صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديما وحديثا
المؤلف: بكير بن سعيد أعوشت
الناشر: المطبعة العربية
مكان النشر: غرداية
تاريخ النشر: 1415ه/ 1995م
الطبعة: د.ط
ردمك: 9961-908-04
الكلمات الدالة: تاريخ الإباضية، تاريخ المذهب الإباضي، آراء العلماء عن المذهب الإباضي، المذهب الإباضي، عقيدة الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=369&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/746
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 ذو الحجة 1446ه/ 04 - شهر 06 - 2025م. الإباضية في مرآة علماء الإسلام
* قديمًا وحديثا *
إعداد وتحقيق:
بكير بن سعيد أعوشت (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الإباضية في مرآة علماء الإسلام
* قديمًا وحديثًا
*
اعداد وتحقيق بكير بن سعيد أعوشت
1995/ 1415 (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
المطبعة العربية
نهج طالبي أحمد - غرداية
تدمك:. - 04 - 908 - 9961 (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
*
الإهداء
*
إلى كل مسلم غيور على وحدة المسلمين
ومصيرهم ....
ملتزمًا بأدب الإختلاف والإنصاف ...
معتصما قولاً وعملاً بروح هذه الآية الكريمة: وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (المؤمنون: 52).
إلى كل هؤلاء: دعاة الوحدة والبناء
والمحبة والسلام.
أهدي هذا الكتاب: كتاب المعرفة والتعارف والإعتراف في ظل الأخلاق القرآنية
الخالدة. (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
كلمات مضيئة
وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) «الأنبياء: 92». أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة.
فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه .. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم من حديث الرسول الكريم في خطبة الوداع.
والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره» (الإمام الشهيد حسن البنا - الأصل الثامن رسالة التعاليم).
إن الإختلاف الذي وقع في سلف هذه الأمة ولا يزال واقعا- جزء من هذه الظاهرة الطبيعية، فإن لم يتجاوز الإختلاف حدوده بل التزمت آدابه كان ظاهرة إيجابية كثيرة «الفوائد» (الدكتور طه جابر فياض العلواني العراقي - أدب الإختلاف في الإسلام ص: 26).
ونحن ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخا إسلاميا مشوها» (شهيد الإسلام سيد قطب - في التاريخ فكرة ومنهاج - ص: 57).
-3 - (1/7)
صفحة 8
بسم
المقدمة
الله الرحمن الرحيم - والصلاة والسلام على سيدنا محمد عل الذي أرسله الله للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الخلق العظيم .... والذي قال فيه: {وإنك لعلى خلق عظيم «القلم: 4). أما بعد: أيها المسلم الماجد ... فيسرنا أن نضع بين يديك الكريمتين هذا البحث المجمل، لتجد فيه إن شاء الله ضالتك المنشودة الخالية من الشوائب والخلفيات الذهنية المسبقة التي شوهت الحقائق التاريخية لأسباب سياسية وصراعات جاهلية، نتيجة التناحر على السلطة منذ القديم إلى يومنا هذا ...
وعلى أية حال، فإن هذا الكتاب الجديد يعد لبنة تضاف إلى تراثنا الإسلامي من زاوية الفكر الإباضي الذي يعد جزءا من فكرنا الإسلامي الشامل. إن الناقد حينما يدرس التاريخ الإسلامي ومدارسه الفقهية والسياسية يدرك بكل وضوح أن رؤيتها الأصلية في المسائل الإعتقادية والإجتماعية قد حرفها وشوهها الخصم لتحقيق أهدافه وطموحاته السياسية ومنافعه المادية، وهكذا أصبح تاريخ أمتنا الإسلامية مشوها صنعته أيد الأحداث التاريخية السائدة آنذاك، فلابد
نقدية
إذن من إعادة كتابة التاريخ الإسلامي في إطاره الشامل بروح موضوعية، ويمكننا أن نستشهد بقول شهيد الإسلام الإمام سيد قطب رحمه الله: ونحن ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخا إسلاميا مشوها، يجب إذن أن تعاد كتابة التاريخ الإسلامي
-4 - (1/8)
صفحة 9
على أسس جديدة وبمنهج آخر يجب أن ينظر إلى الحياة الإسلامية من زاوية جديدة وتحت أضواء جديدة، لكي تعطي كل أسرارها وإشعاعاتها، وتنكشف بكل عناصرها ومقوماتها. في هذه الدراسة الجديدة يجب أن تكون المصادر العربية هي
المرجع الأول، والدراسات الغربية هي المرجع الثاني (1). هذا التصور الشامل للحوادث التاريخية، قد دفعنا إلى أن ننهج منهجًا جديدًا في تأليف هذا الكتاب من خلال أقلام إسلامية غير إباضية ... حيث التزمت بالأمانة العلمية، فتجردت من الأحكام المسبقة التي قيلت في الإباضية لأسباب سياسية، ألبست لباس الفكر
الخارجي ولباس أصحاب البدع والتطرف الديني.
إن هذه النصوص المباشرة تجعلنا نصحح المفاهيم الخاطئة التي ألصقت بالإباضية معتمدين في ذلك على المقارنة والموازنة والتحليل التاريخي ورد الفكرة المعينة إلى أصولها الأولى بدون لبس
وغموض
(2)
والجدير بالذكر أن هذه الفكرة ذاتها، قد التزمنا بها في كتبي السابقة: دراسات تحليلية في موضوعات فلسفية أضواء على الأخلاق الإسلامية والمعاصرة إسلام اليوم بين الأصالة والتحريف. إذ
(1) سيد قطب في التاريخ فكرة ومنهاج ص: 44 - 57:10 دار الشروق بيروت القاهرة - 1993 م.
(2) إن النصوص الواردة في هذا الكتاب تنسب إلى عدة أعلام: أئمة أساتذة دكاترة، وهم لا ينتمون إلى المدرسة الإباضية ماعدا الشيخ علي يحي معمر رحمه الله ... الذي أوردنا له نصَّا، نظرا إلى قيمته الموضوعية والتاريخية .. =
-5 - (1/9)
صفحة 10
سلطنا الأضواء على عدة علماء أمتنا الإسلامية من خلال نصوصهم المباشرة كالإمام الشيخ أبي حامد الغزالي والشيخ ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام الشيخ أطفيش والإمام عبد الحميد بن
باديس وشهيد الإسلام حسن البنا رحم الله هؤلاء العظام.
ومن
هنا نكون إن شاء الله قد ساهمنا ببعض الشيء في إبراز أصالتنا الإسلامية، ثم ربطنا بين جيل السلف وجيل الخلف، لأخذ العبرة المبصرة من ماضينا لنسمد منه النور لحاضرنا ومستقبل أبنائنا، وهذا لن يكون إلا بالتشبع بالأخلاق القرآنية العظيمة التي تبحث عن الحق، فتظهره لأمتنا الإسلامية وتدعو إليه بكل إخلاص ونزاهة، وشجاعة لخدمة قدسية وحدة أمتنا الإسلامية التي تعلو وتسمو فوق المذاهب الإسلامية كلها: وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون الانبياء: 92. بهذه الأخلاق الإسلامية العظيمة نستطيع أن نقول: إن وحدة المسلمين فريضة وواجب ديني وأخلاقي ووطني، أما التصدع والتفرق فهما جرثومة الأمراض كلها: الجهل المرض، الفقر، الذل، التنكر الكلي لكتاب الله والسنة المطهرة ثم الإستكانة أمام أعداء الله:
أن
الصليبية المسيحية والصهيونية العالمية، إن طاقة المسلمين، يجب تبرز وتتحدى فتحارب من يحارب الإسلام أو من يفسر القرآن الكريم بالمنظور الغربي الخالص من خلال نظرياته التشكيكية مادية وجنسية.
ومساهمته في الدراسات الإسلامية المعمقة إباضية وغيرها. أما ما جاء في الهوامش وبعض التعقيبات فهي من اجتهادي الخاص، الذي يحتمل الصواب إن شاء الله ... ولن أدعي الكمال، فالكمال لله تعالى وحده.
-6 - (1/10)
صفحة 11
هذا
هو الداء الخطير الذي يهدد وجود أمتنا الإسلامية، وبدون إدراك هذه المشكلة الجوهرية يصفنا الغرب وأنصاره اليهودية والمجوسية بأننا أمة غبية جدا، لا يحق لها العيش والكرامة بل يجب سحق هذه الأمة ومذاهبها كلها لأن أصولها واحدة: القرآن الكريم
والسنة النبوية الشريفة ...
القويم
وعلينا أن نخلص كل أعمالنا لله عز وجل، وأن نعتصم بدينه
-
هذا هو زاد التقوى والعمل الصالح، وبدون هذا المقياس الحقيقي والجوهري لكل أعمالنا سنعيش في ازدواجية القول والعمل: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب
البقرة: 197».
وأخيرا نسأل الله التوفيق والعلم النافع والإعتصام بدينه أمام أعداء الإسلام ليصدق فينا قول الحق تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم الفتح: 29) والسلام.
غرداية: يوم الثلاثاء 27 جمادى الأولى 1415
الموافق لـ 01 نوفمبر 1994
-7 - (1/11)
صفحة 12
*
الفصل الأول *
آراء العلماء في اختلاف المذاهب الإسلامية
}
- 8 - (1/12)
صفحة 13
(أ) تمهيد: الإباضية وأصحاب المقالات القديمة والحديثة:
قبل أن أستعرض هذا الفصل، يجدر بنا أن نقول: إننا قد
اعتمدنا على عدة نصوص للإستشهاد كتبها عظماء الفكر الإسلامي لا يقال عنا: إننا نريد تبريرا وانتحالاً لفكرتنا المطروحة هنا، بل حتى نريد أن نظهر الحقيقة كما هي ونصحح المفاهيم الخاطئة لكسر الطوق الذي قيدت به الدراسات الإسلامية حول الإباضية من خلال أصحاب المقالات القديمة، فالناقد النزيه حينما، يقرأ التاريخ الإسلامي العام، لا سيما مذاهبه الدينية قديما وحديثا، يدرك إدراكًا واعيا، أنه كتب تحت تأثير السلطة المذهبية الحاكمة، وبالتالي ألصقت به تشويهات ومفاهيم خاطئة في حق الحركات الإسلامية التي وقفت ضد السلطة الحاكمة آنذاك والتي ابتعدت عن الدستور القرآني في أحكامها، ولا عجب في ذلك أن توصف تلك الحركات أو المذاهب من طرف السلطة بأوصاف، أهل الأهواء، وأهل البدع،
والمارقة عن الدين والخارجية وأصحاب التطرف الديني ... إلخ. وإذا عدنا إلى المذهب الإباضي نلاحظ أن أصحاب الكتب القديمة قد وصفته بهذه الأوصاف بسبب مواقفه الجريئة ضد السلطة الحاكمة، يقول الإمام الكبير أبو الأعلى المودودي (1)
رحمه الله
عن
(1) أبو الأعلى المودودي - الخلافة والملك ص: 121 دار الشهاب باتنة 1988. إن المؤسس للدولة الأموية هو معاوية بن أبي سفيان (40 هـ - 60 هـ) ولما
توفي اعتلى ابنه يزيد عرش الخلافة ودامت خلافته ثلاث سنوات من 60 - 63 هـ.
ولقد دخل جيشه المدينة المنورة بقيادة مسلم بن عقبة المري
"=
-9 - (1/13)
صفحة 14
عهد يزيد: إن هؤلاء الحكام كانوا يراعون سلطتهم وبقاءها واستمرارها ويقدمون حمايتها والحفاظ عليها فوق كل شيء فلم يتورعوا - في سبيل ذلك - عن انتهاك أي حد من الحدود وهتك أي حرمة من الحرمات ولو كانت أكبرها وأحصنها.
قامت حكومة مروان وأولاده وفيها وصل تحرر السياسة من الدين وانفلاتها منه - بل ذبح أحكام الدين على أعتاب السياسة -
-
كان
إلى المنتهى - ومع أن عبد الملك بن مروان كان فقيها كبيرا و يعتبر في المدينة قبل حظوته بالملك فقيها في عداد سعيد بن
المسيب ...
وفي هذا الجو المتعفن أخلاقياً ظهرت سنة 129 هـ الحركة الإباضية بزعامة أحد رجالها وهو طالب الحق أبو يحي عبد الله بن
= ..
فقتل 1700 من قريش والأنصار والمهاجرين وأصحاب الرسول لأن أهل المدينة وقفوا ضد الأمويين إذ استباح جيشه المدينة ثلاثة أيام في السلب والنهب والإعتداء على أعراض الناس وأموالهم. أما مروان بن الحكم فقد تولى السلطة من سنة 64 - 65 هـ وبه نقل الملك من الفرع السفياني إلى الفرع المرواني. بالرغم من هذا الظلم فإن الدولة الأموية لها الفضل الأكبر في نشر الإسلام في آسيا وإفريقيا الشمالية والأندلس لاسيما في عهد هشام بن عبد الملك 105 - 125 هـ. أ) راجع: تاريخ الأمم والملوك للطبري ج: 4 - مروج الذهب ج 2 ص: 92 التاريخ الإسلامي العام لعلي ابراهيم حسن.
ب راجع: المودودي رائد المدرسة القرآنية - في كتابنا إسلام اليوم بين الأصالة والتحريف.
- 10 - (1/14)
صفحة 15
يحي بن عمر من القبيلة الكندية الحضرمية لمحاربة الإنحرافات الإجتماعية السائدة في الدولة الأموية دينيا، إجتماعيا واقتصاديا. والجدير بالذكر أن تاريخ الإباضية قد حرف منذ الأمويين إلى عصرنا الحديث، حيث زيف لأسباب سياسية خالصة البست لباس
الدين.
کتابه
ومن هنا نجد عدة علماء قديما وحديثا عدلوا عن الأخلاق الإسلامية العظيمة، والبحث العلمي الموضوعي النزيه، وإذا قمنا بالإستقراء التاريخي، والتعليل المنطقي والنقد اللغوي نجد أن أعظم الدراسات الإسلامية التي كتبت عن الإباضية قد قلدت الإمام أبا الحسن علي بن اسماعيل الأشعري المتوفى سنة 330 هـ في مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، إذ يرى أن الإباضية هم خوارج وبالتالي هو خارجون عن أهل السنة والجماعة. وعلى هذا النحو نجد عدة أقلام قلدت رؤية الإمام الأشعري ومن بين هؤلاء: البغدادي المتوفى سنة 429 هـ صاحب كتاب الفرق بين الفرق، وابن حزم المتوفى سنة 456 هـ صاحب كتاب الفصل في الملل والنحل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشهرستاني المتوفى سنة 548 هـ صاحب كتاب الملل والنحل. أما الكتاب المعاصرون فأغلبهم قد اعتمدوا على تلك المصادر القديمة دون نقدها نقدا موضوعيا، بالرغم من أنهم قد تَعَلَّمُوا فعلَّمُوا مناهج البحث العلمي والنقد في الجامعات لطلابهم. ولا بأس أن نشير إلى بعض هؤلاء ومؤلفاتهم: الأستاذ الكريم أبو زهرة صاحب كتاب المذاهب الإسلامية، الأستاذ رمضان
- 11 - (1/15)
صفحة 16
البوطي صاحب كتاب العقيدة الإسلامية، الأستاذ عبد الحليم محمود صاحب كتاب التفكير الفلسفي في الإسلام، الأستاذ صابر طعيمة صاحب كتاب الإباضية عقيدة ومذهبا الأستاذ أحمد أمين صاحب کتاب ضحى الإسلام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني الذي نسب إليه ... كتاب فتاوي الشيخ الألباني ومقارنتها بفتاوي العلماء، إعداد
عكاشة عبد المنان الطيبي. الناشر: دار رحاب الجزائر.
واعتمادًا على ماكتب عن الإباضية من خلال تلك الأقلام الإسلامية نقول: إن الأمانة العلمية الإسلامية تفرض علينا أن تلتزم بها بقول الحق تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا «الإسراء:36). إنما يخشى الله من عباده العلماء «فاطر: 28». وعن أبي هريرة رضي الله عنه الله عنه أن النبي عل الله قال: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل سمع رواه مسلم. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من
ما
ويده حديث متفق عليه
لسانه
وخلاصة القول أن هذه الدراسات الحديثة قد ربطت المذهب الإباضي بتاريخ الخوارج وعقائدهم ونحن قد قمنا بنقد هذه الدراسات في كتبي السابقة، ولا حاجة لنا مرة أخرى إلى إعادة ما كتبناه بالتفصيل ويمكن أن نلخص فكرتنا فيمايلي:
يرى أغلبية المؤرخين أن الإباضية فرقة من فرق الخوارج
وبالتالي فهم أهل البدع والأهواء وأصحاب التطرف الديني ... نحن إذا جئنا أن نحدد الدلالة الخارجية نلاحظ أن لها عدة
-12 - (1/16)
صفحة 17
معان متباينة دينيا، سياسيا، تاريخي (2)، وجهاديا. يقول الله عز وجل: وإن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم
بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم «الممتحنة: 1). وعلى أية حال فلغة الأدب تحمل عدة مفاهيم متباينة كدلالة العين تطلق على حاسة البصر، ومنبع الماء، والجاسوس وكبير الأمة. فحكم لغة الأدب، حكم تقييمي نسبي يختلف بين الناس كدلالة الديمقراطية التي لا تزال محل نقاش وصراع منذ القديم إلى يومنا هذا، بخلاف أن اللغة العلمية أو الرياضية تفرض دلالتها على كل إنسان لأن حكمها تقريري ثابت بالتجربة الحسية أو العقلية كقولنا: الخشب يحترق بالنار، أو 2 + 1 = 3. والأخطر من كل هذا أن هؤلاء العلماء، لا يعتمدون في آرائهم الصادرة عن الإباضية على مصادرهم المباشرة الغنية، أو الإحتكاك بهم، بحيث لو رجعنا إلى ما كتبوه عن إخوانهم الإباضيين، لوجدنا أن هناك تناقضا واضحًا جدا عما كتبوه وما نسب إليهم من خلال تلك الدراسات البعيدة عن الأمانة العلمية.
(2) راجع مايلي: أ - الشيخ علي يحي معمر رحمه الله: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى - الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم
-
والحديث.
الشيخ فرحات الجعبري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية. - بكير بن سعيد أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية - حركة أهل الدعوة والإستقامة في مكة والمدينة.
2
- 13 - (1/17)
صفحة 18
وعلى أي حال فإن السياسة المرتدة عن أصالة الإسلام هي التي شوهت تاريخ الإباضية وعقائدهم، وبقيت هذه المفاهيم الخاطئة عقول المسلمين بطريقة شعورية واللاشعورية، تطفح في عن عامة الناس.
تصرفاتهم اليومية عند بعض علماء المسلمين فضلا
(ب) الإباضية والفكر الخارجي:
إن الإنسان التقي حقا عليه أن يلتزم بالأخلاق الإسلامية عمليا قرآنا وسنة وعلما، لأنه محاسب على كل فعل صادر عنه يقول الحق تعالى:
ولتجزَى كل نفس بما كسبت وهم لا يُظْلَمُون «الجاثية: 22). وفي هذا المسار التاريخي العام، يجدر بنا أن أحيل علماءنا إلى المصادر الإباضية مباشرة ليصححوا الأخطاء المرتكبة في حق تاريخ أمتنا الإسلامية أخلاقا، وعلما ووحدة، ومحبة.
يقول أبو حمزة المختار الشاري المتوفى سنة 130 هـ: يا أهل المدينة الناس منا، ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو إماما جائزمان (3).
أضف إلى ذلك الرسالة التي بعثها عبد الله بن إباض رحمه الله إلى عبد الملك بن مروان الأموي تبين لنا أن الإباضية تبرأوا من زعيم الخوارج نافع بن الأزرق بن قيس الحروري، لقد جاء في هذه الرسالة مايلي: «إنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه.
لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا ولكنه أحدث
(3) أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني، ج 23 ص: 132.
- 14 -
- (1/18)
صفحة 19
وارتد وكفر بعد إسلامه فنبراً إلى الله منهم)
وفي ظل هذه الحقائق التاريخية الواضحة، يتبين لنا أن الإباضية كانوا بعيدين كل البعد عن المذهب الخارجي عقائديا ... قولا وعملا. ولعل من المفيد أن نورد بعض أقوال علمائه قديما وحديثا. يقول العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسيوي العُماني المتوفى في نصف القرن الخامس الهجري ما يلي: وممن أقره الله الضعفاء، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، دليل على بطلان قولهم: إن كل دار يحكم فيها بغير ما أنزل الله، لا يقبل فيها من أحد حسنة. فهذا خطأ من الخوارج، وأما تسميتهم إياهم بالشرك والكفر من
من
غير ذنب والإرتداد، فذلك خطأ عظيم.
وقد قال رسول الله الله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
لا إله إلا الله فإذا قالوها حرم علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها
حديث متفق عليه.
فهذا ما يبطل قولهم في الهجرة، وفي تحليل أموال أهل القبلة، وأنزل الله سبحانه: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من
قبل فمَنْ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبير النساء: 94 - يعني كنتم من قبل مشركين، فمن الله عليكم يعني بالإسلام فتبينوا يعني تبينوا ولا تقتلوا المسلمين.
(1 - 4) البرادي، الجواهر المنتقاة ص: 165. فهذه الرسالة توجد في الكتب القديمة.
- 15 - (1/19)
صفحة 20
فدل بهذا ما يبطل قول الخوارج في ذلك (4 - 2).
وأما العلامة أبو يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني (500/ 570 هـ) فيقول: وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله وإن أطعتموهم إنكم لمشركون «الأنعام: 121» فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد، حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها (5). وأما القطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش (1236/
1332 هـ) فيقول: والخوارج قبحهم الله قالوا: إن نصب الإمام غير واجب وأنه يجب على الناس أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم (6)، ثم قال رحمه الله: «التوحيد عاصم لدم الموحد وماله وسبيه، ومن أحل مال الموحد أو سلبه أشرك (7).
ويقول العلامة الشيخ السالمي (1332/ 1286 هـ): «ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالا، لأن الله لم يأمر به في كتابه ولا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافا للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه بريء من الزنا من قومهم وهو بذلك مضلون (8).
(2 - 4) جامع أبي الحسن البسيوي ج: 1 - ص: 263 سلطنة عمان - وزارة التراث القومي والثقافة سنة 1984.
ملحوظة: لقد طبع هذا الكتاب أول مرة طبعة حجرية 1304 هـ بزنجبار.
(5) الدليل والبرهان ج: 1 - ص: 15.
(6) شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج: 13 - ص: 8.
(7) الذهب الخالص ص: 28.
-
الموحد هو المسلم العاصي.
(8) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج:1 - ص: 67.
- 16 - (1/20)
صفحة 21
هذه هي القيم الخلقية العظيمة الصادرة عن القرآن الكريم
والسنة النبوية الشريفة التي تسمو كل السمو فوق النظرة المذهبية التي مزقت أمتنا الإسلامية إلى طوائف متصارعة حتى أمست دماء المسلمين كلها مهما تباينت، مذاهبهم، أرخص من دماء البعوض عند الغير، لأن وحدتنا صورية عنكبوتية لا أكثر وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون «العنكبوت:41».
وهكذا فإن الواقع المر، في العالم يؤكد هذه الحقيقة فدماء المسلمين تسفك وأعراضهم تهتك، فضمير أمتنا الإسلامية تجمد وتصلب وترك الصليبيين يفعلون ما يشاءون في العالم الإسلامي لاسيما في البوسنة والهرسك، لأن هذه الأمة الإسلامية لا تزال تعيش بخلفيتها التاريخية وبالتالي أمست بدون وزن في مصير قرارات العالم. ولا يفهم من هذا بأنني أزكي الإباضية أو أنهم لم يخطئوا في تاريخهم الطويل بعض الخطأ، ولكن أريد أن أبين وأنصف حقهم التاريخي والمعيشي فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى النجم: 32 وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربي (الأنعام: 152». وهكذا تدرك أيها المسلم الغيور على دينه، أن فضيلة التقوى والعدل هما المقياس الوحيد لكل أفعالنا وأقوالنا وسلوكنا الصادر عنا
أو من غيرنا، وبدون هذا سنعيش في جاهلية القديمة والمعاصرة، بحيث أن هناك فئات كبيرة من المسلمين تعتز كل الإعتزاز بانتمائها المذهبي الإباضي أو السني أو السلفي أو الجعفري ... إلخ بدون عمل صالح نافع، فإن هذا الأمر في نظر الإسلام هو الخروج عن عبادة الخالق ويقول الحق تعالى: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم
- 17 - (1/21)
صفحة 22
وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان النجم: 23».
وفي ضوء هذه الآية الكريمة نجد فئة من المسلمين يكفرون غيرهم بدعوى أن مذهبهم هو الأقوم والأصح وذلك باتباع أقوال وفتاوي بعض علمائهم ولو جاءت تلك الفتاوي تتناقض الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث الشريفة وقدسية الدين وحفظ النفس والمال والعرض، وهذا في نظرنا يعد شركا وجحودًا ونفاقا .. لنتأمل هذه الآية القرآنية المحكمة: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم «الشورى: 21».
