرآن. كما خصِّصت لهم دار بجانب المسجد يعقدون فيها هي الأخرى الاجتماعات، ولا يسمح لأحد من خارج الهيئة بحضورها، بل حتَّى دخولها. ذلك أنَّ المجلس يحتفظ بكلِّ وثائقه وقراراته في هذه الدار. ويسمَّى المكان الذي يعقد فيه العزَّابَة اجتماعاتهم إلى يومنا هذا باسم "تَمْنَايْتْ" ويعني "مكان الفرسان" ويقصد به "فرسان الدين". (3)
وأهمُّ ما يميِّز هذه الاجتماعات أنَّ لها آداباً معيَّنة يجب أنْ يسير وفقها الاجتماع، منها أنْ يستعملوا السياسة والأدب في الكلام وألاَّ يرفع العضو صوته، ولا ينعقد الاجتماع إلاَّ بحضور الشيخ. وإذا تكلَّم الكبير ينصت الصغير. فإذا أراد أحد الأعضاء الصغار التحدُّث يجب عليه أنْ يكلِّم أوَّلاً من هو أكبر منه سنًّا، وهو بدوره يبلغه إلى الأكابر أي الشيخ والثلاثة الذين يلون. فإن استحسنوا كلامه، ووجدوا فيه منفعة قبلوه.
__________
(1) - البرادي: الجواهر المنتقاة، ص207.
(2) - إذا كان عدد هيئة العزَّابَة الضروري 12عضوًا، وكان لكلّ عضو في الهيئة خليفة فيكون المجموع أربعة وعشرين، وهو الواقع اليوم في بعض مجالس العزَّابَة مثل القرارة. وقد يزداد إذا احتيج للزيادة لتعدُّد المساجد مثلاً أو تزايد محاضر التعليم.
(3) - الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص80. و ... انظر خليفات: النظم الاجتماعيَّة، ص34. (1/130)
صفحة 126
كما أنَّهم إذا اتَّفقوا على كتمان موضوع ما يجب حفظه. وإنْ اتَّفقوا على أمر ما وجب العمل به فوراً بعد تبليغه للناس. (1)
أمَّا عن وظائف مجلس العزَّابَة في المجتمع الإبَاضِي فهي متنوِّعة وحسب منزلة العضو، ومسؤوليته طبقاً للمهام المقسَّمة فيما بينهم. فالأربعة الأوائل أي شيخ الحلقة، وإمام الصلاة، والمؤذن، وأقدم بقيَّة الأعضاء نجدهم يتولَّون الحلَّ والعقد في المجتمع. فهم لا يتركون مناصبهم حتَّى يتوفَّاهم الله. وعند موت أحدهم يحلُّ مكانه أقدم الجماعة أو خليفته في العضويَّة. (2)
والمعمول به إلى وقتنا هذا أنَّ العزَّابَة إذا أرادو تعيين شيخ جديد للحلقة يتشاورون فيما بينهم. وتتمُّ عمليَّة الاختيار على أساس مقدرته في تحمُّل أعباء رئاسة المجلس، وكفاءاته العالية، وتضلُّعه في الفقه وعلوم الدين. وأقدميَّته. فأقدم أعضاء الحلقة يتولَّى رئاسة المجلس ولو كان أنقص ممَّن بعده في الأقدميَّة. وإذا أريد بمشيخة العزَّابَة تولِّي التدريس في المسجد بالوعظ والإرشاد فذلك يتمُّ حقًّا بتعيين واتفاق من الحلقة. وقد تطول فترة التشاور أو تقصر. وعندما يتمُّ اختيارهم لشيخ الحلقة يعرِّضون الأمر عليهم وتتم مراسيم التنصيب حيث يجلسونه في وسط الحلقة ويلبسونه عمامة ثمَّ يقومون بالدعاء، ثمَّ قراءة الفاتحة ويأتي بعد ذلك التعيين، ويعلن ذلك رسميًّا في المسجد. ومن ثمَّ يباشر مهامَّه الجديدة كشيخ لحلقة العزَّابَة. (3)
أمَّا عن مهامِّ كلِّ عضو من أعضاء مجلس العزَّابَة فهي كالتالي:
1 - شيخ الحلقة:
يعتبر شيخ الحلقة قمَّة الهرم في نظام العزَّابَة، لذلك يجب أن يستشيره الناس وكذلك المجلس في كلّ صغيرة وكبيرة. وإن انعدم هذا الشرط اعتبر الشيخ على غير بصيرة. ومن واجبات الشيخ ومهامِّه ترتيب أهل الحل والعقد، حيث يقوم بتعيين إمام الصلاة والمؤذِّن، وبقيَّة الأعضاء بالإشراف على شؤون الحلقة. (4) وله مسؤوليَّة دينيَّة كبيرة باعتباره المرشد والواعظ للعامَّة. يقول أبو عمَّار: «(أما) المشورة فإنَّها كلَّها راجعة إليه كبيرة وصغيرة لا يتحرَّك أحد حتَّى يشاوره، وهو الغوث الكبير. وإذا لم يكن هذا الشرط بين أهل الحلقة فهم على غير بصيرة ... ويرتِّب الشيخ أهل الحلِّ والعقد ينظرون من هو أفضل منهم في العلم والسنَّة والأدب والورع ويؤمِّنونه على دينهم». (5)
كما يقوم الشيخ بدور ثقافيٍّ بارز حيث يعلِّم الطلبة كما سنرى في الفصل
__________
(1) - أبو عبد الله: نظام الحلقة، ص3. وانظر الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص80.
(2) - أبو عمَّار: السير، (مخ)، و4. وانظر أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، دار المعارف، القاهرة 1963، ص105.
(3) - الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص81 - 82.
(4) - معظم هذه المهام أصبحت اليوم تعين بالشورى والتشاور بين أعضاء المجلس، وحسب المؤهِّلات والاستعدادات والكفاءات مع المحافظة على ترتيب الجلوس حسب الأقدمية.
(5) - أبو عمَّار: السير، (مخ)، و5رقة. (1/131)
صفحة 127
الخامس. وفي حالة ما إذا توفِّي أحد من الأربعة ــ أعوان الشيخ ــ يتولَّى أحد العزَّابَة مكانه. وهؤلاء الأربعة يمثِّلون اللجنة الاستشاريَّة للشيخ حيث يستطلع آراءهم في مختلف المواضيع ولا يقطع أمراً بدونهم. (1)
2 - إمام الصلاة:
يعتبر إمام الصلاة الرجل الأمين في حلقة العزَّابَة. فهو الحافظ للقرآن الكريم المتضلِّع في العلوم الفقهيَّة والعلوم الأخرى. وبالإضافة إلى إمامة الصلاة فإنَّه يشرف على تسجيل عقود الزواج في البلد، لأنَّ الإبَاضِيَة يسجِّلونها في المسجد. ونظراً لمكانته فإنَّه أثناء اجتماع مجلس العزَّابَة أو حلقات العلم، يجلس على يمين شيخ الحلقة. كما أنَّه يتولَّى في بعض الأحيان رئاسة الحلقة في حالة غياب الشيخ. (2)
3 - المؤذِّن:
يأتي في المرتبة الثالثة من حيث قِدم العضويَّة، ومهمَّته الأذان للصلوات. ويشترط فيه أنْ يكون عارفا بالأوقات. كما أنَّه يحضِّر تسجيل عقود الزواج في المسجد وينوب عن الإمام في كتابتها أثناء غيابه. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ المصادر لا تذكر شيئاً عن مهمَّة العضو الرابع. (3)
4 - واجبات الأعضاء الباقين من هيئة العزَّابَة:
المقصود بالباقين من هيئة العزَّابَة هم مقرئو المحاضر الذين يعلِّمون الصبيان، ووكيلا المسجد والغسَّالون. فأمَّا وكيلا المسجد والحابوس والأوقاف، فإنَّهم يختارون ممَّن ليس لهم مال كثير ولا أولاد كثيرون حتَّى يتفرَّغوا لأعمال المسجد، فهما اللذان يشرفان على أوقاف المسجد والمقابر.
كما أنَّهم يقومون بتوزيع الأوقاف على الوظائف المرتَّبة لها، مثل شراء الحصائر والمصابيح. كما أنَّهم يمنعون الصغار والدوابَّ من الدخول إلى المسجد حرصاً على الطهارة. (4)
أمَّا الغسَّالون فهم أربعة، وقد يكونون خمسة مهمَّتهم غسل الأموات وتكفينهم. كما خصَّص النظام للمرأة هيئة تقوم بالإشراف على شؤونها في كلّ الميادين. وتعرف هذه الهيئة بِ"هيئة الغسَّالات" وبلغة البربر "تِمْسِرِدِينْ". وإلى جانب هذه الهيئة هناك هيئة "إيرْوَانْ" وهي هيئة الطلبة، والتسمية مشتقَّة من الفعل البربريَّ
__________
(1) - أبو عمَّار: نفس المصدر، (مخ)، ورقة4. وانظر خليفات: النظم الاجتماعيَّة، ص35.
(2) - سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، ج1، ص85. وانظر خليفات: النظم الاجتماعيَّة، ص36.
(3) - الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص84.
العضو الرابع هو وكيل الأوقاف عادة. والوكالة تتكوَّن من عضوين في مكانة واحدة ومستوى واحد.
(4) - أبو عمَّار: السير، ورقة5 - 6. وانظر المزاتي: السير، ص10. (1/132)
صفحة 128
"إيرْوَا" وتعني امتلأ. والمقصود بها امتلأ علماً. تكمن مهمَّة هذه الهيئة في تدريس القرآن الكريم وحفظه. كما تساعد المجلس في تسيير شؤون المدينة. (1)
أمَّا القسم الأخير فهم العوام. ويقصد بالعوامِّ طبقات المجتمع الذين لا يقومون بالتعليم أو بأيَّة مهمَّة دينيَّة. إنَّما هم منشغلون بأعمال الحياة كالتجارة والفلاحة وغيرها. ويجب على هؤلاء الامتثال لقرارات العزَّابَة وتقديم المساعدات الماليَّة لهم، والمشاركة في بناء المساجد أو حفر الآبار وإقامة السدود.
ويلاحظ أنَّ نظام العزَّابَة هذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظام العشيرة. فالعزابة ــ إلى يومنا هذا ــ يراعون عند اختيارهم الأعضاء أنْ يكون كلّ عضو أو عضوين من عشيرة ما. فلا غرو إذن أنْ يكون نظام العشيرة سابقاً لنظام العزَّابَة المستحدث.
ويرجع الجعبيري ذلك لسببين: أوَّلهما أنَّ كفالة الأيتام عند الإبَاضِيَة ترجع إلى العشيرة عكس المالكيَّة حيث يعود الأمر إلى القاضي وبطبيعة الحال فإنَّ الأيتام موجودون في كلّ زمان ومكان، وثانيهما أنَّه فيما يخصُّ ديَّة القتل الخطأ فعشيرة القاتل بالخطإ تعطي الديَّة لعشيرة القتيل. وكان هذا التصالح بين العشائر قائماً منذ عهد الدولة الرُّسْتُمِيَّة، وربَّما قبلها. (2)
ومن هنا يتَّضح لنا أنَّ هناك صلة وثيقة بين نظام العشيرة ونظام العزَّابَة. ونجد حتَّى وقتنا هذا أنَّ لكلِّ عشيرة في المدينة مجلساً خاصًّا يهتمُّ بشؤون العشيرة، كالأيتام والفقراء والأعراس وغيرها من المهام وهذا المجلس يساعد مجلس العزَّابَة في مهامِّه. ويهدف هذا التعاون الوطيد بين المجلسين إلى ضمان الصلاح والاستقامة في المجتمع الإبَاضِي بمشاركة الجميع.
5 - تقاليد العزَّابَة وآدابهم:
بما أنَّ أعضاء مجلس العزَّابَة هم القدوة في المجتمع الإبَاضِي فيجب على العزَّابيِّ التحلِّي بالآداب التي تسمح له بممارسة مهمَّته الجديدة، منها أن يتفرَّغ تفرُّغاً تامًّا لهذه المهمَّة، ويجب ألاَّ يشغله أهله وأولاده وماله عن مصالح المسلمين، لأنَّه أخذ الميثاق مع أصحابه. كما يجب عليه ألاَّ يلتفت لأهل الدنيا، ولا يكثر من الاجتماعات معهم، ولا يجلس في الأسواق والأماكن العامَّة. ويحِقُّ له الجلوس في داره أو في المسجد أو في حقله، وأنْ يتجنَّب رؤية مالم يحلَّه الله، ولا يستمع لكلام أهل الدنيا وأنْ لا ينسى أنَّه باع نفسه إيماناً واحتساباً. لذلك يجب عليه الاجتهاد في
__________
(1) - أبو عمَّار: نفس المصدر، ورقة 5. وانظر المزاتي: السير، ص10. ... خليفات: النظم الاجتماعيَّة، ص37. بابا وإسماعيل: وادي ميزاب، ص106. النوري: دور الميزابيِّين، ج1، ص175.
هيئة (إيروان) ــ خارجة عن حلقة العزَّابَة ــ رديفة لها يرأسها عضو من العزَّابَة. وهم مستظهرو القرآن. وكلمة "إيروا" فيها ملحظ الريِّ بالعلم وملحظ رواية العلم. والهيئة الثالثة (إمصُّوردَان) الذين مازالوا مشتغلين بحفظ القرآن ومدارسته في المحاضر ويعتبرون السند والدعم للطبقتين السابقتين (إيروان والعزَّابَة).
(2) - الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص114. (1/133)
صفحة 129
طلب العلم والأدب. (1)
كما يجب عليه أنْ يجتهد في حقوق الضعفاء والمساكين مناصراً للمظلوم على الظالم، قائماً بحقوق الأسواق وحقوق المدينة ناهيًا عن المنكر وآمراً بالمعروف. (2)
ومن آداب العزَّابَة كذلك جمع التلاميذ والنظر في أمورهم ورعايتهم والمواظبة على الخير وقراءة القرآن أثناء الليل والنهار، والحت على الصبر والشكر، وقلَّة الكلام والالتفات، وترك الشارع. (3)
وللحيلولة دون وقوع العزَّابي في الخطأ وارتكاب الذنوب، فقد سنَّ النظام العقوبات لأعضاء مجلس العزَّابَة. وتختلف درجات العقوبة من عزَّابيٍّ إلى آخر حسب الذنب الذي ارتكبه.
فمعاقبة مرتكب الكبائر تختلف بطبيعة الحال عن مرتكب الصغائر لأنَّ العزَّابي «إن لم يتفكَّر في ما يلزمه من الحقوق فقد دخل في المشنقة، وأدخل عنقه في الحلقة التي هي كحلقة الحديد». (4)
ولذلك فإنَّ العزَّابَة يشتدُّون في عقاب العزَّابي أكثر من غيره، لأنَّ من المفروض أنْ يكون العزَّابي قدوة حسنة وأسوة لغيره في التقوى والصلاح. فإنْ ارتكب العزَّابي صغيرة من الصغائر يسترونها عليه، ويحكمون عليه سرًّا، ويبعدونه شهرًا أو شهرين، وربَّما سنة أو أكثر، أمَّا إذا ارتكب كبيرة فإنَّ مجلس العزَّابَة يتبرَّ أمنه، ويخرجه من الهيئة. (5)
وإذا أعلن توبته واعترف بما ارتكب وندم عليه ندماً كبيراً قبلوا توبته وعاد إلى التعلُّم مع الطلبة إذا كان تلميذاً. أمَّا العودة إلى "الحلقة" أي إلى مجلس العزَّابَة، فذلك يرجع إلى العزَّابَة نفسها. ويعود أمر عودته إلى عضويَّة المجلس أو تنحيته إلى قدر الذنب الذي ارتكبه. كما تراعى في نفس الوقت أقدميَّته في المجلس. فإذا مسَّ فعله العزَّابَة وحطَّ من شأنهم، أو شكَّكوا في توبته، فإنَّهم لا يردُّونه أبداً خاصَّة إذا كان عضواً قديماً بالهيئة. (6)
ويرى الجعبيري أنَّه إذا كان العزَّابي حديث العهد في المجلس فإنَّهم يسامحونه في المرَّة الأولى بعد إعلان توبته، ويسلِّطون عليه الحكم بالبراءة إذا كرَّر الخطأ. ويلاحظ أنَّه إذا كان الجرم ارتكب معروفاً بين الناس، فإنَّه يبرأ منه، ويستتاب أمام الناس، أمَّا إذا كان خفيًّا لا يعلمه إلاَّ العزَّابَة فلا يحقُّ للمجلس أنْ يظهره لعامَّة الناس
__________
(1) - أبو عمَّار: السير، (مخ)، ورقة 3. انظر الوسياني: السير، (مخ)، ج1، و86 - 88.
(2) - أبو عمَّار: السير، ورقة 2، MOTYLINSKI (A DE. C): Guerrara depuis sa fondation, imprimerie de l’acadimie, Alger 1883, ... p 25.
(3) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 87. وما بعدها
(4) - أبو عمَّار: السير، (مخ)، ورقة 3.
(5) - نفس المصدر والورقة.
(6) - أبو عمَّار: نفس المصدر والورقة. وانظر المدني: تاريخ الجزائر، ص106. و ... علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص105.
ROBIN (Colonel): Le m’Zab et les mozabites, imprimerie générale nimes, 1900, p 31. (1/134)
صفحة 130
ويكشف أمره. (1)
6 - دور العزَّابَة في الحياة الاجتماعيَّة:
يلعب مجلس العزَّابَة دورًا كبيرًا في الحياة الاجتماعيَّة في المجتمعات الإبَاضِيَة. هذه الحياة التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن بقيَّة المجتمعات الأخرى. ويلاحظ هذا حتَّى في البناء المعماريِّ نفسه. ذلك أنَّ المدن الإبَاضِيَة لها طابع مميَّز عن غيرها، حيث يكون المسجد هو محور المدينة، تحيط به المساكن من كلّ جانب ثمَّ تأتي السوق. وبعده مباشرة يبنى السور الذي يحصن المدينة.
أمَّا عن دور العزَّابَة في الحياة الاجتماعيَّة فإنَّهم يقومون خاصة شيخ الحلقة بتعيين العمَّال والقضاة على المناطق التي يوجد بها الإبَاضِيَة، ونشير في هذا المضمار أنَّ ذلك كان في وقت لم ينتشر فيه نظام العزَّابَة في سائر مواطن الإبَاضِيَة، أي في الوقت الذي أسُّسَت فيه حلقة أبي عبد الله محمَّد بن بكر. ومثال ذلك أنَّ بني "ورثيزلن" جاؤوا إلى أبي عبد الله، وطلبوا منه أنْ يُولَّي عليهم من يختاره فعيِّن لهم "أبا الحسن بن أفلح" (2) أحد تلامذة الشيخ "حمو بن اللؤلؤ" (3) قاضيًا عليهم. (4)
كما أنَّ العزَّابَة يقومون بالحسبة حيث ينهون عن المنكر ويأمرون بالمعروف ويقاطعون المنحلِّين. كما كانوا يوقفون نشاط الأسواق لمدَّة معيَّنة عند حلول المواسم الدينيَّة، ويهتمُّون بفتحها وإغلاقها في مواعيدها المحدَّدة. ومن الأمثلة على قيام العزَّابَة بمحاربة الانحراف ما رواه المؤرِّخون عن أيُّوب بن حمو (5) الذي فسدت سيرته. فلمَّا بلغ الخبر إلى أبي زكرياء يحيى بن وجمين الهواري (6) عقد اجتماعاً للناس في المسجد ليتشاوروا في الأمر. ولمَّا حضر أيُّوب بن حمو وجَّه له اللَّوم والتعنيف إلى أنْ تاب وأعلن أنَّه سيحافظ على النهج القويم. (7)
__________
(1) - الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص78.
(2) - لا نعرف الكثير عن أبي الحسن هذا سوى أنَّه من أصحاب أبي عبد الله محمَّد بن بكر. وقد ولاَّه القضاء عند قبائل بني ورتيزلن الإبَاضِيَة. فمكث سنين يحكم بينهم بالعدل إلى أنْ نقموا منه، فحلف أبو الحسن أنْ لا يتكلَّف القضاء بينهم مدَّة سبع سنين. انظر الدرجيني: الطبقات، ج2، ص381 - 382.
(3) - هو أحد علماء وارجلان كان معاصرًا للإمام الرستمي يعقوب بن أفلح. وقد تزوَّج بإحدى بناته، وكان غنيًّا حتَّى أنَّ الإمام يعقوب يعده من أهل الدنيا. انظر الدرجيني: الطبقات، ج1، ص105.
(4) - الشماخي: السير، ص386.
(5) - لا تعطينا المصادر نبذة عن حياته.
