صفحة 1
الكتاب: الإباضية في موكب التاريخ. الحلقة الثالثة، الإباضية في تونس
المؤلف: علي يحيى معمر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) الشيخ العلامة
علي يحيى معمر
الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الثالثة
الإباضية في تونس
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
عندما وضعت تخطيطا لإصدار كتاب (الاباضية في موكب التاريخ) لم أقدر لإنجاز عملي زمنا محددا وإنما كنت اجمع المادة التاريخية من مصادرها التي تتيسر لي سواء كانت في الكتب أو عند الرجال أو على الآثار. وكنت وضعت في تخطيطي الا اجهز أية حلقة من حلقاته للنشر إلا بعد زيارة للموطن الذي أتحدث عنه. ولقد يسر الله لي العمل فأصدرت الحلقة الأولى على الصورة التي رآها القراء الكرام وهي اقل مما قدرته في نفسي ودون ما يتطلبه الموضوع مني وخير مما زعمه ناس في ليبيا حسبوا إن تأليف الكتب لا يقدم عليه شخص إلا بعد أن يأذنوا له، لان الإنتاج مقصور على أقلامهم السيالة. ثم أصدرت في نفس الوقت قسمين من الحلقة الثانية وقد جرى الحديث فيهما عن الاباضية في ليبيا التي أتيح لي الاطلاع على كثير من البلاد فيها والاتصال بكثير من الشخصيات ودراسة عدد غير قليل من الكتب لا سيما كتب النوازل كاللقط والمعلقات وغيرها، وقد اضطر إلى إعادة قراءة بعض هذه الكتب عدة مرات لاستخلاص حادث تاريخي. وقد يسر الله لي العمل فأخرجته على ما رآه القارئ الكريم، وأنا اليوم أتمنى لو يتاح لي من الوقت ما استطيع فيه إعادة هذه الحلقات من جديد لان ملاحظات كثيرة بدت لي من بعد وأوه لو تناولتها مرة أخرى على أن هذه الأمنية هي أمنية كل مؤلف فيما أحسب لطبيعة النقص البشري، وقد بقي القسم الثالث من هذه الحلقة وهو يتناول الحديث عن الاباضية في العهدين العثماني والإيطالي جمعت له ما تيسر لدى من مادة تاريخية ولا زلت أجمع وعندما تتم لي الصورة التي أرتضيها سوف يخرج هذا القسم إن شاء الله. (1/1)
صفحة 2
أما هذه الحلقة التي أقدمها إليك اليوم (الاباضية في تونس) فقد جمعت ما تيسر لي من مادة تاريخية عنها ولكني كنت عزمت أن لا أتقدم لطبعها إلا بعد أن أزور الجمهورية التونسية وأشاهد بصفة خاصة الوسط والجنوب وجربة بالذات لأتحقق من كثير من المشاهد والوقائع التي كنت أتصورها على صورة ما.
وقمت فعلا بهذه الزيارة مع بعض الأصدقاء في الصيف الماضي 1965 فسافرنا إلى تونس العاصمة واقتضتنا ظروف خاصة أن نزور الجزائر فسافرنا إليها ورجعنا إلى تونس عن طريق (تقرت) ومررنا بوادي سوف ثم ببلاد الجريد إلى قابس ومنها إلى جزيرة جربة ولكن هذه الرحلة قد استغرقت مدة الإجازة وكنت مضطرا إلى العودة.
بقيت في جربة يومين فقط فكانت زيارتي لها زيارة خاطفة لم أتمكن من تحقيق أهدافي من هذه الزيارة ولكنني في نفس الوقت حاولت أن استفيد منها ما يمكن، فقمت بجولة سريعة خاطفة، في الجزيرة لاشاهد أحياءها وحاراتها وبعض مساجدها وبعض ما بها من الآثار وتمكنت من الإطلاع على فهرس المكتبة البارونية القيمة وزرت العلامة الشيخ سالم بن يعقوب وفتح لي مكتبته القيمة التي تحتوي على مجموعة ثمينة من المخطوطات نقل أكثرها بخطة حينما كان بمصر، وقد نقلت منها على استعجال أشياء كثيرة واستفدت من الشيخ فوائد جمة، كما إنني اجتمعت بعدد غير قليل من أهل الجزيرة الكرام وبالطبقة المثقفة منهم على الأخص علماء ومدرسين وطلابا وتحدثوا إلي طويلا، واستفدت منهم في جميع ميادين المعرفة فوائد قيمة كان لها أثر كبير في نفسي. وسافرت من الجزيرة وأنا أشد رغبة وشوقا إلى البقاء فيها، وكنت أمني النفس بالرجوع إليها في فرصة قريبة، ولكن ذلك لم يتحقق لي. (1/2)
صفحة 3
ورأيت أن أنجز عملي وأخرج الكتاب على ما هو عليه، وأنا على يقين أن صورا قيمة كثيرة تنقصه، ولكنني مضطر إلى إصداره على هذا الوضع لأن مسودات كتاب الاباضية في الجزائر هي الأخرى تتنزى في الأدراج تريد الخروج، وإذا يسر الله لي العمل أيها القارئ الكريم فأخرجت لك هذه الحلقة فأنا أقول لك بصراحة الأخ إلى أخيه الذي لا يتكلف معه الحديث ولا يستر عنه مواطن الضعف فيه، أن هذا الكتاب لا يعطيك الدراسة التاريخية الكاملة للمذهب الاباضي في تونس، ولا يضع بين يديك كل المعلومات التي تحتاجها عن هذه الفرقة الأمة الإسلامية الكبرى ولا يعرض عليك جميع الصور التي يحيط بها إطار واحد عن الاباضية في الجمهورية التونسية ولكنه ولا شك يضع بين يديك صورا من حياة مجتمع مسلم عاش على هذا الوطن الكريم ولا يزال أبناؤه يعيشون محافظين على كثير من أخلاقه ومثله.
وسوف تلحظ أيها القارئ الكريم وأنت تتنقل بين فصول الكتاب بعض الإعادة والتكرار وقد يكون ذلك مما يثقل على القارئ المستعجل والباحث المتقصي الذي تهمه الأحداث المجردة وأنا أعتذر إلى هؤلاء القراء الكرام ولكنني مصمم على طريقتي في العرض، ذلك إنني حين فكرت في إصدار هذا الكتاب وبدأت العمل فيه، لم أتناوله بقلم المؤرخ الذي يهتم بالأحداث البارزة وتسجيلها على المنهاج العلمي لكتابة التاريخ، ولكني تناولته بقلم من يريد أن يعرض صورة من حياة مجتمع عاش طيلة قرون يرسمه من عدة زوايا لتكتمل الصورة العامة لذلك المجتمع بجميع مناظرها. وهي طريقة لا شك لها عيوبها، ولكنني مع ذلك أفضلها في عملي هذا على السرد التاريخي الزمني المجرد الذي يعني بالأسماء والأرقام، أكثر مما يعني بالمعاني الاجتماعية للتاريخ. فإذا سئمت أيها القارئ الكريم من ذلك فما عليك إلا أن تضع الكتاب على الرف وأمرك لله فيما ضاع لك من وقت ومال. (1/3)
صفحة 4
إن الكتاب لم يؤلف ليكون مرجعا يعتمد عليه الباحثون في التاريخ، ولكنه صورة لحياة جانب من الأمة المسلمة بما فيها من ألوان أضعها بين أيدي أبنائها البررة حتى يتعرفوا على الأسباب الحقيقية التي انحدرت بالأمة الإسلامية إلى ما تعانيه اليوم.
وأنا عندما أقدم هذه الصورة عن الاباضية في تونس لا شك إنها صورة تنطبق على جميع طوائف الأمة الإسلامية في مختلف البلاد. ولذلك فما يهمني أن يعرف الأخوة إنني عندما أكتب عن طائفة معينة أو بلد معين فليس الغرض من ذلك إنني أعتبر أن تلك الطائفة أو ذلك البلد هو أرفع من غيره وأكرم وإما الغرض أن يعرف أبناء الأمة المسلمة بجميع طوائفها وفي جميع أماكنها انهم أمة واحدة، لم تنفك عن الكفاح في سبيل الله منذ أشرقت قلوبها بنور الله وإنما لم تتوقف يوما عن الجهاد رغم ما بذرته السياسة الماكرة والشهوة الغالبة من عراقيل في طريقها.
والكاتب المسلم حين يكتب عن طائفة أو عن بلد يجب أن يحرص على الرباط المتين الذي يربط بين الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها وديارها، وأن يبعد عن قلبه وعن إحساسه وعن شعوره معاني التفرقة والعنصرية والعصبية تلك المعاني المنتنة التي استغلتها المصلحة الخاصة غير المؤمنة، وقامت بها في أحداث الزمن، مطامع فردية، وسجلتها في التاريخ أقلام مأجورة أو مغرورة أو مخدوعة، على حساب العناصر أو الأجناس أو المذاهب. (1/4)
صفحة 5
وإنني وأنا أقدم للقارئ الكريم هذا الكتاب عن فرقة من فرق الإسلام في جزء من وطن الأمة المسلمة الكبير يسرني جدا أن أعلن هنا كما أعلنت من قبل إنني لا أعتز إلا بالأمة المسلمة أمة واحدة، ولا أعتز إلا بالوطن المسلم وطنا واحدا وأن ما قدمته وأقدمه من أبحاث عن طوائف صغيرة أو بلدان ضيقة فإنما أكشف عن صورة من حياة هذه الأمة العظيمة في جانب من جوانبها أو قسم من أقسامها فإذا بدا للقارئ الكريم في أثناء قراءته ما يشعر بغير هذه الحقيقة الثابتة أو أحسن أن عبارة من العبارات تشعر بغير هذا المعنى أو تدعو إلى عنصرية أو تفرقة فليضرب بذلك عرض الحائط فإن كيان الأمة المسلمة والوطن المسلم أكرم على الله وعلى الملائكة وعلى المؤمنين وأعز من جميع الكتاب والدعاة وإنني أحسب أن إيماني بهذه الحقيقة من وحدة الأمة في مذاهبها وأجناسها وأوطانها قربة أتوسل بها إلى الله تعالى.
عصمنا الله من الزيغ والزلل ووفقنا إلى خير العمل إنه نعم المولى ونعم النصير.
تونس
كلمة تونس فعل مضارع مشتق من الإيناس، وهو من الإنسان، المؤالفة والملاطقة، ومن الأمكنة سكون القلب بها وارتياح النفس إليها. وقد أطلق المسلمون هذه الكلمة على المدينة الصغيرة الجميلة التي تقع جنوب قرطاجنة، على ربوة يحيط بها خندق طبيعي هو كالحصن لها (1) أما قبل الفتح الإسلامي، فقد كانت هذه المدينة تسمى (ترشيش) على ما يقوله المؤرخون.
__________
(1) 1 - - راجع تاريخ المغرب الكبير - ص 115 الجزء الثاني تأليف الاستاذ محمد على ديوز. (1/5)
صفحة 6
وأنا في هذا الفصل لا أريد أن أتحدث عن مدينة (ترشيش) الصغير التي سمها المسلمون الفاتحون (تونس). ولا على هذه المدينة العظيمة التي أصبحت اليوم، من أعظم المدن في المغرب الإسلامي، وأصبحت عاصمة يطلق اسمها على جمهورية مزدهرة تكون جزءا هاما من المغرب الإسلامي، وعضوا حيا من جسم الوطن الإسلامي الفسيح الأرجاء. فإن تونس هذه المدينة العظيمة الجميلة هي إحدى العواصم الإسلامية التي حملت أمانة العلم وكانت مثابة لأبناء المسلمين في مختلف الأقطار والتي شادت معهد الزيتونة العامر وحافظت على الثقافة الإسلامية قرنا طويلة – هذه المدينة لا يفي بحقها فصل في كتاب. ولا يكفي للحديث عنها استطراد في مقال. على أن الحديث عن هذه المدينة ليس من غرض هذا الكتاب، وإنما أريد أن يعرف القارئ الكريم إنني قد أستعمل كلمة تونس وأنا أقصد به هذا القطر المسلم الذي يقع بين ليبيا والجزائر والبحر، ويكون حلقة من الحلقات المترابطة، للوطن الإسلامي الشاسع، ويسكنه قسم من الأمة المسلمة كافحت كثيرا لحفظ المجد الإسلامي، منذ بدأ الإنسان ينحرف عن دين الله إلى اليوم. ولا تزال فيها بقية من عزيمة للكفاح عن دين الله وفي سبيل الله. وهذه الأمة في أدوار التاريخ الإسلامي وإن تفرقت بها المنازع السياسية والمذاهب الدينية والزعامات الفردية والقبلية في كثير من الأحيان إلا إنها حافظت في مجموعها على الأصالة الإسلامية واستمسكت بعرى الدين الحنيف وسارت على هديه ولا تزال فيها بقية تسير على ذلك الهدى. إلى أن يأذن الله بعودة الأمة المسلمة إلى ما كانت عليه في الصدر الأول من قيادة البشرية الحائرة وتوجيهها إلى سبيل الخلاص، خلاص الإنسانية من أسباب الضلال. (1/6)
صفحة 7
والحقيقة أن إطلاق كلمة تونس على هذا القطر، أو هذه الجمهورية، بهذا الوضع الجغرافي هي تسمية متأخرة جدا. فعندما كانت الجيوش الإسلامية تجوب هذه البلاد فاتحة وكانت الدول الإسلامية تتركز هنا أو هناك من بلاد المغرب. وكانت المعارك الطاحنة تدور بين الجيوش المتقاتلة في كثير من الأنحاء، لم يكن يرد اسم تونس إلا كما يرد اسم أي مدينة يقع فيها حدث من الأحداث التاريخية، التي يتناقل الناس أخبارها. ولعل الأحداث التي وقعت في تونس أو في (ترشيش) نفسها أبان الفتح، لم تكن أكثر من الأحداث التي وقعت في غيرها من المدن والقرى في هذا القطر الكريم، في ذلك الحين.
ومهما كان الأمر، فقد أصبحت كلمة تونس تدل – فوق دلالتها على هذه المدينة الكبيرة التي أصبحت اليوم إحدى العواصم الكبرى- على حقيقة جغرافية تعني هذه الجمهورية أو هذا القطر الإسلامي المجيد بحدوده التي ذكرناها سابقا.
ويعنيني في هذا الفصل أن أبين للقارئ الكريم، إنني أريد أن أكشف عن صور مجيدة. لحياة أمة مسلمة، عاشتها طائفة منها، في هذا القطر الكريم. ولا تزال تعيش.
إنني أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم، صورا عن حياة الاباضية، منذ الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الفرنسي للقطر التونسي العزيز. وأنا عندما أتحدث عن هذه الطائفة من المسلمين في هذا القطر من بلد الإسلام. لا ادعي أبدا أن هذه الطائفة قدمت في خدمة دين الله ما لم تقدمه غيرها من الطوائف، ولا أزعم أبدا أن هذا القطر قد أختص بأمجاد إسلامية ليس لها مثيل أو شبيه في غيره من البلاد. (1/7)
صفحة 8
ذلك إنني أحسب أن الأمة الإسلامية أمة واحدة بجميع طوائفها وأن الوطن الإسلامي وطن واحد بجميع أجزائه. وأن ما يقوم به الفرد أو الفرقة من المسلمين فإنما هو راجع إلى مجد الأمة الكبرى وإن ما يحدث في بلد من بلاد الإسلام – رغم انقساماته السياسية – فإنما هو حدث في الوطن الإسلامي الكبير. وإن في المسلمين بجميع فرقهم وطوائفهم وأوطانهم – من يجعل نصب عينه الدعوة إلى سبيل الله والمحافظة على دين الله والكفاح لإقامة شريعة الله، كما أراد الله.
القيروان
القيروان مدينة إسلامية أنشأها عقبة بن نافع وهو يفتتح المغرب الكبير، وصاحب فكرة إنشاء هذه المدينة، في قلب الجمهورية التونسية، لتكون مركزا للجيوش الإسلامية الفاتحة، إنما هو معاوية بن خديج. ولكنه اختطها في موضع يسمى القرن فلما ولى بعده عقبة لم يعجبه الموضع، فنقلها إلى موضعها الذي أنشئت فيه. (1/8)
صفحة 9
وقواد الجيوش الإسلامية الفاتحة، أرادوا أن يجعلوا من المملكة التونسية نقطة تجمع وانطلاق لها وهي تحمل الرسالة الكبرى رسالة الإسلام إلى هذه البلاد الفسيحة الأرجاء التي تتصل بتونس من الغرب والشرق والجنوب بل والشمال بعد اجتياز البحر. ومنذ انشأ عقبة بن نافع مدينة القيروان في قلب المملكة التونسية أصبحت مطمع أنظار المتحاربين، ولقد استطاع الإسلام أن يطهر الأراضي التونسية من أدران الشرك والوثنية في مدة قصيرة غير أن سيطرة الإسلام على البلاد وتولى المسلمين لقضايا الحكم وتركز الدولة في القيروان. لم ييسر نشر السلام والأمن والطمأنينة بين الناس، وذلك لعدم محافظة كثير من الحكام على تطبيق أحكام الإسلام في الدماء والأموال وموافق الحياة، وحرص بعضهم على الوصول إلى الحكم والاستقرار فيه بمختلف الوسائل والسبل. وقد تعاقبت الأحداث على القيروان بسرعة وبشدة وكانت لا تستقر تحت حكم معين. فما تتولى فيها أسرة الحكم حتى تقبل عليها حملة أخرى من أسرة ثانية فتخرجها من حكم السابقين. فكانت تتعاقب عليهم الجيوش والدول والإمارات، جيش بعد جيش، ودولة بعد دولة، وإمارة بعد إمارة. وما يقع ذلك إلا بعد نكبات، وحتى عندما يطول عليهم حكم أسرة أو دولة، فإن الأمن لا يستقر، والسلام لا يطول، لأن الثورات لا تتوقف والحروب لا تنفك تتجدد أما من مناهضي الأسرة الحاكمة، أو الدولة القائمة، أو حتى من العناصر المتنازعة على الحكم من نفس الدولة ومن نفس الأسرة، فيذهب نتيجة لذلك، كثير من الأرواح، وكثير من الخيرات التي تنتجها تلك الأرض الطيبة. (1/9)
صفحة 10
فكان سكان القيروان المدنيون يعانون من ذلك، أشد الويلات والمصائب، حتى أصبحوا تحت أزمة نفسية مؤلمة. من ذلك الوضع المتقلب الذي لا يستقر، وأصبحوا لا يهتمون للداخلين أو الخارجين. ولا للمنهزمين أو المنتصرين، وبسبب الآثار المختلفة، من نتائج الحروب المؤلمة، والألوان المتعددة للحكومات المتعاقبة، كان سكان القيروان، يتوقون إلى سنوات من الاستقرار والسلام، ولو في ظل حكم ظالم، ولكنهم لم يظفروا بهذه الأمنية، لأزمنة طويلة.
والذي نريد أن نتحدث عنه في هاذ الكتاب من تاريخ القيروان الطويل الحافل المجيد، إنما هو فترة قصيرة بمقدار ما كان لها من دخل في حياة المذهب الاباضي الذي نكتب عنه في هذه المحاولة التاريخية القصيرة. فلقد كانت القيروان من المدن التي استقر فيها الحكم للاباضية في فترتين تاريخيتين كما إن هذه المدينة العظيمة بضواحيها كانت مقرا لكثير من علماء الاباضية وأنجبت كثيرا من الفحول وتولى فيها التدريس والفتوى إعلام منهم، وسوف يرد ذكرها وذكر ضواحيها لا سيما الجبال المشرفة عليها في كثير من فصول هذا الكتاب.
دخول المذهب الاباضي إلى تونس
في مطلع القرن الثاني الهجري بدأ المذهب الاباضي ينتشر بسرعة في تونس، كما انتشر في مصر وليبيا وبقية المغرب، وأهم سبب لانتشاره بسرعة، إن أتباعه والدعاة إليه، حافظوا على صفاء الرسالة الإسلامية، فلم ينحرف عن النهج القويم الذي عرفه الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولخلفائه الراشدين. لم تلتصق به البدع الدخيلة، ولم يشنه ظلم الطغاة من الولادة، فكانت المبادئ التي يدعو إليها هي المبادئ السمحة الكريمة الصافية التي يدعو إليها الإسلام منذ كان محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت السيرة التي يسير عليها ولادته هي السيرة التي حافظ عليها المهتدون من خلفائه عليه السلام. (1/10)
صفحة 11
ولقد كان للداعية المسلم الكبير – سلمة بن سعد – أثر كبير في نشر هذه الدعوة- طريقا وسطا في بلدان المغرب الشاسعة، فلم يكن طريقه في صحراء، كما لم يكن في الشريط الساحلي. وأعتقد إنه تجنب الطريق الساحلية، في رحلته الطويلة، لنشر دعوته القويمة، حتى لا يصطدم بأعوان الدول الظالمة التي كانت تسيطر على تلك الجهات فيتعرض لمصائب قد تعوقه عن القيام بمهمته، كما إنه يتجنب الطريق الصحراوية، لما يتعرض له من مشاق قطع الصحارى الواسعة واجتياز أخطارها، دون أن يكون له يكون له ما يساعده على ذلك من رفقة. ثم إن معظم السكان كانوا على المناطق الجبلية التي تخترق كلا من ليبيا وتونس والجزائر. ومروره بهذه المنطقة المتوسطة الآهلة بالسكان، ييسر له الاتصال بالناس – ويساعده على إيضاح الرسالة الإسلامية لهم، وتنظيمها لحياتهم – أكثر من أية جهة أخرى. (1/11)
صفحة 12
ولقد كانت المهمة الأولى التي يريد أن يعطيها للناس، هي أن يقرر في أذهانهم، الصورة الصحيحة للإسلام، الصورة الصحيحة في الإيمان والعبادة والمعاملة. ذلك أن الناس، تلقوا الرسالة الإسلامية من كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سيرة أصحابه رضوان الله عليهم فآمنوا بها وأطمأنوا إليها ووثقوا بها، فلما رأى الناس الصورة العملية، عند كثير ممن يحكم باسم الإسلام، بعيدة عما عرفوا من الإسلام كون ذلك عند بعضهم رد فعل جعلهم ينحرفون أو لا يبالون. وقد استطاع سعد بن سلمه أن يقنع الناس أن نظام الإسلام، ليس هو هذا النظام الذي يقوم عليه الولاة الظالمون ومن يسير في ركابهم من قادة وجنود وأتباع، وليس هو هذا التنطع الذي يدعو إليه المبتدعة ممن يفرق كلمة المسلمين ويبث الشقاق بينهم ويحكم على مخالفيهم بأحكام المشركين، فيستبيح منهم ما يستباح من أعداء الله. ولا هو في التبجح والدعوى وكثرة الجدل وحبة الظهور. وإنما هو في الإيمان الذي يمتلئ به قلب المؤمن، فتستبيح من أعداء الله. ولا هو في التبجح والدعوى وكثرة الجدل وحبة الظهور. وإنما هو في الإيمان الذي يمتلئ به قلب المؤمن، فتستجيب له جوارحه، فيكون عبدا لله، لا يغره مظهر، ولا يخدعه منصب، ولا تغلبه نفس أمارة بالسوء، ولا يخضع لشهوة غالبة، مهما كان الدافع إليها.
واستجاب الناس لهذه الدعوة الصافية الخالصة، وكان سلمة ينتقل بين المدن والقرى يوضح للناس تشريع الإسلام في أعداد فرص الحياة، ونظامه في الحكم، ومساواته بين الناس من جميع الأجناس. (1/12)
صفحة 13
ولعل السكان في القطر التونسي كانوا أكثر فهما لهذه الدعوة، وتعلقا بها، واستجابة لها في ذلك الحين، ولذلك فقد كونوا البعثة العلمية إلى البصرة، لتتم دراستها في ذلك المركز من مراكز الإشعاع الإسلامي، وسافر الطالبان النجيبان عبد لرحمن بن رستم من القيروان وأبو داود من قبلي، ليغترفا العلم من شيخ الاباضية في العراق أبى عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ولقد درس الطالبان على الإمام الكبير خمس سنوات كاملة ثم رجعا مع زملاء لهم. فقام عبد الرحمن بكفاح سياسي بدأه في ليبيا ثم انتقل به إلى تونس ثم انتقل به إلى الجزائر. حيث أسس الدولة الرستمية الشهيرة، أما أبو داود فقد انقطع عن الكفاح السياسي والعسكري إلى الكفاح العلمي والإصلاح الديني، وكان لكفاحه هذا أكبر الأثر في تكوين جيل مثقف ثقافة إسلامية صحيحة، حريص على المحافظة على دين الله كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسباب الثورات (1/13)
صفحة 14
حمل الفاتحون الأول رسالة الإسلام إلى تونس، كما حملوها إلى بقية البلاد، نقية صافية، كما جاءت في كتاب الله، فأقبل الناس عليها، يعتنقونها، ويتمسكون بها في حرص واعتزاز. ولكن لم يمض وقت طويل على انتشار الإسلام، في المملكة التونسية حتى تغيرت أنظمة الحكم عن زمن الفتح، وانحرف الولاة الظالمون، فشوهوا الصورة الجميلة لعدالة الإسلام ونزاهته، ومساواته – بين الناس في جميع وسائل الحياة- المساواة المطلقة، التي تجمع بين الأمير والفقير، في كل الحقوق والواجبات، كما تجمع ببينهما في المسجد لأداء الصلاة. لا يطمع قوي في شئ إلا أن يكون حقا له، ولا يخشى ضعيف أن يسلب شيئا إلا أن يكون ليس من حقه، أما الكرامة والعزة والعظمة، فتلك حقوق طبيعية يتساوى فيها جميع المؤمنين تحت العبودية لله، فما يصح أن يقال فلان أعظم من فلان أو أعز منه، الآن يقال أخشى لله واتقى، أو أشد اتباعا لأحكام الله واستمساكا بدينه، فيكون اكرم على الله وأحق برضاه عنه. وكرامة المؤمن عند الله ورضاه عنه هي غاية العز والعظمة.
والأفراد في الأمة الإسلامية، كما يتساوون في المسجد وفي الطواف، وفي عرفة وفي المشعر الحرام وفي كثير من مظاهر العبادات كذلك يتساوون في المجتمع، فهم كأسنان المشط، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. (1/14)
صفحة 15
أما المظاهر التي ينخدع بها الناس، كالمال والقوة والسلطة، فلا قيمة لها في نظر المؤمن إلا بمقدار ما يعود منها على الأمة – مجتمعا وأفرادا – من فوائد. إن الأموال، لا قيمة لها إلا بالمقدار الضروري للحياة. أو بما ينفق منها في سبيل الله، وإن القوة لا قيمة لها إلا بمقدار ما يستطيع به الإنسان الحياة، أو بمقدار ما يصرف منها في الصالح العام. أما السلطة، فلا تخلو أما أن تكون داخلة في التشريع الإلهي دون طغيان، فهي صيانة لحقوق الأمة، وحفظ توازن بين القوي والضعيف، وتوزيع عادل لفرض الحياة بين الناس، وإتاحة الحياة الكريمة لكل فرد، وتنظيم للمحافظة على الأمن والسلام، ورعاية لحدوده، وتطبيق لأحكامه، واستمرار في الدعوة إليه بالوسائل التي شرعها. وما إلى ذلك، فهذه هي السيرة التي وضعها الإسلام لسير الحكام. وأما أن تكون تعديا لحدود الله، وحكما بغير ما أنزل الله، فهي ظلم وجبروت، يجب أن يوقفها المؤمنون، وإن يضربوا على يد صاحبها، وأن يطالبوه بالتزام حدود الله.
تلك هي الصور التي عرفها الناس، لنظام الحياة تحت حكم الإسلام، فلما انحرف الأمراء والولاة، بالحكم عن طريقة البين الواضح، وانحرف المفكرون، بالعلم عن مجرى السنة إلى البدعة، وعن نصاعة الحق إلى ظلمه الشبهة – ثار الناس.
ثاروا على انحراف بأنظمة الحكم، وثاروا على الانحراف بحقائق العلم، فحاربوا الظلم بالسيف والقوة، وحاربوا البدعة بالبرهان والحجة، واثبتوا صلاحية الإسلام لتنظيم الحياة، بصدق الدعوة، وعدالة السيرة. وليست هذه الحركة الثورية ضد الانحراف في الحكم أو في العلم، قاصرة على ليبيا أو تونس أو الجزائر ولا على الاباضية. (1/15)
صفحة 16
ولكنها كانت قائمة في جميع البلاد التي دخلها الإسلام ثم انحرف الناس عن هديه، وحادوا عن سبيله ولقد تختلف بعض الثورات عن بعض في القوة والاتجاه والغرض. ولكن الباعث على أهم الحركات الثورية في الإسلام لا يبعد أن يكون سببه انحرافا في تطبيق الحكم، وأنا حين أقول هذا لا أنفي أنه قامت ثورات لم يدع إليها الإخلاص للدين والمحافظة عليه وإنما كان سببها حب السيطرة والوصول إلى الحكم. ولا سيما في العصور المتأخرة عندما كان يتوق إلى الحكم ناس لم يتثقفوا الثقافة الإسلامية، بل لم يكن لهم في المجال العلمي نصيب.
على أن هناك ظاهرة يجب أن نشير إليها ونحن نتكلم عن نظام الحكم في الإسلام، وعن أسباب الثورات الكثيرة التي قامت في البلاد الإسلامية سيما بعد تمام دولة الخلفاء الراشدين. (1/16)
صفحة 17
إن نظام الحكم الإسلامي هو النظام الذي جاءت قواعده الأساسية في كتاب الله ثم طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريقة عملية وسار به خلفاؤه الراشدين. ثم قامت بعد ذلك دول إسلامية كثيرة، استطاع بعضها أن يسيطر على جميع الوطن الإسلامي، وانقسم الوطن الإسلامي في بعض الأحايين إلى دول متعددة تحكم كل دولة منها قسما من هذا الوطن الكبير، ومن تلك الدول من حاول أن يسير بالنظام الإسلامي في الحكم حتى كاد أن يكون امتدادا للخلافة الرشيدة. ومنا من بعد عن أنظمة الحكم الإسلامي حتى كاد يخرج بها عن دائرة الإسلام. وإنما كان هم القائمين بالحكم أن يصلوا أو يوصلوا إلى غايات معينة دون مراعاة للقواعد التي جعلها الإسلام لبناء الحكم، كما إنهم لم يراعوا أحكام الله في الدماء والأموال والأعراض. ولكن أولئك الحكام مع ذلك البعد عن دين الله، استطاعوا بوسائل كثيرة، أن يضفوا على دولهم وحكوماتهم صيغة شرعية، وأن يجعلوها معتبرة من الدول التي تقوم بأمر الله، وقد توصلوا إلى إضفاء هذه الشرعية على دولهم بطرق مختلفة فمنهم من حصل عليها بالقوة والعنف، ومنهم من حصل عليها بالدهاء والحيلة، ومنهم من حصل عليها بالوعود والرشوة، وأنا حين استعمل كلمة الرشوة في هذا المقام، فإنما أقصد بها ما يغدقه الحكام على رؤساء الطوائف والقبائل لينضموا إلى صفوفهم، وما يجازون به الشعراء والكتاب لينشروا لهم الدعاية، ويحملوا الناس على الالتفاف حولهم، والسر في ركابهم. وما يمنحونه لضعاف العلماء، ليعترفوا لهم بالإمارة، ويستخلصون منهم فتاوي توجب على المسلمين طاعتهم، وتحرم عليهم نقدهم ومطالبتهم بالعدل، وتجعل الخروج عليهم باطلا تحل به الدماء والأموال، وما إلى ذلك من ألوان العقاب. ثم ما يقطعونه لأصحاب المطامع من القواد والأجناد ليكونوا آلة بايديهم يضربون بها من يطالبهم بالحق أو يحاسبهم على العدل. (1/17)
صفحة 18
وقد نتج عن ذلك مباحث قيمة بين علماء الشريعة في جواز الثورة على الدولة الظالمة وعدم جوازها. ومع أن الإسلام يحرم الظلم ويحاربه في جميع أشكاله وألوانه فإن كثيرا من علماء الإسلام دعوا إلى الرضا بالحكم القائم اتقاء للفتنة، وخوفا من أن تؤدي الثورة على الظالمين إلى إراقة دماء، والحاق مضار بالأمة، قد تكون أعظم مما يرتكبه الظالمون في أحكامهم. وإذا كان هذا الفريق من علماء الشريعة يرى هذا الرأي، ويذهب هذا المذهب، خوفا على الأمة، وإشفاقا عليها، فإن غيرهم من العلماء يرى أن إيقاف الظلم، وتغيير الحكم الجائر، من أول ما يجب على الأمة مهما كانت النتائج، لأن الاستسلام للظلم لا يولد العدل، ثم إن استمرار تحمل الضيم، أو قبول الجور، يورث الذلة، ويربي النفوس على الخنوع، ويجرئ الظالمين على الاسترسال في طغيانهم، ويجعل من البشر آلهة يحمون كما يريدون، فتطول عهود الحكم الظالم وتنشأ على ذلك أجيال فتتعوده وتعتقد إن ذلك هو الحق. لا سيما وإن الحكام الظالمين أعرف الناس وأقدرهم على تثبيت أقدامهم في الحكم، وتوجيهه لمن يريدون، وذلك بما يصطنعونه من الحواشي والاتباع، ويشترونه من الذمم والضمائر، وينزلونه من ألوان العقوبة على من يقاوم ظلمهم. ويطالبهم بإتباع الحق والعدل. ولذلك فإن هذا الفريق من العلماء يرى أن ثورة الأمة على انحراف الدولة مهما كانت النتائج أهون من الرضا بالحكم الجائر المسترسل الطويل. (1/18)
صفحة 19
ولو أردنا أن نعتبر كل واحد من هذين الاتجاهين، مبدأ لحزب، وبحثنا عن أحد كبار التابعين لنجعله على راس الحزب لاستطعنا أن نجعل على رأس القائمة الأولى أحد الإمامين الحسن أو الزهري ولجعلنا على رأس القائمة الثانية أحد السعيدين ابن المسبب أو ابن جبير. وأنا حين أشير إلى هذين الاتجاهين، اتجاه مسالمة الدولة الظالمة الذي يمثله الحسن، أو اتجاه مقاومتها والثورة عليها الذي يمثله ابن جبير. لا أدخل في حسابي أولئك المنزلفين من القدماء والمحدثين، الذين بهرهم البريق، فاندفعوا أو يندفعون في ركاب السلطان، وقد جعلوا علمهم ودينهم وخلقهم ثمنا لما يحصلون عليه من متعة المال أو الشهرة أو اتجاه أو المنصب، وسخروا ذكاءهم وكفاءتهم وبراعتهم، لخدمة المنحرفين عن سبيل الله، فإن هؤلاء، وإن بلغوا في العلم مبالغ سامقه إلا إنهم لا حساب لهم في التفكير الصحيح. ذلك إنهم مالوا إلى الدنيا من أول يوم واتخذوا مناصرة الظالمين مبدأ ثم أصبحوا يبحثون عن البراهين والحجج ليؤيدوا ما ذهبوا إليه.
إن هذا الاختلاف في الرأي، بين علماء الإسلام، مراعاة لمصلحة الأمة، وإشفاقا عليها، لا يرتفع إلى أن يكون خلافا مذهبيا بين الطوائف الإسلامية، وإن كان أصحاب كل مذهب قد يميلون إلى أحد الاتجاهين أكثرهما يميلون إلى الاتجاه الآخر. (1/19)
صفحة 20
وإذا كان بعض أئمة الاباضية يميلون إلى اتجاه المقاومة، ويرون وجوب محاربة الظلم، ومكافحة الباطل، ما كان إلى ذلك سبيل، فإن عجزت الأمة عن مقاومة الظالمين بالثورة الشاملة التي تقلب أنظمة الحكم، وتبعد غير أهل الكفاءة والاستقامة، عن التصرف في مقدرات الأمة، فإنه يجب أن تقوم فدائية تذكر الدول الظالمة، أن الأمة غير راضية للحكم القائم، وإن استسلمت للقوة والقهر، وإنها لا تزال تطالب بتنفيذ أحكام الله، وإن الرجوع إلى حكم الإسلام والتزامه والسير على منهجه، أولى لهما وأحق بها وإن المؤمن لا يهادن الظلم وإن غلبه الظلم. أقول إذا كان بعض الأئمة يرى هذا الرأي فإن البعض الآخر يميل إلى المسالمة، كما فعل الإمام الأكبر جابر بن زيد. ومنهم من يرى سلوك طريق وسط في الموضوع وذلك بالنظر إلى حالة الأمة فإذا خشى إن تكون المقاومة سببا إلى فتنة تكون المضرة فيها على الأمة أكثر مما يلحقها من حكم الظالمين فإن الاستسلام أولى وإذا كان للمقاومة أسباب تؤيد نجاحها وترجع صلاح القائمين بعدها ففي هذه الحالة يرون إن الإطاحة بالحكم الظالم أولى.
ولقد عانى المسلمون من الظلم والجبروت شيئا كثيرا في المملكة التونسية بسبب انحراف الولاة عن حكم الله، وكان ذلك من الأسباب التي دفعت الناس إلى اشتعال نار ثورات كثيرة قامت في تلك الجهات، وطال بها الأمد، وامتدت وتسلسلت مع التاريخ، حتى جعلت الناس مستعدين للانضمام إلى كل ناعق رسمي للوصول إلى الحكم.
وبما أن هذا الكتاب موضوع لإعطاء صور عن حياة الاباضية في تونس، فإنه من حق القارئ الكريم علينا أن نحدثه عن الثورات التي إشترك فيها الاباضية طالبين أو مطلوبين والدوافع إليها ونتائجها. وفي الفصل الآتي وما بعده من الفصول سوف يجد القارئ الكريم صور عن هذه الحياة التي تمتاز بكفاح طويل ..
أبو الخطاب في القيروان (1/20)
صفحة 21
يقول أبو المباس الشماخي في كتابة القيم (السير):» فزحت عاصم واخوه مكرم إلى القيروان فدخلوها بعد حرب، وفر حبيب إلى قابس، ثم إلى جبل أوراس، فاستحكمت ورفجومية على القيروان، وعتوا وطغوا وجاروا، وساموا الناس بسوء العذاب، وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، فخرج إليهم أبو الخطاب غضبا لله ولدينه «.
أما كيف وردت الأخبار إلى أبي الخطاب فيظهر مما يأتي:
أرسلت إليه امرأة أن لها بنتا جعلتها في مطمورة خوفا عليها من ورفجومية، وحكى ابن الرقيق عن ابن حسان إن رجلا من الاباضية دخل القيروان، فرأى ناسا من الورفجوميين كابروا امرأة على نفسها – ولناس ينظرون – ولم ينكروا ذلك عليهم خوفا منهم – فترك حاجته فأتى أبا الخطاب –
ونقل آخرون إن ورفجومية أخرجوا امرأة وهي تصيح! ..
يا معاشر المسلمين أغيثوني!. فلم يغثها أحد، وبلغ الخبر أبا الخطاب.
وذكر بعض المؤرخين إن أهل القيروان بعثوا يستغيثون بابي جعفر المنصور ... وأهل القيروان وهم في هذا وهم الوضع الشاذ الذي استبيحت فيه كل الحرمات، يحق لهم أن يستنجدوا بأبي الخطاب وبأبي جعفر وبكل مؤمن يرجون منه النجدة، ويأملون فيه الإنقاذ. فإنه لا شر أعظم من أن تعيش أمة مسلمة صانت كلمة التوحيد، دماءها وأموالها وأعراضها، تحت حكم ناس ينتسبون إلى الإسلام ثم هم يرتكبون من الفواحش وألوان الظلم، ما جاء الإسلام ليطهر البشرية منه. وقد اجتمع على أهل القيروان في أحداث ورفجومية، استباحة المساجد حتى ربطت فيها الدواب، واستبيحت الأموال والدماء بدون حساب، وانتهكت حرمات الأعراض حتى أصبحت الفاحشة تؤتي علنا، وتقاد إليها الحرائر كرها بين الناس، وهي حالة لا ترضاها حتى الضمائر الوثنية فكيف والناس يعيشون في نور الإسلام. (1/21)
صفحة 22
وهذه الفظائع التي ارتكبها عبد الملك الورفجومي واتباعه، جعلت أهالي القيروان ينظرون إلى حكم الأمراء السابقين على ما فيه من ظلم وعدوان، كأنه العدل المطلق. كان أبو الخطاب المعافرى من أولئك العلماء الإعلام الذين يرون إنه لا يحق لامرئ مسلم، إن يسكت عما يرتكبه الظالمون، باسم الإمارة والحكم، فلما بايعه المسلمون ف ليبيا إماما، واسندوا إليه القيام بشئون الدولة في هذا الجزء من الوطن الإسلامي الكبير، أعد نفسه لحمل الأمانة، وعزم أن ينتهج بالمسلمين ذلك النهج الذي سار عليه الخلفاء الراشدون، وسار عليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فلما بلغه ما يقع في القيروان من المناكر وتحقق أن الحالة بلغت من السوء إلى الحد الذي تنتهك فيه حرمات الله، جهارا نهارا، دون تستر أو تأويل، والناس خوفا على أنفسهم وأعراضهم ينظرون ولا يستطيعون أن ينكروا لما تحقق من ذلك جمع الناس وخطب فيهم يقول: إنني أطمع الجنة لمن يستشهد في هذه الوقعة ما لم يكن مصرا على كبيرة ولما خرج من الاجتماع سل سيفه، وكسر غمده، كناية عن العزم الأكيد على الكفاح في سبيل الله، ونصرة الإسلام، والمحافظة على عدالته ونزاهته وصفائه. (1/22)
صفحة 23
وقاد جيشه المتطوع في سبيل الله وارتحل إلى القيروان، فمر بقابس فجعل عليها واليا من قبله وسار حتى بلغ القيروان فحاصرها مدة اختلف المؤرخون في تحديدها ثم لانت له، وخرج اليه عبد الملك الورفجومي بمن معه من الاتباع، وكانت معركة حاسمة انتصر فيها أبو الخطاب ودخل القيروان، وكان أهالي القيروان ينتظرون نهاية الحرب في ترقب وخوف، فقد مر بهم عد من الحروب والوقائع، وهم يعرفون نتائجها، وما تسفر عنه، ويخشون ما يقاسونه بعد كل معركة من ويلات وصائب، وعندما كانت المعارك تدور بين أبي الخطاب وعبد الملك الورفجومي كان أهل القيروان ينتظرون نهاية هذه الوقائع في إشفاق وخوف، وكانوا يحبون أن أقل ما يلحقهم من ضرر، أن تكون الجيوش المحاصرة، قد أتت على مزارعهم وبساتينهم، وما فيها من ثمار وغلال، مدة حصارهم لهذه المدينة الحصينة، وعندما انجلت المعركة عن هزيمة عبد الملك، بدت لأهل القيروان المفاجأة الأولى، وقد كانوا ينتظرون ما تعودوه بع الحروب السابقة من التتبع والقتل والانتقام والغنيمة، ولكن يدا واحدة لم تمتد إلى سوء بع المعركة، فكان هذا من أعجب العجب في ذلك الحين، وعندما خرجوا إلى ساحة القتال ظهرت لهم المفاجأة الثانية، فقد كان القتلى هناك صرعى على أوضاع مختلفة. ولكن أحدا لم يمس ما عليهم من أسلاب، فكأنهم نائمون في ليلة صائفة حتى وصفتهم واصفة بقولها كأنهم رقود، أما المفاجأة الثالثة فقد وجدوها عندما خرجوا إلى مزارعهم، وهم يتوقعون لها كل شر، فإذا بها لم تمس، ولم يتحرك فيها شئ من موضعه، اللهم إلا ما حركته عوامل الطبيعة من وحش أو ريح.
وذاق أهل القيروان حكم الإسلام النظيف، حين يطرد الباغين ويقيم حكم الله على المسالمين فقال قائلهم، بعد أن ذهب أبو الخطاب، وقام أمراء آخرون يدعون الحكم بالإسلام» تشبهون دينكم بدين ابن الخطاب وأين مثل أبي الخطاب في فضله وعدله! «. (1/23)
صفحة 24
ولعله من المناسب إن أنقل للقارئ الكريم في ختام هذا الفصل كلمة للإستاذ محمد المرزوقي، قال في كتابه القيم (قابس جنة الدنيا) ما يلي:» والظاهر أن قابس نعمت في ظل الاباضيين خلال ثلاث سنوات بشيء من الطمأنينة، وكثير من العدل والمساواة بالحق، والقيام على نصرته والزهد في الدنيا «
عبد الرحمن بن رستم
حج عبد الرحمن بن رستم وهو صبي مع أبويه من فارس إلى البلاد المقدسة، فلما كان بمكة المكرمة توفى أبوه وتزوجت أمه رجلا من القيروان.
كان صبيا يطل الذكاء من عينيه وتبدو النجابة على مخائله، ويطالعك الظروف والأدب وخفة الروح في حركاته وسلوكه، فاحبه زوج أمه وسهر على تربية. رجع ذلك القيرواني الكريم إلى بلده يحمل معه أسرة متكونة من شخصين هما عبد الرحمان وأمه، واستقر بهم المقام في القيروان وطاب، وكان الصبي من عشاق المعرفة، فتندرج في المدارس البسيطة الموجودة في هذه القرية الناشئة حتى لم يجد عند مدارسها مزيدا. ولم تكن تلك المدارس الصغيرة والدروس المتقطعة في تلك القرية الناشئة لتطفئ غلته، وتروى ظمأه، فإن القيروان حينئذ كانت أشبه بقلعة حربية منها بعاصمة علمية، وكانت أمه وزوجها لا يفتئان يحرضانه على المزيد من طلب العلم. واتصل به سعد بن سلمة وحدثه عن المعاهد العلمية في الشرق الإسلامي. ولذلك فقد كان يشغله التفكير في الطريق الذي يسلكه ليستكمل دراسته، والمكان الذي يقصده ليحقق فيه غايته، والعدة التي يجب أن يستكملها ليصل إلى أمله الغالي في دراسته العلمية الطويلة، وترامى إلى سمعه الشهيرة الذائعة للمعاهد العلمية في العراق، وبلغه ما تتمتع به البصرة من شهرة تطغى على بقية العواصم الإسلامية لذلك الحين وحدثه متحدثون عن فطاحل العلماء من بقية التابعيين وتابعي التابعيين الذين تزدان بهم حلق الدراسة. (1/24)
صفحة 25
كان عبد الرحمن يؤمن أن الفتى الذي يريد طلب العلم لا تصده العقبات، ولا ترده الصعاب، فإن الإرادة القوية والعزيمة الصادقة، والرغبة الملحة، كفيلة أن تقرب المسافات البعيدة، وتيسر الطرق الصعبة، وتبعد التفكير في النفقات للزمن الطويل وما يحتاج إليه الإنسان في كثيرة الاستعداد وإحضار الأموال، وصمم الفتى الغض الإهاب، الطرى العود على السفر بعد أن أذنت له أمه.
اتخذ الأهبة ليلتحق بالعراق، ويستقر في البصرة تلك العاصمة العلمية التي قيل فيها» باض العلم في المدينة، وفرخ في البصرة، وطار إلى عمان «أنه يريد أن يعيش في ذلك العش الذي فرخ فيه العلم فإن طارت منه طيور إلى عمان فهو سوف يتخذ لنفسه مطارا ويختار لحياته مسبحا، وسار الفتى وهو ما يزال في غضارة الصبا حتى وصل البصرة، واتصل بالزملاء وطلاب العلم من مختلف بلاد العالم الإسلامي، أولئك الزملاء الذين يقصدون البصرة كما قصدها هو، وحدثهم وحدثوه، وناقشهم وناقشوه، وفاضلوا بين مجالس العلم، وبين المشائخ والعلماء، حسب مداركهم وحسب منازعهم. وأراد عبد الرحمن أن يتأكد من موقفه، ومن سلامة اختياره، فجال بين المساجد ودور العلم، واستمع إلى كبار تابعي التابعيين، وهم يشرحون كتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وانتقل من حلقة إلى حلقة، ومن عالم إلى عالم، حتى حضر دروسا على أولئك الإعلام الدين يقومون بالدفاع عن دين الله في حرص وأمانة، واختار من بينهم واحد ليتلقى عنه العلم. ويقتبس منه نور الهداية.
اختار مجلس أبى عبيدة مسلم من أبي كريمة مولى بني تميم ذلك الإمام العظيم الذي يطارده طغيان الحجاج وأعوانه، ويضيق عليه الخناق، ويحاول أن يحول دونه ودون إبلاغ رسالة الإسلام إلى المسلمين. (1/25)
صفحة 26
اختار عبد الرحمن هذا الإمام استاذا له ليتلقى عنه رسالة الدين وفنون المعارف الإسلامية، لأنه يمتاز عن غيره من إعلام تابعي التابعي الذين كانوا يتولون التدريس في تلك البقاع – بروحه الحية المتحررة التي لم يستطيع الطغيان إن يطفئ فيها جذوة الكفاح، ومناصرة الحق، والدعوة إلى تحطيم الأنظمة الفاسدة التي أقامتها دول انحرفت عن الإسلام في نظام الحكم. (1/26)
صفحة 27
واستقبله أبو عبيدة كما يستقبل الأب الحنون العطوف ولذا بارا عزيزا واحتفى به احتفاء كريما، وأضفي عليه من حبه ورعايته الشيء الكثير، وذلك لأسباب كثيرة منها ما طالع منه من أدب جم، وذكاء وقاد، وفهم كثير، واستعداد للتلقى، ولطف في السلوك، ورغبة حقيقية في العلم. ومنها أنه كان أصغر طلابه المغاربة سنا، ومنها إن هذا الفتى قد وجد من عنت الدهر ما أحس معه الألم والمرارة وهو صغير، فقد تكبد مشقة السفر من فارس إلى مكة المكرمة مع أبويه ليؤديا فريضة الحج، فتوفى أبوه في هذا الموسم الذي يعج بالناس من كل جنس، لا يهتم الشخص منهم إلا بنفسه، وعلاقته بربه، وترك للقدر مصير أرملة وطفل صغير في محنة الغربة البعيدة في ذلك الحين الذي تعز فيه وسائل النقل واسبابه. وقد إنحلت هذه المشكلة بطريقة لم يفكر فيها لا هو ولا أمه، فقد انقضى موسم الحج وبدأ الناس يعودون إلى بلادهم وكانت الأرملة العاجز تفكر في مصيرها ومصير ولدها وتدرس لطريقة التي تمكنها من الرجوع إلى بلده. ولكن تفكيرها الطويل ودراستها للمواقف وانشغالها به لم يوصلها إلى حل. وإنما جاءها الحل لحكمة يعلمها الله بطريقة لم تفكر فيها وإنما ساقها القدر إليها. فقد تقدم إليها رجل من المغرب يخطبها لنفسه، ويعدها إن يربط مصيره بمصيرها إن شاءت، ويعمل على إسعادها وإسعاد ولدها الحبيب. وافقت على هذه الرغبة الكريمة، وعقد عليها القيرواني، وتم الزفاف، وبدلا من أن تولى وجهها إلى مطلع الشمس حيث تعود بطفلها الحبيب إلى الأرض الحبيبة أرض الوطن، أرض فارس! .. بدلا من ذلك اتجهت إلى مغرب الشمس، إلى تلك البلاد التي كانت موضوعا لا ينتهي للحديث والخيال والقصص الصدق والكاذب. (1/27)
صفحة 28
وسار الولد وراء أمه إلى حيث يقدر لهما الحياة، وهو يبكي أبا عزيزا فقده بين يدي الله في منازل الوحي، ووطنا حبيبا ولد فيه، واتخذ فيه ملاعب الصبا ومسارح الطفولة، سار الفتى، وطال به المسير، يقطع أرضا بعد أرض ويجتاز فلاة بع فلاة، حتى بلغ بعد عناء ومشقه، مقر الأسرة الجديدة في القيروان. المقر الذي أراد الفاتحون أن يكون مركز الدولة في أفريقيا. (1/28)
صفحة 29
وشب الطفل في البيت الجديد والوطن الجديد تحت رعاية الأب الجديد حتى اشتد ساعده ونضج تفكيره وفاق الاقران علما وعملا، وضاقت دور التعليم عن مواهبه، فبدأ يرنو إلى بعيد حتى يسرت له أسباب الرحيل إلى البصرة إلى مطلع الشمس إلى ذلك البلد القريب من وطنه الحبيب. وبقد كان وهو يفكر في السفر إلى البصرة، يذكر المسافات الشاسعة التي قطعها حين ورد إلى القيروان، ولكن كان يهون عليه سلوك ذلك الطرق ويخفف من متاعبه، أولا الغاية الكبرى التي وضعها بين عينيه، من الورود إلى منابع العلم الصافية أما ثانيا فقد كان يداعب خياله أمل في أنه حين يصل إلى العراق سوف يكون قريبا من فارس فيتنطس أخبار الوطن ولعله يعرف مآل ثروة أبيه وأملاكه ولعله يجد وسيلة للحياة الكريمة في الوطن العزيز. فلما وصل البصرة، واستقر به المقام، وتلقى الدروس الأولى على أبي عبيدة. تفتح عقله الكبير لحقائق أكبر مما كان يفكر فيه. وعلم أن المؤمن حيثما كان في بلاد الإسلام فهو في وطنه، فهو ليس فارسيا ولا قيروانيا ولا بصريا، ولكنه مسلم يمكنه أن يعيش في أي جزء من العالم الإسلامي الفسيح، أما المكان الذي يجب إن يستقر به أي مكان يحتاج إليه للقيام برسالته، والاستمرار في دعوته، والكفاح من اجل إقامة دين الله، ومقاومة أولئك الذين يدعون زورا إنهم يحكمون بالإسلام. إنه يجب أن يعد نفسه للكفاح في سبيل الله أما المكان الذي يعيش فيه فليس بذي أهمية، لأن الأقدار هي التي سوف تسوقه إليه. على أن المؤمن ليس له وطن، فهو في رحلة طويلة في هذه الحياة من أجل مثل أعلى وغاية أسمى، وليس له أن يقيم إقامة الخالدين. إنه يجب عليه أن يكون مستعدا في كل حين لتحمل أعباء الرسالة في أي مكان. وإلا فإن إيمانه بالله وطلبه للعلم، وتحمله للمشاق لا يكون ذا جدوى. (1/29)
صفحة 30
اقتنع عبد الرحمن بهذه المبادئ، ووعى حقائقها واستقرت في ذهنه فمضى في دراسته خمس سنوات كاملة في ذلك المعهد العظيم الذي انتج عقولا وخرج فحولا وتكونت له أواصر صداقة وحبة وتفاهم مع بعض الزملاء، واشترك معهم في الاتجاه والتفكير والعمل، وبحثوا منهاج حياتهم وكفاحهم للمستقبل، ودرسوا الموطن الذي سوف يركزون فيه نضالهم، ويبدأون منه انطلاقهم، من اجل الحق وإعلاء كلمة الله، وتعاهدوا على إن يتآزروا ويتعاونوا ويعيشوا كتلة واحدة ما أمكنهم ذلك. ولم يحاول واحد منهم أن يدعو بقية الزملاء إلى مواطنه ليتخذوا منه قاعدة إنطلاق للكفاح فيكون قد استغل عواطفهم ولكنهم درسوا موضوعهم على ضوء الأحداث السياسية لذلك الحين، واستقر رأيهم أن تكون طرابلس من بلاد المغرب هي منطلق الدعوة مبدأ الكفاح.
ولما تأكد الإمام العظيم من نضوج هؤلاء الفتية في دينهم وأخلاقهم وعقولهم أذن لهم في السفر والبدء في المعركة الطويلة، لتثبيت دعائم الحكم الإسلامي. فغن سهاما كثيرة توجه إليه منها ما يصطبغ بلون السياسة، ومنها ما يصطبغ بلون العقيدة، ومنها ما يصبغ بألوان أخرى على إنه وهو يوصيهم وصاياه الأخيرة اخبرهم أن عبد الرحمن بن رستم الفارسي قد بلغ درجة الاجتهاد في العلم فيحق له أن يفتى بما سمع منه وما لم يسمع ولم ير لغير عبد الرحمن من أفراد البعثة العلمية هذه الدرجة العلمية فقد أوصى بعضهم أن يفتوا بما سمعوا بما سمعوا منه فقط أما البعض الآخر فقد أوصاهم أن لا يتقدموا للفتوى لا بما سمعوا ولا بما لم يسمعوا، وقد أوصى المجموعة إذا تمكنت من القيام بأمر الأمة أن تولى الإمامة لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى. فهذا أقوى المجموعة شخصية وأصلبهم إرادة وأمضاهم عزيمة وأقدرهم على قيادة الجماهير. (1/30)
صفحة 31
وتحقق رأى الإمام في المجموعة، قد بدأوا حياتهم في طرابلس وعرضوا الإمامة على عبد الرحمن بن رستم فامتنع منها واحتج بوصية الإمام ابن عبيدة فبايعوا أبا الخطاب إماما، وعندما فتح أبو الخطاب مدينة القيروان، وطرد منها ورفجومية، ترك عليها عبد الرحمن بن رستم الفارسي واليا. ومن أولى من عبد الرحمن بولاية القيروان وهو الذي نشأ فيها ودرس في معاهدها وشب في مغانيها.
قال أبو العباس الشماخي:» ثم ارتحل من القيروان – أي أبو الخطاب – وولى عليها عبد الرحمن بن رستم أحد حملة العلم من المشرق المتقدم ذكرهم، ورتب عبد الرحمن العمال على مداين أفريقيا ونواحيها. «وسار عبد الرحمن في القيروان سيره مؤمن يوجهه الدين القويم والعلم الغزير والضمير الحي، حتى تغلبت عليه قوات الدولة العباسية وأخرجته من القيروان فارتحل إلى الجزائر حيث كان له هنالك شأن سوف نتحدث عنه في الحلقة الآتية من الكتاب إن شاء الله.
أبو حاتم الملزوزي
أبو حاتم الملزوزي هو الإمام الثالث الذي بايعه المسلمون في طرابلس، بيعة مستقلة عن غيرها من الدول الموجودة في الشرق والغرب، والأسباب التي دعت الناس إلى بيعة أبي حاتم، هي ما ارتكبه جنود عمال العباسيين من المناكر، حتى ضج الناس بالشكوى، واجتمعوا على أبي حاتم، واجبروه أن يقوم بأمر الإمامة، ليرد عن الناس، عدوان أولئك الذين لم يهذب الإسلام أيديهم والسنتهم، فاستجاب لهم على شروط شرطها عليهم، وقام بأمرهم، فطرد عمال الدولة العباسية من طرابلس، واستقل بها وأجرى فيها أحكام الله، وسار بسيرة المهتدين من أمة محمد عليه السلام، حتى بلغته المآسي التي كانت تقع في القيروان، واستنجد به الناس لرفع الظلم عنهم فجهز جيشا كثيفا واتجه إليهم. فمر بقابس، ثم سار إلى القيروان فحاصرها مدة طويلة حتى لانت له وافتتحها. (1/31)
صفحة 32
وعندما انفتحت له أبواب القيروان، واستسلم الجند المحاربون، عمل أعظم عمل قام به قائد حربي بعد الانتصار، فقد عفا عن الجميع، والعفو عن الجميع بعد الانتصار حادثة قد يجد لها الباحث في التاريخ البشرى شبها. لكن أبا حاتم زاد عن العفو فأطلق سراح الجند الذين كانوا يقاتلونه بعد أن زودهم الزاد الضروري وسلحهم السلاح الذي يدفعون به عن أنفسهم العدوان الفردي من الإنسان أو الحيوان. وأقام الإمام بالقيروان مدة ليست بالطويلة. بعدما رفع عن الناس ألوان الظلم، ورتب الأمور، وأشاع الأمن والسلام، وأقام قواعد العدل، ثم انطلق راجعا إلى طرابلس مركز الإمامة، ومقر الحكم. (1/32)
صفحة 33
قبل أن يصل الإمام إلى طرابلس، بلغه أن ثورة اندلعت في القيروان وأن حكما جديدا قد انبعث فيها. ذلك أن سكان القيروان أنفسهم أصبحوا بمعزل عن هذه الحركات، فهم عندما تبدأ الأحداث لا ينهضون لتأييد بعضها على بعض، وكل ما يرجونه أ، تنتهي بسرعة على أي شكل من الأشكال، فإن الظلم مع السلام، أفضل من الحروب وما يجر من النكبات. ولذلك فقد كانوا يقفون من تلك الحروب مواقف المتفرج، ينتظرون نهايتها، لا يعنيهم شئ. أما أولئك الذين نشأوا في حواشي الإمارات الظالمة، فإنه لا يروق لهم، إن ينتشر العدل، ويسود حكم الله، لأن في انتشار العدل، وتطبيق أحكام الله، حرمانا لهم مما تعودوا أن يكسبوه بالباطل. ولذلك فما اختفى أبو حاتم وجنده من القيروان حتى اجتمع أولئك الذين ذاقوا حلاوة الرغد، واستمرأوا طعم الظلم، واعتادوا الحكم والسيطرة والمتعة، فقاموا بثورة يقلبون فيها نظام الحكم، ويردونه إلى أسوأ مما كان عليه، وسمع أبو حاتم بالحركة فاضطر أن يعود من طرابلس إلى القيروان ليقضي على هذه الحركة الجديدة، وليؤدب أولئك الذين يسعون في الأرض فسادا. وقد تم له ما أراد، وارجع الأمور إلى نصابها وترك على القيروان جرير بن مسعود المديوني، ولكنه ما كاد يتم ذلك، حتى بلغه أن جيوشا جرارة أقبلت من المشرق تحت قيادة يزيد بن حاتم بن قبيصة، تريده فأسرع إلى لقائها.
فترة انتقالية (1/33)
صفحة 34
لقد كان أغلب سكان المملكة التونسية على المذهب الاباضي. يقول الاستاذ محمد المرزوقي نقلا عن الاستاذ لوفيسكى:» إن هذا المذهب قد جاء إلى تونس من طرابلس وانتشر انتشار واسعا في الشعوب البربرية بجهات جربة وجرجيس وورغمة ومطماطة ونفزاوة والجريد. ويقول في مكان أخر من الكتاب:» وكان سكان نفزاوة على المذهب الصفرى وتحولوا إلى الاباضية في عهد الإمام عبد الوهاب وبقي هذا المذهب هناك إلى القرن الحادي عشر م. حيث كان في بلدة فطناسة من نفزاوة وحدها أحد عشر مسجدا اباضيا. وأما في الجريد فقد انتشرت الاباضية في زمن مبكر وكان لها قوة عتيدة خصوصا في أيام ازدهار مدينة (درجين) قرب (نقطة) وكان سكان درجين يعدون وحدهم نحو ثمانية عشر ألف فارس، وانتشرت الوهبية بين توزر والحامة. «ويقول بعد كلام» فكان الاباضية يؤمون نفس المساجد التي يؤمها أهل السنة، ويملون تعاليمهم، ويناقشون تلاميذهم، ويحدثنا مؤرخ مغربي أن مفتيين على رأي المذهب الاباضي كانا بالقيروان في النصف الثاني من القرن التاسع م. ودامت مدينة القيروان إلى القرن الحادي عشر م مثابة الاباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعليم العربية وأدابها. وكانت فروع من مزاته وهوارة تسكن حصن القيروان وهي على المذهب الاباضي من الوهبية في أيام بني زيرى الصنهاجيين «. ويقول بع الكلام.» ودخلت الاباضية إلى جبل وسلات حيث كانت معروفة إلى القرن الحادي عشر كما كان هذا المذهب موجودا بين سكان زغوان من نفوسة أثناء هذه المدة. « (1/34)
صفحة 35
لقد كانت هذه البلاد وغيرها من البلاد التي يسكنها الاباضية في تونس تابعة للامامات في طرابلس تبعية فعلية كما هو الشأن في القيروان وقابس، أو تبعية محبة وعطف وتأييد، فلما قتل أبو حاتم الملزوزي أخر الأئمة في طرابلس انتقلت الإمامة إلى الجزائر وبعد أن كانت طرابلس هي مركز الإمامة أصبحت تاهرت هي المركز. وهكذا انتقلت تبعية أغلب سكان تونس لا سيما سكان الوسط والجنوب إلى تبعية الإمامة في تاهرت.
حين كان عبد الرحمن بن رستم واليا على القيروان، وكانت الجيوش العباسية توالي هجوماتها على إمامات طرابلس. كان يفكر في اطلح مكان لإقامة الإمامة، وكان فيما يبدو قد استعرض الأماكن المناسبة لذلك مكانا مكانا، فتحقق أن طرابلس لا تصلح لإقامة هذا البناء، فإنها ممر من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق، والممر لا يمكن أن يستقر على حال. أما القيروان التي أخرج منها عندما قتل الإمام أبو الخطاب فهي الأخرى لا تصلح أن تكون مركزا للإمامة، لأنها هدف العباسيين من جهة، ومطمح طلاب الحكم من جهة أخرى، بقي عليه أن يجتاز مكانا آخر في الجنوب التونسي أو في جبل نفوسة أو في الجزائر واستقر عزمه أن يضار الجزائر فهي أصلح مكان، لأنها تتوسط المغرب الإسلامي ولا، ه يجد فيها أنصارا وأعوانا على مكافحة الظلم، والدعوة إلى القيام بأمر الله. (1/35)
صفحة 36
وسار عبد الرحمن من القيروان إلى الجزائر بين القرى والأحياء من الاباضية لا يتعرض له أحد بسوء حتى وصل جبل سوفجج واجتمع عليه الناس يطالبونه بإقامة الإمامة في الجزائر بعدما قتل آخر الأئمة في طرابلس. وهكذا اختيرت تاهرت لتكون مركز الإمامة ومنذ قامت تاهرت كانت أغلبية المملكة التونسية في الجنوب والوسط تابعة لهذه الإمامة وكان عمال الدولة الرستمية يقيمون أحكام الله في تلك البلاد نيابة عن الدولة الرستمية ولعل مركز الولاة كان في قابس ونفزاوه وقفصة وغيرها من البلاد التونسية. وقد استمر الجنوب والوسط التونسي تحت حكم الدولة الرستمية إلى أن تغلبت عليها الدولة الشيعية فخربت تاهرت وانقرضت الإمامة من هنالك فأصبحت هذه البلاد في بادئ أمرها شبه مستقلة يدير شؤونها مشائخ العلم من أهلها ثم خضعت للدولة المتغلبة على أفريقيا، أعنى أن هذه البلاد التي يسكنها الاباضية في ذلك الحين، أصبحت بعد انقراض الدولة الرستمية غير تابعة لدولة ماو لكنها في نفس الوقت لم تؤسس دولة أو دول أو إنما كان أمرها يرجع أول الأمر إلى كبار مشائخ العلم ثم فيما بعد إلى مشائخ العزابة إلى أن أنقرض الاباضية في بعض تلك البلاد أو انحل مجلس العزابة – من بعض الأجزاء والحقيقة أن الدول التي قامت في القيروان أو في المهدية أو في غيرها سرعان ما وجهت حملاتها الشديدة على الاباضية على الاباضية، وحاربتهم محاربة لا هوادة فيها وحاول بعض الملوك أن يحملوا الناس على أتباع مذهب الحاكم، وقد ارتكبت من أجل ذلك فظائع ومآسي كان لها أسوأ الأثر في تلك الجهات وقد اتخذ بعض الملوك قضية المذهبية وسيلة لابتزاز الموال، والانتقام من الخصوم وعندما لا تتوفر لهم قضية المذهبية يتخذون وسيلة لذلك قضية عنصرية أو أي سبب كما وقع في درجين وقصطالية بمختلف مدنها وجربة وقابس وغيرها من البلاد التي لا تنفك توجه إليها الضربات لسبب مختلف في كثير من الأحيان. (1/36)
صفحة 37
وسوف نستعرض صورا من ذلك أثناء الكتاب.
أبو القاسم يزيد بن مخلد
نشأ أبو القاسم يزيد بن مخلد اليهراسني في وسط القطر التونسي فقد ولد في الحامة، تلك البلدة الجميلة الغنية بمناظرها الطبيعية الشهيرة بأنواع من أجود الفاكهة والثمار، وقد أصبحت اليوم منتزها يقصدها الناس للسياحة والاستشفاء بمياهها المعدنية المتدفقة باستمرار. ورغم إن الحامة لم تجد من الدول التونسية وسياحتها ما وجدته قربص، إلا إنها لا تقل عنها وعن غيرها من الحمامات زوارا. تلك الحمامات التي يؤمها الناس للاستراحة والاستجمام واستشفاء. في هذه المدينة أو القرية التي تقع قرب قابس من جهة الغرب، والتي كانت في يوم من الأيام نقطة تجمع وارتكاز للاباضية. في هذه المدينة أو القرية تكون الرجل العظيم أبو القاسم يزيد بن مخلد، وقد بدأ عهد طفولته في الدراسة حتى ظهر على جميع الاقران وتفوق على كل الزملاء، وتيسرت له سبل الحياة فاجتمع لديه من المال ما جعل مركزه في المقدمة بين المؤمنين الأغنياء. وأوتى من الذكاء والألمعية، وطهارة السريرة، وشجاعة القلب، وقوة الإرادة وصدق العزيمة، ما لا يتحلى به إلا القليل من الناس في قليل من الأزمنة. درس علم الكلام على علامة زمانه حسنون أما بقية العلوم فقد درسها على العلامة الكبير أبى الربيع سليمان بن زرقون. وبلغ في العلوم شاوا سبق به أساتذته فاعتبر من كبار الأئمة الذين بلغوا درجة الاجتهاد وحسب من الأئمة العشرة المجتهدين الذين أتي كل واحد منهم بأقوال. (1/37)
صفحة 38
سافر من الحامة إلى سجلماسة للدراسة. وامضي هنالك فترة صالحة من شبابه في الكفاح من أجل المعرفة، ولما رجع بعد أن بلغ ما بلغ، اتجهت اليه الأنظار، ورافقه الإمام أبو خرز يغلا بن أيوب فكانا يدرسا الكتب مجتمعين وفي أكثر الأحيان كان أبو القاسم يقرأ، وأبو خرز يستمع، وقد يقوم أبو خرز لشأن من شئوونه فيمضي أبو القاسم في القراءة، فإذا رجع أبو خزر رجع أبو القاسم فأعاد قراءة ما قرأه بع أبي خرز ويقول له لي مرتان ولك مرة واحدة. ثم يستمر في القراءة.
كان أبو القاسم من علماء الطبقة السابعة يعني النصف الأول من القرن الرابع في أواخر عهد الدولة العبيدية وفي عهد أعظم ملوكها المعز لدين الله الفاطمي وكان أعظم شخصية أباضية في ذلك العصر، تلتف حوله الجموع، ويستجيب له الناس، وينزلونه منزلة الإمام، وكان موطنه كما أسلفت نقطة ارتكاز يتوسط الأماكن العمرة الاباضية، وكان كثير من الناس يعتقد أنه يعمل للقضاء على الدولة الفاطمية، ويحذر منه اتباعهم، ويرفعون فيه الوشايات إلى المعز لدين الله. وعندما أكثر الناس الحديث عن أبي القاسم ومطامحه في مجلس المعز اشتاق أن يراه فبعث إليه وحادثه وناقشه في كثير من الأمور. وعقد له مجالس المناظرة، فأعجب به كل الإعجاب، حتى قال فيه كلمته المشهورة لما سئل عنه وعن زميله أبي خزر وأبي نوح (أبو القاسم لم تلد العرب مثله، وأبو خرز عالم ورع، وأبو نوح فتى مجادل). (1/38)
صفحة 39
وكان المعز يطلب من أبي القاسم أن يحضر مجالسه ويستشيرهن ويحترمه ويأخذ برأيه وبلغ عنده منزلة كبرى. لا يرد له طلبا حتى أن أبا تميم غضب مرة على أهل الحامة، فبعث فرقة من الجيش لا تزال العقاب بها وزود الفرقة برايته الحمراء التي يسميها راية السخط دلالة على الغضب وإرادة الانتقام، فسمع أبو القاسم بذلك فجاء إلى المعز وطلب منه أن يرجع عن عزمه ذلك، فاستجاب الملك الكبير لطلب العالم الكبير وسلم إليه الراية البيضاء التي تدل على الرضا، وقال له الحق بالجيش قبل أن يصل إلى البلد فينفذ الأمر، وأخذ أبو القاسم الراية ولحق بالجند قبل أن يصلوا إلى الحامة بمسافة قريبة فسلم إليهم الراية البيضاء وبلغهم أوامر الملك بالعدول عما عزم عليه، ورجع الجند بعد أن كادوا ينزلون بالناس الأبرياء ألوانا من العذاب. وكان أبو القاسم يظهر في مجلس المعز بمظهر المؤمن المعتز بإيمانه القوي في شخصيته لا يتملقه ولا يتصاغر له ولا يخاطبه بغير ما يخاطب به الفرد العادي من المسلمين ولذلك فقد كان المعز يحترمه وكان الحواشي والإتباع لا يستطيعون أن ينطقوا بحضوره فإذا غاب سلقوه بالسنة حداد.
كان يوما في مجلس المعز وطلب منه أن يريه سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الفقار وكبر على المعز أن يرد طلب أبي القاسم فقام وأحضر السيف الكريم وسلمه لأبى القاسم فقلبه بين يديه ثم سله من غمده وهزه ثم أعاده في غمده وأرجعه إلى صاحبه قال المعز» لم آمنه على نفسي حين سل السيف حتى أرجعه إلي. « (1/39)
صفحة 40
قال أبو إسحاق طفيش رحمه الله ورضي عنه.» ولكن وزراء المعز كانوا يحفظونه على أبي القاسم حسدا من عقد أنفسهم من بعد ما تبين لهم مكانتهم لدى ملكهم، وتقديمه عليهم فاتهموه بمحاولة الاستلال عن المعز، وما أشد هؤلاء الظلمة أنصاتا للحواشي في هذا الباب، وما أٍرعهم شكا في صدق المخلص البريء، مع رأوا من جلال الرجل ومكانته، فقد لفقوا عليه تهمة الاستقلال ودبروا له مكيدة الانفصال عن مملكة المعز بقومه، وله من القوة والنفوذ ما يبلغه ذلك لو شاء، حتى تخوف المعز من أبي القاسم، وعمرت نفسه بذلك فكتب إلى عامله بالحامة يأمره بقتل أبي القاسم اغتيالا. «
وتقول كتب التاريخ أن عامل المعز على الحامة، كان من أصدقاء أبي القاسم، والمعجبين به، وكان يرى أن قتل مثل هذا الرجل العظيم خسارة، ولذلك فقد حاول أن يجد له سبيلا إلى النجاة فاقترح عليه أن يحج، فلم يوافق أبو القاسم وقال له لقد حججت، فقال العامل أنكم معشر الاباضية تكثرون من الحج، فقال أبو القاسم» ليس لله على أن أحج مرتين «فاقترح عليه أن يقوم بجولة لزيارة الأخوان في جبل نفوسه فلم يواف، فاقترح عليه أن يزور الأخوان في وارجلان فأصر أبو القاسم على البقاء، وقال له، لا أخرج وأنا حي لقد بذل العامل ما في وسعه ليجد سبيلا ينجو به أبو القاسم من القتل أو أن يقتل على يد غير يده. ولكن أبا القاسم الذي فهم ما يريده العامل الصديق، لم يرد أن يفر، فهو رجل لم يرتكب إثما، ولم يقم بأي عمل يستحق عليه غضب السلطان، فإذا شاء هذا السلطان أن يلطخ يديه بدم بريء فما أحوج أبا القاسم إلى الشهادة، وحين تحقق العامل أن أبا القاسم مصر على البقاء، مهما كانت الظروف، وإنه لا يريد أن يخرج من بلده، ليعيش عيشه اللاجئين. أراد يبدى له عذره في موقفه الذي سيقفه منه، فأراه ثلاث رسائل من السلطان يأمر فيها بقتله، وفي الخيرة منها يقول له: أما رأس أبي القاسم وأما رأسك. (1/40)
صفحة 41
عرف أبو القاسم أن هذه الساعة في آخر ما بقي له في الحياة فطلب إلى العامل أن يمهله مقدار ما يصلي ركعتين وبعد أن ختم أعماله المجيده بأفضل ما يتقرب به المؤمن إلى ربه استعد للحصول على الشهادة، وتوارى العامل حين دخل الجند لتنفيذ أوامر السلطان فاستقبلهم أبو القاسم استقبال الأعزل للشجاع واستطاع أن يتغلب على الدفعة الأولى ويستخلص منهم سلاحا ووقعت بينه وبينهم معركة حامية سقط فيها عدد ن القتلى والجرحى ثم تغلبت الكثيرة واستشهد أبو القاسم في دار العامل رحمه الله ورضى عنه.
وكان السلطان يعرف أن هذه الحادثة لا يمكن أن تذهب دون أن يكون لها آثار، وكان يعتقد أن العلامة أبا محمد ويسلان تلميذ أبي القاسم هو الشخصية التي سوف تتحرك وتقود الجماهير فألقى عليه القبض وأودعه السجن.
وبلغ مقتل أبي القاسم مبلغا كبيرا في نفوس جميع الذين يعرفونه من الاباضية وغيرهم ولذلك فما سمع الناس به حتى تحركوا للثورة.
وقامت ثورة واسعة النطاق وهددت دولة السلطان الظالم وكادت تقوض أركانه، وخشى هو عاقبة عمله فكان يرسل إلى القائمين بالثورة يتنازل لهم عن بعض الجهات من المملكة ليقيموا بها دولة. ولكن الثائرين الذين كان يقودهم أبو خرز لم يكونوا طلاب دولة، أو راغبين في الوصول إلى الحكم، ولكنهم كانوا يريدون أن يقف هذا الظلم عن الناس، وأن يتذكر السلطان أنه حين منح الحكم إنما أخذه بأمانة الله وحقه على أن يرعى حقوق الناس وأن يحفظ منهم ولهم ما حفظته الشريعة القومية، وكأنما كانت هذه الثورة لتي قادها أبو خزر بسبب مقتل أبي القاسم واعتقال أبي محمد بداية تجرأ بها الناس على السلطان الواسع النفوذ فتبعتها ثورات متلاحقات بمختلف المقاصد والنوايا حتى قضت على الدولة على الدولة التي لم يحترم سلاطينها حقوق الناس، ولم يحافظوا على أحكام الله. (1/41)
صفحة 42
كان أبو القاسم غنيا ذا مال كثير، وكان ينفق إنفاق من يغرف من بحر، حتى ذهب العذال إلى أبيه يقولون له أن ابنك هذا لا شك مجنون، فهو يعلم ويطعم ويعطي فوق ذلك من أمواله الشيء الكثير. انه لم يكتف بأن يعلم مجانا لا يتقاضى عن مجهوده العملي شيئا حتى كان ينفق على طلابه ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء، ثم هو لا يقتصر على هذا المجهود العظيم في التعليم والإطعام، حتى يبذل لهم ولغيرهم من المحتاجين ما يرومون من أموال. ولقد كان أبو القاسم بمنزلة الإمام للاباضية وكانت مدارسه عامرة بمجموع من الطلبة من مختلف الجهات.
بعد أن أتم دراسته واستعد للحياة التي يحياها الناس، وأخذ من العلم ما يفتح أمامه أفاق المعرفة فكر في الزواج، وبحث عن امرأة تجمع بين الخصال التي يطلبها أمثاله من خلق ودين وعلم فوجدها في فتاة من أسرة كريمة كانت تسمى الغاية لها من الجمال والخلق والدين والعلم ما يرشحها لان تكون زوجة له فخلبها من أهلها وزفت إليه فكانت في بيته مرجعا للمؤمنات ومرشدة هادية للفتيات وقدوة صالحة للمقتديات الصالحات وعندما توفي أبو القاسم بقيت الغاية مقصدا لطلاب العلم والدين والخلق القويم وكان العلماء والمشائخ يزورونها ويستشيرونها ويستفتونها ويرجعون في كثير من الأحيان إلى رأيها وكثيرا ما يلجأ إليها عالم من كبار العلماء في معضلة من معضلات علم الفقه أو علم الكلام فيقول لها ماذا كان رأي أبي القاسم أو ماذا حفظت عن أبي القاسم في كذا وكذا فتجيبه بما حفظت عن زوجها.
كان أبو القاسم يحدث طلابه يوما ويحرضهم على الدراسة وينصحهم بالابتعاد عن كل ما يشغلهم عن التعليم فقال لهم لأن يبلغني موت الطالب خير من أن يبلغني تزوجه، وكانت الغاية تستمع إليه من وراء ستار فقالت له: لماذا تزوجت إذن؟ فقال لها لو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها الرحال. يعني وتركتك أيتها الزوجة المحبوبة. (1/42)
صفحة 43
يبدو إنه تزوج من الغاية بعد سنة من بلوغها فكانت تحضر دروسه من وراء ستار وسمعته يقول لطلابه أن من يقرأ سرا في صلاته ولا يحرك شفتيه فإن صلاته باطلة، فأعادت صلاة السنة كاملة لأنها كانت تكيف ولا تحرك شفتيها في قراءة السر.
هذه جوانب من حياة هذا الإمام العظيم أضعها بين يدي القارئ الكريم دون تنسيق أو ترتيب ليراها على وجهها الطبيعي الذي كانت عليه فإن كل ما أريد أن أعرضه إنما هو صور من حياة الأمة المسلمة المتمثلة في حياة الأفراد أو الجماعات.
أبو خزر يغلا بن أيوب
أبو خزر يغلا بن أيوب اشتهر بابن زلتاف وزلتاف اسم أمة، مواطنة الحامة، وعصره القرن الرابع، وزميله واستاذه أبو القاسم يزيد بن مخلد، وقد بلغ في العلم درجة الاجتهاد، وانفرد بأراء في علم الكلام، اعتبر من اجلها إماما.
عاش أبو خزر في الفترة المضطربة الهائجة من القرن الرابع، فقد جمح السلطان بالمعز لدين الله الفاطمي فاستحل لتوطيد ملكه دماء الناس وأموالهم، واستغل الخلاف المذهبي لذلك ابشع استغلال، وأطلق أيدي الجند والعامة ترتكب ما تشاء من المناكر في كل مخالف لمذهب السلطان. وأصاب الاباضية من هذا البلاء والأذى كثير مثلما أصاب غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى. (1/43)
صفحة 44
وكان العامة يهيجون ويتهيئون للثورة ولكن الإمامين أبا القاسم وأبا خزر يهدئانهم ويدعوانهم إلى السكينة والاعتصام بالصبر فلما تجرأ المعز وقتل أبا القاسم يزيد بن مخلد نفذ صبرا أبي خزر ودعا إلى الثورة غير أن كثيرا من العلماء كانوا غير موافقين على اتخاذ هذه الخطوة، من هؤلاء أبو محمد ويسلان وأبو صالح اليهراسني وكان هذا الفريق من العلماء يرون أن الصبر على الظلم أهون من الحرب وأقل شرا. لكن أبا خزر صمم، وصمم معه المتحمسون من الشباب. وقد درس الموضوع واتخذ الخطوات التي رآها لازمة لبدء الثورة فبعث أبا نوح سعيد بن زنغيل إلى جبل نفوسة وجربة، فاستشارهم وطلب مهم المساعدة فأجابه أهل الجبل بأنهم مهددون كل يوم بالفتن والحروب، ولكنهم مع ذلك سيقفون معهم إذا تم لهم القيام ووعده أهل جربة بأنهم على استعداد. وبعث أبا محمد جمالا إلى بلاد الزاب واريغ ووارجلان فتحمس القوم وجمعوا عدتهم وعددهم وبدأوا الثورة من فورهم. (1/44)
صفحة 45
كان العلماء والأعيان قد بايعوا أبا خزر إمام دفاع فلما سمع المعز لدين الله بذلك وإن أبا خزر بدأ يستعد للقيام بثورة شاملة فبعث إلى الجيل وجربة ووادي أريغ والزاب ووارجلان وإنه أرسل إلى الدولة الأموية في الأندلس يطلب منها النجدة والمساعدة. لماس مع المعز الفاطمي بهذه الحركة خشي أن تقضى عليه فبعث إلى خزر يعرض عليه صلحا وذلك بأن يتخلى له عن مواطن الاباضية من بلاد الجريد وجبال دمر وجربة. وهم أبو خزر أن يقبل هذا الصلح ويوافق عليه ولكن المتحمسين ممن كان معه لم يرضهم ذلك إنهم يريدون القضاء على الدولة العبيدية التي ارتكبت فيهم أقبح أنواع الظلم ولكي لا يتركوا مجالا للصلح بدأوا المناوشات الحربية وهجم أهل وارجلان ومن معهم قبل أن تنظم الصفوف وتتوحد القيادة، ووجدها المعز فرصة ذهبية لإخماد هذه الثورة فقد استطاع أن يغري بعض القادة بالرشاوى وإن يوجه ضربة قاسية إلى مبدأ الثورة فأثخن في القتل وتفرقت الجموع التي كانت تتهيأ للثورة. وطارد المعز أنصار الثورة في كل مكان فتنكر أبو نوح في ثياب راعي إبل حتى وقعت عليه أعين الجند فحملوه إلى السلطان وهرب أبو خزر إلى المعقل الحصين جبل نفوسه فبقي فيه أن أرسل إليه المعز بالأمان فقدم عليه. (1/45)
صفحة 46
أخذ أبو خزر العلم عن العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن زرقون، وكانت تربطه بالإمام أبي القاسم أمتن روابط الصداقة والمحبة والإعجاب، وقد كان يقتدي به في سلوكه وأخلاقه، ويساعده في أعماله، وينوب عنه في أداء واجباته، ويرافقه في دراسته الطويلة، وبلغ في العلم والزهد مرتبة شهد له بها جميع الناس حتى قال عنه المعز لدين الله الفاطمي» أنه رجل علم وورع «كان أبو القاسم يقوم عند الاباضية مقام الإمام يتولى فصل المشاكل. وفض المنازعات، والإرشاد إلى أقوم الطرق، والإشراف على مصالح الناس الاجتماعية، والصلاة بهم، فإذا غاب قام أبو خزر بتلك المهمات فهو له بمثابة الوزير. وقد ذكر المؤرخون أن أبا القاسم تأخر عن حضور الصلاة في المسجد في يوم من الأيام فأقيمت الصلاة. وتقدم أبو خزر ليؤم الناس فأحس بحضور أبي القاسم فتأخر وترك له المحراب والإمامة.