نحن إذن أمام ازدواجية خطيرة جدا، بين حكم الله وحكم البشر، وعلى العالم المسلم أن يتقيد ويلزم نفسه وغيره بالأخلاق الإسلامية الورع، التقوى العلم. وقل رب زدني علما (طه: 114»، ثم الإعتصام بقدسية وحدة الأمة الإسلامية التي تكون هي غايتنا القصوى، وأن نؤمن بأن اختلاف المذاهب الإسلامية هي سنة الله في البشر وجوهر هذا الإختلاف لن يحل إلا بالمعرفة والتعارف والإعتراف والمحبة - لنتأمل إذن قول الله عز وجل: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم «هود: 118 - 119». ولنا العبرة المبصرة من أدب الإختلاف في الإسلام من الإمام مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة رحمه الله (93 هـ/179)، هارون الرشيد أراد أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل المسلمين على العمل بما جاء به فأجابه مالك بن أنس: ولا تفعل
إذ
- 18 - (1/22)
صفحة 23
يا أمير المؤمنين فإن أصحاب رسول الله علما اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل مصيب فعدل الرشيد عن ذلك، رواه أبو نعيم في الحلية.
وبعد هذا وذاك يجدر بنا أن نبين رؤية بعض العلماء في طبيعة
الإختلاف المذهبي الإسلامي.
(ج) آراء العلماء في أدب الإختلاف في الإسلام: 1 ـ مع الشيخ محمد الغزالي (9):
يقول: هل اختلاف وجهات النظر الإجتهادية يعني تفريق الدين؟ التفريق المنهى عنه إنما سيكون في أمرين:
خلاف جذري في العقائد وما ووراء المادة والمغيبات، لأن الكلام فيها ليس له سند عقلي عند الناس، ولكنه تطاحن على فهم بدأ لصاحبه ... كما يحدث بعض الناس في الأمور التي نعتبرها من وراء المادة ولا مجال فيها للعقل: هل الصفات زائدة عن الذات، أو هي عين الذات أو غير ذلك؟ ما معنى الإستواء على العرش؟ ... هذا كله كلام أرى الخوض فيه يعتبر أولاً: كلاما لا معنى له ولا لزوم له، وثانيا: لأن الخوض فيه يؤدي إلى انقسام ديني خطير، ومن الخير أن نوفر لأنفسنا وحدة. ة الأمة.
(9) محمد الغزالي: عالم من أكبر علماء الفكر الإسلامي المعاصر وهو مصري، اهتم بدراسة سلوك المسلمين وبين العلل والأدوية، مؤلفاته تزيد على أربعين كتابًا، أهمها: عقيدة المسلم، خلق المسلم، علل وأدوية، فقه السيرة.
- 19 - (1/23)
صفحة 24
ليس هناك
من عقلاء المسلمين، بل حتى من
العامة
في
الأقدمين، بذلك أحد أبدا ... الخلافات الفقهية ... خلاف في فهم النص، أو المعنى المقصود وهو أمر يحتمله النص الديني نفسه، فهو واحد ويحتمل هذه المعاني. في آية مثل: أَوْ لَامَسْتُم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباك) (النساء: 43)، هل مطلق اللمس ينقض الوضوء؟ أو المقصود باللمس معين وهو الإتصال الجنسي .. من قال إن هذا له صلة بأصول الدين أو أنه يمس صلب الدين؟ لم يقل بذلك أحد.
من قال: إن الخلافات الفقهية تفريق للدين ... لم يقل
ما صلة ذلك بحديث: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين فرقة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة رواه الترمذي وأبو داود.
هذا الحديث ليس من الصحاح، وهو وارد في كتب السنن ... وأغلب ظني أن المقصود به الخلافات السياسية التي توهن قوى الأمة، وتهلكها أمام غيرها - رجل يرى أنه يجب أن يكون هو رئيس الدولة، ولا يأبى بأن يحدث شعبا يقسم به الشعب قسمين، ويقاتل هذا بذاك ... هذا نوع من الخلافات الذي اعتبره كأنه كفر. المشكلة أن بعض الناس بدأوا يطبقونه على بعض الخلافات
الفكرية والفقهية والسياسية ويسمون الفرقة الناجية ... إلخ. هذا كلام باطل ... فلو صح الحديث، فالمقصود منه: الذين ساءت نيتهم وأرادوا تمزيق الأمة أما الذين حسنت نياتهم ويريدون
-20 - (1/24)
صفحة 25
الخير للأمة فلا دخل لهم بالحديث (10).
2 - رؤيتنا: إن الشيخ محمد الغزالي تمكن من أن يعيد للإسلام جوهره وصفاءه من خلال نصوصه الشرعية الواضحة قرآنا وسنة، ولو تأملنا تلك النصوص، سوف ندرك كل الإدراك أن السلطة السياسية هي التي أوجدت تلك الأحاديث لخدمة وجودها، لأن الفرقة الناجية هي كل من التزم بتطبيق أوامر الله عز وجل، فالجزاء ينصب على عمل الإنسان وحده فقط، فلن ينفعه في يوم الحساب أي شيء نسبه وأولاده، عشيرته ومذهبه ماله وسلطته .. لنتدبر قول الله عز وجل: ولن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير «الممتحنة: 3»، ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم الأنعام: 194. وعن الرسول الكريم: «لا يدخل أحد الجنة إلا أُري مقعده النار لو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل أحد النار إلا أري مقعده من
الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة» رواه البخاري.
من
والأدهى من كل هذا أن هناك من يدعي أن مذهبه على حق وأن أصحاب المذاهب الأخرى كلها في ضلال، بل يجادل غيره جدَالًا عنيفا عقيما وراء الغيب والمادة لأن كل مذهب له أدلته الشرعية في ذلك، فهل هذا الإنسان المجادل له إيمان راسخ وأخلص
(10) محمد الغزالي - كيف نتعامل مع القرآن - ص: 107 - 111 دار الإنتفاضة للنشر ط:1 الجزائر.
- 21 - (1/25)
صفحة 26
العبادة لله عز وجل، وآمن بعذاب جهنم حقا، نحن نجزم انه لم ... ولن ... يتحمل عذاب الدنيا، فضلا عن عذاب الآخرة، ونعني بهذا، مسألة الجدال حول عذاب فجار المسلمين غير التائبين في جهنم خلودهم، وعدم خلودهم في ذلك الجحيم، فالإنسان المؤمن الورع حق الإيمان يرفض كل الدخول في ذلك الجدال العقيم، مادامت نتيجته مرفوضة عقلا وشرعا ودنيويا، لو طلبنا من هذا الإنسان المجادل المفتن أن يصبر خمس دقائق فقط على بعض عذاب الدنيا، كمكوثه في غرفة ضيقة مظلمة فراشه، جمر، ماؤه نتن حار، أكله حنطل، تلدغه الأفاعي الإستوائية من كل مكان، فهل في استطاعته الصبر على هذا العذاب الدنيوي، فضلا عن عذاب جهنم، الذي يغمس فيه، والله أعلم بزمانه السرمدي. إن الصورة المرعبة التي رسمناها سابقا، تجعل أبداننا ترتعش كلها، نفسا، وجسدا، هذه هي الحقيقة الواضحة التي نستخلصها من عذاب الدنيا، وكيف الأمر بالنسبة إلى عذاب جهنم، عذاب الهول (11) تأمل أيها المسلم هذه الآيات المفزعة: يوم لا يُغني مَوْلى عن مؤلى شيئًا ولاهم ينصرون. إلا من رحم العزيز الرحيم. إن شجرة الزقوم طعام الأثيم. كالمُهْل تغلي في البطون. كغلي الحميم. خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم. ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم. ذق إنك أنت العزيز الكريم الدخان: 41 - 49). عن النعمان بن بشير، رضي الله
الله إنه هو
(11) راجع كتاب مشاهد يوم القيامة في القرآن للسيد قطب رحمه الله.
-22 - (1/26)
صفحة 27
عنهما قال: سمعت رسول الله علي الله يقول: إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا
متفق عليه.
وفي ضوء هذا نقول: إن الجدل والخصومات في المسائل الغيبية جعلت أمتنا الإسلامية تعيش في تصدع وجدال عقيم بدون عمل صالح، بل تحول الأمر إلى تكفير أصحاب المذاهب الإسلامية، واستحلال أرواحهم وأموالهم وأعراضهم باسم الفتاوي الصادرة عن بعض علماء، خصومهم والله إن هذا لهو الخروج الصريح عن القرآن الكريم والسنة الشريفة لنتأمل قول الله عز وجل: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه وأعد له عذابا عظيما النساء:93). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليل: المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخدله كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه التقوى ههنا بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» رواه الترمذي.
أخي المسلم فلنحرس من الجدال العقيم الذي هو الداء العضال الذي يسلكه بعض علماء السلطة والزعامة والفتنة والفساد لتمزيق وحدة أمتنا الإسلامية إلى شيع متناحرة، لقد صدق الله عز وجل في قوله الكريم: أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون» «الأنعام: 65». فقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: بلغني أن الله إذا أراد
- 23 - (1/27)
صفحة 28
بقوم شراء الزمهم الجدل ومنعهم العمل (12).
وبعد هذه الخلاصة يمكننا أن نسترشد برأي العالم الشيخ حسن
البنا (رحمه الله بعد الشيخ محمد الغزالي في
(3 - مع شهيد الإسلام حسن البنا
مسألة الإختلاف.
رحمه الله (13)
لقد جاء في رسالة التعاليم مايلي:
ماجاء من
:
وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم علل وكل السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالإتباع، ولكننا لا نعرض للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا. ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إمامًا من أئمة الدين ويحسن به، مع هذا الإتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق عنده صدق من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه
(12) عرفان عبد الحميد: دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية ص: 123 ط:1. (13) هو الإمام حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا ولد سنة 1906 م بمدينة المحمودية المصرية له الفضل الكلي في قلب الفكر الإسلامي المعاصر وذلك بالرجوع إلى أصالته الأساسية وهو يرى أن الإسلام هو عقيدة وعمل، ودين ودولة وبالتالي يعد الاب الحقيقي للإخوان المسلمين. أهم مؤلفاته: مذكرات الدعوة والداعية توفي رحمه الله سنة 1949 م. أنظر كتابنا: إسلام اليوم بين الأصالة والتعريف – المدرسة القرآنية.
- 24 - (1/28)
صفحة 29
العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر. والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله، والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب. لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو بمعصية إلا ان أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر. وإذا علم الأخ المسلم دينه في حدود هذه الأصول فقد عرف هتافه دائما القرآن دستورنا والرسول قدوتن (14). معني
(4) - مع الدكتور يوسف القرضاوي (15):
الدين
يقول الأستاذ الكريم يوسف القرضاوي في كتابه القيم: الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم مايلي: ومما يتم الإخلاص لله، والتجرد للحق: أن يتحرر المرء من التعصب لآراء الأشخاص، وأقوال المذاهب، وانتحالات الطوائف.
(14) مجموعة الرسائل للإمام حسن البنا ص: 11 - 16 مؤسسة الرسالة بيروت. (15) يوسف القرضاوي: عالم، مصري له مساهمة فعالة في بعث الفكر الإسلامي الأصيل من خلال عدة مؤلفاته أهمها: فقه الزكاة. الحل الإسلامي فريضة وضرورة. الحلال والحرام في الإسلام. أولويات الحركة الإسلامية.
- 25 - (1/29)
صفحة 30
على معنى: أنه لا يقيد نفسه إلا بالدليل، فإن لاح له الدليل
بادر بالإنقياد له، وإن كان ذلك على خلاف المذهب الذي يعتنقه، أو قول الإمام الذي يعظمه، أو الطائفة التي ينتسب إليها. فالحق أحق أن يتبع من قول زيد أو عمر ومن الناس، وما تعبدنا الله تعالى بقول فلان من العلماء أو الأئمة، إنما تعبدنا بما جاءنا في كتابه وما صح عن نبيه علي الله وقل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول النور:54) التعصب للرأي الشخصي. وأول ما ينبغي أن يتحرر المرء منه: تعصب لرأيه الشخصي، بحيث لا ينزل عنه ولو ظهر له خطؤه، وتهافت شبهاته أمام حجج الآخرين، بل يظل مصرا عليه، مستمسكًا به مدافعا عنه انتصار للنفس، ومكابرة للغير واتباعا للهوى، وخوفا من الإتهام بالقصور أو
التقصير.
ورضي الله عنه الإمام الشافعي الذي قال: والله ما أبالي أن
يظهر الحق على لساني أو على لسان خصمي. والمتعصب أشبه بامرئ يعيش وحده في بيت من المرايا، يرى فيها غير شخصه أينما ذهب يمنة أو يسرة وحده في بيت وكذلك المتعصب لا يرى - رغم كثرة الآراء – فهو مغلق على
فلا
أنه
وجهة نظره وحدها، ولا يفتح عقله لوجهة سواها، يزعم الأذكى عقلا، والأوسع علما، والأقوى دليلا، وإن لم يكن لديه
عقل يبدع، ولا علم يشبع ولا دليل يقنع، وبعض هؤلاء المتعصبين يرفض مقدما وجهة النظر الأخرى، دون أن يتيح لنفسه فرصة الإطلاع عليها - بالقراءة أو بالسماع - اطلاعا يمكنه من الإحاطة
-26 - (1/30)
صفحة 31
بها وإدراك حقيقتها (16). وقد حكى القرآن الكريم نماذج من المتعصبين، منكرا عليهم ومنددا بمسلكهم، تحذير للمسلمين أن
يحذوا حذوهم. فقال عن بني إسرائيل: وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نومن بما أنزل عَلَينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما
معهم (البقرة: 91.
التعصب للمذهب:
ومن التعصب المذموم: التعصب للمذهب، شأن غلاة المقلدين الذين يكادون يضفون على مذاهبهم العصمة، وعلى أئمتهم
القداسة، وهم يبنون تعصبهم هذا على دعائم غير مسلمة لهم. منها: أن التقليد، واجب، وخصوصا تقليد المذاهب أو الأئمة الأربعة. مع العلم المقطوع به: أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله اتباع زيد أو عمرو من الناس بأعيانهما،
وإن بلغا في العلم والفضل ما بلغا.
هنا اعتبار أصحاب المذاهب كأنهم شارعون، شرعية (17) يحتج بها، ولا يحتج لها.
ويلزم من واعتبار أقوالهم كأنها أدلة
(16) إن هذه الحقيقة تنطبق على أغلبية الكتاب الذين كتبوا عن الإباضية، بحيث لم يتطلعوا على المصادر الإباضية قراءة أو سماعا أو الرجوع إلى المجتمع الإباضي. (17) لقد أشرنا سابقا إلى هذا التعصب المذهبي في دراساتنا السابقة حتى أصبحت بعض فتاوي العلماء تعارض الآيات القرآنية الصريحة - انظر كتابنا - ميزاب يتكلم ص: 57.
-
- 27 - (1/31)
صفحة 32
ولهذا أنكر كبار علماء الأمة ومحققيها هذا الغلو في التقليد، الذي كاد يشبه ما فعله أهل الكتاب من اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله (18).
(5 - رؤيتنا: من خلال هذه النصوص الواضحة، تدرك أيها المسلم الكريم أن التعصب المذهبي وعدم قراءة النصوص التي كتبها علماء الإباضية أو مشاهدة سلوك مجتمعهم جعلت أغلبية علماء الإسلام يتجاهلون المذهب الإباضي أو يحرفونه بالرغم من أنه يمثل
نريد
من
هو
رافدا من روافد الفكر الإسلامي الأصيل، ليس هدفنا هذا تجريح علماء أمتنا الإسلامية أو إدانة التاريخ الإسلامي ورجاله، ولكن أن نخضع هذا التاريخ للمنهج النقدي الصارم تحت الرؤية الإسلامية لنميز بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل يقول السيد جودت سعيد مايلي: «إن موقف المسلمين الآن من التاريخ ليس موقفا صحيحًا، لأنه لا قدرة لنا على تجنب أخطائه والإستفادة من صوابه، وعلينا أن نميز المنحرف والمخطئ، من الأشخاص، وأن
نعرف من الآراء ما هو مخطئ ومنحرف ليصير التاريخ دافعًا
ومحركا
إلى الأمام لا غلا على العنق يقيد العقل ويمنع من الحركة (19). وعلينا أن نبين هذه الحقيقة التاريخية من خلال ما كتبه المؤرخ
(18) الدكتور يوسف القرضاوي: الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم ص: 199 - 202: مطبعة الوفاق – رويية – الجزائر. (19) جودت سعيد: حتى يغيروا ما بأنفسهم ص: 205 - دار الثقافة للجميع
-دمشق-.
-28 - (1/32)
صفحة 33
التونسي محمد محفوظ حول الإباضية وأعلامهم إذ قال: ولما كان هذا التأليف أشبه شيء بالفهرس وقد سميته: تراجم المؤلفين التونسيين، وقد ترجمت فيه للوافدين على تونس المتوفين بها، كما ترجمت فيه لعلماء إباضية من جزيرة جربة ويلاحظ المتأمل أن بعضهم من ذوي الثقافة المحدودة وأن انتاجهم ليس بذي قيمة كبيرة وبعضهم من نوابغ الإعلام ذوي المواهب الغزيرة، والإنتاج الثري المتنوع والذين كان لهم فضل في إثراء المكتبة العربية الإسلامية، وقد عجبت من إهمال المؤرخين التونسيين - من غير الإباضية ترجمتهم والتنويه بهم ولا داعي لها غير التعصب المذهبي، وقد سار في هذا الطريق بعض المعاصرين وإخواننا الإباضية لا يبذلون جهدا كبيرا في التعريف بأنفسهم.
-
ولولا ما قام به بعض المعاصرين من التعريف بأعلامهم كالأستاذين: الصادق بن مرزوق وفرحات الجعبري الجرييين التونسيين وعلي يحي معمر النفوسي الليبي لبقي كثير من هؤلاء الأعلام مغمورًا في طي الخفاء والكتمان ولهؤلاء الثلاثة فضل كبير هذا الميدان وقد اعتمدت عليهم كثيرا في ترجمة أعلام مرموقين أو من نزلائها المتَوَفِّينَ فيها، لأن جزيرة جربة أخرجت على مدار القرون أعلاما لهم مكانتهم لا في المذهب الإباضي فقط بل في التفكير الفلسفي الإسلامي، وفي التاريخ التونسي
في
(20)
(20) محمد محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين ج:1 ط:1 ص:8 دار
المغرب الإسلامي بيروت 1982.
3
-
- 29 - (1/33)
صفحة 34
وفي ضوء هذه الحقيقة التاريخية، فإن الأستاذ الكريم: محمد محفوظ، قد التزم بالموضوعية وأنصف حق تاريخ أعلام الإباضية الذين جهلهم أو تجاهلهم الغير بدافع التعصب المذهبي لا غير كما
يرى ذلك.
في
ومن هنا، رأينا أن نقدم للقارئ الكريم في الفصل الثاني نماذج من مقالات إسلامية عامة قديمة وحديثة كتبت عن المذهب الإباضي من خلال أقلام غير إباضية مبينة حقيقة أصالته ... معتمدة ذلك على الروح الموضوعية والرجوع إلى مصادره المباشرة التي تصحح المفاهيم الخاطئة وتبدد الأوهام وتنير الطريق أمام الباحثين، الوحيد دائما هو خدمة وحدتنا الإسلامية المقدسة في ظل الأخلاق القرآنية الشامخة التي تتحدى الفلسفات البشرية وتجاريبها المتغيرة في كل يوم على حسب أهواء البشر ودوافعهم.
أملنا
-30 - (1/34)
صفحة 35
* الفصل الثاني *
الإباضية في مرآة أعلام الإسلام قديما و حديثا
ملحوظة: لقد رتبنا المقالات على حسب وحدة الموضوع.
-31 - (1/35)
صفحة 36
1 - منزلة الإمام جابر بن زيد (1) عند الصحابي الجليل عبد الله بن عباس (2) وعند العلماء
لقد جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد المتوفى سنة 210 هـ المجلد السابع ص: 179: قال سفيان عن عمرو عن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علماه.
ومن هنا فإن جابر بن زيد رحمه الله يقول: أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحيويت ما بين أظهرهم إلا البحر، ويقصد بهذا أستاذه ابن عباس لغزارة تبحره في العلوم الشرعية، وهو أول من جمع
الله
الله
(1) إن المصادر الإباضية القديمة وغير الإباضية تؤكد أن المؤسس الأول للمذهب الإباضي هو العلامة الفقيه أبو الشعثاء، جابر بن زيد الأزدي العماني الذي ولد بين عامي 18 و 22 هـ بمدينة الفرق العمانية، أما وفاته فقد كانت بالبصرة وذلك سنة 93 هـ، إذ أخذ العلم عن الصحابة رضي الله عنهم، كعبد بن عباس وعائشة بنت أبي بكر، وخادم الرسول لا أنس بن مالك وعبد بن عمر، وعبد الله بن مسعود. (2) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، الصحابي الجليل، ولد بمكة في السنة الثالثة قبل الهجرة، ونشأ في بداية عصر النبوة فلازم الرسول الكريم لعل الله وروي عنه الأحاديث الصحيحة ويسمى بحبر الأمة ... سكن الطائف وتوفي بها وذلك سنة 68 هـ قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن، وكان عمر بن الخطاب يستفتيه فيقول له: أنت لها ولأمثالها .. ويعد جابر بن أحد طلاب ابن عباس رحمه الله.
زيد
- 32 - (1/36)
صفحة 37
الحديث في ديوان مفقود وتتحدث المصادر عنه أنه وقر وقر بعير. ولقد جاء في كتاب المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب بن سفيان البسوي المتوفى سنة 277 هـ، المجلد الثاني ص: 12 - 14 مايلي: حدثنا أبوبكر الحميدي ثنا سفيان ثنا عمرو قال: سمعت ابن عباس يقول: لو ترك أهل البصرة على قول جابر بن زيد لأوسعهم
عما
في كتاب الله علمًا.
وحدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن يحي بن عتيق قال: ذكر جابر عند محمد فقال: رحم الله جابرا كان مسلما
عند الدرهم.
أحمد
ثم جاء كذلك في حلية الأولياء وطبقات للحافظ أبي نعيم بن عبد الله الأصفهاني المتوفى سنة 430 هـ الجزء الثالث ص: 85 مايلي: جابر بن زيد أبو الشعثاء، كان للعلم عينا معينا، وفي العبادة ركنا مكينا، وكان إلى الحق، آيبا، ومن الخلق هاربا، تأخر ذكره عن طبقته وهو من قدماء التابعين. حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا محمد بن عثمان أبي شيبه قال ثنا أبي قال: ثنا ابن عينيه عن عمرو بن دينار قال سمعت عطاء قال قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: لو نزل أهل البصرة بجابر بن زيد لأوسعهم علما من كتاب الله عز وجل».
بن
بن
أما بالنسبة إلى شيخ الإسلام شهاب الدين أبي الفضل أحمد علي بن حجر العسقلاني فقد ذكره في الجزء الثاني من كتابه تهذيب التهذيب ص: 38 مايلي: وفي كتاب الزهد لأحمد لما مات جابر بن زيد قال قتادة اليوم مات أعلم أهل العراق وقال إياس بن معاوية أدركت
-33 - (1/37)
صفحة 38
الناس ومالهم مفت غير جابر بن زيد وفي تاريخ ابن أبي خيشمة كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد وفي الضعفاء للساجي عن يحي بن معين كان جابر إباضيا وعكرمة صفريا (3). وقبل أن نختتم حياته الفقهية والعلمية لابد أن نشير إلى أن جابر كان له باع في التفسير لقد جاء في مقدمة أصول التفسير ص: 61 للإمام ابن تيمية مايلي: «وأما التفسير، فإن أعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس وأبي الشعثاء
وسعيد بن جبير وأمثالهم».
(3) عكرمة نسبه هو عكرمة بن عبد الله (105/ 25 هـ) مولى ابن عباس تابعي. الصفرية وهم أتباع زياد بن الأصفر الخارجي فهذه الفرقة الخارجية ترى التقية جائزة في القول دون العمل.
- 34 - (1/38)
صفحة 39
(2) - ظهور المذهب الإباضي واصطدامه بالخوارج
أما
بقلم: الدكتور رجب محمد عبد الحليم
(1)
عن نشأة المذهب الإباضي، فمن المعروف أن هذا المذهب من المذاهب الإسلامية الهامة التي سبقت في النشأة غيرها من المذاهب الأخرى سنية أو شيعية، كما أنه لم يعرف بهذا الإسم في المصادر الإباضية إلا في الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة، وقد قبل الإباضية بهذا الإسم منذ ذلك التاريخ لأنه غلب عليهم بمرور الزمن، وصار علما يلتفون حوله ولم يجدوا فيه ما يحط من قدرتهم أو ينال من كرامتهم (2)، وإنما كانوا يطلقون على أنفسهم
(1) رجب محمد عبد الحليم، أستاذ جامعي ذو جنسية مصرية، يعد أحد أعلام التاريخ الإسلامي، اشتهر بكتبه التاريخية القديمة أهمها: (أ) - العلاقات بين الأندلس الإسلامية وإسبانيا النصرانية في عصر بني أمية وملوك الطوائف. - (ب) - إنتشار الإسلام بين المغول. - (ج) - الإباضية في مصر والمغرب وعلاقاتهم بإباضية عمان والبصرة. - (د) - الردة في ضوء مفهوم جديد، لقد اهتم بدراسة الجذور التاريخية للمذهب الإباضي الذي ظهر في الساحة السياسية وعلاقة إباضية الشرق ياباضية المغرب، معتمدا في على عدة مصادر مختلفة إباضية، وغير إباضية تزيد على 127 مصدرًا، وأخيرا توصل إلى أن المذهب الإباضي يصطدم إصطداما كليا بالمذهب الخارجي عقائديا وسياسيا واجتماعيا.
