صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: الإباضية في موكب التاريخ
المؤلف: علي يحيى معمر
مراجعة: سليمان بن الحاج إبراهيم بابزيز
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1429ه/ 2008م
الطبعة: 3 (مصححة ومراجعة)
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 ربيع الأول 1447ه/ 08 - شهر 09 - 2025م. الأباضية
في موكب التاريخ
تأليف الشيخ العلامة
مراجعة الحاج سليمان بن الحاج إبراهيم بابزيز
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الإباضية في موكب التاريخ (1/3)
صفحة 4
الأباضية في موكب التاريخ
2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثالثة
1429 هـ - 2008 م 2008
(مصححة ومراجعة)
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف: 92556872/ 00968
صب 2 السيب. الرمز البريدي: 121 سلطنة عمان (1/4)
صفحة 5
الأباضية في موكب التاريخ
3
مست
الإباضة
ضية
في موكب التاريخي
تأليف الشيخ العلامة:
معمر
مراجعة:
الحاج سليمان بن الحاج إبراهيم بالبزيز
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان (1/5)
صفحة 6
الأباضية في موكب التاريخ
4
المقـ
قال الله الله
بالية الحالية
إِنَّ هَذِهِ أُنتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنا رَبَّكُمْ
فَاعْبُدُون
(سور الأنبياء: 92) (1/6)
صفحة 7
الأباضية في موكب التاريخ
متلمة المراجع
الحمد لله الذي أنار سبيل المتقين، وهدى الأنام إلى ما فيه الْحَقَّ اليقين، والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين، وأكرم مبعوث للعالمين، وعلى من سار على نهجه إلى يوم
وبعد ..
الدين.
فَإِنَّهُ لمن أجل النعم، وأعظم المنن أن يقيض الله لِكُلِّ أُمَّة رجالا ينفضون عن تاريخها ما علق به من غبار، ويستخرجون أجمل ما فيها من عبر، وأنصع ما فيها من صور .. يقدمونها منظومة منضودة على أطباق من نور لأجيال عطشى لتلك المآثر، ومشرئبة إلى تلك المناظر، ترشدهم إلى سيرة خير البشر، واجتناب أسباب الضرر .. في أسلوب جذاب يخلب الألباب، ويهدي الأنام إلى العزيز الوهاب .. فما أحوج هذه الأمة اليوم إلى أن تعود إلى كتاب الأيام الخوالي، لتبصره من منظار كتاب الباري، كما دعا إلى ذلك ربنا العالي:
ولَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبرة الأولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مَا وتفصيل كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَة الْقَوْمِ يُؤْمِنُونَ)).
فالأمة اليوم بحاجة إلى أخذ العبرة من كتاب ربِّها بكل ما يدعو إليه من وحدة الكلمة، ورص الصفوف، ولَم الشتات، ونبذ دعاوى التعصب .. وفي ذلك تكمن القوة، إذ تتوطد العلاقة، وتتنزل الرحمة، وتتبدد الظلمة، فيصل النور إلى كُلِّ
هذه المعمورة، فتكون العزة الله ولرسوله وللمؤمنين ..
شبر من
(1) سورة يوسف: 111. (1/7)
صفحة 8
الأباضية في موكب التاريخ
وقد أحسن الشيخ في عرض تاريخ أمة أعطت أروع الأمثلة، وأعظم تجربة في الحفاظ على المحجة البيضاء كما استلمها، رغم ما عانت من أقلام مستأجرة غير اليسير، ومن التجاهل والتعتيم الكثير .. فكتب الشيخ عنها ما يحق لكُلِّ أُمَّة أن تعتز بهذه الصور الرائعة، وبحياة من كان همهم أمر دينهم، وخلقهم كتاب ربهم .. فالأجدر للكتاب في تاريخ الفرق والمذاهب أن ينسجوا على منواله؛ بالعودة إلى المصادر الأصلية لكلِّ فرقة، والصدق في النقل والنقد، والترفع عن الألفاظ الجارحة،
والتخلّي عن الادعاء الكاذب، وطي صفحة الاختلاف، ونشر الأخوة والائتلاف.
وقد طبع هذا الكتاب «الإباضية في موكب التاريخ عدة طبعات في مص والجزائر وعمان في أجزاء متفرقة .. وقد تلقته أنظار القراء بالقبول والإعجاب لما يكمن فيه من روح مؤلفه وإخلاصه، وبذل ما لم يأل جهدا في جمعه وإخراجه .. فكان من أروع ما ألف في تاريخ المذهب منهجا ونقدا وأسلوبا،
حيث يعيش معه القارئ حياة ملؤها الحب والعطف والارتياح ..
فهذا الكتاب يشتمل على أربع حلقات متوالية، وقد بين المؤلف منهجه في
بداية كل حلقة، والحلقات هي:
الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي.
الحلقة الثانية: الإباضية في ليبيا (قسمان: الأول، والثاني).
الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس.
الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر.
فلك أخي القارئ هذه الطبعة الثالثة المراجعة مساهمة منا في إثراء المكتبة الإسلامية بهذا الكتاب في ثوبه الجديد، وهذه الحلقات الأربع في جزأين متواليين في مجلد واحد، حيث تجمع آراء المؤلّف داعية إلى وحدة المسلمين ومحبتهم، حيث تبلغ بأسلوبها ورصانتها إلى قلب كل مسلم منصف غيور، يحرص على وحدة الأمة، ويتطلع إلى غد مشرق مفعم بالمودة والرضا. (1/8)
صفحة 9
الأباضية في موكب التاريخ
Y
عملنا في هذه الطبعة:
قدمنا هذه الطبعة بمقدمة وضحنا فيها طريقة العمل، وترجمة لحياة المؤلف.
* مراجعة النص وضبطه بمقابلته مع النسخ المطبوعة.
* عزو الآيات القرآنية إلى سورها وذكر أرقامها.
* ضبط الأحاديث التي لم يخرجها المؤلف وعزوها إلى مصادرها من كتب السنة. وضع بعض التعاليق التي رأينا ضرورتها.
*
إدراج الفهارس الفنية الشاملة لتسهيل عملية البحث، وهي: فهرس الآيات، الأحاديث والآثار، الأعلام الأماكن، والوقائع القبائل والفرق والأديان، الكتب، المصطلحات والألفاظ البربرية المشروحة.
صعوبات العمل:
رغم السعي الحثيث في البحث عن نسخة المؤلف الأصلية إلا أننا لم نستطع العثور عليها، وقد حاولنا الرجوع إلى المصادر التي استقى منها المؤلف مادته، غير أن الوقت لم يسعفنا لذلك نظرا لصعوبة الحصول على بعضها وأهميته البالغة، ونفاذ نُسخ الكتاب في طبعاته السابقة، وتطلع الناس إلى هذا الكتاب واشتداد الإلحاح في طلبه .. لذلك قمنا بما يجب في إخراجه وهو جهد المقل .. فعسى الله أن يوفقنا إلى أن نوليه عناية خاصة تليق به بعد نفاذ هذه الطبعة إن شاء الله تعالى. أخيرا: أتقدم بالشكر الجزيل والدعاء الخالص للأخوين العزيزين: بهون علي سعيد بن يحى، وداود بن عمر بابزيز حيث تجشما معي الصعاب في مراجعة هذا الكتاب وضبطه، والشكر موصول إلى كُلِّ من أسدى إِلَيَّ نصيحة أو ملاحظة في تطوير هذا العمل أو إخراجه .. وأرجو منك أيها القارئ الكريم أن تتفضل علينا بكل ما تلاحظه من نقص أو خلل أو غير ذلك، وشكر الله سعيكم وأثابكم على ذلك ... آمين. (1/9)
صفحة 10
الأباضية في موكب التاريخ
?
مولده ونشأته:
ترجمة المؤلف
ة
العلامة الشيخ علي يحيى معم (1)
ولد الشيخ العلامة علي يحيى معمر بقرية "تكويت" من ضواحي مدينة "نالوت" بجبل نفوسة بليبيا، سنة 1338 هجرية الموافق لعام 1919 م.
نشأ طفلا في أحضان أسرة متوسطة الحال، وفتح عينيه في بيئة متدينة محافظة، حياتها الدين القويم وسلوكها السجايا الطيبة الكريمة.
دراسته:
1 - في ليبيا: قضى علي يحيى الفترة الأولى من طفولته في قريته .. أدخله والده كتابها فحفظ فيه بعض سور القرآن الكريم، وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة على يد الشيخ عبد الله بن مسعود الباروني الكباوي. وفي سنة 1925 م التحق بالمدرسة الرسمية الابتدائية التي فتحتها الحكومة الإيطالية الاستعمارية، وفيها تفتقت مواهبه عن فطانة ونُبوغ تميز بهما عن زملائه، مما لفت أنظار أساتذته إليه، ولقي منهم عناية خاصة .. واستمر بين أحضانها أربع سنين .. في هذه الفترة استدعى أهلُ نالوت“ أحد طلبة القطب اطفيش الفقيه رمضان بن الليني من جزيرة جربة التونسية .. وقد تلقى على يديه مبادئ العلوم الدينية واشتغل بها موازاة مع دراسته في المدرسة الرسمية؛ غير أنّ الشيخ لم يقم كثيرا في نالوت بل عاد بعد
سنتين إلى وطنه جربة.
""
(1) راجع حياة الشيخ فِي كُلّ من المصادر والمراجع الآتية وغيرها:
-
الأستاذ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج الشيخ علي يحيى معمر ومنهجه في عرض العقيدة.
- مقدمة د/ محمد ناصر بوحجام لكتاب: الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم للشيخ علي معمر. - مقدمة الشيخ بلحاج بكير بن مُحَمَّد لكتاب: الإباضية بين الفرق الإسلامية للشيخ علي معمر.
- مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضية، ترجمة: 640. (1/10)
صفحة 11
الأباضية في موكب التاريخ
الـ
مت
2 - في تونس وجد الطالب عند شيخه الليني ما يُشبع نَهمه العلمي فالتحق به وانضم إلى حلقته في بلدة "آجيم" من جربة خلال سنة 1927 م، لسنة وبضعة أشهر. ثُمَّ سافر إلى جامع الزيتونة العامر ليزيد ارتواء من حلقات العلم بها، فدرس على أيدي علماء عظام مختلف العلوم والفنون. وكان يحضر حلقة الشيخ محمد بن صالح الثميني التي كان يُلقيها على طلبة البعثة الميزابية بتونس في العقيدة والفقه وغيرهما.
3 - في القطر الجزائري: لَمَّا سمع بالحركة العلمية الإصلاحية بميزاب والتي كان يتزعمها الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض التحق بالمعهد المتطور الذي كان ركيزة أساسية في استثمار جهوده وتحقيق أهدافه.
رحل الطالب علي في شهر أوت 1937 م إلى القرارة وانتظم في سلك طلبة معهد الحياة، واتَّخذ دار البعثة مقراً له كسائر الوافدين إلى المعهد، وتلقى أغلب الدروس عن الشيخ بيوض والنحو عن الشيخ عدون وغيرهما من الأساتذة والمشايخ. فَلَمَّا اغترف من منابع الدين والخلق والنشاط رحل إلى بلده وواصل مسيرته العلمية والاجتماعية في السعي لإحياء أمته، والسير بها
قدما نحو العلا والسؤدد.
نشاطه وحياته الأدبية:
كان مشاركا فعالا في مختلف أنشطة معهد الحياة من جمعيات أدبية ومسرحية ورياضية وكشفية وأناشيد ومدائح دينية وغيرها ..
وفي رحاب "جمعية "الشباب الأدبية تفتقت مواهبه وبرز نبوغه في المقالة والخطب والشعر والمحاضرة والمناظرة والمسرحية، وغيرها من الأنشطة ولا يزال المعهد يحتفظ بعدد كبير من
هذه الأعمال.
جهوده الإصلاحية:
1 - في مجال التعليم:
أ- معهد الحياة: قضى ثلاث سنوات متفرغاً لطلب العلم وتحصيله (1937 - فَلَمَّا أحدثت إدارة معهد الحياة تطويرًا في مناهجه ونظمه، أسندت أغلب
1940 م)، (1/11)
صفحة 12
الأباضية في موكب التاريخ
الدروس إلى معلمين خمسة آخرين غير الشيخ بيوض، حيث أُسند إلى الشيخ علي يحيى تدريس المواد الأدبية واللغوية.
ب في ليبيا: ابتدأ مسيرته التعليمية معلما في المدرسة الابتدائية ببلدته "نالوت"، ثُمَّ درس بعدها المدرسة الثانوية، كما اشتغل بتعليم التلاميذ في بعض مساجد "نالوت". ثُمَّ امتد نشاطه إلى مدينة "جادو" حيث سعى في بناء وتأسيس مدرسة ابتدائية، فصار مديرا لها، كما أنشأ معهدا للمعلمين في "جادو" وتولى إدارتها وتسييرها .. وكان يُشرف على التفتيش فيهما وعلى مدارس نالوت.
ثُمَّ عُيِّن رئيسًا للتوجيه الفنّي في مدينة "غريان" فكان يتنقل بين المؤسسات التعليمية في المدن الثلاث: "نالوت" و"جادو" و"غريان" عاملاً ناصحا مخلصا. ثُمَّ عُيِّن مفتشا عاما للتربية
في المحافظات الغربية الليبية. وأخيرًا استقرَّ به المقام في العاصمة طرابلس (1968 م) - 1980 م) نائب مدير التعليم بالوزارة، وكلف بمتابعة المناهج والكتب المدرسية المعتمدة، ثُمَّ اشتغل بمركز البحوث والوثائق التربوية حيث اضطلع بوظيفه مبجلاً مكرَّما مع رفقة كرامٍ مِمَّن يعرفون للعلـ
ويقدرون العلماء حق قدرهم. 2 - في المجال الثقافي:
فضله
عقد حلقات تكوينية، ونشاطات في مختلف المجالات ولمختلف الفئات الاجتماعية، وقد تجسد نشاطه في أعمال ميدانية كثيرة؛ منها إنشاء بعض المجلات مثل "البراع"، وطبع بعض الكتب والرسائل .. وقد ساهم الشيخ بمقالات عدة دينية وأدبية واجتماعية في عدد من المجلات
منها: المسلمون" و"الأزهر" و"الرسالة“ و ” الأسبوع السياسي“ و”المعلم“ وغيرها.
تاجه العلمي: خلف الشيخ آثارا علمية كثيرة ومتنوعة في شتى المجالات، كالعقيدة والفقه والتاريخ والأدب (نثرا وشعرا) .. كُتبًا وبحوثا ورسائل ومقالات وتعاليق على مصنفات، منها المخطوط
والمطبوع، ونذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر: (1/12)
صفحة 13
الأباضية في موكب التاريخ
11
1 - الإباضية في موكب التاريخ (هذا الذي نقدمه للقراء).
2 - الإباضية بين الفرق الإسلامية (مطبوع) -- سمر أسرة مسلمة. (مطبوع). - الأقانيم الثلاثة (آلهة من الحلوى) (مطبوع). ه بحث في حكم التدخين (مطبوع).
6 - أحكام السفر في الإسلام (مطبوع). 7 - الميثاق الغليظ.
- الفتاة الليبية ومشاكل الحياة (مطبوع). 9 - أحكام صلاة الجمعة. 10 - فلسطين بين المهاجرين والأنصار. 11 - الإسلام والقيم الإنسانية. 12 - رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». 13 - رسالة: الحقوق في الأموال. 14 - بحث بعنوان: «الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية المعتدلة» (مطبوع). 15 - مناقشة لمذكرة بعنوان: «في بيوت الله مع القرآن والدعاة».
وفاته:
تعرض الفقيد رحمه الله لأزمات وعلل كثيرة، وظلم ومضايقات وملاحقات متكررة، وعاني من الاعتقال والتعذيب ما أصابه بداء الربو وضغط الدم وعسر الهضم، غير أنه صبر وكافح وعمل حتى توفاه الله وهو بمكتبه بوزارة التربية، صبيحة يوم الثلاثاء 27 صفر 1400 هـ/ 15 يناير سنة 19800 م. ودفن بمقبرة سيدي" منذر بطرابلس بعد عصر اليوم التالي. وقد شيع جثمانه الطاهر جمع غفير من الرفاق والأحباب والإطارات السامية في الدولة ..
11
رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وتغمده برحمته، إنَّه ولي ذلك، آمين.
ك الحاج سليمان بن إبراهيم با يزيز الوار جلاني أبو موسى ز با موسى
البريد الإلكتروني: babsolim@hotmail.com
مسقط: ليلة السبت العاشر محرم 1426 هـ
الموافق لـ: 19 فبراير 2005 م (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
الإباضية في موكب التاريخ
الحلقة الأولى:
نشأة المذهب الإباضي
تأليف الشيخ العلامة
لي يعيد
معمر
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان (1/15)
صفحة 16
الإباضية في موكب التاريخ
14
قال الله عمل:
نشأة المذهب الإباضي
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل الله جميعا ولا تفرقوا
انكر وأحمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ كُتُمْ أَهْدَاء فَأَلْفَ بَينَ
قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُم بنعمته إخوانا له
رژ اور
(سورة آل عمران: 103) (1/16)
صفحة 17
الإباضية في موكب التاريخ
10
نشأة المذهب الإباضي
مقدمة
الحمد لله رَبِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
اللهم صلّ على مُحَمَّد وآل مُحَمَّد، وبارك على مُحَمَّد وعلى آل مُحَمَّد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
في هذه اللمحات القصيرة أردت أن أعرض صفحات عن الإِبَاضِيَّة، أضعها بين أيدي المثقفين من الأُمَّة، الأمة، وليست هذه اللمحات شيئا بعيد المنال، يحتاج إلى تقصي البحث، وإطالة التنقيب، وَإِنَّمَا هي صور صور يجدها عن كتب كُلّ من خلصت نيته في طلب الْحَقِّ، ودعته العزيمة الصادقة إلى الاطلاع على مصادر الشريعة لأهل هذا المذهب، ودرس كتب السير والتاريخ المنصفة التي تحدثت عنهم من موافقيهم ومخالفيهم.
والمذهب الإباضي ليس مذهبا سرياً، وليست أصوله التي ينبني عليها خافية أو مجهولة، وليس أتباعه ممَّن يستترون أو يختفون، فهم لا يقيمون لغير الله وزنا في هذا الوجود، ولا ينتظرون عن أعمالهم جزاء من غير الله، ولا يتبعون في تصرفاتهم غير الْحَقِّ.
إنَّه مذهب ملأ الدنيا حقا وعدلا واستقامة، وضرب المثل الأعلى في النزاهة والإنصاف في أدوار من التاريخ وسيملأ الدنيا بذلك عندما يأذن الله. ولست أقصد بذلك مثل خرافة الإمامة عند الشيعة ولا قصة المهدي المنتظر؛ وَإِنَّمَا أقصد أن أقول: إن المذهب الإباضي يستمد قوته من الإسلام الذي اختاره الخالق ليكون دين البشرية جمعاء، كما جاء به مُحَمَّد لَمْ ينحرف به عن صراط الله السويّ غلوّ ولا تفريط، ولم تنتشر فيه الخرافة التي ييئها مشائخ طرق يتصيدون بها الدنيا عن طريق الدين، ولم يتجمد بتحكم فقهاء على العقول والمدارك فيمنعون الاجتهاد، ويقصرونه على عصر أو ناس لا يحق لغيرهم أن يصلوا إليه، (1/17)
صفحة 18
الإباضية في موكب التاريخ
16
نشأة المذهب الإباضي وتُعَطَّل العلوم والأفهام فلا تعطى حق الحرية في البحث والتنقيب وإعطاء الأحكام بدعوى أن الاجتهاد أغلقت أبوابه، واحتفظ الفقهاء الجامدون بالمفاتيح في مخبأ سري لا يهتدي إليه الباحثون.
قلت: إن المذهب الإباضي، يستمد قوته من الإسلام نفسه؛ لأنه يحتفظ بصفاء النبع الذي يصدر منه وعندما يثوب المسلمون إلى رشدهم ويعودون إلى دين ربهم نظيفا من البدعة، نظيفا من الخرافة، نظيفا من الغلو، الخرافة، نظيفا من الغلو، نظيفا من الجمود، الجمود، نظيفًا من الأباطيل الـ التي القويم .. عند ذلك يجد المسلمون أنفسهم على الإسلام
الله
ألصقها جهل الإنسان بدين الحق، الذي ملأ الدنيا رحمة، وعدلا واستقامة ونزاهة وحقا، وعلى ذلك الإسلام الْحَقِّ لا تزال هذه الطائفة التي سماها التاريخ فرقة الإباضيَّة، وأصر أن يجعل لهم إماما كما لغيرهم من الفرق أئمة، ولو أن إمامهم الْحَقُّ الذي لا يهتدون بغير هديه، ولا يقلدون سواه، إِنَّمَا هو مُحَمَّد بن عبد الله، ليس لغيره حق الإمامة إلا بالأسوة الحسنة، والتتبع للسنة الحميدة القويمة، والإيمان المطلق بأن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والعمل، هو الهدى الذي
بن
أمر الله أمة مُحَمَّد أن يكونوا عليه. وإذا جارى الإباضيَّةُ المؤرخين، وانتسبوا إلى عبد الله أباض، واتخذوا لَهم اسْمًا كما لسائر الفرق أسماء، فلا يعنى ذلك أنهم يقلدون الرجال، ويقدمون أقوالهم، ويتبعونهم اتباعًا أعمى، ويرفعون أولئك الرجال إلى مراتب الكمال التي لا يصلها إلا أنبياء الله المصطفون، وَإِنَّمَا يحرصون أن لا يأخذوا دينهم إلا على من توفرت لهم فيه الثقة والأمانة في دين الله: الأمانة في القول، والأمانة في العمل. والإباضية لا يقدمون الرجال، ولا يجعلونهم علامة على الْحَقِّ، ولا يوجبون تقليد غير المعصوم، ولا يتبعونهم ما لَمْ يثبت الدليل الشرعي صواب مسلكهم، أو يرد النص بأنَّهم
على هدي
محَمَّد ال، كما شهد الحديث الشريف العمار له، ولبعض الصحابة
-
رضوان الله عليهم-. (1/18)
صفحة 19
الإباضية في موكب التاريخ
17
نشأة المذهب الإباض
قال فخر المجتهدين قطب الأئمة رحمه الله تعالى- في رده على العقبي: "وإن أردت أنهم مهملون لا إمام لهم فقد سهوت، فإن إمامهم النَّبِي (1). ولن يعظم في نظر الإباضيَّة إلا المؤمن الذي يستمسك بغرز النبي اللة ويسلك المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها ومهما بلغ الرجل من العلم والعمل فإن في مقاله مأخوذا ومتروكا غير من قال فيه الكتاب الكريم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَ يُوحَى) ولقد كانَ لَكُمْ فِي رَسُول الله أَسْوَةٌ حَسَنَهُ) (3).
بهذه النظرة الواقعية ينظر الإباضية إلى أئمتهم، فهم بشر غير معصومين، تحتمل أقوالهم وأعمالهم الخطأ والغفلة والنسيان، ولذلك فما يصح تقليدهم لأفعالهم أو لأقوالهم، وَإِنَّمَا تلك الأقوال، ويقتدى بهاتيك الأفعال حين يقيمون على صحتها وصوابها الدليل الذي لا يقبل التأويل، فاتباعهم في قول ليس تقليدًا لهم، ولا اتباعًا لرأيهم، وَإِنَّما هو اتباع لمن يتبعون وتقليد لمن به يقتدون وبهديه يهتدون، وإلى حكمه يرجعون.
تؤخذ عنهم
کرے
(1) مُحَمَّد بن يوسف اطفيش: الرد على العقبي، ص 3.
(2) سورة النجم: 3 - 4.
سورة الأحزاب: 21.
علي يحيى معمر (1/19)
صفحة 20
الإباضية في موكب التاريخ
18
نشأة المذهب الإباضي
هذا الكتاب
عنوان هذا الكتاب "الإباضية في موكب التاريخ" فهو يعني أوَّلاً بالشؤون التاريخية لهذه الفرقة من فرق المسلمين الكثيرة، المنتشرة في العالم، ويعني بها ثانيا في مختلف أوطانها، وكم يكن الباعث على وضع هذا الكتاب غير الكشف عن جوانب مشرقة من تاريخ الأمة
الإسلامية الكبرى، في طائفة من طوائفها المتعددة، وفي ركن من أركان وطنها الفسيح. وأنا حين أكتب عن هذه الفرقة من فرق المسلمين، أو عن غيرها من الفرق، أو حين أتحدث عن بعض الأماكن التي يسود فيها الإسلام، لا أقصد الدعاية لها، ولا التنقيص من غيرها، لأنني أؤمن أن هذه الطوائف هي جوانب من الأمَّة، وأن تلك الأماكن هي جهات لوطن الإسلام ولأنني أؤمن أن في الفرق الأخرى وفي الأماكن الأخرى مثل ما عند هذه الفرقة، ومثل ما في الأماكن من الأمجاد .. ثُمَّ لأنني أؤمن أن هذه الأمة الإسلامية وهي تتكون من هذه الفرقة من عباقرة الرجال، وفي الوطن الإسلامي، وهو يتكون من تلك الأماكن من التربة الخصبة التي تنبت المجد والعظمة ما لا يستطيع قلم أن يُحصيه، ولا باحث أن يستقصيه .. وإذا كان قد كتب على الأمة الإسلامية في كثير من أدوار التاريخ أن تنقسم إلى طوائف دينية مختلفة بعض الاختلاف فإنني أستطيع أن أزعم أن تلك الطوائف تنطلق إلى غاية واحدة وإن تعددت بها السبل .. كما أستطيع أن أقول: إنّ لِكُلِّ منها عباقرة وأعلاما قدموا للإسلام من جهة وللبشرية من جهة أخرى أجل الخدمات. وإذا قد كتب على الوطن الإسلامي أن يتجزأ إلى أوطان صغيرة تحكمها دول مختلفة، فإنني على
يقين أن كُلّ وطن من هذه الأوطان الصغيرة أنجب من الفحول من يعد مفخرة في جبين الإنسانية. فإذا انحرفت في تيار سياسي منحرف عن نهج الإسلام دول تسيطر على بعض البقاع الإسلامية، فإن الأمة المسلمة الكبرى لم تزل، ولن تزال تؤدي رسالتها، وإن الفرد المسلم والجماعة المسلمة لا تزال تحافظ على هذه الرسالة في تقديس، واعتزاز، وذلك يعني أن الكفاح في سبيل الْحَقِّ والخير والسعادة لم يتوقف، ولن يتوقف ما دام على وجه البسيطة مسلمون، يؤمنون بقيمة التشريع الإلهي لمصلحة البشرية. (1/20)
صفحة 21
الإباضية
موكب التاريخ
19
نشأة المذهب الإباضي
إنني أود أن يعلم القارئ الكريم أن الباعث على إخراج هذا الكتاب، وقصر البحث فيه على فرقة واحدة من فرق الإسلام والتحدث عن رجال وأماكن معينة .. أود أن يعرف القارئ الكريم أن الباعث على ذلك لا يرجع عصبية مذهبية، تضييق بالتفكير المنطلق في دين الله من سائر الفرق، ولا إلى جمود في حب وطن ضيق لا يتسع لبلاد الإسلام، وَإِنَّمَا يرجع إلى أني درست أصول هذه الفرقة وعرفت من تاريخها أكثر مما درست من غيرها وعرفت منه.
ثُمَّ إن أقلاما لَمْ تستقص البحث، ولم تتعرف الحقيقة قد تناولت هذه الفرقة بشيء من الخطأ، في فهم أصول العقيدة، والخطأ في فهم البواعث على العمل، والخطأ في فهم الأسباب التي نتجت عنها أحداث تاريخية حُمّلت هذه الفرقة أوزارها، وبرّئ منها أولئك الذين تسببوا فيها. والذي يهمني في هذا الكتاب أن أوضح بعض اللبس الذي نتج عن آثار الأقلام الخاطئة؛ فإننا في
أشد الحاجة إلى أن نزيح عن تاريخ الأمة الإسلامية في مختلف فرقها وطوائفها ذلك الرمـ الذي رمتها به أقلام مغرضة أو مُخطئة، حتَّى إذا استقام تاريخ الأمة على حقيقته، وبرئت الفرق المختلفة مما قيل عنها بسوء نية أو بحسن نية لا يتلاءم مع أصولها وقواعدها ومصادر تاريخها وتشريعها، إذا استقام التاريخ على ذلك، سقط عن الأمة كثير مما مما دسته الأيدي العابثة، والآراء المخطئة، والأقلام المغرضة، سواء كان ذلك من كيد خارجي اندس في التراث الإسلامي فآزرته عقول سطحية لم تنتبه لما يحمله من عدوان، أو كيد داخلي دعت إليه ألسنة لم يهذبها النطق بالشهادة، فتقولت الأقاويل عن غرض دنيوي قريب أو متاع فيها قليل. فإذا استقام التاريخ الإسلامي المجيد، وعرض كُلّ أصحاب فرقة من فرق الإسلام عقائد تلك الفرقة، وأحداث تاريخها، ومدى ارتباطها بمصدرها الأول عرضا واضحا صريحا، وأزيلت عنها ما ألصقته بها الدعاية المغرضة أو الجاهلة أو المستغفلة، وجد جميع أصحاب الفرق في جميع مواطن الإسلام، إنَّهم متشابهون كُلّ التشابه فهم منطلقون لتحقيق الرسالة
الخالدة التي أنيطت بهم، في طريق واحد أو في طرق متشابهة، منتهية إلى غاية واحدة. (1/21)
صفحة 22
الإباضية في موكب التاريخ
20
نشأة المذهب الإباضي
رجوع إلى محجة الإسلام
لقد اشتط المسلمون في ابتعادهم عن الدين، فحادوا في علمهم عن سيرة الصالحين، وأوغلوا في تجافيهم عن سبيل الله فبعدوا عنه.
السلف
بعد عنه المتعلمون بما زخرفته لهم وثنية الغرب، ودعت إليه فورة الإلحاد التي تجتاح العالم، وبثه في الأفكار والعقول قوم لا يؤمنون بدين، ولا يعملون لمثل، ولا يقدسون الأخلاق والأعمال التي فرضتها السماء على الأرض.
وبعد
عنه البسطاء بما دَسته الإسرائيليات الماكرة، وأدخله علماء السوء في الإسلام ورضيه الفقهاء المغفلون من خرافة وبدعة، ظنه الناس من دين الله .. وإنَّه لَممَّا يدعو إلى الله .. الغبطة، ويبشر بالخير أن أقلاماً مباركةً أخذت على نفسها أن تذود عن الإسلام عدوان ادائه، وعدوان أتباعه على السواء:
يلي:
1 - فَأَمَّا عدوان أعدائه الذي يشنه الاستعمار والصهيونية بمختلف الواجهات، ففيما
العدوان على الخلق الإسلامي بتيسير وسائل الانحلال، ونشر أسباب المتعة المحرمة، وتهوين الإثم في ارتكاب ما حرم الله في الأبدان والأعراض والأموال، وتشجيع القوميات الضيقة، لتهون رابطة الإسلام المتينة، ودعوى حرية الأديان وتساويها، حَتَّى تصبح الأديان الباطلة، والوثنية الكافرة، والإلحاد الذي لا يؤمن بالله يطغى على الإسلام في بلد الإسلام وحتى تنفصل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض، خوفًا من إغضاب قلة تتبع ملة خاسرة، أو طائفة تُحارب الإسلام في عقر داره بعقيدة باطلة.
والعدوان على الفكر الإسلامي القويم بترويج مذاهب اجتماعية وسياسية، وضعها أصحابها لأهداف خاصة، ومرامي مقصودة، وأغراض دعتهم إليها مصلحة شعب أو دولة؛ فأصبح أولئك الواضعون يتبوؤون مقاعد التقديس، وأصبحت أقوالهم وآراؤهم (1/22)
صفحة 23
الإباضية في موكب التاريخ
21
نشأة المذهب الإباض
تورد للبرهان في مواضع الاحتجاج، ويرد بها على أحاديث المعصومين، وعلى الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنريل من حكيم حميد.
والعدوان على التشريع الإسلامي ومبادئه الحكيمة التي أرسلها خالق الإنسان لإسعاد الإنسان بأنواع من التشريع الضيق المحدود الذي يضعه البشر، وهم في وضعه غير
أمناء.
والعدوان على العقيدة الإسلامية التي تحرر الإنسان من أية عبودية لغير الله، وتساوي بني آدم جميعا في كرامة البشرية، بخرافة أصل الأنواع، وقصة الطبيعة، وما تزخرفه أكاذيب أتباع داروين في قضية التطور.
2 - وَأَمَّا عدوان أتباعه فبعدم فهمهم لأسراره، وعدم تمسكهم بحقائقه، وبتجافيهم تعاليمه، وتقاصيهم عن توجيهه وبعدم تحكيمهم، له والرجوع إليه، والرضا بحكمه فيما شجر بينهم من خلاف.
عن
لقد عملت تلك الأقلام المباركة على نشر الوعي الديني بين المسلمين، تكشف الصفحات البيض المشرقات التي يجهلها العامة من أتباع الإسلام، ويخشاها العارفون به أعدائه، فيتجاهلونها، وتتصدى في عزم وإصرار وثبات لرد الطعنات التي توجه إلى في خفايا الدعاية المغرضة، وبين أستار من العلاج المسموم المشاكل الشرق ودعوى تحضير بنيه وإيصالهم إلى الركب الزاحف، الذي يسرع في الهيمنة على ميادين
من
دين
الحياة.
الله
يسرني
أن أشير إلى تلك الأقلام المسلمة التي تستمد حياتها من روح الإسلام لتدفع عنه عدوان المعتدين ودسائس المستعمرين ومكر الصهاينة والصليبين المخدوعين، ولتدعو أبناء أمة مُحَمَّد إلى الاستمساك بدين مُحَمَّد، كما جاء به مُحَمَّد. أن أشير إلى حملة هذه الأقلام المباركة، المكافحة، وإلى كُلِّ من يجرى في هذا يسرني المضمار، من الذين يحيون كُلّ يوم سُنَّة، ويُميتون كُلّ يوم بدعة، ويذودون عن الإسلام
شبهات أعداء الإسلام. (1/23)
صفحة 24
الإباضية في موكب التاريخ
22
نشأة المذهب الإباضي ولست بذكرى هؤلاء المكافحين في سبيل الله من حملة الأقلام الأحياء أنكر فضل غيرهم ممن جاهدوا لإعلاء كلمة الله، فإن الجهاد في سبيل الله لا ينكره مؤمن بالله، ولكن الحصر لا يتأتى في مثل هذا المقام فلست أنسى فضل الأستاذ الإمام، وبعثه للروح الإسلامية في المسلمين، ولا أثر تلاميذ الدرس أو تلاميذ الفكر الذين حرروا عقول المسلمين من الخرافة والبدعة والجمود وردوا مطاعن الكائدين من بقايا الحروب الصليبية
المتعصبة.
كما لا أنسى فضل الإمام البناء الذي نفخ روح العزة والكرامة والكفاح في نفوس الشباب المسلم، وبذر فيهم روح الفدائية التي يسميها الإِبَاضِيَّة (مسلك الشراء)، ويعتبرونها مظهرًا من كرامة المسلم وعزة الإسلام عندما تسيطر دول الطغيان والظلم والله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
إنَّني لا أنسى فضل هؤلاء، ولا فضل غيرهم ممن لم أذكره في هذا الفصل القصير؛ ولكنني أشرت بالتخصيص إلى أقلام مباركة حية لا تزال في ميدان المعركة تواصل الكفاح في سبيل الله ضد الطغيان طغيان العدو الخارجي وطغيان العدو الداخلي. طغيان المال الذي نفخ الكبر في أفراد البشر، فاقتعدوا في زعمهم عروش الآلهة. وطغيان الفقر الذي نفخ الذلة والاستكانة في قلوب أفراد من البشر، فأصبحوا عبيدا لإخوانهم من بني الإنسان. طغيان العلم الملحد الذي لا يعترف إلا بالمادة، ولا يؤمن إلا بالتجربة، ولا يستسلم إلا ذلك يجهل أقرب الحقائق إليه، وأدنى المعارف منه، فما يعرف شيئًا عن مجرى الحياة بين يديه، ولا يفهم سراً من أسرار النفس البشرية التي يكافح لخدمتها، ولا يصل إلى أقرب المعلومات عن الروح التي أودعها الخالق في الإنسان والحيوان
لما تلمسه يداه، وهو مع
والنبات.
وطغيان الجهل الكافر الذي ينحجب عنه النور، فلا يستبين الحق فيما دعت إليه رسالات السماء للتحليق بالإنسانية في ملكوت الله، ولا يرى الباطل فيما وسوست به شياطين الأرض من الإخلاد بابن آدم في وحل الطين، وقذارة التراب. (1/24)
صفحة 25
الإباضية في موكب التاريخ
23
نشأة المذهب الإبا
لماذا كتبت هذه الفصول؟
يحلو لبعض المتعلمين الذين لا يعرفون من حقائق التاريخ، وبداهة العلم، وأوائل أصول العقائد، ما يباعد بينهم وبين العامة ويخرجهم من حيز الأمية الثقافية، يحلو لناس من هؤلاء، أن يتزيوا بزي العلماء العارفين، وأن يتحدثوا حديث الباحثين المطلعين، وأن يستعرضوا أحداث الزمن في الحاضر والماضي، ليطلقوا عليها أحكاما قاطعة، ويدلوا فيها بآراء ثابتة، دون حاجة إلى حجة أو دليل غير أن أحدهم قرأ موضوعا في مجلة، أو أن الآخر رأى فقرة تتحدث عن موضوع معين في جريدة سيارة، أو أنه لمح ذلك في كتاب كتابين، وقد يكون هذا الموضوع الذي لمحه صاحبنا، لا يمكن لمحقق أن يصدر فيه برأي
إلا
بعد الجهود المضنية، والأبحاث المستفيضة والاطلاع على عشرات المجلدات. وقد استمعت إلى مناقشة لنفر من هؤلاء الفريق تناولوا فيها طوائف المسلمين بالعرض والتحليل، والتخطئة والصواب والهداية والإضلال، وعرضوا فيما عرضوا إلى الإباضية، فقال بعضهم: هم فرقة من الخوارج؛ لأَنَّهُ قرأ ذلك في كتاب من كتب التاريخ. وقال آخرون بل هم فرقة من المعتزلة؛ لأَنَّهُم يعتقدون أن القرآن الكريم مخلوق. وذهب بعضهم إلى أَنَّهُم يتفرعون عن الأشاعرة؛ لأنَّه سمع أنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره من الله. ولم يهتم واحد من هؤلاء الذين يتطارحون النقاش ويتبادلون الآراء، وينزلون الأحكام على عدد من الفرق الإسلامية، بالتخطئة أو الصواب أن يظهر الأسباب التي دعته إلى إصدار حكمه، والأدلة التي يستند إليها في إبداء رأيه غير ما قدمه من تعليل ساذج في بعض النقاط لا يقنع عقلا، ولا يصلح سببًا لوجهة النظر. وقد رأيت أن أستعرض أحد تلك المواضيع التي دار حولها النقاش بقدر ما أستطيع، وأن أحاول الإجابة عن تلك الأسئلة الحائرة التي تداولتها فيه الألسنة والشفاه، وأن أتحدث عن بعض الأصول التي بني عليها الإباضيَّة، مذهبهم، واستمدوا منها عقيدتهم، واقتبسوا منها
أدلتهم وبراهينهم. (1/25)
صفحة 26
الإباضية في موكب التاريخ
24
نشأة المذهب الإباضي
معنى الخوارج
هل الإباضية فرقة من الخوارج؟
قبل أن يجيب أي باحث عن هذا السؤال، يجب أن يحدد معنى كلمة الخوارج وما تَدلُّ عليه. يطلق بعض المؤرخين كلمة "الخوارج" على أولئك الناس الذين اعتزلوا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عندما قبل التحكيم ورضى به، لأنهم في نظر هؤلاء نقضوا بيعة في أعناقهم،
وخرجوا عن إمامة مشروعة.
ويطلقها فريق من المتكلمين في أصول العقائد والديانات وهم يقصدون بها الخروج من الدين، استنادا إلى قول رسول الله: «إِنَّ نَاسًا مِن أُمَّتِي يَمُرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهِمِ بن الرمية» وقد ورد الحديث بروايات متعددة وألفاظ مختلفة).
أما الفريق الثالث: فيطلقها ويقصد بها الجهاد في سبيل الله، استنادًا إلى قوله تعالى {وَمَن
يخرج من بيته مهاجرا إلى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدركه المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيم). وإذا أباح بعض المؤرخين لأنفسهم أن يطلقوا هذه الكلمة كلمة الخوارج على جميع أولئك المتمسكين بإمامة علي المصرين على أنها حق شرعي لا يجوز فيه التردد، وأنه ليس من حق حتى على نفسه أن يشك في إمامة أجمعت عليها الأمة، ولا أن يتساهل فيها، أو يقبل عليها المساومة وأن معاوية وأتباعه فئة باغية يجب عليهم الرجوع إلى حضيرة الإمامة والأمة، إمَّا طوعًا وَإِمَّا كرها الكتاب. فإذا رضخ علي لطلب البغاة، ووضع الحق اليقيني موضع الشك، وتنازل عن الواجب
الذي أناطته به الأمة وألزمته به البيعة، فإن هذه البيعة تنحل من أعناقهم، وهم بعد بالخيار.
1) ورد في صحيح الربيع بن حبيب 1/ 12، (2/ 1349 هـ) هكذا: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله الله يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في القدح فلا ترى شيئا، ثم تنظر في الريش فلا نرى شيئاً وتتمارى في الفوق».
(2) سورة النساء: 100. (1/26)
صفحة 27
الإباضية في موكب التاريخ
25
نشأة المذهب الإباضي قُلْتُ: إذا أباح بعض المؤرخين لأنفسهم أن يطلقوا كلمة الخوارج على هذه الطائفة، فإنه
يحق لنا نحن أن نتريث ونتثبت حتّى يستبين لنا طريق الصواب، ويتضح منهج الحق. ولكي ننصف هؤلاء القوم الذين أطلق عليهم بعض المؤرخين لقب الخوارج، وحاربهم إخوانهم المسلمون بالدعاية الكاذبة والصادقة، وقاتلوهم كما لم يقاتلوا حتى أعداءهم في ذلك الحين، وطاردوهم كما لم يطاردوا حتى الزندقة والإلحاد.
لكي لا نظلم هؤلاء القوم، ولكي نوضح موقفهم كما يرونه في ذلك الحين. دون أن يتسرب إليه خطأ التاريخ المغرض، أو تحامله عليهم، ودون أن نهتم بالدعاية الكاذبة التي تقلب حقائق التاريخ قلبا لا يرضاه التفكير السليم والمنطق القويم تلك الدعاية التي تعاون على بثها وإشاعتها كُلّ من الأموية المتعصبة المتسلطة، والشيعة الغالية المتطرفة، لكي نوضح موقف هؤلاء القوم يجب أن نستعرض حركة الثورات (1) منذ فجر الإسلام، ونضع صورته الواضحة بين أيدينا، لتصح المقارنة، ويكون الاستنتاج أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الدقة. عاش رسول الله الله في كفاح مستمر ضد الوثنية التي تسيطر على العالم، وجهاد متواصل ضد القوى المتكتلة التي تعارض انطلاقة الدعوة لتحرير الإنسان من عبادة غير الله. فَلَمَّا جاء الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأتم الله نعمته على أمة مُحَمَّد، لهم الإسلام دينا، توفي رسول، بعدما أدى الرسالة، وبلغ الأمانة. وبايع الناس أبا بكر خليفة له، ولكن بعد هذه المبايعة مباشرة، وقعت أول ثورة في الإسلام من أناس كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدا رسول الله، وكان من هؤلاء الثائرين من ارتد على عقبيه، وأنكر ما اعترف به، ومنهم من عزت عليه أمواله، فامتنع من أداء الزكاة ...
نصر
فكان
ورضى
في الموقف الحازم الصلب الذي وقفه منهم خليفة رسول الله رغم معارضة بعض الصحابة له، كان في هذا الموقف الحازم الصلب إقرار لحكم الله وتثبيت لقدم الإسلام و وقضاء مبرم على أصول هذه الثورة أو الفتنة والقائمين بها، فاستتب الأمن،
لدين الله،
ونصر
(1) لقد استعملت كلمة "الثورة" في حلقات هذا الكتاب، وأنا أقصد بها الحركة التي يقوم بها ناس لتغيير وضع لا يرضيهم دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، مهما كانت بواعث هذه الحركة، وأيا كان هذا الوضع، ولم أقصد باستعماله كلمة ثورة في هذه الحلقات ما قد تشعره هذه الكلمة من المعنى العميق الذي يقصده التغيير الجذري في حياة أمة وعقيدتها. (1/27)
صفحة 28
الإباضية في موكب التاريخ
26
نشأة المذهب الإباضي واستقرت الأمور، واستمر المسلمون في أداء الرسالة التي دعا إليها مُحَمَّد طيلة خلافة أبي بكر، وطيلة خلافة عمر، وذلك العهد المجيد الذي يعتبر بحق امتدادًا لعصر النبوة، وتولى عثمان الخلافة فسارت الأمور ست سنوات كاملة سيرتها في زمن الخليفتين السابقين، ثُمَّ بدأت الأحوال تتغير، وظهرت مشاكل جديدة، وتعثّر سير الخلافة، فقد أصبح نقد أعمال الخليفة والنيل من سلوكه يتفشى على كثير من الألسنة، ويجري في كثير من المجتمعات، ولم تتم ست سنوات أخرى حتى كانت الثورة الجامحة التي ذهبت فيما ذهبت بحياة عثمان بين سمع وبصر كثير من الصحابة، وكانت هذه هي الثورة الثانية بعد وفاة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وبايع المسلمون عَليًّا بن أبي طالب أميرًا للمؤمنين، وكان أَوَّل من بايع طلحة بن عبد والزبير بن العوام، ولكن ما كادت تتم البيعة حَتَّى كان طلحة والزبير يحملان لواء الثورة مع جماعة من كبار الصحابة وقد استظهروا بأم المؤمنين عائشة. ووقف الخليفة مع لثائرين موق موقفًا حازمًا صلبًا، وقتل في هذه الثورة الطاحنة عدد غير قليل من المسلمين، ذهب فيمن ذهب فيها طلحة والزبير وتابت أم المؤمنين ورجع بقية الثائرين إلى حظيرة الإمامة والأمة، وكانت هذه هي الثورة الثالثة في الإسلام.
الله،
لَمْ تكد تنتهي هذه الحرب الطاحنة، ويعود إلى البلاد الهدوء والاستقرار، ويعرف معاوية أن الثورة فشلت، وَأَنَّهُ معزول عن ولاية الشام لا محالة، حتّى أعلن الثورة بالشام وهو حينئذ عامل من عمال الخليفة، وأظهر أنه يطالب بدم عثمان، وقد استعد أمير المؤمنين لإطفاء هذه الثورة، كما أطفأ الثورة التي سبقتها، وجهز جيشه القوي، وسار به نحو الشام، حيث التقى بالجند الثائر
في الموضع المعروف "صفين"، وبدأت المعركة، ثُمَّ استمر القتال حتى ظهرت طلائع النص وأشرف جيش الخليفة على امتلاك زمام المعركة، ولم يبق للقضاء على هذه الثورة الجامحة إلا لحظات، عبر عنها الأشتر النخعي بفواق الناقة التجأ الثائرون إلى الحيلة والخدعة ولجأوا إلى المكر والمكيدة، فرفعوا المصاحف وهم يصيحون يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله. طلب الثائرون هدنة، ودعوا الخليفة الشرعي وجيشه إلى تحكيم حكمين. وقد فطن أمير المؤمنين وبعض من جيشه إلى هذه الخدعة، وعرفوا القصد من هذه الهدنة؛ ولكنه بدلا من أن يقف موقفه الحازم، ويواصل حربه ضد الثأيرين، حتّى يتحقق النصر وقد تحققت بشائره (1/28)
صفحة 29
الإباضية في موكب التاريخ
27
نشأة المذهب الإباضي ويلقى البغاة بأسلحتهم، ويعودوا إلى صف الأمة الذي انشقوا عنه وبغوا عليه، بدلا من أن يقف موقفه الحازم ذلك، استجاب لدعاة الهزيمة، وأخذ بنصيحة طلاب الدعة، وأكثرهم موعود من
معاوية أو من عمرو بن العاص (1). ورضي بالتحكيم وقبل الهدنة، وأمر بإيقاف القتال في الحال. وهكذا انتهت هذه الثورة الرابعة إلى هذا الموقف المائع، الذي جعل حق علي في الخلافة يتساوى مع حق معاوية، وجعل نصيب البغاة الثائرين من الصواب يساوي نصيب جيش الأمة الذي يدافع عن خلافة شرعية تمت بالشورى وانعقدت بالبيعة.
وتداعى الذين فطنوا إلى خدعة الهدنة من أصحاب عَليّ وحذروه من قبولها، وأخبروه أن قبولها يعنى الشك في خلافته والتنازل عنها. وكانوا مصرين أن الخلافة الشرعية حق لا يتطرق إليه الشك، ولا يجوز فيها الرجوع ولا تقبل فيها المساومة. وإذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة من جيشه، والماكرين من عدوه، وأن يشك في نفسه، والحق الذي بيده ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، ويساوي بينه وبين عماله في قضية أخذ فيها عهدًا من الأمة، وأخذت منه فيها موثقاً وعهدًا، ورضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله.
أحد
حين فعل علي ذلك تداعى أولئك الذين لم يرتضوا التحكيم، وحذروا عليا من قبوله وهم يرون أن معاوية باغ لا حق له، وأن بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة ورضائه بالتحكيم، فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة، وليس لأحد عليهم ميثاق. تداعوا إلى أن يعتزلوا جيش علي، وركنوا إلى موقع يسمى "حروراء" فانعزلوا فيه ينتظرون تجدد الحوادث، واتجاه الأمة في قضية الخلافة، ويمكن أن يسمى هذا الانعزال عن جيش علي بالثورة الخامسة، ولو أن هذه الثورة إلى هذا الحين كانت ثورة سلبية، وموقف أصحابها كان موقف المحايد الذي ينتظر مجرى الأمور، وقد جرت الأمور بأسرع مما يتوقع لها، فما بلغ الموعد الذي حدده الطرفان لانتهاء الهدنة حتى اجتمع الناس، وأعلن أبو موسى الأشعري مندوب علي عزل عَلي الخلافة، وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون.
عن
(1) قال أبو العباس الشماخي في السير: "وكان معاوية يمنيهم". ص 48. (1/29)
صفحة 30
الإباضية في موكب التاريخ
28
نشأة المذهب الإباضي
كان هؤلاء المحايدون يتتبعون منطق الحوادث والواقع، فهم ينظرون إلى معاوية نظرتهم إلى باغ يحاول أن يفرض نفسه بالمكر والحيلة ولذلك فهم لا يقيمون أي وزن لدعوى عزله، فهو لم يتول أمر الخلافة إلى ذلك الحين لا بالإكراه ولا بالشورى فلا معنى لعزله من منصب ليس هو فيه. كما لا يقيمون أي وزن لتولية عمرو بن العاص له؛ لأن عَمْرًا لم يفوضه المسلمون في تولية أمير المؤمنين. أما نظرتهم إلى علي فقد كانوا يتوقعون أن يتفق الحكمان على إقراره في الحكم، وحينئذ ترجع إلى علي الصبغة الشرعية التي تنازل عنها لإثباتها، ويجب على المسلمين حينئذ أن يوحدوا صفوفهم تحت طاعته ما قام فيهم بكتاب الله. ولكن المندوب الذي اختاره علي ليمثله في هذه القضية الظالمة أعلن أنه عزل عليا عن أمر المسلمين، وأن الأمر أصبح للشورى والاختيار، وتأيد موقف هؤلاء المحايدين، وانضم إليهم عدد آخر ممن كانوا يقفون إلى جانب عَلي حَتَّى ذلك الحين. وبحثوا الأمر فيما بينهم على أساس أن المسلمين أصبحوا دون خليفة، فهذا معاوية باغ ظالم لا يمكن أن يتولى أمر لسلمين، وهذا عليّ يعزله المندوب الذي اختاره للتحكيم، وإذن فليختاروا ... واختاروا: عبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه أميرًا للمؤمنين وخليفة للمسلمين بعد علي بن أبي طالب، فهو الخليفة الشرعي الخامس في نظرهم .. وبهذه الخطوة أصبحت الأمة الإسلامية منقسمة إلى ثلاث دول: دولة يرأسها معاوية وإن لم يبايعه عليها أحد إلى ذلك الحين. ودولة برأسها علي بن أبي طالب بعد أن فشلت في نظره حكومة الحكمين، وعاد فاستمسك بالبيعة الأولى دون أن يعترف بعزل أبي موسى الأشعري له مندوبه في قضية التحكيم. ودولة يرأسها عبد الله بن وهب الراسبي بعد أن بايعه جمع كبير من الذين انفصلوا عن علي عند قبول التحكيم. ثُمَّ. عند إعلان الحكم بعزل عليّ عن الخلافة، ومع كُلّ فرقة من هذه الفرق جمع غير قليل من كبار الصحابة، وفيهم بعض المشهود لهم بالجنة (1).
(1) من المشهود لهم بالجنة: عمار بن ياسر، وقتل في صفين مع علي بعد أن رفعت المصاحف، فلم يسـ لدعوة الهدنة واندفع إلى المعركة حتى قتل، وقد قيل لمعاوية في ذلك فأجاب بقوله: "قتله من أخرجه". ومن المشهود لهم بالجنة حرقوص بن زهير السعدي، فقد حدثت عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها يوما: أول من يدخل من هذا الباب من أهل الجنَّة؛ فدخل حرقوص بن زهير السعدي ولحيته تقطر ماء، وقد تكرر الحديث ثلاثة أيام. وقتل حرقوص بن زهير مع من أنكر التحكيم. (1/30)
صفحة 31
الإباضية في موكب التاريخ
29
نشأة المذهب الإباضي على أن هناك فريقًا رابعا اعتزلوا هذا النقاش الذي وقع بين المسلمين، وبعدوا عن قضية الخلافة، فلم يطلبوها لأنفسهم، ولم يؤيدوا واحدًا من طالبيها، ومن هذا الفريق السادة: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، ومُحَمَّد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد. جمع الإمام عَليّ جيشه ومن بقي تحت طاعته من الجند، فكر في إعادة الكرة
بعد أن
على معاوية وإحماد، ثورته ومحاولة إخضاعه من جديد.
ولكن بعض أصحابه أشاروا عليه بمحاربة عبد الله بن وهـ بن وهب الراسبي، هذا الخليفة
الجديد الذي وصل إلى منصب الخلافة عن طريق البيعة، وهو الطريق الشرعي للخلافة. واقتنع عَليّ بصواب هذا الرأي، فعدل عن محاربة معاوية إلى محاربة عبد الله بن وهب، وكان أتباع عبد الله بن وهب يعتقدون أن إمامهم هو الإمام الْحَقِّ، وأن كلاً من علي – بعد التحكيم والعزل ومعاوية ثائران يجب عليهما الرجوع إلى حظيرة الإمامة والأمة.
من
الأمة،
هذه خلاصة الثورات التي اشتعلت في ذلك العصر وذهب ضحيتها عشرات الآلاف أبطال الإسلام، وقد حاولت أن ألخصها بإيجاز قدر المستطاع، مع عناية بإيضاح القضية من الزاوية التي يراها بها أولئك الذي يطلق عليهم في بعض كتب التاريخ والأدب كلمة الخوارج أولئك القوم الذين يرون أنهم أصحاب الحق، وأن البيعة لم تنعقد بطريق شرعي بعد التحكيم إلا لبعد الله بن وهب الراسبي، ذلك الخليفة الذي بايعه جمهور من فيهم كثير من كبار الصحابة، من بينهم بعض المشهود لهم بالجنة ... فإذا رجعنا إلى أَوَّل هذا البحث، وأردنا أن نستخلص منه طائفة معينة من الطوائف التي قامت بالثورة لنطلق عليها اسم الخوارج، فينطبق هذا الاسم عليها انطباقا كاملا، من الناحيتين السياسية والدينية، ويكونون خوارج عن الخلافة وخوارج عن الدين، ينطبق عليهم الحديث الذي أوردناه سابقا.
فأي هذه الطوائف الثائرة يمكننا أن نطلق عليها هذا الاسم ملاحظين فيه معنى الخروج عن الإسلام ونحن مطمئنون إلى صحة أحكامنا، ومنطقية استدلالنا وعدم انسياقنا إلى تيار معين من تيارات التاريخ. (1/31)
صفحة 32
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
أما أكثر أوائل المؤرخين، وقد كانوا إما تبعًا للشيعة أو صنائع للأمويين، يعملون جاهدين على إرضاء متبوعيهم، فقد وجدوا الأمر سهلا لم يكلفهم عناء، فأطلقوا كلمة الخوارج على العدو المشترك للأمويين والشيعة أطلقوها على تلك الطائفة من المسلمين التي اعتزلت عليا عند التحكيم وبايعت عبد الله بن وهب إمامًا، وثارت على رفساد الحكم في الدولة الأموية، ومن بعدها ممن سار في ذلك الطريق وتنكب عن سيرة
الخلفاء الراشدين.
الظل
ولكن يصبغ أولئك المؤرخون هذه التسمية باللون المقبول ربطوا المعنى السياسي لكلمة الخروج بالمعنى الديني، وقد عملت السلطة والدعاية في كلتا الطائفتين الشيعة والأموية على تثبيت هذا الإطلاق ونشر هذه الأقاويل، حَتَّى وضعت مئات الأحاديث المكذوبة في الطعن على الخوارج، والتشنيع عليهم ونسبة المروق والكفر إليهم جميعا، أو إلى أفراد من رؤسائهم وزعمائهم، وقد كان المهلب بن أبي صفرة القائد الذي ضحى بدينه لدنيا بني أكثر الواضعين لهذه الأحاديث المكذوبة في الطعن على الخوارج، حَتَّى اشته
أمية
من
بذلك وعرفه به الناس، فكانوا يقولون إذا رأوه خارجًا: "راح يكذب" (1). كان الأمويون والشيعة يحاولون بكل ما استطاعوا أن يلصقوا هذا اللقب، لقب الخوارج بعد أن فسر بالخروج من الدين هؤلاء الثائرين الذين ينادون في إصرار وشدة، بالمبادئ العادلة في الخلافة. وكان الشيعة يحاولون بما أوتوا من براعة أن يحصروها في بيت علي كما كان غيرهم من الطامعين فيها يشترط لها الهاشمية أو القرشية، حسب المصلحة السياسية لأصحاب الآراء في ذلك الحين.
1) جاء في فجر الإسلام للأستاذ أحمد أمين ما يأتي: "وكان مما حاربهم به المهلب بن أبي صفرة اختلاق الأحاديث عليهم: فقد كان يضع الحديث ليشد به أزر، قومه، ويضعف به من أمر الخوارج ما اشتد، ويقول: إن الحرب خدمة، وكان حي من الأزد إذا رأوا المهلب خارجا قالوا: راح يكذب! ". وفيه يقول رجل منهم: أنت الفتى كل الفتي لو كنت تصدق ما تقول".
1
ولعل هذا وأمثاله هو السر فيما ترى من أحاديث كثيرة ملئت بها كتب التاريخ والأدب في ذم الخوارج. (1/32)
صفحة 33
الإباضية في موكب التاريخ
31
نشأة المذهب الإباضي
وكل هذه الاتجاهات تجتمع على محاربة الاتجاه الذي اتجه إليه أتباع عبد الله بن وهب الراسبي. ذلك الاتجاه العادل الذي يرى أن المسلمين متساوون في الحقوق والواجبات {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله
أتقاكم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا فَضْلَ لِعَرَبِي عَلَى أَعْجَمِيٌّ إِلَّا بِالتَّقْوَى» (3).
قلت في صدر هذا الحديث: إن عددًا من الثورات وقعت منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى انتهاء خلافة الإمام علي بن أبي طالب، فأي هذه الثورات يحق أن يطلق على القائمين بها
لقب الخوارج، مع ملاحظة الخروج عن الخلافة الشرعية والمروق من الدين؟ لتسهيل الإجابة على هذا السؤال أستطيع أن أقسم هذه الثورات إلى ثلاثة أقسام: الأَوَّل: ثورة ليس لها تعليل ولا أسباب غير عدم تمكن الإسلام في قلوب القائمين بها. وعدم إيمانهم الصحيح بتكامل الرسالة الْمُحَمَّدية، ويتجلى هذا في الثورة الأولى، التي ارتد فيها فريق، وامتنع فريق آخر عن أداء الزكاة.
الثاني: ليس لها أسباب ظاهرة معقولة: أما أسبابها الحقيقية الخفية، فهي التراع على مناصب الدولة، من خلافة أو عمالة ويتمثل ذلك في الثورة الثالثة التي قام بها طلحة والزبير، و في الثورة الرابعة التي قام بها معاوية بن أبي سفيان.
القسم الثالث: ثورة استندت إلى أسباب ظاهرة يتراءى للناظر أنها معقولة، ويتمثل
ذلك في الثورة الثانية التي قتل فيها عثمان، وفى الثورة الخامسة التي اعتزل فيها جماعة من جيش عَلي عليا بعد التحكيم، وعزل أبي موسى الأشعري له.
فلو كان المقصود من كلمة الخوارج، هو الخروج السياسي عن خليفة تمت له البيعة الشرعية، لكان إطلاق هذه الكلمة على طلحة والزبير أو على معاوية وأتباعه، أو على الثائرين على عثمان أظهر، وأوضح، أما إذا لوحظ المعنى السياسي مع المعنى الديني فإنه لا أَمَّا يمكن إطلاق هذه الكلمة عليهم، كما أنه من العسير إطلاقها على المعتزلين لعلي.
1) سورة الحجرات: 13.
(2) أخرجه أحمد في مسنده: ر 411/ 23536،5. والبيهقي في شعب الإيمان: ر 5137، 289/ 4. (1/33)
صفحة 34
الإباضية في موكب التاريخ
32
نشأة المذهب الإباضـ
والسبب في هذا العسر أن هؤلاء سواء كانوا من القسم الثاني أو من القسم الثالث، إِنَّمَا ثاروا غير منكرين لأصل من أصول الإسلام، ولا مكذبين بمعلوم من الدين بالضرورة، ومع كُل طائفة منهم فريق من كبار الصحابة فيهم بعض المشهود لهم بالجنة. وبناء على هذا، فإن أحاديث المروق – إذا صحت – لا يكون المقصود منها إلا أصحاب الثورة الأولى، أولئك الذين خرجوا على خلافة أبي بكر منكرين للشريعة أو لأصل من أصولها، فإن هؤلاء يستطيع الباحث أن يطلق عليهم كلمة الخوارج، وهو يقصد بهذه الكلمة معنييها السياسي والديني وهو مطمئن؛ لخروجهم عن خلافة مجمع عليها، وإنكارهم للإسلام جملة بعد ما آمنوا به، أو تكذيبهم بركن ثاليت بالكتاب والسنة والإجماع إنكارا استحقوا به أن يحاربهم خليفة رسول الله الأول حربًا لا هوادة فيها مصداقا لقوله: لَئِن أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُم قَلَ ثَمُود» (1) - إن صح الحديث، وقد قتلهم خليفته به قتل نمود تحقيقا لخبره التعليم. ويستأنس لهذا الرأي من توقعه الله أن يدركهم، فإن هذا يدل على قرب زمنهم منه، وأنه كان يأمل أن ينتقم الله منهم، ولكن إرادة الله شاءت أن يتأخروا عنه قليلا، وأن تكون فتنتهم امتحانًا لصلابة أبي بكر، وأن تكون عقوبتهم على يد الصديق. وكما يستأنس بهذا الحديث لهذا المعنى، كذلك يستأنس بحديث المروق في الرواية التي تقول: «ميخرُجُ» أو «سيمرق»، فإن استعمال السين يَدلُّ على قرب الخروج، ولم يكن أقرب إلى رسول الله له من هذا الخروج الذي قضى عليه الصديق وحارب أهله حرب نمود. على أنني أقف وقفة طويلة عند هذه الأحاديث التي تصف فرقا من المسلمين بالمروق من
الدين. ولو أني لا أملك الآن الأسباب التي تحملني على الشك في صحتها.
ويظهر من سياق الحوادث أن هذه الأحاديث التي تتحدث عن الخروج لم تكن معروفة عنـ حدوث الثورات الأولى، وإلا فكيف أمكن أن لا تدور على الألسنة، وأن لا يوصف بها الخارجون عن الخلافة في زمن أبي بكر وعثمان وعلي، ولا الخارجون عن الدين في زمن الصديق؟
(1) أخرجه البخاري: ر: 1485/ 40944. ومسلم: ر: 1064، 742/ 2. (1/34)
صفحة 35
الإباضية في موكب التاريخ
33
نشأة المذهب الإباض لماذا تبقى محفوظة لا يستفيد منها أنصار الخلافة أو خصومها في أربع ثورات جامة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من المسلمين الأبطال، إن دل هذا على شيء فَإِنَّمَا يَدُلُّ على أن هذه الأحاديث لم تكن معروفة عند وقوع هذه الثورات، وَإِنَّهَا إِنَّمَا وضعت بعد ذلك قصدا للتشنيع على أهل النهروان ولحمل علي على قتالهم والقضاء عليهم خوفا من أن يحرج علي من دمائهم، ويتردد في قتالهم، ويفكر تفكيرا منطقيا في أنه قد يكون لهؤلاء حق، ولرأيهم سند.
وقد كان علي شديد المحاسبة لنفسه كثير التفكير في أعماله السابقة، يزن ما أقدم عليه من أخداث، ويدل هذا ما قاله أبو العباس الشماخي في كتابه القيم "السير": فقال الأشعث ناجز القوم: "وإن كلموا الناس أفسدوهم علينا (1).
فالشيعة الذين يحيطون بعلي، وهم يكافحون لكي يبنوا دولة، يخشون أن يتصل أهل النهروان بالناس، وأن يقنعوهم بما لديهم من حجة وبرهان. إن قبول التحكيم خطأ في السياسة، وإن خلافة علي بعد التحكيم والعزل باطلة، وإن البيعة ساقطة عن الأعناق، وإن الخليفة الحق هو عبد الله بن وهب الراسي الذي بايعه جمهور غير قليل من المسلمين، كان الشيعة يخافون أن يتصل أهل النهروان بالناس، ولذلك فهم يريدون أن يقضوا على هذه الآراء قبل أن تنتشر في الناس ويفهمها الجميع، ويقتدوا بصحتها. ولا يمكن القضاء على هذه الآراء إلا بالقضاء على أصحابها، فلو تردد علي في هذا الأمر، وتحرز من إراقة الدماء، فإن كُلّ شيء سوف يضيع، ولذلك فيجب أن يحمل بشتى الوسائل والطرق على اتخاذ هذه الخطوة الحازمة الحاسمة. وقد استطاعوا أن يقنعوه، فاقتنع برأي الأشعث، واتخذ هذه الخطوة، ونفذ فكرة المناجزة فقضى على أهل النهروان، وَلَكِنَّهُ لَمْ يستطع أن يقضي على الفكرة التي دعوا إليها، هذه الفكرة التي تسربت بما فيها من صدق وصراحة وواقعية إلى كثير من العقول، حتّى أصبحت
مبدءا يناضل
عنه معتنقوه بصبر وشجاعة وثبات.
(1) الشماخي: السير، ص 52. (1/35)
صفحة 36
الإباضية في موكب التاريخ
34
نشأة المذهب الإباضي
وخلاصة البحث أن كلمة الخوارج أطلقها بعض المؤرخين على أتباع عبد الله بن وهب الراسي إطلاقا تاريخيا وأدبيا، بحيث لا تنصرف إلى غيرهم وليس في هذا كبير بحث، فإن
إطلاق اسم على مجموعة من الناس ليس بذي أهمية إذا كان هذا الإطلاق مجرد تسمية. أما إذا روعي فيه مدلول ديني فإنه يحسن بنا أن نتريث قبل أن نطلق هذا الحكم الرهيب، الذي يسلطه التاريخ المغرض على رؤوس بعض الطوائف الإسلامية في قساوة وغلظة، في الحين الذي نعترف فيه أن هذه الطوائف تؤمن برسالة " مُحَمَّد" وبتكاملها، وبما جاء فيها، وتستند في آرائها ونظرياتها إلى كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- ... وتعتمد في محاججتها على ما جاء في التنزيل، وورد في خبر المعصوم، وأجمعت عليه الأمة، التي لا تجتمع على ظلال، ولو أنهم انحرفوا في الفهم، وأخطأوا في التأويل. وقد يعتقد بعض من يطلع على هذا الفصل أنَّني أريد الدفاع عن الخوارج، وتبرير أعمالهم، وتصحيح أخطائهم.
والواقع أني لم أقصد إلى شيء من ذلك، وَكُلُّ ما في الأمر أنه ساقني إلى هذا الحديث المنطقية التي وجدتها في أبحاثهم ونظرياتهم في قضية الخلافة، وحاولت جهد المستطاع أن أصور الحوادث والدواعي إليها في ذلك العصر دون أن أنساق مع تيار من التيارات، وأجعل أحكامي أكثر دقة وتجردا من المؤثرات السياسية والعاطفية والمصلحية التي أثرت على كتاب التاريخ والباحثين في العقائد في تلك العصور السوابق. والله الموفق للصواب. ويسرني أن أصرح في آخر هذا الفصل أني أجل أصحاب رسول، وأني أدع له أصحابه امتثالا لأمره الله، فلا أقول فيهم إلا خيراً، وأني أعلم أنه لو أنفق أحدنا مثل أحد ذهبا فلن يبلغ مد أحدهم أو نصيفه وحسبهم شرفا أن الله اختارهم لصحبة رسول الله، وأنهم الدفعة الأولى من حملة مشعل الإسلام، وَلَعَلّ الله اطلع عليهم فغفر لهم، كما قال ال في أهل بدر. أما أولئك الذين وردت فيهم أحاديث تعيب مسلكا أو قولا، فإنني لا أتجاوز فيهم معنى تلك الأحاديث، وعهدتها على راويها. وإنَّني أستغفر الله من الزلل وأتضرع إليه سبحانه أن يغفر لي ما قد يكون انزلق إليه القلم مما لا يرضى عنه، إنه ولي التوفيق والهداية. (1/36)
صفحة 37
الإباضية في موكب التاريخ
35
نشأة المذهب الإباض
الخوارج في نظر الإباضية
من هم الخوارج في نظر الإباضية؟
يرى الإِبَاضِيَّة أن إطلاق كلمة الخوارج على فرقة من فرق الإسلام لا يلاحظ فيه المعنى السياسي الثوري، سواء كانت هذه الثورة لأسباب شرعية عندهم أو لأسباب غير شرعية، ولذلك فهم لم يطلقوا هذه الكلمة على قتلة عثمان، ولا على طلحة والزبير وأتباعهما، ولا على معاوية وجيشه ولا على ابن فندين والذين أنكروا معه إمامة عبد الوهاب الرستمي. وَإِنَّمَا كُلّ ما يلاحظونه إِنَّما هو المعنى الديني يتضمنه حديث المروق في صيغه
المختلفة.
والخروج عن الإسلام يكون إما بإنكار الثابت القطعي من أحكامه، أو بالعمل بما يخالف
المقطوع به من نصوص أحكام الإسلام ديانة، فيكون هذا العمل في قوة الإنكار والرد. وأقرب الفرق الإسلامية إلى هذا المعنى هم الأزارقة ومن ذهب مذهبهم ممن يستحل دماء المسلمين وأموالهم وسبي نسائهم وأطفالهم. يقول العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتابه الدليل والبرهان وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (1) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها (2). انتهى. وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: "وَأَمَّا المارقة فقد زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب أو كبير أشرك بالله العظيم، وتأولوا قول الله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله ل أَنَّهُ مشرك، وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل الرجال، وأخذ الأموال، والسي للعيال فحسبهم قول رسول الله: «إن نَاسًا مِن أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهم
1) سورة الأنعام: 121.
(الدليل لأهل العقول، 1/ 15. (1/37)
صفحة 38
الإباضية في موكب التاريخ
36
نشأة المذهب الإباضي مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَتَنظُر فِي النَّصْلِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَنظُرَ فِي القِدْحِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَتمَارَى في الفَوْقِ» (1)، فليس في أمة محمد الله أشبه شيء بهذه الرواية منهم؛ لأنهم عكسوا الشريعة قلبوها ظهرًا لبطن، وبدلوا الأسماء والأحكام؛ لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله يعصون ولا تجري عليهم أحكام المشركين فليت شعري فيمن نزلت الحدود، في المسلمين أو في المشركين؟ فأبطلوا الرجم والجلد والقطع، كأنهم ليسوا من أمة أحمد الأحوالت أعينهم فنظروا في المعنى الذي أمر الله به المسلمين أن يستعملوه في المشركين، من جهاد العدو والجهد في محاربتهم، فاستعملوه في المسلمين". انتهى. وقال في نفس الكتاب (2): "وَأَمَّا المارقة وهم الخوارج، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل الإسلام، كسيرة أهل الأوثان والأصنام، كَأَنَّما بعث إليهم رسول آخر غير محمد، وقد قال رسول: «إنّ نَاسًا مِن أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهِمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ. فَتَنظُر فِي النَّصلِ فَلاَ تَرَى شَيْئًا، وَتَنظُر فِي القِدْحِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَنظُر القَدِيدِ فَلَا تَرَى شَيْئًا، وَتَتمَارَى فِي الفَوْقِ»، وفي حديث آخر: «يَخرُجُ مِن ضنضنِي هَذَا نَاسٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ».
في
هذا رأي الإِبَاضِيَّة الصريح الواضح في الخوارج، وهو يتلاقى مع رأي الجمهور في التسمية، ويختلف في التعليل، فالأزارقة خوارج؛ لأنهم أخطأوا تأويل آيات الكتاب، وأدى عملهم بهذا الخطأ إلى رد آيات، وإبطال أحكام، وليسوا خوارج؛ لأنهم انفصلوا عن علي بن أبي طالب بعد التحكيم، أو لأنهم ساروا على الأمويين. إن رأي الإِبَاضِيَّة لا يقيم أي وزن للناحية الثورية في إطلاق كلمة الخوارج، ولكنهم يعللونها التعليل الديني المعقول، فكلمة الخوارج لا تطلق إلا على أولئك الذين خرجوا من الدين .. أما الخروج عن إمام، والثورة عليه مهما كانت الأسباب تلك الثورة، وذلك
(1) أخرجه الربيع في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، (36. (المراجع)
2) الدليل، 30/ 1.
(3) الدليل: 52/ 2. (1/38)
صفحة 39
الإباضية في موكب التاريخ
37
نشأة المذهب الإباط
الخروج، لا يمكن أن يعتبر خروجًا من الدين، ومروقا من الإسلام، ولا يصح بحال أن يطبق على القائمين به هذا الحكم القاسي الرهيب، ولو صح أن يعتبروا عصاة بغاة يجب تأديبهم حَتَّى بالحرب لإرجاعهم إلى الأمة. والواقع التاريخي أكبر شاهد على هذا الرأي، فَإِنَّهُ لَمْ يعرف على الأقل فيما اطلعت عليه أن أحدًا حكم بالخروج من الدين على أصحاب الثورات الذين ثاروا على أئمة شرعيين كالثوار على عثمان، أو علي، أو عبد بن وهب، أو غيرهم. وقد وقف أنصار الخلافة في كُلّ تلك الأحوال للدفاع عن وحدة الأمة، وقاتلوا البغاة قتالا عنيفًا لتأديبهم، وإرجاعهم إلى حظيرة الإمامة، ولكن دون الحكم عليهم بالمروق من الإسلام. فلماذا إذن يطلق هذا الاسم على المعتزلين لعلي دون سائر الثوار؟!
الله
إن هذا الاسم في نظر الإباضية لا علاقة له بالثورة، أو بالخروج عن أي إمام ولا يطلق بحال على جميع الذين اعتزلوا عليا، وَإِنَّمَا يطلق على الفرق التي تأولت آيات من كتاء الله فأخطأت التأويل، وأفضى بها سوء الفهم والتصرف إلى إنكار أو رد بعض أحكالم الإسلام، القطعية ولو من الناحية العملية فخرجوا بذلك عن الإسلام، وانطبق عليهم حديث رسول الله له فهم خوارج بالعقيدة والعمل، لا بالثورة.
فهل بعد هذا الإيضاح والبيان، يوجد ما يدعوني أن أقرر من جديد: أن الإباضية ليسوا من الخوارج، وقد رأيتم رأيهم الصريح في الخوارج، وحكمهم عليهم، وتعليلهم
لذلك الحكم. (1/39)
صفحة 40
لإباضية في موكب التاريخ
38
نشأة المذهب الإباضي
ومن
توافق في رأي
في هذا الفصل أحب أن أثبت الملاحظة اليسيرة الآتية وهي أن اشتراك أفراد أو طوائه في رأي معين لا يعنى اشتراك أولئك الأفراد أو تلك الطوائف في جميع الآراء، واتفاقهم عليها، الخطأ في فهم هذه الملاحظة اليسيرة تسربت الشبهة إلى أولئك الذين يزعمون أن الإباضية فرقة من الخوارج أو من غيرهم من الفرق الإسلامية الكثيرة، والسبب في ذلك أن الإباضيَّة ينتقدون قبول التحكيم، ويرون أن عليا مخطئ في الموافقة عليه. وفي جعله حقه في الخلافة موضوع نزاع بينه وبين معاوية. كما أنه وقد رضي بالتحكيم وعزله الحكمان، أخطأ في قتاله لعبد بن وهب الراسي، وأصحاب النهر. وليس هذا الرأي مقصورًا على الإباضية ولا على الخوارج، وَإِنَّمَا كان رأي كثير من كبار الصحابة والتابعين). وتوافق آراء الإباضية والخوارج في هذه النقطة لا يجعل الإباضية خوارج، كما لا يجعل الخوارج إباضية. ولكم أوضح هذه النقطة أسوق ما يأتي:
كلا
الله
يشترك المعتزلة والأشاعرة في أصل تتريه الباري، فهل يجعل هذا الاشتراك في هذا الأصل من المعتزلة والأشاعرة فرقة واحدة؟ ويشترك بعض المعتزلة والشيعة في نظرية حصـ الخلافة في البيت الهاشمي، فهل يجعل هذا الاشتراك كلاً من المعتزلة والشيعة فرقة واحدة؟ ويشترك الإباضية مع الخوارج في قضية الخلافة، ومع المعتزلة في الصفات، ومع الأشاعرة في القدر، فهل يجعل هذا الاشتراك كلاً من الإباضية والخوارج والمعتزلة والأشاعرة فرقة واحدة؟ إنها فرقة واحدة بالنظر إلى الأصل العام الذي يصدرون عنه وهو الإسلام، ولكن هذا لا يمنع أن لِكُلِّ فرقة من هذه الفرق ومن غيرها آراء تختص بها، حسب فهمها للكتاب والسنة. وقد تكثر هذه الفوارق بين فرقتين منها أو تقل حسب الأصول، أصول الدين أو أصول الفقه التي ترى كُلّ فرقة صحة اتخاذها أساسا للعقيدة أو للعمل.
نعم
1) من الصحابة: عبدالله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وهما مِمَّن لَمْ يشتركا في حرب صفين. ومن كبار
التابعين الحسن البصري، وجابر - زيد. (1/40)
صفحة 41
الإباضية في موكب التاريخ
39
نشأة المذهب الإباضي
أعتقد أن في الملاحظات السابقة الجواب المقنع عن حيرة أولئك الذين يربطون العلائق بين الإباضية والخوارج، كما أنه يكفي لإقناع أولئك الذين يريدون أن يحسبوا الإباضية فرقة متفرعة عن المعتزلة أو الأشاعرة، أو غيرهم من المذاهب الإسلامية المتعددة.
ومن هذه الملاحظة أيضا يتضح أن الإباضية قد يتفقون في بعض وجهات النظر مع الخوارج، أو مع المعتزلة، أو مع الأشاعرة، ولكنَّها ليست فرقة من هذه الفرق؛ لأنها تختلف كُلّ واحدة من هذه الفرق في بعض أصول العقائد، أو بعض أصول العمل، إنَّها تختلف
عن
عن تلك الفرق جميعًا في الآراء التي بعدت فيها تلك الفرق عن روح الإسلام. والإباضية - حسب أصولهم العملية، وحسب تعاملهم مع بقية المسلمين من مخالفيهم، وحسب السيرة الواقعية التي سجلها لهم التاريخ في مختلف العصور يعتبرون أبعد الفرق الإسلامية جميعًا عن الخوارج، وسوف يتضح ذلك في الفصول الآتية من هذه الحلقات، وفي سيرة الأبطال الذين سوف نستعرض تاريخهم المجيد، وفي الفترات التي قامت للإباضية دول تحكم حسب القواعد التي جعلها هذا المذهب القويم.
فمن هم الإباضيَّة؟ وكيف نشأ هذا المذهب القويم؟ وما هي الأصول أو النظريات التي يمتاز
بها عن غيره من الفرق والمذاهب؟ وهل حقا يعتبر أقرب المذاهب إلى أهل السنة؟ إن الجواب على هذه الأسئلة سوف يأتي في الفصول الآتية من هذه الحلقة - إن شاء الله.
5232 (1/41)
صفحة 42
الإباضية في موكب التاريخ
40
نشأة المذهب الإباض
ميزان الخطأ والصواب للفرق الإسلامية
إن كثيرًا من الذين تحدثوا عن الإباضية في القديم والحديث، وسواء كان ذلك في سياق البحث عن العقائد، أو عن أحداث التاريخ، جرت على أقلامهم هذه العبارة: "الإِبَاضِيَّة أقرب الفرق إلى أهل السنة"، وأهل السنة هم فرقة من الفرق الإسلامية، لها آراء وأصول بنت عليها قواعد مذهبها)، وهي ترجع في هذه الأصول إلى الأصل العام لجميع الفرق الإسلامية: الكتاب والسنة والإجماع، ولا يمكن بطبيعة الحال أن تتخذ فرقة من الفرق مقياسا للخطإ والصواب فتحكم على صحة المذاهب الأخرى بمدى القرب أو البعد منها، فَإِن كُل أصحاب فرقة من الفرق الإسلامية الكثيرة يعتقد أنه على صواب، وأن الْحَقِّ فيما ذهب إليه، وأن دينه الذي الله به أصح الأديان، وأن أصوله التي استمدها هي أثبت الأصول، وهو بهذا الاعتبار يرى أن الفرق التي تشاركه في أكثر الأصول تكون أقرب إلى الصواب ولكن هذه دعوى يدعيها أصحاب كُلّ، مذهب فليس لها في نظر الحقيقة قيمة وَإِنَّمَا المقياس الحقيقي الذي نقيس به الخطأ والصواب والميزان الصادق الذي نزن به العقائد والمذاهب والآراء والأعمال فنعرف مقدار صحتها ومدى قربها وبعدها من الصواب، فَإِنَّما هو الميزان الذي وضعه رسول: «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُم مَا إِن تَمَسَّكُتُم بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعدي أَبَدًا: كتاب الله، وَسُنَّتِي (2)، هذا هو المقياس الصحيح الذي لا يتغير، ولا يتهم، ولا يُخطئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
يدين
خلفه.
(2)
من أراد أن يعرف صحة عقيدة أو زيفها، وقربها من الْحَقِّ أو بعدها فليعرضها على هذا المقياس، وليحكم حينئذ بما يتبين له، وليدع جانبا تقارب الفرق والطوائف
1) راجع الحديث عن أهل السنة والجماعة في الفصل: "الإباضية في قيادة الأمة" من هذه الحلقة.
(2) أخرجه الربيع في صحيحه، رقم 30. (المراجع) (1/42)
صفحة 43
الإباضية في موكب التاريخ
41
نشأة المذهب الإباضي من بعضها وتباعدها، ولينبذ أسماءها وألقابها، فإن كُل ذلك لا يغني من الْحَقِّ شيئًا، وقد قرأت فيما قرأت مثل هذا الكلام للمؤرخ الليبي الأستاذ الطاهر الزاوي، تناول فيه الحديث عن الإباضية وأورد هذه الجملة كأنما كان متأثرا برأي ابن حزم الأندلسي، وإنه لمن الإنصاف للأستاذ الزاوي أن أقول: إنّه تناول الحديث عن الإباضيَّة في هذا الفصل فقط بكثير من الرقة والدقة والاحتراس، وأنه حاول جهده. في هذا الفصل فقط أن يقف موقف المنصف المحايد الذي يدعو إلى لَم شعث الأمة، ونبذها للخلاف وأسبابه مهما كانت مصادر ذلك الخلاف وبواعثه، وأنا حين أذكر له هذا الموقف النبيل في هذا الفصل آمل أن يتخذه مبدءاً يدعو إليه، ويدين تعالى به، وأذكر أن في كُلِّ من كتابيه "تاريخ الفتح العربي في ليبيا" و"جهاد
الله
الأبطال" لمزات مقصودة للإباضية، وتحاملا بينا عليهم، وانحرافا عن موقف المؤرخ
المحايد النزيه (1).
وسوف أعرض لبيان تلك المواقف في غير هذا الفصل إن شاء الله.
1) تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ط دار المعارف بمصر)، ص 106. (1/43)
صفحة 44
الإباضية في موكب التاريخ
42
نشأة المذهب الإباضي
افتراق الأمة
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلَاَ وَاحِدَةً نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ» (1)، روي الحديث بروايات متعددة
مختلفة، نص في إحداها على أن الفرقة الناجية هي التي تكون على ما كان عليه رسول الله وأصحابه رضوان الله عليهم، وفي رواية أخرى أن جميع الفرق ناجية ما عدا واحدة هالكة، ويظهر أن هذه الرواية ضعيفة (3).
إن الحديث ينص أن كل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها هي الناجية، وادعاء كُلّ فرقة أنها هي الواحدة الناجية أمر طبيعي، فَإِنَّهُ لا يصر على اتباع فرقة هالكة إلا مجنون، وقد جاهد أصحاب الفرق جَمِيعًا ليبرهنوا أَنَّهُم على الْحَقِّ، وَأَنَّهُم يسلكون المسلك السوي الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، وأن غيرهم من الفرق حاد عن سبيل الله في العمل أو في الاعتقاد. تناول الإمام هذا الحديث بالبحث، وناقش دعوى كُلّ الفرق وبراهينها التي تقدمها للتدليل على أنها الفرقة الناجية وبين أنها متساوية في احتمال أن تكون على الْحَقِّ عند الله وأن تكون على الباطل، واستخلص من كُلّ ذلك أن الفرقة الناجية لا يمكن أن تكون إحدى هذه الفرق، وَإِنَّما هي الفرقة التي تكون على ما كان عليه رسول الله له من جميع الفرق .. .. إِنَّهم أولئك المؤمنون الذين لا تغرهم أقوال الرجال، ولا يتبعون مسالك الضلال، ولا يستمسكون بغير هدى المعصوم وأصحابه الذين هم كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم.
وكلام الأستاذ الإمام قيم وفهمه لأسرار الشريعة الإسلامية في هذا العصر واستمساكه بالْحَقِّ، ودفاعه عن دين الله يذكرنا بالعصر الأول، حينما كان الْحَقِّ ضالة المؤمن، يدور معه حيثما دار، ويقف معه أينما وقف.
(1) أخرجه الربيع في صحيحه بهذا اللفظ عن ابن عباس، باب في الأمة أمة مُحَمَّد، رقم 41. وقد ذكر بروايات مختلفة في كتب السنة سيشير إليها المؤلف. (المراجع)
(2) انظر: هذه الروايات كلها مع تخريجاتها وتحقيقاتها في كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة: للأستاذ ناصر السابعي.
(المراجع) (1/44)
صفحة 45
الإباضية في موكب التاريخ
43
نشأة المذهب الإباضي
فرقة من
الناجي والهالك من الفرق
ظاهر الحديث الذي سقناه في افتراق الأمة على اختلاف رواياته يَدلُّ أن اثنتين وسبعين المسلمين هالكة جَميعًا، وأن فرقة واحدة فقط، ناجية وإذا سلمنا بظاهر الحديث وقلنا: إن المسلمين ينقسمون فعلا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن هذا العدد محصور وموجود فعلا؛ فهل يحق لنا أن ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى؟؟
إن كُل فرقة من هذه الفرق، تحتوي على ملايين من المسلمين، لا يعلم عددهم إلا الله، وهذه الملايين تتفاوت في معارفها وعلمها وعقلها ودينها تفاوتا لا يضبطه مقياس، ولا يأتي عليه حصر، والطبقة المشتغلة ببحث أصول العقائد التي اختلفت فيها الأُمة كالقدر، والعدالة الإلهية، وصفات الباري، من كُل فرق قلة ضئيلة جدا.
عن
إلى
أما
الله
باقي المسلمين وإن كانوا ينسبون إلى مذهب من تلك المذاهب إِلا أَنهم لا يعرفون شيئا هذه المباحث العميقة، التي تستدعي كفاءات خاصة، وهم يقومون بواجباتهم الدينية حسب ما تلقوه، مؤمنين بربهم مصدقين، برسوله ال وما جاء به جملة وتفصيلا، متقربين بأعمالهم لا تؤهلهم ثقافتهم إلى مناقشة الآيات القرآنية ودراسة المحكم والمتشابه من الكتاب الكريم، ولا يُخوِّلُهم تفكيرهم المحدود أن يصلوا إلى تلك المباحث التي يجري وراءها علماء الكلام .. إن العامي من الأشاعرة أو الإباضيَّة أو المعتزلة أو غيرهم، لا يخطر له مطلقا أن يبحث مشكلة القدر، فهو مؤمن بطبعه أنه لا يقع في الكون إلا ما يريده الله، والعامي من هذه المذاهب ومن غيرها لا يفهم ماذا تعني كلمات الذات والصفات، وهل الصفات عين الذات؟ إلى آخر ما هنالك من المباحث التي تحتاج إلى كثير من الذكاء والعلم.
فهل جميع هؤلاء المسلمين الذين ينتسبون إلى مختلف الفرق وهم يؤمنون بربهم، ويعملون صالحا يكونون من أصحاب النار؟ لأن ظاهر هذا الحديث يقسم المسلمين إلى ثلاث وسبعين، فرقة، يلقي اثنتين وسبعين منها في النار؟ (1/45)
صفحة 46
الإباضية في موكب التاريخ
44
نشأة المذهب الإباضي تحدث كثير من الفقهاء عن إيمان العجائز، وقال بعضهم: إن إيمانهن مثل لما يجب أن يكون عليه إيمان المسلم؛ لأنه إيمان بالله لا يتزعزع، ولا تنال منه الشبه مهما كثرت، وهو في سذاجته وبساطته قوي متين، قيل: إن الصحابة سألوا امرأة بحضرة الرسول الله: عن الله. فقالت: هو في السماء، فقال: «اعْتَقَهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ» (1)، ولم يطلب منهم أن يلقوا عليها مُحاضرة طويلة في استحالة التحيز والحلول عن الباري؛ لأن عقلها غير مؤهل لتلقي مثل تلك الأبحاث، فهل هؤلاء العجائز الهاربات بإيمانهن العارفات بربهن، القائمات بواجباتهن، المحافظات على دينهن المجتنبات لما حرم الله يصرن إلى النار لأنهن ينتمين إلى واحدة من هذه الفرق التي حكم عليها ظاهر الحديث بالعذاب الأليم؟ وهل يحتم الإسلام على جميع أتباع الفرق من رجال ونساء أن يبحثوا أصول هذه الفرق وعقائدها، حتّى يعرفوا الفرقة الناجية ويدخلوا فيها، لكي تشملهم رحمة الله أعتقد أن هذا التكليف يعسر عن الطبيعة البشرية، وأن سماحة الإسلام لا تقتضي التكليف بمثل هذا الأمر الشاق، الذي لا يكون في طوق المسلم العادي الذي يؤمن بالله ويراعي ربه في عمله، ويخشى الله ويتقيه في محارمه.
ورضوانه؟
وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ إِن صَدَق» (2) عن الرجل الذي أقسم أن لا يتطوع بشيء فوق الفرائض مثل عن سَماحة الإسلام ويسره وتقبله لأعمال المؤمن دون تكليف بمباحث الفلسفة، والفروق بين المذاهب.
لقد رضي الله الإسلام دينا لأمَّة مُحَمَّد، وختم به رسالاته إلى الأرض، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأمة مُحَمَّد هي أمة الإجابة، والموفون بدين الله من هذه الأمة – مهما كانت الفرق التي ينتمون إليها يرجون رحمة الله ويخافون عذابه وهم أجدر أن
يتغمدهم الله بالرحمة، ويشملهم بالمغفرة، إلا مصراً على معصية، أو متعمقاً في فتنة.
1) أخرجه الربيع في صحيحه، باب العنق، رقم: 672. ومسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، باب تحريم الكلام
في
الصلاة رقم 537. وابن الجارود وابن حبان وغيرهم. (المراجع) (2) صحيح الربيع، باب في الإيمان والإسلام والشرائع، رقم: 55 (1/46)
صفحة 47
حين
الإباضية في موكب التاريخ
45
نشأة المذهب الإباض
وقد يكون من المناسب قبل أن أختم هذا الفصل أن أنقل مقتطفات من كلام أبي يعقوب تحدث عن افتراق الأمة، وطريقة الجمع بين قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَة أُخْرِجَتْ للناس (1) وحديث الافتراق سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي إِلَى ثَلاث وَسَبْعِينَ فِرقَة ... » قال: «ونستظهر بما عاينا ورأينا من بلوغ هذه الأمة طرفي الأرض شرقا ومغربا، وإذ أعاذهم الله تعالى من عبادة الأوثان، واتخاذ غيره ربا من غير أن تُخل بشيء من طرق أهل الْحَقِّ، فالأصل السلامة ما خلا صنفين منها: المبتدع في دين الله، والمصرُّ على معصية الله على المباين الله؛ فهذان لا سبيل لهما إلى الْجَنَّة» (2).
ويقول في غير هذا المكان والبدع متفرقة، فكل بدعة تشرع هدم قواعد الإسلام فهي العامة الطامة التي تبلغ الرجال والعيال، وَأَمَّا التي تقصر على الأخبار ولم تجاوز إلى هدم قواعد الإسلام، كالاختلاف في أسماء الشريعة من مؤمن ومسلم وكافر وفاسق، ومشرك ومنافق، وفي القرآن والصفات، فأكثر ما تضر هذه المعاني قائلها لا سامعها، ما لم يعتقدها دينا يُدان الله تعالى به أو يقطع عذر مخالفيه من المسلمين أو يهدم به قاعدة من قواعد الإسلام هناك لا يعذر .. ومن اقتصر على قواعد الإسلام من الشهادة، والصلاة والزكاة، والصوم والحج من استطاع إليه سبيلا، فعسى وعسى .. وكذلك من كان بالثغور من أرض العدو ولم يبلغه إلا قواعد الإسلام، ولم يبلغه ما شجر بين الأُمة، ولم يفهمه؛ فإن فهم لم يقطع الشهادة عليه، والقول على الرجال، وأمَّا العيال والنسوان والبله والولدان فهم بعيدون من هذا، وكذلك أهل بلاد السودان الذين لم يبلغهم الإسلام إلا بعد الخمسمائة سنة من الهجرة، ولم يعرفوا التفرقة بين المذاهب والفرق فالرب أرأف وأرحم من أن يؤاخذ أحدا بذنب غيره، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (4).
(1) سورة آل عمران: 110.
(2) الدليل والبرهان، 9/ 1.
3) سورة الأنعام: 164.
4) انظر الدليل والبرهان، 12/ 1. وتعليق أبي إسحاق على كتاب الوضع، ص 2. (1/47)
صفحة 48
الإباضية في موكب التاريخ
46
نشأة المذهب الإباضي
تكون المذاهب الإسلامية
يُخيل لبعض الناس في هذا العصر أن تكوّن المذاهب الدينية شبيه بتكون الأحزاب السياسية، يجتمع عدد من الناس تحت زعامة واحد منهم ثُمَّ يضعون لهم مبادئ معينة يتفقون عليها، ويعلنونها للناس، ثُمَّ يدعون إليها، ويدافعون عنها بما لديهم من حرارة وقوة، والواقع أن الفرق بين تكوّن المذاهب الدينية والأحزاب السياسية شاسع جدا.
تتكون الأحزاب السياسية نتيجة لظروف خاصة، وفي أزمنة معينة، تقتضي المطالبة ببعض الحقوق، أو رسم الخطوط السير الدولة، فيتقدم جمهور من شـ ب أو أمة بعد الاتفاق على المبادئ إلى المطالبة بها. أَمَّا المذاهب الدينية: فتتكون تكونا تدريجيًا هادئًا في أزمنة متطاولة، حسب تولد الأفكار والآراء الجديدة في الحياة، وحسب وقوع الحوادث والأحداث، وعرضها على أصول الشريعة الثابتة القرآن والسنة والإجماع لإعطائها حكما شرعيا، سواء كانت هذه الأحكام متعلقة بالعمل أو بالاعتقاد. إننا نستطيع أن نؤرخ نشوء حزب تاريخاً زمنيًا باليوم والشهر والسنة، ولكننا لا نستطيع أن نؤرخ نشوء مذهب ديني بهذا التحديد؛ لأن تكون المذاهب إِنَّمَا ينشأ نتيجة لما تجد من أحداث، ويحدث من آراء قد تطول بينها المسافات الزمنية، تم إن هذه الآراء والأحداث التي تعرض على أصل من الأصول المعتبرة في الشرع لتعطي حكمًا معينًا، سواء تقاربت في زمنها أو تباعدت تستغرق وقتا قد يطول وقد يقصر ليدرسها المجتهد دراسة كاملة، ويعرضها على الأدلة الشرعية، ويتخذ فيها القرار الصحيح السليم، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث في زمن واحد؛ لأن الوقائع التي تجد في الحياة سواء كانت متعلقة بالعقل أو التفكير أو العمل- لا تجمع بعضها إلى بعض ثُمَّ تعرض نفسها على عالم يعطيها الحكم المطلوب، ثم إن هذه (1/48)
صفحة 49
الإباضية في موكب التاريخ
47
نشأة المذهب الإباضي
الأحكام التي يطلقها المجتهدون على حوادث أزمنتهم لم يكن الغرض ها إنشاء مذاهب أو تكوين فرق.
إن أولئك الأعلام الذين تركوا في حياة الإسلام هذا الأثر العظيم، لم يكن في حسابهم إن أمَما سوف تقلدهم، وتقدس آراءهم، وتنسب إليهم مذاهب، بعد أن جاء مُحَمَّد بالمذهب الحق، والصراط القويم. إنهم كانوا معلمين من الدرجة الأولى، فكانوا يحاولون بما أوتوا من جهد وقوة، أن يوجهوا قلوب الناس إلى الإيمان الْحَقِّ بالله، والفهم الْحَقِّ لأسرار الشريعة، والعمل الْحَقِّ بما جاء به الإسلام فكانوا يفسرون المبهم من من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف لأولئك الذين تقصر أفهامهم عن معانيه، وتعجز مداركهم عن البلوغ إلى مراميه ويشرحون مقاصد الدين لأولئك الذين تحول العجمة دون معرفتهم لأسرار العربية في فهم الكتاب العزيز.
كان أولئك الأعلام معلمين وهبوا أنفسهم هم وجهودهم للعلم، فكانوا يحرصون على إفادة الناس في كُلّ مجتمع في المسجد والشارع، والسوق .. لا يكتمون ما
آتاهم
به
الله
من فضله، ولا يبخلون بما علموا عن طالب علم يجد في طلبه، ولا يبتغون مكسبا في الدنيا أو جاها عند الناس، ولذلك كانوا حراصًا أشد الحرص أن يكون ما يعلمونه حقا ثبت لهم بالدليل، وصح عندهم بالبرهان فإن هداية الناس إلى دين الله وتعليمهم أسرار شريعته، وتنوير قلوبهم وبصائرهم بنور الله أفضل القربات عندهم، وأزكى الأعمال لديهم، وأحب الواجبات إلى نفوسهم.
ووثق الناس بهم، فكانوا يلتفون حولهم ويستمعون إلى أحاديثهم، ويسألونهم فيما يعرض لهم من مشاكل، ويستفتونهم فيما ينوبهم من أحداث، ويرجعون إليهم فيما يعتور قلوبهم وعقائدهم وأعمالهم، من وساوس وشكوك، فتكونت حول كُلّ المعجبين، نشأ عنها شبه ما يُسَمَّى اليوم - في الفلسفة والأدب
هالة
واحد منهم من
بالمدارس. (1/49)
صفحة 50
الإباضية في موكب التاريخ
48
نشأة المذهب الإباضي التف حول كُلّ واحد من هؤلاء الأعلام، مجموعة من الطلاب والمستمعين يعجبون بدروس أستاذهم وآرائه، ويقتنعون بحجته وبرهانه، ويعتقدون سلامة الأصول التي بني عليها أحكامه فيتجهون اتجاهه في الفكرة والعمل والمعتقد، وبراهينه، ويحاولون أن ينشروا عنه ذلك، وأن يقنعوا به الناس، أدلته ويستعملون وبهذه الطريقة تصبح لبعضهم مدرسة متميزة عن غيرها في بعض الآراء أو
المعتقدات.
ولقد كان في كُلِّ حاضرة من الحواضر الإسلامية في ذلك الحين مدارس ذات شهرة ومكانة، فقد كانت مكة والمدينة والبصرة والكوفة ومصر وعُمان ودمشق وغيرها مراكز ثقافية، تشع على العالم الإسلامي نور المعرفة والهدى، وقد كان العلماء من بقية الصحابة وكبار التابعين، أمثال عبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، يشغلون هذه المراكز، ويتولون
فيها نشر الثقافة الإسلامية.
ولَمَّا ذهبت هذه الطبقة الممتازة من الصحابة والتابعين خلفتهم طبقة أخرى مر تابع التابعين، وكان كُل واحد منهم متأثراً بأحد أولئك الأعلام، يترسم خطاه ويفتي بفتواه، وجاءت بعد هذه الطبقة طبقة أخرى سلكت نفس هذا السبيل، وقد كانت تجد حوادث، وتحدث آراء في زمن كُلّ طبقة من هذه الطبقات، فيدرسها المجتهدون، ويرجعونها إلى الأصول الثابتة عند كل واحد منهم، ويطول الزمن، وينتشر الجهل بالدين، فتتكون طبقة من الفقهاء الجامدين الذين يقدسون آراء الأشخاص، ويتحكمون في أعمال الناس، فيدعونهم إلى اتباع رأي معين، وتقليد إمام يرونه أعلم من غيره وأصوب حكمًا تكونت المذاهب وتعصب لها الأتباع بدون فهم، وحاربوا غيرها في عناد وإصرار وبلادة، وقلدوا أولئك الأئمة الذين وثقوا بهم تقليد عصمة وتقديس وانتسبوا إليهم انتساب فخر واعتداد. (1/50)
صفحة 51
الإباضية في موكب التاريخ
49
نشأة المذهب الإباضي
كان نشوء المدارس الدينية والثقافية في صدر الإسلام واختلاف وجهة النظر بين المجتهدين في بعض الأصول أو الفروع دليلا على سماحة الإسلام، وانفساحه للمدارك والعقول، وعلى عدم جموده على حرفية النصوص، وعدم تحجيره على الأفهام أن تنطلق في حرية التفكير والاستنباط التي أتاحت لتلك العقول الجبارة أن تحلق في أجواء البحث والاطلاع والاستطلاع والتي أصبحت فيما بعد سببا من أسباب الشحناء والخلاف والتنابز، عندما سيطر الجهل على الناس وأعمى التعصب الجامد نور البصائر، ولعبت أهواء الحكم والسياسة بالمفاهيم الحقيقية لتعاليم الدين القويم واستعمل الطغاة والجبابرة من الحكام أطماع ضعاف النفوس والعقائد مِمَّن تثق بهم الشعوب وتكل إليهم أمر دينها، فانطمست الروح الحية، وأصبحت الحقائق الدينية والأصول التي تبنى عليها العقائد. والأعمال مظاهر جدلية للقول لا للعمل، وميدانا يتسابق فيه طلاب الشهرة العلمية للظهور لا للحق، وللناس لا الله، وأصبح الدين بعد ذلك مرفقا من مرافق الحياة، يأنس إليه الناس بحكم الإرث والعادة والإلف لا بحكم الإيمان والعقيدة والعمل، وهم يقومون بواجباتهم كما يقوم المسيحيون بطقوس الكنيسة .. ومظاهر تعودها الناس لا صلة لها بالقلب، ولا علاقة لها بالإيمان، إِنَّهَا واجبات تؤدى وحسب، يحس الإنسان راحة بعد الفراغ منها كالتي يحسها عندما ينجز أعمالا يجب عليه إنجازها. وهذه هي النكبة التي أصابت المسلمين، وباعدت بينهم وبين دينهم، وأضعفت أثر الروح التي يضفيها نور الْحَقِّ على قلوب المؤمنين، فأصبحوا لا يتقيدون في أعمالهم بالحدود التي رسمها الْحَقِّ، ولا يقفون عندما يشتبه عليهم الحلال والحرام، ولا يحاسبون أنفسهم على مسافة الله البعد بينهم وبين دين ولا يفزعون لضعف ما وقر في صدورهم من إيمان.
? (1/51)
صفحة 52
الإباضية في موكب التاريخ
50
نشأة المذهب الإباضي
المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية
هل تكون المذاهب الدينية كما تكون المذاهب الفلسفية؟ قد أشرت في أحاديثي السابقة إلى أن بعض السطحيين يظنون أن المذاهب الدينية تتكون كما تتكون الأحزاب السياسية، وأريد هنا أن أنفي وجود الشبه بين المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية؛ فالمذهب الفلسفي هو آراء بشرية في قضايا الحياة أو ما بعد الحياة، فكرة بعد فكرة، وقضية بعد قضية وهي قابلة في أصوله للنقض، وكثيرًا ما تبنى تلك النظريات التي
من
يضعها العقل البشري على أسس من الوهم الباطل، والنظر الخاطئ، والمعرفة القاصرة ... أما المذاهب الدينية وإن كونت حصيلة مبادئها تكوينا تدريجيا، فإن هذه المبادئ راجعة إلى أصول واحدة غير قابلة للنقض أو الخطأ أو البطلان؛ لأن واضعها هو عالم الغيب والشهادة، هذه الأصول الثابتة المنزلة من السماء تستمد المذاهب اتجاهاتها، وتقتبس أحكام دينها، في عقيدتها وعبادتها ومعاملاتها، وفي نظم حياتها، ونظم حكمها، وموقفها من غيرها من الأديان. وليس اختلاف المذاهب في الحقيقة إلا اختلافًا في الفهم والتفسير لمعاني تلك الأصول التي لا تتبدل ولا تتغير ولا يأتيها البطلان ولا يوجد مذهب إسلامي يزعم أنه يستمد قواعده من غير تلك الأصول، حتّى تلك المذاهب المتطرفة في الاعتماد على العقل. والحقيقة التي يجب ألا يتطرق إليها الجدل أن الإسلام وهو الدين الذي اختاره خالق الإنسان ليكون النظام الذي يكفل سعادة البشرية في الحياتين، قد قرر كُلّ الأسس التي تنبني عليها الحياة السعيدة للإنسان في كُلّ مراحل الزمان، وبما أن كتابا لا يُمكن أن يحوي التفاصيل الدقيقة للحوادث اليومية الجارية والنظريات الفكرية والعقلية والعلمية المستجدة، والنظم الاقتصادية والعمرانية المتعاقبة في سير الزمان لحياة الإنسان الطويلة، فقد اكتفى الإسلام بوضع الأصول التي تستمد منها قواعد العقيدة والعمل، ويسند إليها توجيه العقول والأفهام، وبهذا عين نقطة الانطلاق، وجهة التحليق للتفكير البشرى، وقد قصد الإسلام بهذا أن يفتح بحال البحث والتنقيب، وأن يفسح مجال الاختيار والمقارنة، وأن يعطي للإنسان أكبر قسط من الحرية في العقيدة والعمل والرأي والإسلام لا يكره شيئًا كما يكره العبودية لغير الله، ولا يُحارب شيئًا كما يُحارب الجبروت والطغيان والظلم وتعالي الإنسان على أخيه الإنسان. (1/52)
صفحة 53
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباض
منى بدأت المذاهب الإسلامية؟
سألني أحد المتعلمين: هل بدأت المذاهب الإسلامية في زمن رسول الله؟
و عجبت في بادئ الأمر كيف يجول هذا السؤال في خاطر مؤمن، ولكني عندما فكرت في الموضوع ظننت - وإن كان الظن لا يغني من الْحَقِّ شَيئًا - أن السائل رُبَّمَا فهم. هذا من بعض مناقشات الصحابة رضوان الله عليهم - لرسول الله الا الله عليهم لرسول الله، ومراجعتهم له، أو أنه ا، تسرب إليه من مطالعته لبعض الكتب التي أثارت مثل هذه المناقشة كما فعل الشهرستاني (1)؛ ففي مقدمته ما يشعر أن الشبه التي تعلقت بها الفرق الخاطئة قد أثيرت أصولها في زمن الرسول الله، وأنا إذ أسوق هذا الحديث أقرر أن أبحاث العلامة الشهرستاني أعمق من هذا السؤال البسيط، ومهما كان الأمر، فإنني أستطيع أن أوكد أن هذا السؤال بعيد جدا عن الواقع، فقد عاش المسلمون في حياة الرسول -عليه الصلاة والسلام لا يحتاجون إلى استنباط الأحكام، أو تسابق الأفهام، أو تقرير القواعد للعقائد؛ لأَن كُلِّ ذلك ليس من شأنهم، فقد كان الوحي يتزل بالأحكام في كل حين، وكان الرسول الي يشرح المبهم بقوله وعمله، ويجيب عن الأسئلة التي ترد إليه بما يشفي ويكفي. وقد يحدث أن يقف المسلمون موقف المتردد غير المقنع في قضية من القضايا أو موقف من المواقف، وقد يراجعونه في جواب من أجوبته التي لا يقتنعون بها بسهولة عندما تغرهم ظواهر معينة، وقد يسلمون لأمر الرسول، ولكن شيئا من الحيرة يبقى مترددا من نفوسهم، وفي أمثال هذه الظروف كان الرسول الله يقنعهم بالعمل، وبالنتائج المترتبة على حكمه وأجوبته، وَلَعَلَّ هذه الظاهرة تتمثل في أحداث الحديبية التي ظنَّ بعض المسلمين أَنَّهُم قبلوا فيها الدنية في دينهم، واحتار المسلمون فيها حيرة لَمْ يحتاروا مثلها من قبل، وراجع فيها عمر رسول الله له كثيرا، وراجع أبا بكر حَتَّى قال له الصديق له: «وَيْحَكَ يَا عُمَرْ اسْتَمْسِك بِغَرْزِهِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ».
1) الملل والنحل: (ط 1/ تصحيح أحمد فهمي)، المقدمة الرابعة، ص 11. (1/53)
صفحة 54
العلي
الإباضية في موكب التاريخ
52
نشأة المذهب الإباضـ
وأمثال هذه الحوادث لا يمكن أن يدعي أحد من الباحثين أنها نواة لتكون المذاهب، أو أَنَّهَا مخالفة لرسول الله، وَكُل ما يقال فيها أنها مناقشة لزيادة الاطمئنان، كما سأل الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى. وَلَمَّا توفي رسول الله، وتولى الخلافة أبو بكر ثُمَّ عمر، كانت خلافتها امتدادًا لعص النبوة، لولا الوحشة التي أعقبتها وفاة رسول وانقطاع الوحي في نفوس المسلمين الله واجتماعاتهم. أما في غير هذا، فقد استمرت كلمة المسلمين واحدة إلا فيما يحدث عندما
تناقش مسألة تختلف فيها الأنظار، حتّى يذكر أحد من الصحابة فيها علما عن رسول الله فينقطع الجدل، ويموت الصخب أو تتوافق الأكثرية على حكم فتستجيب الأقلية، ويقع الإجماع كما وقع في البيعة لأبي بكر، ويستمر المسلمون في كفاحهم للطغيان، ونشرهم لدين الله وجهادهم في سبيله، لا يجدون وقتا للدعة، ولا فراغا للراحة. وعندما تستجد حوادث، أو نع أمور تحتاج إلى حكم، يتولى ذلك أولوا الأمر والعلم من المسلمين الذين كانوا مستعدين ذا كُلّ الاستعداد، يبحثون عن الأصول في كتاب الله، فإن لم يجدوا ففي سنة رسول الله، فإن لم يجدوا ففي إجماع المسلمين، فإن لم يجدوا قاسوها على أشباهها ونظائرها، مما وقع فيه حكم مستمد من الأصول السابقة.
وامتد الزمن، وانتشر الإسلام في أكثر بقاع الأرض، ونقص عدد الصحابة الذين عاشوا في عصر النبوة، وشهدوا مُحَمَّدًا، وشاهدوا نزول الوحي، ودخل الإسلام ناس لا يعرفون اللغة العربية، ولا يفهمون مقاصد الشريعة الإسلامية كما يفهمها الصحابة الأولون، فكان لزاما أن يفسر لهم القرآن الكريم، وأن يشرح لهم الحديث الشريف، وأن توضح لهم مقاصد الشريعة الإسلامية، ومن هذه الدروس ومن الأسئلة والمناقشات التي ترد على ألسنة المسلمين
الجدد هؤلاء المسلمين الذين لم يشهدوا نزول الوحي، ولم يروا شخصية الرسول القوية التي تقنع بجلال الرسالة بدأ تكون المذاهب.
000 (1/54)
صفحة 55
الإباضية في موكب التاريخ
53
نشأة المذهب الإباضـ
نشأة المذهب الإباضي
إذا أردنا أن نؤرخ للمذاهب الإسلامية بنسبتها إلى المسلمين الأوائل الذين كان لهم التأثير الروحي والثقافي الأكبر على الناس، فإن المذهب الإباضي يكون من أولها نشوءا، فقد كان معلمه الأَوَّل جابر بن زيد من كبار التابعين الذين نشروا الثقافة الإسلامية في القرن الأول الهجري، وقد عاش هذا الإمام العظيم ما بين سنتي (21 - 96) للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية. إن أغلب المشاكل التي اختلفت فيها الأمة نشأت في الثلثين الأخيرين من القرن الأول وقد حصر العلامة الشهرستاني هذه المشاكل في أربعة أصول كبار كما يقول- 1 - الصفات والتوحيد فيها.
2 - القدر والعدل.
(1)
3 - الوعد والوعيد.
4 - السمع والعقل والرسالة والأمانة.
ثُمَّ شرح المسائل التي تندرج تحت كُلّ قسم من هذه الأقسام، والذي يعنينا من ذلك في هذا الفصل أن نشير إلى ما أثير منها في القرن الأول، واتخذ الإباضية فيه مذهبهم، مستندين إلى البراهين القاطعة، والآيات المحكمة من كتاب الله الكريم. مِمَّا أثير في ذلك القرن مشاكل القدر والصفات، والوعد والوعيد، كما أن قضية
الخلافة قد استنفدت جهدًا كبيرًا من رجال العلم والحكم في ذلك العصر.
وقد درس الإباضية وفي مقدمتهم الإمام الأكبر جابر بن زيد هذه المشاكل، كما درسها غيرهم من علماء الإسلام، وانتهوا فيها إلى الرأي والمذهب الذي اقتنعوا بصحته وصوابه، مما يوافق كتاب الله وسنة رسول الله.
(1) الملل والنحل، المقدمة الثانية، 1/ 4. (1/55)
صفحة 56
الإباضية في موكب التاريخ
54
نشأة المذهب الإباضي
اتخذ الإباضيَّة الأصل الأَوَّل لمذهبهم فيما يتعلق بالبارئ سبحانه وتعالى تنزيهه تعالى عن مشابهة الخلق، استنادا إلى الآيات المحكمات کتاب الله، وما ورد في القرآن الكريم،
مما يوهم
من
التشبيه، فَإنَّه يجب الإيمان به أنه من عند الله، وتؤول الآيات الموهمة للتشبيه بما
يقتضيه المعنى من السياق كتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، وما إلى ذلك. وفي قضية القدر، رأى الإباضيَّة منذ ذلك الحين، أن الإيمان لا يتم حَتَّى يؤمن الإنسان
(1)
بالقدر خيره وشره أَنَّهُ ه أَنَّهُ من هو الله وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ()، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمر) (3)،
و مل من خَالِقِ غَيْرُ اللهِ) (3)، والله خَالِقَ كُلِّ شَيْء)، وللعبد حق الاكتساب والاختيار. وهَلْ مِنْ
الله
وهكذا استقرت آراء الإباضيَّة في أكثر مسائل الخلاف على الأصول المستمدة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ولا يزال بقية من أصحاب رسول الله أحياء وقد رجع الإمام الأكبر في كثير من هذه المسائل إلى آراء الصحابة، كبعد عباس، وعائشة أم المؤمنين كما وقع في مسألة رؤية الباري ليلة الإسراء، حتى قالت: «مَن زَعَمَ أَنْ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ» ().
و من
هذا الفصل يتبين للقارئ الكريم أن المذهب الإباضي اقتبس أصوله القويمة التي بني عليها عقائده وأعماله في خير القرون (1) حينما كانت بقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الله
ينشرون الثقافة بعلمهم، ويوضحون هدي مُحَمَّد بمسلكهم، وينصرون دين بإرشادهم وتوجيههم ونصيحتهم، وأنه حينما كانت تحدث المشاكل وتنجم البدع، فيفكر فيها العلماء الأعلام كان جابر الله له يدرسها دراسة المؤمن المحقق، فإذا لَمْ يستبن له
1) سورة الصافات: 96. 2) سورة الأعراف: 54.
(3) سورة فاطر: 3.
(4 سورة الزمر: 62.
(5) جاء في صحيح الربيع باب (10) في ذكر الشرك والكفر، ص 17، أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "من زعم أن محمداً رأى ربه، فقد أعظم على الله الفرية".
1) إذا فسر القرن بالمعنى الزمني المتعارف في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير القرون قرنى ثُمَّ الذي يلونهم ... ». (1/56)
صفحة 57
الإباضية في موكب التاريخ
00
نشأة المذهب الإباضي
منفذ الصواب رجع إلى أساتذته الذين عرفوا من أسرار الإسلام وروحه، ما لم يفهمه غيرهم، فعرضها على ترجمان القرآن، أو على الحميراء التي قال فيها الله: «خُذُوا عَنهَا نصف دينكُم» (1) أو أنس بن مالك خادم رسول الله،
الله
، وعبد بن عمر ما، أو
،
غيرهم مِمَّن أوتي الحكمة، وأجازه الرسول عليه الصلاة والسلام- للتعليم والإرشاد. وبعد استقرار آراء الإباضيَّة بأزمنة مختلفة تطول أو تقصر بدأت تتكون المذاهب الأخرى وتنتشر في بعض جهات العالم الإسلامي، فتكونت المعتزلة، ثُمَّ تكونت غيرها من المذاهب التي يعتنقها كثرة المسلمين اليوم. وبهذا الاعتبار، يكون المذهب الإباضي أَوَّل المذاهب المعتدلة نشوءاً، وأقربها إلى عصر النبوة وخير القرون، وأفهمها لروح الإسلام وأسرار التشريع، وهدي مُحَمَّد وأصحابه ولهذا الأسباب نفسها، نستعرض في فصول آتية، بعض الاتجاهات التي يختص بهـ
يكاد يختص بها.
1) أخرجه علي القاري في المصنوع، ر 121، وقال: لا يعرف له أصل. وخرجه المباركفوري في تحفة الأحوذي،
909/ 1. (1/57)
صفحة 58
ـاضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
قضية الخلافة
عندما كان كبار العلماء من التابعين يعقدون مجالس العلم، يفسرون كتاب الله، ويروون للناس ما حفظوا عن رسول الله له من قول وعمل، ويفتون للناس فيما يعرض لهم من مشاكل كانت قضية الخلافة قد أخذت حظها من النقاش واستقر فيها الناس على آراء معينة، حسب أدلتهم التي يقتنعون بها، وأصولهم التي يستندون إليها.
وكان جابر بن زيد الأزدي أحد هؤلاء العلماء اتخذ البصرة مقراً له، ينشر فيها العلـ ويوالي التدريس والتأليف ويهتم بشؤون المسلمين، وكانت قضية الخلافة من القضايا التي مرت عليه، ودرسها دراسة مستفيضة عميقة، وانتهى فيها إلى رأي ثابت مبني على روح العدالة في الإسلام ومستمد من القرآن الكريم، ومستند على سيرة السلف من أصحاب النبي
عليه الصلاة والسلام-.
كان
يري
أن الخلافة أهم مرافق الدولة، وأعظم مظهر للأمة، وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله، وتطبيق أحكام الكتاب الكريم، وهي بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، وَإِنَّمَا يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة الكفاءة الدينية والكفاية الخلقية والكفاءة العملية، والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح، أما في غير ذلك فليس لها حساب.
وقد عرف الناس هذا الرأي لجابر بن زيد، كما عرفوه لكثير من العلماء المعاصرين له ولكثير من أصحاب رسول الله. وكان طلابه ينشرون ذلك عنه، ويتحدثون به، وفي هذه النقطة يلتقي رأي الإباضية برأي الخوارج، ومن هنا زلق بعض المؤرخين، فحسبوا أن الإباضية
فرقة من فرق الخوارج دون أن يجهدوا أنفسهم في الاطلاع على بقية الأصول والآراء. وقد سبق أن قلت في موضع من الفصول السابقة، أن توافق فرقتين على رأي معين لا يجعلهما فرقة واحدة، ولعل قضية الخلافة هي أهم قضية يلتقي فيها الإباضية والخوارج (1/58)
صفحة 59
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
على رأي واحد، وفيما عدا ذلك فالإباضية أبعد الناس عن الخوارج في فهمهم للإسلام، وعملهم بأحكامه.
على أنني أعتقد أن الأمة الإسلامية - بعد التجارب الطويلة المريرة، وبعد أن ابتعد بها التاريخ عن المؤثرات الخاصة التي سيرتها في اتجاه معين لا يسعها إلا أن ترى رأى الإباضية في قضية الخلافة، وأن علماء الإسلام لا يمكن أن يرجحوا غير هذا الرأي، وإذا قدر للأمة الإسلامية أن تجتمع، وأن ترجع إلى حكم الله، وأن تلغي هذه الشرائع التي جاء بها الاستعمار لإبعاد هذه الأمة الإسلامية عن كتاب الله، وقدر للخلافة الإسلامية أن تتولى شؤون المسلمين كما أمر الله. لو قدر ذلك وكان للأمة أن تختار رئيس الدولة الذي تلقي بين يديه بمقدرات الأمة، ما وسعها إلا أن ترجع إلى قواعد هذا المذهب، لتختار الخليفة أو رئيس الدولة، حسب الشروط السابقة التي أشرنا إلى بعضها، وكما أقامت للهاشمية أو القرشية أو العروبة أي وزن، اللهم إلا في مقام الترجيح عندما تتساوى المواهب والكفاءات. ولن تتساوى المواهب والكفاءات في أما تشتمل على الملايين من مختلف الأفهام والعقول والأخلاق. وإنه ليسرني حقا أن أقتطف من الأستاذ مُحَمَّد الغزالي السطور الرائعة الآتية، لأختم بها هذا الفصل: "ونحن نتساءل فيم هذا الجدل كله؟ وما يضرنا أو يفيدنا من هذا النسب؟ وما ينقصنا أو يزيدنا من إفريقيا أو آسيا؟ وما فضل عبد شمس على توت عنخ آمون؟ أو تحتمس على عنترة؟ ولماذا لا يقال في إيجاز إن الزنجي المسلم خير من الهاشمي المنافق، وأن قضية شأن الإسلام والمسلمين، قبل أن تكون من شأن العرب والمستعمرين، وأن صاحب الرسالة العظمى قال: «لَيَنْتَهِينَّ أَقوَامٌ مِنَ الفَحْرِ بِآبَائِهِم الذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُم فَحمُ جَهَنَّمَ، لَيَكُونَنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله مِنَ الْجعلان الذي يُدَهدِهُ الْخَرء بِأَنفِهِ، إِنَّ اللهَ تعالَى قَد أَذهَبَ عَنكُم عَيبَةَ (كبي الجاهلية، إِنَّمَا هو مُؤْمِنٌ تَقِيٍّ، أَو فَاجِرٌ شَقِيٌّ، الناسُ كُلُّهُم بَنُو
فلسطين من
آدَمَ وَآدَم خُلِقَ مِن تُراب» (1).
(1) أخرجه البيهقي في شعبه، عن أبي هريرة، رقم: 5126. (1/59)
صفحة 60
الإباضية في موكب التاريخ
58
نشأة المذهب الإباض
موقف الإباضية من أسواق الجمل
لَعَل من الصفات التي يمتاز بها الإباضية أنهم لا يميلون إلى كثرة الجدل، ولا يرتاحون للمناقشة الفارغة، والخصام المتعنت، ولا يشغلون أوقاتهم بترديد الأقاويل، وإطالة الأحاديث، وذلك أن قواعد الدين جعلتهم يؤمنون بقيمة الفكرة لا الكلمة ويجدون قوة الدليل في العمل لا في القول، ويعرفون أن إقامة الحجة بالسلوك أقوى منها بالدعوى، ولذلك فأنت عندما ترجع إلى أسواق الجدل ومؤتمرات الكلام في التاريخ الإسلامي الطويل، فإنك تجد الإباضية أقل الفرق كلاما وأكثرها عملا، وأخفها حديثا وأرجحها إيمانًا، وأبعدها عن الدعوى وأدناها إلى الاهتداء. وعندما انتقلت المناقشات من طور البحث عن الحق والتماس الصواب وتصحيح العقيدة إلى طور آخر هو: عقد مجالس للخصام، ومجامع للمناظرة واللعب بالكلام، والجدل للحصول على لذة الفوز في المعارك البيانية الحامية التي يقصد منها الظهور أكثر مما يقصد منها البحث عن الحقيقة، وظهر في أفق الحياة -حياة المسلمين - أولئك النفر الذين يريدون أن يملأوا الدنيا بالضجيج، ويشغلوا أذهان الناس بالقول.
الله
عندما انتقلت حياة المسلمين إلى هذا الوضع، رجع الإِبَاضِيَّة وقد آمنوا بصحة مذهبهم، وسلامة عقيدتهم، بعد أن محصوها وبنوها على الأصول من كتاب الله وسنة رسول الله، لم تدخلها بدعة أو خرافة، وعرضوا مختلف المشاكل على الميزان الذي وضعه المشرع الأكبر قبل أن يشتد اللجاج بالناس. رجع الإِباضيَّة إلى أنفسهم يحاسبونها على العمل بما عملت ويسيرون بها على نور من دين ينشرون ما ثبت عندهم بالدليل الذي لا يحتمل التأويل، في هدوء واتزان، لا يشغلون أنفسهم بالصخب الداوي الذي ليس له نتائج، ولا يلقون بأنفسهم في الكفاح الكلامي الذي يهدف إلى مظاهر العظمة والنفوذ في الدنيا، ولكنهم مع كُلّ ذلك كانوا أحرص الناس على إقامة الحق، وإثبات وعندما يقتضي الموقف الرد على أباطيل المدعين وترهات المبتدعين، وشبهات المفترين، فإن علماء الإباضية يكونون أسرع الناس إلى تحطيم الباطل، الذي يريد أن يستعلن، أو الشبهة التي يتغي صاحبها أن يكسوها ثوب الحجّة. وما أن يحطموا الباطل ويفحموا أصحابه حتى يعودوا إلى العمل في سبيلهم الذي مهدوه، وسلوكهم الذي اختاروه عمل صالح الله، والأمة، واستمساك متين بالكتاب
أدلته (1/60)
صفحة 61
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضـ
والسنة، ودؤوب لا ينقطع لإعلاء كلمة الله، يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويتبعون سبيل الله الذي حدده الإسلام، وأوضحه هدي مُحَمَّد، كفاح لا تصاحبه ضجة، ونصر لا تسبقه دعوى، ولا يعقبه تبجح أو افتخار أو مباهاة، وجدل حي هادى لا يصخب ولا يلعن؛ ولكنه يقطع
طريق التحدي عن الأهواء والبدع، ويلزم الباطل أن يتواري فلا يستعلن، ويتضاءل فلا يبين. كان واصل بن عطاء إمام المعتزلة يتوق إلى محادلة أبي عبيدة مسلم ويعد العدة لذلك، حتّى سنحت له الفرصة ذات يوم، وجمعهما مكان فقال واصل لأبي عبيدة: أنت الذي تقول: إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: لا، ولكني أقول يعذب على المقدور. ثُمَّ قال أبو عبيدة لواصل: أنت الذي تقول: إن الله تعالى يعصى باستكراه؟ فعجز واصل وسكت عن الجواب. فقيل له بعد ذلك سألته فتخلص، وسألك فسكت، فقال واصل: بنيت له بنيانًا منذ ثلاثين سنة فهدمه وهو واقف (1).
كان المعتزلة أكثر الفرق الإسلامية حبًا للجدل، ولذلك فهم لا ينفكون عن تحدي غيرهم من الفرق الإسلامية، وتحدى جماعة منهم أهل المذهب، فعقدوا مجلسًا للمناظرة، وتقدم المعتزلي الذي سهر في إعداد الأسئلة والأجوبة، فنادى ياعبد الله، فلم يجبه أحد؛ لأن المجلس يشتمل على عدد من العبادلة، فقال: عبد الله بن اللمطي الإباضي أريد، فأجابه، فقال المعتزلي: يا عبد الله، هل تستطيع أن تنتقل من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟ فقال عبد الله: لا، فقال المعتزلي: هل تستطيع أن تنتقل من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه؟ فقال: إذا شئت. فقال: "خرجت منها يا ابن اللمطي (2).
وهكذا انتقض ما بناه المعتزلي وسهر في إعداده والتفكير له ليالي سودا.