قلت في أول الفصل أن أبا خزر دعا إلى الثورة حين قتل أبو القاسم واستجاب له الناس وبايعوه إمام دفاع ولكن هذه الثورة فشلت بسبب التسرع فهرب أبو خزر إلى جبل نفوسه واعتصم به وحاول المعز بن باديس أن يصل إليه فلم يستطع وكان الرجل يخشى أن يستعد أبو خزر من جديد وينظم صفوفه وإن يجعل مركز انطلاقه ذلك الجبل الأشم الحصين وكان حريا أن ينجح في ثورته لو فعل ذلك ولذلك فقد كان مشغولا بهذا الأمر ولما لم يستطيع أن يصل بطريق القوة فكر في طريقة أخرى أقرب إلى تحقيق ما يريد من الحيلولة دون قيام ثورة أباضية أخرى نبعث من مكان حصين برجاله وجباله. يقول أبو إسحاق طفيش رحمه الله ورضى عنه.» فالتجأ إلى جبل نفوسة فظل فيه معتصما من المعز حتى أرسل إليه والي كل القبائل التي كانت معه بعهد الأمان، فطلبه إليه، فقدم عليه، فأكرم وفادته. « (1/46)
صفحة 47
لقد علم المعز بن باديس إنه أخطأ في قتله أبا القاسم وإن هذه الثورة التي كان في غنى عنها إنما قامت بسبب ذلك الخطأ ولذلك فقد غير سياسة العنف إلى سياسة اللين فأطلق سراح أبي محمد ويسلان وعفا عن أبي نوح وأعلن الأمان والعفو عن أبي خزر وجميع أتباعه في كل مواطنهم، وهذأ الناس والقوا بالسلاح واطمأن أبو خزر فرجع إلى موطنه الحامة ودعاه إليه المعز أبو تميم وأكرم وفادته وأظهر احترامه ورفعه فوق مرتبة من كان يحضره من العلماء. لقد كان المعز يخشى أبا خزر أن قتله أو أطلقه ولذلك فقد أراد أن يقيده بالإحسان وكان يعلم أ فشل الثورة السابقة إنما كان صدفة بسبب التسرع. وكان السلطان الكبير ينوي الانتقال إلى القاهرة ويعد نفسه لذلك وكان يعلم إنه إذا بقى أمثال أبي خزر وأرادوا قلب نظام الحكم من بعده فإن ذلك سوف يكون شيئا يسيرا عليهم، في غياب السلطان وأكثر رجال الدولة. ولذلك فعندما عزم على الرحيل دعا إليه الإمامين أبا خزر وأبا نوح وأخبرهما إنه منتقل إلى مصر ليتخذ القاهرة مقرا للحكم، وإنه في مسيرة هذا لأغنى له عن كبار العلماء، ليجل بهم مجلسه ويرجع إليهم في مشاكله وشوراه، ويدفع بهم سورة الجدال والمناظرة. فوافق أبو خزر أما أبو نوح فتمارض عندما بدأ السلطان بالحيل. واكتفى المعز بأبي خزر فانه الرجل التي تحتل شخصيته أكبر مقام في البلاد، وتسمع كلمته دون مراجعة، وإن الناس لا يقدمون بأي خلاف على الحكومة في غيابه لأنهم يعرفون إنه ما أخذ إلا رهينة فلو قام اتباعه بشيء لو صل إليه الأذى حتى وهو في ديار الغربة. وأمن المعز جانب الاباضية بعد موافقة أبي خزر على الرحيل ودخل أبو خزر فعلا إلى مصر وعاش هنالك عيشه رغد وهناء وكان يتمنى من حين إلى حين لو أتيح له عدد من الطلبة الأذكياء ليعلمهم ويربيهم وينفق عليهم مما أتاه الله ولكني أحسب أن هذه الأمنية لم تتحقق له. (1/47)
صفحة 48
أما السلطان الذي كان يخشى على ملكه في أفريقية وكان يفكر للمحافظة عليه الليالي الطوال، ويعمل لترسيخ دعائمه بكل الوسائل حتى كان يوصي خليفته على أفريقية وهو يودعه أغرب وصية يوصي بها مسلم يتولى الحكم باسم الإسلام. فقد كان يقول لخليفته على أفريقية بلكين بن زيرى الصنهاجي، لا ترفع السيف عن البربر، ولا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا تول أحد من أهل بيتك والله وحده يعلم ما هو الجواب الذي أعده المعز ليوم الحساب حين يسأل: بماذا أستحل دماء البربر، وأموال أهل البادية، أما هذا السلطان فقد شاءت إرادة الله أن لا يبقى ملك دولتهم بعدهم إلا قليلا ثم يقلبه عليهم من وثقوا به وسلموه إليه فنقض المعز بن باديس بيعتهم والحق دولته بالدولة العباسية بالعراق والملك لله وحده.
أبو الخطاب وسيل بن سنتين (1/48)
صفحة 49
قمة من قمم العلم الشامخة، وطود من اطواد الإيمان الراسخة، يسكن ريصوا ولكنه كان ينتقل في الجنوب التونسي من بلد إلى بلد، يدعو إلى المحافظة على دين الله دعوة المؤمنين المخلصين، ينفي عنه عبث الجاهلين، ويحارب بدع المبتدعين، ويرد كيد الضالين، ويحكم بما أنزل الله عن المتخاصمين، إنه أحد أولئك العمالقة العظام، الذين يكافحون في سبيل الله بكل الوسائل التي وضعتها إرادة الله في يديه، يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويبين سبل الهداية، ويلقى الدروس، ويجيب عن الفتوى، ويدعو إلى الاستمساك بحبل الله المتين، ولكنه كان في دعوته، وفي أمره ونهيه، وفي دروسه وتوجيهاته، وفي جميع مواقفه – لين الجانب، سهل الخلق، يتحمل ويتجمل، ويرد بسهولة ويسر على من ينتقده بغير حق، ويذعن ويستجيب لمن ينتقده بحق، ويحاول أن يرد إلى الصواب بحياء ورفق من يعترض أحكام الله وينحرف عن سبيل المؤمنين. ويقصر نقده على مواضيع النقد، ولا يتجاوزها إلى الجوانب الشخصية، يتقبل العتاب ويفرج له. كان مستقرا في ريصوا وفي البلد الصغير كان عدد من الطوائف الإسلامية فاجتمعت تلك الطوائف على أن تتولى كل فرقة منها شأنا من الشئون الدينية أو الاجتماعية فاسند إلى بعضها أمامه الصلاة واسند إلى البعض الأخر الأذان في المساجد أما الاباضية فقد اسند إليهم القضاء والأحكام وكان أبو الخطاب هو الذي يتولى ذلك على جميع الفرق وكانت تلك الفرق تعيش في انسجام ووئام. (1/49)
صفحة 50
وكانت ريصوا كبقية الجنوب التونسي تابعة للدولة الرستمية وحين انحرف اليقظان عن سبيل المؤمنين، وخالف السيرة التي سار عليه أسلافه في الدولة الرستمية فخولت له نفسه أن يتوصل إلى مركز الحكم بالطرق التي يتبعها الظالمون فعمل على اغتيال الإمام ليقوم هو مقامة سخط عليه الناس وحكم عليه المسلمون بالبراءة وانتقدوه في كل مجمع، وتجنوه وتجنبوا مساعدته والعمل تحت حكمه، ودعا كثير منهم إلى الاقتصاص منه، أما أبو الخطاب فرغم إنه يوافق الأمة على النقمة من اليقظان، والحكم بالبراءة منه، إلا إنه كان لا يريد الخروج عليه ولا يدعو إلى الثورة، بل كان يحاول أن يهدئ الناس، وإن يروضهم على الطاعة وإن يجمع كلمتهم، ويوحد صفهم. لأنه كان يرى- كما يرى كثير من علماء الأمة – إن الحكم القائم وإن كان ظالما أهون من الفتنة والحرب، ولذلك فقد كان يلتزم ببيعة اليقظان آملا أن يتصلح اليقظان أو إن يتغير الحكم تغيرا طبيعيا فيؤول إلى إمام يقوم بأمر الله. وتضافرت الأسباب الداخلية والخارجية على اليقظان، فادت إلى قتله، وإلى انقراض الدولة الرستمية ووقع ما كان يخشاه أبو الخطاب ويحذر منه. استولت الدولة الفاطمية على أكثر الجهات التي كانت تابعة للدولة الرستمية كما إنها استولت على مملكة الاغالبة وفرضت الضرائب غير العادلة على الناس فكان أبو الخطاب يجمع المقادير المقروضة من الناس ويسلمها لأعوان الحكومة الظالمة فبعث إليه علماء جبل نفوسة ينتقدون عليه عدة أمور ويطلبون منه إيضاح موقفه منها:
1. التزامه الأمر لليقظان.
2. تغريمه للأرامل واليتامى. (1/50)
صفحة 51
ولما بلغ ما يطلب منه إخوانه من جبل نفوسة بكى وقال الحمد لله الذي جعل لي أخوانا يعاتبونني على ما بلغهم من التقصير قبل يوم القيامة. ثم أوضح لهم موقفه ووجهة نظره فأبان أن تغريمة للأرمل واليتامى، وجمعه الأموال من الضعفاء والفقراء وتقديمه لأعوان الدولة الظالمة إنما هو مداراة عليهم ودفع للأذى عنهم ورد لما يرتكبه الظالمون مع من لا يبادر إلى إحضار ما يفرض عليه من الضرائب، فهو بجمعه للأموال من الناس وتقديمها إلى أعوان الدولة إنما يوفر عليهم العنت والإهانة والتعذيب والمبالغة في العقوبة، وكأنه في ذلك يستند إلى القاعدة العامة التي وضعها بعض علماء الإسلام إسنادا إلى الشريعة السمحة» على العام أن ينظر للجاهل ويتحرى له مصلحته في الدنيا والآخرة «أما في التزامه احتسابا لله لا ليقظان فقد قال لهم:» والتزامي الأمر ليقظان إنما التزامه احتسابا لله لا ليقظان. «فهو لم يكن ينظر إلى شخص اليقظان وإنما كان ينظر إلى الأمة ويشفق عليها وهو في ذلك يذهب مذهب كثير من علماء الإسلام الذين عاشوا في ظلال الدول الظالمة وأذعنوا للسلاطين الجورة خوفا من الفتنة وطلبا للسلام وحقنا للدماء.
ويبدو لي إن أبا الخطاب حسبما يفهم من سلوكه ومن لينه وحيائه وعشرته لمن ينقم عليه وتعامله مع من يحكم عليه بالبراءة إنه كان يقدر وحدة الأمة المسلمة أكثر من أي شيء فهو حريص أن تبقى الأمة في سلام لا ترتفع فيها دعوة إلى ثورة ولا صيحة إلى تفرقة، لأن الاختلاف والافتراق يؤدي بالأمة إلى حالة أشنع من الحالة التي هم عليها، فإن الحاكم الظالم قد يمكن اصلاحة حين تستقر الأمور وتهدأ أما انشقاق الأمة واراقة الدماء بينها فإنها تؤدي لا محالة إلى القضاء عليها. (1/51)
صفحة 52
ولعل الحوادث التي وقعت بعد وصول اليقظان إلى الحكم واختلاف الناس عليه ثم قتله أثبتت مقدار بعد نظر أبي الخطاب في هذه القضية فقد جاء أبو عبد اله الحجاني الشيعي فوجد اليقظان مجفوا مبغوضا فقتله ووجد المملكة الرستمية لقمة سائغة فأزدردها، ثم ارتكب من الفواحش ما كان يشفق منه أبو الخطاب فقتل دون حساب، وانتهك الحرمات دون حياء، وكان من أفظع الجرائم الإنسانية التي ارتكبها إحراقه للمكتبة الكبرى (المعصومة) التي كانت تحوي الافا من المجلدات ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كان أبو الخطاب ذكيا وكان عالما بالشريعة الإسلامية وكان يفهم أسرارها فهم الفقيه المحقق الذي لا يقف عند أقوال الفقها، وإنما يتغلغل إلى أسرار الشريعة في مصادرها الثابتة من الكتاب والسنة والإجماع.
جاءه يوما غني من بني يهراسن يخبره إن له أخا فقيراً ممن لا يتصف بالورع ولا يتجمل بالتقوى وسأله هل يجوز له أن يعطيه زكاة ماله. ولو كان المفتي غير أبي الخطاب لأجاب دون إبطاء إنه يشترط فيمن تعطى له الزكاة الوفاء بدين الله. ولكن أبا الخطاب لم يجب بهذا الجواب وإنما طلب من الغني أن يحضر إليه أخاه فلما حضر اتجه إليه أبو الخطاب وقال له في لهجة قوبة: تب إلى الله. واستجاب الفقير دون تردد فقال تبت إلى الله فالتفت أبو الخطاب إلى الغني وقال له أعطه زكاتك ثم اتجه إلى الفقير وقال له لقد ألبسناك ثوبا هو لباس التقوى فإن تعريت منه فلا قتلك إلا الجوع. والكلمات الأخيرة في نظري هي أهم ما في الموضوع فلقد عمل أبو الخطاب على استثارة ضمير الرجل الفقير بالدعوة إلى التوبة فلما استجاب له أكرمه على هذه التوبة بإعطاء الزكاة فلما تم له ذلك أراد أن يشعره بأنه أصبح يتحلى بجمال روحي هو جمال التقوى وإن الإنسان العاقل لا يتجرد مما يكسبه جمالا وحبة وغنى. (1/52)
صفحة 53
ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بكلمة لإحدى النساء من ذرية أبي الخطاب عبد الأعلى، حين توفى أبو الخطاب بن سنتين قالت، تلك المرأة:» مات الحق وبقيتم يا زواغة، بطون كالاخرجة، وعمائم كالابرقه. ونعال سلجماسية، وأحكام متعوجة. «
حقا إن موت أبي الخطاب قد ترك فراغا، فإن قليل من الرجال من يملأ ذلك المكان ...
أبو محمد جمال المزاتي
قمة شامخة من قمم العلم والكرم، جمع إلى غزارة العلم وفرة المال والجود بهما، قال فيه أو العباس الشماخي:» وهو من السباق في العلم والعمل والندى. «وهو إلى غزارة علمه، وسعة كرمه، مؤمن من أخلص المؤمنين عبادة لله، واستمساكا بدينة، ودعوة إليه.
وكالعالم اجتماع من أكثر الناس دراسة للمجتمع، ومعرفة بشئونه، وعملا بما يصلح له، ومراعاة لمصلحة الأمة التي تعيش في محنة بسبب ما تعانيه من الحكام الظالمين. والولاة الذين لا يهمهم إلا ما يفرضون من ضرائب ويجمعون من أموال ليسترسلوا في عبثهم ولهوهم.
وهو وإن لم يسند إليه الحكم ولم يتول إمارة، إلا إنه كان يقوم مقام الحكام والأمراء، يفصل المنازعات ويحل المشاكل، ويؤدب من يستحق التأديب، ويدعو إلى الاعتصام بدين الله على بصيرة.
هيأ مركزه الاجتماعي والعلمي إلى أن يكون أعظم شخصية يجتمع على محبته واحترامه وامتثال أوامره والرضا بأحكامه – الموافقون له في المذهب والمخالفون، وكان هو يعمل على إرضائهم، في حدود الدين. كان يصلي بالمجتمع وفيمن يصلي بهم اتباع لبعض المذاهب التي ترى القنوات في الصلاة فكان يقنت بأي القرآن الكريم حتى يجمع بين من يرى القنوت ومن لا يراه. وكان مع هذه السهولة قويا في دين الله لا ينفك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مكان وأي صورة. (1/53)
صفحة 54
مر في بعض أسفاره البعيد على مدين، ووقف على تاجر قد أزدحم الناس عليه. وهو يكيل لهم، ويطفف الكيل، فلطمه أبو محمد، وقال له مذكرا بكتاب الله.» اوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم. «فرفع غليه الرجل رأسه وهو يبتسم ابتسامه صفراء باهته وقال له: فينا والله نزلت يا مغربي. وكان أبو محمد يقيم أحيانا بالبادية وكان إلى جواره رجل غني اليد فقير القلب تروح عليه الأنعام وتغدو، ولكن أسرته تعاني من شظف العيش وبؤس الحياة ما يعانيه الفقراء المعدمون. فرأى أبو محمد أن الزم هذا الرجل بالإنفاق أمر بالمعروف ولكن الرحل غلبه شحه المطاع فلم يقف أبو محمد عند الأمر بالقول ولكنه انتقل إلى الطريقة العلمية التي هي أجدى في كثير من الأحيان، ولقد يحسن أن أنقل لك هذه الحادثة كما صورها أبو العباس الدرجيني بأسلوبه البليغ الرائع قال أبو العباس:» وذكر أن أبا محمد جمالا، كان في جواره رجل من أهل البادية، في سنة مجاعة، وللرجل صرمة، وقد أضربه الجوع، وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة فيطفئ شعت نفسه وعياله، فبلغ ذلك أبا محمد فجاهء فوجد في خيمة لا حراك له من ألم الجوع، فقام أبو محمد احتسابا في الرجل، وفي يديه حربة، فدخل في ابله فعمد إلى ناقة كوماء، لم ير في ابل الرجل أحسن ولا اسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل فقال لعل غيرها يا أبا محمد، فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، فلما نحره. قال لهم قوموا وكلوا فلما أصبح أغارت عليهم غارة فاكتسحت إبل الرجل، فلولا إن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ، لماتوا جوعا، فتبلغوا بشحم تلك الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم:» وواضح أن البدوي لم يستفد إلا من الناقة التي نحرها أبو محمد وهذه الظاهرة الاجتماعية التي تكشف عنها هذه القصة، قد تكون من أخلاق الناس مدى الحياة. (1/54)
صفحة 55
وليس غريبا أن تجد في هذا العصر ناسا يملكون الإبل بالعشرات والأغنام بالمئات، ولكنهم مع ذلك لا يحسنون غير تزيين الأرض بتلك القطعان، فهم يعيشون عيشة فقر مؤلم، تعيش أسرهم على شظاف وشدة، ولا تستفيد منهم الأمة، لا يؤدون حق الله، ولا حق المجتمع. ونحن في حاجة إلى علماء في فهم أبي محمد يتولون حمل الناس على أداء الحقوق لأنفسهم ومجتمعاتهم حتى بالقوة. ولكنهم لا يتجاوزون في ذلك الحدود التي شرعها الله لصيانة أموال الناس وممتلكاتهم.
كان أبو محمد ينتجع الكلأ بمواشيه مع بعض أحياء مزاته.
وجاءهم جباة الضرائب الذين يجمعون الأموال دون قانون أو شريعة وطالبوا بالمقادير المفروضة ولكن أهل الحي تهاونوا ولم يهتموا بهم فقال الجباة إن بتنا ضاعفنا عليكم وكلما بتنا ضاعفنا الضريبة عليكم، وبقي أهل الحي على عدم اهتمامهم وقلة اكتراثهم،» حماقة وخرقا لا قدرة وعزا فجاء أبو محمد إلى جباة الضرائب وقال لهم قفوا على ترع الأحياء، ولا تتركوا الماشية تسرح. فإنهم سوف يدفعون لكم ففعلوا فلما رأى القوم ماشيتهم محبوسة بادروا إلى الدفع وانصرف عنهم الجباة فقال قائلون أن أبا محمد أعان الظلمة على المساكين والضعفاء فلما بلغه تقدهم لسلوكه قال:» إن لله على العالم إن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه. «ليت أن علماء الأمة جميعا يفهمون هذه القاعدة الهامة ويعلمون بها في مختلف العصور والأزمان فينظرون للجهال، ويدلونهم على ما فيه سلامة دينهم ودنياهم. وليست أعنى بطيعة الحال حمل الناس على الرضا بالظلم، فإن هذا لا يدع إليه مؤمن إلا إذا كان مضطرا كما كان أبو محمد وقومه وإنما أريد من العالم أن يدل الجاهل على ما يصلح له في دينه ودنياه من جميع مشاكل الحياة.
كان أبو محمد في دقة الفهم وعرفة أسرار الشريعة والتمييز بين الحقوق في المرتبة التي لا تداني.
ويدل على ذلك وسائلة في الحكم وإقناع الخصوم والى القارئ الكريم شاهدا على ذلك. (1/55)
صفحة 56
أعطى رجل من مزاته مبلغا من المال إلى رجل آخر يتجر فيه وبينما كان التاجر يدور في الأسواق عثر على كتاب قيم نادر هو تفسير القرآن الكريم للعلامة هود بن محكم الهوارى فاشتراه فسمع به صاحب المال فجاءه فقال للتاجر أن الكتاب لي ولك نصف الربح فقدر الربح بما تشاء وقال التاجر بل الكتاب لي ولك رأس مالك ووقع بين الرجلين خلاف حاد وبلغت بهما للجاجة حد العصبية فانتصر لكل واحد منهما قومه وأصدقاؤه واقترح مقترح أن ترفع المشكلة إلى أبي محمد جمال فطلب من التاجر أن يسلمه الكتاب فأخذه وقسمه نصفين أعطى لكل واحد منهما نصفا ثم قال لهما على كل واحد منكما أن يستعير النصف الثاني وينسخه.
وهكذا حلت المشكلة بإرضاء الطرفين وظفرت المكتبة الإسلامية بنسختين.
إن الحديث عن أبي محمد ومواقفه يطول ولعل القصة الآتية كافية في التدليل على غزارة علم الرجل واعتداده بنفسه وتمسكه بذاته عندما يعتمد هذا الرأي على سند صحيح، قال أبو العباس الدرجينى.» وذكر أن جماعة من المشايخ وجهوا نحو طرابلس فركبوا البحر، ونزلوا بجزيرة جربة، وحضروا مجلسا قد حضرته فقهاء أهل جربة ومشيختهم كابي مسور وأمثاله، فتذاكروا في الطهارة، حتى وردت بينهم مسألة فوقع فيها الاختلاف بينهم وهو ما كان من نبات الأرض من الثياب، هل يطهره من النجس ما يطهر الأرض والنبات لأنها من جنسها أم لا، فاجمعوا على أن الثياب كلها حكمها في ذلك إذا نجست واحد، لا يطهرها إلا الغسل بالماء ولا يطهرها سواه، بخلاف العناصر فخالفهم أبو محمد جمال وحده، وقال لهم، حكم الأرض ونباتها وما يعمل منها من ثياب جميعا واحد، يطهرها تداوم الشمس والرياح عليها إذا عرضت لها المدة الطويلة، ما لم تبق عين النجاسة قائمة. قيل بعض أصحابه وأعلمه بما كان من اتفاق الجميع وإن اتفاقهم هو الصواب. فأقام أبو محمد يحجج على صحة مذهبه وقوله ولم يرجع عنه، فقال لهم أبو مسور كفوا عنه فإن العالم كالاجدل إذا حلق ضرب. « (1/56)
صفحة 57
هذه صور من حياة عالم من علماء الأمة كان قدوة للمسلمين ينهج بهم نهج الحق والاستقامة، ويخفف عنهم بكل الوسائل أذى الظالمين، ولا يبالي ما يصله بسبب ذلك من نقد قصر أصحابه عن فهم مراميه ومقاصده فرحمه الله ورضى عنه.
أبو مسور اليهراسنى
أبو مسور يسجا بن يوجين اليهراسنى. علم من أعلام العلم والفضل والاستقامة. وجد أسرة متسلسلة في خدمة دين الله قرونا متتابعة ولا تزال بقاياها حتى الآن قائمة بأمر الله.
بلغ أبو مسور درجة في العلم يقصر عنها الأقران، وعمل في حقل الإصلاح الاجتماعي ما يعجز عنه المصلحون.
كان رحمه الله غزير المادة. لطيف المعشر، سهل الخلق. لين العريكة، حييا متسامحا إلى أبعد حدود الحياء والتسامح. وكان ذكيا نافذ البصيرة. وكان مع ذلك جم التواضع حليما. يضاف إلى ذلك سعة في المال. وسخاء في النفس، وانطلاق في اليد، وكرم مطبوع، وهذه الصفات جميعا كونت له شخصية عظيمة محبوبة، وهيأت له عند الاباضية وغير الاباضية منزلة سامية لا يصلها إلا النادر من الناس، فكان ينظر إليه كما ينظر إلى الزعيم أو الحاكم المحبوب. ينظر الناس أمره ليلبوه عن رضا وحبة.
ولكنه كان أشرف من أن يستغل محبة الناس، وأنزه من أن ينحرف عن الحق، وأعدل من أن يميل مع الرغبات وأحكم من أن لا يقدر عواقب الأمور ونتائجها.
كانت الدولة العبيدية في عصره مستولية على أغلب المملكة التونسية، ولكن نفوذها في مواطن الاباضية كان ضئيلا لا يتعدى مبالغ من المال تؤخذ منهم. وقد كان أبو مسور هو الحاكم الفعلي كما كان الأئمة من قبله. ولو شاء أن يستقل بالجنوب التونسي عن الدولة العبيدية لسهل عليه ذلك ولكنه فضل أن يبقى على الوضع الذي هو عليه والذي كان عليه الأئمة من قبل مثل أبي القاسم وأبي محمد وغيرهم. (1/57)
صفحة 58
كان في سكان تونس عدد من مختلف الفرق الإسلامية، وكان في بعض تلك الفرق طلاب زعامة يستغلون الخلاف المذهبي أو الجنسي في الدعاية للوصول إلى مراميهم الخفية، وأغراضهم البعيدة وكان بعض أولئك الناس كثيرا ما يلقون بالكلمة النابزه في حق أبي مسور فيتغافل ويتجاهل وينزه سمعه عن الإصغاء إليهم، ولسانه عن مجاوبتهم. ونشط بعض الناس في ذلك وهم يقولون عنه إنه رجل غريب عن جربة، وماذا يحق له من الشأن، ولو طرد لما وجد من يدعوه إلى الإقامة وكان يتولى كبر ذلك خاله خلف بن أحمد النكارى ويتحدث به في المجالس ويظهر الاستخفاف والاستهانة به ويحمل الناس على عصيان أمره وتناثرت هذه الأخبار إلى مختلف البلاد التي يسكنها الاباضية فسمع بذلك أهل جبل نفوسه كم سمع به سكان جبال دمروا بلاد الجريد ومدينة درجين وبلاد اريغ ووارجلان وما إليها.
اجتمع أهل جربة ذات يوم بمختلف مذاهبهم وأجناسهم لآمر هام وكان أبو مسور يرأس المجلس وكان خلف النكاري من الحاضرين مع طائفة من أتباعة.
وبينما كان المجلس منعقدا إذ ورد رسول من زواغة البادية يحمل رسالة إلى أبي مسور. وقرئت الرسالة فإذا فيها» وقد سمعنا يا شيخ أن النكار يعقون فيك ويهمزون ويلمزون، ويحاولون أذاك، فإن صح ذلك فأعلمنا، نلق علينا ثيابنا ونصرخك وليس علينا غير الأزر والسلاح رغبة في نصرتك. وقذعا لمن يرومك، ويحاول ضيمك. «فالتفت أبو مسور إلى الرسول وقال له لم أسمع بهذا ولا لي به علم. وانصرف الزواغي إلى قومه مطمئنا ولم يستمر المجلس طويلا حتى ورد رسول آخر من جبال دمر يحمل كتابا إلى أبي مسور وقرئ الكتاب فإذا فيه.
» (1/58)
صفحة 59
يا شيخ قد بلغنا أن النكار يتحركون ويسيئون إليك، ويلكئون أمرك فإن صح ذلك فعرفنا، نصرخك بعسكر ويكون أوله عندك وأخره هنا. «وفعل أبو مسور مع هذا الرسول الكريم ما فعله بسابقه فالتفت إليه وقال ما سمعت بهذا ولا لي به علم ولكنه ما فرغ من الكتاب الثاني حتى وافاه كتاب ثالث يحمله رسول من نفوسة كان مما جاء فيه» فإن صح فأخبرنا نكسر غمد السيوف ونصلك والسيوف مصلته في أيدينا «والتفت أبو مسور إلى رسول نفوسة وطمأنه كما طمأن الرسولين السابقين وأخبره أن ما بلغهم ليس صحيحا وسافر الرسول واستمر المجلس في بحث المشاكل التي انعقد من أجلها.
ذعر القوم الذين كانوا يحسبون أن أبا مسور رجل غري في جربة ليس له أنصار وكانوا يعتقدون أن من اليسير طرده أو إيذاؤه على أن موقفه الحكيم معهم وتغاضيه عن إساءتهم المتكررة، وترفعه عن النزول إلى المستوى الذي عاملوه به، مع ما هو عليه من القوة جعلهم يفكرون في عظمة الرجل ويؤمنون بها ويسلمون لها. وأصبح خلف بن أحمد النكارى يفكر بعد ذلك تفكيرا متزنا حتى إنه صار يرد الأذى جين يسمعه ويقول لمن يحاول أن يلمز أبا مسور ولو في خفاء (أبو مسور إمامنا أجمعين لحمى لحمه ودمى دمه).
لقد كان أبو مسور عظيما حقا، عظمة المؤمن القوي، والعالم المتمكن وكان واسع الاطلاع عالما بأسرار الشريعة وإلى القارئ الكريم أمثله مما يجيب به السائلين. سأله يوما أحد الناس عما يقرأ عند حضره الموت، فقال ما سألني أحد عن ذلك منذ فارقت أبا معروف. يقرأ عند وفاة المؤمن قولة تعالى:
» يا ايتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك راضية مرضية «.
ولعل في الحديث الآتي ما يكشف عن عظمة نفس أبي مسور وسعة إطلاعه وعمقه في الفهم والتحليل. (1/59)
صفحة 60
توفى له ولد عزيز عليه فاتاه المشائخ يعزونه في الفقيد الراحل، ويواسونه في مصابه، ويوصونه بالصبر الجميل فقال لهم، ما الصبر الجميل؟ تحير المشائخ في الجواب ونظر بعضهم إلى بعض، ولكن أحدا منهم لم يجد الجواب الذي تطمئن إليه النفس، إنهم كثيرا ما رددوا هذه الكلمة في أنفسهم. وأوصى بها بعضهم البعض، وتمثلوا بقوله تعالى في الكتاب الكريم على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام (فصبر جميل) وكان لها في أنفسهم صورة واضحة، ولكنهم لم يجدوا العبارة التي تضع هذا المعنى في إطار يوضح صورتها الجميلة في أنفسهم، فأرجعوا الجواب إلى الشيخ وقالوا له الجواب من عندك يا شيخ.
قال أبو مسور: (أن لا تظهر المصيبة على وجه المصاب) وفكر القوم في معنى الجملة وجدوا أن هذه الكلمة تعبير رائع صادق فصيح عن معنى الصبر الجميل واقتنعوا بذلك فلم يناقشوا الشيخ لأنهم لم يجدوا ما ينتقدونه في هذا التعريف أو في الإطار الذي وضعه للصبر الجميل. فلما رأى ما هم فيه من الاقتناع قال لهم وهل أيسر من هذا، وكأنه يقول لهم إن هذه المرتبة السامقة من الصبر الجميل لا يصل إليها إلا قليل من عباد الله المخلصين فرد المشائخ إليه الجواب فقال لهم: (ما لم يتغير الوجه).
وتأمل القوم هذه الجملة فوجدوا إنها غير بعيدة عن الإطار الأول إنها مرتبة سامقة من الإيمان والصبر والاحتساب أن تنزل المصيبة على المؤمن فلا يتغير به وجهه ولا تبدو عليه الكآبة. (1/60)
صفحة 61
واقتنع المشائخ بهذا التعريف أيضا. ولكن الشيخ زاد فقال لهم وهل أسهل من هذا؟ ونظر القوم بعضهم إلى بعض ثم رفعوا أبصارهم إليه وقالوا منك الجواب.» فقال ما لم يبك «أيكون عدم البكاء عند نزول المصيبة صبرا جميلا، وفكر المشائخ طويلا في هذا الجواب ولكنهم وافقوا عليه أخيرا فلو لم يكن الصبر الجميل هو الذي منع لمؤمنين من البكاء لتعلى نجيبهم وطال بكاؤهم، ولكن الشيخ لم يكتف بهذا فقال لهم وهل أسهل من هذا؟ فنظر إليه القوم مستغربين وبدأ الشك يساورهم في أن تكون منزلة الصبر الجميل أدنى من المنزلة السابقة ولكنهم قالوا له في شبه تحد، الجواب من عندك.
فقال لهم ما لم يصح، ويدع بالويل والثبور. «وكأنه أحس بدبيب الشك في نفوس القوم، وإنهم يترددون في قبول هذا المعنى فإن الشخص الذي تنزل به المصيبة فيضرب لها وتنهمر عيناه بالدموع لا يعتبر صابرا صبرا جميلا، في نظرهم ولما أحس بما يعتمل في نفوسهم شرح لهم وجهة نظرة فقال لهم.
» لأن البكاء يكون من الرحمة «نعم إن البكاء لا يدل في جميع الأحوال على الجزع وقلة الصبر فإن العين وثيقة الصلة بالقلب الرقيق المفعم بالرحمة. (1/61)
صفحة 62
نشأ في قبيلة بين يهراسن ثم ارتحل إلى جبل نفوسة فالتحق بمدرسة أبي معروف الكبيرة في شورس وبقى فيها ثماني عشرة سنة يدرس حتى بلغ مرتبة أساتذته وتفوق على بعضهم وكان في ذلك الحين فقيرا ضيق ذات اليد فكان كثيرا ما ينفع الشعير فيشرب ماءه في وجبة ويطبخه في الوجبة الأخرى. لا يتأنق ولا يحتفل بالأكل ولا يشغل وقته بالتوافه من الأمور ولما أتم دراسته وذهب إلى جربة فتح الله عليه أبواب الرزق، وأغدق عليه النعمة وأتاه من فضله فكان من أصبر الصابرين في الأول ومن أصدق الشاكرين في الآخر. وضع ثروته تحت تصرف الأمة فكان ينفق منها في كل أوجه الخير لا سيما وجه التربية والتعليم ترجم له المؤرخ الجربى حمد أبو رأس في كتابه مونس الحبة فوهم في اسمه فذكر إنه أبو مسور يصليتين وإنما هو أبو مسور يسجا وقد جر هذا الوهم من أبي رأس الاستاذ محمد المرزوقي إلى خلط بين شخصيتين متباعدتين فقد قال المرزوقي في تعليقه: صفحة 9 من كتاب مؤنس الأحبة ما يلي:
» يؤخذ مما ورد في السير الشماخي صفحة 23 إنه عمر نحو مائة سنة أو تزيد حيث يقول – عمر حتى بلغ الغاية في السن والهرم وكان في زمن الإمام عبد الوهاب وعاش بعده – ومن المعروف إن الإمام عبد الوهاب- توفي سنة 18 فإذا قدرنا إن أبا مسور حضر أواخر أسام الإمام مفتتح القرن الثالث وتوفي أوائل القرن الرابع يكون قد عمر أكثر من مائة سنة وعاش طيلة مدة الأئمة الرستمية وحضر على اضمحلال دولتهم سنة 296 « (1/62)
صفحة 63
هذا تعليق الإستاذ المرزوقي والخطأ واضح في هذا التعليق فإن الشماخي ترجم لأبي مسور يصليتين النفوسى الادوناطى في صفحة 23 وترجم لآبى مسور يسجا بن يوجين اليهراسن في صفحة 345 والكلمة التي نقلها المرزوقي قد وردت في أبي مسور النفوسي الادوناطى من علماء الطبقة الخامسة أي النصف الأول من القرن الثالث أما أبو مسور يسجا بن يوجين جد الأسرة المشهورة في جربة فهو علماء الطبقة السابعة أي النصف الأول من القرن الرابع وقد أخذ العلم عن أبي معروف من علماء الطبقة السادسة أي النصف الثاني من القرن الثالث فأستاذ أبي مسور اليهراسني أصغر من أبي مسور النفوسى وبينما نحو قرن من الزمان.
ويبدوان الذي جر المرزوقي إلى هذا الخطأ التاريخي إنما هو خطأ محمد أبي راس في اسم أبي مسور.
هذه صور غير وافية عن شخصية علمية من رجال الإسلام أرجان يجد فيها القارئ جوانب مشرقة تضاف إلى ما للإسلام من جوانب مشرقات.
أبو نوح سعيد بن زنغيل (1/63)
صفحة 64
يكفيه شهرة وتعريفا إنه تلميذ الإمامين الكبيرين أبى القاسم وأبي خزر وإنه استلم منهما الرسالة وقام بأمر الأمة بعد سفر أبى خزر إلى مصر. وعنهما أخذ العلم حتى بلغ مبلغ الفحول ومنهما اقتبس السيرة حتى صار قدوة. وقد أوتي فصاحة وبيانا وقوة حجة حتى شهد له بذلك أبو تميم المعز لدين الله فقال» أما أبو نوح ففتى مجادل «قال أبو تميم هذه الكلمة وأبو نوح لا يزال فتى طرى العود، يلتزم حلق الدرس، ويتابع مجالس العلم، ويترسم خطا الإمامين العظيمين يتلقى منها المعرفة، ويجد فيهما القدوة في السيرة الحسنة، فلما قتل أبو القاسم غيلة كما مر. ودعا أبو خزر إلى الثورة، كان أبو نوح أنشط القائمين بالدعوة إلى الثورة وأشد المتحمسين للأخذ بثأر الشهيد، وكان ينتقل بين البلدان بأمر من الإمام أبي خزر يحرض الناس ويدعوهم إلى النضال وقد سافر إلى الجهات البعيدة مثل جبل نفوسة وكاتب بني أميه. إنه كتلة من النشاط لا يقف ولا يستقر ولما اجتمعت بعض الجموع علي أبي خزر وبدأوا فعلا ثورتهم في بغاى كان أبو نوح في مقدمة المقاتلين يركب فرسا أدهم يجول به في الميدان. (1/64)
صفحة 65
ورغم إن أبا نوح نشأ بين حلق التعليم ولم يتدرب على القتال إلا إن كتب التاريخ أثبتت له من البطولة والشجاعة وقوة القلب والساعد ما يفتخر به أبطال الحروب وعندما دارت الدائرة على جند أبي خزر كان أبو نوح يطير بفرسه من مكان إلى مكان يحمي الناس وينفس عليهم الكرب. وتشتت الجموع وقتل عدد غير قليل والتجأ أبو خزر إلى جبل نفوسة، أما أبو نوح حتى عثرت جنوده بأبي نوح في الحالة السابقة فالقوا عليه القبض واركبوه جملا وطافوا به في البلدان. فلما نزلوا به عند الليل بادر إلى التيمم للصلاة فقال له السجان أدخل الخباء واستريح وأزل عنك وعثاء السفر فعلم أبو نوح إنه لا يقتل حينئذ. وبقي في الحبس أياما وكان يأتيه ناس فيقولون له لقد تركت القوم يقعون فيكم ويتحدثون عنكم فيجيبهم قائلاً: مولانا خير منكم وبلغ ذلك أبا تميم فتخف حدته وغيظه وبعد أيام عفا عنه فكان بأتيه الرجل من حاشية الأمير فيقول له يا حبيبي فيقول أبو نوح أرأيت حبيبا يأكل لحم حبيبه فيجيبه الآخر نحن رجال الملك من احبه أحببناه ومن كرهه كرهناه.
كان أبو نوح قد كتب إلى بني أميه يستنجدهم وقد أخذ كتابه إلى أبى تميم. غير إن الكتاب لم يوقعة أبو نوح فعقد السلطان مجلسا للتشاور وكان في الحاضرين يهودي كان هو الآخر يتولى بعض مناصب الدولة فقال لهم أنا أتيكم بخطه وأخذ ورقة وقلما ودخل على أبي نوح في صفة الآسف على ما وقع وقال له يحسن بك أن تكتب إلى الملك تعتذر إليه وتطلب منه العفو فإنه لا عيب في طلب العفو من الملوك وجلس ساعة يتحدث ثم خرج، واقتنع أبو نوح بصواب رأي اليهود فأخذ القلم والورقة وبدأ يكتب غير إنه لم يتم السطر الأول حتى خطرت له المكيدة فقطع ما كتب وغير خطه تغييرا كاملاً وكتب رسالة العفو وطواها وبقي ينتظر. (1/65)
صفحة 66
عرضت الرسالتان على المجلس الذي عقده أبو تميم فاتفقت الأغلبية على أن خط الأولى غير خط الثانية وعقد أبو تميم مجلسا قضائيا لمحاكمة أبي نوح، ووجهت إليه فيها مختلف التهم. ولكنه استطاع أن يبرئ ساحته ببراعته وحذق مما نسب إليه.
جلس أبو تميم في مجلس حربى يدل على السخط فقد لبس لباسه الأحمر وجلس تحت قبة حمراء على السرير الأحمر ووقف الحرس حوله بالحراب ثم أمر بإحضار أبي نوح يرسف في الأغلال والقيود، فلما رأى أبو نوح هذه الهيئة أيس من الحياة، واستعد للشهادة، فسلم بلسان فصيح وجنان ثابت. فأطرق أبو تميم مليا ثم رفع رأسه وقال: يا سعيد! حقا كاتبتم فينا بني أمية؟
قال أبو نوح: إن تقبل حجتي ويرفع عذرى تكلمت، وإلا فالأمير يفعل ما يشاء.
قال أبو تميم بل يقبل عذرك.
وكان أبو نوح كما سبق أن قلنا فصيح اللسان، شيق البيان واسع الاطلاع فقال:
كيف نكاتب بني أمية ونأمنهم، وقد علمت ما بيننا وبينهم، وهم الشجرة الملعونة التي ذكر الله في القرآن.
فلما سمع أبو تميم ذلك سره وانطلق وتبسم فدفع إلى أبي نوح بالكتاب الذي وجهه إلى بني أمية وأخذ في لطريق وقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟ فقال أبو نوح والله ما هذا كتاب كتبته بيدي فاختلف أهل المجلس في يمينه. قال بعضهم جعل ما زائده، وقال آخرون إنه لا يفطن لمثل هذا.
قال أبو تميم لو صادفتني يوم باغاي أتتركني لغيرك؟ قال أبو نوح لا!
فرجح عند أبي تميم صدق أبي نوح في جميع ما قال أو إنه تظاهر بتصديقه. ثم قال له: إن القيود أدخلت إلى رجلك بالعلم ولا تخرج إلا بالعلم فقال أبو نوح: عسى الله إن يجعل ذلك كفارة لذنوبي. فغضب أبو تميم وقال: أنحن مسيئون فيك. (1/66)
صفحة 67
قال أبو نوح ليس في ذلك ما يدل على إساءتك. إلا ترى إن الله عز وجل يبتلي عباده فيصبرون فيوجرون وليس في ذلك ما يثبت الإساءة لله تبارك وتعالى فزال غضبه ثم أن أبا نوح طلب منه العفو فعفا عنه وأعطاه مالا جزيلا وثيابا حسانا فرق الجميع على الناس بعد خروجه من القصر ورآه بعض الحاشية وهو يفرق الأموال فذهب إلى أبي تميم وأخبره أن الرجل مجنون فقد جعل يبعثر الأموال التي منحها فقال أبو تميم ليس بالرجل جنة، وإنما منتحل زعامة ورئاسة. (1/67)
صفحة 68
حرص أبو تميم بعد ذلك أن يقرب إليه أبا نوح وأن يحضره إلى مجلسه من حين إلى آخر، وأن يستشيره في بعض الأمور، وقد سأله يوما عن مكان أبي خزر فأجابه أبو نوح بأنه لا يعرفه فال أبو تميم تأتي به دراهمنا أينما كان فسكت أبو نوح لهذا التحدي ولم يجب فقال أبو تميم أترانا نخشى أمره؟ قال أبو نوح إن أمنته وأمنت الناس في جميع الجهات لا تخشى أمره. وإذا لم تفعل فإنك تخشاه وتخشى أمره وعرف أبو تميم في هذا الجواب صدق النصيحة وإن لم يخف عليه إن أبا نوح إنما قصد خير شيعته بذلك فبعث أبو خزر بالأمان إلى جميع مواطن الاباضية وبلغ خبر ذلك إلى أبي خزر في جبل نفوسة فاستعد للرجوع. وعلم المعز برجوع أبي خزر إلى مواطنه في الحامة فبعث إلى أبي نوح يأمره بلقاء إستاذه وصديقه وذهب أبو نوح فاستقبل صديقه في قابس ثم دعاهما أبو تميم إليه وأكرم وفادتهما وأطهر من احترام أبي خزر وإجلاله ما لم ينله غيره وقر مجلسهما وصار لا يستغني عن رأيهما وهو يعمل كل ذلك لينسيهما حركة الثورة وإن لا يدع في نفسيهما سببا للانتقاض عليه ولما عزم على الانتقال إلى القاهرة حرص أول ما حرص على اصطحابهما فأجاب أبو خزر أما أبو نوح فقد أدعى المرض يوم الرحيل ولما جاءه أعوان الملك يدعونه إلى مرافقة الملك وجدوه مصفر اللون في حالة تدعو إلى الإشفاق فأخبروا الملك بذلك فتركه وسافر ويقول المؤرخون أن أبا نوح اغتسل بماء النخالة فاصفر لونه حتى حسبه الناس مريضا. (1/68)
صفحة 69
بعد سفر أبي خزر إلى القاهرة لم يطل المقام لأبي نوح فكان ينتقل من مكان إلى مكان يلقى دروس الوعظ والإرشاد ويحث الناس على الاعتصام بدين الله والاستمساك به، على إنه لم يأمن جانب الدولة العبيدية لا سيما بعد وصية المعز أبي تميم لخليفته بلكين أبن زيرى فانتقل إلى وارجلان وكان بها في ذلك الحين الإمام العظيم أبو صالح جنون بن يمريان مرجع الاباضية وملاذهم وأعلم علمائهم في تلك الأنحاء فاستقبله استقبال الأخ المحب لأخيه وآواه إيواء الأب لأبنائه البررة الأعزاء عليه وأجرى عليه من الأموال والأرزاق ما يستطيع أن ينفق منه أبو نوح على سعة ورغد وعامله الاباضية هنالك بما يعامل به أعاظم الرجال وكانوا يجتمعون إليه في مسجد جنون ويستمعون إلى دروسه القيمة في شغف ورغبة وتعطش وكان طلبة العلم لا يفارقونه ويسمرون معه إلى ساعات متأخرة من الليل. وارتفعت بينه وبين الطلبة الكلفة حتى قال له أحدهم يوما حدثنا بكل ما حفظت فقال أبو نوح كيف أحدثكم في ليلة واحدة بما أكلت في تعلمه اقفزة من ملح.
وبعد زمن اشتاق إلى موطنه فأراد الرجوع وحاول أبو صالح أن يثنيه عن عزمه وعرض عليه أن يقاسمه جميع أمواله وأملاكه وكان ذا ربع كثير فأصر أبو نوح على السفر. ولما وصل إلى المملكة التونسية وجد الأمور قد تغيرت عما كان تغييرا كبيرا فقد استبدت الدولة الصنهاجية بالناس وعاملتهم أقسى معاملة وحاربت من يخالفها في المذهب بكل الوسائل، فأسف على ذلك قال له بعض الناس ما أخرجك عن وارجلان وقد احسنوا إليك قال حب الأخوان والأصحاب. (1/69)
صفحة 70
وكان يتقلب بين بلاد الجربد وجبال دمر ومنطقة الحامه يدعو الناس إلى المحافظة على دين الله وعدم الاغترار بالدنيا وذهب يوما إلى درجين فاستقبله مقدمها ورحب به أجمل ترحيب واستقبله أحسن استقبال، فحدثه أبو نوح عن السيرة ونهاه عن البدعه، وأوضح له أن المؤمن لا تخدعه الدنيا لا بالمال ولا بالسلطة، فوجد عنده حسن استماع، واستعدادا للقبول بينما كان أبو نوح في درجين، سمع به المنصور بن بلكين فبعث إليه يدعوه. وقد انبعثت الشكوك من هذه الدعوة في قلب أبي نوح ولذلك رأى أن يستشير فذهب إلى مقدم درجين وأخبره بدعوة المنصور فقال له المقدم. أن أردت المسير إليه فلا خوف عليك وأن لث ترد كفيتك أمره فسار أبو نوح إلى المنصور فقرب مجلسه وأكرم وفادته وأبقاه بجانبه وكان كثيرا ما يرد بعض العلماء للجدال والمناقشة في بعض مسائل التوحيد وعلم الكلام فتتحكم الشبه التي يعرضونها على حجة أب نوح وقد ذكرت كتب التاريخ أمثلة من تلك المناقشات فإذا شاء القارئ الكريم الاطلاع عليها فعليه أن يرجع إلى مظامنها في كتب التاريخ التي ترجمت للإمام أبي نوح.
عاش أبو نوح حياة حافلة بالعلم والعمل ولقد تقبلت به أحداث التاريخ وانتقل من مكان إلى مكان فعاش في المملكة التونسية وزار بلاد الاباضية في الجزائر وأقام بها حينا من الدهر وذهب إلى جبل نفوسة وتنقل بين مدنه وقراه وارتحل إلى مناطق فزان حتى بلغ زويلة بني خطاب. وكان في جميع أحواله عندما كان تلميذا لأعظم إمامين عالمين وعندما كان داعية من دعاة الثورة على الظلم وعندما كان متنكرا في ثياب راعي إبل وعندما كان متنقلا من مكان إلى مكان للوعظ والإرشاد والتعليم. كانفي جميع هذه الأحوال مثال المسلم الحريص على دينه الوفي لعقيدته المخلص في عمله الدءوب على عمل الخير وقول الخير والكفاح من اجل الخير فرحم الله ذلك الرجل العظيم ورضى عنه.
أبو صالح اليهراسني (1/70)
صفحة 71
نشأ أبو صالح أبو بكر بن قاسم اليهراسني في (ازارن) وهي ناحية من البادية، خصبة المراتع، سهلة المرابع، خضراء الوديان، مونقة الربا تعجب أصحاب الماشية. وقضى طفولته، يتمتع بما يتمتع به أصحاب البادية من حرية وانطلاق، مع جمال الطبيعة، فاكتسب بذلك قوة في البدن والإرادة، وانطلاقا ووضوحا في الخلق والطبع، ودربه على الحديث وفصاحة فيه.
أخذ العلم عن الأشياخ الذين كانت تمتلئ بهم تلك الأحياء الضاربة في بطون الصحراء ثم التحق بمدرسة العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن ماطوس فاعترف منها حتى أصبح من الفحول، وأخذ قيما احسب عن أبن زرقون في أواخر أيامه وأصبح علما من الإعلام. يرجع إليه فيما دق وجل من الأمور. وكان مرجعا في جميع مشاكل الحياة سواء كانت تلك المشاكل عملية أو دينية أو اجتماعية وحتى سياسية في بعض الأحيان.
ولقد وثق فيه الناس ثقة كاملة، فولوه من أمورهم ما لا يسند إلا إلى المؤمنين الأكفاء. فكان إليه المرجع في الفتوى ولإقامة الأحكام، وتأديب الجناة، والفصل في المشاكل والاستمرار في إلقاء دروس العلم إلى مختلف الطبقات. فكان يتولى ذلك جميعا بحزم وقوة ودارية، ومع حرصه على إقامة العدل والمساواة بين الناس فإنه كان يرفض الفصل في المشاكل التي يكون أحد أطرافها من صهناجه ولا يتولى تأديب الجناة منهم. ذلك إن هذه القبيلة العاتية كانت قد تولت الحكم في المملكة التونسية في ذلك الحين فترة من الزمن. فاستبدت بالحكم. وسارت به كما شاء لها الهوى لا تتقيد بقانون ولا شريعة. (1/71)
صفحة 72
وإنني حين أقول هذا الكلام تبعا للمؤرخين استغفر الله تعالى في هذا التعميم فإنه لا شك أن أفراد القبيلة لا يتساوون وإن فيهم ولا ريب مؤمنون يحفظون عهد الله ويحرصون على إقامة دينه، ويعصمهم الإيمان عن المشاركة في الإثم، وإنما البغي الذي حال دون إيصال الحقوق إلى أصحابها، والعدوان الذي سلط على الناس دون مبرر والطغيان الذي تقوده شهوة السلطة حتى تبلغ به دعوى الربوبية إنما كان بيد الفئة الحاكمة التي وصلت إلى السيطرة على مقدرات الأمة دون إن يؤهلها لذلك دينها ولا عملها ولا خلقها، وإنما أوصلتها السبل الملتوية التي تجري عليها السياسة الباغية في كل زمان وفي كل مكان، ويبدو مما يقصه المؤرخون أن أبا صالح اليهراسني الذي عاش في فترة الدولة الصنهاجية وحينما تولى الحكم فيها سلاطين ظلمه يعمدون لتوطيد ملكهم بما ملكت أيديهم كان لا يستطيع أن يجري الأحكام على المجرمين من هذه القبيلة. لأن التعصب القبلي والمذهبي في ذلك الحين قد بلغ أقصى ما يمكن أن يبلغه بسبب المسلك الذي سلكه المعز بن باديس الصنهاجي.
والحقيقة أن أبا صالح لم يتولى هذه الأحكام للدولة وإنما أسندها إليه العزابة. ورضى الناس به لثقتهم فيه ورضاهم بحكمة فهو يتولاها منهم رغم إنه لا يملك قوة السلطة ولا تأيد الحكام.
على أن الثورات التي كانت تندلع ألسنتها باستمرار وزحف العرب الهلاليين وإخوانهم بني سليم، وغارات السلب والنهب التي قاموا بها. وما يصيب الأحياء الضاربة في الصحراء من ويلات ومصائب. أقلق أبا صالح فترك البادية وانتقل إلى جربة وسكن بها واستوطنها.
كان أبو صالح عالما واسع المعرفة ومؤمنا خالص الإيمان ومربيا خبيرا بأساليب التربية السليمة، وحاكما قوي الإدارة لا تأخذه في الله لومة لائم فهو أما أن يقيم الحق ويثبت العدل وأما أن يتخلى عن الحمم وأسبابه. (1/72)
صفحة 73
وكان حريصا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحافظة على دين الله، ومحاربة البدعة والمبتدعين، لا يحول بينه وبين ذلك تعب ولا مشقة ومع ذلك فهو متواضع كريم النفس يعترف بالحق ويقر بالتقصير.
سمع أن بعض المبتدعين قد استقروا في جبل (دمر) وإنهم ينشرون بدعهم هنالك حتى كادوا أ، يؤثروا بها على الناس وإن يجدوا لدعاويهم إذانا. فاستدعى إليه ولده ويسلان وأمره أن يصحبه في رحلته إليهم على كبر سنة وضعف بدنه وتغلب الشيخوخة والهرم عليه وكانت جبال (دمر) وعرة المسالك صعبة المراقي. قال التيجاني (!) يصف قسما منها:» وهو جبل مرتفع في السماء قد سهلت فيه طرق ضيقة لا يسلكها السالك إلا على غرر وقد أهلها على سلوكها فهم يتنازلون فيها تنازي العصم، وكذلك غنمهم وابلهم، يسلك البعير منها مسالك لا يستطيع الآدمي سلوكها إلا بالحيلة. «فلما بلغ القرية وهي في قمة الجبل قصد رئيس الجبل زيري بن كملين. فاستقبله الرجل بالترحاب ولكن الشيخ عجل عليه باللوم والتوبيخ وأنبه على تسامحه مع هؤلاء المبتدعة الذين يزرعون البدعة، فيقودون الناس إلى الانحراف عن دين الله. (1/73)
صفحة 74
ولكن مقدم (دمر) كما يسمى حينئذ أعتذر بأنه ليس لديه من العلم ما يقف به في وجه أولئك الناس، وإنه ليس في دمر من يستطيع الرد على أولئك الذين وجدوا الجو خاليا فباضوا وأصفروا بحجة العلم وبرهان الإقناع، وإنه كان من واجب العلماء في جربة وغيرها من البلاد المجاورة إنه يزوروهم وإن يعلموهم، وإن يردوا عنهم السنة السوء، فاجاب الشيخ إنما منع العلماء من تكرار الزيارة ما كان عليه أهل جبل دمر في ذلك الحين من ضعف اقتصادي بسبب الجفاف من جهة والضرائب المتتابعة من جهة أخرى فمجيء العلماء إليهم يكبدهم نفقات قد لا تتيسر لهم فقال زيرى إذا أشفقتم علينا من الناحية الاقتصادية فهلا جئتم إلينا وحملتم معكم أزوادكم فقمتم بواجب الأمر بالمعروف وانهي عن المنكر وتعليم الجاهل ورد البدعة واحياء السنة ولم ترزأوا الناس شيئا في أموالهم. فأعجب الشيخ بجواب زيرى بن كملين مقدم جبل دمر واعترف إن هذا القول حق وإن العلماء مقصرون وإن الحجة قامت عليهم وإن أداء مهمته العظيمة. كانت تتعاقب عليه حلقات من الطلبة مختلفة المستويات وكانت اكبر الحلقات مستوى فيها ابنه أبو محمد ويسلان وأبو يخلف النفوس وكان أبو يخلف فقيها حاذقا ذكيا كثير الحفظ متقنا لمسائل الطهارات ضابطا لأصولها و فروعها فكان أبو صالح يحيل عليه الأسئلة التي ترد في الحيض و الطهارات، فيجيب أبو يخلف في حياء و أدب بما عنده من علم ثم يعتذر في تواضع. و هكذا لا يستنكف كل من العالمين عن الاعتراف بالقصور ولا يستنكف كل من العالمين عن الاعتراف بالقصور و لا يستبد به الغرور الذي يصيب بعض المتعلمين في العصر الحاضر فيأنف أن يسترشد من هو أعلم منه وأهدى. (1/74)
صفحة 75
و لقد كان إلى هذا الخلق القويم شديدا في أمر الله ينكل بالعصاة و المجرمين، و لا تأخذه بهم رأفة في دين الله و حينما كان بالبادية قد أعد خشبة ثقيلة فيها سلاسل من الحديد، يربطهم فيها عند الليل لئلا يهربوا قبل أن يجرى عليهم الادب او تؤخذ منهم الحقوق و عندما انتقل إلى جربة ألقى تلك الأخشاب بما فيها من حلق الحديد في بئر خوفا أن تستغل في غير حق أو تستعمل في غير ما وضعت له. و عاقب فتى ممن درس على أبى مسور فشدد في عقابه فذهب الفتى إلى شيخه أبو مسور يشكو إليه قسوة أبى صالح فقال أبو مسور للفتى وطن نفسك على ما تلقى من أبى صالح، فإن المؤمن كالحديدة المحماة تحرق ما يقع عليها أو تقع عليه.
و يبدو أن الفتى لم يتعظ بعقاب أبي صالح و لا بدرس أبي مسور فعاد إلى ما ارتكب فأعادالشيخ تأديبه بما عرف عنه من الشدة في دين الله فذهب هذه المرة إلى زكرياء. يشكو إليه ما يلقى من أبي صالح و كان ينتظر أن يقف أبو زكرياء إلى جانبه. وأن يطلب من أبي صالح أن يلجأ إلى العنف في تأديب هذا الرجل و لكن ابا زكرياء حين سمع منه ذلك. تجهم وجهه و بدا الغضب عليه، و قال له في قوة، أرجو أن لا يؤاخذ الله أبا صالح فيما ترك من تمام أدبك. فإن أباك ذكر أنك تنتف لحيته و هكذا تعاون المشائخ على تأديب العصاة و اتفقوا على أسلوب أبى صالح و طريقته.
و أبو صالح مع هذه الشدة التي يستعملها مع العصاة المتقدمين في السن فقد كان رحيما رقيق القلب واسع الصدر لا يلجأ إلى الشدة إلا للضرورة و يستعمل وسائل التربية الاقناعية ما لم تدع الضرورة إلى غيرها. (1/75)
صفحة 76
كان موضوع الدرس في يوم من الأيام (اللباس في الصلاة) و بينما كان الشيخ منهمكا في تقرير الدرس و إيضاح جوانبه أراد أحد الطلاب أن يداعب الشيخ فقال له: هل تجوز الصلاة بثوب واحد؟ و أجاب الشيخ على الفور. نعم تجوز إذا كان الثوب طاهرا ساترا للعورة – و ابتسم الطالب في خبث و قال أرأيت إن كان الثوب شاشية (1) فقال الشيخ في بساطة نعم تجوز الصلاة بها أذا كانت طاهرة ساترة للعورة، و ضحك التلاميذ و استمر الشيخ في الدرس دون أن يغضب كما قد يفعل أكثر المدرسين الذين يضيقون بشقاوة الطلاب و شقاوتهم.
ناول في يوم من الأيام كتابا لأحد الطلاب المجيدين وأمره أن يقرأ درسا معينا؟ و بدأ الطالب القراءة و استمر فيها و كان إلى جانبه زميل له دونه في العلم و الفهم و لكنه كان يتظاهر بالمعرفة و كان لا يفتأ يصحح للأول قراءته فأراد الشيخ أن يلقنه درسا تأديبا لينا فقال للتلميذ الذي بيده الكتاب أعط الكتاب لمن هو أحسن قراءة منك و أشار إلى زميله فسلم له الكتاب وأراد القراءة فلم يستطع و بان له ضعفه بالنسبة إلى زميله و اكتفى الشيخ بهذا الدرس العملي في تربية التلميذ المنتفخ الذي غلبه حب الظهور على نفسه.
هذه أمثلة من أساليب التربية عند الشيخ بالنسبة لأفراد الشعب و لطلبة العلم و بقى علينا أن نذكر أمثلة من قصصه للمشاكل و حكمه بين الناس و إيصاله للحقوق إلى أصحابها.
عندما كان الشيخ بجربة باع رجل لرجل سلعة اتفقا على تحديد ثمنها بستين غير أنهما لم يبينا العملة فلما أراد المشترى أن يدفع الثمن قال البائع العملة ذهب. و قال المشترى بل نحاس و تخاصما و ارتفعا إلى أبي صالح فقال أبو صالح أن العرف الجاري في جربة التعامل بحناديس النحاس فعلى البائع أن يقبل هذه العملة أو أن يأخذ سلعته. (1/76)
صفحة 77
ووردت عليه يوما قضية أخرى فقد كان لنكارى على اباضى دين مقداره دينار واحد فمات الاباضي ولم يخلف شيئا غير شاة واحدة فجاء صاحب الدين إلى ولد المدين الميت وطلب إليه أداء دينه فقال الولد دونك الشاة فبعها وخذ مالك وقال صاحب الدين بل بع شاتك واعطني مالي فارتفعا إلى أبي صالح فقال أبو صالح الاباضي بع شاتك وأعط للرجل ماله. فقال بعض الحاضرين ممن تلب عليه العصبية المذهبية أن أبا صالح أعان النكارى على الاباضي فأجابهم رحمة الله بأن الحكم لا يختلف باختلاف مذاهب المتخاصمين.
وقال أبو محمد ويسلان لو أن العواطف تؤثر على أبي لآثرت عليه في هذه القضية لأنه يستطيع أن يستند إلى قول مشهور في الفقه وهو أن الوارث لا يلزمه شيء من ديون الميت إذا تبرأ من التركة فلو شاء لا ستند على هذا القول واعتمده وحكم للأباضي. قال أبو العباس الدرجيني. إذا لم يخلف المدين إلا معينا فعلى الحاكم أن يجتهد في النداء حتى يبلغ أقصى ثمنه في الوقت ثم يقضي الدين وهو الصواب إنشاء الله لئلا يقوم غيره من أصحاب الديون على الوارث.
كان رجل في جبال دمر يكنس مر بداله بجانب منزله فرمى حجرا وراء جدار فوقع على رجل فمات، ونتجت عن ذلك مشكلة تعددت فيها الأراء والنظرات، وأخيرا رفعوها إلى أبي صالح فحكم فيها بالدية على عشيرة الرامي وسمع بذلك مقدم جبال دمر زيرى بن كملين ففرح بهذا الحكم أيما فرح لأنه كان يأخذ الثلث من الدية على عادتهم وزعم زيرى وقومه أن هذه السيرة أخذوها عن السلف من الأئمة. فغضب عليهم أبو صالح وأنكر عليهم إنكارا شديدا وأفهمهم أن هذه العادة تخالف أحكام الإسلام، وأقنعهم أن هذه السيرة لا يمكن أن تكون من الأئمة لأنها مخالفة لشريعة الله وما كان الأئمة ليعملوا عملا يخالف شريعة الله لم يزل بهم حتى أبطلها فيهم. (1/77)
صفحة 78
وكان أبو صالح يجمع إلى غزارة المادة في العلم والقوة في دين الله، والشدة على العصارة واللين والمحبة في معاملة التلاميذ، عاطفة فياضة وقلبا رحيما بكل ما خلق الله. وهو في هذا شبيه بالعلامة أبي مهاصر موسى بن جعفر. فقد غاب عن أهله لشأن من الشؤون وترك فيهم ناقة مصراه فلما رجع بعد أيام وجد أن أهله لم ينزعوا الصرار عن الناقة، حتى أثر فيها الخيط وتقيح موضعه فغضب غضبا شديدا لهذا الإهمال وجعل ينزع الخيط عن الناقة والقيح يقطر عليه فجاء ولده ويسلان يبعد إكمال الشيخ حتى لا ينزل عليها الصديد، فانتهره الأب وهو يفك الخيط ويجعل على موضع التقييح بعض الأدوية التي تجففه.
وكان كثيرا ما يلجأ إلى التربية العلمية وهو يتولى إيضاح بعض الأحكام لولده ويسلان بدون أن يشعره بذلك.
طلب مرة من ويسلان أن يصحبه في رحلة قصيرة فركب الأب اتانا فارهة وكان الولد المؤدب العالم بسير إلى جانب أبيه فلما كان ببعض الطريق طلب من ويسلان أن يقتطع غصنا من شجرة برية يناوله أياه ليسوق الحمارة ففعل ويسلان فلما ناوله القضيب الجديد رمى بقضيب كان في يده وقال لو يسلان هذا هو المال الذي يسميه العلماء متروكا ويحل أخذه.
وفي سيرهما ذلك وجدا شاة على آخر رمق لا يعرفان لمن هي فقال لولده اذبحها يا ويسلان فتردد الولد وتحرج فنزل الشيخ عن الدابة وذبح الشاه وقال لولده انتم اهل هذا الزمان، لا تصلحون لشيء، ولا تجزون عن احد في كبيرة ولا صغيرة. وهو بذلك يريد أن يعرف ولده متى يجب عليه التحرج ومتى يجب عليه القيام بواجبه من المحافظة على أموال المسلمين أن تضيع.
فقد كان رحمه الله شديد العناية بأحوال الناس كثير الحرص على أموالهم شديد التفهم لمشاكلهم وكان يريد من العالم أن يفهم أسرار الدين الحنيف فيعرف متى يجب عليه العمل ومتى يجب عليه التوقف. (1/78)
صفحة 79
زاره فتيان وشكوا إليه أباهم وذكروا له أن أباهم يفرق الأموال ويبعثرها دون حساب فبعث إليه فحضر الرجل فأخبره بشكوى أولاده فقال الرجل إنني أمرؤ قد ارتكبت بعض المعاصي أول عهدي وقد من الله على فتبت فأنا ادفع كفارات عن آثامي السابقات ثم عقب على ذلك فقال أيريدون أن أكون من أولئك الذين هددهم القرآن الكريم لأنهم يكنزون الذهب والفضة، فاستحسن الشيخ جواب العامي ووجد أن الحق بجانبه فتركه.
وكان رحمه الله جم العبادة كثير الصلاة محافظا على الطهارة في جميع أحواله زاره بعض المشائخ في مرضه الأخير، وكان في عريش خارج البيت، وكان بقربه محل للوضوء، فجعل المشائخ يحذرون أن يمس الثرى ثيابهم ولاحظ الشيخ منهم ذلك فقال لهم لا تحذروا على ثيابكم فإنني لم آت ذلك بنجاسة قط.
وكان من عادته بعد أن يؤدي ما اعتاد من النوافل أن يدعو إليه أحد طلبته فيأمره بقراءة أي السجدة كلها فيسجدها واحدة واحدة قبل أن ينام.
وكان رحمه الله عليه عفيف اللسان كثير الدب جم الحياء لم تسمع منه كلمة (شر) في حياته الطويلة إلا مرتين. سئل في الأولى عن بئر في بستان لغير مالكه هل هي عيب فقال شر العيوب، وسئل مرة أخرى عن رجل وكل رجل أن يزوجه فزوجه أربع نسوة مرة واحدة فقال هو شر الوكلاء.
ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بالكلمة الآتية التي رواها عنه طلابه كان رحمه الله أن يقول:» يأتي على الناس زمان يود الرجل من يأكل طعامه فلا يجده ويود من يستشيره فلا يجده لا لقلة الناس بل لقلة الفضلاء منهم، فمن أدرك ذلك الزمن منكم فليتمسك بما حفظ من دينه دين الله عز وجل.
وليعض عليه بالنواجذ. «ويبدو لي إننا ادركنا هذا الزمان حقا فإن المواكلة أصبحت لغير الله وإن الاستشارة أصبحت في اكثر الحيان التماسا للعصبية والفتنة أما النازلة فقد قل من يفهمها ويرشد إلى الخلاص منها فلا حول ولا قوة إلا بالله إنا لله وإنا إليه راجعون.
أبو زكرياء فصيل أبي مسور (1/79)
صفحة 80
قال فيه أبو العباس الدرجيني (الطيب موردا و مرعى، الكريم أصلا و فرعا، ورث المجد عن أمجاد الآباء، وأورثه نجباء الأبناء.)
عاش أبو زكريا في القرن الرابع، ولد في أوائله و توفى في أواخره، و عده أبو عبد الله محمد بن زكرياء الباروني من علماء الطبقة الثامنة أي النصف الثاني من القرن الرابع.
كانت جربة في هذا العهد شبه مستقلة، فلقد احتلها العبيديون سنة 311 و أخرجهم منها أبو يزيد بن كيداد سنة 331 ثم قتل أبو يزيد سنة 335 فخرج منها أنصاره ومنذ ذلك الحين بقيت جربة مستقلة يتولى شئونها شيوخ العزابة كأبي زكرياء فصيل وأبي عمرو و النميلي و غيرهم إلى سنة431 حين احتلها من جديد المعز بن باديس.
و يبدو أن أبا زكرياء فصيل لم يهتم بالشئون السياسية، و لم يوجه عنايته إلى أنظمة الحكم، و لم يدع إلى محاسبة الدول الظالمة. وإنما كان يهمه أن يعيش أهل الجزيرة في أمن و هدوء و سلام، ولذلك فقد كان رفيقا في معاملة الولاة و رجال الحكم على البلدان المجاورة، يظهر لهم الاحترام. و لا يتدخل في شؤونهم وإذا ورد أحدهم إلى الجزيرة سعى في إكرامه و احترامه، وتلطف معه حتى يأمن شرهم و لا يستفزهم إلى العدوان، و كان موقفه هذا عكس موقف العلامة أبي عمرو النميلي الذي كان من أشد الناس نقمة على الظلم و الظالمين ينتقد انحراف الدول الحاكمة في ذلك الحين و يوضح بعدها عن المنهج الإسلامي في دروسه العامة والخاصة ويرى أن ذلك مخالفة لدين الله و المخالفة لدين الله منكر يجب على المؤمن أن ينهى عنه و أن يبرأ من فاعله.
قال أبو العباس الدرجيني حين ترجم لأبى زكرياء فصيل « (1/80)
صفحة 81
وكان أبو زكرياء ربما عامل ابن ويمى وأشباهه بالأكرام، وقابلهم بغطعام الطعام، فإذا فعل شيئا من ذلك تبرع بإطعام مثله، فالأول وقاية للعرض، وابقاء الحرمة، والثاني تكفير عن الأول «ويدل على موقف أبي زكريا من الحكام الظالمين ما ذكره أكثر المؤرخين الذين ترجموا له. فقد كان أهالي جربة كما أشرت آنفا مستقلين او شبه مستقلين عن الدولة الحاكمة سواء في ذلك الدولة العبيدية في آخر أيامها والدولة الصنهاجية في أول أيامها غير أن الدولة الصنهاجية وقد كثرت عليها الفتن من كل الجهات والجوانب كانت في حاجة دائمة إلى مزيد من المال ولذلك فما تتهيأ لهما فرصة للاستقرار حتى توجه ولادتها إلى جباية الضرائب ممن يدين لها بالطاعة واخضاع من لا يدين لها بالطاعة واستباحة أموالهم وفرض الضرائب عليهم. وفي احى هذه الفترات بعد الزحفة الهلالية أمرت عاملها على القيروان أن يتوجه إلى احتلال جربة واستباحتها وغنيمة اكثر ما يمكن من الأموال واستعد عامل القيروان الذي تسميه المصادر التاريخية التي بين يدي ابن ويمى المزاتي وكان فاسقا جائرا واتجه إلى جربة في جيش كثيف ولكن هذا العامل كان كثيرا ما يزور جربة زيارات عادية فيلقي من أبي زكريا الإكرام والاحترام ولذلك فعندما أمر باحتلال الجزيرة بعث إلى ابن أبي مسور يخبره أنه مكلف من طرف الدولة باحتلال الجزيرة ويطلب إليه أن ينحاز بأهله وأقاربه وبني يهراسن إلى المسجد حتى لا ينالهم أذى من الجيش الغازي. ودخل ابن ويمى الجزيرة وارتكب فيها من الأفاعيل ما كان حريا أن يرتكبه أمثاله من الفساق الذين يتعاونون مع الحكومات الظالمة في قهر الشعوب والتسلط عليها. (1/81)
صفحة 82
ولما أتم المجزرة التي استعد لها وجميع من الأموال ما أمكن أن يجمعه ذهب إلى ابن أبي مسور أن مقدار الضريبة التي يستطيع بنو يهراسن قوم أبي مسور أن يدفعوها إليه وأخبره العالم الجليل إنهم ضعفاء وإنهم لا يستطيعون أن يدفعوا أكثر من دينارين فرضى بذلك ودفع ابن أبي مسور له دينارين من ماله الخاص فقبلهما ابن ويمي وهو يقول لقد أفسد أهل جربة الرعية على السلطان.
ذكر هذه القصة أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن أبي زكرياء فصيل واعتبروها من كراماته فلولاه للقى بنو يهراسن ما لاقاه غيرهم من ابن ويمى وجنده ولقد قرأت القصة متأملتها مرارا وراجعتها في غير مصدر من مصادر التاريخ التي لدى وكانت أسئلة كثيرة حائرة تثور في ذهني كلما عدت إلى التأمل فيها. (1/82)
صفحة 83
إن الموقف المسالم للحكام الظالمين عندما يتغلبون على الأمة هو الموقف الذي وقفه كثير من علماء الأمة، بل لقد ذهب بعضهم إلى أن الرضا بالحكم الظالم أولى من الثورة عليه لما تجره من النكبات. ومع إنني أعلم هذا ولست أجد شيئا انتقده على مسلك أبي زكريا مع الحكام الظالمين، وملاطفته لهم وإكرامه إياهم، ومحاولة عدم الاصطدام معهم، إلا إنني غير مطمئن لهذا الموقف الأخير منه رضى الله عنه. لقد عاشت جربة كما قلت أنفا مستقلة أو شبه مستقلة عن الدولة العبيدية، والصنهاجية في اكثر الحيان وكانت غير خاضعة لها. اللهم إلا في مبالغ من المال تدفعها في بعض الأحيان. فلماذا يهادن أبو زكرياء عوامل الظلم، ويسالم أيدي العدوان، وينفصل بمسلكه عن علما عصره، أمثال أبي عمرو النملي وابن صالح اليهراسني، وأبي موسى الزواغي وأبي محمد كموس، وأبي بكر، وغيرهم، ويرضى أن يرتكب الظالمون الفواحش في جربة، في الحين الذي ينفصل هو بآله من بني يهراسن مثلا فلا يمسهم سوء وهل لنجاة بني يهراسن دون إخوانهم من أهل جربة قيمة، وهل يمكن إن يصدق أبو زكرياء وعد ابن ويمي، فلا يفعل شيئا إلا أن يخرج باله إلى المسجد ليقيهم سطوة المعتدين. ألم يخامره شك في أن طلب ابن ويمي له بانفصاله لا يقصد به تكريم أبي مسور وإنما يقصد به أضعاف صف المقاومة في جربة وتفريق الكلمة.
إنها خواطر كانت تتعاقب في ذهني وأنا أمر بأحداث هذه القصة فأردت إثباتها هنا وهي لا تعني شيئا وأحسب أن القراء الكرام سوف يمرون بها ساخرين. فإن أحداث التاريخ لم تتوقف في يوم من الأيام تنتظر ما تكتبه عنها أقلام الأجيال القادمة. (1/83)
صفحة 84
كان أبو زكرياء جبلا من جبال العلم، ومؤمنا شديد الإيمان، وحبا للسلام مخلصا في حبه وكان يتمسك بالواضح في دين الله ويصر على العمل بالعزيمة، ولا يميل إلى الفتوى بالرخصة ويحشد جميع قواة للعلم والتعليم فكان يقول:» منزل التلاميذ كشجر الخروب لا ينبت بجانبه شئ وإن نبت كان ضعيفا. «، ويقصد بذلك أن العناية الكاملة يجب أن تصرف إلى التلاميذ وإلى تعليمهم وتربيهم وإن الاهتمام والاشتغال يجب أن يصرف إليهم.
كان يقول هذا لاهله وأقاربه والقائمين على شئون التعليم، حتى تنصرف إلى الطلاب جميع الجهود وتبذل في سبيلهم كل المساعي.
لقد تأسست كثير من المدارس على نفقة العلماء ورعايتهم في كثير من البلاد ولقد قصر بعضهم جهده على التعليم وبذل فيه كل قوة غير أن أبا زكرياء قد يكون فريدا في مسلكه واهتمامه بقضية التعليم ورعايته لها وحدبه عليها ومع قيامه بالتدريس وبجلب المدرسين المساعدين إلى مدرسته والإنفاق عليهم ماديا حتى يتمكنوا من أداء واجبهم والإنفاق على الأقسام الداخلية بتوفير المسكن والمأكل لجميع الطلاب الذين يأتون من البلاد البعيدة وكانت جربة تغص بهم. مع كل ذلك كان أبو زكرياء يبتكر الوسائل في تحبيب العلم إلى الطلاب لا سيما الصغار والجدد منهم. وكثرا ما كان يعقب التلاميذ على الواحهم ودفاترهم وكتبهم بعد خروجهم فيضع فيها مبالغ من المال رغبة في إخفاء الصدقة من جهة، وتشجيعا ومساعدة للطلاب من جهة أخرى وكان الطلاب حين يجدون ذلك وهم لا يعرفون مصدرها ولا سببها يأتون بها إلى الشيخ أبي زكرياء فيخبرونه بأنهم وجدوا تلك الأموال في أدواتهم الدراسية دون أن يعرفوا من فعل ذلك فيجيبهم أبو زكرياء بأنها أموال ساقها الله إليهم ويحل لهم الانتفاع بها.
فلما توفى أبو زكريا رحمه الله انقطع ذلك المدد المادي عن الطلبة فعلموا أنه من فعل أبي زكرياء. (1/84)
صفحة 85
كان أبو بكر الزواغي من أشد القائمين على الظلم المنتقدين على الوضع الفاسد الذي كانت الأمة الإسلامية تعيشه في ذلك الحين فكان يقول في مجالسه (لسنا في ظهور ولا دفاع ولا شراء ولا كتمان ولكن زماننا سائب.)
وبلغت الكلمة إلى أبي زكرياء فخشي أن يفهم الناس أن الزمان السائب مسلك خامس من مسالك الدين فقال للذين نقلوا إليه كلمة أبي بكر أخبروا أبا بكر أن مسالك الدين أربعة فقط الظهور والدفاع والشراء والكتمان.
وأبو بكر الزواغي يعلم ان مسالك الدين أربعة ونحن أيضا نعلم ذلك ولكن كلمة الزمن السائب تجد مكانها في بعض الأحوال واحسب أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو الآخر داخل في الزمن السائب على أن الوضع الذي كانت عليه جربة في عصر أبي زكرياء وأبي بكر يحتاج إلى تفكير لإدخاله في مسلك من مسالك الدين فإ، جربة في ذلك الحين لم تكن خاضعة لدولة عادلة ولا ظالمة وليس في حال ثورة فعلية على عهد ظالم وليس فيها فدائيون يحاربون ألوان الظلم والجبروت، والناس مع هذه الحالة المائجة لا يحرصون على أداء شعائرهم والمحافظة على دينهم واجتناب ما نهي الله عنه. إ، ها على كل حال صورة من صور الحياة في عهود الكتمان ذلك لأن جربة لو فكرت في تكوين دولة عادلة وبايعت إماما في ذلك العهد لاتجهت إليها الضربات من كل جانب وتخطفها الظالمون من كل سبيل ولذلك فقد كانت تلك الحياة التي عبر عنها العلامة أبو بكر بأنها حالة سائبة هي صورة من الصور التي تعيشها الأمة تحت الحكم الظالم لا تريد شيئا إلا أن ينجو من العبث والعيث. (1/85)
صفحة 86
لقد عاش أبو زكرياء للعلم ولتصحيح عقائد الناس وأعمالهم في شئونهم الدينية وعاش على كرمه وإحسانه ومؤاساته ونفقاته عدد غير قليل من الناس وحين توفى ترك للأمة ولديه النجيين زكرياء ويونس قال عنهما أبو العباس الدرجيني: (لكل واحد منهما سجايا جود كالسحاب، وذكاء كالشهاب، وحسن سلوك الطريقة، وحفظ العلول على الحقيقة، والتمسك من عرى التقوى بالأسباب الوثيقة.) فرحم الله الجميع.
أبو عمر النميلي
ولد أبو عمرو النميلي 311 من الهجرة النبوية في جزيرة جربة، فنشأ في عصر متناقض. فبينما كانت الجزيرة تعج بالعلماء الأعلام وكانت البيئة التي يعيش فيها والأسرة التي يتربى بين يديها تسير على سمت الإسلام هديه، مستقيمة كاملة الاستقامة، محافظة على الدين شديدة المحافظة، متمسكة بهدى الإسلام شديدة التمسك، بينما كانت سيرة الناس في جربة هذه السيرة التي جاء بها الإسلام. كانت البيئة الأخرى الحاكمة ظالمة شديدة الظلم، متغطرسة شديدة التغطرس، متجبرة شديدة التجبر، لا تختار لمناصب الدولة إلا أولئك الأفراد الأقوياء في غير دين، القساة في غير لطف، الذين يفعلون ما يطلب إليهم دون رجوع إلى دين أو ضمير. وكان الناس ساخطين على هذا الوضع، ناقمين على هذه السيرة ثائرين على هذه الأحكام.
نشأ أبو عمرو بين هذين التيارين المختلفين فتأثر في دينه وأخلاقه وسلوكه بأسرته ومجتمعيه، فشب مؤمنا قوي الإيمان حريصا على الاستقامة شديدة الحرص، داعيا إلى الاهتداء بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناقما على الظلم والظالمين، ثائرا على من يخالف الإسلام في أحكامه ومبادئه، داعيا إلى الضرب على أيدي الطغاة. وكان لا ينفك عن هذه الدعوة في دروسه وفي أحاديثه أينما سار وأينما كان. وليس هذا شأن أبي عمر وحده، ولكنه شأن جمع من العلماء في جربة وفي غيرها وإن كان الوضع في جربة من الناحية السياسية خيرا منه في بقية البلدان. (1/86)
صفحة 87
ولد أبو عمرو في السنة التي احتل فيها الفاطميون جربة على يد علي بن سليمان الداعي ولقد ارتكبوا فيها من المناكر ما اعتادوا أن يرتكبوه في كل بلد احتلوه وبقيت الجزيرة خاضعة لحكمهم في الظاهر إلى السنة 331 حين احتلها أبو يزيد بن كيداد وطرد منها حكام الدولة الفاطمية وارتكب فيها من الأفاعيل ما لا يرتكبه مؤمن (فإن الإيمان قيد الفتك) أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أن أبا يزيد شغل بمحاربة الدولة الفاطمية حتى قتل سنة 335 وبذلك بقيت جربة مستقلة عن حكم أبي يزيد الذي قتل وعن الدولة الفاطمية الذين خرجوا بسبب انتصار أبي يزيد عليهم. وهكذا استقرت فيها الأمور ورجع الحكم إلى مشائخ العزابة الذين يتولون رعاية شؤونها بحكم الله وذاق الناس حلاوة الإيمان في هذا العهد، وتمتعوا بعدالة الإسلام التي يجريها علماء الإسلام وكان أبو عمرو النميلي ضمن مجموعة العلماء الذين يديرون أمر الجزيرة وتولون شؤونها، وكافحوا حرصا على أن يحتفظ الناس بعزة الإسلام فلا تستعبدهم القوة، ولا تغرهم الشهرة. ولا يجرفهم تيارات الانحراف، وإن يتخلقوا بأخلاق الإسلام. فكانوا يتولون ذلك منهم، بالموعظة الحسنة، والقدوة الصالحة، والبيان الفصيح الصريح، وإيضاح سيرة المسلمين المهتدين في عهد النبوة وما تلاه من عهود إلى عصرهم وهم في كل ذلك لا يتحرجون عن نقدهم لمسلك الحكومات الظالمة التي كانت تجاورهم وازدهر الجانب العلمي هنالك فتألفت الجمعية العلمية في غار أمجماج وكان أبو عمرو أحد أعضائها، والفت الديون المعروف الذي تحدثنا عنه في بعض حلقات هذا الكتاب. (1/87)
صفحة 88
وهكذا بينما كانت بقية البلاد في الجنوب التونسي تعاني من الفتن المتعاقبة والنزاع المستمر والظلم الذي ينزل عليهم متتابع من الحكام أشد ما تعانيه أمه في عهد حكم فاسد كانت جربة آمنة مطمئنة مستترة تنشر العلم وتكون الجمعيات وتشتغل بتأليف أضخ الدواوين إلى سنة 431 حين جهز المعز بن باديس الصنهاجي جيشا واحتل جربة وارتكب فيها أفظع جريمة يرتكبها قائد حربي. فقد جمع إليه أكبر طبقة من العلماء الأعلام وأمر بقتلهم معتقدا إنه بقتل أولئك العلماء يستطيع أن يضمن طاعة جربة أولا وأن يحول سكانها من المذهب الاباضي إلى المذهب المالكي كما كان يحاول أن يفعل ذلك في بقية المملكة فقد أجهد نفسه وأجهد الناس معه على أن يجمعهم جميعا على المذهب المالكي واشتد في التنكيل بكل من يخالفه.
وكان من العلماء الذين دعاهم إليه أبو عمر النميلي وقد بلغ مائة وعشرين سنة من عمره المبارك قضاها في نشر العلم بين تدريس وتأليف وفي محاربة المنكر في شتى صورة وألوانه.
وأمر المعز بن باديس وهو منتش بالنصر الذي أحرزه على اخوته المسلمين بأبي عمرو فذبح كما تذبح الأغنام ولم يشفع له عند الطاغية ابن باديس لا جلالة العلم ولا قار السن. ولا حتى انتظار الأجل القريب للشيخ الفاني وهكذا كتب لأبي عمرو أن تختتم أعماله المجيدة في سبيل الله بالشهادة بعد أن حمل رسالته قرنا كاملا من الزمان روي ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال:» أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر. «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أبو الخطاب عبد السلام بن منظور (1/88)
صفحة 89
أخذ المبادئ الأولى في اللغة العربية وفي الشريعة الإسلامية عن علماء مزاته وحضر مجالس أبي عبد الله محمد بن بكر حين كان يرتب نظام الحلقة فكان عبد السلام ممن وضع لها الأساس وأحكم لها الأحراس كما يقول أبو العباس الدرجيني أما دراسته فقد كانت على العلامة الكبير أبي نوح سعيد بن زنغيل. ومن أبي نوح أخذ مع العلم ما كان يتمتع به إستاذه الكبير من حيوية ونشاط واستعداد للكفاح.
لقد درس على ابي نوح سعيد بن زنغيل وسبقه على هذا المجلس الإمام الكبير أبو عبد الله محمد بن بكر وعندما كان أبو الخطاب طالبا في حلقة الدرس كان أبو عبد الله قد بدأ يشتهر وتتجمع عليه حلق التلاميذ والعلماء ولما انفصل عبد السلام عن مدرسة أبي نوح ارتحل إلى كنومه والتحق بحلقة أبى عبد الله فدرس ودرس، وكان ضمن العلماء الذين يحضرون على أبي عبد الله العلامة أبو محمد يوجين اليفرني كان عبد السلام بن منظور مجرا مشغوفا بالمذاكرة يطيل حتى أوقظك لصلاة الفجر. ويستمر عبد السلام في المذاكرة إلى هزيع من الليل وما يكاد يلمس جنبه الفراش حتى يرن في إذنه صوت أبي محمد يوجين في حنان وإعزاز يا عبد السلام يا بني قم، فإنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات، والنوم من اللذات. «فيتمطى الفتى في مكانه، وإن أو صاله لا تزال عالقة بالفراش ولكنه سرعان ما يثب لئلا يغلبه سلطان النعاس، فيأخذ الإبريق، وما أن يتوظأ ويستقبل القبلة ويصلي لله ما يشاء حتى تكون بقايا النوم والكسل قد طارت من عينيه فيأخذ كتبه ويعتزل في زاوية على نور مصباح هزيل من الزيت ثم يستمر في الدراسة في جو السحر الهادئ اللطيف. (1/89)
صفحة 90
مكث أبو عبد الله محمد بن بكر في كنومه مدة رآها كافية لإصلاح الوضع فقد استقام الناس وحرصوا على التمسك بالدين وبدأ نظام العزابة يوجه الأمة إلى الخير وترتبت الحلقة وأحس الناس كبارا وصغارا رغبة ملحة في التعليم فاطمأن الإمام عليها وأراد الارتحال إلى بلاد أخرى محتاجة إلى جهوده المباركة. وكان عبد السلام قد أصبح ذا كفاءة للإرشاد والتوجيه، والدعوة إلى سبيل الله والتدريس في العلوم اللغوية والشرعية التي يحتاج إليها الناس وكان يفكر في الرجوع إلى موطنه ليقوم بالكفاح في سبيل الله، ولكن الإمام الكبر أبا عبد الله صاحب نظام العزابة دعاه إليه، لما رآه فيه من حيوية ونشاط ومحبة للعمل، ومداومته عليه وقال له لقد رأيت إنه انتقل إلى وادي أريغ ومعى الدارسون والمدرسون لنجعل تلك البلاد مركزا للدعوة زمنا، وأرى أن تنتقل معي لأن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل الحرب لا غناء به عمن يعينه ويؤيده، ويرعاه ويرفده. ويداوي جراحه، وإلا كان هلاكه وشيكا. وأمتثل عبد السلام لأمر الإمام، وهل كان يسعه غير الامتثال وسافر معه واطمأن به المقام وكان الساعد الأيمن لأبي عبد الله يتولى عنه كثيرا من شئون الطلبة والناس وقد رأى أبو عبد الله أن يقيده بالزواج فاستشاره في ذلك وخطب له ابنه أبي القاسم فتزوجها وأقام مع الإمام يساعده ثم حن إلى أهله وبلده فاستأذنه في زيارتهم. (1/90)
صفحة 91
لما وصل وطنه اجتمع عليه قومه أهل عشيرته وقالوا له أن تركتنا فما نحن بتاركيك أقم بيننا وقم بما كان يقوم به أبوك من التعليم والتوجيه والإصلاح والاكنت مسئولا بين يدي الله عنا وخائنا لأمانته فينا فإننا في أشد الحاجة إليك وليس لناغني عنك، فأجاب رغبتهم وعزم على الإقامة بينهم ففرحوا بذلك ولكي يوثقوه بهم خطبوا فتاة وافر الجمال والأدب والدين هي زينب بنت فذهب إلى أبي عبد الله وأخبره بما جد من أمره وبعزمه على طلاق ابنة أبي القاسم واضطراره إلى فراقها وبأنه جاء معه ببعض الصداق والباقي سوف يدفعه متى تيسرت له الأحوال فلما علم أبو القاسم والد الفتاة استحيا إن يأخذ عرضا من أعراض الدنيا من أبي الخطاب وقال لأبي عبد الله بن بكر معاذ الله أن آخذ عرضا من أعراض الدنيا فقد جمعتنا من قبل المحبة في الله وحين شاءت إرادة الله الفراق فاشهدوا إني تحملت عنه جميع ما لها بذمته ومع هذا الموقف النبيل من أبي القاسم أراد أبو الخطاب أن يطمئن فحضرت إليه الزوجة السابقة وتسامحا عما مضى من حياتها وجعلته في حل مما لها عليه. وقد حاول الإمام أبو عبد الله هذه المرة أيضا أن يثنى عزم صديقه وتلميذه عن الذهاب ولكن الرجل صمم فإن إثقالا وضعت في عنقه.
