صفحة 1
الكتاب: الإباضية في موكب التاريخ
المؤلف: علي يحيى معمر
الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي
الناشر: مكتبة وهبة
المكان: القاهرة، مصر
الطبعة: الأولى
التاريخ: جمادى الثاني 1384هـ / أكتوبر 1964م
المطبعة: مطابع دار الكتاب العربي، محمد حلمي المنياوى
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) علي يحيى معمر
الإباضية في موكب التاريخ
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الحلقة الأولى
نشأة المذهب الإباضي
مكتبة وهبة
14 شارع الجمهورية –القاهرة-
تيلفون 914223 (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى: جمادى الثاني 1384هـ / أكتوبر 1964م
مطابع دار الكتاب العربي
محمد حلمي المنياوى (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. (1/3)
صفحة 4
مقدمة
في هذه اللمحات القصيرة أردت أن أعرض صفحات عن الإباضية، أضعها بين أيدي المثقفين من الأمة، وليست هذه اللمحات شيئا بعيد المنال، يحتاج إلى تقصي البحث، وإطالة التنقيب، وإنما هي صور يجدها عن كثب كل من خلصت نيته في طلب الحق، ودعته العزيمة الصادقة إلى الإطلاع على مصادر الشريعة لأهل هذا المذهب، ودرس كتب السير والتاريخ المنصفة، التي تحدثت عنهم، من موافقيهم ومخالفيهم.
والمذهب الإباضي ليس مذهبا سريّا، وليست أصوله التي ينبني عليها خافية أو مجهولة، وليس أتباعه ممن يستترون أو يختفون، فهم لا يقيمون لغير الله وزنا في هذا الوجود، ولا ينتظرون عن أعمالهم جزاء من غير الله، ولا يتبعون في تصرفاتهم غير الحق.
إنه مذهب ملأ الدنيا حقا و عدلا واستقامة، وضرب المثل الأعلى في النزاهة والإنصاف في أدوار من التاريخ، وسيملأ الدنيا بذلك عندما يأذن الله. ولست أقصد بذلك مثل خرافة الإمامة عند الشيعة، ولا قصة المهدي المنتظر، وإنما أقصد أن أقول: إن المذهب الإباضي يستمد قويه من الإسلام، الذي اختاره الخالق ليكون دين البشرية جمعاء، كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لم ينحرف به عن صراط الله السويّ غلوّ ولا تفريط، ولم تنتشر فيه الخرافة التي يبثها مشائخ طرق يتصيدون بها الدنيا عن طريق الدين، ولم يتجمد بتحكم فقهاء على العقول والمدارك فيمنعون الإجتهاد، ويقصرونه على عصر أو ناس لا يحق لغيرهم أن يصلوا إليه. وتُعطل العلوم والأفهام، فلا تُعطى حق الحرية في البحث والتنقيب وإعطاء الأحكام. (1/5)
صفحة 5
بدعوى أن الاجتهاد أغلقت أبوابه، واحتفظ الفقهاء الجامدون بالمفاتيح في مخباء سريّ لا يهتدي إليه الباحثون.
قلت: إن المذهب الإباضي، يستمد قوته من الإسلام نفسه، لأنه يحتفظ بصفاء النبع الذي يصدر منه، وعندما يتوب المسلمون إلى رشدهم، ويعودونالى دين ربهم، نظيفا من البدعة، نظيفا من الخرافة، نظيفا من الغلوّ، نظيفا من الجمود، و نظيفا من الأباطيل التي ألصقها جهل الإنسان بدين الله القويم. عند ذلك يجد المسلمون أنفسهم على الإسلام الحق، الذي ملأ الدنيا رحمة وعدلا، واستقاة ونزاهة وحقا. وعلى ذلك الإسلام الحق لا تزال هذه الطائفة التي سماها التاريخ فرقة الإباضية، وأصر أن يجعل لهم إماما كما لغيرهم من الفرق أئمة. ولو أن إمامهم الحق الذي لا يهتدون بغير هديه، ولا يقلدون سواه، إنما هو محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ليس لغيره حق الإمامة إلا بالأسوة الحسنة، والتتبع للسنة الحميدة القويمة، والإيمان المطلق بأن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والعمل، هو الهدى الذي أمر الله أمة محمد أن يكونوا عليه. وإذا جارى الإباضية المؤرخين، وانتسبوا إلى عبد الله بن إباض، واتخذوا لهم إسما كما لسائر الفرق أسماء، فلا يعني ذلك أنهم يقلدون الرجال، ويقدسون أقوالهم، ويتبعونهم إتباعا أعمى، ويرفعون أولئك الرجال إلى مراتب الكمال، التي لا يصلها إلا أنبياء الله المصطفون، وإنما يحرصون أن لا يأخذوا دينهم إلا على من توفرت لهم فيه الثقة والأمانة في دين الله: الأمانة في القول، والأمانة في العمل.
والإباضية لا يقدسون الرجال، ولا يجعلونهم علامة على الحق، ولا يوجبون تقليد غير المعصوم، ولا يتبعونهم مالم يثبت الدليل الشرعي صواب مسلكهم، أو يرد النص بأنهم على هدى محمد عليه السلام، كما شهد الحديث الشريف لعمار رضي الله عنه، ولبعض الصحابة رضوان الله عليهم. (1/6)
صفحة 6
قال فخر المجتهدين قطب الأئمة، رحمه الله تعالى في رده على العقبي: (وان أردت أنهم مهملون لا إمام لهم، فقد سهوت، فإن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم) (1).
ولن يعظم في نظر الإباضية إلا المؤمن الذي يستمسك بغرز النبي، عليه السلام ويسلك المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، ومهما بلغ الرجل من العلم والعمل فإن في مقاله مأخوذا ومتروكا غير من قال فيه الكتاي الكريم:
) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3، 4)) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةًٌ) (الأحزاب:21).بهذه النظرة الواقعية ينظر الإباضية إلى أئمتهم، فهم بشر غير معصومين، تحتمل أقوالهم وأعمالهم الخطاء والغفلة والنسيان، ولذلك فما يصح تقليدهم لأفعالهم أو لأقوالهم، وإنما تؤخذ عنهم تلك الأقوال، ويقتدى بهاتيك الأفعال، حين يقيمون على صحتها وصوابها الدليل، الذي لا يقبل التأويل، فاتباعهم في قول ليس تقليدا لهم، ولا اتباعا لرأيهم، وإنما هو اتباع لمن يتبعون، وتقليد لمن به يقتدون، وبهديه يهتدون، وإلى حكمه يرجعون.
علي يحيى معمر
__________
(1) 1 الرد على العقبي ص 3. (1/7)
صفحة 7
هذا الكتاب
عنوان هذا الكتاب: (الإباضية في موكب التاريخ) فهو يعنى أولا بالشئون التاريخية لهذه الفرقة من فرق المسلمين الكثيرة، المنتشرة في العالم، ويعني بها ثانياً في مختلف أوطانها، ولم يكن الباعث على وضع هذا الكتاب، غير الكشف عن جوانب مشرقة، من تاريخ الأمة الإسلامية الكبرى، في طائفة من طوائفها المتعددة، وفي ركن من أركان وطنها الفسيح.
وأنا حين أكتب عن هذه الفرقة من فرق المسلمين، أو عن غيرها من الفرق، أو حين أتحدث عن بعض الأماكن من هذا الوطن، أو عن غيرها من الأماكن التي يسود فيها الإسلام، لا أقصد الدعاية لها، ولا التنقيص من غيرها، لأنني أؤمن أن هذه الطوائف هي جوانب من الأمة، وأن تلك الأماكن هي جهات لوطن الإسلام، ولأنني أؤمن أن في الفرق الأخرى وفي الأماكن الأخرى مثل ماعند هذه الفرقة، ومثل ما في هذه الأماكن من الأمجاد. ثم لأنني أؤمن أن في هذه الأمة الإسلامية- وهي تتكون من هذه الفرق – من عباقرة الرجال، وفي الوطن الإسلامي – وهو يتكون من تلك الأماكن – من التربة الخصبة التي تنبت المجد والعظمة، مالا يستطيع قلم أن يحصيه، ولا باحث أن يستقصيه. وإذ قد كتب على هذه الأمة الإسلامية- في كثير من أدوار التاريخ – أن تنقسم إلى طوائف دينية مختلفة بعض الإختلاف، فإنني أستطيع أن أزعم أن تلك الطوائف تنطلق إلى غاية واحدة وإن تعددت بها السبل. كما أستطيع أن أقول: إن لكل منها عباقرة وأعلاما قدموا للإسلام من جهة، وللبشرية من جهة أخرى، أجل الخدمات.
وإذ قد كتب على الوطن الإسلامي أن يتجزأ إلى أوطان صغيرة، تحكمها دول (1/9)
صفحة 8
مختلفة، فإنني على يقين أن كل وطن من هذه الأوطان الصغيرة أنجب من الفحول من يعد مفخرة في جبين الإنسانية.
فإذا انجرفت في تيار سياسي منحرف عن نهج الإسلام دول تسيطر على بعض البقاع الإسلامية، فإن الأمة المسلمة الكبرى، لم تزل، ولنتزال تؤدي رسالتها. وإن الفرد المسلم، والجماعة المسلمة لا تزال تحافظ على هذه الرالة في تقديس وإعتزاز. وذلك يعني أن الكفاح في سبيل الحق والخير والسعادة لم يتوقف، ولن يتوقف مادام على وجه البسيطة مسلمون، يؤمنون بقيمة التشريع الإلهي لمصلحة البشرية.
إنني أود أن يعلم القاريء الكريم، أن الباعث على إخراج هذا الكتاب، وقصر البحث فيه على فرقة واحدة من فرق الإسلام، والتحدث عن رجال وأماكن معينة- أود أن يعرف القاريء الكريم، أنالباعث على ذلك لا يرجع إلى عصبية مذهبية، تضيق بالتفكير المنطلق في دين الله من سائر الفرق، ولا إلى جمود في حب وطن ضيق، لا يتسع لبلد الإسلام. وإنما يرجع إلى أنني درست أصول هذه الفرقة، وعرفت من تاريخها أكثر مما درست من غيرها وعرفت منه.
ثم ان أقلاما لم تستقص البحث، ولم تتعرف الحقيقة، قد تناولت هذه الفرقة بشيء من الخطأ، في فهم أصول العقيدة، والخطأ في فهم البواعث على العمل، والخطأ في فهم الأسباب التي نتجت عنها أحداث تاريخية، حُمّلت هذه الفرقة أوزارها، وبريء منها أولئك الذين تسببوا فيها.
والذي يهمني في هذا الكتاب، أن أوضح بعض اللبس الذي نتج عن آثار الأقلام الخاطئة. فإننا في أشد الحاجة إلى أن نزيح عن تاريخ الأمة الإسلامية في مختلف فرقها وطوائفها ذلك الرين الذي رمتها به أقلام مغرضة أو مخطئة، حتى إذا استقام تاريخ الأمة على حقيقته، وبرئت الفرق المختلفة مما قيل عنها بسؤ نية (1/10)
صفحة 9
أو بحسن نية مما لا يتلاءم مع أصولها وقواعدها ومصادر تاريخها وتشريعها، إذا استقام التاريخ على ذلك، سقط عن الأمة كثير مما دسته الأيدي العابثة، والآراء المخطئة، والأقلام المغرضة، سواء كان ذلك من كيد خارجي اندس في التراث الإسلامي، فآزرته عقول سطحية، لم تنتبه لما يحمله من عدوان. أو من كيد داخلي دعت إليه ألسنة لم يهذبها النطق بالشهادة، فتقولت الأقاويل من أجل غرض دنيوي قريب، أو متاع فيها قليل.
فإذا استقام التاريخ الإسلامي المجيد، وعرض كل أصحاب فرقة من فرق الإسلام عقائد تلك الفرقة، وأحداث تاريخها، ومدى ارتباطها بمصدرها الأول عرضا واضحا صريحاً، وأزيلت عنها ما ألصقته بها الدعاية المغرضة، أو الجاهلة، أو المستغفلة، وجد جميع أصحاب الفرق في جميع مواطن الإسلام، أنهم متشابهون كل التشابه، فهم منطلقون لتحقيق الرسالة الخالدة التي أنيطت بهم، في طريق واحدة، أوفي طرق متشابهة، منتهية إلى غاية واحدة. (1/11)
صفحة 10
رجوع إلى محجة الإسلام
لقد اشتط المسلمون في ابتعادهم عن الدين، فحادوا في عملهم عن سيرة السلف الصالحين، وأوغلوا في تجافيهم عن سبيل الله، فبعدوا عنه.
بَعُد عنه المتعلمون، بما زخرفته لهم وثنية الغرب، ودعت اليه فورة الإلحاد التي تجتاح العالم، وبثه في الأفكار والعقول قوم لا يؤمنون بدين، ولا يعملون لمثل، ولا يقدسون الأخلاق والأعمال التي فرضتها السماء على الأرض.
وبعُد عنه البسطاء، بما دسته الإسرائلية الماكرة، وأدخله علماء السؤ في الإسلام، ورضيه الفقهاء المغفلون من خرافة وبدعة، ظنه الناس من دين الله. وإنه لمما يدعوا إلى الغبطة، ويبشر بالخير، أن أقلاما مباركة أخذت على نفسها أن تذود عنالإسلام عدوان أعدائه، وعدوان أتباعه على السواء:
1 - فأما عدوان أعدائه الذي يشنه الإستعمار والصهيونية بمختلف الإساليب وفي مختلف الواجهات، ففيما يلي:
العدوان على الخلق الإسلامي، بتيسير وسائل الإنحلال، ونشر أسباب المتعة المحرمة، وتهوين الإثم في ارتكاب ماحرم الله في الأبدان والأعراض والأموال، وتشجيع القوميات الضيقة، لتهون رابطة الإسلام المتينة، ودعوى حرية الأديان وتساويها، حتى تصبح الأديان الباطلة، والوثنية الكافرة، والإلحاد الذي لا يؤمن بالله، يطغى على الإسلام في بلد الإسلام، وحتى تنفصل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض، خوفا من إغضاب قلة تتبع ملة خاسرة، أو طائفة تحارب الإسلام في عقر داره بعقيدة باطلة.
والعدوان على الفكر الإسلامي القويم، بترويج مذاهب اجتماعية (1/13)
صفحة 11
وسياسية، وضعها أصحابها لأهداف خاصة، ومرامي مقصودة، وأغراض دعتهم إليها مصلحة شعب أو دولة، فأصبح أولئك الواضعونيتبوؤن مقاعد التقديس، وأصبحت أقوالهم وآراؤهم تورد للبرهان في مواضع الإحتجاج، ويرد بها على أحاديث المعصومين، وعلى الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
والعدوان على التشريع الإسلامي ومبادئه الحكيمة، التي أرسلها خالق الإنسان لإسعاد الإنسان، بأنواع من التشريع الضيق المحدود، الذي يضعه البشر، وهم في وضعه غير أمناء.
والعدوان على العقيدةالإسلامية، التي تحرر الإنسان من أية عبودية لغير الله، وتساوي بني آدم جميعا في كرامة البشرية. بخرافة أصل الأنواع، وقصة الطبيعة، وماتزخرفه أكاذيب أتباع داروين في قضية التطور.
2 - وأما عدوان أتباعه، فبعدمفهمهم لأسراره، وعدم تمسكهم بحقائقه، وبتجافيهم عن تعاليمه، وتقاصيهم عن توجيهه، وبعد تحكيمهم له، والرجوع اليه، والرضا بحكمه فيما شجربينهم من خلاف.
لقد عملت تلك الأقلام المباركة على نشر الوعي الديني بين المسلمين، تكشف عن الصفحات البيض المشرقات، التي يجهلهاالعامة من أتباع الإسلام، ويخشاها العارفون به من أعدائه، فيتجاهلونها، وتتصدى في عزم وإصرار وثبات، لرد الطعنات التي توجه إلى دين الله، في خفايا الدعاية المغرضة وبين أستار من العلاج المسموم لمشاكل الشرق، ودعوى تحضير بنيه، وإيصالهم إلى الركب الزاحف، الذي يسرع في الهيمنة على ميادين الحياة.
يسرني أن أشير إلى تلك الأقلام المسلمة، التي تستمد حياتها من روح الإسلام، لتدفع عنه عدوان المعتدين، ودسائس المستعمرين، ومكر الصهاينة والصليبيين، (1/14)
صفحة 12
ولتكشف تحريف العابثين، وتخريف الجاهلين، وعناد الجامدين، وتجافي المخدوعين، ولتدعوا أبناء أمة محمد إلى الإستمساك بدين محمد، كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
يسرني أن أشير إلى حملة هذه الأقلام المباركة المكافحة، وإلى كل من يجري في هذا المضمار، من الذين يحيون كل يوم سُنة، ويميتون كل يوم بدعة، ويذودون عنالإسلام شبهات أعداء الإسلام.
ولست بذكر هؤلاء الالمكافحين في سبيل الله من حملة الأقلام الأحياء أنكر فضل غيرهم ممن جاهدوا لإعلاء كلمةالله، فإن الجهاد في سبيل الله لا ينكره مؤمن بالله، ولكن الحصر لا يتأتى في مثل هذا المقام، فلست أنسى فضل الإمام، وبعثه للروح الإسلامية في المسلمين، ولا أثر تلاميذه- تلاميذ الدرس أو تلاميذ الفكرة- الذين حررواعقول المسلمين من الخرافة والبدعة والجمود، وردوا مطاعن الكائدين من بقايا الحروب الصليبية المتعصبة.
كما لا أنسى فضل الإمام البناء، الذي نفخ روح العزة والكرامة والكفاح في نفوس الشباب المسلم، وبذر فيهم روح الفدائية التي يسميها الإباضية مسلك (الشراء) ويعتبرونها مظهرا من كرامة المسلم وعزة الإسلام، عندما تسيطر دولالطغيان والظلم، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
إنني لا أنسى فذل هؤلاء ولا فضل غيرهم، ممن لم أذكره في هذا الفصل القصير، ولكنني أشرت بالتخصيص إلى أقلام مباركة حية، لا تزال في ميدان المعركة، تواصلالكفاح في سبيل الله ضد الطغيان: طغيان العدو الخارجي، وطغيان العدوالداخلي.
طغيان المال، الذي نفخ الكبر في أفراد من البشر، فاقتعدوا في زعمهم عروش الآلهة، (1/15)
صفحة 13
وطغيان الفقر الذي نفخ الذلة والإستكانة في قلوب أفراد من البشر، فأصبحوا عبيدا لإخوانهم من بني الإنسان.
طغيان العلم الملحد، الذي لا يعترف إلا بالمادة، ولا يؤمن إلا بالتجربة، ولا يستسلم إلا لما تلمسه يداه، وهو مع ذلك يجهل أقرب الحقائق إليه، وأدنىلمعارف منه، فما يعرف شياء عن مجرى الحياة بين يديه، ولا يفهم سرا من أسرا النفس البشرية التي يكافح لخدمتها، ولا يصل إلى أقرب المعلومات عن الروح التي أودعها الخالق في الإنسان والحيوان والنبات.
وطغيان الجهل الكافر الذي ينحجب عنه النور، فلا يستبين الحق فيما دعتاليه رسالات السماء، للتحليق بالإنسانيه في ملكوت الله، ولا يرى الباطل فيما وسوست به شياطين الأرض من الإخلاد بابن آدم في وحل الطين، وقذارة التراب. (1/16)
صفحة 14
لماذا كتبت هذه الفصول؟
يحلو لبعض المتعلمين الذين لا يعرفون من حقائق التاريخ، وبدائه العلم، وأوائل أصول العقائد، ما يباعد بينهم وبين العامة، ويخرجهم من حيز الأمية الثقافية. يحلو لناس من هؤلاء، أن يتزيوا بزي العلماء العارفين، وأن يتحدثوا حديث الباحثين المطلعين، وأن يستعرضوا أحداث الزمن في الحاضر و الماضي، ليطلقوا عليها أحكاما قاطعة، ويدلوا فيها بآراء ثابتة، دون حاجة إلى حجة أو دليل، غير أن أحدهم قرأ موضوعا في مجلة، أو أن الآخر رأى فقرة تتحدث عن موضوع معين في جريدة سيارة، أو أنه لمح ذلك في كتاب أو كتابين، وقد يكون هذا الموضوع الذي لمحه صاحبنا، لا يمكن لمحقق أن يصدر فيه برأي إلابعد الجهود المضنية، والأبحاث المستفيضة، والاطلاع على عشرات المجلدات.
وقد استمعت إلى مناقشة لنفر من هؤلاء الفريق، تناولوا فيها طوائف المسلمين بالعرض والتحليل، والتخطئة والصواب، والهداية والإضلال، وعرضوا فيما عرضوا إلى الإباضية، فقال بعضهم: هم فرقة من الخوارج، لأنه قرأت ذلك في كتاب من كتب التاريخ، وقال آخرون: بل هم فرقة من المعتزلة، لأنهم يعتقدون أن القرآن مخلوق، وذهب بعضهم إلى أنهم يتفرعون عن الأشاعرة، لأنه سمع أنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره من الله. ولم يهتم واحد من هؤلاء الذين يتطارحون النقاش، ويتبادلون الآراء، وينزلون الأحكام على عدد من الفرق الاسلامية، بالتخطئة أو التصويب. أن يظهر الأسباب التي دعته إلى إصدار حكمه، والأدلة التي يستند إليها في إبداء رأيه، غير ما قدمه من تعليل (1/17)
صفحة 15
ساذج في بعض النقط لا يقنع عاقلا، ولا يصلح سببا لوجهة النظر.
وقد رأيت أن أستعرض أحد تلك المواضيع التي دار حولها النقاش بقدر ما أستطيع، وأن أحاول الإجابة عن تلك الأسئلة الحائرة التي تداولتها فيه الألسن والشفاه، وأن أتحدث عن بعض الأصول التي بنى عليها الإباضية مذهبهم، واستمدوا منها عقيدتهم، واقتبسوا منها أدلتهم وبراهينهم. (1/18)
صفحة 16
معنى الخوارج
هل الإباضية فرقة من الخوارج؟
قبل أن يجيب أي باحث عن هذا السؤال يجب أن يحدد معنى كلمةالخوارج وما تدل عليه.
يطلق بضع المؤرخين كلمة الخوارج، على أولئك الناس الذين اعتزلوا أمير المؤمنين علياَ بن أبي طالب عندما قبل التحكيم ورضي به، لأنهم في نظر هؤلاء نقضوا بيعة في أعناقهم، وخرجوا عن إمامة مشروعة.
ويطلقها فريق من المتكلمين في أصول العقائد والديانات، وهم يقصدون بها الخروج من الدين، استنادا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية} وقد ورد الحديث بروايات متعددة وألفاظ مختلفة (1).
أما الفريق الثالث، فيطلقها ويقصد بها الجهاد في سبيل الله، استنادا إلى قوله تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهًِ) (النساء:100).
وإذا أباح بعض المؤرخين لأنفسهم أن يطلقوا هذه الكلمة- كلمة الخوارج – على جميع أولئك المتمسكين بولاية علي، المصرين على أنها حق شرعي لا يجوز فيه التردد، وأنه ليس من حق حتى عليِِِّ نفسه، أن يشك في إمامة أجمعت عليها
__________
(1) 1 ورد في مسند الربيع بن حبيب، الجزء الأول صفحة 12 الطبعةالثانية 1349 هكذا: أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكممع صلاتهم، وصيامكم معصيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم يقرأون القرآن ولايجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في القدح فلا ترى شيئا، ثم تنظر الريش فلا ترى شيئاَ وتتمارى في الفوق. (1/19)
صفحة 17
الأمة، ولا أن يتساهل فيها، أو يقبل عليها المساومة، وأن معاوية وأتباعه فئة باغية، يجب عليهم الرجوع إلى حضيرة الإمامة والأمة، إما طوعا وإما كرها بنص الكتاب، فإذا رضخ عليّ لطلب البغاة، ووضع الحق اليقيني موضع الشك، وتنازل عن الواجب الذي أناطته به الأمة، وألزمته به البيعة، فإن هذه البيعة تنحل من أعناقهم، وهم بعد بالخيار.
قلت: إذا أباح بعض المؤرخين لأنفسهم، أن يطلقوا كلمة الخوارج، على هذه الطائفة، فإنه يحق لنا أن نتريث ونتثبت حتى يستبين لنا طريق الصواب، ويتضح منهج الحق.
ولكي ننصف هؤلاء القوم، الذين أطلق عليهم بعض المؤرخين لقب الخوارج، وحاربهم إخوتهم المسلمون بالدعاية الكاذبة والصادقة، وقاتلوهم! كما لم يقاتلوا حتى أعداءهم في ذلك الحين، وطاردوهم! كما لم يطاردوا حتى الزندقة والإلحاد.
لكي لا نظلم هؤلاء القوم، ولكي نوضح موقفهم كما يرونه في ذلك الحين، دون أن يتسرب إليه خطاء التاريخ المغرض، أو تحامله عليهم، ودون أن نهتم بالدعاية الكاذبة، التي تقلب حقائق التاريخ، قلبا لا يرضاه التفكير السليم، والمنطق القويم، تلك الدعاية التي تعاون على بثها وإشاعتها، كل من الأموية المتعصبة المتسلطة، والشيعة الغالية المتطرفة، لكي نوضح موقف هؤلاء القوم، يجب أن نستعرض حركة الثورات (1) منذ فجر الاسلام، ونضع صوررته الواضحة بين أيدينا، لتصح المقارنة، ويكون الإستنتاج أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الدقة.
__________
(1) 1 لقد استعملت كلمة الثورة في حلقات هذا الكتاب، وأنا أقصد بها الحركة التي يقوم بها ناس لتغيير وضع لايرضيهم دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا مهما كانت بواعث هذه الحركة. وأيا كان هذا الوضع. ولم أقصد باستعمال كلمة ثورة في هذه الحلقات، ما قد تشعره هذه الكلمة من المعنى العميق الذي يقصد به التغيير الجذري في حياة أمة وعقيدتها. (1/20)
صفحة 18
عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفاح مستمر ضد الوثنية التي تسيطر على العالم، وجهاد متواصل ضد القوى المتكتلة التي تعارض انطلاقة الدعوة لتحرير الإنسان من عبادة غير الله. فلما جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأتم الله نعمته على أمة محمد، ورضي لهم الاسلام دينا، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما أدى الرسالة، وبلغ الأمانة ....
وبايع الناس أبا بكر خليفة له، ولكن بعد هذه المبايعة مباشرة، وقعت أول ثورة في الإسلام، من أناس كانوا يشهدون أن لا أله إلا الله وأن محمد رسول الله، وكان من هؤلاء الثائرين من ارتد على عقبيه، وأنكر ما اعترف به، ومنهم من عزت عليه أمواله، فامتنع من أداء الزكاة ...
فكان في الموقف الحازم الذي وقفه منهم خليفة رسول الله، رغم معارضة بعض الصحابة له، كان في هذا الموقف الحازم الصلب، إقرار لحكم الله، وتثبيت لقدم الإسلام، ونصر لدين الله، وقضاء مبرم على أصول هذه الثورة أو الفتنة، والقائمين بها، فاستتب الأمن، واستقرت الأمور واستمر المسلمون في أداء الرسالة التي دعا إليها محمد، طيلة خلافة أبي بكر، وطيلة خلافة عمر، ذلك العهد المجيد الذي يعتبر بحق امتدادا لعصر النبوة. وتولى عثمان الخلافة، فسارت الأمور ست سنوات كاملة سيرتها في زمن الخليفتين السابقين، ثم بدأت الاحوال تتغير، وظهرت مشاكل جديدة، وتعثر سيرة الخلافة فقد أصبح نقد أعمال الخليفة والنيل من سلوكه يتفشى على كثير من الألسنة، ويجري في كثير من المجتمعات، ولم تتم ست سنوات أخرى حتى كانت الثورة الجامحة التي ذهبت فيما ذهبت بحياة عثمان بين سمع وبصر كثير من الصحابة، وكانت هذه الثورة الثانية بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وبايع المسلمون علياً بن أبي طالب أميراً للمؤمنين، وكان أول من بايع: طلحة (1/21)
صفحة 19
ابن عبد الله والزبير بن العوام، ولكن ما كادت أن تتم البيعة حتى كان طلحة والزبير يحملان لواء الثورة مع جماعة من كبار الصحابة، وقد استظهروا بأم المؤمنين عائشة. ووقف الخليفة مع الثائرين موقفا حازما صلبا، وقتل في هذه الثورة الطاحنة عدد غير قليل من المسلمين، ذهب فيمن ذهب فيها طلحة والزبير، وتابت أم المؤمنين، ورجع بقية الثائرين إلى حظيرة الإمامة والأمة، وكانت هذه هي الثورة الثالثة في الإسلام.
لم تكد تنتهي هذه الحرب الطاحنة، ويعود إلى البلاد الهدوء والإستقرار، ويعرف معاوية أن الثورة فشلت، وأنه معزول عن ولاية الشام لا محالة، حتى أعلن الثورة بالشام، وهو حينئذ عامل من عمال الخليفة، وأظهر أنه يطالب بدم عثمان، وقد استعد أمير المؤمنين لإطفاء هذه الثورة، كما أطفاء الثورة التي سبقتها، وجهز جيشه القوي، وسار به نحو الشام، حيث التقى بالجند الثائر في الموضع المعروف (صفين) وبدأت المعركة، ثم استمر القتال حتى ظهرت طلائع النصر، وأشرف جيش الخليفة على امتلاك زمام المعركة، ولم يبقى للقضاء على هذه الثورة الجامحة إلا لحظات، عبر عنها الأشتر النخعي (بفواق الناقة) التجأ الثائرون إلى الحيلة والخدعة ولجأوا إلى المكر والمكيدة، فرفعوا المصاحف وهم يصيحون ياأهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله.
طالب الثائرون هدنة، ودعوا الخليفة الشرعي وجيشه إلى تحكيم حكمين.
وقد فطن أمير المؤمنين وبعض من جيشه إلى هذه الخدعة، وعرفوا القصد من هذه الهدنة، ولكنه بدلا من أن يقف موقفه الحازم، ويوالي حربه ضد الثائرين، حتى يتحقق النصر- وقد تحققت بشائره- ويُلقي البغاة بأسلحتهم، ويعودوا إلى صف الأمة الذي انشقوا عنه، وبغواعليه، بدلا من أن يقف موقفه الحازم ذلك، استجاب لدعاة الهزيمة، وأخد بنصيحة طلاب الدعة، وأكثرهم موعود من (1/22)
صفحة 20
معاوية أو من عمرو بن العاص (1). ورضي بالتحكيم وقبل الهدنة، وأمر بايقاف القتال في الحال.
وهكذا انتهت هذه الثورة الرابعة إلى هذا الموقف المائع، الذي جعل حق عليّ في الخلافة يتساوى مع حق معاوية، وجعل نصيب البغاة الثائرين يساوي نصيب جيش الإمة الذي يدافع عن خلافة شرعية تمت بالشورى، وانعقدت بالبيعة.
وتداعى الذين فطنوا إلى خدعة الهدنة من أصحاب علي وحذروه من قبولها، وأخبروه أن قبولها يعني الشك في خلافته والتنازل عنها. وكانوا مصرين أن الخلافة الشرعية حق لا يتطرق اليه الشك، ولا يجوز فيها الرجوع، ولا تقبل فيها المساومة.
وإذ خطر لعليّ أن يستجيب لدعاة الهزيمة من جيشه، والماكرين من عدوه، وأن يشك في نفسه، والحق الذي بيده، ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، ويساوي بينه وبين أحد عماله، في قضية أخذ فيها عهداً من الأمة، وأخذت منه فيها موثقا وعهداً. ورضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله.
حين فعل عليّ ذلك، تداعى أولئك الذين لم يرتضوا التحكيم، وحذروا علياً من قبوله. وهم يرون أن معاوية باغ لا حق له، وأن بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة ورضائه بالتحكيم، فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة، وليس لأحد عليهم ميثاق. تداعوا إلى أن يعتزلوا جيش علي، وركنوا إلى موقع يسمى حروراء فانعزلوا فيه، ينتظرون تجدد الحوادث، واتجاه الامة في قضية الخلافة، ويمكن ان يسمى هذا الانعزال عن جيش علي: بالثورة الخامسة، ولو ان هذه الثورة إلى هذا الحين كانت ثورة سلبية، وموقف أصحابها كان موقف المحايد الذي ينتظر مجرى الأمور، وقد
__________
(1) 1 قال أبوالعباس الشماخي في السير ص48 (وكان معاوية يمنيهم.) (1/23)
صفحة 21
جرت الأمور بأسرع مما يتوقع لها، فما بلغ الموعد الذي حدده الطرفان لإنتهاء الهدنة حتى اجتمع الناس، وأعلن أبو موسى الأشعري مندوب عليّ: عزل عليّ من الخلافة، وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون.