وقع في نفس الحجاج شيء من القدر فشكا ذلك إلى كاتبه يزيد بن مسلم، فبعث يزيد يسأل جابرًا وكان به معجبًا، وفيه واثقا فأجابه: "قل للأمير يكثر من ترديد خطبته، فإن فيها الجواب عما يسأل"، وردد الحجاج خطبته، وأكثر فيها التفكير، فانتبه إلى أن خطبته
الباروني: سلم العامة والمبتدئين، ص 6، هامشه رقم 1. ه 22، وقد ذكر القصة ابن الصغير والباروني في الأزهار (1/61)
صفحة 62
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب
تشتمل على قوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، وفي الآية
الكريمة الجواب على حيرة الحجاج، فقال ليزيد: ويحك يا يزيد، ما أعلم صاحبك (2). وأراد جماعة من الخوارج - وهم يستحلون أموال المسلمين وسي نسائهم وأطفالهم- أن يُجادلوا جابرًا، فقال لهم: "أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ " فقالوا: "نعم"، فقال: "وحرم البراءة منهم بدين؟ " فقالوا: "نعم"، فقال: "أوليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ " فقالوا: "بلي"، فقال: "وحرم الله ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ " فقالوا: "نعم! "، فقال: "هل أحل ما بعد هذا بدين؟ ". فسكتوا، وهكذا استطاع أن يسير بهم خطوة خطوة حتى يضع أيديهم على الْحَقِّ، ويعرفهم أن الأحكام التي تنطبق على المسلمين ليست كالأحكام التي تنطبق على المشركين، وأن لموحد إذا ارتكب ما يحل به دمه به دمه لا يكون ذلك كافيا لاستحلال ماله نسائه وأطفاله.
وسي
إن دم الموحد قد يحل لتنفيذ حكم الله في العقوبات على بعض الجرائم الاجتماعية أو السياسية، كالقتل والزنا، وقطع الطريق والبغي، وهذه الأحكام إنما يقصد منها أولاً عقوبة المجرم على ما ارتكب، وثانيا زجر الناس عن ارتكاب مثل هذه الآثام، والعقوبة في كُلِّ أحكام الشريعة، إِنَّمَا قدرت
بالضرورة، وبنيت على الأسباب الداعية إليها، وحددت طريقة تنفيذها دون إسراف أو مبالغة. ولذلك فلا يحل أن تتعدى الحدود التي رسمت لها، وهذا المعنى دق على أفهام بعض الناس، فسألوا الإمام عليا لَمَّا ناقشوه عن وقعة الجمل، فقالوا: "حللت لنا دماء قوم وحرمت علينا أموالهم"، وهو نفس السؤال الذي وجهه أحد جند أبي الخطاب عبد الأعلى عندما احتل القيروان، فأنكر عليه أبو الخطاب هذا السؤال وزجره عنه وقال له: "لو فعلنا ذلك لكان حقيقا على الله أن يكبنا معهم في النار"
(4)
(1) سورة الأعراف: 178.
(2) راجع السير للشماخي، وشرح عقيدة التوحيد لقطب الأئمة.
) راجع المصدرين السابقين.
4) جاء في السير، ص 129، ما يلى: "وكان -رحمه الله - أحسن السيرة فيهم حين هزمهم، لم يجهز على جريح، وَلَمْ يتبع مديراً، فقال له خالد اللواتي: "نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا". قال أبو الخطاب: "حقيق على الله أن يدخلنا معهم النار، كَلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لعَنتْ أُختَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أَخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء
أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ ولَكن لا تَعْلَمُونَ (38) ثُمَّ ارتحل. اهـ بنصه. (1/62)
صفحة 63
الإباضية في موكب التاريخ
61
نشأة المذهب الإباضي
الاجتهاد
أن
ذهب كثير من الفرق الإسلامية إلى إغلاق باب الاجتهاد بعد عصور معينة، حاسبين لن يأتي ناس في مستوى المجتهدين السابقين، وأَنَّهُ لَمْ يبق في الدين ميدان ينفسح للاجتهاد. وحينما حجر هؤلاء الجامدون على عقول المسلمين وأفهامهم أن تنطلق وتحلق في الميادير الفساح التي فتحها الكتاب الكريم بدعوة المؤمنين إلى الانطلاق والتحرر والتفكير، حين فعلوا
ذلك وأوقفوا تيار التفكير، جمدوا الإسلام من جهة أخرى على نظرات وبيئات وأزمنة خاصة. وقد عرف الإباضية منذ أوَّل وهلة أن هذه الفكرة الجامدة لا تتماشى مع روح الإسلام الذي يصلح لكُلِّ زمان ومكان، فَإِن الإسلام بعد أن الحدود التي لا ينبغي تخطيها أراد رسم من المسلمين أن ينطلقوا بمواهبهم وأفكارهم وعلومهم وأفهامهم في ميادين الحياة، يرودون المجاهيل، ويفتتحون المغالق وينيرون السبيل أمام أفواج البشرية في جميع الأعصار والأمصار، فلم يحجر على أواخر الأمة ما أباحه لأوائلها، والمسلمون في جميع العصور لا يتفاضلون إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، والكفاح المتواصل في سبيل الله، باستثناء شرف الصحبة لأولئك النفر الذين اختارهم الله أن يكونوا أصحاب مُحَمَّد، والدفعة الأولى التي تحمل مشعل الهداية لخير البشرية الضالة.
إن حاجة المسلمين إلى المجتهدين في العصور المتأخرة، وإلى أبحاثهم في هذه المشاكل الكثيرة، التي تعرضها الحضارات المختلفة على الأمة، أشد من حاجتها إليهم في الأزمنة السابقة، ووصول العاملين من هذه الأمة إلى الاجتهاد أيسر في هذه العصور لسهولة المواصلات، وإمكان اتصال العلماء، وحصولهم على جميع المصادر التي تساعدهم على أبحاثهم ومناقشتهم. وَلَمَّا كان الإباضية يعتقدون أن ما فتحه الله لأوائل هذه الأمة لا ينغلق عن آخرها، وأن باب الاجتهاد الذي تركه مُحَمَّد له مفتوحا على مصراعيه لا يمكن أن يغلقه فقيه مغلق الفهم، ولذلك فقد ناقشوا قضية الاجتهاد والمستوى العلمي الذي يؤهل صاحبه للقيام بهذا العبء. وهل يصح الاختصاص فيه لمن استكمل شرائط الاجتهاد في قسم دون قسم؟ لئلا (1/63)
صفحة 64
الإباضية في موكب التاريخ
62
نشأة المذهب الإبا
تتوقف الملكات والمواهب في ميدان من ميادين العلم والحياة من أجل ميدان آخر تعمل فيه
ولعل
ملكات وعقول أخرى. ما كتبه العلامة السالمي في هذا الموضوع فيه كثير من الإيضاح والتحقيق، فاستمع إليه يقول بعد أن أوضح الشروط التي يجب أن تتوفر في المجتهد، كالعلم باللغة، وأصول الدين، وأصول الفقه، ومصادر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع: "أما إذا اختل منها بعض الشروط، وكان عالما بشيء دون شَيْء، كما لو كان عالما بأدلة النكاح دون غيرها، أو بأدلة البيوع دون غيره، أو نحو ذلك، وكان متقنا بما علم منها اتقاناً تاماً. فهل يجوز له أن يجتهد في استنباط ما علم من الأحكام؟ أم لا يجوز له حتى يكون عالما بجميع أحكام الكتاب والسنة؟ ذهب الإمام الكدمي له إلى جواز ذلك، ونسب هذا القول إلى أكثر الأصوليين، وقيل: لا يجوز الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، وإن عرف من ذلك البعض الأدلة التي تتعلق بها أحكامه، وهذه المسألة معروفة عندهم بتجزي الاجتهاد، والصحيح ما عليه الإمام من جواز ذلك؛ لأنه لو اشترطنا كمال الاجتهاد في كُلّ فن بحيث لا يجهل المجتهد شيئًا من مأخذ كُلّ مسألة، للزم أن لا يجهل المجتهد شيئًا من المسائل الاجتهادية، لكمال علمه بمأخذ كُلّ مسألة، وإلا كان قاصرا، وقد سئل مالك بن أنس عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع، وقال في البقية: "لا أدرى"؛ فلولا أنه الاجتهاد في مسألة دون أخرى لما جاز له أن يجيد يصح البعض، وكذلك نقل عن بعض الصحابة التوقف في مسائل الأحكام معاذ وابن عمر وغيرهما، وكذلك عن التابعين وتابع التابعين، حَتَّى صار ذلك شعارًا في علماء الآخرة، فلو لم يكن الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض جائزا ما ثبت هذا التوقف عنهم" هكذا بكثير من السماحة والوضوح والتحرر يناقشون المشاكل مستندين إلى عمل الصحابة والتابعين، وسيرة السلف والصالحين لا يحجرون ما وسعه العلم، ولا يحرمون ما أحله الدين، ولا يتركون مشاكل العصور المتتابعة تتراكم مزدحمة على أبواب من الاجتهاد
(1)
عن
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 278 (1/64)
صفحة 65
الإباضية في موكب التاريخ
63
نشأة المذهب الإباضـ
أغلقتها أفهام بليدة، لتعود هذه المشاكل القهقرى لتتطلب الأحكام من علماء قد بليت عظامهم، وفنيت أنظارهم واستوفوا آجالهم منذ قرون مديدة.
وإِنَّهُ لَممَّا
يبعث على انشراح قلوب المؤمنين أن أدرك أكثر علماء المسلمين في هذا العصر صواب هذه النظرة عند الإباضية، فانتفضوا يقطعون هذه السلاسل التي كبلت فرقا من المسلمين عصوراً طويلة، ويكسرون هذه الأبواب التي أغلقت دون الانطلاق في سماء التفكير والاجتهاد ويقتحمون هذا الميدان المحجور الذي خصصته النظرة الجامدة متحفا للموتى، ويبيحون للمسلمين ما أباحه الله لهم، بل وندبهم إلى السباق فيه فقال: {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُل فرقة مِّنْهُمْ طائفة ليتفقهوا في الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}
ومن
المحقق
(1) ,
أَنه ليس مطلوبا من هذه الطائفة التي تُدعى لحمل رسالة الله وتفقيه المسلمين في
الدين، وإنذارهم عندما يستكملون عدة الدعاة من الإيمان والعلم والعمل؛ ليس مطلوبا من هذه الطائفة أن يكونوا حملة لمسائل جافة، وقضايا مسلمة، يختزنونها في ذواكر جامدة كأنها ا طبعة مكررة لكتب محفوظة، فإن أمثال هؤلاء لا يصح أن يوصفوا بالفقه، ولا يستطيعون الإنذار، ولا يقوون على حمل رسالة الله.
وقد يكون الأستاذ الإمام من أوائل من حطم الجمود، وحمل لواء الثورة على الرجعية الدينية التي تحكمت في المسلمين عدة قرون وتوقفت بهم دون تقدم، تنظر في حيرة وارتباك إلى موكب الحياة تتغلغل بالبشرية في أطواء الزمن، ودعا إلى التحرر من هذا القيد الذي كبل به جهلة الفقهاء انطلاقة الفهم الإسلامي العميق لأحداث الزمن وتطورات الحياة. كُل الإباضية منذ العصر الأوَّل ممَّن وعى هذه الحقيقة، وفهم روح الإسلام التي دعا إليها في الكتاب الكريم، وهدي رسوله القويم في توجيهه لأصحابه رضوان الله عليهم- كما فعل الله مع معاذ بن جبل، حتّى حمد الله على توفيق رسول رسول الله، فلم يسمحوا لهذا القيد أن يغل أيديهم، ولهذا الحجر أن يقف دون انطلاقهم، ولهذا الجمود أن يسيطر على عقولهم وأفهامهم
حمد
(1) سورة التوبة: 122. (1/65)
صفحة 66
موكب التاريخ
64
نشأة المذهب الإباضي
وعلومهم، وذلك لأنهم يعتبرون مدارك الناس ومواهبهم متساوية، وكما أمكن أن تجيء القرون
الأولى بالعمالقة الأعلام، يمكن أن تجيء القرون المتوسطة والمتأخرة بالعمالقة والأعلام. ما دامت المصادر التي يستقي منها الأوَّلون هي نفس المصادر التي يستقي منها المتأخرون، مع ما تيسر من وسائل الاتصال والاطلاع والمعرفة.
وهذه قضية ثانية من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية، والتي تتمشى مع روح الإسلام ومع حقيقة الحياة، ومع طبيعة الوجود، وقد غفل عنها كثير من أصحاب المذاهب الأخرى، وكم يفهموا حقيقتها إلا في هذا العصر الذي بدأ فيه المسلمون ينفضون عنهم غبار الغفلة والجمود والرجعية، وينطلقون فيما مهلته سماحة الإسلام، ودعا إليه سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.
KO K
الإسلام عقيدة وقول وعمل
، (1)
من المسائل التي يكاد ينفرد بها الإِبَاضِيَّة هذه القاعدة الهامة التي لا يمكن أن تكون للإسلام ثمرة بدونها، هذه القاعدة هي اشتراطهم العمل لتمام الإسلام هو إن الدين عند الله الإسلام)) والإسلام لا يتم إلا بقول وعمل.
فالقول النطق بكلمة الشهادة والعمل الإتيان بجميع الفرائض، واجتناب جميع المحرمات، والوقوف عند جميع الشبهات والنطق بالشهادة يدخل الشخص في المخطط الجغرافي للمسلمين، فيحرم دمه، وماله، وتحفظ كرامة نسائه وأطفاله، لقوله الله: «أُمَرْتُ أَن أَقاتل اللى حتى يترأرا: لَا إِلَهَ إلا الله، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَد حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم إِلَّا بحقها، قيل: وما حقها يا رسول الله؟ قال: «كُفْرٌ بَعدَ إِيمَانِ، وَزِنِّى بَعدَ إِحْصَانِ، وَقَتَلُ النفس»، أما أن يكتفي للمرء بالنطق بهذه الكلمة ويهمل العمل بما فرضه الله، إيمان غير تام
(1) سورة آل عمران: 19
20) أخرجه الربيع في صحيحه عن ابن عباس، باب جامع الغزو في سبيل الله، رقم: 464. (1/66)
صفحة 67
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
وعمل غير صالح، إن طبيعة الإسلام تقتضي من الشخص أن يؤمن بالله ورسالته، وأن يصرح هذا الإيمان، وأن يندفع للعمل بما جاءت به هذه الرسالة، التي آمن بها.
ولو ألقيت نظرة إلى العالم الإسلامي اليوم الذي يموج بملايين من البشر، يشهدون أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله، ويفخرون بأنهم مسلمون اختارهم الله لأن يكونوا في الأمة التي أراد الله أن يختم بها الأمم المؤمنة، وينسخ بشريعتها شرائع السماء .. إنك لو ألقيت نظرة
إلى هؤلاء المسلمين وإلى أعمالهم لأذهلتك النتيجة، وساءتك المقارنة. الله حين أرسل مُحَمَّدًا بشريعة الإسلام أراد أن يكون المسلم كله لله، وأن لا يكون في المؤمن شريك، فإن الله أغنى الشركاء، فَإِمَّا أن يتوجه المؤمن إلى الله بقلبه ولسانه
الله
إن
الله
غني عنه.
وجوارحه وإلا فإن وما جدوى أن يلوك اللسان كلمة التوحيد، ويمتلئ القلب بحب غير الله، وتتسابق الجوارح إلى كُلّ ما نَهى الله عنه، تاركة لما فرضه الله عليها.
ما وزن هذا المسلم الذي لا يقرب الصلاة؟ أو لا يعترف بالزكاة؟ أو لا يحج إلا للمباهاة؟. ما وزن هذا المسلم عند الله الذي يدخل الحانة فيشرب حتّى يفقد عقله؟ والمقمرة حتى يفقد ماله؟ والماخور حتّى ينهك صحته ويهتك ستره؟
ما وزن هذا المسلم عند الله؟ وما وزن هذا المسلم ينطلق في الشوارع تحمل أصابعه المسبحة ليراه الناس؟ وتتمتم شفتاه بلا إله إلا الله؟ وتحول عيناه بين المفاتن التي حرم الله، حَتَّى يجد من أعين الناس غرة، فيرتكب الفاحشة، ويبتز المال الحرام، ثُمَّ يخرج فيضفي على المدخل الفاسق ثوبا من الوقار الخارجي ليظن الناس أنه مؤمن؟ وما وزن هذا المسلم الذي يحتج بقول الفيلسوف على قول الله؟ ويرد ويعطل أحكام
الكتاب بالدساتير التي وضعها جان بول سارتر أو جون ديوى، أو كارل ماركس (1)؟
(1) ليس المقصود هذه الأسماء التي عيناها فقط، ولَكنَّهُم مثل لعشرات من الشخصيات التي توصف بالفلسفة أو وتؤخذ أقوالها وآراؤها بدلا من أحكام الله؛ فإذا قلت: قال الله، أو قال رسوله، أجبت: قال فرويد، أو
الحكمة
داروين، أو ماركس، أو سارتر، أو غير هؤلاء ممن تمتلئ قلوب المفتونين إعجاباً بهم. (1/67)
صفحة 68
الإباضية في موكب التاريخ
ما وزن هذا المسلم عند الله؟
66
نشأة المذهب الإباضي
وما وزن هذا المسلم الذي ينفق الأموال في كُلّ سبيل إلا سبيل الله والخير، ويشترك في كُل مشروع إلا مشروع المعروف وينهى عن كُلّ مجلس إلا مجلس المنكر؟!!. ما وزن
هذا المسلم عند الله؟
وما وزن هذا المسلم الذي يستغفل الناس بالدين، ويختلهم عن أموالهم بإظهار التقوى، فيسرقها باستحقاق الصدقة؟ ما وزن هذا المسلم عند الله؟
وما وزن هذا المسلم الذي يستعبد الناس وأموالهم بحرية التملك، ويسخرهم تسخير العبيد بدعوى ولاية الأمر، ويحكم عليهم بالتجهيل، والتفقير والإذلال؟ ما وزن هذا المسلم عند الله؟ وما وزن ذلك المسلم الذي سمع بهذا العصر فتعصر، وقيل له عن الاشتراكية فتشرك، ثم دعي إلى الشيوعية فتشيع؟ ما وزن هذا المسلم عند الله؟ وليست هذه العصور مقصورة على الأفراد وإِنَّما هي تنطبق على الدول .. إِنَّهَا تنطبق كُلّ الانطباق على هذه الطوائف الحائرة من بلاد الإسلام، التي تدعى كُلّ واحدة منها أنها دولة، تستعصم بالعروبة وتترك الإسلام، وتعتز بالعنصر، وتتناسى الدين، وتقلد أعداء الله وأعداءها في طرق الحكم، وتنبذ طرق الحكم التي وضعها الله لها، ثُمَّ بعد كُلّ ذلك تناصب بعضها العداء، وتستعين على إخوانها في الله بأعداء الله تستمد منهم الرأي والخبرة، والسلاح والذخيرة والحيلة والكيد ما وزن هذه الدول عند الله؟ إنك تستطيع أن تجد ملايين من الصور لملايين من البشر، تنطلق ألسنتهم بكلمة التوحيد،
الله
فإن
وَلَكِنَّهُم في غير ذلك ليسوا مسلمين؛ فهل يتم إيمان كُل أولئك، ويحسبون على الإسلام؟ لو كان هذا الإيمان كاملا كما أراده الله، وكان إيمان هؤلاء الغثاء كإيمان أولئك الصناديد الذين يرون أن العمل هو شريطة كمال الإيمان لكان العالم كله يسير اليوم على شريعة عشرة آلاف من المسلمين عندما كان الإسلام إيمانا وقولا وعملا استطاعوا أن يهدوا الملايين إلى دين الله بسلوكهم، قبل أن يهدوهم بأقوالهم، وأسيافهم، واستطاع أولئك الآلاف القليلة، أن يثبتوا حكم الله قويا مزدهرا في بلاد الله، وإن كان أهلها على غير الإسلام؛ لأنّ أولئك القلة كانوا مسلمين حقا بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم. إنني أزعم -وقد أكون مخطئا (1/68)
صفحة 69
الإباضية في موكب التاريخ
67
أسباب
الجملة
نشأة المذهب الإباضي في هذا الزعم - أَنه لم يضر الإسلام ويهونه في نظر أتباعه، ويُجرِّئ المسلمين على ترك فرائضه وانتهاك حرماته، وعدم التقيد بشرعه شَيْء مثل ما أضر به هذا القول الذي يضفي الإسلام الكامل على رجل ليس له من الإسلام إلا قولة «لا إله إلا الله»، وتشدق بعض المتفقهين الذين يستغلون ما حفظوا دون فهم ويجتهدون لإرضاء العامة والجهلة من الناس بتهوين المعصية لهم، ويدجلون باسم بعض المذاهب، قائلين: "إن جهنم لَمْ تُخلق لمن يوحد الله، ولو لَمْ يعمل شَيْئًا، وأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنَّة، وإن زنى وإن سرق"، غير فاهم معنى الأخيرة، في أمثال هذه الأساليب التي يقتطعونها عن معانيها، ويخدعون بها الناس عن أنفسهم وعن دينهم وعن ربهم، يضفون عليهم لقب الإسلام ويسلبونهم العمل الصالح الذي اشترطه الكتاب الكريم لمن آمن بالله، فلم يرد فيه إيمان غير مقرون بالعمل الصالح والإحسان. هذه قضية ثالثة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية منذ أول الإسلام، وساروا فيها على المنهج الذي كان عليه مُحَمَّد، وسار عليه أصاحبه رضوان الله عليهم- فلم يفرقوا بين القول والعمل، ولم يُجزئوا دين الله، ولم يطمعوا العصاة المصرين غير التائبين -سواء كانت معصيتهم بالفعل أو الترك- في رحمة الله.
والآن وقد انتفض المسلمون من هجعتهم الطويلة، ورجعوا إلى كتاب ربِّهم وهدي نبيهم وسيرة سلفهم يستلهمونه التوجيه ويستوحونه الإرشاد ويلتمسون منه هداية الطريق، عرفوا أن العمل، هو الشرط الأساسي في صحة العقيدة، ولذلك فقد انطلقت الأقلام المباركة تدعو إلى الاستمساك بالعروة الوثقى من كتاب الله، والتحلي بالخلق الأقوم الذي تحلى به مُحمد والاندفاع إلى ميدان الجهاد الدائم جهاد النفس، فإن من لم يستطع أن يقهر الشيطان في نفسه لا يستطيع أن يقهر العدو في أرضه وما دام المسلمون منحرفين عن صراط راط الله السوي فَإِنَّهُم لن يتأيدوا بنصر الله.
الله
فإذا فهم المسلمون الإسلام حق الفهم، ورجعوا إلى العمل به أفرادا وأمَما، شعوبا ودولاً، وأسلموا أرواحهم وألسنتهم وجوارحهم الله، فإن تعالى يشرح صدورهم للإسلام، ويجعل من كُلِّ ضيق فرجًا، ومن كُلّ مشكلة مخرجًا، ويؤتهم العزة التي وعدهم بها، فإن العزة الله
لهم من (1/69)
صفحة 70
باضية في موكب التاريخ
98
نشأة المذهب الإباضي
ولرسوله وللمؤمنين، ولا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنتَ
سَمعَهُ الذِي يَسْمَعُ به، وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التِي.
الولاية والبراءة والوقوف
يقول قطب الأئمة في الشامل: "ولاية الجملة وبراءتها فريضتان بالكتاب والسنة والإجماع، على كل مكلف عند بلوغه إن قامت عليه الحجة"، وبعد مناقشة للموضوع قال: "وَأَمَّا ولاية الأشخاص وبراءتها فواجبتان قياسًا عليهما، ولورود أحاديث في حب الإخوان في الله، ومدح حبهم في القرآن"، وبعد مناقشة للموضوع قال: "وقال غيرنا لا
تجبان".
لقد رأيت أن أبتدئ هذا الفصل بهذه الحقائق التي يقررها قطب الأئمة رحمه الله ورضي عنه، وقطب الأئمة من المفكرين الأحرار القلائل الذين جاد بهم الزمن في هذا العصر الأخير، وهو بالإضافة إلى أنَّه من أولئك الذين فتح الله بصائرهم لفهم أسرار التشريع الإسلامي، وقذف في قلوبهم نور الحكمة والمعرفة، وقواهم على الكفاح في سبيل الله، ويسر لهم خدمة دينه في عصور الانحطاط والظلام بالتحقيق، وطبق عليها الأحكام المستمدة من الكتاب والسنة، ورجح ما كان متأرجحا بين قولين وأقوال، وهو مع هذا العمل المتواصل، والإنتاج الكتابي بلغ مَا لَمْ يبلغ إليه مؤلف فيما أعرف مع قيامه بالتدريس وبالوعظ والإرشاد.
إنَّه مع كُلّ ذلك موسوعة علمية متنقلة في جميع فروع العلم، وكان يعيش في عصره حياة حقيقية، فقد كان مطلعا على ما يجرى في العالم من أحداث، وتصل إليه جمي
جميع
1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة باب التواضع، رقم: 6137: وابن حبان في صحيحه (347 والبيهق
ر 6188. (المراجع) (1/70)
صفحة 71
الإباضية في موكب التاريخ
??
نشأة المذهب الإباضي
الحركات الثقافية والمطاعن التي توجه إلى الإسلام، فيتصدى لها بالرد والنقد حسب قوتها
أو ضعفها.
لست الآن بصدد الترجمة لهذا العلامة المحقق الذي كان صورة حية للصفات التي يجب أن يكون عليها المسلم الذي ربط أواصر قلبه بربه، وترفع عن راحة الدنيا ونعيمها رغبة فيما عند الله من نعيم، ووقف نفسه للجهاد في سبيل الله، يحارب دسائس الصهيونية والصليبية وعملائها فيما يبتكره المستعمرون من أساليب ويرد كيد علماء الدنيا الذين يتزلفون لأصحاب السلطان للحصول على منافع عاجلة ويحبط خداع الفقهاء الجامدين، وحيل مشائخ الطرق الذين يخدرون أعصاب الإرادة المسلمة لتستكين، ويسممون أفكار الأمة المؤمنة بالبدع والخرافة لتستهين، وعند ربك الخبر اليقين.
لقد رأى الإِبَاضِيَّة أن محبة المؤمن الموفي بدينه الحريص على واجباته، المبتعد عن المحارم، المتخلق بأخلاق الإسلام المتبع لهدي مُحَمَّد الله، المقتفى لآثار السلف الصالحين .. رأى الإباضيَّة أن المؤمن إذا كان على هذه الطريق وجبت محبته على المؤمنين، وأعلنت ولايته من المسلمين، وطلبت له المغفرة والرحمة من رَبِّ العالمين. وانظر أيها القارئ الكريم إلى مجتمع لا تجري فيه المحبة والمودة والرحمة إلا بين أولئك المؤمنين الذين علقوا مصائرهم بيد الله، ووهبوا أنفسهم لإعلاء كلمة، ولم يربطهم فيما بينهم إلا الأخوة في الله؛ فإذا نزغ أحدهم من الشيطان نزغ، ولم يستعذ بالله فأقدم على المعصية، ولم يسارع إلى التوبة انفصم هذا الرباط الذي يربطه بالمؤمنين، وتحطمت هذه الأخوة التي قامت على الدين، حَتَّى يُجدد إيمانه بربه، ويستغفر الله من ذنبه، ويصل حبال قلبه بفاطر السماوات والأرض.
فإذا فعل ذلك، رجعت منزلته بين إخوانه كما كانت وعزت نفسه بينهم بعد أن هانت، وله العزَّةُ وَلَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ (1).
1) سورة المنافقون: 8.
" (1/71)
صفحة 72
الإباضية في موكب التاريخ
70
نشأة المذهب الإباضي
معه
وقد رأى الإباضية أن هذا المسلم الذي يعلن بين الملأ قول لا إله إلا الله، مُحَمَّد رسول الله، ثُمَّ يَجترئ يجترئ على أوامر الله فيتخلى عن واجباته، أو يقدم على ارتكاب المحظورات، أو يلقى الله بغير المظهر الذي يظهره للناس، أو يفضل على دين الله شيئا مما يدعو إليه البشر، أو يرتكس إلى التزلف لمخلوق حي أو ميت- فيرجو منه ما لا يرجوه المؤمن إلا من الله. رأى الإباضية أن هذا المسلم الذي وصفناه بالإسلام، وأدخلناه بين أهل التوحيد، لا يحق أن يكرم بالتساوي مع الصادقين، ولا يُمكن أن تشمله المحبة في الدين بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين، وأن يسمع التقريع والتوبيخ، وأن يطلب الابتعاد عنه، وأن تعلن البراءة منه، ويقلل التعامل حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، ولا يجد ملجأ من الله إلا إليه، فَإِمَّا أن يشرح الله صدره للإسلام، وأن يفتح قلبه للإيمان، وأن يسخر أعضاءه للعبادة، وأن يباعد بينه وبين المعصية، فيتوب مِمَّا ارتكب، ويعود إلى حظيرة الإسلام بالعمل الصالح، والجهاد المتواصل، جهاد النفس والهوى، فترتبط أواصره حينئذ بأواصر الناس، ويصبح بعد الهداية والتوفيق أخا في الله .. وَإِمَّا أن يرتكس إلى الشيطان، ويصر على العصيان ويستكبر عن التوبة، ويبتعد عن محاسبة النفس، ويستمر في الغواية والضلال، وحينئذ لا يمكن لأولياء الله أن يُحبوا عدو الله، ولا أن يرضوا عمن جاهره بالمعصية، وإن القلوب المؤمنة لتستحي أن تتجه إلى الملك الديان، لتطلب منه الرحمة والغفران لعبيد الشهوات وأغوياء الشيطان، وبك لا هدي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكنَّ اللمَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). إن العصاة الذين يصرون على ما فعلوا ويجاهرون الله والناس بما ارتكبوا، انفصلوا بكبريائهم عن ربهم، وابتعدوا عن محبة إخوانهم، وحادوا الله ورسوله، ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ الله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَانُونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُولَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ يُحَافُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَولَنَاكَ فِي الأذلينَ}، {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ).
1) سورة القصص: 56.
(2) سورة المجادلة: 22.
(3) سورة المجادلة 20.
(4) سورة المجادلة: 5. (1/72)
صفحة 73
الإباضية في موكب التاريخ
71
نشأة المذهب الإباضي
لقد كانت الصراحة والصدق والإيمان هي الصفات التي يتحلى بها المسلمون في الصدر الأول، فلا تجد إلا مؤمنين يتنافسون في العمل الصالح، أو منافقين أذلهم الله بنفاقهم، أو مسلمين قد تغلب على أحدهم لمَّة (1) من الشيطان فيرتكب معصية يستخفي بها، ويستتر بذنبه وهو كظيم فلا تبلغ به الوقاحة إلى أن يستحل ما حرم الله، ولا أن يجاهر بمعصية الله، ولا أن يصر على ما ارتكب من ذنب، وهو يعلم أنه ذنب، بل إنَّه ليحاسب نفسه الحساب العسير على ما ارتكب من إثم، ويرجع إلى ربه وهو مشفق أن يعرض عنه مولاه، ويتخلى عنه برحمته وينساه.
إن المجتمع الإسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم ثُمَّ يسكتون عنه فيدعونه فيهم محبوبا قبل أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والتكفير، إن كانت المعصية مما يتحلل من
بالتكفير. قيل لابن عمر: "إن فلانا يقرئك السلام"، فقال له: "لقد بلغني أنه يقول بالقدر، فإذا كان باقيًا على شيء من ذلك، فلا تبلغه عني السلام وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب «مَن رَأَيْنَا منهُ خَيْرًا، وَظَننا فيه خيرًا، قُلْنَا فيه خيرًا وتَولّينَاهُ، ومَن رَأَيْنَا مِنهُ شَرًّا ظَنَنَّا فيه شَرًّا وَقُلْنَا فِيهِ شَرًّا وَتَبَرَّانَا مِنه» (2)، وقال عليه الصلاة والسلام: «من ــب الله وَأَبغَضَ اللَّهِ، وَأَعطَى الله، وَمَنعَ الله فَقَد استكمل الإيمان» (3).
هذه قضية رابعة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاص شقي في المعاملة، وقالوا يجب على المجتمع المسلم أن يعلن كلمة الْحَقِّ في كُلِّ فرد من أفراده، وأن يتولى تهذيب الناشزين وتقويم
المنحرفين، وتربية المخطئين بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية، من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإعراض عمن يتولى عن
(1
اللمة: هو المس، ومنه «أعوذ بالله من كُلّ هامة ولامة».
(2) مقدمة التوحيد، شرح أبي سليمان داود، ص 48.
الله.
(3) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على الزياد والنقصان 269/ 2 ومقدمة التوحيد، من تعليق أبي
إسحاق، ص 9. (1/73)
صفحة 74
ـاضية في موكب التاريخ
72
نشأة المذهب الإباضر
وليس من الْحَقِّ أبدا أن نتغاضى عن أولئك الذين يرتكبون المعاصي، ونضعهم في صف واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته وأن نعالنه بالعداوة ما دام منحرفًا عن سبيل الله، وأن لا نساوي في المعاملة بينه وبين الموفي، وأن لا نعطيه من المحبة وطلب المغفرة وحسن التعامل ما نعطيه للذي يراقب في الخفاء والعلانية، ويرجع إليه في كل كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده التي رسمها لا يتخطاها، وليجدوا فيكم هو
الله
غلظة ()، ولا تجد قوما يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَاذَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ).
أن أختم هذا الفصل بهذه السطور الرائعة من كلام الأستاذ مُحَمَّد الغزالي (3): ويسرني "هل الدين إلا الحب والبغض؟! .. إن الدين هو هذه العاطفة المشبوبة بمحبة الخير وأصحابه، وكراهة الشر وأحزابه هو هذه العاطفة الدافقة المنسابة كالفيضان الموار، لا تجد مستقرها إلا حيث تبلغ أهدافها، لا يهمها أن تغمز سفحا، أو تطوق قمة .. إن الدين هو هذه العاطفة الحرة اليسيرة .. اشمئزاز من مسالك الفسقة يقبض يدك عن مصافحتهم، ويجعل حمرة الغضب تصبغ وجهك لجرأتهم على رَبِّهم .. فَإن استطعت أن تخسف الأرض من تحتهم، أو تقيم الدنيا وتقعدها حولهم .. وإلا فإن أقعدك العجز سكنت سكون المقهور على ما يلسعه من عار، لا سكون البليد على ما وصل إليه من قرار". الأستاذ الغزالى في هذه السطور القليلة قاعدة الولاية والبراءة التي سار عليها
لقد شرح
الإباضية منذ فجر التاريخ.
والإباضية لا يُخرجون العصاة من الملة، ولا يحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم وبغضهم وإعلان ذلك لهم حَتَّى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربهم.
000
1) سورة التوبة: 123.
(2) سورة المجادلة: 22.
(3) مُحَمَّد الغزالي: في موكب الدعوة (ط 2)، ص 85. (1/74)
صفحة 75
الإباضية في موكب التاريخ
73
نشأة المذهب الإباضي
حرمات
كفر النعمة
يحسب كثير مِمَّن لا علم له أن الإِبَاضِيَّة يتفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كف شرك، ولا يعرفون أن الإباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحدين الذين ينتهكون الله ويقصدون بذلك كفر النعمة، أخذا من الآيات الكريمة التي أطلقتها في أمثال هذه المواضيع، واستنادا إلى أحاديث الرسول، وَاللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ عَنِي عَنِ الْعَالَمِينَ) ()، لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي إِنَّ رَتِي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (2)، {وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)). سأل الأقرع بن بِمَا حابس رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَجّ علينا كُلّ عام يا رسول الله؟ "، فقال الله: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ، وَلَوْ وَجَبَ لَمَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَو لَمْ تَفْعَلُوا لَكَفَرْتُم» (4)، «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ كَفَرَ»، «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ إِلَّا تَرْكُهُ الصَّلاة» (1)، «أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضَكُمْ رِقَابَ بَعْض»، «الرِّشَا فِي الْحُكْمِ كُفْرٌ)
((9)
وأمثال هذه الأحاديث كثير (1)، حَتَّى إن بعض رواة الحديث يُبَوِّبُ لهذا بقوله: "باب
کفر دون كفر. ويخطئ الناس فلا يصلون إلى الحقائق؛ لأنَّهم لا يكلفون أنفسهم مشقة البحث والاطلاع، فهم حين يسمعون أن الإِبَاضِيَّة يحكمون بكفر عصاة الموحدين يحسبون
(1) سورة آل عمران: 97
2) سورة النمل: 40. (3) سورة المائدة: 44.
(4 سورة المائدة: 44.
ه سورة المائدة: 44.
(6) سورة المائدة: 44. (سورة المائدة: 44.
(8) سورة المائدة: 44.
جميع الأحاديث التي وردت في هذا الفصل وردت في صحيح الربيع بن حبيب. (1/75)
صفحة 76
الإباضية في موكب التاريخ
74
نشأة المذهب الإباضي
أن هذا الحكم إخراج للمسلمين من الدين وحكم عليهم بالشرك، وهذا ما ذهب إليه الخوارج، وإذن فالإباضية فرقة من الخوارج. وهكذا يبنون نتائج على مقدمات مجهولة غير صحيحة، فيتورطون في خطأ شنيع، وينسبون إلى فرقة من أحرص فرق الإسلام على قول أشدها تمسكا بكتاب الله وسنة رسوله، ينسبون إليها أقوالاً أو آراء
الحق واتباعه، ومن
هي
أبعد عنها من الذين ينسبونها إليها.
مُحَمَّد
ولو رجع هؤلاء إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإلى سنة رسول الله الله الذي لا ينطق عن الهوى وإنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، ثُمَّ اطلعوا على كتب المذهب وناقشوها في أدائها و مستنداتها وعرضوها على الميزان الذي وضعه، وفهموا المعنى الذي يقصده الإباضية من كلمة الكفر حين تطلق على الموحدين، إنَّهم لو فعلوا ذلك لنفوا عن أنفسهم وصمة الجهل وعلموا أن هؤلاء الناس يحاسبون أنفسهم على كل دقيق وجليل قبل أن يحاسبهم الناس، وأنهم لا يقدمون على قول أو عمل، إلا إذا انبنى على آية محكمة، أو سنة متبعة. وأعتقد أن ما تقدم يكفي لإيضاح المقصود من إطلاق كلمة الكفر على العصاة، ويقصد بذلك كفر النعمة، والسبب الذي دعا الإباضيَّة إلى إطلاقهم هذه الكلمة على العصاة بدلا من كلمة النفاق أو الفسوق أمران: أَوَّلهما: أَنَّهَا الكلمة التي أطلقها الكتاب الكريم والسنة القويمة عليهم في كثير من المواضيع والمناسبات.
وثانيهما: أن لكلمة النفاق أثرًا خاصا في تاريخ الإسلام، فقد اشتهر بها عدد من الناس في زمن رسول الله، آمنوا ظاهرا ولكن قلوبهم لَمْ تطمئن بالإيمان، فكان القرآن الكريم يترل بتقريعهم، ويفضح بعضهم، ويتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة حَتَّى اشتهروا بهذا الاسم، وعرفوا به، الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ (1/76)
صفحة 77
الإباضية في موكب التاريخ
Yo
نشأة المذهب الإباضي
الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))، حَتَّى صارت هذه الكلمة الله
تشبه أن تكون علمًا عليهم، فإذا أطلقت انصرفت إليهم.
وقد
أطلقت كلمة الكفر في الكتاب العزيز على المنافقين في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أطلقت على عصاة الموحدين. ووردت بالمعنيين في الحديث النبوي، ويقول علماء اللغة: إِنَّهَا بهذا المعنى الذي يقصد به كفر النعمة إِنَّما هي مشتقة الكفران. من وقد أطلقها القرآن الكريم كثيرًا بمعنى الشرك، سواء كان الشرك شرك جحود أو شرك مساواة.
وخلاصة البحث أن الإباضيَّة عندما يطلقون كلمة الكفر على أحد من أهل التوحيد فهم يقصدون كفر النعمة، وهو ما يطلق عليه غيرهم كلمة الفسوق والعصيان، والمعنى الذي يطلق عليه الإِبَاضِيَّة كفر النعمة، ويطلق عليه المعتزلة الفسوق، ويطلق عليه غيرهم النفاق أو العصيان، وهو معنى واحد. وقد أطلقت الكلمات الثلاثة على المنافقين في زمن الرسول الله كما أطلقت على الذين يجاهرون الله بالمعصية، فيخالفونه عن أمره. والنقاش في هذا الموضوع نقاش لغوي، والاختلاف لفظي.
والنتيجة إن من يصر على معصية الله يلاقي نفس الجزاء الذي يلاقيه من يكفر بالله. أما معاملة المسلمين لمن يفسق عن أمر الله، أو ينافق في دين الله، أو يكفر بنعمة الله، فَإِنَّهَا معاملة للعاصي المنتهك الذي تجب محاولة إرشاده إلى وجوب الاستمساك بدينه ورجوعه إلى أوامر ربه، وإقلاعه عن محادة الله ورسوله، فإن أصر واستكبر وتغلب عليه الشيطان برئ منه ومن عمله، وجافاه المسلمون على ما تقدم في فصل الولاية والبراءة حتّى يتوب.
(1) سورة التوبة: 67.
888 (1/77)
صفحة 78
الإباضية في موكب التاريخ
76
نشأة المذهب الإباضي
مسالك الدين
يقول صاحب عقيدة التوحيد (1): مسالك الدين أربعة الظهور والدفاع، والشراء، والكتمان.
إن المجتمع الإسلامي إما أن يكون ظاهراً على أعدائه، حراً في أراضيه، مستقلاً بأحكامه، عاملا بكتاب الله وسنة رسوله، منفّذاً لأحكام الدين، لا يخضع لأجنبي بوجه من الوجوه، ولا يستبد به حاكم ولا يطغى عليه ذو سلطان. فهذه الحالة الظهور، وهي أكمل الحالات للمجتمع المسلم، وعليها يجب أن تكون الأُمَّة؛ لأَنَّهَا المنزلة
التي ارتضاها
الله
للمؤمنين واللَّهُ الْعِزَّةُ وَرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
هي
حالة
الله
فإذا انحدر المسلمون عن هذا المقام، وتضاءلوا عن هذا الشرف ونزلوا عن هذه المرتبة التي رفعهم إليها الإيمان بالله والثقة فيه، فيجب أن لا يهادنوا الظلم، وأن لا يستكينوا للطغيان، وأن لا يسمحوا للأيدي العابثة أن تعبث بمقدرات الأمة، فتنتهك حرماتهم، وتحول دون أمور دينهم، وتتحكم في أعمالهم وعبادتهم وتنصرف في أموالهم بغير التشريع الذي وضعه عالم الغيب والشهادة والهدي الذي تركه محمد الهلال الأبناء الإسلام. إذا انحدرت الأمة إلى هذه الوهدة فتسيطر عليها عدو أجنبي، أو تخلى من أولته الأمة ثقتها، وأسلمته مقاليدها ووضعت بين يديه رعايتها للأمانة وحاد بها عن الطريق، وخان ورسوله والمسلمين فيما وضع بين يديه وجب حينئذ أن يقف المسلمون في طريق تلك الدولة الباغية، يأمرونها بالمعروف وينهونها عن المنكر، ويلزمونها أن تسلك بهم الصواب، فإذا اعتزت بالإثم، واستمرأت طعم الظلم واستكبرت أن تخضع لأمر الله، وأن ترجع إلى سبيل الله، فحينئذ يأتي القسم الثاني من التنظيم الإسلامي هو الدفاع، والدفاع في مسالك الدين يرادف ما يعبر عنه في العصر الحاضر بالثورة ... الثورة على الاستعمار الأجنبي، أو الثورة على الاستعمار الداخلي: كالثورة على الظلم والثورة على الإقطاع،
1) مقدمة التوحيد، ص 6.
طريق (1/78)
صفحة 79
الإباضية في موكب التاريخ
VV
نشأة المذهب الإباضي والثورة على الفساد، والثورة على الانحراف عن دين الله في كل مظاهره وأشكاله: والزعيم الذي يقود هذه الثورة " إمام دفاع "، وله على الأمة الثائرة حق الطاعة والامتثال مادامت الثورة قائمة، فإذا استقرت الأمور، ورجعت إلى الهدوء والاستقرار، أصبح واحد من أفراد الأمة له، حقوقهم وعليه واجباتهم ورجوع الأمور إلى نصابها يكون بأحد أمرين، إما نجاح الثورة، وَإِمَّا فشلها. ونجاحها يكون بأحد أمرين، إما استجابة الدولة لمطالب الأمة، ورجوعها إلى أحكام الله، وفي هذه الحالة ينتهي عمل الثورة إلى هذا الحدّ، وَإمَّا الإطاحة بالنظام الفاسد، وقلب الحكم الظالم، وتغييره إلى نظام إسلامي يتماشى مع التشريع الذي جاء به كتاب الله الكريم وعندئذ أيضًا لا يكون لزعيم الثورة أو أمير الدفاع أي حق في الحكم إلا إذا اختارته الأمة، لشروط توفرت فيه بعد
::
الهدوء والاجتماع والتفكير والمفاضلة، حسب الشروط المتبعة في اختيار أمير للمؤمنين. فإذا ضعف المسلمون حَتَّى عن هذا الموقف، وأصبحوا لا يستجيبون لداعي الثورة ويفضلون طريق السلامة، ويركنون إلى الدعة والاستراحة جاء المسلك الثالث من مسالك الدين، وهو الشراء، فحق لقلة منهم إذا بلغوا أربعين شخصا أن يعلنوا الثورة على الفساد، وبما أن هذه الثورة التي يقوم بها عدد قليل لا يتوقع لها النجاح في كفاحها ضد دولة ظالمة مسلحة وأمة مسالمة راضية بالذل إن هذا التنظيم يشبه أن يكون شعبا على دولة ظالمة حَتَّى لا تطمئن إلى تنفيذ خططها الجائرة، وقد لا تكون لها نتائج غير هذا القلق الذي يخيم على الظالمين، والتوجس والخوف الذي يسود أعمالهم وحركاتهم، ولذلك فقد اشترط لهذا التنظيم شروط قاسية لا يقبلها إلا الفدائيون الذين وهبوا حياتهم لحياة الأمة، وذلك أَنَّهُ لا يحل لهم بعد أن ينخرطوا في هذه المؤسسة أن يعودوا إلى بلادهم، أو يستقروا في أمكنتهم، أو يتخلوا عن رسالتهم، حَتَّى ينتهي بهم الأمر إلى النجاح أو القتل، والقتل أقرب الأمرين إليهم، وعندما تضطر الظروف أحدهم إلى منزله من شؤون تمديد الثورة كالتزود، فإنَّهُ يعتبر في منزله غريبا مسافراً يقصر الصلاة ولكنه عندما يكون في شغف الجبال، أو بطون الأودية، يقطع المواصلات على الطغاة، أو
لشأن (1/79)
صفحة 80
الإباضية في موكب التاريخ
YA
نشأة المذهب الإباضي
يهدم الجسور التي تمر بها القطر الظالمة، أو يقتلع أسس القلاع التي تجمع ذخيرة الجبابرة، حينئذ يعتبر في منزله وبين أهله، وهم في كُلّ ذلك لا يحل لهم أن يروعوا الآمنين، أو أن يسيئوا إلى المسالمين، إنَّه تنظيم رائع للفدائية في الإسلام عندما يتحكم الظلم، ويستعلي عبيد الشيطان، وتعطل أحكام الله بأحكام الإنسان، يقول أبو إسحاق: "الشراء من أخص أوصاف الإباضية".
فإذا رضيت الأمة بالذل، واستسلمت للظلم، وجرى عليها حكم الطغاة، ولم يقم فيها من يثور لكرامة الإسلام المهدرة ولا لشرف الرسالة التي أعزت الإنسانية. وتغلب حب الدعة على كُلّ فرد، وركن الجميع إلى الراحة، فلم تتكون حَتَّى الفدائية التي تَقُض مضاجع الظالمين. وتذكرهم أن حكمهم لن يقر، وأن كراسيهم لن تستقر، وأن المقاومة لا تزال هي أمل المؤمنين، وَأَنَّهُم سوف يحاسبون أمام الله والأمة حسابا عسيراً.
إذا ضعفت الأمة حَتَّى عن هذه المرتبة، أصبحت تحت التنظيم الأخير، تنظيم الكتمان، وعندئذ يجب أن يبتعد المؤمنون عن مساعدة الظالمين بتولي الوظائف الظالمة، وأن تتولى شؤونهم جمعيات تبث فيهم هداية الله، وتملأ قلوبهم بالإيمان بالله، وتنشر فيهم المعرفة والثقافة الإسلامية التي تبصرهم بدين الله فلا تكون علاقتهم بالظالمين إلا في أيسر طريق، وأضيق محال، فيما يتعلق بجباية الأموال المفروضة عليهم للحاكمين، وهي الجمعيات، أو
ما يُسمى في التنظيم الإباضي بـ"حلقة العزابة".
©©© (1/80)
صفحة 81
الإباضية في موكب التاريخ
79
نشأة المذهب الإباضي
العزابة
تعريف العزابة: العزابة هيئة محدودة العدد، تمثل خيرة أهل البلد علما وصلاحا. وهذه الهيئة تقوم بالإشراف الكامل على شوؤن المجتمع الإباضي، الشوؤن الدينية، والشوؤن التعليمية، والشئون الاجتماعية والشوؤن السياسية. وهى في زمن الظهور والدفاع تمثل مجلس الشورى للإمام أو عامله ومن ينوب عنه، أما في زمني الشراء أو الكتمان فهي تمثل الإمام وتقوم بعمله.
تختار هيئة العزابة من بينها شيخًا يُسَمَّى: شيخ العزابة"، يكون أعلمهم وأكثرهم كفاءة، ولا يشترط فيه أن يكون أكبرهم سنا. والشيخ يرأس الهيئة في جلساتها، ويُمثلها في جميع أعمالها، ويتكلم باسمها وينفذ قراراتها، ويتولى الإشراف المباشر على جميع شؤون البلد أو الأمة، ويجب أن تعرض عليه جميع المشاكل والأحداث، وحكمه بعد قرار الهيئة نافذ في جميع
الأحكام.
اللهم
اشتقاق كلمة العزابة: اشتقت هذه الكلمة من العزوب أو المعزابة، وهي تعني العزلة
يرجوه
والغربة، والتصوف والتهجد والانقطاع في رؤوس الجبال. ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة والإعراض عن حظوظ النفس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال، وولد، فإن العزابي لا يعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلا القليل، أما أعظم طاقاته فيجب أن يصرفها الله في خدمة المسلمين دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجـ منهم؛ لأن أجره وحسابه على معني كلمة الحلقة: كلمة الْحَلقة استعمال ثان يقصد به "هيئة العزابة"، فهي مرادفة وقد أخذت هذه الكلمة من التحليق وهو الاستدارة، وذلك أن العزابة في اجتماعاتهم الرسمية يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، وهو أنسب وضع لتبادل الآراء، ودراسة وجهات
لها،
النظر المختلفة.
الله. (1/81)
صفحة 82
الإباضية في موكب التاريخ
80
نشأة المذهب الإباضـ
كما أن الجلوس على هذا الوضع أفضل حال عند الدراسة، أو تلاوة القرآن الكريم والاتجاه إلى الله بالدعاء.
مطلقا،
مقر العزابة: المقر الرسمي للعزابة يكون في المسجد، ولذلك يلزم أن يكون في جانـ من جوانب المسجد بيت خاص بالعزابة، ويستحسن أن يكون بعيدا عن مجالس الناس، حتّى لا تسمع المداولات التي تجري فيه، وهذا البيت الخاص بهم لا يجوز لغيرهم الدخول إليه ويتحتم على الجدد منهم أن يقوموا بتنظيفه ومراقبته وفرشه، وملاحظة جميع ما يلزمه، وفيه تحفظ وثائقهم فلا يطلع عليها أحد غيرهم وجميع المداولات والمناقشات والمباحث السبتي تجري داخله تعتبر سرية لا يجوز إخراجها وإفشاؤها لأي سبب من الأسباب، ما عدا القرارات التي تتخذ للتنفيذ فيتولى الشيخ إعلانها، وقد ينوب عنه أحد الأعضاء الآخرين، ولا يجوز للعزابة أن يناقشوا أي موضوع في غير مقرهم الرسمي، وبعد أن ينتهوا إلى قرار في أي موضوع يحق لهم أن ينتقلوا إلى مكان آخر لتنفيذ ذلك القرار إذا كان تنفيذه يقتضي منهم
الانتقال.
وإذا أصدروا أمرًا في شأن من الشؤون الاجتماعية للبلد، كتحديد المهور، أو تجديد الأسعار، أو بدء العمل في المواسم الزراعية، أو ما شاكل ذلك، فلم يستجب الجمهور لقرار هم اعتصموا في مقرهم، ولزموا المسجد دون أن يقوموا بأعمالهم المعتادة، وامتنعوا من دخول الأسواق والبلد حتى يستجيب الناس للحكم، ويقوموا بتنفيذ الأمر، ولم تحدث مثل هذه الحالة عند الإباضية في ليبيا، إلا عددا قليلا من المرات استجاب فيها الناس لأمر العزابة بأسرع ما يمكن، بل لقد كان الناس يسارعون حين يسمعون بمثل هذا الموقف من العزابة، فيقنعون بعضهم، ويبلغون موافقتهم إلى المجلس قبل حضور وقت الصلاة الثانية، فتسير الأمور
كعادتها.
عدد أعضاء الحلقة: يتراوح عدد أعضاء الحلقة بين عشرة أعضاء بين عشرة أعضاء وستة عشر عضوا، يوزع عليهم العمل كما يتأتي: - 1 - شيخ العزابة ويكون أعلم القوم، وأقواهم شخصية، وأقدرهم على حل المشاكل. (1/82)
صفحة 83
الإباضية في موكب التاريخ
81
نشأة المذهب الإباضي
: المستشارون ويكون عددهم أربعة لا يزيدون ولا ينقصون، ويلزمون الشيخ، ولا
يقطع أمراً دون موافقتهم. - الإمام شخص واحد يقوم بصلاة الجماعة، ويجوز أن يكون أحد الأربعة
المستشارين.
4 - المؤذن: وهو شخص واحد مسؤول عن تحري أوقات الصلاة، والقيام بمهمة ويصح أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
الأذان،
-0
وكلاء الأوقاف: يخصص عضوان للإشراف على الأوقاف، وعلى ميزانية الحلقة، وضبط الواردات والصادرات وطريقة إصلاح وتنمية الأوقاف ويشترط في هذين العضوين بالإضافة إلى الشروط العامة لأعضاء الحلقة، ألا يكونا من الأغنياء المكثرين، ولا من الفقراء المعوزين، ولكن من متوسطي الحال المستورين.
المعلمون يخصص ثلاثة أعضاء أو أكثر أو أقل الحاجة للإشراف على
التربية والتعليم وتنظيم الدراسة ومراقبة التلاميذ في المحاضر (وهى دور التعليم)، أو في الأقسام الداخلية، وما إلى ذلك من شئون التعليم.
- Y
حقوق الموتى يخصص أربعة أعضاء أو خمسة للإشراف على حقوق الموتى،
فيتولون الإشراف على غسلهم وتجهيزهم والصلاة عليهم ودفنهم، ومراقبة تنفيذ وصاياهم، وتقسيم تركاتهم حسب الفرائض في أحكام الإسلام .. وإذا توفي شخص وهو في براءة المسلمين بأن مات على معصية، فإن هؤلاء العزابة لا يقومون بحقوقه؛ لأن العاصي لا حق له على المؤمنين، ولَكنَّهم يسمحون لمن شاء من غير أعضاء الحلقة أن يقوم بتلك الحقوق، ذلك أن القيام بأمور الميت فرض على الكفاية، إذا قام به البعض أجزى عن الباقين.
شروط العضوية: يشترط في أعضاء العزابة عدة شروط منها:
1 - أن يكون حافظا لكتاب الله.
1 -
20000 - أن يمر بمراحل الدراسة مرحلة مرحلة، ويستوفي الدراسة فيها. (1/83)
صفحة 84
الإباضية في موكب التاريخ
82
نشأة المذهب الإباضي
3 - أن يكون محافظا على الزي الرسمي للطلبة عندما كان في الدراسة، وللزي الرسمي للعزابة عندما يدخل الحلقة.
- أن يكون أديبا كيسا فطنا ذا لباقة ومهارة في تصريف الأمور.
-
ه أن يكون محبا للدراسة راغبا فيها، مواصلا للتعلم والتعليم. 6 - ألا تكون له مشاغل دنيوية كثيرة تحمله على كثرة التردد على الأسواق، والاختلاط بالعامة والسوقة، اختلاطا يزري بمقامه، ويذهب بهيبته.
أن يغسل جسده بماء، ويغسل قلبه بماء وسدر، وهذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها أن يكون الإنسان نظيف اليد، والبطن، والعين من أموال الناس، وأن يكون
نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن والظاهر. وقد شرح أبو عمار عبد الكافي هذه العبارة بقوله: "أما الجسد فيغسله من الدنس في الناس، وأمَّا القلب فيغسله من الغش والتكبر وما أشبه ذلك مما يوجب حبط العمل"، والعبارة كما ترى في غاية الدقة، وهى تحتمل أكثر مما أشرت إليه وأشار إليه العلامة أبو عمار فتأملها، فكلما تأملتها وجدت فيها معنى جديدا ... ولقد شدد المشايخ في تنظيف المؤمن لقلبه؛ لأن أدران القلوب أشد قذارة من أدران الأبدان، ولذلك أو جبوا عليه أن يغسل جسده بالماء، وأن يغسل قلبه بماء وسدر، وهي كناية تفيد الحرص الشديد على نظافة الباطن أكثر من نظافة الظاهر، فإن من طهرت سريرته حسنت سيرته، واستقامت أموره، وكثرت محاسبته لنفسه، ورعايته لسلوكه، وفي ذلك
النجاح.
واجبات الْحَلقة على هيئة العزابة واجبات أكيدة هي مسؤولة عنها باعتبارها هيئة، وتتخلص هذه الواجبات فيما يلي:
قسطا
الإشراف على التعليم وتهيئة الوسائل لذلك، وتيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا من الدراسة، ويتعلموا جزءا من القرآن الكريم، وما يعرفون به أمور دينهم، وهذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل؛ فإذا كانت أسرة الطفل فقيرة بحيث لا تستغني عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تُمونه به في أوقات الدراسة وجب أن تقدم له مساعدة وذلك بالإنفاق عليه. (1/84)
صفحة 85
الإباضية في موكب التاريخ
83
نشأة المذهب الإباضـ
2 - مراعاة الحالة الاجتماعية للناس وتيسير سبل الحياة للفقير والضعيف، وإيجاد العمل للجميع، وذلك بمطالبة الأغنياء وأصحاب اليسار أن يستعينوا بالفقراء في إنجاز أعمالهم مقابل أجور، كثيرًا ما يعينها أعضاء العزابة.
حل المشاكل التي تنجم بين الناس والفصل في قضاياهم، والحكم بينهم في
خصوماتهم، وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
الإشراف على أوقاف المساجد، وعلى ميزانية الحلقة أو ضبط الصادر والوارد، وإنفاق جميع ذلك في وجوهه والعمل على تنمية الأوقاف الثابتة وإصلاحها، واستغلالها أحسن استغلال.
ه - حفظ الأسواق ومراقبتها من أن تقع فيها معاملات لا يبيحها الشرع، أو أن ترد إليا أموال مسترابة أو مشبوهة.
6 - تنظيم الحراسة البلدية على أموال الناس من زراعة وماشية حتّى لا تصل إليها أيدي
الغارة والسرقة والإضرار.
الحكم على العصاة والمجرمين وتأديبهم وإعلان البراءة منهم، وقطع التعامل معهم
حتّى يتوبوا ويرجعوا إلى
الله
القيام بالعلاقات الخارجية وتنظيمها، سواء كانت علاقات حرب أو سلام.
الذين
هذه بعض المهام التي تناط بمجلس العزابة باعتباره هيئة مسؤولة عن المجتمع أمام الله وأمام الناس، وعلى الهيئة أن توزع الأعمال على الأعضاء حسب الكفاءة والمقدرة، والذي يقوم بذلك إِنَّما هو الشيخ بعد اتفاق الْحَلقة. أين تنشأ حلق العزابة: تنشأ حلق العزابة في كُل بلد أو قرية، وحلقة العزابة هم يشرفون على أمور البلد أو القرية الخاصة؛ فإذا كان هنالك أمر هام، أو حدث أكبر من مستوى القرية أو البلد رفع إلى المجلس الأعلى للعزابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر، أو حاكم الجبل حسبما كان في جبل نفوسة، وذلك كمسائل إيقاع الحدود، وما يتعلق بالأمن العام، وما إلى ذلك من المشاكل التي تكون أكبر من المستوى المحلي للقرية. (1/85)
صفحة 86
الإباضية في موكب التاريخ
84
نشأة المذهب الإباضي
والهيئة الكبرى للعزابة أو الهيئة العامة لهم هي: الهيئة التي يرأسها الشيخ الأكبر، ولا بد أن يكون شيخا للعزابة في بلده ويقوم مقام الإمام في أزمنة الكتمان، أما أعضاء العزابة الذين يكونون معه فهم المستشارون، ويكونون من شيوخ حلق العزابة في بلدانهم، ومقرهم هو مركز البلاد وعاصمتها، ولهم مع الشيخ اجتماعات دورية مرة في كُلّ ثلاثة أشهر، ومتى
دعت الحاجة.
ويعتبر
وأحكام هذا المجلس نافذة على جميع البلاد، وَكُلُّ الخلق خاضع ماديًا وأدبيا لهذا المجلس، السلطة الحقيقية للمجتمع الإباضي، أما بقية الحلق فهي مساعدة له، منفذة لأعماله .. ويجب على الشيخ الأكبر للعزابة أن يكون مقر حكمه في مركز البلاد، فإذا اختار السكن في غير ذلك المكان فعليه أن يباشر الأحكام في مركز الحكم لا في محل السكن كما كان يفعل أبو هارون موسى بن هارون، وأبو عبد الله بن جلداسن اللالوثي، وأبو يحيى الأرجاني،
وغيرهم.
إن شيخ العزابة في المجتمع الإباضي يمثل سلطة الإمام العادل ويقوم بجميع مهامه في النطاق الذي تسمح به ظروف الحياة في زمن كُلّ واحد منهم، وهو مقيد بمجلس الشورى الذي لا يحق له أن يصدر رأيا قبل موافقته، اللهم إلا في الأحكام الثابتة في الدين الإسلامي، وله أن يستعين بشخص يقوم له مقام المفتي، والقصد من هذا المفتي هو تحرير نصوص الحكم المستمدة من الشرع الشريف، أو المساعدة على ترجيح الأقوال في المسائل الخلافية التي تتعدد فيها وجهات أنظار الفقهاء، وليس المقصود من وجود المفتي أن يبصر الشيخ بأحكام لا يعرفها؛
لأن شيخ العزابة يشترط فيه أن يكون من أعلم المشايخ، إذا لم يكن أعلمهم على الإطلاق. وفي الاجتماعات الدورية التي تعقد في ثلاثة أشهر، أو في ستة أشهر، يحضر ممثلون عن
جميع حلق العزابة، ويستعرضون ما لديهم من مشاكل ويدرسون معا وضع المجتمع ويتخذون في ذلك القرارات اللازمة، ويرسمون خطط السير في المستقبل، على أَنَّهُ يَحقُّ لكُلِّ حلقة أن تتصل بالمجلس الأعلى وتدعوه للانعقاد إذا كانت هنالك أسباب تدعو إلى ذلك، والنصيحة. كما أن لها الْحَقِّ أن تعرض مشاكلها الخاصة على الشيخ الأكبر، وتقتبس منه الرأي (1/86)
صفحة 87
الإباضية في موكب التاريخ
85
نشأة المذهب الإباضي
ويُمثل كُل حلقة من حلق العزابة شيخها وبعض مستشاريه، إلا في أحوال الضرورة التي يتعذر فيها عليه أن يقوم بهذه المهمة.
اختيار أعضاء الحلقة: يراعى في اختيار العزابة بالإضافة إلى الشروط التي يجب أن تتوفر في كُلِّ شخص أن يكونوا مُمثلين للقبائل أو الجهات التي يشتمل عليها البلد، ولا يشترط تساوي العدد، كما أَنَّهُ إذا لَمْ يوجد في قبيلة من تتوفر فيه الشروط الشخصية أخذ من غيرها، وعندما يحتاج العزابة إلى إضافة عضو جديد إلى الحلقة يأخذونه من أحد طريقين: 1 - إمَّا أن يطلبوا من القبيلة التي يراد أخذ العضو منها أن ترشح عددًا ممن تتوفر فيه شروط العضوية والكفاءات المطلوبة مع الشهرة بالصلاح، والتقوى، والعفاف، والتراهة
1
وحب الخير والإيثار والتضحية والعمل للصالح العام؛ فتختار الهيئة واحدا منهم. 2 - وَإِما أن يطلبوا من منظمة "إيروان" أن يقدموا إليهم واحدا ممَّن يَملأ ذلك الفراغ. حين يتعين العضو ليشغل مركزا في العزابة يدعى إلى مقرهم الرسمي، ويتولى الشيخ تعريفه بالسيرة التي يجب عليه أن يسيرها وبالأدب الذي يلتزمه، ويؤكد عليه أن يعرف أن من أوكد الواجبات عليه أن يحافظ على آداب الإسلام، ويتخلق بأخلاقه الحميدة، من الاستقامة والتراهة، والعفة، والانقطاع إلى خدمة الأمة، والتزام المسجد، والإعراض عن حظوظ الدنيا إلا بمقدار الضرورة، والاجتهاد في العبادة، والتواضع للمؤمنين، والغلظة على العصاة والمجرمين، وأن يكون قدوة حسنة للناس في قوله وفي عمله وأن يتحرى في رزقه التحري الكامل، ويختار له أن يكون مجال احترافه الزراعة؛ لأنّ التجارة تسبب له احتكاكا مباشرًا بالناس، فيغلب أن لا يسلم منها بالْحَقِّ أو بالباطل، وهم يلخصون هذا الموقف في عبارة مشهورة متداولة هي:-
"ألا يكون في غير، مسجده أو حقله أو بيته، وبعد أن يعرف بجميع ما يترتب عليه من حقوق وواجبات وما يلقى عليه من مهام ومسؤوليات يطلب إليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإذا أعلن قبوله - وهذا ما يحدث فعلا - أسندت إليه المهام العملية، كأن يقوم بالتدريس أو وكالة المسجد، أو الاشتراك في الإشراف على حقوق الموتى، ثُمَّ يعلم أنه يعتبر أصغر العزابة، ولو كان أكبر من بعضهم سنا، وعليه أن يتولى خدمتهم، ويطلب إلى سلفه (1/87)
صفحة 88
الإباضية في موكب التاريخ
86
نشأة المذهب الإباضي
(أي العزابي الذي كان أصغرهم قبل هذا العضو الجديد أن يبقى معه ثلاثة أيام، يدربه فيها على آداب خدمة العزابة؛ لأنه يعتبر رئيسه المباشر، وعندما يجلس العزابة يتحتم أن يكون مجلسه بعده .. وترتيب مجالس العزابة ضروري، فلا يجوز للمتأخر أن يسبق المتقدم، والعزابي يعتبر رئيسا في أي مكان يوجد فيه، وله وحده حق افتتاح الكلام في المجالس العامة، وكذلك اختتامه وإدارة المناقشات وما إلى ذلك، فلا يجوز لتلميذ أو عامي أن يتولى شيئًا من ذلك
إلا بإذنه. عقوبة العزابي: المطلوب من العزابي أن يكون قدوة ومثلا للاستقامة، ولذلك فإن ما يعتبر من غيره أخطاء صغيرة يعتبر منه أخطاء كبيرة يجب عليه الاحتراس منها، والابتعاد عنها، وهذا حتى في مكارم الأخلاق ومعاملة الناس، فإذا قدر عليه فأخطأ، نظر مجلس العزابة في
:موضوعه
فإن كان الخطأ كبيرًا يتصل بمعصية الله، ويسيء إلى سمعة العزابة، أو يلحق إهانة بالمسجد، أو استخفافا بالْحَقِّ، أو ما أشبه ذلك، وجب عليهم أن يحكموا عليه بالبراءة على الأشهاد كما يقع بالنسبة لغيره من الناس، ولا يرفع عنه حكم البراءة حتى يتوب علنا، وليس له بعد ذلك حق الرجوع إلى مجلس العزابة أبدا، فإن من أخرج من هذا المجلس بطريق البراءة لا يحق له دخوله مرة ثانية، وإن تاب ونصحت، توبته ويبقى كسائر المسلمين له حقوقهم وعليه واجباتهم.
- أما إذا كان الخطأ صغيرًا لا يقتضي التوبة، فَإنَّهُم يعقدون له مجلس تأديب سري، وقد يحكمون عليه بالإبعاد عن مجلس العزابة لمدة طويلة أو قصيرة حسب الخطأ الذي ارتكبه، وستروا عليه ذلك عن الناس.
وسبب هذا الحكم كون العزابة من أشد المحافظين على الإسلام وآدابه، وقد لخص أحد المشايخ هذه السيرة في عبارة لطيفة فقال: "إن" مُتَولي الناس مثل اللبن يغيره أي شيء يقع
عليه". (1/88)
صفحة 89
الإباضية في موكب التاريخ
87
نشأة المذهب الإباضي
كيف تكون نظام العزابة في أواخر القرن الثالث الهجري وقعت حادثتان كبيرتان
وكان لهما أثر كبير على الإباضيَّة في ليبيا وتونس والجزائر:
- الأولى: الحرب الطاحنة بين الأغالبة والإباضية في قصر "مانو"، وقد تلقى فيها الإباضية ضربة عنيفة من يد الطاغية أحمد بن الأغلب.
- أما الثانية: فهي تغلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وقضاؤهم على هذه
الدولة.
وإذا كانت كلتا الدولتين الأغلبية والشيعية لا تتبعان أحكام الإسلام، ولا تعملان بها، فقد فكر علماء الإباضيَّة في جعل نظام يسيرون عليه يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيرون به الأمة في الوجهة الصالحة، دون أن يلجؤوا إلى إعلان دولة جديدة، أو يتعلقوا بدولة ظالمة مستبدة؛ فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، وقد كان في أول الأمر عُرفًا يسير عليه الناس، حتّى جاء الإمام الكبير أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر في أواخر القرن الرابع، فحرره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثُمَّ طبقه تطبيقا كاملا في مواطن الإباضية، في ليبيا، ثُمَّ تونس، ثُمَّ الجزائر، حيث لا يزال يطبق بدقة .. وعلى هذا الأساس اعتبر المؤرخون أن الإمام أبا عبد الله هو واضع نظام العزابة، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يعتبر واضعًا لهذا النظام، فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسقة. وقد جاء بعد أبي عبد الله عدد من العلماء الكبار عنوا بدارسة هذا النظام عناية خاصة، أضافوا إليه بعض المواد، وأطلق عليه بعضهم لفظ: "سيرة العزابة ومن العلماء الذين عنوا به، وكتبوا عنه: أبو زكرياء يحيى بن بكر، وأبو عمار عبد الكافي، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وقد حرص المتأخرون منهم أن يضيفوا إليه جملا في آداب العالم والمتعلم، وآداب حلقة العزابة وما يجب أن تُنَزَّه عنه. والذي يدرس هذا النظام كما شرحه أولئك الأئمة الأعلام يخرج بقانون فذ لنظم التربية والتعليم من جهة، وللسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم
?" (1/89)
صفحة 90
الإباضية في موكب التاريخ
ودينهم،
نشأة المذهب الإباضي
عندما تسيطر عليهم دول البغي والعدوان .. كما كان ذلك عند الإباضية في الجزائر،
رغم ما بذلته فرنسا المستعمرة الظالمة الباغية.
قوة العزابة: استطاع العزابة أن يحفظوا هذا النظام طيلة قرون طويلة، وأن يعملوا به وأن يطبقوا بمقتضاه الأحكام على جميع الأفراد، دون دون أن يشذ شاذ، أو يتكبر عليهم
متكبر.
في
منهم
فما هو السر الذي منحهم. هذه القوة وأسلس إليهم قياد الناس، فكانوا يتقبلون أحكامهم ويستجيبون لأوامرهم، لا يحدثون شعبا، ولا يظهرون تمردًا؟!
إن لذلك سببين هامين: الأوَّل: الشخصية القوية التي تمتع هيئة العزابة بسبب الصفحات المثالية التي تتصف بها الحلقة كهيئة، وأعضاء العزابة كأفراد، فإن المؤمن عندما يلتزم آداب الإسلام، ويسير بهديه، ويسير السيرة الرضية، يكون موضع الاحترام والتقدير والطاعة من جميع الناس، وتسلس له أزمة القيادة، إذا تولى ذلك في مجتمع أو أمة.
الثاني: حكم الولاية والبراءة الشخصيتين، هذه القاعدة الهامة التي يختص بها الإباضية دون غيرهم من المذاهب فيما أعرف، وكلمة الولاية تعني الحُبّ في الْحُبِّ في الله، وكلمة البراءة تعني البغض الله. والولاية حق لِكُلِّ مسلم مستقيم عرفت فيه التقوى والوقوف عند حدود الله، أما البراءة فواجب على كُلّ مؤمن أن يعلن براءته وبغضه للعصاة والمجرمين. حتى يتوبوا إلى الله. ولما كانت هيئة العزابة هي المسؤولة عن تنفيذ أحكام الله، فإن من واجباتها عندما يثبت لديها انحراف عن دين الله في أي شخص أن تعلن عليه حكم البراءة، وعندما يعلن حكم البراءة على شخص سرعان ما يتبدل وجه الحياة لديه فيفقد ما كان يجده من حسن وإشراقة الْحُبِّ في الله، ويتجافى عنه الأصدقاء، ويتجافى عنه الأهل والأقارب، ويقطع الناس معاملته إلا بالمقدار الضروري جدا، فيجد نفسه معزولا عن المجتمع، لا حق له في الحياة الكريمة، ولذلك يضطر إلى التوبة والاستغفار والندم علنا، وفي المسجد، فإذا تأكد مجلس
المعاملة،
العزابة أن الرجل صادق في توبته نادم على خطيئته راجع إلى ربه، أعلنوا رفع البراءة عنه. (1/90)
صفحة 91
الإباضية في موكب التاريخ
89
نشأة المذهب الإبام
وعندئذ ترجع إليه جميع الحقوق، ويستمتع بكُلِّ ما كان يستمتع به قبل أن يغره الشيطان،
وليس من حق أحد بعد التوبة أن يذكره بمعصيته، أو يعيره بماضيه.
فهم
مُنظمة إيرْوَان: "إيرْوَانُ" كلمة بربرية معناها طلبة العلم الذين حفظوا القرآن الكـ
الكريم،
لا بُدَّ أن يكونوا من حملة كتاب الله، ومن المشتغلين بالدراسة، وهي جمع، والواحد منها (إرو)، أَمَّا بفتح الهمزة (أرُو) فهو اسم يطلق على الحيوان المعروف بالظربان في اللغة العربية، وَأَمَّا (آن) بفتح الهمزة ومدها وسكون الراء فمعناه الأسد، وفي لهجة صنهاجه البربرية معناها هات أو أعطني.
هذه المنظمة هي: القوة الثانية في البلد بعد العرابة، ولها نظم وتقاليد وحقوق خاصة بها، وهي كالمجلس الاستشاري المساعد للعزابة، أو كمجلس النواب بالنسبة للشيوخ، وكثيرا ما يسند العزابة أعمالا إلى مجلس "إيروان" وسوف أشرح الجانب العلمي منه في فصل آت من هذا الكتاب "نظم التربية والتعليم"
فليراجعه من شاء هنالك.
هذا ملخص يسير مختصر عن نظام العزابة الذي بقي يسير به الإباضية في المغرب الإسلامي مدة طويلة.
وقد ارتفع حكم العزابة من مواطن الإباضيَّة في ليبيا وتونس في القرن الأخير، ومنذ ارتفع نظام العزابة في هذه المواطن تسرب الفساد إلى المجتمع، ولن يستطيع الإباضية أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من دين وخلق واستقامة ما لَمْ يعودوا إلى الاستمساك بدين الله واللياذ به، وإن المسلمين جميعا ما أصيبوا بما أصيبوا به إلا لانحرافهم عن دين الله، وخروجهم عن منهاجه. وَلَن يَصلُحَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلُحَ بِه أَوَّلُها». (1/91)
صفحة 92
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
صيانة لكرامة المرأة
لقد كانت طبيعة الحياة في الأمة المسلمة لا تبيح للمرأة أن تختلي برجل أجنبي عنها، ولا تبيح لرجل أن يختلي بامرأة أجنبية عنه، وذلك خوفا من الفتنة؛ لأنّ الدوافع الجنسية قد تتغلب على النفس عند الرجل أو عند المرأة وهما مختليان،
(2)
فيصلان إلى المحذور، ويقع السوء الذي منه يحذران وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «إِيَّاكُم وَالْخِلْوَةُ بِالنِّسَاءِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةِ إِلَّا وَكَانَ الشَّيْطَانُ ثَالثهُمَا». وفي رواية: «دَخَلَ الشَّيْطَانُ بَينَهُمَا» (1). وروى عنه: «مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلَا يَحْلُونْ بِامْرَأَةِ لَيْسَ بَينَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ» (2). ولكن واقع الحياة كثيرًا ما يجعل المرأة في طريق الرجل، أو الرجل في طريق المرأة بضرورة من الضرورات فيلعب الشيطان بينهما، دوره ويحاول أن يخدعهما عن نفسيهما، ويُمهد لهما سبيل اللقاء الأوَّل، ويبسط لهما وسائل العذر لارتكاب الفاحشة، فيمنيهما بأن يربط بينهما عرى الزواج في المستقبل، فيعد الرجل المرأة بالزواج، ويغريها بالأحلام الضاحكة من تكوين العش والأسرة، والهناء المنزلي القار حتى تطمئن إليه، ويخيل إليها أنها ستبدأ مكانها الجديد، وأنها قربت من تحقيق الحل العذب، فتسلم إليه نفسها، وتتم لعبة الشيطان قبل أن يتم الزواج. وأمثال هذه الحالة موجود وكثير، وفي أغلب الأحيان لا يكون الرجل جادا في وعده للفتاة بالزواج، وقد يكون جادا، ولكن ظروفًا أخرى لا يملك السيطرة عليها تحول دون ذلك الزواج، وينتج عن ذلك خسران في الدين وفضيحة في المجتمع، وضياع لفتاة يمكن أن يصان شرفها بشيء من الحكمة
1) أخرجه الطبراني في الكبير، عن أبي أمامة، رقم: 7830.
(2) رواه الإمام أحمد بلفظ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامراة ليس معها ذو محرم فإن ثانيهما
الشيطان». (1/92)
صفحة 93
الإباضية في موكب التاريخ
91
نشأة المذهب الإباض
وتعالج بعض المذاهب الإسلامية هذه المشكلة بفرض إتمام الزواج بين الفتى العابث والفتاة المخدوعة.
وفي هذا العصر الذي انطلقت فيه الفتاة دون رعاية أحد في معترك الحياة، ودعتها أساليب المدنية الغربية أن تتعرف على الرجل، وأن تعيش معه، وأن تختبر وأن تختبر أخلاقه؛
هي
لتصطاد منه زوجا تعيش معه. فكانت الفريسة الأولى للصائدين في هذا العصر، كثرت المشاكل الناجمة عن هذا الانطلاق، والاختلاء، واستعصت على يع الحلول التي يضعها فلاسفة، الغرب، ورأى بعضهم فراراً من حل المشكلة بالطرق الإنسانية، فحاول أن يحلها بالطرق الحيوانية، وذلك بالاستسلام لها وإطلاق الغريزة تعمل عملها، وتهوين أمر الفاحشة وعدم حسبانها إنما تلام عليه الفتاة أو الفتى. وقد ابتلي الوطن الإسلامي بهذا الداء، فأصبحت الفتاة في بعضه منطلقة هذا الشيطان، وفي بعضه الآخر تدفع بشدة – كما تدفع الشاة إلى
الانطلاق الكامل مع المسلخ لتلحق بأختها.
ولقد درس الإباضية هذه المشكلة منذ خير القرون، وانتهوا فيه إلى رأيهم الذي ينفردون به فيما أعرف، فحرموا الزواج بين من ربطت بينهما علاقة إثم، وقد كانوا في تحريمهم لهذا الزواج يستندون إلى روح الإسلام الذي يحارب الفاحشة. روت أم المؤمنين عائشة ما عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُمَا زَانِيَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (1). وهذا الحكم حكم تحريم الزواج بين من ربطت بينهما فاحشة بطريق من الطرق يغلق باب الخدعة أمام الشيطان، وأمام الإنسان، فلا يستطيع بعدها أن يأتي الرجل إلى امرأة فيغرر بهما ويخدعها عن نفسها، ويزعم لها أنه سوف يتم فعلته الشنيعة بالزواج.
1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، (رقم (13666) موقوفا عن عائشة، بلفظ: «قالت عائشة ا في رحـ
حر بامرأة ثُمَّ يتزوجها لا يزالان زانيين». (1/93)
صفحة 94
الإباضية في موكب التاريخ
92
نشأة المذهب الإباضي
وهذا الحكم ينير الطريق أمام ا المرأة، فيجعلها تعرف الصادقين من الكاذبين الناس الذين يتصلون بها، وَكُل من حاول أن يسبق الحوادث ويصل معها إلى نتائج الزواج قبل الزواج فهو كاذب أثيم، وخادع لئيم، يحق لها أن تفر منه، وتبتعد عنه أما الرجل الذي يحترم فيها خلقها، ويصون لها عفافها، ويحافظ على شرفها في نفسه فهو الرجل الصادق، الذي يريد حقا أن يبني عش الزوجية، ويحيا الحياة الكريمة. ولو كان هذا الرأي رأى جميع فرق الأمة، وهذا الحكم هو حكمها لقل انحراف عن القصد، واستمسكت بطهارتها وعفافها ولم تتعد حدود البراءة اللـ ا إلا من فقدت الحياء، وأعدت نفسها لتحيا حياة دعارة وبغاء؛ لأنها إذا كانت تعرف أنها سوف تحرم على الرجل الذي تزل معه وتحرم منه، فلا يمكنه أن يتزوجها؛ لأنّ الدين يحرم هذا الزواج، فهي سوف تفكر كثيرا قبل أن تتساهل في أمر نفسها، ثم تعلم أنه لا يمكن أن يقدم على الزواج منها أحد آخر. ومن ذا الذي يقدم على الزواج من امرأة لها ماض أثيم؟!
الفتاة
هي
لقد عالج الإباضية موضوع التغرير بالفتاة قبل أن تقع في المشكلة؛ فتأمل أَيُّهَا القارئ الكريم هذا الرأي وزنه بميزان الشرع القويم وميزان العقل الحكيم، وميزان
التفكير السليم. وإن شئت فأضف إلى ذلك القاعدة الهامة التي وضعها الإمام العظيم مالك بن أنس
للمعاملات، واشتهر في كتب الفقه بباب سد الذرائع.
© (1/94)
صفحة 95
الإباضية في موكب التاريخ
93
نشأة المذهب الإباضي
من أسرار الزكاة.
يمر الإنسان صدفة بدور بعض الأغنياء أو متاجرهم أيام عاشوراء فيستلفت نظره
ازدحام جمهور من الناس على ذلك الباب، وحين يسـ يسأل له: إنهم فقراء ينتظرون تفريق الزكاة.
عين الإزدحام يقال
وهذه الصورة متولدة عن علم الفقير بموعد صرف الزكاة، إذ كثير ما يسأل الفقير الغني ألا ينساه عند تفريقه الزكاة، فيعده الغني بذلك ويحدد له اليوم، وتصبح هذه الطريقة عادة، وحتَّى إذا لَمْ يسبق اتصال بين الفقير والغني، فإن الفقير يعرف حالة الغني وموعد تفريقه للزكاة، فيذهب في الميعاد، ويقف الواقفين، ينتظـ نصيبه من هذا الْحَقِّ.
ويطل الغني من النافذة فيرى الجمهور الكبير الذي ينتظره، فيزدهيه الموقف ويحس أَنَّهُ مُحسن عظيم، يستفيد من ماله عدد ضخم من الناس، وهذه نافذة من النوافذ التي يدخل منها الشيطان إلى قلب الإنسان.
يغ
إخراج الزكاة فريضة من فرائض الإسلام لا بُدَّ من أدائها، وهـ حق لأصحابها في مال الغني يجب أن يوصلها إليهم دون أن يصحبها هوان أو مذلة لهم؛ فلمـ بهذا المظهر الذي يَدُلُّ أَكثر ما يَدلُّ على الرياء والمباهاة؟ ولماذا يجمع أرباب الْحَقِّ في الزكاة على هذا الصعيد في هذا المنظر المؤذي ليؤدى إليهم حقا من حقوقهم؟! أليس في إمكان الغني أن يفرق ما يجب عليه من حقوق الله على من يستحقها من الناس دون أن يكلفهم عناء التجمع والانتظار، بل يوصلها إليهم دون أن يكون بينه اتفاق، فيأتيهم بالفرج على حين غفلة، ودون أن يحسبوا له حسابا، ودون أن يحملهم مهانة السؤال ومذلة الانتظار!! إن الصورة التي ذكرت تجدها في بعض المدن الكبيرة في ليبيا، وقد اعتاد الفقراء أن يذكروا الأغنياء بأنفسهم، ويطالبوهم بحقهم في الزكاة.
وبينهم (1/95)
صفحة 96
الإباضية في موكب التاريخ
94
نشأة المذهب الإباض
ويقف علماء الإباضية من هذه المشكلة موقفا مستوحى من عزة الإسلام وكرامة
المسلم. فَإنَّه ليس من أخلاق المسلم أن يظهر بمظهر الذليل المستجدي، الواقف على الأعتاب ينتظر ما تجود به الأكف، وتسخو به الأنفس الشحاح. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الاستجداء والمسألة، واعتمد الإباضية تلك الأحاديث الشريفة فمنعوا المسلم من إراقة ماء الوجه والتعرض لمذلة السؤال فإذا هانت عليه كرامته وذهب يسأل الناس الزكاة حرم منها عقابا له على هذا الهوان، وتعويدا له على الاستغناء عن الناس، والاعتماد على الكفاح. على أن الزكاة حَقٌّ لا بُدَّ أن يصل إلى أصحابه دون أن يهينوا أنفسهم بالتعرض للأغنياء، ودون أن يتكلوا عليه فيدخلونه في حسابهم، ودون أن يشعر الغني بهذا المظهر المتعالي الذي يحوج الناس إليه، فيأتونه متعرضين لنواله. وقد يصل الفقر بأحد من الناس إلى شدة لا تقوى إرادته على التغلب عليها، فيضطر إلى تخفيف هذه الشدة بالاستجداء.
وفي هذا الموقف تبرز قضية أخرى هي واجب الأمة المسلمة؛ فإن حفظ كرامة المسلمين واجب على الكفاية، وما يحل للأمة أن تترك من بنيها من يهوي به الفر إلى المذلة والهوان.
إن من واجب الأمة المسلمة أن تيسر أسباب الحياة الكريمة لكل فرد من أفرادها ولا تتخلى عنه حتى تصل به الحال إلى الحاجة المدقعة التي تدفعه إلى السؤال؛ بل عليها أن تعالج مشكلة الفقر بطريق من الطرق الكريمة، كأن تيسر العمل لمن يستطيع العمل، أو تتخذ النظم التي ترعى العجزة وتصد عنه غائلة الجوع، وتوصل إليهم ما يرفع عنهم ثقل الحياة بيد عطوفة كريمة.
وقد نتج عن هذا الحكم عند الإباضية الحكم بحرمان طالب الزكاة منها - أنك لا تجد في المجتمع الإباضي شحاذا يجوب الشوارع يتعرض لأبواب المنازل أو المتاجر ليتلقى الصدقات، ولا تجد غنيًّا ببابه جمهور من الفقراء وهو يوزع عليهم (1/96)
صفحة 97
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
الزكاة في زهو وخيلاء، وَإِنَّمَا تصل الزكاة إلى أصحابها دون أن يكون الفقير
سابق علم، ودون أن يحس الغني أنه يقدم إحسانًا، وَإِنَّمَا يقوم بواج منه، ويرجو من رحمة الله أن تتولاه بالقبول.
يقبله الله
ب يخشى ألا
وقد كان الإباضيَّة في جبل نفوسه يكونون هيئات تجمع الزكاة وتصرف في مصارفها بالطرق التي لا تكون عند الفقراء عادة الانتظار، ولا تجعل في السنة مواسم للتجمع لأخذ الزكاة، وهذه الهيئات التي تتولى جمع الزكاة وتحفظها، وتنفق منها على من يستحقها في تنظيم، وكثيرًا ما تضيف إلى تلك المبالغ المتحصلة من الزكاة مبالغ أخرى مما يتبرع به أصحاب الأموال، ولا سيما في سنوات الشدة التي قد لا تكفي فيها الزكاة لسد الخلة عند المحتاجين.
وحبذا لو أن الأمة الإسلامية عملت على مثل هذا التنظيم، فيسرت العمل الكريم للفقير، وحرمت عليه السؤال والاستجداء، ثُمَّ قدرت مقدار الحاجة فلم تتركها تصل بالمسلم إلى أحط دركات الإنسانية.
على أن هذه الهيئات يجب أن تتكون عند
د الأمة المسلمة عندما لا تكون على رأسها دولة مسلمة. أما إذا كانت الدولة مسلمة فإن جمع الزكاة يكون من بعض حقوقها .. ورعاية الفقير وتيسير الحياة الحرة الكريمة له، وصيانته من المهانة والمذلة
يكون من بعض واجباتها. (1/97)
صفحة 98
: ...
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
عصبية
ألف الأستاذ الطاهر أحمد الزاوي الطرابلسي ثلاثة كتب في التاريخ هي "جهاد الأبطال" و "تاريخ الفتح العربي في ليبيا" و "أعلام ليبيا".
وقد أتيح لي أن أطلع على هذه الكتب، وحين أذكر أنني أقدر المجهود العظيم الذي بذله
المؤلف في هذه الكتب، وأشكر له هذا الجهد، أحب أن أقول عنها الكلمة الآتية: حينما تقرأ كتاب "تاريخ الفتح العربي في "ليبيا" تُحس أن المؤلف عندما يعرض للحديث عن الإباضية يشعر بكثير من الموالرق، وهو رغم أنه عرض من قضايا التاريخ في هذا الكتاب عرضا صادقا، ولم ينحدر إلى تغيير الحقائق، ولم يجد مطاوئ التاريخ ما ينتقده على أولئك الناس، سواء في سلوكهم المدني أو في سلوكهم السياسي والعسكري، فهم لم يقدموا على أي عمل يُخالف أحكام الإسلام أثناء حروبهم، وأثناء سلامهم، إلا أنه رغمَ كُلّ ذلك، يشعر المؤلف وأنت تقرأ كتابه - بأنه يحمل كراهية متأصلة لهؤلاء القوم، وبثَّ المؤلف لروحه فيما يكتب، وإشباعه لكتابته بهذه الروح، حَتَّى يحسها القارئ إحساسا واضحا ملكة لا يتحلى إلا عدد قليل من كبار الكتاب.
لقد كان الإباضية كما كان غيرهم من كل الفرق يثورون على ألوان الظلم والطغيان، الذي يقع من ولاة العباسيين الجبابرة، أو من غيرهم ممن وصل إلى مراكز الحكم بدون أن يؤهله دينه لذلك، وحرص المؤلف أن يسمي الثورات التي قام بها الإباضية "فتنا" حَتَّى يوهم القارئ أن هؤلاء القوم يشغبون على الدولة، دون أن يكون لهم حق، وهو لا يطلق هذا الوصف على آلاف الثورات التي قامت للتراع على الحكم والانتقام من المذنب والبريء، وعن الحروب الطاحنة التي تبادلها عمال العباسيين في كُلِّ المملكة الإسلامية، ومن بينها
ليبيا.
ومن العجيب أن هذا الكتاب -رغم هدوئه -الظاهري يكاد يكون محاولة سافرة لإيقاد الفتنة بين العرب والبربر، ودعوة صارخة لإحياء ما يكاد يندثر من دعوى العنصرية (1/98)
صفحة 99
الإباضية في موكب التاريخ
97
نشأة المذهب الإباضي البغيضة. وبرغم أن الفتح كان إسلاميا قبل أن يكون عربيا، وأن مقاومة الدين الجديد التي قام بها البربر إبان الفتح ليست أشد من الحروب التي قام بها العرب أنفسهم لمعارضة الإسلام عند الفتح، ولا أشد من الحروب التي قام بها الفرس أو الترك أو الروم، أو غيرهم من الشعوب عندما بلغتهم رسالة الله برغم أن هذه المقاومة لدين الله لم تختص بجنس من الأجناس البشرية، فإن صاحب الكتاب يُحاول أن يجعلها صفة متمكنة من البربر، ويصف هؤلاء القوم بالتشدد والإعراض عن دين الله. ونحن لا يهمنا أمر أولئك المعرضين في قليل أو كثير والكفر ملة واحدة، يجتمع عليها في جهنم - البربرى والعربي والفارسي، وزملاؤهم من جميع وفي تسمية الكتاب نفسه دليل على هذه الروح التي كتب بها الأستاذ الزاوي تاريخه القيم، وبدلا من أن يكون عنوان الكتاب: تاريخ الفتح الإسلامي في ليبيا" صار العنوان: "الفتح العربي".
الأجناس.
ولو كان الفتح عربيا فقط لما كان هنالك فرق بينه وبين الفتح الإغريقي، أو الروماني، أو التتري، أو غيرها من الأجناس، فليس العرب باعتبارهم جنسا أكرم على الله من المغول، أو السكسون، أو الهنود الحمر.
وعندما افتتح الإسلام هذه البلاد، وعم نور الهداية الْمُحَمَّدية هذه الربوع لم يبق لكلمة العرب والبربر مكان فإن الله قد أبدلهما اسما آخر خيرًا وأهدى هذا الاسم هو الكلمة التي اختارها الكتاب الكريم، فدعا بما أتباع مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام-: ويا أيها الذين
آمنوان
أو تلك الكلمة الأخرى التي سماهم بها جدهم إبراهيم خليل الله الي هُوَ سَمَاكُمُ) المُسلمين (1)؛ فلماذا نسند الفتح إلى جنس من البشر، مع أن الفتح للإسلام، والله يسخر
من جنده
من
يشاء.
(1) سورة الحج: 78. (1/99)
صفحة 100
الإباضية في موكب التاريخ
98
نشأة المذهب الإباضي
وعندما تحدث المنازعات والثورات، لماذا لا نشرح أسبابها الحقيقية ونعترف بالخطأ، سواء كان هذا الخطأ من الدولة أو من الثائرين عليها، ثُمَّ: نن ننسب هذه الثورات إلى القائمين بها لا إلى أجناسهم وعناصرهم؟. قلت: لقد حرص المؤلف أن يسمي حركات الإباضية بالفتنة، وأن ينسبها إلى البربر، حتى يجمع الإِبَاضِيَّة في صعيد واحد مع فرق أخرى، يرى المؤلف أنها رقيقة الدين، ضعيفة
الإيمان.
خلافة عمر بن
ولَكنَّهُ لَمْ يكلف نفسه عناء تبرير أحكامه هذه عندما يسنده إلى أمة مسلمة، ولم يجد في الواقع التاريخي ما يجعله يؤمن بأن حركات الثورة التي يقوم بها الإباضية كانت فتنة أو تدعو إلى الفتنة، فإن الحكم الذي كان بيد الأمويين أولاً - ما عدا فترة قصيرة هي عبد العزيز - وبيد الدول العباسية ثانيا كان ملكا عضوضا كما سَمَّاه رسول الله. ولم تكن خلافة رشيدة، والثورة على هذا الملك العضوض الظالم لا تعتبر فتنة، ثُمَّ إن ولاة هذه الدول وعمالها في مختلف بلاد الإسلام لم يتقيدوا بأحكام الكتاب، ولم يعرفوا للعدل معنى، ولم يحترموا للناس حقا، فكانت الأمة لا تكف عن الثورة، ولا تقف عن الكفاح؛ كفاح ألوان الاضطهاد والظلم والطغيان في جميع بقاع العالم الإسلامي، في الجزيرة العربية، وفي الشام، وفي العراق، وفي فارس وما وراءها، وفي مصر والمغرب الإسلامي. غير أن مؤلف کتاب "تاريخ الفتح العربي في "ليبيا" لا يحلو له أن يطلق كلمة الفتنة إلا على الثورة التي يقوم بها هؤلاء الذين يحرص أن يطلق عليهم اسم البربر، ليجعل منهم صفا معارضا للعرب، ويجهد أن يجعل بينهم وبين الإسلام سدا، وأن يشعل بينهم وبين أخوتهم من العرب ناراً. لقد كان أكثر أولئك الذين قادوا الثورات التي قام بها الإباضية ضد الظلم في ليبيا من
العرب، ورغم ذلك فإن صاحب الكتاب ينسبها إلى البربر، ويعبر عنها بالفتن. إن الثورات في العالم الإسلامي لَمْ تقف يومًا واحدًا منذ انحرف القائمون بالأمر عن الحكم بكتاب الله، والسبب في ذلك بسيط ومعقول كانت البشرية خاضعة لآلهة من البشر، صابرة على طغيان الإنسان حَتَّى جاء الإسلام فبعث كرامة الإنسانية في المسلمين، وحرم فيهم الاستكانة، والذلة والعبودية ما أمكنهم، دفاعها وشعر المسلمون بتحقيق هذه (1/100)
صفحة 101
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضـ
الكرامة في عهود النبوة والخلافة الرشيدة، فَلَمَّا تولى الحكم أولئك الذين انحرفوا عن الدين إلى الدنيا، وعن الْحَقِّ إلى الأثرة، وعن العدل إلى الجور .. ثار الأحرار في كُلّ مكان، ولا يزالون يثورون إلى اليوم، وإلى يوم القيامة.
وقد عجبت للمؤلف وهو يكتب في هذا العصر الذي استيقظ فيه المسلمون وعرفوا جميع أخطاء الماضي، وهم أحرص ما يكونون على إبعاد ذلك الشبح البغيض، الذي فرقهم إلى أحزاب وشيع وملأ قلوب الناس بالبغضاء والكراهية، وسهل عليهم الوثوب على من يخالفهم لسبب ولغير سبب. عجبت للمؤلف كيف يسمح لنفسه أن يكتب بهذا الأسلوب، وبهذه الروح، وأن يرتضى لنفسه أن يكون محيي عصبية، في هذا العصر الذي يجب أن تتكتل فيه الأمة، وأن تتضامن
فيه جهودها.
لقد بذل المؤلف جهدًا جبارًا وهو يكتب عن وطنه الحبيب، ولكنَّه حرص أشد الحرص على الكتابة بهذا الأسلوب، وبهذه الروح حَتَّى في كتابه "جهاد" الأبطال"، فكان يستعمل كلمة العرب والبربر بدلا من أي اسم، آخر قد يكون أدق في المعنى، وأوفى بالغرض، وإنه لغريب حقا لمؤلف في مثل علم الأستاذ الزاوي، واتساع ثقافته وكرهه لدواعي التفرقة والخلاف أن يسخر قلمه لدعوى الجاهلية التي برئ منها رسول الله، وأن يُحرك قضية الجنس في الشعب الواحد، وأن يُميز بين العرب والبربر، كأَنه نسي أن الله تعالى جعل الأُمَّة الإسلامية، أمة واحدة، وأن الإسلام يذيب الجنسيات، ولا يحفل بالقوميات، ولا يأبه للعناصر «كُلُّكُم لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَاب» (1).
فلماذا يُحاول بعض الناس إحياء العصبية القبلية، أو الخلافات العنصرية، بعد أن أغنانا الله عنها بالإسلام وكُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهُ، فإذا كان لعربي فضل فهو فضل الإسلام، وإن كان لبربري فضل فهو فضل الإسلام وإنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أتقاكم، وقد حصل بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، على
(1) أخرجه الربيع من حديث طويل، باب في الكعبة والمسجد والصفا، رقم: 419. (1/101)
صفحة 102
الإباضية في موكب التاريخ
10
نشأة المذهب الإباضي
ما لَمْ يحصل عليه عبد الملك والدولة الأموية من ورائه، وهارون الرشيد والدولة العباسية من بين يديه .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وإذا كان لبربري أو عربي ما يؤاخذ عليه ويحاسب على ارتكابه أو تضييعه، فهو سلوك المعصية، والانفصام عن عرى الدين، وعدم التخلق بأخلاق القرآن الكريم، وعدم التقيد بما دعا إليه محمد ال في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي الحديث الذي هو هو إن هو إلا وحي يو
وفي السيرة العطرة التي هي التطبيق الحقيقي للإسلام، فمن شاء أن ينصب نفسه حكما، ويقف موقف القاضي، يتحكم في التاريخ، ويتحدث عن أقدار الرجال، فليجعل هذا الميزان نصب عينيه ليزن أعمال الناس إن كان يستطيع، وعند ربك الميزان الحق، والحساب
الدقيق.
هذا تعليق قصير على كتاب ضخم بذل فيه المؤلف من الجهد والوقت شيئًا غير قلي وإننا حين نقول قولة الْحَقِّ في مآخذنا على هذا المجهود العظيم، لا ننسى أبدا. إن المؤلف قدم للوطن خدمة سوف تشكرها الأجيال القادمة، ولا يمنعنا هذا الثناء عليه، والتقدير له أن نشير إلى تلك الهفوات، وأي مؤلف لم تقع له هنات وتوجه إليه انتقادات،
وتحصى له غلطات؟! وإذا أنسأ الله في الأجل، ووفق في العمل، فسوف أحاول أن أناقش الكتاب فيما ظهر لي أن المؤلف أخطأ فيه التوفيق، وحاد فيه عن الصواب.
1) سورة النجم: 4. (1/102)
صفحة 103
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
اعتصام الإباضية بالدين
لقد أشرت إلى بعض الأصول العملية التي يمتاز بها الإباضيَّة، ويعتمدونها في مذهبهم، ويحسن بي الآن أن أعود إلى تفصيل حياة هذا المذهب في الأمة الإسلامية، وإلى أثره في مجرى تاريخها، وإلى مسلك أتباعه للأصول التي أصلوها، والقواعد التي دونوها، والمبادئ التي ساروا عليها في جميع عصور التاريخ، طبقًا لمسالك الدين التي سبق عنها الحديث. وليس من الدعوى أو التبجح أن أقول: إن الإباضية من أوَّل الفرق الإسلامية التي تحرص ألا يتخطى أفرادها الحدود التي رسمها لهم الدين، وأن يكون المسلم منها صورة صحيحة حقيقية لما رسمه الإسلام، وأوضحته سيرة السلف الصالحين، وليس معنى هذا أنه لا تقع معصية من إباضي، فإن هذا ليس من طبع البشر، وَإِنَّمَا المقصود أنه عندما يرتكب أحدهم معصية، فَإِمَّا أن تكون مما يعلمه الناس، أو مِمَّا يلم به الفرد مستترا حين يغلبه الشيطان؛ فإذا كان الخطأ من النوع الأول بادر المسلمون إلى إعلان البراءة منه، وقطع التعامل معه، والجفوة عليه حَتَّى من أقاربه وأهله حتّى يعترف بما ارتكب على الأشهاد، ويعلن توبته إلى ربه ورجوعه إليه، ويعاهد الله ألا يعود، وهكذا يرجع العاصي إلى حظيرة الأمة، وتطهر من أرجاس المعصية، ليعاود الكفاح في سبيل الله، والعمل الخير وقد تطهر والدعوة إليه ويحيا حياة نظيفة في مجتمع نظيف.
أما إذا كان من القسم الثاني أي من الأخطاء التي يلم بها الإنسان مستترا فإن ذلك يجعله يسير
الله
مع الركب في الظاهر، على أن ضميره لا يكف عن التوبيخ وهو يعتقد أنه «ليس فيما يعصى به صغير» كما قال ترجمان القرآن الله، وأن من ورد على ربه بهذه الحالة سيكون من أصحاب النار خالدا فيها أبدا، وفي ذلك زجر له عما ارتكب، وداع إلى الإقلاع عما ألم به من وساوس الشيطان، والذي يدعو أتباع هذا المذهب إلى هذا التمسك الحريص أفرادا وجماعات، إنما هو بعض القواعد التي يمتاز بها هذا المذهب عن غيره من المذاهب كوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على الفرد المسلم، والمجتمع الإسلامي، وتطبيق ذلك في مسألة الولاية والبراءة (1/103)
صفحة 104
الإباضية في موكب التاريخ
102
نشأة المذهب الإباض
والوقوف، وكالقاعدة الأخرى الهامة التي تجعل الإيمان لا يتم إلا بالعمل، فلا يجد العاصي مستندًا يستند عليه بينه وبين نفسه، أو بينه وبين الناس، ولا يحق له أن يطمع في دخول الجنَّة بقول لا إله إلا الله مُحَمَّد رسول الله، دون أن يقرن ذلك بالعمل الصالح، كما لا يحق له أن يأمل في الخروج من العذاب الأليم، وقد قدم على ربه مرتكسا في عمله، مرتهنا بذنبه: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ
(1)
وأحاطت به خطيبته فأولكَ أَصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وقال لا تختصمو الدَي وَقَدْ قَدَّمَتْ إِلَيْكُم بِالوعيد *
مَا بَدَل الولادي وَمَا أَنا ظَلام السيد، وبناء على هذه الأسس التي يراها الإباضية من قواعد الدين كانت أعمالهم صوراً حقيقية لمبادئهم وعقائدهم.
وقد اشتهروا بذلك على مدى التاريخ، وعرفوا به؛ فكانوا في مجتمعهم وأفرادهم أمثلة للمؤمنين الذين يحافظون على دين الله في واجباته وآدابه وجميع الأخلاق التي دعا إليها، ويبتعدون عن كُلّ ما نهى الإسلام عنه أو كرهه من قول وعمل، يسارعون إلى الخيرات، ويبتعدون عن المحرمات، ويقفون عند الشبهات، مصداقا لقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: كُنَّا نَدَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَن نَقَعَ فِي الْحَرَامِ». وإذا كانت هذه الصورة الصادقة لما عليه الإباضية منذ أوَّل التاريخ إلى اليوم، فإنَّه من الْحَقِّ المؤلم أن أعترف أن الإباضية في ليبيا بدأوا ينحرفون من حيث العمل عن هذا السبيل
القويم الذي سار عليه أسلافهم، وحافظ عليه أجدادهم حفاظ المؤمنين المخلصين لدين الله. بدأ هذا الانحراف عن السبيل القويم منذ اشتعلت نار الفتنة بين المسلمين في حرب إيطاليا بسبب ما دسته من مكائد بين الأخوة، وتسليط بعضهم على بعض، وإمدادها لكل فريق بالمال والسلاح سرا وعلانية ليشتد التراع، وتنشق العصا، وتفترق الأمة على نفسها، فيهون عليها احتلال البلاد، وامتلاك العباد.
ومنذ ذلك الحين ظهر في المجتمع الإباضي من يرتكب المعصية جهارًا، ويخون أمانة الله نَهارا، فيشرب الخمر التي حرم الله، أو يغش في البيع والشراء ليكتسب مالا، أو يستهين بحدود الله
1) سورة البقرة: 81
(2) سورة ق 28 29 (1/104)
صفحة 105
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضـ
ليجامل أعداء الله .. بل أدهى من ذلك وأمر أنه وجد فيهم من يترك الصلاة، أو يمتنع عن الزكاة فيخل بإحدى الواجبات وهو يدعي الإسلام وينتمي في زعمه إلى أتباع عبد الله بن أباض؛ فإذا جئت لتنهاه عن هذا المنكر أجابك في غير مبالاة إن مذهب الإباضية مذهب شديد، وَأَنَّهُ سَمع أن غيره من المذاهب لا يغلقون أبواب الجنَّة في أوجه العصاة، كأَنما أصبحت أبواب الجنة وأبواب الجحيم في أيدي الناس يغلقونها متى شاؤوا، ويفتحونها لمن شاؤوا.
الله
في هذا الحين الذي أذكر فيه هذه الحقائق المؤسفة المؤلمة وأنا ألجأ إليه تعالى أن يهدى قومي فَإِنَّهُم لا يعلمون، أذكر لهم بِكُلِّ فخر واعتزاز أن علماء الإسلام اليوم يدعون إلى دين على هذا المذهب، فكأنما يستقون من أصوله وقواعده، ولا غرابة في كُلّ ذلك، فإن روح كُل مسلم يغار على دينه، ويدعو إلى كتاب ربه يجد نفسه قريباً من هذا المذهب؛ لأنه يستقي من النبع الصافي الذي استقى منه وحافظ عليه.
فتنة
ولو أن المسلمين في جميع الأقطار حرصوا أن يكونوا صورًا حية للإسلام كما كان الإِبَاضِيَّة لما وجد أعداؤهم بينهم مدخلا، ولا بين صفوفهم طريقا. إن الاستعمار والظلم والطغيان لم يستطع أن يتغلب على المسلمين إلا حينما بذر بينهم المال والمتعة الحرام، وأشاع بينهم الفاحشة والمنكر، وسهل عليهم الإعراض عن حكم الله إلى حكم الإنسان، وقطع العلاقة بين الفرد والمجتمع، فأعطى للفرد حق الحرية في ارتكاب ما يشاء مما حرم الله.
ولو أن المجتمع بقي مهيمنا على سلوك الفرد، فلا يستطع إنسان يدعي الإسلام أن يجد ما خوراً، أو يرتكب زنى، ولا يستطيع مسلم أن يجد في بلد مسلم حانة، أو يشرب خمراً. ولا يستطيع إنسان يدَّعي الإسلام أن يجد مقمرة، أو يلعب قمارا، ولا يستطيع مسلم في مجتمع إسلامي أن يجد ما يساعده على ارتكاب مُحرَّم أو يخالف سيرة من سير المسلمين، أو أخلاق المؤمنين؛ لأن الْمُجتمع سوف يقف له بالمرصاد، ويحاسبه على ما ترك أو
خلقا
من
قدم حتى يعود إلى الطريق الأمثل، والصراط الأقوم، والسبيل السوي. لو أن المجتمع الإسلامي بقي مهيمنا على سلوك الفرد كما كان ذلك في صدر الإسلام، وكما بقي عند الإباضية إلى اليوم، لما شدّ المسلمون عن الإسلام، ولما بعدوا عن كتاب الله، (1/105)
صفحة 106
الإباضية في موكب التاريخ
1. {
نشأة المذهب الإباضي
ولما غلب عليهم عدو لا يرحم أفسد فيهم الدين والخلق قبل أن يستغلهم في العمل والمال،
ويأخذ منهم
الجهد والثروة، ويقضي فيهم بحكم الجبروت والقوة.
الله، ومن المحافاة لكتاب الله، ومن التنكب عن هدي رسول وإنه لمن الابتعاد عن دين الله أن تجيء اليوم إلى بلد إسلامي تحكمه فيما تزعم دولة مسلمة، فترى دور البغاء مفتحة لطلاب الشهوة، وعبيد الشيطان؛ لأن دولا من الغرب ترى أن في ذلك مصلحة.
وترى حانات
يروج
فيها البيع والشراء، وتزدحم الزبائن على ارتشاف ما حرمه الله، وأمر نبيه
ال بكسر دنانه؛ لتساير الدولة المسلمة أعداء الله وتكسب منهم - في زعمها - مالا حرامًا. وترى دورًا مشيدة، الأركان عظيمة، البنيان مفروشة بأرقى ما وصل إليه ذوق الإنسان، تقدر فيها قيمة الكسب، وتضيع فيها ثمرة الجهد، لتلتهم المائدة الخضراء المال الذي هو من حق الأمة، اختلسه منها الأبناء العاقون والحكام الظالمون، والعملاء المستغلون. إن هذه الصور وآلافا من هذه الصور التي تتراءى كُلّ يوم في كل بلد من بلاد الإسلام، يجب أن تزول، لو أن المجتمع الإسلامي بقي مهيمنا على الفرد ومهيمنا على الدولة التي يسير بها أفراد؛ لأن هذه الموبقات التي أشاعها الاستعمار في بلاد الإسلام، ليحول بين المسلمين
والعمل بعقيدتهم الصافية، وخلقهم الطاهر السليم، هي الأدواء التي فتكت بالشباب المسلم. فهانت عليه كرامة الرجولة، وأذلته الشهوة المحرمة، فضاع عرضه وحيويته بين صوت الدعارة، وتسكع بين الحانات يشرب الخمر، ويقرع الكأس بالكأس حتى ضاع وقته، وضاع عقله، ثُمَّ حاول أن يكتسب المال من أيسر طريق، فولج دور القمار، فسرق القمار ماله وأعصابه وسلامة تفكيره، وخرج إلى الشارع حطاما ليس له مال ولا عرض ولا دين. وقد سلم المجتمع الإباضي من هذه الأدواء وأشباهها على مدى التاريخ، وما عدا الأربعين سنة التي استثنيناها فيما سبق من تاريخ ليبيا فقط؛ لأن المجتمع الإباضي بقي مسيطرا على الفرد، ولأن نظام العزابة كما أشرت إليه في فصل مسالك الدين في دور الكتمان، بقي يوجه المسلمين ويحاسبهم على أعمالهم، ويحدد لهم الاتجاه الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا تغلب المستعمرون على ليبيا وقضوا على نظام العزابة في البلاد، وحالوا بين العلماء وبين القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنعوا إعلان الولاية والبراءة ممن يستحقها، بدأ بعض الناس (1/106)
صفحة 107
الإباضية في موكب التاريخ
1.0
نشأة المذهب الإباض
يستمرثون طعم المعصية، ويتشبهون بمن جاورهم ممن لا يخاف في الله إلا ولا ذمة، ويرمون بأبصارهم إلى الحياة التي يحياها العابثون من أعداء الله وأعداء الإسلام.
على أن هذه النكبة التي أصابت الإِبَاضِيَّة كما أصابت غيرهم من المسلمين، كانت مقصورة على الإباضية في ليبيا. أما إخوانهم في بقية البلاد (1) فقد استمرت حياتهم كما كانت عليه زمن السلف الصالحين لا تؤثر عليهم خطة استعمار، ولا يغلب عليه انحلال الجوار، ولا يجد الشر إلى بلدهم سبيلا، ولا تعرف المعصية إليهم طريقا، ولا يفر الفرد بعمله. عن حكم المجتمع الذي يسهر على الدين وعلى الخلق، وعلى العمل. والآن، وقد ذهب الاستعمار، وتحرر منه العالم، فلعل الإباضية في ليبيا يرجعون إلى سيرة السلف التي يعتز بها الإسلام، وَلَعَلِّ المسلمين يعودون إلى هدي مُحَمَّد، معرضين عن زخرف القول من عبيد الدنيا.
وَلَعَلّ الدولة - وهي مسلمة - تلغي القوانين التي وضعها البشر لتعمل بالقانون الذي أنزلته السماء، وتعرض عن مسايرة أعداء الله، وتنظف البلد المسلم من أسباب المعصية، لتنظف
أخلاق الشباب ..
وَإنَّهُ لأهون على المؤمن أن يُغضب كنيدى وخروتشوف ونهرو وابن غريون وإبليس وجميع أتباعهم من أن يغضب الله .. وقد أغضب مُحَمَّد الله أبا جهل، وكسرى، وقيصر وغيرهم، ليرضي الله .. ولنا في رسول الله أسوة حسنة!!
(1) أستطيع أن أضرب مثلا لذلك بالإباضية في الجزائر، وقد بقى هذا النظام يطبق عندهم إلى الآن، ولم تستطع فرنسا المستعمرة بكل مالها من وسائل الفساد والقهر أن تنال منهم غير قسط من المال يدفعونه إليها جملة لا تفصيلا. أما نظام السيادة والحكم والإشراف على الخلق والدين والتعليم والمجتمع فقد كان لنظام العزابة، وقد نتج عن ذلك أن كانت حياتهم حياة تشرف الأمة المسلمة، حتى في حالة الكتمان، عندما تكون مغلوبة على أمرها سياسيا. والايمان الْحَقِّ قوة في القلب، وقوة في الخلق، وقوة في السلوك تفرض عظمة الشخصية، وتستدعى الاحترام، حتى على الحديد والنار، وأصحاب الحديد والنار. (1/107)
صفحة 108
الإباضية في موكب التاريخ
1.7
نشأة المذهب الإباضي
الإباضية في قيادة الأمة
قلت في الفصل السابق: إِنَّه يحسن بي الآن أن أعود إلى تفصيل حياة هذا المذهب في الأمة الإسلامية، وأثره في مجرى تاريخها الحافل وإلى سيرة أتباعه أفرادا ومجتمعًا.
وقد قلت إن المجتمع الإباضي بناء على قواعد مذهبه كوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب الولاية والبراءة للأفراد والجماعات، وعدم تمام الإيمان إلا بالعمل الصالح الذي يدعو إليه الإسلام، وَأَنَّهُ لا أمل للعاصي - الذي يموت على معصيته – في رحمة الله.
إن المجتمع الإباضي بناء على هذه القواعد، كان صورة صحيحة للمجتمع النظيف؛ طهارة في العقيدة من الزيغ والبدعة، وطهارة في العمل من أدران المعصية، وطهارة في الخلق بالتحلي بما تحلى به رسول الله له وندب إليه، وتخلق به المؤمنون الصادقون في كُلّ
زمان.
وقد ظلمت الطوائف الإسلامية الإباضيَّة مرتين، ظلمتهم حين حشرهم بعض المؤرخين المغرضين في الخوارج وهم أبعد الناس عن الخوارج، فصدقت تلك الطوائف هذه الدعوى من المؤرخين المغرضين.
وظلمتهم مرة أخرى حين رضيت بهذا الحكم على طائفة من أصدق المؤمنين، دون أن ترجع إلى التحقيق في قواعد هذا المذهب ومستنداتها من الكتاب والسنة، والتحقيق في مدى تطبيق اتباع هذا المذهب لقواعد الإسلام وأخلاق الإسلام، ودعوة الإسلام. ولو رجعت تلك الطوائف إلى التحقيق في هاتين الناحيتين: ناحية العقيدة ومستنداتها، وناحية العمل وتطبيقه لراجعت نفسها وغيرت حكمها، وتبين لها وجه من وجه من الصواب، وأن الحق لم يبد لها في أوَّل الأمر. وقد حاول بعض العباقرة في مختلف العصور أن يتخذ هذه الخطوة فاستبان الرشد، وظهر له الْحَقِّ؛ ولكنه أحجم عن مواجهة الرأي العام الذي يثق فيه بما رأى وظهر له، فاتخذ طريقا (1/108)
صفحة 109
الإباضية في موكب التاريخ
107
نشأة المذهب الإباضي
وسطا، وعبر عنه بالجملة المشهورة التي تناقلتها كتب التاريخ: "الإباضية أقرب الفرق إلى أهل
السنة".
أما أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فقد كان موقفه أصرح من ذلك وقد وعد الجماعة أن كُلّ يوم سنة ويُميت بدعة.
حزم
(ا)،
يحي وكان من العباقرة الذين حاولوا هذه المحاولة مالك بن أنس، وعبد الملك ابن مروان، وابن الظاهري، والشهرستاني (1)، والطاهر الزاوي - وحسب الزاوي فخرا أن يذكر مع هؤلاء العباقرة الأعلام وغيرهم من الذين اتسعت آفاقهم للفهم والبحث والتحقيق، ولم يقتصروا على إشاعة كاذبة، أو دعوى مغرضة، أو قول ذهب إليه ناس دون أن يعرفوا شيئًا من كتب أصحاب هذا المذهب، ويطلعوا على سلوكهم وسيرهم الاطلاع الكافي الذي يعطي الصورة الحقيقية لإجراء الحكم.
وكما كان الفرد العادي من الإِبَاضِيَّة صورة صحيحة للمسلم الذي يدعو إليه الإسلام، وكان المجتمع الإباضي صورة صحيحة للمجتمع المسلم الذي يقيم شعائر الله، ويحافظ على الله، ويعمل جاهدا لتطبيق أحكام الله، حَتَّى في حالة الكتمان. كذلك كان من تقلد أمر المسلمين من الإباضيَّة صورة للمسلم المخلص الذي وثق به المسلمون، فأسندوا إليه أمور دينهم ودنياهم، فأكبر هذه الثقة من الأمة، وحافظ على هذه الأمانة من الله.
دين
وَلَمَّا كنت لا أقصد أن أتحدث عن التاريخ السياسي للإباضية – ولو أن السياسة لا تفترق عن الدين في الإسلام - فقد يكون مما يتم به هذا البحث أن ألخص الحركة السياسية للإباضية بأشد ما يمكن من الاختصار. انتشر المذهب الإباضي في جزيرة العرب وما جاورها كالعراق ومصر، وفي شمال أفريقيا قبل أن تتكون المذاهب الأخرى، وقد استقر الإباضية على كثير من القواعد والآراء في أصول الدين قبل أن تنشأ مذاهب الأشاعرة، وقبل أن ينفصل واصل بن عطاء عن أستاذه الحسن
(1) راجع القول المتين لقاسم الشماخي (مط) والرد على العقبي للقطب اطفيش (مط)، وللمعة المرضية من أشعة
الإباضية للسالمي (مط). (1/109)
صفحة 110
الإباضية في موكب التاريخ
108
نشأة المذهب الإباضي
البصري فتكون من ذلك فرقة المعتزلة، وَكُلُّ ما كان موجودا حينئذ من الطوائف الإسلامية إِنَّما هم بعض فرق الشيعة، وبعض فرق الخوارج، وأهل السنة والجماعة.
عليهم
-
ولست أقصد بأهل السنة والجماعة في هذا الفصل فرق الأشاعرة، فإن إطلاق هذه التسمية خطأ تاريخي جاء متأخرا. وَإِنَّمَا كان يطلق لفظ السنية والجماعة على معاوية بن أبي سفيان وأتباعه؛ لأنهم أنكروا إمامة علي بن أبي طالب وجعلوا سبه على المنابر ولعنه سنة متبعة، فسموا من وافقهم أهل السنة والجماعة (1).
قال المسعودي: "إن أصحاب معاوية ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة، ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير، بلعنه على المنابر.
وقال الحاكم: "وَإِنَّمَا غلب عليهم اسم السنية؛ لأن معاوية لما أمر بلعن علي بن أبي طالب، زعم أَنَّهُ سنة، فاستحق هذا الاسم كُلّ من يرى إمامة معاوية حَتَّى قتل -أي: علي -
واستقر الأمر لمعاوية، وانقاد إليه الجميع، فزادوا اسم الجماعة على السنة، فتسموا بها". وقال المنذري في رسالته "الصراط المستقيم ": "وَإِنَّمَا تركوا ذلك الآن؛ لأن عمر بن عبد العزيز كان رجلا مائلا إلى مذهب المصوبين لإمامة عليّ، المانعين من نكتها، وأحسب أني وجدت في بعض الكتب أنه كان دعا من كان في زمانه من الإباضية إليه، فعاهدهم على أن يغير كُلّ يوم منكرًا من مناكر هؤلاء السنية، فحينئذ أنكر عليهم شيئًا بعد شيء حتى أنكر عليهم - لأنه لم يكن أحد في تلك الأزمنة ينكر عليهم مناكرهم إلا الإباضية - لعنهم لعلي فكفوا عنه خوفًا منه لعلمهم لمخالفته مذهبهم ذلك، ولقوة سلطانه عليهم أن كلمة "أهل السنة والجماعة" لا تطلق على مذهب ديني، وَإِنَّمَا كان يتضح
ومن هذا
انتهى.
كانت
تطلق على مذهب سياسي يدعو إليه بنو أمية، ليستخلصوا الخلافة من بني هاشم، وإن هذا المذهب الذي أطلق على نفسه أحب الأسماء إلى المسلمين قد تطرف إلى حد لم يصل إليه أحد فيما أعلم، مما وصلت إليه يدي من أحداث التاريخ تاريخ السياسة أو تاريخ العقيدة، فيجعل أتباع مذهب مهما كان متطرفا سب خصومهم ولعنهم سنة متبعة في كُلّ اجتماع.
(1) راجع القول المتين للشماخي، وقد تشرفت مكتبة الضامري للنشر والتوزيع بنشره مؤخراً. (1/110)
صفحة 111
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
قلت: إن الإباضية انتشروا في أكثر بلاد الإسلام قبل أن تتكون كثير من الطوائف الإسلامية الأخرى، كفرق الأشاعرة والمعتزلة وغيرها، وبقطع النظر عن المدة القصيرة التي قام فيها الإمام عبد الله بن أباض بأعمال عسكرية لمحاربة الطغيان الأموي، وبقطع النظر عن المدة التي بويع فيها الإمام عبدالله بن يحيى طالب الْحَقِّ، فطهر الحرمين الشريفين من عبث العابثين، أقول: إِنَّه بقطع النظر عن هذه الحركات، فقد قامت للإباضية دول مستقلة في أنحاء البلاد الإسلامية. قامت للإباضية دول مستقلة في عمان وتعاقبت على الحكم فيها إلى العصر الحاضر، وقد بلغت من القوة في بعض عصور التاريخ أن كونت أسطولا يسيطر على البحار، ويتحدى أقوى دولتين في العالم أسبانيا والبرتغال في ذلك الحين.
ومن أراد أن يستقصى ذلك ويعرف ما كانت عليه هذه الأمة المسلمة، من مجد وعظمة، عندما كانت أوربا تغط في نوم عميق، وكانت بقية الأمة الإسلامية رازحة تحت طغيان جبابرة الحكم وعبدة المال من أراد أن يعرف ذلك وأكثر من ذلك فليقرأ تحفة الأعيان للعلامة السالمي، وليطّلع على ما كتبه أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، وقد يجد صورا من ذلك في إحدى حلقات هذا الكتاب. حلقة "الإباضية في الجزيرة العربية".
أما
في المغرب الإسلامي وأقصد بالمغرب الإسلامي البلاد الواقعة بين الحدود المصرية والمحيط الأطلسي، فقد قامت فيه أيضا دول للإباضية كانت أمثلة رائعة لما يجب أن تكون عليه دولة مسلمة تحكم بكتاب الله، وتتبع هدى رسول الله، وقد بدأت حركة مكافحة الظلم ظلم الولاة العباسيين في ليبيا عندما كان هؤلاء الولاة ينحرفون عن أحكام القرآن، وتغرهم الحياة الدنيا فيتجبرون ويظلمون وتغرهم سطوة الجاه وسلطة الحكومة فلا يحسبون للشعوب قيمة، ولا يقيمون للعدل، حسابا، ولا يذعنون لما يفرضه الحق على الحاكم والمحكوم. فار الإباضيَّة على الظلم، وبايعوا بالإمامة الحارث بن تليد المرادي، ثُمَّ أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، ثُمَّ أبا حاتم يعقوب بن حبيب بن حاتم الملزوزي، وقد كان مركز هذه الحركة هو الجزء الشرقي من المغرب الإسلامي؛ أي البلاد التي تمتد ما بين "سرت
و"القيروان". (1/111)
صفحة 112
الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
وسوف نعرض صوراً رائعة من سيرة هؤلاء الأئمة العظام في إحدى حلقات هذا الكتاب حلقة "الإباضية في ليبيا".
وعندما تضافرت جهود الظالمين للقضاء على هذه الحركة الثورية التي ترمي إلى إرجاع الحكم لكتاب الله وسنة رسوله، وحالوا دونها ودون القيام بما آمنت به ودعت إليه، انبعثت هذه الحركة نفسها في الجانب الغربي من المغرب الإسلامي، فتكونت الدولة الرستمية في تاهرت، وتعاقبت عليها الأئمة: عبد الرحمن عبد الوهاب أفلح أبو بكر، أبو اليقظان، أبو حاتم، وحقق أولئك الأئمة العظام ما يطلب من ولاة أمر المسلمين .. وأحاديثهم وأخبارهم منشورة في كتب التاريخ.
وسوف نستعرض بعض تلك العصور الرائعة في إحدى حلقات هذا الكتاب حلقة "الإباضية في الجزائر".
راجعت ما وصلت إليه يدي من كتب التاريخ، سواء كانت من كتب أهل المذهب أنفسهم، أو من غيرهم من الفرق الإسلامية فما وجدت في سيرتهم إلا ما يشرف في جميع
أدوار التاريخ. إنك لتطالع حروبا طاحنة، ومعارك حامية، وانتصارًا أو انهزاما، وإنك لتجد في كُلّ ذلك. عفة كالتي تعرفها عند الخلفاء الراشدين، احترام لأفراد الشعوب المسالمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وعدل في الجنود المحاربين، قتل عند ساحات الوغى؛ ولكن لا اتباع
لمدبر، ولا إجهاز على جريح، ولا تعد على أعراض ولا استحلال لأموال الموحدين مهم كانت مذاهبم، وسماح وعفو وعدل عند نهاية الحرب. لَمْ يعرفوا الانتقام بعد الانتصار، فلا
مثلة ولا قطع رؤوس لترسل من بلد إلى بلد للتشفي والانتقام وإظهار البطش والجبروت. حرصوا على أن يقفوا حيث وقف بهم الإسلام، وأن يجعلوا حكم الله وسيرة نبيه ووصايا
الخلفاء الراشدين منارا به يهتدون، وإليه يرجعون. (1/112)
صفحة 113
الإباضية في موكب التاريخ
111
نشأة المذهب الإباضـ
كلمة قصيرة
لست أرمي من كتابة هذه الفصول إلى الكشف عن الناحية السياسية للمذهب الإباد والعناية به عناية خاصة، فإن الحركة السياسية في نظري أقل من الجوانب الأخرى، ولذلك فأنا أتحدث عنها كظواهر وأعرض لتطبيق المبادئ تطبيقا صحيحا سليما في حياة الإباضية حياتهم العملية، وأبين بها الفرق بين الفرق التي يكون مسلكها صورة تطبيقية لعقائدها ومبادئها. والفرق التي ترى بونا شائعًا بين مسلكها وبين دعاويها في اتباع الإسلام، والعمل
بأحكامه.
