صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التاريخ والتراجم
------------------------------------------
العنوان: الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عُمان والبصرة
المؤلف: رجب محمد عبد الحليم
الناشر: مكتبة العلوم
مكان النشر: مسقط
تاريخ النشر: 1410ه/ 1990م
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/423
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 رمضان 1446ه/ 12 - شهر 03 - 2025م. الأباضية
في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة
تأليف
دكتور رجب محمد عبد الحليم
أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد
بجامعة القاهرة وجامعة السلطان قابوس
بطلب من مكتبة العلوم بمسقط
مسقط
1410 ه - 1990 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الأباضية
في مصر والمغرب وعلاقتهم بابا ضية عمان والبصرة
تأليف
دكتور
رجب محمد عب التعليم
أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد بجامعة القاهرة وجامعة السلطان قابوس
(جميع الحقوق محفوظة للمؤلف)
1410 هـ
مسقط
-
1990 م (1/3)
صفحة 4
?
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
محمد بن عبد الله خير الانبياء والمرسلين
الى يوم الدين. (1/4)
صفحة 5
تقدي
آله
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى وصحبه التابعين له في قصده وبعد، فقد وقفت على كتاب
الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة للدكتور رجب محمد عبد الحليم، ومن أسف فإنني لا أعرف شخص هذا المؤلف، ولاعلم لي بنشأته وحياته، لكني تأملت الكتاب فرأيت العجب العجاب. ولاشك أن الانسان عنوانه لسانه، وترجمانه بيانه، وقد رأيت ما احتوى عليه هذا الكتاب فوجدت أمرا رائعا وعلما واسعا، لقد اطلع هذا المصنف على جمل غريبة وأحوال عجيبة، جمع شوارد والتقط فرائد ونظم قلائد وألف أوابد، لقد تبين أنه كثير الاطلاع حسن الاتباع، ومع هذا فانه في غاية الانصاف منزها عن
،
الغلو والانحراف، يسوق القصة حسبما كانت بلا زيادة ولا نقصان وهذا شأن أهل المروءات الذين لم تؤثر فيهم الأهواء والعصبيات، فإن الكامل في الأحوال من لايقلد الرجال. ومن ثم فقد صاغ الأخبار في قالب الاعتدال، وذكر القوم بما هم عليه من حسن الحال، كلام تهش له الأسماع وتنشط إليه الطباع، فحق له الشكر الجزيل والثناء الحسن الجميل.
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه لن يذهب العرف بين الله والناس (1/5)
صفحة 6
-
وإني لأشكر السيد الجليل محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي على اهتمامه بنشر هذا الكتاب وإخراجه الى عالم الوجود، فان هذا السفر من الكنوز الثمينة التي يحق بها الاعتناء، والله يهدي من يشاء
الى صراط مستقيم
محمد بن شامس البطاشي
قاضي
محكمة الاستئناف بمسقط
لطنة عمان (1/6)
صفحة 7
—
مقدم
ـة
موضوع الأباضية في مصر والمغرب وقيام علاقات بينهم وبين اخوانهم من أباضية عمان والبصرة من الموضوعات الهامة في التاريخ الاسلامي. ورغم ذلك فانه لم يلق العناية الكافية من الباحثين والدارسين، ربما لغموض الموضوع وصعوبته، وربما لندرة المصادر والمراجع أو لصعوبة الحصول عليها. ولذلك لا نجد أحدا تناول هذا الموضوع بالبحث أو الدراسة من الكتاب والمؤرخين قدامى ومحدثين، مع أن بعضهم تصدوا للحديث عن الدول الأباضية التي قامت في عمان وفي بلاد المغرب، ولكنهم أغفلوا جانب العلاقات التي قامت بين أباضية هذه البلدان اغفالا تاما، ولم يتحدث أحد القديم أو الحديث عن هذه العلاقات، حتى الأستاذ جودت عبد الكريم يوسف الذي تصدى للتأريخ لعلاقات الرستميين الخارجية، فانه فصل القول في علاقاتهم بجيرانهم الأقربين، فتحدث عن علاقات الرستميين بالأغالبة في تونس، وبالأمويين في الأندلس، وبالأدارسة في المغرب الأقصى وببني مدرار في سجلماسة، وبالممالك السودانية التي تقع جنوب الصحراء الكبرى، ولكنه للأسف لم يكتب لنا شيئا عن علاقات الرستميين باخوانهم من أباضية المشرق سواء في عمان أم في
البصرة
،
منهم سواء في
وكما أغفل المؤرخون الحديث عن هذه العلاقات، فانهم أغفلوا أيضا الحديث عن الأباضية في مصر، وعن علاقتهم بأباضية عمان والبصرة، رغم أنه كان للأباضية في مصر نشاط كبير، وكان لهم (1/7)
صفحة 8
- A
فيها العلماء البارزون الذين وصلوا الى درجة الفتيا، وكان لهم وجود قوي حتى انهم تدخلوا أحيانا في مجرى الأحداث السياسية فيها والحقيقة أن كل ماتركه لنا قدامى الكتاب والمؤرخين في هذه المجالات، مجرد اشارات عابرة خلال الحديث عن علماء المذهب في هذه البلدان، مع أن الموضوع في غاية الأهمية، لأنه يبين لنا كيف وصل المذهب الى مصر، وكيف انتشر فيها، وكيف وصل الى بلاد المغرب وحقق فيها نجاحا مذهلا
ولم يكن هذا النجاح الا ثمرة الجهود متواصلة بذلها دعاة المذهب الذين وصلوا من البصرة الى هذه البلاد مدفوعين في ذلك بأسباب
أمية
عديدة، منها ما يتصل بتعرضهم في البصرة وعمان لاضطهاد بني وبني العباس، ومنها ما يتصل برغبتهم الشديدة في نشر أفكارهم مهما. صادفهم من مشاكل، ومهما قابلهم من صعوبات، مما دفعهم دفعا للجوء الى البلدان النائية لنشر دعوتهم وبث أفكارهم فلاقوا النجاح كله، ساعدهم على ذلك ما كان يمتاز به مذهبهم من اعتدال، وما كان يدعو اليه من اصلاح ومساواة وعدالة، وما كان ينادي به من تطبيق لهذه المبادئ في ضوء أخوة الاسلام التي تجمع الجميع ولا تفرق
بين عربي ومصري وبربري
وقد لاقت هذه الدعوة أرضا خصبة وخاصة في بلاد المغرب،
حيث كان البربر يعانون معاناة شديدة من سوء معاملة عمال بني أمية لهم، مما دفعهم الى الثورة، كما دفعهم لاعتناق الأفكار الأباضية بكل يسر وسهولة، على يد هؤلاء الدعاة الذين وصلوا الى بلادهم منذ مستهل القرن الثاني للهجرة، وقاموا بجهود كبيرة في بث المذهب وفي ارسال بعض الشباب من المصريين والمغاربة لتلقي أصوله على أيدي (1/8)
صفحة 9
أشياخه في البصرة. ولما عاد هؤلاء الشباب الذين سموا بحملة العلم قاموا بنشره بين مواطنيهم في همة كبيرة، فازداد انتشاره وكثر أتباعه
و لم يكن الدعاة وحملة العلم هم الوسيلة الوحيدة لنشر المذهب في مصر وبلاد المغرب، بل كان الحج فرصة أو وسيلة أخرى دعمت استجابة الناس وساعدت على بث المذهب فيما بينهم، حيث كانوا يتلاقون في مكة والمدينة، ويقوم علماء المذهب بالدعوة الى مذهبهم من خلال القاء الدروس والمواعظ والاجابة على الاسئلة واعطاء الفتاوي، وعن طريق المناظرات التي كانت تقوم بينهم وبين غيرهم علماء المذاهب الأخرى. من
أضف الى ذلك ماكان يقوم به التجار من نشاط كبير في الارتحال والانتقال بين عمان والبصرة ومصر والمغرب مما أدى الى دفع الحركة الأباضية دفعا قويا للامام، حتى انتشر المذهب بين كثير من المصريين، اعتنقه عدد هائل من البربر في بلاد المغربين الأدنى والأوسط، وحتى مما أدى في النهاية الى قيام دولة أباضية في هذه البلاد استمرت ردحا طويلا من الزمن.
وبقيام هذه الدولة، كان لابد أن تقوم علاقات بينها وبين أباضية عمان والبصرة، وكان علينا أن ندرس هذه العلاقات بكافة أشكالها السياسية والمذهبية والثقافية والتجارية، لنرى كيف دعمت هذه العلاقات من أواصر الصداقة والقربى والاتصال والترابط بين أباضية هذه البلدان رغم تنائي الديار وصعوبة الاتصال.
ففي مجال العلاقات السياسية ورغم ان مصر كانت ولاية تتبع دولة سنية المذهب، الا أنه كان لابد من متابعة علاقة الأباضية فيها باخوانهم (1/9)
صفحة 10
من أباضية البصرة وعمان، كما كان علينا أن نرى كيف أثرت العلاقات السياسية التي قامت بين أباضية هذين البلدين في مجرى الأحداث في بلاد المغرب، وكيف دعمت هذه العلاقات تلك الدولة الأباضية التي قامت على يد بني رستم في هذه البلاد
وفي مجال العلاقات الثقافية كان لابد أن نتناول هذه العلاقات، لنرى مدى مساهمتها في تنشيط الفكر الأباضي وإثراء الفقه الخاص بهذه الفرقة الهامة من الفرق الاسلامية، وكيف تبادل العلماء اللقاءات والزيارات، وكيف تبادلوا الكتب العلمية والفقهية وعقدوا مجالس العلم والبحث والمناظرة، وخاصة أثناء لقاءاتهم المتعددة سواء في بلادهم أم في بلاد الحجاز أثناء موسم الحج، مما أدى الى تنشيط
الحركة العلمية ودعم الترابط وتقوية التواصل بين أباضية هذه البلدان وفي مجال العلاقات التجارية كان علينا منذ البداية أن تتحدث عن الطرق التجارية التي ربطت بين عمان والبصرة من جانب، ومصر وبلاد المغرب من جانب آخر، لنرى كيف كان تعدد هذه الطرق وتنوعها عاملا هاما في زيارة التبادل التجاري بين هذه البلدان، وكيف مصر بحكم موقعها، الوسيط التجاري بين أباضية المشرق والمغرب، مما دفع بالنشاط التجاري الى قمة الازدهار، وكيف أدي هذا الازدهار الى دعم الحياة الاقتصادية في الدول الأباضية التي قامت في عمان وبلاد المغرب
كانت
وكان لابد لهذه العلاقات المتعددة والمتنوعة أن تتمخص عن نتائج هامة تتصل بدعم الدولة والحركة الأباضية، وبنشر المذهب بين كثير من الناس، وبقيام وحدة فكرية جمعت بين أباضية عمان والبصرة، وأباضية مصر والمغرب، وبمساهمة الأباضية في هذه البلدان في نشر (1/10)
صفحة 11
-
الاسلام بين كثير من البربر الذين كانوا لايزالون على الوثنية، وبين كثير من أهالي بلاد السودان الغربي والأوسط
وفي سبيل بحث هذه النقاط ودراستها دراسة كافية وعميقة، كان لابد لنا من أن نحصل على المصادر والمراجع اللازمة لهذا البحث وتلك الدراسة. وقد واتتنا الفرصة، أقصد فرصة وجودنا في سلطنة عمان، كي نطلع على كثير من هذه المصادر والمراجع الخاصة بالفكر الأباضي تاريخا وفقها، كما اطلعنا أيضا على كثير من المصادر والمراجع التي كتبها مؤرخو السنة والشيعة، لنتعرف على موضوعنا من كافة زواياه وأبعاده، ولنصل الى الحقائق مجردة من كل زيف وبهتان، سواء تلك الحقائق الخاصة بقيام المذهب الأباضي في البصرة ووصوله الى عمان، وانتشاره بين كثير من المصريين وبين معظم أهالي المغربين الأدنى والأوسط، أو بتلك الحقائق التي تتصل بالعلاقات السياسية والثقافية والتجارية التي قامت بين أباضية مصر والمغرب، وأباضية عمان والبصرة، والتي كان لها صداها البعيد كما أشرنا في توطيد الحركة الأباضية ونشر المذهب ونشر العروبة والاسلام بين كثير من الوثنيين
وحتى نحقق هذه الأهداف ونصل الى هذه النتائج، فقد بذلنا غاية
الله
•
، واذا كنا قد من
جهدنا، فاذا كنا قد وفقنا، فما التوفيق الا قصرنا أو أخطأنا، فما الكمال الا الله وحده، لانطلب العون الا منه
عليه أتوكل واليه أنيب
•
رجب محمد عبد الحليـ (1/11)
صفحة 12
- 12
-
تمهيد تاريخي
ظهور المذهب الأباضي في البصرة وانتقاله الى عمان
الحديث في هذا الكتاب كما هو واضح من عنوانه هو عن الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة. ومن البداية نود أن نقول أن المغرب الذي نقصده في هذا الحديث هو تمتد المنطقة التي من برقة الى مدينة تلمسان وتشمل ما يعرف الآن باسم ليبيا وتونس والجزائر، وهي البلاد التي كانت تعرف فيما مضي بالمغربين الأدنى والأوسط أو بافريقية والمغرب الأوسط. ومن الطبيعي قبل أن نتحدث عن الأباضية والمذهب الأباضي في مصر وفي بلاد المغرب التي حددنا موقعها على النحو الذي أشرنا اليه، وعن علاقات أباضية هذه البلاد بأباضية عمان والبصرة، أن نلقي نظرة سريعة على نشأة هذا المذهب في البصرة وعن انتشاره في عمان، وأن نشير أيضا في عجالة الى الأسباب التي جعلتنا نجمع في هذا الحديث بين عمان والبصرة من جانب، وبين مصر والمغرب من جانب آخر.
أما
عن
المذاهب
نشأة المذهب الأباضي، فمن المعروف أن هذا المذهب من المذاهب الاسلامية الهامة التي سبقت في النشأة غيرها من الأخرى سنية أو شيعية، كما أنه لم يعرف بهذا الاسم في المصادر الأباضية الا في الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة، وقد قبل الأباضية بهذا الاسم منذ ذلك التاريخ لأنه غلب عليهم بمرور الزمن، وصار علما يلتفون حوله، ولم يجدوا فيه مايحط من قدرهم أو ينال من كرامتهم، وإنما كانوا يطلقون على أنفسهم قبل ذلك اسم جماعة (1/12)
صفحة 13
13 -
-
المسلمين (1) أو أهل الدعوة (2)، أو أهل الاستقامة (3)، وقد سماهم أعداؤهم من الخوارج المتطرفين باسم القعدة احتقارا لهم، لأنهم طبقا لوجهة نظر هؤلاء الخوارج قعدوا عن الجهاد في سبيل الله بمحاربة الولاة والحكام الظالمين (4)
•
وكان هؤلاء القعدة قد رأوا القعود عن الحرب وعن رفع السيف ضد إخوانهم المسلمين عقب موقعة النهروان التي وقعت بين الامام علي ابن أبي طالب وجماعة المحكمة الذين عارضوه لقبوله التحكيم وقالوا لا حكم الا الله»، واشتهروا باسم المحكمة أو الشراة أو الحرورية، وأطلق عليهم خصومهم من أرباب الدولة الأموية اسم الخوارج (ه) (1) جماعة المسلمين اسم أطلقه الأباضية على أنفسهم ويعتبرونه وقفا عليهم دون غيرهم، أما بقية المسلمين فيصفونهم بالموحدين. أنظر، عوض خليفات: نشأت الحركة الأباضية، عمان، الأردن، سنة 1978 م، ص 58، جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرسمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1984 م، ص 40
•
، 41
،
،
(2) أهل الدعوة اسم تسمى به الأباضية بجانب اسم جماعة المسلمين بعد أن افترقوا عن الصفرية في أوائل الربع الأخير من القرن الأول الهجرى، انظر، عوض خليفات: نفس المرجع، ص 84، 95 جودت عبد الكريم يوسف: ص 40، 41. أما اسم الأباضية فهو نسبة الى أحد القعدة شيوخ وهو عبد الله بن أباض التميمي الذي لم يرد له ذكر في المصادر قبل عام 63 هـ/ 682 م. وكان ابن أباض هذا هو المناظر والمدافع قولا عن آراء القعدة في عصر عبد الملك بن مروان وتبادلا الرسائل التي حفظتها لنا المصادر. وكان هذا الدور لابن أباض بسبب قوة قبيلته التي يمكن أن تحميه من بطش أمية، فضلا عن قدرة ابن أباض في المناظرة والمجادلة. انظر، عوض خليفات: نفس المرجع،
85، 83
(3) القلهاتي: الكشف والبيان، تحقيق وشرح د. سيدة اسماعيل الكاشف، وزارة التراث، مسقط، سنة 1980 م، جـ 2 ص 471.
(4) عوض خليفات: نفس المرجع، ص 67 (5) أطلق الناس على المحكمة اسم الحرورية نسبة الى قرية حروراء التي كانوا قد لجئوا اليها عند انفصالهم عن الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عقب عودتهم من معركة صفين. (انظر، المبرد: الكامل، ص (136)، أما الشراة فتعنى الذين باعوا أرواحهم واشتروا الجنة بخروجهم عن حكام الجور وجهادهم لهم، كما فعل أبو بلاد مرداس بن حديد التميمي عندما ثار ضد ولاة بني أمية عام 61 هـ. (انظر، الدرجيني: الطبقات، تحقيق ابراهيم طلاي، قسنطينة، الجزائر، سنة 1974 م، ج 1 ص 6، الرقيشي: مصباح الظلام، مخطوط رقم 792 بمكتبة معالي السيد محمد أحمد بن بن سعود البوسعيدي، ص 30،، أحمد مهني صالح: هذه مبادئنا، مسقط، سنة 1987 م، ص 56، صالح بن أحمد الصوافي:
الامام جابر، ص 214). (1/13)
صفحة 14
-
14
-
وقد تطورت الأحوال بجماعة المحكمة الذين ظلوا على عدائهم وصدامهم مع الدولة الأموية الى الانقسام الى فرق ثلاث هي الأزارقة والنجدات والبيهسية منذ عام 64 هـ /673 م، وأضيفت اليها الفرقة الرابعة، وهي الفرقة العروفة باسم الصفرية منذ عام 75 هـ / 694 م، واتفق أصحاب هذه الفرق الأربع فيما بينهم على آراء واختلفوا في أخرى وكفر بعضهم بعضا (6)، واصطدموا بالدولة الأموية مرات عديدة، وتصدت لهم قوات الخلافة وأخضعت شوكتهم وقضت على زعمائهم، وكان ذلك على يد المهلب بن أبي صفرة العماني وعلى يد قومه من الأزد العمانيين (7). وعندما حاول بعض زعمائهم اللجوء الى عمان تصدى لهم العمانيون وقاتلوهم وقتلوهم (8)
وعلى ذلك فالأباضية أو جماعة المسلمين لم يشتركوا في هذا الصراع الذي دار بين هذه الجماعات الأربع التي حملت وحدها اسم الخوارج وبين قوات الخلافة الأموية أو العباسية، وانما اعترضوا هذا الصراع منذ البداية، وأخذوا يبثون أفكارهم في سرية وهدوء، وخاصة بعد أن التفوا حول امام لهم هو جابر بن زيد الأزدي العماني الذي كان قد رحل من عمان وسكن البصرة وكون مدرسة أخذ يبث (6) الدرجيني: جـ 2 ص 214، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق د. محمد ابراهيم نصر، د .. عبدالرحمن عميرة، الرياض، الطبعة الأولى، سنة 1982، جـ 5 ص 52 ــ 54، القلهاتي: الكشف والبيان، جـ 2 ص 423 - 431، المبرد: الكامل، جـ
ص
-
214، 209 - 207
(7) اليعقوبي: تاريخه، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، جـ 2 ص 264، 265، 272، ابن اعثم الكوفي: الفتوح، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1986، ج 3 ص 215، 216، جـ 4 ص 19، 20، 422، الطبري: تاريخه، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار
سويدان، بيروت، بدون تاريخ، جـ 5 ص 620، محمد جمال الدين سرور: الحياة السياسية في الدولة العربية الاسلامية خلال القرنين الأول والثاني بعد الهجرة، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون تاريخ
ص 118.
،
(8) أبو زكريا الأزدي: تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبة، لجنة احياء التراث الاسلامي، القاهرة سنة 1968 م، ص 155، النويري: نهاية الأرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة سنة 1976،
ج 21 ص 521، 522 (1/14)
صفحة 15
10
-
فيها آراءه، ويعلم فيها من وفد اليه من مريدين وطلاب علم (9)
و لم يكن جابر بن زيد ممن عرف عنهم الميل الى التمرد أو الثورة،
فلم يعرف عنه أنه كان ضمن الذين خرجوا على الامام علي بن أبي طالب أو اعتزلوه أو تمردوا عليه، اذ أنه ولد في عمان في الفترة مابين عامي 18، 22 هـ، ثم رحل الى البصرة يطلب العلم وهو شاب في زمن لانعرفه ولا يمكن تحديده، والأغلب أنه رحل اليها بعد سن
العشرين حيث كان شابا يستطيع تحمل مشقة السفر والترحال والمعروف أن التحكيم الذي أدي الى انفصال جزء من جيش (علي) وقيامهم بمعارضته والخروج عليه كان في رمضان من عام 37 هـ/ مارس 658 م، وحدثت معركة النهروان التي أكدت هذا الانفصال وكرسته في عام 38 هـ / 657 م (10).
وعلى ذلك فان جابر بن زيد اما أنه لم يكن موجودا في البصرة عند وقوع هذه الأحداث، أو أنه كان موجودا ولكنه لم يشارك فيها على أي نحو من الأنحاء، لأن كتب التاريخ السنية والشيعية والأباضية لم يرد فيها ذكر لأي شيء يتعلق به أو حتى مجرد ذكر اسمه في تلك الفترة، ولم يسمع أحد شيئا عن جابر بن زيد الا بعد انتهاء هذه الأحداث بحوالي أربعين عاما عندما أتي الحجاج بن يوسف الثقفى الى العراق واليا عليه من قبل عبد الملك بن مروان في عام 75 هـ / 694 م. أما مايقوله الدكتور عوض خليفات عن علاقة جابر بن زيد بحركة القعدة وأنه اتصل بهم وكان أحمد مفكريها البارزين منذ بداية النصف الثاني من القرن الأول الهجري وقبل مقتل أبي بلال مرداس بن حدير سالم الحارثي: العقود الفضية في أصول الأباضية، مسقط، وزارة التراث، سنة 1983، ص 103. (10) رجب محمد عبد الحليم: تاريخ عصر النبوة والخلافة الراشدة، القاهرة، دار النهضة العربية، سنة 1978 م، ص 412.
(9) (1/15)
صفحة 16
التميمي في عام 61 هـ / 680 م (11)، فليس عليه دليل، وماساقه الدكتور خليفات كدليل من أن جابرا كان يصلي الجمعة في المسجد الجامع في البصرة خلف عبيد الله بن زياد، وأن جابرا كان يقول لهم انها صلاة جامعة وسنة متبعة، فهو دليل غير صحيح من وجهين: الوجه الأول، هو أنه روي هذا الخبر عن كتاب العقود الفضية في أصول الأباضية، وهذا الكتاب لم يعطنا المصدر أو المرجع الذي رجع اليه صاحبه عند ذكره لهذا الخبر، والوجه الثاني، هو أن عتاب القعدة الجابر لم يكن لصلاته خلف زياد وابنه عبيد الله، انما كان لصلاته خلف الحجاج كما ذكر صاحب كتاب العقود الفضية نفسه (12). وقد تواترت الأخبار الصحيحة من أقدم المصادر بصلاة جابر بن زيد خلف الحجاج وحده، ذكر ذلك أبو المؤثر الذي عاش في القرن الرابع للهجرة، وعنه أخذ صاحب بيان الشرع (13)، وصاحب المصنف (14)، وصاحب مصباح الظلام (15)، مما يبين أن الدكتور خليفات قد استدل بغير دليل.
كما أنه لادليل على تزعم جابر لجماعة القعدة في حياة أبي بلال الذي كان في الغالب هو شيخ القعدة الحقيقي حتى قتل عام 61 هـ / 680 م، وما ساقه الدكتور خليفات من أن زعامة جابر لجماعة القعدة كانت نتيجة لاتصاله بأبي بلال، فان ذلك أمر مشكوك فيه، لأن هذا
(11) نشأة الحركة الأباضية، ص 80.
(12) سالم الحارثي: العقود الفضية في أصول الأباضية، ص 97
(13) أبو عبدالله الكندي: بيان الشرع، مسقط، وزارة التراث سنة 1984 م، جـ 13
ص 166
•
(14) أبو بكر الكندي: المصنف، مسقط، وزارة التراث سنة 1981 م، جـ ص 185،
368
(15) الرقيشي: مصباح الظلام في شرح دعالم الاسلام، مخطوط رقم 368 بمكتبة معالي السيد بن سعود البوسعيدي، ص 354، 355
محمد بن
أحمد (1/16)
صفحة 17
- 17
—
الاتصال لم يرد الا عند صاحب كتاب بيان الشرع كما قال الدكتور خليفات نقلا عن سالم الحارثي صاحب العقود الفضية (16)، وهذا الاتصال لا يدل على زعامة جابر حسبما جاء عند الحارثي (17)، وانما يدل على تقدير أبي بلال لعلم جابر وفقهه، ويذكر الدكتور خليفات نفسه أن أبا بلال كان شيخا للقعدة في البصرة بعد معركة النهروان (18).
ولا يعتد أيضا بما قاله الرقيشي واعتمد عليه الدكتور خليفات من أن أبا بلال وغيره من أئمة المسلمين لم يكونوا يخرجون الا بأمر امامهم في دينهم جابر بن زيد العماني رحمه الله ومشورته، (19)، لأن الرقيشي مصدر متأخر، اذ أنه عاش في القرن الثاني عشر للهجرة، كما أنه لم يشر الى المصدر الذي أخذ عنه هذا الخبر، اذ اكتفى في ذلك بقوله "بلغنا، مع أننا نراه كثيرا ما يذكر مصادره في غير هذا الخبر. ولذلك نرى الدكتور خليفات نفسه يتحفظ في قبول هذه الروايات التي استقاها هذه المصادر، ويقول أن القعدة من قد اتفقوا على أن يتولى جابر أمرهم اذا صحت هذه
الروايات (20).
ولو كان جابر هو زعيم القعدة قبل مقتل أبي بلال كما استنتج الدكتور خليفات ثم تحفظ في هذا الاستنتاج، لخرج ضمن من خرج من المعارضين لحكم بني أمية الى بلاد الحجاز للدفاع عن البيت الحرام
(16) عوض خليفات: نفس المرجع، ص 92
(17) العقود الفضية، ص 07 (18) نشأة الحركة الأباضية، ص 91.
91
(19) مصباح الظلام، مخطوط برقم 792 بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي،
ص 45
(20) نشأة الحركة الأباضية، ص 91. (1/17)
صفحة 18
-
1^-
في عام 63 هـ / 682 م ومقاومة الحملة التي أرسلها يزيد بن معاوية لاخضاع عبد الله بن الزبير في ذلك الوقت. فقد ذهب عبد الله بن أباض، ونجدة بن عامر الحنفي ونافع بن الأزرق، كما ذهب معظم زعماء المحكمة الآخرين (21)، ولكننا لم نسمع شيئا عن جابر بن زيد، وهو الذي كان حريصا على الذهاب الى مكة وعلى الحج كل عام تقريبا حتى قبل انه حج واعتمر أربعا وعشرين مرة على ناقة
واحدة (22).
وعدم ذهاب جابر الى بلاد الحجاز وقت هذه الملحمة، لايدل على أنه كان زعيما لجماعة القعدة، ولا على أنه تخلف لأنه كان يستتر عن عيون بني أمية، لأنه - كما قالوا، كان انسانا ضعيفا قليل الحول والطول ولاطاقة له بالظهور، ولا لأن ابن اباض ماظهر وماخرج الى بلاد الحجاز وما جادل عبد الملك بن مروان وراسله لأنه كان من تميم
-
-
عنه
إذ الواقع
،
أن
وكانت تميم قبيلة قوية تستطيع أن تحميه وأن تدفع قبيلة جابر وهي الأزد - كانت أقوى من تميم في البصرة، وكان معظم سكان البصرة وقتذاك من الأزد حتى سميت ببصرة المهلب (23)، وكان المهلب بن أبي صفرة زعيم الأزد فيها وفي العراق والمشرق بصفة ذاك عامة. ويكفي أن رجال الأزد وزعيمهم للخوارج الذين هددوا دولة بني أمية وقضوا عليهم (24)،
هم
الذين وقفوا
(21) المبرد: الكامل، جـ 2 ص 202، 203، سالم الحارثي: العقود الفضية، ص 122، عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية (عصر) الخلفاء الأمويين)، الأنجلو المصرية، الطبعة السابعة، سنة 1982 م، ص 139
(22) الدرجيني: ج 2 ص 208، سالم الحارثي: العقود الفضية، ص 99. (23) العوتبي: الأنساب، ج 2 ص 136، ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق د. احسان عباس، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، جـ 5 ص 351، المبرد: الكامل، ج 2 ص 240 (24) اليعقوبي: جـ 2 ص 272 - 276، ابن أعثم الكوفي: جـ 3 ص 215، 216، جـ 4 ص 19، 20، 422، الطبري: جـ 5 ص 613، 622، ابن الأثير
ص 195
365
-
ج 4
، 4، 3432، 339، 332، 3226 - 286، 47، 200
4 - 44137، 381
-
380 (1/18)
صفحة 19
-
-19 -
مما يدل على أن هذه القبيلة كانت لها الغلبة في البصرة. وعلى ذلك فلم يكن جابر بن زيد بالانسان الضعيف الذي يستتر عن بني أمية، ولكنه في الحقيقة لم يكن رأس جماعة القعدة وقتذاك، وإنما كان رئيسها بعد أبي بلال هو عبد الله بن أباض (20)، ولذلك لم يظهر جابر بن زيد على مسرح الأحداث في تلك الفترة
•
بن
والغالب أن جابر بن زيد لم يصبح زعيم القعدة الذين عرفوا باسم جماعة المسلمين أو أهل الدعوة إلا بعد اختفاء أو موت عبد الله أباض، وإلا بعد القضاء على الخوارج الأزارقة والصفرية عام 78 هـ/ 697 م، وإلا بعد قيام الحجاج بارسال حملاته على عمان لاخضاعها للخلافة الأموية حوالي ذلك التاريخ أو بعده بقليل. ذلك لأن علاقة
منه
جابر بالحجاج كانت قبل ذلك التاريخ علاقة ودية، وكان يأخذ جائزته، ويتناول منه عطاء مقداره ستمائة أو سبعمائة درهم، ويصلي خلفه، كما عرض عليه الحجاج أن يوليه القضاء، ولكن جابر رفض هذا العرض (26)، وأظن أن رفضه لم يكن تقية منه، وانما ربما لخوفه من تدخل الحجاج في شئون القضاء.
ولما ساءت علاقة الحجاج بالأزد سواء في البصرة أو في عمان وتعرض لهم بالتنكيل والقتل والتشريد والتعذيب حيث سجن وجوههم مثل يزيد بن المهلب الذي سجنه هو واخوته في عام 85 هـ / 704 م أن عزله عن خراسان، ومثل سعيد وسليمان ملكي عمان اللذين فرا من وجهه الى شرقي افريقية. ازاء هذه السياسة التي اتبعها الحجاج، ولي الأزد وجوههم نحو جابر بن زيد ليكون الزعيم الروحي
بعد
(25) القلهاتي: جـ 2 ص 423، 471. (26) أبو عبدالله الكندي: بيان الشرع، جـ 6 ص 182، 183، 184، جـ 13 ص 166، عوض خليفات: نفس المرجع، ص 97 (1/19)
صفحة 20
لهم، ونحو المهالبة ليكونوا القادة السياسيين أو العسكريين الذين يمكن أن يحفظوا لهم كيانهم. والدليل على ذلك أن المراجع لا تفتاً تتحدث العلاقة العضوية التي ربطت بين الأزد عامة والمهالبة خاصة، وبين
عن
•
الحركة الأباضية (27) و كان كثير من المهالبة رجالا ونساء قد اعتنقوا أفكار جابر، وكان جابر نفسه يراسل كبارهم، ومعروف أن مراسلات مع مع عبد الملك بن المهلب الذين كان مع أخيه يزيد في
له
خراسان عندما كان يزيد واليا عليها بعد وفاة والده المهلب عام 82 هـ /
701 م (28).
ومعنى
ذلك أن القعدة أو جماعة المسلمين هم الذين انضموا لجابر بن زيد، وانضووا تحت قيادته بعد أن انتهى دور عبد الله بن أباض نهاية غير معروفة، وبعد أن رأوا مدى القوة التي ينعم بها هذا الفقيه الأزدي بسبب مساندة الأزد له، لدرجة أن الحجاج المشهور بالبطش والعنف لم يجرؤ على قتله عندما عرف صلته بالأباضية، واكتفى بنفيه الى بلده عمان، ولم يلبث أن عاد منها الى البصرة مرة أخرى ولم يتعرض له الحجاج في كثير أو قليل (29)
أخذ جابر بن زيد في هذه الأثناء ونتيجة لهذه الملابسات يدعو الى أفكار معينة عرفت فيما بعد بالمذهب الأباضي. وكان يدعو الى
، 547
-
545،
(27) الطبري: جـ 6 ص 393، 426، ابن الأثير: ج 4 ص 502 ـ 504 عبدالمنعم ماجد: ص 273، سيف البطاشي: المهلب، مسقط، سنة 1988 م، ص 87، فاروق عمر: الخليج العربي في العصور الاسلامية، دار القلم، دبي، الطبعة الأولى، سنة 1983 م، ص 24، 125، عوض خليفات: ص 97، 98، 104، 111، 128، ولكنسن: بنو الجلندى في عمان، مسقط، وزارة التراث، سنة 1982 م، ص 19 380، 40، رسالة رقم 17
(28) جابر بن زيد، رسائله، رسالة رقم 16 ص 37.
43، عوض خليفات: ص
98
-
•
EY
(29) الشماخي: السير، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، مسقط، وزارة التراث سنة 1987 م، ج 1 ص 71، 76، عوض خليفات: نفس المرجع، ص 94، 101 (1/20)
صفحة 21
21
هذه الأفكار في البصرة، ودعا اليها في عمان عندما نفي اليها على يد الحجاج بعد أن ارتاب في نشاطه واتصالاته التي زادت بعد حبس زعيم المهالبة والأزد يزيد بن المهلب (30).
وعلى ذلك فان المذهب الأباضي نشأ نشأة عمانية حقا، اذ أسسه فقيه من أزد عمان سكن البصرة وهو جابر بن زيد اليحمدي الأزدي، وانضم اليه معظم أزد البصرة بحكم العلاقة القبلية من ناحية، واقتناعا بما كان ينادي به جابر من ناحية أخرى، كما اعتنق معظم أزد عمان هذه الدعوة على يد جابر وعلى أيدي الدعاة الذين أرسلهم خليفته من بعده، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وكانوا كلهم من عمان (31)، وذلك تحقيقا لهدف كان العمانيون يتوخونه من وراء هذه الدعوة، وهو الاستقلال بشئون بلادهم عن بني أمية وبني
العباس (32)
وكان شيوخ المذهب الذين تولوا أمره في البصرة بعد موت جابر في عام 93 هـ أو 96 هـ، من عمان أو 96 هـ، من عمان أو من أصل عماني عدا أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وعدا أبي سفيان محبوب بن الرحيل
(30) أبو زكريا: سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق اسماعيل العربي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1982 م، ص 12، عوض خليفات: ص 128، فاروق عمر: ص 167 – 168. (31) الدعاة الذين عرفوا باسم حملة العلم والذين نشروا المذهب في عمان هم موسى بن أبي جابر الازكوي رت (181 هـ (797 م، وبشير بن المنذر النزواني العقري (ت) 187 هـ 802 م)، ومنير بن النير الجعلاني الريامي (ت (280 هـ / 893 م، ومحمد بن المعلا الكندي الفشحي (توفي أواخر القرن الثاني الهجري)، وراشد بن عمر الحديدي الأزدي، وهاشم بن غيلان السيحاني، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل (عاش في القرن الثاني الهجري. انظر، العوتبي: جـ 1 ص 378، الشماخي: السير، ج 1 ص 111، ابن مداد: ص 10، 11، مخطوط كشف الغمة، ص 720، مهدي طالب هاشم: الحركة الأباضية في المشرق العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1981 م، ص 325، 326، سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي، مسقط، وزارة التراث، سنة 1980 م، ص 43 (32) عوض خليفات: ص 129، أرنولد ويلسون: تاريخ الخليج، ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط وزارة التراث، الطبعة الثانية سنة 1985 م، ص 39 (1/21)
صفحة 22
-
- 22 -
-
القرشي. وأبو عبيدة نفسه ماتلقى العلم الا على يد جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر السماك وضمام بن السائب، وكلهم عمانيون، وكلهم أشهر علماء الأباضية في البصرة (33). وكذلك
أبو سفيان محبوب بن الرحيل فقد تلقى علمه عن جابر وعن شيوخ المذهب العمانيين في البصرة، وكان امام الكتمان (34) بعد الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي العماني الذي كان إماما للمذهب بعد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (35). ولم يستمر أبو سفيان في الاقامة في مدينة البصرة وإنما تركها الى عمان بعد أن ضعف المذهب
فيها، واستقر في عمان ومات بها وترك بها ذريته وأولاده (36).
أما بقية شيوخ المذهب في البصرة فكانوا كلهم أو معظمهم من عمان، مثال ذلك أبي نوح صالح الدهان الذي كان المرجع الرئيسي
-
(33) الدرجيني: ج 2 ص 232 – 233، الشماخي: جـ 1 ص 74 76، ابن مداد: سيرته، مسقط، وزارة التراث سنة 1984 م، ص 6، 19، مخطوط كشف الغمة، ص 818، عوض خليفات، نفس المرجع، ص 103.
(34) امامة الكتمان هي أحد أنواع الامامة الأربعة عند الأباضية، وفيها تكون الدعوة الأباضية في مرحلة السرية، تمثلا بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام قبل هجرته وما كان عليه جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم. أما الامامة الثانية فهي امامة الشراء، أي الخروج لقتال الحكام الجبابرة، أي الذين لا يحكمون وفقا لتعاليم الاسلام كما يراها الأباضية، مثلما فعل أبو بلال مرداس بن حدير التميمي عام 61 هـ، والشراء من قولهم انا شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة حين فارقنا ائمة الجور. والامامة الثالثة هي امامة الدفاع، أي للدفاع عن أهل الدعوة اذا ماتعرضوا لهجوم من قبل خصومهم أو أعدائهم كأهل النهروان، أما الامامة الرابعة وهي أهم الامامات الأربع فهي امامة الظهور، وهي التي يظهر فيها امام الأباضية وتقوم لهم دولة يكون على رأسها هذا الامام، وهو ماكان عليه النبي عل بعد أن هاجر وأمر بالجهاد وما كان عليه أبو بكر وعمر الله عنهما وغيرهم ممن قام عليه الدين. انظر: الأغالي لأبي الفرج الأصفهاني، القاهرة، دار احياء التراث العربي، سنة 1963 م. ج 18 هامش 3 ص 109، الدرجيني: جـ 1 ص 6، جـ 2 ص 364، الشماخي: جـ 2 ص 52، مخطوط مصباح الظلام رقم 792، ص 30
رضي
(35) العوتبي: الأنساب، مسقط، وزارة التراث سنة 1984 م، جـ 2 ص 229، کارل بروکلمان: تاريخ الأدب العربي، تعريب د. عبد الحليم النجار، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة سنة
1974 م، جـ 3 ص 161.
(36) عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية، ص 18
• (1/22)
صفحة 23
-
23
-
للحركة بعد أبي عبيدة وضمام وجعفر السماك (37)، ومثال أبي مودود حاحب الطائي الذي كان يشرف على المهام المالية والعسكرية بالبصرة كما كان يشرف على سير الدعوة خارجها (38)، والفضل بن جندب، وبلج بن عقبة الفراهيدي، وأبو حمزة المختار قائد جند طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي الذي أقام أول امامة ظهور في حضرموت واليمن عام 128 هـ 745 م، وأبو الحر علي بن / الحصين الذي رأس وفدا أباضيا ذهب الى عمر بن عبدالعزيز في دمشق لمناظرته. وكان هذا الوفد يتكون منه ومن رجال آخرين عمان من مثل الحتات بن كاتب وجعفر السماك، وأبي سفيان قنبر، وأبي مودود حبيب بن حفص بن حاجب الطائي (39).
وكما ترى فان معظم شيوخ المذهب ورءوسه في البصرة كانوا من عمان، نزحوا اليها وسكنوها ونشروا الدعوة بين أهلها، وكان من الطبيعي أن ينتقل المذهب وينتشر في عمان ذاتها، وقد حقق انتشار المذهب فيها نجاحا عظيما على يد حملة العلم أو الدعاة الذين أرسلهم اليها أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في بداية القرن الثاني للهجرة (40)
وكان من الطبيعي أيضا أن تنتقل زعامة المذهب نفسه الى عمان بعد أن تعرض للضعف في البصرة عقب وفاة أبي عبيدة في أواخر عصر أبي جعفر المنصور (41)، وبعد أن هاجر معظم علمائه الى عمان،
(37) مخطوط كشف الغمة، ص 719.
(38) الشماخي: جـ 1 ص 86.
1
105، عوض خليفات: ص 80. (39) ابن مداد: ص 6 19، مخطوط كشف الغمة، ص 718، 719
-
(40) عن أسباب نجاح انتشار المذهب الأباضي في عمان، انظر، عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية
، ص 129 – 130
•
(41) فاروق عمر: ص 119، 120. (ذكر أن وفاة أبي عبيدة كانت في عام 145 هـ / 762 م. (1/23)
صفحة 24
-
-
أن وبعد رحل اليها آخر أئمة الكتمان في البصرة، وهو أبو سفيان محبوب بن الرحيل الذي مات بها في أواخر القرن الثاني للهجرة (42)
من
وقد تعرضت البصرة لأحداث جسام قضت على البقية الباقية من رجال المذهب فيها. ذلك أن هذه المدينة الضخمة كانت هدفا لما عرف بثورة الزنج التي بدأت منذ عام 255 هـ/ 869 م واستمرت أكثر خمسة عشر عاما تهدمت أثناءها معظم دور البصرة وقتل معظم سكانها ودمرت مساجدها وأصبحت مدينة خربة (43)، كما تعرضت في بداية القرن التالي لطغيان القرامطة الذين دمروا مرافقها وفعلوا بها أكثر مما فعله الزنج (44)، مما عرض المدينة للدمار وعرض المذهب الأباضي، حيث أن القرامطة كانوا يعادون جميع الفرق والمذاهب الاسلامية، ولذلك لم نعد نسمع شيئا عن وجود للمذهب أو لنشاط أصحابه في البصرة منذ بداية القرن الرابع للهجرة (45)
للزوال
ولذلك وقبيل نهاية القرن الثاني للهجرة، ومنذ أن قامت الامامة الأباضية الثانية في عمان عام 177 هـ / 793 م، أصبحت هذه البلاد حجر الزاوية ومركز الثقل السياسي بالنسبة للمذهب والدعوة له والدفاع عنه في كافة البلدان في المشرق والمغرب. وقد عبر الأباضية ذلك فقالوا ان العلم مثله مثل طائر باض في المدينة المنورة وفرخ
عن
(42) عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية، ص 18.
(43) الطبري: جـ 9 ص 431 - 437، 479 اللبناني
1
488، ابن خلدون: تاريخه، دار الكتاب
، بيروت، بدون تاريخ، جـ 5 ص 637
(44) ابن الأثير: ج 8 ص 143، 144
646
-
(45) حينما تحدث المقدسي الذي توفي في عام 390 هـ / 1000 م عن المذاهب في البصرة لم يشر الى وجود الأباضية فيها، وقال ان أكثر أهلها قدرية وشيعة وحنابلة، وأشار الى أن أهلها لا يتعاطون الفقه، فمن تفقه منهم تفقه لمالك. انظر، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم،
ليدن، الطبعة الثانية، سنة 1967 م، ص 136 (1/24)
صفحة 25
-
-
في البصرة وطار الى عمان (46)، وصار أئمة المذهب وشيوخه في الذين يرسلون بالفتاوي والأوامر الى أتباعه في المشرق والمغرب، سواء في حضرموت واليمن (47) أم في مصر وبلاد
عمان
هم
المغرب (48).
وازاء هذا التلاحم والترابط القوي الذي رأيناه يربط بين عمان والبصرة مذهبيا وفكريا حوالي قرنين من الزمان، منذ أن ظهر المذهب في البصرة وحتى اندثاره فيها وازدهاره على أرض عمان، كان طبيعيا أن نجمع بينهما عند الحديث عن العلاقات التي نشأت بينهما وبين مصر والمغرب. وكان هذا الجمع لهذا السبب الهام الذي تحدثنا عنه، ولأسباب أخرى ليست أقل أهمية من هذه الأسباب أن معظم
أباضية
•
سكان البصرة كانوا من اصل عماني (49). فلم يكن في هذه المدينة
من القبائل الهامة والكبيرة الا أزد عمان وقبيلة تميم أما بنو تميم فقد كانوا منقسمين على أنفسهم (50)، وكان معظمهم مع الخوارج الأزارقة، ومن بينهم خرج معظم زعماء هذه الفرقة المتطرفة، ونظرا لهذا التطرف فقد تعرضت هذه القبيلة لضربات مميتة على يد جيوش
بني
أمية (51). أما الأزد فكانوا أكثر عددا من تميم، كما أنهم كانوا مع الأباضية، ومن بينهم خرج زعماء الأباضية، وازاء اعتدال الأباضية واتباعهم
(46) سالم الحارثي: ص 148، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، مسقط، الطبعة الثانية، بدون تاريخ
، ج 1 ص 87.
196 -
9
(47) أبو عبدالله الكندي: بيان الشرع، جـ 28 ص 69، جـ 29 ص (48) المصدر السابق، جـ 28 ص 195 (49) ياقوت: معجم البلدان، دار احياء التراث العربي، بيروت، سنة 1979 م، جـ 1 ص 431. (50) ماسينيون: خطط البصرة وبغداد، ترجمة د. ابراهيم السامرائي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1981 م، ص 20، 21
114
-
(51) محمد جمال الدين سرور: ص 118 (1/25)
صفحة 26
-
26 -
أسلوب السرية والتقية وسياسة المسالمة، فقد انفسح المجال أمامهم وأمام زعمائهم من المهالبة كي يصبحوا سادة البصرة حتى انها سميت كما قلنا من قبل ببصرة المهلب، نتيجة لما قام به هذا الزعيم القوي هو وقومه من حمايتها من هجوم الأزارقة ومحاربته لهم وقضائه عليهم (52). ولذلك انطبعت هذه المدينة بطابعهم كما انطبعت مدينة الكوفة بطابع ذوي قرباهم من كندة (53).
عصور
وقد زاد من الروابط التي تربط البصرة وعمان أنها كانتا تقعان في أحيان كثيرة تحت حكم وال واحد (54). فمن يحكم البصرة كان يحكم عمان، لأن اقليم الخليج كان يعتبر اقليما جغرافيا واحدا طوال الخلافة الاسلامية، سواء في عهد بني أمية أم في عهد بني العباس. يضاف الى ذلك أن البصرة وعمان كانتا مرتبطتان من التجارية برباط لا تنفصم عراه. فالبصرة على الطرف الشمالي للخليج، وعمان على الطرف الجنوبي له، وكان على المسافرين والتجار القادمين (52) انـ، ص 18
الناحية
(53) ماسينيون: ص 18
(54) جمع معاوية بن أبي سفيان لزياد بن أبيه حكم البصرة وخراسان وسجستان والسند والبحرين وعمان عام 45 هـ (انظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار سويدان،
بيروت، بدون تاريخ، جـ ه
(16
كما كان يزيد بن المهلب يحكم العراق والمشرق واقليم الخليج بما فيه عمان التي ولي عليها أخاه زياد. (انظر: أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، ج 14 ص 298، أبن حبيب: المحبر، ص 582، الطبري: جـ 6 ص 506، ابن الأثير: جـ 5 ص 11، 25)، وقد ظل زياد هذا واليا على عمان منذ عام 96 هـ حتى نهاية دولة بني أمية فيما عدا فترة حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز انظر: مخطوط كشف الغمة، ص 581، 582).
وفي عهد بني العباس، ولي أبو العباس عبدالله السفاح عمه سليمان بن علي على البصرة وأعمالها، وولايات دجلة والبحرين وعمان عام 133 هـ (انظر: الطبري: جـ 7 ص 459، 465، ابن خلدون: جـ 5 ص (377، واستمر الأمر على هذا المنوال في عهد أبي جعفر المنصور وابنه المهدي ثم الهادي وبداية عهد هارون الرشيد (انظر: الطبري: جـ 8 ص 134، 149، 151، 163، 166، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، سنة 1982 م،
جـ 6 ص 49، 94، 109، ابن خلدون: جـ 5 ص 450، 461) وظل الأمر كذلك حتى قامت الامامة الأباضية الثانية في عمان في عام 177 هـ، واستقلت عمان بنفسها عن الخلافة العباسية مدة قرن كامل. (1/26)
صفحة 27
270
-
من الشرق والغرب والذين يعبرون الخليج أن يمروا بهذين البلدين، فتجارة البصرة لاتصل الى الشرق الا عن طريق عمان، وتجارة عمان لاتصل الى العراق والشام وأوربا الا عن طريق البصرة. وكان أهل البصرة كثيرا ما يأتون الى عمان ويتجهزون فيها للسفر الى بلاد الهند، وبالمثل كان كثير من الموسرين من أهل عمان يرسلون بأموالهم الى البصرة لشراء ما يحتاجونه من سلع، وتكثر الاشارة عند أبي عبد الله الكندي صاحب بيان الشرع الى ذهاب العمانيين الى البصرة والبصريين الى عمان (55)
،
وعلى ذلك فقد كان الاتصال بين البلدين قائما ومؤكدا ومستمرا طوال عصور التاريخ الاسلامي وكان هذا الاتصال يتم بواسطة الطريق البحري عبر الخليج العربي، وكذلك بواسطة الطريق البري الذي يمر عبر الأحساء، ولذلك كثرت الرحلة من عمان الى البصرة، وكثر توطن العمانيين في البصرة حتى أصبح معظم علمائها من رواة الحديث والفقهاء واللغويين ورجال العلم والأدب بصفة عامة من أزد عمان (56) ونتيجة لهذا النشاط العلمي والمذهبي والتجاري الذي
(55) بيان الشرع، جـ 19 ص 314، 316
(56) عن علماء الأزد العمانيين في البصرة، انظر، الجزء السابع من طبقات ابن سعد الذي خصصه لعلماء البصرة، وكذلك انظر: خليفة بن خياط: الطبقات، تحقيق د. أكرم ضياء العمري، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثانية سنة 1982 م، ص 90، 201، 4 20، 200، 210، 211، 222، 223، 224، 228، 229، البخاري: التاريخ الصغير، تحقيق محمود ابراهيم زايد، دار التراث بالقاهرة، الطبعة الأولى سنة 1977 م، جـ 2 ص 55، 190، 348، 391، السمعاني: الأنساب، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1988 م، ج 2 ص 46، جـ 3 ص 288، جـ 4 ص 469، 470، جـ 5 ص 347، 348، 477 629، 652، ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 2 ص 218، 419، جـ 3 ص 216، جـ 4 ص 348، جـ 5 ص 209، جـ 6 ص 140، 150، 151، کارل بروکلمان: نفس المرجع، جـ 3 ص 161،
•
290، 231، 209، 203
وفي هذه الصفحات من هذه المصادر يتأكد لك أن علماء الأزد الذين ورد ذكرهم فيها من عمان أو من أصل عمالي، اذ تنتهي أسماؤهم بأسماء قبائل لازالت تعيش في عمان حتى الآن مثل المهلبي والطاحي والجديدي، والجهضمي والعوذي والراسبي، والهنائي والحارثي والعتكي والندبي
= (1/27)
صفحة 28
28 -
-
قام بين البصرة وعمان، كان من الطبيعي أن ينتشر المذهب وينتقل من البصرة الى عمان، وكان من الطبيعي أن نجمع بينهما في حديثنا مصر والمغرب، كما كان من الطبيعي أيضا
عن
العلاقات أباضية مع أن نجمع بين مصر والمغرب في هذا المضمار.
ذلك أن هذين البلدين كانا يستقبلان الدعاة وعلماء المذهب
ذلك أن
مصر
والتجار القادمين من البصرة وعمان، فيلقي هؤلاء القادمون عصا الترحال أولا في مصر، وكان بعضهم يستقر فيها فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، ثم يستأنفون الترحال الى بلاد المغرب. يضاف الى كانت في نفس الوقت تستقبل أباضية المغرب الذين كانوا يقدمون اليها وهم في طريقهم لأداء فريضة الحج، أو كانوا يأتون اليها للتجارة أو لتلقي العلم، أو للاشتغال بالحرف والصناعات، أو للهجرة اليها والاقامة فيها بصفة نهائية، وكثيرا ما يشير المؤرخون الى وجود للطلاب المغاربة في الأزهر، والى وجود للحرفيين والتجار المغاربة
الذين أقاموا في مصر واتخذوها سكنا وموطنا (57)
وكما كانت البصرة وعمان متلاحمتان بشريا وسكانيا وتجاريا وسياسيا، فقد كانت مصر والمغرب تسير على نفس المنوال. واذا كان عرب البصرة قد غلب عليهم الأزد القادمون من عمان، فقد غلب على مصر والمغرب عرب الجنوب وكان معظمهم من الأزد وكندة ومهرة وغافق وباقي قبائل عمان واليمن الأخرى (58)
•
وكانت
= والواشحي والمعولي والجرموزي والسليمي والقراديسي والمعني والصوري. وتحت كل اسم قبيلة من هذه القبائل يندرج عدد يتفاوت قلة أو كثرة من العلماء الذين ذاع صيتهم في البصرة وفي انحاء العالم الاسلامي، حتى تحدثت عنهم كتب الطبقات ودونت مآثرهم ونشاطهم العلمي والثقافي. أما عن الطرق التي كانت تربط عمان بالبصرة، انظر، الخريطة رقم (3). (57) الحسن الوزان: وصف افريقيا، تعريب محمد حجي، ومحمد الأخضر، دار الغرب الاسلامي بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1983 م، ج 2 ص 208
(58) ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، ليدن سنة 1920 م، ص 142، سيدة الكاشف: مصر في فجر الاسلام، دار الرائد العربي، بيروت، الطبعة الثالثة سنة 1986 م، ص 234، 238
، (1/28)
صفحة 29
-
29 -
-
الهجرات العربية تأتي الى مصر أولا بحكم موقعها الجغرافي، فمنها مايستقر فيها ومنها ما يستأنف الرحلة الى بلاد المغرب، وكان بعض القبيلة الواحدة يقيم في مصر وبعضها الآخر يرحل الى بلاد المغرب، وعلى ذلك فقد كانت الصلات قائمة بين عرب مصر وعرب المغرب بحكم انتمائهم الى عرب الجنوب، وبحكم أن البلدين. والمغرب - كانا يتبعان في الغالب واليا واحدا كما كان الحال بالنسبة
-
لعمان والبصرة
•
-
مصر
فقد كانت بلاد المغرب تتبع مصر اداريا حتى عام 86 هـ / 705 م، ثم أصبحت بعد ذلك ولاية مستقلة (59)، وان كانت هناك أخبار تدل على استمرار بقائها تحت سلطان والي مصر في بعض فترات الأموية (60) والعباسية (61). واذا كانت التجارة قد ربطت بين عمان والبصرة قبل الاسلام وبعده، فقد كانت التجارة بين مصر وبلاد المغرب مزدهرة، وكانت هناك طرق عديدة تمر بها التجارة بين البلدين، وكانت مصر تلعب دور الوسيط التجاري بين المشرق
الخلافة
والمغرب الاسلاميين، بل بين شرق العالم كله وغربه (62). فالتواصل بشتى أنواعه وأشكاله كان قائما وموجودا بين مصر والمغرب منذ أن دخل الاسلام هذين البلدين، حتى انه كان يطلق على مصر في بعض الأحيان أنها احدى دول المغرب. ولذلك ليس غريبا أن نجمع بينهما في حديث واحد فيما يختص بالأباضية والمذهب الأباضي وعلاقات الأباضية فيهما بأباضية عمان والبصرة. وقبل
(59) سيدة الكاشف: نفس المرجع، ص 40، 41، 86، 88.
(60) عبد المنعم ماجد: ج 2 ص 289. (61) سيدة الكاشف: نفس المرجع، ص 68 (62) المرجع السابق، ص 286، 297 (1/29)
صفحة 30
الحديث عن هذه العلاقات لابد أن نتحدث أولا عن الأباضية في مصر والمغرب: كيف وصل المذهب الى هذه البلاد، وكيف انتشر بين كثير من سكانها، وماهي عوامل هذا الانتشار، وماهي مظاهر هذ الانتشار. أسئلة عديدة تحتاج الى اجابة شافية، وهذا ماسوف نفعله في الفصل الأول من هذا الكتاب (1/30)
صفحة 31
-
الفصل الأول
الأباضية في مصر والمغرب
منذ
انتشر المذهب الأباضي بين قطاعات عريضة من شعب مصر مستهل القرن الثاني للهجرة، وظل موجودا فيها حتى عصر صلاح الدين الأيوبي، وربما بعد ذلك بكثير أو قليل. كما انتشر هذا المذهب انتشارا واسعا بين المغاربة وحقق نجاحا منقطع النظير حتى استطاع هؤلاء المغاربة أن يقيموا لهم دولة أباضية شمل سلطانها معظم أراضي المغربين الأدنى والأوسط. فياترى ماهي قصة هذا الانتشار .. ؟ وما هي عوامله وأسبابه .. ؟.
-
الأسباب والعوامل التي أدت الى انتشار المذهب الأباضي
في مصر والمغرب: ـ
أما الأسباب فلا نرى الا سببين رئيسيين وثلاث عوامل مساعدة أدت الى انتقال المذهب من البصرة الى مصر والمغرب وانتشاره في هذين البلدين. وأول هذين السببين هو اضطهاد الأباضية في البصرة
وعمان
-
اضطهاد الأباضية في البصرة وعمان:
ففي البصرة اتبع عمال الأمويين سياسة البطش والتعذيب والنفي (1/31)
صفحة 32
- 32
-
والقتل ضد معارضيهم بصفة عامة، ولم يستثنوا من هذه السياسة جماعة القعدة أو جماعة المسلمين التي عرفت كما قلنا باسم الأباضية فيما بعد. ورغم أن هذه الجماعة كما يتبين من اسمها وكما سبق أن ذكرنا، لم تأخذ بأسلوب الخوارج في التطرف والعدوان وترويع الآمنين ورفع السيف في وجه الدولة، الا أن عمال بني أمية في بلاد العراق شددوا عليها خوفا من دعوتها التي كانت تستشري بين الناس وتحاشيا للشر قبل وقوعه وقمعا للنفاق قبل أن ينجم كما قالوا (1).
وكان بدء الاضطهاد الذي تعرضت له هذه الجماعة المسالمة على
يد عبيد الله بن زياد الذي كان يقتل على الظنة والشبهة، وكان يتفنن
فكان
6
في اضطهادهم وضرب بعضهم بالبعض الاخر حتى يفرق جماعتهم. الجماعة يسجن منهم ثم يأمرهم بقتل بعضهم بعضا، وكان بأن القاتل سوف يعفو عنه ويخرجه من السجن (2). واتبع
يعدهم
النساء أسلوب التعرية والصلب والمثلة، فقد جيء بإحداهن وكانت على رأي أبي بلال ومن مجتهدات القعدة، فقطع رجليها ويديها ورمي بها في السوق ثم قتل من بقي في سجنه من أصحاب أبي بلال (3)، كما قتل أخا بلال نفسه عروة بن حدير في عام 58 هـ / 678 م، مما أجبر أبا بلال على الخروج من البصرة شاريا رفضا لظلم بن زياد، واتجه الى الأهواز لايدعي هجرة ولاينتحلها، ولا يخيف آمنا ولا يحل استعراضا، ولا يحل حرمة ولا يغنم أموالا: ولايسبي ذرية، ولا ينزل قومه (يقصد غير الأباضية) منزلة أهل
عبيد الله
(1) المبرد: الكامل، ج 2، ص 182
•
-
(2) عوض خليفات: نفس المرجع، ص 67 68، محمد جمال الدين سرور: ص 117. (3) المبرد: الكامل، جـ 2 ص 181 – 182، سالم الحارثي: نفس المرجع، ص 110، عوض خليفات: ص 69. (1/32)
صفحة 33
-
33
الأوثان، (4)، وما خرج من البصرة الا لكي يبتعد عن هذا الوالي وظلمه، ولكن جند عبيد الله تعقبوه وقاموا بقتله هو وزملائه الأربعين آسك بالأهواز عام 61 هـ/ 680 م أثناء قيامهم بأداء
في مكان
يسمى
فريضة صلاة الجمعة (5).
زعمائهم
وازاء هذا الاضطهاد لجأ القعدة الى السرية والكتمان وظلوا على هذا الأمر حتى أتي عصر الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قام بدوره في اضطهاد من ينكشف أمره منهم، كما أخذ في مطاردتهم ونفي، مثل عمران بن حطان الذي أخذ في الهروب من البصرة والتخفي والالتجاء الى القبائل المختلفة منتحلا أسماء مختلفة من مطاردة الحجاج الذي كان قد كتب الى عماله بالقبض عليه، فصار عمران يهرب من مكان إلى آخر حتى وصل الى عمان فاختباً بها وظل فيها حتى كتب الحجاج الى أهل عمان. فارتحل عمران هاربا
حتى مات مطاردا (6)
حتى
يفلت
وعندما أحس الحجاج بنشاط جابر بن زيد الذي تولى أمر جماعة القعدة بعد عبد الله بن أباض ألقي به في السجن ثم نفاه الى عمان، ولما عاد منها ألقى به في السجن مرة ثانية، كما سجن قيادات القعدة الآخرين مثل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وضمام بن السائب، وصحار العبدي وغيرهم من الذين ظلوا في سجنه حتى في عام 95 هـ / 714 م. وياليت الحجاج اكتفى بسجن زعماء القعدة فقط، بل نراه يرتكب أبشع الجرائم في القضاء عليهم. وعلى سبيل
(4) الرقيشي مصباح الظلام، مخطوط رقم 792، ص 47.