كان هؤلاء المحايدون يتتبعون منطق الحوادث والواقع، فهم ينظرونالى معاوية نظرتهم إلى باغ يحاول ان يفرض نفسه بالمكر والحيلة، ولذلك فهم لا يقيمون أي وزن لدعوى عزله، فهم لم يتولى أمر الخلافة إلى ذلك الحين، لا بالإكراه ولا بالشورى، فلا معنى لغزله من منصب ليس هو فيه، كما لا يقيمون أي وزن لتولية عمرو بن العاص له، لا ن عمرو لم يفوضه المسلمون في تولية أمير المؤمنين. أما نظرتهم إلى علي فقد كانوا يتوقعون أن يتفق الحكمان على إقراره في الحكم، وحينئذ ترجع إلى علي الصبغة الشرعية التي تنازل عنها لإثباتها، ويجب على المسلمين حينئذ أن يوحدوا صفوفهم تحت طاعته ماقام فيهم بكتاب الله. ولكن المندوب الذي اختاره علي ليمثله في هذه القضية الظالمة، أعلن أنه عزل عليا عن أمر المسلمين، وأن ألامر أصبح للشورى والإختيار، وتؤيد موقف هؤلاء المحايدين، وانظم اليهم عدد أخر ممن كانوا يقفون إلى جانب علي حتى ذلك الحين، وبحثوا الامر فيما بينهم على أساس أن المسلمين أصبحوا دون خليفة، فهذا معاوية باغ ظالم لا يمكن أن يتولى أمر المسلمينن، وهذا علي يعزله المنذوب الذي اختاره للتحكيم، وأذن فليختاروا ...... واختاروا عبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه اميرا للمسلمين وخليفة للمسلمين بعد علي بن أبي طالب، فهو الخليفة الشرعي الخامس في نظرهم.
وبهذه الخطوة أصبحت الأمة الاسلامية منقسمة إلى ثلاث دول: دولة يرأسها معاوية – وإن لم يبايعه عليها أحد إلى ذلك الحين- ودولة يرأسها علي بن أبي طالب بعد أن فشلت في نظره حكومة الحكمين – وعاد فاستمسك بالبيعة الأولى دون أن يعترف بعزل ابي موسى الأشعري له منذوبه في قضية التحكيم- ودولة يرأسها (1/24)
صفحة 22
عبد الله بن وهب الراسبي- بعد أن بايعه جمع كبير من الذين انفصلوا عن علي عند قبوله التحكيم، ثم عند اعلان الحكم بعزل علي عن الخلافة- ومع كل فرقة من هذه الفرق جمع غير قليل من كبار الصحابة، وفيهم بعض المشهود لهم بالجنة (1). على أن هناك فريقا رابعا اعتزلوا هذا النقاش الذي وقع بين المسلمين، وبعدوا عن قضية الخلافة، فلم يطلبوها لأنفسهم، ولم يؤيدوا واحدا من طالبيها، ومن هذا الفريق السادة: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة الأنصاري وأسامة بن زيد.
بعد أن جمع الامام علي جيشه، ومن بقي تحت طاعته من الجند، فكر في اعادة الكرة على معاوية واخماد ثورته، ومحاولة اخضاعه من جديد.
ولكن بعض أصحابه أشاروا عليه بمحاربة عبد الله بن وهب الراسبي، هذا الخليفة الجديد الذي وصل إلى منصب الخلافة عن طريق البيعة، وهو الطريق الشرعي للخلافة.
واقتنع علي بصواب هذا الرأي، فعدل عن محاربة معاوية إلى محاربة عبد الله بن وهب، وكان أتباع عبد الله بن وهب يعتقدون أن امامهم هو الامام الحق و أن كلا من علي- بعد التحكيم والعزل- ومعاوية ثائران يجب عليهما الرجوع إلى حضيرة الامامة والأمة.
هذه خلاصة الثورات التي اشتعلت في ذلك العصر وذهب ضحيتها عشرات الألاف من أبطال الاسلام، وقد حاولت أن ألخصها بايجاز قدر المستطاع، مع
__________
(1) 1 من المشهود لهم بالجنة عمار بن ياسر رضي الله عنه. وقتل في صفين مع علي، بعد أن رفعت المصاحف، فلم يستجب لدعوة الهدنة واندفع إلى المعركة حتى قتل، وقد قيل لمعاوية في ذلك فأجاب بقوله: (قتله من أخرجه). ومن المشهود لهم بالجنة حرقوص بن زهير السعدي. فقد حدثت عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها يوما: أول من يدخل من هذا الباب، من أهل الجنة، فدخل حرقوص بن زهير السعدي ولحيته تقطر ماء، وقد تكرر الحديث ثلاثة أيام. وقتل حرقوص مع من أنكر التحكيم. (1/25)
صفحة 23
عناية بإيضاح القضة من الزاوية التي يراها بها أؤلئك الذين يطلق عليهم في بعض كتب التاريخ والأدب كلمة الخوارج. أولئك القوم الذين يرون أنهم أصحاب الحق، وأن البيعة لم تنعقد بطريق شرعي بعد التحكيم الا لعبد الله بن وهب الراسبي، ذلك الخليفة الذي بايعه جمهو من الامة، فيهم كثير من كبار الصحابة، من بينهم بعض المشهود لهم بالجنة.
فإذا رجعنا إلى أول هذا البحث، وأردنا أن نستخلص منه طائفة معينة، من الطوائف التي قامت بالثورة، لنطلق عليها اسم الخوارج، فينطبق هذا الاسم عليها انطباقا كاملا، من الناحيتين السياسية والدينية، ويكونون خوا ج عن الخلافة وخوارج عن الدين، وينطبق عليهم الحديث الذي أوردناه سابقاً.
فأي هذه الطوائف الثائرة يمكننا أن نطلق عليها هذا الاسم ملاحظين فيه معنى الخروج عن الاسلام ونحن مطمئنون إلى صحة أحكامنا، ومنطقية استدلالنا وعدم انسياقنا إلى تيار معين من تيارات التاريخ.
أما أكثر أوائل المؤرخين، وقد كانوا إما تبعا للشيعة أو صنائع للأمويين، يعملون جاهدين على إرضاء متبوعيهم، فقد وجدوا الأمر سهلا لم يكلفهم عناء، فأطلقوا كلمة الخوارج على العدو المشترك للأمويين والشيعة، أطلقوها على تلك الطائفة من المسلمين التي اعتزلت عليا عند التحكيم وبايعت عبد الله بن وهب إماماً، وثارت على الظلم، وفساد الحكم في الدولة الأموية، ومن بعدها ممن سار في ذلك الطريق، وتنكب عن سيرة الخلافاء الراشدين. ولكى يصبغ أولئك المؤرخون هذه التسمية باللون المقبول، ربطوا المعنى السياسي لكلمة الخروج بالمعنى الدينى، و قد عملت السلطة و الدعاية في كلتا الطائفتين: الشيعة و الاموية، على تثبيت هذا الاطلاق و نشر هذه الاقاويل، حتى وضعت مئات الاحاديث المكذوبة في الطعن على الخوارج، و التشنيع عليهم، و نسبة المروق و الكفر اليهم جميعاً، او إلى افراد (1/26)
صفحة 24
من رؤسائهم و زعمائهم، وقد كان المهلب بن ابى صفرة القائد الذى ضحى بدينه لدنيا بنى امية، من اكثر الواضعين لهذه الاحاديث المكذوبة في الطعن على الخوارج، حتى اشتهر بذلك و عرفه به الناس، فكانوا يقولون اذا رأوه خارجاً: (راح يكذب) (1). كان الأمويون والشيعة يحاولون بكل ما استطاعوا أن يلصقوا هذا اللقب، لقب الخوارج- بعد أن فسر بالخروج من الدين- بهؤلاء الثائرين الذين ينادون في إصرار وشدة، بالمباديء العادلة في الخلافة؛ وكان الشيعة يحاولون بما أوتوا من براعة أن يحصروها في بيت علي، كما كان غيرهم من الطامعين فيها، يشترط لها الهاشمية أو القرشية أو العروبة، حسب المصلحة السياسية لأصحاب الآراء في ذلك الحين. وكل هذه الإتجاهات تجتمع على محاربة الاتجاه الذي اتجه إليه أتباع عبد الله بن وهب الراسبي. ذلك الإتجاه العادل الذي يرى أن المسلمين متساوون في الحقوق والواجبات. (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) {لافضل لعربي على أعجمي إل ابالتقوى}.
قلت في صدر هذا الحديث: إن عددا من الثورات وقع منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إنتهاء خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب، فأيُّ هذه الثورات يحق أن يطلق على القائمين بها لقب الخوارج، مع ملاحظةالخروج عن الخلافة الشرعية والمروق من الدين؟
__________
(1) 1 جاء في فجر الاسلام للاستاذ احمد امين الطبعة السادسة ما ياتى: (وكان مما حاربهم به المهلب ابن ابي صفرة اختلاق الاحاديث عليهم: فقد كان يضع الحديث ليشد به أزر قومه، ويضعف به من امر الخوارج ما اشتد، و يقول: إن الحرب خدعة، وكان حى من الأزد إذا رأوا المهلب خا رجاً قالوا: راح يكذب! و فيه يقول رجل منهم: انت الفتى كا الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول.
ولعل هذا وامثاله هو السر فيما ترى من احاديث ملئت بها كتب التا ريخ و الادب في ذم الخوارج. (1/27)
صفحة 25
لتسهيل الإجابة على هذا السؤال أستطيع أن أقسم هذه الثورات إلى ثلاثة أقسام:-الأول: ثورة ليس لها تعليل ولا أسباب غير عدم تمكن الإسلام في قلوب القائمين بها. وعدم إيمانهم الإيمان الصحيح بتكامل الرسالة المحمدية، ويتجلى هذا في الثورة الأولى، التي ارتد فيها فريق، وامتنع فريق أخر عن أداء الزكاة.
الثاني: ليس لها أسباب ظاهرة معقولة: أما أسبابها الحقيقية الخفية، فهي النزاع على مناصب الدولة، من خلافة أوعمالة، ويتمثل ذلك في الثورة الثالثة التي قام بها طلحة والزبير، وفي الثورة الرابعة التي قام بها معاوية بن أبي سفيان.
القسم الثالث: ثورة استندت إلى أسباب ظاهرة يتراءى للناظر أنها معقولة، ويتمثل ذلك في الثورة الثانية التي قتل فيها عثمان، وفي الثورة الخامسة التي اعتزل فيها جماعة من جيش علي بعد التحكيم، وعزل أبي موسى الأشعري له.
فلو كان المقصود من كلمة الخوارج، هو الخروج السياسي عن خليفة تمت له البيعة الشرعية، لكان إطلاق هذه الكلمة على طلحة والزبير، أو على معاوية وأتباعه، أو على الثائرين على عثمان أظهر وأوضح، أما إذا لوحظ المعنى السياسي مع المعنى الديني فإنه لا يمكن إطلاق هذه الكلمة عليهم، كما أنه من العسير إطلاقها على المعتزلين لعلي.
والسبب في هذا العسر أن هؤلاء الثائرين سواء كانوا من القسم الثاني أو من القسم الثالث إنما ثاروا غير منكرين لأصل من أصول الإسلام، ولا مكذبين بمعلوم من الدين بالضرورة، ومع كل طائفة منهم فريق من كبار الصحابة، فيهم بعض المشهود لهم بالجنة.
وبناء على هذا فإن أحاديث المروق –إذا صحت- لا يكون المقصود منها إلا أصحاب (1/28)
صفحة 26
الثورة الأولى، أولئك الذين خرجوا على خلافة أبي بكر منكرين للشريعة أو لأصل من أصولها، فإن هؤلاء يستطيع الباحث أن يطلق عليهم كلمة الخوارج، وهو يقصد بهذه الكلمة معنييها السياسي والديني وهو مطمئن، لخروجهم عن خلافة مجمع عليها، وإنكارهم للإسلام جملة بعدما أمنوا به، أو تكذيبهم بركن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، إنكارا إستحقوا به أن يحاربهم خليفة رسول الله الأول حربا لا هوادة فيها، مصداقا لقوله عليه السلام: [لإن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود] – إن صح الحديث - وقد قتلهم خليفته رضي الله عنه قتل ثمود تحقيقا لخبره عليه السلام.
ويستأنس لهذا الرأي من توقعه صلى الله عليه وسلم أن يدركهم، فإن هذا يدل على قرب زمنهم منه، وأنه كان يأمل أن ينتقم لله منهم، ولكن إرادة الله شاءت أن يتأخروا عنه قليلا، وأن تكون فتنتهم إمتحانا لصلابة أبي بكر، وأن تكون عقوبتهم على يد الصديق رضي الله عنه.
وكما يستأنس بهذا الحديث لهذا المعنى، كذلك يستأنس بحديث المروق في الرواية التي تقول (سيخرج أو سيمرق) فإن إستعمال السين يدل على قرب الخروج، ولم يكن أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الخروج الذي قضى عليه الصديق وحارب أهله حرب ثمود.
على أنني أقف وقفة طويلة عند هذه الأحاديث التي تصف فرقا من المسلمين بالمروق من الدين. ولو أنني لا أملك الآن الأسباب التي تحملني على الشك في صحتها.
ويظهر من سياق الحوادث أن هذه الأحاديث التي تتحدث عن الخوارج، لم تكن معروفة عند حدوث الثورات الأولى، وإلا فكيف أمكن أن لا تدور على الألسنة، وأن لا يوصف بها الخارجون عن الخلافة في زمن أبي بكر وعثمان (1/29)
صفحة 27
وعلي، ولا الخارجون عن الدين في زمن الصديق؟ لماذا تبقى محفوظة لا يستفيد منها أنصار الخلافة أو خصومها في أربع ثورات جامحة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من المسلمين الأبطال. إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الأحداث لم تكن معروفة عند وقوع هذه الثورات، وإنها إنما وضعت بعد ذلك قصدا للتشنيع على أهل النهروان، ولحمل علي على قتالهم والقضاء عليهم، خوفا من أن يتحرج علي من دمائهم، ويتردد في قتالهم، ويفكر تفكيرا منطقيا في أنه قد يكون لهؤلاء حق، ولرأيهم سند.
وقد كان علي شديد المحاسبة لنفسه، كثير التفكير في أعماله السابقة، يزِنُ مأقدم عليه من أحداث، ويدل لهذا ماقاله أبو العباس الشماخي في كتابه القيم (السير): (فقال الأشعت ناجز القوم، وإن كلموا الناس أفسدوهم علينا) (1) فالشيعة الذين يحيطون بعلي، وهم يكافحون لكي يبنوا دولة، يخشون أن يتصل أهل النهروان بالناس، وأن يقنعوهم بما لديهم من حجة وبرهان، إن قبول التحكيم خطاء في السياسة، وإن خلافة علي بعد التحكيم والعزل باطلة، وإن البيعة ساقطة عن الأعناق، وإن الخليفة الحق هو عبد الله بن وهب الراسبي، الذي بايعه جمهور غير قليل من المسلمين، كان الشيعة يخافون أن يتصل أهل النهروان بالناس، ولذلك فهم يريدون أن يقضوا على هذه الآراء قبل أن تنتشر في الناس، ويفهمها الجميع، ويقتنعوا بصحتها.
ولايمكن القضاء على هذه الآراء إلا بالقضاء على أصحابها، فلو تردد علي في هذا الأمر، وتحرز من إراقة الدماء، فإن كل شيء سوف يضيع، ولذلك فيجب أن يحمل بشتى الوسائل والطرق على اتخاد هذه الخطوة الحازمة الحاسمة.
وقد استطاعوا أن يقنعوه، فاقتنع برأي الأشعت، واتخذ هذه الخطوة، ونفذ
__________
(1) 1 السير ص 52 (1/30)
صفحة 28
فكرة المناجزة، فقضى على أهل النهروان، ولكنه لم يستطع أن يقضي على الفكرة التي دعوا إليها، هذه الفكرة التي تسربت بما فيها من صدق وصراحة و واقعية إلى كثير من العقول، حتى أصبحت مبداء يناضل عنه معتنقوه بصبر وشجاعة وثبات.
وخلاصة البحث أن كلمة الخوارج، أطلقها بعض المؤرخين على أتباع عبد الله بن وهب الراسبي إطلاقا تاريخيا وأدبيا، بحيث لا تنصرف إلى غيرهم، وليس في هذا كبير بحث، فإن إطلاق إسم على مجموعة من الناس ليس بذي أهمية إذا كان هذا الإطلاق مجرد تسمية. أما إذا روعي فيه مدلول ديني فإنه يحسن بنا أن نتريث قبل أن نطلق هذا الحكم الرهيب، الذي يسلطه التاريخ المغرض على رؤوس بعض الطوائف الإسلامية في قساوة وغلظة، في الحين الذي نعترف فيه أن هذه الطوائف تؤمن برسالة (محمد) وبتكاملها، وبما جاء فيها، وتستند في آرائها ونظرياتها إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .. وتعتمد في محاججتها على ماجاء في التنزيل، وورد في خبر المعصوم، وأجمعت عليه الأمة، التي لا تجتمع على ضلال، ولو أنهم انحرفوا في الفهم، وأخطأوا في التأويل. وقد يعتقد بعضمن يطلع على هذا الفصل أنني أريد الدفاع عن الخوارج، وتبرير أعمالهم، وتصحيح أخطائهم.
والواقع أنني لم أقصد إلى شيء من ذلك، وكل ما في الأمر أنه ساقني إلى هذا الحديث، المنطقية التي وجدتها في أبحاثهم ونظرياتهم في قضية الخلافة، وحاولت جهد المستطاع أن أصور الحوادث والدواعي إليها في ذلك العصر دون أن أنساق مع تيار من التيارات، وأجعل أحكامي أكثر دقة وتجردا من المؤثرات السياسية والعاطفية والمصلحية، التي أثرت على كتّاب التاريخ والباحثين في العقائد في تلك العصور السوابق. والله الموفق للصواب. (1/31)
صفحة 29
ويسرني أن أصرح في آخر هذا الفصل، أنني أُجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنني أدع له أصحابه امتثالا لأمره عليه السلام، فلا أقول فيهم إلا خيراً، وانني أعلم أنه لو أنفق أحدنا مثل أُحد ذهباً فلن يبلغ مُدّ أحدهم أو نصيفه، وحسبهم شرفا أن الله اختارهم لصحبة رسول الله، وأنهم الدفعة الأولى من حملة مشعل الإسلام، ولعل الله اطلع عليهم فغفر لهم، كما قال عليه السلام في أهل بدر. أما أولئك الذين وردت فيهم أحاديث تعيب عليهم مسلكا أوقولا فإنني لا أتجاوز فيهم معنى تلك الأحاديث، وعهدتها على راويها وإنني أستغفر الله من الزلل وأضرع إليه سبحانه أن يغفر لي ما قد يكون انزلق إليه القلم مما لا يرضى عنه، إنه ولي التوفيق والهداية. (1/32)
صفحة 30
الخوارج في نظر الإباضية
من هم الخوارج في نظر الإباضية؟
يرى الإباضية أن إطلاق كلمة الخوارج على فرقة من فرق الإسلام لا يلاحظ فيه المعنى السياسي الثوري، سواء كانت هذه الثورة لأسباب شرعية عندهم أو لأسباب غير شرعية، ولذلك فهم لم يطلقوا هذه الكلمة على قتلة عثمان، ولا على طلحة والزبير وأتباعهما، ولا على معاوية وجيشه، ولا على بن فندين والذين أنكروا معه إمامة عبد الوهاب الرستمي، وإنما كل ما يلاحظونه إنما هو المعنى الديني الذي يتضمنه حديث المروق في صيغه المختلفة.
والخروج عن الإسلام يكون: إما بإنكار الثابت القطعي من أحكامه، أوبالعمل بما يخالف المقطوع به من نصوص أحكام الإسلام ديانة، فيكون هذا العمل في قوة الإنكار والرد. وأقرب الفرق الإسلامية إلى هذا المعنى هم الأزارقة ومن ذهب مذهبهم ممن يستحل دماء المسلمين وأموالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم، يقول العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتابه الدليل والبرهان (1): (وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله تعالى (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام:121) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها) انتهى، وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: (وأما المارقة فقد زعموا أن من عصىلله تعالى ولو في صغبير من الذنوب أو كبير، أشرك بالله العظيم وتأولوا قول الله عز وجل (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام:121) فقضوا بالإسم على جميع من عصى الله عز وجل؛ أنه مشرك، وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل الرجال، وأخذ الأموال، والسبي للعيال، فحسبهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم (1/33)
صفحة 31
من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوق، فليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أشبه شيء بهذه الرواية منهم، لأنهم عكسوا الشريعة؛ قلبوها ظهرا لبطن، وبدلوا الأسماء والأحكام، لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعصون ولا تجرى عليهم أحكام المشركين، فليت شعري فيمن نزلت الحدوح، في المسلمين أو في المشركين؟ فأبطلوا الرجم والجلد والقطع، كأنهم ليس من أمة أحمد عليه السلام. احوالت أعينهم فنظروا في المعنى الذي أمر الله به المسلمين أن يستعملوه في المشركين، من جهاد العدو والجهد في محاربتهم، فاستعملوه في المسلمين) انتهى. وقال في نفس الكتاب (1): (وأما المارقة وهم الخوارج، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل الإسلام، كسيرة أهل الإسلام في أهل الأوثان والإصنام، كأنما بعث إليهم رسول آخر غير محمد عليه السلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن ناساً من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوقٍٍ] وفي حديث آخر [يخرج من ضئضئي هذا ناس يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية] (2).
هذا رأي الإباضية الصريح الواضح في الخوارج، وهو يتلاقى مع رأي الجمهور في التسمية، ويختلف في التعليل، فالأزارقة خوارج، لأنهم أخطأوا تأويل آيات الكتاب، و أدى عملهم بهذا الخطاء إلى ردآيات، وإبطال أحكام، وليسوا خوارج لأنهم انفصلوا عن علي بن أبي طالب بعد التحكيم، أو لأنهم ساروا على الأمويين. إن رأي الإباضية لا يقيم أي وزن للناحية الثورية في اطلاق كلمة الخوارج، ولكنهم يعللونها التعليل الديني المعقول، فكلمة الخوارج لا تطلق إلا على أولئك الذين خرجوا من الدين، أما الخروج عن إمام، والثورة عليه،
__________
(1) 1 الدليل لأهل العقول ص 15
(2) 2 الدليل/: ص52 الجزء الثاني. (1/34)
صفحة 32
مهما كانت أسباب تلك الثورة، وذلك الخروج، لا يمكن أن يعتبر خروجا من الدين، ومرقا من الإسلام، ولا يصح بحال أن يطبق على القائمين بهذا الحكم القاسي الرهيب، ولو صح أن يعتبروا عصاة بغاة يجب تأديبهم حتى بالحرب لإرجاعهم إلى الأمة. والواقع التاريخي أكبر شاهد على هذا الرأي، فإنه لم يعرف على الأقل فيما اطلعت عليه أن أحدا حكم بالخروج من الدين على أصحاب الثورات الذين ثاروا على أئمة شرعيين؛ كالثوار على عثمان، أو علي، أو عبد الله بن وهب، أوغيرهم. وقد وقف أنصار الخلافة في كل تلك الأحوال للدفاع عن وحدة الأمة، وقاتلوا البغاة قتالا عنيفاً لتأديبهم، وإرجاعهم إلى حضيرة الإمامة، ولكن دون الحكم عليهم بالمروق من الإسلام. فلماذا إذن يطلق هذا الإسم على المعتزلين لعليّ دون سائر الثوار؟
إن هذا الإسم في نظر الإباضية لا علاقة له بالثورة، أو بالخروج عن أي إمام ولا يطلق بحال على جميع الذين اعتزلوا علياً، وإنما يطلق على الفرق التي تأولت آيات من كتاب الله فأخطأت التأويل، وأفضى بها سوء الفهم والتصرف إلى إنكار أورد بعض أحكام الإسلام القطعية، ولو من الناحية العملية، فخرجوا بذلك عن الإسلام، وانطبق عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم خوارج بالعقيدة والعمل، لا بالثورة.
فهل بعد هذا الإيضاح والبيان، يوجد مايدعوني أن أقرر من جديد: أن الإباضية ليسوا من الخوارج، وقد رأيتم رأيهم الصريح في الخوارج، وحكمهم عليهم، وتعليلهم لذلك الحكم. (1/35)
صفحة 33
توافق في رأي
في هذا الفصل أحب أن أثبت الملاحظة اليسيرة الآتية؛ وهي: أن اشتراك أفراد أو طوائف في رأي معين لا يعني اشتراك أولئك الأفراد أو تلك الطوائف في جميع الآراء، واتفاقهم عليها، ومن الخطاء في فهم هذه الملاحظة اليسيرة تسربت الشبهة إلى أولئك الذين يزعمون أن الإباضية فرقة من الخوارج، أو من غيرهم من الفرق الإسلامية الكثيرة، والسبب في ذلك أن الإباضية ينتقدون قبول التحكيم، ويرون أن عليا مخطيء في الموافقة عليه. وفي جعله حقه من الخلافة موضوع نزاع بينه وبين معاوية. كما أنه وقد رضي بالتحكيم وعزله الحكمان- أخطأ في قتاله لعبد الله بن وهب الراسبي، وأصحاب النهر. وليس هذا الرأي مقصوراً على الإباضية ولا على الخوارج، وإنما كان رأي كثير من كبار الصحابة والتابعين (1). وتوافق آراء الإباضية والخوارج في هذه النقطة لا يجعل الإباضية خوارج، كما لا يجعل الخوارج إباضية. ولكي أوضح هذه النقطة أسوق مايأتي:
يشترك المعتزلة والأشاعرة في أصل تنزيه الباري، فهل يجعل هذا الإشتراك في هذا الأصل كلا من المعتزلة والأشاعرة فرقة واحدة؟. ويشترك بعض المعتزلة والشيعة في نظرية حصر الخلافة في البيت الهاشمي، فهل يجعل هذا الإشتراك كلا من المعتزلة والشيعة فرقة واحدة؟. ويشترك الإباضية مع الخوارج في قضية الخلافة، ومع المعتزلة في الصفات، ومع الإشاعرة في القدر، فهل يجعل هذا الإشتراك كلا من الإباضية والخوارج والمعتزلة والأشاعرة فرقة واحدة؟ نعم إنها فرقة واحدة
__________
(1) 1 من الصحابة عبد الله بن عمر؛ وسعد بن أبي وقاص. وهما ممن لم يشتك في حب صفين. ومن كبار التابعين الحسن البصري وجابر بن زيد. (1/37)
صفحة 34
بالنظر إلى الأصل العام الذي يصدرون عنه، وهو الإسلام، ولكن هذا لا يمنع أن لكل فرقة من هذه الفرق وغيرها آراء تختص بها، حسب فهمها للكتاب والسنة.
وقد تكثر هذه الفوارق بين فرقتين منها أو تقل حسب الأصول؛ أصول الدين، أو أصول الفقه التي ترى كل فرقة صحة إتخاذها أساساً للعقيدة أو للعمل.
أعتقد أن في الملاحظات السابقة الجواب المقنع عن حيرة أولئك الذين يربطون العلائق بين الإباضية والخوارج، كما أنه يكفي لإقناع أولئك الذين يريدون أن يحسبوا الإباضية فرقة متفرعة عن المعتزلة، أو الأشاعرة أوغيرهم، من المذاهب الإسلامية المتعددة.
ومن هذه الملاحظة أيضاً، يتضح أن الإباضية قد يتفقون في بعض وجهات النظر مع الخوارج، أو مع المعتزلة، أو مع الأشاعرة، ولكنها ليست فرقة من هذه الفرق، لأنها تختلف عن كل واحدة من هذه الفرق في بعض أصول العقائد، أو بعض أصول العمل، إنها تختلف عن تلك الفرق جميعاً في الآراء التي بعدت فيها تلك الفرق عن روح الإسلام.
والإباضية حسب أصولهم العملية، وحسب تعاملهم مع بقية المسلمين من مخالفيهم، وحسب السيرة الواقعية التي سجلها لهم التاريخ في مختلف العصور، يعتبرون أبعد الفرق الإسلامية جميعا عن الخروج، وسوف يتضح ذلك في الفصول الآتية من هذه الحلقات، وفي سيرة الأبطال الذين سوف نستعرض تاريخهم المجيد، وفي الفترات التي قامت للإباضية دول تحكم حسب القواعد التي جعلها هذا المذهب القويم. فمن هم الإباضية؟ وكيف نشاء هذا المذهب القويم؟ وهل حقاً يعتبر أقرب المذاهب إلى أهل السنة؟ إن الجواب على هذه الأسئلة سوف يأتي في فصول آتية من هذه الحلقة. (1/38)
صفحة 35
ميزان الخطاء والصواب للفرق الإسلامية
إن كثيرا من الذين تحدثوا عن الإباضية في القديم والحديث، وسواء كان ذلك في سياق البحث عن العقائد، أو عن أحداث التاريخ، جرت على أقلامهم هذه العبارة: (الإباضية أقرب الفرق إلى أهل السنة). وأهل السنة هم فرقة من الفرق الإسلامية؛ لها آراء وأصول بنت عليها قواعد مذهبها (1). وهي ترجع في هذه الأصول إلى الأصل العام لجميع الفرق الإسلامية - الكتاب والسنة والإجماع-ولايمكن بطبيعة الحال أن تتخذ فرقة من الفرق مقياسا للخطاء والصوب، فتحكم على صحة المذاهب الأخرى بمدى القرب أو البعد منها، فإن أصحاب كل فرقة من الفرق الإسلامية الكثيرة يعتقد أنه على صواب، وأن الحق فيما ذهب إليه، وأن دينه الذي يدين الله به أصح الأديان، وأن أصوله التي استمدها هي أثبت الأصول، وهو بهذا الإعتبار يرى أن الفرق التي تشاركه في أكثر الأصول تكون أقرب الى الصواب. ولكن هذه دعوى يدعيها أصحاب كل مذهب، فليس لها في نظر الحقيقة قيمة ... وإنما المقياس الحقيقي الذي نقيس به الخطاء والصواب، والميزان الصادق الذي نزن به العقائد والمذاهب والآراء والأعمال، فنعرف مقدار صحتها، ومدى قربها أو بعدها من الصواب، فإنما هو الميزان الذي وضعه رسول الله صلىلله عليه وسلم: [لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي] هذا هو المقياس الصحيح، الذي لا يتغير، ولا يتهم، ولا يخطئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. من أراد أن يعرف صحة عقيدة أو زيغها، وقربها من الحق أوبعدها، فليعرضها على هذاالمقياس، وليحكم حينئذ بما يتبين له، وليدع جانبا تقارب الفرق والطوائف من بعضها وتباعدها، ولينبذ أسماءها
__________
(1) 1 راجع الحديث عن أهل السنة والجماعة في الفصل:"الإباضية في قيادة الأمة" من هذه الحلقة. (1/39)
صفحة 36
وألقابها، فإن كل ذلك لا يغني من الحق شيئاً، وقد قرأت فيما قرأت مثل هذا الكلام للمؤرخ الليبي الأستاذ الطاهر الزاوي، تناول فيه الحديث عن الإباضية، وأورد هذه الجملة كأنما كان متأثراً برأي بن حزم الأندلسي، وإنه لمن الإنصاف للأستاذ الزاوي أن أقول: إنه تناول الحديث عن الإباضية في هذاالفصل فقط بكثير من الرقة والدقة والإحتراس، وأنه حاول جهده في هذا الفصل فقط. أن يقف موقف المنصف المحايد الذي يدعوا إلى لم شعت الأمة، ونبذها للخلاف وأسبابه، مهما كانت مصادر ذلك الخلاف وبواعثه، وأنا حين أذكر له هذا الموقف النبيل في هذا الفصل آمل أن يتخذه مبدءاً يدعوا إليه، ويدين الله تعالى به. وأذكر أن في كل من كتابيه (تاريخ الفتح العربي في ليبيا) و (جهاد الأبطال) لمزات مقصودة للإباضية، وتحاملا بيّناً عليهم، وانحرافا عن موقف المؤرخ المحايد النزيه (1). وسوف أعرض لبيان تلك المواقف في غير هذا الفصل إن شاء الله.
__________
(1) 2 تاريخ الفتح العربي في ليبيا طبعة دار المعارف بمصر: 106 (1/40)
صفحة 37
افتراق الأمة
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (1) [ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة]. روي الحديث بروايات متعددة مختلفة، نص في إحداها على أن الفرقة الناجية هي التي تكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه رضوان الله عليهم، وفي رواية أخرى أن جميع الفرق ناجية ماعدا واحدة هالكة. ويظهر أن هذه الرواية ضعيفة.