ويهمني في هذه المباحث بصورة خاصة أن أتحدث عن التسلسل العلمي لحملة هذا المذهب وأن أكشف عن الصور الرائعة من السيرة الرشيدة التي كان يسلكها أتباعه في مختلف العصور والأزمنة، وفي أحوال الظهور والكتمان وما بينهما، وعن الاستمساك المتين بالإسلام وأحكام الإسلام رغم تراكم الفتن، وتزاحم المحن، واضطراب الأمن، وعن حقيقة الاعتصام بالله واحتقار المخلوق مهما بلغ من القوة والبطش والطغيان، وعن الإعراض عن زخارف الدنيا رغبة فيما عند الله.
وأن أعرض على القارئ الكريم حياة حافلة بما يدعو إليه الإيمان بالله من مثل وأخلاق وأعمال، مخافة الله وفي الله، لا حساب فيها لمخلوق، وجهادا الله وفي سبيل الله لا ذكر لها في
الدنيا.
وعمل صالح مستمر للبناء الذي يشيده الإسلام ويرفع قواعده الكتاب الكريم، ويحافظ
عليه مُحَمَّد.
وسوف يلحظ القارئ الكريم هذه الحياة الحافلة بالخير والاهتداء، والسيرة الرشيدة، والعمل
الصالح في التراجم التي أعرضها في الصفحات الآتية.
* O*O*O* (1/113)
صفحة 114
الإباضية في موكب التاريخ
112
نشأة المذهب الإباضي
جابي بن زيد (1)
ولد أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (2) سنة 21 للهجرة، وتوفي سنة 96 منها. وهو وإن كان عمانيًا إلا أنه عاش في العراق، فقد أمضى أكثر عمره المبارك في البصرة إحدى عواصم العراق العلمية في ذلك الحين.
عاش في البصرة كما عاش أكثر زملائه من كبار التابعين ينشر العلم في المساجد والمجامع، ويبث الخلق الحميد بين الناس، ويدعو إلى التمسك المتين بالدين القويم، والمحافظة على أصوله وفروعه، ويفتي في المشاكل التي تعرض للناس، حَتَّى قال إياس بن معاوية: "لقد رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد". وقال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس فضل الله: "عجبا لأهل العراق، كيف يحتاجون إلينا وفيهم جابر بن زيد. وَلَما توفي قال أنس بن مالك صاحب رسول الله: "اليوم مات أعلم من على ظهر الأرض". ودخل ثابت البناني على جابر بن زيد وقد حضرته الوفاة فقال له: هل تشتهي شيئًا؟ قال: أشتهي أن ألقى الحسن البصري، وكان الحسن مستخفيًا خوفًا من طغيان الأمويين وعمالهم، فذهب ثابت إلى الحسن وكان يعرف مقره وجاء به إلى صديقه الحميم المحتضر. وتحدث التابعي المسلم الكبير إلى التابعي المسلم الكبير، وتواصيا وهما يتأهبان إلى فراق في الدنيا طويل، ويأملان لقاء في الآخرة سعيد. وتحدث الحسن عن زميله ورفيقه وصديقه الذي رحل عن الدنيا واستقبل الآخرة، فقال: "هذا والله الفقيه العالم". وقد شهد له بالعلم والفقه والدين وسماحة الخلق غير هؤلاء كثير .. كثير من الصحابة وكثير من التابعين وكثير من تابع التابعين. غير أني أرى شهادة عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين وهم من أخص أصحاب رسول الله الله، وأعرفهم بحقائق الدين
(1) راجع السير للشماخي، وشرح مقدمة التوحيد للقطب.
(2) اختلفت الروايات في تاريخ مولد جابر وتاريخ وفاته ما بين 18 إلى،96 و 22 إلى 93 للهجرة. (1/114)
صفحة 115
الإباضية في موكب التاريخ
113
نشأة المذهب الإباضـ
وأسراره، وأعلمهم بمعاني القرآن الكريم ومواقع السنة، وأكثرهم إلماما بسيرته العطرة وهديه القويم، يضاف إليها شهادة الحسن البصري سيد التابعين وأقربهم من جابر، وأعرفهم به. إن هذه الشهادة التي يعطيها أخص أصحاب رسول الله ويختمها سيد التابعين، تعتبر أعظم إجازة معتمدة تعطى عن درجة علمية في ذلك الحين.
أخذ جابر العلم عن عبد
عمر، وغيرهم من الصحابة.
الله
بن عباس وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك،
وعبد الله
بن
قال جابر: أدركت سبعين بدريًا فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر، وكان يقصد بالبحر عبد الله بن عباس ما. وإذا استطاع هذا الإمام العظيم بِمَا أوتي من جهد وذكاء وصبر أن يجمع علم سبعين بدريًا، فَإِنَّهُ ليس غريبا أن يكون جمع من علم بقية الصحابة رضوان الله عليهم ما لا يبلغه الحصر، لكثرة عددهم وسهولة الأخذ عنهم.
وقد تلقى عنه خلق كثير منهم قتادة شيخ البخاري، وأيوب، وابن دينار، وضمام بن السائب، وحيان الأعرج، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... عاش جابر كما عاش غيره من كبار التابعين، يجاهد لإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والعمل، ويدعو سرا وعلنا إلى أن الأمة الإسلامية يجب أن تحافظ على شريعة الله لتكون خير
الله
أمة أخرجت للناس وكان يندد في دروسه ومجتمعاته بأولئك الذين انحرفوا عن دين فحكموا أهواءهم، وأرضوا شهواتهم، واتبعوا سبيل الشيطان، وكان يبارك الثورة التي تطيح
بالظلم، وتنزع الحكم من أيدي الخونة لتضعه في أيد أمينة حريصة على قداسة أحكام الله. وكان الإباضية يصدرون عن رأيه في جميع أمورهم كما كان يصدر عنه كثير من غيرهم من المسلمين، وليس جابر هو التابعي الوحيد؛ بل كان هذا رأي أكثر علماء الصحابة والتابعين في ذلك الحين. ولذلك فقد كان طغيان الأمويين وعمالهم يلاحق أولئك العلماء الدعاة في كل مكان، وكثيرًا ما يفر أولئك العلماء الهداة فيستخفون عن الظلم ويفرون بدينهم عن الجبروت. وقد يلحق بعضهم كثير من الأذى، فيتحمله صابرا في سبيل الله. (1/115)
صفحة 116
الإباضية في موكب التاريخ
114
نشأة المذهب الإباضي
وكما كان جابر بطلا من أبطال الإسلام يحرص على تعريف المسلمين بدينهم، وبالعزة لهم، ويكافح في صبر وعزيمة طغيان الظالمين، وأضاليل المبتدعين، والكرامة التي يريدها الله
ولا
كان بطلا في ترويض نفسه وحملها على سلوك الصراط السوي، لا تغره شهرة العلـ سم، تخدعه ثقة الناس به، ولا تزدهيه نشوة الفوز في الانتصار على الخصوم. رأى يوما أحد طلابه يكتب شيئًا أثناء الدرس فنهاه أن يكتب شيئًا غير آية محكمة، أو سنة متبعة، أمَّا رأيه فلا عبرة به؛ لأنه قد يجد في المساء حجة أقوى من التي يستند إليها في الصباح،
إليها
فيرجع عنه إلى ما ثبت بالدليل الأقوى، ويذهب الطالب بما كتب ينشر الباطل في الناس. كان للحجاج كاتب يدعى يزيد بن مسلم، وكان يحب جابرًا كُل الحب، ويعجب به به كُلّ الإعجاب، وأخذت ظروف الحياة العادية جابرًا إلى زيارة هذا الكاتب المعجب، وكان الكاتب أراد أن يخدم كلاً من را من رئيسه وصديقه، فهياً لهما فرصة لقاء دون أن يشعرهما. استمع الحجاج إلى الإمام العظيم فأعجب بعلمه وخلقه، فعرض عليه القضاء قائلا له: "لا ينبغي أن نؤثر بك أحدا، نجعلك قاضيا للمسلمين"، وكانت هذه الفرصة التي يرمي الكاتب الصديق، ولكن جابرًا لم يكن طالب دنيا، فقال: "أنا أضعف عن ذلك"، قال الحجاج: "وما بلغ من ضعفك؟ "، قال: يقع بين المرأة وخادمها شر، فما أحسن أن أصلح بينهما". فقال الحجاج: "إن هذا لهو الضعف .. ". وهكذا تخلص الإمام الأكبر من هذا العرض الكريم الذي كان حريًّا أن تطير له نفس غيره فرحا ومسرة. ويظهر أن الكاتب الصديق لم يفهم مقصد الإمام من هذا التخلص، وكان يريد أن يستغل هذه
هي
الفرصة لفائدة الإمام، وأن يخدمه خدمة دائمة، ولذلك قال للحجاج: "ههنا خصلة تخف عن الشيخ وفيها عون للمسلمين تجعله في أعوان صاحب الديوان بالبصرة، فوافق الحجاج على الاقتراح؛
ولكن العالم الزاهد لم يوافق فقال ليزيد: "ما صنعت شيئًا، أتراني أكون عونا لصاحب الديوان؟ ". وهكذا لم يقبل الإمام العرض الثاني الذي تقدم به هذا المعجب المحب، وتتره أن يشتغل في وظائف حكومية ظالمة، وهل يصح أن يعين جابر أولئك الظلمة، وهو يندد كل يوم بأعمالهم، ويطالبهم بأداء الحقوق إلى أهلها وتسليم الأموال والعطايا إلى أصحابها، وإسناد الوظائف إلى الأمناء الحراس الذين يتقون الله ويخافون حسابه. (1/116)
صفحة 117
الإباضية في موكب التاريخ
115
نشأة المذهب الإباض
وعندما أراد الرجوع من هذه الزيارة وتهيأ للسفر أمر يزيد غلمانه أن يسرجوا البرذون فاستحى الإمام من ربه أن يركب مركبا اختاره الظالمون المرفهون، واختص به الجبابرة المترفون، فاستعفى صاحبه منه فأحضرت له بغلة فقبل وركبها وهو يعلم أن ركوب البغلة أدنى إلى الخشونة وأبعد من الراحة، وأنفى للكبر وأقرب من سنة رسول الله، فقد كان سيد الخلق يركب "دلدلا" الشهباء.
وبالغ يزيد في إكرام الإمام على الطريقة التي يعرفها الحكام المترفون المسرفون في الدول الظالمة، فأمر جواريه أن يدهن رأس جابر ولحيته بالغالية، فتزل الإمام الكبير إلى دجلة وغسل رأسه
ولحيته، ودلكها دلكا شديدا، وهو يقول: "اللهم لا تجعل حظى منك مترلتي عند هؤلاء القوم". اعتاد جابر أن يحج كُلّ سنة، وفي إحدى هذه السنوات بعث إليه عامل البصرة أن لا تبرح العام، فإن الناس يحتاجون إليك؛ يعني في التدريس والفتوى ولكن جابرا أصر على موقفه وأبلغ العامل أَنَّهُ لن يترك عملا الله من أجل أوامر بشر، ولو كان البشر عاملا من عمال الدولة الأموية، فأخذه العامل وسجنه. وعندما أهل هلال ذي الحجة، جاء الناس إلى العامل فقالوا: أصلح الله الأمير قد أهل هلال ذي الحجة ولم يبق من الوقت ما يكفي للسفر بين البصرة ومكة، فأطلق الأمير سراحه. وَلَمَّا وصل جابر إلى منزله بدأ يشد الراحلة على ناقة له كان يعدها للحج، ويقول: مايفتح اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَها)، ثُمَّ سأل آمنة هل عندك شيء؟ فقالت له نعم وأحضرت الزاد في جرابين، وطلب منها ألا تخبر أحدًا بمسيره في ذلك اليوم، وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، فضربت الناقة الأرض بحرانها، وتجلجلت فقال الناس: ذكها! ذكها! ... فقال: "حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجة في البصرة، وأدركت الناس في عرفات، أن يفعل بها هذا وسلمت الناقة، وكان قد سافر عليها أربعا وعشرين مرة بين حجة وعمرة (2). وإنه لمن نافلة القول أن أتحدث عن دين جابر، وخلقه وخوفه لربه، واتباعه للسنة وابتعاده عن البدعة، وفهمه العميق لأسرار الشريعة ومحاسبته لنفسه، وحملها على ما تكره النفس البشرية إذا كان في ذلك قربة إلى الله عل.
1) سور فاطر: 2.
2) انظر: الدرجيني: الطبقات، 2/ 208. والشماخي: السير، 1/ 68. (المراجع) (1/117)
صفحة 118
الإباضية في موكب التاريخ
116
نشأة المذهب الإباضـ
اشتهر عن جابر أنه لا يماكس في ثلاث في كراء إلى مكة وفي عبد يشترى ليعتق، وفي شاة للتضحية، وكان يقول: "لا" نُماكس في شيء نتقرب به إلى الله تعالى". وإذا وقع في يديه ستوق کسره ورمي به لئلا يغر به مسلم والستوق الدرهم المغشوش). امتلأ قلبه بالإيمان بالله وفاض على لسانه دعوة مخلصة إلى دين الله وعلى جوارحه عملا صالحا بما يرضى الله. الله. قالت هند بنت المهلب: "كان جابر بن زيد أشد الناس انقطاعا إليَّ وإلى أمي، وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله علم إلا أمرني به، ولا شيئا يباعدني عنه إلا نهاني عنه، وكان
أداء
الله
ليأمرني أين أضع الخمار، وتضع يدها على الجبهة لتبين موضع الخمار من جبهة المرأة المسلمة. ولو التمست مثل هذه الشهادات عن علم جابر وأخلاقه أو دينه أو ذكائه وعبقريته لكثرت هذه الشهادات وأخذت منا وقتا ومكانا وحسبك أن تعلم أنه -رحمه الله - أعلم من أن يبقى من کتاب وسنة رسوله وهدي مُحَمَّد حَتَّى في سلوكه الخاص شيء لا يعرفه. وإنه أذكى من أن تنطلي عليه زخرفة بدعة ظاهرة أو خفية، وأخشى الله من أن يرى منكرًا ويسكت عنه، وأشجع من أن يؤيد عمل الظالمين ويرضى عن سلوك الطاغين، وأحرص على رسالة الإسلام من أن يكل من التعليم في كل مكان. رأى أحد الحجاج يصلي فوق الكعبة فنادى: يا من يصلى فوق الكعبة لا قبلة لك! " .. وكان ابن عباس في ناحية من المسجد فسمعه فقال: إن كان جابر بن زيد في شئ من البلد فهذا القول والأستاذ العبقري يعرف من من تلاميذه يمتاز بصحة الفهم ولمحة العبقرية ودقة الملاحظة والاهتمام بأمر المسلمين، والعمل على إرشادهم، وتوجيههم إلى الطريق الأقوم. وبعد هذا كله فإن جابرا يعتبر من أوائل المؤلفين في الإسلام إذا لم يكن أولهم على الإطلاق، وقد كان لكتابه الضخم القيم الْمُسَمَّى "ديوان" جابر" رنة في صدر الإسلام، وكان موضع تنافس بين دور الكتب الإسلامية، واستطاعت مكتبة بغداد أن تتحصل عليه، وأن تبخل به عن غيرها من المكتبات، ولم تنقل منه إلا نسخة واحدة كافح أحد عباقرة جبل نفوسة للحصول عليها في قصة طويلة سوف ترد - إن شاء الله - في حلقة آتية. كان لهذا الكتاب قيمة كبرى لما فيه من علم وهدى ولقربه من عصر النبوة، ولأخذ مؤلفه عن الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت له قيمة أخرى أثرية وهي أنه أول كتاب ضخم ألف في الإسلام.
منه، (1/118)
صفحة 119
الإباضية في موكب التاريخ
117
نشأة المذهب الإباضي وإنه لمن المؤسف أن يضيع هذا التراث العظيم من مكتبة بغداد عندما أحرقت تلك المكتبة العظيمة، وضاعت منها آلاف النفائس، كما أنه من المؤلم المر أن تضيع النسخة التي وصلت إلى ليبيا فيما ضاع من التراث الإسلامي العظيم بسبب الجهل والحقد وطلب الرفعة عند الناس، ولبس أعظم محنة من ضياع التراث العلمي والخلقي والديني لأمة مسلمة لا يستقيم حاضرها إلا على
القواعد المتينة التي انبني عليها ماضيها، ولن يصلح حاضر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. لقد حاولت في هذا الفصل أن أترجم للإمام العظيم جابر بن زيد، ولكني أعترف أنني أخفقت ولم أستطع أن أصل إلى ما قدرته في نفسي، وإلى ما يتطلبه الموضوع مني، ولن يفوتني في آخر هذا الفصل أن أقتبس من العلامة قاسم بن سعيد الشماخي ما يأتي (): "وأما تسمية مذهبنا بالإباضية لكون عبد الله بن أباض () الا الله و كان المجاهد علنا، المناضل علنا في سبيل تحقيق الحقائق، وتصحيح قضايا العقول فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا
(2)
وكان شديدًا في الله تعالى، وله مناظرات مع أهل التنطس والتفلسف، كان الحجة الدامغة الـ يخنس أمامها كُلّ ثرثار، وله كلام مع عبد الملك بن مروان يهضم نفس كل جائر جبار، تغلب على المسلمين أصحابه الذين يقولون بقولة، الإباضيَّة، وتَسَمَّى المذهب باسمه على هذا المعنى، وَإِنَّمَا كان الإمام القائد والوسيلة الراشد أس المذهب وحاميه مرجع الفضل في تدوينه وتشييد مبانيه إنَّمَا كان جابر بن زيد الله وعبد الله بن إباض كان صنوه وتلوه، وكان لا يصدر في النوازل إلا عن رأيه ونظره ه، وبعد وفاة جابر بن زيد ظهر عبد الله بن إباض بأجلى مظاهر الغيرة الدينية، ولقن أصحابه مبدأ الإقدام في تقرير الحق وقمع أهل الجور والظلم المنحرفين عن جادة الصواب، حتى ظهرت هذه الفرقة الناجية، المحقة الصادقة في أدوارها الوجودية في حالتي الكتمان والظهور،
مرعية بعين عناية الله تعالى.
أحد بسوء، ظاهري الكرامات أعداء المناكر والجرائم أشداء على الظلـ
لا يقدر عليهم والظالمين والنفاق والمنافقين".
1) في كتابه القول المتين.
(2) سيأتي الحديث عن عبد الله بن أباض في الحلقة الأخرى: "حلقة في الجزيرة" (1/119)
صفحة 120
الإباضية في موكب التاريخ
118
نشأة المذهب الإباضـ
أبو عيدة مسلم
أخذ العلم وأصول المذهب عن جابر بن زيد جماعات كثيرة انتشروا في المشرق والمغرب، وكان أعظمهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي أصبح مرجع الإباضية دون خلاف بعد جابر بن زيد، رغم أن له زملاء لا يقلون عنه علما بدين الله وعملا به.
هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم، اشتهر بلقب القفاف؛ لأنه كان يشتغل وهي حرفة حرة شريفة، استطاع أن يرتزق منها هو وطلابه رزقا شريفا القفاف، بصنع
حلالا، بعرق الجبين وكد اليمين.
تولى التدريس بعد الإمام جابر، فأخذ عنه العلم خلق كثير، رغم ما ابتلي به من مضايقة الطغيان، وتشديد الرقابة عليه، ومنعه من نشر العلم وبث الروح المتحررة التي لا ترضى بالضيم، ولا تسكت عن الهوان.
وقد اضطر تحت ضغط الظالمين أن يقوم التعليم مستترا، وأن يخفي مدرسته القيمة عن أنظار الحجاج، وأعوان الحجاج الحجاج الطاغية الذي لم يكد يسلم من جبروته وطغيانه مؤمن بربه مخلص - مع زميله وصديقه ضمام واستشار في أمرهما مجوسيا، ليدله على نوع من الأكل يتعذب به الأكل ولا يفضى به إلى الموت فأشار عليه بإطعامهما الزيت والكراث فكان ذلك طعامهما إلى أن مات الحجاج فأطلق سراحهما. وربما ضاق ضمام بهذا السجن وهذا العذاب، فيقول له أبو عبيدة في صبر المؤمن الواثق في الله: "على من تضيق؟ ". خرج الإمام أبو عبيدة من سجن الحجاج فواصل رسالته في الدعوة إلى الله، والتمسك بدينه، والعمل بشريعته، وكان حر الفكرة، ينشر المبادئ الإسلامية الصحيحة في كرامة المسلم وعدم قبوله للامتهان ومطالبة ذوي السلطان بالاستقامة في الدين والاستقامة في الخلق، والاستقامة في العمل، والاستقامة في الحكم. (1/120)
صفحة 121
الإباضية في موكب التاريخ
119
نشأة المذهب الإباضي
كان يدعو إلى مطالبة ذوي السلطة بالتزام السنة واتباع سيرة السلف الصالحين، وإقامة العدل بين الناس، وتنفيذ أحكام الله كما جاء بها كتاب الله، وهذه الدعوة هي أكره ما يكره الظلمة المستبدون في كُلّ عصر وفي كُلّ مصر؛ ولذلك فقد بذلوا ما لديهم من قوة، واستعملوا كُلّ وسيلة لكي يحولوا دون هذه الدعوة، ويمنعوها من البلوغ إلى الناس على حقيقتها وصحتها ووضوحها، لكي تبقى الأمة وادعة مستسلمة، ويستمر الشعب صابرًا منتظرا، ويسود الجميع
القناعة والصبر. ولكن هل يستطيع الظلم مهما كان قويا، والطغيان مهما كان عنيفا، والجبروت مهما استكبر واستعلن، هل يستطيع كُلّ ذلك وأضعاف كُلّ ذلك أن يسكت الحق، وأن يطمس نور الحقيقة، وأن يطول استعباده لشعوب تؤمن بأن دين الله يدعوها إلى التحرر من عبودية البشر، وأن كتاب الله يحرم عليها الانخذال والاستكانة، وأن رسول الله يعلم أمته أن أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر يقتل بها صاحبها؟! فعل الحجاج وأعوان الحجاج ورؤساء الحجاج كُلّ ما يستطيعون ليخفتواصوت الحق، ويضطهدوا دعاة الكرامة وحملة الشريعة، فسجنوا وعذبوا وقتلوا، وملأو الدنيا بالرهبة والخوف فعلوا كُلّ ذلك وأكثر من ذلك ولكنهم لَمْ يستطيعوا إلا أن يزيدوا الثورة اشتعالا، وأن يعجلوا بنهاية سلطانهم، وذهب الحجاج وذهبت الدولة التي كان يعبدها من دون الله، وذهب ما أعد لمحاربة المؤمنين من قوة وتوفي إلى رحمة الله المؤمنون المخلصون من التابعين، ولحق بربه جابر والحسن وضمام وأبو عبيدة، وآلاف غيرهم ممن وصلت إليهم يد الحجاج وزملائه بالأذى الكثير
أو القليل، ولكن شتان بين ما سجله التاريخ لأولئك وهؤلاء، أما ما عند ربك فخير وأبقى. استطاع الحجاج بما عنده من إمكانيات، وما أتيح له من قوى أن يزيد قليلا في المال الحرام الذي تمتع به المترفون من بني أمية، وأن يمنحهم أمية، وأن يمنحهم أمنا أكثر في مجالس العربدة والسكر، وأن يهيئ لهم التفرغ للشراب والقمار والفجور. واستطاع أولئك المضطهدون المعذبون أن يمدوا الأمة الإسلامية بدين الله، وأن يوصلوا إليهم رسالة مُحَمَّد صافية خالصة، وأن يغمروا قلوبهم بالإيمان بالله وحده، وأن يعرفوهم أن العبودية لا تكون إلا الله، وأنه يتساوى في ذلك جميع المخلوقات. (1/121)
صفحة 122
الإباضية في موكب التاريخ
120
نشأة المذهب الإباضي
واستطاع أولئك المضطهدون المعذبون أن يفهموا الأمة أن الخلفاء والعمال والموظفين في الدولة، والقائمين بالحكم في جميع المرافق والأعمال أن هؤلاء ليسوا غير حملة أمانة لمدة
الله
مؤقتة، وأجراء للقيام بمهام الدولة، نظير قوت وكسوة لا إسراف فيها ولا تبذير. فإذا حفظوا هذه الأمانة ورعوا مصلحة الأمة، وأدوها إلى أهلها كما يقتضي الحق والعدل فلهم من الأمة الأجر الذي أسلفنا، أما جزاء إخلاصهم وأمانتهم وجهدهم وصدقهم فعل وعند ربك الجزاء الأوفى. أَمَّا إذا أنسوا من أنفسهم عجزاً عن تحمل هذه الأمانة، وخافوا عاقبة الضياع فليردوا الأمانة إلى أهلها، ولينسحبوا مشكورين سالمين. أما إذا غرتهم أنفسهم، وغلب الشيطان على ضمائرهم، وأرادوا أن يتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا، وأن يستأثروا بأكثر مما أعطاهم الحق، فإن الأمة يجب أن تقف في وجوههم، وأن تردهم عن مقاصدهم، وأن تطالبهم بالتزام، الحدود، واتباع السبيل، فإن عرفوا الحق ورجعوا إليه، غفر الله لهم، وقبلت الأمة ذلك، واستمروا في أداء واجبهم والقيام بأعمالهم، والمحافظة على أمانة الله التي وضعت في أعناقهم أما إذا نفخ الشيطان في آنافهم، واستحوذ البطر في نفوسهم، وأخذتهم العزة بالإثم، واستمرأوا شهوة الحكم، فإنَّه يجب أن تقف الأمة لهم بالمرصاد وأن تحاسبهم على أعمالهم، وأن تبعدهم عن مناصبهم ولو بقتالهم فإن قتل المفسدين أهون عند الله من إفساد المصلحين، وظلم المؤمنين والعبث بحقوق المسلمين. هذه الدعوة التي كان يدعو إليها المؤمنون من السلف الصالح، وعلى هذه الدعوة كان الظالمون من ذوي السلطة يطاردونهم شر مطاردة، ليخفوا صوت الحق. وكان أولئك الأئمة العظام لا ينفكون مع دعوة التحرر هذه عن نشر العلم، وبث الخلق الحميد، فكانوا يدأبون على تفقيه عباد الله في دين الله، وتفسير ما خفى عليهم من كتاب الله
أو سنة رسول الله.
منهم
ولما كانت الرقابة الشديدة على أبي عبيدة لا تنفك عن التجسس عنه، وكانت أوامر الظلمة تمنعه من التدريس، فقد اتخذ مدرسته في سرداب خفي طويل، ووضع على مدخله سلاسل من الحديد، فإذا سمع صلصلتها هو وطلابه علموا أن غريبا يريد الدخول إليهم، (1/122)
صفحة 123
الإباضية في موكب التاريخ
121
نشأة المذهب
فأوقفوا الدرس، واشتغلوا بصنع القفاف فلا يشتبه الزائر في أمرهم، فإذا غادرهم وأمنوا عيون الظلمة رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وانتقلوا من إدارة معمل لإنتاج القفاف إلى إدارة معمل القلوب والعقول والعزائم. ومع هذه الرقابة الشديدة، والضغط المستمر، والعذاب المر، مع كُلّ ذلك استطاع ذلك الإمام العظيم أن يكون مدرسة إسلامية، تحمل نور الهداية المُحَمَّدية إلى جميع الآفاق، فقد تثقف فيها عدد
لا يبلغه الحصر من المسلمين، ويكفي أنها خرجت حملة العلم إلى المشرق، وحملة العلم إلى المغرب. وإلى هذا الكفاح الطويل المستمر ضد الظلم والظالمين الذي يقوم به هذا الإمام، فإنَّه كان يقوم بكفاح عقلي ديني آخر طويل مستمر، كفاح البدعة فيما تزخرفه العقول المنحرفة، والبصائر الحولاء من القدرية والمجبرة والخوارج تلك العقول التي ابتليت بحب الجدل في ذلك الحين، وترك العمل.
كان أبو عبيدة إلى دينه القويم وخلقه الكريم، وعلمه الواسع، وثباته على المبدأ، واستمساكه بالحق، وجفوته للعصاة، وصموده أمام النوازل جم التواضع، لين العريكة، سهل الخلق، يعترف بقلة الاطلاع، وقصور الباع.
لقد كان مسلماً في دينه وفي، خلقه وفي، عمله وفي، علمه وكان داعية من دعاة الإسلام لا يفتنه زخرف الحياة، ولا تغره زينة الدنيا، ولا يجد الباطل عنده لينا أو هوادة.
إنه خلق الكفاح كفاح الباطل في جميع صوره وأشكاله كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق القوة من ذوي السلطة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العقل في منطق البدعة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العلم في إغفال بعض تراث الأمة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجهل في التقليد الأعمى، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الصبر في صورة الوداعة لاحتمال المذلة، وكفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجزع في صورة الفرار من الصمود لاحتمال النازلة ودرء المصيبة. وهو حين يكافح هذا الباطل في جميع صوره وأشكاله يعرف أن حياة فرد أقصر من أن تقوم بهذه الرسالة الكريمة، ولذلك عمل على تكوين جيل من الشباب الواعي المثقف، العارف بحقيقة الرسالة الإسلامية، المدرك لأسرار شريعتها وأن أوَّل وصف يجب أن يكون عليه (1/123)
صفحة 124
الإباضية في موكب التاريخ
122
نشأة المذهب الإباضي
المؤمن بالله أن يكون معتزا بالله ذليلا على المؤمنين عزيرًا على الكافرين، صبورًا على المحن في إعلاء كلمة الله
قال العلامة الشماخي عندما تحدث عن أبي عبيدة: "تعلم العلوم وعلمها، ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه، ويزدحم لاستماع ما يقرع
الأسماع من زواجر وعظة، وقد اعترف مع ذلك بضيق الباع، مع ما عليه من الاتساع". ما لهذا الشهادة من قيمة فإن الحركة العلمية التي قام بها الإمام أعظم من أن تصورها ومع كلمات في سطور، ويكفي أنه كان مركز إشعاع في البصرة، ومن ذلك السرداب الخفي الذي تصلصل السلاسل على بابه وتتكلس فيه القفاف مع الأقلام والأوراق انطلقت الدعوة الحرة الكريمة، للمحافظة على تراث مُحَمَّد كما جاء به مُحَمَّد. فبلغت هذه الانطلاقة أقصى المشرق، وأقصى المغرب، وأقصى الشمال، وأقصى الجنوب، ولم تزل منذ ذلك الحين إلى اليوم وهي تكافح من أجل هذه الرسالة الكريمة، حتّى استيقظ الغافلون، وانتبه النائمون الشاردون، وبدأوا يراجعون أنفسهم، ويرجعون إلى ربهم لينضموا إلى بعضهم ويوحدوا صفوفهم ويحفظوا رسالة الله من الأخطار الجديدة، أخطار الزندقة والإلحاد، وعبادة الناس الذين قدستهم الحضارة الكاذبة، والدعاية المغرضة التي ترمى إلى إبعاد هذا الدين عن مجرى الحياة؛ لأنها عرفت أنه لا قرار لأحكام البشر مع أحكام الله، ولا قيمة لشرائع
الفلاسفة مع شريعة الإسلام.
دم (1/124)
صفحة 125
الإباضية في موكب التاريخ
123
نشأة المذهب الإباضي
كلمة لابد منها
قد يرى بعض القراء الكرام في هذا العمل الضئيل الذي قدمته للمكتبة الإسلامية الغنية دعوة إلى مذهب معين أو دفاعًا حارًا عنه كما قال بعض الأصدقاء، وأنا أبادر فأقول: أما حرارة الدفاع فإنني أدافع بما أملك من حرارة عما أعتقده حقا، وذلك من أجل الحق، لا من أجل المذهب؛ لأن الدفاع عن الحق سواء اصطبغ بنظرة مذهبية، أو تجرد عنها، هو الواجب الذي يتحتم القيام به على كُلّ مسلم ..
وأما المذاهب، فإن المذاهب الإسلامية المختلفة في نظري ما هي إلا حداول صغيرة تتفرع عن النبع الصافي الذي أراد خالق الإنسان أن تشرب البشرية منه، وقد انبثق هذا النبع الفياض في زمن غلب فيه الظمأ العقلي والوجداني على حياة الإنسان، فاغترف منه الناس في ذلك الحين ما أذهب ظمأه، وأروى غلتهم، وبعث الانتعاش
والحياة فيهم.
وجاء ناس من بعدهم، فشق كُلّ واحد منهم لنفسه ترعة، وهو يريد الخير لنفسه
وأهله، وعلى مقدار طهارة مجرى الترعة، أو زكاء مسيلها يصل الماء إلى طالبيه .. وقد وقف أصحاب كُلّ ترعة يدعون أن مجرى ترعتهم أنظف وأطهر، وأن الناس يحب أن يشربوا من هذه الترعة إذا أرادوا الخير لأنفسهم؛ لأنها ترعة يتصل بحراها بالنبع الأصلي فعلا، وقد يغفل كثير من هؤلاء الدعاة عما يقع في هذه الترع الطويلة الملتوية التي تسيل متفرعة عن النبع، وأن تغييرًا كثيرًا يصادفها أثناء الجريان في هذه الجداول التي تحفرها معاول الإنسان.
والأمة المسلمة اليوم بجميع فرقها وطوائفها أحوج منها في أي زمن مضى إلى الرجوع إلى الاغتراف من أصل النبع الذي لا يلحقه تغيير ولا يطرأ عليه تبديل تاركة هذه الجداول الكثيرة التي شقها الناس غير المعصومين. (1/125)
صفحة 126
الإباضية في موكب التاريخ
124
نشأة المذهب الإباضي
إن الدعوة إلى الاستمساك بكتاب الله، والاعتصام بهدي رسو رسول الله ول الله والإعراض عما سوى ذلك من المذاهب والترعات هي الدعوة التي يجب أن يدعو إليها كُلّ مسلم يُحِبُّ الخير لنفسه، ويحب الخير لقومه، ويحب الخير لأمته، ويحب
الخير للإنسانية.
وإذا دعوت إلى الاعتصام بدين الله، والرجوع إلى حكمه، في قضايا الفرد، وقضايا المجتمع، وقضايا الإنسانية جمعاء. فإنني أدعو إلى ذلك وأنا مؤمن أنه ما من طريق تسعد به البشرية غير هذا الطريق.
ولست حين أدعو إلى الاعتصام بدين الله غافلا عن أنني أعيش في عصر مفتون بحضارة يزعم الإنسان أنه خلقها، وأنه قد بعد عن الله بفكره وعقله وعمله، وحاول أن يجمع عـ
روابط المخلوق بالخالق، فيقطع صلته بربه، ويبني سعادته بتدبيره وإعداده. وليست هذه هي المرة الأولى التي حاول فيها الإنسان الضال أن يجمح عن روابط المخلوق بالخالق، ويقطع صلته بالله، ويستغني عنه؛ بل لقد وقف هذه المواقف منذ أزمنة طويلة، فتحداه الخالق الأعظم أن يفعل: نا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا من أقطار السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانقَذ والا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان)) .. ولم يستطع الإنسان أن ينفذ منها لأنه لا يملك السلطان .. وسواء طالت هذه التجربة من الإنسان أو قصرت فإن الإنسان سوف يقتنع بأنه أعجز من أن يستغني عن الله ويجمح عن حكمه، وينفذ من أقطار السموات والأرض، ولسوف يدرك في نهاية المطاف أنه لا يمكن أن يسعد إلا إذا رجع إلى رحاب الله، وتشمله رعايته وعنايته وتسديدة.
1) سورة الرحمن: 33. (1/126)
صفحة 127
الإباضية في موكب التاريخ
125
نشأة المذهب الإباضـ
أن
كلمة الختام
إنني أتوجه إليه سبحانه وتعالى بالشكر على نعمه الظاهرة والخفية، وأحمده جل وعلا أن يسر لي هذا العمل الضئيل لخدمة الدين والأمة، وأساله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأضرع إليه سبحانه ييسر لي إنجاز بقية هذه الحلقات وأن يتولى عملي بالتوفيق، إنَّه نعم المولى ونعم النصير. لقد رأيت أن أقف بهذه الحلقة الأولى إلى هذا الحد، وأنا حينما أراجعها ألمس فيها كثيرًا من الإخلال، وعدم الاستيفاء بالمقاصد التي رميت إليها، وأعتقد أن هذه الفصول في مجموعها، لم تبلغ المقصود منها في الكشف عن حقائق منشأ الإباضيَّة، كما أن ترجمة كل من الإمامين العظيميين لَمْ أبلغ بها مترلتهما في نفسي، وعذري في كُلّ ذلك، قلة المصادر، وبعدي عن محال
المكتبات العامة والخاصة من جهة وضخامة العمل الذي قصدت إليه من جهة أخرى. وعلى أولئك الطامحين إلى مزيد من المعرفة، الذين لا يقنعهم هذا العمل الطفيف، ولا يروي غلتهم هذا الوشل (1) الضعيف أن يسرحوا أنظارهم بين ما كتبه عباقرة المؤرخين، وعباقرة علماء الإسلام في مختلف العصور، فإنهم سوف يجدون في تلك الجنان الغناء، متع العقل والفكر والروح. ولا يسعني وأنا أختم هذه الفصول إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى جميع الذين أمدوني بالمساعدة في هذه الأبحاث المتواضعة، وأخص من بينهم الصديق الوفي الأستاذ أحمد علي عسكر على تيسيره لي هذا العمل مقدرًا ما بذله من جهود جبارة، وسهره من ليال طوال.
ويليه الحلقة الثانية: الإباضية في لييبا
(1) الوشل: هو الماء القليل. (1/127)
صفحة 128
[صفحة فارغة] (1/128)
صفحة 129
الإباضية في موكب التاريخ
الحلقة الثانية:
الإباضية في ليبيا
-
الق
الأول
تأليف الشيخ العلامة
يعير
معمر
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان (1/129)
صفحة 130
الإباضية في موكب التاريخ
128
قال الله عل:
الإباضية في ليبيا (1)
كنم خير امة اخرجت الناس
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَوْ أَن أَهْلَ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
شرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
(سورة آل عمران: 110) (1/130)
صفحة 131
الإباضية في موكب التاريخ
129
الإباضية في ليبيا (1)
يسرني
مقدمة
أن أقدم إليك أيها المسلم الكريم الحلقة الثانية من هذا الكتاب الصغير، الذي سميته "الإباضية في موكب التاريخ"، وفي هذه الحلقة التي أطلقت عليها "الإباضية في ليبيا " أتحدث عن هؤلاء الناس الذين يسكنون الجزء الواقع بين مصر وتونس من الوطن الإسلامي الشاسع، هذا الجزء الذي يسميه الناس اليوم "ليبيا" .. وما ليبيا ومصر وتونس والمغرب والباكستان وتركيا وغيرها مما يقع بينها أو حولها إلا وطن واحد لأمة واحدة، تنتشر على أغلب ثلاث قارات في عظمة وشموخ، رغم الحدود التي افتعلها الاستعمار في زمن الاستعمار، وحافظ عليها الاستغلال، في زمن الاستقلال، ورغم التدويل (1) الذي يدعيه أصحاب المطامع على كُلّ قطعة من هذه القطع، ورغم الشعارات التي تقسم بها السياسة المستغلة وحدة الأمة إلى أمم صغيرة يسهل السيطرة عليها، والتحكم فيها .. وأنا حين أقدم إليك هذا الكتاب الصغير لا أقدم إليك كتاب تاريخ يعنى بتسلسل الحوادث وترابطها، ولا أقدم إليك كتابا يرافق مواكب السلطان يحصي خطواته، أخطاءه، ويفرض حكمه عَلَى الأُمَّة الكريمة؛ وَإِنَّمَا ويبرر أقدم إليك صورًا من حياة الأمة المسلمة في أدوار كثيرة من التاريخ انتزعها من سيرة الفرد العادي، ومن حياة المجتمع الهادئ في بعض الأحيان، وأخذتها من مواطن النضال، وميادين القتال في بعض الأحيان الأخرى، وكل ما أرجوه منك أيها القارئ الكريم، أن تقرأ الكتاب كله، وأن تتغاضى عما فيه من ضعف الأسلوب، أو ركاكة التعبير، أو حدة النقاش، وأن تتعمق إلى الحقيقة التي أقصد إليها والمعنى السامي الذي أرمى إليه، فإن قصر قلمي عن إبلاغ ذلك إليك، فإن ما أهدف إليه من كُل كتاباتي: أن تذوب الفوارق بين الأمة، وأن ترجع هذه الأمة إلى كرامة الإسلام، وأن تعلق أواصرها بالله، فإن العزة الله ولرسوله وللمؤمنين. وَإِنِّي أستغفر الله الخطأ والزلل، وألجأ إليه تعالى أن يعصمني من الشيطان، وأن يطهر من
قلبي بالإيمان من الحقد والحسد والشهوة والغضب .. والعصبية.
علي يحيى معمر
(1) أقصد بكلمة التدويل في هذا الفصل جعل كل قطعة من الوطن الإسلامي الكبير دويلة صغيرة منفصلة عن بقية
الأمة في نظام الحكم والسياسة. (1/131)
صفحة 132
الإباضية في موكب التاريخ
130
الإباضية في ليبيا (1)
تمهيد
عزيزي القارئ يسرني أن أضع بين يديك المنهج الذي اتبعته في هذا الكتاب، يتيسر لك السير مع خطواته، لتتضح لك الصور التي أردت أن أقدمها إليك في
حتَّى يتيسر إطاراتها الواسعة، وفي إمكانك أن تراها كما يأتي:
صورة لارتباط الدولة بالأمة.
صورة لتماسك الأمة المسلمة في وطنها الواسع رغم الخلافات السياسية
والْمَذهَبية. صورة مصغرة لدخول الْمَذهَب الإباضي إلى ليبيا على يد دعاته الأولين. صورة للمذهب الإباضي وهو يقود الأمة الليبية بنظام الإمامة ال
المستقلة
عن أية تبعية.
صورة للمذهب الإباضي يرعى الأمة الليبية بقيادة عمال ليبيين، يتبعون
الإمامة الرستمية.
صورة للمذهب الإباضي يرعى الأمة، بقيادة أمراء يختارهم، مستقلين
بأنفسهم. تجد أَيُّهَا القارئ الكريم هذه الصور حسب هذا الترتيب، في القسم الأول من هذه الحلقة، أما في القسم الثاني منها فتجد الصور الآتية:
صورة للكفاح العلمي بعد الفتح الإسلامي، بإلقاء الدروس، ونشر المعرفة
الإسلامية، وتأسيس المدارس، وتكوين البعثات العلمية.
صورة لازدهار المعارف الإسلامية، ونظم التعليم، وطرق التربية التي وضعت لتكوين أجيال من المؤمنين المعدين لحمل الرسالة الإسلامية.
صورة للمنطقة التي عاش فيها الْمَذهَب الإباضي ولا يزال يعيش منذ تكونت
له الإمارات الخاصة به. (1/132)
صفحة 133
الإباضية في موكب التاريخ
131
الإباضية في ليبيا (1)
صورة للمرأة في المجتمع الإباضي.
صورة لأحداث تاريخية مشابهة.
لصورة للمؤرخين المتعصبين الذين تتحكم فيهم رواسب من الدعاية المغرضة. صورة للمجتمع المسلم النظيف.
هذه صور تشتمل عليها الحلقة الثانية من من الكتاب في قسميها، أرجو أن تساعد القارئ على فهم المنهج الذي اتخذته.
وهناك في الكتاب ملاحظة أخرى أرجو أن ينتبه لها القارئ الكريم، وهي أنني قد
تجوزت في استعمال كلمة ليبيا في كثير من مواضيع الكتاب، وأنا أعنى أغلب إقل فزان، وأغلب إقليم طرابلس، فإن برقة لم تكن في يوم من الأيام تابعة للحكم الإباضي، لا في دور الإمامات التي تكونت في طرابلس ولا في دور تبعيتها للدولة الرستمية ولا في دور الحكومات المحلية التي كانت غالبا في بعض جهات من جبل نفوسة، أو بعض جهات فزان. (1/133)
صفحة 134
الإباضية في موكب التاريخ
132
الإباضية في ليبيا (1)
التاريخ بين الدولة والأمة
إن تاريخ الدولة، قد يكون هو نفسه تاريخ الأمة، وقد يكون جانبا من تاريخ الأمة، وقد يكون أبعد الأشياء عن تاريخ الأمة، والمؤرخون في أغلب الأحيان يندفعون إلى تسجيل حركات دولة ما وأعمالها عَلَى أَنَّهَا تاريخ الأمة التي تسيطر عليها تلك الدولة .. وفي الأحيان التي تكون فيها الدولة مستبدة أو صاحب السلطان طاغيا فإن المسافة بينها وبين الأمة سحيقة البعد، ومع ذلك فإن الكتاب الذين يشتهون أن يكونوا حداة للموكب الظالم، أو أبواقًا لدعايته يكتبون وهم يعتقدون أو يتظاهرون بأنهم يكتبون تاريخ الأمة، وقد وقعت بهذه الطريقة مغالطات كبرى في تاريخ البشرية، وسوف أضرب أمثلة لما أرمى إليه حتّى يتضح فكرى للقارئ الكريم. يتحدث مؤرخ عن عظمة الأمة المصرية في عصر الفراعنة، ويلتمس الشواهد على ما وصلت إليه هذه الأُمَّة من مجد وحضارة، فيقدم للقارئ الكريم، الشواهد الثابتة التي لا تتغير، يقدم إليه الأهرام، هذه الجبال الشاهقة التي صنعتها أيدي البشر في فترة من تاريخها الطويل، فهل كانت الأهرام حقا من الشواهد على عظمة مصر؟ أيام كان خوفو يتولى زمام الحكم فيها؟ قد تكون هذه الظاهرة براقة خادعة، ولكن الإنسان إذا تغلغل إلى حقيقة التاريخ، سرعان ما يعرف أن هذه الشواهد أبعد شَيء عن حقيقة تاريخ الأمة المصرية في ذلك الحين. إنها قد تكون صورة من تاريخ خوفو، فرعون مصر المريض بداء الحقارة .. أو دليلا على تمكن هذا المرض من نفسية ذلك الملك الطاغية، ولكنها ليست عَلَى كُلّ حال حقائق من تاريخ الأمة المصرية. إن الناظر الساذج قد ينبهر بعظمة هذا العمل، وقد يحسبه من أمجاد الأمة، ولكن هل نجد حقا في ذلك العمل عظمة ومحدا؟ أعتقد أن تلك الحالة كانت أبعد شَيْء عن حقيقة العظمة والمجد، وأقصى شيء عن تاريخ الأمة وأعمال الشعب. مائة ألف من الأجسام الفتية، والسواعد القوية، تسخر لنحت الصخر، ودحرجة الحجر، مدة لا تقل عن عشرين سنة .. لو وجهت هذه الجهود لعمل مثمر، لشقت مجرى نيل ثان يروي صحراء مصر القاحلة، فوجد فيه الملايين من سكان مصر جنة على الأرض. ولكن (1/134)
صفحة 135
الإباضية في موكب التاريخ
133
الإباضية في ليبيا (1)
التروة الحمقاء التي سيطرت عَلَى رأس الملك المريض بداء الحقارة – أعوزته العظمة في نفسه، فراح يلتمس لها الوسائل في الخارج - أبت أن توجه تلك القوى إلى الاتجاه النافع للأمة، فإذا بمجهودات الأمَّة جميعًا تسخر لإرضاء هذه التروة الطائشة.
وتمضي عشرون عاما من حياة هذه الأمة لتبني قبر شخصين، وتصبر وهي تعمل تحت لذع
السياط، لتقدم المجنون لهذا قوة البدن وثمرة الإنتاج والمال القليل الذي تحصل عليه بالكفاح المستمر. وفي هذا الحين، الذي تبلغ فيه الأمة المصرية أحط ما تصل إليه أمة من الذلة والهوان والاسترقاق والمجاعة تحت حكم طاغية، لا يجد بعض المؤرخين عنا في أن يشيدوا بالمجد العظيم الذي بنته الأُمَّة المصرية حين أقامت الأهرام. إن هؤلاء المؤرخين يحسبون أن السلطان أو الأداة الحاكمة هي الأمة، وما دام فرعون يعمل فإن عمله يعتبر تاريخا للأمة، وهم حين ينظرون إلى هؤلاء الآلاف من الناس، الذين يكدسون الرمال ويرصفون الطرق؛ ليدحرجوا عليها الصخوز، يرونهم بالعين التي ترى سربا من النمل يغدو ويروح في طريق القرية ليحمل نفقة العام، كأنما كُلّ واحد من هؤلاء جاء بمحض إرادته ليبني لنفسه برجا في هذا القصر العظيم .. ولم يلمحوا الفقر والذلة والمهانة التي تبلى بها الأمة، ولا العذاب والسياط التي تسلط على هذه الجماهير الكادحة، في عمل شاق ليست له ثمرة إلا الشهوة، شهوة فرعون أن يكون عظيما، وأن يكون قويا وأن يكون من الخالدين. فهل يعتبر هذا العمل حقا من تاريخ الأُمَّة؟ هل تعتبر هذه الآلاف من العمال المسخرين الذين يدهدهون الصخر من الصبح إلى المساء، وأبناؤهم يقتلهم السعب والفاقة، هل تعتبر هذه الآلاف العاملة تحت السوط والسيف من الأمة؟!! وهل يعتبر عملها هذا تاريخا للأمة؟!! إنني لا أستطيع أن أتصور ذلك أبدًا، وكُلُّ ما أفهمه أن هذا قد يكون صورة من تاريخ فرعون، وأن هؤلاء الآلاف الذين يعملون باستمرار مدة عشرين سنة، ما هم إلا آلة صماء، يحركها ازر في يد فرعون؛ فهم في الحقيقة ليسوا قسما من الأمة، فيكون عملهم تاريخا لها، وَإِنَّمَا هم قوَّة في سـ فرعون، وسواء كان هذا العمل الذي عملوه والجهد الذي بذلوه والجبل الذي شادوه، سواء كان ذلك عظمة ومجدا، أم مرضاً وشهوة؛ فَإِنَّهُ من تاريخ فرعون وحده، لا من تاريخ أمته.
ضربت المثل بهذه الحوادث؛ لأنني أعتقد أنها واضحة. (1/135)
صفحة 136
الإباضية في موكب التاريخ
134
الإباضية في ليبيا (1)
ومن المؤسف أن أكثر المؤرخين في مختلف العصور - حتّى في هذه العصور التي كادت تتحرر فيها البشرية من طغيان الفرد واستعباده - لم يتحرروا من هذه النظرية التي لا تفرق بين الأداة الحاكمة والأمة، فتجدهم يلهثون وراء السياسة يحدون لها ويصفقون، حاسبين أن عظمة التاريخ في أن يسيطر رجل أو هيئة على بقاع كثيرة، فيتمتع بما لا يتمتع به غيره من شهوات، ثُمَّ يسجلون ذلك على أنه تاريخ الأمة، أمة ذلك الرجل، أو تلك الهيئة.
إن هذه الصورة لا يُمكن أن يكون فيها تاريخ الدولة تاريخا للأمة. إن تاريخ الأمة بعيد جدا عن هذه المظاهر السخيفة، التي تقدر فيها كرامتها، وقوتها وإنتاجها. أما الصورة الأخرى التي يكون فيها تاريخ الدولة هو تاريخ الأمة، فذلك عندما تكون الأداة الحاكمة خاضعة لقانون الأمة وشوراها، فلا تصدر إلا عن رأيها، ولا تمتاز بشيء عن أي فرد منها، وفي الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الرشيدة أمثلة واضحة لذلك .. إن تاريخ الدولة في ذلك الحين
هو نفسه تاريخ الأمة؛ وذلك لأن ما يصدر عن الدولة هو ما يصدر عن الأمة راضية به راغبة فيه. إن الأمة جمعاء كانت تقوم بالغزوات الفاتحة مندفعة إليها متسابقة إلى القيام بها، دون وعود بالمرتبات أو حصر بالدواوين، أو إكراه بالتجنيد الإجباري، وإنما كانت انتفاضات منبعثة عن عقيدة من أمة كاملة، ليس للأداة الحاكمة منها إلا تنسيق العمل وتنظيم الصفوف .. ولذلك كانت هذه الحركات تاريخ أمة لا تاريخ دولة، وأن الدولة كانت داخلة الأمة، معبرة عنها تعبيراً صحيحا صادقا؛ لأن جميع ما تقوم به من نشاط داخلي أو خارجي كان يصدر عن حقيقتين ثابتين: حكم الدين، ورأي الأمة.
في
أما الحالة الثالثة التي تكون فيها تاريخ الدولة جانبا من تاريخ الأمة، فأعنى به عندما تقوم دولة في قسم من أقسام الوطن، وتحرص هذه الدولة أن تصدر في أعمالها عن حكم الدين ورأى الأمة، وفي التاريخ الإسلامي أمثلة ذلك. من
وَلَمْ أحسب هذا التاريخ تاريخ الأمة؛ لأن الأمة أكبر من ذلك وأوسع؛ فعمل هذه الدولة الصغيرة تعبير عن قسم من الأمة، وهو وإن كان تعبيرًا صحيحا صادقا إلا أنه ينقصه الإجماع أو الأغلبية المطلقة. (1/136)
صفحة 137
الإباضية في موكب التاريخ
135
الإباضية في ليبيا (1)
الوطن الإسلامي
إنني أعتبر الأرض الإسلامية وطنًا واحدًا بحدوده الشاسعة، وعندما أضطر إلى تتبع التقسيمات السياسية الموجودة الآن أحس بالمرارة والألم، ولقد كان تاريخ الأمة الإسلامية في عصوره المختلفة مرتبط الحوادث متحد المشاعر متوافق العواطف مشتبك المصالح، متصل الأجزاء. ورغم ما اصطنعته السياسة من حدود، فأنت حين تسافر من الشرق الأقصى إلى المغرب الأقصى تمر بعدد من الدول، وتتخطى مجموعة من الحدود، وتختلف عليك أشكال من الحكم، وقد تحس بما يعتمل في نفسية هذه الدول من عداوة وبغضاء، وحروب حارة أو باردة، ولكنك في كُلّ ذلك تشعر أنك تعيش في أمة واحدة ربطت بينها العقيدة التي وجهت قلوب أفرادها جَمِيعًا إلى الإيمان بالله، ومحبة الإخوان في الدين، وتجد التاريخ الحقيقي لهذه الأُمَّة التي تنبسط على أكثر قارات العالم، في وحدة الشعور والعاطفة والعقيدة والأمل، وفي طريقة التفكير والكفاح والعمل، وفي الاتجاه الذي يتجه إليه الأفراد والجماعات، وفي عدم اعتراف هذه الأمة بالحدود التي تفصلها عن بعضها، فتخترقها رغم حرس الحدود، والعقوبات المترتبة على ذلك.
عن
إن تاريخ الأمة يكمن في الأعمال اليومية من أفراد وطبقات هذه الأمة في وطنها العام، بعيدا أحداث الدول، هذه الدول التي تفرض سلطانها لتثبت قواعد حكمها، وتقر دعائم نفوذها،
وتسخر كُلّ شيء لإرضاء شهواتها ونزواتها، دون نظر إلى حقيقة الأمة أو مستلزمات الدين. وحين يذهب بعض المؤرخين يتحدثون عن أعمال هذه الدول المختلفة، حاسبين يتحدثون عن تاريخ الأمة الإسلامية، يغفلون عن حقيقة هامة؛ وهي البعد الشاسع بين ضمير الأمة وعقيدتها، وعملها وأملها وبين مجرى الحوادث التي تجري عليها تلك الدول المستبدة .. إن حقيقة تاريخ الأمة أعمق من أن يكون أعمالا تقوم بها دولة دون أن تستمد هذه الأعمال من حقيقتين ثابتتين: دين الأمة، ورأى الأُمَّة الحَقِّ .. وحتى في هذه الحالة لا يكون تاريخ هذه الدولة تاريخا للأمة إلا إذا كانت الأُمَّة كلها مُجتمعة عَلَى اعتبار هذه الدولة واعترافها باء وخضوعها لأحكامها خضوعا شرعيا، حسبما قرره الدين لتنظيم الدولة، مع احترام كرامة (1/137)
صفحة 138
الإباضية في موكب التاريخ
136
الإباضية في ليبيا (1)
الأمة سياسيا، واجتماعيا واقتصاديا واحترام كرامة الفرد في سلوكه مع الدولة والناس، وفي
سلوك الدولة والناس معه.
هذا الفصل وفي هذا الكتاب فإنما أتحدث الأمة الإسلامية، والدولة عن
إنني حين أتحدث في المسلمة، وما حديثي عن الفراعنة في أسطر سابقة إلا مثل عابر، سقته لتوضيح فكرة ... إن الحروب التي قامت بين الدولة الأموية والخوارج أو بينها وبين الشيعة، أو بينها وبين الدولة العباسية، أو بين غيرها من الدول التي تعاقبت على الحكم، أو تنازعت عليه في مختلف العصور الإسلامية، إن هذه الأحداث الدامية لا تكون من تاريخ الأمة الإسلامية؛ لأن الناس الذين اشتركوا فيها كانوا محمولين عليها، إما بالخوف، وإما بالطمع. وإما بالتغرير، فهم ينفذون إرادة واحدة ولذلك اختلفت أنظار الأمة إلى القائمين بهذه الحركات. فأيدت كل قسم من هذه الأقسام طائفة من الناس من أجل الأغراض السابقة، أما الأمة فهي تعرف أن تلك الحروب ليست لمصلحة الدين وليست لمصلحة الأمة. وعلل من ينطق برأي الأمة أسباب تلك الحروب فجعلها مرة (الثريد) الأعفر)، ومرة أخرى (بغلات معاوية الشهب). إن هذه الحوادث، ليست تاريخ الأمة، فإن انتصار الدولة الأموية على الخوارج، أو قضاءها على ابن الزبير، أو تغلب الدولة العباسية عَلَى الدولة الأموية، أو تغلب أية دولة مسلمة عَلَى دولة أخرى مسلمة، لا يحسب مجدا للأمة المسلمة، أو حقيقة من تاريخها، فإنه ليس من تاريخ الإسلام، ولا من تاريخ الأمة المسلمة، ولا مما يحسب الأمة المسلمة، ولا مما يحسب مجدا للإسلام، أن يقضي بنو الخوارج والشيعة، ولا أن ينتصر بنو العباس على بني أمية، ولا أن ينتزع بنو فاطمة كراس الحكم من بني العباس. إن هذه الصور وأشباهها قد تكون صورًا من تاريخ رجال بني أمية، أو بنى فاطمة أو الخوارج أو ابن الزبير، أو بني العباس، ولكنها ليست بحال من الأحوال صورة من تاريخ الإسلام، أو تاريخ أمة محمد عليه. أما هذا العدد الوفير من الناس، الذين تتكون منهم الأداة الحاكمة، كالأمراء والوزراء والقواد والأعوان والأجناد في الدول المستبدة، فهؤلاء لا يكونون جانبا من الأمة، وإِنَّما هم عبارة عن جهاز آلي ليس له إرادة، ولكنه يتحرك بإرادة الحاكم المستبد، سواء كان هذا
يقضي بنو أمية على (1/138)
صفحة 139
الإباضية في موكب التاريخ
137
الإباضية في ليبيا (1)
الحاكم فردًا أو هيئة .. إِنَّهُم عبارة عن صاروخ موجه، يبعث به الحاكم للتدمير متى شاء، ولن يدخل ضمن آلات هذا الصاروخ البشرى، إلا خائف، أو طامع، أو مخدوع، بالعقيدة، أو الْمَذهَب، أو الشعار، وإلا فما هي مصالح الأمة في نقل أداة الحكم من بني أمية إلى بني العباس أو بني فاطمة، أو بني تميم، أو غيرهم من القبائل والأجناس، وفيم يندفع آلاف من الناس ليحطموا بني أمية، أو يحطموا الحسين ابن علي، أو يحطموا بني العباس؟ وهب أن شخصا أراد أن يجرى تصفية على آلات هذا الصاروخ الذي تستعد دولة من الدول المسلمة، لتضرب به دولة أخرى مسلمة، فأخرج منه كل من دخل فيه بالخوف، وكل من دخل فيه بالطمع، وكل من دخل فيه بالخديعة، والتغرير، حين صورت له الحقائق على ما
هي
ليست عليه ..
هب أن شخصا فعل ذلك فهل يبقى هذا الصاروخ صالحا للعمل؟ وهل يبقى من هذا الجند شيء يستحق أن يطلق عليه كلمة الجيش؟ ويمكن أن يدخل معركة مهما كانت هذه المعركة
صغيرة؟ إنَّه لن يبقى بالتأكيد إلا اليد التي تمسك بزر الصاروخ، وهي تضغط على فراغ. والحقيقة التي أرمي إليها من هذا البحث الطويل، أن تاريخ الدول الإسلامية التي تعاقبت على الحكم، والتي تنازعت عليه، والتي اقتسمته، إن تاريخ هذه الدول ليس هو تاريخ الأمة الإسلامية؛ لأن تاريخ الأمة الإسلامية إنما ذاتها ينبع من ومن نفسيتها ومن الأعمال التي تصدر عنها برغبة ورضا واقتناع دون تخويف أو تطميع أو تغرير. أما تاريخ الدول والأمراء والحكام فهو تاريخ أفراد لا يمثلون أمة، بل كثيرًا ما يكونون أبعد الناس عن الأمة وسيرتها. وَلَمَّا كانت الأمة الإسلامية أمة لها دين وضع لها نظما كفيلة بإسعاد الإنسانية، مجتمعاً وأفرادا، وهذا الدين يساوى في الحقوق والواجبات بين جميع أتباعه، من السلطان أو صاحب الحكم، إلى أدنى رجل من الأمة، فإن أولئك الذين يخرجون عن هذا المنهاج، وينافقون عن دينهم، ويحيدون عن سبيله، لا تحسب أعمالهم عَلَى الأمة، ولا يوضع تاريخهم في مقام تاريخها؛ لأن مسلك الأمة بين، وتاريخها واضح وسلوكها على العموم جار في الطريق الذي اختارته إرادة الله، ليؤدى بهذه الأمة إلى السعادة .. السعادة التي يعلم حقيقتها خالق الإنسان، لا السراب البراق الذي ينخدع به بصر الإنسان.
أمر (1/139)
صفحة 140
الإباضية في موكب التاريخ
138
الإباضية في ليبيا (1)
إن الله قد اختار لأمة مُحمَّد الإسلام دينا، وأوجب على الدولة وأداة الحكم فيه قانونا، فما سارت عَلَى ذلك القانون فهي من الأمَّة، وتاريخها وعملها ومجدها للأمة، وإذا انحرفت بها الشياطين عن سبيل الله، فحسبها متاع الحياة، وما متاع الحياة الدنيا إلا غرور. وَلَعَلْ أوضح صورة لهذه الفكرة هي واقع الأمة الإسلامية في هذا العصر، هذه الأمة التي تنتشر على أفريقيا وآسيا وأوربا، وتاريخ هذه الأمة هو مجموع سلوك أفرادها وطوائفها، تلك الأعمال التي تنبعث في كامل الوطن العام؛ أَمَّا الأعمال التي تقوم بها هذه الدول المتناثرة في كثير من بقاع الوطن الإسلامي فليست من تاريخ الأُمة .. إنَّها تاريخ رجل، أو رجال، وصلوا إلى كراسي الحكم بوسيلة من الوسائل، ومنهم من هو أبعد الناس عن فهم حقيقة الأمة، وحقيقة مشاعرها، وحقيقة أعمالها ومطالبها، ومع أن الأمة وحدة لا تتجزأ، فإن أولئك الذين يتولون الحكم، ويحسبون أنهم أقاموا دولا لا ينفكون يقيمون الحدود بين أجزاء الأمة، ليصنعوا منها أمما مختلفة هذه عربية، وهذه تركية، وهذه فارسية، وغيرها، ولم يكتف أصحاب المطامع والاستعمار حتى هذا، فذهبوا إلى تقسيمها دويلات صغيرة جعلوا منها ممالك وجمهوريات.
إن هذا الشعارات الزائفة، وهذه المبادئ الضالة، أبعد ما تكون عن الإسلام، وعن تاريخ الإسلام .. إنّها جوانب من تاريخ أولئك العدد القليل من الناس الذين نادوا بها، وفصلوا بين أبناء
ومن
الأمة الواحدة، والدين الواحد؛ ليحققوا لأنفسهم شهوة السلطة، وشهوة المتعة، وشهوة المال. الأخطاء التي أوحى بها الاستعمار، فتلقفتها آذان السياسيين من هذه الأمة، فانطلقت بها ألسنتهم وأقلامهم كلمة الصداقة والأخوة تزج بها بين هذه الدويلات المسلمة، القائمة على قطع من الوطن الإسلامي، فيقف الخطيب منهم أو السياسي وهو يحسب أنه أوتي فصاحة سحبان حين يقول: الدول الشقيقة والدول الصديقة وهو يقصد بالدول الشقيقة: الدول التي تحكمها هيئة عربية، أما الدول الصديقة فقد يكون من بينها أعدى أعداء الأمة، وكم أتألم وأنا أسمع خطبا من أولئك الذين يقدر فيهم فهم القضية الإسلامية فهما صحيحا، (1/140)
صفحة 141
الإباضية في موكب التاريخ
139
الإباضية في ليبيا (1)
حينما تجوز عليهم هذه الخدعة الاستعمارية، فتجدهم وهم يتكلمون عن الجزائر (1)، أو عن فلسطين، أو عن الكويت، أو موريتانيا، فيعبرون عنها بهذه الكلمة التي لقنها الاستعمار لأتباعه - الدول الشقيقة - حتّى يقرر في أذهان الناس أن كل دولة من هذه الدول حقيقة قائمة بنفسها، قد يربطها بالدولة الأخرى علاقة القرابة أو الصداقة، أو المصلحة، ولكنها مع ذلك شيئان منفصلان، وتقطيع الأمة المسلمة إلى أشلاء متناثرة هي أعظم غاية يسعى إليها الأعداء بكل ما أوتوا من فكر ومكر. إن الكتاب الكريم، يقرر أن الأمة الإسلامية أمة واحدة في إندونيسيا وتركيا وإيران والباكستان والجزيرة العربية ومصر والمغرب الأقصى وما بينها، فقال: إن هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (2)، أَمَّا
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (3) فالمراد به والله أعلم - أن الأخوة هي العلاقة التي تربط بين أولئك الذين اتصفو بالإيمان في جميع مراحل التاريخ، إن المؤمنين في هذا العصر إخوان للمؤمنين الذين سبق بهم الزمن، والذين سيأتون مع الزمن المقبل يقولون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا).
ولعل حديث رسول الله لا يوضح هذا المعنى أتم توضيح، قال رسول الله: «وَدِدتُ أَننِي أَرَى إِخْوَانِي .. فَقَالَ بَعضُ أَصحَابِهِ الله: أَوَ لَسنَا بِإخوَانِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ ال: أَنتُم أَصحَابِي، وَإِنَّمَا إِخْوَانِي قَومٌ يَأْتُونَ مِن بَعدِي، يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَونِي» (5) أَمَّا قوله: تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِمْ كَالْجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَى» (1) فهو نص في هذا المعنى، ولا يوجد أي دليل على معناه على الأفراد دون الدول.
(1) كتب هذا الفصل قبل أن تتحرر، الجزائر، لكن طبع الكتاب تأخر لأسباب خارجة عن إرادة المؤلف. (2) سورة الأنبياء 92 وسورة المؤمنون: 52.
(3) سورة الحجرات: 10.
(4) سورة الحشر: 10.
ه) رواه الربيع، عن أبي هريرة، باب في الأمة أمة مُحَمَّد، (43. (المراجع)
(6) رواه مسلم عن النعمان بن بشير باب تراحم المومنين وتعاطفهم، (2586. (المراجع) (1/141)
صفحة 142
الإباضية في موكب التاريخ
140
الإباضية في ليبيا (1)
سم
إن المؤمنين الموجودين في عصر من العصور قوة مندفعة لأداء الرسالة التي أناطها الله علاقة الأخ بأخيه يحسن إليه ويهاديه وكُلُّ منهم مقيم في متزله؛ ولكن وليست العلاقة بينهم العلاقة التي تربط جماعة تشترك في القيام بواجب، يسأل عنه كُل فرد منهم،
العلاقة بينهم هي
ولذلك فليس من الْحَقِّ أن تعتبر قضية الجزائر للجزائر، وقضية فلسطين لفلسطين، وقضية إندونيسيا لإندونيسيا، وقضية ليبيا لليبيا، مثلا إن هذه القضايا وغيرها من القضايا
هي
قضية
الأمة المسلمة، الأمَّة الواحدة التي تمتد من الشرق الأقصى إلى المغرب الأقصى. وهذه الجهود الضعيفة التي تقوم بها هذه الدول لتساعد إحدى قضايا الأمة في جانب آخر، أو دولة أخرى في صورة مبالغ من المال تجمع من تبرعات الأفراد، أو في خطب رنانة تلقى في مجتمعات حافلة، أو كلمة حماسية على منبر هيئة الأمم، إن هذه الجهود الضعيفة ليست هي ما يطلب من هذه الدولة، أو من هذا القسم من أقسام الأمة. إن هذا التصرف يَدُلُّ عَلَى أن هذه الدولة التي تقدم مساعداتها على هذا النحو مقتنعة بأن الجزائر، أو فلسطين أو غيرها حقا شقيقة لها من الحقوق ما للأشقاء، مواساة في المصيبة، ومشاركة في الفرح، وصدقة عند الحاجة وما أشبه ذلك، ويظهر أن الناس مقتنعون بأن هناك فرقا بين الواجب على أبناء فلسطين في مدافعة إسرائيل وبين غيرهم، وهذا الاقتناع خطأ كبير في حقيقة الأمَّة المسلمة، إن ما كان يجب عَلَى سكان الجزائر في محاربة فرنسا هو الواجب على بقية البلاد الإسلامية والدول الإسلامية، لو أنها آمنت برسالة الله وعملت بها، وما يجب اليوم على الفلسطيني في مدافعة إسرائيل، واستخلاص الحقوق منها، هو ما يجب على كل مسلم في كل قطر من أقطار الإسلام .. وإنه لحق عَلَى الدول المسلمة أن تعرف هذا الواجب، وأن تعمل له، وأن تنظم سير الأمة لتحقيقه .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين ضرب مثلا للمؤمنين بالجسد الواحد لم يقل ذلك عبثا، وَإِنَّمَا أراد أن يقرر أن المؤمنين في كُلِّ عصر من العصور حقيقة واحدة، في آمالهم وآلامهم وأعمالهم، وأنه لا يحق لأي واحد منهم أن يعت منفصلا عن الباقي وأنه يقدم له مساعدات. إن ما قدمته الدول العربية والإسلامية للجزائر وفلسطين وهي تحسب أنها تقدم إليها مساعدات إنما كانت تقوم بواجبها، ولكنَّهُ قيام هزيل لَمْ تبرهن فيه أية دولة من هذه الدول
نفسه (1/142)
صفحة 143
الإباضية في موكب التاريخ
141
الإباضية في ليبيا (1)
أو قسم من أقسام الأمَّة أَنهَا فهمت حقيقة، واجبها وأدركت أنها تتساوى في هذا الوا مع من تساعده وتقدم إليه الإعانة .. وما أسخف الإعانة حين تكون عبارة عن كلمة ينثرها لسان أو مال تجمعه يدان من عواطف الناس.
يظهر أنى أطلت في هذا الفصل وساقني الحديث إلى جوانب لَمْ أكن قدرتها في نفسي
ولذلك فها أنا أعود إلى تقديم هذه العصور من تاريخ الأمة في جزء من الوطن الإسلامي. هذه الصور التي أعرضها عليك في هذا الكتاب الصغير، هي بعض الجوانب من تاريخ الأمة، وهي صور من تاريخ الأمة الحقيقي؛ لأنها أعمال لأفراد من الأمة لم ينحرفوا عن سبيل الله إلى سبيل الشيطان ولَمْ تسقهم شهوة عارمة، أو تغرهم ثروة غالية .. ومن هذه الصور وأشباهها يتكون التاريخ الحقيقي للأمة المسلمة.
إن تاريخ الأمة الإسلامية يتضح في: هذه القوى المسخرة لنشر العلم وإصلاح المجتمع، وإنارة الطريق أمام السالكين
العقيدة والضمير ..
بوح
وفي هذه الجهود المبذولة لبناء مجتمع مسلم عَلَى أسس سليمة، وضعها الدين الحنيف
لإسعاد البشرية ..
وفي هذه الأعمال المتواضعة للحياة الحرة الكريمة، البعيدة عن الارتزاق، والمتاجرة بمصالح
الناس ...
وفي هذه الثورات المتتابعة عَلَى الظلم والطغيان في مختلف صوره وأشكاله.
وفي هذا الرباط المتين الذي يربط جميع المؤمنين بالحب، ويقودهم بالإيمان الخالص إلى العبودية لله وحده، وإقامة الحرية والعدل والمساواة عَلَى النظام الذي أقامته الشريعة السماوية للإنسان ...
في هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يقوم به المؤمنون الأمناء لنشر الفضيلة والقضاء على الرذيلة في مجتمع نظيف ...
في هذه الدعوة الحارة إلى الإيمان بالله التي يراها المؤمنون أوجب واجب عليهم، فلا ينفكون عنها أينما كانوا ... (1/143)
صفحة 144
الإباضية في موكب التاريخ
142
الإباضية في ليبيا (1)
في هذا الانبعاث الفردي الذي يرمى إلى أداء الرسالة، هذه الرسالة التي يحس كُلّ مؤمن
صادق الإيمان أنه مسؤول بين يدي الله عن أدائها ...
في هذا الكفاح المتواصل إلى الارتفاع بالبشرية عن الأوضار والدنس والمادية الجافة ... هذه الصور وأشباهها، مما يقوم به الأفراد أو الجماعات أو الطوائف، هي حقيقة التاريخ
الإسلامي.
أما تلك المواكب الفخمة، وتلك القصور الشاهقة، وتلك الجواري الحسان، وتلك الأموال المكدسة، وأولئك الجنود المتهيئون للقتل والتخريب في أية لحظة هذه الصور وأشباهها، وهذه الدماء المسفوكة والحرم المنهوكة، والرؤوس المقطوعة، والأموال المنهوبة، والمتع المتاحة لأفراد معينين، هذه الصور وأشباهها ليست من تاريخ الأمة .. إنَّهَا صور من تاريخ فرد، أو أفراد، يشتركون مع ذلك الفرد فيها إما لأنهم وسيلة الوصول أو لأنهم آلة الوصول، وسواء كانوا وسيلة أو آلة فهم لا يكونون جانبا. الأمة. من وإن أملنا في الله
قوي أن يفتح باب الهداية لأمة مُحمَّد فيعتبرون بماضيهم وحاضرهم، فيوحدون صفهم، ويجمعون كلمتهم، وينظفون قلوبهم من غير الله، ويطهرون عقائدهم من
آثار الفلسفة البشرية، ويصرفون عن أفكارهم بحاراة أعداء الله في الفسوق عن أمر الله ... كان أبو مسور يصليتَن النفوسي يتحدث مع بنته الطالبة الذكية، بعد أن غسلت له ثيابه ونشرتها في الشمس لتجف قال أبو مسور: أتمنى أن ينقي الله قلبي مثل هذه الثياب. فقالت البنت الذكية المتعلمة المؤمنة؛ وددت أن الله جعل تطهير قلبي بيدي حتى أنقيه وأرسله إليه. فقال الشيخ: إنك أبلغ مني حتى في الأمان والمسلمون ما لم يطهروا قلوبهم من غير الله، وما لم ينوا أعمالهم على الأسس السليمة التي أوضحها دين الله، فإن سيرهم سيبقى متعرجا، وأمامهم بعيدا، واتجاهاتهم متفرقة متباينة ...
ف (1/144)
صفحة 145
الإباضية في موكب التاريخ
143
الإباضية في ليبيا (1)
دخول المذهب الإباضي إلى ليبيا
إن سريان الأفكار والآراء والعقائد من بلد إلى بلد أو من قطر إلى قطر، لا يمكن أن يؤرخ
بالتحديد الزمني. فهي تتسرب تسربا تدريجيا، قد يبطئ وقد يسرع، من فرد إلى فرد،
تتغلب وتنتشر، وعلى هذه الطريقة نفسها دخل الْمَذهَب الإباضي إلى ليبيا. بدأ الْمَذهَب الإباضي يحرر آراءه وعقائده في أواخر النصف الأول من القرن الأول الهجري، وَلَمْ يتم النصف الثاني من هذا القرن حَتَّى كانت الأصول التي تميزه عن غيره من الفرق والمذاهب قد تقررت. ففي البصرة التي كانت من مراكز الإشعاع الإسلامي، عاش إمام الْمَذهَب، التابعي الكبير، جابر بن زيد ما بين سنتي 22، 96 هـ.
ومن هذا المركز الإشعاعي ومن البؤرة التي كان يستضيء بها هذا الإمام. امتد النور إلى مختلف البلاد الإسلامية بصورة تدريجية بطيئة، على طريقة العقائد التي تحارب الباطل بالحجة لا بالقوة، وتتسلح بالحق لا بالسيف، ويعتنقها الناس بالاقتناع لا بالخوف.
ولعل التسامح في معاملة المعتدين من المسلمين والبساطة في مظهر السلطة والحكم، والوضوح في الرأي والعقيدة والصراحة في قول الحق والعمل به، والاستمساك بالواضح من الله، كانت من الأسباب التي ساعدت على انتشار الْمَذهَب الإباضي في أكثر البلاد
دين
الإسلامية.
وفي ذلك الحين، الذي كان فيه المعتزلة يشغلون أوقات الناس بالجدل، وكان الأزارقة ومن ذهب مذهبهم ينطلقون في الأوساط الإسلامية المسالمة، يبتزون الأموال، ويقتلون الرجال، ويستحلون سبي النساء والأطفال، وكان الشيعة عاكفين على وضع الأحاديث في فضائل بني هاشم، وتحبير الخطب البليغة على لسان علي بن أبي طالب والتغني بعصمة أهل البيت، وكان أهل السنة والجماعة (1) من أتباع معاوية منهمكين في مكافحة ثورات الخوارج وابن
1) جعل معاوية سب علي بن أبي طالب على المنابر سنة، وسمى أتباعه أهل السنة، ولَمَّا تنازل الحسن عن الخلافة زاد لفظ الجماعة فسماهم أهل السنة والجماعة. (1/145)
صفحة 146
الإباضية في موكب التاريخ
144
الإباضية في ليبيا (1)
الزبير وغيرها، وفي التقاط العيوب، وتلفيق الأكاذيب، لتكون مادة السب واللعن لعلي بن أبي
طالب، في خطب الجمعة.
في هذه الأحوال كان الإباضية ومن جرى هذا المجرى من التابعين وتابع التابعين يدعون إلى الله في هدوء واتزان، لا يصخبون صخب المعتزلة حبًا في الظهور ولا يحاربون حرب دين الأزارقة بالخطأ في تأويل كتاب الله، ولا يفرطون إفراط الشيعة استغلالا للعاطفة الدينية، ولا يكذبون كذب بني أمية ليقيموا الدولة، ويحفظوا الملك. وبهذه الروح المؤمنة التي تضع كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بين عينيها، تدعو إليهما متجردة عن عواطف الحب والبغض في غير الله. عازفة عن زخرف الدنيا وبهرجها، متأكدة من معنى آيات كتاب الله في التفريق بين المسلمين والمشركين، معرضة عن حب الظهور الذي يسعى إليه المعتزلة جاهدين كان الإباضية يعملون.
وذهبت هذه الدعوة المعتدلة التي لا تحيد عن منهج الإسلام في البلاد دون جيش أو سيف أو مال، فانتشرت في العراق والجزيرة العربية، ثُمَّ امتدت إلى مصر، ومن مصر دخلت بهدوء إلى ليبيا وما بعد ليبيا من المغرب الإسلامي الكبير.
ولكن اتصال هذه البلاد من الوطن الإسلامي مصدر الإشعاع في البصرة، كان بعد ذلك
الثاني
يتم رأسًا بين كل قطر من هذه الأقطار والبصرة، وَلَمْ تمض عشرون سنة من القرن الثـ الهجري حَتَّى كان الْمَذهَب الإباضي منتشرا في ليبيا وتونس والجزائر، كما انتشر في العراق
والجزيرة العربية وعُمان. (1/146)
صفحة 147
الإباضية في موكب التاريخ
145
الإباضية في ليبيا (1)
سلمة بن سعد
رجل امتلأ قلبه إيمانا بالله ووعى عقله القوي ما دعا إليه الكتاب الكريم، واتسع فهمه الذكي لما دعا إليه رسول الله، فأستحوذ على نفسه وحه وجوارحه الله، فانطلق يدعو إلى الله، لا يقيم للدنيا وما فيها وزنا، ولا يحسب للناس وأعمالهم حسابا، ولا يخشى للتعب والمشقة عاقبة. ولا ينظر إلى المعارضة إلا على أنها عوارض تعترض طريق المؤمن فيجب عليه أن يتخطاها.
اليقين بدين
قلبه عامر بالله وحده، فلا يتردد لأي أثر من مخلوق وجسده بما في فيه من قوى
مادية وروحية مسخر للدعوة إلى الله، لا يفتر ولا يلين ولا يتوقف.
انطلق من جزيرة العربية إلى إفريقيا وحيدا منفردًا، يقتحم المجاهل ويدخل القفار ويغشى المجتمعات التي لا تعرف له جنساً ولا لغة وليس له من سلاح في كل ذلك إلا ذلك الإيمان الذي عمر به قلبه، وتلك المعرفة الشاملة لكتاب الله وسنة رسول الله وسيرة السلف الصالحين من الصحابة والتابعين ولم يمض عليه عشر سنوات حتى كانت دعوته تنتشر ما بين تلمسان وسرت وحتى كان الْمَذهَب الإباضي مذهبا لأغلب السكان في ليبيا وتونس والجزائر. كان يقول في مبدأ أمره وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن
تضرب عنقي. وقد تحقق أمله في الله في مدة لم يكن يتصورها وأصابه من التوفيق ما يضفيه الله خلقه، الذين تعدهم الأقدار لتبليغ رسالة الله بعد الأن د الأنبياء عليهم
على الأخيار من السلام فينطلقون بالدعوة صافية كما كانت في عهد النبوة خالصة من الشـ
والبدع والخرافة.
ائب
كان سلمة بن سعد ينتقل بين بلدان شمال أفريقيا من جهة إلى جهة لا يعتمد على جيش ولا حرس ولا رفيق وَلَمْ يصحبه في تلك الرحلات الطويلة من الجزيرة إلى العراق، من العراق إلى أفريقيا، إلا إيمانه بصحة العقيدة وصفاء الفكرة، وسلامة (1/147)
صفحة 148
الإباضية في موكب التاريخ
127
الإباضية في ليبيا (1)
الدعوة، ومعرفة واسعة للإسلام وأسراره، وكانت هذه المميزات هي التي فتحت القلوب والعقول لدعوته وتقبلتها بقبول حسن.
وقد استطاع أن يوصل الدعوة إلى الأماكن التي لم تصل إليها، وأن يوجه أفهام الناس إلى تفهمها، وأن يوحد بينهم في الاتجاه العملي، حتّى استطاع أن يكون منهم بعثة علمية توجهت إلى البصرة مركز الإشعاع في ذلك الحين.
وقد استطاع أن يجعل أعضاء هذه البعثة العلمية من أماكن متفرقة، بعيدة عن بعضها، حتّى يكون كل واحد منهم نبراسا يهتدي به في جهة من الجهات، وحتى
في
يعملوا جميعًا عَلَى توحيد جهود الأمة، وتوجيهها إلى الخير العام. ونجح سلمة إرسال هذه البعثة، ونجحت هذه البعثة التي أطلق عليها "حملة العلم إلى المغرب" في دعوتها والقيام برسالتها، وكان من أعمالها ما سوف تقرأ بعضه في حلقات هذا
الكتاب.
لقد كان سلمة بن سعد بطلا من أبطال الإسلام، وداعية من دعاة الحق والكرامة، يتصف بجميع الصفات التي تلزم الداعية من معرفة كتاب الله وأسراره، واستقامة على دين الله، ومنهاجه، وتخلق بآداب الإسلام وفضائله، ووضوح في المنطق، وسلامة في التعبير، وقوة في الحجة. كان مؤمنا من أخلص المؤمنين لدين الله،
فجزاه الله
عن جهاده وكفاحه خير الجزاء. (1/148)
صفحة 149
الإباضية في موكب التاريخ
147
الإباضية في ليبيا (1)
ابن مغطيرِ الْجَنَّاوني
كان سكان ليبيا قبل الفتح الإسلامي، إما وثنيين يعبدون الأصنام، وإما نصارى يتبعون المسيحية المحرفة، فلما بلغت الدعوة الإسلامية ليبيا في بساطتها ووضوحها وصراحتها، وهدايتها بالحق وإلى الحق وتقريرها لعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بخالق الإنسان على مبدأ تساوي بني آدم في حقوق البشرية والعبودية لله وحده. اعتنقها الناس لهذه الأسباب، حينما قارنوا الحق الواضح فيها بالأباطيل التي كانوا يتبعونها، ولما كان حاملو الدعوة جيوشا مهمتها الفتح، والجيوش الفاتحة لا تجد الوقت الكافي لنشر الثقافة الإسلامية الواسعة، لذلك فقد تكونت حركة البعوث العلمية إلى المشرق.
لقد جاء سلمة بن سعد في أوائل القرن الثاني، يدعو الناس إلى التمسك بدين الله، وعا الانصياع لعبدة الأهواء، وطلاب الدنيا، والانخداع لأصحاب البدع، تلك البدع التي ضل بها ناس عن صراط الله السوي، وأضلوا بها .. وفي هذا الوقت الذي كان فيه هذا المؤمن الداعية يكافح من اجل المحافظة على صفاء دين الله وسلامته من الأهواء والانحرافات والبدع، في هذا الوقت كان بطل آخر من أولئك الأبطال الذين يملكون إرادة أقوى من الزمن، وعزما أشد من مصائب الحياة. كان هذا البطل قد قطع المسافة العلوية بين جبل نفوسة والبصرة في العراق، ليغترف العلم من منبعه الصافي: أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وزملائه في البصرة. في ذلك المعمل الذي أسس في ظاهره لإنتاج القفاف، وفي الحقيقة لإنتاج الدعاة من الله المخلصين. فأنتج رجالا كانوا مثلا أعلى للأسرة المسلمة، في صحة العقيدة والتمسك بالدين والفهم الحق لرسالة الإسلام، والتخلق بأخلاق سيد المرسلين، ومن اهتدى بهديه من المؤمنين المتقين.
حملة دين
هذا البطل الذي أتحدث عنه: هو العلامة محمد بن عبد الحميد بن مغطير الجناوني
يكافح لتكوين بعثة علمية من أنجب الطلاب، كان ابن بن
فعندما كان الداعية سلمة سعد
معطير يغترف العلم من منهله العذب.
ورجع إلى وطنه قبل أن تسافر البعثة العلمية التي كونها سلمة بن سعد، والتي كان لها شأن
هام في ليبيا. شأن في نواحي الحياة المختلفة ناحية السياسة وناحية الدين، وناحية المجتمع. (1/149)
صفحة 150
الإباضية في موكب التاريخ
148
الإباضية في ليبيا (1)
بقي ابن مغطير في التدريس والفتوى، حَتَّى تخرجت البعثة العلمية في البصرة، ورجعت إلى المغرب الإسلامي باسم حملة العلم إلى المغرب" فامسك ذلك العلامة البطل عن الفتوى،
معتذرا بأن حملة العلم أولى بالفتوى؛ لأنهم أخذوا عن الإمام بعد أن حرر جميع الأقوال. إن ابن مغطير هو أول ليبي فكر في تكوين البعثات العلمية، ونفذ الفكرة في نفسه وتبعه الآخرون. والوطن الليبي بل المغربي مدين لهذا الجندي المجهول الذي يقطع هذه المسافات الطوال من ليبيا إلى العراق في ذلك الزمن الذي يعسر فيه الانتقال منفردًا وحيدا، يحمل مشعل العلم والنور إلى وطنه، حتَّى يستنير به أبناء هذا القسم من الأمة العظيمة في هذا الطرف من المملكة الشاسعة التي لم تتح لها ظروف الفتح أولا، والثورات الحمقاء المجنونة ثانيا - لم تتح لها هذه الظروف غير
المستقرة أن تهتم بقضية العلم والتعليم، التي هي أهم رسالة يدعو إليها الإسلام ويطالب بها بنيه. ومع هذا المجهود الجبار الذي يبذله هذا البطل لخدمة الأمة وإعلاء كلمة الله، يمر عليه التاريخ فلا يشير إليه إلا إشارات عابرة كما يشير إلى أي شخص عادي. ومع ذلك فالرجل راض عن هذا الموقف من التاريخ، ونحن أيضا راضون له بهذا الموقف من التاريخ؛ لأنه عندما كان يقدم على ألوان الكفاح، واقتحام العقبات والصعاب لم يجعل في عمله حسابا للتاريخ، أو لرأي الناس فيه، أو لمدح
المحبين، ونقد المبغضين. لقد كان عمله خالصا لله، وقد علمه الله، وعنده وحده يكون الجزاء.
ومهما يكن، فقد فتح الطريق للبعثات واستجاب لأمر الله، حين أوجب عَلَى طائفة المسلمين أن يتفقهوا في الدين، لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، وربط الصلة بين مشرق الأمة ومغربها، ودعا إلى تطبيق أحكام الله، وتنفيذ أوامره، حسبما كان معروفا في زمنه وفي زمن الخلفاء الراشدين، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقافا عند حدود الله، لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولكن عندما يجترئ مجترئ عَلَى الحق يقف له موقف المؤمن الغيور الذي لا تأخذه في الله لومة لائم.
وقد بارك الله في عمره، فامتدت به الحياة إلى أن جاء الإمام عبد الوهاب إلى جبل نفوسه، فكان يحضر مجلسه على كبر سنه. ولعل في الحادثة الآتية مثلا رائعا لمن أراد أن يقتدي بأعلام الإسلام وأدبهم في إقامة الحق واتباع دين الله: ارتفع رجلان في خصومة إلى الإمام عبد الوهاب، (1/150)
صفحة 151
الإباضية في موكب التاريخ
149
الإباضية في ليبيا (1)
فاستردد الإمام المدعى عليه الجواب، ولكن الرجل اعتز بالإثم وَلَمْ يجب الإمام، فسأل الإمام عن ابن مغطير، فأجيب بأنه غير موجود، فقال للخصمين قوما إلى غد، ورجع إليه الخصمان في اليوم الثاني والثالث، فكان موقفهما منه مثل موقفهما في اليوم الأول. وفي اليوم الرابع عندما تخاصما من جديد وطلب الإمام إلى المدعى عليه أن يجب فلم يجب، سأل الإمام عن ابن مغطير، وكان بناحية من المسجد، فما أتم الإمام سؤاله حتّى وثب ابن مغطير - وكان شيخا طاعنا في السن - على الممتنع، فوطئه بركبته، ولَمْ يتركه حتَّى استغاث بالإمام وأذعن للحق. وفي القصة مثل رائع عن خلق هؤلاء الأئمة وأدبهم هؤلاء الأئمة الذين لا يرتفعون عن الأمة ولا يحتجبون عن أفراد الشعب، ولا يتخذون قصورًا دونها حرس وحجاب، وَإِنَّمَا كانوا يجلسون في المساجد كما يجلس أي مسلم وهم يتولون شؤونها، وينظمون أمورها، ويفصلون مشاكلها بروح الإسلام الذي يفصل بين الناس بالعدل لا بالقوة، وبالحق لا بالغطرسة، وبالبساطة لا بالتبجح والدعوى.
وفي القصة مثل آخر رائع ضربه ابن مغطير هذا الشيخ الهرم، الذي حضر دروس أبي عبيدة قبل أن يحضرها أبو هذا الإمام، وامتدت به الحياة حتى رأى هذا التجني على الحق والاستكبار عن أمر الله وإساءة الأدب أمام أمير المؤمنين فأراد أن يعلم الحاضرين في المسجد أن القوي أمام الحق ضعيف وأن الضعيف إذا كان في جانب الحق قوي. بل أراد أن يعلم أولئك الحاضرين أن الحقوق لا تعطل لاستكبار المستكبرين واعتزاز الآثمين بالإثم، فإذا خطر لأحدهم أن يقف هذا الموقف، وجب على أولئك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أن يتناولوه بالشدة وأن يعلموه بالأدب.
أما العبرة الثالثة التي تستخلص من هذه القصة، فهي هذا الاحترام العظيم الذي يسبغه الإمام العظيم على العالم العظيم. إن عبد الوهاب لم يتوقف عن تأديب هذا الشخص خوفا منه، ولا جهلا بأحكام الله، ولا تساهلا في دين الله، ولكنه أدب طبع عليه، وتقدير لهذا العلامة الذي يجب يستشعر كل مسلم في ذلك الحين عظمته وطموحه ومحبته لدين الله، وكفاحه من أجل العلم. إن ابن مغطير، هذا الرجل الذي جاب الآفاق طلبا للعلم، وعاش للتدريس والفتوى، تم
أن
حمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لمثل حي يجب أن يقتدي به المؤمنون ... (1/151)
صفحة 152
الإباضية في موكب التاريخ
10.
الإباضية في ليبيا (1)
كفاح الإباضية ضد الطغيان
كانت جيوش الفتح الإسلامي تحمل رسالة الله منطلقة بها في البلاد، تدعو إلى الإسلام، الإسلام المجرد الذي دعا إليه محمد، نظيفا من الظلم، نظيفا من الطغيان، نظيفا من الجهل، نظيفا من العنصرية، نظيفا من البدعة، فكانت الشعوب تستبق إليه، وتدين به مؤمنة مخلصة.
فلما انتهي عهد الخلفاء الراشدين بما يحمل من هدى وعدل وحق، وخلفه ملك عضوض، يتنازع عليه أهل البيت الواحد قبل أن ينازعهم فيه البعداء عنهم، ويجده من حصل عليه منهم فرصة سانحة للاستغلال الاستغلال في أبشع صوره ومظاهره، وأصبحت النفس المسلمة التي حرم الله قتلها، أهون عندهم من نفس ذبابة، وانحرف أولئك الذين يحملون أمانة الدولة عن الطريق التي رسمها لهم كتاب الله، وهدي محمد ال، وسيرة أصحابه الأخيار، رضوان الله عليهم. لما انحرف من بأيديهم مقاليد الدولة عن سبيل الله القويم، إلى سبل مهدها الشيطان للنفس والهوى ثار الناس وكان حقا عَلَى المؤمنين أن يثوروا لهذا التبدل،
وأن يعترضوا هذا الانحراف من حملة رسالة الله، وأن يقفوا ضد الطغيان والظلـ والظلم
والعدوان.
ولقد اتخذت هذه الثورة عَلَى الانحراف عن دين الله مظهرين في الكفاح: أولها: كفاح الباطل الزاحف في ركاب الأمراء والعمال وأتباعهم.
وثانيهما: كفاح الباطل الزاحف في ركاب المبتدعين من أدعياء العلـ
والإيمان. ويتضح الأول في الثورات الدموية - ضد الظلـ
-
- التي انتشرت في جَمِيع
الجهات للإطاحة بأجهزة الحكم الفاسدة، والتي لا تزال إلى اليوم تقف هذا الموقف، تسنح لها الفرصة فتمتشق الحسام. ويضيق عليها الخناق فتكتفي بالنقد. (1/152)
صفحة 153
الإباضية في موكب التاريخ
151
الإباضية في ليبيا (1)
ويتضح الثاني في مواقف العلماء المخلصين من البدع والأهواء، وفي تشوق الأمة إلى معرفة الحقائق العلمية من مصادرها الموثوق بها، ولذلك تلجأ إلى إرسال البعثات رغم ما تتكبده في ذلك من مشاق وأتعاب.
ولقد وقف الإباضية في ليبيا كما يقف جميع المسلمين المخلصين إلى جانب دين الله، يدافعون عن الحق بما أوتوا من سلاح وعلم وفي الفصول المقبلة سوف نعرض صورا من كفاح الإباضية ضد الطغيان، وصورا أخرى من كفاحهم ضد الجهل والبدعة والخرافة والانحراف عن سبيل الله.
بدأ كفاح الإباضيه ضد الطغيان في سلسلة ثورات قاموا بها في ليبيا. وكانت الشرارة الأولى التي أوقدت هذه الثورة، ثورة الإباضيَّة عَلَى عدوان عمال بني العباس ما ستقرؤه في الفصل الآتي. (1/153)
صفحة 154
الإباضية في موكب التاريخ
152
الإباضية في ليبيا (1)
ثورة الإباضية على إلياس بن حبيب
يقول الأستاذ الطاهر الزاوي في كتابه "تاريخ الفتح العربي في ليبيا": "عين عبد الرحمن أخاه إلياس عاملا عَلَى طرابلس، وما زالت العرب إذ ذاك يخافون ثورة البربر وتدبير مكائدهم، وكان رئيسهم في طرابلس عبد الله بن مسعود التجيبي رئيس الإباضية، فقبض عليه الياس وضرب عنقه".
وهكذا يناقش الأستاذ الزاوي هذه القضية على أنها قضية عرب وبربر لا دخل للإسلام فيها، وما دام القاتل عربيا والمقتول بربريا فالقضية لا تستحق الاهتمام. وزعم الأستاذ الزاوي أن عبد الرحمن أراد أن يسترضى الإباضية فأقال أخاه الياس، ولكن هذا العمل لم يرض الإباضية، فقال الزاوي في نفس الكتاب وفي نفس الصفحة: "وما زال الإباضية في غضبهم حَتَّى نزعوا إلى الفتنة " انتهي كلام الأستاذ الزاوي. إنني أريد أن أناقش هذه القضية بروح غير الروح التي يناقشها بها الأستاذ الزاوي، أريد أن أناقشها بروح المسلم الذي يستوي عنده العربي والبربري، والأمير والفلاح «الْمُسلَمُونَ تَتَكَافَأُ دمَاؤُهُم» (1) وأن أعرض هذه القضية على دين الله. إن عاملا في دولة إسلامية خاف من فرقة أو قبيلة أن تثور عَلَى ظلمه، وترد عليه عدوانه، فدعا إليه رئيس هذه الفرقة أو القبيلة، وقتله دون أن يرتكب هذا الشخص ما يحل به دم امرئ مسلم، وليس له من جريمة إلا أن العامل الظالم كان يخشى عواقب
وطغيانه.
هل نجد مسلما
ظلمه
صحيح الدين، سليم العقيدة يحل دماء المسلمين لوساوس الأمراء
ومخاوف الظالمين. فيفتي بجواز هذا القتل.
أي شرع؟ أو أي عقل يحل دم مثل هذا الرجل البريء؟ ثُمَّ لماذا لا نعتبر هذا الاستخفاف
بدماء المسلمين وإراقتها دون موجب بحثا عن فتنة، وإثارة لثورة، وتدبيرا للمكائد؟.
1) أخرجه الربيع في صحيحه عن ابن عباس رقم 664. وابن الجارود عن عمرو بن شعيب، ر 771. والحاكم في المستدرك، (2623. (المراجع) (1/154)
صفحة 155
الإباضية في موكب التاريخ
153
الإباضية في ليبيا (1)
إن الإسلام قد حرم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولَم يبح منها شيئًا لوساوس الحكام وتخيلات العمال وأوهام الأمراء، ومكائد الحواشي ...
إن رجلا يتولى أمر جماعة من المسلمين فيبلغ به الهوس إلى هذا الحد حقيق أن تثور عليه الأمة، وتقتص منه للحق والعدالة، وقد ثارت الأمة واقتصت ...
ثارت بالطريقة التي يدعو إليها الإسلام وفي الحدود التي جعلها المشرع
واقتضت بالطريقة التي يدعو إليها الدين والعقل والإنسانية في أسمى معانيها. ولا أريد في هذه القضية أن أرجع إلى مصادر الإباضية في التاريخ، ولكنني أعتمد أيضا على الأستاذ الزاوي في كتابه "تاريخ الفتح العربي في ليبيا " فاستمع إليه يقص علينا قصة
هذا الثأر " وما زال الإِباضية في غضبهم حَتَّى نزعوا إلى الفتنة، وتقدم إلى قيادتهم أحد رؤسائهم وهو عبد الجبار بن قيس المرادي (1)، فالتفوا حوله، وأعلنوا الثورة على العكي، فخرج لمحاربتهم، وأناب عنه في القيام بشؤون المدينة "بكر بن عيسى" فحاصروا العكي في بعض الأمان فأمنوه، وأخذوا من أصحابه نصير بن راشد مولى الأنصار
القرى، فطلب منهم
فقتلوه في عبدا لله بن مسعود التجيبي". لست أدرى لماذا يريد الأستاذ الزاوي أن يرمي الإباضية بطلب الفتنة، وهو نفسه يقرر أن الإباضية لم يقوموا ضد هؤلاء العمال الظالمين بشيء، حَتَّى بدأ هذا العامل الموسوس
عدوانه عليهم فقتل رئيسهم دون جريرة، فثاروا ولما انتصروا لم يزيدوا عن قتل واحد، رجل برجل حسب أمر الله أما العامل العكي فقد أطلقوه في أمان بعد أن تم لهم
النصر.
إن هذا الموقف المشرف لم يقفه عامل واحد من عمال بني أمية أو بني العباس في حروبهم ضد أي طائفة من المسلمين، وفي حروبهم الطويلة مع الإباضيَّة، وَلَمْ يتجاوز أئمة الإباضية هذا الموقف المشرف في جميع حروبهم مع الموحدين.
1) بويع الحارث بن تليد وعين زميله وصديقه عبد الجبار قاضيا، خلافا لما ظنه الزاوي. (1/155)
صفحة 156
الإباضية في موكب التاريخ
108
مكائد، وقد
الإباضية في ليبيا (1) ومع أن الحق في هذه القضية واضح جلى، والأستاذ الزاوي نفسه يروى حقائق التاريخ كما وقعت، إلا أنه مع ذلك غير راض، فيزعم أن الإباضية يترعون إلى الفتنة، ويثير قضية العرب والبربر هذه القضية العنصرية البعيدة عن روح الإسلام ولكنه حرص أن يحييها ويتتبعها، ولا ينفك في كل فرصة عن رمى البربر بأنهم أصحاب فتنة، وتدبير قدمت في غير هذا الفصل من هذا الكتاب أن أحياء العنصرية قضية لا يدعو إليها مسلم، فقد حاربها رسول الله، ويكفي فيها قوله ال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتنَة» (1). وقد حارب رسول الله الله أقوام من العرب، وارتد أقوام بعد الإيمان، كما فعل ذلك أقوام من البربر وغيرهم من الأجناس، ولكن ما فعله أولئك الذين كتب لهم الشقاء، لا يحسب جريرة على أجناسهم أو عناصرهم والإباضية يحرصون كل الحرص أن يكون الرابط الذي يربط بين صفوفهم إنما هو التمسك بدين الله، كما جاء عن مُحمَّد، وَلَمْ يكن لديهم أي اعتبار لغير هذه الرابطة، وحسبك أن تعلم أن هذا الإمام الذي بايعوه في ثورتهم على الظلم، ليناهض عدوان المعتدين من عمال بني العباس الظالمين، إنما هو الحارث بن تليد الكندي العربي، فهل هذه الثورة فتنة من البربر؟ إن الإباضية لا يعرفون العنصرية، ولكن يعرفون أن أكرم المؤمنين عند الله أتقاهم، وأن أبغضهم إليه أظلمهم وأعصاهم يستوي في ذلك العرب والبربر والهنود الحمر والأحباش السود، كلكم لآدم وآدم خلق من تراب.
إن مرارة العدوان على أقدس شيء في شريعة الإسلام وهي النفس البشرية، هي التي جعلت الإباضية يثورون، وحق لهم أن يثوروا، وأن يقلبوا نظام الحكم على أولئك الظالمين، فإن حكم الله أحق أن يتبع، وهم عندما يثورون لا يطغون ولا يتجاوزون الحدود التي رسمها لهم حكم الله.
والأستاذ الزاوي على ذلك من الشاهدين، فإن قتل النفس بالنفس هو الحكم الذي نزل به الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولن تجد مهما فتشت في
(1) أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله (4622. ومسلم مثله، 2584. (المراجع) (1/156)
صفحة 157
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
من
مطاوي التاريخ، وعند غير الخلفاء الراشدين، هذه المواقف المشرفة التي يقفها الإباضية أعدائهم، حين ينهزم أولئك الأعداء؛ يخير أمير الجند وقائد المعركة بين البقاء أو الرحيل آمنًا موفوراً، وتسلم جَمِيع الأموال والأعراض لأصحابها، لا يمس منها دانق ولا درهم، وتحرم الدماء، فلا تحرق قطرة دم بعد إيقاف القتال فلا عقوبة ولا تتبع، ولا مثلة ولا حز
رؤوس.
قارن هذا الموقف المشرف الذي لن تجده بعد الخلفاء الراشدين إلا عند الإباضية، قارن هذا الموقف بمواقف أولئك الذين يحاربون الإباضية ويتهجمون عليهم، ويقتلون منهم الأبرياء بغير ذنب ويهتكون الحرمات ويستحلون الأموال ويحزون الرؤوس ليبعثوا بها إلى دمشق أو بغداد ... ومع ذلك فإن بعض المؤرخين الذين يعيشون في القرن العشرين، يحلوا لهم أن يقولوا: "ونزع الإِباضية إلى الفتنة".
أية فتنة هذه التي نزع إليها الإباضية أأن قتلوا القاتل نفسا بنفس فحسب وأطلقوا سراح بقية المعتدين لم يمسوا شيئا من دمائهم وأموالهم وأعراضهم وحرماتهم؟ لا يتبعون مدبرًا، ولا يجهزون على جريح، ولا يأخذون دائقًا من مال؟ ترى ما رأى هذا المؤرخ المعاصر لو أن الإباضية ارتكبوا ما يرتكبه فيهم محاربوهم، فلم يعفوا عن مال أو دم أو عرض أو حرمة؟
وما رأيه لو أن جميع الحروب التي وقعت في التاريخ الإسلامي كان الدافع إليها والسيرة فيها مثل دوافع الإباضية وسيرتهم في الدماء والأموال.
لقد كان الخوارج يستحلون دماء المسلمين وأموالهم بالتأويل الخاطئ، أما رجال الدول الظالمة وأجنادهم فقد كانوا يستبيحون جميع الحرم من دم ومال وعرض بالعمل. وكلا الموقفين بعيد عن الإسلام ومبادئ الإسلام ... (1/157)
صفحة 158
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
عمر و بن يمكنن)
مؤمن من المؤمنين المخلصين، وبطل من أبطال الكفاح .. كفاح النفس عن الشهوة، وكفاح الجهل بدين الله، وكفاح الظلم والعدوان في شتى مظاهره وألوانه. قال فيه أبو العباس، وحسبك بشهادته شهادة ساد" أهل زمانه علما وعملا، وسارع
إلى الخيرات قولا وفعلا، قال ابن سلام كان عالما من علماء المسلمين".
وهي شهادة من محقق، لا تقل عن سابقتها لو كان الرجل يحتاج إلى شهادات، ولكن هذا البطل وأمثاله من الأبطال في غنى عن شهادات الناس لدينهم ولدنياهم.
كانت أمنيته وهو شاب صغير لا يجد مدرسة يلتحق بها، أن يحفظ كتاب الله، وأن يعلمه للناس، ولما عسر عليه هذا المطلب، وعز عليه تحقيق الأمنية الغالية في قريته النائية في جبل نفوسة، سافر إلى مغمداس .. هذه الطريقة التي يَمُرّ بها أفواج المسلمين مشرقين أو مغربيين، فيأخذ معه لوحه منذ الصباح الباكر، يعترض السابلة، يتلقى منهم آيات من كتاب الله حَتَّى إذا امتلأ لوحه رجع إلى البيت ليستظهر ما كتب من آيات بينات، فإذا حفظها رجع إلى الطريق، ولم يمض عليه وقت طويل في هذا الكفاح حتَّى حفظ كتاب الله وكثيرا من سنة رسول، وحينئذ اطمأنت نفسه ورجع إلى "أفاطمان"، هذه القرية الحبيبة إلى نفسه، والتي لم يبق منها اليوم إلا آثار شاهدة بين الحرابة والرحيبات من جبل نفوسه. وفي هذه القرية فتح عمرو ابن يمكنن أوَّل مدرسة لتعليم كتاب الله، فكان الناس يقبلون عليه
في شغف ورغبة.
لقد أنجبت دَمْرًا بنت دَرْجو الحمدانية هذا البطل وهو أصغر أبنائها وحسبها ولدا. كافح مفردًا فحفظ كتاب الله من السابلة وافتتح أول مدرسة قرآنية، ما لبثت أن أصبحت مناراً يشع النور والعلم والإيمان في كامل جبل نفوسة، بل في كامل الجزء الجنوبي من ليبيا، وصارت " أفاطمان " منذ ذلك الحين مقراً لأهل العلم والفضل والدين.
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثالثة؛ فهو من علماء النصف الأول من القرن الثاني الهجري. كان عاملا للإمام أبي الخطاب على سرت ونواحيها. (1/158)
صفحة 159
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
أما عمرو بن يمكتن فلم يلبث أن أنتقل من أفاطمان، انتقل ليكافح كفاحا أعظم خطرًا وأهم شأنا في واجهة أخرى.
بايع الإباضية أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح أميرًا للمؤمنين على ليبيا وما جاورها، بايعوه عَلَى أن يقيم فيهم كتاب الله، ويحكم بينهم بحكم الله، سيرة الخلفاء ويسير الراشدين، وأن يرد عنهم عدوان المعتدين، وطغيان الطاغيين وسارع إليه المؤمنون الذين ملوا الجبروت والجور والظلم، وكان من أسرعهم إليه وأخلصهم لإعادة حكم الإسلام كما أنزله الله، عمرو بن، يمكتن وعرف الإمام دينه وخلقه وأمانته فوثق به، ومَنْ لا يثق بمثل هذا الرجل القوى الأمين؟ فجعله قائدًا عَلَى بعض الجند في حروبه الأولى، ثُمَّ عينه عاملا عَلَى سرت، ومن أولى بعمالة سرت من عمرو بن، يمكتن هذا الرجل الذي عرف مسالك البلاد وطبائع أهلها وهو طالب علم يقتبس الحكمة والهدى من حملة كتاب الله.
"سرت" هي طريق العباسيين للعدوان ونجدة المعتدين ولذلك كان أبو الخطاب يلتمس لها عاملا تتوفر فيه معرفة البلاد وطبائع أهلها، والقوة في دين الله والعلم بأحكام الله،
والشجاعة في مواطن الكفاح واليقظة والحذر والذكاء.
ووجد هذه الصفات في هذا البطل، فجرى به التعيين.
وذهب العالم الحافظ البطل إلى هذا الثغر ليحول دون غارات الأعداء، وليذيق سكان
تلك الجهات طعم السيرة المرضية، السيرة التي دعا إليها دين الله، وسار بها المؤمنون حقا. لقد اتخذ أبو الخطاب مركز الدولة في طرابلس وكانت أهم الثغور عنده هي سرت والقيروان، واختار الإمام أقوى رجلين عنده ليجعلهما في هذين الثغرين، فولى عمرو بن يمكتن الأفاطماني على سرت وولى صديقه وزميله في الدراسة عبد الرحمن بن رستم على
القيروان.
وهذا يَدُلُّ أن منزلة والي "سرت " في ذلك الحين لا تقل عن منزلة عبد الرحمن في نفس أبي الخطاب، ولعل مركز سرت في ذلك الحين وهي معبر الجند والقوات أهم من مركز القيروان وهي مقصد الخوارج والمعتزلة وموطن الثورات والشغب. (1/159)
صفحة 160
الإباضية في موكب التاريخ
158
الإباضية في ليبيا (1)
أخذ العامل الحازم يعمل بما يقتضيه هذا المنصب: ينشر العدل، ويوصل الحقوق ويقيم أحكام الله ويسير بين الناس سيرة المؤمن بين إخوانه المؤمنين، وكان مستعدا لمحاربة الجيوش
تلك
الغازية، لا يخشاها، وقلوب الناس معه وهم راضون عنه محبون له، ولم يكن يخشى من الجيوش إلا المباغتة حينما ينصرف الناس إلى أعمالهم وقد أمنوا العدو. ولذلك فقد كان لا
ينفك يسأل عن تحركات العدو ونواياه، ومن مأمنه يؤتى الحذر.
إن عمرو بن يمكن الذي يسير بسيرة أبي الخطاب لم يكن يتخذ جندًا مقيما تدفع ا الرواتب، وهو ينتظر الساعة التي يدعى فيها إلى الحرب كما يفعل بنو العباس، ولما كان يسير سيرة الخلفاء الراشدين، عندما يحزب الأمر ويقتضي الدفاع أو إعلان الحرب، يدعو الناس إلى التطوع فيتطوعون وهم يؤمنون بالفكرة، ويحاربون عن مبدأ، حاولت الجيوش العباسية أن تحارب أبا الخطاب علنا فلم تسطع، وانهزمت هزائم منكرة في عدة وقائع، ولذلك لجأت إلى الحيلة.
كان محمد بن الأشعث الذي عينه أبو جعفر المنصور لمحاربة أبي الخطاب، وجعل تحت قيادته جيشا يتكون من سبعين ألف جندي معد للقتال يعرف أنه لا يستطيع أن ينازل هذا الإمام القوي في جند يحارب عن مبدأ، ويدافع عن حق، فلجأ إلى الحيلة. أوعز إلى من يخبر عمرو بن يمكتن عامل الإمام أبي الخطاب أن محمد بن الأشعث لا يحاربه إلا علنا، وفي وضح النهار، وقال له: "لا يأتيكم ابن الأشعث بغفلة، وهو في جند أمير المؤمنين برجال مشمرين وخيل، مضمرات وسيوف مهندات، بل يأتيكم جهارًا نهارًا"، وهكذا أمن عامل أبي الخطاب على سرت من المباغتة، ثُمَّ أظهر ابن الأشعث أنه ينوي الرجوع، وأمر جيشه بالتحرك، وقتل من اعترض الفكرة، فكره الرجوع، فانطلت حصاد الحيلة على أصحاب أبي الخطاب وهم كما قلت سابقا متطوعون، والموسم موسم ففضلوا أن يذهبوا إلى كفاحهم من أجل الحياة ما دام الخطر بعيدا، ورغم تحذير أبي الخطاب لهم وفهمه لنوايا ابن الأشعث، إلا أن القوم تفرقوا، وعندما فهم ابن الأشعث أن حيلته انطلت على أصحاب أبي الخطاب، وأنهم تفرقوا عنه أغذ السير، وجاءهم على حين غفلة، (1/160)
صفحة 161
الإباضية في موكب التاريخ
159
الإباضية في ليبيا (1)
وقتل عامل سرت فيمن قتل من الأبطال، وتم النصر لابن الأشعث وجنده، وارتكبوا من الجرائم - بعد الحرب - ما تعوده العمال الظالمون من نهب وسلب وتقتيل واتباع للفارين وترويع للآمنين المسالمين، وانتهاك للحرمات التي صانها الإسلام، وحفظها الإيمان بالله ... وفي هذه الموقعة الحاسمة التي وقعت في تاورغا استشهد بطل من أشد الأبطال، وعالم من أعظم العلماء، ومؤمن من أخلص المؤمنين، فاختتمت صفحة بيضاء من صفحات التاريخ
الإسلامي، سجلت عليها مآثر في كفاح النفس وكفاح الجهل، وكفاح العدوان. وإذا كان سلمة بن سعد أَوَّل داعية إلى اتباع الْحَقِّ في هذه الربوع، وكان ابن مغطير أَوَّل منفذ لفكرة البعثات العلمية وهما بذلك يبنيان ركنا هاما في تاريخ الكفاح العلمي، فإن ابن يمكتن هو أَوَّل من استطاع أن يبلغ إلى درجة علمية بقوة الإرادة والعمل الدائب المستمر، ثُمَّ هو أَوَّل من افتتح مدرسة لتعليم كتاب الله، وبهذا العمل المجيد يحق أن يعتبر من أهم أركان الكفاح العلمي في ليبيا، ولكنه بالإضافة إلى هذه الصفات المشرفات التي يسجلها مع زميله في خدمة العلم والدين له صفحات أخرى مشرقات في كفاح الظل
والطغيان ...
إنَّه شخصية هامة في تاريخ الحركات الإسلامية في ليبيا، وأنت حين تتحدث عن أبطال الكفاح السياسي أو العسكري لا يمكن أن تغفل هذا البطل القوي، وحين تتحدث عن العلم والعلماء، وعن الإيمان والمؤمنين، وعن الكفاح من أجل الحق في جميع ميادينه، لا يمكن أن ننسى عمرو بن، يمكنن، وهنيئًا لدَمْرا الحمدانية فيما أنجبت ....
إن الحديث عن عمرو بن يمكتن باعتبار الحوادث السياسية يكون بعد أبي الخطاب ولكنني حين تحدثت عن جانب من الكفاح العلمي، وتعرضت لسلمة وابن مغطير، رأيت أن أتحدث عن هذا العامل هنا؛ لأنه يمثل جانبا من الكفاح العلمي في ذلك العصر، وبه تتم الصورة التي أردت أن أضعها بين يدي القارئ الكريم لذلك العصر. (1/161)
صفحة 162
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
الحارث بن تليد
بطل من أولئك الأبطال الذين يظهرون فجأة عند الحوادث فيبرزون بين الصفوف القيادة الجموع عندما تكون القيادة رسالة يجب على المؤمن أن يؤديها.
لقد كان الإباضية في ليبيا منصرفين إلى دينهم وأعمالهم، لاتهمهم مناصب الدولة، ولا يلتفتون إلى كراسي الحكم. حتّى تحرش بهم إلياس بن حبيب فقتل أحد المؤمنين دون جريرة، ليرهب جانبهم، ويزرع في قلوبهم الذعر فيما حسب، ولكن القضية جاءت بعكس المطلوب. طلبت الإباضية من عبد الرحمن بن حبيب أن يقتل أخاه إلياس بقتله ابن مسعود التجيبي ولكن العامل آبى من ذلك وكل ما فعله أنه عزل أخاه إلياس عن ولاية طرابلس وولى بدله حميد بن عبد الله العكي، يعنى أنه جعل العزل من منصب يكافئ دم مؤمن برئ ... ولما وقف العامل هذا الموقف البعيد من حكم الله ثار الإباضية، فبايعوا الحارث بن تليد إماما، فتقدم وهو يعلم أنه يتقلد أمرًا عظيما ولذلك اختار عبد الجبار بن قيس المرادي قاضيا، ومشيرًا، وصديقا، فكانا ثنائيًا لا يفترق حَتَّى أن كتب التاريخ لا تذكرهما إلا مقترنين، بل إن بعض المؤرخين لم يعرف الأمير من القاضي.
حتَّى
جهز
وما سمع العكي والي عبد الرحمن بن حبيب على طرابلس ببيعة الإباضية للحارث بن تليد جيشا وخرج للقضاء عليه، ولكن النصر كان في جانب الإباضية، فتفرق جيش العكي وألقى عليه القبض في إحدى القرى، فأطلق سبيله وخير بين البقاء، له حقوق المسلمين وواجباتهم، أو السفر آمنا موفوراً، فاختار السفر، ولم يقطع الإباضية رأسه ليعلقوها على المدينة كما يفعل الظالمون، وَإِنَّمَا كل ما فعلوه عندما تم لهم النصر أن قتلوا رجلا في صاحبهم رجل برجل كما يقضى حكم الله سماوات ...
سور
لذلك والتف الناس حول الحارث بن تليد في ليبيا لعدله واستقامته وسيرته الرضية، فاهتم عبد الرحمن بن حبيب وصار يرسل الجيش تلو الجيش للقضاء على هذه الإمامة التي انتزعت ليبيا من الحكم الظالم، ولكن جميع هذه الجيوش كانت تعود إليه منهزمة، وأصبحت ليبيا كلها تحت حكم الإمام الحارث بن تليد. (1/162)
صفحة 163
الإباضية في موكب التاريخ
161
الإباضية في ليبيا (1)
وعندما عرف عبد الرحمن أن القوة لا يمكن أن تنتصر عَلَى الحق، وأن الجند الذين يحاربون عن متاع من الدنيا قليل لا يمكن أن يقفوا في وجه جند يدافعون عن مبدأ اعتنقوه، وحق اعتقدوه، عندما عرف ذلك لجأ إلى الحيلة.
لقد كان الإمام الحارث يسير بسيرة الصفوة من حكام الإسلام، لا يتخذ حاجبا ولا يجعل على باب بيته حارسًا، ولا يرد عنه متظلم أو باك، ولذلك كان الناس يغشون بيته في أي وقت شاءوا ليس بينهم وبينه إلا الإذن الذي فرضه أدب الإسلام على المؤمنين.
واستغل العدو هذه السيرة العطرة في أبشع ما يستغل به الحق للباطل، فقد أوعز إلى جماعة ممن لا دين لهم ولا ضمير، فدخلوا عَلَى الإمام وكان قاضيه وصديقه معه، دخلوا في صورة متخاصمين، ولما اطمأنوا إلى أن الإمام والقاضي مستغرقان في تفهم المشكلة المعروضة عليهما ليحكما فيها بما أنزل الله وهما غير مسلحين وثبوا عليهما وقتلوهما، وجعلوا في يد كل واحد منهما سيفًا، ثُمَّ خرجوا، وكأنهم لم يرتكبوا أفظع جريمة يرتكبها رجل سلب الإيمان
والضمير.
واكتشفت الحادثة فيما بعد، واعتقد كثير من الناس أن الصديقين تنازعا فقتل كل منهما صاحبه، وكثر النقاش في معرفة الظالم من المظلوم، وَلَمْ تنجل الحقيقة إلا بعد أن وجد عبد الرحمن بن حبيب الفرصة التي يتحينها، فحينما كان الإباضيَّة في موقف الحائر المتردد في معرفة الحادثة والأسباب الداعية إليها، وعندما كان العارفون منهم يحاولون أن يوحدوا الصفوف والجهود فكانوا يسترشدون برأي إخوانهم في المشرق وكان الرسل يقطعون المسافات الطويلة ذهابًا وإيابًا، في هذا الحين استطاع العامل القيرواني أن يكسب المعركة. وأن يرجع إليه حكم البلاد. وهكذا نجحت المكيدة حينما فشلت القوة، ولم تزل المكائد والغيلة هي سلاح الظالمين في كل عصر ومصر. (1/163)
صفحة 164
الإباضية في موكب التاريخ
162
الإباضية في ليبيا (1)
الله،
أبو الخطاب عبد الأعلى
كانت دروس أبي عبيدة في معاني الحرية، وفي الكرامة البشرية وفي وجوب إقامة شعائر والمحافظة على حقوق الإنسان التي أقامها الإسلام، وفي تحريم الخنوع والذلة والاستسلام على المؤمنين، وفي وجوب محاربة الطغاة ومطالبتهم بالوقوف عند حدود الله، كانت تلك الدروس الدينية والوطنية قد أثرت تأثيرها الحسن على نفوس طلابه الذين لقبوا فيما بعد " بحملة العلم إلى المغرب " ولذلك فقد سألوه عندما أخذوا حظهم من العلم، وتحصلوا على الدرجة التي تؤهلهم لتبليغ الدعوة، الدعوة إلى دين الله كما جاء به رسول، سألوا الإمام الكبير هل يجوز لهم إذا أنسوا في أنفسهم قوة ورأوا أنهم يستطيعون أن يقيموا أمر الإسلام على ما جاء في دين الله وسيرة السلف الصالحين، هل لهم أن يقوموا لذلك؟ واستمع الإمام إليهم وهو يتوقع منهم خيرًا وأذن لهم في العمل، واختاروا لهم أبا الخطاب ليقوم بأعباء الدولة المسلمة الجديدة، فإن امتنع قتلوه وولوا غيره.
أما
ورحل الزملاء الأصدقاء الذين ربطت بينهم أواصر الدين وزمالة الدراسة، فاختاروا ليبيـ لأقامتهم، واستقروا بعاصمتها، طرابلس، هذه المدينة الجميلة الحالمة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، أما البلاد التابعة لهذه المدينة فقد كانت تمتد في الأقطار الثلاثة: ليبيا، تونس، الجزائر، هذه الأقطار التي أصبحت اليوم ممالك مستقلة عن بعضها بما أقامه الاستعمار من حدود بينها في ذلك التاريخ فإن الإسلام لا يقيم الحدود ولا يقسم الشعوب، ولا يعرف القوميات الطبقية، ولا الجنسيات المختلفة، إن المبدأ الذي يؤمن به الجميع هو: «الله ربنا، والإسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا رضينا بحلاله حلالا، وحرامه حراما، لا نبتغي به بدلا، ولا عنه حولا لا جنس ولا لون ولا وطن، فالجنس هو البشرية، والوطن هو بلاد الإسلام، أما اللون فإن الأبيض والأسود والأصفر والأحمر كلها من خلق الله الذي أحسن كل شيء خلقه ثُمَّ هدى». استمرت البعثة العلمية في طرابلس وكانت البلاد في ذلك الحين تعانى من الظلم والجبروت وتقاتل الولاة على مناصب الدولة لابتزاز الأموال، واستذلال الناس، والحكم بالهوى الذي ما (1/164)
صفحة 165
الإباضية في موكب التاريخ
163
الإباضية في ليبيا (1) سلطان. كانت البلاد تعانى من ذلك ما لم يبق في قوس الصبر مترعا، أو في
أنزل الله به من صدر الحليم سببًا للأناة والاحتمال وتشاور أربعة أصدقاء من أفراد البعثة في إنقاذ الأمة من هذا الطغيان المسلط عليهم، وإتاحة فرص الحياة الكريمة لهم، وإقامة أحكام الله كما أنزلها الله، وعرضوا فكرتهم عَلَى أصحاب الرأي والعلم من أهل البلاد، فوجدوا منهم إقبالا وتشجيعًا. وحينئذ أخبروا زميلهم الخامس أبا الخطاب أنهم مطلوبون إلى صلح بين متخاصمين في الضاحية الغربية لطرابلس "صياد" وتم الاجتماع واتفقوا عَلَى مبايعة أبي الخطاب بالإمامة، فلم يدر إلا والقوم يطلبون منه أن يمد يده للبيعة فيحكم بينهم أن يمد يده للبيعة فيحكم بينهم بكتاب الله، ويقيم الحدود ويسير سيرة الخلفاء الراشدين، وحاول أن يمتنع من هذه المسؤولية العظمى، وأن يتخلص من هذا الموقف الذي توضع فيه أمانة الأمة بين يديه وأجاب القوم بأنهم إنما أتوا لإجراء صلح بين متخاصمين لا لإقامة خلافة، ولكنهم أصروا على موقفهم، وذكروه بوصية الإمام أبي عبيده وخيروه بين قبول البيعة أو القتل فرضى مكرها ولكنه اشترط عليهم أن لا يذكروا مسألة الحارث وعبد الجبار، واشترطوا عليه ما يشترطه المؤمنون الذين يلقون بمقاليد أمورهم إلى رجل يثقون بدينه وأخلاقه وأمانته، وتمت البيعة، ورجع القوم دون قتال لأن جميع السكان كانوا يتوقون إلى الخلاص مما هم فيه من عذاب، ودعا أبو الخطاب الوالي السابق على المدينة، فخيره بين البقاء وله ما لإخوانه من المسلمين وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات، أو الرحيل آمنا موفور الكرامة، فاختار الرحيل ورتب أبو الخطاب أمور الدولة،
فأسند القضاء إلى ابن درار الغدامسي وولى عمرو بن يمكن على سرت وما والاها. بدأت الأخبار ترد على أبي الخطاب بما ترتكبه قبيلة ورفجومة البربرية من فظائع في القيروان، فقد سمع بعتوهم وطغيانهم وجورهم وسومهم الناس سوء العذاب، وربطهم لدوابهم في المسجد الجامع، وأرسلت إليه امرأة كتابا تخبره فيه أنها تحفظ ابنتها في مطمورة خوفًا من ورفجومة، وأتاه رجل أخبره أنه مر بالقيروان فرأى ناسا مر بالقيروان فرأى ناسا من ورفجومة كابروا امرأة على نفسها، والناس ينظرون إليهم ولا ينكرون ذلك خوفا منهم، وبلغه أن جماعة أخرى من هؤلاء الناس أخرجوا امرأة وهي تصيح يا معشر المسلمين أغيثوني، فلم يغثها أحد. عندما تواترت هذه الأخبار عند أبي الخطاب؛ دعا الناس إلى اجتماع، وحثهم على الجهاد في سبيل
الله (1/165)
صفحة 166
الإباضية في موكب التاريخ
164
الإباضية في ليبيا (1) ودفع المنكر الذي يؤتى علنا في بلد مسلم وبين أناس مسلمين فاجتمع عليه عدد وافر من أهل البصائر الذين يؤثرون الآخرة عَلَى الحياة الدنيا، فأمر مناديًا ينادى في الجيش، من كان له أبوان أو أحدهما أو له عروس جديدة فليرجع بليل، وفي الصباح يتقصى الأثر حتى إذا انقطعت الآثار الراجعة ولَم يبق معه إلا أولئك الذين عزموا عَلَى الاستماتة في كفاح الباطل.
سار بهم حتى أتى قابسًا فاحتلها دون عناء وجعل عليها واليا، ثُمَّ سار إلى القيروان. لقي جموع ورفجومة فقاتلهم حَتَّى الهزموا، فتحصنوا بالمدينة، فبقى محاصرا لها مدة طويلة حتى اضطروا إلى القتال من جديد، ووقعت بينهم موقعة هائلة، أسفرت عن الهزامهم، فأمر بأن لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم، وأعلن الأمان للناس، فخرج الناس إلى أعمالهم كما كانوا يفعلون أيام السلام ومرت امرأة بميدان القتال وعجبت حين وجدت قتلى ورفجومة مجندلين في ساحات الكفاح دون أن يمس شيء من أسلابهم، فقالت: كأنهم" "رقود وَسُمِّيَ المكان منذ ذلك اليوم "رقادة" وإن حاول بعض الناس فيما بعد أن يغير هذا الاسم.