ذلك
(2) أما اسم الإباضية فهو نسبة إلى أحد شيوخ القعدة وهو عبد الله بن إباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي من بني مرة وهي قبيلة عربية عراقية، فقد .. =
- 35 - (1/39)
صفحة 40
قبل ذلك إسم جماعة المسلمين أو أهل الدعوة أو أهل الإستقامة وقد سماهم أعداؤهم من الخوارج المتطرفين باسم القعدة احتقارًا لهم، لأنهم طبقا لوجهة نظر هؤلاء الخوارج قعدوا عن الجهاد في سبيل الله بمحاربة الولاة والحكام الظالمين.
وكان هؤلاء القعدة قد رأوا القعود عن الحرب وعن رفع السيف ضد إخوانهم المسلمين عقب موقعة النهروان التي وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب وجماعة المحكمة الذين عارضوه لقبوله التحكيم وقالوا - لا حكم إلا الله - واشتهروا باسم المحكمة أو الشراة أو الحرورية، وأطلق عليهم خصومهم من أرباب الدولة الأموية اسم الخوارج (3).
ولد في زمن معاوية بن أبي سفيان (40 - 60 هـ)، أما وفاته فقد كانت في أواخر أيام عبد الملك بن مروان المتوفى سنة 86 هـ وكان عبد الله بن إباض هو المناظر والمجادل السلطة الأموية، وكان لقبيلته دور حيوي في حمايته من بطش الدولة الأموية وهكذا فإن الأمويين هم الذين سموا أتباع جابر بن زيد بالإباضية.
يقول الشيخ السالمي رحمه الله:
فما الإباضيون إلا علما .. لخلفاء الحق منا فاعلما إن المخالين قد سمونا .. بذاك غير إننا رضينا وأصله أن فتى إباض .. كان محاميا لنا وماض (3) لقد أطلق المؤرخون القدماء على المحكمة اسم الحرورية نسبة إلى قرية حروراء التي لجأ إليها الخوارج عند انفصالهم عن الإمام علي بن أبي طالب رحمه الله عقب عودتهم من معركة صفين سنة 37 هـ. أما الشراة فتعني الذين باعوا أرواحهم واشتروا الجنة بخروجهم عن حكام .. =
-36 - (1/40)
صفحة 41
وقد تطورت الأحوال بجماعة المحكمة الذين ظلوا على أعدائهم واصطدامهم مع الدولة الأموية إلى الإنقسام إلى فرق ثلاث الأزارقة والنجدات والبهيسية منذ عام 64 هـ – وأضيفت إليها
هي
-
الفرقة الرابعة وهي الفرقة المعروفة باسم الصفرية منذ عام 75 هـ - واتفق أصحاب هذه الفرق الأربع فيما بينهم على آراء واختلفوا في أخرى وكفر بعضهم بعضا، واصطدموا بالدولة الأموية مرات عديدة، وتصدت لهم قوات الخلافة وأخضعت شوكتهم وقضت على زعمائهم، وكان ذلك على يد المهلب بن أبي صفرة العماني وعلى يد قومه من الأزد العمانيين وعندما حاول بعض زعمائهم اللجوء إلى عمان تصدى لهم العمانيون وقاتلوهم.
وعلى ذلك فالإباضية أو جماعة المسلمين لم يشتركوا في هذا الصراع الذي دار بين هذه الجماعات الأربع التي حملت وحدها اسم الخوارج وبين قوات الخلافة الأموية أو العباسية، وإنما اعترضوا هذا الصراع منذ البداية، وأخذوا يبثون أفكارهم في سرية وهدوء، وخاصة بعد أن التفوا حول إمام لهم هو جابر بن زيد الأزدي العماني الذي كان قد رحل من عمان وسكن البصرة وكون مدرسة أخذ يبث فيها آراءه، ويعلم فيها من وفد إليه من مريدين وطلاب علم.
ومعنى
ذلك أن القعدة أو جماعة المسلمين هم الذين انضموا
لجابر بن زيد وانطووا تحت قيادته بعد ان انتهى دور عبد
الله
بن
= .. الظلمة، كما فعل أبو بلال مرداس بن حدير التميمي لما ثار ضد ولاة بني أمية وذلك سنة 61 هـ.
-37 - (1/41)
صفحة 42
إباض نهاية غير معروفة، وبعد أن رأوا مدى القوة التي ينعم بها هذا الفقيه الأزدي بسبب مساندة الأزد له، لدرجة أن الحجاج المشهور بالبطش والعنف لم يجرؤ على قتله عندما عرف صلته بالإباضية، واكتفى بنفيه إلى بلده عمان، ولم يلبث أن عاد منها إلى البصرة مرة أخرى، ولم يتعرض له الحجاج في كثير أو قليل.
أخذ جابر بن زيد في هذه الأثناء ونتيجة لهذه الملابسات يدعو إلى أفكار معينة عرفت فيما بعد بالمذهب الإباضي، وكان يدعو إلى هذه الأفكار في البصرة، ودعا إليها في عمان عندما نفي إليها على يد الحجاج بعد أن ارتاب في نشاطه واتصالاته التي زادت بعد حبس زعيم المهالبة والأزد، يزيد بن المهلب.
وعلى ذلك فإن المذهب الإباضي نشأ نشأة عمانية حقا. إذ أسسه فقيه من أزد عمان سكن البصرة وهو جابر بن زيد اليحمدي الأزدي، وانضم إليه معظم أزد البصرة بحكم العلاقة القبلية من ناحية، واقتناعا بما كان ينادي به جابر من ناحية أخرى، كما اعتنق معظم أزد (4) عمان هذه الدعوة على يد جابر وعلى أيدي الدعاة الذين أرسلهم خليفته من بعده، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وكانوا كلهم من عمان وذلك تحقيقا لهدف كان العمانيون يتوخونه من وراء هذه الدعوة وهو الإستقلال بشؤون بلادهم عن
(4) الأزد قبيلة عربية قحطانية، انتشر أفرادها في اليمن وعمان، ثم هاجروا إلى الحجاز وجنوب العراق وسوريا وقاموا بدور فعال في نشر الإسلام واللغة العربية.
-38 - (1/42)
صفحة 43
بني أمية وبني العباس (5).
(5) رجب محمد عبد الحليم - الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة - ص: 15/ 12 - 21/ 20 ط:1 1410 هـ مطابع النهضة –
مسقط
-
سلطنة عمان.
ملاحظة لابد منها: نحن لا نشاطر رؤية الأستاذ الكريم رجب محمد عبد الحليم القائلة بأن هدف حركة جابر بن زيد هو استقلال عمان عن السلطة الأموية والعباسية ... لأن الحوادث التاريخية بينت لنا بكل جلاء أن الحركة الإسلامية التي أنشأها جابر بن زيد والطلبة الذين تخرجوا منها لاسيما الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة هدفها الأول والأخير هو تطبيق شريعة الله قرآنا وسنة والرجوع إلى حكومة الخلفاء الراشدين في العالم الإسلامي بكامله، راجع كتابنا: حركة أهل الدعوة والإستقامة في مكة والمدينة.
-39 - (1/43)
صفحة 44
3 - إن الإباضية ليسوا خوارج بقلم: الدكتور عوض محمد خليفات الأردني (1)
إن جهود مشايخ الإباضية وحملة العلم وتنظيماتهم السرية الدقيقة خلال القرنين الأول والثاني الهجرتين قد أثمرت تأسيس دول
إباضية مستقلة في الجزيرة العربية وبلاد المغرب، كان له دور هام ومجيد في التاريخ الإسلامي (2).
(1) الدكتور عوض محمد خليفات الأردني، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة عمان - الأردن، عرف بإنتاجه الكثير في الدراسات الإسلامية القائمة على الروح العلمية النقدية، ويعد من العلماء غير الإباضيين الذين درسوا الفكر الإباضي دراسة شاملة في تاريخه وعقائده ونظمه السياسية والتربية معتمدًا في ذلك على المصادر الإباضية المخطوطة وغير المخطوطة ثم المصادر غير الإباضية القديمة والحديثة سنية وشيعية.
أهم مؤلفاته:. نشأة الحركة الإباضية * النظم الإجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية،. التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان،. الأصول التاريخية للفرقة الإباضية.
(2) إن الذي نظم الحركة الإباضية تنظيما سياسيا وهو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة كان رحمه الله زنجيا ورعا فقيرا يقتاب بعرق جبينه حيث احترف مهنة القفاف، وتخرج على يده حملة العلم، الذين قضوا معه خمسة سنوات معه في مدرسته السرية، فهؤلاء هم: سلامة بن سعد، الربيع ابن حبيب، عبد الرحمن بن رستم، عاصم السدراتي، إسماعيل بن درار الغدامسي، أبو داود القبلي، أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري،
-40 - (1/44)
صفحة 45
وفي ظل هذه الدول قام الإباضيون بجهود مشكورة في نشر الإسلام في أماكن كثيرة وكان لهم فضل كبير في هذا الشأن في كل من إفريقية الشرقية (3) وإفريقية السوداء جنوب الصحراء (4) وبعض مناطق الشرق الأقصى كما قام الإباضيون بجهود كبيرة في سبيل إثراء المكتبة الإسلامية بالمؤلفات الكثيرة المتنوعة التي تتناول مختلف جوانب الفكر الإسلامي (3) ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل الملاحظات التالية حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش وجدل بين الباحثين والمفكرين.
1 - إن الإباضيين ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل، وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين
= .. الجلندى بن مسعود، أبو يحي عبد الله طالب الحق، أبو حمزة المختار الشاري (رحمهم الله). وهكذا فإن هؤلاء العظام تمكنوا من تأسيس دول في الحجاز بزعامة طالب الحق وأبي حمزة المختار الشاري، وعمان بزعامة الجلندي بن مسعود، وشمال إفريقيا بزعامة أبي الخطاب عبد الأعلى اليمني وعبد الرحمن بن رستم.
بن
(3) انظر: دولة آل يعرب وأئمتها العظام لاسيما الإمام سيف بن سلطان سيف المتوفى سنة 1123 هـ - 1711 م. فإن هذه الدولة قد نشرت الإسلام في الشرق الإفريقي حتى جنوب إفريقيا محاربة الإستعمار الأروبي. راجع تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ السالمي ج:2 - ص:2 إلى ص: 45. (4) راجع: دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي القرن الثالث عشر الميلادي للدكتور أحمد إلياس حسن وكتاب طبقات المشائخ للدرجيني. (5) بعد الخاتمة سنلحق إن شاء الله بعض المصادر الإباضية التي تجعل الباحث يدرك أصالة الفكر الإباضي.
- 41 -
- (1/45)
صفحة 46
قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيص.
والواقع أن الإباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم. 2 - إن الإباضية حرموا قتل الموحدين (5) واستحلال دمائهم
وحرموا استعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفوا الخوارج مثل الأزارقة والنجدية. 3 - إن الإباضية ينظرون إلى الدين نظرة واحدة متكاملة لا فصل فيها، بين المظاهر الروحية والمادية ولا طغيان لأحدهما على الأخرى، وتبعا لذلك فقد أنكروا التصوف ورفضوه.
عن
4 - إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين إتباعا للسنة الشريفة والإقتداء بها، أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج أحد أمرين: الجهل أو التعصب. 5 - أنهم وحدهم الذين طبقوا مبدأ الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر. لابد من القول: إن الوحدة العربية والتضامن الإسلامي يستدعيان منا أن نحكم العقل والعدل في علاقاتنا جماعات وأفرادا. وإن زوال الفرقة بين أتباع المذاهب الإسلامية أمر هام
وضروري لتحقيق حريتنا ومستقبل أجيالنا.
إن الدين واحد والمصدر واحد ولا مبرر للفرقة والإختلاف
(6) يقول الشيخ أطفيش رحمه الله: التوحيد عاصم لدم الموحد وماله وسبيه - الذهب الخالص ص: 28 الموحد من أقر بالشهادتين».
-42 - (1/46)
صفحة 47
بين المسلمين إن هم حكموا قول رسول الله علل: تركت فيكم ما
إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة رسوله الكريم علي)).
(7) الدكتور عوض محمد خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ط:2 ص: 52 - 54، المطبعة الشرقية مسقط - سلطنة عمان.
-43 - (1/47)
صفحة 48
(4 - إن الفرقة الإباضية كانت على خلاف عقائدي وسياسي مع فرق الخوارج المتطرفة كالأزارقة والنجدات بقلم: الأستاذ مهدي طالب هاشم (1)
خاتمة البحث: اتضح لنا من خلال دراستنا الوثائق التاريخية التي حصلنا عليها أن الدعوة الإباضية نشأت وترعرعت في مدينة البصرة في القرن الأول الهجري وقد قام بتأسيسها مجموعة من التابعين، وقد برز من هؤلاء الدعاة جابر بن زيد وعبد الله بن إباض،
(1) الأستاذ مهدي طالب هاشم ذو جنسية عراقية يعد من الرواد الأوائل الذين درسوا الحركة الإباضية في المشرق العربي منذ نشأتها وتطور مراحلها حتى نهاية القرن الثالث الهجري ولقد قدم رسالة ماجستير تحت عنوان: الحركة الإباضية في المشرق العربي إلى كلية الآداب، جامعة بغداد سنة 1977 م، وقبلت بدرجة جيد جدا، لقد اعتمد السيد مهدي طالب هاشم على 150 مصدرًا منها 35 مخطوطًا قديما الموجودة في دار الكتب المصرية وخزانة الإمام غالب بن علي الدمام - المملكة العربية السعودية وبعض منها في مكتبة الدراسات العليا بجامعات العراق ومصر.
وعلى أية حال فإن هذه الدراسة تميزت بالطابع الإستقرائي التاريخي القائم على المصادر الإباضية القديمة وغير الإباضية وهذا ما تدعو إليه
الدراسات العلمية البعيدة عن الأحكام المسبقة قديما وحديثا.
إن هذه الدراسة العلمية حول الإباضية تعد لبنة جديدة في تراثنا الإسلامي، وجدير بأبنائنا المسلمين كافة أن يلتزموا بالروح العلمية الإسلامية، لأن الإسلام هو العلم والأمانة والصدق.
- 44 - (1/48)
صفحة 49
وقاموا بتأسيس النظام السري في الدعوة، أو ما يعرف لدى الإباضية بمرحلة الكتمان (2) وقد دلت هذه المرحلة على نضج سياسي ويظهر هذا واضحًا من خلال الأساليب التي اتبعوها في علاقتهم التنظيمية في الدعوة لمذهبهم.
ولم تستطع السلطات المتعاقبة في البصرة أن تضع يدها على هذه المنظمة السرية للدعوة الإباضية للدقة والتحفظ الذي أحاط بها الدعاة أنفسهم. وقد ظهر لنا أن هذه الفرقة كانت على خلاف عقائدي وسياسي مع فرق الخوارج المتطرفة كالأزارقة والنجدات، حيث امتازت هذه الفرقة بمواقفها المعتدلة فلم تكن تكفر المسلمين المخالفين لهم في المذهب، واتضح لنا أن هذه الميزة هي إحدى مبررات بقائهم كمذهب إسلامي يمثل استمرار العقائد المحكمة الأولى حتى تاريخنا المعاصر ..
كما اتضح لنا أن عبد الله بن إباض لم يكن هو القائد
(2) إن مرحلة الكتمان عند الإباضية قديما يقصد بها التربية العملية الإسلامية الهادفة إلى تحقيق مجتمع إسلامي نظيف أما قضية الستر أو الكتمان اليوم عند الإباضية لا وجود لها إطلاقا، فالإباضية لم يبايعوا أي إمام سرا بعد سقوط الدولة الرستمية، وهل من المعقول أن يستمر الكتمان أكثر من إحدى عشر قرنا، لأن بعض الكتاب يرون أن نظام العزابة يمثل مرحلة الكتمان، والعكس يثبت ذلك فهو نظام تربوي اجتماعي عملي لا سر فيه بل أمسى يعرف عند كل الناس صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم حاكمهم ومحكومهم، بل قدمت عدة دراسات منشورة حول طبيعة هذا النظام الإجتماعي الإسلامي.
-45 - (1/49)
صفحة 50
المؤسس للدعوة الإباضية كما تعارف عليه المؤرخون القدامى والمحدثون، بل كان الفقيه التابعي جابر بن زيد الأزدي ومجموعة من المشائخ هم المؤسسون للدعوة الإباضية بما في ذلك عبد الله بن إباض.
وقد قامت مدينة البصرة بدور سياسي كبير في منطقة جنوب وشرق الجزيرة العربية لازال أثره واضحًا في سياسة هذه المنطقة حتى يومنا هذا، فقد انطلق من مركز الدعوة في البصرة الدعاة الإباضية حملة العلم - إلى عمان واليمن وقد اتصفوا بصفات قيادية وسياسية واجتماعية وكفاءة عالية في كسب الأتباع لمذهبهم
-
الإباضي.
وقد ظهرت مهارة أبي عبيدة في إعداد حملة العلم الذين نجحوا في تغيير تاريخ جنوب شرقي الجزيرة العربية والمغرب الأوسط حيث قامت الدولة الإباضية بعمان والدولة الرستمية في تيهرت إضافة إلى قيام الإمامة الإباضية في اليمن () والتي قضي عليها في وقت مبكر من قبل الأمويين (4).
(3) هي الإمامة الإسلامية التي أسسها طالب الحق في حضرموت واليمن وذلك سنة 129 هـ إلا أن السلطة الأموية قد قضت على هذه الإمامة سنة
130 هـ خاصة لما فقدت هذه الثورة قائدها أبا حمزة المختار الشاري. (4) مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية في المشرق العربي نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري ص: 314 - 315. ط:1 - 1981 القاهرة - دار الإتحاد العربي للطباعة.
- 46 - (1/50)
صفحة 51
(5) - موقف الإباضية من الخروج والخوارج
بقلم
: الدكتور محمد حسان کسبة (1)
الإباضية ذهبوا إلى أن الخروج إنما يتحقق فيمن خرج عن الدين والخروج من الدين إنما يكون بإنكار أصل ثابت من أصوله، أو بالعمل بما يتنافى مع تلك الأصول المقطوع بها، لأن العمل بذلك هو الردة والإنكار إنما يجب أن يكون لما عليه سلوك المسلم الذي حدده القرآن ومن هنا فإنهم يتصورون مفهوم الفرقة التي ينطبق عليها مفهوم
(1) الدكتور محمد حسان، كسبة ذو جنسية مصرية تحصل على درجة دكتوراه سنة 1979 م في العقيدة الإسلامية من جامعة الأزهر - كلية أصول الدين – إن موضوع شهادته هو الإباضية وعقيدتهم، بحيث أن دراسته برهنت على أن الفكر الإباضي ينطلق أساسًا من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا الفكر لا يفصل بين السياسة والدين، وأن مجال السياسة مهما بعد، فلابد أن يكون في إطار الشرعية الدينية وقدم عدة قرائن واضحة من عدة مصادر إباضية قديمة لاسيما مخطوطاتها، وهو لم يغفل كذلك عن المصادر غير الإباضية سنية وشيعية هذه الأطروحة اشتملت على 216 مصدرا، لها قيمتها الموضوعية والتاريخية والدينية.
وعلى أية حال فإن هذه الأطروحة جديرة بالقراءة والتأمل لأنها صححت عدة مفاهيم خاطئة ألصقت بالإباضية بدون برهان، وهذا بطبيعة الحال يتناقض مع الروح العلمية الإسلامية وأخلاق القرآن الكريم ولا تقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسؤولا «الإسراء:36).
-47 - (1/51)
صفحة 52
سفك
الخارجية الوارد في الحديث وهو المروق من الدين – إنما هي فرقة الأزارقة ومن كان على شاكلتها لما يقومون به، ويعتقدونه من دماء المسلمين وأخذ أموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم مستحلين
لذلك كله
ولقد بين لنا هذا الموقف المتكلم الإباضي أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم (2) الجزائري المتوفى عام 570 هـ في كتابه الدليل لأهل العقول حيث صرح: وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حيث تأولوا قول الله تعالى: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون الانعام: 121، فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي أما أتوا ولو أصغرها».
وأكثر وضوحًا عن هذا قول ابن إباض حين عابه عبد الملك بن مروان فكتب له: غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنهم ارتدوا وكفروا بعد إسلامهم فنبرأ إلى الله منهم (3) وإذا كان ابن إباض قد بأن إبن الأزرق وشيعته بما ذهب إليه ارتد، فإن
صرح
(2) أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني ولد بقرية سدراته القريبة من ورجلان: يعد من أعلام الفكر الإباضي في القرن السادس الهجري، لقد درس العلوم العقلية والنقلية في الأندلس، أهم مؤلفاته: كتاب العدل والإنصاف، الدليل لأهل العقول، ترتيب مسند الربيع بن حبيب البصري، اكتشافه لخط الإستواء وبرهن على صحته، قبل أن يكتشفه الأوروبيون توفي رحمه الله سنة 570 هـ. (3) نص الرسالة الكاملة توجد في الكتب الإباضية القديمة، لاسيما كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي.
-48 - (1/52)
صفحة 53
الورجلاني يحقق في ابن الأزرق وطائفته مدلول الخروج بأنه المروق من الدين لا يعني الطاعة بل المقيدة فيقول: «وأما المارقة وهم الخوارج فلن يخفي على عاقل سيرة ما ساروا في أهل الإسلام، كسيرة أهل الإسلام في أهل الأوثان والأصنام، فهم قد بدلوا الأحكام والأسماء وأبطلوا جلد الزاني ورجمه ...
فالخوارج إذن سموا بذلك لخروجهم عن الدين وعن أحكامه - وهم على هذا متفقون مع بعض أهل السلف والسنة الذين كفروا الخوارج - كما يتفقون مع المسلمين جميعا في تسمية الأزارقة خوارج. إن الإباضية بنشأتهم المتقدمة كانوا سباقين في إنشاء مذهب فقهي متميز إمامهم فيه جابر بن زيد (4)، كما يخلي ذلك تراثهم الفقهي وآراؤهم عن جابر وأبي عبيدة والربيع وغيرهم، منذ أواخر القرن الأول الهجري. كذلك أوضحت الدراسة مع تطور الإباضية تاريخيا، وجهودهم في نشر دعوتهم وتبين لنا أنهم في فكرهم ما كانوا ينطلقون إلا من إطار إسلامي واضح تمسكوا به وأن عقيدة كون العمل جزءا من الإيمان قد تبلورت في أفهامهم، فمنها انطلقوا إلى تقييم موقف من خالفوه من الأئمة، لا كما يذهب البعض إلى أن بحثهم في الإمامة كان سببا مباشرا لبحثهم في مسألة العقيدة ...
(4) فالإمام جابر بن زيد يعد أسبق الأئمة الأربعة لأنه ولد سنة 21 هـ وتوفي سنة 93 هـ راجع فقه الإمام جابر بن زيد تحقيق يحي محمد بكوش.
- 49 - (1/53)
صفحة 54
وإن وضوح المفاهيم الإسلامية في مسائل مثل الولاية والبراءة إنما كانت ماثلة في أفهامهم تماما ثم ساعدت الظروف على ممارسة هذا المبدأ بطريقة جماعية فيمن هو من أهل ولا يتهم، أو من هو في (5)، كذلك تمثلُهم لمبدا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وفهمهم له، وتمسكهم، به كان سببا مباشرا لظهورهم، كما كان كذلك سببا لنيل منهم - ومادام مثل هذا المبدأ عندهم له خطورته فقد أحاطوه بدراسة مستفيضة.
براءتهم
وأظهرت الدراسة أن أعمال هذا المبدأ عندهم كما كان سببا لظهورهم كفرقة كان كذلك سببا للدراسة الوافية التي قدموها کمباحث متعلقة بالإمامة.
وإذا كانوا قد قالوا بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وأن العمل ركن من الإيمان وأن من أخل بالعمل فقد كفر فما خالفوا السلف الصالح الذين فهموا من الكتاب والسنة أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل (6).
(5) إن الإباضية تقول بولاية الأشخاص وبراءتهم على حسب النصوص الشرعية، أما المذاهب الأخرى فتحصر هذا المبدأ بمن لا يدين الإسلام وبالتالي لا تطبق البراءة على فسقة المسلمين والفجرة. راجع هذا الركن الهام والحيوي في كتاب قواعد الإسلام للشيخ الجيطالي (رحمه الله ثم الإباضية في موكب التاريخ للشيخ علي يحي معمر رحمه الله. (6) محمد حسان كسبة: الإباضية وعقيدتهم ص: 88 وص: 294 - 295 جامعة الأزهر - كلية أصول الدين سنة 1979 ملاحظة: الأطروحة نقشت بإشراف الدكتور محمد شمس الدين إبراهيم.
- 50 - (1/54)
صفحة 55
لابد من توضيح المفاهيم:
أ - إن الإباضية كما قال الأستاذ محمد حسان كسبة ماخالفوا السلف الصالح، الذين فهموا من الكتاب والسنة أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل - يرى الإباضية أن الإيمان يتكون من ثلاثة أصول وهي: الإعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح. يقول أبو عمار عبد الكافي: إن الإيمان هو جميع ما أمر الله به عباده، وتعبدهم به من فعل جميع ما افترض عليهم من الفرائض، وترك ما نهاهم عنه من المعاصي فكل ذلك إيمان بالله، ودين له، وإسلام وكله إيمان الموجز ج:2 ص: 92.