وشاءت ظروف الحياة القاسية أن لا يطمئن المقام به في موطنه فقد تعاونت عوامل الفتن والظلم والجفاف على الناس واضطرت قبيلة مزاته أن ترتحل إلى طرابلس طلبا لخصب الحياة فاقمت هنالك ما أقامت وحين همت بالرجوع إلى موطنها عرج أبو الخطاب عبد السلام بأهله على جبل نفوسه وطاب له المقام هنالك فترة من الزمن انتهز فيها الفرصة لأداء فريضة الحج ولما رجع من بيت الله ارتحل من جبل نفوسة واختار لمقامه قلعة بني درجين قرب نفطة وكانت حينئذ مدينة عامرة بالعلم رخية الحياة قوية مهيبة الجانب تعد نجوا من عشرين ألف فارس وهي قوة لها حساب في ذلك العصر. (1/91)
صفحة 92
لطمأنت الحياة بأبي الخطاب في درجين ولم يكن ينقصه شئ إلا إنه لم يرزق أولادا ذكورا وإنما رزق عددا من البنات من زوجته الثانية زينب بنت أبي الحسن وعندما يجمعها السمر كان كثيرا ما يقول لها في مداعبة ورجاء أن تفهم ما يرمى إليه (يوشك أن يغلب بنو العم على بناتك يا زينب) وهو يقصد أن أولئك البنات عندما يكبرن يخطبهن أبناء العم فيتزوجن ولا يبقى للبيت غيرها. وما أشد وحشة بيت لا يسكنه غير شيخين هرمين وكانت الزوجة الوفية المحبة تفهم ما يرمى إليه زوجها من وراء كلامه وتتمنى أن يكون لبناتها أخ ولكن ما حيلتها هي، إن الله هو الذي يهب الذكور والإناث وأشرق ذهنها بومضة وهي تفكر في إسعاد زوجها.
وقع في ليبيا قحط وجفاف استمر عدة سنوات مع فساد في الحكم وظلم من الحكام فهاجر اكثر الناس سنة 430 وأرخو فيما بعد بهذا العام وسمره عام (فرورا) وقدمت أسرة من تلك الأسر التي خاجرت طلبا للمعيشة إلى درجين وسكنت في جوار أبي الخطاب وكانت للأسرة فتاة مشرقة الجمال صبية أديبة نشيطة وكانت زينب تنظر إليها وتعجب بها وأحبتها فخطبتها لبعلها الشيخ وهي تدعو الله تعالى أن يرحم زوجها فيهب له ولدا تقر به عينه ولبناتها أخا يلجأن إليه إذا ضاقت بهن سبل الحياة. (1/92)
صفحة 93
وتزوج الشيخ هذه الفتاة، ولكن أقامتهم بعد ذلك في درجين لم تطل. فقد بدأ للدولة الصنهاجية أن تقضي على هذه القوة الموجودة في درجين فجهزت جيشا كثيفا على حين غفلة ولم يسمع أهل درجين حتى وجدوا جيشا كثيفا يحيط بالقلعة من جميع الجهات وطال الحصار واضطر أهل القلعة إلى فتح الأبواب والحرب بما أمكن، يقول أبو العباس الشماخي» فنزل عسكر صنهاجة على قلعة درجين فحاصرها حصارا شديدا فلما اشتد عليهم الحصار خرجوا عليه خروج رجل واحد يقاتلون، فقتلوا عن أخرهم، واستبيح ما في القلعة. «كان أبو الخطاب غائبا عند وقوع هذه الأحداث فما كان يخطر له أن الدولة التي يطلب منها الحماية هي التي تتولى العدوان فلما عاد وجد ان القلعة قد استبيحت وأن أهله حفظهم بعض أهل المروءة ممن كان في الجيش وسمع أخوانه بنكبة درجين فاسفوا أن ينحدر الظلم بأصحاب الحكم إلى هذا القرار، وبعثوا وفدا منهم يطلب إلى أبي الخطاب الرحيل إلى آجلو والإقامة فيه فارتحل بأهله إلى اجلو وهنالك ولدت زوجته الأخيرة مولودها البكر وكان ذكرا فلما بشروه بذلك قال لهم:» إن ولد الشيخ يتيم «يعني أن الشيخ الهرم على حافة القبر وإن أولاده في هذه السن هم كالأيتام لأنه مهما يطل عمر أبيهم فمدته قصيرة ولا بد أن يتركهم، وسمى الولد سعيدا ومن هذا الولد تناسلت ذرية أب الخطاب عبد السلام ابن منظور.
يبدو أني أطلت الحديث عن حياة الشيخ الخاصة بما لم أتعود مثله في أحاديثي عن الإعلام الذين ذكرتهم في هذا الكتاب. وقد ساقني إلى ذلك تربط الأحداث وتناسقها. (1/93)
صفحة 94
كان عبد السلام عالما غزير المادة مستقلا برأيه لا يقلد غيره إذا بدت لهالحجة واتضح له البرهان وكانت له أراء خاصة لم يقل بها غيره من الفقهاء فيما أعلم، مر يوما على أهل أمسنان فأخبروه أن رجلا منهم أقر على نفسه بالزنا فأمرهم أن يحضروه ولما اعترف الرجل على نفسه بارتكاب الفاحشة أمرهم أن يأخذوه إلى مزبلة وأن يرجموه وحضر وقت صلاة الظهر وكان اليوم جمعة فخطب فيهم وصلى بهم صلاة الجمعة ثم ثم قال لهم إن الكتمان يأخذ من الظهور وأن الظهور لا يأخذ من الكتمان وهذا يعني أن الأمة المسلمة حين تكون ضعيفة مغلوبة على أمرها تنفذ ما تستطيع من أحكام الله أما إذا كانت الدولة مسلمة قادرة على تنفيذ الأحكام فإنها لا يجوز لها أن تتخلى عن تنفيذ أحكام الله. وهي نظرة اجتهادية لم أعلمها لغيره من الفقهاء.
وكان شديد الورع كثير الاحتياط اشترى يوما ما عددا من الخرفان من رجل في السوق فلما أراد دفع الثمن مد البائع يده وقال له (أرا) يعني هات وهي لهجة بربرية خاصة بصنهاجة. فخشي الشيخ أن يكون الرجل من صنهاجة وصنهاجة في ذلك الحين لا تتورع عن أموال الناس ودمائهم فدفع الثمن لصاحب الخرفان وتصدق بها على الفقراء والمساكين تحرجا من رزق صنهاجة لتجبرهم وغضبهم للناس أموالهم. وإنني استغفر الله من التعميم في هذا الحكم فلست اعتقد أن صنهاجة كلها على خلق واحد.
حين ارتحل أبو الخطاب من درجين إلى أجلو احب أن يزور أريغ وأن يستمع بصحبه أبي عبدالله أياما فلما وصله وجده مريضا على فراش الموت فجعل يتأسف ويظهر الجزع على فراقه فقال له الشيخ أقصر عن هذا يا عبد السلام وعليك بالدعاء وجعل يكررها حتى فاضت روحه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية.
فكان أبو الخطاب يقول مثلى مثل من يسير في شدة الحر قاصدا شجرة يتفيأ ظلالها فلما وصلها اقتلعت فأضحى ضاحيا .. (1/94)
صفحة 95
هذه صور من حياة علم من أعلام الإسلام عاش في كفاح مستمر وقد تنقلت به الظروف الحياة من مكان إلى مكان مثلا للمؤمن يلتزم السير على الجادة مهما تقلبت به الأحوال، فرحم الله أولئك الأعلام الذين اصلحوا أنفسهم عند فساد الناس.
أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي
نشأ أبو محمد عبد الله بن مانوج كما نشأ فتيان قبيلته في البادية صحيح البنية، قوي افرادة، قويم الخلق، صريحا فصيحا صدوقا، ولم يتح له في صغره أن يدرس فشب أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وإنما أخذ مبادئ دينه بطريقة التلقين، فحفظ بعض السور القصار من كتاب الله وتعلم الحكام العملية للإسلام دون تعمق أو فلسفة، إنه صورة من أولئك المسلمين الأوائل الذين يفدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرون بكلمة التوحيد فيبين لهم صلى الله عليه وسلم باوجز عبارة ما يطلب منهم أو يحرم عليهم فيستمسكون بذلك ويعضون عليه بالنواجذ. (1/95)
صفحة 96
كان أبو محمد عبدالله بن مانوج يشتغل بتربية الماشية كما يشتغل اكثر سكان البادية. يتولى رعايتها بنفسه، ويتبعها بشخصية ويهش عليها بعصاه، وذات يوم – بينما كانت غنمة منتشرة في سهل أخضر تنتقي العشب وتقطف منه الطري الشهي، وقد بدا عليها أثر حسن الرعاية ووضح السمن. وهو يسوقها تارة ويتقدمها أخرى مغتبطا مسرورا – مر به شيخ من شيوخ لماية فسلم عليه وحدثه مليا ثم أشار إلى الغنم وقال لأبي محمد نعم الغنم التي ترعاها لحية وسر أبو محمد بهذا الاطراء ولكن الشيخ الوقور لم يقف عند ها الحد فاردف يقول: وبئست اللحية التي ترعى الغنم. وذهب الشيخ لكن الكلمة الحكيمة التي ألقاها في أذنه بقيت مجلجلة تدوي في أعماقه، وشغل ذهنه وفكر فيها تفكير الرجل الحريص على سعادته في مستقبله، وتحقق أن اللحية التي تقضى عمرها ترعى الغنم لا تزيد أن تكون شاة من الغنم، ولذلك فقد قرر أن يغير مجرى حياته حتى بعد أن اجتاز مرحلة الطفولة والشباب ودخل مرحلة الكهولة فإن تقدمه في العمر لم يقف حاجزا دون الأمل الذي انبثق في قلبه وعاد بالغنم إلى الحي بعد هون من الليل وفي الصباح أخبر أهل الحي بما صمم عليه، لقد ترك الغنم لمن يريد أن يرعى الغنم. (1/96)
صفحة 97
كانت جربة أقرب مكان علمي إليه وكانت المدارس منتشرة فيها دائبة الحركة في التربية والتعليم وكانت المساجد في كل ناحية من نواحيها عامرة بالمصلين وبحلق الدروس المتعاقبة وبالوعظ والإرشاد. فاختار أبو محمد عبد الله هذه الجزيرة لتكون محل دراسته وسافر إليها واستقر بها وكان يعمل التلميذ الجاد الراغب القوي العزيمة فكان لا يقتصر على مدرسة ولا يختص بمدرس ولكنه كان يطلب العلم من معادنه جميعا فكان يحضر مجالس أبي صالح، ومجالس أبي موسى. فيلتقط ما ينثره أولئك الاعلام من علم وحكمة ومكث على هذه الحال زمنا حتى ظن أنه أبعد الجهل عن نفسه وبلغ في العلم مبلغا فرجع إلى قبيلته الضاربة في شعاب البادية واستقبله الناس بالترحاب، وفرحوا بمقدمه أيى فرح، فقد أصبح حيهم يأوي عالما وجاء الشيخ اللمائي إلى الحي وسلم على أبي محمد وناقشه في مسائل من العلم وعرف أن أبا محمد لم يبلغ الدرجة التي يؤملها له ولذلك فقد قال له وهو يودعه: أن جميع الإبل تبرك لحمل الأثقال ولكن التفاضل بينهما إنما يكون بإيصال الأحمال إلى الغاية .. وذهب الشيخ وبقي أبو محمد يفكر في الموضوع إنه قضى وقتا صالحا في الدراسة وتحصل على مبلغ من العلم ولكن هل يكفيه هذا المبلغ إنه لا يزال في حاجة إلى المزيد وقرر أ، يعود إلى الجزيرة العامرة بالعلم والصلاح وعاد واستمر في دراسته زمنا حسبه كافيا لإدراك الغاية فرجع أيضا إلى حيه ذلك الحي الذي يقتعد رأس شعبة خصبة تسرح فيها الأنعام. وفرح القوم به كما فرحوا أول مرة واجتمعوا لتحيته ولسماع الحكمة منه وحضر الشيخ فيمن حضر من الناس واستمع إلى درس أبي محمد ثم ناقشه في أصول وفروع من العلم فلم يطمئن له ولذاكرته ولذلك قال له وهو يودعه أن جميع الغدران تمسك الماء ولكن التفاضل في طول البقاء. (1/97)
صفحة 98
واستجاب أبو محمد لنصيحة الرجل للمرة الثالثة وذهب إلى جربة وبقي فيها حتى اعترف له العلماء وحتى بلغ درجة الاجتهاد وحتى اختير عضوا في جمعية العلماء التي الفت الموسوعة العلمية المعروفة بالديوان في خمسة وعشرين جزءا وتعتبر من أهم الفقهية والتشريعية الإسلامية ولو لم يؤلف علماء الاباضية غيرها لا غنت.
كان رحمه الله نير البصيرة، قويا في الحق، مخلصا النصيحة لله وللمسلمين، ذافهم صحيح لدين الله وللمقاصد التشريعية في الإسلام، مجتهدا في العبادة يحمل نفسه على العزيمة والعمل الشاق شديد الاحتياط في الطهارة، حتى إنه لما كان بالبادية اتخذ خيمة خاصة بالاستحمام وكان له في كل جهة من جهاتها مستحم حتى يتقي الريح. ولما كبر أصيب بمرض في عينيه يضره استعمال الماء فكان يغتسل ويتوظأ لجميع أعضائه ما عدا وجهه فإنه يتيمم له فقيل له يكفيك التيمم فقال تلك مسألة العاجز وكأنه كان ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فقد استطاع الشيخ في تلك الحالات أن يغسل جميع بدنه ما عدا الوجه وأن يتوظأ لجميع أعضائه ما عدا الوجه فاستجاب لأمر الشريعة أما العضو الذي لم يستطع أن يغسله فقد تيمم له حتى يخرج من الخلاف.
تذاكر – مع أبي عمران موسى بن زكرياء أحد زملائه في تأليف الديوان – ما ابتلى به الناس في ذلك الحين من ضيق الأمور وكثرة الريب وما يدخل على الناس من ذلك مما يعلمون ومما لا يعلمون من الشبه والريبة. قال أبو عمران إنما نعيش اليوم، بحمل الأشياء على احسن وجوهها قال أبو محمد إنما يصح ذلك في أحوال الطهارات، أما في الأموال فلا فأستحسن أبو عمران هذا الجواب من أبي محمد ووافقه عليه. (1/98)
صفحة 99
سئل يوما ما العبادة؟ فقال: العبادة هي النية والإخلاص، لا ما يتخيله الناس من كثرة العمل والاجتهاد، إلا إذا صحب ذلك النية والإخلاص فإن الكثرة حينئذ تكون أفضل. ثم ضرب للسائل مثلا فقال: إلا ترى ولدي داود يقيم افتنه وهو يحفظ ما بين دفتي المصحف.
ويعلق أبو عباس على هذا فيقول:» وأكثر قصده في ذلك ما يقذع به ابنه عما هو ليس بسببه، وكان ينهي عن معاضدة داود ومساعدته خوفا أن يصيبهم ما أصابه، فلم يزل متكدر النفس من اجله لسلوكه عن طريقة ابيه حتى عادت عليه بركة الشيخ فالمهمة الله الرشد، وتاب عما كان عليه وحسنت توبته. «
كان ما كسن بن الخير شابا قوي الذاكرة حاد الذكاء راغبا في العلم، فمر وهو في طريقة إلى جربة للدراسة بأبي محمد فرأى أن يسأله النصيحة في موضوع الدراسة فقال له: إنني مبتدئ في الدراسة فبأي مادة أبتدئ أبعلم الكلام أم بعلم الفقه؟ فقال أبو محمد وقد توسم في الفتى الذكاء، والرغبة أدرس الجميع فقال ماكسن: فإن قصر فهمي فقال أبو محمد فدينك علم الفقه.
زاره عبود بن منار المزاتي فرحب به وقال له يا عبود! إنك عظيم القدر عندي فما حالك وكان عبود متوسط الحال صاحب أنعام وحبوب.
فأجاب عبود إنني بخير ولكن ركبتني ديون.
فغضب أبو محمود وقال له: أعليك الدين وتزورني؟ أبعد عني .. وهذا الغضب من أبي محمد في محله فإن استطاعة عبود أن يتخلص منها. وخرج عبود محرجا إلى أهله ودعا إليه صديقه الحميم على بن يخلف وقص عليه القصة ثم قال له بادرني يا علي بمن يخلصني من هذا الدين. واهتم على بالموضوع في الحال واحضر إليه من اشترى منه عبدا وقطعيا من الغنم وكمية من الحبوب ودفع الديون التي عليه ولم يلبث بعد ذلك إلا قليلا حتى غارت على حيه غارة من أولئك الناس الذين لم يتخلصوا من عادات الجاهلية ودافع عبود عن نفسه وماله حتى قتل رحمه. (1/99)
صفحة 100
لقد طالت الحياة بأبي محمد وامتد به العمر وفي أواخر عمره امسك عن الفتوى فلما قيل له في ذلك أجاب: أن بعض العلماء يقول إذا علم العالم من نفسه ضعف العقل فلا يفتي وأنا أخذ بهذا. واترك الناس قبل أن يتركوني ولعل خير ما نختم به هذا الفصل ما يلي:
زاره عمروس بن عبد الله الزواغي فسأله عن حاله فأعلمه إنه صالح الحال فكان مما قال له: يا عمروس: إجعل تقوى الله جنة، فإنه خير جنة، وأحسن معاشرتك للناس. فقال عمروس وأي الناس! فتبسم أبو محمد ابتسامة إعجاب وفرح وقال أحسنت وفهمت! .. الناس هم الصالحون. «
فرحم الله أولئك الناس.
أسرة يخلف بن يخلف
يخلف بن يخلف النفوسي التميجاري جد أسرة كريمة متسلسلة في العلم والعمل والصلاح، وهو وإن كان من تميجار، في أواسط جبل نفوسة إلا إنه استقر في الجنوب التونسي، فكانت إقامته بنفطة، وسكنى بنيه بدرجين ذلك الحصن الذي كان معقلا من معاقل العلم والصلاح والاستقامة حتى دهمته الحوادث السود والفتن العمياء فلم تزل تتعاقب عليه بالنكبات حتى خربت ما جاوره.
كان العلامة يخلف في مرتبة من العلم يقل فيها النظير وكان من الذكاء والألمعية والفطنة بحيث يكون ظنه كالرؤية والسماع، وكان من نفاذ البصيرة وصواب الرأي في المنزلة التي رضى بها عنه المسلمون موافقين ومخالفين، وكان من دقة الحكم وتحرير الفتوى وتحقيق الحجة في الدرجة التي أجمع الناس على قبولها من جميع الفرق والمذاهب في بلاد نفطة والجريد فكانت جميع المشاكل والمنازعات ترفع إليه فيقضى فيها بحكم الله ويفصل بين الناس فيتبعون حكمه برضاء وتسليم.
واشتهر الرجل بالعلم والصلاح بين الناس فأصبح ملجأ لهم في جميع مشاكل الحياة. (1/100)
صفحة 101
حدث أبو عبد اله بن بهلول النفطي قال: ورد على شيخنا أبي علي بن عمران النفطي بعض الزوار، فأخذ جلساؤه من أهل نفطة في ذكر مناقب يخلف العزابي وبنيه وأهل بيته فأوسعوا في القول، والزائر الغريب يستحسن ويستغرب حتى قال أحد الجلساء للشيخ – يعني أبا على النفطى – أترى يا سيدي إنه يرجى لهم خير عند الله لهذه الأوصاف وهم على ذلك المذهب؟ فلم يجبه بغير الصمت، فقال الزائر للشيخ يا سيدي وما مذهبهم؟
قال أبو علي مذهبهم الصلاح. فانقطع بجوابه الكلام.
قال أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني المنحدر من هذه السلالة الطيبة العريقة في الإسلام حدثني من لا اتهم إنه كان جماعة من البربر وجماعة من العرب من قبائل مختلفة ومذاهب متفرقة، يقصدون الشيخ يخلف فيجمعون عنده أفواجا يقضي بينهم في الجراحات وغيرها، لا يرغب عنه أحد لمخالفة مذهبه، ولا يرد عليه قوله، وأما سكان الحاضرة – أي نفطة – فمفتقرون إلى علمه.
لقد بارك الله في يخلف، وبارك في بنيه، فكان يخلف علما ومرجعا في العلم والصلاح، أما ولده أبو الحسن علي بن يخلف فقد قدم للإسلام أجل خدمة يقدمها الدعاة إلى دين الله وبلغ بمفرده ما عجزت عنه الجيوش الفاتحة.
كان أبو الحسن بن يخلف يشتغل بالتجارة واقتضته ظروف العمل أن يسافر إلى وسط أفريقيا فأختار عاصمة نالي مقرا لتجارته وكان سكان تلك الجهات أما وثنيين وأما من أتباع المسيحية المحرفة. فاشتهر بين السكان بطيبة خلقه وحسن معاملته وحرصه على الأمانة واستمساكه الوثيق بدينه ذلك الدين الذي كان غريبا بين سكان تلك الجهات، ووثق به الناس وأحبوه واشتهر اسمه وحسن معاملته حتى بلغ سمع الملك فأحضره إليه وأختبره بطريقته الخاصة حتى صدق ما عرف عنه فاستخلصه لنفسه وأصبح يستشيره في أموره وبلغ عنده منزله لم يبلغها أحد من وزرائه. (1/101)
صفحة 102
ولقد استطاع المسلم العامل بالإسلام أن يؤثر على ذلك الملك فاسلم الملك وأسلمت الحاشية وبدأ الإسلام ينتشر ويسري في عاصمة مالي ثم فيما جاورها من مدن وبلاد إنه الداعية المؤمن الذي حمل بمفرده مشعل الإسلام إلى بلاد تعشش فيها الوثنية فاستضاءت بذلك المشعل واقتبست من ذلك النور واليه والي أمثاله من الرواد الأول يرجع الفضل في انتشار الإسلام في ربوع أفريقيا السوداء.
ولقد كان أبو الحسن يشبه أباه في دينه وخلقه وعلمه ورحابة صدره وسعة احتماله، كان القاضي عمر بن زرعة النفطي يقول: ما رأيت مثل على بن يخلف أحدا من الناس فمن عجيب ما رأيت منه أن أبا القاسم القمودي كان من مشائخ المتصوفين، قدم من توزر ومعه طلبته، فأكرمه طلبة نفطة وصوفيتهم، فأحتفلت في إكرامه، وقلت لا ينبغي أن يتغيب أبو الحسن عن مثل هذا الحضور، فأحضرته وقد حضروا فلما حضر قال ابن القمودي من هذا الجالس معنا، قلت أنه الفقيه أبو الحسن علي بن العذابيفقال أهو من بغضة على، فلما قال ذلك رأيت ظلمة حالت بيني وبينه، وندمت على الاشتعال بإكرامه، وإذ فعلت، فلم جنيت على نفسي وعلى صاحبي؟ وما كان أغناني أنا وصاحبي عن هذا الحضور، فلما سمع على منه هذا قال: من أنبأك هذا يا شيخ؟ قال: كذا يذكرون عنكم فقال هل رأيت أحدا يسمى ابنه باسم عدوه؟ قال لا قال كان أبي من فقهاء الاباضية، وقد سماني عليا، قال ثم أخذ معه في مذاكرة تشفي الصدر حتى استمال قلبه، وملك لبه، فجعلت تلك الظلمة تنجلي حتى صرت في ابتهاج عظيم، ولم يفترقا حتى قال له يا أبا الحسن أريد أن لا تفارقني مدة إقامتي بهذا البلد، وانفصل ابن القمودى يحمده ويحمد مذهبه. (1/102)
صفحة 103
إن هذه القصة مع القصة التي ذكرها أكثر المؤرخين عن سبب دخول الإسلام إلى أفريقيا الوسطى تدلان دلالة واضحة أن الإسلام قد هذب من من أخلاق هذا الرجل وجعل منه إنسانا تتمثل فيه أسمى صفات الإنسانية التي تدعو إليها الديان السماوية حتى أصبح مثلا حيا للمؤمن الذي يهدي بخلقه وسلوكه قبل أن يهدي بمقاله وبيانه، ولو لم يكن الرجل متصفا بما أوصى به الإسلام فتجلت فيه الثقة والأمانة وحسن المعاملة والصدق فيها حينما كان في مالي، وتحلى بالصبر على الأذى وضبط النفس، والتحمل حينما قابله ابن القمودي بتلك الفظاظة لانقلبت صفحات من التاريخ.
لو غضب بمزة ابن الفظاظة وعامله بنفس الإسلوب من الخشونة والأزدراء لانقطعت الصلة بين الرجلين وربما نشأت عن ذلك فتنة. ولعل أكثر الفتن التي وقعت وتقع بين طوائف المسلمين إنما سببها طيش بعض المنتسبين إلى العلم وعدم فهمهم لروح الإسلام، وتغلب الغرور والطيش وضيق الصدر عليهم. وتحكم العصبية المذهبية فيهم.
وكما انجب يخلف ولده عليا فإن عليا قد أ، جب علما من أعلام الإسلام هو الو الربيع سليمان بن علي بن يخلف. كان سليمان شاعراً مطبوعا يجيد الزجل أو الشعر باللغة الدارجة كما يجيد الشعر باللغة البربرية إلا إن شعره باللغة الفصحى لا يتسامى إلى درجة شعر ولده سعيد أو حفيده احمد ذلك إن دراسته للغة العربية لم تطل، فقد انقطع للعلوم الشرعية وتخصص فيها فكانت لا تشذ عليه مسألة من مسائل الفروع والأصول في المذهب الاباضي وكان يتقن الفرائض ويجيد حسبتها هذه مرتبته العلمية أما مرتبته الدينية والخلقية فهي مرتبة المؤمنين الحريصين على إيمانهم وأخلاقهم. (1/103)
صفحة 104
وكان إلى علمه وخلقه ونزاهته، كريما مطبوعا على الكرم فلم يبق من ماله الكثير غير شيء قليل وكان بعض الأصدقاء ينصحونه بأن يبقى لأولاده فكان يقول لهم أما أولياء الله منهم فإن الله لا يتخلى عنهم وأما العصاة منهم فأنا أحق بمالي ولما كبر قل ماله وضاقت ذات يده، فجاءه صديقه الحميم بياضة بن عزون فقال له يا شيخ عن مالك قد قل، ومؤنتك قد كثرت، فهل لك في خمسين ويبة تمرا أو مائة من عندي في كل عام تستعين بها على أضيافك وأضياف المسجد وضعفاء أهل الدعوة، فقال له لا والله، إن فيما بقي لكفاية أؤدي منها حقوق من ذكرت ولو على عسر، ولكن إن كنت فاعلا فقم بحقوقهم كما قام بها غيرك، تول ذلك بنفسك ومالك. (1/104)
صفحة 105
كان أبو الربيع سليمان يعيش في زمن مضطرب بالفتنة، مشحون بالعصبية قد انفلت زمام الناس، وبعدوا عن جادة الإيمان. وفي أواخر أيامه أوقد بعض دعاة العصبية نار الفتنة في كنومة وتألب سكانها على الاباضية فأخرجوهم منها ولحق الشيخ بإخوانه فلما رآه بعض المتعصبين من النكار صاح إذا تركتم فقيه القوم يخرج سالما فما فعلتم شيئا وتواثب إليه الناس فطعنه أحدهم طعنة ظنها قاتلة ولما ذهب المعتدون تولى أصهار الشيخ إسعافه وعلاجه فأطال الله عمره وأبقاه لحمل رسالة الإسلام والإصلاح لقد كانت البلاد في ذلك الحين تعاني من الظلم وفساد الحكم وانتشار الفتنة واصطراع العصبية وتغلب الفساد الشيء الكثير، وكانت الدولة ذي ذلك الحين تفرض على سكان منطقة الجريد وما يتبعها من الواحات. إن يزرعوا أراضيهم ويقوموا بخدمة مزارعهم وحقوقهم مناصفة فتأخذ نصف الإنتاج من جميع غلل الزراعة كالحبوب والتمر ثم يخرج المتقون منهم من أنصبتهم فريضة الزكاة فلا يبقى لهم إلا مقدار الثلث من نتائج مجهوداتهم فكان أبو البيع يجيز للناس ولنفسه إن يخفوا ما استطاعوا من أموالهم حتى لا تأخذ الدولة نصفه كأنها صاحبة الأرض والعشر ضريبة على الفلاح ويقول أن الدولة ليس لها أن تأخذ إلا ما قدره الشرع الكريم أما إن تسن من نفسها تشريعا تستبيح به أموال الناس، وتغتصب حقوقهم فذلك ليس من حقها. فإذا تغلبت هي بالقوة فإن للمزارع أن يسلك معها بالحيلة وإن يحفظ أمواله بأي طريقه لا تعرضه للعقوبة والمهانة. (1/105)
صفحة 106
حدثتك إليها القارئ الكريم عن ثلاثة أعلام من هذه الأسرة الكريمة ولقد أنجب أبو الربيع ولدا سار في نفس النهج وسلك نفس الطريق سماه أبو سعيدا وكان سعيد هذا مع إيمانه وعلمه وعمله شاعرا مجيدا وأنجب أبو عثمان سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف ولدا كان غرة في جبين الدهر من أولئك الأبطال الذين لا يجود بهم الزمان إلا في فترات طويلة من التاريخ ذلك هو أبو العباس احمد ين سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف الدرجيني صاحب الطبقات.
ويكفي دليلا وبرهانا على علم الرجل وأخلاقه ودينه واحترامه لحملة مشعل الهداية ما ورد في أول الكتاب عندما تحدث عن الطبقة الأولى ما قال عندما ذكر محتويات الكتاب:» فالذين اشتملت عليهم الخمسون الأولى من المائة الأولى: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضائلهم أشهر، ومزاياهم أظهر فلا يحتاج إلى تعدادهم، إذ هم نجوم الهدى، ومصابيح الدجى، وعلى مكانتهم ومنزلتهم وفضلهم فلا بد من تقديم ذكرهم جملة إذ هم الأئمة والقدوة والسلف. والصدر الأول، ولئلا يكون السكوت عن ذكرهم أعراضا، والتجاوز عن شرفهم غمضا أو إغماضا. «وأعاد نفس المعنى عندما بدأ في التفصل فقال:» الطبقة الأولى هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفضائلهم أشهر، ومزاياهم اظهر، فلا يحتاج إلى تسميتهم، لأنهم رضوان الله عليهم، تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين ومن آثارهم محفوظا في صدور الراوين ما اغنى عن كليف تصنيف، وانتحال تأليف، وحسبهم ما قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشقى من رآني وقوله عليه السلام أفضل أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأحاديث كثيرة في فضائلهم فإذا ثبت هذا فاعلم إن من الصحابة من لم يخالفنا في تقديمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل حظا في الإنصاف عند آهل الخلاف، وهم معدودون عندنا في جملة الأكابر والأسلاف فلنذكر منهم من أمكن ذكره، ووجب علينا وإن عاب الغير شكره. « (1/106)
صفحة 107
بعد هذه المقدمة القيمة ذكرا أبو العباس بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن تناولتهم السنة الأهواء وأقلام المغرضين من أحلاس السياسة فأوضح رحمه الله ورضى عنه عدالتهم ونزاهتهم وثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه فيهم وحكم فيهم بالحكم العام الذي ينطبق على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والدراس للتاريخ الإسلامي في المغرب الإسلامي لا يمكن أن يستوفي معلوماته دون الاطلاع على هذا الكتاب القيم فرحم الله أبا العباس.
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي
قمة من قمم العلم الشامخة، ومكتبة حافلة بأنواع المعارف حية متنقلة، على إنه لم يكن من حملة العلم الجامدين الذين يحملون أراء غيرهم دون أن يكون لهم رأى بل لقد وهب مع الحافظة الواعية التي لا تكاد تنسى، فكرا نفاذا إلى حقائق الأشياء، وبصيرة نيرة خبيرة بمواقع الأحكام، كان عالما بالأصول والفقه، درس كل ما وصلت إليه يده حتى بز جميع الأقران وفاقهم، فلما نضجت مواهبه، واستقرت معارفه، تصدى للتدريس والفتوى فتخرج على يده كثير من أعلام الإسلام.
بدأ دراسته على مشائخ عصره ثم التحق بمدرسة الإمام الأعظم أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي وعنه أخذ العلم والسيرة.
لقد قضى أبو الربيع أيام الصبا والشباب في الدراسة. ثم عكف على التدريس والتأليف. إنها الأمانة العلمية التي تحملها اسلافه أعد نفسه لحملها، فحملها بجدارة واستحقاق ولم يتخل عنها لحظة واحدة في حياته. وكما كون جيلا من أنجب الطلاب وواضح معالم الإسلام للضالين والجاهلين بالدعوة إلى دين الله وبيان حدوده في دروس الوعظ والإرشاد ترك لنا مؤلفات قيمة منها المتحف في الأصول والسيرة المنسوبة إليه. وهي دستور قيم للعالم المتعلم يجدر بالشاب المسلم المتعلم أن يحفظها وإن يعمل بها. (1/107)
صفحة 108
كان مستقلا برأيه مجتهدا في أحكامه قد يفتي بالقول المرجوح، ويعمل برأي الأقلية، ويبدو أنه في فتاواه وأحكامه لا يقتصر على بحث الأراء والأدلة التي تستند عليها وإنما يضيف إلى ذلك ظروف البيئة، ودرسته الشخصية للموضوع، ومعرفته لما يحيط بالحادثة.
لما مرض إستاذه الأكبر أبو عبد الله محمد بن بكر مرض الوفاة قال لجماعة ممن حضر: اشهدوا أن البستان الفلاني الذي على العيون هو لأبي يوسف وهو اكبر أبناء أبي عبد الله فسمعت امرأته بذلك فظنت إن ذلك بسبب الوجع أو السهو فقالت تنبهه ما هذا يا شيخ فكرر الشيخ الأشهاد على نفسه بما قال وأكد للقوم قوله الأول، ولم يرجع عنه وأجاب امرأته قائلا: إني اعتقدت له أكثر من ذلك، وعلمي ورأيي لا أرجع عنهما إلى علمك ورأيك، وكان ولده أبو العباس أحمد حينئذ عند أبي الربيع سليمان بن يخلف في نظام الدراسة فبلغه وفاة أبيه وقد بقيت بيده بقية من نفقه فامسك عنها لأنه رأى أن ذلك قد أصبح مالا للورثة فقال له أبو الربيع أمسك ما بيدك وأنفق منه ولا حرج عليك، فإن إياك لا تلزمه العدالة بينكما ثم ذهب إلى موطن الشيخ أبي عبد الله وأنفذ وصيته كما أوصى بها مع أن أكثر الفقهاء يوجبون العدالة بين الأولاد ولا يجيزون إنفاذ العطية إذا وقعت في مرض الموت.
ولا شك أن في المسألتين خلافا بين علماء الإسلام ولكن الراجح المعمول به عند الاباضية هو وجوب العدالة بين الأولاد وعدم إنفاذ العطية الواقعة في مرض الموت.
وفتوى أبي الربيع بغير المشهور من أقوال المذهب في ذلك يدل دلالة واضحة على استقلال رأيه واجتهاده من جهة ثم على استناده. على معرفة أحوال الناس الذين تقع لهم المشاكل والأحداث ودراسته لظروف تلك الأحداث من جهة أخرى. (1/108)
صفحة 109
ويبدو لي أن الذي يسر لأبى الربيع أن يفتى هذه الفتوى إنما هو معرفته الكاملة لأسرة إستاذه أبي عبد الله وللمجهود الجبار المتواصل الذي بذله أبو يوسف يعقوب في تكوين هذه الأسرة وتهيئة ظروف الحياة الكريمة لها حتى كأنه شريك أو أخ لأبي عبد الله وهذا ما لاحظه أبو عبد الله فهو يعلم أن ما يعود عليه من أملاك إنما كان لكفاح أبي يوسف فرأى أن يعوضه عن ذلك المجهود بهذه العطية.
وعلى هذه المعرفة الشخصية والدراسة النفسية استند أبو الرربيع في إصدار هذه الفتوى. ولقد تحدث أبو العباس الدرجيني عن هذا الموضوع فقال:» قلت أما فعل أبي عبد الله بن بكر رضي الله عنه فلا ينفذ لوجوه منها: أولا إنه عطية في المرض الذي توفى فيه فلا يجوز إلا بإجازة الورثة. ثانيا إنه لم يذكر التسليم والحوز وذلك شرط عند جميع أهل العلم إلا الشاذ، ثالثا إنه لم يعدل فيما دل عليه اللفظ والعدل بين البنين واجب على الأب في قول جماعة من أهل العلم واليه مال أكثر أصحابنا فيما علمت لكن الشيخ أبا الربيع رجح قول من قال لا تجب العدالة على الأب. وأقول والله أعلم عن ذلك إنما جاز لإجازتهم إياه إبرارا بالشيخ رحمه الله. «انتهى قول أبي العباس ويرد على تعليله الأخير بأن الورثة ربما أجازوا ذلك ما ورد في أول القصة بأن امرأته نبهته حاسبة أن ما قاله إنما كان من الوجع فأصر أبو عبد الله على موقفه وأعلن أنه لن يرجع عن رأيه وعلمه إلى رأيها وعليها مع العلم إنها وراثة.
ومهما يكن فإن ترجيحه للقول المرجوح، وفتواه بغير المعمول به دليل على ملكة الاجتهاد والاستقلال في الرأي، وملاحظة جميع الظروف المحيطة بالقضية عند تطبيق الأحكام، وشبيه بهذه الحادثة ما جاء في القصة الآتية: (1/109)
صفحة 110
كان بين مجموع الطلبة الذين يدرسون عند أبي الربيع تلميذان ذكيان تربط بينهما عرى الزمالة والصداقة والمحبة وكانا يقضيان وقتهما في مذاكرة ودراسة، حتى إذا أحسا بالتعب والملل خففا عن نفسيهما بالنكتة الضاحكة والدعابة البريئة والهزل الخفيف. وضع الزميلان كتب الدراسة إلى جانبهما وحلق بهما الخيال في مسارح أمال الشباب فتحدثا عن العزوبة والزواج والتفت أحدهما إلى الآخر متصنعا وقار الجد وقال له: إني أرغب إليك يا صديقي في أختك فلانه بنت الحسب والنسب وجئتك راغبا في زواجها فهل توافق على ذلك وتصنع الزميل الثاني وقار ولي الأمر الذي يفكر في مستقبل أخته وينظر إلى مصلحتها ثم رفع رأسه وقال قد قبلت فبارك الله لكما.
وضحكا الفتيان ورجعا إلى كتبها للمذاكرة ولكن شيئا بدأ يهجس في نفس الفتى الخاطب. إلا يكون قد ارتكب بدعابته هذه حماقة، وأصبح الزواج منعقدا، وأصبحت فلانه هذه امرأته ويكون مسئولا أمام الله والناس عن زوجة لا تدري عنه شيئا، وعندما افترقا بقي الشاب يردد الفكرة على ذهنه فلا تزداد إلا رسوخا وثباتا، وفزع بمشكلته إلى زملائه الذين يكبرونه سنا وعلما يلتمس عندهم الحل، فكان كلما عرضها على واحد منهم إجابة بأن ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق فالنكاح قد انعقد بينه وبين الفتاة، وأصبحت زوجة له بحكم الشرع، ويضيفون إلى ذلك ما يشاءون من نكت ودعابات، واهتم الفتى واحتار وفي درس من الدروس لاحظ الشيخ أبو الربيع سهوم تلميذه النجيب ورود فكره فعلم إن شيئا أصابه فلم يخجله بالسؤال وإنما سأل عنه بعض زملائه فأخبروه بالقصة فقال الشيخ قولوا له: فليقم وليشتعل بالقراءة فإنه لم ينعقد نكاح، ولا يلزمه شيء ولو إجازته. (1/110)
صفحة 111
هذه حادثة أخرى من الحوادث التي تدل على مبلغ علو الرجل واجتهاده في ذلك العصر، ولقد ناقش الشيخ أبو العباس الدرجيني هذه القصة أيضا فقال: (قلت وهذه المسألة لها وجوه تقيد بها وليست بمطلقة وذلك أن أخا المرأة لا يخلو أن يكون وكيلا مع كونه وليا أو يكون لا وكيلا، فإن كان وكيلا فالنكاح قد انعقد بلا خوف. وإن كان أنكح فضولا بغير توكيل ثم أجازته فالأولى جوازه وقيل يكون موقوفا على قبولها أو امتناعها، ولعل أبا الربيع رحمه الله عرف في هذه القضيه بعينها ما أوجب امتناعها كتراكن وقع متقدما مع خاطب، أو عقد تقدم من ولي أخرو الله أعلم) انتهى كلام أبي العباس.
كان أبو الربيع يتحلى بأسمى أخلاق المؤمنين من اللين والحلم والتواضع والكرم والعفة ومحبة المسلمين والنصح لهم.
أراد جماعة من طلابه أن يعودوا إلى بلدانهم فسار معهم مسافة طويلة لوادعهم وكان يتحدث إليهم ويوصيهم في أخلا مرحلتهم الدراسية ومما قال لهم وهو يسير معهم: (أمضوا بالسلام، فإذا وصلتم منازلكم إن شاء الله، فإياكم والدنيا إن تستقبلوها بوجوهكم، فإن من استقبلها أغرقته، ومن استدبرها فلا بد أن تأخذ منه، وعيلكم بالألفة والنصيحة والتزوار، وحفظ مجالس الذكر، وإياكم أمور الناس، وإياكم التقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم والسلام.) وحينما عزم جماعة من الطلاب على الرجوع إلى أوطانهم معتقدين إنهم أخذوا ما فيه الكفاية من مبادئ العلم وإنهم يستطيعون أن يستمروا في دراستهم معتمدين على الكتب بم يرض لهم. وأوصى العلامة أبا يحيى زكرياء ابن أبي بكر أن يقول لهم (اعلموا أنكم أن رجعتهم على هذه الحال إلى أهلكم فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا) وليس أعنف من هذه العبارة توبيخا على من يرضى بالأقل؟ أو يتملكه الغرور فيحسب أنه قد ملك من الوسائل ما يصل به الغاية ولا أشد تحريضا على طلب الكمال. (1/111)
صفحة 112
كان ذات يوم جالسا في زاوية من زوايا المسجد إلى جانب صديقه يزيد بن خلف الزواغي يستمعان من مكانهما إلى درس يلقيه العلامة أبو يعقوب محمد بن يدر فسأله سائل هل يجب علينا العلم بالفرائض وليس علينا العلم بها فاتجه يزيد إلى صديقه أبي الربيع وسأله بحيث يسمع من في المسجد يا سليمان ما الذي أخذت عن أبي عبد الله بن أبي بكر في هذه المسألة قال أبو الربيع إذا لزم العمل بشيء لزم العلم به وإن في فعله الثواب وإنه فرض وعدل. دوى صوت أبي البيع بهذا الجواب في جوانب المسجد فلم يرد عليه أحد. مع ذلك فلم يعلن أبو يعقوب عن رجوعه ولا طلب منه الشيخان أن يرجع عن قوله والقضية من مسائل علم الكلام المشهورة مبسوطة في الكتب وهي من مسائل الخلاف بين الاباضية وبعض الفرق الإسلامية الأخرى لأنه لا يعقل أن يقوم الإنسان بعمل لا يعرف كيف يقوم به. ويعلق أبو العباس الدرجيني على هذه الحادثة فيقول: (وكان هذا حال الشيخ أبي الربيع لا يعجل بتخطئة أحد، ولا يسمعه جفاء) ولعل مما يكمل به إطار هذه الصورة التي أرادت أن أضعها لهذا المؤمن العامل في هذا الكتاب أن أنقل للقارئ الكريم نماذج مما ورد في كتابه القيم المشهور بسير أبي الربيع.
» (1/112)
صفحة 113
ينبغي للعالم أن تكون له خزائن لا يدخلها إلا هو «من جهالة العالم أن يفتي لكل من يسأله» العالم في علمه كالطبيب في أدويته لا يضع دواء إلا حيث يصلح، وكل عله مع دوائها «» صونوا علمكم بالسكينة والوقار وحسن الأدب «» على العالم أن يعبد الله بكتمان علمه ما لم يحتج إليه لم يسمعه كتمانه «» العلم أكثر من أن يحصى ولكن خذوا من كل شيء أحسنه «» ظلم الناس الإسلام بثلاثة: تركوه من غير عيب، وجعلوا له عيوبا لم تكن فيه، وادعوه ولم يكن فيهم. «» سرعة اللسان بالاستغفار والتمادي على الذنوب توبة الكذابين «من يتوب ثم يرجع إلى ما تاب عنه كالمستهزئ بربه «أحذروا الناس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه، ولا متن جواد إلا عقروه، ولا قلب مسلم إلا أفسدوه «» يكون الرجل في قعر بيته، قد غلقت عليه الأبواب، واقفا في صلاته في جوف الليل، ليس معه غيره وهو مراء بصلاته، قيل له كيف ذلك قال إذا أحب في نفسه أن يظهر ذلك للناس ويطلعوا عليه «يكون الرجل في مطلع الشمس وتكون الفتنة في مغربها، وهي في بيته على سريره راقد، ولم يحضر بنفسه ولا بماله، وسيفه يقطر دما من تلك الفتنة قيل له كيف ذلك؟ قال: إذا مال بقلبه إلى إحدى الطائفتين. «
هذه ملامح عن شخصية أبي الربيع المزاتي أرجو أن يكون القارئ قد رسم منها صورة لذلك الرجل العظيم.
ميمون بن أحمد المزاتي (1/113)
صفحة 114
قال فيه أبو العباس الدرجيني» كان ذا فطنة وذكاء وعقل ودهاء، وكان مصدرا بدرجين من قبل مقدمها (مولاهم بن علي) والجماعة، فكان حكمه عدلا وقوله فصلا. «ويبدو من هذا التعريف أن الشيخ ميمون يتولى الأحكام والفتاوي في درجين لأن مقدم درجين في ذلك الحين وجماعة المسلمين يرجعون إليه في هذه الأمور لأن ميمونا لم يتول العمل للحكومة في أي فترة من حياته وإنما وثق فيه وفي علمه ودينه الناس فالتجأوا إليه وكان في عامل درجين بقية من خير فلم يركب رأسه ويفعل ما يفعل غيره من أصحاب السلطة وإنما كان يرجع في أحكامه إلى ميمون بن أحمد المزاتي الذي كان يحكم بعدل ويفصل المشاكل بعلم ويتصرف بدبن ونزاهة. وقد أرضى بعمله هذا الحاكم الفعلي لدرجين وأرضى جماعة المسلمين.
امتدت الحياة بالشيخ وطالت حتى كف بصره، وأدبرت أيام درجين وتغلب فيها الجهل، حتى كان الشيخ يتمنى أن يجد من يسأله عن مسألة أو يناقشه في حديث أو يتعلم منهأو يعلمه، وقد من الله عليه فإستجاب دعوته في آخر أيامه فوهب له طالبا ذكيا ألمعيا شديد الرغبة في العلم هو العلامة سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف. ففرح به الشيخ، وأمل أن يحى الله على يديه ما إنطمس من معالم الحق، وكان الطالب الذكي لا يفارق مجلس الشيخ في المسجد أ في البيت فكان يحضر حلقة القرآن الكريم، وكان يرافق الشيخ ويخدمه، وكان الشيخ يؤثره اكراما لجده يخلف بن يخلف فكان يمرنه على القراءة، ويحمله على مراجعة أخطائه متى يهتدي إلى تصحيحها بنفسه ويسرد له ما عسر عليه، ويرافقه في تلاوة القرآن الكريم، ويفسر له بإيجاز معاني الآيات ويشرح له معاني المفردات اللغوية إلى أخر ما هنالك مما يفعله المدرس النصوح مع التلميذ النجيب الراغب في الاستفادة. (1/114)
صفحة 115
قال أبو عثمان سعيد بن سليمان:» دخلت حلقة درجين وأنا صبي قبل أن اكمل قراءة القرآن فكان الشيخ ميمون سبب تمرني على قراءة الكتب، لأنه كان يكبرني إجلالا لوالدي، ويخصني بالفوائد، وذلك أنه متى خرج إلى المسجد أخرج معه كتابا. فإذا جاء المسجد دعاني وقال لي اقرأ، فآخذ الكتاب واقرأ فمتى توقفت في بعض ما يشكل على قال لي بين ولا ترهب فإذا قرأت حرفا ما أصبت أو صحفت استحسن ذلك، وكان يقول لي بعد ما كف بصره اقرأ على سورة كذا وكذا، وكان لا يخليني من فائدة. «
كان شديداً في الأمر والنهي حريصا على إقامة دين الله فلما كبر وكف بصره خفف من حدته، ولأن في أمره ونهيه. وكان العلامة يخلف بن يخلف يتوسم فيه الخير والصلاح فكان يخصه بالهدايا الطريفة وكان يحض الناس على إكرامه والبر به.
ويقول لهم:» إكرموا ميمون بن أحمد فقد اجتمعت فيه الخصال الثلاثة: عزيز ذل، وغني افتقر، وعالم بين جهال. «
لقد كان هذا العالم الذي حكمت عليه ظروف الحياة أن يعيش في درجين حين أدبرت أيامها، وذهبت نضارتها، وأتى الظلم والجبروت على ما كان فيها من علم وخلق مثلا يحتذى في وسائل التربية والتعليم. فلقد جرى على طريقة تعتبر من الطرق الحديثة في التربية والتعليم وذلك إنه يعمل على أن يعتمد التلميذ على نفسه بعد أن يستثير المدرس ذهنه فيستنتج ويستخرج القواعد ويحاول أن يصل إلى أخطائه بنفسه فيصححها دون أن يلقنه المدرس، وهو في طريقة تدريسه وتربيته يحترم شخصية الطالب ويبذر فيها بذور الشجاعة والثقة بالنفس. وقد كان حريصا على أن يكون المؤمن حسن السيرة لين الخلق عفيف اليد واللسان فكان يقول:» من قال لمسلم يا تقيل يبرأ منه «
إنه لا يريد أن ينسب إلى المسلم أي وصف تكرهه النفس وتمله يسببه الأصحاب.
أبو حفص عمرو بن جميع (1/115)
صفحة 116
يشرفني بأن أضع القلم لأرفق القارئ الكريم في قراءة هذه الترجمة القيمة التي كتبها الإمام القدوة أبو اسحاق طفيش رحمه الله ورضى عنه قال حين ترجم لأبي حفص في مقدمه التوحيد:» هو العلامة القدوة أبو حفص عمرو بن جميع، لم نجد له ترجمة غير ماكتبه عنه البدر الشماخي رحمه الله في تراجمه وأن كنا ندرك منزلته العلمية والعملية في نفس المقدمة لو جزمنا بنسبتها إليه، قال البدر: كان إماما مشهورا، وكان من بين العلماء منظورا، وإليه تنسب العقيدة التي كانت بالبربرية، فأبدلها بلسان العربية، وهي اعتماد أهل (جزيرة) جربة وغيرهم من أصحابنا أهل المغرب، غير نفوسة في ابتداء الطلبة، وأودعتها شرحا على قدرها، انتهى أما كونها ليست عماد أهل نفوسة فلا عتمادهم على العقيدة المعروفة عندهم بعقيدة نفوسه وهي متن من متون أصول الدين لأحد أئمة القدماء أشتهر عندهم واعتنوا به، فاستغنوا عما سواه من المتون، ويبدو على متن المقدمة المنسوبة إلى العلامة أبي حفص أمور: اشتمالها على ما لا يسع جهله من مسائل التوحيد من الجمل الثلاثة وتفسيرها على منهاج السلف رضوان الله عنهم دون أن تشاب بأساليب الفلسفة الكلامية، وتكليف المبتدئين معرفة الصفات والمسائل الخلافية، تضمنها في مسائل الولاية والبراءة، معرفة المعصومين، وهم الذين أثنى الله عليهم في كتابه العزيز نصا أو تلويحا، وهم بذلك مقطوع بسعادتهم في الآخرة، وبموتهم على الوفاء بدين الله، المعبر عنه عند أصحابنا بالعصمة، احتواؤحها على مسائل هي من قبيل مسائل التاريخ كذكر الأنبياء الذين أرسلوا إلى الكافة وأولى العزم، والأنبياء العرب الخ، كي يكون المبتدئ على المامة بمهم مما يتصل بمسائل دينه. (1/116)
صفحة 117
عنايتها بتفصيل الناس بالنسبة على العمل بالدين وعدمه، وبيان حال المسلم في أطوار الحياة الدينية، والأحوال التي تكون عليها الأمة بالنسبة إلى الاستقلال والغلبه المعبر عنه بالظهور، والتغلب عليها المعبر عنه بالكتمان، لعدم نفاذ أحكام الإسلام العامة وحدوده، وفرز الإسلام متغيرة، وأصول التشريع من التنزيل والسنة والرأي: الذي هو الإجماع والقياس الخ ما هنالك من مهمات المسائل التي يلم بها المتعلم في بداية التعليم حتى يكون أخذا بقسط من مسائل الدين والتهذيب وأصول التشريع وأسس الحياة الاستقلالية ومعرفة أحكام الملل، وطاعة أولى الأمر من الأئمة العدول، والتضحية في سبيل الحق لأجل الحق، والتحلي بالكمالات الإسلامية ومعرفة الكبائر وفرز ما بينها، فهذه العقيدة هي في نفس الأمر والواقع من أهم المقدمات لو اعتنى بها من جميع نواحيها لكانت المؤلفات التي تكتب وإبداعها أصولا وتاريخا، وخلوا من هوس الفلسفة الكلامية.
وعندي أن نسبتها إلى الإمام أبي حفص فيها نظر، لأنه رحمه الله يقول:
وجهدت هذه النكته منسوخة بالبربرية الخ فهذه العبارة صريحة في إنها لغيره، لا له ثم إن التاريخ أعرب لنا عن حقيقة لا مراء فيها وهي أن عهد التأليف بالبربرية أقصى ما يمكن يصل إليه لا يعدو القرن الرابع والمؤلف من الطبقة الخامسة عشر التي هي طبقة الخمسين الأولى من القرن الثامن على ما يؤخذ من طبقات أبي عبد الله الباروني وسير البدر الشماخي، رحمها الله. (1/117)
صفحة 118
ويمكن أن يقال أن هذه المقدمة أخر ما نقل عن البربرية إلى العربية من المؤلفات وهذا الطور طور التأليف بالبربرية – من أهم أطوار التاريخ الإسلامي في شمال أفريقيا يدل على ما بذله اسلافنا من الجهود في هداية البربر إلى الإسلام، وتمكينهم فيه بما لم يبلغ إليه سواهم، فجزاهم الله عن الإسلام أحسن جزاء ففي قول البدر الشماخي أن العلامة أبا حفص كان إماما شهادة عظيمة تعرفنا بمرتبة المترجم له، وبنسبته بين أقرانه، إذ ليس البدر الشماخي بمن يقول ويلقى دون وزن، وهما رحمهما الله قريبان في العصر حيث توفى البدر سنة 928 هجرية والإمام أبو حفص وإن لم نقف على تاريخ وفاته عند كتابة هذه النبذه فإنه معدود عند أصحاب الطبقات من أئمة الخمسين الأولى من القرن الثامن كما تقدم توفى رحمه الله بجزيرة جربة ودفن بمقبرة جامع تفروجين بفتح التاء والفاء وشد الراء المضمومة لفظ بربري وذلك والغ القديمة من الجزيرة.
أسرى البرادي (1/118)
صفحة 119
عماد هذه الأسرة أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، وقد نشأ في جبل دمر من الجنوب التونسي ودرس على بقية المشائخ هنالك في أول أمره حتى ثقف لسانه، وصلب عوده، وازداد عطشه إلى العلم، وظمأ إلى المعرفة، فانتقل من جبال دمر إلى جزيرة جربة فالتحق بمدرسة علامة زمانه الشيخ يعيش الجربي فدرس عنده ما شاء الله ثم تاقت نفسه إلى المزيد فارتحل إلى جبل نفوسة والتحق بمدرسة الإمام الكبير أبي ساكن عامر بن علي الشماخي، وواصل هنالك دراسته حتى أصبح علما من الأعلام وإماما من الأئمة. ورجع إلى جبال دمر، فبدأ كفاحه من أحل الرسالة المقدسة ولكنه لم يستقر في دمر طويلا فقد انتقل إلى جربة ليجعل من تلك الجزيرة مركزا لاقامته ومنطلقا لدعوته الاصلاحية وميدانا لكفاحه في سبيل الله، وكانت الجزيرة في ذلك الحين تعج بالعلماء الإعلام، وتنتشر فيها المدارس وإن كانت من الناحية السياسية، تعاني أشد المتاعب، وتتعرض لصنوف من الأى، وتصدى للتأليف والتدريس والفتوى والفصل في مشاكل الناس، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتنديد بالظالمين والمنحرفين. ولقد آتت جهوده العلمية أحسن الثمرات فتخرج على يده عدد قليل من الإعلام.
ومع كفاحه للباطل الذي بدأ ينتشر في التحلل الديني، والباطل الذي بدأ ينتشر على السنة المبتدعين، والباطل الوافد في ظلال الحكم الفاسد وعدم الاستقرار، والباطل المخيم مع الجهل بدين الله. مع كفاحه للباطل في شتى هذه الصور وانشغاله بتوعية الرأي العام، كان قد ترك لنا ثروة قيمة من الآثار. (1/119)
صفحة 120
فقد ألف في الحدود الشرعية رسالة قيمة استجابة لطلب الشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد الصدغياني حدد فيها حقائق أكثر العلوم الشرعية، وبدأ في شرح الدعائم فأصدر منه الجزء الأول وصل فيه إلى الطهارات ثم جمعت مسودة الباقي من بعده فبلغت إلى الزكاة ولم يتم الكتاب. وشرح كتاب (العدل والإنصاف) للإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم ولم يتمه، وألف كتاب الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات وهو تصدير مطول أو جزء أول لكتاب الطبقات لأبي العباس الدرجيني أما الفتاوي والأجوبة فقد ترك منها الشيء الكثير، وقد رأيت منها جملة تدل على أن الرجل بلغ من العلم درجة تجاوزت مرتبة التقليد إلى الاجتهاد، وخولت له الاستقلال بالرأي في الفتوى وهو في رسائله قوي صريح تبلغ الشدة والعنف في بعض الأحيان لا يبالي في الحق لومة لائم والذي يبدو من دراسة التاريخ أن الفترة التي كان فيها أبو الفضل كانت من أحرج الفترات التي مرت على جبل دمر والجنوب التونسي كله فقد كانت العصبية المذهبية بلغت حدا كبيرا، وكانت الأيدي الحاكمة الهزيلة المتغطرسة التي ضعفت عن حكم الناس بالشرع أو بالقانون فاستندت في حكمها على إيقاد نار الفتنة بين طوائف الأمة وتوسيع شقة الخلاف بين الناس وتسليط الذين لا يخشون الله ولا يتقونه على غيرهم ومساعدتهم على العدوان ليتسنى لهم أن تجمع الأموال التي تطالب بها بكل إلحاح وباستمرار. فأصبح الناس يعيشون في تلك المناطق منغزلين متعادين كل قرية أو قبيلة أو مجموعة منها تعيش منفردة بنفسها. وأصبح كل ما يمت إلى الاتصال بالدولة دليلا على الظلم والفساد. (1/120)
صفحة 121
ولعل مما يصور ذلك ما قاله البرادي وهو يتحدث عن الحلال والحرام والشبهة قال:» ومن القراين التي تدل على الشبهة والريبة، ويجب التوقف والبحث عندها، قرينة الاغارات والتلصص في بلادنا، هذه العمائم الرزق، ومن قرائن الغشم والاغارات والانتهاب الرمح والقوس، ومن قرائن التسلط والقهر والعلو والسلطان الترفه والتفنق والتباهي في الملابس الفاخرة مثل الفراء المؤشاة والثياب المذيلة المطولة والإخراج، والخيل المسمومة، والبرانيس الواسعة الاكتاف، وكثرة الأعوان والتعزز بكثرة الاتباع والتبختر في المشي وقصر الخطا. « (1/121)
صفحة 122
ويقول بعد كلام» والاجتماع والوقوف على أبواب الظلمة، والانتصاب بين أيديهم ولباس الثباب والآحباب مفرده من غير ما يلقي على العواتق فهذه قرائن كلها باكتساب الشبهة والحرام والريبة، وتوجب التوقف والبحث والفحص عما في أيديهم، وإن كان يحتمل أن يحصل لهم الحلال بميراث أو هدية أو صدقة أو شراء إلى الذمة، فهو احتمال ضعيف نادر والنادر لا حكم له. «ويقول بعد كلام:» فالهدية إليهم من أمثالهم ومن هو بمنزلتهم. فمهما ظهرت قرينه من هذه القراين فقد وجب أتنزه والتوقف فهو معنى وله صلى الله عليه وسلم من تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن رتع حول الحمي يوشك أن يقع فيه. «تخرج على أبي الفضل وعدد جم من كبار العلماء، وتسلسلت منه أسرة شهيرة في العلم والعمل والكفاح في سبيل الله ولعل أشهر أفراد الأسرة هو ولده أبوه أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم البرادي. كان كما يقول أبو العباس الشماخي» شيخا عالما متفننا «درس على مشائخ جبل دمر ثم ارتحل إلى تونس فدرس في المعهد الزيتوني العامر وبلغ فيها مرتبة شهد له فيها علماء الزيتونة العظام بالنبوغ والعلم قال بعض تلاميذه كنت بالزيتونه في مجلس من مجالس العلم قال فأثيرت مشكلة من مشاكل اللغة العربية فاستشكلها الاستاذ المدرس وتردد فيها فتكلمت فيها بما حضرني فأعجب الشيخ جوابي فقال لي عمن أختها، قلت عن أبي محمد البرادي فالتفت إلى القوم وقال لهم، ما رأيت اعلم من البرادي، فغضب بعض الحاضرين من هذا القول/ فالتفت الشيخ إلى البجيري وكان متخصصا في العربية فقال له: إنه يشاركك في العربية، ويزيد عليك في علوم أخرى، ثم التفت إلى غيره، ويقول لكل واحد منهم إنه يشاركك في مادة تخصصك، ويزيد عليك في علوم. هكذا يشهد الشيخ حسين المدرس الكبير في المعهد العامر لأبي محمد وهو غائب شهادة يغار منها جماعة من العلماء فيقرر لهم الشيخ في صراحة أن البرادي يشارك كل واحد منهم في مادة تخصصه ويزيد عليه في علوم. (1/122)
صفحة 123
عندما أتم دراسته إختار جزيرة جربة مقرا لعلمه وفيها بدأ كفاحه العلمي والديني أما وطنه جبل دمر فقد تركه لأخيه أبي عبد الله محمد البرادي. قال أبو الربيع سليمان بن أبي زكرياء الفرسطائي ارتحلت إلى جبل دمر للدراسة فالتحقت بمدرسة أبي عبد الله البرادي فكان هو المدرس والمفتي والحاكم في جبل دمر فإذا جاء أخوه أبو محمد عبد الله، رجع الدرس والفتوى والحكم إليه، وكنت أريد أن أسأله عن مسألة في الإيمان فيمنعني الحياء منه، وسألته يوما عن الإيمان فقال لي: يقول بعض العلماء أن النظر في الإيمان إلى ما يدل عليه اللفظ ويقتضيه، وقال بعضهم النظر فيه إلى النيات وهو أول، هذا ترجيح أبي محمد. (1/123)
صفحة 124
تولى أبو فارس عزوز الحكم في تونس ما بين 796 – 837 وكان قويا فاضلا ذا سياسة وحكمة جاءه بعض الناس يشترون عليه أن يلتزم أهل المذهب الاباضي ويوهمونه أن في المذهب الاباضي بدعا تخالف الإسلام وأن أهله لا يزالون يناوئن الحكام وأن توحيد المملكة تحت مذهب واحد أحسن فاستحسن الفكرة وكان فيما يبدو لا يعرف شيئا عن الاباضية غير ما يقصه المتعصبون المغرضون فرأى إنه يجب عليه كي يتخذ الخطوة إن يزور القوم وإن يتصل بهم وأن يعرف منهم أصول هذا المذهب وقواعده حتى يقيم عليهم الحجة ويلزمهم بالخروج منه والدخول في مذهب آخر وارتحل إلى جربة وفي ركابه عدد جم من علماء المالكية الفضلا وطاف في البلد فوجد المساجد عامرة غاصة والمدارس مزدحمة وحلق الدروس متتابعة وأداب الإسلام في المعاملة ظاهرة متغلبة ولكي تتم له الصورة التي أراد أن يأخذها عن الاباضية في جربة عقد مجلسا للمناظرة حضره جمع من علماء الجزيرة وطلاب العلم. وأثيرت بعض المشاكل العلمية فأمر أبو محمد أحد تلاميذه بالجواب فأوضح التلميذ وأبان وأجاب بما أقنع أبا فارس والجمع الذين حضروا معه واتضح لأبي فارس أن الكلمة التي ألقيت في أذنه باسم النصيحة للدين والدولة إنما هي وشاية متعصب حقود ولذلك فقد أقام أياما في جربة ثم عاد إلى مركز الحكم وهو مقتنع أن هؤلاء القوم أحرص على دينهم من الوشاة الذين يتزلفون إليه.
تخرج علي أبي محمد عبد الله عدد من فحول العلماء منهم أبو النجاة يونس التعاريني وأبو يحيى بن أفلح.
أبو سليمان التلاتي
يشرفني هنا أن أرفع قلمي الضعيف، وادع الحديث للإمام القدوة العلامة أبي إسحاق طفيش رحمة الله ورضى عنه، قال أبو إسحاق حين ترجم للعلامة أبى سليمان التلاتي: (1/124)
صفحة 125
هو العلامة النحير، والقدوة الشهير، والولي الصالح أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي الجربي، أحد الثقاة الصالحين، رحل في طلب العلم، واقتطاف أزهار فنونه من رياضها، جاب الفدافذ إلى العلامة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل الميزابي المليكي بوادي ميزاب عام أحد وسنين وتسعمائة، وعن الشيخ سعيد بن علي الخيري الجربي الداوي، وهو الشهير بغاردايه بعمى سعيد.
فهو الذي يحدثنا عن مراحله العلمية منذ البداية فقال: أول ما قرأت العقيدة عقيدة التوحيد وغيرها على عمنا أبي زكريا ابن عيسى الباروني – والذي في طبقات أبي عبد الله الباروني أبي بكر بن عيسى الباروني – وهو من نفوسة ثم قال: ثم قدمت من نفوسة إلى جربة وقرأت بها عند الفقيه أبي القاسم بن يونس السدويكشي ومن شيوخه العلامة أبو يحي زكرياء بن إبراهيم الهواري من مشاهير الطبقة التاسعة عشر كأبي القاسم السدويكشي ثم رحل ثانيا إلى جبل نفوسة فأخذ على أبي يوسف يعقوب بن صالح علامة أجناون بفتح الهمزة والجيم وشد النون وفتح الواو بعدها نون، لفظ بربري معناة الجنان جمع جنة، وهي من أجمل قرى جبل نفوسة بها عين ثرارة تسقي القرية وحدائقها الغناء. ثم ارتحل شيخه إلى جزيرة جربة فعكف على أخذ العلم عن الشيخ إبراهيم بن أحمد من سلالة أبي منصور اليأس التندميرتي النفوسي الإمام المشهور، عامل أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب، وكلاهما من الطبقة السادسة. وقد أخذ عن شيخه إبراهيم بن أحمد فنون المعقول كالمنطق والبيان حتى برع فيها ونبغ. (1/125)
صفحة 126
وكان مجاها مجتهدا في العلم وإصلاح شعبة والوقوف في وجوه الظلمة والطغاة، ولم يأل جهدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى كان في مكانته بمنزلة الإمام العادل في تنفيذ الأحكام والسهر على أمنالأمة وراحتها. وقد ذر قرن الطغيان والعسف من عمال الآتراك يومئذ على تونس، ويبدو أن الثورة على درغوث بن علي التركي في جزيرة جربة كانت باشارته حيث بلغ الشر من أولئك الولاة الطغاة أشده، بما لا بد معه من الدفاع عن الكرامة والدين، فكان أن أغار درغوث الطاغية على الجزيرة بجموع من العربان والنكار والجند، فأخمد الثورة بضروب القسوة، نهايتها قتل هذا العلامة الجليل، فاستشهد رحمه الله في أوج طغيانه- بما انطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم» أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر فيقتل بها صاحبها «أو كما قال فلم يلبث الطاغيةوأعوانه بعده إلا نحو اسبوع حتى انتقم الله منهم باعدائه الأسبان، فكان جزاؤكم وفاقا وكانت وفاته رحمه الله سنة سبع وسنتين وتسعمائة أوائل شهر جمادى الأولى، ودفن بجامع أبي داود بحومة بركوك بالجزيرة – جربة –
وأبو داود هو أبو سليمان اشتهر عند العامة بأبي داود حتى أن أكثر التلاميذ لا يعرفون مصنفاته إلا بأبي داود وهو خطأ أن يكنى بإسمه كخطائهم في كنية جدنا محمد بن عبد العزيز إذ لا يعرف إلا بأبي محمد والخطأ نشأ من أن البربر يكنون العظماء بأسمائهم والأصل عندهم أن العظيم من رجال الدين يقال له بابا فلان أي سيدنا فلان ويختصرونه إلى بافلان فيتوهم أنهم يكنون وعلى هذا اشتهر كثير من عظماء العلماء بكنيتهم بعلمهم في بلاد التي تغلب عليها اللهجات البربرية بالمغرب. (1/126)
صفحة 127
ولأبي سليمان داود مصنفات نفع الله بها كثرا من عباده المؤمنين: منها شرحه على متن ايساغوجي في المنطق مقرر بالجامع الأعظم الزيتونة بتونس، وشرحه على الأجرومية قل أن نجد ممن ادركناه لا يحفظه عن ظهر الغيب، وهو مما من الله علينا به من المحفوظات، وشرح المقدمة هذه، مقدمة العقيدة كذلك قل أن نجد ممن أدركناه من العلماء أو التلاميذ لم يكن من محفوظاته وذلك في بلادنا – وادي ميزاب – ولعل الحال في الجزيرة ونفوسة كذلك وصلى لله على سيدنا محمد وآله وصحبه. هذا ما كتبه الإمام أبو إسحاق عن أبي سليمان الثلاثي وأنا وإن كنت لا أجد شيئا جديدا أضيفه إلى كلام الإمام غير إنني أريد أن اختتم هذا الفصل الرائع بكلمة جانبية صغيرة.
يبدو لي من مقارنات تاريخية كثيرة أن أبا سلمان التلاتي كان من أواخر من تولى رئاسة مجلس العزابة وكان لغزارة علمه وقوة شخصيته وصلابة إرادته يبدو كأنه يقف في الميدان منفردا يتولى جميع الشئون وهذا ما عبر عنه الإمام أبو إسحاق بقوله (حتى كان في مكانته بمنزلة الإمام العادل في تنفيذ الأحكام، والسهر على أمن الأمة وراحتها.) (1/127)
صفحة 128
والحقيقة أن مجلس العزابة يقوم في أطوار الكتمان بعمل الحكومة الجمهورية وشيخ العزابة يكون فيه بمثابة رئيس الجمهورية أو الإمام العادل ينفذ الأحكام ويصدر الأوامر ويتولى جميع الشئون التي يقررها المجلس، على أن ظروف الحياة في جربة قد اضطرت مجلس العزابة أن يجرى بعض التعديل على نظامه فيخالف بذلك نظام العزابة المعروف في جبل نفوسة ونظام العزابة المعروف عند الأباضية في الجزائر وذلك أن المجلس يختار من غير أعضائه شيخا يسمى شيخ الحكم يسند إليه القيام بالشؤون السياسية والمدينة تحت استشارة مجلس العزابة وهذا الشيخ أصبح لا تتوفر فيه شروط العزابة ولا يكون عضوا في الحلقة وانما يكون غالبا كإمام دفاع في حالات الحرب وكواسطة بين الأمة والدول الظالمة لجميع الضرائب بالطريقة التي يقررها مجلس العزابة ويسلمها لعمال الدول الحاكمة وذلك حتى لا يكون التعاون المباشر بين حلقة العزابة والحكام الظالمين. (1/128)
صفحة 129
وهذا التعديل الذي أدت إليه ظروف خاصة في جربة أخرى حسب تقديري بعد القرن التاسع ويدل على إجراء هذا التعديل كلمة أبي سليمان داود التلاتي حين كان درغوث يستجوبه فقد قال له: " نحن جماعة العزابة ليس بايدينا ولا إلينا توليه الأمراء ولا عزلهم في هذا الزمان " وهذا يدل أن العزابة هم الذين كانوا يتولون تولية الأمراء وعزلهم وواضح أن أبا سليمان كان يقول هذا وهو شديد الأسف على هذا الإجراء الذي اتخذ والحقيقة إن مجلس العزابة في جربة بدأ يتخلى ويضعف عن مزاولة اختصاصاته فكانت تسلب منه شيئا فشيئا كما سلبت منه الرئاسة السياسية والمدينة ولقد يتولى في بعض الأحيان بعض كبار العلماء رئاسة المجلس فينتعش كما انتعش في عهد أبي سليمان وعهد شيخ مشائخ أبي النجاة وغيرهم ولكن الظروف التي جاءت من بعد والضربات الموجهة إليه بقصد من بعض الولاة وتمرد بعض مشائخ الحكم من أهل الجزيرة ومحاربتهم علنا للعلماء العالمين ومساعيهم لدى الدولة للقضاء على أولئك العلماء هذه الأسباب كلها كانت عوامل لانحلال مجلس العزابة.
وعلى كل حال فان أبا سليمان داود بن ابراهيم التلاتي كان من أولئك العمالقة العظام الذين انتهت إليهم رئاسة المجلس وقيادة الأمة ومحاربة الطغيان حتى ختم له بالشهادة فرحمه الله رحمه واسعة.
أبو النجاة يونس بن سعيد
أبو النجاة يونس بن سعيد بن يحى الخيرى الجربي أشتهر بابن تعاريت. (1/129)
صفحة 130
عاش في القرنين التاسع والعاشر وكان حلقة اتصال متينة بلين مواطن الأباضية في ليبيا وتونس والجزائر، أخذ العلم عن جماعة من الأعلام مثل أبي عفيف صالح ابن نوح التندميرتي وأبي محمد عبدالله بن أبي القاسم البرادي وأبي يحى زكرياء بن أفلح الصدغياني وغيرهم وتخرج عليه جمع من الإعلام مثل أبي يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي وابراهيم بن احمدابي الحباس وابي عثمان سعيد بن على الخثى الجربى وملامة الجناوني وغيرهم من أقطاب الجزيرة والجبل وبنى مصعب ويكفيه شرفا أنه من العلماء الذين جازت عليهم نسبة الدين إلى المواطن الثلاثة. (1/130)
صفحة 131
اشتغل بالتعليم، وقضية التعليم هي الواجب الأول على جميع علماء الأمة ومع قيامه بهذه المهمة وتوافد طلبة العلم عليه من كل مكان فقد كان يكافح من أجل اقامة دين الله في جميع الميادين فكان من أحراص الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله، وكان داعيه من الدعاة المؤمنين المخلصين الذين اوتوا مقدرة وكفاءة على قيادة الناس في سبيل الخير، وكان حريصا على حماية المجتمع المسلم من الأمراض الأخلاقية التي تتسرب إليه من هنا وهناك، وكان دائم التنقل بين انحاء الجزيرة يعلم الجاهل، ويرشد الضال، ويحل المشكلة، ويفصل المنازعة، ويقضى بين المتخاصمين ويقيم حدود الله على المنحرفين. فلقد كان شيخا للعزابة إليه ترجع جميع الشئون وهو الذي يتولى تنفيذ أحكامهم وإن كان في الجزيرة في ذلك الحين شيخ للحكم هو أيو زكرياء السمومنى اختاره العزابة انفسهم ولكن أبا زكرياء كان يتولى إمامة الدفاع عندما يغير على الجزيرة مغير ويتولى في بعض الأحيان تسليم الضرائب إذا اقتضت الظروف السياسية لجزيرة جربة ان تدفع الضرائب إذا اقتضت الظروف السياسية لجزيرة جربة أن تدفع الضرائب لبعض المتغلبين اما النواحي الأخرى من الشئون سواء كانت دينية أو اجتماعية أو أخلاقية فانما يتولاها الشيخ أبو النجاة تنفيذا لقرارات مجلس العزابة الذي كثيرا ما تقتضيه الظروف فينعقد في بيت أحد أعضاء العزابة بدلا من المسجد.
كان يلقى الدروس لحلقات متفاوتة من الطلاب منهم مبتدئون ومنهم من يسلك في سلك العلماء ومن الكتب التي يدرسها للطبقة العليا من الطلاب كتاب الجهالات وهو كتاب دسم غزير المادة متين الأسلوب لا يقوى على فهمه وتدريسه إلا فطاحل العلماء فوضع عليه أبو النجاة تعاليق وهوامش تشرح الغامض منه وتسهيل الصعب وعلى تلك الهوامش اعتمد أبو عبدالله بن أبي ستة في حواشيه على الكتاب المذكور. (1/131)
صفحة 132
من التلاميذ النجباء الذين درسوا على أبي النجاة سلامة بن يوسف الجناوى، وكان سلامة ذكيا لبقا خفيفا كثير الحركة جم النشاط ولذلك فقد كان ملازما للشيخ لا يفارقه، يحضر أكثر مجالسة، ويسجل ما يقع من مناقشات علمية أو مداولات في الشئون السياسية والإجتماعية ويهتم بصفة خاصة بالنواحي التاريخية فيسجل الحداث تارة بالسنوات وتارة بالشهور فيقول مثلا: " اجتمعت مع شيخي عمنا يونس بن تعاريت عام 903" أو يقول: وقع لعزابة جربة اجتماع عند شيخنا الفاضل الهمام أبي النجاة عمنا يونس بن سعيد بن يحيى بن تعاريت الخ ".
وهكذا كان هذا الطالب النجيب لا يترك شيئا هاما يحدث في مجالس أبي النجاة دون أن يسجله بإختصار ويبدو ان سلامة هذا لم يعن فيما بعد بتنسيق تسجيلاته وملاحظاته وإنما تركها هكذا لتكون مادة علمية مجردة عن رأي المؤلف، وطريقته هذه شبيهة بالطريقة التي سلكها من قبله مؤلفوا اللقط ولو جمعت هذه التسجيلات لكانت كتابا قيما يعطى صورة حقيقية للجزيرة في عصر من العصور.
كان أبو النجاة فضلا عن رئاسته لمجلس العزابة إماما من الأئمة العلام إليه المرجع في العلم والرأي والسياسسة وكانت جميع الاجتماعات في جربة تعقد تحت رئاسته سواء كانت تلك المجالس من العزابة أو من غيرهم فتناقش المشاكل الناجمة بين يديه وإلى ارائه ينتهى القوم فيما يفعلون وفيما يتركون ولعل من أهم الأحداث الواقعة في زمنه أحداث القرصنة ومهاجمة الأساطيل الأفرنجية للشواطئ الإسلامية وعدوانها على ثغور البحر الأبيض المتوسط.
وقد تولى كثير من مؤرخي الجزيرة تفصيل تلك الأحداث وما يقوم به أهل الجزيرة الأبطال من الدفاع. بتوجيه وقيادة العلماء ومشائخ العزابة.
ولعل في الحادثة الآتية الدليل الكافى عما يتمتع بع العلامة أبو النجاة من إيمان راسخ وعقيدة لا تتزعزع وحب للإسلام وإستماتة في الدفاع عنه وما يتمتع به من دراسة عميقة للنفس البشرية ومعرفتها معرفة صحيحة. (1/132)
صفحة 133
نشطت القرصنة الأسبانية في ذلك الحين ووالت هجومها على الشواطئ الإسلامية وبدأت تحتلها من ناحية الغرب فاحتلت بجابة ثم المرسى الكبير ثم وهران ثم طرابلس وكان المخطط الأسباني يضع جميع الثغور الإسلامية تحت سهام موجهة حسب الأهمية، وبعد احتلاله لتلك المراسي كان يأمل أن يحتل غيرها. ومنذ احتل الأسبان بجاية علم أهل جربة انه سوف توجه إليهم ضربة من ضربات القارصنة وإن عليهم أن يختاروا بين أمرين لا ثالث لهما، أما أن يسلموا من أول الأمر، فيسمحون لأولئك الغزاة بإحتلال بلادهم، واما أن يدافعوا دون أن ينتظروا مددا من أحد.
عقد العزابة اجتماعا في دار رئيسهم أبى النجاة يونس وقد حضره شيخ الحكم أبو زكرياء السمومنى وطرح أبو النجاة موضوع احتمال غزو الأسبان لهم للمناقشة ودرسوا موقفهم من كل جوانبه واستعرضوا الحالة العمة للمسلمين في ذلك الحين فعرفوا أنه لا أمل لهم في نجدة تأتي من الخارج فأن الدولة الحفصية التي كانت تحكم تونس في ذلك الحين وكان يتولى امارتها أبو عبدالله أحمد الحفصى كانت اضعف من أن تنجد جربة، واضعف من أن تهتم بغير جمع المال أما البلدان المجاورة التي كان يحتمل أن تهب لنصرة الأخوة في الدين فقد أتى عليها الخلاف القبلى والتعصب المذهبي والفتن الداخلية حتى بلغت حالة من الضعف والإنهيار لا يمكن معها أن تنجد أحد ولا أن تهتم بقضية دين أما جبل نفوسة فقد كان حينئذ مضطرا للاحتفاظ بجميع قواه ليحافظ على نفسه من الغارات المتوالية التي سشنها على اطرافه في كل يوم ناس كانوا يعيشون على النهب والسلب.
وهكذا درس القوم الموضوع، وعلموا انه لن ينجدهم أحد لو وقع عليهم عدوان من قراصنة الأسبان. (1/133)
صفحة 134
وهنا في مثل هذا الموقف تبرز خصائص الإيمان والزعامة، ويمتاز الرجال بعضهم عن بعض. وظهر أبو النجاة بخصائص العالم المؤمن الشجاع، فقد علم أن الجزيرة لا يمكن أن تعتقد على مدد من الخارج فلم يبق لديه إلا القوة الموجودة في الجزيرة، وعليه أن يكون منها قوة يستطيع أن يدفع بها عدوان المعتدين.
وقد فكر قبل كل شيء أن يستثمر الناحية الروحية في الناس وان يملأ قلوبهم بالإيمان ونفوسهم بالثقة بالله، وأن لا يترك للخوف واليأس سبيلا إليهم، فجعل يحبب إليهم الاستشهاد. ويثير في نفوسهم الرغبة في الدفاع عن الدين والوطن. ولكي يؤكد هذا المعنى في أذهانهم ويجعل منهم قوة متماسكة مندفعة في سبيل الله قال لهم ليس بيننا وبين النصاري إلا أمران تجعلهما حجابا وسترا.
الأول: العمل بقوله صلى الله عليه وسلم " إذا التبست عليهم المور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فأنه شافع مشفع، وشاهد مصدق" ورجع القوم إلى القرآن الكريم فوجده يقول للمؤمنين:
" ولقد نصركم الله ببدر وانتم أذلة "
" لقد نصركم الله في مواطن كثيرة "
" يا أيها الذين آمنوا أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم "
" انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا "
إن ينصركم الله فلا غالب لكم "
" قاتلوهم يعذبهم الله بايديكم ويخزهم وينصركم عليهم "
" ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز "
وغن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون "
" ألا إن نصر الله قريب "
" وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم "
" وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر "
" وكان حقا علينا نصر المؤمنين "
" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله "
" كتب الله لأغلبن انا ورسلي "
فلبقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما "
" ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا "
" إن ينصركم الله فلا غالب لكم "
فان حزب الله هم الغالبون " (1/134)
صفحة 135
ذكر أبو النجاة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس ورجع القوم إلى القرآن الكريم يستشهدون به تلك الأمور الملتبسة المظلمة فوجدوا فيه النور الذي ينير الطريق، ويبين لهم السبيل الهدى الذي أن يتبعوه، وقال لهم أبو النجاة: لقد وجب علينا الدفاع بأمر كتاب الله أما النصر فقد ضمنه الله شبحانه وتعالى، وكثرة العدد وقلته عند الله سواء، على أن واجب المؤمنين أن يقاتلوا في سبيل الله حتى ينتصروا أو يستشهدوا " ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه اجرا عظيما " إن واجب المؤمنين أن يقاتلوا اعداء الله، حتى يتحقق لديهم احد الأمرين، اما النصر، وأما الشهادة، والختبار في ذلك ليس لهم، وإنما هو الله العزيز الحكيم، إن شاء يسر لهم أسباب النصر، وغن شاء يسر لهم أسباب الشهادة وفي كل ذلك خير.
وبعد أن شحن نفوس الناس بهذه القوى الروحية، زاد فطلب إليهم أن يتلوا القرآن الكريم جماعية، وان يجعلوا ختمة في كل جمعة، وحتى في أقل من ذلك، وأن يتوبوا إلى ربهم ويستغفروه من آثامهم وذنوبهم، وان يتخلصوا في الحقوق التي بينهم، فانهم قادمون على الله، ورقت نفوس القوم، واستعدوا للقاء الله وترك الدنيا وما فيها، فكانوا يستغفرون الله ويلجأون إليه بالدعاء، ويتخالصون ويتحاللون فيما بينهم من معاملات، وزادهم أبو النجاة الشحنة الروحية الثالثة، حين اقترح عليهم أن يكتبوا إلى إخوانهم في جبل نفوسة. وان يطلبوا إليهم أن يساعدوهم بالالتجاء إلى الله، والدعاء على ظهر الغيب بنصرهم، ونفذت الفكرة، فكتبت الرسالة حالا وختمها بيده الكريمة، وبعث بها إلى أعلام الجبل، من أساتذته وزملائه وتلاميذه فتقبلوها بقبول حسن، واهتموا لها أي اهتمام، وقرروا أن يعقدوا اجتماعا في مسجد (تاله) المتوسط في الجبل، وأن يتجهوا إلى الله تعالى بالتضرع والدعاء أن يحمى الجزيرة وأهلها من ظلم أعداء الله. (1/135)
صفحة 136
دأب شيخنا الجزيرة - شيخ العزابة وشيخ الحكم - على العمل في بقية المدة، فكان أبو النجاة يدعو الناس إلى الاعتصام بالله، وتهوين أمر المشركين، والاستخفاف بقواتهم واستعداداتهم، وكان أبو زكرياء يعمل على تسليح الناس وتدريبهم على القتال وأعدادهم من الناحية العسكرية، وتحقيق ما توقعوه فقد جاء الأسطول الأسباني، وهاجم الجزيرة، بأعظم أسطول عرفته البحار في ذلك الحين فتلقاه أهل جربة الأبطال، ولم تطل المعركة فقد نصر الله المؤمنين وخذل المعتدين ورد كيدهم في نحورهم.