مات
(5) الدرجيني: ج 2 ص 218، 222، عوض خليفات: ص 69، 70، سالم الحارثي: المبرد: الكامل، ج 2 ص 184
ص 112
-
187 -
(6) أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، جـ 18 ص 109، 110، 114، المبرد: الكامل، جـ 2
74
-
125، 128، عوض خليفات: ص 72 (1/33)
صفحة 34
- r? -
منهم
بنيانا حتى ماتوا فيه جوعا وعطشا،
المثال فقد بني على ثلاثة كما جلد بعضهم ولم يستثن من هذا الجلد من كان شيخا كبيرا مثل أبي سفيان قنبر، الذي جلده أربعمائة سوط حتى يدل على اخوانه الأباضية، فلم يفعل، وكان فلم يفعل، وكان معه في السجن جابر بن زيد فلم
من
يدل عليه (7).
وكما تعرض الحجاج لقعدة البصرة بالاضطهاد على هذا النحو، فقد تعرض لأهل عمان بالقمع والقتل والتنكيل، لأنه أراد أن يخضعهم كما أخضع أهل البصرة وأهل العراق، فأرسل عليهم بضع حملات عسكرية قتلت رجالهم ونساءهم وأطفالهم، وخربت بلدانهم وأجبرت ملكيهم سعيدا وسليمان على الفرار الى شرقي افريقيا (8). واستدار الحجاج ثانية الى البصرة وأخذ يضطهد زعماء الأزد فيها بعد أن رأي مدى التعاون بين أزد عمان وأزد البصرة، فألقى بيزيد بن المهلب واخوته وأقاربه في السجن، وقام بتعذيهم بأشد أنواع التعذيب حتى اضطر يزيد الى الهرب من سجنه والفرار الى دمشق للاحتماء بسليمان ابن عبد الملك أخي الخليفة الوليد، فحماه سليمان الذي كان يكره الحجاج، ثم عينه واليا على العراق وخراسان عندما تولى الخلافة بعد موت الوليد في عام 96 هـ / 714 م (9)
-
وفي بداية عهد يزيد بن عبدالملك (101 – 105 هـ / 719 - 723 م انقلب عليه يزيد بن المهلب وقام بثورة عنيفة في عام 102 هـ لأنه خاف بطش يزيد، حيث كان قد توعد المهالبة بالهلاك وأمر والي
(7) الدرجيني: ج 2 ص 247، 248، الشماخي: ج 1 ص 81، 86، سالم الحارثي: ص 145. (8) مجهول: قصص وأخبار جرت في عمان، مسقط، وزارة التراث، سنة 1983 م، ص 45، 46، ولكنسن: ص 17، مايلز: الخليج بلدانه وقبائله، ترجمة محمد أمين عبدالله، مسقط، وزارة التراث.
الطبعة الثالثة، سنة 1986 م، ص 65
-
79
(9) ابن الأثير: ج 3 ص 502 ـ 504، جـ 4 ص 545 ـ 547، جـ 5 ص 11، 25.
-
' (1/34)
صفحة 35
-
35
-
البصرة بسجنهم. ولما فشلت ثورة هذا الزعيم المهلبي الأزدي تعرض آل المهلب للابادة الجماعية وبيعت نساؤهم بيع الرقيق (10)، مما أغضب الأزد بصفة عامة سواء في البصرة والعراق وخراسان أم في
عمان.
وقد نتج عن هذا الغضب الأزدي وعن اضطهاد القعدة في البصرة، وعن نفي جابر ابن زيد وغيره من زعمائهم الى عمان، وتعرض عمان ذاتها الى عدوان الحجاج وانتقامه، أن أخذ المذهب ينتشر انتشارا سريعا في عمان لاسيما وأن رأس المذهب جابر بن زيد عماني الأصل، كما انضم كثير من المهالبة والأزد وغير الأزد في البصرة الى الدعوة الأباضية، وقام شيخ المذهب فيها وهو أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي الذي تولى أمر الدعوة بعد موت جابر عام 96 هـ/ 714 م ونظمها واستقبل طلبة العلم من افريقية وبلاد المغرب، ومن مصر وعمان وخراسان ومدينة الرسول وحضرموت، يعلمهم أصول المذهب، ويعدهم لحمله الى بلادهم، ولذلك سموا باسم حملة العلم (11). ولم يمت أبو عبيدة الا وكان المذهب قد رسخت قواعده في عمان ومصر وبلاد المغرب، وكانت هذه النتيجة المنطقية لاضطهاد الأباضية في البصرة. حيث تحمس هؤلاء الأباضية الى الخروج بمذهبهم الى الأطراف البعيدة والعمل على نشره فيها بكل ما أوتوا من قوة، وكانوا يتمنون أن يظهر مذهبهم ولو يوما واحدا ولا يبالون بعد ذلك أن يموتوا في آخر هذا اليوم غير نادمين (12).
هي
-
(10) الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الخامسة، سنة 1985 م، جـ 2 ص 316، العوتبي: الأنساب، جـ 2 ص 150 – 156، المسعودي: مروج الذهب، جـ 3 243 - 244، 255، أبو زكريا الأزدي: تاريخ الموصل، ص 8 ـ 16، الحميري: الروض المعطار، ص 418 - 419، ابن الأثير:
(11) سالم الحارثي: ص 147.
(12) الدرجيني: ج 1 ص 11.
-
12، الشماخي: ج 1 ص 90، 91 (1/35)
صفحة 36
خارج
هذا عن السبب الأول الذي أدى الى انتشار المذهب البصرة. أما السبب الثاني الذي أدى الى هذه النتيجة أيضا فيتعلق بسياسة عمال أمية في بلاد المغرب وظلمهم لسكانه وأهله من
البربر
بني
ب ـ سوء سياسة عمال بني أمية في بلاد المغرب:
ذلك
من المعروف أن بلاد المغرب لم تفتح بسهولة واستغرق فتحها مدة طويلة بلغت الخمسين عاما بسبب عوامل مختلفة منها مقاومة البربر ومساعدة البيزنطيين لهم، ومنها ما كان يتصف به هؤلاء البربر من صفات الأنفة والكبرياء والسيادة والجلد والشجاعة (13)، ومع فقد استكانوا للفاتحين في النهاية ونعموا بحكم الاسلام، ولكن ولاة أمية أساءوا اليهم وإلى الاسلام، فلم يسيروا فيهم حسبما علم البربر عن الاسلام وعن تقاليده ونظمه وشريعته
بني
—
مثال ذلك ما فعله بهم يزيد بن أبي مسلم الذي كان كاتبا للحجاج ابن يوسف الثقفي، والذي تولى أمر أفريقية والمغرب في بداية عهد الخليفة يزيد بن عبد الملك (101 – 105 هـ / 719 723 م). فقد طبق هذا الوالي سياسة سيده الحجاج بن يوسف الثقفي في البطش والعسف والظلم، ففرض الجزية على من أسلم منهم، وأمر حراسه من البربر أن ينقشوا أسماءهم على أيديهم اليمنى، وأن ينقشوا كلمة على أيديهم اليسرى، ثم جعل البربر أخماسا وأحصى أموالهم
حرسي
""
هذه
وأولادهم، فأنف البربر من ذلك كل الأنفة، وغضبوا من السياسة كل الغضب، وانتهى الأمر بتآمرهم عليه، فاغتالوه في (13) شكري فيصل: حركة الفتح الاسلامي في القرن الأول الهجري، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السادس، سنة 1982 م، ص 183، 185 (1/36)
صفحة 37
37
مصلاه، وأرسلوا الى الخليفة يقولون له: "إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضي الله والمسلمون،
فقتلناه وأعدنا عاملك،، فأقرهم يزيد على مافعلوا (14).
خلفه في حكم البربر رأوا سوء العاقبة إن هم العاقبة إن هم استأنفوا
-
وياليت من سيرة يزيد بن أبي مسلم مع البربر، بل نراهم يحرصون على اتباع هذه السياسة، وكأن سياسة العنف والقسوة مع البربر كانت سياسة مرسومة ولابد أن تتبع، ولذلك نرى عبيدة بن عبد الرحمن السلمي القيسي الذي تولى أفريقية والمغرب (110 – 116 هـ / 728 – (734 م يأخذ بها، ويعنف مع البربر عنفا شديدا حتى إنه غزا قبائلهم وسبى نساءهم وأقبل على الخليفة هشام بن عبد الملك محملا بالهدايا والطرف، وسير في ركابه عددا كبيرا من الجواري اللائي بلغ عددهن ألفا، بالاضافة الى أعداد مهولة من الخيل والدواب ومقادير
عشرين كبيرة من الذهب والفضة مما جباه من هؤلاء البربر (15)
الحبحاب
وأتت الطامة الكبرى في عهد خلفه عبيد الله بن (116 - 123 هـ (734 - 741 م الذي أراد عامله على طنجة عمر
-
-
ابن عبدالله المرادي تخميس البربر وزعم أنهم في المسلمين، وكأنهم على الكفر والوثنية. ويقول ابن عذاري أن هذا العمل الشائن " لم يرتكبه عامل قبله، وانما كان الولاة يخمسون من لم يجب للاسلام، فكان فعله الذميم هذا سببا لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤدية
(14) ابن عبد الحكم: ص 213 - 214، البلاذري: فتوح البلدان، تحقيق رضوان محمد رضوان دار
-
صادر، بيروت، بدون تاريخ، جـ 2 ص 313، الطبري: جـ 6 ص 617، السيد عبدالعزيز
سالم: تاريخ المغرب في العصر الاسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، الأسكندرية، بدون تاريخ، ص
216، تاريخ الدولة العربية، مؤسسة شباب الجامعة، الأسكندرية، سنة 1988 م، ص 382
(15) ابن عبد الحكم: ص 217، تاريخ اليعقوبي، جـ 2 ص 318، القلقشندي: صبح الأعشي، وزارة الثقافة، القاهرة، بدون تاريخ، جـ 5 ص 118، السيد عبدالعزيز سالم: تاريخ الدولة العربية، ص 382، 383، زامباور: ص 99
• (1/37)
صفحة 38
-
38
-
الى كثير القتل في العباد (16).
وقد نتج عن هذه السياسة أمران: الأمر الأول هو استجابة معظم بربر المغرب الأدنى والأوسط لتعاليم الأباضية، وبربر المغرب الأقصى
لتعاليم الصفرية. والأمر الثاني هو قيام الصفرية بالثورة على ولاة بني أمية حيث هزموهم هزائم قاصمة في موقعة الأشراف قرب طنجة في عام 123 هـ / 741 م وموقعة بقدورة على وادي سبو في عام 124 هـ /
742 م (17).
غير
أمية الا بعد أن أن البربر لم يقوموا بثوراتهم ضد عمال بني أعذروا لأنفسهم، ذلك أنهم أرسلوا وفدهم الى الخليفة هشام بن عبد الملك في دمشق ليتبينوا موقفه من سياسة عماله في بلادهم،، ولكنهم لم يستطيعوا مقابلته، ومكثوا ببابه أياما دون أن يتمكنوا من الدخول اليه، فأخبروا حاجبه بسوء سياسة عماله اليهم، وبما يصيبهم من مظالم على أيديهم، وأن ذلك ليس في كتاب ولا سنة، وأنهم أرادوا أن يعلموا أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا .. ؟، وكتبوا أسماءهم في رقاع أعطوها لحاجبه، وعادوا الى بلادهم وأشعلوا نار الثورة ضد حكم أمية وولاتهم (18). ولاشك أن تهاون الخلافة عن الضرب على أيدي هؤلاء العمال، وغلبة العصبية القبلية على خلفاء أمية الأواخر، فكان منهم من يميل الى القيسية، ومن ثم كان يعين ولاته منهم، ومنهم من كان يميل
بني
بني
(16) البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق كولان وليفي بروفنسال، دار الثقافة،
بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1983 م، ج 1 ص 51، 52
-
•
(17) عن ثورات البربر، انظر: ابن عبد الحكم: ص 217 – 220، ابن عذاري: جـ 1 ص 52. 55، عبدالمنعم ماجد: ص 289، 290، السيد عبدالعزيز سالم: تاريخ المغرب، ص 218 226، تاريخ الدولة العربية، ص 383.
-
(18) الطبري: جـ 4 ص 254، 255 (1/38)
صفحة 39
- 39 -
-
الى اليمنية، فكان ولاته منهم. وكان هؤلاء الولاة بدورهم يتعصبون لقبيلهم في ولاياتهم ويضطهدون القبيل الآخر، مما أدى الى كثرة الفتن والاضطرابات، فانتشرت الفوضى وعم البلاء، وقام القتال بين الفريقين: عرب الجنوب وعرب الشمال في كل قطر اسلامي (19)، ومن ثم تاقت نفوس البربر الى الهدوء والى حياة السلام، وبدلا من أن ينعموا بذلك، امتدت اليهم يد الاضطهاد والعسف على نحو مارأينا مما جعلهم يستجيبون لدعوة الأباضية والصفرية ويؤيدونهم كل
التأييد
•
وهكذا نرى أن هناك أسبابا أدت الى وصول المذهب الى مصر حيث انتشر بين بعض أهلها ثم تسرب منها الى بلاد المغرب حيث انتشر هناك انتشارا واسعا، نتيجة لعوامل مساعدة ثلاث ساعدت بجانب السببين اللذين ذكرنا هما على تواجد المذهب الأباضي في مصر وعلى؟ انتشاره هذا الانتشار الواسع في بلاد المغرب. وأول هذه العوامل المساعدة يختص بمصر والمغرب، وهو تكاثف وجود الأزد فيهما، وثانيها يختص بالمغرب، وهو تطرف الصفرية هناك، وثالثها يختص بالمذهب نفسه، وهو اعتداله وتسامح الدعاة له والقائمين عليه
والتزامهم بقواعد الاسلام ونظمه وشرائعه
•
تكاثف وجود الأزد في مصر والمغرب:
أما العامل الأول، فقد تكاثف الأزد في مصر تكاثفا ساعد على انتشار المذهب الأباضي فيها أو على الأقل أضفى الحماية على رجال هذا المذهب من علماء ودعاة. وقد سبقت الاشارة الى أن المذهب قام (19) محمد عيسى الحريري: مقدمات البناء السياسي للمغرب الاسلامي (الدولة الرستمية)، دار. القلم، الكويت، الطبعة الثانية، سنة 1983 م، ص 51. (1/39)
صفحة 40
سكانها من
في البصرة على أيدي رجال من الأزد العمانيين، كما أن عمان ومعظم الأزد احتضنت هذا المذهب بعد أن انتشر فيها وانتقلت رياسته اليها بعد انتقال أبي سفيان محبوب بن الرحيل اليها قرب نهاية القرن الثاني للهجرة، وكان أبو سفيان آخر إمام من أئمة الكتمان في البصرة (20). وكما وجد المذهب فرصة الانتشار على يد الأزد في البصرة وعمان، فانه وجد كذلك فرصته في الانتشار في مصر على
الأقل بتأييد وعطف من كان فيها من الأزد. والسؤال هنا هل كان للأزد في مصر مثل هذا الوجود المؤثر .. ؟ واذا كان الأمر كذلك فما درجة هذا الوجود وما هي قوته .. ؟ وما هو تاثيره .. ؟ وما هي
فاعليته .. ؟
,,
،،
يعود الوجود الأزدي في مصر الى عصر الفتوحات نفسه. وكان هؤلاء الأزد من أزد عمان الذين كانوا قد قدموا عكرمة بن أبي مع جهل بعد انتهاء مهمته في عمان وفي حضرموت واليمن، فأقبل "فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين والسرو الى المدينة المنورة حيث استبدلوا جميعا أحصنتهم فسموا جيش الأبدال، ودفع بهم أبو بكر الى بلاد الشام لإغاثة خالد بن سعيد الذي كان قد أرسله الى هذه البلاد وتعرض له البيزنطيون وهزموه (21)، ثم تتابعت الجيوش بعد ذلك لفتح بلاد الشام وفيها كثير من الأزد و عرب الجنوب، وانتهي هذا الفتح بعد معركة اليرموك بقليل، واستقر الأمر للعرب فيها منذ عام 15 هـ / 636 م، وبعد ذلك ببضع سنين قام عمرو ابن العاص بفتح مصر، وعندما قدم اليها في عام 18 هـ / 640 م من فلسطين كان هؤلاء الأزد وعرب الجنوب بصفة عامة يشكلون أغلبية
(20) عوض خليفات: ص 18. (21) الطبري: جـ 3 ص 389، 392، ابن خلدون: جـ 4 ص 897 - 901. (1/40)
صفحة 41
-
جنده (22). وكان بعض هؤلاء الأزد من صحابة رسول الله الله. مثال ذلك جنادة بن أبي أمية الأزدي (23) الذي فتح فيما بعد ـ جزيرة قبرص ورودس وأرواد وكريت (24)، وابن حوالة الأزدي (25)، وأبو فاطمة الأزدي الذي روي عدة أحاديث عن رسول الله الله وشارك في غزوة ذات الصواري (26)، ومالك بن أبي سلسلة السلامي الأزدي الذي اشترك مع الزبير بن العوام في اقتحام
حصن بابليون (27)
ومن قبيلة مهرة العمانية من صحابة رسول الله الله من الذين اشتركوا في فتح مصر برح بن عسكل المهري (28)، ومن التابعين كثيرون مثل عبدالرحمن ابن شماسة المهري الذي روي عن عبدالرحمن ابن عديس وعن أبي ذر عن النبي (29)، وتميم بن فرع المهري الذي شهد فتح الاسكندرية في المرة الثانية عام 25 هـ/ 645 م وروي عن عمرو بن العاص وعن عقبة بن عامر الجهني (30). ومن غير مهرة، المفضل بن فضالة بن عبيد القتباني الذي شهد فتح مصر وتولى القضاء بها (31). وشيبان بن أمية القتباني (32). وتذكر بعض المراجع
أن
(22) حسن محمود: الاسلام والثقافة العربية في افريقيا، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة سنة 1986 م، ص 101
الثالثة
(23) ابن عبدالحكم: ص 80، 306، السمعاني: ج 3 ص 180، ابن حجر: الاصابة، ج 2 ص 99
(24) الطبري: جـ 5 ص 288، 293، 322، ابن الأثير: ج 3 ص 393، 497، جـ 4 ص 5
(25) ابن عبد الحكم: ص 308
(26) المصدر السابق، ص.
،
6
110
(27) المصدر السابق، ص 64
311،
309
309، 30
(28) المصدر السابق، ص 94، 95، 316 (29) المصدر السابق، ص 109
المصدر السابق، ص 178، السمعاني: جـ 5
(31) السمعاني: جـ 4 ص 449.
450
-
(32) المصدر السابق، ج 4 ص 450.
417 (1/41)
صفحة 42
-
سدس الجيش الذي فتح الأسكندرية كان من المهرة (33)، وكانت غافق ثلث الجيش الذي فتح مصر مع عمرو بن العاص (34). ويلاحظ من قرائتنا للمصادر التاريخية أن معظم القبائل التي سكنت الصعيد بالذات واستقرت فيه بعد الفتح كانت من قبائل عرب الجنوب بصفة عامة، وكذلك الحال في معظم أنحاء الوجه البحري (35)، حتى اضطر معاوية بن أبي سفيان أن ينقل قبائل قيسية الى مصر في عام 43 هـ / 663 م ((36). ورغم ذلك فقد كان عرب الشمال قلة و لم يكثر عددهم الا أثناء ولاية عبيد الله بن الحبحاب في عهد خلافة هشام بن عبد الملك (105 – 125 هـ / 723 – (742 م حينما لاحظ هذا الوالي قلة القيسية في مصر فطلب من الخليفة السماح بهجرة بعضهم من جزيرة العرب حتى يكثروا في مصر ويصير هناك توازن بينهم وبين غرب الجنوب، فسمح هشام بهجرة بعض قبائل قيس الى مصر فأتوا اليها منذ عام 109 هـ / 727 م (37)، مما يدل على أن عرب الجنوب كانت لهم الغلبة في مصر حتى ذلك الحين، وعلى أنهم كانوا هم الفاتحين لمصر.
-
وبمجرد أن تم الفتح استقر هؤلاء الفاتحون في مصر واختطوا الخطط في مدينة الفسطاط وفي مدينة الجيزة وفي غيرها من المناطق
الأخرى في أنحاء مصر المختلفة. فاختطت الأزد وقبائلها المختلفة مثل
خيثم وبنو بحر وغنت وبنو شبابة ودهنة والحجر في مدينة الفسطاط،
(33) محمد أحمد الحداد: حقائق تاريخية عن العرب والاسلام في افريقيا الشرقية، دار الفتح
القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1973 م، ص 28.
(34) ابن عبد الحكـ: ص 121.
(35) المصدر السابق، ص 142
(36) حسن محمود: ص 101.
(37) ابن عبد الحكم: ص 143، حسن محمود: ص
، (1/42)
صفحة 43
-
43
كما اختطت طائفة
علقمة
من الحجر من الأزد في مدينة الجيزة، منهم ابن جنادة الحجري الأزدي (38). واختطت بقية القبائل في الفسطاط والجيزة مثل تجيب ومهرة والصدف ومراد وخولان ورعين ومذمج وسباً وحمير والكلاع والمعافر والأشعريين والسكاسك ويافع وهمدان
وغيرها من قبائل عرب الجنوب (39)
ولم يقتصر تواجد الأزد في مصر على أزد الفتح، بل إن بعضهم جاء اليها مهاجرا بعد ذلك، كما أن بعضهم جاء اليها مبعدا من بلاده التي كان يسكنها. مثال ذلك ما حدث من هجرة نفر كبير من أزد البصرة، وهم عمانيون بلا شك، الى مصر بعد أن أبعدهم اليها والى البصرة زياد بن أبيه (ت) 53 هـ / 673 م. وكان هذا الوالي قد اتهمهم بممالأة أعدائه و مساعدتهم ضده، فأقبلوا الى مصر ونزلوا في الفسطاط بموضع يقال له الظاهر، وهو حي لازال يعرف في القاهرة بهذا الإسم الآن حتى، وإن كانت العامة تقلب حرف الظاء إلى ضاد فتقول الضاهر بدلا من الظاهر. وقد ارتاح هؤلاء الأزد وطابوا نفسا بسكناهم في مصر لنزولهم بين قومهم من عرب الجنوب، وقد عبر عمران بن حطان عن هذا المعنى في شعره قائلا (40)
فساروا بحمد الله حتى أحلهم ببليون (41) منها الموجفات السوابق فأمسوا بحمد الله قد حال دونهم مهامه بيد والجبال الشواهق وحلوا، ولم يرجوا سوى بدار لهم فيها غنى ومرافق فأمسوا بدار لا يفزع أهلها وجيرانهم فيها تجيب وغافق
الله وحده
(38). ابن عبد الحكـ: ص 116 - 121.
(39) المصدر السابق، ص 98، 125، 129، 129.
(40) ياقوت: معجم البلدان، جـ 1 ص 311.
-
312
•
(41) ببليون: المقصود به حصن بابليون المعروف الذي فتحه عمرو بن العاص. (1/43)
صفحة 44
--
44
?
وقد شارك هؤلاء الأزد الذين اشتركوا في فتح مصر واستقروا فيها أو قدموا اليها بعد ذلك، في الأحداث السياسية التي مرت بها مصر في عهد الخلافة الراشدة (42)، وتولى بعضهم أسمى المناصب فيها في عهد بني أمية وفي عهد بني العباس. وقد أورد ابن عبد الحكم الذي ترك لنا أهم وثيقة في فتح مصر، أن معاوية بن أبي سفيان كتب الى مسلمة مخلد واليه على مصر يقول له: لاتول عملك الا أزدي بن أو حضرمي فإنهم أهل الأمانة (43)، مما أدى الى ازدياد نفوذ الأزد
في مصر
حتى
وقد أتي يزيد بن معاوية فجعل والي مصر من الأزد، فكان واليها منذ رمضان من عام 62 هـ/ 682 م سعيد بن يزيد بن علقمة بن عوف الأزدي، وظل هذا الرجل واليا عليها بعد وفاة يزيد حوالي عامين، أرسل عبد الله بن الزبير عامله عليها في شعبان من عام 64 هـ / 684 م (44)، كما تولى عياض بن عبيد الله الأزدي السلامي منصب القضاء في مصر عام 93 هـ / 711 م، وظل في هذا المنصب حتى صرف عنه في عام 98 هـ / 716 م، ثم رد اليه مرة أخرى وظل به حتى عام 100 هـ / 718 م (45)
•
هي
ومن المعروف أن هذه الفترة التي شهدت هذا التواجد وهذا النفوذ الأزدي في مصر كانت فترة بداية انتشار المذهب الأباضي خارج البصرة. ولاشك أن الدعاة عندما أقبلوا من البصرة الى وجدوا دعما ومساندة من هؤلاء الأزد خاصة وأن الفترة كانت فترة
مصر
(42) الكندي: ولاة مصر، تحقيق د. حسين نصار، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ص 39.
125
(43) ابن عبد الحكم: ص (44) الكندي: ص 63، 64 (45) ابن عبد الحكـ: ص 239. (1/44)
صفحة 45
-
45
كما قلنا رفع من
سلام بين الخلافة الأموية في عهد سليمان بن عبد الملك (96 ـ 99 هـ / 714 - 717 م وعمر بن عبد العزيز (99 ـ 101 هـ / (99 717 - 719 م وبين الأباضية والأزد بصفة عامة. إذ أن سليمان شأن الأزد والمهالبة وولاهم العراق وخراسان (46)، كما أن عمر بن عبد العزيز حاور الأباضية وسالمهم ولم يتعرض لهم بسوء، جريا على سياسته المعروفة بالرفق بالمسلمين وجمع كلمتهم ولم شملهم والعمل فيهم بالكتاب والسنة (47). ولذلك انتشر المذهب في مصر دون أن يلقى معارضة كبيرة، خاصة وأن الأمويين انشغلوا بالثورات والفتن التي قامت في أنحاء الدولة في أخريات عهدهم حتى الخلافة العباسية في عام 132 هـ / 750 م، علا نفوذ
إذا جاء عصر الأزد في مصر علوا كبيرا.
فانهم
ذلك أنهم ساندوا قيام هذه الخلافة منذ البداية بسبب ما لاقوه على يد بني أمية بعد انتهاء عصر عمر بن عبد العزيز من اضطهاد وعسف وقتل لزعمائهم وتنكيل بقياداتهم، فاشتركوا في الجيش الزاحف على بلاد العراق وانضموا لأبي سلمة الخلال داعي العباسيين بالكوفة وانتزعوها من عامل بني أمية (48). أما أزد مصر سارعوا بإعطاء البيعة لأول خلفاء بني العباس، فذهب مندوبهم وهو محمد بن مشهور الأزدي ضمن الوفد الذي خرج من مصر الى بلاد العراق لإعطاء بيعة أهل مصر لأبي العباس عبد الله السفاح (49). ولذلك كافاً العباسيون الأزد بأن ولوهم أكبر الولايات وأسمى الوظائف. وفيما يختص بأزد فقد عينوا أحدهم وهو أبو عون
(46) انظـ، ص 34
مصر
(47) ابن مداد: ص 6 19، مخطوط كشف الغمة، ص 718، 719.
-
(48) العوتبي: ص 156
(49) الكندي: ص 19 (1/45)
صفحة 46
-
عبد الملك بن يزيد الهنائي من أزد عمان أو من مواليهم، واليا على مصر في شعبان من عام 133 هـ / فبراير 751 م، وظل هذا الأزدي الهنائي العماني في ولايتها حتى جمادي الآخرة من عام 136 هـ / ديسمبر 753 م (50)، ثم تولاها بعد ذلك مرة ثانية في رمضان من عام 137 هـ / مارس 755 م، واستمر في حكمها حتى ربيع الأول من عام 141 هـ / أغسطس 758 م (51).
واستمر العباسيون يواصلون هذه السياسة، فنجد أبا جعفر المنصور يولي يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة حكم مصر في منتصف ذي القعدة من عام 144 هـ / 761 م (52)، فاتخذ هذا الوالي الأزدي العماني معظم موظفيه وقواده من الأزد، مثل أبي الأشهل سعيد بن الحكم الأزدي، والعلاء بن رزين السليمي الأزدي، وكانا قائدين ساعداه في إخماد دعوة الحسنيين في مصر، كما ولي عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي مدينة سخا. ولما ثار القبط في هذه المدينة أرسل لهم يزيد بن حاتم، قائده نصر بن حبيب المهلبي العماني للقضاء على هذه الثورة، فقضي عليها في عام 145 هـ / 762 م (53).
وفي عهد هارون الرشيد تولي حكم مصر محمد بن زهير الأزدي في شعبان من عام 173 هـ / 879 م، وكذلك داود بن يزيد المهلبي في المحرم من عام 174 هـ حتى المحرم من عام 175 هـ / 791 م (54)، وكان على الشرطة في مصر عام 176 هـ / 792 م خالد بن يزيد بن
(50) المصدر السابق، ص 123
(51) المصدر السابق، ص 126
(52) المصدر السابق، ص 133
127
-
(54) المصدر السابق، ص 134، 137، 138. (1/46)
صفحة 47
-
ـ 47
-
المهلب (55)، كما كان على القضاء فيها في عام 177 هـ / 793 م محمد ابن مسروق الكندي، وظل هذا القاضي في هذا المنصب حتى عام 184 هـ / 800 م (56)، كما كان سليمان بن الصمة المهلبي على الشرطة في مصر في عهد واليها اسماعيل بن صالح العباسي الذي تولى حكمها في رمضان من عام 181 هـ / 797 م (57). ولما تولاها حاتم ابن هرثمة بن أعين في عهد الأمين كان عبد العزيز بن عبد الجبار الأزدي أحد قواده المشهورين (58).
من
ولما ولي المأمون علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق العلوي ولاية عهده، غضب ابراهيم بن المهدي وكتب إلى وجود الجند بمصر يأمرهم بخلع المأمون وولي عهده العلوي، حتى لاتخرج الخلافة آل العباس الى آل علي بن أبي طالب. وقد استجاب وجوه الناس بالفسطاط لطلب ابراهيم بن المهدي وخاصة آل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي وكانوا وجوه الأزد في مصر، فبايعهم الناس على الثورة على واليها السري بن الحكم، وقام بهذا الأمر سلمة الملك الأزدي الطحاوي بالصعيد، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الجبار الأزدي الذي تولى حكم مصر بعد خلع واليها المذكور،
،
بن عبد
وذلك في بداية شهر ربيع الأول من عام 201 هـ / 816 م (59)
ورغم أن السري بن الحكم تمكن من استعادة سلطانه في مصر، الا أن المأمون لم يستنكف أن يستعين بالأزد والمهالبة العمانيين في حكم مصر وفي القضاء على مانشب فيها من فتن وثورات. فقد أرسل أبا
(55) المصدر السابق، ص 159.
(56) ابن عبد الحكم: ص 245.
(57) الكندي: ص 164
•
(58) المصدر السابق، ص 173
(59) المصدر السابق، ص 189، 192، 193. (1/47)
صفحة 48
48
-
خالد المهلبي إلى مصر للقضاء على ثورة أهل الحوف بشرقي مصر، واستعان هذا القائد باليمانية الموجودين فيها، فانتصر على الثوار وقضي على الثورة (60). وعندما قدم المأمون الى مصر في المحرم من عام 217 هـ/ 832 م، استعان بأحمد بن بسطام الأزدي في ضبط الأمن وإجراء بعض الاصلاحات، فولاه على شرط الفسطاط للقيام بهذا
العمل (61).
حتى
أننا
ابن محمد بن
وقد ظل استخدام الأزد في الإدارة والسياسة الى عصر متأخر نرى صلاح الدين الأيوبي يستخدم أحدهم وهو عبد الرحمن منقذ الأزدي سفيرا له الى المنصور يوسف بن يعقوب سلطان الموحدين في بلاد المغرب يبشره بفتح بيت المقدس في منتصف رجب من عام 583 هـ / 20 سبتمبر 1187 م. وقد وصل هذا الرسول الى فاس واجتمع بسلطان المغرب الموحدي في المحرم من عام 588 هـ / 23 يناير 1192 م، ثم عاد الى مصر بعد انتهاء
مهمته (62)
•
وفي عهد الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ارتقى أزدي آخر منصب الوزارة في عهد هذا الملك، وهذا الأزدي هو على بن ظافر بن الحسين الأزدي الخزرجي الذي خلف أباه في التدريس بالمدرسة القمحية المالكية بالقاهرة، ثم ارتقى منصب الوزارة لهذا الملك الأيوبي واشتغل في نفس الوقت بالبحث والعلم، فترك لنا ثروة كبيرة في علم النحو وفي التاريخ، وله الكثير من الكتب في هذين
(60) المصدر السابق، ص 209 (61) المصدر السابق، 216.
(62) مجهول: الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق د سعد زغلول عبد الحميد، بغداد،
سنة 1986 م، ص 106، 107 (1/48)
صفحة 49
المجالي (63)
وهكذا نرى وجودا ونفوذا سياسيا أزديا (64) ضخما في مصر في
(63) ياقوت: معجم الأدباء، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1980 م، ج 13 مجلد 7 ص 264. 267، بروکلمان: جـ 6 ص 26
(64) لم يقتصر التواجد والنفوذ الأزدي في مصر على الجانب السياسي، بل كان للأزد أيضا وجود ونشاط كبير في معظم فروع العلم والثقافة. ففي مجال الحديث وعلومه والفقه ومذاهبه نبغ في مصر من الأزد ومهرة عدد كبير، منهم يزيد بن أبي حبيب المعروف باسم سويد الأزدي أبي رجاء المصري الذي كان فقيه مصر وشيخها ومفتيها، وبها ولد في عام 52 هـ، وكان أحد ثلاثة فوض اليهم عمر بن عبد العزيز أمر الفتيا في هذه الولاية وتوفي في عام 128 هـ. (انظر: سيدة الكاشف: مصر في فجر الاسلام، ص 2، 3. وظهر أيضا أبو عبد الله بن علي بن رباح بن قصير الأزدي الذي توفي في عام 114 هـ (انظر: السمعاني: جـ 4 ص 501)، وتميم بن فرع المهري الذي روي عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني انظر: السمعالي: جـ 5 ص (417، وأبو الحجاج رشد بن سعد المهري الأزدي بالولاء المصري الجيزي صاحب الامام الشافعي، وتولي في عام 256 هـ (ابن خلكان: جـ 2 ص 292)، وأبو جعفر أحمد بن محمد سلامة بن عبد الملك الأزدي الفقيه الحنفي المتوفي عام 321 هـ (ابن خلكان: جـ 1 ص (71)، وأبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي الأزدي المتوفي عام 409 هـ، وكان من أشهر المحدثين في زمانه وكلمان: ج 3 ص 230)، والشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري، حافظ مصر كما يقول ابن خلكان جـ 1 ص (164). ولهؤلاء الفقهاء والمحدثين كتب ومؤلفات عديدة تركنا ذكرها خوف الاطالة. وفي مجال الأدب واللغة، نبغ من أهل مصر من الأزد عدد كبير، منهم على بن الحسين الهنائي المعروف بكراع النمل المنسوب الى هناءة بن مالك بن فهم العمالي، له كتب كثيرة كتب بعضها في عام 307 هـ (ابن النديم: الفهرست ص 165، 166، ياقوت: معجم الأدباء، جـ 13 مجلد 7 ص 12، 13)، وأبو العباس أحمد بن محمد المهلبي المعروف بالبرجاني ابن النديم: ص 167، ياقوت: معجم الأدباء، جـ 4 مجلد 2 ص 189، 190)، محمد ابن أحمد بن علي بن ابراهيم بن يزيد بن حاتم المهلبي المتوفي عام 349 هـ (ياقوت: معجم الأدباء، جـ 17 مجلد 143)، وعلي بن أحمد المهلبي المتوفي عام 624 هـ (القفطي: أنباء الرواة، جـ 2 ص 222)، وأبو المحاسن مهلب بن حسن المهلبي البهنسي الذي عاش في القرنين السادس والسابع للهجرة (بروكلمان: جـ 5 ص 304)، وعلي بن ظافر بن الحسين الأزدي الخزرجي الأديب النحوي المؤرخ الذي عاش في عصر الملك الأشرف الأيوبي
برو
1
ص
ياقوت معجم
الأدباء:
، ج 13 مجلد 7 ص 264 - 267، بروکلمان: جـ 6 ص (26).
وفي التاريخ أيضا نبغ منهم أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الذي روي عنه الكندي صاحب كتاب ولاة مصر وقضاتها كثيرا من أخباره الكندي: ص (142.
وفي مجال الرحلات الجغرافية نبغ منهم الرحالة الأزدي الكبير الحسن بن محمد المهلبي الذي عاش في القرن الرابع للهجرة في عصر الخليفة العزيز بالله الفاطمي الذي كلفه برحلة طويلة قام بها في بلاد السودان تبع فيها منابع النيل واكتشف كثيرا من أنحاء هذه البلاد وألف في عام 375 هـ كتابا في الطرق والمسالك ذكر فيه ماشاهده وان كان هذا الكتاب مفقودا لسوء الحظ. عطية القوصي: محاولة العرب والمسلمين كشف منابع النيل في القرون الأولى للاسلام، بحث في كتاب العرب وأفريقيا، دار الثقافة العربية، القاهرة، سنة 1987 م، ص 51. وقد أورد د. أيمن فؤاد في بحثه في نفس هذا الكتاب (ص) (30) اسم هذا الرحالة على أنه الحسن بن أحمد المهلبي). ويلاحظ من أسماء هؤلاء العلماء الذين أوردنا ذكرهم في مجالات العلم المختلفة، ومن أسماء السياسيين ورجال الحكم والادارة الذين ذكرناهم في المتن، أنهم من عمان أو ينحدرون من أصل عماني. يفهم ذلك من أسماء القبائل التي كانوا يحرصون على تذييل أسمائهم بها، مثال ذلك: فلان الهنائي، والمهلبي، والعتكي والقشيبي، والمهري، والمنذري، وهي قبائل عمانية كانت ولازالت تعيش في عمان حتى الآن، مما يين وثيق الصلة بين عمان ومصر منذ هذه الأزمان الغابرة. (1/49)
صفحة 50
عصر دولة بني أمية ودولة بني العباس، وكان هذا الوجود وهذا النفوذ واضحا وقويا وكما رأينا في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وهي الفترة التي ازداد فيها انتشار المذهب الأباضي في مصر، ونجح في غيرها في إقامة دول أباضية في المشرق والمغرب. ولاشك أن هذا الانتشار وهذا النجاح كان مسنودا بهؤلاء الأزد الذين حكموا مصر وتولوا أسمى الوظائف فيها، ومسنودا أيضا بكثرة الأزد وعرب الجنوب الذين استوطنوا مصر وصاروا جل من فيها من العرب.
فقد
ذلك
ومما لاشك فيه أن دعاة المذهب الأباضي في مصر وجدوا العون والمساعدة بشكل غير علني من هؤلاء الأزد ذوي الأصل العماني أو غير العماني، لأن مصر كانت ولاية تتبع خلافة سنية، ومع وجد هؤلاء الدعاة الأمن والحماية واطمأنوا على أنفسهم، ولذلك لم نسمع عن اضطهاد وقع على الأباضية في مصر من قبل الولاة أو الحكام الذين تولوا حكمها في عهد بني أمية أو عهد بني العباس، بل إن علماء الأباضية كان لهم كيانهم الثابت وقدرهم المهيب ووضعهم الرفيع حتى صاروا علماء مفتين، وحتى شملهم الحكام ـ وكانوا على غير مذهب الأباضية - برعايتهم وحتى وقت متأخر. مثال ذلك مافعله صلاح الدين الأيوبي عندما خصص للطلاب الأباضية جامع ابن طولون يدرسون فيه ويقيمون، كما جعل لهم الاقطاعات والرواتب حتى يتفرغوا لعلمهم ودراستهم (65)
-
-
وإذا كان وجود الأزد في مصر عاملا ساعد على انتشار المذهب الأباضي بين كثير من أهلها، فان وجودهم في بلاد المغرب أدى نفس الوظيفة وإن لم يشر الى ذلك أحد من المؤرخين. فكما كان عرب
(65) محمد يوسف أطفيش: رسالة إن لم تعرف الأباضية يا عقبي يا جزائري، ص 3. (1/50)
صفحة 51
-
الجنوب أغلبية العرب في مصر، كانوا كذلك في بلاد المغرب بأجزائه الثلاث: الأدنى والأوسط والأقصى. ذلك أن الحملات التي توجهت
القاعدة
سعد
لفتح هذه البلاد جاءت من عرب مصر، فقد كانت مصر هي. الحربية التي انطلقت منها هذه الحملات (66)، ولذلك كان معظم جند هذه الحملات من عرب الجنوب المقيمين في مصر. ويشير ابن عبد الحكم الى هذه الحقيقة جزئيا فيقول إن حملة عبد الله ابن أبي سرح على افريقية في عام 28 هـ / 647 م، كان فيها من مهرة وحدها ستمائة رجل، ومن الأزد ألف وأربعمائة رجل، عدا من كان فيها من بقية القبائل الأخرى اليمانية التي شكلت معظم هذا
الجيش (67)
•
""
بن
وفي هذا الصدد يشير اليعقوبي الى أن برقة لها جبلان يوجد في الشرقي منهما "قوم من العرب من الأزد ولخم وجذام وصدف وغيرهم من أهل اليمن، ويوجد في الغربي "قوم من غسان وقوم من جذام والأزد وتجيب وغيرهم من بطون العرب،، (68). وعندما يتحدث المدن التي تقع في جنوبي ليبيا مثل ودان يقول إن أهلها قوم مسلمون يدعون أنهم عرب من اليمن وأكثرهم من مزاتة (69)، مما يشير إلى أن عرب ليبيا إما أنهم جاءوا اليها مع حملات الفتح، وإما أنهم هاجروا إليها بعد ذلك.
عن
وهكذا كان الحال في بقية أنحاء المغرب، وهكذا غلب الأزد وعرب الجنوب بصفة عامة على هذه البلاد وصاروا جل من فيها من العرب. ولاشك أن هذا الوجود الأزدي واليمني أعطى دعما للأباضية
(66) سيدة الكاشف: ص 84 ـ 85. (67) ابن عبد الحكم: ص (183، 184 (68) صفة المغرب المأخوذ من كتاب البلدان لليعقوبي، ليدن، سنة 1985 م، ص (69) المصدر السابق، ص
t (1/51)
صفحة 52
—
هناك، خاصة وأننا اذا تصفحنا كتب الأباضية المغاربة نجد أن أئمتهم الأوائل كانوا من عرب الجنوب. والمثال على ذلك هو عبد الله بن
مسعود التجيبي، والحارث بن تليد الحضرمي وقاضيه أو وزيره عبد الجبار بن قيس المرادي، وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي أقام أول إمامة ظهور في بلاد المغرب في عام 140 هـ /
757 م (70)
•
واذا كان هذا الوجود الأزدي واليمني عاملا مساعدا بالنسبة لانتشار المذهب الأباضي في بلاد المغرب، فان هناك عاملا آخر كان له أثره الكبير في انتشار هذا المذهب بخطى سريعة، هذا العامل هو تطرف الخوارج الصفرية.
تطرف الصفرية في بلاد المغرب:
ومعروف أن المذهب الصفري هو أحد مذاهب الخوارج الأربع التي أشرنا اليها في بداية هذا الحديث، ولما كان هؤلاء الخوارج قد اتخذوا من الخروج بالسيف على الدولة وسيلة لتحقيق أهدافهم، فإن الصفرية في بلاد المغرب اتبعوا هذا الأسلوب في هذه المنطقة النائية، ولذلك رفعوا لواء الثورة ضد بني أمية منذ عام 122 هـ / 740 م، واستطاعوا أن يدحروا القوات الأموية في موقعتين شهيرتين هما موقعة الأشراف وبقدورة، وتمكنت القوات الأموية بعد ذلك من هزيمتهم في موقعتي القرن والأصنام في عامي 124، 125 هـ. ومايهمنا هنا ما أظهره هؤلاء الصفرية من تطرف شديد في معاملتهم الخصومهم
هو
(70) أبو زكريا: سير الأئمة وأخبارهم المعروف بتاريخ أبي زكريا، تحقيق اسماعيل العربي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1982 م، ص 16، 57 - 99، محمد عيسى الحريري: ص 64 (1/52)
صفحة 53
– 53 -
—
وسبي
النساء
سواء كانوا من العرب أم من البربر. فقد كانوا يستحلون سبي أهل الذمة، ويستحلون الأموال ويسفكون الدماء (71)، وكانوا في حركتهم في بلاد المغرب أقسى على الناس من حركة الأزارقة في بلاد المشرق (72). وقد وصل تطرف البربر الصفرية الى غايته عندما داهموا القيروان في عام 139 هـ / 756 م واحتلوها وفعلوا بأهلها وبمساجدها ماتقشعر له الأبدان على يد قبيلة ورفجومة التي كان أهلها
من
غلاة الصفرية (73)
•
وقد أدى هذا التطرف الى أمرين: الأمر الأول هو كراهية البربر للصفرية حتى أنهم قاموا ضدهم في كثير من المواقف، وأقبلوا على الأباضية ومالوا إليهم وخاصة بعد أن رأوا أن الأباضية يقومون بقتال ورفجومة ويغيثون أهل القيروان وينقذونهم من ظلم وفجور هذه القبيلة، على يد أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي أسرع الى القيروان وقاتل ورفجومة في عام 141 هـ / 758 م، وهزمها وأخرجها من هذه المدينة، بعد أن استمرت متغلبة عليها مدة عام وشهرين، وعاد الى طرابلس بعد أن ولي على القيروان عبد الرحمن بن رستم الذي أسس فيما بعد الدولة الرستمية الأباضية في عام 160 هـ (74). ومن ثم انتقلت قيادة البربر من الصفرية الى الأباضية بعد أن ضاق البربر بعنف الصفرية وتطرفهم المقيت (75)، فضعف أمر الصفرية منذ ذلك الحين وذاب أغلبهم في الأباضية وتجمعت
(71) ابن عبد الحكم: ص 219 – 223، ابن عذاري: ص 53، 56، 58، 59. (72) عبد المنعم ماجد: ص 288.
(73) أبو زكريا: ص 60، ابن عذاري: ج 1 ص 70 (74) ابن عذاري: ج 1 ص 71، أبو زكريا: ص 60، 63، 65، الدرجيني: جـ 1 29، الشماخي: جـ 1 ص 115 – 118، السيد عبدالعزيز سالم: تاريخ
ص 26
-، 200
المغرب الاسلامي، ص 253.
-
•
(75) محمد عيسى الحريري: ص 64 (1/53)
صفحة 54
54
-
البقية الباقية منهم حول إمامة سجلماسة الصغيرة في جنوب المغرب
الأقصى (76)
•
والأمر الثاني هو انتشار المذهب الأباضي بين كثير من البربر الذين يكونوا قد اعتنقوه، بعد أن لمسوا بأنفسهم مدى السماحة والاعتدال الذي يتصف به الأباضية. وكان هذا الاعتدال وهذا التسامح من العوامل المساعدة التي رفعت من شأن هذا المذهب عند المعاصرين ومكنت له في قلوبهم فاعتنقوه وازداد انتشاره بينهم حتى غلب على معظمهم، ونتج عن ذلك قيام دولة أباضية كبيرة احتلت مكانا بارزا في التاريخ الاسلامي
اعتدال المذهب الأباضي وتسامح علمائه:
الأباضية عند كثير من كتاب الفرق والمذاهب خطأ بالغلو والتطرف، وكان هذا الاتهام الذي جاء عمدا أو عن جهل، لأهداف لا تخفى على الفطن واللبيب ودارس التاريخ الذي يقرأ كتب الأباضية ويلمس بنفسه ماعندهم من اعتدال، ولا يكتفي بما كتبه القدامى، لأن هؤلاء القدامى إنما كانوا يعبرون ـ في غالب الأحيان ـ
عنهم،
-
-
عن الموقف الرسمي للدولة سواء كانت أموية أم عباسية من الفرق المناهضة لها، ولا يخفى أن الأباضية رغم اعتدالهم من الناحية المذهبية والفقهية، إلا أنهم كانوا في عداء سياسي مع دولة بني أمية ودولة بني العباس، نظرا لأنهم كانوا يقولون بأن الامامة أو الخلافة حق مسلم صالح، فلا تكون قاصرة على قريش ولا على بطونها المختلفة من الأمويين أو العباسيين أو العلويين. ولما كان هذا الموقف السياسي
لأي
(76) صالح باجية: الأباضية بالجريد، دار بوسلامة للطباعة والنشر، تونس، الطبعة الأولى، سنة 1976 م، ص 29. (1/54)
صفحة 55
للأباضية يلتقي من الناحية النظرية ومن الناحية الفكرية البحتة مع الخوارج الأزارقة والصفرية والنجدات، فقد عمم كتاب الفرق القول ووضعوا الأباضية ضمن هؤلاء الخوارج، واعتبروهم فرقة رابعة من فرقهم، ووصفوهم خطأ بالغلو والتطرف. والأباضية أنفسهم وكما هو موجود في كتبهم القديمة والحديثة يتبرأون من هؤلاء الخوارج كل البراءة بل ويقاتلونهم ـ كما سنرى ـــ بأشد قتال
بعض
-
•
ولذلك وجدنا أنفسنا وقد هيأ الله عز وجل لنا فرصة الاطلاع على كتب الأباضية، وفرصة المعايشة لهذا النفر من المسلمين طوال أربع سنوات في سلطنة عمان، نقول وجدنا أنفسنا مطالبين بأن نتتبع هذا المذهب في هذه الصفة، صفة الاعتدال أو الغلو، فوجدنا أن القوم على غير ماقيل عنهم، ووجدنا حرصهم على تنفيذ ما أمر به الكتاب والسنة حرصا شديدا حتى انهم يتشددون على أنفسهم في الأحيان، ووجدنا سيرتهم في كتبهم تدل على أنهم كانوا ومنذ أن ظهروا لا يميلون الى الغلو والتطرف على أي نحو من الأنحاء. ونحن هنا لن نكتفي بماظهر عندهم من اعتدال في بلاد المغرب أو غيرها من البلدان التي انتشر فيها المذهب، وانما كان علينا حتى تتم ويتضح الأمر أن نقوم باستقصاء لهذه الصفة ـ أقصد صفة الاعتدال منذ أن ظهر المذهب على أرض البصرة لنرى ان كانت هذه الصفة صفة أصيلة لازمت رجاله ومشايخه، أم أنها صفة طارئة ظهرت عند القوم لأسباب سياسية أو لغيرها الأسباب من وقد سلفت الاشارة الى أن المذهب الأباضي لم يكن يعرف بهذا الاسم الا منذ الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة حينما غلب على أصحابه هذا الاسلام واشتهروا به، وانما كان أصحابه قبل ذلك يعرفون باسم جماعة القعدة، وهو اسم له دلالته السياسية، وقد أطلقه عليهم
-
الفائدة (1/55)
صفحة 56
-
-
جماعات الخوارج من الأزارقة وغيرهم، احتقارا لهم ورفضا لمبدئهم ذاك في القعود. فقد وضع هؤلاء القعدة لأنفسهم مبدأ المسالمة وعدم اشهار السيف في وجه اخوانهم من المسلمين، وأجازوا لأنفسهم البقاء تحت حكم الجبابرة، وقالوا بعدم جواز قتل أطفال مخالفيهم ولا قتل نسائهم ولا استحلال أموالهم (77)، وأخذوا يعملون على نشر مبادئهم السياسية في سرية وكتمان، ودخلوا في مرحلة كتمان طويلة امتدت منذ أن تأسس المذهب على يد جابر بن زيد في أواخر القرن الأول للهجرة، حتى هاجر معظم علماء المذهب وآخر أئمة الكتمان أبو سفيان محبوب بن الرحيل الى عمان في أواخر القرن الثاني للهجرة وكان الأمر على هذا النحو من المسالمة والسرية عندما انتشر المذهب في مصر وعمان وبلاد المغرب. ففي مصر كان الأباضية في مرحلة كتمان ولم تظهر لهم دولة، وفي عمان لم تظهر لهم دولة الا في عام 134 هـ / 751 م، ولم تستمر هذه الدولة الا عامين اثنين، ثم ظهرت مرة أخرى بعد ذلك في عام 177 هـ / 793 م واستمرت حوالي قرن من الزمان ثم قضي عليها، ثم ظهرت بعد ذلك في فترات متقطعة. وفي بلاد المغرب كان الأباضية في حالة كتمان حتى عام 140 هـ 776 م عندما ظهرت لهم دولة في طرابلس والقيروان لم أكثر من أربع سنوات، ثم ظهرت لهم دولة أخرى في تاهرت ببلاد الجزائر في عام 160 هـ/ 776 م لم تستمر أكثر مائة وثلاثين عاما، بعدها ضعف المذهب في مصر والمغرب وانتهى أمره
تستمر
من
وست
نهائيا في مصر، بينما ظلت له بقية في بعض بلدان المغرب، وبقيت
دولته في عمان حتى يومنا هذا
•
-
(77) أبو الحسن البسيوي: الجامع، ج 1 ص 662 ـ 265، أبو سعيد الكدمي: الجامع المفيد، جـ 5 ص 125، 126، أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 3 ص 276،
نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 81 – 82.
• (1/56)
صفحة 57
-
فطبيعة نشأة المذهب وفترات ظهوره لاتدل على تأصل النزعة الحربية أو العدوانية في نفوس معتنقيه، فقد ولدت حر ركتهم ولادة
أن
سلمية، ونشأ مذهبهم على يد مؤسسة جابر بن زيد الذي سبق تحدثنا عنه وبينا كيف أنه لم يكن ممن شهدوا حرب الجمل أو صفين أو النهروان، ولم يكن ضمن هؤلاء الذين عرفوا بالخوارج، ولم يكن ضمن هؤلاء الذين رفعوا السيف في وجه الدولة أو حاربوها من الخوارج وغيرهم، بل كان يأتلف معها، وكما سبق القول فقد كان يأخذ عطاءه من الحجاج بن يوسف الثقفي، كما كان يأخذ جائزته ويحضر مجلسه ويصلي خلفه (78)
•
ولذلك كان من مباديء الأباضية بعد جابر جواز الصلاة خلف أهل القبلة كلهم، وخلف الجبابرة في الأمصار التي تجب فيها صلاة الجمعة (79) اقتداء بما فعله جابر. ولذلك كانوا يجيزون الاقامة في أي بلد غلب عليه الجبابرة، ويجيزون الغزو معهم أيضا (80)، كما كانوا يأخذون بأحكامهم ولايرون في ذلك بأسا طالما أن أحكامهم كانت موافقة للحق والعدل (81)، وكانوا يستحسنون أفعالهم اذا جاءت على هذه الصفة من ذلك ما حدث عندما عرض على عبد الملك بن
مروان
(78) أبو سعيد الكدمي: الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، مسقط، وزارة التراث، سنة 1986 م، ص 22، أبو الحسن البسيوي: جامعه، مسقط، وزارة التراث، سنة 1984 م، جـ 4 197، أبو بكر الكندي: المصنف، جـ 5 ص 285، أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع،
جـ 6 ص 182، 184، جـ 13 ص 166، الرقيشي: مصباح الظلام مخطوط رقم 368،
ص 354، 357 (79) أبو غانم الخراساني: المدونة الكبري، مسقط، وزارة التراث، سنة 1984 م، ج 1 ص 195 ـ 196، أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 13 ص 166، 170، جـ 15 ص 71، أبو
،
398،
الحسن البسيوي: جامعه، جـ 4 ص 197، أبو بكر الكندي: المصنف، جـ 5 ص 285، الجيطالي: مناظر الخيرات، مسقط، وزارة التراث، سنة 1983 م، ج 1 ص 438، 439،
مخطوط مصباح الظلام للرقيشي، بزقم 368، ص 354، 355
•
(80) ابن بركة: كتاب الجامع، تحقيق عيسى يحيى الباروني، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثالثة، سنة
1974 م، ج 1 ص 201، 204
(81) أبو الحسن البسيوي: جامعه، ج 4 ص 199. (1/57)
صفحة 58
،،
أمر رجل تزوج من امرأة أبيه ظنا منه أنها تجوز له، فأمر عبد الملك بقتله على جهله فيما لايجوز الجهل به وقال: لاجهل في الاسلام ولا تجاهل، فاستحسن جابر بن زيد هذا العمل من عبد الملك وقال عنه إنه أحسن وأجاد (82). وما ذاك إلا لما تميز به هذا الفقيه الكبير والتابع الجليل وتميز به مذهبه من صفة التسامح والاعتدال، ولما. قام عليه هذا المذهب من أسس وأصول
فالمذهب الأباضي يعتمد في أصوله على الكتاب والسنة ويتفق في أصول وفروعه مع مذاهب أهل السنة، ولا يختلف معها الا
كثير من
في مسائل قليلة، اختلاف مذاهب السنة نفسها فيما بينها، فلا يخلو منها مذهب لا يخالف غيره في قليل أو كثير من المسائل (83). وما كان اعتماد المذهب الأباضي على الكتاب والسنة وعدم تباعده عن مذاهب السنة إلا لأن مؤسسه جابر بن زيد قد أخذ عن الذين أخذ عنهم أصحاب هذه المذاهب من الحنفية والشافعية والمالكية
الصحابة
عن
والحنابلة، بل إنه يمتاز على أصحاب هذه المذاهب في أنه أخذ الصحابة مباشرة بينما هم لم يأخذوا في معظمهم إلا من التابعين. كما أن الأحاديث التي جمعها هو وغيره من علماء وفقهاء وجماع الأحاديث الأباضية كالربيع بن حبيب وغيره، ليست الا أحاديث وردت عند البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والطبراني والبيهقي وغيرهم من أهل السنة والجماعة (84)، ولو اطلعت على كتاب مثل بيان الشرع وهو
من
(82) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 28 ص 44، 45، 161 (83) الظاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف، مصر، الطبعة الثانية، سنة 1963 م، ص 120
(84) سالم الحارثي: العقود الفضية، ص 166، 167، أحمد مهني سالم: هذه مبادئنا، عمان سنة 1987 م، ص 211.
، (1/58)
صفحة 59
-
من
أقدم كتب الفقه الأباضي لوجدته مليئا بالأسانيد المأخوذة عن الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما من أئمة مذاهب أهل السنة (85)، فالمصدر واحد والمنبع واحد، فلا غرابة أن يأتلف المذهب الأباضي مع مذاهب أهل السنة، ولاغرابة أن يرى هذا الرأي بعض القدامى
فابن حزم على سبيل المثال، وهو من كتاب الفرق المعدودين، لم يذكر في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل، شيئا من المثالب للأباضية، بينما نراه يكتب صفحات مطولة عن مثالب الأزارقة والنجدات والصفرية، ويقول أن هذه الفرق الأخيرة بادت نظرا لغلوها وتطرفها الشديد (86)، كما نراه يذكر كثيرا من مثالب الشيعة والمعتزلة والمرجئة في أكثر من ستين صفحة (87).
•
دين
ويضاف إلى ذلك فإن ابن حزم لم ينخدع بما قيل عن الأباضية عند كتاب الفرق والنحل الآخرين الذين نسبوا الى الأباضية ماليس فيهم، وأضافوا اليهم فرقا لاتمت لهم بصلة. مثال ذلك ماقالوه عن فرقة رئيسها يدعى زيد بن أبي أنيسة، كان يقول بأن الاسلام سينسخ بنبي من العجم، وبقرآن آخر ينزل عليه جملة واحدة، فنسبوا هذه الفرقة الى الأباضية، أما ابن حزم فإنه صدع بالحق واستنكر ذلك قائلا إن "جميع الأباضية يكفرون من قال بشيء من هذه المقالات ويبرءون منه ويستحلون دمه وماله وإن جميع المسلمين يتفقون مع الأباضية في تكفير هذا النفر الضال والبراءة منهم (88). ولاشك أن ابن حزم رغم أنه سُنّي مثله في ذلك مثل بقية كتاب
(85) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 23 ص 72، 225، جـ 24، 151. (86) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق محمد ابراهيم نصر، عبد الرحمن عميرة، شركة مكتبات عكاظ للنشر والطبع، الرياض، الطبعة الأولى، سنة 1982 م، جـ 5 ص 53.
(87) المصدر السابق، جـ 5 ص 35 ـ 97 (88) المصدر السابق، جـ ه (1/59)
صفحة 60
الفرق الآخرين، إلا أنه كان يعيش في بيئة تطلق فيها حرية القول، وفي عصر لا يعرف التعصب المذهبي، لأنه عصر دول الطوائف التي اقتسمت بلاد الأندلس، وقام ملوك هذه الطوائف يتقربون للعلماء والفقهاء حتى يتخذوا منهم ذريعة تسند عروشهم الهزيلة (89)، ولذلك فإن هؤلاء الفقهاء ما كانوا يخشون لهم بأسا ولايرون لهم بطشا، فقال ابن حزم ماقاله دون خوف أو وجل. أما في بلاد المشرق، فقد كانت الدولة الحاكمة قوية شديدة البطش بكل من يخالف رأيها أو مذهبها، ولذلك جاءت هذه الأقوال المشينة عن الأباضية عند كتاب هذه الدولة ومؤرخيها رغم قربهم من مصادر الفقه والمذهب الأباضي سواء في البصرة أم في عمان. فالبصرة في بلاد العراق نفسها، وعمان ليست بعيدة عن بغداد أو دمشق بعد الأندلس عنهما، وموسم الحج كان يجمع الجميع، فلا عذر لأمثال هؤلاء الكتاب فيما قالوه وديجوه ضد الأباضية بغيا بغير علم.
لقد فات هؤلاء الكتاب أن يعرفوا ما تحدثنا عنه من طبيعة نشأة المذهب، وماقلناه عن أنه كان يعتمد على الكتاب والسنة والاجماع، وكان علماؤه لا يشددون على الناس ولا يعنفون بهم، بل كانوا ييسرون عليهم عندما يتناولون مشاكلهم الفقهية ويضعون لها الحلول. وقد ضرب جابر بن زيد المثل على ذلك، كما ضربه أقرانه وتلاميذه ومن جاء بعده من علماء المذهب. وعلى سبيل المثال فقد قال وائل بن أيوب الحضرمي الذي كان يعيش في البصرة وكان معاصرا للربيع بن حبيب، أي أنه كان يعيش في القرن الثاني للهجرة، أن "الفقيه هو الذي يعلم للناس مايسع فيه ما يسألونه. عنه، وأما من يضيق عليهم،
(89) رجب محمد عبد الحليم: العلاقات بين الأندلس الاسلامية وأسبانيا النصرانية، دار الكتاب المصري واللبناني، القاهرة، سنة 1985 م، ص 292 – 293 (1/60)
صفحة 61
-
فكل من شاء أخذ بالاحتياط، (90)
•
حتى في العبادات والشعائر، نرى أبا سفيان محبوب بن الرحيل الذي ترأس الأباضية بعد موت الربيع بن حبيب في عام 170 هـ / 786 م، يروى عن عبد الملك الطويل عن أبي حمزة المختار يقول أدركت المسلمين يقصد الأباضية - أن كان الرجل منهم
-
مايستزاد في صلاة ولا في صيام ولا في حج ولا اعتمار ولا في وجه من الوجوه (91). وكان أحد شيوخ الأباضية في البصرة يفتي بالشيء ويخالفه شيخ آخر فيما أفتى، والأمثلة على ذلك كثيرة وموجودة في كتب الفقه وكتب الطبقات الأباضية (92). ومعروف أن الأباضية لا يعترفون بالتقليد فيما يأخذون أو يدعون حتى لفقهائهم أنفسهم، والمشهور عنهم أنهم يقولون أنهم رجال تقييد لاتقليد، أي أنهم يتقيدون بالكتاب والسنة وبما تقيد والتزم به السلف الصالح، ولا يقلدون أصحاب المذاهب أو أصحاب الأقوال إلا اذا كانت أقوالهم موافقة للكتاب والسنة (93).