وكانت مفاجأة مذهلة للناس عندما وجدوا مزارعهم وحقولهم وثمارهم سليمة لم يمس منها شيء إلا إذا كان من تقلبات الجو أو وحوش الصحراء، وعجبوا من عدل هذا الإمام، ونزاهته وطاعة الجيش، له وغفلوا أن هذا الجيش لم يتكون من جند يعملون لمكاسب الدنيا من رواتب يقبضونها، وغنائم يختلسونها، وإنما قوام هذا الجند قوم يدافعون عن الحق والدين، لا يبتغون عرضا من الدنيا، ولا غنيمة في هذه الحياة القصيرة، ولا جاها عند الناس، وتفقد الإمام القتلى، فوجد واحدا منهم قد أخذ سلبه، فأمر برد كل ما أخذ ولكن الغال لم يسمع لأوامر الإمام واحتفظ بالسلب وغلب عليه الشيطان وعندما رجع الجيش بعد أن دفع المنكر عن الأمة وأشاع الأمن في البلاد، وأرجع الحقوق إلى أهلها، وعندما رجعوا وكانوا بالطريق خطر لهم أن يتسابقوا. ووقع السباق بين الفرسان لإظهار البراعة والرشاقة، وكان جميل السدراتي ممن يثق بنفسه ويعجب بفرسه فاشترك في هذا السباق، ولكن شاء له سوء حظه أن ينقطع حزام سرجه، وأن ينكشف السلب تحته؛ وأن يشهد فضيحته كل الجيش فأدبه الإمام على خرقه لنظام الجيش واستحلاله لمال المسلمين وغلوله لما حسبه غنيمة. (1/166)
صفحة 167
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
وقال خالد اللواتي للإمام: نأكل" من أموالهم كما يأكلون من أموالنا، قال الإمام: حقيق عَلَى الله أن يدخلنا معهم النار إذن". وارتحل أبو الخطاب وجيشه إلى طرابلس بعد أن نصب عبد الرحمن بن رستم واليا
القيروان.
استكبر جميل السدراتي أن يفتضح أمره أمام الناس وأن يقام عليه الحد، ولذلك فقد التحق بأبي جعفر المنصور وبقى يبذل المحاولات سنة كاملة ليقنع أبا جعفر بضرورة حرب أبي الخطاب والقضاء عليه، واستجاب له أبو جعفر أخيرا.
وبدأ يجهز الجيوش إثر الجيوش لمقاتلة أبي الخطاب، وبعد وقائع مذهلة ذاق فيها أبو جعفر مرارة الهزيمة استطاع مُحمَّد بن الأشعث أن يغرر بجيش أبي الخطاب وأن ينتصر عليه الانتصار الحاسم. وأن يرتكب من الفظائع ما يبرأ منه الإسلام والمسلمون.
إنني لم أضع هذا الكتاب لسرد وقائع التاريخ إلا بمقدار الضرورة التي أراها واجبة لتوضيح الصورة التي أضعها بين عيني القارئ الكريم، فإن الوقائع التاريخية توجد في الكتب المعتنية بذلك مفصلة وإني أريد في هذا الكتاب أن أجلو سيرة أهل هذا الْمَذهَب وأثر الدين والعقيدة على سلوكهم الفردي والجماعي وتوجيهه لهم في حالتي الحرب والسلم والظهور والكتمان ...
ولقد قام أبو الخطاب بعدة حروب بعضها مع البربر وبعضها مع العرب وبعضها مزيج منهما، ولكن سيرته في كل ذلك كانت سيرة واحدة. كفاح الظلم والطغيان، ودفع للمنكر والعدوان حَتَّى إذا انتهت الحرب أشاع الإمام الأمان بين الناس، وساوى بينهم في الحقوق، وَلَمْ يؤاخذ أحدًا منهم بما فعله إبان الحرب، فلا يحاسب مجرى الحرب باصطلاح هذا العصر، وَلَمْ يتبع الفارين، وَلَمْ يروع المسالمين وَلَمْ يجهز على الجرحى ولم يمس شيئًا من
أموالهم ولمْ يقطع رؤوس زعمائهم وكبرائهم.
تلك سيرته وهي السيرة الغراء التي يدعو إليها الإسلام والتي تعرفها للخلفاء الراشدين
الكرام. (1/167)
صفحة 168
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
مواقف غير عادلة
يقول الأستاذ الطاهر الزاوي في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا" بعد أن تكلم عن أبي الخطاب، يقول: "والذي يمعن النظر في حروب أبي الخطاب مع جيوش أبي جعفر المنصور، لا يشك في أنها حروب قصد منها توسيع النفوذ والاحتفاظ بالسلطة على أكبر عدد ممكن من الناس، وعلى أوسع رقعة من الأرض " ولو لا أن كثيرًا من الناس الذين لا يتبعون التاريخ ويسيرون مع أحداث الزمن قد يظنون صحة هذا الرأي، ويقتنعون بتعليل المؤلف لهذه الثورات العارمة، التي كان أبو الخطاب يجاهد فيها بما ملكت يداه من روح ومال. لولا ذلك لسكت عن هذه الغمزة من المؤلف، كما سكت عن عشرات الغمزات التي يمليها قلب غير سليم. يقول الأستاذ الزاوي في كتابه "تاريخ الفتح العربي في "ليبيا" وهو يتحدث عن أبي الخطاب العربي: "وكان من اشد خصوم سياسة العرب في إفريقية وقاتلهم انتصارا لبني مذهبه، وقد أخلص للبربر إخلاصاً جعله منهم في محل التقدير ... الخ". ويمضى المؤلف على هذه الوتيرة لا يتحدث إلا عن البربر والعرب، وعجيب والله أمر
رجل مسلم يكتب عن التاريخ في هذا العصر بهذه الروح البالية. يقول الأستاذ الزاوي: "إن أبا الخطاب كان من أشد خصوم سياسة العرب في ليبيا". إن أبا الخطاب - أيها الأستاذ - والإباضية من قبله ومن بعده ليسوا خصوما للعرب، إِنَّهُم أخوة لَهم، وَإِنَّمَا هم خصوم للانحراف بدين الله، وأعداء للطغيان والعدوان والظلم،
الله
سواء كان ذلك من العرب أو من البربر أو من غيرهم من الأجناس، فهم منذ أكرمهم بالإسلام كانوا ينظرون إلى المسلمين بأنهم أمة واحدة وينظرون إلى أولئك الذين يستغلون مراكز الحكم أسوأ استغلال بأنهم ظالمون يجب أن يؤخذ على أيديهم حتى يعتدلوا أو يعتزلوا، وموقف الإباضية من طغاة البربر والعرب واحد في كُلِّ الأحوال، عَلَى أن الذي يرجع إلى تاريخ أبي الخطاب نفسه وحسبما رواه الأستاذ الزاوي يجد أن أبا الخطاب، هو الذي هاجم ورفحومة - القبيلة البربرية الكبيرة حين بلغه عنها البغي والفساد، حاربها (1/168)
صفحة 169
الإباضية في موكب التاريخ
167
الإباضية في ليبيا (1)
حربا طاحنة حَتَّى أخرجها من القيروان - هذه المدينة التي وضع الحجر الأساسي فيها أصحاب رسول ال فطهر مسجد عقبة من دواب ورفجومة.
الأشعث:
وأبو الخطاب حين يهاجم هذه القبيلة الباغية لم يهاجم غيرها من القبائل والبلدان. فقد قام بأمر الإمامة في طرابلس دون أن يريق قطرة دم أما حروبه فيما بعد فهي رد للعدوان الذي تشنه عليه جيوش العباسيين المتعاقبة. وفي جميع تلك الحروب الظالمة التي انتصر فيها أبو الخطاب سواء في ورداسة أو في مغمداس أو في غيرها، كان أبو الخطاب مثالا حيا لسيرة الخلفاء الراشدين، لا يتبع مدبرًا ولا يجهز على جريح، ولا يغنم مالا. ولا يعاقب على الموقف المضاد في الحرب، ولا ينتقم من قادة وزعماء الفريق الثاني، ولا يصل منه ولا من جيشه أي أذى للبريء والمسالم. وعند ما خرج محمد الأشعث من مصر إلى لقاء أبي الخطاب، أرسل عيونا بن يستطلعون له الأحوال، فلما رجعوا إليه سألهم فقالوا: أنطيل أم نجمل، فقال ابن بل اجملوا. قالوا: " رأينا رهبانًا، بالليل أسودًا بالنهار، يتمنون الجهاد بلقائكم كما يتمنى المريض لقاء الطبيب. لو زنى صاحبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوا يده، خيلهم من نتاجهم، ليس لهم مال يرتزقون منه، وإِنَّما معاشهم من كسب أيديهم (1)، أترى أنك واجد هذا الوصف في غير الرعيل الأول من أمة محمد. يرى الأستاذ الزاوي كما نقلت عنه في أول هذا الفصل أن الحروب التي قام بها أبو الخطاب كان يقصد منها إلى التوسع والسيادة، وهو جد عليم أن أبا الخطاب لم يقبل هذا الأمر إلا مكرها، وبعد أن أفتى أعظم إمام ديني في ذلك العصر بقتله إن امتنع عن تحمل هذا العبء الذي يختار له القوي الأمين.
وهل من علامات حب السيطرة والعلو أن يستولي أبو الخطاب على طرابلس دون إراقة قطرة من الدم وأن يخير حاكم البلد بين البقاء في أمته وبين إخوانه آمنا أو الرحيل إلى سلطانه موفوراً؟ وهل من حب السلطة والتوسع أن ينتصر القائد ثُمَّ يتفقد قتلى العدو
1) الشماخي: السير، ص 130. (1/169)
صفحة 170
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1) ا
فيجد واحدا منهم مسلوبًا فلا يقر له قرار حَتَّى يعرف السالب ويؤدبه، وهل من حـ التوسع والنفوذ أن يحارب المحارب وينتصر ولكنه يعرض عن جَميع المكاء والغنائم؟ وهل من علامات التوسع أن يبقى جيش متكون من ستة آلاف محارب محاصراً لمدينة كالقيروان مدة تطول أو تقصر، ثُمَّ يخرج أهالي المدينة إلى حقولهم فيجدونها سالمة لم يتغير منها إلا ما غيرته عوامل الطبيعة من ريح ووحش. وهل يجد المتتبع لحوادث التاريخ صورة واحدة من هذه الصور الرائعة عند أولئك الذين يهاجمون أبا الخطاب، ويوالون عليه الحرب؟ إنَّه لن يجد بالتأكيد إلا عدوانًا وظلمًا وسرقة وغلولا، وارتكاب الفواحش في الأنفس والأعراض والأموال، لا يسلم منهم برئ ولا مذنب، وهم حين تتاح لهم فرصة النصر لا يبقون على جريح، ولا يرجعون عن فار، ولا يسلم منهم مسالم، ولا مال ولا عرض. ثُمَّ هم يتجاوزون كُلّ ذلك إلى المثلة وتشويه خلقة الله وقطع ينجو منهم الرؤوس لنيل الحظوة بها عند ملوك البغي في الدنيا.
ويقول الأستاذ الزاوي في كتابه «الفتح العربي»: "ومهما بلغت كثرة جيش يذهب من مصر لغزو أفريقيا فلا يمكن أن تصل واحدا من عشرين من جيش البربر الذي يمكنهم أن يعدوه لمقابلة هذا الجيش، ولكن النصر بيد الله والله مع الصابرين". هذا كلام الأستاذ الزاوي، بحروفه، وهذا التلميح لا يصدر من مسلم سليم الصدر، العقيدة، وأنا حين أنقل هذا الكلام عن الأستاذ وأضعه بين أيدي القارئ الكريم فَإِنَّمَا أريد أن يتأمل المنصف ما يدسه كتبة التاريخ عن الأمة، وما يوحون به للناس من زيغ عَلَى أن قضية النصر والهزيمة في الحادثة التي يشير إليها الزاوي – إذا سلمت من
صحيح
المغالطة - واضحة!
إن مُحمَّد بن الأشعث أعد له جيش كامل يتألف من خمسين ألف مقاتل على أوسط الأقوال، تدفع الأجور من بيت مال الدولة في مصر أو في بغداد ليقوموا لها بالحروب وهم على استعداد في جميع الأوقات، أما أبو الخطاب فليس له جيش تدفع له الأجور ويكون تحت الطلب في جميع الأحوال. بل إن المحاربين إنما هم أفراد الأمة من بدافع المبدأ ومحاربة الباطل، وليس لهم أي غنم في هذه الحروب الهائلة، فهم يزودون أنفسهم ويسلحونها، (1/170)
صفحة 171
الإباضية في موكب التاريخ
169
الإباضية في ليبيا (1)
ويندفعون إلى الحرب باختيارهم ليحموا أنفسهم وبلادهم من عبث العابثين وظلم الظالمين، وَلَمْ يكن البربر كلهم مع أبي الخطاب كما زعم الزاوي، فإن من البربر خوارج ومعتزلة واتباع بني العباس. وهؤلاء جَمِيعًا لا يقاتلون مع أبي الخطاب، بل إن منهم من يقاتله كورفجومة. وَإِنَّمَا يتكون جيش أبي الخطاب من بعض البربر وبعض العرب يعبدون
الله
هذه
الله عَلَى مذهب عبد بن إباض، وعدد هؤلاء ليس بالكثرة التي أراد أن يوحي بها الظاهر الزاوي، ثُمَّ إن ابن الأشعث هجم على طرابلس حين نجحت مكيدته وتفرق جيش أبي الخطاب إلى حصاد الزرع وهم مطمئنون إلى أن الجيوش المهاجمة قد ولت الأدبار، فلما وقعت الغارة المفاجئة لم يحضر إلا القليل في تتابع جماعة بعد جماعة، وهكذا استطاع جيش ابن الأشعث أن يقتل من هؤلاء الأبطال الآلاف. وَلَمْ يرتو ابن الأشعث من الدماء التي سالت في الموقعة، فكان يتتبع الناس في بطون الأودية وشغاف الجبال يروع الآمنين، ويقتل المسالمين، ويجمع الأموال المحرمة التي عصمها الإسلام؛ وأخيرا قطع رأس أبي الخطاب وأرسلها إلى بغداد. وقارن أيها المسلم بين الموقفين موقف أبي الخطاب عندما استولى على طرابلس، وعندما احتل القيروان، وموقف بني العباس حين أتيحت لهم فرصة النصر، وضع الصورتين أمام الأستاذ الزاوي ليستخرج العبرة والموعظة من التاريخ. (1/171)
صفحة 172
الإباضية في موكب التاريخ
170
الإباضية في ليبيا (1)
أبو حاتم الملزوزي
أبو حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي التجيبي مولى كندة علم آخر من أعلام الإسلام، وبطل من أبطال الكفاح، وعدو لدود من أعداء البغي والظلم والجبروت. ولدته الحوادث السود. وأبطال الحرية والكرامة والمبادئ لا يظهرون إلا في الحوادث السود لإنقاذ الإنسانية من شر الإنسان.
قتل أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري في معركة من المعارك الحامية، محمد بن الأشعث، العامل الذي عينه أبو جعفر المنصور لحكم أفريقية، بينه وبين وتفرق جيش أبي الخطاب بعد الهزيمة، ولكن ابن الأشعث لم يكتف بهذا النصر الذي أحرزه، وَلَمْ يقنعه الاستيلاء على هذه البلاد الفسيحة، التي كانت تابعة لأبي الخطاب، فعمد إلى رأس أبي الخطاب وهو قتيل في المعركة فاجتزه وبعث به إلى بغداد، ليزيد حظوة عند أبي جعفر، وَلَمْ يشف ذلك ما في قلبه فأمعن يقتل ويسلب، متبعا الفلول المنهزمة، والشراذم الفارة، والأحياء التي يجعلها سوء حظها في طريقه، لا يردعه دين ولا خلق ثُمَّ ولى أمر البلاد من يزيد عنه بغيا وعدوانًا، فكان ينتقل بين أحياء المسلمين وقبائلهم يسلب وينهب، يقتل ويفجر، فكان يدخل الأحياء ويأمر المحصنات الحرائر أن يفلين لحيته القذرة، وليس بعد هذا الفجور فجور، ولا بعد هذا الظلم ظلم ...
عند ذلك تداعى أصحاب الشهامة والكرامة الذين يؤمنون بأن الله لا يرضى لهم السكوت على هذه المناكر، ولا يحل لهم البقاء عَلَى هذا الهوان، يترل بأمة مسلمة، حفظ الإسلام أعراضها ودماءها وأموالها، فانتهكها من خانوا الله ورسوله في أمانة الدولة والدين.
تداعى هؤلاء الأبطال، وأظهروا أنهم يريدون النظر في قضية امرأة أساء إليه زوجها، فعقدوا اجتماعًا بحثوا فيه موقفهم، وموقف الأمة، وموقف هؤلاء البغاة الظالمين، ووجدوا أنهم لا يسعهم في دين الله أن يسكتوا عَلَى ما يقع بين أيديهم (1/172)
صفحة 173
الإباضية في موكب التاريخ
171
الإباضية في ليبيا (1)
ذلة
،وأعينهم، وأنسوا في أنفسهم قوة يمكن أن تخف على المسلمين ما م فيه من ومهانة، ولو إلى حين فقدموا عليهم أبا حاتم الملزوزي وبايعوه على أن يعمل
الله
بكتاب الله وسنة رسول وهدى السلف الصالحين، فقبل منهم واستعد للكفاح. وما سمع الوالي العباسي بهذا الحادث حَتَّى بعث بحملة عسكرية للقضاء على هذه الثورة، ولكن هذه الحملة لم تنجح، وقتل عدد غير قليل من جندها، وتفقد أبو حاتم القتلى فوجد بعضهم مسلوبًا، فغضب، وقال إن لم تردوا أسلابهم تركت أمركم، فأرجعت الأسلاب وأعلن الجيش توبتهم من عملهم ذلك، وسار السيرة العادلة المعروفة التي سارها المؤمنون الصادقون من قبله في حروب أهل الإسلام الباغين حفظ لكرامة المسلم في دمه وماله وعرضه ولو ظلم أو بغي، تم عدل بين الرعية، وإنصاف لأفراد الأمة، وإقامة لحدود الله لا جبروت ولا عدوان، ولا ظلم ولا أثرة ولا استغلال الناس متساوون في الحقوق وفي الواجبات وفي فرص الحياة، فم اعتدى نفذ فيه حكم الله، وذاق الناس لمدة قصيرة طعم الحكم الإسلامي، الحكـ الذي أراده الله لأمة محمد الا الله، فاختلسه منها عبيد الشهوة وعبيد السلطة والمال. هدأت الأحوال في طرابلس، واستتب الأمن والسلام وبدأ الناس يشعرون بالحياة الكريمة للأمة الكريمة، فاتجه أبو حاتم إلى القيروان ليخفف عن أهلها ما أصابهم من كرب، وما لحق بهم من أذى، ويرفع عنهم عبث أيدي ولاة الظالمين، لا يرقبون في الله إلا ولا ذمة، ففتحها بعد حصار طويل وكان الجهد والجوع قد بلغ مبلغا عظيما الجند المحصور بالقيروان، فلما تم النصر لأبي حاتم وفتحت له أبواب المدينة، واستسلم الجند المحاربون، لم يفعل ما فعله محمد بن الأشعث، يوم انتصر على أبي الخطاب في ليبيا. إن أبا حاتم مؤمن يحس ما يعانيه هؤلاء المسلمون الذين يسوقهم الظلمة سوق الأغنام، ولذلك فلم يمعن فيهم تقتيلا ونهبا وسلبًا وتعديًا عَلَى الأعراض، وَإِنَّمَا زودهم بالماء والغذاء والسلاح الضروري، فأعطى لكل خمسة منهم قربة للماء وعصا وخنجراً يصلحون به أمرهم ويدفعون به ما يعترض طريقهم من
من (1/173)
صفحة 174
الإباضية في موكب التاريخ
172
الإباضية في ليبيا (1)
وحش مفترس وهم يعودون إلى قراهم آمنين، كما أعطى لكل واحد منه نهم رغيفا
من الخبز.
لك أن تقارن أيها القارئ الكريم بين الحالة الفظيعة التي يلاقيها الناس عندما ينتصر الظالمون، وكيف تذهب الأرواح والأموال والأعراض هدرًا بعد أن ترفع
الحرب أوزارها، لك أن تقارن بين ذلك وبين هذا السلوك الكريم الذي يعطف على الباغي الظالم، فيقدم له ما تيسر من مساعدة لك أن تقارن بين منتصر يقتل ويسلب، ويجز الرؤوس، ويعبث بالأعراض التي صانها الإسلام، ومنتصر آخر يعطف على جيش العدو، فيزوده بالزاد والسلاح، ويتركه سالا موفورا ليلحق
بأهله.
لقد ضرب أبو حاتم بهذه السيرة العطرة مثلا سامقًا للمؤمنين الذين يناط بهم حمل أمانة الحكم، وتجبرهم الحوادث إلى تربية البغاة، ولكن هل تجد مثل هذه السيرة أو قريبا منها عند أولئك الذين يحاربون باسم الخلافة في الزمن القديم، أو يحاربون باسم الدولة في العصر الحديث.
أنه ليس لأولئك ولا لهؤلاء من مزايا أمانة الحكم إلا حمل الأسماء والشعارات، يتاجرون بها عند الرؤساء، ويخدرون بها الشعوب، ويستغلونها لأنفسهم، وبسببهم وسبب أمثالهم من عبيد الشهوة شهوة المال وشهوة السلطة. وشهوة الجنس، أصيب الإسلام أمس ويصاب اليوم بالنكبات المتلاحقات أوقفت تقدمه، وغلبت عليه أعداءه الذين يتربصون به الغفلة، ويتوقعون منه الغرة، وينتظرون منه العثرة. حَتَّى واتتهم تلك المصائب جَمِيعًا، يترلها الجبابرة الذين يحملون اسم الإسلام على أمة الإسلام، والذين استخدموا شرف الخلافة في محاربة من أولاهم الخلافة. وأعطاهم الثقة، وأخذ منهم عهد الله، ولم يردعهم رادع من خُلق أو حياء أو دين بل لقد ذهبت الخلافة، وقامت في كل بقعة من بلاد الإسلام دولة تنعق بأنها جاءت لخدمة الأمة، ولَمْ تحد منها الأمة حتى اليوم إلا خطبا تلقى، واجتماعات تعقد، ومديا تضفيه الإذاعات والصحف على أصحاب المناصب وسلوكا أبعد ما يكون عن (1/174)
صفحة 175
الإباضية في موكب التاريخ
173
الإباضية في ليبيا (1)
مصلحة الأمة، وروح الإسلام وسيرة السلف الصالحين، فلا عفة عن مال الأمة ولا وقوف عن إراقة دم برئ لا تحل إراقته إلا بحقه.
ما ضر هؤلاء الذين يحملون اليوم أمانة الدولة، ويقدمون على حراسة مصالح الأمة، ما ضر هؤلاء أن يسيروا سيرة الصالحين من سلف هذه الأمة، وأن يعفوا عن أموال الأمة ودمائها كما عف عنها عمر بن عبد العزيز وأبو الخطاب وأبو حاتم وكما عف عنهما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما أنهزم الثائرون بقيادة طلحة والزبير فلم يتبع مدبرًا وَلَمْ يجهز على جريح، وَإِنَّمَا استغفر للجميع، وضمد الجراح وواسى القلوب: ما ضر هؤلاء الذين يتداولون كراسي الحكم ومرافق الدولة في مختلف بلاد الإسلام أن يترهوا ضمائرهم عن الانتقام. وجيوبهم عن المال الحرام. وأيديهم عن إراقة الدماء.
كان أبو حاتم حقيقا أن يسير بالأمة سيرة الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين، لو أمهلته أيدي الظلمة المستبدين، أولئك الحكام الذين لا يرضيهم أن ينتشر الأمن
والعدل والسلام في جهة من الجهات؛ لأن ظهور ذلك يظهر مساوئ الح عندهم، ويبعث دبيب اليقظة في نفوس رعاياهم تلك الرعايا التي استنامت إلى الذلة والهوان بما لحقها من بطش وعدوان.
الأمة
وهكذا جهز
أبو جعفر الجيوش وأرسلها إلى أبي حاتم وبعد حروب طاحنة ووقائع سود، قتل هذا البطل المؤمن كما قتل من قبله أبطال ثائرون، برهنوا أن في من يقوم بحجة الله عَلَى البغاة، فينتزع منهم مقاليد السلطة، ولو لزمن قصير، ليظهر للناس ما في حكم الإسلام من كرم وسماحة وجمال حين تقوم بين أفراد الأمة من حاكم ومحكوم حقوق العدل والمساواة.
000 (1/175)
صفحة 176
الإباضية في موكب التاريخ
174
الإباضية في ليبيا (1)
ا
الزاوي وكرامات الأولياء
إنني لا أريد في هذا الفصل أن أناقش موضوع الكرامة، فقد ناقشها علماء الإسلام الأعلام بما فيه الكفاية، وبما لا أستطيع ببضاعتي الضئيلة أن أبلغ أقله ولكنني أريد أن أناقش الأستاذ الزاوي في هذا الموضوع بالذات:
قرأت للأستاذ الزاوي في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا" إنكارا لكرامة نسبت إلى أحد الناس، فظننت أن الرجل من أولئك الذين لا يعترفون بكرامات الأولياء، ولو كان ذلك فليس من حقي أطالبه بتصديق كرامة معينة، ولكنني اطلعت فيما بعد على كتابه "الأعلام" وعجبت من الرجل حقا، عجبت لهذا الرجل الذي يتقلب في قضايا التاريخ كما يشاء له الهوى، وسوف أضع بين يديك أيها القارئ الكريم صوراً من هذا التقلب. بعد أن تحدث عن أبي حاتم الملزوزي في أحداثه التاريخية، وحاول أن يضخم عدد الجند الذي يحارب به هذا الإمام، وأن يقلل من جيش خصومه، ثُمَّ يمنحهم النصر؛ لأن النصر للمؤمنين .. بعد
هذه المحاولة التي فيها كثير من إساءة استغلال حوادث التاريخ لإيحاءات معينة، بعد ذلك قال: "كان أبو حاتم من أئمة الإباضيَّة المشهورين، وبمناسبة قتله نقل الأستاذ الشماخي في كتاب «السير» خرافة من صنع الذين يعملون لتفريق الكلمة، ورفع أقدار بعض الناس على حساب الطعن في أقدار غيرهم، قال الأستاذ الشماخي ما نصه: "إن" مكان المعركة يستضيء نورًا كُلّ ليلة، وقد اشتهر عندنا - من غير أن أراه - أن النور يترل عَلَى قبره – يعنى قبر أبي حاتم - وقيل: لم يزل ينزل حَتَّى دفن إلى جنبه أعرابي فكف. اهـ ما نقله صاحب السير. ومثل هذه الخرافة لا يصح من الأستاذ الشماخي أن يسود بها صحائف كتابه، فإن أي إنسان لا يصدق أن النور الذي كان يتزل على قبر أبي حاتم انقطع لَمَّا دفن الأعرابي إلى جانبه، ولكن الذي اختلق هذه الخرافة يريد أن يرفع من شأن أبي حاتم بالطعن في العرب، وهو خطأ في يؤدى إلى الفتنة بين المواطنين، وإلى توريث الكراهية بينهم ولو اقتصرت الخرافة على مدح
التقدير
أبي حاتم لما كان عندنا شَيْء منها، ولما تعرضنا لها بنقد". انتهي كلام الأستاذ الزاوي. (1/176)
صفحة 177
الإباضية في موكب التاريخ
175
الإباضية في ليبيا (1)
وعجبت وأنا أقرأ هذا التعليق عن المغالطة المفضوحة، وعن تأويل كلام الناس بما لم يخطر لهم على بال .. لست أدرى - مهما فكرت - ما دخل العرب في القضية؟ لم يحشرهم الأستاذ الزاوي حَتَّى في هذه الجزئية الصغيرة؟ إنَّهَا حادثة فردية تتعلق بشخصين، سواء كانت صادقة أو كاذبة فما الذي أدخل الجنس جنس العرب أو البربر في الموضوع؟ إن الشماخي حين نقل القصة احترز، فأعلن أن القصة مشهورة، ولكنه لم يشاهدها بنفسه، وهذا تحقيق لا يكون إلا من ثقة يتثبت فيما يقول، فقد جعل العهدة على راويها، وَلَمَّا تحدث عن دفن الأعرابي، حكاه أيضا بقيل، حَتَّى لا يَجرأ زاعم عَلَى تكذيبه، ورغم كل ذلك، فإن الأستاذ الزاوي ناقم على الشماخي، والشماخي يذكر أن النور انقطع عندما دفن (أعرابي)، ولكن الزاوي يجعل المسألة طعنًا في العرب ورفعا لأقدار بعض الناس بالحط في أقدار الآخرين، إلى ما هنالك من مزاعم لا تصدر إلا عن نفس مريضة، وحب متمكن لإيقاد الفتنة. لقد كان جديرا بالأستاذ الزاوي، وهو يكتب التاريخ في هذا العصر، أن يتره قلمه وضميره، كان جديرا به أن يتخذ من نزاهة الشماخي وصدقه أمثلة يحتذيها ويسير عليها. إن الكرامة إذا وقعت لأبي حاتم، فلا ذلك، أن جنس أبي حاتم كلهم أصحاب كرامات، وأن المعصية إذا وقعت من أعرابي فلا يعنى ذلك أن الأعراب كلهم أصحاب معصية، إن أبا حاتم شخص واحد نسبت إليه كرامة وإن الأعرابي الذي دفن إلى جانبه شخص واحد، قيل عنه إن النور انقطع لما دفن إلى جانب أبي حاتم، وما يدرى الأستاذ الزاوي، أن هذا الأعرابي، ممن يشمله قوله تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} .. الخ، ثُمَّ لِماذا يجعل الأستاذ الزاوي الأعراب عربا ويبنى عَلَى ذلك هذا التعليق الذي يحرص بما يملك من حيلة الأسلوب وخدعة التعبير، أن يجعل الموضوع بين عنصري الأُمَّة، حتّى يفتح أبوابا للخلاف، ومن يا ترى يسعى لتأريث الكراهية بين الناس؟ أهذا الذي يحمل اليوم قلمه ليبحث بين مطاوئ التاريخ عما يفرق به بين
يعني
(1) ,
أبناء الأمة الواحدة؟ أم ذلك الذي يحتاط فيما ينقله ويعلن أنه لم يشاهد.
1) سورة المائدة: 97 (1/177)
صفحة 178
الإباضية في موكب التاريخ
176
الإباضية في ليبيا (1)
وهل عن حسن نية يذكر الأستاذ الزاوي هذه القصة وأشباهها ليعلق عليها بهذه العبارات التي تدعو إلى الفتنة السافرة!؟ إن الشماخي توفي قبل أربعة قرون، وكتابه لا يطلع عليه إلا قلة من الباحثين الذين يرجعون إلى مصادر التاريخ، فلماذا يعمد الأستاذ الزاوي إلى التنقيب، ونقل هذه القضية اليوم؟ لماذا لم يتركها نائمة بين أحداث التاريخ الماضي؟ إنه لو فعل ذلك لما
وجد سببا يوجه به هذه الطعنة إلى قلب الأمة ليذكرها بأنها تتكون من عنصرين.
إنني سوف أعود إلى الأستاذ الزاوي والشماخي في حديث قريب، ولكنني الآن أريد أن في قضية الكرامة.
أناقشه
قلت في أوَّل هذا الفصل إنني حين قرأت كتاب الزاوي ووجدته يعلق على هذه القصة التي نقلها الشماخي بأنها خرافة حسبت أن الزاوي لا يصدق بكرامات الأولياء، ولو كان كذلك فليس من حقي أن أطالبه بتصديق هذه الكرامة أو غيرها. ولكن هل حقا أن الأستاذ الزاوي لا
يصدق بكرامات؟ لنأخذ بين أيدينا كتاب "أعلام ليبيا" ولنتصفح منه بعض الفصول. قال الزاوي في كتابه "الأعلام" (صفحة 47): " ومن كراماته أنه لَمَّا حج بقي أمام النبي وقال في نفسه: أنا لا أذهب لزيارة حمزه ولا غيره النبي، يكفيني، قال: فأخذتني سنة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي: «يا أحمد يا حبيبي عم الرجل عوض أبيه»، قال: فقمت في الحب وذهبت لزيارة سيدنا حمزة، وكان وقت خوف، فلقيت هناك ثلاثة رجال، آخرهم الخضر الي. وفي فوائده قال: أخبرني الشيخ اللقاني أن الوزغ يتغذى بعينه، وأنه – أي اللقاني - كان ذات يوم يأكل بطيخا ووزغ ينظر إليه من السقف فأمر بقتله فوجدوا معه من الخضراء التي كان الشيخ يأكلها" انتهى.
قال الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب صفحة 147): " قال أبو القاسم: فلما حججت وزرت سلمت على رسول الله لها وقلت: يا رسول الله أبو الفضل الغدامسي يقرأ عليك السلام، وصاحبيك، قال: فسمعت صوتا لا شك أنه صوت عمر بن الخطاب لجهارته. وهو يبلغنا. وكان يتكلم على الخواطر. (1/178)
صفحة 179
الإباضية في موكب التاريخ
177
الإباضية في ليبيا (1)
ويقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب صفحة (199 "كان أستاذا فاضلا – أبي عبد الوهاب القبسي - ورجلا صالحا وكان يرى النبي ويتحدث معه. ويقال إن هذه المحادثات وجدت بعد موته مكتوبة بخطه وبتواريخها" انتهى. قال الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب صفحة (225: "يحكى عنه – أي علي بن محمد 225): البشت - إذا شكا إليه أحد ضياع حاجته قال له: اذهب إلى المحل الفلاني تجدها فيه، فيذهب فيجدها كما ذكر". انتهى.
وقال الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب يتحدث عن محمد بن أحمد الطرابلسي (صفحة 264): شيخ متعبد فضله مشهور. قال في كتاب "رياض النفوس" قال أبو عبد الله مكي بن يوسف: نزلت بطرابلس عند انصرافي من الحج فكنت أداوم الاختلاف إليه، فإني جالس إليه ذات يوم، إذ أتته امرأة بصبي قد احدودب ظهره، فلا يقدر أن يمشي، ولا يرفع رأسه، وأجلسته بين يديه، فقال له الشيخ يا ابني: ارفع رأسك فما قدر فالتفت إلي وقال: يا أبا عبد الله أما ترى هذا الصبي ما استطاع أن يمشي. فقلت له نعم يا سيدي! فأمر بيده على ظهره، ثُمَّ كتب أسطرًا لم أقف على ما فيها، ثُمَّ قال له ارفع رأسك، فرفع رأسه ثُمَّ قال له: أمش، فمشى واختصم مرة في طرابلس قوم من المسلمين مع قوم من النصارى على حجر، فزعم المسلمون انه كان بمسجد الهدم، وأن النصارى قد أدخلوه في ركن من أركان كنيستهم عمادا له - وزعم النصارى أن الحجر لهم قديما. فقال أبو العباس: اذهبوا بنا إلى موضع الحجر، فساروا حتَّى حازوا المكان، فوقف أبو العباس ووقف الناس معه، فقال: أيها الحجر: إن كنت كما قال المسلمون فقع بإذن الله وقدرته، وإن كنت كما قال النصارى فاثبت مكانك. فمال الحجر حَتَّى وقع عَلَى الأرض، فقال للمسلمين: ارفعوا حجركم. وقال الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب صفحة (20): "وهو من جملة الصلحاء الذين بعثهم العارف الأكبر مولاي العربي الدرقاوي وتبرك بهم، وقد أورده في رسائله قائلا ما نصه: " وكنت أعرف سيدي أبا بكر الطرابلسي المكنى عند أهل فاس "سيدي أبو بكر بوقلالس" وجدته بمدينة فاس حين عرفتها، وكان من المجاذيب الكبار، غائبا عن حسه دائما، وقد (1/179)
صفحة 180
الإباضية في موكب التاريخ
178
الإباضية في ليبيا (1)
شربت بوله يومًا لشدة تصديقي بولايته. وحدثني الأستاذ الجليل أبو عبد الله سيدي محمد اللحائي عنه أنه قال لبعض الطلبة: هل تسيح معي؟ فقال نعم فخرجا معا على باب الفتوح - أي من فاس - فإذا هما بباب من أبواب طرابلس التي هي بلدته. وسمعت بلدته. وسمعت أنه كان من أولاد الباي الذي كان هنالك، وكان هذا الباي لما فقده يعطى عليه قنطارًا من المال لمن يخبره به والحاصل أنهما دخلا إلى المدينة الطرابلسية. وجالا فيها ما شاء الله، وهذا لا يكلم هذا، ثم خرجا، فإذا هما بباب الفتوح بفاس. انتهي كلام الأستاذ الزاوي.
نقلت إليك هذه القصص من كتاب الزاوي أيها القارئ الكريم لا لأنتقدها ولا لأنتقد
أصحابها، فإن ذلك ليس موضوع بحثي وَإِنَّمَا أريد منك أن تعرف موقف الزاوي من التاريخ. ينقل الشماخي مع الاحتراس أن نورا ينزل على قبر أبي حاتم حَتَّى دفن إلى جنبه أعرابي فانقطع النور، فيثور الأستاذ الزاوي ويغضب ويكذب ويجعل نقل مثل هذه الكرامة مما يبعث الشك في أمانة المؤلف.
ولكن الزاوي ينقل إلينا أن وليا استطاع أن يكلم الرسول في النوم، وأن يذهب لزيارة حمزة فيجتمع بثلاثة رجال آخرهم الخضر، وينقل أن الوزغ يتغذى بعينه، وأن فلانا كان يأكل بطيخا ووزغ ينظر إليه، فلما قتل الوزغ وجد البطيخ في أمعائه، وأن حاجا يبلغ سلام رجل إلى رسول الله فيرد عليه عمر بن الخطاب تحيته. وأن رجلا كان يحادث النبي الله، ولما مات وجدت محاضر هذه الجلسات مكتوبة بخطه، وأن رجلا يعرف مواضع الأشياء التي تسرق أو تضيع، فما يجيئه أحد يشكو ضياع شيء حتى يدله على مكانه، وأن وليا من الأولياء يوضع بين يديه طفل أحدب لا يستطيع المشي أو رفع الرأس، فيمسح عليه بيده ثُمَّ يأمره بالرفع فيرفع، وبالمشي فيمشي. ويختصم ناس على حجر أقيم عمادا، فيأمره بالوقوع فيقع، وينقل عن ولى آخر يأخذ معه ابن الباي في فاس ليسيح معه وعندما يخرج من باب الفتوح يحد نفسه بباب من أبواب طرابلس، ثُمَّ عندما تخطر لهما العودة فيخرجان من طرابلس يجدان نفسيهما بباب الفتوح في فاس، ويبلغ من ولاية هذا الرجل أن يشرب العارف الأكبر مولاي العربي الدرقاوي بوله لشدة تصديقه بولايته.
هذه قصص ينقلها الأستاذ الزاوي في كتابه، وهو لا ينقدها ولا يتعرض لها بتعليق، ولا يخاف أن يشك الناس في أمانته حين ينقل مثل هذه القصص. والذي أريد أن أقوله للأستاذ الزاوي: أن الوقائع السالفة - سواء ما وقع منها لهؤلاء الذين تحدث عنهم في كتابه، أو (1/180)
صفحة 181
الإباضية في موكب التاريخ
179
الإباضية في ليبيا (1)
إما
لأولئك الذين تحدث عنهم الشماخي في كتابه - أشياء لا تجري على سنة الطبيعة، فهي أن تكون متعلقة بقدرة الله وإرادته وحينئذ فلا معارضة سواء ما قبله العقل أو لم يقبله، ويستوي في ذلك قصة مهدي النفوسي وأبي حاتم الملزوزي، وهذا الذي يجد باب فاس وباب طرابلس متجاورين وهذا الذي يحدث عمر بن الخطاب وبينهما عدد غير قليل من القرون الزمنية وغيرها كثير تجد كتبا مشحونة بها لكل طائفة من طوائف المسلمين. أما إذا أريد فهمها على قانون الطبيعة والحياة المادية للخلق فإن شيئا من ذلك لا يصدق ولقد كان جميلا أن ينقل الأستاذ الزاوي عن الشماخي كما نقل عن غيره دون أن يجعل من هذا النقل وسيلة من وسائل الطعن أو أن يترك ما لا يثق في صحته من هذه الحوادث، فإنها ليست حادثة من حوادث التاريخ البشري التي لها علاقة مباشرة بالأمة، ولكن الأستاذ الزاوي لا يريد ذلك إنَّه يتلمس وسائل الطعن، وحين كان يؤلف كتاب "تاريخ الفتح العربي في ليبيا" لم يكن يقدر أنه سيؤلف كتاب الأعلام وينقل فيه ما كذب غيره فيه.
-
على أن الذي يقرأ كتاب أعلام" "ليبيا" للأستاذ الزاوي وهو يحشر فيه ما لا يحشره رجل أوتى عقلا وتفكيرا سليمين في هذا العصر يأسف لهذا الإسفاف، ما الذي يدعو الأستاذ الزاوي إلى ذكر قصة الوزغة في هذا العصر، إنَّه لم ينقلها عَلَى أنها كرامة، وَإِنَّمَا نقلها عَلَى أنها حقيقة علمية توصل إليها عالم من العلماء في ذلك العصر بالتجربة، ولكن الأستاذ الزاوي يعلم أن هذه التجربة غير صحيحة فما الداعي إلى ذكرها؟. وينقل الأستاذ الزاوي قصة هذا العارف الأكبر الذي يشرب بول آدمي، ومهما كانت ولاية هذا الآدمي فإن بوله يبقى قذرا - ولو طهرته ولايته - عَلَى أنه لا شيء يجعل بول الإنسان طاهراً، وكل ما يفهم من القصة التشكك في سلامة عقل هذا العارف الأكـ هو الأكبر .. لماذا ينقل الأستاذ الزاوي هذه القصة؟ وما الحاجة إليها؟ ألكي يزيد في تدعيم الخرافة في هذا البلد؟ ويقوي جانب الشعوذة حَتَّى يطمئن أولئك الذين يستغلون عواطف الناس الدينية؟ إن هذه القصة بالتأكيد لا ترفع من مقام الشارب، كما أنها لا تزيد من مقام المشروب بوله، إن الكرامة لا تكون معصية أو سببا إلى المعصية. فلماذا يسود الزاوي صحائف كتابه بهذه الخرافة؟ هل يعتقد أن أحدا من الناس يمكن أن
يصدق ذلك؟. (1/181)
صفحة 182
الإباضية في موكب التاريخ
180
الإباضية في ليبيا (1)
انتقال القيادة من ليبيا
بعد المعركة الطاحنة التي قتل فيها أبو حاتم وخيرة جنده وقواده في جندوبه، وبعد أن أصبحت القوة بأيدي عمال بني العباس الظلمة، الذين لا يتورعون عن دم أو مال أو عرض،
انتقل مركز مقاومة العدوان من ليبيا إلى الجزائر، وتكونت في تاهرت دولة الرستميين.
وليس معنى هذا أنه حينما كف الإباضية عن الثورة. أن الثورة قد توقفت في ليبيا.
إن الثورة لم تتوقف يوما واحدا في جَمِيع المملكة، الإسلامية، وإن كانت أغراض الثورات وأسبابها تختلف، وما دامت الدولة مستبدة وعمالها ظالمين. فإن الناس لا يكفون عن المطالبة بالحقوق، وإقامة العدل، إما باللسان وإما بالسيف.
كان الإباضية في ليبيا وتونس مستقلين عن بني العباس؛ وحينما انتقلت قيادة الحركة الثورية إلى الجزائر أصبحت أدوارهم في تاريخ السياسة وكفاح العدوان تابعة لتلك القيادة، وهم وإن كانوا يتبعون دولة بني رستم في تاهرت إلا أنهم شبه مستقلين.
وقد عمد أكثر الإباضية في ليبيا، بعد انقراض الدولة الرستمية، إلى سكنى جبل نفوسه وإن بقيت بقايا منهم منتشرين في كامل القطر. وكان أغلب هؤلاء المنتشرين يعيشون حياة سكان البادية الرحل، أو حياة شبيهة بتلك الحياة.
وقد أستطاع عمال بني العباس بما أوتوا من مال وسلطان ومكر أن يشحنوا نفوس الناس بكراهة هؤلاء القوم، وأن يحكموا عليهم أحكاما غير صحيحة، من حيث الدين والمعتقد، وبذلك تسنى لهم أن تفترق الأمة فيما بينها لتستقر كراسيهم على هذه الدعامة، دعامة التفريق التي يحسنها الحكام الجبابرة في كل زمان ومكان. رجع الإباضية إلى أنفسهم، واستمرت حياتهم على طريقتهم المعروفة: عمل دائم لله، ومحاسبة للنفس، ومجاهدة للشيطان والهوى وإحياء للسيرة المرضية لا يأبهون للدنيا ولا يقيمون لها أي وزن، إنَّها لا تساوى عند الله جناح بعوضة. فكانت مساجدهم عامرة، وأعمالهم في البر، متواصلة، ودعوتهم إلى التمسك بدين الله وسيرة السلف الصالحين مستمرة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لا يتوقف، واستقامتهم في الأعمال مضرب الأمثال ونشرهم للعلم كما لم ينشر في أي مكان. (1/182)
صفحة 183
الإباضية في موكب التاريخ
181
الإباضية في ليبيا (1)
وكان الأئمة في تاهرت يبعثون إليهم، فيحيّرونَهم في الولاة فكانوا – يجتمعون ويتشاورون ثُمَّ يبعثون باسم من يقع عليه اختيارهم إلى الأمام، فترد اليهم الموافقة عليه. فلما انقرضت الدولة الرستمية صاروا يجتمعون فيختارون من بينهم من يثقون في دينه وخلقه وعلمه فيسندون اليه، أمورهم ويولونه شؤونهم، وقد استمروا على هذه الحال حتى بحى الأتراك وامتداد الخلافة الإسلامية في ليبيا.
السمح بن أبي الخطاب
بقي الإباضية في ليبيا بعد قتل أبي حاتم شبه مستقلين عن جميع الحكومات فعمال الدولة العباسية لا يجرأون على مطالبتهم بشيء، وعبد الرحمن بن رستم لم يطلب منهم الطاعة، رغم الولاء المتبادل، واعترافهم بإمامته فلما تولى الإمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن واستقرت الأمور، واطمأن إلى ارتياح السكان، وانتشار السلام، وحمود الحروب والثورات فكر في تفقد أحوال الإخوان في كل من الأراضي التونسية والأراضي الليبية، وقرر أن يقوم بذلك وهو في طريقه إلى الحج. وكان الناس يقبلون عليه ويقدمون له البيعة، فيولي عليهم ولاة يوصيهم أن يسيروا سيرة السلف الصالحين، ولما وصل إلى الأرضي الليبية ودخل جبل نفوسه أجتمع إليه العلماء الأعلام ودرسوا معه موقف الدولة، وما ينبغى للإمام فعله، وصارحوه بأنهم لا يوافقونه على قيامه بالحج، فإن أعداء الإمامة الذين يتحينون الفرص للانقضاض عليه، لا يقفون مكتوفي الأيدي، وقد دخل ممالكهم وحيدا فريدا بدون جند أو أعوان، واقتنع الإمام برأي هؤلاء العلماء الناصحين. وَلَكنَّه أراد أن يطمئن، فبعث برسالة إلى علماء المشرق يستفتيهم في أمره، ويستوضحهم مشكلته في حق ربِّه، ووصل الرسول إلى أئمة الإباضية في العراق ورجع بالرد.
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الرابعة من علماء النصف الثانى في القرن الثاني كان وزيرا للامام عبد الوهاب ابن
رستم، ثم عاملا له على جبل نفوسة ونواحيه. (1/183)
صفحة 184
الإباضية في موكب التاريخ
182
الإباضية في ليبيا (1)
المحدّث الربيع بن حبيب فقد أجاز له أن ينيب عنه أحدا يقوم عنه يقوم عنه بالحج ما أَمَّا الإمام دام مشغولا بأمر المسلمين، أما العلامة ابن عباد فأفتى له بسقوط الحج لعدم أمن الطريق بالنسبة إليه، وأمان الطريق شرط أساسي في وجوب الْحَجِّ، وطلب من الإمام العظيم أن يقيم في جبل نفوسه وأن يتخذ قرية "ميرى" مقراً له. هذه القرية الصغيرة التي أصبحت اليوم خرابا، وكانت في ذلك الحين مركزاً من مراكز العلم والدين والخلق العظيم. وبني هنالك مسجده الفسيح الذي لا يزال منتصبا إلى اليوم في ربوة شامخة يطاول الزمن، ويستعرض التاريخ، ويحتفظ باسم الإمام العظيم، والذي لا يزال أبناء القبائل المجاورة من الرجبان يلوذون بعدله فيضعون في حرمه نتائج زراعاتهم فلا يتعدى عليها ولا تنالها اللصوص. طابت للإمام الإقامة في هذا الجبل، وانصرمت سبع سنوات كأنها ليلة واحدة، وكان يعيش كما يعيش المسلمون، وكان من أهم ما يشغله التدريس فكان مسجده هذا من أعظم المدارس التي نشرت العلم وهدت الناس، لقد كانت حلق الطلاب تتعاقب عليه أكثر النهار وزلفا من الليل، وكانت دروس الوعظ والإرشاد وشرح أسرار الإسلام للناس من أهم ما يتناوله الإمام العظيم، على أن أعظم موضوع أخذ الوقت منه وحرص أن يتفهم الناس أسراره ومعانيه هو الصلاة، هذا الركن الذي يجعل المسلم يناجي ربه عددًا من المرات في اليوم، ويستلهم
موضوع
منه الرشاد والهداية والتوفيق والذي لا يزال يتقرب بفرائضه ونوافله إلى الله، حَتَّى يُحبَّه. ولكثرة ما انشغل الإمام بتدريس موضوع الصلاة على الناس، بالغ بعض المؤرخين فحسب أن الموضوع الوحيد الذي انشغل الإمام بتدريسه سبع سنوات في جبل نفوسه – هذا الجبل التي كان حينئذ يموج بالعلماء الأعلام - هو موضوع الصلاة فقط، والحقيقة أن الإمام العظيم كان يتناول
جميع فروع العلم، ولكنه حبب إليه موضوع الصلاة، فكان لا يمضي يوم إلا ويتحدث عنه. وعندما فكر في مغادرة ليبيا والرجوع إلى مركز الخلافة اجتمع إليه الناس وطلبوا منه أن يولي عليهم عاملا يفصل مشاكلهم، ويجمع منهم الحقوق ويوزعها على مستحقيها، ويتولى قيادة الدفاع إذا هاجمهم عدو؛ فخيرهم الإمام فاختاروا السمح بن أبي الخطاب المعافري؛ وكان السمح في مقام الوزير، للإمام يلازمه دائما، فيعرض عليه المشاكل، ويستشيره في النوزال، ويكل إليه الفصل والتدبير في كثير من الأمور، ولا يكاد يستغني عنه في شأن من (1/184)
صفحة 185
الإباضية في موكب التاريخ
183
الإباضية في ليبيا (1)
الشؤون، فعز عليه أن يفارقه إنَّه من أعز أصدقائه إليه، وهو أخلص مستشاريه وأحب أصحاب الرأي والعلم إليه .. فحاول أن يرضيهم بغيره لكنَّهم أصروا على موقفهم وألحوا عليه فيه، فاضطر أن يستجيب لهم، وأن يؤثرهم به ويقلده ولاية ليبيا لهم، وأن يؤثرهم به ويقلده ولاية ليبيا - ما عدا شريطا رفيعا من الساحل كان تابعا للأغالبة - معتمدا في ذلك على دينه وأمانته، وعلى دينهم وأمانتهم، وشمر الوالي القوي عن ساعد الجد، واستعد لتحمل الأمانة في هذه الولاية الشاسعة، التي تشتمل على معظم المملكة الليبية وبعض المملكة التونسية، لا يخرج منها إلا شريط ساحلي
ضيق بقي للأغالبة بعد المعاهدة التي عقدت بينهم وبين الإمام عبد الوهاب سنة 196 هـ. وتولى السمح تنظيم الولاية، وترتيب القضاة وأمراء الجند وجباة الزكاة؛ فساد الأمن وانتشر السلام، ووجد الناس الحياة التي ينشدونها في ظل الإسلام .. حرية في العمل والكسب، وكفاح الله، وعدل يشمل الغنى والفقير والقوي والضعيف وسيرة كسيرة عمال الخلفاء الراشدين، قوة في غير عنف، ولين في غير ضعف، وإيصال للحقوق إلى أصحابها من أكرم السبل وأقربها؛ فأحست البلاد الراحة والطمأنينة، وذاقت لذة العيش الهنئ الذي لا يكدره الاستبداد ولا يشوبه الظلم، وماذا ينتظر من وال أخذ الدروس الأولى من أبي الخطاب عبد الأعلى؟ وأخذ الدروس الأخيرة عن الإمام عبد الرحمن بن رستم؟ وصحب الإمام عبد الوهاب؟ إنَّه اقتبس الهدى والدين والخلق من ثلاثة أعلام، كان كُلّ واحد منهم حجة من حجج الله في الأرض.
بتقوى
الله
عندما مرض السمح مرض الوفاة اجتمع إليه الناس، وطلبوا منه أن يوصيهم (1)، فأوصاهم الله واتباع الشرع الشريف، ونصرة الأئمة ما ساروا عَلَى الحق، واستقاموا على الطريق، وهى وصية وإن كانت مختصرة في ألفاظها ولكن لا مزيد عليها لمستزيد، إن تقوى في السر والعلانية واتباع الشرع الشريف هو كُلّ ما يطلب من مؤمن يطلب السعادة لنفسه في الدنيا والآخرة .. أما قضية الأمة فقد لفت إليها هذه اللفتة الكريمة التي هي التي تبني عليها سياسة الأمة، والتي جرى عليها الإباضية منذ نشأتهم، فإن الأئمة والخلفاء الذين تسند إليهم الأمة مهمة الحكم، وتضع في أعناقهم أمانة الدولة تجب لهم الطاعة الكاملة من هذه الأمة، ما أقاموا كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام-، وساروا بسيرة
(1) راجع الباروني: الأزهار الرياضية، ص 148.
القاعدة (1/185)
صفحة 186
الإباضية في موكب التاريخ
184
الإباضية في ليبيا (1)
السلف الصالحين، فإن انحرفوا عن هذا الصراط السوي وحادوا عن الطريق القويم، وخانوا الله والأمة في الأمانة، فَإِنَّهُ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ وعلى هذا النمط كانت السيرة؛ سيرة الولاة وسيرة الأيمة من هذه الفرقة في أزمنة الظهور وفي أزمنة الكتمان.
أبو الحسن أيوب بن العباس
(1)
بطل آخر من الأبطال الذين يملؤون الدنيا ويشغلون الزمان يشهد له أبو العباس الشماخي أهل التقى والصلاح والاشتهار في طرق الخير وسبل الرشاد (2).
بأنه: "من ولكن هل تكفي هذه الشهادة للدلالة على منزلة الرجل في عصره، ومقامه بين قومه، وأثره في الحياة؟ إن أبا العباس الشماخي من أولئك المؤلفين الحريصين على الدقة في الوصف، والصدق في الحديث، وهو يختار كلماته اختيارًا يقصد ما ترمي إليه من معان، وتؤديه من أغراض؛ ولذلك فإن هذه الحملة القصيرة التي وصف بها هذا الفارس البطل بالاشتهار في طرق الخير وسبل الرشاد، قد تقتضي من مؤلف آخر عددًا طويلا من الصفحات ليدل بها على هذا المعنى الكبير العميق.
إن الشهرة في طرق الخير وسبل الرشاد أمر ميسور يستطيع أن يحصل عليه الإنسان بعمل يسير، أو كفاح قريب، أو مظهر خادع غرار، وحتى لو استطاع الإنسان أن يحصل على شهرة في جانب من جوانب الخير فإن هذه الشهرة الكاذبة سرعان ما يبدو زيفها، وتتضح حقيقتها، ويزول البهرج الذي غطيت به.
1) ذكره أبو زكريا الباروني في الطبقة الرابعة؛ فهو من علماء النصف الثاني من القرن الثاني. وكان عاملا للإمام
عبد الوهاب على جبل نفوسة ونواحيه.
2) السير، 165. (1/186)
صفحة 187
الإباضية في موكب التاريخ
185
الإباضية في ليبيا (1)
إن الإنسان لا يمكن أن يشتهر في طرق الخير وسبل الرشاد إلا إذا اتخذ ذلك المبدأ يعتمده ويعتنقه ويعمل به لنفسه، ويكافح من أجله، ويحاول أن يجعله مبدأ للناس جميعا يعتقدونه حقا ويعتنقونه مبدأ، ولا يصل الإنسان إلى هذه الميزة إلا إذا كان عمل الخير خلقا يتحلى به، ويحمل من تحت رعايته على اتباعه ويدافع عنه في جميع الأحوال. وإذا كان أيوب بن العباس من ذوي العقائد الثابتة والايمان الراسخ، والخلق المتين، والعلم الغزير، إذا كان هذا الرجل يتحلى بجميع هذه الفضائل، وبما هو أكثر من هذه الفضائل، فإن له ميزة أخرى يمتاز بها عن الناس، وينفرد بها دونهم؛ هذه الصفة هي الشجاعة التي لا تعرف التردد أو الهزيمة أو الخور، إنَّهَا قوة القلب الكبير في قوة البدن السليم الذي وهبه الله الصحة والعافية والسلامة، وهو بهذه النعمة التي خصه الله بها يثق في رَبِّه ثقة لا تحسب للخذلان حسابا، ويثق في قوته ثقة لا تخشى الضعف أو الخور، ويثق في مهارته وذكائه وعبقريته الحربية ثقة لا تخشى مراوغة أو مكيدة أو حيلة وهذه الثقة بنفسه جعلت الأمة تثق فيه، وتعتمد عليه عندما يحزبها أمر أو يشتد عليها كرب، وَلَعَلّ في القصص الآتية برهانا على هذه الصفات الممتازة التي لا يتحلى بها إلا أفراد قلائل في تاريخ البشرية الطويل.
يقول عن نفسه: "لا أعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني"؛ فهل يكون هذا القول من هذا البطل غروراً سولت له به نفسه ووسوس به إليه الشيطان؟ هل يكون هذا الادعاء باطلا عندما يجابه بالحقائق ويصطدم بالأبطال؟ إنَّه يتحدى نصف قارة كاملا، يزعم أنه لا يجد فيه من يقف له
رد له الضربات ويكيل له اللطمات، ويغدق له كؤوس الشراب من حياض المنون المترعة. إننا ولا شك سنتردد في تصديق هذا القول حين يعرض علينا في هذا الدعوى الفضفاضة الواسعة حَتَّى نعرضه على التاريخ، وللتاريخ حق الحكم على صحة هذا الادعاء أو بطلانه، فهل تكفى شهادة التاريخ؟
كان عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم أميرًا للمؤمنين، وخليفة للمسلمين على أغلب شمال أفريقيا من مراكش إلى سرت، ما عدا شريطاً ساحليًا ضيقا ينقطع في بعض الجهات .. وثار على الإمام جماعة من المعتزلة في الجزائر، لهم علم ولهم قوة ولهم بطولة، وتضايق الإمام من هذه الثورة التي كانت تهدد أمن الدولة والبلاد فاستنجد بجبل نفوسه وطلب منه أن يمده بمائة من (1/187)
صفحة 188
الإباضية في موكب التاريخ
186
الإباضية في ليبيا (1)
خيرة الفرسان الشجعان، على أن يكون معهم ثلاثمائة من الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام وتشاور الناس في هذا الطلب وبحثوا أمر الإمداد، وقرروا بالإجماع أنه واجب عليهم، ولكنهم
فكروا في هذا الجيش الذي سيكلفهم ويكلف الإمام مؤونة وتعبا، واقترح مقترح أن يختاروا أربعة أشخاص يقوم كُلّ واحد منهم مقام المئة، ووجد الاقتراح قبولا، فصادق عليه الْجَمِيع، ثُمَّ بدأت عملية الاختيار؛ إن الإمام يريد مائة فارس من الفرسان المغاوير، وهم يريدون أن يرسلوا إليه فارسا واحدا يقوم مقامهم ويغني غناءهم، ومن لهذا الموقف غير هذا البطل الذي يتحدى نصف القارة كاملا في اعتداد وشجاعة، إنَّه الرجل المطلوب أو هو رجل الساعة كما تجري تعابير السياسيين .. وعرض عليه القوم الطلب والاختيار، فهل فكر وتردد؟ موقف صعب يوضع فيه الرجل أمام أقصى امتحان إنَّه لم يكلف بالدخول في معمعة حرب يجالد الأبطال كواحد منهم، ولكنه وضع في مقام جيش يسير من قطر إلى قطر ليهزم جيشا يهدد الإمامة .. قبل البطل هذا العرض باعتداد واستبشار وبرهن أنه أحق رجل بالثقة التي وضعت فيه، واجتمع بزملائه الآخرين وقرروا المسير .. قرروا أن يقطعوا هذه القفار
الموحشة من جبل نفوسة إلى غربي الجزائر، ليقفوا أصعب موقف وقفه بطل في التاريخ. ووصل أيوب بن العباس حتّى ينتظره الموت فاغر الفم، مكشر الأنياب .. وعرض خدماته على الإمام وأعلن أنه مستعد أن يقوم مقام العدد الذي يطلبه الإمام من أبطال الكفاح ورجال الحرب، فكانت ذراعه القوية؛ وسيفه البتار أقوى ضربة وجهها الإمام عبد الوهاب إلى الواصلية من المعتزلة الذين طالما تحككوا بالإمامة وأعلنوا عليها الثورة أو العدوان. إن هذه القصة تشرح معنى الشهرة التي أشار إليها أبو العباس الشماخي في أول هذا الحديث، فهل استطعت أن أكشف النقاب عن الغرض الذي أرمي إليه؟ أم لا يزال يكتنفه الغموض؟ إِنَّه لولا الشهرة بالسير في طريق الخير والرشاد، ولولا الشهرة بالصلاح والسداد، ولولا الشهرة بالقوة والشجاعة والمضاء لما اتفق شعب كامل على وضع ثقتهم في رجل واحد ينوب عنهم في الدفاع عن الكرامة في بلد بعيد يجهلون كثيرًا من قوة أصحابه
واستعداداتهم .. ولولا الشهرة لما اتفق شعب كامل عَلَى أن يقاوموا رجلا بمائة رجل. (1/188)
صفحة 189
الإباضية في موكب التاريخ
187
الإباضية في ليبيا (1)
لقد سبق للتاريخ أن قص قصص الزعماء والأبطال، وأشار إلى أن كلمة لا تسقط بعضهم في الأرض، ولكن ذلك لم يكن لقوة الشخص نفسه، ولكن لمن يتزعمه، كما قيل: إن للأشتر ألف سيف يسلها، غضبه، ويغمدها رضاه.
إن هذه القصة التي ترويها كتب التاريخ عن بطولة أيوب بن العباس، تكفي شاهدا على ثقته في نفسه وثقة الناس فيه واستحقاقه لتلك الثقة.
ولكن لماذا نقتصر على شاهد واحد وللرجل مواقف كثيرة لا تقل مجدًا وعظمة؟ اتفق الواصلية من المعتزلة فيما بينهم بعد أن أوقع بهم هذا البطل العظيم القوي وقتل أبطالهم وفرسانهم، وأذاقهم مرارة الهزيمة .. اتفقوا أن يكيدوا له فيقتلونه غيلة إذا استطاعوا، وهم يعرفون أنهم لا يقدرون عليه، مواجهة، ويعسر عليهم أن يجدوا منه غرة في الأحوال العادية، ولذلك فقد دبروا المكيدة الآتية.
إِنَّهُم قوم بداة يسكنون الخيام، ويرعون الأغنام، فلماذا لا يستضيفونه إلى حيهم، ويكثرون
له أطايب الطعام والشراب حَتَّى إذا ثقل عليه وغلب عليه النوم وثبوا عليه وقتلوه. وجاؤوا يعرضون عليه ضيافتهم فقبل وهو يعرف أنهم أشد الناس حقدًا عليه وبغضا له. ونصحه الإمام ونصحه الأصدقاء أن يرفض هذه الدعوة غير الكريمة، ولكن البطل العظيم أصر على قبول الدعوة وتشريف الحي بالزيارة .. وركب مع القوم ووصل إلى الحي المحتفي المضياف، فقُدِّم إليه العشاء الذي تعبت في إعداده بنات الحي؛ طعام كثير، وشراب كثير، ولبن حامض كثير، وأكل هذا الرجل الشره الأكول .. أكل حتَّى أتم الطعام، وأكل حتى أتم اللحم، وانتقى العظم .. وشرب حتّى استنفذ ما في الوكاء من ألبان .. وكان القوم ينظرون إليه وهم يتغامزون مستبشرين فرحين ...
سريعا،
إنه يأكل كأَنه في منزله، لا يتكلف ولا يتعفف، ولا يخاف ولا يحذر، ونتيجة ذلك سوف تظهر سوف يثقل عليه الطعام والشراب، وتأخذه سنة من النوم فيجدون الفرصة التي انتظروها بفارغ الصبر، وأعدوا لها الأسباب والوسائل .. ولكن الرجل خيب ظنهم، فقد قام بعد أن نظف الأواني مما فيها من طعام، فصلى صلاة العشاء الآخرة، ثُمَّ تربع في مجلسه وبدأ يتلو القرآن الكريم، (1/189)
صفحة 190
الإباضية في موكب التاريخ
188
الإباضية في ليبيا (1)
واستمع الناس إليه فأطال وبدأ الملل يتسرب إلى نفوسهم، والنوم يهز أعناقهم ويؤرجح رؤوسهم،
وطالت التلاوة وامتدت حتى بلغت صلاة الفجر، فصلاها ثُمَّ استأذن رجال الحي في الرجوع. إن الفرصة الأولى قد ضاعت إلى غير رجعة فما العمل؟ وفكر أذكى القوم وأشجعهم فقال: "لو طلبنا منه أن يعلمنا الفروسية حتّى إذا لاحت لنا منه غرة، قتلناه، وتكفل أن يقوم بمهمة مة القتل". وأعجب الشباب بالفرصة الثانية واستعدوا لها، وحمل رئيس القوم سيفه وجاء إلى المحارب المقدام
يعرض عليه ملتمس الشباب، فأجابهم إلى ما طلبوا، واصطفوا على مقربة من الحي، وبدأ الدرس. كان الشباب يحملون عصيا في مقام السيوف، وكان الفارس الكبير يدربهم على مقارعة الأقران ومجالدة الفرسان وأساليب الكر، وخدع الفر، حَتَّى ظن رئيس القوم أن صاحبهم قد استغرق في الدرس ونسي الحذر، وأمكنته منه الفرصة، وواتته الغرة التي كان يتحينها، فوجه الضربة القاضية فيما يظن، ولكن الفارس الذي عرف نوايا القوم مقدما، وَلَمْ يغفل عنها لحظة عين، راغ عن الضربة، واتجه إلى يمينه فقتل، واتجه إلى يساره فقتل، وأطلق بقية الفتيان أعنة خيولهم، وأوغلوا في الفرار، فالتفت الشيخ إلى نساء الحي وهن يعولن وقال لهن: أزيد كن أم كفاكن؟ فصحن به کفي کفي، ووكز جواده فطار به إلى تاهرت عاصمة الإمامة ومقر زملائه الذين كانوا ينتظرون في كُلّ لحظة أن يوافيهم خبر مقتله، ولكن أيوب بن العباس الذي يتحدى الفرسان ما بين فاس ومصر عاد سالمًا موفورا ...
إن هذه القصة صورة أخرى من صور الشجاعة والبطولة والثقة بالله وبالنفس .. يذهب البطل إلى عقر دار العدو .. العدو الذي لا يتورع عن الغدر والخديعة والغيلة يذهب ليأكل طعامهم ويشرب شرابهم ويبيت بين أعدائه في حيهم .. ويسلك في كُلّ ذلك سلوك الرجل المطمئن المؤدب
حين يكون مع أعز الأصدقاء وأو فى الأحبة الذين يكرمونه بكُلِّ ما تميل إليه النفس والشهية. إن هذا الرجل بهذا السلوك نادر من نوادر البشرية في خلقه وفي خُلقه، وفي دينه وأمانته
وعلمه وثقته بربه وبنفسه.
وصل إلى تاهرت بعد سفر شاق قطع فيه آلاف الأميال في صحاري قاحلة جرداء. ومهما كانت قوة الجواد الذي أعده لهذه المغامرة الفريدة في التاريخ فإن التعب لا بُدَّ أن يلحقه. إنه يتكون كما تتكون جميع المخلوقات الحية من لحم ودم وعصب، ولذلك فقد طلب من الإمام (1/190)
صفحة 191
الإباضية في موكب التاريخ
189
الإباضية في ليبيا (1)
أن يعطيه جوادًا يستطيع أن يدخل به المعركة ويقارع عليه الأبطال، واستجاب الإمام العظيم للبطل العظيم فخيره في خيول الدولة، وقد كانت الدول في ذلك الحين تستمد بالخيول وأعدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رَبَاطِ الْخَيْلِ (1) ودخل البطل إلى إسطبل الدولة وبدأ يختار الجياد واحدا واحدا فهل وجد ما يرضيه؟ وهل نجحت خيول الدولة في هذا الامتحان الذي يقوم به هذا البطل الليبي العتيد؟ لقد كان يمسك بناصية الجواد ويجذبه إليه فيقع على ركبتيه، ولم يزل كذلك بها حتَّى اختبرها جَمِيعًا، وحينئذ رجع إلى هذا الجواد الذي قطع الصحراء، وظن أن التعب أنهكه وطول السفر أضناه، فلما أمسك بناصيته وجذبه إليه لَمْ يستجب له الفرس، ولكنَّه رفعه إلى أعلى في اعتزاز وخيلاء تُجيدها الجياد .. عند ذلك انطلقت من شفتي الفارس الكبير هذه الكلمة التي تَدُلُّ عَلَى الإعجاب والإعزاز والحب لهذا الجواد الأصيل: "البركة في البرذون"؛ فضربت مثلا، وكلام هؤلاء الفحول كله مثل وعبرة.
هذا بطل عرف الإمام عبد الوهاب دينه وخلقه وشهرته بالصلاح والتقوى وعرف شجاعته وقوته وثقته في ربه وثقته في نفسه وعمله الخالص لله والأمة، فلما بلغه خبر وفاة عامله على ليبيا، هذا القطر الذي كان يعرف في ذلك الحين " بحيز طرابلس " ويعنون بذلك
جميع الأراضي الواقعة ما بين سرت والقيروان وجبل دمر ما عدا طرابلس المدينة. لما بلغت الإمام وفاة عامله السمح، ذلك العامل الذي تتلمذ على يد أعظم إماميين في ذلك العصر، وهما أبو الخطاب وعبد الرحمن، ثُمَّ دربه عَلَى شؤون الإدارة الإمام عبد الوهاب، الإمام العالم القوي في دين الله كان من أوائل الأسماء التي قفزت إلى ذهن الإمام: أيوب بن العباس، ومنذ ذكره لَمْ ينسه، وَلَمْ يستطع اسم آخر أن يطغى عليه رغم كثرة العظماء في ذلك العصر. إِنَّه لَمْ يفضل عليه حَتَّى بعض زملائه الذين سافروا معه في الوفد، والذين قد يفوقونه علما ومعرفة ولذلك رأى أن يحمل هذا العبء الثقيل وهو مطمئن إلى أنه أسند الحمل إلى أكفأ رجل يستطيع القيام به .. رجل يستطيع القيام به .. وَلَمَّا استشار بعض خواصه من أهل الشورى وافقوه فأرسل إليه يوليه مكان سلفه العظيم السمح المعافري .. تولى العمل وقام به كما قام به
سلفه، قوة في دين الله، ومحافظة على شرع الله، وعدل بين جميع الناس في الحقوق
والواجبات، وحفاظ عَلَى الأمن والسلام، حَتَّى كانت أيامه خيرا وبركة ورخاء.
(1) سورة الأنفال: 60. (1/191)
صفحة 192
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
أبو عبيدة عبد الحميد)
عندما توفي البطل العظيم أبو الحسن أيوب بن العباس أصابت الإمام حيرة وربكة فيمن يختاره ليقوم بالعمل في ليبيا من هذا الرجل الذي يستطيع أن يقوم مقام أيوب بن العباس؟ ويملأ فراغه؟ ولا تعني هذه الحيرة أن الأبطال كانوا قليلا في ذلك الحين، أو ليس هناك من المسلمين المخلصين الذين يوثق بدينهم وخلقهم، أو أن الذين يقوون على تحمّل أعباء هذه الأمانة التي توضع في أعناقهم كانوا من التزرة بحيث يبحث عنهم الباحث فلا يهتدى إلى واحد منهم إلا بعد عناء .. ليس هذا ما تعنيه حيرة الإمام، وإنَّما احتار الإمام؛ لأن عددا جما تتوفر فيه شروط الكفاءة للقيام بهذه المهمة، ولَمْ تتبادر إلى ذهنه ميزة خاصة بأحدهم حتى
يكون ذلك سببا لإناطة هذا الواجب به، ولذلك بعث إلى نفوسه يستشيرهم في الأم ويخيرهم في الوالي الذي يضعون بين يديه مقدراتهم واجتمع أهل الشورى وبحثوا الموضوع من جميع أطرافه، واستعرضوا الرجال الأكفاء، واحدًا واحدا، وأخيرًا قر رأيهم على أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني؛ فأخبروه أنهم رشحوه لأن يتولى أمرهم، وأنهم كتبوا بهذا الترشيح إلى الإمام، وما عليه إلا أن يستعد للقيام بهذه المهمة الخطيرة .. ولو كان أبو عبيدة من أولئك الرجال الذين يطلبون الدنيا ويبحثون عن الجاه ويلتمسون وسائل السلطة، لو كان من هؤلاء لطار فرحًا، ولامتلأ غبطة، ولكنَّه كان مؤمنا مخلصا في إيمانه، تقيا صادقا في تقواه، فلما أبلغ القوم اختيارهم له، وتكليف الإمام له امتنع كما امتنع سلف (2) له من قبل عن تولّي الإمامة، وبذل الشعب كُلِّ وسيلة ليحملوا الرجل على قبول هذا الشرف الذي توليه إِيَّاهُ الأمة، والإمام، فلم يقبل، وكان جوابه لهم في كُلّ محاولة قوله: "أنا ضعيف، أنا ضعيف، أنا ضعيف، يكررها في إصرار وتأكيد وَلَمَّا لم يتمكنوا من إقناعه كتبوا إلى الإمام برفض أبي عبيدة واعتذاره بضعفه.
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الخامسة، فهو من علماء النصف الأوَّل من القرن الثالث. وقد كان واليا للإمام عبد الوهاب ثُمَّ للإمام أفلح على حيز طرابلس ومركزه جادو.
(2) هو العلامة مسعود الأندلسي. راجع الأزهار الرياضية، ص 99. (1/192)
صفحة 193
الإباضية في موكب التاريخ
191
الإباضية في ليبيا (1)
يعرض
لو كان القوم طلاب دنيا لتبدل وجه التاريخ ولسخر الإمام من هذا الرجل المغفل الذي عليه الجاه والسلطة فيزورّ عنها، ولأناط الإمام هذا الشرف بغير هذا الرجل الجامد العزوف، لكن الإمام لم يكن من أولئك الناس الذين ينظرون إلى الأشياء بقيمة الحياة الدنيا، ولكنهم يزنونها بميزان الإسلام، فَلَمَّا وجد هذا الرجل الذي يفر بدينه في حرص وتشدد، عرف أنه وقع على أصلح رجل للأمر، وأن هذا الرجل حقيق أن لا يخاف غير الله، وَأَنَّهُ لا يطمع في غير الله، وهاتان الصفتان هما أكرم الفضائل التي يجب أن يتجلى بها من يلي أمراً من
أمور الدولة.
بعث الإمام رسالة أخرى يؤكد فيها أمره الأول بتولية أبي عبيدة، وأقسم في هذه الرسالة بكل اللغات التي يعرفها أن لا يولي أمر المسلمين إلا رجلا يخاف ضعف نفسه، ثُمَّ حلل العذر الذي اعتذر به أبو عبيدة فقال: إن كنت ضعيف البدن فتول أمر المسلمين والله يقويك، وإن كنت ضعيفا في المال ففي بيت المال غناء للجميع، وإن كنت ضعيف العلم فعليك بأبي زكريا التوكيتي"، إنَّها رسالة من راع يعرف كُلّ شَيْء عن رعية هو مسؤول عنها أمام الله .. وأصبح أمر الإمام واجب الطاعة حتى التنفيذ، ولو كان مترددا، إنَّه يطلب مهلة للتفكير وتقليب الآراء، ولذلك طلب من إخوانه الذين يمسكون برسالة الإمام، ويطلبونه بالتنفيذ أن يمهلوه إلى الغد ليستشير.
من يستشير أبو عبيدة يا ترى؟ ومن هذا الرجل العظيم الذي يلجأ إليه أبو عبيدة يلتمس منه الرأي والنصيحة؟ لعله أبو زكريا التوكيتي؟ لعله أبو مهاصر؟ لعله أبو زيد؟ لعله أبو مرداس؟ لعله واحد من عشرات العلماء الأعلام الذين تغص بهم المدن والقرى في ذلك الحين! ... لا!! لا!! إِنَّه لم يكن واحد من أولئك، إنَّه آخر من يخطر على بال شباب اليوم، الشباب الذي يدعو إلى تحرير المرأة، وهو يعتقد أن معنى حرية المرأة أن تنطلق في الميادين العامة شبه عارية تزرع الفتنة أو تدخل سكرتيرة في مكتب المدير لتعمل عمل المنبه في إثارة الأعصاب الغافلة، أو مضيفة تسلي الركاب باللفتة والبسمة أو موظفة تندس بين صفوف الموظفين تحمل أيديهم عَلَى العمل بشهوة عيونهم الزائفة التي تحملق في جوع إلى وجهها (1/193)
صفحة 194
الإباضية في موكب التاريخ
192
الإباضية في ليبيا (1)
الجميل، أو قدها المياس، أو متنزهة تزاحم الناس في المراكب العامة، والمجالس العامة، والميادين العامة، تزاحمهم بالصدر والعجز، فإن لم تفعل ذلك واحتفظت لنفسها بكرامتها، ولزوجها بجمالها، ولولدها بحبها وحنانها حسبت أسيرة لا تخدم المجتمع.
ولكن الواقع غير ذلك، فلقد استطاعت المرأة المسلمة في مختلف أدوار التاريخ – وهى فتفظة بكرامتها - أن تؤدي للأمة والمجتمع أجل خدمة دون أن تغمز بعين، أو تميس بقد بين أنظار الجائعين، أو أن تكشف عن الصدر والنحر، وأن تطلى وجهها بالمساحيق، وتثقل ميزانيتها وميزانية زوجها بمصاريف الأزياء والتجميل.
قلت: إن أبا عبيدة ذهب يستشير المرأة، للمرأة الكريمة العالمة، التي يجهل شاب اليوم ماضيها المشرق في العصر الذهبي للإسلام .. كانت هذه الشخصية العظيمة التي فزع إليها أبو عبيدة والتي كان رأيها أرجح من رأي جمع غير قليل من أفذاذ الرجال، والتي استطاعت أن تخضع هذا الرجل العتيد لإرادة الأمة والإمام وأن تقنعه بالحجة والبرهان كانت هي "مارن" العالمة الذكية البارعة، جدة المشايخ هذه المدرسة التي لا تزال آثار مدرستها تطاول الزمن في القرية الجميلة "الجمارى" هذه القرية التي تنحني بدلال عَلَى الزرقاء الفاتنة، وترنو في حب وإعجاب إلى زميلتها "مزو" إِنَّهُما قريتان شاعريتان تحضنان وادي الزرقاء الجميل، إحداهما تستقبل قبلة الشمس عند البزوغ والأخرى تتلقاها عند الغروب .. عرض أبو عبيدة قضيته على جدة
المشايخ عرض عليها هذه المشكلة التي حيرته، وأقضت مضجعه، فماذا كان الجواب؟ إن العالمة العجوز لم ترد أن تبسط له في الرجاء، وأن تسند طلب المشايخ والإمام، وَإِنَّمَا وضعت المشكلة أمام حساب الضمير وضعتها أمام المحاسبة النفسية التي لا يستطيع الإنسان أن يتملص منها، إنك تستطيع أن تتملص من جميع الناس بِالْحَقِّ أو بالباطل، ولكنك لا تستطيع أن تهرب من ضميرك، ولذلك فقد قالت له: "إن" تقدمت فأنت في النار، وإن تأخرت فأنت في النار، وأوضحت له مقصدها فقالت: "إن تقدمت وأنت تعرف أن في المسلمين من هو أكفاً منك، فأنت في النار، وإن تأخرت وأنت تعلم أنك أكفأ المسلمين، فأنت في النار". وصمت الرجل العظيم وفكر طويلا واستعرض الأشخاص حتى إذا اقتنع (1/194)
صفحة 195
الإباضية في موكب التاريخ
193
الإباضية في ليبيا (1)
بالنتيجة رفع إليها رأسه وهو يقول في صدق وصراحة وأسف: "أما في الرجال فلا! " يعني أنه لا يعرف أن في الرجال من هو أكفا منه للقيام بأمر المسلمين، وودع العجوز واستعد للقيام بالأمر، ورجع إلى المسلمين الذين ينتظرونه فأخبرهم باقتناعه وقبوله (1). وسر القوم واستبشروا، ولكنهم كانوا يعرفون أن الفضل في حل هذه المشكلة يرجع إلى الجدة "مارن"، ولذلك قال قائلهم: "هلم بنا نزر "وقاية" هي خير من عمائمنا"، والوقاية ما. تضعه المرأة على رأسها ليقي ثيابها ما تدهنه به من زيت وغيره، وزار المشايخ الجدة وشكروها على ما قدمته لأمتها ودينها، دون أن تقف خطيبة تتلوى على المنصة وهي تستعرض مفاتن جسمها أكثر مما تستعرض مواهب عقلها، وتستدر الإعجاب بجمالها أكثر مما تستدر الإعجاب بفكرها ورأيها ..
لماذا يا ترى يصر الإمام ويصر المسلمون على تولية رجل يشكو الضعف، ويتباعد عن تحمل المسؤولية، وقد كانت البلاد مملوءة بالرجال الأكفاء؟؟!.
إن الإمام ذكر حادثة من حوادث التاريخ التي تمر بالإنسان فتترك أثرها الذي لا ينسى ولا يمحى .. إن مواقف البطولة والشجاعة والاستمساك بالْحَقِّ هي المعايير التي تقاس بها الرجولة
عندما تناط الأعمال.
زار الإمام عبد الوهاب طرف المملكة في الشرق هذه القطعة التي نسميها اليوم ليبيا، واتخذ مقره في قلب جبل نفوسه في قرية "ميرى" من بلد الرجبان اليوم، هذه القرية التي اندثرت وَلَمْ يبق منها إلا المسجد العظيم الذي بناه الناس للإمام عبد الوهاب، يلقي فيه المحاضرات العلمية. ويتولى فيه التدريس والصلاة والفصل في مشاكل الناس، وذلك أن الأئمة العدول لم يكونوا يترفعون عن العامة ولا يبتعدون عنهم، ولا يتخذون مجالس خاصة بهم لا يصلها إلا المقربون بعد استئذان .. . إنهم كانوا يقومون بأعباء الدولة بين جموع الأمة، وفي المساجد التي هي بيوت يؤمها جميع المسلمين، وبقي الإمام الكبير وطاب له البقاء؛ فانصرمت من الزمن سبع سنين، وكان بعض مرافقي الإمام خافوا على أنفسهم العنب فتزوجوا عددا من إماء "بني
الله
(1) راجع القصة في السير، ص 182، وفي الأزهار الرياضية، ص 153. (1/195)
صفحة 196
الإباضية في موكب التاريخ
194
الإباضية في ليبيا (1)
زمور"، وولد الأمة هو ملك لسيدها لا لزوجها كما ينص الشرع الكريم، وعندما ركب الإمام للرحيل وركب رفاقه معه أخذ كل واحد منهم ولده من الأمة التي تزوجها، وشغل الإمام بالوداع، فغفل عن هذا الموضوع، واستحى الناس، واستحى العلماء والقضاة والعمال أن يتكلموا، وأن يؤلموا خواطر هؤلاء الضيوف الذين رافقوا الإمام في آخر لحظة، لحظة الوداع، ولكن أبا عبيدة لا يخاف شيئًا في الْحَقِّ، ولا يجامل عليه أحدا، ولا يساير حتى الإمام نفسه .. ولذلك فما سمع بالحادث حتَّى جاء والناس في موقع الوداع، فلم يستأذن الإمام وَلَمْ يهمس في أذن العامل أو القاضي بكلمة لطيفة أو توسل ذليل، ولكنه صرخ بما يملك من قوة الصوت: "خذوا عبيدكم يا بني زمور" إِنَّه حكم الله، ولن يسكت عن مخالفة حكم الله ولو غضب البشر جَمِيعًا.
وكان هذا الموقف الصلب الصريح القوي الذي لا يُحابي ولا يلين، هو الميزان الذي رجح به أبو عبيدة على غيره من الأقران في نظر الإمام .. لقد أقر الإمام أمر أبي عبيدة وأعجب به ولَمَّا جاء مجال الاختيار بين من تسند إليه مهام أمور المسلمين ذكر الإمام صلابة الرجل في الحق، وقوة إيمانه وعلمه وحصانة خلقه، فأصر على توليته، وتولى أبو
عبيدة.
لقد كان أبو عبيدة من أولئك المؤمنين القلائل الذين يفرقون بين المواقف ويعرفون متى تكون الشدة ومتى يكون اللين، إنه يترسم خطا الفاروق الله، لا تأخذه في الله لومة لائم؛ ولَكنَّه إلى كُلّ ذلك لا يرى نفسه إلا رجلا ضعيفًا قد ألقيت عليه تكاليف ينوء بها القوي الأمين، وهو إذا خرج منها سالما فقد نجا. ولذلك فقد كان شديد الاحتياط، ولكنَّه عندما يستبين له الطريق لا يتردد ولا يقف ولا يحيد، وعندما تولى شؤون الجبل كان هناك "خَلَف (1) رجل ممَّن غرته الحياة، واستعبدته الشهوة، وأذلت نفسه المطامع، فاستهان بحرمة المال والدم وطلب لنفسه الخلافة ليقيم ملكا كالذي أقامه طلاب الدنيا في كثير من نواحى العالم الإسلامي، وكان "خلف" يستعلي
1) خلف بن السمح بن أبي الخطاب المعافري. (1/196)
صفحة 197
الإباضية في موكب التاريخ
195
الإباضية في ليبيا (1)
ويتقوى في النصف الشرقى من الجبل الأشم، فلم يهتم له أبو عبيدة ولم يبال به؛ لأنه لم يكن من طلاب التوسع أو الراغبين في تمديد الحكم عَلَى أوسع رقعة، وَإِنَّمَا شمر للقيام بما أنيط به، والعمل على توفير أسباب الراحة والاطمئنان، فأعطى الْحَقِّ، ونشر العدل، وبسط الأمن، كما فعل سلفه أيوب بن العباس، وسكت "خلف" في بادئ الأمر كأنه يزن هذا الرجل الجديد، فَلَمَّا رآه لا يلتفت إليه ولا يتحكك به ظن فيه الضعف؛ فبدأ يناوشه ويغير على بعض القرى المتطرفة، ويتعدى الحدود بينهم، فطلب إليه العامل العالم الشجاع أن يترك هذا. الاستفزاز، وأن يكف عن هذه الأعمال التي لا يقوم بها مسلم يرعى الله في دينه وفي عمله ولكن "خلف" اعتز بالإثم، وواصل العدوان.
بعث خلف بعثة عسكرية من الفرسان فأغارت عَلَى حدود حوزة أبي عبيدة، وقتلت ونهبت في قرية "أدرف" التي لا تبعد عن "جادو" بما يزيد عن 6 كيلو مترات، ووصل الخبر إلى أبي عبيدة، وتحقق من وقوع الغارة، وعلم أن ما لا يقل عن عشرة من المسلمين المسالمين ظلما أريقت دماؤهم وعدوانًا، وأنه قد استحلت أموال وانتهكت أعراض، فقال لأصحابه لا يحل لنا السكوت بعد هذا العدوان وخرج لتأديب هذه البعثة فلقيت منه الصفعة المؤلمة التي يوجهها الأب أو المربي إلى خد الابن العاق، او التلميذ الشرير.
على
وَلَمَّا تولت هذه البعثة منهزمة فارة أصدر أمره إلى جنده أن لا يتبعوا مدبرا، ولا يجهزوا
جريح
الخلفاء
وأن لا يستحلوا مالا، أو يغنموا شيئًا .. إنَّه ذلك الموقف الذي عرفته من الراشدين، وعرفته في سيرة الحارث، وأبي الخطاب، وأبي حاتم .. إنَّه نفس الموقف لا يتغير إلا في الزمان والمكان سيرة عطرة، ووقوف عند حدود الإسلام وتخلق بخلق الإنسانية الرفيع. بعد أن ورجع هذا المثل الرائع، وبرهن أنه قوي حين تستدعي الظروف القوة، ضرب وعنيف إذا تطلب الموقف العنف، وشديد إذا كانت مصلحة الأمة تتوقف على الشدة، ولكن هذه القوة وهذا العنف وهذه الشدة لا تبلغ حد الطغيان، ولا تتجاوز الحدود التي رسمها
الإسلام لرد العدوان. (1/197)
صفحة 198
الإباضية في موكب التاريخ
196
الإباضية في ليبيا (1)
وَلَمَّا رجع العامل القوي إلى مركزه، بعث رسالة إلى "خلف" يقول فيها وهو يرجو أن يحقن بذلك دماء المسلمين: " وإذا نزعت يا خلف يدك عن الطاعة فكن في حيزك وأكون في حيزي وما بال الحرب".
ووصلت الرسالة إلى "خلف" فماذا فهم؟! إن الشيطان إذا نفخ بالغرور في قلب إنسان لا يترك فيه مجالا للاستبصار والرشاد .. إن "خلفا" لَمْ يفهم إلا أن أبا عبيدة قد كان له صفعة مؤلمة يجب أن يردها له بأعنف منها، وأن أبا عبيدة هذا ما بعث بهذه الرسالة اللينة الوادعة القائمة، وما رضي بإقامة الحدود بينهما إلا لأنه شعر بالخوف، وأحس في نفسه ورجاله الضعف، وإذا كان كذلك فلماذا لا يهجم عليه هجمة يستولي بها على الحوزة التي يتولى أمرها هذا الرجل الخائف الذي يقنع بإقامة الحدود.
إن تفكير "خلف" لا يسمو به إلى تفكير أبي عبيدة" ولذلك فهو لا يفسر الإلحاح في طلب السلام إلا بالضعف والخوف؛ لأنه لا يقيم لأموال المسلمين ودمائهم وزنًا، فهو من أولئك الرجال الذين يعيشون تحت ضغط الشعور بالحقارة، فهو يبذل كل مجهود ليكون لنفسه سلطة، وليظهر بين الناس بمظهر العظمة.
وأعد خلف عدته، وكون جيشًا لجبا، وهجم عَلَى "أبي عبيدة" في حين غفلة، ولما بلغ الخبر أبا عبيدة كان الجيش المعتدي قريبا من مركز أبي عبيدة، فلاقاه بمن حضر من الرجال الأبطال، ولما تراءى الجمعان كان جيش أبي عبيدة لا يتجاوز ألفا، وكان جيش خلف لا يقل عن أربعين ألفا، وبدأت حرب الأعصاب، ولعب الغرور بقلب الفتي، فزين له الشيطان سوء علمه، فأطلق جمعا من جيشه اللجب في القرى المجاورة الوادعة، وفي الناس الآمنين المسالمين يعتدى وينهب ويسلب ويقتل ثُمَّ بعث إلى أبي عبيدة يطلب منه الانسلاخ من بيعة الإمام الرسمي، وبيعة خلف.
انقلاب في التفكير، وقلب للأوضاع، ونظرة حولاء لا تستبين الْحَقَّ ولا تهتدي إلى سبيل الرشاد؛ وحاول العامل الحكيم أن يقنع الوفد الذي يطالب بالبيعة لهذا الباغي الذي لا يفرق (1/198)
صفحة 199
الإباضية في موكب التاريخ
197
الإباضية في ليبيا (1)
بين الحلال والحرام من شرع الله ولا يلتزم الحدود التي حدها الإسلام، فَلَمَّا ألزمهم الحجة، رجعوا إلى قائدهم يحملون إليه خبر الفشل وتصميم الرجل على الدفاع. سلك أبو عبيدة كُلّ طريق الحقن الدماء، وإراحة المسلمين من مصائب الحرب ودمارها، ولكنه لم يجد إلى ذلك سبيلا .. وفسر عدوه هذا الموقف النبيل، وهذا التحريج، بالخوف والخشية، بل لقد سولت لخلف نفسه أن يبعث لأبي عبيدة من يقول له: " دع عنك القتال، فإنك لا طاقة لك اليوم بمقابلة خلف وعساكره ولا حاجة لك في لقائه" (1). .. وغضب الرجل الشجاع! هل بلغ الموقف بالطامعين إلى هذا الحد؟ هل ظن المغرور أن أبا عبيدة لم يتخذ هذا الموقف إلا خوفا منه، وطلبا للسلامة، وتحاميا للسيوف القواطع، وهنا برزت تلك القوة التي يغطيها الرجل العظيم باللين؛ تلك القوة التي يودعها الله في قلب من يشاء من المؤمنين الأوفياء ..
إنَّه الغضب الله، الغضب الذي لا يبرد إلا بإحقاق الحق، فأقسم بكل لغة يحسنها لهذا المغرور قائلا: "لأقاتلن خلفًا، ولو ألقاه منفردًا بسيفي هذا" وضرب بسيفه على فخذه، ثُم طلب ماء فاغتسل وتوضأ وصلى ركعتين لله، وتوجه إليه بقلب المؤمن الذي لا يلجأ إلا إلى الله فيما دق وعظم من أمره، وقال في دعائه: "اللهم يا من لم أعرض عنه منذ استقبلت أمره، لا تفرق هذه العصابة إلا عَلَى يدي، إنك عَلَى كُلِّ شيء وبعد ذلك تهيأ لرد
قدير"
(2)
العدوان وبدأت الحرب، ولكنها لم تستمر طويلا، فلقد انهزم الجيش اللجب القوي، الذي يتكون من أربعين ألفًا، وانتصر الجيش الصغير الذي لم يبلغ ألفًا من الأبطال. وعندما ولى المنهزمون الأدبار، صاح أبو عبيدة بصوته القوي الأمر الذي يعرفه المؤمنون إذا من الموحدين، صاح في أصحابه: "لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تتعرضوا لمسالم، ولا تستحلوا مالا"، فاستمع الجند لكلمة القائد المظفر، ووقفوا عند حدود النصر، فلم يبغوا، وَلَمْ يطاردوا هذه الفلول المعتدية ليثخنوا فيها الجراح، ويكثروا فيها
حارهم
البغاة
1) انظر: السير نفس المصدر السابق، ترجمة أبي عبيدة.
(2) نفس المصدر السابق، ترجمة أبي عبيدة. (1/199)
صفحة 200
الإباضية في موكب التاريخ
198
الإباضية في ليبيا (1)
يرتفع
القتل، وَلَمْ يذهبوا إلى أرضهم ليحتلوها ويطردوا منها خلقا فتذوب أحلامه، ولم يقطعوا الرؤوس ليرسلوا بها إلى تاهرت عاصمة الإمامة فيكون هذا الرأس وسيلة أخرى شأن أبي عبيدة عند الإمام .. إنَّهم لم يفعلوا شيئا من ذلك؛ لأن الإسلام لا شيئا من يبيع وهم إن لم يقفوا عند حدود الإسلام في هذا الموضع فأحرى بهم أن لا يقفوا عند حدود في غير هذه المواضع.
و انكمش خلف وتفرق عنه الأتباع، وتبخر الحلم الذي كان يملأ رأسه، ولكن أبا عبيدة لَمْ يستغل هذه الظروف ليثب على تلك الحوزة فيدخلها تحت الطاعة؛ لأن الحكم عند أبي عبيدة وأضرابه لم يكن القصد منه جمع الضرائب واستغلال السلطة وتكديس الثروة لترفيه صاحب السلطان على حساب الشعب، بسبب ما خول له من وظيفة وأسند له من عمل ومنح له من ثقة. ولكن الحكم في نظر أبي عبيدة مسؤولية تلقى عَلَى العاتق يتجرد فيها المسلم المؤمن من أعماله الخاصة، ليتولى شؤون الأمَّة العامة، فيتولى قويهم بالتربية والتهذيب، ويتولى ضعيفهم بالعناية والرأفة والرحمة ويوصل الحقوق إلى أصحابها من أقرب السبل في أقرب الأوقات، ويعدل في الأحكام، ويوفر الأمن والطمأنينة والسلام وليس له مقابل ذلك غير ما يقيم أوده من طعام بسيط ويستر ظهره من لباس بسيط لا ترف فيه ولا إسراف، وليس له بعد ذلك حق التصرف فيما يجمعه من مال ليضمن به مستقبله ومستقبل أبنائه كما يفعل الناس في هذا العصر؛ لأن كُلّ الخيرات التي تستخرج في زمن ما هي إلا حق لأبناء ذلك الزمن، لا تدخر لغيرهم، ولا تمنح لسواهم، أما المستقبل فبيد الله، ولا يفكر فيه الإنسان؛ لأن تفكير الإنسان لا يمتد إلى ما بعد الحاضر، أو المستقبل القريب، وعلى هذا التفكير كان يعيش أولئك المسلمون، الذين حملوا رسالة الله فقد مات محمد الله وَلَمْ يترك لبناته وأقاربه ما يمكن أن يورث، وعاش أبو بكر الله له على القوت الضروري، واللباس الضروري، وخدم عمر الإسلامية خدمة بلغت النهاية في الإخلاص والتضحية، وفتح لها وبما مشارق الأرض ومغاربها، وكانت زوجته الحبيبة طوال خلافته تتمنى قطعة من الحلوى الحلوى الرخيصة التي توجد في بيوت المتوسطين والفقراء، فلم تظفر زوجة أمير المؤمنين الغالية بهذه الأمنية
الأمة (1/200)
صفحة 201
الإباضية في موكب التاريخ
199
الإباضية في ليبيا (1)
الرخيصة، وعندما اقتطعت لمن هذه الحلوى من القوت الضروري الذي كان يتناوله عمر وآل بيته، رأى عمر أن ذلك زائد عن استحقاقه اليومي، فرده إلى بيت المال! ..
إِنَّه لَمْ يأخذ من الأمة حتى حق الأجير الذي يعمل في الحقل أو المصنع، ولم يطالب بتحديد ساعات العمل ليكون الوقت الباقي لنفسه وأهله وعياله وعلى هذا النمط كان يسير أولئك العمالقة الذين يسهرون عَلَى شؤون الأمة، ليلهم ونهارهم، ويؤرقهم أن يبيت فرد من الأمة عاريا أو جوعان ويحز في نفوسهم أن يتعطل حق من الحقوق، فلا يصل إلى صاحبه في أسرع وقت.
إنَّهُم وقد تقلدوا هذه المسؤولية العظمى، وتحملوا تلك الأمانة الغالية، ووضعت فيهم تلك الثقة العظيمة، حسبوا أَنهُم أقل من أجراء فوضعوا أنفسهم وأموالهم ومالهم من قوة البدن، وقوة العلم، وقوة الفكر، وضعوا كُلّ ذلك لخدمة الأمة، وهم يشفقون مع ذلك أن تكون أعمالهم تلك غير مقبولة عند الله.
إن تولي الإمارة والقيام بمهمة الحكم في الأمة الإسلامية، لا يعني سوى تضحية الفرد، تضحية كاملة، ينسى فيها نفسه وأهله وقرابته من أجل هذه الأمة التي أولته الثقة، وحكمته في مصيرها وشؤونها.
(1)
تحدث أبو العباس الشماخي عن البطل الذي يندر أن تجد له مثيلا فقال: "وكان أبو عبيدة شديد الشكيمة قوى العريكة، لا تأخذه في الله لومة لائم " (1). إِنَّهَا شهادة رائعة من مؤرخ أمين مطلع على أسرار التاريخ، عارف بسير الرجال، فهل لأبي عبيدة شواهد من هذا التاريخ تسند هذه الشهادة، وتثبت هذا الحكم؟
إن الباحث الذي يريد أن يدرس حياة هذا العامل الصادق المخلص يجد في سيرته عشرات الشواهد والشهادات، ويكفي عن كل ذلك فيما يظن شهادة أربعة أعلام أجمعت أمتهم حينئذ أن كل واحد منهم يقوم مقام مائة؛ إِنَّهُم الوفد الذي سافر من جبل نفوسة إلى تاهرت، لينصروا الإمام في الميدانين العسكري والعلمي، ولَمَّا أعجب بهم الإمام سألهم: هل
1) نفس المصدر السابق. (1/201)
صفحة 202
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
تركوا أحدا في الجبل يبلغ ما بلغوا إليه من العلم والخلق والدين. قالوا: "تركنا من هو خير منا (1): أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني"، فكانت هذه الإجابة منهم أوكد شهادة عرفها التاريخ في الاعتراف بِالْحَقِّ والفضل.
وشاءت إرادة الله أن يزور الإمام عبد الوهاب جبل نفوسة - هذا الجبل الشامخ، الضارب في السماء الذي نسميه الآن الجبل الغربي - في حاشية عظيمة من أهل العلم والفضل والأدب، وأن يختار قرية "ميرى" التي تعتبر قلب الجبل في ذلك الوقت مركزا لإقامته، وأطلق سراح الخيل بعد عناء السفر الشاق، هذه الخيل التي حملت الركب العظيم من تاهرت إلى جبل نفوسة، فتساهل الرعاة في حفظها إكراماً لها، واحتراما لمن جاء عليها، فدخل بعضها إلى الغابة، ونالت من هذه الغابة التي يحرص الناس عليها؛ لأنَّها مدار زراعاتهم، ومنبت أرزاقهم، وكان أبو عبيدة في ذلك الحين رجلا عاديا من سائر الناس لا يمتاز عنهم بشيء غير ما يقدمه لربه، فلما سمع بوصول الإمام إلى قرية ميرى" وبتهاون رعاته في رعاية الخيل وحفظ المزارع منها، خفَّ إلى ملاقاة الإمام، لا ليسلم عليه ويرحب بمقدمه، ولا ليتملقه ويتزلف إليه، لَمْ يَخفّ إليه لذلك وَلَمْ يذهب إلى الإمام ليرفع إليه الشكاة، ولم يراع سلسلة المراتب، فيتقدم إلى العامل أولا، ليكون هذا العامل هو واسطة الحديث، ولكن وقف أمام الإمام وقبل أن يرفع إلى أعتابه العالية، ومقامه السامي أرق التحايا، وأخلص النوايا، كما يفعل المتملقون من طلاب الدنيا الذين يتزلفون للحكام، قبل أن يفعل شيئا من ذلك صرخ بصوته القوى، الذي يعتز بالإسلام وبالحق. قال: "انة الرعاة عن المضرة، إن لم تعرف فقد أعلمناك، وإلا فصل بيننا هذا" (2) وهز السيف في وجه الإمام الضيف.
كان الإمام ينظر إلى هذا الرجل الخشن القوي العنيف في إعجاب، ثُمَّ سأل عنه من يكون؟ فقيل: أبو عبيدة عبد الحميد، وذكر الإمام شهادة الوفد في تاهرت فقال: صدق الشيوخ، هو
مثلهم أو خير منهم.
(1:انظر الأزهار الرياضية، ص 143. (انظر: الأزهار، ص 143. والسير، ص 189. (1/202)
صفحة 203
الإباضية في موكب التاريخ
201
الإباضية في ليبيا (1)
ثُمَّ ابتسم الإمام في بشر وتواضع وأصدر أوامره المشددة على الرعاة لتحرص على حفظ
أموال المسلمين. فهل تكفي هذه الحادثة لتكشف عن الخلق العظيم الذي يتحلى به هذا المسلم المؤمن؛ إنك تستطيع أن تضعه في صف ذلك المؤمن الذي أجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين هدد بإمالة رأسه إلى الدنيا فقال له: إذن نقومه بالسيف" فحمد الله أن جعل في المسلمين من يملك من القوة والشجاعة ما يردع به حكام الدولة، ويلزمهم السير في الطريق (1) الذي اختاره الله ورسوله لسلوك البشرية الواعية.
اللا
إن أول عمل قام به أبو عبيدة بعد أن تولى أمر المسلمين في الجبل أن أدب رجلا دعا بدعوى الجاهلية فقال: "يا آل فلان"، يستنجد بقبيلته .. وإنك إذا أردت أن تعرف من أعماله مثل هذه الحادثة فستحتاج إلى صفحات كثيرة.
إن هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ خالص يحصي الخطوات ويسلسل الحوادث، ويربط الأحداث بعضها ببعض؛ إنَّه صور مشرقة من أولئك الذين ملأوا الدنيا حقا وعدلا ومروءة وشهامة واستقامة، إِنَّهُم أولئك الذين كانوا على الإسلام الحق في حربهم وسلامهم، في عقيدتهم وعبادتهم، لَمْ تمتد أيديهم إلى زخرف الدنيا بالباطل، ولَمْ تلوث سيوفهم بالدماء المظلومة، وَلَمْ تَمتزج عقيدتهم بالبدعة المنحرفة، ولم تمتزج عبادتهم بالخرافة الضالة. ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بما جاء في كتاب السير القيم: " ... ومال إلى ما طبع عليه من الورع، واطراح واطراح الحرص على الدنيا وترك الطمع، وكان غاية في إنفاذ الأمور وإمضائها، وقائما بالمدافعة لأحوال البغاة ودفاعها، ووافيا بما أمر من إصلاح النفس والدين والدنيا وتحصينها، ولما ولي أحسن السيرة" (1).
(1) اللاحب هو الواضح البين. (المراجع)
2) السير، 179. (1/203)
صفحة 204
الإباضية في موكب التاريخ
202
الإباضية في ليبيا (1)
العباس بن أيوب)
بطل من أبطال الكفاح، ومؤمن من أخلص المؤمنين .. رجل من أولئك الرجال الذين خلقوا أقوياء لتحمل الأعباء الثقال .. أولئك الرجال الذين يضعون أنفسهم لخدمة الأمة، وصيانة الدولة، وإقامة الْحَقِّ .. إقامة الْحَقِّ دون نظر إلى من يقام عليه الْحَقِّ .. ومع هذه القوة أناة يزينها الحلم، وتفكير تسدده الاستشارة، وتردد في بعض المواقف يفرضه استبانة الْحَقِّ، واستيضاح الدليل ...
كتب مشايخ نفوسة إلى الإمام في تاهرت يعزونه في أبي عبيدة، ويطلبون منه إسناد أمرهم إلى وال آخر، يكون قويا في دين الله حريصًا عَلَى المؤمنين؛ ففوض إليهم أمر الاختيار، وأخبرهم أنه سوف يولي عليهم من يشيرون به .. فتشاوروا وأجمع أمرهم على العباس بن أيوب، وكتبوا إلى الإمام برأيهم دون أن يخبروه.
أصدر الإمام أمر الولاية إلى العباس، وبعث إليه برسالة التولية، فلم يفرح بالمنصب، وكم يتهرب من المسؤولية، وَلَكِنَّهُ جمع الناس وأبلغهم رسالة الإمام، واستشارهم في أمورهم، ودرس معهم ما جدّ من الحوادث والمشاكل ثُمَّ رتب أموره، وهيأ نفسه للقيام بالمهم العظمى الملقاة على عاتقه.
كان "خلف" قد انكمش بعد الضربة القوية التي وجهها إليه أبو عبيدة عندما غرته نفسه، ومنته الأماني، فهاجمه في مركز حكمه، وَلَمْ يتحرك بقية مدة ذلك العامل القوي؛ فلما توفي أبو عبيدة وبقيت البلاد بدون عامل وانصرمت أيام طوال تجري فيها المخاطبة بين رجال الشورى والإمام في تاهرت، تحرك الشيطان للعمل، ووسوس لخلف فأوحى إليه أن الفرصة سانحة، وأن هذا وقت العمل لتحقيق الحلم اللذيذ .. الحلم الذي كان يداعب خلفا ليرتفع إلى مرتبة السلطان، ويتربع على كرسي الحكم. وتحرك الرجل من جديد، وبدأ في تجهيز الجيوش
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الخامسة فهو من علماء النصف الأول في القرن الثالث، كان عاملا على حيز طرابلس للإمام أفلح بن عبد الوهاب. (1/204)
صفحة 205
الإباضية في موكب التاريخ
203
الإباضية في ليبيا (1)
وإعداد العدة فما يكون موقف العباس بن أيوب، أو توفيق بن أيوب كما يحلو لأبي مرداس
أن يسميه.
بعث العباس بن أيوب العامل الجديد إلى خلف أن يكف عن العدوان، وأن يلتزم حوزته، و أن لا يتعدى على أموال الناس وأرواحهم، ولكن خلفًا أخطأ مرة أخرى في فهم هذه الرسالة، وظن هذه الملاينة مرة أخرى ضعفًا وخشية لقوته ورهبة من جيشه، فتمادى في غيه، وأصر على موقفه واستمر في عداوته وسار بجيشه الكثيف، نحو مركز العامل الحريص على سلامة البلاد والعباد.
وَلَمَّا علم العامل الفتى الشجاع هذا الموقف من خلف، ورأى منه هذا الإصرار والعناد، وسمع بمسيره نحوه استعد له وكون حملة لتأديب هذا الرجل العاق، الذي ينحرف عن الله الإسلام، ويستحل ما حرم من دماء المسلمين وأموالهم والتقى الجيشان داخل حوزة العباس وتراءى الجمعان ...
كان جيش خلف كالموج الزاخر، يضطرب بالفرسان كثير العدد، حسن التجهيز، وكان جيش العباس عبارة عن حملة تأديبية عبارة عن سرية صغيرة قصد منها رد العدوان .. ورأى بعض ضعاف النفوس من جيش العباس، هذه الكثرة الهائلة في جيش العدو، وهذا الاستعداد المتين فخاف العاقبة، فذهب إلى أبي مرداس وهو من رجال الشوري الذين يؤثرون على قائد الجيش، ذهب إليه ليكشف له عن رأيه، ويبين له أن العدو يفوقهم عددًا عددا وعدة، ولكن أبا مرداس أجابه إجابة المؤمن الواثق بربه الراجي للنصر، العارف بقيمة الأبطال، الذين يحاربون
إلى جنبه .. الأبطال الذين يحاربون عن الْحَقِّ، ويرغبون في الشهادة، ويثبتون على المبدأ .. إن الفرق كبير جدًا بين رجل يحارب من أجل جاه أو مال ورجل يحارب من أجل حق وعقيدة؛ إذ أن الأوَّل إذا تعسر عليه الحصول على الجاه أو المال تركها محافظة على الروح، محافظة على سلامة نفسه، أملا أن يجد فرصة أحسن، ووقتا أكثر ملاءمة .. أَمَّا الثاني فإن أوَّل ما يقدمه هو روحه، ولذلك فليس له إلا أحد اثنين إما النصر، وَإِمَّا الشهادة، وليس له شيء يُحافظ عليه، ويبقي على سلامته. (1/205)
صفحة 206
الإباضية في موكب التاريخ
204
الإباضية في ليبيا (1)
قال أبو مرداس: "لا أخاف عَلَى جيش فيه أبو الحسن الأبدلاني". وسكت الرجل، ولكن الجواب لم يقنعه إنَّه يريد جوابًا عمليا، إنَّه يريد تأخير المعركة حتَّى يستعد لها كُلّ الاستعداد، ولذلك ذهب إلى أبي الحسن الأبدلاني في الطرف الآخر من الجيش، وأخبره نفس الخبر، وأطلعه على الحقيقة المخيفة؛ أراه كثرة العدو واستعداده، وأراه بالنسبة إلى عدوهم ولكن أبا الحسن الأبدلانى أجابه إجابة الواثق بربه، العارف
قله جيشهم
الاتفاق
بصحبه، فقال له: "لا أخاف عَلَى جيش فيه أبو مرداس". وعجب الرجل من حسن وصدق الفراسة، وعظم الثقة في الله واقتنع أن النصر لا يأتي من كثرة العدد وقوة الساعد فقط، ولكنه ينبع من القلب ينبع من الإيمان ووقعت الحرب، وتصادم الجيشان، وطال بينهما
النضال ...
لَمْ ينهزم جيش الباطل بالسرعة التي يظنها المؤمنون الصادقون، فذهب أبو مرداس إلى العباس، عامل الإمام، وقائد الجيش العام، وقال له: "تب إلى رَبِّك، فما تأخر عنا النصر إلا لأن شيئًا ما وقع منك، وما كان للباطل أن يقف أمام الْحَقِّ هذا الوقت الطويل ... " وَلَمْ يغضب القائد عَلَى هذا الرجل الذي يتهمه بالمعصية، ويحمله مسؤولية تأخر النصر، ولكنه قال في حرارة وصدق وإخلاص: "اللهم إنى أتوب إليك من كُلّ ذنب ارتكبته، ثُمَّ اندفع إلى الميدان"، وصاح في القوم: "اعملوا كما ترونني أعمل"، وَلَمْ تمض على هذه التصفية إلا لحظات قلائل، حتَّى انهزم الباطل بكثرته، وانتصر الْحَقِّ بقلته، ووقف أبو مرداس وفلول جيش العدو تتولى منهزمة مدبرة، وصاح في الجيش: "لا تتبعوا مدبرًا، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تستحلوا مالا ولكن جنديًا في طرف الجند تحدى البطل العظيم، أحد أولئك الأفراد الذين لا تهمهم الشخصيات، ولا تعظم في أعينهم الأوامر إلا إذا كانت متسمة بالحكمة والحق .. وأعلن هذا الجندي العادي لقائد الجيش، ولأبي مرداس أن فلول العدو لا تزال داخل الحوزة، وأنهم سوف يطارودنهم حَتَّى يخرجوا من الحدود، وعرف أبو مرداس الصواب في رأي الجندي البسيط، فسكت .. ووافق القائد على هذا الرأي فطوردت تلك (1/206)
صفحة 207
انتهى
يقضي
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (1)
الفلول حتّى تجاوزت وادى الآخرة (1)، وهو آخر الحوزة في ذلك الحين، وقضى منذ ذلك الحين على هذه الفكرة التي كانت تراود خلفا، فلم يحلم بها من بعد، ولم ينهض لقتال .. خلف بعد هذه الصفعة المؤلمة فلم يعد يحلم بالإمامة، وَلَمْ يطالب بالبيعة، ولم يعد يباشر عمل السلطان الغشوم؛ يقتل الأرواح ويسرق الأموال ولكن أولئك القوم الذين كانوا يناصرونه ويعقدون عليه آمالا طوالا وتعودوا العدوان بالغارة، واستمرؤوا طعم النهب والسلب واستحلوا الأموال بالباطل، أولئك القوم لَمْ ينفكوا عن موقفهم؛ فكانوا يغيرون على أطراف الحوزة يقتلون ويسلبون ويغزون .. وَلَمَّا أصبحوا لا يجتمعون تحت إمرة قائد عظم خطرهم وكثرت غاراتهم وتواصلت تعدياتهم ولهذه الأسباب قرر العامل الحازم أن على هذا الفساد، وأن يفرض الأمن على البلاد التي لا تخضع لحكم ولا تتبع نظاما، وكون جيشه القوي، وسار فكان الناس يتسابقون إليه مرحبين به منضمين إليه، وقد تعترضه شراذم متفرقة فتراق دماء، وتذهب أنفس، وكان أبو مرداس من أخلص المستشارين وأحرص المؤمنين على مصلحة الأمة، وأكره الناس لإراقة الدماء، فلما رأي تسابق الناس وترحيبهم بعامل الإمام أمل أن يتوب أولئك العصاة المارقون دون قتال أو استعمال شدة، فجاء إلى العامل الذي يزمع التقدم ينصحه بالرجوع، ويطلب إليه أن يعطي القوم فرصة لعلهم يفكرون فينضمون إليه، أو يقلعون عن الشغب، ولكن العباس وقد استعد وصمم على إقرار الأمن، رأى أنه لا داعي للرجوع بعد أن أمن مجموعة من القرى والمدن، وأقبل الناس عليه فرحين مستبشرين، وهو يأمل أن يتم هذه المهمة في أسرع وقت؛ فقال أبو مرداس: "ارجع وإلا صحت في الناس أن يرجعوا" .. وَلَمَّا رأى العامل هذا الإصرار من أبي مرداس استجاب له ووقف خطيبا فقال: "أيها الناس نفذ الزاد، وضعف الكراع، فارجعوا حَتَّى إذا سمنت
الدواب وجددنا الزاد، رجعنا (2).
1) واد شديد العمق بين الرجبان والزنتان.
الأزهار، 2/ 178 (1/207)
صفحة 208
الإباضية في موكب التاريخ
206
الإباضية في ليبيا (1)
لم تكف هذه الحملة لتأديب أتباع خلف فما رجع حَتَّى عادوا إلى ما تعودوه من الاعتداء على الآمنين، وسلب أموالهم ونهب أرزاقهم، وجرد العامل الحازم حملة أخرى لتأديبهم ففروا أمامه، وأراد هذه المرة أن يستأصل الداء، وأن ينتهي من هذه المشكلة التي طالت، ولكن من أبا مرداس كان لا يزال عند رأيه الأول، كان لا يريد استعمال القوة، وكان يرجو أن يثوب أولئك العصاة إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم، فنصح للعباس بالرجوع، ولكن العباس هذه المرة كان مصمما على المضي، فلم يمتثل لنصيحة الشيخ وَلَمْ يستجب لدعوته، فرجع أبو مرداس إلى نفسه وقال: ما أعظم جُنون مهاصر - يعني نفسه - حين يترك ربه ويلجأ إلى رجل مثله، يطلب إليه أمرًا، ثُمَّ اتجه إلى رَبِّه داعيًا أن ينزل عليهم غينا عميما، فاستجاب دعاء الشيخ ونزل الغيث مدرارا سالت به الأودية، وارتوت به الهضاب، فجاء الجند إلى القائد يستأذنونه في الرجوع؛ لأن الموسم موسم زراعة وهم جند يقاتلون دون أن تكون لهم مرتبات، وليس لهم مطمع في غنيمة؛ لأنهم يقاتلون الموحدين البغاة، واضطر القائد إلى تلبية رغباتهم، فقال له الشيخ ردهم" الآن إن استطعت! " وهكذا انتهت الحركة الثانية وفق رغبة أبي، مرداس، ولكن آمال أبي مرداس لم تتحقق، فلم يثب أولئك القوم إلى رشدهم، ولم يتوبوا
الله
إلى ربهم، وَلَمْ يحاسبوا أنفسهم، بل ما كف عنهم حر القتال، حتى عادوا لما لهوا عنه. لقد كان الشيخ يعتقد أن هذه المناورات التي يقوم بها الجيش القوي المظفر، كافية لإرهاب العدو، وإيناس الصديق فينكمش المعتدون، وأما المسالمون فإِنَّهُم سوف ينضمون إلى الإمامة؛ وبذلك يكون قد استطاع أن ينشر الأمن في جميع الربوع دون أن يريق الدماء. ويظهر أن رأي القائد كان أنسب لهؤلاء الذين طبعوا عَلَى العناد، وألفوا الغارات، وتعكير الأمن، وسلب أموال الناس، ولذلك فقد جهز للمرة الثالثة حملة قوية لتأديبهم، وصمم على أن يقضي على الأيدي العابثة. ولَمَّا كان ببعض الطريق تفقد الجيش فلم يجد أبا الحسن الأبدلاني وأبا، مرداس، فحبس الجيش ورجع يلتمسهما مخافة أن يكون وقع حدث دون أن يعرف، غضب منه الشيخان وهو حريص أن يكون عند رضائهما، بل إن الأمة كلها كانت حريصة على رضائهما. (1/208)
صفحة 209
الإباضية في موكب التاريخ
207
الإباضية في ليبيا (1)
أما الشيخان فقد تعبا من المسير، وضعفا عنه لكبر السن فرأيا أن يستريحا قليلا بالطريق. وقصدا "أغرميمان" بتغرمين عند العجوز هذه العجوز العالمة الصالحة التقية، التي قصرت نفسها في مجلس الذكر كما تدلُّ عليه كلمة "أغرميمان" التي تعنى: قصر النفس في مجلس الذكر. وأصلها "أغرم إيمان".
وفرحت العجوز أم الخطاب بزيارة الشيخين، فذبحت شاة لضيافتهما، وكانت تناقشهما في مسائل العلم ومعاني العبادة، وما لبثا حَتَّى وصل العباس يلهث من التعب ويتساءل في حيرة وارتباك عما أرجعهما عنه؛ فبادر أبو مرداس يطمئن القائد قائلا: "إنك عَلَى الْحَقِّ لَمْ ننكر عليك شيئًا، وأوضحا له أنهما تعبا وأصبحا لا يطيقان السير العنيف، ومصاولة الأقران، فاطمأن قلبه وقال لهما: دعا الحرب" لمن يطيقها". كانت العجوز تستمع إلى الحديث الذي يدور بين الأبطال الثلاثة، وكانت لم تعرف أنهما رجعا إليها من الجيش فلما علمت بذلك، وعرفت أن العباس ذاهب إلى قتال العدو، عمدت إلى اللحم وكان قد نضج واستوى فوضعته في خرج العباس، وقدمت إلى الشيخين المرق قائلة لهما وهي تشير إلى العباس وقد امتطى جواده وانطلق به هذا الذي يستحق اللحم أما أنتما فيكفيكما الجلبان (تعنى: العدس وما معه، فابتسم الشيخان في رضا، واستحسنا منها
هذا السلوك.
أما العباس فقد تعقب الجناة، واستمر ينشر الأمن، ويقيم العدل، ويحافظ على قواعد
الإسلام، حتى بلغ ككلة" فأمن الناس وعم الرخاء، وانقطعت أسباب الفتنة. لقد كان العباس مثل أبيه قوة وشجاعة وإيمانًا، لا يرهب بطلا ولا يخشى معركة، ولا تغره دنيا، ولا يدخله الشيطان من باب، يتواضع للمؤمنين حتّى تحسب به ضعفا به ويقسو على العصاة والمجرمين حتَّى تخال به عنفًا، ولا يتمسك برأيه في عناد وإصرار، ولكنه يستمع
النصيحة ويرجع إلى الشورى، ويعمل بما يقول به المخلصون. (1/209)
صفحة 210
الإباضية في موكب التاريخ
208
الإباضية في ليبيا (1)
أبو ذر أبان بن وسيم
(1)
كلمة
نشأ كما ينشأ الفقراء من أبناء العوام كفاح متواصل في سبيل العيش، وعمل دائب في زراعة الأرض، حَتَّى شب عن سن الدراسة، واستعصى عوده عن حمل المحفظة، وأصبح رجلا من أولئك الرجال الذين لم يتح لهم أن يغترفوا من مناهل العلم العذبة، فنشأ جافًا، وإن كان ذا ذكاء متوقد ونفس حساسة، وعزيمة دونها الفولاذ مضاء .. مرض يوما فلزم حجرة مع أخيه عبد الله العالم الفقيه فكان الناس يزورونهما، ينصرفون بأحاديثهم ووجوههم وقلوبهم ومؤاساتهم إلى أبي عبد الله، ولا يلتفتون إلى أبان إلا إذا نهضوا للخروج؛ فتنطلق منهم المجاملة: "كيف حالك يا أبان؟ "، فيجيبهم ونفسه تكاد تنفجر: إن عاش أبان جعل للدنيا جزاءها إن شاء الله (2) .. وعاش أبان وسلم من هذه، المرضة وشفي من ذلك الداء، وخرج لا ليواصل كفاحه في غرس الأشجار، ورعي الأبقار، وجمع وسائل العيش؛ ولكنه خرج ليستقبل عملا جديدا، يخجل أكثر الناس أن يقوم به، ويضربون لذلك المثل فيقولون: "بعد ما شاب دخل الكتاب"، خرج ليزيد إلى كفاحه في سبيل حياة الجسم، كفاحا في سبيل حياة
الروح .. كفاحا أشد يقتضي صبرًا وسهرا، وقوة إرادة وصدق عزيمة، وبدأ يتعلم ...
بعد
أن ينتهي من كفاحه المادي يذهب إلى علامة زمانه أبي خليل صال الدركلي للدراسة، وكان أبو خليل من أولئك الذين خلقوا بطبعهم للتعليم، وتبليغ رسالة الله، وتوجيه الناس إلى المثل العليا، فلم يكن يقتصر في تعليمه على وقت، أو يقف عند نظام، أو يراعي طبقة، إنه وهب نفسه كلها، ووقته كله للتعليم .. يلقي الدروس النظامية على الطبقات النظامية في مدرسته العامرة، في الأوقات المخصصة؛ ولكنه عندما يخرج من المدرسة إلى السوق، إلى المسجد إلى البيت في الليل أو في النهار كان لا يكف عن التدريس، ولا ينقطع عن
عده
ه أبو زكريا في الطبقة الخامسة؛ فهو من علماء النصف الأوَّل من القرن الثالث: كان عاملا للإمام أفلح بن
عبد الوهاب على حيز طرابلس.
(2) هذه القولة لا يزال يرددها أهل وارجلان إلى يومنا هذا، ولا يدري الأكثر نسبتها، ويكررونها بلفظ: «إذا عاش أبان فسوف ترون ما يفعله أبان، وإذا مات أبان فرحمة الله على أبان». (المراجع) (1/210)
صفحة 211
الإباضية في موكب التاريخ
209
الإباضية في ليبيا (1)
التعليم، ولا ينتظر أن يكثر الطالبون، أو أن تستدير به، الحلقة، ولذلك فقد كان نبعا ثرارًا عذبا، يستقي منه أبان في أي وقت أمكنته الفرصة وحضر إليه.
و واظب أبان على هذه الدراسة، وتفتح قلبه وعقله للعلم والفهم، يساعده على ذلك عزيمة صادقة وصبر على المتاعب والمصائب، راض نفسه عليها يوم كان يكافح من أجل الحياة، وإيمان بأن حياة الانسان بدون علم لا تستحق أن تحيا أو تحسب من العمر، وبلغ في درجات العلم فوق ما أمل وأجازه أستاذه أبو خليل الدركلي إجازة لم يتحصل عليها أحد من الأذكياء النجباء، وما كانت تجاز إلا للقليل من الأعلام الذين يدركون أسرار الشريعة،
طلابه
ويفهمون مقاصدها العميقة، ويفرقون بين الحالات المتشابهة المظاهر ويعرفون بواعثها، ويتعمقون في دراسة نفسيات الناس ومدى ارتباط أعمالهم بإيمانهم، فقال له: " يا أبان، افت للناس بالرخص؛ لكُلِّ زمان نذير، وأنت نذير زمانك".
إن الفتوى بالرخصة لا تصح لأي أحد، ولا لكُلِّ حالة، ولا تكون قاعدة عامة تبنى عليها الأحوال المتشابهة، ولا يفتي بها كُلّ متعلم، إنَّهَا كالدواء الضروري الذي لا يعطى إلا في حالات خاصة؛ تراعى فيها جوانب معينة، لا يمكن أن يدركها إلا قلة من العلماء، الذين أوتوا فهما لأسرار الشريعة وحكمة الفريضة، ومعرفة نفسيات الناس؛ وكان من هؤلاء الصنف هذا العلامة الذي درس بعقله، واعتمد على فكره، وبلغ أعلى مراتب علم الشريعة، بفهمه لا يحفظه؛ فأصبح أعظم مرجع للإسلام، وقدوة للعلماء الأعلام، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الإباضية عن آرائه وفتاواه وتحقيقاته، وكثيراً ما تكون تلك الآراء هي خاتمة النقاش،
ومحز الخلاف.
لقد كان نافذ البصيرة، حاد الذكاء، عميق الفهم قوي الحجة، واسع الاطلاع، ولكم وجهت إليه الأسئلة في معضلات المشاكل، فوجدت عنده الجواب السهل القريب، وكان بعض المتعلمين يؤلفون أسئلة فيما يظنونه مستحيلا أو قريبا من المستحيل، ويوجهونها إلى ذلك العلامة، فيجيبهم دون روية أو تفكير ... (1/211)
صفحة 212
الإباضية في موكب التاريخ
210
الإباضية في ليبيا (1)
قيل له يوما: كيف المخرج لرجل حلف لامرأته بالطلاق أن لا يزوج ابنتهما لمن يحبان؛ ولا لمن يبغضان؟ وظن السائل أنه وضع بين يدي الشيخ سؤالا معقدًا يحتاج إلى تفكير على أقل تقدير، ولكن الشيخ خيب ظن السائل وأجابه على الفور يزوجها لمن لا يعرفان، واقتنع السائل وسكت.
وقد كان الطلبة كثيرًا ما يضعون أمثال هذه الأسئلة التي يعتقدون استحالتها أو صعوبتها، ويأملون من وراء ذلك أن يقف هذا البحرُ حائرًا مرتبكا؛ وَلَكنَّهُ كان في كل مرة يخيب ظنهم، ويجد الجواب الشافي دون حيرة أو ارتباك.