لقد كتب كثير من المؤمنين عن هذه الموقعة، وذهبوا في تعليل انتصار جربة، على الأسطول الأسباني، مذاهب شتى، فكان المؤرخون الغربيون ومن أخذ منهم يعللونها بتعاليل مادية صرفة لا يقبلها العقل، كالجهل بطبيعة الأرض، وشدة الحر، وعطش الجند الأسباني، وما إلى ذلك، وكان بعض المؤرخين المسلمين يحسبونها في كرامات الأولياء والصالحين، فيجعلها بعضهم من كرامات أبي النجاة أو استجابة للدعوات الحارة من أهل الجبل.
أما القلة من المؤرخين الذين درسوها على ما عرفوه من تاريخ الإسلام فلم يجدوا فيها شيئا غريبا يستحق التفكير، وليست هي أول حرب تقع بين الإيمان والفكر فينتصر الإيمان مع قلة عدوه وعدته، وينهزم الكفر مع كثرة ما اعد.
إن الأسباب التي انتصر بها المسلمون في وقعة بدر، والأسباب التي انتصروا فيها في وقعة موتة، وفي اليمامة والقادسية واليرموك. وغيرها من الوقائع هي نفس الأسباب التي انتصر بها المسلمون في هذه الوقعة، وفي أشباهها من الوقائع، لقد تجرد المسلمون من المادية، ولم يضعوا بين أعينهم غير حقيقتين اثنتين: النصر والشهادة، وانطلقوا إلى الجهاد في سبيل الله بتلك الروح التي كان يحارب بها المسلمون في الصدر الأول ويوالون الفتوح متحردين لنشر دين الله وإعلاء كلمته. (1/136)
صفحة 137
حارب سكان جربة على قلة عددهم، وضعف ماتهم، فنصرهم الله وأقام بهم حجته على المسلمين في كل عصر وفي كل مصر. أنها حادثة جديرة أن يدرسها المسلمون وأن يستخرجوا منها الموعظة والعيرة.
أسطول يتكون من عشرين ألف جندي في مائة وعشرين سفينة يغزو شواطئ المغرب الإسلامي، فينتصر في مراكش، والجزيرة، وتونس، وطرابلس، ويحتل مراسيها مرسى بعد مرسى، حتى يأتي إلى الجزيرة جربة، فيها جمها بكل ما لديه من قوة، وكبرياء، ونشوة، بالإنتصارات السابقة المتوالية، فتقابله هذه الجزيرة الصغيرة بثلاثة آلاف مقاتل على أكثر ما يمكن مما تدعيه المصادر الأجنبية، فيهم عدد غير قليل من شيوخ عجزة، دفعهم حب الشهادة، وأطفال مراهقون جاء بهم الحماس. فتنتصر هذه الآلاف الثلاثة الضعيفة، التي ليس لها من قوة السلاح غير بنادق قليلة، وبعض السيوف والخناجر والعصى، وتنهزم العشرون ألفا، المسلحة تسليحا كاملا، بالبنادق، والمدافع وما إلى ذلك من آلات الحرب والدمار. أنها ليست معركة عادية بين قراصنة أسبانيا وسكان جربة، ولكنها معركة بين الإيمان والكفر.
الإيمان الذي لا يعتمد على المادة، ولكن يعتمد على الروح:
قوة الله إن تولت ضعيفا ... تعبت في مراسها الأقوياء
أبو زكرياء السمومنى
بنو سمومن أسرة عريقة في المجد والشرف، والدفاع عن الدين والوطن، وقد تولت حكم جربة باختيار العزابة ما يقرب من ثلاثة قرون. فلقد ذكر التيجاني في رحلته مع اللحياني، إن رئاسة الأباضية الوهبية في ذلك الحين كانت في بنى سمومن، واستمرت أحداث التاريخ تذكر بنى سمومن في مشيخة جربة باختيار العزابة، إلى سنة 997، حين توفي آخر شيخ من هذه الأسرة، هو الشيخ مسعود السمومنى، الذي جمع في حكمة للجزيرة بين اختيار العزابة واختيار الدولة التركية في ذلك الحين، وبعد وفاته اسندت المشيخة إلى أسرة أخرى، هي أسرة بنى جلود. (1/137)
صفحة 138
ويبدو من احداث التاريخ ان مجلس العزابة في هذا الحين بدأ ينحل ويتخلى عن اختصاصاته ولذلك فلم يعد يختار شيوخا للجزيرة ومنذ بدات أسرة بن جلود الحكم كان توليهم عن طريق الحكومة، لا عن طريق العزابة، وكان أكثرهم مناهضين للعلماء معارضين لهم.
يعتبر أبو زكرياء يحى السمومنى، واسطة العقد في أسرة بنى سمومن، كما أن أعماله المجيدة، ترفعه إلى مصاف الأبطال، في الأمة الإسلامية، وتضعه في صف مع كثير من الأبطال الذين عرفوا كيف يدافعون، عن عقائدهم وأوطانهم، وأراضيهم، ويدفعون عدوان المعتدين، وبغى المستعمرين، وانه لموقف مشرف ذلك الموقف الذي سجله التاريخ لأبي زكرياء حين إقامته الأمة في جزيرة جربة مقام امام الدفاع، فوقف وقفة الأسد الهصور دون العرين، ورد الأساطيل الأسبانية الضخمة التي احتلت جميع الشواطئ الإسلامية في بلاد المغرب الكبير فلما بلغت إلى جربة، الجزيرة الصغيرة الضعيفة، ردت تلك الأساطيل على أعقابها تجر أذيال الخيبة والخزي والفضيحة.
عقد العزابة اجتماعا في بيت أبي النجاة يونس حين سمعوا بعزم الأسبان على غزو الجزيرة ودعوا إلى الاجتماع شيخ الجزيرة الذي اختاروه من قبل ليتولى شئون الناس فكلفوه بمهمات الدفاع يعنى أنهم خولوه سلطات امام الدفاع. فباشر تلك السلطات بمهمة المؤمن القوى الحريص على القيام بواجبه فكان بالتشاور مع مجلس العزابة، يعمل على الاستعداد للدفاع، عن هذا الثغر الهام. ولما اتخذ جميع الاحتياطات المادية والمعنوية بقي على يقظة وانتباه ينتظر وصول العدو المغير.
وصل الأسبان باسطولهم الضخم، وقواتهم الغازية، وبعثوا رسولا إلى الشيخ يطلبون إليه تسليم الجزيرة، فاغلط الشيخ للوسول في القول، ورده أقبح رد. ولما علم الأسبان موقف الجزيرة، صمموا على الحرب، وعلى احتلالها بالقوة، وبدأوا الاستعداد للهجوم، فرتبوا جيشهم القوى في صفوف متراصة، كلما انهزم منها صف تقدم الصف الذي يليه. (1/138)
صفحة 139
أما أبو زكرياء السمومنى فقد كان عدد جيشه القليل لا يمكن أن يرتب هذا الترتيب، ولذلك فقد رتبه على صف واحد طويل مقابل العدو، وكان أبو زكرياء على فرسه السابق يطوف على المدافعين الأبطال يشد عزائمهم ويدعوهم إلى الصبر والثبات، ويهون عليهم أمر العدو، حتى التحم الفريقان، وبدأ القتال فكان المحاربون الأسبان، يتساقطون في الميدان، وكلما انهزم صف تقدم الصف الذي يليه إلى المجزرة، ولما طال الموقف خشي أبو الربيع بن أبي زكرياء السمومنى أن يزيد ثبات العدو، وأن يفشل المسلمون، فاختار معه، عددا من الأبطال العدو، وأن يفشل المسلمون، فاختار معه، عددا من الأبطال الفرسان وانحرف عن موقفه في مواجهة العدو، إلى موقف من وراء العدو، ليقطع عنهم خط الرجعة ولما رأي العدو، أن فرسان المسلمين قد طوقوهم من الخلف، وأنهم قطعوا عنهم خط الرجعة إلى سفنهم خارت قواهم، وضعفت عزائمهم، وألقوا بأيديهم، واستسلموا لمصائرهم، وحاول بعضهم الفرار فابتلعه البحر.
وهكذا انتصر أبو زكرياء انتصاره الرائع الحاسم القوى، واستطاعت هذه الجزيرة الصغيرة حين اعتصمت بالإيمان ودافعت بيقين، ووجدت قيادة حكيمة أن تحطم أضخم أسطول في ذلك الحين، الأسطول الذي احتل المرسى الكبير، واستولى على وهران، وبجاية وطرابلس. واقامت الحجة على المسلمين الذين يخشون القوى المادية. واعمتهم أن الأمة المسلمة مهما كانت قليلة وضعيفة، حقيقة بالنصر ما خلصت العمل لله، وتجردت عن الرغبات والشهوات والمطالب الدنيوية.
أبو يعقوب يوسف بن أبي مسور (1/139)
صفحة 140
قال فيع العلامة الشيخ سعيد التعاريتى " كان رحمه الله امام مطاعا، وقدروة مهابا " وتكفى هذه الشهادة للدلالة على مكانة الرجل، فإن الشيخ التعاريتى من أولئك المؤرخين الذين لا ينطلق منهم الوصف إلا بعد تحقيق وتحقق. على أننا لسنا في حاجة إلى ما يطلقه المؤرخون من أوصاف على هذا الرجل العظيم الذي كان يتمتع في عصره بما يتمتع به الإمام أو الزعيم. فقد أهله لذلك عدة أسباب، فهو حلقة في سلسلة أسرة أبي مسور التي دامت زعامتها الروحية من القرن الرابع إلى العصر الحاضر، فلم يمض في تاريخ جربة الطويل عصر دون أن يكون فيه فرد أو أفراد من أسرة أبي مسور يتولون قيادتها الروحية أو السياسية منفردين أو مشتركين مع غيرهم، فلقد ورث أبناء أبي مسور على مختلف العصور - خلقه السمح، وطبعه الكريم، وكرمه المطبوع، ودينه القويم، وعلمه الواسع، ولقد تتضاءل بعض هذه الصفات في بعض الأحيان وتتجلى في الأحيان الأخرى. وقد تجلت في أبي يعقوب، مع قوة في الحق، وشجاعة ليس لها بين معاصريه من أهل الجزيرة مثيل، فكان لشجاعته وقوة شخصيته، وسعة علمه، ومبلغ كرمه، مسموع الكلمة واسع النفوذ، قويا قوة المؤمن المحق، لا يخشى الجبابرة، ولا يطاطىء رأسه لذوى الطغيان بل كان يجابههم ويجبههم. (1/140)
صفحة 141
لم يشتغل أبو يعقوب بالتدريس فيما أعلم، رغم أن التدريس هو الواجب الأول الذي يراه علماء الأباضية اوكد الواجبات عليهم والسبب في لذلك على ما يبدو أن الجزيرة كانت في زمنه، قد غصت بالعم والعلماء فما من مدرسة أو مسجد ألا وهو يعج بالعلماء الإعلام والطبلة الأذكياء والتلاميذ النجباء. ولهذا السبب فقد اقتصر أبو يعقوب على التوجيه الدينى، والاصلاح الاجتماعي العام، أعنى أنه ترك رعاية الأطفال والشباب لغيره من المعلمين، والمربين، واقتصر على رعاية الكهول والشيوخ، يدعو إلى سبيل الله على بصيرة من امرة، وكان كثيرا ما يقف في وجوه الولاة الظالمين الذين لا يهمهم إلا أن يجمعوا أموالا من الناس كيفما كانت حالة الناس، وكثيرا ما كان يدفع الضريبة المترتبة على احدهم - إذا كان فقيرا - من ماله الخاص، لما عينت الدولة التركية درغوث بن على واليا على طرابلس اهتم بأمر جربة، فذهب إليها واحتلها واقتطعها عن تونس والحقها بحكمه في طرابلس، وترك عليها واليا من قبله، ولكن الوالى الذي تركه درغوث على جزيرة جربة، كان ضعيفا فانتهز بعض العساكر والجنود الذين بقوا مع الوالى لحفظ الأمن ضعفه، فاصبحوا يرتكبون من الفظائع ما تأباه الضمائر الحرة، يقول فيهم العلامة أبو الربيع الحيلاتي: " فاشتد الحال على أهل جربة لما أظهروا لهم من الشر وسفك الدماء واخذ الأموال " فثار أهل جربة على الوالى، وطردوه من الجزيرة، ولوا على انفسهم (عبدالله البرجى) وطلبوا من الدولة في تونس حمايتهم من عمال طرابلس وجورهم، وإرسال المده إليهم ولكن الدولة التونسية حينئذ كانت تحتضر. (1/141)
صفحة 142
وسمع درغوث بالحركة فغضب، وجهز جيشا قويا وارتحل إلى جربة واستعد أهلي الجزيرة لملاقاة الجيش الزاحف إليهم فعسكر درغوث بجيوشه الجرارة في مرسى القنطرة خارجا، وعسكر أهل جربة في سدويكش وحولوا سوقهم إلى بنى ديغت، وبقيت جربة تحت الحصار ثلاثة أشهر تضايق منه أهل الجزيرة المحصورة، وفكر جماعة من أهل الجزيرة في حل المشكلة، وقرروا أن يطلبوا مقابلة درغوث للمفاوضة في أمر الصلح، فإذا جاءهم قتلوه، وبعثوا إليه من أبلغه رغبة القوم في الصلح وطلبهم لحضوره إليهم فوافق، وبلغ خبر المكيدة إلى المشائخ وإلى أبي يعقوب يوسف فوزنوا الأمر بميزان المصلحة العامة للأمة المسلمة، وذكروا ما لدرغوث من جهود في رد عدوان الصليبين، وتحطيم أساطيل القرصنة، فلم يرضوا ولم يوافقوا على تنفيذ المؤامرة، وانتدبوا أبا يعقوب ليقوم بالمفاوضة في أمر الصلح ورضى أبو يعقوب واستعد للقيام بالمهمة كما أن جميع الأهالي قد وافقوا على هذه الخطوة العادلة. (1/142)
صفحة 143
ذهب أبو يعقوب إلى درغوث واتفق معه على الصلح وذلك بأن يسمح سكان الجزيرة لدرغوث وجيشه بالدخول، وأن تعود الجزيرة إلى حكمهم، على أن لا يؤذي أحد، ولا يؤخذ مال، فدخلوا البلد، ولما وجدوا انفسهم داخل الجزيرة غرهم الشيطان فحسبوا أنفسهم فاتحين، فارتكبوا من القتل والغضب والسرقة ما يرتكبه أمثالهم، ولم يف درغوث بالوعد، ولم يتقيد بما اتفق عليه الطرفان، فسمح لجنده أن يفعلوا ما يشاءون، والقى القبض على شيخ الجزيرة، الذي اختاره الناس عبدالله البرجى، فقتله ثم سلخ جلده، وملأه نخالة وبعث به إلى طرابلس. واضطر الشيخ أن يعود مرة أخرى إلى درغوث ليذكره بانه خان عهد وأخطأ في تقديره، وفي تصرفه وإن مشائخ الجزيرة لو سمحوا بالغدر والغيلة، وخيانة العهد، لكان درغوث هو المقتول قبل ان يصل إلى هذا المكان. فاستحيا درغوث، واستجاب لكلمة الحق، ولكن بعد إن ترك جيشه في الجزيرة أسوأ الاثار، وارتحل درغوث إلى طرابلس ولكن البقايا الذين تركهم في الجزيرة عادوا إلى مسلكهم، في ظلم الناس، وابتزاز الأموال، وهتك الأعراض، فتذمر الناس، وسخطوا على حكم طرابلس، وحاولوا أن يتصلوا مرة اخرى بحكومة تونس. وسمع درغوث بهذه الحادث الجديد فجهز جيشا آخر ودخل الجزيرة، ولم يظهر أهل الجزيرة أية مقاومة فقد استنفذ العدوان السابق المتلاحق ما لديهم من وسائل المقاومة فقد قتل رجالهم وأخذ سلاحهم، واستنزف اموالهم، ولذلك فما سمعوا برجوع الجيش التركي حتى تركوا منازلهم ومزارعهم، وارتحلوا إلى جوار أبي يعقوب فسكنوا إلى جانبه على شكل لاجئين. من كانت له خيمة نصب خيمته واوى إليها، ومن لم تكن له خيمة نصب ارديته على اعمدة واضاف إليها جريد النخيل وبعض القش وسكن بها، أنها صورة من مساكن اللاجئين الذين يطاردهم الأقوياء من بنى الإنسان فيحرمونهم من اموالهم وأراضيهم ومساكنهم. (1/143)
صفحة 144
ودخل الجيش التركي في دوى عظيم، طلقات متواصلة من المدافع والبنادق ودقات متتابعة للطبول، وضاق الناس بهذا المظهر الصاخب، فتجمعوا على أبي يعقوب يلتمسون منه أن يصنع شيئا لإيقاف هذه الكارثة الجديدة. واستجاب الرجل العظيم لطلب الناس واستعد لمجابهة العدوان الجديد، فاتصل بالقائد الأعلى للقوات المسلحة درغوث بن على وطلب منه أن يأمر في الحال بإيقاف هذا الدوى الصاخب حتى تهدأ أعصاب الناس. واستجاب القائد لكلمة الشيخ فأمر بإيقاف جميع الحركات، وحينئذ طلب الشيخ من القائد أن يسير معه إلى منزله ليتفاوضا في أمر الصلح. واستجاب القائد أيضا فتبع الشيخ إلى منزله مع بعض رجاله وتم عقد الصلح واتفق الرجلان على مصلحة الجميع، وتغذى القائد ورفاقه حيث رجع إلى جنده يحذره أن يرتكب أي خطأ في حق جربة كما فعل في الماضي، اما الشيخ الذي كان يعرف ما قاساه اولئك اللاجئون، الذي ملأ الرعب افئدتهم وما تعرضوا له من الحرمان والجوع. فقد أمر أهله أن يجعلوا من الطعام ما يمكن أن يغاث به أولئك اللاجئون المساكن فتم ذلك فعلا وكانت تقدم الجفتة الكبيرة ملأى بالطعام يحملها رجلان أو اكثر في شارية يطوفون بها على مساكن اللاجئين وكان الشيخ يطوف معهم وبيده مغرف يأخذ من الجفنة ويعطى لتلك الأسرة المحرومة حسب أفراد عائلتها، حتى طاف على جميع تلك الخيام.
أثمر الصلح هذه المرة فلم يعد الجند إلى الاعتداء وانما كانوا يأخذون ما فرضوه من الضرائب على الشعب المسكين فقط، حتى تغير وجه التاريخ في جربة. وانتهت تبعيتها لطرابلس والحقت بتونس. (1/144)
صفحة 145
كان أبو يعقوب احد العظماء من أسرة أب مسور العريقة في جربة هذه الأسرة التي تزل متميزة بالعلم والدين والجود والشجاعة منذ اسسها أبو مسور بسجا بن يصليتن اليهراسنى في النصف الأول من القرن الرابع الهجري والتي لم تبق في يوم من الأيام دون ان تكون بها شخصية عظيمة تجمع بين العلم والدين والشجاعة والكرم ما تكون به ملاذا للناس، ومرجعا لهم عند الشدائد عاش أبو يعقوب في الفترة الحرجة من تاريخ جربة التي اجتمعت فيها البلايا من كل جانب على هذه الجزيرة الصغيرة فقد كان الاعراب يتكالبون عليها للسلب والنهب، وكانت الدولة التونسية تلح في جمع المال وفرض الضرائب وكانت القرصنة الأسبانية حريصة على احتلالها عاملة على غزوها، من حين إلى حين، وكان درغوث والجند الذين معه لا ينفكون يعتدون عليها ويعاملونها معاملة الأعداء، وكان بعض المتعصبين ممن ينتمى إلى العلم يلهب العصبية المذهبية ويوغر الصدر على الأباضية ويدعو إلى تفكيرهم وعدم قبول شهادتهم.
في الفترة الحرجة التي بلغت أسوا ما يمكن من الحالة السياسية عاش أبو يعقوب في جو مزدهر بالعلم فكان يخفف آلام الناس بما يملك من وسيلة فقد يمد يد الاحسان وقد يستعمل الكلمة اللطيفة وقد يقف للحكام أو يرد على أولئك الذين يحسبون أن جربة مغنم لا ينضب.
توفى أبو يعقوب يوسف بن أبي مسور سنة 1013 فترك فراغا هائلا في جربة أحسن به الناس جميعا رغم انه خلف لهم في منزله ولدا بلغ من العلم مثل ما بلغ أبو يعقوب أو أكثر، واشتهر بالصلاح والتقوى والبركة، وكان مرجعا للناس بعد أبيه وان لم تطل به الحياة أيضا، فلحق بربه بعد سنوات من وفاة أبيه فرحم الله أبا مسور وأبناء أبي مسور وجعل في بيته من يحمل رسالته ويقوم بدعوته ويناضل في سبيل الحق والخير.
أبو محمد عبدالله السدويكشى (1/145)
صفحة 146
أبو محمد عبدالله بن سعيد السديكشى، قمة من قمم العلم الشامخة، ودعامة من الدعائم التي قام عليها بناء الإيمان والحق في الجزيرة، فتح الله عليه آفاق المعرفة، ورزقه من قوة الجنان وفصاحة اللسان، وبراعة البنان، ما مكنه من خدمة دين الله، ويسر له أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر ويدعو إلى سبيل الله على بصيرة من أمره. كان لا يمل من التدريس، وكان يسجل في جميع دروسه ملاحظات وشروحا على الكتب التي يدرسها حتى ترك لنا ثروة علمية قيمة، لا تزال سندا لمن يريد أن يطلع على كتب الأباضية بل حتى على بعض كتب اللغة العربية التي درسها للطلبة.
كان يتولى دروس الوعظ والإرشاد في جميع مساجد الجزيرة، اما مقره فقد كان في مسجد بنى لاكين، وفي هذا المسجد العامر، كان يحلق عليه الطلبة المستديمون، ويتلقون عنه فنون المعرفة، حتى تخرج عليه فيه عدد من فحول العلم منهم العلامة أبو محمد عبدالله بن أب حفص، بن أبي سته الذي ورث عنه علمه، وخلقه، وكفاحه، ومجلسه، والى هذا المسجد كان يتوارد وفود الناس يحملون مشاكلهم وخصوماتهم فيفصل بينهم بكتاب الله، فقلد كان يقوم مقام الأمام وإليه انتهت رئاسة العزابة والعلماء لابتعيين من الولاة والأمراء ولكن بالعلم الواسع الذي يعترف به الزملاء ويسلمون لصاحبه محبة وتقديرا، وكان العلماء جميعا يحصرون مجلسه، ويناقشون جميع شئون الجزيرة من نواحيها، فيقرون ما يوافق الإسلام، ويعلنون الحرب عما انحرف إليه الناس من بدع او مناكر انحرف إليها الناس بطبيعة الحياة والاختلاط. (1/146)
صفحة 147
كان شيخ الجزيرة في ذلك الحين احد أبناء أبي الجلود الذين تواصلوا إلى الحكم عن طريق الرشوة، والكيد وتقديم الموال، وأقام الرجل في دار الحكم ينتظر أن يحتفل به الناس، وأن يلتفوا حوله، وان يعمروا مجلسه، وان يتوددوا إليه، وأن ينقلوا إليه أخبار الناس، وأن يعرضوا عليه مشاكلهم، فلم يكن يأتيه احد اللهم الا اشياخ الحارات في مواعيد الضرائب يحملون إليه ما فرض على الناس كاملا مستوفى، دون شكوى من أحد، وبقى الرجل في فراغ، فكان يتساءل عن السبب حتى أخبره احد الناس، أن أهل الجزيرة تعودوا أن يرجعوا بمشاكلهم إلى علمائهم الذين يتمتعون باحترامهم وتقديرهم، وان اعلم علمائهم في هذا الحين الذي يرجع الناس إليه هو أبو محمد عبدالله السدويكشى، وغضب شيخ الجزيرة في نفسه وظن ان التفاف الناس بهذا الرجل استهانه بمنصبه ومقامه، فدعاه إليه ولما اجتمع به وسمع منه، أكبره وأكبر علمه واظهر له من الإحترام ما يليق بمثله، وانصرف أبو محمد من مجلس شيخ الجزيرة، ودخل الوشاة الذين لا يحلو لهم إلا أن يحسدوا الناس لعلى ما أتاهم الله من فضل، فقالوا لابن أبي الجلود. (1/147)
صفحة 148
ما زدت أن رفعته فوق مكانه، وأصبح هون والى الجزيرة الحقيقى، ولو شاء أن يدعوا الناس إلى قتلك او غير ذلك لاستجابوا له مختارين، وعلمت الوشاية في صدر الواتلى عملها فدعا إليه الشيخ من جديد وأراد أن يظهره بين الناس في مظهر المستهان به المحتقر فامره ان لا يلبس على رأسه إلا طاقية بيضاء من القماش مثل الأطفال تحقيرا له وتشهيرا به، وامتثل الشيخ لأمر الوالى ولبس الطاقية البيضاء حتى اشتهرت به، واشتهر بها، وشاءت إرادة المولى سبحانه وتعالى، أن تكون هذه العقوبة أو هذا التشهير الذي أراد به المولى تحقير أبي محمد سبب تكريم لهذا النوع من اللباس، إذا لم يمض غير زمن قصير حتى كانت الطاقية البيضاء من القماش، هي الزى الرسمي، أو اللباس الخاص برجال العلم ورجال الدين، فأصبحت هي لباس العزابة والطلبة، وقد انتقلت هذه الفكرة من الجزيرة إلى الجبل، وإلى الجزائر، وإلى جميع مواطن الاباضية في الغرب الإسلامي. ولو اتيح للقارئ الكريم أن يزور وأدى ميزاب في الجزائر فانه، سوف يجد جميع العزابة والطلبة لا يلبسون على رؤوسهم إلا طاقية بيضاء من القماش فهى زيهم الرسمي الموحد وقد احتفظ الطلبة الميزابيون بهذا الشعار في جميع مظاهر النشاط حتى إن فرق الكشافة كانت تحتفظ به كلباس للرأس في جميع رحلاتهم ومخيماتهم حيثما أقيمت وكان لها من الجمال ما بعث الإعجاب في نفس رئيس الجمهورية الأول فأثنى عليها وأبدى استحسانه لها.
أما في ليبيا فقد اختلف أمره. ففي زواره أصبحت الطاقية البيضاء هي لباس أغلب أهالي زواره يفضلونها عن غيرها من البسة الرأس في الصيف وصارت غير خاصة بالغزابة، أما في جبل نفوسة فقد كانت خاصة بالعزابة إلى عهد قريب ثم شاع استعمالها بين الناس عندما انحلت نظم العزابة في الجبل وأصبحت هي لباس الرأس المفضل في الصيف عند أغلب الناس. (1/148)
صفحة 149
كان أبو محمد عبدالله من أولئك العلماء الذين لا يعرفون الراحة، ولا يفكرون عن العمل فهو دائم الكفاح في سبيل الله ينتقل من ميدان إلى ميدان قد يعقد المجلس لفصل المشاكل والمنازعات، وقد يعقد المجلس للتشاور في شئون الجزيرة العامة أو الخاصة وما يجد فيها من الأحداث، وقد يعقد المجلس العلمي لمناقشة بعض المشاكل العلمية الجديدة التي تتطلب أحكام شرعية جديدة، وقد ينتقل بين مساجد الجزيرة، يلقى دروس الوعظ والإرشاد، وقد ينتقل بين المتاجر والأسواق ومجامع الناس، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويبين الحلال والحرام للناس، وهو قبل كل ذلك وبعد كل ذلك يرى على نفسه واجبات ثلاث، ولا يمكن أن يخل بواحدة منها مهما كان الأمر، تلك الواجبات هي:-
أولا: تخصص أوقات من الليل والنهار يتفرغ فيها من شواغل الدنيا العامة والخاصة ويتجه إلى ربه بعبادة خالصة يقضى فيها حق الروح والقلب.
ثانيا: تخصص أوقات أخرى لإلقاء الدروس الفنية على طلبة العلم وقد أثمر هذا العمل للبلاد ثمرا طيبا فتخرج على يد الشيخ عدد من فطاحل العلماء كانوا هدى ومنارا، وتركوا لنا ثروة علمية لا زالت مرجع طلاب العم والمعرفة.
ثالثا: تخصص أوقات لتأليف الكتب ودراسة المشاكل المستجدة، واستنباط الأحكام لها بطريق الاجتهاد، وقد أهتم كثيرا بالكتب المؤلفة فكان يكتب عليها التعاليق الكثيرة والشروح المسهبة تارة يحررها بنفسه، وتارة يتركها لطلابه النجباء، ولذلك فقد كان العلامة أبو عبدالله بن أبي سته المشهور بالمحشى يعتمد عليه في أكثر حواشيه، ويقول مثلا: " قال شيخنا عبدالله " أو يقول: " بخط شيخنا عبدالله " المقصود بذلك طبعا هو الشيخ أبو محمد عبدالله الشدويكشى فهو شيخه الذي أخذ عنه العلم. (1/149)
صفحة 150
قال العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت في العلامة الشدويكشى ما يأتي: " لا تمر به مسألة إلا حل مشكلها، كان أية من آيات الله تعالى في صل كلام الفحول، ومن اطلع على مصنفاته يشهد له بطول الباع، وبدقة النظر، وله من التأليف ابالغة في الحسن حاشية جزء الصلاة من كتاب الإيضاح، وحاشية كتاب الديانات، لأبي ساكن في نحو كراسة، ورأيت له حاشية على شرح القطر في النحو لأبن هشام عظيمة القدر والشأن" ويقول بعد الكلام. " وله أجوابة وأحكام ونوازل عديدة في جميع الفنون خصوصا علم الكلام فإن له فيه اليد العليا رحمه الله."
ثم ذكر التعريتى امثلة من الأحكام التي أفتى بها اجتهادا.
كان أبو محمد من أولئك الاعلام الذين بعثوا الحياة في الأمة، وتركوا من بعدهم نورا وهدى، وختم أعماله المجيدة بزيارة بيت الله الحرام وفي تلك الربوع المقدسة ختمت أعماله وانتقل إلى ربه رحمه الله واسعة، وأفاض عليه من فضله العميم أنه غنى كريم.
أبو عبدالله بن أبى ستة
هو الإمام القدوة العلامة: أبو عبدالله محمد بن عمرو بن محمد بن احمد بن أبي سته، أشتهر بين الدراسين بلقب المحشى اخذ العلم عن كثير من أهل الجزيرة وغيرهم، وكان أكثر ما اخذ عن الإمام أبى محمد عبدالله بن سعيد الشدويكشى.
كان الإمام أبو سته من اولئك المؤمنين الذين اخلصوا دينهم وعملهم، وأسلموا أرواحهم لله، فهو لا يفتر عن الجهاد في سبيل الله. عاش في القرن الحادي عشر وكانت البلاد التونسية في ذلك الحين، تحت حكم شديد الإضطراب. وولاة لا يهمهم من أمر الدولة. ومصلحة الأمة إلا مقدار ما يأخذون من أموال، وكانت الشعوب في ذلك الحين بعيدة كل البعد عن الدولة وعن الالتفاف حولها أو الاعتماد عليها في أي شأن ولذلك فهى تدفع الضرائب لطلابها تحت ضغط الضرورة وتعود إلى نفسها في بقية الشئون قتسندها إلى من تثق به من علمائها وصلحائها. (1/150)
صفحة 151
سافر أبو عبدالله إلى مصر، برسم الدراسة في الأزهر، فبقى هناك 28 سنة دارسا في الأول ومدرسا بعد ذلك، وتخرج على يده عدد من فطاحل العلماء في أرض الكنانة وأشتهر بين علماء الأزهر بلقب البدر، فإذا أطلقت كلمة البدر بين علماء الأزهر فالمعنى بها أبو عبدالله بن أبى سته، وكان إلى دراسته وتدريسه بالأزهر يقوم بنشاط آخر كبير خارج ميدان الأزهر. فقد كان الرجل من أشد الناس حبا للعمل ومواصلة للكفاح، ولذلك فقد كان لا ينفك عن المحاضرات والندوات والدروس الخاصة، وكان جل إهتمامه بالدار العلمية التي تأوى عددا غير قليل من طلاب العلم الذين يقبلون من مختلف بلاد الأباضية على القاهرة للدراسة وكانت تلك الدار تحتوى على مكتبة من انفس المكتبات، فكان يتولى الأشراف عليها وارشاد الطلاب إلى الإستفادة من كنوزها، وعندما رجع إلى وطنه جربة كان بمثابة دائرة معارف حية متنقلة، فكان لا يستقر في مكان، وإنما كان ينتقل من مدرسة إلى مدرسة ومن مسجد إلى مسجد ومن حي إلى حي يلقى دروس العلم على طلاب العلم. ودروس الوعظ والإرشاد في المجامع العامة ويدعو الناس إلى الإستمساك بدين الله والحرص على المحافظة عليه، وكان لا ينفك عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ولقد يخيل للقارئ الكريم، وهو يقرأ هذه السطور، إن القيام بكل هذا كثير على رجل واحد، والواقع إن هؤلاء المكافحين الذين يبذلون كل ما عندهم - من علم وقو ووقت لله والأمة - قليلون، وهم أفراد في كل عصر وفي كل أمة. (1/151)
صفحة 152
على أن أبا عبدالله كان إلى جانب ذلك يخصص وقتا للدراية العليا فلقد ورث عن شيخه أبي محمد السدويكشى مجلس مسجد بن لاكين فكان يلقى فيه دروسا بين صلاتي الظهر والعصر لجميع الطبقات يحضره كبار العماء في الجزيرة فكان بعد صلاة الظهر يستفتح للتدريس فيجلس أمامه كبار العلماء فيلقى عليهم درسا يستمر إلى صلاة العصر، ويناقشه اولئك العلماء ويناقشهم في المشاكل التي تعرض لهم أثناء الدرس، وبعد صلاة العصر يعقد مجلس للحكم فيقبل عليه الناس بمشاكلهم ومنازعاتهم وقضاياهم فيحكم بينهم بكتاب الله، ويرضى الناس بحكمه وينصرفون مقتنعين بحكمه لا ينظرون إلى حاكم أو قاض أو شيخ من موظفي الحكومة الذين يعتبرهم الناس آلات جعلتهم الدولة للتحكم في الأمة، فاتاحت لهم أن يعيشوا أعالة على الأمة. يقبضون المرتبات من الدولة، ويبتزون الأموال من الناس بمختلف الطرق.
يقول العلامة الشيخ سعيد التعاريتى في رسالته القيمة: " وبع الصلاة - أي صلاة العصر - يجلس للحكم بين الناس وله مكان يحكم فيه، معلم إلى اليوم، به مقصورة، يجلس الشيخ ببابها ويجلس الخصوم داخلها ولا يخرج منها المحكوم عليه حتى يذعن للحق، ويستعد للاداء. ورأيت دفترا مقيدا به جميع أحكامه الصادرة منه هناك، وهي كثيرة جدا وكلها فوائد علمية وأحكام شرعية، ونوازل فقيهة، رحمه الله ما اعلمه وادقه."
إن شهادة الشيخ التعاريتى وحدها كافية في الدلالة على ما للرجل من منزله في العم والعمل ولكننا لا بد أن نشير إلى بعض الجوانب من هذه الشخصية، الفذة الفريدة في ذلك العصر. (1/152)
صفحة 153
مع اشتغال أبي عبدالله بالتدريس وقيامه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واضطلاعه بأمور الناس في جميع أنحاء الجزيرة وتخصيصه وقتا لكل مسجد وكل حي يلقى فيه دروس العلم أو دروس الوعظ ومع انشغاله بالحكم بين الناس فقد خصص وقتا للتأليف وقد أنتج في هذا الميدان ما استنار به الدارسون والمدرسون واستعانوا به على فهم علوم الأولين، ولقد اهتم أكثر ما اهتم بشرح وتوضيح وتحقيق ونقد ما كتبه الأولون، فكان يضع الشروح والهوامش والتحقيقات والنقود على الكتب التي تمر على يده ومن هذه التأليف ما يأتي:-
1 - حاشية ضافية على قواعد الإسلام لفيلسوف الإسلام الشيخ إسماعيل الجيطالي
2 - اللمع على كتاب الوضع لأبي زكرياء الجناوني
3 - حواشي على بعض الأجزاء من كتاب الإيضاح للأمام أبي ساكن الشماخى
4 - حاشية على شرح العقيدة لأبي العباس الشماخى
5 - حاشية الترتيب على مسند الربيع بن حبيب وتعتبر هذه الحاشية أجل كتبه واقيمها.
6 - حاشية كتاب النكاح.
7 - حاشية مختصر العدل لأبي العباس الشماخى
8 - حاشية على شرح الجهالات
9 - حاشية على تبين أفعلا العباد لأبى العباس بن أب بكر
10 - حاشية على كتاب الفرائض لفيلسوف الإسلام إسماعيل الجيطالي
11 - حاشية على كتاب الشيخ تبغورين بن عيسى
12 - حاشية على كتاب السؤالات
ولهذه الحواشي الكثيرة على كتب الفقه والتوحيد والفرائض لقبه الطلبة بالمحشى.
توفي سنة 1087 وله من العمر خمس ستون سنة وقد ترك فراغا هائلا وحزن عليه أهل العلم والإيمان ورثاه جماعة من الشعراء منهم تلميذه الأديب المؤرخ أبو الحسن على بن بيان بقصيدة طويلة مطلعها:
إلى الله أشكو لوعتي وشجوني
فرحم الله ذلك المؤمن الذي أدى للأمة أجل خدمة في عصر الاضطهاد والاضطراب والفوضى.
أبو الربيع بن احمد الحيلاتي (1/153)
صفحة 154
قال فيه أبو عبدالله أبو راس " هو شيخ مشائخ عصره، ووحيد دهره" وقال فيه العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت " الشيخ النحرير، العالم الكامل، محى ما انطمس من آثار هذه الدعوة."
ولد أبو الربيع سليمان بن أحمد الحيلاتي في أوائل القرن الحادي عشر وتوفي في آخره سنه 1099 وعاش أبو الربيع الحيلاتي في عصر بلغت فيه جربة من الناحية العلمية والدينية مرتبة يندر أن تصل إليها البلاد فلقد كان القرن الحادي عشر في جربة من أزهى العصور بما فيه من العلماء الاعلام منهم من بلغ درجة الاجتهاد في جميع العلوم، ومنهم من تخصص في فرع من فروع المعرفة، ومع هذه الكثرة من العلماء الإعلام والمؤلفين العظام، كان مقام أبي الربيع الحيلاتي ظاهرا واضحا بين أقرانه. فلقد أوتى مع ما أوتى من سعة الإطلاع، وغزارة المادة. نشاطا متزايدا، وهمة دائبة، وعزيمة قوية، وحيوية متوثبة، قل أن تتوافر في شخص واحد، ولعل اهتمامه بسيرة السلف، وعنايته بناحية التاريخ هي الجوانب التي برز فيها، وميزته عن غيره من علماء عصره حتى أصبح مصدرا من مصادر التاريخ لا يمكن لدارسي التاريخ - لا سيما تاريخ المذهب الأباضي ورجاله - أن يستغنى عن أبحاثه ورسائله ورواياته الكثيرة، وإذا عن لباحث أن يعد علماء التاريخ من الأباضية فذكر البغطوري وأبا زكريا وأبا عمار وأبا الربيع بن يخلف وأبا الربيع الوسياني وأبا العباس الدرجينى وأبا القاسم البرادى وأبا العباس الشماخي وأبا عبدالله الباروني فانه ولا شك يجب أن يذكر معهم أبا الربيع الحيلاتي ولعل الحيلاتي هو أهم من أرخ في القرن الحادي عشر. (1/154)
صفحة 155
وأبو الربيع وإن كانت آثاره لا تزال متفرقة، وكثير منها غير منسق ويحتاج إلى مجهود علمي الا أنها تكون مادة تاريخية دسمة لتاريخ الجزيرة على الأخص، ولقد سلك في عنايته بتاريخ جربة أسليب لم يسبق إليها ومسالك تعد في نظري ابتكارا علميا في كتابة التاريخ، تساعد الباحث وتيسر له العمل فلقد وضع رسالة تاريخ جربة ارخ فيها للأحداث سواء كانت تلك الحداث سياسية أو طبيعية أو إجتماعية بحسب السنوات فيقول مثلا: " وفي هذه السنة - أي سنة 1007 ووقع الغلاء الكبير المعروف بغلاء البرجى حتى انقطع السعر، وتمادى القحط والجدب والغلاء سبع سنين من تمام ألف إلى السنة السابعة، والظلم الكثير إلى أن أغاث الله أهل جربة بتولية عبدالله البرجى في السنة المذكورة فأزال عنهم الظلم والأذى، وفي السنة الثامنة رجع الباشا درغوث حاكم طرابلس بعد ان وقع الخداع والنفاق بين أهلها وبعثوا إليه الكتب فأتاهم في أوائل السنة وأستولى عليها بعد أن قتل في السوق خلق كثير واستأداهم مائة ألف دينار لما فعلوا وأمسك أهل أ {كوا عبدالله البرجى، وسلموه لدرغوث فسلخ جلده، وحشاه نخالة وصلبه، على جذع نخله، وجعل في البلد ما لم يأذن به الله من السبى، وأخذ الأموال، والغضب والفاحشة العظيمة." (1/155)
صفحة 156
ووضع الحيلاتى رسالة أخرى ترجم فيها للعلماء تراجم مختصرة، ووضع رسالة ذكر فيها مساجد جربة، ومؤسسيها، وزمن كل واحد منهم، ووضع رسالة ذكر فيها العلماء الذين جازت عليهم نسبة الدين من عصره إلى عهد النبوءة ووضع رسالة ذكر فيها الاجتماعات العلمية والعلماء الذين انتهت إليهم رئاسة تلك المجامع والمساجد والأماكن التي كانت تنعقد فيها تلك الاجتماعات، كذلك أشار في كثير من الأحيان إلى حلق الدراسة ومواضيعها، هكذا سلط الأضواء على النواحي التاريخية بجربه من جميع الجوانب فيسر على الباحث العمل في الميدان الذي يريده. إنك إذا أردت أن تدرس شخصية من الشخصيات العلمية فعليك أن ترجع إلى رسالة التراجم بدلا من أن تبحث عن المجامع العلمية فما عليك إلا أن تعود إلى الرسالة الموضوعة لذلك. وهكذا في بقية الجوانب التاريخية لحياة الجزيرة، لقد حاول أن يصور الجزيرة صورة كاملة فوجه إليها عدسته من عدة زوايا فصورها من زاوية الأحداث وصورها من زاوية العلم والعلماء، وصورها من زاوية المساجد والنواحي الدينية، وصورها من زاوية المجتمع إلى آخره، ولكي تتم الصورة التي أرادها لجربة وضع رسالة أخيرة صغيرة وذكر فيها الأسرة العلمية وتحدث عن كل أو بعض من نبغ في تلك الأسر. وعلى كل حال فقد ترك لنا مادة خصبة للتاريخ. وأنه لواجب أكيد على المثقفين من أبناء الجزيرة الكرام أن يدرسوا هذا التراث القيم دراسة علمية تستفيد منها الأجيال المقبلة. (1/156)
صفحة 157
ولو أن عناية الشباب المتعلم من أخواننا في جربة تناولت آثار أبى الربيع الحيلاتى من آثار أبى عبدالله رأس مع آثار سلامة بن يوسف مع آثار إبراهيم بن ثابت مع آثار أبي الحسن على بيان مع آثار أب عثمان سعيد بن تعاريت وغير ذلك من آثار العلماء التي لم اتصل بها ولم أعرفها وقد تكون بين أيدي بعضهم لخرجوا منها برصيد ضخم من العلم والثقافة ولألقوا ضوءا منير على عهود من التاريخ نحن في حاجة إلى معرفتها هذا من الناحية التاريخية أما الجوانب الأخرى وما أخصبها وأكثرها فانها تدعو أبناء جربة الكرام أن يلتفتوا إليها ويهتموا بها ولقد بقيت جربة خلال القرون الثلاثة الماضية حاملة لواء العلم والمعرفة رغم فساد الحكم وتعدد ألوان الظلم عليه.
ولم يكن أبو الربيع مؤرخا فحسب ولكنه كان من الطبقة العليا في جميع أنواع الثقافة الإسلامية وله كثير من الرسائل والفتاوي بالإضافة إلى دروسه القيمة.
ولقد تخرج على يده عدد كبير من العماء وجازت عليه نسبة الدين قال أبو عثمان سعيد بن تعاريت: " ورأيت له أجوبة وأسئلة في الفقه والأحكام شافية كافية." ولقد عاصره جمع كبير من العلماء منهم العلامة أبو الربيع سليمان بن قاسم بن سعيد اليونسى المتوفى سنة ستين وألف.
ومنهم العلامة أحمد بن محمد أبي سته المتوفى سنة إحدى وستين وألف.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن عبدالله أبى زيد الصيدغياني المتوفى سنة سبع وتسعين وألف.
ومنهم الإمام أبو عبدالله بن أبي سته المتوفى سنة سبع وثمانين وألف وغيرهم كثير.
أخذ العلم عن جماعة من علماء عصره ولكن أكثر ما اخذ كان على العلامة الكبير الشيخ أبي الفضل قاسم بن سعيد الصدغياني.
لقد كانت حياة أبى الربيع الحيلاتى وأعماله شديدة الشبه بحياة وأعمال أبى النجاة يونس فعنه اخذ العلم عدد غير قليل من العلماء وكان مقصد الطلاب من الجبل والجزائر وجربة وعنه انتشر العلم فرحمه الله رحمة واسعة.
أبو يعقوب يوسف المصعبى (1/157)
صفحة 158
يشرفني هنا أن أضع قلمي الهزيل لا ستمع مع القارئ الكريم إلى ما كتبه الإمام القدوة شيخ الصحافة الجزائرية الشيخ أبو اليقظان متعنا الله بحياته وأمده بروح منه قال حفظه الله في كتابه القيم (ملحق السير):
ومنهم العلامة الشيخ يوسف بن محمد المصعبى الملكي من آل يرو في مليكة أخذ العم عن الشيخ سعيد بن يحى الجادوى، كما أخذ عن الشيخ سليمان بن محمد الباروني وعن الشيخ عمر الويرانى الشدويكشي. وإليه أسند نسب الدين عند أهل وادي ميزاب المتاخرين.
وكفى به شرفا أن تخرج على يديه تلميذه الشيخ أبو زكرياء يحى بن صالح الذي أحيا وادي ميزاب كما يأتي قريبا إن شاء الله.
وله تأليف كثير جزيلة النفع، عظيمة الفائدة، منها حاشية ضخمة في جزئين على تفسير الجلالين، ومنها حاشية على كتاب الفرائض للشيخ إسماعيل الجيطالي، ومنها رسالة محكمة في الرد على من حكم برد شهادة الأباضية من المتنطعين، أبرز فيها تفوقه العلمي، وغزارة مادته. ومنها رسالة في تنجيس أبوال الحيوانات، ورد فيها على من زعم طهارتها، ومنها مجموعة أجوبة مفيدة عن أسئلة لو جمعت كلها لكانت كتابا ضخما. ومنها غير ذلك.
وكان يعظ الأمراء والحكام، لا تاخذه في الله لومة لائم، وله في نفوسهم مكانة رفيعة، ومنزلة سامية، يتحامون جانبه أجلالا لعلمه وقدره وفضله وكانوا يزورونه في مواسم الأعياد.
وكان يتعلم عنده كثير من تلامذة اخواننا المالكية.
وتوفى رحمه الله في صفر ضحوة الأحد عام 1187هـ.
ولما توفى قال عنه احد علماء المالكية بجربة: لا يفرح لموت عالم
وكان بينه وبينى أبى سته المحشى قرن كامل إذ توفى أبو سته في سنة 1087والشيخ يوسف في سنة 1187 وهما مجددان لمعالم الإسلام رحمهما الله ولترجمته بسطه حافلة تركناها خوف التطويل. وقد أضاف الشيخ أبو اليقظان حفظه الله ورعاه إلى ترجمة العلامة أب يعقوب ترجمة ولده العلامة أبى عبدالله محمد فقال: (1/158)
صفحة 159
ومنهم العلامة الكبير الشيخ محمد بن يوسف المصعبي المليكى - أخذ العلم عن أبيه يوسف بن محمد بجربة كما اخذ عن الشيخ أبى العباس أحمد بن عمر بن رمضان التلاتي. وله تآليف كثيرة تدل على غزارة علمه وطول باعه منها شرحه لقصيدة أبي نصر فتح بن نوح الشهيرة بين الطلبة بتحريض الطلبة وقد طبع طبعا حجريا بمصر وله خط جميل وقد نسخ بيده كثيرا من الكتب ولم نعلم تاريخ وفاته بالضبط. ويقال أنه لما وضع في قبره شم الناس منه رائحة طيبة كالمسك ودفن هو وأخوانه على ومنهى بمقبرة والدهم وهي قرب مقبرة الشيخ اسماعيل الجيطالى بجربة رحمهم الله.
وكان معاصرا للشيخ شعبان بن أحمد الفنوشي الجربى وكانت بينه وبين الشيخ احمد مراسلات في الفقه والتوحيد والأحكام وله غير ما ذكرنا من التآليف تركنا سردها خوف الإطالة. هذا ما كتبه الشيخ أبو اليقظان عن هذين الإمامين العظيمين وفيه كفاية امن يبحث عن تاريخ العلم والعلماء.
ايضاح وبيان
حديثك أيها القارئ الكريم عن عدد من الشخصيات الأباضية التي عاشت في الجمهورية التونسية، ولم أقصد بحديثى عن هذه الشخصيات أن أقص عليك تراجم حياتهم، أو أن اعرفهم لك تعريف المؤرخ الذي يعنى بدقائق حياة الشخص العادية، أو أن أربط بين تسلسل الأحداث التاريخية، أو حتى أن أقدمهم إليك حسب وجودهم الزمنى، لم أقصد شيئا من ذلك لأن ذلك من عمل المؤرخ، وهذا الكتاب لم يوضع للتاريخ، وإنما قصدت أن أضع بين يديك صورا من تاريخ الإسلام في سير أعلامه، تجد فيها الكفاح المتواصل لإعلاء كلمة الله انك ترى فيها صورة من حياة المسلمين كما كانوا في الصدر الأول، عمل لا يقصد منه غير وجه الله. (1/159)
صفحة 160
إنها صور غير منسقة وقد تكون غير واضحة كل الوضوح في الدلالة على الحياة العامة للأباضية في كل القطر لأن الأباضية كما قلت في الفصول السابقة كانوا يمرون أغلب الجمهورية التونسية، ولكي أعطى صورة كاملة للقارئ الكريم يقتضينى العمل أن آخذ صورا عن جميع الجمهورية وفي العصور المتتابعة وان أقدم نماذج من حياة الأفراد ونماذج من حياة المجتمع أو حياة الأمة لكى تكون اصور اقرب إلى الحقيقة.
وبما ان عوامل مختلفة اثرت على الاباضية في البلاد التونسية، فتقلصوا منها ولم يبق لهم وجود في غير جزيرة جربة العامرة، فقد رأيت ان اقتطف صورا مستعجلة ونماذج مختصرة عن الاماكن التي عاشوا فيها في يوم من الايام مثل بلاد الجريد وقصطالية وحسن درجين وجبال دمر وجبل وسلات وفحص القيروان وقابس والحامة وما اشببها وعنيت اخيرا ان اقدم صورا اوضح لحياة الاباضية في جزيرة جربة، ولقد تحدثت عن عدد من اعلامها في الفصول السابقة، اما الفصول الاتية فسوف تكون اغلبها عن الاباضية في جربة، وما لاقوه فيها من عنت الدهر، وظلم الاخوة، وعدوان الاستعمار، وكيف صبروا لظلم ذوى القربى وجاهدوا في الله حق جهاده، عدوان اعداء الله انك ايها القارئ الكريم سوف تقرأ ذلك بشيء من التفصيل في الفصول الاتية:
وتاريخ جربة الاسلامية حافل بالعظمة والمجد والكفاح في سبيل الله وعلى ابنائها البررة ان يتصدوا للكشف عن تلك الامجاد حتى يرى الشاب المسلم امثلة رائعة من عمل المؤمنين الصادقين الذين يعملون له فحسب، لا يدفعهم إلى البذل والفداء والتضحية، طمع في منصب ولا رغبة في مال ولا شهوة غالبية. (1/160)
صفحة 161
والمتتبع لتاريخ جربة في العهد الاسلامي، إذا اراد ان يدر من هذه التاريخ من الوجهة الواقعية الحقيقية لحياة الامة كما كانت تعيش لا غنى له من ان يقسم هذا التاريخ إلى عدد من الفترات تمتاز لك منها بخصائص واتجاهات، ولتيسير هذا الاعتبار سوف اعمل على ايضاح مميزات كل فترة من تلك الفترات واعتمد انه مما يساعد القارئ الكريم ان اعرض عليه في هذا الفصل تلك الفترات ثم اتولاها بشيء من التفصيل.
1 - الفترة الاولى: من الفتح الاسلامي سنة 47 هجرية إلى سنة 300.
2 - الفترة الثانية: من سنة 311 إلى سنة 431.
3 - الفترة الثالثة: من سنة 431 إلى سنة 529.
4 - الفترة الرابعة: من سنة 529 إلى سنة 960.
5 - الفترة الخامسة: من سنة 960 إلى سنة 1298.
6 - الفترة السادسة: من سنة 6298 إلى استقلال تونس.
7 - الفترة السابعة: تبدأ من استقلال تونس وسيتولى مؤرخو الاجيال القادمة ايضاح خصائص هذه الفترة.
على أنني استطيع ان اجمل هذه الفترات في عهود وفي امكان القارئ الكريم ان يعتبر الفترات الثلاثة الاولى داخلة في عهد واحد وهو عهد الاستقلال وان يعتبر الفترة الرابعة داخله في عهد الجهاد في سبيل الله، وأن يعتبر الفترة الخامسة داخلة في عهد الانضمام إلى الجامعة الإسلامية أما الفترة السادسة فهي عهد الاستعمار البغيض أما الفترة السابعة فنرجو أن تكون داخلة في عهد طويل مشرق سعيد.
ويتلخص من هذا أن تاريخ جربة ينقسم إلى خمسة عهود:
العهد الأول من 47هـ 529
العهد الثاني من 529 960
العهد الثالث من 960 1298
العهد الرابع من 1298
العهد الخامس يبتدئ من استقلال تونس ويستمر إلى ما شاء الله وهذا الكتاب يتحدث عن بعض الأحداث في العهود الثلاثة الأولى أما العهد الرابع فله فصل في غير هذه الحلقة.
جربة بعد الفتح الإسلامي
الفترة الأولى (1/161)
صفحة 162
جربة جزيرة صغيرة كانت لا تتصل بغيرها من البلاد إلا عن طريق البحر، ثم انشئت بها قنطرة تمتد في البحر مسافة سبعة كيلومتر تربط بينها وبين جرجيس.
دخلها الإسلام في النصف الأول من خير القرون مع الفاتحين من أصحاب (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقبل سكانها الدين الجديد، بقلوب متفتحة للإيمان وأرواح متشوقة إلى نور الله، ولقد دخل الإسلام تلك الجزيرة ولم يخرج منها.
عاشت جزيرة جربة بعدما دخلها الإسلام واستجاب أهلها لدين الله، في أغلب الأحيان أما مستقلة استقلالا كاملا، وأما مستقلة استقلالا داخليا، ولم تكن تابعة للدول القائمة في غيرها من البلدان تبعية كاملة إلا في فترات قصيرة من التاريخ. فمنذ دخلها الإسلام، وتشرفق تربيتها الزكية بإقدام الفاتحين الأول، وارتحلت عنها الوثنية والمسيحية المحرفة، لم يعد فيها للكفر مجال، ولذلك فلم تشترك في حروب الردة التي كانت تثور بين الحين والحين في مختلف جهات البلاد التونسية، ولم يرتفع فيها صوت يدعو إلى الإشتراك في الحروب الطاحنة، والمعارك الهائلة، التي كانت تشنها بقايا الوثنية الضالة، والمسيحية المتعصبة، لأنه لم تبق للكفر في الجزيرة بقية منذ أشرق فيها نور دين الله. ولقد بقيت طيلة حروب الردة في أفريقية وهي متربصة يقظة خشية أن يدهمها المرتدون أو من يحركونهم ليتخذوا منها مركز هجوم أو ملجأ للتحصن والدفاع. وكانت دائما مستعدة لرد من يحاول ذلك من أعداء الله.
إن الصحابي الجليل حينما أتم فتح جربة، وعرف إن أهلها قد استجابوا لله ورسوله لم يعد ليتهم بناحية الحكم فيها وقد قاد جيوشه المظفرة لمواصلة الكفاح في سبيل الله حيث يجب الكفاح واستودع أهل جربة دينهم وامانتهم وخواتم عملهم، ويبدو أن أهل جربة ذاقوا حلاوة الإستقلال في ظل الإسلام، واستمرأوه، فأرادوا أن تبقى جزيرتهم على ذلك الوضع، الذي تركهم عليه رويفع فساروا في اتجاهه. (1/162)
صفحة 163
ولما تم فتح البلاد التونسية، وقضى القضاء الكامل على الوثنية، وأصبحت كلمة الله هي العليا وخضع المغرب للدولة الأموية، يقيت جربة منعزلة عن ولاة الحكم، يقيم بعض مشائخها فيها حكم الله، حسبما تلقوه في الحين من حملة دين الله.
وتعاقب ولاة الدولة الأموية على المملكة التونسية وتنازعوا فيما بينهم على الحكم في بعض الأحيان وثار عليهم الناس هنا أو هناك أحيانا أخرى، وكان النزاع هذه المرة داخل صفوف المسلمين يقوم به ثائرون على انحراف الولاة بالحكم عن منهاج الإسلام أو حريصون على البقاء في الحكم، أو طامعون في الوصول إليه، وبقيت جربة على الوضع الذي اخنارته لنفسها، تطبق نظم الحكم الإسلامي في شؤونها الداخلية، ولا تخرج خارج الجزيرة، ولا ترمى بثقلها إلى أي جانب من الجوانب المتنازعة، فلم تشترك في الثورات الكثيرة التي كانت تقع عن يمينها وشمالها، وإنما حافظت على الحياه والسلام إلى أواخر القرن الثاني حين التحقت راغبة طائعة بالدولة الرستمية، والسبب في بقائها إلى هذا الحين دون أن تنضم إلى حكم ولاة الدولة الأموية أو ولاة الدولة العباسية أو الثائرين عليهم، هو ما كانت تلاحظه من البعد بين نظم الحكم التي جاء بها الإسلام، وبين طرق الحكم التي يسير عليها أولئك الولاة في كثير من الأحيان، فقد كان واضحا أن أغلب الولاة لم يكونوا يتقيدون بالتشريع الإسلامي في معاملة الناس، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، وإنما كانوا يهتمون قبل كل شئ بإقامة الدولة، والمحافظة على السلطة، ولو أدى ذلك إلى انتهاك الحرم التي صانها الإسلام. (1/163)
صفحة 164
ولقد قامت في ليبيا ثلاث امامات مستقلة عن الدولة الأموية والدولة العباسية، وحاولت تلك الإمامات أن تعود بالحكم المنحرف إلى المنهج الذي جاء به دين الله، وشمل حكم هذه الإمامات، بعضا من البلاد التونسية إلا أن جربة بقيت مترددة لم تقدم على الإنضمام إلى تلك الإمامات، وحافظت على حيادها السياسي والعسكري، ولعل شيوخ الجزيرة كانوا يرون إن البقاء على وضعهم الخاص لا يعرضهم لسخط أحد، كما أنهم كانوا يرون أن الإمامة لا يمكن أن تستقر في ليبيا، لأن ليبيا هي الطريق الطبيعي للجيوش الذاهبة من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق، ومهما كان رأيهم في الموضوع فقد واقفوا منها موقفا سلبيا، فلم يساعدوها في حروبها سواء في ذلك الحروب الواقعة في ليبيا أو الحروب الواقعة في البلاد التونسية، كما لم يساعدوا مناهضيها في كلا البلدين. فلما تأسست الدولة الرستمية في الجزائر وبايع الناس عبدالرحمن رستم بالإمامة كانت جربة من البلدان الأولى التي استبشرت بميلاد هذه الإمامة، وسارعت إلى الانضمام إليها والدخول تحت جناحها، كما فعل أغلب الجنوب والوسط من البلاد التونسية، ولعل من الأسباب التي جعلت جربة تستبشر بميلاد هذه الإمامة الجديدة، والانضواء تحت لوائها ما يلي:
1 - كان عبدالرحمن بن رستم شخصية لامعة فهو من حمل العلم، ومن اخلص الدعاة إلى المحافظة على دين الله، ولقد أسند إليه حكم القيروان في عهد الإمام أبي الخطاب فكان مثالا للحاكم المسلم النزيه، الذي يحرص أعلى اقامة دين الله، فإذا بويع بالإمامة في الجزائر فهو خليق أن يسير بها في طريق العدول من المؤمنين.
2 - الموقع الذي اختاره عبدالرحمن ومستشاروه ليكون مركزا للإمامة، موقع ممتاز تتوافر فيه جميع وسائل الإستقرار لإقامة حكم عادل في دولة قوية.
3 - كان أهالي جربة يعرفون أنهم لن يتركوا على هذا الإنعزال والإستقلال دون أن يدخلوا تحت حكم دولة. (1/164)
صفحة 165
وهكذا اختارت جربة أن تكون تابعة للدولة الرستمية في الجزائر شأنها في ذلك شأن أغلب المملكة الليبية وأغلب البلاد التونسية، وأصبحت منذ ذلك الحين أهم حلقة اتصال بين الأباضية الموجودين في ليبيا من جهة والأباضية الموجودين في تونس والجزائر من جهة أخرى، وكانت علاقتها بالدولة الرستمية علاقة استقرار وسلام واطمئنان. ولما كانت سياسة الدولة الرستمية تتمشى حسب تعاليم الإسلام (1) لها الأشراف العام على الأقطار التابعة لها، دون التحكم فيها، وفي مقدراتها فقد كانت جربة كما كانت بلدان الوسط والجنوب التونسيين وكما كان جبل نفوسة وغيره من البلاد الليبية التابعة للدولة الرستمية ترتبط بمركز الدولة ارتباطها روحيا أكثر مما ترتبط بها ارتباطا ماديا، فلقد كان أهالي الجزيرة، كما كان غيرهم - يختارون من يتولى شؤونهم، فيبعثون باسمه إلى مركز الإمامة فيأتي تعيينه عليهم فيتولى أمرهم يحكم بينهم بحكم الله، فيفصل المشاكل، ويقيم الحدود، ويرعى مصالح الأمة، باسم الدولة الرستمية، ولم تكن الدولة الرستمية تجمع الأموال أو تفرض الضرائب على الناس، وإنما كانت تجمع الزكاة على النظام الإسلامي، وتحرص على صرفها في وجوهها التي عينها الكتاب الكريم، وكانت زكاة جربة لا تخرج منها فقد
(1)
__________
(1) يقول الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه القيم موجز التاريخ العام للجزائر صفحة 180: " يرأس الدولة الرستمية أمام يلقب بأمير المؤمنين بيده مقاليده، وتصاريف أمورها وله ترجع السلطتان الزمنية والروحية، ينتخبه وجوه المدينة وزعماء المذهب، وشيوخ الدين بجربة عن غير مبالاة، ولا تقاليد، ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان. يراعون فيه المعرفة والدارية والتحنك والدهاء والعدل والانصاف. يجريها على نفسه قبل ذوى قرابته، وعلى ذوى قرابته قبل الحاشية أو عموم السكان، وأن هم رأوا أعوجا قاموه بالسيف لا بالرفق واللين وأنزلوه من اريكته من غير وجل أو أسف أو اعتبار."
ويقول في الصفحة 182 " وكانوا على نزاهة تامة لا ينازعهم فيها منازع، وذمه بريئة من كل شائبة من الشوائب وقد وردت نوادر في شأنهم في كتب تاريخية مالكية، مما يدل على عدم التعصب في ذكر الرواية وصحة النقل. (1/165)
صفحة 166
كان عامل الدولة يجمعها من أصحابها ثم يصرفها بحرص شديد في الوجوه التي تصر فيها الزكاة.
أما الجند فرغم أن الدولة الرستمية هوجمت في كثير من الأحيان، وقامت بينها وبين الدول المجاورة لها عدة حروب، وثار عليها ثائرون خطرون رغم كل ذلك فأنها كانت تعتمد في حروبها على المتطوعين للجهاد في سبيل الله ولم تتخذ جنودا مرتزقين كما كانت تفعل غيرها من الدول التي تقوم على الاستبداد والظلم وقصاري ما اتخذته من جند مستديم انما هم شرطة البلدية وكانوا يقومون بهذه الواجبات احتسابا لما عند الله ولا يأخذون عن عملهم هذا مقابلا كذلك بعض الشرطة الذين يقومون مقام البوليس لحفظ الأمن والقبض على الجناة ولذلك فقد كانت البلاد التابعة لها كجربة لا تتخذ جندا ولا ترسلهم إلى الدولة، ومهمته الحرب، وإنما كانت الدولة الرستمية في حروبها تعتمد على المتطوعين فعندما تثار حرب يدعى الناس إلى الجهاد في سبيل الله أو حماية الوطن أو ما إلى ذلك فيندفع الناس إلى القيام بذلك الواجب المقدس غير منتظرين اجرا من الدولة أو كسبا من الحرب، فإذا رأى الإمام إن العدو المتطوع في مركز الدولة لا يكفيه للدفاع استعان بغيرهم في بقية البلاد، دون أن يلزمهم العدد أو يحمل الناس على الحرب مرغمين أو طامعين في مكسب دنيوي فإذا انتهت المعركة رجع أولئك المحاربون إلى أعمالهم الحرة.
ويبدو أن الجزيرة حافظت على المبدأ الذي التزمته من قبل منذ الفتح الإسلامي فلم ترسل أي نجدة للدولة الرستمية في حروبها الكثيرة، وإنما احتفظت بقوتها لنفسها، كذلك لم تشترك في الثورات التي قامت ضد الاغالبة في القيروان ولم تحاول أن تنصرهم وإنما حافظت على حيادها الكامل بالنسبة لهذه الدولة.
ونستطيع في آخر هذا الفصل أن نلخص الحديث عن جربة في الفترة الأولى من تاريخها الإسلامي فيما يلي:- (1/166)
صفحة 167
دخل الإسلام إلى جربة سنة 47 من الهجرة على يد رويفع بن ثابت الأنصاري على أشهر الروايات، ومنذ فتحها رويفع لم يرتفع فيها صوت للفكر أو الردة، فقد رضيت الإسلام دينا واطمأنت له وعملت به وحافظت عليه في اطارها الداخلي، ولذلك لم تعد إليها الجيوش الإسلامية الفاتحة التي كانت تنتقل من مكان إلى مكان، لتأديب المرتدين والعصاة، لأنه لم يكن في جربة مرتدون أو عصاة. (1/167)
صفحة 168
وكان قادة الفتح في العهود الأولى لا يهتمون بمظاهر السلطة، ولا يميلون إلى التحكم أو النفوذ، وإنما كل ما يعنيهم هو نشر الإسلام وأمن الدعوة إليه، فحيثما تحفف ذلك ترك أهل البلد وشأنهم، ولذلك فما افتتحوا الجزيرة، وأيقنوا أن أهلها قد نبذوا الوثنية، واسلموا أمرهم لله، حتى تركوهم لشأنهم، ووجدت جربة نفسها وهي تعيش في ظل الإسلام إنها قد ارتاحت من عنت الكفر، ومن طغيان الرومان الذين كانوا يتحكمون فيها تحكم المستعمر الباغي، فحافظت على الإسلام والسلام، واستمرت على هذه الحالة الهادئة إلى أواخر القرن الثاني حين انضمت إلى الدولة الرستمية ودخلت تحت رعايتها، واحتمت بجناحها، ومن أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث لم تختلف الأحوال كثيرا على جربة، فقد بقى فيها النظام الإسلامي، وكان علماؤها يحرصون على تطبيقه، وكل ما حدث من فرق أن الأوامر في العهد الرستمي كانت تنفذ باسم الإمام، وإن الأعمال كانت تقام باسم الدولة، ولقد نتج عن هذا الاستقلال والاستقرار في الجزيرة نتائج أتت بثمار طيبة، فقد اهتم الناس فيها بالدراسة ونشر العلم وبث المعرفة، فنبغ علماء فحول في هذا العصر كانت لهم اليد البيضاء على توجيه الناس من الناحية الدينية والإجتماعية والخلقيو والسير بهم في المنهاج الإسلامي للحياة البشرية، وتكونت عدة مدارس حافظت على التراث الإسلامي المجيد طيلة قرون طويلة، ونستطيع أن نعتبر الفترة الأولى من تاريخ جربة التي تمتد ما بين 47 و 300 فترة استقلت فيها جربة استقلالا كاملا لمدة قرن ونصف وكانت تابعة للدولة الرستمية لمدة قرن، وكان عهدها في هذه التبعية شبيها بعهود الاستقلال لأنها كانت تتمتع بجميع المزايا التي تكفلها نظم الحكم الإسلامي حين يقام لأمه مسلمة، صان الإسلام دماءها وأموالها وأعراضها، واتاح لها من فرص الحياة الكريمة ما يسر لها أن تعيش حرة سعيدة، دون أن تكون خاضعة للأهواء البشرية، التي تفرضها غطرسة (1/168)
صفحة 169
الحكام الذين لا يتقيدون بأحكام الله.
هذه خلاصة الفترة الأولى وتتضح فيها الخصائص الآتية:
1 - لم يقع فيها ارتداد عن الاسلام كما وقع في أكثر الجهات المجاورة لها.
2 - بم تنضم إلى فريق من الفرق المتحاربة.
3 - حرصت أن تباشر شئونها بنفسها تحت رعاية شيوخ العم ولم تحاول أن تنضم إلى دولة قائمة أو تعلن ميلاد دولة قبل إنضمامها إلى الإمامة الرستمية.
4 - عكفت على نشر العلم
5 - كانت هذه الفترة في حياة جربة فترة استقرار وهدوء وسلام.
جربة في العهد الاسلامي
الفترة الثانية
في اواخر القرن الثالث نشأت الدولة الفاطمية وتغلبت على الدولة الرستمية في الجزائر ثم على الاغالبة في تونس، فازاحتهما عن الحكم، وقد نشأ عن ذلك عدد من الثورات والحروب الدامية التي امتدت زمنا طويلا في جميع البلاد الجزائرية، والبلاد التونسية والشق الغربي من ليبيا، وأدى ذلك من الناحية السياسية الى انقطاع الاتصال بين جربة ومركز الدولة الرستمية التي انقرضت كما قلل من وسائل الاتصال بينها وبين جبل نفوسة لا سيما وان الجبل كان لا يزال يعاني من النكبات المتوالية التي سلطت عليه ومن اهمها اثار وقعة مانو التي ذهب فيها خيار ابطال الجبل وعلمائه. (1/169)
صفحة 170
ورأى علماء جربة على ضوء الاحداث الواقعة، ان يعودوا إلى نظام حياتهم في العهود السابقة قبل ان يدخلوا تحت حكم الدولة الرستمية، فعليهم ان يحافظوا على استقلالهم الداخلي من الناحية السياسية، وعليهم ان لا يحتكوا بالدولة الفاطمية التي تحاول ان تستقر، وعليهم ان لا يحتكوا بالثوار الذين يحاولون ان يقضوا على هذه الدولة الناشئة، وعليهم ان يحافظوا على جزيرتهم وان لا يتركوا احدا من المتنازعين ليجعلها مركزا للعدوان، وكانوا يهمهم ان يعيشوا على حياد تام وفي سلام في ظل الاسلام، وهم وان انقطع الاتصال السياسي بينهم وبين الجزائر وليبيا إلا انهم كانوا على اتصال وثيق مستمر باخوانهم الاباضية في كامل القطر التونسي وفي الجزائر وليبيا والفارق بين حالة الاباضية في جزيرة جربة وبين غيرهم من الاباضية في البلاد التونسية، ان اباضية جربة قد عاشوا طول الفترة الماضية في حياد وامن وسلام، لم تنلهم الحروب، ولم تستفزهم الثورات، ولم يقع عليهم اعتداء، ولم يصابوا باضرار حرب، اما اخوانهم من الاباضية في بقية البلاد التونسية فقد كانت توجه اليهم الضربات اثر الضربات، اما من الدول القائمة التي تريد ان تحكم، واما من الثوار الذين يريدون ان يطيحوا بتلك الدول ليصلوا إلى الحكم، واما من فورات العصبية المذهبية التي تذكيها المصلحة الفردية احيانا، والمصلحة السياسية احيانا اخرى.
ونظم اهالي جربة حياتهم على نظامهم الخاص، لا يعلنون اسم دولة جديدة، ولا ينضمون إلى دولة قائمة، ولا يؤيدون الثوار الذين ينعقون في كل جهة من البلاد، فإذا التجأ اليهم ملتجئ، يلتمس الحياة الهادئة، والاستقرار والسكينة فتحوا له المجال وأووه، أما إذا اراد ان يتخذ الجزيرة مركزا للعنف والثورة، فأنهم لا يسمحون له بذلك، ويردونه عنهم بلطف فاذا لم يستجب ردوه عنهم بعنف. (1/170)
صفحة 171
وعندما كانت الدولة الفاطمية تكافح من اجل البقاء في المملكة التونسية، وتعمل جاهدة على التمكن والاستقرار، كان اهل جربة لا يهتمون بها وانما كانوا يحلمون بانهم سوف يعيشون حياة هادئة آمنة سعيدة، كتلك الحياة التي عاشوها في الفترة الاولى، لا تحكم ولا ظلم ولا عدوان، ولا وثنية ولا كفر ولا عصيان، ولكن هذا الحلم لم يطل، فان الدولة الفاطمية كانت تعمل على الاستقرار لتباشر الحكم، وتستغل مكاسبه، ولذلك فما اطمأنت إلى استقرارها، وثبتت دعائم حكمها في المهدية، وكونت اساطيلها البحرية القوية حتى فكرت في مباشرة الحكم على تلك البلاد التي بقيت منعزلة عنها وهكذا وجهت اسطولها إلى جزيرة جربة على حين غفلة من أهلها ودخلتها سنة 311 على يد علي بن سليمان الداعى فاصبحت جربة بذلك خاضعة خضوعا فعليا حقيقيا للدولة الفاطمية، وذاقت جربة مرارة الحكم الظالم كما كانت تذوقه بقية البلاد، ولقد زاد في شناعة الموقف ما كانت تبثه الدعاية المفرضة التي تباعد ما أمكنها بين فرق المسلمين لا سيما بين الأباضية والشيعة، وكان الولاة من الشيعة يرتكبون ما يرتكبون من الفواحش في جربة وفي غيرها من بلاد الأباضية وهم يعتقدون ان ما يفعلونه لا تحرمه الشريعة، بل كثيرا ما يرغبهم بعض المتعصبين المنغلقى الذهن على الانتقام من الأباضية مستبيحا دماءهم واموالهم، ولذلك فقد كان اولئك الولاة لا يتورعون عن شئ وبقيت الجزيرة تحت حكم الدولة الفاطمية عشرين سنة يتولى أمرها ولاة تعينهم حكومة المهدية، فلما ثار أبو يزيد مخلد بن كيداد صاحب الحمار، استبشر به الناس من جميع الطوائف الاسلامية التي كانت في البلاد التونسية ما عدا الشيعة طبعا. (1/171)
صفحة 172
وظنوا ان الخلاص من ظلم الفاطميين انما يقع على يد هذا الثائر العنيد، ووقع مجمع علمى من علماء المالكية في القيروان افتوا فيه بوجوب مناصرة أبى يزيد ومحاربة الفاطميين بكل القوى. وبدا لأول وهلة أن أبا يزيد هذا سوف ينتصر، وسوف يقوض أركان هذه الدولة، واستمر ينتصر في مواقع كثيرة وبلغ جربةفاحتلها سنة 331هـ.
كان اهالي جربة كغيرها من سكان البلاد التونسية، يتذمرون من ظلم الفاطميين، ويتوقعون الخلاص على يد أبى يزيد، فلما احتل أبو يزيد جربة وارتكب فيها ما لم يأذن به الله وما لم يبلغ إليه الفاطميون، وجدوا أن الوان الظلم تتفاوت حتى يبدو بضعة بالنسبة إلى بعض آخر كأنه العدل المطلق، ومرت على جربة سنتان مظلمتان تحت حكم أبى يزيد الذي طرد منها عامل الدولة الفاطمية، وحكمها كما شاء له ولا تباعه الهوى. وفي سنة 335 قتل أبو يزيد الثائر العنيد، وارجعت جربة إلى حكم الدولة الفاطمية، في المهدية فوجدت نفسها تقيم على الوان مختلفة من الظلم والانحراف عن حكم الله، ولذلك فقد بدأت تعمل على الثورة، وتتهيأ لها وأعدت من الوسائل ما يكفل لها النجاح وفيما بين سنة 341 - و - 350 - كانت قد أعدت وسائلها واطمأنت إلى نجاحها فثارت وطردت عامل المهدية، وعادت إلى النظام الذي وضعته لنفسها من قبل، بعد الفتح الإسلامي، وعاشت عليه في الفترة الأولى من تاريخها المجيد، واستمرت على ذلك الوضع إلى عهد المعز بن باديس الصنهاجي الذي احتل الجزيرة سنة 431 فاستباح منها جميع الحرم التي صانها الاسلام وارتكب جريمته النكراء فجمع خيار الأمة في الجزيرة من العلماء والزهاد وذوي الفضل والرأي فذبحهم. أنها إحدى الجرائم التي يقدم عليها الطغاة من الحكام دون وازع من دين أو ضمير أو خلق. (1/172)
صفحة 173
في هذه الفترة التاريخية التي تمتد ما بين سنة 300 إلى سنة 431 عاشت جربة ثلاثين سنة تابعة كاملة لحكم خارج عن الجزيرة ذاقت فيه من ألوان الظلم والقهر والجبروت ما كان يرتكبه الظالمون فى فى البلاد التي يتغلبون عليها دون أن يحاسبهم أحد. وقد قضت سنتين من هذه الفترة تحت حكم أبى يزيد بن كيداد أما الباقى من هذه الثلاثين سنة فقد قضته تحت الحكم المباشر للدولة الفاطمية، وعاشت مائة سنة من تاريخها في هذه الفترة مستقلة استقلالا كاملا عن التبعيات، تعيش فيها على النظم التي اختارتها لنفسها في الأزمنة السابقة والتي تود أن تعيش عليها في الأزمنة اللاحقة، ما لم تتكون دول تسير على النهج الإسلامي وتحكم بدين الله.
هذه خلاصة الفترة الثانية وفيها يتضح ما يأتي من الأمور:
1 - تعرض أهل جربة لما كان يتعرض له غيرهم من ويلات الحروب.
2 - تكون فيهم بسبب العدوان عليهم استعداد للدفاع وحتى للقيام بالثورات على الحكم الظالم.
3 - حرصوا أكثر من ذى قبل على نظامهم الداخلي وبعدهم عن الاتصالا بطلاب الحكم وأدركوا مناسبته لمصالحهم فاستمسكوا به في حرص واعتزاز.
4 - أصبحوا يعلنون سخطهم على الانحراف بالحكم عن منهاجه الإسلامي وينتقدون مسلك ولاة الأمر والثوار عليهم جميعا وكان العلماء من أكثر الناس شدة في نقد الأوضاع الفاسدة، وبيان مخالفتها للشريعة السمحة الكريمة.
5 - كان سكان جربة أمة تحب السلام وتحرص عليه ولا يهمها أن تعيش في أمن بعيدة عن مظاهر العنف فلما وقع عليها العدوان وارتكبت فيها الفواحش دون سبب يدعو إلى ذلك من أولئك المعتدين بدأت تراجع مبادئها في الحياة وموقفها من الناس.
6 - كانت هذه الفترة في حياة جربة فترة فيها قلق واضطراب وتخوف من المستقبل واعداد له.
جربة في العهد الإسلامي
الفترة الثالثة (1/173)
صفحة 174
كان سكان جربة منذ الفتح الإسلامي إلى سنة 431 يحاولون أن يحتفظوا بهدوء اعصابهم، ويلتجئون إلى السلم، ولا يعتمدون إلى القوة والانتقام، ولا يسعون إلى محاربة غيرهم من الدول أو الثوار، وإنما كانوا يحرصون على الانعزال داخل جزيرتهم، وتطبيق أحكام الاسلام في شئونهم الخاصة دون الاحتكاك بالسياسة الخارجية. فلما احتل المعز بن باديس الجزيرة سنة 431 وارتكب فيها من الظلم والفواحش ما لا يغضى عنه الحليم، ولم يقتصر على الظلم في الأموال والاعراض والأرواح وانما تعدى ذلك إلى الدين والتحكم في أعمال الناس وعقائدهم فاراد أن يرغمهم على اتباع مذهب معين ولتنفيذ هذه الفكرة جمع العلماء الذين يرجع إليهم الناس في أمر دينهم وأمر بقتلهم جميعا. (1/174)
صفحة 175
لقد كان الشيعة في الدولة الفاطمية يحاولون من قبل أن يحملوا الناس على المذهب الشيعي ولكن لم يبلغ بهم العدوان إلى الحد الذي بلغه المعز بن باديس في حمل الناس على اتباع المذهب المالكي فلقد أسرف فب حمل الناس على ترك مذاهبهم وكان يلتمس أوهى الأسباب لقتلهم جماعات وفرادى ولا سيما ذوى العلم والرأي. ولا شك أن الحامل له هذا المسلك ليس هو الإخلاص للمذهب المالكي وإنما هو الخوف على ما بيده من الملك أو كان يخشى أن تثور بعض تلك المذاهب عى ظلمه وعدوانه فأراد استئصالها قبل أن تعد العدة له. بل أن اتباعه للمذهب المالكي لم يكن مبنيا على دراسة اسلامية ومقارنة بين المذهبين الشيعي، الذي نشأ عليه والمالكي الذي جينئذ وكرههم للشيعة ولكى يتخذ اولئك الناس انصارا له ويعتمد عليهم في نظامه السياسي اعتنق المذهب المالكي، وترك الشيعة في حوادث تاريخية تشبه ان تكون مسرحيات تمثيلية ذهب ضحيتها اعداد وافرة من المسلمين (1) وقد كانت فكرة قتل العلماء والصلحاء ومن يرجع إليه الناس في أمور دينهم أبشع ما ابتكرته السياسة الماكرة في عقل المعز بن باديس ويبدو أن الرجل قد تجرد من الإيمان كل التجرد حين كان يجمع امثال أبي عمرو النميلى وأبى محمد كموس ليذبحوا امامه حتى لا يجد الناس مرجعا لهم في أمور دينهم.
لقد نتج عن تلك المذابح التي تولاها المعز في جزيرة جربة واختار لتنفيذها خيار المسلمين نتائج خطيرة.
لوث المعز يدية بالدم البرئ، ورجع إلى عاصمة ملكه ليستقبل مزيدا من الثورات والمؤامرات والكائد التي وجهت إليه من كل جانب ومكان، والتي ما كان يدبرها أو يعد لها اولئك الأبرياء الذين قتلهم ولا من يعمل بارائهم.
(1)
__________
(1) قال الزاوى في تاريخ الفتح العربي في ليبيا صفحة 195: " وقضى على الشيعة ومذهبهم وكان هذا مشجعا للناس على اضطهادهم والفتك بهم، كما قضى على مذاهب الصفرية والاباضية والنكارية والمعتزلة، وحمل كل الناس على مذهب الإمام مالك." (1/175)
صفحة 176
أما أهل الجزيرة فقد أثارت فيهم هذه القضية رد فعل شديد وبعد ان كانوا امة مسالمة حريصة على أن تتبع دين الله وحكمة في نفسها وفي غيرها وان تحافظ على الأمن والسلام في ربوعها، وان لا تشترك في الدماء التي تراق، والأموال التي تختلس، يديها بما حرم الله. راجعت نفسها على ضوء الأحداث التي وقعت لها وذكرت قول الشاعر الجاهلي:
ومن لا يذد عن حوضه سلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم فخيل إليها أن في هذا المنطق الجاهلي بعض الحق، وقرر المتحمسون من شبابها أن يثوروا، وان يرتكبوا ما يرتكبه غيرهم، وان يعتدوا كما يعتدى الآخرون، انه لا يكفى لعزتهم أن يردوا الظلم عنهم. وإنما يجب أن يقوموا بالظلم في بعض الأحيان (1) لقد كان العلماء الإعلام يغلون أيدي العامة عن ارتكاب الجريمة واتيان المنكر فقتل المعز اولئك العلماء وصمتت تلك الألسنة الدائبة على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأصبحت الدعوة إلى الانتقام وإلى الخذ بالثأر وإلى الإنطلاق من قيود الحرام والشبهة. دعوة يميل إلها الرأى العام فجد القوم في إعداد عدة الحرب، وبنوا اساطيل في البحر، وربوا شبابهم على فنون القتال، وقبل ان تتم سبع سنوات من احتلال المعز للجزيرة كان أهلها يثورون على عامل الدلوة الصهناجية. ويرمون به وراء البحر في وجه المعز ويستقبلون بحكم جزيرتهم في مظهر قوى عنيف هذه المرة لا في رفق وهدوء وسلام كما كانوا يفعلون من قبل، ولم يكتفوا بهذا بل سرحوا أساطيلهم للقرصنة، وسمحوا لشبابهم أن يرتكب ما يرتكبه غيره من التسلط على الأساطيل الضعيفة وغنيمة ما بها من أموال، فضيقوا الخناق على الدولة الصنهاجية، وحبسوا التجارة عن المهدية وهي عاصمة الصنهاجيين. (1/176)
صفحة 177
(1)
وضاقت المذاهب على أمراء الدولة وحاولوا أن يردوا هذا المارد الذي خرج من القمقم، فلم يستطيعوا.
لقد كان علماء الدين هم السحرة الذين حبسوا المارد في الجزيرة فلم يخرج منها، أما وقد قتل أولئك العلماء، وخفتت أصواتهم فلم يعد هنالك ما يحول دون المارد والانطلاق، ومضى على هذه الحال قرابة سبعين سنة من سنة 441 إلى سنة 510. وفي هذه المدة تكونت طبقة أخرى من العلماء الإعلام الحريصين على مبادئ الإسلام فكانت أصواتهم تنطلق آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر داعية إلى التمسك بدين الله وأكثروا التنديد على أصحاب السفن التي تشترك في القرصنة وحرموا ما كانت تأتي به من أموال فأثرت مواقفهم هذه في نفوس أصحاب الأساطيل، وفي سنة 510 جهز أبو الحسن على بن يحى بن تميم أسطولا لغزو جربة واستعد أسطول الجزيرة للقائه، كما استعد سكانها للدفاع مهما كانت الظروف، وبقى أبو الحسن محاصرا للجزيرة أياما يهددهم بالحرب والاحتلال فيظهرون له القوة والاستعداد للدفاع وأخيرا دعاهم إلى صلح وكانت مواد الصلح أن يترك أبو الحسن الجزيرة دون أن يلحقها بحكمه زذلك مقابل ما يأتي:
أولا- أن يكفوا أساطيلهم عن التعرض إلى السفن التجارية التي ترد إلى الثغور الإسلامية في البلاد التونسية.
ثانيا- أن يفتحوا مجال التجارة إلى المهدية التي ركدت فيها الحالة الاقتصادية.