جميع
يقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا، لم تقولون ما لا تفعلون كَبُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون «الصف: 2 - 3». ومن السنة قول الرسول الكريم: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما
وقر في القلب وصدقه «العمل» رواه الديلمي في مسنده. وعلى ضوء هذا، فإننا نجد عالمنا الإسلامي يعيش في ازدواجية خطيرة بين القول والعمل الصالح الإسلامي فهذه المشكلة الخطيرة قد عالجها الأستاذ الكريم محمد قطب في كتابه القيم: * هل نحن
مسلمون؟ وكذلك سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. أما بالنسبة إلى المسلم الفاجر غير التائب، الذي ارتكب كبائر الإثم كالقتل والزنا وشهادة الزور وأكل الربا – فإن الإباضية يسمونه بالموحد العاصي وأنه كافر كفر نعمة لا كفر شرك لقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن
- 51 - (1/55)
صفحة 56
الله غني عن العالمين (آل عمران: 97، وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله علي الله يقول: إن بين الرجل وبين الشرك
والكفر ترك الصلاة رواه مسلم وأحمد والترمذي وأبو دواد. إن هؤلاء العصاة لا يخرجون عن ملة الإسلام ويحرم عند
الإباضية أن تستحل دماؤهم وأموالهم وأولادهم. إن الإختلاف بين الإباضية والمذاهب الإسلامية الأخرى في هذه المسألة اختلاف لغوي لا أكثر إذ يطلق على المسلم العاصي
دلالة الفاسق الفاجر، الكافر كفر نعمة.
ومن هنا نلاحظ أن الإباضية قد التزموا بتطبيق الدلالات
الواردة في القرآن والسنة ولم يخرجوا عنها.
-52 - (1/56)
صفحة 57
6 - الإباضية أقدم وأعتق مذهب إسلامي
بقلم: الدكتور عمر
الإباضية في الصحيح واحد من المذاهب الإسلامية ولعله أقدم وأعتق مذهب إسلامي، فله جذور ضارية في عمق التاريخ الإسلامي، ويمكن فهم ذلك بسهولة خلال مقارنة تاريخية بين المذهب الإباضي، أمثال عبد الله بن إباض، وجابر بن زيد
مؤسسي
الأزدي التابعين ومؤسسي المذاهب الأخرى. ومما يؤسف له حقا أن المسلمين من بقية المذاهب ظلوا إلى يومنا يحملون انطباعات غير أخوية ولا إيجابية، عما يعرف بالفرق مثل الإباضية الزيدية (2)، الجعفرية (3)، نتيجة أوهام مصدرها تخمينات وسوء الظن.
(1)
الأستاذ عمر بن الحاج محمد صالح با ذو جنسية سنغالية، ولد في جنوب السنغال وتلقى تعليمه الأول بها، ثم انتقل إلى عدة دول إسلامية فدرس في معاهدها بمالي والخرطوم ولبنان وطهران وأخيرا تحصل على منحة من جامعة جواهر لال نهرو في دلهي بالهند لتحضير شهادة الماجستير وكان موضوعها دراسة في الفكر الإباضي، حيث اعتمد على عدة مصادر إباضية وغير إباضية ثم احتك بعدة شخصيات من مختلف المذاهب الإسلامية لتكون عينة لمنهجه الذي سلكه في تقديم نتائج بحثه الذي نال به شهادته، هذه المنهجية جعلته جديرا بالإحترام والتقدير، وهو ذو ثقافة واسعة من خلال اتقانه لعدة لغات: العربية والفرنسية والإنجليزية والفارسية ولغته السنغالية، وله عدة أبحاث باللغة الفرنسية والعربية في حقل الدراسات الإسلامية أهمها دراسة في الفكر الإباضي. (2) الزيدية: فرقة من فرق الشيعة المعتدلة فنسبها يعود إلى زيد بن علي .. =
- 53 - (1/57)
صفحة 58
وكان من الممكن ألا
ذلك طويلا، لأن كل ما تولد عن يستمر
سوء فهم يمكن إزالته بالتفاهم ومبادلة الآراء.
غير أن تباين المواقف عندما يتصف بالأنانية، فمن النادر أن يؤدي إلى اتفاق، وتفاهم ذلك لأن أهل السنة، كأغلبية مطلقة من بين المسلمين، هم المطالبون بالإصغاء إلى شكاوي الأقليات ـ الفرق - وإتاحة الفرص لها لعرض حججها بروح رياضية دمثة، غير أن هذا مما لم يحدث، فسرعان ما بَرَى علماء منهم أقلامهم ليكتبوا عن الفرق بعنف لا يقل عن عنفهم عندما يكتبون عن الخصوم من أهل الأديان الأخرى. فوصفوها بالفرق الضالة الهدامة التي على المسلمين
محاربتها والحذر من أفكارها.
=
وهي كتابات - في الواقع - ملؤها الوهم والطعن نابعين عن
زيز "عابدين بن الحسين بن علي، فهم لا يتبرأون من أبي بكر وعمر بن الخطاب، فهم يقولون بإمامة المفضول مع جود الأفضل، وأتباع الزيدية يوجدون في اليمن وجنوب الجزيرة العربية. (3) الجعفرية: وهي الفرقة الشيعية، وتسمى بالإمامية والإثنا عشرية لأنهم يؤمنون باثني عشر إماما متسلسلين، وإذا قيل لها الجعفرية فهي تسمية العام باسم الخاص نسبة إلى الإمام الكبير جعفر الصادق الذي كان عالما تقيا، زاهدا، بعيدا عن الغلو ولم يكن يؤمن بالرجعة، وهو سادس الأئمة الإثني عشر عند الإمامية، لقد أخذ عنه العلم عدة علماء من بينهم ابنه موسى الكاظم، ومالك، وأبو حنيفة. والشيعة يعتقدون أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، ومن لم يعتقد بهذا فهو
ليس شيعيا ولهم أدلتهم، أنظر: أصل الشيعة للإمام كاشف الغطاء. وانظر: كتابنا الوارجلاني والمدارس الكلامية الإسلامية.
-54 - (1/58)
صفحة 59
عدم الإخلاص، كما أنها كتابات لم تخل مما يدل على جهلهم
بالموضوعات التي طرقوها.
فعجبي لا ينتهي من إنسان يضع نفسه ـ المقيم لأعمال عباد الله يُكَفِّرُ من يشاء، ويتوب على من يشاء، فإن الإيمان والكفر مِلك يديه يمنع هذا، ويمنع ذاك، وكأنما الجنة مزرعة خاصة له يفتح أبوابها لمن يشاء ويوصدها في وجه من يشاء (4).
الأساسية
ونظرا إلى كون هؤلاء كتاب مقالات الإسلاميين (5) يعتبرون من كبار العلماء لذا أصبحت كتاباتهم ومقالاتهم المراجع لمن يريد معرفة شيء عن الفرق، مما أتاح لمعلوماتهم الإستمرارية، فأصبحت منابع للأقلام المتأخرة والحق أن معظم الكتابات
(4) وكل هذا في واقع الأمر يتنافى مع علم الله عز وجل ووحدانيته، وحكمه الأزلي، فالحكم لله عز وجل ولنتأمل معا هذه الآيات القرآنية الواضحة: الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون الحج: 69). و فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى النجم: 32).
قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (القصص: 85). فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) «الزلزلة: 7 - 18 (5) راجع مايلي:
- مقالات الإسلاميين. واختلاف المصلين للإمام الأشعري المتوفى 330 هـ.
-
-
الفرق بين الفرق للبغدادي المتوفى 429 هـ.
حزم
الفصل في الملل والنحل لابن. الملل والنحل للشهرستاني 548 هـ. ملاحظة: هذه عينة من الكل فقط.
456 هـ.
- 55 - (1/59)
صفحة 60
المعاصرة (6) تكاد تكون مجرد اجتراء لما سبق وكتبه الأوائل، فالمكتبة الإسلامية على الرغم من امتلائها بكتب ذات عناوين عصرية موحية بالحداثة فإن المتصفح لها لا يكاد يجد فكرة جديدة، أو رأيا مستنبطًا بالإجتهاد بديعًا، فكلها نسخ ونقل، ومسخ بالمد حينا، والمط آخر والتحوير طورا فنادرًا ما يوجد كتاب يضع المراجع التقليدية التي فقدت طعمها من كثرة ما ليكت جانبا، محاولا الإتيان بجديد في موضوع، قديم، وكأن هضم أقوال السلف والتشدق بها غاية العلم ومنتهاه (7) والذي نرى أن الضرورة قد
(6) من الأفضل أن نشير إلى بعض هؤلاء الكتاب المعاصرين.
-
-
المذاهب الإسلامية للأستاذ أبي زهرة.
تاريخ الفرق الإسلامية للأستاذ الغوابي.
ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين.
العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر للشيخ رمضان البوطي. ملاحظة: والأدهى من كل هذا أن الكتب الثانوية والجامعية تنقل هذه الآراء الخاطئة إلى أبنائنا البررة كمُسلمات واضحة لا تناقش. أين الروح العلمية؟؟ لاسيما الموضوعية والنقد المنهجي ـ وأخلاقيات القرآن والتقوى والصدق والأمانة.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين «التوبة: 119».
(7) انظر مايلي:
- مشارق أنوار العقول للإمام نور الدين السالمي.
-
- الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي يحي معمر.
دراسات إسلامية في الأصول الإباضية لبكير بن سعيد أعوشت.
=
-56 - (1/60)
صفحة 61
اقتضته هو الرجوع إلى مراجع الفرق وكتبهم التي كتبوها، لمعرفة أفكارهم وآرائهم سليمة غير محكية على ألسنة غيرهم، فإن مراجعهم
متوافرة، وفي متناول اليد كل من يريد الإطلاع عليها.
قال السيد مصطفى بن اسماعيل المصري: إن المذهب الإباضي نسبة إلى عبد الله بن إباض هو أقدم المذاهب تاريخيا وأوثقها مصدرًا وأصحها تأويلا وأحفظها لِلبَابِ طهارة الدين الحنيف، ونقاوته وسماحتها وزكاوته وعلى ذلك فليس ثمة مراء في هو الطريق الحق الذي كان يمضي عليه رسول الله
أنه
والصحابة (8).
وجهة نظرنا: إن ما كتبه أخيرا الأستاذ الكريم السيد مصطفى بن اسماعيل المصري عن الإباضية واستشهد به الدكتور عمر با، يعد
في مضمونه حقا، ولكنه ليس كل الحق، لأننا لا نريد أن نزكي الإباضية بقدر ما نريد أن ننصف مذهبهم وتاريخهم الطويل كما هو .. ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم «النور: 21»، فالإباضية هم جزء من المجتمع الإسلامي العام، فيهم الورع، التقي، الأمين الكريم وفيهم كذلك العاصي، الكاذب، الأناني .... إلا
-
-
البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية لفرحات الجعبري.
بن محمد الخليلي.
الحق الدامغ للشيخ أحمد ملاحظة: ستجد إن شاء الله المصادر الإباضية في الأخير.
(8) عمر بن الحاج صالح با: دراسة في الفكر الإباضي ص: 28/ 27/26
ط:2 بسلطنة عمان.
-57 - (1/61)
صفحة 62
أن الإسلام العملي لا يزال هو المهيمن العام على حياتهم الإجتماعية، تأمل أيها المسلم الكريم: ما قاله الأستاذ السوري خالد أحمد الشنتوت: عن مشكلة سفور المرأة المسلحة واختلاطها بالرجال، حيث لاحظ أن هذه الظاهرة تنعدم عند المرأة المسلمة الإباضية فقال: وممن تقر نساؤهم في البيوت في زماننا هذا الإباضيون في الجزائر، حيث يمنعون بناتهم من الدخول المدارس العامة لأنها مختلطة، ويفتحون مدارس أهلية تعلمهن أحكام الدين والقراءة والكتابة ثم يعلمونهن الصناعات المنزلية كالسجاد والتفصيل والخياطة (9).
أما بالنسبة إلى الدكتور عبد المجيد مزيان الجزائري فيرى أن التكافل الإجتماعي الإسلامي في الإقتصاد بالمنظور الإسلامي، له أثره بميزاب: إن جماعة وادي ميزاب بصحراء الجزائر مثلا، تعد نموذجاً حيا لهذا النوع من النظام الخاص الذي يجهد كل الجهد وبشتى الوسائل، للتوفيق بين رأس المال والتكافل الإجتماعي الذي يمثل الأخلاق الإقتصادية الإسلامية (10).
ومن
هذا المنظور الإسلامي نجد أن كثيرا من إخواننا
(9) خالد أحمد الشنتوت: تربية البنات في البيت المسلم ص: 76 دار
المجتمع للنشر والتوزيع جدة ط:1.
ملاحظة: هناك بعض البنات الإباضيات أمسين يزاولن تعليمهن في المدارس الرسمية، ولكنهن ملتزمات بآداب الإسلام.
(10) الدكتور عبد المجيد مزيان: النظريات الإقتصادية عند ابن خلدون
ص: 132 الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1981.
- 58 - (1/62)
صفحة 63
المسلمين، يصفون الإباضية بالغلو والتشدد في السلوك، لأنهم يأخذون بالأحوط، أي يقدمون شيئا قليلا ليربحوا أشياء كثيرة وإذا فقد الشيء القليل فإن الإنسان لا يتأسف إذا فقد الشيء الكثير، وحينما نعود إلى سلوكهم التعبدي في الصلاة، فهم يرون أنها تقوم أساسا على الطهارة القلبية والطهارة المادية، بحيث أوجبوا الجمع بين الإستبراء والغسل اعتمادًا على الأدلة الشرعية الواضحة لقول الله
تعالى: ورجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين التوبة: 108، وعن أبي هريرة أن رسول الله علي قال: «من توضأ فَلْيَسْتَنْير، ومن استجمر فَلْيين (11). أما فى أمر الزكاة فإن هناك بعض المذاهب لا تدخل زكاة الحلي في النصاب، إلا أن الإباضية يرون أن زكاة الحلي واجبة شرعًا، وقد أخذ بهذا الرأي الحنفية (12) فقالوا الزكاة واجبة في الحلي، اعتمادًا على قول الله عز وجل: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم «التوبة: 34)، ثم إن علماء الإباضية قد حرموا آفة التدخين والشمة، لما ظهرتا في عالم الإسلام، وأخذ اليوم عدة أعلام بهذا الرأي لاسيما الإمام محمد بن عبد الوهاب المشرقي والشيخ خالد بن أحمد بن بن عبد الله المالكي
(11) موطأ الإمام مالك رواية يحي بن يحي الليثي ص: 24 ط:4
دار النفائس بيروت.
(12) الأحكام الفقهية في المذاهب الإسلامية الأربعة ص: 336 - 337 بقلم أحمد محمد عساف دار إحياء العلوم بيروت 1979.
الشيخ
-59 - (1/63)
صفحة 64
والصفرية والنجدية (2)، فالإباضية لم يجمعهم جامع بالصفرية والأزارقة ومن نحا نحوهم إلا إنكار الحكومة بين علي ومعاوية. وأما استحلال الدماء والأموال من أهل التوحيد والحكم بكفرهم كفر وشرك فقد انفرد به الأزارقة والنجدية والصفرية، وبه استباحوا حمى المسلمين، ولما كان مخالفوهم لا يتورعون ولا يكلفون انفسهم مؤونة البحث عن الحق ليقفوا عنده، خلطوا بين الإباضية الذين لا يستبيحون قطرة دم موحد بالتوحيد الذي معه، وبين الذين استحلوا الدماء بالمعصية الكبيرة حتى قتلوا الأطفال تبعا لآبائهم، مع أن الفرق كبير جدا، بين المستحل والمحرم فماذا بعد الحق إلا الضلال!!! وجهل علمائنا بعمان وأهلها وعلومهم وآدابهم أنهم لم يطلعوا على كتبهم الدينية ولا على الفقه الإباضي المبني على الكتاب والسنة وعلى مسند الإمام الربيع بن حبيب حبيب (3) وسنده ثلاثي عن أبي عبيدة التميمي (4) عن جابر بن زيد عن الصحابة، وقد
(2) النجدية: فرقة خارجية زعيمها نجدة بن عامر الحنفي (ت 69 هـ) وأن المصر على المعصية مشرك ولو بكذبة وغير المصر مسلم ولو شرب الخمر، وأن الإمامة في نظرة غير مفروضة.
(3) الربيع بن حبيب الأزدي الفراهيدي البصري وقد ولد يإحدى قرى السهل الساحلي - بودام بسلطنة عمان وذلك سنة 75 هـ، أما وفاته فكانت حوالي 175 هـ، وقد تتلمذ على الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وروى
عنه مسنده.
(4) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم ولد بالبصرة حوالي 60 هـ، أما وفاته فقد توفي رحمه الله في ولاية الخليفة العباس أبي جعفر المنصور
= ..
-62 - (1/64)
صفحة 65
ومسلم
أخذ جابر وأبو عبيدة عن الصحابة وجابر بن زيد من رجال البخاري أخذ عن سبعين من الصحابة البدريين وكان من تلاميذه حبر الأمة عبد الله بن عباس وقد طبع هذا المسند القديم مع شرحه للإمام عبد الله السالمي (5) في أربع مجلدات (6).
حوالي 150 هـ. لقد أخذ العلم عن جابر بن زيد وصحار العبيدي العماني - ويعتبر أبو عبيدة المنظم والمنظر للحركة الإباضية بالبصرة. (5) الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان خميس السالمي، ولد ببلدة الحوقين من ولاية الرستاق العمانية سنة 1286 هـ
بن
وتوفي سنة 1332 هـ يبلدة تنوف ويعد من العلماء الإسلاميين الكبار. أهم آثاره: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، ومشارق أنوار العقول وجوهر النظام. (6) عز الدين التنوخي - ديوان الستالي - ص. أ. ب. المطبعة العمومية دمشق سنة 1964 م -.
-63 - (1/65)
صفحة 66
أما المذهب الإباضي، فإنه منذ سقوط الدولة الإباضية الرستمية في أواخر القرن الثالث الهجري سنة 296 هـ (6)، لم يجد هذا المذهب سلطة تدعمه وتحميه بل كانت كل الدول والسلط تطارده وتقاومه لأنه يخالفها في أصول حكمها القائم على الملكية الموروثة ملكا عضدا، إذ المذهب الإباضي ينكر ذلك في أصول حكمه الشوري الديمقراطي، ولذلك انجحر واختفى عن مسرح الحياة، ذلك استمر بقاؤه إلى اليوم ومعمولا به كأنصع مظهر للإسلام متانة أصوله ومرونة فروعه (7).
ومع
مستمدا خلوده من
(6) لقد سقطت الدولة الرستمية في شوال سنة 296 هـ بزعامة عبد الله الحجاني الشيعي الذي قتل اليقظان بن اليقظان وأسرته ثم أضرم النار في مكتبة
تيهرت التي احتوت على 300،000 ألف مجلد في مختلف العلوم. (7) نقلا عن ابن الشيخ: القرآن تفسيره ومفسروه، السنة روايتها ورواتها عند الإباضية. ص: 103 - 104 المطبعة العربية غرداية 1984.
-66 - (1/66)
صفحة 67
9) - ماذا قال الإمام مالك بن أنس (1): «عن الشهيد أبي حمزة المختار الشاري الإباضي رحمه الله (2)
-
عينة من خطبة أبي حمزة المختار الشاري التي ألقاها بالمدينة ـ قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: خطبنا أبو حمزة الشاري خطبة شكك فيها المستبصر، وردت المرتاب، قال: أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل بكتابه وسنة نبيه علي وصلة
(1) الإمام مالك هم أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله إمام دار الهجرة ومحدثها الأشهر ولد بالمدينة سنة 93 هـ فنشأ فيها فتوفي بها عام
179 هـ.
أصول مذهبه: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وزاد عليها: عمل أهل المدينة والمصالح المرسلة، وهذا المذهب له أتباعه في العالم الإسلامي،
لاسيما شمال إفريقيا وأشهر ما عرف به الإمام مالك رحمه كتابه الموطأ. (2) اسمه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي، فقد قاد ثورة طالب الحق في حضرموت واليمن، التي انبدلت سنة 129 هـ ضد الدولة الأموية ثم دخل مكة 129 هـ والمدينة 130 هـ ويعد من تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إلا أنه توفي توفي سنة 130 هـ بمكة بعد معركة مع الجيش الأموي، إن الحكم الإباضي دام في الحجاز حوالي ثلاث سنوات من سنة 129 هـ إلى سنة 132 هـ، أما الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي اندلعت هذه الثورة فهي تعود إلى الفساد الخلقي الذي انتشر في السلطة الأموية. راجع: المختار بن عوف القائد الداعية للشيخ محمد شحاتة أبو الحسن، ثم كتابنا حركة أهل الدعوة والإستقامة في مكة والمدينة.
-67 - (1/67)
صفحة 68
رسول الله لعل الله أن هدفه الأول والأخير هو الإلتزام بتقوى الله وطاعته، والعمل الصالح بكتابه القرآن الكريم، وسنة نبيه. إنها الدعوة إلى منهج الله الذي يوقظ النفوس المؤمنة من غفوتها وإزالة مظاهر الشك منها.
لا جرم أن هذا النداء صادر عن قلب مؤمن برسالة الإسلام لإعلاء كلمة الله تجعل المسلم المستبصر المدرك لدينه يشك في أمته الإسلامية، لأنها رضيت بالقعود عن الجهاد، إلا أن أبا مصير حمزة المختار الشاري قد أزال هذا اللبس من خلال جهاده .. ومطبقا قول خليفة رسول محمد علعل الله أبي بكر الصديق القائل: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .... إنه الهدف الأسمى لطبيعة الحكم الإسلامي القائم على دستور القرآن الكريم يقول الحق تعالى: وإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهم
أجرًا كبيرا «الإسراء: 9).
-70 - (1/68)
صفحة 69
10) - أصول فقه الإباضية كأصول المذاهب الأخرى المعتمدة على القرآن والسنة والإجماع والقياس والإستدلال
(1)
بقلم: الدكتور محمد وهبة الزحيلي)
أبو الشعثاء التابعي جابر بن زيد المتوفى سنة 93 هـ مؤسس
(1) الدكتور محمد وهبة الزحيلي أستاذ بكلية الشريعة بجامعة دمشق والإمارات العربية المتحدة ذو جنسية سورية مختص في العلوم الشرعية الإسلامية. أهم مؤلفاته: تعريف عام بالعلوم الشرعية، الفقه الإسلامي وأدلته وهو يشتمل على موسوعة فقهية تحتوي على ثمانية أجزاء. ملاحظة لابد منها: إنك أيها القارئ الكريم نلحظ أن ما كتبه عن الإباضية في الفقه الإسلامي وأدلته في طبعته الأولى: أنه قد ابتعد عن الروح الإسلامية والموضوعية العلمية، بحيث أن هذه الدراسة لم تعتمد على المراجع الإباضية ولقد قمنا بنقدها في كتابي: وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية من صفحة 33 إلى صفحة 46 وشاءت الصدف أن يظهر سنة 1988 كتاب الأدلة المرضية في دحض ما نسب إلى الإباضية للأستاذ الكريم بدر من هلال اليحمدي إن هذا الكتاب قد فند كل ما كتبه الأستاذ محمد النرجيلي عن. الإباضية إلا أن أستاذنا الكريم قد اعترف بأخطائه ورجع إلى الحق في طبعته الثانية حينما اعتمد على المصادر الإباضية المباشرة وهو يقول: «هذا ... وإني أعلن رجوعي عما كتبته عن الإباضية في الطبعة السابقة لنبين الخطأ فيه، الطبعة الثانية ص: 46، إن الرجوع إلى الحق فضيلة، ويقول خالقنا: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) (البقرة: 42.
- 71 - (1/69)
صفحة 70
مذهب الإباضية، الذي ينسب إلى عبد الله بن إباض التميمي
المتوفى عام 80 هـ.
كان جابر بن زيد من العلماء التابعين العاملين بالقرآن والسنه تتلمذ على ابن عباس رضي الله عنهما، وأصول فقه الإباضية كأصول المذاهب الأخرى المعتمدة على القرآن والسنة والإجماع والقياس أو الإستنباط بجميع طرقه. وهم يتبرؤون من تسميتهم الخوارج وكانوا
يعرفون بأهل الدعوة وأهل الاستقامة، وجماعة المسلمين. ومن كتبهم في العقيدة: مشارق الأنوار للشيخ نور الدين السالمي - وفي الأصول طلعة الشمس - للشيخ نور الدين السالمي وفي الفقه - شرح النيل وشفاء العليل للشيخ محمد بن يوسف أطفيش 17 جزءا - وقاموس الشريعة جميل بن خميس السعدي 92 جزءا. والمصنف للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي 42 جزءا، ومنهاج الطالبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي 20 جزءا - والإيضاح للشيخ الشماخي 8 أجزاء - وجوهر النظام للشيخ السالمي - والجامع
لابن بركة
11
وما يزال مذهبهم قائما في سلطنة عمان وفي شرق إفريقيا والجزائر وليبيا وتونس وهم في العقائد يقولون بتخليد أصحاب الكبائر في النار إن لم يتوبوا - وبالولاية والبراءة - ولاية الطائع والبراءة من المعاصي، وبجواز التقية في الأقوال لا في الأفعال، وبأن صفات الله تعالى هي عين الذات - أي أن صفاته قائمة بذاته وليس مغايرة له فهم يقصدون تعظيم والتنزيه ولكنهم لا يقولون
- 72 - (1/70)
صفحة 71
كالمعتزلة (2) بالتحسين والتقبيح العقليين، ولا بوجوب فعل الصلاح
والأصلح على الله تعالى (3).
توضيح هذا النص من خلال رؤية الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله ...