(6) - هو عالم من علماء الطبقة التاسعة (450 - 500هـ) نبغ في الفقه حتَّى أنَّه كان يطلق عليه، صاحب الغوامض، وكان يسكن في مدينة آجلو بالمغرب الأوسط وهو من عزَّابتها. وانظر الدرجيني: الطبقات، مج2، ص415 وما بعدها.
(7) - الشماخي: السير، ص386. وانظر علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، ص205. وموسى لقبال: الحسبة المذهبيَّة في بلاد المغرب العربي (نشأتها وتطوُّرها)، ش. و. ن. ت، الجزائر 1971، ص88. (1/135)
صفحة 131
ويذكر الوسياني أنَّ شيخا يدعى أبا يعقوب يوسف بن نفَّاث القنطناري كان ينفقَّد المزارع والطرق، فإذا رأى أحداً اضطرَّ بها وأفسدها ضربه (1) ويذكر في موضع آخر أنَّ أحد شيوخ العزَّابَة يدعى "سعيد بن ابراهيم" كسر معزف امرأة كانت تغنِّي في أحد الملاهي. (2)
كما كان يحقُّ للعَزَّابَة حبس الأشخاص المجرمين بعد الحكم في قضاياهم. يذكر الشماخي أنَّ العزَّابَة حبسوا رجلاً ماطل في تسديد ديْن كان عليه ولم يخرجوه من السجن إلاَّ بعد أنْ دفع ما عليه. (3)
ومن هنا نلاحظ أنَّ للعَزَّابَة دوراً كبيراً في "القضاء". فالمصادر تذكر أنَّه كان في وارجلان موضع يعرف بِ"منبر وارجلان" يجتمع فيه القضاة من العزَّابَة بحضور الناس، ويحكمون على الجناة، كما يستعمل هذا المنبر للتشاور بين الناس في قضيَّة ما. فإذا كانت هناك مشكلة عويصة "اجتمع لها كلّ من بها من وجوه العزَّابَة ومن ينسب إلى العلم والرأي «وكان رأيهم في ذلك الزمان، إذا نزلت مسألة أنْ يجتمعوا ... للتشاور في النوازل» (4)
ولا يكتفي العزَّابَة بالإشراف على المناطق التي يقيمون فيها بل كانوا ينتقلون بين مواطن إخوانهم للاطمئنان على أحوالهم. وكانت تقام لهم ضيافات كبيرة تقديراً لهم ولأعمالهم من أجل خدمة الدين. وممَّا يميِّز هذه الزيارات أنَّها تكون جماعيَّة. يخبرنا أبو زكرياء عن إحدى هذه الزيارات نقلاً عن أبي الربيع قائلاً: «طلعنا مع أبي عبد الله إلى وارجلان زائرين في جماعة كثيرة، وفينا قبائل أهل الدعوة بإجمالهم حتَّى جعل ببعض الطريق أبو عبد الله كلّ قبيلة منهم عريفًا وسفيرًا يرعاهم ويتفقَّد أمورهم خوفًا ممَّا يحدثون في وارجلان» (5)
ولم تقتصر هذه الزيارات التي يقوم بها العزَّابَة على الاطلاع على اخوانهم فحسب، بل كانوا يقيمون الحلقات العلميَّة والدينيَّة. يقول الوسياني: «إنَّ العزَّابَة في زمن أبي عبد الله وقبله إذا زاروا أهل الدعوة في البراري، فإذا دخلوا حيًّا من الأحياء بنوا لهم خيمة فيكونون في عزمهم مجتهدين». (6)
مرَّ بنا أنَّ العزَّابَة يقومون بهذه المهامِّ لوجه الله، لكن لا يعني هذا أنَّهم لا يتلقَّون المساعدات المالية من إخوانهم حتَّى يتسنَّى لهم أنْ يعيشوا حياة كريمة، ثمَّ ينفقون بقيَّة المال على المنشآت العامَّة كالمساجد وشراء الكساء والطعام للتلاميذ، وغيرها. فكلَّما مرَّ العزَّابَة بحيٍّ مِن الأحياء يقومون بجمع التبرُّعات وتقديمها لهم، ثمَّ تفرَّق على سائر العزَّابَة على قدر
__________
(1) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 28.
(2) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، ورقة 67.
(3) - الشماخي: السير، ص406.
(4) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص422 - 423.
(5) - سير الأئمَّة، ج2، ص321 - 322.
(6) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 77. (1/136)
صفحة 132
ما يرون لكلّ واحد منهم. (1)
ويذكر أنَّ أبا يعقوب بن أبي عبد الله محمَّد بن بكر (2) أوصى له أبوه بخمسمائة للعَزَّابَة قبل موته (3). كما باع أبو عبد الله محمَّد بن سليمان النفوسي (4) شجرة زيتون كان يملكها وفرَّق ثمنها على العزَّابَة (5). وإلى جانب الأموال كان الإبَاضِيَة يشترون الأغنام ويرسلونها إلى العزَّابَة (6). ويبدو أنَّ هذه الأغنام تذبح في الكرامات التي يقيمها الإبَاضِيَة في شهر رمضان.
ومن هنا يتَّضح لنا مدى حرص الإبَاضِيَة على دعم هذا النظام حتَّى يؤدِّي عمله على أحسن وجه. بل نجد البعض منهم يرسل الأموال من بلاد السودان، فالمصادر الإبَاضِيَة تذكر أنَّ أحد التجَّار يدعى "تملى الوسياني" كان يرسل من تادمكَّة كلّ سنة ستَّة عشر كيسًا من المال، كلّ كيس يحتوي على خمسمائة دينار ذهبًا، لتنفق على الإبَاضِيَة في قسطيلية. (7)
وخلاصة القول فإنَّ مجلس العزَّابة استطاع تسيير المجتمع الإباضي بنجاح، حيث فرض طاعته على النَّاس لكسبه احترامهم، لِما رأوه من استقامة الأعضاء ونزاهتهم وحفاظهم على دينهم، وقوَّتهم في النهي عن المنكر ومحاربة الزائغين عن الحقِّ.
ولأهمِّية هذا المجلس ودوره في الحياة الاجتماعيَّة، نلاحظ ظهور مؤلَّفات يقدِّم أصحابها نصائح للعَزَّابَة. منها كتاب "وصايا للعَزَّابَة" الذي ألَّفه "صالح بن عمر بن داود" والذي ينصح في العزَّابَة بسبع وصايا يجب أنْ تتوفَّر في العزَّابي وهي كما يلي:-
1 - ملازمة التقوى وطاعة الله، وحقيقة التقوى هو اجتناب المرء كلّ مايخاف منه ضررا في دينه من حرام أو معصية.
2 - الاقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع أخلاقه وأقواله وأفعاله واستعمال سننه،
__________
(1) - نفس المصدر، ورقة 66.
تجدر الإشارة إلى أنَّ العزَّابَة لا يجمعون شيئًا من الأموال لمصالحهم الخاصَّة، إنَّما يجمعون ما يجمعون من أموال الأوقاف والتبرُّعات لمصالح المسجد عامَّة بمختلف طبقات عمَّارها من طلبة وعوام، ومن ضمن عمَّاره العزَّابَة باعتبارهم ضمن عمَّار المسجد لاعتبارهم عزَّابة، بحيث إذا غاب عضو من العزَّابَة وقت توزيع الصدقات لم ينل نصيبه.
(2) - هو أحد أبناء مؤسِّس نظام العزَّابَة أبو عبد الله محمَّد بن بكر، لم يشتهر مثلما اشتهر أخوه أبو العبَّاس الذي له تآليف كثيرة في مختلف فنون العلم. لذلك لا تذكر المصادر عنه شيئًا.
(3) - الشماخي: السير، ص391.
(4) - هو أحد الشيوخ الإبَاضِيَة عاش في الفترة الممتدَّة من 450 هـ -500 هـ. كانت له حلقة علميَّة كبيرة يعلم التلاميذ ويطعمهم ويكسيهم من ماله. انظر الدرجيني: الطبقات، ج2، ص417 - 418.
(5) - نفس المصدر والجزء، ص418.
الشماخي: المصدر السابق، ص407.
(6) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 50.
(7) - نفس المصدر والجزء، و22. (1/137)
صفحة 133
واجتناب نواهيه والتأدُّب بآدابه.
3 - اقتفاء آثار السلف الصالح من الأيمَّة والمشايخ، ودراسة كتبهم ودواوينهم. (1)
4 - المواظبة على عمارة المساجد، وقراءة القرآن وتعليم العلم.
5 - رعاية المحَاضر بتخير المعلِّمين علمًا وورعًا وحسن تأديب، وأنْ يكون المعلِّم متحلِّيًا بالعدل والتواضع والأدب والورع، وأنْ يعلِّم التلاميذ القرآن والآداب الدينيَّة، والفرائض كالتوحيد والطهارة والصَّلاة.
6 - المثابرة على تعلُّم العلوم الدينيَّة والاجتهاد في تعليمها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
7 - تحذير الصبيان والشباب ممَّن لم يأخذوا قسطًا وافرًا من علوم الشريعة. (2)
__________
(1) - صالح بن عمر داود لعْلِي: وصايا للعَزَّابَة، ورقة 1، 2، 4.
(2) - نفس المرجع، و رقة 2، 7، 8، 14، 16. (1/138)
صفحة 134
الفصل الخامس
الحياة الثقافيَّة
1 - نظام التعليم ومراحله عند الإبَاضِيَة
ا - الآمرون
1 - مهام الشيخ.
2 - العرفاء.
ا - عريف لتعليم القرآن.
ب - عريف أوقات الدراسة.
جـ - عريف الختمات وأوقات الدراسة.
د - عريف أوقات الأكل.
ب - المأمورون
جـ - نظام حلقة التدريس
ا - أوقات الدراسة ونظامها.
ب - طريقة الامتحانات في نظام الحلقة.
جـ - العقوبات، أنواعها وأسبابها.
د - مجَّانية التعليم
2 - الحياة الثقافية في وارجلان وسدراتة (1/139)
صفحة 135
1 - نظام التعليم ومراحله عند الإبَاضِيَة
يتناول هذا الفصل الحياة الثقافيَّة في التجمُّعات الإبَاضِيَة، خاصة في مدينة وارجلان. هذه المدينة التي عرفت حركة ثقافيَّة لم تشهدها المناطق الإبَاضِيَة الأخرى. وأهمُّ ما يميِّز الحياة الثقافيَّة في هذه الفترة هو إنشاء نظام خاصٍّ للتعليم حيث حدَّد مهام كلٍّ من شيخ الحلقة والعرفاء الذين يشرفون على التعليم. كما وضع نظام حلقة التدريس مثل أوقات الدراسة، وطريقة الامتحانات، والعقوبات: أنواعها وأسبابها.
ويعتبر شيخ الحلقة هو المسؤول الأوَّل عن التعليم. فهو الذي يضع المناهج ويشرف على قبول التلاميذ في الحلقة. أما العرفاء فهم الذين يقومون برعاية التلاميذ، ومراقبتهم في أوقات الدراسة، وأوقات الراحة. وسندرس في هذا الفصل بالتفصيل النظام التعليمي عند الإبَاضِيَة، والحياة الثقافيَّة، وحلقات العلم. بالإضافة إلى حركة التأليف.
يولِي الإبَاضِيَة اهتماماً كبيراً للتعليم، لذلك نجد المصادر القديمة والمراجع الحديثة تحثُّ أتباع المذهب على طلب العلم، وتشترط على القائم بالتعليم شروطاً يجب أنْ تتوفَّر فيه ليحقَّ له القيام بهذا العمل النبيل. ويحدِّد الجيطالي هذه الشروط فيما يلي:
1 - أنْ يكون المعلِّم عاملاً بعلمه، فيجب عليه أنْ يعمل بما يعلم، ولا يقول ما لا يفعل. ففي حالة عدم تطابق فعل العالم بقوله، سقطت حكمته، وامتنع الناس عن قبولها.
2 - الشفقة على المتعلِّمين، حيث يجب على العالم اعتبارهم أبناءه، فيقدِّم لهم النصيحة ويرفق بهم، ويساعدهم.
3 - أنْ يقصد العالم بهذا العمل وجه الله، ولا يطلب أجراً عن ذلك. كما يجب عليه عدم القسوة على التلاميذ، وعدم احتقارهم.
4 - ينبغي على العالم الذي يكون ملمًّا بمختلف العلوم، وأنْ لا يقبِّح في نفس المتعلِّم مالم يُحط به من العلوم.
5 - عدم البخل في إفادة التلاميذ، أي يجب عليه إذا سأله متعلِّم أنْ يجيبه ويفيده، إلاَّ إذا عرف أنَّ المقصود من السؤال هو التعنُّت.
6 - يجب أنْ يكون العالم واسع الصَّدر، صبوراً وذا أخلاق حميدة حتَّى يكون قدوة للتلاميذ. (1)
ويعتبر نظام العزَّابة نظاماً تعليميًّا بقدر ماهو نظام اجتماعي. فلذلك اهتمَّ شيوخ العزَّابة بالتعليم، فوضعوا له المناهج الدراسيَّة، ووضعوا شروطاً لحلقة التعليم. وأهل الحلقة عند الإبَاضِيَة صنفان: آمر ومأمور. فالآمر اثنان: شيخ الحلقة أو نائبه والعريف. والعريف صنفان: عريف منفرد وعريف غير منفرد. فالمنفرد عريفان:
__________
(1) - الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، تحقيق عمرو خليفة الناس، نشر مكتبة وهبة، القاهرة 1965، ص: 113 - 136. (1/140)
صفحة 136
عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف العرفاء، وهو الذي يعلِّم التلاميذ القرآن الكريم. أمَّا العريف غير المنفرد فهو العريف الذي يشرف على أوقات الدراسة. وقد يكون عريفاً واحداً أو أكثر حسب الاحتياج. أمَّا المأمور ويعني ممَّن يتلقَّون الأوامر، وهؤلاء ثلاثة أصناف: طلبة القرآن، طلبة العلم والأدب، والعاجزون. (1)
ويشكِّل الآمرون الهيئة التدريسيَّة في نظام الحلقة. أمَّا المأمورون فهم التلاميذ والطلبة. وسنتناول بالتفصيل مهمَّة هؤلاء.
أ - الآمرون:
1 - مهامُّ الشيخ:
يعتبر شيخ الحلقة المسؤولَ الأوَّل عن التعليم. فهو الذي يقوم بتعيين العرفاء على التلاميذ، ويشرف على قبول التلاميذ في الحلقة ولا يحقُّ لأحد غيره التدخُّل في قرار القبول. كما يتولَّى وضع المنهج الدراسي لطلبة العلم والأدب. ويقوم بتدريس العلوم الصعبة التي يصعب على غيره القيام بها أثناء انتهاء الدروس اليوميَّة، يقوم بجمع التلاميذ حيث يردُّ على كلٍّ تساؤلاتهم في مختلف المواضيع. يقول: البرادي: «يتعلَّق به (أي الشيخ) الجلوس لطلبة فنون العلم في وقت معلوم ليأخذوا عنه، ومنها الجلوس بأثر الختمة للجواب عن الأسئلة في أيِّ فنٍّ كان، وليذكِّر تلاميذه فيما حصَّلوا قبل ذلك، ويستفيد مَن حضر، وتختصُّ غداة الجمعة بذكر شيء من التذكير والوعظ». (2)
ولا تقتصر مهمَّة الشيخ على اختبار التلاميذ فحسب، بل يجب عليه تفقُّد أحوالهم «فمن كان موسرا نظر له فيمن يخدم ما يقتات به من الطعام، ومن كان مقتِراً نظر له فيمن يتبرَّع بالخدمة والإطعام». (3)
وإذا وجدت مشاكل في الحلقة تولَّى الشيخ حلَّها بمفرده. ويعتبر حلّه نهائيًّا لا يقبل المناقشة. كما أنَّ للشيخ الحقَّ في الإنفاق من أموال العزَّابة، أو من الهبات على المدرسة بشراء حاجات لها. كما يقوم بتوزيع المساعدات المالية التي يحصل عليها مجلس العزَّابة على أعضاء العزَّابة والعرفاء والتلاميذ. (4)
ويتولَّى الشيخ الحكم بين المتخاصمين حيث يأخذ من من الظالم للمظلوم. كما يشرف على الاستفتاح، ويعني أنْ يحضر إلى موضع الاستفتاح في ثلث الليل الأخير أو ربعه، فيستعيذ ويُبسمل ثمَّ يقرأ سورة الفاتحة وبعدها يبدأ من حيث انتهى المجلس في الليلة السابقة. ويشارك في هذا الاستفتاح من رغب في ذلك من الطلبة. وعندما ينادي المؤذِّن لصلاة الصبح يتوقَّفون عن القراءة ويدعُون. كما يخصِّص الشيخ أيَّام
__________
(1) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 171 - 172.
(2) - البرادي: الجواهر، ص: 207.
(3) - الدَّرجيني: المصدر السابق، ج 1، ص: 183.
(4) - نفس المصدر والجزء، ص: 173، البرادي: المصدر السابق، ص: 209. (1/141)
صفحة 137
الجمعة والاثنين والخميس للجلوس مع الطلبة حيث يذكر لهم الأمثال الحكيمة ويتفقَّد جميع من حضر، ويسأل عن أحوالهم، ويقلِّد العرفاء الذين حمدت أفعالهم. ومن ساءت أفعاله عاب عليه ذلك وأدَّبه. (1)
ويقرِّر الشيخ قبول الطلبة غير المعروفين، والقادمين من مناطق بعيدة حيث يحاول التعرُّف على أحوالهم وسلوكهم بمن يعرفونهم. فإذا ما تبيَّن أنَّ أحوال الطالب حسنة، ويتحلَّى بأخلاق حميدة فإنَّه يدخل إلى الحلقة مع التلاميذ، له مالهم وعليه ماعليهم. وإذا لم يستطع الشيخ معرفة أحواله فإنَّه لا يحقُّ له المشاركة إلى أنْ تعرف أحواله. (2)
2 - العُرفاء:
تتلخَّص مهمَّة العرفاء في الإشراف على التلاميذ حيث يقومون برعايتهم ومراقبتهم في أوقات الدراسة، وأوقات الراحة كذلك. وينقسم العرفاء إلى أربعة أصناف:
1) عريف لتعليم القرآن الكريم: يشترط فيه أنْ يكون حافظًا للقرآن الكريم مجيداً لتلاوته، فاهماً لمعانيه، لأنَّه المسؤول عن تحفيظ الصغار للقرآن الكريم. وفي الغالب يكون عدد التلاميذ الذين يحفِّظهم القرآن ويصحِّح ألواحهم عشرة تلاميذ فقط. وإلى جانب تحفيظهم القرآن يعلِّمهم الآداب والأخلاق الحسنة. ويمكن لهذا العريف أنْ يختار من بين تلاميذه تلميذاً مجتهداً وذكيًّا يساعده في مهامِّه. ويسمَّى هذا التلميذ في نظام الحلقة بِ"النقيب". ومهمَّة هذا التلميذ: جمع التلاميذ في المكان المخصَّص لهم للقراءة. وعند اكتمال عددهم يستدعي العريفَ لبدء الدرس. فإذا حضر يستأذنه الجالسون على يمينه في حفظ ما كتبوه على ألواحهم في اليوم السابق. فإذا حفظوا كلَّهم استأذنوه في الاستملاء، فأملأ عليهم. (3)
2) - عريف أوقات الدراسة: مهمَّة هذا العريف المحافظة، على النظام كما يقوم بتسجيل الحاضرين في الحلقة. وإذا ما غاب العريف تولَّى هو شؤون التلاميذ، فيشغلهم بإنجاز بعض الواجبات أو حفظ القرآن. كما يتولَّى مراقبة الطلبة أثناء وقت الاستفتاح، فمن نام منهم عاقبه، كما يمنع الطلبة من الأكل في أوقات الدراسة. (4)
3) - عريف الختمات وأوقات النوم:
__________
(1) - الدَّرجيني: نفس المصدر، ج 1، ص: 172 - 173.
(2) - نفسه، ص: 173، البرادي: الجواهر، ص: 208 - 209.
(3) - الدرجيني: نفس المصدر، ج1، ص177. البرادي: نفس المصدر، ص212.