إن الحديث ينص أن كل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها هي الناجية، وإدعاء كل فرقة أنها هي الواحدة الناجية أمر طبيعي، فإنه لا يصر على اتباع فرقة هالكة إلا مجنون، وقد جاهد أصحاب الفرق جميعا ليبرهنوا أنهم على الحق، وأنهم يسلكون المسلك السويّ، الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن غيرهم من الفرق حاد عن سبيل الله، في العمل أو في الإعتقاد.
تناول الإمام هذا الحديث بالبحث، وناقش دعوى كل الفرق وبراهينها التي تقدمها للتدليل على أنها الفرقة الناجية، وبين أنها متساوية في احتمال أن تكون على الحق عند الله وأن تكون على الباطل، واستخلص من كل ذلك أن الفرقة الناجية لا يمكن أن تكون إحدى هذه الفرق، وإنما هي الفرقة التي تكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من جميع الفرق. إنهم
__________
(1) 1 ... جاء في صحيح الربيع صفحة 13 باب. في الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
أبوعبيدة عن جابر بن زيد عنابنعباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. (ستفترق أمتي ...... إلى آخر الحديث). (1/41)
صفحة 38
أولئك المؤمنون الذين لا تغرهم أقوال الرجال، ولا يتبعون مسالك الضلال، ولا يستمسكون بغير هدى المعصوم وأصحابه، الذين هم كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديم.
وكلام الأستاذ الإمام قيم، وفهمه لأسرار الشريعة الإسلامية في هذا العصر واستمساكه بالحق، ودفاعه عن دين الله، يذكرنا بالعصر الأول؛ حينما كان الحق ضالة المؤمن، يدور معه حيثما دار، ويقف معه أينما وقف. (1/42)
صفحة 39
الناجي والهالك من الفرق
ظاهر الحديث الذي سقناه في افتراق الامة على اختلاف رواياته، يدل أن اثنين وسبعين فرقة من المسلمين هالكة جميعاً، وأن فرقة واحدة فقط ناجية، وإذا سلمنا بظاهر الحديث، وقلنا إن المسلمين ينقسمون فعلا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن هذا العدد ومحصور وموجود فعلا. فهل يحق لنا أن ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى؟.
إن كل فرقة من هذه الفرق، تحتوي على ملايين من المسلمين، لا يعلم عددهم إلا الله، وهذه الملايين تتفاوت في معارفها وعلمها وعقلها ودينها تفاوتاً لا يضبطه مقياس، ولا يأتي عليه حصر، والطبقة المشتغلة ببحث أصول العقائد، التي اختلفت فيها الأمة. كالقدر، والعدالة الإلهية، وصفات الباري، من كل فرقة قلة ضئيلة جدا.
أما باقي المسلمين وإن كانوا ينسبون إلى مذهب من تلك المذاهب، إلا أنهم لا يعرفون شيئاً عن هذه المباحث العميقة، التي تستدعي كفاءات خاصة، وهم يقومون بواجباتهم الدينية حسب ما تلقوه، مؤمنين بربهم، مصدقين برسوله عليه السلام وما جاء به جملة وتفصيلا، متقربين إلى الله بأعمالهم، لا تؤهلهم ثقافتهم إلى مناقشة الآيات القرآنية، ودراسة المحكم والمتشابه من الكتاب الكريم، ولا يخوّلهم تفكيرهم المحدود أن يصلوا إلى تلك المباحث التي يجري وراءها علماء الكلام. إن العمي من الأشاعرة أوالإباضية أو المعتزلة أو غيرهم، لا يخطر له مطلقاً أن يبحث مشكلة القَدَر، فهو مؤمن بطبعه أنه لا يقع في الكون إلا ما يريده الله، والعامي من هذه المذاهب ومن غيرها، لا يفهم ماتعني كلمات الذات، والصفات، وهل الصفات عين الذات إلى آخر ما هنالك من المباحث التي تحتاج إلى كثير من الذكاء والعلم. (1/43)
صفحة 40
فهل جميع هؤلاء المسلمين، الذين ينتسبون إلى مختلف الفرق وهم يؤمنون بربهم، ويعملون صالحاً، يكونون من أصحاب النار؟ لأن ظاهر هذا الحديث يقسم المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة، يلقى اثنين وسبعين منها في النار؟
تحدث كثير من الفقهاء عن ايمان العجائز، وقال بعضهم أن إيمانهن مثلٌ لما يجب أن يكون عليه إيمان المسلم، لأنه إيمان بالله لا يتزعزع، ولا تنال منه الشبه مهما كثرت، وهو في سذاجته وبساطته قوي متين، قيل أن الصحابة سألوا أمرأة بحضرة الرسول
صلى الله عليه وسلم: عن الله فقالت: هوفي السماء، فقال عليه السلام: [دعوها فإنها مؤمنة]. ولم يطلب منهم أن يلقوا عليها محاضرة طويلة في استحالة التحيز والحلول عن الباريء عز وجل، لأن عقلها غير مؤهل لتلقي مثل تلك الأبحاث، فهل هؤلاء العجائز، الهاربات بإيمانهن، العارفات بربهن، القائمات بواجباتهن، المحافظات على دينهن، المجتنبات لما حرم الله، يصرن إلى النار، لأنهن ينتمين إلى واحدة من هذه الفرق التي حكم عليها ظاهر الحديث بالعذاب الأليم. وهل يحتم الإسلام على جميع أتباع الفرق، من رجال ونساء، أن يبحثوا أصول هذه الفرق وعقائدها. حتى يعرفوا الفرقة الناجية ويدخلوا فيها، لكي تشملهم رحمة الله ورضوانه.
أعتقد أن هذا التكليف يعسر عن الطبيعة البشرية، وأن سماحة الإسلام لا تقتضي التكليف بمثل هذا الأمر الشاق، الذي لا يكون في طوق المسلم العادي الذي يؤمن بالله ويراعي ربه في عمله، ويخشى الله ويتقيه في محارمه. وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم [أفلح إن صدق] (1) عن الرجل الذي أقسم أن لا يتطوع بشيء فوق الفرائض، مثل عن سماحة الإسلام ويسره، وتقبله لأعمال المؤمن دون تكليف بمباحث الفلسفة، والفروق بين المذاهب.
__________
(1) 1 صحيح الربيع باب في الإيمان والإسلام والشرائع. ص 16 (1/44)
صفحة 41
لقد رضي الله الإسلام ديناً لأمة محمد، وختم به رسالاته إلى الأرض، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأمة محمد هي أمة الإجابة؛ والموفون بدين الله من هذه الأمة – مهما كانت الفرق التي ينتمون إليها – يرجون رحمة الله، ويخافون عذابه، وهم أجدر أن يتغمدهم الله بالرحمة، ويشملهم بالمغفرة، إلا مصراً على معصية، أو متعمقا في فتنة.
وقد يكون من المناسب قبل أن أختم هذا الفصل أن أنقل مقتطفات من كلام أبي يعقوب حين تحدث عن افتراق الأمة، وطريقة الجمع بين قوله تعالى:) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: من الآية110)، و حديث الإفتراق [ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة ... الخ .. ] قال (1): ونستظهر بما عاينا ورأينا من بلوغ هذه الأمة طرفي الأرض شرقا ومغربا، وإذ أعادهم الله تعالى من عبادةالأوثان، واتخاذ غيره ربا. من غير أن تخل بشيء من طرق أهل الحق، فالأصل السلامة. ماخلا صنفين منها: المبتدع في دين الله عز وجل، والمصر على معصية الله عز وجل، المباين لله. فهذان لا سبيل لهما إلى الجنة.
ويقول في غير هذا المكان (2): (والبدع متفرقة، فكل بدعة تشرع هدم قواعد الإسلام فهي العامة الطامة، التي تبلغ الرجال والعيال، وأما التي تقصر على الأخبار، ولم تجاوز إلى هدم قواعد الإسلام، كالإختلاف في أسماء الشريعة من مؤمن ومسلم، وكافر وفاسق، ومشرك ومنافق، وفي القرآن والصفات، فأكثر ما تضر هذه المعاني قائلها لا سامعها، مالم يعتقدها ديناً يدان الله تعالى به أو يقطع عذر مخالفيه من المسلمين، أو هدم به قاعدة من قواعد الإسلام، هناك لا يعذر. ومن اقتصر على قواعد الإسلامم من الشهادة، والصلاة والزكاة والصوم والحج من استطاع اليه سبيلا، فعسى وعسى. وكذلك من كان بالثغور
__________
(1) 1 الدليل ص 9
(2) 2 الدليل 1: 12 (1/45)
صفحة 42
من أرض العدو ولم يبلغه إمامه إلا قواعد الإسلام، ولم يبلغه ماشجر بين الأمة، ولم يفهمه. فإن فهم لم يقطع الشهادة عليه، والقول على الرجال، وأما العيال والنسوان والبله والولدان فهم بعيدون من هذا، وكذلك أهل بلاد السودان الذين لم يبلغهم الإسلام إلا بعد الخمسمائة سنة من الهجرة، ولم يعرفوا التفرقة بين المذاهب والأفراق، فالرب أرأف وأرحم من أن يؤاخذ أحداً بذنب غيره. وقد قال الله تعالى:) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: من الآية164). (1)
__________
(1) 1 انظر تعليق أبي اسحاق على كتاب الوضع ص 2. (1/46)
صفحة 43
تكوّن المذاهب الإسلامية
يخيل لبعض الناس في هذاالعصر، أن تكوّن المذاهب الدينية شبيه بتكون الأحزاب السياسية، يجتمع عدد من الناس تحت زعامة واحد منهم، ثم يضعون لهم مباديء معينة، يتفقون عليها، ويعلنونها للناس، ثم يدعون إليها ويدافعون عنها بما لديهم من حرارة وقوة، والواقع أن الفرق بين تكوّن المذاهب الدينية والأحزاب السياسية شاسع جداً.
تتكوّن الأحزاب السياسية نتيجة ظروف خاصة، وفي أزمنة معينة، تقتضي المطالبة ببعض الحقوق، أورسم الخطوط لسير الدولة، فيتقدم جمهور من شعب أو أمة – بعد الإتفاق على المباديء – إلى المطالبة بها.
أما المذاهب الدينية: فتتكون تكوّنا تدريجيا هادئاً، في أزمنة متطاولة، حسب تولد الأفكار والآراء الجديدة في الحياة، وحسب وقوع الحوادث- والأحداث وعرضها على أصول الشريعة الثابتة- القرآن والسنة والإجماع- لإعطائها حكما شرعياً. سواء كانت هذه الأحكام متعلقة بالعمل أوبالإعتقاد.
إننا نستطيع أن نؤرخ نشوء حزب، تاريخا زمنيا باليوم والشهر والسنة، ولكننا لا نستطيع أن نؤرخ نشوء مذهب ديني بهذا التحديد، لأن تكون المذاهب إنما ينشاء نتيجة لما تجد من أحداث، ويحدث من آراء، قد تطول بينهاالمسافات الزمنية، ثم إن هذه الآراء والأحداث التي تُعرض على أصل من الأصول المعتبرة في الشرع لتعطي حكما معينا، سواء تقاربت في زمنها أوتباعدت، تستغرق وقتاً قد يطول وقد يقصر، ليدرسها المجتهد دراسة كاملة، ويعرضها على الأدلة الشرعية، ويتخذ فيها القرار الصحيح السليم، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث في زمن واحد. لأن الوقائع التي تجدّ في الحياة- سواء كانت متعلقة بالعقل أو التفكير أو العمل- (1/47)
صفحة 44
لا تجمع بعضها إلى بعض ثم تعرض نفسها على عالم يعطيها الحكم المطلوب، ثم إن هذه الأحكام التي يطلقها المجتهدون على حوادث أزمنتهم لم يكن الغرض منها إنشاء مذاهب أو تكوين فرق.
إن أولئك الأعلام الذين تركوا في حياة الإسلام هذا الأثر العظيم، لم يكن في حسابهم أن أمما ًسوف تقلدهم، وتقدس آراءهم، وتنسب إليهم مذاهب، بعد أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم، بالمذهب الحق، والصراط القويم.
إنهم كانوا معلمين من الدرجة الأولى، فكانوا يحاولون بما أوتوا من جهد وقوة، أن يوجهوا قلوب الناس إلى الإيمان الحق بالله، والفهم الحق لأسرار الشريعة والعمل الحق بما جاء به الإسلام. فكانوا يفسرون المبهم من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، لأولئك الذين تقصر أفهامهم عن معانيه، وتعجز مداركهم عن البلوغ إلى مراميه، ويشرحون مقاصد الدين لأولئك الذين تحول العجمة دون معرفتهم لأسرار العربية في فهم الكتاب العزيز.
كان أولئك الأعلام معلمين، وهبوا أنفسهم وجهودهم للعلم، فكانوا يحرصون على إفادة الناس في كل مجتمع: في المسجد، والشارع، والسوق، لا يكتمون ما أتاهمم الله من فضله، ولا يبخلون بما علموا عن طالب علم يجد في طلبه، ولا يبتغون به مكسباً في الدنيا أوجاها عند الناس، ولذلك كانوا حراصاً أشد الحرص أن يكون ما يعلمونه حقاً ثبت لهم بالدليل، وصح عندهم بالبرهان، فإن هداية الناس إلى دين الله، وتعليمهم أسرار شريعته، وتنوير قلوبهم وبصائرهم بنور الله، أفضل القربات عندهم، وأزكى الأعمال لديهم، وأحب الواجبات إلى نفوسهم.
ووثق الناس بهم، فكانوا يلتفون حولهم، ويستمعون إلى أحاديثهم. ويسألونهم فيما يعرض لهم من مشاكل، ويستفتونهم فيما ينوبهم من أحداث، ويرجعون إليهم فيما يعتور قلوبهم وعقائدهم وأعمالهم، من وساوس وشكوك، فتكونت (1/48)
صفحة 45
حول كل واحد منهم هالة من المعجبين، نشاء عنها شبه ما يسمى اليوم- في الفلسفة والأدب- بالمدارس.
التفّ حول كل واحد من هؤلاء الأعلام، مجموعة من الطلاب والمستمعين، يعجبون بدروس أستاذهم وآرائه، ويقتنعون بحجته وبرهانه، ويعتقدون سلامة الأصول التي بنى عليها أحكامه، فيتجهون اتجاهه في الفكرة والعمل والمعتقد، ويستعملون أدلته وبراهينه، ويحاولون أن ينشروا عنه ذلك، وأن يقنعوا به الناس، وبهذه الطريقة، تصبح لبعضهم مدرسة متميزة عن غيرها في بعض الآراء أو المعتقدات. ولقد كان في كل حاضرة من الحواضر الإسلامية في ذلك الحين مدارس ذات شهرة ومكانة، فقد كانت مكة، والمدينة، و البصرة، والكوفة، ومصر، وعمان، ودمشق وغيرها، مراكز ثقافية، تشع على العالم الإسلامي نور المعرفة والهدى. وقد كان العلماء من بقية الصحابة وكبار التابعين، أمثال عبد الله بن عباس وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وسعيد ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، يشغلون هذه المراكز، ويتولون فيها نشر الثقافة الإسلامية.
ولما ذهبت هذه الطبقة الممتازة من الصحابة والتابعين، خلفتهم طبقة أخرى من تابع التابعين، وكان كل واحد منهم متأثراً بأحد أولئك الأعلام، يترسم خطاه، ويفتي بفتواه، وجاءت بعد هذه الطبقة، طبقة أخرى، سلكت نفس هذاالسبيل، وقد كانت تجدُّ حوادث، وتحدث آراء، في زمن كل طبقة من هذه الطبقات، فيدرسها المجتهدون، ويرجعونها إلى الأصول الثابتة عند كل واحد منهم. وبطول الزمن، وانتشار الجهل بالدين، وتكون طبقة من الفقهاء الجامدين، الذين يقدسون آراء الأشخاص، ويتحكمون في أعمال الناس، فيدعونهم إلى اتباع رأي معين، وتقليد إمام يرونه أعلم من غيره، وأصوب حكما، تكونت المذاهب، (1/49)
صفحة 46
وتعصب لها الأتباع بدون فهم، وحاربوا غيرها في عناد وإصرار وبلادة.
وقلدوا أولئك الأئمة الذين وثقوا بهم، تقليد عصمة وتقديس، وانتسبوا إليهم إنتساب فخر واعتداد.
كان نشوء المدارس الدينية والثقافية في صدر الإسلام، واختلاف وجهة النظر بين المجتهدين في بعض الأصول أو الفروع، دليلا على سماحةالإسلام، وانفساحه للمدارك والعقول. وعلى عدم جموده على حرفية النصوص، وعدم تحجيره على الأفهام أن تنطلق في حرية التفكير والاستنباط، لكن هذه الحرية الدينية التي فهم حدودها الأقدمون، وهذه السماحة الإسلامية، التي أتاحت لتلك العقول الجبارة أن تحلق في أجواء البحث والاطلاع والاستطلاع- أصبحت فيما بعد سبباً من أسباب الشحناء والخلاف والتنابذ، عندما سيطر الجهل على الناس، وأعمى التعصب الجامد نور البصائر، ولعبت أهواء الحكم والسياسة بالمفاهيم الحقيقية لتعاليم الدين القويم، واستغل الطغاة والجبابرة من الحكام، أطماع ضعاف النفوس والعقائد، ممن تثق بهم الشعوب، وتكل إليهم أمر دينها، فانطمست الروح الحية، وأصبحت الحقائق الدينية، والأصول التيت تبنى عليها العقائد والأعمال، مظاهر جدلية للقول لا للعمل، وميدانا يتسابق فيه طلاب الشهرة العلمية للظهور لا للحق، وللناس لا لله، وأصبح الدين بعد ذلك مرفقا من مرافق الحياة، يأنس إليه الناس، بحكم الإرث والعادة والإلف، لا بحكم الإيمان والعقيدة والعمل. وهم يقومون بواجباتهم كما يقوم المسيحيون بطقوس الكنيسة. ومظاهر تعوّدها الناس لا صلة لها بالقلب، ولا علاقة لها بالإيمان. إنها واجبات تؤدى وحسب. يحس الإنسان راحة بعد الفراغ منها، كالتي يحسها عندما ينجز أعمالاً يجب عليه إنجازها. (1/50)
صفحة 47
وهذه هي النكبة التي أصابت المسلمين، وباعدت بينهم و بين دينهم، وأضعفت أثر الروح التي يضفيها نور الحق على قلوب المؤمنين، فأصبحوا لا يتقيدون في أعمالهم بالحدود التي رسمها الحق، ولا يقفون عندما يشتبه عليهم الحلال والحرام، ولا يحاسبون أنفسهم على مسافة البعد بينهم وبين دين الله، ولا يفزعون لضعف ما وقر في صدورهم من إيمان. (1/51)
صفحة 48
المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية
هل تتكون المذاهب الدينية كما تتكون المذاهب الفلسفية؟
قد أشرت في أحاديثي السابقة إلى أن بعض السطحيين يظنون أن المذاهب الدينية تتكون كما تتكون الأحزاب السياسية، وأريد هنا أن أنفي وجود الشبه بين المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية، فالمذهب الفلسفي هو آراء بشرية، في قضايا الحياة، أو مابعد الحياة؛ فكرة بعد فكرة، وقضية بعد قضية، وهي قابلة في أصولها للنقد، وكثيرا ما تبنى تلك النظريات التي يضعها العقل البشري، على أسس من الوهم البطل، والنظر الخاطيء، والمعرفة القاصرة ...
أما المذاهب الدينية، وإن كونت حصيلة مبادئها تكويناً تدريجيجا، فإن هذه المباديء راجعة إلى أصول واحدة، غير قابلة للنقد أو الخطاء أو البطلان، لأن واضعها هو عالم الغيب والشهادة. ومن هذه الأصول الثابتة المنزلة من السماء، تستمد المذاهب إتجاهاتها، وتقتبس أحكام دينها، في عقيدتها وعبادتها ومعاملاتها، وفي نظم حياتها، ونظم حكمها، وموقفها من غيرها من الأديان.
وليس اختلاف المذاهب في الحقيقة إلا إختلافا في الفهم والتفسير لمعاني تلك الأصول التي لا تتبدل ولا تتغير، ولا يأتيها البطلان. ولا يوجد مذهب إسلامي يزعم أنه يستمد قواعده من غير تلك الأصول، حتى تلك المذاهب المتطرفة في الإعتماد على الاعقل.
والحقيقة التي يجب ألا يتطرق إليها الجدل، أن الإسلام وهو الدين الذي اختاره خالق الإنسان ليكون النظام الذي يكفل سعادة البشرية في الحياتين، قد قرر كل الأسس التي تنبني عليها الحياة السعيدة للإنسان، في كل مراحل الزمان، وبما أن كتاباً لا يمكن أن يحوي التفاصيل الدقيقة للحوادث اليومية الجارية، والنظريات (1/53)
صفحة 49
الفكرية والعقلية والعلمية المستجدة، والنظم الإقتصادية والعمرانية المتعاقبة في سير الزمان لحياة الإنسان الطويلة، فقد اكتفى الإسلام بوضع الأصول التي تستمد منها قواعد العقيدة والعمل ويسند اليها توجيه العقول والأفهام، وبهذا عين نقطة الإنطلاق، وجهة التحليق للتفكير البشري، وقد قصد الإسلام بهذا، أن يفتح مجال البحث والتنقيب، وأن يفسح مجال الإختيار والمقارنة، وأن يعطي للإنسان أكبر قسط من الحرية في العقيدة والعمل والرأي، والإسلام لا يكره شيئا كما يكره العبودية لغير الله، ولا يحارب شيئا كما يحارب الجبروت والطغيان والظلم، وتعالي الإنسان على أخيه الإنسان. (1/54)
صفحة 50
متى بدأت المذاهب الإسلامية
سألني أحد المتعلمين، هل بدأت المذاهب الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟
وعجبت في بادئ الأمر كيف يجول هذا السؤال في خاطر مؤمن، ولكني عندما فكرت في الموضوع ظننت- وان كان الظن لا يغني من الحق شيئا- أن السائل ربما فهم هذا من بعض مناقشات الصحابة، رضوان الله عليهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومراجعتهم له، أو أنه تسرب إليه من مطالعته لبعض الكتب التي أثارت مثل هذه المناقشة. كما فعل الشهرستاني (1). ففي مقدمته ما يشعر أن الشبه التي تعلقت بها الفرق الخاطئة، قد أثيرت أصولها في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنا إذ أسوق هذا الحديث أقرر أن أبحاث العلامة الشهرستاني أعمق من هذا السؤال البسيط، ومهما كان الأمر فإنني أستطيع أن أؤكد أن هذا السؤال بعيد جداً عن الواقع. فقد عاش المسلمون في حياة الرسول عليه الصلاة و السلام، لا يحتاجون إلى استنباط الأحكام، أو تسابق الأفهام، أو تقرير القواعد للعقائد، لأن كل ذلك ليس من شأنهم، فقد كان الوحي ينزل بالأحكام في كل حين، وكان الرسول عليه الصلاة و السلام يشرح المبهم بقوله وعمله، ويجيب عن الأسئلة التي ترد إليه بما يشفي ويكفي. وقد يحدث أن يقف المسلمون موقف المتردد غير المقتنع في قضية من القضايا أو موقف من المواقف، وقد يراجعونه في جواب من أجوبته التي لا يقتنعون بها بسهولة، عندما تغرهم ظواهر معينة، وقد يسلمون لأمر الرسول
__________
(1) 1 الملل والنحل: الطبعة الأولى تصحيح أحمد فهمي: المقدمة الابعة: ص 11 (1/55)
صفحة 51
ولكن شيئا من الحيرة يبقى مترددا في نفوسهم، وفي أمثال هذه الظروف، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقنعهم بالعمل، وبالنتائج المترتبة على حكمه وأجوبته، ولعل هذه الظاهرة تتمثل في أحداث الحديبية، التي ظن بعض المسلمين أنهم قبلوا فيها الدنية في دينهم، واحتار المسلمون فيها حيرة لم يحتاروا مثلها من قبل، وراجع فيها عمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا، وراجع أبا بكر حتى قال له الصدّيق رضي الله عنه: ويحك ياعمر استمسك بغرزه فإنه نبي يوحى إليه.
وأمثال هذه الحوادث لا يمكن أن يدعي أحد من الباحثين أنها نواة لتكون المذاهب، أو أنها مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل مايقال فيها أنها مناقشة لزيادة الإطمئنان، كما سأل الخليل عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى.
ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولىلخلافة أبو بكر ثم عمر، كانت خلافتهما امتداد لعصر النبوة، لولا الوحشة التي أعقبتها وفاة رسول الله وانقطاع الوحي، في نفوس المسلمين واجتماعاتهم. أما في غير هذا، فقد استمرت كلمة المسلمين واحدة. إلا فيما يحدث عندما تناقش مسألة تختلف فيها الأنظار حتى يذكر أحد من الصحابة فيها علما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينقطع الجدل، ويموت الصخب، أوتتوافق الأكثرية على حكم فتستجيب الأقلية. ويقع الإجماع، كما وقع في البيعة لأبي بكر، ويستمر المسلمون في كفاحهم للطغيان، ونشرهم لدين الله وجهادهم في سبيله، لا يجدون وقتا للدعة، ولا فراغا للراحة وعندما تستجد حوادث، أوتقع أمور تحتاج إلى حكم، يتولى ذلك أولوا الأمر والعلم من المسلمين، الذين كانوا مستعدين لهذا كل الإستعداد، يبحثون عن الأصول في كتاب الله، فإن لم يجدوا ففي سنة رسول الله، فإن لم يجدوا ففي إجماع المسلمين، فإن لم يجدوا، قاسوها على أشباهها ونظائرها، مما وقع فيه حكم مستمد من الأصول السابقة.
وامتد الزمن، وانتشر الإسلام في أكثر بقاع الأرض، ونقص عدد الصحابة (1/56)
صفحة 52
الذين عاشوا في عصر النبوة، وشهدوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وشاهدوا نزول الوحي، ودخل الإسلام ناس لا يعرفون اللغة العربية، ولا يفهمون مقاصد الشريعة الإسلامية كما يفهمها الصحابة الأولون، فكان لزاماً أن يفسر لهم القرآن الكريم، وأن يشرح لهم الحديث الشريف، وأن توضح لهم مقاصد الشريعة الإسلامية، ومن هذه الدروس والأسئلة والمناقشات التي ترد على ألسنة المسلمين الجدد- هؤلاء المسلمين الذين لم يشهدوا نزول الوحي، ولم يروا شخصية الرسول القوية، التي تقنع بجلال الرسالة- بدأ تكون المذاهب. (1/57)
صفحة 53
[صفحة بيضاء] (1/58)
صفحة 54
نشأة المذهب الإباضي
إذا أردنا أن نؤرخ للمذاهب الإسلامية بنسبتها إلى المعلمين الأوائل، الذين كان لهم التأثير الروحي والثقافي الأكبر على الناس، فإن المذهب الإباضي، يكون من أولها نشوءاً، فقد كان معلمه الأول جابر بن زيد، من كبار التابعين، الذين نشروا الثقافة الإسلامية في القرن الأول الهجري، وقد عاش هذا الإمام العظيم، مابين سنتي 21 - 96 للهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.
إن أغلب المشاكل التي اختلفت فيها الأمة نشأت في الثلثين الأخيرين من القرن الأول. وقد حصر العلامة الشهرستاني هذه المشاكل في أربعة أصول كبار كما يقول هي (1):
1 - الصفات والتوحيد فيها.
2 - القَدَر والعدل.
3 - الوعد والوعيد.
4 - السمع والعقل والرسالة والأمانة.
ثم شرح المسائل التي تندرج تحت كل قسم من هذه الأقسام، والذي يعنينا من ذلك في هذا الفصل أن نشير إلى ما أثير منها في القرن الأول، واتخذ الإباضية فيه مذهبهم، مستندين إلى البراهين القاطعة، والآيات المحكمة من كتاب الله الكريم.
مما أثير في ذلك القرن، مشاكل القَدَر والصفات، والوعد والوعيد، كما أن قضية الخلافة قد استنفذت جهداً كبيراً من رجال العلم والحكم في ذلك العصر.
__________
(1) 1 الملل والنحل ج 1 المقدمة الثانية ص 4 (1/59)
صفحة 55
وقد درس الإباضية، وفي مقدمتهم الإمام الأكبر جابر بن زيد هذه المشاكل، كما درسها غيرهم من علماء الإسلام، وانتهوا فيها إلى الرأي والمذهب الذي اقتنعوا بصحته وصوابه، مما يوافق كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اتخذ الإباضية الأصل الأول لمذهبهم فيما يتعلق بالباريء سبحانه وتعالى، تنزيهه تعالى عن مشابهة الخلق، استناداً إلى الآيات المحكمات من كتاب الله. وما ورد في القرآن الكريم مما يوهم التشبيه، فإنه يجب الإيمان به أنه من عند الله، وتأول الآيات الموهمة للتشبيه بما يقتضيه المعنى من السياق كتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، وما إلى ذلك.
وفي قضية القدر رأى الإباضية منذ ذلك الحين، أن الإيمان لا يتم حتى يؤمن الإنسان بالقدر، خيره وشره، أنه من الله) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96)، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر) (الأعراف: الآية54)، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه) (فاطر: الآية3)،) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء) (الرعد: الآية16)، وللعبد حق الإكتساب و الاختيار. وهكذا استقرت آراء الإباضية في أكثر مسائل الخلاف على الأصول المستمدة من القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، ولا يزال بقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحياءً وقد رجع الإمام الأكبر في كثير من هذه المسائل إلى آراء الصحابة؛ كعبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، كما وقع في مسألة رؤية الباريء ليلة الإسراء، حتى قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية (1).
ومن هذا الفصل يتبين للقاريء الكريم أن المذهب الإباضي اقتبس أصوله القويمة التي بنى عليها عقائده وأعماله في خير القرون (2) حينما كانت بقية من
__________
(1) 1 جاء في صحيح الربيع باب (10) في ذكر الشرك والكفر ص17 أبوعبيدة عن جابر بن زيد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه، فقد أعظم على الله الفرية.
(2) 2 إذا فسر القرن بالمعنى الزمني المتعارف في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم .. الحديث). (1/60)
صفحة 56
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينشرون الثقافة بعلمهم، ويوضحون هدى محمد بمسلكهم، وينصرون دين الله بإرشادهم وتوجيههم ونصيحتهم، وأنه حينما كانت تحدث المشاكل وتنجم البدع، فيفكر فيها العلماء الأعلام، كان جابر رضي الله عنه يدرسها دراسة المؤمن المحقق، فإذا لم يستبن له منفذ الصواب، رجع إلى أساتذته الذين عرفوا من أسرار الإسلام وروحه، مالم يفهمه غيرهم، فعرضها على ترجمان القرآن، أو على الحميراء التي قال فيها عليه السلام: [خذوا عنها نصف دينكم] أو أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أو غيرهم ممن أوتي الحكمة، وأجازه الرسول عليه الصلاة والسلام للتعليم والإرشاد.
وبعد استقرار آراء الإباضية، بأزمنة مختلفة، تطول أوتقصر، بدأت تتكون المذاهب الأخرى، وتنتشر في بعض جهات العالم الإسلامي؛ فتكونت المعتزلة، ثم تكونت غيرها من المذاهب التي يعتنقها كثرة المسلمين اليوم.
وبهذا الاعتبار، يكون المذهب الإباضي أول المذاهب المعتدلة نشوءاً، وأقربها إلى عصر النبوة وخير القرون، وأفهمها لروح الإسلام، وأسرار التشريع، وهدى محمد وأصحابه.
ولهذه الأسباب نفسها، نستعرض في فصول آتية، بعض الاتجاهات التي يختص بها أويكاد يختص بها. (1/61)
صفحة 57
[صفحة بيضاء] (1/62)
صفحة 58
قضية الخلافة
عندما كان كبار العلماء من التابعين، يعقدون مجالس العلم، يفسرون كتاب الله ويروون للناس ما حفظوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قول وعمل، ويفتون للناس فيما يعرض لهم من مشاكل _ كانت قضية الخلافة، قد أخذت حظها من النقاش، واستقر فيها الناس على آراء معينة، حسب أدلتهم التي يقتنعون بها، وأصولهم التي يستندون إليها.
وكان جابر بن زيد الأزدي _ أحد هؤلاء العلماء _ اتخذ البصرة مقرا له ينشر فيها العلم، ويوالي التدريس والتأليف، ويهتم بشؤون المسلمين، وكانت قضية الخلافة من القضايا التي مرت عليه، ودرسها دراسة مستفيضة عميقة، وانتهى فيها إلى رأي ثابت مبني على روح العدالة في الإسلام ومستمد من القرآن الكريم، ومستند على سيرة السلف من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.