__________
(1) (1) قرات هذا الفصل على العالم المؤرخ الشيخ سالم بن يعقوب الجزبي فلم يوافق على ما ورد فيه وقال أن ما ينسبه المؤرخون إلى أهل جربة من قيامهم بالقرصنة في هذه الفترة التاريخية لا صحة له فإن أباضية جربة لم يستحلوا في يوم من الأيام أموال الناس ولا دماءهم وقصاري ما كانوا يفعلونه انما هو الدفاع المشروع عن أنفسهم واموالهم واعراضهم ولم يتجاوزوا هذا الموقف أبدا. (1/177)
صفحة 178
ووجد علماء الجزيرة أن هذه الشروط هي ما يجب أن تكون عليه الأمة المسلمة، فما يجوز العدوان على الأخوة، فحملوا قادة الأساطيل على الموافقة، وتم الصلح على ان تبقى الجزيرة مستقلة في شئونها الداخلية لا تتعرض لها الدولة الصنهاجية في شيء، وان تكف أساطيل الجزيرة عن القرصنة، وأن تفتح مجال التجارة مع المهدية، ورجع الأسطول الصنهاجي يحمل شروط الصلح، وفي كل من الطرفين بها وحافظا عليها، وبقيت جربة على نظامها الخاص الذي عرفته من قبل والذي سارت عليه إلى سنة 529.
لقد نتجت عن هذا الصلح نتائج هامة أثرت على تاريخ الجزيرة من بعد فمنذ وقع الصلح، وحرم العلماء ما يأتي به أساطيل القرصنة، أصبحت تلك الأساطيل غير ذات جدوى. وأصبح ألولئك الشباب الذين كانوا يعيشون على الكفاح في البحر، يتركون البحر والكفاح فيه، ويعرضون عنه، حتى صار غير ذى غناء لهم وبيعت تلك الأساطيل القوية المعدة للحرب ولم تبق إلا سفن الصيد الصغيرة، ونشأ الجيل الجديد لا يهتم بالسفن وقيادتها، ولا يعد نفسه للحرب عليها، ولا يشتاق إلى معانقة الأمواج، ومصارعة الأثياج.
ورجع أهالى جربة إلى حياتهم الوادعة التي كانوا يعيشونها منذ الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس: نظام هادئ عادل مستقر يتولى فيه أمورهم شيخ من شيوخهم بناء على ما يقرره العلماء الإعلام في مجالسهم بالمساجد، واطمأنوا إلى هذه الحياة الهادئة التي اعتادتها الجزيرة الصغيرة الرابصة في البحر، فقد كانت حياة هنيئة سعيدة في ظل الإسلام. إلا ان اتاريخ كان يتمخض عن أحداث هي أعنف مما سبق في الجزيرة من أحداث. (1/178)
صفحة 179
لقد امتدت هذه الفترة من تاريخ جربة قرابة قرن لم تكن فيها الجزيرة تابعة لدولة أخرى تبعية كاملة إلا سبع سنوات أو أقل أما بقية المدة فقد عاشتها الجزيرة مستقلة استقلالا كاملا عن نفوذ أية دولة، على إن هذه السنوات السبع التي عاشتها الجزيرة تابعة للدولة الصنهاجية خاضعة للمعز بن باديس قد غيرت من اخلاق الجزيرة ومن دينها الشيء الكثير. وكان لموقف المعز منها ومحاولة حملة لها على اعتناق مذهب غير مذهبها، وقتله لعلمائها وصلحائها، اسوأ الأثر من الناحية الدينية. فلقد بقيت الجزيرة منذ الفتح الإسلامي إلى إحتلال المعز لها سنة 431 نظيفة، لم يدخلها المال الحرام، ولم تتلوث أيديها بالدم الحرام، ولم ترتكب فيها الجرائم التي ترتكب في غيرها من البلدان، ولم يخرج أهلها عن حكم الإسلام في معاملاتهم للناس خارج الجزيرة وداخلها، فلما وقف المعز منها ذلك الموقف المؤلم، واحضر خيار أهلها فذبحهم ذبح الأغنام بين سمع الناس وبصرهم، أثر ذلك في نفوسهم، وكون فيهم رد فعل شديد، نقلبوا معه من شعب يتقى الشبهات ويبتعد عن الحمى إلى قوة مندفعة حاطمة تخوض معركة الحياة بنفس السلاح الذي يستعملة غيرها من الناس. ومما زاد في شناعة الموقف إن المعز وهو يرتكب هذه الألوان من الظلم الفادح كان يزعم للناس انه يذود عن دين الله.
هذه خلاصة هذه الفترة من تاريخ جربة ويتضح في هذه الفترة الظواهر الآتية:-
1 - خفوت صوت العلماء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
2 - انطلاق العامة والدهماء في ميدان الحياة على نفس الأسلوب الذي تجرى به الحياة في البلاد الأخرى.
3 - تكون قوة بحرية ضاربة.
4 - تكون استعداد حربي داخل الجزيرة.
5 - استقلال جربة عن الدول القائمة وحرصها على ذلك الاستقلال. (1/179)
صفحة 180
6 - كانت هذه الفترة من حياة جربة فترة فيها خروج عن المألوف من حياة الأباضية واستمساكهم بدين الله وحرصهم على ذلك وفيها اعتزاز واعتداد بالقوة، وفيها محاولة لإظهار التسلط، ولكن في آخر الفترة تغلب دعاة الحق وملتزموا الاستقامة على العامة والدهماء، واستطاعوا أ يرجعوا بهم إلى المنهج الإسلامي، ابتعاد عن الفتنة ودعاتها، وهروب من الظلم يقع منهم أو عليهم وحرص على أحكام الإسلام في الجزيرة.
خلاصة هذا العهد
هذا عهد تاريخي قرابة خمسة قرون، إذ يبدئ سنة 47هـ. عندما دخل الإسلام أول مرة إلى جربة فأشرقت بنور الله ويمتد إلى سنة 529 حينما هجم عليها قراصنة الأفرنج فاحتلوها. وكانت حياة جربة، طيلة هذا العهد، بمختلف أطواره، تعيش في إطار إسلامي نظيف، قضت منه قرنا ونصفا تابعة للدولة الرستمية، وحوالي ثلاثين سنة تحت حكم الدولة الفاطمية أو العبيدية وسنتين تحت حكم أب يزيد بن كيداد، وسبع سنوات تحت حكم الدولة الصهناجية، اما بقية المدة من هذا العهد وهى تقارب ثلاثة قرون، فقد كانت فيها جربة مستقلة عن غيرها من الدول استقلالا كاملا، تعيش على المنهج الإسلامي في الحياة، وبالطريقة التي اختارها علماؤها، دون أن تعلن عن قيام دولة، ودون أن تتخلى عن تنفيذ أي حكم من أحكام الإسلام. (1/180)
صفحة 181
ويحق للمؤرخ الذي ينظر إلى جربة من الزاوية الإسلامية غير مهتم بمظاهر السلطة والنفوذ أن يقول: إن الفترة التي عاشتها جربة مستقلة عن تبعية غيرها من الدول كانت عهودا مشرقة بالإيمان والعمل الصالح والتمسك بهدى محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك باستثناء السبعين سنة التي اشتركت فيها أساطيل الجزيرة في الأعمال البحرية. وأنا حين أطلق هذا الحكم العام على سبعين سنة من تاريخ الجزيرة أجد نفسي ملزما بأن أوضح للقارئ الكريم إن هذا الحكم غير دقيق فإن السبعين سنة لم تمض كلها في الأعمال البحرية كما إن الناس الذين يقومون بها ليسوا أهل الجزيرة كلها وإنما هم أفراد منها وإلا فإن الغالب من السكان لا سيما المتدينين منهم كانوا غير راضين عن تلك الأعمال ويدل على ذلك أنه ما تكونت طبقة من العماء المنظور إليهم حتى استطاعوا أن يوقفوا تلك الأعمال وان يطهروا أرض الجزيرة وأيدى أبنائها من آثار الظلم والعدوان، وإن يعودوا بالأمة إلى سلوك الطريق القويم. عمل خالص لله ومحاسبة للنفس والتزام للحق. مستجيبين لدعوة الله في كتابه الكريم. " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون".
هذا العهد الأول من تاريخ جربة في الإسلام اما العهد الثاني فيبتدئ من سنة 529 حين هجم الإفرنج على الجزيرة ويمتد إلى سنة 960 حين دخلت جربة تحت الخلافة العثمانية، وسوف نعرض بالحديث في الفصول الآتية عن العهد الثاني من تاريخ جربة لنجلو من ذلك صورا من كفاح الأمة المسلمة نضعها بين يدى القارئ الكريم لعله يجد في ذلك عبرة وموعظة.
عهد الجهاد في سبيل الله (1/181)
صفحة 182
يسير تاريخ جربة في هذا العهد، في اتجاهين مختلفين، الاتجاه الأول هو مقاومة الاستعمار الصليبي، ومحاربة القرصنة الإفرنجية، والوقوف في وجه العدوان الذي تباركه الصلبية المتعصبة، وسلطة الكنيسة الحاقدة، على الشواطئ الإسلامية، ويبتدئ هذا الإتجاه من سنة529 ويمتد إلى سنة 960.
أما الإتجاه الثاني فهو تبعية الجزيرة لحكم خارج عنها سواء كان تحت رعاية دولة. أو تحت نفوذ ولاة يعملون على الاستقلال بالحكم، ويبتدئ هذا العهد من سنة 555 ويمتد إلى سنة 960.
وبينما كان تاريخ جربة في الإتجاه الأول مشحونا بالأحداث والجهاد المتواصل في سبيل الله والوطن، كان تاريخها في الإتجاه الثاني عبارة عن تحمل وصبر واداء لما يطلب من اموال وضرائب. وسوف أحاول في الفصول الآتية، أن أضع بين يدى القارئ الكريم صورا عن كل من الاتجاهين مبتدئا بالاتجاه الأول.
كفاح الاستعمار الصليبي
إن جزيرة جربة الصغيرة التي ليس لها مطامع، والتي ترغب ان تعيش في هدوء وسلام، ارغمتها ظروف الحياة إلى أن تخرج من عزلتها، وأن تكون اسطولا تهدد به بعض الموانئ، وتحطم السفن، وتصارع الأساطيل، فجاءها أمير المهدية علي بن يحى وعرض عليها صلحا بحسن الجوار ووقف العدوان والتبادل التجاري فرضيت الجزيرة بالصلح فأمنت من العدوان، واطمأنت إلى السلام، وفيما هي تنام في احضان الطمأنينة، فأجأها أسطول بحري قوي، لدولة حاقدة على الإسلام والمسلمين. فقد جهز حاكم صقيلية روجار تستيقظ حتى كان الإفرنج قد احتلوها، واصبحوا يجوبون شوارعها ويعيشون فيها فسادا، تنادى السكان إلى الدفاع، وقاتلوا قتالا عنيفا تكبدوا فيه خسائر لا تحصى إلا أنهم غلبوا على أمرهم واستكانوا على رغمهم، وخضعوا الحكم النورماند. (1/182)
صفحة 183
جعل النورماند من جزيرة جربة مركزا لتموين أساطيلهم، وامدادها بما تحتاج إليه في عدوانها من عتاد وسلاح، كما اتخذوها ملجأ لهم من العواصف البحرية. وانتظر أهل جربة أن يخف احد لنجدتهم ولكن لم يستبن لهم في الأفق شيء، فقد كانت الأساطيل الإفرنجية تسيطر على البحر الأبيض المتوسط، وكانت تهاجم السواحل الإسلامية كل يوم، وكان حسن الصنهاجي صاحب المهدية مشغولا بالدفاع عن نفسه وعن مركز دولته، ولما طال بقاء النورماند في الجزيرة وأيقن أهلها انه لا مدد يأتيهم من الخارج، وإن بلادهم أصبحت مركزا للعدوان، منها تنطلق أساطيل القرصنة، فكر أهالي جربة في الثورة ونظموا أمرهم ثم تداعوا إلى الثورة سنة 548 فانتصروا على الحامية التي تركها الإفرنج هناك وقتلوا منهم عددا عظيما وأخرجوا باقيهم من الجزيرة.
وعندما ترامت فلول المنهزمين إلى صقلية، وبلغت تفاصيل الأخبار إلى ملكهم غضب غضبا شديدا، وجهز أعظم أسطول عرفته القرصنة البحرية لذلك الحين، ثم وجهه إلى جربة، وتلقى اهالى الجزيرة ذلك الأسطول الضخم بنية مستميتة في الدفاع، وعزم مصمم على النضال، وقعت معركة من تلك المعارك الهائلة التي تتناثر فيها الإشلاء البشرية، دون حساب أو تقدير، وتغلبت القوة والكثيرة، وقتل أهل الجزيرة حتى لم يكد يبقى فيهم من يقوى على حمل السلاح، وأخذ كثير من أهلها أسرى فبيعوا في أسواق إيطاليا وصقلية عبيدا، وخفتت في الجزيرة تلك الأصوات التي كانت تطن في أجواف الليل بالدعاء وتلاوة القرآن، وتملأ المساجد في النهر بدروس العلم ودروس الوعظ والإرشاد وبدت الجزيرة كانها في غفوة طويلة لا تبدو عليها حركة أو حياة. (1/183)
صفحة 184
بقى الإفرنج في الجزيرة إلى سنة 555 حين قدم عبد المؤمن بن على فساعد الجزيرة على طرد أولئك المستعمرين الدخلاء كما طردهم من غيرها من الثغور الإسلامية، وأدخل الجزيرة تحت حكمة. وما خرج الإفرنج من الجزيرة حتى بدأت تعاودها الحياة وتدب في نواحيها الحركة وأخذ الناس يباشرون أعمالهم العادية، وكان أولئك الذين فروا يعودون إليها، وبدأت المنازل تعمر من جديد، وانبعثت الحركة في الأسواق.
بقيت جربة تابعة لدولة الموحدين إلى سنة 725 حين استقل أبو زكرياء الأول الحفصى بالحكم في تونس فانتقلت جربة إلى نظرة، وصارت تابعة للدولة الحفصية يحكمونها بواسطة الولاة.
والحقيقة أن تبعية الجزيرة للموحدين في الأول أو للحفصيين في الآخر إنما هي تبعية اسمية وكل ما يربط بين التابع والمتبوع إنما هي مبالغ من المال يأخذها عامل الدولة في جربة برسم الضرائب ويسلمها للدولة المركزية في تونس، ورغم أن أولئك الولاة أو العمال يعينون من رئاسة الدولة في تونس ورغم ان جربة رضيت بهذه التبعية للحكم في تونس كان لا يعنيهم من الجزيرة إلا مبالغ المال تدفع لهم من حين إلى حين، وكثيرا ما كان الولاة يستضعفون الحكومة المركزية فيستبدون بالأمر، ويختصون بالحكم ويحتفظون بالأموال لأنفسهم. اما الدفاع عن الجزيرة وحمايتها من عدوان القرصنة الإفرنجية فذلك ما لم تهتم به تلك الدول المتعاقبة على حكم البلاد، اللهم الا مرات قلائل سوف يجد القارئ الكريم أحصاءها في بعض الفصول الآتية. وبقيت جربة من سنة الأخماس 555 التي خرج فيها النصاري من جربة على يد عبد المؤمن بن على ومساعدته للسكان إلى سنة 688 حيث احتلها الإفرنج من جديد إحتلالا كاملا واستقروا فيها لمدة طويلة إمتدت إلى نصف قرن. (1/184)
صفحة 185
عندما خرج الإفرنج من السواحل التونسية سنة 555 لم يقفوا عن العدوان وإنما كانوا يصرون على إحتلالها من جديد ولذلك فقد كانت اساطيلهم لا تنفك عن مهاجمة هذه السواحل كلما امكنتهم الفرصة. وبقيت جربة من سنة 555 إلى سنة 688 أى مدة قرن وثلث وهى تصارع الأساطيل الإفرنجية منفردة رغم انها كانت تدفع الضرائب الباهضة والمبالغ الجمة من المال إلى اولئك الولاة الذين يتمرغون في النعيم بما يبتزونه من أموال الناس، ويخلعون على أنفسهم اعظم القاب الحكم والنفوذ. وطال على الجزيرة الصغيرة امد الكفاح، واكلت الحرب رجالها، وكان أبطالها المغاوير يتناقصون في كل موقعة، وكان الجهاد المتواصل في سبيل الله يستنفذ ما لديهم من قوة بشرية وقوة مادية.
واستمرت الجزيرة على طريقتها في دفاع العدو يهاجمونها فتردهم على أعقابهم وقد يتغلبون عليها مؤقتا فيدخلون الجزيرة ولكنها سرعان ما تثور بهم. فتقذف بهم وراء البحر. وفي سنة 688 جهز الإفرنج أساطيل ضخمة وعملوا على احتلال الجزيرة احتلال ثابتا يستقرون فيه وهجموا عليها بتلك القوى، وكان أبطال الدفاع عن الجزيرة قد اكلتهم الحرب فتغلب الإفرنج عليها وجعلوا برج القشتيل مركزا لهم، وبقيت الجزيرة تحت حكمهم إلى سنة 738 أي انها بقيت تحت الاستعمار الصليبي نصف قرن كلم واولئك الذين يعتبرونها ضمن مملكتهم وكم اخذوا منها من اموال لم يحركوا ساكنا لنجدتها واخرجها من أيدي اعداء الله والوطن. (1/185)
صفحة 186
وفي هذه السنة استيقظت الدولة الحفصية من سباتها، وذكرت أن عدوها يجثم على صدر قطعة كريمة عزيزة من ترابها، ووجدت في نفسها فرصة مواتية للعمل والتحرك فجهزت جيشا كبيرا في اسطول ضخم، بأمر الملك الحفصى أبى بكر الثاني واسند قيادة هذا الجيش إلى مخلوف بن كماد فقصد الأسطول الجزيرة. وحاصر القشتيل مدة غير طويلة فلان له إذ كانت الحماية الإفرنجية هناك تقع بين نارين نار الأسطول المهاجم، ونار السكان الثائروين. وخرج الإفرنج من الجزيرة، وطهرت من الاستعمار، ورجعت إلى حكم الولاة الذين استقلوا بها عن مركز الدولة، وكانوا يثقلون عليها بالضرائب، ويكثرون من جمع الأموال، إلا أن أهل الجزيرة كانوا راضين عن هذا الظلم، صابرين له، فإن دفع الأموال لأخوة في الدين أهون من البقاء تحت نير الاستعمار البغيض.
بقيت جربة من سنة 738 إلى سنة 835 إي ما يقرب من قرن تحت حكم ولاة تابعين في الاسم للدولة في تونس وقد يستبدون بالحكم فيها أو في بعض البلاد المجاورة لها كما فعل أبن مكى وابن أبي العيون وغيرهم وفي كلتا الحالتين حالة التبعية أو حالة الاستبداد كانت جربة تعيش في قلق دائم بسبب ما تعانيه من ظلم وعدوان، غير أننا لم تحاول في هذه الفترة الطويلة أن تنفصل عن حكم الولاة واستمرت بها هذه الحالة إلى سنة 835 حيث بدأت تسطر صفحات من المجد قل أن تسطرها أمة في تاريخ الكفاح.
برج الجماجم
كان أبو فارس عبدالعزبيز بن احمد الحفصى الذي تولى الحكم، سنة 796 وتوفى سنة 838 من أحزم ملوك الدولة الحفصية ومن اكثرهم يقظة وعناية بأطراف مملكته وفي سنة 835 وقعت احداث بالجريد استدعت الاهتمام بها، فسار إلى تلك البلاد بجمع كبير من جنده. (1/186)
صفحة 187
وترامى إلى سمع الإفرنج اشغال الملك الحفصى ببلاد الجريد، بعيدا عن السواحل التونسية، وكانت فكرة الاستيلاء على السواحل، واتخاذها مراكز للقرصنة، ما تزال تشغل أذهان الإفرنج، من مدة طويلة، وقد قاموا من اجل ذلك بعدة محاولات كما أسلفنا في هذا الكتاب، وكان نصيبهم في تلك المحاولات، أما فشل ذريع، وإنما نجاح مؤقت لا يلبث ان يؤل إلى الإخفاق، وفي هذه الفترة - وقد تكونت لديهم أساطيل ضخمة، وعدد هائل من المحاربين الدربين على القتال في البر والبحر، وكانت القوة الحربية للملكة التونسية مشغولة في الدواخل - خطر لهم إن الإستيلاء على موقع استراتيجي في السواحل الإسلامية، يجعل البحر الأبيض المتوسط تحت سيطرتهم، وكان اصلاح مكان لهذا التركيز، وأيسره في نظرهم، هو جزيرة جربة، هذه الجزيرة الصغيرة المحصورة، التي لا يمكن ان تأتيها المدد الا من طريق البحر، والبحر سوف يكون تحت سيطرتهم ورقابتهم، ولا يوجد من يرسل إليهم نجدة سوى ملك الحضره أب فارس، وأبو فارس مشغول هو وجيشه في بلاد الجريد، وهكذا ضمنوا النجاح فيما بدا لهم، فجهزوا أسطولهم القوى واندفعوا في البحر ينشدون انا شيد النصر المرتقب، وهم يتجهون إلى الجزيرة الصغيرة الرابصة في البحر.
اجتمع المشائخ في الجزيرة في أسرع وقت، وطرحوا الموضوع للنقاش، ما هو الموقف الحيكم الذي يجب أن تقفه هذه الجزيرة الصغير الضعيفة المعزولة عن العام؟ امام هذا الأسطول القوى، المجهز بأحدث أنواع الأسلحة، قال قائل ربما يكون الإستيلاء اهون الشرين، فارتفعت أصوات النكار على صاحب هذا الرأى واجيب بان موتهم جميعا وخراب الجزيرة اهون وأكرم الاستيلاء لأولئك القارصنة، وبعد استعراض أوجه الموقف الذي هم فيه، وتبادل الأراء، اتفقوا على اتخاذ الخطوتين الآتيتين. (1/187)
صفحة 188
الأولى: ان ينتظروا نزل الجيش المحارب إلى الأرض وعندئذ يهبون بكل ما لديهم من وسائل إلى الدفاع عن دينهم وشرفهم ووطنهم، وان لا يمكنوا العدو - مهما كانت الخسائر ومهما كان عدد القتلى - من التقدم، فغن الجيش المحارب إذا تمكن من التقدم والوصول إلى الأحياء السكنية التي يعمرها الضعاف من النساء والطفال والمعجزة، جرأهم ذلك على المزيد من التقدم، وتمكنوا من الأثخان فى القتلى، وسهل عليهم العدوان بمختلف أشكاله على أولئك الضعاف، كما ان العملية الحربية إذا بلغت إلى هذا الحد فغنها تعنى انتصار الفريق المتقدم لا محالة، وبعث ذلك، الفشل في عزائم المناضلين، فإنهم إذا راوا أسلحة العدو تقع على النساء والأطفال، ورأوا العلوج يتوغلون في المدينة فغنهم يحاولون ان ينقذوا ما يمكن انقاذه اما بالفرار او بالتسليم وهذا يعنى الهزيمة.
الثانية: ان يرسلوا بأسرع ما يمكن، رسولا يحمل الخبر إلى أبي فارس في بلاد الجريد، ويطلب منه الإسراع بالنجدة ما أمكن. ونفذت الفكرتان في الحال. فانطلق رسولهم إلى الجريد يستصرخ أبا فارس، وانطلق المشائخ يجمعون الناس، ويحثونهم على الجهاد في سبيل الله، ويتقدمونهم في لذك، وما سمع الناس، بخبر هجوم العدو، ودعوة المشائخ إلى لقائه، حتى انطلقوا إلى ميدان المعركة، بكل ما ليدهم من قوة، قوة الإيمان والثقة بنصر الله. (1/188)
صفحة 189
ووقع اللقاء، وصبر الأبطال للجلاد، وبذل العدو ما يملك من جهد ليتقدم خطوة فلم يستطيع، ولكن املا كان يداعب غروره، فهو يعتقد أنه سوف يمتد به البقاء في الجزيرة، وانه سيطيل الحصار لها، وانهسيحاربهم حرب مطاولة، ما دام يسد عليهم ثغور الجزيرة، وليس من نجدة تاتيهم من الخارج. واستمرت النيران مشتعلة بين الفريقين، وكان القتلى يتساقطون من جيش العدو في تتابع واستمرار فإن الضربة حينما يوجهها المسلم إلى جيش العدو المتكاثف المرصوص، ولا بد ان تهوى بقتيل، اما الطلقات الإفرنجية التي يطلقها العدو باسراف دون هدف، فإنها كانت لا تزيد عن احداث مزيد من الضجيج، وأثارة غبار يتصاعد إلى عنان السماء.
وثنت المسلمون في وجه العدو، وكانت كفتهم هى الراحجة طول الوقت، رغم ما يتمتع به العدو من القوة والكثرة. واحتفظ المسلمون بمراكزهم ولم يحاولوا التقدم، وبينما كان القتال على أشد ما يكون، وكان القتلى من العدو يتهاوون، وصلت النجدة إلى أهالى الجزيرة، في وقت لم يكونوا يتوقعون وصولها، ولم يكن العدو يتوقعها. (1/189)
صفحة 190
إن الملك الحازم أبا فارس ما سمع أن العدو هجم فعلا على الجزيرة، وأنه ينوى احتلالها، حتى تخلى عن جميع الشئون التي ذهب من أجلها إلى الجريد، وطار بجيشه إلى جربة، ولما كان يعرف أن الدخول بالسفن والقوارب عن طريق البحر أمر مستحيل في ذلك الحين، فقد دخل خو وجيشه خوضا في البحر عن طريق (ترابلة). ولم يعلم المسلمون حتى وصلهم المدد ووجدوا سواعد أخوانهم تمتد لاعانتهم وتساعدهم، وما رأي العدو المدد يصل إلى المسلمين، وتتقوى صفوفهم به، ويدخل إلى الميدان محاربون جدد، جد مشتاقين إلى شرف الشهادة او شرف النصر، حتى وقع في قلوبهم الرعب، وانكفأوا على أعقابهم منهزمين، فركب المسلمون ظهورهم، يقتلون فريقا، ويأسرون فريقا، ويغنمون ما يقع تحت أيديهم من سلاح ومال، وقد رأى قادة الحرب في تلك الموقعة ان يثخنوا في القتل، حتى يكون ذلك موعظة للمعتدين، فلا تحدثهم انفسهم بالعودة. ثم اجتمع اهل الجزيرة وجند أب فارس، فجمعوا رؤس القتلى، وبنوا بها برجا عظيما، سموه برج الجماجم حتى يبقى ذكرى لهذه الموقعة الرائعة، ولقد بقى هذا البرج من سنة 835 إلى سنة 1264 حيث نقلت الجماجم ودفنت، وبنى في مكانها نصب تذكاري سمى برج الجماجم عليه رخامة نقش عليها تاريخ الموقعة وتاريخ دفن الجماجم.
كانت هذه الحادثة، إحدى الحوادث الخالدة لأهالى جزيرة جربة الأبطال، على اهداء الله والدين والوطن. (1/190)
صفحة 191
كان الجربيون أشد الناس محبة للسلام، وحرصا عليه، فلما اضطرتهم الظروف إلى الوقوف في ميادين القتال، اثبتوا أنهم أشد الناس صبرا على المكروه، وأقواهم احتمالا، واعرفهم بالتفكير المقترن في الحوادث السود، واشجعهم في أوقات المحنه. لقد عرفوا كيف يستلون النصر، ويؤدبون المعتدين، ويبرهنون للعالم أجمع، شرقية وغربية، أنهم امة تحب السلام ما وجدت إليه سبيلا، فإذا شمرت للحرب فإنها امة لا تعرف التردد، ولا ترهب النضال، انه لا شئ يبعث الخوف إلى نفسها. وفي هذه الحادثة برهان صادق على ما نقول، وسوف تأتي شواهد كثيرة على ذلك. (1/191)
صفحة 192
لقد يخطر لبعض القراء الكرام إن أهالي جربة ما انتصروا في هذه الموقعة إلا بفضل نجدة أبي فارس، فالفضل في هذا الانتصار الرائع راجع إليه، ونحن لا ننكر فضل هذا الملك الحازم لا في هذه الموقعة ولا في غيرها من المواقع التي كان له فيها يد في أي مكان. ولا شك أن أبا فارس يعتبر من خيرة من ولى الحكم في البلاد التونسية، ومن أكثرهم حزما ونشاطا، وغيرة وحفاظا. كما لا ننكر فضل أي ملك أو أمير قدم للأمة أو للوطن أية خدمة في أي جانب من البلاد الإسلامية الشاسعة، ولكننا فيما يرجع إلى هذه الموقعة بالذات التى تم فيها النصر للجربيين على الإفرنج بمساعدة أبى فارس، نرى أن أكبر الفضل أولا وأخيرا إنما يرجع إلى أهل الجزيرة، إلى أولئك الأبطال، الذين كان لهم من قوة الإيمان والصبر، ومضاء العزيمة وصدق الإرادة، ما جعلهم يصممون على الوقوف في وجه عدو لا نسبه بين ما أعده لمحاربتهم من وعدة وعتاد وبين ما لديهم من عدة كليلة، وإعداد قليلة، ثم يقفون فعلا في وجهه كالسد المنيع رغم أنه تمكن من حصرهم في الجزيرة، وسد عليهم منافذ الرزق والحياة، وحال دونهم ودون الاتصال بالعالم الخارجي فيما يحسب، ولولا ايمانهم بالله، وثقتهم في نصره، وما يتحلون به من شجاعة وثبات ورباطة جاش، لما وقفوا هذا الموقف المشرف. فجابهوا العدو وردوه على اعقابه، ولما سجلوا هذا اليوم الإسلامي العظيم على أعداء الله.
يوم من أيام الإسلام على الصليبية
مرت على الإنسانية في البحر الأبيض المتوسط، عهود نستطيع ان نسميها عهود القرصنة، أنها عهود مخجلة تحمل الخزي والعار في أحداثها، ولكن المؤرخ وهو يستعرض الحياة البشرية، لا بد أن يمر بها. (1/192)
صفحة 193
بقد تكونت أساطيل ضخمة، تجهزها دول كبرى، وتباركها كنائس تنتسب إلى المسيحية السمحة، وليس الغرض من تلك الأساطيل حماية الممالك ولا الدفاع عنها، ولا حتى اثبات النفوذ واقرار الحكم، وإنما الغرض منها أولا، السرقة والغضب واختطاف الناس، وبيعهم في الأسواق عبيدا. ثم بعد ذلك، الانتقام أو التشفى أو تبريد حرارة الحقد الذي تشبعت به بعض النفوس في جنوب أوربا لا سيما أسبانيا. فهى تحتل الثغور، وتمتلك المواني، لتجعل منها مراكز إعتداء، تهاجم منها البلاد والسفن البحرية، حتى السفن التجارية وقوارب الصيد الصغيرة، وكم ينتفح قادة تلك الأساطيل كبرا واعجابا بالنفس عندما يتغلبون على ما يقع بين أيديهم من سفن تجارية أو حربية فيأخذون ما فيها من أموال وبضائع، ويسبون من بها من الناس فيتخذونهم عبيدا، يجذفون لهم في سفنهم تحت السياط والعذاب، أو يبيعونهم في الأسواق ليقبضوا ثمنهم ذهبا وفضة، ونشطت القرصنة الصليبية في القرون الوسطى، تباركها بعض الكنائس المتعصبة، وتساعدها الدول الصليبية الحاقدة حتى كادت تلك القرصنة أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط، وحتى أصبحت التجارة البحرية تحت رحمة تلك الأساطيل التي لا تنفك تمخر عباب البحر باستمرار.
استطاعت القرصنة في أوائل القرن العاشر أن تتحكم في البرح الأبيض المتوسط تحكما كاملا، فقد كانت الأساطيل الأسبانية تنطلق من شواطئ اوربا مجهزة بكل وسائل القتال، لتقتنص ما تجده في لبحر من سفن إسلامية، أو لتهاجم ثغور المغرب الإسلامي، لتختلس منها ما يسهل اختلاسه، أو تقيم فيها مراكز للعدوان، وتأيدت هذه الحركة بفرسان القديس يوحنا، الذين تؤيدهم الكنيسة وتبارك اعمالهم، والذين سمح لهم بأن يتخذوا من (مالطة) الجزيرة البحرية القريبة من الشواطئ الإسلامية، مركز انطلاق وعدوان. (1/193)
صفحة 194
هاجمت أساطيل القرصنة الإفرنجية متعاونة موانئ المغرب الإسلامي، فاحتلتها ميناء بعد ميناء. بدأوها من المغرب الأقصى، وساروا معها حتى احتلوا طرابلس سنة 916 ولم يبق من موانئ المغرب الإسلامي بعد احتلال طرابلس، إلا جزيرة جربة، وقد تركوها من قبل، واهتموا بغيرها لأنهم كانوا يظنونها لقمة سائغة سهلة إلازدراد، فهى جزيرة ضغيرة منكمشة في البحر، لا قوة لها، ولا مدد يأتيها، إن احتلالها لا يتجاوز بضع ساعات.
انفلت القرصان الكبير (بدور نافارو) باسطول يتكون من أثنى عشرة سفينة إلى جزيرة جربة. وفي اليوم التاسع والعشرين من ربيع الأول 916 من الهجرة النبوية وقف أسطول عتيد على مداخل جربة، ونزل منه زورق صغير يحمل رسالة إلى شيخ الجزيرة أبي زكرياء يحى السمومنى.
وقف الرسول أمام الشيخ في اعتداد السارق الوقح، وطلب من الشيخ باسم قائد الأسطول أحد أمرين: أما تسليم الجزيرة، واما القتال، فأجاب الشيخ بان الجزيرة لن تسلم نفسها، وغن عليه أن يخبر قائده بان الجزيرة مستعدة للدفاع عن دينها، وكرامتها وأرضها، وأنهم لن يسمحوا لقدم أن تطأ ترابهم إلا إذا أصبحوا جثثا هامدة.
وعرف الرسول التصميم في عزيمة الشيخ ورأى الإصرار والتحدى على الحاضرين فرجع إلى " بدور نافارو " ينقل إليه ما سمع وما رأى. وفكر القرصان الكبير طويلا في الموضوع ايقدم على الحرب. أم يعود ادراجه ليزيد في قوته ما يضمن له النصر؟ وكان الغيظ والحنق يأكلان قلبه، ويحملانه على الأقدام، ولكن صوت العقل والحكمة قد تغلب عليه فيما زعم وعزم. فجر أسطوله دون ان يعرضه لهذه التجربة، ورجع إلى طرابلس يجر إذيال الخيبة وصمم أن يضم إله من القوة ما يكفل له تحطيم هذه الجزيرة العتيدة تحطيما لا تقوم لها من بعده قائمة. (1/194)
صفحة 195
عد كثير من المؤرخين هذا الموقف نصرا للجزيرة وهزيمة للمعتدين، فإن الأسطول إنما جاء للجزيرة لإحتلالها، لا للإستطلاع، ولكن الموقف الصامد الذي وقفه شيخ الجزيرة، والتصميم الأكيد على الدفاع، ووضوح الإصرار على المقاومة الذي كان يتجلى على أقوال وحركات الجربيين - هى الأسباب التي ملأت قلب القرصان الكبير خوفا ورعبا فاقلع راجعا، أنها بالتاكيد هزيمة له فإذا لم تكن هزيمة فهى هزيمة معنوية.
وصل أسطول " بدور نافارو " إلى طرابلس، والتحقت به بقية القطع البحرية، والأساطيل الأفرنجية، التي كانت تجوب البحر الأبيض المتوسط فتكون منها أسطول ضخم قوامة مائة وعشرون سفينة تحمل عشرين ألفا من القاتلين المدربين على القتال. وأقلع الأسطول متجها إلى جربة، فبلغها يوم الخميس 23 جمادي الأولى وفي صبيحة الجمعة نزلت الجيوش الجرارة من سفنها، وزحفت على ساحل الجزيرة كما تزحف أرجال الجراد.
عشرون ألفا كما تذكر المصادر الإسلامية او خمسة عشر ألفا كما يزعم مؤرخوا الإفرنج من المقاتلين المدججين بانواع السلاح، المعتدين للحرب، المزودين باحدث ما ابتكره الإنسان من وسائل التدمير لذلك العصر، يهجمون على جزيرة صغيرة محصورة ضيقة، ليس لها مدد إلا من الله لا يبلغ عدد سكانها من الرجال والنساء والأطفال ثلاثين ألفا.
ما هو عدد المحاربين الذين تستطيع هذه الجزيرة إن تعده للدفاع؟ لقد حاول مؤرخو الإفرنج في تلك الفترة أن يرتفعوا بعدد الجربيين المحاربين إلى أقصى ما يمكن أن يقبله العقل فقالوا أن الجربيين قد اعدوا لهذه المعركة ثلاثة آلاف مقاتل، فما هي النتيجة التي يتوقعها القارئ الكريم لمعركة بين عشرين ألفا من الجنود الم
ربين المسلحين وبين ثلاثة آلاف محارب كثير منهم لم يحملوا السلام من قبل وفيهم نسبة كبرى من شيوخ عجزة وصبيان مراهقين، حملهم الحماس والغيرة على الأقدام. (1/195)
صفحة 196
نظم المسلمون محاربيهم في صف واحد مستقيم، يمتد إلى اليمين وإلى اليسار وتقدموا لمقابلة العدو وهم عازمون على الصبر والثبات. إلى النصر الكامل أو الإستشهاد الكامل، وقال أحد الذين يدعون إلى الاستماتة في الدفاع، أنه يجب ان لا تطيش ضرباتنا إذ يجب ان نقتل من العدو أكثر ما يمكن، فلا أقل أن يقتل كل رجل من المسلمين رجلا من المشركين، أما الشئ الذي لا يحل لنا حى مجرد تذكره او التفكير فيه، إنما هو التسليم أو الفرار من الزحف. أنه لو بقى منا فرد واحد، لوجب عليه ان يثبت في القتال وان يحارب حتى يقتل. أنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يفر في هذه المعركة. فإذا قدر لنا أن ننتصر فذلك ما نأمله ونرجوه، وإذا قدر لنا أن نخسر المعركة فلا أقل من أن نكبد العدو خسارة تزيد عن عددنا.
اعتمد الإفرنج أول ما اعتمدوا على الجانب المادي من القوى، وعلى إظهار العدة، فأكثروا قبل بدء المعركة من الضوضاء والصخب، وإطلاق البنادق والمدافع، وإنشاد الأناشيد الحربية بالآلات الموسيقية الصاخبة، إلى آخر ما لديهم من وسائل التهويش. (1/196)
صفحة 197
اما المسلمون فليس لديهم من القوة إلا قوة الإيمان، والرغبة الملحة في الحصول على شرف الإستشهاد في سبيل الله، ولذلك فقد إعتمدوا على القوة الروحية، التي تدفع جوارحهم إلى العمل، فكانت جوارحهم تنطلق بالتكبير، وكانت أرجلهم تتسابق إلى الميدان دون استعراض لحركات الرشاقة، وموازنة الخطأ التي تفصل بين الفريقين في مراكز الإعجان بالنفس، وكانت المسافة التي تفصل بين الفريقين في مراكز التجمع الأولى تقدر بستة أميال، وكان المسلمون لا ينفكون يرسلون من يستطيع لهم أحوال العدو وتحركاته، فلما ورد إليهم الخبر إن العدو يهم بالزحف إليهم والهجوم عليهم، اندفعوا إلى لقائه، والإصطدام به، وكان الإفرنج قد رتبوا جنودهم في صفوف متراصة، صفا وراء صف، حتى إذا هلك الأول أو انهزم تقدم الذي يليه، وتراجع الصف الأول الذي كان في المقدمة إلى المؤخرة، حتى يكون على استعداد للنجدة والتقدم إذا لزم الأمر، وهي مبالغة في الإحتياط حسب تقدير أولئك القواد. (1/197)
صفحة 198
وإصطدام الفريقان الإصطدام الأول، فوقعت رجة عند المسلمين صبروا لها وثبتوا واستماتوا في النضال، حتى لانت بين أيديهم، الأيدي المقاتلة من الصف الأول من عدوهم فانهزم وتقهقر، وتقدم الصف الذي يليه لمعاضدته، وسد الخلل الذي وقع فيه، ووقعت من تقدمه رجة أخرى عنيفة عند المسلمين ثبتوا لها وصبروا. وكان البطل أبو الربيع سليمان بن يحى السمومنى يقاتل بما أوتى من همة وشجاعة في جناح الجيش، وفي نفس الوقت كان يلاحظ بعينى المحارب اليقظ تحركات العدو وموقف المسلمين منها فلما رأى تلك الصفوف المتراصة التي يعضد بعضها بعضا، في الحين الذي لا يقابلها من جانب المسلمين إلى صف واحد من الرجال، إذ قتل واحد منهم ترك في مكانه ثغرة لا تسد، وخشى إذا بقيت جيوش العدو على هذا التنظيم ان تستطيع زحزحة الصف الإسلامي الوحيد، او إن يحدث ثغرة في بعض جهاته، وإذا وقع ذلك، وليس له ما يعضده من خلفه فهنالك الكارثة، ولذلك فقد عرف ان النصر لا يكون إلا بأحداث ارتباك في صفوف العدو وخطرت له فكرة! .. فنفذها في الحال، لقد انسل من بين المقاتلين، واختار معه عددا من الفرسان الشجعان ثم انعطف بهم إلى جانب، ودخل بهم وراء صفوف العدو بين الجيوش المقاتلة والأسطول الجاثم في البحر، وكان جند الإفرنج وقادتهم يعتقدون انهم آمنو من الخلف فليس بينهم وبين سفنهم أي خطر. وتراجع المحاربون الذين كانوا في الصف الأول على مهل، ليكونوا وراء الجيوش المقاتلة حسب تنظيمهم، ليكونوا الصف الأخير وليأخذوا قسطا من الراحة بعد العناء الذي لا قوه في الاندفاعة الأولى، ويستعدوا إذا ما وصلهم الدور الثاني لو تمكن المسلمون من دحر بقية الصفوف، وهو ما لايتوقعون حدوثه أبدا، فما كانوا يعتقدون أن المسلمين يصبرون لهم ساعة. (1/198)
صفحة 199
وما وصلوا مؤخرة الجند، ليريحوا سواعدهم المكدودة - فقد انهك الخوف قواهم، وشل الرعب اعصابهم - حتى واجهتهم فرسان المسلمين التي يقودها أبو الربيع، تدفع في نحورهم بالموت الزؤام، وذعروا فقد كانوا يعتقدون أنهم فروا من الموت، ونجوا من أيدي اولئك المسلمين الذين ينطلق الموت من أيديهم دون سلاح، فإذا بهم يفاجأون من جديد، وفركوا اعينهم من الدهشة، يتأكدون من الحقيقة، فلما أيقنوا بها، ظنوا انهم اخذوا، وغن المسلمين قد احاطوا بهم أحاطة السوار بالمعصم، فها هم يلاقونهم إذا تقدموا، وها هم يلاقونهم إذا تأخروا، انهم أين اتجهوا لم يروا إلا أشباح الموت تنطلق من صفوف المسلمين، وحاصوا حيصة الحمر، يفاجئها سبع صيود، وارتكبوا فيما بينهم، بعضهم يريد أن يتقدم، وبعضهم يريد أن يتأخر، ويعضهم يجرى إلى اليمين وبعضهم يجري إلى اليسار، وسرى هذا الارتباك إلى صفوف المقاتلين وعم جميع طوابير الجيش، فوقعت هذه الحركة بين صفوف الجند الذين لم يروا وجه العدو بعد. فامتلأوا خوفا، وقذف في قلوبهم الرعب، وحسبوا انهم وقعوا من المسلمين بين نارين، نار تترصدهم من الأمام، ونار تسوقهم من الخلف، فبلغ بهم الوهن أقصاه، والقوا بالسلاح، وجعلوا يلتمسون السبل للفرار. انه ليس بين أيديهم إلا الموت أو الفرار، ولم تعد تجدى فيهم، اوامر القادة او انذاراتهم، فولوا معرضين، والواحد منهم يقتل رفيقه ان اعتراض سبيله او عاقه عن المسير، وركب المسلمون ظهورهم يقتلونهم وهم يسيرون على غير هدى، حتى تراموا في البحر، وحال بينهم ظلام الليل. وعندما ارتفعت عنهم أيدي المؤمنين، كان الخوف والتعب قد بلغا منهم أشد ما يبلغ الخوف بلقب الجبان، والتعب بجسم العليل، فتهاووا على الأرض يريحون بقية الأجسام المكدورة، والقلوب المخلوعة. (1/199)
صفحة 200
ورقدوا على ساحل البحر لأنهم يهتدوا إلى مواقع السفن، فقد ربط الرعب أيديهم وأرجلهم، وأعمى أبصارهم، فلم يستطيعوا ان ينتبينوا مواقعها ليلتجؤا إليها، وبينما هم يغطون في نوم عميق، صورت الحلام المزعجة، لأحدهم، إن المسلمين يأخذون بخناقهم ويهجمون عليهم في الظلام الدامس، في موقعهم ذلك، فاستيقظ مرعوبا وأخذ يصيح ويطلب النجدة. فاستيقظ القوم على صياحه وهم أشباه السكارى من ثقل النوم والتعب والخوف، فجعلوا يتجارون في الظرم الحالك على غير هدى، لا يعرفون اتجاههم، ولا يرون مواقع أقدامهم، وكانوا يترامون في البحر طمعا في ان يصلوا إلى سفنهم، أو أن يحميهم الماء من سيوف المسلمين فيما يحسبون، وكان البحر يبتلع في هدوء وسكينة حتى لم يبق منهم إلا القليل، وعند الصباح كانت الأمواج تتلاعب بحثث منتفخة وانواع من الملابس المحتلفة.
وتجمعت فلول الجيش الغازي في بقايا السفن يلتمسون البعد عن هذه الجزيرة التي لقنتهم درسا لا يمكن ان ينسى، والحقت بهم فضيحة وعارا في العالمين الشرقي والغربي، ولكن إرادة الله كانت لا تزال تخبئ لهم مفاجآت مما أعده الله للتنكيل بالمعتدين، فقد هبت عواصف شديدة منعت الأسطول من التحرك، وأغرقت عددا منها، وبعد أسبوع هدأت العاصفة فاقلع الأسطول يجر أذيال الخيبة، تاركا من ورائه ثلاثة آلاف قتيل، وثماني عشرة سفينة، وعددا كبيرا من الأسرى هو بطبيعة الحال اكثر من عدد القتلى، وقد قدره بعض المؤرخين بما يتراوح بين ستة وسبعين ألاف شخص، فيهم عدد كبير من الأسرى الذين غنتهم الأساطيل الأفرنجية في بعض المواقع السابقة فحملتهم معها ليجدفوا لها على السفن، او ليباعوا في الأسواق، فوجد اولئك الأسرى فرصتهم المناسة فكانوا يفرون من السفن الإفرنجية في الليل ويلتحقون بالمسلمين ناقلين إليهم اخبار عدوهم وما هو فيه من الحسرة والغيظ واللم. (1/200)
صفحة 201
هذه خلاصة الحادثة، ولعله يكون من المناسب ان انقل في آخر هذا الفصل شواهد مما كتبه المؤرخون المسلمون.
يقول أبو عبدالله محمد أبو راس الجربي:
" ورجع عليهم المسلمون، وحملوا عليهم من كل جهة وجانب حملة رجل واحد، واعلنوا كلمة التوحيد، ووضعوا فيهم السيف، فلم يبق منهم إلا القليل، فأسرفوا، ولم يرجع منهم أحد إلى سفنهم. وبتقدير الحكيم العزيز أرسل الله على الساحل بما فيها من الأموال والكفار. فغنم المسلمون غنيمة لم يروا مثلها، واستشهد من المسلمني مع هذا النصر الغريب، والظفر العجيب نيف وعشرون رجلا وهلك من الكفار ما يقرب من عشرة آلاف (1) ورجعت بقية مراكبهم خائبة إلى طرابلس ليلة الخميس آخر ليلة من جمادي الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة فكانت مدة إقامتهم على جربة سبعة أيام والحمد لله رب العالمين."
وجاء في الوثيقة التاريخية التي طبعها الاستاذ محمد المرزوقي في ملاحق كتاب (مؤنس الحبة) وصف مسهب لهذه الحادثة، سوف أنقل منه بعض الشواهد والوثيقة لم يتمكن الاستاذ المرزوقي من معرفة صاحبها، وليس لدى ما يثبت نسبتها إلى شخص معين، وإن كنت أرجح أنها للشيخ سلامة بن يوسف الجناوني.
(1)
فإن أسلوب الرسالة قريب من أسلوبه، في بعض ما وجدت له من آثار، بل أن بعض العبارات وجدتها بنصها في بعض تعاليقه، وإذا اضيف إلى ذلك انه تلميذ أبى النجاة يونس، وانه قد يكون شاهد عيان للمعركة، وانه كان لا يفتا بين الجزيرة والجبل، ويكاتب هؤلاء وهؤلاء، وانه كان يعنى بالأحداث التاريخية خاصة ولا سيما ما يتعلق بشيخه أبى النجاة. إذا استحضرنا هذا كله فإننا نرجح ان يكون هو صاحب الرسالة كتبها من جربة بعد الحوادث السابقة وبعث بها إلة مشائخ جبل نفوسة.
وإلى القارئ الكريم شواهد من هذه الوثيقة التي لا شك إن كاتبها كان معاصرا وربما مشاهدا للأحداث.
__________
(1) بين القتلى والأسرى (1/201)
صفحة 202
" ومن فضل الله ومنه أن سلط عليهم ريحا حبستهم في الوادي ولم يجدوا إلى الخروج منه سبيلا، حتى فقدوا من سفنهم نحوا من ثماني عشرة سفينة فيما قيل بين كبارها وصغارها وفي كل ذلك تهرب الأسرى من عندهم كل ليلة ويأتون باخبارهم إلى المسلمين." ويقول بعد كلام. " ومن بركة المذهب، وديلي غجابة دعوة من تقدم ما سلط الله عليهم من الريح في غير اوانها، إذ كان ذلك في أوائل " اشتنبر " من الشهور العجمية، وأيضا كان الوادي المذكور ملجأ للسفن إذا هاج البحر فمهما دخلته لم تبال بهيجانه، وقد سمعتم ما فعل الله بسفن هؤلاء الكفرة وهى فيه."
ويذيل هذا الوصف الرائع بالدعوة الحارة إلى الإستمساك بدين الله فيقول: " وما ذلك والحمد لله إلا بما ذكرت لكم، وعليكم أيها الأخوان بالتمسك بالمذهب جهدكم، فغنكم في حفظ الله وامانه ما تمسكتم به، وعليكم بمعمارة مساجدكم بالأذان والصلاة جماعة، وتعليم الصبيان وقراءة القرآن وغير ذلك من وجوه عمارتها، وعليكم بالدعاء في مظان الإجابة، والتضرع إلى الله، والاتجاه إليه في كشف الضر عنكم وعن جميع المسلمين وعليكم بالتوبة والاستغفار." ويختتم رسالته القيمة بآيات بينات من كتاب الله عز وجل.
أصداء هذه الحادثة (1/202)
صفحة 203
لا شك أن هذه الموقعة، كان لها صدى كبير، في جميع الأوساط، سواء في ذلك أو ساط الأمة الإسلامية، أو أوساط الدول الإفرنجية، التي كانت تفخر بأعمال هذه الأساطيل، وتشجيعها على السيطرة على البحر الأبيض المتوسط، وتبارك جميع الخطوات التي يتخذها، ولقد أهتم بها المؤرخون في ذلك الحين وفيما بعد ايما اهتمام. ولقد قرأت ما وصلت إليه يدى مما كتب عن هذه الأحداث فوجدت أنها متفقة على الأسباب والنتائج والتفاصيل وليس بينها إلا إختلاف يسير من حيث الأرقام والتصوير والتبرير. وهذا الإختلاف في عدد القتلى مثلا او في تبرير الهزيمة او تصوير الوقائع امر طبيعي، فإن إحصاء القتلى غالبا في المعارك الكبرى يكون عن طريق التقدير أما تبرير الهزيمة أو تصوير الواقعة فهو يعود إلى الناحية النفسية للمؤرخ وميوله. ومع ذلك فقد اتفقت المصادر الإسلامية التي أخذت عنها أن الأسطول الإفرنجي يتكون من مائة وعشرين سفينة، ويذكر أبو عبدالله محمد أبو رأس، أن عدد المحاربين الذين ذهبوا إلى جربة، عشرون ألفا، بينما يذكر سلامة الجناوني، وأبو الربيع الحيلاتي، أن عدد جميع المحاربين الذين كانوا بالأسطول عشرون ألفا. بقى منهم في طرابلس ثلاثة آلاف مقاتل، وهجم منهم على جربة، سبعة عشر ألفا. (1/203)
صفحة 204
ويبدو لى ان ما ذكره المؤرخان الجناوني والحيلاتي، أقرب إلى الصحة لا سيما إذا ذكرنا أن الجناوني، كان معاصرا لهذه الأحداث، بل لقد كان يحضر مجالس أبى النجاة يونس، حين كان اهالى جربة يجهزون وسائل الاستعداد للدفاع، ولا يستبعد أن يكون حضر تلك المعركة، وشارك في أحداثها، فإنه من المستبعد ان يحضر مجالس تدبير المقاومة ثم لا يشترك فيها، اللهم إلا إذا كلفه استاذه أبو النجاة، بتبليغ الرسائل إلى جبل نفوسة فغاب لهذا السبب، وإذا لم يكن نفسه مشتركا، ويعضد كل ما جاء عن الجناوني ما وجد في وثيقة قديمة نقل عنها الشيخ سعيد التعاريتي وطبعها الأستاذ محمد المرزوقي في ملاحق" مونس الحبة " وكتب عن هذه الموقعة من المؤرخين العربالمعاصرين الأستاذ عمر الباروني في كتابه القيم " الأسبان وفرسان القديس يوحنا " ويبدو لى أن الأستاذ الباروني اعتمد على المصادر الأفرنجية فقط، ولذلك فقد جاء تصويره لبعض الوقائع، وتبريره لبعض المواقف. كما نما يساير النفسية الإفرنجية، في لذك الحين، وليفهم القارئ الكريم ما اعنى بهذه الملاحظة سوف اناقش الاستاذ الكبير في بعض تلك التصويرات والتبريرات. يقول الاستاذ الباروني في صفحة 49 من كتابه " الأسبان وفرسان القديس يوحنا " " " ورسا الأسطول الأسباني في قناة القنطرة في جربة وأنزل القائد ثلاثة رجال يتكلمون اللغة العربية، ويحملون اعلاما بيضاء، اشعارا بمجيئهم للتفاوض ولعرض رسالة من القائد، إلا ان سكان جربة كانوا على إستعداد للدفاع والمقاومة والقتال" وبعد كلام يقول: " ولم يتقدم حاملوا الاعلام البيضاء كثيرا في أرض الجزيرة حتى تقدم منهم الحراس المكلفون بخفر اتلسواحل، ولم يلتفتوا إلى ما كانوا يقولون وما كانوا يعرضون ولم يمهلوهم، بل عاجلوهم وقتلوهم، اشعارا بعدم قبول أي تفاوض. (1/204)
صفحة 205
" ويبدو ان الأستاذ الباروني قد اقتنع بصحة هذا الخبر الذي قص علينا مسلك أهل جربة تجاه رسل جاؤوهم يحملون علامة السلام وذلك فقد عمد إلى تبرير موقف أهل جربة في قتل الرسل بأسلوبه الشيق البليغ. وانا أشك في صحة هذه الصورة واعتقد انها صورة وضعها كتاب الإفرنج حتى يوهموا القراء الكرام حتى في هذه الظروف العصبية إن الإفرنج يلتزمون الأساليب المتبعة بين المحاربين وانهم قد سلكوا المسلك الإنسامي حين أنذروا اهل جربة وطلبوهم للمفاوضة ولكن أهل جربة قد ارتكبوا حماقة بقتلهم الرسل مما يدل على انهم امة لا تعرف أساليب التعامل مع الأصدقاء أو الأعداء وانها تجهل أصول السلوك فهى لا تحترم حتى الرسول الذي لا ذنب له في الموقف والذي تجمع أداب الحروب على احترامه وعدم التعرض له بالأذى وعلى كل حال فبينما ينساق الأستاذ الباروني مع هذه الرواية ويقتنع بها ويحالو ان يبرر منها بعض المواقف نجد غيره من المؤرخين المسلمين يقصون علينا هذه القصة كما يلي:
يقول أبو عبدالله محمد أبو رأس الجربي في كتابه " مونس الحبة " صفحة 106:
" فنزلت فلوكة وفيها رجل من طرف رئيس الإفرنج ومعه كتاب للشيخ يخاطبه فيه على ان يسلم له الجزيرة او القتال، فأجابه بأن له رغبة في القتال، واغلظ له في الخطاب، فلما بلغ الجواب استعد لنزول البحر فتحول المسلمون إلى قربهم عند قصر مسعود، فنظر أعداء الله إلى كثرة المسلمين وعلموا أن لا طاقة لهم بقتالهم فانصرفوا راجعين إلى طرابلس." (1/205)
صفحة 206
وجاء في الوثيقة التي نشرها المرزوقي في ملاحق مؤنس الأحبة صفحة 137: مايلي: فلما اتصل خبرها بالشيخ أبى زكرياء شيخ الجزيرة، وعاملها حفظه الله وهو إذ ذاك بالقشتيل مشى إليها وكثير من الناس معه قاربها وقع بينه وبين النصاري تراسل وكلام، يئول معناه إلى أنهم طلبوا من الشيخ أعزه الله شروطا يأبي طبعه من أعطائها ان يفعلها وإلا فليتهيأ للحرب والقتال، وانه حفظه الله أراهم من نفسه القوة وانه لا يكترث ولا يعبأ بهم ولو اتوا باضعاف ما وراءهم، فغضبوا لذلك. "
وجاء في رسالة عن سلامة الجناوني ما يلي: " ولما وصل الإفرنج إلى الجزيرة انزلوا قاربا يحمل رسةلا إلى شيخ الحكم في الجزيرة الشيخ أب زكرياء السمومنى وكان في مجلسه حينئذ شيخ مشائخنا أبو النجاة التعاريتي فلما وصل رسول الافرنج قال للشيخ أبى زكرياء إن سيدى القبطان يطلب منك ان تسلم له الجزيرة او ان تستعد للحرب فالتفت أبو زكرياء إلى شيخنا أبي النجاة يستشيره ثم إلى غيره من الحاضرين ثم نظر إلى رسول الافرنج وقال له، قل لسيدك الذي أرسلك انه ليس لدينا إلا السيف." هؤلاء ثلاثة من المؤرخين المسلمين فيهم معاصر للأحداث يتفقون على أن المخاطبة وقت بين رسول الافرنج والمسلمين وإن شيخ الجزيرة بلغه رأى سكان الجزيرة ولم يشر أى واحد منهم إلى قتل الرسول وأن أشار بعضهم إلى إن شيخ الجزيرة أغلظ له في القول ولا شك أن هذه أصح مما يقوله مؤرخوا الافرنج، المتعصبون. (1/206)
صفحة 207
هذه نقطة من النقط التي اعتقد إن الاستاذ الباروني اعتمد فيها على المصادر الافرنجية وغن اولئك المؤرخين الافرنج لم يتحروا الحقيقة وغن المؤرخين الذين نقلت عنهم كانوا قريبى عهد من زمن الحادثة اما ان يكون حضر الوقعة واما أن يكون نقل عمن حضرها والوثيقة المطبوعة يعتقد انها كتبت بعد الحادثة مباشرة وبعض التعابير الواردة فيها تدل على ذلك أما أبو رأس (1) فهو بطبيعة الحال ناقل عن غيره ولكنه قريب عهد بالموضوع اما أبو الربيع الحيلاتي فاعتقد انه استند على الجناوني وكذلك التعاريتي اما انه نقل عن الجناوني او الحيلاتي، وكثيرا ما يقول بهذه العبارة: " وجدت في تقاييد لبعض اصحابنا ".
وبناء على ذلك فغن القول بأن سكان جربة قتلوا الرسل الذين جاءهم للمفاوضة قول باطل اختلقة مؤرخون مغرضون محنقون من كتاب الافرنج.
(1)
حقيقة وخيال
في مقدمة هذا الفصل افنقل لك وصفا رائعا كتبه الاستاذ عمر الباروني في حديثه عن مهاجمة " بدر ونافارو " لجزيرة جربة. قال الباروني في كتابه " الاسبان وفرسان القديس يوحنا " صفحة 53 ما يلي:
وفي صباح الباكر من يوم الجمعة نزل الجنود من السفن وهاجموا السواحل سيرا على الأقدام، وسط مياه البحر القليلة العمق.
وكان هذا اليوم حارا شديد الحرارة، ولك يكن قرب السواحل آبار او صهاريج يستقى منها العسكر، واضطر بعضهم ان يشترى كأس الماء بعشرة قروش طرابليسية، وتحرك الجيش الأسباني بعد أن انتظمت فرقة، قاصدة مهاجمة البلدة، وكان الجيش الأسباني يتكون من احد عشر طابورا، ونصب أمام الجنود في الوسط مدفعان كبيران، واثنان آخران من الحجم المتوسط، وكلف رجال البحرية بسحب هذه المدافع إل الأمام.
__________
(1) لم اتمكن من معرفة ميلاده أو وفاته ولكنه على كل حال أخذ من القرنين الثاني والثالث عشر (1/207)
صفحة 208
وبعد أن قطع الجيش الأسباني شوطا من الطريق بدأ الأعياء يظهر جليا على الجند، واشتد العطش بين الرجال، وعلى الأخص الذين كلفوا بسحب البطاريات وبراميل البارود، واختل النظام ولم يعد في مقدور الضباط أن يرجعوا النظام إلى نصابه، اشتد العطش، وبدا الجنود يلهثون لهث الكلاب الصادية، ويتساقطون امواتا، اما " دون قرشيا الطليطلي " الذي لبس درعه المذهب وتسلم قيادة الجيش، فكان، يشجع رجاله ويعدهم بان أمامهم الآبار الفياضة، والمياه الفضية الباردة، والظل الظليل، تحت أشجار النخل والزيتون.
وتشجع الجيش قليلا طائعا او مكرها، وتعثر الجند في خطواتهم بين اليأس والرجاء، وقطعوا ما أمامهم من أرض رملية، وهم ينتظرون أن يروا بعدها ما وعدوا به، ليطفئوا غلتهم ويرووا ظمأهم من ماء الجزيرة البارد الفضى، فلم يروا شيئا ولم يصادفوا في طريقهم أي شخص صديقا كان أو عدوا، وكان لهدا الأثر الكبير في تثبيط هممهم، والقضاء على معنوياتهم وكم كان سرور الأسبان كبيرا عندما بدت امامهم خضرة الزيتون، وايقنوا أنهم سالمون حقا من الموت عطشا، وأن كثيرا أو قليلا مما وعدوا به قد تجلى وظهر، كان الوقت ظهرا عندما وصل الجنود غابات الزيتون في جزيرة جربة، وكانت الشمس حارة تلفح الأرض وتشوى الوجوه والأجسام، انها شمس اغوستو في الشمال الأفريقي دون شذوذ عن المعتاد، ووجد الجنود وسط هذه الغابات وعلى قارعة الطرق الآبار فعلا غير مقفلة أو مردومه، ومياهها الصافية النقية الباردة، تكاد تدعو الأسباني أن يلقى بنفسه فيها حتى يرتوى، ولكن عرب الجزيرة اشفقوا عليه من الارتماء في أحضان البئر، فتركوا قرب هذه الآبار جرات وقللا فارغة، وقدرا كافيا من الحبال لتساعد الجنود الأسبان المساكين، ورد الماء، واستخراجه من الأبار دون مشقة وعناء.
يا لها من انسانية ثعلب ... !!!! (1/208)
صفحة 209
ولكن أبن عرب الجزيرة يا تري؟ هل تركوا أرض اجدادهم عندما صبحهم الجيش المغير وغادروا ربوع جزيرتهم عندما صاح: صائحهم: الأسبان الأسبان الأسطول الأسطول؟ ...
بدت جربة مقفرة من سكان، جرداء من الحياة، وظن الأسبان انهم بمنجى من العدو وانهم قادمون على اكتساح أرض لا يسكنها انسان، فاختلت صفوفهم، وتركوا مراكزهم، وفقدوا شعورهم أمام منظر الآبار والقلل والجرار، وتشتتوا في جلبة وضوضاء، وتسابقوا إلى احتضان لقلل، وتقبيل شفاهها الجافة، وبدأت معركة حامية بين الجند انفسهم لافتكاك الجرار والقائها في الآبار للحصول على قطرة من المار.
ولم يترك عرب جرب جزيرتهم غداة ظهور الأسبان امام سواحلهم بل وضعوا خطة حكيمة للقضاء على الجيش المغير على الرغم من قلة عددهم، وقلة عددهم، ونقص اموالهم، فلقد استعد سكان جربة قرب هذه الآبار للانقضاض على الأسبان عندما يتهافتون على الماء، وتختل صفوفهم، وتبدو عليهم الفوضى. كانت فرصة مؤاتية لعرب الجزيرة فلقد انقضوا على الأسبان في شدة وعنف، وطوقوهم من كل مكان، ونزلوا عليهم ضربا بالسيوف والرماح، ولم تنزل جرعة الماء بعد إلى اجوافهم، ولم تهدأ المعركة التي اضرموها بينهم على الماء." انتهى ما اردت نقله من وصف الاستاذ الباروني.
لا شك ان الاستاذ الباروني قد اعتمد كل الاعتماد في هذه الوصف على المصادر الافرنجية، وإنا وأن لم اقرأ هذا في كتبهم اكا ألمس أقلامهم بل بعض تعابيرهم رغم التعريب ويبدو أن الاستاذ الباروني إذا لم يكن قد ترجم هذا الوصف بالفعل عن بعض كتبهم فإنه قد وثق به وصدقه حتى صاغة في هذا الأسلوب الرائع الجميل. (1/209)
صفحة 210
وانت أيها القارئ الكريم إ ذا قرأت ما نقلته لك من وصف الاستاذ الباروني على انه قطعة من الأدب العربي في الوصف فلا شك ان تجد فيها من المتعة والروعة وجمال الأسلوب ما يشوق ويروق، وإذا اردت ان تقرأها على انها قصة فانك أيضا واجد فيها من سعة الخيال وبراعة الوصف، وجمال الأسلوب، ما يدعوك إلى قراءتها، والإعجاب بها، اما إذا اردت أن تخرج منها بحقائق تاريخية، وتقرأها على انها وصف لواقعة من وقائع الحرب، فإن في ذلك مجالا للبحث والمناقشة. (1/210)
صفحة 211
لقد كان لتغلب جربة على الأسطول الأسباني، في ذلك الحين صدى بعيد وبقدر ما فرح به المسلمون، وتألم له الصليبيون الحاقدون، وخجل منه ملوك أوربا المتغطرسون، وأسف له رجال الكنيسة المتعصبون، بقدر ذلك كله حاول كتاب الإفرانج ومؤرخوهم إن يخففوا من أثر الصدمة عليهم، وان يجعلوا سبب هزيمتهم خارجا عن إدارة البشرية، وكانوا يلتمسون أسبابا مهما كانت واهية، يعللون بها اخفاق الأسطول، حتى لا يكون مرد هزيمتهم انما هو بطولة أبناء جربة وموقفهم الصلب في الدفاع. وقد لفقوا كثيرا من القصص ليخففوا بها آثار الفضيحة في زعمهم فحاولوا ان يقللوا عدد الجند الأسباني من عشرين ألفا إلى خمسة عشر ألفا او أقل، وحاولوا ان يضخموا من عدد المسلمين إلى أقصى ما يصدقه العقل فزعموا أنهم جهزوا ثلاثة آلاف فارس. ثم جعلوا يصورون هذه الجزيرة الصغيرة كأنها صحراء وسط افريقيا، او الربع الخالي من جزيرة العرب، وجلعوا الاعياء يستولى على الجند ويتمكن منهم العطش حتى يسقط بعضهم ميتا ويضظهر اخرون إلى ان يشتروا كأس الماء بعشرة قروش طرابلسية ولم يكفهم هذا الخيال حتى جعلوا اهل الجزيرة يعرفون مقدما ما سيصيب الاسبان من اعياء وعطش فيضعون بناء على ذلك خطة يستطيعون بها التغلب على عدوهم، وذلك بان يتركوا الآبار مفتوحة، ويضعون عليها المقادير الكافية من الجرار والحبال، ليتنازع عليها الجند الاسباني حينما يشتد بهم العطش، ويتقاتلوا فينقض عليهم الجربيون في سهولة ويسر.
أنه تخطيط لمعركة على الورق، خططها خيال خصب، حتى تكون اسباب هزيمة الجيش الاسباني الكبير انما نتجت عن التعب والعطش وشدة الحر، واختلاف الجند على الشراب، ووقوعهم في فخ منصوب بحكمة وخبرة ودراسة، وهذه القصة يبدو سخفها واضحا إذا وضعت امام الحقائق. (1/211)
صفحة 212
ان المسافة التي كانت تفصل بين الجيشين قبل ان يتحركا للقتال كانت لا تتجاوز ستة اميال، وهي مسافة لا يتعب من قطعها الرجل العادي فما بالك بالجندي المدرب على الصبر والاحتمال ثم ان هؤلاء الجنود قد دربوا على ان يسيروا اياما متوالية، فكيف يتعبون من سير نصف دربوا على ان يسيروا اياما متوالية، فكيف يتعبون من سير نصف يوم او اقل ويقول بعض الكتاب ان الجند كانوا يتساقطون قتلى من العطش فهل من المعقول ان يبلغ الحال بالجيش إلى هذا الحد ويستمر القادة دون ان يتخذوا أي شيء لاسعاف القوم او راحتهم، ويزعمون ان بعضهم يشتري كاس الماء بعشرة قروش، فممن كانوا يشترونها يا ترى؟
وقد صور الاستاذ الباروني دخول الاسبان إلى الجزيرة كأنهم يتوغلون في صحراء قاحلة، ويسيرون حتى يملوا السير دون ان تبدو لاعينهم خضرة، او يجدوا ماء، او يروا انسانا، ولا يسعني ازاء هذه الصورة التي وضعها الاستاذ الباروني إلا ان اضع بجانبها صورة اخرى وضعها مؤلف تونسي يعرف جزيرة جربة حق المعرفة هو الاستاذ محمد المرزوقي قال في كتاب:
((مؤنس الاحبة)) صفحة 145:
((من اعجب الظواهر في جزيرة جربة ان الزائر لها الاول مرة يؤخذ بجمال مناظرها الطبيعية الساحرة، فمجرد اقترابه من شواطئها تظهر له غابات الزيتون الخضراء، وجذوع النخل الباسقة تتراقص امام عينيه يحركها النسيم، والبحر حواليها ترقص امواجه لرقصها، وتهتز او اذية لاهتزازها، وينزل الزائر لارضها فلا يجد غالبا اثرا للسكان بل لا يكاد يرى احدا كأن الحياة معدومة فيها)) ويقول بعد الكلام، ولكنه لا يكاد يخطو خطوات داخل هذه الاشجار الخضراء حتى تنبثق له من بينها بناية بياض لامعة لمعان شمس جربة الضاحية، ذات قباب صغيرة، وابراج قائمة على زواياها، كأنها حصن من الحصو، وبجانب هذا الحصن تجد البئر الروية تمتد منها الجداول الصغيرة الملتوية التي تعطى الماء لأنواع الخضر والغلال.)) (1/212)
صفحة 213
هذه هي الصورة الحقيقة لجربة، وهي مناقضة تمام المناقضة للصور التي وضعها لها الأستاذ الباروني التي احتسب أنه اقتبسها عن كتاب غربي كان يصف جربة وهو يسرح بخياله الخصب في صحاري أفريقيا.
أما خرافة إعداد الجرار والحبال على الآبار والاستعداد حولها إلى آخر ما جادبه الخيال الخصب فهى عكس ما تقتضيه المكائد الحربية، ويبدو أن سكان جربة الكرام لم يفكروا في قضية الماء والعطش، ولم يخطر على بالهم ان هذا الجيش المجهز بكل شئ يغفل عن الماء فلا يأخذ معه المقدرا الكافى، ولذلك فلم يهتموا بالآبار وبقيت صهاريجهم - الموزعة في الجزيرة على مسافات مختلفة حسب احتيا جات السكان - على حالها مكا كان منها مغلقا بقى مغلقا وما كان مفتوحا وعليه الجرار والحبال بقى كذلك ولو خطر لهم ان العدو قد يحتاج إلى الماء، وانه سيصاب بالعطش لاغلقوا تلك الصهاريج والآبار، او غورو هاحتى لا يتمكن العدو من الشراب، وتغوير الآبار وتفويت الماء على العدو طريقة متبعة معروفة بين الجيوش المتقاتلة منذ أقدم العصور. وأول من استعملها في الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر باشارة من سيدنا الحباب بن المنذر رضى الله عنه.
جاء في سيرة بن هشام صفحة 62 ما يلي: فقال:- أى الحباب - يارسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا، فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد اشرت بالرأى.))
فكيف يحظر لقادة جربة أن يفتحوا آبارهم ويضعوا عليها الحبال والجرار، ويمكنوا عدوهم من الشراب، توقعا أن يقع بين جند العدو نزاع على الماء. (1/213)
صفحة 214
إنها صورة شعرية زخرفها خيال كاتب لم يعرف جربة ولم يشترك في حرب. وقد اعتمد عليها الاستاذ الباروني دون أن يتناولها بالنقد على ضوء الأحداث والمواقع والوقائع. وأنا في هذه المناقشة لا أزعم ان الاستاذ الكبير قد ارتكب في حق جربة خطأ تاريخيا فغن هذا لم يخطر لى على بال وإنما كل ما أردت أن أشير إليه إن الأستاذ اعتمد المصادر الأجنبية وقد يكون له في ذلك كل العذر إذ قد كان لا تتوافر له المصادر العربية لا سيما في الفترة التي وضع فيها كتابه القيم، عن تاريخ القرصنة الأسبانية.
ولكى أضع الصورة الحقيقة لتلك احادثة بين يدى القارئ الكريم، فإنني انقل له ما قالته المصادر القريبة العهد من تلك الحادثة، بل المعاصرة لها، والتي تتمشى مع طبيعة الأشياء، ويتقبلها العقل دون تشكك أو ارتياب يقول أبو عبدالله محمد أبو رأس في كتابه (مؤنس الأحبة) تحقيق المرزوقي: ((وفي يوم الجمعة استعد الكفار للنزول، فصبى المسلمون صلالة الجمعة، وخطبه خطيبهم بما أعد الله من النعيم المقيم للمجاهدين في سبيل الله، ونزل عدو الله بعساكر. رجالا وركبانا، بطبولهم وآلة جربهم من مدافع ومحرقات وغيرها، فرتب المسلمون صفوفهم ميمنة وميسرة وقلبا. عند نزولهم للبر هجموا عى المسلمين فولى المسلمون امامهم، فاتبعتهم الكفرة، وقد اكمن لهم المسلمون جماعة من المجاهدين، وعليهم الشيخ سليمان بن يحى السمومنى، فقطعوا بينهم وبين البحر، ورجع عليهم المسلمون، وحملوا عليهم من كل جهة وجانب، حملة رجل واحد، واعلنوا كلمة التوحيد، ووضعوا فيهم السيف فلم يبق منهم إلا القليل فاسروهم، ولم يرجع منهم احد إلى سفنهم.))
وجاء في الوثيقة التي اقتبسنا منها غير مرة ما يلى: (1/214)
صفحة 215
((ثم كان آخر الليل سمع المسلمون أصواتا من آلات الحرب عند النصاري فايقنوا بنزولهم غدا، وزادوا شدة وندامة على ما سلف من ذنوبهم ثم هم كذلك، والطبول تضرب، والناس على ما تقدم من التحريض وطلب المحالله، والتوبة، وخيل الشيخ تصل إلى قرب النصارى وتأتي بأخبارهم إلى أن حان وقت الظهر من الغد، فصح الخبر أن النصارى اخذوا في السير والوصول إلى المسلمين، وكانت مسافة ما ببن الفريقين ستة أميال، فقام المسلمون حينئذ وصفوا صفا، والشيخ حفظه الله وأولاده والعزابة وأصحاب الخيل وزعماء الناس يمشون على الصف، ويسوونه ويرتبون الناس، ويامرونهم بالثبات، وأن لا يخافوا لأن الله عز وجل يقول: ((كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.)) فلما استقام المسلمون في صفهم وكان من في قلبه لا يرى من في ميمنته ولا من في ميسرته لعدم استواء الأرض وكثرة الأشجار وطول الصف، وكان ذلك أول وقت الأولى والناس بين مصل وغير مصل، لأن الوقت متسع وما هم فيه أضيق فإذا باعداء الله قادمون على صف من الجهة الشرقية فلما تقارب الصفان إذا بخيل النصارى تدفع، وحديدهم الذي لبسوه يلمع، ودخان البارود يسطع، وانفارهم (1) ومكاحلهم تسمع، فلما زاد ذلك كله بمن كان في مقابلتهم من المسلمين إلا جراءة عليهم وجسارة. فتنادو بالصلاة على النبى، عليه السلام، وتداعوا بالدين والإسلام وتوسلوا إلى الله باوليائه وبقرآنه وببركة مذهب الأباضية الذي ظهرت بركته في غي مواطن، فحملوا عليهم حملة واحدة فلما التقوا، وكان أعداء الله رتبوا انفسهم صوابي (2) كل صابية في ظهرها آخرون. من الله على المسلمين بادبار الصابية، الأولى، وقتلوا منهم كثيرا فعضدتهم الصابية التي تليهم فهنالك وقع تزحزح قليل من الذين قابلوهم من المسلمين ثم كروا بعدها كرة واحدة.)) وبعد كلام تقول الوثيقة: (1)
__________
(1) أى أبو اقهم (2) أي طوابير (1/215)
صفحة 216
((فبينما هم كذلك من كان في القتال، في القتال ومن كان في الفرار، في الفرار فإذا بطائفة من المسلمين يقدمها الشيخ أبو الربيع سليمان بن الشيخ أبى زكرياء، فقطعوا ما بين النصاري والبحر. فلما رأى الفريقان ذلك جرؤ المسلمون وزاد من في القتال شدة، وذل النصارى واعطو بالأدبار مرة واحدة فصارت خيل المسلمين توهن والرجال تقتل حتى وصلوا البحر.))
اعتقد أن هذا الوصف من رجل قد يكون حضر المعركة كاف في أبطال القصص الخيالية التي يؤلفها كتاب الإفرنج، ليهونوا من بطولة المسلمين وليخففوا من أثر الفضيحة التي وقع فيها أسطول القرصنة الإفرنجية، الأسطول الذي تؤيده الدول الصليبية، وتباركه الكنيسة، ويدعو له البابا بالنصر والتأييد انها معركة حقيقية فيها ما في المعرك الحربية من عنف الصدام وقساوة القتل وحرارة الموت، وقد كتب فيها انصر لأشد الفريقين ثباتا، وامضاهما عزيمة، وأصبرهما على حر النضال، واشدهما رغبة في النصر او الشهادة. ولم تكن أسباب الهزيمة فيها عائدة إلى طول مسافة، أو شدة حرا وقلة ماء، أو جهل بموقع البلاد. وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يقيم الحجة على المسلمين في كافة أقطار الأرض بهذه الواقعة. فمنح نصره للقلة الضعيفة، المحصورو، كما منحة من قبل للمؤمنين الصادقين. وما صدق الؤمنون في جهادهم لله إلا نصرهم الله فيما مضى وفيما يأتي مهما كانت القوة المادية للعدو.
((وغن جند نالهم الغالبون)) ولن يبطل وشاء الله المؤكد ثلاث تأكيدت شئ في الكون لو صدق المسلمون.
أثر معركة جربة (1/216)
صفحة 217
كان لهذه المعركة التي انتصرت فيها جربة على الأسطول الأسباني الضخم ذلك الأنتصار الرائع، أثر بالغ في نفوس المسلمين، وفي نفوس الأوروبيين على السوء. فقد تضاءل فيه الصليبيون، وأعتبر فضيحة في تاريخ القرصنة الأسبانية، اما المسلمون فقد أثر في نفوسهم هذا الانتصار، ورفع من معنوياتهم، وارجع إليهم الثقة التي فقدها بعضهم أو كاد، وجعلتهم يستخفون باؤلئك الغزاة الذين كانوا يتحكمون في جميع السواحل الشمالية لأفريقيا. ونتج عن كل ذلك فكرتان متعارضان إحداهما عند الإفرنج والثانية عند المسلمين.
اما الإفرنج، وقد صدموا هذه الصدمة العنيفة، فقر قرروا ليحافظوا على هيبتهم أن يقوموا بمناورات على سواحل البحر الأبيض المتوسط، يقصدون بها إرهاب المسلمين، وبعث الخوث في نفوسهم، وإشعارهم بان القرصنة الإفرنجية لا تزال على قوتها، لم تنل منها أحداث الموقعة المؤلمة في جربة.
أما المسلمون وقد رأوا نتيجة الثقة بالله، والصبر عند اللقاء، والرغبة في الاستشهاد، فقد استخفوا بالإفرنج وما لديهم من قوة، وزال من قلوبهم ذلك الخوف الذي بعثته فيها الدعاية الواسعة عن قوة الإفرنج وضخامة أساطيلهم، وامتلأت قلوبهم شجاعة وجرأة وأقداما. (1/217)
صفحة 218
وقد انبنى على الفكرتين معا تجربة أخرى، فقد فكر القائد الأسباني ان يلم فلول جيشه، وأن يجمع أساطليه المعصوبة، في الجزيرة الصغيرة (لمبدوشا) وحاول أن ينفخ روح الحياة في تلك الهياكل المتحركة، وإن يرد لتلك الأخشاب العائمة فوق الماء قوة السفن الحربية، وأراد أن يجهز من مجموع ذلك أسطولا يمخر عباب البحر، وكان في الحقيقة يعلم أن المقاتلين الذين لم يكتب لهم أن يقتلوا في جربة، وخرجوا منها أشباحا متحركة، قد أصيبوا في قلوبهم، فما عادت لهم قلوب تقوى على مجابهة الأحداث، ومقابلة الأعداء. ومقارعة الأبطال، زكلنه كان يعتقد أن الدعاية قد تأتي بنتيجة، فهو لا يزال ينفخ فيها الروح، ويعمل على ان يعيد الحياة إلى تلك الأشباح، ليكون منها بشرا يتحركون. وهو من جهة اخرى، كان يرسل على مختلف الألسنة والوسائل دعاية هائلة. واشاعات طويلة عريضة، عن قوة الأسطول الجديد، وعن الضربة الهائلة التي سوف يوجهها إلى بعض الثغور الإسلامية، وهو في ذلك لا يعين الثغر الذي سوف يقصده، او الميناء الذي سوف يصدمه، وإنما يرسل هكذا دعاية طويلة عريضة، يرمى من ورائها طمأنة الدول التس تساعده، وبعث الشجاعة أصحاب الثغور الإسلامية فعلا بالقلق. ولم يستطيع أي ثغر منها أن يسمح لقواه بالابتعاد عن الثغر خوفا من مباغتة هذا الأسطول القابع في (لمبدوشا) المتخفز للهجوم وبقيت الثغور تنتظر تنفيذ الإنذار الجديد. (1/218)
صفحة 219
تحرك السكول الملفق قاصدا ثغرا من الثغور الإسلامية هو صفاقس، ورجعت قوارب الصيد الصفاقسى ذات يوم مذعورة تعلن قرب وصول الأسطول الإفرنجي إلى ميناء صفاقس، دون سابق إنذار، وتسامح الناس فاندفعوا إلى ساحل البحر بما لديهم من أسلحة بسيطة اكثرها خناجر وعصى، وتجمعوا ينتظرون وصول العدو إلى الشاطئ، ونزوله إلى البر، ليحتفوا بمقامه العظيم، وليقوموا بتكريمه بما يستحق من التكرم، على طريقة المتحاربين، ولما وصل الأسبان، وكان أسطولهم هذه المرة هزيلا، ضعيفا، ذليلا، إذ يبلغ عشرين سفينة، بينما كان في الحملة الماضية، يتجاوز المائة. وقف مترددا يراجع حساباته، ويصحح تقديراته. ولما رآه المسلمون فرحوا به واستبشروا، وعزموا أن يحيوه بصفعة على خده الأيسر، بعد أن كادت آثار أصابعهم تزول عن خده الأيمن، ولكن عزمهم هذا لم يتحقق فإن الأسطول ما كاد يقترب من الساحل الصفاقسى، ويرى تللك الأعداد الهائلة من البشر تتحرك في خفة ورشاقة، وتنتظر وصوله في لهفة وشوق، حتى امتلأ ذعرا، وملك الرعب عليه زمام امره، فاطلقوا اشرعتهم للريح، وانطلقوا في عرض البحر يعرضون على الأسماك رشاقتهم في السباحة، وسرعتهم عند الهروب، وفوتوا على المسلمين فرحة بالنصر، وثروة بالغنيمة، وسعادة بالشهادة، وأوحى لهم الجبن ان يظهروا بمظهر الشجاعة ويتخذوا سمت القوى وهم يسبحون في عرض البحر.
وإذا ما خلا الجبان بارض ... طلب الطعن وحده والنزالا (1/219)
صفحة 220
فقصدوا جزيرة قرقنة، وكانت حينئذ خالية لا سكان بها، فانزلوا بها ألف جندي ليختبروا حالها، وليبنوا بها برجا كبرج القشتيل في جربة، حتى يكون مركزا لهم ينطلقون منه، وحصنا يأون إليه، ويحتمون به، وكان المسلمون يتنسمون اخبارهم ويتتبعون حركاتهم فلما نزل القوم في جزيرة قرقنة تسلل إليها نحو ستمائة مقاتل من المسلمين وعندما جثم الليل على صدر الجزيرة، وخيم الظلام على الأرض، بعث اولئك المقاتلون الشجعان نفرا منهم يستطلعون اخبار هذا الجيش الصغير، فوصل اولئك النفر إلى محل الجند، وداخلوهم، ومروا من بينهم، فوجدوهم قد أمنوا على انفسهم، واسلموا اجسامهم للمضاجع، واعينهم للنوم، فما كانوا يتوقعون مباغتة من عدو في هذه الجزيرة الخالية.
رجع اولئك النفر إلى إخوانهم واخبروهم بما راوا ووجدوا، فاسرع المسلمون حتى دخلوا معرس الإفرنج دون ان يشعر بهم احد، ولم يستيقظ أولئك القوم غلا بعد إن كان المسلمون واقفين على رؤوسهم بالسلاح، ويداعبون رقابهم باسنة الرماح. وانتبه القوم مذعورين. (1/220)
صفحة 221
اعتقد ان القارئ الكريم، ليس في حاجة إلى ان أقول له إن تلك الكتيبة التي تتألف من ألف جندى، والتي ذهبت لتر تادمر كزا للقرصنة في جزيرة قرقنة لم يعد منها احد حتى الآن وقد خسرها الأسطول الأسباني إلى الأبد، وان الصفعة التي هم المسلمون بالقائها على خد القرصنة في صفاقس، فتفاداها الأسطول بالفرار قد تلقاها الأسطول نفسه في جزيرة قرقنة ساخنة مؤلمة، وجرب الأسطول أن يوهم الناس بان به بقية من حياة، وذماء من قوة، وقصد سواحل جزيرة جربة وجعل يحوم حولها، ولكن احدا من الناس لم يرفع إليه نظره، ولم يلتفت إليه، ولم يحسب له حسابا، او يعبأ به، فقد بلغ من الهوان إلى ان تغاضت عنه العيون. فلما علم أن دعايته انفضحت، وإن خدعه انكشفت وإن مناوراته فشلت، وإن هيبته ضاعت إلى الأبد، ضعيتها عليه تلك اجزيرة الصغيرة التي كان يعتقد أن الاستيلاء عليها لا يزيد عن نزهة بحرية، وانه لن يستطيع لتلك الهيبة ردا، مهما بذل، ومهما عمل، لما انطشفت له هذه الحقائق، واستبانت له النتائج، ووصل في تفكيره الذكي إلى معرفة واقعه المؤلم رفع الأشرعة واطلق للريح ..