وقد بلغت السماحة وحب السلام لديهم أن فقهاءهم فضلوا الصلح بين أي فئتين من المؤمنين تقاتلا، وأنه لا ينبغي لأحد أن يفضل أي فئة منهما على الأخرى حتى لا تحدث فتنة. وفي ذلك قال أحد شيوخهم من المغاربة إنه اذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحب الي أن يصطلحوا، فان لم يفعلوا فالأحب الى أن لا تغلب فئة فئة، فإن من أحب أن تغلب إحداهما الأخرى فقد دخل في الفتنة ولزمه مالزم أهل تلك، وكأن سيفه يقطر دما والسلامة عندي
.
(90) الدرجيني: ج 2 ص 251، 278، الشماخي: ج 1 ص 97 (91) الشماخي: ج 1 ص 100
•
99
(92) المصدر السابق، ج 1 ص 102.
(93) الدرجيني: جـ 2 ص 479، سعيد عاشور، عوض خليفات: عمان والحضارة، الاسلامية، ص 107. (1/61)
صفحة 62
- 62 -
أن يكونا في البراءة سواء، لا يرجح إحدى الطائفتين، فإنه متى رجح
أثم، (94).
جندهم
واذا حدثت الفتنة وقام قتال بينهم وبين غيرهم من المسلمين كان أئمتهم وقوادهم يلتزمون بأمور الشرع في القتال. فكانوا يأمرون " بألا يتبعوا مدبرا ولا يجهزون على جريح، ولا يسلبوا ميتا ثيابه أو ماله تنفيذا لتعاليم الاسلام في قتال أهل القبلة، (95). ولم يكن هذا الكلام شعارا أو كلاما للدعاية أو التظاهر بالالتزام بمباديء الاسلام في معاملة الأسرى والجرحى والخصوم والأعداء أثناء القتال وبعده، بل هي مباديء التزم بها الأباضية في فقههم وفي سائر دولهم التي أقاموها وفي حروبهم التي خاضوها
-
عند
أما الفقه فقد حفظت لنا كتب الفقه الأباضي هذه المبادئ في بيان واضح لا لبس فيه ولا غموض. من ذلك ماجاء في جامع أبي الحسن البسيوي من قوله ان أهل القبلة البغاة لا يحل منهم - محاربتهم ـ غنيمة مال ولاسبي ذراريهم ولاقتل طفل ولاسبي امرأة ولانكاح ذات بعل منهم، ولا يحل منهم أكثر من دمائهم، إلا أن خيلهم وسلاحهم وكراعهم الذي يقاتلون به المسلمين (أي الأباضية) ويستعينون به على حروبهم كان للمسلمين أن يحاربوهم به ويركبوا ويستعينوا به عليهم في حال محاربتهم، وإن تلف في حال محاربتهم لم يكن على المسلمين ضمان، وإن تلف بعد انقضاء الحرب، ووضع الحرب بينهم، فإنهم يضمنون على قول، ولعل بعضا يجعله شبه الأمانة ولاضمان، وإن بقي في أيديهم من بعد الظفر ووضع الحرب أوزارها
(94) الدرجيني: ج 2 ص 491
(95) أبو زكريا: ص 64، الدرجيني: ج 1 ص 31. (1/62)
صفحة 63
-
63
-
فعلى المسلمين حفظها لأهلها أو لورثتهم إن كانوا ماتوا (96). أما الذين لم يحاربوا الأباضية فقد جاء حكم أبي الحسن البسيوي فيهم واضحا إذ قال إنه لا يحل شيء من دماء أهل القبلة بعد إقرارهم بالإسلام إلا ما أحل الله ورسوله، (97). وهذا مجرد مثال من الفقه الأباضي، وعليه سار الآخرون ممن كتبوا في هذا الفقه
القيروان
الأحداث
أما الدول التي أقامها الأباضية ففي سيرتها الكثير من والوقائع التاريخية التي تؤيد التزام الأباضية بمباديء الاسلام في الحرب والقتال وعدم اللجوء الى العنف والقسوة والتطرف. من ذلك ماحدث عندما تفقد أبو الخطاب عبد الأعلى أول إمام ظهور في طرابلس القتلى من قبيلة ورفجومة الصفرية بعد أن هزمها وأجلاها عن. فقد وجد أحدهم قد سلبت ثيابه، عندئذ أمر بالمناداة والبحث عمن ارتكب هذا العمل الشائن، ولما عرفه أقام عليه الحد على الفور، وأمر جنده ألا يعودوا الى مثل هذا العمل مرة أخرى، كما أمرهم ألا يتلفوا للناس زرعا أو يغتصبوا لهم مالا (98). وقبل ذلك وعندما استولى أبو الخطاب على مدينة طرابلس ووقع عامل أبي جعفر المنصور في يديه، لم يأمر بقتله أو حتى بسجنه، وإنما خيره في البقاء أو الخروج آمنا، ولما اختار هذا العامل الخروج والعودة الى المشرق، أعطاه أبو الخطاب من بيت المال مايستعين به في رحلة العودة (99).
وقد صارت هذه السيرة سياسة اتبعها خلفاء أبي الخطاب. فعندما تمكن أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي الأباضي من استعادة مدينة
(96) أبو الحسن البسيوي: الجامع، جـ 4 ص 181، 182، أبو سعيد الكدمي: الجامع المفيد،
ج 5 ص 125، 129.
(98) أبو زكريا: ص 63، 64.
(97) أبو الحسن البسيوي: الجامع، جـ 4 ص 153 (99) المصدر السابق، ص 59، الشماخي: ج 1 ص 115. (1/63)
صفحة 64
64 -
شديدا
طرابلس من يد جند العباسيين في عام 145 هـ 762 م، غضب غضبا من بعض جنده من البربر الذين كانت ثقافتهم الدينية محدودة، فانتزعوا ثياب القتلى وأخذوها لأنفسهم، فهددهم أبو حاتم بالعقاب أو باعتزالهم، وقال لهم إن لم تردوا ما أخذتم من أمتعتهم، فقد اعتزلت أموركم وتركت ولايتكم وبرئت منها إليكم، فاستجابوا له وأطاعوه وردوا ما أخذوه من أسلاب القتلى، (100).
""
وما فعله أبو الخطاب مع والي طرابلس العباسي، فعله أبو حاتم هذا مع جند ابن الأشعث في مدينة القيروان. ورغم أن هؤلاء الجند هم الذين قتلوا أبا الخطاب وأزالوا دولته، إلا أن أبا حاتم لم يأخذ بسياسة الانتقام فلم يقتلهم عندما وقعوا في أسره، وإنما عفا عنهم واكتفى بإجلائهم عن المدينة وأعطى لكل خمسة منهم قربة وخشبة يحملون عليها قربتهم، وأعطاهم خنجرا يصلحون به نعالهم، وأعطي لكل الخمسة رغيفا من خبز لزادهم، فتفرق أولئك الأسارى
،
واحد من
وانصرفوا الى المشرق، (101).
نفس السياسة كانت مطبقة في البلاد الأخرى التي ظهر فيها الأباضية. فعندما اعتزم عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق أن يقيم دولة الأباضية في حضرموت واليمن في عام 128 هـ / 746 م، كان من الأوامر التي تلقاها من إمام الأباضية في البصرة أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي أن لا يغل ولا يغدر، وعلى أن يقتدي بالسلف الصالح وأن يسير بسيرتهم (102)
ونظرا لهذه الصفات والمباديء التي التزم بها طالب الحق، فانه لم يجد مقاومة تذكر حينما زحف الى صنعاء فدخلها بغير قتال، كما استولت جيوشه بقيادة أبي حمزة الشاري على مكة أيضا بغير قتال،
(100) أبو زكريا: ص 74 - 75 (101) المصدر السابق، ص 75، 76 (102) أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، جـ 23 ص 224 (1/64)
صفحة 65
جند بني
، ??
ولم يقاتل أبو حمزة أهل المدينة. لأنه ماجاء لقتالهم وإنما جاء لقتال أمية وإخراج عاملهم من بلاد الحجاز، ولكن أهل المدينة حاربوه فحاربهم وهزمهم، واستولى على المدينة في عام 130 هـ 747 م وخطبهم خطبته المشهورة (103).
وفي عمان عندما قامت فيها للأباضية دولة في عام 132 هـ 750 م، وتصدى العباسيون لهذه الدولة الوليدة، وأرسلوا جيشهم بقيادة خازم بن خزيمة الذي مكث غير بعيد يرقب نتيجة الصدام الذي كان واقعا بين أباضية عمان وبين الصفرية، الذين كانوا قد هربوا اليها وأرادوا الاحتماء بها من العباسيين، وبعد أن تخلص الأباضية منهم في معركة مشهورة وقتلوا قائدهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري، أراد خازم أن يحصل على سيف شيبان وخاتمه ليعز بهما عند الخليفة ويرتفع شأنه لديه، ولكن العمانيين رفضوا ذلك كل الرفض، ليس لأن قيمة السيف والخاتم مما يُضن به أو مما يغري على الاحتفاظ بهما، وإنما لأن قواعد المذهب الأباضي كما رأينا في السابق تقضي بعدم استلاب القتلى من أهل القبلة وعدم أخذ أمتعتهم، لأن ذلك من حق ورثتهم أو أوليائهم. فعل العمانيون ذلك رغم أنهم كانوا يعلمون أن ذلك مما يعرضهم لسخط خازم وعتوه، وكان في إمكانهم أن يعطوه ما أراد حتى يتقوا شره، ولكنهم لم يبيعوا دينهم بدنياهم، فلم يخشوا بأس خازم وعتوه، وفضلوا لقاءه وجنده في معرد انتهت بمقتل الجلندى ابن مسعود ومعظم جيشه في مكان يسمى جلفار (رأس الخيمة الآن في عام 134 هـ / 751 م، ولم يكن قد مضي على قيام دولته الوليدة أكثر من عامين اثنين (104).
(103) المصدر السابق، جـ 23 ص 225 ـ 237 (104) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 95 (1/65)
صفحة 66
- 17 -
-
وعندما قامت في عمان الدولة الأباضية الثانية في عام 177 هـ / 793 م، وأقبل جيش العباسيين بعد ذلك ببضع سنين يقتحم عليهم بلادهم وتمكن العمانيون من دحر هذا الجيش، فإنهم طبقوا قواعد الاسلام في معاملة الأسرى، ولم يتعرضوا للقائد العباسي عيسى بن جعفر بسوء، ووضعوه في السجن، ورأي الإمام عدم قتله ولكن بعض الأباضية تسحبوا وتسوروا السجن وقتلوه فيه بغير علم الإمام أو علم الوالي، وبغير أمرهما، انتقاما لما فعله هذا القائد وجنده بالعمانيين (105)، أما سلبه وما كان معه أموال وسلاح وطعام وخيل، فقد طبقوا فيها حكم الاسلام وقواعد المذهب الأباضي التي تقضي بعدم الاستيلاء على شيء من هذه الأسلاب والأموال، ولذلك فقد أمر الامام ببيع جميع ما وجده جنده في معسكر عيسى بن جعفر وجنده من هذه الأشياء وأنفذوا به الى ورثته
ومع
شيعته من
وجهه
(106)، وذلك اقتداء بما فعله الامام على بن أبي طالب كرم الله في أموال أصحاب الجمل، فإنه حرمها على جنده فلم يأخذوا منها شيئا، لأن القتلى كانوا من المسلمين وليسوا من الكفرة، فلا يحل لهم أن يأخذوا من أموالهم أو أسلابهم شيئا (107).
ويتبين قيام العمانيين بتطبيق قواعد الشريعة أيضا فيما أمر به الامام مالك حينما أرسل جيوشه الى جزيرة سقطرى للاستيلاء
الصلت
بن
عليها وطرد النصارى منها، وكانوا قد هجموا عليها وقتلوا والى الامام بها، وسلبوا ونهبوا وأخذوا البلاد وتملكوها قهرا. فقد كتب الامام الى جنده عهدا استغرق خمس عشرة صفحة في تحفة الأعيان،
(105) المرجع السابق، جـ 1 ص 118، 119 (106) أبو سعيد الكدمي: الجامع المفيد، جـ 5 ص 125، 126.
(107) الطبري: جـ 4 ص 538 - 539، 541. (1/66)
صفحة 67
-
للعمل بموجبه عند تحرير هذه الجزيرة في معاملة أهل الذمة وفي معاملة المسلمين الموجودين فيها، وفي غير ذلك من الأمور الشرعية التي تقع
وقت الحرب (108)
ورغم سيادة المذهب الأباضي في عمان، ورغم أن الأباضية هم الكثرة الغالبة فيها، الا أنهم لم يقفوا أمام تواجد المذاهب الأخرى في بلادهم. فقد ورد في المصادر مايفيد بوجود القدرية والمرجئة في صحار. وقد كثر عددهم في عهد الامام عبد الملك بن حميد 20 - 226 هـ / 822 - 840 م، وصاروا يدعون الناس الى
1
مذاهبهم حتى استجاب لهم الكثيرون وامتد نشاطهم الى توام (البريمي (الآن وغيرها من نواحي عمان، لدرجة أن والي صحار خاف من هذا النشاط المتزايد، فأرسل رسالة الى الامام يحذره من خطورة هذا
النشاط ويطلب رأيه (109)
كذلك كان للشيعة وجود في صحار في تلك الفترة أيضا (110)، كما كان للسنة وجود كبير في كثير من أنحاء عمان، وما زالت تعمر هذه البلاد بأصحاب هذه المذاهب الثلاث: الأباضية والسنة والشيعة، مما يدل على تسامح الأباضية الذين يشكلون الكثرة الغالبة بين أصحاب هذه المذاهب
وكانت سياسة الأباضية في بلاد المغرب في التسامح نحو المذاهب الأخرى تسير على نفس المنوال. فرغم أن دولة عبد الرحمن بن رستم كانت تضم معظم المغربين الأدنى والأوسط فيما عدا القيروان ومايحيط
(108) انظر، نص عهد الصلت بن مالك الى جنده عند فتح جزيرة سقطرى في تحفة الأعيان للشيخ نور الدين السالمي، جـ ص 168.
-
183
•
138 140
-
(109) المرجع السابق، جـ 1 ص
•
(110) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 28 ص 67، سالم السيابي: عمان عبر التاريخ، مسقط، وزارة التراث، سنة 1982 م، جـ 2 ص 149، 150 (1/67)
صفحة 68
68 -
بها من بلدان، وكان في امكانه أن يستغل القوة السياسية والمذهبية التي توافرت له ولدولته في الحيلولة دون وجود مذاهب أخرى بجانب المذهب الأباضي في تاهرت وغيرها من مدن هذه الدولة، الا أنه لم يفعل، وكانت ظروف مدينة تاهرت بالذات تساعده على ذلك لو
أراد.
فمن المعروف أن هذه المدينة كانت مدينة جديدة بناها عبد الرحمن ابن رستم بنفسه هو ومن معه من الأباضية بعد مقتل أبي الخطاب وفرارهم من القيروان الى موضع هذه المدينة في عام 144 هـ / 761 م (111)، فهي لم تكن مدينة قديمة يمكن أن تكون المذاهب الأخرى قد دخلتها واستقرت فيها، ولم يكن سكانها ذوي أصول قديمة يمكن أن تسمح بتنوع في المذاهب كما هو الحال في المدن القديمة التي مصرها العرب في فترة الفتوحات وتوافد عليها العرب في أزمنة مختلفة، كل يحمل مذهبه وعقيدته معه، مما جعل هذه المدن عادة تحمل طابع
التعدد المذهبي، كما هو الحال في بغداد أو دمشق أو الفسطاط القيروان أو القاهرة وغيرها، وإن كان المذهب السني هو الغالب على
هذه المدن
من
الأباضية حداثة مدينة تاهرت، ومع أن الذين بنوها هم ومع إلا أننا نسمع أنها أصبحت مأوى لكثير من أصحاب المذاهب المختلفة سُنَّة وواصلية معتزلة) وشيعة وصفرية، حيث أقبل اليها كثير من فقهاء هذه الفرق والمذاهب من العراق والقيروان وغيرهما، وأقاموا فيها مستظلين بجو العدالة والسماحة الذي أظلها منذ عهد عبد الرحمن بن رستم أول امام لها، هذا الجو الذي سمح لهم بأن يقوموا بنشاط علمي وفقهي كبير، وأن يأخذوا في مناظرة علماء الأباضية في مسائل العقيدة
(111) أبو زكريا: سير الأئمة، ص 81 – 82.
– (1/68)
صفحة 69
-
0 69
-
والشريعة. وكان فقهاء الأباضية يرحبون بذلك كل الترحيب ويضربون لهم المواعيد ويعينون أماكن المناظرة، فيأتي "المناظرون من غير مذهبهم فيقربون ويناظرون ألطف مناظرة، في محضر من
تاهرت أنفسهم (112)
•
أئمة
وتفيد المصادر بأن عدد الواصلية (المعتزلة) قد تكاثر وازداد زيادة كبيرة حتى بلغ ثلاثين ألفا كانوا يقيمون في تجمع كبير قرب تاهرت في بيوت كبيوت الأعراب (113). كما عاش على أرض تاهرت عدد العلماء والأدباء الذين كانوا من تاهرت أصلا أو من غيرها وأقاموا فيها وكانوا لايدينون بالأباضية (114). سياسة واضحة في التسامح والاعتدال تميز بها الأباضية سواء في المشرق أو في المغرب. وقد اقتضت هذه السياسة ألا
كبير من
يحرم
الأباضية
أنفسهم من الاستفادة من كتب أهل الخلاف، أي الذين يخالفونهم في المذهب، واقتدوا في ذلك بأوائلهم. فعلى سبيل المثال كان عالم الأباضية في تاهرت أبو عبيدة الأعرج التميمي يدرس لطلابه "كتاب
بن
إصلاح غلط أبي عبيدة في غريب الحديث، الذي ألفه الله عبد مسلم بن قتيبة الدينوري الكوفي المتوفي في عام 270 هـ / 883 م. وكان ابن الصغير المالكي صاحب كتاب أخبار الأئمة الرستميين يأتي إلى أبي عبيدة الأعرج ليدرس عليه هذا الكتاب (115)
•
وفي عمان نجد الشيخ أبا سعيد الكدمي يقرأ كتاب الإشراف
(112) ابن الصغير المالكي: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق د. محمد ناصر، ابراهيم بجاز، دار
الغرب الاسلامي، بيروت، سنة 1986 م، ص 93 117، أبو زكريا: ص 107، 108، 169
(113) الدرجيني: ج 1 ص 43 ..
، 11 - 108، 100، 9
(114) سليمان الباروني: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية، تحقيق محمد علي الصليبي، وزارة التراث، مسقط، سنة 1987 م، جـ 2 ص 119 – 122.
(115) ابن الصغير: ص 96 (1/69)
صفحة 70
-
على مذاهب الأشراف، لأبي بكر النيسابوري الشافعي المتوفي عام 318 هـ / 1930 م ويدرسه ويعلق عليه، وهو الكتاب الذي جمع فيه صاحبه معالم المذاهب الاسلامية المختلفة. واقتدى علماء الأباضية من المغاربة بما فعله أبو سعيد، فقام أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي بمطالعة كتاب الإشراف وغيره من تصانيف أهل الخلاف (116). وهذا قليل من كثير مما يمكن أن يشار اليه في هذا الصدد
•
إذن كانت سياسة الأباضية واضحة في الاعتدال والتسامح، وواضحة أيضا ضد الغلو والتطرف. ومما يبرز لنا مواقف الأباضية ضد الغلو والتطرف، وضد البدع والآراء الدخيلة على الاسلام، ويؤكد حبهم للتسامح والاعتدال، هو موقف أباضية عمان من مشكلة خلق القرآن، ومن مشكلة سياسية هي
فكرية هي
مشكلة
مشكلة
الخوارج. وبالنسبة لمشكلة خلق القرآن نراهم يقفون أمام هذا القول الذي فرضه المأمون على العالم الاسلامي فرضا بتأثير من المعتزلة، مما أدى إلى تمزيق وحدة الأمة الفكرية، وإلى اضطهاد كثير من العلماء والفقهاء، ولذلك توقف العمانيون عن القول بخلق القرآن (117)، وقالوا في صراحة واضحة في واحد من أهم كتبهم الفقهية: لا يلزم الناس معرفة هذه المسألة، (118). وكتب أبو عبد الله القلهاتي الذي عاش في القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد أكثر من عشرين صفحة مناقشة القول بخلق القرآن والرد على من قال بذلك (119)، كما بن النظر العماني الذي عاش في القرن الخامس للهجرة
كتب أحمد
(116) الدرجيني: جـ 2 ص 496. (117) سيدة الكاشف: مقدمتها لكتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان لمؤلف مجهول، مسقط، وزارة التراث، سنة 1986 م، جـ 1 ص 11.
(118) السعدي: قاموس الشريعة، مسقط، وزارة التراث، سنة 1983 م، جـ 4 ص 116 (119) الكشف والبيان، جـ 1 ص 289 – 312. (1/70)
صفحة 71
710
-
الحادي عشر للميلاد في كتابه دعائم الاسلام خمسة وسبعين بيتا من الشعر فند فيها القول في هذه المسألة واستنكرها كل الاستنكار. وفي العصر الحديث نجد الشيخ نور الدين السالمي يعبر عن هذا الموقف قائلا إن الأشياخ توقفوا عن اطلاق القول بخلق القرآن وأمروا بالشدة على من أطلق (120) القول في هذه المسألة، حتى لا يفتتن الناس في
دينهم.
،،
يكونوا من
وبالنسبة للمشكلة الثانية، وهي موقف العمانيين الأباضية من الخوارج فهي ترينا بحق أنهم كانوا ضد التطرف والغلو، وأنهم لم جملة هؤلاء الذين مارسوا أعمال التطرف والغلو، وأنهم لم يكونوا من جملة هؤلاء الذين مارسوا أعمال التطرف من الخوارج على أي وجه من الوجوه. يظهر ذلك من إدانتهم لهؤلاء الخوارج منذ أن ظهر لهؤلاء الناس نشاط في دولة الاسلام، فأعلنوا بشكل واضح البراءة منهم وقالوا علنا أنهم برءاء ممن زعم أن أهل التوحيد من أهل القبلة مشركون ويستحل غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم، واستحل استعراضهم بالقتل من غير دعوة يبين لهم فيها الحق ولا حجة أقامها عليهم، (121). وكانت البراءة بالاسم من الأزارقة الذين كانوا أشد فرق الخوارج تطرفا وعنفا والذين كانوا يأتون هذه الأفعال ويعتنقون هذه الآراء ويقومون بتنفيذها، وبالاسم أيضا من النجدات ومن الخوارج بصفة عامة (122).
و لم يكن هذا الموقف الرافض لهؤلاء الخوارج موقفا فكريا فقط،
(120) ابن النظر: دعائم الاسلام، مسقط، وزارة التراث، سنة 1980 م، ص 31 - 35 دعالم الاسلام بشرح ابن وصاف، مسقط، وزارة التراث، سنة 1982 م، ص 120، مصباح الظلام في شرح دعائم الاسلام للرقيشي، مخطوط برقم 368، ص 190 – 232، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 156.
•
(121) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 3 ص 276، جامع أبي الحسن البسيوي، جـ 1
ص 262
265
-
(122) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، ج 3 ص 280، 285، القلهاتي: جـ 2 ص 476. (1/71)
صفحة 72
-
- 720
-
وضوح
انما كان موقفا عمليا أيضا دلت عليه وبينته أحداث التاريخ بكل. فعندما سيطر الخوارج النجدات، وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، على البحرين والأحساء واليمامة، أرادوا أن يشمل نفوذهم بلاد عمان، فأرسلوا قائدهم عطية بن الأسود الحنفي لضمها الى دولتهم، ونجح عطية فيما ذهب اليه وقتل ملك عمان عباد بن عبد ابن الجلندى في عام 67 هـ / 686 م، وعين في عمان من يحكمها نيابة عنه وقفل راجعا الى بلاد البحرين. وبمجرد أن غادر عمان قام أهلها وقتلوا عامله، وولوا على أنفسهم سليمان وسعيد ابني عباد. ولما وقع الخلاف بين عطية ونجدة، حاول عطية أن يستعيد عمان ويتخذ منها قلعة يناوئ بها نجدة، إلا أنه لم يتمكن من ذلك وامتنعت عليه عمان وأهلها كل الامتناع، فركب البحر الى كرمان بإيران حيث أرسل له المهلب بن أبي صفرة الذي كان وقتذاك في طاعة الزبيريين جيشا لمطاردته حيث تم قتله بقندابيل بسجستان (123)
•
وكما لم يسمح العمانيون بأن تكون بلادهم مأوى للنجدات أو تكون ضمن مناطق نفوذهم، فقاوموهم أشد مقاومة، فانهم فعلوا نفس الشيء وكان لهم نفس الموقف من فرقة غالية أخرى من فرق الخوارج هي فرقة الصفرية. والدليل على ذلك أنهم تصدوا لزعيمها شيبان بن عبد العزيز اليشكري الصفري ولمن معه من أتباعه. وكان هذا الزعيم قد هزم في الموصل عام 129 هـ / 747 م أمام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وفر الى أرض فارس ثم الى جزيرة ابن كاوان التي تعرف الآن بالبحرين واستقر فيها حتى قامت الدولة العباسية عام 132 هـ / 750 م، وأرسل أبو العباس عبد الله السفاح خازم بن خزيمة للقضاء عليه، فهرب الى عمان في عام 134 هـ / 751 م، هو ومن معه، حيث تصدى له أول امام أباضي فيها وهو
(123) ابن الأثير: جـ 4 ص 203، النويري: جـ 21 ص 56، ابن خلدون: جـ ه
ص 314. (1/72)
صفحة 73
73
الجلندى بن مسعود بن جيفر بن الجلندي، وساعدة في ذلك أباضية البصرة الذين أرسلوا له يحيى بن نجيح وهلال بن عطية الخراساني على الأباضية، ووقع القتال بين الفريقين وانتهى بمقتل شيبان
رأس جماعة من ومن معه من الصفرية (124).
هو
حسان مجالد
ونفس الموقف العماني الرافض للصفرية كان مع قائد صفري آخر مالك بن الأجدع الهمداني الذي كان بن يحيى بن بن قد خرج على أبي جعفر المنصور في الموصل في عام 148 هـ / 765 م، وتصدى له هذا الخليفة، ففر الى بلاد السند منهزما، ثم اتصل بأهل عمان يدعوهم الى مذهبه ويستأذنهم في المسير اليهم ودخول بلادهم الا أنهم رفضوا طلبه و لم يستجيبوا لدعوته، ومنعوه من دخول بلادهم فكر راجعا عنهم مهزوما محسورا (125).
وكما تصدى أباضية عمان لهذا النفر من النجدات وهذا النفر من
من
الصفرية، نراهم يتصدون أيضا وبكل شراسة لفرقة أخرى تمكنت إقامة دولة تسمى دولة القرامطة في البحرين ومنطقة الأحساء في أواخر القرن الثالث للهجرة. وقد استطاع هؤلاء القرامطة أن يسيطروا على أجزاء كثيرة من عمان منذ عام 317 هـ / 929 م منتهزين فرصة الصراع الداخلي القبلي الناشب بين العمانيين أنفسهم. ولكن العمانيين بعد أن وحدوا صفوفهم تصدوا لهم وأخرجوهم من بلادهم، وتبرأوا ومن أفعالهم المشينة. وفي ذلك قال أبو الحواري، وهو أحد علماء الأباضية في عمان في القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد: "نحن
-
منهم
، 353
-
(124) اليعقوبي: تاريخه، ج 2 ص 339، الطبري: تاريخه، جـ 7 ص 352 - 462، 463، أبو زكريا الأزدي: تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبة، لجنة احياء التراث العربي، القاهرة، سنة 1967 م، ص 74 - 76، ابن الأثير: جـ 5 ص 355، 452، ابن خلدون: ج 5 ص 355، 381، الازكوي: كشف الغمة، مخطوط بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي برقم 571، ص 582، محمد جمال الدين سرور: الحياة السياسية، ص 128. (125) أبو زكريا الأزدي: تاريخ الموصل، ص 203، ابن الأثير: ج 5 ص 584، ابن
خلدون:
ص 359.
129
- (1/73)
صفحة 74
-
74
-
نبرأ من أبي سعيد القرمطي، ونبرأ ممن تولاه، ونبرأ ممن وقف عنه،
66
ونبراً ممن شك فيه (126).
وفي البصرة حيث نشأ المذهب الأباضي أول مانشأ، لم يكن موقف الأباضية وأهل البصرة بصفة عامة ومعظمها كما قلنا كانوا من أزد عمان أقل رفضا ومقاومة للفريق الثالث من الخوارج والذين كانوا يعرفون باسم الأزارقة، نسبة الى زعيمهم نافع بن الأزرق الحنفي وكان هذا الصنف من الخوارج أكثرهم تطرفا وأشدهم قسوة وعنفا وعتوا، وقد هددوا البصرة عدة مرات وحاولوا احتلالها ولم ينقذها من هذا المصير الا المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني الذي كلفه الزبيريون ثم الأمويون من بعدهم بالتصدي لهذه الفرقة الغالية، فتصدى لها عسكريا وتصدى لها أباضية البصرة فكريا فأدانوها وأعلنوا البراءة منها (127)، وشجعوا الناس على قتالها، وانخرط كثير من الأباضية والأزد بصفة عامة تحت لواء المهلب للقضاء عليها، فتم قتل زعمائها واحدا بعد الآخر خر، وكاد أحد هؤلاء الزعماء يحقق نصرا فلم ينفع المهلب إلا قومه من الأزد، حيث ناداهم إلي عباد الله، فثاب اليه قومه من أهل عمان، فاجتمع إليه منهم نحو ثلاثة آلاف، فلما نظرهم رضي جماعتهم وأمرهم ألا يضموا معهم أحدا ممن انهزم في المعركة، وتقدم بهم نحو الأزارقة فقتلوا زعيمهم عبيد الله بن الماجوز وأخاه عثمان وأخذوا عسكر القوم ومافيه، وقتل الأزارقة قتلا ذريعا ... وأرسل بالبشرى الى الأحنف بن قيس (والي البصرة) فلم يصدق نظرا لقوة شوكة الأزارقة، (128) (126) الاصطخرى: مسالك الممالك: ص 149، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 269. (127) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 3 ص 280، 284، 285 (128) اليعقوبي: تاريخه، جـ 2 ص 264، 265، 272، الطبري: تاريخه، جـ الحميري: ص 247
جماعة
من
-
ص 620،
249، 320، 321، محمد جمال الدين سرور: الحياة السياسية،
ص 118، عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي، ص 144
-
145 (1/74)
صفحة 75
Vo
-
من
وبنفس قومه من الأزد تصدى المهلب لقائد الأزارقة الجديد قطرى ابن الفجاءة ومن جاء بعده مثل عبد ربه الكبير وعبد ربه الصغير، فخرج اليهم في عشر آلاف رجل من الأزد ومواليهم ثمانية آلاف أخلاط القبائل، (129)، وقضي عليهم في عام 78 هـ/ 687 م وأنقذ الدولة الاسلامية من غلوهم وتطرفهم وفسادهم، وتمت مكافأة المهلب على شجاعته الفائقة وعلى حسن بلائه، فولاه عبد الملك بن مروان على بلاد خراسان، فظل واليا عليها حتى مات فيها عام 82 هـ / 701 م (130)
من
الأزد
،،
من
ومن طريف ما يروى في الصراع الذي دار بين المهلب وقومه وبين الأزارقة، أن أحد قواده ويدعى أبا علقمة اليحمدي العماني، وكان مشهورا بالشجاعة الفائقة، كان ينادي في شباب الأزد وفتيان اليحمد في إحدى المعارك قائلا: "أعيرونا جماجمكم ساعة نهار، فكان هؤلاء الفتيان الشجعان يقاتلون ثم يعودون اليه يضحكون ويقولون يا أبا علقمة، القدور تستعار!، ولما رأي المهلب ما رأي من شجاعة هذا القائد اليحمدي العماني وفاه مائة ألف،، مكافأة له على شجاعته وحسن بلائه (131)، وفي المبارزات التي كانت تقع عادة في بداية المعارك وقبل الاشتباك، لم يكن المبارزون إلا من أولاد المهلب وإخوته أو من اليحامدة وغيرهم من أزد عمان (132)
(129) ابن أعثم الكوفي: الفتوح، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1986 م،
ج 3 ص 422.
(130) اليعقوبي: جـ 2 ص 275، 276، ابن أعثم الكوفي: جـ 2 ص 215، 216، جـ 4 20، العوتبي: ج 2 ص 130 – 137، 140، محمد جمال الدين سرور:
-
،
19
120
122، عبد المنعم ماجد: ص 151.
(131) الطبري: جـ ص
6، 62120
(132) ابن أعثم الكوفي: ج 3 ص 215، 216، جـ 4 ص 19، 20. (1/75)
صفحة 76
76
-
وإجمالا، فان المهالبة وأزد عمان الذين سكنوا البصرة كانوا هم القوة الضاربة التي تم على يديها الخلاص نهائيا من الأزارقة، وتم على يديها إنقاذ البصرة بالذات من هذا الصنف من الخوارج الذين كان تهديدهم لها في المقام الأول. ونظرا لجهود المهلب في إنقاذها على نحو
ما رأينا فقد نسبت اليه، فقيل عنها، إنها "بصرة المهلب، وامتدح الحجاج المهلب وآله، فكان يقول لأهل العراق أنتم عبيد المهلب“، "وكان لأهل الكوفة يقولون لأهل البصرة ياموالي المهلب،، (133) وما ذكرنا أخبار المهلب مع الأزارقة وأخبار غيره من بني قومه في عمان مع النجدات والصفرية، إلا كي نرى أن أزد عمان سواء كانوا في عمان أم في البصرة، هم الذين تصدوا للخوارج بكافة فرقهم وفصائلهم من نجدات وصفرية وأزارقة، سواء على أرض عمان ذاتها أم في بلاد الأهواز وفارس وكرمان والعراق، وأنقذوا العالم الاسلامي وقتذاك من شرهم ومن تطرفهم الشديد، وكان علماؤهم من الأباضية سواء كانوا في البصرة أم في عمان هم الذين زرعوا في قلوب أهلها هذا الكره للتطرف والغلو الذي ظهر على أيدي الأزارقة وغيرهم من فرق الخوارج الغالية، ومن ثم كانت المقاومة الشديدة، وكان القتال العنيف ضد هذه الفرق حتى أبيدت ولم نعد نسمع لها ذكرا،
وأصبحت مجرد تاريخ يروى
واذا كان أباضية المشرق في عمان والبصرة قد اتبعوا سياسة البراءة من هذه الفرق الخارجة، والتصدي لها بالحرب والقتال، واتبعوا أسلوب القعود والمسالمة لبقية إخوانهم المسلمين، فإن إخوانهم في المغرب كان لهم نفس الموقف ونفس السياسة، فلم يرفعوا السيف في
(133) العوتبي: 2 ص 136 – 137، المبرد: الكامل، ج 2 ص
-
240 (1/76)
صفحة 77
77
-
وجه
عمال بني أمية وجندهم وبقية السكان من البربر الصفرية الذين كانت لهم ثورة عارمة ضد الحكم الأموي استمرت ثلاث سنوات منذ عام 122 هـ، ولم يخرج الأباضية عن هدؤهم ومسالمتهم إلا بعد أن قتل عامل طرابلس زعيمهم عبد الله بن مسعود التجيبي عام 126 هـ / 744 م دون أن يسبب هذا الزعيم ما يستحق عليه هذا المصير، فقام
الأباضية وقاتلوا هذا العامل وقتلوه (134).
لجند بني
وعلى ذلك فان أباضية المغرب لم يشتركوا مع الصفرية في قتالهم أمية في المغرب، ولما ظهر العباسيون وأرسلوا عمالهم الى هذه البلاد وتمكن صفرية ورفجومة من احتلال القيروان في عام 139 هـ / 756 م، عندما استدعاهم بعض رجال البيت الفهري الحاكم لافريقية في ذلك الوقت للاستعانة ضد فريق آخر من الطامعين بهم في الحكم من نفس البيت، ارتكبوا أبشع الجرائم مع السكان بقتل رجالهم وسبي نسائهم والاعتداء على حرماتهم واقتحام المساجد بخيولهم، لأنها في نظرهم مساجد للكفرة، ولم يجد الناس مغيثا لهم من هذا البلاء إلا أبا الخطاب إمام الأباضية في طرابلس، فأرسلوا إليه يستنجدون به، فامتطى فرسه وسل سيفه وكسر غمده وعبأ جنده وخرج مع رجاله حيث أنقذوا الناس في القيروان من ظلم الصفرية وقهرهم (135)، ولم يكن ذلك من أبي الخطاب إلا تصديا للغلو والتطرف الذي اشتهرت به هذه القبيلة أو هذه الفرقة، وإلا غضبا لله ولدينه والمساجده وللمسلمين الذين اعتدى الصفرية على أعراضهم وأموالهم وديارهم. ومعنى ذلك كله أن الأباضية في البصرة وعمان والمغرب قد التقوا
(134) ابن عبد الحكم: ص 424
(135) أبو زكريا: كتاب سير
الأئمة، ص
-
64، ابن عذاري: جـ 1 ص 71. (1/77)
صفحة 78
78 -
-
-
على قتال الخوارج والتصدي لهم، كما التقوا أيضا على التصدي لكل من يخرج عليهم من بين أنفسهم ويشوه آراءهم والمثال على ذلك هو موقفهم مما عرف باسم جماعة أو فرقة النكار، أي الذين أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (168 208 هـ / 784 - 823 م) وخرجوا عليه لأسباب سياسية وطموحات شخصية فيما يعرف بالانشقاق الأول في الحركة الأباضية (136)، وصارت لهم آراء في الفقه والعقيدة تخالف ما تعارف عليه الأباضية وما أقروه في كتبهم. وقد ذكر ابن حزم ماكان يفعله أصحاب هذه الفرقة في بلاد الاندلس في عصره، أي في القرن الخامس للهجرة، من تحريم طعام أهل الكتاب ووجوب القضاء على من نام نهارا في رمضان فاحتلم والتيمم وهم على الآبار التي يشربون منها، أو التيمم مع الحصول على الماء (137)
،،
،
امكانية
أشد
وبطبيعة الحال فإن الأباضية لايقرون هذه الأفعال ولا يرضون بها، وقد أشار ابن حزم نفسه الى ذلك (138)، وظهرت إدانه الأباضية في المشرق والمغرب لأصحاب هذه الفرقة واضحة، منذ ظهورها، فتبرأوا منها وقالوا بصريح العبارة: إن النكار كفار، وقاوموهم المقاومة وقتلوا أول زعيم لهم وهو محمد بن فندين (139)، وتصدوا لأتباعه، وظل هذا التصدي قائما حتى بعد انتهاء الدولة الرستمية في عام 296 هـ / 908 م على يد الفاطميين، فلم يمنعهم ذلك من الاستمرار في معاداتهم واستنكار آرائهم. ولذلك عندما قامت حركة أحد النكار
أبو
، وهو يزيد
مخلد
بي
-
(136) عن هذا الانشقاق الأول في صفوف الأباضية في تاهرت، انظر: ابن الصغير، ص 47 ـ 51، أبو زكريا: سير الأئمة وأخبارهم، ص 88 - 97، سليمان الباروني: الأزهار،،
ج 2 ص 152.
166
(138) المصدر السابق، جـ ه
ص
(137) ابن حزم: الفصل، جـ 5 ص 51 (139) أبو زكريا سير الأئمة، ص 97، 98، 197. ومن الفرق الأخرى غير النكار أو النكارية التي أدائها أباضية المغرب وكفروا أصحابها: فرقة الخلفية والنفاثية، انظر، أبو زكريا: ص 198
: (1/78)
صفحة 79
79 0
-
شديدا حتى
کيداد اليفرني ضد الفاطميين بالمغرب في عهد القائم الفاطمي في عام 333 هـ / 944 م واستمرت في عهد ابنه المنصور إلى عام 336 هـ/ 947 م، واستطاع هذا النكاري في تلك الفترة أن يهزم جيوش الفاطميين ويستولى على القيروان ويحاصر عاصمتهم المهدية حصارا كادت تقع في يده (140)، لم ينتهز الأباضية هذه الفرصة وينضموا لهذا الثائر النكاري الذي كاد أن يقوض أركان الدولة التي قضت على دولتهم، ولو فعلوا ذلك لربما تغير تاريخ هذه المنطقة، ولربما كان لتاريخ الفاطميين مجرى آخر، ولربما استعاد الأباضية دولتهم الضائعة، ولكنهم لم يفعلوا، فلم ينضموا لأبي يزيد واعتزلوه ولم يتعاونوا معه، أولا، لأنه ليس على عقيدتهم، وهم يعتبرونه هو ومن معه من النكار كفار كما سبق القول، ولايصح لهم أن يقاتلوا مع كفار، وثانيا، لأنه اقترف الكثير من ألوان الفساد والفجور والظلم والبغي مما فاق مافعله نافع بن الأزرق الحنفي وجماعته من الأزارقة
الذين تبرأ
منهم
الأباضية كما سبق القول.
وقد تحدث أبو زكريا الأباضي في كتابه سير الأئمة وأخبارهم عن هذه الأفعال الشنيعة بأكثر مما تحدث عنه أهل السنة، وكانت روايته أقدم وأكثر تفصيلا، ووصف هذا الثائر النكاري بأنه عدو الله في أكثر من موضع، لأنه وكما قال أبو زكريا، كان يخرب البلدان التي أهلها ويغنم أموالها مما لا يفعله مسلم بمسلمين. وقد ويسبي
يمر بها
بلغ عدد القرى التي خربها ثلاثين ألف قرية لم تستعد عمرانها حتى زمن أبي زكريا، بالاضافة الى أنه فعل في هذه القرى "وفي افريقية كلها من الفسوق والمعاصي والفجور مالم يبلغنا مثله عن الفراعنة (140) أبو زكريا: ص 175 – 182، السراج: الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1985 م، جـ 2 ص 26.
-
29
- (1/79)
صفحة 80
والأكاسرة والقياصرة والجبابرة (141)، وكان يفعل مع الناس وقت
السلم أشد وأقسى مما يفعله بهم وقت الحرب (142).
ولذلك حرص أبو زكريا على أن
يصور لنا كيفية موته
عندما
وقع
، إن
هذا الثائر في قبضة المنصور الفاطمي، فقال في تشف واضح هذا الخليفة أمر بسلخه وأخذوا في سلخه، فلما وصلوا الى السرة
مات عدو
الله إلى النار وبئس المصير، فتفرقت عساكره ومضي كل
في وجهته، (143). كما حرص زميل أبي يزيد في الدراسة وهو أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي الذي كان يطلب معه العلم في سجلماسة على يد عالم المشرق ابن الجمع، على أن يقول فيه رأيه بكل
وضوح، فقال إن أبا يزيد النكاري وجميع النكار كفار (144)
ولما كان الأمر كذلك فقد استمرت مقاومة الأباضية لابنه الفضل الذي كان قد ثلاثين ألفا جمع من أن أتباع أبيه وقصد الى مضارب مزاتة حيث كان يعيش أبو القاسم يزيد بن مخلد، وأبو خزر يعلي بن زلتان، وكانا رأس الأباضية وقتذاك، وطلب من مزاتة أن يدفعوا له هذين العالمين يستعين بهما في قتال الفاطميين، واحتج على ذلك بأن هذين العالمين من بني واسن، وأنه هو وجماعته من بني يفرن، والقبلين من بني تيجرت، فالأصل العرقي واحد، والانتماء القبلي واحد. ونظرا لمخالفة الفكر النكاري للمذهب الأباضي، فقد رفض مشايخ مزاتة أن يسلموا له هذين الشيخين، وأخذ علماء المذهب الأباضي
(141) أبو زكريا: ص 180 – 183، الدرجيني: جـ 1 ص 96
(142) السراج: الحلل السندسية، ج 1 ص 445
102
(143) أبو زكريا: ص 184
185 -
•
(144) المصدر السابق، ص 193، 197 (1/80)
صفحة 81
-
التأهب للحرب والقتال اذا ما أصر الفضل على أخذهما، وتهيأت العامة للحرب وقال أحدهم للمشايخ: إن لي اثنى عشر ابنا قد وهبتهم لكم اليوم يامشايخ، وأخذ يحرض أبناءه قائلا لهم: "قاتلوا اليوم وقد
صلى الله،،
أمر المشائخ كقتال علي بن أبي طالب أمام النبي،. والتقى
الفريقان ونشب القتال وكانت الدائرة على الفضل وأصحابه، وقتل
منهم الكثيرون، وصار جيشه بين قتيل وجريح وهارب، وهرب انتهي الى قرية دخلها فأخذه أهلها وقطعوا رأسه وانتهي
الفضل حتى أمره (145). وهكذا تصدى الأباضية لكل غال ومتطرف حتى ولو كان يمت لهم بصلة القربى والعرق والنسب والأصل، وهكذا اجتمعوا على مقاومة الخوارج بشتى ألوانهم وأصنافهم في بلدان المشرق والمغرب، وطبقوا الشرع في معاملاتهم مع إخوانهم من المسلمين وقت الحرب ووقت السلم، وتصدوا للأفكار الغالية وقاوموها أشد مقاومة، وتسامحوا مع أهل الفرق الأخرى فتواجد أصحابها في بلدانهم وممالكهم، وعاش الجميع إخوة متحابين. وكانت هذه المواقف وهذه السياسة التي اتبعها الأباضية في مختلف عصورهم، وكان هذا الاعتدال وتلك السماحة التي تحدثنا عنها بتفصيل، من الأسباب القوية التي أدت الى انتشار مذهبهم في كل مكان وصله دعاة هذا المذهب سواء في مصر أم في بلاد المغرب أم في غيرهما من البلدان، وكان هؤلاء الدعاة أحد الوسائل التي أدت الى هذه النتيجة، فياترى ماهي هذه
الوسائل .. ؟
(145) المصدر السابق، ص 185 – 186 (1/81)
صفحة 82
- AY-
أ
-
وسائل انتشار المذهب الأباضي في مصر والمغرب:
الواقع أن انتشار المذهب الأباضي في مصر والمغرب كانت له وسائله العديدة. من هذه الوسائل الدعوة والحج والتجارة.
الدعوة والدعاة:
أما الدعاة فكان شأنهم كبيرا في نشر هذا المذهب سواء في مصر أم في بلاد المغرب. وقد انطلق هؤلاء الدعاة من البصرة الى هذه البلدان فارين بأنفسهم من اضطهاد بني أمية، أو راغبين في العمل في التجارة، أو في مجال الدعوة حسبما أمرهم بذلك أئمة المذهب في البصرة، أو لهذه الأسباب جميعا. وكان أول من قدم الى مصر وبلاد المغرب داعيا للمذهب الأباضي هو سلمة بن سعد الحضرمي الذي
وصل الى هذه البلاد في بداية القرن الثاني للهجرة (146).
وكان القائمون على المذهب في البصرة قد انتهزوا فرصة السلام والهدوء اللذين نعموا بهما أثناء حكم سليمان بن عبد الملك (96 717 م، وحكم عمر بن عبد العزيز (99) -
- VI? /_099
-
-
—
101 هـ / 717 719)، نظرا لاحتضان الأول لليمنية وارتفاع شأن المهالبة في البصرة والمشرق كله في عهده حتى كان زعيمهم يزيد ابن المهلب هو حاكم هذه البلاد نيابة عن بني أمية، وكان الثاني وهو الخليفة العادل قد سالم الفرق المعارضة وناظرها وأرسل له الأباضية وفدا لهذا الغرض كما سبق القول، مما نتج عنه أن ساد السلام والهدوء في العلاقات بين الدولة وبين الأباضية في البصرة في عهد هذين
(146) أبو زكريا: سير الأئمة، ص 41، سليمان الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2 ص 35، الحريري: ص 77، 80، عوض خليفات: ص 133
134 - (1/82)
صفحة 83
-
الخليفتين. نقول أن أئمة المذهب في البصرة انتهزوا هذه الفرصة وأرسلوا دعاتهم الى كثير من البلدان النائية حتى يضمنوا نجاح دعوتهم، فكان سلمة سعد بن هو الداعية الذي أرسله أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي إمام الكتمان الذي خلف جابر بن زيد في قيادة المذهب والعمل على نشره، الى مصر وبلاد المغرب لنشر الدعوة فيها (147). وقد بلغت حماسة هذا الداعية أنه كان يتمنى أن يظهر المذهب في بلاد المغرب ولو يوما واحدا لايبالي بعده أن يموت غير نادم على الحياة (148)
بعد
بهم
وقد اتبع سلمة وغيره من الدعاة الذين لم تذكر لنا المصادر الأباضية وغيرها أسماءهم، أسلوبا فريدا في نشر المذهب. ذلك أنهم أن استقر المقام رفعوا شعارات كانت تجد صدى كبيرا لدى البربر، منها المساواة والعدالة والأخوة الاسلامية، ورفع الظلم وإخبار البربر أن الظلم الذي يجدونه عند ولاة بني أمية إنما هو من صنع هؤلاء الحكام والولاة وليس من الاسلام في شيء. فانضم الناس إليهم واعتنقوا دعوتهم في أعداد كبيرة، ولم يلبث هؤلاء الدعاة أن اختاروا بعض شباب المصريين والبربر للذهاب إلى موطن المذهب في البصرة ليتلقوا أصول المذهب على أيدي أئمته وشيوخه الكبار، ثم يعودون إلى بلادهم ويقومون بنشره بين أهليهم، فذلك أجدى وأنفع، لأنهم بطبيعة الحال أعلم بلغة الأهالي وبعاداتهم وتقاليدهم (149). وقد نجح هؤلاء الدعاة الوطنيون في نشر المذهب نجاحا عظيما بعد أن أصبح الأمر مهيأ لهذا النجاح نتيجة للأسباب والعوامل التي سبق أن تحدثنا
(147) أبو زكريا: ص 41، الدرجيني: جـ 2 ص 11، 12، الشماخي: جـ (14) أبو زكريا: ص 41، سليمان الباروني: ج 2 ص 35.
(149) عوض خليفات: ص 108.
1
ص
91، (1/83)
صفحة 84
عنها من قبل. أما هؤلاء الدعاة الوطنيون الذين عرفوا باسم حملة العلم فقد جاءوا الى البصرة من مصر ومن بلاد المغرب. أما مصر، فقد جاء منها شعيب بن المعروف (150)، وأبو اسحاق ابراهيم، ومحمد بن عباد، وابن اليسع، وعيسى بن علقمة، وأبو المؤرج عمر بن محمد، وأمثالهم (151). ولا نعرف متى جاء هؤلاء المصريون الراغبون في تعلم أصول المذهب الى البصرة على وجه التحديد، ويبدو أنهم وصلوا إليها في مستهل القرن الثاني للهجرة عقب حضور سلمة بن سعد الى مصر، واستمروا في دراسة المذهب في البصرة زمنا لايمكن تقديره، ويبدو أن بعضهم تردد عليها أكثر من مرة، وخالف بعضهم أبا عبيدة والربيع ابن حبيب من بعده في بعض الأمور الفقهية (152)، ولما عادوا الى مصر نشروا المذهب بين الناس واعتنقه على أيديهم عدد كبير من
المصريين وأما الذين جاءوا من بلاد المغرب فكانوا أربعة أتوا من جهات ومن قبائل مختلفة، وهم عبد الرحمن بن رستم الفارسي الأصل وعاصم السدراتي، وأبو داود القبلي النفزاوي، واسماعيل بن درار الغدامسي، وانضم اليهم في البصرة أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح
مختلفة
(150) ورد اسم شعيب بن المعروف عند الشماخي (السير: ج 1 ص 101، 110، 131، 133) بأشكال مختلفة، فهو شعيب أبو المعروف، وأبو المعروف شعيب المعرف، وشعيب أبو المعروف. وورد اسمه في المدونة الصغرى لابن غانم الخراساني (جـ 1 ص (7 باسم شعيب بن المعروف، وهو الأصح، لأن غانما عاش في القرن الثاني للهجرة وكان معاصرا لشعيب، بينما عاش الشماخي في القرن التاسع والعاشر للهجرة. ويلاحظ أن أبا زكريا في كتابه سير الأئمة (ص) (90)، والدرجيني في طبقاته (جـ 1 ص 49، ج 2 ص (274) قد أخذا بما ورد في مدونة أبي غانم، مما يدل على عدم دقة الشماخي وعلى تصحيفه في اسم هذا العالم الأباضي المصري، مع أن الشماخي هو مجرد ناقل عن الدرجيني (151) سالم الحارثي: العقود الفضية، ص 183، 184، سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي، ص 133. (152) الشماخي: السير، ج 1 ص 97، 134 (1/84)
صفحة 85
-
المعافري اليمني الأصل (103) الذي تعاهد مع زملائه الأربعة على أن تكون وجهتهم واحدة أينما ساروا بعد انتهاء دراستهم في البصرة. وبناء على ذلك فقد رحل أبو الخطاب معهم إلى ليبيا عند عودتهم إلى بلادهم حيث نشروا الدعوة فيها، وكثر عدد الأباضية في منطقة طرابلس وفي جبل نفوسة وفي ولاية إفريقية والمغرب الأدنى بصفة خاصة والمغرب الأوسط بصفة عامة، وانتهى الأمر باختياره أول امام ظهور للأباضية في عام 140 هـ 757 م (154)
•
ويبدو من دراسة كتب المغاربة من الأباضية أن انتشار المذهب كان سابقا بكثير لوصول حملة العلم الذين أشرنا اليهم، لأن عودة هؤلاء العلماء لم تكن إلا قرب قيام دولة أبي الخطاب في عام 140 هـ / 757 م، كما أن دراستهم في البصرة لم تتجاوز خمس سنوات. ومعنى ذلك أن المذهب كان منتشرا قبل رحيلهم الى البصرة، لأن الدولة التي أقامها أبو الخطاب لم تقم إلا على يد البربر من الأباضية، وكان عدد هؤلاء البربر كبيرا، ولا يمكن أن ينتشر المذهب بين هذا العدد الكبير في يوم وليلة، ولابد أن هذا الانتشار كان سابقا على عودة حملة العلم الخمسة الى بلاد المغرب بفترة طويلة، وكان هذا الانتشار نتيجة لجهود سلمة أباضية بن سعد وجهود من المغرب (155)، أو من وصل بعده من أباضية البصرة الى هذه البلاد
خلفه
من
منذ مستهل القرن الثاني للهجرة وحتى قيام دولة أبي الخطاب والدليل على ذلك أيضا وعلى تزايد إقبال البربر على المذهب، وعلى أنهم صاروا قوة كبيرة قبل قيام دولة أبي الخطاب،
الأباضي
ص 19
20،
(153) أبو زكريا: ص 54، ابن الصغير المالكي: هامش 1 ص 30، الدرجيني: جـ 1 (154) أبو زكريا: ص 57 - 59، على يحيى معمر: الأباضية في الجزائر، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة
الأولى، سنة 1979 م، ص 130
•
(155) سليمان البارولي: الأزهار الرياضية، ج 2 ص 35. (1/85)
صفحة 86
-
86 -
-
أنهم تمكنوا من الانتقام لمصرع أول زعمائهم وهو عبدالله بن مسعود التجيبي. وكان إلياس بن حبيب والي طرابلس من قبل أخيه عبد الرحمن بن حبيب الفهري والي إفريقية والمتغلب عليها، قد قتل هذا الزعيم في عام 127 هـ / 745 م، فحاربه أباضية طرابلس ونفوسة وقتلوه، وازدادت قوتهم واستولوا على معظم بلاد المغرب الأدنى بعد أن التفوا حول زعيميهم الجديدين عبد الجبار بن قيس المرادي، وزميله الحارث بن تليد الحضرمي، حيث كان أحدهما إماما والثاني وزيرا له، وبفضلهما استولى الأباضية على كل طرابلس والبلاد المحيطة بها كما يقول ابن عبد الحكم، وهزموا عدة جيوش أرسلها عبد الرحمن بن حبيب، واستفحل أمر عبد الجبار وزميله الحارث (156)، وأقاما أول امامة للأباضية في طرابلس والمغرب الأدنى (157)، وهي تعتبر امامة شراء وليست امامة ظهور، لأنها ماقاما الا بسبب دفع ظلم وبغي (158). وقد تمكن عبد الرحمن بن حبيب في النهاية من قتلهما، وإن كانت هناك رواية تقول بأنهما اختلفا واقتتلا فقتل كل منهما الآخر (159). وطبيعي أنه لا يمكن للأباضية في المغرب الأدنى أن يهزموا جيوش عبد الرحمن بن حبيب ويدخلوا طرابلس ويقيموا هذه الامامة ويواصلوا الثورة بعد مقتل الحارث وعبد الجبار بعد فترة كتمان، إلا إذا كان المذهب قد انتشر انتشارا واسعا بين البربر، وهو ماحدث بالفعل وخاصة بين قبائل نفوسة وهوارة وجريشة (160). كما لم يكن لأبي الخطاب وهو الذي تولى أول إمامة ظهور أن يقيم هذه الإمامة إلا إذا
(156) ابن عبد الحكم: ص 224، 225، الظاهر أحمد الزاوي: ص 129، 130 (157) سالم الحارثي: العقود، ص 237.
(158) الدرجيني: جـ 1 ص 24، محمد عيسى الحريري: ص 64 (159) ابن عبد الحكـ: ص 225
(160) أبو زكريا: ص 57، 68، ابن عبد الحكم: ص 225. (1/86)
صفحة 87
- AY-
كان عدد الأباضية لايقل عن عدد نصف مخالفيهم على الأقل، أو اذا أنسوا في أنفسهم القوة الكافية لإقامة هذه الامامة كما تقول بذلك قواعد
المذهب نفسه (161).
والدليل على ذلك هو ما قاله أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة لحملة العلم المغاربة عندما أرادوا العودة الى بلادهم وسألوه عما يفعلون إذا توافرت لديهم في بلادهم القوة الكافية، أيقيمون على أنفسهم إماما .. ؟ فرد عليهم بالموافقة والتأييد وأشار الى أبي الخطاب، مما
اختياره لهذه المهمة، وأمرهم بقتله إن أبي (162)
•
يعني
وبالفعل فقد تمكن أبو الخطاب من إقامة أول إمامة ظهور، وأقام للأباضية أول دولة لهم في بلاد المغرب الأدنى، ولم يكن ذلك إلا لتوافر عدد الأباضية، ولم يكن هذا التوافر إلا بسبب انتشار المذهب بين كثير من البربر، ولم يكن هذا الانتشار إلا نتيجة لنشاط الدعاة الكبير في هذه الفترة، وكان وصول حملة العلم الخمسة دعما للدعوة والدولة، فقد قادوا الجيوش تحت لواء أبي الخطاب، وتولوا ولاية البلدان نيابة عنه (163)، وصار أحدهم وهو عبد الرحمن بن رستم رأس الدولة الأباضية الثانية في تاهرت ببلاد الجزائر عام 160 هـ/ 776 م (164)، وعلى يديه وأيدي زملائه انتشر المذهب بين الناس بعد أن أقاموا المدارس وحلقات البحث التي ضمت الكثيرين من الطلاب الذين صاروا بعد أن تعلموا، دعاة يحملون المذهب الى سائر الأنحاء والبلدان، ونبغ من بينهم عدد كبير من العلماء والمشايخ الذين
(161) عبد الفتاح عاشور، وعوض خليفات: ص 88.
(162) أبو زكريا: ص 56.
•·
(163) المصدر السابق، ص 62، 65 (164) ابن الصغير: ص 28 – 31، أبو زكريا: ص 81 – 82.
- (1/87)
صفحة 88
- ^^
-
تعمقوا في دراسة المذهب حتى وصل كثير منهم إلى مرتبة العلماء الكبار والمفتين، وقد حفلت كتب الطبقات بأسماء المئات من هؤلاء العلماء، مما سنعرض لبعضهم حين حديثنا عن العلاقات الثقافية بين أباضية المغرب وأباضية المشرق. هذا عن الوسيلة الأولى التي انتشر بها المذهب الأباضي في مصر وبلاد المغرب، أما الوسيلة الثانية فهي
الحج.
،
ساعد
كان الحج من الوسائل الهامة في نشر المذهب الأباضي على ذلك أن الأباضية اشتهروا بكثرة حجهم، وكان لكثير منهم في البصرة نجائب من الإبل يحملون عليها غير القادرين من إخوانهم الى مكة لأداء هذه الفريضة (165). وقد اشتهر إمام المذهب جابر بن زيد بكثرة حجة حتى إنه حج واعتمر أربعا وعشرين مرة (166)، وقلده في هذا العمل إخوانه وأتباعه وتلاميذه من الأباضية، وكان لذلك أثره في ازدياد اللقاء بين علماء المذهب من مختلف الأقطار والأمصار في موسم الحج من جهة، وفي نشر المذهب في البلدان التي يمر بها هؤلاء الحجاج سواء في رحلة الذهاب أم في رحلة العودة من جهة ثانية، أم أثناء لقائهم بالحجاج الآخرين من غير الأباضية في مكة
ثالثة.
من جهة
وقد كانت مصر بحكم موقعها الجغرافي محطة للحجاج الأباضية القادمين من شمال إفريقيا وبلاد السودان، وكان لابد لهؤلاء الحجاج
(165) الدرجيني: جـ 2 ص 240، الشماخي: ج 1 ص 89.
(166) الدرجيني: ج 2 ص 208، سالم الحارثي: ص 99 (1/88)
صفحة 89
-19 - - 19.
عن
أن يتركوا أثرا فيها، ذلك أنهم كانوا يقيمون فيها عادة عاما أو بعض عام لمن يريد الحج مرة واحدة، وعدة أعوام لمن يفضل أداء هذه الفريضة عدة مرات متتالية. والأمثلة على ذلك كثيرة وردت في كتب الأباضية المغاربة، منها ماحكاه لنا ابن سلام الأباضي أحد العلماء أن هذا المغاربة من الأباضية والذي كان صاحبا لحماد النفوسي من العالم حج قبل عام 273 هـ / 886 م، وجاور بمكة سنة ثم حج مرة ثانية، ثم انصرف إلى مصر وأقام بها ثم أعاد الحج من مصر للمرة الثالثة، وعاد الى بلاده والتقى به ابن سلام بعد عام 273 هـ / 886 م مدينة تافيلالت المعروفة بسجلماسة في بلاد المغرب
الأقصى (167)
•
ويشير الشماخي الى عالم مغربي أباضي كبير هو أبو المنيب محمد ابن يانس النفوسي الذي كان معاصرا للامام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، والذي كان ثقات العلماء دارسا لتفسير القرآن من كله مشهورا بالكرامات (168)، من أنه رحل الى مصر تمهيدا للسفر
أن
الى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج. ويظهر من كلام الشماخي هذا العالم أدي هذه الفريضة مرات عديدة، إذ يقول عنه إنه "قسم عمره بين طلب العلم والزيارة والحج، فعام للحج وعام يذهب زائرا إلى تيهرت عند الإمام، وعام يقرأ العلم عند إسماعيل بن درار أحد حملة العلم الخمسة الذين أشرنا إليهم من وهو
—
الغدامسي قبل ـ وعام يتعبد فيه في مشاهد الجبل (169). وعلى ذلك فقد كان هذا العالم يمر بمصر كل أربع سنوات، ولابد أنه كان يلتقي بمن
-
(167) ابن سلام الأباضي: الاسلام وتاريخه من وجهة نظر أباضية، تحقيق شفارتز، وسالم يعقوب، دار اقرأ للنشر، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1985 م ص 13
(168) الشماخي: السير، ج 1 ص 137، أبو زكريا: ص 103.