التي
بادئ ذي بدء أقول: إن الأستاذ الكريم وهبة الزحيلي عدل في حكمه الذي أصدره على المذهب حينما اعتمد على المصادر الإباضية أشار إليها، ولكن هذا الحكم يحمل في مضمونه بعض الثغرات التي لابد من معالجتها في إطارها الإسلامي والموضوعي – بعيدا عن الأحكام المسبقة. 1 ـ الإباضية يرون أن الإيمان والإسلام متلازمان متداخلان لا فصل بينهما فالإيمان هو قول باللسان وتصديق بالقلب، وعمل صالح: الجوارح - وبالتالي لا يجوز بأي حال من الأحوال الفصل بين القول والعمل، فالإسلام والإيمان والدين – أسماء لشيء واحد وهو طاعة الله عز وجل من خلال تطبيق شريعة الله في سلوكنا العملي اليومي. يقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا
(2) المعتزلة: من أشهر الفرق الإسلامية في العصر العباسي، ومؤسسها هو واصل بن عطاء المتوفى سنة 131 هـ وهي تعتمد على العقل بالدرجة الأولى في فهم النصوص الشرعية وأهم أصولها: - التوحيد، ـ العدل، - الوعد والوعيد - المنزلة بين المنزلتين، - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(3) وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته ج: 1 ص:44 - 45 - 46، ط:2 دار الفكر للطباعة والنشر ـ دمشق.
- 73 -
- (1/71)
صفحة 72
تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون الصف:2 - 3). والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا
الله ورسوله
الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر والعصر: 1 - 2 - 3). 2 - أما قضية تخليد أصحاب الكبائر غير التائبين فهذه القضية مرتبطة بنصوص قرآنية وسنية صريحة: ومن يعص ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين «النساء: 14). أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله الا الله من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». إن فكرة خلود فجار المسلمين غير التائبين قال فيها كذلك بعض أعلام المسلمين من أهل السنة كمحمد عبده ومحمد رشيد رضا (4) رحمهما الله.
بسم
فسمه
ومن نزل
(4) محمد رشيد رضا: (1353/ 1282 هـ - 1935/ 1865 م)، علم من أعلام أمتنا الإسلامية، عالم بالحديث والتفسير والأدب والتاريخ، ومن كبار الدعاة إلى التجديد والإصلاح في العالم الإسلامي. ولد ونشأ بالقلمون من أعمال طرابلس الشام ورحل إلى مصر 1897 م، فلازم الإمام الشيخ محمد عبده وتتلمذ له، لقد زار عدة دول إسلامية وأروبية، توفي إثر حادث سيارة كان راجعا بها من السويس إلى القاهرة. أشهر آثاره مجلة المنار 34 مجلدا، وتفسير المنار 12 مجلدا ولم يكمله وهو له، وليس للإمام محمد عبده كما يعتقد أغلب المثقفين.
- 74 - (1/72)
صفحة 73
وفي هذا المقام يقول العلامة السيد محمد رشيد رضا في مقدمة سورة البقرة مانصه: «القاعدة السادسة: أن الجزاء على الإيمان والعمل معا لأن الدين إيمان، وعمل، ومن الغرور أن يظن المنتمي إلى دين من الأنبياء أنه سينجو من الخلود في النار بمجرد الإنتماء، الشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم بدينهم ومارد به عليهم حتى لا نتبع سنتهم فيه: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة «البقرة: 80 - 82»، وما حكاه عن اليهود والنصارى جميعا من قولهم وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم إلخ) الآيتين: 111 - 112) ولكننا قد اتبعنا سننهم شبرا
بشبر وذراعا بذراع مصداقا لما ورد في الحديث الصحيح. وإنما تمتاز عليهم بأن المتبعين لهم بعض الأمة لا كلها، وبحفظ نص كتابنا كله وضبط سنة نبينا في بيانه، وبأن حجة أهل العلم والهدى منا قائمة إلى يوم القيامة (تفسير المنار - محمد رشيد رضا - ج 1 ص: 112:1 - 1346 هـ مصر.
وإذا عدنا إلى مسألة رؤية الله تعالى في الآخرة فإن الإباضية يرون بامتناع رؤية الله رؤية حسية مجسمة مادية، اعتمادا على أدلة الشرعية والعقلية، بحيث لو أمكن رؤية الله لكان جسما متحيزا موجودا في مكان ما ومن هنا تستحيل رؤيته لاستحالة التحييز والإحاطة المطلقة الشاملة يقول تعالى: ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (الأنعام: 103).
فالرؤية قد تكون بغير البصر يقول الله عزوجل: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (يس: 77)
- 75 - (1/73)
صفحة 74
ويقصد بهذا العلم واليقين.
أما بالنسبة إلى الآية القرآنية وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة القيامة: 22 - 23 يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها ورحمته، ثم إن الرؤية لا تكون الابحاسة العين فقط ولا دخل لأجزاء الوجه: الجبهة والحواجب والأنف والفم والخد، والذقن .....
والجدير بالذكر أن أحاديث الرؤية هي أحاديث أحادية (5)، يقول الشيخ محمد رضا إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة عند من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها المنار) - ج 1 ص: 138 ط:1 - 1346 هـ).
عفان
-
والأهم من كل هذا فإن الدكتور الزحيلي لم يشر إلى الفكر السياسي عند الإباضية ونعني بهذا مشكلة شرعية الخلافة التي لاتزال تثير مشاكل حادة ودموية في عالمنا الإسلامي منذ مقتل عثمان بن رحمه الله عام 35 هـ إلى يومنا هذا. فالإباضية يرون أن تنصيب الإمام على المسلمين فرض وواجب، إلا أن الخلافة لا يمكن حصرها بالوراثة أو الجنس أو القبيلة طبقة معينة، فالمسلمون سواسية أمام هذا المنصب فالقياس الوحيد لذلك هو التقوى والكفاءة المطلقة والشورى بين أهل الحل والعقد والعلماء، اعتمادًا على قول الله عز وجل: يا أيها الناس إنا
(5) وحكم خبر الآحاد: أنه ظني الثبوت ويوجب عند كثيرين العمل لا العلم اليقيني. لمحات في أصول الحديث - رد - محمد أديب صالح ص:93 ط:3 - 1399 هـ المكتب الإسلامي بيروت).
-
-76 - (1/74)
صفحة 75
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير «الحجرات: 13). وأمرهم شورى بينهم «الشوري: 38 وعن السنة قال ابن عباس: قال النبي عليل الله: «إن أمر عليكم عبد حبشي مجدوع الأنف
فاسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله» رواه البخاري. إن هذه اللمحة المختصرة التي أضفناها، تعد ضرورية لبلورة الفكرة مادام الأستاذ الكريم محمد الزحيلي ذكر العقائد الإباضية
ومصادرها.
ومهما كان الأمر، فإن الإختلاف الذي حصل في المدارس الإسلامية يعد من الظواهر الإنسانية الطبيعية وهو دليل على حيوية الإجتهاد الإسلامي الشامل الهادف إلى العلم وخدمة وحدة أمتنا الإسلامية وتماسكها إزاء القضايا المطروحة في ساحة الفكر المعاصر أصيل
الذي يفرز كل يوم عدة مشاكل تبحث عن حل إسلامي لاسيما ما يتعلق بالسلوك العملي الصالح الذي هو الأساس بعيدا عن المسائل الغيبية الإجتهادية عند المذاهب الإسلامية. هذا هو
الأصلح والأسلم ...
-77 - (1/75)
صفحة 76
(11) - أقـ
دم
اسم
بقلم: السيد عبد الحافظ عبد ربه (1)
من الثابت تاريخيا أن المذهب الإباضي في عُمان أقدم من اسمه، كما أن الإباضية في عُمان قديمة قدم الإسلام فيها، كذلك تعتبر عمان الوطن الأم للإباضية في العالم الإسلامي (2) ونحن نرى
(1) إن الشيخ عبد الحافظ عبد ربه، يعد من كبار العلماء الأزهريين المعاصرين المتوفى رحمه الله سنة 1990 م، وهو ذو جنسية مصرية، فقد ساهم مساهمة فعالة في إغناء الفكر الإسلامي المعاصر من خلال مؤلفاته الكثيرة التي تزيد على 34 كتابًا، ومن أهمها: - بحوث في قصص القرآن، ـ الوحدة الإسلامية من القرآن والسنة، - أضواء على تفسير القرآن الكريم في ثلاثين جزءا، - الإباضية مذهب وسلوك.
إن الأمانة العلمية الإسلامية تفرض علينا عليها أن تقول: إن ما كتبه عن الإباضية في هذا الكتاب، تميز بالتزكية المطلقة حيث يقول: فالإباضية أصبحوا في الواقع هم اللغة الصحيحة، فهم الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي في كل أحاديثه: الإباضية مذهب وسلوك ص:246).
إن هذه الأحكام المطلقة تتناقض مع الحقيقة، فالإباضية يوجد فيهم: الورع، العادل، الصادق الكريم. كما يوجد فيهم الفاسق، الظالم، الكاذب، كبقية البشر ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء النساء: 49). أما الفرقة الناجية فتتمثل في كل مسلم طبق الإسلام في سلوكه العملي الصالح سواء كان إباضيا أو مالكيا، أو حنفيا أو حنبليا، أو شافعيا، أو شيعيا أو وهابيا. هذا هو الفهم الأصح والأسلم. (2) إن المصادر التاريخية تؤكد لنا أن البصرة هي المركز الأول للحركة .. =
-78 - (1/76)
صفحة 77
من خلال الدراسات المستوعبة، أن الإباضية هي أول الفرق الإسلامية التي تعتمد على القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجتهاد، وأن الإيمان في منظورها تصديق بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان ... ومن يستوعب التاريخ الإباضي، ويتبع دراسته يرى المسلمين في عهد الرسول عل الله آمنوا بما أنزل على الرسول، ولم
أن
تكن لهم حاجة إلى تأويل القرآن أو بحث المتشابه فيه، وبعد وفاة الرسول ـ وبعد انتشار الإسلام - أخذت الجماعة الإسلامية تحاول فهم العقيدة وتحاول شرحها، وطبيعي جدا، أن يختلف المسلمون في الشرح والفهم، وحين ظهرت الفتنة الأولى في الإسلام، بعد السنين الست الأول من خلافة عثمان، وأدت ما أدت إليه من اختلال في الفكر الإسلامي عامة ...
وبدأ أهل الدعوة يتلمسون الحلول من القرآن الكريم، ومن
الأحاديث النبوية الشريفة، وبدأوا يتساءلون - فيما بينهم
عن
المسلم الحقيقي وعن الإيمان وعن جوهر العقيدة، وعن مسؤولية الإنسان وعن إرادة الله وصفاته وأسمائه؟ (3).
المذهب
الإباضية في نشأتها بزعامة الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني المتوفى سنة 93 هـ بالبصرة وتعتبر عمان هي الوطن الأصلي للإباضية منذ وفاة الإمام جابر بن زيد رحمه الله، لأن أنصاره انتقلوا إلى عمان بعد أن تعرض الإباضي إلى المطاردة في البصرة عقب وفاة أبي عبيدة في أواخر عصر أبي جعفر المنصور العباسي المتوفى سنة 158 هـ. (3) يعتبر هذا العلم علم التوحيد أو أصول الدين أو علم الكلام، وهذا العلم ارتبط بالأحداث السياسية والتطورات الفكرية لاسيما الخلافة والقضاء والقدر.
- 79 - (1/77)
صفحة 78
وطبيعي جدا أن المسلمين الأوائل كان تفكيرهم إسلاميا عربيا خالصا، ثم بعد ذلك اتصل الفكر العربي بتراث البلاد التي فتحها هؤلاء العرب، وبدأ يظهر في تفكير المسلمين استعابهم للفلسفة والفكر والدرسات القديمة السابقة على الإسلام.
ملاحظة أن المذهب يعتمد كثيرا في مقوله ومنقوله، وبحوثه ودروسه على عبد بن عباس حبر الأمة وفقيه السنة، لاسيما في التفسير والأحاديث فهو بحق كما يعتبره الإباضيون ـ وكما يعتبر معاصروه معه كذلك من أصحاب رسول الله - الحلقة الأولى لسلسلة
المذهب الإباضي. ومن ناحية التاريخ فإن الفكر الإباضي له نظرة عالمية إسلامية، تقوم على مساحة واسعة وتعبر عن فكرة وحدة الأمة العربية الإسلامية.
وهذا المذهب أقدم المذاهب تأسيتا، وعلماؤه أكثر العلماء تأليفا، فهم أول من دون تفسير القرآن وأول من دون الحديث، وأول من دون الفقه والأصول وكثيرا من العلوم والفنون» (4).
تعقيب: (1) - قوله: إن الإباضية هى أول الفرق الإسلامية تعتمد على القرآن والسنة والإجتهاد، فإن جمع الفرق الإسلامية هي بدورها تعتمد على تلك المصادر الأساسية في آرائها، ولكن المشكل المطروح إلى يومنا هذا، تلك الآراء الصادرة عن الفرق الإسلامية، فمثلا الإباضية
(4) السيد عبد الحافظ عبد ربه: الإباضية مذهب وسلوك ص: 257/ 256 الناشر مكتبة الاستقامة - روي سلطنة عُمان 1986.
- 80 - (1/78)
صفحة 79
يرون أن الإيمان والإسلام هما تصديق بالقلب، وقول باللسان وعمل صالح بالجوارح وبالتالي لا يجوز الفصل بين القول والعمل. أما بالنسبة إلى الأشعرية فترى بأن الإيمان من أتى بالقول وضيع العمل فهذا المسلم يعد مؤمنًا فاسقا كتاب اللمع للإمام الأشعري ص: 123.
(2) - قوله: إن الفكر الإباضي له نظرة عالمية إسلامية، نقول هذا المسار: إن الفكر الإباضي جاء ليجسم أصالة الفكر الإسلامي الذي يعبر عن فطرة الإنسان السليم الذي يحترم كرامته وإنسانيته ولا يؤمن إلا بالعقيدة الإسلامية السليمة التي هي القاسم المشترك بين الناس جميعا.
ولعل من المفيد أن نستشهد برأي شهيد الإسلام سيد قطب رحمه الله في هذه المسألة: «جاء الإسلام ليقول للناس: إن هناك إنسانية واحدة، ترجع إلى أصل واحد، وتتجه إلى إله واحد، وإن اختلاف الأجناس والألوان، واختلاف الرقعة والمكان، واختلاف العشائر والآباء ... كل أولئك لم يكن ليتفرق الناس ويختصموا - ولكن ليتعارفوا ويتألفوا يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير «الحجرات: 13 (5).
إذن فإن الإسلام قد أرجع كرامة الإنسان إلى فضيلة التقوى التي هي المقياس الوحيد لكل سلوك المسلمين، هذا المبدأ الفطري
(5) سيد قطب - هذا الدين - ص: 77: دار الشروق - بيروت 1978.
- 81 - (1/79)
صفحة 80
الواضح قد نهجه الإباضية فدافعوا عنه تاريخيا من خلال آرائهم التربوية والإجتماعية والسياسية لبناء قدسية وحدة أمتنا الإسلامية. 3 ـ وأخيرا بين لنا السيد عبد الحافظ أن الإباضية، لهم الأسبقية فى التأليف، فالمصادر التاريخية، تقول إن الإمام جابر بن زيد (ت 93 هـ) تمكن من تأليف موسوعة إسلامية سماها الديوان، فيه جمع الأحاديث التي رواها عن الصحابة والتابعين ثم بين فيه آراءه وفتاويه في المسائل الفقهية والإجتماعية - ويقال إن هذا الديوان يقع في عدة أجزاء يعجز عن حمله البعير. وقد ذكر هذه الحقيقة عدة علماء ودكاترة في أبحاثهم المنهجية القائمة على القرائن المادية والحوادث التاريخية.
يقول الدكتور عوض محمد خليفات في كتابه نشأة الحركة الإباضية ص: 88 مايلي: مما مر يتبين لنا بوضوح أن جابر بن زيد قد اكتسب علمًا واسعا بعد إقامته في البصرة وأنه أصبح من أبرز التابعين الأوائل في علم الحديث والتفسير والعلوم الدينية».
- إن هدفنا من هذا التعقيب هو إثراء ما كتبه الشيخ عبد الحفيظ وبلورته وجعله في نسقه الإسلامي الكلي.
- 82 - (1/80)
صفحة 81
(12) ــ دولة تيهرت الرست بقلم: الأستاذ أحمد توفيق المدني (1)
أما الدولة فقد كانت مؤسسة على سنن الجمهورية الإسلامية في أيام الخلفاء الراشدين رئيسها يدعى أمير المؤمنين، ينتخبه القوم في أول الأمر انتخابا حرا، وهو يستشير في كبار الأمور الشراة أي عظماء المذهب والعلماء وفي الأمور العامة يستشير وجوه القوم والقبائل
والإمام يعين القضاة بعد استشارة الشراة، وكان قضاة الرستميين على أكبر نصيب من الإستقامة والنزاهة، وكان الضبط على نوعين فهناك فرقة الشرطة التي تقوم بالحراسة والسهر على الأمن، وهنالك فرقة الحسبة التي أسسها الإمام أبو اليقظان (2)، مختارة من وجوه القوم وصالحيتهم تطوف المدينة آمرة بالمعروف
وهي
(1) أحمد بن محمد توفيق المدني: ولد سنة 1889 بتونس وتوفي رحمه الله سنة 1984 بالجزائر. يعد أحد أعلام الجزائريين المعاصرين، ساهم مساهمة فعالة في المجال السياسي والكفاحي والثقافي لبناء وطنه والمغرب العربي، والعالم الإسلامي. أهم آثاره الفكرية: - قرطاجنة في أربعة عصور، قرطاجنة في أربعة عصور، ـ كتاب الجزائر، المسلمون في جزيرة صقيلية وجنوب إيطاليا - حياة كفاح في ثلاثة أجزاء. (2) الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح: يعد الإمام الخامس في الدولة الرستمية دامت خلافته من سنة 241 هـ إلى سنة 281 هـ، رجل زاهد، ورع، عالم، له رسالة في مشكلة خلق القرآن.
-83 - (1/81)
صفحة 82
ناهية عن المنكر، حاثة على الرفق بالحيوان، وكانت مداخيل الدولة
من أموال الزكاة وحدها، وتصرف في مصالح الدولة العامة. وخلاصة القول أنه يحق للجزائر، أن ترفع رأسها مفتخرة، بهذه الدولة الوطنية التي قلما شاهدت بلاد الإسلام قاطبة مثلها بعد دولة الراشدين. فمن علماء الدولة الرستمية المحدث الأكبر سيدي ابراهيم بن عبد الرحمن التنسي المالكي، وقد أخذ العلم عن أبي العالي القالي صاحب الأمالي الشهيرة، واشتهر من علماء غير الإباضية في ذلك العصر قاسم بن عبد الرحمن وزكرياء بن بكر. أما علماء الإباضية فقد نبغ منهم الكثير، ومن أشهرهم أبو عثمان سعد بن أبي يونس وقد بلغ مبلغا عظيما في العلم والفضل والقاضي محمد بن عبد الله بن الشيخ، ومن أعظم شعراء الدولة الرستمية بكر بن حماد، وأحمد بن الفتح خراز. ولقد بلغ التسامح الديني في دولة بني رستم بمزاولة العلم كالمسلمين والتبحر فيه حتى نبغ من بينهم يهوذا ابن قريش الذي ترك كتابا عجيبا لا يزال إلى اليوم موجودا بمكتبة أكسفورد وقد نظر في كتابه هذا بين العربية والعبرية والبربرية، وأثبت أن أصلها، واحد وكان يتقن تلك اللغات الثلاث علاوة على الفارسية فكان هذا اليهودي التهرتي أول واضح لعلم النحو التنظيري. إلا أن هذه الدولة قد اعتراها في آخر أيامها ما يعتري الدول الهرمة من الفتن الداخلية وضعف السلطة المركزية، زد على ذلك تفاقم الخلافات المذهبية وظهور دعوة الشيعة وطغيانها، حتى قضت
مبلغا سمح
لليهود
-84 - (1/82)
صفحة 83
على هذه الدولة وأتلفتها، ودخلت البلاد في طاعة عبيد الله
المهدي (3).
دامت الدولة الرستمية 136 عاما من سنة 160 هجرية إلى
سنة 296 هـ (4).
(3) إن سبب سقوط الدولة الرستمية يعود إلى ظهور أمر الشيعة ثم الفساد الخلقي الذي بدأ ينخر الأسرة الحاكمة خاصة حب الزعامة والعدول عن الورع والتقوى، فالإمام اليقظان بن أبي اليقظان قد أخذ الإمامة غصبا، ولم يدم أكثر من سنتين في حكمه فقتله أبو عبد الله الحجاني الشيعي في
شوال سنة 296 هـ.
(4) توفيق المدني: كتاب الجزائر - ص: 21 - 79 - المطبعة العربية الجزائرية سنة 1350 هـ /1930 م.
- 85 - (1/83)
صفحة 84
(13) ـ الإباضية في الميـ ـ
بقلم: الدكتور التونسي عبد العزيز المجذوب (1)
وأبرز ما يتصف به الإباضيون تمسكهم الشديد بالدين، بأداء فروضه، وتجنب نواهيه إلى حد الغلو، وبغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزا دينيا ومجدا سياسيا، خلد ذكرهما التاريخ، وسنحاول الكشف ذلك قاصرين الحديث على الدور الذي لعبته هذه الفرقة في بلاد المغرب عموما وبإفريقية على وجه أخص.
عن
بعد نشوء هذه الفرقة وتركز قواعدها على يد صاحبها الأول في مطلع القرن الثاني ظهر منها أئمة أفذاذ برزوا في العلم والدين حتى بلغوا درجة الإجتهاد (2)، فسنوا لحزبهم مبادئ وقواعد خاصة،
(1) الأستاذ عبد العزيز المجدوب عالم تونسي معاصر درس المذاهب الإسلامية بإفريقيا إلى قيام الدولة الزيرية التي أسسها بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي سنة 361 هـ.
إن دراسته التي قام بها حول المذاهب السائدة في شمال إفريقيا آنذاك الخوارج، الإباضية الشيعة، المالكية، الشافعية تميزت بالطابع الموضوعي والبحث العميق معتمدًا في ذلك على المصادر المباشرة. أهم كتبه: الصراع المذهبي بافريقية إلى قيام الدولة الزيرية. (2) اعتقد أنه يقصد بذلك الأئمة الأربعة الذين كان لهم قدم ثابت في العلوم الشرعية وهؤلاء هم: - الإمام عبد الرحمن بن رستم، يقال عنه أنه كان له
تفسير في القرآن إلا أن هذا التفسير قد ضاع.
- 86 - (1/84)
صفحة 85
وشرعوا له فقها وأصولا في العبادات والمعتقدات تحولت به من حزب
سياسي ومن مجرد فرقة دينية إلى مذهب سني.
وذلك لأن أتباعه حفظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول، مذهبهم ولو ينحرفوا عن المنهج القويم الذي كان عليه رسول الله وصحابته البررة في سلوكهم وأمور معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إثما ولا مارسوا في قيادتهم ظلما، ولا أي لون من ألوان العسف التي
لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة سواهم.
بل
لأن
بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلا، لا لكونهم معصومين رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه، وتلك هي قاعدة الإسلام في الحكم، التي سار عليها الخلفاء الراشدون وعليها حافظوا، ودونها كافحوا. فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه وأن يقبل على اتباعه الناس ببلاد المغرب ليجدوا في أكتافه الأمن والكرامة، وهم من سئموا حياة الإضطراب والظلم على أيدي الكثير من
عمال
بني أمية وبني العباس. والواقع أن الإباضية قد تمكنت من فرض وجودها التاريخي، فحققت عزا دينيا ذا بال بقيت آثاره إلى اليوم في أتباعه الذين يعيشون بيننا، التزموا خدمة الدين ومقاومة البدع والرذيلة حازمين في أمرهم
= .. - الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن فقيه وعالم، له كتاب فتاوي نفوسة قد حققه الأستاذ طلاي إبراهيم. الإمام أفلح بن عبد الوهاب فقيه وشاعر. الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح عالم، له رسالة في مسألة خلق القرآن الكريم.
-
- 87 - (1/85)
صفحة 86
بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما حققت مجدا سياسيا كان له شأنه
في تاريخ الإسلام بالمغرب العربي. وننبه إلى أمر له أهمية بالنسبة لمن يريد أن يقف على دور الإباضية بإفريقية وموقف الناس منها، ذلك أن كتب التاريخ في سردها للأحداث التي جدت (3) بين ولاة الأمر بإفريقية وبين أتباع المذهب الإباضي تعتبر هؤلاء ثائرين خارجين عن الطاعة بل عن الدين. ينعتون بما ينعت به كل متمرد وكان أصحاب تلك الكتب – وهم سنيون مالكيون غالبا يعدون الإباضية فرقة كسواها من فرق الخوارج الغالية - الغلو في المعتقد، ولا يعنيهم بينها وبين غيرها استنادا إلى ما بدا منها ومن أتباعها من تصرف بَاعَدًا بينها وبين الفرق المبتدعة (4).
(3) عظمت وظهرت.
(4) عبد العزيز المجدوب: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية ص: 104 - 110 الدار التونسية للنشر والتوزيع - 1975 تونس.