تجربة اخرى
إن الصفعتين المؤلمتين اللتين تلقاهما الأسطول الأسباني في جريرة جربة، ثم في جزيرة قرقنة، تركتا أثرا مؤلما. بدأ واضحا على جميع العالم الغربي المتعصب، وكان أشد ما يكون ايلاما على سيدة القرصنة في ذلك الحين (أسبانيا). ولذلك فقد كانت تعمل جاهدة على ان ترد تلك الصفعات، تؤيدها الدعوات من الكنيسة ورجالها، والمساعدات من العالم المسيحي الغربي وتاخذ بثأر قتلاها وسباياها من الجزيرة الصغيرة، جزيرة جربة، واستمرت تعد العدو والعدة، وتتحين الفرصنة. (1/221)
صفحة 222
وبعد عشر سنوات، أي في سنة 926 استكملت استعدادها، وظنت انها بالغة ما تريد، فاذنت لنائب ملك أسبانيا على صقلية ((الدوق هو جو دى منكادا)) أن يقوم بالمهمة وبدأ نائب الملك الأسباني على صقلية يعد عدة الهجوم، ويتخذ التدابير، ويزن الأمور، وقاد أسطوله المكون من مائة سفينة، تحمل خمسة عشر ألفا، من القاتلين المدربين المسلحين المجهزين بأحدث ما عرف الإنسان من آلات الحرب في ذلك الحين. وكان (الدوق منكادا) بعصر ذهنه، ويكد فكرة، ليرسم خطة سليمة للهجوم، يتلافى فيها الأخطار التي وقع فيها اسلافه، فيخسروا سمعتهم الحربية.
وانطلق الأسطول حتى بلغ الجزيرة الصغيرة جزيرة جربة، التي صارت صخرة صماء تتحطم عليها قوى البغى والعدوان، وانزل القائد كامل قواته المقاتلة حتى يضرب الضربة العنيفة القوية، وكان الهجوم مفاجئا فلم يسمع أهل الجزيرة بالخبر إلا من قريب، وبدا الرجل زحفه، فاسرع غليه من بلغه الخبر من سكان الجزيرة.
إن السواعد التي صفعت (دون بدور نافارو) و (دون قراشيا الطليطلى) و (دياجو دى فيرا) لا تزال موجودة وقوية، وغن شراقة الإيمان التي بعث أبو النجاة اشعاعها لا تزال تومض في قلوب المؤمنين، وإن العيون التي كانت تنظر إلى عدد قليل من الناس العزل يطاردون بايمانهم وصبرهم وثباتهم عشرين ألفا مزودين باحدث الأسلحة. أن هذه العيون لا تزال تلمح أشباح الأسبان بين فار وقتيل ومن ورائهم المسلمون يسوقونهم سوق الرعاة للأغنام. ان تلك الصور الرائعة التي مضى عليها عشر سنوات فقط لم تمح بعد من أذهان الناس. (1/222)
صفحة 223
ولذلك فما سمع الناس بهجوم الإفرنج على الجزيرة، حتى تسارعو إلى لقاء العدو في ميدان القتال، واشتبك الفريقان في معركة حامية ... غزاة يحملهم الجشع والطمع على القتال، يهاجمون حماة، يذودون عن الدين والوطن والعرض، مؤمنين بحقهم، وعدالة موقفهم، في هذا الدفاع المجيد، واثقين في نصر الله. ولم يطل الصراع. فلقد كان القائد الأسباني يدير المعركة وهو ينظر إلى صفوف جنوده، تتهاوى صرعى، صفا بعد صف. إن أسلحته النارية، كانت قليلة الجدوى، وكان ينظر إلى اولئك المسلمين الذين يتسابقون إلى الموت، وليس لديهم من الأسلحة الفتاكة شئ، وإنما يعتمدون على سيوف كليلة، وخناجر قصيرة، وعصى وما اشبه ذلك من السلاح البسيط، ولكنهم يملكون معها سواعد قوية لا تطيش ضرباتها، وقلوبا ربط عليها الإيمان، وإجساما خفيفة نشيطة متحركة تعرف متى وكيف تزوغ من وسائل التدمير، التي اعدها العدو، ولكنها حين تضرب تصيب الهدف، وتقع على المقتل، لأنها تقبل على الموت برغبة في الشهادة، وتضرب العدو بشجاعة، وتدافع عن الوطن بحمية. ورأى ((دون منكادا)) ما يحل بجيشه، وايقن إنه سائر في الطريق الذي سار فيه اسلافه، عندما تعرضوا لغزو جربة، فاستعصت عليهم، وليس هذا فحسب ولكنها برهنت لهم ان قواها المعنوية أقوى كثيرا مما حشدوا من قوى مادية. وواتاه الذكاء! الذكاء الذي يوات اسلافه في محنتهم، فرأى ان يقلل من الخسارة ما امكن ما دام لا يستطيع ان يتفادى الفضيحة، وصاح في الجيش يامر بالانسحاب، وكانت هذه الصيحة هى أحب ما ينتظره اولئك الجنود المساكين. وسرعان ما أطاع أفراد الجيش هذا الأمر الذي يعتبرونه السبيل الوحيد للبقاء على الحياة، وجر القائد بقايا جيشه المفلول، تاركا من ورائه ستمائة قتيل، وأضعاف ذلك من الأسرى، ولو استمر في القتال إلى الليل لوقع له ما وقع للجيوش السابقة، ولكنه تفادي الخسارة ورجع ببقية جنده إلى أسطوله، فامتطى السفن واطلق الأشرعة للريح ... (1/223)
صفحة 224
أنه يوم من أيام الله، خلدته جزيرة جربة لتقيم به الحجة على المة الإسلامية، وتعرفها أن قوة الحق والإيمان لا تنهزم أمام الحديد والنار. وإن الله الذي مكن للطائفة القليلة من المسلمين على الفرس والروم والأسبان بالأمس، سوف يمكن للأمة المسلمة اليوم، او غدا على الانجليز والأميركان والروس إذا ما وفق بما عاهدت عليه الله، وسارت في المنهاج الذي دعاها إلى السير فيه ((ولقد نصركم الله ببدر أذله فاتقوا الله لعلكم تشكرون، إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)).
التبعية الأسمية
إن المتتبع لأحدث التاريخ في جربة حسبما تحدثنا عنه في الفصول السابقة، يستطيع ان يسمى العهد الأول من تاريخها وهو العهد الذي يمتد من سنة 47 إلى سنة 529 بعهد الاستقلال اما العهد الثاني من تاريخها وهو العهد الذي يمتد من سنة 529 إلى سنة 960 والذي اطلقنا عليه في بعض الفصول السابقة عهد الجهاد في سبيل الله يمكن ان يطلق عليه عهد التبعية الأسمية إذا نظرنا غليه من جهة السياسة والحكم، وذلك ان جربة بعد ان استولى عليها الإفرنج سنة 529 ثم خرجوا منهخا سنة 555 بقيت تحت حكم خارج عنها. فقد تحكم حكم الموحدين إلى سنة 725 ثم انتقلت إلى حكم الحفصيين، وكثيرا ما يستبد بحكمها بعض الولاة لمدة ثم تعود إلى الدولة المركزية. (1/224)
صفحة 225
وفى هذه المدة الطويلة من تاريخها التي تمتد ما بين سنة 555 إلى سنة 960 لم تكن جربة تهتم بأي دولة مسلمة تحكمها، او أي وال يأتيها، فقد رضيت بجميع الألوان التي تتناوبها، وكانت تظهر الطاعة وتدفع الضرائب في هدوء، ولا تشترك في النزاعات التي تقوم بين الدول والولاة الذين يتنازعون حكمها وإنما كانت تنظر إليهم نظر الفريسة، إلى السباع لا تبالى من سبق منها إلى الولوغ في دمها، فهى تقف من الجميع موقفا سلبيا كاملا. وغنما كل ما يهمها ان يكون الحاكم مسلما سواء كان تابعا لأحدى الدول القائمة حينئذ، أو كان مستبدا لحسابه، كما فعل ابن مكى وابن أبى العيون. وكانت طيلة هذه المدة مشغولة بكفاح متواصل للفرنج، تدخر لملاقاتهم ما تعد من قوة، ذلك ان الإفرنج طيلة هذه المدة لم ينفكوا عن مهاجمتها ومحاولة الاستيلاء عليها فكانت تحصر همها في موضوع الجهاد، معرضة عن قضية الحكم وما فيه من فساد. (1/225)
صفحة 226
ومن المؤسف أن اولئك الحكام الذين رضيت جربة بحكمهم على اختلاف أشكالهم، واستسلمت لهم، وكانت تدفع لهم الضرائب، كان لا يهمهم منها غير ذلك، وعندما يهجم عليها الغزاة الصليبيون، يقف أولئك الحكام، موقف المتفرج من بعيد، فإذا ردت العدو أو اتخذت معه موقفا من المواقف رجع إليها أولئك الحكام وهى تنزف دما ليلعقوا من تلك الدماء. يقول الأستاذ المرزوقى في (مونس الحبة) صفحة 103 ((حيث وقع المساكين بين نارين، سيطرة النصارى المحتلين لأرضهم من جهة، ومطالبتهم من طرف هذه الحملات الحفصية بدفع الخراج للدولة.)) بل لقد بلغ أولئك الحكام إلى أكثر من ذلك فقد يهجم قواها في ذلك الدفاع، وتغلب على امرها، فيحتلها العدو، وتنتهى العمليات الحربية، وحينئذ فقط تذكر الدولة ان جربة من ممتلكاتها، وانها تأخرت في دفع الضرائب وانه يجب تأديبها على ذلك، يقول أبو محمد التيجاني في رحلته ص 126 ((وكان تغلبهم عليها في هذه المدة الأخيرة سنة ثمان وثمانين وستمائة بسبب اشتغال ملك الحضرة، إذ ذاك رحمة الله ببعض الثائرين عليه.)) وبعد ان يصف كيف دخل جيش اللحياني إلى الجزيرة، ويصف بعض معالمها يقول في صفحة 128 ((ووصل إلينا إذ ذاك شيخ النكارة، وقد كان هو ونظيره من الوهبية فرا عن الجزيرة أول إقبالنا عليها خوفا على انفسهما فلما حللنا بها كتبا إلينا كتابا يطلبان الأمان، فاسعفا به، فوصل النكاري وتاخر وصول الوهبي، فوصل بعده بأيام، ولما اجتمعا تكفلا باستخلاص ما وضع من الإداء على قومهما، وانفصلا ليشتعلا بقبض ذلك من يومهما.)) هكذا يتحدث التيجاني دون أن يخجل من تسجيل هذه الصفحة التاريخية المؤلمة. (1/226)
صفحة 227
التي كان هو أحد أبطالها، وهذا مخدمه أبو زكرياء اللحياني يقود جيشه الجرار ليطالب بالضرائب قوما قد استنفذ العدو ما لديهم، واحتل أرضهم، وكان المنطق يقتضى ان يوجه هذا الجيش الجرارإلى مقاتلة ذلك العدو الرابض في القشتيل اما هذه الأمة التي وضعتها طبيعة الوطن في ثغر من ثغور الجهاد فيجب ان تقدم إليها كل المساعدات من رجال وسلاح حتى تقف في وجه العدو باستمرار.
هذه الصورة التي نقلناها عن التيجاني تمثل الحياة الكاملة لجربة في هذا العهد الذي اطلقنا عليه اسم عهد التبعية فهى تستقبل العدو بالجهاد وتقف في وجهه بما تملك من قوة فتدفعه عنها، أو يتغلب عليها، وهى في كل ذلك تعتبر نفسها تابعة في الحكم لحدى الدول القائمة، أو الولاة المستبدين بها، وتبعث إليها بضرائبها فإذا تأخرت عن تسديد الضرائب، ويضعون عليها انواعا من الغرامات، وقد ينزلون بها ألوانا من العقاب. وكانت الجزيرة المبتلاة بكل هذه المصائب، تدفع إليهم ذلك وهى صابرة على الأذى، صامدة في وجه العدو، تعتذر إليهم عن تأخرها في بعض الأحيان، لا تعكر عليهم صفو الأمن، ولا تدعو إلى ثورة. وذلك حرصا على سمعة الإسلام ورغبة منها ان تكون تابعة لدولة مسلمة ولو كانت هذه التبعية اسمية. وحفظا لقوتها التي تدخرها لمجابهة العدو المتربص بها على الدوام ينتظر الفرصة المناسبة لبنقض عليها. على أنه يجب أن نذكر في هذا الصدد ثلاثة من ملوك هذه الدول دفعتهم على الإسلام ومحافظتهم على الوطن الإسلامي إلى أن ينجدوا هذه الجزيرة ويساعدوها على تطهير أرضها من الغزاة المحتلين هؤلاء الملوك هم:
عبدالمومن بن علي سنة 555 وأبو بكر الثاني الحفصى سنة 738 وأبو فارس عبدالعزيز بن أحمد سنة 835. (1/227)
صفحة 228
أما رحلة أبى زكرياء اللحياني وجيشه اللجب فلك يكن القصد الحقيقي منها طرد العدو من جربة، وغنما كان القصد منها جمع اكثر ما يمكن من الأموال والضرائب من الوسط والجنوب التونسي ولذلك فقد كان ذلك الجيش الجرار بنتقل بين البلاد من تؤزر ونفطة وقابس والحامة وجربة وغمرا سن وغيرها وكان يعمل سرا على تكوين مملكة مستقلة في طرابلس فهو بعد هذه الرحلة التي أبدى فيها في الظاهر إخلاصه للدولة كان ينوى الحج وهو ملوث اليد والجيب من اموال الناس ولم يكن قصده للحج إلا وسيلة للخروج من تونس دون مضايقة او رقابة وهكذا تم له ما أراد فخرج إلى الحج ورجع فأقام بطرابلس وحاول ان يقيم هنالك دولة ودعا لنفسه وبايعته بعض القبائل ثم ساعدته الظروف ورجع إلى تونس.
هذه هى كل المساعدات والنجدات التي تقدمت بها الدول القائمة إلى جربة في خلال هذا العهد الذي يمتد ما يزيد عن أربعمائة وثلاثين سنة حسبما وصلت إليه في أبحاثى واستنادا على المصادر التاريخية التي تمكنت من مراجعتها في هذا الموضوع.
كان هذا الوضع الشاذ الذي وجدت فيه جربة سببا في أن تجري حياتها على عدة خطوط متوازية لا تلتقى، او على عدد من الاتجاهات التي لا يربط تناسق او انسجام ونستطيع ان نلخص في ىخر هذها الفصل تلك الإتجاهات او الخطوط فيما يلي:-
1 - استعداد لمحاربة العدو ورد عدوانه دون إنتظار لمساعدة من احد.
2 - اعتراف بالتبعية لأى حاكم مسلم والتزام لدفع مطاليبه دون الاشتراك في مواقف العنف عندما يختلف حاكمان او دولتان على الحكم.
3 - إعتماد اهل الجزيرة في الحياة الاقتصادية على مواردهم الخاصة داخل الجزيرة وسلوك سبيل يضمن لهم الحياة في تلك الظروف الحرجة الضيقة. ولذلك ازدهرت في الجزيرة بناء على ذلك بعض الصناعات المحلية وبعض انواع الزراعة. (1/228)
صفحة 229
4 - ايجاد هيئة تتوفر فيه الثقة والدين والعلم لتتولى شئون الوطن من الوجهة الدينية والإجتماعية والمدنية وتشرف على احوال البلاد وتسيرها في سبيل قويم يحفظ عليها كرامتها كامة مسلمة.
وخلاصة الحديث في هذا الفصل ان جربة في طول هذا العهد كانت تابعة من حيث الحكم اما للموحدين او الحفصيين او بعض الولاة المستبدين ولم تحاول ان تنفصل عنهم أو تستقبل بنفسها أو تغير نظام الحكم فيها. وواضح للقارئ الكريم ان ذلك الحكم غنما كان حكما ظاهريا ليس له إلا جمع الأموال أما الحكم الحقيقي الذي يشمل جميع شئون الناس والبلد فقد كان إلى تلك الهيئة المختارة. التي هي عبارة عن مجلس العزابة بنظامه المعروف.
خلاصة هذا العهد
هذا عهد تاريخي يمتد قرابة أربعة قرون ونصف إذ يبتدئ من سنة 529 حين هجم الإفرنج على جربة واستولوا عليها لمدة قصيرة وينتهى سنة 96 حين التحقت جربة بحكم الدولة العثمانية باستيلاء درغوث بن على عليها. وقد قضت جربة هذا العهد وهى تابعة لدولة الموحدين اولا ثم للدولة الحفصية ثانيا ويتخلل ذلك فترات استبد بالحكم فيها بعض الولاة كابن مكي وابن ابى العيون، كما انها تبعت الدولة المرينية لفترة قصيرة. لقد كان حكمها ينتقل من دولة إلى دولة، او من وال إلى وال، دون أن تهتم لذلك، ويكون لها فيه شأن، فهى في وضعها الشاذ وتهديد الإفرنج لها باستمرار كانت راضية بجميع ما يأتيها من الحكام المسلمين، وكانت تدخر كل قواتها وامكانياتها لمحاربة الغزاة الإفرنج اما شئونها الداخلية فقد كانت بايدي العزابة الذين كانوا يقومون بها ويشرفون عليها بكل ما في النظم الإسلامية من خير وحب وعدل. (1/229)
صفحة 230
وفي هذا العهد من تاريخ جربة المجيد مع ما هى عليه من شذوذ الوضع، وظلم الأخوة، وتسف الحكام، استطاعت ان تضرب المثل الأعلى للأمة المكافحة، وتحرز البطولة وتستل النصر، وتقهر العدو، وتقف شامخة معتزة بطريقة يندر أن تجد لها مثيلا في تاريخ الكفاح بين القوى والضعيف. فاحتفظت بكرامتها بين تلك العوامل التي أشرنا إليها من قبل زيادة عن أربعة قرون حتى انتهى عهد القرصنة الغربية وبدا عهد جديد هو عهد الجامعة الإسلامية تحت الخلافة العثمانية.
وفي الفصول الاتية سوف نعرف - إن شاء الله - صورا من حياة هذه الأمة الكريمة في عهدها الثالث.
عهد الدخول في الجامعة الإسلامية
العهد الثالث من تاريخ جربة، هو عهد الدخول في الجامعة الإسلامية تحت الخلافة العثمانية. ويبتدئ هذا العهد من سنة 960 حين أستولى درغوث بن على التركي على جربة وينتهى سنة 1298 حين احتلت فرنسا كامل البلاد التونسية، واحتلت معها جزيرة جربة. وفي هذا العهد الذي يمتد قرابة ثلاثة قرون ونصف كانت جربة تعيش عيشة مريرة قاسية. فمنذ تولى درغوث بن على طرابلس خطر له أن يلحق جربة بحكمه في طرابلس واصرت هى في استماتة ان تبقى ضمن البلاد التونسية. وقد أصابها من جراء هذا كثير من الأذى، والعدوان، والإضطهاد، وعرملت بكثير من الظلم والقسوة حسبما تقرؤه في الفصول الآتية إن شاء الله. (1/230)
صفحة 231
أما شبح القرصنة اإفرنجية فقد بدا يخف ثم يتوارى عن جربة وغيرها وكان في اختفائه ذلك يتجمع ويعيد النظر في خططه وأعماله واهدافه. ولم تعد تكفيه تلك الغارات الخاطفة التي يقصد منها تامين القرصنة في البحر، وسرقة ما يمكن من الشواطئ الإسلامية. إن القرصنة والسرقه أصبحت لا تشبع نهمه. ولا تشفى غليله. ولذلك فقد تجمعت أسباب الحقد الصليبي كلها في سحابة دكناء تشمل اوروبا جميعها واتجهت إلى الشرق ترمى إلى تغيير كل شئ في العالم الإسلامي، وذلك باحتلال البلاد احتلالا كاملا، واستعمارها استعمارا شاملا، والقضاء على الدين، وتغير القيم الأخلاقية، وتبديل اسم الجنس المحتل بإسم الجنس الغالب. ووضعت أوروبا خطتها على هذا النمط، وبدات في التنفيذ، وهجمت هجومها الصليبي العام على جميع الشرق الإسلامي. فزحفت فرنسا على الجزائر والمغرب وتونس، تحتلها الإحتلال الكامل، لتجعل منها بدل الأمة المسلمة، أمة فرنسية مسيحية وراء البحار، وتلحق ترابها بتراب الوطن الأم. كما كانت تقول، وكانت جربة بطبيعة الحال داخلة في هذا المخطط الواسع الشامل، وعندما القت فرنسا قنبلتها على البلاد التونسية أصابت شطية منها هذه الجزيرة الصغيرة. فاضطربت وتخبطت قليلا ثم خضعت للاستعمار الفرنسى كما خضع له كل الشمال الأفريقي وبقيت تحت نفوذه خمسا وسبعين سنة. وهى مدة العهد الرابع من تاريخها الطويل كما بقيت تونس. حتى يسر الله للبلاد الإسلامية سبيل الخلاص من الاستعمار الغربي فتخلصت منه واحدة أثر اخرى. والعاقبة لكشمير وفلسطين وزنجبار وأننا لنضرع إليه سبحانه وتعالى كما يسر لنا الخلاص من الاستعمار السياسي ان ييسر لنا الخلاص من آثار ذلك الإستعمار فيما تركه في ديننا واخلاقنا واقتصادنا وطبيعة حياتنا انه على كل شئ قدير.
ظلم ذوى القربى (1/231)
صفحة 232
وقفت جربة الجزيرة، الصغيرة، المعزولة، عن العالم، موقفها المشرف، كالصخرة الصماء، تتحطم عليها أساطيل القارصنة، وترتد عنها غارات المهاجمين من الإفرنج، وتذوب على سواحلها أعداد وعدد المعتدين من المستعمرين المتعصبين. وقفت تلك المواقف دون ان تعتمد على مساعدة، او تنتظر نجدة من احد، اللهم الا مرات ثلاث، ذلك لأن الدول القائمة حينئذ كانت من جهة عائمة في فتن داخلية، ومن جهة أخرى كان لا يهمها من الأقاليم التابعة لها إلا مقادير الأموال التي تدفع إليها، اما بقية الشئون فليس يهمها من أمرها شئ. هذا بالنسبة للدول اما السكان الذين كانوا يحيطون بالجزيرة من الخارج فقد غلا التعصب الذهبي أو العنصري أيدي بعضهم عن مساعدتها، وانشغل بعضهم بنفسه، إذ كان هو الآخر في ظروف ليست خيرا من ظروف جربة اما البعض الآخر فقد كان يحترف الغارة والنهب، وكثيرا ما ينتزى على جربة او على غيرها فيختلس أو يغضب ما تقع عليه يده في سرعة ويفر.
اما أخوان جربة في المذهب، في الديار البعيدة عنها، مثل ليبيا والجزائر وبعض بلاد الجريد، فقد كان فساد الحكم، وتعود بعض سكان البادبة على الغارة والتهب، وقطع الطرق. قد اضطرهم إلى البقاء في بلدانهم للمحافظة على انفسهم واموالهم. وهكذا كانت الجزيرة تصارع الاستعمار ان يثبت بها قدمه الافترات قصيرة في أول الأمر ثم صلب عودها فكانت تلقمه حجرا كلما حاول الإعتداء عليها، وحتى حين يتاح له أن ينتصر عليها انتصارا مؤقتا كانت لا تلبث ان تنتقم منه، وتاخذ بثأرها وترمى به وراء البحر. وكان على الدول الإسلامية القائمة في ذلك الحين - إذا لم تتمكن من مساعدتها بالمال والرجال والعتاد او ببعض ذلك - كان عليها على الأقل ان تتركها وشانها. لتقاوم تلك الأساطيل التي تعب في مراسها سنان وخير الدين ودرغوث وغيرهم. فلم تترك حتى لهذا النضال الشريف. (1/232)
صفحة 233
في سنة 960 عينت الحكومة التركية القائد العنيد درغوث بن على واليا على طرابلس بعد مساع منه طويلة لعزل مراد آغا عنها وتوليته هو بدلا منه وكان درغوث يطمح إلى أن يضم إلى ولايته كل البلاد التونسية لتكون الموانئ الهامة في البحر الأبيض المتوسط تحت حكمه يستطيع تركيز قوته فيها ليضرب البحرية الغربية التي تنفك عن مهاجمة الثغور الإسلامية، والتي كانت تكاد تتحكم في البحر الأبيض المتوسط وشاعت عنه هذه الرغبة وتناقلتها عنه الألسن.
وكانت جربة في ذلك الحين لا يهمها الوالى الذي يتولى حكمها ولكنها لا تريد أن تنفصل عن تونس. واقترح مقترحون على درغوث أن يستولى على جربة، وان يضمها إلى طرابلس، فإنها مركز بحري هام وهى مع ذلك جزيرة صغيرة يسهل اقتطاعها من تونس، وبلغ الحديث إلى سكان جربة، فخافوا ان تقطع جزيرتهم عن البلاد التونسية، وتلحق بطرابلس، وذلك ما يكرهون فقد اقنعتهم التجارب أن الحاق الجزيرة بطرابلس في الحكم لا يعود عليهم بالخير أبدا، ولما تحققوا من نية درغوث بعثوا إلى مركز الدولة في تونس وكان على رأسها في ذلك الحين احمد بن حسن الحفصى، يطلبون حمايتهم من درغوث، وابقاء جزيرتهم في مكانها الطبيعي من البلاد التونسية، ولكن احمد الحفصى كان في واد غير هذا الوادي فلم يستجب لهم، ولم يهتم بطلبهم. ووصل درغوث باسطوله وجيشه إلى الجزيرة. (1/233)
صفحة 234
كان سكان جربة يتوقعون نزول درغوث على جزيرتهم، ولكنهم لم يتفقوا على قتاله، ولم يستعدوا له فقد وقع خلاف بين العلماء في جواز قتال هذا الجند المسلم، الذي يقوده قائد مسلم. وقال قائلون: ما دام القائد يتبع في حكمه دولة الخلافة، ويرجع إليها فغن على جميع البلاد الإسلامية ان تسمع وتطيع، إذا طالبها ولاة تلك الدولة بالطاعة، وجربة بلد مسلم، أراد والى دولة الخلافة أن تتبعه في الحكم فعليها ان تطيع، سواء كان مركز الولاية في طرابلس او في تونس او فى غيرهما، فإن الوالى لا شك يرجع في شؤونه إلى مركز الخلافة، ورضاؤها عن عمله بمثابة رغبتها في ذلك، وبناء على هذا فلا يحل لنا ان نقاتل هذا الجيش الذي به تعتز الأمة الإسلامية، ولا يجوز ان نحملب السلاح لنقتل جندا مسلما، جاء لتنفيذ إرادة الدولة السنية، ولا يحق لنا ان نعرض انفسنا لنقتل، والقتيل منا لا يكون شهيدا، وغنما يعتبر في حكم البغاة.
وقال قائلون: إن بلدنا هذا تابع في طبيعة وحكمه لتونس. وعلى تونس دولة مسلمة نحن مرتبطون بها، فيجب ان نحافظ على هذا الارتباط ولا نخالف عنه، سواف بقيت تونس مستقلة عن دولة الخلافة، او صارت ولاية من ولاياتها او التحقت بطرابلس فلو دخلت تونس تحت حكم درغوث لدخلت جربة تبعا لذلك. اما وتونس لم تدخل تحت حكم ذلك الوالى، فغن على جربة أن تدافع من يريد اخضاعها بالقوة، ويبتغى فصلها عن تونس، وغن ترد عنها يد من يحاربها، لأنه باغ معتد على بلد مسلم، وتسليم اهلها يعتبر خيانة للعهد، وتفريطا في واجب مقدس عليهم صيانته. (1/234)
صفحة 235
وهكذا اشتد الخلاف بين السكان، وتوقفت أكثر السواعد عن القتال تحرجا. ولما هم درغوث باحتلال الجزيرة قابلة شراذم من الناس تحمل في وجهه السلاح، وتبدى له المقاومة. فاشتد غضبه عليها، ودعا إلى مساعدته بعض القبائل خارج جربة من اولئك الطامعين الذين يتوقون إلى مثل هذه الفرصة، ليشبعوا نهمة الغنيمة والسبى في انفسهم، ووقعت بين الأخوة موقعة مؤلمة، خسرت فيها جربة أشجع أبطالها وأفضل شبابها، وخيرة فتيانها واثمن اموالها. وذلك ان القائد ما وضع رجله في الجزيرة حتى أباح للجند أن يرتكبوا ما شاؤوا ولم يفرق بين المحاربين والمسلمين ولا بين العزل والمسلحين فاضطر حتى اولئك الذين أمسكوا عن القتال في مبدأ امرهم أن يدخلوا المعركة، وأن يخوضوها مع الخائضين. واستباح اولئك الجفاة الجزيرة فارتكبوا ما سولت لهم أنفسهم وزينت شهواتهم. وقتل فيها من أبطال جربة الصناديد ألف ومائتان قتيل، وهي خسارة لم تخسرها جربة في كامل حروبها مع الإفرنج ما عدا موقعة سنة 548. (1/235)
صفحة 236
لقد طالما كبدت هذه الجزيرة المسلمة، أساطيل الإفرنج خسائر فادحة، دون أن تتجاوز خسارتها في الأرواح في أكبر المعارك يضع عشرات، أما اليوم فقد ذهب على يد درغوث ألف ومائتان من المؤمنين الصادقين لقد قتل هذا العدد الهائل من المحاربين الكفاء وفر من أمكنته الفرصة ولم يبق في الجزيرة غير الضعاف الذين لا يجدون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، ومكث درغوث في الجزيرة حتى رتب امورها، وعين عليها واليا واسند إليه الحكم، ثم رجع إلى مركز ولاية طرابلس منتفخ الأوداج بالنصر العظيم، وكان الوالى الذي تركه على جربة من النصف بحيث استطاعت الحاشية ان تتسلط عليه وتسيره في أغراضها وترتكب باسمه ما تشاء، فكثر الظلم، واهدرت الحقوق، وانتهكت الحرم، وتحقق الناس ما كان يخشاه فريق من العلماء من تبعيتهم لطرابلس، فضجوا بالشكوى، ولم يكن لهم ملاذ في ذلك الحين غير تونس، لنهم كانوا يرون ان البلاء إنما هو آت من طرابلس وعاصمة الخلافة فيما يبدو راضية بذلك.
وهكذا طالبوا بارجاع جربة إلى حكم تونس لينقدوا انفسهم من جور عمال طرابلس. فإن الدولة التونسية مع ضعفها في ذلك الحين لا تكلف الناس شيئا غير مبالغ من المال تؤدي إليها سنويا برسم الضرائب، وليس لها بعد الحصول على الأموال المطلوبة أي شأن بشؤون البلد الخاصة وكتب اتباع درغوث في جربة إليه بالحركة الجديدة، فجهز جيشا آخر وعاد إلى جربة يغلى غضبا. ولم يتقدم احد لمقاومته هذه المرة فدخل الجزيرة وبدأ سيلا من الانتقامات، وارتكب فيها من الفواحش ما يبرأ منه الدين والعرض فسلب الأموال، وقتل الأنفس، وسبى النساء والأطفال، وهكذا قضى القائد المسلم على الجزيرة القضاء الكامل، ولم يبق إلا من لم تصل إليه يد القائد، او يدى جنده، وكان فيمن قتله درغوث علامة زمانه الشيخ أبو سليمان داود التلاتي. (1/236)
صفحة 237
رجع درغوث وجنده يحملون الأموال والأسرى. وبقيت الجزيرة شبه خالية بحكمها شيخها القديم مسعود بن صالح السمومنى واليا من قبل درغوث. ولما علم الإفرنج أن السيوف التي كانت تصدهم في جربة قد تحطمت، وإن السواعد القوية التي كانت تصفعهم قد تكسرت، وإن العزائم الصامدة التي كانت تقف أمامهم لا تعرف الهزيمة او التراجع قد استؤصلت. لما علم الإفرنج بذلك جهزوا أسطولا وقصدوا جربة.
ومن الغريب ان درغوث لم يسارع إلى لقاء هذه الأساطيل الإفرنجية ليردها عن بعض ممتلكاته ويحمى منها هذا المركز الاستراتيجي الهام الذي كبد الإسلام خسائر لا تحصى للحصول عليه. وإنما اخلى الطريق لتلك الأساطيل. (1)
فلما بلغ الأسطول الفرنجي ساحل جربة، نشط وإليها مسعود بن صالح السمومنى، وجمع حوله بقايا العزائم القوية، ممن أقتله سيف درغوث، وأغلب ألئك شيوخ يحتى هاماتهم الشريفة عجز الهرم، ومراهقون أطرياء العود يدفعهم الحماس إلى أمتشاق الحسام قبل الأوان، واستقبل بهم العدو، ووقف في وجهه فوقعت بين الطرفين مقاتلات عنيفة لم يستطيع فيها فيها الإفرنج ان يتقدموا خطوة، وطال الحصار وخشى والى الجزيرة أن يدب الوهن إلى رفاقه فصالح اإفرنج على أن يدخلوا القشتيل فقط وليس لهم ان يتجاوزوه. وهكذا دخل الإفرنج القشتيل في جزيرة جربة، حينما مهد لهم درغوث
(1) (2)
__________
(1) (1) يقول ابو الربيع الحيلاتي: " وفي السنة المذكورة نزلت عمارة النصارى على جربة، وجعلها الله رحمة وفكاكا للمسلمين مما هم فيه من جور درغوث وكان قد ألقى عليهم " أبى على الوهبية " خمسين ألف دينار واخذ منها شيئا فلما نزلت عليه العمارة هرب (أي درغوث) إلى طرابلس واقتتل المسلمون مع النصارى.". (1/237)
صفحة 238
الطريق دون قصد، حينما استولى على جربة فخضن شوكتها، وفل سلاحها، وقلم أظفارها، ورغم أن الإفرنج قد احترموا شروط الصلح، فلم يتجاوزوا حصن القشتيل ولم يتدخلوا في أي أمر من أمور الجزيرة، فإن سكان جربة لم يرقهم ذلك، وكرهوا أن يبقى الأجنبي في بلادهم، وأن يتخذ منها مركزا للقرصنة والعدوان على بقية الثغور الإسلامية. ولما كانوا لا يستطيعون إخراجه في ذلك الحين فقد بعثوا وفدا إلى دار الخلافة يطلب منها إرسال قزة، تطهر بلادهم من العدو الأجنبي. واستجابت دولة الخلافة لطلبهم وجهزت قوة بحرية ارسلتها إلى جربة على أن تمر بطرابلس ويتولى قيادتها درغوث، ولم يكن يعلم درغوث وهو يدير اعماله الواسعة في طرابلس حتى وصلته الحملة وطلبت منه قيادتها لتطهير جربة من عدوها الجاثم فيها. فامتثل لأمر الخليفة وقاد الحملة ثم اتجه إلى جربة، ووجه هذه المرة ضربته إلى الإفرنج القابعين في القشتيل، وثار من في الداخل ممن يقوى على الحرب، فخرجوا إلى غير رجعه وطهرت الجزيرة من الاستعمار حتى تكونت السحابة الدكناء التي شملت شمال أفريقيا كله واطبقت على تونس سنة 1298هـ.
آراء المؤرخين في حروب درغوث
في هذا الفصل انقل آراء بعض المؤرخين في حروب درغوث بجربة خاصة، وآثار تلك الحروب على الجزيرة ومن هؤلاء المؤرخين استخلصت للقارئ الكريم الفكرة التي بنيت عليها حديثى في الفصل السابق وفي فصول أخرى آتية، فأرجو القارئ الكريم، أن يتأمل هذه الآراء ويزنها بميزان الحق ميزان الإسلام الذي لا يبخس الناس أشياءهم غير متأثر بماطفة عن جربة ولا شهرة غالبة لدرغوث. (1/238)
صفحة 239
1 - قال أبو زكرياء عبدالله محمد بن زكارياء الباروني في ترجمته لأبي سليمان التلاتي،: ((وتوفى في أوائل جمادي الأولى سنة سبع وستين وتسعمائة وقتله درغوث بن علي التركي لما خالفت عليه اهل جربة (1) وادخلوا على قائده المسعود بن صالح السمومنى وحصروه في القشتيل نحو أربعة أشهر أو خمسة ثم تحرك عليهم درعوث بالعرب وزواره ومستاره، فانهزمت الوهبية من برج الوادي إلى المشيخة وقتل منهم نحو أربعمائة أو خمسمائة رجل، وثالث يوم من الهزيمة، اتى موسى بن عمرو بن أبى الجلود إلى الشيخ أبى سليمان مع جماعة من الجند فقالوا له لو سرت معنا إلى درغوث لنتكلم على الضعفاء، فقال له الشيخ نعم فسار معه راكبا على بغل له حتى أتى إلى درغوث، فكلمه في مخلفة جربة، وما كان من اهلها، فقال له الشيخ، نحن جماعة العزابة ليس بايدينا ولا إلينا تولية الأمراء ولا عزلهم في هذا الزمان، فقال له: بل أنتم ادخلتم المسعود، وافسدتم البلاد وفعلتم وفعلتم، فقال له الشيخ: ما فعلنا شيئا إلا الخير، ولسنا إن شاء الله من أهل الشر في شئ، بل الفساد من قبلك، لتقديمك
(1)
إلا سافل وغير ذلك، فاخذ الشيخ وسجنه نحو شهر أو أقل ثم قتله.)) السير صفحة طبعة الباروني.
__________
(1) (1) يشير إلى مطالبة اهل جربة بان تكون جزيرة جربة تابعة للبلاد التونسية. (1/239)
صفحة 240
2 - قال أبو عبدالله محمد أبو راس: ((في سنة ستين وتسعمائة قدم صاحب طرابلس جرغوث باشا إلى الجزيرة بعساكره من الترك وزوارة والسبعة واولاد شبل ولما سمع أهل الجزيرة بقدومه ارسلوا إلى صاحب تونس احمد بن حسن الحفصى يستمدونه فلم يلتفت إليهم لعجزه، واختلاف امره، فهاجمهم درغوث باشا ودخل الجزيرة، ونزل على الساحل القبلى، واجتمعت أهل الجزيرة وقاتلوا قتالا شديدا، وترادفت العربان مع درغوث باشا فانهزم أهل الجزيرة، واستشهد منهم ألف ومائتان شهيد، وافترق الباقون واستولى درغوث باشا على الجزيرة، ورتب قوانينها، واستخلف عليها عاملة الشيخ مسعود السموني، ورجع إلى طرابلس سنة سبع وستين وتسعمائة، وكان أهل المدينة في كدر من جور عمال طرابلس. فارسلوا إلى صاحب تونس وفي ذلك التاريخ دخلت الترك لمدينة تونس، والحكم بايدي البلبكاشية في الديوان. في السنة المذكورة قدم درغوث باشا إلى الجزيرة لما سمع أن أهلها طلبوا رجوعها لتونس فقتل جماعة من اهلها منهم الشيخ داود التلاتي، كما تقدم في ترجمته، ونهب الأموال وفر غالب أهلها، ولم يبق فيها إلا العاجز، وفي سنة سبع وستين المذكور لما سمع الإفرنج بما وقع في الجزيرة، وفرار أهلها اتوا إليها بمراكزهم ونزلوا على الساحل الجوفي عند مزار الشيخ سالم أذروم فتلقاهم الشيخ مسعود بن الشيخ صالح السمومنى وهة آخر السمومنيين بمن معه ممن بقى من اهل الجزيرة. وصالحوه بان يسلم لهم برج القشتيل ولا يلتفتوا إلى غيره.))
وبعد كلام يقول: ((لنرجع إلى ما نحن فيه من صلح الإفرنج والسمومنى في تسليمهم برج القشتيل. بقى في يد الإفرنج فبعث أهل الجزيرة إلى الدولة العلية العثمانية، وأخبروها بما صار لهم فجهزوا لهم مراكب وقصدوا حصار البرج المذكور، فحاصروه ثلاثة أشهر، وفتحوه عنوة. (1/240)
صفحة 241
3 - وقال أبو الربيع سليمان بن احمد الحيلاتي: ((ورحل الباشا درغوث من طرابلس مع أولاد شبل والسبعة وزواره وخلق كثير برا وبحرا ونزل قشتيل الوادي فالتقى مع الشيخ مسعود بن صالح السمومني والوهبية في سبخة القشتيل فوقعت الدائرة على الوهبية، ومات منهم ألف ومائتان ومات من مستارة والاتراك ومن معهم خلق، ووقع من ألفئ والسبى وهتك الحريم ما لم يأذن به الله ثم قتل بعدها الشيخ الأجل الفاضل العالم العامل داود بن إبراهيم التلاتي رحمه الله. مكروا به وامر بالطلوع إلى الباشا المذكور لينظر في مصالح الرعية، ويتكلم بما وقع فيها من الفواحش ليرتدع عن ذلك، فأخذه دون جميع الفقهاء الذين طلعوا معه، والذي مكر به موسى بن عمر البجلودى، وفي السنة المذكورة، نزلت عمارة النصاري على جربة وجعلها الله رحمةوفكاكا للمسلمين مما هم فيه من جور درغوث.))
4 - قال الشيخ سعيد بن تعاريت في ترجمته لأبى سليمان التلاتي:
((وساد بجربة، وتولى مجلسها إذ ذاك، وإليه يرجع الأمر في زمانه والشورى والأمر للأمراء والنهى لهم، لا يخاف في الله لومة لائم، حتى جعل الله له الموت على الشهادة، تمام السعادة، توفى رحمه الله تعالى شهيدا، قتله الملعون الطريد درغوث بن على التركي، لما خالفت عليه أهل جربة في أوائل جمادي الأولى سنة 967هـ.))
5 - يقول أبو اسحاق اطفيش رحمه الله:
((وقد ذر قرن الطغيان والعسف من عمال الاتراك يومئذ على تونس، ويبدو ان الثورة على درغوث بن علي التركي في جزيرة جربة كانت باشارته. حيث بلغ الشر من أولئك الولاة الطغاة أشده بما لا بد معه من الدفاع عن الكرامة والدين، فكان أن اغار درغوث الطاغية على الجزيرة بجموع من العرب والنكار والجند، فاخمد الثورة بضروب القسوة، نهايتها قتل هذا العلامة الجليل.)) (1/241)
صفحة 242
انتهى ما اردت نقله من اقوال وآراء بعض المؤرخين، ومنها ومن غيرها مما كتب عن حروب درغوث في جربة، يستخلص القارئ الكريم ان جربة كانت تصر على أن تبقى ضمن البلاد التونسية، وأنها في المدة التي الحق حكمها بطرابلس سواء في زمن درغوث أو عهد أبن مكى. قد اصيبت بألوان من الظلم والاضطهاد، ما نفرها من طرابلس والارتباط معها بعلاقة الحكم، وغن عدد القتلى في جربة الذين استشهدوا على يد درغوث يزيد عن ألف وستمائة وهذا العدد نصف الجيش الذي استطاعت ان تكونه جربة يوم جمعت كل من يقوى على حمل السلاح لمحاربة الإفرنج. (1/242)
صفحة 243
لم تكن هذه الحروب التي شنها درغوث على جربة بكل قساوة آخر حروبه عليها ولا ثوراتهم آخر المحاولات للتخلص من حكمه وظلمه، ومن ظلم ولاة طرابلس واستبدادهم والعمل على البقاء ضمن البلاد التونسية، فإن درغوث لما رجع إلى جربة، لاخراج النصارى من القشتيل، بأمر الدولة العلية، اعتبر ذلك احتلال لها والحقها بحكمة من جديد، وعين موسى البجلودى واليا عليها من قبله، وسكنت جربة مدة حكم موسى، فاساء السيرة، وسافر مرة إلى طرابلس ليستشير الوالى في بعض الأمور، فاتفق اهل الجزيرة على عزله وولوا على انفسهم عبدالله البرجى، وبعثوا الى صاحب تونس يطلبون منه المدد ويملكونه الجزيرة. وسمع درغوث بهذه الحركة فغضب لذلك وجهز جيشا وسار به إلى الجزيرة، وكان عمرو بن موسى البجلودى معه فاستعد عبدالله البرجى للقتال ووقعت بينه وبين درغوث معركة عنيفة ذهب ضحيتها عدد من الأبطال وانتصر درغوث والقى القبض على البرجى فقتله وسلخ جلده وحشاه نخالة وارسله إلى طرابلس وارجع الحكم إلى عمرو بن أبي الجلود وبقيت جربة تحت حكم طرابلس إلى السنة الرابعة عشر بعد الألف حيث بعث قاره عثمان داى جيشا إلى الجزيرة لطرد الحامية الطرابلسية، فوقعت معركة بين الفريقين ذهب فيها عدد من الضحايا وانهرمت الحامية الطرابلسية واخرجت من الجزيرة وخسرت جربة في هذه المعركة التي دارت بين الواليين اثنين واربعين رجلا من رجالها الكرام.
رجوع جربة إلى تونس (1/243)
صفحة 244
دخلت تونس في الجامعة الإسلامية، واصبحت هى الأخرى ولاية عثمانية، مثل طرابلس، وهنا بدا نزاع الخوة على الشركة، فقد عملت طرابلس من قبل على سلخ هذا العمل لا يروق لوالى تونس، وفي السنة الرابعة عشر بعد الألف جهر (قره عثمان داى) جيشا لمحاربة الحامية الطرابلسية في جربة، ووقع بين الفريقين قتال انتهى بهزيمة الحامية الطرابلسية وخروجها، ورجوع الجزيرة إلى حكم تونس. وعزل عثمان داى والى الجزيرة حينئذ الشيخ عمرو بن موسى ابن أبى الجلود ولكن أحدا من الناس لم يتقدم لطلب الحكم على جربة ولم يقبلها احد ممن عرضت عليه فاضطر إلى ارجاع عمرو هذا إلى منصبه السابق.
وبارجاع جربة إلى تونس، واسناد الحكم مرة، اخرى إلى اسرة أبى الجلود بدأت سلسلة من المتاعب المحلية والفتن الداخلية فقد تنازع ابناء هذه الأسرة على الحكم، وتقاتلوا عليه، وكاد بعضهم لبعض وتآمر عليه، وانقسم السكان بطبيعة الحال مع انقسام الحكام، وكانت أصابع بعض الشخصيات التركية تحرك تلك الدمى المتقاتلة، وتساعدها في بعض الأحيان وتؤجرها وتستأجرها، وكان هؤلاء الحكام المتقاتلون لا ينفكون عن جمع الضرائب، وفرض الغرامات، ومصادرة الأموال، وكلما أحس الواحد منهم بحاجة إلى مزيد من المال لنفسه او لسادته التمس أية وسيلة لفرض غرامة تتناسب مع الحاجة وقد تفرض تلك الغرامة على جهة او قبيلة او على الجزيرة كلها حسب اللزوم وترسل من تلك الأموال المقادير المقررة للدولة في تونس اما الباقي فهو لإستهلاك الحاكم الشخصي. (1/244)
صفحة 245
وقد تحكم الخلاف بين أسرة أبي الجلود حتى أدى إلى الأغتيال والقتل واستئجار رؤساء العصابات للانتقام. وبعد إحدى هذه الحوادث المؤلمة ذهب احمد بن موسى أبن أبي الجلود إلى طرابلس يطلب من واليها احمد القره ما نلى ان يجهز له جيشا يحتل به الجزيرة ولكن القره ما نلى لم يستجب لطلبه ولم يلتفت إله فرجع وجمع جموعا من عكاره وورغمة ودخل بهم إلى الجزيرة لقتال موسى بن صالح ووقعت معركة حامية بين جيش أبنى العم انهزم فيها موسى فاحتمى بالبرج الكبير ثم فر إلى صفاقس أما العربان الذين جاء بهم أحمد فقد استباحوا السوق وانتبهوا ما فيه وذلك ما يطلبون ومن اجله يحاربون. واستولى احمد عى الجزيرة.
لما وصل موسى أبن أبى الجلود إلى صفاقس وجد هنالك يونس بن علي معسكرا هنالك، فلما اخبره الخبر، جهز له جيشا، وامره بالرجوع إلى جربة، وطرد ابن عمه احمد، فسار موسى بجيشه اللجب، حتى دخل جربة ابن عمه احمد، فسار موسى بجيشه اللجب، حتى دخل جربة فتلقاه أحمد ولما رأى انصاره من عربان ورغمة وعكارة، كثرة جيش موسى، وحسن استعداده، ولوا هاربين، وكانوا عازمين على الخروج من طريق تاربلة خوضا في البحر، فلحق بهم جيش موسى فقتلهم عن آخرهم، ولم يبق منهم الا شواذ، تمكنوا من الخروج قبل وصول الجيش، ورجع جند موسى على حرمة اجيم فاستباحها وانتهبها. (1/245)
صفحة 246
وهكذا انتصر احمد فنهب اموال أنصار موسى وانتصر موسى بعد مدة قصيرة فنهب اموال انصار احمد والنتيجة ان أموال الجزيرة قد أصبحت كلها في أيدى أبناء أبى الجلود المتنازعين على الحكم. وعاشت جربة تحت حكم أبن أبى الجلود مدة قرن ونصف في أسوأ حالة تعيشها أمة تحت حكم لا يستند إلى دين او قانون ويبدو أن هذه الأسرة لا تخلو من شذوذ فمع هذه المواقف المؤسفة التي يقفها بعضهم من بعض بلغ الهوس من احدهم إلى أن حبس نفسه بتاجموت ثم انتحر اما آخر ولاتهم فبينما هو يتمتع بالحكم إذ اختل عقله وشكاه أهل الجزيرة إلى صاحب القيروان فلم يصدق حتى دعاه إليه واختبره فوجده على اسوأ حال من الجنون فعزله وولى مكانه اخاه فاساء السيرة ولم يحسن التصرف فشكاه أهل الجزيرة إلى على باشا صاحب تونس فعزله وسجنه ثم أمر بمصادرة أموال هذه الأسرة وتخريب دورهم. وانتهت فترة من اسوأ ما مر على جربة من فترات، وذلك أن المصائب كانت من قبل تأتيها من الخارج فتقف الجزيرة متحدة لمجابهتها أما في هذه الفترة فقد كانت المصائب تنبع من الداخل وتجد من يؤيدها من الخارج فكان شرها قد تعدى الأموال والأرواح إلى تفريق كلمة الأمة وتكوين عصبيات وحزازات ودماء بينها.
جربة تعود إلى طرابلس
جاء في ((المنهل العذب)) صفحة 318 ما يلي:
((ولما استولى على باشا برغل على طرابلس ودانت له القاصية، وجبى البلاد، وصفا له جوها من اولاد قره ما نلى، تحدث مع رجاله في الاستيلاء على مملكة تونس، ووزع اعمالها بينهم ومنهم (قره محمد التركى) وعده بولاية جربة، فقال له: أن هذه الجزيرة ذات خصب وثروة عظيمة، وكانت من أعمال طرابلس، واغتصبها وإلى تونس، من سوء إدارة اسلافه، فالبدار للفرصة! .. هذه الجزيرة قريبة منا، وعسكرنا حاضر مستعد للقتال.
فتوجه بالف مقاتل من الجند في سبعة مراكب بلا استئذان الباب العالى.)) (1/246)
صفحة 247
وصل جند على برغل بقيادة قره محمد التركى إلى جزيرة جربة، على حين غفلة من أهلها، فاحتلها دون قتلا، سنة 1209 وكان عالملها من قبل تونس الشيخ حمده بن قاسم بن عياد قد اذهلته المفاجأة، فلم يقم بالدفاع، وغنما اودع حرمه في زاوية أبى زيد ثم انفلت هاربا إلى صفاقس في مركب أو جدته الصدفة المناسبة، وتلقاه محمود الجلولى فاكرم مثواه، وطير الخبر إلى حموده باشا صاحب تونس.
واهتم حمود باشا بالموضوع لا سيما وان على برغل قد طرد أسرة القره مانلى اصدقاءه من ولايتهم في طرابلس فلجأوا إليه يطلبون منه المساعدة والنجدة.
درس حموده باشا الموضوع دراسة مستفيضة وأكثر الاستشارة واستعرض حالة تونس الحاضرة، وحالة برغل، وعلاقة الجميع بالدولة العالية، واخيرا قر راية على أن يقف مع ذلك المغامر الجرئ موقف الحزم، فجهز جيشا عظيما تحت قيادة مصطفى خوجه وارسله إلى طرابلس لطرد على برغل وارجاع ابناء القره مانلى إلى مقر حكمهم.
واستطاع القائد التونسي الاعرج ان ينجح في مهمته اعظم نجاح فقد استولى على طرابلس، وطرد منها برغل، وارجع اصدقاءه القره مانليين إلى حكمهم وكف أيدى الجند عن الناس فلم يلحق طرابلس أى أذى من هذا الجيش الكبير، فأحب أهل طرابلس هذا القائد واحترموه وجمع أغنياؤهم مبلغ مائة ألف محبوب قدموه مكافأة لهذا الجيش العفيف، وقبله منهم القائد وأضاف إليه مبلغ أربعين ألفا من عنده ووزعها على الجند ورجع إلى تونس مشيعا بالاحترام والتقدير والاعجاب. (1/247)
صفحة 248
وفي نفس الحين الحين الذي ذهب فيه مصطفى خوجه إلى طرابلس لتأديب برغل جهز حموده باشا اسطولا آخر تحت قيادة الجزيرى وارسله إلى جربة، ووصل الأسطول التونسي إلى جربة فتلقاه (قرة محمد) ووقعت بين الجيش معركة حامية انهزم فيها (قرة محمد) وخرج من الجزيرة وكانت المدة التي بقيتها الجزيرة تحت حكم طرابلس في هذه المرة ثمانية وخمسين يوما أى أقل من شهرين، ومن المؤسف ان أعمال على الجزيرة في جربة كانت عكس اعمال مصطفى خوجه في طرابلس، فما فرت حامية طرابلس ودخل هو وجنده الجزيرة، حتى أباح لهم البلاد، فنهبوها وبلغ بهم الانحطاط والطمع إلى انهم لم يحترموا حتى المساجد فنهبوا اوقاف كثير منها وبدا على الجزيرة سلسلة من الانتقامات والعقوبات. وهكذا أصيبت هذه الجزيرة بمنحة اخرى لم تكن تتوقعها، وبقى الجزيري واليا على جربة لمدة شهرين ارتكب فيهما من الوان الظلم والقسوة ما حمل اهل الجزيرة إلى ان يبعثوا وفدا إلى تونس، وذهب الوافد وعرض على حموده باشا ما تلقى الجزيرة على يد الوالى على الجزيرى فعاتبهم على تسليمهم جزيرتهم إلى على برغل، ثم قبل عذرهم، واستمع إلى شكواهم، وعزل عنهم على الجزيرى، وولى مكانه مصطفى بن حسن الكبير سنة 1209.
كان الجزيرى حين احتل جربة قد أسر من حامية طرابلس اربعمائة جندي فبعثهم إلى تونس واستقبلهم حموده باشا كما يستقبل الأمير الكريم طائفة من جنده المخلصين.
يقول النائب في المنهل العذب صفحة 325: ((وبعث له اربعمائة جندي طرابلسى من عسكر طرابلس اخذهم أسرى، فقابلهم الباى بجزيل الانعام، واثبتهم في ديوان جنده، وترقى بعضهم إلى منصب الطاى وغيره من المناصب)).
بعد رجوع وفد جربة من تونس علم الجزيري ان الباى غاضب عليه وانه لن يلقى خيرا إذا ذهب إلى تونس فخرج فارا إلى المشرق حتى وصل الحجاز وهنالك أصيب بمرض عقلي وتوفى وهو مقيد بالأغلال بسبب المرض. (1/248)
صفحة 249
كانت محاولة برغل هى آخر محاولة لالحاق جربة بطرابلس وبعدها استقرت الجزيرة في تبعية البلاد التونسية ولم يعد احد يطالب بارجاعها إلى طرابلس. وأصبح الباى يعين عليها الولاة وسارت الحياة بأهل جربة هادئة مستقرة نوعا ما من الجانب السياسي، ولكن نشأت مشاكل جديدة من نواح اخرى قد نستعرض بعضها في فصول آتية إن شاء الله.
خلاصة هذا العهد
هذا عهد تاريخي يمتد قرابة ثلاثة قرون نصف إذ يبتدئ باستيلاء درغوث بن علي التركي على جزيرة جربة سنة 960 وينتهى بالاحتلال الفرنسي لكامل القطر التونسى ومنه جربة سنة 1298هـ.
ينقسم هذا العهد من حياة جربة إلى فترتين:
الفترة الأولى وتمتد نحو قرنين ونصف من سنة 96 إلى سنة 1209 وهى فترة قضتها الجزيرة تحت الوان من الظلم والتعسف والاستبداد والفتنة من الداخل والخارج، وقد تعونت كل العوامل على جربة في هذه الفترة، حتى أصبح الناس لا يعرفون من أين تنزل عليهم المصائب. وكان موقعها الهام وتربتها الخصبة وثروة أهلها من أهم الأسباب في الكوارث التي نزلت عليها.
فقد تسلط عليها الولاة الاتراك على طرابلس مثل درغوث بن على وعلى برغل ووجهوا إليها من العنف أقسى ما يوجهه ظالم لا يرحم على ضعيف لا يملك قوة. ولكنه لا يذل ولا يستكين. ولم يقفوا عند حد في الاضرار بها فقد وجهوا إليها حملات غازية متتابعة، استنزفت منهم الدم والحياة. فقتلوا أبطالها، وابتزوا أموالها، وحطموا قوتها، وخرجوا بلادها وعاثوا فساد، ولم يراعوا فيها لا حرمة الاسلام، ولا حرمة الجوار، ولا حرمة الضعيف المغلوب، ولا حتى حرمة البشرية.
لقد وضعوا بين اعينهم صورة واحدة لهذا البلد المسلم هى الصورة التي عبر عنها على برغلى بقوله: ((إن هذه الجزيرة ذات خصب وثروة عظيمة)) (1) ووضعوا لأنفسهم صورة اخرى عبر عنها على برغل أيضا بقوله: ((هذه الجزيرة قريبة منها، وعسكرنا حاضر مستعد للقتال (2)))
(1)
__________
(1) (1) المنهل العذب ص 318 (2) نفس المصدر والصفحة (1/249)
صفحة 250
وما دامت الجزيرة ذات خصب وثروة، وهي قريبة، وعسكرهم مستعدا للقتال، فماذا يمنعهم من ظلم الناس وقتل أرواحهم، واستنزاف أموالهم، وتخريب ديارهم، ان من حقهم - فيما يحسبون - أن يستمتعوا بتلك الثروة، وذلك الخصب، فغزاها درغوث غزوات متلاحقات، وكان في كل مرة بقتل من أهلها من يصله سيفه، ويأخذ من مالها ماتبلغه يداه، وحاول برغل من بعده ان يقوم بنفس الدور ولكن حزم حموده باشا باي تونس ضربة على يده بعد المحاولة الأولى فخسر جربة وخسر طرابلس معها.
ولم يقف الشر في جربة في هذه الفترة عند هذا الحد الذي يتمثل في الغزوات الظاملة من ولاة طرابلس على الجزيرة، وإنما ابتليت بحكم أسرة أبناء أبى الجلود الذين أوصلهم درغوث إلى منصب الحكم وكانت هذه الأسرة شر أسرة توارثت الحكم في البلاد، فكان حكمهم كارثة أخرى نزلت على البلد فيما نزل من الكوارث، وقد امتدت هذه الفترة المؤلمة من سنة 960 إلى سنة 1209 حين طرد على الجزيرى بأمر حموده باشا قائد الحامية الطرابلسية (قرة محمد) الذي احتل جربة بأمر على برغل.
عاشت جربة في هذه الفترة التي تمتد قرابة قرنين ونصف على اسوأ وضع عاشت عليه امة وقد أثر عليها من جميع النواحي اسوأ الآثار. (1/250)
صفحة 251
أما الفترة الثانية التي تمتد من سنة 1209 إلى سنة 1289 وهى مدة تقارب قرنا من الزمن فقد عاشتها جربة تحت نظارة الحكومة التونسية. وكانت أكثر استقرارا وامنا، فقد كانت الحكومة التونسية تهتم بامر الولاة، وتستمع إلى شكايات الأهالى فيهم، وتحاسبهم بعض المحاسبة على تصرفاتهم، وقد تعزل البعض منهم استجابة لرغبة السكان كما فعلت بعلى الجزيرى، فلم يستطيعوا أن يبالغوا في الظلم، ولا أن يثقلوا على الناس، وقد تخلصت جربة في هذه الفترة من الغزوات الخارجية فلم يعد إليها ولاة طرابلس، وبذلك استطاعت ان تامن وتطمئن، وأن تنمى الناحية العددية فيها برجوع بعض المهاجرين من أبنائها وان تعود إلى الكفاح لتحسين الناحية الاقتصادية التي استنزفتها الحروب والضرائب والغرامات.
لقد كانت الفترة الأولى من هذا العهد بما حملته معها من فساد وخراب وفتنة داخلية وخارجية، قد قضت على الناحية الاقتصادية في جربة. فبعدان كانت ارضا خصبة، تنتج أحسن الغلال واجود الفواكه، وكان اهلها من ابرع المزارعين، واحرصهم على العمل. عاث أولئك الجنود المتعقبون فسادا في تلك المزارع، واحالوها إلى أرض قاحلة، ولم يتركوا لأصحابها فرصة لأحيائها والمحافظة عليه، ولقيت الناحية الصناعية في البلد نفس المصير، فقد كانت تقوم في جربة معامل للصناعة المحلية تدر على أهلها ربحا لا بأس به، فخربت تلك الجيوش ما جاء في طريقها من تلك المعامل، وشردت الصناع الذين يديرونها، او يقومون عليها، وبددت المواد الخام التي تقوم عليها تلك الصناعة، واصبح الناس في حالة يرثى لها، يتوقعون كل يوم مزيدا من الشر، ولكنهم لا يعرفون الصورة التي سوف يفد عليها. ومن المؤسف ان اولئك الحكام كانوا يطالبون بالمزيد من المال كانما كانت أصابع سكان جربة تسيل بالذهب. (1/251)
صفحة 252
ونتج عن هذه الأحوال ان كل من استطاع ان يهاجر هاجر إلى أى بلد تسير له أن ينتقل إليه في امان، وباشر الجربيون في مهاجرهم أى عمل اتيح لهم، وكانوا يتقدمون في أعمالهم تلك في مهاجرهم بفضل ما يتحملون به من صدق وامانة واخلاص وجد، وكانت أعمالهم تلك تنتهى غالبا إلى افتتاح محال للتجارة. وهكذا كان هذا العهد الظالم سببا لهجرة اكثر سكان جربة إلى الخارج للإحتراف، وتعودوا ذلك فاستمروا عليه حين هدات الأحوال واستقرت الأمور. ولقد نتج عن هذه الهجرة، إن تكونت ثروة في أيدي التجار الجربيين، وأصبحوا من احسن سكان المملكة التونسية اقتصادا,
ولكن هل يغنى هذا المال الذي يجمعه سكان جربة في مهاجرهم عن تلك الجنة الجميلة في وسط البحر التي حرمت من سواعج ابنائها البررة.
ثم أين هى المجامع العلمية؟ وأين هى الوحدة التعاونية، وأين هي العزيمة الصامدة. والصبر الطويل الذي كافحت به جربة أساطيل اسبانيا مدة غير قصيرة، وأين هى تلك الأخلاق التي غرسها الإسلام في نفوس أبنائها فخفظت عليهم عزتهم. (1/252)
صفحة 253
إننى وانا أكتب هذا الفصل تنثال على ذهني عشرات الأسئلة عن جربة ووضعها في الحاضر والمستقبل الذي نامل أن يكون خيرا في عهود الاستقلال الزاهرة ويطمئنني أن الشباب المسلم من أبنائها مع الشباب المسلم من البلاد التونسية العزيزة سوف يسهر على بناء مستقبل سعيد عزيز يسود فيه حكم الإسلام وينفذ فيه أمر الله وتعم فيه العدالة جميع الناس، إذ لا شك ان الأمة التونسية - وجربة جزء منها - قد بلت كما بلت جميع الأمم الاسلامية ألوان الحكم في العهود الماضية وعلمت كما علمت جميع الأمم الاسلامية الهوة السحيقة التي انحدرت إليها بسبب الانحراف في الحكم عن المنهج الاسلامي وبسبب انغماس ولاة الحكم في المتعة وعدم تحريم للحق والعدل وسعادة الأمة. وقد اوصلهم ذلك الانحراف إلى أن تاخرت الأمة الاسلامية عن مركز قيادة البشرية إلى مرتبة التبعية في الوان من العسف والقهر والهوان، واليوم وقد انزاح عن الأمة الاسلامية في مختلف دولها وأوطانها كابوس الاستعمار ووضع عنها نير الاستعباد المقيت عسى أن تتركز منها الخطوات وتسير في السبيل القويم وعسى الشباب المسلم في الأمة التونسية الكريمة أن يكون في الرعيل الأول من الشباب المسلم الواعى اليقظ الذي يحرص على حفظ تراثه المجيد وبناء مستقبله المديد على أسس سليمة من حاضره السعيد.
كفاح الأباضية للانحراف
لا شك ان البلاد التونسية في العهد الإسلامي، قد تغيرت عليها أنظمة الحكم، بين عدد من الدول والإمارات، ولا شك انها كانت مقرا لعدد من الطوائف الاسلامية المختلفة المذاهب، من صفرية، ونكار، ومعتزلة وشيعة، واشعرية، وأباضية وغيرها, وانه لعسير على مؤرخ أن يصور حياة هذه الأمة المسلمة بكل طوائفها التي كانت تعيش على تراب هذه البلاد العزيزة باحثا لها من جميع الجهات، ناظرا إليها من محتلف الزوايا. (1/253)
صفحة 254
وأنا في هذا الكتاب وإنما اتحدث عن طائفة واحدة من تلك الطوائف الكثيرة التي عاشت في هذا الوطن، وليست في حديثى هذا مؤرخا أتقضى الحداث واتنطس الخبار، وأتتبع سير الفرق لاسجل ما يقع فيه حوادث، وارفق الملوك والجيوش أصف معاركها، وافصل انتصاراتها وانهزاماتها، وغنما كل ما أرسى إليه في هذا الكتاب ان اجعل القارئ الكريم، يعيش وسط الشعب، ويحيى بين افارد الأمة العاديين، الذين لا علاقة لهم بالحكم والحاكمين إلا حين بتفرجون على مواكبهم الفخمة وهى تسير في الشوارع تياهة مختالة، او حين تسوقهم الأقدار مرغمين في بعض الأحداث، وان أضع بين يديه، صورا لحياة طائفة من المؤمنين عاشوا في جزء من البلاد الاسلامية القسيحة، قرونا من الزمن، ولا يزالون يعيشون، يدينون الله دين الحق، ويحملون رسالة الله في ثبات وصبر، ويجاهدون في سبيل الله بقوة وعزيمة وجلد، مثل ما اتاحت للأباضية في البلاد التونسية.
وبما أن الأباضية قد تقلصوا تحت عوامل متعددة، من كثير من الجهات، التي كانوا يعمرونها، وانحصروا في جزيرة جربة، فإن في إمكاننا أن نجعل هذه الجزيرة او هذه الطائفة من الأباضية في هذه البقعة من البلاد التونسية العامرة، موضوعا لحديثنا ومثلا نوضح به الصور التى استجلاءها، لتستخرج منها العظة والعبرة، ولنرى ما تستطيع الأمة الاسلامية ان تقدمه للبشرية، إذ هى التجأت إلى الاسلام، واحتمت بدين الله. (1/254)
صفحة 255
أننا عندما نتحدث عن جزيرة جربة، هذه الجزيرة الصغيرة، التي كانت تلين عندما يهاجمها المسلمون حتى تصاب بافدح الأضرار، وتتصلب حين يهاجمها الإفرنج حجتى تصبح صخرة عاتية تتحطم عليها أقوى الأساطيل. فإنما نقدم للأمة الإسلامية في مختلف ديارها وبمختلف مذاهبها مثالا واقعيا يثبت لها تاريخها ان الأمة المسلمة عندما تحتفظ بالاسلام لا تقهر بالقوة المادية وحدها أبدا، وإن الأمة المسملة حينما تتخلى عن الاسلام لا يمكن ان تنتصر لا في ميدان المادة ولا في ميدان الروح.
وجربة هذه الجزيرة الصغيرة المنزوية في ركن خفى من خليج قابس ذات التاريخ المجيد لم تتوقف عن الكفاح في سبيل الله في يوم من الأيام، منذ دخلها الاسلام، واستنارت ربوعها بنور الله ورنت في بقاعها آيات الكتاب العزيز. وان كفاحها المجيد في هذا التاريخ الطويل يتواصل في عدة واجهات يمكن ان نعطى عنه صورا مختصرة فيما يلي:
1 - كفاح الأباضية لإقامة دين الله.
2 - كفاح الرذيلة في مختلف أشكالها والوانها.
3 - كفاح الجهل بدين الله.
4 - كفاح البدعة الزاحفة التي تتخذ الدين ذريعة لغايات خفية.
5 - كفاح السلطة الظالمة التي تتخذ الحكم وسيلة لظلم الناس وابتزاز أموالهم.
6 - كفاح التعصب المذهبي الذي يستغله الجمود تارة والسلطة تارة اخرى.
7 - كفاح الصليبية الحانقة، التي مافتئت تجارب الاسلام وتكيد له ولا تزال إلى اليوم وإلى ما شاء الله مهما اختلفت الاسماء والبلاد.
الكفاح لإقامة دين الله (1/255)
صفحة 256
لما جاء الفاتحون الأولون يدعون الاسلام، كانوا يحملون هذه الرسالة السماوية السامية، التي جاءت بنظام شامل للحيتة الانسانية، كما يريدها خالق الانسان. نظام يشمل علاقة الانسان بالله الذي خلقه، وعلاقة الانسان بالانسان فردا ومجتمعا. وعلاقة الإنسان بالكون وما اودع الخالق فيه من قوى، وأوضح اولئك الفاتحون للشعوب التي حملوا إليها الرسالة الاسلامية، الطريقة التي يجب ان تتعامل بها البشرية، وذلك بما في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين، وسيرة الصحافة رضوان الله عليهم جميعا وسيرة من تبعهم باحسان، وكان الفاتحون في زمن الخلافة الرشيدة حراصا على أن ينفذوا احكام الله كما جاءت في كتاب الله، وعرفوه في التطبيق الذي قام به من ولى الحكم من خيار هذه الأمة.
فتقبل الناس هذا الدين في شمال أفريقيا كما تقبلوه في البلدان الأخرى، وقامت لمحاربته قلوب مظلمة بالكفر، وأيد مغلولة بالوثنية، وعقول غرتها الحياة الدنيا ببهرج السلطة والنفوذ والتحكم، وضمائر لوثتها المطامع في الحياة فلم تعد تهتم للحق والخير والعدالة، كما وقع ذلك في جميع الربوع عندما تشرق عليها لأول مرة، انوار الاسلام، ولكنها لا تلبث القلوب المتعفنة والعقول الخاطئة ان ترجع إلى الحق وتستجب لدعوة الله حتى ترفرف عليها راية الاسلام. (1/256)
صفحة 257
وتغير حملة الرسالة بعد ذلك فذهب اولئك الذين اوصلوا الرسالة وليس لهم هم إلا ان ينتشر دين الله وتعلو كلمته، وجاء من بعدهم قوم يبنون الملك عضوض، ويؤطدون لدول متحكمة في مال الله وعباد الله، فاعتمت الصورة المشرقة التي جاء بها الاسلام، لما انحرف الحكام عن إقامة دين الله. فطالب الناس باتباع امر الله والمحافظة على ما جاء في كتاب الله، واتباع ما وردت به الحنيفة السمحة، ولكن الأيدي الحاكمة، التي كانت تمسك مقاليد الأمور كانت لا تستجيب لهذه الدعوة، ولا يرضيها الرجوع إلى حكم الاسلام العادل النظيف. لأنه طريق لا يصلون منه إلى غايلتهم من الترف والرفاهية وبلوغ الشهوات، والتحكم في مقدارت الأمة.
وتولد عن هذا الإنحراف في انظمة الحكم تطور في الكفاح ضد الانحراف.
لقد سبق أن أشرت إلى ان الأباضية كانوا منتشرين في اغلب البلاد التونسية، ولقد كانت لهم مواقف في الكفاح كما كانت لغيرهم من الطوائف والمذاهب مواقف.
ويجدر بي أن أقول هنا أن الكفاح ضد الإنحراف قد اتخذ طرقا عدة، ومظاهر مختلفة، منها مواقف ايجابية صارمة، ومنها مواقف سلبية لينة، وبينها مواقف كثيرة تختلف قوة وضعفا، ولينا وعنفا، وشدة وهوادة. والكفاح ضد الظلم او الكفاح السياسي سوف نتحدث عنه في فصل آت شاء الله. اما هذا الفصل فهو معقود للكفاح السلبي، الذي يقصد منه إقامة دين الله والمحافظة على احكامه بالنسبة للفرد والمجتمع دون اللجوء إلى العنف أو الثورة. (1/257)
صفحة 258
حرص الأباضية في مختلف أدوار التاريخ على ان يقيموا دين الله فيما بينهم فغن أتيح للأمة الإسلامية دولة ترعى حدود الله، وتقيم أحكامه، تعاونوا معها وأعانوها، اما إذا كانت الدولة القائمة جائزة غير سائرة على احكتم الله. حرصوا على أن يكونوا أقل الناس شغبا، واعطوها ما تطلب منهم من أموال او ضرائب مثل غيرهم من الناس وكفوا أيديهم عنها ولها، إلا بمقدرا الضرورة ثم رجعوا إلى مجتمعهم فاتبعوا النظام الذي سموه بنظام العزابة وهو يكفل لهم رعاية المساجد وإقامة الصلاة فيها، وتيسير السبل لها والمحافظة على دروس الوعظ والارشاد وتثقيف العامة تثقيفا دينيا ودراسة كتاب الله والعلوم الشرعية واللغوية والاشراف على تعليم الصبيان وتربيتهم تربية إسلامية نظيفة، والمحافظة على الأسواق ان تدخل إليها الأموال المحرمة او المسترابة، والتشديد على التجار ان تدخل بعض الصور الممنوعة، في معاملاتهم، وقد كان كبار العزابة يتفقدون بانفسهم الأسواق والمتاجر ويشرحون للناس صور الربا وانواع المعاملات التي لا تجوز شرعا، حتى كان الناس يتندرون بذلك فيقول بعضهم: ان اعلماء علموا التجار طرق الغش. لأنهم يشرحون لهم الصور الممنوعة التي قد يكونون غير عارفين بها، ولتشديد العلماء في مراقبة الأسواق وما يدخل إليها أصبح الناس يتحرزون كثيرا، ويترددون فيأن يشتروا شيئا من سكان البوادي الذين كانوا في ذلك الحين لا يتورعون عن اإغارة واقتناء الماشية من طريق النهب، ولا سيما اولئك الأعراب الذين وفدوا مع بنى هلال وبنى سليم وكانت ادمغتهم لا تزال مشحونة بما كان يعتز به عرب الجاهلية من الشجاعة والاقدام على الموت والاغارة على الاحياء المجاورة. (1/258)
صفحة 259
وكانت تثور بين العماء في هذا الصدد مناقشات حامية الوطيس وقد وقع نقاش من هذا النوع في يوم من الأيام فغلا أحدهم حتى قال أن جميع الأموال التي بأيدي الأعزاب ريبة لنها آلت إليهم عن طريق الغارة، والسلب، وحتى إذا لم يباشروا ذلك بايديهم فإنها لا محالة وصلت إليهم عن هذا الطريق، فقال له احد الحاضرين ان أصل الماشية منهم، فقد جاءوا بها عندما دخلوا إلى افريقية، وكان المسجد غاصا بالحاضرين، قسم الرجال غاص بالرجال، وقسم النساء غاص بالنساء فقالت امرأة من قسم النساء بل هى اموال اهلا البلاد اغتصبوها ثم هم يبيعونها.
ومفهوم بالبداهة أن النقاش كان يدور حول الإعراب من بنى هلال وبنى سليم الذين وردوا على افريقيا في فترة من التاريخ، وكل ما لديهم إنما هي سيوف يقتلون بها وخيول يحاربون عليها وايد ياخذون بها ما تصل غليه من اموال الناس.
إن المناقشة السابقة تدل أن التحرج من الأموال المسترابة أمر شائع في حياة جميع افارد الأسرة يتحرز منه الرجل وتتحرز منه المراة وحتى عندما يتردد الرجل ويميل إلى التساهل تقف المراة المؤمنة دون ذلك التساهل، لأنها اقتنعت بوجهة نظر معينة، والمراة عندما تقتنع لا يمكن ان تتراجع.
أن الأباضية عندما انحرفت الدول عن اقامة احكام الله، وأصبح الناس يتهارشون على مناصب الحكم، تخلى لهم الأباضية عن تلك المناصب، واقاموا لنفسهم نظاما يكفل لهم القيام بجميع أحكام الله ما عدا حكم الإمامة، ولقد حافظ الأباضية في تونس على هذا النظام إلى القرن العاشر ثم بدأوا يتحللون منه، اما الأباضية في الجزائر فلا يزالون يحافظون عليه إلى اليوم، ويستطيع الزائر الذي يزور مواطن الأباضية في الجزائر أن يجد صورة صحيحة للمجتمع الإسلامي في الحي الذي يقرا عنه السيرة، المجتمع الذي يسير بحكم الله مستفيدا بما بلغت إليه الحضارة والعلم، دون ان تؤثر عليه الحضارة بمفاسدها. (1/259)
صفحة 260
أما هؤلاء الأباضية الذين تحللوا من نظام العزابة في ليبيا وتونس فقد جرفتهم الحياة، كما جرفت غيرهم، في تيار الحضارة الفاسدة، وأصبحت إقامة دين الله عندهم كما عند غيرهم شكلية ظاهرية، وأثرت على شبابهم المتعلم كثير من الأفكار والنزعات المستوردة التي يقصد منها اما محاربة الاسلام في أسمى مبادئه، واما تبرير الخطاء التي وقعت فها بلاد الغرب، ولم تستطيع التخلص منها. على انه لا تزال في الشباب والشيوخ بقية تحمل روح التحفظ من الاثم، الاثم الفردى، او الجماعي، ذلك التحفظ الذي كان معروفا عن اسلافهم وان املنا في الله قوى في ان يراجع المسلمون انفسهم وأن يعودوا بها إلى دينهم وان يبنو احاضرهم على القواعد الراسخة من ماضيهم.
لقد انقرض الابتضية من البلاد التونسية ما عدا جربة فيما اعلم فلم يبق منهم احد في بلاد الجريد التي كانت عامرة بهم، ولم يبق منهم أحد في جبال دمر التي كانت معقلا من معاقلهم، ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى اتقراضهم هو تحللهم من نظام العزابة الذي لا يستطيع فيه الفرد ان يشذ عن الجماعة المسلمة بارتكاب المعصية، فيحكم عليه بالبراءة فلما تحلل اولئك الناس من نظام العزابة ادى بهم ذلك إلى عدم الإهتمام بالتعليم وادى بالأفراد إلى عدم التحرج من ارتكاب المعصية الهينة في نظرهم وغلب عليهم الجهل، ثم توالى عليهم العدوان من المجموع التي تحترف من الغارة والنهب والسلب وتتخذ الخلاف المذهبي أو الجنسي مبررا لأعمالها فكانت هذه العوامل مجتمعة سببا في أن يهاجر بعض السكان إلى جهات أخرى حيث يأمنون او ان يعتنقوا مذاهب الطوائف الغالبة. (1/260)
صفحة 261
وبقيت جربة محتفظة بمذهبها لنها بقيت محتفظة بنظاط العزابة إلى أواخر القرن العاشر، ثم بآدابه وآثاره فيما بعد وقد تحللت هى الأخرى من هذا النظام، وأصبحت الرابطة بينها رابطة ضعيفة، ولعل شبابها المتعلم الذي تخرج من معهد الزيتونه العامر أو من غيره من دور العلم في الشرق او الغرب يدرك انه لا حياة لأمة مسلمة إلا بالمحافظة على الإسلام، المحافظة الحقيقية من إقامة دين الله فيما يتعلق بالفرد، او المجتمع، وانه يجدر به أن يعود إلى الإسلام ليتحقق الروابط المتينة التي ربط الاسلام بها المة المسلمة في مجموعها والاسرة المسلمة في نطاقها فيتمسك به، فإن التحلل من رباط الاسلام والانحلال من اخلاقه وتبعاته هو كل ما يطلبه منا اعداؤنا وفيما اسلفت من تاريخ جربة امثلة أخرى لضعفة عندما يتحلل من الاسلام وتصبح قضية الدين عنده شكلية تشبه ان تكون عادة لا عقيدة.
لقد حافظ علماء الأباضية في البلاد التونسية وفي جربة بالذات على التمسك بدين الله فلم يسمحوا لأى فرد ان يتهاونه بواجباته الدينية عملا وتركا. ومن خالف نفذ فيه حكم البراءة فرجع إلى حظيرة الاسلام بالتوبة والاستغفار والتفكير ان كانت المسألة مما يتخلص منه بالتفكير اما الشؤون العامة في قضايا الأحوال الشخصية والمنازعات الفردية والمشاكل التي تثور بين الناس فقد كان يتولى النظر فيها مجلس العزابة ويتولى شيخ المجلس تنفيذ الحكم كما كان يتولى النظر في الجرائم والمخالفات وتجري الحكام حسبما ورد في دين الله، ولما انحل مجلس العزابة في العهد التركي لأسباب عديدة ليس هذا موضع ذكرها بقيت المجامع العلمية تتولى ما كان تتولاه مجالس العزابة ... وكان شيخ تلك المجامع يقوم بما تقوم شيخح العزابة غير أن هذه المجامع العلمية قد فقدت قوتها التي كانت لمجالس العزابة وتجرأ الناس على مخالفتها إذ ليس في يديها حكم البراءة ووجد اؤلئك المخالفون من يشجعهم ويحميهم من أصحاب السلطة والنفوذ. (1/261)
صفحة 262
ولعل الله سبحانه وتعالى يمن علينا فيلهمنا الرشد ويهدينا سواء السبيل.
كفاح الرذيلة
لقد ترددت كثيرا قبل ان أكتب كلمة الرذيلة في هذا العنوان، وناقشتها في ذهني طويلا، ولكنني مع ذلك أثبتها هنا، وجعلتها عنوانا لهذا الفصل، وانا أعلم انها تدل على معان خاصة في أذهان القارئين، أو على الأقل فإن الناس لا يستعملونها إلا على جوانب خاصة من الاثام. ومن سوء الأخلاق.
إذا قال قائل ان شرب الخمر رذيلة وان المذب رذيلة، وان الغش رذيلة، وإن الفجور رذيلة: قال سامعيه يوافقونه على ذلك ولايعتوضون، غير ان وقع كلمة الرذيلة على سمع مرتكب إحدى هذه الكبائر يكون أخفف من وقع كلمة المعصية، فهل تكون كلمة الرذيلة مرادفة لكلمة المعصية، تدل على جميع ما يخالف الاسلام من عمل وترك. ويبدو لى أن كلمة الرذيلة تدل على جميع ما تدل عليه كلمة المعصية، وقد تكون أكثر شمولا منها فتدل على الصغيرة التي لا تكون معصية إلا بالاصرار، وعلى المكروه أيضا. المكروه الذى لا يبلغ ان يكون حراما ولكن المداومة على اقترافه، تدل على انحراف في خلق المقترف، ورغبة منه في مخالفة الاسلام ولو في بسائط الأمور.
وبهذه الاعتبارات رأيت ان كلمة الرذيلة أصلح في الدلالة على معناها في هذا الباب. (1/262)
صفحة 263
ثم أن هنالك بعض المعاصي، يرتكبها أصحابها مستحلين لها وقد يوافقون على انها البتة على تسميتها بالمعاصي، والحكم عليها بالتحريم. وقد انتشرت انواع من المعاصي بين الناس، حتى أصبحت عادات سائرة يرتكبها الأفراد والجماعات، دون تحرج، لأن كثرة انتشارها وألف الناس لها خفف من شعور الأثم بارتكابها. فإذا ما قلت لأحدهم ان ما تفعله با فلان رذيلة يجب الابتعاد عنها. تجده موافقا على ان عمله ذلك رذيلة وقد يجيبك بانه سوف يحاول ترك تلك الرذيلة او يعتذر لك بأي عذر يخطر على باله، أما إذا وصفت عمله بأنه حرام ومعصية فإنه لن يوافقك على لذلك، او يصفك بانك جامد متخلف عن العصر. فتعاطي الدخان مثلا، وتزوير الشهادات الطبية للتخلص من العمل، او للخروج إلى البلاد الأجنبية برسم العلاج على نفقة الدولة والنفاق افجتماعي بالاطراء الكاذب للوصول إلى غرض خاص، أو غير ذلك من الأشياء التي تعود إلى سلوك الفرد الشخصي او سلوكه الجماعي بالنسبة للأمة والدولة. إذا وصفت مرتكب ذلك بانه قد ارتكب رذيلة قد يوافقك على التسمية ويبتسم لك ابتسامة صفراء، تدل إعجابه بدهائه وذكائه في نفسه. ولكنك إذا قلت ان تلك الأعمال حرام، ومعصية فغنه لن يرضى لك بذلك ولن يوافقك عليه، وذلك لأن امثال هذه الأشياء أصبح معتادا بين الناس وخف فيه الشعور بالاثم والاحساس بالمعصية. لأن متعاطي ذلك قد تجاوز في نفسه معنى مخالفة الحق إلى الاستحلال، واختفت من ذهنه احكام الشريعة في تحريم الدخان، كما اختفت من ذهنه نصوص تحريم غش الأمة او الدولة في النفاق الاجتماعي، كما اختفت من ذهنه معاني تحريم السرقة ومحاسبة النفس عن موارد المال وطريق كسبها كما اختفت من ذهنه نصوص الشريعة من تحريم الاخلال بالواجب في صور استصدار الشهادات للتخلى عن العمل.
أو لأخذ الأموال دون حق برسم العلاج لتصرف في السياحة ومعانيها خارج الوطن او داخله. (1/263)
صفحة 264
ضربت للقارئ الكريم هذه الأمثلة لبعض المحرمات التي شاع ارتكابها في عصرنا الحاضر حتى
اوضح له المعنى الذي أقصده بكلمة الرذيلة التي وضعتها في عنوان هذا الفصل، واحس ان ما ارمى إليه أصبح مفهوما. والرذائل التي حرص العلماء على محاربتها في عصور متقدمة ليست هي بطبيعة الحال نفس الرذائل الموجودة اليوم والتي يجب على العلماء محاربتها وغنما لكل عصر رذيلة أو بتعبير قد يكون ادق أن المجتمعات في كل عصر عندما تنحرف عن أحكام الشريعة قد يستهل أفراد منها نوعا ما من المعاصي او الرذائل حتى ينتشر وتصبح الأكثرية من الناس لا تتحرج منها ولا تشعر بالاثم في ارتكابها وتصير رذيلة يعترف الناس بها ولكنهم يستحلونها ولا يعترفون بأنها معصية ومحرم وتوجد في المجتمعات الإسلامية اليوم امثلة كثيرة لهذا النوع انتشرت في فترات طغيان الجهل وضعف بعض العلماء ثم أصبحت مما يعسر القضاء عليه. وفي أزمنة الانحلال الديني لا سيما بعد القرن العاشر حين أقصى العلماء الإعلام عن قيادة الأمة، وحدت السلطة الحاكمة من نفوذهم الروحي على اعمال الناس، وعملت على عزلهم عن المجتمع، بدأ الناس يتعودن المعاصي، ويتجراون على مقارفتها، ويبتعدون قليلا قليلا عن مكارم الأخلاق التي بعث سيد العلماء صلى الله عليه وسلم لا تمامها، حتى مردوا على بعض المعاصي، وزال من قلوبهم الشعور بالاثم في ارتكابها، واصبحوا يقترفونها على انها عادات سيئة لكن لاذنب فيها، فإذا جئت تنتقد احدهم على ارتكابه تلك المعصية على انها رذيلة وجدته ينتقد معك ويتحمس في النقد ويسهب في ذكر مضارها والمساوئ التي تنتج عن تعاطيها ولكن حين تاتيه من باب الدين وتذكر له ان ذلك منكر يجب الابتعاد عنه وان عمله ذلك معصية ومحرم بشرع الله حين يسمع منك هذا يزور ويلوى عنقه عنك، ويصفك بانك رجعى يغلب عليك الجمود. (1/264)
صفحة 265
ان الكفاح في الباب لا يخرج عن النهي عن المنكر والنهي المنكر يكون قاعدة اصيلة من قواعد المذهب الأباضي كما سبقت الاشارة إلى ذلك في الحلقات الأولى من هذا الكتاب، فما يجوز لمسلم يرى منكرا ثم يسكت عنه، وقد حرص الأباضية على تطبيق هذه القاعدة والقيام بها قياما دقيقا لا سيما عندما توجد لديهم مجالس العزابة. وتجاوز كفاحها في الحرم إلى كفاحها حتى في المكروه، وكانوا يعطون لأنفسهم حق الاشراف على الناس حتى يتعرفوا الخطأ والصواب فيه على اليقين فيأمرونهم بما يجب او يحسن، وينهونهم عما يحرم أو يكره.