(169) الشماخي: جـ 1 ص 137، 145 – 148.
• (1/89)
صفحة 90
-
-
فيها من علماء الأباضية وحملة العلم المصريين الذين أشرنا اليهم من قبل، ولابد أن ذلك سوف يدعم الحركة الأباضية في مصر ويعمل
على نشر المذهب فيها.
وكان لقاء حجاج الأباضية من عمان والبصرة في مكة بالحجاج المصريين والمغاربة لاشك له تأثيره الكبير في تدعيم المذهب ونشره بين غيرهم من الناس. فقد كان جابر وأبو عبيدة والربيع بن حبيب وغيرهم من علماء المذهب يعقدون حلقات العلم والبحث والمناظرة في مكة والمدينة أثناء موسم الحج وبعده وقبله حيث كانوا يردون على الأسئلة ويلقون الفتاوي وينشرون العلم (170)، ويبينون عقائد المذهب وما يهدف اليه من إقامة العدالة والمساواة، فكان كثير من الحجاج المصريين والمغاربة تتأثرون بهذه الأقوال فلا يلبثون أن يتحولوا إلى هذا المذهب، وبعد العودة إلى بلادهم كانوا يلجأون الى مشايخ المذهب الموجودين في هذه البلاد يأخذون عنهم ويتلقون العلم على أيديهم. ولذلك كان الحج من أهم الوسائل لنشر المذهب بين كثير من الناس في مصر والمغرب، خاصة وأن الأئمة الرستميين كانوا لا يفترون عن التشجيع على أداء هذه الفريضة، وكانوا هم أنفسهم
يقومون بها
•
والدليل على ذلك أن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ارتحل من تاهرت بالجزائر الى جبل نفوسة بليبيا متوجها الى بلاد الحجاز لأداء هذه الفريضة، ولكن علماء الأباضية في مصر والبصرة أفتوه نصحوه ألا يحج خوفا عليه من عدوان العباسيين (171). ورغم هذه المخاوف فقد ذهب أحفاده الى بلاد الحجاز للحج، منهم حفيده
أو
(170) ابن سلام الأباضي: ص 13، الشماخي: ج 1 ص 145، 148.
(171) الشماخي: ج 1 ص 140. (1/90)
صفحة 91
91
محمد بن أفلح الذي تمكن عمال بني العباس من القبض عليه في مكة وحملوه منها إلى بغداد حيث سجن بها، وظل سجينا فترة طويلة من الزمن ثم عاد إلى وطنه في النهاية. كما ذهب يقظان بن الإمام أبي اليقظان
إلى بلاد الحجاز لنفس الغرض في عام 281 هـ / 894 م (172)
وكان المغاربة الأباضية لا يقلون حماسا عن أئمتهم في أداء هذه الفريضة، وكان من السهل عليهم أن يقوموا بها دون خوف من أخطار التعرض لأذي عمال بني أمية أو بني العباس. ذلك أنهم كانوا يتظاهرون بالعمل في التجارة، وكانوا يخرجون في صحبة التجار وقوافلهم، ولذلك كثر حجهم. وتذكر المصادر الأباضية أن أباضية جبل نفوسة في عهد الإمام عبد الوهاب كانوا أكثر الناس حجا، إذ كانوا يحجون مصطحبين معهم نساءهم وأولادهم. وقد بلغ من أنه ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة من الأولاد الذكور
كثرة عددهم
فقط (173)
وتتوارد الإشارات عن قيام الأباضية بأكثر من رحلة للحج. فيذكر الدرجيني أنه كان لأبي مهاجر موسى بن جعفر الأفطاني أتان أي حمار حج عليها سبع مرات (174)، كما أن أبا الحسن التويغتي الذي كان السادات الأخيار والذي كان قد جمع علما وفقها كثيرا من حج على أتان له سبع مرات أيضا (175)، وأن أبا محمد يتر الشيخ الواغلاني والذي اشتهر بالصلاح والتقوى، بني سبع سبع حجات (176) وكذلك أبو طاهر اسماعيل بن علي النفزاوي
•
مساجد وحج
(172) ابن الصغير المالكي: ص 102، 104، الدرجيني: ج 1 ص 83
(173) الدرجيني: ج ص 325، الشماخي: ج 1 ص 195 (174) الدرجيني: جـ 2 ص 307، الشماخي: ج 1 ص 171، 172. (175) الشماخي: ج 2 ص 187
(176) المصدر السابق، ج 2 ص 145. (1/91)
صفحة 92
92 -
-
أنه
أي
الذي كان عالما ورعا تقيا، جاور بمكة حتى حج بالأيام السبعة، حجر سبع مرات كل واحدة منها كانت تقع في يوم معين من أيام الأسبوع، ولايتأتى ذلك إلا بطول إقامته في مكة. وقد أفادته هذه الإقامة الطويلة في تأليف ديوان كبير (177) وقد بلغ من عشق الأباضية لأداء هذه الفريضة أنهم كانوا إذا أرادوا مدح انسان قالوا "كان أبوه حاجا صالحا وكذا جده، وهو الحاج
عنه:
حجاج ... ‘، (178)
لم تكن كثرة الحج قاصرة على أباضية نفوسة أو تاهرت، بل كانت كذلك في غيرهما من البلدان التي يعيش فيها الأباضية، حتى ولو كانت هذه البلدان في غياهب الصحراء، فلم تمنعهم صعوبة الطرق ومشاق السفر والتعرض للأخطار عن أداء هذه الفريضة وتشير المصادر إلى قيام أهل مدينة ورجلان الأباضية، وهي مدينة تقع في الصحراء الجزائرية، بأداء هذه الفريضة (179). كما تخبرنا المصادر أيضا بأن أهل مدينة زويلة التي تقع جنوبي الصحراء الكبرى على مشارف بلاد تشاد كانوا من الأباضية وكانوا كلهم يحجون البيت الحرام، (180)
•
ولاشك أن الحجاج المغاربة والمصريين والسودان كانوا يلتقون في مكة أثناء موسم الحج بعلماء الأباضية العمانيين والبصريين وغيرهم، وكانوا يأخذون عنهم ويتعلمون على أيديهم، ثم يعودون الى بلادهم حيث يعلمون إخوانهم ماعرفوه وما تعلموه، ويبثون بينهم مبادئي
(177) المصدر السابق، جـ ص 135 – 136.
(178) المصدر السابق، جـ ص 204.
(179) المصدر السابق، ج 2 ص 118.
(180) اليعقوبي: كتاب صفة المغرب المأخوذ من كتاب البلدان لليعقوبي، ليدن، سنة 1850 م، ص 6، 7، ابن رسته: الأعلاق النفيسة، ليدن، سنة 1891 م، ص 345. (1/92)
صفحة 93
-
93
-
الأباضية في المساواة والعدالة فيزداد المذهب انتشارا كبيرا، لاسيما وأن هناك وسيلة ثالثة غير الدعاة والحج دفعت بهذا الانتشار الى أوسع
مدى، تلك الوسيلة هي التجارة.
التجارة:
كانت التجارة وسيلة من أهم الوسائل التي انتشر بها المذهب بين كثير من الناس في مصر والمغرب، وربما فاقت في ذلك غيرها من الوسائل التي تحدثنا عنها، لأن الحج له مواسمه المحددة بزمن معين، أما التجارة فهي عمل لا ينقطع، إذ كانت قوافل التجارة ترد من البصرة وعمان الى جدة ومنها الى مصر ثم الى بلاد المغرب طول العام كما كانت قوافل التجارة المغربية ترد الى مصر ومنها الى بلاد المشرق ومنها عمان والبصرة بصفة مستمرة.
وقد قامت مصر كما هو واضح بدور هام في هذا التبادل التجاري الذي قام بين المشرق والمغرب، وكانت تمثل حلقة الوصل أو المحطة الرئيسية التي كانت تعبر عليها التجارة بين عمان والبصرة من جهة وبين بلاد المغرب من جهة أخرى (181)، ولذلك انتشر فيها المذهب الأباضي على يد التجار الأباضية القادمين سواء من المشرق أو المغرب حتى وصل هذا المذهب في مسراه الى الواحات التي تقع في صحراء مصر الغربية (182). كما انتشر أيضا بين البربر وفي كثير من أنحاء المغربين الأدنى والأوسط ووصل في زحفه حتى وصل الى مدينة
من
(181) المقدسي: ص 79، ابن خرداذبة: المسالك والممالك، مكتبة المثني، بغداد، بدون تاريخ، ص 60، 147 - 148، ابن حوقل: صورة الأرض المسالك والممالك)، مكتبة
الحياة، بيروت، سنة 1979 م، ص 47.
(182) الكندي: ص 153، صالح باجية: الأباضية بالجريد، ص 31. (1/93)
صفحة 94
-
زويلة التي تعتبر أول حدود بلاد السودان، إذ أخبرنا اليعقوبي وابن رستة بأن أهل هذه المدينة كانوا أباضية (183)، كما أخبرنا الدرجيني بأنها كانت الملاذ للأباضية الهاربين من بطش الفاطميين فيما
بعد (184)
و من
الأسباب التي
أدت الى اعتناق أهل هذه المدينة الضاربة في الصحراء للمذهب الأباضي، تدفق التجار الأباضية القادمين من البصرة والمشرق عليها وعلى طرابلس والقيروان وتاهرت وغيرها من بلدان المغرب (185)، مما أدى الى انتشار المذهب ليس بين أهل زويلة فقط، ولكن بين كثير من قبائل البربر التي تسكن هذه البلدان، مثل قبائل نفوسة وهوارة ومزاتة وهرشة (186)، ومغيلة ومغراوة وبني يفرن الزناتيين وكتامة (187)، وفي كثير من البلدان مثل طرابلس، وجبل نفوسة، ونفزاوة، ولاوجة، وباديس، وبسكرة بالجزائر، وقسطيلية، وقفصة، ونفطة، والحامة بتونس، وسماطة، وبشري (188)، وسجلماسة (189)، وبلاد بني بزرال وبني دمر الزناتيين التي تقع على حدود المغرب الأقصى، وواحة الأغواط في
جنوب بلاد الجزائر الحالية (190).
وانتشار المذهب الأباضي بين هذه القبائل وفي هذه البلدان دليل
(183) اليعقوبي: صفة المغرب، ص 7، ابن رستة: الأعلاق النفيسة، ص 345
(184) طبقات المشايخ بالمغرب، ج 1 ص
130
-
، ???
(185) اليعقوبي: صفة المغرب، ص 6، ابن الصغير: ص 36 ـ 37، البكري: المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، ليدن، الطبعة الثانية، سنة 1911 م، ص 10.
(186) اليعقوبي: صفة المغرب، ص 5، أبو زكريا: ص 68، الدرجيني: جـ (187) الظاهر أحمد الزاوي: ص 122
(188) ابن حوقل: ص 93.
87
(189) ابن الصغير: ص 97.
(190) اليعقوبي: صفة المغرب، ص 63، ابن رستة: ص 352، حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار ومطابع المستقبل، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1980 م، ص 106. (1/94)
صفحة 95
95
عمان
واضح على أثر التجار الملحوظ في هذا المجال، أما نشاطهم التجاري وعلاقاتهم التجارية التي قامت بينهم وبين إخوانهم في كل من والبصرة من ناحية ومصر والمغرب من ناحية أخرى، فمجالها هو الفصل الثاني الذي نخصصه للحديث عن هذه العلاقات وعن غيرها من أنواع العلاقات الأخرى.
واذا كان للتجار والدعاة وحملة العلم والحجاج كل هذا الأثر في نشر المذهب الأباضي في كل من مصر والمغرب منذ بداية القرن الثاني للهجرة، فياترى ماهي مظاهر هذا الانتشار ... ؟ ومامداه .. ؟ وهل كان نجاح الحركة الأباضية في مصر بنفس الدرجة التي شهدتها بلاد المغرب .. ؟ واذا لم يكن الأمر كذلك فما الأسباب .. ؟.
-
هي
مظاهر انتشار المذهب الأباضي في مصر والمغرب:
وفي حديثنا عن مظاهر انتشار المذهب الأباضي في مصر وبلاد المغرب لابد أن نشير في هذا الحديث إلى العلماء الذين اعتنقوه، وإلى القبائل التي انتشر فيها، والبلدان التي وصل اليها، والدول التي أقامها أو التي قامت بجهود رجاله وعلمائه. ولابد في ذلك من حديث عن مصر أولا، ثم عن بلاد المغرب ثانيا
أ
مظاهر انتشار المذهب الأباضي في مصر:
لاشك أن حملة العلم المصريين الذين أشرنا اليهم من قبل والذين كانوا قد ذهبوا الى البصرة لتلقي أصول المذهب على يد إمامه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي في الربع الأول من القرن الأول للهجرة، عادوا إلى مصر بعد أن أنهوا دراستهم في البصرة، وأخذوا ينشرون (1/95)
صفحة 96
-
96
-
المذهب بين المصريين، وصاروا علماء المذهب ودعاته الكبار، ونبغوا في العلم والفقه حتى وصلوا الى درجة الفتيا، مما جعلهم يتمتعون بقدر كبير من الاحترام بين مواطنيهم من المصريين، ومن الحكام أيضا، كان المصريون يستشيرونهم فيما أشكل عليهم من أمور ومشاكل، تماما كما كان الحال في البصرة بالنسبة لجابر بن زيد ولأبي عبيدة
حتى
وزملائه
•
وقد وصل صيت هؤلاء العلماء المصريين الأباضية إلى تاهرت عاصمة الدولة الرستمية الأباضية، فكان أئمتها يرسلون رسلهم وكتبهم يطلبون منهم الفتوى عندما كان ينشب بينهم خلاف فقهي أو سياسي والأمثلة على ذلك كثيرة. فعندما أراد الامام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم إمام الدولة الرستمية أن يأخذ الفتوى في بعض المسائل لم يكتف بالاتصال بإمام الأباضية في البصرة الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي، وإنما أرسل أيضا إلى المفتي الأباضي المصري محمد
ابن عباد (191).
أيضا
ولم
عامة
من
بلاد
و لم يكن محمد بن عباد يستفتي من الحكام فقط، إنما كان يستفتي من الناس الذين كانوا يأتون إليه من أنحاء أو مصر المغرب (192). وكذلك كان أبو ابراهيم موفق المصري. فقد كان فقيها مفتيا بمصر، وكانت داره في حي من أحياء الفسطاط حضرموت، وكان هذا الشيخ عالما بالقرآن فقيها مشهورا التقى به والد ابن سلام الأباضي المغربي، وكانا يتكاتبان ويتراسلان، ومن المكاتبات استدل ابن سلام على مكان سكنى هذا العالم في مدينة
6 12.
يسمى
هذه
(191) ابن سلام الأباضي: ص 131، أبو زكريا: ص 89، 97، الدرجيني: ج 1 ص 49، 69، الشماخي: ج 1 ص 131، 132 (192) الشماخي: ج 1 ص 112، 198، ويشير الشماخي إلى وجود عالم أباضي آخر بنفس الأسم وهو محمد بن عباد، ولكنه فقيه مدني. انظر، السير جـ 1 ص 112، 113. (1/96)
صفحة 97
-
97
-
الفسطاط (193)
66
ومن المصريين الأباضيين المشهورين أيضا، الشيخ الطاهر عيسى ابن علقمة المصري الذي كان من متكلمي الأباضية في مصر ومن حذاق علمائها، فقد عارض في كتاب له التوحيد الكبير، يسمى من قال بأن أسماء الله مخلوقة وصفاته محدثة، وأتي بأدلة كافية للإقناع التام في هذه المسألة (194)
وهناك أيضا ابن اليسع الذي قال عنه الشماخي أنه أهل من مصر، وأنه كان شيخا فاضلاً مشهورا ثريا كريما، فقد جعل هذا الشيخ أجر أو ريع تأجير عشرة فنادق مما يمتلكه من عقارات كثيرة، صدقة لفقراء المسلمين (195). والمقصود بالمسلمين عند الأباضية هم المسلمون ممن يعتنقون المذهب الأباضي. ومعنى ذلك أن المذهب كان منتشرا سواء بين الأغنياء أو الفقراء من المصريين، وإلا لما خصص هذا الثري الأباضي المصري هذه الأموال الوفيرة للتصدق بها على فقراء
الأباضية المصريين الأباضية المصريين المشهورين الذين وصلوا الى درجة الفتيا ومن وكان لهم في التاريخ الاباضي دور معروف، هو شعيب بن المعروف. وكان لهذا العالم المصري مكانة كبيرة عند الأباضية حتى إن الامام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم استفتاه إلى جانب الربيع بن
(193) ابن سلام الأباضي: ص 136، الشماخي: ج 1 ص 112، ولعل أبو ابراهيم موفق المصري هو نفسه أبو اسحاق ابراهيم المصري الذي أشار اليه الشماخي، انظر، السير
للشماخي
، ج 1
112
(194) الشماخي: جـ 1 ص 112، ويشير الشماخي (جـ 1 ص (112) الى وجود عالم أباضي آخر يحمل نفس الاسم وهو عيسى بن علقمة، ولكنه مكي، من هنا نفهم لماذا حرص هؤلاء الكتاب على تذييل أسماء العلماء الأباضيين المصريين بكلمة "المصري".
(196) المصدر السابق، ج 1 ص 112. (1/97)
صفحة 98
-
-
حبيب عندما ثار النزاع بينه وبين يزيد بن فندين الذي لم يعطه الامام عبد الوهاب منصبا أو ولاية. وقد بلغت مكانة شعيب هذا وقوة نفوذه وعظم أمره أن طمع في حكم تاهرت وفي تولي الامامة فيها، مستغلا ذلك الخلاف الذي كان قد نشب بين ابن فندين وعبد الوهاب، فخرج من مصر مسرعا الى تاهرت حيث شارك في التي أدت الى مقتل ابن فندين وفشله هو في تحقيق أهدافه
الأحداث
في الامامة، فعاد الى طرابلس يجر أذيال الخيبة والفشل (196)
•
الأئمة
ومما يلفت النظر في أمر هذه الأحداث التي اشترك فيها شعيب ابن المعروف المصري قول أبي زكريا صاحب كتاب سير وأخبارهم، أن شعيبا هذا "خلا بطائفة من أصحابه، منهم أبو
وورع
""
المتوكل، واتفقوا على المسير الى تاهرت، فخرج في نفر من أصحابه بغير مشورة مشايخ مصر طمعا في الامارة. وقد كان بها (أي بمصر) لجماعة المسلمين (أي الأباضية مشائخ ذوو فضل وعلم (197). ومعنى ذلك أن المذهب أصبح له في مصر جماعة كبيرة وأتباع كثيرون، وأنه كان لهذه الجماعة وهؤلاء الأتباع مشايخ عديدون منهم شعيب هذا، وكان هؤلاء المشايخ يمثلون مجلس الشورى الذي يصدر الفتوى ويفصل في الأمور المتنازع عليها، ويمثل أيضا قمة السلطة بالنسبة للأباضيين المصريين عامة. فالمذهب على هذا النحو كانت له قواعد منتشرة بين عامة الناس، وكانت له قمة تتمثل في هؤلاء المشايخ، وأن هؤلاء المشايخ كما يفهم من النص لم يكونوا قليلي العدد، فشعيب وحده كان له أصحابه ورفاقه الذين تأثروا به ووافقوه على رأيه وساعدوه في تحقيق أهدافه، منهم أبو المتوكل الذي أشار اليه
(196) أبو زكريا: ص 89 - 97، الدرجيني: جـ
ص 130 - 134.
•
ص 49
-
50، الشماخي: جـ 1
(197) أبو زكريا: ص 90 - 92، الشماخي: ج 1 ص 232. (1/98)
صفحة 99
99 -
-
-
النص، مما يدل دلالة مؤكدة على عظم انتشار المذهب في مصر، حتى لهذا المذهب علماء عديدون ومشايخ كثيرون، وأتباع لايقدرون
أصبح
كثرة.
و لم يكن هؤلاء الذين أشرنا اليهم حتى الآن هم كل علماء المذهب وشيوخه في مصر، فهناك غيرهم كثيرون، يتبين ذلك مما ورد عند ابن سلام الأباضي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة من أسماء العديد من هؤلاء العلماء، مثل أبي عثمان وموسى وهاشم بن نصر، ومحمد بن نصر، وأبي أيوب وائل حضرمي ومحمد بن عبد الملك الحجازي الذي كان يسكن فوق مكان تصنع فيه المحامل، ولعله يقصد بالمحامل الكسوة التي كانت ترسل الى مكة من مصر كل عام. وقد قابل ابن سلام وزميله سدرات النفوسي العالم المصري في مصر قبل عام 250 هـ / 864 م (198)
هذا
وقد أتي الى مصر شيخ وعالم من علماء الأباضية بالمغرب وأقام فيها وسكنها واتخذها موطنا وصار من علمائها وأهلها. هذا العالم هو أبو خزر يغلي بن زلتاف الوسياني الذي كان قد شارك في ثورة ضد المعز لدين الله الفاطمي عندما كان المعز في بلاد المغرب، ثم عفا عنه المعز وقربه اليه، ولما جاء المعز الى مصر وانتقل إليها واتخذها دار ملكه صحبه معه، فصار يتصدر المجالس ويعلم طلبة العلم ما أرادوه من فنون العلم المختلفة، مثل علوم القرآن والحديث والأصول والفقه واللغة العربية والسيرة (199).
وبطبيعة الحال فإن العالم أو الفقيه الأباضي لن يلتف حوله إلا
(198) اين سلام الأباضي: ص 136
(199) أبو زكريا: ص 214.
-
231، الدرجيني: ج 1 ص 120. (1/99)
صفحة 100
الأباضيون، مما يدل على كثرة هؤلاء الطلاب الذين كانوا يستفيدون من علم هذا الشيخ، كما كان يستفيد منه غيرهم من الطلاب الآخرين الذين كانوا في الغالب يعجبون بما كان لدى هؤلاء العلماء الوافدين أو المقيمين من علم وفقه، فلا يرون بأسا في أن يجلسوا إليهم ويستفيدوا بما عندهم، مع مخالفتهم لهم في المذهب
شأنه وقدره،
وهذا ماحدث بالنسبة لهذا العالم الأباضي الكبير، إذ جذب علمه وفقهه الغزير الكثير من طلاب مصر مما أثار حسد علمائها وفقهائها حتى أنهم أرادوا امتحانه واختباره للوقوف على مبلغ علمه وفقهه، ولكنهم في النهاية تراجعوا وخافوا قوة حجته وبيانه، مما يدل على أن شهرته كانت معروفة لديهم قبل مجيئه الى مصر، ولما وصل اليها تأكدت لديهم هذه الحقيقة، ومن ثم تركوا مناظرته، وقام المعز لدين الله الفاطمي ورفع من وقدره، وأقطعه "ديارا وعقارا ومستغلات، (200)، فحسنت حاله وازداد التفاف الطلاب الأباضية حوله، مما يدل بشكل واضح على وجود هذا النفر من الأباضية المصريين وعلى طلبهم للعلم، وعلى قيام مجالس العلم الأباضية، وذلك في النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة وفي عصر الدولة الشيعية وقد ظل هذا العالم الأباضي رفيع القدر عظيم الشأن المعز وتولى ابنه العزيز (365 - 386 هـ / 975 ـ 996 م) حكم مصر ومايتبعها من بلدان الخلافة الفاطمية. ويبدو أن هذا الخليفة لم يحفل بأبي خزر احتفال أبيه به، فلم يتفقده ولم يصله بما كان يصله به والده، فتعرض أبو خزر للعوز والفقر، ولكنه كتم ذلك وصبر حتى قدم الى مصر أحد علماء المعتزلة يطلب مناظرة علمائها، ولما
حتى
مات
-
{1
(200) أبو زكريا: ص 231 - 238، الدرجيني: جـ 1 ص 140 – 143، الشماخي: جـ 2 ص 33 - 41. (1/100)
صفحة 101
101
تغلب عليهم واحدا بعد الآخر وأعيت الحيلة الخليفة العزيز، دله بعض رجاله على أبي خزر، فأتي هذا العالم الأباضي إلى المعتزلي وناظره
وأفحمه وغلبه وقدره (201)
من
من
،
عندئذ اعتنى به العزيز وبره ورفع من
شأنه
الخلافة عصر
وقد ظل الوجود الأباضي في مصر حتى بعد انقضاء الفاطمية في عام 567 هـ / 1712 م وقيام الدولة الأيوبية في ذلك العام فقد اعتنى صلاح الدين الأيوبي رأس هذه الدولة ومؤسسها بطلبة العلم الأباضية حتى إنه أسكنهم جامع أبي العباس أحمد بن طولون الواسع، وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر، وجعل حكمهم إلى واحد منهم يمتثلون لأمره ويخضعون لطاعته، ويصدر أحكامه فيما يحدث بينهم من مشاكل أو خلافات ذلك أنه. ومعنى لأحد لم يجعل أرباب الدولة وحكامها وموظفيها أي سلطان عليهم لما علمه من بصيرتهم وصحة عقيدتهم واحترامهم للتكاليف الشرعية وحزمهم وتوقفهم في المشكلات والشبهات وطهارة ذيلهم من الضلالات،، ولذلك نعموا بحياة السلم والسكينة والهدوء وتمتعوا برعاية الدولة واهتمامها، ومن ثم تفرغوا لطلب العلم والعبادة ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله (202)، فاتسع نشاطهم وكثر عددهم حتى صار لهم رواق في الجامع الأزهر عند رواق المغاربة ورواق السعد التفتازاني والمالكية (203)، وكانت لهم مدرسة بحي طولون في القرن الحادي عشر للهجرة، وكان علماؤهم يدرسون للطلاب في الجامع
سلامة
(201) المرجعين السابقين، ونفس الصفحات (202) محمد يوسف أطفيش: رسالة إن لم تعرف الأباضية يا عقبي يا جزائري، ص 3. (203) المرجع السابق، ص 33 (1/101)
صفحة 102
-
– 102 –
(204)
الأزه
وبطبيعة الحال فإن المذهب الأباضي لم يكن ذا وجود في القاهرة وحدها، بل إنه انتشر بالطبع في أجزاء مختلفة من البلاد، والدليل على ذلك أنه وصل الى أقصاها من ناحية الغرب، فقد انتشر بين سكان الواحات الضاربة في أعماق صحراء مصر الغربية (205). وفي هذا الصدد فإننا لانزعم أو ندعى أن انتشار المذهب الأباضي بلغ من المصريين مبلغه، إنما كان انتشارا مهما قيل في شأنه انتشارا محدودا بحكم كثافة سكان مصر وكثرة عددهم. هذه الكثافة التي تجعل أي نشاط أو فكر لا يتفق مع الدولة الحاكمة فكر أقلية مهما علا شأنه أو سما وضعه أو جل قدره
هذا
من ناحية، ومن ناحية ثانية فان مصر كانت ولاية تابعة لبني أمية ثم لبني العباس، وظلت على هذا الوضع من التبعية حتى عام 254 هـ / 868 م عندما قامت فيها الدولة الطولونية. ومعروف أن الأمويين والعباسيين يتبعون مذاهب السنة ويعملون على دعمها ونشرها، وكانوا يتصدون للمذاهب الأخرى التي تعارض هذه المذاهب، وكان ولاتهم في الأمصار المختلفة يقومون على تنفيذ هذه (204) فرحات الجعبيري: نظام العزابة عند الأباضية الوهبية في جربة، المعهد القومي للآثار والفنون، تونس، سنة 1975 م، ص 225، 258
وتفيد بعض المراجع بأن الأباضية ظل لهم وجود في مصر حتى وقت متأخر، فيشير محمد ابن يوسف أطفيش ت (1332 هـ (1914 م) الى أن جامع ابن طولون مازال يوجد به الطلبة الأباضية، وأن وكالة الجاموس التي يوجد بها هذا الجامع موقوفة عليهم وأنها تخصهم وحدهم دون غيرهم، وأنه لازال يوجد في عصره بعض الدعاة الذين كانوا يدعون الى المذهب الأباضي، مثال ذلك قاسم بن سعيد الشماخي العامري، ومصطفى بن اسماعيل العمري الفارضي. ومحمد ابن يوسف الأباضي بوكالة الأباضية بحي طولون بالقاهرة. انظر: رسالة إن لم تعرف الأباضية، ص 2، (4). وقد أشار الدكتور فرحات الجعبيري أيضا الى وجود هذه الوكالة والى وجود مطبعة تطبع فيها الكتب الأباضية، ومكتبة تسمى المكتبة البارونية، وهي مكتبة مشهورة تقع
قرب مسجد ابن طولون. (انظر، نظام العزاية، ص 261). (205) الكندي: ولاة مصر، ص 153، صالح باجية: الأباضية بالجريد، ص 31
، (1/102)
صفحة 103
103.
-
السياسة، مما كان له تأثيره الكبير في عدم تمكن المذهب الأباضي من أهل مصر بنفس القدر الذي تمكن به من أهل المغرب
ذلك لأن المغاربة كانوا في ثورة شبه دائمة ضد حكم بني أمية، ثم ضد حكم بني العباس، ولم تصف الحال للأمويين أو العباسيين يوما ما في بلاد المغرب، بينما كان الحال في مصر على غير ذلك فقد سكن المصريون كعادتهم الى الهدوء والمسالمة، وركنوا إلى ولاتهم، ولم يقوموا إلا بثورات قليلة وغير ذات أثر في تاريخ البلاد ولم تكن هذه الثورات المحدودة ثورة على العرب أو الاسلام، وإنما كانت ثورة على الظلم الذي كان يحيق أحيانا بالقبط من قبل بعض الولاة الذين كانوا يزيدون الخراج على هؤلاء القبط ويتعسفون في. أما المسلمون المصريون فإنهم لم يثوروا ضد ولاتهم إلا في القليل النادر، ولذلك فإنه لم يتوافر لدعاة الأباضية في مصر نفس الفرصة التي توافرت لزملائهم من دعاة الأباضية في بلاد المغرب، والتي استغلوها أحسن استغلال في نشر المذهب بين المسلمين من البربر، حتى كثر عدد الأباضية بين أفراد هذا الشعب زيادة كبيرة ومضطردة، بينما لم يكن لهم في مصر نفس القدر من العدد والقوة والانتشار لهذه الأسباب وتلك العوامل
تحصيله منهم
ب
(206)
•
مظاهر انتشار المذهب الأباضي بين البربر في بلاد المغرب:
كان البربر وكما سبق القول يودون التخلص من حكم العرب لما سبق ذكره من أسباب، ولذلك قاموا بثورات عنيفة ضد حكم بني العباس، وأضعفوا هذا الحكم ووضعوا أمامه العراقيل، وكونوا دولا
(206) عن ثورات قبط مصر في عصر بني أمية وبني العباس، انظر، سيدة الكاشف: مصر في فجر الاسلام، ص 224 - 228 (1/103)
صفحة 104
أباضية وغير أباضية، حتى إنهم في النهاية أرغموا الخلافة العباسية على
بعد
الاعتراف بالهزيمة والتسليم، ومن ثم تركت المغرب لأهله أن أضاعت في سبيل إخضاعه الكثير من الجهد والوقت والمال والدماء، ولم تلبث أن وافقت أخيرا على قيام دولة تصون لها ماء الوجه وتمنع هذه الدول المغربية من الزحف تجاه الشرق، وكانت هذه الدولة هي دولة الأغالبة التي تمتعت باستقلال كامل في ادارة شئونها الداخلية، ولم ترتبط بالخلافة إلا بروابط شكلية معروفة (207).
أن
في هذا الجو السياسي المضطرب في بلدان المغرب، وكما سبق ذكرنا، وصل المذهب الأباضي على يد الدعاة وحملة العلم، وانتشر بين كثير من البربر الذين درسوا أصول المذهب حتى نبغوا فيه وصاروا علماء ومفتين، وقد ازداد عددهم زيادة كبيرة بتوالى السنين والقرون حتى صارت أسماؤهم تملأ كتب الطبقات التي ألفها الأباضية من المغاربة، ومن يطلع على كتب الورجلاني والدرجيني والشماخي والبرادي وغيرهم يلمس بنفسه هذه الحقيقة. ونظرا لكثرة عدد هؤلاء العلماء فاننا لانستطيع أن نذكرهم في هذا المقام، ومن أراد أن يتعرف عليهم وعلى نشاطهم فليطلع على كتب الطبقات التي أشرنا اليها. ولكن كثرة عدد هؤلاء العلماء يدل دلالة مؤكدة على مدى ما بلغه المذهب الأباضي من انتشار بين البربر وقبائلهم، وخاصة قبائل نفوسة وهوارة ومزاته وزناتة ومغيلة ونفزاوة، وفي كثير من بلدان المغربين الأدنى والأوسط (208). ونتيجة لهذا الانتشار الواسع الذي كان أبلغ
(207) شاكر مصطفى: دولة بني العباس، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الأولى، سنة 1973 م، ج 1 ص 695، 696، 699، السيد عبدالعزيز سالم: دراسات في تاريخ
العرب، جـ 3 العصر العباسي (الأول)، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، بدون
(208) انظ
، ص 94
تاريخ، ص 193، حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص 83، 84
• (1/104)
صفحة 105
105 -
هي دولة
وأسرع وأكثر عما كان في مصر للظروف التاريخية التي تحدثنا عنها، تهيأ الأمر لقيام دولتين أباضيتين في بلاد المغرب، الأولى هي طرابلس والقيروان أو يمكن أن نسميها دولة افريقية الأباضية، حيث أن المنطقة التي كانت تقع فيها طرابلس والقيروان كانت تسمى ولاية
افريقية، أو بلاد المغرب الأدنى كما هو معروف في التاريخ الاسلامي ويمكن أن نسميها أيضا باسم الدولة الخطابية، نسبة الى مؤسسها أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري. أما الدولة الثانية، فهي الدولة الرستمية التي شمل حكمها معظم بلدان افريقية والمغرب
الأوسط ..
خلافة
وقد ساعد على قيام الدولة الأولى بجانب ماذكرناه من كثرة عدد الأباضية ونجاح انتشار المذهب الأباضي بين البربر بدرجة كبيرة، تلك الظروف التاريخية التي كانت تمر بها هذه المنطقة والتي كانت تمر بها الخلافة أيضا. أما الخلافة فقد كانت هناك خلافة منهارة هي أمية وخلافة وليدة هي خلافة العباس التي كانت تعمل بكل ما وسعها الجهد على تدعيم أركانها، وفي مطاردة بقايا الأمويين، وفي تثبيت أقدامها ونشر نفوذها في هذا العالم الاسلامي الواسع، وكانت
بني
بني
مشغولة بذلك كله عما كان يجري في بلاد المغرب (209).
أما بلاد المغرب فقد عانت كثيرا من جراء الوقائع والحروب التي اندلعت بين البربر الصفرية وبين العرب منذ عام 122 هـ / 740 م، وكانت تعاني أيضا من الصراع القبلي الذي كان يجري بين العرب بعضهم البعض، في شكل حروب وانقلابات وثارات بين القيسية
(209) شاكر مصطفى: دولة بني العباس، جـ 1 ص 159 - 161، 247.
-
252، محمد
179
-
جمال الدين سرور: ص 178 (1/105)
صفحة 106
-1.7 -
أهلكت
واليمنية (210)، وكانت تعاني أيضا من استبداد عبد الرحمن بن حبيب الفهري الذي تغلب على البلاد منذ عام 126 هـ / 743 م وأجبر واليها حنظلة بن صفوان على مغادرتها واستبد بحكمها لأكثر من عشر سنوات، ولم تلبث الخلافات والصراعات أن قامت بينه وبين إخوته فقتلوه، ثم قامت الصراعات بين أولاده وأعمامهم للانتقام لمصرع أبيهم ولاستعادة سلطانهم، واقتضت هذه الصراعات أن استعان أحد الفريقين على الآخر باستقدام قبيلة ورفجومة الصفرية التي الحرث والنسل وارتكبت من الفواحش والمظالم ماسبقت الاشارة اليه، مما أضاف الكثير والكثير إلى مايعانيه البربر (211) وقد أدت هذه الأحوال إلى تولد رغبة شديدة لدى البربر في العيش في هدوء وسلام، في ظل دولة تسودها العدالة والأخوة الاسلامية، فمالوا إلى أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري وإلى أصحابه الأباضية الذين كانوا ينادون بهذه المبادئ ويريدون تطبيقها، فاعتنقوا المذهب الأباضى ومكنوا أبا الخطاب من إعلان قيام الدولة الأباضية الأولى في طرابلس وماحولها من بلدان"، وذلك في عام
من
140 هـ 757 م (212)
وقد امتدت حدود هذه الدولة سريعا حتى شملت القيروان وما بينها وبين طرابلس من بلدان. وقد هيأت الظروف التاريخية لهذا الاتساع عندما استغاث أهل القيروان بأبي الخطاب ليخلصهم من قبيلة ورفجومة الصفرية التي كانت قد استولت على المدينة وفعلت بأهلها الأفاعيل مما يأباه الاسلام والمسلمون، لدرجة أن إحدى نسائها
(210) عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية (عصر الخلفاء الأمويين)، ص 315، 321. (211) ابن عذاري: ج 1 ص 71، محمد عيسى الحريري: ص 66.
(212) أبو زكريا: ص 57 ـ 59 (1/106)
صفحة 107
-
كتبت الى أبي الخطاب تقول: "أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن لي بنتا لم أحرزها إلا في حفرة حفرتها تحت سريري مخافة عليها من الورفجومية أن يفسدوها، (213)
•
ولذلك أمر أبو الخطاب بالنفير واجتمع له الجند، وزحف على القيروان واستولى على قابس وما يليها من البلدان حتى وصل الى القيروان، فقاتل ورفجومة وأخرجها من هذه المدينة في عام 141 هـ 758 م، وصارت القيروان وما يتبعها من بلدان ضمن دولته التي اتسعت على هذا النحو. وبعد أن استتب الأمن في ربوع هذه المدينة عين في حكمها زميله الداعية عبد الرحمن بن رستم الفارسي، وعاد هو إلى مدينة طرابلس بعد أن دانت له ولاية افريقية، وأصبحت الدولة الأباضية تمتد حدودها من برقة شرقا حتى الحدود الشرقية لما يعرف بدولة الجزائر الآن، بما في ذلك مناطق قسنطينة وأراضي كتامة وسطيف وغيرها من بلدان (214)
ولكن أبا جعفر المنصور لم يترك الفرصة لهذه الدولة الوليدة من أن تكبر وتنمو على هذا النحو الذي صار مهددا لسلطته السياسية في الغرب الإسلامي كله، خاصة وأن الأمويين كانوا قد استطاعوا قبل ذلك بعامين أن ينتزعوا بلاد الأندلس ويقيموا فيها دولة لأنفسهم. ولذلك صمم أبو جعفر على القضاء على دولة أبي الخطاب بأية وسيلة، فأرسل قائده محمد بن الأشعث الخزاعي الى بلاد المغرب في عام 144 هـ / 761 م لتحقيق هذه الغاية. وفعلا تمكن هذا القائد الأباضية وقتل أبي الخطاب نفسه وأكثر من عشرة آلاف
(213) المصدر السابق، ص 60
من هزيمة
من جيشه
(214) المصدر السابق، ص 60 ـ 65، الدرجيني: جـ 1 ص 26 – 29، الشماخي: جـ 1
ص 116 – 118. (1/107)
صفحة 108
-
- 108 -
-
في موقعة تسمى تاورغا قرب مدينة سرت بليبيا، وذلك بسبب النزاع الذي كان قد نشب قبيل المعركة بين زناتة وهوارة، حيث اتهمت زناتة أبا الخطاب بأنه يميل الى هوارة، مما أدى الى تصدع الجبهة الأباضية، وأدى الى النتيجة التي أشرنا اليها، هذا فيما تحكيه المصادر
السنية (215)
•
يسمح لهم بالعودة
عنهم. ورغم
أما المصادر الأباضية المغربية فتذكر أن سبب الهزيمة لم يكن إلا الخديعة التي اتبعها محمد بن الأشعث تجاه أبي الخطاب، حيث تظاهر بالتراجع الى مصر، فطلب الجند من أبي الخطاب أن الى بلادهم بعد أن جاءتهم الأخبار برجوع ابن الأشعث تحذير أبي الخطاب لهم بأن هذه مكيدة يكيدها ابن الأشعث لهم، إلا أنهم أصروا على موقفهم، فتفرقت جموعهم، وأسرعت العيون الى ابن الأشعث تخبره بتفرق جند أبي الخطاب، فكر راجعا يطوي الأرض طيا، ولم يشعر أبو الخطاب إلا وقد غشيته جموع ابن الأشعث قرب طرابلس، فأرسل رسله إلى البلدان يستجمع جنده ويطلب المدد، ولم يتريث حتى تأتيه هذه الأمداد، وتقابل مع ابن الأشعث
عماله
من
في معركة حامية الوطيس في تاورغا في عام 144 هـ / 761 م وانتهت المعركة كما أشرنا من قبل بقتل أبي الخطاب ومقتل أكثر من عشرة آلاف من جنده، وانهارت بذلك أول دولة أباضية لم يدم حكمها في بلاد المغرب أكثر من أربع سنوات (216).
وبعد
أن حقق ابن الأشعث هذا النصر قام بالزحف الى القيروان
(215) ابن عذاري: جـ 1 ص 71 - 72. ويذكر اليعقوبي في تاريخه (جـ 2 ص 385، 386) والبلاذري في فتوحاته ص (234 أحداث الصدام بين أبي الخطاب وابن الأشعث دون
تعليل أو تفصيل.
(216) أبو زكريا: ص 60. 72، الدرجيني: جـ 1
ص 118 – 120
32
-
34، الشماخي: (1/108)
صفحة 109
-
1.9—
واستولى عليها بعد أن فر عنها عبد الرحمن بن رستم الذي اتجه غربا الى تاهرت في بلاد المغرب الأوسط (بلاد الجزائر)، وقام ابن الأشعث الأباضية في بلدانهم وقراهم، حتى وصلت جيوشه في مطاردتهم الى زويلة وودان، فاستولت عليهما بعد أن قتلت كثيرا ممن الأباضية وعلى رأسهم عبد الله بن حيان الأباضي، شيخ
بتتبع
من
كان بهما
الأباضية
ورئيسهم في مدينة زويلة (217)، وفر الباقون الى المغرب الأوسط
•
والتفوا حول زعيمهم الجديد عبد الرحمن بن رستم (218) ولكن هذه الهزائم لم تفت في عضد الأباضية، بل جعلتهم يصممون على إقامة دولة جديدة لهم. وكان إمامهم الجديد عبد الرحمن ابن رستم كما ذكرنا قد اتجه إلى بلاد المغرب الأوسط واستقر هناك عند جبل يسمى (سوف أجج) حيث وجد مدينة قديمة تسمى تاهرت فقام هو وأتباعه وبنوا على مقربة منها مدينة جديدة حملت نفس الاسم، وأصبحت هذه المدينة الجديدة موئلا للأباضية ومعقلا حصينا لهم امتنعوا فيه من أن تنالهم يد ابن الأشعث أو غيره من ولاة بني العباس. وعندما حانت الفرصة وانشغل ولاة افريقية بالقضاء على الثورات التي قام بها العرب، وقام بها الصفرية والأباضية ضد حكم العباس، والتي أدت الى مقتل كثير من هؤلاء الولاة (219)، أعلن عبد الرحمن بن رستم قيام الدولة الأباضية الثانية في تاهرت فيما عرف في التاريخ بالدولة الرستمية، وذلك في عام 160 هـ/ 776 م (220)
بني
وقد امتد سلطان هذه الدولة في عصر خلفاء عبد الرحمن حتى شمل
(217) ابن عذاري: جـ 1 ص 73، الظاهر أحمد الزاوي: ص 139.
(218) عوض خليفات: ص 155.
(219) المرجع السابق، ص 156
(220) أبو زكريا: ص 71 - 72، 81 – 82، الدرجيني: جـ
-
-
ص 43. (1/109)
صفحة 110
-
11
معظم بلدان المغربين الأدنى والأوسط، اذ امتدت حدودها من برقة وطرابلس شرقا حتى تلمسان غربا (221)، فيما عدا منطقة القيروان والبلدان التي تحيط بها والتي تشمل النصف الشمالي من ولاية افريقية: ومن ثم عادت للمذهب الأباضي قوته وازدهاره من جديد، وسنحت الفرصة لاستمرار انتشاره في مناطق جديدة، فانساح الى أقصى المناطق في الصحراء الكبرى مثل زويلة وودان و تادمكت وورجلان، الى بلاد السودان (222)
•
ومنها
ونحن هنا لانريد أن نتحدث عن تاريخ الدولة الرستمية كمظهر من مظاهر انتشار المذهب الأباضي في بلاد المغرب، فالكتب التي تحدثت عن تاريخ هذه الدولة عديدة (223)، ويكفي هنا أن نقول أن هذه الدولة استمرت تحكم معظم بلدان المغربين الأدنى والأوسط لمدة بلغت مائة وستا وثلاثين عاما منذ أن قامت في عام 160 هـ / 776 م حتى. سقطت على يد الفاطميين في عام 296 هـ / 908 م، وحكمها من بني رستم سبعة من الأئمة، حكم ثلاثة منهم وهم عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (168 - 208 هـ / 784 - 123 م) (224)، وابنه أفلح (208 - 240 هـ / 823 ـ
-
—
-
854 م)
(221) ابن الصغير: ص 45
•
-
94، الادريسي: نزهة المشتاق، ص 11، 15، الورجلاني: جـ 1
(222) انظر، ص 92.
ص 94
(223) عن تاريخ الدولة الرستمية، انظر، محمد عيسى الحريري: مقدمات البناء السياسي للمغرب
الاسلامي.
(224) تشير بعض المراجع الحديثة الى أن عبد الوهاب تولى الامامة في عام 171 هـ، وتأخذ من الموادعة التي تمت بين عبد الرحمن بن رستم وروح بن حاتم في عام 171 هـ حسبما ذكر ابن خلدون دليلا على صحة هذا التاريخ الذي توفي فيه عبد الرحمن وتمت فيه البيعة لابنه عبد الوهاب (انظر: محمد عيسى الحريري: ص (108). ولكن ابن عذاري (جـ 1 ص (196) يجعل وفاة عبد الرحمن بن رستم وتولية ابنه عبد الوهاب في عام 168 هـ. ونحن ترجح هذا التاريخ لأن ابن عذاري أدق في ذكر السنين والتواريخ من ابن خلدون، ولأنه (1/110)
صفحة 111
111
وحفيده أبو اليقظان بن محمد بن أفلح (241 - 281 هـ / 855
-
-
من عمر هذه الدولة، بينما
894 م مدة بلغت مائة واثنى عشر عاما حكمها مؤسسها عبد الرحمن بن رستم ثماني سنوات (160 – 168 هـ / 776 784 م، وحكمها أبو حاتم يوسف بن أبي
-
اليقظان محمد ثلاث عشرة سنة (281 ـ 294 هـ / 894 - 906 م). و لم يكن هناك حكموا مددا أقل إلا إمامان هما أبو بكر من
ابن أفلح الذي حكم عاما واحدا (240) - 241 هـ / 854 ـ
، وآخر الأئمة
وهو يقظان
-
بن أبي اليقظان الذي حكمها مدة
855 م)، وا عامين (294 - 296 هـ / 906 ـ. 908 م) ..
معظم
ذلك أن ويلاحظ من الأئمة الرستميين حكموا طويلة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على استتباب الأحوال في دولتهم، ويدل أيضا على حسن سيرتهم وعلى يقظتهم وعلى اقتناع الناس بحكمهم حتى دان لهم أغلب سكان المغربين الأدنى والأوسط، وصارت دولة الأغالبة كجزيرة تعوم في بحر من الأباضية، إذ كانت دولة الأباضية تحيط بها من الشرق والغرب والجنوب. وقد بلغت هذه الدولة قمة الازدهار والمجد في عهد أفلح بن عبد الوهاب، ولكن هذا الازدهار لم يدم طويلا، إذ بدأت عوامل الانقسام تمخر في جسد الدولة، أقدم منه، ولأنه من المعروف وكما ورد في كتب الطبقات الأباضية أن عبد الوهاب وهو امام، أرسل يستفتي مشايخ المذهب في مصر والبصرة: ابن عباد والربيع بن حبيب في خروجه للحج. ومعروف أن الربيع بن حبيب توفي في عام 170 هـ (انظر: الشماخي: السير، ج 1 ص 140).
وعلى ذلك فليس معقولا أن تكون إمامة عبد الوهاب قد قامت في عام 171 هـ، والأرجح هو التاريخ الذي أشرنا اليه، والذي أخذ به أيضا من قبل زامباور في كتابه معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الاسلامي (ص) (100)، وتكون الموادعة التي تمت بين روح بن حاتم والي افريقية وبين عبد الوهاب في عام 171 هـ وليس مع أبيه كما ذكر ابن خلدون نفسه في موضع آخر (انظر)، سليمان الباروني: الأزهار، جـ 2 ص 151). ولما كان عبد الوهاب قد حكم أربعين عاما، فتكون وفاته في عام 208 هـ وليست في عام 211 هـ. انظر، أبو زكريا: هامش 1 ص 87
• (1/111)
صفحة 112
– 112 –
وخاصة منذ عهد أبي حاتم يوسف ابن أبي اليقظان (281 – 294 هـ /
-
-
894 - 906 م)، بعد أن قام الصراع بينه وبين عمه يعقوب بن أفلح الذي لم يرض عن البيعة لابن أخيه بالإمامة، وخرج من تاهرت مغاضبا له، ورحل إلى مدينة زواغة التي تقع غرب طرابلس وأقام بها، ولم تلبث الحرب الأهلية أن اندلعت بين الرجلين، وانخلع أبو
أن
حاتم من الإمامة وتولاها عمه، ثم عاد إليها مرة أخرى بعد تدهورت الأوضاع الأمنية والاقتصادية حتى وصلت إلى الحضيض،
كما ظهرت المفاسد الخلقية وفشت الرذيلة بين الناس مما عجل بانهيار
الدولة وزوالها (225)
وقد هيأت هذه الأحوال الفرصة للأغالبة كي ينقضوا على أباضية المغرب الأدنى ويقضوا على معظمهم، وخاصة على أباضية جبل نفوسة الذي يقع جنوب طرابلس ويمتد غربا الى بلاد الجريد في تونس، وذلك في معركة شهيرة تعرف بموقعة مانو حدثت بين الفريقين في عام 283 هـ / 896 م. وكان النفوسيون وكما هو معروف عصب الدولة الرستمية ودرعها الواقية وفيهم قال الامام الرستمي "إنما قام هذا بسيوف نفوسة وأموال يقصد المذهب الأباضي -
الدين
—
مزاتة (226)
•
-
وبالقضاء على نفوسة وقتل معظم رجالها القادرين على القتال وحمل السلاح، لم تعد هذه القبيلة بقادرة على مواصلة إمداد الرستميين بالمال والسلاح والرجال كما كانت تفعل قبل ذلك (227)، مما أضعف
187
-
(225) ابن الصغير: ص 111 116، محمد عيسى الحريري: ص 174 (226) أبو زكريا: ص 155، محمد الطالبي: الدولة الأغلبية، التاريخ السياسي، تعريب د المنجي الصيادي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1985 م، ص 326 - 328. (227) أبو زكريا، ص 154 ـ 157، الدرجيني: جـ 1 ص 87 90، محمد عيسى الحريري:
ص 180
181
-
- (1/112)
صفحة 113
– 113 –
-
الرستميين الى حد كير، خاصة وأن إمامهم في تاهرت لم يعمل على تقديم العون والمساعدة للنفوسيين وقت محنتهم لانشغاله بمحاربة عمه يعقوب بن أفلح الطامع في السلطة، ومن ثم سقطت هيبة الدولة، وهيبته هو شخصيا عند النفوسيين والتاهرتيين، وطمع في الامامة بعض أقاربه، مما عجل بقتله على أيديهم وذلك في عام 294 هـ / 906 م
كما عجل أيضا بسقوط الدولة بعد ذلك بعامين اثنين (228) ذلك لأن الامام الجديد والأخير وهو يقظان بن أبي اليقظان، تعرض لكراهية الناس له، للظن بأنه كان ضالعا في قتل الامام السابق، كما تعرضت دولته للانقسام الفكري الذي حدث بين أباضية تاهرت، كما تعرضت أيضا لمؤامرات الشيعة والواصلية (المعتزلة) والصفرية والمخالفين الذين اتصلوا بأبي عبد الله الشيعي الداعي الفاطمي ببلاد المغرب وحرضوه على غزو تاهرت والقضاء على الأسرة الرستمية، ووعدوه بتقديم العون والمساعدة، مما كان لن أثره في النهاية في القضاء على هذه الأسرة وعلى الدولة الأباضية الرستمية في عام 296 هـ / 908 م على يد هذا الداعية (229)
واذا كان أبو عبد الله الشيعي قد وضع نهاية للدولة الرستمية في العام المذكور، إلا أنه بطبيعة الحال لم يستطع أن يضع نهاية للمذهب الأباضي، لأن هذا المذهب استمر في التواجد منذ ذلك التاريخ وحتى الآن. ولكن ذلك لا يمنع القول بأن المذهب أصابه الضعف في تاهرت الى حد كبير نتيجة لسياسة الاضطهاد والقتل وإحراق كتب الأباضية
(228) أبو زكريا: ص 157، الدرجيني: ج 1 ص 87 - ص 181، محمد الطالبي: ص 386.
-
90، محمد عيسى الحريري:
(229) أبو زكريا: ص 169، الدرجيني: جـ 1 ص 87 - 90، 94، محمد عيسى الحريري:
140
-
182 (1/113)
صفحة 114
-118 -
التي اتبعها الفاطميون. فقد قام داعيتهم المذكور بعد أن استولى على تاهرت ونهبها، بإحراق المكتبة المعروفة بالمعصومة ليقضي على الفكر الأباضي المكتوب، وكانت هذه المكتبة تضم أكثر من ثلاثين ألف مجلد أغلبها في الشريعة الاسلامية وفلسفتها، وفي شرح المذهب الأباضي والاحتجاج له، وفي تاريخ الدولة الرستمية. ارتكب أبو عبد الله الشيعي هذه الجناية بعد أن أخذ ما في هذه المكتبة من كتب الرياضيات والصنائع والحرف وغيرها من كتب العلوم والفنون التي تنفع في بناء دولته، ثم قام وأضرم النار فيما بقي فيها من كتب تتعلق بالمذهب
الأباضي
هذا
(230)
عن
•
الكتب، أما عن الأسرة الرستمية ورجالها الذين كانوا
(231)
قد تقدموا للقاء أبي عبد الله الشيعي وعلى رأسهم الامام يقظان، فقد أمر أبو عبد الله الشيعي بقتلهم جميعا بعد أن أنبهم على قتل إمامهم وعلى استسلامهم له على هذا النحو المهين، فقتلوا عن آخرهم وذلك في شوال من عام 296 هـ يونية 909 م (231). وبذلك انتهت الأسرة الرستمية التي كانت ترعى المذهب وتعمل على نشره وتدعيمه في بلاد المغرب، كما انتهت الدولة الرستمية بعد أن قام أبو عبد الله بتنصيب أبي حميد دواس بن صولات اللهيصي وابراهيم بن محمد اليماني المعروف بالهواري في حكم تاهرت، وهرب الرستميون الذين كانوا قد نجوا من المذبحة إلى جبال أوراس وجبال بني راشد، وانطلق بعضهم إلى جبل نفوسة وجربة، وفر كبيرهم يعقوب بن أفلح إلى ورجلان ومعه عدد كبير من العائلات الرستمية، واستقروا هناك،
(230) أبو زكريا: ص 170، محمد عيسى الحريري: ص 185، سليمان الباروني: الأزهار،
ج 2 ص 358
•
(231) أبو زكريا: ص 169 – 170، محمد عيسى الحريري: ص 185، سليمان الباروني: الأزهار
، ج 2 ص 358 (1/114)
صفحة 115
-110
-
ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك (232)
مخلد
أما رجال المذهب وشيوخه فقد تتبعهم الفاطميون بالاضطهاد والقتل. ولكن يبدو أن هذه السياسة قد تغيرت عندما قام أبو يزيد بن كيداد اليفرني النكاري بثورة على الفاطميين في عام 333 هـ/ 944 م و لم يشترك الأباضية في هذه الثورة، لأنهم يعتبرون أن النكار كفرة كما سبق القول. ولذلك نرى قيام علاقات حسنة بين الأباضية وشيخهم في ذلك الوقت، وهو أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني، وبين المعز لدين الله الفاطمي. يظهر ذلك من مواقف كثيرة، وظل الأمر على هذا النحو حتى قام الواشون بالوقيعة بينهما (233)
وكان أبو القاسم قد بلغ درجة كبيرة من العلم حتى كانت مدينة القيروان تضطرب كلها من أجل مقدمه، ويستعد علماؤها له بالأسئلة والاستفسارات، وخاف المعز من ازدياد نفوذه، خاصة وأن قومه من مزاتة كانت لهم قوة عظيمة، فكان عدد فرسانهم فقط لايقل عن اثنى عشر ألفا، وأما الرجالة فلا يعدون، ولذلك أمر المعز بقتله، فقام الأباضية بثورة عارمة ضد المعز لهذا السبب قادها زميل أبي القاسم، الشيخ أبو خزر يغلي بن زلتاف الوسياني (234).
وكي ينجح أبو خزر في ثورته أخذ يعبئ الأباضية في كل مكان فأرسل زميله أبا نوح سعيد بن زنغيل الى أباضية ورجلان وجربة وطرابلس وجبل نفوسة يستحثهم للانضمام للثورة، كما راسل بني أمية في الأندلس لمعاونته ضد الفاطميين، ولكن كتابه إليهم وقع في أيدي
(232) أبو زكريا: ص 170 عيسى الحريري: ص 186
(233) أبو زكريا: ص 209 -
-
191، 172 -
192، الدرجيني: ج 1 ص 94، محمد
211، الدرجيني: ج 1 ص 119
(234) أبو زكريا: ص 205 ـ 217، الدرجيني: ج 1 ص 119
130
138
-
- (1/115)
صفحة 116
-
116
رجال المعز. ورغم ذلك فقد حاول المعز أن يتجنب لقاء الأباضية نظرا لكثرة جموعهم، وأرسل الى مشايخهم يقول لهم "ارجعوا الى بلادكم التي وليتموها قبل هذا العهد في تاهرت وغيرها فتكونوا على ماكان عليه أوائلكم ونكون على ماكان عليه أوائلنا. ولكن العامة الأباضية رفضت هذا العرض المعقول وأبت إلا مناصبة المعز من العداء، ولم ينتظر أبو خزر قدوم الإمدادات من الجهات التي كان قد راسلها، فوقع الصدام بين الفريقين في مكان يسمى باغاي في عام 358 هـ / 969 م، وانهزم الأباضية لخيانة قوم من مزاتة يسمون بني يليان، كانوا قد أخذوا أموالا من المعز وتظاهروا بالهزيمة وقت المعركة (235)
فر أبو خزر ولجأ الى جبل نفوسة واستقر فيه مختفيا، أما أبو نوح فقد لجأ الى نفس الأسلوب وتنكر في ملابس الرعاة، وأرسل المعز رجالا يبحثون عنهما وعن الشيوخ بصفة عامة، فتعرفوا على أبي نوح وأحضروه الى المعز فأمر بسجنه، ولكن بلقين بن زيري بن
مناد
جملة
الصنهاجي تشفع فيه، فعفا عنه المعز وقربه إليه وجعله من خواصه، وأرسل بالأمان الى أبي خزر بعد أن شفع فيه زميله أبو نوح، فأقبل هو الآخر وصار من خواص المعز. وعندما أراد المعز أبو خزر وتخلف أبو نوح بحيلة
الرحيل الى مصر رحل
منه (236)
معه
يفهم من هذه الأحداث أن قواعد الأباضية في بلاد المغربين الأدنى والأوسط لم يقض عليها بالقضاء على الدولة الرستمية، كما يفهم أيضا
(235) المصدرين السابقين ونفس الصفحات. (236) أبو زكريا: ص 219 – 229، الدرجيني: ج 1 ص 130 – 138، حسن ابراهيم حسن، وطه أحمد شرف: المعز لدين الله، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1963 م، ص 35. (1/116)
صفحة 117
- 117 -
أن قوة الأباضية نمت من جديد وأثبتت وجودها بدليل أن المعز خشى بأسها، وبدليل أنه حاول أن يسترضي الأباضية ويعيدهم الى مراكزهم ومناصبهم الأولى في تاهرت وغيرها، ولكنهم أصروا على الصدام
معه
وهذا الاصرار لايفهم منه إلا أنهم كانوا يشعرون بالقوة، وإلا مافعلوا مافعلوه، ولما ثاروا ضد هذه الدولة الفتية القوية. أما الهزيمة التي منوا بها في موقعة باغاي فلم تكن عن ضعف، ولكنها جاءت نتيجة الخيانة، ونتيجة الاندفاع من أبي خزر الذي لم ينتظر وصول الامدادات التي كانت في الطريق اليه، ولو انتظرها ولو لم يخن بنو يليان المزاتيين لتغير الموقف، ولحقق الأباضية نصرا كبيرا، ولكن
الرياح جاءت بما لاتشتهي السفن فانهزم الأباضية
معه
ورغم هذه الهزيمة، فإننا نرى المعز يعفو عن زعماء الثورة مثل أبي نوح، وكان في إمكانه أن يقتله، ولكنه ترك أحد قواده الصنهاجيين يشفعون فيه عنده، فعفا عنه وقربه إليه كما قلنا، ثم عفا عن قائد الثورة أبي خزر وجعل له جاها ومنزلة عظيمة حتى كان يقعده على سريره بينما كان غيره من الناس لا يحظي إلا بالوقوف بين يديه (237). ولما عزم على الرحيل إلى مصر أراد من هذين الزعيمين الكبيرين أن يرحلا معه يرحلا معه لخوفه من ثورتهما وخلافهما له وتدبيرهما ضده إن بقيا بعده في بلاد المغرب (238). ولا يدل هذا التفكير إلا على مدى قوة الأباضية التي شعر بها المعز في تلك الفترة، وإلا على الوجود الأباضي الذي ذهبت دولته في تاهرت وبقي رجاله وعلماؤه وقبائله التي ظلت تدافع عنه في كثير من بلدان المغربين الأدنى والأوسط
•
ولو لم يكن للأباضية هذه القوة، لما أوصى المعز عند رحيله إلى
(237) أبو زكريا: ص 228. (238) المصدر السابق، ص 229. (1/117)
صفحة 118
- 118 -
مصر
—
نائبه على أفريقية المنصور بلقين بن زيري بأن ينتقم ويشفيه حسب قوله من أولاد المجوس زناتة ومزاتة، (239). ومعروف
-
أن زناتة ومزاتة كانت بجانب نفوسة عماد الدعوة والدولة الأباضية. ورغم ذلك فإننا نرى هذا العامل أو النائب يتلطف بالأباضية، ويستقبل شيخهم أبا نوح ويحنو عليه ويذهب عنه الخوف ويسترضيه فيقول له: اعلم ياشيخ إن رمحي لوهبي وإن فرسي لوهبي، (240). ووهبي نسبة إلى الوهبية وهم الأباضية الذين تميزوا عن النكار بهذا الإسم، والوهبية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الذي ثار ضده زعيم النكار محمد بن فندين كما سبق القول وقد بلغت منزلة أبي نوح عند المنصور بلقين درجة كبيرة حتى إنه أجازه بجائزة سنية وأكرمه وأمره بالرجوع إلى أهله (241). وصار أبو نوح يتنقل بين إفريقية وقسطيلية وبلاد الجريد وورجلان وزويلة ينشر الدعوة ويقاوم النكار ويناظر مشايخهم، فكان يقابل بالترحاب والتقدير في كل مكان نزله، وكان يقوم بالرد على الأسئلة التي توجه إليه، ويعلم الناس ماجهلوه من أصول المذهب والعقيدة الأباضية (242).