لهجت الألسن بعلمه وفضله، وتقاه وقوة إرادته واتباعه للحق، وفهمه للأسرار، وشدة ذكائه، وكان الإمام في "تاهرت" يبحث عن مثل هذا الرجل ليوليه أمور المسلمين .. إن العلماء والصلحاء والتقاة كثيرون في ذلك الحين، ولكن العلم والصلاح وحدهما لا يكفيان للاختيار .. إن الذكاء وقوة الإرادة والصلابة في دين الله أمور ضرورية لمن يتولى شأن
المسلمين. كان الإمام يبحث عن هذه العقول النيرة، والقلوب البصيرة، ليحملها أمانة الأمة، ويضع بين
يديها تلك المهمة العظمى؛ فبعث إليه بعد وفاة العباس بالولاية على جبل نفوسة" وما والاه. إن تولي أمر المسلمين عند أولئك الناس لا يعني جاها ولا منصبا ولا ثروة، ولكن يعني تحمل أعباء ثقال، يحاسب عليها الرجل من ضميره، ومن الإمام، ومن الأمة، ومن الله؛ وَلَمَّا جاء أمر الإمام إلى العالم الكبير بالولاية لم يرده؛ ولَكنَّهُ قبله في حزن وأسف، ثُمَّ أَتَّجه إلى الخالق الذي بيده الموت والحياة، وتضرع إليه في حرارة أن لا يطيل عليه مدة هذه الولاية، وأن يجعلها لا تتجاوز سبعة أيام، فإن تجاوزتها فلا تتجاوز سبعة أشهر .. واستجاب الله لدعوة عبده، فلم تتجاوز مدة ولايته سبعة أشهر إن الله رِجَالاً لَو أَقسَمُوا عَلَيْهِ لأَبَرَّهُم) (1) (2).
(1) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه الديلمي في الفردوس، عن أبي موسى الأشعري، ر 8578، بلفظ: «يكون في أمتي رجال طلس رؤوسهم دنس ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم». (المراجع)
(2) انظر: السير، ص 241. (1/212)
صفحة 213
الإباضية في موكب التاريخ
211
الإباضية في ليبيا (1) ا
أبو منصور إلياس
(1)
مؤمن عميق الإيمان وبطل لا يهاب أعباء البطولة، نشأ في "تَنْدميرة" في هذه القرية الـ كانت وَلَمْ تزل مقرًا للعلم والدين، ومنبعا للذكاء والخلق المتين، لم تتح له فرصة الدراسة في صغره، وكان في خلقه خشونة وعَرَامَة (3)، وفي بُنيته أسر وقوة، وفي طبعه حدة وشدة .. لم يهذبه من ذلك في زمن الصغر إرشاد المدرس، وَلَمْ تنل منه عصا المؤدب؛ فشب صلبا قويا، ولَكنَّه في هذه الصلابة والعزة كان يُجل العلم والعلماء.
كان ذات يوم في "تيجي" في هذه القرية الجميلة الوسنانة التي تستلقي في استرخاء عند أقدام الجبل الشامخ .. تمتص الزلال العذب من منابعه الصافية، وكان ينحدر الماء إليها من القمم الشماء التي تناطح السحاب في كبرياء .. وكانت "تيجي" في ذلك الحين مدينة: ينة آهلة بالعلم والعلماء، وكان سعد بن أبي يونس الذي أسندت إليه ولايتها بعد أبيه، يتولى شؤونها. ويرعى أمورها، ويقيم فيها كتاب الله، ويشرف على المدرسة العامرة، التي أسسها أبوه فيها، والتي خرجت فيمن خرجت أبا معيد الجناوني العالم، الزاهد، الذي يقوم مقام أمة. قلت: إن أبا منصور كان في "تيجي" من الشؤون، فلقي أبا مرداس مهاصر، وكان أبو مرداس حافي القدمين منهك القوى قد أدمى الشجر والحجر قدميه، وكان في سنة قحط وشدة، فرق له أبو منصور، ونزع نعليه فأعطاهما للشيخ، فتقبل الشيخ هذه الهدية، ثُمَّ اتحه بقلبه إلى ربه وقال يخاطب أبا منصور - وكان أبو منصور فتى قويا من أهل الْجُملة -: "نزع
" لشأن
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السادسة؛ فهو من علماء النصف الثاني من القرن الثالث كان عاملا للإمام أبي اليقظان، ثُمَّ الإمام أبي حاتم على حيز طرابلس. قال فيه أبو العباس في السير (ص) 224): "وكان بعد أن تولى أمور المسلمين إذا خرج لقتال العدو يركب بغلة ولا يتقي نبلا، ولا ضربة على نفسه ولا على مركوبه، ولا تقع به، ولَمْ يهزم له جيش، ولم تنكس له راية". اهـ.
(2) عرم وعرامة وعارم هي الشدة والحدة. (المراجع) (1/213)
صفحة 214
الإباضية في موكب التاريخ
212
الإباضية في ليبيا (1)
الله منك يا فتى ما لا يرضى ورد فيك ما يرضى قال أبو منصور يتحدث عن نفسه "فأحسست حين دعا بما غشينى" فوقع في نفسه التعلق بالمراتب العالية من العلم والعمل (1). وهكذا تغير وجه التاريخ بالنسبة إليه، واتجه اتجاها جديدا، حتّى بلغ غاية يقصر عنها كثير من العاملين، واشتهر علمه وخلقه ودينه بين الناس حتى بلغ ذلك الإمام أبا اليقظان في تاهرت، فعينه واليا على ليبيا، وسار في عمله السيرة التي يعرفها المسلمون .. قوة في الحق لا تبلغ الطغيان، وعدل بين الناس يجري عَلَى ما أمر به كتاب الله وهدي محمد الله، وخلق كأخلاق الصحابة، يدفعها الإيمان للعمل، ويقف بها الإيمان عن الانحراف عن سبيل الله، يبلغ في شدته على العصاة والمجرمين، والمنحرفين ما يملأ قلوبهم خشية للحق، ويقف لكلمة حق يسمعها من أي شخص عادي، لا تغلبه نفسه عن الرجوع إلى الحق في أي موقف أو أي مكان .. إنَّه كان صورة ثابتة للفاروق له، ولو لم يتح له ما أتيح للفاروق من إقامة دين الله، والمحافظة عليه ...
6.
من
العلماء
جاءته رسالة من أحد عماله يطلب فيها إقامة الْحَدّ على حاملها، وكان جماعة حاضرين، فيهم القاضي عمروس؛ وقرأ الوالي الحريص على إقامة حدود الله الرسالة وفهمها، وبدأ في إقامة الحد.
وفي هذه الأثناء وصل العالم الزاهد أبو الليث (2)، فأفسح له المشايخ في المجلس، وطلبوا منه أن يشرف مجلسهم، ولكنَّهُ أجابهم - وهو يشير إلى الوالي - حتّى أنظر ما يقع هناك، ووصل إلى الوالي وهو يباشر إقامة الحد، فسأله عن عمله هذا؟ فأخبره الوالي أنه يقيم الحد برسالة وردت إليه من أحد عماله فقال له: "أمن أجل سواد في قرطاس تضرب الناس يا إلياس؟ " .. وقرعت كلمة الْحَقِّ سَمع الوالي العظيم، وتمكنت من قلبه، فأوقف يده الضاربة؛ ووقف موقف التلميذ المذنب أمام المدرس الحازم، وسأله عن رأيه في القضية، فقال الشيخ العالم: "تضع الرجل في الحبس، وتبعث بالأمين" .. فإذا ثبت عليه الحكم أنفذت فيه الحد، وإلا وجب أن تقاصصه من نفسك ..
(1) راجع السير، ص 224.
(2) راجع القصة في ترجمة أبي الليث، السير، ص 242. (1/214)
صفحة 215
الإباضية في موكب التاريخ
213
الإباضية في ليبيا (1)
وَالْحَقُّ
هم
وأطاع الوالي، وبعث بالأمين فثبت عنده أن الرجل مظلوم، وأن الجاني المطلوب، لَمْ يحضر، وَإِنَّمَا سلم الرسالة إلى هذا الغافل، ونزل الوالي على حكم الشيخ، وقاصص الرجل من نفسه. هذا مثل يوضع بين يديك أيها القارئ الكريم، يوضح لك قيمة العلم عندما يقوده الإيمان والحق والدين الصحيح .. إن العلماء حجة الله في الأرض، يستوي عندهم الحاكم والمحكوم لا يقع بين أيديهم شأن من شؤون الدولة والأمة حتّى يفهموه حق الفهم، يصدرون فيه حكم الله، وما دام هؤلاء العلماء في الأمة، فإن الأمة بخير؛ فإذا انقلب العلماء إلى أتباع للحاكم، يبررون أعماله، ويساندونها بالفتوى ويوجبون طاعته على الناس، ويطالبون الشعب بالصبر، ويتلقون ما يقذفه عليهم هذا الحاكم من أرزاق وعطايا. إذا انقلب العلماء إلى مهازيل يسيرون وراء القافلة يَحْدُون ويصفقون، فإن الأمة سوف تنحدر إلى هوة سحيقة العمق، لا يعلم إلا الله قرارها. لم يكن أبو منصور جبارا ولا طاغية، ولكنَّه أخطأ بعدم التثبت؛ وكان بمجلسه جمع من العلماء جاز عليهم هذا الخطأ كما جاز عَلَى أبي منصور؛ فَلَمَّا عرف الحق رجع إليه، وأقاد من نفسه .. وهو موقف رائع، يدعو إلى الإعجاب والتقدير.
إنَّه موقف الحاكم المسلم، الذي لا يعتز بالإثم بالسلطان، ولا يعتصم بالقوة، ولا يتردد في
قبول الْحَقِّ، مهما كان هذا الحق، وكيفما كان هذا الحق، وعلى من كان، ولمن كان ... عرف الناس ما عليه أبو منصور من الصلابة في دين الله، فلزموا الجادة. ولكن ابنا لخلف بن السمح خطر له أن يجدد أمر أبيه، وأن يدعو لنفسه، وأن يعكر الأمن الذي ساد، والسلام الذي انتشر؛ فطارده أبو منصور حتَّى ألقى عليه القبض في جربه، وحبسه أياما ثاب
بن
من بعدها وصلح حاله وأصبح يسمي بعد ذلك الطيب بن الخبيث بن الطيب". حصل بين العباس بن أحمد طولون وبين أبيه نفور وسوء تفاهم، فانتهز العباس غياب أبيه عن مركز الدولة في القاهرة، وأخذ ما في خرائن الدولة (1) من الذهب، ويقدرها بعض المؤرخين بحمل ثمانمائة حمل من الدنانير الذهبية، وجهز جيشا واتجه إلى المغرب.
(1) نقل الشيخ عن ابن الرقيق، أن الذهب الذي نقله ابن طولون مائة حمل ذهبا. السير: ص 225. (1/215)
صفحة 216
الإباضية في موكب التاريخ
214
الإباضية في ليبيا (1)
كان ينوي أن يحتل هذه البلاد الواسعة الغنية، التي تقع ما بين الإسكندرية والمحيط الأطلسي، ويكون فيها دولة مستقلة مركزها القيروان - عاصمة الأغالبة في ذلك الحين - وسار بجيشه الذي زحف على برقة زحف الجراد. فلما وصل إلى طرابلس حاربه عامل الأغالبة فيها "ابن قهرب" وَلَكِنَّه انهزم وتحصن في المدينة، ولَمَّا وصل إلى "لبده" خرج إليه عاملها وأهلها وأكرموه، ولكنه لم يرع حق هذا الإكرام، فأمر بنهبها فنهبت على حين غرة، وقتل رجالها وانتهكت حرماتها، قال الزاوي: "وقد امتدت يد جند ابن طولون إلى البوادي الذين يسكنون خارج المدينة، وكانوا من البربر الإباضية، ومن أتباع إلياس بن أبي منصور النفوسي صاحب جبل نفوسة، ونالوا من حرماتهم وأموالهم فاستغاثوا به من جيش بن طولون (1). وقد كتب إليه ابن طولون حينما كان يحاصر طرابلس: "أن أقبل بسمعك وطاعتك، وإلا وطئت بلدك بخيلي ورجلي، وأبحت حرماتك"، فرد عليه إلياس: " أما إنك أقرب الكفار مني، وأحقهم مجاهدتي، فقد بلغني من قبيح أفعالك ما لا يسعنى التخلف معه عن جهادك، وأنا على أثر رسالتي إليك"، وجهز جيشا من اثنى عشر ألف مقاتل، والتقى بابن طولون في قصر حاتم سنة 267 هـ، فانهزم ابن طولون وتشتت شمله واستبيحت أمواله وأخذ أهل طرابلس كل ما معه من مؤن وعتاد وَلَمْ يأخذ البربر شيئا من الغنائم؛ لأنهم يرون حرمة أموال الباغين من الموحدين، ولا يستبيحون دماءهم ما داموا مُحاربين لهم، ولا يستبيحونها في حال السلم (2). ووصل ابن الأغلب إلى طرابلس بعد أن تمت المعركة وانهزم ابن طولون، ورجع أبو منصور إلى مركز حكمه.
وصل ابن الأغلب كما تصل الغربان، يبحث عن الدنانير التي عف عنها أبو منصور، ويلتقطها من الناس، حتَّى أن الجندي كان يبيع دنانير ابن طولون سرًا بأي ثمن، خوفا من وجودها عنده.
(1) نقلت كُلّ ما يتعلق بموقعة أبي منصور مع ابن طولون من الفتح العربي للزاوى. 2 انظر الفتح العربي (الطبعة الأولى، ص 153. (1/216)
صفحة 217
الإباضية في موكب التاريخ
في هذه الحادثة التاريخية يلتقي ثلاثة قواد
215
من
الإباضية في ليبيا (1)
قادة الأمة الإسلامية:
هم
العباس بن
أحمد
بن
طولون، وإبراهيم بن أحمد بن الأغلب، وأبو منصور إلياس ...
وفي إمكانك أيها القارئ الكريم أن تقارن بين هؤلاء الرجال، وأن تعرف أيهم كان يتبع
في جميع تصرفاته هدى الإسلام، وأيهم كان يتبع هواه، ويسير في سبيل الشيطان؟ أيهم كان يمثل الإسلام حق تمثيل؟ وأيهم كان لا يبالى بدين؟ ولا يقف عند حدود الله؟ ... هذا فتى يجد غرة من أبيه السلطان فيسرق خزائن الدولة؛ لأنه يتعجل الوصول إلى الحكم، ثُمَّ يكون جيشا ويتجه إلى المغرب .. يقتل الأنفس البريئة، وينتهك الحرمات المصانة، ويجازي من أحسن إليه شر الجزاء، ويهدد مسالما لم يتعرض له فيقول: " أقدم بسمعك وطاعتك، وإلا وطئت بلدك بخيلي ورجلي، وأبحت حرمك".
ما مقدار إيمان هذا الرجل الذي يسرق خزانة الدولة، ثُمَّ يتوغل في بلاد المسلمين، يقتل ويسلب ويغنم، وينتهك الحرم، ولا يقف عند هذا الحد العملي، بل يتجاوزه إلى أن يسند لنفسه التشريع، فيقول لمؤمن عصم الإسلام ماله ودمه وحرمه وأبحت حرمك" إن الذي بيده الإباحة والتحريم إِنَّما هو خالق الخلق، وليس لغيره أن يترل دينا على حسب هواه يحلل ويحرم. إن الرجل الذي يستحل ما حرم الله، ثُمَّ ينسب ذلك إلى نفسه في غرور ووقاحة وتبجح لا يخشى أمر الله، ولا يستحي من مخالفة دينه وأمره، ليبعد عن الإسلام!
وضع إلى جانب هذا الموقف الظالم الخارج عن حدود الله موقف خصمه، هذا الخصـ الذي اعتدى عليه في مقره، وهدد بإباحة حرمه وبأن تطأ الخيل بلاده؛ وطولب أن يقدم السمع والطاعة لفتى، مغرور أقل ما يوصف به عقوق الوالدين.
لقد ثار! ... وأي حر لا يثور؟ ولاقى الطاغي الجبار في قصر حاتم .. وكانت المعركة .. وشاءت إرادة الله أن الحق والشهامة والمروءة وأن ينهزم الطغيان المتكبر الجحود! فماذا كان من
ينتصر
المنتصر؟ ما هو موقف أبي منصور إلياس؟ هل ذبح الأسرى؟ هل قطع الرؤوس؟ هل انتهك الحرمات؟ حرمات المحاريين، أو حرمات المسالمين؟؟ هل أطلق أيدي الجند للغنيمة؟ هل جمع الأموال ليستأجر بها المرتزقة؟ أو ليبني بها القصور؟ أو ليكدسها في بيت المال؟ هل جمع الذهب الذي يتناثر
في المعركة كما يتناثر الحصا؟ إن وقر ثمانمائة حمل تنتشر هناك؟! وَلَكنَّه لم يفعل شيئًا من ذلك! .. (1/217)
صفحة 218
الإباضية في موكب التاريخ
216
الإباضية في ليبيا (1)
وعند ما ولى العدو منهزما، وركب ابن طولون فرسه هاربًا، أوقف أبو منصور رحا القتال، ثُمَّ أمر جيشه بالرجوع، هذا الجيش الذي يقاتل في سبيل الله لا يأخذ من الدولة مرتبا، ولا من ساحات القتال غنيمة .. ورجع أبو منصور بجيشه المظفر بريئًا من الانتقام، بريئًا من الظلم، بريئًا من العدوان، نظيفًا من الدماء المسالمة، نظيفاً من الحرمات، نظيفا من جميع الأموال! .. أموال المسالمين، وأموال المعتدين، إنَّه لم يأخذ من هذا الذهب المتناثر في ميدان ... (المعركة قطعة واحدة يحتفظ بها للذكرى، أو يجعلها في دور الآثار.
(1)
وجاء الطامعون بعد ما خلا الميدان من المنهزمين والمنتصرين يتخاطفون ما عف عنه أولئك الأبطال المؤمنون، الذين يعرفون أين يقفون من حدود الله .. ووصل القائد الثالث، الذي كانت الحملة الطولونية موجهة إليه .. وصل بعد أن انتهى كل شيء، فماذا فعل ابن الأغلب؟ .. إنَّه رجع إلى أشلاء المعركة، يجمع بقية الأسلاب، ويطارد الناس الذين غنموا من غير جهد، فينتزع منهم ما أخذوه ويفتش الأفراد والجماعات، ليتحصل على هذا الذهب، الذي فرطت فيه خزائن القاهرة، حتّى كان الرجل يبيع ما معه من دنانير ابن طولون بأي ثمن ليتخلص منها، مخافة أن يجدها عنده أعوان الطاغية الثاني.
وسار التاريخ لا يلتفت وفني الذهب الذي سرقه ابن طولون من خزائن أبيه ليبني به عرشا، فنثره أبو منصور النفوسي في ميدان المعركة، وفني ابن الأغلب رغم هذه الدنانير التي كان يفتش عنها بدقة، ويجمعها بحرص، وفني أ أبو منصور أيضا كما يفنى جميع الناس. ولكن هذ المثل الرائع، الذي ضربه للحكام، وهذه السيرة العطرة التي سار بها بين العدو والصديق، وهذا الخلق الكريم أخلاق النبوءة، وهذا الدين القويم، الذي يعصمه من الخطأ والزلل، هذه الصفات
الذي اقتبسه من
وما إليها بقيت خالدة مع الإنسان، توحي بالعبرة والذكرى لِكُلِّ من يتولى أمر أمة.
إن الشهامة التي يتصف بها أبو منصور، والعبرة التي تركها للأجيال، والقدوة الحسنة التي خلقها لقواد الجيوش؛ أغلى من ملء الدنيا ذهبًا، وما عند الله خير وأبقي! ...
ه EKO K
(1) أجمع المورخون أن أبا منصور وجيشه لم يأخذوا شيئا من هذه الأموال. (1/218)
صفحة 219
الإباضية في موكب التاريخ
217
الإباضية في ليبيا (1)
الزاوي وأبو منصور
كتب الأستاذ الطاهر الزاوي عن مجيء العباس بن طولون إلى طرابلس، وملاقاة أبي منصور النفوسي له، ورغم أن الأستاذ الزاوي في هذا الموضوع لا يجد مفرا من ذكر حقائق التاريخ، إلا أن قضية العنصرية لا تزال تشغل فكره، وتستحوذ على قلمه، يقول في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا» (صفحة 152) وهو يتحدث عن أبي منصور: "وأخذ أهل طرابلس كُلّ ما معه من مون وعتاد – أي مع ابن طولون – وَلَمْ يأخذ البربر شيئًا من الغنائم؛ لأنهم يرون حرمة أموال الباغين من الموحدين". لست أدرى لم يحشر كلمة البربر في هذا الموضوع؟ وهم قبائل متعددة في ذلك الحين، وفيهم صفرية يستحلون دماء وأموال الموحدين، وفيهم مرتزقة مع مرتزقة العرب (1) التي يتكون منها جيش الأغالبة عَلَى رأي الأستاذ الزاوي نفسه، ليس الموضوع موضوع عرب وبربر، ولكنَّه موضوع إيمان ودين ... إن أبا منصور وجيشه لم يتورع عن غنم أموال المسلمين؛ لأنهم، بربر، ولكنهم تورعوا عنها؛ لأن الإسلام قد صان أموال المسلمين، فلم يبحها إلا بشروط معينة، وأبو وأتباعه، يقفون عند حدود الإسلام، قاتلوا المعتدين فلما انهزموا عفوا عن دمائهم وأموالهم؛ لأن الإسلام يأمرهم برد العدوان ويحرم عليهم أموال الموحدين .. ويظهر أن للأستاذ الزاوي رأيا غير رأي أبي منصور ورأي الإباضية ورأي الإسلام في قضية الأموال والغنائم، وفي الصورة الآتية تتضح لك معاني رُبَّمَا لَمْ تالم تتضح ن تعبيره في الجمل السابقة -
منصور
1) يقول الأستاذ الزاوي في كتابه "تاريخ الفتح العربي في ليبا" (صفحة 142) ما يلي بالحرف الواحد: "الجند: ينقسم الجند إلى ثلاثة أقسام: الحرس الأميري، وهو المخصص الحراسة الأمير، وليس له عمل غير ذلك. والجيش: وهو مركب من عدة عناصر من العرب والبربر وغيرهم، وكلهم مأجورين مرتزقة " لا غاية لهم من عملهم إلا الحصول على الأجر، وما يقع في أيديهم من الغنائم ... ». (1/219)
صفحة 220
الإباضية في موكب التاريخ
218
الإباضية في ليبيا (1)
القارئ
كتب الأستاذ الزاوي عن أبي منصور في كتابه أعلام" ليبيا" ولعله مما يهم الكريم أن أنقل إليه هذه المقتطفات من هذا الكتاب القيم، قال الأستاذ الزاوي: "ومن أظرف ما وقع، أن الإباضيَّة لَم يأخذوا من هذه الغنائم شيا؛ لأنهم يرون حرمة أموال الباغين من الموحدين، ويستبيحون دماءهم ما داموا محاربين لهم، ولا يستبيحونها في حال السلم مع أن إلياس كتب إلى ابن طولون رسالة قال فيها: أما أنك أقرب الكفار منى ... الخ، وكثيرًا ما يريد الإباضية بالكفر، كفر النعمة". قرأت هذا الكلام، وأنا أعجب لهذا المسلم الذي لم يجد ما يعلق به على هذه الحادثة التاريخية الهامة إلا قوله: ومن أظرف ما وقع ... إلخ .. ماذا يقول الزاوي عن
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما انتصر في وقعة الجمل ولم يغنم الأموال؟ ..
أيرى أن ذلك شيئًا ظريفا؟ وهل عادت أحكام الإسلام من التفاهة في نظر المؤرخين بحيث يحكم عليها بالأحكام التي نطلقها على بيت من الشعر أو قطعة من
الأدب؟!.
ما وقع الظرافة في هذه القصة يا ترى؟ لئن وقف المؤمن الورع حيث يقف به الإسلام لا يظلم ولا يبغي؟ إن هذا ليس فيه، ظرافة، إنه حق، وعدل، ودين ... وقف عنده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ووقف عنده أبو منصور إلياس، هذا الرجل الذي لم تنتكس له راية، وَلَمْ ينهزم في موقعة وَلَمْ يلوث يديه بدم برى، وَلَمْ يَملأ جيبه بمال حرام، وأمثال هؤلاء الأبطال يجب أن يكونوا قدوة لولاة أمور المسلمين. ويقول الزاوي: "الإباضية يرون حرمة أموال الباغين من الموحدين"، فهل يرى حضرة الأستاذ الكبير غير هذا الرأي؟ أليس هذا هو حكم الإسلام؟ ألم تعصم كلمة الشهادة دماء المسلمين وأموالهم إلا بحقها؟ أم يرى أن الإباضية أخطأوا سبيل الإسلام، حيث لم يرتكبوا من الفواحش ما يرتكبه أولئك الذين اتخذوا الحروب ذريعة للغنيمة، ووسيلة لكسب المال. (1/220)
صفحة 221
الإباضية في موكب التاريخ
219
الإباضية في ليبيا (1)
وَلَمْ يَجد الأستاذ الزاوي شيئًا يلمز به هذا البطل العظيم في جميع أعماله وسيرته، فأورد الكلمة التالية، أن إلياس كتب إلى ابن طولون رسالة قال فيها: "أما أنك مع أقرب الكفار منى ... إلخ. وكثيرًا ما يريد الإباضية بالكفر كفر النعمة. وما دام الأستاذ الكبير يعرف أن كلمة الكفر قصد بها كفر النعمة في استعمال أبي منصور، فما وجه إيرادها؟ أم أن الأستاذ الزاوي يرى أن ابن طولون وهو يسرق خزانة الدولة، ويقتل الأبرياء، ويغتصب الأموال، وينتهك الحرمات، إنما يقوم بأعمال البر والإحسان ..
ثُمَّ لماذا لم يذكر أن هذه الرسالة كانت جوابا لرسالة من ابن طولون يقول فيها لأبي منصور: "أقبل بسمعك وطاعتك، وإلا وطئست بلادك بخيلي ورجلي، وأبحت حرمك"؟ وأيهما أكبر في نظر الأستاذ الزاوي: إطلاق كلمة الكفر على رجل يرتكب من الفواحش ما يندى له جبين الإنسانية، أو ينسب تشريعاً يُخالف تشريع الله، فيحلل ويحرم حسب الهوى؟ أم هذا الموقف المتجرد من الدين والخلق، المحاد لأحكام الله، الزائغ عن طريق المؤمنين؟ ..
إن الحقَّ أحق أن يتبع، وهو لا يخفى على الأستاذ الزاوي، ولكن شيئًا في صدره يحيد به عن منهج الصواب، ويجعله يسلك طرقا، ملتوية، وهو يتصدى لكتابة التاريخ .. وليت الأستاذ الزاوي ضرب مثلا أعلى في التراهة للشباب المسلم الذي نرجو أن يرتفع عن دنايا النفوس المريضة، ويرجع إلى الْحَقِّ الذي جاء به الإسلام ويستمسك بهدى العدول من أبناء أمة مُحمد، لا تؤثر عليه طائفية، ولا تميل بـ عنصرية، ولا يقدس إلا ما قدمته شريعة الله ... (1/221)
صفحة 222
الإباضية في موكب التاريخ
220
الإباضية في ليبيا (1)
أفلح بن العباس)
بطل آخر من أبطال الكفاح الكفاح بأوسع معانية كفاح النفس والهوى .. وكفاح الظلم والباطل .. وكفاح الباطل من أي طريق جاء .. وثقت فيه الأمة، ووثق فيه الإمام فأسند إليه الإمامة عَلَى ليبيا .. وسار على النهج الذي سار عليه أسلافه أبان، وأبو عبيدة، والسمح، وآباؤه العباس وأيوب.
تواضع للمؤمنين يكاد يكون ذلة .. وقوة على العصاة والمجرمين تصل إلى درجة الحدة، وحمل للناس على السير في السبيل الواضحة، وقيام بأمور المسلمين ومهامهم دون تفريط في قليل أو كثير، وحب يشمل جميع المسلمين .. وشورى تقف حيث يريدها خيار الأمة، وتتجه أنى يطلبون فلا يقطع أمرًا دون رأيهم، ولا يصر على عمل وهم له كارهون، ولا يقف عن أمرهم فيه راغبون؛ وَلَعَلّ موقفه هذا يتجلى في الموقعة التاريخية المشهورة التي حطمت فيها سيوف نفوسه "وقعة مانو" جهز إبراهيم بن أحمد بن الأغلب جيشًا عظيما من تونس يريد به غزو مصر، ولَمَّا وصل إلى "رقادة" أقام بها مدة يستكمل عدته، ثُمَّ أَتَّجه إلى مصر يريد حرب ابن طولون .. وطريق هذا الجيش يَمُرّ بليبيا، وليبيا إباضية الْمَذهَب، تابعة للدولة الرستمية، ما عدا طرابلس العاصمة والبحر، حسب المعاهدة التي وقعت بين عبد الوهاب الرستمي وعبد الله بن الأغلب .. وكان الوالي على ليبيا حينئذ هذا البطل الذي نتحدث عنه .. إنَّه أفلح بن العباس بن أيوب، وكانت شواطئ البحر والسهول الممتدة بين طرابلس والجبل مملوءة بالسكان، عامرة بالقرى والدساكر (2)، وكان هؤلاء كلهم من الإباضية الذين يرجعون إلى أفلح .. وَلَمَّا سَمعت نفوسة في الجبل بعزم ابن الأغلب عَلَى مُحاربة ابن طولون في أراضيهم، وأرادوا منعه من المرور، ووقع خلاف بين أهل الرأي والمشورة؛ فكانت الأكثرية تريد الوقوف في وجه هذا الغازي الظلوم، وكان بعض أهل الرأي يفضل عدم التعرض له ما لم
1) من الطبقة السادسة من علماء النصف الثاني في القرن الثالث كان عاملا للإمام أبي اليقظان، ثم ولى أبي منصور ثُمَّ أقبل في وقعة مانو ثُمَّ ولى بعدها. (2) دساکر مفرده دسكرة: وهو بناء يشبه القصر حوله بيوت وتكون للملوك. انظر: العين، (دسكر). (المراجع) (1/222)
صفحة 223
الإباضية في موكب التاريخ
221
الإباضية في ليبيا (1)
يکن قصده محاربة الإباضيَّة في ليبيا، وكان على رأس أصحاب هذا الرأي الوالي أفلح بن العباس، وعامل قنطرارة سعد بن أبي يونس؛ ولكن أهل الشورى والغالبية الكبرى من الأمة كانت ترى وجوب رده عن المرور في أراضيهم، وعدم السماح له بالاجتياز، وخضع الوالي الشجاع لرأي الأغلبية، واستجاب لمطلبهم وجهز الجيش وقاده، حتّى التقى بعسكر ابن الأغلب في قصر "مانو" على ساحل البحر، قرب قابس. والتحم الجيشان، ووقعت معركة ندر أن يقع مثلها في التاريخ، وكثر القتل في جيش أفلح، وخاف أن يضعف إخوانه، فأمر حامل الرأية أن يركزها في الأرض حتّى تثبت، ولا تحدث أحدا من أصحابه نفسه بالتخلي عنها، وحاول حامل الراية أن يمتنع عن هذا العمل الخطير الذي كان حريا أن يقضي عَلَى الْجَمِيع، ولكن الوالي البطل أصرَّ عَلَى أمره، وركزت الراية في الأرض، واستمرت الحرب، وكانت الرؤوس تتساقط من حولها حتّى كاد يفني الجيش ولا يبقي منه أحد، وحينئذ تشجع أحد العقلاء الذين أيقنوا بالهزيمة، وعلموا أن الدفاع عن هذه الراية المثبتة يعني انتحارا جماعيا، فضرب الراية، وأسقطها وتفرقت البقية القليلة التي سلمت وهم عدد قليل .. وكان الوالي فيمن نجا فرجع إلى مركز حكمه في الجبل، ورغم أن الوالي كان معارضاً لفكرة هذه الحرب، وأنه ما قادها إلا مكرها، رغم ذلك وجد بقية المشايخ قد استاؤوا منه، وتشاءموا من ولايته، وحملوه مسئولية الهزيمة، واتفقوا عَلَى عزله، وولوا عليهم ابن عم له .. وآلمه هذا الموقف من إخوانه، وحز في نفسه، وفكر في أن يستمسك بالولاية، فاستشار العلامة أبا معروف حاكم شروس، فأقنعه أبو معروف بضرورة الموافقة، والخضوع لرغبة المشايخ ما دامت هذه الولاية ليست أمراً دنيويا يطلـ منها العلو في الأرض، وجمع الثروة والمال؛ فرضى بحكمهم، ووافق على رأيهم .. ولكن ما لبث المشايخ إلا قليلا حتَّى أدركوا خطأهم، وعجز الوالي الجديد عن القيام بمهامهم فعزلوه، ورجعوا إلى أفلح يطلبون منه أن يتولى أمرهم من جديد .. وفكر هذا البطل المؤمن أن يمتنع عن قبول هذا العرض، ويرفض الولاية التي نزعت عنه أمس دون سبب؛ وَلَكنَّهُ نظر إلى مصلحة الأُمَّة، واستعرض حالة البلاد، فوجد أن المؤمنين الأقوياء في دينهم، وعلمهم، وخلقهم، قد أكلتهم الحرب في وقعة "مانو" وَلَمْ يبق إلا شيوخ يقعد بهم ضعف الشيخوخة عن تحمل هذه الأعباء الثقال، أو رجال ليس لهم من العلم والكفاءة ما يؤهلهم لشغل هذا (1/223)
صفحة 224
الإباضية في موكب التاريخ
222
الإباضية في ليبيا (1)
المنصب الخطير، ولذلك فقد انتصر عَلَى نفسه مَرَّةٌ ثانية، فرضى بما عرضه عليه أهل وطنه وقبل الولاية، وسار بهم سيرة السلف الصالحين ..
رحم
الله تلك النفوس المؤمنة، التي تدور مع الْحَقِّ حيث دار ..
لم اعترض الإباضية طريق ابن الأغلب؟
لكي تعرف السبب الذي حمل الإباضيَّة في ليبيا أن تمنع ابن الأغلب من المرور في أراضيها بجيشه اللجب يجب أن نذكر حقيقتين تاريخيتين:
- الأولى تتعلق بتاريخ، مضى وتلك هي مُحاولة ابن طولون المرور في أرض ليبيا، فإن هذا الجيش الذي لا يخاف الله ولا يتقيه عندما كان في ليبيا ارتكب من الفظائع ما تقشعر له أبدان المؤمنين، ولَمْ تسلم منه القرى الوادعة، ولا الأحياء الضاربة بأنعامها وسط البراري، تنتجع الماء والمرعى، ولذلك فما سمع الناس بتكون جيش آخر بزمن المرور بأراضيهم حتى كثر اللغط حول الموضوع، وبدأوا يفكرون في الفرار بأموالهم وأعراضهم ودينهم عن هذه الجيوش المخربة،
-
وعلى أثر هذه الحركة تكونت فكرة معارضة هذا الجيش ورده قبل أن يدخل البلاد .. - أما الحقيقة الثانية: فهي تتعلق بإبراهيم بن أحمد بن الأغلب نفسه، وأرانى مضطرا أن أضع للقارئ الكريم صورة صغيرة عنه، ليدرك شيئًا من طبعه وخلقه، ويعرف بعضا من دينه وسيرته وعمله، ويفهم السبب الذي حمل الإباضية في ليبيا ولا سيما نفوسة على معارضته، ومحاولة منعه من الدخول إلى البلاد .. يقول الأستاذ الزاوي في كتابه «تاريخ الفتح العربي في ليبيا» صفحة 151: "ولكن الناس طالبوا بإمارة إبراهيم بن الأغلب لما عرفوا فيه من وحسن السيرة".
الحزم
وينقل الأستاذ الزاوي بعد ذلك - وفي نفس الكتاب - صورًا رائعة من هذه السيرة الحسنة التي يتصف بها إبراهيم بن الأغلب، فاستمع إليه أَيُّهَا القارئ الكريم (1)، يقول الزاوي: "فسار إلى طرابلس – أي بعد وقعة مانو التي انتصر فيها عَلَى الإباضية – وكان بها ابن عمه أبو العباس محمد بن زيادة الله بن الأغلب فقتله" ... "وسار إبراهيم في جيشه من طرابلس إلى
(1) الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ص 155. (1/224)
صفحة 225
الإباضية في موكب التاريخ
223
الإباضية في ليبيا (1)
تاورغة، وهناك قتل خمسة عشر رجلا وأمر بقطع رؤوسهم، وأظهر أنه يريد أكلها هو ومن معه" ... "فكان يكثر القتل في أقاربه وأبنائه وإخوانه وخدمه وأنصاره؛ فقد قتل ابنه بين يديه صبرًا، وقتل ثَمانية إخوة له ضربت أعناقهم بين يديه وأخفت عنه أمه بنات له، حتى رأت منه ذات يوم انشراحا فأرادت أن تزيده مسرة فأخبرته عنهن، وقدمتهنَّ إليه، وما خرجت بهن حتى أمر بقتلهن جَمِيعًا، وكن ست عشرة بنتا كالأقمار". هذه سيرة الرجل، وهذا دينه وخلقه وعمله وعندما يكون أمثال هذا الوحش على رأس جيش من المرتزقة يخضعون له كل الخضوع، ولا هم لهم من الحرب إلا الغنيمة والمتعة، ثُمَّ يمر هذا القطيع من الوحش المتعطش على بلد من البلدان، فإن الآثار التي يتركها لن تكون إلا الخراب والدمار، وكان الإباضيَّة في ليبيا وفي نفوسة على الأخص يعرفون هذا الرجل، ويعرفون سيرته وسيرة جيشه الذي لم يهذبه الإسلام، وَلَمْ يحترم في يوم من الأيام الحرم التي صانها الدين، وحفظها الخلق وقدستها الإنسانية .. كانوا يخشون من هذا الجيش المرتزق الذي يقوده رجل مجنون أن يبسط يده بالأذى والخراب في كُلِّ مكان يمر به، ولذلك أرادوا منعه والوقوف في وجهه .. إنَّه موجة عارمة من الحيوانية التي لا يتحكم فيها خلق ولا دين ولا ضمير ولا حياء! .. فلم لا يُحاول كُلّ عاقل أن يبعد هذا الخطر عن وطنه وأمته؟ .. حاول الإباضية أن يقفوا في وجه هذا الفساد، ولكن الله أراد غير ذلك فقتل من قتل من أبطال الإباضيَّة، وانتصر ابن الأغلب، انتصر هذا الوحش الذي وجد ناسا يأتمرون بأمره، ويخضعون لسلطانه، ومر على البلاد كما يَمُرّ الوباء، لا يسلم منه قريب ولا بعيد؛ لأنه لا يرى حرمة للنفس ولا للمال ولا للعرض .. لا يقف عند حدود شريعة أو دين، وحسبك وحشية وشرا من رجل يقتل أبناءه صبرًا، ويقطع رؤوس بناته دون أن يرتكبن إثما، ويطبخ رؤوسا بشرية ليجهز منها عشاء له ولجنده .. إنَّه عمل لَمْ يرتكبه المتوحشون من بني آدم منذ أقدم العصور؛ فهل أخطأ أولئك الذين دعوا إلى الوقوف في وجهه، وحبسه في مكانه، كما
تحبس الأوبئة الفتاكة المعدية؟ ..
لا ريب أنهم كانوا عَلَى حق! .. (1/225)
صفحة 226
الإباضية في موكب التاريخ
224
الإباضية في ليبيا (1)
عَمْر وُس بن فتح المساكني)
قمة شامخة من قمم العلم يندر أن تجد له مثيلا، ومؤمن مخلص في إيمانه، فهم حقيقة الإسلام وأسرار تشريعه وبطل من أبطال الكفاح، يتضاءل أمامه الأقران، ويسوق الجموع في الميدان كما تساق القطعان يملك إراداة بلغت من القوة مرتبة تذلل الصعاب، وتسهل العقاب، وتيسر الأسباب.
نشأ في "قطرس"، هذه القرية الجائمة عَلَى ضفة وادي" "تاله العميق من أرض الرحيبات وفيها درس وبلغ هذه المرتبة السامقة من العلم، ولقد كان - عَلَى هذا البعد عن مركز الاتصال والحركة - يستورد نفائس الكتب وغرائبها من كُلّ مكان، وتصل إليه فيدرسها
عنه
دراسة المتعمق الفاهم في أقل الأوقات، وعندما يحس بالتعب أو السامة كانت أخته تتولي القراءة أو الكتابة أو النقاش، وكم شهد بناء ذلك المنزل العامر من نقاش واع لمشاكل العلم والاجتماع، يدور بين ابنة فتح وأخيها، بين هذه الصبية الحسناء الذكية المثقفة التي تمثل المرأة المسلمة حق التمثيل، وبين أخيها الذي كان حجة من حجج العلم.
ويطول النقاش بين الأخوين العالمين حتّى تقتنع بصحة رأيه فتسلم، أو يقتنع بوجاهة نظرها فيرجع إليها، وعندئذ يستمران في الدراسة، أو يستمر عمروس في التحرير والكتابة، بمساعدة هذه الأخت الفاضلة العالمة، التي تُهيئ لأخيها العالم المصادر، وتنسق له العمل، وتعد له ما يحتاج إليه من أداة العلم الكتاب أو القلم أو الورق أو الدواة، وقد تتولى عنه إنجاز العمل إذا كان ذلك في إمكانها ..
ولقد بلغت هذه الصبية هذا المبلغ من العلم دون أن تُمزق الحجاب، وأن تسعى بين الرجال عارية الصدر مكشوفة الرأس، إن محافظتها على المظهر المحتشم لَمْ يمنعها أن تبلغ مالم تبلغه كثير من بنات اليوم السافرات المتخلعات الخبيرات بالحركات والغمزات .. مرَّ بقطرس - القرية التي أنجبت عمروسا - العالمُ المحدث الفقيه "بشر بن غانم" يحمل
معـ
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السادسة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثالث، وقد تولى القضاء لأبي منصور إلياس، واستشهد في وقعة مانو. (1/226)
صفحة 227
الإباضية في موكب التاريخ
225
الإباضية في ليبيا (1)
مدونته واستقبله عمروس استقبال الأخ المسلم لأخيه المسلم، وعندما أراد الرحيل ترك المدونة وديعة عند القاضي الأمين حتى يعود ..
لم يخطر للقاضي أن يستأذن المؤلف في استنساخها؛ ولكنه فكر في نفسه ورأى أنه إذا لم يغتنم هذه الفرصة فإن هذه الثروة العلمية سوف تفلت من يديه واستعد للعمل .. أحضرت له أخته ما يحتاج إليه من ورق وقلم ومداد، وكانت تُملي عليه وهو يكتب في فناء الدار، حتَّى إذا وصلتها الشمس تحولا إلى الظل، ولَمْ يمض عليهما وقت طويل حتَّى أتما نسخها، ورجع صاحب الوديعة بشر بن غانم يطلب وديعته فأرجعها إليه عمروس؛ ولكن بشراً كان يتوقع هذا العمل من عمروس ولذلك فما تصفحها حتى ظهرت له آثار النقل في قطرات المداد، واستعمال الصحائف، فقال لعمروس وهو يبتسم: "لقد سرقتها"، وأجاب القاضي وهو جذلان: "سَمِّنى [إن شئت] سارق العلم".
أخذ العالم الكبير بشر بن غانم الخراساني مدونته وارتحل إلى المغرب، وقصد عاصمة الإمامة في "تيهرت"؛ وزين مكتبتها "المعصومة" الشهيرة بكتاب قيم جديد، هو مدونة أبي غانم، وكانت "المعصومة" من أعظم المكتبات الإسلامية، حوت أقيم الكتب وأندرها.
وعندما استولى الحجاني مولى عبيد الله الشيعي عَلَى تاهرت أحرق المعصومة بما فيها من نوادر الكتب ونفائسها واحترقت مدونة أبي غانم فيما احترق .. ولولا حرص عمروس وخدمته للعلم وجده في تحصيله؛ لخسر العالم الإسلامي كنزًا نفيسا من كنوز الشريعة الإسلامية، كما خسر من قبله ديوان جابر حين أحرقت مكتبة بغداد.
كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدين وله أقوال انفرد بها، وحسب من أجلها إماما .. ألف في علم الكلام وفي الفقه، ولا يخلو موضوع في علوم الشريعة من آرائه وأقواله، وقد وضع تصميما لتأليف موسوعة علمية عَلَى طريقة حديثة - في ذلك الحين – يبين فيها الأحكام التي استخرجت من الإجماع، والأحكام التي استخرجت من القياس؛ ولكن المنية
أعجلته
عن إنجاز هذا العمل العظيم. (1/227)
صفحة 228
الإباضية في موكب التاريخ
226
الإباضية في ليبيا (1)
بعث إليه العلامة عبد الخالق الفزاني أن يؤلف له كتابا في الأصول، فبعث إليه كتابه المعروف بالعمروسي، ودرسه العالم الكبير، وكان قليل النظراء، فاعترف في صراحة المؤمن وصدقه بأن صاحب هذا الكتاب أغزر مادة منه فقال: "النفوسي" أقوى مني" (1)، وكانت للفزاني كتب قيمة في هذا الفن، ولكن الاعتراف بالحق، والابتعاد عن الغرور، كانت من الصفات التي يتحلى بها أولئك السلف الصالحون.
حج في جماعة من أهل الجبل، وحضر مجلسًا للإمام الكبير مُحمَّد بن محبوب -رحمه الله -، وهو عمدة الْمَذهَب وإمامه حينئذ، فوجه إليه عمروس سؤالا؛ فقال الإمام: "إذا كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه، ثُمَّ أجاب عن السؤال، وتعارف العالمان الكبيران، ووقف عمروس موقف الطالب النجيب من المدرس البارع، فكان يسأل وكان الإمام يجيب، حتّى قال له الإمام: "هذا من مكنون العلم، ولا يصح النقاش فيه بحضور
العوام".
وكان إلى علمه وذكائه وسرعة بديهته لا يخشى أحدا في الحق .. سأله رجل بمحضر أبي: مهاصر: عَمَّن أخذ من مال ابن طولون خرجا فتاب وَلَمْ يعلم له صاحبا؛ فأجاب القاضي العالم تسأل عن صاحبه، فإن أعياك أمره فتصدق به .. فغضب أبو مهاصر وقال: "لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا قال عمروس: "إن شئت أن تقعد فاقعد، فإن من شأن المسلمين أن لا يويسوا أحدًا من رحمة الله .. " لقد كان أبو مهاصر شديدا، وهو يرى أنه يلزم صاحب الخرج أن وهو يرى أنه يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثته مهما كلفه الأمر، ولن يبرئه من التباعة غير ذلك. أما عمروس فقد كان أعمق فهما لأسرار الشريعة وروح الإسلام، والعمل بمقتضاه، وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة. دعاه أبو منصور إلياس، وعرض عليه القضاء .. ومَنْ غير عمروس يمكن أن يلي القضاء لأبي منصور، إِنَّهُما نسخة مكررة من طبعة واحدة في الإيمان والتراهة، وقوة الإرادة،
1) راجع السير للشماخي أخبار عمروس بن فتح، ص 335. (1/228)
صفحة 229
الإباضية في موكب التاريخ
227
الإباضية في ليبيا (1)
والشجاعة، وليس بينهما فرق في غير غزارة العلم .. هذه الغزارة التي يتحلى بها عمروس العالم الذكي الذي انقطع للدراسة منذ صغره .. بينما رجع إليها أبو منصور بعد أن صلب عوده واشتد ساعده، ونضجت رجولته؛ فقال عمروس: " إن لم تأذن لي في قتل مانع الحَقِّ، والطاعن في الدين والدال على عورات المسلمين فخذ عنِّي قمطرك وخاتمك " (1) واستجاب الوالي لشروط العالم، وتولى عمروس القضاء، وسار فيه سيرة المؤمنين الأمناء، الذين يحافظون على حقوق الناس، ويخشون الله في عباده ويتقونه، وكان شديدًا عَلَى الظالم، قويًا عليه حَتَّى يأخذ الْحَق
اختصم إليه رجلان في مجلس الحكم بمحضر أبي منصور، وجمع كبير من المشايخ، فأدلى المدعي بالحجة فاستردده المدعى عليه الجواب فسكت وأعاد فسكت، ثُمَّ أعاد، فبقي المدعي ساكنًا وَلَمْ يقل شيئًا، فاستبان للقاضي لَدَد الرجل في الخصومة، فقام إليه فركله برجله، فقال الجلساء للقاضي: "عجلت على الرجل". فالتفت القاضي الذكي إليهم، وجمع أصابع يده وقال لهم: "كم" "هذه؟ " فأجابوه: "تلك خمسة! " .. . وتبسم القاضي وقال لهم: "لقد عجلتم، لماذا لم تبدأوا العد من الواحد؟ .. إن الْحَقَّ إذا استبان واتضحت براهينه لا يحتاج إلى الإطالة وتضييع الوقت وتعطيل الحقوق".
جاء قوم إلى أبي منصور يذكرون له أن قطاع طرق غالبوهم عَلَى عير لهم، وَلَمَّا ذهب الوالي إلى محل العير وجد كُلّ فريق من القوم يدعي أن العير له، وأن الفرقة الثانية هم قاطعوا الطريق، فحار وبعث إلى القاضي.
جاء عمروس فأبعد الطائفتين عن العير، ثُمَّ فتش أمتعتهما حتى عرف أسرارها ودخائلها، وعندئذ انفرد بكُلِّ من الفرقتين يسألهم عما في متاعهم، حتّى استبان الفرقة التي تعرف كل شيء في العير، والفرقة التي لا تعرف إلا الظاهر فقط، وجاء بهم إلى الوالي وقال له - وهو يشير إلى أصحاب العير: "هؤلاء أصحاب الرفقة، ثُمَّ أشار إلى الغاصبين وقال لأبي منصور:
" وهؤلاء أضيافك"، يكني بذلك عما يجب من حبسهم، والتنكيل بهم.
1) السير: للشماخي، 225. (1/229)
صفحة 230
الإباضية في موكب التاريخ
228
الإباضية في ليبيا (1)
قلت في صدر هذا الحديث: إن عمروسا كان شجاعًا بطلا في ميدان الحرب كما كان عادلا في ميدان القضاء، وذكيًا في حل المشاكل، وقويًا في إثبات الْحَقِّ ..
حضر وقعة "مانو" بين نفوسة والأغالبة، تلك الوقعة الكبرى بين الإباضية في ليبيا، والأغالبة الزاحفين من القيروان، وكان العمروس فرس في مثل قوته وإقدامه، فكان يُحلّق على العدو كما يُحلّق العقاب، وعندما يلحظ ضغطًا عَلَى جانب من جوانب جيشه، يطير إليه، فيفرج عنه الكروب، ويشتت الجموع، وحار العدو في هذا البطل الذي يترل بهم الضربات القاتلات في جميع جهات الميدان، فقال قائلهم: "إنكم لن تحرزوا نصرا إلا إذا هوى هذا الشهاب"، فعمدوا إلى الحيلة - والحرب خدعة – فثبتوا حبالا في مكان، ثُمَّ وجهوا ثقلهم إلى تلك الناحية، ورأى البطل الكبير ما يقع في ذلك الجانب لأبطال جيشه المغاوير، فاتجه إليهم ليخفف عنه الضغط، ولكن الحبال اختلفت بين أرجل الجواد، فتعثر وسقط الفرس والفارس، وتسارعت عشرات الأيدي والسيوف إليه فأخذ أسيرًا، وجيء به إلى أمير القوم؛ إلى إبراهيم بن الأغلب، إلى الرجل المسعور الذي لم يرتكب فظائعه قائد حرب في تاريخ البشرية الطويل - فيما أعلم - وأراد القائد المجنون أن يشمت بالبطل المؤمن، فقال له: سلني" العفو فأعف عنك، فأجاب البطل: "إن الأعمار بيد الله، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدًا! .. " فقال إبراهيم: إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك". فقال: "تلك كلمة لا أقولها حَتَّى ألحق بالله .. ! (1).
منهم
يجدوا منه
ضعفا ولو
وكانوا يوجهون إليه هذه الطلبات وهم يوالون تعذيبه، أملا أن في آخر اللحظات .. فكانوا يقرضون يديه بمقاريض من الحديد شيئًا فشيئًا، ويقدمون إليه عروضهم .. وكان ثابتا في إيمانه ثابتا في عقيدته ثابتا في مبدئه، ثابتا في شجاعته وبطولته حتى بلغوا بقطعهم ليديه إلى المرفقين، ففاضت روحه، رحمه الله!!! وسجل التاريخ على إبراهيم المجنون صفحة أخرى سوداء، مع الصفحات السوداء الكثيرة التي تركها في حياته.
1) انظر: سير الشماخي،225، والأزهار الرياضية، 2: 282 - 83. (1/230)
صفحة 231
الإباضية في موكب التاريخ
229
الإباضية في ليبيا (1)
حالة سياسية
كان أغلب المملكة الليبية تابعة للدولة الرستمية في تاهرت ما عدا المدينة، حسب معاهدة عبد الوهاب وعبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، وبعد وقعة مانو بقليل تغلب أبو عبيد الله الشيعي. الشيعي على تاهرت وخربها، وأحرق مكتبتها، فانقرضت الدولة الرستمية، وانقطعت الصلة السياسية بين ليبيا والجزائر فأصبح مركز الإباضيَّة في ليبيا جبل نفوسة، وبسقوط تاهرت صار هذا الجبل وما يتبعه مستقلا عن جميع الدول الأخرى؛ إِنَّه لم يخضع لابن طولون، وَلَمْ يَخضع للأغالبة، كما لم يخضع قط للدولة
الفاطمية أو لغيرها من الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب الإسلامي إلى الاحتلال التركي. وَلَكنَّه مع هذا الاستقلال لم يعلن ميلاد دولة جديدة، وَلَمْ يبايع إمامًا؛ وَإِنَّمَا كان يختار من رجاله الأكفاء حاكما يتولى شؤون الأُمَّة؛ فيحل المشاكل، ويوصل الحقوق، ويدافع العدو، ويوجه الأمة باستشارة العلماء، وبالْجُملة يقوم بجميع ما يقوم به الإمام دون أن يتسمى بذلك. وفي الصفحات المقبلة سوف أحدثك أيها القارئ الكريم عن عدد من هؤلاء الحكام الذين تولوا أمر الأمة في الجبل، فساروا بها في الطريق القويم؛ الذي سار عليه السلف الصالح من أمة محمد.
وأنا حين حدثتك عَمَّن ولي الحكم في ليبيا ابتداء من عدوان العباسيين على الإباضية دون حدث، وقتلهم للعلامة عبد الله بن مسعود التجيبي إلى انقراض الدولة الرستمية، أو حين أحدثك عَمَّن ولي الحكم في جبل نفوسة إلى الاحتلال التركي، لا أتبع سلسلة التاريخ، ولا أتقصى الأشخاص، وَلَمْ يكن عرضي شاملا لجميع أولئك المؤمنين الذين ألقيت على كواهلهم أعباء الأمانة
الله،
العظيمة، أمانة القيام بأمور المسلمين، ولكنني أحدثك عن بعضهم كأمثلة لما سار عليه الجميع. وللقارئ الكريم أن يرجع إلى التاريخ المبسط المنصف، وسوف يجد أمثال ما أعرضه عليه من الصفحات المشرقات في أولئك الذين تولوا أمر الحكم سواء كان ذلك في مناطق فزان المختلفة، أو في سرت، أو في زواغة، أو في قنطرار "تيجي" أو جبل نفوسة، إنَّه لن يجد في إلا ما حكم هؤلاء وفي سيرتهم وفى أخلاقهم وفي دينهم إلى ويرضي رسوله، ويرضي صالحي المؤمنين، ويشرف الإنسانية المعتزة بالْحَقِّ والعدل، اللهم إلا إذا لم يفرق بين الإباضية والنكار، أو بين الإباضية والصفرية، أو بين الإباضية والشيعة، أو بين الإباضية وغيرهم من الفرق فينسب إليهم، ما ارتكبه أولئك من الفظائع، أو ينسب إليهم ما يرتكبه أعداء الأمة من أعوان السلاطين الظلمة، الذين لم يحترموا حكما من أحكام الله.
يرضي (1/231)
صفحة 232
الإباضية في موكب التاريخ
230
الإباضية في ليبيا (1)
(1)
أبو مُحمد عبد الله بن الْخَير)
نشأ في قرية صغيرة من قرى الرحيبات تُسَمَّى "تيونزيرف" والحرف (تي) في اللغـ البربرية معناه آل أو أهل، وقد يستعملون (آت) بدلا من (تي).
تقع "ويُزيرف " هذه عَلَى قمة جبل شامخ، وتطل على واد سحيق العمق، يفصل بينها وبين "تميجار" أولاد بوجديد اليوم، وهى مركز الرحيبات في هذا العصر، وتبعد عنها نحو أربعة أميال.
في هذه القرية الصغيرة الجميلة، وعلى ضفة هذا الوادي العميق الأخضر، وفوق تلك القمة الشاهقة، نشأ أبو مُحمَّد عبد الله بن الخير .. واستقبل أول ما استقبل من حياة العمل مدرسة القرية فحفظ كتاب الله، وتأدب بآداب المسلمين، ودرس مبادئ الدين الحنيف على مشايخ القرية الفضلاء، فلما وجد أنهم لا يُشبعون نهمه، انتقل إلى مدرسة نذير زمانه العلامة أبان بن، وسيم ومن تلك المدرسة العامرة تخرج، فكان موسوعة علمية متحركة حتَّى ضرب به المثل فقيل: "من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالمًا مثل عبد الله بن الخير .. "، وهذا المثل كاف في الدلالة الخير .. "، على ما للرجل من شهرة في العلم.
رجع من بقي من الإباضية بعد وقعة مانو، وقد قتل فيها أكثر العلماء، وبعد زمن يسير من هذه الوقعة تغلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وخربوا تاهرت، وأحرقوا المعصومة، وبذلك أصبح جبل نفوسة وما يتبعه شرقا وغربا مستقلا عن الدولة المحاورة، غير مرتبط بواحدة منها، كما أن الإباضية في ليبيا لم يشاءوا أن يبايعوا أحدًا بالإمامة، أو يدعوا إلى إقامة دولة. ولَكنَّهم كانوا يكتفون بحكم خاص
هم
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السادسة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثالث تولي الحكم على جبل نفوسة وما يتبعه باتفاق أولي الأمر من علماء الحبل. (1/232)
صفحة 233
الإباضية في موكب التاريخ
231
الإباضية في ليبيا (1) ا
يجتمع أهل الرأي والمشورة فيختارون أكفأهم؛ يسندون إليه أمورهم، ويضعون بين يديه شؤونهم، فيتولى القضاء بين متنازعيهم، والفصل في مشاكلهم، ومدافعة العدو بهم، وَكُلُّ ذلك لا يتم إلا باستشارتهم، فإن سار على النهج وأعجبهم منه السلوك ساعدوه، وإلا عزلوه واختاروا لمكانه غيره، وفي أكثر الأحيان يتم هذا الاختيار بين مستشاري جبل نفوسه كلهم، وتكون صلاحيات الحاكم الذي يختارونه جارية عَلَى جَمِيعِ الإِباضية في الجبل وتوابعه، ولكن قد يقتصر حكم أحدهم على ناحية من نواحي الجبل، بينما يتولى غيره رعاية شؤون الأمة من الناحية الباقية؛ وحينئذ تكون العلاقة بينهم علاقة تعاون ومشاركة في السراء والضراء، وليس توزيع الحكم بينهم إلا تقسيما للعمل، كي يتيسر القيام به على أهون سبيل، أما الأمة فهي تزال أمة واحدة، رتبطة المصالح، لا تفرقة ولا خلاف، وعندما ينقضي هذا الوضع تعود الأمة إلى ما كانت عليه من وحدة السياسة والهدف والحكم. لست أعني بذكر الحالة السابقة أن هناك نزاعا عَلَى الحكم، أو اختلافا في الرأي، تفرقة بين أبناء الأمة قد جرى في زمن من الأزمنة التي تقع بين سقوط الدولة الرستمية ودخول تركيا إلى ليبيا .. إن شيئًا من ذلك لم يكن في حفظي، ولا في المصادر التي بين يدي من كتب التاريخ، ولا أستثني من ذلك إلا الخلافات الفردية
العادية، التي تقع عند كل أسرة.
الله
لا
ذهب أبو محمد عبد الذين قدرت لهم الحياة بعد هذه الوقعة فرجع سالما إلى قريته الصغيرة، وهو يتحسر ألما على الخسارة التي مني بها الجبل، وعندما توفّي أفلح بن العباس هرع بقية المشايخ إليه، يعرضون عليه طلبهم، وَلَمْ يشفع له كبر سنه، فإن الحاجة إليه شديدة، إذ لم يبق من الأعلام الكبار بعد تلك الوقعة غيره وغير أبي القاسم البغطوري، وكان أكبر منه سنا، وأوهن عظما، فأسندوا إليه الحكم عليهم، والقضاء بينهم، فسار بهم سيرة أولئك الأعلام الذين عرفت تقواهم لربهم، ولزومهم لهدي محمد، القويم، ورأيت نماذج من حكمهم: مساواة في الحق، وعدالة في
الخير فيمن ذهب إلى مانو، وكان من الأفراد القلائل بن
وتمسكهم بدين
الله (1/233)
صفحة 234
الإباضية في موكب التاريخ
232
الإباضية في ليبيا (1)
الحكم، وسهر على مصلحة الأمة، ينبعث كُلّ ذلك عن فهم عميق لأسرار الشريعة،
وإيمان خالص بدين
الله، ومحبة صافية للمؤمنين ..
كان الإباضية في جبل نفوسة من أحرص الناس على اتباع السنة، والعمل بها، فكانوا لا يولون أمر الصلاة بهم إلا من تجتمع فيه شروط الصلاح الكاملة ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وكان أبو عبد الله ممَّن اجتمعت فيه هذه الشروط؛ فهو أعلم القوم، وأحفظهم لكتاب الله، وأشدهم استمساكا بدين الله، وأكبرهم سنا؛ ولذلك فقد كان يتولى أمر الصلاة بالناس، وغلب عليه الكبر، وأثقل طول الزمان سمعه، فكان يجهر بصوته في القراءة السرية حَتَّى يسمعه من خلفه فقال له خلفه فقال له يحى بن يونس السدراتي يوما: "ما تسعنا الصلاة خلفك وأنت تجهر بالقراءة حتى نسمعك". فقال الإمام العالم: "لم أكلف سماعك يا أبا يونس؟ .. " وكان هذا الجواب كافيا أن يعرف ابن يونس وغيره أن تكليف الله لعباده إنَّما يتعلق بما عندهم من قوى، لا بما عند غيرهم .. إنَّه عندما يقرأ في صلاة السر لا يراعي إلا أذنيه، فإذا كان صوته عاليا بحيث سمعه من خلفه – لأن في أذنيه ثقلا - فلا يعني أنه قرأ جهراً في موضع في موضع السر؛ لأنه مكلف أن يسمع أذنيه في قراءة السر.
جلس للتدريس والفتوى بعد وقعة مانو وبذل من الجهد في نشر العلم ما يعجز عنه من كانوا في عنفوان الشباب وَلَمْ يَحل دون قيامه برسالة التعليم المقدسة لا كبر السن، ولا ضعف البدن، ولا الانشغال بمهام الحكم، ولقد استطاع بما بذل من جهد أن يعيد في مدة ليست بطويلة ما خسرته الأمة في معركة مانو الطاحنة، وَلَمْ يسانده في هذا العمل إلا أبو القاسم البغطوري، الذي بذل من الجهد العلمي أكبر مما بذل أبو محمد عبد الله؛ لأن أبا القاسم لم يشتغل بالحكم وكأن حكمة الله أرادت أن يكون هذان الرجلان هما دعامة النهضة، فأتاحت لهما من العمر الطويل ما لم يتح لغيرهما، فقد عاش أبو محمد مائة وعشرين سنة، أمضى أولها في الكفاح من أجل التعلم، والاغتراف من مناهل الثقافة الواسعة، وأمضى آخرها في كفاح الجهل والظلم والباطل. حتَّى قبضه الله إليه. فرحمه الله رحمة واسعة. (1/234)
صفحة 235
الإباضية في موكب التاريخ
233
الإباضية في ليبيا (1)
أبو يحيى زكريا الأرجاني"
"أرجان" اليوم، أطلال قرية قريبة من "مزو" تقع إلى الشرق منها على نحو ميل، وهى فوق ربوة عالية تشرف على ما يجاورها من الأرض، وعلى قمة تلك الربوة يجثم اليوم في وقار وخشوع مسجد فسيح ينسب إلى أبي زكريا الأرجاني ولد أبي يحيى، ولا يزال هذا المسجد إلى اليوم مقصد المسلمين عند صلوات الاستسقاء والاستغاثة.
وفي هذه القرية التي تقتعد قمة ربوة عالية كالحصن المنيع يحيط بها آلاف من شجر الزيتون كما يحيط الإطار الجميل بالصورة الرائعة في هذه القرية المتفتحة للحسن نشأ أبو يحيى زكريا الأرجاني وفيها درج وبين رياضها الغناء وقممها الشامخة الشماء، وضفة واديها العميق سرح .. وفي شلال ماصر وبحيرة زرقاء تحول وسبح .. في هذه المناظر الجميلة الساحرة تكونت المواهب الأولى للطفل، ثُمَّ انطلق إلى معاهد العلم ينهل منها بذهن متفتح، ويغترف من المنابع الغزيرة التي كانت متوفرة في ذلك الحين، فبلغ في المعرفة أسمى الدرجات، وتحلى بما يتحلى به أولئك المؤمنون من الخلق الرفيع، وسار سيرتهم العطرة، التي لا توجد إلا عند الصفوة من أمة محمد لالالالال.
وعكف بعد ذلك على دراسة كتاب الله وسنة رسوله وتفهم أسرار الشريعة، حتّى كان في ذلك مرجعًا، وعرف فيه المسلمون هذه الصفات النادرة من العلم، والعمل، والخلق، فأولوه ثقتهم، وولوه أمرهم، وبايعوه إمام، دفاع، على أن يتولى شؤونهم حَتَّى في حالة السلم؛ فيفصل مشاكلهم، ويحكم بين متنازعيهم، ويأخذ الحقوق من أغنيائهم ليضعها في من شؤون أمة يوجه سياستها الداخلية مؤمن آمين .. وقد قبل ما عرضوه عليه وتحمل هذه الأعباء الثقال بما عرف فيه وفي أسلافه، من أمانة ودين وحرص عَلَى مصلحة الأمة.
فقرائهم، إلى آخر ما هنالك
1) من الطبقة السابعة من علماء النصف الأول للقرن الرابع؛ أسند إليه حكم الجبل وما يليه باتفاق أهل
والعقد من مشايخ جبل نفوسة. (1/235)
صفحة 236
الإباضية في موكب التاريخ
234
الإباضية في ليبيا (1)
عندما تشاور المسلمون في أمر الحكم، وعرضوه عليه، واتفقوا على إسناده إليه، لم يتهرب من المسؤولية، وقبلها مستعينا بالله على القيام بواجباته .. كانت أمه وأخته وهما من العالمات الصالحات خائفتين عليه من هذا العبء الثقيل، وعندما كانت النساء مقبلات عليهما للتهنئة بهذا المنصب الرفيع، وبهذه الثقة، وهذا الاختيار، كانت الأم والأخت تنتحبان، وتذرفان الدموع، وتجيبان المهنئات: "إنَّهم قدموه إلى النار، إنَّهم وضعوا على كاهله أعباء ثقالا ينوء بها، إنَّهم اختاروه ليفصل مشاكلهم ويفرز بين حقوقهم فيبوء الناس بالمشاكل المفصولة والحقوق المتاحة، ويؤوب بالحساب العسير، والغرم الكبير". وانتصب الحاكم المدافع للقيام بهذه المهمة الثقيلة رغم معارضة أمه الرؤوم، وأخته الحنون، وَلَمْ يتردد في التضحية بنفسه عندما احتاجته أمته، فكان مثلا للمؤمن الذي يرعى الأمانة ويتبع الحقِّ، ويفصل المشاكل، ويستميت في الدفاع، وهو في كل ذلك معرض عن متاع
الحياة وزخرف الدنيا.
ولد له ولد فجاءه الناس للتهنئة، وقدم فيمن قدم جماعة من اليهود، جمعوا له أربعين ديناراً للمولود الجديد، فقال لهم: لو كنت أقدر على صيانتكم لأخذتها منكم جزية، ولكنني لا أقدر على صيانتكم، فخذوا أموالكم) .. وعبثا حاولوا أن يقدموها إليه هدية، إنه لا يقبل الهدايا وهو في منصب الحاكم أو الأمير، وَلَعَلَّه كان يذكر في ذلك الحين حديث رسول صلى الله عليه وسلم: «أما بعد: فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالاً مِنكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَانِى اللَّهُ، فَيُنَاجِي أَحَدُكُم فَيَقُولُ: هَذَا لَكُم، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ، فَهَلاً جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنظُر أَيُهدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِن كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاء، أو بَقَرَةً لَهَا خَوَارٌ، أَو شَاةَ تَيعِرُ» ()، ثُمَّ أطعم هؤلاء
(2)
اليهود عنبا، وانصرفوا وهم يعجبون .. كانوا يتحدثون وهم يقولون: "عجبا، ما رأينا مثل هذه البلاد، لا يطمع سلطانها في أموال الناس". وحق لهم أن يعجبوا؛ فهم يعرفون ما
(1) راجع السير، ص 243.
) أخرجه البخاري، عن أبي حميد الساعدي بلفظه، باب محاسبة الإمام عماله (6772، 6/ 2632. ومسلم، مثله، ر 1832، 3/ 1463. (المراجع) (1/236)
صفحة 237
الإباضية في موكب التاريخ
235
الإباضية في ليبيا (1)
يرتكبه أصحاب السلطان من الجرائم للحصول على المال من أي طريق، فكيف يمتنع هذا عن قبول هدية طابت بها النفس، واستراح لها الضمير ..
كان بين بني زمور (1) وطرميسه سوء تفاهم وعناد، يؤدي في كثير من الأحيان إلى المشاغبة والتراع عندما يتلاقون في أسواق "جادو" - مركز الحكم ومدينة جبل نفوسة في ذلك الحين – فخص كُلّ واحد من الفريقين بسوق واحدة في الأسبوع، لا يجوز للفريق الآخر حضورها، حَتَّى لا يقع هذا الشغب الذي طال مداه، وكان ذلك كافيا ليسود الهدوء
بينهم.
بين "جادو" مركز الحكم و"أرجان" بلد أبي يحيى مسافة تبلغ ميلين أو تزيد، وكان أبو يحيى يقدم كل صباح إلى مجلس الحكم، وكان أوَّل عمل يقوم به أن يتجه بهذا الدعاء إلى ربه في إيمان وإخلاص: "اللهم اعط الْحَقِّ لذي الْحَقِّ يا ذا الحق، ولا حجة لمحتج إذ احتج بلا حق".
وبعد هذا الدعاء الحار يستقبل الناس بوجهه ويستعرض مشاكلهم حَتَّى يفرغ منها، وقد أنهكه التعب، تعب البدن وتعب الفكر، فيرجع إلى قريته الجميلة على قمة الربوة، وقد يستريح في الطريق عددا من المرات قبل أن يبلغ إليها، لما ناله في مجلسه ذلك من
والعناء ..
النصب
قلت في صدر هذا الحديث: إن الأمة بايعت أبا يحيى إمام دفاع، فقام بمهمته هذه خير قيام، وكم حاول أبو عبيد الله الشيعي أن يحتل الجبل فيقف له هذا البطل بالمرصاد، ويرده محطم الآمال، خائب المسعى .. أغارت جيوش أبي عبيد الله الشيعي بقوة عظيمة على الجزيرة – وهي قرية حصينة على قمة جبل شامخ في جهة الحرابة - فتصدى له الإمام أبو يجى وألحق به شر هزيمة. وسولت للشيعي نفسه أن يعيد الإغارة على قرية بعيدة من مركز الحكم، لعله يستطيع الحصول على شيء قبل أن يتمكن حاكم الجبل برد العدوان فهجم على "تيركت" وهي قرية أخرى تقع
(1) راجع السير، ص 243. (1/237)
صفحة 238
الإباضية في موكب التاريخ
236
الإباضية في ليبيا (1)
في الحوامد، بين "لالوت" و "كباو" فتصدى له إمام الدفاع القوي، وألحق به هزيمة أخرى شرا من الأولى، وهكذا استطاع أن يحمي حوزته، كما يحمي الأسد عرينه، رغم كثرة المعتدين ومحاولات المستغلين الذين غرتهم الدنيا، وسولت لهم أنفسهم، لقد كان رحمه الله صورة رائعة للمؤمن القوي، الحريص على إيمانه الوثيق الصلة بربه، المحب لأمته. استشهد في "تيركت" بعد أن هزم الشيعة وطردهم شر طردة - بطعنة غادرة، امتنع رحمه الله أن صاحبها، وفوض أمره إلى الله .. يسمي
واجتمع رأي المسلمين بعده على تولية أبي عبد الله بن أبي عمرو، حفيد أبي منصور؛ فقام بالأمر مدة يسيرة، لكن أهل الشورى اتفقوا عَلَى عزله وولوا مكانه أبا زكريا بن أبي يحيى الأرجاني، لاعتقادهم أنَّه أكفاً من أبي عبد الله، وأقدر على مجابهة الأحداث، ولم تطل به المدة، فقد هجمت جيوش العباسيين على الجبل، فتصدى لهم أبو زكرياء .. ووقعت مقتلة كبرى بين الفريقين، ورجع "المسودة" (جيوش بني العباس دون أن ينالوا من الجبل منالا، وعندما كان أبو زكرياء راجعا أصابته طعنة غادرة كالتي أصابت أباه، واجتمع إليه المشايخ يسألونه عن رأيه فيمن يتولى أمورهم، فأجابهم وهو يعالج سكرات الموت، ويستعد للقاء ربه: أرى لكم زيد بن أفصيت الدرفي.
وهكذا لم يألهم نصحًا حَتَّى في آخر لحظات الحياة، إنَّه موقف شبيه بموقف الفاروق ه، ومواقف المؤمنين تتشابه في الإخلاص والنصيحة للمسلمين .. إنني اختصرت الحديث عن هذين البطلين، ولم يكونا أقل علما ودينا وجدارة وخلقا من أولئك الذين تحدثت عنهم بشيء من الإسهاب والتفصيل؛ لأن هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ يتقصى الأخبار والأحداث، وَإِنَّما هو مجموع صور لحياة أمة متمثلة في أعمال يقوم بها أفراد أو جماعات، وكثيرا ما أكتفي بصورة ما عن مجموع من الصور القريبة منها، أو المشابهة لها، ولو أردت الاستقصاء لما كفاني الزمان والجهد الذي قدرته لإخراج هذا العمل الضئيل، وهذه الصورة الباهتة التي فارقتها حياتها وجمالها عندما تناولتها بريشتي الهزيلة، وأسلوبي الضعيف. (1/238)
صفحة 239
الإباضية في موكب التاريخ
237
الإباضية في ليبيا (1)
الأعلام الثلاثة
أبو يحيى سليمان بن ماطوس الشروسي، وأبو هارون موسى بن يونس الجلالمي وأبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي:
ثلاثة أعلام يتسابقون إلى المكارم فلا يتفاضلون ويتنافسون على بناء الأجيال لإعداد الرجال فلا يتأخر أحدهم عن أخويه ترنو الأبصار إلى الواحد منهم فلا تنحدر عنه، حاسبة أنه الغاية إلى ما لا مرمى بعدها لكمال الشخصية وصفات البطولة، فإذا علقت بزميله رأت منه ما ينسيها مظاهر العبقرية الأولى ..
جدوا وراء الدراسة حتى بلغوا الشأو الذي تقصر دونه مدارك الكثير، ولا يبلغه إلا النزر اليسير، ممن وهبتهم عناية الله مواهب تكاد تكون خارقة للعادة، ثُمَّ ركنوا للعمل .. العمل بما علموا؛ فبلغوا أيضًا الغاية التي لا يبلغها إلا النادر القليل من الأبطال الصابرين، الذين يهبون م يملكون من قوى مادية ومعنوية لأممهم.
ابن ماطوس (1) وثق المشايخ بأبي يحيى سليمان بن ماطوس، فأسندوا إليه حكم الجبل، وقبل العالم الكبير هذه المهمة كما قبلها أسلافه من قبل؛ فكان من خير من أسند إليه حكم فتولاه عن دراية وعلم وطبقه بحذق وفهم، وحل المشاكل المتشابكة بحق وعدل، وَلَمْ يشغل ابن ماطوس بهذا العبء الثقيل عن الرسالة التي خلق من أجلها، رسالة التعليم .. مدرسة ابن ماطوس من أعظم المدارس التي نشرت العلم في جَمِيع الربوع، وورد إليها الطلاب من كل مكان.
فكانت
لم يكن ابن ماطوس مجرد مدرس يلقي النظريات العلمية ويشرحها للطلاب حتى تصل إلى أذها هم، وَإِنَّمَا كان ذلك مربيا يحسن التربية وقدوة صالحة للاقتداء؛ فكانت دروسه مشبعة بروح الإسلام، وكان خلقه الكريم بين الطلاب داعيا لتهذيب النفس، وكانت سيرته القويمة مضرب الأمثال وإلى هذه الشخصية القوية في أخلاقها ودينها وكفاحها كانت غزارة
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة من علماء النصف الأول للقرن الرابع؛ تولى الحكم باتفاق المشايخ. (1/239)
صفحة 240
الإباضية في موكب التاريخ
238
الإباضية في ليبيا (1)
العلم من أعظم الأسباب في تكوين هذه الشخصية، فلم يخل كتاب من كتب الإباضية عن أقوال ابن ماطوس، ولم يبق بلد من بلدانهم لم تدخله فتوى ابن ماطوس. قال أبو يحيى الفرسطائي: "اجتمعت ببعض العلماء بناحية "زويله" فقال: إن فتوى ابن ماطوس كلها حسنة، إلا أنه يرى أن لا شفعة ليتيم، ولا لغائب". قال أبو يحيى: "فلما قدمت أتيت ابن ماطوس فأخبرته فقال: قل له: ذلك تعطيل الحقوق".
إن هذه القضية البسيطة توضح انتشار فتوى هذا العالم العظيم ومبلغ تقدير رجال العلم له .. كان الطلاب يلتحقون بالمدارس المنتشرة في المغرب الإسلامي، ثُمَّ يعودون فيصححون ما درسوه على هذا العالم العظيم.
درس الطالبان النجيبان: أبو صالح وأبو موسى في بعض المدارس بالجنوب التونسي، وَلَمَّا اتما دراستهما قررا الرجوع إلى جبل نفوسة؛ ليعرضا ما درساه عَلَى ابن ماطوس، فالتقيا بالعلامة بكر بن أبي بكر الفرساطائي، وكان في دور التعليم حينئذ فرافقهم، وفي طريقهم وجهت إليهم عدة أسئلة، وكان جواب بكر بخلاف ما درس الشيخان. وعندما وصلا إلى العالم الكبير ابن ماطوس ذكرا له قصتهما، والخلاف بين فتواهما وفتوى ابن أبي بكر، فقال الشيخ لهما: الفرسطائي عالم .. إِنَّهَا شهادة ممَّن يحق له أن يعطي الإجازات الدراسية، فيفخر بها الطلاب وموضوع الأسئلة موضوع فقهي، وجواب الشيخين هو الجواب الآلي الذي تجده عند المختصرات الفقهية، أما جواب ابن أبي بكر فهو جواب العالم الذكي الذي يتغلغل بفهمه العميق إلى أسرار الشريعة، ويغوص إلى الحقائق التي يكتشفها العقل المستنير في أحكام الإسلام، ويكفي أن أذكر لك إحدى هذه المسائل التي عرضت لأولئك الطلاب، لتعرف مقدار الفرق بين المتشبث بظواهر النصوص لعلماء الفقه، والمتفهم لسر الحكم الشرعي. سألهم سائل فقال: رجل تيمم لعذر شرعي ويده، نجسة، فما الحكم في اليد والتراب المستعمل للتيمم؟. أجاب الشيخان أن اليد طاهرة والتراب نجس. ولكن ابن أبي بكر قال: إن اليد والتراب طاهران فقيل له: أين ذهب النجس؟! فقال: ذهب بين الضربات ولك أيها القارئ الكريم أن تتأمل هذه المسألة على أحكام الشريعة السمحة، التي وضعت التيمم في مقام الوضوء أو الاغتسال (1/240)
صفحة 241
الإباضية في موكب التاريخ
239
الإباضية في ليبيا (1)
لترفع الحدث، حتى لا تكلف المسلم شططا، وتحمله ما لا يستطيع، لك أن تتأمل ذلك ثُمَّ تقف في صف من شئت من هؤلاء الطلاب؛ أما أنا فقد اخترت موقفي ووقفت إلى جانب ابن أبي
بكر، ما لم تكن النجاسة التي في اليد ذات عين باقية الأثر في التراب الذي استعمل في التيمم .. كان رجل من أهل بلده غائبا، ورجع في ليلة من الليالي لعمل ضروري سريع، وأخبر زوجته أنه سيعود إلى عمله في الصباح الباكر، وفكرت الزوجة الصالحة فيما يترتب على هذا المجيء المفاجيء الذي حضر فيه الزوج، صاحب الحقوق المعينة، دون أن يراه أحد أو يسمع به، فكرت وهي تنظر إلى المستقبل القريب .. فصنعت طعامًا لزوجها، ثم بعثت إلى ابن ماطوس تدعوه أن يرافق زوجها في العشاء، وحضر العالم الحاكم، وأكل الطعام مع الزوج الذي غادر البلد غبش الفجر، وقدر لها أن تحمل من تلك الليلة، وأن يقع ما توقعته مع وتحدث الناس أن فلانة حامل مع علمهم بأن زوجها غائب، وبلغتها قالة السوء فالمتها، فإذا جنها الليل، ووارى الناس إلى مضاجعهم تستقبل هي عالم الأسرار والخفايا، ثُمَّ تقول: "يا ملائكة السحر، ذكروا ابن ماطوس"، وبلغ مسامع الشيخ ما يتهامس به الناس عن المرأة الفاضلة الذكية، الحازمة، فأمر بضرب الطبل، وعندما اجتمع الناس أخبرهم بما عرف، حَتَّى لا يقذفوا امرأة مؤمنة غافلة بما حرصت أشد الحرص أن تبعده عن نفسها. وَلَعَلَّه يكفي أن نختم حديثنا عنه بهذه الشهادة القيمة من عالم لا يلقي الكلام جزافًا، قال البغطوري: "إن ابن ماطوس قاده بعد أبي القاسم وبورك في علمه، فبلغت فتواه شرقا ومغربا، وهو أحد فروع مانو أبو هارون موسى بن يونس الجلالمي (2) - درس. على أبي القاسم البغطورى أحد الشيخين اللذين بقيا بعد معركة مانو، وبرع أبو هارون في الأصول والمنطق والرياضيات؛ أما
(1) "
علم الفقه فقد كان يسميه هو وزملاؤه من الطلبة الأذكياء "علم العجائز".
1) راجع:
سير
الشماخي، ص 276. وكلام البغطوي: «أنه كان عالما وقد شاع علمه في البلدان وبورك في فتياه حتى قيل: إن فتيا ابن ماطوس بلغت في حربة وأمسنان وفي ورجلان حتى لحقت فتياهأرضا يقال لها سلام مليك
في المغرب».
(2) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع. (1/241)
صفحة 242
الإباضية في موكب التاريخ
240
الإباضية في ليبيا (1)
اهتم
جئته
القد
هذا العلامة الكبير بمثل ما اهتم به صديقه ابن ماطوس، من نشر العلم والخلق الحميد، وبث روح الإسلام الصافية في نفوس الطلاب والمجتمع. وأسس مدرسته العظيمة التي تعتبر مثالية في ذلك الحين، وندر من لم يستفد من الأثر الكبير في حياة الأمة، مع شدة إقبال الناس على هذه المدرسة، كان ابن ماطوس يرى أن الناس مقصرون في الاغتراف من هذا المنهل العذب، فكان يقول: لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة في البصرة، جمع أبو هارون بين غزارة العلم، ووفرة المال، فقد كان دائم الكفاح .. الكفاح المتواصل الذي لا يعرف الراحة أو الاستجمام، فلن تجد أبا هارون متى إلا في إحدى حالتين: نشر العلم وبث المعرفة وتثقيف العقول، أو جمع المال من طرقه المباحة التي يعرفها حق المعرفة. وفي رأس السنة المالية لميزانيته يقسم موارده إلى ثلاثة أقسام: يخصص القسم الأول للنفقة على نفسه وعائلته ومن تلزمه مصاريفه، ويخصص الثاني للضيوف وأبناء السبيل، والحقوق التي تجب عليه أو على بلده من هذه الناحية. ويخصص القسم الثالث للإنفاق على الأقسام الداخلية في مدرسته العامرة، التي يؤمها عدد غير قليل من الطلاب البعداء، فتتكفل المدرسة بإيوائهم والإنفاق عليهم. وكان إلى هذه المكانة السامقة من العلم والمال شديد التواضع، لين الخلق، سهل المعاشرة، يوقر أصحاب الفضل والعلم، ويستشيرهم حتى فيما يعرفه حق المعرفة. زاره أبو محمد عبد الله بن الخير "بالجزيرة" وبينما كان الشيخان يتحدثان إذا ارتفعت صيحة عن غارة موجهة إلى القرية فوثب أبو هارون إلى سلاحه تم اندفع إلى الميدان .. ثُمَّ تذكر أن في ضيافته العلامة أبا محمد عبد الله بن الخـ الخير، الحاكم والقاضي على الجبل، وأنه يجدر به أن يلتمس منه النصح والإرشاد قبل أن يبدأ العمل، وإن كانت السبيل واضحة أمامه وحكم الله جليا في مثل هذه القضية .. ورجع إلى الضيف الكبير يستشيره ويستنصحه فيما يجب أن يفعلوا إن أدركوا العدو؛ فقال القاضي العادل، والحاكم العالم: "إن" قتلوا الأنفس وحازوا الأموال (1/242)
صفحة 243
الإباضية في موكب التاريخ
241
الإباضية في ليبيا (1)
فقاتلوهم، وإن أخذوا الأموال خاصة فاقصدوا أموالكم، فإن حالوا بينكم وبين
فقاتلوهم
(1) "
تلك السيرة الرائعة التي تتبع تعاليم الإسلام في تنظيم الهجوم والدفاع، اتباعا لأمر الله، لا يحيد بهم غضب، ولا يستفزهم كيد، ولا يوصلهم إلى الطغيان عدوان.
من
إن العلماء الأعلام الذين درسوا عَلَى أبي هارون، وتخرجوا من مدرسته أكثر العد، أمَّا آراؤه وفتاواه وأقواله، فلا يخلو منها كتاب من كتب
ن أن يحصيهم الفقه والأصول والكلام، وكثيرًا ما يكون رأيه أرجح الآراء، ومعتمد الْمَذهَب .. أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي (2): - من نفوسة " تاديوت"، درس في "سجلماسه" على العلامة ابن الجمع (3). وقد كانت "سجلماسه" في ذلك الحين، من المراكز العلمية التي يؤمها الطلاب من جميع النواحي لاستكمال الدراسة، وعندما توفّي الشيخ العالم، أوصى بثروته العلمية إلى تلميذه النجيب الذي خدمه
بإخلاص زمنا غير قصير.
وأصبح هذا الطالب بعد أن استكمل دراسته شيخا عملاقا تنحني أمامه الرقاب وتذوب بين يديه شُبه المشاغبين، ولَمَّا رجع من سجلماسة إلى الجنوب التونسي وجد أن النكار قد نشروا بدعهم في كثير من تلك البلاد، وأصبح لهم أتباع ومريدون، وَلَمْ يزل يتنقل من بلد إلى بلد، ومن مجمع إلى مجمع، حتى قضى على تلك البدع التي كادت تفتك بدين الناس، وسكت أولئك المشاغبون، فلم تعد تنطلق آراؤهم المنحرفة لتزيغ عقول البسطاء من الناس عن دين
(1) راجع السير، ترجمة أبي هارون الجلالمي.
(2) راجع السير ترجمة أبي الربيع سليمان بن زرقون.
الله
) ابن الجمع من علماء المشرق وتجارها الأغنياء، نزل توزر وبقي فيها مدة من الزمن، وفيها التقى به الطالـ النجيب سليمان بن زرقون، فلزمه لزوم الظل، وكان يخدم الشيخ ليكون اتصاله به، أكثر، واستنادته من مستمرة، فكان يتلقى عنه دروسا في جميع الأوقات، وانتقل ابن الجمع إلى سجلماسة، فانتقل معه الطالب النحيب. وعندما حضرت الشيخ الوفاة أوصى بجميع كتبه إلى طالبه النجيب. (1/243)
صفحة 244
الإباضية في موكب التاريخ
242
الإباضية في ليبيا (1)
اللسان، غزير المادة، شديدا في دين الله ..
كان قوي الحجة، فصيح رأى تبرجا من نساء "قصطالية" فقال: "ما أكثر إماء أهل هذا البلد" فحملهن على غير الحرائر .. وقد كان في هذه الكلمة من التوبيخ والزجر ما يدفع الضمائر الحية إلى العمل.
تتيمم
كان مسافراً في شتاء شديد البرد، ومعه شيخان، ورعان فمروا بغدير وقت الظهر، فاختلفوا في وجوب الوضوء، فتيمم ابن زرقون وتوضأ أحد الشيخين الورعين، فأصيب من شدة البرد، فقال ابن زرقون لصاحبه: "لم تُجز لنفسك أن لصلاة واحدة؛ فتيمم الآن لصلوات عدة. إن فهم روح الشريعة والمقاصد السامية من تكاليفها هي حقيقة الورع، وإن الجمود على ظواهر النصوص قد يؤدي إلى عكس المطلوب. فقد فر صاحب ابن زرقون من تيمم واحد، ولكنَّه اضطر - لقصور فهمه حكمة الطهارة في الإسلام إلى التيمم لعدد من الصلوات. كان ابن زرقون في صغره ذكيا ظريفا، نجيبا، وكثيراً ما كان أستاذه "ابن الْجُمَع" يُمازحه بتوريات غامضة، فينتبه لها الطالب الذ الذكي، ويجيب على البديهة.
قال له يوما إنك ولد في الطين!! يوهمه أنه يصفه بالفطنة فقال الطالب النجيب: "إنَّه غير متزلق"، ليبرهن لأستاذه أنه فهم التورية.
وقام يوما من الأيام بعمل يستحق عليه الشكر، فقال له الشيخ: الزيت خير، يوهمه أنه قال له: جزيت خيرا، ولكن الطالب النجيب فهم أيضا هذه الدعابة من أستاذه وقال له عَلَى البديهة: "يصلح للخبز". وهكذا كان الفتى الظريف مع أستاذه الكبير، يتلقى عنه العلم، ويتلقف منه الدعابة ويقتبس منه الهداية والرشد. (1/244)
صفحة 245
الإباضية في موكب التاريخ
243
الإباضية في ليبيا (1)
(1)
أبو عمر و ميمون بن محمد الشروسي.
عالم اشتهر بكفاح الرذيلة حَتَّى بلغت أخباره أقاصي البلاد. سمع يوما أن جماعة يشربون الخمر "بالفحص" وبين هذا المكان "وشَرْوَس" مركز حكمه وإقامته ما لايقل عن ستة أميال، فذهب إليهم، وأراق، شرابهم، وكسر، آنيتهم، وأقام الْحَد عَلَى من يستحقه منهم.
جمع إلى الورع الشديد العلم الغزير وإلى رقة القلب قوة الإرادة ومتانة الدين، ولهذه الصفات وغيرها من الصفات التي يتحلى بها المؤمنون المخلصون وثق فيه الناس فولوه أمرهم، كان شديد الخوف من حقوق الناس، فكان يرتعد كما ترتعد السعفة في مهب الريح إذا وضعت بين يديه قضية للحكم، وكانت دموعه تنحدر دون أن يملك حبسها، إذا قال له الخصم: "أعطني حقي" خوفًا أن يكون مال عن الْحَقِّ، وَلَمْ يعرف الصواب، وحسبك دين وعدلا لرجل يلي الحكم، أن تكون هذه أخلاقه وسيرته ..
قانون
الله،
أخذ جانيًا فحبسه في بيته موثقاً ليستشير في أمره بعض المشايخ، ويتزلوا به العقاب الذي يقرر وفي الليل قام أبو عمرو إلى الصلاة، فوجد الجاني فرصة للإفلات، ففك قيوده ثُمَّ هجم عَلَى أبي. عمرو بسكين كانت في يده وجرحه، ولكن أبا عمرو - وكان شجاعا وقويا وشديدا في أمر الله - رجع إلى الجاني وقبض عليه من جديد، ونزع منه الموسى، ثم أوثقه وعاد إلى صلاته، وَلَمْ يرد أن يتزل به أية عقوبة حتَّى حضر المشايخ خوفًا أن يؤثر عليه الغضب، أو أن
يكون قد انتصر لنفسه. وحضر المشايخ، ورأوا فيه رأيهم الذي لا يتجاوز الحق والعدل. ذهب إلى "جادو" لبعض الشؤون، وعندما كان في الطريق وهو راجع إلى شروس سمع أن جيا عظيما يريد الغارة على الجبل، فتوقف في الطريق يفكر في الأمر، إنه لم يستعد للحرب والقتال، وهو بعيد عن مركز حكمه، فما العمل؟ وبات ليلة وهو يفكر: هل يبدأ بالدعوة إلى الدفاع من مكانه، أم يرجع إلى مركز حكمه أولا، ثُمَّ يجهز الجيش ويعد العدة، ولكن قد يقع الهجوم قبل أن يصل هو إلى مركز الحكم وإعداد ما يلزم للدفاع، وقضى ليلة مؤرقة في غار توكيت تمزده اليوم، وهو يقلب الرأي.
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثامنة، فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع. تولى الحكم على جبل نفوسة وما يليه بأمر المشايخ بعد أبي سليمان التندميرتي. (1/245)
صفحة 246
الإباضية في موكب التاريخ
244
الإباضية في ليبيا (1)
وعلم الجند أن أخبارهم سبقتهم إلى حاكم الجبل أبي عمرو، وأن الرجل موجود في وسط الجبل ومعمعة العمران، وأنه لا يلبث أن يلاقيهم بجموع يحرصون على الموت في سبيل الدفاع عن حرماتهم، كما يحرصون هم عَلَى الحياة؛ فلم يجدوا خيرًا من أن يؤخروا هذه الغارة إلى فرصة أخرى، وبكروا بالرحيل ..
يسير
كان أبو عمرو إلى هذا الحزم وهذا العزم، وهذه القوة، مثلا للتواضع واللين بين المؤمنين .. كان ذات يوم ومعه ولد له صغير فالتقى بأبي سليمان التندميرتي، فتزل عن فرسه إجلالا لأبي سليمان وتعظيما، وعجب الولد الصغير من سلوك أبيه، فلم يعلم في الجبل رجلا أعظم من الحاكم مقاما، ولذلك سأل أباه قائلا: "من هذا الرجل الذي تترل له عن فرسك يا أبي؟ ". فقال الأب: أولا تعرفه؟، إنَّه أبو سليمان الرجل الذي أنزل الحمل الثقيل عن ظهره وحملته أنا .. " .. هكذا كانوا يرون الإمارة .. إنها حمل ثقيل يفرح المؤمن عندما يتخلص منها، ولا يتقبلها إلا وهو مضطر. وقد بذل أبو عمرو مجهوداً جباراً ليلقي عن ظهره هذا الحمل الثقيل، حتّى تخلص منه في يوم الأيام، وجاء بعض المشايخ يلومونه على ذلك، فقال لهم: "إنني أرغب أن أخلص إلى عبادة
من
ربي
قبل الموت، ولو لمدة قصيرة، وإنني أريد أن لا يشتغل فكري بغير عملي في آخر حياتى .. " قلت في صدر هذا الحديث إن أبا عمرو قد اشتهر في جميع البلدان بسيرته الحميدة، وخلقه الفاضل، ودينه الكامل .. جاء من السودان جماعة من التكرور يحملون بضاعة وافرة للتجارة ولما سمعوا عنه من علم وعدل طلبوا مقابلته، فلم يضن عليهم بها، واجتمع بهم: "فملأ أعينهم وأفئدتهم علما وأدباً وحياء" فجمعوا له أربعمائة دينار، وقدموها إليه من أصدقاء معجبين، فامتنع عن أخذها، وترك لهم أموالهم، وفتح أمامهم الأسواق، ودعا الناس إلى التعامل معهم. إنَّه مثل سام من أمثلة النزاهة والشرف والفضيلة، لا يجده الباحث كثيرا في كتب التاريخ، تاريخ الأمراء الظلمة الذين يزهقون الأرواح، وينتهكون الحرمات، للحصول على مبلغ قد يكون أقل من هذا المبلغ بكثير .. ولعله يكون من المناسب أن أختم هذا الفصل بالكلمة البارعة التي وصفه بها أبو العباس: "وكان ميمون الناصية على نفوسة مدة ولايته". (1/246)
صفحة 247
الإباضية في موكب التاريخ
245
الإباضية في ليبيا (1)
أبو الفضل سهل
هذا رجل لا أريد أن أطيل عنه الحديث، وحسبه أن ولى الحكم على الجبل في وقت بلغت فوضى الحياة في ليبيا مبلغًا يؤسف له، فقد اختاره الناس وغارات الأعداء من الدول الظالمة متوالية، وقبائل البداة الضاربين حول الجبل من الجنوب والشمال لا ينفكون عن السرقة والعدوان؛ إِنَّهُم أقوام لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، فلا يستمسكون بحق، ولا يتعبدون بدين، خلق عن أموال الناس، وكانوا يتباهون ويتفاخرون بأنواع العدوان الذي يقومون
ولا يردعهم
به ومقدار الأموال التي يغتصبونها أو يسرقونها من أصحابها، الآمنين المسالمين. وتولى أبو الفضل سهل الحكم في الجبل، فشمر للكفاح، وقابل العدوان بالصبر والنضال، ورتب في كُلّ جهة من الجهات المعرضة للسطو حامية ترد الضربات، وتقف للمغيرين بالمرصاد، ولم يلبث إلا قليلا حتَّى أمن الناس على أموالهم وحرماتهم، وانتشر السلام في كامل الجبل وما يتبعه، بل لقد سار الأمن في جميع نواحي الجبل إلى "غدامس". بلغه يوما أن فسادًا يقع في "غدامس"، وأن قوما من هؤلاء الذين اعتادوا ابتزاز الأموال بالباطل، يرتكبون من الموبقات في "غدامس" ما لا يرضاه الحر الكريم، فجرد حملة توجه بها إليهم، ورغم معارضة المشايخ له خوفًا عليه، فقد أصر ووصل إلى "غدامس" وضرب على الأيدي العابثة، وأصلح الفساد، ونشر الأمن بين الناس. هاب الناس هذا الحاكم الحازم، فتوقف عن الجبل عدوان المعتدين، وغارات المغيرين، وسرقات أولئك الذين لا يخافون في الله إلا ولا ذمة ..
وإن رجلا يستطيع أن يقمع الفساد، وأن يرد كيد أعداء يتكالبون دون أن يتقيدوا بدين، أو ضمير؛ لذو فضل ..
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثامنة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع، تولى حكم الجبل وما يليه بأمر
المشايخ. (1/247)
صفحة 248
الإباضية في موكب التاريخ
246
الإباضية في ليبيا (1)
أبو مُحمد زيد بن أقصيت الدري)
جد عائلة توارثت العلم والحكم والاستقامة، وإن تفاوتوا فيه على درجات، حسبما وصفهم صاحب السير فقال: "إن أبا مُحمَّد: الآخرة دون الدنيا، وأبا يحيى يوسف بن محمد الدنيا والآخرة وأبا داود سليمان بن أبي يحيى الدنيا دون الآخرة". وليس معنى هذا أن أبا داود أعرض عن دين الله وأسلم قياده للهوى، وزاغ عن الصراط المستقيم وسلك الطريق الذي سلكه الظالمون، فإن أمثال هؤلاء لا يمكن أن يلوا أمرا للمسلمين في ذلك الحين ولكن معناه: أن أبا محمد زهد في الدنيا فلا يقيم لها وزنا، لا يهتم بطعام ولا لباس وأن أبا يحيى إذا اجتمع عنده الرديء والجيد من الطعام واللباس استطرف. أما أبو داود فكان يتأنق في لباسه،
(2)
ويستطيب الطعامه، وقُلْ مَنْ حَرمَ زِينَةَ اللَّه التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق) () ويؤكد هذا المعنى ما ورد في السير: "وكان أبو مُحمَّد إذا قام من مجلس القضاء أكل ما حضر وأبو يحيى يأكل ما، خبز، ورُبَّما استطرف، وأبو داود يأكل اللحم والقمح وتمر فزان في أكثر أوقاته، وكانت أيام أبي داود سليمان مباركة على
نفوسه (3)
الله
تولى أبو مُحمَّد ثُمَّ ابنه أبو يحيى الحكم على جادو، أما أبو داود وأبو محمد عبد ولدا أبي يحيى فقد توليا الحكم على أهل زمور - قرى الرجبان اليوم -، وقد كانت أحكام الجميع وسيرهم سير من سبق من السلف الصالحين. إن كُلّ واحد من هؤلاء الأعلام يستحق أن يشغل من وقت الدارس فراغا لمن أراد أن يتتبع أحداث التاريخ، ولكني في هذه الفصول إِنَّمَا أعرض صورا، وقد
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة؛ فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع: تولى الحكم على جبل نفوسه
وما يليه باتفاق أهل العلم والرأي في الجبل.
(2) سورة الأعراف: 32.
(3) السير، 288 (1/248)
صفحة 249
الإباضية في موكب التاريخ
247
الإباضية في ليبيا (1)
يجمع الإطار الواحد مجموعة من الصور، ولمن أراد الاستقصاء أن يرجع إلى كتب التاريخ، وفيها يجد ما يشبع نهمه عن كُلّ واحد من هؤلاء الأعلام.
وحسبي
هنا أن أذكر للقارئ الكريم أن شهرة هذه العائلة في العلم والعمل لا تزال
على ألسنة الناس اليوم، وإن دارهم التي أطلق عليها دار بني عبد الله، كانت مأوى للأخيار من كُلِّ مكان، وملجأ للمضطهدين، وقد كان واسطة عقد هذه العائلة العلامة أبو يحيى: من أعلام الإسلام؛ درس على العلامة أبي محمد الكباوي، وقال عن نفسه: "لقد جمعت العلم بالقصعة، وفرقته بالأقداح"، وهذه العبارة على اختصارها، تبين الفرق الواسع بين مواهب الناس، وما تمنحه إرادة الله لخواص
عباده.
و في زمن حكم أبي يحيى هجمت زناته بجيش قوامه ألف محارب على قصر "أدرف"، فخربوه، ولكن خراب القصر وخراب قرية "أدرف" كلها لم تهدم البناء الشامخ الذي أقامته عائلة بني عبد الله، وفي الحين الذي يذكر التاريخ في إجلال عظمة أبي يحيى وأسرة بني عبد الله يلعن هذا الجيش الذي يهجم على قرية آمنة مطمئنة على حين غفلة من أهلها، فيقتل سكانها، ويخرب بنيانها. (1/249)
صفحة 250
الإباضية في موكب التاريخ
248
الإباضية في ليبيا (1)
أبو زكريا يحيى بن سفيان اللالوتي
(1)
نشأ في "لالوت" هذه المدينة التي كانت مقراً للعلم، ومثابة للعلماء، وحسبه تعريفا شهادة العلامة أبي العباس حيث يقول: "وكان حاكما عادلا، وعالما فاضلا. وقد ذاع صيته، واشتهر بعلمه ودينه وعدله، حتّى عرفه الناس بذلك واعترفوا له، فكان يقدمه في الصلاة حتَّى المخالفون له في الْمَذهَب. وكان في مرتبة من التواضع واللين لا يصل إليهما إلا الندرة القليلة من عباد الله المؤمنين .. كان حاكمًا، ولكنَّه لم يكن من الطراز الذي يعرفه الناس هذه الأيام؛ إن الحكم عند أبي زكرياء وأضرابه يعنى التضحية بالوقت والجهد والمال، دون أخذ شيء، إنه أداء واجب لا شكر عليه، ولا مقابل له إلا. ما عند الله؛ ولذلك فإن الحكم على أولئك الذي يلون أمرا من أمور الأمة، فيتخذون ذلك وسيلة إلى ابتزاز أموال الأمة والانتفاع بجهود أفرادها .. إن هؤلاء قد خانوا الله، وخانوا الناس في أمانتهم.
كان أبو زكرياء يعمل كأي فرد من الناس، لا يرى لنفسه حقاً عليهم، فكان يقوم بزراعته كما يقوم بها أي شخص آخر. وذات يوم حصد الزرع، واحتاج إلى جمل يحمل عليه ما جمع من زرع، وكان له جار قد هيأ جمله ليحمل عليه زرع نفسه، فلما سمع بحاجة الشيخ أراد أن يؤثره على نفسه وذهب إليه بجمله فانتهره الشيخ، ولم يقبل منه هذا الإيثار، الذي طاب به الجار الكريم نفسا، وخشي العالم الحاكم أن يكون الجار أقدم على ذلك بدافع الخوف، أو بدافع الحياء، فلم يرد أن يتقبل مساعدة الناس على أحد الدافعين. وتقلب الزمن، وتغير وجه التاريخ، وتوفي الشيخ، فجاء ولده إلى نفس المكان، وحصد زرعه، واحتاج إلى جمل يحمل عليه، فذهب إلى جاره، وكان هو نفس الجار الذي انتهره الشيخ لما آثره على نفسه، وكان الرجل قد أعد زرعه وأعد الجمل ليحمل عليه، فطلب ابن الشيخ منه الجمل ليحمل عليه، فاستمهله الجار الطيب حتّى يوصل حمله ثُمَّ يرجع إليه الجمل؛ فغضب الشاب؛ لأن الرجل لم يؤثره على نفسه؛ فقال العامل الساذح الطيب: "إن ذا لمن العجب! .. الشيخ يغضب إذا آثرناه على أنفسنا، وابنه يهددنا إذا لم نؤثره (2).
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السادسة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع تولى حكم الجبل باتفاق أهل
الحل والعقد من علماء جبل نفوسة.
(2) راجع السير، ترجمة أبي زكرياء. (1/250)
صفحة 251
الإباضية في موكب التاريخ
249
الإباضية في ليبيا (1)
إن الفارق بين الأب والابن فارق عظيم، فلقد كان الأب من أولئك الأبطال الذين ينتصرون على أنفسهم قبل أن يلتحموا بالمعارك الحامية بعيدا عن أنفسهم، والمؤمن إذا انتصر على الشيطان في معركة النفس سهل عليه أن ينتصر في كُلّ ميدان؛ وَلَكنَّه إذا انهزم في المعركة الأولى، فَإنَّه لن ينتصر في بقية المعارك، مهما بذل من جهد، وقد قال رسول الله: «رَجَعنَا مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكبَرِ؛ جِهَادِ النَّفْسِ» (1). لقد وثق المشايخ بأبي زكرياء فولوه شؤون الأُمَّة، وكان إلى قيامه بهذا العبء الثقيل لا يرزأ الأمة في شيء من مالها، وإنما كان يمون نفسه وأسرته بعمل يديه، كما يقوم بذلك أي فلاح عادي، وَلَمْ يشغله هذا العبء الثقيل عن مشاكل الناس، ولا هذا الكفاح الطويل في إعانة الأسرة، لم يشغله كُلّ ذلك عن ممارسة أحب عمل إليه، وإلى كُلّ عالم يتجه بعلمه إلى الله، ويقدم جهوده للأمة خالصة .. ذلك العمل الحبيب إلى كُلّ عالم يقدس المعرفة، والتعليم، ونشر الثقافة، وتربية الأجيال، ولقد خصص أبو زكرياء زمنا من وقته الثمين للتعليم، وهداية الناس، وإرشاد أبناء الأمة، وكان الطلبة يتسابقون إلى الارتشاف من هذا المنهل العذب، ويتزاحمون عليه تزاحم العطاش على الصافي النمير، ولقد كانت له دروس لا تقتصر على صغار الطلبة والمبتدئين، بل يحضرها كثير من الأجلاء. فإن مجالسه العامرة بالموعظة الحسنة والدعوة إلى سبيل الله لخليقة أن يحضرها كُلّ من تهفو نفسه إلى المزيد من الاطلاع على أسرار الشريعة السمحة، وكان في أحد هذه الدروس التي يتخذها لشرح وجهات النظر المختلفة، ويكشف فيها وجوه الرأي وآراء المجتهدين، ويعقب بذلك على تلك الآراء، ويرجح منها ما يوافق التيسير على الناس، وكان أبو الربيع حاضراً هذا المجلس، هذا الترخيص للشيخ، وترجيحه ما يقوم على اليسر والخفة من آراء العلماء وأقوالهم؛ فقام وهو يقول: "لا أحضر مجلسًا يفتى فيه بمثل هذا .. فأجابه العالم الأستاذ الذي يعرف مر أسرار الشريعة، ومن طبائع الناس، ودخائل نفوسهم ما لا يعرفه كثير من أصحاب العلم، ويفهم من طبيعة الحياة، ومن دواعي العمل، وما يناسب ذلك في مختلف الأزمنة والأمكنة، ما لا يفهمه الكثير، أجابه يقول: "إن لم ترد فقم" .. وقام أبو الربيع الغاضب وفارق مجلس الشيخ على هذه الحال، ولكنَّه ما توارى من الباب حتى قال الشيخ لطلابه: "ردوه؛ إن لم يفهم هو، فلا يفهم غيره" .. وتواثب الطلاب في خفة ليدعوه، فلاقوه راجعا فقد فكر واقتنع بوجاهة رأي الشيخ، وبعد
فغضب من
1) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء، (1362، 1/ 511. (المراجع)
العلماء (1/251)
صفحة 252
الإباضية في موكب التاريخ
250
الإباضية في ليبيا (1)
نظره، ومعرفته بأحكام الدين والأصول التي تبني عليها الفتوى وعرف أن العالم الذي يفتي للناس، يقوم بعمل يشبه عمل الطبيب، فقد يفتي لرجل بفتوى لا يفتي بها لشخص آخر في سؤال مشابه، كما يناول الطبيب شخصاً ما دواء لا يعطيه لمريض ثان له أعراض ذلك المرض. وقد رأى كثير من حذاق العلماء أن الغنى الذي يوفر لديه المال، وتجب عليه كفارة لا يفتى له بالإطعام، وَإِنَّمَا يفتى له بالصوم.
وأبو زكرياء من أخلص الناس إيمانًا وأشدهم ورعًا، وأغزرهم علما، فهو حين يقدم على عمل، أو يصرح بقول يكون قد فكر قبل ذلك، فأخلص العمل لربه، واستبرأ لدينه وعرضه. وخلاصة القول: أنه أحد أولئك الأبطال الذين انتصروا على الشيطان في أنفسهم، وقدموا أعمالهم الله خالصة، وقادوا أمتهم إلى الخير، دون أن يرزؤوها في مال أو دم، وقد كان مثلا للمسلم القانع الراضي بما قسم الله له، والعارف بحقيقة الدنيا وزخرفها. زاره المشايخ يوما فأكثر لهم اللحم، وكان الطعام قليلا، فاعتذر لهم بضيق الحال، وزاروه مرة أخرى فأكثر لهم الطعام وقدم لهم زينًا، وَلَمْ يقدم لَهُم لَحمًا، وَلَمْ يعتذر، فقيل له في ذلك؟ فقال: "لا تقصير مع الطعام والزيت".
إنه رجل لا يعرف المظاهر الجوفاء، وإنَّما يعرف الحقائق التي تنبني عليها الحياة، وحقيقة الغذاء
الذي تقوم عليه الحياة في الجبل إنَّما هو الطعام والزيت وليس اللحم مادة ضرورية في ذلك الحين. وَلَعَلَّ في قصة أم المؤمنين عائشة لها وزوجة معاوية بن أبي سفيان عبرة وموعظة لهؤلاء الذين يسرفون في اتباع الشهوات، فقد قيل: إنَّه قدم لأم المؤمنين عائشة عشاؤها الذي يتكون من خبز وزيت، وكانت زوج معاوية حاضرة، فدعتها أن تشاركها هذا الطعام، لكن الزوجة التي ربيت في بيت معاوية، وبين موائد الشام، اعتذرت لأم المؤمنين، وأخبرتها أنها تعودت تأكل أرق من هذا وأشهى، فرفعت إليها أم المؤمنين عينين متعجبتين وأخبرتها «أن رسول الله
أن
لله مات ولم يشبع من الخبز والزيت»، ولو أراد رسول الله لكانت له موائد أحفل مما يقدم لكسرى وقيصر .. وصدق الذي أوصى فقال: "لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان". درس أبو زكريا على العالمين الكبيرين: أبي محمد مُحمَّد بن جَلداسن.
خصيب التَّمَصْمِصي، وأبي عبد الله (1/252)
صفحة 253
الإباضية في موكب التاريخ
251
الإباضية في ليبيا (1)
أبو عبد الله محمد بن جلد اسن اللالوتي"
نشأ في "لالوت" بلد الأشياخ والعلم كما قال أبو العباس، وقد تحدث عنه وقال فيه: "وكان بحر العلم الزاخر، وإمام الحكام الفاخر، قيل له: في بعض أحكامك ضعف"، قال: "اقعدوا على طريق الحطابة، فإن رأيتم معهم عودا يابا فصدقتم أني ضيعت شيئًا من الْحَقِّ".
وتكفي هذه الشهادة للدلالة على علم الرجل، وعلى عدله، وعلى قوة إرادته، وصلابته في الْحَقِّ، إنَّه يحكم ويعدل، وحين يتهم بالضعف في أحكامه يتحدى – في ثقة الرجل الذي يزن، قوته ويعرف سطوح حجته - أولئك الذين يتهمونه بضعف الأحكام، أن يظهروا له هذا الضعف الذي انتقدوه عليه في نتائج الأحكام، وما يعقبها من آثار، ويصمت المعارضون؛ لأنهم لا يجدون ما يردونه به على هذا التحدي، فهذه نعم الله تسبغ عليهم ظاهرة وباطنة، وهذه الخيرات مبثوثة على الطبيعة، وهذا الأمن منتشر، والسلام يسود الربوع، والناس مشتغلون بأعمالهم، راضون عن حياتهم، وحقوقهم مكفولة، لا يضيع منها حق، ولا يطغى قوي على
ضعيف.
الله
وكان إلى هذه القوة في الْحَقِّ، والمعرفة بالعدل ومجاريه عالما بأسرار الشريعة، يحارب الوسوسة والجمود، والتشدد في دين كان يوما "بشروس" وقد نزل مطر غزير فذهب إلى المسجد، ومشى بخفيه حتى دخل المسجد، وصلّى بالناس ليزيل من أفكار الموسوسين المتشددين ما يظنونه نَجا مما يتطاير من ماء المطر في الشوارع. وقف له بعد الصلاة أحد المؤمنين الذين يعرفون من أحكام الإسلام مثل ما يعرف ويعرف من طبائع النفوس البشرية بعض الجوانب التي غفل عنها العالم
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع: تولى الحكم على الجبل باتفاق
أهل الراي والعلم معاً. (1/253)
صفحة 254
الإباضية في موكب التاريخ
252
الإباضية في ليبيا (1)
الكبير، فقال له: "إن متولى الناس مثل اللبن، يغيره أدنى ما يقع فيه"، وفهم الشيخ مـ ترمي إليه هذه الملاحظة الدقيقة واقتنع بوجاهتها، فلم يعد لمثلها، فإن بعض الناس قد يفسرونها بالتهاون وعدم الاحتياط والاستهتار، وهؤلاء الناس قد لا يجسرون على إبداء آرائهم هذه ومناقشتها بالحجة ليعرفوا حكم الله، وَلَكنَّهم يجعلونها مادة الحديث والتعليق وتنسى القضية نفسها، لكن الحكم المترتب عليها من المتهاون والاستخفاف ينتقل من أذن إلى أذن، حَتَّى يشيع وينتشر ..
كانت أم سحنون اللالوتية من فضليات العجائز مؤمنة عالمة ناصحة، وكانت مزاراً للمشايخ والعلماء، تفيض عليهم من أدبها، وعلمها، وخلقها، ودينها، ونصيحتها، وسار يوما أبو عبد الله في جماعة من المشايخ لزيارتها، فَلَمَّا كانوا ببعض الطريق، وقد قربوا منها، سمعوا أن حدثًا وقع بـ"جادو"، فاضطروا إلى الرجوع، واضطر أبو عبد الله بوصفه حاكم الجبل أن يعود ليرى هذا الحدث الذي وقع بجادو، مدينة نفوسة، ومركز الحكم في أكثر الأحيان، غير أن أبا هارون لم يرجع معهم، وأتم ما عزم عليه من زيارة هذه المرأة الصالحة، فَلَمَّا أخبرها برجوع المشايخ قالت: "يا أخي أخشى أن أكون ممن قيل فيهم: إذا زارت الأخيار فاسقا سد الملائكة الفجوج، وإذا زار الأشرار صالحا قيدتهم الملائكة (1).
عليهم
وسيرهم،
لقد كان أبو عبد الله من أولئك العلماء الذين امتلأت الكتب بأقوالهم وآرائهم أما الصورة الكاملة لحياة هذا الرجل فهي تشبه إلى حد كبير ما تقدمها من الصور التي عرفتها لأولئك الأعلام الذين وثقت بهم الأمة، فحملتهم أعباء الحكم .. وساروا بتلك الأعباء الثقال لا يتعثرون يعملون الله والأمة، لا يغرهم
السلطان، ولا تخدعهم المظاهر البراقة ولا يلتفتون إلى نعيم الدينا.
1) السير، 298
* * * (1/254)
صفحة 255
الإباضية في موكب التاريخ
253
الإباضية في ليبيا (1)
أبو زكرياء بن أبي عبد الله الشَّدم تي
(1)
شخصية من تلك الشخصيات التي تحتاجها الشعوب في أوقات الوهن والضعف، ولاه المسلمون أمورهم بعد أبيه أبي عبد الله حفيد أبي منصور .. أبو منصور الذي عرفه التاريخ في أنزه موقف وقفه محارب، وبأشرف سيرة سارها أمير، أما حفيده عبد الله، فيكفي فيه ما قاله عنه أبو العباس: "أَمَّا أبو عبد الله، فلم الشعث، وكشف اللبس، ورتق الفتوق، ورقع الخروق"، هذه الأسرة الكريمة التي شرفها الإسلام، وشرف بها المسلمون، انحدر أبو زكرياء.
ومن
الأم
الأمير
ولاه المسلمون أمورهم بعد أبيه أبي عبد الله، فبقي في هذا المنصب الخطير، منصب أو الإمام، ستين سنة، لم يتغير فيها خلقه، ولَمْ يفسد طبعه، وَلَمْ يتغلب عليه الطمع، ولم
يدخله الغرور الذي يعبث بالنفوس من أصحاب السلطان.
a
دأب منذ أسند إليه حكم الجبل، أن يحاسب نفسه كُلّ ليلة، ولا يأوي إلى مضجعه حتى يزن ما قام به من أعمال، ثُمَّ يُميز جميع من يدخل تحت حكمه، ثُمَّ يُميز جَمِيع من يدخل تحت حكمه، فيعرف من يستحق الأدب، ومن يستحق المواساة، ومن له الحق، له الْحَقِّ، ومن عليه الْحَقِّ.
دأب على هذه السيرة طول مدة إمارته خوفا من التقصير، وخشية من العي عن الجواب يوم الحساب، إذ كُلّ راع مسؤول عن رعيته.
هكذا كان أبو زكريا يقضي وقته وهو أمير عَلَى جبل نفوسة، شغل متواصل طول اليوم، ينسى فيه نفسه وأهله وماله فإذا آوى إلى بيته في الليل، ليجد قليلا من الراحة، حسد نفسه عن أن تنال هذا القسط الضئيل من الراحة، ونأى بروحه عن أهله وأبنائه؛ لأن للمسلمين بقية حقوق تترتب بذمته لم يتأكد أنها وصلت إلى أصحابها كما يوجب الْحَقِّ والمروءة. وفي هذه العزلة الروحية وهو في بيته، بعيد عن ضجيج الناس يستعرض شريط اليوم، ليرى فيه هذه المملكة التي يتولى أمرها، فيمر بين عينيه ذلك الشريط بما يحمل من صور الناس في الحياة.
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة؛ فهو من علماء النصف الأوَّل للقرن الرابع: تولى الحكم على الجبل وما يليه
باتفاق المشايخ. (1/255)
صفحة 256
الإباضية في موكب التاريخ
254
الإباضية في ليبيا (1)
ويتذكر أبو زكريا من غفل في زحمة الحياة، وأنساه إيَّاهُم الدويّ الصاخب .. فيمر بين
به
إنسانا
عينيه في ذلك الشريط: القوي الذي اعتمد على قوته فأخذ من حقوق الناس ويمر بـ الضعيف الذي قعد به الضعف حَتَّى عن الوصول إلى الحاكم ويمر به الغني الذي تجري الثروة بين يديه ومن خلفه فيحيا حياة الرغد والرفاهية، ويمر الفقير الذي يتغلب على الحياة بالقناعة وينتصر على الجوع بالصبر ويستر العرى بالتواري عن مجامع الناس. وبعد أن يصفى حسابه مع الله ومع نفسه في يومه الماضي، ويضع خطوط العمل ليومه المقبل بعد ذلك يعود إلى إعطاء حقوق أهل بيت من أولاد وزوجة وغيرهم، ويصبح كسائر الناس يتكلم مع أهله وأبنائه، ويستعرض شؤونه الخاصة وموارد رزقه الطيب. وعندما يقوم في الصباح ليتولى العمل من جديد، يكون أول ما في مخططه اليومي استخراج الحقوق ممَّن لم تستخرج منه، وإنزال أحكام الله عَلى من يستحقها .. كان شديدا في الله، يتعقب الجناة والمجرمين، ولا يتهاون في ذلك أبدًا .. ذكر له: أن جانيا في قرية "جناون" آوى إلى أهله وبات عندهم؛ فهجم عليه صبيحة العيد، بعد أن صلى صلاة الصبح في مسجد أبي عبيدة، وطلب من العزابة تسليم المجرم، وإيصاله إلى السجن في "جادو" حتى يحكم فيه بحكم الله. وذكر له أن جانيا آخر بات في "ويفات" وهي قرية تبعد عن "جادو" مركز حكمه ما لا يقل عن عشرة أميال، فهجم عليه هو وأصحابه، وأنفذ عليه الحكم وقد حاول الجاني أن يعتدى على الأمير الشديد في أمر الله، وهم أن يطعنه بخنجر، فتلقى عنه الضربة أحد الحاضرين الواقفين بجنبه، فقال أبو زكرياء: يقال في المثل "أحبك ولا كنفسي، وهذا الرجل أحبني فوق نفسه. تخاصم إليه رجل وامرأة عَلَى، مال، وكان أبو يوسف الأجفري حاضرا، وهما من بلده، فقال له: "ما تقول يا أبا يوسف؟ " قال أبو يوسف: "إن جزت على المرأة أسلم، وأسال لها العون، وإن أطعمتني أكلت .. وإن مررت على الرجل لا أسلم ولا أسال له العون، ولا أكل إن أطعمني .. " قال أبو زكرياء للرجل: اسمع ما يقول أبو يوسف يا أبا فلان .. " قال الرجل: مالي ياشيخ؟ قال أبو زكرياء: اسمع يا فلان ما يقول أبو يوسف، قال الرجل: ما لي يا شيخ؟ قال أبو زكرياء يا مرعون إن ذهبت إليه لأجعلنها في جنبك؛ يعنى: السياط. إن الرجل الذي يتمادى على الباطل، ويستمسك بحق الناس، حقيق أن توضع في جنبيه السياط. (1/256)
صفحة 257
الإباضية في موكب التاريخ
255
الإباضية في ليبيا (1)
كان أبو زكريا عالما من
يحيى
أفذاذ العلماء؛ وَلَكِنَّهُ مع سعة علمه أراد أن يطمئن في أحكامه إلى
فتاوي من مشايخ يوثق بعلمهم وفهمهم، فاستنصح أبا مُحمَّد الدرفي، فنصحه أبو محمد أن يستفتي في نوازله، والمشاكل التي تعرض عليه الشيخين العالمين أبا محمد الكباوي، وأبا يحيى الفرسطائي، فيحكم بما اتفقا عليه، ويتوقف فيما يختلفان فيه، فكان يستفتيهما، غير أن أبا كان يجيب إجابة العالم الواسع الاطلاع فيناقش الموضوع مناقشة طويلة، ويبحثه من جميع نواحيه، ويستعرض الأقوال الواردة فيه دون ترجيح، أما أبو محمد الكباوي، فكان يقصد إلى أرجح الأقول، ويُحدد الموضوع في إيجاز، وتلخيص، وهذا ييسر العمل على الأمير الكثير الأشغال فاعتمد على فتوى أبي مُحمَّد وَلَمَّا توفّي أبو محمد، حضر جنازته وشيعه إلى مقره الأخير، وعندما أراد مغادرة المقبرة، قال سلام عليك يا كاباوى، وَلَمَّا مر بقرب
منزله قال: لقد أصبحت أيُّهَا المنزل كغيرك من المنازل. ثُمَّ استفتى بعده أبا محمد خصيبًا. حاول عدة مرات أن يتخلص من أعباء الحكم، وأن يلقى عن كاهله هذا الحمل الثقيل،
وَلَكِنَّهُ لَم يتمكن من ذلك؛ لأن أهل الشورى من المشايخ لم يوافقوا على ذلك أبدًا. وبعد؛ فما هو المبلغ الضخم الذي جمعه هذا الأمير حكم الجبل ستين سنة؟ وما هي القصور التي شادها؟ والجنان الفسيحة التي امتلكها؟ إنَّه لا شك جمع ثروة طائلة، تركها لأبنائه، وسوف ينعمون بها طيلة أجيال متعاقبة. أما هو وأسرته فلا بد أن يكونوا قد نعموا بالمال، وعاشوا في رغد ورفاهية.
ولعل في القصص الآتية شواهد تدلنا عَلَى مبلغ ما كتر هذا الرجل من مال، وجمع من ثروة. ولد له ولد فبعثت إليه زوجته تطلب كمية من الزيت للاستصباح ودهن الطفل، فكم يا ترى يستطيع أن يبعث إليها في هذه المناسبة السعيدة؟ إن أي موظف بسيط أو شيخ قبيلة، يمكن أن يبعث لزوجه في مثل هذه الحالة ما يكفيها أسبوعًا، أو شهرا، وإذا لم يكن هذا المقدار عنده، استطاع أن يحصل عليه بأي وسيلة من الوسائل، أمَّا هذا الأمير الذي يتصرف في مال الجبل كله، ويتحكم في تصريف ما في "نفوسة" من زيت لم يستطع أن يبعث إلى زوجه الحبيبة، وهي نفساء، وإلى طفله الوليد وهو يستقبل الحياة .. لم يستطع أن يبعث إليهم شيئاً؛ لأنه لم يجد في ملكه الخاص ما يبعث به، أما أموال المسلمين وزيوت الأوقاف التي تصرف تحت رعايته، فلم (1/257)
صفحة 258
الإباضية في موكب التاريخ
256
الإباضية في ليبيا (1)
يستطع أن يمسها؛ لأنها أمانة في عنقه، وهو أخشى الله من أن يخون الأمانة، وأبلغها أنه ليس لديه زيت، وما دام لا يجد في ملكه الخاص زيتّا، فعليها أن تستصبح بالحطب، أما الوليد فيكفيه التنظيف بالماء. وعلى زوجة الأمير أن تقنع بهذه الحياة إن كانت مؤمنة ترجو خير الآخرة، وإلا إن هذا الرجل ليس برجل الدنيا الذي تغره الحياة بالنعيم الزائل .. وفي القصة الآتية مثل آخر يبين لنا كيف يستطيع أن يجمع مثل هذا الأمير ثروته الطائلة، التي لا تنضب مرَّ عَلَى بعض الأحياء فاستضافوه، ولكنَّه اعتذر، فجاء صاحب الحي بعدد من الكباش، وقدمها للأمير وهو يقول له: هذا غذاؤك وغذاء أصحابك حيث لم توافق على البقاء! .. فهل فرح لهذه الكباش، وأمر يسوقها ليضعها إلى ما جمع من ثروة؟ لم يفعل شيئا من ذلك، ولكنه أجاب صاحب الكباش بهذه الكلمة التي يجب أن توضع بين كُلّ صاحب سلطة من أولئك الذين يجمعون الرشاوي، ويبتزون أرزاق الشعوب، ولا يعفون عن أموال الدولة، قال: "لو كلفت بحمل قرونها ما قدرت فكيف بحملها جَمِيعًا يوم القيامة" (1)، وترك الكباش لصاحب الكباش، وعاش الطفل على نور الحطب، وضرب أبو زكرياء لعبيد الدنيا المثل الرائع الذي يجب أن يتعظ به أولئك الذين تسند إليهم أمور الناس، ويؤتمنون على ثروات الشعوب، لقد فنيت جميع الثروات التي جمعها الجبابرة، ولكن هذه الثروة الخلقية التي تركها هذا المؤمن الصابر لم تفن، ولن تفنى، وما عند خير وأبقى. حضر إليه بعض المشايخ في أواخر أيامه، وسأله عن رأيه فيمن يولونه أمورهم، ويسندون إليه حكمهم من بعده؛ فاختار لهم: إما أبا زكرياء اللالوتي، أو أبا يعقوب البغطوري، أو أبا داود سليمان الدرفي.
عيني
الله
لما اشتد عليه المرض رأى جماعة أن يرجعوا به إلى بلده تندميرة فحملوه، فَلَمَّا أفاق من غشيته وجد نفسه محمولا، فسألهم عن ذلك؟ فأخبروه أَنَّهُم يريدون به بلدة "تندميرة" فأمرهم بإنزاله في موضعه، وكان قرب "تمزده" وهنالك فاضت روحه الطاهرة، رحمه الله، ولا يزال قبره مشهورًا معروفا هناك.
1) السير، 318. (1/258)
صفحة 259
الإباضية في موكب التاريخ
257
الإباضية في ليبيا (1)
واجتمع المشايخ بعد وفاته فولوا مكانه أبا موسى عيسى فاتبع خطاه وسلك مسلكه، وسار بسيرته .. قوة في دين الله، وغلظة على العصاة والمجرمين وإيصال للحقوق إلى أهلها، وعدل بين الناس يستوى فيه الكبير والصغير، والجليل والحقير.