كان يرى أن الخلافة أهم مرافق الدولة، وأعظم مظهر للأمة وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله، وتطبيق أحكام الكتاب الكريم، وهي بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، وإنما يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة، الكفاءة الدينية، والكفاءة الخُلقية، والكفاءة العملية، والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس، أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح، أما في غير ذلك فليس لها حساب.
وقد عرف الناس هذا الرأي لجابر بن زيد، كما عرفوه لكثير من العلماء المعاصرين له، ولكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان طلابه (1/63)
صفحة 59
ينشرون ذلك عنه، ويتحدثون به، وفي هذه النقطة يلتقي رأي الإباضية برأي الخوارج، ومن هنا زلق بعض المؤرخين، فحسبوا أن الإباضية فرقة من الخوارج، دون أن يجهدوا أنفسهم في الاطلاع على بقية الأصول والآراء. وقد سبق أن قلت في موضع من الفصول السابقة، أن توافق فرقتين على رأي معين، لا يجعلهما فرقة واحدة، ولعل قضية الخلافة هي أهم قضية يلتقي فيها الإباضية والخوارج في فهمهم للإسلام، وعملهم بأحكامه.
على أنني أعتقد أن الأمة الإسلامية _ بعد التجارب الطويلة المريرة، وبعد أن ابتعد بها التاريخ عن المؤثرات الخاصة، التي سيرتها في اتجاه معين _ لا يسعها إلا أن ترى رأي الإباضية في قضية الخلافة، وأن علماء الإسلام لا يمكن أن يرجحوا غير هذا الرأي، وإذا قدر للأمة الإسلامية أن تجتمع، وأن ترجع إلى حكم الله، وأن تلغي هذه الشرائع التي جاء بها الاستعمار، لإبعاد هذه الأمة الإسلامية عن كتاب الله، وقدر للخلافة الإسلامية أن تتولى شؤون المسلمين كما أمر الله، لو قدر ذلك، وكان للأمة أن تختار رئيس الدولة التي تلقى بين يديه بمقدرات الأمة، ما وسعها إلا أن ترجع إلى قواعد هذا المذهب، لتختار الخليفة أو رئيس الدولة، حسب الشروط السابقة التي أشرنا إلى بعضها، ولمَا أقامت للهاشمية أو القرشية أو العروبة أي وزن، اللهم إلا في مقام الترجيح، عندما تتساوى المواهب والكفاءات، ولن تتساوى المواهب والكفاءات في أمة تشتمل على الملايين من مختلف الأفهام والعقول والأخلاق.
وإنه ليسرني حقاً أن أقتطف من الأستاذ محمد الغزالي، السطور الرائعة الآتية، لأختتم بها هذا الفصل: ((ونحن نتساءل فيما هذا الجدل كله؟ وما يضرنا (1/64)
صفحة 60
أو يفيدنا من هذا النسب؟ وما ينقصنا أو يزيدنا من إفريقيا أو آسيا؟ وما فضل عبد شمس على توت عنخ آمون؟ أو تحتمس على عنترة؟ ولماذا لا يقال في إيجاز إن الزنجي المسلم خير من الهاشمي المنافق، وأن قضية فلسطين من شأن الإسلام والمسلمين، قبل أن تكون من شأن العرب والمستعمرين، وأن صاحب الرسالة العظمى قال: (لَيَنْتَهِيَنَّ أقوام من الفخر بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، ليكونن أهون على الله من الجعلان الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبية _ كبر _ الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب)). (1/65)
صفحة 61
[صفحة بيضاء] (1/66)
صفحة 62
موقف الإباضية من أسواق الجدل
لعل من الصفات التي يمتاز بها الإباضية، أنهم لا يميلون إلى كثرة الجدل، ولا يرتاحون للمناقشة الفارغة، والخصام المتعنت، ولا يشغلون أوقاتهم بترديد الأقاويل، وإطالة الأحاديث، وذلك أن قواعد الدين جعلتهم يؤمنون بقيمة الفكرة لا الكلمة، ويجدون قوة الدليل في العمل لا في القول، ويعرفون أن إقامة الحجة بالسلوك أقوى منها بالدعوى، ولذلك فأنت عندما ترجع إلى أسواق الجدل، ومؤتمرات الكلام في التاريخ الإسلامي الطويل، فإنك تجد الإباضية أقل الفرق كلاماً وأكثرها عملاً، وأخفها حديثاً، وأرجحها إيماناً، وأبعدها عن الدعوى وأدناها إلى الإهتداء.
وعندما انتقلت المناقشات من طور البحث في الحق، والتماس الصواب، وتصحيح العقيدة، إلى طور آخر: هو عقد مجالس للخصام، ومجامع للمناظرة و اللعب بالكلام، والجدل للحصول على لذة الفوز في المعارك البيانية الحامية، التي يقصد منها الظهور أكثرها مما يقصد منها البحث عن الحقيقة، وظهر في أفق الحياة، حياة المسلمين، أولئك النفر الذين يريدون أن يملاؤا الدنيا بالضجيج، ويشغلوا أذهان الناس بالقول.
عندما انتقلت حياة المسلمين إلى هذا الوضع، رجع الإباضية- وقد آمنوا بصحة مذهبهم، وسلامة عقيدتهم، بعد أن محَّصوها وبنوها على الأصول من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم تدخلها بدعة أو خرافة، وعرضوا مختلف المشاكل على الميزان الذي وضعه المشرع الأكبر، قبل أن يشتد اللجاج بالناس- رجع الإباضية إلى أنفسهم يحاسبونها على العمل بما علمت، ويسيرون بها على نور من دين الله، ينشرون ما ثبت عندهم بالدليل الذي لا يحتمل التأويل، (1/67)
صفحة 63
في هدوء واتزان، لا يشغلون أنفسهم بالصخب الداوي الذي ليس له نتائج، ولا يلقون بأنفسهم في الكفاح الكلامي الذي يهدف إلى مظاهر العظمة والنفوذ في الدنيا، ولكنهم مع كل ذلك كانوا أحرص الناس على إقامة الحق، وإثبات أدلته، وعندما يقتضي الموقف الرد على أباطيل المدعين، وترهات المبتدعين، وشبهات المفترين، فإن علماء الإباضية يكونون أسرع الناس إلى تحطيم الباطل، الذي يريد أن يستعلن، أو الشبهة التي يبتغي صاحبها أن يكسوها ثوب الحجة، وما أن يحطموا الباطل، ويفحموا أصحابه، حتى يعودواإلى العمل في سبيلهم الذي مهدوه، وسلوكهم الذي اختاروه؛ عمل صالح لله والأمة، واستمساك متين بالكتاب والسنة، ودؤوب لا ينقطع لإعلاء كلمة الله. يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويتبعون سبيل الله الذي حدده الإسلام، وأوضحه هدى محمد عليه السلام. كفاح لا تصاحبه ضجة، ونصر لا تسبقه دعوى، ولا يعقبه تبجح أو افتخار أو مباهاة. وجدل حيٌّ هاديء لا يصخب ولا يعلن، ولكنه يقطع طريق التحدي، عن الأهواء والبدع، ويلزم الباطل أن يتوارى فلا يستعلن، ويتضاءل فلا يبين.
كان واصل بن عطاء إمام المعتزلة، يتوق إلى مجادلة أبي عبيدة مسلم، ويعد العدة لذلك، حتى سنحت له الفرصة ذات يوم، وجمعهما مكان، فقال واصل لأبي عبيدة: لا، ولكني أقول يعذب على المقدور، ثم قال أبو عبيدة لواصل: أنت الذي تقول: إن الله تعالى يعصى باستكراه؟ فعجز واصل وسكت عن الجواب. فقيل له بعد ذلك؛ سألته فتخلص، وسألك فسكت، فقال واصل: بنيت له بنياناً منذ ثلاثين سنة، فهدمه وهو واقف (1).
__________
(1) 1 سلم العامة والمبتدئين ص 6 هامشه رقم 1 (1/68)
صفحة 64
كان المعتزلة أكثر الفرق الإسلامية حباً للجدل، ولذلك فهم لا ينفكون عن تحدي غيرهم من الفرق الإسلامية، وتحدى جماعة منهم أهل المذهب، فعقدوا مجلساً للمناظرة، وتقدم المعتزلي الذي سهر في إعداد الأسئلة والأجوبة، فنادى: ياعبد الله، فلم يجبه أحد، لأن المجلس يشتمل على عدد من العبادلة، فقال: عبد الله بن اللمطي الإباضي أريد، فأجابه، فقال المعتزلي: ياعبد الله: هل تستطيع أن تنتقل من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه- فقال عبد الله: لا، فقال المعتزلي: هل تستطيع أن تنتقل من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه فقال: إذا شئت، فقال: خرجت منها يابن اللمطي (1). وهكذا انتقض ما بناه المعتزلي وسهر في إعداده والتفكير له ليالي سودا.
وقع في نفس الحجاج شيء من القدر فشكا، ذلك إلى كاتبه يزيد بن مسلم، فبعث يزيد يسأل جابراً- وكان به معجباً، وفيه واثقاً، فأجابه: قل للأمير يكثر من ترديد خطبته، فإن فيها الجواب عما يسأل؛ وردد الحجاج خطبته، وأكثر فيها التفكير، فانتبه إلى أن خطبته تشتمل على قوله تعالى:) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (لأعراف:178)
وفي الآية الكريمة الجواب عن حيرة الحجاج، فقال ليزيد: ويحك يايزيد، ما أعلم صاحبك (2).
وأراد جماعة من الخوارج- وهم يستحلون أموال المسلمين وسبي نسائهم وأطفالهم- أن يجادلوا جابراً، فقال لهم:
أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فقالوا: نعم، فقال: وحرم البراءة منهم بدين؟ فقالوا: نعم! فقال: أوليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد
__________
(1) 1 السير ص 222 وقد ذكر القصةابن الصغير والباروني في الأزهار.
(2) 2 راجع السير للشماخي، وشرح العقيدة التوحيد لقطب الأئمة. (1/69)
صفحة 65
تحريمها بدين؟ فقالوا: بلى! وحرم الله ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فقالوا نعم! فقال: هل أحل مابعد هذا بدين؟ فسكتوا، وهكذا استطاع أن يسير بهم خطوة خطوة حتى يضع أيديهم على الحق، ويعرفهم أن الأحكام التي تنطبق على المسلمين ليست كالأحكام التي تنطبق على المشركين، وأن الموحد إذا ارتكب مايحل به دمه لا يكون ذلك كافياً لاستحلال ماله، وسبي نسائه وأطفاله.
إن دم الموحد قد يحل لتنفيذ حكم الله في العقوبات على بعض الجرائم الإجتماعية أو السياسية، كالقتل والزنا، وقطع الطريق والبغي، وهذه الأحكام إنما يقصد منها أولا عقوبة المجرم على ما ارتكب، وثانيا زجر الناس عن ارتكاب مثل هذه الآثام، والعقوبة في كل أحكام الشريعة، إنما قدرت بالضرورة، وبنيت على الأسباب الداعية إليها، وحددت طريقة تنفيذها دون إسراف أو مبالغة.
ولذلك فلا يحل أن تتعدى الحدود التي رسمت لها، وهذا المعنى دق على أفهام بعض الناس، فسألوا الإمام علياً لما ناقشوه عن وقعة الجمل فقالوا: حلّلت لنا دماء قوم وحرمت علينا أموالهم. وهو نفس السوأل الذي وجهه أحد جند أبي الخطاب عبد الأعلى عندما احتل القيروان، فأنكر عليه أبو الخطاب هذا السوأل وزجره عنه، وقال له: لو فعلنا ذلك لكان حقيقاً على الله أن يكبنا معهم في النار (1).
__________
(1) 1 ... جاء في السير ص 129 ما يلي:
(وكان رحمه الله أحسن السيرة فيهم حين هزمهم؛ لم يجهز على جريح، ولم يتبع مدبراً، فقال له خالد اللواقي: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا. قال أبوالخطاب: حقيقاً على الله أن يدخلنا معهم النار) كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف: من الآية38) ثم ارتحل). اه بنصه (1/70)
صفحة 66
الاجتهاد
ذهب كثير من الفرق الإسلامية إلى إغلاق باب الاجتهاد بعد عصور معينة، حاسبين أنه لن يأتي ناس في مستوى المجتهدين السابقين، وأنه لم يبق في الدين ميدان ينفسح للاجتهاد.
وحينما حجر هؤلاء الجامدون على عقول المسلمين وأفهامهم أن تنطلق، وتحلق في الميادين الفساح التي فتحها الكتاب الكريم بدعوة المؤمنين إلى الانطلاق والتحرر والتفكير، جمدوا الإسلام من جهة أخرى على نظرات وبيئات وأزمنة خاصةز
وقد عرف الإباضية منذ أول وهلة، أن هذه الفكرة الجامدة لا تتمشى مع روح الإسلام الذي يصلح لكل زمان ومكان، فإن الإسلام بعد أن رسم الحدود التي لا ينبغي تخطيها، أراد المسلمين أن ينطلقوا بمواهبهم وأفكارهم، وعلومهم وأفهامهم في ميادين الحياة، يرودون المجاهيل، ويفتتحون المغالق وينيرون السبيل أمام أفواج البشرية في جميع الإعصار والأمصار، لم يحجر على أواخر الأمة ما أباحه لأوائلها، والمسلمون في جميع العصور لا يتفاضلون إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، والكفاح المتواصل في سبيل الله، باستثناء شرف الصحبة لأولئك النفر الذين اختارهم الله أن يكونوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والدفعة الأولى التي تحمل مشعل الهداية لخير البشرية الضالة.
إن حاجة المسلمين إلى المجتهدين في العصور المتأخرة، وإلى أبحاثهم في هذه المشاكل الكثيرة، التي تعرضها الحضارات المختلفة على الأمة، أشد من حاجتها إليهم في الأزمنة السابقة، ووصول العاملين من هذه الأمة إلى الاجتهاد أيسر في هذه (1/71)
صفحة 67
العصور لسهولة المواصلات، وإمكان اتصال العلماء، وحصولهم على جميع المصادر التي تساعدهم عل أبحاثهم ومناقشتهم.
ولما كان الإباضية يعتقدون أن ما فتحه الله لأوائل هذه الأمة لا ينغلق عن آخرها، وأن باب الاجتهاد الذي تركه (محمد صلى الله عليه وسلم) مفتوحا على مصراعيه، لا يمكن أن يغلقه فقيه مغلق الفهم، ولذلك فقد ناقشوا قضية الاجتهاد والمستوى العلمي الذي يؤهل صاحبه للقيام بهذا العبء. وهل يصح الاختصاص فيه لمن استكمل شرائط الاجتهاد في قسم دون قسم؟ لئلا تتوقف الملكات والمواهب في ميدان من ميادين العلم والحياة، من أجل ميدان آخر تعمل فيه ملكات وعقول أخرى.
ولعل فيما كتبه العلامة السالمي في هذا الموضوع كثيرا من الإيضاح والتحقيق، فاستمع إليه يقول بعد أن أوضح الشروط التي يجب أن تتوفر في المجتهد، كالعلم باللغة، وأصول الدين وأصول الفقه، ومصادر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع: (أما إذا اختل منها بعض الشروط، وكان عالما بشيء دون شئ، كما لو كان عالماً بأدلة النكاح، دون غيرها. أو بأدلة البيوع دون غيره، أو نحو ذلك. وكان متقناً بما علم منها اتقاناً تاماً. فهل يجوز له أن يجتهد في استنباط ما علم من الأحكام؟ أم لا يجوز له حتى يكون عالماً بجميع أحكام الكتاب والسُّنة؟
ذهب الإمام الكدمي رضي الله عنه إلى جواز ذلك، ونسب هذا القول إلى أكثر الأصوليين، وقيل لا يجوز الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، وإن عرف من ذلك البعض الأدلة التي تتعلق بها أحكامه، وهذه المسألة معروفة عندهم، بتجزئ الاجتهاد، والصحيح ما عليه الإمام من جواز ذلك. لأنه لو اشترطنا (1/72)
صفحة 68
كمال الاجتهاد في كل فن، بحيث لا يجهل المجتهد شيئا من المسائل الاجتهادية، لكمال علمه بمأخذ كل مسألة، وإلا كان قاصراً، وقد سئل مالك بن أنس عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع. وقال في البقية لا أدري، فلولا أنه يصح الاجتهاد في مسألة دون أخرى، لما جاز له أن يجيب عن البعض، وكذلك نقل عن بعض الصحابة: التوقف في مسائل الأحكام، معاذ وابن عمر وغيرهما، وكذلك عن التابعين، وتابع التابعين، حتى صار ذلك شعاراً في علماء الآخرة، فلو لم يكن الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض جائزاً ما ثبت هذا التوقف عنهم. (1)
هكذا بكثير من السماحة والوضوح والتحرر، يناقشون المشاكل مستندين إلى عمل الصحابة والتابعين، وسيرة السلف الصالحين، لا يحجرون ما وسعه العلم، ولا يحرمون ما أحله الدين، ولا يتركون مشاكل العصور المتتابعة تتراكم مزدحمة على أبواب من الاجتهاد أغلقتها أفهام بليدة، لتعود هذه المشاكل القهقرى لتتطلب الأحكام من علماء قد بليت عظامهم، وفنيت أنظارهم، واستوفوا آجالهم منذ قرون مديدة ...
وإنه لمما يبعث على انشراح قلوب المؤمنين أن أدرك أكثر علماء المسلمين في هذا العصر، صواب هذه النظرة عند الإباضية، فانتفضوا يقطعون هذه السلاسل التي كبلت فرقا من المسلمين عصوراً طويلة، ويكسرون هذه الأبواب التي أغلقت دون الانطلاق في سماء التفكير والاجتهاد، ويقتحمون هذا الميدان المحجور الذي خصصته النظرة الجامدة متحفاً للموتى، ويبيحون للمسلمين ما أباحه الله لهم، بل وندبهم إلى السباق فيه فقال:
__________
(1) 1 شرح طلعةالشمس ج: 2: 278. (1/73)
صفحة 69
) فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: من الآية122)
ومن المحقق أنه ليس مطلوباً من هذه الطائفة التي تدعى لحمل رسالة الله وتفقيه المسلمين في الدين، وإنذارهم عندما يستكملون عدة الدعاة من الإيمان والعلم والعمل. ليس مطلوباً من هذه الطائفة أن يكونوا حملة لمسائل جافة، وقضايا مسلمة، يختزنونها في ذواكر جامدة، كأنها طبعة مكررة، لكتب محفوظة. فإن أمثال هؤلاء لا يصح أن يوصفوا بالفقه، ولا يستطيعون الإنذار، ولا يقوون على حمل رسالة الله.
وقد يكون الأستاذ الإمام من أوائل من حطم الجمود، وحمل لواء الثورة على الرجعية الدينية التي تحكمت في المسلمين عدة قرون، وتوقفت بهم دون تقدم، تنظر في حيرة وارتباك إلى موكب الحياة يتغلغل بالبشرية في أطواء الزمن، ودعا إلى التحرر من هذا القيد الذي كبل به جهلة الفقهاء انطلاقة الفهم الإسلامي العميق لأحداث الزمن وتطورات الحياة.
كان الإباضية منذ العصر الأول ممن وعى هذه الحقيقة، وفهم روح الإسلام التي دعا إليها في الكتاب الكريم، وهدى رسوله القويم في توجيهه لأصحابه رضوان الله عليهم كما فعل عليه السلام مع معاذ بن جبل حتى حمد الله على توفيق رسول رسول الله. فلم يسمحوا لهذا القيد أن يغل أيديهم، ولهذا الحجْر أن يقف دون انطلاقهم، ولهذا الجمود أن يسيطر على عقولهم وأفهامهم وعلومهم، وذلك لأنهم يعتبرون مدارك الناس ومواهبهم متساوية، وكما أمكن أن تجيء القرون الأولى بالعمالقة والأعلام. (1/74)
صفحة 70
ما دامت المصادر التي يستقي منها الأولون هي نفس المصادر التي يستقي منها المتأخرون، مع ما تيسر من وسائل الاتصال والاطلاع والمعرفة.
وهذه قضية ثانية من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية، والتي تتمشى مع روح الإسلام ومع حقيقة الحياة، ومع طبيعة الوجود، وقد غفل عنها كثير من أصحاب المذاهب الأخرى، ولم يفهموا حقيقتها إلا في هذا العصر الذي بدأ فيه المسلمون ينفضون عنهم غبار الغفلة والجمود والرجعية، وينطلقون فيما مهدته سماحة الإسلام، ودعا إليه سيد الأنام، عليه الصلاة والسلام. (1/75)
صفحة 71
[صفحة بيضاء] (1/76)
صفحة 72
الإسلام عقيدة وقول وعمل
من المسائل التي يكاد ينفرد بها الإباضية: هذه القاعدة الهامة التي لا يمكن أن تكون للإسلام ثمرة بدونها، هذه القاعدة هي اشتراطهم العمل لتمام الإسلام.
) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) (آل عمران: من الآية19)
والإسلام لا يتم إلا بقول وعمل، فالقول: النطق بكلمة الشهادة، والعمل الإتيان بجميع الفرائض، واجتناب جميع المحرمات، والوقوف عند جميع الشبهات.
النطق بالشهادة يدخل الشخص في المخطط الجغرافي للمسلمين، فيحرم دمه، وماله، وتحفظ كرامة نسائه وأطفاله، لقوله عليه السلام: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها]، قيل وما حقها يا رسول الله؟ قال: [كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل النفس] (1) أما أن يكتفي المرء بالنطق بهذه الكلمة، ويهمل العمل بما فرضه الله، فهذا إيمان غير تام، وعمل غير صالح، إن طبيعة الإسلام تقتضي من الشخص أن يؤمن بالله ورسالته، وأن يصرح بهذا الإيمان، وأن يندفع للعمل بما جاءت به هذه الرسالة، التي آمن بها.
ولو ألقيت نظرة إلى العالم الإسلامي اليوم، الذي يموج بملايين من البشر، يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويفخرون بأنهم مسلمون، اختارهم الله لأن يكونوا في الأمة التي أراد الله أن يختم بها الأمم المؤمنة، وينسخ
__________
(1) 1 جاء في صحيح الربيع باب: جامع الغزو في سبيل الله الجزء الثاني ص 19 بلفظ (أبوعبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لاإله إلا الله، فإذا قالوها فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (1/77)
صفحة 73
بشريعتها شرائع السماء. إنك لو ألقيت نظرة إلى هؤلاء المسلمين وإلى أعمالهم، لأذهلتك النتيجة، وساءتك المقارنة.
إن الله حين أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام، أراد أن يكون المسلم كله لله، وأن لا يكون لله في المؤمن شريك، فإن الله أغنى الشركاء، فإما أن يتوجه المؤمن إلى الله بقلبه ولسانه وجوارحه وإلا فإن الله غني عنه.
وما جدوى أن يلوك اللسان كلمة التوحيد، ويمتليء القلب بحب غير الله، وتتسابق الجوارح إلى كل ما نهى الله عنه، تاركة لما فرضه الله عليها.
ما وزن هذا المسلم الذي لا يقرب الصلاة؟ أو لا يعترف بالزكاة؟ أو لا يحج إلا للمباهاة؟
وما وزن هذا المسلم الذي يدخل الحانة فيشرب حتى يفقد عقله؟ والمقمرة حتى يفقد ماله؟ والماخور حتى ينهك صحته ويهتك ستره؟
ما وزن هذا المسلم عند الله؟
وما وزن هذا المسلم الذي ينطلق في الشوارع تحمل أصابعه المسبحة ليراه الناس، وتتمتم شفتاه بلا إله إلا الله، وتجول عيناه بين المفاتن التي حرم الله، حتى يجد من أعين الناس غرة، فيرتكب الفاحشة، ويبتز المال الحرام، ثم يخرج فيضفي على المدخل الفاسق ثوباً من الوقار الخارجي ليظن الناس أنه مؤمن؟
وما وزن هذا المسلم؟ الذي يحتج بقول الفيلسوف على قول الله، ويرد بنظرية فرويد على سنة رسول الله، ويعتز بفلسفة ماركس دون فلسفة الإسلام، ويعطل أحكام الكتاب بالدساتير التي وضعها جان بول سارتر (1)، أو جون ديوي، أو كارل ماركس؟
__________
(1) 1 ليس المقصود هذه الأسماء التي عيناها فقط، ولكنهم مثل لعشرات من الشخصيات التي توصف بالفلسفة أو الحكمة، وتؤخذ لأقوالها وآراؤها بدلا من أحكام الله، فاذا قلت: قال الله، أو قال رسوله أجبت: قال فرويد، أو داروين، أو ماركس، أو سارتر، أو غير ذلك ممن تمتليء قلوب المفتونين إعجاباً بهم. (1/78)
صفحة 74
ما وزن هذا المسلم عند الله؟
و ما وزن هذا المسلم الذي ينفق الأموال في كل سبيل إلا سبيل الله والخير، ويشترك في كل مشروع إلا مشروع المعروف، وينهى عن كل مجلس إلا مجلس المنكر؟!!
ما وزن هذا المسلم عند الله؟
و ما وزن هذا المسلم الذي يستغفل الناس بالدين، ويختلهم عن أموالهم باظهار التقوى، فيسرقها باستحقاق الصدقة؟
ما وزن هذا المسلم عند الله؟
و ما وزن هذا المسلم الذي يستعبد الناس وأموالهم بحرية التملك، ويسخرهم تسخير العبيد بدعوى ولاية الأمر، ويحكم عليهم بالتجهيل، والتفقير والإذلال؟
ما وزن هذا المسلم عند الله؟
وما وزن ذلك المسلم الذي سمع بهذا العصر فتعصر، وقيل له عن الإشتراكية فتشرك، ثم دعي إلى الشيوعية فتشيع؟
ما وزن هذا المسلم عند الله؟
وليست هذه الصور مقصورة على الأفراد، و إنما هي تنطبق على الدول. إنها تنطبق كل الإنطباق على هذه الطوائف الحائرة من بلاد الإسلام، التي تدعي كل واحدة منها أنها دولة، تستعصم بالعروبة وتترك الإسلام، وتعتز بالعنصر، وتتناسى الدين. وتقلد أعداء الدين وأعدائها في طرق الحكم، وتنبذ طرق الحكم التي وضعها الله لها، تستمد منهم الرأي والخبرة، والسلاح والذخيرة والحيلة والكيد.
ما وزن هذه الدول عند الله؟ (1/79)
صفحة 75
إنك تستطيع أن تجد ملايين من الصور لملايين من البشر، تنطلق ألسنتهم بكلمة التوحيد، ولكنهم في غير ذلك ليسوا مسلمين، فهل يتم إيمان كل أولئك، ويحسبون على الإسلام؟ لو كان هذالإيمان كاملاً كما أراده الله، وكان إيمان هؤلاء الغثاء كإيمان أولئك الصناديد الذين يرون أن العمل هو شريطة كمال الإيمان لكان العالم كله يسير اليوم على شريعة الله. فإن عشرة ألآف من المسلمين- عندما كان الإسلام إيماناً وقولا وعملا- استطاعوا أن يهدوا الملايين إلى دين الله بسلوكهم، قبل أن يهدوهم بأقوالهم وأسيافهم، واستطاع أولئك الآلاف القليلة أن يثبتوا حكم الله قويا مزدهراً في بلادالله، وإن كان أهلها على غير الإسلام، لأن أولئك القلة كانوا مسلمين حقا بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم. إنني أزعم- وقد أكون مخطئاً في هذاالزعم- أنه لم يضر الإسلام، ويهونه في نظر أتباعه، ويجريء المسلمين على ترك فرائضه، وانتهاك حرماته، وعدم التقيد بشرعه- شيء مثل ما أضر به هذا القول الذي يضفي الإسلام الكامل على رجل ليس له من الإسلام إلا قولة لا إله إلا الله، وتشدق بعض المتفقهين، الذين يستغلون ماحفظوا دون فهم، ويجتهدون لإرضاء العامة والجهلة من الناس بتهوين أسباب المعصية لهم، ويدجلون بإسم بعض المذاهب، قائلين: إن جهنم لم تخلق لمن يوحد الله، ولو لم يعمل، وأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق، غير فاهم معنى الجملة الأخيرة. في أمثال هذه الأساليب التي يقتطعونها عن معانيها، ويخدعون بها الناس عن أنفسهم وعن دينهم وعن ربهم، يضفون عليهم لقب الإسلام، ويسلبونهم العمل الصالح، الذي اشترطه الكتاب الكريم لمن آمن بالله، فلم يرد فيه إيمان غير مقرون بالعمل الصالح والإحسان.
هذه قضية ثالثة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية منذ أول الإسلام، وساروا فيها على المنهج الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم، وسار عليه أصحابه رضوان الله عليهم فلم يفرقوا بين القول والعمل، ولم يجزئوا دين الله، ولم يطمعوا (1/80)
صفحة 76
العصاة المصرّين غير التائبين، كانت معصيتهم بالفعل أو الترك، في رحمة الله.
والآن وقد انتفض المسلمون من هجعتهم الطويلة، ورجعوا إلى كتاب ربهم وهدي نبيهم وسيرة سلفهم، يستلهمونه التوجيه، ويستوحونه الإرشاد، ويلتمسون منه هدايةالطريق، عرفوا أن العمل هو الشرط الأساسي في صحة العقيدة، ولذلك فقد انطلقت الأقلام المباركة، تدعوا إلى الإستمساك بالعروة الوثقى من كتاب الله، والتحلي بالخلق الأقوم الذي تحلى به محمد صلى الله عليه وسلم، والإندفاع إلى ميدان الجهاد الدائم جهاد النفس، فإن لم يستطع أن يقهر الشيطان في نفسه لا يستطيع أن يقهر العدو في أرضه، ومادام المسلمون منحرفين عن صراط الله السّوي فإنهم لن يتأيدوا بنصر الله. فإذا فهم المسلمون الإسلام حق الفهم، ورجعوا إلى العمل به أفراداً وأمما، شعوباً ودولا، وأسلموا أرواحهم وألسنتهم وجوارحهم لله، فإن الله تعالى يشرح صدورهم للإسلام، ويجعل لهم من كل ضيق فرجاً، ومن كل مشكلة مخرجاً، ويؤتهم العزة التي وعدهم بها؛ فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. [ولايزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها]. (1/81)
صفحة 77
[صفحة بيضاء] (1/82)
صفحة 78
الولاية والبراءة والوقوف
يقول قطب الأئمة في الشامل: (ولاية الجملة وبراءتها فريضتان بالكتاب والسنة والإجماع، على كل مكلف عند بلوغه إن قامت عليه الحجة)، وبعد مناقشة للموضوع قال: (وأما ولاية الأشخاص وبراءتها فواجبتان قياسا عليهما، ولورود أحاديث في حب الإخوان في الله، ومدح حبهم في القرآن) وبعد مناقشة للموضوع قال: (وقال غيرنا لا تجبان).
لقد رأيت أن أبتدئ هذا الفصل، بهذه الحقائق التي يقررها قطب الأئمة رحمه الله ورضى عنه، وقطب الأئمة من المفكرين الأحرار القلائل، الذين جاد بهم الزمن في هذا العصر الأخير، وهو بالإضافة إلى أنه من أولئك الذين فتح الله بصائرهم لفهم أسرار التشريع الإسلامي، وقذف في قلوبهم نور الحكمة والمعرفة، وقواهم على الكفاح في سبيل الله، ويسر لهم خدمة دينه في عصور الانحطاط والظلام بالتحقيق، وطبق عليها الأحكام المستمدة من الكتاب والسنة، ورجح ما كان متأرجحا بين قولين وأقوال. وهو مع هذا العمل المتواصل، والإنتاج الكتابي بما لم يبلغ إليه مؤلف فيما أعرف، ومع قيامه بالتدريس وبالوعظ والإرشاد. إنه مع كل ذلك موسوعة علمية متنقلة في جميع فروع العلم، وكان يعيش في عصره حياة حقيقية، فقد كان مطلعا على ما يجري في العالم من أحداث، وتصل إليه جميع الحركات الثقافية، والمطاعن التي توجه إلى الإسلام، فيتصدى لها بالرد والنقد حسب قوتها وضعفها.
لست الآن بصدد الترجمة لهذا العلامة المحقق الذي كان صورة حية للصفات التي يجب أن يكون عليها المسلم، الذي ربط أواصر قلبه بربه، وترفع عن راحة (1/83)
صفحة 79
الدنيا ونعيمها رغبة فيا عند الله من نعيم، ووقف نفسه للجهاد في سبيل الله، يحارب دسائس الصهيونية والصليبية وعملائهما فيما يبتكره المستعمرون من أساليب، ويرد كيد علماء الدنيا الذين يتزلفون أصحاب السلطان للحصول على منافع عاجلة، ويحبط خداع الفقهاء الجامدين، وحيل المشائخ الطرق الذين يخدرون أعصاب الإرادة المسلمة لتستكين، ويسممون أفكار الأمة المؤمنة بالبدع والخرافة لتستهين، وعند ربك الخبر اليقين.