وليس معنى ذلك أن المذهب الأباضي كان في مثل قوته التي كان عليها أيام الدولة الرستمية، لأنه بطبيعة الحال كان قد فقد قوة الدولة كانت ترعاه وتحمي رجال ومشايخه، وكان على هؤلاء المشايخ أن يدبروا أمورهم ولا يجاهروا بعداء الدولة الجديدة التي أصبح لها
التي
(239) المصدر السابق، ص 230 (240) المصدر السابق، ص 238.
(241) المصدر السابق، ص 239 (242) المصدر السابق، ص 235 -
250 - (1/118)
صفحة 119
-
119
-
والسلطان في بلدان المغربين الأدنى والأوسط، والتي امتد سلطانها إلى مصر وبلاد الحجاز والشام، وهي الدولة الفاطمية
وفي نفس الوقت بدأت العامة من الأباضية يفقدون حماسهم للمذهب بالتدريج، وبدأت أحوالهم تتغير من سيء إلى أسوأ. وقد لاحظ أبو نوح ذلك التغير ونبه عليه أهل ورجلان، وكان قد زارهم مرتين، وفي المرتين الثانية لاحظ تغير أحوالهم عن المرة الأولى، فجمع وجوههم وقال لهم: إني رأيت فيكم ثلاث خصال، كلها غير مرضية، أما الأولى فنكاح السر فيكم فاش. فإذا مر أحدكم برجل وامرأة مجتمعين في موضع التهمة وزجرهما ونهاهما عن الاجتماع في موضع التهمة، قالا له: إنا قد تناكحنا، فكاد يظهر فيكم الفحشاء. والثانية إن أحدكم يطلق عبيده ولا يعولهم ويأمرهم بطلب معاشهم فيطلقون في أموال الناس من جرائد النخل والليف والكرانف وغير ذلك، فيكاد أحدكم أن يكون سارقا، وهو في المحراب قاعد. والثالثة، أنكم أظهرتم بينكم التفرقة: فطائفة يقولون، مسجدنا ومسجدكم، وطائفة يقولون: حصيرنا وحصيركم، ويهودنا ويهودكم. فاجتمعوا ليردوا له الجواب، فتباطأوا في رد الجواب، فلما استبطأهم الشيخ استرابهم، فما بات تلك الليلة إلا عند حمو بن اللؤلؤ في مكان يسمى (تين بامطوس)، (243)
وقد زاد الطين بلة ذلك الصراع الذي نشب كثيرا بين الأباضية الوهبية وبين النكار. وقد انتقل الصراع من مناظرات تقوم بين الفريقين إلى قتال مسلح راح فيه الكثير من الفريقين. مثال ذلك ما حدث بين الوهبية والنكار بفحص تورز (244) من قتال شديد انهزم
(243) المصدر السابق، ص 246 ـ 247 (244) توزر، مدينة في أقصى افريقية من نواحي الزاب الكبير من أعمال بلاد الجريد بتونس، بينها وبين نفطة عشرة فراسخ، انظر: ياقوت: معجم البلدان، ج 2 ص 57 ــ 58. (1/119)
صفحة 120
فيه النكار وحصد الموت كثيرا من رجالهم، وتبعهم الوهبية إلى مدينة تقيوس (245) يقاتلونهم ولما وصلوا إليها حاصروا من بها من النكار، فخرجوا إليهم وقاتلوهم قتال المستميت، فانهزمت الوهبية إلى مدينة توزر. وكان أبو نوح يذود عن ساقة الوهبية، وكاد أن يقع
في أيدي النكار لولا أن أنقذه أحد الوهبية الشجعان (246).
يضاف الى ذلك أن زيري الصنهاجيين حكام أفريقية غيروا بني سياستهم تجاه الأباضية وتجاه سادتهم من الفاطميين أنفسهم منذ مستهل القرن الخامس للهجرة. إذ أنهم أقروا المذهب السني وتنكروا للمذهبين الأباضي والشيعي معا، ونتج عن ذلك أنهم أعلنوا الاستقلال عن الفاطميين، كما أنهم أخذوا في نفس الوقت في اضطهاد الأباضية، فهاجموا تجمعاتهم ومدنهم وقتلوا من وجدوا فيها مثال ذلك منهم ما فعلوه بأباضية قلعة بني درجين، وكانت هذه القلعة آخر معقل لهم في بلاد الجريد. فقد نزل بها جند الزيريين في عام 440 هـ / 1048 م وحاصروها حصارا شديدا، ولما خرج أهلها للدفاع عن أنفسهم قتلوهم عن آخرهم واستباحوا ما في القلعة وهدموها وأصبحت قاعا
صفصفا (247).
•
ألفا
تلك الأحداث كانت في عهد المعز بن باديس الذي اضطهد وقتل مشايخ الأباضية في أكثر من مكان، وفي مكان واحد قتل منهم وخمسمائة عالم (248). وكانت هجرة بني هلال وبني سليم في تلك الفترة من العوامل المؤثرة في القضاء على الدولة الزيرية عقابا لها على
(245) تقيوس: مدينة بافريقية قريبة من توزر، انظر: ياقوت: معجم البلدان، ج 2 ص 37 (246) أبو زكريا: ص 241 - 242 (247) الدرجيني: جـ 2 ص 407، صالح باجية: الأباضية بالجريد، ص 141، 147 (248) لمعرفة مدى اضطهاد المعز بن باديس للأباضية، انظر، الشماخي: ج 2 ص 26، 30،
128، 122،73، 1
-
52، 60 (1/120)
صفحة 121
-
121
تمردها على الفاطمين، وفي اضطهاد الأباضية وإجبارهم على الرحيل إلى الجنوب حيث الصحراء وبلاد السودان (249).
وفي القرن السادس للهجرة كان لمشايخ المذهب المالكي أثر كبير في إضعاف المذهب. فقد ظهر في ذلك القرن عالم سني كبير يسمى الشيخ علي بذل جهوده في إقناع كثير ممن بقى من أباضية الجريد في التحول عن مذهبهم بالحجة والاقناع (250). وفي القرن السابع للهجرة اندمج أباضية الجريد بالمستوطنين من قبائل رياح وسليم، وأصبحت المنطقة سُنّية ونسى الناس فيها المذهب الأباضي (251). وفي ذات القرن قام أحد الحكام وهو يحيى بن اسحاق الميورتي بتخريب مدينة ورجلان في عام 626 هـ / 1228 م، كما هدم سورها وأفسد ماحولها من زروع وثمار (202)، وخرب أيضا مدينة سدارتة (253)
أما
جزيرة جربة المشهورة حتى الآن باتباعها للمذهب الأباضي فقد أرسل أبو فارس سلطان افريقية إلى أهلها ليردهم عن مذهبهم وطلب علماءهم لمناظرتهم (254). ونتج عن ذلك كله أن انكمش المذهب الأباضي في بلاد المغرب ولم يبق له أتباع إلا في مناطق محدودة، هي وادي ميزاب في بلاد الجزائر، وجزيرة جربة وقسطيلية (بلاد الجريد) في تونس، وجبل نفوسة في ليبيا، ومازال الأباضية
يعمرون هذه البقاع حتى
الآن (200)
(249) أبو زكريا: ص 228، صالح باجية: نفس المرجع، ص 141
(250) صالح باجية: ص 141 (251) المرجع السابق، ص 142.
،
454
494، الشماخي
(252) الدرجيني: جـ 2 ص (253) الدرجيني: جـ 2 هامش 2 ص 494
(254) الشماخي: جـ ص 210
(255 عوض خليفات: ص 171.
211
:
2 ص 106. (1/121)
صفحة 122
122 -
ورغم هذه النتيجة، ورغم هذه الظروف التاريخية القاسية التي مرت بالأباضية في مصر وبلاد المغرب والتي لم يكن لهم دخل فيها، نعود فنقول إن جهود مشايخ البصرة وتنظيماتها السرية الدقيقة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين، وماقاموا به من إرسال الدعاة وحملة
•
العلم إلى بلاد مصر وبلاد المغرب، قد أثمرت ونجحت إلى حد بعيد وقد تمثل هذا النجاح فيها رأيناه من انتشار المذهب الأباضي بين كثير من المصرين، وانتشاره في بلاد الغرب انتشارا كاسحا لظروف تاريخية ألممنا بها من قبل، مما مكن للأباضية في هذه البلاد وسمح لهم بإقامة دولتين أباضيتين إحداهما دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري في المغرب الأدنى، والثانية دولة بني رستم في المغربين الأدنى والأوسط، تلك الدولة التي عاشت طويلا والتي كان لها دور هام ومجيد في التاريخ الاسلامي بوجه عام وفي تاريخ المناطق التي قامت فيها هذه الدولة بوجه خاص
ومنذ أن انتشر المذهب الأباضي في مصر على النحو الذي بيناه، وفي بلاد المغرب على الصورة التي رأيناها، قامت علاقات وطيدة بين أباضية مصر والمغرب وأباضية عمان والبصرة، وكان لهذه العلاقات نتائج بارزة في مجالات عديدة من مجالات التاريخ الاسلامي. فما هي هذه العلاقات .. ؟ وما هي مجالاتها .. ؟ وكيف قامت .. ؟ و ما مداها .. ؟ وماهي نتائجها .. ؟ ولنلتق مع الاجابة عن التساؤلات في الفصل التالي من هذا الكتاب.
هذه (1/122)
صفحة 123
- 123 -
الفصل الثانـ
العلاقات بين أباضية مصر والمغرب وأباضية عمان والبصرة
تنوعت العلاقات التي قامت بين أباضية مصر والمغرب من ناحية وأباضية عمان والبصرة من ناحية أخرى. ويمكن أن نقسم هذه العلاقات الى مجالات ثلاث، الأول هو مجال العلاقات السياسية، والثاني هو مجال العلاقات الثقافية، والمجال الثالث هو مجال العلاقات
التجارية
العلاقات السياسية بين أباضية مصر والمغرب وأباضية
عمان والبصرة:
ومجال العلاقات السياسية بين أباضية مصر والمغرب وأباضية عمان والبصرة كان مجالا واسعا، ولكنه يختلف بالنسبة لمصر عنه بالنسبة لبلاد المغرب. ذلك أن مصر لم يكن لها علاقات سياسية بأباضية عمان والبصرة بالمعنى المعروف للعلاقات السياسية، لأنها في هذه الفترة أو منذ أن فتحت على يد عمرو بن العاص في عام 20 هـ / 640 م وحتى منتصف القرن الثالث للهجرة أو حتى قيام الدولة الطولونية في عام 254 هـ / 868 م، لم تكن مصر دولة مستقلة حتى يكون لها علاقات سياسية مع غيرها من الدول، وإنما كانت إحدى ولايات الخلافة الأموية حتى زالت تلك الخلافة، ثم إحدى ولايات الخلافة العباسية (1/123)
صفحة 124
-
124
هذا
ناحية أخرى كانت مصر ولاية سنية تتبع
من ناحية، ومن خلافة سنية، وكانت عمان دولة أباضية تنحو في حياتها نحوا مستقلا عن دولة هذه الخلافة أو تلك، بينما كانت البصرة رغم أباضيتها مدينة تعيش داخل جسم دولة الخلافة، وكانت أقرب ماتكون الى بغداد عاصمة هذه الدولة. ولذلك فلم يكن من المتوقع أن تقوم علاقات سياسية واضحة بين عمان والبصرة من جانب ومصر من جانب آخر. ورغم ذلك كله فيبدو أنه كان لأباضية عمان والبصرة دور ما في مجرى الأحداث السياسية في مصر.
أ
أثر أباضية عمان والبصرة في الأحداث السياسية في مصر:
تلمح بعض الروايات التاريخية الى أن أباضية عمان والبصرة كانوا وراء اتصال عبدالله بن يحيى الكندي إمام الأباضية في حضرموت واليمن بأباضية مصر. وكان هذا الامام قد نجح في تولي الامامة بتأييد وموافقة أباضية البصرة في عام 128 هـ، كما قام وبمساعدة عسكرية أباضية من عمان والبصرة بثورة ضد الحكم الأموي حيث تمكنت جيوشه من
اختلال بلاد الحجاز وتلقب بطالب الحق (1)، وفي نفس الوقت أرسل أحد الدعاة الى مصر لدعوة الناس فيها وخاصة الأباضية الى بيعته، فاستجاب له نفر من قبيلة تجيب اليمنية ومن غيرها من القبائل التي تقيم في مصر (2). ومن المؤكد أن من بايعوا هذا الداعية كانوا يدينون بالمذهب
(1) أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، جـ 23 ص 224 - 233، تاريخ اليعقوبي: ج 2
-
339، 340، ابن الأثير: الكامل، ج 2 ص 297،
الدرجيني: طبقات المشائخ، جـ 2 ص 258
-
،
307 314
،
، 319
272، الشماخي: السير، ج 1 ص 91.
(2) سيدة الكاشف: مصر في فجر الاسلام، ص 140. (1/124)
صفحة 125
- 125
-
الأباضي، وربما كانت بيعة غيرهم له نكاية في والي مصر المدعو حوثرة ابن سهيل الباهلي والذي كان يضطهد اليمنية في تلك الفترة، حيث قتل زعماءهم في عام 128 هـ / (745 م (3). وقد سبق القول أن معظم مشايخ المذهب في البصرة وعمان واليمن وحضرموت كانوا من اليمنية، ولابد أن العصبية القبلية كان لها تأثيرها في استجابة اليمنية في
مصر
لهذا الداعية
كان أباضية عمان والبصرة يودون أن تنجح ثورة طالب الحق الكندي، فأرادوا أن يشغلوا الخلافة الأموية عنه وعن حركته بتحريك ثورة جديدة ضد الأمويين في مصر، ومن ثم كان الاتصال بأباضية مصر وتحريضهم ضد واليها. وقد كرر أباضية البصرة وعمان استخدام هذا الأسلوب ضد الخلافة العباسية أيضا. فمن المرجح أنهم كانوا وراء ثورة عنيفة اندلعت ضد الحكم العباسي في مصر في الستينيات من القرن الثاني للهجرة، إنتقاما لما حدث لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي قتله العباسيون في عام 144 هـ / 761 م وقضوا على الدولة الأباضية الوليدة التي أقامها، وإشغالا لهم عن التصدي للدولة الأباضية الثانية التي أقامها الرستميون في تاهرت في عام 160 هـ /
776 م.
ومما يرجح هذا الرأي ماسبقت الاشارة إليه من وجود أزدي كبير في مصر، ومن تسنم كثير من الأزد لقمة السلطة فيها، فكان بعضهم ولاة وقضاة ورؤساء شرطة الى غير ذلك من المناصب التي تولوها في
مصر (4). وقد عرفنا في الفصل السابق أيضا أن عددا كبيرا من أهل
(3) المرجع السابق: ص 139
(4) انظر، ص 40
49 - (1/125)
صفحة 126
-
- 126 -
مصر
منهم
كانوا قد اعتنقوا المذهب الأباضي وتعمقوا في دراسته حتى صار
علماء وفقهاء وصلوا الى مرتبة الفتيا، وحتى
يرسلون إليهم في طلب المشورة
كان أئمة تاهرت
الصلت
مروان
وقد هيأت هذه الظروف كلها الفرصة أمام فتح بن الأزدي العماني أصلا، المصري مولدا وسكنا، كي يقوم مع أحد الأمويين وهو دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن الله بثورة ضد الوالي العباسي ابراهيم بن صالح بن علي بن عبد بن عباس (165 – 167 هـ / 781 – 783 م في صعيد مصر. وكان فتح ابن الصلت هذا " صاحب أمر دحية كله هو وكان قائد
190)
""
جنده (ه)
ويبدو
•
أن هذه الثورة كانت قوية لدرجة أن والي مصر لم يتمكن
هذه
من قمعها ربما خوفا من الهزيمة اذا مادخل مع الثوار في قتال، ولذلك عزله الخليفة العباسي المهدي وولى قائدا آخر لقمع هذه الثورة، وكان هذا القائد هو موسى بن مصعب الخثعمي الذي قام بقتال دحية وفتح ابن الصلت، ورغم شدة بأسه إلا أنه انهزم وقتل، مما أجبر الخليفة المهدي على إرسال جيوش عباسية من بلاد العراق ذاتها لقمع الثورة التي استفحل أمرها، واشتد لهيبها، ونتج عن لقاء هذه الجيوش مع قوات الثورة، أن قتل فتح بن الصلت الأزدي وفر دحية الى الواحات التي تقع في صحراء مصر الغربية، وكان أهل هذه الواحات من المسالمة والبربر يتدينون بالشراية، أي أنهم كانوا من المصريين والبربر الذين أسلموا واعتنقوا المذهب الأباضي. وعندما وصل دحية الى هذه الواحات أرسل الى أهلها يطلب العون (5) الكندي: ولاة مصر، ص 147
الكثيفة
148، 153 - (1/126)
صفحة 127
1270
-
والمساعدة، ولكنهم رفضوا تقديم العون له قائلين إنهم لا يقاتلون إلا مع أهل دعوتهم، أي مع من كانوا على نفس مذهبهم، فبعث اليهم
دحية يقول لهم إنه على مذهبهم، فخرجوا إليه وقاتلوا معه يوم
الدير (6)
واضح من هذه الرواية أن قائد جند الثورة كان من الأزد، وكان في الغالب أباضيا، وكان دحية وحسب ظاهر الرواية من الأباضية أيضا وان كان هذا أمرا مشكوكا فيه، ويبدو أنه تظاهر بذلك ومن ثم أقبل عليه أهل الواحات وقدموا له العون والمساعدة. ولانستبعد تحريض أباضية عمان والبصرة لأباضية مصر كي يقدموا عونهم لهذه الثورة أو لغيرها من الثورات التي قامت ضد الحكم العباسي الذي كان في نظرهم حكم جبابرة، لاسيما وأنه كان لهم دعاتهم ورجالهم في مصر وفي بلاد المغرب، وكان لهؤلاء الدعاة جهود كبيرة أفلحت في تلك الفترة بالذات في إقامة دولة أباضية هي الدولة الرستمية التي امتد حكمها الى غربي مصر أما وقد أفلحوا في تاهرت، فقد حاولوا في نفس الفترة في مصر، وإن كانت محاولة مقضيا عليها بالفشل، لأن القائم بها كان من بني أمية، وكانت له أهدافه الخاصة من وراء هذه الثورة، وإن تظاهر باعتناق المذهب الأباضي، كما أن قوة الأباضية في مصر لا يمكن أن تقارن بقوتهم في بلاد المغرب حيث قامت لهم هناك دولة. ومع ذلك فقد حاولوا أو ساعدوا في تعكير صفو الحياة على الحكم العباسي في مصر، على الأقل حتى ينشغل العباسيون عن الدولة الأباضية الوليدة التي قامت في بلاد المغرب في ذلك الحين
ورغم هذا الفشل ورغم هذه الظروف المحيطة بالأباضية في مصر،
(6) المصدر السابق، ونفس الصفحات (1/127)
صفحة 128
—
- 128 -
الا أنهم لم يكفوا عن المحاولة. فقد أشارت المصادر الى قيام حركة أخرى قام بها أباضية مصر ضد الحكم العباسي فيها في عام 211 هـ/ 826 م في عصر الخليفة المأمون. ويبدو أن هذه الحركة أو هذه الثورة الخطورة بمكان حتى إننا نرى المأمون يرسل قائد جنده
كانت
من
الشهير عبد الله بن طاهر بن الحسين الفارسي الأصل في ربيع
الأول من عام 211 هـ/ يوليو 826 م لقمع الثورة والثوار. وقد نجح هذا القائد في مهمته وانتصر على الثوار وظفر بهم وعاد إلى بغداد في شهر رجب من نفس العام (7).
ويبدو
وهي
أن العلاقات بين أباضية البصرة وأباضية مصر – علاقات في معظمها مذهبية كادت أن تتعرض في إحدى مراحلها وذلك بسبب مانجم من خلاف فكري بين
6
-
للضعف والانشقاق الفريقين في بعض المسائل الفقهية. وكان بعض حملة العلم المصريين مثل شعيب بن المعروف وأبي المؤرج وعبد الله بن عبد العزيز وغيرهم، لهم آراء معينة في بعض النواحي الفقهية تتعارض مع رأي أباضية البصرة وعمان، وحاولوا إذاعة هذه الآراء أيام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة فأنكرها عليهم وطردهم من مجلسه، فأتوا حاجبا والربيع بن حبيب وتابوا وتخلوا عن آرائهم، فأعادهم أبو عبيدة الى المجالس الأباضية التي كان يعقدها للدعاة ولطلبة العلم وحملته، ولكنهم عادوا الى أقوالهم مرة أخرى أيام الربيع بعد موت أبي عبيدة، وتمادوا في هذه الآراء، ولما فشلوا في إقناع أباضية البصرة بها، خرجوا من هذه المدينة بليل،
وعادوا إلى مصر منشقين على إخوانهم من أباضية البصرة (8). ولم يكتفوا بذلك وإنما حاولوا النيل من الامام عبد الوهاب بن
(7) ياقوت: معجم البلدان، جـ 4 ص 265
(8) الشماخي: ج 1 ص 97، 134 (1/128)
صفحة 129
- 129 -
– –
-
عبد الرحمن بن رستم إمام الدولة الرستمية والذي كان الربيع بن حبيب يعتبره إمام المسلمين جميعا، أي إمام الأباضية سواء في بلاد المشرق أم في بلاد المغرب، وانتهز شعيب فرصة الخلاف الذي كان قد اندلع بين عبد الوهاب وبين أحد الخارجين الثائرين عليه، وهو محمد بن فندين الذي كان طامعا في السلطة، ورحل شعيب هذا المصريين الأباضية الى تاهرت حيث ساهم في إشعال نيران الثورة ضد
مع بعض
عبد الوهاب، واشترك في القتال الذي دار بين الفريقين طمعا في السلطة وطمعا في أن يثب على الامامة ويحل محل عبد الوهاب. ولما فشلت الثورة وقتل ابن فندين عاد شعيب الى طرابلس يجر أذيال الخيبة والفشل، ولم يجرؤ على العودة الى مصر مرة أخرى حيث سكتت المصادر الأباضية عن ذلك، فلم تذكر شيئا عن مصيره أو نهايته، ولكنها تذكر أن الأباضية تبرءوا منه ومن ابن فندين ومن سار على در بهما، إلا من تاب (9).
ولا يفهم من ذلك أن أباضية مصر كانت تساير شعيبا في انشقاقه على الربيع بن حبيب. فقد سجلت المصادر الأباضية موقف أباضية مصر بكل دقة، وبينت أنهم كانوا غير موافقين شعيبا على هذا الانشقاق، وبالتالي غير موافقين له على الذهاب إلى تاهرت. وقد أشار أبو زكريا وهو أقدم مصدر أباضي مغربي على الإطلاق إلى أن شعيبا خرج من مصر بغير مشاورة من أهل مصر ولا رأي منهم، ولقد نهاه خيارهم أن يخرج الى المغرب فخرج وهو عند المسلمين ـ أي الأباضية – بأقبح المنازل حتى قدم على عبد الوهاب، (10)
(9)
أبو زكريا: ص 90 97، 119 – 122، الدرجيني: جـ 1 ص 48، 54 ـ 55،
70، الشماخي: جـ ص
134، 110
(10) أبو زكريا: ص 90 92، الشماخي: جـ 1 ص 134. (1/129)
صفحة 130
ذلك أن العلاقات بين أباضية مصر وأباضية البصرة لم تتأثر ومعنى كثيرا نتيجة لهذه الأحداث، وكان أغلبية أباضية مصر يسيرون على نفس النهج المذهبي الذي كان يسير عليه أباضية البصرة وأباضية تاهرت، ولذلك نسمع بعد ذلك عن اتصالات كثيرة قامت بين أباضية مصر والبصرة وتاهرت في عصر عبد الوهاب الذي أرسل إليهم في مصر والبصرة يستفتيهم في حجه وفي بعض المسائل الفقهية كما سبق القول (11)، واستمرت هذه العلاقات في عهد من خلفه من بني أباضية العلاقات بين عن وأباضية عمان والبصرة، مصر
رستم
•
هذا
أما علاقة أباضية البلدين الأخرين بأباضية المغرب فقد كانت أقوى من
ذلك وأشد تأثيرا وأوسع مجالا. ولابد في ذلك من حديث
علاقة أباضية عمان والبصرة بدولة أبي الخطاب:
•
تشير المصادر بوضوح كامل إلى قيام علاقات سياسية ومذهبية قوية
بين هذين الفريقين منذ أن قامت لأباضية المغرب دولة في هذه البلاد
•
وقد سبقت الاشارة إلى أن أباضية المغرب كانت لهم دولتان، الدولة الأولى هي دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري التي أقامها في عام 140 هـ / 757 م في بلاد المغرب الأدنى وخاصة في إقليم طرابلس وجبل نفوسة وامتد حكمها ليشمل جزءا كبيرا من ولاية افريقية وخاصة القيروان والمناطق المحيطة بها، و لم تستمر هذه الدولة أكثر من أربع سنوات،، فقد أرسل لها العباسيون جيوشهم التي قضت
عليها (12)
(11) انظر، ص 90. (12) انظ، ص 107 – 110 (1/130)
صفحة 131
-
131
-
أما الدولة الثانية التي أقامها أباضية المغرب فهي الدولة الرستمية التي أقامها عبدالرحمن بن رستم الفارسي في عام 160 هـ / 776 م في تاهرت في بلاد المغرب الأوسط، وامتد حكمها ليشمل معظم بلدان المغربين الأدنى والأوسط، وظلت تحكم هذه البلدان حتى عام 296 هـ / 908 م، عندما أسقطها الفاطميون (13)
وفي ظل هاتين الدولتين نمت العلاقات السياسية والمذهبية التي قامت بينهما وبين أباضية عمان والبصرة. فبالنسبة لدولة أبي الخطاب في طرابلس، فإن هذه الدولة ذاتها لم تقم إلا بجهود الدعاة الذين أرسلهم مشايخ المذهب في البصرة كما سبق القول، ولم يتم اختيار أبي الخطاب للامامة ولرياسة هذه الدولة، إلا باشارة شيخ المذهب وإمام الكتمان في البصرة وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فهو الذي أشار على الدعاة وحملة العلم المغاربة باختيار أبي الخطاب اماما لهم، عندما كانوا متوجهين للعودة الى بلادهم وسألوه عما يفعلون إذا أصبح في مقدورهم أن تظهر لهم دولة في هذه البلاد، فأمرهم أن يفعلوا ذلك وألا يؤخروه لحظة واحدة وأشار إلى أبي الخطاب وقال لهم إن رفض فاقتلوه (14)
ولما قامت هذه الدولة كما قلنا في عام 140 هـ 757 م وكانت هناك مشكلة حدثت بين الأباضية قبل تولية أبي الخطاب، وهي مشكلة الحارث وعبد الجبار التي أشرنا اليها من قبل، وكان هذان الشيخان من زعماء الأباضية في المغرب ووجدا مقتولين وسيف كل منهما في جسد الآخر، واختلف الأباضية وقتذاك فيمن يتولونه وفيمن يتبرعون منه منهما. عندئذ اشترط أبو الخطاب ترك هذه المسألة
(13) انظر، ص 110 – 114.
(14) أبو زكريا: ص 56. (1/131)
صفحة 132
132 –
والتوقف فيها حتى لا يُحدث النزاع بشأنها تصدعا في دولته وعسكره، وسانده في ذلك أباضية البصرة، فكتب أبو عبيدة وأبو مودود حاجب الطائي إلى أباضية المغرب يأمرانهم بالكف عن ذكر
هذه المسألة والقضاء عليها وإماتتها والتوقف بشأنها (15).
وبعد
أن قامت دولة أبي الخطاب وتوطدت أركان هذه الدولة، أرسل أباضية المغرب رسالة إلى أبي عبيدة يخبرونه فيها بقيام دولتهم ويطلبون رأيه في بعض المسائل. وقد سر أبو عبيدة بهذه الرسالة سرورا كبيرا وأرسل اليهم كتابا هنأهم فيه على نجاحهم وأجابهم على بعض استفساراتهم، وجاء في هذا الكتاب: أتاني كتابكم تذكرون فيه ما من الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم. ولعمري ماكثرتهم وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهون عليكم كثرتهم .. نسأل الله العون والتوفيق في جميع أموركم، وأن يكفنا وإياكم بأسهم وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدائرة عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، فلعمري لقد أسرني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يخف عنا، غير أنا لم نظن الذي كتبتم به الى. والله يستتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه .. أتانا كتابكم بمسائل: فمنها من رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها مارأيت ألا أجيبكم من غير هوان ولا تقصير إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم وأقوم لشأنكم وأرفق لضعيفكم وأعطف في الذي أجيبكم فيه، فما كان خطأ وماكان من في رواية أو خبر أو غير ذلك فمن
فمن الله،
نفسي
(16)
،،
(15) أبو زكريا: ص 58
-
59، الشماخي: جـ 1 ص 114
من
صواب
(16) عوض خليفات: ص 149، عن "رسالة" في أحكام الزكاة لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 21582 ب، ورقة 114.
التميمي (1/132)
صفحة 133
-
- 133
-
والرسالة كما ترى تدل على مدى العلاقات الوطيدة التي كانت تربط مركز الدعوة في البصرة، وبين قواد الدعوة والدولة في بلاد المغرب، وتدل على مدى حرص أباضية البصرة على توفير أسباب النجاح والاستمرار لهذه الدولة الوليدة، فلم يشأ أبو عبيدة أن يجيبهم على بعض الاستفسارات التي تخوض في مسائل فلسفية عميقة أو استفسارات ربما تؤدي الى اختلاف الرأي بين قادة هذه الدولة وشيوخها، كما تدل على أن هؤلاء القادة كانوا يأتمرون بأمره ويسترشدون بنصائحه ولا يخرجون على رأيه، وأنه كانت له وسائله التي يعلم بها أخبارهم قبل أن يخبروه بها، مما يدل على حرص مشايخ البصرة على متابعة أخبار إخوانهم في بلاد المغرب وعلى معرفة أحوالهم ومساندتهم (17).
عليه
من
وكان هذا الاتصال بين أباضية البصرة وبين دولة أبي الخطاب هو الاتصال الوحيد الذي ورد في المصادر والمراجع الأباضية، فيما اطلعت هذه المصادر والمراجع، ولم يكثر هذا الاتصال ويزداد إلا منذ قيام الدولة الأباضية الثانية وهي الدولة الرستمية. فقد حرص أباضية عمان والبصرة الحرص كله على مساندة هذه الدولة بكل ما كان لديهم من إمكانيات مادية وغير مادية حتى لاتنهار ويقضى عليها مثل الدولة السابقة. وكان المحور الأساسي لهذه المساندة هو اتباع وسائل عديدة،، أولها هذه الدولة من الناحية الروحية والمذهبية والمادية، بالاعتراف بإمامها إماما لكل الأباضية سواء في المشرق أم في المغرب، وبتقديم العون لها من الناحية المادية، هذا العون الذي تمثل في إرسال الأموال اللازمة لتثبيت أركانها وتوطيد حكمها. وثانيها، المساهمة في حل مشاكلها السياسية والمذهبية بإرسال النصائح
، دعم
(17) عوض خليفات: ص 149 (1/133)
صفحة 134
-
والفتاوي اللازمة لحل هذه المشاكل.
الدعم الروحي والمادي من أباضية عمان والبصرة
للدولة الرستمية:
وفيما يختص بهذه الناحية، فإن أباضية عمان والبصرة بعد أن ظهرت إمامة عبد الرحمن بن رستم في تاهرت وقامت الدولة الرستمية الأباضية على يديه في عام 160 هـ 776 م، وسيطرت هذه الدولة على كثير من بلدان المغربين الأدنى والأوسط، عملوا على الاعتراف بإمامته لهم أيضا واعتقدوا أن هذا الامام سوف يملك المشرق ويملؤه عدلا كما ملك المغرب وملأه عدلا،، (18). وكانت الأحوال في البصرة وعمان تمهد لهذه الخطوة أو لهذا النوع من التفكير
ذلك أن الأباضية في البصرة كانوا مستترين وكانوا يسيرون في طريق الضعف والزوال ويتهيأون للرحيل الى عمان. وكانت عمان أيضا في فترة انتقال بين الامامة الأباضية الأولى التي قامت على يد الجلندى بن مسعود في عام 132 هـ / 750 م، وبين الامامة الأباضية الثانية التي قامت على يد محمد بن عبد الله بن أبي عفان اليحمدي في عام 177 هـ / 793 م (19). ذلك أنها كانت في الفترة التي تقع بين هاتين الامامتين تدين بالتبعية للدولة العباسية، وكان حكامها من الأباضية حتى سماهم أباضية عمان بالجبابرة (20). هذا في الوقت الذي ظهرت فيه الامامة الأباضية في بلاد المغرب وصارت لها دولة
غير
108
-
(19) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 107 (20) أبو عبيد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 28 ص 170، مخطوط كشف الغمة رقم 571 ص 584، نور الدين السالمي: ج 1 ص 107. (1/134)
صفحة 135
- 1350
-
واسعة. ولذلك فكر أباضية المشرق في أن يكون إمام هذه الدولة الوليدة هو إمامهم أيضا، ورأوا أن الفرصة قد تسنح له فيمد نفوذه حتى بلادهم في البصرة أو في عمان
وبطبيعة الحال لم يضع أباضية عمان والبصرة هذا التفكير أي الاعتراف بإمامة عبد الرحمن بن رستم، موضع التنفيذ إلا بعد اختبار هذا الامام، والتعرف على أحواله وعلى سيرته في الحكم، ومدى تمسكه بالمذهب ومدى تطبيقه له. ولذلك أرسلوا رسلا يحملون إعانة مالية كبيرة وقالوا لهم: قد ظهر بالمغرب إمام ملأه عدلا وسوف يملك المشرق ويملأه عدلا، فانهضوا اليه بما معكم من هذه الأموال حتى تردوا المدينة التي سكنها - يقصدون تاهرت ـ فان كان على مانقل لنا من حسن طريقته وصحة سيرته، فادفعوها إليه وإن كان غير ذلك فانظروا الى أفعاله ومايتولاه من الأحكام بين رعيته ثم
على
اتونا بذلك كله، (21).
وقد وصل هؤلاء الرسل ومعهم ثلاثة أحمال الأموال الى من تاهرت وشاهدوا بأنفسهم سيرة عبد الرحمن الحسنة ومدى تقشفه وزهده وتواضعه، إذ كان يعمل في استكمال بناء داره بنفسه وبيده، وعندما دخلوا بيته لم يجدوا فيه إلا حصيرا يجلس عليه ووسادة ينام عليها وسيفاور محا وفرسا مربوطا في ناحية من داره. أما الطعام الذي قدمه لهم فلم يتجاوز قرصا من خبز يسمى (سخنت)، وبعض سمن وشيء من ملح. ولما أخبروه بخبر المال الذي جاءوا به اليه، لم يطمع فيه ولم يبت فيه برأي إلا بعد أن اجتمع بكبار أصحابه ومشايخ القبائل التي تؤيده وتسكن حول تاهرت، واستشارهم في أخذ هذا المال أو
(21) ابن الصغير: ص 32. (1/135)
صفحة 136
136 -
-
رفضه. ولما أشاروا عليه بالقبول تسلمه وقسمه ثلاثة أقسام: قسم للكراع أي لشراء الأحصنة ومايلزمها، وقسم خصصه لشراء
خصصه
السلاح، والثالث أمر به أن يوزع على فقراء الأباضية (22). وكان لهذا الدعم العماني البصري أثر كبير في إنعاش هذه الدولة الوليدة، وفي ازدياد قوتها حتى خافها الجيران، وأصبح أهلها قادرون على غزو غيرهم ممن كانوا يتهددونهم بالغزو والغارة. وفي الداخل تحسنت أحوال الناس فقوي الضعيف وانتعش الفقير وشرع القوم في البناء والعمران وغرس البساتين والأشجار وشق القنوات واستصلاح الأرض البور، وأقبل الناس عليهم من شتى البلدان وأقاصي الأقطار وساكنوهم وابتنوا معهم الدور والقصور بعد أن رأوا بأعينهم رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وما يتوافر في دولته من أمن وأمان "حتى لاترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين، واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة، (23)
وهكذا صارت الدولة الرستمية في مأمن من أي هجوم قد يأتيها
في ليل أو نهار، وصارت قبلة لجميع التجار من الأباضية وغير وغير الأباضية من المشرق والمغرب، واتبع إمامها ماتنادي به الأباضية من إقامة العدل والشورى واتباع السنة والقضاء على البدع والمحدثات. ولما وصلت هذه الأنباء إلى إخوانهم من أباضية عمان والبصرة تناجوا أن اغدوا
(22) ابن الصغير: ص 33 - 35، أبو زكريا: ص 83 - 84، الدرجيني: ج 1 ص 45،
-
الشماخي: ج 1 ص 125.
-
(23) ابن الصغير: ص 35 - 36. (1/136)
صفحة 137
137 0
-
إلى الاجتماع من جديد
جدا
وتتفق الرواية الأباضية التي جاء بها أبو زكريا وإن كانت مختصرة مع الرواية السنية التي جاء بها ابن الصغير المالكي الذي عاش فترة طويلة من حكم هذه الدولة في القرن الثالث للهجرة، فيما نقلته إلينا وأخبرتنا به هاتان الروايتان عن تراسل أباضية المشرق وقدوم شيوخهم وعلمائهم من عمان وغيرها واجتماعهم في البصرة، واعترافهم بامامة عبد الرحمن بن رستم، واتفاقهم على إرسال الأموال اليه للمرة الثانية، دعما له ومساندة لدولته. فقد قال بعضهم لبعض في هذا الاجتماع إمامكم بالمغرب خلف من أبي بلال مرداس بن أدية، ومن أبي حمزة الشاري، فلا تدخروا عنه مالا ولا تحبسوا عطاء وابعثوا إليه بجميع ما بأيديكم ليتقوى به على دينه ودنياه، فإنكم تنالون بذلك شرفا عاجلا وغناء اجلا، (24)
من هذه الرواية نرى اعتراف أباضية عمان والبصرة بامامة عبد الرحمن بن رستم، وأن امامته أصبحت لازمة لأباضية المشرق والمغرب
أن
معا. غير أن هذا الاعتراف لم يأخذ الشكل الكامل، إلا بعد أرسلوا له هذه المرة عشرة أحمال الأموال من نفس الرسل السابقين، ليروا كيف يسير هذا الامام في رعيته. ولما وصل هؤلاء الرسل الى تاهرت، رأوا تغير الأحوال الى أفضل حال، فمن قصور قد بنيت وبساتين قد غرست، وأرحاء قد نصبت، وخيول قد ركبت، وأسوار قد بنيت، وعبيد وخدم ملئوا الدور والمنازل والقصور، فظن القوم بالامام الظنون، ولم ترجع إليهم ثقتهم فيه إلا بعد أن سألوا الناس عن أحواله وأحكامه، وهل تغيرت أو تبدلت،
(24) ابن الصغير: ص 37. 38، أبو زكريا: ص 84 (1/137)
صفحة 138
- 138 -
فأجابوهم بأن ذلك لم يحدث، وأنه ماتغير أمره ولا تبدلت
أحكامه (25).
ولما وصلوا إليه أخبروه عما يحملونه معهم من أموال وفيرة، وأنه لابد من تسليمها له، فلم يرض بذلك، وجمع وجوه القوم أو مجلس الشورى، واجتمع بهم وبالرسل في المسجد واستشارهم كما حدث في المرة الأولى. ولكن القوم رأوا في هذه المرة عدم قبول هذا المال نظرا لعدم حاجتهم اليه، ولأن أباضية المشرق لابد أنهم أحوج إليه منهم، لأنهم "مستترون غير ظاهرين مستضعفون غير قادرين، لأن بجماعتهم مثل ما بجماعة الناس من الغنى والفقر، (26)، ولذلك قال لهم عبد الرحمن: ارجعوا بمالكم فإن أربابه أحوج اليه منا لأنا في قد استولى عليها العدل، وهم في بلد غلب عليه الجور، يدارون به على أنفسهم ومالهم ودينهم، (27).
أرض
طاعة
وقد تأثر الرسل بهذا الكلام الذي كان شاقا على نفوسهم، ولكنهم امتثلوا لأمر عبد الرحمن، لأنه "ليس عليهم بد من إمامهم، (28)، وعادوا الى بلادهم. وهناك في البصرة تعجب الناس من زهد هذا الامام وتقشفه ورغبته في الآخرة، فعظم شأنه لديهم، وأعجبهم فعله بالنسبة لرد الأموال اليهم، وبالنسبة للسبب الذي من رد هذه الأموال الجزيلة. عندئذ استقر رأي الأباضية في عمان والبصرة على أن يكون عبد الرحمن إمامهم. وقد عبر عن هذا المعنى ابن الصغير المالكي السني فقال: "فعند ذلك رغب القوم في إمامته
أجله
(25) ابن الصغير: ص 38، أبو زكريا: ص 84، الدرجيني: ج 1 ص 45 (26) ابن الصغير: ص 39 40، أبو زكريا: ص 84، الدرجيني: ج 1 ص 45 (27) الشماخي: ج 1 ص 126 (28) أبو زكريا: ص 84. (1/138)
صفحة 139
-
139 -
-
أبي
ورأوا أنها فرض عليهم، (29)، وعبر عنه أبو زكريا الأباضي فقال: وأقروا بامامته وواصلوه بكتبهم ووصاياهم، (30). وروي عن عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي أنه قال اذا اختلف الناس ردوا
""
الأمر الى الامام، وامام الناس عبد الرحمن بن رستم (31).
،
واستمروا في الاعتراف بامامته حتى وفاته في عام 168 هـ / 784 م، ثم في الاعتراف بامامة ابنه وخليفته عبد الوهاب (168 – 208 هـ /
-
784
-
823 م الذي كان الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي
العماني، امام الكتمان في البصرة يقول عنه إنه إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين،، (32). وإنه أمير المؤمنين‘ (33).
وهكذا نرى كيف دعم أباضية عمان والبصرة الدولة الرستمية بالدعم المادي والمعنوي، فأرسلوا لها الأموال واعترفوا بامامة عبد الرحمن وامامة ابنه عبد الوهاب من بعده، لأنها إمامة ظهور، وإمامة الظهور عند الأباضية أسمى أنواع الامامة، وهي الهدف الذي كانوا يعيشون من أجل بلوغه وتحقيقه، لأن امامة الظهور تعني قيام دولة يعيشون في ظلها ويحققون فيها ومن خلالها ما يصبون اليه من
أهداف
وأحلام ومباديء ومثل، وخاصة أنه في تلك الفترة لم تكن هناك امامة ظهور سواء في عمان أم في البصرة. فعمان كانت تحت السيطرة العباسية، وكان من المستحيل أن تقوم امامة ظهور في مدينة البصرة
(29) أخبار الأئمة الرستميين، ص 40 (30) سير الأئمة وأخبارهم، ص 84. (31) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 28 ص 136. ويلاحظ أن أبي عبيدة لم يكن موجودا أثناء امامة عبد الرحمن بن رستم (160 – 168 هـ)، والثابت أنه كان موجودا في زمن المنصور بالله العباسي (136 - 158 هـ)، وربما أدرك أبو عبيدة وقت البيعة لعبد الرحمن
بالامامة في عام 160 هـ ثم توفي عقب ذلك
(32) أبو زكريا: ص 97، الدرجيني: جـ 1 ص 55، مخطوط كشف الغمة للأزكوي، ص 529. (33) أبو زكريا: ص 98 (1/139)
صفحة 140
-
140
-
لأن دولة بني العباس كانت في أوج قوتها وعظيم سلطانها، وكان لا يمكن للعباسيين أن يسمحوا للبصرة، وهي جزء من العراق وبلد قريب من بغداد، أن تظهر فيه أي قوة أخرى تناهض دولتهم ولا تعترف بامامتهم أو خلافتهم.
مساهمة أباضية عمان والبصرة في حل مشاكل الرستميين السياسية والمذهبية:
لم تقتصر مساندة أباضية البصرة وعمان للدولة الرستمية على مدها بالمساعدات المادية والاعتراف بامامتها، بل امتدت أيضا الى المساهمة في حل مشاكلها السياسية والمذهبية. فقد مارس أباضية البصرة وعمان نفس الدور السابق الذي مارسوه عند إقامة الدولة الأباضية الأولى في طرابلس والقيروان عام 140 هـ 757 م، وذلك بتقديم العون والمساعدة في حل المشاكل التي اعترضت طريق أئمتها
-
174)
208 هـ / 784 -
ففي عصر الامام الثاني وهو عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم 823 م ثار نزاع بينه وبين بعض المعترضين عليه من أمثال محمد بن فندين وجماعته الذين أرادوا عزل عبد الوهاب لأنه في نظرهم خالف شرطا كان قد شرطه على نفسه عند توليه الامامة وهو أنه لا يبرم أمرا ولا يتخذ قرارا إلا بموافقة جماعة معينة من الأباضية. وكان عبد الوهاب قد ولي عمالا على مدن الدولة ونواحيها رأي فيهم حسن السيرة والزهد في تولي المناصب، وكان ابن فندين وجماعته يرون أنهم أحق من هؤلاء الولاة، فنابذوا عبد الوهاب بحجة أنه خالف شرطا كان قد شرطه على نفسه عند توليه الامامة، وهو شرط الاستشارة، وقامت الفتنة بين الفريقين على هذا النحو، (1/140)
صفحة 141
-
- 1 E 1
ولم يجد عبد الوهاب مناصا من الاتصال بكبار رجال الأباضية في مصر والبصرة، فأرسل رسله بكتاب منه الى الربيع بن حبيب يستشيره في أمر هذا الخلاف، فأفتى الربيع بصحة موقف عبد الوهاب، وأن الامامة صحيحة والشرط باطل (34). وكان لهذه الفتوى أثرها الكبير في التفاف الناس حول عبد الوهاب حتى تمكن من القضاء على هذه
الفتنة (35)
يقتلونه
،
وقد سبقت الاشارة إلى أن عبد الوهاب عندما أراد أن يؤدي فريضة الحج وتهيأ لذلك ورحل من تاهرت الى جبل نفوسة بليبيا، خاف أباضية نفوسة أن يتعرض له ولاة بني العباس فيسجنونه أو عندئذ تتعطل أمور المسلمين وحدود الله، وربما لا يوفقون في اختيار إمام يملأ الفراغ الذي يمكن أن يتركه عبد الوهاب لو حدث له مكروه أثناء رحلته للحج. فاضطر عبد الوهاب أن يرسل رسله الى الربيع بن حبيب في البصرة، وكان يعتبره المرجع في الفتوى، كما أرسل أيضا الى ابن عباد المصري الفقيه الأباضي المفتي بمصر يستفتيهما في هذا الأمر، فأفتاه الربيع بأن يستأجر من يحج وأفتاه ابن عباد بأنه ليس عليه حج، لأن أمان الطريق من شروط وجوب الحج على من استطاعه (36)
•
عنه،
وفي نطاق طلب العون والمساعدة والرأي والمشورة من أباضية البصرة، الذين كان معظمهم من أهل عمان، أرسل أهالي طرابلس كتابا الى أبي سفيان محبوب بن الرحيل في البصرة، يستفتونه فيما
(34) أبو زكريا: ص 89 - 98، الدرجيني: جـ 1 ص 48، 49، الشماخي: جـ 132، الأزكوي: مخطوط كشف الغمة، ص 521 ـ 522.
ص 130
-
(35) أبو زكريا: ص 91
98 - 96، 92
(36) ابن سلام الأباضي: ص 131، أبو زكريا: ص 114 - 115، الدرجيني: ج 1
الشماخي: 1 ص 140 (1/141)
صفحة 142
- 142
-
ثار بينهم وبين الامام عبد الوهاب من نزاع حول تعيين عامل عليهم كانوا قد ولوه بغير إذن هذا الامام الذي أنكر عليهم ما فعلوه دون إذن منه. ومن ثم أرسلوا إلى أبي سفيان "وهو إذ ذاك رأس الدعوة والمقدم في المشرق بعد انقراض طبقة الربيع بن حبيب وأبي غسان مخلد بن المعرد، وأبي المهاجر، وأبي أيوب بن وائل، فرد عليهم أبو سفيان بتخطئة من ولى هذا العامل، وأمرهم باتباع إمامهم عبد الوهاب
والطاعة له (37)
""
وقد استمرت مشكلة هذا الوالي وهو خلف السمح بن أبي بن الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي تكونت باسمه فرقة منشقة
عن
الأباضية باسم الخلفية، حتى وفاة الامام عبد الوهاب، فخلفه
ابنه أفلح بن عبد الوهاب (208) ـ 240 هـ / 823 ـ 854 م). وفي
-
-
عهده استمرت هذه المشكلة لفترة لم يسكت فيها أباضية البصرة، بل تابعوا إرسال كتبهم ورسائلهم لأباضية المغرب يحثونهم فيها على
الوحدة وتجنب الفتنة.
من
ذلك ما فعله أبو عيسى الخراساني عندما بلغه نبأ هذا الخلاف فقد كتب رسالة أرسلها جماعة مع من الأباضية الى أهل المغرب، يوصيهم فيها باتباع الحق ونبذ الباطل والاقتداء بسنة السلف الصالح، وأثنى على الامام عبد الوهاب وامتدح السمح بن أبي الخطاب، وأنكر على من ولى خلف بن السمح بغير رضا الامام عبدالوهاب، ثم امتدح أفلح بن عبد الوهاب ودعا الله أن يمتعه بحياة هذا الامام (38).
كما كتب من عمان محمد بن محبوب بن الرحيل إلى أهل المغرب
(37) أبو زكريا: ص 119 الشماخي: جـ 1
(38) الشماخ
122، الدرجيني: ج 1 ص 49، جـ 2
-
157
ص 161، 162
، 290 (1/142)
صفحة 143
ـ 143 -
رسالة يحثهم فيها على الطاعة للأئمة، وقال لهم في هذه الرسالة ضمن ماقال: "إن من أحدث حدثا فهو مأخوذ به إلا أن يكون الامام أمر به، وهو يرى أنه الحق، (39)، مما كان له أثره في القضاء أخيرا على
هذه الفتنة (40)
واستمرت الاتصالات بين أئمة عمان وبين أهل المغرب بعد القضاء على الدولة الرستمية. يستفاد ذلك مما رواه لنا أبو عبد الله الكندي في كتابه بيان الشرع من أن محمد بن محبوب بن الرحيل كتب
لأهل المغرب كتبا على لسان الامام الصلت مالك (237) بن
273 هـ / 851 - 886 م يرد فيها على أسئلتهم ويعطيهم الفتوى في
مسائل فقهية وعلمية (41).
ارسال الرسل لتفقد أحوال أباضية المغرب
-
لم يقف دور أباضية البصرة وعمان على هذه النواحي من الدعم السياسي والمادي وارسال الفتاوى لحل ما كان يحدث بين أباضية المغرب من خلافات أو منازعات مذهبية أو سياسية، بل إنهم كانوا يرسلون رسلهم أيضا لتفقد أحوالهم وللوقوف على مشاكلهم ولتوطيد أواصر الصداقة والمودة والتواصل معهم في جميع الأحوال والظروف. من ذلك ما يرويه لنا الشماخي نقلا عن كتاب ”سير نفوسة، وعن الدرجيني، من أن رجالا من أهل المشرق قدموا زائرين في عصر الامام عبد الوهاب، فوصلوا الى جبل نفوسة وزاروا أهله الأباضية من
(39) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 248 (40) أبو زكريا: ص 128 – 136 (141) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 28 ص 195 – 197. (1/143)
صفحة 144
-
144
-
وانتهي بهم
المطاف إلى الامام عبد الوهاب الذي جمعهم
بأحد علماء
نفوسة. وكان هذا الامام يعظم هذا العالم ويحترمه لغزارة علمه وفضله، فأخذوا في طرح أسئلتهم عليه لاختبار مدى هذا العلم وذلك الفضل، ولما أجابهم على كل ماسألوا، قالوا للامام لا نعلم أحدا بالمشرق والمغرب مثل هذا العالم (42)
•
ولم يكن حضور كثير من أباضية المشرق إلى بلاد المغرب لهذا الهدف فقط، وهو تعميق الصلة بينهم وبين أباضية المغرب، بل كان لأهداف أخرى، منها العمل بالتجارة أو الاشتغال بالعلم ونشر المذهب بين البربر، أو هربا من اضطهاد العباسيين لهم، أو لهذه العوامل جميعها. ونتج عن ذلك أن تدفق المشارقة من علماء وتجار وحرفيين وصناع على بلاد المغرب بصفة عامة، وعلى تاهرت بصفة خاصة، لما توافر فيها من أمن وأمان وعدالة وسماحة. وقد سبق أن أشرنا إلى بناء هؤلاء المشارقة من البصريين والكوفيين والمصريين وغيرهم الدور والقصور والمساجد والمحلات التجارية، مما أدى الى ازدهار الحياة في الدول الرستمية والى ازدياد قوتها (43). و لم يكن هذا الازدهار وتلك القوة إلا نتيجة للعلاقات السياسية والمذهبية الوطيدة التي ربطت بين أباضية المغرب ومصر وأباضية البصرة وعمان، وماساهم به البلدان الأخيران من دعم مادي وسياسي ومعنوي في إقامة هذه الدولة، وفي مساندتها وفي حل مشاكلها السياسية والفقهية واسداء النصح لحكامها وأئمتها، حتى تزداد قوتها وتصير علما يلتف حوله الأباضية في المشرق والمغرب، وحصنا يلوذون به من عوادي الأيام وضربات الزمن.
وقد نجح أباضية عمان والبصرة كل النجاح فيما خططوا له،
(42) الشماخي: جـ 1 ص 145، 153.
62
-
-
(43) ابن الصغير: ص 36 (1/144)
صفحة 145
-180
-
من
وفيما قاموا به من أعمال، وفيما قدموه من مساهمات للدولة الرستمية، فقد نعمت هذه الدولة بالاستقرار السياسي طوال عهود معظم أئمتها، كما ازدادت قوتها العسكرية إلى حد بعيد، فتغلبت على الثورات الداخلية التي نشبت في عهد الامام عبد الوهاب وفي عهود خلفه بعض من أفراد البيت الرستمي، لدرجة أن عبدالوهاب تمكن في عام 196 هـ / 811 م من حصار مدينة طرابلس التي كانت تخضع للأغالبة في ذلك الحين، وانتهى الأمر بحاكمها أن عقد معاهدة صلح مع عبد الوهاب اعترف له فيها بالسيادة الرستمية على المناطق الداخلية من إقليم طرابلس، على أن يكون للأغالبة السيادة على المدينة نفسها وعلى المنطقة الساحلية فقط، وقامت علاقات السلام بين الجانبين (44).
وبهذا الصلح وبهذا السلام قوي مركز الدولة الرستمية في الجبهة الشرقية، وأصبحت حدود الدولة في عهده تمتد شرقا من خليج سرت وغربا حتى تلمسان فيما عدا مدينة طرابلس وولاية أفريقية التي أصبحت محاطة بأراضي الدولة الرستمية من الشرق والغرب
والجنوب.
-
208)
-
وقد اضطرد ازدياد قوة الدولة الرستمية في عهد ابنه أفلح (208 - 240 هـ / 823 - (854 م)، ووصلت إلى قمة الازدهار والقوة، حتى إن هذا الامام أغار على مدينة بناها الأغالبة قرب تاهرت عام 239 هـ / 853 م وسموها العباسية، لتقف في وجه الرستميين وتحتل مكانة تاهرت من الناحية الاقتصادية. وكان أفلح قد رأي في إقامة هذه المدينة على هذا النحو خطرا يهدد دولته، فما كان منه إلا (44) الدرجيني: جـ 1 ص 67، الشماخي: جـ 1 ص 141، محمد عيسى الحريري: ص 132، شاکر مصطفي: جـ 1 ص 698، 699 (1/145)
صفحة 146
-187 -
أن انتظر حتى أتم الأغالبة بناءها ورتبوا أسواقها وعمروها بالسكان ثم هجم عليها وأجلى عنها سكانها وأضرم فيها النيران وأحرقها عن آخرها، وكتب بذلك الى أمير الأندلس الأموي تقربا اليه، فبعث
إليه هذا الأمير بمائة ألف درهم، وازدادت العلاقات بينهما قوة (45). وقد نتج عن حسن العلاقات بين الرستميين والأمويين بالأندلس أن انتشر المذهب الأباضي بين بعض الأندلسيين. وقد أشار ابن حزم في القرن الخامس للهجرة إلى وجود الأباضية في هذه البلاد (46)، واستمر هذا الوجود حتى عصر يوسف بن تاشفين (47) الذي فتحها واستولى عليها من ملوك الطوائف في عام 483 هـ / 1090 م وا وأنقذ الاسلام من زحف الأسبان النصارى بعد أن انتصر عليهم في موقعة الزلاقة في عام 479 هـ / 1086 م (48).
ولم يكن في استطاعة الأغالبة أن يردو على هذا الهجوم الكاسح الذي قام به أفلح على مدينة العباسية، لما كانوا يشعرون به من ازدياد قوة الرستميين، ولذلك آثروا السلامة ولزموا الصمت (49). وفي الواقع فإن قيام دولة الأغالبة نفسها في عام 184 هـ / 800 م لم يكن الا نتيجة من نتائج قيام الدولة الرستمية. فقد أحس العباسيون بمدى التهديد الخطير الذي هدد نفوذهم وسيادتهم في افريقية والمغرب، وما يمكن أن يتعرض له نفوذهم في مصر أيضا إذا ما ازدادت قوة هذه الدولة الأباضية، ولذلك اعترفوا للأغالبة بحقهم في توريث الحكم
(45) البلاذري: ص 236، محمد عيسى الحريري: ص 151 – 152. (46) الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 5 ص 51، 55. (47) محمد بن يوسف أطفيش: رسالة ان لم تعرف الأباضية، ص 33، جودت عبد الكريم يوسف: ص 169، 170
(48) رجب محمد عبد الحليم: العلاقات بين الأندلس الاسلامية وأسبانيا النصرانية، ص 395، 396. (49) محمد عيسى الحريري: ص 152. (1/146)
صفحة 147
-
147
-
لأبنائهم
مستقلة
، وفي الاستقلال بافريقية حتى أصبحت دولتهم في الواقع دولة عن الخلافة العباسية ولا تربطها بها إلا روابط شكلية (50).
كما أن شعور دولة الأدارسة التي قامت في بلاد المغرب الأقصى في عام 172 هـ / 788 م بالهدوء والاطمئنان من جهة العباسيين والأغالبة، لم يكن الا نتيجة أيضا لقيام الدولة الرستمية التي أصبحت حاجزا يحول دون أي تهديد عباسي أو أغلبي يمكن أن يصل للأدارسة (51).
فانظر الى أباضية المغرب كيف قلبوا موازين القوى السياسية في بلاد المغرب كلها منذ قيام دولتهم في عام 160 هـ / 776 م، وكيف مهدوا لقيام الحركات الاستقلالية والدول المستقلة على أرض المغرب الكبير بعد أن ضربوا المثل لغيرهم في هذا المضمار، وانظر الى العلاقات والروابط المتينة التي ربطوا بها أنفسهم مع إخوانهم من أباضية عمان والبصرة، فاستمدوا منهم العون والمساعدة في نشر المذهب، وفي قيام الدولة الأباضية، وفي دعمها وتأسيسها، وفي حل مشاكلها المادية والسياسية والمذهبية على نحو مارأينا، وانظر أيضا الى ماسوف نتحدث عنه من علاقات ثقافية دعمت العلاقة بين الفريقين وزادتها قوة وعمقا وجعلتها أكثر دواما واستمرارا.
(50) شاکر مصطفي: جـ 1 ص 695، السيد عبد العزيز سالم: دراسات في تاريخ العرب (العصر
العباسي الأول، ص 193
•
(51) محمد عيسى الحريري: ص 203 (1/147)
صفحة 148
-
148
-
-
العلاقات الثقافية بين أباضية مصر والمغرب وأباضية
عمان والبصرة:
لم تكن العلاقات السياسية والمذهبية هي الروابط الوحيدة التي ربطت أباضية مصر والمغرب بأباضية عمان والبصرة، فقد كانت هناك أيضا علاقات ثقافية وطيدة قامت بينهما وكان لها أثرها الفعال في توثيق الروابط وازدياد الصلات بين الفريقين. وقد تعددت مظاهر هذه العلاقات الثقافية وتنوعت. فمن رحلات علمية وتبادل للزيارات قام بها علماء هذه البلدان كل الى بلد الآخر، ومن التقاء لهم على أرض مكة في موسم الحج حيث يجتمع علماء الأباضية من المشرق والمغرب يتبادلون الرأي والمشورة، ومن تبادل للكتب والمراجع العلمية، ومن مناظرات علمية وطلب للفتوى فيما يستغلق عليهم فهمه من أمور الفقه والمذهب، الى غير ذلك من الأمور التي أدت الى زيادة الروابط الفكرية والثقافية والعلمية بين الجانبين، والتي لابد أن نخص كلا منها
بحديث
-
الزيارات والرحلات المتبادلة بين علماء الأباضية:
حفلت المصادر والمراجع بذكر كثير من الأخبار عن رحلات علماء الأباضية من البصرة وعمان الى مصر والمغرب، وعن رحلات علماء أباضية مصر والمغرب الى عمان والبصرة، ولكن هذه الرحلات كانت قليلة أو نادرة في القرن الثاني للهجرة، ثم تتابعت وزادت فيما من عصور. ومن أقدم الرحلات العلمية التي قام بها بعض علماء أباضية مصر، هي ماسبقت الاشارة اليه من رحلة شعيب بن
تلي
ذلك (1/148)
صفحة 149
149 -
-
المعروف حيث زار البصرة وعاد منها الى مصر، ثم رحل الى تاهرت عقب وفاة الامام عبد الرحمن بن رستم في عام 168 هـ / 784 م (52).