أدب رجلا عَلَى عمل ارتكبه، فتألم ولَمْ يصبر .. فقال له أبو موسى: "أبلغتك حرارتها يا عدو الله؟ "
فقال المضروب: "أو لم تذقها؟ " فقال الحاكم القاضي العادل: "ذقتها وكانت لي رشدًا وصلاحا". ترتب الْحَقِّ يوما عَلَى داود بن علي، وكان من العظماء أصحاب الثروة، مهيبا بين الناس، صاحب قدر ومقام. فَلَمَّا أراد الحاكم أبو موسى إقامة الْحَقِّ عليه أعرض ونأى بجانبه، وازور عن الْحَقِّ، وثنى عطفه تكبراً أن يؤخذ منه الْحَقِّ، ويقام عليه الْحَد، وقام من مجلس الحكم .. أمر أبو موسى برده، فلم يجد بين الحاضرين من يقوى على رده .. وفكر داود بن علي في الموضوع، ثُمَّ رجع إلى مجلس الحكم، وطلب من أبي موسى إقامة
الْحَقِّ، وقال له: رجعت إلى مجلسك لتقيم عَلَيَّ الْحَدّ لثلاثة أسباب:
الأول: لا أريد أن أترك التكبر عن أخذ الْحَقِّ سنة يتبعها كُلّ متكبر.
الثاني: تواضع مثلي لمثلكم لا يزيده إلا رفعة وعزا.
الثالث: أن فى أبناء الأمة غيري، ومن هو أعظم مني.
وطلب أبو موسى من جديد إلى الحاضرين أن يقوم أحدهم بتنفيذ الحكم فلم يجد أحدا، فقام وهو يقول: "يعلم رَبِّي أَنه لو لم يكن رضاك إلا في نزع نفسى لترعتها (1) ونفذ الحكم. ولست أدري أَيُّهَا القارئ الكريم - وأنا أقص عليك هذه القصة هل تعجب مثلي بهذا الخلق المتين، من الحاكم والمحكوم، بل إنِّي لحائر بين الرجلين، لا أعرف أيهما أعظم، أهذا على تنفيذ حكم الله مهما كانت النتائج، أم هذا الذي يحكم عليه، ثُمَّ تعجز سلطة الحكم عن تنفيذ قرارها، وبعد أن يتيقن أنه لا أحد يقوى على تنفيذ الحكم عليه، يجيء إلى الحاكم مستسلما خوفا من أن يترك سنة سيئة يقتدي بها الناس، فيما إذا ركبتهم الحقوق، وتعلقت بهم الواجبات .. إنَّه خلق لم يوجد إلا في الرعيل الأوَّل من أصحاب رسول الله.
الذي يصر
1) راجع السير للشماخي، 2/ 135. (1/259)
صفحة 260
الإباضية في موكب التاريخ
258
الإباضية في ليبيا (1)
أبو هارون موسى بن هارون
وخرجت
نشأ أبو موسى هارون بن هارون في "تملوشايت" وأخذ مبادئ العلم عن مدارسها العامرة، ثُمَّ التحق بأبي مُحمَّد التمصمصي، وفي هذه المدرسة التي أعدت أعلاما، فحولا، تخرج أبو هارون، علمًا من أعلام الإسلام، وبطلا من أبطال المؤمنين، وجدا لأسرة متسلسلة في العلم والإيمان والكفاح من أجل المثل العليا التي حارب من أجلها محمد، وناضل عنها المؤمنون في كُلِّ زمان ومكان.
كان رحمه
الله
عامر القلب بالإيمان برا تقيا، عفيف اليد واللسان، وكان مع ذلك ذا قوة وصمود في النضال عن الْحَقِّ، وحمايته من أطماع الطامعين.
كان أبو محمد خصيب هو مفتى الأمير أبي زكريا التندميرتي بعد أبي محمد الكباوي وكان أبو هارون يحرص على حضور مجالس أبي مُحمَّد خصيب لما يستفيده منه من علم جديد. ونزل أبو زكرياء يوما إلى "جناون" ونزل إليها أبو هارون، ولكن أبا محمد خصيبًا لم يتمكن من الترول؛ لأن ضعف الشيخوخة حال دونه، واحتاج أبو زكرياء إلى فتوى، فطلب من أبي هارون أن يتقدم لها، ومن ذلك اليوم أصبح أبو هارون يفتى لأبي زكرياء، حتَّى لحق أبو زكرياء بالله، وتشاور المشايخ فيمن يلي أمورهم فأسندوها إلى أبي موسى عيسى، ثُمَّ أسندوها من بعده إلى هذا العالم الذي أحسن القيام بها، ورعاية شؤونها .. في قرية "إبناين" التي لم يبق منها اليوم إلا أطلال دوارس، كانت إحدى العجائر التي يسميها المشايخ الجدة، وكانت تقية صالحة عالمة مؤمنة، تفيض عَلَى جلسائها بالخير والصلاح، واعتاد أبو هارون أن يزور هذه العجوز، فيقتبس من خلقها وعلمها ودينها، ووَلَمَّا أسند إليه الحكم، وألقى على كاهله هذا العبء الثقيل، نقل مركز حكمه إلى هذه القرية الجميلة التي تحضنها الجبال الشمّ، وتنبسط عند أقدامها الوديان الخضر، ليكون قريبا من هذا العقل البشري المستنير، وهذا القلب المؤمن الصافي .. نصحه بعض المتملقين أن يشتري
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة، فهو من علماء النصف الأول من القرن الرابع تولى الإفتاء، ثم اختاره مشايخ الجبل حاكما على جبل نفوسة ومايلية. (1/260)
صفحة 261
الإباضية في موكب التاريخ
259
الإباضية في ليبيا (1)
الأملاك الثابتة، حَتَّى تبقى لأبنائه من بعده، فأجاب هذا الناصح بقوله: "من يتبع منهم طريق
الهدى لا يعدم من الله خيرا، نبذه وراء ظهره فلا أعدمه الله جوعا". ومن وقارن أَيُّهَا القارئ الكريم بين أمير لا يترك لأبنائه غير الله، وأمير يجمع المال من كُلّ سبيل،
لا يفرق بين حلال وحرام، ثُمَّ يتركه لأبنائه يعبثون به، ويلقى الله بالحساب .. سار أبو هارون بأعبائه الثقال من شؤون الأمة، كما سار بها أولئك الذين سبقوه بالحسنى، أقام الحق بين الناس، وحمى الوطن من عدوان المعتدين وغارات المغيرين .. وكانت زوجة أبي هارون امرأة صالحة يُحِبُّها وتُحبُّه. وكانت عالمة ذكية، ولكنها غير
ولود.
ونصحه المشايخ أن يتزوج غيرها عسى أن يرزقه الله أولادًا صالحين .. ففوض إليهم أمر الاختيار، ووكلهم على القيام بهذه المهمة، وكُلُّ ما اشترط عليهم أن يختاروا له امرأة يتوفر فيها الصلاح والتقوى.
وتشاور المشايخ ودرسوا الموضوع، واستعرضوا عقائل الجبل، فاتفق رأيهم، ووقع اختيارهم .. من تكون هذه المرأة التي يتفق المشايخ عَلَى اختيارها زوجة لأعظم رجل في ذلك
الحين؟
لقد كانت جدة المشايخ السيدة تابر كانت" أعظم امرأة في الجبل وأصلحها، وكانت لها بنت ربتها على الخلق الكريم والدين القويم وثقفتها الثقافة التي تصلح للمرأة في ذلك الزمن الذي تشارك فيه المرأة الرجل في أهم الميادين بالرأي والنصيحة والإرشاد من وراء الحجاب، وقبلت الفتاة ورضي، الشيخ، وزفت العروس الصالحة إلى العالم المؤمن، ورزق أبو هارون بعدد من الأولاد أقروا عين والدهم الشيخ، وخدموا الأمة بإخلاص.
طلابه
كان قبل أن يتولى حكم الجبل، يقوم بالتدريس، وكان يقوم بالرحلات العلمية مع فيدرسون البيئة، ويعلمهم أدب السلوك، ويعرفهم بالناس، ويوضح لهم طريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدربهم على القيام بدروس الوعظ والإرشاد، وكثيرا ماكان بهم على أم ماطوس، المرأة التي استطاعت أن تتغلب على إرادة أهلها في سبيل الدراسة، حتى بلغت مرتبة تتقاصر عنها أعناق الأبطال ..
يترل (1/261)
صفحة 262
الإباضية في موكب التاريخ
260
الإباضية في ليبيا (1)
أبو الربع سليمان بن أبي هارون
غلب عليه لقب "الشيخ"، حتّى أصبح علمًا عليه أخذ العلم عن أبي يحيى زكرياء بن سفيان اللالوتي، وأبي سهل البشر بن محمد التندميرتي، وأبي يوسف وجدليش بن في اليُجْلاني وأخذ عنه بَشَر كثير.
سافر إلى الحَجّ مع مجموعة من العلماء الأعلام، فترافقوا اثنين اثنين، فكان رفيقه أبا يعقوب البرني، وطال الطريق بهم، كان الرفاق يفترقون ويجتمعون ما عدا أبا الربيع وأبا يعقوب، فقد
أمضيا الطريق كله في صحبة ممتعة بين مذاكرة في فنون العلم وتعاون على ذكر الله. وكان الركب إذا سئلوا عن عالمهم قالوا: أبو الربيع وأبو عبد الله الدرفي. وإذا سئلوا عـ عابدهم قالوا: أبو موسى الدجي، وإذا سئلوا عن سخيهم قالوا: زكرياء بن عمار الشروسي، وإذا سئلوا عن أفضلهم قالوا: أبو يعقوب البرني. وعلق ما شئت أَيُّهَا القارئ الكريم عن ركب يجتمع فيه هؤلاء الأعلام.
جمع أبو الربيع إلى العلم الواسع، والدين القويم والخلق الكريم .. شدة في الْحَقِّ لا تلين، و محافظة عَلَى دين الله لا تفتر وسيرة صالحة لا تضعف .. اشتهر طلوع هلال شوال فأفطر الجبل وبلغه أن بعض المتنطعين الجامدين أمسكوا عن الإفطار وَلَمْ يوافقوا الأمَّة في علمها بالشهرة فتتبع هؤلاء المتنطعين حتى بلغوا "جادو" وهو يلزمهم الإفطار، ويكسر عليهم هذا الصوم الذي يخالفون فيه الدين والأمة ويغير هذا الحدث الذي كان خليفا أن يحدث شعبا وخلافا بين الناس.
وكان قويا في العبادة شديدًا عَلَى نفسه يعتقد أن في طوق جميع الناس أن يعملوا مثل ما يعمل. صام مرة في "جادو" وكان حاكم الجبل حينئذ أبا عمرو، وكان أبو الربيع إما أن يكون في مجلس العبادة أو في مجلس العلم لا يعرف النوم والراحة، فقال للأمير: "حجر على الناس أن يناموا بالليل مدة صيامهم، ومن كسر الحجر فالسجن أولى به، ولكن الأمير لم يعمل بهذا
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الثامنة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع: تولى حكم الجبل باتفاق أهل الرأي والعلم من مشايخ جبل نفوسة. (1/262)
صفحة 263
الإباضية في موكب التاريخ
261
الإباضية في ليبيا (1)
الطلب، وسار الزمن وأسندت الإمارة فيما بعد إلى أبي الربيع ويظهر أنه ازداد خبرة بطبائع الناس ومعرفة بالضعف البشري، فلم يحجر على الناس النوم بالليل، وإنما كان يدعو إليه
كان يقوى على إحياء الليل، فيحيونه يعبدون الله، أو يتذاكرون فنون العلم. من
كان داود بن تيتيس طاغية متجبراً مثل جلدين بن فلاوسن، ولم يستطع المشايخ في "جادو" أن يلقوا عليه القبض وينفذوا فيه حكم الله، فجاء أبو الربيع وبصحبته أبو عمرو وأبو وطلبوا من أبي داود الدرفي أن يرافقهم، فهجموا عَلَى ابن تيتيس وألقوا عليه
موسي
الدجي و القبض وأودعوه في السجن حَتَّى حكم عليه المشايخ، ونفذوا فيه الحكم ..
استحق يوسف بن عبد الله من أهل إكراين الأدب، فأوثقه أبو الربيع في سلسلة حتى يجرى عليه الحكم، وقدم بعض الكبراء، يتشفعون في يوسف هذا، فقال أبو الربيع لو أمكن أن أنزع عن يوسف بمائة دينار لدفعتها عنه وأطلقت سراحه ولكن الْحَقِّ أولى .. وهكذا لم
السلسلة
تشفع محبته لهذا الرجل، ولا رجاء الكبراء فيه؛ لأن الْحَقِّ أحق أن يتبع .. وهو إلى هذه الشدة والحزم في معاقبته الجناة وتتبع العصاة جم التواضع كثير الحياء، أواب إلى الحق. ذهب هو وبعض أصحابه وطلابه إلى تندميرة" فاستضافه رجل دخلت الشبهة إلى بعض ماله، فامتنع أحد طلابه عن الأكل تورعا، غضب أبو الربيع غضبا شديدا على هذا التلميذ، ولما كان بالطريق وهو راجع إلى مركز حكمه وإقامته "إيناين" قال لأبي محمد بن عبد التيمجاري: مره" فليلحق ببيت أبيه يعني: الطالب الذي تورع عن الأكل؛ فقال له أبو محمَّد: "إِن لَم تأثَم أنت فلم يأثَم هو، فطأطأ الشيخ رأسه حتّى كاد يصل قربوس السرج، وأذعن للحق، واستمع إلى النصيحة المخلصة ..
"
الله
الله، وهذا التواضع والحياء، وهذا الرجوع إلى الْحَقِّ، كثير وكان إلى هذه الشدة في دين الصدقة، متواصل العبادة؛ وفي رمضان يجمع إليه خيار المسلمين مثل العلامة طاهر بن يوسف، وغيره فيصومون عنده ويتعاونون عَلَى مذاكرة العلم والتعرف على أحوال
البر،
جم
المؤمنين، والقيام بأنواع مختلفة العبادة.
من
جمع بين الإمارة والقضاء والتدريس، وكان يوزّع وقته بين هذه المهام فلا يؤثر قسما منها
على القسم الآخر .. (1/263)
صفحة 264
الإباضية في موكب التاريخ
262
الإباضية في ليبيا (1)
إذا صلى العشاء الآخرة وتنفل بما شاء الله، افتتح مجلس الدرس للطلاب إلى هون من الليل، ثُمَّ يذهب إلى داره، ويصطحب معه مُحمَّداً ابن زكرياء البغطوري ومُحمَّد بن يفون فيقرأ عليه أحدهما حتّى يفتر، ثُمَّ يقرأ الآخر إلى آخر الليل، فيقوم إلى الاشتغال بالصلاة، فإذا صلى الفجر اشتغل بالدراسة حتّى تطلع الشمس، فيفتتح مجلس التدريس، فإذا أتم التدريس جلس للقضاء والأحكام إلى الزوال، فيقوم ليشتغل بالصلاة، حتّى قال بعض خواصه المتصلون به: "لا ندري متى ينام"؟
أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الباروني)
علم من أولئك الأعلام الذين يهتدي بهم الضال، ويثبت الحيران، ويلجأ إليهم الضعيف، جمع إلى غزارة العلم وقوة الإرادة والشدة في دين الله، كرما مطبوعا، وحبا للخير متأصلا، ورغبة ملحة في نشر العلم، وهداية الناس إلى دين الله السوي، فقد اجتمع في تلك النفس المؤمنة الصادقة كُلّ الصفات والمزايا التي يودعها الخالق في بعض خواص خلقه لأداء رسالة في التاريخ لا يؤديها كُلِّ أحد، وقد تحمل أعباء تلك الرسالة، واستجاب له حتى أولئك الذين شذوا عَمَّن قبله في أغلب المملكة الليبية، ودانت له الدنيا، وأعطى بسطة في العلم والمال (2).
نعم لقد أعطى بسطة في المال حَتَّى استطاع أن يفيض به عَلَى جَميع الجبل، وَلَمْ يبق بيت من "ككلة" إلى "وازن" لم يدخله مال أبي يحيى زكرياء.
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثانية عشرة؛ فهو من علماء النصف الثاني من القرن السادس: تولى الحكم على جبل نفوسة وما يليه باتفاق أهل الرأى والعلم من المشايخ، ويقول الشيخ يوسف بن الحاج أيوب الباروني: إنه بويع بالإمامة الكبرى وقام بها، فهو لم يكن حاكما وإنما كان أميرا للمؤمنين.
(2) انظر: سير الشماخي وكتاب سليمان باشا الباروني في أطوار حياته للشيخ أبي اليقظان. بتصرف. (1/264)
صفحة 265
الإباضية في موكب التاريخ
263
الإباضية في ليبيا (1)
فهل تحصل على هذا المال بالطرق التي يعرفها الحكام في التاريخ القديم والحديث بوسائل غير شريفة، وطرق ملتوية واستغلال نفوذ ورشاوي وهدايا .. إلى آخر ما هنالك من وسائل الابتزاز التي يعرفها ذوو السلطة المنحرفون عن سبيل الله. إن أبا يحيى لم يأخذ مليما واحدا عن طريق غير شريف، وَلَمْ يرزأ الأمة في قليل ولا كثير، ولَمْ يَحد قيد أنملة عن طريق أولئك السلف الذين لم ينحرفوا عن الطريق اللاحب الذي تركه مُحمَّد بن عبد الله بن عبد الله، ثُمَّ سار فيه أبو بكر، فعمر، فالصفوة المختارة من عباد
الله
يرد
المؤمنين. كان أبو يحيى ينفق على الأقسام الداخلية في مدرسته العامرة التي تشتمل على عدد من الطلاب، يتراوح بين الخمسين والمائة طالب وكان لا يزوره زائر ولا يسمع بأحد ابتلي بضيق الرزق، وأصيب بالحاجة، إلا نفحه من كرمه، وواسى جرحه بماله، وكان الناس إلى مشاهدتهم لهذه الأفعال الكريمة والنفقات الباهظة المتتابعة يعرفون سيرته واستقامته وعفته فلذلك كانوا يختلفون في طريقة حصول الشيخ على هذه الأموال الوافرة، يقول بعضهم. إِنَّه عثر عَلَى كتر جاهلي"، ويقول بعض: إن معه الاسم الأعظم، فهو يستطيع أن الحجر ذهبا، ويرى آخرون أنه عالم في الكيمياء، على حسب ما يظن في الزمن القديم أن الكيمياء تستطيع أن تستخرج من النحاس أو غيره من المعادن ذهبا وهاجا. أما أكثر القوم واقعية فقد سأل الشيخ عن مصدر ثروته؛ فأجابه بالْحَقِّ الصراح، لقد قال له: "إنَّه اكتسب هذا المال من التجارة، ولا سيما في أيام الشدة، فهو رجل يعرف كيف يعمل، ويعرف موارد الكسب الحلال، إنَّه لم يعثر على كتر، وليس معه اسم الأعظم، ولا علم بالكيمياء، ولا شعوذة يستغل بها الأفكار الساذجة". كان يقوم بمهمة التدريس إلى جانب قيامه بمهام الحكم والفتوى، وكان بمدرسته ما يزيد على ثمانين طالبا، وفي إحدى سنوات الجفاف التي كثيراً ما تصيب ليبيا، بلغت فيها الشدة مبلغا أثرت على طلابه الذين ينفق عليهم في مدرسته العامرة، وتذاكر الطلاب النجباء هذه الحال، وظنوا أَنَّهُم أثقلوا عَلَى شيخهم في هذه السنوات العجاف، فقرروا أن يتفرقوا، وأن (1/265)
صفحة 266
الإباضية في موكب التاريخ
264
الإباضية في ليبيا (1)
يلحق كُلّ واحد منهم بأهله، وبلده حتّى تنقضي هذه المحنة، وتبدل هذه الحال، ويغدق الله. نعمته على العباد ..
وسمع الشيخ بما اتفق عليه طلابه فأمر أن يقدم إليهم الطعام من غير زيت، وحين حضر الطعام، أمر أحد الطلاب أن يأخذ إناء ويحضر الزيت من المخزن، وذهب الطالب النشيط وفي يده وعاء الزيت وكان في المخزن مجموعة من الأزيار؛ فكشف عن الأول ليأخذ الزيت، ولكنه وجد الزير مملوءاً مالا، وكذلك انتقل إلى الثاني، حَتَّى كشف عن مجموعة منها، ثُمَّ خرج إلى زملائه، فقال له الشيخ: أخبر رفاقك عما رأيت، فلما أخبرهم، قال لَهُم الشيخ: لقد سمعت بما قررتم من الافتراق وهذا المال الذي أخبركم عنه زميلكم إِنَّمَا جمع لينفق به على طلاب العلم من هذه المدرسة، ولو ذهبتم أنتم؛ لأنفق به على غيركم، كما أن بقاءكم هنا لا يثقل عليَّ، ولا يؤثر على حياتي. واطمأن الطلاب إلى ما رأوا وما سمعوا،
واستمروا في كفاحهم العلمي.
وكما كان عالما ومؤمنا وكريما وقويا في الْحَقِّ، كان حريصًا على المحافظة على أمته ووطنه، يذود عنها في شجاعة واستبسال .. حاول أبو يحيى بن إسحاق الميورقي عدة مرات أن يحتل الجبل، بعد ما احتل أغلب شمال إفريقيا، وخرب ما وصلته يده من عمران، وَلَكِنَّهُ رجع في جميع تلك المحاولات بالفشل الذريع، وَكُلُّ ما استطاع أن يفعل في بعض تلك الهجمات هو التخريب، وذلك العمل الذي لا يقوم به إلا المتوحشون من الناس .. كون مرة جيشا كبيرًا، وقصد مدينة الجبل "جادو" وكان يريد أن يحتلها من مدخلها الطبيعي من جهة الشمال، هذا المدخل الذي تستلقي عليه في فتنة وجمال مدينة "جناون" الرائعة، فلاقاه الأبطال المغاوير الذين أعدهم أبو يحيى لمثل هذه المهمة، فرجعت جيوش الميورقي منهزمة، وَلَكِنَّهُ رغم هزيمته استطاع أن يوقد النار في تلك الحدائق الغناء التي تسقيها عين "تموقت" الغزيرة، التي تندفع إليها شلال "القصب (1) الفاتن الجميل.
1) يطلق عليه اسم "إيغانيمن" وهي كلمة بربرية معناها "القصب". (1/266)
صفحة 267
الإباضية في موكب التاريخ
265
الإباضية في ليبيا (1)
واحترق في هذه الحدائق ما يزيد عن اثنى عشر ألف شجرة زيتون خاصة، وعدد غير قليل من الأشجار الأخرى، وأصبح مكان تلك الحدائق يُسَمَّى بالمحاريق إلى يومنا هذا. ووجه "الميورقي" حملة أخرى إلى عاصمة جبل نفوسة منذ عصور قديمة، إلى المدينة العظيمة - مدينة "شروس" التي لا تزال آثارها تشهد بعظمة الإسلام في تلك العصور، وتوجه إليها مع مدخلها الشمالي، كما توجه إلى "جادو" وكان يعتقد وهو يندفع بجيوشه وسط هذا المدخل بين الجبال، أن المدينة العظيمة أصبحت بين يديه، ولا سيما وهي تنبسط على السفح، فتصلها الخيل دون عناء، ولكن الأبطال المغاوير الذين كانوا يترصدون حركات العدو من المدينة الجائمة على القمة العالية الشرقية للوادى التي تُسَمَّى "الجزيرة" انقضوا في خفة الليوث عَلَى هذه الجيوش التي بدأت تتعثر بين مسالك الجبل، وامتلأت قلوب هؤلاء المهاجمين بالرعب، فولوا الأدبار، لا يلوون على شيء. وكم كانت ظريفة تلك الحيلة التي لجأ إليها سكان هذه القرية الضارية في الهواء تطاول النجم وتغازل القمر. لقد خطر للميورقي أن يعاود الكرة، وأن يهجم هذه المرة عَلَى هذه القرية التي تُسَمَّى "الجزيرة"، والتي روعت جنده في يوم من الأيام، فيضربها الضربة القاضية يستطيع من بعدها أن يستمر في حروبه دون خوف. فجهز جيشًا وجاء به إلى سطح هذا الجبل الذي تقع في قمته الجزيرة الصغيرة الضاحكة، وأطال الحصار، واجتمع شباب القرية يتداولون الأمر، وفكروا في حيلة لعلها تعتبر أبرع حيلة قام بها المحاربون في التاريخ، وفي ليلة شديدة الظلام جمع من شباب القرية، وأخذوا مجموعة من الجمال وحملوها حطبًا، وَلَمَّا اقتربوا من جيش العدو الهاجع آمنا مطمئنا إلا عددا من الحرس منبثين هنا وهناك، يداعب النوم أجفانهم، ويلوي أعناقهم، وجه أولئك الفتية أعناق الإبل إلى معمعة الجيش، وفي خفة ولباقة أشعلوا النار في الحطب الذي عَلَى ظهورها، ثُمَّ انفلتوا هاربين وأحست الجمال بالنار تلسع ظهورها، فاندفعت بما تملك من قوة محدثة جلبة ورغاء في ذلك الظلام الحالك، واستيقظ الجيش على هذا الدوي العظيم والاندفاع العنيف، والنار المشتعلة، فظن القوم أنهم أحيط
انفلت
بهم، واندفع كُلّ واحد منهم إلى سلاحه يقتل من لاقاه أو أحس به، ويركن إلى الفرار. (1/267)
صفحة 268
الإباضية في موكب التاريخ
266
الإباضية في ليبيا (1)
وأصبح الصباح، فإذا بعدد غير قليل من جثث القتلى، وإذا بأموال وسلاح وعتاد خلفه الجيش المنهزم الذي قضى على نفسه بنفسه. وجاء أبو يحيى زكرياء وفتيانه فدفنوا الموتى من الأعداء. أما ما ترك العدو من أموال لا تحل لهم، ولذلك فقد رأى أكثر المشايخ في ذلك الحين أنه يجب أن تحرق، وأن لا يتركوا شيئًا من المال الحرام يدخل إلى جبلهم هذا الجبل الذي لا يزال يحتفظ بطهارة
فهي
الإسلام.
لست أدري هل استوحى شباب هذه القرية حيلتهم البارعة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق، أم أَنَّهَا خطرت لَهُم دون أن يرجعوا إلى تاريخ الإسلام الحافل بالعظمة والبراعة والفكرة.
صمد أبو يحيى زكرياء الباروني لهجمات الميورقي ولغيرها من الهجمات، ورد بعضها بالعنف ورد بعضها بالحيلة، ورد بعضها بالصلح، إنَّه حافظ على هذا الوطن العزيز الأبي، فلم تدنسه أقدام البغاة الذين لا يتقيدون بدين ولا خلق ولا ضمير. وذهب الميورقي إلى ربه بما قدمت يداه، وحفظ التاريخ هذه الأبحاد أباد الإيمان والشهامة والعفة لهؤلاء الناس الذين وضعت في أيديهم أمانة الله فرعوها حق رعايتها، وأمانة الأمة فحفظوها من أنفسهم، وحفظوها من عدوان المُفسدين. عدالة الإسلام في سير الحكام
حدثتك أيها القارئ الكريم في الفصول السابقة عما يقرب من ثلاثين بطلا أبطال من الإسلام، من الذين تولوا الحكم في ليبيا، أو في بعض أجزاء ليبيا. ولم أقصد بالحديث عن هؤلاء الأبطال، أن أقص عليك تراجم حياتهم، أو أن أعرفهم لك تعريف المؤرخ الذي يعنى بكل شأن، ولا أن أربط بين تسلسل الأحداث التاريخية لست أقصد شيئًا من ذلك؛ لأن هذا الكتاب لم يوضع للتاريخ، وَإِنَّمَا قصدت أن أعرض عليك صورا من تاريخ الإسلام، في سير أبطاله، تجد فيها العلم والبطولة، وتجد فيها الإيمان والشهامة، وتجد فيها الاستقامة والعفة وتجد فيها التضحية والإيثار، وتجد فيها صورًا من حياة المسلمين كما كانوا في الصدر الأول، وتجد فيها الوقوف عند حدود الله. (1/268)
صفحة 269
الإباضية في موكب التاريخ
267
الإباضية في ليبيا (1)
تلك الصور الرائعة التي تمثل العدل المطلق والمساواة المطلقة بين أبناء الأمة، لا يرتفع فيها شخص إلا بإيمانه، ولا ينحدر فيها إلا بعصيانة.
ولقد كنت أنقل هذه الصور على بساطتها وأنا آمل أن يقرأها اثنان الأمة: من الأَوَّل: رجل وجد منصبا في الدولة وكرسيا للحكم، وأعطى له حق التصرف في شأن من شؤون الشعب، وأملي في هذا الرجل الذي وضعت في عنقه أمانة أمانات هذه الأمة من سواء كانت صغيرة أو كبيرة وأمَلي في هذا الرجل أن يجد في هؤلاء الناس قدوة حسنة، مثلا يحتذيه، ويجعل من سيرتهم منهاجا عليه. يسير
فيتخذ منهم أما
الثاني: فرجل يقف في مصاف الشعب، العادي، ليس له من الحياة والسلطان أو المال
ما يرفعه في أعين من يزنون الرجال بالمادة، وأملي في هذا الرجل أن يتخذ هو الآخر عبرة، وأن يعرف أن كرامة الإسلام تمنعه أن يرضى الظلم، وأن يسكت عن الانحراف عن جادة الله، وأن الحق يخوله أن يحاسب أولئك الذين يعبثون بمقدراته، وأن الإسلام يجعله في صف واحد مع أكبر ذي سلطة في الدولة، وأعظم ذى ثروة في الأمة، لا يفضلانه بشيء أبدا إلا أن يكون تقوى الله وعملا بدين الله
وتاريخ صدر الإسلام في زمن النبوة والخلافة الرشيدة ليس فقيرًا من أمثال هذه الصور التي أنقلها لك من تاريخ جانب من جوانب الأمة في جزء صغير من الوطن الإسلامي الفسيح؛ ولكن دعاني إلى أخذ هذه الشواهد من غير ذلك العصر الحافل بالمجد والعظمة ب بسيط، وذلك أنني كثيرًا ما أتحدث مع الناس عن سيرة رسول الله، فيجيبني البارعون في النقاش منهم: "ذلك شخص عصمته الرسالة، وأولئك قوم شاهدوا رسول الله واستمعوا إلى الوحي وهو يتزل من السماء، فالمسافة بين طبيعة الحياة عندهم وطبيعة
6
الحياة عندنا شديدة البعد". ولقد يخيل لبعض الناس أن في هذا المنطق ظلا من الحجة، ولكي يذوب هذا المنطق ويضمحل ذلك الظل أوردت هذه الشواهد التي تنتشر خلال عشرة قرون من تاريخ الإسلام، وبين كثير من ظلم الحياة ومعاكسات الزمن. (1/269)
صفحة 270
الإباضية في موكب التاريخ
268
الإباضية في ليبيا (1)
وكما استطاع بعض هؤلاء الأبطال أن يسيروا بسيرة الإسلام النقية في أي عصر من عصور التاريخ، يستطيع اليوم أي رجل يتولى شأنا من شؤون الأمة أن يؤدي أمانتة بإخلاص، فلا يعبث بمالها ولا بوقتها ولا يستغل جاهه ولا مركزه إلى آخر ما هنالك مما يجب أن
يكون عليه الحاكم القويم الذي يؤمن بشريعة الإسلام، ويتحلى بما دعا إليه من خلق كريم. وكما يجب أن يكون صاحب الأمر قويا، يجب أن يكون رجل الأمة -أي الفرد العادي مؤمنا بدينة، مؤمنا بحقه الذي خوله له فاطر السموات والأرض، فلا يرضى المهانة ولا يسكت على ذلة ولا يوافق عَلَى ما يخالف أمر الله، فإن بدا لصاحب الأمر أن ينحرف وجب أن يقف له رجل الأمة بالمرصاد يقوم أعوجاجه بالنصيحة والإرشاد، فإن لم يجد النصح قومه بالسيف كما قيل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب. إن هؤلاء الأبطال الذين حدثتك عنهم، حكموا ليبيا أو جزءًا من ليبيا، وكان فيهم من بالخلافة، فدان له ما بين القيروان وسرت"، وكان منهم من كان عاملا لخليفة، وكان منهم من تولى الحكم باختيار أصحاب الرأي والشورى ولكنه لم يبايع بالخلافة ولم يكن تابعا لدولة من الدول الأخرى، فهو أمير مستقل يحكم أغلب البلاد الليبية أو بعض أجزائها، فهم يتفاوتون تفاوتا عظيما في مدى السلطة المخولة لكل واحد منهم، ولكنهم جميعا يتفقون في شيء واحد يتفقون في هذه السيرة العطرة التي يعطي فيها صاحبها أكثر مما
بويع
يأخذ.
لقد عرف هؤلاء الذين تولوا الحكم في ليبيا من رجال الإباضيَّة، أَنَّه لم يسند إليهم الحكم ليستغلوه لأنفسهم، ولا ليتخذوا منه سلطانا، ولا ليجمعوا به ثروة، ولا ليتعالوا به
على الناس الذين أولوهم ثقتهم، ووضعوا بين أيديهم هذه الأمانة الغالية. و حافظ أولئك الحكام على هذه الثقة، فبذلوا من جهدهم ومن تفكيرهم ومن حبهم للمسلمين ومن وقتهم الثمين ومن مالهم الخاص الذي اكتسبوه من الأعمال الحرة قبل أن يشتغلوا بأمور المسلمين أو ورثوه عن الجدود بذلوا من ذلك كله ما يطلبه الإسلام من المؤمنين الصادقين، ولم يأخذوا من هذه المراكز الهامة يوم انفصلوا عنها بالاستقالة أو الموت
غير الذكرى العطرة عند الناس وعند الله
الجزاء الأوفى. (1/270)
صفحة 271
الإباضية في موكب التاريخ
269
الإباضية في ليبيا (1)
إنك مهما تتبعت حياتهم فلن تجد لأحد منهم ذلك النعيم الذي يتقلب فيه أصحاب السلطة الظالمون، ولن تجد عندهم هذه الحواشي التي تخون الله والحاكم والأمة، فتقلب الحقائق وتشوه وجه الحق وتنفخ الكذب والزور في أذن الحاكم ليغتر ويحيد عن سبيل الله، فإذا حاد فقد وجدوا ما يطلبون وحققوا ما كانوا به يحلمون.
ولن تجد عندهم القصور الشامخة، والجواري، الحسان، إنَّهم كانوا يعيشون على شظف من العيش كما عاش خير الخلق الل، وكما عاش خلفاؤه الأتقياء من بعده، لا يشبع الواحد منهم في حياته الطويلة وكفاحه المستمر بالخبز والزيت وليس ذلك للحاجة والفقر؛ ولكنه لقوة الإرادة والتغلب على وسوسة الشيطان والهوى. ولقد يسأل القارئ الكريم عن أسباب هذه الاستقامة التي وجدت في جميع حكام الإباضية تقريبا، لا يشذ عنهم إلا الترر اليسير؟
وللجواب عن ذلك نحيله إلى القواعد التي اعتمدها الْمَذهَب الإباضي في قضية الحكم،
غير متأثر بعواطف الشيعة، ولا عنصرية الأموية، ولا ربكة الشعوبيين. فالمسلم الإباضي لا يعترف بحق الوراثة في الحكم، ولا يصدق بقضية العنصرية، في اختيار الحاكم، ولا يطيع من لا يطيع الله ويقيم حدوده ويحكم بما أنزل.
ولذلك فهو أولاً يختار من يضع بين أيديهم مقدرات الأمة، هذا الاختيار على وينبني الكفاءة المطلقة، الكفاءة العلمية والكفاءة الدينية والكفاءة الخلقية والكفاءة العقلية. ثُمَّ هو لا يقر على الحكم من ينحرف عن صراط الله المستقيم الذي سار عليه النبي وخلفاؤه الراشدون، والسلف الصالحون المصلحون.
فكان أولئك الناس الذين يقع عليهم الاختيار لتحمل أعباء الحكم، يجهدون أنفسهم للقيام بالواجب، والمحافظة على السيرة المرضية، وهم مع هذا الحرص يخشون عذاب الله من التفريط، ويخافون نقد الأمة التقصير، فإن الحاكم الذي يعجز عن القيام بالمهام التي من أسندت إليه - إمَّا ضعفًا عنها أو انحرافا عن سبيل الله - يجب عليه أن يتخلى عن هذه المسؤولية التي لم يستطع تحملها. فإذا خطر له أن يستمسك بها على هذا القصور أو التقصير أهله. وجب قتاله وقتله وإسناد الأمر إلى من هو (1/271)
صفحة 272
الإباضية في موكب التاريخ
270
الإباضية في ليبيا (1)
حدثتك أيها القارئ الكريم عن هؤلاء الرجال الذين أسند إليهم الحكم في هذا الوطن الكريم، وَلَمْ أخترهم لشرف الحكم كما قد يتبادر إلى ذهن بعض القراء الكرام، فأنا لا أرى
في الحكم مظهرًا للشرف ولا مدعاة للفضل. إن الحكم في نظري ينقسم إلى قسمين: أحدهما: هذا المظهر البراق الذي يسعى إليه بعض الناس ويعتزون به ويتسابقون إليه،
وهذا المظهر هو أحقر عمل يسعى إليه إنسان يؤمن بدينه، ويؤمن بخلقه، ويؤمن بإنسانيته. أما أولئك الذين يزدحمون عليه في إصرار فهم، حمقى، أعوزتهم العظمة في أنفسهم فراحوا يلتمسونها في سلطة الحكم، ومهما بلغ أولئك الرجال من العظمة في ظنهم فهم أحقر من أن ينظر إليهم التاريخ الحق نظرة التقدير والتعظيم. فإن العظمة لن تكون أبدًا بمبالغ وافرة من المال تؤخذ من الشعوب، ولا بأرواح كثيرة تزهق ظلمًا وعدوانًا، ولا بقهر وجبروت و طغيان مسلط على الضعاف. ولقد وصل الفراعنة إلى ما وصلوا إليه من جمع الثروة واستعمال السلطة، ولكنهم لم يكشفوا بكل ما فعلوه إلا عن أنفس مريضة تتطلب الخلود في دنيا الفناء. ولقد انحط الفراعنة إلى أن ادعوا لأنفسهم الألوهية، فزعموا أنهم قادرون على الإماتة والإحياء. وإذا ساغ للعقل الفرعوني أن ينحط إلى هذه الدعوى التي يعرف هو نفسه أنه كاذب فيها، فإن العقل الذي يحترم نفسه بعد هدايات الله المتواليات على طرق أنبيائه، وبعد استنارة العقل البشري بما يجد كُلّ يوم من الحقائق، يجب أن يرتفع عن الأوهام والأضاليل. على أن هذا العقل الفرعوني السخيف الذي يضفى على نفسه عظمة المظهر؛ في عظمة الحقيقة. لايزال يحيا في هذا العصر، عصر العلم والمعرفة. ومن المؤسف أن عددًا غير قليل من هذه الأشكال الجوفاء لا تزال تسيطر على مقدرات
الأمة الإسلامية في بعض دولها.
هي
لأنَّه
يفتقد
ولست أدري والله! ما الأعذار التي يلجأ إليها هؤلاء الناس وهم يؤمنون برسالة محمد ويتلون كتاب الله، ويدرسون سنة رسوله، ويعرفون سيرة السلف الصالحين؟
،
ما يقول هؤلاء وهم يحيدون عن النهج القويم الذي سار عليه أمناء هذه الأمة؟ (1/272)
صفحة 273
الإباضية في موكب التاريخ
271
الإباضية في ليبيا (1)
وما يقولون وهم يبتزون أموال الأمة التي جعلهم الله قياماً عليها بغير حق، ويتصرفون في دمائها بغير، عدل ويفصلون مشاكلها بغير علم؟
ما يقول هؤلاء الحكام المسلمون الذين وضعت بين أيديهم مقدرات الأمة، فأراقوا
كرامتها في مجالس السكر وموائد القمار، ودور البغاء الظاهر والبغاء الخفي؟ ماذا يقولون حين يأخذون من مرافق الدولة ليضعوا في مرافقهم، ويسرقون من مال الأمة ليضعوا في أموالهم ويعبثون بمصلحة الأمة لخدمة مصالحهم؟
ماذا يقول هؤلاء الحكام الذين منحوا الثقة ليحافظوا عَلَى أمانة الله وعلى دين الله، فإذا بهم أول من يحارب أحكام الله، ويعطل حدوده، ويعبث بالأمانة التي بها أسندت إليهم مراكز الحكم؟
ماذا يقول القائد الذي ينعق فتتبعه مجموعة بشرية من مصاصي الدماء، ثُمَّ يهجم على بلد مسلم آمن فيتلف الأموال ويزهق الأرواح، لا لشيء إلا ليتمرغ في كراسي الحكم، ويعيث أعوانه في البلاد فسادا؟! ماذا يقول هؤلاء الذين لا يفتأون يدبرون الانقلابات لا للاستقرار والتنظيم واتباع أمر الله؛ ولكن للتحكم في الأموال والأرواح، فإذا ما أتيح لأحدهم النجاح حكم حكم فرعون فاستذل عباد الله، وسرق مال الله، وسمح لأعوانه بارتكاب الفظائع، وأطلق يده في الانتقام، فقتل الأرواح دون حساب، وسجن الأبرياء دون جريرة؟ ماذا يقول هؤلاء المرضى الذين لم يجدوا العظمة في أنفسهم فراحوا يبحثون عنها في
المظاهر؟.
إنه لحق على الأمة المسلمة في مجموع وطنها أن تطيح بهؤلاء الخونة الذين خانوا الله و خانوا رسوله فلم يرجعوا إلى دين الله في أعمالهم وأن تحاسبهم حساب الخبير القدير فلا تمنح كراسيها إلا للأقوياء عَلَى اتباع الحق، ولا تضع أموالها إلا بين أيدي الأمناء على شريعة الله، ولا تحكم في مصيرها إلا المخلصين الذين يبرهنون على إخلاصهم، وأن تجبر هذه الشراذم التي تنعق في كُلِّ ركن من أركانها باسم دولة على التخلى عن هذا الاسم، لتصهر هذه الدول الهزيلة المتناطحة في دولة إسلامية قوية لا ترهب عدوا ولا تتملق أقلية (1/273)
صفحة 274
الإباضية في موكب التاريخ
272
الإباضية في ليبيا (1)
كافرة تعيش في وسطها كما تعيش الجراثيم، وتعمل كما تعمل الطوابير الخامسة في اصطلاح السياسة.
أما الثاني: فهو هذه التضحية الكاملة التي يقدمها الحاكم للأمة، إنه الشعور بالواجب المقدس الذي يتعالى فيه الشخص عن مكاسبه المادية ومصلحته الشخصية، وينسى فيه نفسه وماله وأهله ليقدم للأمة ما يملك من جهد وفكر ووقت. والمؤمن حين يتولى الحكم من هذا السبيل يجب أن يزيل من ذهنه أوَّل ما يزيل المتعة والراحة والسلطة - والمال؛ لأنه خادم أمين مخلص، وخادم القوم سيدهم. فالسعادة التي يملكها حاكم الأمة المسلمة إِنَّما هي في نفسه لا في مهنته، والسيادة النفسية لا تتنافى مع خدمة الناس؛ بل لعلها لا تكون سيادة حقا إلا عندما تتجلى في هذا الجانب الأعمال المبينة على التضحية ونكران الذات. ولذلك فما من مؤمن حريص على إيمانه حريص على كرامته يسعى إلى أن يلي أمور الناس أو يقبلها إذا عرضت عليه اللهم إلا في الحالة التي تحتاجه الأمة، ويكون قبوله لهذا الأمر ضروريًا، وفراره منه يؤدي إلى أضرار تلحق بها، فحينئذ يكون واجبًا من الواجبات التي لا يحل له أن يتخلى عنها.
من
وفي تاريخ الأمة الإسلامية أمثلة رائعة من ذلك فقد قبلها الصديق له مكرها بعد أن حاول أن يفر منها ويضعها على كاهل الفاروق أو أمين الأمة. وقبلها علي بن أبي طالب مكرها وهو يقول للقوم: "لأن أكون وزيراً خير لكم من أن أكون أميرا". وقبلها أبو الخطاب عبد الأعلى بعد أن خير بينها وبين القتل. وقبلها أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني بعد أن أقنعته العجوز أن إعراضه عنها سيكون سببا لدخوله النار. وقد تحمل الصديق أعباء الإمامة وهو يحاول أن يعمل كأي فرد في السوق ليعول أفراد أسرته الكبيرة، وبقي الفاروق اثنتى عشر سنة في الخلافة فلم يتجاوز بذخه في الطعام الخبز والزيت. وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يكنس بيت المال كُل جمعة، وعندما استعارت ابنته حلية من خازن بيت المال تتزين بها لمناسبة عارضة ثُمَّ تردها، غضب على على الخازن وهم بقطع يد ابنته وقال: لولا أنها استعارتها لكانت أول هاشمية تقطع يدها. (1/274)
صفحة 275
الإباضية في موكب التاريخ
273
الإباضية في ليبيا (1)
وكان عمر بن عبدالعزيز يعيش في زمن الرغد الذي لا يوجد فقير تدفع له الزكاة، ومع ذلك فقد كان يطفئ السراج إذا انتقل الحديث إلى شأن غير شؤون الأمة مخافة أن يرزاً الأمة في قطرة من الزيت.
وتوفي عبد الوهاب بن رستم الذي كان يحكم الجزائر وتونس وليبيا بعد عشرين سنة الحكم، فأحصيت تركته فبلغت سبعة عشر دينارًا. وحكم أبو زكرياء ستين سنة، وولد له طفل فَلَمَّا طلبت منه زوجته النفساء أن يبعث إليها بقليل من الزيت للاستصباح ودهن
الطفل، اعتذر بأنه ليس لديه زيت ورجاها أن تستصبح بالحطب وتغسل الطفل بالماء. هؤلاء الأبطال ومن سار بسيرتهم وانتهج طريقتهم هم أمراء الإسلام. ولم ينقص من الصديق أنه كان يعمل في السوق كما يعمل أي فرد آخر من الأمة، ولم ينقص من عظمة وَلَمْ الفاروق أنه لم يتجاوز في أكله الخبز والزيت، ولَمْ ينقص من عمر بن عبدالعزيز أنه لم يتخذ عرضًا كما اتخذ بقية ملوك بني أمية وَلَمْ يلغ في أموال الناس ودمائهم كما ولغ غيره
من طلاب الدنيا.
إنني
أكتب هذه الكلمة وأنا أرجو أن يجد فيها القراء الكرام بعض العبرة وبعض القدوة، وأن يدرك أولئك الذين وضعت أمور المسلمين بين أيديهم في مختلف مرافق الحياة أن العظمة إنما تكون في النفس لا في المظهر وأن متع الحياة مهما كانت مصادرها وشيكة الزوال، وأن يتساموا بأخلاقهم وأعمالهم عن دنس الأنانية ورجاسة المادية ووضر الانتهازية والانتفاعية، فإن تلك الأخلاق بقايا من الصفات الحيوانية التي علقت بالإنسان ينميها النظر القصير. إنه يجب عَلَى كُلِّ من ولي أمرًا من أمور المسلمين أن يعرف أَنه إِنَّمَا يأخذ مرتبا مقابل أن يدفع للأمة كُلّ طاقاته بما يملك من علم وقوة وعمل، لا يدخر وسعا، ولا يبقي جهدًا، وأنه ليس له أي حق في أن يضيف إلى مرتبه الذي جعل أجراً له على جميع قواه، لا يحل له أن يأخذ شيئًا من الأمة بأي وسيلة من الوسائل زيادة على ذلك، وأن أي تقصير في البذل أو أي زيادة في الأجر - بعد الأجر المقرر – إنَّما هو خيانة وسرقة. فإذا لم يستطع الإنسان أن يقوم بمهمته أو أن يصون يده فيجب عليه أن يتخلى المن
يستطيع ذلك. (1/275)
صفحة 276
الإباضية في موكب التاريخ
274
الإباضية في ليبيا (1)
كفاح الإباضية للظلم في ليبيا
تنقل الكتب كتب التاريخ أن الإباضية قاموا بعدة حروب وعدة ثورات فيما بين القرن الأول والقرن العاشر الهجري، فلماذا أشعلوا نيران هذه الثورات، وقاموا بتلك الحروب؟ وفي هذا الفصل أريد أن أعرض عَلَى القارئ الكريم أهم تلك الحروب وتلك الثورات، وأعرض عليه أسبابها ونتائجها والغاية منها.
عبد الله
التجيبي.
1 - عين عبد الرحمن بن حبيب أخاه إلياس عاملا على طرابلس، فقبض إلياس على بن مسعود التجيبي وقتله خوفا من الإباضيَّة، فغضب الإباضية وثاروا لهذا الظلم، فبايعوا الحارث بن تليد إماما، وأخرجوا عمال بني العباس وكل ما فعلوه أن قتلوا رجلا الله واحدا مقابل صاحبهم عبد -2 - أرسل عبد الرحمن بن حبيب من اغتال الحارث بن تليد وقاضيه عبد الجبار المرادي، فغضب الإباضيَّة لهذه الخيانة، وبايعوا أبا الخطاب عبد الأعلى بالإمامة، وقلبوا نظام الحكم دون أن يريقوا قطرة دم واحدة وكلما فعلوه أن خيروا عامل العباسيين بين البقاء فردًا من الأمة أو السفر آمنا موفوراً.
3 - تغلبت "ورفجومة" على "القيروان" وقتلت حبيبا بن عبد الرحمن عاملها، وارتكبت من الفظائع ما يبرأ منه الإسلام فانتهكت الحرمات، وربطت الدواب بالمساجد، واعتدى المعتدون على النساء في الطرقات فاستغاث بعض أهاليها بالإمام أبي الخطاب، فجهز جيشا طهر به مدينة "عقبة" من عبث العابثين.
ارتكب ولاة الأغالبة ما يبرأ منه الإسلام في ليبيا، فكانوا يأخذون الأموال دون حساب، ويريقون الدماء في إسراف ويتنقلون بين الأحياء المسلمة الضاربة في المراعـ الشاسعة، فينتهكون حرمة الصبايا الحرائر والغيد المصونات دون رادع من خلق أو دين، وغضب الإباضية من هذه الجرائم وهي ترتكب فيهم، فبايعوا أبا حاتم الملزوزى بالإمامة فطرد هؤلاء المعتدين وأزاح عن الأمة ذلك الكابوس الثقيل. ولَمَّا تفقد الإمام القتلى بعد انتهاء أوَّل معركة له مع أولئك البغاة الظالمين وجد بعض القتلى من جيش العدو قد (1/276)
صفحة 277
الإباضية في موكب التاريخ
275
الإباضية في ليبيا (1)
سلبوا، فجمع جيشه ثُمَّ قال لهم: إن لم تردوا الأسلاب تركت أمركم، وسارع الناس إلى رد الأسلاب وأعلنوا التوبة.
إن هذه الحرب لم تشرع للغنيمة، وَإِنَّمَا شرعت دفاعا عن النفس والعرض والمال. ارتكب الولاة الظالمون في القيروان من الإرهاب والقتل وأخذ الأموال ما يستفز الحليم، فاستغاث بعض أهلها بأبي حاتم، فجاءهم وحاصر القيروان مدة تزيد عن السنة، وحينما دخلها بعد الحصار الطويل أمن الجميع، أما الجنود المرتزقة الذين كان يجمعهم الأغالبة من كُلّ مكان ليعيثوا بهم في الأرض فسادا فقد أطلق أبو حاتم سراحهم ليرجعوا إلى أهاليهم، وزود كُلّ خمسة منهم بعصا وموسى وقربة ماء، وأعطى لِكُلِّ واحد منهم رغيفا من الخبز .. وهذا الموقف لم أسمع بمثيل له في تاريخ البشرية.
عز
6 - هاجم العباسيون أئمة الإباضيَّة عدة مرات من الشرق، فلم يزد أولئك الأئمة دفاعهم في الميدان وكلما انتصر الإباضية وقفت أعمالهم الحربية عند انتهاء المعركة، وكلما انتصر أولئك المهاجمون المعتدون ارتكبوا من الفواحش ما تقشعر منه الأبدان، فلم يسلم منهم مال ولا عرض، وَلَمْ ينج منهم فار ولا مسالم، ثُمَّ تعدوا ذلك إلى المثلة بالقتلى فاحتزوا الرؤوس، وبعثوا بها إلى القاهرة أو بغداد.
خليط من
كان للأغالبة جند وافر من المرتزقة الذين لا دين لهم ولا ضمير وهم شذاد العرب والبربر وغيرهم، وكانوا تعودوا النهب والسلب والغنائم في حروبهم، وعندما تطول مدة السلام يسأمون؛ لأن السلام لا يزيد في ثروتهم الحرام، فخرجت شرذمة منهم إلى الأحياء الضاربة حول طرابلس وارتكبوا ما تعودوا أن يرتكبوه، فاستغاث المظلومون بالإمام عبد الوهاب الرستمى وكان حينئذ مقيما في "ميري" إحدى قرى بني زمور "الرجبان" -اليوم-، فجهز جيشا وحاصر طرابلس حَتَّى لان عمال الأغالبة للحصار، وعقدوا مع عبد الوهاب صلحا بأن تكون طرابلس المدينة والبحر للأغالبة، وأن يكون ما عدا ذلك تابعا للإمام عبد الوهاب.
- سرق ابن طولون أموال الدولة من خزانة أبيه، وكون جيشا من مواليه واتجه إلى المغرب، فمر ببرقة وجاء إلى طرابلس، وارتكب من الفواحش ما يبرأ منه الإسلام، (1/277)
صفحة 278
الإباضية في موكب التاريخ
276
الإباضية في ليبيا (1)
رسالة
فاستغاث الناس من ظلمه بأبي منصور إلياس عَلَى أَنَّه لم يكتف بما ارتكب فبعث إلى أبي منصور يأمره فيها بتقديم الطاعة، ويهدده إذا هو لم يسارع بذلك، بأن يوطئ
الخيل بلاده ويستبيح حرمه.
وجهز
هذا الفتى المغرور في قصر حاتم، وانهزم المعتدون
من القتلى وثمانمائة حمل من
وراءه عددًا
الذهب
أبو منصور جيشا والتقى والتقى مع وطار ابن طولون على فرس سابق تاركا منتثرة في الميدان، فلم يأخد منها أبو منصور وجيشه دينارًا واحدًا، يحتفظون به للذكرى أو يضعونه في دار الآثار، وترك المال لمن يسعى إلى جمع شهما شريفا كما
جاء شهما شريفا.
-
المال، ورجع
قرر إبراهيم بن الأغلب القائد المجنون الذي لا يتورع عن أكل الرؤوس الآدمية أن يَمُرّ بالأراضي الليبية ليغزو مصر، وتوقع الناس المصائب التي تنجر عن مرور هذا المجنون والجراد الذي يقوده، فاعترضه الإباضيَّة بقيادة أفلح بن العباس في قصر "مانو" وحاولوا رده عن المرور بأراضيهم، ووقعت بينهم حرب طاحنة انتصر فيها الطاغية المجنون.
سعي
خلف النكاري أن يستقل بجبل نفوسه، فلم يتمكن من ذلك، فجهز جيشا وهجم به على أبي عبيدة عبد الحميد في مركز حكمه بـ"جادو"، وانتصر أبو عبيدة فلم يزد أن منع جنده من أخذ الغنائم والإجهاز على الجرحى واتباع المدبرين. 11 - بعد وفاة أبي عبيدة تولى الإمارة على ليبيا - ما عدا المدينة العباس بن أيوب، وفكر خلف النكاري أن يعيد الكرة، فجهز جيشا وهجم به به على العباس، فانتصر العباس أيضا وَلَمْ يزد عَلَى أن أخرج العدو من الحوزة أو من حدود المملكة، لم يحتز رأسا أو يغنم مالا أو يُجهز على جريح، أو ينتقم من بريء إنَّهَا سيرة أسلافه المؤمنين لا يحيد
عنها.
12 - وقعت بعد ذلك عدة حروب لا تزيد عن غارات توجه إلى جبل نفوسه الذي حافظ على استقلاله، غالبا ما يكون القصد منها الاستيلاء على ما أمكن من الأموال. فكان أولئك الأبطال يردون تلك الغارات، ويصمدون لتلك الحروب فينتصرون، وحينئذ (1/278)
صفحة 279
الإباضية في موكب التاريخ
277
الإباضية في ليبيا (1)
لا يجد منهم أعداؤهم أي سوء بعد انتهاء المعركة، وقد ينهزمون فيجدون من أعدائهم
كل عنف. هذه أهم الحروب والوقائع التي قام بها الإباضية في ليبيا، وهي في جملتها وتفصيلها كفاح ضد عدوان يرتكبه عمال ظالمون لملوك ظالمين .. ولو رجعت إلى هذه المعارك واحدة واحدة لوجدت أن الإباضيَّة لم يشهروا سيفا إلا دفاعًا عن نفس بريئة تقتل أو حرمة مصونة تنتهك، وأنهم في جَمِيع هذه المواقف التي دفعوا فيها الظلم، وردوا العدوان لم يبدأوا أحد بقتال وَلَمْ يرتكبوا شيئًا مما يخالف سيرة العدول من أمة محمد، فما حفظ التاريخ عنهم أنهم غنموا مالا أو خانوا عهدًا، أو أراقوا قطرة دم بعد أن تنتهي المعركة وترجع السيوف إلى أغمادها، أو اتبعوا مديرًا أو أجهزوا على جريح، أو احتزوا رأسا من الرؤوس التي بغت عليهم فظفروا بها، أو هتكوا حرمة لمسلم رغم ما يرتكبه فيهم محاربوهم من طغيان وتجاوز لأحكام الإسلام.
هي
الحملة
ولعل الحرب الوحيدة التي بدأوا بها وأعلنوا فيها القتال قبل أن يبدأهم أحد التي وجهها أبو الخطاب عبد الأعلى إلى القيروان ولكن الظروف التي حملت أبا الخطاب على هذه الحرب جديرة أن تحمل كُلّ قلب ينبض بالإيمان أن يقوم وأن تحرك كُلّ سيف يدافع عن دين الله أن ينطلق إليها. فقد احتلت ورفجومة" القيروان بعد أن قتلت حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب، وليس هذا بالسبب الذي يحمل الإباضيَّة عَلَى محاربتهم، ولكن ربط الدواب في المساجد وارتكاب الفواحش علنا في الشوارع، واصطياد الحرائر أمام أعين الناس واغتصابها، أعمال لا يقوم بها حَتَّى المتوحشون من أعداء الله، فكيف بقوم
ينتسبون إلى الإسلام؟ فلما بلغت هذه المناكر التي تقع في مدينة وضع حجرها الأساسي أصحاب رسول الله لم يصبر أبو الخطاب عن دفع هذا المنكر، وتطهير المدينة الصحابية من هذا الرجس. الحقائق التاريخية للأحداث الحربية التي قام بها الإباضية في ليبيا.
تلك
وتلك
هي
هي
الأسباب والغايات التي دعتهم إلى القيام فما هو الموقف الذي ينتقده
عليهم الدين أو الشرف أو المروءة؟ (1/279)
صفحة 280
الإباضية في موكب التاريخ
278
الإباضية في ليبيا (1)
وفي أي حركة من هذه الحركات يصح ما يقوله بعض المؤرخين المعاصرين من أن الإباضية يبحثون عن الفتنة، وما واتتهم فرصة للثورة إلا ثاروا؟
إن الإباضية أبغض الأمة لإراقة الدماء، وأبعد الناس عن أن يكونوا سببا في اشتعال حرب، وحينما يضطرون إلى ذلك بسبب العدوان الصارخ الذي يسلطه الجبابرة لا يزيدون عن رد هذا العدوان بأيسر سبيل وبأقل ما يمكن من الأذى، وهم في كُلّ ذلك ينظرون إلى هؤلاء المعتدين بنظرة الأخ إلى أخيه المخطئ يحاول أن يرد أذاه دون أن يلحق به أذى.
وراجع أيها القارئ الكريم كتب التاريخ المطولة عن مواقف الإباضية ضد المعتدين عليهم، اقرأ ذلك حَتَّى عند أشد الناس بغضا لهم مثل الأستاذ الزاوي، فإنك إذا تأملت حقائق التاريخ وأحداثه وجدت فيه الصورة التي رسمتها لك، ولم يستطع الأستاذ الزاوي مع حرصه على تنقص هؤلاء القوم - عَلَى أن يزيد عن كلمات سباب يطلقها عليهم فيرميهم مرة بالبحث عن الفتنة ومرة بالتماس الثورة، وقد يرميهم دون خوف من ن الله
بالمنافقين (65)
قال لي أحد الإخوان وهو يطالع فصلا من فصول الحلقة الأولى من هذا الكتاب: إنك تدافع عن الإباضية في حرارة.
فقلت له: إن موقفي هو موقف الإباضية في جميع أدوار تاريخهم، إِنَّهُم لَم يبدأوا يوما بالعدوان سواء كان ذلك في الميدان العسكري أو في الميدان العلمي. ولكنهم في أكثر الأحيان يقفون موقف الدفاع المشروع الذي تدعو إليه عزة الإسلام وكرامة الإنسانية، وليس ذلك الدفاع خاصا بالميادين العسكرية، فإن طريقتهم في الدفاع واحدة لا بغي ولا عندما عدوان، ولا سلطان للغضب عَلَى نفوسهم وألسنتهم. وهم في دفاعهم العلمي
65 - يقول الأستاذ الزاوى في كتابه الفتح العربي في ليبيا، ص 173: "وكان معه جماعة من الإباضية – أي مع المعز فهربوا إلى إخوانهم في جبل نفوسه، فلم يبالهم، وحمد الله أن ظهر جيشه من المنافقين " ولست أدري والله أيهما أحق بالنفاق؟ أهذا الذي يفر بدينه لئلا يلوث يديه بدم إخوانه في الدين؟ أم هذا الذي يجهز الجيوش ليقتل بها أبناء أمته وديته ويسلب اموالهم؟ ولكن موازين الدين والشرف عند الأستاذ الزاوي مقلوبة. (1/280)
صفحة 281
الإباضية في موكب التاريخ
279
الإباضية في ليبيا (1) ا
البينة من
يردون العدوان على الفكرة أو العدوان على المبدأ أو العدوان على العقيدة لا يتجاوزون في دفاعهم الحدود للنقاش التريه، والاعتماد على الأحداث الواضحة من التاريخ والبراهين الكتاب والسنة وسيرة السلف، أو الحجة الظاهرة من المنطق المعقول، ثُمَّ هم في كُلّ ذلك لا يضيعون الفرصة عَلَى الخصم، ولا يغلقون في وجهه الأبواب، ولا يقيمون دون آراء غيرهم الحواجز، ولعل علماء الإباضية بلغوا في إنصاف المخالفين لهم درجة لم يبلغها علماء أي طائفة أخرى، سواء كانت دينية أو فكرية.
والذي يطالع أي كتاب من كتب الإباضيَّة المطولة لا ينتهي من قراءته حَتَّى يعرف إلى جانب آراء الإباضيَّة آراء غيرهم من المذاهب الإسلامية، ويعرف الأقوال الراجحة عند الإباضية وعند غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى، وليس ذلك في مقام الرد، بل في مقام البحث والتفصيل، وبسط المسائل وشرحها، واستخلاص آراء العلماء ونظرياتهم، وبينما يقف أغلب علماء الفرق الأخرى من الإباضية موقف المتحفز المستوفز المنكر لوجودهم الجاحد لتراثهم الفكري القيم، يعاملهم الإباضية بكل تسامح وانشراح صدر. إن الموقف العلمي بين الإباضية وغيرهم شبيه كُلّ الشبه بالموقف العسكري: تفهم وتسامح واحترام آراء وتعامل إسلامي من جانب، وعدوان وجحود وإنكار من الجوانب الأخرى. ولست أدري أي السبيلين أقرب إلى الخلق الكريم وأدنى إلى الحق، وأهدى
منهجا ومسلكا؟!
وَلَعَلَّ الله
هذا الكتاب.
ييسر لي السبيل للعمل، فأضع صورة للمقارنة بين الموقفين في بعض فصول
كلمة الختام (1/281)
صفحة 282
الإباضية في موكب التاريخ
280
الإباضية في ليبيا (1)
اللهم إليك وحدك أرفع عملي، وإليك وحدك أنتجه بدعائي، فلا تكلني إلى
نفسي فأهلك، واحفظني من الزلل، وسدد خطاي، وألهمني رشدي،
واغنني برحمتك عن خلقك يا أرحم الراحمين.
القسم الأول من الإباضية في ليبيا
ويليه
القسم الثاني (1/282)
صفحة 283
الإباضية في موكب التاريخ
الحلقة الثانية:
الإباضية في ليبيا
-
القسم الثاني -
تأليف الشيخ العلامة
علي يحي
معمر
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان (1/283)
صفحة 284
الإباضية في موكب التاريخ
282
الإباضية في ليبيا (2)
"
دالية الحالية
و مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَع يَوْمَئِذٍ آمَنُونَ *
ومَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكَبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّاسِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إنما أمرت أن أعبد رب هذه البَلْدَةِ الَّذِي حَرَمَهَا وَلَهُ كُلِّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ
برودة
مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُو الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لَنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ
المنذِرِينَ
وقل الحمد الله سرِ كُدُ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَباكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *)
) سورة النمل: 89 - 93) (1/284)
صفحة 285
الإباضية في موكب التاريخ
283
الإباضية في ليبيا (2)
مقدمة
هذا القسم الثاني من الحلقة الثانية أيها القارئ الكريم، وبه تتم الصورة التي أردت أن أضعها بين يديك عن الإباضية خلال عشرة قرون تقريبا، وذلك منذ دخول المَذهَب الإباضي إلى ليبيا في أوائل القرن الثاني الهجري إلى دخول ليبيا تحت الخلافة العثمانية). وقد علمت أيها القارئ الكريم أننى لم أسلك في هذا الكتاب مسلك المؤرخ الذي يتتبع دورة الزمن، وترابط الأحداث، وَإِنَّمَا حاولت أن أصور الفرد والمجتمع الإباضي في هذه القرون الطويلة، فهذا الكتاب نواة لدراسة اجتماعية، كما بداية لمحاولة تاريخية، ورغم أنني بذلت في جمع هذه الصور وتنسيقها جهودًا واستنفدت وقتا، إلا أننى غير راض عن عملي هذا، وكلما رجعت إليه شعرت بنقص في جوانب كثيرة منه بعضها لا أملك إتمامه في الوقت الحاضر، وبعضها قد يتيسر لي إتمامه بعد عناء وجهد ولكنني لا أملك الوقت الذي أبذل فيه هذا العناء، وأستفرغ ذلك الجهد.
أنه
وقد عنيت بصفة خاصة في هذا الكتاب أن أضع لك صور للمنطقة التي عمرها الإباضية من قديم ولا يزالون يعمرونها أو يعمرون بعضها، حتّى يتم لك فهم الرباط الذي يمسك هذا المجتمع المتماسك، الذي استعصى على قوى جميع الجيوش المخربة، والدول الساعية وراء التوسع والملك.
1) أما حياة الإباضية في فترة الحكم التركي، ثُمَّ موافقهم البطولية المشرفة في دفاع العدوان الإيطالي في أيام الحرب والسلم، ومواقفهم من كيد الإنجليز، وجهودهم المتواصلة للحصول على الاستقلال، أما صورة حياة الفرد الإباضي والمجتمع الإباضي في هذه الفترة التاريخية المليئة بالأحداث فإني في سبيل جمع المادة التاريخية لها، وإذا يسر الله لي السبيل وفتح لي الأبواب فسوف يخرج هذا القسم من هذه الحلقة مع بعض الحلقات الباقية من الكتاب في زمن قد لا يطول إن شاء الله. (1/285)
صفحة 286
الإباضية في موكب التاريخ
284
الإباضية في ليبيا (2)
فمرت تلك الدول واحدة إثر أخرى تملك كُلّ ما يجاور ذلك الجبل، ويستعص هو عليها، فلا تنال منه منالا اللهم إلا غارات تصيب فيها دماء أو أموالا، وإلا
عدوانا تحرق فيه أشجارًا وأغلالا كما فعل الميورقي وإبراهيم بن ـن الأغلب، ومـ سلك مسلكهم، وبقى هذا الجبل المنيع يعيش على النظام الذي اختاره لنفسه حتى دخلت الخلافة العثمانية إلى ليبيا، فدخل تحت جناحها وأوى إلى ركنها، ورضي أن يخضع لسلطانها وحمايتها.
والآن أرجو منك أيها القارئ الكريم أن تقرأ هذا الكتاب بذهن متفتح يرتفع عن العصبية في أي لون وما تراه مشعراً بذلك في هذا الكتاب فقد دعا إليه التخصص الموضوعي للكتاب، فإن رأيت أنه تجاوز ذلك إلى أن يكون دعوة إلى عصبية ضيقة فانبذه على طول ذراعك. والله يعلم أنني أحرص كل الحرص أن أكون ألفة داعي ومحبة بين المسلمين، وأن أرى أبناء هذه الأمة العظيمة التي اختارها الله لقيادة البشرية وهم ينبذون أسباب الخلاف الذي ماتنفك تثيره الأيدى الأثيمة والأفهام السقيمة، ويتجهون جميعا إلى الله بقلوبهم وأعمالهم، ويندفعون في إيمان وإخلاص لحمل الرسالة التي جاء بها محمد، ثُمَّ عهد إليهم لإيصالها إلى الناس
أجمعين.
القاهرة: 23 ربيع الأول 1384 هـ
أول أغسطس 1964 م
ي يحير
معمر (1/286)
صفحة 287
الإباضية في موكب التاريخ
285
الإباضية في ليبيا (2)
الكفاح العلمي
انحرف السياسيون والعسكريون في الأمة الإسلامية بعد الخلافة الرشيدة عن الاتجاه الذي يدعو إليه الإسلام. وبدلا من أن يبقى الفكر وأن تبقى السيوف خدما للرسالة العظمى التي تصون الإنسانية من الانزلاق مرة أخرى، بدلا من ذلك استخدمت في توفير المتعة والثروة لعدد ضئيل من الناس، واتجه الملوك الظالمون وأتباعهم إلى اقتباس حياة بعيدة عن روح الإسلام، فجلبوها من بلاط الروم أو الفرس، وكونوا في الأمَّة المسلمة التي كانت وحدة متكاملة يستوي فيها جميع الأفراد، كونوا في هذه الأمة الكريمة التي وحدتها العقيدة، وأعزها الإسلام، وساوى بين جميع عناصره العبودية لله وحده - نظاما طبقيا بغيضا، تنقسم فيها الأخوة إلى طبقة حاكمة وطبقة محكومة، وعملوا عَلَى أن تكون الطبقة الحاكمة صاحبة الحق في كُلّ شيء، وأن تكون الطبقة المحكومة ليس لها حق في شيء. بل يجب عليها أن تكد وتعمل لتوفر للطبقة الحاكمة أسباب المتعة والراحة والرغد. وهكذا ارتكست الإنسانية من جديد، ورجعت إلى المجتمع بعض الأمراض التي جاء الإسلام لمحاربتها والقضاء عليها .. ومنذ بدأ هذا الاتجاه الخاطئ في الأمة الإسلامية قام المؤمنون المستمسكون بدين الله يحاربون هذا الانحراف ويقومون هذا الخطأ في الاتجاه، ونجحوا مرات وأخفقوا مرارا، إلا أن هذا الكفاح استمر طويلا، ولا زال مستمرا إلى اليوم، وإلى أن يسود الحق والعدل والحكم بشرع وفي الفصول السابقة التي تحدثت فيها عن بعض الأبطال الذين كافحوا هذا الباطل الذي استعلن والظلم الذي انتشر صور من هذا الكفاح الطويل، وليس هذا الكفاح مقصورًا عَلَى ليبيا، أو عَلَى الإباضية، ولكنه لم يخل بلد من بلاد الإسلام، ولا فرقة من فرق المسلمين من رجال أو هيئات أخذوا على أعناقهم ألا يهادنوا الظلم، وأن لا يخضعوا للطغيان، وأن لا يستنيموا عَلَى الذل، وأن لا يسكنوا عن الانحراف.
الله.
ومع هذا الانحراف السياسي في الاتجاه الخاطئ والبعد عن روح الإسلام وقعت انحرافات من الاتجاه الديني والعلمي والخلقي. وكما اقتبس رجال الحكم نظم الحياة من ملوك سابقين أخذ (1/287)
صفحة 288
ناس من
دين الله
الإباضية في موكب التاريخ
286
الإباضية في ليبيا (2) أصحاب الفكر يقتبسون الآراء والعقائد من ديانات باطلة وفلسفات خاطئة يدخلونها في ومن الناس من يعمل هذا العمل عن حسن نية، ومنهم من حملهم الحقد على الإسلام
والكره له على إدخال بدع لإفساد العقيدة أو لإيقاع الخلاف بين علماء الأمة وعبادها. ومن جهة أخرى قام علماء الدنيا الذين يسيرون في مواكب الملوك الظالمين يحدون لهم ويصفقون. قام أولئك العلماء يزينون للسلاطين أعمالهم ويضفون عليها صبغة شرعية، ويخففون عليهم ضغط النقد العنيف الذي يوجهه إليهم العلماء المؤمنون.
وعندما بدأ هذا الانحراف في التيار الديني والعلمي والفكري وقف علماء الإسلام المخلصون يقاومون هذا التيار المنحرف الذي يرد عليهم في صور مختلفة، ودافعوا في عزم وإصرار ليحافظوا على صفاء الإسلام في أحكام الشريعة وأحكام الدين على السواء.
وقد اتخذ هذا الدفاع موقفين متساندين، أحدهما علاجي، الثاني وقائي: أَمَّا الموقف العلاجي: فقد كان هؤلاء العلماء الذين وقفوا أنفسهم للدفاع عن صفاء الإسلام في دينه وشريعته يتصدون للأباطيل التي يروجها أعداء الإسلام فيهدمونها، ثُمَّ يہ يبينون الحق الذي يجب أن تسير عليه القافلة المؤمنة في ركب الحياة، وهي تحذر الوقوع في شراك يبثها الحاسدون من أرباب ديانات سابقة أبطلها الإسلام، وبدع ينشرها منحرفون عن القصد يتصيدون بها الزعامة، وأضاليل ينعق بها علماء دنيا غلبتهم أنفسهم واستولى عليهم الشيطان وزيغ عن مناهج الإسلام يحبذه الاستعمار وأعوانه، ليشغلوا به شباب هذه الأمة بالمتعة المحرمة عن الشهامة والشجاعة والمروءة والعزة، تلك الأخلاق التي ترباً بالرجل أن ينحدر عن دينه أو مبدئه مهما كانت الأسباب والدوافع. ولقد استمرت هذه المعركة حامية الوطيس منذ بدأت ولا تزال مستمرة. فإن أعوان الشيطان من عمال صهيونية كائدة، وصليبية حاقدة، واستعمار لهم لا يشبع، ثُمَّ من مسلمين مفتونين غرهم سراب براق في الحياة المادية التي يحيا عليها الغرب اليوم، وقد تجرد من جميع المثل ليعيش للمتعة كما يعيش الحيوان. (1/288)
صفحة 289
الإباضية في موكب التاريخ
287
الإباضية في ليبيا (2)
هذه القوى وغيرها لا تزال متظافرة الجهود تحارب الإسلام في عدله ونزاهته وسموه. ولا يزال علماء الإسلام يواصلون دفاعهم لهذه الجهود الكافرة المتظافرة التي تحاول أن تحطم الإنسانية في الإنسان، لتترك منه حيوانا فاقد الحياء، يعيش بغريزته، ويتعامل على أساسها في قيم الحياة الأولى. وإلى أن يأذن الله بنصر الحق ويقضى بنهاية هذا التمرد على حكمة الخالق وحكمه سوف
تستمر هذه المعركة دائبه حادة.
وَأَمَّا الموقف الثاني الوقائي: فقد تظافرت عليه جهود العلماء الأعلام من الأمة، وذاك بالتربية الصحيحة والتعليم الحق والكشف عن مزايا الإسلام وفي هذا الموقف كان المخلصون من الأمَّة يعملون جاهدين وبما لديهم من قوى في إنشاء المدارس، وبث الوعي الديني في الأمة، ونشر الثقافة الصحيحة بين جميع الطبقات، وإرساخ قواعد الإسلام وحكمه وأخلاقه ونظمه للحياة والمجتمع في قلوب الناس وفي أعمالهم ومعاملاتهم، فهم كانوا حراصا على أن يغرسوا الفضيلة بمعانيها الواسعة فضيلة الخلق وفضيلة الدين في قلوب الناس قبل أن تحتل القلوب آراء أخرى بعيدة عن الإسلام أو بعيدة عن الخلق.
وفي غرس الفضيلة في القلوب الغضة الطرية - حَتَّى تصبح عقيدة أو خلقا وقاية للنفس من أن تتسرب إليها أمراض أخرى والقيام بهذا العمل في الشباب الذي يقبل على التعليم قد يكون أمراً ميسوراً. أما أولئك الذين حرموا نعمة التعليم، وأجبرتهم ظروف الحياة والعمل على أن يزودوا معاهد المعرفة، كان هؤلاء الطبقة من الناس تكون مشكلة بالنظر إلى العلماء والمصلحين، ولذلك فقد جعلوا من همهم أن يقوموا بدروس الوعظ والإرشاد في مستوى هذه
الطبقة، حتّى يثقفوا عقولها بالمعرفة، ويملأوا قلوبها بالإيمان، ويشغلوا أوقاتها بالعمل. وكانت وقاية للشباب من أن يلقنوا الخطأ، ووقاية للناس من أن يستغلهم المستغلون. كان القيام بهذه المهمة فيه عسر وفيه مشقة، وقد تتطلب معالجة هذه الحالة من العالم المصلح أن يكون متحركا، لا يقيم في مكان، وقد كانوا يحاربون عدوان البدعة أو الضلالة أو الجهل، كما يحاربون العدو الذي يحمل آلات الخراب والتدمير، فيركزون دروسهم في محل ما، حتى يطمئنوا إلى أنهم قد حقنوا تلك النواحي بالمصل الواقي، وأصبحوا لا يخافون عليها، فينتقلون إلى مكان آخر يقومون فيه بنفس العلم، ويواصلون كفاحهم من أجل سلامة العقائد والعقول، كما كان (1/289)
صفحة 290
الإباضية في موكب التاريخ
288
الإباضية في ليبيا (2)
يفعل أبو موسى عيسى الطرميسي، وأبو ساكن الشماخي وآلاف غيرهم من علماء الإسلام المخلصين في كُلِّ فرقة، وفي كُلِّ بلد من الوطن الإسلامي الفسيح.
وفي هذا القسم من الوطن الإسلامي الكبير، وعند هذا الجزء الصغير من أمة محمد وقف علماء الإباضية كما وقف غيرهم من العلماء والأعلام منذ انتشر الإسلام في هذه البقاع، يدافعون عن صفاء الإسلام منهم من يتصدى للدفاع في الموقف العلاجي فيدافع البدعة، ويرد الضلالة، ويحطم الباطل، ويبطل كيد الكائدين، ثُمَّ يدعو الناس إلى الاعتراف من النبع الصافي الذي جاء به دين
الله
ومنهم من يتصدى للدفاع في الموقف الوقائي، فينشئ المدارس ويضع لها المناهج وصايا الإسلام، ويتولى الإشراف عليها، وتربية الأجيال المتخرجة منها. ثم يواصل هذا الكفاح الوقائي، فيلقي دروس التوجيه العام، فينير سبيل الله للسالكين، ويملأ قلوبهم بالفضائل التي دعا إليها خاتم النبيين وسيد المرسيلين.
وفي الفصول الآتية سوف أعرض صوراً من هذا الكفاح الطويل الكفاح العلمي ضد الجهل وضد البدعة وضد الضلالة وضد الخرافة وضد الدسيسة التي جاءت قديما عن طريق الديانات التي أبطلها الإسلام وتجيء اليوم عن طريق الاستعمار والصهيونية.
يقوم بهذا الكفاح أبطال وهبوا أنفسهم بما تملك من قوى لخدمة الأمة وإعلاء كلمة الله. وأنا في هذه الصور التي سوف أعرضها عَلَى القارئ الكريم في سير أبطال من أعلام الإسلام لا أزعم أن هذا الشرف مقصور على هؤلاء الناس الذين تحدثت عنهم، أو ذكرت أسماءهم، ولا أزعم أنه مقصور على هذه الفرقة من فرق المسلمين الكثيرة التي تجهد كُلّ واحدة منها أن تنال رضا الله، وتظفر بمحبته ومغفرته.
وَإِنَّمَا ضربت بهؤلاء المثل، وأنا أعلم أن الأمة الإسلامية وأن الوطن الإسلامي غني بأمثال هؤلاء العمالقة الذين يكافحون بصمت أو بإعلان، ولن يضير جهادهم استعلان الباطل في بعض الأمكنة أو بعض الأزمنة، ورجحان كفة الشيطان في بعض فترات التاريخ، فإِنَّهُم ونحن
معهم على يقين بأن كلمة الله سوف تكون هي العليا وأنه سوف يذوب كُلّ ما يرجف
المبطلون ويزعمه المغرورون. (1/290)
صفحة 291
الإباضية في موكب التاريخ
289
الإباضية في ليبيا (2)
(1)
أبو الزاجي إسماعيل بن دِرَار الغدامسي"
اجتمع عند أبي عبيدة في البصرة خمسة من أنجب الطلاب أربعة منهم جاءوا من أماكن متفرقة في شمال أفريقيا، أما الخامس فكان عربيا من اليمن، أما السبب الذي جمع هؤلاء الطلاب عند أبي عبيدة فهو طلب العلم عند إمام من أئمة المسلمين يملك إلى غزارة العلم روحا قوية تقاوم الظلم والطغيان والانحراف وتوثقت الصلة بينهم وتمتنت الصداقة، وأمضوا في ذلك المعهد العامر خمس سنوات من الدراسة والتحصيل. فَلَمَّا أتموا دراستهم فكروا في السفر إلى المغرب كتلة واحدة واستشاروا شيخهم في رأيهم هذا فوافقهم عليه، ونسى أولئك الأعلام مساقط رؤسهم وملاعب صباهم ومواطن أقربائهم، ولَمْ يذكروا إلا أنهم مسلمون، وأينما كانوا في بلاد الإسلام فهم في وطنهم وبين إخوانهم وعشيرتهم. وهكذا آخى الإسلام في معهد أبي عبيدة بين بربر وعرب وفرس كما آخى الإسلام من قبل في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين روم وفرس وحبش وعرب والإسلام لا يعرف الأجناس ولا العناصر، إنَّه يصهر كُلّ ذلك في بوتقة واحدة، يخرج منها أمة لا فرق بين أفرادها إلا في مدى ما يقدمه كُلّ واحد منهم من بر وخير.
"
سُمِّي هؤلاء الطلاب الذين أصبحوا علماء أجلاء: حملة العلم إلى المغرب" وقدموا إلى ليبيا واتخذوا طرابلس مقراً لهم، واشتغل بعضهم بالكفاح السياسي في محاربة الطغيان والظلم، واشتغل البعض الآخر بالكفاح العلمي في قسميه الوقائي والعلاجي، وقد تحدثنا في فصول سابقة عن الإمام أبي الخطاب، وسوف يأتى الحديث عن عاصم السدراتي، وأبي داود القبلي، في إحدى حلقات هذا الكتاب تحت عنوان الإباضية في تونس وسيأتي الحديث عن عبد الرحمن بن رستم في حلقة أخرى من هذا الكتاب عنوانها: الإباضية في الجزائر. بقى لنا من حملة العلم الخمسة القاضي العادل العالم أبو الزاجر إسماعيل بن درار الغدامسي. قمة شامخة من قمم العلم والفهم والذكاء، ومثل سام من أمثلة الإخلاص والتراهة والصفاء، الله على البشرية، يدعو إلى الحق، لا يبالي رضى الناس أم سخطوا، ويقيم العدل بين الناس، أحبوا ذلك أم كرهوا، ويسير على ما سار عليه علماء الإسلام المهتدون. 1) عده أبو زكرياء في الطبقة الرابعة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثاني على هذا الاعتبار. وقد علمنا أنه أخذ العلم عن أبي عبيدة في العشرة الرابعة من القرن الثاني.
وحجة من حجج (1/291)
صفحة 292
الإباضية في موكب التاريخ
290
الإباضية في ليبيا (2)
كان عضوا بارزا في البعثة التي ذهبت إلى البصرة، ودرس على الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. وتحمل مع أستاذه وزملائه كثيرًا من الأذى والاضطهاد الذي لاقاه الأئمة المرشدون، والعلماء المصلحون من الولاة والظلمة والملوك البغاة. وَلَما بلغ حملة العلم غايتهم من العلم، وقرروا السفر إلى المغرب، حَتَّى خرج الإمام أبو عبيدة لوداعهم وَلَمْ يرد الطالب النجيب أن تمضي هذه الفترة القصيرة التي سايرهم فيها أستاذهم في حديث عادي دون جدوى، وأراد أن يستغل حَتَّى هذه الدقائق الأخيرة قبل فراقهم لذلك البحر الذي لا ينضب، فكان يوجه إليه في لباقة أسئلة، وكان الإمام العالم يجيب، وَلَمْ يقطع المسافة التي قرر أن يرجع منها حتَّى كان ابن درار قد وجه إلى أستاذه ثلاثمائة سؤال في مشاكل الأحكام.
وعجب الإمام الكبير من طالبه الذكي، ومن حرصه على الاستفادة أو على الاستيثاق من معلوماته، ومن استحضاره لهذه المشاكل في لحظات الفراق التي تتغلب فيها المشاعر الحساسة والعواطف الجياشة على التفكير العقلي المتزن.
وَلَمَّا أتم الطالب النجيب أسئلته، وهم الإمام بالرجوع، رفع عينيه إلى تلميذه وهو يبتسم ابتسامة الوالد الحنون وقد سر من ولده وقال كأنك تريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟ فأجاب الطالب أرأيت إن ابتليت بذلك ياشيخ؟
إن هذه الحادثة البسيطة كافية للدلالة على علم الرجل، وعلى خلقه، وعلى دينه. مارأيك أيها القارئ الكريم في رجل يتكبد الرحلة من الجنوب الليبي إلى البصرة في العراق. ويقضي خمسة أعوام تحت عذاب الغربة والحاجة والاضطهاد، ليطلب العلم وينال الأمنية الغالية بعد أن استترف ماء شبابه وأذبل زهرة حياته، ويعزم على الرجوع إلى بلده ومفارقة معهد دراسته، ليحيا الحياة العادية التي يحياها الناس، فيسأله أستاذه ممازحا: هل يريد أن يكون قاضيا؟ ويجيب الفتى أنه يعد العدة، فقد تتزل عليه هذه البلية. إنها مصيبة يجدر بالمرء الكريم أن يفر منها، ولَكنَّهُ في نفس الوقت يجب أن يكون مستعدا لتحملها، والقيام بأعبائها، حتى إذا قدر وأصيب بما استطاع أن ينهض بهذا الحمل الثقيل. إنه لا يرى في منصب القضاء أو في أي منصب آخر من مناصب الحكم ذلك الوجه البراق الذي (1/292)
صفحة 293
الإباضية في موكب التاريخ
291
الإباضية في ليبيا (2) يسعى إليه عبيد الدنيا، وطلاب الجاه الزائل، والسلطان الخادع؛ ولكنَّه يرى فيه ذلك الوجه المعتم الذي يجب أن يتحمله المسلم خدمة لدينه، وأمته وهو عليم أنه لن يجد منه مكسبا دنيويا، أو مغنما ماديا، فإذا قدر في نفسه أو في علمه أنه سوف يغنم منه لدنياه، فقد حاد عن طريق الصواب، وتغلغل في الظلال.
ولذلك لم يفزع إلى شيخه يطلب منه الدعاء لتحقيق هذا الأمل؛ وَإِنَّمَا أجابه في خوف ورهبة أنه يعد نفسه لتحمل المكاره، حتّى لا ينوء تحت ثقلها.
وقد كان من إرادة الله، أن تحققت نبوءة الإمام، ونزلت عليه هذه البلية التي أعد العدة لتحملها؛ فتولى القضاء للإمام أبي الخطاب عبد الأعلى، وقام بهذه الوظيفة كما يقوم بها مؤمن يعرف دين الله ويفهم أسرار الشريعة، ويخاف الله في مال الله، وعباده، فيتحرى الحق، ويجري العدل، ويتبع السير القويم الذي خلفه رسول الله.
كان العلامة ابن درار يعلم أن عمله الحقيقي ليس هو تولي أي منصب في الحكومة، إن الرسالة المقدسة التي ذهب من أجلها إلى البصرة، وبقي في ديار الغربة خمس سنوات لاقى فيها من شظف العيش، وظلم الجبابرة الشيء الكثير .. هذه الرسالة تستدعى منه أن يتخذ من إمامه أبي عبيدة قدوة ومثالا .. إن عمله الحقيقي الذي يجب أن يتولاه، وأن يسهر من أجله، وأن يبذل فيه كُلّ ما لديه من طاقة وجهد، إِنَّما هو التعليم هو تبليغ رسالة الله إلى الناس، كما جاء بها محمد، وتنوير قلوبهم وعقولهم بنور الإسلام، ولذلك فقد كون مدرسته العتيدة، مدرسة الفكرة، ومدرسة الحلقة، وأعطى لأمته من نفسه ومن وقته الشيء الكثير. فكان منبعا صافيًا يرده العطاش من كُلِّ جهة من بلاد الإسلام، وأدى هذه الرسالة، رسالة التعليم والثقافة في إيمان وإخلاص، وحرص، وصدق، كما أداها شيخه وأستاذه أبو عبيدة. وحسبه شرفًا أنه كون عقلية مثل عقلية مُحمَّد بن يانس وزملائه، الذين يندر
الله
أن يجود
الزمان بمثلهم، اتساع ثقافة، ومتانة خلق، وصحة عقيدة، واتصال كفاح الله وفي إِنَّه أحد أولئك الأعلام الذين كافحوا الانحراف عن دين الله بالطريقة الوقائية والعلاجية، وإن كانت آثاره في الميدان الأول أكثر وأظهر. (1/293)
صفحة 294
الإباضية في موكب التاريخ
292
الإباضية في ليبيا (2)
أبو المنيب مُحمد بن يانس
(1)
هو أبو المنيب مُحمَّد بن يانس الدركلي، قال فيه صاحب السير: "المجاهد لنفسه، المطيع لربه، ذو المناقب الشهيرة والمآثر الكريمة، ولكن هل تكفي هذه الجمل القصيرة للدلالة على هذه الشخصية الفريدة؟.
إنَّهَا شهادة من أبي العباس لها قيمتها؛ فأبو العباس من أولئك الثقاة الذين يزنون كلامهم بالميزان الدقيق، ويحملون الجمل القصيرة من المعاني ما يحتاج إلى صفحات كثيرة من غيرهم. ولكن ما أثر ابن يانس في المجتمع وفي الحياة؟ وما مبلغ دينه وأمانته وخلقه وعلمه؟. طلب الإمام عبد الوهاب في تاهرت من جبل نفوسة مائة عالم من علماء التفسير لمناظرة
المعتزلة.
والمعتزلة قوم ولعوا بالمناظرة والجدل، فهم لا ينفكون عن تحدي غيرهم من الفرق الإسلامية، وكان الإباضيَّة عَلَى عكس هؤلاء، ولعوا بالعمل بما جاء به الدين الحنيف، ولا يلجأون إلى الجدل إلا إذا اقتضى الحال إلى ذلك، أو وقع عليهم التحدي.
وعندما طلب من أهل الجبل هذا العدد الوفير من علماء التفسير، كان الجبل غاصا بالعلماء، ولكن المشايخ تشاوروا في الموضوع! لماذا يرسلون هذا العدد الوفير، وهم يجدون هذا العملاق الذي يقوم مقام مائة بين هؤلاء الأعلام؟!
وقرروا أن يختاروا من بينهم واحدا يقوم مقام مائة، واستعرضوا الأسماء، فاجتمع رأيهم على اختيار أبي المنيب للقيام بهذه المهمة .. وَلَمَّا أبلغوه اختيارهم لم يرهب الموقف، وهو يعلم ما للمعتزلة من صولة في الجدال. ولم يتهيب التعب وبعد المسافة بين ليبيا وغرب الجزائر، وَلَمْ يطلب من القوم أن يجعلوا له مساعدًا يذكره إذا نسي، وينبهه إذا غفل .. لقد قبل المهمة دون نقاش، واستعد للسفر في هدوء واطمئنان، كَأَنَّمَا يسافر للتجارة إلى سوق حرة في بلد مفتوح. إن القارئ وهو يدرس التاريخ، ويستعرض هذه الحوادث، لتأخذه الحيرة في أيهما أعظم؟
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الرابعة، فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثاني. (1/294)
صفحة 295
الإباضية في موكب التاريخ
293
الإباضية في ليبيا (2)
الأمة ثقتها فيه،
هذا الشعب الذي يجمع على الثقة الكاملة في شخص واحد، ويتفق على اختياره ليقوم مقام مائة من المناضلين، ومن سوف يناضل هذا الرجل الوحيد الذي تضع ثُمَّ ترسله آلاف الأميال ليقف أمام التحدي؟ إِنَّه سوف يناضل المعتزلة، أبطال المناظرة، وفرسان الجدال في الأمة الإسلامية كلها؟ أم هذا الرجل الذي يتقبل ثقة الأمة فيه، ويستعد لخوض هذه المعركة التي يجهل فيها إمكانيات الخصم كُلّ الجهل، وَإِنَّمَا يعرف نفسه وما أعده لهذا الترال؟ لا في هذه الفترة القصيرة التي طلب منه فيها أن يمثل أمة، وَإِنَّمَا منذ كان يغدو ويروح على ابن درار يغترف من ذلك النبع الفياض؟
ويتأهب المفسر العظيم للكتاب الكريم للسفر، ويجتمع برفاقه الثلاثة الذين اختيروا بمثل هذه الطريقة لمثل هذه المهام، وليس مع هذا الوفد لجنة لنشر الدعاية، ولا آلة لتصوير المناظر، ولا خدم لتوفير الراحة، ولا حاشية لإظهار العظمة والهيبة. وَلَمْ يُزَوَّدوا بأموال للنفقة، وَلَمْ تحسب لَهُم علاوة للمبيت، ولم تفتح بين أيديهم خزائن
الدولة.
أثناء
لقد طلب إليهم أن يقوموا بمهمتهم، وليس لَهُم إِلا ما تفيض به رحمة الله. وودعهم إخوانهم الذين وثقوا بهم واختاروهم من بين آلاف العلماء الذين يزخر بهم الوطن الليبي في ذلك الحين، وَلَمْ يزودوهم بشيء غير دعوات صالحة من قلوب مؤمنة. وعندما انفصل الموكب عن المودعين، طلب إليهم أبو المنيب أن يسمحوا له بخدمتهم هذه الرحلة الطويلة - وَلَمْ يكن أبو المنيب أصغرهم سنًا - فسمح له الرفاق الثلاثة بذلك، فأضاف إلى عمله مهمة أخرى شاقة في سفر طويل. عندما يتزل الرفاق للمبيت، يبادر أبو المنيب فيعلف الخيل، ثُمَّ يجمع الحطب، ويهيئ العشاء، فإذا اطمأن إلى راحة رفاقه، وانتهوا من صلاة العشاء، وآوى الزملاء إلى مضاجعهم، قام هو فاستقبل القبلة، وبدأ الصلاة مستفتحًا بالبقرة، فلا يقبل الفجر حتى يكون قد القرآن الكريم، فيصلي مع رفاقه صلاة الفجر، ويعد لهم ما تيسر من فطور،
ختم
ثُمَّ يواصلون الرحلة. (1/295)
صفحة 296
الإباضية في موكب التاريخ
294
الإباضية في ليبيا (2)
وبعد أيام كان أبو المينب يشتغل بإحدى المهام، وكان الرفاق الثلاثة يتناقشون فيما بينهم عن زميلهم هذا، وَلَمَّا رجع إليهم قالوا له: إما أن تترك خدمتنا، وإما أن تترك هذه الصلاة في الليل، فقال: أما خدمتكم فلا سبيل لتركها، وأَما الصلاة فأرجوا أن تسمحوا لي بصلاة ركعتين فقط، ونظر القوم بعضهم إلى بعض وظنوا أن أمر صلاة ركعتين أمر يسير لا بأس به فوافقوه عَلَى هذا الالتماس. وعندما جاء موعد صلاته قام فاستقبل القبلة واستفتح للصلاة بسورة البقرة، واستمر يتلو كتاب الله حَتَّى ختم سورة الكهف، فأهوى للركعة الأولى، واستفتح للركعة الثانية بسورة مريم وركع لها عندما ختم سورة الناس، فما سلم حتى انبثق الفجر، وقام مع زملائه لصلاة الفجر، وعند المساء وهم يتناولون العشاء الطي الطيب البسيط الذي أعده لهم قالوا: ارجع إلى عادتك الأولى من الصلاة، فإن في الركوع والسجود بعض الراحة (1).
نظر إليه أحد الزملاء في ظلام الليل - والرياح الجنوبية الهوج في الصحراء تعبث بثيابه وهو قائم يناجي ربه في صلاة خاشعة - فقال: إن كان لا يدخل الْجَنَّة إلا من كان مثلك يا ابن يانس فستصيبك فيها الوحشة. وكان رحمه الله إلى هذا العلم الواسع، والورع الذي بلغ النهاية، حازما قويا في الله لا يخشى صاحب سلطان، ولا يسكت عن منكر يرتكب أمام عينيه مهما كان صاحبه، ولا يدع الأمر بالمعروف.
دين
كان بمصر في تجارة له يبيع فيها زيتا، ومر به أعوان السلطان يحملون شخصا وهو يستغيث. مر به وهو يقول: أنا بالله وبالسلطان، فلم يشتغل به، ثم سمعه ثُمَّ يقول: أنا بالله وبأهل المروءة، فلم يشتغل به ثُمَّ سَمعه يقول: أنا بالله وبالمسلمين، فترك الزيت ووثب إلى الأعوان، فخلص منهم الرجل، وَلَمَّا نَجا الرجل ذهب مع الشرطة إلى السلطان فقال له السلطان ما حملك على ما فعلت قال العالم الورخ
(1) راجع الأزهار الرياضية، 2/ 119. (1/296)
صفحة 297
الإباضية في موكب التاريخ
295
الإباضية في ليبيا (2)
القائم بدين الله: لَم يسعني في ديني أن أتركه حين استغاث بالمسلمين. فالتفت السلطان إلى أعوانه وقال لهم: "أبمثل هذا تأتونني؟! لولا هذا ومن كان مثله لم تطلع علينا الشمس فيهم أمهلنا الله (1).
أتمالك
ومر بإحدى القرى التونسية وكانت تحت حكم الأغالبة في ذلك الحين، فوجد الشرطة يجرون امرأة وهى تستغيث بالله وبالمسلمين، فطلب منهم نهم أن يتركوها، فلم يستجيبوا له؛ فجرد سيفه وخلص منهم المرأة، وذهب معهم إلى صاحب السلطة، فقال له ما حملك عَلَى ما فعلت؟ قال: لما سمعتها تستغيث بالله وبالمسلمين لم نفسي، ورأيت أنني لا أو فى بديني إذا أنا لم أخلصها، فنظر إليه صاحب السلطة في إمعان وتفرس ثُمَّ قال: "تركناها الله وإيجابا لحقك (2). كان بتاهرت عاصمة الإمامة، فمر بمنزل الإمام عبد الوهاب، وكان على الباب متظلم، والباب مغلق، والمتظلم ينتظر، وقد بدا عليه السأم فأخذ الشيخ يضرب الباب بالحجارة، ويشتم المدينة ومن فيها حَتَّى خرج الإمام ولحيته تقطر ماء فاعتذر للشيخ بأنه كان في الحمام، ولَمَّا سكن الغضب عن الشيخ قال الإمام: لماذا
هذا الغضب كله حَتَّى شتمت أهل المدينة وأنا وأنت منهم، فقال الشيخ الأم بالمعروف الناهي عن المنكر: "إن لم نعمل بموجب الشرع فلا محيد لنا عنها" (3). إِنَّه لا يحل لمن يتولى أمر المسلمين أن يتغافل عن شؤونهم، فاذا غفل وجب على المسلمين أن ينبهوه إلى ذلك، فإذا لم يفعلوا استووا في المعصية. تأمل أَيُّهَا القارئ الكريم هذه السيرة العطرة سيرة الرعاة وسيرة الرعية، وقدر عظمة هذا الإمام الذي يدين له بالطاعة ثلاثة أقطار كبرى تنبسط اليوم عليها ثلاث دول، فيقف ببابه مؤمن من سائر المؤمنين يقذفه بالحجارة ويلومه؛ لأنه تأخر، فلم يفتح بابه دقائق معدودة ليسمع شكوى متظلم .. قد تكون صادقة وقد
1) راجع السير: ص 167. (2) راجع السير: ص 167.
(3) راجع السير: ص 168. (1/297)
صفحة 298
الإباضية في موكب التاريخ
296
الإباضية في ليبيا (2)
تكون كاذبة، فلا يزيد هذا الإمام العظيم عَلَى أن يعتذر بأنه مشغول بعمل شرعي
لا يجوز تأخيره لحظة.
بما له
وقدر عظمة هذا المؤمن الذي يرد رجلا يريد أن يرفع شكوى، فلم يفتح له باب الأمير فيتضاءل أمام عينه هذا الإمام الذي يمتد سلطانه من مصر إلى مراكش من قوة ومركز؛ لأنَّهُ لَم يبادر إلى إنصاف المظلوم، وإعطاء الْحَقِّ لصاحبه، واشتغل عنه بأمر خاص له، ثُمَّ يهجم على الباب يكاد يحطمه، وعلى الإمام يسمعه قوارص العذل واللوم.
وقارن أَيُّهَا القارئ الكريم هذه الحالة بصور مؤلمة تجد فيها الآلاف من الناس تضيع حقوقهم، وهم يتزاحمون على أبواب المصالح، ومداخل الإدارات، ودور القضاء؛ لأن هذه الحقوق وضعت في أيدي أقزام مهازيل، ليس لهم من الخلق أو الدين أو الشهامة ما يحملهم على فصل تلك المشاكل، وإراحة الناس من هذا النصب المتواصل.
وعندما يجد المسلمون رجالا من الشعب لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يرهبون في الْحَقِّ سطوة حاكم، وعندما يجد المسلمون حكاما يقدرون المسؤولية التي تحملوها للأمة، ويخضعون لسلطان الْحَقِّ، ولو تعلق هذا الحق بذواتهم، ويسارعون إلى تصريف الأعمال التي أنيطت بهم في أسرع وقت .. عندما يجد المسلمون هذا الفرد من الشعب، وهذا الفرد من ولاة الأمر؛ حينئذ يعود إلى الأمة المسلمة ما فقدته من عزة، ويحقق الله لَهُم ما وعدهم به، فيكونون خير أمة أخرجت للناس؛ لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله؛ فلا
يحسبون لغيره حسابا.
وإلى هذه القوة في دين الله والشدة في حقوق الناس، كان رحمه الله جم التواضع، سمح النفس كريم الخلق .. وَلَعَلّ قيامه بخدمة زملائه أثناء رحلته الطويلة إحدى الشواهد على التواضع وكرم النفس، وسماحة الخلق. (1/298)
صفحة 299
الإباضية في موكب التاريخ
297
الإباضية في ليبيا (2)
أدب يوما ثلاثة من الجناة، فغضبوا من إقامة الْحَقِّ عليهم، فدخلوا عليه متزله ليلا، وضربوه ضربا مبرحا حَتَّى أضعفوه، فلم يطق إتيان المسجد. وتخلف العالم المؤمن لأول مرة عن صلاة الجماعة وهو حاضر في البلد، وعرف المسلمون الذين يعرفون الشيخ أنه لم يحبسه عن المسجد إلا أمر كبير فزاروه في بيته، وسألوه عن أمره، فأخبرهم بما فعل به، وعندما تحدثوا في وجوب معاقبة الجناة عن هذا الجرم الفظيع، منعهم من ذلك، وتنازل عن حقه خوفا من أن يكون انتصف لنفسه، فترك القوم الذين اعتدوا عليه في عقر داره فذهبوا طلقاء - ولو أن عدل الله لَم يمهلهم - فنالوا جزاءهم عَلَى غير يد هذا المسلم القوي في لم القوي في أمر الله، الضعيف في
أمر نفسه. وكان إلى هذا الدين القويم والخلق الكريم كثير العبادة، ولعل صلاته في رحلته الطويلة تكون إحدى الشواهد على حبه للعبادة، والاتصال بربه. يذهب إلى "الجزيرة" وهى قرية عَلَى قمة شامخة في الجبل، ضاربة في الهواء، معزولة عن بقية الجبل بخندق عميق فيعتزل هنالك للعبادة أيامًا طويلة، ومكث مرة بهذه الجزيرة أربعين يوما، وكان لم يأخذ معه زادا ولا طعاما، فذهبت إليه زوجته لتتفقده، وترى حاله فوجدته مشرق الوجه، يترقرق الدم في وجنتيه، وتبدو العافية على مخايله وعندما وصل وقت الأكل مال إلى أعشاب الأرض يأكل منها حَتَّى اكتفى فقالت له الزوجة المحبة: أبهذا عشت طول هذه المدة؟ فأجاب الشيخ الزاهد العابد قائلا: "نقي قلبك وافتحي يديك، وأغلقي فاك يجعل لك الله كُلّ عود طعاما (1).
إنه أحد أولئك الناس الذين يندر وجودهم في التاريخ، لقد عاش حياة حافلة بالعمل الصالح العمل الصالح لنفسه، والعمل الصالح لأمته، والعمل الصالح لدولته، و حسبك أن تعرف أَنَّهُ قسم حياته أربعة أقسام سنة يقوم فيها بالتجارة ليكسب
1) راجع السير: 169. (1/299)
صفحة 300
الإباضية في موكب التاريخ
298
الإباضية في ليبيا (2)
ما ينفقه من الرزق الحلال في مدى ثلاث سنوات، ويزور فيها الإخوان المنتشرين ما بين الغرب ومصر، فقد يذهب بتجارته إلى مصر، وقد يذهب منها إلى الجزائر، وفي هذه الزيارات يغشى المجامع العلمية، ويؤم المساجد، يلقي دروس الوعظ والإرشاد، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع التي يبثها أدعياء العلم والظلم الذي يرتكبه أصحاب الحكم، ويقبس ويقتبس الهدى والصلاح.
ويرتحل في السنة الأخرى إلى غدامس، فيقيم عند أستاذه العلامة ابن درار الغدامسي، يزداد علما ويواصل دراسته بعزيمة لا تعرف الخور أو الضعف. ويقيم سنة في مشاهد الجبل، منقطعا لعبادة ربه، خالصا لمحاسبة نفسه، مبتعدا عن شيئين الدنيا والناس.
في السنة الرابعة فيستعد فيها لزيارة البقاع المقدسة والاقتباس من روح الإيمان والطهر التي خلقها محمد في منازل الوحي، ومنشأ الإسلام، وَلَمْ يخرق هذا النظام الذي وضعه لنفسه منذ وضعه حَتَّى لحق بربه.
لم يبق لنا من حديث على هذا الرجل العظيم إلا إشارة عابرة إلى كفاحه في الميدان العلمي، ورغم هذا الترتيب الذي وضعه لحياته، والذي كان يكثر فيه من الغياب؛ استطاع أن يكون طبقة ممتازة من الطلاب حملوا مشعل الثقافة والمعرفة من بعده، وكان يتشرف الواحد منهم أن يقال فيه: أخذ العلم عن ابن يانس. أما النقطة الثانية وهى مفهومة من سياق الحديث فكفاحه القوي العنيف للانحرافات التي ترد على أيدى المبتدعين كما فعل مع المعتزلة، أو الإنحرافات العملية التي تأتي عن طريق الحكام كما فعل في مصر وتونس والجزائر؛ فهو أحد أولئك العلماء الأعلام، الذين كافحوا الإنحراف عن دين الله بالطريقتين الوقائية
والعلاجية، وإن كانت آثاره في الميدان العلاجي أوفر وأظهر. (1/300)
صفحة 301
الإباضية في موكب التاريخ
299
الإباضية في ليبيا (2)
مهدي النفوسي الويغوي
بطل من الأبطال الأربعة، الذين وثقت بهم الأُمَّة، فاختارتهم للقيام بمهام طلـ
أربعمائة. وأسند إلى هذا البطل العملاق مهمة مائة عالم من علماء الكلام، ثُمَّ طلب إلى أن يرتحل من "ويغُو" هذه القرية التي لا تزال أطلالها شاهدة على عظمتها في ظاهر الحرابة- إلى تاهرت للمناظرة، والجدال جدال المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء، أولئك الناس الذين حذقوا فن الجدال وبرعوا فيه وبزوا فيه الأقران، ولاسيما حين يكون موضوع المناظرة والجدال متعلقا بعلم الكلام والفلسفة الإلهية. حَتَّى كان علماء غيرهم من الفرق يتحاشون التصادم معهم، ويخشون الاشتباك بهم. وَلَمَّا اتَّفق رأي المشايخ عَلَى إسناد هذه المهمة مهمة مناظرة المعتزلة في قضايا التوحيد وعلم الكلام إلى الشيخ مهدي الويغوي، وأخبروه بما اتفقوا عليه، تقبله برضا واستبشار، واستعد للقيام بالمهمة الملقاة على عاتقه، وأخذ زاده وفرسه واتجه مع الرفاق الثلاثة إلى تاهرت إلى حيث ينتظره فرسان الكلام. وبلغ الشيخ العالم المتكلم عاصمة الإمامة في الجزائر، وعرف الإمام أنَّه الرجل الذي اختارته أمته ليقوم مقام مائة من علماء الكلام، ليرد على أصحاب البدع والأهواء بدعهم
وضلالاتهم.
وكان الإمام عبد الوهاب من أفذاذ العلماء في كُل فروع الثقافة لذلك العصر، وكثيرًا ما يتعرض لتحدي المعتزلة ولددهم في الخصومة فيناقشهم ويناقشونه، وقد يضيق الخناق على أحدهم بحجة باهرة، وقد يضيق عليه أحدهم الخناق بشبهة خفية؛ فَلَمَّا اجتمع مع العلامة النفوسي، طرح عليه مواضيع النقاش، وعرض عليه الأسئلة والأجوبة التي كان يتلقاها من المعتزلة أو يرد بها عليهم، وكان العلامة النفوسي الويغوي لا يلبث أن يقول
(1) من علماء النصف الثاني للقرن الثاني: قتل على شاطئ البحر سنة 196 هـ. راجع الأزهار، ص 123، 144. (1/301)
صفحة 302
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
للإمام: "هذا سفسط المعتزلي وهنا زاغ منك. وهكذا كان يضع يده على نقط الضعف عند الإمام، أو عند المعتزلي. وبعد هذا العرض، اطمأن الإمام ووثق بصاحبه، وضمن لنفسه النصر في هذه المعركة الكلامية الحامية الوطيس.
العلامة الويغوى يوما، وَلَمْ يرجع إلا بعد هون من الليل، فسأله الإمام وأصحابه خرج عن سبب هذا التأخر، فقال لهم: لقد اجتمعت اليوم بتسعين عالما من علماء المعتزلة، أبواب الجدال، فأفحمهم الله جَمِيعًا، وأوضح الْحَقِّ ونصره، وأخبروه أن
وفتحوا معي عشاءه موضوع في حجرة مجاورة، ودخل الحجرة التي وضع فيها العشاء، ووجد إناء مغطى، فترع عنه الغطاء، ووضع يده باسم الله، فوجد طعامًا أكل منه حَتَّى اكتفى، ثُمَّ قال لهم: يظهر أن عشاءكم لَم يَنضج. فضحك القوم؛ لأن ما حسبه الشيخ الويغوى عشاء غير ناضج لم يكن في الواقع غير عجين أعد ليتخذ منه الخبز لفطور الصباح، أما عشاء الشيخ فقد بقي في زاوية أخرى من البيت لم يهتد إليها. ورد عَلَى ضحكهم قائلا: "إنِّي أحمد الله تعالى عَلَى ثلاث أقضي بقليل من النوم غرضي، وبأي طعام أسد به جوعتى، ولا أخشى مخالفًا يدحض حجتى" وإنه لمن نافلة القول أن أقص حكاية التاريخ، وأصف للقارئ الكريم موقف هذا الشيخ مع مشاغبي المعتزلة، وطريقته في إلزامهم الشبه الحجة، وإبطال ما لبسوا به من فإن الباطل لا يصمد للحق إلا قليلا على أن مظهر الانتصار أو عدم الانتصار في الجدل لا قيمة له في نظر المؤمن المخلص، إن الانتصار في الجدال مظهر من المظاهر التي يفرح لها طلاب الزهو والفخفخة، أما أصحاب الحقيقة أصحاب الإيمان والعلم، فَإِنَّمَا يسرهم منها
(1)
نتائجها إذا اهتدى بها قوم فرجعوا إلى الصواب بعد أن تخطفتهم مهاوي الضلال. أَمَّا القيمة الشخصية للرجل فهي في ذلك الثوب الفضفاض من العلم والإيمان والتقوى، الذي يلازم المرء في جميع أحواله.
(1) الأزهار الرياضية، ص 122. (1/302)
صفحة 303
الإباضية في موكب التاريخ
301
الإباضية في ليبيا (2)
وأنا كما قلت في بعض الفصول السابقة: إِنَّمَا يهمني في هذه الحلقات أن أكشف عن الصور الرائعة من سيرة أبطال هذا الْمَذهَب الذي حورب من ناس لم يفهموا الإسلام، ولَمْ يعملوا به، ومن ناس يسهل لديهم أن يصفوا أهل هذا الْمَذهَب بِأَنَّهم خوارج، كما يسهل لديهم أن يعملوا عمل الخوارج وفي الحين الذي يعف فيه الإباضية العفة الكاملة يستحل أولئك الناس أموال المسلمين ودماءهم بالطريقة العملية، فما سنحت لهم فرصة لابتزاز الأموال أو قتل الرجال إلا ارتكبوها، وسواء كانت هذه الدماء أو الأموال لمخالفيهم في الْمَذهَب، أو الرأي أو كانت لموافقيهم فيها.
وإنك لتجد آلاف المواقف من هذا النوع، وإن شئت فارجع إلى التاريخ، فسوف تجد إخوة وأبناء إخوة يقتتلون من أجل المال أو السلطان، بل إنك لتجد أبناء يسرقون خزائن آبائهم، أو يقتلونهم؛ لأنَّهم يتعجلون الوصول إلى كراسي الحكم، إلى ما هنالك من أعمال يبرأ منها الإسلام، الإسلام الذي يحرم الدماء والأموال: «إِنْ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم عَلَيكُم
حرام» (1).
كنت أتحدث عن مهدي النَّفُوسي الويغوي: هذا الرجل الذي اختير ليقوم مقام مائة عالم لجدال المعتزلة، إنَّه إلى هذه الثقة التي حصل عليها من الأُمَّة، وإلى هذا المقام الذي تبوأه في قلب إمامه بعد ما عرف علمه وذكاءه وعبقريته وإلى انتصاره المشهود في مناظرة تكاد تكون حدثًا عالميا في ذلك الحين .. إنَّه إلى كُلّ ذلك متواضع كريم، سأله الإمام بعد أن امتلأ إعجابا برجال الوفد في علمهم وخلقهم وشجاعتهم حتى ظن أنه لا يوجد لهؤلاء الرجال مثال: هل تركتم في الجبل من هو مثلكم، فأجاب العلامة المهدي: "تركنا من هو خير منا تركنا أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني وقد لمس الإمام صدق هذا الرجل وصراحته فيما بعد حين زار جبل نفوسة، وأهمل بعض رفاقه دوابهم فأكلت من زرع الناس، فجاءه أبو عبيدة الشيخ العالم الذي ليس له يد
(2)
(1) أخرجه الربيع في صحيحه عن ابن عباس، رقم 464. (المراجع)
(2) راجع الشماخي: السير، ص 171. (1/303)
صفحة 304
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
في الحكم، وقابله بقوة الرجل الذي رأى منكرًا فصمم على تغييره بقوة المؤمن المعتز بإيمانه، إنَّه لا يرى في الإمام إلا إنسانًا بشرًا بسيطا ارتكب خطأ وجب عليه أن عليه أن يرجع عنه .. أما مهابة الإمام وعظمة السلطان، وحق الضيف، تلك الأشياء كلها لا قيمة لها في نظر المؤمن القوي في دين الله، إن الْحَقِّ أحق أن يتبع، وما الإمام إلا فرد من أفراد الأمة، له ما لها وعليه فوق ما عليها، عليه عبء المسؤولية الملقاة على عاتقه، ورعاية أمورها، وتفقد شؤونها، والسهر على مصالحها.
وتذكر الإمام العظيم بهذه المناسبة جواب الوفد فقال: صدقوا". لقد تركوا من
مثلهم أو خير منهم. عاش هذا العالم المؤمن في كفاح مستمر، يحارب البدع التي أخذت تنتشر بحقائق الإيمان، ويناضل السفسطة الكلامية بقوة، البرهان، ويكافح الجهل بالتعليم الصحيح والتربية التي وضع أسسها الإسلام.
وعندما كان الإمام عبد الوهاب يحاصر طرابلس العاصمة، وهي تحت حكم الأغالبة بسبب الفواحش التي ارتكبها جندهم كان مهدي النفوسي الويغوي من خيرة حملة السلاح للدفاع عن الْحَقِّ. وذات يوم كان هذا العالم مستغرقا في مناجاة ربه، منفردًا عَلَى ساحل البحر، فعبر إليه جند الأغالبة وقتلوه واحتزوا رأسه، ثُمَّ وضعوه عَلَى السور وهم
يتضاحكون ويعبثون!!. رحم الله تلك النفس المؤمنة.
*** (1/304)
صفحة 305
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
أبو الحسن الأبد لاني"
أبو الحسن هو العضو الرابع من أعضاء الوفد الذي بعث إلى تاهرت، وثقت فيه الأمة فاختارته ليقوم مقام فقيه الجدال المعتزلة فيما يتعلق بأصول الفقه، وعلم الحلال والحرام، وإنَّها لمرتبة سامقة حين يحصل الإنسان عَلَى ثقة أمة كاملة، وأن تختاره هذه الأمة نفسها كي يقوم مقام مائة من الأعلام الذين يدفعون إلى الميدان، فيرفعون رأية الْحَقِّ، ويذودون عن دين عدوان المبتدعين وعتاد الباغين، وقد حقق للأمة ثقتها فيه، وقام بالعبء الذي ألقى عليه.
الله
قال أبو العباس حين تحدث عن هذا العلامة العملاق "كان واسطة العقد، وإنسان العين، تعلم العلوم، وعمل بموجبها، وتحصن من الشيطان بزهد الدنيا ورفضها (2).
لقد تعلم أبو الحسن العلم، كما شهد أبو العباس، وتعلم العلم أمر ميسور لكلّ طالب، ولكن العمل بموجب العلم هو الميدان الذي تتفاوت فيه الأبطال، وتقاس به
معايير الرجال.
كان هذا العالم العامل إلى ما يملك من غزارة المعرفة، وانفساح الثقافة والعزوف عن أمر الدنيا ومجاهدة النفس - بطلا من أبطال الميدان، يثبت في المعارك ثبات الطود، ويناضل العدو نضال من يرى باب الجنة مفتوحا أمامه ليس بينه وبين ولوجه إلا الاستشهاد في حومة الوغى من تلك الموقعة. لما التقت جنود العباس بن أيوب – وكان أبو الحسن أحد الأبطال فيه – بجنود خلف في "فاغيس" بين "تغرمين" و"جادو"، وكان جيش خلف كثيفا، كثير العدد وافر العدة، فجاء رجل من جيش العباس إلى أبي مرداس وقال له: "إني أخشى عَلَى
1) ذكره أبو زكرياء من علماء الطبقة الرابعة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثاني.
2) السير: ص 172. (1/305)
صفحة 306
الإباضية في موكب التاريخ
304
الإباضية في ليبيا (2)
جندنا
من كثرة جند عدونا"، فأجاب أبو مرداس العالم البطل: "لا أخاف على
عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني".
أي والله! إِنَّهَا شهادة من رجل يعرف قيمة الرجال الصادقين، ومواقفهم الثابتة عندما تزل الأقدام، وتخف الأحلام، ولكن الرجل لم يقنع بهذا الجواب .. إله يرى بعينيه كثرة جيش العدو وضآلة جيشهم بالنسبة إليه. وماذا عساها تغني البطولة مع الكثرة، وذهب إلى أبي الحسن الأبدلاني يعرض عليه مخاوفه، ويقص عليه ما قصه عَلَى زميله أبي مرداس، فإذا بجواب أبي الحسن يبعث
على الدهشة والاستغراب، قال أبو الحسن: "لا أخاف على جيش فيه أبو مرداس!! " وعجب الرجل من توافق الخواطر واتحاد المشاعر، وأيقن أن جيشا ضم بين
صفوفه أبا الحسن الأبدلاني وأبا مرداس السدراتي لا يمكن أن ينهزم.
بنصر
الله
نعم، إنه يكفي أن يكون في الجيش بطل مثل أبي الحسن أو أبي مرداس في ثقتهما وإيمانهما بالْحَقِّ فيضمن النصر. والتاريخ الإسلامي منذ بدأ رسول الله الا الله لغزواته يضرب أمثلة رائعة للصورة الـ ترسمها هذه القصة القصيرة، إن كثرة العدد لا تغني في الحرب، وليست الأعداد ولا السواعد هي التي تناضل إذا جد الجد، ولَكنَّه الإيمان بعمق الرسالة، والرغبة في الحصول على الشهادة، والحزم في محاربة الظلم والصمود أمام جبروت العدوان، هذه العقائد والمثل هي التي تقاتل الأعداء وتقهر. ولن يصاب المسلمون من قلة ولَكنَّهم يصابون من ضعف العقيدة وسوء والثقة بغير الله وتفرق الكلمة، وابتغاء عرض الدنيا من حياة منعمة ليست حافلة بالخير، ومال كثير لا يعرفون مصدره، ولا يهتمون له، ورغبة ملحة في عمر طويل
لا يزينه عمل صالح.
النية (1/306)
صفحة 307
الإباضية في موكب التاريخ
305
الإباضية في ليبيا (2)
أبو مر داس مهاص السلماتي
(1)
بطل آخر من أولئك الأبطال الذين بلغوا من العلم درجة تتقاصر دونها مدارك الأقران، على
الجد
أن بلوغ درجة سامقة من العلم غاية يسيرة يستطيع أن يدركها كثير من الناس، بشيء من والمثابرة؛ ولكن العبرة أن يعرف الإنسان حقيقة هذا العلم، وأن يعمل بما تدعو إليه تلك الحقيقة، وأن يكون مُخلصًا في ذلك العمل وفي هذا الميدان تتعثر خطا أغلب الفرسان، ولا يصمد إلا القليل ممَّن ملك زمام نفسه، وغلب دواعي شهوته، وأدرك أنه ما خلق إلا ليجتاز هذه المرحلة – مرحلة الحياة - في سلام، ولن يكون السلام إلا لمؤمن يسجيب لخالق الإنسان
ليمر معه الإنسان في سلامة، فإذا انحرف عنه إلى يمين أو يسار وقع في مهاو ليس لها قرار. كان أبو مرداس من العلماء الذين فهموا أسرار شريعة الله، واتضح لهم هذا التخطيط الذي وضعته إرادة الله لسلامة البشر، فألزم نفسه السلوك فيه، وقصر أعماله على ما يدعو إليه دين الله، فيه يعمل وبه يترك، ثُمَّ هو لا يحسب لغير الله حسابًا. جند نفسه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان يلطف من عنف ذوي السلطان في استخراج الْحَقِّ، ويقف لَهُم دون أن يصدر منهم باطل، لا يبتعد عن مجالس الحكم خوفًا من
أن يقع ظلم، وكان أصحاب السلطان يعرفون منه هذا، فكانوا لا يصدرون إلا عن رضاه. لزم الإمام عبد الوهاب مدة بقائه في ليبيا، وضيق عليه، وكان يحاسبه حساب المؤمن الحريص على دماء المسلمين وأموالهم، ومع ما اشتهر به الإمام عبد الوهاب من العلم والعدل، فقد كان يجد من أبي مرداس ناقدا لا يسكت ولا يلين حَتَّى قال الإمام: "أحفظ أربعة وعشرين وجها تحل بها الدماء، وَلَمْ يحفظ أبو مرداس إلا أربعة وشدَّد عَلَيَّ فيها (). وهذه القصة عَلَى قصرها تبين لنا أن سلطان المؤمن العالم أقوى من سلطان المؤمن الحاكم، فقد عرف الإمام الحاكم أربعة وعشرين وجها تحل بها الدماء، ولكن أبا مرداس لا يعترف بها ولا يقرها، ولا يسمح للإمام بإجراء الأحكام على مقتضاها، ويستسلم الحاكم للعالم، وكثيرًا ما يجد منه معارضة عنيفة، حتّى في هذه الوجوه التي يعرفها أبو مرداس.
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الرابعة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثاني.
الشماخي: السير، ص 173. (1/307)
صفحة 308
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
هي:
؟ "، فعدوا له: أولاً،
ويوضح
قيل له: إن سبعين وجها تحل بها دماء الموحدين فسأل تحد: "ما في وثانيًا، وثالثًا، فقال في استنكار: "من أين؟! من أين؟! " وَلَمْ يتركهم يتجاوزون الوجه الثالث. إن وظيفة العالم المؤمن في المجتمع المسلم أن يقف بجانب الحاكم ليسدد خطاه، له طريق السير، ولا يدع مباحث الفقهاء الفسيحة في وجوه الأحكام تنفلت بسلطة الحاكم إلى سهولة التنفيذ.
وهكذا كان أبو مرداس - رحمه الله - يقف موقف القوي الذي يكبح أوامر الحكام خوفا من أن تجمع بها السلطة، أو يجمع بها العلم، وَلَعَلّ قارئًا من القراء الكرام يقول: هذه السلطة قد تجمح بصاحبها فتخرج به عن الْحَقِّ، فكيف يجمح العلم؟
والجواب عَلَى هذا التساؤل واضح في القصة الماضية لهذين الرجلين، فإن معرفة الإمام لأربعة وعشرين وجها من الوجوه التي تحل بها دماء أهل القبلة، يَدُلُّ عَلَى اتساع في العلم؛ وإجراء الأحكام على هذه الأربعة والعشرين وجها قد يكون جموحًا من العلم، ولذلك فقد كان أبو مرداس يكبح إرادة الإمام أن يجري أحكامه عَلَى جَميع الوجوه التي يعرفها. وأبو مرداس نفسه لا يجهل ما يعرفه الإمام من هذه الوجوه، ولكنَّه لا يريد أن تراق دماء المسلمين على إلتماس الأوجه التي تحل بها الدماء خوفًا من طغيان السلطان، على أن هناك فروقا دقيقة يلحظها المدققون من العلماء، ولذلك فهم يعتبرون لتلك الملاحظات كُلّ اعتبار .. وأبو مرداس حين يعترف بأن بعض الأوجه التي تحل بها الدماء فهو يعنى أن إراقة الدماء لإقامة الحدود التي أمر الله بها، يجب على الإمام أن ينفذها، ولكنَّه يجب أن لا يلتفت إلى تلك الوجوه التي تحل بها الدماء، وليس فيها إقامة لحدود الله، وليس في تركها إخلال بدين الله.
وفي هذا المقام زلت الأقلام وجمع العلم بالحكام، فكانوا يجدون من ضعاف العلماء فتاوى باستحلال الدم، واستغلوا تلك الفتاوى أبشع استغلال فأضروا بالأمة، وزرعوا فيها الفتنة، وأشعلوا بين أفرادها وطوائفها نار البغضاء.
وإنه ليحق لك أيها القارئ الكريم أن تعجب بخلق الرجلين العظيمين، هذا الرجل الذي يشمل سلطانه ربع قارة ثُمَّ لا يصدر أمرًا إلا برأي العلماء الصالحين، ولا ينفذ حكما إلا إذا
ارتضاه خيار المسلمين. (1/308)
صفحة 309
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
وهذا الرجل العالم الذي يقف في عزة المؤمن ليحمل إمام المسلمين أن يُجري أحكامه على ما يختاره علماء الأمة من أقوال الفقه وقوانين الشريعة، وأن يترك جانبا تلك المباحث الفسيحة في علم قانون الشريعة، التي قد تؤدي به إلى إراقة دم لا تجب إراقته وأنا حين أسوق كلمة الوجوب في هذا السياق أعني معناها الحرفي، فإن أبا مرداس وأضرابه يريدون من حاكم
المسلمين أن يريق الدماء حين تكون إراقة هذه الدماء واجبا شرعيا لا يجوز التهاون فيه. ولكنهم لا يسمحون له بإراقة الدماء حين لا تكون إراقتها إقامة لحد الله، وواجبا من واجبات الشرع، ولو كانت إراقة هذه الدماء مباحة بما ارتكب صاحبها. صحب أبو مرداس الإمام عبد الوهاب سبع سنوات حين إقامته بـ"ميرى" في جبل نفوسة، وَلَمَّا رجع إلى مركز حكمه في تاهرت لزم عماله من بعده، فصحب أيوب بن العباس وأبا عبيدة عبد الحميد والعباس بن أيوب، وهو في جميع ذلك يقف كصمام الأمان من صاحب السلطة، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويسدد خطاه ويزوده بالنصيحة الصادقة، والحكم الراجح، من قوانين الشريعة.