(4) - خليفات: النظم الاجتماعيَّة، ص28. (1/142)
صفحة 138
يقوم هذا العريف بإعلان انتهاء الدروس الصباحيَّة، واستدعاء التلاميذ إلى الختمة حيث يدعو أكبر التلاميذ سنًّا دعاء الختام، ويردِّد بقيَّة التلاميذ وراءه. ثمَّ ينتهي الدرس وينصرف التلاميذ. ويعتبر الحضور إلى دعاء الختمة إجباريًّا، وعدم حضور التلميذ يعرِّضه للعقاب حيث يؤدَّب في إحدى زوايا المسجد. (1)
كما يتولَّى هذا العريف مراقبة التلاميذ أثناء نوم القيلولة الإجباريٍّ، واستدعاء التلاميذ والطلبة إلى حضور ختمة المغرب. وتكون هذه الختمة بعد انتهاء صلاة المغرب مباشرة حيث يجلس الطلبة والتلاميذ على هيئة حلقة ابتداءً من يمين الطالب الأكبر سنًّا، ثمَّ يقوم اثنان منهما بقراءة القرآن إلى أنْ تحين صلاة العشاء، فيتوقَّفون عن القراءة ويدعون دعاء الختمة ثمَّ يقومون للصَّلاة. والحضور إلى هذه الختمة إجباريٌّ كذلك. كما توجد ختمة أخرى وهي الختمة النهائيَّة، وتعقد بعد صلاة العشاء إلاَّ أنَّ حضورها ليس إلزاميًّا على التلاميذ. (2)
ومن المهامِّ الأخرى التي يتولَّى العريف الإشراف عليها، مبيتُ الطلبة الذي يكون بعد ختمة صلاة العشاء. ولا يحقُّ للتلميذ أنْ يتأخَّر عن النوم في الوقت المحدَّد له. أمَّا الطلبة فيمكن لهم مواصلة الدروس شريطة أنْ لا يزعجوا النائمين حتَّى يستيقظوا في الثلث الأخير من الليل للاستفتاح. (3)
4) - عريف أوقات الأكل: خصَّص نظام العزَّابَة كذلك عريفاً للإشراف على إطعام التلاميذ. فهو الذي ينظِّم جلوس التلاميذ والطلبة (4) سواء في الحلقة أو خارجها. ويحرص على قدوم جميع التلاميذ والطلبة بلباسهم الرسميِّ الخاصِّ بهم. ويشتملون الشملَة المعروفة عند الأكل، والتي يصفها الدرجيني قائلاً: «فإذا اعتدل جلوسهم دعا (أي العريف) بالماء وغسلوا بعد اشتمالهم الشملة المعروفة عند حضور الطعام، وهو أنْ يخرج طرفي ثوبه على صدره بعد أنْ يدير كلّ طرف فوق العاتق الذي يليه فيبرز اليدين، ولا يكشف شيئاً من البدن ثمَّ يأكلون أكلاً معتدلاً». (5)
كما يراقب العريف التلاميذ والطلبة في مدى تطبيقهم لآداب الأكل خاصة إذا كانوا خارج الحلقة حيث يجب عليهم التزام التحفُّظ وإفراط الحذر حتَّى لا يعابوا. أمَّا إذا كانوا في محلّ عزَّابي «لم يتحفَّظوا كلّ التحفُّظ بل يميلون إلى ضرب من الإدلال، وينبسطون بعض الانبساط، ويحسنون الظُّنون. فلا يتحشَّمون في اقتراح طيِّب الطعام وازدياد الآدم ونحو ذلك». (6)
__________
(1) - البرادي: الجواهر، ص209. خليفات: نفس المرجع، ص28.
(2) - البرادي: نفس المصدر، ص209. خليفات: نفس المرجع، 28
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص175.
(4) - المقصود بالتلاميذ هم المبتدئون الذين يبدؤون الدراسة بقراءة القرآن فقط إلى جانب تعلُّم مبادئ الدين الأولى كالصلاة وغيرها. أمَّا الطلبة فهم الذين يدرسون الكتب العلميَّة والكتب الفقهيَّة المعمَّقة.
(5) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص175.
(6) - الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص175. (1/143)
صفحة 139
وفي حالة غياب البعض يقوم العريف بتسجيلهم حتَّى يعرف الأسباب التي منعتهم من الحضور إلى وجبات الطعام لتتَّخذ في شأنهم الإجراءات اللاَّزمة. ونشير إلى أنَّ الطلبة لا يحقُّ لهم الوقوف بعد انتهاء الأكل إلاَّ بعد أمر العريف حيث يقرأ الطلبة دعاء الأكل قبل القيام. (1)
وفي حالة حصول الطلبة والتلاميذ على مساعدات ماليَّة من الأغنياء والمحسنين فإنَّ العريف هو الذي يوزِّعها عليهم بالعدل. كما يشرف العريف على الوجبتين الإضافيتين اللتين يأخذونها وقت الضحى وبعد صلاة العصر. (2)
ب - المأمورون:
المقصود بهم الطلبة لأنَّهم يتلقَّون الأوامر من العزَّابَة. وينقسم الطلبة في نظام الحلقة إلى ثلاث مجموعات طبقًا لمستوياتهم. المجموعة الأولى وهم تلاميذ تعليم القرآن. وقد وضع نظام العزَّابَة زيًّا خاصًّا لهم ليميِّزوهم عن غيرهم. ويُلبَس هذا الزي فقط أثناء الدراسة، ويشترطُ أنْ لا يظهر شيئًا من أجسادهم. وأثناء قراءة الألواح يجب على التلاميذ أنْ يسندواْ ألواحهم إلى الأساطين ويقابلونها دون الاستناد على شيء. وقد سمح لهم الاستناد فقط ما بين الظهر والعصر. وفي رأي الإبَاضِيَة إنَّ الاستناد يؤدِّي بالتلميذ إلى النوم، وبالتالي يعطِّله عن مواصلة القراءة. (3)
أمَّا عن تعليم الفتيات فلا تعطينا المصادر مادَّة كافية عن تحفيظ القرآن للبنات رغم وجود المجالس النسويَّة. ولا شكَّ أنَّ المرأة نالت هي الأخرى قسطًا وافرًا من التعليم حيث تشير المصادر إلى عدَّة نساء بلغن درجة عالية من العلم مثل عائشة بنت معاذ. يقول الوسياني: «خير نساء أجلو (قرية قرب أريغ) عائشة بنت معاذ. وكانت تذكر في العلم، وتقول: رأيت كثيرا من أهل العلم والخير وجالستهم، فلولا أحمد بن أبي عبد الله لمتُّ بالجهالة» (4)
أمَّا المجموعة الثانية فهم طلبة العلوم والآداب الذين يمثِّلون المرحلة الثانية من مراحل التعليم. ذلك أنَّ التلميذ الذي يحفظ القرآن ينتقل إلى هذه المرحلة. ويقسَّم هؤلاء الطلبة إلى مجموعات حسب ميل الطالب ورغبته. وبما أنَّ هؤلاء الطلبة يمثِّلون مستوى أعلى، فإنَّهم يعامَلون معاملة خاصَّة، منها تخصيص دارٍ لهم لا يحقُّ دخولها لغيرهم من التلاميذ، ويستضيفون العلماء والعزَّابة فيها لإعطائهم الدروس. كما أنَّ هؤلاء الطلبة يحقُّ لهم أثناء القراءة الاستناد في أركان المسجد والأبواب، وأُطلق على هؤلاء الطلبة اسم "أصحاب الكتب"، بينما أُطلق على غيرهم "أصحاب
__________
(1) - البرادي: الجواهر، ص211.
(2) - نفس المصدر والصفحة.
(3) - البرادي: نفس المصدر، ص213 - 214.
(4) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 48. (1/144)
صفحة 140
الألواح". (1)
وتضمُّ المجموعة الثالثة العجزةَ، وهم التلاميذ القاصرون وغير القادرين على الاستمرار في الدراسة لأسباب عقلية أو جسمية، مثل عدم قدرتهم على حفظ القرآن، أو عدم استطاعتهم - مثلا - الحضور إلى الحلقة. ويحدِّد أبو عبد الله مؤسِّس الحلقة هؤلاء العجزة بقوله: «وأمَّا العاجزون فأنواع: فمنهم الطرش، والعميان، والزَّمْنى، والهارمون، وذوو الأفهام القاصرة». (2)
لذلك فقد أُعفيَ هؤلاء من الحضور إجباريا إلى الدروس، وتُركت لهم حريَّة المشاركة في الدروس. كما يحقُّ لهم حضور وجبات الطعام، ولهم الحقُّ كذلك في المأوى. وقد يقوم هؤلاء ببعض الخدمات للتلاميذ والطلبة، كتحضير الطعام. ويلخِّص الدرجيني مهامَّ هؤلاء بقوله: «فهذه الأنواع شأنهم الإصغاء والاستماع، ليحصلوا الطرق والأخلاق، ويظهروا التلهُّف والاشتياق، وعليهم حفظ السيرات والمحافظة على الطرق والأوقات». (3)
جـ - نظام حلقة التدريس:
1) - أوقات الدراسة ونظامها: تبدأ الدروس اليومية في الثلث الأخير أو الربع الأخير من الليل، حيث يشرع أوَّلاً في الاستفتاح، فيستيقظ التلاميذ من النوم، فيتوضَّأون ويقرأون القرآن، سواء مع الشيخ أو كلّ واحد يقرأ بمفرده، وتستمرُّ تلاوة القرآن حتَّى أذان الفجر، عند يتوقَّفون عن القراءة، فيدعون ويستغفرون، ثمَّ يقومون لصلاة الفجر» (4)
وبعد الانتهاء من صلاة الفجر يتناول التلاميذ والطلبة وأعضاء العزَّابة طعام الفطور، ثمَّ يواصلون الدروس. فيشرع العريف في تحفيظ التلاميذ ما أخذوه في الدروس السابقة، وبعد ذلك يُملى عليهم ما يجب حفظه في الدرس القادم. ومن لم يقم بواجبه يعاقبه العريف. يقول البرادي: «إذا توقَّف أحدهم حين الحفظ، فإن كان مبتدئاً أقيل له خمس عثرات، فإذا كان فوقه إلاَّ أنَّه في أوَّل قلم أقيل له ثلاثة، وإن كان في الإعادة فعثرة واحدة، فإن زاد فعلى ما يجتهد فيه العريف» (5)
ويذكر الدرجيني أنَّه إذا كان التلميذ صغيرا فإنَّه يُجلد في الزاوية عقابا له على عدم القيام بواجبه، أمَّا إذا كان كبيرا فالخطَّة والطرد. (6)
وإذا كان تقصير التلميذ في الحفظ يرجع إلى عدم قدرته الذهنية، فإنَّ العريف لا
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص179. البرادي: المصدر السابق، ص214.
(2) - أبو عبد الله محمَّد بن بكر: سير الحلقة، ص3.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص180.
(4) - البرادي: الجواهر، ص208. خليفات: النظم، ص72.
(5) - البرادي: الجواهر، ص212.
(6) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص177. (1/145)
صفحة 141
يعاقبه وإنَّما يعذره. وفي حالة ما إذا يئس من قدرة التلميذ على الحفظ، وبالتالي الاستمرار في الدراسة، فإنَّه يقوم بتبليغ شيخ العزَّابة الذي يقوم بإعفائه، ويصبح التلميذ في صنف العجزة (1)
وعندما تنتهي الدروس الصباحية، يجمع العريف الطلبة لقراءة دعاء الختمة الصباحية، وهو بمثابة إعلان انتهاء الدروس الصباحية. بعد ذلك يجتمع شيخ العزَّابة بالتلاميذ والطلبة للردِّ على تساؤلاتهم في مختلف أنواع المعرفة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هناك نظاماً معيَّنا لطرح الأسئلة يلخِّصه أبو عبد الله قائلا: «هناك طرق كلّها حميدة، وذلك أنَّهم إمَّا أن يتداولوا وضع السؤال، فيبتدئون بالسؤال يوما. فمن أفضى إليه النوبة، وغاب اجتهد فيه. وإمَّا أن يسأل أفصحهم لساناً وأكثرهم بياناً. وإمَّا أن يسأل أشدّهم احتياجا لإسراع في ضرورات دعت أو لنازلة وقعت، ثمَّ إذا ألقى السؤال فإن كان الجمع حفيلا بدأ فيسأل الشيخ ثمَّ على من يمينه، فبعده الثاني إلى الشيخ طلبا للتخفيف والاختصار. وإن كان الجمع دون الاحتفال بينهم، سيما إن كان (لمآثل) فإنَّه يدير السؤال، ويحيل كلّ مسؤول على ميامنه، حتَّى يدور السؤال إلى الشيخ». (2)
وعندما يصل سؤال التلميذ أو الطالب إلى الشيخ يجيبه على السؤال. فإن رأى من هو أكفأ منه في الإجابة عن موضوع السؤال من أعضاء العزَّابة أذن له في الكلام. ويحقُّ للسائل هنا تنبيه المجيب إذا أغفل جانبا من السؤال. ويعترض إن احتاج إلى المزيد من الشرح والتوضيح.
ومن آداب الحلقة أنَّه من أراد القيام يجِب عليه أن يستأذن من يليه. فإن سمح له بذلك فعل، وإن لم يأذن له أقام.
وفي حالة ما إذا حضر بعض الأشخاص غير الرسميين في الحلقة فإنَّه يُستحسن عدم التطرُّق إلى المسائل الصعبة الشاذَّة حتَّى لا تُضلّ الأغبياء منهم. (3)
وعندما ينتهي الطلبة من طرح الأسئلة، يقوم الشيخ ومن معه فيصلُّون نافلة الضحى، ثمَّ ينصرف الشيخ «ويشيِّعوه تكرُّما وتأنيسا به، وإن ثقل عليه ذلك ركع وركعوا، ووادعوه ولم يشيِّعوه» (4)
وعندما ينصرف الشيخ تُقدَّم للطلبة وجبة من الفواكه أو البلح، ولهذه الوجبة شروط منها أنَّ لها وقتين: الوجبة الأولى عند الضحى بمقدار ما يقرأ فيه اللوح مرَّة أو مرَّتين، ويُشرف على تقديم هذه الوجبة عريف الطعام - كما مرَّ بنا -. ومع بداية تناول الوجبة يشرع العريف في طرح ثلاثة أسئلة على كلّ تلميذ، مبتدئا بالميامنة. فإذا لم يُجب أحد التلاميذ على الأسئلة يُمسك يده ويمنعه من الأكل تأديبا له. فإن نسي قُبل منه، لكنَّه يجب عليه أن يتذكَّر الإجابة. فإن تذكَّرها قبل انتهاء الوجبة سُمح له
__________
(1) - نفس المصدر والجزء، ص179. البرادي: الجواهر، ص214 - 215. الجعبيري: نظام العزَّابة، ص143 - 145.
(2) - سير الحلقة، ص3.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص179 - 180.
(4) - أبو عبد الله: المصدر السابق، ص3. (1/146)
صفحة 142
بأخذ نصيبه من الفواكه أو البلح، وإن لم يتمكَّن فلا. (1)
وبعد الانتهاء من تناول الوجبة يدعو العريف التلاميذ إلى نوم الهاجرة أي نوم القيلولة. ولا يستطيع أحد التخلُّف عنه إلاَّ بعذر مقنع. وأثناء النوم يجب أنْ يحافظ التلميذ على الهدوء التامِّ حتَّى لا يزعج غيره. يقول الدرجيني: «فإذا كان الضحى نادى العريف بنوم الهاجرة فينامون. فإذا ناموا وتكلَّم أحد أو تحرَّك بحيث يؤذي أحد النائمين فالخطَّة، بل إنْ أبى أنْ ينام بغير عذر، وكان تركه للنَّوم ذريعة إلى امتناع القيام باللَّيل حتَّم عليه نوم القائلة. فإن امتنع فالخطَّة». (2)
وقد حافظ الإبَاضِيَة على هذا النظام حتَّى في سفرهم. يذكر الدرجيني أنَّ الشيخ أبا نوح سعيد بن يخلف المزاتي إذا سافر وحان وقت نوم الهاجرة نزل عن فرسه ونام. (3)
أمَّا الفترة الدراسيَّة المسائيَّة فتبدأ بعد صلاة الظُّهر، وتستمرُّ حتَّى صلاة العصر. فعندما يقيمون صلاة العصر تُقدَّمُ الوجبة الإضافية الثانية كوجبة الضُّحى كمًّا وكيفًا. وبعد مراجعة الدروس لفترة قصيرة ينصرف التلاميذ والطلبة إلى القيام بأعمال أخرى، أو الاستراحة. وتستمرُّ فترة الراحة هذه حتَّى صلاة المغرب حيث يتجمَّع التلاميذ والطلبة مرَّة أخرى لأداء صلاة المغرب ثمَّ تقام الختمة المسائيَّة. وتعتبر هذه الختمة نهاية اليوم الدراسي عند الإبَاضِيَة. وفي هذه الختمة يجلس الطلبة والتلاميذ في هيئة حلقة، يتلون القرآن إلى أنْ ينادي المؤذِّن لصلاة العشاء، فيدعون دعاء الختام ثمَّ يصلُّون العشاء، ويتناولون العَشاء بعد ذلك. وبعد استراحة قصيرة تقام الختمة النهائيَّة، وتتبع بدرس في الوعظ والإرشاد، ثمَّ ينصرفون للنوم. ويعتبر الحضور إلى هذه الختمة غير إجباري، لأنَّها ختمة ليست بأكيدة وحضورها يكون على الكفاية فقط. (4)
ولا تعطينا المصادر تفاصيل عن مواضيع الدروس أو دعاء الختمات إلاَّ أنَّه يرجح أن تكون في الفقه والأحكام الإبَاضِيَة، لأنَّ هدف الحلقة هو الحفاظ على استمراريَّة المذهب. فأبو الربيع يقول: «العلم كثير من أنْ يحصى لكن خذوا من كلّ شيء أحسنه، وقيل: تعلَّموا قبل أنْ يرتفع وارتفاعه ذهاب أهله». (5)
هذا وإنْ كان التلاميذ يخضعون لأوامر العريف، فإنَّ الطلبة من "أصحاب الكتب" لهم نوع من الحرِّيَّة حيث تكون حلقاتهم العلميَّة على شكل حوار ومناقشة. وعلى الرغم من تمتُّعهم بقسط من الحرِّية إلاَّ أنَّهم يمنعون من مطالعة الكتب غير المرغوب فيها، والتي تسمِّيها المصادر الإبَاضِيَة "كتب المخالفين". ومن الأمثلة على
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص176. البرادي: الجواهر، ص211 - 212.
(2) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص174.
المعروف أنَّ النوم يكون عند الظهر وليس الضحى.
(3) - نفسه، ج2، ص368.
(4) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص174. خليفات: النظم، ص75.
(5) - أبو الربيع المزاتي: كتاب السير، ص51. (1/147)
صفحة 143
ذلك أنَّ يحيى بن زكرياء الزواغي ــ أحد شيوخ الإبَاضِيَة ــ وجد يوسف بن موسى مصارمين يقرأ "كتاب الأشراف على مسائل الخلاف" فأخبر المشايخ بما رآه، فبعثوا إليه بالخطَّة والهجران فأسرع إليهم وتاب. (1)
وسنصادف أمثلة كثيرة من تحديرات العزَّابَة للناس من مطالعة كتب أهل الخلاف، بل إنَّ من يطَّلع على كتاب من هذه الكتب يعاقب. وقد سبق الذكر في الفصل الأوَّل (2) أنَّ الإمام الرُّسْتُمِي يعقوب بن أفلح حذَّر أهل وارجلان من اتباع ابنه سليمان لأنَّه كان يقرأ كتب أهل الخلاف. ومعنى هذا أنَّ الإبَاضِيَة يقتصرون في حلقاتهم على كتب ألَّفها إخوانهم. ونقصد بهذه الكتب المؤلَّفات الفقهيَّة، أمَّا غيرها من كتب العلوم والأدب فلا تمنع.
وبعد حديثنا عن أوقات الدراسة ونظامها نشير إلى أنَّ فترات الراحة لها هي الأخرى أوقات وآداب. ويمكن أنْ نلخِّص الأوقات التي يستريح فيها التلاميذ والطلبة كالآتي: آخر النهار، وقت الأكل، من الضحى إلى الظهر، بعد صلاة العشاء، إلى جانب عطلات المواسم والأعياد، وفي أوقات الراحة هذه لا يحِقُّ للتلميذ أو الطالب أنْ يقضيَها في الأماكن المشبوهة أو الأماكن العامَّة، بل يجب أنْ يقضِّيها في الأماكن غير الآهلة كالجنان مثلاً. يقول الدرجيني: «وقت الراحة والتصرُّف هو آخر النهار يتصرَّف إلى المواضع التي لا ينكر التصرف فيها كمواضع المياه، ومواضع الأشجار، وأمثالها من الأماكن التي تنفرج فيها النفوس وتنفسح فيها الصدور، فإنَّ في ذلك إجماعاً للخواطر وجلاء للنواظر فلا بأس في ذلك مالم تكن هذه الأماكن معروفة بأنْ يستقرَّ فيها مصادف الشبُهات كالنساء ... والإكثار من التصرف في الطرقات والأسواق يكره». (3)
والإبَاضِيَة لا يستحبَّون مخالطة التلاميذ الصغار للكبار في الأسواق خوفاً عليهم. ويرى البرادي أنَّ الكبير أعذر في مخالطتهم من الصغير لأنَّ الكبير يمكن أنْ يهديهم. أمَّا الصغير فهو أهل لأنْ يضلُّوه. ومن أكثر من ذلك فإنَّه يعاقب. (4)
2) - طريقة الامتحانات في نظام الحلقة:
من خلال هذا العرض يمكن أنْ نتعرَّف على طريقة الامتحانات وعددها رغم أنَّ المصادر الإبَاضِيَة لا تتحدَّث عنها.