ومن المفيد هنا أن نعرف أن شعيب بن المعروف لم يذهب الى البصرة للقاء علماء المذهب فيها وحده، ولم يرحل الى بلاد المغرب بعد ذلك وحده، وانما كان معه في الرحلتين مجموعة علماء من الأباضية المصريين الذين كانوا قد تلقوا العلم في البصرة على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وغيره من علماء المذهب فيها، ثم شعيب الى البصرة حيث خالفوه ثم خالفوا الربيع بن حبيب من بعده في بعض الأمور الفقهية كما سبقت الاشارة، ثم عادوا الى
عادوا
مع
مصر، ورحل بعضهم وعلى رأسهم شعيب الى تاهرت (53)
•
وتشير المصادر الأباضية أيضا الى وصول عالم أو علماء من أباضية البصرة الى جبل نفوسة بليبيا ثم الى تاهرت بالجزائر لزيارة أهل الدعوة الأباضية وللاطلاع على أحوالهم في هذه البلاد، ولاختبار مدى تعمقهم في المذهب ومدى دراستهم له. ولذلك فقد ناقشوا في مجلس عقده الامام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم علماء الأباضية
من
المغاربة للوقوف على مدى علمهم وفقههم (54)
•
واذا كانت المصادر لم تسعفنا بأسماء هؤلاء العلماء الذين وفدوا الى تاهرت في عصر الامام عبد الوهاب، إلا أنها تذكر لنا في وضوح اسم عالم كبير من علماء المذهب خرج من البصرة متوجها إلى بلاد المغرب لزيارة هذا الامام. وكان هذا العالم هو أبو غانم بشر بن غانم
(52) انظر، ص 98، 128 – 130
(53) انظر، ص 84.
(54) أبو زكريا: ص 125، الدرجيني: ج 2 ص 293، الشماخي: جـ 1 ص 155. (1/149)
صفحة 150
10.
-
الخراساني صاحب المدونة المشهورة في الفقه الأباضي. وقد رحل أبو غانم الى بلاد المغرب مصطحبا معه هذه المدونة، وفي جبل نفوسة وقبل أن يصل الى تاهرت، التقى بعالمها الكبير عمروس بن فتح النفوسي وترك معه مدونته للاطلاع عليها، فقام عمروس بنسخها، فكان يكتب وأخته تملي عليه، وما عاد أبو غانم من تاهرت، إلا وكان قد انتهي من نسخ المدونة في اثني عشر جزءا. ومنذ ذلك
عمروس
•
التاريخ اشتهر أمر هذه المدونة في بلاد المغرب الاسلامي (55). وتتواتر بعض الأخبار عن وصول بعض علماء الأباضية البصريين والعمانيين الى مصر وبلاد المغرب، وإن كانت لاتذكر أسماءهم، ولكننا يمكننا أن نستدل على كثرة ورودهم من بعض آثارهم العلمية وعلى سبيل المثال فقد تمكن بعض الأباضية في جبل نفوسة من كتابة القرآن وحفظه على يد هؤلاء الواردين المشارقة الذين كانوا يمرون بهذا الجبل. مثال ذلك مارواه لنا الشماخي من أن عمر بن يمكتن الذي كان يعيش في جبل نفوسة قبل عام 240 هـ / 854 م، أي في عصر الدولة الرستمية، إنما تعلم القرآن بواسطة جلوسه في طريق يمر بناحية مغمداس، حيث يتلقى فيها السابلة والمارة من المشرق، فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف، فاذا حفظه رجع الى المحجة فيكتب عن المارة والرفاق كذلك، حتى حفظ القرآن وتعلم العلم، (56). وهي رواية واضحة الدلالة على كثرة الواردين المشارقة الى بلاد المغرب سواء كانوا تجارا أم علماء
•
وظل الأمر على هذا النحو حتى قضي الفاطميون على الدولة الرستمية الأباضية في عام 296 هـ / 908 م. ورغم القضاء على هذه
-
(55) الدرجيني: جـ 320 – 323، الشماخي: جـ 1 ص 194.
(56) الشماخي: 1 ص 127. (1/150)
صفحة 151
-
-101.
-
الدولة، إلا أن جماعات الأباضية لم يقض عليها كما سبق القول، وإن كان قد نالها الكثير من الاضطهاد والضعف، ومع ذلك فقد بقيت صامدة وبقي المذهب موجودا في كثير من أنحاء المغربين الأدنى والأوسط، وقام أهله بثورات ضد الحكم الفاطمي، وبلغ من قوتهم أن المعز لدين الله الفاطمي طلب منهم إنهاء الثورة على أن يملكهم أو يجعلهم حكاما على ماكان بيدهم من بلاد قبل قيام الدولة الفاطمية في افريقية والمغرب (57).
وفي ظل هذا الوجود الأباضي الذي صمد ومازال قائما في بعض نواحي ليبيا وتونس والجزائر حتى الآن، استمر توافد علماء المشارقة الأباضية الى هذه البلاد. من ذلك ماترويه لنا المصادر عن عالم مشرقي كبير هو ابن الجمع الذي أتى إلى مصر ومنها رحل الى بلاد المغرب في القرن الرابع للهجرة العاشر للميلاد، حيث التقى في مدينة توزر ببلاد الجريد في تونس بعالم الأباضية أبي الربيع سليمان بن زرقون، وهناك أخذ ينشر علمه وفقهه بين كثير من أباضية المغربين
النفوسي
أبا
الأدنى والأوسط، وكان يتنقل في القرى والمدن مصطحبا معه الربيع. وبلغ بهما الترحال الى مدينة سجلماسة في جنوب المغرب، حيث أخذ ابن الجمع يعلم أهلها، فكان خير معلم وأفضل أستاذ حتى ابتهجت به محافلها وتنورت به مجالسها وعمرت
الأقصى
بالعلوم ربوعها، (58)
لقي
•
وقد ظل ابن الجمع وتلميذه أبو الربيع مقيمين في سجلماسة حيث ربه، وتسلم الثاني كتبه. وكان ابن الجمع قد أوصى بها
الأول
(57) انظر، ص 113
118 -
(58) أبو زكريا: ص 193 - 194، الدرجيني: ج 1 ص 109، 110، سليمان الباروني: 193
128 (1/151)
صفحة 152
-
- 152 -
-
اليه،
فاستفاد منها الاستفادة الكبرى حتى صار علما
أعلام من
الأباضية في بلاد المغرب، لدرجة أنه عندما عاد من سجلماسة ودخل
،
قسطيلية من بلاد الجريد، اضطربت هذه المدينة كلها من أجله واحتفلت به أيما احتفال، وأخذ الناس يسألونه في فنون العلم المختلفة، عما يسألون. وكان أهل سجلماسة يرسلون اليه بعد أن
فكان يجيبهم
غادر بلادهم، يستفتونه فيما أشكل عليهم من مسائل الفقه والعقيدة
فكان يفتيهم ويرسل اليهم جواب ما يسألون (59)
وتحدثنا المصادر عن وصول أحد علماء عمان الى مصر وبلاد المغرب في وقت متأخر. ففي القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد نسمع عن الشيخ العماني الفقيه الحاج محمد الله بن عبد السمائلي، الذي رحل من عمان الى مصر ومنها الى بلاد المغرب، حيث وصلها قبل عام 894 هـ / 1488 م، وظل هناك فترة صحب فيها الشماخي صاحب كتاب "السير"، وذهب معه لزيارة أبي يوسف يعقوب بن بن موسى، وهو أحد علماء الأباضية المغاربة أحمد الأفذاذ في ذلك الوقت، وكان هذا العالم مريضا، ورغم مرضه فقد قامت بينه وبين الشيخ العماني مناظرة في علم الطب (60). وهكذا ظل توارد علماء الأباضية المشارقة من عمان وغيرها الى مصر وبلاد المغرب حتى هذا الوقت المتأخر من العصور الوسطى، وفيما تلي ذلك
من عصور (61).
(59) المصادر الثلاث السابقة، ونفس الصفحات
(60) الشماخي: ج 2 ص 201 – 203. (61) يشير سليمان الباروني في أزهاره (جـ 2 هامش 2 ص (245 الى وصول الرحالة الشهير الأديب الشيخ على بن أحمد العماني الى نفوسة بليبيا في أواسط القرن الثالث عشر للهجرة منتصف القرن التاسع عشر للميلاد، ومنها توجه الى بلاد السودان حيث سرق منه في الطريق اليها ديوانه الجامع لأشعاره وقصائده، وما كتبه في رحلته، فاغتم لذلك غما لامزيد عليه أثر في صحته، فتوفي في هذه البلاد بعيدا عن وطنه وأهله. (1/152)
صفحة 153
153.
-
فيها من
ولاشك أن علماء الأباضية الذين توافدوا الى بلاد المغرب كانوا يفدون الى مصر أولا ويستقرون فيها بعض الوقت حيث يقابلون من الأباضية ويتعرفون على أحوالهم، ثم يقومون باستئناف الرحلة لزيارة إخوانهم من أباضية المغرب. وكان بعضهم يكتفي بالبقاء في مصر لفترة قد تطول أو تقصر، وكان البعض الآخر يفضل البقاء فيها حتى نهاية حياتهم. من ذلك ما يرويه لنا ياقوت الحموي من أن عالما لغويا أديبا كبيرا نزل مصر وبقي فيها فترة طويلة، حيث استفاد منه المصريون وتنافسوا وأكثروا من الرواية عنه، هذا الأديب الكبير هو على بن أحمد المهلبي اللغوي الذي كان إماما في النحو واللغة ورواية الأخبار وتفسير الأشعار. وقد وفد هذا العالم الى مصر في دولة كافور الاخشيدي حيث تقابل في بلاطه مع المتنبي، ولما زالت دولة الاخشيديين وانتقل الفاطميون الى مصر في عام 362 هـ / 972 م، صار هذا الأديب الكبير من أخص جلساء المعز لدين الله الفاطمي وكذلك في عهد ابنه العزيز بالله. وظلت له هذه المكانة حتى توفي في مصر عام 385 هـ / 995 م (62) وان كنا لاندري على وجه الدقة مدى صلته بالأباضية. وراجح أنه كان لأن المهالبة كانوا يحتضنون هذا المذهب ويعطفون على رجاله، ومعروف أن المهالبة من الأزد، ومعروف أن الأزد هم العمود الفقري بالنسبة للأباضية، حيث ارتبط المذهب بالأزد منذ ظهوره في البصرة وعمان برباط قوي لا تنفصم عراه كما سبق القول (63)
منهم
وكما كانت مصر ملتقى لعلماء الأباضية المشارقة، فإنها أيضا كانت بطبيعة الحال ملتقى للأباضية القادمين من بلاد المغرب. وكان بعضهم
(62) معجم (63) انظ
الأدباء
، ج 12 مجلد 6 ص 224.
ر، ص 20
22 -
226 - (1/153)
صفحة 154
-
-108 -
يستقر فيها إما طلبا للعلم أو العمل أو التجارة، أو يفضل استئناف الرحلة الى بلاد المشرق، الى مكة للحج، ثم الى عمان أو البصرة طلبا للمزيد من العلم على يد علماء المذهب في هذين البلدين. وقد سبقت الاشارة الى عالم الأباضية الكبير أبي خزر الوسياني الذي ثار ضد المعز لدين الله الفاطمي في عام 358 هـ / 969 م بسبب قتل العالم الأباضي أبي القاسم يزيد بن مخلد، ثم الى هزيمته وعفو المعز عنه واصطحابه معه الى مصر، حيث بز علماءها علما وفقها حتى
حتى
معه
خافوا
مناظرته والحوار. وظل هذا العالم الأباضي عزيز الجانب عند المعز مات وقام العزيز في الخلافة وورد في عهده أحد المعتزلة الى مصر فتغلب على علمائها، ولم ينقذ الموقف إلا أبو خزر، الذي تمكن من التغلب على هذا المعتزلي فعادت اليه وجاهته وارتفعت منزلته لدى
العزيز (64).
ويبدو
أن قدوم العلماء والطلبة الأباضية من المغرب إلى مصر ظل متواصلا حتى لاحظ بعض المؤرخين وجود بعضهم في مصر في عصر صلاح الدين الأيوبي، وأشاروا الى أنه شملهم بعطفه ورعايته كما سبق
القول (65).
وكما وصل بعض العلماء والطلبة الأباضية المغاربة الى مصر وأقاموا فيها، فان بعضهم واصل الرحلة منها الى البصرة وعمان لتلقي المزيد من العلم والدراسة. من ذلك ما تشير اليه بعض المصادر والمراجع من قدوم العالم الأديب بكر بن حماد بن سهل بن أبي اسماعيل الزناتي التاهرتي من تاهرت الى البصرة. وكان هذا الأديب يعد من شعراء الطبقة الأولى في عصره، كما كان فقيها عالما بالحديث ورجاله. وقد
(64) انظر
1.1 - 44،
(65) انظر، ص 101 -
- (1/154)
صفحة 155
--
-
نهل
شيخ
هناك
ولد بتاهرت ورحل عنها الى البصرة في عام 217 هـ/ 832 م حيث من روافد العلم الثرة، فأخذ عن مسدد الأسدي البصري الأئمة المصنفين الثقات، كما التقي هناك بكبار الأدباء وعظماء الشعراء، كالشاعر دعبل الخزاعي، واللغوي الراوية العباس بن الفرج الرياشي، والشاعر الأديب علي بن الجهم بن بدر، وكذلك سهل بن محمد السجستاني أحد كبار علماء اللغة والشعر. كما التقي أيضا بالشاعر حبيب بن أوس الطائي المشهور بأبي تمام، وانتقل بعد ذلك الى بغداد وأثبت وجوده في بلاط الخليفة المعتصم بالله العباسي ومدحه، ثم عاد الى القيروان ومنها الى تاهرت حاملا معه ماحمله من المؤثرات الثقافية المشرقية، وظل يستأنف نشاطه العلمي في تاهرت حتى توفي بها في عام 296 هـ / 908 م، أي انتهت حياته بنهاية الدولة
الرستمية (66).
ويحكى لنا ابن الصغير الذي عاصر نهاية هذه الدولة أن أحد علماء أفلح (261 ـ 281 هـ/
أبي اليقظان محمد بن أفلح (261 الأباضية في عصر
-
855
-
894 م)، ويسمى عبدالعزيز ابن الأوز كانت له رحلة الى المشرق، والمقصود بالمشرق هنا اما البصرة أو عمان أو الاثنين معا، وكان هذا العالم ذا فقه بارع وصيت ذائع (67).
66
وفي القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد، يشير أبو سعيد الكدمي العماني الى أن قريبه العلامة ابن بركة صاحب كتاب الجامع في الفقه الأباضي والذي كان يعيش في بهلا بعمان، والذي كان مشهورا بالغنى والثراء، يشير الى أن هذا العالم الكبير كان محبا للعلم مشجعا من العلماء والطلاب، ولذلك كان يقصده طلبة العلم من
لأهله
(66) سليمان الباروني: جـ 2 ص 69، محمد عيسى الحريري: ص 191، 192
عمان
•
(67) أخبار الأئمة الرستميين، ص 99 (1/155)
صفحة 156
وغيرها
,,
،
حتى قيل إن الطلبة الغاربة لايفقدون من مقامه فلمع اسمه
وشاع ذكره، (68).
وفي القرن السادس للهجرة / الثاني عشر للميلاد نسمع عن وصول العالم الأباضي المغربي الكبير أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الورجلاني الى بلاد المشرق من أجل طلب العلم، فتنقل في عواصم الشرق وأكثر من الرحلة وقام بجمع وترتيب كتاب مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي المعروف لدى الأباضية باسم الجامع الصحيح ((69). ويغلب على الظن أنه حصل على هذا الكتاب من عمان ذاتها، لأنها في تلك الفترة هي الملاذ الوحيد للمذهب الأباضي في المشرق، ولذلك نرجح
كانت
قيام الورجلاني بزيارة لعمان ضمن مازار من بلاد
الاسلام
لأحمد
وقد وصل الى عمان أيضا أحد الحجاج المغاربة قادما من جزيرة جربة ببلاد تونس، ويسمى الحاج عيسى بن زكريا، حيث استقر فيها فترة من الزمن ثم عاد الى بلاده محملا ببعض الكتب العمانية، مثل كتاب حل أو شرح محمد بن وصاف العماني لكتاب دعائم بن النظر العماني، وكتاب جامع الشيخ أبي الحسن، وكتاب جامع ابن جعفر وكتب غيرهم من علماء عمان. وحمل في نفس الوقت رغبة أباضية عمان الى اخوانهم أباضية المغرب في تدوين كتاب يتحدث عنهم وعن شيوخهم كي يتعرفوا من خلال هذا الكتاب على سير الأوائل ومناقب الأسلاف من أهل المغرب، منذ أن ظهر المذهب الأباضي في هذه البلاد حتى وقتهم (70)
البسيوي
(68) الاستقامة، تحقيق محمد أبو الحسن، مسقط، وزارة التراث، سنة 1985 م، ج 1 ص 5. (69) فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الأباضية، مسقط، سنة 1987 م، هامش 83، ص 119 – 120، على يحيى معمر: الأباضية في الجزائر، ص 238
•
(70) الدرجيني: جـ 2 ص 287، فرحات الجعبيري: نظام العزابة، ص 295، عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية، عمان، سنة 1978 م، ص 17، 18 (1/156)
صفحة 157
-
- lov
-
ولما وصلت هذه الرغبة المحمودة الى علماء الأباضية في المغرب، كلف علماء جربة العالم الأباضي المشهور أبا العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (ت 670 هـ (1271 م، بوضع كتاب في هذا المعنى حسب رغبة اخوانهم من أباضية عمان، فكان هذا الأمر سببا في قيام بتأليف كتابه الشهير المسمى "طبقات المشايخ بالمغرب، حيث تحدث فيه عن تاريخ الدولة الرستمية ومناقب الأسلاف من علماء ومشايخ الأباضية طبقة بعد طبقة حتى عصره (71).
الدرجيني
من
علماء
واذا كانت المصادر قد أشارت الى ورود هذا العدد الأباضية المغاربة الى عمان والبصرة على مدى فترات التاريخ الاسلامي المختلفة، فانها أشارت على استحياء الى ورود بعض علماء الأباضية المصريين أيضا. وقد سبقت الاشارة الى رحلة بعضهم الى البصرة وعمان ينهلون من شيوخ المذهب هنا أو هناك، يتعلمون على أيديهم أو يناقشون بعض المسائل التي كانت محل خلاف بين شيوخهم. ومن هؤلاء الذين رحلوا الى البصرة في طلب العلم، شعيب بن المعروف وكذلك زملاؤه الذين عرفوا باسم حملة العلم، حيث تعلموا فيها على أيدي مشايخ المذهب وعادوا الى مصر ونشروه بين المصريين الذين نبغ بعضهم في هذا المذهب حتى وصل الى درجة الفتيا (72)
•
وهناك اشارة أخرى الى قدوم أبي المؤرج عمر بن محمد المصري
(71) المصادر السابقة ونفس الصفحات ويلاحظ أن ورود العلماء والطلاب المغاربة الأباضية الى عمان ظل مستمرا حتى وقت متأخر، اذ يشير نور الدين السالمي الى قدوم الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي الأباضي المغربي الى بلاد عمان في عهد الامام بلعرب بن سلطان بن سيف الذي تولى حكم عمان عام 1091 هـ 1681 م، فسر بما رأي من أحوال عمان وظهور العدل فيها، ومن احياء السنن واماتة البدع، وطلب هذا العالم المغربي من هذا الامام أن يحث الرعية على طلب العلم وعمارة المدارس. انظر، تحفة الأعيان، جـ 2 ص 81.
(72) انظر، ص 84. (1/157)
صفحة 158
101.
الى عمان بعد أن كان قد اختلف هو وبعض اخوانه المصريين مع مشايخ المذهب في البصرة في بعض المسائل الفقهية، فأتي أبو المؤرج هذا الى عمان حيث حاججه الأباضية فيها فاقتنع بوجهة نظرهم واضطر أن يتخلى عن آرائه السابقة (73)
واذا كانت المصادر والمراجع لم تعطنا الا هذا القدر من المعلومات والأخبار ــــ وهو قدر وهو قدر لابأس به ـــ عن رحلات العلماء الأباضية بين كل من البصرة وعمان من ناحية ومصر وبلاد المغرب من ناحية أخرى، فانها ولحسن الحظ وافتنا بأخبار طيبة عن اتصال هؤلاء العلماء وتجمعهم في مكان واحد. وكان هذا المكان هو مكة المكرمة حيث يلتقي الجميع هناك في موسم الحج.
ب.
هو
إلتقاء علماء الأباضية في موسم الحج، والجوار في مكة:
تم إلتقاء علماء أباضية عمان والبصرة بعلماء أباضية مصر والمغرب في بلاد الحجاز منذ وقت مبكر، واستمر طوال عصور التاريخ الاسلامي. وقد ساعد على هذا اللقاء المستمر أمران: الأمر الأول أن الأباضية كانوا من أكثر الناس حجا، وكان الأئمة الرستميون يشجعون الناس على أداء هذه الفريضة، وكانوا هم أنفسهم يخاطرون بالذهاب الى بلاد الحجاز لأدائها، كما كان علماء الأباضية يأتون من مصر والمغرب ومن البصرة وعمان للحج، ومنهم من كرر الحج مرات عديدة. وقد سبقت الاشارة الى ذلك حين حديثنا عن الحج كوسيلة من وسائل نشر الاسلام. أما الآن فاننا لانتحدث عن الحج بهذا، وانما نتحدث عنه باعتباره وسيلة أو فرصة لتجمع والتقاء علماء
المعنى
(73) أبو غانم الخراساني: المدونة الصغرى، مسقط، وزارة التراث، سنة 1984 م، ج 1 ص 7، 8. (1/158)
صفحة 159
159 -
-
الأباضية من المشرق والمغرب، لأن الحديث هنا عن العلاقات الثقافية وعن تجمع وتواصل هؤلاء العلماء والتقائهم كمظهر من مظاهر هذه
العلاقات
كان هؤلاء العلماء يجتمعون في بلاد الحجاز يتبادلون الرأي والمشورة ويصدرون الفتاوي ويردون على أسئلة الحجيج من الأباضية وغير الأباضية، ويصدرون أحكامهم فيما يرد اليهم من مسائل فقهية أو مذهبية، فاذا حدث خلاف بين الأباضية في أي بلد من بلدانهم، كان أصحاب هذا الخلاف غالبا ما ينتهزون فرصة تجمع علمائهم في موسم الحج ويرسلون إليهم بشكاواهم أو أسئلتهم، فيصدرون لهم الفتوى، وغالبا ماكان يلتزم بها الشاكون أو السائلون. وقد سبقت الاشارة الى قيام الامام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بإرسال رسوليه الى مصر ومكة حيث قابلا في مصر الفقيه الأباضي المصري محمد بن عباد، وفي مكة الفقية الأباضية البصري العماني الربيع بن الفراهيدي الأزدي، لأخذ الفتوى فيما نشب بينه وبين ابن
حبيب
فندين من خلاف ونزاع (74) أما الأمر الثاني الذي دفع علماء الأباضية في المغرب للتجمع في بلاد الحجاز في موسم الحج، هو تشجيع الأباضية للعلم والعلماء وحرصهم على التعلم، وكان اللقاء في مكة هو أحد الوسائل الهامة لتحصيل هذا العلم. ومما يدل على اهتمام أباضية المغرب بالعلم وتحصيله، أن الأئمة أنفسهم كانوا علماء، وكان البيت الرستمي بصفة عامة هو بيت العلم وفنونه المختلفة من الأصول والفقه،
والحديث والتفسير والنحو والفصاحة وعلم النجوم (75)
(74) انظ
، ص 140 – 141
(75) أبو زكريا: ص 99، الدرجيني: جـ 1 ص 56، الازكوي: مخطوط كشف الغمة، ص 350. (1/159)
صفحة 160
-
-
ابن رستم
ومن المعروف أن الامام الأول للدولة الرستمية وهو عبد الرحمن له تفسير منسوب اليه، وله ديوان نفيس ذكر الورجلاني أنه رآه، وله أيضا رسائل متعددة وأجوبة كثيرة في فنون العلم بعضها موجود وبعضها مفقود (76). كما أن ابنه الامام عبد الوهاب وأخاه كانا يتعلمان مسائل الفرائض والشريعة ونبغا في ذلك حتى تعلم منهما الكثيرون من أهل المشرق والمغرب (77). ولعبد ولعبد الوهاب كتاب يسمى "مسائل نفوسة، لأن أباضية نفوسة كانوا قد أرسلوا اليه يسألونه عما أشكل عليهم في بعض مسائل الفقه والعقيدة، فأجابهم في كتاب سمي بهذا الاسم (78).
وقد بلغ شغف عبد الوهاب بالعلم أنه أرسل الى أباضية البصرة بألف دينار يشترون له بها كتبا، فاشتروا له ورقا ونسخوا له حمل أربعين جملا من الكتب وأرسلوها اليه، فأخذ عبد الوهاب في قرائتها
إلا
ولما أتي عليها جميعا قال الحمد لله، ليست منها مسألة عندي مسألتين، لو سئلت عنهما قسمتهما الى نظائرهما من المسائل لصادفت ماذكره في الكتاب (79)، مما يدل على عظيم علمه واطلاعه الواسع. ويؤيد الشماخي هذا القول ويذكر أنه اطلع على أجوبة للامام عبد الوهاب في الفقه والأحكام وأصول الدين، وكذلك لابنه الامام
أفلح (80)
وقد أفادنا أبو زكريا والدرجيني بأن أفلح هذا كان عالما كبيرا
(76) الشماخي: جـ 1 ص 167، محمد عيسى الحريري: ص 237
(77) أبو زكريا: ص 99
•
(78) ابن الصغير: ص 45، 46 ..
(79) أبو زكريا: ص 99 100، الدرجيني: ج 1 ص 56، 57، الشماخي: جـ 1 ص 142، الأزكوي: مخطوط كشف الغمة، ص 531.
(80) السير، جـ 1 ص 167. (1/160)
صفحة 161
-171 -
حتى
أنه كانت له أربع حلقات من الطلبة يعلمهم فيها فنون العلم المختلفة (81). وقد بلغ علمه وتمكنه من اللغة العربية أنه لم يعد خطبة قط طوال عهد إمامته البالغ اثنين وثلاثين عاما (82). ولم يكن نبوغه في علوم الدين وحدها، إنما كان بجانب ذلك شاعرا عالما بالحساب والفلك والتنجيم (83). كما كان ابنه الامام محمد بن أفلح أبو اليقظان عالما ومؤلفا. ويذكر المؤرخون أنه لم ينل الامامة إلا بعد أن ألف من أربعين جزءا في الاستطاعة، ولم يرشحه والده للامامة إلا بعد أن جلس للطلاب في ثلاث حلقات (84)، كما أنه رد على المخالفين للأباضية في كتب كثيرة بليغة شافية (85).
كتابا
وتتواتر الأخبار باشتغال معظم الأئمة الرستميين الآخرين بالفقه والعلم، مما شجع كثيرا من الناس على طلب العلم وتحصيله والاشتغال به وتعليمه، ولذلك كثرت الرحلة في طلبه. وكان الحج من الرحلات المفيدة في هذا الباب، فكما هو أداء للفريضة، فهو في نفس الوقت
من
نهل من معين لا ينضب. وكان هذا المعين يتمثل ليس في العلماء الحجاج الوافدين الى بيت الله الحرام فقط، بل أيضا فيما كان يعرف بالعلماء أو الفقهاء المجاورين، وهم الذين كانوا يتخلفون عن العودة الى بلادهم بعد أداء الفريضة، ويقيمون في مكة أو المدينة عاما أو أعواما وربما بقية العمر
وقد وجد من هؤلاء الفقهاء المجاورين في مكة في عصر ابن سلام
(81) أبو زكريا: ص 136، الدرجيني: ج 1 ص 77
(82) الدرجيني: جـ 2 ص 319 – 320 ويذكر الدرجيني خطأ أن امامة أفلح كانت تسعا
وأربعين عاما.
-
(83) محمد عيسى الحريري: ص 237
(84) الدرجيني: جـ 2 ص 319 – 320
(85) أبو زكريا: ص 148 (1/161)
صفحة 162
الأباضي الذي عاش في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد، مائة
، منهم
خمسة وعشرون من أهل عمان وخمسون من الأباضية وحدها (86)، وعديدون من أهل البصرة ومصر وغيرها. وكانت الأموال تأتيهم من بلادهم الأصلية لمعاونتهم على الاقامة في مكة. فيروى الدرجيني والشماخي أن أبا الحر علي بن الحصين العنبري العالم الأباضي البصري كان من الفقهاء المجاورين في مكة، وكان غنيا موسرا، وأنه كانت له غلة تأتيه من البصرة نقرة واحدة ذهبا فكان يقسمها نصفين، نصف يوزعه على فقراء الأباضية، وربع لنفقته، والربع الآخر يدخره لاعانة ومساعدة من يمر به من الأباضية، وكان له مجلس في مكة يجلس فيه للذكر والعلم وإلقاء الدروس على
الطلاب يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع (87)
الله
وقد جاور بمكة أيضا أبو عبيدة الصغير، وهو عبد بن القاسم الذي كان من العمانيين التجار الذين كانوا يرحلون من عمان الى
البصرة والى بلاد الصين، والى مكة وغيرها من البلدان. وقد جاور أبو عبيدة عبد الله بن القاسم هذا بمكة فترة من الزمن وتزوج فيها، وكان موجودا في هذه المدينة حين مات أبو جعفر المنصور في عام 158 هـ / 775 م، ثم خرج منها الى بلاد الصين تاجرا، وله فيها قصة مع التجار تدل على عظيم أمانته ونبل أخلاقه وشدة تدينه (88)
•
علماء أسماء المجاورين من
وتستمر المصادر فتذكر لنا العديد من الأباضية، مثل الفقيه أبي مروان العباس بن الوضاح، وسفيان بن محبوب الكندي (89)، ومحمد بن محبوب بن الرحيل الذي أقبل من
(89) ابن سلام الأباضي: ص 130 (87) الدرجيني: جـ 2 ص 269، الشماخي: ج 1 ص 92
(88) الشماخي: ج 1 ص 87.
-
94
(89) ابن سلام الأباضي: ص 130. (1/162)
صفحة 163
163 -
البصرة وحج وأقام في مكة ثم انتقل منها الي عمان وتصدى لنشر العلم بها حتى توفي ودفن في صحار في الثالث من المحرم من عام 260 هـ / 9 أكتوبر 873 م. وكان هذا الفقيه العماني المجاور قد التقى في مكة قبل عودته الى عمان بعمروس بن فتح النفوسي المغربي (ت 283 هـ / 896 م) حيث أخذ عمروس يلقي أسئلته واستفساراته عن بعض الأمور الفقهية، وطلب من زملائه حفظ الأسئلة بينما يقوم هو بحفظ الأجوبة التي يدلي بها ابن محبوب. ولما عاد عمروس الى بلاده أخذ يعلم الناس هناك ما حفظه هو وأصحابه من علم ابن محبوب (90).
وقد سبقت الاشارة إلى التقاء صاحب أبي حماد النفوسي في مكة بحجاج عمان وعلمائهم في أيام منى، هو ورجل آخر يسمي حبيب المهدي. وقد جاور هذان الرجلان مدة عام، وحج صاحب أبي حماد مرة ثانية، ثم انصرف الى مصر وأقام بها، ومنها ذهب الى الحج للمرة الثانية ثم عاد الى بلاده حيث لقيه هناك في بلاد المغرب ابن سلام بعد سنة 273 هـ / 886 م (91).
الأباضي ويحدثنا الدرجيني وغيره بأن بعض علماء أباضية الجريد بتونس
•
كانوا يفدون الى مكة ويلتقون فيها بإخوانهم من أهل عمان وفقهائها مثال ذلك ما أشار إليه من التقاء الشيخ يخلف بن يخلف النفطي والشيخ أبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي مع من صحبهما من إخوانهما بأهل عمان من الحجاج ومعهم فقيههم الذي حج بهم وهو ناجية بن ناجية. وكان هؤلاء الفقهاء الثلاثة يقومون بالاجابة على جميع الاستفسارات الخاصة بمناسك الحج وغيرها من مسائل الفقه والدين، (90) الدرجيني: جـ 2 ص 324، الشماخي: جـ 1 ص 192، 193، فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، هامش 107 ص 107، هامش 52 ص 109
(91) ابن سلام الأباضي: ص 130. (1/163)
صفحة 164
-
ولذلك قال الدرجيني بأن الأباضية حجوا حجة لم يحجها مغربي قبلهم ولا بعدهم، نظرا لاجتماع هؤلاء الفقهاء الثلاثة على هذا النحو في ذلك الموسم في النصف الثاني من القرن السادس للهجرة الثاني عشر للميلاد (92)
•
ويتعدد التقاء علماء الشمال الافريقي من الأباضية بعلماء عمان في مكة في موسم الحج. إذ يخبرنا الشماخي بأن نصر بن سجميمان، وكان إماما تقيا ورعا نفوسيا من (أصلابونن)، التقى بعلماء عمان في مكة، فسألهم بعض الأسئلة في العقيدة هو وصاحب نفوسي، فأجابوه على ماسأله اجابة تدل على وحدة الفكر الأباضي في المشرق والمغرب. وكان قد سألهم عن السخط والرضا، وعن مسأل خلق القرآن، فأجيب بما يفيد اتفاق الأباضية على هذه المسائل في عمان والبصرة ومكة ومصر والمغرب، إلا من خالف إجماعهم من بعض أهل عمان وبعض أهل المغرب (93)
وكانت هذه إحدى النتائج الهامة التي التي نجمت عن التقاء حجاج وعلماء أباضية عمان والبصرة بحجاج وعلماء أباضية مصر والمغرب. وكما رأينا كان اللقاء على أرض مكة ليس للحج وحده، وانما كان للمذاكرة والمدارسة وتلقي العلم والاستفسار عما أشكل من مسائل الفقه والعقيدة. وقد استفاد علماء الأباضية المغاربة والمصريون من ذلك كل الاستفادة، و لم يكن ذلك متاحا إلا بفضل التواجد على أرض مكة وبلاد الحجاز في موسم الحج
(92) الدرجيني: ج 2 ص 498، الشماخي: ج 2 ص 107.
(93) الشماخي: ج 2 ص 137. (1/164)
صفحة 165
165
تبادل المراسلات والكتب العلمية والفقهية والأدبية:
ولكن اللقاء في موسم الحج لم يكن متاحا لكل الأباضية، أقصد الحكام والأئمة منهم. وحتى لو كان متاحا فان العيون كانت ترصدهم. وقد سبقت الاشارة الى إفتاء الامام عبد الوهاب بعدم الحج خوفا عليه من الوقوع في قبضة العباسيين (94)، كما سبقت الاشارة أيضا الى قبضهم على ابن الامام أفلح بن عبد الوهاب وايداعه السجن في بغداد (95). ولذلك كان اللقاء في موسم الحج أو الحج نفسه متعذرا على المعروفين والمشهورين من الحكام الأباضية في كثير من
الأحيان واذا تعذر اللقاء أو تعذر الانتقال الى مكة أو الى أي من البلدان التي ينتشر فيها المذهب الأباضي كعمان والبصرة، فان الأباضية كانوا يستعيضون عن ذلك بالمراسلة. فقد كانوا يتراسلون فيما بينهم، فيرسل بعضهم بالأسئلة والاستفسارات ويرد عليهم اخوانهم في شكل رسائل مطولة أو فتاوي قصيرة. وقد سبقت الاشارة الى قيام محمد ابن محبوب بن الرحيل ت (260 هـ (873 م) الذي كان يعيش في أنه كتب الى أهل المغرب في شأن الذين يقومون بأعمال تخالف ما يأمر به الامام (96)، كما أنه كتب على لسان امام عمان
عمان من
الصلت
-
بن مالك (237) الأسئلة التي كان قد أرسلها إليه أهل المغرب بخصوص العالم أو الامام
273/ 851 - 886 م) ردا على بعض
أو القاضي أو العامل الذي يتلقى الهدية من الناس (97)
(94) انظر
(95) انظر
، ص 1.
ر، ص 91
92
92
-
(96) انظـ، ص 142 - 143
(97) أبو عبد الله الكندي: بيان الشرع، جـ 28 ص 195 ـ 197 (1/165)
صفحة 166
- 166 -
-
كما ترد الاشارة أيضا الى إرسال الاجابة إلى بلاد المغرب عن مسائل أرسل بها إلينا أخونا محمد الأبديلاني، خاصة بتفسير بعض آيات القرآن الكريم. وقد استغرقت هذه الاجابة حوال خمسا وعشرين صفحة (98). كما نسمع أن القاضي أبا الحسن العماني أرسل فتواه لأهل المغرب في بعض الأمور الفقهية التي تتصل بالعلاقة بين الرجل وزوجته (99)، كما أرسل بعض العمانيين إلى علماء المذهب في المغرب يطلبون الاجابة عن بعض مايودون معرفته في بعض مسائل الفقه. من ذلك ماحدث في عام 913 هـ / 1507 م عندما أرسل بعض العمانيين رسالة إلى أبي مهدي عيسى بن اسماعيل تتضمن أسئلة في الأصول والفروع، فأجاب على أسئلتهم في رسالة كبيرة مطولة تضمنت ثلاثا
وثلاثين صفحة (100)
ولم يقتصر التعاون العلمي والفقهي بين أباضية المغرب والمشرق على هذا الجانب وهو طلب الفتوى أو الرد على الاستفسارات وإرسال الرسائل، وإنما كان الأباضية هنا وهناك يروون العلم بعضهم عن البعض الآخر، ويأخذون من مدونات بعضهم البعض، ويطلبون ماعند إخوانهم في البلدان المتباعدة من كتب، بل ويطلبون تأليف كتاب معين كما حدث عندما طلب أباضية عمان من إخوانهم أباضية المغرب أن يؤلفوا لهم كتابا في سيرة مشايخ المذهب من المغاربة، فقام الدرجيني على هذا العمل خير قيام كما سبق القول (101). كما قام عالم أباضي مغربي آخر هو عمروس بن فتح النفوسي بنسخ مدونة أبي غانم الخراساني كما سبقت الاشارة (102)
(98) السعدي: قاموس الشريعة، جـ 4 ص 353 - 378.
(99) الشماخي: ج 2 ص 138
(100) فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، ص 168.
(101) انظر، ص 156 ـ 157.
(102) انظـ
10. (1/166)
صفحة 167
-
- 167 -
من
وهذه المدونة في حد ذاتها ماهي إلا رواية أبي غانم عن ستة تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وهم محمد بن عباد
الله
المصرى، وعبد بن عبد العزيز، وأبو المؤرج عمر بن محمد، ووائل بن أيوب، ومحبوب بن الرحيل. وكان أبو غانم هذا معاصرا لهم والتقي بهم في مدينة البصرة التي كان تجمع بين طلبة وعلماء الأباضية البصريين والمصريين والمغاربة وغيرهم، ولذلك نراه في الجزء الأول والثاني من مدونته الصغرى يكثر الرواية عن ابن عباد المصري وعن أبي المؤرج المصري وعبدالله بن عبدالعزيز (103)، مما يدل على أباضية البصرة وعمان ومصر، وانتشر هذا العلم بين المغاربة من الأباضية بعد أن نسخ عمروس مدونته على نحو ما
أنه أخذ علمه عن
أشرنا.
واستمر المغاربة في الرواية عن أباضية عمان والمشرق، فنرى أبا صالح يعلو بن صالح الصدويني الذي توفي عام 513 هـ/ 1119 م يأخذ برأي أبي صالح الدهان أحد مشايخ الأباضية في عمان والبصرة في بعض المسائل الفقهية (104)، ونرى الشماخي يروي عن جابر بن زيد عن ابن عباس (105)، ونرى أبا الربيع سليمان بن يخلف الذي جعله الدرجيني من علماء الطبقة الحادية عشرة (500 ـ 550 هـ)، وكان من أكابر علماء المغرب الأباضية في تلك الفترة، نراه يروي عن ابن بركة العماني صاحب كتاب الجامع، والذي عاش في القرن الرابع للهجرة، وكان ينقل عنه قوله "قلما تعسف أحد مذاهب المسلمين رأي الأباضية بغير فهم إلا حرم التوفيق، وقوله أيضا
""
(103) ابن غانم الخراساني: المدونة الصغرى، جـ 2 ص 263 – 269 وما بعدها
(104) الشماخي: ج 2 ص 136. (105) المصدر السابق، ج 2 ص 136. (1/167)
صفحة 168
أعوذ بالله
الأمراء (106)
من
•
168
-
مسامحة الآراء وتقليد الآباء والكبراء، واتباع
وهذا النقل وتلك الرواية لاتتأتى إلا إذا وصلت كتب المشارقة من عمان والبصرة إلى المغاربة في مصر وبلاد المغرب. وكانت هذه الكتب تصل اليهم على أيدي العلماء الذين كانوا يتبادلون الرحلات والزيارات كما سبق القول، ومع التجار، وأثناء موسم الحج الذي كان فرصة ممتازة لالتقاء أباضية عمان والبصرة، بأباضية مصر وبلاد المغرب. وقد حرص أئمة الأباضية وشيوخهم في مصر وبلاد المغرب على استقدام كتب العلم الأباضية وغير الأباضية، وبذلوا في ذلك الأموال الضخمة. وقد سبقت الاشارة إلى حصول الامام عبد الوهاب ابن عبد الرحمن بن رستم على أربعين حمل جمل من الكتب أرسلها له أباضية البصرة نظير مبلغ من المال كان قد أرسله لشراء هذه الكتب (107). وكان ابنه الامام أفلح يحث رعيته على شراء الكتب ودراستها، وكان يقول لهم: عليكم بدراسة كتب المسلمين (أي الأباضية لاسيما هذا الكتاب، يعني كتاب أبي سفيان محبوب رحمه
الله (108).
وبجانب كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل فقد درس أباضية مصر والمغرب مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني. وبالطبع فانهم لم يفعلوا ذلك الا بعد أن وصلت اليهم هذه المدونة وقاموا بنسخها كما سبق القول (109)، وذلك في أواخر عهد الدولة الرستمية،
(106) الدرجيني: جـ 2 من 479. (107) انظر
، ص 105.
(108) الدرجيني: ج 2 ص 478.
(109) انظر، ص 150 (1/168)
صفحة 169
- 179 -
ولذلك كان اعتماد الأباضية المصريين والمغاربة في الفقه على هذه المدونة، وفي الحديث على كتاب الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي
العماني (110)، الذي وصل هو الآخر الى المغرب منذ وقت مبكر وقام أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم السدراتي المعروف بالورجلاني المتوفي عام 570 هـ / 1174 م بترتيبه وإضافة مارواه غير الربيع عن ضمام عن جابر وغيرهما، وحرره على النحو المعروف به الآن (111).
وقد ظلت آثار الربيع تدرس في بلاد المغرب وظل طلبة العلم الأباضية الذين عرفوا منذ القرن الخامس لهجرة باسم العزابة يعقدون مجالس العلم في المساجد ويقرأون آثار الربيع. وكان السامعون يحرصون الحرص كله على ذكر السند عند كل رواية. وقد حدث أن قام أحد العزابة بقراءة آثار الربيع (112) في أحد المساجد في مدينة (أجلو)، وقام آخر يفسر للناس مايقوله هذا القاريء بلسان البربر، ولكنه كان يتجاوز السند ولا يذكره، فاعترض عليه أحد الجالسين وقال له: " مالك لاتذكر أئمتك. فكان المفسر يذكر رواة الحديث فيقول روي أبو صفرة عبد الملك بن صفرة عن الربيع عن ضمام عن الخ (113)، مما يدل على تقدير المغاربة لأئمة المذهب
جابر
.
المشارقة، ولما كتبوه من كتب
،،
(110) صالح باجية: الأباضية بالجريد، ص 54، 55
(111) الشماخي: جـ 1 ص 109، شارل بللا: الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء. ترجمة د. ابراهيم الكيلاني، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، سنة 1985 م، ص 290 (112) يفهم مما قاله الشماخي أن الربيع بن حبيب كانت له كتب أخرى غير كتاب المسند المعروف باسم الجامع الصحيح، إذ قال ان أبا صفرة عبد الملك بن صفرة روي آثار الربيع ... وأما كتاب المسند عن أبي عبيدة المسمى بكتاب الربيع فلا أدري من رواه ولعله هو الراوي أيضا. وكان مشوشا وانما رتبه أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الورجلالي‘، انظر، السير،
ج 1 ص 09
(113) الدرجيني: جـ 2 ص 416، الشماخي: ج 2 ص 77. (1/169)
صفحة 170
-
17
-
وقد اعتمد أباضية المغرب فيما ألفوه من كتب عن المذهب وسيرة مؤسسيه وتاريخه على ماورد إليهم من كتب من عمان والبصرة، فقد اعتمد الدرجيني في تأليفه لكتابه المعروف باسم الطبقات على السيرة التي كتبها أبو سفيان محبوب بن الرحيل آخر أئمة الكتمان في البصرة، أئمة الأباضية. وقد عاش هذا الامام التابعين ومن أتي بعدهم من
عن
في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، وكان له كتاب في تاريخ الأباضية يشتمل على الأخبار والفقه والكلام والعقائد، وهو من أهم كتب الأباضية. وقد عاد أبو سفيان في أواخر أيامه الى عمان حيث مات بها واعتمد عليه الدرجيني في تأليف كتابه المشار اليه (114).
وبذلك انتقل علم محبوب بن الرحيل الى بلاد المغرب. وكان الطلاب والعلماء يتعهدونه بالدراسة والمذاكرة ويفضلونه ويفضلون كتب المشارقة في المذهب على غيرهم من الناس. وكان الآباء يقومون بتلقين أبنائهم أصول المذهب من هذه الكتب. والمثال على ذلك مارواه الدرجيني من أن أبا محمد ويسلان بن أبي صالح أبي بكر بن قاسم اليراسني كان يقرأ على أبيه مختصر بن محبوب، فكان الوالد يسمع ابنه ويعلق على مؤلف هذا الكتاب قائلا: "کلام محقق فقيه أصولي، وكان يكثر من ذكر هذه العبارة حتى يعرف ابنه أن
""
تأليف أهل المشرق مفيدة دون سواها. وهذا المختصر الذي حظي بهذه الأهمية كان يقع في سبعين جزءا، وما وصل الى يد القارئ المذكور الا الجزء السادس منه فقط (115)، ومع ذلك نراه يمتدح هذا الكتاب، فماذا نراه يفعل لو كانت بقية أجزاء الكتاب قد وصلت
اليه .. ؟.
(114) الدرجيني: ج 2 ص 278 هامش (1)، عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية، ص 18، 19، فرحات الجعبيري: نظام العزابة، ص 295.
(115) الدرجيني: جـ 2 ص 357، 358، الشماخي: جـ 2 ص 49،
50 (1/170)
صفحة 171
- 171 -
-
حتى
القرن
وقد ظل أمر هذا الكتاب مذكورا وظلت دراسته قائمة الثامن للهجرة / الرابع عشر للميلاد، حيث ذكره البرادي الذي عاش
في ذلك القرن في جواهره، وقال إنه وقف في بلاد المغرب على كتب علم عمانية وجدها هناك، منها هذا الكتاب وغيره من الكتب العمانية الأخرى التي سبقت الاشارة إلى بعضها، مثل كتاب الربيع بن حبيب المعروف بالمسند أو الجامع الصحيح، وكتاب ضمام لأبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وكتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل، كما أنه رأي
أيضا كتاب التخصيص لأبي بكر الازكوي ... الخ (116).
ومن الكتب العمانية الهامة التي وصلت الى بلاد المغرب، كتاب الدعائم لأحمد بن النظر العماني (117)، وهو مجموعة قصائد في العقيدة والأحكام الشرعية، وقد وجدت منه في بلاد المغرب نسخة غير محلولة أو مشروحة، ولما شرحه أحمد بن وصاف العماني، وصل هذا الشرح إلى هذه البلاد مع جملة ماوصل اليها من كتب مع الشيخ عيسى بن زكريا كما سبق القول. وكان هذا الكتاب محل دراسة وتقدير حتى إن الأباضية هناك كانوا يعتبرون ماخالفه فهو مخالف
للسنة (118)
•
وكان أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي المغربي (ت 732 هـ / 1332 م) صاحب كتاب القواعد وكتاب قناطر الخيرات يحفظ
(116) البرادي: الجواهر، مخطوط بمكتبة مسجد جامعة السلطان قابوس، ص 218 – 219. (117) کتاب دعائم الاسلام للعلامة أحمد بن النظر العماني من علماء القرن السادس للهجرة، وقد وضعت له شروح عديدة منها شرح لمحمد بن وصاف النزوي في مجلدين كبيرين سماه الحل والاصابة، وشرح لأحمد بن عبد الله الرقيشي الازكوي في كتاب لازال مخطوطا سماه مصباح الظلام على دعالم الاسلام. انظر: الازكوي: مخطوط كشف الغمة، ص 723، سالم الحارثي: العقود الفضية، ص 278 - 279، وقد اطلعت على الدعائم وعلى هذه الشروح بمكتبة معالي السيد محمد أحمد بن بن سعود البوسعيدي، متعنا الله بعلمه وفضله. (118) الدرجيني: جـ 2 ص 486 - 487 (1/171)
صفحة 172
-
172
ويدرس كتبا مشرقية كثيرة، منها كتاب الدعائم (119) الذي تحدثنا عنه، وغيره من الكتب مما يكثر شرحه ويطول. وقد قام الشماخي في عام 888 هـ / 1483 م وألف كتابا في إعراب الدعائم سماه "إعراب مشكل الدعائم، (120)، مما يدل على استمرار اهتمام علماء الأباضية في بلاد المغرب بكتب الأباضية العمانيين حتى ذلك الوقت المتأخر من العصور الوسطى (121).
وقد تجاوز اهتمام أباضية المغرب كتب المذهب الأباضي إلى غيرها الكتب. فكان بعضهم كثير المطالعة والقراءة لكتب المذاهب من الأخرى. والمثال على ذلك هو أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي الذي عاش في القرن السادس للهجرة، حيث يحكي عنه الدرجيني أنه كان كثير المطالعة والقراءة في كتاب الإشراف وغيره من أهل الخلاف، أي الذين يخالفون المذهب الأباضي
(122)
تصانيف
ولعل كتاب الإشراف هذا هو كتاب الاشراف على مذاهب الأشراف، لأبي بكر النيسابوري الشافعي المتوفي عام 318 هـ / 930 م الذي فصل فيه القول في المذاهب الاسلامية، وعلق عليه العالم العماني الشهير أبو سعيد الكدمي في كتاب له سماه "زيادات
(119) الشماخي: جـ 2 ص 195، 196
(120) فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، ص 127 (121) استمر الاهتمام بكتب المشارقة الأباضية حتى العصر الحديث، اذ أن عالما مغربيا يسمى محمد ابن عمر بن أبي ستة حشى في القرن الحادي عشر للهجرة السابع عشر للميلاد على كتاب الجامع الصحيح للربيع بن حبيب في أربعة أجزاء تسمى كتاب الترتيب، كما حشى أيضا على كتاب قواعد الاسلام للجيطالي. انظر، فرحات الجعبيري: نظام العزابة، ص 272، كما حشى السعد التفتازاني وهو أحد علماء المالكية في مصر على كتاب شرح القصد في أصول الفقه. وكان هذا العالم المالكي يميل في مسائل كثيرة الى المذهب الأباضي، وكان رواقه في الأزهر يجاور رواق الأباضية، وقيل ان رواقه كان يتسع للأباضية، فكان رواقا لهم أيضا. انظر، محمد بن يوسف أطفيش: رسالة إن لم تعرف الأباضية، ص 29، 33، 36
(122) الدرجيني: ج 2 ص 296 (1/172)
صفحة 173
الإشراف، (123)
-
173
وكما استفاد المغاربة والمصريون بطبيعة الحال من كتب العمانيين
والبصريين من الأباضية والمصريين من الأباضية، وذلك من خلال لقاءاتهم بالعلماء المغاربة والمصريين الذين كانوا يرحلون الى البصرة وعمان، أو أثناء التقائهم بهم في مكة أثناء
، فقد استفاد هؤلاء من كتب المغاربة
الحج كما سبق القول موسم
•
وقد وصل الى عمان فيما يبدو عدد وفير من كتب الأباضية المغاربة حيث تكثر الاشارة عند بعض أباضية عمان الى الاستفادة من هذه الكتب. يظهر ذلك مما ورد في كتاب قاموس الشريعة لمؤلفه العماني جميل بن خميس السعدي الذي أكثر من الاشارة الى كتب
،
مغربية لاشك أنها كانت موجودة في عمان قبل عصره بزمن طويل واستطاع أن يحصل عليها وأن يستفيد منها في تأليفه لهذا الكتاب الذي
بلغ عدد أجزائه اثنين وتسعين جزءا
•
وفي هذا الكتاب الضخم كثيرا مايقول السعدي إنه أخذ هذه المسألة كتاب أو كتب بعض أهل المغرب من من أصحابنا، (124)، والمقصود بالأصحاب هنا الأباضية. أو أنه
هم
أخذا هذا الفصل عن "بعض كتب أهل المغرب، (125)، وأحيانا يشير الى أنه أخذ من شيوخ أهل أفريقية (126)، أو من سيرة بعض "من أهل المغرب، (127)، أو من شيوخ أهل المغرب من
أصحابنا
من
(123) المصدر السابق، جـ 2 هامش (17) ص 496.
(124) قاموس الشريعة، جـ 4 ص 56، 76، 77، 98، 141، 181
(125) المصدر السابق، جـ 4 ص 201، 240، 245، 248، 252، 332، 342، 347
(126) المصدر السابق، جـ 4 ص 279.
(127) المصدر السابق، ج 4 ص 353 (1/173)
صفحة 174
- IVE
الخ (128). وفي أحيان قليلة جدا
-
.
أصحابنا فيما وجدت عنهم
يشير الى اسم الكتاب الذي أخذ منه فيقول: "ومن كتاب الجهالات تأليف أهل المغرب، (129)، وفي ندرة بالغة يشير الى اسم المؤلف فيقول: "حكي عن شعيب المعرف من الأباضية، (130)
ومعروف أن شعيبا هذا
المغرب
المذهب من المصريين،
شيوخ المذهب أحد شيوخ هو
مما يدل على أنه استفاد من شيوخ المذهب سواء في مصر أم في بلاد، وإن كانت استفادته من المغاربة أكثر، إذ نراه يكثر من الاشارة اليهم وإلى كتبهم وإلى أسماء بعض من أخذ عنهم مثل الشيخ فتح بن نوح المغربي النفوسي الذي يكثر من الاشارة الى قصيدة له في المذهب وعقائده (131)، ومثل اسماعيل الجيطالي النفوسي الذي هذه القصيدة، ومثل الفقيه تبغورين بن عيسى بن داود المشوطي
شرح
المغربي (132)
•
وليس السعدي وحده هو الذي يمكن أن يستدل منه على وصول كتب أباضية المغرب الى عمان. فمخطوط كشف الغمة للإزكوي العماني مثال آخر يمكن أن نضربه في هذا المجال. ذلك أن الفصول التي لم تحقق و لم تنشر بعد من هذا المخطوط القيم، وخاصة الفصول الخاصة بالدولة الرستمية يكاد الكلام فيها يكون طبق الأصل لما كتبه الدرجيني، ذلك العالم الأباضي المغربي في كتابه المعروف باسم طبقات
المشايخ بالمغرب
(128) المصدر السابق، ج 4 ص 143
(129) المصدر السابق، جـ 4 ص 122.
(130) المصدر السابق، ج 4 ص 332
(131) المصدر السابق، ج 4 ص 23، 52، 338، 349. (132) المصدر السابق، جـ 4 ص 40. (1/174)
صفحة 175
-
170
-
ويخلاف الدرجيني وكتابه، فقد وصل أيضا الى عمان كتاب آخر
،،
هو كتاب الجيطالي المعروف باسم دعائم الاسلام، كما وصل غيره
من كتب المذهب التي استفاد منها العمانيون في القديم والحديث وحتى ومع ذلك فان المعلومات المتاحة لنا في الوقت الحالي تجعلنا نقول
الآن
أن إنتاج المشارقة من الأباضية كان أغزر وأكثر. والدليل على ذلك ماورد في بعض المراجع من أن حريقا واحدا شب في مدينة واحدة هي مدينة الرستاق إلتهم حوالي تسعة آلاف مجلد (133)، كما يدل عليه أيضا ماقامت به وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان من طبع كثير من المخطوطات وكتب التراث في مجال الدراسات الفقهية واللغوية والأدبية والدينية والتاريخية. كما يدل عليه أيضا ما أفادني به معالي السيد أحمد بن سعود البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان للشئون الدينية والتاريخية، من أنه رأي وهو صبي حجرة واسعة لخال والده، وهو الشيخ سعيد بن محمد بن مسعود البوسعيدي، وقد ملئت هذه الحجرة كتبا السقف إلى الأرض. وقد ورث الشيخ سعيد من هذه المكتبة الوفيرة الكتب، عن والده الذي كان علامة عصره ومرجعا للعلم والفقه في ذلك الحين. ومن المكتبات الذاخرة أيضا في عمان، مكتبة الشيخ خلف بن سنان الغافري، والذي يقول فيها:
محمد بن
لنا كتب في كل فن كأنها جنان بها من كل ماتشتهي النفس جرى حبها مني ومن كل عالم زكي الحجى والفهم حيث جرى النفس الأنس
فلا أبتغي ماعشت خلا مؤانسا سواها فنعم الخل لي وهي ولست أرجى أن يفوز بمثلها على غابر الأيام جن ولا أنس
(133) سعيد عبد الفتاح عاشور، وعوض خليفات: عمان والحضارة الاسلامية، مسقط، سنة 1987 م، ص 228 (1/175)
صفحة 176
وكذلك مكتبة الشيخ بشير بن سعيد بن عبد الله بن أبي سبت، والتي يذكر متألما لما يمكن أن يصيبها، فيقول:
بكت عيني على كتب
وغيني طالما سهـ
بدمع واكف
لها بالليل في ط
الإصباح
الله
اه أن
يق
ـــــــدا وبذل النفس في الطلب
فأمست والقتام بهـ فيا أسفي على
ليوم فيه منقلبـ
ذات الحر من
أب
ـــــــــلاوة الأدب
كذي يتم بغـ
لا يذوق
فادعوا الله يحفظه
العط ويكلؤها من
ــب
ـــــدة الحق
يوال عالم ثق
هو المدعو ربي لا لا سواه
ولي مرتض ــــــى أرب
وكذلك مكتبة العلامة الشيخ عبدالله بن حميد السالمي، ومعالى السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي الذي تفضل مشكورا بإفادتى بهذه المعلومات عن هذه المكتبات، يحوز شخصيا مكتبة فخمة واسعة، تزخر بكثير من كتب التراث النادرة، وبعدد هائل من المخطوطات القيمة التي وضعها أصحابها في علوم الدين واللغة والأدب، وتتسع لمن يريد البحث والاطلاع من العلماء والباحثين. وقد أفدت من هذه المكتبة أيما إفادة، ووجدت من صاحبها ـ أكرمه الله ـ كل تشجيع وعون ورعاية. وكما علمت فإنه جمع هذه الكتب وحصل على هذه المخطوطات بجهوده الذاتية، مدفوعا في ذلك بعاطفة جياشة ورغبة قوية وحب كبير للعلم والثقافة والفكر، حتى إن مكتبته هذه تعتبر أولى المكتبات العمانية التي يجد فيها الباحث أو القارئ ما يهوى وما يشتهى، من غذاء روحي وثقافى متنوع وشهى، مما يدل (1/176)
صفحة 177
---
177
لجمع
دلالة قاطعة على مدى شغف العمانيين بالعلم، وعلى مدى حبهم الكتب، وعلى تشجيع البحث والإنتاج العلمي منذ القديم وحتى
العصر الحديث والمعاصر
ومما يدل أيضا على وفرة الانتاج العلمي لأباضية عمان والبصرة، وعلى انتقال كتبهم الى مصر والمغرب، ماسلفت الاشارة اليه من ارسال حمل أربعين جملا من الكتب الأباضية من البصرة الى بلاد المغرب في عصر الامام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (134). كما يدل عليه أيضا ماذكره الدرجيني عن أبي العباس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر الذي توفي في ذي الحجة من عام 504 هـ/ يونية 1111 م، من أنه قال انه دخل الديوان في جبل نفوسة للاطلاع على مسألة معينة، فوجده مليئا بالكتب، ومشتملا على تصانيف كثيرة في المذهب الأباضي، وانه نظر "فيما هناك من كتب المذهب التي وصلت من نحو ثلاثة وثلاثين ألف جزء، وأنه تخير أكثرها فائدة المشرق فاذا
هي
وأخذ في قراءتها طيلة أربعة أشهر (135)
•
""
وفي نهاية الحديث عن الكتب وتبادلها يلاحظ أن هذه الكتب كان معظمها خاصا بالمذهب وماصنف فيه، وفي مشايخ وعلماء الأباضية. في البلدان التي نخصص لها هذا الحديث، ولكن هذا الأمر لاينفي أن الأباضية تبادلوا الكتب في غير المذهب، سواء في الأدب أو الشعر أو النحو غير ذلك. والمثال على ذلك أن الجيطالي كان يحفظ ويدرس ضمن ما يحفظ ويدرس جمل الزجاج في النحو ومقامات الحريري (136). كما وصلت الى المغرب بعض من كتب الشعر
ص 160.