وكانت كلمته دائما أقوى من كلمة الحاكم وحكمه، وأنفذ من حكمهم. ولم يكن هؤلاء الذين ذكرتهم بالضعاف، ولا المهازيل، فتطغى عليهم شخصيات أخرى؛ إِنَّهُم قمم شامخة من العلم والعمل والقوة في الحق. فظهور شخصية هذا الرجل معهم دليل على العبقرية والنبوغ. صحب في أواخر أيامه العامل الحازم القوي العباس بن أيوب، وقد شاخ حينئذ أبو مرداس وهرم، وَلَكنَّهُ لا يفارق الجيش حَتَّى في هذه السن المتأخرة، ولا يتردد في عمل الخير وإظهار ومراعاة المصلحة العامة، وكان الكبر قد أحنى هامته على قصره، فكان يسير أمام جيوش العباس بن أيوب، وهو يجر سيفه لينطلق إلى الكفاح كفاح المعتدين البغاة من وعندما ينهزم أولئك المعتدون ويرتفع لواء الْحَقِّ، يصيح أبو مرداس الذي لا ينس بالمعروف والنهي عن المنكر في أي ظرف من ظروف الحياة كأَنَّه هـ قفوا أَيُّهَا الأبطال!. لا تتبعوا مدبرًا، ولا تجهزوا عَلَى جريح، ولا تستحلوا مال موحد!
الْحَقِّ،
ينسي
هو قائد الجيش!
النكار،
الأمر (1/309)
صفحة 310
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
ولكن أحد الجند يُجيبه: "بل" لا نتركهم حَتَّى نخرجهم من حوزتنا"، ويعرف أبو مرداس أن
في رأي الجندي حقا وحزما، فيذعن للحق، ويستجيب للحزم (1). لقد كان العباس في سن أولاد أبي مرداس - لو رزق أولادًا – فكان يُجله كثيرا ويحترمه، ويقف عند رأيه، ولا يقدم على عمل إلا بمشورته ورضاه.
كان أبو مرداس عالما عاملا، ومؤمنا عميق الإيمان وقويا في دين الله، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وكان كريما كرم المؤمنين الذين يعرفون حقيقة الدنيا، ويعرفون أن المال إنَّما هو
مال الله، يأخذ منه صاحبه بقدر الحاجة لينفق باقيه في الوجوه التي بينها الشارع الحكيم .. ولذلك فهو لا يتأثل مالا، ولا يحتفظ به، ولَكنَّهُ ينفقه عَلَى الفقراء والمساكين، ولاسيما في سنوات الجدب والجفاف.
وقد يبلغ به الحال إلى أن ينفذ منه المال، فلا يستكبر أن ينفق مما يقتات به سواء كان ذلك من بعض الثمار المجففة كالتين، أو بما يأخذه من أعشاب من الأرض، وهو إلى هذا الكرم المطبوع يعيش في عصره، ويعرف أحوال الناس في وطنه، فكان يبعث بعطاياه وصدقاته إلى من يستحقها من الفقراء، الذين يسترون ما هم عليه من خصاصة، حتّى يحسبهم الناس أغنياء التعفف، كما من كان يعرف ما يتعرض له العمال والخدم من جوع، وإهمال، فكان يعترض طرقهم في غدوهم أو رواحهم، فيعطيهم ما أعده لَهُم من طعام وكثيرًا ما يكون هذا الطعام سويقا، أو "بسيسة (2) أو ما أشبه ذلك من الطعام الجاهز، المستعجل، الذي يسهل إعداده!. وكان أبو مرداس رغم كُلّ ذلك، ورغم ملازمته لولاة أمور المسلمين -يأمرهم وينهاهم- كثير
العبادة، موصول القلب بالله وكان يقول: "لولا أمور الإسلام ما أجاوز هذا الشعب إلى هذا (3). ومع هذه الحركة الدائبة، والكفاح المتواصل في ميادين القتال أو مواطن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند مجالس الحكام ومع تفقد المسلمين ومعرفة أحوالهم، ومعالجة مشاكلهم، ووصلهم بما تقدر عليه يداه، مع كُلّ ذلك، فقد قال المشايخ الذين زاروا الجبل من
(1) راجع السير: ترجمة العباس بن أيوب: ص 196.
(2) البسيسة: هو السويق الملتوث بزيت.
(3) السير: ص 172. (1/310)
صفحة 311
الإباضية في موكب التاريخ
309
الإباضية في ليبيا (2)
المشرق: "أبو مرداس يقول: نفسي نفسي كالغزالة، والعباس نعم الفتى، وأبو زكرياء هو الجبل، والجبل هو أبو زكرياء (1).
فقد عاش ما عاش غاض البصر، لين العريكة، سهل الخلق خفيض الصوت، ما لم تنتهك
الله
حرمة من حرم فيثور، وَيَدُلُّ لهذا ما قصه المؤرخون أنه في أواخر أيامه وقد خرج الناس لاستقبال الربيع، ولَم يبق أحد بمدينة "تبرست" فرفع بصره يتأمل المدينة ويرى الشوارع الممتدة إلى جميع النواحي، والأبنية المرتفعة الضاربة في الهواء، فقال متعجبا: "متى حدثت هذه المباني؟ " كَأَنَّمَا غاب عن المدينة سنوات طوالا، والواقع أن العالم الكبير، قد غاب عن المدينة سنوات طوالا، غيابًا جسميًا لا معنويا، فهو يعرف كُلّ دقيق وجليل من أحوال المدينة وأحوال أهلها، وَلَكِنَّهُ في نفس الوقت لا يعرف من شوارعها إلا الشارع الذي يربط بين بيته والمسجد، أو الشارع الذي يربط بيته بميدان الكفاح، أي كفاح ومن أي نوع كان .. ولقد كان دقيقا في محاسبة نفسه عَلَى جَميع أعماله، فلا يصدر إلا عما يريده منه حكم الله لنفسه بتجاوز الْحَقِّ حَتَّى في بسائط الأمور.
ولا يسمح
استعار يوما أتانا يركب عليها لبعض شأنه إلى إحدى القرى المجاورة، فمدَّ إليه أحد جيرانه صرة دراهم يطلب منه إيصالها إلى أحد الناس في القرية التي يقصدها، فاعتذر الشيخ عن القيام هذه المهمة بأنه حين استعار الأتان لم يستأذن صاحبها في حمل شيء آخر عليها، فصاح
صاحب الدراهم متعجبا من امتناع الشيخ واعتذاره، فقال الشيخ: "صار العلم عَجَبًا. وقال له يوما رجل من "أبديلان": "يا" كافر "، فقال له الشيخ: "سَمَّيتني باسم هربت من زمانًا". وذهب مَرَّةً يحرث عَلَى بقرة له فمر بقرية "إكراين" والناس مسنتون (2)، قد أحاط بهم القحط، وذهب الجفاف بما ادخروه، وأضر بهم الجوع، فلما رأى ما بهم من الحاجة تصدق عليهم بالبذر، وذبح البقرة ففرقها عليهم وفرق الجلد أيضا، لكنَّه احتفظ بقطعة منه، فلما جع إلى قريته، بادرت إليه زوجته الصالحة "زرزرت (3) تسأله: "أين البقرة؟ وأين حرثت؟ ".
1) السير: ص 174.
(2) أي: أصيبوا بقحط وشدة.
(3
كلمة بربرية معناها الغزالة. (1/311)
صفحة 312
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
فقال لها: "حرثت حرئًا استغنى عن المطر، ولا تصيبه آفة"، ثُمَّ أخبرها بما فعل، فقالت له: "لم لم تردد علينا من بقرتنا إلا هذا؟ " فقال لها: "لنا بقرتنا إلا هذا؟ "
وذهب مَرَّةً ليحرث فدانًا فدادينه فجاز عليه رجل ممن يعرف أخلاق الشيخ، وتغلب عليه الدعابة، فقال للشيخ: "إن الفدان لي فاخرج منه"، فخرج الشيخ وترك الفدان فأدركه الرجل ببعض الطريق، وقال له: "إن" البقرة التي تقودها بقرتي فاتركها لي"، فتركها ورجع إلى البيت دون حرث أو بقرة، فَلَمَّا كان عند مدخل البيت أدركه الرجل وقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ إن هذا المترل مترلي"، فصاح الشيخ بزوجته قائلا: "ناوليني سلاحي يا زرزرت" فقال الرجل: "إِنَّمَا أنا أمزح، وليس لي في الفدان ولا في البقرة حق فخذ بقرتك وارجع إلى فدانك"، فقال الشيخ: "ما بعثك الله إلا وقد علم في الفدان والبقرة شيئًا"، فتركها ورفع يده عنها منذ ذلك اليوم.
وبمثل هذا الخلق السمح الكريم، وهذا الدين العفيف القويم وصل أبو مرداس وأضرابه إلى ما وصلوا إليه من الرتب العالية ورتب الحقيقة الخالدة لا رتب الدنيا الفانية. وَلَعَلَّه من المناسب أن أختم هذا الفصل بما ورد في السير: "أن مشايخ نفوسة يقبلون على الإمام، فيجلسون إليه حين كان بالجبل، فإذا قدم أبو مرداس قام إليه - وكان قصيرا -، فقال رجل من أهل المشرق لِمَ يُعظَّم الإمام هذا؟ فقال حين سمعهم، كيف لا أجلّ من تُجلّه الملائكة (1).
أما أبو الربيع فقد قال حين تحدث عنه: "أبو مرداس رجل حازم، ممارس للأمور، ورع نبيه، وجيه، حاذق، عاقل فطن، مجتهد، رحيم بالضعفاء، شديد على الفجار، ذليل على المؤمنين، لا تأخذه في الله لومة لائم، يؤثر الْحَقِّ والصدق (2).
(1) السير: ص 175
2) السير: ص 174. (1/312)
صفحة 313
الإباضية في موكب التاريخ
311
الإباضية في ليبيا (2)
(1)
أبو زكرنَا النوكيتي"
شخصية من الشخصيات التي تجمع صفات العظمة، فتفرض محبتها واحترامها
عَلَى الْجَمِيع. بلغ مرتبة لم يبلغها صاحب جاه بالسلطة، أو صاحب معرفة بالعلم، أو صاحب كرم بالإنفاق، أو صاحب زهد بالعبادة، أو صاحب شجاعة بالإقدام، إن هذه الصفات جميعا ولا شك عظيمة، ولكنَّها لا تغني شيئا إذا أعوزتها روح قوية ذكية عميقة؛ لتكسو صاحب هذه الصفات ثوب العظمة، الذي يحترمه الناس ويحبونه، مجبرين بقوة الشخصية.
وكان أبو زكرياء التوكيتي يملك هذه الروح القوية فوق هذه الصفات الكريمة، فجعل منه ذلك رجلا منفردًا بالعظمة والمهابة والحب في بلد مفعم بالعظماء والأعلام.
فإن
طلب الناس إلى الإمام أن يولي عليهم أبا عبيدة عبد الحميد، فاعتذر بالضعف، فبعث الإمام بقطع عذره وبسد السبل أمام، تَهرّبه، فقال: "إن كان ضعيف البدن الله يقويه إذا تولى أمور المسلمين، وإن كان ضعيف المال ففي بيت المال ما يسعه ويسع غيره، وإن كان ضعيفا في العلم فعليه بأبي زكرياء التوكيتي" (). ووفد من أهل المشرق وفد يزور الإخوان، ويتفقد أحوال الناس، فزار الجبل وزار بقية المملكة الليبية، ومر بالجنوب التونسي، ثُمَّ زار تاهرت مركز الإمامة، ولما سئل عن رأيه في جبل نفوسة قال: "الجبل" هو أبو زكرياء، وأبو زكرياء هو الجبل (3)، وَأَمَّا أبو مرداس فَكَالْغَزالة، نفسي نفسي، وأَمَّا العباس ففى مقرعي" -أي صاحب نجدة وشدة. واختار الوفد من تاهرت الإمام ووزيره مزور بن عمران.
(1) ذكره أبو زكرياء الباروني في الطبقة الخامسة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الثالث.
(2) راجع السير، ص 182. والأزهار الرياضية، ص 153.
(3) السير: 178 (1/313)
صفحة 314
الإباضية في موكب التاريخ
312
الإباضية في ليبيا (2)
لقد كان مقام أبي زكريا أرفع من المنصب، وأعظم من أي صفة يتصف بها رجل لو عمل بعمله، ولذلك لم يجد هذا الوفد المتشدد في اختيار الرجال إلا أن يصفه بأنه هو الجبل، وأن الجبل هو أبو زكرياء .. إنَّه مقام لم يبلغه أبو مرداس على ما عرفت من علمه وعمله، ولم يبلغه أبو العباس على ما عرفت من شدته وقوته، ولم يبلغه الإمام ولا وزيره على ما اشتهر من علمهما وفضلهما. لقد اختار الوفد هذه الشخصيات اختياراً عاديا، أما اختياره لأبي زكرياء فقد كان بأسلوب فريد، لقد جعلوه أمة كاملة، أو في مقام أمة كاملة.
ويبدو أن الوفد لو لم يجد في الجبل غير أبي زكرياء لذهب راضيا، وذكر للناس أن الجبل عامر أهل بأهل العلم والفضل والدين والصلاح. ولَعَلَّه من المناسب أن أختم هذا الفصل بما قاله البدر الشماخي: "وشهرة أبي زكريا وعلمه وورعه ممَّا لا يخفى على الحفاظ؛ وكفاك أنه في زمن امتلأ فيه جبل نفوسة علما وعملا، وعدلا فاختير من جميعهم حَتَّى قيل: "أبو زكرياء هو الجبل،
والجبل هو أبو زكرياء" (1).
goes
1) انظر: السير: ترجمة أبي زكرياء التوكيتي، ص 178. (1/314)
صفحة 315
الإباضية في موكب التاريخ
313
الإباضية في ليبيا (2)
أبو مهاص الأفاطماني"
في هذه القرية التي تنبسط فوق جبال الرحيبات الغربية، نشأ أبو مهاصر موسى بن جعفر شخصية من الشخصيات التي تجمع بين العلم والكرم والزهد والتدبير، يعيش كما يعيش المؤمنون الصالحون موزع الوقت بين العلم والعبادة والعمل لين العريكة، سهل الخلق، لطيف المعشر، مُحبًّا للمؤمنين عطوفا عَلَى الضعاف من جميع المخلوقات، تغلب عليه الإنسانية في أنبل معانيها، فيشفق على صغار الحيوان كما يشفق على بني الإنسان. يجمع الطرف من ماله فيوزعها على الصبيان، فإذا كانت هذه الطرف مما يؤكل، وكان أحدهم قطة أو جروة، أعطاها نصيبها ولم يحرمها، وعندما يعود من الصحراء ومعه طرف الصحراء من لبن وزبد وسَمن وجبن وغيرها، يقسمها عَلَى الجيران، فيعطي ليهودي مثل ما يعطي لغيره من الجيران، مراعيا في ذلك جانب الإنسانية، ومُمتثلا قوله: «في كُلِّ ذي كَبِدِ رَطَبَة أَجْرٌ» (2). وقد قيل له في ذلك فأجاب بما أجاب به صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود: «إنّ اللهَ خَلَقَ الرَّافَةَ وَأَسْكَنَهَا قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَلَقَ القَسْوَةَ وَالْجَفْوَةَ وَأَسكَنَهَا قُلُوبَ الكافرين (3).
عند
للخلق،
مر ذات يوم عَلَى أهل قبيلة يعرفون رقة قلبه وعطفه وشفقته عَلَى الضعيف، وإحسانه وكان راكبا أتانه التي حج عليها غير مرة، ومن ورائه جحش لها صغير يتبعها، فقالوا ليتيم بينهم لو طلبت الجحش من الشيخ لأعطاه إياك، فتقدم الطفل إلى الشيخ وطلب منه أن يعطيه الجحش الصغير، ولم يستطع الشيخ أن يرد رجاء الطفل، فأعطاه الجحش، ولكن الأتان كانه جعلت تمتنع عن السير، وجعل الجحش المفصول ينهق يصيح مستنكرا هذا الظلم الذي يفصله فيه إنسان عن أمه، وحار الشيخ في الموقف، وبعد تفكير عرف الحل الصحيح
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الخامسة؛ فهو من علماء النصف الأول للقرن الثالث.
(2) أخرجه الربيع في مسنده عن أبي هريرة، رقم 728. (المراجع)
(راجع السير، ص 199. (1/315)
صفحة 316
الإباضية في موكب التاريخ
314
الإباضية في ليبيا (2)
للمشكلة، فاستدعى إليه وكيل اليتيم واشترى منه الجحش بدينارين، وهكذا ظفر اليتـ بدينارين، وظفر الجحش بأمه.
مر به قوم غرباء واشتكوا إليه بعد المسافة ومشقة المرض وانقطاع الظهر، فأعطاهم بغلا له
يحملون عليه زادهم، ويركبه مرضاهم، فقالوا له: "أين نرده؟ " فقال لهم: "يوم اللقاء". وصادف أن أخا للشيخ كان ببعض بلاد الجنوب التونسي، فالتقى بهؤلاء الركب، وعرف البغل، فاستمسك به، فقالوا له: "إن رجلا يقال له أبو مهاصر أعطانا إياه"، فقال لهم: وكيف ذلك؟ " قالوا: "شكونا إليه قلة الظهر فأعطاناه"، وقال: "آخذه اللقاء"، فقال الأخ الذكي: صدقتم، هذا كلام أخي"، وتركهم.
11
يوم
هذا اللين، وهذه الدماثة، وهذا الخلق السمح، كان لا يسكت عن منكر. باع وكيل يتيم زيتونة اليتيم بأربعة دنانير لرجل محاباة له فبلغه الخبر، فأنكر ذلك وأبطله، وحفظ غلة اليتيم، وأنفق عليه كامل السنة.
"ليس
على بستان تين فوجده قد أسقط ثماره لقلة المطر وشدة الحر، فسأل عن صاحبه، فلما عرفه قال له: "لماذا لا تجني ثمار "بستانك؟ " فقال الرجل: "لا حاجة لي به"، فقال الشيخ " أتأذن لي في أخذه؟ " فأذن له الرجل، فجناه الشيخ وحفظه في مكان، وأسنت (1) الناس بعد ذلك، فطال الجفاف، وامتد القحط، وعظم الجدب، فكان الناس يلتمسون أي نوع الطعام فلا يجدونه، وجاء الرجل إلى الشيخ يلتمس منه شيئا من الطعام، فقال الشيخ: "لب لي إلا تين ردئ لا يصلح للأكل"، فرضي به الرجل وباع له البستان بذلك التين الرديء، وتغير الحال، وهطلت الأمطار، وأمرع الناس، ومر الرجل عَلَى بستانه متحسرا وقد اخضر وأينعت ثماره، فجاء إلى الشيخ يقول: "إن بستانك الذي اشتريته مني نضجت ثماره"، فقال الشيخ له: اجن بستانك فأنا لم أشتره منك لأملكه دونك، وإنَّمَا أعطيتك ما فرطت فيه من ثمارك، عساك لا تعود إلى إهمال ما رزقك الله من نعمة، ولا تحتقر الضئيل منها".
كان أبو مهاصر مؤمنًا، يأخذ نفسه بالشدة والعزيمة في العبادة ..
(1) أي: أصابتهم سنة شديدة الجدب والقحط. (1/316)
صفحة 317
الإباضية في موكب التاريخ
315
الإباضية في ليبيا (2)
خرج مرة في زمن الربيع إلى البادية، وكان معه عمروس المساكني، فلبثوا أيامًا عَلَى غير ماء فكانوا يتيممون للصلاة، وتكدرت نفس أبي مهاصر من هذه الحال، فقال يحادث عمروسًا: قلوب يربو عليها الشحم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة قلت سلامة الدين مع أهل الوبر، إنَّمَا الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا، وإني لأخاف أن نكون مِمَّن عاب الله لا بقوله: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غِيَا) ()
" (1)
ورد عليه عمروس -رحمه الله - فقال: "ليس في ذلك ما تخافه، لقد أباح الله التيمم لعدم الماء، وأباح الضرب في الأرض لطلب الفضل، وابتغاء الرزق، حيث قال: {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله) وقال: إلا عابري سبيل (3) وقال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا، ولكن أبا مها صر لم يقتنع ورجع إلى منزله (5)
وليس معنى هذا أن أبا مهاصر لا يرى صحة التيمم لفاقد الماء، أو أنه يحرم ابتغاء الرزق المباح والسعي له، ليس ذلك ما يراه العالم، الزاهد ولَكنَّه يحمل نفسه على أشق أنواع العبادة، ويروضها على التحمل، ويسوسها بحرمانها من شهواتها وما تنزع إليه، فهو لا يريد أن يعمل برخصة ما دام يستطيع أن يعمل بالعزيمة، ولو فوت على نفسه لذائذ متعة، ومنعها من الحصول على رغبة.
وكما كان كريما في نفسه، فَإِنَّهُ يريد من أصدقائه وأسرته وأقاربه أن يكونوا كرماء أيضا، قال يوما لابن أخته يحيى بن موليت: "يا" يحيى لا تعاتب سارة (1) إذا أعطت من مالك؛ فإنني لا أعاتب " تالو لا (7) ولو أعطت حمل جمل".
1) سورة مريم: 59.
(2) سورة الجمعة: 10.
(3) سورة النساء: 43.
سورة المائدة: 6.
ه السير، ص 198.
(6) زوجة يحي بن موليت.
(7) زوجة أبي مهاصر موسى. (1/317)
صفحة 318
الإباضية في موكب التاريخ
316
الإباضية في ليبيا (2)
الإباضية في فزان *
أقصد بكلمة "فَزَّان" هذا الشريط الصحرواي الذي يمتد جنوب ليبيا من حدود مصر إلى حدود الجزائر، وقد كان هذا الشريط ممراً هاما للجيوش الإسلامية الفاتحة، ثُمَّ صار جزاءًا هاما من الدولة الرستمية، وكان في كثير من الأوقات يتصل إداريا بعاصمة الإمامة في "تاهرت"، وعندما انقرضت الدولة الرستمية أصبح بعضه يتبع إداريًا حاكم جبل نفوسة استقلت بعض جهاته الأخرى عن اتباع الحكومات الأخرى عَلَى أن هذه الحالة لم تدم طويلا، وأصبح فيما بعد يتبع الحكومات القائمة في طرابلس أو برقة. الناحية السياسية؛ أما من الناحية الدينية فقد كانت "فَزَّان" معقلا من معاقل من
هذا
الإباضية زمنا غير قصير.
وقد قاسى سكان "فَزَّان" من الجيوش المتعاقبة التي تبحث عن الثروة والسلطة شدائد وأهوالا، وكثيرًا ما يتخذ أولئك الحكام الظلمة قضية الْمَذهَب، أو الجنس، وسيلة للجبروت والطغيان،
وسببا للفساد والعدوان فيقتلون دون رحمة، ويغنمون دون شريعة، ويحكمون بلا دين. وكان السكان يكافحون بكُلِّ ما أوتوا من قوة عدوان المعتدين، ويردون بما أوتوا من علم بدع الجاهلين، وتحريف الضالين، فنشأ في أكثر المدن من "فَزَّان" علماء أعلام حرصوا كُل الحرص أن يضربوا المثل الْحَقِّ للمسلم الْحَقِّ الذي يعرف دين الله، فيقف عند حدوده، ويوضح للسالكين المنهج الواضح الذي شرعه الإسلام للفرد والمجتمع والدولة، ويبينون لأولئك القادة
المنحرفين المسلك الصحيح للقائد المسلم، الذي يحفظ الله، ويذود عن كرامة الأمة. دين ولو لم يكن لفزان في ذلك العصر إلا العلامة الزاهد عبد الخالق الفزاني، لكفى ذلك القطر الفسيح شرفًا وَمَجدا. كان أبو مرداس كما أسلفت في بعض الأحاديث السابقة واسع الاطلاع، غزير موصول العبادة، فكان يتحدث في مجالسه بنعمة الله فيقول: "لا أعرف إلا الإمام ووزيره وهذا الفزاني، وَإِنَّمَا أعرفه بكتبه".
المادة،
إنه لم تتح فرصة اللقاء للعالمين، العظيمين، ولكن الكتابة بينهما كانت كافية ليعرف كُلّ
واحد منهما عظمة الثاني ... (1/318)
صفحة 319
الإباضية في موكب التاريخ
317
الإباضية في ليبيا (2)
كتب أبو مرادس إلى عبد الخالق يسأله عن دواء مرض ألم به، ويسأله أن يدعو
الله أن يغني
جناح
أهل الجبل بغيث عميم، فأجابه العالم الزاهد الذي يرى الدنيا كلها لا تساوي عند الله بعوضة: "إن مثلك يا أبا مرداس يسأل عن دواء الذنوب؟! وأجابه عن المطلب الثاني بقوله
(1)
تعالى: و و و بسَط الله الرزق لعباده لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَر مَا يَشَاءُ) فقال أبو مرداس: "لقا. جعلني هذا الفزاني أعض الأصابع ندماً إلى الموت (2). هذا الفزاني الذي استطاع أن يبلغ إلى ذروة العلم والتقوى وهو بين الرمال، مقطوع الصلة بالعمران، والذي استطاع أن يؤلف مجموعة من الكتب لها قيمتها في فروع العلم وأصوله هذا العالم الفزاني الذي استطاع أن يجعل أبا مرداس يعض بنان الندم طول الحياة، كتب إلى عمروس بن فتح أن يبعث إليه بكتابه في علم الكلام، ولما اطلع على الكتاب العالم الفاهم، قال في اعتراف المؤمن الصادق الصريح مع نفسه ومع الناس: "النفوسي "النفوسي أقوى مني". وهكذا يعترف أبو مرداس بما للفزاني من، علم ويعترف الفزاني بما لعمروس من العلم، وعندما يضم المجلس عمروسًا وأبا مرداس في مجلس القضاء أو الفتوى يتشدد أبو مرد خوف الترخيص، وينتهز عمروسًا حين يعتقد أنه يتساهل في بعض الأحكام.
ودرسه الع
خلف
إنها سيرة عطرة لمؤمنين صرحاء مع أنفسهم، ومع الناس. كان في مختلف بلدان "فَزَّان" عدد من العلماء الأعلام كالعلامة عبد القهار بن وإدريس الفزاني، وأبي الحسن جناو بن فتى، وعبد الحميد الفزاني وغيرهم، وقد كافح هؤلاء العلماء وأضرابهم الجهل والبدعة والانحراف، وحافظوا على دين محمد الله نقيا كما جاء عن بن عبد الله، ولَمْ يتخونه التضييع ولم تزد عليه الخرافة والبدعة. وَلَعَلِّ مِمَّا يحسن إيراده في هذا المقام، ما ورد عن أبي نصر زار التفستنى):
1) سورة الشورى: 27.
(2) راجع السير: ص 190.
3) تفست: بئر تقع شمال درج بحوالي عشرين ميلا، كانت قرية عامرة. (1/319)
صفحة 320
الإباضية في موكب التاريخ
318
الإباضية في ليبيا (2)
"الكلام كله لغو إلا مسألة في الخير، واستعاذة من الشر، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف ولا إله إلا الله، والله أكبر (1). المنكر، والحمد والنهي عن
الله
وطبيعي أن أبا نصر لا يقصد الحصر الحقيقي، وَإِنَّمَا يقصد أن الكلام الذي يلتحق بالعبادة، ويكون عليه أجر، لا يخرج عن هذه الوجوه، فهو إما تلاوة لكتاب الله، أو ذكر الله، أو أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، وما بقى من أحاديث الناس لمصالحهم الدنيوية فهي أحاديث لا أجر عليها، ولذلك فهي في مكان اللغو، أي: كأنها لم تصدر عن صاحبها، هذا إذا لم تكن عكس الأغراض السابقة، وإلا أصبحت سببا للإثم.
بن
وأبو نصر على رحابة علمه وسعة خلقه كثير العبادة، موصول العمل، ورد عليه أبو سهل البشر محمد يطلب العلم، ولَمَّا حضر المجلس سمع أبا نصر يقول في درس من دروس الوعظ: "لن ينجو من علماء آخر الزمان إلا قدر ما يسلم من المصابيح التي رفعت من بيت إلى بيت في يوم ريح"، فَلَمَّا أصبح أتى أبو سهل إلى الشيخ للوداع، فسأله الشيخ عن السبب، فقال: "سمعتك وما ذكرت من قلة من ينجو من العلماء". قال أبو نصر: "إذا كان هذا شأن العلماء فكيف بنجاة غيرهم؟ " (2). وأقنع طالبه بضرورة الجد في طلب العلم، والحرص على العمل بمقتضى ذلك العلم، فكان عند رغبة أستاذه وأصبح من فطاحل العلماء، وعندما حضرت الوفاة أبا نصر أخذ يبكي، قيل: "ما يبكيك؟ " قال: "خوفا من الفتيا، قلت: دار" من دور" نفوسة لم تدخلها فتواي". وكان أبو الحسن المديوني يستخبر عن الطلاب الأذكياء النجباء، فيستدعيهم إليه ليدرسوا عنه، ويغترفوا من نبعه الصافي وفي أواخر أيامه -رحمه الله - بعث إلى العلامة عبد القهار بن خلف يستقدمه ليتلقى عنه علما ربَّما لا يحسن غيره فهمه، وَمِمَّا قاله في رسالته إليه: "وأحب تعجيل ذلك؛ لأني على آخر أيامي، واقتراب أجلي".
وهكذا يحرص رحمه الله أن لا يأخذ علمه معه، إنه يريد أن يترك هذا القبس، حتّى
تستضيء به الأجيال.
(1) السير: ص 299.
2) السير: ص 299. (1/320)
صفحة 321
الإباضية في موكب التاريخ
319
الإباضية في ليبيا (2)
المدارس
أشرت في حديث سابق إلى أن الحركة الثقافية الإسلامية بدأت مع الفتح الإسلامي، وأن الرواد الأوائل لنشر هذه الحركة الثقافية هم بعض الأبطال الذين ملكوا إرادة تقهر الصعاب، وتذلل العقاب، وكان من هؤلاء ابن مغطير الجناوني الذي سافر إلى العراق، وتلقى العلم عن أبي عبيدة مسلم في البصرة، وتلقى أبو عبيدة عن جابر بن زيد وأخذ جابر عن جمع من عليهم، فابن معطير من هذه الناحية يعتبر في الدرجة الثانية من تابعي
الله
الصحابة -رضوان التابعين، إذ ليس بينه وبين الصحابة إلا رجلان.
ولكن ابن مَغْطِير عندما رجع إلى ليبيا واستقر ببلدة "جَنَّاوَن" وجد رجلا آخر قد اعتمد على نفسه، وبلغ من العلم مرتبة مرموقة، ولكنَّه في دراسته لم يعتمد على معهد معين، وَلَمْ يدرس على شخص معروف، إنَّه كان يحفظ القرآن الكريم من السابلة، ويتلقى أحاديث الرسول من المارة، حَتَّى أنس في نفسه المقدرة عَلَى الإفادة، فذهب إلى بلدة وأسس هنالك أول مدرسة لتعليم كتاب الله، وتفقيه الناس في دين الله .. ذلك الرجل هو عمرو بن يمكتَنْ من "أَفَاطْمَان"، هذه القرية التي أصبحت اليوم أطلالا في بلاد الرحيبات الفسيحة. ولو كان يحق للبلدان أن تفخر بما يتولد فيها من مجد وعظمة إذن لحق للرحيبات أن ترتفع شامخة في البلاد الليبية، وأن تقول: إنَّهَا أَوَّل بلد أنشأ مدرسة إسلامية كاملة في "أَفَاطْمَان" دون أن تعتمد في ذلك على دولة، أو يوعز إليها بذلك أمير، أو أن يأتيها الأمر من سلطان مشغول بمد نفوذه وتوسيع مدى سلطته، وليس هذا فحسب، ولكنَّها تستطيع أن ترفع صوتها لا بالنسبة إلى ليبيا ولكن بالنسبة إلى العالم أجمع، وتقول: إنَّها البلاد الأولى التي فكرت في قضية تعليم البنت على أساس من التربية وعلم النفس الذي وصل إليه العلم اليوم، فكونت مدرسة خاصة بتعليم البنت في "أمسين" بها قسم داخلي تأوي إليه الفتيات تحت إشراف مربية " أم يحى" زوجة أبي ميمون فيجدن فيها المأوى الأمين، والغذاء الكافي، والتربية
قديرة هي
النظيفة، والعلم الصحيح. (1/321)
صفحة 322
الإباضية في موكب التاريخ
320
الإباضية في ليبيا (2)
هذا بالنسبة للفتيات البعيدات، أما الفتيات القريبات فقد يحضرن لتلقي العلم، ثُمَّ يرجعن إلى أهلهن، كما كانت تفعل الفتيات الساكنات في "جيطال" و"إينر" و"تيميجار" و"موساون (1)
لما رجع ابن معطير من البصرة وجد المدرسة الأولى التي أسسها عمرو بن يمكتن في "أَفَاطْمَان" قد أتت ثمارها، وتكونت فيها مجموعات من الطلبة الذين يحفظون كتاب الله أو بعضه، ويعرفون الكتابة والقراءة العربية، ويستظهرون كثيرًا من الأحاديث النبوية الشريفة، وهؤلاء الطلبة يصلحون أن يكونوا نواة لتأسيس مدارس تهتم بدراسة فنون العلم المعروفة في ذلك الحين في الأوساط الإسلامية.
لقد بدأت هذه الحركة العلمية بسيطة ساذجة في "أَفَاطْمَان"، فَلَمَّا جاء ابن مغطير توج
هذه الحركة البسيطة بتوجيهها إلى الدراسة العلمية على الطريقة التي رآها في البصرة. ورجع أولئك الطلاب الذين تعلموا القراءة والكتابة وحفظوا القرآن الكريم والحديث الشريف، وعرضوا شيئًا من سيرة الرسول الكريم إلى بلادهم، فتكونت منهم مجموعات مستعدة للتلقي، فَلَمَّا عاد حملة العلم الخمسة بعد ابن مغيطير وتفرقوا في البلاد، وجدوا استعدادًا في الناس وقابلية، فافتتح كُلّ واحد منهم مدرسة في ناحية من البلاد، كان لها أحسن الآثار، وَلَعَلَّ أنجح هذه المدارس التي كونها بعض حملة العلم هي مدارس ابن درار الغدامسي، وعاصم السدراتي، وأبي داود القبلي ثُمَّ عبد الرحمن بن رستم - بعد زمن طويل- حين انتقل إلى الجزائر، أما أبو الخطاب فقد انشغل بأحداث السياسة، ولم تطل به الحياة. إنني حين أتحدث عن المدارس في هذا التاريخ الطويل، الذي يمتد ما بين الفتح الإسلامي، والاحتلال الإيطالي، قد أطلق كلمة المدرسة على معنى أوسع مما تدل عليه اليوم في الاستعمال الجاري بين الناس، وقد يفهم بعض القراء الكرام من كلمة المدرسة نوعا معينًا من كلمة دور التعليم، يجرى على نظام خاص لا يتعداه، إنَّني بطبيعة الحال لست أقصد من المدرسة هذا المعنى الضيق فقط؛ لأنّ هذه المدرسة لم تكن موجودة في ذلك الحين في أي بلد
(1) "أمسين" تسمى اليوم "الحزبة". و"تميجار" تسمى اليوم "بوجديد" و "مرساون" تُسَمَّى "الحمران". (1/322)
صفحة 323
الإباضية في موكب التاريخ
321
الإباضية في ليبيا (2)
من بلاد العالم، وَإِنَّمَا أقصد بكلمة المدرسة: المعنى الواسع الذي يشتق من كلمة الدراسة والتدريس، وهذا المعنى يُمكن أن يشتمل على ثلاثة مدلولات:
الأَوَّل: الدور التي أنشئت لتعليم الناشئة وتربيتهم، وتتدرج بهم من المبادئ الأولية لأنواع العلوم المعروفة في تلك الأزمنة، حتّى تنتهي بهم أو ببعضهم في مرحلة يشهد لهم فيها بأنهم بلغوا درجات معينة من العلم يستحقون من بعدها أن يسموا علماء، وأن يقوموا بالأعمال التي يقوم بها العلماء، وهذه المدارس عادة تكون ذات مناهج ومراحل وأنظمة معينة. الثاني: دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه، التي يقوم بها بعض كبار العلماء في المساجد والمجتمعات والمناسبات، ويقصد بهذه الدروس تثقيف العامة وأشباه العامة، وتنمية معلومات أولئك الطلاب الذين درسوا بعض الدراسة، لكن ظروف الحياة حالت دون إتمامهم لدراستهم، ثُمَّ توجيه الأمة توجيها دينيا واجتماعيا صالحا، ونشر الوعي بينهم. أما المدلول الثالث: فأعني به الأثر الفكري أو الاجتماعي الذي يتركه أحد أ. نك العلماء الكبار، فيستجيب له الناس، حتَّى أولئك الذين لم يجلسوا إلى حلقته وَلَمْ يستمعوا إلى دروسه، وَإِنَّمَا وصلتهم إما عن طريق الكتب، أو الرواية، أو سريان الأفكار والآراء، وهذا النوع الأخير شبيه جدا بما نسميه اليوم بالمدارس الأدبية، أو المدارس الفلسفية، أو المدارس
الفكرية.
على أن هذا التقسيم غالبا ما يكون شكليا؛ لأن أولئك العلماء الأعلام لم يكن تأثيرهم مقصورًا على جانب من الجوانب المتقدمة، وإِنَّما يكون نشاطهم وأثرهم ظاهرا في جميع ميادين الحياة، وإنها لخطوات طبيعية للعالم في ذلك العصر أن يبدأ عمله بعد أن يتم دراسته بالتدريس للطلبة في مختلف مراحل الدراسة، حَتَّى إذا تمكن مركزه، وثبتت صلاحيته، زاد خطوة أخرى، فألقى دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه بين الناس في اجتماعاتهم العامة، وفي مساجدهم، وفي مواسمهم. والواقع أن أولئك العلماء قد وهبوا مقدرة فائقة عَلَى توجيه الناس، توجيها روحيًا عاما، ذا أثر في الحياة، حياة الناس، سواء كان هذا التوجيه علميًا، صرفًا، أم كان توجيها اجتماعيا، أم (1/323)
صفحة 324
الإباضية في موكب التاريخ
322
الإباضية في ليبيا (2)
خلقيًا، أم دينيا، ومن اليسير عليك أن تجد أثر هذا التوجيه ظاهرًا في الشباب الذي تلقى عنهم العلم في حلقات الدرس أو في الشباب الذي استمع إليهم في دروس الوعظ والإرشاد، أو في الشباب الذي عاش في عصر كل واحد منهم، وتأثر بسلوكهم ورأيهم في الحياة، وعملهم للمجتمع، وفهمهم للدين، ولست مبالغا إذا قلت: إن بعض تلك المدارس بمدلولها الأخير لا تزال حية الأثر في بعض جهات الجبل، رغم تغير الحياة في العصر التركي، ورغم قطع الصلة بين حاضر الأمة وماضيها في العصر الإيطالي، ورغم فتنة العصر الحديث في قضايا الدين، والخلق، والسلوك، وانحراف تفكير شباب المسلمين عن الاتجاه الإسلامي. والحقيقة أن رسالة المدرسة في تلك العصور، كانت أعمق وأعظم وأوسع من رسالة المدرسة الحديثة، فإن أثرها ما كان ليقتصر على الجيل الذي يتعاطى فيها الدراسة، وَإِنَّمَا كان يمتد إلى الجيل السابق والجيل اللاحق، إنَّهَا مركز الإشعاع، يضيء للمجتمع الاتجاهات النبيلة، التي يجب أن تسير فيها القافلة المسلمة في ظلمة الحياة، فهي بذلك تكشف عن مزايا الماضي، وتوضح طريق المستقبل، ثُمَّ تسلح جيل الحاضر بكُلِّ الإمكانيات التي يستطيع يتغلب بها عما يعترض اندفاعه القوي من صدمات. إنَّني في آخر هذا الفصل أريد أن أتحدث حديثا مقتضبا عن المدارس التعليمية بالمعنى الضيق، أو بالمدلول الأوَّل، وللقارئ الكريم إذا أراد زيادة اطلاع على المدرسة بمدلولها الثاني أو الثالث يرجع إلى فصول هذا الكتاب المختلفة، فإن أكثرها يعالج هذه الشوؤن، منذ أسس عمرو بن يمكتن أَوَّل مدرسة بـ"أفَاطْمَان" بدأت المدارس تنتشر بسرعة في جميع الأنحاء وتؤتي ثمارها في أسرع وقت ممكن، ولو أن حركة المد والجزر بين هذه المدارس وتقوي بعضها، وضعف البعض الآخر - أمر طبيعي، وذلك نتيجة لشخصيات وإمكانيات الرجال الذين يكونون هذه المدراس أو يديرونها. ويجدر بي وأنا أتحدث عن المدارس التعليمية أن أشير إلى تكوّن حركتين هامتين ترافقان التعليم في ذلك العصر:
أن
أن
الأولى: أتخذ أصحاب تلك المدارس نظما شبيهة بنظم الأقسام الداخلية المعروفة اليوم، يأوي إليها الطلاب الذين يفدون من أمكنة بعيدة، فيجدون فيها المأوى والغذاء والتعليم، (1/324)
صفحة 325
الإباضية في موكب التاريخ
323
الإباضية في ليبيا (2)
والإشراف التربوي السليم، ويقدم الغذاء والمأوى بحانًا للطلاب الفقراء، أمَّا الأغنياء فيمونون أنفسهم. والنفقات التي تستلزمها هذه الأقسام الداخلية تجمعها إدارة المدرسة من التبرعات، ويقوم ذلك عَلَى نظام خاص، رتب له، قانون يسير حياة المدرسة وحياة الطلبة حسب أساليب التربية الإسلامية النظيفة القويمة، وقد تغص الأقسام الداخلية بالطلبة، فيضطر بعض الطلبة الأغنياء إلى السكنى خارج هذه الأقسام، وقد تنقل إحدى هذه المدارس بعض الطلبة إذا لم تجد لَهُم أمكنة إلى مدارس أخرى تحتمل أقسامها المزيد من التلاميذ.
الحركة الثانية: القيام بالرحلات الاستطلاعية، وقد عرف المربون في ذلك الحين قيمة الرحلات المدرسية، واطلاع الطلاب على بيئات غير بيئاتهم، وتعرفهم على غيرهم من الطلاب، واشتراك المدارس في دراسة المناهج، ومناقشاتهم في مشاكلهم؛ فأعدوا لهذه الرحلات، ونظموها، ويسروا لها الأسباب، وكان يقود هذه الرحلات مربون عرفوا بمقدرتهم وكفاءتهم، فكانوا يتولون تعليم الطلاب واستثارة ملاحظاتهم وتفتيح أذهانهم لإدراك الفوارق الاجتماعية، والمقارنة بينها ونقدها، وهم في كُلّ ذلك حريصون على ملاحظة آداب طلاهم، وسلوكهم في سفرهم وإقامتهم، فكانت هذه الرحلات تتيح للطلاب بحالا أوسع للاستفادة والتكوين الخلقي والاجتماعي، وتتيح للمربي فرصة أفسح لدراسة نفسية الطلاب، ومعرفة أخلاقهم وسلوكهم.
ومن المربين الأفذاذ الذين قاموا بعدد من الرحلات المدرسية، تارة يأخذون كبار الطلبة، وتارة يأخذون صغارهم، وتارة يجمعونهم جميعا: أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي "شيخ العلم والتحقيق، وقدوة أهل التقى والتوفيق" كما يقول أبو العباس الشماخي، وقد ذهب هذا المربي الكبير شهيد هذه الفكرة القيمة.
ففي إحدى هذه الرحلات هجم عليه "بنو تيجن" إحدى القبائل الضاربة على حدود الجبل فقتلوه هو وجميع طلابه، ظنا منهم أنهم قافلة محملة بالأرزاق، وفي هذه القضية كتب أبو يحيى الفرسطائي إلى أهل "جادو" يقول: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، بلغنا أن تسعة رهط من بني تيجن يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قتلوا أبا الربيع". (1/325)
صفحة 326
الإباضية في موكب التاريخ
324
الإباضية في ليبيا (2)
ومن هؤلاء المربين الأفذاذ الذين كانوا يقومون بالرحلات المدرسية مع طلابهم، العلامة أبو هارون الملوشائي، جد الأسرة البارونية الكريمة.
ومن هؤلاء المربين الأفذاذ الذين يشرفون على هذه الرحلات المدرسية: أبو النجاة يونس الملوشائي، وعشرات غيرهم، وليس المهم في هذا البحث أن نحصي الأشخاص الذين قاموا بهذه الحركة، وَإِنَّمَا المهم أن الفكرة كانت موجودة في ذلك الحين.
لقد كان المربون في ليبيا ينظمون ويشرفون على هذه الحركات التي يحسب كثير من الناس أنها وليدة العصر، ويعتقد آخرون أنَّهَا نظام سبق إليه الغرب، والواقع أن علماء الإسلام في كثير من الجهات كانوا كالجندي المجهول يسبق إلى عمل من أعمال البطولة والمجد لا يدري به أحد، فإذا وصل إلى ذلك الفكر الغربي وجد من وسائل الإعلان والدعاية ما ينسب الشرف إليه، وألحق الاكتشاف به، وأصبح من حقه. وإنه لواجب على علماء الإسلام أن يلتفتوا إلى تراثهم المجيد في الأصقاع النائية البعيدة من وسائل الشهرة فإن في تلك البقاع من المجد والعظمة، ومن الهداية والنور ما يحق أن ينشر بين الشباب المسلم، لكي يربط بين حاضره وماضيه، ذلك الماضي المجيد المشرق، الذي لا يخلو جانب من جوانبه، ولا مكان من أمكنته من ومضات وإشراقات بعثها الإسلام في قلوب الذين آمنوا وأخلصوا الدين الله فتركوا آثاراً من هدي الإسلام قد يكون العالم في أشد الحاجة إلى الاقتباس منها أو الاستناد إليها، أو الاعتماد عليها.
درس العلامة أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي في مدرسة أبي هارون موسى بن يونس الجلالمي، تلك المدرسة التي تخرج فيها عدد غير محصور من العلماء الأعلام، وأبو هارون قل من يكون ذو علم وبصيرة لم يقتبس من سناه، ولَمْ يغترف من ينبوعه، فهو من أولئك الأفذاذ الذين كانت لَهُم مدارس مدلولاتها الثلاثة، أما أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي فقد تخرج عليه أيضا عدد من الأفذاذ: أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي، ولو امتدت به الحياة لكانت آثاره أعظم، لكن المجرمين من "بني تيجن" قتلوه في ربيع استشهد وهو يكافح من أجل تخريج جيل واع من الشباب المسلم وعمره سبع وعشرون
سنة.
منهم
العمر، لقد (1/326)
صفحة 327
الإباضية في موكب التاريخ
325
الإباضية في ليبيا (2)
وَلَعَلّ أعظم المدراس أثرًا في حياة الأمة، وأطولها امتدادًا مع الزمن مدرستان الأولى: مدرسة أبي المنيب مُحمَّد بن يانس، وقد درس هذا العلامة الكبير على معدن العلم أبي الزاجر إسماعيل بن درار الغدامسي، ولَمَّا أجاز له شيخه القيام بالتدريس رجع إلى جبل نفوسة وكون مدرسته العظيمة التي امتدت أنوارها الساطعة إلى القرن الحادي عشر، وتكونت لها مجموعة من الفروع في مختلف القرى والمدن، تتصل بها اتصالا وثيقا في بعض الأحيان، ورقيقا في الأحيان الأخرى .. وقد كان للجبل الذي أنشأه أبو المنيب أثر امتد مع الزمن إلى الاحتلال التركي ... الثانية: مدرسة أبي عثمان سعيد بن أبي يونس الطمزيني، وقد درس هذا العلامة الكبير على الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم "بتاهرت" وقد وقع عليه اختيار الإمام إليه ولاية قنطرارة وما ولاها - "تيجي" اليوم، فكان فيها مثل ما كان أولئك الولاة الذين سبقوه والحقوه من استقامة ودين.
فأسند
بلد هذا العالم الكبير "طمزين" هذه القرية المعروفة اليوم، العامرة برجال فيهم علم وفضل. وفي هذه القرية كون العالم الكبير مدرسته التي لم تزل تشع بالعلم والثقافة والخلق والدين إلى القرن الثامن الهجري، ولا يزال بناء المدرسة إلى اليوم قائما يتحدى الزمان ويطاول التاريخ، كما أن الفرع الذي أنشأه في "تيجي" لا تزال أطلاله.
وبالإضافة إلى هاتين المدرستين اللتين امتدتا بفروعما قرون طويلة، وإلى الحركة العلمية التي أنشأها عمرو بن يمكنن في "أَفَاطْمَان" وما جاورها، وإلى الحركة الثقافية التي غذاها ابن مغطير الجناوني .. بالإضافة إلى هذه الحركات، فقد اشتهر في جبل نفوسة على الأخص عدد من المربين الذين أدوا رسالة التعليم المقدمة على خير ما تؤدى رسالة سامية .. حرصوا أن ينشأ طلابهم على الخلق الحميد، والفهم العميق لرسالة الإسلام، والاطلاع الواسع على أساس التشريع وعلى أنواع الثقافة الإنسانية في ذلك الحين، وعلى مقاصد الدين الحنيف، وتطبيق النظريات الأخلاقية في الحياة العملية .. هذا فضلا عن اتساع أفق التفكير ومدارك العقل، وغزارة العلم، وتنمية المواهب الطبيعية التي أودعها الخالق في فطرة الإنسان. (1/327)
صفحة 328
الإباضية في موكب التاريخ
326
الإباضية في ليبيا (2)
وقد يكون من المفيد، أن نذكر في هذا الفصل بعض أولئك العلماء الذين كان لهم الأثر الحسن في نشر العلم وبث المعرفة، وهداية الناس إلى أقوم السبل في المحافظة على دين الله، والإشراف على مدارس قامت بمهمة التعليم طيلة زمن طويل.
وإليك أَيُّهَا القارئ الكريم بعض أسماء أولئك العلماء الأعلام: أبو خليل صال الدركلي.
أبو يحيى سليمان بن ماطوس.
أبو القاسم البغطوري.
أبو يحيى الدرفي.
أبو محمد خصيب.
أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي.
أبو هارون موسى
الجلالمي.
أبو محمد يصليتن الكباوي.
أبو يحيى زكرياء بن يونس الفرسطائي.
أبو سهل البشر بن محمد.
أبو ذر صدوق الفرسطائي.
أبو معروف جواد بن ويار.
أبو زكريا يحيى بن الخير الجناوني.
أبو الربيع سليمان بن هارون الباروني.
أبو يوسف وجدليش الإمليلي.
داوود بن هارون.
أبو يحيى توفيق الجناوني.
أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم.
أبو موسى عيسى بن عيسى الطرميسي.
أبو ساكن عامر بن علي الشماخي. (1/328)
صفحة 329
الإباضية في موكب التاريخ
أبو يوسف يعقوب بن
327
أحمد بن موسى.
أبو زكرياء يحيى بن زكرياء.
نوح بن حازم المرْسَاوُتي.
أبو محمد الله عبد بن عبد الواحد الشماخي.
عبد
الله
بن يحيى الباروني.
الإباضية في ليبيا (2)
ولست أقصد بذكر هذه الأسماء الحصر، فلقد قام عدد كبير من علماء آخرين بمثل ما قام
به هؤلاء أو بأكثر، أو بأقل منهم، وإنَّما ذكرت هؤلاء على سبيل المثال.
وفي كتب التاريخ التي تعني بتراجم الرجال، يجد الباحث المتقصي بغيته .. فقد قام كل واحد من هؤلاء العلماء وأضرابهم بتكوين مدرسة تعليمية تخرج فيها عدد غير قليل من فطاحل العلماء، كما أن هذه المدراس كانت مراكز إشعاع تستمد منها الأمة الثقافة والهدى والسلوك، وتقتبس منها النور وَالْحَقِّ والمعرفة، ومن الطبيعي أن تكون هذه المدراس مختلفة في آثارها، متفاوتة في
مقدار ما أتاحته للناس من فائدة، ويسرته من سبيل للوصول إلى الغذاء الروحي الممتع الصافي. وإذا كانت بعض هذه المدراس في مبدإ الأمر مهتمة بناحية الثقافة وناحية السلوك، فكانت تيسر سبل المعرفة للناس، وتتيح لَهُم فرص التعليم من جهة، ومن جهة أخرى كانت تقوم بتوجيه السلوك الجماعي والفردي، فكانت تسهر على المجتمع، وتقوم فيه بدروس الوعظ والإرشاد، داعية له إلى المحافظة على السيرة النقية التي انتهجها الإسلام، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، حَتَّى كان بعض المربين فيها يبعثون بطلابهم إلى القرى، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويدعون إلى سبيل الله القويم، ليتدرب أولئك الطلاب بالطريقة العملية على هذا الواجب الذي يراه الإباضية من أعظم أركان الإسلام التي لا يستقيم حال أمة إذا لم يقم به أفرادها العارفون، استجابة لقوله: «الأمرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهِيُّ عَنِ الْمُنكَرِ جُندَانِ مِن جُنُودِ الله مَن نَصَرَهُمَا نَصَرَهُ الله، ومَن خَذَلَهُمَا خَذَلَهُ الله» (1).
1)
(1) لم أجد من خرجه بهذا اللفظ. (المراجع) (1/329)
صفحة 330
الإباضية في موكب التاريخ
328
الإباضية في ليبيا (2)
إذا كانت بعض المدارس قد اتجهت إلى هذين الاتجاهين، فإن مدارس أخرى قد أضافت إلى هذين الاتجاهين اتجاها ثالثا، كان له خير أثر على التراث الإسلامي، هذا الاتجاه: هو الاشتغال بالتأليف؛ وَلَعَلّ أعظم مدرسة قد امتازت بهذه الظاهرة الرائعة، فوجهت طلابها إلى هذا المنحى، فتركت لنا ثروة علمية وتشريعية قيمة هي مدرسة أبي موسى عيسى بن عيسى الطر ولست أعني بهذا أن العلماء السابقين لم يشتغلوا بالتأليف، فإن هذا رأي لا يخطر ببال أحد فيما أظن، وكثير من الكتب التي كانت تدرس في زمن أبي موسى عيسى كانت من تأليف العلماء الليبين في جبل نفوسة، أو في غيرها؛ وَإِنَّمَا أعني أن اتجاه المدرسة نفسها إلى التأليف، واشتغال كُلّ الطلاب الذين حصلوا على كفاءة علمية بذلك، إِنَّمَا كان في زمن هذه المدرسة، وقل أن تجد طالبًا من طلابها لم يشتغل بالتأليف.
الفتوى
وسند
ومن الطلاب الذين تخرجوا فيها، واتجهوا هذا الاتجاه فيلسوف الإسلام العلامة أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي. ومن هؤلاء الطلاب حجة الإسلام، ومرجع الإباضيَّة: العلامة أبو ساكن عامر بن على الشماخي. ومن هؤلاء الطلاب: العالم العامل أبو غالي أبو عزير بن إبراهيم بن يحيى، وهو الذي شغل مركز أستاذه من بعد في التدريس وإدارة المدارس التي أنشأها أو أدارها في كُلّ من "طرميسة" و"مزغورة" و"أمسين" و"يقرن"، وغير هؤلاء كثير، رُبَّما تحدثنا عنهم في فصل خاص بالتأليف.
وقد ترك لنا فيلسوف الإسلام العلامة أبو طاهر مكتبة عامرة لا تقل قيمة عما تركه فيلسوف الإسلام أبو حامد الغزالي، واشتغل بالتدريس في بعض الأحيان، إلا أن عنايته كانت منصبة إلى التأليف، وإلى إلقاء دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك لأن العصر الذي يعيش فيه كان يستدعي منه هذا الجانب من الكفاح، فقد بدأ في كثير من الجهات الانحلال الديني، والتفسخ الخلقي، والانصراف إلى المادة في إقبال لهم كذلك لجأ إلى كفاح الباطل الذي أراد أن يستعلن ويطغى، ويتحول بالأمة الاتجاه الذي دعاها إليه صاحب الرسالة.
المسلمة عن
أما أبو اكن. الشماخي فقد اتجه إلى تأليف الرجال، وقد تخرج عنه عدد غير قليل من فطاحل العلماء، ولَمْ يشتغل بتأليف الكتب إلا قليلا، ومن هذا القليل كتابه القيم المسمى بالإيضاح، في
أربعة أجزاء كبيرة، ويعتبر من أهم المراجع في التشريع الإسلامي، يندر أن تجد له مثيلا. (1/330)
صفحة 331
الإباضية في موكب التاريخ
329
الإباضية في ليبيا (2)
أما أبو زكرياء يحيى بن العز فقد اشتغل بالتدريس والتأليف معا، وقد ترك آثاراً قيمة تضاف إلى المكتبة الإسلامية العامرة.
،
الطلاب،
عمله،
استمرت حركة التأليف نشيطة منذ وجه أبو موسى عيسى طلابه إلى ذلك، فألفت مجموعة من الكتب القيمة، من طلاب أبي موسى ثُمَّ من طلاب أبي ساكن، ومن غيرهم من وامتدت هذه الحركة العلمية المباركة في هذين الاتجاهين إلى أن وصلت إلى العلامة المصلح الكبير عبد الله بن يحيى الباروني، كما أن الاتجاه الثالث قد سار أيضا على المنوال الذي وضعه أبو طاهر، فقد استمرت حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتوجيه الاجتماعي نشيطة إلى أن بلغت ذلك العصر أيضًا، وفي كُلّ هذه الفترات المتعاقبة التي يسلم فيها رسالة التعليم علم إلى علم في أمانة وحرص، كان يقوم إلى جانب ذلك مؤمن شديد في دين الله قوي على أداء أمانة الإسلام، حريص عَلَى المحافظة على حدوده وفي الزمن الذي كان العلامة عبد الله بن يحيى الباروني يقوم برسالة التعليم، ويوجه حركة التأليف كان العلامة عمرو بن عيسى التندميرتي يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الدين، ومحاربة البدع والخرافة في صراحة وشدة ولست أعني بهذا أن كلا الرجلين مستقل عن الثاني بعيد عن لست أعني ذلك؛ وَإِنَّمَا أعني أن الإمام عبد الله الباروني، وأسلافه الذين سار على نهجهم، بالدرجة الأولى هي التعليم، ولَكنَّهم مع ذلك لا يسكتون عن منكر يرتكب، أو حق يضاع، وأن العلامة التندميرتي وأسلافه الذين سار على طريقتهم كانت مهمتهم الأولى هي التوجيه الديني، ومحاربة الإعراض عن الحق، وعن دين الله، ولكنهم مع ذلك كثيرًا ما كانوا يتولون التدريس، وَكُلُّ ما في الأمر أن بعض أولئك العلماء الأعلام يتجهون من أول الأمر إلى تنشئة الأطفال، وتربية الأجيال، وتسهيل سبل العلم للشباب. وأن البعض الآخر يتجهون من أول الأمر إلى إصلاح المجتمع، ونشر الوعي الديني والخلقي بين الكبار في المساجد والمجامع فكانت الحركتان متساندتين متعاونتين، تكمل كل واحدة منهما الأخرى، على أن العلماء من الفريق الأخير يجدون فراغاً من الوقت أكثر من زملائهم، ولذلك فقد كان إنتاج أبي طاهر في التأليف أكثر من إنتاج أبي ساكن، وكان إنتاج التندميرتي في هذا الميدان أكثر من إنتاج أستاذه وزميله الباروني.
كانت مهمتهم (1/331)
صفحة 332
الإباضية في موكب التاريخ
330
الإباضية في ليبيا (2)
أبو خليل صال الدير كلي
(1)
"دركل" كانت قرية جميلة تقع على قمة جبل شامخ بين الجزيرة وأم صفار، ترنو في زهو وإعجاب إلى السفح الفسيح الذي يمتد بين الجبل والبحر، تشقه أودية خضر، تتل كالأفاعي المسحورة، وفي هذه القرية الجميلة نشأ أبو خليل صال الدركلي.
نشأ طالبا من أنجب الطلاب يرافق فتية من أترابه إلى الجزيرة ليغترفوا العلم ويقتبسوا الخلق، ويأخذوا السيرة العطرة من أبي المنيب مُحمَّد بن يانس وفي هذه المدرسة العظيمة التي خرجت مجموعة من أعلام الإسلام تخرج أبو خليل.
اقتدى أبو خليل بأستاذه في علمه وعمله وسيرته فأسس هو الآخر مدرسة كانت خيرا وبركة، وفي هذه المدرسة التي أسسها الدركلي وتولى التدريس فيها زمنا غير قصير تخرج العلامة الكبير، نذير، زمانه أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي. كان أبو خليل صال من أولئك الأفذاذ الذين يملكون إرادة دونها الحديد، وعزما لا ينتهى دون الغاية، وجدا متواصلا في عمل الخير.
كان يقول للطلبة: احضروا المجالس يا،کسالي، فقد حضرها من حضرها، ما يعوقه ما بينه وبين قابس وما بينه وبين فزان حَتَّى وقع قطاع الطرق عليه فجرحوه سبعة عشر حا، والتجأ إلى مغارة فمكث فيها حَتَّى شفي من جراحه، ما أكل ولا شرب إلا ما يراه في الحلم، ثُمَّ خرج من مغارته تلك، وواصل طلبه للعلم، حَتَّى بلغ الغاية، وأصبح مرجعا؛ أن أبا خليل لم يذكر اسم وصاحب القصة إلا أن الطلبة كانوا يعرفون أن صاحب القصة إِنَّما هو أستاذهم أبو خليل.
ومع
وكان من أكثر الناس عبادة ومحبة للصلاة، ينطلق في ظلام الليل إلى المسجد يمكث فيه ما شاء الله، يصلي ويطيل في ذلك، وقد يعود من قريب، فسألته زوجته عن اختلاف أحواله وإطالته الصلاة في بعض الليالي، وتقصيرها في بعض الليالي الأخرى، فقال لها: إن للنفس
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الخامسة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الثالث. (1/332)
صفحة 333
الإباضية في موكب التاريخ
331
الإباضية في ليبيا (2)
إقبالا وإدبارا، فإذا وجد المؤمن في نفسه إقبالا اغتنم واجتهد، وإذا لم يجد في نفسه تمسك بالفرائض وأداها حَتَّى ينشط لئلا يمل. وقد تكلف أنواعا من العبادة لا يقوى عليها غيره، فقد يجعل ليلة كاملة في ركعة واحدة، وقد يجعلها في سجدة واحدة.
قد يبتسم بعض الناس ساخرين وهم يقرأون هذه الكلمات، ويقولون في أنفسهم: ولماذا هذا العذاب، والله لم يكلف البشر إلا ما يطيقون؟ والجواب على هذه الابتسامة الساخرة، تعرفه من أحوال أصحاب الإرادة القوية الذين يخضعون قوى أجسامهم لإرادتهم، فهم لا يجدون من المشقة إلا ما تجده نحن من الأحوال العادية؛ ذلك لأَنَّهُم روضوا أجسامهم وأخضعوها لمطالب أرواحهم، ثُمَّ إن في أخبار هذا الشيخ نفسه الجواب على هذا التساؤل، فإن الرجل الذي تقوى عنده الإرادة هذه القوة فيتغلب على مطالب الجسد هذا التغلب، ويرتحل بين ليبيا والقيروان وبين ليبيا وفزان عددًا غير قليل من المرات لأجل طلب العلم ويقع عليه معتدون آئمون فيجرحونه سبعة عشر جر. حاء لها في الصحراء يصبر الصحراء حتّى تندمل وتبرأ دون غذاء أو علاج ثُمَّ يواصل بعد هذا العناء كفاحه من أجل العلم.
إن رجلا يملك هذه الروح حقيق أن يأتي بالأعاجيب، ونحن لو تأملنا حديثه مع زوجه الوفية لاستطعنا أن نعرف كيف تربي النفوس، وكيف يغنم المؤمن أوقاته كلها في الصلاح، فعندما يجد النفس عازفة عن العمل مدبرة عن القيام بأعمال النفل يرجع إلى البيت ليقضى حقوق الأسرة، فيحادث الزوجة ويداعب الأطفال، إنَّه يؤدي واجبات الزوج والأب، وعندما تأذن ساعة الكفاح لنشر العلم بين الطلاب، وإصدار الفتاوى، وفصل المشاكل بين الناس، ينطلق إلى هذا الميدان وكله قوة وعزم، إنَّه يؤدي حقوق المجتمع والأمة .. وعندما روحه الزكية إلى مناجاة ربه ينطلق إلى المسجد فيؤدي واجبات المؤمن التقي، تلك الواجبات التي درب عليها نفسه، فكانت فيه ملكة لا يحس معها بالتعب أو السأم، وهو ساجد الله يسبح بحمده ويقدس له .. فإذا قضى حق، ربه واطمأنت نفسه انطلق إلى الكفاح الكفاح من أجل الأمة، أو الكفاح من أجل الأسرة.
تهفوا (1/333)
صفحة 334
الإباضية في موكب التاريخ
332
الإباضية في ليبيا (2)
أبو القاسم البغطوري)
بغطُورَة" مدينة منبسطة عَلَى مرتفع سهل من أراضي الحرابة اليوم بين "جريجن" و"تمنكرت" بـ"قيقيلة"، وفي هذه المدينة التي لم يبق منها إلا أطلال ـها إلا أطلال مساجد تشهد للتاريخ ما كان للسلف نشأ أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري في بيئة مؤمنة، عالمة بدين الله، عاملة به حريصة على الاغتراف من مناهل العلم الصافية.
قال فيه أبو العباس: بقية، الحافظين واعتماد أهل الدنيا والدين، بل كان من الراسخين".
درس في مدرسة أبي ذر آبان بن وَسيم في "وِيغُو"، ومنه تلقى العلم وفيها تخرج، ثُمَّ كون مدرسته في هذه المدينة المنبسطة عَلَى ذلك المرتفع الفسيح، الذي تنحدر منه شعاب تزدان بأشجار الزيتون والنخيل.
صار أبو القاسم مرجع الفتوى والتدريس بعد وقعة مانو التي أكلت رجال العلم وأبطال الكفاح، أما هو فلم يحضر تلك الحرب الضروس لكبر سنه، وكان قد تجاوز المائة حينئذ، وبارك الله في عمره فعاش ما لا يقل عن مائة وثلاثين سنة، ضعف فيها جسمه ووهن، عظمه ولكن عقله النير كان يزداد استنارة، وعلمه الغزير
يزداد غزارة ولسانه الفصيح يزداد طلاقة .. قضى هذا العمر الطويل في نشـ وبث المعرفة وتهذيب النشء وتعليمهم سيرة السلف الصالحين. كان مرجعا في جميع فنون العلم، وقد كافح بعد وقعة مانو كفاح الأبطال لتكوين جيل جديد يتحلى بما يتحلى به أسلافه من خلق و علم ودين، ولم تمض السنوات الثلاثون الأخيرة من عمره المبارك حتّى كان له شباب لا يقلون عمن سبقهم علما وخلقا وشجاعة، وتبوؤوا الأماكن الخالية التي كان يشغلها أبطال أكلتهم حرب مانو المسعورة.
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة السادسة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثالث. (1/334)
صفحة 335
الإباضية في موكب التاريخ
333
الإباضية في ليبيا (2)
ولحاجة الناس إليه لدروس الوعظ والإرشاد كانوا ينقلونه من مسجد إلى مسجد محمولا، ولا تزال إلى اليوم أخبار تتناقلها ألسنة العوام عن شيخ ينقل من مسجد إلى مسجد، وإن كانوا لا يعرفون الشيخ ولا العصر الذي عاش فيه.
قال له طلابه يومًا أنكتب عنك ما سمعنا؟ فقال: "اكتبوا ولو بأقلام النح صُمَّت أذن نسيت ما سمعت". لقد كان لا يمل من التعليم ولا يمل من رواية السير والتاريخ كما كان في عهد الدراسة لا يعرف للتعب معنى، ولا يذوق للنوم طعما إلا غرارا في الأوقات التي يأوي فيها الناس إلى النوم، ويشبعون تقلبا في المضاجع. كان حريصًا أن لا تفوته دروس أستاذه أبان حَتَّى دروس الوعظ والإرشاد التي يلقيها ذلك العلامة الكبير في المسجد العامر، فكان يقطع المسافة الطويلة بين "بغطورة" و"ويغو" كُلّ ليلة، فيحضر صلاة العشاء الآخرة، يستمع إلى الدرس العام الذي يلقى في المسجد بعد الصلاة، وَلَمْ يحدث أن تأخر عن صلاة الجماعة وحضور هذا الدرس العام إلا مَرَّةً واحدة، سبقه فيها شيخه إلى المساجد، ولم تتكرر تلك الحادثة قط حَتَّى تَخرج البغطوري واشتغل بالتدريس. إن المسافة بين "بغطورة" و"ويغُو" لا تقل عن ستة أميال، ومع ذلك فإن البغطوري عندما التحق بهذه المدرسة لم ينقطع عن الدراسة، ولم يتكاءَده تسلق الجبال وهبوط الأودية حَتَّى بلغ الغاية وظفر بالمراد. وهذه الإرادة القوية والعزيمة الصادقة التي تحمل النفس عَلَى ما تكره هي نفس الإرادة التي لا تخاف لومة لائم في دين الله، ولا تهادن عدوا من ولا تهادن عدوا من أعداء الله مهما
كانت الظروف والملابسات. دعاه رجل من أهل "تمنكرت ليبيت عنده، فكان يسير معه حتّى لقي يهوديا، فقال له التمنكرتي: "مرحبا مرحبا، وأظهر له الفرح والبشاشة فغضب البغطوري من الترحيب بعدو الله. وقال لصاحبه: "لا رحب الله بك ولا به"، ثُمَّ قفل راجعا. (1/335)
صفحة 336
الإباضية في موكب التاريخ
334
الإباضية في ليبيا (2)
إنَّه موقف المؤمن الذي لا ينظر إلا إلى الله، ولا يعمل إلا بكتاب الله ولا تجد قوما يُؤْمنون بالله واليوم الآخرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَاذَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَةً (1)
كان أبو القاسم قويًا في إيمانه قويا في أخلاقه، قويًا في صبره واحتماله. افتقد الناس العلماء بعد وقعة مانو، فتواردوا عَلَى أبي القاسم من كل مكان كُلّ وكان شيخا هرما ولكنه صبر لأسئلتهم، فكان يتململ في مجلسه وهو يجيب عَلَى الأسئلة التي توجه إليه، ويقول: "الكبر عيب"، وبلغه نعي ولده في وقعة مانو فدخل على زوجته وقال لها: "إن صدقت الناعي كما صدقته فاعتَدي"، وكان ذلك كلّ ما أبداه من الحزن والأسف.
وتزوج آخر عمره امرأة كان يأمل أن تحفظ عليه شيخوخته، ولكنها كانت امرأة سوء، فاحتملها الله وحفظته ابنة أخيه "جانا"، فكانت تقوم له بكل لوازمه من غسيل وطعام وغير ذلك، حَتَّى لحق بربه.
1) سورة المجادلة: 22. (1/336)
صفحة 337
الإباضية في موكب التاريخ
335
الإباضية في ليبيا (2)
فرسُطَاء"
هي
أبو يحيى الفرسطائي
(1)
اليوم قرية صغيرة ناتئة في صدر جبل عال كأنها ثدي عملاق،
وقد كانت من قبل مدينة كبيرة تتناثر منازلها عَلَى صدر الجبل وجوانبه وقمته، وفي هذه القرية التي يهدهدها هذا الجبل الشامخ في حب وحنان، نشاً أبو يحيى زكرياء بن أبي قاسم يونس الفرسطائي عَلَى ما نشأ عليه زملاؤه من أهل هذه القرية العامرة بالإيمان مُحبًّا للعلم، مُجتهدا فيه، ولَمَّا أخذ مبادئ العلم عن شيوخ مدينته ورغب أن يتم دراسته، ذهب إلى عاصمة الجبل شروس ليلتحق بالمدرسة العظيمة مدرسة ابن ماطوس، ولكن العاصمة الكبرى ضاقت به فقد امتلأت الأقسام الداخلية التابعة للمدرسة، حَتَّى لَم يبق بها مكان، ورجع إلى أهل المدينة فلم يجد ممكنا في أكبر مدينة بجبل نفوسة؛ لأن جميع المنازل غصت بالطلاب الذين يقبلون على اغتراف العلم من منبعه العذب، وحار الطالب الذكي في مصيره، وذهب إلى ابن ماطوس يستشيره في أمره، فأسف الشيخ الكبير أن يحرم هذا الطالب النجيب من الدراسة في مدرسته؛ لأنَّهُ لَم يجد مسكنا في مدينة تحتوي على آلاف المنازل، وقال له ناصحا: إِنِّي أدلك عَلَى من لو عرفه الناس لتزاحموا على بابه كما تزاحموا على باب أبي عبيدة في البصرة!! عليك بأبي هارون الجلالمي! ". والتحق الطالب الذكي بهذه المدرسة التي لم تزل ناشئة لم يكثر عليها الإقبال، وَلَكِنَّها ما فتئت أن أصبحت من أعظم المدارس التي قدمت للأمة المسلمة الخير الكثير، وصدقت فراسة ابن ماطوس، فتزاحم الناس على باب أبي هارون الجلالي، كما تزاحموا على أبي عبيدة، وكما تزاحموا على ابن ماطوس، وكما تزاحموا على منابع العلم في كل مكان.
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة السابعة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع. (1/337)
صفحة 338
الإباضية في موكب التاريخ
336
الإباضية في ليبيا (2)
درس أبو يحيى في هذه المدرسة، ومنها تخرج وكون مدرسته في القرية الجميلة القائمة على صدر الجبل، وفي هذه المدرسة تخرج عدد غير قليل من العلماء الأعلام من بينهم أبو محمد خصيب بن إبراهيم.
كان أبو يحيى قويا في دينه قويا في، علمه قويا في خلقه قويا في بدنه، لقد أضفى عليه المولى نعمة القوة في كُلّ أحواله، وكان دائم الكفاح لا يمل ولا يفتر، يعمل في حقوله ومزارعه كما يعمل الفلاحون المخلصون لمهنتهم، ويعمل في مدرسته كما يعمل المدرسون المخلصون لرسالتهم ويعمل لربه كما يعمل المخلصون في عبادتهم. وكان داعية خير وهدى لا يكف ولا يمل عن الدعوة إلى الله، فإن كان بين المسلمين دعاهم إلى فهم دين الله والتمسك بهدي محمد وهدي أصحابه، وسيرة الصالحين من المؤمنين، وإن كان بين أقوام لا يؤمنون بالله دعاهم إلى الإيمان وحبب إليهم الإسلام.
سافر يوما إلى بعض بلاد السودان وكانوا وثنيين - فلم يزل يدعوهم إلى الإسلام حتى بلغ أمره إلى ملكهم فاستدعاه ولَمَّا ورد أبو يحيى على الملك ألفاه ناحل الجسم، ضعيف القوة، فسأله أبو يحيى عما به؟ فقال الملك: إن هذا من خوف الموت، فدعاه أبو يحيى إلى الإيمان بالله وأخبره بالجنة والنار، ووصف له أحوال المؤمنين في دار الخلود وما أعد الله لَهُم من خير، ولكن الملك ارتاب في أوّل الأمر، وقال له: "لو صح عندك ما تقول ما بلغت إلينا في طلب الدنيا"، فلم يزل أبو يحيى يذكره آلاء الله ونعمه، ويذكر له أن الله دعا المؤمنين إلى الضرب في الأرض، والسير في الآفاق، والنيل من طيبات الرزق، حتّى أسلم وحسن إسلامه.
والمؤمن الصادق لا يكف عن الدعوة إلى الله في أي مجتمع كان، فلا يفر بنفسه عن الناس، لأنه لا يفر إلا الضعيف الذي يخاف عَلَى نفسه، والضعيف لا يستطيع أن يؤدي رسالة، أو يبلغ دعوة. (1/338)
صفحة 339
الإباضية في موكب التاريخ
337
الإباضية في ليبيا (2)
(1)
أبو مُحمّد النَّمَصْصي)
"تمصمص" قرية تقع جنوب "طمزين قريبا منها، وقد عفى عليها الزمن وامحت أطلالها وأنقاضها، وَلَمْ يُخلدها التاريخ إلا بنسبة عدد من الأعلام الذين أنجبتهم.
نشأ أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي في هذه القرية التي تقع على منبسط من الأرض، تحيط بها غابات كثيفة من شجر الزيتون والتين وفيها تلقى المبادئ الأولى من دراسته، ثُمَّ التحق بمدرسة أبي يحيى الفرسطائي، ولكنَّه كان يحس في نفسه ظمأ إلى مزيد من المعرفة، فذهب إلى "لالوت" موضع الأشياخ والعلم، كما يقول أبو العباس، والتحق بمدرسة أبي الربيع سليمان بن هارون اللالوتي فأتم هناك دراسته وتخرج منها علما من أعلام الإسلام،
و مرجعا من مراجع الثقافة، وسنداً قويًا للمؤمنين في الاهتداء والهداية إلى طريق الله القويم. بعد أن تخرج رجع إلى بلده "تمصمص"، وهناك أسس مدرسته الشهيرة التي تخرج منها فطاحل العلماء، وحسبها أنها المدرسة التي درست فيها العالمة البطلة أم ماطوس، التي تغلبت على إرادة البيئة من أجل طلب العلم، والتحقت بهذه المدرسة العظيمة، فكانت تحضر إليها من "جَارْ إصْراً" والمسافة بين المحلين ليست قريبة، ثُمَّ أصبحت ممثلة للمرأة في المجالس العلمية التي يعقدها المشايخ للمناقشة والدراسة في مختلف المجال، فلا تغيب عنها سواء انعقدت في "جناوَن" أو في "تَنْدُوزِيغ"، أو في غيرها من الأماكن. كافح أبو محمد من أجل العلم دارسا ومدرسًا بكُلِّ ما أوتي من جهد وقوة وإخلاص، وكان كريما يبذل ما يصل إلى كفه من مال، فقد كان لا يجعل للدنيا حسابا، ولا يعرف للمال قدرًا، ومهما دخل يديه من ثروة سواء كانت هذه الثروة نقوداً أو كانت ماشية أو كانت محاصيل زراعية فَإنَّها لن تبقى عنده أكثر من سنة، وقد يدخل يده في بعض السنوات ألف مودى (2) من الحبوب، فما تَتِمُّ السنة حَتَّى ينفق هذه الثروة الطائلة من الحبوب ولا يبقى عنده شيء من المال، وكثيرًا ما عاتبه ولده وعاتبته زوجته على هذا الإنفاق، وَلَكنَّهُ لَم يكن
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة السابعة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع.
المودى اثنتا عشرة، ويبة والويبة تزن حوالى 6 كيلو غرام. (1/339)
صفحة 340
الإباضية في موكب التاريخ
338
الإباضية في ليبيا (2)
ليستمع إلى كلامهما، فإن من طبع عَلَى خلق الكرم وتعود الإنفاق لا يملك نفسه عن البذل عندما تتهيأ ظروف المعروف. وكم طالبه ولده أن يشتري الأملاك الثابتة حَتَّى يخلفها له كما يخلفها الآباء لأبنائهم، ولكن أبا مُحمَّد لم يستجب لهذا الطلب الذي لا يوافق طبعه، ولا يجري على خلقه، قال له ولده يوما: "إنك لست بكيس يا أبتاه! ". فأجابه الشيخ: "الكياسة يا بني عدوة الإسلام"، ومعروف أن الكياسة المقصودة في هذا الحوار تعني الشح والتقتير والإدخار وتأثيل الأموال.
عاش أبو مُحمَّد فقيرًا؛ لأنَّه ينفق جميع الأموال التي تصل يده في وجوه البر، وعندما كبر وامتدت به الحياة، وضعف عن الكسب، احتاج إلى المساعدة. لقي رجل من الذين لا يغفلون عن الأمر بالمعروف أبا عبد الله محمد بن جنون كاتب أبي
الفقر
زكريا فقص عليه أخبار أبي مُحمَّد التمصمصي والحالة المؤسفة التي وصل إليها من الفق والضعف والشيخوخة، فأسف أبو عبد الله وقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون!، لي مال ومثل هذا الشيخ الذي هو جرثومة من جراثيم الإسلام تضل إليه الضيعة"، ثُمَّ وضع يده في جيبه فوجد فيه واحدًا وعشرين ديناراً فأعطاها للرجل وطلب منه أن ينفقها على الشيخ، فإذا
نفذت رجع إليه، ورجاه أن لا يخبر أحدا بحاجة الشيخ، ولا بمساعدة أبي عبد الله له. وذهب الرجل بهدية الصديق إلى أبي مُحمَّد، فلم ينس أبو مُحمَّد طبعه الذي دأب عليه منذ عرف الخير والشر، ولذلك فما تسلم المبلغ حَتَّى أخذ منه دينارين أنفقهما في سبيل الله، وما أتم الباقي من المبلغ حتى توفاه الله إليه.
وكان أبو عبد الله محمد بن جنون ذا علم وفصاحة وبراعة في النقاش، لا يقوى على نقاشه أحد من العلماء، ولكنَّه إذا حضر مجلس أبي مُحمَّد خصيب التمصمصي وقف منه الأستاذ، لا يرفع إليه بصره، ولا يناقشه في سؤال، وهذا الموقف من أبي
موقف التلميذ من عبد الله يَدلُّ على مكانة الشيخ الكبرى. درس عَلَى أبي مُحمَّد خصيب عدد غير قليل من كبار العلماء، ومن أنجبهم أبو زكرياء يحيى بن سفيان اللالوتي، أما فتاواه ومواعظه وتوجيهاته وأقواله في الفقه فقد بلغت كُلّ مكان، وامتلأت بها بطون الكتب. (1/340)
صفحة 341
الإباضية في موكب التاريخ
339
الإباضية في ليبيا (2)
(1)
أبو يوسف وجدليش"
"يُوجلين" قرية واقعة على زاوية مثلث من جبل شامخ متجه إلى مغرب الشمس وعلى القدم اليسرى لهذا الجبل الشامخ الضارب في الهواء تستلقي جناون الجميلة، والواقف على قمة هذا الجبل فوق الأبراج المتينة التي شادتها هنالك سواعد الأجداد القوية ليحرسوا منها مدخل " جَنَّاوَن" ويشاهد مدينة "مزغُورَة" رابضة فوق منبسط فسيح من الجبل المقابل، فإذا انحطت عيناه إلى الشمال قليلا رأى في السفح قرية شكشوك" كَأَنَّها نجمة يحيط بها هلال أخضر من نخيل، ومن هنا وهناك حول هذه القرية الجميلة تنحدر أودية خضراء ملتوية، تتقارب وتتباعد حَتَّى تذوب في الأرض المنبسطة التي تتكون منها حقول القمح والشعير. وفي هذه القرية وعلى رأس هذا المثلث ولد أبو يوسف وجدليش بن في، وصافحت عيناه النور، وتمتع منذ صغره بالجمال الذي أضفاه الخالق على طبيعة هذه المنطقة، وهل أجمل من أن يقف الإنسان في "يوجلين" ويستدير بصره من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين يرمى ببصره إلى المشرق فيمتد بين غابة زيتون ونخيل تحجب لون الأرض بخضرة داكنة، فإذا استدار قليلا طالعته المباني العالية "للقصير"، و"أشبارى"، و"جادو" متراكبة كأنها ناطحة سحاب من صنع هناك يترلق بصره إلى "تموقت" التي تقع فوق سرة هذا العملاق
الخالق، ومن
العظيم، ومنها ينبع النهر الصغيرة ملاءة خضراء من شجر النخيل والأعناب، والتين وتحتها تستلقي "جناون" في استرخاء كأنها تغط في حلم لذيذ، يتصاعد أمامها إلى الجنوب وادي جناون الجميل، فيكون شلالا في ماصر، وينعقد بحيرة في الزرقاء، ومن هذه البحيرة التي لا تزال إلى اليوم مصيفا لسكان الجبل ومقصدا للسواح الذين يزورون ليبيا من هذه البحيرة ينحدر الوادي وترتفع عينا الناظر مع الجبل المقابل فيجد مدينة "مارى"
الخالد الذي يروي الناس والشجر، وعلى قدمي هذه القرية
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثامنة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع. (1/341)
صفحة 342
الإباضية في موكب التاريخ
340
الإباضية في ليبيا (2)
التي تسكنها جدة المشايخ "مارن" و "ندباس" التي يقبع فيها أبو نصر، م "مزغورة" التي ترتفع منها صومعة أبي زيد كما ترتفع المنارة الحدباء، فإذا استدار إلى الشمال انحطت عيناه على أرض الجفارة الفسيحة التي تشبه أن تكون زربية بسطتها هنالك قدرة الخالق في أيام الربيع.
ويسير معه
على هذه القمة هذه المناظر الفاتنة، نشأ أبو يوسف جميلا، صريحًا، حنونا، وبين يملأ قلبه الكبير حب الْحَقِّ فيستولي عَلَى مشاعره، فكان بذلك مؤمنا من أولئك المؤمنين الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: {أَذَلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ (1) يعرف أني سار، لا تأخذه في الله لومة لائم .. أخذ على نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقام بهذه الفريضة كأحسن ما يقوم مؤمن بواجب من واجبات الدين، لا يعرف الغفلة ولا المسايرة ولا المداهنة في دين الله، حتى إذا قام الْحَقِّ واستقام الناس على الطريق، وغلب أمر الله لزم نفسه، فكان ألين الناس خلقا، وأطيبهم نفسا، وأكثرهم حبا وحنانًا للمسلمين وعلى المسلمين. جعل إليه أمر السوق في "جادو" خوفا من أن يقصده أولئك الذين دخلت أموالهم الريبة من الأموال المغصوبة التي يبتزها الحكام الظالمون، وأتباعهم، أو الأموال المنهوبة التي يسرقها أقوام لم تطمئن قلوبهم بالإسلام، ولم تخضع جوارحهم لأحكام الله، فكان لا يستطيع أحد أن يبيع شيئا في مدن الجبل إلا بعد أن يعرف مصدر ذلك
المال.
وكان أبو يوسف رقيبا فطنا في سوق "جادو" فما يستطيع أحد أن يبيع شيئًا إلا إذا أذن له، ولا يأذن أبو يوسف إلا إذا تحقق من مصدر ما يبيعه الناس، وعرف أن هذا المال لم تدخله ريبة، وَلَمْ يملكه صاحبه من حرام، ولَم يتعامل مع أصحاب
الشبهة.
(1) سورة المائدة: 54. (1/342)
صفحة 343
الإباضية في موكب التاريخ
341
الإباضية في ليبيا (2)
جاء رجل من "إينر" بغنم له ليبيعها في "جادو" فاستأذن أبا يوسف في البيع فسأله أبو يوسف عن نسبه ونسب غنمه، ولَمَّا اطمأن إلى أن صاحب هذه الغنم ممَّن لا تتطرق إليهم الشبهة سمح له بالبيع، وجاءه من بعده
فسأله يستأذنه في بيع غنم، عن أبيه، فلما عرفه وتحقق أنه يتعامل
"أغل" من
المشبوهين
غضب عليه وانتهره قائلا: "أفي سوق "جادو" تبيع حرام أبيك؟! ". وَلَمْ يزل به حَتَّى أخرجه من "جادو" وَلَمْ يتركه حَتَّى أوصله إلى ماطَس (1). وقد جمع إلى هذه القوة في أمر الله، العلم بدين الله، والحب في ازياد المعرفة حَتَّى وهو كبير، فكان إذا ذهب للعمل يأخذ معه أداة العلم من كتاب أو لوح، فيختطف لحظات من الوقت وهو يشتغل ليراجع مسألة، أو يردد شيئا يود استظهاره من
فنون العلم. وقد جلس للتدريس، وأخذ عنه العلم خلق كثير، أما هو فقد درس على أبي يحيى يوسف بن زيد الدرفي، وأبي نصر زار بن يوسف التفستي، وغيرهم. كان يحضر مجالس العلم في دار بني عبد الله في "جادو"، فإذا انتهى المجلس رجع إلى منزله في "يوجلين"، وحقد عليه قوم ممَّن لم يتركهم يبيعون أموالهم المسترابة في سوق جادو، فكمنوا له في الطريق في إحدى الليالي، وَلَمَّا أراد منزله، خرجوا عليه من مكمنهم فجرحوه بضعة عشر جرحًا، وَلَمَّا حضر المشايخ إليه في الصباح وحاولوا أن يعرفوا منه أسماء القوم المعتدين امتنع عن ذلك، ولم يرض أن يداوي فتنة بفتنة، واحتسبها الله. ولكن هذا الموقف الظالم لم يمنع الشيخ من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن
الله بني عبد
ولام
المنكر، وَلَمْ يمنعه من حضور مجمع العلم في دار بني من الصلاة في "إمسراتن" الجامع الذي بنته نفوسة كلها، والذي يعقدون فيه اجتماعاتهم إذا حز بم
أمر أو أهمهم شأن.
1) ماطس: اسم موضع إلى الشرق من جادو بنحو نصف ميل. (1/343)
صفحة 344
الإباضية في موكب التاريخ
342
الإباضية في ليبيا (2)
11
أبو زكريا يحيى بن الخير الجناوني (1)
جَنَّاوَن" مدينة غناء تستلقي في دلال عَلَى أقدم جبل أشم وتلعب على سرته القرية الظريفة الضاحكة "تَمَوْقَت" وتَجثم عَلَى صدره من الجانب الأيمن بلدة "القصير" الجميلة،
أَمَّا هامته المرتفعة التي تناجي السحب فتتوجها مدينة "جادو"، العظيمة الحديثة. أما كتفاه القويتان فقد وقفت عَلَى إحداهما "مَزُو" وعلى الأخرى "يوجلين" تصفق الأولى للجمارى" وتبتسم الثانية "لمَرْغُورَة".
وفي هذه المدينة الحالمة المسترخية عَلَى أقدام الجبل متلفعة بغلالة خضراء نسجتها يد الطبيعة الساحرة، تخترقها جداول المياه المنحدرة مع شلال القصب "إيغانيمن" نابعة من نهر "تَمَوقت" الثرار، وتحيط بها الأشجار الباسقة الكثيفة من زيتون ونخيل وكروم، وتناجيها الشمس الغاربة على صومعة أبي زيد، فتبعث إليها قبلات المساء مع الأشعة الصفراء الدافئة. في هذه المدينة الجميلة الفسيحة التي كانت منبعا من منابع العلم، ومركزا من مراكز الإيمان، وحصنا لإنتاج الرجولة والبطولة والفداء في هذه المدينة التي استعصمت على قوى الميورقي حين طاش به الغضب، وظن أنه أوتي من القوة ما يقضي به على الحياة، فأضرم النار ليحرق هذه المدينة وما يحيط بها من أجنة وبساتين، فاحترق ما يزيد عن اثني عشر من شجر الزيتون، ولكن "جَنَّاوَن بقيت صامدة له وللتاريخ، وقد أحرق التاريخ الميورقي وأضرابه من الظلمة، بعد أن أحصى عليهم جرائمهم، وبقيت "جَنَّاون" تبتسم
ألفا
للحياة.
وفي هذه المدينة العظيمة نشأ أبو زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني، تظهر عليه مخايل النجابة، وتسطع على جبينه أشعة الصلاح، وتدل حركاته وكلماته على الذكاء والعبقرية منذ الصغر، وقد ربى تحت رعاية جده أبي الخير، فغذى عقله بالمعرفة، وملأ قلبه بالإيمان، وعوده السير على هدى الإسلام فبلغ شهرة علمية لم يصل إليها جده.
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة التاسعة فهو من علماء النصف الأول للقرن الخامس. (1/344)
صفحة 345
الإباضية في موكب التاريخ
343
الإباضية في ليبيا (2)
وقد عكف على تأليف الكتب، فزود المكتبة الإسلامية بعدد من النفائس تزدان بها
رفوفها العامرة، ولقد أصبح مرجعا يقتبس منه العلماء والطلاب، ويرجع
والمتطلعون إلى المزيد.
الباحثون
درس في المدينة العلمية "إبناين" عَلَى العلامة أبي الربيع سليمان بن أبي هارون الباروني، وَلَمَّا أَتَم دراسته هناك ورجع إلى بلده " جَنَّاوَن"، أسندت إليه الفتوى، فكان نعم المفتي، لا يعبأ بجواب ولا يقف في سؤال، ولا يعسر عليه حل مشكلة من مشاكل المعرفة. وكان سمح الخلق، لين العريكة كريم اليد، ولكنَّه مع هذه الصفات اللينة كان شديدا في الْحَقِّ لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يؤثر عليه موقف من المواقف، يقول فيه أبو العباس الشماخي: كان اعتماد أهل نفوسة على كتبه حفظا وفتيا، لكونه أودع فيها المأخوذ به من الأقوال، وَرُبَّمَا ذكر الخلاف، وهى كتب مفيدة في الأحكام"، وإن رجلا يحوز ثقة أمة فتعتمد كتبه في دينها وأحكامها لرجل بلغ الغاية. وهو إلى هذا الاطلاع الواسع، والعمل المتواصل في التأليف، كان الجهد في نشر العلم وبث المعرفة، وقد درس عليه كثير من العلماء الذين يشار إليهم بالبنان، ويرجع إليهم في عويص المسائل، ومعضلات المشاكل.
أما
يعرفه
جم
النشاط، موصول
حرصه على التعلم وجده في الدراسه، وإقباله على الاطلاع، فقد كان مضرب الأمثال بين الأقران ويكفي أَنَّه بقي في "إبناين" مدة دراسته على أبي الربيع، لم يجد من وقته فراغاً يقضيه في التجول بين أحياء المدينة، أو الاطلاع على البيئة التي تحيط به، فَلَمَّا أَتَم دراسته وأراد الرجوع إلى بلده، استأذن من شيخه أن يقوم بجولة يطلع فيها على ما لم من البيئة التي قضى فيها زمنا غير قصير من عمره المبارك، وأن يدخل إلى القسم المخصص للنساء في المسجد العامر الذي كان محلا للعبادة، عامرا بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، كما كان مدرسة تؤدي رسالة التعليم للكبار في دروس الوعظ والإرشاد، تثقف عقول أولئك الناس الذين حرمتهم ظروف الحياة من الدراسة في الصغر، فتيسر لَهُم سبل التعلم، وتنور قلوبهم بما تضفيه عليهم تلك الدروس من هدى وحكمة. (1/345)
صفحة 346
الإباضية في موكب التاريخ
344
الإباضية في ليبيا (2)
أبو نص فتح بن نوح الملوشائي)
تَمْلُوشَايْت" مدينة فسيحة تنبسط على قمة جبل شامخ ترنو إلى مغرب الشمس وتناجي زميلتها "فرسطاء" الجائمة على ضفة الوادي المقابلة.
في هذه المدينة التي كانت تنافس عاصمة الجبل "شروس" العظيمة في يوم من الأيام ولد أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي، وعلى هذا المنبسط فوق القمة الشامخة الذي يزدان بشجر الزيتون الأخضر، درج، وعلى حوافي الجبل الشامخ كان يثب في خفة الوعل، أو يجلس ورجلاه تتأرجحان عَلَى ارتفاع شاهق وعيناه تنطلقان على مدى البصر في سهل الجفارة الذي لا يحد، وخياله يذهب سابحًا منطلقا حرا فوق الغيوم.
التلميذ لنعم الأستاذ.
لقد كان لهذا الموقع الشاعري الساحر أثره على هذا الطفل الذي شب في مدينة والجمال، وبعد أن تلقى المبادئ الأولية، انتقل إلى المدرسة الكبرى التي كان يشرف عليها خاله أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم، فكان نعم بلغ في الدراسة مبلغا لا يصله إلا القليل من عباد الله المختارين: ثقافة واسعة، وخلق رضي، وإيمان قوي، وشدة في دين الله، وقيام بِالْحَقِّ لا يقوم به إلا عدد ضئيل من أصحاب المبدأ والدين والضمير، إذا ترافع إليه الناس للخصومة جعل بينه وبينهم ستراً من باب أو جدار أو غيره، حتّى لا يغلبه الحياء فيميل مع أحدهما.
وإلى هذا الإيمان القوي والدين القويم، والعلم الواسع، كان شاعرًا مطبوعًا ليس له نظير من العلماء الشعراء .. تطالع شعره فتجد حكمة المتنبي وجزالة لفظه. وقد ينظم في العلوم، فتجد في نظمه روح الشاعر التي تخلو منها المتون الفقهية واللغوية، وإذا كان الشعراء غالبا ما يقضون أعمارهم يهيمون في الأودية، ويتسكعون في المفازة، ويلغون في الباطل، فإن هذا الشاعر العبقري كان عاملا ومن دعاة العمل، وجادا ومن دعاة الجد، ومكافحا ومن دعاة الكفاح، فاستمع إليه يصف لك طريق السمو والمجد:
سما من سما بالجد والعزم والصبر
وسهر الليالي والسرى والتهجر
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الثانية عشر: فهو من علماء النصف الأول للقرن السابع. (1/346)
صفحة 347
الإباضية في موكب التاريخ
345
الإباضية في ليبيا (2)
إن الإرادة القوية، والعزيمة الصادقة، والصبر على المكاره، ومواصلة الكفاح في الليل والنهار لهي الوسائل التي ترتفع بالإنسان إلى مراتب المجد والكمال والشاعر يصور لنا الرجل الذي يظفر بإعجابه وحبه والرجل الذي يزدريه ويبتعد عنه في بيتين رائعين من الشعر القوي: أحب الفتى ماضى العزائم حازما لدنيا وأخرى عاملا بالتشمر
وَأَما أخو النومات لا مرحبا به ولا بالجثوم الراكد المتدثر قارن بين الرجال الثلاثة في هذين البيتين انظر إلى هذا الفتى الحازم صاحب العزيمة الماضية، الذي يشمر عن ساعد الجد، ويكافح من أجل الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة؛ إنها صورة للمسلم الحي الذي يعرف قيمة الرسالة المنوطة به في الحياة، وقيمة العمل الذي يسأل عنه يوم القيامة، فهو لا ينسي آخرته بدنياه، ولا ينسي دنياه بآخرته فيعيش عالة على الناس. ثُمَّ انظر إلى هذا الكسلان الذي يقطع يومه بالنومات، فهو لا يدأب على عمل، ولا يستمر في كفاح، استمرأ البطالة، وتعود على الامتداد لا يصلح لدنيا ولا الدين. أما الصورة الثالثة فهي لهذا الرجل الذي يقبع في زاوية البيت أو المسجد، قد تلفع بثوبه ور کد ركود الصخر، تحسب أن الحياة قد فارقته فهو جاثم جثوم الجماد لا روح له ولا حركة، وتأمل معي هذه الصورة الشعرية الرائعة للكسلان الذي يعيش على الأمل لا عَلَى العمل، يبيت ليله مهموما مشغول الفكر يقلب أوجه الرأي في طريق الكفاح، فإذا أصبح لم يعمل شيئًا، حَتَّى يأوي به الزمن السائر الدائر إلى ليلة مقبلة، فيعاود ما كان عليه، حتى ينصرم منه العمر ويذهب به التاريخ فيمن ذهب من
الناس:
جبال الأماني والوساوس والفكر
سمير هموم وسد الرأس ليله واقرأ معي إن شئت هذه الصورة الحية للإنسان في معركة الحياة: وما المرء في دنياه إلا كناعس أحاطت به الأمواج في لجج البحر
وتأمل معي إذا أردت هذه الصورة الرائعة لواقع الناس عندما يدهم أحدهم الموت فيذكرون الله، ويفزعون إليه ويخشون عاقبة أعمالهم، حتى إذا توارى إذا توارى الميت، وبعد عنهم
شبح القبر،
رجعوا إلى ما كانوا عليه من تكالب على الدنيا، ونزاع على لذائذها وشهواتها: ترى عند ذكر الموت للنفس نفرة وتأبي الطباع الانتقال عن الصبر (1/347)
صفحة 348
الإباضية في موكب التاريخ
كذئب دهى خرفان حي
فارزت
346
الإباضية في ليبيا (2)
وغاب فعادت لاقتطاف المنور
والشاعر العالم كبير القلب يحب الإخوان، ويبعث إليهم بتحاياه في كل مكان: سلام على الإخوان في كل موطن بنجد وخيف والسهولة والحزن ولكن هذا الحب لا يمنعه أن يوجه إليهم كلمة العتاب والتوبيخ عَلَى جُمود الفكر وضآلة العمل، وقرب الغاية التي يسعون إليها إذا كانوا يتجهون بدراستهم إلى أنواع معينة من المعارف تدر عليهم أرباحًا مادية، ولكنَّها لا تسمو بهم في ميادين الثقافة العالية، والكفاح المثمر، الذي يدعى إليه المسلم الحريص على أداء رسالة الإسلام. نظرتُ إلى قرائنا فوجدتهم
بفقه المعاش مولعين بالسن ومن أمر ما ينتقد على هؤلاء المتعلمين القاصرين أن معارفهم، سطحية لا تتجاوز ألسنتهم! لم يصلوا إلى أن يكون علمهم مبدأ، وعقيدة راسخة في القلوب عليها يعملون وبها يصدرون. والشاعر المؤمن العالم عامر الجوانب غزير المادة لا يصوره حديث عابر في فصل من
جديدا
كتاب، وإذا يسر الله فسوف أعود إليه في دراسة أدبية تتنازل بعض كبار الشعراء. كان أبو نصر يجلس على حافة الجبل، متجهًا إلى الشمال، حيث تنبسط أمام عينيه السهول الفسيحة، التي تمتد ما بين جبل نفوسة والبحر، وفي هذا الموقع الجميل الذي يطل منه على العالم، نظم أبو نصر أغلب شعره، وأكثر متونه، وفيه ألف مقاماته الرائعة، التي نحا فيها منحى بالنسبة إلى ما عرف من أساليب المقامات وأغراضها، لقد كان يأوي إلى ذلك المكان الشاعري بعد صلاة العصر، عندما تخف حرارة الشمس الغاربة، ويرق نسيم الأصيل. أما ليله الذي يبتدئ بعد نهاية الدروس التي يلقيها في المسجد بعد صلاة العشاء لعموم الناس، فقد كان يقسمه قسمين قسم لمذاكرة العلوم، ومراجعة الأسفار الضخمة، والتحقيق العلمي الذي يحتاج إليه. أما القسم الآخر فخاص بعبادة ربه يناجيه فيه، ويستلهمه الهداية والتوفيق والبركة، وعند الصباح كان يشتغل بالتدريس لينشئ جيلا من الشباب الواعي يتحمل عنه رسالة الإسلام. وهكذا كانت تمضى حياة أولئك الأعلام بين حلقات متواصلة من الكفاح، لا يفترون ولا يملون. وَأَما أخو النومات لا مرحبا به
ولا بالجثوم الراكد المتدثر (1/348)
صفحة 349
الإباضية في موكب التاريخ
347
الإباضية في ليبيا (2)
أبو موسى عيسى الطرميسي)
"طرميسة" اليوم: قرية صغيرة جاثمة على قمة ضاربة في الهواء بين واديين عميقين تشبه أن تكون ناطحة سحاب، أو وكر عقاب، يفصلها عن بقية الجبل من جهة الجبل خندق عميق يصل بين الواديين حفرته أيدي العمال الأقوياء ليحفظوا هذه القرية الصغيرة من عدوان المعتدين، ومفاجآت المغيرين، عندما تكالب الناس على الدنيا، وبعدوا عن دين الله؛ فكانت بذلك تشبه أن تكون جزيرة معلقة في السماء .. "طرميسة" القديم فيقع إلى الجنوب بنحو ميلين على حافة الوادي الجميل، الذي تنبع منه عين "قلو" حيث ترد اليوم أسراب من الحمام يخطئها العد، وفي هذه القرية التي تطل عَلَى هذه العين، التي كانت في يوم من الأيام شبيهة بعين الزرقاء، ولد أبو موسى عيسى الطرميسي، وفيها نشأ، وَلَمَّا بلغ سن الدراسة التحق بمدرسة أبي يحيى وجدليش، وعنه، درس، وفيها تخرج، وَلَمَّا أَتم دراسته أسس مدرسته العظيمة التي خرجت عددا غير قليل من الأعلام.
أما موقع
تقع المدرسة التي أسسها أبو موسى عيسى الطرميسي فوق ربوة عالية متوسطة بين "جادو" و"طرميسة"، ويظهر أنه اختار هذا المكان حتى يكون وسطا بين مجموعة من القرى، يأتي إليها الطلاب الذين يقيمون في الأقسام الداخلية التي أعدتها لَهُم المدرسة، فقد كانت تبعث إليها مبالغ من المال من مختلف الجهات لينفق منها على طلاب هذه المدرسة.
انقطع هذا العالم الكبير إلى التعليم، فلم يشغله عنه مال ولا ولد، والما نصحه أصدقاؤه أن يتزوج، ولكنَّهُ آثر العزوبة التي ينقطع فيها إلى العمل والعبادة، فلم يتخذ له شريكة في الحياة، ورهب كُلّ حياته لربه وطلابه.
قضى زمنا غير قصير في تنظيم هذه المدرسة التي أسسها في مركز ممتاز، يجمع بين عدد من القرى، فَلَمَّا استقرت أركانها، وقويت عَلَى أداء رسالتها، وانتظم أمر
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الرابعة عشر: فهو من علماء النصف الثاني للقرن السابع. (1/349)
صفحة 350
الإباضية في موكب التاريخ
348
الإباضية في ليبيا (2)
التعليم
التعليم والطلبة فيها، تركها لبعض طلابه النجباء يتولى أمرها، ويسير قضية التعلـ فيها، وانتقل إلى تلك المدرسة العظيمة التي أسسها أبو زيد المزغورتي، حين شعر أن
أمر التعليم في هذه المدرسة العظيمة بدأ يتدهور، وقام بهذه الرسالة المقدسة في هذه المدرسة الكبرى فانتعشت حركة التعليم وعادت فيها السيرة إلى ما كانت عليه يوم كان يشرف عليها أبو زيد العالم العظيم، وقد بقي في هذه المدرسة حتى وافته المنية سنة عشرين وسبعمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى
التحية.
كان أبو موسى جميل الطلعة، قوي البنية نبيل الصورة أبيض اللون، تبدو عليه سيماء الصلاح؛ ولما أحس بدنو الأجل، أوصى أن تكون مكتبته العامرة وقفا على طلبة نفوسة وعلمائهم، ولست أدعى في هذا المقام أن هذا الموقف من أبي موسى يعتبر الفكرة الأولى لتكوين المكتبات الشعبية، فأنا أعرف أن الدول قبل هذا الأوان كانت تكون المكاتب التي تجمع أندر ما في العالم من نفائس، ولكنني لا أزعم أني وقفت فيما اطلعت عليه أن شخصا سلك هذا المسلك، وَكُلّ ما عرفت أن الشخص قد يحرص على بعض نفائسه، فيجعلها وقفا على أبنائه، أو ما يشبه ذلك. وفي رأيي أن أبا موسى قد يكون صاحب الفكرة الأولى لتكوين المكتبات
الشعبية، التي تيسر الاطلاع للناس دون اعتماد على أموال الدولة أو سلطة الحكم. أحسب أني أشرت في بعض الفصول السابقة أن مدرسة أبي موسى عيسى بن الطرميسي تكون اتجاها جديدا في الحياة العلمية بالجبل، ويصح أن تعتبر مبدأ
عيسي
ما
نهضة علمية سلكت وجهة كانت خيرًا وبركة عَلَى الأُمَّة، هذا الاتجاه هو حرص عليه أبو موسى من توجيه طلابه إلى تأليف الكتب هذه الناحية التي كانت فيما سبق لا يشتغل بها إلا بعض الأفذاذ الذين يجدون فراغا في وقتهم، وَإِنَّمَا كانوا يعتمدون على الرواية ولاسيما في علوم الشريعة بمختلف فنونها، وقد استجاب أولئك الطلاب الذين أصبحوا فيما بعد علماء قد يفوقون أستاذهم، استجابوا له، وعكف مجموعة منهم عَلَى التحرير فأنجزوا لنا في زمن قصير مجموعة من
الكتب (1/350)
صفحة 351
الإباضية في موكب التاريخ
349
الإباضية في ليبيا (2)
القيمة، التي يحق أن تفخر بها المكتبة الإسلامية في كل العصور، ويكفي أن نضع على رأس القائمة مؤلفات فيلسوف الإسلام "الجيطالي" ليعرف الباحثون عن التراث الإسلامي أي ثروة تركتها لنا هذه المدرسة العظيمة التي لم يبق منها إلا مسجد فوق ربوة عالية، بين طرميسة" و"جادو" يصارع الزمن، ويتحدى التاريخ. قد يفهم القارئ الكريم من حديثي هذا أن حركة التأليف في العصور التي سبقت أبا موسى الطرميسي كانت ضئيلة، أو ضعيفة، فإذا خطر لأحد القراء الكرام مثل هذا الخاطر فليعلم أنني لم أقصده أبدا؛ فإن حركة تأليف الكتب لم تتوقف يوما من الأيام منذ تشرفت هذه البلاد بالإسلام، وَإِنَّمَا كان الاهتمام بهذا المنحى اهتماما فرديا لا، مدرسيا، أمَّا أبو موسى فقد وجه مدرسته نفسها إلى العناية بالتأليف، ولذلك فلم يبق أحد من طلابه ممَّن يقوى على القيام بهذه المهمة دون أن يقدم إلى المكتبة الإسلامية ما يستطيع من نتاج.
وقد استمرت هذه الحركة منذ هذا الجيل، أو هذه المدرسة جادة نشيطة تؤتي
أحسن الثمار.
لا يكاد يوجد شخص مِمَّن ينسب إلى العلم في ذلك العصر لم يدرس في مدرسة أبي موسى، وقد تخرج فيها عدد غير قليل من العلماء الأعلام، وحسبها أن يكون من طلابها فيلسوفا الإسلام المؤمنان العالمان العاملان أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، وأبو ساكن عامر بن علي الشماخي، و- سب أبي موسى شرفا أن يكون
هذان العالمان من
طلابه. (1/351)
صفحة 352
الإباضية في موكب التاريخ
350
الإباضية في ليبيا (2)
أبو طاهر إسماعيل الجيطالي
(1)
"جيطال": مدينة فسيحة تقع بين "أمسين" و"إينر"، على ربوتين متقابلتين كأنها هدان على صدر حسناء تُحيط بها من جميع الجهات غابات كثيفة من الزيتون والتين. وفي هذه المدينة الفسيحة نشأ فيلسوف الإسلام صنو أبي حامد الغزالي: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي.
درس أبو طاهر على أبي موسى عيسى الطرميسي، ومن مدرسه العامرة تخرج، وبلغ من فهم الإسلام وأسرار الشريعة مبلغًا قصر عنه الطالبون، وتضاءل دون بلوغه العارفون .. اشتغل بالتدريس في مدرسة أبي زيد المزغورتي، وقد التقى فيها بعد وفاة شيخه أبي موسى بزميله وصديقه العلامة أبي عزيز، ثُمَّ انتقل إلى "فرسطاء"، فقام فيها بالتدريس تسع سنوات كاملة .. وأخيرًا انتقل إلى جزيرة ة" وبقي فيها إلى أن وافاه الأجل المحتوم، فلحق بربه.
أبو طاهر الجيطالي عملاق من عمالقة الفكر الإسلامي في ذلك العصر، خدم الإسلام بإخلاص المؤمن وجد العالم وعمق الفيلسوف، والآثار القيمة التي تركها تحتاج إلى مزيد من العناية والدراسة والبحث، ولو قدمت تلك الآثار اليوم إلى المكتبة الإسلامية الغنية لاحتلت بينها مكانا مرموقا. وَلَعَلّ من أعظم ما كتب عن معاني الإيمان وفلسفة الأخلاق: كتابه القيم "قناطر الخيرات" في ثلاثة أجزاء ضخمة، والجيطالي وإن كان متأخرا عن الغزالي، إلا أن مقارنة بينهما قد تكون من المباحث الممتعة التي تحتاجها المكتبة الإسلامية، والمقارنة بين الفيلسوفين المسلمين العظيمين تحتاج إلى ذهن صاف وفكر نير، وفهم عميق الروح الإسلام، وأثرها في العقيدة والسلوك.
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الخامسة عشرة: فهو من علماء النصف الأول من القرن الثامن. (1/352)
صفحة 353
الإباضية في موكب التاريخ
351
الإباضية في ليبيا (2)
والجيطالي لو لم يقدم إلى المكتبة الإسلامية إلا هذا الكتاب، لكان فيه الكفاية، ولكن الرجل مطبوع على حب الكفاح في سبيل الإيمان والعلم، فهو يدعو إلى ذلك بسلوكه ولسانه وقلمه لم يفتر عن هذا الكفاح حتَّى لحق بالله، وقد ترك فيما ترك "قواعد الإسلام"، ولا يقل هذا الكتاب روعة عن القناطر، وإن كان كتاب القواعد لم يعن بالناحية الفلسفية للشريعة الإسلامية، وَإِنَّمَا عنى المؤلف فيه بالتحليل والتعليل والتدليل، ويعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع في قواعد الإسلام الخمسة، وهو كتاب ضخم قل أن تجد في موضوعه مثله.
وشرح قصيدة الشاعر العبقري أبي نصر الملوشائي، المسماة بالنونية، والتي
مطلعها:
سلام على الإخوان في كُلِّ موطن
وَإِنَّهَا لَمتعة للنفس والفكر والعقل أن تقرأ شعراً لأبي نصر يقدمه إليك أبو طاهر
ويشرحه لك.
وجمع المناقشات التي كانت تدور بين أئمة العلم فنسقها وقدمها في كتاب قيـ يشتمل على ثلاثة أجزاء. وقد اهتم بفريضة الْحَجّ اهتماماً خاصاً، فأفردها بكتاب فريد في نوعه وأسلوبه وروحه، وحسبك أن تعرف أنه كتب بروح أبي طاهر الجيطالي. جمع كثيرا من الرسائل، ونظم عددًا القصائد، هي إلى معاني الفلسفة أقرب من منها إلى أغراض الشعر.
إن الذي يقرأ الفقرات السابقة يحسب أن العمل في حقل العربية والإسلام لم يترك للفيلسوف الكبير وقتًا أو مجالا يعمل فيهما في غير هذا الحقل، ولكن الواقع هو غير ما يظنه هذا القارئ الكريم، فإن الفيلسوف بلغ في العلوم الرياضية المعروفة في ذلك الحين مبلغا يقصر عنه الأقران، وقد ألف في الحساب والهندسة.
وإلى هذا الجهد المتواصل في التأليف كان يشتغل بالتدريس، وكان لا يتوقف عن دروس الوعظ والإرشاد ولا يقف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان (1/353)
صفحة 354
الإباضية في موكب التاريخ
352
الإباضية في ليبيا (2)
يعيش في مجتمعه عيشة حقيقية، يعرف ما يقع فيه من هدي وظلال، ولذلك فقد كان يحارب أسباب الضلال حربًا متصلة لا تتوقف ولا تهادن سواء كان هذا
الله
وقد كان يغشى
الضلال زيفا في العقيدة، أو انحرافا في العمل، أو استهانة بالواجب، أو جهلا الأسواق، ويدخل المجتمعات يبين للناس الحق من بأحكام دين الباطل والحلال من الحرام حتّى قال بعض العابثين: "إن أبا طاهر قد علم التجار جميع وسائل الغش، يعنون أنه ينهاهم عنها فتعلموها منه.
إن عزائم الأبطال لا تضعف ولا تتوقف عند حد، وهؤلاء الأعلام حين يخدمون الإسلام ويخدمون الأمة، ويخدمون الوطن، يخدمونها في جميع الوجهات، وبجميع القوى والإمكانيات، قلم لا يكف عن الكتابة، ولسان لا يكف عن الهداية، وسلوك لا يحيد عن صراط الله السوي، وجوارح لا تعرف التعب أو السام .. إِنَّهَا جهود جبارة متواصلة متتابعة متعاونة.
من
سافر إلى طرابلس في تجارة، وكانت شهرته بلغت الآفاق، فجمع له الأمير عددًا المدينة، للجدال والنقاش فعجزوا عن الوصول إلى شأوه،
العلماء، فيهم قاضي والتطلع إلى الأفق السامي الذي يحلق فيه حتّى تحداهم فقال: "هل عندكم من فتخرجوه لنا، فحقد عليه القوم وَلَمْ يزالوا بالأمير حَتَّى سلبه ماله وسجنه وي في السجن حتى شفع فيه ابن مكي" أمير قابس، فأطلق سراحه. أقام بـ"فرسطاء" مدة من الزمن، تبلغ تسع سنوات، يقوم فيها بالتدريس، ويقيم ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكافح الأمراض الاجتماعية التي تتسرب إلى الأمة بطرق خفية حتَّى إذا كثرت استعلنت وفشت! .. سمع يوما بأن خمراً عند أحد الناس فخرج إليه في جمع من الفقهاء والعلماء وأهل الصلاح ليغيروا هذا المنكر، ويطلبوا من هذا المنتهك لحرمة الإسلام أن يكف عن معصية الله معصية الله ويتوب إليه، ولكن أهل العاصي غلبتهم قوة القرابة عن أمر الله، وساقتهم عصبية الدم إلى معارضة حكم الدين، فاعترضوا طريق الشيخ وأصحابه، وامتنعوا عن تسليم المجرم الذي انتهك الحرمة، وأعلن المعصية؛ فرجع الشيخ آسفا وعزم عَلَى الارتحال، ولَمَّا تعلق به الناس يمنعونه من (1/354)
صفحة 355
الإباضية في موكب التاريخ
353
الإباضية في ليبيا (2)
الرحيل، ويحولون دونه قال لهم: "لا أقيم في بلد لا يقام فيه الْحَقِّ، ويمنع المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا انتقل من جبل نفوسة إلى جزيرة جربة، وكان لانتقاله ذلك أثر أكبر من إقامة الْحَدّ، وأخذ العاصي بالعقاب؛ فقد أعلنت المدينة براءتها من المجرم وأهله، وقطعوا التعامل معه ونبذوه كما ينبذ المصاب بالأمراض السارية، فضاقت بالرجل وأهله الأرض، وأعلنوا توبتهم ورجعوا يلتمسون السماح، ويطلبون تنفيذ حكم الله، وطأطأوا تلك الرؤوس التي نفخ فيها الشيطان فارتكبت أكبر جريمتين في شرع الأخلاق والدين، وهل أكبر من شرب الخمر ودعوى الجاهلية.
زار بلده "جيطال" فوجد العلامة أبا ساكن عامر بن علي الشماخي في المسجد يدرس بعض الكتب بعد صلاة العشاء، والعلامة أبو ساكن من خريجي مدرسة أبي موسى الطرميسي التي درس فيها الجيطالي، وإن كان الجيطالي أسبق من أبي ساكن في حلقة الدرس فهما زميلان بالنسبة إلى المعهد وإن لم يجتمعا في عهد الدراسة. وجلس الفيلسوف الكبير إلى العالم الكبير، وجرى بينهما النقاش الممتع الذي يجري بين صديقين ذكيين عالمين، واستمر بهما الحديث إلى أن قاما إلى صلاة الصبح، وأجاب العالم الكبير عن جميع الأسئلة التي وجهها إليه الفيلسوف الكبير، فلم يتوقف في مناقشة، وَلَمْ يعي بجواب فكان أبو طاهر يقول بعد ذلك إذا سئل عن أبي ساكن الشماخي: "عامر" وحيد دهره"، والرجل الذي ينجح في امتحان يعقده له أبو طاهر، ويناقشه فيه ليلة كاملة حقيق أن يكون وحيد دهره، على أن الآثار التي خلفها الشماخي كافية للدلالة على سموق مترلته، وارتفاع مكانته. لقد عاش الجيطالي في القرنين السابع والثامن يملأ الدنيا علما، وحكمة، وخلقا، ودينا، وتوفي سنة خمسين وسبعمائة (750 هـ)، بعد أن ضرب مثلا رائعا للمسلم المكافح الذي لا يعوقه شيء عن بلوغ أنبل الغايات وأسمى المقاصد. (1/355)
صفحة 356
الإباضية في موكب التاريخ
354
الإباضية في ليبيا (2)
" يفرن " (1):
أبو ساكن عامر الشماخي
اسم يطلق الآن على مجموعة من القرى المتجاورة، وقد كان عدد منها متصلا يكون مدينة عظيمة تُسَمَّى "البيضاء"، ومن هذه المجموعة تنتأ قرية إلى الشمال الغربي تسمى "ديسير" كان لها تاريخ حافل وبها الحصن العظيم الذي يتكون من نحو ألف وثمانمائة غرفة بعضها فوق بعض خربته الدولة التركية عند احتلالها للجبل، كما خربت كثيرًا غيره من القصور الشاهقة التي تعتبر معاقل للتحصن ومخازن للحفظ. وتقع هذه المدينة الكبرى بقراها التابعة لها عَلَى منبسط من الجبل قد تنتأ فيه ربوة غير عالية أو ينحدر فيها واد غير عميق، والمنطقة التي تقع فيها هذه المدينة تعتبر من أجمل مناطق الجبل وأخصبها أرضاً، وأجودها، تربة وألطفها هواء، وأعذبها ماء.
في هذه المدينة الكبيرة الجميلة الغنية نشأ أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن يسيفا و
الشماخي.
مسلكه، وهو صغير
ممسكا
برسن
نشأ طفلا يطل الذكاء من عينيه، وتظهر النجابة عَلَى مخايله، ويرى الصلاح على صغير أرسله أبوه ليرعى بقرة مع رفاق له فمر بهم أعرابي وجد عامرا البقرة يتتبعها خطوة خطوة هي تنتقي الأعشاب وتختار أنواع الكلا، فقال له الأعرابي: "لماذا" تُمسك برسن البقرة دون، رفاقك هلا أرسلتها واسترحت ولعبت مع أقرانك؟ " فقال عامر: "أخشى أن تغشى زروع الناس وعجب الأعرابي من خلق هذا الطفل الصغير؛ فَلَمَّا دخل المدينة ذهب إلى أبي عامر يقول له: "إن ولدك يصلح للدراسة
11
(1) قال سليمان باشا الباروني في سلم العامة والمتدئيين" ص 39 وهذا الاسم أي يفرن الآن يطلق على قرى متعددة، وهي: تفرست، وديسير، ويقال لها الشقارنه كان بها قصر فيه نحو ألف وثمانمائة بيت، طبقات بعضها فوق بعض، خربته عن آخره الدولة العثمانية، وكان من أعظم حصون الجبل، والقصير وتاغمة، وقصبة مانة، وناز مرايت وقصبة بن مادى والمعانين والقراديين والمشوشين والبخاخة، وفي هذه الأخيرة مدرستنا التي جددتها سنة 1322 هـ، وهي الآن عامرة بالإباضيَّة، وفيها من الرجال المعتبرين أرباب الشهامة والفضل والدين ممن يفتخر بهم
الزمان. (1/356)
صفحة 357
الإباضية في موكب التاريخ
355
الإباضية في ليبيا (2)
لا لرعي الأبقار"، وكانت هذه الحادثة نقطة تحول في حياة هذا الطفل النجيب، وفي اليوم الثاني أرسله أبوه إلى المدرسة بدلا من مرعى البقر.
وبعد
أن تلقى المبادئ الأولى في مدرسة "البخابحة" التي كانت تقوم برسالة التعليم
لقرون طويلة، التحق بالمدرسة العظيمة، مدرسة أبي موسى عيسى الطرميسي، هذه المدرسة التي خرجت عددًا غير قليل من أعلام الدين والفكر وفيها درس، ومنها تخرج، وكان أحب الطلاب إلى الشيخ الكبير وآثرهم عنده حَتَّى خصه دون بقية الطلاب النجباء يحمل الأمانة، فقال له: "لقد أبلغت إليك هذا الدين سالما دون أن تشوهه الخرافة أو البدعة فإن حافظت عليه بقي، وإن أهملته ضاع (1).
بعد أن أتم دراسته رجع إلى "يفرن وكون هناك مدرسته الكبرى التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، في نقطة متوسطة بين قرى يفرن، وبدأ كفاحه في نشر العلم، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الثقافة والوعي الديني والخلقي بين الناس مدة من الزمن، ثُمَّ انتقل إلى مدرسة أبي زيد المزغورتي، وتعاون مع زميله وصديقه الشيخ أبي عزيز في حمل الرسالة المقدسة حَتَّى استقامت ووجد أبو عزيز من طلابهما من يساعده على أداء هذا الواجب، فانتقل أبو ساكن إلى "ميتيون" في أرض الرحيبات، وهنالك بقي ثلاث عشرة سنة، استطاع خلالها أن يرجع إلى تلك البلاد عهدها الزاهر في العلم والفضل والدين، ثُمَّ رجع إلى مدرسته العظيمة في "يفرن وبقي بها إلى أن اختاره الله للرفيق
الأعلى.
لقد
حرص أبو ساكن أن يكون عند حسن ظن أستاذه، فبذل جهدًا لا يقل عن جهد شيخه، وترك من الأثر ما لا يزال إلى اليوم.
من
مكان
قد يخطر سؤال على بال أحد القراء الكرام فيقول: لماذا ينتقل هؤلاء العلماء إلى مكان يؤسسون مدرسة في بلد من البلدان، وبعد زمن طويل أو قصير ينتقلون إلى بلد آخر فيقومون بنفس الرسالة، ثُمَّ لا يلبثون أن ينتقلوا منها.
1) نقلت هذه العبارة بتصرف. (1/357)
صفحة 358
الإباضية في موكب التاريخ
356
الإباضية في ليبيا (2)
والجواب على ذلك معروف من قواعد الْمَذهَب، فإن أولئك العلماء الأعلام يؤمنون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وهم لا يستطيعون أن يحاربوا الجهل أو المنكر أو الفساد أو الانحراف عن بعد، أو بالمراسلة؛ ولذلك فهم يدرسون المجتمع ويعرفون جوانب الحياة في كُلّ جهة من جهاته، ويتلمسون الأمراض التي تصيب الأمة في دينها أو في خلقها، وفي المحل الذي تبدو ظواهر بعض هذه الأمراض يتخذون مراكز علمهم، وينطلق كفاحهم حَتَّى يستأصلوا الداء ويبيدوا جراثيمه التي تفتك بالأمة، فإذا علموا أَنَّهُم قضوا عَلَى هذه الأمراض الاجتماعية والدينية الفتاكة وأمنوا عَلَى هذا الجانب من الأُمَّة، ورأوا آثار أعمالهم، انتقلوا إلى غير ذلك المركز ليقوموا بنفس العمل. إن أولئك الأعلام كانوا يرون أنهم محاسبون عَلَى إبلاغ رسالة الله إلى محمد و كما جاء بها، ولن يعذرهم ربهم أن يعملوا عَلَى تبليغها في مكان واحد وهم قادرون أن يبلغوها في أمكنة متعددة، إنَّهُم يلاحقون هذه الأمراض أمراض الجهل، والانحراف عن بالزيغ أو الإهمال، كما يحارب أبطال السيف هجوم الأعداء؛ فما يسمعون بغارة كبيرة أو صغيرة في طرف من أطراف الوطن حَتَّى ينطلقوا إليها. هكذا كانوا يفعلون، وبهذه السيرة سار أبو طاهر الجيطالي، وبهذه السيرة سار أبو ساكن عامر الشماخي، وبهذه السيرة سار عبد الله الباروني، وبهذه السيرة سار عشرات المشايخ الأعلام من قبل هؤلاء ومن بعدهم وفي عصورهم لا يفتر عزائمهم إعراض الجاهلين ولا هزء المتكبرين، ولا يقعد بهم حب المال أو الأهل أو القرابة، ولا يألفون الاستقرار والإقامة؛ فما الحياة في نظرهم إلا رحلة متصلة لا يهم المسافر فيها المكان الذي يبيت فيه، سواء بات بـ"يفرن" أو بـ "مزغورة" أو بـ"مرساون" أو بـ"لالوت" ذلك أنه لا يريد أن يتأثل مالا أو يبني قصورًا، أو ليعيش حياة رغد ورفاهية. إن نفسه لتتوق إلى ذلك وهو يستعد لها، وإنه ليرجو من الله أن يكون له ما يشتهي وفوق ما يشتهي، بعد أن يتمّ هذه الرسالة الطويلة ويستقر إلى الحياة الوادعة الآمنة التي لا
دين
الله
نقلة فيها ولا انتجاع. (1/358)
صفحة 359
الإباضية في موكب التاريخ
357
الإباضية في ليبيا (2)
وعاش أبو ساكن كما عاش أبو طاهر حياة كفاح متواصل لا ينقطع، حَتَّى صح لأبي العباس أن يقول فيهما: "وكان أي أبو ساكن مع أبي طاهر كفرسي رهان يتسابقان
في ميدان".
ولست أدرى هل يحق لي أن أزعم أن أبا طاهر جلي في ميدان التأليف وأن أبا ساكن جلي في ميدان التدريس وليس معنى هذا أن مجهود أبي طاهر في التدريس كان ضئيلا، أو أن عمل أبي ساكن في التأليف كان قليلا ليس هذا ما أقصد فإن أبا طاهر كما أسلفت في الحديث عنه لم ينقطع عن التدريس، وَلَمْ يتوقف عن الإرشاد العام، ولكنَّه مع ذلك قدم لنا ثروة فكرية قيمة، تشغل حيزا هاما من المكتبة الإسلامية العامرة، وجهده في هذا الميدان أكثر أثرًا من جهده في ميدان التعليم .. أما أبو ساكن فقد ترك لنا عددًا العلماء من الأعلام الذين كافحوا الجهل والبدعة والانحراف والفساد، وألفوا مجموعة من القيمة، وقاموا برسالة التعليم المقدسة، التي تدعو إليها جميع النبوات، وهو إلى هذا المجهود العظيم قد قدم إلى المكتبة الإسلامية آثارًا قيمة رائعة ولو لم يكن فيها غير كتابه القيم "الإيضاح" لكان ذلك كافيًا.
الكتب
يقول أبو العباس عن هذا الكتاب: "وهذا التأليف ما أظن ألف في الْمَذهَب مثله، جمعًا وتعليلا، واختصارًا غير مخل، وتطويلا غير مُملّ ولا مكرر، وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا، خصوصاً نفوسة، هذا ما يقوله أبو العباس عن هذا الكتاب القيم، أما أنا فإن الإيضاح أحب الكتب إلى نفسي، وآثرها عندي بعد كتاب الله وصحاح الحديث الشريف، وفي جميع مشاكلي العلمية التي تدخل في نطاق أبحاثي أرجع إليه قبل أي كتاب، عَلَى كثرة ما ألف في الْمَذهَب من نفائس وأعلاق.