ورغم ان الجنوب التونسي امثال فحص القيروان والحامة وبلاد الجريد وجزيرة جربة وجبال دمر ومطماطة وغراسن وما بين ذلك - كان يعج بالعلماء الاعلام، فإن الواحد من أولئك العلماء كان يتكبد مشاق السفر وينتقل بين تلك البلاد المتباعدة ويرتحل إلى الأحياء الضاربة في الصحراء، فيقيم مع كل حى أياما ليعرف سيرتهم عن كثب، ويرى مقدار محافظتهم على دين الله ومدى فهمهم له وللعمل به، وما ينتقل ذلك الشيخ إلى حى آخر حتى يعقبه شيخ آخر من بلد آخر، يقوم بنفس المهمة، ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، أو بالعبارة التي اخترناها يقوم بمحاربة الرذيلة التي لا تجد في مثل هذا المجتمع مكانا وقد حفظت لنا كتب التاريخ من هذا الكفاح المجيد احاديث تملأ المجلدات. (1/265)
صفحة 266
وقد يزور احدهم بلدا فيجد الناس قد خالفوا السيرة في أمر لا يبلغ ان يكون محرما وخوفا من أن يتعود الناس التساهل في آداب الإسلام وسيرة العدول من المسلمين، ويتجرأ الناس على ارتكاب الصغيرة ثم يصرون عليها، يامرهم بملازمة السيرة وينهاهم عن الخروج عن آداب الاسلام الظاهرة في سيبرة المسلمين، ويمتنع عن الدخول إلى بلدهم والأكل من طعامهم، حتى يقلعوا عن ذلك ويعودوا إلى ما رضية الاسلام والمسلمون الصاقون وبسبب ذلك الكفاح المجيد حافظ الأباضية على أخلاق الإسلام حتى تسلط الحاكمون على العلماء، وكموا أفواههم، وقيدوا يديهم وحالوا بينهم وبين الدعوة إلى دين الله، فانطلق العامة دون هداية يرتكبون ما شاء لهم الهوى.
إن كفاح الرذيلة بمعناها الواسع، ظاهرة واضحة في تاريخ الأباضية، فمع الحرص على صيانة المجتمع الأباضي من انتشار المعصية بين أفراده بسبب تطبيق نظام العزابة الذي تحدثنا عنه باسهاب في حلقات ماضية. حرص العلماء على محاربة ما أطلقت عليه اسم رذيلة حتى مما لايبلغ ان يكون معصية. وحتى بعد أن انفرط عقد نظام العزابة فى الجنوب التونسي وليبيا كان العلماء - كأفراد - حريصين على القيام بهذه المهمة ويرون ان القيام بها واجب شخصي عليهم، حتى تغلبت عليهم السلطة الحاكمة في العصر التركي الأخير، وكمت أفراههم وربطت أيديهم كما قلت سابقا، على ان أثر ذلك الكفاح لا يزال باقيا، فلا زلت تجد البعد عن الشيهات، والعفة عن أموال الناس، والحرص على أداء الواجب، والأمانة والاخلاص فيه، من الخلال التي يتحلى بها الناس في جربة مثلا ولا أرغم ان هذه الخلال تتناقص يوما عن يوم بسبب التيار الجارف في هذا العصر فالأمل في اولئك الخوان ان يحافظون على ما بقى لهم من مستوى اخلاقي رفيع حتى يرجع إليهم الشارد ويفهم المخطئ أسباب أخطائه ونتائجها. (1/266)
صفحة 267
من الرذائل التي حاربها الاسلام رذيلة البطالة ورذيلة التسول ورذيلة الاعتماد على الغير في مرافق الحياة وقد حرم الاسلام ذلك مع القدرة فما يجوز لمسلم يحرص على كرامة الاسلام فيه أن يعيش متبطلا يتحرف التسول ويعتمد على ما يحسن به الناس إليه اللهم إلا في حالات الضرورة التي تبيح المخطورات وإلا فالمسلم لا يمد يدية للسوال وتلقى عطايا الناس. وكشاهد على كفاح الأباضية لهذه الرذائل أسواق إليك ما يقوله المؤرخ الكبير الأستاذ حسن حسنى عبدالوهاب في مقدمته لكتاب مؤنس الأحبة: يقول الأستاذ حسن: ((وهم - أى اهل جربة - معروفون بنشاطهم في معترك الحياة، وبأقدامهم على مشاق واتعاب الغربة، في سبيل التكسب والكد المتتابع، واقتحامهم الصعاب للحصول على كفاف من المال، لا بنية التمتع به في أماكن قرارهم البعيد. بل أمل كل واحد منهم العودة بذلك المكتسب الغالي إلى وطنهم الصغير، وانفاقه في إقامة منزل مناسب يحيط به جنان ذو ثمار من نخيل وزيتون وكرم وتفاح، يكون العون المساعد لصاحبه عندما يدرك من العمر ما يمنعه من التمادي على نشاطه والاستمرار على العمل والاكتساب. (1/267)
صفحة 268
هكذا عرفنا سكان جربة وعرفهم من قبلنا آباؤونا واجدادنا واسلافنا، وكذا وصفهم كل من سكن هذا القطر أو زار الجزيرة في القديم او الحديث. وهى لعمري صفات جد وعمل دائبين يحبذهما كل من يقدر قيمة العمل ويراه الوسيلة النافعة لاشادة البلاد في وبناء عمرانها، وتحرير قاطنيها من ربقة الحاجة ولقد حدا بهم هذا السلوك إلى أن صيرهم في غنى عن السعى إلى الوظيفة وعن التلطع إلى الاستخدام في مصالح الحكومة، وهى غاية لا تدركها الشعوب إلا بالممارسة الطويلة للعمل والصبر على مضاضة العيش، وعدم الاستنكاف من المهن مهما كانت قاسية، وبالتالي هي نتيجة للتجربة والتجلد.)) ويقول الاستاذ حسن حسنى بعد كلام: ((وليس منا من لايعرف أفرادا من أهل جربة، ابتدأوا حياتهم بالشغل البسيط المتواضع في ميدان الاقتصاد، وتكبدوا مرارة الأتعاب، ومضاضة العيش، واقبلوا على المهن المرهقة حتى أصبحوا بعد حين من الدهر من أهل الثراء. (1/268)
صفحة 269
فهذا نتيجة ذلك، ثم أنا لم نكن نسمع ان من بين اهل جربة من يمد يده للسؤال ولا من يعيش عالة على غيره، بل أن افقرهم سواء أكان في وطنه أو خارجه، يكدح ليله نهاره لكسب قوته بيمينه، ولا يرضى ان يمتهنه التسول، وما من عمارة جديدة انشئت في حضرة تونس أو خارجها وقبل انتهاء بنائها، إلا ويسبق إليها جربى فستأجر بها دكانا لتجارتهن أو محلا لبقالة او غيرها، وليس هذا من الغريب، بعد أن رأيت الفكرة التي يشب عليها وليد جربة من صغره، وقد يرشده سابقوه من أبناء جلدته إلى انجع طريق يسلكها حسب استعداده وتأهله، ويمدونه بالمعونة الملطوبة ماديا وادبيا، فكان من أسباب هذا الانتهاج ان دبت في أفرادهم الأمانة، وسرى في عروقهم حب الكد والصبر عليه، كما كان من نتائجه الملموسة أن أقبل كبيرهم وصغيرهم على العمل، واجتهد في المثابرة على التكسب، وترك الوناء والكسل، وبفضل هذا كله ظلت جزيرتهم - على فقر ترتبها - من أطيب المناخات، وابهى البلاد في المنازل التونسية.
ثم انظر يا رعاك الله إلى ناحية اخرى من نشاط اهل جربة في جزيرتهم، فإنى لا أحسبك تجد فيهم من هو عاطل عن العمل ولا من يستلقى لأضواء الشمس لا يبدى حراكا، فكلهم - صغار وكبار - مقبل على شغله اليومي منقطع لحرفته.))
وبعد كلام يقول الاستاذ حسن حسنى:
((فهذه التربية على العملوهذا الانكباب المصحوب بالجد والمثابرة ربما لا يشاهد مثله على تلك الصفة في المقاطعات التونسية الأخرى.)) انتهى كلام الأستاذ حسن حسن عبدالوهاب. (1/269)
صفحة 270
هذه الأخلاق التي اعجب بها المؤرخ التونسي الكبير، في اهل جربة إنما تكونت عندهم بسبب كفاح علماء الأباضية لعدة رذائل تجري في نسق واحد وهى رذيلة البطالة، ورذيلة الإعتماد على الغير في وسائل العيش، ورذيلة محاولة التكسب من ايسر طريق ورذيلة الرغبة في الحصول على المال دون أى حساب لشخصيته وكرامته، ورذيلة الكسب الحرام أو المشبوه، وقد طهر المجمتع الباضي من هذه الرذائل، وتكونت فيه الصفات المضادة لها فتجد فيهم النشاط والعمل والاعتماد على النفس والحرص على الاكتساب من الطرق الحلال والأمانة في المعاملة. وما إلى ذلك.
لقد استطاع العزابة أولا والعلماء الذين ساروا بسيرتهم من بعد ان يكبحوا جماع الناس، وان يجنبوهم ارتكاب الرذيلة في مختلف صورها وأشكالها، وما بلغ منها درجة التحريم، وما كان دون ذلك، والباحث الذي يدرس المجتمعات، يجد آثار واضحة لكفاح العلماء في الجانب ولعل القاري الكريم يرى امثلة في الصور الاتية التي أحاول أن أضعها بين يديه في إيجاز وإختصار.
1 - كان العلماء من الأباضية يحرصون أن لا تدخل أسواقهم، البضائع المسترابه، والأموال المغصوبة، خوفا من أن تستمرئ بطون الناس أكل الحرام، فتلذ لهم المتعة، وتغلب عليهم الشهوة، وتهون عليهم المعصية وةلذلك فقد كان العزابة والعلماء هم الذين يشرفون على هذا الجانب من حياة المجتمع ويحاولن ان يحافظوا على طهارته ونظافته.
2 - عندما تقع بينهم وبين أى فرقة من المسلمين حرب وينتصرون فانهم يمسكون أيدهم عن الغنيمة والسلب والانتقام والتتبع. والتاريخ يثبت ان جميع الحروب التي اشترك فيها الأباضية في تونس إنما كان فيها الهجوم من غيرهم وغنما كانت منهم دفاعا عن النفس او عن المال او عن الوطن. (1/270)
صفحة 271
3 - لم يحفظ التاريخ ان أحدا من الأباضية في تونس حاول ان يشن غارات على أحد، او حاول ان يتكسب بطريق الغزو والغنيمة وغذا وقع عليهم هجوم من غيرهم ردوا عدوان المعتدين، دون ان يتعرضوا لما حرم الله من دم او مال او عرض هذا ما يجده من تتبع سيرتهم في مصادر التاريخ اللهم إلا إذا لم يفرق بين الباضية وغيرهم من الفرق كالصفرية والنكار والمعتزلة وما شاء الله.
4 - كان العلماء الاعلام مثل الإمام فيلسوف إسماعيل الجيطالي، يتولون بأنفسهم امور الحسبة فيتجولون في المتاجر والأسواق يعلمون الناس الطرق الصحيحة للبيع والشراء ويبينون لهم الطرق المؤدية إلى الربا او إلى صورة من صور التعامل التي يمنعها الشرع.
5 - كان العزابة والعلماء يهتمون بالسلوك الفردي للأشخاص كما يهتمون بالسلوك الجماعي فتراهم يعلنون حكم البراءة في قوة وعناية على من تسول له نفسه ان يخالف سيرة المسلمين او تغلبه نفسه فيميل مع الشيطان، وترى العلماء يسارعون إلى النهى عن كل بادرة تشعر بان المجتمع قد ينحرف عن سواء السبيل. فهم لا يقرون الفرد على ارتكاب الرذيلة لأنهم يحكمون عليه بالبراءة فيضطر إلى الرجوع إلى الطريق القويم ولا يسكتون عما ينشا في المجتمع مما لم ينبع من سيرة المسلمين الصادقين.
وبهذا الموقف حافظوا على سيرة كاملة للمجتمع الأباضي الذي يعتبر مجتمعا اسلاميا نظيفا حريصا على الشريعة الإسلامية في الكليات وفي الجزئيات. (1/271)
صفحة 272
6 - يحرص العزابة والعلماء ان يكلفوا كل فرد داخل تحت نظامهم بالعمل والكفاح في سبيل العيش الحلال ويحاولون أن يجدوا لكل شخص عملا يتناسب مع استعداده الفطري وكفاءته الشخصية ولا يسمحون للمسلم الأباضي أن يحترف التسول إلا في الحالات الضرورية جدا تقدر دفع غائلة الجوع ريثما يجد الشخص العمل الذي يدر عليه كسبا يكفيه او تهيأ له حياة كريمة تحفظ ماء وجهه وكرانة شخصيته عن الابتذال والامتهان، وهم يجمعون بين النصوص الواردة في الحث على مساعدة الفقراء وعلى الإكثار من الصدقة وعلى معاملة السائل باللطف والرحمة وبين النصوص التي تحرم التسول، وتمنع الصدقة عن القوى الذي يستطيع ان يحترف بانه يحرم على المسلم ان يتخذ التسول مهنة يحترف منها، وعلى المسلمين ان يمنعوه من ذلك اولا بالنهي عن ارتكاب هذه الرذيلة واقناعه بان هذا لا يتفق وعزة المسلم وثانيا باتاحة فرصة العمل او الحياة إذا لم تتح له بتوجيه التوجيه السليم في هذا الطريق. وقد نجح علماء الأباضية في هذا الباب نجاحا منقطع النظير وفي الحين الذي ترى فيه افواجا من المتسولين في بعض الجهات وهم أقوياء الأجسام، ذووا استعداد للعمل غير انهم يفضلون ان يكسبوا المال بمد الأيدي وترد يد اللسان لبعض الدعوات، فغنك في المجتمع الأباضي لا تجد متسولا واحدا يتككف الناس اعطوه او منعوه اللهم غلا إذا دخل إليهم من جهة اخرى، ولا تزال هذه الظاهرة واضحة إلى اليوم.
هذه صور مقتضبة أضعها بين يدي القارئ الكريم في إيجاز، ويستطيع ان يجد كثيرا من هذه الصور إذا هو تتبع التاريخ او اتيح له أن يعيش بين الأباضية في مواطنهم التي لم يتغلب عليهم فيها الإنحلال العصري. (1/272)
صفحة 273
على ان هذه الصور الكريمة التي يعتز بها أى مسلم، والتي حسب الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب بعضها مزايا ومراحل، لاتصل إليها الشعوب غلا بعد عناء وجهد، هذه المكارم التي حرص اسلافنا على الاتصاف بها، بدانا نحن نتخلى عنها. وانه لمما يجر في نفسى وانا استعرض ذلك التاريخ المجيد أن الأباضية في تونس وفي ليبيا قد بدأوا يخالفون سيرة أسلافهم الأمجاد، واصبحوا يرتكبون بعض تلك الرذائل التي حاربها علماؤهم الإعلام بدون توقف ولا هوادة. فأصبحت ترى فيهم من يتلف على الحصول على الوظيف، ومن يهمه أن يجمع المال، غير ناظر إلى وسائل ذلك الجميع بل قد ترى من يرتكب بعض تلك المؤبقات التي حرص ابوه على محاربتها بحكم الاسلام، فتراه يحمل علبة السجائر او علبة السهعوط او غيرها مما حرمه الاسلام للاستعمال أو للتجارة.
والحقيقة المرة ان الشعب - أي شعب - إذا ابتلى بازدراء المقومات التي حفظت عليه شخصيته وكرامته، وأصبح يتحلل عن مزاياه الدينية والخلقية، ويقلد الأخرين في رذائلهم فإنه سوف ينحدر إلى هوة بعيدة القرار. (1/273)
صفحة 274
أنني حين أسوق هذا الكلام وانا اتحدث عن جربة او عن الأباضية في تونس، لا أقصد به جربة فقط ولا أهل جبل نفوسة فقط ولا المجتمع الأباضي فحسب، وإنما أقصد به الأمة المسلمة جمعاء بما فيها من طوائف ومذاهب. فإن هذه الأمة الكريمة، ما أصيبت بما أصيبت به، إلا حين تخلت عن مقوماتها كامة تحمل رسالة إلى البشرية. وتسابق أفرادها إلى المناصب في الدولة، وإلى الوظائف في الحكومة، يشغلونها ليبتزوا اكثر ما يمكن من مال، بأقل ما يمكن من جهد، وليشبعوا في أنفسهم شهوة السيطرة والتحكم والاستبداد ثم تخالفوا على ذلك وتطاحنوا عليه، وتعادوا من احله، ثم استمرأوا البطالة وساغ في حلوقهم المال الحرام في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والكسب، ولم يقف بهم الشيطان في هذا الحد، فتنازلوا عن خصائصهم كامة قائدة هادية. وانحطوا إلى ان يكونوا امة هزيلة ضعيفة تقلد الغير وتقتبس منه وتتبعه في الخطاء والرذائل. واعرضوا عن ذلك المنهج الذي كون من شتى الأمم والأجناس خير أمة اخرجت للناس واعظم دولة سارت بالبشرية في الطريق القويم وأصبحوا يستوردون مناهج للتجربة من أمم ضالة عمياء.
أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم ... قد ضل من كانت العميان تهدية
متناسين المنهج الآلهى الذي سار به أسلافهم وقادوا به البشرية إلى الخير والحب والسلام.
ومن المؤسف ان العالم الاسلامي العظيم إنقسم إلى أمم صغيرة يجثم على صدر كل امة منها اراجوز يطلق على نفسه اعظم الاسماء وأضخم الألقاب ومن حوله طائفة من الاتباع وهم جميعا لا يزيدون عن ان يكونوا اراجيز خشبية وضعت للعب، او أبواقا تنتفخ للدعاية، او قططا مقلمة الأظفار تنتفخ وتنتفش ولقد صدق الشاعر القديم حين يقول:
مما يزهدنى في أرض اندلس ... أسماء معتمد فيها ومعتضد
القاب مملكة في غير سلطنة ... كالهر يحكى انتفاخا صولة الأسد
وقد ساء الوضع على ما عرفه الشاعر القديم ولا يزال يسوء. (1/274)
صفحة 275
ومن المؤسف ان كل صاحب لقب من هذه الألقاب ينتفخ وينتفش ويتنمر على أخيه، فغاذ لاح له الأجنبي أصبح أذل من وتد، وفى الحين الذي تجد فيه أصحاب هذه الألقاب، الذين يضفون على انفسهم اكرم النعوت ويتسربلون ثياب القيادة والزعامة، والدعوى العريضة على انهم حراص على مصلحة الأمة، تجدهم يتحرشون بأخوانهم في الدين، ويستأسدون عليهم. وينكلون بالعلماء الذين يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وينتقدون ما فى حكمهم من فساد وانحراف. وهم مع هذا المظهر المتجبر مع الأخوة لا يستنكفون ان يتذللوا لأعدائهم في الدين او الوطن، ويتملقون من يضع يوما سلاحه في حرب الاسلام والمسلمين، وليت ملقهم هذا كان مقصورا على قوى يخشون سطوته، او غنى يطمعون في ثروته ولكنهم لا يزالون يتملقون من هو دونهم ارضاء لمن هو اكبر منهم، ومما يؤذي سمع المسلم ان تجد أولئك الرؤساء أو الزعماء يضفون النعوت الكاذبة على مكاريوس صاحب قبرص ويستقبلونه استقبال الصديق العزيز وهو الرجل الذي لا تزال يداه ملوثتين بدماء المسلمين من الترك ولا يزال يحمل سيف الصليبيين الحانقة على المسلمين ويؤلب من يستطيع من الدول الغربية كاليونان على اعنات المسلمين في جزيرة قبرص واستذلالهم واخراجهم من وطنهم ويحارب بكل ما يملك من حيلة القساوة ودهائهم الروح الإسلامية الباقية في الشعب القبرصي وفي الشعب التركي.
وتجد أمثال هذه المواقف مع زعماء الهند الذين استعمروا كشمير وقضوا على ما يزيد على عشرة ملايين من المسلمين، وشردوا منهم ألافا من الناس لا يزالون بدون وطن أو مآوى. (1/275)
صفحة 276
وتجد مثل هذه الأواصر المتينة تربط مع هيلاسلاسى أو غيره من زعماء أفريقيا الذي لا يزالون إلى اليوم والى ما شاء الله يحاربون الإسلام ويعذبون المسلمين، بل أن أولئك الرؤساء أو الزعماء لم يستطيعوا ان ينبسوا ببنت شفة يوم قام الوثنيون في زنجبار فقضوا على دولة عربية مسلمة مرت عليها هنالك قرون وهى تسير بنور الله. لم ينبس أولئك الزعماء او الرؤساء ببنت شفة فى ذلك الحادث الأليم حياء أو خوفا من أنصار الصليبية والوثنية في أفريقيا.
ولعل أشد ضررا من هذا ان تجد قوما ينتسبون إلى العلم بدين الله ويزعمون انهم يحرصون عليه - لا يخجلهم في أنفسهم، ولا فيما بينهم وبين الناس، ولا يخشون الله ان يبرروا باطل اولئك الرؤساء والزعماء، وان يحللواا لهم تلك الجرائم التي يرتكبونها باسم من الاسماء وان يباركوا العلاقات الأثمة التي تربط بين أمة مسلمة وامة مشركة لم تزل تضطهد المسلمين في ديارها وتحاربهم في غيرهابما ملكت من حيلة ومكر ودهاء متجاهلين القرانين السماوية التي جاء بها الاسلام ليبين للمسلمين طرق التعامل مع غيرهم من أمم الشرك والوثنية في حدود قوله تعالي: ((يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق.))
((إنما ينهاكم الله عن الدين قاتلوكم في الدين، واخرجوكم من دياركم، وظاهروا على أخراجكم ان تولوهم. ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)). (1/276)
صفحة 277
ومما يحرز في النفس أن دولا تجعل قضية فلسطين والقومية العربية كمصحف عثمان وأصابع نائلة تملأ الدنيا ضجيجا وصراخا ويرتفع صوتها عاليا على ما يقع في جنوب أفريقيا من ظلم بين البيض والسود هذه الدول التي تملك الأبواق ذات الأصداء الرنانة لم يحرك مشاعرها الاسلامية أو الانسانية أن يقضى في ليلة على دولة مسلمة في زنجبار وتشرد الملايين من المسلمين من كشمير ويعذب الآلاف منهم في أفريقيا السوداء وفي نفس الوقت الذي كانت فيه أصابع الدولة الهندية ملوثة بدماء الجريمة في كشمير وأصابع ملك الحبشة المتعصب تقطر من دماء المسلمين في الحبشة فيفتح اولئك الرؤساء اوطانهم وصدورهم واذاعاتهم وجرائدهم لأولئك الذين حادوا الله ورسوله، وقاتلوا المؤمنين في دين الله وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على اخراجهم وودوا لو يكفرون. أرنى خرجت عن الموضوع واجتذبنى التاريخ الحديث عن التاريخ فمعذرة إلى القارئ الكريم فيما اضعت له من وقت في أشياء يعرفها ويتصورها خيرا مما أعرفها انا واتصورها.
ان كل ما اريد ان احدث به أخواني هو أنني ادعوهم إلى أن يحتفظوا بما عرف عن اسلافهم من كفاح للرذيلة في شتى صورها وألوانها فإذا احتفظ الشاب المسلم، بكرامة المسلم، فلم يسلم نفسه للشهوة، ولم تتغلب عليه الدعة، ولم يتملكه حب الكسب من أى طريق، ولم تغلب عليه رغبة التسلط والقهر والتحكم في الغير، وإنما حافظ على طهارة نفسه في سلوكه وفي ماله وفي مرافق حياته جميعا، ثم رجع إلى الحقيقة التي خلق من أجلها، وهى انه صاحب رسالة مسؤول أمام ربه، وامام نفسه، وامام البشرية على حمل تلك الرسالة ... (1/277)
صفحة 278
إذا رجع الشاب المسلم إلى هذه الحقيقة، وعمل بها، فإنه سوف يجد نفسه في المقدمة أمام قافلة البشرية يقودها بحكمة، ويهديها السبيل القويم على معرفة، أما إذا أراد أن يسير في ذلك الطريق الذي سلكه غيره فإنه لت يصل ... لن يصل إلى المجد الدنيوى لأن أمما أخرى سبقته بمراحل طويلة يستحيل عليه ان يطويها قبل نهاية السباق، ولن يصل إلى المجد الأخروى الذي كلفه الخالق الأعظم بتحقيقه، لأنه ضل سبيله وحاد عن الاتجاه السليم.
كفاح الجهل بدين الله
إن الجهل بدين الله هو أكبر أعداء الإنسانية واخطرها وكان علماء الاسلام يعتبرون هذا الميدان اول ميادين الجهاد واهمها، وكانت عنايتهم مصروفة إليه قبل أى شئ، ولقد كانوا يقومون بالكفاح في هذا الميدان كما يقوم أى حريص على إداء واجبه دون ان ينتظر أجرا أو شكرا أو امرا من أحد. إنه الواجب الشخصي لكل عالم، ولذلك فهم يرون أنهم مسؤولون امام انفسهم بالدرجة الأولى عن التعليم، مكلفون به، فإذا كانوا يعيشون في بلد مسلم فمهمتهم أن يبصروا الناس بدين الله أو أن يعلموهم أوامر ربهم ونواهيه، وان يفتحوا لهم آفاق المعرفة والاستنارة في الحياة، وإذا انطلقت الجيوش الاسلامية إلى إفتتاح بلاد الكفر لإبلاغ الدعوة، انطلق العلماء ضمن الجنود الذين يحملون راية الاسلام. وما ينتهى القتال ويدخل الفاتحون بلاد الكفر حتى يضع العلماء سيوفهم ثم ينطلقون إلى أداء واجبهم الشخصي، واجب التعليم، وقد أدى علماء المسلمين هذا الدور الرائع أبان الفتح بكل حرص وامانة، ولعل فضلهم في نشر الاسلام وادخال عقائده إلى القلوب المغلقة المملوءة بالخرافة والوثنية كان أكبر من فضل المحاربين الذين فتحوا البلاد، فإن هؤلاء ما زادوا أن دكوا حصونا من حجارة، وفتحوا أبوابا من خشب، أم العلماء فقد دكوا حصون الكفر والوثنية والجهل، وفتحوا قلوب الناس وبصائرهم لترى نور الله. (1/278)
صفحة 279
وإذا رجعنا إلى الحديث عن علماء الأباضية في البلاد التونسية تجدهم من أكثر علماء الأمة كفاحا في هذا الميدان وحرصا عليه، وإذا كان بعض علماء الأمة في البلاد الأخرى تسندهم دول، وتقدم لهم المساعدات المادية أو المعنوية، فإن علماء الأباضية، كانوا يحاربون الجهل بما لديهم من وسائل دون أن يعتمدوا في ذلك على ذى سلطان. وكانت بلادهم من أكثر البلاد الاسلامية مدارس، وكانت نسبة المتعلمين أعلى نسبة، وكانت الأقسام الداخلية تاوى كل من لا تتيسر له الدراسة على نفقته، وكل ذلك إنما يقوم العلماء أنفسهم، فهو يتولون التعليم، وهم يتولون إنشاء المدارس، وهم يتولون جمع الطلبة وجلبهم للدراسة، وهم يتولون الإنفاق عليها فإذا كانت مورادهم الاقتصادية لا تتسع لذلك، استعانوا بغيرهم، فكان الواحد منهم يبذل وقته وجهده وماله، ليوفر للطلبة وسائل الراحة والإقبال على التعليم، وقد يتفق مع أصحاب المال أن يقوموا بالجانب المادي فيتولون الإنفاق على مشاريعه التعليمية ليواصل هو كفاحه في سبيل نشر العلم وبث المعرفة، ولعل هذه الظاهرة كانت أظهر في جربة منها في غيرها من بلدان الأباضية في المملكة التونسية وقد اتضحت أكثر في القرون المتأخرة عندما انحل رباط العزابة الذلين كانوا يشرفون على التعليم وأصبحت قضية التعليم احدى الواجبات الهامة التي صارت منوطة بالعلماء مباشرة وأصبحوا يحسون بوجوبها احساسا بليغا فكانوا يضمون إلى جهودهم العلمية جهود أصحاب المال المادية ليقوموا بهذه الرسالة المقدسة على احسن ما يمكن. (1/279)
صفحة 280
وفي القرن الحادي عشر وما بعده أصبح العلماء أفرادا ومجموعات أكثر اهتماما بالموضوع وكانوا يدأبون على اراحة الطلبة من الجانب المادي، فكانوا ييسرون لهم وسائل الحياة الكريمة في مدارسهم الداخلية بما بتخذونه من التراتيب مع أصحاب المال، فإذا ضاقت المدرسة عن بعض الطلاب او كان احد الطلاب يدرسون في جهة اخرى لا تتوافر فيها وسائل السكنى والاستقرار الجماعي للطلبة، فسرعان ما يتصل العلماء بغنى من الأغنياء ليتكفل بالإنفاق على الطالب الفقير، ويستجيب الغنى ويسحب ذلك نفقته في سبيل الله. وما أكثر ما كنت ترى طلابا يتفرغون لطلب العلم ويسكنون في الخلايا التابعة لمسجد من المساجد ويأتيهم في كل اعتاد أغنياء جربة، هذه العادة وأصبحت فكرة الانفاق على طلاب العلم - لا سيما الطلاب الذين ياتون إليهم من بعيد - من احب انواع البر إلى انفسهم، حتى كادت تكون عادة دائمة، واستمرت هذه العادة إلى الزمن الأخير، وانتقل حب الانفاق على طلاب العلم مع اغنياء جربة حتى خارج الجزيرة، فكان التجار في تونس ينفقون على الطلاب الذين يدرسون في المعهد الزيتوني العامر او غيره من المعاهد، وليس من النادر ان يؤم طالب علم مدينة تونس من جزيرة جربة او من جبل نفوسة ليدرس العلم فسمع به أحد التجار هنالك فيدعوه إليه ويتولى الانفاق عليه حتى يتم دراسته. (1/280)
صفحة 281
هذا جانب من جوانب الكفاح في سبيل العلم اما الجانب الثاني فيتضح مما يأتي: يشرف احدهم على مدرسة يتولى تنظيمها وادارتها والتدريس بها، يساعده في ذلك بعض العلماء وكبار الطلاب، ولكن قبائل او أحياء اخرى قد تكون بعيدة بعض الشئ عن هذه المدرسة، فيتقاعس أبناؤها عن الحضور، ويتخلفون عن الدراسة، فيهتم صاحب المدرسة لذلك وينظم اوقاته وأوقات مدرسته بحيث يستطيع ان يزور هو أو احد مساعديه تلك القبائل أو الأحياء البعيدة، زيارات منتظمة في الأسبوع او اليوم يلقى فيها دروس العلم للطلاب ودروس الوعظ والإرشاد للعامة في المساجد، ويقوم في نفس الوقت بملاحظة سيرة الناس ومدى اتباعهم لأحكام الدين ومحافظتهم عليه ليقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن وجد داعيا إلى ذلك.
وعلى هذه الوتيرة كان يعيش اعلماء، ورب حى او ناحية ليس بها مدرسة او ليس بها مشائخ علم في الفترة من فترات التاريخ، يتعاقب عليها عدد من المشائخ من جهات مختلفة يلقون فيها دروس العلم ودروس الوعظ والارشاد مرات في اليوم، ويرتب جدولها الأسبوعي بحيث يخصص لكل شيخ وقت محدد يدرس فيه مواد معينة. (1/281)
صفحة 282
أنهم كانوا لا يتركون الجلهل يستبد بالناس. ومعركتهم مع الجهل هى المعركة الحقيقية الطويلة التي يرون انهم مطالبون بين يدى الله بالكفاح فيها. ولقد يسمكع احدهم بان بلدا من البلدان او قبيلة من القبائل. حتى تلك القبائل البدوية الضاربة في الصحراء خلت من العماء او المتعلمين فيشد إليها رحالة تاركا وطنه وماله - واحيانا - اهله ويستقر في البد الجديد او الحي البعيد يعلم أبناء المسلمين ويحمل الناس على الاستمساك بدين الله والعمل بما جاء فيه. حتى إذا اطمأن إلى انهم قد سلكوا الطريق القويم، ورأي ان المدرسة بدات تؤتي نتائجها وأصبحت تسير بدونه اتجه حينئذ إلى وطنه ورجع إلى بلده ليستقر هنالك ولكنه يبقى على استعداد دائما لمواصلة الكفاح فلو علم أن مكانا آخر يحتاج إلى جهوده فغنه سرعان ما يشعر للرحيل. (1/282)
صفحة 283
لقد اهتم اولئك العلماء بالأمة اهتماما عظيما من جانبين جانب التعليم والتعليم وجانب السيرة والسلوك والمحافظة على دين الله، فكانوا لا يكتفون بالسؤال، ولا بما يبلغهم عن أخوانهم من طريق السماع، وغنما كانوا يفضلون المشاهدة ويعتمدون عليها، ولذلك فهم لا ينفكون عن زيارات جميع النواحي والاطلاع على احوالها، ومعرفة شؤونها عن كثب فكان العالم من القيروان مثلا، يزور جميع بلدان الجنوب حتى يصل إلى وادي اريغ وقد يستمر إلى وارجلان به او بادية بنى مصعب. وقد يسير مشرقا حتى يصل إلى جبل نفوسة وهو في جميع ذلك ينتقل بين بلد وبلد وقرية وقرية وحى وحى، زائرا ومتفقدا ومعلما، ومتعلما, وكلما حل مكانا نظر فإذا وجد أهله يحتاجون إلى تعليم او تقويم اقام عندهم للتعليم او للتقويم، وإذا وجد عندهم علما ليس عنده مكثف للتعليم وإذا رضى حلهم من اناحيتين العلمية والدينية ولم يجد داعيا للبقاء بينهم انتقل إلى غيرهم، ولقد كانت هذه المسافات الممتدة التي نراها اليوم شاقة ومتعبة بوسائلنا الحاضرة - كانت عليهم يسيرة سهلة هينة بوسائلهم في تلك العصور. ذلك إننا نركب القطار والسيارة والطائرة، ونقيس المسافات والأعمال بالمقياس المادى الموغل في المادية أما هم فقد كانوا يركبون عزائمهم وارداتهم، ويقيسون المسافات والمشاق بمقاييس روحية، فتضاءل امامهم العقبات، وتطوى المسافات، وانه ليندر ان تجد عالما من أولئك العلماء لم يزر اغلب البلدان التي بها اخوانه في المذهب، ويعطيها وياخذ منها وقد يقيم في البلد الأخير ويستقر كما فعل الكثيرون منهم. (1/283)
صفحة 284
ويستطيع المؤرخ ان يجد لهذه الظاهرة مئات الصور، فإنه ما أخذ بلدا من بلدان الأباضية وتتبعه وتتبع سيرة علمائه، إلا وجد منهم عددا غير قليل يسير بهذه السيرة المباركة. خذ مثر جبل وسلات هذا الجبل الشامخ المشرف على القيروان والذي كان في أزمنة طويلة من اهم معاقل الاباضية انك اذا تتبعت سيرة علمائه فسوق تجد ان جانب المدارس الكثيرة التي كانوا يشرفون عليها هناك ويؤمها طلبة العلم من جميع الجهات للدارسة، انهم كانوا ينتشرون في بقية البلدان لاداء هذه الرسالة العظمى، بل انك تجد بعضا منهم قد انتلقوا من اجل قضية التعليم خارج البلاد التونسية كلها، فهذا العلامة عبدالغني الوسلاتي (1) الذي يضعه علماء عصره في طبقة الامام ابي عبدالله محمد بن بكر، ينتقل من جبل وسلات ولا يزال يمر البلدان يعلم ويتعلم ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويحارب البدع المتكالبة ويؤسس المدارس حتى ينتهى به المطاف إلى كباو فيثوى هنالك رحمه الله ورضى عنه.
وهذا العلامة ابو زكرياء يحيى الوسلاتي ينتقل بين بلاد اهل الدعوة يدعو إلى التمسك بدين الله والاعتصام بحبله المتين ويفتتح المدارس حتى يبلغ به المطاف إلى أجلو.
وفي اجلو ولد له ولده العلامة جعفر الورسلاتي (2).
كان أبو زكرياء الوسلاتي في درجة من العلم والعمل قريبة من درجة أبى عبدالله بن بكر، وكان ولده جعفر من أنجب طلاب أبى عبدالله ومن احبهم إليه وهو في مرتبة أبى العباس احمد بن محمد بن بكر.
(1)
__________
(1) 1 - ذكره أبو عبدالله الباروني في الطبقة التاسعة.
2 - ذكره أبو عبدالله الباروني مع أبيه في الطبقة التاسعة. (1/284)
صفحة 285
هذا الكفاح المتواصل في سبيل نشر العلم دون الاعتماد على مساعدة مادية من أحد هى إحدى الميزات او الخصائص التي كان يمتاز بها ذلك السلف الصالح، وانك لو رجعت إلى التاريخ الإسلامي عامة لوجدت ان اهل العلم في تلك العصور كانوا سحبسون تعليم الجاهل فريضة واجبة عليهم لا يحلهم منها إلا القيام بها ولذلك كانوا يحرصون على ادائها مهما بذلوا في سبيلها من جهد او مال.
ولم يكن العلم في يوم من الأيام وسيلة للحياة او للمال، فما يجدر بكرامة العالم ان ينحط بها حتى يأخذ تعويضا او بدلا عن علمه، اللهم إلا في هذه العصور التي انقلبت فيها مقاييس الأخلاق وتنوسيت احكام الدين وبعد الناس عن رعاية جانب الله في اعمالهم. وأصبح الرجل يمد يدية في وقاحة دون حياء ليقبض أجرا على درس في الوعظ والارشاد، أو على تلاوة سورة من القرآن الكريم، او حتى على اذانه في مساجد المسلمين، او صلاته بجماعة منهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العى العظيم كإنما العبادات أصبحت هى الأخرى وظائف تؤدي للدولة لا لله.
كفاح البدعة (1/285)
صفحة 286
عندما ابلغ الفاتحون الأولون الاسلام إلى افريقيا على صفائه في زمن الصحابة رضوان الله عليهم أقبل الناس عليه وتقبلوه واعتنقوه لا سيما وانهم وجدوا فيه حلا لجميع المشاكل الإنسانية التي عقدتها الحياة، فلقد استنارت قلوبهم، وانتشرت بينهم عقيدته الصافية الواضحة وتحطمت عليها العقد الوثنية بمختلف عقائدها التي كان يدجل بها الوثنيون وأصحاب الديانات الباطلة والحرفة، كما تحطمت عليها خرافة الألوهية البشرية واستغلال الانسان الذكي للانسان الغبي والانسان القوى للأنسان الضعيف وسار الفاتحون الأولون سيرة الدعاة المخلصين إلى الاسلام، فاطمان المؤمن ولقتنع الشاك، ورجع المرتد، وىب الشارد، فلما تولى الحكم طلاب الدنيا والراغبون في السلطان، انحرفوا عن مبادئ الاسلام في كثير من الأحكام. وأصبحوا يتجنبون تطبيق ما لايتفق مع رغباتهم ومطامعهم، ثم لحق بهم في الانحراف ناس اوتوا علما وذكاء وفهما، وصاروا يدخلون على الاسلام آراء غريبة عنه بعيدة عن الحق. فاضطر علماء الأمة إلى الدفاع عن نصاعة الاسلام. فكانوا ينقدون سلوك الحكام المنحرف، وينهونهم وينهون اتباعهم عن البدع العملية، التي كانوا يرتكبونها، من جهة، ومن جهة أخرى كانوا يردون الآراء الخاطئة والتأويلات الباطنة، وذهبوا في ثلاث مذاهب متعاونة متساندة. (1/286)
صفحة 287
الأول انكار البدع العلمية، وذلك لنقد سلوك الحكام الذين يقرون بجميع احكام الاسلام ولكنهم يخالفونها في أعمالهم، فيعترفون بوجوب العدل ولكنهم لا يعدلون، ويعترفون أن أكل اموال الناس بالباطل حرام ولكنهم يبتزونها ويختلسونها وغتصبونها، ويعترفون أن دماء المسلمين حرام الا يحقها ولكنهم لا يتورعون عن سفكها لأتفه الأسباب، فكان العلماء يردون هذه البدع العملية، ويواجهون الحكام بالنهى الصارم واللوم الشديد، وقد يتجاوزون موقف النقد والنهى إلى موقف الثورة كما فعل فقهاء كبار التابعين في أوائل الدولة الأموية في الحركة المعروفة التي ذهب ضحيتها التابعى الكبير سعيد بن جيبر، الثاني هو تتبع الآراء الخاطئة والأفكار الدخيلة، والبدع التي تمتد وتنتشر يوما بعد يوم سواء جاءت هذه البدع عن طريق ناس ينتمون إلى العلم والفكر او جاءت عن طريق عادات الناس وسريانها فيها بينهم بحكم الجوار والتقليد. فكانوا يتتبعون هذه البدع، ويظهرون بطلانها، ويوضحون مخالفتها لصريح الكتاب او السنة او السيرة البنية للعدول من امة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقومون بهذه البيانات أما بالرد على أصحابها في المجامع العلمية وفي كتب تؤلف لهذه العرض إذا اصطبغت تلك البدع بصبغة علمية، أما إذا كانت من باب الأعمال الفردية والعادات التي تنتقل بين الناس فقد كانوا يكتفون بمحاربتها بدروس متوالية في المساجد وفي المجامع والمناسات. (1/287)
صفحة 288
الثالث يكاد يكون وقائيا، وذلك بانهم حرصوا على نشر العقيدة الصحيحة والدعوة السليمة، والبرهنة على صحتها وسلامتها واستمدادها من الأصول الاسلامية ومحاولة أفهام الناس، قواعد الإيمان كما جاءت في الكتاب والسنة دون تحريف أو خطأ في التأويل، وملء قلوبهم بها، وتشبع عقولهم بصحتها، حتى لا تجد البدعة إلى نفوسهم سبيلا وقد كان هذا المجهود منهم يتناول الدين والشريعة أو بعبارة تفصيلة كان هذا المجهود يبذل للمحافظة على العقيدة وعلى العبارات وعلى المعاملات الفردية والجماعية.
وهذا هو الميدان الذي كان يجوبه أكثر اتلعلماء المخلصين، فهم يحاولون أن يحافظوا على سلامة العقيدة في نفوس الناس وذلك بتلقينهم إياها، وتعريفهم بها قبل أن تصل الشبه إليهم، حتى إذا جاء من يريد أن يزحزحهم عن دينهم وجد عندهم الحصانة الكافية، واليقين الذين لا يتزعزع، ولا ينال صفة التشكيك.
ولقد كان معروفا أن عددا من الفرق الإسلامية كان منتشرا في المملكة التونسية كما كان منتشرا في بقية بلاد المغرب الإسلامي الفسيح. ومن بين تلك الفرق التي كانت تعمر هذه البلاد المعتزلة والصفرية وبعض فرق الأشاعرة والأباضية وغيرهم، ولا شك انه كثيرا ما يندس في بعض هذه الفرق إناس ذووا دعوات او مبادئ خاصة يكتمون عن الناس دوافعهم الحقيقية لا عتناقها والدعوة إليها، ويظهرون أنهم يعملون للإسلام، وهم يرمون من وراء ذلك إلى الوصول إلى غايات خاصة يتوقون إليها، او رغبات مكتوبة يرجون الحصول عليها، يمت بعضها إلى النواحي المادية، بينما يمت البعض الآخر إلى النواحي الدينية والروحية، ولعل منهم من يهمه أن يحارب الإسلام باسم الاسلام، متنكرا وراء عقيدة أو رأى او مبدأ وليس هذا بطبيعة الحال مقصورا على أفريقيا او الغرب بل كان موجودا في جميع البلاد التي تغلب عليها الاسلام وساد فيها، لعل وجوده في الشرق الاسلامي كان أكبر من وجوده في الغرب الاسلامي. (1/288)
صفحة 289
وفي هذا الميدان ميدان محاربة أولئك المتنطعين الذين يحاربون الاسلام وحقائق الاسلام بادخلا بدع في دين الله، سواء كان الدافع لهم إلى ذلك ماديا او دينيا، وسواء فعلوا ذلك عن قصد أو عن خطأ وسوء فهم - كان يقف العلماء المخلصون الموقف الصامد القوى يذودون عن دين الله خطر البدعة الجارفة.
ولقد كان علماء الأباضية من أحرص الناس على مكافحة البدعة، فكانوا يجوبون المسافات الطويلة من هذا القطر ليبقوا دون أن تدخل البدع القولية او العملية إلى الناس، وكثيرا ما ينتقلون من مكان إلى مكان بعيد ليردوا بدعة بدأت تتسرب إلى عقائد الناس أو إلى اعمالهم حتى إذا صححوا الوضع وأقروا الحق، رجعوا إلى مواطنهم، وكانوا يكثرون زيارة اخوانهم في بلادهم ليروا أعمال الأفراد، ويطلعوا على سلوكهم واقوالهم ويتعرفوا على سيرتهم عن كثب، ويحضرون مجالسهم العلمية في المساجد والمجامع العلمية، وتراهم في جميع ذلك حريصين على أن يبينوا دين الله كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم أقوياء في ذلك أشداء لا يسكتون عن منكر من القول أو الفعل مهما كان صاحبه. وبمجرد ما يرون ذلك عنه احد من الناس سرعان ما يأمرونه بالرجوع إلى الحق والتوبة من الخطأ فإن استجاب فذلك المطلوب وإلا أخرجوه إلى الخطة ووحشة الهجران، ولقد تصدر الكلمة الخاطئة عمن يتحلى بالعلم ويتصدر المجالس دون ترو أو عن سبق وهم إلى النفس فلا يسكتون لها ويردونها على صاحبها ويطالبونه بالرجوع من الخطأ إلى الصواب بل لقد بلغ بهم هذا التمسك بالصحيح إلى أن الطلبة قد ينتقدون اساتذتهم إذا بدأ لهم انهم أخطأوا في قول أو اعتمدوا والقول المرجوح دون دليل مقنع وقد يبدأ الطلبة فيضعون شيخهم في الخطة إذا ظهر لهم انه أصر على الخطأ حتى يعود إلى القول الصحيح والعمل السليم. وإذا كانت هذه مواقف الطلبة في بعض الأحيان مع اساتذتهم فكيف تراه تكون مواقف العلماء الإعلام في محاربة البدعة ورد الباطل. (1/289)
صفحة 290
ومما يدخل في محاربة البدعة رد بعض الآراء التي تروج في بعض المذاهب الإسلامية الأخرى مما يرى علماء الأباضية انها مخالفة للإسلام في رحه في مفهومه أو فى منطوقه، فيعملون على إبعادها من مجتمعهم، ويحاربونها باعنف ما عندهم من وسائل كفاح البدعة وإلى القارئ الكريم أمثلة من ذلك.
1 - يرى بعض العلماء من بعض الفرق الاسلامية انه يجب على المسلم العمل بالفرائض دون العلم بها وبكيفيتها ويرى علماء الأباضية ان هذا الرأي بدعة تجب محاربتها وابعاد مفهومها عن الناس وكانوا حراصا على رد هذا القول وافهام الناس أن ما يجب العمل به يجب العلم به وبكيفية أدائه، وإن على العمل به الثواب، وعلى تركة العقاب، لأنهم يقولون كيف يتصور عاقل ان يصدر عمل صحيح من إنسان لا يعلم كيفية آدائه، وذلك فقد كانوا يعلمون الناس بعض الفرائض بالطريقة العملية فضلا عن الطريقة النظرية فيدربون الأطفال في مبدأ البلوغ على الطريقة الصحيحة للتطهر والصلاة مثلا.
2 - يقول بعض العلماء من بعض الفرق الإسلامية ان العمل ليس شرطا في صحة الإيمان، ويكفى لكي يكون الإنسان مؤمنا أن يعتقد ويقر، ويرى علماء الأباضية انه لا يتم إيمان الإنسان حتى يقرن القول بالعمل، ويحسبون ان القول بعدم اشتراط العمل لصحة الإيمان بدعة يجب محاربتها وابعاد مفهومها عن الإسلام، وكانوا يعملون في حرص جاهدين أن لا يتقبل الناس هذا القول وان يعملوا به والا فإن مبادئ الإسلام سوف تذوب بسبب هذا الرأي الذي يجعل الإسلام دينا سلبيا مبنيا على كلمات تنطق بها الشفاه.
3 - يحكم علماء بعض الفرق على مرتكب الكبيرة بانه كافر كفر شرك ويحكمون نتيجة لذلك باستحلال دمه وماله، ويرى علماء الأباضية ان هذه بدعة ادخلت على الدين بسبب خطأ في الفهم والتأويل. ولذلك فقد كانوا حراصا على أبعاد هذا المفهوم عن الناس ويتشددون في تحريم دماء المسلمين واموالهم بما لا يزيد عليه. (1/290)
صفحة 291
هذه امثلة من الأراء التي كانت عند بعض طوائف المسلمين ويرى الأباضية انها بدعة يحرصون على مكافحتها، وابعادها عن الناس، لأنها تضر ضررا بالغا بحقيقة الاسلام. فغن الفكرة الأولى مثلا التي ترى وجوب العمل دون العم بالفرضية والكيفية وترتب الجزاء تجعل أداء الفريضة عملية يقوم بها المسلم لا روح فيها، إذ ينتفى من ادائها معنى الخشوع والتقوى ومعنى الخوف والرجاء من قلب المسلم.
أما الفكرة الثانية فهى تسلب الاسلام ميزته الحقيقية فغن ميزة الاسلام على غيره من الأديان أنه دين علم وعمل ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم حراصا على العمل والاستمرار فيه والثبات عليه، فلما انتشرت هذه القالة فيما بعد، اخذها الناس على معناها السطحى، ووجدوا فيها سندا للأهمال والتهاون، وطمعوا أن يجازوا بالحسنى مع الإصرار على المعصية ما دامت السنتهم تلوك كلمة الشهادة، ويقابل هذه البدعة من الجانب الثاني الفكرة الثالثة وهى الحكم على مرتكب الكبيرة بالشرك واستحلال دمه وماله، وهى فكرة تخرج اغلبية الناس عن الاسلام، وتحكم فيهم الأهواء والنزعات، وتبيح منهم ما حرم الله من حرم صانتها كلمة الشهادة.
هذه امثلة وضعتها أمام القارئ الكريم كنماذج. وهنالك بدع كثيرة بلغ بعضها إلى ان يكون رأيا لفرقة من فرق الاسلام، وكان بعضها شطحة من شطحات العلماء عندما يستحكم فيهم التعصب واللجاج والجدل، ومنها ما دسته الاسرائيلية الماكرة، او الوثنية المتحجبة، أو الصليبية الحاقدة، ومنها ما املته شهوة استرضاء الحكام والنفوذ، ومنها البدع العملية التي تنتج عن الإهمال وعدم الحرص في تنفيذ أحكام الله. وتتبع هذه الإنحرافات وإظهار جهود العلماء المخلصين في مكافحتها أمر يطول ويحتاج إلى مجلدات، ويستطيع القارئ الكريم أن يعود إلى مظانها ليجد منها الشئ الكثير.
كفاح السلطة الظالمة (1/291)
صفحة 292
تعاقب الوان من الحكم على البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي إلى الإحتللا الفرنسي. كان منها ما يمثل الحكم الإلاسلامي في عدله ونزاهته ومساواته بين الناس، واتاحة فرص الحياة الكريمة للجميع، وكان منها ما يهمة المجد العسكري او أنظمة السلطان، فيعمل على التحكم والاستبداد، وكان منه مالا يهمه من ذلك غير جمع المال، وإتاحة المتعة لأصحاب الحكم، وكان منه ما يجمع بين فترات من الحكم الإسلامي المشرق الذي ينطبق على الأسس السليمة لنظام الحكم، وفترات من الحكم الظالم الطاغي، وكان العلماء المخلصون لدين الله طول هذه العصور يجاهدون ..
كانوا يجاهدون بكل ما يملكون من سطوع الحجة، وقوة الحق، ونصاعة البرهان. ينتقدون الحكام في انحرافهم عن سبيل الله، ويحاولون ان يقوموا سلوكهم، بالموعظة الحسنة، والبيان الواضح، والتهديد بعقاب الله للظالمين، وأحيانا بالدعوة إلى مطالبتهم بالتخلي عن الحكم، فإن لم يستطيعوا ذلك حاولوا بمختلف الوسائل، أن يخففوا من أثر الظلم على الناس، وقد كانت منهم مواقف مشرفة، في رد كيد الظالمين، والوقوف في وجوههم، وتذكيرهم بانهم انحرفوا بدين الله عن النهج الذي أراده الله للأمة المؤمنة.
والمتتبع للأحداث التاريخية يجد ان بعض العلماء قد نجوا فعلا في رد العدوان ويجد بعضا آخر منهم قد أدى بهم حرصهم وحفاظهم على دين الله وعلى كلمة الحق، إلى السجن والتعذيب حينا، وإلى القتل أحيانا. كما كان الحال مع أبي القاسم بن مخلد، وأبى عمرو النملي وأبى محمد كموس، وأبى موسى الزواغى، وأبى سليمان بن إبراهيم وغيرهم كثير، وقد يتوالى الظلم والاستبداد حتى يحمل بعض العلماء إلى الدعوة إلى الثورة وقلب نظام الحكم وابعاد الظالمين عنه كما وقع لأى خزر يغلا زلتاف. (1/292)
صفحة 293
وإن المتتبع للتاريخ في البلاد التونسية، يجد ان هذا القطر الكريم قد تداولته أيد مختلفة من الحكم، فقد استقلت به دول في بعض الأحيان، وكان تابعا لحدة الدول في الشرق او فى الغرب في بعض الأحيان، وكان تابعا لأحدى الدول في الشرق او في الغرب في بعض الأحيان، وتقاسمته دولتان او أكثر في أحيان أخرى، وعاش مقسما بين حكام محليين في أوقات كثيرة، يتولى الأمر في كل قسم من امراء أشبه بالمشائخ، وقد يكون القطر كله تابعا من حيث الاسم لحكومة مركزية، لا يهمها إلا مقادير من الضارئب تدفع لها سنويا اما بقية الشؤون فتتولاها كل جهة بنفسها تحت سيطرة ولاة أو حكام شبه مستبدين بالدولة والشعب ولكنهم مع ذلك يباشرون جميع اعمالهم باسم الدولة.
وفي الفترات التي كان فيها الحكم من هذا النوع، كان السكان يعانون أشد أنواع الظلم والارهاق والجور، فكان الناس يكافحون جهدهم في إيقاف او تخفيف ما ينزل عليهم بما يقدمونه لأولئك الحكام من هدايا او شاوي.
وكان اولئك الحكام كثيرا ما يشترون مناصبهم بأمةال يقدمونها للحكومة المركزية ثم يعودون إلى أفراد الشعب المساكين فيجمعون منهم أضعاف ما بذلوا مرتكبين في ذلك أشد ألوان العسف والجبروت. (1/293)
صفحة 294
ولما كان أولئك الولاة او الحكام لا يقيمون حكمهم على أسس تشريعية من الاسلام ولا على أسس قانونية من وضع البشر، وإنما كانوا يسيرون وفق رغباتهم الخاصة، وشهواتهم الحالة، فقد كانوا يرتكبون جرائم القتل او السبى او مصادرة الأموال بناء على غضبة لسبب تافه كوشاية من حاقد، او تحريض من عنصرى متعصب سواء كانت تلك العنصرية جنسية او مذهبية او حتى قبلية. أو رغبة في جمع مزيد من المال، او حنق على أهل بلد لأنه أهله يميلون إلى حاكم آخر، وانك تستطيع ان تجد عشرات الصور المؤلمة لأحداث غاب فيها الإيمان والخلق والضمير والإنسانية، وها انا امد يدى إلى أقرب المصادر التاريخية على المكتب فانقل إليك امثلة مما كان يرتكبه اولئك الحكام بمختلف درجاتهم.
يقول التيجاني في رحلته صفحة 14 وهو يرافق أبا زكرياء اللحياني ليجمع مزيدا من الأموال يستمتع بها ذلك السلطن القابع في الحضرة وأساطيل الأفرنج تملأ عباب البحر: ((وارتحلنا من الحمة يوم الإثنين الحادي والعشرين. متوجهين إلى نفزاوة فنزلنا يومنا ذلك بمنزل يعرف (بمجزم) وهي قرية كبيرة وعليها غابة نخل ممتدة، وبها قصور ومنازل ضخمة بالنسبة إلى مباني البادية، ووجد الأجناد اهلها قد فروا عنها جلاء، وتركوها خلاء، فانطلقت أيديهم بالعيث في ربوعها، والرعي لزروعها وكثيرا ما كانوا يحتفرون أرضا فيجدون اهلها قد أودعوا هنالك ما صعب عليهم نقله، واثقلهم من الأثاث حمله، فاذهبوا بالافساد رسمها ولم يبقوا منها في الحقيقة غلا اسمها.))
ويقول التيجاني في صفحة 179 متحدثا عن (تبلبو): ((وكانت بها قبل هذا غابة نخل فقطعت أيام محاصرة مخدومنا لقابس كما هذه صور ينقلها لنا شاهد عيان في أوائل القرن السابع الهجري. (1/294)
صفحة 295
والى القارئ الكريم صورتان اخريان من هذه الصور التي ينحرف فيها الحكام عن نظام الاسلام، يقول باحداث أحداها مغامر جرئ يجرى وراء المال ويقص علينا التيجاني أحداث الصورة الأولى نقلا عن أبن انخيل فيقول في رحلته صفحة 174: ((وفي خلال تنقله - أى الميورقى - إلى تلك الجهات بلغه عن أهل طره من أقليم نفزاوه ما غيره عليهم، فوصل إليها، وقاتلها حتى افتتحها، ثم أطلق الجند عليها، فقتلوا الرجال، وانتهبوا الأموال، وافترعوا الأبكار، وخربوا المنازل والديار، ووجد الميورقى بها رجلين من أجناد الموحدين كانا قاطنين منذ زمان فضرب رقابهما صبرا، وترك طرة خاوية على عروشها، وخرج من سلك من اهلها فتفرقوا في بلاد نفزاوة.)) (1/295)
صفحة 296
أما الصورة الأخرى فاستمع إلى التيجاني يحدثنا عن ذلك في رحلته صفحة 138: ((ثم توجه المنصور إلى قفصه فحاصرها حصارا شديدا إلى ان خرج إليه اهلها راغبين في العفو فشارطهم على تأمين اهل البلد في أنفسهم خاصة وتبقى املاكهم بايديهم على حكم المساقاة، وجميع من عندهم من الحشود والغرباء والأجناد ينزلون على الحكم. فوقع الاتفاق على ذلك، وخرج جميع من في البلاد من أهلها وغيرهم حتى لم يبق فيه إلا النساء، فميز أهل البلاد وأمروا بالرجوع إلى بلدهم. وبقى من كان بها من الغرباء والحشود والأجناد ومن جملتهم ابراهيم بن قراتكين المعروف بسلاح دار المتقدم الذكر، فثقفوا ساعة، ثم جلس المنصور أثر صلاة الظره بموضع جلوسه، واخذ الناس مراتبهم، وامر بأولئك المثقفين فقيدوا إليه فامر بذبحهم، فذبحوا بين يديه أجمعين، لم يفلت أحد منهم، وكان الأعى الفهمى حاضرا، وهو نحوى فاضل كان الخليفة يعينه لقراءة اولاد القرآن، فطلب ان يسمح له بشخص منهم، يتولى ذبحه بيده، فأجابه الخليفة إلى ذلك، ولما أضجع له طلب يسيرا من الملح والصعتر كما يفعله العامة بالضحايا، فاضحك بهذا الفعل المبكى جميع من حضر، وأمر المنصور بهدم سور قفصه وقسمه على جميع من بالمحلة فاعادوه في مدة يومين أثرا بعد عين، وفي هذه الخطرة هلك اكثر نخيل قفصه، إذ كان المنصور قد آلى أيام حصاره لها أن يقطع كل يوم ألف نخلة.))
هذه الصور التي نقلتها لك أيها القارئ الكريم هى أمثلة لسيرة الحكام منذ انحرفوا عن التزام احكام دين الله وبعدوا عن فهم الروح الإسلامية في كرامة النفس البشرية وعمران الأرض بما يزيدها خصبا ونماء في ظلال العدل. هذا الظلم الذي رأيت صورا منه ما كان يمانيه السكان طيلة قرون طويلة، ما ذهب ظالم إلا ابتلوا بأظلم منه. (1/296)
صفحة 297
وقد كان الأباضية أكثر تعرضا لهذه الألوان جميعا من الظلم فقد كانت الحملات توجه إليهم، والدمائس تحاك حولهم، والدعاية المغرضة تصدق فيهم، فكانت مواقف الحكام الظالمين منهم هى الأسباب الحقيقة المباشرة لإنقراض الأباضية من كثير من الأمكنة التي ازدهر فيها المذهب الأباضي وكون بها عمرانا ونشر علما. مثل بلاده الجريد عامة، وقابس والقيروان والحامة وجبال غمراسن والدويرات وجبال الحوايا وما إلى ذلك جميعا. ولعل من أهم الأسباب التي أثرت عليهم أكثر مما أثرت على غيرهم انهم كانوا لا يستحلون لأنفسهم ان يعينوا الظالمين ويرتكبوا معهم ما يرتكبون، فلا يدخلون ضمن الجيوش الضاربة، ولا ينضمون إلى الشراذم المخربة، ولا يطالبون بكراسي الحكم لأنفسهم بل إن الأموال التي تصل إليهم عن هذه الطرق كانوا لا يقبلونها لأنها اموال مغتصبة فهى حرام، وهم يبتعدون عن ذلك ولا يجيزونه لا بالقول ولا بالعمل. وهذا ما عزلهم عن غيرهم ممن يستحل دماء المسلمين واموالهم عقيدة او عملا. ووجه إليهم النقد العنيف، ثم المحاربة العلنية والخفية، وخصهم طلاب السطوة والمال بالكراهية والمطاردة. (1/297)
صفحة 298
وقد بدأ هذه الحملة المعز لدين الله الفاطمى وبالغ فيها المعز بن بادرس وتابعه عليها كثير من الحكام الذين يريدون أن يوطدوا لملكهم بكل ما وجدوا من وسيلة وإذا كان المعزان يرتكبان ما يرتكبان لتوطيد الملك فيما يزعمان ولإقامة دولة وتثبيت حكم، فقد يكون لهما في ذلك عذر في منطق السياسة والساسة. ولكن الذين جاؤا من بعد. من حكام الإمارات لم يكن القصد مما يرتكبونه في الأغلب إقامة دولة، أو خدمة مبدأ، او اقرار نظام عادل أو جائر، وإنما كانوا طلاب مال، يستحلون من اجل الحصول عليه كل شئ، وكثيرا ما يقوم الواحد منهم فيجمع شرذمة من المغامرين الذين لا يفرقون بين حلال وحرام، فيهجمون على أي بلد او قبيلة او حى، فيقتلون ويغنمون، ثم يذهبون وقد انتفخت اوداجهم بالنصر الذي أحرزوه، وجيوبهم بالمال الذي اغتصبوه، وقد يرتكبون من الفواحش ما يتعدى المال والدم فينتهكون الأعراض، ويستبيحون الحرم، وقد وجدت قبائل اعدت نفسها لهذه الحياة المتوحشة، يتدرب شبابها على القتال بطرق الغارة، والسلب والنجاة، ويتغنى شعراؤهم ببطولتهم في لذك. وما قام مغمر يريد حربا إلا انضموا إليه، لا حبا في نصرة المغمر، ولا انتقاما من عدو متربص أو مراعاة لحق من حقوق الصداقة أو الجوار. ولكنهم يفعلون ذلك لكى يجدوا فرصة لمزيد من جمع المال من اماكن لا يتيسر لهم الوصول إليها دون مساعدة من غيرهم، ويبرون ما يرتكبون من هذه المناكر اما بالخلاف الجنسي او الخلاف القبلي او الخلاف على الحاكم او النزاع على البطولة واكثر ما يبررون العدوان بالخلاف المذهبي. في الوقت الذي لا يعنهيهم من امر المذهب أو الجنس او القبيلة شئ وإنما يعنيهم الحصول على المزيد من المال. (1/298)
صفحة 299
ولقد قاسى الأباضية أشد ألوان العذاب من هذه الألوان جميعا. ومن المؤسف ان ينحدر إلى هذه الوهدة ناس ينتسبون إلى العلم والمعرفة. من بعض الرحالين الذين يرافقون اولئك الحكام، أو بعض المتعصبين الذين يعملون في وظائف حكومة من الحكومات. فكان لهؤلاء جهد كبير في التفريق بين فرق الأمة، وحمل الحكام الجورة على ارتكاب الظلم، وتيسيره لهم، وتبرير أسبابه، وذلك باشادتهم بذلك الظلم، واسباغ لون الشرعية عليه، وتبريره تبريرا دينيا يخفف وطأة العقيدة او الضمير على الظالم. وحمل السذج والبسطاء من الناس على اعتقاد ان ما ينتزلونه بغيرهم من الطوائف الاسلامية من عدوان في ظل ذلك الحاكم امر يتطلبه النظام، ويقره الإسلام، ويلقون في روعهم أن أولئك الحكام - مهما انحرفوا يمثلون شريعة الله وان اعمالهم - كيفما كانت - ومهما كانت مقاصدهم تتمشى مع امر الله. (1/299)
صفحة 300
وفي مسلك الأعمى الفهمى الذي عرضناه في إحدى الصور السابقة أيضاح للانحطاط الدينى والخلقى الذي يمكن ان ينحدر إليه الإنسان، حين تغلب عليه المطالع الشخصية فيصبح لا يفكر إلا في استرضاء مرؤسه، فتجردا عن كرامته كرجل مسلم يخضع لمقاييس الحق والعمل التي جاء بها الدين القويم، ويصيرا اراجوزا خشبيا هزيلا تدفعه المطامع إلى أسخف ألوان التزلف والملق. فهذا رجل أعمى العينين لا يطيق حمل السلام وهو نحوى فاضل كما يقول التيجاني يعنى انه ذو مبلغ من العلم ويحفظ كتاب الله فاختاره الخليفة ليربى له أولاده ويعلمهم كتاب الله واداب الاسلام، وكان يكفى هذا الأعمى في التقرب والتزلف من الخليفة أن يظهر له الرضا عما ارتكب من ظلم وان يبدى له استبشاره بهذا النصر على طائفة من اخوانه المسلمين ولكن الأعمى السخيف كان يعتقد ان هذا لايكفيه في اظهار مبلغ مسرته، فطلب ان يقدم إليه رجل يقتله بنفسه كانه يتقرب باراقة الدم البشري الذي صانته كرامة الاسلام، وكانت ظروفه الخاصة تحول دونه ودون ان يطلب منه ان يلوث يديه بالدماء ولكنه أثر أن ينحدر إلى هذه الوهدة.
فقرب إليه رجل موثق بالحبال. وهنا تبلغ السخافة بالأعمى الفقيه النحوى الفاضل ابلغ ما تبلغ السخافة برجل لا يحترم اليدن الذي يسبغه على نفسه ولا الكتاب الذي يحمله في صدره ولا حتى البشرية التي ينتسب إليها فيقف موقف المستهين بأمر الشرع في النهى عن التمثيل بالقتلى، ويصبغ هذه الجريمة النكراء بلون التمثيلية الهزلية فيطلب الملح والصعتر كما فعل العوام بالضحايا في الاعياد ليضحك الناس وليرضى سيده. (1/300)
صفحة 301
هكذا يصبح هذا المؤدب الذي اختاره الخليفة لتربية اولاده، وتعليمهم كتاب الله، اجرأ على مخالفة احكام الله وأبعد من آداب الإسلام، في عمل ما كان يطلب منه، ولا تظن فيه القدرة عليه، ليجرئ الخليفة على ما يرتكب في عباد الله، ويفضى على اخطائه ثوب الشرعية حتى يرتكب اولئك الناس ما يرتكبون من جرائم ومناكر وكانما هم يتقدمون إلى الله بأنواع القربة والطاعة.
كان علماء الأباضية من أشد علماء الأمة نقدا لهذا المسلك، ووقوفا في جوه الظالمين واظهار السخط عن أعمالهم المنحرفة، ولذلك فقد تسلط اولئك الظالمون عليهم وآذوهم في الله وقتلوا منهم عددا غير قليل وكانت نقمتهم عليهم أكثر من نقمتهم على أى طائفة من طوائف المسلمين فلم يزالوا بهم يوالون عليهم النكبات. ويوجهون إليهم الضربات، ويواصلون عليهم الغارات، حتى استأصلوهم من جميع المواطن التي عمروها غير جزيرة جربة التي صمدت للكفاح. وثبت للظالمين، ولقنت المستعمرين الأفرانج في بعض ادوار التاريخ دروسا عرفتهم قيمة البطولة الإسلامية عندما يتولى قيادتها الإيمان والحق.
كفاح التعصب المذهبي
منذ النصف الثاني للقرن الأول اختلف اراء بعض علماء المسلمين في بعض أصول العقائد وفي كثير من الفروع، وتكونت بناء على هذا الاختلاف في فهم نصوص الكتاب والسنة فرق وطوائف تتمسك كل واحدة بما اقتنعت به وحسبته أصح، لأنه فيما ترى يستند على البراهين القطعية المعتمدة على أصول الشريعة، وكان الخلاف في مبدأ الأمر علميا فلسفيا يدور بين طبقة مخصوصة من كبار التابعين ومن جاء من بعدهم، ولكن سرعان ما استغلته السياسة من جهة، والأيدي المحاربة للاسلام في خفاء من جهة أخرى كما استغلته المطامع الشخصية، وعمل على تقويته وإظهاره في مظهر العنف والشدة ما يتحلى به بعض من يتمنى إلى العلم من تعصب مبنى على ضيق الأفق والفهم السطحى والتحجر الفكرى. (1/301)
صفحة 302
وتعاونت هذه العوامل جميعا بقصد أو بدون قصد على توسيع الخلاف بين الأمة وأذكاء نار الفتنة بين طوائفها وفرقها، وتمكنت بعض تلك العوامل أن تستغل هذا الخلاف لأغراضها الخاصة، كالهيمنة على الدولة، والتسلط على الحكم، او الانتقام من بعض الطوائف والأفراد، او إدخال بدع في الدين بقصد إفساده إلى غير ذلك من الدواعي والأسابا. وكلما امتد الزمن ازداد الناس بعدا عن الدين وعن فهمه والعمل به، فازدادوا عمقا في الخلاف، وايغالا فيه، حتى جاءت ازمنة كان يحسب فيها المتفقهون الجامدون انزال العقوبة بمن يخالفهم في المذهب قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، وإن سب الفرق المخالفة لهم، وصب اللعنة عليهم من طاعة الله، وتشبعت أفكار الغوغاء بمثل هذه الآراء، وكان بعض المنتسبين إلى العلم يتملقون اولئك الغوغاء ويتقربون إلى الحكام بمبالغتهم في إظهار الكراهية لمخالفيهم، وقد يستحلون منهم ما حرم الله فكانت ترتكب بسبب ذلك جرائم مؤلمة ليس لها من سبب سوى التعصب المذهبي.
من المواضيع التي تناولها البحث والنقاش في القرن الأول في عصر الدولة الأموية موضوع الدول الظالمة الجائرة، هل يجب على الأمة إذا تولى امرها امام جائر لا يتقيد باحكام الله، أن تضرب على يده، وتطالبه بالعد او العزل وإذا امتنع عليها هل يحق لها الخروج عليه وقتاله إذا اقتضى الأمر؟ ... وافترقت آراء العلماء في هذا الموضوع فذهب بعضهم إلى وجوب مطالبته بالعدل والقيام بأمر الله والتزام أحكامه فإذا امتنع جاز عزله او قتله. وذهب آخرون إلى أن الصبر على ظلم الإمام وعدم قيامه بأمر الله أهون من الثورة عليه لأن الثورة عليه قد تؤدى إلى فتنة تذهب بالأموال والأرواح.
وأصبحت هذه الآراء فيما بعداراء للمذاهب الإسلامية كل مذهب يرجح رأيامنها ويذهب في تعليله والتليل عليه بنفس الحرص والقوة التي يدلل بها على غير ذلك من آراء المذهب. (1/302)
صفحة 303
وطبيعي ان الحكام وأصحاب السلطة يهمهم ان يعتنق الناس الآراء التي تدعو إلى مسالمتهم وأن تتغلب هذه النظرة الوديعة على نظرة الثورة والتشدد، ولذلك فقد ايدوا في مبدأ الأمر من يقول بالصبر للسلطان والرضا بالواقع وحاربوا بكل عنف وقوة من يحمل الفكرة الثورية ويدعو إلى عدم قبول الظلم واعتبرا الحاكم مكلفا بمهنة فإن أحسن القيام بها شكره الناس واجره على الله، وإن لم يحسن القيام بها طالبوه ان يعتزل امرهم ليتولاه من هو أجدر به وحسابه على الله. وهكذا فرض أصحاب الحكم حمايتهم لبعض المذاهب وحاولوا أن يغلبوها على غيرها وأن يعمموها غي المواطن الخاصة بحكمهم وذلك ليس تفضلا للمذهب نفسه ولا اعتقادا ان آراءه أصح من آراء غيره فإن هذا الجانب لم يتوفروا على دراسته وفهمه ولكنهم يفرضون حمايتهم لبعض هذه المذاهب لأن أكثر علمائها يدعون إلى مهادنة الظلم والصبر عليه والاعتراف بشرعيته، وهذا ما يهمهم من الموضوع. ومرت فترات من التاريخ على دول حاولت ان تفرض مذاهب خلفائها بالقوة وكانت تنزل أشد العقوبات بمن يخالف مذهب الدولة، وتضييق الخناق على العلماء المخافين لها في المذهب وعلى اتباعهم ليتركوا الآراء التي اخذوا بها، ويعود إلى آراء الدولة. (1/303)
صفحة 304
والأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي كثيرة، اهتم المؤرخون منها اهتماما خاصا ببعض المواقف التي وقفها خلفاء الدولة العباسية لحمل الناس على بعض آراء المعتزلة، وتحدثوا باسهاب عن المحن التي اصابت بعض أئمة المذاهب بسبب آرائهم المخافة لآراء الدولة، ولعل ما كان يقع في جهات أخرى كان أشد وأقسى، فقد تسلط بعض الخلفاء العباسيين على بعض الأئمة الذين يخالفونهم في بعض الآراء العقيدية. فحبسوا منهم من حبسوا وضربوا من ضربوا وعذبوا من عذبوا وعقدوا لهم مجالس المناظرات ولكن غيرهم من السلاطين قد تجاوز هذه الموقف كلها في حمل الناس على مذاهبهم. ولقد سبق ان أشرت في بعض الفصول السابقة إلى أحداث مما قام به المعز بن باديس حين آراد ان يحمل الناس جميعا على اعتناق المذهب المالكي الذي اعتنقه هو أخيرا بعد ان كان على مذاهب الشيعة، ولكنه رجع إلى الأشاعرة لأن أغلبية السكان الذين كانوا تحت حكمه كانوا أشاعرة فاعتنق مذهبهم ليضمن ولاءهم ثم زاد على ذلك فاشتد في عقاب مخالفيه وآذاهم في اموالهم وأنفسهم، ولقد تتبع الأباضية في كل مكان وأنزل بهم ما يستطيع من الأذى، وضيق عليهم مجال الحياة، حتى هاجر كثير منهم، ولم يقف عند هذا الحد بل تجاوز ذلك إلى نوع من الطغيان لم يسبق إليه، فقد جمع إليه علماء الأباضية وصلحاءهم، ثم أمر بقتلهم، حتى ينشأ الناس غير عارفين بهذا المذهب فيعتنقون مذهب الملك، وهي خطوة لم يخطها أحد من ملوك المسلمين في تاريخهم الطويل. (1/304)
صفحة 305
وسار على منواله في تتبع الأباضية والتضييق عليهم وقتل علمائهم لاتفه الأسباب كثير ممن جاء من بعده، يحمل بعضهم على ذلك تعصبه المذهبي وحماسه له، ويحمل البعض الآخر على ذلك أغراض دنيوية أخرى فيتخذ ذلك وسيلة للانتقام أو لجمع المال، أو حتى للوصول إلى منزلة أو وظيفة، ولم يمر قرن واحد على الأباضية في البلاد التونسية لم توجه إليهم فيها اعنف الضربات، ولم تسل دماء الشهداء من العلماء الاعلام بسبب ذلك التعصب الذي تستغله السياسة والمطامع والحقد، وقد تجاوزت هذه المضايقة رجال الدولة والقائمين على الحكم إلى أفراد الشعب، ثم تجاوزت افراد الشعب إلى ناس ينتمون إلى العلم مما اضطر علماء الأباضية إلى الدفاع عن انفسهم في هذا المجال. بل لقد كان موقف بعض المنتسبين إلى العلم، الضيقي الأفق، في هذا المجال أشد سوء من مواقف غيرهم. وبسبب احاديثهم في الجالس، وفتاواهم للناس، ومراضاتهم للحكام، كان يقع بين فرق المسلمين من شحناء ونزاع يتعدى في كثير من الأحيان مناحي القول إلى مناحى العمل، فينتج عنه استهانة بالحقوق واستخفاف بالحرم الانسانية التي حفظتها شريعة الله، وصانتها كلمة التوحيد. ولعل مما يوضح هذا الجانب أن أضع بين يدي القارئ الكريم. صورا من الأحداث التي كانت تقع من حين إلى حين فتؤثر أسوا الأثر في نفوس الناس وإلى القارئ الكريم امثلة من ذلك. (1/305)
صفحة 306
تخاصم تاجران في طرابلس على قضية من قضايا التجارة وترافعا إلى القاضي، فطلب القاضي البنية من المدعى فاحضر المدعى شاهدين من أهل جربة وقع التعامل أمامهما وكان الشاهدان من الأباضية فدفع المدعى عليه هذه البينة بانه لا يقبل شهادة الأباضية، دون مطعن في الرجلين، واستمع القاضى إلى هذا الدفع وقبله ورد شهادة الشهادين لا لشئ إلا لأنهما على المذهب الأباضي ورفعت القضية إلى المفتى فصدق على حكم القاضي، وكان حينئذ جماعة من تجار جربة في طرابلس فساءهم هذا الموقف من القاضي والمفتى فاحتجوا على ذلك احتجاجا شديدا ووقعت بسبب ذلك ضجة كبرى من الخصومات والمشاحنات حتى بلغت وإلى طرابلس وكان حينئذ على باشا عسكر فاهتم للموضوع الشهادة والأسباب التي ترد بها واتفق العلماء ودرسوا موضوع الشهادة والأسباب التي ترد بها واتفق العلماء الحاضرون في المجلس على أن فضيلة القاضي كان مخطئا في حكمه وأن سماحة المفتى سايره على اخطائه وابدى كل من القاضي والمفتى في أول الأمر استمساكهما برأيهما وحاول أن يصرا على ذلك، ولكن موقف العلماء الصلب إلى جانب الحق اجبرهما على الانصياع والرجوع.
ووقع موقف آخر شبيه بهذا الموقف في تونس في ولاية حسين باى فقد طعن بعض الناس في شهادة علماء جربة، وردها بعض القضاة في الحكم لا لشئ إلا لأن اصحابها على المذهب الأباضي، ووقعت بسبب ذلك ضجة عظيمة ورفع أهالى جربة شكاية إلى والى. تونس وإلى علمائها وقضاتها يطلبون منهم التحقيق والانصاف، ولقد اهتم الوالى والقضاة والعلماء بالموضوع، وعقدوا لأجل ذلك مجمعا علميا أصدر في ذلك قرارا والى القارئ الكريم نص القرار: (1/306)
صفحة 307
((الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على ضيفه وصحبه، وعلى آله وسلم تسليما، سبب تحبير حروفها، وتسطير صفوفها، هو أنه بمجلس الشرع الشريف، ومحفل الدين الحنيف بالجزيرة الخضراء بثغر تونس، عمرها الله بالاسلام، لدى سيدنا ومولانا أقضى قضاة الاسلام، أولى ولاة الأنام، عين الموالى العظام، محرر القضايا والأحكام، بمزيد الأحكام، مميز الحلال من الحرام، مولى شريعة سيد الرسل الكرام، محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، بالأدلة الواضحة والبراهين العظام، راجى لطف الله المبدئي المعيد، مولانا شيخ الاسلام خطيب منارة اوزاده وبلاده، ذا منزلة السعادة، الناظر في الأحكام والأمور الدينية والدنيوية، والتعلقات الشريفة السلطانية الواضع خطه الكريم، وطابعه العظيم اعلاه، لطف الله به وقضاه وبعد فقد اتفق علماء تونس على تجويز شهادة العزابة في العموم والخصوص، لا سيما أهل الصلاح، لأن شهادة من أتى بالقول والعمل أبلغ ممن اتى بالقول وضيع العمل، إذا المقصود، من قدح في شهادة العزابة لزمه الكفر على كل حال، قال الله تعالى ((إنما المؤمنون أخوة)) وقال صلى الله عليه وسلم ((من قال لا إله إلا الله إيمانا واعتقادا دخل الجنة)) فكيف ووجود ذلك قائما بذاتهم ويقدح في أعراضهم، هذا مما لا يجوز في الشريعة المحمدية، والمعارض في شهادتهم قد ارتكب معصية شديدة، ويؤمر بالاستتابة بسرعة، فإن أبى قتل من ساعته، لأن ذلك مما يسوغ بالتهزئ والقدح في الدين المحمدى، كما يفهم من لحن خطابه وفلتات كلامه، وليس ذلك من دأب المحصلين، ومن حق المسلم على المسلم ان يستر عوراته، ويتجاوز من هفواته، وانه من دين الله كما نص عليه سيد المحققين مولانا قاضي المسلمين حفظه الله ورعاه ومن كل نزغة وقاه بجاه النبى الأمين والله اعلم. (1/307)
صفحة 308
وقع الاجتماع بين يدى المعظم الأمجد الأنجد، صاحب اللواء الموقر أمير المؤمنين، وسلطان المسلمين، مولانا حسين بأى ادام الله أيامه واجرى برياح النصر فكله، أمين يارب العالمين بتاريخ أشرف الربيعين عام 112.))
تصديق الفتوى
((الحمد لله وصلى الله على رسوله. ما أفتى به الشيخان أمامه حق، وعليه العمل، ولا يجدى القادح الاعتذار بل ينتهى عن ذلك وإلا قتل شرعا، حلصلة يقضى بشهادتهم في سائر الفروع والأعمال ولا تنعكس شهادتهم باختلاف الفروع، لأن الاجتماع عند ثبوت الأصل الحقيقي بورود القول المعتمد عليه المسلمون لا خلاف فيه والله أعلم حرره افقر الورى إلى من بسط الثرى.
محمد بن أحمد العبار (1)
(1)
أما الرسالة الآتية التي تقدم بها أهالى جربة فهى توضح لونا آخر من ألوان المضايقات التي كان يلقاها الأباضية فالى القارئ الكريم صورة الرسالة بعد حذف الديباجة:
__________
(1) (1) من المؤسف أنني لم اتمكن من مراجعة النص على السجلات الرسمية وقد نقلت الفتوى والتصديق عليها كان التوقيع في أحداهما بلقبالعبار وكان في الأخرى بالعباري. (1/308)
صفحة 309
((اما بعد فالمعروض على سمعكم الكريم - لا اوقر الله لكم سمعا، ولا شتت لكم جمعا - أن الموجب لهذا الكتاب، الشكوى لله ولذوى الألباب، مما رمانا به النمام المغتاب، مما لم تبحه السنة ولا الكتاب، ونحن منه بريئون، وعنه مبعدون، وكم وكم كتبنا من كتاب، للسيادة العلية، متبرئين من هذه البلي، فلما لم نر لاحدها جوابا، جزمنا بعد وصولها، لا بعدم قبولها، لأن العذر لأهل العذر مقبول، عند الله وأولى العقول، وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة، ويعفو عن السيئات. فلما عيينا من الكتابة والإرسال وأيسنا من الوصال، فوضنا الأمور لذى العزة والجلال ... والمطلوب من السيادة العلية، أن لا تقبلوا في الرعية خصوصا في هذه البلية، الا قول من سلم من الأغراض الدنيوية، قال الله تعالى: ((يا أيها الذين أمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.)) وسبب نزول هذه الأية كذب الوليد بن عقية على الرسول عليه السلام.
وكتبنا هذا مخبرين ومعتذرين، لا ناهين ولا آمرين، وللعفو طالبين فالعفو والأمان، با أولى الفضل والحلم والاحسان عمن كان بريئا مرميا بالبهتان، من غير حجة عليه ولا برهان، وفارق الأوطان والاوكار في آخر الأعمار، من غير جرم ولا اوزار.
والمطلوب من فضلك المزيد، أن تمن علينا بأمرك السعيد، أسعد الله لك الأيام، واتم عليك الانعام، بحرمة النبى، عليه الصلاة والسلام، والسلام عليكم من الأهل والولدان والأخوان، والخدم والاخذان، عم الله الجميع بالفضل والاحسان والحمد لله ذى الفضل والمنة إذ وقاكم وكفاكم شر هذه الفتنة.
اوائل ذى العقيدة 1165 (1/309)
صفحة 310
هذه الصور التي وضعتها بين يديك أيها القارئ الكريم صور هادئة، وقد اتيح للفريق المظلوم فيها ان يدافع عن نفسه او أن يستعين بالعلماء المخلصين الذين يفهمون أصول الشريعة، ويحرصون على وحدة الأمة فيرفعونها فوق خلاف المذاهب، على اثبات حقه، وإليك أيها القارئ الكريم صورا أخرى تحمل طابع التعصب العنيف الذي يتجاوز لترى مبلغ ما وصلت إليه العصبية عندما لم تجد علماء مثل علماء المجمع العلمى في تونس أو فى طرابلس.