(134) انظر (135) الدرجيني: جـ ص 445، 446، الشماخي: جـ 2
(136) الشماخ: ج 2 ص 195، 196. (1/177)
صفحة 178
—
178
والأدب العماني حيث نسمع أنه وجد في جزيرة جربة قصيدة عمانية لشاعر عماني عاش في القرن العاشر للهجرة (137)
وهكذا تنوعت مظاهر العلاقات والاتصالات الثقافية والفكرية بين أباضية عمان والبصرة من جهة وبين أباضية مصر وبلاد المغرب من جهة أخرى، وذلك فيما سجلناه وأشرنا اليه من زيارات متبادلة بين علماء الأباضية في هذه البلدان، ومن لقاءات لعلمائهم في موسم الحج حيث كانوا يدرسون ويتبادلون الرأي والمشورة ويصدرون الفتاوي ويحلون مشاكل ومسائل الفقه والعقيدة، ومن جوارٍ لهؤلاء العلماء في مكة، حيث يكرسون وقتهم كله للتأليف والدرس والبحث، ومن تبادل للمراسلات والكتب العلمية والفقهية، مما أدى الى استفادة علماء كل بلد من علم زملائهم في البلدان الأخرى التي نعنيها في هذا الحديث، والى تنشيط حركة التأليف والتدوين في الفقه الأباضي والعلوم الدينية وغيرها من العلوم والى إثراء كبير في مجال الحركة العلمية الأباضية على وجه الخصوص حتى إن بعض مؤلفاتهم فيها وصل عدد مجلداتها الى أكثر من تسعين جزءا. إذن فهي علاقات ثقافية زاهرة ومزدهرة قامت بين أباضية عمان والبصرة وأباضية مصر والمغرب. وقد دعم من هذه العلاقات وشد من أزرها، ماقام بينهم أيضا من
علاقات تجارية
•
العلاقات التجارية بين أباضية مصر والمغرب وأباضية
عمان والبصرة:
اشتغل كثير
من
العلماء والحجاج الأباضية الذين أشرنا اليهم في
(137) فرحات الجعبيري: نظام العزاية، ص 296 (1/178)
صفحة 179
-
1790
-
ثنايا هذا البحث، أو لم نشر اليهم، والذين زاروا هذا البلد أو ذاك من بلدان المشرق أو المغرب بالتجارة، ولكنهم لم يكونوا كل التجار وكان العمل في التجارة في ذلك الوقت وخاصة أثناء الدعوة للمذهب الأباضي التي اتخذت طابع السرية والكتمان، وسيلة للكسب ووسيلة للتخفي والنجاة من مطاردة عيون الخلافة أموية أو عباسية. والمعروف أن الأباضية كانوا تجارا من الطراز الأول، وكانوا يعتمدون في حياتهم بصفة رئيسية على التجارة، ولذلك نشطوا في التنقل بتجاراتهم من بلاد المشرق الى مصر وبلاد المغرب، لهذا السبب وللأسباب العلمية والثقافية والمذهبية التي أشرنا اليها
من
وقد ساعد الأباضية في عمان والبصرة على العمل بالتجارة وعلى الاتصال التجاري بأباضية مصر والمغرب، أن عمان والبصرة كانتا أهم المراكز التجارية الواقعة على الخليج العربي وفي المشرق الاسلامي بصفة عامة، إذ أنهما كانتا تستقبلان السفن والسلع التجارية القادمة بلدان الشرق الأقصى. ومن المعروف أن العمانيين والبصريين كانوا من أنشط التجار في المحيط الهندي وبحر الصين، كما كانوا يجلبون السلع الافريقية من ساحل شرقي افريقيا، وكان بيدهم وخاصة العمانيين زمان التجارة في هذه البحار الثلاث: بحر الصين والمحيط الهندي وبحر الزنج (138). وكانت فرصة استغلوها أحسن استغلال في تدعيم علاقاتهم بالبلدان الاسلامية بصفة عامة وبالبلدان الأباضية المذهب مثل الدولة الرستمية أو التي يوجد بها أباضية مثل مصر بصفة خاصة، ساعدهم على ذلك وجود طرق عديدة برية وبحرية تربط فيما بين (138) ابن قتيبة: عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1986 م، جـ 2 مجلد 1 ص 220، المسعودي: مروج الذهب، جـ 1 ص 139، حسين مؤنس: أطلس تاريخ الاسلام، ص 395، رجب محمد عبد الحليم: العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام، مسقط، سنة 1989 م، ص 57 ـ 58.
-
- • (1/179)
صفحة 180
-
180
-
أ
البصرة وعمان وبينهما وبين مصر وبلاد المغرب
الطرق التجارية التي تربط عمان والبصرة بمصر والمغرب:
فقد أشار أبو اسحاق الحربي في النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة الى وجود طريق بري بين البصرة وعمان عبر سفوان التي يفترق عندها الطريق الى طريقين، أحدهما يتجه الى مكة، والثاني يتجه جنوبا الى عمان فاليمن، وأفاد هذا الكاتب بأن هذا الطريق كان مستعملا في الجاهلية قبل الاسلام (139). وبعد ظهور الاسلام تحدث المؤرخون والجغرافيون المسلمون عن هذا الطريق، وأنه كان يمر عبر قطر وساحل هجر ثم الى عمان ومنها بريا عن طريق الساحل الى عدن ثم الى مكة (140)
بسبب
وبجانب هذا الطريق البري، كان هناك الطريق البحري الذي يربط ما بين البصرة وعمان، وكان هو الطريق المفضل نظرا لغلبة الرمال على الطريق البري وخاصة ما بين البحرين وعمان، ولعدم الأمان تنازع القبائل العربية المحيطة بالطريق البري وذلك في القرن الرابع للهجرة. كذلك كان الطريق البحري من عمان الى جدة هو المفضل أيضا لكثرة القفار وقلة السكان في الأراضي ا بين جنوب عمان وبين اليمن (141)، وفي نفس الوقت كان الطريق البري بين عمان (139) أبو اسحاق الحربي: مناسك الحج، حققه محمد الجاسر تحت عنوان "كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، دار اليمامة، الرياض، الطبعة الثانية، سنة 1981 م،
ص 572 - 574.
•
(140) ابن خرداذبة: ص 60، 147، 148، ابن قدامة: ص 192، 193، القلقشندي: صبح الأعشى: ج 5 ص 97
02:
•
(141) الاصطخري: مسالك الممالك، ليدن، سنة 1967 م، ص 26 – 28، ابن حوقل:
ص 45، 47. (1/180)
صفحة 181
-
181
مسلك
واليمن لايزال مسلوكا أو مطروقا، إذ كانت الجمال تحمل الورس من اليمن الى عمان في قوافل منتظمة (142). وكان هذا الطريق هو الهجرات العربية القادمة من اليمن الى بلاد عمان قبل ظهور الاسلام على مدى قرون عديدة، كما أن أغلب متاجر الشرق كانت تأتي الى عمان ومنها على هذا الطريق البري الى عدن (143). وعندما تصل تجارة عمان والبصرة الى عدن سواء بطريق البر أم بطريق البحر، كانت تصعد الى جدة عن طريقين وكلاهما بريان، أحدهما ساحلي والآخر داخلي، وهو أبعد الأول، إلا أنه أنقى هواء وأقل وباء (144). من
هذا بخلاف الطريق البحري الذي يمتد من عدن الى ميناء جدة
والجار.
فاذا
وصلنا إلى جدة والجار فاننا بذلك نكون قد وصلنا الى المينائين اللذين كانا يربطان بين البصرة وعمان من ناحية، وبين مصر وبلاد المغرب من ناحية أخرى. وكما يقول المقدسي فقد كانت جدة والجار خزانتي مصر (145)، وكما يقول غيره، كانت جدة "خزانة مكة ومطرح اليمن ومصر (146). ولذلك كانت هذه المدينة أكثر بلاد الحجاز مالا وتجارة بعد مكة (147)، كما كانت ميناء الجار تستقبل الحبوب والمواد الغذائية القادمة من مصر الى المدينة المنورة (148)، مما
،،
(142) أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، ج 18، ص 318.
(143) حسن محمود: ص 125 (144) المقدسي: أحسن التقاسيم، ص 110، 111، البكري: جزيرة العرب، وهو جزء من كتاب المسالك والممالك، تحقيق د. عبدالله يوسف الغنيم، ذات السلاسل، الكويت،
الطبعة الأولى، سنة 1977 م، ص 47
(145) أحسن التقاسيم، ص 97
(146) ابن خرداذبة: ص 60، 147، 148، ابن قدامة: ص 192، 193، المقدسي: ص 79، بزرك: كتاب عجائب الهند، ليدن، سنة 1886 م، ص 93، 147
(147) الاصطخري: ص 19، ابن حوقل: ص 31، 32
(148) المقدس: ص 84. (1/181)
صفحة 182
—
182 -
يدل على شدة الروابط التجارية بين مصر وبين مينائي جدة والجار
وعلى ذلك فقد كانت تجارة البصرة وعمان تأتي الى مواني جدة والجار، ومنهما تسير بالسفن الى مواني مصر البحرية، وخاصة ميناء القلزم (السويس) الذي أصبح محطة تجارية هامة بين الشرق والغرب، قال عنه الاصطخري أنه كان فرضة مصر والشام، ومنه كانت تحمل متاجر الشام ومصر وبلاد المغرب الى بلاد الحجاز واليمن وعدن وعمان وسواحل الخليج العربي وإلى بلاد السند والهند والصين (149).
حتى
و لم تكن مصر ترتبط تجاريا مع عمان والبصرة بواسطة هذا الخط الملاحي الذي يربط القلزم بجدة فقط، وانما كان هناك طريقان آخران يربطانها بهما، أولهما هو الطريق البحرى الذي يصل ميناء القلزم بزبيد وعدن مباشرة عبر البحر الأحمر، وثانيهما الطريق الذي يمر عبر نهر النيل أو على شاطئه حتى مدينة قوص في أعالي صعيد مصر، ومنها يجتاز التجار الصحراء الشرقية الى ميناء عيذاب أو ميناء القصير، وهما الميناءان المصريان اللذان يقعان على البحر الأحمر، ومنهما يركب التجار هذا البحر الى زبيد أو عدن (150)
-
عدن هو
وقد أصبح طريق القاهرة ـ قوص ـ عيذاب. الطريق المفضل للتجار بعد أن اندلعت الحروب الصليبية في بلاد الشام، وأصبحت منطقة البحر الأحمر الشمالية معرضة لتهديد الصليبيين، ومن ثم تحولت التجارة وقوافل الحج القادمة من بلاد المغرب والسودان الى مينائي القصير وعيذاب، ومنهما الى الأراضي
(149) الاصطخري: ص 33
(150) القلقشندي: صبح الأعشي، جـ 5 ص 17. (1/182)
صفحة 183
المقدسة وإلى عدن، ومنهما الى سائر البلاد التي تطل على المحيط الهندي والخليج العربي، ومنها عمان والبصرة بطبيعة الحال (151).
إذن فالاتصال التجاري بين البصرة وعمان ومصر كان قائما وطوال العصور التاريخية الاسلامية، وكذلك كان هذا الاتصال قائما بين مصر وبلاد المغرب طوال عصور التاريخ، وكان موقعها في الركن الشمالي الشرقي من القارة الافريقية يساعدها على هذا الاتصال ويدعمه بصورة طبيعية
الفسطاط
وبخلاف الموقع فقد كانت مصر و ولازالت تتمتع بسواحل طويلة تطل منها على البحر المتوسط، وكانت هذه السواحل تربطها تجاريا ببلدان المغرب العربي إما بحرا عن طريق ميناء الاسكندرية، ومنه الى سائر مواني المغرب، واما برا بواسطة طريق يخرج من والقاهرة الى الاسكندرية، ومنها الى برقة وافريقية وبلاد المغرب، واما عن طريق آخر يخرج من الفسطاط والقاهرة الى بلاد المغرب دون أن يمر بالاسكندرية ولكنه يلتقي بالطريق الذي يخرج منها في ذات الحمام. وكانت هذه الطرق طرقا للبريد (152)، وطرقا للتجارة في نفس
الوقت
هي
حدود
كما أن مصر كانت ولازالت تربطها بليبيا حدود طويلة مصر الغربية، وكانت صحراء مصر الغربية تضم واحات عديدة كانت مراكز للتجارة واستقبال التجار القادمين من فزان وزويلة وبلاد المغرب والسودان بصفة عامة (153). وهذه الصحراء بطبيعة الحال تتصل (151) سيدة الكاشف: ص 295، حسن محمود: الاسلام والثقافة العربية في افريقيا، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثالثة، سنة 1986 م، ص 56
(152) المرجع السابق، ص 297. (153) الشاطر بصيلي: تاريخ وحضارات السودان الشرقي والأوسط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1972 م، ص 343. (1/183)
صفحة 184
184
بالصحراء الليبية التي تمتد غربا لتصل الى أعماق الصحراء الكبرى
بلاد
وتربطها بالبلدان التي تطل على هذه الصحراء من الشمال، وهي المغرب العربي، والتي تطل عليها من الجنوب، وهي بلاد السودان
مصر
محطة
وعلى ذلك فان الطرق التي ربطت بين مصر وبلاد المغرب كانت طرقا عديدة، بحرية وبرية وصحراوية. ولذلك أصبحت استقبال للتجار القادمين من هذه البلدان سواء أرادوا التجارة مع مصر والعودة الى بلادهم، أو أرادوا إستئناف السير الى بلدان المشرق ومنها عمان والبصرة. وقد كانت قوافلهم تأتي الى الاسكندرية أو الفسطاط والقاهرة، ومنها الى ميناء القلزم (السويس)، ثم بالبحر الى مواني الحجاز فعدن فعمان فالبصرة والمشرق، واما بالطريق البري الذي يبدأ من ضاحية للقاهرة تسمى الخانكاة حيث يتجمع فيها التجار والمسافرون الذين يريدون السير في قوافل تذهب الى بلاد الشام أو الى الجزيرة العربية حيث كان يتفرع من هذه الضاحية طريقان رئيسيان، يتجه أحدهما الى الجزيرة العربية عبر صحراء سيناء، ويتجه الآخر الى
بلاد الشام (154). واما بطريق النيل، الى قوص، فعيذاب، فعدن، فعمان والبصرة وسائر البلدان، وهو ما سبق أن أشرنا اليه
ب
•
ازدهار التبادل التجاري بين عمان والبصرة ومصر والمغرب:
وعلى ذلك فقد ازدهرت التجارة التي كانت تمر عبر هذه الطرق التجارية العديدة ازدهار كبيرا، ولعبت مصر دورا هاما في هذا الازدهار. ذلك أنها كانت تمثل دور الوسيط التجاري بين الشرق
(154) القلقشندي: جـ 5 ص 17، الحسن الوزان: وصف افريقيا، ترجمة محمد حجي، ومحمد الأخضر، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1983 م، ج 2 ص 234. (1/184)
صفحة 185
-
110 -
والغرب (155) أو بين عمان والبصرة من جانب وبلاد المغرب من جانب آخر، وأصبحت مخزنا لمختلف البضائع المشرقين والمغربية (156)، وأصبحت موانيها وأسواقها تعج بالتجار من شتى الأجناس والملل، وبمختلف أنواع السلع وضروب التجارة، وكانت رابط بين أباضية المشرق وأباضية المغرب
خير
وقد ساعد على هذا الربط وعلى هذا الازدهار بخلاف ماذكرنا، عدة أمور: الأمر الأول هو طبيعة الامتداد الجغرافي لحدود الدولة الرستمية، تلك الحدود التي كانت تمتد في الشمال الشرقي الى طرابلس والى سرت والى برقة، ومنها بالطبع يمكن الوصول الى الاسكندرية. وفي الجنوب الشرقي تمتد هذه الحدود الى مدينة زويلة السودانية التي كان أهلها أباضية (157)، ومنها بالطبع يمكن الوصول شرقا الى واحات مصر الغربية وجنوبا الى بلاد الكانم والبرنو في حوض بحيرة تشاد، ومنها الى بلاد السودان الشرقي سودان) وادي نهر النيل) فالبحر الأحمر، أو بلاد السودان الشرقي فالحبشة والصومال، فساحل شرقي أفريقيا (158) الذي كان يرتبط بحريا وتجاريا وبشريا بعمان في معظم عصور التاريخ.
والأمر الثاني هو وقوع مدينة تاهرت عاصمة الدولة الرستمية على طريقين تجاريين كانا من أشهر الطرق التجارية في ذلك الوقت أحدهما طريق الشرق والغرب الذي يربطهما بمصر وببلاد المشرق الاسلامي، والثاني طريق الشمال والجنوب الذي هيأ لها فرصة التجارة السودان التي تقع جنوب الصحراء الكبرى ومع بلاد البحر المتوسط
(155) سيدة الكاشف: ص 286. (157) انظر، الخريطة رقم (1). (158) الشاطر بصيلي: ص 391، 393
مع
بلاد
(156) محمد عيسى الحريري: ص 193 (1/185)
صفحة 186
1^7 -
في الشمال (159)
فاذا كانت حدود الدولة الرستمية واذا كانت عاصمتها على هذا القدر من الأهمية فيما يختص بالتجارة مع مصر فعمان والبصرة، فان انتشار القبائل الأباضية في المناطق الصحراوية التي تربط هذه الدولة الأباضية كان أمرا في غاية الأهمية فيما يختص بالتبادل التجاري بمصر المزدهر بين هذين البلدين، وبينهما وبين عمان والبصرة، وهو الأمر الثالث الذي دعم هذا الازدهار وساعد عليه
ذلك أن القبائل الساكنة في الصحراء الليبية الممتدة بين طرابلس وزويلة، كان معظمها يدين بالأباضية وخاصة قبائل لواتة وزناتة ونفزاوة ونفوسة وهوارة. وكانت هوارة التي تسكن طرابلس حتى سرت وكذلك قبائل نفوسة التي كانت تسكن جبل نفوسة المعروف باسمها والذي يقع جنوب طرابلس ويمتد غربا ويمر ببلاد الجريد بتونس ويصل أباضية ليبيا بأباضية تاهرت والجزائر، وكذلك قبائل لماية التي كانت تسكن برقة وما يحيط بها من صحاري، نقول أن هذه القبائل تولت حماية القوافل التجارية، وكانت هذه القبائل تجوب صحراء سرت ذاهبة آيبة بين المدن الرستمية في المغربين الأدنى والأوسط وبين مصر، تحمل قوافلها السلع الرستمية والمصرية والمشرقية (160)، مما أدى الى ازدهار التبادل التجاري بين هذه البلاد الى حد كبير
•
وقد عبر ابن الصغير عن هذه الحركة التجارية المزدهرة في القرن الثالث للهجرة التاسع للميلاد، فقال إن التجار الرستميين استعملوا الطرق والسبل التي توصل الى بلاد السودان والى جميع البلدان من
•
(159) محمد عيسى الحريري: ص 233 (160) السيد عبدالعزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الاسلامي، ص 486، محمد عيسى الحريري: ص 193، الظاهر أحمد الزاوي: ص 21، 22 (1/186)
صفحة 187
-
JAY.
-
مشرق ومغرب في عهد الامام عبد الرحمن بن رستم الفارسي (161) وأن تاهرت عاصمة الدولة أصبحت في عهده وعهد أولاده وأحفاده ملتقى التجار الذين وفدوا بتجاراتهم من كل الأمصار والآفاق، من البصرة والكوفة، ومصر وافريقية والمغرب وغيرها، لخوفهم على أموالهم من أئمة الجور، فاستقروا فيها وفي نواحيها، وبنوا فيها المنازل والقصور والمساجد من أجل الاستقرار والعمل في هذه التجارة الواسعة، فكثرت فيها الأموال ونفقت فيها السلع، وأثرى أهلها ثراء فاحشا، فبنوا القصور الفخمة، واتخذوا الضياع خارج المدينة، وأجروا فيها الأنهار والترع والقنوات (162)، كما اغتنى أهل البوادي
والقبائل التي كانت تنتشر حول تاهرت حتى اتخذوا العبيد والخيول وأصبحوا على درجة من القوة أخافت حكام تاهرت (163).
وقد بلغ من كثرة التجار الذين كانوا يفدون من المشرق ومصر الى بلاد نفوسة والى تاهرت وسائر بلدان الأباضية في المغرب، أن بعض علماء نفوسة حفظوا القرآن وتعلموا العلم عن طريق جلوسهم في الطرق التي يمر بها هؤلاء التجار، اذ كانوا ينتظرون قدومهم ويترقبون حضورهم، فيجلسون بين أيديهم ويأخذون عنهم ويتعلمون منهم، ثم ينتظرون قافلة أخرى يتعاملون معها بنفس الأسلوب
وهكذا (164)
،
وقد شجع هذه الحركة التجارية المزدهرة أيضا ماقام به أئمة الدولة الرستمية، من حمايتهم للتجار واشتغالهم هم أنفسهم بالتجارة قبل
(161) أخبار الأئمة الرستميين، ص 36.
(162) المصدر السابق، ص 36، 61، 62، الشماخي: ج 1 ص 139
(163) ابن الصغير: ص 62 - 63
18.
-
(164) الشماخ
: ج 1 ص 127. (1/187)
صفحة 188
188
أن تصير
لأن
له
توليهم الامامة، وتشجيعهم لهذا الضرب من ضروب النشاط الاقتصادي بكل ما أمكنهم من قوة، وبكل ما وسعهم من جهد، قوة دولتهم وثراءها كان في الحقيقة مرتبطا بالتجارة. وتحكي لنا المصادر الأباضية أن أول إمام لها وهو عبد الرحمن بن رستم كان يعمل بالتجارة وكانت لديه أمانات الناس وبضائعهم قبل الامامة (165). وكان الامام الثاني وهو ابنه عبد الوهاب يعمل بنفسه في التجارة في حياة أبيه، وكانت تجارته قائمة مع البصرة على قدم وساق. وكان التبادل التجاري شائعا بين البلدين في عهد أبيه وفي عهده. ويذكر ابن سلام بن عمر عن نفاث بن نصر النفوسي أن الوهاب بعث الى الربيع بن حبيب إمام الأباضية في البصرة باثنى عشر ألف درهم أو دينار، فاشترى له الربيع بها جهازا أي سلعا وتجارة من البصرة، وأرسل بها أخاه الى تاهرت. فلما وصل اليها جمع عبد الوهاب تجار بلده فقاموا بشراء ماورد من سلع البصرة وتجارتها، كما اشتروا لأخي الربيع ما يحتاجه من سلع وتجارة في مدة ثمانية أيام، عاد بعدها هذا الأخ البصري إلى بلاده (166)
عبد
ولم يكتف عبد الوهاب بالمتاجرة مع البصرة وغيرها من بلدان المشرق مثل الحجاز واليمن عن طريق مصر بطبيعة الحال، إنما أرسل بتجارته أيضا إلى بلاد السودان التي تقع جنوب الصحراء الكبرى: فزادت أمواله واتسع ثراؤه حتى قال لولا أنا ومحمد بن جرني ويييب بن زلغين، لخرب بيت مال المسلمين، أنا بالذهب، ومحمد بن جرني بالحرث، وابن زلغين بالأنعام، (167). وكان عبدالوهاب ذا ذهب
(165) أبو زكريا: ص 56
(166) الشماخ
-
ج 1 ص 142.
•
(167) المصدر السابق، ج 1 ص 139 - 141، 177 (1/188)
صفحة 189
-
- 189 -
وفضة نتيجة لاشتغاله بالتجارة، وكان ابن جرني فلاحا عظيما ذا انتاج زراعي وافر، إذ كانت زكاته في السنة تقدر بآلاف الأحمال من البر والشعير، وكان ابن زلغين ذا ابل وغنم تعد بمئات الآلاف (168) وقد كان عبد الوهاب حريصا في معاملاته التجارية ألا تشوبها شائبة تدخل الشك في طهارتها وفي ضرورة مطابقتها للأحكام الشرعية، حتى إنه منع ابنه أفلح ذات أن يقوم برحلة تجارية إلى يوم بلاد كوكو التي تقع على منحنى نهر النيجر في بلاد السودان الغربي، لأنه لم يستطع الاجابة عن سؤال واحد فقط من بين الأسئلة الكثيرة التي أجاب عليها والتي كان والده قد وجهها اليه، والخاصة بالربا والبيع والشراء حسب القواعد الاسلامية، فرأي عبد الوهاب أن ابنه لم يكتمل عنده الفقه الكامل بأحكام البيع والشراء، مما يمكن أن يؤدي الى دخول شيء في ماله يكون مشكوكا في صحته وسلامته وطهارته (169). وقد أدى هذا التحرز إلى إقبال الناس على التعامل مع التجار الأباضية والوثوق بهم، ومن ثم نشطت تجارتهم كل
النشاط
وقد ازداد هذا النشاط نتيجة لما قام به الامام أفلح بن عبد الوهاب 240 هـ / 823 - 854 م) من توفير الأمن والأمان للتجار
-
208)
وما يحملونه من سلع، وذلك بتوفير الحراسة للقوافل والطرق التي تمر فيها هذه القوافل. فكان يرسل ابنه يوسف أبا حاتم في جيش مع وجوه زناتة ليحرسوا القوافل القادمة من المشرق، والتي كانت تحمل معها من السلع والبضائع مالايكاد يحصى كثرة وضخامة (170). وكانت (168) سليمان الباروني: ج 2 ص 189 (169) الدرجيني: جـ 2 ص 320، سليمان الباروني: جـ 2 ص 250 ـ 251. (170) ابن الصغير ص 71 (1/189)
صفحة 190
-
190
—
هذه
هذه القوافل تأتي الى تاهرت حيث يتم البيع والشراء، وبعد انتهاء عمليات البيع والشراء تواصل هذه القوافل رحلتها متجهة الى بلاد المغرب الأقصى وبلاد الأندلس وبلاد السودان، ثم تعود من البلدان محملة بالسلع المختلفة الى مصر والشام والحجاز واليمن وبغداد وعمان وغير ذلك من بلدان المشرق (171)، مما دفع بالحركة التجارية الى قمة النشاط والازدهار
مظاهر و نتائج ازدهار التجارة:
وقد جعلت هذه الحركة التجارية النشطة تاهرت عاصمة من كبيرة متألقة بين حواضر المغرب الكبرى في ذلك الوقت، حتى أصبحت تسمى بالعراق الصغير، أو عراق المغرب، تشبيها لها ببلاد العراق التي كانت تزدحم بمختلف الأجناس والملل (172)، وتزخر بشتى أنواع الأنشطة الاقتصادية والتجارية، بحكم كونها عاصمة للدولة الاسلامية المترامية الأطراف. والحقيقة أن أباضية المغرب بصفة عامة كانوا على نفس هذه الصفة، وكانت بلادهم على نفس هذا الحال من تباين الأجناس واختلاف التجار إليها وتنوع مظاهر الحياة الاقتصادية فيها وازدهارها الى حد كبير، وقيام أهلها بالعمل في التجارة خاصة، حتى اشتهروا بهذا العمل بين سائر الأمم ذلك ماقاله من الادريسي عن أهل مدينة ورجلان من أنهم أباضية، وأنهم مياسير وتجار أغنياء، وأنهم يتجولون في بلاد السودان ويدخلون بلاد غانة وونقارة ويأتون منها بالتبر ويضربونه دنانير يتعاملون بها في تجارتهم (173).
(171) المصدر السابق، ص 104، سليمان الباروني: جـ 2 ص 326 (172) محمد عيسى الحريري: ص 234
(173) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ص 11، 15، الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق د. احسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1984 م، ص 64، 111 (1/190)
صفحة 191
- 1910
وقد استمر النشاط التجاري لهذه المدينة حتى عصر الحسن الوزان أي في بداية القرن السادس عشر للميلاد. إذ يشير الى أن سكانها في منتهى الغنى لعملهم فى التجارة، كما يشير إلى أنه يوجد بينهم عدد كبير من التجار الأجانب الغرباء عن البلد، لاسيما من قسنطينة و تونس الذين كانوا يحملون اليها منتجات بلاد البربر ويستبدلونها بما يأتي به التجار من بلاد السودان. ويشيد الحسن الوزان بأهل ورجلان التي يسميها وركلة أو ورجلة، ويقول إنهم أهل كرم ويحسنون استقبال التجار، لأن حياتهم لاتقوم إلا على ما يأتيهم به هؤلاء التجار كالقمح واللحم والملح والشحم والمنسوجات والأقمشة والأسلحة والسكاكين وكل مايحتاجونه على الاجمال (174). وهذا الغنى وهذه التجارة الرائجة لاتدل إلا على أن التجار الأباضية فيها قد عاد اليهم نشاطهم وحيويتهم بعد الدمار الذي تعرضت له مدينتهم على أيدي الفاطميين والزيريين ومن أتي بعدهم من أمم أو دول
وتشير المصادر أيضا الى نشاط جزيرة جربة الأباضية السكان منذ الآن القديم وحتى. فقد قال الحسن الوزان أنها كانت ذات تجارة مع الاسكندرية، وكان يأتي اليها التجار المصريون والأتراك
تونس ومع
والتونسيون (175). وكذلك مدينة غدامس التي تقع في الجنوب الغربي من مدينة طرابلس على بعد خمسمائة كيلو متر، والتي دخلها المذهب الأباضي في بداية القرن الثاني للهجرة، فقد كانت هذه المدينة من أقوى مراكز الحضارة والتجارة حيث كان أكثر سكانها مهرة في التجارة والمتاجرة مع طرابلس وتونس والسودان ومصر، وكانوا يتكلمون العربية والبربرية، وبعضهم يعرف السودانية بسبب كثرة
(174) وصف افريقيا، جـ 2 ص 136.
(175) المصدر السابق، جـ 2 ص 94، 95. (1/191)
صفحة 192
-
192
-
أسفارهم الى بلاد السودان (176).
أما مدينة زويلة (177) الأباضية السكان، فانها كانت تربط شمال أفريقيا ببلاد الكانم والبرنو في حوض بحيرة تشاد. وكانت هذه المدينة موئلا لسائر التجار من جميع الآفاق. فقد كان تجار خراسان والبصرة والكوفة وغيرها يأتون اليها، ومنها يرحلون الى البلاد المحيطة القريبة والبعيدة مثل الكانم والبرنو حول بحيرة تشاد، وكوكو على نهر النيجر وغيرها (178).
وبجانب أهل المدن أو سكان المدن الذين برزوا في النشاط التجاري، فقد برز أيضا في هذا النشاط كثير من القبائل، ومن أشهر هذه القبائل قبيلة هوارة. فقد كان أهلها من أغنى التجار، وكانت قوافلهم من الجمال تدخل بلاد السودان محملة بقناطير الأموال من النحاس الأحمر والجلود والثياب الصوفية والعمائم والمآزر وأنواع الزجاج والأصداف والأحجار والأفاويه والعطر والآلات المصنوعة من
الحديد. وكان التاجر الواحد من تجار هذه القبيلة يرسل عبيده ورجاله جماله التي كان لايقل عددها عن الثمانين جملا كلها محملة بأنواع السلع المختلفة، مما حدا بسليمان الباروني لأن يقول بأنه لم يكن هناك من هو أغنى من أهل هذه القبيلة في القرن الخامس للهجرة/ الحادي عشر للميلاد، لدرجة أنهم وضعوا على أبواب دورهم أو خيامهم
(176) الظاهر أحمد الزاوي: ص 87، 88:
(177) تقع زويلة في الجنوب الشرقي من مدينة مرزوق بنحو 150 كم، وتبعد عن مدينة طرابلس الى الجنوب الشرقي منها بنحو 770 كم، ويعبر عنها المؤرخون بزويلة السودان، تمييزا لها عن زويلة افريقية التي بناها عبيد الله المهدي أول خلفاء الفاطميين قرب مدينة تونس. انظر: الظاهر أحمد الزاوي: ص 35
(178) اليعقوبي: صفة المغرب، ص 6، ابن رسته: ص 345، البكري: المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، ص 10 (1/192)
صفحة 193
193 -
علامات تدل على ثرائهم ومقادير أموالهم (179)
وكما هو ملاحظ فان نشاط التجار الأباضية، سواء كانوا من أهل المدن أو من قبائل الصحراء، قد استمر بعد انتهاء عصر الدولة الرستمية في عام 296 هـ / 908 م الى نهاية العصر العباسي، بل الى نهاية العصور الوسطى. ذلك أن الأباضية في معاقلهم الأخيرة التي أشرنا الى بعضها مثل ورجلان ووادي ميزاب وجرية ونفوسة، كانوا حريصين كل الحرص على ممارسة هذا النشاط، وبرعوا فيه كل البراعة، حتى إن الاقتصاد في كل من الجزائر وتونس، كان يعتمد الى عهد قريب اعتمادا أساسيا على مواهب الأباضية في التجارة، ولم تخل مدينة أو قرية في الجزائر وتونس على مدى قرون طويلة من الأيدي البارعة للتجار الأباضية (180).
وقد حمل هؤلاء التجار متاجرهم الى بلاد السودان الغربي (181)، كما رحلوا الى مصر، ولم تنقطع رحلاتهم الى مصر حتى عصر الحسن الوزان في بداية القرن السادس عشر للميلاد حيث أشار هذا الرحالة الى وجود عدد كبير من الصناع والتجار البربر في حي جامع ابن طولون بالقاهرة (182). ونظرا لحرص هؤلاء التجار على جمع المال، فقد كانوا يذهبون الى جميع الأقطار للاتجار، فنراهم وكما يقول الحسن الوزان دائما وفي كل وقت في مصر والحبشة والجزيرة العربية وبلاد فارس والهند وتركيا (183). وكان الناس في هذه البلدان
(179) الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية، جـ 2 ص 241 (180) على يحيى معمر: الأباضية بين الفرق الاسلامية، مسقط، وزارة التراث، سنة 1986 م،
ج 2
ص
252
(181) ابن بطوطة: تحفة النظار، تحقيق د. على المنتصر الكتالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة، سنة 1985 م، ج 2 ص 693
(182) الحسن الوزان: ج 2 ص 208 (183) المصدر السابق، ج 1 ص 86. (1/193)
صفحة 194
1940
-
يحسنون استقبالهم، لأنهم كانوا خبراء ماهرين في المهن التي يعملون بها، كما أنهم كانوا يتشبثون بالقيم الأخلاقية الرفيعة، من حشمة ووقار وأمانة في الحديث والمعاملة، وعدم الجهر بالسوء من القول، واحترام للوعود والعمل بكل ما في وسعهم لخدمة إخوانهم، بجانب ماكانوا يتمتعون به من طيبة وصراحة وإخلاص (184) وكرم شديد، حتى أن الواحد منهم في القرن الخامس للهجرة كان ينادي بأعلى صوته في المسجد بعد انتهاء صلاة العشاء هل من غريب، هل من ضعيف، هل بات أحد دون عشاء، وينتظر حتى ينصرف الناس فيطوف على زوايا المسجد بعكازه يفتش عن أبناء السبيل والوافدين الغرباء (185). وهكذا ترى أن العلاقات بين أباضية عمان والبصرة وأباضية مصر والمغرب كانت مزدهرت ومتألقة في جوانبها المختلفة: السياسية والمذهبية والثقافية والعلمية والتجارية، وذلك منذ أن ظهر المذهب في مصر وانتشر بين كثير من أهلها، وظهر في بلاد المغرب وقامت له فيها دولتان، الأولى هي دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري في طرابلس والقيروان (140 - 144 هـ / 757 - 761 م)، والثانية هي الدولة الرستمية (160 296 هـ / 776 – (908 م التي أقامها عبد الرحمن بن رستم الفارسي، والتي شمل حكمها معظم بلدان المغربين الأدنى والأوسط
•
ورغم القضاء على هاتين الدولتين، الا أن الوجود الأباضي وكما رأينا استمر قائما في مصر وبلاد المغرب بدرجات وأشكال مختلفة، ونتيجة لذلك استمرت العلاقات الثقافية والمذهبية والتجارية تسير في مجراها الطبيعي، وتربط بين أباضية هذه البلاد وأباضية عمان
(184) المصدر السابق، جہ ص 86، 87.
(185) الدرجيني: ج 2 ص 404. (1/194)
صفحة 195
-
190 -
-
والبصرة، طوال عصور التاريخ الاسلامي وطوال العصور الوسطى وقد تمخضت هذه العلاقات سواء كانت قائمة أثناء وجود دولتي المغرب الأباضيتين أم بعد انتهاء عصر هاتين الدولتين عن نتائج في غاية الأهمية، فياترى ماهي هذه النتائج؟.
-
{
-
نتائج العلاقات بين أباضية مصر والمغرب وأباضية
عمان والبصرة:
تدعيم الدولة الأباضية في بلاد المغرب وعمان:
- ترتب على قيام علاقات وطيدة بين أباضية مصر والمغرب وأباضية عمان والبصرة نتائج هامة، من هذه النتائج تدعيم الدولة الرستمية الأباضية في المجالات السياسية والمذهبية والمادية والثقافية. ونتج عن ذلك أن سيطرت هذه الدولة على معظم بلدان المغربين الأدنى والأوسط، كما صارت قوة يخشى بأسها، ولم تتمكن الخلافة العباسية وهي في أوج قوتها وعظمتها وفي عصرها الذهبي أن تعصف بهذه الدولة الوليدة، وانتهى العصر الذهبي لبني العباس وسيطر الترك عليهم، ولم يتمكن هؤلاء أو أولئك من النيل من هذه الدولة التي لم تترك لبني العباس الا نفوذا على النصف الشمالي من ولاية افريقية (تونس)، حيث قنع العباسيون والأغالبة الذين أصبحوا حكاما على هذا الجزء هذه الولاية بعلاقات السلام والمصالحة (186).
من
أما الأمويون في بلاد الأندلس فقد دفعهم عداؤهم لبني العباس الى مد يد العون والتأييد للرستميين لأنهم اعتبروا مجرد قيام دولتهم في (186) محمد الطالبي: الدولة الأغلبية، التاريخ السياسي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1985 م، ص 385، شاکر مصطفي: جـ 1 ص 698، جودت عبد الكريم يوسف: ص 80 (1/195)
صفحة 196
199.
- ـ
وكذلك
تاهرت ماهو الا شوكة في حلق الخلافة العباسية (187) الأدارسة الذين حكموا بلاد المغرب الأقصى فانهم رغم نسبهم الشريف، ورغم حب البربر لهم والتفافهم حولهم، إلا أنهم لم يتمكنوا من النيل من هذه الدولة الوليدة، نظرا لما توافر لديها من قوة حربية واقتصادية، ولما اشتهر به حكامها من عدالة وحسن جوار، ولما كانت توفره للأدارسة أنفسهم من حماية ضد بني العباس وعمالهم في افريقية، فقامت بينهما علاقات السلام والتعاون (188)
من
عمان
كما نتج عن العلاقات التي قامت بين أباضية مصر والمغرب وأباضية عمان والبصرة أن انتشر المذهب الأباضي في كثير من أنحاء بلاد المغرب والصحراء والسودان، وذلك نتيجة لقدوم العلماء الأباضية والبصرة الى هذه البلدان، ونتيجة لسيل الكتب الأباضية الذي انهمر عليها من البصرة وعمان، ونتيجة للتواصل الفكري واللقاء في موسم الحج في بلاد الحجاز، وغير ذلك من العوامل التي دعمت المذهب وساعدت على نشره في هذه البلاد، حتى احتفظ بوجوده فيها حتى عصرنا الحالي في بعض بقاع الجزائر وتونس وليبيا، رغم ماتعرض هذا المذهب وأتباعه من اضطهاد شديد عقب القضاء على الدولة الرستمية في عام 296 هـ 908 م على يد الفاطميين وأتباعهم من الزيريين الصنهاجيين ومن خلفهم من ممالك ودول (189).
له
وفي هذا الصدد يخبرنا الاصطخري الذي توفي قبل عام 350 هـ أي بعد القضاء على الدولة الرستمية بأكثر من نصف قرن، بأن الأباضية الغالبون على تاهرت (190). وقد بلغ استقطاب المذهب للناس في ذلك الوقت أن مال اليه بعض حكام بني زيري الذي خلفهم الفاطميون على تونس وبلاد المغرب بعد رحيلهم الى مصر في عام
هم
(187) صالح باجية: الأباضية بالجريد، ص 101
(188) محمد عيسى الحريري: ص 203، جودت عبد الكريم يوسف: ص 182، 191 – 192 (190) مسالك الممالك، ص 39.
(189) انظر، ص 113 -
-
116 (1/196)
صفحة 197
-
197
-
66
362 هـ / 1972 م. فقد تواترت الاشارات بأن المنصور يوسف بلقين ابن زيري الذي خلفه المعز على هذه البلاد، أكرم علماء الأباضية وعطف عليهم، حتى إنه قال لأحدهم ذات مرة، إن "رمحه وهبي وأن فرسه وهبي (191)، وذلك نسبة للامام عبد الوهاب ثاني أئمة الدولة الرستمية، حيث اتصف بهذا الاسم أباضية المغرب تمييزا لهم عن بعض زملائهم الذين انشقوا عليهم وعرفوا باسم النكار كما سبق القول
•
وقد ظل انتشار المذهب مستمرا حتى فترة متأخرة. فقد وردت بعض الأخبار بأن يوسف بن تاشفين سلطان المغرب والأندلس في النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة قد اعتنق المذهب الأباضي فيما يحكيه لنا محمد يوسف أطفيش في خبر نقله ابن حيان العلامة عن الأندلسي الغرناطي المشهور (192)، وان كان هذا الأمر مستبعدا نظرا لأن دولة ابن تاشفين قامت أساسا على دعوة دينية قام بها أحد علماء المالكية، وهو الشيخ عبد الله بن ياسين
•
وفي مجال القوة الاقتصادية والمادية، فقد نتج عن العلاقات التجارية التي قامت بين أباضية المشرق وأباضية المغرب أن صارت تاهرت حرزا وحصنا لجماعة أهل الدعوة وسميت المعسكر المبارك،، وماذاك الا لما توافر فيها من الأموال وماظهر فيها من رخاء الحال وانتعاش الاقتصاد (193)، حتى سميت بأنها بلخ المغرب (194) أو بغداد المغرب (195)، أو عراق المغرب (196). ومعروف أن بلخ أجل مدن خراسان وأشهرها وأكثرها خيرا وأوسعها ثراء
كانت
من
(191) أبو زكريا: ص 238.
(192) رسالة ان لم تعرف الأباضية، ص 32، 46، 47.
(193) الدرجيني جـ 1 ص 46، الاصطخري: ص 39
(194) المقدسي: ص 228
(196) سليمان الباروني: ج 2 ص 49
(195) القلقشندي (1/197)
صفحة 198
-
198
وازدهارا وانتاجا، اذ كانت غلتها أو منتجاتها تحمل الى جميع مدن خراسان و خوارزم (197)، ومعروف أيضا أن بغداد والعراق بصفة عامة كانت من أغنى بلدان دولة الاسلام وأكثرها ثراء وعمرانا وسكانا
وحضارة، اذ أنها كانت قاعدة الدولة وحجر الزاوية فيها.
•
وكذلك كانت حال تاهرت فقد وصفها المقدسي بأنها قد أحدقت بها الأنهار والتقت بها الأشجار وغابت في البساتين ونبعت
حولها العيون وجل بها الأقاليم وانتعش فيها الغريب واستطابها اللبيب، (198)، كما وصفها بن الصغير المالكي في عصر أفلح بن عبد الوهاب بالازدهار وكثرة العمران حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة وأجروا الأنهر، فابتنى أبان وحمويه القصرين المعروفين لهما بأملاق، وابتنى عبد الواحد قصره الذي يعرف به اليوم وغيره، مما يطول ذكره. ولقد حدثني - والكلام مازال لابن الصغير – بعض من أثق به أن أبان وحمويه خرجا يوما الى قصورهما متنزهين ومعهما جماعة من إخوانهما، فذكر بعضهم أنه قال لما أشرفنا على القصرين سبق بنا بعض عبيدهما، فأعلموا سكان القصرين بقدومهما، قال فتشوف من كان بالقصرين إليهما، فوالله مارأيت شرافة من القصرين إلا وعليها ثوب أحمر وأصفر على الجدران كالبدور، وانتشرت القبائل وعمرت العمائر وكثرت الأموال بأيديهم، وكانت العجم (أي الفرس قد ابتنت القصور، ونفوسة قد ابتنت العدوة، والجند القادمون من افريقية قد بنت المدينة العامرة اليوم، وأمنت الساحات وكثرت الأموال حتى أطغت أهل الحواجر والبوادي. ولقد حدثني غير واحد أنه كان للعجم مقدم يقال له ابن
(197) المرجع السابق، ج 2 ص
(198) أحسن التقاسيم، ص 228.
50 (1/198)
صفحة 199
- 199 0
وردة قد ابتنى سوقا يعرف به، فكان صاحب شرطة أفلح إذا تخلل بالمدينة لافتقادها لم يجسر أن يدخل سوق ابن وردة ولايتخلله هيبة
الخ، (199).
وقد وصفها القلقشندي بأنها كانت ذات أسواق عامرة ومزارع وضياع جمة، ويمر بها نهر يأتيها من جهة الغرب، ولها نهر آخر يجري من عيون تجتمع فيه حتى إن الماء يخترق دور أهلها، (200)، الى غير من الأوصاف التي جاءت عند كثير من المؤرخين والجغرافيين والرحالة المسلمين الذين تحدثوا عن مظاهر الثراء والازدهار الاقتصادي
ذلك
في تاهرت (201)
•
و لم تكن مدينة تاهرت تعيش وحدها هذا الازدهار، فقد عاشته أيضا بقية مدن الدولة، لأنها كانت كما أشرنا من قبل محطات للتجارة، وواحات خصبة بها البساتين والمياه والأرض الصالحة للزراعة، مما يدل على ازدهار اقتصادي كبير أشار اليه المؤرخون المعاصرون حتى مختلف البلدان وأقاموا فيها واتخذوها وطنا ومسكنا (202).
الناس من
قصدها
واذا كانت الدولة الأباضية في المغرب قد بلغت القمة في عهد الرستميين في هذه المجالات، فإنها أيضا تبوأت مكان الزعامة في المجال العلمي والثقافي بفضل علاقاتها في هذا المجال مع أباضية البصرة وعمان مما فصلنا فيه القول تفصيلا، حتى صارت تاهرت كعبة للدراسات الأباضية، ونشط على أرضها العلماء الأباضية والسنة والمعتزلة
(199) أخبار الأئمة الرستميين، ص 61 - 63
(200) صبح
الأعشي، ج.
111
من
(201) لمعرفة المزيد عن هذا الموضوع، انظر، سليمان الباروني في أزهاره الرياضية (جـ 2 ص 49 ـ 85 حيث جمع في هذا الكتاب معظم ماقيل عن تاهرت في المصادر التاريخية والجغرافية.
(202) ابن الصغير: ص 36، 61. (1/199)
صفحة 200
20
وغيرهم، وجرت بينهم المناظرات وكثرت اللقاءات، واشتغل كثير أهلها بالعلم حتى صار فيها عدد وافر من العلماء، يدل على ذلك من أنه مات في موقعة مانو التي نشبت بين النفوسيين والأغالبة في عام 283 هـ / 896 م أربعمائة عالم، كما قتل الأغالبة بعد مانو ثمانين عالما أباضيا في مدينة أباضية أخرى هي مدينة قنطرار (203)
وقد بلغ من كثرة العلماء بقرية تجديت التي تقع جنوب أريغ أن كانت المواشي تنفر إذا صلى علماؤها ورفعوا أصواتهم بتكبيرة الاحرام، ذلك أنه كان بها مائة عالم ومائتان آخرون يحفظون مائتي كتاب، وعدد كبير من الطلبة والفرسان (204) وذلك في زمن السيطرة السياسية لغير الأباضية في بلاد المغرب، مما يدل على حيوية هذا المذهب وعلى قوة صموده، فلم يقض عليه كما قضي على المذهب الشيعي في مصر مثلا، رغم تواجد هذا المذهب على أرضها مدة تزيد عن قرنين من الزمان، ورغم أنها كانت مقرا للخلافة الفاطمية الشيعية، ومركزا للدولة الفاطمية الواسعة التي ضمت مصر وبلاد الشام والحجاز واليمن طوال هذه الفترة، حتى قضي عليها صلاح الدين الأيوبي في عام 567 هـ / 1172 م.
وكما أفادت العلاقات التي أقامتها البصرة وعمان مع أباضية مصر وبلاد المغرب هذه البلاد الأخيرة على هذا النحو، فقد أفادت أيضا أباضية المشرق وخاصة أباضية عمان. ذلك أنها أمدت عمان بطاقة روحية كبيرة جعلتها تصمد أمام عتو الخلافة العباسية في أوج ازدهارها، اذ أحس أباضية عمان بأنهم لا يقفون في الميدان وحدهم ضد هذه الخلافة، وكان قيام الدولة الأباضية في بلاد المغرب في عام
(203) الدرجيني: ج 1 ص 89، 90، الشماخي: ج 1 ص 228، 229. (204) الشماخي: جـ 2 ص 139. (1/200)
صفحة 201
-
201
160 هـ / 776 م فرصة انتهزها العمانيون وأقاموا الامامة الأباضية الثانية في بلادهم بعد ذلك بسبعة عشر عاما (205)
ذلك أن قيام الدولة الأباضية الرستمية في بلاد المغرب لابد أنه أشغل الخلافة العباسية عما يقع من أحداث في أطراف بلاد العرب الجنوبية وفي عمان بالذات، خاصة وأن قيام الدولة الرستمية تبعه قيام دولة أخرى في بلاد المغرب في عام 172 هـ / 788 م عندما قامت فيها دولة الأدارسة في ذلك التاريخ. ولذلك لم يجد العباسيون مناصا من الاعتراف للأغالبة باستقلالهم الذاتي حتى يتقوا هذا النفوذ المتزايد
بهم
للقوى المناهضة لهم والمعارضة لسياستهم في بلاد المغرب (206).
أما في المشرق، فانهم لم يجرءوا على ارسال أية قوات لمناهضة الدولة الأباضية في عمان بعد أن تعرضت حملتهم التي كانوا قد أرسلوها في عهد هارون الرشيد في عام 189 هـ 814 م للهزيمة المنكرة. وبذلك ازدهرت الدولة الأباضية في عمان لأكثر من قرن من الزمان، و لم يقض عليها إلا عوامل التنافس والتفكك الداخلي الذي هيأ الفرصة لعامل العباسيين في البحرين محمد بن نور من القضاء عليها الى
حين (207)
(205) الازكوي: تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق عبد المجيد القيسي، وزارة التراث، سنة 1980 م، ص 45.
(206) انظر، ص 104 ..
(207) الطبري: ج 8 ص 317، 10 ص 33، المسعودي: ج 4 ص 275، الاصطخري: ص 26، ما يلز: ص 90 - 96، جمال زكريا قاسم: استقرار العرب في ساحل شرقي افريقيا، حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، عدد 10، سنة 1967 م، ص 286 ـ 287 (1/201)
صفحة 202
-
202
-
تحقيق الوحدة الفكرية بين أباضية عمان والبصرة وأباضية
مصر والمغرب:
كانت
وقد نتج عن العلاقات بين مصر والمغرب وأباضية عمان أباضية والبصرة أمر آخر، وهو تحقيق الوحدة الفكرية والمذهبية بينهما. فقد كان لهما موقف موحد ازاء المسائل الفكرية والمذهبية والسياسية التي عرضت لهما، وبرز ذلك واضحا من خلال الاتصالات التي تتم عن طريق إرسال الرسل، ومن خلال اللقاءات التي كانت بالزيارات المتبادلة أو باللقاء في موسم الحج في مكة المكرمة مما أشرنا اليه أثناء حديثنا عن العلاقات السياسية والثقافية
عن
وقد أشار الشماخي الى هذه الوحدة الفكرية والمذهبية عندما تحدث عن التقاء العالم النفوسي نصر بن سجميمان بأئمة عمان وعلمائها في مكة أثناء موسم الحج، وسألهم السخط والرضا، فقالوا: فعلان، فسألهم عن خلق القرآن، فقالوا انه غير مخلوق (208)، وإن كانوا فى الحقيقة يعتقدون بخلق الله سبحانه وتعالى له، ولكنهم قالوا ماقالوا، أو توقفوا عن إبداء رأيهم في هذه المسألة أو حتى عارضوها، حتى لا تتخذ الدولة العباسية وكانت وقتها تعذب القائلين بعدم خلق القرآن وتعتدى على حياتهم ـ من قول الأباضية بالخلق للقرآن سندا جديدا أو زريعة تبرر به صنيعها ضد هذه الطائفة التي اختارت أن تقف من الدولة موقف المعارضة، ومن ثم يؤدى هذا الأمر إلى ظلم أكثر وإلى اضطهاد أعنف لهذا النفر من المسلمين الواقعين تحت سلطان الدولة وهيلمانها (209)
(208) السير، ج 2 ص 137.
(209) أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ، ص 106 – 108.
-
- (1/202)
صفحة 203
-
-
-
من
ذلك
وهذا الموقف لأباضية المشرق لا يبدو متناقضا مع موقف أباضية المغرب إلا في الظاهر فقط، وفى فترة معينة، ولم يكن إلا لما ذكر من أسباب. أما فى الواقع، فإنهم لا يخالفونهم، وإنما يسيرون معهم فى نفس الاتجاه القائل بخلق القرآن، مما جعل الشماخي يتخذ دليلا على أن الوهبية – أي جمهور الأباضية من غير الخارجين عليهم من النكار وغيرهم - مغربا ومشرقا مجمعون على أن السخط والرضا فعلان، الا خالف اجماعهم، وعلى أن القرآن مخلوق الا من خالف من اجماعهم، أيضا فبعض أهل عمان خالف في خلق القرآن دون أهل العراق ومصر ودون أهل مكة والمغرب وسائر الأباضية، وبعض أهل المغرب خالف في السخط والرضا (210)
-
والشماخي هنا يوضح لنا أن أباضية المشرق والمغرب كانوا مجمعين على رأي واحد فيما يختص بهاتين المسألتين الا بعض أهل عمان وبعض أهل المغرب. وهذا شيء طبيعي وأمر ملحوظ في كل المذاهب والفرق، ولا ينتقص خروج البعض على هذا الاجماع من الوحدة العقائدية والفكرية والمذهبية التي جمعت أباضية المشرق والمغرب في
صعيد واحد
ومما يدل على هذه الوحدة الفكرية والمذهبية وعلى سيادتها عند جمهور أباضية المشرق والمغرب، عدم رضا جمهور أباضية مصر ومشايخها بما فعله شعيب بن المعروف وجماعته من الخروج على ما اتفق عليه الأباضية في بعض النواحي الفقهية الخاصة بالمذهب وخالفهم فيها محمد، وعبد شعيب وأبو المؤرج عمر بن الله بن عبد العزيز. وقد وفد أبو المؤرج الى عمان وحاججه الأباضية فيها في المسائل التي خالف فيها جمهورهم، فاقتنع ورجع الى قول المسلمين وقبل الحق»» وكذلك الحال بالنسبة لشعيب ومن قال بآرائه، فقد عدل عن (210) المصدر السابق، ج 2 ص 137.
هذه (1/203)
صفحة 204
ـ 204 ـ
-
الآراء، ولكنه عاد اليها فيما بعد وخاصة بعد أن فشلت خطته ولم تتحقق أطماعه في الوصول الى السلطة في تاهرت بمساعدة ابن فندين وطبيعي أن ابن فندين وجماعته يمثلون ما يعرف بفرقة النكار التي افترقت عن جمهور الأباضية في بلاد المغرب، ولكنها هي ومثيلاتها التي حكي عنها ابن الصغير وأبو زكريا (211) وغيرهما من مؤرخي الأباضية في هذه البلدان، مثل الخلفية والنفاثية، فرق صغيرة لم تنل من الوحدة المذهبية التي ظللت أباضية المغرب والمشرق الى حد كبير، بدليل أن هذه الفرق درست وانتهت ولم يبق إلا فرقة واحدة هي الفرقة المجمع عليها منذ القرن الثاني للهجرة والتي تعرف عادة بالوهبية والتي تمثل الأباضية وغالبيتهم والتي يعترف بها الأباضية ويقرونها حتى
جمهور
اليوم.
انتشار الاسلام بين البربر والسودان:
ومن أهم النتائج التي تمخضت عنها العلاقات بين أباضية المشرق والمغرب، انتشار الاسلام بين كثير من البربر وخاصة في الصحراء الكبرى وبين السودانيين والزنج جنوب هذه الصحراء. اذ أنه مما لاشك فيه أن دعاة المذهب الأباضي القادمين من الشرق قد ساهموا مساهمة جليلة في بث الاسلام بين البربر والسودان وترسيخ. فعندما أظهر البربر روح التمرد ضد عمال بني أمية، أقنع دعاة الأباضية هؤلاء البربر أن ما ينالهم من ظلم ليس من وحي الاسلام. وانما هو من عمل الولاة الذين لا يطبقون مبادئ الاسلام في المساواة
بينهم
أقدامه فيما
(211) ابن غانم الخراساني: المدونة الصغرى، جـ 1 ص 7، أخبار الأئمة الرستميين، ص 50 52 لابن الصغير، كتاب السير المعروف بتاريخ أبي زكريا، ص 88
-
101
،
-
-114
204 -
203، 193 – 191، 147 - 138، 123 (1/204)
صفحة 205
-
-
والعدالة والأخوة الاسلامية، ولذلك لم يخلط البربر بين الدين وبين عمل هؤلاء الولاة الذين اعتبروهم ظلمة، فثاروا عليهم فيما أشرنا من قبل في ثورات عارمة، ولم تكن ثوراتهم ضد الاسلام كدين، وانما كانت ضد الظلم وعدم والمساواة، ولذلك انطلقت هذه الثورات باسم الاسلام وانضوت تحت لوائه ولم تتخل عنه (212).
وبعد أن استقر الأمر للاباضية في بلاد المغرب الأدنى والأوسط، وقامت لهم دولة هناك، انطلق دعاتهم يبثون الاسلام بين بربر الصحراء، وانطلق تجارهم وكانوا من علماء الأباضية الى واحات هذه الصحراء ومنها إلى بلاد السودان، يتاجرون وينشرون الاسلام بين الوثنيين الذين كانوا كثرة في هذه البلاد، أو كانوا غالبية أهلها، ساعدهم في هذا العمل العظيم أن اخوانهم من علماء المذهب ومن التجار أقبلوا من البصرة وعمان والكوفة والفسطاط وغيرها من بلدان المشرق بتجاراتهم الى بلدان المغرب، مدركين أن تجاراتهم هذه لابد أن تجد الرواج السريع، لأنهم كانوا يعلمون أن هناك مذهبا أباضيا الذين أرسلوا الدعاة لنشره وأن هناك دولة أباضية قامت، وهم قد شاركوا في قيامها ودعمها ماديا وأدبيا وسياسيا وعلميا كما رأينا، وأن هذه الدولة تعمل بكل ما في وسعها من جهد لتوفير الأمن والأمان، لقوافل التجارة، وأن معظم الطرق التجارية التي تربط شمال افريقيا ببلاد السودان الغربي والأوسط تقع في قبضة الأباضية (213)،
هم
(212) فرحات الجعبيري: نظام العزابة، ص 7. (213) كان الطريق الذي يربط ليبيا بحوض بحيرة تشاد والذي يبدأ من طرابلس ويمر بفزان وزويلة، يسيطر عليه أباضية جبل نفوسة وأباضية فزان (انظر)، جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، ص (272. والطريق الذي يربط تاهرت وبلاد الجزائر بأواسط نهر النيجر والذي يمر بورجلان وتادمكت ثم يصل الى كوكو على نهر النيجر، يسيطر عليه أباضية هذه البلدان الثلاث: تاهرت وورجلان وتادمكت. أما الطريق الذي يربط المغرب الأقصى بأعالي نهر النيجر ونهر السنغال فقد كان يسيطر عليه صفرية سجلماسة وكان بهذه = (1/205)
صفحة 206
- 206 -
وأن أكثر التجار الذين يرتادون هذه الطرق هم من اخوانهم ممن يعتنقون المذهب الأباضي (214)، سواء كان هؤلاء التجار من تاهرت ورجلان أو وادي ميزاب أو طرابلس وجبل نفوسة، وهي معاقل الأباضية الأولى، أو الأباضية الوافدين من بلاد المشرق والذين من وصلوا في رحلاتهم الى بلاد سجلماسة وبلاد السودان
•
وقد ازداد تواجد الأباضية في الصحراء الكبرى وفي بلاد السودان بعد القضاء على الدولة الرستمية في عام 296 هـ / 908 م على يد ذلك الفاطميين وماتبع من اضطهاد لهم على يد القوى السياسية الجديدة حكمت شمال أفريقيا، فهاجروا جنوبا وازدادت هجرتهم ناحية
التي الجنوب بعد هجرة قبائل بني هلال وبني سليم العربية الى تونس وشمال افريقيا بصورة عامة منذ عام 443 هـ / 1052 م. فقد أرغمت هذه
المدينة كثير من الأباضية الذين كانوا يبعثون زكاة أموالهم الى أئمة تاهرت أي أنهم كانوا يدينون لهم بالطاعة والولاء. انظر)، ابن الصغير: ص (97). والطريق الرابع الذي كان يربط تونس ببلاد الهوسا في شمالي نيجيريا الحالية، فهو الطريق الوحيد الذي كان يسيطر الأغالبة على بدايته، ولكنه بعد أن يخرج من تونس كان يقع في أرض يسيطر عليها الأباضية، لأنه يمر بغدامس أو ورجلان، وكلاهما كانا ضمن الدولة الرستمية. (انظر خريطة رقم 2). (214) هؤلاء التجار العلماء كثيرون، منهم أبو نوح الصغير، وأبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي الذي كان ذا ثراء كبير، وحج وعاد وسافر الى تادمكت للتجارة انظر، الدرجيني: جـ 2 ص 367)، وأبو صالح جنون الذي كان يرحل الى ورجلان لبيع الابل ومنها الى تادمكت (الدرجيني: جـ 2 ص 374. 375)، وأبو يحيى بن أبي القاسم يونس الفرسطائي الذي قتل في موقعة مانو عام 283 هـ (896 م، وكان فقيها وتاجرا أباضيا كبيرا دعا الى الاسلام في احدى بلاد السودان وأسلم ملكها على يديه، وله مسجد في فرسطاء (فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، ص 451 هامش 14، جودت عبد الكريم: ص 283)، وهارون بن أبي عمران بن سدرين الذي سافر الى غانة ووصل الى مدينة أغيارو من بلاد غانة وأقام بها حتى توفي هناك (الشماخي: جـ 2 ص (127، والشيخ أبو طاهر اسماعيل بن علي النفزاوي الذي سافر إلى غانة وجاور بمكة الشماخي: جـ 2 ص (135 – (136)، وعمران بن الشيخ أبي عبدالله محمد رستم الذي سافر الى غانة الشماخي: جـ 2 ص (161. وقد تواصل قدوم التجار الأباضية منذ قيام الدولة الرستمية وبعد انقضاء عهدها، وتوغلوا في بلاد السودان بل ان منهم من وصل في رحلاته الى أواسط افريقيا قرب خط الاستواء، حيث اكتشف هناك تساوي الليل والنهار قبل اكتشاف الأوربيين لهذه المناطق بقرون عديدة.