يبلغ عدد الامتحانات التي يقوم بها التلاميذ ثمانية امتحانات. فالعريف على طلبة القرآن يقوم باختبار التلاميذ ثلاث مرَّات في اليوم، حيث يمتحنهم مع بداية الدرس كلّ يوم فيما أخذوه في الدرس السابق؛ كما يمتحنهم أثناء الوجبتين الإضافيتين: عند الضحى، وبعد العصر. وقد سبق الذكر أنّ كلّ تلميذ يخطئ في الإجابة يُحرم من الوجبة، كما يقوم شيخ العزَّابة بامتحان الطلبة أثناء ختمة الغداء وختمة المساء. وإن كنَّا قد ذكرنا سابقا أنّ الشيخ يردُّ على تساؤلات الطلبة، إلاَّ أنَّه في نفس الوقت يختبر
__________
(1) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 123 - 124.
(2) - انظر، ص47.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص181 - 182.
(4) - البرادي: الجواهر، ص217. (1/148)
صفحة 144
ذكاء الطلبة. ويلاحظ مدى استفادتهم من الدروس التي حصَّلوها من خلال المناقشات التي كانت تدور في الحلقة. وإلى جانب هذه الامتحانات هناك امتحانات أسبوعية أثناء يوم الإثنين والخميس والجمعة، حيث يجمع الشيخ الطلبةَ فيسأل عن أحوالهم.
3) - العقوبات، وأنواعها وأسبابها:
إنّ العقوبات في النظام التعليمي عند الإباضيَّة متنوِّعة طبقا لكبر الذنب أو صغره. وهي تبدأ من مجرّد التوبيخ إلى البراءة. (1) وهي أشدُّ عقاب. ويمكن حصر أنواع العقوبات كما يلي:
1 - يوبَّخ التلميذ أو الطالب إذا ارتكب خطأ صغيراً.
2 - جلد التلميذ أو الطالب في زاوية من زوايا المسجد، تأديبا له حتَّى لا يكرّر الخطأ مرّة أخرى.
3 - حرمانه من الحضور إلى وجبات الأكل.
4 - الخطة: وتعني الطرد والهجران، وهي أشدّ أنواع العقاب بعد البراءة.
5 - البراءة: وهي أشدُّ أنواع العقاب. (2)
أمَّا أسباب هذه العقوبات فإنَّها تعود إلى تقصير التلاميذ في واجباتهم الدراسية. كما يعاقَب التلميذ إذا أزعج زملاءه أثناء أوقات النوم، أو إذا لم يشارك في نوم الهاجرة، أو الاستفتاح، أو في الختمات. ويعاقَب كذلك إذا لم يطبِّق آداب الأكل، أو أكثر التجوال في الأسواق، أو لم يتقيّد باللباس الرسمي. (3)
4) - مجَّانيَّة التعليم:
يعتبر التعليم عند الإباضيَّة من الأمور الهامَّة التي يجب استمرارها. ولذلك أقرُّوا مجانية التعليم. ويتمُّ الإنفاق على التلاميذ من الأموال التي يحصل عليها العزَّابة من التبرُّعات والزكاة والحبوس والأوقاف. وساهمت المساعدات المالية، والهبات التي يتبرّع بها الأغنياء من الإباضيَّة في الإنفاق على التلاميذ والطلبة، وكلّ ما يلزم الحلقة من أشياء. ومن أمثلة تلك التبرّعات أنّ أحد شيوخ الإباضيَّة ويدعى أبا باديس أبخت بن باديس (عاش في القرن 4 هـ/ 10م) تبرَّع بثلاثمائة بقرة للعزَّابَة. (4)
كما أنَّ الشيوخ الميسوري الحال كانوا ينفقون من مالهم الخاصّ على تلاميذهم. ومثل ذلك ما ذكره الشمَّاخي عن تولِّي العالِم أبي عبد الله محمَّد بن سليمان النفوسي الإنفاقَ على تلاميذه، فيقول: «كان ممَّن وسَّع الله عليه في كثرة العلم والمال والتقى، وسماحة النفس، وسخاوة القلب. كانت عنده كثرة التلاميذ يعلّمهم ويطعمهم ويكسوهم من خالص ماله. فإذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء، وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخفّ». (5)
__________
(1) - البراءة عند الإبَاضِيَة هي البراءة من الكفَّار، ومن الأشخاص الذين يصدر منهم شرّ، ومن جميع المشركين، والسلطان الجائر. انظر مجهول: مسائل مختلفة، (مخ)، و1، 2.
(2) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص178. خليفات: النظم، ص82.
(3) - نفس المصدر والجزء، ص178. نفس المرجع والصفحة.
(4) - الشماخي: السير، ص382 - 383.
(5) - نفس المصدر، 406 - 407. (1/149)
صفحة 145
كما أنّ المشرفين على التعليم - أي العرفاء - كانوا ينالون جزءاً من المال كأجر لهم حتَّى يستمرُّوا في أداء عملهم. ويورد الشماخي فتوى لأبي عبد الله محمَّد بن بكر تدعو بضرورة تقديم الأجرة على تعليم القرآن حتَّى لا يكون ذلك "ذريعة إلى ترك التعليم، فينفض إلى تمام الجهل، وتصير الناس أمِيين". (1)
2 - الحياة الثقافيَّة في وارجلان وسدراتة:
عرفت مدينة وارجلان وسدراتة حركة ثقافيَّة نشطة، إلى جانب ازدهارهما الاقتصادي باعتبارهما مراكز تجاريَّة هامَّة في بلاد المغرب. وقد أفضى بُعدهما وانعزالهما عن المدن المغربيَّة الأخرى إلى توفُّر الأمن والاستقرار ممَّا ساعد على اتساعهما وازدياد قوَّة أهلهما، وكثرة الوافدين عليهما، ممَّن يرغبون في الثراء بالتجارة مع بلاد السودان. وممَّا يدلُّ على قوَّة سكَّان المدينتين أنَّهم عرضوا الإمامة على يعقوب بن أفلح بإقامة دولة جديدة تحلُّ محلَّ ... الدولة الرُّسْتُمِيَّة.
وإذا كنَّا لا نعرف الكثير عن الحياة الثقافيَّة في وارجلان في عهد الدولة الرُّسْتُمِيَّة، فذلك يعود إلى أنَّ انطلاق الحركة العلميَّة في هذه المدينة الصحراويَّة كان مع قدوم الإبَاضِيَة إليها فارِّين من تاهرت. فأصبحت هي البديل لتاهرت، وقدم إليها العلماء من مختلف الأمصار خاصَّة بعد المضايقات التي تعرَّض لها إبَاضِيَة إفريقية وطرابلس، وجبل نفوسة. ومن العلماء الذين كان لهم دور فعَّال في إثراء الحركة الثقافيَّة في وارجلان الشيخ أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن سهلون السدراتي المعروف بِ"الطرفي" والملقَّب بِ "شيخ الرأي الناصح". تصنِّفه المصادر الإبَاضِيَة ضمن الطبقة السادسة، أي من علماء القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). أخذ أبو يوسف العلم عن الأيمَّة الرستميين في تاهرت. ولمَّا علت منزلته ومكانته العلميَّة تولَّى القضاء في وارجلان. يصفه الدرجيني قائلاً: «ذكر أنَّه في مدَّة قضائه كان يقضي بين الناس وهو يعمل أشغال داره، لا يلهيه شيء عن شيء. وذلك لذكائه وقلَّة كبره، وكان منتهى الفتيا بوارجلان». (2) كما كان "غزير الحفظ، متقنًا لِمَا حفظ". (3)
كوَّن هذا العالم الفقيه حلقة علميَّة في أحد مساجد وارجلان. فكان إلى جانب تولِّيه القضاء يقوم بتعليم التلاميذ، ويلقي دروس الوعظ في مساجد المدينة. وأثمرت حلقته تخرُّج العديد من العلماء نذكر منهم: أبا صالح جنّون بن يمريّان الذي تولَّى أمور وارجلان بعد وفاة أبي يوسف. وأصبح شيخها الكبير، وإليه ترجع الأمور. كما كانت له حلقة علميَّة في أحد مساجد وارجلان تعرف باسمه، يؤمُّها كلّ متعطّش للعلم والمعرفة. فالدرجيني يصف هذه الحلقة قائلاً: «كانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند الشيخ جنّون. فمنهم المستفيد منه علمًا، ومنهم المتبرّك بمشهادته، والمشارك فيما
__________
(1) - الشماخي: نفس المصدر، ص406 - 407.
(2) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص332.
(3) - الشماخي: السير، ص410. (1/150)
صفحة 146
يعرض من أمور دنياه ودينه، والمقتنى خلقًا يتحلَّى به، والمستزيد من معرفة سبب السير. فكلُّهم منقلب ... بخير وفضل». (1)
كما اشتهر يعقوب بن أفلح الرُّسْتُمِيُّ الفار من تاهرت بالعلم. وتقول المصادر إنَّه كان عالمًا بالتنجيم. وقد سئل هذا الإمام عمَّا إذا كان يحفظ القرآن فأجاب قائلاً: «أستعيذ بالله من أنْ ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام مالم أحفظ وأعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزَّل على نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -». (2)
كما نبغ بعده ابنه سليمان في العلوم، إلاَّ أنَّ اطلاعه على كتب أهل الخلاف، وإفتاءه بمسائل خالف فيها المذهب الإبَاضِي جعلت شيوخ وارجلان يعارضونه، ويحرِمونه من المساهمة في الحركة العلميَّة بإثارة الناس على أفكاره. (3)
ويبرز علماء آخرون مثل أبي نوح سعيد بن زنغيل الذي تزعَّم الثورة ضدَّ الفاطميِّين رفقة زميله أبي خزر يغلى بن زلتاف الذي رافق الخليفة المعز الى مصر. فلمَّا تمارض أبو نوح لكي لا يصاحب المعزَّ في رحلته إلى القاهرة انتقل إلى وارجلان حيث لقي ترحيبًا كبيرًا خصَّه به العالم أبو صالح جنّون بن يمريَّان، وأجرى عليه الأرزاق، وأمدَّه بالأموال التي يحتاج إليها، بل إنَّ أبا صالح عرض عليه نصف ما يملك. يقول الدرجيني: «لمَّا وصل وارجلان أنزله الشيخ وجماعة أهل وارجلان، وأحسنوا نزوله، وتجاوزوا الحدَّ في الإعظام، وأكرموا مثواه غاية الإكرام ... ذكر لنا (أي أبو صالح) ملأ له بيته إلى السقف تمرًا ... وأجرى له كلّ يوم مائدة، وأخرى عشيَّة». (4) وقد أمضى أبو نوح مدَّة في وارجلان، قضاها في التدريس وتنظيم الحلقات العلميَّة في مسجد أبي صالح جنّون، ثمَّ رغب في العودة إلى الحامَّة بإفريقيَّة. ورغم محاولات الشيخ أبي صالح ليبقى في وارجلان إلاَّ أنَّه غادرها عائدًا إلى موطنه. ولمَّا عاد إليها ثانية بعد موت أبي صالح وجد الفساد قد كثر فيها، وتردَّت أحوالها. فعاب على أهلها عدَّة أشياء منها انتشار نكاح السر، وكثرة اللصوص من العبيد الذين كانوا يستولون على أموال الناس. إلى جانب تفشِّي الخلافات المذهبيَّة بين مختلف الفرق. ورغم محاولة أبي نوح إصلاح الأمور إلاَّ أنَّه لم يستطع تغيير تلك المناكر فرحل عنها نهائيًّا. (5)
ويبدو أنَّ أبا صالح جنّون بن يمريان كان له الفضل الكبير في ازدهار الحركة العلميَّة في وارجلان نظراً للجوِّ الذي وفَّره للعلماء حيث كانوا يقيمون عنده، وينفق عليهم. كما ينفق على التلاميذ والطلبة. وبوفاته تدهورت الحركة العلميَّة، وظلَّت
__________
(1) - المصدر السابق، ج1، ص144 - 145.
(2) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص105.
(3) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص126.
(4) - المصدر السابق، ج1، ص144 - 145.
(5) - الشماخي: السير، ص360 - 361.
HADY ROGER Idris: La bérbérie orientale, p 748. (1/151)
صفحة 147
الحياة الثقافيَّة راكدة، إلى أنْ قدم أبو عبد الله محمَّد بن بكر فانبعثت من جديد. ذلك أنَّ هدف أبي عبد الله هو إعادة بناء الحركة العلميَّة وتنظيمها تنظيمًا دقيقًا. ولعلَّ أهمَّ إنجاز ثقافيٍّ في هذه المرحلة هو وضع نظام للحلقة. هذا النظام الذي دفع الحركة العلميَّة دفعة كبيرة. فكانت الحلقة العلميَّة التي نظَّمها في "تين يسلي" اللبنة الأولى للنظام التعليمي. فقد كثرت حلقات التدريس في مختلف مواطن الإبَاضِيَة. فبلدة "تجديت" ــ إحدى قرى أريغ ــ وحدها «اجتمع فيها من أهل العلم والأدب والفضل والعبادة والسيادة مالم يجتمع في غيرها من بلاد أهل المذهب في ذلك الزمان، حتَّى عدّوا في الحلقة من الطلبة ثمانين توأماً، ومائتي طالب يحفظون مائتي كتاب، وغيرهم من الطلبة مالا يعدُّ بكثرة. وفيها مائة عالم لا يردُّ أحدهم مسألة إلى الآخر إلاَّ من جهة الأدب، ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس. ولكثرة الناس طالما نفرت الدواب من مرابضها إذا كبَّروا تكبيرة الإحرام». (1)
وكان أبو عبد الله يتنقَّل في البادية يدعو للمذهب الإبَاضِي ويوزّع تلاميذه على أحياء الإبَاضِيَة للقيام بالتعليم والإرشاد والوعظ. وكان يشجِّع تلاميذه على دراسة الكتب وتأليفها. وقد أثمرت حلقات أبي عبد الله العلميَّة، فظهر عدد من العلماء تولَّوا الرئاسة بعده منهم "أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي" صاحب "كتاب السير" المعروف. (2)
وقد تعلَّم عن أبي عبد الله ثمَّ انتقل إلى جزيرة جربة. وفيها واصل تعليمه في حلقة أبي محمَّد ويسلان بن أبي صالح وزكريَّا ويونس. وما لبث أنْ كوَّن حلقة علَّم فيها الطلبة أصول الدين. وشرع في تأليف الكتب خاصَّة كتب العقائد الخاصَّة بالمذهب الإبَاضِي. نذكر منها كتابه المسمَّى "التحف المخزونة والجواهر المصونة" ويتألَّف من جزأين. (3)
كما كان لأبي العبَّاس محمَّد بن بكر (ت 504هـ) (1110م) دور فعَّال في إثراء الحياة الثقافيَّة. فقد ترك هذا الأخير عدَّة مؤلَّفات سنذكرها في حديثا عن حركة التأليف. وقد بلغت تآليفه حوالي خمسة وعشرين كتاباً. يقول عنه الشماخي: «صنَّف في آخر عمره تصنيفًا في خمسة وعشرين جزءًا، وكتاباً تركه في الألواح". (4)
وكان أبو العبَّاس شغوفًا بالعلم، لذلك تنقَّل بين المدن الإبَاضِيَة للتزوُّد بالعلم. فقد سافر إلى جبل نفوسة للإطلاَّع على مكتبة القصر في قرية "ولم"، وأقام بها مدَّة أربعة أشهرٍ، قضاها كلَّها في الاطلاَّع على الكتب التي انتقاها من هذه المكتبة
__________
(1) - الباروني: رسالة سلَّم العامَّة، ص24.
(2) - هو أحد علماء الإبَاضِيَة البارزين، تصفه المصادر الإبَاضِيَة بأنَّه كان غاية في العلوم. ألَّف عدداً كبيراً من الكتب مثل: كتاب "المتحف في الأصول"، وكتاب "السير". توفِّي سنة 471هـ (1078م). وانظر الشماخي: السير، ص412 - 1 - 414.
(3) - عمرو خليفة الناس: ملامح عن الحركة العلميَّة بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرُّسْتُمِيَّة حتَّى أواخر القرن السادس الهجري، مجلَّة الأصالة، عدد42 - 43، سنة1977، ص22 - 23.
(4) - السير، ص423. (1/152)
صفحة 148
الضخمة التي تضم أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف كتاب. (1)
ومن بين العلماء الذين أثروا الحركة الثقافيَّة أبو صالح الياجراني فقد اشتهر بعلمه الغزير، وشدَّة تعبُّده. وكان ينتقل في كلّ ليلة في جميع مساجد وارجلان، يطوف عليها مسجدًا بعد مسجد. فكلَّما دخل مسجدًا صلَّى فيه. كما كان هذا الشيخ من الملازمين لحلقة أبي عبد الله، ولم يغادرها إلاَّ بعد وقوع فتن في وارجلان أجبرته على الخروج منها وانتقل إلى ناحية "أدرج"، والتي كانت تضمُّ حوالي ثلاثمائة تلميذ يقرؤون العلوم وسير أهل الخير والصلاح. (2)
أمَّا تيبغورين بن عيسى الملشوطي (3) فكان من أعظم الناس علمًا وعملاً، ساهم هو الآخر في إثراء الحياة الثقافيَّة بمؤلِّفاته العديدة في العقيدة. وكان أبو محمَّد ماكسن بن الخير كذلك من العلماء المشهورين. ولد في تونس، وأصيب في صغره فكفَّ بصره. ورغم ذلك تعلَّم وحفظ القرآن ثمَّ انتقل إلى جزيرة جربة، والتحق بحلقة أبي محمَّد ويسلان. وظلَّ يدرس فيها ردحًا من الزمن رفقة صديقه أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي الذي كان يقرأ له الكتب، ويساعده في حلِّ المسائل. ولم يمكث "ماكسن" مدَّة طويلة في إفريقيَّة حيث انتقل إلى وارجلان واستقرَّ فيها، وأصبح حجَّة في العلوم الفقهيَّة، وإليه ترجع أمور الفتوى. (4)
أمَّا الشيخ أبو سامان داود بن أبي يوسف فكانت له حلقة، التحق بها الطلاَّب من مختلف الجهات. وساهمت هي الأخرى في تكوين عدَّة علماء. كما ساهمت حلقة أبي اسماعيل أيُّوب بن اسماعيل في الحركة العلميَّة، وكان ينفق على تلاميذه من ماله الخاص. (5)
وبعد هذا العرض المقتضب للحركة الثقافيَّة يتبيَّن أنَّ وارجلان حظيت أكثر من غيرها من مواطن الإبَاضِيَة بهذا الازدهار الثقافي، ولا يعني هذا أنَّ مواطن الإبَاضِيَة الأخرى قد خلت من النشاط الثقافي، بل إنَّ آثار الحركة الثقافيَّة بلغت السودان. ذلك أنَّ الجاليات الإبَاضِيَة الكبيرة الموجودة في السودان لعبت هي الأخرى دورًا لا يستهان به في نشر المذهب الإبَاضِيَة هناك.
وقد ساعد على ازدهار الحركة الثقافيَّة كثرةُ تنقل العلماء بين مواطن الإبَاضِيَة. وقد لاحظنا ذلك خلال حديثنا عن علماء وارجلان. وتشير المصادر إلى الكثير من هذه الزيارات فالدرجيني مثلاً يخبرنا عن قدوم أبي اسماعيل البصير بن ملال المزاتي ــ أحد علماء الإبَاضِيَة من الطبقة التاسعة (400 - 450هـ) (1009 - 1058م)
__________
(1) - نفسه، ص414.
(2) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص310. الدرجيني: الطبقات، ج2، ص372 - 373.
(3) - هو أحد علماء الإبَاضِيَة في مدينة "ملشوطة". أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي. ألَّف العديد من الكتب خاصَّة في العقائد. كان معاصرًا لأبي العبَّاس ابن بكر. انظر الشماخي: السير، 432.
(4) - الشماخي: نفس المصدر، ص414. ... علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ح4، ص193.