هذا قاض يحضر عليه مجلس الدراسة بعض الطلبة وبعض المتفقهين فيقرر لهم بعض المعلومات في مسائل التوحيد وبعضا في مسائل العربية فيستأذنه أحدهم أن يجعل من ذلك وسيلة لمجادلة الأباضية وإقامة الحجة عليهم وقطع عذرهم فيأذن له القاضي غير أن طالب العلم يخشى صولة العلماء من الأباضية ويخاف ان يغلب في النقاش وهو البادئ بالتحدى، وذللك يقرر ان يكتب تلك المعلومات في رسالة ويتحداهم فيها ويضع الرسالة في المسجد وعندما يعجزون عن الجواب سوف يكون له فيهم موقف وإليك أيها القارئ نص الرسالة: (1/310)
صفحة 311
((السلام على من اتبع الهدى وتجنب طريق الردى، إلى المعتزلة - يقصد الأباضية - الذين اخذوا دينهم عن عبد حبشى، الذي ترك لهم الخلود في النار، قال صلى الله عليه وسلم ((من الزم شيئا لنفسه الزمناه له)) والذين يحجبون عن روية البارى جل جلاله قال الله تعالى: ((وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، ووجوه يومئذ باسره)) اعاذنا الله منهم قال صل الله عليه وسلم انكم سترون ربكم وقال جل ذكره ((للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)) يعنى النظر إلى الله تعالى: لكن طبع الله على قلوبكم وسمعكم وأبصاركم حتى صرتم تسبون في دين الملئكة، المتبعين النبئ الأمي ما أجرأكم على النار، وأيضا الا بعد الله عليكم ما تقولون في الأنبياء قبل الأربعين سنة؟ مشركون موحدون؟ وما تقولون فيمن قال مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، وماتقولون فيمن قال: هو وهى زيد عالم ما كان الشان والقصة اجيبونا بكل ما سألناكم عنه، والافدماؤكم وأموالكم حلال من الله ورسوله.)) وهذه نتف من رسالة أخرى كتبها موسى بن محمد بن الحاج الشريف من سكان الجريد: ((وإن وطء نساء الأباضية وغنم اموالهم اولى من الوليمة، يقتلون قبل المشركين بلا بأس ولا ضرر على قاتلهم، وغنهم ملعونون من الله، اولهم وآخرهم، وانهم يصلبون، ومن لقيهم حلق لحاهم.)) وإذا كانت امثال هذه الرسائل والفتاوي تتداولها الألسنة والأيدي في نطاق ضيق لا تبلغ ان تنتشر في الآفاق وان أسلوبها يدل على ان كاتبها من الطلبة المبتدئين أو من الفقهاء الجاهلين الجامدين فاليك امثلة اخرى من ناس ينتمون إلى العلم ويقدمون على تأليف الكتب، ويتمتعون بسمة علمية ذائعة ثم أضفى عليهم الزمن جلال القدم فأصبحوا في العصر الحاضر من مراجع التاريخ. فهذا محمد العبدرى البلنسى مثلا يقول عن جربة، وهو لم يزرها ولم يقم بها ولم يتصل باهلها. (1/311)
صفحة 312
((واهلها أصحاب مذاهب رديئة وأواء مضلة، مثل زواره وزواغه ما يلى: ((ومنها إلى قريتى زواره وزواغة ذوى الأنفس الخبيثة والقلوب الزواغة، معتقدات شنيعة، وأعمال كسراب بقيعه، ومذاهب سوء رديئة وضمائر شر عمرت منهم كل طوية، قطع الله دابرهم، وخضد اصاغرهم واكابرهم، ولا أخلاهم من قارعة تحتاجهم قرعا، وتسحتهم أصلا وفرعا.)) (1/312)
صفحة 313
أما أبو عبدالله التيجانى وهو يقوم مقام الصحفى المأجور لأبى زكرياء اللحيانى فقد أجاز لنفسه أن يأتي بسلسلةمن المفتريات وهو يتحدث عن جربة فقال: ((والمتصلحون منهم لا يماسحون بثيابهم ثياب أحد ممن ليس على مذهبهم، ولا يؤاكلونه في آنيته، وان استقى عابر سبيل ماء من بعض ابيارهم استخرجوا ماء البئر كله فما حوه، وثياب الجنب عندهم لا يقربها طاهر، وثياب طاهر لا يقربها جنب، وقد شاهدت منهم من كان على طهر إذا اجنب غسل ثوبه الذي أجنب فيه يرفعه بعصا او بمححن ثم يلقيه في البحر فيخضخضه بعصاه ساعة، ثم بعد ذلك يتناوله بيده ويوجبون على أنفسهم الغسل صباح كل يوم رجالا ونساء. أجنبوا أو لم يجنبوا، ويتوضئون ثم يتيممون، وقد شاهدت هذا منهم كثيرا ويشترطون في وضوئهم غسل الأيدي من الكتاف إلى غير ذلك من آرائهم الواهية، والأفعال التي حكينا عنهم منها ما شاهدناه وهو ما قصصنا ومنها ما حكاه عنهم الشريف في كتابه المؤلف للجار.)) هذا ما يقوله التيجاني عن الأباضية ومن المؤسف انه لم يترك لنا وسيلة نلتمس له العذر فنحسب ان أن هذه المفتريات إنما نقلها عن غيره او تسربت إليه عن بعض العوام الذين لا يحتاجون لدينهم ولا لأعراضهم وغنما اكد لنا بصفة القطع ما قصه علينا إنما شاهده هو بنفسه وإن هنالك أشياء اخرى حكاها غيره وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن أبا عبدالله التيجاني لا يوثق بكلامه عندما يتحدث عن الأباضية وإن سعيه لارضاء مخدومه وتسهيل ارتكاب الظلم عليه وعلى جنده حمل أبا عبدالله ان يرتكب جملة من الأكاذيب للتشنيع على الأباضية حتى يكرههم في نظر الناس. (1/313)
صفحة 314
وضع بين عينيك هذه الكاذيب التي احسب أنها لم تخطر لغير خيال التيجاني الخصب (1) وجوب الغسل كل صباح سواء كان له سبب او لم يكن (2) الحكم بنجاسة البئر إذا شرب منه مخالف واستخراج مائة (3) الابتعاد عن الناس وعدم مماسته ثيابهم (4) انعزال الجنب عن أن يمس احد أو يمسه احد (5) القاء الثياب التي وقعت بها الجنابة وعدم تناولها باليد (6) الوضوء ثم التيمم بعده، (7) غسل الأيدي إلى الأكتاف.
هذه الصور من الأحكام التي خطرت لأبي عبدالله التيجاني فالصقها بالأباضية في جربة وهى صور لا شك مستوحاة من الخيال.
انه لا حاجة بالقارئ الكريم إلى أن نفد له هذه الأكاذيب الواضحة فإذا شاء الله ان يسترسل في الخيال مع أبى عبدالله التيجاني فليتصور إن سكان جربة يقومون في الصباح الباكر وكل واحد منهم قد حمل ثوبا على عصا او محجن تخفق به الرياح وهو منصرف إلى البحر ليخضخضه وليتصور الأزمة التي تحدث لأهل جربة عندما زارهم التيجاني ورفاقه فإن أهل جربة يشربون من مياه الأمطار التي يجمعونها في صهاريج فلما جاء هذا الجيش الكبير المخالف لهم في المذاهب وشرب أفراده من تلك الصهاريج فإن خيال أبي عبدالله او حكمه يقتضى أن يقوم أهل جربة إلى تلك الصهاريج يستخرجون ماءها الذي شرب منه عابروا السبيل فيريقونه. ويشربون هم من بعد ذلك هواء البحر. والصورة اللطيفة هي هذا الرجل الذي وقف طاهرا بين يدي التيجاني وتحقق طهارته ثم أجنب بين يديه حتى يتأكد التيجاني من الحقيقة ثم نزع ثوبه الذي أجنب فيه ورفعه بعصا أو محجن فالقاه في البحر وخضخضه. إن هذا الرجل او هذه المرأة إنما قامت بهذه التجربة ليتأكد ابو عبدالله مما يروى للأجيال ويستطيع ان يقول: وقد شاهدت منهم من ... (1/314)
صفحة 315
هذه امقله مما يوحى به التعصب المذهبي قد يكون التعصب نفسه دافعا إليها وقد تكون هنالك اغراض أخرى هى التي تدفع إلى ذلك والحقيقة أن المتتبع لأحداث التاريح يجد كثيرا من هذه المواقف المؤلمة، والرجل العامى الساذج عندما يسمع فقيها أو قاضيا او عاملا مؤرخا يثق فيه وفى علمه ودينه يقول ان غنيمة أموال الأباضية حلال أولى من الوليمة او يسمع عالما أديبا محدثا مثل العبدرى يقول عن الأباضية ((قطع الله دابرهم وخضد أصاغرهم واكابرهم، او سمع هذه السلسلة من المفتريات التي تفتق عنها خيال أبى عبدالله التيجاني وهو الأديب الفقيه المؤرخ ... أن أولئك العوام قد يعذرون فيما يرتكبون. أما الحكام الذين يهمهم ان يجدوا وسائل للعقوبة او لابتزاز الأموال فغن امثال هذه الأحاديث تكون سندا لهم وحجة يعتمدون عليها وهم وإن كانوا يعرفون إنها مبنية على كذب او حنق او جهل أو غير ذلك من الأسباب إلا انهم يستغلونها في بعض المواقف التي يحتاجون فيها إلى مثل هذه الدعاية على الأقل حتى يطمئن بعض التابعين لهم انهم لم يرتكبوا محرما فيما بنزلونه بالناس من المصائب. (1/315)
صفحة 316
ولعل من الأشياء التي اضرت بالأباضية انهم كانوا يتنزهون كثيرا عن الشبهات، ويحاولون جهدهم ان يبتعدوا عن الحرام وأسبابه ولما كان اكثر ولاة الحكم لا يراعون احكام الإسلام في نظام الحكم، وجباية الأموال. فقد كان الأباضية يبتعدون عنهم فلا يعينونهم، ولا يستعينون بهم، ولا يتطلعون إلى الدخول في وظائف حكوماتهم، ولا يسعون إلى الحصول على المناصب فيها، وغنما كانوا يحاولون ان يعيشوا في مجتمع نظيف، بعيد عن مظاهر الحكم، قائم بدين الله حريص على أن يتولى شئونه الدينية بنفسه لا يبالى ما يراه فيه الغير وكان الأباضية في البلاد التونسية بالذات قد يخضعون للدول المتعاقبة، او للحكام المختلفين على منصة الحكم ويدفعون لها او لهم ما يتقرر من ضرائب وتكاد تقف علاقاتهم بالحكومات والحكام في هذا الحد لو تركوا وشأنهم.
ولكن اولئك الذين يصطادون في الماء العكر أما لعصبية طاغية على نفوسهم أو مطامع تمليها عليهم شهواتهم وأما لتزلف وتقرب وملق إلى الحكام التماسا للحصول على مرتبة او منصب، واما إظهارا لحماية الدين والذود عنه استجلابا لمحبة العامة واحرتامهم. هؤلاء الذين يصطادون في الماء العكر لا يلبثون ان يحرضوا أثائر من الثوار او شيخا من شيوخ القبائل الضاربة على شواطئ الجزيرة تحترف الغارة والسلب، او اميرا لا تزال خزائنه في حاجة إلى مزيد من المال، او حاكم يعتقد انه اعظم من ان يبقى احد دون ان يدخل تحت جناحه في رغبة وشوق، فيوحى إليه أولئك المتملقون بإن أولئك الأباضية مخالفون في الذهب، وانهم غير معترفين بالحكم، وغنهم يستكبرون في انفسهم فلا يعودون بمشاكلهم إلى الدولة. ولا يرجعون إليها في شئونهم الخاصة. (1/316)
صفحة 317
وهكذا تتجرد غارة او حملة على موطن من مواطن الأباضية فتذهب أرواح وتستباح أموال. ولم تزل هذه المواقف متكررة في أغلي البلاد التونسية فكان الناس في بلاء متواصل مما اضطرهم أما إلى الهجرة واما إلى تغيير مذاهبهم حتى انقرض المذهب الأباضي من بلاد الجريد كلها ومن جبال دمر وما يتصل به ومن القيروان وقابس والحامة وغيرها ولم يبق في غير جزيرة جربة على ان سكان جربة قد عانوا من التعصب المذهبي أشد ما تعانية امة، وقتل في سبيل ذلك من أبنائها علماء اعلام وعذبت طائفة ومثل بآخرين ولم يكن يخفف عليها إلا حينما ترتفع المشاكل إلى تونس ويحضرها علماء الشريعة المحققون الذين يرتفعون بفهمهم لكتاب الله عن مستوى العصبيات والترضيات. وقد سبقت أثناء هذا الكتاب اشارات إلى ذلك.
كان موقف الأباضية منذ تأسس نظام العزابة هو موقف الدفاع في أضيق مجال مهما كان العدوان الذي يسلط عليهم وكانوا يبتعدون بعدا كاملا عن الاشتراك في الحكم والنزاع عليه، وكان العلماء منهم يكبحون جماع العوام ان يخطئوا فيرتكبوا في غيرهم ما يرتكبه الغير فيهم، عندما يكون العدوان عليهم بالسلاح يقنصرون على دفع الأذى على انفسهم ورد العدوان عنهم إن استطاعوا دون ان ينتقموا او يقوموا بالمثل حتى عندما تتحقق لهم الغلبة، اما عندما يكون العدوان بالطعن في العقيدة. او في آراء المذهب، فيقتصرون علماؤهم غالبا على بيان براهينهم وحججهم التي اعتمدوا عليها والأول التي استندوا إليها في القول الذي اختاره. إلا إذا كان المنتقد لهم قد بلغ به التنطع واللجاج إلى الحد الذي أصبح يتحدى القوم بذلك فغنهم جينئذ، يتجهون إليه بالرد، على سبيل من سبل المناظرة المعروفة في تلك العصور. ملتزمين ما أمكن آداب المناظرة.
ويبدو من بعض الأحداث التي حفظها التاريخ ان علماء الأباضية قد بدأوا منذ القرن الحادي عشر يتخلون عن موقفهم في الدفاع السلبي، والبعد عن رجال الحكم. إلى دفاع فيه بعض الإيجابية. (1/317)
صفحة 318
فقد كان معروفا عنهم أنهم لا يلتجئون إلى دولة أو حاكم في رد العدوان او رفع الظلم عنهم، وإنما يدفعون ذلك عنهم بأنفسهم ان استطاعوا او يصبرون لما لم يستطيعوا ولكنهم ابتداء من القرن الحادي عشر قد بدأوا يعرضون مشاكلهم على الدولة، ويطلبون منها كف الأذى عنهم، يستعينون بقوتها على رد العدوان ويطلبون منها أن لا تستمع فيهم إلى وشايات ذوى الأغراض دون تحقيق، وإلى القارئ الكريم امثلة من ذلك.
يقول أبو الربيع الحيلاتي: ((وفي جمادى الآخر من السنة المذكورة - أي 1010 - سعى بالشيخ العالم العلامة أبى القاسم بن سعيد اليونسي الصدغياني وحبسه الاتراك بطرابلس، وبقى في السجن إلى ان سارت الفقهاء وبعض وجوه الوهبية إلى طرابلس واتوا باطلاقة من الباشا والديوان بعد ان مكث في السجن أربعة وعشرين يوما.))
ويقول أبو الربيع الحيلاتي: ((وفي سنة 1020 سعى بالحاج يحى بن عمر القلالى عند ديوان تونس بانه مفسد فبعث إليه، وسار إليها، ودافع عن نفسه واحتج لها وتبعه الشيخ أبو سلامة المذكور قبل، وبعض مقدمى جربة ووجوهها، وكانت الحجة لهم.))
ويقول أبو الربيع الحيلاتي: ((وفي سنة 1024 سافر الشيخ أبو القاسم اليونسى إلى تونس لما سعى به عند الباشا وبعث إليه طالبا منه ألفى دينار سلطانية، وسافر مع جماعة من الفقهاء وغيرهم فايده الله ونصره على من عاداه وصار له الفخر العظيم عند أمراء تونس وفقهائها، وقد كان سبقه هناك من سبقه، وفتح له ما كان مغلقا من أبواب الخير، وانسد عنه ما كان مفتوحا من أبواب الشر، فانتصر والحمد لله، والتقى هناك مع القاضى الذي طعن فيه، وخصمه (1) وغالبه، وكانت الدائرة عليه، وعزل وطرد وسقط في الحفرة التي حفر، وصار مثالا يعتبر ورجع الشيخ إلى وطنه سالما غانما.)) (1/318)
صفحة 319
ويتجلى هذا لاتجاه في المواقف الكثيرة التي وقفها العلامة أبو عبدالله محمد المصعبي وفي المواقف المتتابعة التي وقفها الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف المصعبي. فقد اوتى الرجل من غزارة العم وصحة الادراك وقوة الادراك وقوة الإرادة والشجاعة ما جعله لا يخشى حاكما، ولا يتوقف عن رد عدوان عملى او قولى، فكان لا يفتأ ينتقل بين طرابلس وتونس والجزائر، ويناقش قضاتها وحكامها، ويامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فما تصدر من احد طعنة او وشاية في الأباضية. حتى يتحرك أبو يعقوب للتحقيق عنها وردها أو الرد عليها، وأبطال مفعولها وفي امكان القارئ الكريم أن يراجع ترجمته المختصرة بقلم شيخ الصحافين في الجزائر الشيخ أبى البقظان الالتجاء إلى الحكومة، في دفع العدوان وإن بدات بوادرها حسبما وصلت إليه في أبحاثى التاريخية عن الأباضية في تونس مع القرن الحادي عشر واستمر الالتجاء إلى الحكومة كوسيلة من وسائل الدفاع، يلتجئ إليها الناس ليردوا عنهم ما يلحقهم من الأذى. وبمعرفة الناس لوسائل الاتصال بالحكومة او الاستفادة منها وطرق مخاطبتها زادوا خطوة اخرى هى خطوة إعطاء الحقوق او ثبات الحقوق. فبدا الناس اول الأمر - على احتراس - يلتجئون إلى الحكومة لإثبات حقوق لهم، ثم تعودوا ذلك فاصبحت الأمور تجري عادية منهم كما تجرى من غيرهم، وأصبحت الدولة ودواوينها هى مرجع الناس في دفع الظلم وفى نيل الحقوق يفعلون ذلك كما يفعله غيرهم، وقد كان لهذا الاتجاه الجديد آثار واضحة على الناحيتين الدينية والخلقية عند الأباضية ربما تحدثنا عنها في فصل من فصول هذا الكتاب.
ويجدر بنا ونحن نستعرض التعصب المذهبي ان نشير إلى أن التاريخ قد حفظ لنا صورا من ذلك النقاش الذي آثاره التعصب، ومن الانصاف ان نقول ان أغلب ما وجه إلى الأباضية من طعون
(1)
__________
(1) (1) غلبة في الخصومة (1/319)
صفحة 320
ونقود يدل بمبناه على سطحية قائليه وعامية تفكيرهم أو على سوء قصد من بعضهم كما انه مما يدل على تغلب الروح الاسلامية المؤمنة ومحبة الانصاف والعدل والانتصار للحق، وما قامت به بعض الجمعيات العلمية في تونس في بعض المواقف. فقد عقد علماء القيروان اجتماعا في القرن الرابع الهجري قرروا فيه وجوب مناصرة الأباضية ومؤازراتهم وجوبا شرعيا (1) وحكم المجلس العلمي الذي بحث قضية الطاعن في شهادة الأباضية! وحكم عليه بالتوبة او القتل. وهنالك مواقف كثيرة من العماء في تونس وفي غيرها شبيهة بهذه المواقف على ان هذا القدر كاف في الدلالة على ان المحقيقن من علماء الإسلام في تونس كلنوا يعلمون جاهدين على لم شعت المة وعدم التفريق بين طوائفها وعناصرها، وإن إولئك الذين كانت تحركهم العصبية فيسيئون إلى غيرهم من المذاهب المخالفة لهم، اما أصحاب أغراض مصلحية يتسترون وراء المذهبية، واما جهلة بدين الله قصرت أفهامهم عن استيعاب حقائق الاسلام فكانوا يندفعون اندفاعا هستيريا دون ترو او فهم.
ولعله يكون من المناسب ان اختتم هذا الفصل بأقوال لبعض فطاحل العلماء، قال أبن السبكى في جمع الجوامع: ((ولا نكفر احدا من اهل القبلة بذنب.)) وقال أبو الحسن الأشعري: ((احفظوا عن أنى لا اكفر احدا من اهل القبلة لأنى رأيت الكل مشيرين إلى معبود واحد.))
وقال زورق: ((يجب الاحتراز عن التكفير في أهل التأويل فإن استباحة المصلين الموحدين خطأ قال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم واموالهم. الخ)).
اقال أبو حامد أبو حامد الغزالى: ((ان انصفت علمت ان من جعل الحق موقوفا على بعض بعينه فهو إلى الكفر اقرب.))
(1)
__________
(1) (1) لم اتمكن عند كتابة هذا الفصل من الحصول على نص القرار (1/320)
صفحة 321
وقال قطب الأئمة الشيخ محمد أطفيش: ((ولا نحل مال الموحد بالكبيرة ولا بالضغيرة في حرب ولا في غيرها، للغنى والفقير، وهذه تأليف الشيخ عامر وتآليف أصحابنا كلهم تصرح بتحريم اموال اهل التوحيد، الا بحقها الحديث: ((امرت ان قاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حقنوا منى دماءهم واموالهم)) وذلك مصرح به في نحو مائة كتاب في كتب أصحابنا، وليس من أصحابنا احد يقول بحلها إلا بحقها، وليس الكبيرة ولا الصغيرة مبيحة لها.))
ويقول القطب بعد كلام. ((ونحن بعد لا نقول بالخروج عن سلاطين الجور الموحدين ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا.)) ويقول بعد كلام:
((واما ما ذكر من القول بان دار الاسلام غير دار سلطانهم فلا قائل به فإنه إذا لم تكن دار سلطانهم دار اسلام فكيف تكون دار غيره دار اسلام؟ إلا أن أراد انه على غير حق.)) هذا كلام للقطب رحمه الله رد به على رسالة في الطعن على الأباضية للمفتى الطرابلسى ابن مصطفى. (1/321)
صفحة 322
وقد يكون مناسبا أن اقتطف جملا مما رد به أبو عبدالله محمد المصعبي على أحدى الرسائل التي عرضتها على القارئ الكريم في أوائل هذا الفصل وقد تتبعها أبو عبدالله المصعبي فقرة فقرة. ولما كان كثير مما ورد فيها أما مباحث معروفة في علم الكلام وتناولها أكثر علماء الاسلام بالمناقشة والبحث، او شواهد تتعلق ببعض احكام اللغة العربية فإنني رأيت ان أقتصر في هذه المقتطفات على مالا يتناول تلك المواضيع المعروفة، ليعرف القارئ الكيم أسلوب الشيخ في لرد على المتهجم رد العالم المحقق، وغن كانت تصدر منه من حين إلى حين كلمات تشعر بالحنق والغضب. قال أبو عبدالله: ((واما قولك اخذوا دينهم من عبد حبشى فإن جعلت هذا عيبا فامامك مالك مولى من الموالى، وكثير من ائمتكم، وأما نحن فلا عيب لنا في أحد إلا فيمن لم يتبع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى: ((خلقت الجنة لمن اطاعنى ولوكان عبدا حبشيا، وخلقت النار لمن عصانى ولوكان ملكا هاشميا.)) واما قولك ام لم تجيبوني بما سألتكم عنه فدماؤكم واموالكم حلال من الله اجيبت ام لم تجب لطعنك في الدين، واما مالك فلا يحل عندنا إلا بثلاثة اوجه، هبة عن تراض او بيع عن تراض او ميراث من كتاب الله تعالى - ولكن مخاطبتى اياك كمثل من خاطب الذي ينعق بما لا يسمع الادعاء ونداء صم بكم عمى، فهم لا يعقلون.))
كفاح الصلبية الحانفة (1/322)
صفحة 323
في هذا الفصل احاول ان ألخص للقارئ الكريم ذلك الكفاح المجيد الذي قام به أهالي جربة الأبطال في دفاع الغزو الأجنبي، الذي كانت تقوم به الصليبية الحانقة على السواحل الاسلامية في بلاد الغرب الاسلامي، اما على سبيل القرصنة والسرقة واما لاحتلالها والانتقام منها فيما تزعم. وفي الفترات العصبية التي كانت الأمة الاسلامية في بلاد المغرب تحت حكم دويلات متقطعة متخالفة المقاصد وامارات مستبدة متغطرسة تعاني أقسى انواع الظلم من الحكام المحليين الذين لا يهمهم من مظهر الحكم غير ألقاب فخمة يطلقونها على أنفسهم، ومظاهر كاذبة للعظمة يزينون بها مجالسهم ومواكبهم، وضرائب متتابعة يفرضونها، وأموال كثيرة يجمعونها، يزينون بها مجالسهم ومواكبهم، وعقوبات مؤلمة ينزلونها على شعوبهم، في هذه الظروف العصبية كانت المة المؤمنة تنظم شتات قوتها لتدافع بما بقى لها من عزة المؤمنين اعداء الله واعداء الوطن فكان الناس يدافعون عن بلادهم في الثغور الاسلامية مثل بجابة ووهران وقابس وطرابلس وغيرها دون أن يمدهم اولئك الذين يتمرغون في النعيم - بما ابتزوه من اموال ليس لهم الحق في ابتزازها - في كثير من الاحيان باي مساعدة ولقد كانت اكثر الثغور البعيدة عن مراكز الحكم تعاني الوانا من الظلم من الحكومات والولادة المحليين من جهة، وتكون عرضة لضربات الغزاة من المعتدين الافرنج من جهة اخرى، وعليها وحدها ان ترد عدوان الافرنج فهي تعيش بين ناريين. (1/323)
صفحة 324
ولقد كانت جربة، من هه الثغور التي يحاول الغزاة الغربيون احتلالها والاستقرار بها ليتخذوا منها قاعدة في حروبهم وغزواتهم، وكان الامراء في تونس وطرابلس لا ينفكرن عن النزاع عليها ومحاربتها واحتلالها او افتكاكها من بعضهم البعض، وفي كل معركة من هذه المعارك التي يتبادلها الاخوة طلبا للحكم يتعرض الناس لاشد انواع البلاء والمحنة والانتقام، فيقتل شبابهم وتصادر اموالهم وتفرض عليهم غرامات وضرائب، وقد يتعدى الامر كل ذلك فيؤدي إلى استحلال ما حرم الله من اعراض الناس وهتك حرماتهم.
ومع هذه الصورة البشعة التي كان يتعرض لها اهل جربة، احيانا من اخوانهم في الدين، واحيانا اخرى كثيرة من اعدائهم في الدين والوطن، فانهم كانوا يرتضون ما يجره عليهم حكم اخوانهم ويسكتون له، ولكنهم لم يطأطئوا رؤسهم بذلة امام اعداء الله، ولم يسكتوا عن ضيم منهم، ولم يرضوا عن عبودية تفرض عليهم، ولم يقفوا مكتوفي الايدي عما ينزل بهم الظالمون، فلقد كتبوا امجد صفحة في الدفاع عن الدين والوطن، وسجلوا انتصارات تكاد تكون صورا حية للانتصارات التي سجلها المؤمنون في كل عصر، وفي كل مكان، واقاموا الحجة على المسلمين في كل عصر، وفي كل مكان، فقد اثبتوا بمواقفهم الرائعة ان النصر لا يتوقف على العدد ولا على العدة، وانما يتوقف على ما يزخر به قلب المؤمن من محبة للقاء الله، واستعداد كامل للحصول على الشهادة، ورغبة اكيدة في الموت في سبيل الله، وكما انتصرت القلة على الكثرة في بدر وفي الاحزاب وفي موته وفي اليرموك وفي جربة يمكن ان تنتصر القلة على الكثرة في كل مكان وفي كل زمان إذا توافرت لها الامكانيات الروحية التي كانت عند الجيوش المؤمنة وهي تقاتل في سبيل الله اعداء الله. (1/324)
صفحة 325
ومن اوائل القرن السادس إلى منتصف القرن العاشر والافرنج لا يكفون عن غزو جزيرة جربة وازعاجها باساطيلهم وقواتهم، وقد يتغلبون عليها مؤقتا ولكنها سرعان ما تثور عليهم فتلقى بهم وراء البحر، وقد تنتصر عليهم من اول الامر فتردهم خائبين، ولعل اعظم المعارك التي وقعت بين جربة وبين الغزاة الافرنج هي كما يلي:
1 - في سنة 529 هجم الافرنج على جربة على حين غفلة من اهلها ودون توقع فاحتلوها وقتلوا عددا كثيرا من اهلها.
2 - في سنة 548 ثار أهل جربة على حامية الافرنج الموجودة في الجزيرة واجلوها عن وطنهم.
3 - في نفس السنة 548 ما علم الافرنج بثورة اهل جربة على حاميتهم واخراجهم لها حتى كونوا اسطولا ضخما جهزوه بكل المعدات وهجموا على جربة فاحتلوها بعد معركة طاحنة واخذوا كثيرا من سكانها المسالمين اسرى فباعوهم في الاسواق الاوروبية عبيدا.
4 - في سنة 555 ثار اهل جربة على الحامية الافرنجية ومساعدهم عبدالمؤمن بن علي - على اجلائها فطردوها من جربة وطهروا الجة من العلوج.
5 - في سنة 688 جهز الافرنج اسطولا ضخما وهجموا على الجزيرة واحتلوها.
6 - في سنة 73 ثار اهل الجزيرة على الافرنج وساعدهم ابو بكر الثاني فطهروها منهم.
7 - في سنة 835 جهز الافرنج اسطولا ضخما وهجموا على الجزيرة فتلقاهم اهلها ووقفوا في وجوههم وساعدهم ابو فارس عزوز فقتلوا من العدو عدد ضخما، وبنوا برؤسهم برجاسموه برج الجماجم.
8 - في سنة 916 جهز الافرنج اسطولا ضخما واتجه إلى الجزيرة لاحتلالها فاعترضهم شيخ الجزيرة ابو زكرياء السمومنى وانتصر عليهم في وقعة مشهورة اهتم لها الناس في الشرق وفي الغرب.
9 - في سنة 916 جهز الافرنج اسطولا في عشرين سفينة وقام بمناورات حول جربة فلم يهتم به احد فرج يجر اذيال الخيبة. (1/325)
صفحة 326
10 - في سنة 926 جهز الافرنج اسطولا ضخما يتكون من مائة سفينة واتجه إلى جربة فتلقاه اهلها وردوه خائبا بعد ان ترك في الميدان نحو 600 ستمائة قتيل وعددا اكثر من الاسرى والمعدات الحربية.
هذه معارك مشهورة تناولتها كتب التاريخ بالتفصيل والتعليق، وبين هذه المعارك كثير من الوقائع التي حاول فيها الافرنج احتلال الجزيرة فردوا على اعقابهم، او احتلوها لمدة قصيرة ثم ثار بهم السكان فطردوهم، وقد عدد المؤرخ الجربي ابراهيم بن ثابت عددا من هذه الوقائع مقتصرا على ذكر تاريخ الوقعة دون تفصيل الاحداث فقد ذكر مثلال انه وقعت معارك بين النصارى وسكان جربة من المسلمين حسب تعبيره في السنوات التالية من القرن السادس:
- 529 - 531 - 548 - 551 - 555 - 583 - 585
وفي السنوات الاتية من القرن السابع - 633 - 638 - 639 - 682 - 688 - 691 - 696.
ومن هذه التواريخ يرى القارئ الكريم اصرار الافرنج على احتلال الجزيرة، ومواقف الدفاع المشرفة من اهلها، وبالرجوع إلى الوقائع السابقة التي ذكرناها بشيء من التفصيل يرى القارئ الكريم ان اهل جربة وحدهم هم الذين يقومون بهذه الكفاح الر ائع إذا استثنينا ثلاث معارك ساعدهم في اولادها عبدالمؤمن بن علي وساعدهم في الثانية ابو بكر الحفصي، وساعدهم في الثالثة ابو فارس عزوز.
كان اهل جربة يقومون بذه الدفاع المجيد دون ان يساعدهم احد في الميدان غير من ذكرنا آنفا رغم ان الدول التي كانت تتعاقب على حكم تونس في جميع تلك الحالات كانت تحسب جربة تابعة لها، وكانت لا تنفك تطالبها بتسديد الضرائب وتقديم الاموال وكانت جربة تقدم لها ذلك عن رضا وتعترف بتبعيتها لها بل وتطالب بالبقاء تحتها او الانضمام إلها في بعض الحالات عندما يحالو ولاة طرابلس الاستيلاء عليها والحاقها بحكمهم. (1/326)
صفحة 327
لقد استطاعت جربة ان تصمد للدفاع خمسة قرون رغم حرص العدو واصراره على الاستلاء عليها والتحكم فيها، ورغم ازياد معداته الحربية عاما بعد عام وقرنا بعد قرن ورغم اهمال الدول الاسلامية لها وتهاون اصدقائها عن نجدتها ماديا في محنها، واستطاعت ان تنتصر انتصارات مجيدة في اكثر المعارك التي خاضتها لرد العدو او طرده من البلاد، وعندما بدأت الدولة العثمانية تمد سلطانها على البلاد الاسلامية وجاء درغوث لاحتلال الجزيرة وجدها نظيفة من اعداء الدين واعداء الوطن ولكنه مع ذلك اصر ان يريق الدم بغزارة، وقد فعل، ولكن تلك الدماء التي اراقها درغوث كانت دماء زكية لاولئك الابطال الذي حافظوا على الجزيرة ودافعوا عتها خمسة قرون وزيادة.
كانت جربة قوية عنيدة عنيفة في دفاع العزو الاجنبي الذي ياتي من خارج العالم الاسلامي، ولكنها كانت لقمة سائغة سهلة الازدراء للامراء المسملين، ما يحاول احد منهم ان يحتلها حتى تلين له، سواء كان من الدول القائمة بتونس او كان من ولاة الجهات، او كان من القائمين بالحم في طرابلس.
فما السر في هذه القوة التي نجدها لجربة عندما يحاربها المشركون؟ وهذه الليونة التي نجدها لها عندما يحاربها المسملون؟ وما هو اثر الحربين من الناحية المعنوية.
ان الجواب على هذه الاسئلة يكون في الفصل التالي ان شاء الله.
اثر الكفاح على اهل جربة (1/327)
صفحة 328
كلما اعتدى الافرنج على جربة او حاولوا الاعتداء عليها تلقت ذلك منهم بثبات وصبر، وزادها العدوان عليها قوة وشجاعة وجرأة على المعتدين، وردت عدوانهم في نفس الوقت، فأن غلبت ثارت علينم بعد حين قريب، واخذت بثارها، وانتقمت منهم لنفسها ولم يخسر الجربيون - في جميع تلك الحروب التي شنها عليهم انصار الصليبية، وقادة القرصنة - لا من النواحي المادية، ولا العددية، ولا النفسية، خسائر ذات قيمة. وحسبك ان تعلم انه في المعركة الكبرى التي استعد لها الإفراج أكبر استعداد، وجهزوا لها أضخم أسطول، وجمعوا لها أكبر عدد من المحاربين حتى بلغ عددهم عشرين ألفا من المقاتلين المدربين، ولم تجمع جربة سوى ثلاثة آلاف فيهم شيوخ عجزة ومراهقون حملوا السلاح لأول مرة. في هذه الموقعة التي استعد لها الأفرنج هذا الاستعداد العظيم وخسروا فيها آلاف من القتلى وما لا يقدر من أموال، ولم تبلغ خسارة جربة مائة مقاتل على أكثر الروايات مبالغة، وقد استطاعت جربة ان ترد هذا الهجوم العنيف، وان أصدقاؤها ولا جيرانها ولا الدولة التي تدفع لها الضرائب.
كانت جربة في جميع تلك الحروب التي يشنها عليها الاستعمار الافرنجي تجد علماءها وصلحاءها ومشائخها في مقدمة المجاهدين يحرضون الناس على القتال ويأمرونهم بالصبر، ويعدونهم - ان هم اخصلوا - بالفوز ويقاتلون العدو كاشد ما يقاتل الابطال فيقتلون ويأسرون ويغنمون الاموال ولكنهم حين يتغبر الموقف فيشن الحرب عليهم قوم ينتسبون إلى الاسلام سواء كانوا من تلك القبائل الثاوية في الصحراء تحترف الغارة للسلب والنهب، او اولئك الولاة الذين يبحثون عن الحكم والمال، فيتعاقبون على محاربتها مرة من طرابلس ومرة من تونس واحيانا كثيرة من غيرهما. (1/328)
صفحة 329
ان اهل جربة في هذه الاحوال لا يجدون علماءهم وصلحاءهم في المقدمة كما كانوا يجدونهم في حروب الافرنج، ولا يسمعون منهم كلمة التحريض والتشجيع على الحرب وإذا سمحوا لهم بالقتال دفاعا على النفس والاهل والمال، فهم لا يسمحون لهم ابدا بالاستيلاء على اموال الموحدين بطريق الغنيمة.
ان الاسباب التي جلعت اهل جربة اقوياء اشداء على محاربة الافرنج، وجعلتهم لينين ضعافا في مقاتلة المعتدين من المسلمين انما هي وقدة الايمان في قلوبهم وحرارة التقوى التي تغل ايديهم، والاستمساك المتين بالدين واحكامه في معاملاتهم.
انهم وهم يحاربون الافرنج، يشعرون بانهم يقومون باقدس واجب عند الله، واجب الجهاد، وهم يعلمون ان من يقتل منهم في تلك المعارك فقد قتل في سبيل الله وفاز بالشهادة، وان ما يحصلونه من مال انما هو غنيمة قد احلها لهم الدين الكريم الذي امرهم بالجهاد في سبيل الله ((فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، واتقوا الله ان الله غفور رحيم)).
هذه المعاني كانت تملأ قلوبهم فتجعل منهم أبطالا تفل عزائمهم الحديد، وتطفئ ارداتهم النار، وتقهر خناجرهم البسيطة ما اعد العدو من مدافع وبنادق ومحرقات. (1/329)
صفحة 330
اما عندما يهاجمهم قوم يعلنون الاسلام، وينتسبون إلى امة محمد عليه الصلاة والسلام، فان تلك المعاني تنطفيء من انفسهم، وتلك الحرارة تبرد من قلوبهم، لانهم يحملون سيوفهم ضد اخوة لهم ولو كان أولئك الاخوة بغاة، والمقتول من الفريقين خسارة للامة المسلمة التي يتكالب عليها العدو - وليس احد يقدر هذه الخسارة مثلما يقدرونها هم - ثم ان الدين الذي يدينون به ويتقيدون باحكامه، لا يحل لهم حتى وهم في حالة الدفاع ان يتجاوزا حدود الدفاع إلى الانتقال او العقوبة فلا يحل لهم ان يتبعوا مدبرا، ولا ان يجهزوا على جريح، ولا ان يغنموا مالا بل ان دفاعهم يجب ان يكون مقصورا في اضيق نطاق لرد العدوان وكان كل واحد منهم يتمنى ان لا تسيل الدماء على يده، وكان العلماء لا يفتأون يأمرون الناس بمراعاة احكام الاسلام في محاربة البغاة من المسلمين، وهذه المعاني هي التي تجعل الناس لا يقبلون على الحرب في هذ الاحوال، وإذا اضطروا للوقوف في هذه المعارك فأنما يقفون بفتور ووهن، وكثير منهم يتمنى ان يكون عبدالله المقتول لا عبدالله القاتل، لانهم يحسبون ان النصر والهزيمة سواء في هذه الحروب التي تجرى بين الاخوة فهي كلها خسارة. (1/330)
صفحة 331
وفي اكثر المعارك التي وقعت بين اهالي جربة واخوان من المسلمين كان الجربيون يلاحظون هذه المعاني الاسلامية في مواقفهم وكان المعتدون عليهم في اغلب الاحيان لا يلاحظون شيئا منها ولذلك فقد كانت هذه الحروب بين الاخوة من المسلمين ذات اثار سيئة جدا وكانت خسائر جربة فيها عظيمة، وما شنت عليهم حرب من تلك الحروب، إلا ذهب ضحيتها عدد كبير من الانفس اكثرها من الاطفال الابرياء والنساء الضعيفات والشيوخ العجزة، وبالرجوع إلى احداث التاريخ التي سردنا بعضها في فصول سابقة من هذا الكتاب، او الرجوع إلى المصادر العامة والخاصة للتاريخ في هذه المملكة يتبين للقارئ الكريم هذه الحقيقة، وتكفى لا يضاح هذه الصورة ان اشير إلى احدى الوقائع مما سردنا تقاصيلة في هذا الكتاب، فان حربا واحدة من تلك الحروب التي شنها درغوث على جربة ليجعلها تابعة لحكمة في طرابلس، كلفت الجزيرة الفا ومائتين من القتلى، وقد تلقت فيه جربة فيما بعد ضربات متلاحقات حطمت قوة ابنائها، وفلت سيوفهم، وذهبت بخيرة شبابهم، فلما رجع الافرنج من جديد، وكان درغوث قد شغل بامور الحم في طرابلس، لم تجد جربة القوة التي تضرب بها العدو، ولكنها وجدت في قلوبها عزة الاسلام التي لا تستسلم للكافرين فتحركت الهمم ووقفوا تجاه العدو فلم يمكنوه من احتلال جزيرتهم ولكنه لما اطال الحصار لم ينجدهم احد وخافوا ان تتغلب عليهم القوة صالحوا الافرنج على ان يسلموا لهم القشتيل دون ان يتجاوزوه إلى شيء غيره وفي نفس الوقت، بعثوا إلى دار الخلافة في تركيا يطلبون النجدة لحماية الجزيرة من بقاء المشركين بها، وجاءت النجدة من دار الخلافة وتعاونت القوتان قوة السكان وقوة الدولة على طرد العدو الطر النهائي، وبقيت العزة الاسلامية تملأ قلوب أهل الجزيرة فلما جاءت فرنسا من بعد لتنفيذ الفكرة الاستعمارية الصليبية، كانت الجزيرة من اول المواطن التي قامت في وجه الاستعمار الجديد ودافعته دفاع الابطال. (1/331)
صفحة 332
ولعل مما يناسب المقام في آخر هذا الفصل ان انقل كلمة للاستاذ محمد المرزوقي في هذا الموضوع.
قال المرزوقي في تعاليقه على كتاب مؤنس الاحبة ما يأتي:
((جربة تقاوم الحماية: لم يكد يعلن عن انتصاب الحماية الفرنسية على تونس في 12 ماي 1881 حتى هبت جربة للمقاومة المسلحة معززة جانب المقاومين في الجنوب والوسط والشمال، واستسلمت السلطة المحلية للثورة، واصبح المقاومون اسياد الجزيرة مما اضطر الاسطول الفرنسي بقيادة الامير غرنولت إلى التحرك نحوها بعد ضربة مدينة صفاقس في 15 - 16 جويليه 1881 فضرب مدينة قابس وجزيرة جربة بقنابله ولم تستسلم الجزيرة للقوات المحتلة إلا بعد دفاع مجيد)).
العهد الثالث
العهد الثالث من تاريخ جزيرة جربة هو عهد الدخول تحت جناح الجامعة الاسلامية وذلك ان الدولة العثمانية حاولت ان تضم اليها جميع الدول الاسلامية الصغيرة الموزعة في العالم، لتتكون من ذلك دولة واجدة قوية لامة واحدة متماسكة، ولكن المطامع الفردية وسوء تصرف الولاة وتكالب الغرب على احتلال الشرق حال دون الوصول إلى النتائج الطيبة من هذه الفكرة. ولقد دخلت جربة تحت الجامعة الاسلامية في بادئ الأمر تابعة لوالى طرابلس ثم لوالى تونس. (1/332)
صفحة 333
وسيحس القارئ الكريم شيئا من المرارة ونحن نتحدث عن هذا العهد من تاريخ جربة، وقد يجد بعض النقد لهذا العهد والذي أريد ان يعرفه القارئ الكريم قبل ان يستمر في هذا الفصل أنني لا أنقد أبدا محاولة الدولة العثمانية او غيرها من الدول الاسلامية الكبرى توحيد الأمة المسلمة تحت حكم واحد يسير وفق منهج الاسلام في أنظمة الحكم. وحتى لو لم تتم الصورة المثالية لحكم الاسلام فإن إنضمام الأطراف الاسلامية إلى القلب وتكتلها مع بعضها البعض، هو ما يجب ان يدعو إليه المسلم ويرضاه. وإنما الذي أحس له بالمرارة فإنما هو تصرف اولئك الولاة الذين لم يقدروا الأعباء الملقاة على عواتقهم، فكانوا عند الغضب أو الطمع يعاملون شعوبهم التي هي عزهم وقوتهم، كما يعاملون اعدائهم، وبذلك قتلوا في نفوس الأمة المسلمة روح المقاومة والثورة، وفرضوا عليها طابع المذلة والاستكانة، فلما عجزوا هم عن الرد العدوان لم تقف عناصر المة المحطمة في وجه ذلك العدوان ونتج عن ذلك ان فقدت الأمة خلافتها الاسلامية ووحدتها الدينية وحريتها الوطنية.
وحديثنا عن جربة في هذا العهد قد يعطى صورة كاملة او ناقصة أو حتى من بعض الجوانب لبقية البلاد الاسلامية سيما التي وهبتها عناية الله أسبابا للغناء والثروة.
في هذا العهد الذي يمتد ما بين سنة 960 إلى سنة 1298هـ خضعت جربة لولاة الدولة العثمانية خضوعا كاملا سواء كان اؤلئك الولاة في طرابلس او في تونس.
ولقد مر هذا العهد على جربة من أشد العهود التاريخية، وذاق فيه السكان من أنواع البلايا ما تعجز عن تحمله الجبال الرواسي وكثيرا ما يجتمع عليهم ظلم الولاة والفتن القائمة بينهم على الحكم وتوالى فرض الغرامات الباهضة والمطالبة بالضرئب المتوالية ووقوع الغلاء والقحط.
وإلى القارئ الكريم أسوق أمثلة مما ذكره المؤرخون. (1/333)
صفحة 334
يقول أبو الربيع الحيلاتي: ((في سنة 1895 اجتمع بالجزيرة قلة العافية والغلاء والكساد والجدب، ومنع على بن مراد باى على أهل الجزيرة ميرة القمح والشعير، وإنما أكلت الناس الفيتورة فتمادى الحال كذلك من أول السنة. وفي النصف من جمادي الأولى اتصل الخبر إلى أهل الجزيرة إن ديوان تونس وامراءها تعصبوا على علي بن مراد فغلبوهوطردوه من الوطن وجيشه حينئذ على ما قيل أبعة عشر ألفا ووقفوا اخاه محمد ابن مراد أميرا على أفريقيا بامر السلطان نصره الله، وتمادى على منع القمح والشعير على أهل الجزيرة، وفي سنة 1099 القى الشيخ عبدالرحمن على الوهبية ألفى مطرزيتا واعطاه للنصارى عما تداينه منهم، واعطاه بتونس حتى ولوه الأمر، ثم القى عليهم مع قلة الأمطار وغلاء الأسعار وكثرة الكساد ثم القى عليهم أيضا غرامة أخرى.))
إن القارئ الكريم عندما يقرأ هذه الفقرة مما كتبه مؤرخ شهد الأحداث بنفسه يتصور ما يقاسيه الناس من تسلط الحاكمين، فإن المنطق يقضى بأن الدولة الحاكمة إذا رأت في بلد من بلدانها مجاعة بسبب القحط والجفاف فإنها تعمل على مساعدة السكان على المعيشة وتجلب إليهم المواد الضرورية للحياة وتيسر لهم الحصول عليها ولكن الأميرين محمدا وعليا أبنى مراد المتعاقبين على الحكم وهما يريان ما تقاسيه الجزيرة المسكينة، من قلة العافية والغلاء والكساد والجدب مع هذه المصائب يمنعان على الجزيرة ميرة القمح والشعير، يعنى يحكمان عليها بالموت جوعا، ويضطر الناس أن يعيشوا على الفيتورة وهى بقايا الزيتون بعد أن يعصر ويستخرج منه زيته، ومع ذلك فإن هؤلاء المسلمين يحملون للدلوة العلية كل محبة واعزاز، ويطلبون لها النصر والتأييد كما فعل هذا المؤرخ النبيل. انها صورة مؤلمة لحياة أمة تحت جناح دولة يفرض فيها ان تحمى شعبها في جميع مواطنه وترعاه وتيسر له وسائل الحياة السعيدة. (1/334)
صفحة 335
اما الشيخ عبدالرحمن هذا وهو من عائلة بنى جلود من سكان الجزيرة نفسها فيسافر إلى تونس ويستدين من النصارى أموالا كثيرة يدفعها لوالى تونس ثمنا لكرسى المشيخة على الجزيرة. ويتولى فعلا مشيختها وبمجرد تسلم مهام منصبه يفرض على السكان المساكين ألفى مطر من الزيت والمطر كما يقول الشيخ أبو الربيع واحد وستون رطلا يذهب بها إلى نصارى فيدفعها لهم مقابل ديونهم عليه. الديون التي اشترى بها منصب المشيخة على جربة من الدولة العلية، ثم يعود إلى الحزيرة فيلقى على السكان المساكين مزيدا من الغرامات غرامة تلو غرامة ليجمع الثروة في أقرب وقت ممكن وهذه الغرامات المتوالية يلتمس لها اتفه الأسباب ولا يكفى عن الضرائب السنوية التي تجمع للدولة، ومع هذا الظلم وهذا الحرص على المنصب والمال تضيق الحياة بالرجل فيموت منحرا. يقول العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت ((وفي جمادي الأول من السنة المتممة للمائة القى الله الرعب على الحياة، وارتحل من داره لوادي الزبيب، وسكن بتاجموت وفي الليلة السادسة من رجب ضاقت عليه الأرض بما رحبت فعمر بندقيته تعميرا بليغا، فلما جن عليه الليل اغلق الدرا على نفسه ومكنها من قلبه فمات.)) والمتتبع لتاريخ جربة في هذا العهد يجد كثيرا من هذه الصور المؤلمة التي تجتمع فيها ظروف الحياة القاسية، مع مظاهر الحكم الظالمة، فهى تمتاز بالنزاع المتواصل بين الحكام المحليين الذين كانوا يشترون مناصب الحكم بالأموال التي يدفعونها إلى الدولة المركزية، في تونس، ثم يفرضون تلك الأموال بصورة غرامات وعقوبات على الناس، فيجمعونها منهم ويرتكبون في ذلك أشد أنواع الأرهاق والظلم، ولا يكفيهم هذا بل يضيفون إلى ذلك فرض ضرائب سنوية على كل شئ حتى على الرؤس من بنى آدم. وقد أدى هذا المسلك من الحكام إلى نتيجتين: الأولى. سخط الناس على من يتولى الحكم وتمنيهم زوال أيامه والعمل على تغييره واستبداله. (1/335)
صفحة 336
الثانية طمع الناس في شراء المنصب وقيامهم بالمطالبة بالحكم للحصول على الثروة من هذه الطريق. وأغلب ما يكون ذلك من بعض أفراد العائلة الحاكمة نفسها ويؤدي ذلك إلى انقسام الأسرة الحاكمة إلى قسمين متحاربين ينضم إلى كل قسم منها طائفة من الناس يناصرونه ويشدون أزره على أمل ان يكون من الفريق الغالب، وأقل ما يستفيده اولئك المناصرون إذا انتصر أصحابهم ان يعفوا من الغرامات والضرائب التي يلقيها الغالب منهما على المغلوب واتباعه. وعندما تقع المعركة بين الفريقين وينهزم احدهما لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يخرج المغلوب منتصرا ببعض الولاة في طرابلس، او تونس، فيتعهد لهم بدفع مبالغ من المال إذا هم نصروه وأوصلوه إلى الحكم. فإن سرعان ما يكون جيشا من المرتزقة الذين هم على استعداد للمغامرات والحروب لقاء ما يحصلون عليه من الاسلاب والغنائم في البلدان التي يدخلونها وهكذا يتكون جيش يقوده رجل ليس بين عينيه إلا الحصول على المنصب وجمع المال، أما أفراده فلا يهمهم من موضوع الغارة إلا ما يسلبونه من الناس ويدخل الجيش الجزيرة، ويرتكب ما يرتكب إذا اتيح له ان ينتصر، أما إذا لم يتح له فإنه يرجع ليعمل من جديد على حشد مزيد من المرتزقة الطامعين وإلى القارئ الكريم صورا مؤلمة مما ذكره المؤرخون لهذا العهد، يقول الشيخ أبو عبدالله محمد أبو رأس الجربي: (1/336)
صفحة 337
((وفي سنة اثنين وخمسين ومائة وألف وقعت وحشة بين الشيخ سعيد بن موسى وبين على باشا بن محمد بن على إذ طلبه للقدوم فخاف وامتنع وأولاده على قيادة الأعراض. فخلص مالها وارسله مع ولده خوفا على نفسة لكونه أولاه عمه حسين بن علي، ولما قتل عمه واستولى مكانه، قتل أصحاب عمه ثم انه بعث رجلا من الاتراك يسمى (قارة مصطفى) ليقتله غدرا فاتى لحارة اليهود على طريقة فوجد زيتونة على الطابية بسانية زككوت فاستخفى تحتها ونقب الطابية من النقب بالرصاص فسقط ميتا فبلغ الخبر إلى علي باشا فأولى مكانه الشيخ موسى بن صالح وهرب الشيخ احمد باشا القره مانلى، وطلب منه محلة لأخذ جربة، فلم يلتفت إلى قوله فرجع إلى العربان، فاجتمعت عليه عكارة وورغمة ودخل إلى الجزيرة من مرسى آجيم، واجتمع عليه اصحابه من أهل الجزيرة، وقصدوا قتال موسى بن الشيخ صالح، وكان متأهبا لقتاله منذ سمع به فاجتمع الفريقان بحومة تاجموت، فتحاربا، فانهزم الشيخ موسى وفر هاربا للسوق قتبعه الشيخ أحمد بمن معه إلى أن دخل البرج الكبير فحماه البرج بالمدافع فرجعت العربان إلى السوق فنهبوه عن آخر واستولى الشيخ أحمد على الجزيرة.)) وبعد كلام يقول: ((ولما هزم الشيخ أحمد وقتل غالب من معه رجعت العسكر على حومة آجيم ونهبوا ديار كل من كان من جانب الشيخ أحمد.))
وهكذا تتم الصورة لهذه الحادثة ينتصر أحمد فيستبيح عسكره جميع أموال موسى وأموال اتباعه، وينتصر موسى فيستبيح هو وعسكره جميع أموال أحمد واموال اتباعه وهكذا ينتهب نصف الجزيرة فى المعركة الأولى وينتهب النصف الثاني في المعركة الثانية. (1/337)
صفحة 338
هذه الصورة حادثة واحدة من حوادث متتابعة متكررة، وإذا شاء القارئ الكريم ان يرى صورة أخرى من هذه الصور المؤلمة فأنا أضع بين يديه هذه الصورة التي يعرضها علينا المؤرخ الكبير أبو البربيع الحيلاتي، وهو شاهد عيان فإن هذه الأحداث كانت في عصره، يقول أبو الربيع: ((قدم الشيخ عبدالرحمن - أى أبن أبى جلود - من ساحل طرابلس في أربع مراكب مستعينا بجند طرابلس، ولم يجد سبيلا إلى الدخول إلى الجزيرة بسبب عرب ورغمه الذين استعان بهم الشيخ سعيد - أى ابن جلود - ودار الشيخ عبدالرحمن في سفنه إلى مرسى آجيم ومنع من الدخول إليها، فذهب إلى عرب الأعراض في الجريد وجبل مطماطة من بلد الزارات وقابس والمطوية وما يقربهم، وفزعهم، قيل ان عدد ما فزع نحو ثلاثة آلاف يريد الدخول بهم إلى الجزيرة ليقاتل بهم ورغمة. فلما وصلوا إلى مرسى الغنم خارج الجزيرة وبدأوا يدخلون إلى القطعاية القلبية، والشيخ قاعد معهم خارجا قالوا نحن تريحك من العرب، فإذا قاتلناهم لا نجد عندهم كسبا ولا شيئا ننتفع به ونحن ما جئناك إلا لطميعة، نريد التسريح في أن ناخذ بعض الجزيرة ونفيئها. فابى وقال غنما أريد عمارة البلد ولا أريد خلاءها، فلم تقع بينهم المطاوعة، فقالوا له فإن لم تطاوعنا على ذلك نرجع خائبين أبعث السفن وارددهم إلينا لا نبيع رقابنا من غير طميعة.)) (1/338)
صفحة 339
أعتقد ان هذه الصورة التي نقلتها عن مؤرخين معاصرين لتلك الأحداث كافية في أيضاح الحالة المؤلمة التي كانت تعيش عليها الأمة الجربية الكريمة في ذلك العهد ولعل أسرة بنى جلود هى أشأم أسرة حكمت الجزيرة من أهل جربة، فلقد عاشت الجزيرة في عهد بنى سمو من عيشة الأمة المستقلة داخليا ملتفة حول علمائها، يفصلون مشاكلها وينظمون شؤونها حسب احكام الاسلام، وكان الشيوخ من بنى سمومن متضامنين مع العلماء والعزابة يسيرون بتوجيهاتهم وارشاداتهم لا يطغون ولا يتجبرون ولا يختلفون ولا يتنازعون على الحكم فلما تولى بنو جلود من بعدهم نزع الشيطان بينهم فتنازعوا على الحكم وتقاتلوا عليه وكاد بعضهم لبعض واغتال بعضهم بعضا وانقسم السكان بسبب انقسامهم، واستنصر كل فريق منهم على الآخر بجميع الوسائل الشريفة والوضيعة، وأصبحت صرخات العلماء صيحة في واد، ونفخة في رماد، فلم يعد الناس يستمعون لهم، ولم تعد الحكومات تمكنهم من أداء رسالتهم، لأن نظام العزابة قد حل وأصبح صوت العلماء صوت أفراد لا صوت هيئة، وفل حد السيف القوى الذي كان يحول بين الناس وبين المعصية ومخالفة الجماعة، ذلك السيف الذي فرطت فيه، وفرط فيه جبل نفوسة فانفرط عقد نظامهم ووحدتهم وتعاوتهم وحافظت عليه ميزاب فحافظت على مزايا الأخلاق الاسلامية. ذلك السيف هو الحكم بالبراءة على من يخالف أحكام الاسلام ويبتعد بارتكاب المعصية عن الأمة المسلمة وسيرة المؤمنين الصالحين. (1/339)
صفحة 340
ولم يكن هذا فحسب بل أن السلطة الحاكمة سواء كانت منبعثة من الدولة المركزية أو من المشيخة المحلية - على طريق أغلب وأحكم، او أدفع - قد استبدت بالعماء وضغطت عليهم، وتعقبتهم، وحالت دونهم ودون القيام بمهام العلم والتعليم، والزمتهم الانعزال والبعد عن قيادة الجماهير، فصمتت السنة الإرشاد والتوجيه، وخفت من المجتمع صوت الانكار على الرذيلة بمختلف أشكالها، حتى رذيلة الاختلاف بين عناصر الأمة الواحدة التي أصبحت تعبث بها أهواء الحاكمين، وضعف الاحساس الديني في مراقبة الحلال والحرام والهروب من الريبة والشبهة، وخيل لبعض الناس ان الالتفاف بالدولة، والارتزاق منها هو خير السبل واضمنها للمعيشة فناصر بعضهم الحكام.
على أن أغلبية الناس كانوا يقفون موقف المتردد الشاك الذي يلم يتضح له السبل السوى. (1/340)
صفحة 341
ولم يطل هذا الموقف بالناس فقد تكشف لهم بعد زمن قصير أن ما كانوا يظنونه دولة ويسبغون عليه حرمة الأمر الحكومي وانه يتولى الحكم عليهم بأمانة الله. إن هىلا رغبات شخصية، ومطامع فردية اوصل بعض الناس إليها مهارتهم في نصب الحيل، وبراعتهم في تدبير المكائد، وخبرتهم بكيفية تقديم الرشاوى، وحرصهم على الاستغلال. وغن اولئك الناس الذين وصلوا إلى الحكم وأصبحوا يجلسون على كراسي الدولة ويتكلمون بأسمها إنما يعملون لأنفسهم وإن غيرهم ممن ينصرهم إنما ينال منهم بمقدار ما يؤدي من خدمات لهم لا للدين ولا للمة ولا للوطن. فأصيب أولئك الذين التحقوا بهم والين ترددوا في الالتحاق بصدمة جديدة، وعملت اليد الحاكمة على تفريق كلمة الناس، وتوسيع شقة الخلاف، وتسليط بعضهم على بعض، فنتج عن ذلك زيادة في ألوان التعصب المذهبي والجنسي والقبلي، غير ذلك من ألوان العصبية، ووجد اهل جربة أنفسهم محاصرين من عدة جهات. فرجعوا إلى الانعزالية التي عرفوا بها في الماضى، واعتمدوا على أنفسهم في الكسب والحصول على الثروة والمال، وبعدوا عن التعلق بأعمال الدولة، إلى الاشتغال الحر المتواصل، الذي لا يفتر ولا يمل، سواء كان ذلك في الزراعة ومجال الزراعة عندهم ضيق ومحدود، او كان ذلك الصيد البحري، صيد السمك والاسفنج او كان في الصناعة صناعة الفخار والصوف، أو كان في التجارة.
وفي الميدان الأخير ميدان التجارة تنافس القوم واهتموا له حتى برعوا فيه وبزوا غيرهم، وتغربوا من اجل التجارة إلى أقصى البلدان، واطالوا في الغربة الإقامة، حتى سيطروا على التجارة في كثير من البلاد وأصبح لهم ثقل في ميزان الاقتصاد وضرب بهم المثل في الحذف والمهارة والنشاط. وحتى تلك الأيدي التي كانت تشتغل في الزارعة أو الصناعة او الصيد استهوتها المكاسب التجارية في ديار الغربة. (1/341)
صفحة 342
إن هذا الاتجاه اعنى الاتجاه إلى الاشتغال بالتجارة والتغرب بها واطالة الغربة من اجلها قد نتجت عن نتائج خطيرة من الناحيتين الاجتماعية والدينية. فقد أصبح التاجر الجربي ينقطع عن وطنه تبعا لعمله ويبتعد عن الجو العلمى والديني الذي كان يعيش فيه، ويحيا في جو مادى خالص قوامه العلم المتواصل من بيع وشراء وحساب للمكسب والخسارة وتعرف لاحوال التجارة وما يطرأ على الأسواق من تغيرات، ويخفت في سمعة صوت الوعظ والارشاد وتبعد عنه إصداء الدروس التي تتعالى في مساجد جربة، ويفقد تلك المجالس في بيوت الله قبل الصلاة وبعدها، ويصاب بنوع من المادية والجفاف وغلظ في الحاسة الدينية، ثم يبدأ في ارتكاب أشياء هينة في نظر المجتمع الجديد، ما كان ليرتكبها لو بقى في جربة ويستمر ذلك ويتعوده، وهكذا يكتسب عادات وأخلاقا فيها كثيرا أو قليل عن العادات والخلاق التي كان الناس يحرصون عليها في وطنه.
وعندما يعود إلى الجزيرة من غربته الطويلة ليقيم فيها أياما قليلة للراحة والاستجمام يعتبر نفسه ويعتبره الناس ضيفا، فلا يلتزم السيرة المعروفة للأباضية ولا يحرص الحرص الأكيد على حضور مجالسهم في مساجدهم، ولا يهتم بمتابعة الدروس التي تلقى للعامة أو للخاصة.
وتتابعت الهجرة، وأصبحت هى الوسيلة للحياة واعتاد الناس أن يأخذوا معهم اطفالهم وشبابهم إلى ديار الغربة ليدربوهم على حتراف التجارة فيقطعونهم بذلك عن التعليم الديني الصحيح السيلم، ثم هم لا يحرصون على رعايتهم رعاية كاملة من ناحية السلوك الديني ولهذه الأسباب مجتمعة التي هى:-
1 - انحلال نظام العزابة وفقدان قيادته للمجتمع.
2 - الضغط على العلماء والحيلولة دونهم ودون القيام بامر الله بين الناس.
3 - توالى الهجرة وتتابعها والابتعاد عن المجتمع المتماسك المتقيد بسلوك خاص يرعاه أهل العلم والصلاح.
تأثرت جزيرة جربة (1/342)
صفحة 343
هذه الأسباب الثلاثة مهدت لوجودها ما أطلقت عليه في بعض الفصول من هذا الكتاب كلمة الرذيلة لا سيما في العمل التجاري، وقد جد العلماء المخلصون من أهل الجزيرة الكرام في محاربة ما بدأ يتسرب إلى المجتمع الجربي مما يخالف سيرتهم النظيفة في السابق، من محرم ومكروه. فكانوا ينتقلون بين أحياء الجزيرة للوعظ والارشاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتجاوزوا ذلك إلى السفر إلى البلدان التي يكثر فيها التجار من أهل الجزيرة فيشرفون على اعمالهم، ويطلعون على سيرتهم. وكثيرا ما يشتد أولئك العلماء في النكير على من يجدونه لا يلتزم السير على النهج الاسلامي القويم، لكن التيار الجارف كان أقوى من مجهود العلم المقيد من طرف السلطة الحاكمة.
وفي الأمة الجربية اليوم من مزايا الخلق الاسلامي الشء الكثير فهى لا تزال تعتمد في الكفاح من أجل المعيشة على العمل الحر الشريف، دون امتهان الكرامة او التصاق بالدولة او الاعتماد عليها وهى لا تزال ترعى المجتمع رعاية كاملةة تاخذ بايدي فقرائها وتساعدهم على الحصول على العمل الشريف، وهى لا تزال تحرص على الانفاق في سبيل الخير، لا سيما في ميدان العلم والتعليم والتعليم الدينيى بالذات. ويهتم أغنياؤها ويتنافسون عليه وهى لا تزال محبة للاجتماع والتعاون على الخير والاستماع إلى الوعظ والارشاد والتأثر بكلمة الحق.
هذه المزايا كلها متوافرة في أهالى جربة الكرام ولو انهم فكروا في إرجاع نظام العزابة الذي يتولى جميع الشؤون الدينية والاجتماعية، وحرص افرادهم في مختلف ديارهم على السيرة النيرة المعروفة في جربة عندما كان علماؤهم الاجلاء يشرفون على توجيه الناس فتمسكوا بها في وطنهم وفي مهجرهم، ثم وفروا لبنائهم في جربة وخارجها الدينية السليمة - لو فعلوا هذا لكسبوا خيرا كثيرا. (1/343)
صفحة 344
وانه لسرني وانا أكتب هذا الفصل عن اخوان اعزاء على، أن ادعوهم إلى ان يراجعوا تاريخهم المجيد، وأن ينظروا في صفحاته المشرقة، الصفحات التي كتبها الاسلام بايدي المؤمنين المخلصين. وانا حين أذكر التاريخ المجيد فغنما اعنى تاريخ الأمة الإسلامية في مختلف العصور الطويلة، الأمة التي يكون سكان جربة جزاء صغيرا منها، وتاريخ الأمة الاسلامية الكبرى لا يتمثل في اعمال الدول التي تعاقبت على الحكم او تقاتلت عليه ولا في أعمال الرجال الذين بلغوا إلى أعلى المناصب في أى عصر من العصور. عن ما قام به بعض الحكام او بعض الدول وما يقوم به بعضهم اليوم من ظلم او انحراف لا يحسب على تاريخ الأمة الإسلامية لأنه خروج عن حكم الله وعن إرادة الأمة، لإن تاريخ الأمة الاسلامية إنما يتمثل في الأمة نفسها في الجماعات وفي الأفراد، فلقد كان منها في كل زمان وفي كل مكان من يقومون بأمر الله، ويبلغون رسالته، ويحافظون عليها المحافظة الكريمة الكاملة، دون الاستناد إلى قوة السلطة الظاملة، والاستعانة بنفوذ الدولة الجائرة، فإذا اتيح لهم دولة رشيدة عادلة استعانوا واعانوها. وفى تاريخ جربة المثل على ذلك فلولا القبس الحى الذي يملأ قلوب المؤمنين ولولا الشحنة الروحية التي قدمها أبو النجاة في صدورهم لما استطاع ثلاثة آلاف من العزل ان ينتصروا على عشرين ألفا من احلاس الحروب. (1/344)
صفحة 345
ولولا الوقفة الشريفة التي وقفها كل من عبد المؤمن وأبى بكر وأبى فارس في محن جربة لتغير وجه التاريخ، ولولا الأموال التي تبرع بها المنفقون في سبيل الله لما بنيت تلك المساجد المنتشرة على كامل الجزيرة والتي يبلغ عددها نحو 36 مسجدا. ولولا الأموال التي تبرع بها المؤمنون لما شيدت المدارس ولما قامت دور العلم في مختلف الجهات، ولو أتيح لمؤرخ ان يحصى ما بنى في العالم الاسلامي من المساجد والمدارس ودور العلم على نفقته المحسنين من الجماعات والأفراد لخذه العجب. وفي جربة وحدها دليل كاف على ذلك فغن جزيرة مساحتها ستمائة كيلومتر مربع يقوم فيها ثلاثمائة وستون مسجدا دليل واضح ما ينفقه الناس في سبيل الله.
إن الزائر إلى جربة ما ينتقل من مكان إلى مكان قريب حتى يجدا بيتا من بيوت الله مشيد الأركان عالى البنيان تتصل به مرافق الطهارة وتحيط به دور عديدة خصصت لسكني طلبة العلم الوافدين من الجهات البعيدة. وكل ذلك إنما قام به المسلمون المتطوعون لا يريدون بذلك غير وجه الله تعالي. لم تشرف عليه دولة، ولم تنفق عليه جمعية ذات ميزانية ودخل.
وإنه ليسرني في ختام هذا الفصل ان ادعو اخواني المؤمنين إلى الاستمرار في عمارة بيوت الله، التي أسسها المؤمنون على تقوى من الله من اول يوم. وأن يحافظوا على الصلاة فيها، وان يعمروها بذكر الله، وان يرفعوا صوت العلم في جنباتها، وان يلجأوا إليها في الاتصال بخالقهم، فإن عزة المؤمنين في كل عصر وفي كل مصر إنما انبعثت من المسجد، وما دامت القلوب عامرة بالإيمان بالله، والمساجد عامرة بعباد الله فإن عناية الله لا تتخلى عنهم، وما بعد ناس عن دين الله، وهجروا مساجدهم إلا ووكلهم الله إلى انفسهم فهلكوا. اللهم لا تكلنا إلى انفسها فنهلك ولا تؤيسنا من رحمتك يا أرحم الراحمين.
المجامع العلمية (1/345)
صفحة 346
في إطلاق هذا العنوان على الموضوع الذي أريد ان اتحدث عنه في هذا الفصل شئ من التجوز فإن كلمة المجامع العلمية ربما تعنى عتد القارئ الكريم معنى خاصا يستوحيه من المجامع العلمية الرسمية التي تكونها الدول وتشرف عليها لبحث مواضيع خاصة او عامة. والذي أريد ان أتحدث عنه في هذا الفصل إنما هو ظاهرة تكاد خاصة بعلماء جربة بعد إنحلال مجلس العزابة في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر، وتكاد تكون تلك المجامع العلمية امتدادا معنويا لمجالسالعزابة، التي كانت تتولى كل شئ في الجزيرة حتى تولية الأمراء المحليين وعزلهم، فقد اعتاد ألولئك العلماء منذ أن انحل مجلس العزابة - بسبب تسلط الولاة عليه، ومحاربة اعضائه محاربة لأهوادة فيها - أن تنعقد مجالس العلماء مرة او عددا من المرات في الأسبوع في مسجد من مساجد الجزيرة، تحت رئاسة أعلم علمائهم، وفي هذا المجلس الذي يجتمع فيه كبار العلماء لا يتخلف أحد منهم إلا لعذر، ويحضره المتعلمون من مختلف الطبقات كانت تناقش أهم المسائل والأحداث، وتعرض المشاكل المستجدة، وتوضع بين يدي المجلس خصومات الناس ومنازعاتهم، وينظر المجلس في جميع ذلك ويستعرضها موضوعا، فيستنبط الأحكام للمواضيع المستجدة، استنادا إلى أصول الشريعة، ويفصل منازعات الناس بحكم دين الله، ويعلن الشيخ ذلك، وغالبا ما تدون محاضرة تلك الجلسات، فيقوم الطلبة وقد استفادوا علما وعرفوا طريقة استخراج الأحكام واستنباطها من القواعد الكلية، وانواع السلوك الذي يجب أن يتحلى به من يتهيأ للفصل بين الناس. (1/346)
صفحة 347
ويقوم المتخاصمون وقد رضوا بحكم الله الذي اعلنه لهم شيخ المجلس العلمى مكتفين بذلك، مقتنعين بانه حق وصواب، لا يرتفعون إلى حاكم آخر ولا يتجهون إلى قاض من القضاة الذين قد تعينهم الدولة، لأن المجلس في نظرهم وفي الواقع أكثر دقة وكفاءة في معرفة الأحكام وحرصا على إيصال الحقوق، واوفر أمانة ونزاهة، وابعد عن دواعي الجهل او الخطأ، أو التأثر بالمؤثرات الخارجية كالخوف او الطمع.
ولقد تعاقب على الرئاسة العلمية لهذه المجامع في زمن العزابة وبعدهم عدد من فطاحل العلماء الاعلام. وكانوا يتعاقبون عليها بالكفاءة الشخصية فقط، فلم يكن هنالك من يسند إليهم هذا المنصب الكبير لا من الدولة ولا من الأمة، ولكن بتسليم العلماء لا علمهم واعرتافهم بتفوقه العلمى وتأهله لشغل ذلك المكان الكريم، ومفهوم بالطبيعة أن هذا كان يحدث بعد انفراط نظام العزابة، أما حين كان نظام العزابة سائرا ينعقد ويقوم بمهامه فهو الذي يسند الرئاسة العلمية إلى من يستحقها ويسمى شيخ العزابة ويسند الرئاسة المدنية إلى من يتوسمون فيه القدرة على رعاية شؤون الناس، ويسمى شيخ الحكم، ويكاد ينحصر عمل شيوخ الحكم هؤلاء او الحكام المدنيين على مفاوضة الدول التي تحكم الجزيرة أو تريد حكمها وتسليم مقادير الضارئب التي تفرض عليها، وعندما يحاول الأفرنج احتلال الجزيرة فإن هؤلاء المشائخ بالتعاون مع مجالس العزابة ينظمون وسائل الدفاع ويشرفون عليها وقد يتولون قيادةة المعارك الحربية كما فعل أبو زكرياء السمومنى.
ولقد داب علماء الجزيرة على هذا الوضع من عقد المجامع العلمية إلى عصر الشيخ سعيد بن تعاريت. (1/347)
صفحة 348
ولقد يجمع عصر من العصور عددا ضخما من العلماء ولكن سرعان ما يمتاز واحد منهم فيسلمون له رئاسة المجمع دون ان يحدث بينهم خلاف. فلقد كان فيهم من غزاوة العلم، ومتانة الخلق، وصحة الدين، وسلامة الصدر، ومحبة الأخوان، ورعاية المصلحة العامة، ما يحملهم على الاعتراف لذى الفضل بفضله، ولم يحدث فيما وصلت إليه يدي من مصادر التاريخ، أن تنافس اثنان من العماء في الجزيرة على رئاسة المجلس او تنازعوا على الاعلمية ولم يحدث ان تكبر احدهم او انتفخ فاعتزل حضور المجلس. ويشهد لذلك الشيخ سعيد التعاريتي فيقول: ((تجدهم مع غزارة علمهم وجلالة قدرهم، لايستغنون عن بعضهم وانه إذا نزل بهم امر مهم او غيره يجتمعون على أكبرهم ويوقرونه ويلتمسون منه الرأى والمخرج، مما هم فيه، وهذا دابهم رحمهم الله تعالى ورضى عنهم.))
ومن المشائخ الذي ترأسوا المجامع العلمية من يلى:
أيو عثمان سعيد بن على يامون الجربى
أبو النجاة يونس بن سعيد التعاريتي
زكرياء بن أفلح الصدغيانى
أبو سليمان داود بن ابراهيم التلاتى
قاسم بن سعيد اليونسى
أبو الربيع سليمان بن عبداله من أولاد أبى زيد
أبو عثمان سعيد التغرويسنى
أبو محمد عبدالله بن أبى السدويكشى
أبو عبدالله محمد بن أبى سته
أبو الفلاح الياس بن داود الهوارى
زائد بن عمر اللوغ
أبو الربيع سليمان بن أحمد الحيلاتى
أبو الفضل قاسم بن أبى الربيع بن محمد الشماخى شيخ الشيخ سعيد تعاريت.
ذكرت لك أيها القارئ الكريم هذه الأسماء لا على سبيل الحصر ولا على طريقة الترتيب الزمنى ولكنهم كامثلة للموضوع ومنهم من رأس مجلس العزابة لتحلل نظام العزابة في عصره ومن هؤلاء أبو الفضل الشماخى.
ولعله من المناس ان انقل للقارئ الكريم في هذا الفصل شواهد مما مكتبه المؤرخون في هذا الموضوع.
قال سلامة الجناونى: ((وقع لعزابة جربة اجتماع عند شيخنا الفاضل الهمام أبى النجاة عمنا يونس بن سعيد بن يحيى التعاريتي.)) (1/348)
صفحة 349
وهذا النص يدل على ان مجلس العزابة كان ينعقد عند شيخهم وانه لم يزل إلى ذلك الحين (سنة 916) يتولى جميع شؤون البلد حتى الشؤون السياسية ويؤيد ذلك ما جاء في الوثيقة التي رجحت سابقا انها من تقاييد الجناوني ما يلي:
((فاجتمع حينئذ من ينظر إليه من عزابة وهبيتها - يعنى وهبية جزيرة جربة - عند الشيخ الأجل الفقيه الكمل العالم الأفضل أبى النجاة يونس بن سعيد أسعده الله واسعد به، ووفقه ووفق به، ليروا رأيهم بين يدية، لما علموا من يمن الرأى الناجح الناتج على يديه.)) ويقول الشيخ سعيد التعاريتى: ((ويجتمع أى أبو النجاة يونس - هو واكابر مشائخ عصره إذا نزلت بهم نازلة عند عمنا سعيد يامون المذكور من حومة غيزن من جانب صدغيان لقدم هجرته (1) وكثرة بركاته، ويخرج الرأى من جميعهم.)) ويقول الشيخ سعيد التعاريتي في
(1)
__________
(1) (1) يطلق الاباضية هذه اللفظة على الدخول فس سلك العزابة فيقولون فلان اقدم هجرة من فلان يعنون بذلك انه سبق إلى الدخول في مجلس العزابة، والحديث هنا يدل أن أبا عثمان يامون دخل مجلس العزابة قبل أبى وهذا طبيعيى لأن أبا النجاة من تلاميذ أبى عثمان وأبو عثمان من تلاميذ الشيخ يعيش الجربى. (1/349)
صفحة 350
مكان آخر: ((وإذا وردت نازلة يجتمعون عند عمنا زكرياء الصدغيانى.)) ثم يقول بعد أسطر: ((ثم من بعدهم الجميع عند عمنا يونس التعاريتيى)) ومعنى هذا ان رئاسة المجلس انتقلت بعد أبى عثمان يامون إلى ابن يحى زكرياء الصدغياني، ومنه انتقلت إلى أبى النجاة يونس. ويقول الشيخ التعاريتى في حديثه عن أبن سليمان التلاتي: ((وساد بجربة، وتولى مجلسها إذ ذاك، وغليه يرجع الأمر في زمانه والشورى.)) ويقول الشيخ التعاريتى: ((وكان الشيخ أبو الربيع سليمان بن عبدالله من أولاد ابن زيد رحمه الله أحد الأئمة، كان ترجع إليه الشورى في مجالس العلم، لأنه كان المجلس بجربة مجلس المسجد الكبير، ثم تحول الى مسجد بنى لاكين ثم صار في مسجد وادى الزبيب، يجتمع كافة العلماء والمشائخ على الشيخ سعيد التغرويسنى وسيأتى التعريف به، بإذن الشيخ أبى زيد الصدغيانى والشيخ الياس الهوارى وذلك في عشره الأربعين أظنها من القرن العاشر.)) ويقول الشيخ التعاريتى: ((وإليه - أى أبى النما رائد بن عمر أللوغ - المرجع في الفتوى والشورى في زمانه والمدرس حينئذ داود التلاتي بمسجد القصيين والاجتماع عند أبى النما ولا يخرج الرأى إلا من عنده وذلك في زمن تولية شيخ الحكم بالجزيرة صالح السمومنى.)) (1/350)
صفحة 351
ويقول التعاريتى عند الحديث عن أبى عبدالله بن أبى حفص بن أبى سته: ((وله مكان يحكم فيه معلوم اليوم، به مقصورة ببابها، كان يجلس فيها الممتنع عن أداء الحق حتى يذعن ويخرجه منها على ما قيل وذلك مشهور.)) واضاف بعد أسطر يقول: ((وهذا المجلس تولاه بعد شيخه عبدالله السدويكشى.)) والكلام هنا يدل على أن الحكم يتولاه باسم العزابة، ولولا ذلك ما استطاع أن يحكم على الممتنع عن أداء الحق بالحبس حسب كلام التعاريتى لن القوة التنفيذية او ما يعبر عنه التعاريتى بمشيخة الحكم إنما كانت في عصر أبى عبدالله في أسرة بنى سمومن فابو سته شيخ عزابة وليس شيخ حكم وقوته هذه التي يستطيع ان يحبس بها من يمتنع عن إداء الحق غنمات يستمدها من قوة العزابة لن من قوة الدولة.
ويقول العلامة التعاريتى: ((أن مشائخ الجزيرة كلهم يجتمعون بمجلس الحكام والأمور المهمات من صالح البلد لأنهم رحمهم الله كانوا بوقتهم مهما يقع شئ في البلد لا يمكن حاكمهم بفضله ولا يفعل شيئا دونه (1) كما يشهد لذلك مكا رأيناه مقيدا بعدة رسائل في تقييد وقائع الجزيرة في زمان بعضهم مثل أبى النجاة وأبى سليمان وغيرهم.))
احسب ان الشواهد السابقة كافية للدلالة على ما أردت ان اعرضه على القارئ الكريم من أن اهل جربة قد اعتادوا على نظام ساروا عليه، وذلك بعقد مجامع علمية يرأسها اعلم علمائهم وتعرض فيها جميع مشاكلهم الخاصة والعامة، ويكون هذا الاجتماع غالبا في بعض المساجد ولكنهم قد يعتقدونه في منزل الشيخ إذا دعت لذلك أسباب وذلك فيما يبدو لى عند نزول امور مهمة مستعجلة، كالغزو الخارجي او عند ما يريدون ان يكون نقاشهم في دائرة خاصة بعيدة عن العوام وصغار الطلبة. (1/351)
صفحة 352
وهذه المجالس إنما كانت إجتماعات لمجلس العزابة فلما انحل اعتاد العلماء أن يقوموا بذلك ويحافظوا عليه وبقوا محافظين على هذه العادة لزمن طويل حتى تغيرت انظمة الحكم في أواخر العهد العثماني وتسلط الحكام على العلماء ودخلت بعض المذاهب الاسلامية إلى الجزيرة فاستغل الحكام ذلك لزيادة التفريق بين الناس وتوسيع شقة الخلاف، وأصبحت تلك المجالس تتضاءل حتى انقرضت او كادت في زمن الشيخ سعيد بن تعاريت على ما يفهم من
(1)
__________
(1) (1) أي لا يفعل الحاكم شيئا دون مجلس العلماء (1/352)
صفحة 353
حديثه يقول التعاريتى: ((وتجد أشياخ وقتنا الواحد منهم لا يصلح ان يكون أق تلميذ لاضعفهم علما، وتجد أعلم أشياخ وقتنا مثله لا يكون مدرسا ولا يتأهل للتدريس ومع هذا كله تلقاهم وتجدهم لا يجتمعون على لفظه، وكل مقتنع برأيه وعلمه، وغذا صاوبت أحدا منهم يقول ما يقول، والآخر كذلك، حتى صار هذا دين لهم يفنى عليه كبيرهم، وينشأ عليه صغيرهم، فمن أجل ذلك سلط الله عليهم الظلمة الغشمة، وأستولى عليهم الاسافل حتى لا يعرفون قدرهم ولا قدر علمهم وحينئذ يقول الواحد منهم او كلهم هذا آخر زمان، لم يعد العلم يوقر، ولم يعد له قدر وشان، ولم يعلموا ان هذا كله بارادة الله، وبسء أفعالهم، تصديقا لقول هادى المة كاشف الغمة ((كما تكونون يولى عليكم)) وقوله عز من قائل ((فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) 9 لكونه في محل ينبئ عن الباطل، لأن العلماء ورثة الأنبياء واما الظلمة والاسافل فهم في باب الظلم والتعسف، لا يعرفون الله ولا يراقبونه. جهلهم حملهم على ذلك. وزيادة غاية حال زماننا كمكا قال تعالى ((الم ترا أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ازا.) 9 فلا تجد عالما يصاوب ظالما، ولا ظالما يوقر عالما، لا داعى ولا مجيب إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وحسبى الله ونعم الوكيل، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب، نسأل الله تعالى السلامة والعصمة والنجاة من فساد هذا الزمان ومن شياطينه النسية والجنية آمين واستغفر الله من الزيادة في الكلام، واختم قولى بالصلاة على النبى، عليه السلام.)) (1/353)
صفحة 354
ورغم هذه الصورة القاتمة التي وضعها الشيخ سعيد بن تعاريت لعصره وعلماء عصره، فاننى اعتقد ان ذلك العصر كان به افذاذ من العماء، يقومون بامر الله، ويحافظون على دينه، ويرعون المة في جميع شؤونها ويامرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتولون تعليم شباب الأمة، وتربيته على الأسس الاسلامية للتربية، وقد ادركت بعضا من علماء الجزيرة المعاصرين له وحضرت دروسا على بعضهم امثال الشيخ رمضان اللينى، والشيخ عمر بن مرزوق، والشيخ محمد بن تعاريت، فكانوا امثالا للعلماء المسلمين، سعة اطلاع، وغزارة مادة، وصحة عقيدة، وسلامة دين، وشدة ورع، ونصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم، وجهادا في سبيل الله، وكفاحا في نشر العلم، وقد كان غيرهم في الجزيرة كثير مثل الشيخ عمر العوام، والشيخ سليمان الجادوى وغيرهم.
وطبيعى ان هؤلاء العلماء في عصر المؤرخ الكبير الشيخ سعيد بن تعاريت لم يستطيعوا ان يقوموا بمثل ما كان يقوم به أسلافهم، لأنهم كانوا تحت حكم الاستعمار الفرنسى المتغطرس، ومهما بلغ الظلم والانحراف بالحكم من الأمراء المسلمين في كل العصور، فإنه لا يبلغ عشر ما جاء في الاستعمار الغربي للشرق الاسلامي. والفرق في هذا واضح فإن الأمير المسلم الظالم إنما يظلم لشهوة عارضة، إما للحصول على المال او للإنتقام أو التحكم وإظهار السلطة. أما الاستعمار الغربي فقد جاء بخطة تحويل ما في الشرق من خيرات إلى الغرب والقضاء على الدين الاسلامي القضاء الكامل والحاق هذه المة بالجنسيات الأوروبية، وتحويل حضاراتهم وادابهم ولغاتهم وما إلى ذلك مما يوحى به الشيطان عندما يخدع اعوانه لينطقوا للتخريب والافساد والفرق بين هذا وذاك. لا نسبة بينهما ومن المستحيل بطبيعة الحال ان نطلب ممن يعيش في مثل هذه الظروف ان يعمل مثل ما يعمل من يعيش في مثل ظروف اولئك العماء السابقين على مختلف عصورهم والفوارق بينهما. (1/354)
صفحة 355
وقد ايتح لى ان ازور جرزيرة جربة زيارة خاطفة سنة 1965 في عهد الاستقلال والحرية فوجدت بقايا تلك الظاهرة ظاهرة إجتماع العلماء والطلبة لدراسة العلم ومشاكل الجزيرة الدينية والاجتماعية ولقد سرنى والله وانا اتحدث إلى جمع غير قليل من رجال الجزيرة الكرام ومن علمائهم العظام ومن المدرسين وطلبة العلم ما لمسته فيهم من حرارة النقاش، ومحبة العلم والرغبة فيه والتماس الكمال والسعى له. وقد اخبرونى ان لهم مجالس علمية مرتين في الاسبوع يتدارسون فيها مشاكلهم العلمية والدينية ويدرسون بعض الكتب المفيدة مما ألفه السلف وانهم مواظبون على ذلك حريصون عليه.
ولعل الشباب المثقف المتعلم من اهل الجزيرة يعمل على احياء ذلك التاريخ المجيد الذي انتج عبقريات وترك تراثا اسلاميا رائعا في عهد الاتقلال الزاهر الذي يعمل على ان ينوئ تونس بجميع اجزائها في امكنة الصدارة من العالم الاسلامي.
كلمة الختام
أخى القارئ الكريم أرجو أننى قد وضعت بين يديك صورا من حياة امة مسلمة كريمة، في وطن مسلم كريم، ولقد اعلمت ما في وسعى من جهد لخذ تلك الصور من حقائق التاريخ، سواء كانت تلك الحقائق علما في صدور الرجال، او أخبارا تتناقلها الأجيال. أو معارف مدونة في بطون الكتب والأوراق، او شواهد بادية على الاطلال والآثار. فإن كان فيها علم وحق فذلك ما اردت والحمد لله على التوفيق. وغن كان فيها الخلط والخطأ فالله سبحامه وتعالى المسؤول ان يرفع عنى اثم الخطأ، ويقينى الزلل.
واخيرا أشعر انه من واجبى ان اتقدم إلى أصداقائي الذين امدونى بمساعداتهم المادلة والعلمية، وتكبدوا من اجلى مشاق الشفر، بالشكر الخالص، داعيا الله سبحانه وتعالى، ان يتولى جزاءهم عنى، فغنه نعم المولى ونعم النصير. (1/355)