-88 - (1/86)
صفحة 87
-
(14) ـ ابن الصغير (1) ينوه بعدالة الإم ينوه بعدالة الإمام عبد الرحمن بن رستم (2) وورعه
لما ولي عبد الرحمن بن رستم ما ولي من أمور الناس شمر ميزره وأحسن سيرته، وجلس في مسجده للأرملة والضعيف، ولا يخاف في الله لومة لائم، فطار ذلك في أطراف الأرض مشارقها ومغاربها، حتى اتصل ذلك من إخوانهم من أهل البصرة (3) وغيرها
(1) إن ابن الصغير يعد من الذين أرخوا تاريخ الدولة الرستمية لاسيما في آخر حياتها، وقد جاء إليها مهاجرا من الحجاز أو العراق، أما انتماؤه المذهبي فالراجح أنه شيعي ... فقد التزم بالموضوعية في نقل حقيقة الحوادث التي عاشها يقول مايلي: وكانت مساجدهم عامرة وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئًا، إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك أخبار الأئمة الرستميين ابن الصغير ص:102 - تحقيق د. محمد ناصر ود. إبراهيم بحان.
(2) إن عبد الرحمن بن رستم يعد من خريجي مدرسة الإمام الكبير أبي عبيدة سلم بن أبي كريمة أما بالنسبة إلى نسبه فهو عبد الرحمن بن رستم بن بهرام الفارسي وهو الذي أسس الدولة الرستمية التي استمر حكمها من سنة 160 هـ إلى سنة 294 هـ ـ وعاصمتها تاهرت كان رحمه الله رجلا عظيما ذكيا، صلبا. زاهدا، دامت خلافة من سنة 160 هـ إلى سنة 171 هـ. (3) يقصد بهذا إباضية البصرة، التي كانت مهدًا للمذهب الإباضي ومنها انتشر في الحجاز وشمال إفريقيا، يقول المؤرخون إن البصرة في القرن الأول .. =
89 (1/87)
صفحة 88
من البلدان، فلما علموا ذلك من أمره جمعوا أموالا عظيمة وبعثوا بها مع نفر من ثقاتهم، وقال بعضهم لبعض: قد ظهر بالمغرب إمام ملاه عدلا، وسوف يملك المشرق ويملأه عدلاً، فانهضوا إليه بما معكم من هذه الأموال حتى تردوا المدينة التي سكنها، فإن كان على ما نُقل لنا من حسن طريقته وصحة سيرته فادفعوها إليه، وإن كان على غير ذلك فانظروا إلى أفعاله ومايتولاه من الأحكام بين رعيته ثم آتونا بذلك كله، فمضى القوم حتى أتوا المدينة يسألون كل من لقوه من الناس عن دار الإمام عبد الرحمن حتى وقفوا عليها وأصابوا عند بابها غلاما يعجن طينا، ورجلا على سطح يصلح شقاقا فيه، والغلام يناوله ما يصلح به، فسلموا على الغلام فرد السلام ثم قالوا: هذه دار الإمام؟ فقال: نعم فقالوا: له استأذن لنا منه وأعلمه أنارسل إخوانه إليه من البصرة فرفع الغلام رأسه إلى سيده وقد علم أنه كلامهم، فقال: قل للقوم يصبروا قليلا ثم أقبل على ماكان عليه من إصلاح عمله حتى انقضى والقوم ينظرون إليه وهم شاكون فيه هل هو صاحبهم أم لا، حتى نزل عن سطحه إلى داره فغسل ما كان بيده من أثر الطين ثم توضأ وضوء الصلاة فأذن للقوم فدخلوا عليه فوجدوا رجلا جالسا على حصير فوقه جلد وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها وسيفه ورمحه وفرسه مربوط في ناحية من داره،
سمع
الهجري والثاني كانت عمانية المسكن وإباضية الفكر، لقد صدق المثل السائر الذي شبه العلم بالطائر فقال: باض بالمدينة وفرخ بالبصرة، وطار إلى عُمان وإلى شمال إفريقيا.
-90 - (1/88)
صفحة 89
فسلموا عليه وأعلموه أنهم رسل إخوانه إليه، فأمر غلامه بإحضار طعامه فأتاه بمائدة عليها قرص سخنت وسمن وشيء من ملح، فأمر بتلك القرص فهشمت وأمر بالسمن فلثت به، ثم قال: على إسم الله أدنوا وكلوا ثم أكل معهم بأكلهم، فلما انقضى طعامهم قال: ما مرادكم وماجاء بكم؟ فقالوا له: نحب أن تأذن لنا حتى نخلوا فيما بيننا ثم نكلمك بعد ذلك فقال: افعلوا فجلسوا نجيا فقال بعضهم لبعض يكفينا من السؤال عنه ما رأينا منه من إصلاحه لداره بنفسه، ومطعمه وملبسه وحلية بيته فما نرى إلا أن ندفع إليه المال ولا نشاور أحدا فيه (4). أيها المسلم الكريم، إن هذه الصورة النادرة في عالمنا الإسلامي والعالم تجعلنا بلاريب نذكر صورة حياة الرسول الكريم وحياة الخلفاء الراشدين والخليفة الأموي الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله فحياة هؤلاء تميزت بالورع والتقوى والزهد عن مفاتن الدنيا، بالفعل إن الوفد البصري قد دفع للإمام عبد الرحمن بن رستم ثلاثة أحمال من المال. فوزعت بحضورهم وأعيان دولة على مصالح الدولة ثم فقراء الناس.
عنهم،
ويصدق قول الله عز وجل في هؤلاء الأبرار: الذين آمنوا
وعملوا الصالحات طوبي لهم وحسن مآب (الرعد: 29).
(4) أخبار الأئمة الرستميين ابن الصغير من القرن الثالث الهجري، تحقيق: د. محمد ناصر وإبراهيم بحاز - ص 28 - 29 - 30 ـ المطبوعات الجميلة الجزائر - 1986 ..
- 91 - (1/89)
صفحة 90
(15) ـ لقد عمل الرستميون البربر طوال فترة حكمهم
على نشر العلوم العربية والإسلام بقلم: عثمان سعدي (1)
لقد زعم البعض بأن الدولة الرستمية أسست على قاعدة بربرية، بينما الحقائق تكذب ذلك، ولقد عمل الرستميون البربر طوال فترة حكمهم التي دامت أكثر من قرن وربع قرن على نشر علوم العربية والإسلام، وبناء المساجد من طرابلس حتى وهران، في سائر المدن والقرى، واتخذوها مدارس وجامعات لتحفيظ القرآن الكريم، ونشر علوم العربية والإسلام بل وكان أول إمام لهذه الدولة أي أول رئيس لها عبد الرحمن بن رستم كان عالما، ألف كتابا في تفسير القرآن لم يصل إلينا. ويبدو أنه أتلف ضمن الصراع المذهبي اثر اضمحلال هذه الدولة وكان الإمام عبد الوهاب من رؤساء الدولة يحب العلم ويعمل على نشره وتشجيع اكتسابه. كان يرسل البعثات للعراق لشراء الكتب ولا يمل قراءتها شتاء وصيفا
من
(1) ولد السيد عثمان سعدي في بلدية ثازبنت ولاية تبسة - عام 1930 م وهو طلاب ابن باديس ناضل في المجال السياسي منذ صغر سنه إلى يومنا هذا، في داخل الجزائر وخارجها، حيث عين سفيرا للجزائر في الكويت ثم العراق ثم سوريا. أهم كتبه: - الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، - عروبة الجزائر عبر التاريخ.
-92 - (1/90)
صفحة 91
وقد ألف كتابا عنوانه: نوازل نفوسه (2) وهو مجموعة من الفتاوي
الشرعية كان علماء نفوسة يستفتونه فيها.
وكان الإمام أفلح (3) عالما في الفلك والحساب، كما كان شاعرا، وله قصيدة يحث فيها على طلب العلم يقول فيها: العلم أبقى لأهل العلم آثارا
يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
حي - وإن مات ـ ذو علم وذو ورع
ما مات عبد قضى من ذاك أوطارًا
ولم تقتصر الثقافة الرستمية على الرجال فحسب بل شملت المرأة أيضًا، حيث شاركت كثيرات منهن في ازدهار الحركة الثقافية والعلمية، منهن أخت الإمام أفلح التي حذقت علم الحساب، والفلك والتنجيم). ومن مراكز الفكر والثقافة في الدولة الرستمية مدينة تيهرت،
1991
(2) إن كتاب مسائل نفوسة للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن المتوفى 250 هـ قد حققه وطبعه الأستاذ الكريم: إبراهيم بن محمد طلاي سنة وهو يشتمل على 193 صفحة وكل فتاويه تدور حول مشاكل الحياة الفردية والعلاقات الإجتماعية في النكاح والطلاق والبيع والشراء والجنايات. (3) كان الإمام أفلح بن عبد الوهاب عالما، شاعرا، وقائدا محنكا، قويت الدولة الرستمية في عصره، فدامت خلافته من سنة 190 هـ إلى سنة 240 هـ - وامتدت سلطة الدولة الرستمية من الحدود المغربية إلى الحدود المصرية شرقا تقريبا.
(4) راجع كتابنا: مسلمات صالحات في روضة الإيمان.
- 93 - (1/91)
صفحة 92
ومدينة شروس بجبل نفوسة ومدينة جادو، وقرينة أجنان وجزيرة جربة ووارجلان وبرز جبل نفوسة كمنارة للفكر والعلم في عهد الدولة الرستميين وظهر به علماء بارزون منهم: الشيخ مهدي النفوسي، وعمروس بن فتح وأبو عبيدة عبد الحميد السجناوني وغيرهم. واشتهر من علماء تيهرت ابن أبي إدريس وأحمد بن منصور وأبو عبيدة الأعرج وقد سجل مآثر هؤلاء العلماء أحمد الدرجيني في طبقاته، وأحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي في كتابه السير. وكانت تيهرت عاصمة الرستميين تضم مكتبة من أضخم ما عرفت مدن المغرب العربي حيث حوت ثلاثمائة ألف مجلد من مختلف أنواع الآداب والفنون والعلوم وقد قام بتخريبها الفاطميون عام 296 هـ بعد أن حفظوا فقط على كتب الرياضيات والفلك والهندسة والطب. وقد قام هؤلاء العلماء الأجلاء، وغيرهم في عهد الدولة الرستمية بدور هام في نشر اللغة العربية وعلوم الدين بين البربر، وهذا رد حاسم على الشعوبيين بالمغرب العربي، الذين يحاولون طبع هذه الدولة بالطابع البربري العرقي الشعوبي المعادي للإنتماء العربي لأقطار المغرب. عثمان سعدي (5).
(5) عثمان سعدي: عروبة الجزائر عبر التاريخ ص: 84 - 86 - الشركة الوطنية
والتوزيع الجزائر - 1983 ـ.
-94 - (1/92)
صفحة 93
16 - دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا بقلم: الدكتور أحمد إلياس حسين (1)
إن دخول الإسلام إلى غرب إفريقيا ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجارة، ولما كانت غرب إفريقيا، قد دخلت في نطاق التجارة القاري بصورة واسعة منذ القرن الثامن الميلادي، فإن التجار قد بدأوا يَصِلُونَ بانتظام إلى منطقة المالنك التي تشرف على مصادر الذهب. وكان التجار إلى جانب أعمالهم التجارية يقومون بالدعوة إلى
الإسلام، وقد ارتبطت التجارة وانتشار الإسلام في غرب إفريقيا إلى الدرجة التي أصبح من العسير معها وضع حد فاصل بين الدور الذي قام به التجار من جهة وبين دور العلماء ودعاة الإسلام من جهة أخرى وغالبا يجتمع الدوران في نفس الرجل، ويتضح ذلك من تتبع الإباضية الذين كانوا يمارسون التجارة على نطاق واسع مع غرب
سير
إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي. فقد أدى إستقرار الإباضية على أطراف الصحراء في واحات
(1) الدكتور أحمد الياس حسين: مفكر إسلامي معاصر، ذو جنسية سودانية، اهتم بالدراسات الإقتصادية الإسلامية، أهم آثاره الفكرية: أ) - الطرق التجارية عبر الصحراء الكبرى حتى مستهل القرن 16 م، كما عرفها الجغرافيون العرب، رسالة ماجستير من كلية الآداب جامعة القاهرة. ب - العلاقات بين مملكة غانة والمغرب العربي بين القرنين: 8 م - 11 م، رسالة دكتوراه بمعهد الدراسات الإفريقية - جامعة القاهرة.
-
-95 - (1/93)
صفحة 94
فزان وجبل نفوسة وغدامس وواحات الجزائر منذ القرن الثامن الميلادي إلى ارتباطهم القوي بتجارة الصحراء، وعزز من ذلك الإرتباط اعتناق مجموعات من قبيلتي هوارة وزنانة للمذهب الإباضي وتخصص كثير منهم بالتجارة عبر الصحراء، وتوسعت تجارة الصحراء بقيام الدولة الرستمية الإباضية في تيهرت بالجزائر عام 776 م، فقد أشرفت هذه الدولة على المنطقة الصحراوية ما بين سجلماسة - جنوب المغرب الأقصى، وزويلة بليبيا ـ التي دخلت ضمن دائرة نفوذها واهتم الرستميون بالتجارة وطرقها فحفروا الآبار للقوافل في المناطق الداخلية في الصحراء وأرسلوا الجنود بصحبة التجارة لتأمينهم من الأماكن التي يخشى فيها من غارات البدو. ولم ينحصر جهود الإباضية في نشر الإسلام على نشاط التجارة فقط. بل كانت لهم برامج مخططة لأهل الدعوة تضمنها نظام العزابة (2) وأهل الدعوة مجموعة من رجال العلم اتجهت جهودهم الإعلاء كلمة الله وبث تعاليم دينه وتبصير الناس بأمور دينهم ودنياهم، وقد تركز جانب كبير من اهتمام أهل الدعوة على غرب إفريقيا التي كانت تعتبر - دار دعوة ـ فأنشأوا الربط منذ مستهل القرن الثامن الميلادي في المنطقة الصحراوية الواقعة بين ورجلان وسجلماسة.
(2) العزابة: مصطلح إباضي، وهو نظام إسلامي تربوي، اجتماعي هدفه الأساسي هو المحافظة على الأخلاق القرآنية في المجتمع المسلم، أسس هذا النظام أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي الذي ولد سنة 345 هـ وتوفي سنة 440 هـ. وفي الصفحات القادمة سنشرح هذا النظانم شرحًا كافيا.
-96 - (1/94)
صفحة 95
ويتضح من النصوص التي جمعها: لويسكي LE WICKI(3) نشاط أهل الدعوة الواسع جنوبي الصحراء الكبرى، واقترن ذكر
الكثير من فقهاء الإباضية بغرب إفريقيا في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين والفقهاء الذين وردت أخبار زيارتهم إلى غرب إفريقيا يعتبرون من كبار الأساتذة في عصورهم، وقد وردت أخبار زيارتهم إلى تلك المناطق عرضا أثناء تناول بعض أخبارهم مما يرجع احتمال ترددهم الدائم على جنوبي الصحراء ولم تسجله لنا كتب السير وإذا كان كبار الفقهاء قد ترددوا على غرب إفريقيا فهذا يعني أن هنالك مجموعة كبيرة من أهل الدعوة كانوا يقومون بنفس العمل ولم تهتم كتب السير بأخبارهم. ولذلك فقد تمكن الإباضية من تجار وفقهاء من تقوية اتصالاتهم
بغرب إفريقيا منذ القرن الثامن الميلادي، ولعل كثيرا تلك من المناطق قد اعتنقت الإسلام على يد الإباضية منذ ذلك الوقت، فقد ذكر الشماخي: أن بلاد السودان بغانة وما يليها كانت تدين المخالفون فقصدوها من كل
بالمذهب الإباضي حتى تسامعت بهم أوب فردوهم إلى مذهبهم (4).
(3) LE Wicki - Tadeur لوسيكي تاداز: مستشرق بولوني معاصر، إهتم بالدراسات الإباضية العقائدية والتاريخية والإجتماعية، أهم آثاره:
11
أ) - مساهمته في الموسوعة الإسلامية - مادة الإباضية .. ب) - تواجد الجغرافي المجموعات الإباضية بشمال إفريقيا في القرون الوسطى. (4) أحمد بن سعيد الشماخي (ت 928 هـ/1521 م) كتاب السير ص: 457 - 458 - ط: حجرية قسنطينة الجزائر - 1301 هـ ..
- 97 - (1/95)
صفحة 96
ويفهم من هذه الإشارة أن الإباضية هم أول من قام بتركيز الدعوة الإسلامية في غرب إفريقيا قبل وصول الأعداد الكبيرة من فقهاء المذاهب الأخرى، ومن المعروف أن المذهب الملكي - الذي ساد في غرب إفريقيا - قد ارتبطت سيادته بحركة المرابطين في الصحراء الغربية في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي ويبدو أن انتشاره الواسع كان على حساب المذهب الإباضي الذي ساد المنطقة منذ القرن الثامن الميلادي، وقد ظلت بقايا الإباضية حية في امبراطورية مالي حتى القرن الرابع عشر الميلادي حيث لاحظ ذلك ابن بطوطة (5).
في
ومن خلال هذا النص نستنتج أن الإباضية كانوا من الرواد الدعوة الإسلامية المعتدلة التي جمعت بين الدين والدنيا لا إفراط ولا تفريط، لنتأمل قول الله عز وجل: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا» «القصص: 77».
(5) الدكتور أحمد إلياس حسين: دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثالث عشر الميلادي - ص: 15 - 16 - مكتبة الضامري للنشر
والتوزيع السيب - سلطنة عمان - ط 1 ـ.
-98 - (1/96)
صفحة 97
17) - إن المذهب الإباضي من أعظم المذاهب
الإسلامية أهمية وأقدمها ظهورا
بقلم: الأستاذ الدكتور محمد الطالبي التونسي
جدا
(1)
إن المذهب الإباضي من أعظم المذاهب الإسلامية أهمية وأقدمها ظهورًا، ولقد لعب هذا المذهب دورًا هاما جدا، على ركح (2) المغرب عامة وإفريقية خاصة - فلقد شارك مشاركة هامة في تلك الثورات العارمة التي هزت المغرب هذا عنيفا إبتداء من سنة 122 هـ وكادت تضع نقط نهاية لحكم الأمويين والعباسيين من بعدهم في هذه الربوع، ولا شك أن تلك الثورات كانت ناشئة عن ظلم الولاة وسوء تقدير الخلفاء للوضع،
(1) الدكتور محمد الطالبي مفكر معاصر ذو جنسية تونسية أهم مؤلفاته: دراسات في تاريخ إفريقية، وفي الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط، وهو الذي أشرف على شهادة الكفاءة في البحث العلمي، التي قدمها الأستاذ فرحات الجعبري تحت عنوان: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة سنة 1975 م، ونظرا لأهمية هذه الأطروحة العلمية التي تعكس النظام الإجتماعي الإسلامي، فإن المعهد القومي للآثار والفنون الإسلامية بتونس قام بطبع ونشر هذا التراث على حسابه رغبة منه في إظهار العمق الحقيقي للتراث الإسلامي الأصيل. (2) ركح يركح ركحًا على الشيء اعتمد عليه ركن ولجأ إليه.
- 99 - (1/97)
صفحة 98
وتنكرهم لمبادئ الإسلام (3). ولا شك أيضًا أن زعماء المذهب الإباضي القادمين من الشرق قد ساهموا مساهمة جليلة في بث الإسلام في المغرب وترسيخ قدمه، فلقد أقنعوا البربر أن الظلم الذي ينالهم ليس من وحي الإسلام، وإنما هو من عمل من تنكر للإسلام، فلم يخلط هكذا البربر بين الدين وبين من يزعم أنه يمثله فيظلم تحت ستاره، فكانت ثورة البربر على الظلم، لا على العرب من حيث هم عرب ولا على الدين، بل انطلقت ثورتهم باسم الإسلام وانضوت تحت لوائه. وتمكن الإباضيون من إقامة دولة بالمغرب الأوسط - أي الدولة الرستمية - وعرفت عاصمة الدولة ازدهارا وثراء طائلا، وربطت علاقات تجارية متينة ومثمرة مع الأندلس (4)، ومماليك إفريقيا
(3) لقد كثر الإضطهاد وتذمر الناس في شمال إفريقيا بسبب ظلم الولاة الأمويين والعباسيين لاسيما الوالي الأموي كلثوم بن عياض الذي عامل البربر المسلمين معاملة أهل الذمة وذلك بأداء الجزية عام 123 هـ. أنظر عبد الرحمن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام ج:1 ص: 150 - 160. (4) إن العلاقة الثقافية والإقتصادية كانت قوية بين تيهرت والأندلس وقد أشار ابن حزم إلى وجود الإباضية في الأندلس من خلال كتابه جمهرة أنساب العرب ص: 463، فقال: إن كل من ذكرنا معتزلة حاشا بني برزال وبني واسين فهم إباضية، فقد ذكر سليمان الباروني في كتابه الأزهار الرياضية ج: 2 ص: 9 - 10 - أنه كانت ترد إلى تيهرت وتصدر منها أنواع البضائع إلى السودان وأقصى المغرب وبلاد الأندلس.
راجع: جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية - المؤسسة الوطنية للكتاب سنة 1984.
-100 - (1/98)
صفحة 99
الواقعة في جنوب الصحراء، ونال هذه الدولة ما نال دول المغرب المعاصرة، فلقد غمرتها الموجة الفاطمية، وقضت عليه (5). غير أن المذهب الإباضي صمد صمودا غريبا، ناشئا عن قوة الإيمان الذي يعمر قلوب أصحابه، ويجعلون يثبتون للمحن، وينسجمون مع الوضع دون تنكر لمثلهم العليا، وفي دون تضحية بالمقدسات، فلقد اهتدى الإباضيون بفضل إخلاصهم لمبادئهم، لإيجاد الحلول الملائمة للوضع في كل الملابسات التي مروا بها، وبالرغم عما نسجتهم من رياح متعاكسة لم تستطع أن تعفى أثرهم إلى اليوم.
ومن جملة هذه الحلول الطريقة التي مكنت المذهب الإباضي من المحافظة على كيانهم، نظام العزابة (6) الذي بقي قائما بجربة إلى عهد ليس بالبعيد، والذي بقي العمل به إلى
(5) إشارة إلى سقوط الدولة الرستمية في شوال 296 هـ بزعامة أبي عبد الله الحجاني الشيعي. (6) إن المؤسس الحقيقي لنظام العزابة هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي الذي ولد بمدينة فرسطا النفوسية الليبية سنة 345 هـ أما وفاته فكانت 440 هـ - بمدينة بلدة أعمر - قرب تيقورت.
لقد أمسى هو وطلابه ينتقلون ما بين جبل نفوسة وجربة والجريد وأريغ ثم وارجلان وميزاب، يأمرون أمتهم الإسلامية بالإلتزام بالقيم الأخلاقية الإسلامية والتمسك بها، ونشر الدين الصحيح بينها. والجدير بالذكر أن وادي ميزاب كان على مذهب الإعتزال ثم تحول إلى المذهب الإباضي بفضل ذلك العالم الجليل وطلابه حوالي سنة 410 هـ.
- 101 - (1/99)
صفحة 100
اليوم في وادي ميزاب.
-
من
فهذا النظام جدير بالعناية وبالبحث لا لأنه لنا ينير الناحية التاريخية - جانبا هاما من جوانب الحياة الإجتماعية، بل لأنه يفيد أيضًا الباحث الإجتماعي المعاصر، كما أنه يمثل مظهرا من مظاهر حضارتنا وتقاليدنا، بل قد يجد فيه علماء الإجتماع عامة شكلا إجتماعيا برهن على نجاعته وفاعلته طوال قرون عديدة ويمكن
دراسته دراسة مقارنة على أوسع بساط (7).
ومن حسن
الحظ
هو أن هذا النظام قد درس من طرف شباب تكون تكوينا عصريا، وهو ينتمي إلى الأوساط الإباضية، وبفضل هذا
إن نظام العزابة هو نظام إسلامي خالص يقوم على القاعدة الشرعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغرس القيم الأخلاقية الإسلامية في المجتمع من خلال المسجد الذي يعتبر قلب الأمة.
-
وهناك شروط ضرورية يجب أن تتوفر في رجل العزابة:
أن يكون مسلما بالغا عاقلا وذا أخلاق.
: أن يكون حافظا لكتاب الله عز وجل ومتزوجا.
-
أن يكون مضحيا ولا يأخذ أية أجرة مادية عن عمله هذا.
ومن هنا نجد في رجال العزابة ـ الفلاح، التاجر، الأستاذ، المهندس،
الطبيب، النجار ... إلخ. إنهم يمثلون شرائح المجتمع كله. أما بالنسبة إلى أعضاء هيئة العزابة فيتراوح العدد بين 12 إلى 14 عضوا وعلى رأسهم شيخ العزابة الذي يتولى رئاسة المسجد. (7) راجع مايلي: - الإباضية في الجزائر» للشيخ علي يحي معمر. وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية لبكير بن سعيد أعوشت. حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي للدكتور محمد ناصر.
-
-102 - (1/100)
صفحة 101
الإنتماء فقد تأتي له ما قل أن يأتي لغيره، فقد اطلع على مصادر مخطوطة هامة، كما أنه استقى كثيرا من المعلومات عن طريق المشاهدة والحديث مع علماء المذهب، الذين يجمعون إلى العلم ماهو أثمن منه: حياة روحية ثرية وإخلاصا لا يتزحزح للمبادئ. وأملنا أن يتولى الإباضيون أنفسهم أكثر فأكثر - التعريف بمذهبهم وبالدور الهام الذي لعبه في بناء الحياة العقلية والروحية الإسلامية - وفي بناء حضارتنا بصفة عامة، فهناك مخطوطات عديدة أَنَّ لها أن تغادر البيوت إلى المطابع حتى تسهم بدورها في نهضتنا، ويعم نفعها، فكل شيء ينقص إذا ما أنفق منه، إلا
العلم» محمد الطالبي (8).