(5) - النامي: ملامح، ص26. (1/153)
صفحة 149
ــ إلى أريغ مروراً بكدية "بني غمرت" و"تميرينت"، وكلُّها مناطق يسكنها الإبَاضِيَة قرب وارجلان. (1)
كما يذكر أنَّ ثلاثة من فقهاء جربة هم: أبو صالح بكر بن قاسم، وأبو موسى عيسى بن السمح، وأبو زكرياء فصيل بن أبي مسور قاموا بزيارة لإبَاضِيَة وادي أريغ، ووارجلان. (2)
ولمَّا انتقل الإبَاضِيَة إلى وادي ميزاب نقلوا معالم حضارتهم إلى تلك الربوع من علوم وفنون وآداب. وظلَّت الحلقات العلميَّة والدينيَّة باقية إلى يومنا هذا. وقد استفادت هذه المنطقة من الوفود الكثيرة التي قدمت من جبل نفوسة وجربة وسدراتة ونفطة والحامة ووارجلان.
واهتمَّ الإبَاضِيَة بتأليف الكتب منذ القدم، أيَّام كانوا في المشرق. فقد الَّف جابر بن زيد الأزدي العماني كتابه المعروف بِ"ديوان جابر بن زيد"، أو "جوابات جابر بن زيد". ويعتبر هذا الكتاب المرجع الأوَّل للأحكام الفقهيَّة عند الإبَاضِيَة. كما ألَّف خليفته في رئاسة المذهب أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة كتابًا في أحكام الزكاة، وهو عبارة عن أجوبة لأسئلة تلقَّاها من الإبَاضِيَة. كما جمع الربيع بن حبيب (3) كتابًا في الحديث من عدَّة أجزاء يعرفُ بِ"مسند الربيع بن حبيب" أو "الجامع الصحيح للربيع بن حبيب".
ولمَّا انتقل المذهب الإبَاضِي إلى بلاد المغرب، وانتشر بين سكانه انتشارًا سريعًا، ظلَّ أتباعه يرجعون إلى الأصول الفقهيَّة المشرقيَّة، لأنَّه لم يكن في بلاد المغرب في ذلك الوقت - أي في النصف الأوَّل من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) - علماءُ لهم القدرة والكفاءة العلميَّة على الكتابة، لأنَّ المذهب كان مازال فتيًّا في المنطقة، ولم يتعمَّق فيه الأتباع تعمُّقًا كبيرًا لاشتغالهم بالعمل على تأسيس دولة لهم تحفظهم وتجمع شتاتهم. ورغم كلّ هذا أرسلت البعثات العلميَّة إلى مركز المذهب في البصرة لتدرس هناك عند علماء الإبَاضِيَة. وتمكَّن الإبَاضِيَة فعلاً من تحقيق هدفهم إذ بمجرَّد عودة هذه البعثات أقبل الكثيرون من البربر على المذهب الإبَاضِي، وانتشر بصورة مذهلة.
ولمَّا قامت الدولة الرُّسْتُمِيَّة، وانتقل الإبَاضِيَة من إمامة الكتمان إلى إمامة الظهور أصبحت الحاجة ملحَّة للنهوض بالحياة الثقافيَّة إذ أنَّ الإمام نفسه يجب أنْ يكون عالمًا لأنَّ من شروط الإمامة العلم. يقول ابن خلدون: «أما اشتراط العلم فظاهر، لأنَّه إنَّما يكون منفذًا لأحكام الله تعالى، إذا كان عالمًا بها. ومالم يعلمها لا يصحّ تقديمه لها. ولا يكفي من العلم إلاَّ أنْ يكون مجتهداً لأنَّ التقليد نقص، والإمامة
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص412.
(2) - نفس المصدر والجزء، ص342.
(3) - هو أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، من فراهيد من غضفان، انتقل إلى البصرة ولا يعرف تاريخ مولده أو وفاته، إلاَّ أنَّه كان معاصرًا لجابر بن زيد (ت93هـ). كان والده حبيب بن عمرو أحد تلامذة جابر وأبو عبيدة مسلم. والربيع هو الذي تولَّى الحكم في الخلاف الذي نشب بين الامام الرُّسْتُمِي عبد الوهَّاب ومخالفيه. انظر الحارثي: العقود الفضِّية في أصول الإبَاضِيَة، دار اليقظة العربيَّة، سوريا (د. ت)، ص149 - 154. (1/154)
صفحة 150
تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال». (1)
واستطاع بنو رستم في فترة وجيزة أنْ يحوِّلوا عاصمتهم إلى عاصمة فكريَّة نافست العواصم الثقافيَّة المغربيَّة الأخرى كالقيروان وفاس. وخير وصف لهذه الحركة في تاهرت ما قاله الباروني: «بلغت هذه الأئمَّة بمدينة تاهرت من العلم والأدب والفضل والعدل المقام السامي، حتَّى قال البعض منهم: «معاذ الله أنْ تكون عندنا أمَةٌ لا تعرف القمر في أي منزلة هو في كلّ ليلة». (2)
وقد اهتمَّ الأيمَّة أنفسهم بدراسة الكتب العلميَّة. وقد روى أنَّ الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم وردت عليه خزانة من الكتب من بلاد المشرق لمطالعتها. كما كان ابنه أفلح قبل تولِّيه الإمامة يقوم بتعليم فنون العلم. وقد ألَّف في الفقه كتبًا تعرف بجوابات الإمام أفلح. (3) كما ألَّف عبد الرحمن بن رستم تفسيرًا للقرآن. (4)
ونتيجة لاهتمام الأيمَّة بالعلم، كثر العلماء واشتهر العديد منهم أمثال: أبو مرداس مهاصر التبرستي، وأبو المنيب محمَّد بن يانس الدَّركلي، وأبو الحسن الأبدلاني (5) وغيرهم كثير. (6)
وقد اشتهرت تاهرت بمكتبتها الضخمة المعروفة بالمكتبة "المعصومة" التي أحرقها أبو عبد الله الشيعي ــ كما تقول المصادر الإبَاضِيَة ــ بعد أنْ انتقى منها كتب العلم والحساب. وإذا كانت هذه الرواية غير مؤكَّدة تاريخيًّا فإنَّ المؤرخين المحدثين يرون أنَّ المكتبة لم تحرق، وأنَّ بقيَّة الأمَّة الرُّسْتُمِيَّة الذين فرُّوا إلى وارجلان أخذوا شيئًا غير قليل منها. غيرأنَّ بعضها يحتمل أنَّه ضاع في الطريق لانشغالهم بالدفاع عن أنفسهم وتأمين حياتهم. (7)
ومهما يكن من شيء فإنَّ الإبَاضِيَة في هذه الفترة قد أثْروا الحياة الثقافيَّة في بلاد المغرب. وبعد سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة استمرَّت الحركة الثقافيَّة، بل ازدادت حركة التأليف. إذ أنَّ انتقال الإبَاضِيَة من جديد من إمامة الظهور إلى إمامة الكتمان، جعلهم يهتمُّون بتدوين وتأليف الكتب الفقهيَّة، حفاظَا على استمرار مذهبهم وتراثهم الثقافي بصفة عامَّة. ولذلك نجد الكتب الفقهيَّة التي ألِّفت في هذه الفترة أي الفترة التي تلت سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة تعدُّ بالآلاف.
__________
(1) - المقدِّمة، ص342.
(2) - رسالة سلَّم العامَّة، ص15.
(3) - لا زالت هذه الكتب مخطوطة، وتوجد نسخٌ منها في مكتبة الحاج يوسف الباروني الخاصة في جزيرة جربة بالجمهوريَّة التونسيَّة.
(4) - الشماخي: السير، ص438.
(5) - لا تعطينا المصادر الإبَاضِيَة تفاصيل عن هؤلاء العلماء. وتكتفي فقط بالإشارة إليهم على أنَّهم كانوا من العلماء الذين كان لهم الفضل الكبير في الحياة الثقافيَّة.
(6) - الباروني: رسالة سلم العامَّة، ص16 - 18.
(7) - موسى لقبال: من قضايا التاريخ الرُّسْتُمِي (مكتبة المعصومة بتاهرت هل أحرقت أو نقلت عيونها إلى سدراتة)، مجلَّة الأصالة، عدد41، سنة 1977، ص59. (1/155)
صفحة 151
ومن التآليف المهمَّة جدًّا التي ظهرت في هذه الفترة "ديوان الأشياخ" (1) الذي اشترك في تأليفه عدد من العلماء. وتشير المصادر إلى أنَّ أبا عمران موسى بن زكرياء المزاتي الدمري كان السبب في تأليفه، وتولَّى كتابة أجزائه. ويتألَّف هذا السفر الضخم من ستَّة أجزاء صغيرة وثلاثة كبيرة في الفقه الإبَاضِي، جزء خاص بالطهارات، وجزء في الصلاة، واختصَّت الأجزاء الباقية في الصوم والزكاة والحجِّ والأحكام، وهذا الجزء الأخير مقسَّم إلى ثلاثة أجزاء صغيرة. يبدأ الجزء الأوَّل منه بباب التنزُّه عن أجر القضاة وينتهي بباب الدعوى، أمَّا الجزء الثاني فيبدأ بباب الإقرار وينتهي بباب ضمان الحاكم، أمَّا الجزء الثالث فهو خاص بالإيمان. (2)
وهذا الديوان غير الديوان الضخم المعروف بِ"ديوان مشائخ نفوسة" الذي ألِّف بنفس الطريقة ويسمَّى كذلك بديوان العزَّابَة. (3) وإلى جانب هذه الموسوعات الفقهيَّة توجد كتب أخرى. وقد أحصى البرادي مؤلَّفات إبَاضِيَة المغرب نذكر منها مايلي:
1 - كتاب عمروس بن فتح وله كتاب آخر ويعرف بِ"اللقط".
2 - هود بن محكم الهواري: التفسير (هو عبارة عن تفسير للقرآن الكريم في سفرين كبيرين).
3 - كتاب الشيخ أبي خزر في الكلام.
4 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر: سير الأئمَّة وأخبارهم (وهو كتاب في التاريخ يتكوَّن من جزأين، يتناول فيه تاريخ الإبَاضِيَة في بلاد المغرب)
5 - أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر: ألَّف جامعه المعروف بأبي مسألة، وله كتاب "تبيين أفعال العباد" في سفر كبير، وكتاب "السيرة في الدماء"، وكتاب "الأصول" في ثلاثة أسفار، وكتاب "أصول الأرضيين" في ستَّة أجزاء. وله كتاب القسمة وكتاب الألواح". (4)
ويلاحظ من مؤلَّفات الإبَاضِيَة أنَّ معظمها في الفقه. ويرجع ذلك إلى خوفهم من زوال المذهب. ففي هذه الفترة (296 - 442هـ) (909 - 1058م) لم يكونوا في حاجة إلى كتب التاريخ والعلوم بقدر ماكانوا في حاجة لكتب الفقه.
وقد اعتنى الإبَاضِيَة بهذه المؤلَّفات، واعتمدوا عليها اعتماداً كلِّيًّا في الفتاوي،
__________
(1) - يسمَّى كذلذ بِ"ديوان الغار" لأنَّ الشيوخ الذين ألَّفُوه كانوا يجتمعون سرًّا في غار "مجماج" بجربة. انظر محمَّد الشيخ بالحاج: الاجتهاد في المذهب الإبَاضِي، محاضرة ألقيت في الملتقى السابع عشر للفكر الإسلامي، قسنطينة 19 - 26 يوليو 1983، مطبعة البعث، قسنطينة، ص27.
(2) - سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، ج1، ص97 - 98.
(3) - ألَّف هذا الديوان جماعة من العزَّابَة نذكر منهم: يخلفتن بن أيُّوب النفوسي محمَّد بن صالح النفوسي المسناني، يوسف بن موسى الدرجيني، يوسف بن أبي عمران، موسى ابن أبي زكرياء المزاتي، عبد الله بن أبي سلام الرمولي، جابر بن حمُّو الزنزفي، وابراهيم بن أبي ابراهيم. يتكوَّن هذا الديوان من خمسة وعشرين جزءًا.
انظر الوسياني: السير، ج1، و114. الشماخي: السير، ص431. باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص56.
(4) - البرادي: الجواهر، ص219 - 220. (1/156)
صفحة 152
وحثُّوا التلاميذ والطلبة على دراستها. وقد قال عن بعضها الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن بكر: «من يدرس كتب اللقط كمن يهيل أنواع التمر إلى غرارته، وإنَّ كتاب أبي غانم قد أوضح قول كلّ عالم من مشايخه». (1)
وإلى جانب نشاط الإبَاضِيَة في التأليف كانوا يقتنون الكتب النفيسة من المدن المغربيَّة الأخرى أو من المشرق. فالشماخي يذكر أنَّ عبد الله بن محمَّد بن ناصر بن ميَّال بن يوسف ــ أحد شيوخ الإبَاضِيَة ــ سافر إلى قلعة بني حمَّاد بمجرَّد أنْ علم بأنَّ تفسير القرآن ألَّفه عبد الرحمن بن رستم ينادى به في سوق القلعة. ولمَّا وصل إليها وجد أنَّ الكتاب قد بيع، فاقتنى مجموعة أخرى من الكتب وأرسلها مع قافلة كانت متوجِّهة إلى وارجلان، إلاَّ أنَّ الكتب ضاعت ضمن بضائع القافلة التي استولى عليها قطَّاع الطرق. ولمَّا علم بذلك مدَّ إقامته في القلعة واشترى كتبًا أخرى، ونسخ عددًا آخر. (2) كما كان علماء الإبَاضِيَة ينسخون الكتب في الغيران. فالوسياني يذكر أنَّ شيخين هما: محمَّد ابن سليمان النفوسي ومحمد بن عمر البرنوتي كانا ينسخان الكتب في غيران "بني أجَّاج". (3)
أمَّا لغة التدوين عند الإبَاضِيَة في القرن الرابع والخامس الهجري (العاشر والحادي عشر الميلادي) فكانت اللغة العربيَّة. كما كتبت بعض الكتب بلغة البربر أحيانًا. وهذا يرجع إلى عدم تمكُّن البربر من اللغة العربيَّة. فأبو سهل الفارسي كان يجيد لغة البربر. لذلك اختاره الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب ... ــ ثالث إمام في الدولة الرُّسْتُمِيَّة ــ مترجمًا له، بل نجد من كان يحسن اللغتين. ورغم ذلك يكتب لأخوانه الإبَاضِيَة كتبًا فيها مواعظ بلغة البربر حتَّى يسهِّل لهم الأمر في التعلُّم. يذكر الشماخي أنَّ رجلاً من العرب من موالي "لواتة" يسمَّى "سعيد" زار أبا سهل الفارسي بِ"جزائر بني مزغناي" (4) فسأله عن أهل الدعوة ثمَّ دوَّن لهم اثني عشر كتاباً في الوعظ والتذكير والتخويف بلغة البربر. (5)
وتذكر المصادر أنَّ هذه الكتب استولى على بعضها النكار أثناء قيام ثورتهم، والباقي احترق اثناء سقوط قلعة بني درجين.
لم يبق منها إلاَّ ما حفظ في الصدور، فجمِّعت مرَّة أخرى فكانت أربعة وعشرين باباً. (6)
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص389.
(2) - الشماخي: السير، ص438. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ح4، ص209 - 210.
(3) - السير، ج2، و43.
(4) - هي إحدى مدن المغرب الأوسط يسمِّيها الحميري "جزائر مزغنا". تقع على البحر، وهي مدينة الجزائر الحالية. يصفها الحميري بأنَّها مدينة جليلة بها أسواق كثيرة ومرساها تقصده السفن من إفريقيَّة والأندلس. تشتهر بكثرة المواشي والبقر وعسل النحل والسمن. ... انظر: الروْضُ المعْطَار، ص163.
(5) - السير، ص289.
(6) - الشماخي: نفس المصدر، ص289.
باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص158 - 159. (1/157)
صفحة 153
ونختلف مع "هنري باسيه" عندما أرجع تدوين الإبَاضِيَة بلغة البربر إلى معارضتهم للعرب واللغة العربيَّة. وأنَّ ذلك كان كردِّ فعل قومي للبربر. (1) والسبب كما يبدو يرجع إلى عدم إتقان اللغة العربيَّة، وعدم فهمها فهماً جيِّدًا. وقد يكون ذلك خشية أنْ تقع كتبهم إذا ما كتبت باللغة العربيَّة في يد ولاَّة الأمور. ثمَّ إنَّ استعمال الإبَاضِيَة للغة البربر لم يقتصر على الكتابة فقط بل كانت تستعمل حتَّى في المجالس العلميَّة. يذكر الشماخي نقلاً على لسان أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد قوله: «كنَّا في مجلس في آجلو يقرأ فيه عن أبي آثار الربيع عن ضمَّام عن جابر رواية أبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وأفسّر بالبربريَّة ما يقرأه». (2)
كما أنَّ الشماخي ألَّف كتاباً عن طرق جبل نفوسة بلغة البربر تحت عنوان "إبْرِيذَنْ إرَاصْرة نَفُّوسَنْ". ولم يترجم هذا الكتاب حتَّى الآن رغم أهمِّيته، مع العلم أنَّ الشماخي توفِّي سنة 928هـ (1522م).
خاتمة
من هذه الدراسة يتَّضح لنا أنَّ الإبَاضِيَة قد عانوا من الاضطهاد والبطش طيلة تاريخهم، لإصرارهم على تطبيق الشورى في نظام الحكم في الدولة الإسلاميَّة. وظلَّ الأمراء والحكَّام يلاحقونهم في كلّ مكان يحلّون به لأنَّهم يشكّلون خطرًا على مصالحهم. فقد حوربوا في المشرق من قبل الخلفاء الأمويين والعباسيين الذين حاولوا إسقاط كلّ محاولة قام بها الإبَاضِيَة في تأسيس دولة لهم. فانتقلوا إلى بلاد المغرب التي كانت مهيأة لتقبل هذه الدعوة.
ونجح دعاة الإبَاضِيَة في كسب البربر، واستطاعوا أنْ يؤسّسوا لهم إمامة في طرابلس غير أنَّ ولاَّة القيروان تمكَّنوا من القضاء عليها بسهولة. وإذا كانت أحلام إباضيَّة إفريقيَّة قد تحطَّمت فإنَّ إبَاضِيَة المغرب الأوسط استطاعوا أنْ يحقِّقوا ما كانوا يصبون إليه سواء في المغرب أو في المشرق حيث نجح عبد الرحمن بن رستم بمؤازرة قبائل هوَّارة ولواتة ومكناسة ومزاتة ولماية الإبَاضِيَة في تأسيس دولة عاصمتها تاهرت سنة 160هـ (777م).
ورغم كلّ هذه المحاولات للقضاء على الإبَاضِيَة إلاَّ أنَّهم ظلّوا يصمدون ويواجهون هذه المحاولات بكلِّ بسالة وشجاعة. وكان الإبَاضِيَة في مختلف أنحاء بلاد المغرب متَّحدين. فإذا ما قام إبَاضِيَة إفريقيَّة أو جبل نفوسة بثورة ما انضمَّ إليها إباضيَّة المغرب الأوسط. ولعلَّ السرَّ في ذلك يرجع إلى معتقدات الإبَاضِيَة نفسها، وأهمُّها مبدأ الولاية ويعني المحبَّة والمؤاخاة. وهي من واجبات الإبَاضِي تجاه أخيه
__________
(1) - BASSET (Henri): Essai sur la litterature des bérbérs, ancien maison bastide, Alger 1920, p 66.
(2) - المصدر السابق، ص405. (1/158)
صفحة 154
الإبَاضِي إذا كان محافظًا على واجباته الدينيَّة. ولذلك نجد أنَّ المجتمع الإبَاضِي ــ إلى يومنا هذا ــ متماسك البنيان، يراقبون فيه الأفراد مراقبة شديدة من قبل الشيوخ، يسعون في ذلك للحفاظ على تعاليم المذهب وتطبيقها.
ومن خلال هذه الدراسة نخلص إلى عدَّة نتائج أهمُّها أنَّ غنى الإبَاضِيَة، واشتغالهم بالتجارة جعلهم يكوّنون قوَّة لا يستهان بها. ورأينا فيما سبق أنَّ سدراتة كانت تموّل أبا يزيد بالمؤن. وكان البعض منهم يهتمُّ بتربية الخيول للإعداد لمرحلة الظهور. بل إنَّ الإبَاضِيَة ــ كما يقول الإدريسي ــ ضربوا الدنانير الذهبيَّة في وارجلان باسم بلدهم. كما أنَّ اشتغالهم بالتجارة ساعدهم على نشر الإسلام في بلاد السودان.
كذلك فإنَّ اتباع الإبَاضِيَة لسياسة العزلة، وتفضيلهم العيش في مجتمعات صغيرة ساعدهم في الحفاظ على مذهبهم واستمراره إلى يومنا هذا. كما أنَّ الخلافات قد فشت في عضد الإبَاضِيَة. فالخلافات كانت عاملاً ساعد على سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة دون مقاومة، وفشل ثورة أبي يزيد النكَّاري، وثورة الوهبيَّة. فلو كان الإبَاضِيَة متحدّي الكلمة لمَا تمكَّن أبو عبد الله الشيعي من القضاء على الإمامة الرُّسْتُمِيَّة.