لقد رأى الإباضية، أن محبة المؤمن الموفي بدينه، الحريص على واجباته، المبتعد عن المحارم، المتخلق بأخلاق الإسلام، المتبع لهدى محمد عليه السلام، المقتفي لآثار السلف الصالحين؛ رأى الإباضية أن المؤمن إذا كان على هذا الطريق، وجبت محبته على المؤمنين، وأعلنت ولايته بين المسلمين، وطلبت له المغفرة والرحمة من رب العالمين.
وانظر أيها القارئ الكريم، إلى مجتمع لا تجري فيه المحبة والمودة والرحمة إلا بين أولئك المؤمنين الذين علقوا مصائرهم بيد الله، ووهبوا أنفسهم لإعلاء كلمة الله، ولم يربطهم فيما بينهم إلا الأخوة في الله. فإذا نزغ أحدهم من الشيطان نزغ، ولم يستعذ بالله فأقدم على المعصية، ولم يسارع إلى التوبة، انفصم هذا الرباط الذي يربطه بالمؤمنين، وتحطمت هذه الأخوة التي قامت على الدين، حتى يجدد إيمانه بربه، ويستغفر الله من ذنبه؛ ويصل حبال قلبه بفاطر السماوات والأرض.
فإذا فعل ذك، رجعت منزلته بين إخوانه كما كانت، وعزت نفسه بينهم بعد أن هانت، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
وقد رأى الإباضية أن هذا المسلم الذي يعلن بين الملأ قول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ثم يجترئ على أوامر الله فيتخلى عن واجباته، أو يقدم على ارتكاب (1/84)
صفحة 80
المحظورات، أو يلقى الله بغير المظهر الذي يظهره للناس، أو يفضل على شئ من دين الله شيئا مما يدعو إليه البشر، أو يرتكس إلى التزلف لمخلوق – حي أو ميت – فيرجو منه ما لا يرجوه المؤمن إلا من الله.
رأى الإباضية أن هذا المسلم الذي وصفناه بالإسلام، وأدخلناه بين أهل التوحيد، لا يحق أن يكرم بالتساوي مع الصادقين، ولا يمكن أن تشمله المحبة في الدين، بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين، وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن يطلب الابتعاد عنه، وأن تعلن البراءة منه، ويقلل التعامل معه، حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، ولا يجد ملجأ من الله إلا إليه. فإما أن يشرح الله صدره للإسلام، وأن يفتح قلبه للإيمان، وأن يسخر أعضاءه للعبادة، وأن يباعد بينه وبين المعصية، فيتوب مما ارتكب، ويعود إلى حظيرة الإسلام، بالعمل الصالح، والجهاد المتواصل؛ جهاد النفس والهوى، فترتبط أواصره حينئذ بأواصر الناس، ويصبح بعد الهداية والتوفيق أخا في الله. وإما أن يرتكس إلى الشيطان، ويصر على العصيان، ويستكبر عن التوبة، ويبتعد عن محاسبة النفس، ويستمر في الغواية والضلال، وحينئذ لا يمكن لأولياء الله أن يحبوا عدو الله، ولا أن يرضوا عمن جاهره بالمعصية، وإن القلوب المؤمنة، لتستحي أن تتجه إلى المليك الديان، لتطلب منه الرحمة والغفران، لعبيد الشهوات وأغوياء الشيطان،) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء) (القصص: من الآية56) إن العصاة الذين يصرون على ما فعلوا، ويجاهرون الله والناس بما ارتكبوا، انفصلوا بكبريائهم عن ربهم، وابتعدوا عن محبة إخوانهم، وحادوا الله ورسوله) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة: من الآية22)) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) (المجادلة:20)،) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (المجادلة: من الآية5) (1/85)
صفحة 81
لقد كانت الصراحة والصدق والإيمان هي الصفات التي يتحلى بها المسلمون في الصدر الأول، فلا تجد إلا مؤمنين يتنافسون في العمل الصالح، أو منافقين أذلهم الله بنفاقهم، أو مسلمين قد تغلب على أحدهم لمَّة من الشيطان فيرتكب معصية يستخفي بها، ويستتر بذنبه وهو كظيم، فلا تبغ به الوقاحة إلى أن يستحل ما حرّم الله، ولا أن يجاهر بمعصية الله، ولا أن يصر على ما ارتكب من ذنب، وهو يعلم أنه ذنب، بل إنه ليحاسب نفسه الحساب العسير على ما ارتكب من إثم، ويرجع إلى ربه وهو مشفق أن يعرض عنه مولاه، ويتخلى عنه برحمته وينساه.
إن المجتمع الإسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم ثم يسكتون عنه فيدعونه فيهم محبوباً قبل أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والتكفير، إن كانت المعصية مما يتحلل منه بالتكفير. قيل لا بن عمر: إن فلانا يقرئك السلام، فقال رضي الله عنه: لقد بلغني أنه يقول بالقدر، فإذا كان باقياً على شئ من ذلك، فلا تبلغه عني السلام. وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من رأينا منه خيراً، وظننا فيه خيراً، قلنا فيه خيراً وتوليناه، ومن رأينا منه شراً، وظننا فيه شراً، قلنا فيه شراً وتبرأنا منه (1) وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) (2).
هذه قضية رابعة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاصٍ شقي في المعاملة، وقالوا: يجب على المجتمع المسلم أن يعلن كلمة الحق في كل فرد من أفراده، وأن يتولى تهذيب الناشزين وتقويم المنحرفين، وتربية المخطئين، بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية، من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإعراض عمن يتولى عن الله.
وليس من الحق أبداً أن نتغاضى عن أولئك الذين يرتكبون المعاصي،
__________
(1) 1 مقدمة التوحيد 48 شرح أبي سليمان داود.
(2) 2 مقدمة التوحيد 9 من تعليق أبي اسحق. (1/86)
صفحة 82
ونضعهم في صف واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته وأن نعالنه بالعدواة مادام منحرفاً عن سبيل الله، وأن لا نساوي في المعاملة بينه وبين الموفي، وأن لا نعطيه من المحبة وطلب المغفرة وحسن التعامل ما نعطيه للذي يراقب الله في الخفاء والعلانية، ويرجع إليه في كل كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده التي رسمها لا يتخطاها) وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: من الآية123)،) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة: من الآية22)
ويسرني أن أختم هذا الفصل بهذه السطور الرائعة من كلام الأستاذ محمد الغزالي:
(هل الدين إلا الحب والبغض! .. إن الدين هو هذه العاطفة المشبوبة بمحبة الخير وأصحابه، وكراهة الشر وأحزابه، هو هذه العاطفة الدافقة المنسابة كالفيضان الموار، لا تجد مستقرها إلا حيث تبلغ أهدافها، لا يهمها أن تغمر سفحاً، أو تطوق قمة .. إن الدين هو هذه العاطفة الحرة اليسيرة: اشمئزاز من مسالك الفسقة يقبض يدك عن مصافحتهم، ويجعل حمرة الغضب تصبغ وجهك لجراءتهم على ربهم، فإما استطعت أن تخسف الأرض من تحتهم، أو تقيم الدنيا وتقعدها حولهم .. وإلا فإن أقعدك العجز سكنت سكون المقهور على ما يلسعه من عار، لا سكون البليد على ما وصل إليه من قرار).
لقد شرح الأستاذ الغزالي في هذه السطور القليلة قاعدة الولاية والبراءة التي سار عليها الإباضية منذ فجر التاريخ. والإباضية لا يخرجون العصاة من الملة، ولا يحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم وبغضهم، وإعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربهم. (1/87)
صفحة 83
[صفحة بيضاء] (1/88)
صفحة 84
كفر النعمة
يحسب الكثير ممن لا علم له أن الإباضية يتفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كفر شرك، ولا يعرفون أن الإباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحدين، الذين ينتهكون حرمات الله، ويقصدون بذلك كفر النعمة، أخذاً من الآيات الكريمة، التي أطلَقتْها في أمثال هذه المواضيع، واستناداً إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم،) وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: من الآية97).) لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل: من الآية40).) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: من الآية44). سأل الأقرع بن حابس رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج علينا كل عام يارسول الله؟ فقال عليه السلام: [لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما قدرتم عليه، ولو لم تفعلوا لكفرتم]. [من ترك الصلاة كفر]. [ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة]. [ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض]. [الرِّشا في الحكم كفر].
وأمثال هذه الأحاديث كثير حتى إن بعض رواة الحديث يبوب لهذا بقوله: [كفر دون كفر]. ويخطيء الناس فلا يصلون إلى الحقائق، لأنهم (1/89)
صفحة 85
لايكلفون أنفسهم مشقة البحث والإطلاع، فهم حين يسمعون أن الإباضية يحكمون بكفر عصاة الموحدين يحسبون أن هذا الحكم إخراج للمسلمين من الدين، وحكم عليهم بالشرك، وهذا ما ذهب إليه الخوارج، وإذن فالإباضية فرقة من الخوارج! وهكذا يبنون نتائج على مقدمات مجهولة، غير صحيحة، فيتورطون في خطاء شنيع، وينسبون إلى فرقة من أحرص فرق الإسلام على قول الحق واتباعه ومن أشدها تمسكا بكتاب الله وسنة رسوله، ينسبون إليها أقوالاً أو آراءً هي أبعد عنها من الذين ينسبونها إليها.
ولو رجع هؤلاء إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإلى سنة رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (لنجم:4) ثم اطلعوا على كتب المذهب وناقشوها في أدلتها ومستنداتها، وعرضوها على الميزان الذي وضعه محمد صلى الله عليه وسلم، وفهموا المعنى الذي يقصده الإباضية من كلمة الكفر حين تطلق على الموحدين، إنهم لو فعلوا ذلك لوفروا على أنفسهم وصمة الجهل، وعلموا أن هؤلاء الناس يحاسبون انفسهم على كل دقيق وجليل، قبل أن يحاسبهم الناس، وأنهم لا يقدمون على قول أو عمل، إلا إذا انبنى على آية محكمة، أو سنة متبعة.
وأعتقد أن ماتقدم يكفي لإيضاح المقصود من إطلاق كلمة الكفر على العصاة ويقصد بذلك كفر النعمة، والسبب الذي دعا الإباضية إلى إطلاقهم هذه الكلمة على العصاة بدلا من كلمة النفاق أو الفسوق أمران: أولهما: أنها الكلمة التي أطلقها الكتاب الكريم والسنة القويمة عليهم في كثير من المواضيع والمناسبات.
وثانيهما: أن لكلمة النفاق أثراً خاصاً في تاريخ الإسلام، فقد اشتهر بها (1/90)
صفحة 86
عدد من الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، آمنوا ظاهراً ولكن قلوبهم لم تطمئن بالإيمان، فكان القرآن الكريم ينزل بتقريعهم ويفضح بعضهم ويتوعدهم، بالعذاب الأليم، في الدنيا والآخرة، حتى اشتهروا بهذا الإسم، وعرفوا به:
) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67) حتى صارت هذه الكلمة تشبه أن تكون علماً عليهم، فإذا أطلقت انصرفت إليهم.
وقد أطلقت كلمة الكفر في الكتاب العزيز على المنافقين في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أطلقت على عصاة الموحدين. ووردت بالمعنيين في الحديث النبوي، ويقول علماء اللغة: إنها بهذا المعنى الذي يقصد به كفر النعمة إنما هي مشتقة من الكفران.
وقد أطلقها القرآن الكريم كثيراً بمعنى الشرك، سواء كان الشرك شرك جحود أو شرك مساواة.
وخلاصة البحث أن الإباضية عندما يطلقون كلمة الكفر على أحد من أهل التوحيد فهم يقصدون كفر النعمة، وهو مايطلق عليه غيرهم كلمة الفسوق والعصيان، والمعنى الذي يطلق عليه الإباضية كفر النعمة، ويطلق عليه المعتزلة الفسوق ويطلق عليه غيرهم النفاق أوالعصيان وهو معنى واحد.
وقد أطلقت الكلمات الثلاثة على المنافقين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم (1/91)
صفحة 87
كما أطلقت على الذين يجاهرون الله بالمعصية، فيخالفونه عن أمره.
والنقاش في هذا الموضوع نقاش لغوي، والإختلاف لفظي، والنتيجة أن من يصر على معصية الله يلاقي نفس الجزاء الذي يلاقيه من يكفر بالله، أما معاملة المسلمين لمن يفسق عن أمر الله أو ينافق في دين الله، أويكفر بنعمة الله، فإنها معاملة للعاصي المنتهك الذي تجب محاولة إرشاده إلى وجوب الإستمساك بدينه ورجوعه إلى أوامر ربه، وإقلاعه عن محادّة الله ورسوله، فإن أصر واستكبر وتغلب عليه الشيطان، بُريء منه، ومن عمله، وجافاه المسلمون، على ماتقدم في فصل الولاية والبراءة حتى يتوب. (1/92)
صفحة 88
مسالك الدين
يقول صاحب عقيدة التوحيد: (مسالك الدين أربعة: الظهور والدفاع والشراء والكتمان).
إن المجتمع الإسلامي إما أن يكون ظاهراً على أعدائه، حراً في أراضيه، مستقلاً بأحكامه، عاملاً بكتاب الله وسنة رسوله، منفذاً لأحكام الدين، لا يخضع لأجنبي بوجه من الوجوه، ولا يستبد به حاكم، ولا يطغى عليه ذو سلطان. فهذه الحالة هي حالة الظهور، وهي أكمل الحالات للمجتمع المسلم، وعليها يجب أن تكون الأمة، لأنها المنزلة التي ارتضاها الله للمؤمنين (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). فإذا انحدر المسلمون عن هذا المقام، وتضاءلوا عن هذا الشرف، ونزلوا عن هذه المرتبة التي رفعهم إليها الإيمان بالله، والثقة فيه، فيجب أن لا يهادنوا الظلم، وأن لا يستكينوا للطغيان، وأن لا يسمحوا للأيدي العابثة أن تعبث بمقدرات الأمة، فتنتهك حرماتهم، وتحول دون أمور دينهم، وتتحكم في أعمالهم وعباداتهم، وتتصرف في أموالهم بغير التشريع الذي وضعه عالم الغيب والشهادة، والهدى الذي تركه محمد صلى الله عليه وسلم لأبناء الإسلام.
إذا انحدرت الأمة إلى هذه الوهدة فتسيطر عليها عدو أجنبي، أو تخلى _ من أولته الأمة ثقتها، وأسلمته مقاليدها، ووضعت بين يديه رعايتها _ عن الأمانة، وحاد بها عن الطريق، وخان الله ورسوله والمسلمين فيما وضع بين يديه، وجب حينئذ أن يقف المسلمون في طريق تلك الدولة الباغية، يأمرونها بالمعروف، وينهونها عن المنكر، ويلزمونها أن تسلك بهم طريق الصواب، فإذا اعتزت بالإثم، (1/93)
صفحة 89
واستمرأت طعم الظلم، واستكبرت أن تخضع لأمر الله، وأن ترجع إلى سبيل الله، فحينئذ يأتي القسم الثاني من التنظيم الإسلامي وهو الدفاع، والدفاع في مسالك الدين يرادف ما يعبر عنه في العصر الحاضر بالثورة ... الثورة على الاستعمار الأجنبي، أو الثورة على الاستعمار الداخلي: كالثورة على الظلم، والثورة على الإقطاع، والثورة على الفساد، والثورة على الانحراف عن دين الله في كل مظاهره وأشكاله. والزعيم الذي يقود هذه الثورة يسمى (إمام الدفاع) وله على الأمة الثائرة حق الطاعة والامتثال، مادامت الثورة قائمة، فإذا استقرت الأمور، ورجعت إلى الهدوء والاستقرار، أصبح واحداً من أفراد الأمة، له حقوقهم وعليه واجباتهم، ورجوع الأمور إلى نصابها يكون بأحد أمرين، إما نجاح الثورة وإما فشلها، نجاحها يكون بأحد أمرين، إما استجابة الدولة لمطالب الأمة، ورجوعها إلى أحكام الله، وفي هذه الحالة ينتهي عمل الثورة إلى هذا الحد.
وإما الإطاحة بالنظام الفاسد، وقلب الحكم الظالم، وتغييره إلى نظام إسلامي، يتمشى مع التشريع الذي جاء به كتاب الله الكريم، وعندئذ أيضاً لا يكون لزعيم الثورة أو أمير الدفاع، أي حق في الحكم، إلا إذا اختارته الأمة، لشروط توفرت فيه بعد الهدوء والاجتماع والتفكير والمفاضلة، حسب الشروط المتبعة في اختيار أمير للمؤمنين.
فإذا ضعف المسلمون حتى عن هذا الموقف، أصبحوا لا يستجيبون لداعي الثورة، ويفضلون طريق السلامة، ويركنون إلى الدعة والاستراحة، جاء المسلك الثالث من مسالك الدين، وهو الشراء، فحق لقلة منهم إذا بلغوا أربعين شخصاً أن يعلنوا الثورة على الفساد، وبما أن هذه الثورة التي يقوم بها عدد قليل لا يتوقع لها النجاح في كفاحها ضد دولة ظالمة مسلحة، وأمة مسالمة راضية بالذل، إن هذا التنظيم يشبه أن يكون شغباً على دولة ظالمة حتى لا تطمئن إلى تنفيذ خططها الجائرة، وقد لا تكون لها نتائج غير هذا القلق الذي (1/94)
صفحة 90
يخيم على الظالمين، والتوجس والخوف الذي يسود أعمالهم وحركاتهم، ولذلك فقد اشترط لهذا التنظيم، شروط قاسية لا يقبلها إلا الفدائيون، الذين وهبوا حياتهم لحياة الأمة، وذلك أنه لا يحل لهم بعد أن ينخرطوا في هذه المؤسسة، أن يعودوا إلى بلادهم، أو يستقروا في أمكنتهم، أو يتخلوا عن رسالتهم، حتى ينتهي بهم الأمر إلى النجاح أو القتل، والقتل أقرب الأمرين إليهم، وعندما تضطر الظروف أحدهم إلى منزله لشأن من شؤون تمديد الثورة، كالتزود، فإنه يعتبر في منزله غريباً مسافراً يقصر الصلاة! ولكنه عندما يكون في شعف الجبال، أو بطون الأودية، يقطع المواصلات على الطغاة، أو يهدم الجسور التي تمر بها القطر الظالمة، أو يقتلع أسس القلاع التي تجمع ذخيرة الجبابرة، حينئذ يعتبر في منزله وبين أهله، وهم في كل ذلك لا يحل لهم أن يروّعوا الآمنين، أو أن يسيئوا إلى المسالمين. إنه تنظيم رائع للفدائية في الإسلام عندما يتحكم الظلم، ويستعلي عبيد الشيطان، وتعطل أحكام الله بأحكام الإنسان، يقول أبو إسحاق (الشراء من أخص أوصاف الإباضية).
فإذا رضيت الأمة بالذل، واستسلمت للظلم، وجرى عليها حكم الطغاة، ولم يقم فيها من يثور لكرامة الإسلام المهدرة، ولا لشرف الرسالة التي أعزت الإنسانية، وتغلب حب الدعة على كل فرد، وركن الجميع إلى الراحة، فلم تتكون حتى الفدائية التي تقض مضاجع الظالمين، وتذكرهم أن حكمهم لن يقر، وأن المقاومة لا تزال هي أمل المؤمنين، وأنهم سوف يحاسبون أمام الله والأمة حساباً عسيراً.
إذا ضعفت الأمة حتى عن هذه المرتبة، أصبحت تحت التنظيم الأخير، تنظيم الكتمان. وعندئذ يجب أن يبتعد المؤمنون عن مساعدة الظالمين (1/95)
صفحة 91
بتولي الوظائف الظالمة، وأن تتولى شؤونهم جمعيات تبث فيهم هداية الله، وتملأ قلوبهم بالإيمان بالله، وتنشر فيهم المعرفة والثقافة الإسلامية التي تبصرهم بدين الله، فلا تكون علاقتهم بالظالمين إلا في أيسر طريق، وأضيق مجال، فيما يتعلق بجباية الأموال المفروضة عليهم للحاكمين، وهي الجمعيات، أو ما يسمى في التنظيم الإباضي (بحلقة العزابة). (1/96)
صفحة 92
العزَّابة
تعريف العزَّابة: العزَّابة هيئة محدودة العدد، تمثل خيرة أهل البلد علما وصلاحا، وهذه الهيئة تقوم بالإشراف الكامل على شئون المجتمع الإباضي؛ الشئون الدينية، والشئون التعليمية، والشئون الاجتماعية، والشئون السياسية. وهي في زمن الظهور والدفاع تمثل مجلس الشورى للإمام أو عامله ومن ينوب عنه، أما في زمن الشراء أو الكتمان فهي تمثل الإمام وتقوم بعمله.
تختار هيئة العزَّابة من بينها شيخاً يسمى (شيخ العزَّابة) يكون أعلمهم وأكثرهم كفاءة، ولا يشترط فيه أن يكون أكبرهم سناً، والشيخ يرأس الهيئة في جلساتها، ويمثلها في جميع أعمالها، ويتكلم باسمها، وينفذ قراراتها، ويتولى الإشراف المباشر على جميع شئون البلد أو الأمة، ويجب أن تعرض عله جميع المشاكل والأحداث، وحكمه بعد قرار الهيئة نافذ في جميع الأحكام.
إشتقاق كلمة العزَّابة: اشتقت هذه الكلمة من العزوب أو العِزابة، وهي تعني العزلة، والغربة، والتصوف، والتهجد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الإستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة، والإعراض عن حظوظ النفس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإن العزَّابي لا يعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلا القليل، أما أعظم طاقاته فيجب أن يصرفها لله في خدمة المسلمين، دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجر يرجوه منهم، لأن أجره وحسابه على الله.
معنى كلمة الحَلقَة: كلمة الحلقة استعمال ثان يقصد به هيئة العزَّابة، فهي مرادفة لها. وقد أخذت هذه الكلمة من التحليق، وهو الاستدارة، وذلك (1/97)
صفحة 93
أن العزَّابة في اجتماعاتهم الرسمية يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، وهو أنسب وضع لتبادل الآراء، ودراسة وجهات النظر المختلفة.
كما أن الجلوس على هذا الوضع أفضل حال عند الدراسة، أو تلاوة القرآن الكريم، والاتجاه إلى الله بالدعاء.
مقر العزَّابة: المقر الرسمي للعزابة يكون في المسجد، ولذلك فلزام أن يكون في جانب من جوانب المسجد بيت خاص بالعزَّابة، ويستحسن أن يكون بعيداً عن مجالس الناس، حتى لا تسمع المداولات التي تجري فيه، وهذا البيت الخاص بهم لا يجوز لغيرهم الدخول إليه مطلقاً، ويتحتم على الجدد منهم أن يقوموا بتنظيفه ومراقبته وفرشه وملاحظة جميع ما يلزمه، وفيه تحفظ وثائقهم فلا يطلع عليها أحد غيرهم. وجميع المداولات والمناقشات والمباحث التي تجري داخله تعتبر سرية، لا يجوز اخراجها، وإفشاؤها لأي سبب من الأسباب، ماعدا القرارات التي تتخذ للتنفيذ فيتولى الشيخ إعلانها، وقد ينوب عنه أحد الأعضاء الآخرين؛ ولا يجوز للعزابة أن يناقشوا أي موضوع في غير مقرهم الرسمي، وبعد أن ينتهوا إلى قرار في أي موضوع يحق لهم أن ينتقلوا إلى مكان آخر لتنفيذ ذلك القرار، إذا كان تنفيذه يقتضي منهم الإنتقال، وإذا أصدروا أمراً في شأن من الشئون الاجتماعية للبلد، كتحديد المهور، أو تحديد الأسعار، أو بدء العمل في المواسم الزراعية، أو ما شاكل ذلك، فلم يستجب الجمهور لقرارهم اعتصموا في مقرهم، ولزموا المسجد دون أن يقوموا بأعمالهم المعتادة، وامتنعوا من دخول الأسواق والبلد، حتى يستجيب الناس للحكم، ويقوموا بتنفيذ الأمر، ولم تحدث مثل هذه الحالة عند الإباضية في ليبيا، إلا عدداً قليلاً من المرات، استجاب فيها الناس لأمر العزَّابة بأسرع مايمكن، بل لقد كان الناس يسارعون حين يسمعون بمثل هذا الموقف من العزَّابة، فيقنعون بعضهم، (1/98)
صفحة 94
ويبلغون موافقتهم إلى المجلس قبل حضور وقت الصلاة الثانية، فتسير الأمور في معتادها.
عدد أعضاء الحلقة: يتراوح عدد أعضاء الحلقة بين عشرة أعضاء وستة عشر عضواً، يوزع عليهم العمل كما يأتي:
1 - شيخ العزَّابة: ويكون أعلم القوم، وأقواهم شخصية، وأقدرهم على حل المشاكل.
2 - المستشارون: ويكون عددهم أربعة لا يزيدون ولا ينقصون. ويلزمون الشيخ، ولا يقطع أمراً دون موافقتهم.
3 - الإمام: شخص واحد، يقوم بصلاة الجماعة، ويجوز أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
4 - المؤذن: وهو شخص واحد مسئول عن تحري أوقات الصلاة، والقيام بمهمة الأذان، ويصح أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
5 - وكلاء الأوقاف: يخصص عضوان للإشراف على الأوقاف، وعلى ميزانية الحلقة. وضبط الواردات والصادرات. وطريقة إصلاح وتنمية الأوقاف، ويشترط في هذين العضوين بالإضافة إلى الشروط العامة لأعضاء الحلقة، أن لا يكونا من الأغنياء المكثرين، ولا من الفقراء المعوزين، ولكن من متوسطي الحال المستورين.
6 - المعلمون: يخصص ثلاثة أعضاء أو أكثر أوأقل حسب الحاجة، للإشراف على التربية والتعليم، وتنظيم الدراسة، ومراقبة التلاميذ في المحاضر. وهي دور التعليم. أو في الأقسام الداخلية. وما إلى ذلك من شئون التعليم.
7 - حقوق الموتى: يخصص أربعة أعضاء أو خمسة للإشراف على حقوق (1/99)
صفحة 95
الموتى، فيتولون الإشراف على غسلهم، وتجهيزهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، ومراقبة تنفيذ وصاياهم، وتقسيم تركاتهمم حسب الفرائض في أحكام الإسلام.
وإذا توفى شخص وهو في براءة المسلمين بأن مات على معصية، فإن هؤلاء العزَّابة لا يقومون بحقوقه، لأن العاصي لا حق له على المؤمنين، ولكنهم يسمحون لمن شاء من غير أعضاء الحلقة أن يقوم بتلك الحقوق، ذلك أن القيام بأمور الميت فرض على الكفاية، إذا قام به البعض أجزى عن الباقين.
شروط العضوية: يشترط في أعضاء العزَّابة عدة شروط منها:
1 - أن يكون حافظاً لكتاب الله.
2 - أن يمر بمراحل الدراسة مرحلة مرحلة، ويستوفي الدراسة فيها.
3 - أن يكون محافظاً على الزي الرسمي للطلبة عندما كان في الدراسة، والزي الرسمي للعزَّابة عندما يدخل الحلقة.
4 - أن يكون أديباً كيساً فطناً، ذا لباقة ومهارة في تصريف الأمور.
5 - أن يكون محباً للدراسة راغباً فيها، مواصلاً للتعلم والتعليم.
6 - أن لا تكون له مشاغل دنيوية كثيرة تحمله على كثرة التردد على الأسواق، والإختلاط بالعامة والسوقة، اختلاطا يزري بمقامه، ويذهب بهيبته.
7 - أن يغسل جسده بماء، ويغسل قلبه بماء وسدر، وهذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها أن يكون الإنسان نظيف اليد، والبطن، والعين من أموال الناس، وأن يكون نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن و الظاهر. (1/100)
صفحة 96
وقد شرح أبو عمار عبد الكافي هذه العبارة بقولة: (أما الجسد فيغسله من الدنس في الناس، وأما القلب فيغسله من الغش والتكبر وما أشبه ذلك مما يوجب حبط العمل) والعبارة كما ترى في غاية الدقة، وهي تحتمل أكثر مما أشرت إليه وأشار إليه العلامة أبو عمار، فتأملها، فكلما تأملتها وجدت فيها معنى جديداً ...
ولقد شدد المشائخ في تنظيف المؤمن لقلبه، لأن أدران القلوب أشد قذارة من أدران الأبدان، ولذلك أوجبوا عليه أن يغسل جسده بالماء، وأن يغسل قلبه بماء وسدر، وهي كناية تفيذ الحرص الشديد على نظافة الباطن أكثر من نظافة الظاهر، فإن من طهرت سريرته حسنت سيرته، واستقامت أموره، وكثرت محاسبته لنفسه، ورعايته لسلوكه، وفي ذلك نجاح.
واجبات الحلقة: على هيئة العزَّابة واجبات أكيدة هي مسئولة عنها باعتبارها هيئة، وتتخلص هذه الواجبات فيما يلي:
1 - الإشراف على التعليم وتهيئة الوسائل لذلك، وتيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا قسطا من الدراسة، ويتعلموا جزءا من القرآن الكريم وما يعرفون به أمور دينهم، وهذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل، فإذا كانت أسرة الطفل فقيرة بحيث لا تستغني عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تمونه به أوقات الدراسة وجب أن تقدم له مساعدة، وذلك بالإنفاق عليه.
2 - مراعاة الحالة الإجتماعية للناس، وتيسير سبل الحياة للفقير والضعيف، وإيجاد العمل للجميع، وذلك بمطالبة الأغنياء وأصحاب اليسار أن يستعينوا بالفقراء في إنجاز أعمالهم مقابل أجور، كثيراً ما يعيّنها أعضاء العزَّابة.
3 - (1/101)
صفحة 97
حل المشاكل التي تنجم بين الناس، والفصل في قضاياهم، والحكم بينهم في خصوماتهم، وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
4 - الإشراف على أوقاف المساجد. وعلى ميزانية الحلقة أو ضبط الصادر والوارد، وإنفاق جميع ذلك في وجهه، والعمل على تنمية الأوقاف الثابتة، وإصلاحها، واستغلالها أحسن إستغلال.
5 - حفظ الأسواق ومراقبتها من أن تقع فيها معاملات لا يبيحها الشرع، أو أن ترد إليها أموال مسترابة أو مشبوهة.
6 - تنظيم الحراسة البلدية على أموال الناس من زراعة وماشية حتى لا تصل إليها أيدي الغارة والسرقة والإضرار.
7 - الحكم على العصاة والمجرمين وتأديبهم، وإعلان البراءة منهم، وقطع التعامل معهم حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الله.
8 - القيام بالعلاقات الخارجية وتنظيمها، سواء كانت علاقات حرب أو سلام.
هذه بعض المهام التي تناط بمجلس العزَّابة باعتباره هيئة مسئولة عن المجتمع أمام الله وأمام الناس، وعلى الهيئة أن توزع الأعمال على الأعضاء حسب الكفاءة والمقدرة، والذي يقوم بذلك إنما هو الشيخ بعد اتفاق الحلقة.
أين تنشأ حلق العزَّابة: تنشأ حلق العزَّابة في كل بلد أو قرية، وحلقة العزَّابة هم الذين يشرفون على أمور البلد أو القرية الخاصة، فإذا كان هنالك أمر هام، أوحدث أكبر من مستوى القرية أو البلد رفع إلى المجلس الأعلى للعزابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر، أوحاكم الجبل حسبما كان في جبل نفوسة، وذلك كمسائل إيقاع الحدود، وما يتعلق بالأمن العام، وما إلى ذلك من المشاكل (1/102)
صفحة 98
التي تكون أكبر من المستوى المحلي للقرية، والهيئة الكبرى للعزابة أو الهيئة العامة لهم هي الهيئة التي يرأسها الشيخ الأكبر، ولا بد أن يكون شيخاً للعزابة في بلده ويقوم مقام الإمام في أزمنة الكتمان، أما أعضاء العزَّابة الذين يكونون معه فهم المستشارون، ويكونون من شيوخ حلقة العزَّابة في بلدانهم. ومقرهم هو مركز البلاد وعاصمتها، ولهم مع الشيخ اجتماعات دورية، مرة في كل ثلاثة أشهر، ومتى دعت الحاجة. وأحكام هذا المجلس نافذة على جميع البلاد، وكل الحلق خاضع مادياً وأدبياً لهذا المجلس، ويعتبر السلطة الحقيقية للمجتمع الإباضي، أما بقية الحلق فهي مساعدة له، منفذة لأعماله، ويجب على الشيخ الأكبر للعزابة أن يكون مقر حكمه في مركز البلاد، فإذا اختار السكن في غير ذلك المكان فعليه أن يباشر الأحكام في مركز الحكم لا في محل السكن كما كان يفعل أبو هارون موسى بن هارون، وأبو عبد الله بن جلداسن اللالوتي، وأبو يحيى الأرجاني، وغيرهم.