(8) محمد الطالبي: مقدمة كتاب نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة تأليف فرحات الجعبري ص: 7 - 8 - المطبعة العصرية تونس 1975 م.
-
- 103 - (1/101)
صفحة 102
18 ـ يقول الإمام عبد الحميد بن باديس عن شيخ الإباضية أبي اليقظان: «مسلم أخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله (1)
تطالع ديوان أبي اليقظان مطالعة درس وإمعان فإذا بك قد
(1) ـ أ ـ ب
- أ): الإمام عبد الحميد بن باديس: عالم من أعلام الأمة الإسلامية، ولد بقسنطينة سنة 1889 م في أسرة مشهورة بالعلم والصلاح، يعد الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية ورئيسًا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ نشأتها الله سنة 1931 توفي رحمه 16 أفريل سنة 1940 م، أهم آثاره: إصداره عدة صحف ومجلات: المنقذ الشهاب الشريعة والصراط، وله كتب قيمة: مجالس التذكير، العقائد الإسلامية، راجع كتابنا: إسلام اليوم بين الأصالة
يوم
والتحريف - المدرسة الباديسية.
- (ب): الشيخ أبو اليقظان: هو إبراهيم بن عيسى بن داود أبو اليقظان ولد بالقرارة - ولاية غرداية سنة 1888 م، فقد تعلم في كتاتيبها تتلمذ على الإمام الكبير الشيخ أطفيش رحمه الله.
من
ولقد برز في المجال السياسي والإجتماعي للدفاع عن الإسلام والجزائر خلال أعماله الفعالة الذي كان عضوًا فعالا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ثم أصدر ثماني جرائد أهمها: وادي ميزاب، والأمة، والمغرب والبستان أهم مؤلفاته: ـ سلم الإستقامة في الفقه. ـ فتح نوافذ القرآن، الإباضية في شمال إفريقيا، - خلاصة التاريخ الإسلامي للجزائر، ـ أشعة النور من سورة النور، ـ وله عدة مصادر فكرية مخطوطة، لقد توفي رحمه الله بالقرارة في 30 مارس 1973.
-
-
-104 - (1/102)
صفحة 103
علمت نفسية الشاعر ورأيت روحه وقرأتها كما تقرأ كتابا مفتوحا ذلك لأنه لا
يصنع الشعر، ولا يقوله رضوخا لظروف أو حبا في القول كيلا تمضي حادثة لا يكون له فيها قول، كماهو دَيْدَنُ -شأن- الكثير من الشعراء، بل أنت تدرك من تصفح الديوان بأن الشاعر يقول: الشعر عن تأثر حقيقي وعن شعور لا تشوبه شائبة الرياء فهو إن قال في مدح الرسول الأعظم علل الله فقد كان في حالة غرام مفرط ترجم عليه جنانه قبل أن يمليه لسانه أو يخطه بنانه، وإن حاور وساجل فهو الذي يجعل قلبه ولسانه في صف واحد.
فلا ينطبق هذا إلا بوحي ذاك ولا يشعر ذلك إلا وترجم عليه هذا، وإن تكلم في موضوع محلي فأنت ترى تلك الروح الوثابة الحساسة تتجلى على كل بيت بل على كل مصراع، بل ربما على كل كلمة من كلماته، وأغلب المواضيع المحلية متعلقة بحوادث ووقائع تمت إلى وادي ميزاب بنسب قريب وتشعر برقة عواطف غريبة يحملها الشاعر لواديه غير ذي زرع. وتدرك مقدار ماله فيه من الوله والحب والإنعطاف. وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها، وله الحق، عربي يجاهد ويجالد في سبيل العروبة ووطني يناضل ويقارع في سبيل الوطنية ومسلم أخلص لله دينه يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله». أما إذا قال أبو اليقظان متألما لحوادث القطر الجزائري، فإنه يسيل
(2) سوف نحلل رؤيته الإسلامية الأصيلة بعد حين.
- 105 - (1/103)
صفحة 104
العبرات دما ويجرح القلب تأثرا، ويبعث في النفس شعورا حيا وإحساسا ساميا، وكان شاعرنا قد جمع كل حواسه وإحساساته في قصيد واحد هو قصيد الديوان ضمنه رثاء الصحافة الجزائرية المقيدة وعبر به عما يشعر به الوطني عندما يكبل قلمه ويقيد لسانه، فسار مع الإجادة شوطا بعيدا وأبدع ماشاء له الإبداع.
وختم ديوانه بما ينم عن نفس طموحة وقلب مفعم بالإيمان
والتفاؤل إذ يقول:
يا نخبة الشعب العزيز تنبهاً
المصيركم إذ حل كل شقاء
وإذ بقيتم راقدين فحسبكم
نار المذلة داخل الأحشاء
وأعيذكم منها فأنتم سادة
من نسل قوم قادة عظماء
ولا يسعنا مع هذا، إلا أن نقدم ثناءنا العاطر للمطبعة العربية ' الفتية في الجزائر. فقد أخرجت لنا هذا الديوان كباكورة لأعماله (3) فكان ديوانا لطيف الشكل جميل الطبع حسن الورق. ونهنيء شاعرنا أبا اليقظان بهذه التحفة الأدبية التي أخرجها
(3) إن الجزء الأول من ديوان أبي اليقظان قد صدر سنة 1931، أما الجزء الثاني فقد صدر سنة 1989 م تحت إشراف الدكتور محمد ناصر، ولابد أن نشر أن الشيخ أبا اليقظان قد أسس مطبعة عربية سنة 1931 وتعد من المطابع العربية الأولى في القطر الجزائري ولعبت دورا حيويا في الدفاع عن العربية والإسلام.
- 106 - (1/104)
صفحة 105
لأبناء العربية في هذه البلاد، ونقول له وقد تذوقنا طعمها المستطاب هل من مزيد؟!! (4)
هموم
عن
ملاحظتنا: وفاء لهذا الشيخ الكريم والمجاهد الصبور، نقول: إن الشيخ أبا اليقظان رحمه الله كان مثالا للعطاء الفكري، حيث حمل أمته الجزائرية المسلمة وأمته الكبرى في قلبه ودمه دفاعا الإسلام، ولغة القرآن ومصير المسلمين. وكان سلاحه الأول الإيمان بالله، وبرسالة الإسلام، التي أبرزها من خلال صحفه، الداعية إلى وحدة المسلمين ونبذ الخلافات المذهبية التي يستغلها اليهود والصليبيون لضرب أسس وحدة المؤمنين يقول رحمه الله: «إنما المؤمنون إخوة ... يالله العجب أيتألب أعداء الإسلام ويتحدون على تقويض معالمه وبينهم فراسخ من اختلاف اللغات والأديان والمذاهب
والمنازع والمشارب ونختلف نحن على صيانته وحمايته والذود عن بيضته ودفع الكيد والأذى عنه وقد جمعت بيننا روابط الوطن والله. والدين ووحدت بين أهوائنا علائق المصالح والآلام؟ وحدوا صفوفكم رعاكم الله. وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا ونفوسا طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية والأمر في شدة الخطر (5).
(4) نشر هذا المقال في مجلة الشهاب في جمادى الثانية 1350 هـ الموافق لأكتوبر 1931 م - ص: 606 - 607 - 608.
(5) وادي ميزاب ع: 116 - 1929/ 01/11. نقلا عن الدكتور محمد ناصر أبو اليقظان وجهاد الكلمة ص: 121.
- 107 - (1/105)
صفحة 106
رحمه
إن الناقد حينما يتأمل ما كتبه أبو الصحافة الجزائرية أبو اليقظان
الله
أنشأها
وهي
الصفحة الأولى من أول جريدته التي في وادي ميزاب يدرك أنها تحمل روح أصالة الوعي الإسلامي الحقيقي الهادف إلى محاربة العواطف الفردية والجهوية والمذهبية ولايكون هذا، إلا بالتعاون وتعبئة الطاقات الروحية والمادية لدفع المضار المهددة المصيرنا الواحد، حاضرا ومستقبلا.
يقول رحمه الله: «أيها الجزائري الماجد، اعلم أن القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخية مسورة واحد وهو الإسلام، وسكان سكانه، فلا يمنع انحياز كل في داره، ومحافظته على
مصلحة
دورها هم مميزات عائلته فيه سائر سكان المدينة من التعاون والتعاضد على جلب المصلحة لها. ودرأ المضرة عنها فإن مصلحة المدينة هي ديارها، ومضرتها هي مضرتها، إذا أقبل النهار فعلى الجميع، وإذا هجم الليل فعلى الجميع (6). من خلال هذه الفقرات الذهبية نقول مع الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس إن أبا اليقظان وطني يناضل ويقارع في سبيل الوطنية ومسلم أخلص لله دينه يجعل الإسلام الصف الأول من كل أعماله. ما أحوج أمتنا الجزائرية المسلمة اليوم إلى هذه الأخلاق السامية في هذه الظروف الحالكة التي تمر بها لتخرج إن شاء الله إلى شاطئ السلامة متماسكة محافظة على دينها ووحدتها ومصيرها وتاريخها.
في
(6) الإفتتاحية، وادي ميزاب، ع:1 1926/ 10/01. نقلا عن
-
محمد ناصر أبو اليقظان وجهاد الكلمة ص: 63.
الدكتوا
-108 - (1/106)
صفحة 107
19) ـ ميزاب: العالم المسحور بالصحراء الجزائرية
بقلم: مصطفى نبيل «العربي» العدد: 286
سبتمبر
(1) 1982
لم يكون الوصول إلى وادي ميزاب سهلا، بل يشبه سباق تخطي الحواجز، وانتهت متاعبنا لدي وصولنا إلى مطار غرداية الذي يبعد عن العاصمة نحو 600 كيلومتر في قلب الصحراء، وفي الطريق من المطار إلى البلد ومنذ الخطوات الأولى من رحلتنا، أخذنا تماما
بالمكان وما يحمله من ايحاءات جمالية وتارخية.
في هذه المجتمع يزداد كبار السن من الشيوخ بلحاهم الطويلة البيضاء - وتكاد تختفي المرأة من أزقته، مجتمع لاتجد فيه أميا واحدا بل ويندر أن تجد فيه من لا يتحدث العربية بطلاقة إلى جانب اللغة البربرية المحلية، ولديه نظامه الخاص في التكافل الإجتماعي ونظامه في حل الخلافات التي تظهر بين أفراده مجتمع يأخذ نفسه بالشدة ويتمسك بتعاليم الدين الحنيف (2).
(1) نريد أن نقدم للقارئ الكريم نموذج من نماذج بعض المقالات التي تحرر في الصحف والمجلات المختلفة حول ميزاب إلا أن هذه التحقيقات في أغلب الحالات، تحرف لأسباب تاريخية وأهداف نفسية واجتماعية وقد تكون مادية - ولكن الواقع يكشف الحقيقة كما هي، ولعل هذا المقال دليل على ما قلناه، لنتأمل جيدا ما جاء فيه. (2) يجب أن نصحح هذه المفاهيم الخاطئة:
أ) - إن النسبة المئوية السكانية تؤكد بميزاب أن حوالي 75%
هي من الشباب.
= ..
8
- 109 - (1/107)
صفحة 108
وساهم الماضي في تمسك أفراد هذا المجتمع بكل
ما فروا من أجله إلى هذه المنطقة النائية، مما يؤكد أن الإضطاد والملاحقة لا يقضيان أبدا على فكرة بل يساهمان في الحفاظ عليها والتمسك بها.
ومع بداية جولتي حذرني صاحبي بقوله: «إن العديد من معتقداتهم تعتبر من خصوصياتهم التي لا يرحبون بالكشف عنها ولا يرحبون بالغرباء كثيرا، وعندما توجه سؤالا لأحدهم لا تتلقى الإجابة إلا بعد استشارة شيخهم» ... وعندما التقيت بعدد منهم وجدت العكس تماما، ولقيت منهم الحفاوة والترحيب، والرد على
=
ب) - قوله: إن المرأة تكاد أن تختفي من الشوارع، والعلة تكمن أن المرأة تلتزم بشريعة ربها، لأن القوامة تكون أساسًا للرجل، لأن تجارب العالم أكدت وأثبتت أن خروج المرأة إلى العمل أوجدت مجتمعا مريضًا تربويا ونفسيا - راجع كتاب شبهات حول الإسلام للسيد محمد قطب - الإسلام والمرأة ص: 110 - 158.
الغربي
ج)
-
أما
بالنسبة إلى اللغة البربرية الميزابية فهي جزء من شخصية المسلم بميزاب، وهي يعتز بها في إطارها الإسلامي، دون أن يتنكر للغة العربية التي دافع عنها بالنفس والنفيس الآباء منذ القديم إلى يومنا هذا، لأن هؤلاء أدركوا بحسهم الفطري - لا إسلام بدون قرآن ولا قرآن يفهم جوهر أسراره بدون لغة عربية نظيفة بعيدة عن التعصب العرقي. د) - فالمجتمع الإسلامي بميزاب لا يأخذ نفسه بالشدة ولكن برحمة الإسلام، يرفض الإزدواجية بين القول والعمل - راجع: هذا الدين للأستاذ سيد
لأنه
قطب. و ... هل نحن مسلمون للأستاذ محمد قطب؟.
- 110 - (1/108)
صفحة 109
جميع استفساراتي، فالفارق لديهم كبير بين الأجنبي والعربي، بل ولاحظت أن الكثيرين منهم يتابعون بشغف أحداث المشرق العربي، ويناقشون قضاياه باهتمام بالغ (3).
وأكثر ما جذب إهتمامي بعد البشر ونظمهم، معالم العمارة التي يؤكد الخبراء أن وادي ميزاب يضم المجموعة الإسلامية الهندسية الرئيسية في الصحراء وأقدمها جميعا، وهي تتميز بدقة وجمال لا في المساكن فحسب بل وفي أعمال الري (4) والدفاع أيضا، وأول ما يلفت النظر التناغم والإنسجام بين المباني.
فهذه العمارة عمل أصيل وانعكاس تلقائي للبيئة والفكر
بعيدة عن
(3) إن هذه الفقرة الأساسية تجعلنا أيها المسلم الكريم تدرك أن المفاهيم الخاطئة يراد إلصاقها صاحب محرر هذه المقالة بحق الإباضية وهذا الأمر ليس بعجيب مادام يستمسك بأقوال أصحاب المقالات القديمة، وتربيته الإجتماعية التي هي الأخلاق الإسلامية، إلا أن السيد مصطفى نبيل صاحب الاستطلاع حينما احتك عمليا بعدد من اخوانه المسلمين الإباضيين أدرك حقيقة الأمر، بأن هؤلاء لهم إحساس مرهف بقضايا العالم العربي والإسلامي! إن هذه الشهادة الحد الفاصل بين الحق والباطل. (4) إن الميزايين قد استغلوا مياه السيول وذلك بجلبها من أعالي الشعاب وتوزيعها على الأجنة من خلال قنوات توزيعا عادلا، ثم يحول فائض تلك السيول في سدود بنيت بمواد محلية وهذا الأمر يتطلب كفاحًا مريرا مع الطبيعة الصحراوية القاسية، ويقال: إن الشيخ حمو والحاج المتوفى سنة 1102 هـ هو المهندس لهندسة الري التي حيرت مهندسي الجامعات بسبب دقتها في توزيع المياه على الأجنة المتباينة في انخفاضها وارتفاعها على مستوى الوادي.
هي
- 111 - (1/109)
صفحة 110
الإجتماعي والتقاليد والوضع الإقتصادي (5).
- حلقة العزابة (6): فكل مدينة بها جماعة تقودها تسمى
حلقة العزابة وهو نظام قائم منذ ما يزيد عن تسعة قرون .. وينتقى لهذا المجلس صاحب المعرفة والسيرة الصالحة ويشترط أن يكون حافظًا للقرآن الكريم وملتزما بأحكام الشريعة الإسلامية، ويتكون المجلس من 12 عضوا وتقوم حلقة العزابة بالفتوى فيما يختلف عليه الأهالي ووضع قواعد مقررة للمشاكل الجديدة ويتولى مجلس العزابة الإشراف على تدريس القرآن لأبناء المدينة، ورئيس الحلقة هو الشيخ أو المفتي الذي يتولى التدريس والخطابة في الجامع، ويفصل أعضاء العزابة في المنازعات في جلسات تعقد في صحن الجامع بين صلاتي الظهر والعصر، كما تقع على عاتقهم مسؤولية الحراسة داخل الأسوار وينظمون الأسواق والمسلخ وسواقي المياه والسدود، ولا يتقاضى أعضاء مجلس العزابة أجرا على أعمالهم هذه.
ولأعضاء العزابة أيضًا دورهم الإجتماعي، فلا يقع في مدن ميزاب ما يقع في غيرها من اختلاف بين العروسين على المهر، فأعضاء العزابة وحدهم هم الذين يحددون المهر مهما تكن أسرة العروس أو
(5) راجع: القسمة وأصول الأراضين كتاب في فقه العمارة الإسلامية للشيخ أبي العباس أحمد بن محمد النفوسي (ت 504 هـ). تحقيق: د. محمد ناصر والشيخ بكير بن محمد الشيخ بلحاج. (6) راجع: التعليق الذي كتبناه حول المقال الذي كتبه د. محمد الطالبي: إن المذهب الإباضي من أعظم المذاهب الإسلامية أهمية وأقدمها ظهورا.
- 112 - (1/110)
صفحة 111
جمالها، ومهما كان غنى الزوج، ويترك لأسرة العروسين تحديد موعد
الزفاف فحسب.
والدليل الحاسم على نجاح حلقة العزابة هو إلغاء الأمية في ميزاب، ففي الجوامع يتعلم أبناء القرية مبادئ الكتابة واللغة العربية ويحفظون القرآن الكريم، وهي صورة فريدة فالنجاح في القضاء على الأمية حلم غالي لم تنجح في الوصول إليه العديد من أصحاب النظريات الحديثة مصطفى نبيل «العربي» العدد: 286 سبتمبر
1982
(7) إن هذا الإستطلاع توجد فيه عدة ثغرات واضحة، ولا نريد أن نقوم بنقده وهذا الأمر يدفعنا إلى الخروج عن صلب موضوعنا الأساسي وهو التركيز على المحاور الأساسية في الفكر الإباضي، ولا بأس أن نورد بعض المزاليق التي جاءت في ذلك المقال: ويسود شعور بإمكانية الإستغناء عن الحكومة المركزية، وبالفعل كان لإقامة مَخْفَرِ الشرطة في بني يزفن بعض أوجه المقاومة من الأهالي» - نفس المقال ص: 114.
إن صاحب الإستطلاع السيد مصطفى نبيل في نظري قد تأثر مرة أخرى بصاحبه في نقل هذه الصورة الخيالية التي لا توجد إلا في ذهنه، والتي تجعل القارئ نفسيا يعيش في جو المقاومة الفلسطينية أو المقاومة الشيشانية، فهل الدولة الجزائرية بسلاحها الجوي والبري عاجزة عن سحق تلك المدينة الآمنة الصغيرة، نقول لهؤلاء: اتقوا الله في السر والعلانية، ويصدق فيهم قول الرسول الكريم: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله الله قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خانه متفق عليه ... وفي رواية: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم». ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين (الأحزاب: 24.
- 113 - (1/111)
صفحة 112
20) - مفـ
يجب أن تختفي
بقلم: الشيخ علي يحي
أهل السنة وأهل البدعة:
(1)
اعتاد أتباع كل مذهب أن يطلقوا على أنفسهم أحب الأسماء كأهل السنة أهل الإستقامة وأن يطلقوا على مخالفيهم أقبح الأسماء، كأهل البدع أهل الأهواء أهل الزيغ، وكان الكثير منهم يفتحون أبواب الجنة على مصاريعها لأتباعهم، ويقفلونها بإحكام أمام أنظار الآخرين، ويبلغ بهم التطرف إلى أن يقدموا فساق مذاهبهم
(1) الشيخ علي يحي معمر النالوتي النفوسي الليبي الذي ولد بمدينة نالوت الليبية سنة 1919 م نشأ رحمه الله في أسرة محافظة تتلمذ أول مراحله الإبتدائية في بلدته ثم تونس وأخيرا استقر المقام به في معهد الحياة بالقرارة - جنوب الجزائر وذلك سنة 1938 م.
فقد ساهم رحمه الله في إثراء الفكر الإسلامي وصحح عدة مفاهيم لصقت بالفكر الإسلامي أهم مؤلفاته: - الإباضية في موكب التاريخ 4 حلقات
-
-
الإباضية بين الفرق الإسلامية.
الإسلام والقيم الإنسانية.
فلسطين بين المهاجرين والأنصار.
هي
توفي رحمه الله 15 جانفي 1980 م بطرابلس الغرب. ملاحظة: إن النصوص التي طرحت في هذا البحث لعلماء لا ينتسبون إلى المدرسة الإباضية ماعدا هذا النص الوحيد للشيخ علي يحي معمر، نظرا لقيمته المنطقية والأخلاقية والتاريخية.
- 114 - (1/112)
صفحة 113
على صلحاء غيرهم. الأمثلة القريبة لذلك أن فقهاء الأشاعرة يقولون: بأن ومن المسلم العاصي لا يخلد في النار وإن دخلها، ولكن بعضهم يستثني المعتزلة من هذه القاعدة فيرميهم جميعا في النار بصلحائهم وفساقهم ثم يحكم عليهم بالخلود فيهم رغم أنهم مسلمون (2). الفرق الإسلامية كلها - في دعواها ـ ترجع إلى أصلين ثابتين هما: الكتاب والسنة، وكل فرقة تزعم وتصر أنها هي التي تعمل بالكتاب وتحافظ على السنة، وأن غيرها ليس كذلك. وعلى هذا الأساس قام ناس فاحتكروا لأنفسهم إسم أهل السنة
(2) إن هذه الأحكام الفاسدة لا تزال تؤثر في بعض العلماء فضلا عامة عن الناس، وهذا الحكم يتناقض كل التناقض مع الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث الشريفة، لأن الحساب يوم القيامة يكون على حسب عمل الإنسان وحده الذي يتحمل جزاء فعله.
لنتأمل هذه الأدلة الشرعية الواضحة كعين الشمس: وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) «الإسراء: 13 - 14).
روي أنه علا قام حين نزلت عليه: وأنذر عشيرتك الأقربين الشعراء: 214) فقال محمد عل: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، ياعباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني
عنك
من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك
شيئا رواه البخاري ومسلم.
الله
من
- 115 - (1/113)
صفحة 114
وناس أهل الإستقامة وناس أهل الحق (3) فأطلقوا على غيرهم عند التعميم كلمة المبتدعة أو أهل الأهواء أو غيرها من كلمات التضليل، كما قسموا أهل البدع في نظرهم إلى مذاهب، ثم الصقوا بكل طائفة أو فرقة أحكاما خاصة بها أو تشرك فيها مع غيرها. فأصبح كل مذهب من مذاهب المسلمين إذا نظرت إليه من زاوية أتباعه هو مذهب السنة ومذهب الحق ومذهب الإستقامة، وإذا نظرت إليه من زاوية مخالفيه فهو مذهب الأهواء ومذهب البدعة، ومذهب الضلال، وينشأ الناشئ المسلم في أكناف أحدها، فتعتاد أذنه على سماع هذه الأوصاف والنعوت ويتلقاها ويتشربها في غير كلفة حتى تصبح عقيدة غير خاضعة للنقاش أو المراجعة (4).
إن جميع المسلمين الذين يرجعون في ديانتهم إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة هم من أهل السنة، أي فرقة كانوا من ولأي مذهب اتبعوا. وقد كانت العصبيات المذهبية وأصابيع السياسة، وبعد بعض
(3) قال الأستاذ مصطفى الشكعة: إن تسمية جمهور المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة، يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري أي بعد عصر آخر الأئمة المتهورين، وهو ابن حنبل بحوالي أربعة قرون. (المطالعات الإسلامية في العقيدة والفكر ص 97 - أهل الإستقامة: هذا المصطلح ظهر عند الإباضية في القرن الثاني الهجري. (4) هذه حقيقة قد أكدها العالم النفساني السويسري كارل غوستاف يونغ (1961 - 1874) من خلال اللاشعور الجمعي الذي يؤثر في أحكامنا بطريقة
لا شعورية - راجع كتابنا الإسلام ومدرسة فرويد ص:68 - 69.
- 116 - (1/114)
صفحة 115
المسلمين عن بعض وجهل أهل كل مذهب بما عليه الآخرون حواجز تحول دون تعرف المسلمين بعضهم ببعض أما الآن وقد اختلط المسلمون بعضهم ببعض وعرف الكثير منهم الكثير عن الآخرين، فإنه أن ينبغي تختفي بعض المصطلحات أو بعض المفاهيم، وتنشأ بدلا منها مفاهيم أو مصطلحات أخرى تكون أقرب إلى توحيد جميع صفوف المسلمين وتوحيد كلمتهم.