كما أنَّ هذه الثورات كانت نتائجها وخيمة على الإبَاضِيَة عامَّة، ذلك لأنَّ قوادها ــ مثل أبي يزيد ــ لم يلتزموا بالمبادئ التي أعلنوها مع بداية ثوراتهم والتي كسبوا بها عطف أتباع المذاهب الأخرى. وقد أصبح هؤلاء يرون في المذهب الإبَاضِي مذهب نهب وقتل، رغم تبرُّؤ الإبَاضِيَة الوهبيَّة من النكاريَّة.
ومن النتائج الأخرى أنَّ الإبَاضِيَة ساهموا إلى حدِّ ما في اشتداد الصراع بين الفاطميِّين والأمويِّين. إذ استغلَّ الأمويون تلك الثورات وتدخَّلوا في شؤون المغرب، بوقوفهم ومساندتهم للثوَّار. وقد أدَّى ذلك إلى إسراع الفاطميين في الانتقال إلى مصر. هذا الانتقال كان نتيجة اضطهادهم لشعوب المغرب كلها، ومناهضة هذه القبائل للعبيديين في أصولهم العقائديَّة البعيدة بعدًا كبيرًا عن أصول الإبَاضِيَة وأصول الأشاعرة ممَّا يدلّ على أنَّ التقارب بين الإبَاضِيَة والأشاعرة أكبر من تقارب هؤلاء أو أولئك من الشيعة.
ورغم الهزائم المتتالية التي أدَّت إلى ضعف الإبَاضِيَة وعدم تمكُّنهم من إقامة إمامة جديدة تحلُّ محلَّ الإمامة الرُّسْتُمِيَّة وجنوحهم إلى الكتمان، إلاَّ أنَّ ذلك نتج عنه ميلاد نظام جديد بديل للإمامة والدولة، وهو نظام العزَّابَة. فقد ساعد هذا النظام على الحفاظ على تماسك الإبَاضِيَة، والحفاظ على مذهبهم طيلة هذه القرون. كما ساهم في دور كبير في إثراء الحياة الثقافيَّة. وقد أدَّى نظام الحلقة إلى انتشار العلم بين الإبَاضِيَة فقلَّما تجد أمِّيًا بين الإبَاضِيَة في الوقت الحاضر. (1/159)
صفحة 155
الملحق (1/160)
صفحة 156
الملحق الأوَّل:
بسم الله الرحمن الرحيم
لائحة نظام العزَّابَة في وادي ميزاب في العصر
الحاضر، والمعمول بها في القرى السبع: العطف،
بنورة، غرداية، برِّيان، بني يسقن، مليكة، القرارة.
1 - شروط الارتقاء إلى مجلس العزَّابَة:
للدخول إلى حلقة العزَّابَة شروط معيَّنة، يصبح بموجبها الشخص عضوًا في حلقة قريته:
ا - أنْ يكون حافظًا لكتاب الله الكريم عن ظهر قلب، دون لحن أو خطأ. (1)
ب - أنْ يكون إبَاضِيًّا متحمِّسًا متفانيًا في خدمة الدين والمسلمين، حريصًا على حفظ تراثه.
جـ - أنْ يمُرَّ بمراحل التعليم المختلفة، وأنْ يكون خلال دراسته من الطلبة المجدِّين النابهين إن أمكن.
د - أنْ يكون أديبًا كيِّسًا ذكيًّا، حسن السيرة والأخلاق، جادًّا في طلب المزيد من العلم والمعرفة.
هـ - أنْ لا يكون مِمَّن عُرف بكثرة تردُّدِهِ على الأسواق والأماكن العامَّة.
و - أنْ لا يكون حقودًا أو حسودًا أو متكبِّرًا.
ز - أنْ يكون زاهدًا في الدُّنيا عازفًا عن ملذَّاتها.
ح - أنْ يتقيَّد بالزي الرسمي للعَزَّابَة.
ط - أنْ يتعهَّد بالقيام بأيِّ عمل يكلِّفه به شيخ العزَّابَة، وأعضاء المجلس الأقدم منه.
ي - أنْ لا يكون عمله الذي يرتزق منه يلهيه عن القيام بواجباته، ويحبَّذ أنْ تكون المهنة لا تجبره على الاختلاط كثيرًا بعامَّة الناس.
2) - كيف تتمُّ عمليَّة الاختيار؟:
تراعى مقاييس اجتماعيَّة في عمليَّة اختيار العضو. وهو بالنسبة إلى قرى ميزاب تمثيل العشائر في البلدة قدر المستطاع، بحيث إذا مات أو عزل أحد الأعضاء فإنَّه يخلف من عشيرته وإلاَّ فمن العشيرة الأقلّ عددًا في المجلس. وإن لم يكن فيبحث عن الشخص اللاَّئق للحلقة في غيرها.
يراعى أيضًا اختيار العضو الأكبر سنًّا إذا استوت المقاييس والشروط. كما يراعى أيضًا حفظ القرآن كشرط مرجِّحٍ إذا استوت المقاييس. ويفضَّل التقيُّ الورع الملتزم بآداب السلوك الاجتماعي والعرفي على غيره ولو كان أكثر منه علمًا. وتتمُّ مراقبة العضو الجديد من طرف العزَّابَة قبل إلحاقه بالحلقة. وتتمُّ هذه العمليَّة بسرِّية.
__________
(1) - إذا تعذَّر وجود حافظ القرآن فإنَّه يلغى هذا الشرط بشرط توفُّر الكفاءة (1/162)
صفحة 157
بعد أنْ يتَّفق كافَّة أعضاء المجلس على قبول العضو الجديد، يستدعى إلى المقرِّ الرئيسي للعَزَّابَة ــ وهو مبنى خاص ملاصق للمسجد يحتفظ فيه المجلس بوثائقه وقراراته السرِّية ــ ويسمَّى بلغة البربر "تَمْناَيْتْ" ــ يقوم شيخ العزَّابَة بتعريفه بالمهمَّات والواجبات التي عليه أنْ يقوم بها. كما يُمْلي عليه بعض النصائح والإرشادات ثمَّ يطلب من أصغر العزَّابَة درجة أنْ يلازم العزَّابي الجديد ثلاثة أيَّام متتالية يدرِّبه فيها على مهامِّه.
3) - مظهر العزَّابَة الخارجي:
يتعين على كلّ عضو في حلقة العزَّابَة أنْ يبرز بهذا المظهر:
ا - أنْ ينقطع إلى عمله وأنْ يكون لطيفًا متواضعًا مع مواطنيه.
ب - أنْ يبتعِد عن الحرام.
جـ - أنْ يتقيَّد بالزيِّ الرسمي للعَزَّابَة والملخَّص فيما يلي:
1 - أنْ يكون حليق الرأس طليق اللحية.
2 - أنْ يكون لباسه غير ناعم ولا شفَّاف. أمَّا لونه فيكون ... أبيض طاهرًا نظيفًا. ولا يرغب في الألوان الأخرى.
3 - يكون القميص أطول ليصل إلى ما بعد الركبة.
4 - يكون السروال مَخِيطاً حسب النوع البربري والعربي ... الموجدود في شمال إفريقيا.
5 - أمَّا الغطاء الصيفي فهو "القندورة" وللشتاء "القشَّابية" ... وتكون منسوجة من الصوف الأبيض الخالص.
6 - يضع على رأسه طاقية "شاشية" بيضاء، ويلُفُّها بقطعة من ... الشاش الأبيض (لحاف أو قطعة كتَّان مستطيلة تلفُّ ... حول الرأس والعنق).
7 - وفي المراسم والاجتماعات يلبس العزَّابي الرداء المسمَّى ... "أحولي" فوق الملابس السابقة الذكر، ولبسه اجباري ... على العزَّابي والطالب.
4) - عقاب المذنب من العزَّابَة:
يمكن تعداد الأسباب الموجبة للعقاب على النحو التالي:
أ - التقصير في الواجبات.
ب - عدم الحفاظ على النظام داخل المجلس.
جـ - عدم الحضور للاجتماعات والتأخُّر أو الغياب.
د - إفشاء أسرار الحلقة وكشف قوانينها وأنظمتها الداخليَّة. وكذلك فضح أماكن وأزمان انعقادها لغير العزَّابَة.
هـ - عدم القيام بالواجبات الدينيَّة.
و - عدم مراعاة آداب الأكل في المحافل الدينيَّة والأعراس والمآتم. (1/163)
صفحة 158
ز - كثرة التردُّد على الأسواق العامَّة وأماكن الشُّبُهات.
ح - عدم التقيُّد باللباس الرسمي الخاصّ.
أمَّا أنواع العقاب فهي تتراوح بين التعزير والتوبيخ الخفيف والبراءة والطرد من الجماعة على النحو التالي:
أ - التوبيخ من شيخ العزَّابَة.
ب - التوبيخ في مجلس العزَّابَة.
جـ - التوبيخ من مجلس العزَّابَة الأعلى.
د - الطرد والهجران أو ما يُسمَّى بِ"الخِطَّة". وهذا العقاب أشدَّ أنواع العقاب بعد البراءة الكاملة، وهو براءة في إطار المجلس.
هـ - البراءة وهي أقسى أنواع العقوبات. وتوقع عادة بالشخص الذي ارتكب كبيرة وتعلن أمام المصلِّين في المسجد.
5) - أعضاء مجلس العزَّابَة:
يتكوَّن أعضاء المجلس من اثني عشر عضواً، وقد يصل العدد إلى 24 عضواً أو أكثر كما هو في بلدة "غرداية" لكبرها على القرى الأخرى. في كلّ الحالات فإنَّ خمسة من بين أعضاء المجلس يعتبرون أكثر أهمِّية من بقيَّة زملائهم وهم: الشيخ والمستشارون أو الأعوان وعددهم أرعة. أمَّا البقيَّة فهم أعضاء مساعدون يقومون بما يوكله لهم شيخ العزَّابَة وأعوانه.
أ - الشيخ: يشترط فيه أنْ يكون ذكيًّا، لبِقًا، كيِّسًا، لطيفًا مع أصحابه، ورعًا وتقيًّا. كما يجب أنْ يكون أعلم القوم في شؤون الدين والدنيا.
ب - الإمام: وهو الذي يؤمُّ الناس في الصلاة، ويشترط فيه أنْ يكون حافظًا للقرآن الكريم، مجيدًا للتلاوة. كما يجب أنْ يكون عالمًا بأحوال الصلاة، فرائضها وسننها، وما يتعلَّق بها من وضوء وطهارة وغيرها، مواظبًا على مهامِّه غير متخلِّف عنها إلاَّ لعذر قاهر، جهوري الصوت حازمًا سليمًا من كلّ العيوب الخِلقيَّة كفقدانه لبصره وأحيانًا يكون من أحد الأعوان الأربعة الكبار. يجلس على يمين الشيخ في المجلس ويمكن أنْ ينوب شيخ الحلقة عند المقدرة إذا غاب. وينوبه أيضًا في اختيار حفظة القرآن ليلتحقوا بمنظَّمة "إيرْوَانْ" (الطلبة)
جـ - المؤذِّن: وهو الذي يقوم بمهمَّة الأذان كما هو معروف عند بقيَّة المسلمين. يشترط في المؤذِّن أنْ يكون أمينًا، تقيًّا، عارفًا بأوقات الصلاة بدقَّة غير كسولٍ ولا خاملٍ. يؤدِّي واجبه دون تردُّدٍ أو ملل سواء في حرارة الشمس أو في زمهرير الأيَّام الباردة. كما يشترط فيه ألاَّ يلْحَن حتَّى لا يفسِد معاني الأذان. أمَّا مقام جلوس المؤذِّن فعلى يسار شيخ الحلقة في كلّ مجلس أو تجمُّعٍ.
د - وكيل الحبوس والأوقاف: وعددهم اثنان، تراعى شروط معيَّنة في اختيارهما.
إضافة إلى الشروط المذكورة سابقًا في عضويَّة الحلقة، ليتولَّى ماليَّة المسجد والحلقة والمقابر والمدرسة، منها: (1/164)
صفحة 159
1 - أنْ لا يكون من ذوي المال الكثير ولا الفقراء المحتاجين.
2 - ألاَّ يكون كثير الأولاد.
3 - الأمانة والورع.
4 - ألاَّ يتصرَّف أحدُهُما دون علمِ الآخر.
5 - أنْ يتَّفقا في كلّ عمل ينجزانه.
ووظيفة وكيلي الحبوس الإشراف على بيت مال العزَّابَة ووسائل تنميته. كما يشرف وكلاء الحبوس على الأوقاف المتعلِّقة بالحلقة والمسجد، والمدارس والمعهد، والمقابر، وتنمية واستثمار أموال الأوقاف، والعناية بالأوقاف العينيَّة وتوسيعها مثل البساتين، وتخزين المواد التي لا تتلف بسرعة مثل التمر، وصيانة المسجد ودار الطلبة وكل المرافق التابعة للمسجد، ونظافتها. كما يشرفان على تنظيم الوقت الخاص بإنارة المسجد ودار التلاميذ، وتزويدهم بماء الشرب والغسل.
والوكيل ليس عضوًا في الأربعة المستشارين الأعوان لأنَّه يحاسب من طرفهم.
هـ - العرفاء: وعددهم ثلاثة أشخاص، ولهم أعوان من المعلِّمين في المدارس والمعاهد الحرَّة. وأغلب المعلِّمين والأساتذة أعضاء في منظَّمة "إيرْوَانْ" أو "إمْصُرْدَانْ". تنحصر مهام العرفاء في الإشراف على التعليم وتنظيمه وإدارته. وتشمل التوجيه التربوي ومتابعة المتخرِّجين لإعدادهم للمستقبل.
و - الغسَّالون المشرفون على شؤون الموتى: وعددهم خمسة أشخاص ويجوز أنْ يزداد عددهم طبقًا للحاجة. ويقوم هؤلاء بتجهيز الموتى والصلاة عليهم. (1)
6 - كيفيَّة انتخاب شيخ الحلقة ومراسيم التعيين:
يجري العزَّابَة مشاورات فيما بينهم من أجل تنصيب شيخ الحلقة، فينظرون أوَّلاً فيمن تتوفَّر فيه الشروط المطلوبة ليتحمَّل مسؤوليَّة تسيير الحلقة. فإذا ما وقفوا على من هو أهل لها اتَّفقوا فيما بينهم على من يجمعون عليه رأيهم فيعرضون عليه الأمر. فإن رفض وامتنع يستمرَّون بإلحاح على من وقع عليه اتِّفاقهم ليولُّوه المشيخة ولو لزمن طويل حتَّى يستجيب لطلبهم. حينئذٍ يجتمعون اجتماعاً خاصًّا لتعيينه، ويفسحون له المجال في صدر المجلس. وفي تلك الأثناء يلبِسونه عمامة بيضاء رمزًا للوقار والتبجيل. ويفتح أسبقهم دخولاً في الحلقة الدعاء بقراءة سورة الفاتحة، فيؤمِّنون عليه، ويعلن عن ذلك في المسجد على رؤوس الأشهاد.
7 - واجبات شيخ الحلقة:
لشيخ الحلقة مهام كثيرة ومسؤوليَّات جسام، وواجبات حتميَّة، فتجتمع في "الشيخ" كلّ السلطات إلاَّ أنَّه لا يمارس النفوذ المطلق بحيث لا يبرم أمرًا ولا يبتُّ في قضيَّة إلاَّ بعد استشارة أهل الحلِّ والعقد (الأعوان الأربعة). وتتلخَّص مهام الشيخ فيما يلي:
- يستمرُّ الشيخ في منصبه مدى الحياة وكذلك الأربعة المقدَّمون على رأس الحلقة إلى أنْ يتوفَّى أو يُعزل لأمرٍ ما.
- يتولَّى أحد الأربعة الكبار النيابة عن الشيخ في الحالات الانتقاليَّة أو سفر أو
__________
(1) - إذا كان الموتى في براءة المسلمين فإنَّ تجهيزهم يكون من أهلهم أو من عامَّة الناس. (1/165)
صفحة 160
سبب من الأسباب.
- يتولَّى التدريس لطلبة العلم "إيروان"، والعزَّابة.
- يقيم دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه الديني للعامَّة في المساجد.
- يمثِّل الشيخ هيئة العزَّابَة، فيتحدَّث باسمها في كلّ أعماله وينفِّذ قراراتها.
- يتولَّى الشيخ الإشراف على كلّ شؤون البلدة (إباضيتها).
- الإعلان عن كلّ قرارات العزَّابة التي يتَّفق حولها لتنفَّذ.
- يجتهد في نوع العقوبة مثل: الخطة أو الجلد أو الطرد.
- يعطي التعليمات في الشؤون الماليَّة ويقوم بالإذن فيها.
- يعلن (الإمام) في الحلقة وفي المسجد عن البراءة، ويتولَّى الإذن بالعفو بعد التوبة (شيخ الحلقة).
- يتولَّى تنظيم الجلسات لحلقة العزَّابَة ورئاستها وافتتاحها، وإدارة أعمالها، ورفع الجلسة.
- يستعين الشيخ بعون يتَّخذه بمثابة المفتي ليحرر كتابة ما يخص نصوص الأحكام الشرعيَّة بأدلَّتها، أو التي ترجع ما يفتي به.
- يستعين بعون آخر يتَّخذه بمثابة القاضي، فيتولَّى كتابة العقود والتوثيق بين الناس ويشرف على كلّ ما يخصُّ حلَّ الخصومات والمشاكل بين الناس.
- يعيِّن الشيخ عضوًا يتولَّى الإشراف على نظام التعليم والتدريس بمشورة المجلس، والإشراف على حلقات "إيروان".
- يتولَّى بنفسه الإشراف على مجلس الذكر في المسجد.
- يتولَّى البحث عن المرشح للحلقة، ويكلِّف من يتتبَّع المرشح.
- يهتمُّ الشيخ بمساعٍ ومحاولات لإصلاح ما يقع من خلاف في الحلقة. فإذا تعذَّر عليه ذلك أو أخفق فإنَّه مخوَّل في استدعاء من يراه صالحاً لذلك من شيوخ المجلس الأعلى للعَزَّابَة المتكوَّن من عزَّابَة القرى السبع الأخرى.
8 - مجلس العزَّابَة الأعلى:
يتألَّف مجلس العزَّابَة الأعلى من كبار أعضاء العزَّابَة في المدن الإبَاضِيَة حيث يمثِّل كلّ مدينة ثلاثة علماء هم: شيخ العزَّابَة في المدن الإبَاضِيَة والإمام وشخص ثالث ينتخبه مجلس عزَّابة المدينة من بين أعضائه. وتُعاوِنُ المجلس لجنة مكوَّنة من سبعة علماء فقهاء يختارون من بين العلماء المشهورين بعمق المعرفة بالمذهب الإبَاضِي. ويستعين المجلس برؤساء العشائر وسراتها في المصاعب. ويجتمع المجلس مرَّة كلّ ثلاثة أشهر، ويعقد اجتماعات طارئة إذا دعت الضرورة إلى ذلك. ويجتمع أعضاء المجالس عادة بمُصلَّى بجانب مقبرة. (وكانوا في البداية يجتمعون في مقبرة الشيخ أبي مهدي عيسى بن إسماعيل، ثمَّ في مقبرة الشيخ أبي عبد الرحمن الكرثي، وكلاهما في بلدة "مليكة". ومنذ أكثر من قرنين أخذوا يجتمعون باستمرار في مقبرة الشيخ عمِّي سعيد بن علي الجربي في غرداية).
ويعود سبب اتخاذ المقابر مقرًّا لاجتماعات المجلس إلى عاملين: أوَّلهما أنَّ (1/166)
صفحة 161
المقبرة بعيدة عن المدينة، وبالتالي الاطمئنان على سرِّية المناقشات، وثانيهما أنَّ المقبرة تذكّر الأعضاء ولجنة القضاء باليوم الآخر فيؤثِّر ذلك على الأعضاء ممَّا يجعلهم يتَّخذون القرارت العادلة المنصفة بعيدًا عن التحيُّز والظُّلم.
أمَّا رئيس المجلس فينتخبه الأعضاء من بينهم لمدَّة ثلاث سنوات، وفي بعض الأحيان يحتفظ بمنصبه مدى الحياة. ويعتبر المجلس بمثابة محكمة الاستئناف. ومن مهامِّ هذا المجلس الإشراف على الأوقاف العامَّة للإبَاضِيَة خارج وادي ميزاب. كما يشرف على شؤون الحجَّاج الإبَاضِيَة من المناطق التابعة له، وتأمين السكن اللاَّزم لهم في الأماكن المقدَّسة. (وبناء على ذلك فقد قام المجلس ببناء مساكن في كلٍّ من مكَّة والمدينة و"جدَّة". كما يشرف على شؤون الجماعات الإبَاضِيَة الموزَّعة في المدن الجزائريَّة الأخرى. ويمكن إجمال مهام المجلس في النحو التالي:
- بناء المساجد.