إن شيخ العزَّابة في المجتمع الإباضي يمثل سلطة الإمام العادل، ويقوم بجميع مهامّه في النطاق الذي تسمح به ظروف الحياة في زمن كل واحد منهم. وهو مقيد بمجلس الشورى الذي لا يحق له أن يصدر رأيا قبل موافقته، اللهم إلا في الأحكام الثابتة في الدين الإسلامي. وله أن يستعين بشخص يقوم له مقام المفتي. والقصد من هذا المفتي هو تحرير نصوص الحكم المستمدة من الشرع الشريف. أو المساعدة على ترجيح الأقوال في المسائل الخلافية التي تتعدد فيها وجهات أنظار الفقهاء. وليس المقصود من وجود المفتي أن يبصر الشيخ بأحكام لا يعرفها. لأن شيخ العزَّابة يشترط فيه أن يكون من أعلم المشائخ، إذا لم يكن أعلمهم.
وفي الاجتماعات الدورية التي تعقد في ثلاثة أشهر أو في ستة أشهر، يحضر (1/103)
صفحة 99
ممثلون عن جميع حلق العزَّابة. ويستعرضون مالديهم من مشاكل، ويدرسون معا وضع المجتمع. ويتخذون في ذلك القرارات اللازمة. ويرسمون خطط السير في المستقبل، على أنه يحق لكل حلقة أن تتصل بالمجلس الأعلى وتدعوه للإنعقاد إذا كانت هنالك أسباب تدعوا إلى ذلك. كما أن لها الحق أن تعرض مشاكلها الخاصة على الشيخ الأكبر، وتقتبس منه الرأي والنصيحة.
ويمثل كل حلقة من حلق العزَّابة شيخها وبعض مستشاريه، إلا في أحوال الضرورة التي يتعذر فيها عليه أن يقوم بهذه المهمة.
اختيار أعضاء الحلقة: يراعى في اختيار العزَّابة بالإضافة إلى الشروط التي يجب أن تتوفر في كل شخص أن يكونوا ممثلين للقبائل أوالجهات التي يشتمل عليها البلد، ولا يشترط تساوي العدد، كما أنه إذا لم يوجد في قبيلة ما من تتوفر فيه الشروط الشخصية أخذ من غيرها، وعندما يحتاج العزَّابة إلى إضافة عضو جديد إلى الحلقة يأخذونه عن أحد طريقين:
إما أن يطلبوا من القبيلة التي يراد أخذ العضو منها أن ترشح عدداً ممن تتوفر فيهم شروط العضوية، والكفاءات المطلوبة مع الشهرة بالصلاح، والتقوى، والعفاف، والنزاهة، وحب الخير، والإيثار والتضحية، والعمل للصالح العام، فتختار الهيئة واحداً منهم: وإما أن يطلبوا إلى منظمة (إيرْوَانْ) أن يقدموا إليهم واحدا ممن يملاء ذلك الفراغ.
حين يتعين العضو لأن يشغل مركزاً في العزَّابة، يدعى إلى مقرهم الرسمي، ويتولى الشيخ تعريف بالسيرة التي يجب عليه أن يسيرها، وبالأدب الذي يلتزمه ويؤكد عليه أن يعرف أن من أوكد الواجبات عليه أن يحافظ على آداب الإسلام، ويتخلق بأخلاقه الحميدة، من الاستقامة والنزاهة، والعفة، والانقطاع إلى خدمة (1/104)
صفحة 100
الأمة، والتزام المسجد، والإعراض عن حظوظ الدنيا ألا بمقدار الضرورة، والاجتهاد في العبادة، والتواضع للمؤمنين، والغلظة على العصاة والمجرمين، وأن يكون قدوة حسنة للناس في قوله وفي عمله، وأن يتحرى في رزقه التحري الكامل، ويختار له أن يكون مجال احترافه الزراعة، لأن التجارة تسبب له احتكاكاً مباشراً بالناس، فيغلب أن لا يسلم منها بالحق أو بالباطل، وهم يلخصون هذا الموقف في عبارة مشهورة متداولة هي:-
(أن لا يكون في غير مسجده، أو حلقه أوبيته)، وبعد أن يعرف بجميع ما يترتب عليه من حقوق وواجبات، وما يلقى عليه من مهام ومسئوليات، يطلب إليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإذا أعلن قبوله – وهذا ما يحدث فعلاً- أسندت إليه المهام العلمية، كأن يقوم بالتدريس أو وكالة المسجد، أو الاشتراك في الإشراف على حقوق الموتى، ثم أعلم أنه يعتبر أصغر العزَّابة. ولو كان أكبر من بعضه سناً، وعليه أن يتولى خدمتهم، ويطلب إلى سلفه –أي العزَّابي الذي كان أصغرهم قبل هذا العضو الجديد- أن يبقى معه ثلاثة أيام، يدربه فيها على آداب خدمة العزَّابة، لأنه يعتبر رئيسه المباشر، وعندما يجلس العزَّابة يتحتم أن يكون مجلسه بعده ... وترتيب مجالس العزَّابة ضروري، فلايجوز للمتأخر أن يسبق المتقدم، والعزَّابي يعتبر رئيساً في أي مكان يوجد فيه، وله وحده حق افتتاح الكلام في المجالس العامة، وكذلك اختتامه، وإدارة المناقشات، وما إلى ذلك، فلا يجوز لتلميذ أو عامي أن يتولى شيئاً من ذلك إلا بإذنه.
عقوبة العزَّابي: المطلوب من العزَّابي أن يكون قدوة ومثلا للاستقامة، ولذلك فإن ما يعتبر (1/105)
صفحة 101
من غيره أخطاء صغيرة يعتبر منه أخطاء كبيرة يجب عليه الاحتراس منها، والابتعاد عنها؛ وهذا حتى في مكارم الأخلاق، ومعاملة الناس، فإذا قدر عليه فأخطأ، نظر مجلس العزَّابة في موضوعه:
فإن كان الخطأ كبيراً يتصل بمعصية الله، ويسيئ إلى سمعة العزَّابة، أويلحق إهانة بالمسجد، أو استخفافا بالحق، أو ما أشبه ذلك، وجب عليهم أن يحكموا عليه بالبراءة على الأشهاد، كما يقع بالنسبة لغيره من الناس، ولا يرفع عنه حكم البراءة حتى يتوب علناً، وليس له بعد ذلك حق الرجوع إلى مجلس العزَّابة أبداً، فإن من أخرج من هذا المجلس بطريق البراءة لا يحق له دخوله مرة ثانية، وإن تاب ونصحت توبته، ويبقى كسائر المسلمين له حقوقهم وعليه واجباتهم.
أما إذا كان الخطاء صغيراً لا يقتضي التوبة، فإنهم يعقدون له مجلس تأديب سري، وقد يحكمون عليه بالإبعاد عن مجلس العزَّابة لمدة طويلة أوقصيرة حسب الخطأ الذي ارتكبه، وستروا عليه ذلك عن الناس.
وسبب هذا الحكم كان العزَّابة من أشد المحافظين على الإسلام وآدابه، وقد لخص أحد المشائخ هذه السيرة في عبارة لطيفة فقال: (إن مُتَولي الناس مثل اللبن يغيره أي شيء يقع عليه).
كيف تكون نظام العزَّابة:
في أواخر القرن الثالث الهجرى وقعت حادثتان كبيرتان، وكان لهما أثر كبير على الإباضية، في ليبيا وتونس والجزائر:
الأولى الحرب الطاحنة بين الأغالبة والإباضية في قصر مانو، وقد تلقى فيها الإباضية ضربة عنيفة من يد الطاغية أحمد بن الأغلب. (1/106)
صفحة 102
أما الثانية فهي تغلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وقضائهم على هذه الدولة.
وإذا كانت كلتا الدولتين الأغلبة والشيعية لا تتبعان أحكام الإسلام، ولا تعملان بها، فقد فكر علماء الإباضية في جعل نظام يسيرون عليه، يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيِّرون به الأمة في الوجهة الصالحة، دون أن يلتجئوا إلى إعلان دولة جديدة، أو يتعلقوا بدولة ظالمة مستبدة.
فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، وقد كان في أول الأمر عُرفاً يسير عليه الناس، حتى جاء الإمام الكبير أبو عبد الله محمد بن بكر في أواخر القرن الرابع، فحرره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثم طبقه تطبيقاً كاملاً في مواطن الإباضية، في ليبيا، ثم في تونس، ثم في الجزائر، حيث لا يزال يطبق بدقة؛ وعلى هذا الأساس اعتبر المؤرخون أن الإمام أبا عبد الله هو واضع نظام العزَّابة، والحق أنه يعتبر واضعاً لهذا النظام؛ فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسقة، وقد جاء بعد أبي عبد الله عدد من العلماء الكبار عنوا بدراسة هذا النظام عناية خاصة، وأضافوا إليه بعض المواد، وأطلق عليه بعضهم لفظ (سيرة العزَّابة)، و من العلماء الذين عنوا به، وكتبواعنه: أبو زكريا يحيى بن بكر، وأبو عمار عبد الكافي، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وقد حرص المتأخرون منهم أن يضيفوا إليه جملا في آداب العالم والمتعلم. وآداب حلقة العزَّابة وما يجب أن تتنزه عنه.
والذي يدرس هذا النظام كما شرحه أولئك الأئمة الأعلام يخرج بقانون فذ لنظم التربية والتعليم من جهة، وللسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم ودينهم، عندما تسيطر عليهم دول البغي والعدوان. (1/107)
صفحة 103
كما كان ذلك عند الإباضية في الجزائر، رغم ما بدلته فرنسا المستعمرة الظالمة الباغية ...
قوة العزَّابة:
استطاع العزَّابة أن يحتفظوا بهذا النظام طيلة قرون طويلة، و أن يعملوا به وأن يطبقوا بمقتضاه الأحكام على جميع الأفراد، دون أن يشذ منهم شاذ، أو يتكبر عليهم متكبر.
فماهو السر الذي منحهم هذه القوة وأسلس إليهم قياد الناس، فكانوا يتقبلون أحكامهم ويستجيبون لأوامرهم، لا يحدثون شغباً، ولا يظهرون تمرداً ...
إن لذلك سببين هامين:
الأول: الشخصية القوية التي تتمتع بها هيئة العزَّابة بسبب الصفحات المثالية التي تتصف بها الحلقة كهيئة، وأعضاء العزَّابة كأفراد، فإن المؤمن عندما يلتزم آداب الإسلام، ويسير بهديه، ويسير السيرة الرضية، يكون موضع الإحترام والتقدير والطاعة من جميع الناس، وتسلس له أزمة القيادة، إذا تولى ذلك في مجتمع أو أمة.
الثاني: حكم الولاية والبراءة الشخصيتين: هذه القاعدة الهامة التي يختص بها الإباضية دون غيرهم من المذاهب فيما أعرف. وكلمة الولاية تعني الحب في الله، وكلمة البراءة تعني البغض في الله. والولاية حق لكل مسلم مستقيم عرفت فيه التقوى والوقوف عند حدود الله، أما البراءة فواجب على كل مؤمن أن يعلن براءته وبغضه للعصاة المجرمين. حتى يتوبوا إلى الله.
ولما كانت هيئة العزَّابة هي المسئولة عن تنفيذ أحكام الله، فإن من واجباتها عندما يثبت لديها انحراف عن دين الله في أي شخص. أن تعلن عليه حكم البراءة (1/108)
صفحة 104
وعندما يعلن حكم البراءة على شخص، سرعان ما يتبدل وجه الحياة لديه، فيفقد ما كان يجده من حسن المعاملة، وإشراقة الحب في الله، ويتجافى عنه الأصدقاء ويتجافى عنه الأهل والأقارب، ويقطع الناس معاملته إلا بالمقدار الضروري جداً، فيجد نفسه معزولاً عن المجتمع، لا حق له في الحياة الكريمة، ولذلك يضطر إلى التوبة والاستغفار والندم علنا، وفي المسجد، فإذا تأكد مجلس العزَّابة أن الرجل صادق في توبته، نادم على خطيئته، راجع إلى ربه، أعلنوا رفع البراءة عنه.
وعندئذ ترجع إليه جميع الحقوق، ويستمتع بكل ما كان يستمتع به قبل أن يغره الشيطان، وليس من حق أحد بعد التوبة أن يذكره بمعصيته، أو يعيره بماضيه.
منظمة إيرْوَانْ:
(إيرْوَانْ) كلمة بربرية معناها طلبة العلم الذين حفظوا القرآن الكريم، فهم لا بد أن يكونوا من حملة كتاب الله، ومن المشتغلين بالدراسة، وهي جمع، والواحد منها (إيرُو) أما بفتح الهمزة (أََرُو) فهو إسم يطلق على الحيوان المعروف بالظربان في اللغة العربية، وأما (آر) بفته الهمزة ومدها وسكون الراء فمعناها الأسد، وفي لهجة صنهاجة البربرية معناها هات أو أعطني.
هذه المنظمة هي القوة الثانية بعد العزَّابة، ولها نظام وتقاليد وحقوق خاصة بها، وهي كالمجلس الإستشاري المساعد للعزابة، أو كمجلس النواب بالنسبة للشيوخ، وكثيراً ما يسند العزَّابة أعملاً إلى مجلس (إيروان). (1/109)
صفحة 105
وسوف أشرح الجانب العلمي منه في فصل آت من هذا الكتاب (نظم التربية والتعليم) فليراجعه من شاء هنالك.
هذا ملخص يسير مختصر عن نظام العزَّابة الذي بقي يسير به الإباضية في المغرب الإسلامي مدة طويلة.
وقد ارتفع حكم العزَّابة من مواطن الإباضية، في ليبيا وتونس في القرن الأخير، ومنذ ارتفع نظام العزَّابة من هذه المواطن تسرب الفساد إلى المجتمع، ولن يستطيع الإباضية أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من دين وخلق واستقامة مالم يعودوا إلى الإستمساك بدين الله واللياذ به، وإن المسلمين جميعاً ما أصيبوا بما أصيبوا به إلا لانحرافهم عن دين الله، وخروجهم عن منهاجه.
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. (1/110)
صفحة 106
صيانة لكرامة المرأة
لقد كانت طبيعة الحياة في الأمة المسلمة لا تبيح للمرأة أن تختلي برجل أجنبي عنها، ولا تبيح لرجل أن يختلي بامرأة أجنبية عنه. وذلك خوفا من الفتنة؛ لأن الدوافع الجنسية قد تتغلب على النفس عند الرجل أو عند المرأة وهما مختليان، فيصلان إلى المحذور، ويقع السوء الذي منه يحذران، لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (إياكم و الخلوة بالنساء، والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). وفي رواية: (دخل الشيطان بينهما). وروي عنه صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينه وبينها محرم)
ولكن واقع الحياة كثيراً ما يجعل المرأة في طريق الرجل، أو الرجل في طريق المرأة بضرورة من الضرورات، فيلعب الشيطان بينهما دوره، ويحاول أن يخدعهما عن نفسيهما، ويمهد لهما سبيل اللقاء الأول، ويبسط لهما وسائل العذر لارتكاب الفاحشة، فيمنيهما بأن يربط بينهما عرى الزواج في المستقبل، فيعد الرجل المرأة بالزواج، ويغريها بالأحلام الضاحكة، من تكوين العش والأسرة، والهناء المنزلي القار، حتى تطمئن إليه، ويخيل إليها أنها ستبدأ مكانها الجديد، وأنها قربت من تحقيق الحلم العذب، فتسلم إليه نفسها، وتتم لعبة الشيطان قبل أن يتم الزواج.
وأمثال هذه الحالة موجود وكثير، وفي أغلب الأحيان لا يكون الرجل (1/111)
صفحة 107
جاداً فيه وعده للفتاة بالزواج، وقد يكون جاداً، ولكن ظروفاً أخرى لا يملك السيطرة عليها تحول دون ذلك الزواج، وينتج عن ذلك خسران في الدين، وفضيحة في المجتمع، وضياع لفتاة يمكن أن يصان شرفها بشيء من الحكمة. وتعالج بعض المذاهب الإسلامية هذه المشكلة بفرض إتمام الزواج بين الفتى العابث والفتاة المخدوعة.
وفي هذا العصر الذي انطلقت فيه الفتاة _ دون رعاية أحد _ في معترك الحياة، ودعتها أساليب المدنية الغربية أن تتعرف على الرجل، وأن تعيش معه، وأن تختبر أخلاقه، تصطاد منه زوجا تعيش معه، فكانت هي الفريسة الأولى للصائدين _ في هذا العصر كثرت المشاكل الناجمة عن هذا الانطلاق والاختلاء واستعصت على جميع الحلول التي يضعها فلاسفة الغرب، ورأى بعضهم فراراً من حل المشكلة بالطرق الإنسانية، فحاول أن يحلها بالطرق الحيوانية، وذلك بالاستسلام لها، وإطلاق الغريزة تعمل عملها، وتهوين أمر الفاحشة، وعدم حسبانها إثماً تلام عليه الفتاة أو الفتى.
وقد ابتلى الوطن الإسلامي بهذا الداء، فأصبحت الفتاة في بعضه منطلقة هذا الانطلاق الكامن مع الشيطان وفي بعضه الآخر تدفع بشدة _ كما تدفع الشاة إلى المسلخ _ لتلحق بأختها.
وقد درس الإباضية هذه المشكلة منذ خير القرون، وانتهوا فيه إلى رأيهم الذي ينفردون به فيما أعرف؛ فحرموا الزواج بين من ربطت بينهما علاقة إثم، وقد كانوا في تحريمهم لهذا الزواج يستندون إلى روح الإسلام الذي يحارب الفاحشة.
روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/112)
صفحة 108
أنه قال: (أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان إلى يوم القيامة). وهذا الحكم، حكم تحريم الزواج بين من ربطت بينهما فاحشة بطريق من الطرق يغلق باب الخدعة أمام الشيطان، وأمام الإنسان، فلا يستطيع بعدها أن يأتي الرجل إلى امرأة فيغرر بها ويخدعها عن نفسها، ويزعم لها أنه سوف يتم فعلته الشنيعة بالزواج.
وهذا الحكم ينير الطريق أمام المرأة، فيجعلها تعرف الصادقين من الكاذبين من الناس الذين يتصلون بها، وكل من حاول أن يسبق الحوادث ويصل معها إلى نتائج الزواج قبل الزواج فهو كاذب أثيم، وخادع لئيم، يحق لها أن تفر منه، وتبتعد عنه، أما الرجل الذي يحترم فيها خلقها، ويصون لها عفافها، ويحافظ على شرفها في نفسه فهو الرجل الصادق، الذي يؤيد حقاً أن يبني عش الزوجية، ويحيا الحياة الكريمة.
ولو كان هذا الرأي هو رأي جميع فرق الأمة، وهذا الحكم هو حكمها، لقل انحراف الفتاة عن القصد، واستمسكت بطهرها وعفافها، ولم تتعد حدود البراءة، اللهم إلا من فقدت الحياء، وأعدت نفسها لتحيا حياة دعارة وبغاء. لأنها لو كانت تعرف أنها سوف تحرم على الرجل الذي تزل معه، وتحرم منه، فلا يمكنه أن يتزوجها لأن الدين يحرم هذا الزواج، فهي سوف تفكر كثيراً قبل أن تتساهل في أمر نفسها، ثم هي تعلم أنه لا يمكن أن يقدم على الزواج منها أحد آخر. ومن ذا الذي يقدم على الزواج من امرأة لها ماضٍ أثيم؟! (1/113)
صفحة 109
لقد عالج الإباضية موضوع التغرير بالفتاة قبل أن تقع في المشكلة؛ فتأمل أيها القارئ الكريم هذا الرأي، وزنه بميزان الشرع القويم، وميزان العقل الحكيم، وميزان التفكير السليم. وإن شئت فأضف إلى ذلك: القاعدة الهامة التي وضعها الإمام العظيم مالك بن أنس للمعاملات، واشتهرت في كتب الفقه بباب سد الذرائع. (1/114)
صفحة 110
من أسرار الزكاة
يمر الإنسان صدفة بدُور بعض الإغنياء أو متاجرهم أيام عاشوراء، فيستلفت نظره ازدحام جمهور من الناس على ذلك الباب، وحين يسأل عن سبب الازدحام يقال له: إنهم فقراء ينتظرون تفريق الزكاة.
وهذه الصورة متولدة عن علم الفقير بموعد صرف الزكاة، إذ كثيراً مايسأل الفقير الغني أن لا ينساه عند تفريقه للزكاة، فيعده الغني بذلك ويحدد له اليوم، وتصبح هذه الطريقة عادة، وحتى إذا لم يسبق إتصال بين الفقير والغني، فإن الفقير يعرف عادة الغني وموعد تفريقه للزكاة، فيذهب في الميعاد، ويقف مع الواقفين، ينتظر نصيبه من هذا الحق.
ويطل الغني من النافذة فيرى الجمهور الكبير الذي ينتظره، فيزدهيه الموقف ويحس أنه محسن عظيم، يستفيد من ماله عدد ضخم من الناس، وهذه نافذة من النوافذ التي يدخل منها الشيطان إلى قلب الإنسان.
إخراج الزكاة فريضة من فرائض الإسلام لا بد من أدائها، وهي حق لأصحابها في مال الغني يجب أن يوصلها إليهم دون أن يصحبها هوان أو مذلة لهم؛ فلماذا تصبغ بهذا المظهر الذي يدل أكثر ما يدل على الرياء والمباهاة؟ ولماذا يجمع أرباب الحق في الزكاة على هذا الصعيد في هذا المنظر المؤذي ليؤدي إليهم حقاً من حقوقهم؟!
أليس في إمكان الغني أن يفرق مايجب عليه من حقوق الله على من يستحقها من الناس دون أن يكلفهم عناء التجمع والإنتظار، بل يوصلها إليهم (1/115)
صفحة 111
دون أن يكون بينه وبينهم اتفاق، فيأتيهم بالفرج على حين غفلة، ودون أن يحسبوا له حساباً، ودون أن يحمِّلهم مهانة السوأل ومذلة الإنتظار!!
إن الصورة التي ذكرت، تجدها في بعض المدن الكبيرة في ليبيا، وقد اعتاد الفقراء أن يذكِّروا الأغنياء بأنفسهم، ويطالبوهم بحقهم في الزكاة.
ويقف علماء الإباضية من هذه المشكلة موقفا مستوحى من عزة الإسلام وكرامة المسلم.
فإنه ليس من أخلاق المسلم أن يظهر بمظهر الذليل المستجدي، الواقف على الأعتاب ينتظر ماتجود به الأكف، وتسخوا به الأنفس الشِّحاح.
وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الإستجداء والمسألة، واعتمد الإباضية تلك الأحاديث الشريفة، فمنعوا المسلم من إراقة ماء الوجه، والتعرض لمذلة السوأل، فإذا هانت عليه كرامته، وذهب يسأل الناس الزكاة، حُرم منها عقاباً له على هذا الهوان، وتعويذا له على الإستغناء عن الناس، والإعتماد على الكفاح.
على أن الزكاة حق لا بد أن يصل إلى أصحابه دون أن يهينوا أنفسهم بالتعرض للأغنياء. ودون أن يتَّكلوا عليه فيدخلونه في حسابهم، ودون أن يشعر الغني بهذا المظهر المتعالي الذي يحوج الناس إليه، فيأتونه متعرضين لنواله.
وقد يصل الفقر بأحد من الناس إلى شدة لا تقوى إرادته على التغلب عليها، فيضطر إلى تخفيف هذه الشدة بالإستجداء.
وفي هذا الموقف تبرز قضية أخرى هي واجب الأمة المسلمة. فإن حفظ (1/116)
صفحة 112
كرامة المسلمين واجب على الكفاية. وما يحل للأمة أن تترك من بنيها من يهوي به الفقر إلى المذلة والهوان.
إن من واجب الأمة المسلمة أن تيسر أسباب الحياة الكريمة لكل فرد من أفرادها، ولا تتخلى عنه حتى تصل به الحال إلى الحاجة المدقعة التي تدفعه إلى السوأل. بل عليها أن تعالج مشكلة الفقر بطريق من الطرق الكريمة، كأن تيسر العمل لمن يستطيع العمل، أو تتخذ النظم التي ترعى العجزة وتصد عنهم غائلة الجوع، وتوصل إليهم ما يرفع عنهم ثقل الحياة بيد عطوفة كريمة.
وقد نتج عن هذا الحكم عند الإباضية- الحكم بحرمان طالب الزكاة منها- أنك لا تجد في المجتمع الإباضي شحاذاً. ولا يجوب الشوارع يتعرض لأبواب المنازل أو المتاجر ليتلقى الصدقات. ولا تجد غنياً ببابه جمهور من الفقراء وهو يوزع عليهم الزكاة في زهو وخيلاء. وإنما تصل الزكاة إلى أصحابها دون أن يكون للفقير بها سابق علم. ودون أن يحس الغني أنه يقدم إحساناً، وإنما يقوم بواجب يخشى ألا يقبله الله منه، ويرجوا من رحمة الله أن تتولاه بالقبول.
وقد كان الإباضية في جبل نفوسة يكونون هيئات تجمع الزكاة وتصرف في مصارفها بالطرق التي لا تكون عند الفقراء عادة الإنتظار، ولا تجعل في السنة مواسم للتجمع لأخذ الزكاة، وهذه الهيئات التي تتولى جمع الزكاة، وتحفظها، وتنفق منها على من يستحقها في تنظيم، وكثيراً ما تظيف إلى تلك المبالغ المتحصله من الزكاة مبالغ أخرى مما يتبرع به أصحاب الأموال، ولا سيما في سنوات الشدة التي قد لا تكفي فيها الزكاة لسد الخلة عند المحتاجين. (1/117)
صفحة 113
وحبذا لو أن الأمة الإسلامية عملت على مثل هذا التنظيم، فيسرت العمل الحر الكريم، وحرّمت عليه السوأل والإستجداء، ثم قدّرت مقدار الحاجة فلم تتركها تصل بالمسلم إلى أحط دركات الإنسانية.
على أن هذه الهيئات يجب أن تتكون عند الأمة المسلمة عندما لا تكون على رأسها دولة مسلمة. أما إذا كانت الدولة مسلمة، فإن جمع الزكاة يكون من بعض حقوقها .. ورعاية الفقير وتيسير الحياة الحرة الكريمة له، وصيانته من المهانة والذلة يكون من بعض واجباتها. (1/118)
صفحة 114
عصبية
ألف الاستاذ الطاهر احمد الزاوي الطرابلسي ثلاثة كتب في التاريخ هي (جهاد الأبطال) و (الفتح العربي في ليبيا) و (أعلام ليبيا)
وقد أتيح لي أن أطلع على هذه الكتب، وحين أذكر أنني أقدر المجهود العظيم، الذي بدله المؤلف في هذه الكتب، وأشكر له هذا الجهد، أحب أن أقول عنها الكلمة الآتية:
حين تقرأ كتاب (الفتح العربي في ليبيا) تحس أن المؤلف عندما يعرض للحديث عن الإباضية يشعر بكثير من المرارة، وهو رغم أنه عرض قضايا التاريخ في هذا الكتاب عرضاً صادقاً، ولم ينحدر إلى تغيير الحقائق، ولم يجد في مطاويء التاريخ ماينتقده على أولئك الناس، سواء في سلوكهم المدني أو في سلوكهم السياسي والعسكري، فهم لم يقدموا على أي عمل يخالف أحكام الاسلام أثناء حروبهم، وأثناء سلامهم، إلا أنه رغم ذلك، يشعرك المؤلف- وأنت تقرأ كتابه- بأنه يحمل كراهية متأصلة لهؤلاء القوم، وبثُ المؤلف لروحه فيما يكتب، وإشباعه لكتابته بهذه الروح حتى يحسها القاريء إحساساً واضحاً ملكة لا يتحلى بها إلا عدد قليل من كبار الكتاب.
لقد كان الإباضية كما كان غيرهم من الفرق يثورون على ألوان الظلم والطغيان، الذي يقع من ولاة العباسيين الجبابرة، أو من غيرهم ممن وصل إلى مراكز الحكم بدون أن يؤهله دينه لذلك، وحرص المؤلف أن يسمي الثورات التي قام بها الإباضية (فتناً) حتى يوهم القاريء أن هؤلاء القوم يشغبون على (1/119)
صفحة 115
الدولة، دون أن يكون لهم حق، وهو لا يطلق هذا الوصف على آلاف الثورات التي قامت للنزاع على الحكم، والانتقام من المذنب والبريء, وعن الحروب الطاحنة التي تبادلها عمال العباسيين في كل المملكة الإسلامية، ومن بينها ليبيا.
ومن العجيب أن هذا الكتاب- رغم هدؤه الظاهري- يكاد يكون محاولة سافرة لإيقاد الفتنة بين العرب والبربر، ودعوة صارخة لإحياء مايكاد يندثر من دعوة العنصرية البغيضة، وبرغم أن الفتح كان إسلاميا قبل أن يكون عربيا، وأن مقاومة الدين الجديد التي قام بها البربر إبان الفتح ليست أشد من الحروب التي قام بها العرب أنفسهم لمعارضة الاسلام عند الفتح، ولا أشد من الحروب التي قام بها الفرس أو الترك أو الرومان، أو غيرهم من الشعوب عندما بلغتهم رسالة الله، برغم أن هذه المقاومة لدين الله لم تخص بجنس من الأجناس البشرية، فإن صاحب الكتاب يحاول أن يجعلها صفة متمكنة من البربر، ويصف هؤلاء القوم بالتشدد والإعراض عن دين الله.
ونحن لا يهمنا أمر أولئك المعرضين من قليل أو كثير، والكفر ملة واحدة، يجتمع عليها- في جهنم- البربري والعربي والفارسي، وزملاؤهم من جميع الأجناس ...
وفي تسمية الكتاب نفسه دليل على هذه الروح التي كتب بها الأستاذ الزاوي تاريخه القيم، وبدلا من أن يكون عنوان الكتاب: (الفتح الإسلامي في ليبيا) صار العنوان: (الفتح العربي) ...
ولو كان الفتح عربيا فقط لما كان هنالك فرق بينه وبين الفتح الاغريقي، أوالروماني، أو التتري، أو غيرها من الأجناس، فليس العرب باعتبارهم جنسا أكرم على الله من المغول، أو السكسون، أو الهنود الحمر ... (1/120)
صفحة 116
عندما افتتح الاسلام هذه البلاد، وعم نور الهداية المحمدية هذه الربوع، لم يبق لكلمة العرب والبربر مكان، فإن الله قد أبدلهما إسماً آخر خيراً وأهدى، هذا الاسم هو الكلمة التي اختارها الكتاب الكريم، فدعا بها أتباع محمد عليه الصلاة والسلام:
(ياأيها الذين آمنوا) أو تلك الكلمة الأخرى التي سماهم بها جدهم ابراهيم خليل الله عليه السلام:
(هو سماكم المسلمين) فلماذا نسند الفتح إلى جنس من البشر، مع ان الفتح للإسلام، والله يسخِّر من جنده من يشاء ...
وعندما تحدث الثورات والمنازعات، لماذا لا نشرح أسبابها الحقيقية، ونعترف بالخطأ سواء كان هذا الخطأ من الدولة أومن الثائرين عليها، ثم ننسب هذه الثورات إلى القائمين بها، لا إلى أجناسهم وعناصرهم؟.
قلت لقد حرص المؤلف أن يسمي حركات الإباضية بالفتنة، وأن ينسبها إلى البربر، حتى يجمع الإباضية في صعيد واحد مع فرق أخرى، يرىلمؤلف أنها رقيقة الدين، ضعيفةالإيمان.
ولكنه لم يكلف نفسه عناء تبرير أحكامه هذه عندما يسنده إلى أمة مسلمة، ولم يجد في الواقع التاريخي مايجعله يؤمن بأن حركات الثورة التي يقوم بها الإباضية، كانت فتنة أو تدعوا الى الفتنة، فإن الحكم الذي كان بيد الأمويين أولا- ماعدا فترة قصيرة هي خلافة عمر بن عبد العزيز- وبيد الدولة العباسية ثانيا، كان ملكا عضوضا، كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن خلافة رشيدة، والثورة على هذا الملك العضوض الظالم لا يعتبر (1/121)
صفحة 117
فتنة، ثم ان ولاة هذه الدول وعمالها في مختلف بلاد الاسلام، لم يتقيدوا بأحكام الكتاب، ولم يعرفوا للعدل معنى، ولم يحترموا للناس حقا، فكانت الأمة لا تكف عن الثورة، ولا تقف عن الكفاح؛ كفاح ألوان الاضطهاد والظلم والطغيان في جميع بقاع العالم الاسلامي، في الجزيرة العربية، وفي الشام، وفي العراق، وفي فارس وما وراءها، وفي مصر والمغرب الإسلامي. غير أن مؤلف كتاب (الفتح العربي في ليبيا) لا يحلو له أن يطلق كلمة الفتنة، إلا على الثورة التي يقوم بها هؤلاء الذين يحرص أن يطلق عليهم اسم بربر، ليجعل منهم صفاً معارضاً للعرب، ويجهد أن يجعل بينهم وبين الإسلام سدّا، وأن يشعل بينهم وبين اخوتهم من العرب ناراً ...