فلا
معني أبدا أن يأتي إنسان يسهل عليه تماما أن يستخف بأحكام الله، فيرتكب ما نهاه عنه ويهمل ما أوجبه عليه ثم يزعم ـ في تبجح ظاهر - أنه سني أو من أهل السنة، فإذا قابله إنسان آخر لا يتفق معه في المذهب رماه بأنه مبتدع رغم الصلاح والتقوى والحقيقة عكس ما يقول. لقد آن الأوان لأن تطلق كلمة أهل السنة على أهل الصلاح من كل فرقة، وكلمة السني على كل فرد مستمسك بالإسلام محافظ عليه حسب الأصول التي يرتكز عليها المذهب الذي ينتمي وأن تطلق كلمة المبتدعة أو أهل الأهواء على مجموعة من الناس غير ملتزمة للإسلام، سلوكًا، وكلمة المبتدع أو صاحب البدعة على كل شگاه
إليه،
متهاون بأحكام الإسلام حسب المذهب الذي ينتمي إليه. أهل السنة هم الأتقياء الصالحون من أي مذهب كانوا والمبتدعة وأهل الأهواء هم الفسقة الفجرة ولو لبسوا جبة جابر وطيلسان (5) مالك وعمامة أحمد واتخذوا لمظهرهم سَمْتَ زيد
(5) الطيلسان هو كساء أخضر يلبسه العلماء الكبار.
- 117 - (1/115)
صفحة 116
وجعفر لقد آن لتلك المفاهيم - التي أملأها التطرف في التعصبات.
أن تختفي.
وأن للمؤسسات العلمية الإسلامية أن تغير مناهجها ودراساتها وآن لمن يهتم بالإسلام والمسلمين في هذا العصر أن ينظر نظرة أخرى يمليها واقع الحياة للأمة المسلمة ضمن الإطار العام لمبادئ الإسلام (6) ... وفي هذا التصور الإسلامي الخالص، لابد أن نشير إلى أن المذهب التربوي عند مدرسة الإخوان يقوم على هذا الأساس وهكذا فإن سيد قطب رحمه الله يقول: إن الإسلام ينفي كل نعرة جنسية أو عنصرية وأن هناك ميزانا واحدًا لتقدير الأفضلية وهو تقوى الله وطاعته والعمل الصالح في عباده (7).
إن نجاح المسلمين اليوم يكمن في هذه العقيدة الخالصة النقية القائمة على تقوى الله لا غيرها.
(6) علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية - ص: 397 - 400
المطبعة العربية ـ غرداية ـ الجزائر 1987.
(7) سيد قطب نحو مجتمع مسلم ص: 92 - ط: 7 ـ دار الشروق بيروت.
- 118 - (1/116)
صفحة 117
- الخاتمة -
-
بعد هذه الدراسة التحليلية المجملة يمكننا أن نخرج بالنتائج التالية: (1) إن الموضوعات التي طرحت في هذا البحث ركزت على نصوص مباشرة كتبها عدة علماء لا ينتمون إلى الفكر الإباضي ماعدا الشيخ علي يحي معمر رحمه الله بينوا بكل جلاء، بعد المقارنة والموازنة والتحليل التاريخي، ورد الفكرة إلى مصدرها الأول ومناقشة الآراء المختلفة الصادرة عن الإباضية وغير الإباضية. مناقشة موضوعية، هادئة،
أن السياسية الحاكمة آنذاك التي شوهت المذهب الإباضي وألصقت
هي
به الفكر الخارجي، وأن أصحابه من أهل البدع والتطرف الديني. (2) إن الدراسات المعاصرة التي اهتمت بدراسة الإباضية فهي تعتمد على المصادر القديمة دون نقدها ثم تكرر ماجاء فيها، بعبرات متشابهة، ولابد لهؤلاء أن يتقيدوا بالروح النقدية ثم الشجاعة لأصدار أحكام موضوعية بعيدة عن الأحكام المسبقة، ملتزمين بالروح العلمية الإسلامية. (3) بينت هذه الدراسات أن المذهب الإباضي يعد أقدم المذاهب الإسلامية وهو يعتمد على القرآن الكريم والسنة الشريفة والقياس والإجماع كبقية المذاهب الإسلامية الأخرى بل يأخذ ببعض آراء تلك المذاهب وبالتالي له فقه مقارن. (4) إن الإباضية ليسوا خوارج سواء كان الخروج سياسيا أو دينيا
إذ جعلوا كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله
هي
الحد
- 119 - (1/117)
صفحة 118
الفاصل بين المسلم والكافر، بحيث تعصم المسلم من دمه، روحه عرضه، أمواله، وأولاده.
(5) إن الإباضية ينظرون إلى الإسلام نظرة كلية شاملة بدون انفصال بين القول والفعل، فقد ساهموا مساهمة فعالة في نشر الإسلام واللغة العربية بإفريقيا الغربية والشرقية وهم يعتمدون على القدوة الحسنة والإقناع والتربية في نشر الإسلام.
(6) إن التراث الإباضي يعد رافدا من روافد التراث الإسلامي إلا أن أغلبيته لا يزال مخطوطا ولم يظهر لأسباب سياسية خالصة فالإباضية بدورهم يتحملون جزءا من هذه المسؤولية، إلا أن بعض من هذا التراث رأى الضوء بفضل سلطنة عُمان وببعض مجهودات فردية خاصة.
وقبل الأخير نقول: إن دواء المسلمين يوجد بأيدينا لمعالجة أمراضنا الأخلاقية والإجتماعية حتى تتحقق إن شاء الله الأخلاق القرآنية عمليا في سلوكنا اليومي بيننا، لأن مصير عالم المسلمين أمسى مهددا بالسقوط من قبل أعدائه اليهود والنصارى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم البقرة: 120». إن هؤلاء وبعض المسلمين المرضى أمسى همهم الوحيد هو إثارة المشاكل الإختلافية بين المسلمين، والتي لا قيمة لها إزاء العمل السلوكي الصالح اليومي الذي هو الأساس لبناء الحاضر والمستقبل يقول شهيد الإسلام حسن البنا رحمه الله: والخلاف الفقهي في الفروع لايكون سببا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد
أجره الأصل الثامن - رسالة التعاليم -
-120 - (1/118)
صفحة 119
أيها المؤمنون: فليتق كل واحد منا ربه حق تقاته ولنؤمن إيمانا
صادقا جازما، بأن الموت يلاحقنا في كل لحظة، وكل ما يصدر عنا سوف نحاسب عليه: قول، فعل سلوك، فتوى، كأفراد لاكجماعات يقول الحق تعالى: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبان «الإسراء: 14). ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين «الأنبياء: 47).
هذه
يقول الرسول الكريم: يا معشر قريش أشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد الله المطلب لا أغني عنك من الله شيئا. ياصفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئتِ لا أغني عنك من الله شيئا، أخرجه البخاري ومسلم. هي العدالة الإلهية المطلقة التي جاءت، تخاطب فطرة الإنسان بحيث لا تميز بين هذا وذاك. والأهم من كل هذا تجعل الإنسان هو المسؤول الأول الذي يحاسبه الله، وضميره مهما طلب تبريرا لفعله باسم رؤية وفتوى العالم، التي قد تتنافى مع أحكام القرآن والسنة. لنتأمل قول الرسول الكريم: وعن وَابِصَةَ بن مَعْبَدٍ رضي عنه قال: أتيتُ رسولَ الله علل الله فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: «استفتِ قلبكَ البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردَّدَ في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك حديث حسن رواه أحمد والدارمي.
الله
- 121 - (1/119)
صفحة 120
أخي المسلم الصالح إن تربية الضمير الديني أمست اليوم غائبة في تربيتنا العامة، أسرة، ومدرسة، وإعلاما، لأن الإنسان من طبيعته يطلب اللذة المادية والمعنوية ويبعد عن نفسه الألم المادي والمعنوي. وهكذا نلاحظ أن التربية الإسلامية تقوم أساسا على الترهيب والترغيب يقول الله عز وجل: ويوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون «النور: 24». فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى «النازعات: 37 - 39). النعمان بن بشير، رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: إن أهون النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في لا أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه مايرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا، متفق عليه.
وعن
أن إن هذا المسلك السليم يجب نلتزم به في مجالنا التربوي
وبدونه نعيش اغترابا وانشطارا في منهجنا التهذيبي. وجدير بنا أن نحكم العقل والأخلاق القرآنية العظيمة في علاقاتنا الفردية والإجتماعية ملتزمين بقول رسولنا الكريم محمد
في خطبة الوداع:
أيها الناس! إنما المؤمنون إخوة.
فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه. ألا هل بلغت اللهم فاشهد. أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا
- 122 - (1/120)
صفحة 121
بالتقوى. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
وأخيرا أقدم كل تقديري واحترامي إلى جميع الإخوة الذين شجعوا هذا البحث المتواضع من قريب أو من بعيد، خدمة للعلم النافع ووحدة المسلمين ومحبتهم وما جزاء الإحسان إلا
الإحسان ...
ونسأل العلي القدير أن يجعل أمتنا الإسلامية أمة القرآن، وأن يبعدها عن مسالك الشيطان، وأن يكون عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم ... الذي نرجو منه المغفرة يوم الميعاد: وربنا اغفرلي ولوالدي والمؤمنين يوم يقوم الحساب ابراهيم: 41).
والسلام
- 123 - (1/121)
صفحة 122
وقل رب زدني علما طه:114».
- بعض المصادر الإباضية -
1 - ابن سلام الإباضي (3 هـ-9 م) كتاب تاريخي. 2 - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكير النفوسي (ت 504 هـ) القسمة وأصول الأراضين كتاب مهم في الفقه العمارة الإسلامية
وأثرها في المجتمع.
3) - أبو عمار عبد الكافي (570 هـ-1174 م) كتاب الموجز في الكلام وهو يقع في جزئين يعالج فيه المسائل الكلامية والفلسفية. 4) - أبو غانم الخرساني (2 هـ - 8 م) المدونة الكبرى. تقع في جزئين، تطرح فيها المسائل الفقهية والكلامية.
5 - أطفيش قطب الأئمة (1332 هـ - 1914 م). - تيسير التفسير للقرآن الكريم يحتوي على ستة أجزاء. . هميان الزاد إلى دار المعاد، يقع في أربعة عشر مجلدا. - شرح كتاب النيل وشفاء العليل وهو يشتمل على 17 مجلدا. 6) ـ ابن بركة العماني ـ أبو محمد عبد الله بن محمد. كتاب الجامع وهو مخصص في الفقه.
7) ـ ابن جميع أبو حفص عمرو (8 هـ-14 م).
- مقدمة التوحيد وشروحها. وكتاب مهم يعالج علم الكلام.
- 124 - (1/122)
صفحة 123
8 - البرادي أبو القاسم بن ابراهيم (8 هـ - 14 م). كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات للدرجيني
9) - بيوض ابراهيم (1401 هـ - 1981 م).
- في رحاب القرآن تفسير سورة: الإسراء الكهف، النور. - فتاوي الإمام الشيخ بيوض في جزئين.
10) ـ الخليلي أحمد. فقيه معاصر
- جواهر التفسير، أنوار من بيان التنزيل الحق الدامغ.
11 - الجعبيري (مفكر معاصر).
-
البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية كتاب يشمل على جزئين (920 ص) تقدم به، صاحبه فنال به شهادة دكتراه الدولة.
12) - الجيطالي إسماعيل (750 هـ - 1349 م).
- قواعد الإسلام في جزئين. - قناطر الخيرات في ثلاثة مجلدات وهو لا يختلف عن كتاب إحياء العلوم للإمام أبي حامد الغزالي.
13 - حمو عيسى النوري. (مؤرخ معاصر)
-
نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسة والعلمية.
- دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا.
* إن هذين المجلدين يبينان كفاح المجتمع المسلم بوادي ميزاب إزاء الصليبية المسيحية قديما وحديثا إلى يوم الإستقلال.
- 125 - (1/123)
صفحة 124
14) - الحيلاتي سليمان (1099 هـ - 1688 م) نسبة الدين، كتاب في
أحمد
بن سعيد (670 هـ-1271 م).
العقائد.
15) ـ الدرجيني - طبقات المشائخ بالمغرب، الكتاب يقع في جزئين يهتم بدراسة التاريخ الإباضي.
-
16 - الربيع بن حبيب حوالي (170 هـ-786 م). - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب يحتوي على أربعة أجزاء.
17) - الرستاقي خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي) (11 هـ - 17 م).
- منهج الطالبين وبلاغ الراغبين هو يشتمل على 22 مجلدا في الفقه وعلم الكلام.
18 - السالمي عبد الله (1332 هـ - 1914 م). - شارق أنوار العقول، وهو كتاب يشتمل على مجلدين يعالج علم التوحيد. - جواهر النظام في علمي الأديان والأحكام (أرجوزة شعرية) في غاية السبك الأدبي وتقع في أربعة أجزاء. والكتاب يعالج الأحكام الإسلامية والأخلاق الإسلامية.
-
تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان يقع في جزئين كبيرين يعالجان
تاريخ الإباضية وعمان.
19 - السعدي جميل بن خميس) (13 هـ-19 م).
قاموس الشريعة يشمل على 92 مجلدا وهذه الموسوعة يحق للعالم الإسلامي أن يعتز بها لأنها عالجت الفكر الإسلامي من جميع زوياه: الدينية، الأخلاقية، الإجتماعية، السياسية.
-
- 126 - (1/124)
صفحة 125
20 - معمر علي يحي (1401 هـ - 1980 م). - الإباضية في موكب التاريخ، بليبيا، وتونس والجزائر. - الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات.
-
21 ـ الدكتور محمد صالح ناصر (معاصر). . له عدة دراسات عربية وإسلامية تتجلى في عدة كتب من بينها: الشعر الجزائري الحديث، المقالة الصحفية الجزائرية، ومكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية الحلقة الأولى والثانية.
22 - الورجلاني أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم (570 هـ-1174 م). - كتاب الدليل لأهل العقول لباغي السبيل نور الدليل في ثلاثة
بالفلسفة والعقيدة والمنطق.
أجزاء. يهم العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقة والإختلاف.
<23
يحي محمد بكوش (معاصر).
- فقه الإمام جابر بن زيد في جزئين. وهوفقه مقارن في أصله. ملاحظة: هذا جزء من بعض المصادر المطبوعة التي طبعت بمجهودات خاصة، دون أن نتجاهل كذلك دور وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان. التي قامت بمجهودات كبيرة في هذه الفترة الأخيرة، إلا أن هناك مئات من المخطوطات لاتزال تنتظر الضوء. يجد أبناؤنا المسلمون المساعدة المعنوية والمادية لإخراجها
أن ونتمنى
إلى النور باذن الله.
- 127 - (1/125)
صفحة 126
- فهرس أهم المصادر ومراجع البحث
1) القرآن الكريم.
2) موطأ الإمام مالك: رواية يحي بن يحي الليثي، إعداد أحمد راتب عرموش ط:4 - 1980 - دار النفائس بيروت.
محي
الدين
3 منهل الواردين شرح رياض الصالحين للإمام حافظ أبي زكرياء ضبط الأصل الدكتور صبحي الصالح. دار العلم بيروت
-
الطبعة الحادية عشر 1985.
4 الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث لعلي يحي معمر (الطبعة الثانية المطبعة العربية – غرداية – الجزائر - 1987.
(5) الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة - للدكتور رجب محمد عبد الحليم - مكتبة العلوم بمسقط - عُمان 1990. 6 أبو اليقظان وجهاد الكلمة - للدكتور محمد الناصر – الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر - 1980 - .
17 الأحكام الفقهية في المذاهب الإسلامية الأربعة للشيخ أحمد
محمد عساف - دار إحياء العلوم بيروت
2:6 -
ط:2
1982
-
8 الأصول التاريخية للفرقة الإباضية للدكتور عوض محمد خليفات
-
الأردني ط: 2 - المطبعة الشرقية مسقط عُمان.
- 128 - (1/126)
صفحة 127
9) أدب الإختلاف في الإسلام للدكتور جابر الفياض العلواني – دار
الشهاب باتنة - 1986.
10) إسلام اليوم بين الأصالة والتحريف بكير بن سعيد أعوشت
دار الشهاب باتنة
1
1987
–
11) الأعلام: قاموس، تراجم لأشهر الرجال والنساء. تأليف: خير الدين الزركلي. ط:2 - 1958 - .
12 ابن الصغير - أخبار الأئمة الرستميين تحقيق للدكتور محمد ناصر، والأستاذ إبراهيم بحاز المطبوعات الجميلة ـ الجزائر - 1986.
13) البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية: للدكتور فرحات الجعبيري، ط:2 المطبعة العربية - غرداية 1991.
14 تاريخ الجزائر: للشيخ أحمد توفيق المدني - المطبعة العربية - الجزائر - 1930.
15 التاريخ الإسلامي العام: لعلي ابراهيم حسن، ط:1 ـ مكتبة الانجلو المصرية - سنة 1959.
16 تراجم المؤلفين التونسيين محمد محفوظ دار المغرب الإسلامي بيروت - ط:1 1982.
17 تهذيب التهذيب: الجزء الثاني، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني - حيدرآباد ـ 1329 هـ.
18 تفسير القرآن الحكيم الشهير) تفسير (المنار) لمحمد رشيد رضا -
- 129 - (1/127)
صفحة 128
ج:1 الطبعة الأولى 1346 هـ ـ مطبعة المنار – مصر –.
(19) الحركة الإباضية في المشرق العربي نشأتها وتطورها حتي نهاية القرن الثالث الهجري - للأستاذ مهدي طالب هاشم دار الإتحاد
العربي للطباعة - القاهرة - الطبعة الأولى 1981 م.
20) الخلافة والملك ـ للإمام أبي الأعلى المودودي شركة الشهاب
- الجزائر - 1988.
21 دراسة في الفكر الإباضي عمر بن الحاج محمد صالح با، الطبعة الثانية - مسقط - سلطنة عمان.
22 دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثالث عشر الميلادي. الدكتور أحمد الياس حسين. مكتبة الضامري السيب سلطنة عُمان - ط:1.
(23 دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية ـ الدكتور عرفان عبد الحميد مطبعة الإرشاد بغداد - الطبعة الأولى 1967.
24) الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم
للشيخ يوسف القرضاوي مكتبة الرحاب ـ الجزائر.
(25 عروبة الجزائر عبر التاريخ: عثمان سعدي - الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر - 1982.
26 العقد الفريد: ابن عبد ربه أبو عمر أحمد ـ دار الكتاب العربي
- بيروت - 1983.
- 130 - (1/128)
صفحة 129
27) الفقه الإسلامي وأدلته: للدكتور وهبة الزحيلي - الطبعة الثانية دار الفكر ـ دمشق.
28 فقه الإمام جابر بن زيد: تحقيق: يحي محمد بكوش دار المغرب الإسلامي - بيروت - الطبعة الأولى 1986.
-
29 في التاريخ فكرة ومنهاج: سيد قطب الطبعة العاشرة - 1993 دار الشروق بيروت - القاهرة.
30 القرآن تفسيره ومفسروه - السنة روايتها ورواتها عند الإباضية: ابن الشيخ - المطبعة العربية - غرداية 1984.
31 كيف نتعامل مع القرآن: للشيخ محمد الغزالي - دار الإنتفاضة للنشر - الجزائر.
(32) كتاب الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني ط:5 - دار
الثقافة بيروت
1981
-
33 مجموعة الرسائل للإمام الشهيد حسن البنا - مؤسسة
الرسالة بيروت.
(34) المطلعات الإسلامية في العقيدة والفكر: الدكتور مصطفى الشكعة - دار الكتاب اللبناني بيروت - ط: 1983 م.
35) نشأة الحركة الإباضية: الدكتور عوض محمد خليفات الأردني - مطابع دار الشعب - عمان الأردن 1978.
- 131 - (1/129)
صفحة 130
المخطوطات:
الإباضية وعقيدتهم: للدكتور محمد حسن كسبة - كسبة ـ جامعة الأزهر - كلية أصول الدين سنة 1979.
الدوريات:
مجلة الشهاب جمادى الثانية 1350 هـ - الموافق لأكتوبر 1931 م
العربي
العدد: 286 -
سبتمبر - 1982.
- 132 - (1/130)
صفحة 131
الفهر
«الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديمًا وحديثًا»
الإهداء
كلمات مضيئة المقدمة
الفصل الأول
آراء العلماء في اختلاف المذاهب الإسلامية
أ) - تمهيد: الإباضية وأصحاب المقالات القديمة والحديثة.
ب) ـ الإباضية والفكر الخارجي
جـ) ـ آراء العلماء في أدب الإختلاف في الإسلام 1 مع الشيخ محمد الغزالي
(2) رؤيتنا
(3
(4
شهيد الإسلام حسن البنا
الدكتور يوسف القرضاوي
(5) رؤيتنـ
الفصل الثاني
الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديما وحديثا
(1) منزلة الإمام جابر بن زيد عند الصحابي الجليل عبد الله بن عباس
وعند العلماء
(2) ظهور المذهب الإباضي واصطدامه بالخوارج.
بقلم: الدكتور رجب محمد عبد الحليم (1/131)
صفحة 132
(3) إن الإباضية ليسوا خوارج. بقلم: الدكتور عوض محمد خليفات الأردني
(4) إن الفرقة الإباضية كانت على خلاف عقائدي وسياسي مع فرق الخوارج
كالأزارقة والنجدات. بقلم:: الأستاذ
مهدي طالب هاشم العراقي
(5) موقف الإباضية من الخروج والخوارج.
بقلم: الدكتور محمد حسان كسية
لابد من توضيح المفاهيم
(6 الإباضية أقدم وأعتق مذهب إسلامي.
بقلم: الدكتور عمر با
(7) من جهل علمائنا أنهم لم يطلعوا على كتبهم الدينية ولا على الفقه الإباضي
المبني على الكتاب والسنة.
بقلم: الشيخ عز الدين بن أمين التنوخي السوري
(8) إن المذهب الإباضي استمد خلوده من متانة أصوله.
بقلم: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (9) ماذا قال الإمام مالك بن أنس: عن الشهيد أبي حمزة المختار الشاري الإباضي رحمه الله؟؟
(10) أصول فقه الإباضية كأصول المذاهب الأخرى المعتمدة على القرآن والسنة
والإجماع والقياس والإستدلال. بقلم: الدكتور محمد وهبة الزحيلي
ملاحظات عامة:
هذا النص من خلال رؤية الشيخ محمد رشيد رضا ............ توضيح
11) أقدم من اسمه.
بقلم: السيد عبد الحفيظ عبد ربه (1/132)
صفحة 133
(12 دولة تيهرت الرستمية.
بقلم
: الأستاذ أحمد توفيق المدني
(13) الإباضية في الميدان.
بقلم: الدكتور التونسي عبد العزيز المجذوب
(14) ابن الصغير ينوه بعدالة الإمام عبد الرحمن بن رستم وورعه
15 لقد عمل الرستميون البربر طوال فترة حكمهم على نشر العلوم
العربية والإسلام.
بقلم: عثمان سعدي
(16) دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا.
بقلم
: الدكتور أحمد إلياس حسين
(17) إن المذهب الإباضي من أعظم المذاهب الإسلامية وأقدمها ظهورًا. بقلم: الأستاذ الدكتور محمد الطالبي التونسي
18 يقول الإمام عبد الحميد بن باديس عن شيخ الإباضية أبي اليقظان: مسلم أخلص لله دينه يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله
(19) ميزاب العالم المسحور بالصحراء الجزائرية.
بقلم: مصطفى نبيل «العربي» العدد: 286 سبتمبر
20) مفاهيم يجب
أن تختفي.
بقلم: الشيخ علي يحي معمر أهل السنة وأهل البدعة
الخاتمة
بعض المصادر الإباضية
فهرس أهم المصادر ومراجع البحث
الفهرس
المؤلف وإصداراته في سطور (1/133)
صفحة 134
المؤلف وإصداراته في سطور
ولد بكير بن سعيد أعوشت بغرداية سنة 1944 م. خريج معهد الحياة القرارة - ولاية غرداية الجزائر - سنة 1965 م. التحق سنة 1967 م بجامعة بغداد كلية الآداب قسم الفلسفة،
فتحصل منها على شهادة الليسانس في الفلسفة سنة 1971 م. عاد إلى الجزائر سنة 1971، فانضم إلى أسرة التعليم الثانوي مدرسا لمادة الفلسفة في ثانوية عباس لغرور - باتنة سنة: (1971 - (1972 ثم ثانوية العربي بن أمهيدي - بسكرة سنة (1972 - 1976 وأخيرا استقر به المقام في ثانوية الفيلالي- غرداية سنة
(1995 - 1976)
في سنة 1981 حمل القلم لتصحيح المفاهيم الخاطئة التي ألصقت بالفكر الإسلامي معتمدا على الروح العلمية الموضوعية الإسلامية.
ويتجلى هذا العمل في هذه الكتب التالية: (1) دراسات إسلامية في الأصول الإباضية.
2 الإسلام ومدرسة فرويد.
3 القرآن ومذهب داروين.
4 أضواء على الأخلاق الإسلامية والمعاصرة.
(5) دراسات تحليلية في موضوعات فلسفية.
6 أبو يعقوب يوسف الوارجلاني والمدارس الكلامية. 7) الإمام ابراهيم بن عمر بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر.
- 136 - (1/134)
صفحة 135
8 قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش. (9) إسلام اليوم بين الأصالة والتحريف.
10 وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية. 11 حركة كة أهل الدعوة والإستقامة في مكة والمدينة. 12 ميزاب يتكلم: تاريخيا، عقائديا، اجتماعيا. 13 نفحات من السير.
14 رجال خالدون في ذاكرة الإسلام.
15) مسلمات صالحات في روضة الإيمان بمعية الأستاذ أحمد كروم. 16) الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديما وحديثا. 17 الوجيز في المنطق «مخطوط».
ملاحظة: له عدة مقالات نشرت في بعض الصحف الجزائرية:
المساء، السلام، الواحة.
- 137 - (1/135)