- بناء المراكز الثقافيَّة.
- بناء مراكز الإيواء للمسافرين.
- حلّ أيِّ خلاف بين المدن الإبَاضِيَة.
- الإشراف الكامل على العلاقات بين الإبَاضِيَة وجيرانهم.
- للمجلس وحده حقُّ الاتفاقات والمعاهدات مع الأطراف الخارجيَّة. (العشائر والقبائل غير الإبَاضِيَة).
9 - نظام العشائر:
لكلِّ عشيرة مجلس إداري يتولَّى مهامَّها وإدارة شؤونها الخاصَّة والعامَّة وعلاقتها بالعشائر الأخرى. وله مهام كثيرة. يتكوَّن المجلس من رؤساء العائلات. فهو غير محدود العدد. وتلخَّص مهام مجلس العشيرة فيما يلي:
ا - اختيار رئيس العشيرة عن طريق تزكية عامَّة أفرادها.
ب - اشتراك المجلس مع رئيسه في المسؤولية عن مصالح العشيرة.
جـ - معالجة الانحرافات التي تقع من بعض أفراد العشيرة.
د - التعاون مع مجلس العزَّابَة وإبلاغ الحالات المستعصية.
هـ - التعاون مع "امْصُّرْدَانْ"، وتشجيع ذوي الكفاءات إلى الانضمام إليها.
و - جمع الديَّة عند القتل الخطأ.
ز - مراقبة سير كلّ أفراد العشيرة.
حـ - الإشراف على المآتم والأعراس وتنظيمها حسب تعليمات وقوانين مجلس العزَّابَة.
ط - معالجة المشاكل مثل الطلاق والحضانة، وإيجاد الحلول لها حتَّى لا تصل إلى المحاكم.
ي - رعاية الأيتام والفقراء والمعوزين والأرامل وكفالتهم.
ك - الاهتمام بالقصَّر وتعيين وُكلاء عليهم ومراقبتهم ومحاسبتهم.
ل - الاهتمام بالتعليم وإعانة الفقراء على مواصلة تعليمهم.
م - صرف الزكاة على مستحقِّيها من فقراء العشيرة. (1/167)
صفحة 162
10 - الهيئات الأخرى التابعة للمجلس:
ا - هيئة "إيروان": وتتكوَّن من طلبة فنون العلم والأدب. وتحتلُّ هذه الهيئة المرتبة الثانية في السلم التصاعدي للهيكل التربوي والاجتماعي في "وادي ميزاب"، وهي تلي هيئة العزَّابة مباشرة، ويعدُّ حفظ القرآن شرطاً ضروريًّا للدخول إلى الحلقة. ولهؤلاء الطلبة دار خاصَّة بهم بجوار المسجد. وقد أنشئت لهم معاهد كثيرة بوادي ميزاب مثل معهد القطب اطفيَّش ببني يزقن ثمَّ المعهد الجابري، ومعهد الحياة بالقرارة، ومعهد عمِّي سعيد بغرداية، ومعهد الاصلاح بنفس المدينة.
ب - هيئة "إمَصُّورْدَانْ":تتكوَّن هذه الهيئة من المتطوّعين لكن لا يقبل أي عضو في صفوفها إلاَّ بعد التشاور. وتنقسم هذه الهيئة إلى ثلاثة أصناف حسب السنِّ. أمَّا الترقية من طبقة إلى أخرى فتكون بالكفاءة لا بالسنِّ ولا بالأقدميَّة. ومهمَّة هؤلاء هي:
1 - الحراسة في القرى والبساتين.
2 - الإشراف على حفظ الأمن في المدينة ومراقبة السلوك في الاسواق العامَّة
3 - تنظيم الحملات التطوُّعيَّة.
جـ - المجلس الديني للنساء: يسمَّى بهيئة "الغسَّالات" أو "تِيمْسِردِينْ" يختار أعضاء المجلس الديني النسوي من مختلف القبائل والعشائر في القرية التي يوجد بها مجلس العزَّابَة بحيث يتوفَّر في كلّ منهنَّ العلم والورع والسمة الطيِّبة ومنمهام هذا المجلس ما يلي:
1 - تثقيف المرأة الميزابيَّة وتربيتها تربية دينيَّة صحيحة.
2 - مراقبة النساء في الأعراس والمآتم لكي لا يقع إسراف أو ما يخالف الدين.
3 - غسل الأموات من النساء والأولاد غير البالغين.
4 - مراقبة المهر وضبط ما يُقدَّم للعروس منعًا للإسراف.
ويستشير هذا المجلس شيخ العزَّابَة عن طريق ذوات المحارم في القضايا التي تخصُّ المجتمع النسوي. وفي مساجد وادي ميزاب جناح خاصٌّ بالنساء يسمَّى "دار الغسَّالات". يعقد فيها المجلس اجتماعاته، ويتلى فيها القرآن الكريم، وتلقى فيها كلمات توجيهيَّة ودروس الوعظ من طرف "العزَّابَات".
5 - يتحقَّقن من علامات البلوغ عند الفتيات ليبتدئن الصَّلاة.
6 - يقمن بتثقيف النساء والفتيات في شؤون الحيض والنفاس والزواج.
ويعقد المجلس النسوي مؤتمرًا يسمَّى "مؤتمر لا اله إلاَّ الله" وهو عبارة عن لقاء نسوي يكون تحت إدارة وإشراف هيئة الغسَّالات. ينعقد في قرى وادي ميزاب في فصل الربيع من كلّ عام في كلّ مدينة من مدن ميزاب بالتناوب. ويفتتح بالدعاء وتلاوة القرآن الكريم. ويستغرق اللقاء في كلّ قرية يومًا كاملاً لتلاوة الذكر الحكيم، والتوجيه وتوزيع الصدقات.
د - مجلس العوامِّ: يتكوَّن من رؤساء العشائر في كلّ قرية، ويطلق عليه اسم "الضمان" (الغي بعد استقلال الجزائر) (1). كان يقوم بالإشراف على وسائل تنمية
__________
(1) - مجلس الضُّمَّان إذ ألغي إداريًّا بعد الاستقلال بقيام المجلس البلدي مقامه إداريًّا فإنَّه مازال سائر المفعول اجتماعيًّا متعاوناً مع العزَّابَة. (1/168)
صفحة 163
موارد المدينة الاقتصاديَّة، وتولّي السلطة التنفيذيَّة ومهمَّة الدفاع، واستقبال رؤساء القبائل المجاورة. كما يشاركون في المشاريع الخيريَّة مثل بناء المساجد، تنظيف المدينة، حفر الآبار، بناء السُّدود، بناء أسوار البلدة. واسم يبق من هذا المجلس في الوقت الحاضر إلاَّ هيئة الأمناء التي تضمُّ مختصِّين في شؤون المجتمع يراقبون ويحافظون على تقاليد البلد بمقتضى الأعراف والقوانين. (1)
هـ - أمين السوق: يراقب السوق.
و - أمين البناء: يراقب ويراعي حرمة الحريم وحقَّ الجار والسترة، وحقَّ الشارع، وقوانين البناء الموجودة في عرف القرية.
ز - أمين السيل: يهتمُّ بتقسيم المياه على البساتين، ويرقب أبواب السدود.
ح - أمين اللحوم: يقوم بمراقبة المجازر وسوق اللحم.
__________
(1) - معظم أعمال الأمناء يشارك فيها العزَّابَة بتعيين الأمين من قبلهم، وقد يكون عضوًا في العزَّابَة أحيانًا. (1/169)
صفحة 164
الإباضيَّة في المغرب الأوسط
منذ سقوط الدولة الرستميَّة إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب
(296 - 442هـ) (909 - 1058م)
إعداد
مسعود مزهودي
نشر جمعية التراث - القرارة: 1417هـ/1996م (1/170)
صفحة 165
قائمة المحتويات
تقديم 5
مقدِّمة 12
تقييم المصادر والمراجع 18
الفصل الأوَّل: الإباضيَّة في وارجلان وسدراتة 27
1 - وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرستمية 27
2 - فرار الإباضيَّة إلى وارجلان وسدراتة 39
3 - الاختلافات الفقهيَّة والفتن الداخلية 47
4 - انتقال الإباضيَّة إلى وادي ميزاب 58
الفصل الثاني: علاقات الإباضيَّة بدول المغرب 63
أوَّلاً- بالدولة الفاطمية 64
أ) أوضاع الإباضيَّة في العهد الفاطمي 64
ب) ثورة النكارية 65
1 - تعريف النكارية 65
2 - نشأة أبي يزيد 67
3 - استيلاء أبي يزيد على القيروان 81
4 - حصار المهدية 83
5 - انتقال أبي يزيد إلى تونس 87
6 - حصار سوسة 89
7 - ثورة النكارية بعد أبي يزيد 95
8 - دعم الخلافة الأموية في الأندلس لثورة أبي يزيد 97
9 - نتائج ثورة أبي يزيد ومميزاتها 102
جـ) ثورة الوهبية 103
1 - أسباب الثورة 103
2 - التحضير للثورة 107
3 - بداية الثورة 108
4 - نتائج ثورة الوهبيَّة 112
ثانيا- علاقات الإباضيَّة ببني زيري وبني حمَّاد 112
ثالثا- علاقات الإباضيَّة بإخوانهم في إفريقية المشرق 119 (1/171)
صفحة 166
الفصل الثالث: الحياة الاقتصادية في المغرب الأوسط 123
1 - موقع مدينتي وارجلان وسدراتة 124
2 - الزراعة والصناعة 126
3 - طرق التجارة الصادرة والواردة 130
4 - أسواق وارجلان وسدراتة 156
5 - علاقتهما بأسواق المغرب الأخرى والسودان 157
أ- السلع الصادرة والواردة 161
ب- الأسعار 173
جـ- الحسبة وضبط السوق 176
د- نظم التعامل (المكاييل والموازين - النقود) 183
6 - المستوى الاقتصادي الذي حقَّقه هذا النشاط 192
الفصل الرابع: نظام العزَّابة وأثره في الحياة الاجتماعيَّة 193
1 - نشأة نظام العزَّابة 194
2 - شروط العضوية في مجلس العزَّابة 205
3 - أعضاء هيئة العزَّابة 207
4 - واجبات باقي أعضاء هيئة العزَّابة 211
5 - تقاليد العزَّابة وآدابهم 213
6 - دور العزَّابة في الحياة الاجتماعيَّة 215
الفصل الخامس: الحياة الثقافية 221
أوَّلاً- نظام التعليم ومراحله عند الإباضيَّة 222
الآمرون 224
1 - مهامّ الشيخ 224
2 - العرفاء 225
أ- عريف لتعليم القرآن الكريم 226
ب- عريف أوقات الدراسة 226
جـ- عريف الختمات واوقات النوم 226
د- عريف أوقات الأكل 227
المأمورون 229
جـ- نظام حلقة التدريس 230
1 - أوقات الدراسة ونظامها 230
2 - طريقة الامتحانات في نظام الحلقة 236
3 - العقوبات: أنواعها وأسبابها 237
4 - مجَّانية التعليم 237
ثانيًّا- الحياة الثقافية في وارجلان وسدراتة 238 (1/172)
صفحة 167
خاتمة 253
الملاحق 259
قائمة المصادر والمراجع 275
• (1/173)
صفحة 168
فهرس المصادر والمراجع (1/174)
صفحة 169
المصادر المخطوطة:
1 - أبو العبَّاس (احمد بن محمَّد بن بكر ت504هـ): كتاب الألواح. مخطوط بمكتبة العطف -الجزائر-
2 - أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي (عاش في القرن 6هـ): السير. مخطوط بمكتبة الحاج سعيد محمَّد أيوب، غرداية -الجزائر-
3 - مجهول: كتاب الجغرافيَّة. مخطُوط بدار الكتب المصريَّة، رقم: 46239
4 - مجهول: كتاب المعلَّقات. مخطُوط بمكتبة العطف، غرداية -الجزائر-
5 - مجهول: كرَّاس في الحديث. مخطُوط بمكتبة الحاج يوسف الباروني الخاصَّة، جزيرة جربة -تونس-
6 - مجهول: مسائل مختلفة ورأى كلّ فرقة، مخطُوط بمكتبة الحاج يوسف الباروني الخاصَّة، جزيرة جربة -تونس-
7 - مقرن البغطوري (توفِّي في القرن 6هـ): سير مشائخ نفوسة. صورة من المخطُوط بمكتبة الحاج يوسف الباروني الخاصَّة، جزيرة جربة -تونس- (1/176)
صفحة 170
المصادر المطبوعة
1 - ابن الآبار (أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر القضاعي ت658هـ): الحلَّة السيّراء، تحقيق حسين مؤنس، مطبعة الشركة العربيَّة للطباعة والنشر الطبعة الأولى، القاهرة 1963.
2 - ابن الأثير (أبو الحسن علي بن أبي الكرم بن عبد الواحد الشيباني 555 - 630هـ): الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت 1965 - 1979.
3 - الإدريسي (محمَّد بن عبد العزيز الشريف الفاوي ت548هـ): المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس، نشره دوزي ودي خوية، المطبعة الشرقيَّة، أمستردام 1969.
4 - الأنصاري (أحمد النائب متوفَّى في القرن 19م): المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب، مطابع دار الغندور، بيروت (د. ت)
5 - البرادي (أبو الفضل بن القاسم بن إبراهيم، عاش في القرن 9هـ): الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ به كتاب الطبقات، طبعة حجريَّة، القاهرة (د. ت)
6 - ابن بطوطة (محمد بن عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم اللواتي ت 779هـ): الرحلة، نشرها C. Defermery BR. SANGUINELTI, imprimerie imperial, Paris (S.D).
7 - البغدادي (صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق ت739هـ): مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، تحقيق علي محمَّد البجاوي، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت 1955.
8 - البكري (أبو عبد الله ت 487هـ): المغرب في ذكر بلاد إفريقيَّة والمغرب، طبعة دي سلان، الجزائر 1857.
9 - التيجاني (أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن أحمد توفي أوائل القرن 8هـ): الرحلة، تصحيح حسن حسني عبد الوهَّاب، المطبعة الرسميَّة، تونس 1958.
10 - الجرسيفي (عمر بن عثمان بن عبَّاس): رسالة عمر بن عثمان بن عبَّاس الجرسيفي في الحسبة، نشرها لوفي بروفنسال ضمن ثلاث رسائل أندلسيَّة في آداب الحسبة والمحتسب، المعهد العلمي الفرنسي، القاهرة 1955.
11 - الجناوني (أبو زكرياء يحيى توفي في القرن 5هـ): عقيدة التوحيد Extraits du bulletin d’études orientales T 32 - 33, 1980.
12 - أبو حامد الغرناطي: كتاب تحفة الألباب، نشر ضمن Journal Asiatique, T CC XII, 1925.
13 - ابن حمَّاد (أبو عبد الله، ت 628هـ): أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، تحقيق جلول أحمد البدوي، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر 1984.
14 - الحموي (أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي، 575 - 625هـ): معجم البلدان، دار صادر، بيروت 1957 - 1984.
15 - ابن حوقل (أبو القاسم محمَّد البغدادي توفي في النصف الثاني من القرن 4هـ): صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت 1979.
16 - الحميري (محمد بن عبد المنعم توفي في القرن 8هـ): الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق احسان عباس، مكتبة لبنان، الطبعة الاولى، بيروت 1984. (1/177)
صفحة 171
17 - ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمَّد ت 808هـ):كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1968.
18 - ابن خلدون: المقدِّمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1979.
19 - ابن خلكان (شمس الدين أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم ت681هـ): وفيات الأعيان وأنباء الزمان، بيروت، 1968.
20 - الدبَّاغ (عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله الأنصاري ت696هـ): معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، المطبعة الرسميَّة العربيَّة، تونس 1320هـ
21 - الدرجيني (أبو العبَّاس أحمد توفي في منتصف القرن 7هـ): طبقات المشايخ بالمغرب، حقَّقه وقام بطبعه إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة (د. ت).
22 - الدواداري (أبو بكر بن عبد الله بن أيبك توفي بعد 736هـ): كنز الدور وجامع النور، الجزء السادس تحت عنوان: الدرَّة المضيئة في أخبار الدولة الفاطميَّة، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة 1961.
23 - ابن ابي دينار (أبو عبد الله محمَّد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني توفي أواخر القرن 11هـ): المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، مطبعة 20مارس، تونس 1387هـ.
24 - أبو زكرياء (يحيى بن أبي بكر ت 471هـ): كتاب سير الأئمَّة وأخبارهم، الجزء الأول: تحقيق إسماعيل العربي، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الجزائر 1979. الجزء الأوَّل والثاني: تحقيق عبد الرحمن أيوب، الدار التونسيَّة للنشر، تونس 1985.
25 - ابن سعيد المغربي (أبو الحسن علي بن موسى ت 685هـ): كتاب الجغرافيَّة، تحقيق إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الطبعة الثانية، الجزائر 1982.
26 - الشماخي (أحمد بن سعيد بن عبد الواحد 928هـ): السير، طبعة حجريَّة، القاهرة (د. ت).
27 - ابن الصغير المالكي (كان حيًّا أواخر القرن 3هـ): تاريخ الأئمَّة الرستُميِّين، نشره Motylinski T: Acte du XX congrés des orientalistes, 3, Alger 1905.
28 - أبو عبد الله محمَّد بن بكر (345 - 440هـ): سير الحلقة، نشر ضمن Annali Instituto Universitario orientale Di Napoli, Nuova Serie X, Napoli, 1960.
29 - ابن عبدون: رسالة في القضاء والحسبة، نشره ليفي بروفنسال ضمن Journal Asiatique Avril - Juin 1934.
30 - ابن عذارى المراكشي (توفي في القرن 8هـ): البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، بيروت. 1980، طبعة ليدن 1948.
31 - أبو العرب (محمَّد بن أحمد بن تميم القيرواني ت: 333هـ): طبقات علماء إفريقيا وتونس، تحقيق: علي الشابي ونعيم حسن اليافي، تونس 1968.
32 - أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، تحقيق عمَّار طالبي، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الجزائر 1978.
33 - العمري (شهاب الدين أحمد بن يحيى العمري المعروف بابن فضل الله (1/178)
صفحة 172
العمري ت 748هـ): وصف إفريقية والمغرب والأندلس، مقتطف من كتاب مسالك الأبصار في مسالم الأمصار، نشره حسن حسني عبد الوهَّاب مطبعة النهضة، تونس (د. ت).
34 - ابن غلبون (محمد بن خليل الطرابلسي، توفي في القرن 12هـ): تاريخ طرابلس الغرب المسمَّى بِ"التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان من بها من الأخيار، تحقيق الطاهر أحمد الزاوي، المطبعة السلفيَّة، القاهرة 1349هـ".
35 - أبو الفدا (عماد الدين إسماعيل ت 732هـ): تاريخه (المختصر في أخبار البشر)، دار المعارف، بيروت (د. ت).
36 - القاضي (النعمان أبو حنيفة بن أبي عبد الله بن حيّون، تحقيق 363هـ): رسالة افتتاح الدعوة، تحقيق وداد القاضي، دار الثقافة، الطبعة الأولى، بيروت 1970.
37 - القاضي النعمان: كتاب الهمَّة في اتباع الأئمَّة، دار الفكر العربي، القاهرة (د. ت).
38 - القرشي (الداعي المطلق ادريس عماد الدين تحقيق 872هـ): عيون الأخبار وفنون الآثار، تحقيق مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت (د، ت).
39 - القلقشندي (أبو العبَّاس أحمد بن علي ت 821هـ): صبح الأعشي في صناعة الإنشا، عرض وتحليل عبد اللطيف حمزة، المؤسَّسة العامَّة للطباعة والنشر، القاهرة (د، ت).
40 - المقرَّى (أحمد بن محمَّد المقرَّى التلمساني تحقيق 1041هـ): نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عبَّاس، دار صادر بيرُوت 1968.
41 - المسعودي (أبو عبد الله الشيخ محمَّد الباجي): (ت 1253هـ) الخلاصة النقيَّة في امرأة إفريقيَّة، مطبعة بيكار، الطبعة الثانية، تونس 1323هـ.
42 - المارغني (أبو عمرو عثمان بن خليفة، توفي أواخر القرن 6هـ): فرق الإبَاضِيَة الست وما زاغت به عن الحق، طبعة حجريَّة، (د، ت).