لقد كان أكثر أولئك الذين قادوا الثورات التي قام بها الإباضية في ليبيا من العرب، ورغم ذلك فإن صاحب الكتاب ينسبها إلى البربر، ويعبر عنها بالفتن.
إن الثورات في العالم الاسلامي لم تقف يوماً واحداً منذ انحرف القائمون بالأمر عن الحكم بكتاب الله، والسبب في ذلك بسيط ومعقول:
كانت البشرية خاضعة لآلهة من البشر، صابرة على طغيان الانسان، حتى جاء الاسلام فبعث كرامة الإنسانية في المسلمين، وحرم فيها الاستكانة والذلة، والعبودية، ما أمكنهم دفاعها، وشعر المسلمون بتحقيق هذه الكرامة في عهود النبوة والخلافة الرشيدة، فلما تولى الحكم أولئك الذين انحرفوا عن الدين إلى الدنيا، وعن الحق إلى الأثرة، وعن العدل إلى الجور ... ثار الأحرار في كل مكان، ولا يزالون يثورون إلى اليوم، والى يوم القيامة. (1/122)
صفحة 118
وقد عجبت للمؤلف وهو يكتب في هذا العصر الذي استيقظ فيه المسلمون وعرفوا جميع أخطأ الماضي، وهم أحرص ما يكونون على إبعاد ذلك الشبح البغيض، الذي فرقهم إلى أحزاب وشيع، وملأ قلوب الناس بالبغضاء والكراهية، وسهل عليهم الوثوب على من يخالفهم لسبب ولغير سبب ...
عجبت للمؤلف كيف يسمح لنفسه أن يكتب بهذا الأسلوب، وبهذه الروح، وأن يرتضي لنفسه أن يكون محيي عصبية، في هذاالعصر الذي يجب فيه أن تتكتل الأمة، وأن تتضامن فيه جهودها ...
لقد بدل المؤلف جهدا جباراً وهو يكتب عن وطنه الحبيب، ولكنه حرص أشد الحرص على الكتابة بهذا الأسلوب وبهذه الروح حتى في كتابه (الأبطال) فكان يستعمل كلمة العرب والبربر بدلا من أي اسم آخر، قد يكون أدق في المعنى، وأوفى بالغرض، وإنه لغريب حقاً في مثل علم الأستاذ الزاوي، واتساع ثقافته وكرهه لدواعي التفرقة والخلاف، أن يسخر قلمه لدعوى الجاهلية التي بريءَ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يحرك قضية الجنس في الشعب الواحد، وأن يميز بين العرب والبربر، كأنه نسي أن الله تعالى جعل الأمة الإسلامية أمة واحدة، وأن الإسلام يذيب الجنسيات، ولا يحفل بالقوميات، ولا يأبه للعنصر: (كلكم لآدم وآدم من تراب).
فلماذا يحاول بعض الناس احياء العصبية القبلية، أو الخلافات العنصرية، بعد أن أغنانا الله عنها بالإسلام:
) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110) فإذا كان لعربي فضل فهو فضل الإسلام، وإن كان لبربري فضل فهو فضل الإسلام: (1/123)
صفحة 119
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم) (الحجرات: من الآية13) وقد حصل بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، على مالم يحصل عليه عبد الملك والدولة الأموية من ورائه، وهارون الرشيد والدولة العباسية من بين يديه ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وإذا كان لبربري أوعربي ما يؤاخذ عليه، ويحاسب على ارتكابه أو تضييعه، فهو سلوك المعصية، والانفصام عن عرى الدين، وعدم التخلق بأخلاق القرآن الكريم، وعدم التقيد بما دعا اليه محمد عليه السلام في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي الحديث، الذي هو) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (لنجم:4)
وفي السيرة العطرة التي هي التطبيق الحقيقي للإسلام، فمن شاء أن ينصب نفسه حكماً، ويقف موقف القاضي، يتحكم في التاريخ، ويتحدث عن أقدار الرجال، فليجعل هذا الميزان نصب عينيه، ليزن أعمال الناس إن كان يستطيع، وعند ربك الميزان الحق، والحساب الدقيق.
هذا تعليق قصير على كتاب ضخم بذل فيه المؤلف من الجهد والوقت شيئاً غير قليل، وإننا حين نقول قولة الحق في مآخذنا على هذا المجهود العظيم، لا ننسى أبداً، أن المؤلف قدم للوطن خدمة سوف تشكرها له الأجيال القادمة، ولا يمنعنا هذا الثناء عليه، والتقدير له، أن نشير إلى تلك الهفوات؛ وأي مؤلف لم تقع له هنات وتوجه إليه انتقادات، وتحصى له غلطات!
وإذا أنسأ الله في الأجل، ووفق في العمل، فسوف أحاول أن أناقش الكتاب فيما ظهر لي أن المؤلف أخطأ فيه التوفيق، وحاد فيه عن الصواب. (1/124)
صفحة 120
اعتصام الإباضية بالدين
لقد أشرت إلى بعض الأصول العلمية التي يمتاز بها الإباضية، و يعتمدونها في مذهبهم، و يحسن بي الآن أن نعود إلى تفصيل حياة هذا المذهب في الأمة الإسلامية و إلى أثره في مجرى تاريخها، و إلى مسلك أتباعه للأصول التي أصولها و القواعد التي دونوها، و المبادئ التي ساروا عليها في جميع عصور التاريخ طبقا لمسالك الدين التي سبق الحديث عنها.
وليس من الدعوى أو التبجح أن أقول أن الإباضية من أولى الفرق الإسلامية التي تحرص أن لا يتخطى أفرادها الحدود التي رسمها لهم الدين و أن يكون المسلم منها صورة صحيحة حقيقية لممارسة الإسلام، و أوضحته سيرة السلف الصالحين و ليس معنى هذا أنه قد لا تقع معصية من إباضي، فإن هذا ليس من طبع البشر و إنما المقصود أنه عندما يرتكب أحدهم معصية فإما أن تكون مما يعلمه الناس، أو مما يلم به الفرد مستترا حتى يغلبه الشيطان، فإذا كان الخطأ من النوع الأول بادر المسلمون إلى إعلان البراءة منه و قطع التعامل معه و الجفوة عليه حتى من أقاربه و أهله، حتى يعترف بما ارتكب على الأشهاد، و يعلن توبته إلى ربه بعد رجوعه إليه و يعاهد الله ألا يعود و هكذا يرجع العاصي إلى حظيرة الأمة و تطهر من أرجاس المعصية ليعاود الكفاح في سبيل الله و العمل الخير و قد تطهر و الدعوة إليه و يحيا حياة نظيفة في مجتمع نظيف.
أما إذا كان من القسم الثاني أي من الأخطاء التي يلم بها الإنسان مستترا فإن ذلك يجعله يسير مع الركب في الظاهر، على أن ضميره لا يكف عن التوبيخ هو يعتقد انه ليس فيما يعصى الله به صغير كما قال ترجمان القرآن رضي الله عنه، (1/125)
صفحة 121
و أن من ورد على ربه بهذه الحالة سيكون من أصحاب النار خالدا فيها أبدا، و في ذلك زجر عما ارتكب، و داع إلى الإقلاع عما ألم به من وساوس الشيطان، الذي يدعو أتباع هذا المذهب إلى هذا التمسك الحريص أفرادا و جماعات إنما هو بعض القواعد التي يمتاز بها هذا المذهب عن غيره من المذاهب كوجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الفرد المسلم و المجتمع الإسلامي و تطبيق ذلك في مسألة الولاية و البراءة، و الوقوف و كالقاعدة الأخرى الهامة التي تجعل الإميان لا يتم إلا بالعمل، فلا يجد العاصي مستندا يستند عليه بينه و بين نفسه، أو بينه و بين الناس و لا يحق أن يطمع في دخول الجنة بقول لا إله إلا الله محمدا رسول الله، دون أن يقرن ذلك بالعمل الصالح، كما لا يحق له أن يأمل في الخروج من العذاب الأليم و قد قدم على ربه مرتكسا في عمله، مرتهنا بذنبه:
) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:81)،) لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) (قّ: من الآية28)،) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (قّ:29) و بناء على هذه الأسس التي يراها الإباضية في قواعد الدنيا، كانت أعمالهم صورا حقيقية لمبادئهم و عقائدهم.
و قد اشتهروا بذلك مدى التاريخ و عرفوا به، فكانوا في مجتمعهم و أفرادهم أمثلة للمؤمنين الذين يحافظون على دين الله في واجباته و آدابه، و جميع الأخلاق التي دعا إليها، و يبتعدون عن كل ما نهى الإسلام عنه، أو كرهه، من قول و عمل، يسارعون إلى الخيرات و يبتعدون عن المحرمات، و يقفون عند الشبهات، مصداقا لقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((كنا ندع سبعين بابا ممن الحلال مخافة أن نقع في الحرام)). و إذا كانت (1/126)
صفحة 122
هذه الصورة الصادقة لما عليها الإباضية منذ أول التاريخ إلى اليوم فإنه من الحق المؤلم أن اعترف أن الإباضية في ليبيا بدءوا ينحرفون من حيث العمل عن هذا السبيل القويم الذي سار عليه أسلافهم و حافظ عليه أجدادهم، حفاظ المؤمنين المخلصين لدين الله.
بدأ هذا الانحراف عن السبيل القويم منذ اشتعلت نار الفتنة بين المسلمين في حرب إيطاليا بسبب ما دسته من مكائد للأخوة و تسليط بعضهم على بعض، و إمدادها لكل فريق بالمال و السلاح سرا و علانية، ليشتد النزاع و تنشق العصا، و تفترق الأمة على نفسها، فيهون عليها احتلال البلاد، و احتلال العباد.
و منذ ذلك الحين ظهر في المجتمع الإباضي من يرتكب المعصية جهارا، و يخون أمانة الله نهارا، فيشرب الخمر التي حرم الله، أو يغش في البيع و الشراء ليكتسب مالا، أو يستهين بحدود الله، ليجامل أعداء الله، بل أدهى من ذلك و أمر، انه وجد فيهم من يترك الصلاة، أو يمتنع عن الزكاة، فيخل بإحدى الواجبات و هو يدعي الإسلام، و ينتمي في زعمه إلى أتباع عبد الله بن اباض، فإذا جئت لتنهاه عن هذا المنكر أجابك في غير مبالاة أن مذهب الإباضية مذهب شديد، و أنه سمع أن غيره من المذاهب لا يغلقون أبواب الجنة في اوجه العصاة، كأنما أصبحت أبواب الجنة وأبواب الجحيم في أدي الناس، يغلقونها متى شاءوا و يفتحونها لمن شاءوا.
في هذا الحين الذي أذكر فيه هذه الحقائق المؤسفة المؤلمة و أنا ألجأ إليه تعالى أن يهدي قومي فإنهم لا يعلمون، أذكر لهم فخر و اعتزاز أن علماء الإسلام اليوم يدعون إلى دين الله على روح هذا المذهب، فكأنما يستقون من أصوله، (1/127)
صفحة 123
و قواعده، و لا غرابة في ذلك، فإن كل مسلم يغار على دينه و يدعو إلى كتاب ربه – يجد نفسه قريبا من هذا المذهب لأنه يستقى من النبع الصافي الذي استقى منه و حافظ عليه.
و لو أن المسلمين في جميع الأقطار حرصوا أن يكونوا صورا حية للإسلام كمان كان الإباضية، لما وجدوا أعداؤهم بينهم مدخلا و لا بين صفوفهم طريقا.
إن الاستعمار و الظلم و الطغيان لم يستطع أن يتغلب على المسلمين إلا حينما بذر بينهم فتنة المال و المتعة الحرام، و أشاع بينهم الفاحشة و المنكر، وسهل عليهم الإعراض عن حكم الله إلى حكم الإنسان و قطع العلاقة بين الفرد و المجتمع، فأعطى للفرد حق الحرية في ارتكاب ما يشاء مما حرم الله.
ولو أن المجتمع بقى مهيمنا على سلوك الفرد، فلبا يستطيع إنسان يدعي الإسلام أن يجد ماخورا أو يرتكب زنى و لا يستطيع مسلم أن يجد في بلد مسلم حانة، أو يشرب خمرا.
و لا يستطيع إن سان يدعي الإسلام أن يجد مقمرة أو يلعب قمارا، و لا يستطيع مسلم في مجتمع إسلامي أن يجد ما يساعده على ارتكاب محرم، أو يخالف سيرة من سير المسلمين، أو خلقا من أخلاق المؤمنين لأن المجتمع سوف يقف له بالمرصاد، و يحاسبه على ما ترك أو قدم، حتى يعود إلى الطريق الأمثل و الصراط الأقوم و السبيل السوي.
لو أن المجتمع الإسلامي بقى مهيمنا على سلوك الفرد كما كان ذلك في صدر الإسلام و كما بقى عند الإباضية إلى اليوم، لما شذ المسلمون عن الإسلام، و لما بعدوا عن كتاب الله، و لما غلب عليهم عدو لا يرحم، أفسد فيهم (1/128)
صفحة 124
الدين و الخلق، قبل أن يستغلهم في العمل و المال، يأخذ منهم الجهد و الثروة، و يقضي فيهم بحكم الجبروت و القوة.
و إنه لمن الإبتعاد عن دين الله، و من المجافاة لكتاب الله و من التنكر عن هدي رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تجيء اليوم من بلد إسلاتمي تحكمه-فيما تزعم- دولة مسلمة، فترى دور البغاء مفتوحة لطلاب الشهوة و عبيد الشيطان لأهن دولا من الغرب ترى أن في ذلك مصلحة.
و ترى حانات يروج فيها البيع و الشراء و تزدحم الزبائن على ارتشاف ما حرمه الله، و امر نبيه عليه السلام بكسر دنانه؛ لتساير الدولة المسلمة أعداء الله و تكسب منهم – في زعمها- مالا حراما.
و ترى دورا مشيدة الأركان عظيمة البنيان و مفروشة بأرقى ما وصل إليه ذوق الإنسان، تهدر فيها قيمة الكسب و تضيع فيها ثمرة الجهد، لتلتهم المائدة الخضراء المال الذي هو من حق الأمة، اختلسها منها أبنائها العاقون، و الحكام الظالمون و العملاء المستغلون.
إن هذه الصور و آلافا من الصور التي تتراءى كل يوم في بلد من بلاد الإسلام يجب أن تزول، لو أن المجتمع الإسلامي بقى مهيمنا على الفرد، و مهيمنا على الدولة التي يسير بها الأفراد، لأن هذه الموبقات التي أشاعها الإستعمار في بلاد الإسلام ليحول بين المسلمين و العمل بعقيدتهم الصافية، و خلقهم الطاهر السليم، هي الأدواء التي فتكت بالشباب.
فهانت عليه كرامة الرجولة و أذلته الشهوة المحرمة فضاع عرضه و حيويته بين بيوت الدعارة و تسكع في الحانات يشرب الخمر و يقرع الكأس (1/129)
صفحة 125
بالكأس حتى ضاع وقته وضاع عقله ثم حاول ان يكتسب المال من أيسر طريق، فولج في دور القمار فسرق القمار ماله و أعصابه و سلامة تفكيره و خرج إلى الشارع حطاما ليس له مال و لا عرض و لا دين.
و قد سلم المجتمع الإباضي من هذه الادواء و أشباهها على مدى التاريخ، ما عدا الأربعين سنة التي استثيناها فيما سبق من تاريخ ليبيا فقط، لأن المجتمع الإباضي بقى مسيطرا على الفرد و لأن نظام العزابة كما أشرت إليه في مسالك الدين في دور الكتمان، بقى يوجه المسلمين و يحاسبهم على أعمالهم و يحدد لهم الإتجاه الذي بينه رسول الله صلى الله عليه و سلم، فلما تغلب المستعمرون على ليبيا و قضوا على نظام العزابة في البلاد، و حالوا بين العلماء و بين القيام بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و منعوا إعلان الولاية و البراءة ممن يستحقها، بدأ بعض الناس يستمرئون طعم المعصية و يتشبهون بمن جاورهم ممن لا يخاف في الله إلا و لا ذمة و يرمون الناس بأبصارهم إلى الحياة التي يحياها العابثون من أعداء الله و أعداء الإسلام.
على ان هذه النكبة التي أصابت الإباضية كما أصابت غيرهم من المسلمين كانت مقصورة على الإباضية في ليبيا أما إخوانهم في بقية البلاد (1) فقد
__________
(1) /أستطيع ان اضرب مثلا بالإباضية في الجزائر، وقد بقي هذا النظام يطبق عندهم إلى الآن، ولم تستطع فرنسا المستعمرة بكل مالها من وسائل الفساد والقهر أن تنال منهم غير قسط من المال يدفعونه إليها جملة لا تفصيلا، أما نظام السيادة والحكم ولاإشراف على الخلق والدين والتعليم والمجتمع، فقد كان نظام العزابة، وقد نتج عن ذلك أن كانت حياتهم حياة تشرف الأمة المسلمة، حتى في حالة الكتمان عندما تكون مغلوبة على أمرها سياسيا. والإيمان الحق قوة في القلب، وقوة في القلب، وقوة في الخلق وقوة في السلوك تفرض عظمة الشخصية. وتستدعي الاحترام. حتى على الحديد والنار، وأصحاب الحديد والنار. (1/130)
صفحة 126
استمرت حياتهم كما كانت عليه زمن السلف الصالح، لا تؤثر عليهم خطبة استعمار و لا يغلب عليهم انحلال الجوار و لا يجد الشر في بلدهم سبيلا، و لا تعرف المعصية إليهم طريقا و لا يفر الفرد بعمله عن حكم المجتمع الذي يسهر على الدين و على الخلق و على العمل.
و الآن و قد ذهب الإستعمار و تحرر منه العالم فلعل الإباضية في ليبيا يرجعون إلى سيرة السلف التي يعتز بها الإسلام و لعل المسلمين يعودون إلى هدي محمد، معرضين عن زخرف القول من عبيد الزنا.
و لعل الدولة – و هي مسلمة- تلغي القوانين التي وضعها البشر لتعمل بالقانون الذي أنزلته السماء و تعرض عن مسايرة أعداء الله، و تنظف البلد المسلم من أسباب المعصية لتنظف أخلاق الشباب و أنه لأهون على المؤمن أن يغضب كينيدي و خروتشوف و نهرو و ابن غوريون و إبليس و جميع اتباعهم من أن يغضب الله، و قد أغضب محمد صلى الله عليه و سلم أبا جهل و كسرى و قيصر و غيرهم ليرضي الله .. و لنا في رسول الله أسوة حسنة.!! (1/131)
صفحة 127
[صفحة بيضاء] (1/132)
صفحة 128
الإباضية في قيادة الأمة
قلت في الفصل السابق: إنه يحسن بي الآن أن أعود إلى تفصيل حياة هذا المذهب في الأمة الإسلامية، وأثره في مجرى تاريخها الحافل، والى سيرة أتباعه أفراداً ومجتمعاً.
وقدقلت إن المجتمع الإباضي- بناء على قواعد مذهبه كوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ووجوب الولاية، والبراءة، للأفراد والجماعات؛ وعدم تمام الإيمان إلا بالعمل الصالح، الذي يدعو إليهالإسلام، وأنه لا أمل للعاصي- الذي يموت على معصيته- في رحمة الله.
إن المجتمع الإباضي بناء على هذه القواعد، كان صورة صحيحة للمجتمع المسلم النظيف؛ طهارة في العقيدة من الزيغ والبدعة، وطهارة في العمل من أدران المعصية، وطهارة في الخلق بالتحلي بما تحلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وندب إليه وتحلى به المؤمنون الصادقون في كل زمان.
وقد ظلمت الطوائف الإسلامية الإباضية مرتين، ظلمتهم حين حشرهم بعض المؤرخين المغرضين في الخوارج- وهم أبعد الناس عن الخوارج- فصدقت تلك الطوائف هذه الدعوى من المؤرخين المغرضين.
وظلمتهم مرة أخرى، حين رضيت بهذا الحكم على طائفة من أصدق المؤمنين، دون أن ترجع إلى التحقيق في قواعد هذا المذهب ومستنداتها من الكتاب والسنة، والتحقيق في مدى تطبيق أتباع هذا المذهب لقواعد الإسلام وأخلاق الإسلام، ودعوة الإسلام. (1/133)
صفحة 129
ولو رجعت تلك الطوائف إلى التحقيق في هاتين الناحيتين: ناحية العقيدة ومستنداتها، وناحية العمل وتطبيقه، لراجعت نفسها وغيرت حكمها، وتبين لها وجه من الصواب والحق لم يبد لها أول الأمر.
وقد حاول بعض العباقرة في مختلف العصور أن يتخذ هذه الخطوة فاستبان الرشد، وظهر له الحق، ولكنه أحجم عن مواجهة الرأي العام الذي يثق فيه، بما رأى وظهر له، فاتخذ طريقاً وسطاً، وعبر عنه بالجملة المشهورة التي تناقلتها كتب التاريخ: (الإباضية أقرب الفرق إلى أهل السنة).
أما أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فقد كان موقفه أصرح من ذلك، وقد وعد الجماعة أن يحيي كل يوم سنة ويميت بدعة.
وكان من العباقرة الذين حاولوا هذه المحاولة مالك بن أنس، وعبد الملك بن مروان، وابن حزم الظاهري، والشهرستاني والطاهر الزاوي- وحسب الزاوي فخراً أن يذكر مع هؤلاء العباقرة الأعلام- وغيرهم من الذين اتسعت آفاقهم للفهم والبحث والتحقيق، ولم يقتصروا على إشاعة كاذبة، أو دعوى مغرضة أو قول ذهب إليه ناس دون أن يعرفوا شيئا من كتب أصحاب هذا المذهب، ويطلعوا على سلوكهم وسيرهم الاطلاع الكافي، الذي يعطي الصورة الحقيقية لإجراء الحكم.
وكما كان الفرد العادي من الإباضية صورة صحيحة للمسلم الذي يدعو إليه الإسلام، وكان المجتمع الإباضي صورة صحيحة للمجتمع المسلم الذي يقيم شعائر الله، ويحافظ على دين الله، ويعمل جاهداً لتطبيق أحكام الله، حتى (1/134)
صفحة 130
في حالة الكتمان، كذلك كان من تقلد أمر المسلمين من الإباضية صورة للمسلم المخلص، الذي وثق به المسلمون، فأسندوا إليه أمور دينهم ودنياهم، فأكبر هذه الثقة من الأمة، وحافظ على هذه الأمانة من الله.
ولما كنت لا أقصد أن أتحدث عن التاريخ السياسي للإباضية- ولو أن السياسة لا تفترق عن الدين في الإسلام- فقد يكون مما يتم به هذا البحث أن ألخص الحركة السياسية للإباضية بأشد ما يمكن من الإختصار.
انتشر المذهب الإباضي في جزيرة العرب وماجاورها، كالعراق ومصر، وفي شمال افريقيا، قبل أن تتكون المذاهب الأخرى، وقد استقر الإباضية على كثير من القواعد والآراء في أصول الدين، قبل أن تنشاء مذاهب الأشاعرة، وقبل أن ينفصل واصل بن عطاء عن أستاذه الحسن البصري، فتكون من ذلك فرقة المعتزلة، وكل ما كان موجوداً حينئذ من الطوائف الإسلامية، إنما هم بعذ فرق الشيعة، وبعض فرق الخوارج، وأهل السنة والجماعة. ولست أقصد بأهل السنة والجماعة في هذا الفصل فرق الأشاعرة، فإنإطلاقهذه التسمية عليهم خطأ تاريخي، جاء متأخراً. وإنما كان يطلق لفظ السنية والجماعة على معاوية بن أبي سفيان و أتباعه. لأنهم أنكروا إمامة علي بن أبي طالب، وجعلوا يبه على المنابر ولعنه سنة متبعة، فسموا من وافقتهم أهل السنة والجماعة.
قال المسعودي: (إن أصحاب معاوية ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أنجعلوا لعن علي سنة، ينشأ عليها الصغير، ويهلك عليها الكبير، يلعنه على المنابر). (1/135)
صفحة 131
وقال الحاكم: (وإنما غلب عليهم إسم السنية، لأن معاوية لما أمر بلعن علي بن أبي طالب، زعم أنه سنة، فاستحق هذا الإسم كل من يرىمامه معاوية حتى قتل (أي علي) واستقر الأمر لمعاوية، وانقاد إليه الجميع، فزادوا إسم الجماعة على السنة، فتسمُّوا بها).
وقال المنذري في رسالته الصراط المستقيم:-
(وإنما تركوا ذلك الآن، لأن عمر بن عبد العزيز كان رجلاً مائلاً إلى مذهب المصوبين لإمامة علي، المانعين من نكثها، وأحسب أني وجدت في بعض الكتب أنه كان دعا من كان في زمانه من الإباضية إليه، فعاهدهم على أن يغير كل يوم منكراً من مناكر هؤلاء السنية، فحينئذ أنكر عليهم شيئاً بعد شيء حتى أنكر عليهم- لأنه لم يكن أحد في تلك الأزمنة ينكر عليهم مناكرهم إلا الإباضية- لعنهم لعلي فكفوا عنه خوفاً منه، لعلمهم لمخالفته مذهبهمم ذلك، ولقوة سلطانهم عليه) انتهى.
ومن هذا يتضح أن كلمة (أهل السنة والجماعة) لا تطلق على مذهب ديني، وإنما كانت تطلق على مذهب سياسي، يدعو إليه بنوا أمية، ليستخلصوا الخلافة من بني هاشم، وإن هذا المذهب الذي أطلق على نفسه أحب الأسماء إلى المسلمين قد تطرف إلى حد لم يصل إليه أحد فيما أعلم، مِمَّا وصلت إليه يدي من أحداث التاريخ: تاريخ السياسة أو تاريخ العقيدة، فيجعل أتباع مذهب مهما كان متطرفاً سب خصومهم ولعنهم سنة متبعة في كل اجتماع.
قلت إن الإباضية انتشروا في أكثر بلاد الإسلام قبل أن تتكون كثير من الطوائف الإسلامية الأخرى، كفرق الأشاعرة والمعتزلة وغيرها، وبقطع (1/136)
صفحة 132
النظر عن المدة القصيرة التي قام فيها الإمام عبد الله بن إباض بأعمال عسكرية، لمحاربة طغيان الأمويين، وبقطع النظر عن المدة التي بويع فيها الإمام عبد الله بن يحيى طالب الحق، فطهر الحرمين الشريفين، من عبث العابثين، أقول إنه بقطع النظر عن هذه الحركات، فقد قامت للإباضية دول مستقلة في أنحاء البلاد الإسلامية. قامت للإباضية دول مستقلة في عمان. وتعاقبت على الحكم فيها إلى العصر الحاضر، وقد بلغت من القوة في بعض عصور التاريخ أنكونت أسطولاً يسيطر على البحار، ويتحدى أقوى دولتين في العالم: أسبانيا والبرتغال في ذلك الحين. ومن أراد أن يستقصي ذلك، ويعرف ما كانت عليه هذه الأمة المسلمة من مجد وعظمة، عندما كانت أوربا تغط في نوم عميق، وكانت بقية الأمة الإسلامية رازحة تحت طغيان جبابرة الحكم، وعبدة المال، من أراد أن يعرف ذلك فليقرأ تحفة الأعيان للعلامة السالمي، وليطلع على ما كتبه أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، وقد يجد صوراً من ذلك، في إحدى حلقات هذا الكتاب. حلقة (الإباضية في الجزيرة العربية).
أما في المغرب الإسلامي وأقصد بالمغرب الإسلامي البلاد الواقعة بين الحدود المصرية والمحيط الأطلسي، فقد قامت فيه أيضاً دول للإباضية كانت أمثلة رائعة لما يجب أن تكون عليه دولة مسلمة تحكم بكتاب الله، وتتبع هدى رسول الله، وقد بدأت حركة مكافحة الظلم، ظلم الولاة العباسيين في ليبيا عندما كان هؤلاء الولاة ينحرفون عن أحكام القرآن، وتغرهم الحياة الدنيا فيتجبرون ويظلمون، وتغرهم سطوة الجاه وسلطة الحكومة فلا يحسبون للشعوب قيمة، ولا يقيمون للعدل حساباً، ولا يذعنون لما يفرضه الحق على الحاكم والمحكوم. فثار الإباضية على الظلم، وبايعوا بالإمامة الحارث بن تليد المرادي، ثم أبا الخطاب (1/137)
صفحة 133
عبد الأعلى بن السمح المعافري، ثم أبا حاتم يعقوب بن حبيب بن حاتم الملزوزي، وقد كان مركز هذه الحركة هو الجزء الشرقي من المركز الإسلامي، أي البلاد التي تمتد ما بين سرت والقيروان.
وسوف نعرض صوراً رائعة من سيرة هؤلاء الأئمة العظام في إحدى حلقات هذا الكتاب. (حلقة الإباضية في ليبيا).
وعندما تضافر تجهود الظالمين للقضاء على هذه الحركة الثورية التي ترمي إلى إرجاع الحكم لكتاب الله وسنة رسوله، وحالوا دونها ودون القيام بما به ودعت إليه.
انبعثت هذه الحركة نفسها في الجانب الغربي من المغرب الإسلامي، فتكونت الدولة الرستمية في تاهرت، وتعاقبت عليها الأئمة: عبد الرحمن، عبد الوهاب، أفلح، أبو بكر، أبو اليقظان، أبو حاتم، وحقق أولئك الأئمة العظام ما يطلب من ولاة أمرر المسلمين. وأحاديثهم وأخبارهم منشورة فيكتب التاريخ.
وسوف نستعرض بعض تلك الصور الرائعة في إحدى حلقات هذا الكتاب: (الإباضية في الجزائر).
راجعت ما وصلت إليه يدي من كتب التاريخ، سواء كانت من كتب أهل المذهب أنفسهم، أو من غيرهم من الفرق الإسلامية فما وجدت في سيرتهم إلا ما يشرف في جميع أدوار التاريخ.
إنك لتطالع حروباً طاحنة ومعارك حامية, وانتصاراً أو انهزاماً، وإنك لتجد (1/138)
صفحة 134
في كل ذلك عفة كالتي تعرفها عند الخلفاء الراشدين، احترام لأفراد الشعوب المسالمين؛ في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وعدل في الجنود المحاربين: قتل عند ساحات الوغى، ولكن لا اتباع لمدبر، ولا إجهاز على جريح، ولا تعدي على أعراض، ولا استحلال لأموال الموحدين مهما كانت مذاهبهم. وسماح وعفو وعدل عند نهاية الحرب، لم يعرفوا الانتقام بعد الانتصار، فلا مثلة ولا قطع رءوس لترسل من بلد إلى بلد للتشفي والإنتقام، وإظهار البطش والجبروت. حرصوا على أن يقفوا حيث وقف بهم الإسلام، وأن يجعلوا حكم الله وسيرة نبيه ووصايا الخلفاء الراشدين، مناراً به يهتدون، وإليه يرجعون. (1/139)
صفحة 135
[صفحة بيضاء] (1/140)
صفحة 136
كلمة قصيرة
لست أرمي من كتابة هذه الفصول إلى الكشف عن الناحية السياسية للمذهب الإباضي و العناية عناية خاصة به، فإن الحركة السياسية في نظري أقل من الجوانب الأخرى و لذلك فأنا أتحدث عنها كظواهر و أعراض لتطبيق المباديء، تطبيقا صحيحا سليما في حياة الإباضية، حياتهم العلمية، و أبين بها الفرق بين الفرق التي يكون مسلكها صورة تطبيقية لعقائدها ومبادئها، و الفرق التي ترى بونا شاسعا بين مسلكها و بين
دعاويها في اتباع الاسلام و العمل بأحكامه.
و يهمني في هذه المباحث بصورة خاصة أن اتحدث عن التسلسل العلمي لحملة هذا المذهب و أن أكشف الصورة الرائعة من السيرة الرشيدة التي كان يسلكها اتباعه في مختلف العصور و الأزمنة.