-
انظر، الشماخي: ج 2 ص 8، على يحيى معمر: الأباضية في الجزائر، ص 238، فرحات الجعبيري نظام العزاية: هامش 83 ص 119، 120. (1/206)
صفحة 207
- Y• V-
-
القبائل العربية المهاجرة - وكانت سنية المذهب ـ قبائل ببرية أباضية كثيرة مثل هوارة ولواتة ونفزاوة وغيرها من قبائل ليبيا وبلاد الجريد في تونس والجزائر على مغادرة بلادهم، فاتجوا جنوبا ليسكنوا القفار المجاورة لبلاد السودان، ومنها وصلوا الى منطقة السنغال والنيجر وإلى بلاد الكانم والبرنو في حوض بحيرة تشاد (215)
معهم
من
وفي القرن الثامن للهجرة / الرابع عشر للميلاد، يشير ابن بطوطة الى وجود البيضان بكثرة في بلاد .. السودان. والمقصود بهؤلاء البيضان هم التجار من البربر والمصريين وغيرهم من التجار من غير السودان، ويقول في اشارة واضحة بأن أهل قرية زاغري في بلاد مالي يسكن جماعة البيضان يذهبون مذهب الأباضية من الخوارج ويسمون صغنغو، والسنيون المالكيون من البيض ويسمون عندهم توري (216). وقد سبقت الاشارة الى وجود الأباضية في مدينة زويلة التي تقع في أول بلاد السودان الأوسط في شمال الكانم والبرنو وكان أهل هذه المدينة يدينون بهذا المذهب لعصور طويلة بعد سقطت الدولة الرستمية الأباضية
،،
أن
اشارات كثيرة تدل على تواجد علماء وتجار الأباضية في بلاد السودان منذ أن ظهر المذهب الأباضي في مصر وبلاد المغرب وحتى نهاية العصور الوسطى. وكان هؤلاء التجار وكما قلنا من أباضية المغرب والمشرق. وقد تكاتف الفريقان على القيام بأعظم الأعمال والأفعال وأشدها قربى الى الله سبحانه وتعالى، فبذلوا غاية جهدهم في نشر الاسلام والثقافة الاسلامية بين البربر والسودان، خصوصا وأن هؤلاء التجار اشتهروا بالصدق والأمانة ان أمانات الناس كانت لاتجد (215) الحسن الوزان: ج 1 ص 62، حسن محمود: ص 61، أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعة، سنة 1983 م، جـ 6 ص 168، 199، أندريه ميكيل: الاسلام وحضارته، المكتبة العصرية، بيروت، سنة 1981 م، ص 268، حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص 107. (216) رحلة ابن بطوطة، ج 2 ص 693
حتى
• (1/207)
صفحة 208
- 208 -
مكانا آمنا الا عندهم، كما اشتهروا أيضا بالقناعة والبعد عن الجشع والطمع وأكل أموال الناس بالباطل، لأن ذلك يعد كبيرة من الكبائر
التي تخلد صاحبها في النار كما ينص عليه مذهبهم (217)، كما اشتهروا أيضا بالكرم الشديد هم وسائر البربر (218)
وقد لفتت هذه الأخلاق الحميدة أنظار الوثنيين من السودان والبربر الى هؤلاء التجار فتأثروا بهم وبعقائدهم، ودخلوا في الاسلام طواعية واختيارا قبل ظهور دولة المرابطين التي يعزى اليها البعض فضل ادخال هؤلاء البربر والسودان في الاسلام (219). وعلى ذلك فقد كان نشر الاسلام والثقافة الاسلامية بين كثير من الوثنيين من بربر الصحراء وبين كثير من أهالي بلاد السودان الغربي والأوسط هو في الحقيقة من عمل التجار والعلماء والدعاة الأباضية، سواء كان ذلك العمل في عهد الدولة الرستمية (160 – 296 هـ / 776 – أم بعد سقوط هذه الدولة.
-
908 م)
ففي عهدها، كان هؤلاء الدعاة والتجار والعلماء يقومون بواجبهم في نشر الاسلام مؤيدين بسلطة هذه الدولة التي عملت كما رأينا على حراسة الطرق والقوافل وشجعت نشر الاسلام في الصحراء و ماوراءها. وبعد سقوطها، تحرر هؤلاء العلماء من مهام الملك والادارة التي كانت تستنزف الجهد والوقت وتحملهم على الانغماس في الحياة المادية طوعا أو كرها، واتجهوا الى نشر تعاليم الاسلام بين الجماهير الساذجة وحملهم عليها قولا وعملا، وخرجوا بتلاميذهم في قوافل ومعهم مدارسهم المتنقلة، وكانت المدرسة الواحدة عبارة عن حمولة اثنى عشر جملا من الحصر ينصبونها كلما نزلوا مكانا فسيحا
(217) جودت عبد الكريـ: ص 283.
(218) الحسن الوزان: ج 1 ص 60
(219) محمود اسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، مكتبة الحرية
الحديثة، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1986 م، ص 399. (1/208)
صفحة 209
- 209 -
--
آهلا بالسكان، ثم يأخذون بعد ذلك في تعليم هؤلاء الناس ونشر الاسلام فيما بينهم (220)
وقد كثر تنقل هؤلاء العلماء المعلمين من الأباضية بين مختلف مدن المغرب وواحات الصحراء الكبرى وماوراء هذه الصحراء، حتى إن شيخا منهم هو أبو يحيى زكريا اليراسني رحل الى سجلماسة ومنها الى ورجلان، ثم اتجه منها الى جزيرة جربة في جماعة من أصحابه يبلغ عددهم خمسة وعشرين أو عشرين راكبا، وذلك في النصف الثاني من القرن السادس للهجرة (221). ذلك أن علماء الأباضية كانوا أشد اهتماما من غيرهم بالقضاء على البداوة بين بربر الصحراء، وذلك بتعليمهم وتهذيهم ونشر الاسلام الصحيح بينهم. وعندما كانوا لا يستطيعون اقناع حي أو قبيلة بترك البداوة، كانوا يلجئون الى ادخال أنواع من وسائل التحضر اليهم تحقق ما يهدفون، فكانوا ينشئون لهم مايسمى اليوم باسم المدارس المتنقلة التي أشرنا اليها لتعليم أبنائهم وكانوا يتعهدونهم بالزيارة والوعظ والارشاد والتثقيف مرة بعد مرة (222)، مما أدى الى انتشار الاسلام الصحيح بينهم الى حد كبير
أما أهالي بلاد السودان فقد انتشر الاسلام بينهم رعية وملوكا، وذلك عن طريق التجار والعلماء من الأباضية وغير الأباضية. ذلك أن قوافل التجار القادمة من مراكز الأباضية وخاصة تاهرت وورجلان وواحة الأغواط وغيرها أنشأت في الصحراء الافريقية كلها شبكة من المراكز التجارية النشطة، كان معظم أهلها يدينون غالبا بالمذهب الأباضي وفي كل مركز من هذه المراكز التجارية كان الأباضية ينشئون زاوية كانت تستعمل مسجدا ومركزا لتلقي التجار ومكانا للمبيت والاقامة. وفي صحن هذه الزاوية كان التجار يقضون الليل ويقومون
(220) الدرجيني: مقدمة، ج 1 ص ج.
(221) المصدر السابق، ج 2 ص 502
(222) علي يحيى معمر: الأباضية بين الفرق الاسلامية، ص 252. (1/209)
صفحة 210
-
-
بمعاملاتهم التجارية. وكان لكل زاوية شيخ هو في نفس الوقت رئيس للجماعة الأباضية والمكلف بتنفيذ أحكام الشريعة، وعادة كانت
الجماعات الأباضية تنشأ زاوية أخرى في قرى أو واحات جديدة وهكذا شيئا فشيئا نشأت شبكة الزوايا الأباضية التي كان لها أكبر الأثر في نشر الاسلام في الصحراء الافريقية المدارية أي بلاد تشاد والنيجر ومالي وفولتا وكذلك في السودان النيلي في مناطق كردفان وواداي ثم في منطقة بحيرة تشاد نفسها التي قامت فيها دول اسلامية أهمها دولة الكانم والبرنو. ولذلك تخبرنا المصادر والمراجع بأن أحد ملوك زغاوة التي تقع شمالي الكانم وبحيرة تشاد، قد أسلم على يد أحد مشايخ نفوسة الأباضية (223). فقد أرسل قاضي جبل نفوسة الأباضي عمروس بن فتح الذي كان من أعلم أهل زمانه في النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة، عالما أباضيا كبيرا الى هذه البلاد حيث استقر هناك وطاب
له المقام، فأسلم كثير من الزغاويين على يديه (224).
وعلى ذلك فقد وصلت الدعوة الاسلامية عن طريق تجار الدولة الرستمية وعلمائها وتجار عمان والبصرة الى هذه البلاد النائية، وذلك على خلاف ما هو شائع من أن زغاوة ظلت على الشرك حتى قيام دولة المرابطين في منتصف القرن الخامس للهجرة. والواقع أن التجار والدعاة النفوسيين وغيرهم من رعايا الدولة الرستمية مؤيدين بجهود اخوانهم من أباضية المشرق هم الذين وضعوا البذرة الأولى لحركة انتشار الاسلام في تلك النواحي (225)، مما يتعارض تماما مع قول أحد الباحثين من أن هدف الرستميين وتجارهم كان هدفا تجاريا، وأنهم
(223) حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص 106، محمود اسماعيل: ص 99. (224) الدرجيني: جـ 2 ص 321، محمود اسماعيل: ص 229.
(225) محمود اسماعيل: ص 299 (1/210)
صفحة 211
211
-
صحيح
لم يشغلوا أنفسهم بنشر المذهب في بلاد السودان (226) أنهم لم يشغلوا أنفسهم بنشر المذهب، ولكنهم شغلوا أنفسهم بجانب التجارة بنشر الاسلام، وهذا ما تؤيده كل الحقائق التاريخية. ذلك أن التجار كانوا دعاة اسلام في كل مكان وصلوا اليه سواء بطريق مباشر
•
أو غير مباشر وقد أشار الشماخي الى أن أحد ملوك بلاد السودان ولايذكر اسمه ولا بلده على وجه التحديد، قد اعتنق الاسلام على يد أحد هؤلاء الأباضية الدعاة الذين كانوا يسافرون الى هذه البلاد. هذا الأباضي الداعية هو أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي الذي كان والده أبو القاسم قد قتل في موقعة مانو في عام 283 هـ / 896 م. وكان أبو يحيى قد سافر الى بلاد السودان فوجد ملكهم ناحل الجسم خائر القوى ذليل النفس، فسأله عن سبب ضعفه وانهيار قواه على هذا النحو، فأجابه الملك بأن ذلك ماهو إلا لخوفه من الموت. فأخذ أبو يحيى الله عن عز وجل وعن صفاته، وعن الجنة والنار والحساب، وما أعد سبحانه وتعالى للمطيع والعاصي، ومازال يذكر له تعالى وآلائه ورحمته، حتى أسلم هذا الملك وحسن إسلامه (227).
يحدثه
نعم
الله
وقد تحدثت المصادر القديمة عن أثر الأباضية في تحويل ملك سوداني آخر وهو ملك مالي الى دين الاسلام. فقد اعتنق هذا الملك الاسلام على يد أحد التجار الدعاة الأباضية من، وهو أبو الحسن علي ابن يخلف بن يخلف النفوسي التميجاري النفطي (228) الذي كان قد
(226) جودت عبد الكريم: ص 285
(227) الشماخي: ج 2 ص 6 - 8.
(228) التميجاري نسبة الى تميجار وهي بلدة في أواسط جبل نفوسة، والنفطي، نسبة الى نقطة، وهي مدينة في جنوب تونس في بلاد الجريد. انظر، علي يحيى معمر: الأباضية في تونس،
دار الثقافة، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 966، ص 127، 128 (1/211)
صفحة 212
-
212
سافر الى غانة في عام 575 هـ / 1179 م، وانتهي في سفره الى مدينة مالي حيث كان ملكها وثنيا يعبد الدكاكير، أي الأصنام. وكان هذا
وحسن
معاملته
التاجر عالما تقيا مستجاب الدعوة ذا خلق حميد كثير العبادة محافظا على دينه. ولذلك اشتهر بين السكان بطيبة نفسه وأمانته وصدقه، فوثقوا به وأحبوه، واشتهر اسمه وذاع صيته حتى بلغ مسامع الملك، فأحضره اليه ورأي منه صدق ماسمعه عنه، فاستخلصه لنفسه وأكرمه غاية الاكرام، وجعله مستشارا له، فبلغ عنده هذا العالم التاجر الأباضي منزلة لم يبلغها أحد من وزرائه. ولما قضي هذا العالم التاجر حاجته وأزمع السفر والعودة الى بلاده، شكا اليه الملك مادهمهم من قحط وما ألم بهم من مجاعة، نتيجة لعدم سقوط المطر لفترة طويلة، وأن الرعية قدمت الذبائح والقرابين للأصنام واستغاثوا بها فلم يغاثوا، وطلب من الشيخ أن يدعو ربه لعله يغيثهم. فرد عليه الشيخ بأن ذلك لا يجوز، لأن أهل مالي يعبدون غير الله فكيف يغيثهم! وعرض الاسلام على الملك فأسلم وعلمه الشيخ كيف يتوضأ ويتطهر، ففعل وارتدى ثيابا طاهرة، وخرجا سويا من المدينة الى أن وجدا ربوة عالية ارتقياها وقاما يصليان ويدعوان، فما ظهر نور الفجر إلا وانهمر المطر بغزارة حتى حال بينهما وبين العودة الى المدينة، ولم يعودا إليها إلا بواسطة زورق، واستمر المطر ينهمر على هذا النحو سبعة أيام كاملة حتى فاضت الأودية بالمياه. عندئذ أمر الملك بتحطيم الدكاكير وأخرج السحرة من بلاده، ودعا جميع أهل بيته ووزرائه وأهل مدينته الى الاسلام، فاستجابوا لدعوته وأسلموا، وأمر الملك ألا يدخل مالي إلا من آمن بالله ورسوله، ومن رئي فيها من الكفار ليس عليه الا أن يخرج منها أو يكون القتل من نصيبه، وطلب الملك من الشيخ أن يعلمه الصلاة وفرائض الدين وشرائع (1/212)
صفحة 213
213 -
-
الاسلام وأن يقرئه القرآن، فأخذ يعلمه ويرشده ويلقنه مباديء الدين، فصح اسلامه واسلام عقبه وخاصته وأهل مملكته، وانتشر
الاسلام من وهكذا تحول شعب مالي الى الاسلام على يد أحد تجار ودعاة ذلك أن انفتحت أبواب هذه البلاد على مصاريعها
هذه المملكة الى ما يجاورها من بلاد (229)
الأباضية، ونتج عن للتجار المسلمين من بربر وعرب ومصريين وغيرهم، سواء كانوا من الأباضية أم من غير الأباضية. وقد سبقت الاشارة الى مارآه ابن بطوطة من وجود تجار الأباضية وغيرهم في بلدان هذه المملكة التي اتسعت حتى شمل نفوذها غربي أفريقيا كله في عصر ابن بطوطة، أي في القرن الرابع عشر للميلاد. كما أشار ابن بطوطة الى تاجر آخر يعرف باسم مدرك بن فقوص كان قد قابله في مالي وتحدث عن إنعام السلطان منسا سليمان اليه، لأن جد هذا السلطان كان قد اعتنق الاسلام على يدي جد هذا التاجر (230). وان كنا لانعرف أكان هذا الجد أباضيا أم غير أباضي، إذ لم يشر ابن بطوطة الى هذه الناحية.
وكما قلنا فانه عندما قضي الفاطميون على الدولة الرستمية في عام 196 هـ / 908 م، فر كثير من الأباضية الى الصحراء الكبرى وإلى بلاد السودان الغربي والأوسط، ووصلوا في فرارهم الى مدينة كوكيا (كوكو) بالنيجر الأوسط، حيث كان الاسلام في هذه المنطقة لايزال في بداية أمره محدود الانتشار ضعيفا، فكان وجود الأباضية في هذه المدينة ذا أثر كبير في نشر الاسلام بها، لدرجة أن ملك هذه المدينة
(229) البكري: المغرب، ص 178، الدرجيني: جـ 2 ص 516، 518، الشماخي: جـ 2 ص 114 – 115، صالح باجية: الأباضية بالجريد، ص 90، 91، على يحيى معمر:
-
الأباضية في تونس، ص 128، 129
(230) رحلة ابن بطوطة، ج 2 ص 702، 703 (1/213)
صفحة 214
اعتنق المذهب الأباضي (231)، وأسلم معظم أهل هذه البلاد على يديه وانتشرت فيها المساجد. وقد أكد البكري خبر اسلام هذا الملك، فقد زار هذه البلاد في عام 460 هـ / 1068 م وقال ان أهلها كانوا يدفعون الى مليكهم عند تنصيبه خاتما وسيفا ومصحفا يزعمون أنه مبعوث من عند أمير المؤمنين (232)
من
وكذلك كان الحال في مدينة غانة، فقد تحدث عنها البكري وأشار الى أنها كانت منقسمة الى مدينتين، احداهما وثنية يسكن فيها الملك وتسمى بالغابة، والأخرى اسلامية بها اثنا عشر مسجدا، وبها كثير الأئمة والمؤذنين وحملة العلم. ورغم أن ملك غانة كان لايزال على الوثنية في ذلك الوقت، الا أنه كان يتخذ وزراءه وصاحب بيت ماله من المسلمين، وحرص على أن يبني في مدينته مسجدا يصلي فيه من يفد اليه من المسلمين (233). ولما جاء المرابطون بعد ذلك وفتحوا هذه البلاد في عام 469 هـ / 1076 م، وجدوا معظم أهلها وما يحيط بها من بلاد مثل مالي والتكرور وسلى وكوكو وغيرها قد أسلموا، ولم يكن للمرابطين الافضل استكمال هذه الحركة الاسلامية التي تنشأ على يدهم.
لم
والحقيقة أن المرابطين كان لهم أثر آخر يتعلق بالمذهب الأباضي نفسه، إذ يعزى اليهم عادة القضاء على هذا المذهب وعلى النزعات الشيعية التي كانت قد انتشرت في غربي أفريقيا قبل قدومهم، وذلك أن بعد حمل هؤلاء المرابطون قبائل صنهاجة والبربر بصفة عامة على اعتناق الاسلام على المذهب المالكي. ولما وصلوا الى بلاد السودان (231) محمد الغربي: بداية الحكم المغربي في السودان الغربي، ص 36 ـ 37.
(232) البكري: المغرب، ص 183.
(233) المصدر السابق، ص 175. (1/214)
صفحة 215
-
الغربي انتشر هذا المذهب هناك على أيديهم (234)، ولم يبق للمذهب الأباضي في هذه البلاد الا جماعات صغيرة مازالت تدين به رآها بعض التجار والرحالة في العصور الوسطى مثل ابن بطوطة كما سبق القول، كما رآها آخرون في العصر الحديث (235)
•
دعم حركة التعريب بين البربر:
ومن النتائج الأخرى التي ترتبت على توثيق أواصر العلاقات بين أباضية المشرق والمغرب، تشجيع ودعم حركة التعريب في بلاد البربر. فقد أخذت هذه الحركة في هذه البلاد دفعة قوية نتيجة لامتزاج واختلاط التجار والعلماء المشارقة بالتجار والعلماء المغاربة من الأباضية سواء في موسم الحج، أو بالانتقال المباشر كل الى بلد الآخر، وبقيام علاقات المصاهرة بين هؤلاء الوافدين وبين البربر واقامة التجار والعلماء الأباضية لسنوات طويلة بين هؤلاء البربر، وربما حتى ينتهي العمر، مما ترك طابعه القوي في مظاهر الحياة المختلفة حتى في في الأسماء.
من
ذلك أننا
نسمع أنه
يوجد في بلاد المغرب أسرات ومدن كانت
ولازالت تحمل أسماء عمانية. مثال ذلك مدينة أوزكي وهي احدي مدن الدولة الرستمية (236)، وكما يلاحظ فإن هذه المدينة تحمل نفس اسم المدينة العمانية الشهيرة ازكي. وهناك أيضا مدينة البصرة التي تقع في بلاد المغرب الأقصى، وقد بنيت هذه المدينة في عام 218 هـ / 833 م تذكيرا ببصرة العراق (237). وهناك أيضا حزوى، وهو
(234) محمد الغربـ
ص 39
(235) عبدالله بن يحيى البارولي: رسالة سلم العامة والمبتدئين، ص 23
(236) المقدسي: ص 219، ويلاحظ أن فاس أو المغرب الأقصى به مدينة تحمل نفس الاسم (اوزكي)، انظر، المقدسي: ص 220
(237) الحسن الوزان: ج 1 ص 310 – 311.
- (1/215)
صفحة 216
-
216 -
-
موضع معروف في ظاهر جبل فساطو (238)، ولعله تحريف لاسم مدينة نزوى العمانية الشهيرة التي كانت عاصمة لأئمة عمان في العصور الوسطى، وقرية الحمران بجبل فساطو والتي تسكنها قبيلة أباضية تحمل نفس الاسم، ومدينة جندوبة وغريان (239)، وخولان جنوب فاس بنحو ثمانية أميال (240)، وتادمكت في الشمال الشرقي من مدينة تنبكت ببلاد مالي، وتاد تعني عند البربر هيئة، أي أن هذه المدينة بنيت على هيئة مكة (241)، ولذلك سميت مكة الجديدة
•
وبجانب هذه المدن التي تحمل أسماء عمانية أو مشرقية نجد كذلك قبائل أو عائلات تحمل أسماء عمانية. مثال ذلك أسرة الغساني وأسرة الحارثي وأسرة الزبيدي وأسرة الزواوي والسالمي والراشدي، وأسرة العماني التي نزحت كسابقاتها من عمان رأسا الى بلاد المغرب أو عن طريق الأندلس (242)
ونزوح هذه القبائل العمانية الى بلاد المغرب ليس بالأمر المستبعد. فقد سبقت الاشارة الى أن العلماء والتجار انهالوا على تاهرت وبلاد المغرب بصفة عامة، وجاءوا من البصرة والكوفة ومصر وعمان وغيرها، وسكنوها وبنوا فيها الدور والمساجد "حتى لاترى دارا الا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين (243). كما سبقت الاشارة الى أن أهل مدينة
(238) سليمان الباروني: ج 2 ص 137 (239) المرجع السابق، ج 2 ص 137.
(240) الحسن الوزان: ج 1 ص 293
(241) الحميري: ص 128.
(242) عبد الهادي التازي: الصلات التاريخية بين المغرب وعمان، مسقط، وزارة التراث، سنة
1981 م، ص 18
•
(243) انظ ظر، ص 136 (1/216)
صفحة 217
-
217 –
-
زويلة التي تقع على مشارف بلاد الكانم والسودان، كانوا أخلاطا من أهل خراسان والبصرة والكوفة وغيرها (244)، وكذلك مدينة کاوار، فقد كان يعيش فيها "قوم من المسلمين من سائر الأحياء، (245) والبلدان، ولذلك فقد تخلق معظم سكانها من البربر بأخلاق البيض في ارتداء ملابس الصوف والقطن والبرود (246). وكان من عادتهم حمل الخنجر في أوساطهم، وهي عادة عمانية كانت قد انتقلت الى جنوب بلاد المغرب (247)، ومنها الى هذه البلاد الموغلة في الصحراء. وما ذلك كله إلا مظهرا من مظاهر حركة
التعريب التي كانت تسير بخطى حثيثة بين سكان هذه البلدان
•
والتعريب لايتم كما هو معروف الا باتخاذ اللسان العربي والا بالكتابة باللغة والحروف العربية. وفي هذا الميدان فقد حققت اللغة العربية انتصارات ضخمة على لغة البربر نتيجة لعوامل عديدة منها تشجيع علماء الأباضية للسكان وللطلاب من البربر على تعلمها والحديث بها، واستخدامها في الكتابة والتدوين. من ذلك ما أشار اليه الدرجيني والشماخي من أن أبا عمران موسى بن زكريا المزاتي الذي كان يعيش في القرن الخامس للهجرة الحادي عشر للميلاد، وكان أحد أعلام المذهب ورءوسه في ذلك الوقت، كان يشجع تعلم اللغة العربية والكتابة بها وتداول الكتب العربية. وقد سمعه الناس مرارا يقول في مجالس كثيرة، إن تعلم حرف واحد من العربية كتعلم ثمانين مسألة سنة، ومن حمل
في الفروع، وتعلم
مسألة
من الفروع كعبادة ستين
(244) انظر، ص 192 (245) اليعقوبي: صفة المغرب، ص 6، ابن سعيد: ص 114
(246) ابن سعيد: كتاب الجغرافيا، تحقيق اسماعيل العربي، المكتبة لتجارية للطباعة والنشر
والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1970 م، ص 114.
(247 عبد الهادى التازي: ص 18 (1/217)
صفحة 218
2180
– – -
كتابا الى بلد لم يكن فيه، فكأنما تصدق بألف حمل دقيقا على أهل
الغار
(248)
وعلى يد الأباضية وغيرهم من تجار البربر والعرب والمصريين،
انتشر اللسان العربي أيضا بين سكان جنوب الصحراء الكبرى وبلاد
-
السودان الغربي والأوسط، وان كان انتشارا محدودا بطبيعة الحال دليل ذلك ما يرويه لنا القلقشندي من أن منسا موسى سلطان مالي (707 ـ 733 هـ / 1307 1332 م) كان يعرف اللسان العربي ويجيد الحديث بالعربية (249)، وأن أهل هذه المملكة كانوا يكتبون بالخط العربي على طريقة المغاربة (250)، أي بالقلم المغربي. وكان اتصال تنبكت وغيرها من مدن بلاد السودان الغربي والأوسط ثقافيا بمراكز الثقافة الاسلامية في الشمال مفيدا في نشر اللغة العربية والكتابة
بها (251)
وانتشار الكتابة باللغة العربية بين سكان بلاد السودان بصفة عامة أمر معروف ومشهور، ولم ينل منه ويقف في سبيله الا الاستعمار الأوربي الذي نجح في محاربة اللغة العربية في هذه البلاد، ونشر فيها اللغة الانجليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات الأوربية، بعد، بعد أن تمكن من احتلال هذه البلاد منذ مطلع العصر الحديث
وبجانب انتشار الاسلام وانتشار التعريب بين معظم البربر وكثير من السودانيين نتيجة للتعاون وللعلاقات الوطيدة التي ربطت بين أباضية المشرق والمغرب، فإن هناك أيضا أثر آخر لهذه العلاقات
(248) الدرجيني: جـ 2 411، الشماخي: ج 2 ص 73، 74
(249) صبح
الأعش
، جـ 5 ص 295
(250) المصدر السابق، ج 5 ص 298
(251) حسن محمود: ص 250 (1/218)
صفحة 219
219 -
-
ويظهر هذا الأثر في انتقال الفن المعماري المشرقي في البناء الى الدولة الرستمية والى أفريقيا الغربية وجنوب الصحراء، يظهر ذلك في بناء المآذن المدرجة والمحراب المثلث. كما أن غياب المنبر والنقوش في بعض المساجد الموجودة في افريقية الغربية، ماهو الا دليل واضح على الأثر الأباضي الذي لايزال موجودا عند الأباضية في وادي ميزاب في جنوبي
الجزائر حتى
الآن (202)
•
وهكذا نجحت الحركة الاسلامية النجاح كله بين بربر الصحراء وبين كثير من أهالي بلاد السودان الغربي والأوسط، والفضل في ذلك يعود كما رأينا الى هذه العلاقات الوطيدة التي نمت وازدادت بين أباضية عمان والبصرة وأباضية مصر والمغرب، نتيجة لما قام به أباضية عمان والبصرة من ارسال للدعاة، ومن تقديم دعم مادي وسياسي كبير للدولة الأباضية، التي قامت على أرض بلاد المغرب، مما فصلنا فيه القول عند الحديث عن العلاقات السياسية، وبما أرسلوا من قوافل للتجارة جابت مصر وأرض المغرب واتصلت ببلاد السودان كما فصلناه في الحديث عن العلاقات التجارية، وبما أرسلوه من فقهاء وعلماء وأشياخ أتوا من عمان والبصرة متفقدين لحال اخوانهم، ناشرين للعلم والحضارة، موطدين لأواصر العلاقات علماء هذه البلاد وأهلها، مع عن طريق اللقاءات والمناظرات وتبادل الزيارات كما رأينا، أو عبر التلاقي في موسم الحج في بلاد الحجاز، ومن خلال تقديم المشورة والفتوى، وارسال الكتب الدينية وغير الدينية مما أشرنا اليه في الحديث العلاقات الثقافية، مما يدل دلالة مؤكدة على أن الفضل في نشر الاسلام والثقافة الاسلامية بين كثير من بربر المغرب وبربر الصحراء،
عن
(252) يوسف فضل حسن: الجذور التاريخية للعلاقات العربية الافريقية (بحث في كتاب العرب وأفريقيا، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1984 م، ص 57، 58. (1/219)
صفحة 220
-
220
من
وبين كثير سكان بلاد السودان الغربي والأوسط فيما يعرف الآن بالسنغال ومالي ونيجيريا والنيجر وتشاد، يعود الى هؤلاء الأباضية من دعاة وتجار وعلماء، سواء كان هؤلاء الأباضية قد أقبلوا من
المشرق
الى بلاد المغرب، واشتغلوا هناك بالتجارة والعلم ونشر المذهب ونشر
الاسلام، واتصلوا ببربر الصحراء وبأهالي السودان الغربي والأوسط
،
أم كان هؤلاء الأباضية من أباضية مصر وبلاد المغرب الذين تكاتفوا
مع اخوانهم المشارقة في القيام بهذا الدور الهام وبهذا الإنجاز الكبير
•
وبالفعل فقد كان دورا هاما وصفحة مشرقة لم تلقى العناية الكافية من الباحثين والكتاب المحدثين، وماذاك الا لأن أحدا من الناس لم يعكف على دراسة العلاقات والروابط التي قامت بين أباضية عمان والبصرة، واخوانهم من أباضية مصر والمغرب، مما فعلناه أو حاولنا أن نقوم به عبر هذا الكتاب الذي تحدثنا فيه عن أباضية مصر والمغرب، وماقام بينهما من علاقات مع اخوانهم من أباضية عمان والبصرة. ولعل فيما أفضنا فيه القول وفيما توصلنا اليه من نتائج مايفيد القاريء الكريم في استجلاء هذا الموضوع الهام من موضوعات تاريخنا الاسلامي الزاهر، وهو موضوع لاشك جدير بالقراءة والبحث والدراسة والتأمل. واذا كنا قد وفقنا في بحث هذا الموضوع وحده، فله الشكر والحمد والثناء، وهو
و دراسته، فالتوفيق من
نعم المولى ونعم النصير
الله (1/220)
صفحة 221
تاورغة مغمد اس
طرابلس
کاوار
خريط
المتوس
الجزائر
حدياته
الاد
غدامس
بلاد الجريد
الصحراء
الأندلس
طليطله.
و زغبة
xxxx
جبل طارق
سكرة
1111
الحدود التقريبية للدولة الخطا
الحدود التقريبية للدولة
الأطلسي
: د. محمد عيسى الحريري: مقدمات البناء السياسي للغرب الاسلامي (الدولة الرستمية)، ص 248) بتصرف) (1/221)
صفحة 222
خريطة رقم (2)
القيروان
تلمسان؟
فاس
غدامس
ضامن سيو
توان
أغواط
واسعة الكفرة مرزوق
نستي
نا غازي
أكاور أغاديس تدمكت
دى درعة
ا أدرار ة أو رغست
ولانه اغانة مالي
نيام
الحبشة
النيل
الأبيض
لفاشر
وجاد وجود
هوسا
واداي
الكمرون
ه ج فرنانده بو
طرت القوافل الرئيسية بين بلاد السودان وشمالي أفريقيا
المصدر: ابراهيم طرخان: دولة مال الاسلامية
ص 146
) بتصرف) (1/222)
صفحة 223
عمان
فيدار
خريط
(3)
الأهواز)
عراق
استر
البصرة
شيبان
بلاد الشام
كلب بن وبرة
القاهرة
الخليج العربي
الربع الخالي
راي مدرکه
ظف
بحر العرب
المصد
:
تميم
الحيثية
د. حسين مؤنس: أطلس تاريخ الاسلام
??
الطرق التجارية الرئيسي
في الجزيرة العربية ــلام و
الام
(بتعرف) (1/223)
صفحة 224
-
2 – المصادر والمراجع
أ ـ المصادر العربية القديمة:
ابن الأثير (ت 630 هـ / 1338 م): علي بن أحمد بن أبي الكرم. الكامل في التاريخ، 12 مجلد، دار صادر، بيروت،
-
1
سنة 1402 هـ/ 1982 م
الادريسي (ت 557 هـ/ 1162 م): أبو عبد الله محمد بن عبد الله
ابن ادريس الحسني
2
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، نسخة مصورة بجامعة
القاهرة، بدون تاريخ
•
الازكوي عاش في القرن (12 هـ (18 م): سرحان بن سعيد كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، مخطوط بمكتبة معالي
-
-
السيد محمد بن أحمد بن
بن سعود البوسعيدي برقم 571.
تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع
الأخبار الأمة
،
تحقيق عبدالمجيد حسيب القيسي،
مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية، سنة 07 1407 هـ /
1986 م.
أبو اسحاق الحربي (198) - 285 هـ / 813 - 898 م): ابراهيم بن
اسحاق بن ابراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم.
مناسك الحج، حققه د. حمد الجاسر تحت عنوان
كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، (1/224)
صفحة 225
-
225
دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، الطبعة الثانية، سنة 1401 هـ / 1981 م
الاصطخري (توفي قبل عام (350 هـ (961 م): أبو اسحاق ابراهيم بن
محمد المعروف بالكرخي
6
-
مسالك الممالك، ليدن، سنة 1387 هـ / 1967 م.
ابن أعثم الكوفي (ت 314 هـ / 926 م): أبو محمد أحمد
-
الفتوح
، 8 أجزاء في أربع مجلدات، دار الكتب
العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1406 هـ /
1986 م.
البخاري (ت 256 هـ/ 869 م): أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن
ابراهيم الجعفي
التاريخ الصغير، تحقيق محمود ابراهيم زايد، دار الوعي
بحلب، دار التراث بالقاهرة، الطبعة الأولى، سنة
1397 هـ / 1977 م.
البرادي (عاش في القرن (8 هـ / (14 م: أبو القاسم بن ابراهيم البرادي
النفوسي.
الجواهر المنتقاة في اتمام ما أخل به كتاب الطبقات، مخطوط مصور موجود بمكتبة مسجد جامعة السلطان
قابوس.
ابن بركة عاش في القرن 4 هـ / 10 م): أبو محمد عبد
ابن بركة البهلوي العماني
الله
بن محمد
10 ـ كتاب الجامع، جزءان، حققه وعلق عليه عيسى بن (1/225)
صفحة 226
226
-
يحيى الباروني، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية،
سنة 1394 هـ / 1974 م.
بزرك عاش في القرن 3، 4 هـ / 9، 10 م): بزرك بن شهريار
الناخذاه الرامهرمزي. 11 ـ كتاب عجائب الهند، جمع مادته بين عامي 288،
-
293 هـ، ليدن، سنة 1883 – 1886 م.
ابن بطوطة (ت) 779 هـ / 1377 م): أبو عبد الله محمد عبد الله اللواتي
الطنجي
-
12
الأسفار
رحلته المسماه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب، جزءان، تحقيق د. علي المنتصر الكتاني مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة سنة
1405 هـ / 1985 م.
أبو بكر الكندي (ت 557 هـ/ 1162 م): أبو بكر أحمد بن عبد الله موسى الكندي.
13
13 – المصنف، 42 جزء، تحقيق عبد المنعم عامر، مسقط،
-
وزارة التراث، سنة 1981 م
البكري (ت) 487 هـ / 1094 م): أبو عبد
12
-
10
الله بن عبد العزيز
المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، ليدن، الطبع. الثانية، سنة 1911 م.
جزيرة العرب، جزء من كتاب المسالك والممالك. تحقيق ودراسة د. عبدالله يوسف الغنيم، ذات السلاسل الكويت، الطبعة الأولى، سنة 1397 هـ / 1977 م. (1/226)
صفحة 227
2270
-
البلاذري (ت 279 هـ / 892 م): أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر
البغدادي 16 - فتوح البلدان، تحقيق د. رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1403 هـ / 1983 م.
جابر بن زيد (18 96 هـ/ 639 ـ
اليحمدي العماني
-
17
-
714 م): جابر بن زيد
رسائل جابر بن زيد، مخطوط مكون من سبعة عشر
رسالة مفردة، بالمكتبة الاسلامية بروي، مسقط
الجاحظ (150 – 255 هـ / 767 869 م): أبو عثمان عمرو بن
بحر الجاحظ
-
18 - البيان والتبيين، أربعة أجزاء في مجلدين، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة،
الطبعة الخامسة، سنة 1405 هـ / 1985 م.
الجيطالي عاش في القرن 7، 8 هـ / 13، 14 م): أبو طاهر اسماعيل
ابن موسى الجيطالي النفوسي.
-
19
قناطر الخيرات، ثلاثة أجزاء، مسقط، وزارة التراث
سنة 1403 هـ / 1983 م.
ابن حزم (ت 456 هـ / 1064 م): أبو محمد علي بن أحمد
الفصل في الملل والأهواء والنحل، خمس مجلدات،
تحقيق، د. محمد ابراهيم نصر، د. عبد الرحمن عميرة، شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع الرياض، الطبعة الأولى، سنة 1402 هـ / 1982 م. (1/227)
صفحة 228
228
الحسن الوزان عاش) في القرن (16 م: الحسن بن محمد الوزان الفاسي المعروف بليو الافريقي. 21 - وصف افريقيا، جزءان في مجلد، ألفه عام 1526 م ترجمه عن الفرنسية محمد، ومحمد الأخضر، دار
حجي
الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الثانية
1983 م.
سنة
أبو الحسن البسيوي عاش في آخر القرن 4 هـ، وأول القرن 5 هـ): الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي
-
22
جامع أبي الحسن البسيوي، 4 أجزاء، مسقط، وزارة
التراث، سنة 1404 هـ / 1984 م.
الحميري (ق 9 هـ (15 م: محمد بن عبد المنعم الصنهاجي
23
الروض المعطار في خبر الأقطار، جمعه عام 866 هـ / 1463 م، تحقيق د. احسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1984 م
ابن حوقل (ت 367 هـ / 977 م: أبو القاسم محمد بن علي
النصيبي
24
-
صورة الأرض، أو المسالك والممالك، مكتبة الحياة،
بيروت، سنة 1979 م.
ابن خرداذبة (ت حوالي عام (300 هـ (912 م): أبو القاسم عبيدالله /
بن عبد الله
-
25
المسالك والممالك، ومعه نبذ من كتاب الخراج وصنعة الكتابة لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي (1/228)
صفحة 229
-
- 229 -
-
المتوفي عام 320 هـ / 932 م. مكتبة المثني، بغداد،
بدون تاريخ.
ابن خلدون (ت 808 هـ / 1405 م):
62 ـ تاريخ العلامة ابن خلدون (العبر وديوان المبتدأ والخبر)
-
دار الكتاب اللبناني، بيروت، بدون تاريخ
ابن خلکان (608 - 681 هـ / 1211 – 1282 م): أبو العباس بن أبي بكر. بن
شمس الدين أحمد
27
-
محمد بن
وفيات الأعيان وأنباء الزمان، 7 مجلدات، تحقيق
د. احسان عباس، دار صادر، بيروت، بدون
تاريخ.
خليفة
بن
خياط ت 240 هـ / 854 م: الامام المحدث أبو عمر
خليفة
ابن خياط شياب العصفري
28 ـ كتاب الطبقات، برواية أبي عمران موسى بن زكريا التستري، تحقيق د. اکرام ضياء العمري، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثانية، سنة 1402 هـ / 1982 م.
الدرجيني (ت 670 هـ/ 1271 م): أبو العباس أحمد بن سعيد.
-
مطبعة
29 ـ كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق ابراهيم طلاي، البعث، قسنطينة، الجزائر، سنة 1394 هـ / 1974 م.
ابن رسته (عاش في القرن 3 هـ/ 9 م): أبو علي أحمد بن عمر 30 - الأعلاق النفيسة، ألفه عام 290 هـ / 903 م، المجلد السابع، طبع ليدن، سنة 1891 م. (1/229)
صفحة 230
-
230
الرقيشي (ق 12 هـ):: أحمد
31
-
بن عبد الله أحمد بن أبي بكر
بن
مصباح الظلام في شرح دعائم الاسلام، مخطوط بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي، برقم 368، ونسخة أخرى صغيرة مكملة للأولى برقم 792.
أبو زكريا الأزدي (ت (334 هـ / (945 م: أبو زكريا يزيد بن محمد
ابن أياس بن القاسم الأزدي
32
-
تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبة، لجنة احياء التراث الاسلامي، القاهرة، سنة 1387 هـ / 1967 م.
أبو زكريا (ت) 471 هـ): أبو زكريا يحيى بن أبي بكر.
33
-
کتاب سير
الأئمة وأخبارهم المعروف بتاريخ أبي زكريا،
تحقيق اسماعيل العربي، دار الغرب الاسلامي، بيروت،
الطبعة الثانية، سنة 1402 هـ / 1982 م.
السراج (ت 1149 هـ 1736): محمد بن محمد الأندلسي الوزير /
السراج.
34
الحلل السندسية في الأخبار التونسية مجلدات، تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1985 م.
ابن سعد (ت 230 هـ / (845 م: أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع
الزهري.
35 - الطبقات الكبرى، 8 أجزاء، دار التحرير، القاهرة، سنة 1388 هـ / 1968 م (1/230)
صفحة 231
231 -
-
السعدي عاش) في القرن 13 هـ / 19 م): جميل بن خميس
-
36
قاموس الشريعة الحاوي على طرقها الوسيعة، 92 مجلد، مسقط، وزارة التراث، سنة 1403 هـ / 1983 م.
ابن سعيد المغربي (610 - 673 هـ/ 1214 1275 م): أبو
الحسن علي بن موسى.
37
—
-
كتاب الجغرافيا، تحقيق اسماعيل العربي، المكتبة التجارية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة
الأولى، سنة 1970 م.
أبو سعيد الكدمي عاش في القرن 4 هـ 10 م): الشيخ أبو سعيد
محمد ابن سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي
-
38
الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، 5، ه أجزاء، مسقط
وزارة التراث، سنة 1406 هـ 1986 م.
39 - الاستقامة، جـ 1، تحقيق محمد أبو الحسن، مسقط، وزارة التراث، سنة 1405 هـ / 1985 م.
40
،
ابن سلام الأباضي عاش) في النصف الثاني من القرن 3 هـ/ 9 م): الاسلام وتاريخه من وجهة نظر أباضية، تحقيق ر ف. شفارتز، وسالم ابن يعقوب. دار اقرأ للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، الطبعة الأولى، سنة
1405 هـ / 1985 م.
السمعاني (506 ـ 562 هـ / 1112 – 1166 م): الامام أبو سعيد
-
عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي
41 ـ الأنساب، ه أجزاء، تقديم عبد الله عمر البارودي، (1/231)
صفحة 232
-
232
-
دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة
1408 هـ / 1988 م.
الشماخي (ت) 928 هـ/ 1522 م): أحمد بن سعيد بن عبد الواحد 4 ـ كتاب السير، جزءان، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، مسقط، وزارة التراث، سنة 1407 هـ / 1987 م.
-
•
ابن الصغير عاش في القرن 3 هـ / 9 م: 43 أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق د. محمد ناصر، الأستاذ ابراهيم بحاز، دار الغرب الاسلامي، بيروت،
سنة 1406 هـ / 1986 م.
الطبري (224. 310 هـ) / 838 922 م): أبو جعفر محمد بن
جرير
•
44
-
—
تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، 10 أجزاء، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار سويدان، بيروت، بدون
تاريخ
ابن عبد الحكم ت (257 هـ (871 م: أبو القاسم عبد الرحمن بن
عبد الله
بن عبد الحكم بن أعين القرشي المصري.
-
فتوح مصر وأخبارها، ليدن، سنة
•
، سنة 1920 م
61
ابن عذاري المراكشي عاش) في القرن 7 هـ/ 13 م): 46 ـ البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب تحقيق ج. س. كولان، أ. ليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1983 م. (1/232)
صفحة 233
2330
-
أبو عبد الله الكندي (ت (508 هـ (1114 م): محمد بن ابراهيم بن سليمان الكندي
-
47
بيان الشرع، 72 مجلد، مسقط، وزارة التراث، 1404 - 1408 هـ / 1984 –
-
1988 م.
العوتبي الصحاري عاش في القرن 5 هـ / (11 م: سلمة بن مسلم. الأنساب، جزءان، مسقط، وزارة التراث، سنة
-
48
1404 هـ / 1984 م.
ابن غانم الخراساني عاش في القرن الثاني الهجري وأول الثالث): أبو
غانم بشر بن غانم الخراساني
49
-
المدونة الصغري، جزءان، مسقط، وزارة التراث
سنة 1404 هـ / 1984 م.
المدونة الكبرى، جزءان، مسقط، وزارة التراث
سنة 1404 هـ / 1984 م.
أبو الفرج الأصفهاني (ت 356 هـ: 976 م): علي بن الحسين 51 ـ الأغاني، 24 مجلد، طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، دار احياء التراث العربي، سنة 1963 م.
-
ابن قتيبة (213 - 276 هـ / 828 - 889 م): أبو محمد عبد الله
ابن مسلم
02
(213
889 م)
عيون الأخبار، أربعة أجزاء في مجلدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1406 هـ / 1986 م. (1/233)
صفحة 234
234
-
القفطي (ت 624 هـ / (1227 م: الوزير جمال الدين أبي الحسن علي
ابن يوسف
-
03
انباه الرواة على أنباه النجاة، 4 أجزاء، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار الفكر العربي بالقاهرة، مؤسسة سنة الطبعة الأولى. الكتب الثقافية ببيروت،
1406 هـ 1986 م.
القلقشندي (ت (821 هـ (1418 م: أبو العباس أحمد بن علي / 54 ـ صبح الأعشي في صناعة الانشا، جـ ه، وزارة الثقافة
-
والارشاد القومي، القاهرة، بدون تاريخ
القلهاتي (ق 4 هـ / 10 م):: أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي.
-
سيدة الكشف والبيان، جزءان، تحقيق وشرح د
اسماعيل الكاشف، وزارة التراث مسقط،
1400 هـ / 1980 م.
الكندي (283 350 هـ / 896 -
-
-
سنة
961 م): محمد بن يوسف
ولاة مصر، تحقيق د. حسين نصار، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ
المبرد (ت (285 هـ (898 م: أبو العباس محمد بن يزيد الكامل في اللغة والأدب، جزءان في مجلد،
-
07
مكتبة العارف، بيروت، بدون تاريخ.
ابن مداد (ت 917 هـ/ 1511 م): عبد الله بن مداد النزوي
سيرة ابن مداد، مسقط، وزارة التراث، سنة 1984 م. (1/234)
صفحة 235
المسعودي (ت 346 هـ (957 م: أبو الحسن علي بن الحسين بن
علي
09
-
مروج الذهب ومعادن الجوهر، أربعة أجزاء، شرح وتقديم د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية،
بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1406 هـ / 1986 م.
المقدسي (335 390 هـ / 946
-
-
1000 م): محمد بن
أحمد
بن
أبي بكر البناء الشامي المقدسي المعروف بالبشاري.
مجھـ
مجھـ
60 ـ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن، الطبعة الثانية،
-
- 61
62
-
-
سنة 1967 م.
ول:
السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، جـ 1، تحقيق د. سيدة اسماعيل الكاشف، مسقط، وزارة التراث، سنة 1406 هـ 1986 م.
ـول: كاتب) مراكشي عاش في القرن 6 هـ/ 12 م). کتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر د. سعد
زغلول عبد الحميد، بغداد، سنة 1986 م.
ـــول: عاش في القرن 12 هـ / 18 م، ولعله أبو سليمان ابن محمد بن عامر بن راشد المعولي كما ذكر صاحب تحفة الأعيان الشيخ نور الدين السالمي) 63 ـ قصص وأخبار جرت في عمان، تحقيق عبد المنعم
عامر، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية، سنة
1403 هـ / 1983 م. (1/235)
صفحة 236
-
236
-
ابن النديم (ت 438 هـ/ 1046 م): محمد بن اسحاق المعروف
بالوراق. 64 ـ الفهرست، تحقيق د. ناهد عباس عثمان، دار قطري ابن الفجاءة، قطر، الطبعة الأولى، تينة 1985 م.
—
ابن النظر) عاش في القرن 5 هـ / 11 م): أبو بكر أحمد
العماني.
66
-
كتاب الدعائم، مسقط،، وزارة التراث
1980 م.
بن النظر،
سنة
كتاب الدعائم، جزءان، شرح محمد بن وصاف الفقيه العماني، مسقط، وزارة التراث، سنة 1982 م.
النويري (ت 773 هـ (1371 م): شهاب الدين أحمد بن عبد /
الوهاب
67
-
نهاية الأرب في فنون الأدب، جـ 21، تحقيق علي محمد البجاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة
1976 م.
ياقوت (626 هـ/ (1230 م): الامام شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت
ابن عبد الله الحموي الرومي البغدادي
68
-
-
معجم الأدباء، عشرين جزءا في عشرة مجلدات، دار
الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، سنة 1980 م.
69 ـ معجم البلدان، 5 مجلدات، دار احياء التراث العربي، بيروت، سنة 1399 هـ / 1979 م. (1/236)
صفحة 237
237 -
اليعقوبي (ت 272 هـ/ 895 م): أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي
ب
70 - تاريخ اليعقوبي، جزءان، دار صادر، بيروت، بدون
71
تاريخ.
صفة المغرب، مأخوذ عن كتاب البلدان لليعقوبي،
ليدن، سنة 1850 م.
المراجع العربية والمعربة:
أحمد
بن
حمد الخليلي: (مفتى سلطنة عمان
72
-
الحق الدامغ، مسقط، 1989.
أحمد شلبي: (دكتور)
-
73
موسوعة التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية، جـ 6، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعة، سنة 1983 م.
أحمد مهني مصلح وآخرون
74
هذه مبادئنا. مسقط، سنة 1987 م.
أرنولد ويلسون: لفتنانت كولونيل سير أرنولد ويلسون).
تاريخ الخليج، ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية، سنة 1405 هـ / 1985 م.
أندريه ميكيل:
76
-
الاسلام وحضارته، المكتبة العصرية، بيروت، سنة 1981 م. (1/237)
صفحة 238
-
أيمن فؤاد سيد:
77
صفة افريقيا في المصادر العربية بحث في كتاب العرب في افريقيا)، دار الثقافة العربية، القاهرة،
1987 م.
بروکلمان، کارل:
78
سنة
تاريخ الأدب العربي، جـ 2، تعريب عبد الحليم النجار، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الخامسة، سنة 1983 م، جـ 3، الطبعة الثالثة، سنة 1974 م، جـ ه ترجمة د. رمضان عبد التواب، الطبعة الثالثة، سنة 1983 م، جـ 6 ترجمة د. السيد يعقوب بكر،
الطبعة الثانية، سنة 1983 م
جودت عبد الكريم يوسف: (دكتور).
79
العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية
للكتاب، الجزائر، سنة 1984 م.
جمال زكريا قاسم: (دكتور).
-
استقرار العرب في ساحل شرقي افريقيا، حوليات كلية
، جامعة عين شمس، القاهرة، عدد 10، سنة
الآداب 1967 م.
حسن ابراهيم حسن، طه أحمد شرف: (دكتوران).
81 - المعز لدين المعز لدين الله الفاطمي، دار النهضة المصرية، الطبعة الثانية، سنة 1963 م. (1/238)
صفحة 239
- 239
-
حسن
أحمد محمود: (دكتور)
-
82
الاسلام والثقافة العربية في افريقيا، دار الفكر العربي،
الطبعة الثالثة، سنة 1986 م.
حسين مؤنس: (دكتور).
-
83
84
-
أطلس تاريخ الاسلام، الزهراء للاعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1407 هـ / 1987 م.
معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار ومطابع المستقبل، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1980 م.
رجب محمد عبد الحليم: (دكتور).
-
85 ـ العلاقات بين الأندلس الاسلامية وأسبانيا النصرانية في أمية وملوك الطوائف، دار الكتاب المصري عصر بني واللبناني بالقاهرة وبيروت، الطبعة الأولى، سنة
1985 م.
86 ـ العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام منذ ظهوره، مسقط، سنة 1410 هـ /
الى قدوم البرتغاليين
1989 م.
معجم
التاريخ
الأنساب والأسرات الحاكمة الاسلامي، ترجمة د. زكي محمد حسن، د. حسن أحمد محمود، د. سيدة اسماعيل الكاشف، حافظ أحمد حمدي، دار الرائد العربي، بيروت، سنة 1400 هـ / 1980 م.
زامباور:
87 (1/239)
صفحة 240
سالم بن حمود بن شامس السيابي:
88 - عمان عبر التاريخ، 4 أجزاء، مسقط، وزارة التراث،
-19
سنة 1982 م.
89 ـ طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي مسقط، وزارة التراث، سنة 1400 هـ / 1980 م.
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي:
90
-
،
العقود الفضية في أصول الأباضية، مسقط، وزارة
التراث، سنة 1403 هـ / 1983 م.
سعيد عبد الفتاح عاشور، عوض خليفات: (دكتوران). 91 - عمان والحضارة الاسلامية، مسقط، سنة 1987 م.
سليمان الباروني:
92
الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الأباضية، جـ 2، تحقيق محمد علي الصليبي، مسقط، وزارة التراث، سنة 1407 هـ / 1987 م.
السيد عبد العزيز سالم: (دكتور)
93
-
94
95
-
-
تاريخ المغرب في العصر الاسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، بدون تاريخ.
تاريخ الدولة العربية، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، سنة 1988 م.
دراسات في تاريخ العرب، جـ 30 (العصر العباسي الأول)، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، بدون
تاريخ. (1/240)
صفحة 241
-
- 2010
سيدة اسماعيل الكاشف: (دكتور).
96
-
مصر في فجر الاسلام، دار الرائد العربي، بيروت،
الطبعة الثالثة، سنة 1406 هـ 1986 م.
سيف بن حمود بن حامد البطاشي:
-
97
تاريخ المهلب القائد وآل المهلب، مسقط، سنة
1988 م.
شارل بللا: أستاذ في جامعة السربون).
98
الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء، ترجمة د. ابراهيم الكيلاني، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، سنة
1406 هـ / 1985 م.
الشاطر يصيلي عبد الجليل
99
—
تاريخ وحضارات السودان الشرقي والأوسط من القرن السابع الى القرن التاسع عشر للميلاد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1972 م.
شاكر مصطفى: (دكتور).
-
، جزءان، وكالة المطبوعات دولة بني العباس، جزءان الكويت، الطبعة الأولى، سنة 1973 م
شكري فيصل: (دكتور)
101 ـ حركة الفتح الاسلامي في القرن الأول، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السادسة، سنة 1982 م.
صالح بن أحمد الصوافي: (دكتور)
102 ـ الامام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة، رسالة
- (1/241)
صفحة 242
242 -
-
ما جستير مطبوعة، جامعة الأزهر، سنة 1401 هـ /
1981 م.
صالح باجية:
—
103
الأباضية بالجريد في العصور الاسلامية الأولى، دار بوسلامة للطباعة والنشر، تونس، الطبعة الأولى،
سنة 1396 هـ / 1976 م.
الظاهر أحمد الزاوي:
عبد
104 ـ تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1963 م.
الله بن يحيى الباروني النفوسي:
-
1.0
رسالة سلم العامة والمبتدئين، ألفها عام 1290 هـ / 1783 م، وطبعت في مصر عام 1324 هـ / 1906 م.
عبد المنعم ماجد: (دكتور)
106
-
،
التاريخ السياسي للدولة لعربية (عصر الخلفاء الأمويين) مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة السابعة، سنة 1982 م.
عبد الهادي التازي: (دكتور)
107 ـ الصلات التاريخية بين المغرب وعمان، مسقط، وزارة
التراث، سنة 1981 م.
عطية القوصي: (دكتور):
108
-
محاولة العرب المسلمين كشف منابع النيل في القرون الأولى للاسلام، بحث في كتاب العرب وافريقيا، دار الثقافة العربية، القاهرة، سنة 1987. (1/242)
صفحة 243
-
علي يحيى معمر:
109 - الأباضية بين الفرق الاسلامية، جـ 1، مسقط،
وزارة التراث، سنة 1406 هـ / 1986 م.
110 - الأباضية في الجزائر، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1399 هـ / 1979 م.
-
111
111 – الأباضية في موكب التاريخ (الأباضية في تونس)، دار الثقافة، بيروت، الطبعة لأولى، سنة 1385 هـ /
1966 م.
عوض خليفات: (دكتور)
-
112
نشأة الحركة الأباضية، الأردن، عمان،
سنة
1978 م.
113 - الأصول التاريخية للفرقة الأباضية، مسقط، وزارة
التراث، سنة 1982 م.
فاروق عمر: (دكتور).
11.4 ـ الخليج العربي في العصور الاسلامية، دار القلم، دبي، الطبعة الأولى، سنة 1403 هـ / 1983 م.
فرحات الجعبيري: (دكتور)
110
-
البعد الحضاري للعقيدة الأباضية، رسالة دكتوراه منشورة، مسقط، سنة 1408 هـ / 1987 م.
116 ــ نظام العزابة عند الأباضية الوهبية في جربة، المعهد
القومي للآثار والفنون، تونس، سنة 1975 م (1/243)
صفحة 244
-
ماسينيون:
-
117
خطط البصرة وبغداد، ترجمة د. ابراهيم السامرائي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1981 م.
مايلز، س. ب (1838
118
-
-
1914 م)
حقائق تاريخية عن العرب والاسلام في افريقيا الشرقية، دار الفتح، الطبعة الأولى، سنة 1393 هـ / 1973 م.
محمد جمال الدين سرور: (دكتور)
119
-
الحياة السياسية في الدولة العربية الاسلامية خلال القرنين الأولى والثاني بعد الهجرة، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون تاريخ
محمد الطالبي: (دكتور).
-
120
الدولة الأغلبية، التاريخ السياسي، تعريب د المنجي
الصيادي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1985 م.
محمد عيسى الحريري: (دكتور)
-
121 – مقدمات البناء السياسي للمغرب الاسلامي (الدولة الرستمية)، دار القلم، الكويت، الطبعة الثانية، سنة 1983 م.
محمد الغربي: (دكتور)
122
-
بداية الحكم المغربي في السودان الغربي، مؤسسة الخليج للطباعة والنشر، الكويت، دار الرشيد للنشر، بغداد، سنة 1982 م. (1/244)
صفحة 245
-
245
-
محمد يوسف أطفيش: (1236 - 1332 هـ / 1820 ـ 1914 م).
=123
- رسالة إن لم تعرف الأباضية ياعقبى ياجزائري، ذيلها
عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، صححها قاسم بن سعيد الشماخي العامري، ومصطفى بن إسماعيل العمري
محمود اسماعيل عبد الرازق: (دكتور).
124
-
الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، مكتبة الحرية الحديثة، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1986 م.
مهدي طالب هاشم:
-
125
الحركة الأباضية في المشرق العربي، ونشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري، دار الاتحاد العربي للطباعة، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1401 هـ / 1981 م.
نور الدين السالمي (ت 1332 هـ / 1914 م):
-
126
ولكنن:
تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، جزءان في مجلد، مكتبة الاستقامة، مسقط، الطبعة الثانية، بدون تاريخ
127 - بنو الجلندى في عمان، مسقط، وزارة التراث، سنة
1982 م. (1/245)
صفحة 246
2460
يوسف فضل حسن: (دكتور).
128 - الجذور التاريخية للعلاقات العربية الافريقية بحث في
كتاب العرب وافريقيا)، دار الثقافة العربية، القاهرة،
سنة 1987 م. (1/246)
صفحة 247
الصفحة
الفهـ
الموضو
تقديم: بقلم فضيلة الشيخ محمد بن شامس البطاشي، قاضي محكمة الاستئناف
36
ک کے کتے کے کے
02
بمسقط.
المقدمة
تمهيد تاريخي: ظهور المذهب الأباضي في البصرة
وانتقاله الى عمان
-
-
الفصل الأول
الأباضية في مصر والمغرب
الأسباب والعوامل التي أدت الى انتشار المذهب الأباضي في مصر والمغرب:
أ
-
اضطهاد الأباضية في البصرة وعمان
بني
ب ـ سوء سياسة عمال أمية في المغرب. تكاثف وجود الأزد الأزد في مصر والمغرب
د - تطرف الصفرية في بلاد المغرب. اعتدال المذهب الأباضي وتسامح علمائه
وسائل انتشار المذهب الأباضي في مصر والمغرب:
الدعوة والدعاة (1/247)
صفحة 248
-
أ
التجارة
مظاهر انتشار المذهب الأباضي في مصر والمغرب:
-
مظاهر انتشار المذهب الأباضي في
انتشار المذهب الأباضي في بلاد المغرب
الفصل الثاني
العلاقات بين أباضية مصر والمغرب وأباضية عمان والبصرة
1
-
-
العلاقات السياسية بين أباضية مصر والمغرب
وأباضية عمان والبصرة:
أ - أثر أباضية عمان والبصرة في الأحداث
علاقة أباضية عمان والبصرة بدولة أبي
السياسية في مصر
الخطاب
-
الدعم الروحي والمادي من أباضية عمان
والبصرة للدولة الرستمية د - مساهمة أباضية عمان والبصرة في حل
مشاكل الرستميين السياسية والمذهبية هـ ـ ارسال الرسل لتفقد أحوال أباضية المغرب.
العلاقات الثقافية بين أباضية مصر والمغرب.
وأباضية عمان والبصرة:
أ - الزيارات والرحلات المتبادلة بين علماء الأباضية. (1/248)
صفحة 249
-التقاء علماء الأباضية في موسم الحج،
والجوار في مكة
تبادل المراسلات والكتب العلمية
والفقهية والأدبية
- العلاقات العلاقات التجارية بين أباضية التجارية بين مصر
أ
وأباضية عمان والبصرة:
-
والمغرب
الطرق التجارية التي تربط عمان
والبصرة بمصر والمغرب
ازدهار التبادل التجاري بين عمان
-
والبصرة ومصر والمغرب
أ
مظاهر ونتائج ازدهار التجارة.
نتائج العلاقات بين أباضية مصر والمغرب
وأباضية عمان والبصرة:
-تدعيم الدولة الأباضية في بلاد المغرب وعمان
تحقيق الوحدة الفكرية بين أباضية عمان
والبصرة وأباضية مصر والمغرب
جـ - انتشار الاسلام بين البربر والسودان
دعم حركة التعريب بين البربر
الخرائط
المصادر والمراجع.
الفهرس
الملاحق (1/249)
صفحة 250
صدر للمؤلف
العلاقات بين الأندلس الإسلامية وأسبانيا النصرانية في عصر بنى
أمية وملوك الطوائف
دار الكتاب المصرى واللبنانى، القاهرة، 1985
العلاقات السياسية بين مسلمى الزيلع ونصارى الحبشة في العصور
الوسطى
دار النهضة العربية، القاهرة، 1985
الردة في ضوء مفهوم جديد
دار النهضة العربية، القاهرة، 1985
انتشار الإسلام بين المغول.
دار النهضة العربية، القاهرة، 1986
دراسات في تاريخ عصر النبوة والخلافة الراشدة دار النهضة العربية، القاهرة، 1987
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام. مكتبة العلوم، مسقط، 1989
الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة. مكتبة العلوم، مسقط، 1990 (1/250)
صفحة 251
رقم الايداع 90/ 60 (1/251)