43 - المالكي (عبد الرحمن بن نصر الشيزري): كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق السيد الباز العريني، دار الثقافة، الطبعة الثانيَّة، بيرُوت 1981.
44 - المجليدي (أحمد سعيد ت 1094هـ): كتاب التسيير في أحكام التسعير، تحقيق موسى لقبال، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية الجزائر 1981.
45 - المزاتي (أبو الربيع سليمان بن يخلف ت 471هـ): كتاب السير، المطبعة العلميَّة، طبعة حجريَّة، تونس 1325هـ.
46 - المقدسي (شمس الدين أبو عبد محمَّد بن أحمد ت 388هـ): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة ليدن، الطبعة الثانية 1906.
47 - المقريزي (تقي الدين أحمد بن علي ت 845هـ): اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمَّة الفاطميِّين الخلفاء، تحقيق جمال الدين الشيال، دار الفكر العربي، القاهرة 1948.
48 - مجهول (توفي في القرن 6هـ): الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، الاسكندريَّة 1958. (1/179)
صفحة 173
49 - النويري (شهاب الدين أحمد ت 732هـ): نهاية الارب في فنون الادب، تحقيق حسين نصار، مراجعة عبد العزيز الأهواني، مطابع الهيئة المصرية العامَّة للكتاب، القاهرة 1983.
50 - الوارجلاني (أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم ت 570هـ): الدليل والبرهان، المطبعة البارونيَّة، القاهرة (د، ت).
51 - اليعقوبي (أحمد بن أبي يعقوب يعقوب بن واضح ت 284هـ):تاريخ اليعقوبي، بيرُوت 1960.
52 - اليعقوبي: صفة المغرب، المأخوذة من كتاب البلدان، نشره دي خوية، مطبعة بيريل 1850. (1/180)
صفحة 174
المراجع العربيَّة
1 - إبراهيم (سنوسي يوسف): زناتة والخلافة الفاطميَّة، مكتبة سعيد رأفت، الطبعة الأولى، القاهرة 1986.
2 - نفس المؤلِّف: دور زناتة في المغرب الإسلامي منذ الفاطميِّين حتَّى قيام المرابطين، رسالة دكتوراه بكلية الآداب، جامعة عين شمس 1986، رقم: 5274.
3 - أطفيَّش (محمد بن يوسف): الرسالة الموسَّعة في تاريخ وادي ميزاب، مخطُوط بمكتبة "القطب"، غرداية، -الجزائر-
4 - نفس المؤلِّف: رسالة شافية في تاريخ وادي ميزاب، مخطُوط بمكتبة "القطب"، غرداية، -الجزائر-
5 - نفس المؤلِّف: رسالة إنْ لم تعرف الإبَاضِيَة يا عقبي يا جزائري، طبعة حجريَّة، القاهرة 1328.
6 - نفس المؤلِّف: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، دار الفتح، ط2، بيرُوت 1972.
7 - أعزام (ابراهيم صالح): غصن البان في تاريخ وارجلان، مخطُوط بمكتبة "الشيخ بومعقل عمر بن داود الوارجلاني، ورقلة -الجزائر-"
8 - باجية (صالح): الإبَاضِيَة بالجريد في العصور الإسلاميَّة الأولى، دار أبو سلامة، الطبعة الأولى، تونس 1976.
9 - الباروني (سليمان بن عبد الله): الأزهار الرياضيَّة في أئمَّة وملوك الإبَاضِيَة، تحقيق محمَّد علي الصليبي، مطابع العالميَّة، الطبعة الأولى، عمان 1987.
10 - الباروني (عبد الله بن يحيى): رسالة سلَّم العامَّة والمتدئين إلى معرفة أئمَّة الدين، مطبعة النجاح، القاهرة 1324هـ.
11 - الباروني (سليمان أبو الربيع): مختصر تاريخ الإبَاضِيَة، مطبعة الإرادة، تونس 1938.
12 - البستاني (بطرس): دائرة المعارف، مطبعة المعارف، بيروت 1886.
13 - بحاز (ابراهيم بكير): الدولة الرُّسْتُميَّة، (دراسة في الأوضاع الاقتصاديَّة والحياة الفكريَّة)، مطبعة لافوميك، الطبعة الأولى، الجزائر 1985.
14 - بورويبة (رشيد): آثار مندثرة، مطبعة رغاية، الجزائر (د. ت).
15 - بول (استانلي لين): طبقات سلاطين الإسلام، الدار العالميَّة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بغداد 1986.
16 - بونار (رابح): المغرب العربي تاريخه وثقافته، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الجزائر 1981.
17 - الجعبيري (فرحات): نظام العزَّابَة عند الإبَاضِيَة الوهبيَّة في جربة، المطبعة العصريَّة، تونس 1975.
18 - الجنحاني (الحبيب): دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الاسلامي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت 1986. (1/181)
صفحة 175
19 - جهلان (عدُّون): الفكر السياسي عند الإبَاضِيَة من خلال آراء الشيخ محمَّد بن يوسف اطفيَّش، (1818 - 1914)، رسالة ماجستير في الفلسفة الإسلاميَّة، جامعة الجزائر 1987.
20 - الجيلالي (عبد الرحمن): تاريخ الجزائر العام، دار الثقافة، الطبعة الرابعة، بيرُوت 1980.
21 - الحارثي (سالم بن حمد بن سليمان): العقود الفضية في الأصول الإبَاضِيَة، مطابع سجلّ العرب، الطبعة الأولى، القاهرة 1983.
22 - خليفات (عوض محمَّد): النظم الاجتماعيَّة والتربويَّة عند الإبَاضِيَة في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان، عُمان 1982.
23 - داود (السيد محمَّد أبو العزم): الأثر السياسي والحضاري للمالكيَّة في شمال إفريقيا حتَّى قيام دولة المرابطين، المكتبة الفيصليَّة، 1985.
24 - الزاوي (الطاهر أحمد): تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة 1963.
25 - سالم (السيد عبد العزيز): المغرب الكبير، دار النهضة العربيَّة، بيرُوت 1981.
26 - السيابي (سالم بن حمود بن شامس): إزالة الوعتاء عن أتباع الشعتاء، تحقيق سيدة اسماعيل الكاشف، مطابع سجلّ العرب، القاهرة 1979.
27 - نفس المؤلِّف: الحقيقة والمجاز في تاريخ الإبَاضِيَة باليمن والحجاز، مطابع سجل العرب، القاهرة 1980.
28 - صالح (بن عمر داود): وصايا للعَزَّابَة، مخطُوط بمكتبة الحاج سعيد محمَّد أيُّوب، غرداية، -الجزائر-
29 - طرخان (ابراهيم علي): امبراطوريَّة غانة الإسلاميَّة، الهيئة المصريَّة العامَّة للتأليف والنشر، القاهرة 1970.
30 - طعيمة (صابر): الإبَاضِيَة عقيدة ومذهباً، دار الجيل، بيرُوت 1986.
31 - طلاي (ابراهيم محمد): ميزاب بلد كفاح، مطبعة البعث، قسنطينة 1970.
32 - عبد الحميد و (سعد زغلول): تاريخ المغرب العربي، منشأة المعارف، الأسكندريَّة 1979.
33 - عبد الرزَّاق (محمود اسماعيل): الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة، بيرُوت 1976.
34 - العربي (اسماعيل): عواصم بني زيري، بيرُوت 1984.
35 - عفيفي (محمود ابراهيم عبد الله): أحوال بلاد المغرب الاقتصاديَّة في ظلّ السيادة الفاطميَّة، (296 - 442 هـ) (909 - 1058م)، رسالة دكتوراه بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1977، رقم: 2329.
36 - ابن عميرة (محمَّد): دور زناتة في الحركة المذهبيَّة بالمغرب الإسلامي، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1984.
37 - عويس (عبد الحليم): دولة بني حمَّاد في الجزائر، رسالة ماجستير بكلّية دار العلوم، جامعة القاهرة 1973.
38 - فلهاوزن (يوليوس): أحزاب المعارضة في الإسلام، (الخوارج والشيعة)، (1/182)
صفحة 176
القاهرة 1968.
39 - فيلالي (عبد العزيز): العلاقات السياسيَّة بين الدولة الأمويَّة في الأندلس ودول المغرب، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الجزائر 1982.
40 - لقبال (موسى): الحسبة المذهبيَّة في بلاد المغرب (نشأتها وتطوُّرها)، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الجزائر 1971.
41 - نفس المؤلِّف: دور كتامة في تاريخ الخلافة الفاطميَّة، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الجزائر 1979.
42 - محمود (حسن أحمد): قيام دولة المرابطين، دار الفكر العربي (د. ت)
43 - المدني (أحمد توفيق): كتاب الجزائر، دار المعارف، القاهرة 1963.
44 - مرمول (محمد الصالح): السياسة الداخليَّة للخلافة الفاطميَّة في بلاد المغرب، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر 1983.
45 - معمَّر (علي يحيى): الإبَاضِيَة في موكب التاريخ،
الحلقة الثالثة، دار الثقافة، الطبعة الأولى، بيرُوت 1966.
الحلقة الرابعة، مطبعة الدعوة الإسلاميَّة، الطبعة الأولى، القاهرة 1979.
46 - نفس المؤلِّف: الإبَاضِيَة بين الفرق الإسلاميَّة، مطابع سجلّ العرب، الطبعة الأولى، القاهرة 1976.
47 - نفس المؤلِّف: أضواء على الإبَاضِيَة، المطابع العالميَّة بروي.
48 - نفس المؤلِّف: الإبَاضِيَة (دراسة مركَّزة في أصولهم وتاريخهم)، المطبعة العربيَّة، غرداية 1985.
49 - موسى (عزَّ الدين أحمد): النشاط الاقتصاديُّ في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري، دار الشروق، الطبعة الأولى، بيرُوت 1983.
50 - عبد المولى (محمد أحمد): القوى السنِّيَّة في المغرب من قيام الدولة الفاطميَّة إلى قيام الدولة الزيريَّة، منشأة المعارف، الاسكندريَّة 1985.
51 - مؤنس (حسين): معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار مطابع المستقبل، القاهرة 1980.
52 - النوري (حمو محمَّد عيسى): دور الميزابيِّين في تاريخ الجزائر قديمًا وحديثًا، دار الكروان، باريس 1984.
53 - هويدي (يحيى): تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقيَّة (الشمال الإفريقي)، مكتبة النهضة المصريَّة، القاهرة 1965.
54 - ابن يعقوب (سالم): تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، تونس 1986.
55 - يوسف (جودت عبد الكريم): العلاقات الخارجيَّة للدولة الرُّسْتُميَّة، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر 1984.
56 - بن يوسف (سليمان بن الحاج داود): ثورة أبي يزيد جهاد لإعلاء كلمة الله، مطبعة البعث، الطبعة الأولى، قسنطينة 1979. (1/183)
صفحة 177
المراجع الأجنبيَّة
1) ADDOUN (Aïcha Daddi): Sociologie et histoire des Algeriens Ibadites, Ghardaïa, 1977.
2) BASSET (Henri): Essai sur la litterature des bérbéres, ancien maison bastide, Alger 1920.
3) BOUROUIBA (Rachid): Cités disparues, complexe graphique de Rghaïa, Alger (s.d).
4) DACHRAOUI (Farhat): Le califat fatimide au maghreb, std, Tunis, 1981.
5) GOLVIN (L): Le maghreb central à l’époque de zirides, recherches d’archeologie et histoire: Paris, 1957.
6) IDRIS (Hady Roger): La bérbèrie orientale sous les zirdes x-xII, Paris 1962.
7) LARGEAU. V. Le pays de rirha, Ouargla, librairie hachette, Paris 1879.
8) LAVOIX (Henri): Catalogue des monnaies musulmanes de la bibliotèque nationale de paris V2 (Espagne et Afrique), Paris 1891.
9) LETHILLEUX (gean): OUARGLA cité saharienne des origines au début du xx, paul Geuthner, Paris 1983.
10) LEWICKI (Tadeusz): Etude ibadites-nord Africaine (tasmiya su yuhs nafusa wa qurahum) warszawa, 1955.
11) LEWICKI (Tadeusz): Etudes Maghrebines et soudanises, édition scientifique de pologne, varsovie, 1976.
12) MELIA (Jean): Ghardaïa, édition bibliotheque charpentier fasquelle, Paris 1936.
13) MERCIER (Marcel): La civilisation urbaine au m’Zab, emilepfister, Alger 1922.
14) MOTYLINSKI (A DE. C): Guerrara depuis sa fondation, imprimerie de l’acadimie, Alger 1983.
15) PAVARD (Claude): La civilisation urbaine au m’Zab, Alger .
16) ROBIN (Colonel): Le m’Zab et les mozabites, imprimerie générale nimes, 1900.
17) ROUVILLOIS (Madelaine): Le sahara de Ouargla, Pulications du département de géographie de l’université de Paris, sorbonne, Paris 1973. (1/184)
صفحة 178
الأبحاث العر بيَّة
1 - بابا واسماعيل (عمر): وادي ميزاب، مجلَّة التاريخ، عدد 19، سنة 1985، منشورات المركز الوطني للدراسات التاريخيَّة، الجزائر.
2 - بلحميسي (مولاي): ورقلة من خلال النصوص الأجنبيَّة، مجلَّة الأصالة، عدد 41، سنة 1977، منشورات وزارة الشؤون الدينيَّة.
3 - بورويبة (رشيد): الفن الرُّسْتُمِيَّ بتاهرت وسادراتة، مجلَّة الأصالة، عدد 41، سنة 1977.
4 - الشابي (علي): دولة صاحب الحمار ونقوده، المؤتمر الرابع للآثار في البلاد العربيَّة، تونس 1963.
5 - لقبال (موسى): من قضايا التاريخ الرُّسْتُمِي (مكتبة المعصومة بتاهرت هل أحرقت؟ أو نقلت عيونها إلى سدراتة؟)، مجلَّة الأصالة، عدد 41، سنة 1977.
6 - نفس المؤلِّف: الحلف بين أهل السنة والنكاريَّة في القرن 4 هـ (10م) وأثره في تطوُّر أوضاع مدن إفريقيَّة والزاب والحضنة والأوراس، مجلَّة الأصالة، عدد 60 - 61، سنة 1978.
7 - نفس المؤلِّف: طبنة مدينة الزاب والأوراس في العصور الوسطى، مجلَّة الأصالة، عدد 60 - 61، سنة 1978.
8 - محمَّد الشيخ بلحاج: الاجتهاد في المذهب الإبَاضِي، محاضرة ألقيت في الملتقى السابع عشر للفكر الاسلامي، قسنطينة 19 - 21/ 7/1983، مطبعة البعث، قسنطينة 1983.
9 - محمود (حسن أحمد): محنة الشيعة بإفريقيَّة في القرن 5 هـ (11م)، مجلَّة كلية الآداب، مج 12، سنة 1950، منشورات جامعة فؤاد الأوَّل.
10 - النامي (عمرو خليفة): ملامح عن الحركة العلميَّة بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرُّسْتُمِيَّة حتَّى أواخر القرن 6 هـ (12م)، مجلَّة الأصالة، عدد 42 - 43، سنة 1977. (1/185)
صفحة 179
الأبحاث الأجنبيَّة
1) DUVEYRIER (M.H): Isedraten et schisme Ibadites, revue d’ethnographie T2, 1883.
2) Le gouverneur général d’Alger: notes pour servir à l’historique de Ouargla, revue Africaine, N° 316 - 317, année 1923.
3) LEWICKI TADEUSZ: La répartition géographique des ibadites dans l’afrique du nord au moyen age, Roznik orientalistycny T 21, 1957.
4) Les Hakims du gabal nafusa au moyen age, Roznik orientalistycny T 26, 1962.
5) Une croyance des Ibadites nord-Africains sur la fin du monde: le pays de gugraph.
V. Congré international d’arabisants et d’islamisants, Bruxelle 31 aout - 6 septembre, 1970, publication du centre pour l’étude des problèmes du monde musulman contemporain.
6) Quelques extraits inedites relatifs aux voyages des commerçants et des missionnaires ibadites nord-africains au pays du soudan occidental, folia orientalia T2, 1960.
7) Les origines et l’islamisation de la ville de tadmekka d’aprés les sources arabe, bibiothéque d’outremer, N° 5 - 6, Paris 1981.
8) Les petits états du desert lybique et du sahara tripolitain dans le haut moyen age excepte le fezzan et le kouar estrotto DA: atti della settimano internazionale di studi mediterranen mediov ali E moderni cagliari 27 Avril, 1 er Maagio, 1979.
9) MARGUERITE (Van Berchem): Deux compagnes de fouilles à sedrata (1951 - 1952), travaux de l’institut de recherches sahariennes, T 10, année 1953.
10) Sedrata, une ville du moyen age en seveilie dans les sables du sahara, documents Algeriens N° 11, 1953.
11) MERCIER (Marcel): Notes sur une architecture bèrbère saharienne, hesperis, T 8, 1928.
12) SCHACHT (J): Sur la diffusion des formes d’architecture religieuse musulmane à travers le sahara, travaux de l’institut de recherches sahariennes, T 11, 1954.
13) TARRY (Harold): Les villes bérbéres de la vallée de l’oued Mya, revue d’ethnographie, T 3, 1885.
قائمة المحتويات
تقديم 5
مقدِّمة 12
تقييم المصادر والمراجع 18
الفصل الأوَّل: الإباضيَّة في وارجلان وسدراتة 27
1 - وارجلان وسدراتة قبل سقوط الدولة الرستمية 27
2 - فرار الإباضيَّة إلى وارجلان وسدراتة 39
3 - الاختلافات الفقهيَّة والفتن الداخلية 47 (1/186)
صفحة 180
4 - انتقال الإباضيَّة إلى وادي ميزاب 58
الفصل الثاني: علاقات الإباضيَّة بدول المغرب 63
أوَّلاً- بالدولة الفاطمية 64
أ) أوضاع الإباضيَّة في العهد الفاطمي 64
ب) ثورة النكارية 65
1 - تعريف النكارية 65
2 - نشأة أبي يزيد 67
3 - استيلاء أبي يزيد على القيروان 81
4 - حصار المهدية 83
5 - انتقال أبي يزيد إلى تونس 87
6 - حصار سوسة 89
7 - ثورة النكارية بعد أبي يزيد 95
8 - دعم الخلافة الأموية في الأندلس لثورة أبي يزيد 97
9 - نتائج ثورة أبي يزيد ومميزاتها 102
جـ) ثورة الوهبية 103
1 - أسباب الثورة 103
2 - التحضير للثورة 107
3 - بداية الثورة 108
4 - نتائج ثورة الوهبيَّة 112
ثانيا- علاقات الإباضيَّة ببني زيري وبني حمَّاد 112
ثالثا- علاقات الإباضيَّة بإخوانهم في إفريقية المشرق 119
الفصل الثالث: الحياة الاقتصادية في المغرب الأوسط 123
1 - موقع مدينتي وارجلان وسدراتة 124
2 - الزراعة والصناعة 126
3 - طرق التجارة الصادرة والواردة 130
4 - أسواق وارجلان وسدراتة 156
5 - علاقتهما بأسواق المغرب الأخرى والسودان 157
أ- السلع الصادرة والواردة 161
ب- الأسعار 173
جـ- الحسبة وضبط السوق 176
د- نظم التعامل (المكاييل والموازين - النقود) 183
6 - المستوى الاقتصادي الذي حقَّقه هذا النشاط 192
الفصل الرابع: نظام العزَّابة وأثره في الحياة الاجتماعيَّة 193
1 - نشأة نظام العزَّابة 194 (1/187)
صفحة 181
2 - شروط العضوية في مجلس العزَّابة 205
3 - أعضاء هيئة العزَّابة 207
4 - واجبات باقي أعضاء هيئة العزَّابة 211
5 - تقاليد العزَّابة وآدابهم 213
6 - دور العزَّابة في الحياة الاجتماعيَّة 215
الفصل الخامس: الحياة الثقافية 221
أوَّلاً- نظام التعليم ومراحله عند الإباضيَّة 222
الآمرون 224
1 - مهامّ الشيخ 224
2 - العرفاء 225
أ- عريف لتعليم القرآن الكريم 226
ب- عريف أوقات الدراسة 226
جـ- عريف الختمات واوقات النوم 226
د- عريف أوقات الأكل 227
المأمورون 229
جـ- نظام حلقة التدريس 230
1 - أوقات الدراسة ونظامها 230
2 - طريقة الامتحانات في نظام الحلقة 236
3 - العقوبات: أنواعها وأسبابها 237
4 - مجَّانية التعليم 237
ثانيًّا- الحياة الثقافية في وارجلان وسدراتة 238
خاتمة 253
الملاحق 259
قائمة المصادر والمراجع 275
• (1/188)