و في احوال الظهور و الكتمان و ما بينهما، و عن الإستمساك المتين بالإسلام و احكام الإسلام، رغم تراكم الفتن و تزاحم المحن و اضطراب الأمن.
و عن حقيقة اعتصام بالله و احتقارا للمخلوق مهما بلغ من القوة و البطش و الطغيان
و عن الإعراض عن زخارف الدنيا و رغبة فيما عند الله.
و أن أعرض على القاريء الكريم حياة حافلة فيما يدعو إلى الإيمان بالله (1/141)
صفحة 137
من مثل و اخلاق و أعمال مخافة الله في و الله لا حساب فيها لمخلوق و جهاد في سبيل الله، لا ذكر في الدنيا.
و عمل صالح مستمر للبناء الذي يشيده الإسلام و يرفع قواعده الكتاب الكريم و يحافظ عليه محمد صلى الله عليه و سلم.
وسوف يلحظ القارئ الكريم هذه الحياة الحافلة بالخير، و الإهتداء، و السيرة الرشيدة، و العمل الصالح في التراجم القصيرة التي أعرضها في الصفحات الآنية. (1/142)
صفحة 138
جابر بن زيد
ولد أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدى سنة 21 للهجرة، وتوفى سنة 96 منها. وهو و إن كان عمانياً إلا أنه عاش في العراق، فقد أمضى أ كثر عمره المبارك، في البصرة، إحدى عواصم العراق العلمية في ذك الحين.
عاش في البصرة- كما عاش أ كثر زملائه من كبار التابعين- ينشر العلم في المساجد والمجامع، ويبث الخلق الحميد بين الناس، ويدعو إلى التمسك المتين بالدين القويم، والمحافظة على أصوله وفروعه. ويفتي في المشاكل التي تعرض للناس، حتى قال إياس بن معاوية: (لقد رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد).
وقال ترجمان القرآن- عبد الله بن العباس رضي الله عنه: (عجباً لأهل العراق، كيف يحتاجون إلينا وفيهم جابر بن زيد)، ولما توفي قال أنس بن مالك صاحب رسول الله صلىلله عليه وسلم: (اليوم مات أعلم من على ظهر الأرض) ودخل ثابت البناني على جابر ابن زيد وقد حضرته الوفاة فقال له: هل تشتهي شيئا؟ قال: أشتهي أن ألقى الحسن البصري، وكان الحسن مستخفياً خوفا من طغيان الأمويين وعمالهم، فذهب ثابت إلى الحسن وكان يعرف مقره وجاء به إلى صديقه الحميم المحتضر، وتحدث التابعي المسلم الكبير، (1/143)
صفحة 139
إلى التابعي المسلم الكبير، وتواصيا وهما يتأهبان إلى فراق في الدنيا طويل، ويأملان لقاء في الآخرة سعيد.
وتحدث الحسن عن زميله ورفيقه وصديقه الذي رحل عن الدنيا واستقبل الآخرة فقال: (هذا والله الفقيه العالم).
وقد شهد له بالعلم والفقه والدين وسماحة الخلق غير هؤلاء كثير .. كثير من الصحابة وكثير من التابعين وكثير من تابع التابعين. غير أننى أرى شهادة عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين وهم من أخص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحقائق الدين وأسراره، وأعلمه بمعاني القرآن الكريم ومواقع السنة، وأكثرهم إلماماً بسيرته العطرة وهديه القويم، يضاف إليها شهادة الحسن البصري سيد التابعين وأقربهم من جابر، وأعرفهم به.
إن هذه الشهادة التي يعطيها أخص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ويختمها سيد التابعين: تعتبر أعظم إجازة معتمدة تعطى عن درجة علمية في ذلك الحين.
أخذ جابر العلم عن عبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وغيرهم من الصحابة.
قال جابر: أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم من العلم الا البحر، وكان يقصد بالبحر عبد الله بن عباس رضي ال عنهما. وإذا استطاع هذا الإمام العظيم بما أوتي من جهد وذكاء وصبر أن يجمع على سبعين بدرياً، فإنه ليس غريبا أن يكون جمع من علم بقية الصحابة رضوان الله عليهم ما لا يبلغه الحصر، لكثرة عددهم، وسهولة الأخذ عنهم.
وقد تلقى عنه خَلقٌ كثير، منهم قتادة شيخ البخاري وأيوب، وابن دينار (1/144)
صفحة 140
وضمام بن السائب، وحيان الأعرج، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... عاش جابر كما عاش غيره من كبار التابعين، يجاهد لإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالقول والعمل، ويدعو سرأ وعلناً إلى أن الأمة الإسلامية، يجب أن تحافظ على شريعة الله لتكون خير أمة أخرجت للناس، وكان يندد في دروسه ومجتمعاته، بأولئك الذين انحرفوا عن دين الله، فحكموا أهواءهم، وأرضوا شهواتهم، واتبعوا سبيل الشيطان، وكان يبارك الثورة التي تطيح بالظلم، وتنزع الحكم من أيدي الخونة، لتضعه في أيدي أمينة، حريصة على قداسة أحكام الله.
وكان الإباضية يصدرون عن رأيه في جميع أمورهم، كما كان يصدر عنه كثير من غيرهم من المسلين، وليس جابر هو التابعي الوحيد الذي كان هذا رأي أكثر علماء الصحابة والتابعين في ذلك الحين.
ولذلك فقد كان طغيان الأمويين وعمالهم يلاحق أوالئك العلماء الدعاة في كل مكان، وكثيراً ما يفر أولئك العلماء الهداة فيستخفون عن الظلم ويفرون بدينهم عن الجبروب. وقد يلحق بعضهم كثير من الأذى، فيتحمله صابرأ في سبيل الله.
و كان جابر بطلا من أبطال الإسلام- يحرص على تعريف المسلمين بدينهم، وبالعزة والكرمة التي يريدها الله لهم، ويكافح في صبر وعزيمة، طغيان الظالمين، وأضاليل المبتدعين- كان بطلا في ترويض نفسه، وحملها على سلوك الصراط السوي، لا تغره شهرة العلم، ولتخذعه ثقة الناس به، ولا تزدهيه نشوة الفوز في الانتصار على الخصوم.
رأى يوماً أحد طلابه يكتب شيئاً أثناء الدرس فنهاه أن يكتب شيئاً غير آية محكمة، أوسنة متبعة، أما رأيه فلا عبرة به، لأنه قد يجد في المساء (1/145)
صفحة 141
حجة أقوى من التي يستند إليها في الصباح، فيرجع عنه، إلى ما ثبت بالدليل الأقوى، ويذهب الطالب بما كتب ينشر الباطل في الناس.
كان للحجاج كاتب يدعى يزيد بن مسلم. وكان يحب جابراً كل الحب، ويعجب به كل الإعجاب، وأخذت ظروف الحياة العادية جابرأ، إلى زيارة هذا الكاتب المعجب، وكأن الكاتب أراد أن يخدم كلا من رئيسه و صديقه، فهيأ لهما فرصة اللقاء دون أن يشعرهما. واستمع الحجاج إلى الإمام العظيم، فأعجب بعلمه وخلقه، فعرض عليه القضاء قائلا له: (لا ينبغي أن تؤثر بك أحداً، نجعلك قاضيا للمسلمين) وكانت هذه هى الفرصة التي يرمي إليها الكاتب الصديق، ولكن جابراً لم يكن طالب دنيا. فقال: (أنا أضعف عن ذلك) قال الحجاج، وما بلغ من ضعفك؟
قال: يقع بين المرأة خادمها شر، فما أحسن أن أصلح بينهما. فقال الحجاج: إن هذا لهو الضعف ..
وهكذا تخلص الإمام الأ كبر من هذا العرض الكريم الذى كان حرياً أن تطير له نفس غيره فرحاً ومسرة.
ويظهر أن الكاتب الصديق لم يفهم مقصد الإمام من هذا التخلص، وكان يريد أن يستغل هذه الفرصة لفائدة الإمام، وأن يخدمه خدمة دائمة، ولذلك قال للحجاج؟ (ههنا خصلة تخفى عن الشيخ وفيها عون للمسلمين، تجعله في أعوان صاحب الديوان بالبصرة، فوافق الحجاج على الاقتراح، ولكن العالم الزاهد لم يوافق فقال ليزيد: ما صنعت شيئا، أتراني أكون عونا لصاحب الديوان؟ (1/146)
صفحة 142
وهكذا لم يقبل الإمام العرض الثاني الذي تقدم به هذا المعجب الحب، وتنزه أن يشتغل في وظائف حكومة ظالمة، وهل يصح أن يُعين جابر أولئك الظلمة، وهو يندد كل يوم، بأعمالهم، ويطالبهم بآداء الحقوق إلى أهلها، وتسليم الأموال والعطايا إلى أصحابها، واسناد الوظائف إلى الأمناء الحراص الذين يتقون ألله ويخافون حسابه.
وعندما أراد الرجوع من هذه الزيارة، وتهيأ للسفر أمر يزيد غلمانه أن يسرجوا البرذون فاستحى الإمام من ربه أن يركب مركبا اختاره الظالمون المرفهون، واختص به ااجبابرة المترفون، فاستعفى صاحبه منه، فأحضرت له بغلة فقبل وركبها، وهو يعلم أن ركوب البغلة أدنى إلى الخشونة وأبعد من الراحة، وأنقى للكبر، وأقرب من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان سيد الخلق يركب (دلدلا) الشهباء.
و بالغ يزيد في إكرام الإمام. على الطريقة التى يعرفها الحكام المترفون المسرفون في الدول الظالمة، فأمر جواريه أن يدهن رأس جابر ولحيته بالغالية فنزل الإمام الكبير إلى دجلة وغسل رأسه ولحيته. ودلكهما، دلكاً شديداً، وهو يقول: (اللهم لا تجعل حظي منك منزلتي من هؤلاء القوم).
اعتاد جابر أن يحج كل سنة. وفى إحدى هذه السنوات بعث إليه عامل البصرة أن لا تبرح العام، فإن الناس يحتاجون إليك، يعني في التدريس والفتوى، ولكن جابرأ أصر على موقفه، وأبلغ العامل أنه لن يترك عملا لله من أجل أوامر بشر، ولو كان هذا البشر عاملا من عمال الدولة الأموية، فأخذه العامل وسجنه.
وعندما أهل هلال ذي الحجة، جاء الناس إلى العامل فقالوا: أصلح الله (1/147)
صفحة 143
الأمير قد أهل هلال ذي الحجة ولم يبقى من الوقت مايكفي للسفر بين البصرة ومكة. فأطلق الأمير سراحه. ولما وصل جابر إلى منزله بدأ يشد الراحلة على ناقة له. كان يعدها للحج.
ويقول:) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا) (فاطر: من الآية2) ثم سأل آمنة هل عندك شيء؟ فقالت له نعم وأحضرت الزاد في جرابين ...
وطلب منها الا تخبر أحدا بمسير. في ذلك اليوم، وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، فضربت الناقة الأرض بجرانها، وتجلجات، فقال الناس: ذكها! ذكها ...
فقال (حقيق لناقة رأت هلال ذى الحجة في البصرة، وأدركت الناس في محرمات، ألا أن يفعل بها هذا.) وسلمت الناقة وكان قد سافر عليها أربعاً وعشرين مرة بين حِجة وعمرةٍ.
وإنه لمن نافلة القول أن أتحدث عن دين جابر وخلقه، وخوفه لربه، واتباعه للسنة، وابتعاده عن البدعة، وفهمه العميق لأسرار الشريعة، ومحاسبته لنفسه، وحملها على ما تكره النفس البشرية إذا كان في ذلك، قربة إلى الله عز وجل.
اشتهر عن جابرأنه لا يماكس في ثلاث: في كراء إلى مكة، وفي عبد يشترى ليعتق، وفي شاةللتضحية، وكان يقول: (لا نماكس في شيء نتقرب به إلى الله تعالى). وإذا وقع في يديه ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم- والستوق الدرهم المغشوش.
امتلأ قلبه بالإيمان بالله، وفاض على لسانه دعوة مخلصة إلى دين الله، وعلى جوارحه عملا صالحا بما يرضي الله. قالت هند بنت المهلب: (كان جابر ابن زيد أشد الناس اانقطاعاً إلي والى أمي، وكان لا يعلم شيء يقربني إلى الله (1/148)
صفحة 144
عز وجل إلا أمرني به، ولا شيء يباعدني عنه إلا نهاني عنه، وكان ليأمرني أين أضع الخمار). وتضع يدها على الجبهة لتبين موضع الخمار من جبهة المرأة المسلمة.
ولو التمست مثل هذه الشهادة عن علم جابر وأخلاقه أودينه، أو ذكائه وعبقريته لكثرت هذه الشهادات وأخذت منا وقتا ومكانا. وحسبك أن تعلم أنه رحمه الله أعلم من أن يبقى من كتاب الله وسنة رسوله وهدي محمد حتى في سلوكه الخاص شيء لا يعرفه. وإنه أذكى من أن تنطلي عليه زخرفة لبدعة ظاهرة أو خفية، وأخشى لله من أن يرى منكراً ويسكت عنه، وأشجع من أن يؤيد عمل الظالمين، ويرضى عن سلوك الطاغين، وأحرص على آداء رسالة الإسلام من أن يكل من التعليم في كل مكان.
رأى أحد الحجبة يصلي فوق الكعبة فنادى: يامن يصل فوق الكعبة لا قبلة لك! ... وكان ابن عباس في ناحية من المسجد فسمه فقال: إن كان جابر بن زيد في شيء من البلد فهذا القول منه. والأستاذ العبقري يعرف من مِن تلاميذه يمتاز بصحة الفهم ولمحة العبقرية ودقة الملاحظة والاهتمام بأمر المسلمين، والعمل على إرشادهم، وتوجيههم إلى الطريق الأقوم.
وبعد هذا كله فإن جابراً يعتبر من أوائل المؤلفين في الإسلام، إذا لم يكن أولهم على الإطلاق، وقد كان لكتابه الضخم القيم، المسمى (ديوان جابر) رنة في صدر الإسلام، وكان موضع تنافس بين دور الكتب الإسلامية، واستطاعت مكتبة بغداد أن تتحصل عليه، وأن تبخل به عن غيرها من المكتبات، ولم تنقل منه إلا نسخة واحدة كافح أحد عباقرة جبل نفوسة للحصول عليها في قصة طويلة سوف ترد إن شاء الله في حلقة آتية. (1/149)
صفحة 145
كان لهذا الكتاب قيمة كبرى لما فيه من علم وهدى، ولقربه من عصر النبوة، ولأخذ مؤلفه عن الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت له قيمة أخرى أثرية وهي أنه أول كتاب ضخم ألف في الإسلام
وإنه لمن المؤسف أن يضيع هذا الثراث العظيم من مكتبة بغداد عندما أحرقت تلك المكتبة العظيمة! وضاعت منها آلاف النفائس، كما أنه من المؤلم المر أن تضيع النسخة التي وصلت إلى ليبيا فيما ضاع من الثراث الإسلامي العظيم بسبب الجهل والحقد وطلب الرفعة عند الناس. وليس أعظم محنة من ضياع التراث العلمي والخلقي والديني لأمة مسلمة لا يستقيم حاضرها إلاعلى القواعد المتينة التي انبنى عليه ماضيها، ولن يصلح حاضر هذه الأمة إلأ بما صلح به أولها.
لقد حاولت في هذا الفصل أن أترجم للإمام العظيم جابر بن زيد، ولكنني أعترف أنني أخفقت ولم أستطع أن أصل إلى ما قدرته في نفسي، وإلى مايتطلبه الموضوع مني، ولن يفوتني في آخر هذا الفصل أن أقتبس من العلامة قاسم ابن سعيد الشماخي ما يأتي:
وأما تسمية مذهبنا بالإباضية. لكون عبد الله بن اباض رضي الله عنه كان المجاهد علنا، المناضل علنا، في سبيل تحقيق الحقائق، وتصحيح قضايا العقول، فيما أحدثه أهل المقالات والبدع، من الزور والافتراء في شريعة ربنا وكان شديداً في الله تعالى، وله مناظرات مع أهل التنطس والتفلسف، كان الحجة الدامغة، التي يخنس أمامها كل ثرثار، وله كلام مع عبد الملك بن مروان (1/150)
صفحة 146
يهضم نفس كل جائر جبار، تغلب على المسلمين أصحابه الذين يقولون بقوله الإباضية، وتسمى المذهب باسمه على هذا المعنى، وإنما كان الإمام القائد، اوسيلة الراشد أس المذهب وحاميه، مرجع الفضل في تدوينه وتشييد مبانيه، إنما كان جابر ابن زيد رضى الله عنه- وعبد الله بن إباض كان صنوه وتلوه، وكان لا يصدر في اله النوازل إلا عن رأيه ونظره، و بعد وفاة جابر بن زيد، ظهر عبد الله بن إباض بأجلى مظاهر الغيرة الدينية، ولقن أصحابه مبدأ الاقدام في تقرير الحق، وقمع اهل الجور والظلم، المنحرفين عن جادة الصواب، حتى ظهرت هذه الفرقة الناجية، المحقة الصادقة، في أدوارها الوجودية في حالتي الكتمان والظهور، مرعية بعين عناية الله تعالى.
لا يقدر عليه أحد بسوء، ظاهري الكرامات، أعداء المناكر والجرائم، أشداء على الظلم والظالمين، والنفاق والمنافقين. (1/151)
صفحة 147
[صفحة بيضاء] (1/152)
صفحة 148
أبو عبيدة مسلم
اخذ العلم و أصول المذهب عن جابر بن زيد جماعات كثيرة انتشروا في المشرق و المغرب.
و كان أعظمهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، الذي أصبح مرجع الإباضية دون خلاف بعد جابر بن زيد رغم أن زملاء لا يقلون عنه علما بدين الله و عملا به.
هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم اشتهر بلقب القفاف، لأنه كان يشتغل بصنع القفاف و هي حرفة حرة شريفة استطاع أن يرتزق منها هو و طلابه رزقا شريفا حلالا بعرق الجبين و كد اليمين.
تولى التدريس بعد الإمام جابر فأخذ العلم عنه خلق كثير رغم ما ابتلى به من مضايقة الطغيان و تشديد الرقابة عليه، و منعه من نشر العلم و بث الروح المتحررة التي لا ترضى بالضيم و لا تسكت عن الهوان.
و قد اضطر تحت ضغط الظالمين أن يقوم العلم مستترا و أن يخفى مدرسته القيمة عن أنظار الحجاج، و الحجاج الطاغية الذي لم يكد يسلم من جبروته و طغيانه مؤمن بربه مخلص مع زميله و صديقه ضمام و استشار في أمرهما مجوسيا ليدله على نوع الأكل الذي يتعذب به الآكل و لا يفضى به إلى الموت، فأشار عليه بإطعامهما الزيت و الكراث، فكان ذلك طعامهما إلى أن مات الحجاج فأطلق سراحهما. (1/153)
صفحة 149
و ربما ضاق ضمام بهذا السجن و هذا العذاب فيقول له أبو عبيدة في صبر المؤمن الواثق على من تضيق؟
خرج الإمام أبو عبيدة من سجن الحجاج فواصل رسالته في الدعوة إلى الله و التمسك بدينه و العمل بشريعته و كان حر الفكرة ينشر المبادئ الإسلامية الصحيحة في كرامة المسلم. و عدم قبوله للامتهان و مطالبة ذوي السلطان بالاستقامة في الدين و الخلق و العمل و الحكم.
كان يدعو إلى مطالبة ذوي السلطان بالتزام السنة و اتباع سيرة السلف الصالحين و إقامة العدل بين الناس و تنفيذ أحكام الله كما جاء بها كتاب الله، و هذه الدعوة هي اكره ما يكره الظلمة المستبدون في كل عصر و في كل مصر، و لذلك فقد بذلوا ما لديهم من قوة و استعملوا كل وسيلة لكي يحولوا دون هذه الدعوة و يمنعوها من البلوغ إلى الناس على حقيقتها و صحتها ووضوحها و لكي تبقى الأمة وادعة مستسلمة، و يستمر الشعب صابرا منتظرا، و يسود الجميع القناعة و الصبر.
و لكن هل يستطيع الظلم مهما كان قويا و الطغيان مهما كان عنيفا و الجبروت مهما استكبر و استعلى هل يستطيع كل ذلك؟ و أضعاف كل ذلك: أن يسكت الحق و يطمس نور الحقيقة و أن يطول استعباد لشعوب تؤمن بأن دين الله يدعو إلى التحرر من عبودية البشر و أن كتاب الله يحرم عليها الانخذال و الاستكانة و أن رسول الله (ص) يعلم أمته: أن أفضل الجهاد كلمة الحق عند إمام جائر يقتل بها صاحبها. (1/154)
صفحة 150
فعل الحجاج و أعوان الحجاج و رؤساء الحجاج، كل ما يستطيعون ليخفتوا صوت الحق و يضطهدوا دعاة الكرامة و حملة الشريعة فسجنوا، و عذبوا و قتلوا و ملأ الدنيا بالرهبة و الخوف، فعلوا كل ذلك و اكثر من ذلك و لكنهم لم يستطيعوا إلا أن يزيدوا الثورة اشتعالا و أن يعجلوا بنهاية سلطانهم و ذهب الحجاج و ذهبت الدولة التي كان يعبدها من دون الله، و ذهب ما اعد لمحاربة المؤمنين من قوة، و توفي إلى رحمة الله المؤمنون المخلصون، من التابعين و لحق بربه جابر و الحسن و ضمام و أبو عبيدة و آلاف غيرهم ممن وصلت إليهم يد الحجاج و زملائه من الطغاة بالأذى الكثير أو القليل و لكن شتان بين ما سجله التاريخ لأولئك و هؤلاء أما عند ربك فخير و أبقى.
استطاع الحجاج بما عنده من إمكانيات و ما أتيح له من قوى أن يزيد قليلا في المال الحرام الذي تمتع به المترفون من بني أمية و أن يمنحهم أمنا أكثر في مجالس العربدة و السكر و أن يهيئ لهم التفرغ للشراب و القمار و الفجور.
واستطاع أولئك المضطهدون المعذبون، أن يمدوا الأمة الإسلامية بدين الله، و أن يوصلوا إليهم رسالة محمد صافية خالصة و أن يغمروا قلوبهم بالإيمان بالله وحده و أن يعرفوهم أن العبودية لا تكون إلا لله و أنه يتساوى في ذلك جميع المخلوقات.
و استطاع أولئك المعذبون و المضطهدون أن يفهموا الأمة أن الخلفاء و العمال و الموظفين في الدولة و القائمين بالحكم في جميع المرافق و الأعمال أن هؤلاء ليسوا غير حملة أمانة مؤقتة و إجراء للقيام بهمام الدولة، نظير قوت و كسوة لا إسراف فيها و لا تبذير.
فإذا حفظوا هذه الأمانة و رعى مصلحة الأمة و أدوها إلى أهلها، كما (1/155)
صفحة 151
يقتضي الحق و العدل فلم من الأمة اجر الذي أسلفنا، أما جزاء إخلاصهم و أمانتهم وجهدهم و صدقهم فعلى الله و عند ربك الجزاء الأوفى.
أما إذا نسوا من أنفسهم عجزا عن تحمل هذه الأمانة و خافوا عاقبة فليعيدوا الأمانة إلى أهلها و لينسحبوا مشكورين سالمين.
أما إذا غرتهم أنفسهم و غلب الشيطان على ضمائرهم و أرادوا أن يتخذوا مال الله دولا، و عباده خولا، و أن يستأثروا بأكثر مما أعطاهم الحق فإن الأمة يجب أن تقف في وجوههم و أن ترد عن مقاصدهم و أن تطالب بالتزام الحدود و اتباع السبيل، فإن عرفوا الحق و رجعوا إليه غفر الله لهم، و قبلت الأمة منهم ذلك، و استمروا في أداء واجباتهم و القيام بأعمالهم، و المحافظة على أمانة الله التي وضعت في أعناقهم، أما إذا نفخ الشيطان في آنافهم و استحوذ البطر في نفوسهم و أخذتهم العزة بالإثم و استمرءوا شهوة الحكم فإنه يجب أن تقف الأمة لهم بالمرصاد و أن تحاسبهم على أعمالهم و أن تبعدهم عن مناصبهم و لو بقتالهم، فإن قتل المفسدين أهون عند الله من إفساد المصلحين و ظلم المؤمن و العبث بالحقوق.
هذه الدعوة التي كان يدعوا بها إليها المؤمنون من السلف الصالح و على هذه الدعوة كان الظالمون من ذوي السلطة يطاردونهم شر مطاردة ليخفتوا صوت الحق.
و كان أولئك الأئمة العظام لا ينفكون – مع دعوة التحرر هذه – عن نشر العلم و بث الخلق الحميد فكانوا يدأبون على تفقيه عباد الله في دين الله و تفسير ما خفى عليهم من كتاب الله أو سنة رسول الله. (1/156)
صفحة 152
و لما كانت الرقابة الشديدة عن أبي عبيدة لا تنفك عن التجسس عنه و كانت أوامر الظلمة تمنعه من التدريس فقد اتخذ مدرسته في سرداب خفي طويل ووضع على مدخله سلاسل من الحديد فإذا سمع صلصلتها هو و طلابه علموا أن غريبا يريد الدخول إليهم فأوقفوا الدرس و شغلوا بصنع القفاف فلا يشتبه الزائر في أمرهم فإذا غادرهم و أمنوا عيون الظلمة رجعوا إلى ما كانوا عليه.
و انتقلوا من إدارة معمل لإنتاج القفاف إلى إدارة معمل لإنتاج القلوب و العقول و العزائم.
و مع هذه الرقابة الشديدة و الضغط المستمر و العذاب المر مع كل ذلك استطاع ذلك الغمام العظيم أن يكون مدرسة إسلامية تحمل نور الهداية المحمدية إلى جميع الآفاق، فقد تثقف فيها عدد لا يبلغه الحصر من المسلمين و يكفي أنها خرجت حملة العلم إلى المشرق و حملة العلم إلى المغرب.
و إلى هذا الكفاح الطويل المستمر ضد الظلم و الظالمين الذي يقوم به هذا الإمام، فإنه كان يقوم بكفاح عقلي وديني آخر طويل مستمر، كفاح البدعة فيما تزخرفه العقول المنحرفة و البصائر الحولاء من القدرية و المجبرة و الخوارج تلك العقول التي ابتليت بحب الجدل في ذلك الحين و ترك العمل.
كان أبو عبيدة – إلى دينه القويم، و خلقه الكريم و علمه الواسع و ثباته على المبدأ و استمساكه بالحق و جفوته للعصاة و صموده أمام النوازل جم التواضع، لين العريكة و سهل الخلق يعترف بقلة الإطلاع و قصور الباع.
لقد كان مسلما في دينه و في خلقه و في عمله و في علمه و كان داعية من دعاة الإسلام، لا يفتنه زخرف الحياة و لا تغره زينة الدنيا، و لا يجد الباطل عنده لينا أو هوادة. (1/157)
صفحة 153
إنه خلق الكفاح: كفاح الباطل في جميع صوره و أشكاله، كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق القوة من ذوي السلطة و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العقل في منطقة البدعة، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العلم في إغفال بعض تراث الأمة، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجهل في التقليد الأعمى، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الصبر في الوداعة لاحتمال المذلة، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجزع في صورة الفرار من الصمود لاحتمال النازلة ودرء المصيبة.
و هو حين يكافح هذا الباطل في جميع صوره و أشكاله يعرف أن حياة فرد أقصر من أن تقوم بهذه الرسالة الكريمة و لذلك عمل على تكوين جيل من الشباب الواعي المثقف و العارف بحقيقة الرسالة الإسلامية، المدرك لأسرار شريعتها و أن أول وصف يجب أن يكون عليه المؤمن بالله أن يكون معتزا بالله ذليلا على المؤمنين، عزيزا على الكافرين، صبورا على المحن في إعلاء كلمة الله.
قال العلامة الشماخي عندما تحدث عن أبى عبيدة:
(تعلم العلوم و علمها، و رتب روايات الحديث و أحكمها، و هو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه و يزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر و عظة، و قد اعترف مع ذلك بضيق الباع، مع ما عليه من اتساع).
و مع ما لهذه الشهادة من قيمة، فإن الحركة العلمية التي قام بها الإمام أعظم من أن تصورها كلمات في سطور، و يكفي أنه كان مركز إشعاع في البصرة، و من ذلك السرداب الخفي الخفي الذي تصلصل السلاسل على بابه و تتكدس فيها القفاف من الأقلام و الأوراق، انطلقت الدعوة الحرة الكريمة، للمحافظة على تراث محمد كما جاء به محمد، فبلغت هذه الانطلاقة أقصى المشرق و أقصى (1/158)
صفحة 154
المغرب، و أقصى الشمال، و أقصى الجنوب، و لم تزل منذ ذلك الحين إلى اليوم و هي تكافح من اجل هذه الرسالة الكريمة، حتى استيقظ الغافلون و انتبه النائمون الشاردون و بدءوا يراجعون أنفسهم و يرجعون إلى ربهم و لينضموا إلى بعضهم و يوحدوا صفوفهم و يحفظوا رسالة الله من الأخطار الجديدة، أخطار الزندقة و الإلحاد، و عبادة الناس الذين قدستهم الحضارة الكاذبة، و الدعاية المغرضة التي ترمي إلى أبعاد هذا الدين القيم عن مجرى الحياة، لأنها تعرف أنه لا قرار لأحكام البشر مع أحكام الله، و لا قيمة لشرائع الفلاسفة مع شريعة الإسلام. (1/159)
صفحة 155
[صفحة بيضاء] (1/160)
صفحة 156
كلمة لا بد منها
.............................
[صفحة لم ترقن] (1/161)
صفحة 157
[صفحة لم ترقن] (1/162)
صفحة 158
[صفحة لم ترقن] (1/163)
صفحة 159
كلمة الختام
إنني أتوجه إلى الله سبحانه و تعالى بالشكر على نعمه الظاهرة الخفية و احمده جل و علا أن يسر لي هذا العمل الضئيل لخدمة الدين و الأمة و أسأله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم و أضرع إليه سبحانه و تعالى أن ييسر لي في إنجاز بقية هذه الحلقات، و أن يتولى عملي بالتوفيق، إنه نعم المولى و نعم النصير.
لقد رأيت أن أقف بهذه الحلقات إلى هذا الحد، و أنا حين أراجعها ألمس فيها كثيرا من الإخلال، و عدم الاستيفاء بالمقاصد التي رميت إليها و اعتقد أن هذه الفصول في مجموعها، لم تبلغ المقصود منها في الكشف عن حقائق منشأ الإباضية، كما أن ترجمة كل من الإمامين العظيمين لم أبلغ بها منزلتهما في نفسي، و عذري في كل ذلك، قلة المصادر، و بعدي عن مجال المكتبات العامة و الخاصة من جهة، و ضخامة العمل الذي قصدت إليه من جهة أخرى.
و على أولئك الطامحين إلى المزيد من المعرفة الذين لا يقنعهم الهمل الطفيف، و لا يروي غلتهم هذا الوشل الضعيف، أن يسرحوا أنظارهم بين ما كتبه العباقرة المؤرخين، و عباقرة علماء الإسلام في مختلف العصور، فإنهم سوف يجدون في تلك الجنان الغناء، متع العقل و الفكر و الروح.
و لا يسعني و أنا اختم هذه الفصول، إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى جميع من أمدوني بالمساعدة في الأبحاث المتواضعة، و أخص من بينهم الصديق أحمد علي عسكر على تيسيره لي هذا العمل، مقدرا ما بذله من جهود جبارة، و سهره من ليال طوال. (1/164)
صفحة 160
فهرس الأعلام
[صفحة لم ترقن] (1/165)
صفحة 161
[صفحة لم ترقن] (1/166)
صفحة 162
فهرس الموضوعات
مقدمة
هذا الكتاب
رجوع إلى محجة الإسلام
لماذا كتبت هذه الفصول
معنى الخوارج
الخوارج في نظر الإباضية
توافق في رأي
ميزان الخطأ والصواب للفرق الإسلامية
افتراق الأمة
الناجي والهالك من الفرق
تكون المذاهب الإسلامية
المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية
متى بدأت المذاهب الإسلامية
نشأة المذهب الإباضي
موقف الإباضية من أسواق الجدل
الاجتهاد
الإسلام عقيدة وقول وعمل
الولاية والبراءة والوقوف
كفر النعمة
مسالك الدين
العزابة
صيانة لكرامة المرأة
من أسرار الزكاة
عصبية
اعتصام الإباضية بالدين
الإباضية في قيادة الأمة
كلمة قصيرة
جابر بن زيد
أبو عبيدة مسلم
كلمة لا بد منها
كلمة الختام
الفهارس (1/167)
صفحة 163
مطبعة الاستقلال الكبرى
8 شارع نجيب الريحاني ت: 47486 (1/168)