أخذ
عنه
العلم عدد غير قليل من العمالقة العظام منهم ولده موسى، وحفيده سليمان، وأبو يعقوب يونس بن مصباح، والشيخ ابن مُحمَّد بن الشيخ، وأبو زكرياء يحيى بن زكرياء، وأيوب الجيطالي، وأبو القاسم البرادي، ونوح بن حازم المرساوني، وأبو الله مُحمَّد التّفْجَاني، وأبو الضياء الطرميسي، وغير أولئك من الأعلام الذين لا
عبد
يستقصيهم
العد في مثل هذا المقام. (1/359)
صفحة 360
الإباضية في موكب التاريخ
358
الإباضية في ليبيا (2)
أحس أبو عزيز صديق أبي ساكن في الدراسة بدنو الأجل، فبعث إلى صديقه يدعوه إليه وكان أبو ساكن قد قرر زيارة صديقه العزيز، فوافاه في آخر أيام الحياة الدنيا وتحادث الصديقان العزيزان وتواصيا بما يتواصى به المؤمنون المتقون، ثُمَّ افترقا في دنيا الفناء إلى لقاء في الآخرة سعيد، وقد أفضى أبو عزيز بما في نفسه إلى صديقه، وَلَمَّا لحق بربه انتقل طلبته إلى أبي ساكن، ولحقوا بمدرسته العامرة. كان أبو ساكن مثلا يُحتذى به في الجد والعمل والخلق الحميد، إنَّه من أولئك الدعاة الهداة الذين يقيم بهم الله الحجة عَلَى العباد في مختلف الأزمان والمؤرخون يروون أمثلة رائعة عن جده في التعليم، وحرصه عَلَى نشر الثقافة والوعي الإسلامي في الأمة، وقيامه بالعبادة الخالصة المتواصلة لربه، والتزامه للسير في
الطريقة القويمة، وإحياء لسيرة الصالحين.
وقد أطال الله في عمره الخير، حَتَّى أعياه الهرم، وَلَكنَّه مع ذلك لم يكن ليترك
ما أخذ به نفسه من إلقاء الدروس وإرشاد الناس، وملازمة المسجد، وقد ذكر أنه صلى بالناس في مصلى مسجده - وكان الوقت صيفًا - وَلَمَّا أخذ في الدعاء نزل منه البول دون أن يشعر حَتَّى ظهر من تحته ووقره الناس فلم يخبروه، فلما فطن إليه ورآه بكي -رحمه الله- وقال: "أطمع من وقال: "أطمع من الله أن يطهر الله أن يطهر منه المصلى"، فلم يلبث إلا قليلا حتى تكون سحاب، ونزل مطر غزير طهر المصلى، «إن الله
عِبَادًا لَو أَقسَمُوا عَلَيْهِ لأَبَرَّهُم». لقد كان رحمه الله مؤمنا أصدق المؤمنين، ومكافحا في الله من أشد
من
المكافحين، وكان متخلقا بخلق القرآن، حكيما، وقورا، عفيفا، لين العريكة، سهل الخلق، يُحِبُّ الناس ويُحبونه ويألفهم ويألفونه، إلا أن تنتهك حرمه من حرم الله، فَإِنَّهُ لا يقر له قرار حَتَّى يقوم فيها بأمر الله.
******* (1/360)
صفحة 361
الإباضية في موكب التاريخ
359
الإباضية في ليبيا (2)
أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى)
نشأ في مدينة "يفرن"، هذه المدينة العظيمة التي تتكون من مجموعة قرى لا تخلو إحداها من علم وفضل، وَلَعَلَّ من الخير أن أدع شاهد عيان يتحدث عنه، فقد جلس إليه العلامة أبو العباس الشماخي وسمع منه وناقشه فلندعه يتكلم، قال: "أخذ العلم من عمنا الله عبد الشماخي وغيره، وكان محققا، وحيد العصر، فريد الدهر، إماما في العلوم، وكنت سمعت بتونس حاضرة أفريقية من البَيْدَمُوري، وكان محققا في العلوم كلها عَلَى ما يدعى – وكنت أقرأ عليه وقد سألني عن الشيخ أبي يوسف وعن حاله فقلت له: بخير، وكان يؤمئذ حيا فقال:
"ما في تونس أنحى منه أي أعلم منه بالنحو - وكان بها أقرأ العلوم من النحو والبيان والمنطق والأصول، وسمعت من فقهاء تونس أخبارا في علو درجته في العلم، وكان طلبته بها ومن أخذ منه يفتخر على غيره، وذكر أنَّه اختلف مع بعض الأشياخ بها في مسألة في النحو، فأحضر في إثباتها ما يقرب عَلَى عشرين شاهدًا من أشعار العرب، ثُمَّ انتقل إلى "أمسين قرية من نفوسة وأقام بها إلى أن توفّي في شوال عام أربعة وتسعين وثمانمائة (894 هـ)، وقد جالسته مرارا وباحثته فما رأيت في جميع من لاقيت أكثر استحضارا منه، لو جالسته يومك ما ظفرت بكلمة لحن فيها في إعراب ولا تصريف، ولا يسكت ولو هنيهة، فكل كلامه علم مع سرعة لسان، إن سألته مسألة لا ينفصل منها إلا أن عن تعارضه بسؤال آخر، أما النحو فعشه الذي يعرف كيف يدخل فيه ويخرج، وَأَمَّا اللغة والتصريف فيا للعجب، وَأَمَّا التفسير فلو ادَّعى أحد أنَّه ما شذ عليه شيء من التفسير ما كذب. وعلم الحديث أظن أنَّه يحفظ ما رواه المخالفون والموافقون بضبطه وشكله ومعناه، وعلم التاريخ وتسمية الرواة والعلماء فكأنه حضر معهم، وصحبهم، وعلم الرقائق من الوعظ والتذكير فآية وهو مفزع علمه والفقه حضرت عنده مراراً يحكم بين الناس فتعجبت من تفصيله، فقلت: "لا ينبغي أن يحكم بين الناس إلا مثل هذا"، وأتيته يوما
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الثامنة عشرة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن التاسع. (1/361)
صفحة 362
الإباضية في موكب التاريخ
360
الإباضية في ليبيا (2)
زائرا وهو شيخ كبير فألقيته يدرس تحت شجرة التين فتسمعت فإذا هو يقرأ مقدمة الخونجي في المنطق. وأما القرآن فأظنه يقرأ كتاب الله بالسبع. والبيان والأصول فهما
نصب عينيه.
و حضرت مجلسه يوما وكنت قبل مستشكلا مسألة فلم أجد من أزال إشكالها فوقعت في المجلس عارضة من غير أن أسال عنها، فباحثته فرأيت منه ما أبهرني، وأودعت بعض البحث في إعرابي لمشكل كتاب الدعائم في أوَّل قصيد الجنائز وغيرها، وذكر لي بعض طلبته أنَّه بقي في آخر عمره خمسة أعوام ما وضع جنبه عَلَى الأرض نائما، طوى الفراش، وكان صائم الدهر، وكانت صدقاته سرًّا، وكان كثير الصلاة، وعادته يعظ الجالس إليه، أو يقرأ القرآن أو يدرس ما حفظ من العلوم، أو ينظر في الكتب، وإذا أخذه النعاس تناوم قليلا كذلك".
قال لي: "حفظت ابن حريق في اللغة في خمسين يوما، وكان يدرسه ويدرس المقامات، وكان كثير الحفظ". قلت له يومًا كدت أن تكون ترجمان القرآن، ما رأيت احفظ
منك! ".
محمد
قال عمنا عبد الله بن عبد الواحد: "لا أصله في الحفظ. وزرته مريضا ومعي الحاج بن عبد الله العماني السمائلي وعمنا يونس بن مُحمَّد، فتكلما معه في علم الطب فأفحمهما، وقال عمنا يونس: إذا" شاب ابن آدم تشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل، فضم شين تشب أظن فأنكر عليه وأخذ في تصريفها بلغاتها ومصادرها، فكأنه ينظر في إصلاح المنطق لابن السكيت، أو فصيح ثعلب، وبالجملة من لم يره لم ير ما يتحدث به في أخبار العلماء، ومات وَلَمْ يترك تأليفا مع أنه ذو قدوة على التأليف في أي علم أراد، خصوصا التفسير والحديث".
إنني اكتفى بما رآه العلامة الشماخي، ورواه عن هذا العملاق من عمالقة العلم
والدين.
000 (1/362)
صفحة 363
الإباضية في موكب التاريخ
361
الإباضية في ليبيا (2)
أبو العباس الشماخي
(1)
عمره
يشرفني أن أقف هنا لأدع الحديث للإمام القدوة أبي إسحاق اطفيش - أطال الله عم
الفقه
وصنف
وأبقاه ذخرا للإسلام قال أبو إسحاق: "وأما البدر الشماخي فهو الإمام المجتهد أبو العب بدر الدين أحمد بن أبي عثمان بن سعيد بن عبد الواحد بن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن مُحمَّد بن عمر بن يحيى بن إبراهيم بن موسى بن عامر جد الإمام أبي ساكن عامر بن موسى بن علي بن عامر الشماخي، فهو يجتمع بهذا الإمام في جده فيما يتبادر، توفي رحمه الله عَلَى ما ذكره العلامة أبو زكرياء الباروني سنة 928 هـ. وأبو العباس من أعلام العلم الذين لَهُم شأن عظيم لجدهم واجتهادهم، وبلغوا مترلة قصوى في العلم كانوا بها مناراً يهتدى به وعلما يُعتصم به، ويلجأ إليه، إذا ألف كان آية، وإذا ردت إليه مشكلة كان في حلها غاية، وإذا حضر مجلسًا من مجالس العلم كان فيه النهاية، له من التصانيف في عدة علوم كلها تعد من الأمهات خصوصا مقدمته في أصول وشرحها، اختصر المقدمة كتاب العدل والإنصاف لشمس الدين أبي يعقوب من الوارجلاني، فكانت أجمل وأنقى متن في أصول الفقه وأمتن عده، وأجدى مادة لمن يريد حفظ قواعد الأصول، وإني لأراها أحسن متونها شمولا وإيجازا، وشرحها وإن كان مختصرا جدا إلا أَنه عَلَى جانب كبير من النفاسة والتحقيق، ومن مراجع تراجم الرجال وتاريخ أهل الْحَقِّ والاستقامة، كتاب السير له، يظن الذين لاحظ لَهُم من التاريخ، ولا قدرة لَهُم عَلَى جوب مراحله ودخول ميادينه أنه كتاب غير مفيد، ولكنَّهم لا يعلمون أنه ثروة ومادة أخذت من كل ناحية بسبب، واختصت بذكر أساطين العلم والدين. وأتت منهم بعجب، وإني لأطالع هذا الكتر المكنون، والفلك المشحون، ولا أزال اكتشف فيه الأعلاق وجلائل تاريخ الأئمة، ومفاتيح ما غلق من تاريخ الإباضية وسط الأمة الإسلامية بشمال إفريقية تاريخ العلم والعمران وازدهار الدين والإيمان، وهذه الحاشية على مقدمة التوحيد تبدي لك غزارة علمه، ووفرة مادته، وتبحره في فنون الشريعة وعلوم العربية مع صغر حجمها، وقد وضعت لك أيها
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الثامنة عشر: فهو من علماء النصف الثاني للقرن السابع. (1/363)
صفحة 364
الإباضية في موكب التاريخ
362
الإباضية في ليبيا (2)
عن
المصنف
القارئ الكريم تحت بعض الجمل السامية المعنى سطرًا يلفتك إليها، كأنموذج لتحقيقات هذا المصنف الجليل، ونظرياته المعربة عن سلامة ذوقه، وسمو نظره، وبينهما ما يحدثنا الجليل، ونظرياته المعربة عن سلامة ذوقه وسمو نظره، وبينها ما يحدثنا عن المصنف من حيث نظره إلى الحياة الاجتماعية نظراً يباين كثيرًا من الفقهاء الذين أضعفوا الأوساط، وأوهنوا العزائم، وَمِمَّا وقفت عليه من مصنفات هذا الإمام الجليل إعراب الدعائم سماه "إعراب مشكل "الدعائم وهو من خزانة الشيخ محمد بن عيسى أزبار، ولعل صوابه أزباره. وأظن أني رأيت له شرحا على متن الديانات نفيسا جدا، واجتهدت في الحصول عليه وقت كتابة هذا فلم أفز به.
ويحدثنا المصنف عن بعض مؤلفاته بالإحالة إليها في مهمات المسائل، أو إلى بسط القول فيها، فهو يقول: "إن له شرحًا عَلَى مرج البحرين لشمس الدين أبي يعقوب في المنطق، والحساب، والهندسة، حيث تكلم في خطبة شرح مقدمة الأصول على اسم الجلالة واشتقاقه، فقال: قد بسطنا ذلك في شرح مرج البحرين فلينظره الراغب". وقد تمنى ضياء الدين الثمينى - رَحِمَهُ الله - أن يقف عليه، فقال في شرح مرج البحرين: أني سمعت أن البدر الشماخي علق عليه شرحا عجيبًا، وَلَكنَّه ضاع، فيا ليتني كنت له سيا"، ثُمَّ إِنَّه وعد في آخر شرحه على مقدمته أنه إن أنسأ الله له العمر فَإِنَّهُ يحمل له شرحًا يستوعب جميع مباحثه، وذلك سنة ثمانمائة وأربعة وتسعين (894 هـ)، وقد أنسأ الله له في العمر إلى تسعمائة وثمانمية وعشرين (928 هـ)، ولعله وضع لها شرحا مبسوطا كما وعد وَلَمْ نقف عليه.
"غير
ومن لطائف التاريخ أن البدر الشماخي أرخ شرحه هذا على المقدمة بحادثة تاريخية هامة حيث يقول: فرغ منه بتاريخ أوائل شعبان سنة أربعة وتسعمائة وهو العام الثاني من إخراج المسلمين النصارى من جربة. ويعني به إخراج الأسبانيين من الجزيرة بعد أن استولوا عليها، كما احتلوا شطوط المملكة التونسية، وقد وقفت على تفاصيل هذه الواقعة منذ سنين، ولم
يتيسر لي قيدها. (1/364)
صفحة 365
الإباضية في موكب التاريخ
363
الإباضية في ليبيا (2)
وبعد، فإني أرى البدر الشماخي من المؤلفين المكثرين ويظهر أن له مصنفات في الفروع الفقهية، بيد أنها لم تصل إلينا بل لعبت بها أيدي التلاشي، وعبثت بها عوادي الغواشي.
فكانت أثرًا بعيد عين.
الله
توفي - رَحمَهُ الله - ببلدة يفرن من جبل نفوسة سنة 928 هـ. وعده العلامة أبو عبد مُحمَّد بن زكرياء الباروني في الطبقة الثامنة عشر حسب ترتيبه كُلّ خمسين سنة طبقة. وَأَمَّا شيوخه فقد ذكر في تاريخه بعضا منهم: ذكر أنه أخذ العلم بتونس المؤنسة عن الشيخ البيدموري، وعن العلامة الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح بن زكرياء التندميرتي النفوسي، قال البدر: عنه أخذت بعض العلوم، وكان عهد البدر مزدهرا بالعلم ازدهارا من كُل نواحي الثقافة الإسلامية والدين، ظهر فيه أعلام فخام، مثل أبي القاسم البرادي وأبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسي آية من آيات الله في جميع العلوم الشرعية والعربية والفلسفية والتاريخ، وكان أعلم رجل بتونس في النحو بشهادة علمائها، وكثير من تلاميذ الإمام أبي ساكن عامر الشماخي، فَإِنَّهُ نبغ منهم جمع كُلّ منهم بلغ الذروة العليا علما وعملا يشار إليه بالبنان، فرحمهم الله". انتهى إلى هنا ما قاله الإمام القدوة العلامة أبو إسحاق اطفيش، وإذا قال أبو إسحاق فليس لقائل بعده أن يقول، ولكنني مع ذلك أستسمحه أن أزيد كلمة، وَكُلُّ ما أريد أن أشير إليه بعد هذا الحديث الممتع الصادق المحق الجامع، أن أشير إلى أن العلامة البدر الشماخي يعد في أحد الأعلام الذين قامت عليهم حركة التأليف منذ الاتجاه الجديد الذي اتجهه طلاب
نظري
أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي. وإذا كانت تلك الحركة المباركة أتت ثمارًا طيبة، وتركت لنا تراثا مجيدا تفتخر به المكتبة الإسلامية فإن طريقة أبي العباس في كتابه القديم "السير" طريقة فريدة ليس لها مثيل فيما عرفناه من كتب التاريخ. فإن المؤلفين في التاريخ غالبا ما تتخطفهم حوادث السياسة، ويتتبعون المظاهر من حوادث الانقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام، ويعتقدون أنهم بذلك قد أرخو للشعوب والأمم، والواقع هو أنهم أرخوا لعدد قليل من الناس، وثبوا إلى كراسي الحكم، وتصرفوا في عباد الله وأموال الأمة دون حق، ولن يعطي ذلك صورة صحيحة عن تاريخ أمة من الأمم أبدا، فإن أخبار الجيوش والمعارك وتحركات الأجناد والقواد، وأعمال الحكام الظالمين،
الخادعة (1/365)
صفحة 366
الإباضية في موكب التاريخ
364
الإباضية في ليبيا (2)
والسيطرة على الناس والتحكم فيهم، وتحطيم المدن المعاقل، وما يتبع ذلك من مظاهر القوة
والسلطان التي تستعمل في غير أمر الله ليست هي الصورة الصحيحة لتاريخ وحياة أية أمة. وقد أدرك العلامة أبو العباس الشماخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلا بمقدار، وَإِنَّمَا قدم لنا الصورة الحقيقية لجانب من الأمة المسلمة، هذه الأمة التي تسكن ما بين "سرت" والمغرب الأقصى، وهو يقدم لنا المادة الحقيقية لتاريخ هذه الأمة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض، وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن يتزل المطر ليقوم بعملية الحرث، وفي الطفل اليتيم الذكي الذي يستوهب جحشًا صغيرًا ثُمَّ يتحايل عَلَى صاحبه فيبيعه له، وفي المجالس العلمية التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها عَلَى الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة، وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقتها، وفي سلوكها عندما يتخذ عليها الزوج ضرة أو يقسو عليها في الحياة، وفي حديث البنت الساذجة عندما تزف إلى أبيها عن زينتها، وفي نقاش البنت المتعلمة لأبيها وإدلالها عليه، وفي كفاح المرأة من أجل العلم، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء
والفتاوى والأعمال، وَكُلُّ المظاهر التي يعيشها الشعب عيشة حقيقية لمجتمع وأسرة وفرد. لقد قرأت كثيرًا من كتب التاريخ، وقرأت كثيرًا من كتب الاجتماع، فلم أجد ما كما أجد ذلك في كتابه "السير" هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد
يستهويني
عشرة قرون.
أرأيت القصصي الموفق الذي يستطيع أن يبعث الحياة في شخوص أبطاله ويجعلك معجبا
هي
بهم مهتما بأعمالهم؟ إنَّه أبو العباس الشماخي، وقصته هذه قصة حياة أمة خلال عشرة قرون، وأبطالها أبطال الحقيقة لا الخيال حقيقة الحياة بما فيها من متعة، بما فيها من فقر وغنى بما فيها من حركة وصراع ونضال، بما فيها من عمل فردي وجماعي، والأمة الإسلامية في حاجة كبرى إلى كتاب من هذا الطراز يصورون الواقع كما هو، وكما تشهد به الحياة، وكما يجري به التاريخ الواقعي في فلك الزمان الطويل بعيدا عن توجيه السياسة المغرضة، والأطماع الزائفة، والمؤثرات الخارجية، مقصودة أو غير مقصودة. (1/366)
صفحة 367
الإباضية في موكب التاريخ
365
الإباضية في ليبيا (2)
عبد الله بن يحيى الباروني
يشرفني هذه الْمَرَّة أن أقف لأدع الحديث لأبي النهضة الحديثة في الجزائر، المؤرخ الأديب الشاعر العالم المصلح أستاذي وشيخي أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن الحاج أطال الله عيسي عمره، ورزقه الصحة والعافية، ومتع المسلمين بحياته الحافلة بعمل الخير، وقول المعروف، والإرشاد إلى سيرة الهداة والمصلحين الصالحين، قال العلامة أبو اليقظان:
" هو العلامة الجليل، الشيخ عبد الله بن يحيى بن أحمد الباروني، وقد وصفه قطب الأئمة الشيخ اطفيش في بعض رسائله بقوله: "والشيخ عبد الله بن يحى هو عالم ووارع نفوسة"، قال: "وأظنه تربي".
أخذ العلوم الدينية عن العلامة الكبير الإمام الشيخ أبي عثمان سعيد بن
الباروني، نزيل جربة، الذي وافته منيته بها في عام 1282 هـ. ثُمَّ انتقل إلى مصر للاغتراف من مناهل الأزهر الشريف، ولاسيما العلوم العقلية
منها، فكان مثالا للجد والكد والتحصيل، والعفة والتراهة والخلق الكريم، فاكتس بهذه الصفات مركزا ممتازًا بين علماء وأدباء مصر في ذلك العصر عامة، وبين رفقائه من التونسيين خاصة، من بينهم ذلك السري الماجد العلامة الشيخ سعيد بن قاسم الشماخي الشهير الذي كان وكيلا للدولة التونسية في مصر سابقا إلى أن
توفي فيها.
وكان من
،
أصدقائه الكبار: العلامة الجليل الشيخ أبو زكرياء يحى بن أيوب
الباروني، الذي هو من بلدة "كاباو". مآثره بعد أن أخذ حظه من العلوم العربية بمصر، رجع إلى وطنه جبل نفوسة، فاستقر بـ"فسَاطُو"، وهو عَلَى جانب كبير من العلم والورع والاستقامة، وكان له نثر رائق وشعر فائق وأسلوب جذاب امتلك بها مجامع القلوب من العلماء والأدباء ورؤساء الدولة العثمانية وولاتها، إذ ذاك بطرابلس الغرب، فكأن له بهذه الصفات (1/367)
صفحة 368
الإباضية في موكب التاريخ
366
الإباضية في ليبيا (2)
الحميدة حظ موفور من الوجاهة والقدر والاحترام، ظهرت فيما بعد نتائجه الكبيرة من جلب نفع، ودفع ضر للإسلام ولأبناء وطنه، طرابلس، ولاسيما إزاء محنة ابنه العزيز سليمان على ما يأتي بيانه، وقد تصدى لنشر العلم والوعظ والإرشاد، ومكافحة الجهل والأمية بين أبناء أمته.
تلامذته:
من أجل ذلك الجد والنصح والدأب المتواصل تخرج عنه تلاميذ
نبهاء، من بينهم شبله العظيم الشيخ سليمان باشا الباروني، ومنهم العالم الجليل شيخ الصحافة التونسية مدير جريدة مرشد الأمة، الشيخ سليمان الجادوي.
ومنهم
الأديب اللامع الشيخ عمرو بن عيسى التندميرتي صاحب الديوان الشهير: "القلائد الدرية" الذي سكب فيه دموعا سخينة عَلَى الإسلام وأهله، ومنهم الشيخ النجيب أبو زكرياء يحيى بن أخيه الشيخ عيسى وهو فيما بعد أبو زكرياء، مفتي "لالوت"، وتوفي في عام 1324 هـ، ومنهم ولداه الذكيان الشيخان أحمد ويح
وغيرهم.
مؤلفاته كما أخذ حظه من تأليف الرجال، فَإِنَّهُ أخذ حظه كذلك من تأليف الكتب، وقد رأينا من تأليفه رسالة قيمة في التاريخ: "سلم العامة والمبتدئين"، وهى كما سماها حقا "سلم العامة والمبتدئين للعروج بهم إلى شواهق الرجال الكبار". ومنها ديوانه الشهير "بديوان الشيخ عبد الله الباروني"، وهو لعمري مرآة انعكست فيها أشعة علمه وأدبه وثقافته وخلقه الكريم في سائر أطوار حياته، وعظ فيه وأرشد، ونصح وذكر، وأنعش به روح الدين والفضيلة، سكب فيه دموعه السخينة، وأجج فيه عواطفه الملتهبة نحو إخوانه في الدين امتدح فيه الرسول الكريم، ونوه بالعلماء والصلحاء، وأشاد بأولي العدالة والعفة والتراهة من القضاة والأمراء والرؤساء، ورثى بدموعه الحارة الراحلين من أهل العلم والصلاح والإصلاح".
انتهى. (1/368)
صفحة 369
الإباضية في موكب التاريخ
367
الإباضية في ليبيا (2) ا
(2)
إن شيخ الصحافة الجزائرية وأبا النهضة الحديثة فيها العلامة أبا اليقظان لم يقـ عند هذا الحد من ترجمة الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني، وَإِنَّمَا غلب عليه طبع الأديب الفنان فأخرج الصورة كاملة الإطار لحياة هذا المصلح الكبير، ولم يهمل الجانب الأدبي منها، ولذلك فقد استمر يتحدث عن الناحية الأدبية من هذه الشخصية العظيمة، ولولا أنني عازم عَلَى الرجوع إلى هذا الموضوع من قريب - إن شاء الله - فأقدم دراسة أدبية متواضعة عن عدد من الأدباء أمثال الشيخ عبد والشيخ عمرو بن عيسى، وأبي نصر، وغيرهم، لولا أنني عازم عَلَى ذلك لنقلت لك أيها القارئ الكريم بقية هذا الفصل الرائع الذي كتبه أبو النهضة الجزائرية وشيخ صحافتها، وإمام شعرائها وأدبائها في كتابه القـ "سليمان الباروني باشا في أطوار
حياته".
الله،
وكما لا يجد القائل مجالا للحديث بعد أبي إسحاق، فَإنَّهُ لن يجد ما يقول بعد أبي اليقظان، وهل يترك أبو اليقظان مقالا لقائل؟. ولكنني رغم كُلّ ذلك ومع يقيني بأن حديثي سيكون تافها مملا بعد هذا الفصل الرائع من قلم شيخ الصحافة العربية في الجزائر الإسلامية التي ناضلت الاستعمار الغاشم، وناضلت الفساد الاجتماعي المستحكم، وناضلت الجمود الديني المتعصب .. ناضلت كُلّ تلك القوى متظافرة، وانتصرت عليها؛ لأن الْحَقِّ لا ينهزم - وإن طال أمد الكفاح - مهما كانت قوى الباطل والطغيان .. إن الباطل قد ينتصر في معركة أو معارك، ولكنَّه لا ينتصر أبدا في نضاله الدائم مع الْحَق والعدل والحرية، ومع المبادئ والمثل التي نزلت بها الشرائع وقدستها الأديان، واستجاب لها العقل والطبع. إنني أريد أن أشير إلى أن العلامة عبد الله الباروني كان مثلا للمؤمن الصادق الذي يكافح من أجل العقيدة، وهو بهذه الروح القوية، والعزيمة الصادقة، والإرادة التي لا تنثني ولا تضعف ولا تخور يتعقب الباطل أينما كان سواء كان الباطل في صورة جهل مطبق على سكان ناحية من الوطن أو كان في صورة استعلان للعاصي، ومجاهرة بها، دون خوف من الله، أو حياء من المؤمنين أو كان في صورة (1/369)
صفحة 370
الإباضية في موكب التاريخ
368
الإباضية في ليبيا (2)
طغيان حكام وضعت بين أيديهم مقدرات الأمة، فأطغاهم البطر، فاستذلوا الناس، وعبثوا بالأمانة.
إنه يتعقب الباطل سواء كان في هذه الصور أو في غيرها من الصور. يتعقبها بالموعظة الحسنة، والسيرة الصالحة، والتعليم الصحيح، والأمر بمعروف يدعو إليه الإسلام والنهي عن منكر ولو ألفه الناس.
فإذا أنس في مكان أن الصلاح يغلب على أهله، وأن الاستقامة هي الطريق التي يسير عليها الناس، ورأى استجابة وإذعانا للحق، وسلوكا للمحجة انتقل إلى غير ذلك المكان ليبدأ الكفاح من جديد.
وقد بدأ كفاحه في "كاباو" ثُمَّ انتقل إلى "جادو" وذهب إلى "يفن" فجدد راية "البخابحة العظيمة، ولَمْ ينتقل من " يفرن " حَتَّى بدأ الطليان يزحفون على الوطن الحبيب، ويحتلون أراضيه رقعة بعد، رقعة، وكان يدعو الله ويلح في الدعاء أن لا يرى وجوه العدو، وأن لا يكون في بلد يحتله أعداء الله، فلما اقتربوا من "يفرن" رجع إلى "جادو"، فَلَمَّا بدأوا يفكرون في احتلال "جادو" رجع إلى "كاباو"، وهنالك توفي الله إلى رحمة الله قبل أن تدنس أقدام أولئك العلوج هذا البلد الكريم، واستجاب دعاء الشيخ، فتوفاه إليه قبل أن تقذى عيناه الكريمتان بمرأى أعداء الله أعداء الوطن وأعداء الأمة.
إن الطريقة التي سلكها عبد الله الباروني هي نفس الطريقة التي سلكها من قبله كثير من المشايخ الذين لم يكن العلم عندهم مجرد نظريات وأقوالا، وَإِنَّمَا كان العلم عندهم تطبيقا وتنفيذا لمقتضاه وسيرة به، وقد رأيت من قبل سيرة أبي موسى، وسيرة أبي طاهر، وسيرة أبي ساكن، وسير كثير من الأعلام الذين حافظوا على الإسلام نقيا نظيفا، كما جاء عن صاحب الرسالة عليه أفضل الصلاة والسلام. (1/370)
صفحة 371
الإباضية في موكب التاريخ
369
الإباضية في ليبيا (2)
نظم التربية والتعليم
ينقسم الناس في المجتمع الإباضي إلى قسمين كبيرين هما، عوام ومتعلمون أو "طلبة"،
والمتعلمون ينقسمون إلى أربعة أقسام:
2 - العرفاء. 3 - التلاميذ.
4 - المستمعون.
1 - العزابة. فالعوام هم الناس الذين يشتغلون بأعمال الحياة، لا يرتبطون بميدان التعليم أو القيام بمهام دينية، ولو كانوا من فطاحل العلماء.
والعزابة هم هيئة محدودة العدد، تمثل خيرة أهل البلد علما وصلاحًا، ويشترط فيهم شروطًا معينة، ويجب أن يكونوا من حملة كتاب الله، وأن يكونوا مروا بالمنهج الدراسي، فقطعوا مراحله مرحلة مرحلة إلا إذا تعذر ذلك .. وهذه الهيئة تقوم بالإشراف على الشؤون الاجتماعية للأمة، وعلى الأمور الدينية من رعاية المساجد والقيام بوظائف الصلاة، كالإمامة والأذان والتصرف في الأوقاف والإشراف على التعليم، وما إلى ذلك .. وهي في زمن الظهور أو زمن الدفاع تكون مجلس الشورى، للإمام، وفي حالتي الكتمان أو الشراء تمثل سلطة الإمام، ويختار مجلس العزابة شيخًا لَهُم من بينهم، يكون غالبا أعلمهم، وإن لم يكن
أسنهم، وهو الذي يُمثل هذه الهيئة في جميع أعمالها، وينفذ قراراتها، ويتكلم باسمها. وبما أن هذا الفصل عقد للجانب العلمي فإنني سوف أتحدث عن هذا الجانب الهام. تتكون هيئة التعليم ممن يأتي:
1 -
- الشيخ: وهو شيخ العزابة أو من ينوب عنه. 2 - عريف أوقات الختمات.
3 - عريف الطعام.
4 - عريف تعليم القرآن الكريم.
ه - عريف تنظيم أوقات الدراسة.
1 - طلبة قرآن.
ويتكون التلاميذ ممن يأتي:
- طلبة فنون العلم والأدب. 3 - مستمعون.
مهام الشيخ بالإضافة إلى مهام الشيخ باعتباره رئيسًا للعزابة، وأقوى شخصية تنفيذية في
شؤون البلد - العامة والخاصة - فَإِنَّهُ المسؤول الأول عن قضية التعليم. (1/371)
صفحة 372
الإباضية في موكب التاريخ
وتتلخص أعماله التعليمية فيما يلي:
370
الإباضية في ليبيا (2)
1 - عليه اعتماد سير الدراسة ويجب أن تُخصص له أوقات يدرس فيها الطبقات العليا من التلاميذ، ويساعده في مهمته هذه بعض العلماء الآخرين، لاسيما حينما يكون عدد الطلاب كثيرا، ومستوياتهم العلمية مختلفة.
2 - يتولى تولية العرفاء وفصلهم من وظائفهم.
3 - يفصل في جَميع المشاكل التي تقع في المدرسة، سواء كانت بين التلاميذ أو بين العرفاء أو بينهم وبين التلاميذ، وفصله نهائي لا يطعن فيه. - يعقد ندوات ثقافية بعد كُلّ ختمة ويدير فيها المناقشات وله أن يحيل الإجابة على
الأسئلة التي توجه إليه إلى بعض الطلاب، كما له أن يكلف غيره بإدارة هذه الندوات. ه - يتحتم عليه أن يقوم قبل الفجر بوقت كاف، ثُمَّ يستفتح لتلاوة القرآن الكريم، وعلى جميع الطلاب أن يحضروا هذا الاستفتاح الذي ينتهي بصلاة الفجر. 6 - عليه أن يقوم بدرس أو درسين في الأسبوع يخصصهما للأخلاق والدراسات الاجتماعية، واستعراض سير الدراسة في الأسبوع، وعلى جميع التلاميذ بمختلف مستوياتهم أن يحضروا هذا الدرس .. ويحق له أن يستوحي موضوع الدرس من سلوك الطلاب أو العرفاء خلال الأسبوع إذا صدر من أحدهم ما يستلفت النظر، سواء كان ذلك مما يذم أو مِمَّا يمدح. 7 - له وحده حق قبول الطلبة الجدد في الأقسام الدراسية أو رفضهم، فإذا ورد على المدرسة طالب جديد نظر العرفاء في أمره، فإذا كان عابر سبيل عومل معاملة الضيف، فسمح له بالمأوى والأكل حَتَّى يسافر، وإذا كان يريد الالتحاق بالمدرسة ونظامها الداخلي عرض أمره على الشيخ، فإذا ثبت لديه أنَّه حسن السيرة والسلوك متمسك بدينه أمر بقبوله، وإذا ثبت أنه غير محمود السيرة أمر برفضه، فإن جاء من بعيد ولم يعرف حاله فَإنَّه يترك في الوقوف، ويسمح له بالسكنى والأكل مؤقتًا حَتَّى يعرف حاله فيقبل أو يرفض. العريف المكلف بالختمات:
نستطيع أن نطلق عليه "ضابط المدرسة"، وهو أقوى شخصية بعد الشيخ، وأهم عنصر في التربية، ويتلخص عمله في المهام الآتية: (1/372)
صفحة 373
الإباضية في موكب التاريخ
371
الإباضية في ليبيا (2)
1 - إعلان انتهاء الدورة الصباحية: وذلك بأن يدعو جميع الطلاب إلى حضور دعاء الختام،
فيدعو آسن القوم، وإذا انتهى الدعاء قام الطلاب .. وحضور هذا الدعاء الختامي حتمي. 2 - الدعوة إلى حضور ختمة المغرب: بعد صلاة المغرب ينادي الطلاب إلى الختمة، فيجتمعون سنا، فإذا استداروا في الحلقة استفتحوا للقراءة، فيتلو قارئان ما تيسر من كتاب الله إلى
إلى أكبرهم. وقت صلاة العشاء الأخير، فيدور بينهم دعاء الختام .. وحضور هذه الخاتمة واجب حتمي. 3 - اختتام المذاكرة الليلية: بعد صلاة العشاء يترك الطلاب في مذاكرة حرة مدة ليست طويلة، ثُمَّ يدعوهم إلى الختمة، فيقرأ أحدهم آيات من كتاب الله، ويدعو دعاء خفيفًا، ثُمَّ أحد المقتدرين كلمة مناسبة في التوجيه والإرشاد كتوجيه بعد كفاح يوم كامل أن تستوحى تلك الكلمة من الآيات التي سبق أن قرئت؛ وبعد هذه الكلمة يختم بالدعاء ويقوم الطلبة إلى النوم، وحضور هذه الختمة ليس واجبًا حتميًا، وَإِنَّمَا هو واجب كفائي يكفي فيه حضور بعض الطلاب.
يلقي
ويستحسن
- {
إعلان ابتداء النوم في الظهيرة بعد أن يتناول الطلاب غذاءهم في القسم الداخلي يجب أن يناموا، وعلى هذا العريف أن يعلن إليهم ذلك، ولا يحق لأي واحد منهم أن يتخلف عن نوم القيلولة؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة لعدم القيام في الليل.
وقد
ه- إعلان ابتداء النوم الليلي بعد كلمة الختام يعلن العريف إلى الطلبة وجوب ذهابهم إلى مضاجعهم، ولا يحق لأي واحد منهم أن يتلكأ أو يحدث ضوضاء تؤثر على راحة الآخرين، يسمح لبعض كبار المتعلمين في المراحل النهائية أن يأخذوا كتبهم ويبتعدوا عن عنابر النوم ليزدادوا مذاكرة، عَلَى شريطة أن لا يؤثر ذلك مطلقا في راحة بقية الطلاب. عريف الطعام وهو المشرف على الأكل حسب تعبيرنا في الوقت الحاضر، وتتلخص
مهامه فيما يأتي:
1 - ترتيب جلوس الطلاب عند الأكل وتنظيمهم، سواء كان ذلك في مطعم المدرسة العادي أو كان خارجه، كما إذا كانوا في رحلة مدرسية أو استضافهم أحد الناس. على الطلاب أن يحضروا إلى الأكل باللباس الكامل وهو الزي الخاص بهم، وعريف الطعام هو المسؤول عن مراقبة ذلك. (1/373)
صفحة 374
الإباضية في موكب التاريخ
372
3 - تسجيل الغياب عن الطعام ومعرفة أسبابه.
الإباضية في ليبيا (2)
4 - ملاحظة سلوك الطلاب ومدى تطبيقهم لآداب الأكل المعروفة حينئذ.
ه- إعلان الانتهاء من الأكل، فلا يحق لأي طالب أن يقوم من مكانه، أو يغسل يديه إلا بعد أن يعلن ذلك عريف الطعام، وذلك أن العريف ينظر حَتَّى إذا تحقق أن جميع الطلاب اكتفوا ورفعوا أيديهم نادى بدعاء الختام، فيدعو أكبر القوم، وبعده ينصرف الطلاب. 6 - يشرف على توزيع الطعام والفاكهة أو الطرف.
- يقسم بمساعدة من يشاء الهدايا أو الطرف من الفاكهة التي يؤتى بها إلى المدرسة بالسوية بين
المدرسين والعرفاء وجميع الطلاب، سواء كانوا في الأقسام الداخلية أو كانوا طلاب منازل. - يشرف على تنظيم الوجبتين الإضافيتين، وذلك أن لهذه المدارس تقليدا رائعا؛ وذلك أنها تقدم وجبتين خفيفتين إحداهما عند الاستراحة الصباحية، والأخرى: عند الاستراحة المسائية بعد صلاة العصر، ويكفي في هذه الوجبة الخفيفة أن تكون فاكهة، أو تينا أو بلحا أو ما شابه ذلك. والطريف فيها أن الطلاب عند بدء الاستراحة سواء في الصباح أو في المساء ينقسمون إلى مجموعات، عَلَى كُلِّ مَجموعة عريف أو نقيب يكون أنبه المجموعة وأذكاها، ويستحسن أن يكون أسنها، فإذا قدمت فرقة التوزيع تعين عَلَى كُلّ فرد أن يلقي ثلاث مسائل في أي من الفنون شاء ابتداء من العريف أو النقيب، فمن قام بهذا الواجب الخفيف أعطى له نصيبه، ومن لم يستطع حيل دونه ودون هذه الوجبة؛ فإذا استطاع أن يهيئ موضوعه قبل أن تنصرف فرقة التوزيع، وذكر مسائله أعطى له نصيبه، وإلا حرم منه في ذلك اليوم، ولا يجوز لأي واحد منهم أن يعيد ما يقوله زملاؤه. وعريف الطعام هو المسؤول عن تنظيم هاتين الوجبتين، حَتَّى ينتهي منها الطلاب في أسرع وقت، وذلك بأن يجعل المجموعات صغيرة، ويعين نقباءها من أَوَّل السنة الدراسية، ثُمَّ يجعل نظاماً متبادلا لفرق التوزيع، بحيث يقوم عدد من الفرق كُلّ يوم بهذه المهمة على التبادل، أعني أن المجموعات هي نفسها تقوم بالتوزيع حسب جدول يومي يضعه عريف الطعام.
"عريف الفصل"، نسميه اليوم
عريف أوقات الدراسة قريب بما نسميه وتتلخص مهامه فيما يأتي: (1/374)
صفحة 375
الإباضية في موكب التاريخ
373
1 - تسجيل التأخر عن وقت بدء الدروس، أو بدء الحفظ.
2 - حفظ النظام في الفصول الدراسية.
الإباضية في ليبيا (2)
3 - تشغيل الطلاب بواجباتهم عند غياب المدرس وفي أوقات المذاكرة. الأوقات التي لا يجوز للطالب أن يتخلف فيها بغير عذر شرعي:
1 - الاستفتاح للتلاوة قبل الفجر.
-2 - دروس الدورة المسائية، وتبتدئ بعد صلاة الظهر.
-3 - تلاوة ما بين المغرب والعشاء.
4 - الأوقات المعينة للدروس الصباحية.
-
ه دروس الوعظ والإرشاد العامة في المسجد.
6 - دروس الأخلاق والاجتماعيات.
7 - الندوة الختامية بعد انتهاء الدورة الصباحية يتحتم أن يجتمع الطلاب على الشيخ أو أكبر مساعديه، وقد أعدوا عددًا من الأسئلة لتلقى على الشيخ، وقد تناول تلك الأسئلة مسائل علمية أو مسائل اجتماعية، أو تتعلق بالأحداث التي تقع في البلد. وللشيخ أن يجيب عليها أو أن يحيلها إلى من يشاء من العلماء أو الطلبة، ولكل من في المجلس حق
الملاحظة والاشتراك في الحديث، وزيادة الإيضاح والشرح إذا رأى أن الجواب غير كاف. عريف حفظ القرآن الكريم قد يكون واحدا، وقد يتعدد حسب اللزوم، وهؤلاء العرفاء في الواقع هم القائمون بتعليم القرآن، ويشترط في هذا العريف أن يكون حافظا لكتاب الله حفظا جيدا، عارفا برسم المصحف، وتتلخص مهامه فيما يلي: 1 - تكون عليه حلقة من الطلاب الذين يحفظون القرآن الكريم لا تزيد عن عشرة، ولا
تقل عن اثنين، وقد تكون أكثر من ذلك إذا كان عدد العرفاء قليلا.
عليه أن يتولى الإملاء عليهم حين الكتابة، وأن يستعرضهم عند الاستظهار، وأن يصحح ألواحهم بعد الكتابة. (1/375)
صفحة 376
الإباضية في موكب التاريخ
374
الإباضية في ليبيا (2)
3 - يجعل على الفرقة نقيباً يكون واسطة اتصال بينه وبين الفرقة، فلا يبدأ الاستعراض إلا إذا أخبره النقيب أن كُلّ الطلاب قد حفظوا ألواحهم، ولا يبدأ التصحيح إلا إذا أخبره النقيب أن جميع الألواح قد جفت.
- لا يحق لطالب أن ينتقل من عريف إلى عريف آخر إلا بموافقته.
ه على العريف أن يختبر طلابه فيما حفظوا من أسبوع لأسبوع.
6 - طلبة القرآن الكريم يخضعون لإشراف عرفائهم في أوقات الدراسة، ويخضعون لعريف الطعام في الأكل، ويخضعون لعريف الختمات في النوم.
طلبة القرآن يتحتم عليهم حضور دروس الأخلاق الأسبوعية فقط.
- عريف حفظ القرآن هو المسئول عن الناحية الخلقية لتلاميذه، وعليه أن يرفع إلى الشيخ الحالات المستعصية التي لا يتمكن من علاجها.
نظم الدراسة: تنقسم الدراسة إلى مرحلتين:
الأولى: يحفظ فيها الطلاب القرآن الكريم، ويتعلمون القراءة والكتابة ومبادئ الحساب. الثاني: يدرس فيها الطلاب أنواع المعارف المعروفة في ذلك الحين، ولا يقبل الطالب في المرحلة الثانية إلا إذا حفظ كتاب الله، فحفظ القرآن الكريم بمثابة شهادات اليوم.
أقسام الطلاب: ينقسم الطلاب إلى ثلاثة أقسام:
1 - طلبة القرآن.
2 - طلاب علوم
3 - مستمعون.
أن
1 - طالب القرآن وإن كان يتمتع بكثير من الحقوق لكنه لا تلميذا رسميا إلا: رسميا إلا بعد أو لا يعتبر
الاستفادة
يستظهر القرآن الكريم، ولذلك فهو لا يطالب بالزي الرسمي الموحد للطلاب، ولا يحق له خصائص الطلبة، وإنَّمَا توفر له المدرسة المأوى والأكل وأوقات الدراسة. من 2 - 2 - طالب العلوم يشترط فيه أن يكون حافظا للقرآن الكريم، حسن السيرة والسلوك، محافظا على دين الله، معمرًا للمسجد، ملتزما بلبس الزي الرسمي الموحد للطلاب .. ولهؤلاء الطلاب حقوق وامتيازات لا تعطى لغيرهم، منها: قاعة خاصة بهم تعتبر كنادِ لَهُم لا يجوز
لغيرهم أن يدخلها، ومنها: مكتبة خاصة
بهم
أيضا، ومنها: الندوات التي تعقد في قاعتهم، (1/376)
صفحة 377
الإباضية في موكب التاريخ
375
الإباضية في ليبيا (2)
ومنها: الدروس الخاصة التي يلقيها عليهم الشيخ أو بعض العزابة، ومنها: أنهم يستقبلون في ناديهم بعض الشخصيات ليستفيدوا منها، ولا يحق لغيرهم حضورها، وهذه الاستثناءات بطبيعة الحال لا تتناول العزابة؛ لأن العزابة قبل أن يكونوا عزابة كانوا تلاميذ ومروا بجميع هذه المراحل، ثُمَّ هم من الناحية الأدبية يعتبرون مشرفين على الجميع .. وهم في دراستهم العلمية ينقسمون إلى فرق حسب مستوياتهم، وللشيخ أن يعين مدرسين لبعض هذه الفرق، ولكن يحتم عليهم عليهم جميعا أن يحضروا الختمات العامة والدروس العامة.
- المستمعون ويتكون هذا القسم غالبا من طلاب فاتتهم مراحل الدراسة فلم يستطيعوا أن يسايروها، إما بعدم حفظ القرآن الكريم أو عدم التمكن من المواظبة، أو غير ذلك من الأسباب، ذلك وهم مع مشغوفون بالدراسة، ولهؤلاء الطلاب حق الاستفادة من الدروس التي شاءوا دون أن يتقيدوا بنظام، ولهم أيضًا حق في الوجبتين الخفيفتين عند الاستراحة الصباحية، أو الاستراحة المسائية، ويطلق على هذه الفئة في النظام الذي وضعه العلامة أبو عبد الله محمد بن بكر كلمة العجزة"، ويوصي العالم الكبير بالعطف على هؤلاء ومساعدتهم كُل المساعدة، لاسيما أولئك الذين تعطلوا عن دراستهم بسبب إصابات كالعمى أو غيره من الأمراض، وإذا كان بعض هؤلاء العجزة قد ابتلى بالعجز البدني عن الكسب، والعجز العقلي عن التعلم، فلا يرى أبو عبد من الإنفاق عليه كما ينفق على الطلاب النظاميين، مراعاة للجانب الإنساني. أعتقد أنني أعطيت القارئ الكريم صورة عن نظام التعليم، ونظام الأقسام الداخلية في تلك العهود الزاهرة، وإن كانت الصورة التي أعطيتها مختصرة جدا، وقد تكون هنالك كثير من الجوانب تركتها إمَّا سهوا، وَإِمَّا لأنني لا أرى كبير فائدة منها للقارئ الكريم، وذلك مثل أنواع التأديب والعقاب وغير ذلك، ومن شاء الدراسة الكاملة لهذا النظام فعليه أن يقرأ أولا أبي الربيع سليمان بن يخلف، ثُمَّ نظام العزابة الذي وضعه أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائى فَإِنَّهُ يَجد فيهما ما يتوق إليه من التدقيق والتوسع. وبعد هذا؛ فإليك أَيُّهَا القارئ الكريم في الفصول الآتية تخطيطا جغرافيا، وصورة طبيعية
الله مانعا
سير
ر
للمناطق التي عاش فيها الإباضية ولا يزالون يعيشون. (1/377)
صفحة 378
الإباضية في موكب التاريخ
376
الإباضية في ليبيا (2)
زواغة
"زواغة" مدينة عظيمة تقع غربي طرابلس بنحو خمسين كيلو مترا على شاطى البحر، ويطلق عليها اليوم اسم "صبرانه"، وإلى هذه المدينة كان يرجع "صبرانه"، وإلى هذه المدينة كان يرجع أكثر السكان البداة في السهل المنبسط بين البحر والجبل هذا السهل الغني بالثروتين الزراعية والحيوانية، وفي هذه المدينة نشأ عدد غير قليل من العلماء الأعلام الذين كانوا يحافظون على رسالة الإسلام، ويبلغون دعوة الله إلى الأحياء الضاربة في ذلك السهل الفسيح فيواصلونهم بالدروس والتفقيه في دين الله لا يكلون ولا يفترون من أمثال أبي الخطاب وسيل بن سنتين بن يزيد، وأبي بكر بن يحيى، وأبي موسى عيسى بن السمح، ويزيد بن خلف، ويخلف بن يزيد، وعشرات غيرهم، ولو لم ينشأ في هذه المدينة العظيمة من كبار العلماء إلا أبو الخير
لكفي.
عاش أبو الخير توزين الزواغي (1) في القرن الرابع، وقد كانت طرابلس تحت حكم الدولة العبيدية، أمَّا جبل نفوسة فقد كان مستقلا بحكمه، وكانت مدينة "زواغة" كغيرها من المدن التابعة لتلك الدولة الظالمة ترزح تحت أعباء الضرائب الباهظة، والاستغلال المشين، وكان أبو الخير الزواغي رجل علم ودين لا يأبه للدنيا ولا يملك منها شَيْئًا، فجاءه يوما عامل (2) الحكومة الظالمة يطالبه بدفع مائة دينار للدولة، وفكر الشيخ العالم طويلا ثُمَّ استمهل العامل وصعد إلى جبل نفوسة، وقصد إلى صديقه المخلص أبا علي الفساطوي
فأخبره الخبر، فقام أبو علي وأحضر إليه مائة دينار، ثُمَّ قال له: ادفع عنك الأذى. ورجع أبو الخير إلى "زواغة" ودفع المال إلى العامل الظالم، ولكن العامل بدا له رد المال فلم يلبث أن انتشرت رسله تبحث عنه في كُلّ وجهة، وأرشدهم الناس إلى مصلى أبي الخير على شاطئ البحر حيث يفرغ من دنيا الناس ليناجي ربه، فما وصلوه حَتَّى ذهبوا به إلى العامل، فقال العامل للشيخ خذ مالك، وأخذ الشيخ المال وصعد إلى الجبل ليرجع المال
(1) توزين": كلمة بربرية معناها ذو الجمال، أو ذات الجمال، تطلق على المذكر والمؤنث.
(2) هو عوصلت مولى للمعز بن باديس راجع: السير: ص 336. (1/378)
صفحة 379
الإباضية في موكب التاريخ
377
الإباضية في ليبيا (2)
إلى صاحبه أبي علي فقال أبو علي: "ما كنت لأخذ مالا أعطيته الله، واحتار أبو الخـ مرة أخرى من هذا المال فهذا العامل الظالم يفر منه بعد أن أخذه، وهذا صاحبه أبو علي يمتنع من استرداده أفيحفظ به هو؟ .. وأشرقت في قلبه المؤمن فكرة "إن هذا المال الله، ويجب أن يفرق عَلَى عباد الله. ووقف أبو الخير يفرق المال عَلَى الفقراء والمساكين، لا يمسك منه لنفسه دينارًا ولا درهما.
عرض أبو علي على أبي الخير أن يقاسمه ماله وكان صاحب ثروة عظيمة- فقال أبو الخير مستنكرًا ما أريد بمالك يا أبا علي؟.
إن أبا الخير لو أراد أن يملك مالا لسلك السبيل التي يسلكها طلاب المال، ولكنه لا يقيم للدنيا وزنا ولا يجعل لها حسابا.
كان أبو الخير لا يفتاً بين "زواغة" و"جبل نفوسة ماراً بهذه الأحياء الضاربة في السهل الفسيح يفصل بين مشاكلها ويعلمها أحكام دينها ويأمر بمعروف هي في حاجة إليه، وينهاها عن منكر برز بسبب الجهل بدين الله.
وكان لا يطيل الإقامة لا في الجبل ولا في "زواغة"، فقد كان يضع حديدة في رف عندما يدخل "زواغة"، ويتفقدها من حين إلى حين، فإذا وجد الصدأ بدأ يعلوها قال: "هذا الحديد قد صدأ، أفلا تصدأ القلوب؟! "، ثُمَّ يسافر ليزيل الصدأ عن قلبه وقلوب إخوانه المؤمنين؛ إما في الطريق، وَإِمَّا في الجبل، فيفيد علما وخلقا ودينا ويستفيد. شكا إليه بعض الناس، حاله فقال: "أشكو إليك من قلب قاس، وعقل لا يفهم، ولسان لا يسأل، وبدن لا يخشع، ويد لا تعطي، ورجل لا تزور". فقال أبو الخير: "دواء الست بالست محبة المسلمين، وقراءة القرآن، والتضرع إلى الله عند السحر، وقيام الليل والصيام، وزيارة المسلمين
هذه هي
"قائمة الأدوية" التي أعطاها هذا الطبيب النفساني لهذا المريض، وهذا الجواب يكفي للدلالة على منزلة أبي الخير في العلم والدين وفهم أسرار النفس البشرية.
(1) راجع السير: ص 336. (1/379)
صفحة 380
الإباضية في موكب التاريخ
378
الإباضية في ليبيا (2)
هذا رجل يشكو من قساوة قلبه فما هو العلاج؟ قال أبو الخير: إن القساوة لا تعالج إلا بعاطفة مضادة لها، وهي الْحُبُّ، وهل تبقى قساوة في قلب ممتلئ بالحب؟. وأي حب يا
ترى هذا الذي تعالج به قساوة القلوب؟
إِنَّه الحُب الذي يتسع للناس: الحُب الذي يغمر المسلمين، الحُب الذي يرتكز على الخير والفضيلة.
وشكا إليه عقلا لا يفهم فماذا قال أبو الخير؟ لقد قال: إنَّه لا يفتح مغاليق الفهم ويبعث كوامن الذكاء، مثل قراءة القرآن الكريم والتدبر في معانيه، ورياضة الذهن في محاله الفسيح، والعقل الذي تصقله الآيات من كتاب الله سوف يشع لفهم ما في الكون من الآيات والعبر وما يجري في الحياة من أعمال البشر؛ أَمَّا اللسان الذي لا يسأل، اللسان الخجول أو الكسول الذي ينعقد في فم صاحبه، فلا ينطلق لبحث المشاكل والحديث عما تكنه القلوب، هذا اللسان وصف له أبو الخير علاجًا ناجحا، لا للسان فقط، لكنَّه لجميع أمراض القلوب قال أبو الخير: إن علاج هذا اللسان هو التضرع إلى الله عند السحر، في هذا الوقت الساجي (1) الساكن الذي تهمد فيه الطبيعة، وتموت الحركة، يتجه لسان المؤمن إلى عالم الخفايا والأسرار فيبثه من حاله، ويشكو إليه سوء الحالة، ويطلبه المغفرة عما ارتكب فإذا تعود الكشف عن حاله لربه سهل عليه حينئذ أن ينطلق متحدثا مع الناس لاسيما عندما يجد أقوالا أو أعمالا لا يعرف حكمها عند الله، ولا يعرف ماذا يقول عنها لربه وهو يناجيه في السحر منفردًا. لا يلبث أن يقبل إلى أولئك الذين رزقهم الله علما وفهما يستوضحهم المشاكل،
ويستفهمهم عن التوازن.
وسأله الرجل عن علاج بدن لا يغمره الخشوع؟ فوصف له الدواء، قال أبو الخير: إن علاج البدن الذي لا يخشع إنَّما هو قيام الليل، ينهض المؤمن في وسط الليل وقد همدت الحياة في الكون وكف كُلّ شيء عن الحركة، فيتوضأ المؤمن ويحسن وضوءه، ثُمَّ يستقبل
(1) الليل الساجي: هو الراكد المظلم. (1/380)
صفحة 381
الإباضية في موكب التاريخ
379
الإباضية في ليبيا (2)
القبلة ويقف للصلاة، إنَّه لا شيء أبعث عَلَى خشوع البدن من هذا الموقف الذي يقف فيه الإنسان بين يدي ربه منفردًا لا يستشعر حركة، ولا يقف إلى جانبه حي فيصلي ما شاء الله، وقلبه معلق بالسماء، ونظره لا يمتد إلى ذراع، فتسري في هذا البدن الواقف في الظلمة قشعريرة الخوف، وقشعريرة الاطمئنان، والخوف من عذاب الله، والاطمئنان إلى رحمة الله، الله، فإذا تعود الإنسان عَلَى هذا الإحساس المنفرد الذي يجرده من علائق الحياة بقيام الليل أصبح بدنه مركزاً لهذه القشعريرة كلما وقف بين يدي ربه للعبادة، وقد علم تبارك وتعالى أثر قيام الليل على نفوس وأبدان بني الإنسان، فأوجبه على خير خلقه عليهم السلام، وقد فرضه الله لأَوَّل ما فرضه على رسوله، وعلى أصحابه الكرام واستمر ذلك الفرض سنة كاملة، وكان الرسول الله والمؤمنون حراصا على القيام بهذا الفرض حتى تورمت أقدامهم، وأصبح خشوع أبدانهم طبيعية ثابتة فيهم عندما يقفون أمام جلال الله، ثُمَّ خفف الله عنهم، وجعله تطوعًا.
وإنه لَمِمَّا يناسب هذا المقام ما قاله الأخ المسلم سيد قطب في كتابه القيم "في ظلال القرآن" (الجزء التاسع والعشرون صفحة 179: إن مغالبة هتاف النوم، وجاذبية الفراش بعد كد النهار أشد وطئًا وأجهد للبدن، ولكنَّها إعلان لسيطرة الروح، استجابة لدعوة الله، وإيثارا للإنس به، ومن ثَمَّ فَإِنَّهَا أقوم قيلا؛ لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها، وَأَنَّهَا لتسكب في القلب أنسًا وراحة وشفافية ونورا، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره، والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه، وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً وتَهيُّؤ، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيرًا فيه".
لقد
شرح
واستعدادًا
الأستاذ السيد قطب هذه النقطة التي أشار إليها أبو الخير بما فيه الكفاية،
فإن قيام الليل أجهد للبدن، ولكنَّه إعلان لسيطرة الروح عليه .. وهل الخشوع إلا سيطرة الروح على الجوارح وتحكمها في زمام الإرادة؟. (1/381)
صفحة 382
الإباضية في موكب التاريخ
380
الإباضية في ليبيا (2)
أَمَّا اليد البخيلة التي تستمسك بالمال وتشح ولا تسخو به على من يستحق المال، فإن علاجها نوع آخر من العبادة، قال أبو الخير: إن علاج اليد التي لا تسخو بالمال ولا تنفق في الخير إنَّما هو الصيام.
الصيام: هذه الرياضة الروحية التي ترتفع بالإنسان عن أدران المادة، وتحلق به في سماء الملائكة، جاعلة منه مخلوقا لا ينظر إلى المال إلا عَلَى أساس أنه نعمة من النعم الكثيرة التي أودعها الخالق الحكيم على الأرض، لتستفيد منها الإنسانية جمعاء، ولا يستأثر بها شخص عن شخص، ولا ينفرد بها إنسان دون إنسان؛ لأنَّها من حق الجميع، فإذا وضعت الأقدار بعض هذه النعمة بين يدي إنسان فليس من حقه أن يحبسها عن عباد الله إلا بمقدار ما عنده من حاجة إليها، الحاجة الحقيقة الحاضرة، لا الحاجة البعيدة التي يقدرها ضعاف الإيمان لما استتر في الغيب وعندما يسمو الإنسان بتفكيره عن أوضار الحياة، ويترفع عن قيود المادة، يصبح عنده امتلاك المال والشح به رذيلة من الرذائل التي تتطهر منها النفوس الزكية.
وإذا كان الإنسان إنَّما خلق ليقطع مرحلة الحياة بما خف من زاد، لا يثقل على الظهر أو الفكر، ثُمَّ جرب من نفسه فوجد أنَّه يستطيع أن يقطع نصف هذه المرحلة دون زاد أو مال عندما يلتجئ إلى الصوم هذه الطهارة الروحية التي تستغني عن النفقات نصف اليوم، إذا جرب من نفسه ذلك، ووجد عنده الإرادة والقوة فلماذا يستمسك بالمال ويحرص عليه؟!.
له هذا
ثُمَّ إن هذا المال الذي يجده الإنسان بين يديه يتكاثر وينمو، حينًا بالكسب، وحينا بدون كسب، إِنَّما هو ضرورة من ضروريات الحياة يحتاجها الغير، فلماذا لا يدع المال أو بعضه، إنَّه ليس من حقك أيها المؤمن أن تبيت شبعان ويبيت جارك جوعان، فإذا كان هذا المال لا يمكن أن يكفي اثنين فلماذا لا تصوم أنت وتدع جارك يأكل ممَّا عندك من مال الله؟ إنك لو فعلت فتقربت إلى رَبِّك بالصوم وتقربت إليه بالصدقة وأنت في نفس الوقت لا تستكثر التضحية ولا تستكثر ما قدمت من عمل كنت جديرا بأن تعالج شح نفسك، وتعود يديك على الانطلاق والبذل. (1/382)
صفحة 383
الإباضية في موكب التاريخ
381
الإباضية في ليبيا (2)
هذه بعض المعاني التي يوحي بها الصيام إلى أولئك الذين يلتجئون إليه؛ ليرتفعوا بأنفسهم في مدارج الكمال والرقي، ويخمدوا في أنفسهم همسة الغريزة، غريزة الجمع التي تحرص عليها اليد أو غريزة الشهوة التي تنطلق إليها الأعضاء.
بقي
لنا السؤال السادس من الأسئلة التي وجهت إلى أبي الخير، فأجاب عنها إجابه المؤمن العليم بأسرار الإسلام، وأسرار النفوس البشرية. قال أبو الخير: أَمَّا الرجل التي لا تزور فعلاجها من نفس الدواء، ويتوقف على قوة الإرادة وصحة العزيمة والارتفاع عن الصغائر، فقد يكون امتناع الرجل من الزيارة، زيارة الأهل أو زيارة الأقارب، أو زيارة المرضى أو زيارة المسلمين، أو زيارة من لَهُم عليها حقوق قد يكون ذلك الامتناع ناشئًا عن حادثة تافهة، أو كلمة نابية، أو استثقال ظل، وعلاج هذا المرض إنَّما هو في حمل هذه الرجل على زيارة المسلمين، وعندما تزور أخا في الله فتجد منه ترحيبًا وإيناسا ومحبة، يشجعها ذلك، وتعاود الزيارة، فإذا عادت ووجدت كما وجدت من قبل إقبالا وتفهما ومشاركة كان ذلك باعثا لها على موالاة الزيارة عَلَى أن الزيارة التي تحسب في هذا المقام إِنَّمَا هي الزيارة في الله الله، فإذا دخلتها مقاصد المصلحة العاجلة فَإِنَّهَا حينئذ لا تفيد في علاج النفوس. إن الأمراض النفسية لا تعالج إلا بالمعاني الروحية، فإذا دخلتها فكرة المادة فسدت
وأفسدت.
هذا تعليق بسيط عَلَى أجوبة أبي الخير للرجل الذي سأله عن بعض أمراضه النفسية، وشكا إليه ما يحسه من آلام الروح .. لم أزدها إيضاحا، ولكني حاولت أن أجعلها في قالب تفصيلي يتمشى مع أسلوب هذا الكتاب. وإنِّي لأعتذر للقارئ الكريم إذا أضعت شَيْئًا من وقته وَلَمْ أساعده في فهم ما يرمي إليه
الفيلسوف العظيم.
وأعتذر إلى أبي الخير إذا حملت كلامه على غير ما يريد بسبب قصوري وضعفي، ثم أستغفر الله من الخطأ والزلل ومجانبة الصواب. (1/383)
صفحة 384
الإباضية في موكب التاريخ
382
الإباضية في ليبيا (2)
زوارة
زُوَارة" مدينة عامرة تبعد عن طرابلس بنحو سبعين ميلا إلى الغرب، وتقع على شاطئ البحر في مكان جميل، وقد كانت تنقسم من قبل إلى مدينتين إحداهما: "وزدر"، والثانية: "ولول" ويظهر أن "وزدِر" قد انتقلت في ظروف غامضة إلى "ولول" وأصبحت مدينة واحدة هي "زوارة" المعروفة اليوم، وقد مر الرحالة التيجاني بتلك الربوع وكتب عن أهلها بقلم مجانب للإنصاف، ونحن ننقل إليك أيها القارئ الكريم ما يقول هذا الرحالة السائر في
ركاب الأمراء.
يقول التيجاني في رحلته التي نشرتها كتابة الدول للتربية القومية والشباب والرياضة في الجمهورية التونسية (صفحة 207) ما يلي:
"
زوارة الصغرى: وتعرف أيضا بوطن بلد المرابطين وهي قرية ذات نخل كثير باسق الارتفاع، وماؤها في غاية العذوبة، وقد استولى الآن الخراب عَلَى هذه القرية، فليس العامر منها إلا بعض الغامر وأهلها قوم من الخوارج، غلاة في مذهبهم، موصوفون بتصميم في دينهم، وأمانة فيما يودع عندهم مكفرين بواقعة الذنوب، ورأيت منهم أقواما قد نحلت من العبادة أبدانهم، واصفرت ألوانهم بانين في ذلك على هذا الأصل الفاسد من تكفير العصاة على ما تقدم بيانه عند ذكر "جربة". وأظهر أهل الوطن المرابطين شيخ يعرف بعبد الرحيم الزواري، وجميعهم يعظمه ويقدمه، رئاسة وسنا وصلاحًا بزعمهم اجتمعت به فرأيت شيخا مجتهدا في العبادة، حسن الصمت، إلا أنه باعتقاده الفاسد قد أعماله، ضيع ومآله، وتوسمت في أحد من حاله وخسر وصل معه الطلب، فتكلمت معه فوجدته قد شارك في طرف من العلم، وانجر الكلام معه
بها
من التحدث في أصل المعتقد إلى التحدث في مسألة المسح على الخفين في الطهارة، فشنع على مثبتيها كثيرًا وفاقا لمذهب الخوارج، فذكرت له بعض الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله، فردّها بالجملة، وقال: "هذه أخبار آحاد لا يجب العمل بشيء
منها """ (1/384)
صفحة 385
الإباضية في موكب التاريخ
383
الإباضية في ليبيا (2)
وأطال الرحالة التيجاني في مسألة مسح الخفين ثُمَّ قال: "وأمام هذه القرية قريبا منها قصر يُسَمَّى وِزْدِر" بكسر الواو وسكون الزاي وكسر الدال المهملة قد مُحي رسمه وبقي اسمه وتخر
أكثر البناء الذي يحف به، ولم يبق من أهله إلا أناس قليلون، سكنوه حبا للوطن". ثُمَّ انتقل بعد كلام قليل عن "وِزدِرْ" إلى ما سَمَّاه "زوارة الكبرى" فقال: "فبتنا تلك الليلة بظاهر وطن، ثُمَّ أصبحنا من الغد مرتحلين فاجتزنا في أَوَّل المرحلة على "زوارة الكبرى" التي تسمى "كوطين" (بضم الكاف وكسر الطاء المهملة)، وهي قرية أضخم من الأولى وأكبر غابة، وفي أهلها شجاعة موصوفة وعزة أنفس، وطاعتهم للعرب مشوبة بعصيان، وكان نزولنا منتصف النهار بظاهر "ولول"، وبين وطن وظاهر" "ولول" عشرون ميلا، وهما قريتان متشابهتان عذوبة ماء، وخراب بنيان وولول" هي منتهى أرض زوارة، وسُميت بذلك؛ لأن أقواما من البربر يعرفون ببني ولول نزلوا بها، وكذلك تعرف في القديم بأرض بني ولول، وهي أكثر بقاع الأرض ظباء، ولأهلها دراية في صيدها بأشباك ينصبونها لها، تميزوا بذلك عن غيرهم". هذا بعض ما قاله التيجاني عن زوارة، وأهلها والذي يفهم مما كتبه الشيخ عريبي عن حياة العلامة سعيد بن صالح بن زيد الذي عاش إلى القرن العاشر الهجري أن زواره في ذلك الحين تتكون من مدينتين عظيمتين هما "ولول" و "وِزْدِر"، ورحلة التيجاني كانت قبل ذلك بنحو مائتي سنة، وفيها يذكر أن "وِزْدِر" لم يبق بها إلا قليل من السكان حبا في الوطن، فما مقدار هذا الحديث الصحة. من
العزابي
إن "وزدر" اليوم لا يوجد بها، عمران، وقد انضم سكانها إلى "ولول" حيث كونوا معهم مدينة واحدة وأمة واحدة، فهل نصف عمران "وِزْدِر" في القرن الثامن الهجري كما يذكر التيجاني، ثُمَّ ازدهر في القرن العاشر كما يقول الشيخ عريبي، ثُمَّ اضمحل بعد هذا
الازدهار؟ أم أن أحد الرجلين لم يصل إلى الحقيقة؟ إنني أترك رواية التيجاني، فهي في فقد اقترفت بحوادث تاريخية تجعل ما ورد
حاجة إلى التمحيص،
أَمَّا رواية الشيخ عريبي
فيها صحيحا كُلّ الصحة. (1/385)
صفحة 386
الإباضية في موكب التاريخ
384
الإباضية في ليبيا (2)
قال الشيخ عريبي: بلدين عظيمين أحدهما: زوارة ولول" وهي هذه العامرة والثانية: "زوارة وِزْدِر" وهي في
"فكانت في حياته أي حياة سعيد بن صالح- "زوارة" مقسمة إلى
جهة سيدي علي، وطالما تصدر بين البلدين منافسات تؤدي إلى القتال بينهما.
ويذكر الشيخ عريبي
والتوفيق بينهما.
أن للعلامة سعيد بن صالح جهودًا مشكورة في الإصلاح بين البلدين
إذن فَوِزْدِر" لم تكن خالية في القرن العاشر وَإِنَّمَا كانت قوية مزدهرة تناص "ولول" العداء، وتلاقيها في محال القتال، ولو لم يقترن هذا الحديث بالحدث الثاني وهو حياة الشيخ سعيد بن صالح بن زيد وكفاحه الكبير في التوفيق بينهما، وإنشائه لمصلاه المعروف إلى اليوم، وجعله للاجتماع الذي بقي عادة متبعة منذ ذلك اليوم إلى هذا الحين، يتلاقى فيه رجال البلدين الكبيرين، لو لم تبق هذه الآثار شاهدة لاعتمدنا كلام التيجاني، وحسبنا أن "وِزْدِر" قد انقرضت منذ القرن الثامن أو التاسع على أكثر تقدير. ولكننا أصبحنا نعتقد أنها لم تنضم إلى "ولول" إلا بعد أن أزاح العلامة سعيد بن صالح ما بين البلدين من سوء تفاهم، فسهلت الهجرة على سكان "وزدر" إلى "ولول" أو "كوطين" تدريجيا، حتى بقيت "وِزْدِر" أطلالا خربة لا حياة فيها إلا عندما يذهب أهل زوارة إلى زيارة مصلى العلامة سعيد بن صالح بن زيد. ويضيف العلامة الشيخ علي بقوش فيقول: "إن أراضي زوارة" تنتهي إلى "تليل"، وإن سكان هذا القصر هم أيضا من زوارة"، ويقول: إن "زوارة" في التاريخ القديم – ولست أعني بالقديم ما قبل الإسلام - كانت تتكون من ثلاثة حصون حصن "وزدر"، وحصن "ولول"، وحصن "تليل"، والعلاقة بين "زواغة" و "زوارة" كانت متينة جدا، وإن غلب على علماء "زواغة" الاتصال بجبل نفوسة، وعلى علماء "زوارة" الاتصال بجزيرة جربة، ولاسيما عن طريق البحر الذي يربط البلدين فيجعلهما يعيشان عيشة متشابهة من جميع نواحيها إلى اليوم".
110
? (1/386)
صفحة 387
الإباضية في موكب التاريخ
385
الإباضية في ليبيا (2)
"زوارة" والتيجاني
أرى أنَّه يجب عَلَيَّ أن أعود مرة ثانية إلى الحديث عن "زوارة" والتيجاني، ذلك أن كلام الرحالة التيجاني في حاجة إلى مناقشة من بعض الجهات.
وأنا حين أناقش التيجاني أعلم تمام العلم أن هذا الرحالة قام برحلته وهو في ركاب أمير يقوم بخدمته، ويسعى إلى مرضاته ويتلقى منه الإحسان والعطايا، وأعلم كذلك أن لهذا الرحالة ظروفه وبيئته وجيله وأعلم مدى تأثر هؤلاء الكتاب الذين يقومون مقام الصحافة الموجهة اليوم فيبسطون الدعاية ويسبقون الرغبة ويلتمسون وسائل الرضا. إنَّني أعلم كُلّ ذلك، ولست أطلب من الرحالة الكبير أن يكتب في ذلك العصر بروح هذا العصر، ولكنني مع ذلك أستطيع أن أجد كثيرا من الحقائق التي تنكشف عند التأمل النَّزيه، والنظرة المنصفة. ولقد نقلت كلام التيجاني في الفصل السابق عن أهل "زوارة" الكرام، والنقاش الذي دار بين الرحالة الكبير وبعض علماء هذه المدينة التي سماها "زوارة الصغرى"، وقد أطال التيجاني في مناقشة مسألة واحدة ممَّا دار فيه الجدل بينه وبين عبد الرحيم الزواري؛ هذه المسألة هي المسح على الخفين، وذكر في بحثه الطويل: أن عدم جواز المسح على الخفين قول مروي عن الإمام علي بن أبي طالب، وَأَنَّهُ مذهب الشيعة، وَأَنَّهُ قول الإمام مالك في رواية عنه، ثُمَّ عقب على هذا البحث بأنَّه لم يصح عن الإمام علي، وقال في الرواية الواردة عن الإمام مالك: إنَّه يجب أن لا تحمل على ظاهرها، وذكر من صحح الرواية عن مالك تأولها، ويختم هذا البحث الطويل بقوله: "وبالجملة فالعلماء مجمعون على خلاف هذا القول، وقد نصوا عَلَى تفسيق من قال به، وقول هذا الزواري: إن هذا أخبار الآحاد ليس كذلك، فقد نص الأئمة على أن هذا الحكم مِمَّا من ارتفع عن خبر رتبة الآحاد، ووصل إلى رتبة التواتر". إِنِّي أدع التعليق على مسألة المسح على الخفين، فَإِنَّهَا مسألة فقهية فرعية يختلف فيها علماء الْمَذهَب الواحد فضلا عن علماء الأمة جمعاء، ودعوى التيجاني الإجماع فيها قد
أنَّه (1/387)
صفحة 388
الإباضية في موكب التاريخ
386
الإباضية في ليبيا (2)
نقضه هو نفسه بنقله لخلاف الشيعة والإمام علي والإمام مالك والخوارج، ومن ذهـ
مذهبهم.
فلندع هذه المسألة لعلماء الفقه والحديث، فقد أشبعوها بحثًا ومناقشة، عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يستلفت النظر في هذه القضية أن التيجاني هو الذي التمس الاجتماع بالشيخ الزواري، وعمل من أجل ذلك، وكان مفهوما بطبيعة الحال أنَّه لم يبحث عنه ويعمل للاجتماع به إلا ليجري معه في حلبة الجدال، وجاء عبد الرحيم الزواري وكان شيخا وقورا، حسن السمت، مجتهدا في العبادة، مشاركا في طرف من العلم بشهادة التيجاني نفسه وبدأ النضال بين الرجلين فجرى أولا في أصول المعتقد، ثُمَّ انتقل إلى بعض الفروع، حتّى جرهما الحديث إلى المسح على الخفين.
لماذا يا ترى حرص الرحالة العظيم أن ينقل محضر النقاش الذي دار بينه وبين عبد الرحيم الزواري في مسألة فرعية هي المسح على الخفين - وقد جرى فيها الحديث عرضا- وسكت عن أصل النقاش وموضوع الجدال في أصول المعتقد التي قال: إن الحديث جرى أَوَّل ما جرى فيها؟ لماذا لم يذكر لنا التيجاني حججه وحجج خصمه، وما سأل وأجاب به كُلّ واحد منهما، كما فعل في مسألة المسح على الخفين؟.
فهل وصل الرجلان إلى اتفاق؟ أم أن هذا الزواري الوقور الحسن السمت المجتهد في العبادة، استطاع أن يلزم صاحبه الحجة، وأن يفوز عليه في ميدان المناظرة، فسكت العلامة الرحالة عن نقل هذه الحقائق المؤلمة، واكتفى عن كُلّ ذلك بكلمات من السباب وجهها إلى "زوارة"، وعلماء زوارة"، ثُمَّ عوض عن هذه السكتة بالانطلاقة الطويلة في قضية المسح على الخفين؛ هذه المسألة التي وجد فيها مجال القول أوسع، وميدان الحديث والتعليق أفسح.
"
بعد هذا أريد أن أرجع من جديد إلى ما نقلته لك في الفصل السابق من حديث التيجاني، وأرجو من القارئ الكريم أن يقرأه معي بإمعان وتدبر، ثُمَّ يشطب من ذلك الحديث كلمات السب التي لا تعني شيئا من حقائق الحياة والتاريخ، ويقرأ بعد ذلك ما (1/388)
صفحة 389
الإباضية في موكب التاريخ
387
الإباضية في ليبيا (2)
كتبه التيجاني عن أهل زوارة"، فَإِنَّهُ سوف يجد الحق الصراح في ذلك، وها أنا أنقل ذلك الكلام، واضعًا خطا تحت كلمة السباب التي يجب حذفها.
قال التيجاني: وأهلها قوم من الخوارج الغلاة في مذهبهم موصوفون بتصميم في دينهم، وأمانة فيما يودع عندهم، مكفرون بمواقعة الذنوب، ورأيت منهم أقواما قد تحلت من العبادة، أبدانهم، واصفرَّت ألوانهم بانين في ذلك عَلَى هذا الأصل الفاسد، من تكفير العصاة عَلَى ما تقدم بيانه عند ذكر جربة .. وأظهر أهل وطن المرابطين شيخ يعرف بعبد الرحيم الزواري، وجميعهم يعظمه ويقدمه، رئاسة وسنا وصلاحًا بزعمهم،، اجتمعت به فرأيت شيخا مجتهدا في العبادة، وحسن السمت، إلا أنه باعتقاده الفاسد قد ضيع أعماله وخسر حاله ومآله، وتوسمت في أحد من وصل معه الطلب فتكلمت معه فوجدته قد شارك في طرف من العلم".
إنك لو نزعت الكلمات التي تحتها خط والتي هي سباب لا مبرر له، لوجدت التيجاني يقول في سلاسة ووضوح هكذا وأهلها قوم موصوفون بتصميم في دينهم، وأمانة فيما يودع عندهم، ورأيت منهم أقوامًا قد نحلت من العبادة أبدانهم، واصفرت ألوانهم، وأظهر أهل وطن المرابطين شيخ يعرف بعبد الرحيم الزواري، وجميعهم يعظمه ويقدمه رئاسة وسنا وصلاحًا، اجتمعت به فرأيت شيخا مجتهدا في العبادة، حسن السمت، فتكلمت معه، فوجدته شارك في طرف من العلم".
إن شهادة التيجاني عَلَى "زوارة وأهل زوارة هي هذه، فهذا ما رأى وهذا ما سمع، وهذا ما يحقُّ لنا أن نأخذ منه أَمَّا رأيه في القوم ومعتقدهم فذلك موضوع ليس من اليسير أن يتحدث عنه التيجاني في ذلك العصر المشحون بالتعصب. على أننا نعود إلى مناقشة آراء التيجاني - حَتَّى في هذه المواضيع- لنرى مقدار ما عند التيجاني من الْحَقِّ.
ويصف التيجاني أهل زوارة" و"جربة" و"غمراسن" وكثيرا من الجنوب التونسي بأنهم خوارج يستحلون أموال المسلمين ودماءهم وأَنَّهُم يحكمون بتكفير العصاة، وأنا حين أناقش التيجاني في هذا الصدد أحترز بعض الاحتراز، فقد يكون التيجاني اجتمع ببعض (1/389)
صفحة 390
الإباضية في موكب التاريخ
388
الإباضية في ليبيا (2)
الخوارج أو ببعض الناس الذين ينتسبون إلى الإباضيَّة ولكنهم ليسوا كذلك في رحلته الطويلة بالجنوب التونسي، ومع ذلك فمن المعروف في التاريخ أن الجنوب التونسي، وجزيرة جربه والقطر الليبي كان عامرًا بالإباضية وتاريخ الإباضية في هذه البلاد معروف قواعد مذهبهم معروفة أيضا، ولن يجد التيجاني أو غير التيجاني دليلا واحدا على هذه الدعوى، فالإباضية أبعد الناس عن الخوارج، وأشدهم عليهم، وَلَعَلّ من أعظم ما يؤخذ به الإباضية فرق الخوارج المختلفة هو: استحلالهم لأموال المسلمين ودمائهم، فزعمه أن الإباضية خوارج غلاة في مذهبهم زعم باطل من أساسه، وقد يكون التيجاني نفسه أقرب إلى الخوارج من الإباضية، فهو حين يجلس على موائد مخدومه، تلك الموائد الي حفلت بأنواع الطعام المغصوب، إِنَّمَا يعمل عمل الخوارج، وإن لم يقل قولهم، وجريمة العمل أعظم من جريمة القول .. وإلا فبأي حق استحل تلك الأموال التي تغتصب من قوم
يشهدون أن لا إله إلا الله وأن مُحمَّدًا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله. أَمَّا النقطة الثانية التي شنع بها التيجاني عَلَى أهل زوارة فهي: تكفير العصاة، ولو أتيح للتيجانى أن يزداد دراسة ويطلع على كتب الشريعة الإسلامية وأبحاث علمائها الأعلام، بل لو رجع إلى دراسة كتاب الله وتفهمه تفهما عميقا لما حمل نفسه هذا العناء، ولوجد أن كلمة الكفر تطلق على المعصية، وأن الإباضية حين يطلقونها في هذا الباب فهم يعنون ما عناه المشرع الحكيم في كثير من آيات الكتاب وأحاديث الرسول، ولا يحكمون مطلقا بالشرك على من آمن بالله، ولو لم يتبع إيمانه عملا صالحا، وأن هناك فرقًا كبيرًا وبونا شاسعا بينهم وبين الخوارج.
ومن
هذا
يتضح أن عنف التيجاني وحنقه الشديد عَلَى الإباضية، وحكمه على الشيخ
عبد الرحيم بخسران الحال والمال، إِنَّمَا ينتج عن عدم فهم وقصور علم. وقد مضى التاريخ بالرجلين وطواهما فيما طوى، ولكننا مع ذلك نستطيع أن نستخلص من حديث التيجاني عن "زوارة" حقائق هامة تتلخص فيما يلى:
1 - كان أهل "زوارة" في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن قوما مستمسكين بدينهم حراصًا عليه محافظين على الأمانة، جادين في طاعة الله. (1/390)
صفحة 391
الإباضية في موكب التاريخ
389
الإباضية في ليبيا (2)
2 كانت الحركة العلمية عندهم في ذلك الحين لا بأس بها، إذ يوجد عندهم مثقفون يشاركون في فنون الثقافة المعروفة في ذلك الحين. 3 - يكونون مجتمعًا ضيقا ولكنَّه متماسك متآزر، يأنف من الذلة ويكره الاستعباد. 4 - تعتمد حياتهم الاقتصادية على الزراعة.
ه كان لَهُم علماء عظام يصمدون للجدال، ويقارعون الرجال، ويدافعون عما يعتقدونه حقا ببلاغة وبرهان. هذه حقائق ثابتة نستخلصها من التيجاني الرحالة الذي خدم ابن اللحياني بكُلِّ ما لديه من علم وحذق وذكاء، ومهد له إلى الملك، ثُمَّ عصفت به عواصف الحياة، وقلبت له ظهر المجن، فطوّحت بآل التيجاني جَمِيعًا في مطاوي النسيان، قرابة قرن من الزمان (1).
*
منهم، فماذا
1) يقول الأستاذ الكبير حسن حسني عبد الوهاب في مقدمته على رحلة التيجاني (ص) (29): ويختفي عنا نبؤه أي صاحب الرحلة - وأنباء آل التيجاني جيمعاً، سواء في ذلك الكبير منهم والصغير، ولم نعثر على ذكر الواحد دهاهم يا ترى؟ هل قتلوا عن آخرهم كما استشهد أبو الفضل في المعمعة؟ أم فروا بحشاشات أنفسهم في أثناء تلك المحنة إلى بعض الأماكن القصية البعيدة؟ وبعد هذه تأويلات لهذا الغياب الكامل لآل التيجاني الذين كانوا خداما للملوك زمناً غير قصير يقول الأستاذ حسن ويمر" قرن كامل من الدهر، ويطوي
الزمان - على عادته - الصحفية المشوهة لتلك المحن، فيظهر تحت سماء تونس الصافية آخر عقب للتيجاني". (1/391)
صفحة 392
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
الشيخ سعيد بن صالح بن زيد
في "زوارة" الجميلة الضاحكه على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، نشأ العلامة سعيد بن صالح بن زيد، وإنه ليسرني أن أدع المجال في هذا المقام للشيخ عريي العزابي، يُحدثنا عن هذا الرجل العظيم الذي استطاع أن يربط صلة الأخوة والمحبة بين المتنافرين ويوصل حلقات التزاور بين المتباعدين.
-
قال الشيخ عريبي: "إن حياة الولي سيدي سعيد بن صالح – نفعنا الله ببركاته حسب التحقيق، والأخذ من المصادر الموثوق بها، كانت في أوائل القرن العاشر الهجري، أي منذ أربعمائة وثلاث وخمسين عاما تقريبا.
مسموع
الكلمة،
أَمَّا سيرته في حياته كان رَحِمَهُ الله - رجلا صالحًا وعظيما عند عموم الإباضية، يرجع إليه العامة في جميع الأمور، وعندما تقع المنازعات تفصل أمامه حسب إشارته ورأيه كما هو معهود فيه من القيام بالمصالح، والسيرة الحسنة، حتى اشتهر بالصلاح وحب الخير، في عموم أقطار الإباضية كجربة والجبل الغربي، و "زوارة" وبني ميزاب وغير ذلك، فاتخذته العامة قدوة يقتدون به في أمور دينهم، و مرجعًا لَهُم لمصالح دنياهم، وتوجهت إليه الأنظار، ومالت إليه القلوب من جميع الأطراف. وكان - رَحِمَهُ الله - قدوة في حياته، أفنى وقته في إصلاح ذات البين، وجعل مراميه السعي في رضا الله، وراحة عباده. كانت "زوارة" في حياته مقسمة إلى بلدين عظيمين: أحدهما: " "زوارة ولول" وهي هذه العامرة، والثانية: هي "زوَارَة وِزْدِرْ" وهي في وجهة سيدي علي، وطالما تصدر بين البلدين مناقشات تؤدي إلى القتال بينهما، ابتدأت هذه المناوشات قبل حياة الشيخ، ثُمَّ امتدت إلى زمانه، فلما رأى الحالة سيئة بين إخوانه بادر - رَحِمَهُ الله - بهمته العالية إلى إحماد نار الفتنة بين إخوانه، وإصلاح ذات البين بينهم، فجمعهم مراراً، وصار يعظهم ويرشدهم إلى الاتفاق والاتحاد، حتّى وفقه الله بسبب إرشاداته ونصائحه، فأمر - رَحِمَهُ اللهُ - جَميع بلدان "زوارة" (1/392)
صفحة 393
الإباضية في موكب التاريخ
391
الإباضية في ليبيا (2)
من هنا ومن سيدي علي بالاجتماع كُلّ عام، في الموضع الذي فيه ضريحه الآن بنية الزيارة، وعند اجتماعهم هناك يقوم بإلقاء النصائح ينهاهم ويحبب الاتحاد والتضامن، إلى أن صارت زوارة سيدي علي "، و "زوارة ولول" على قلب واحد بسبب هذه الزيارة التي يجتمع فيها العموم، وقيامه بينهم بالإرشادات النافعة في دينهم ودنياهم، وحيث إن هذه الزيارة أسست
خلفا
على خير وأن الشيخ سيدي سعيد من عظماء الإباضية المشهورين بالصلاح، فجميع الإباضية أينما كانوا يعتقدون فيه الصلاح، فعملوا له مزارات في جل البلدان أعظمها مزار ضريحه الذي يحق لنا احترامه بجميع ما يليق بمقامه العظيم، وله مزار في جربة، ومزار في وادي ميزاب، وفي جهة الجبل الغربي، وكان هذا المزار موسمًا في كُلّ عام لدى جميع الإباضية، إحياء لذلك الشعار الموسمي لما فيه من المواعظ الوثيقة، واتحاد الكلمة، حتّى كان البلدان بلدا واحدًا عَلَى قلب واحد. لا شيء يحط من كرامتها أمام الأمم المخالفة لهما، وصارا أخوين على سرر متقابلين، يدور بينهما كأس سلسبيل، وصارا عصبة واحدة ضد من يضمر لهما شرا. وإذن يجب عَلَى "زوارة ولول" اليوم الزيارة كُلّ عام إلى هذا الولي الصالح إحياء لذكراه، وما كان عليه من إصلاح ذات البين".
خير البلاد، وراحة العباد، استحسنتها الأوائل، وتركتها لعقبهم عن سلف، سيما
هذا ما كتبه الشيخ عريبي العزابي عن المصلح العظيم، وليس لي ما أضيفه غير ملاحظة عابرة، تتعلق بجانب من جوانب الموضوع. لقد بذل المصلح الكبير العلامة سعيد بن صالح بن زيد جهوداً جبارة حتى استطاع أن يجمع بين المتخاصمين اللذين أوصلهما سوء التفاهم إلى القتال، وتمكن من جمع القلوب عَلَى الصفاء والمحبة، اتخذ هذا الاجتماع مؤتمراً سنويًا يعالج فيه الناس مشاكلهم الدينية والدنيوية، وهذا عمل عظيم، وإذا استمر على هذا المنوال يجتمع فيه أبناء الأمة لهذا الغرض العظيم، يستعرضون مشاكلهم، ويحاسبون أنفسهم، ويقومون أعمالهم، ويرسمون خطوط السير للسنة المقبلة، إذا استمر هذا الاجتماع على هذا المنوال فَإِنَّهُ يكون عملا عظيما يحقق أحسن النتائج، ولكنَّه إذا انحرف عن هذا المغزى الكبير، وأصبح مظهراً للفخر والظهور والإسراف والتبرك بقيور الأولياء (1/393)
صفحة 394
الإباضية في موكب التاريخ
392
الإباضية في ليبيا (2)
60
الميتين، يتسابق إليه الناس بالتبجح وإظهار الغنى ووسائل الترف، من خيول مذهبة السروج، وسيارات فخمة من أحدث ما أنتجت مصانع أوربا وأمريكا، إذا انحرف هذا الاجتماع إلى المنحى البعيد عن روح الإسلام وسُمُوهُ، فَإِنَّهُ يكون حينئذ مرضا اجتماعيًا من الأمراض الخطيرة التي يجب معالجتها والقضاء عليها. إنني لم أحضر هذه الزيارات التي يقوم بها أهل "زوارة" الكرام إلى سيدي سعيد، ولكنني أعرف عددًا من المزارات ترتكب فيها أعمال يبرأ منها الإسلام، بل إنها تكون موسماً من مواسم الرذيلة، تستباح فيها الحرمات، ويختلط فيها الحابل بالنابل، ويقصدها الفجار من الأماكن البعيدة، ظاهراً بقصد التبرك وباطنا لما فيها من متعة العين والنفس وما يتبعهما. وإن الصالحين من المسلمين الأحياء منهم والأموات يبرؤون من أولئك الذين يتخذون قبورهم أو مصلياتهم وسيلة لارتكاب المنكر، والبعد عن دين إن ذكرى الصالحين والأولياء هي أن نقوم بالأعمال التي يدعو إليها الإسلام، ونقف عند حدوده، فإذا استطعنا أن نسير في هذا المنهاج فقد أحيينا ذكراهم، ومجدنا بطولتهم .. إن الإسلام دين تذوب فيه الفردية وتقديس الرجال، ولقد جعلت لنا الأسوة الحسنة في رسول الله، فما من شخص مهما بلغ من التقوى والصلاح يحول بينها وبين الاتجاه إلى هذا الرجل العظيم والاقتداء به، وعلى هديه نلتقي، ومن صفائه نستقي، ومن نوره نقتبس .. لقد ترك مُحمَّد كتاب الله وسنة نبيه بين أيدينا، ترك كتاب الله غضا طريا كما نزل من السماء، وعلينا أن نعرض عليه مشاكلنا وعقائدنا وأعمالنا، وبذلك نرضي الله ونرضي رسول الله، ونرضي الصالحين من المؤمنين.
الله
000 (1/394)
صفحة 395
الإباضية في موكب التاريخ
393
الإباضية في ليبيا (2)
وادي "لالوت"
هو واد عميق، كثير الأشجار، غزير المياه عند حملاته، يسقي أرضا فسيحة خصبة، يتجه في مبدأ أمره إلى الجنوب، ثُمَّ ينعطف في نصف دائرة إلى الشمال فيحتضن المدينة العظيمة "لالوت"، ويكاد يحيط بها إحاطة كاملة.
و"لالوت" مدينة لها تاريخ مجيد في الإسلام، ربضت على قمة منبسطة من جبل شامخ، يقتطعها عن بقية القسم والجبال واد عميق الغور من ثلاث جهات، ويجعل منها شبه جزيرة صخرية حصينة المداخل آمنة من العدوان المفاجئ، وفي هذا الوادي الذي يلتف بها كما تلتف يد الولهان بخصر الحبيب تنبع كثير من العيون والآبار، وتنتشر عَلَى جَميع جهات البلد، وهي تتفاوت في غزارة الماء، ولكنَّها تتقارب في عذوبته، وفي منابع هذه العيون والآبار تزدهر بساتين وأجنة جميلة، يتخذها الناس مصائف، ويقضي فيها الشباب أوقاتا من البهجة والأنس والمتعة، ومن هذه المنتزهات الغزيرة المياه: "مونين"، وإبجربن"، والحسيان"، و"سركوكم"، و"أدبير"، و"تغليس" وتعتبر العين الأخيرة أعذب العيون ماء، وكانت تسقي غابة ظليلة من شجر الزيتون والنخيل والكرم والكمثرى وغيره، وتوجد غير هذه عشرات من العيون التي تنبع من بين الصخر تتفاوت قوة وضعفا.
في هذه المدينة التي وصفها أبو العباس الشماخي بأنها مدينة الأشياخ والعلم، نشأ عدد غير قليل من العلماء الأعلام، ومن العالمات الفاضلات، كان من بينهم العلامة أحمد بن بصير، بن بصير، وأبو زكرياء يحيى بن جرناز أحد أعضاء الجمعية التي ألفت الديوان، ويكفي أنها أخرجت أبا الربيع سيلمان بن هارون وأبا سهل.
ومحمد
أَمَّا
من نوابغ النساء فقد نشأت بها المؤمنة الصالحة العالمة "زينب" اللالوتية" التي كانت تعيش في "لالوت" متمسكة بأشد ما يمكن من حجاب، المرأة، وَلَمْ يَمنعها ذلك أن تعيش في عصرها، وتعرف مجتمعها، وتتبع الحركات التي تقع في كامل الجبل، فتشترك بالرأي والكلمة الحسنة، والدعوة إلى الخير .. بلغها أن أمة الواحد زوجة أبي عامر التصراري أعلنت شيئا مما (1/395)
صفحة 396
الإباضية في موكب التاريخ
394
الإباضية في ليبيا (2)
تحرص النساء على إخفائه، فبعثت إليها تقول في توبيخ عنيف ونهي عن المنكر شديد: "لو أمكن لنا أن نستر قبورنا بين القبور لفعلنا، واستجابت لها أمة الواحد وتابت من عملها ذلك وبعثت إليها تعتذر، وهكذا فقد كانت المرأة في ذلك العصر حية شاعرة متصلة بالأحداث التي تقع في وطنها، ولم تكن قابعة في زاوية من البيت يقيد الجهل لسانها، ويملأ الفراغ عليها
يومها، وتشحن الخرافات عقلها، وتشغل الصغائر ذهنها كما هو الحال عند المرأة اليوم. أمَّا "أم سحنون" فقد كانت مزارًا للمشايخ، ومعقدا لإجتماعاتهم ومشاوراتهم، وكثيرا ما اجتمعوا عندها في مهمات الأمور، فجاؤوا من "يفرن"، و"جادو"، و "شروس"، ليجتمعوا عند أم سحنون في "لالوت" (1).
وعلى ضفة الوادي من المشرق مقابل "لالوت" تقع مدينة "تيغيت" الي غير اليوم اسمها، فأطلق عليها "أولاد محمود، وقد أصبحت قرية صغيرة جدا، وبجانب هذه المدينة إلى الشمال مصلّى ينسب إلى عاصم السدراتي، كثيرا ما يجتمع ع فيه الناس
لصلاة الاستسقاء.
وإلى الشمال من "لالوت" بمسافة تقارب عشرين كيلو مترا في السهل الواقع غربي هذا الوادي الذي ينحدر وهو يتلوى كالأفعى تقع مدينة "تاغرويت" أو على الأصح أطلال مدينة "تارويت" تلك المدينة التي تنتشر حولها عيون وآبار كثيرة، غزيرة المياه، وتنتشر حولها مزارع خضر، وبساتين غناء، قال فيها أبو العباس في كتابه السير (صفحة 296): " و"تارويت" مدينة قريبة من "لالوت" تحتها "وجلا" أهلها، زناتة، واجتمع فيها في أيام أبي ويسجمين سبعون شيخًا، وأكثر أهلها ذهبوا إلى "وار جلان"، وإلى الجنوب من هذه المدينة الكبيرة بمسافة قصيرة تقع القرية الجميلة "تكوت" على رأس ربوة مستديرة مرتفعة تحيط بها من جميع الجهات غابات من النخيل تكون واحة صغيرة خضراء جميلة، وتسقي هذه الواحة من مياه
(1) راجع السير: ترجمة أبي عامر التصراري. (1/396)
صفحة 397
الإباضية في موكب التاريخ
395
الإباضية في ليبيا (2)
الآبار، كانت من قبل تستخرج بطريقة الدلاء المعروفة، أما اليوم فقد زود أكثرها
بمحركات، وتعتمد "لالوت" كثيرًا على هذه القرية فيما يتعلق بالخضار والغلل. وإلى الشرق من "تيغيت" تقع مجموعة من القرى يطلق عليها اليوم "الحوامد" وأشهر هذه القرى في التاريخ الإسلامي "تلات" التي وقعت فيها عدة وقائع حربية، وهاجر أكثر أهلها إلى "جربة" ومنهم العلامة التلاتي العالم المتواضع الذي نجد آثار قلمه في كُل كتاب تطالعه من كتب نفوسة، يعلق عليها باستحياء ولكن بإفادة وإمتاع. وغير بعيد منها تقع "تيركت" وفيها مسجد تهدم جانب منه، ولا يزال الجانب الثاني يروي للتاريخ العلم والخلق والدين.
وتمتد مزارع "لالوت" الخضراء، وبساتين التين والزيتون على مسافة أربعين ميلا نو الغرب حتّى تتصل بـ"وازن"، يقول العلامة الكبير الباشا الباروني في تعاليقه على "سلم العامة والمبتدئين" (ص 33): "ويليها أي "لالوت"- غرباً عَلَى مسافة مرحلة: قرية "وازن" وهي الْحَد الفاصل بين ولاية "طرابلس" و"إيالة" تونس، وأهلها إباضية كلهم، كـ"لالوت"، وفيهما رجال مُحترمون نَهُم غيرة وحمية على الدين".
000 (1/397)
صفحة 398
الإباضية في موكب التاريخ
396
الإباضية في ليبيا (2)
"1
وادي اگر اين
هو: واد عميق شديد العمق، ينحدر من الجنوب إلى الشمال متخذا أخدودًا بعيد الغور في الجبل وهو ضيق في أعلاه متسع في منحدره ويصب المياه التي يحملها في مواسم الأمطار في الحقول الفسيحة التي تنتج أجود الحبوب من قمح وشعير، ويتفرع من أعلاه إلى فرعين عند العين الثرارة التي تسقى منها "كباو" الحالية بالوسائل الحديثة لتصريف المياه.
يتجه
أحد الفرعين إلى الشرق الشمالي حيث ينتهي في الشلال الجميل الذي تنبع منه عين "رقو " العذبة بالماء الغنية بالغلال.
أَمَّا الفرع الثاني: فيتجه إلى الجنوب الغربي، وعلى الضفة الشرقية لهذا الوادي تقع مدينة "كباو" الجميلة دائرة حول ربوة مرتفعة يلمع فوق قمتها "قصر الخزين" كأَنَّه عمامة عملاق عظيم، وقد أنبتت هذه المدينة من عظماء الرجال عددا يتشرف به التاريخ، ويكفي أن تربتها الزكية، ومناظرها الساحرة، وقممها الضاحكة للشمس تعاونت عَلى تكوين أعظم رجل أنجبته ليبيا في العصر الحاضر سليمان باشا الباروني، والذي كان أفذاذ العالم، لم يعرف من التاريخ المعاصر من حارب الباطل بإخلاص كإخلاصه، الباطل في جميع صوره وأشكاله، سواء ما ورد منه مع الجيوش الاستعمارية الغازية، أو في أبواق الدعوة المشتتة، أو ما دس في الفكر والعلم المنحرف، وقد وقف في الميدان كما يقف المارد الجبار يدافع عن الحمى ضربات المدافع، ويرد جيوش العدو المتعاقبة، ويقود الجنود البواسل من أبناء الوطن.
ولقد استطاع أن ينير الطريق بفكره النير لعصبة الأمم، فأعجبت بآرائه، ولكن غلبتها شهوة الاستعمار فلم تنفذها، وجاءت اليوم هيئة الأمم المتحدة فوصلت إلى ما دعا إليه الباروني من قبل، وأصبحت قضية تصفية الاستعمار من أمجد الأعمال التي قامت بها هيئة الأمم، ولو استمع العالم من قبل إلى الباروني لانتهى اليوم من هذه المشاكل، واتجهت جهوده إلى معالجة مشاكل أخرى لا تزال في حاجة إلى علاج. لقد شغل الباروني فكر العالم مدة من الزمن، كانت الدول تنظر إليه بإعجاب فاغرة الأفواه، وقد مرت فترة من التاريخ لا تخرج منه جريدة في أنحاء العالم ليس فيها خبر عن (1/398)
صفحة 399
الإباضية في موكب التاريخ
397
الإباضية في ليبيا (2)
الباروني أو من الباروني، وليست هذه الشهرة قاصرة على الميدان السياسي أو الميدان العسكري، وَإِنَّمَا تشمل جميع ميادين الإصلاح. ومن العين الثرارة التي تروي "كباو " الحالية، يتجه هذا الوادي العميق أو الخندق الكبير نحو الشرق حَتَّى يصل إلى المدينة العظيمة "إبناين" تلك المدينة التي كانت مركز الحكم لأبي هارون موسى الملوشائي وابنه أبي الربيع ومأوى لعدد غير قليل من أعلام الفكر والقلم والحكم، ومن حولها تقع عدد من القرى التي تشبه أن تكون ضواحي لهذه المدينة العظيمة. وتقابل "إبناين" من الجنوب "جليمت" التي أنجبت فيمن أنجبت أبا هارون الجلالمي صاحب المدرسة العظيمة التي أنجبت أعلامًا يتشرف بهم التاريخ، وعندما يصل وادي "إكراين" إلى مدينة "إبناين" يتجه فرع منه إلى الجنوب الغربي حتّى ينتهي إلى شلال "فنده" وعلى الضفة الغربية لهذا الفرع تتناثر بقايا أطلال مدينة "مَمَّاسين" يرتفع من بينها مسجد العجوز الصالحة، جدة المشايخ أم الزين اللالوتية. أمَّا
الوادي الأصلي فينعطف مستديرًا حول "إبناين" إلى الشمال يشق تلك الجبال الشواهق في اعتداد وقوة، وعلى ضفته الغربية تقع "تصرَارَ" بلد أبي عامر التصراري.
وينحدر الوادي في اتساع واطمئنان حَتَّى يصل إلى المنفسح الذي أقيمت عليه مدينة "أبي رغوة" محتلة جانبي الوادي وما فيه من أجنة وبساتين وعيون دافقة، وعلى قمة الجبل الشرقية لهذه المدينة يجثم قصر "العنقر" في يقظة وانتباه، يقابله عَلَى القمة الغربية من الوادي قص "عطر شو" كأنهما حارسان أمينان.
وهذا الوادي من أعلاه إلى أسفله من أكثر البلاد شجرًا وثَمراً وماء، وقد كانت الشمس في يوم من الأيام أذل من أن تجوس خلاله لما التف فيه من الأشجار .. ويوازي هذا الوادي من الغرب واد آخر لا يقل عنه خصوبة وعمرانا، وهو وادي "الشيخ"، وعلى الضفة الغربية لهذا الوادي تقع "القلعة" و "تلات" المدينة التي عاش فيها أسلاف العلامة الكبير أبي سليمان داود بن
إبراهيم هذا الرجل الذي لا يكاد يخلو كتاب من كتب الأصحاب من تعاليقه وحواشيه. و إلى غربي هذه المدينة تنتثر أطلال "تنومات"، تلك الأطلال التي يختبئ بها مسجد أبي مُحمَّد، كَأَنَّمَا يَخشى عَلَى الفن المعماري الذي نحت به والنقوش الجميلة الرائعة على (1/399)
صفحة 400
الإباضية في موكب التاريخ
398
الإباضية في ليبيا (2)
جدرانه وسواريه والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والحكم البليغة التي حلى بها محرابه وسقفه أن تعبث بها أيدي المتوحشين من الناس الذين لا يحترمون قداسة المساجد، ولا يرعون حرمة التاريخ، ولا يعجبون بجمال الفن.
وعلى الضفة الشرقية لهذا الوادي تقع قرية "بودير" و "نملل" تقابلهما من الغرب أطلال "طمزين"، يربط بينها مسجد أبي سليمان الطمزيني، ويضيق الوادي متصاعدا بين الجبلين في التواءات كثيرة حتّى ينتهي في موضع المدينة التاريخية الكبيرة "وريوري" وقد حرف اسمها اليوم قليلا فأصبح يطلق عليها "وروري"، وإلى الجنوب من أطلال هذه المدينة تمتد بساتين أشجار الفاكهة المختلفة، وحقول الحبوب، وتنتشر بينها الصهاريج والمنازل المنحوتة في الجبل، وتعتبر هذه الناحية من أجمل مصائف "كباو". وإلى الشرق من "كباو" تقع مدينة "فرسطاء" العظيمة التي أصبحت اليوم قرية صغيرة، وقد كانت في عهد ازدهارها لا تقل عظمة عن "تملوشايت" و"شروس"، وتتصل بهذه المدينة مجموعة من القرى تكون لها ضواحي جميلة، وفي هذه المدينة نشأ عدد غير قليل من الأعلام، والمصلحين الأفذاذ منهم أبو عبد الله مُحمَّد بكر الفيلسوف الاجتماعي، والمصلح الكبير، الذي لا يعرف السأم أو التعب، ولا يكف عن الكفاح في سبيل الله في لحظة من اللحظات، ولعله أوّل من فكر في وضع الدساتير المستمدة من الإسلام، فقد وضع دستوره المعروف بنظام العزابة، واستمد أحكامه من الإسلام وأعتقد أنه لا يزال هذا الدستور من أقوم الدساتير التي جعلت للمحافظة على المجتمعات ومراعاة مصلحة الشعوب، ولم يكن
العلماء
الرجل نظريا يكتفي بوضع الفكرة، ولكنَّه حرص أن ينفذ هذا الدستور، وتطبيق أحكامه. سافر من جبل نفوسة إلى جربة، ومن جربة إلى وادي أريغ، ومن وادي أريغ 1 إلى وارجلان ثُمَّ إِلى وادي ميزاب وكان أهلها معتزلة، فلم يمكث بينهم إلا قليلا حتى صاروا إباضيَّة، ومن غيرهم عَلَى الْحَقِّ واتباعه؛ وطبق هذا النظام في تلك الواحات الخصبة الجميلة، ولا يزال يطبق إلى اليوم؛ فلقد حفظ هذا الدستور أبناء تلك الواحة الكرام من جميع الشرور التي دخلت البلاد الإسلامية، ولقد تمكن الاستعمار في أكثر بلاد الإسلام أن ينشر الفساد الخلقي مقدمة لإضعاف الروح الدينية. (1/400)
صفحة 401
الإباضية في موكب التاريخ
399
الإباضية في ليبيا (2)
أما في وادي ميزاب فقد وقفت فرنسا عاجزة عن التسرب إلى المجتمع، ورجع
شياطينها
شياطين الإنس والجن - الذين جندتهم فرنسا مدحورين أمام ذلك الدستور. وليست القوة قوة الدستور في نفسه، ولكنها قوة الإسلام عندما التجأ إليه بنوه، وعرفوا كيف يطبقون أحكامه ويتقون به حيل الشياطين، وخدع المفسدين. وإلى الغرب من "كباو" تقع مدينة "تلات" وقريبا منها أطلال "تنومات" التي لم يبق فيها مسجد عليه كتابات بالخط الكوفي، ونقوش زخرفة إسلامية تشبه النقوش التي توجد في
مسجد أبي معروف في "شَرْوَس"، والتي توجد في مسجد أبي هارون في "إبناين". وقد قال بطل الإسلام وأسد الكفاح سليمان الباروني عندما تحدث عن أبي هارون بن موسى في بعض تعليقاته على "سلم العامة والمبتدئين": "وبالنظر إلى ما بقي من صدر المسجد، كالمحراب وما يليه المبني بالحجارة المنحوتة نحتا عجيبًا، المنقوش فيها بعض حكم بالخط الكوفي، يتضح جليا بأن لنفوسة في ذلك الوقت علما نافعا في الصنعة". وإلى شمال "كباو" وبحوالى خمسة عشر ميلا وتحت السفح تقع "قنطرارة" التي أصبحت اليوم تسمى "تيجي"، ولقد كانت "قنطرارة" عبارة عن جنة من جنان الله في الأرض، غزيرة المياه، تنبع منها العيون الشّرارة سائلة فوق الأرض، تسقي الحدائق الغناء التي كانت تنبسط على مسافات طويلة، وتنتج أجود الغلال والفواكه والتمور، وقد كانت تستقل بحاكمها عن الجبل أيام الدولة الرستمية، وبعد وقعة "مانو" هجم عليها الوحش البشري إبراهيم بن الأغلب، وقتل أغلب أهلها، وخرب حدائقها وأحرق أشجارها .. لقد ارتكب من الجرائم ما لم يرتكبه قائد حربي فيما أعرف، وهذه إحدى جرائمه التي يسجلها عليه التاريخ، ومنذ ذلك اليوم بدأت تنحصر وتنكمش حَتَّى بقيت اليوم عبارة عن عيون من الماء، تسقي عددا ضئيلا من النخيل، جعلت فيه الدولة أجهزة للحكم ومدرسة وفتح فيها منذ قريب سوق، ويرجع إليها سكان السهل الفسيح الذي ينبسط شمالا في ارتباطهم بالمصالح الحكومية. وفي هذه المدينة العظيمة قامت مدرسة العلامة سعيد بن أبي يونس الطمزيني، وفيها تخرج عدد من العلماء الأعلام أمثال أبي مسعد الجناوني، وَلَمَّا ضرب الأغالبة بنيانها، وأحرقوا
أجنتها، وقتلوا أغلب علمائها، انتقلت حركتها العلمية إلى "تمصمص" جنوب "طمزين". (1/401)
صفحة 402
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
في
وادي شروس
هو: واد شديد العمق، يتكون أعلاه من عدد من الفروع تلتقي حول مدينة "شروس" في منطقة متسعة، ثُمَّ ينحدر إلى الشمال محصوراً بين الجبال، فيكون ما يشبه عنق قارورة كبيرة تنبع أنحاء منه عيون وآبار، وقد كان دائم الخضرة، كثير الشجر، تزدان نحور الجبال الدائرة به وأعجازها بشجر البطوم الدائم الخضرة، أما قممها فتكللها غابات الزيتون الكثيفة، وفي محاري الوادي وروافده يرتفع النخيل متمايلا كأنه يصارع الزمن ليخرج من هذا المحبس العميق .. غير أن يد الإنسان العابثة لعبت أسوأ الأدوار في طبيعة هذا الوادي الجميلة، فاقتلعت أكثر تلك الأشجار التي تصبغ الجبال، بالخضرة، وقدمتها طعامًا للنيران، لتستخلص منه فحما يتخذه بعض الناس مكسبا وتجارة، وهي جريمة لعمري أقدم عليها ناس لا يفكرون في زمن غلبت الفوضى في الفترة المظلمة من تاريخ الوطن، هذه الفترة التي مرت بين الحكم الإيطالي الباغي، وحصول البلاد على الاستقلال، وقيام دولة من بنيها تحكمها وترعاها تلك الفترة التي أطلق عليها التاريخ فترة الاحتلال البريطاني، فحكمت ليبيا حكمًا عسكريًا تجرد عن النظام والقانون.
كان لهذا الوادي تاريخ حافل في الكفاح، وكم مرة جاءت الجيوش الباغية تحاول أن تدخل إلى العرين من عنق هذه الزجاجة فضاقت عليها، وبقيت محصورة حَتَّى فشلت وذهب ريحها ورجعت منهزمة، على أن لهذا الوادي قصة أروع من كُلّ ذلك في تاريخ الإسلام والفتح الإسلامي؛ فعندما كان عمرو بن العاص يقود جيشًا من لفيف من أصحاب رسول الله، وكانت مهمة هذا الجيش إبلاغ دعوة الإسلام الصافية كما أراده الله، وكما بلغها مُحمَّد ل لم يضق عنق الزجاجة عن هذا الجيش المؤمن الذي كان يقوده ابن العاص، وفتحت "شروس" أبوابها للإسلام دون أن تراق قطرة من الدماء، ودخل الفاتح البطل دون أن يكبد الإسلام خسارة في المال أو في الرجال، وتقبل أهل المدينة - مدينة شروس - التي كانت تتبعها في ذلك الحين أكثر من ثلاثمائة قرية دعوة الإسلام وفتحوا قلوبهم للإيمان، وصافحوا بإيمانهم أيدي الصحابة التي لمست يدي رسول الله، وبقي الجيش ما بقي في "شروس" بين أهل وأخوة، وعندما رجع الفاتحون، كان الإسلام قد استقر نهائيا، وكانت مبادئ الإسلام التي تحرر المؤمن من ربقة العبودية (1/402)
صفحة 403
لغير
الإباضية في موكب التاريخ
401
الإباضية في ليبيا (2)
الله قد رسخت في أنفسهم، فلم يستطع منذ ذلك اليوم أن يستعبدهم بشر حتى انقرضت
"شَرْوس"، وكانت هجمات الباغين تختنق في عنق الزجاجة، أو تتحطم على صخور الجبل. ومدينة "شروس" هذه أكبر مدن جبل نفوسة في ذلك الحين، بل إنها إحدى العواصم الكبرى المنتشرة في بلاد المغرب، وهي بموقعها في بطن الوادي تحيط بها من جميع الجهات جبال تناطح السحب، وترتفع في كبد السماء، كأنها أسوار من صنع الله وضعتها إرادة الله عال لتحصين هذه المدينة، لا ينفتح منها إلا باب ضيق إلى جهة الشمال، وصفناه فيما سبق بعنق القارورة.
لقد كانت "شروس" مركز إشعاع منذ الفتح الإسلامي، وقد امتد منها نور الإيمان والعلم
لا في جهات من ليبيا فقط، وَإِنَّمَا امتدت أنوارها منتشرة تتسع وتضيق إلى أقاصي المغرب. وقد أخرجت أعلامًا تركوا آثاراً قيمة لا تزال مقبسًا للنور إلى اليوم، وحسبها أنها كونت في الزمن المبكر للإسلام في ليبيا مدرستها الكبيرة العامرة بأقسامها الداخلية، وأنها كانت مقصدا لطلاب العلم من جميع الجهات حَتَّى ضاقت مباني المدرسة ومنازل المدينة عن السكان، فلم يجد الطلبة فيها محلات الإقامة واضطروا إلى الانتقال إلى مدارس ومدن أخرى كانت أقل شهرة منها، وإنه لمن أعاجيب الزمن أن تصبح "شروس" في ذلك التاريخ في زمن قصير جدا مقصدا لتصحيح العلوم، فيدرس الدارسون في تونس أو في الجزائر أو في أي جهة من الجهات النائية، ولكنهم لا يطمئنون إلى علمهم إلا بعد أن يردوا "شروس" ويعرضوا ما
عرفوا على ابن ماطوس فيجيزهم إن اجتازوا الامتحان، ويعودوا إلى الدراسة إن لم يوفقوا. ولقد لعب الزمن بهذه المدينة العظيمة، فذهب عنها سكانها، وانزاح عنها عمرانها، ولم يق إلا أطلال، دوارس، وإلا مسجد أبي معروف يغالب الزمن، ويصارع التاريخ، حتى أن الأجيال الأخيرة أصبحوا يطلقون اسم أبي معروف على المدينة كلها، فيقولون خربة أبي معروف، وأبو معروف هذا هو ويَّار بن جواد أحد الأعلام الذين حكموا "شَرْوَس" وما يتبعها من قرى، فأقاموا فيها منار الْحَقِّ، ورفعوا ألوية العدل، وساروا بسيرة الصالحين من أمة محمد، كان من أئمة العلم، لا يخلو كتاب من أقواله وآرائه وفتاواه، وقد كان سريع عبقريا يحل أعوص المشاكل وأعقد القضايا دون إجهاد فكر، والكتب مشحونة بأخباره .. أما المسجد الذي يعرف به فلا يزال قائما بين الأنقاض، منسق البناء، منحوت السواري من الصخر
إماما من
البديهة ذكيا (1/403)
صفحة 404
الإباضية في موكب التاريخ
402
الإباضية في ليبيا (2)
(2)
الأصم، وقد زينت جدرانه بآيات كريمات وحكم بالغات حضرت على أحجار منحوتة، أو نقشت بألوان لا تزال زاهية، وَكُلُّ ذلك بالخط الكوفي الجميل.
على الضفة الشرقية لهذا الوادي، وفوق قمة عالية تقع القرية الصغيرة الجميلة التي تسـ الجزيرة؛ لأنها واقعة فوق جبل منفصل عن بقية الجبال من ثلاث جهات انفصالا كاملا .. أما من الجهة الرابعة فقد انفصلت عن بقية الجبال بخندق ضيق عميق شديد العمق، والخندق من صنع الطبيعة لا من صنع الإنسان، ولا يستطيع الإنسان أن يدخل إلى هذه القرية الجميلة إلا فوق معبر على هذا الخندق، وفي الليل عندما تنام القرية تنتزع المعابر عن الخندق فتأمن من الدخلاء. كانت هذه القرية معقلا من معاقل الجبل، وحصنا منيعا من حصونه التي يتركز فيها الدفاع تصان فيه الغوالي .. وقد وقعت فيها عدة أحداث تشبه أن تكون قصصا لعدد من المهاجمين الذين حاولون أن يدخلوا إلى "شروس"، كما يدخل الفأر من عنق القارورة فلا يخرج إلا أشلاء، وأحسب أنني ذكرت بعض الحوادث التاريخية المتعلقة بها في بعض الفصول السابقة .. وكما كانت مركزاً حصينا للدفاع كانت أيضا ملجأ للأخيار والصالحين، فكان الناس يقصدونها للتحصن من عدوان المعتدين أو للخلوة والإنابة إليه تعالى ومناجاته في خشوع وابتهال. وإلى شمال هذه القرية تقع قرية أخرى تسمى "أم صفار" لا تزال إلى اليوم عامرة بالسكان، وإلى غرب هاتين القريتين تقع "تنزعت" و"جريجن" و"در كل" و"بعْظُورَة" و"غَف سوف" و"دجى" و"زعرَارَة" و"تمنكرت" و"بقالة" و"مَرْجَس" و"ويغُو"، وكثير غيرها من القرى التي كانت تنبض فيها الحياة .. وبعض هذه القرى أو الخرائب المنتشرة على مسافات متقاربة كانت في يوم ليس ببعيد مدنا عظيمة عامرة بالعلم مزدهرة بالعمران تعيش فيها أمة ضربت المثل الأعلى في الاستقامة والتراهة والمحافظة على الخلق الكريم، والاستمساك بالعروة الوثقى، التي هي دين وفيها عاش طبقات من العلماء الأعلام الذين تركوا للأمة الإسلامية ثروة من العلم والفهم
والسيرة العطرة ..
الله
إنَّهَا منطقة كانت من أغنى المناطق بالمجد والعظمة المجد الحقيقي الذي ترتفع فيه نفسية
المؤمن عن أدران الدنيا، وتحرص عَلَى الكفاح في سبيل الله، الكفاح بأوسع معانيه. (1/404)
صفحة 405
الإباضية في موكب التاريخ
403
الإباضية في ليبيا (2)
وعندما تنعقد الاجتماعات في "دركل" أو "تونين" أو في "بغطورة" أو في "ويغو" أو في "الجزيرة" أو "تمنكرت" أو في "شروس" أو في غير ذلك من المدن أو القرى، عندما تنعقد تلك الاجتماعات كانت تزدان بأمثال مُحمَّد بن يانس وأبي خليل، وأبي القاسم البغطوري، وأبي ذر أبان، وأبي معروف ويار، وماطوس بن هارون، وماطوس بن ماطوس، وخيار التمنكرتي، وجندوز التمنكرتي، ووالى العهد المرجسي وأبي بكر الغفسوفي، وعشرات غيرهم من الأبطال في قرون متتابعة، أبطال الكفاح كفاح الباطل الوافد في عدوان المعتدين، أو في سلوك الجاهلين، أو في انحراف المبتدعين، ومن أبرز أولئك العمالقة في الميدان العسكري "شيبة الدجى" الذي حمل العلم في جميع المعارك منذ ولى على الجبل البطل أبو الحسن أيوب بن العباس، إلى أن انتهي الحكم إلى أفلح بن العباس، فلم ينتكس مَرَّةً واحدة، وَلَمْ يذق هذا البطل طعم الهزيمة.
وفي الوقعة الأخيرة وقعة "مانو" كان القائد العام للجيش هو البطل أفلح بن العباس، وَلَمَّا رأى أن القتل كثر في جيشه، وخاف أن يفكر جنده في التقهقر أمر "شيبة" حامل العلم أن يركزه في الأرض ليثبت، ولكن حامله الشجاع حاول أن يمتنع، فأكد القائد أمره مَرَّةً أخرى، فنظر شيبة إلى أفلح غاضبًا وقال له: "لقد حملت العَلَم لأبيك وجدك فلم يأمراني بالحفر له وإثباته، وسأحفر له حفر الله لك"، وحفر له فركزه فكان الأبطال يتساقطون من حوله وهو ثابت في الأرض، ولَمَّا شاهد بعض من يملكون أنفسهم عند الروع حالة الأبطال ورؤسهم تتناثر، وعلم أن بقاء العلم ثابتا كفيل بالقضاء الجماعي على الناس، ضرب وتفرقت البقية الباقية؛ وهكذا حَتَّى في هذه الموقعة التي كتبت فيها الهزيمة على جيش نفوسة لم يسقط العلم من يده، بل إن العلم لم يسقط قط وشيبة في الحياة.
العلم
فسقط
لقد انتقل إلى رحمة الله قبل أن يهان العلم الذي رفعته يداه، فلم ينتكس مرة واحدة. مدينة "ويغو" هذه المدينة التي لا تزال أطلالها مرتفعة، يشاهدها الداخل إلى ما يُسَمَّى اليوم بالحرابة، أما هذه المدينة التي لا تزال أطلالها تشهد للتاريخ بما كانت عليه من مجد وحضارة، فقد كانت مدينة علمية وينطبق عليها هذا الوصف أصدق مما ينطبق عليها أي وصف آخر، ويكفي للدلالة على ذلك ما اشتهرت به من أَنَّهَا إحدى المدن الثلاثة التي لا يحتاج فيها بيت إلى بيت في مشكلة علمية، وقد قصدها الإمام عبد الوهاب الرستمي لَمَّا جاء من تاهرت لزيارة جبل (1/405)
صفحة 406
الإباضية في موكب التاريخ
404
الإباضية في ليبيا (2)
نفوسة، وقصد بيت العلامة مهدي النفوسي الويغوي الذي سبق له أن ذهب إلى تاهرت في الوفد الرباعي وتعرف بالإمام وتعرف به الإمام وكان بيت مهدي النفوسي شديد الشبه ببيوت أسلافه أبي ذر الغفاري، وعبد الله بن مسعود وأمثالهم، قد أقفر من وسائل الدنيا.
وسمع الشيخ فرج النفوسي ابن خالة مهدي بالضيوف الكرام فجاء إليه يستأذنه في نقلهم إلى منزله فإنَّه أصلح لهم وأرفق بهم، وأستر للشيخ، وانتقل الإمام وصحبه إلى منزل فرج فوجدوا دارًا فسيحة متعددة، الحجرات تامة المرافق متوفرة وسائل الراحة، فاستبدلوا ثيابهم وكان الوقت شتاء، وقد أصابتهم في الطريق مطر، ووضع لكُلِّ واحد منهم موقدا للاصطلاء وجهز لهم عشاء يناسب المقام. وقد تحدث المؤرخون عن هذه الحادثة وعن يسر الحال الذي يتمتع به الليبيون في ذلك الحين، وعجبوا كيف أمكن لهذا السيد أن يحضر عددًا وفيرا من المواقد حتَّى يستطيع أن يضع أمام كُلّ ضيف موقدًا، وتعرض العلامة الكبير الشيخ سليمان باشا الباروني لهذه الحادثة ففسرها بأن فرج الويغوي كان رجلا ثريا يشتغل بالتجارة والزراعة وغيرها، وبذلك توفرت عنده الثياب؛ لأنه كان يجمعها للبيع والمتاجرة، أَمَّا المواقد: فهي معدة للمشاتل، فَلَمَّا جاء الضيوف استعملها مواقد .. ودخل أحد الناس فوجد أمام كُلّ ضيف موقدا فقال متعجبا: "كُل شيخ وكانونه؟! " فذهبت مثلا.
أما الضفة الغربية لهذا الوادي فتقع عليها المدينة الكبيرة "تَندَمِّيرَة" رابضة تستقبل قبلة الشمس عند البزوغ .. و"تندميرة" إحدى المدن التي اشتهرت بأنها مدن علمية، فهي إحدى المدن الثلاثة التي لا يحتاج فيها بيت إلى بيت في مشكلة من مشاكل العلم. و"تندميرة" التي أصبحت اليوم قرية صغيرة، قابعة عَلَى القمة الشامخة في هدوء واستقرار، كانت مركزاً من مراكز الإشعاع العلمي والديني والخلقي، ولقد أنبتت تربتها الزكية عمالقة وأعلاما، كان لَهُم أطيب الأثر في حياة الأمة الإسلامية، ففي مرابعها العامرة نشأ أبو منصور إلياس هذا البطل الذي لم تنتكس له راية مدة ولايته عَلَى ليبيا، ولم يعرف جيشة هزيمة قط منذ تولى قيادته، والذي يشهد له التاريخ بأعظم مجد خلقي اكتسبه قائد حربي.
فما عرف التاريخ في أحداثه الطويلة قائدًا حربيًا ينتصر في معركة وينهزم عدوه تاركا وراءه لثمانمائة حمل من الذهب تنتثر في الميدان فيعف القائد المنتصر، وجيشه المظفر، ولا يمس (1/406)
صفحة 407
الإباضية في موكب التاريخ
405
الإباضية في ليبيا (2)
منها دينارًا واحدًا يحتفظ به للذكرى، حَتَّى يأتي أولئك الذين لا يفرقون بين الحلال والحرام
ليلتقطوا ما بقي في الميدان كما تأتي الذئاب لتلغ في دماء الجيف التي عفت عنها الأسود. إن أصحاب المبادئ من المحاربين يجب أن يقفوا لتحية هذا البطل العظيم كلما ذكر اسمه وإنه لقليل عليه أن يخلد اسمه في كُلّ عاصمة من العواصم الإسلامية، وليس ذلك للرفع من مقامه، فإن مقامه أسمق من أن يحتاج إلى رفعه ولكنَّهُ ليكون ذكرى وعبرة لهؤلاء الذين يحملون السيوف ويحاربون من أجل المبادئ فيما يزعمون. وفي "تندميرة" نشأ أبو زكرياء الذي حكم الجانب الأكبر من ليبيا، مستقلة على أية دولة أخرى مدة ستين سنة، فلم يكتسب منها مالا، وَلَمْ يدخر ثروة، وَإِنَّمَا كسب منها عظمة يعز نظيرها عند غيره من الحكام تطالبه زوجه بشيء من الزيت للاستصباح فيعتذر، ويرجوها أن بالحطب، ويعرض عليه أحد الأغنياء عددًا من الكباش بدلا من الغذاء فيقول له: "لو
تستصبح
سئلت
يوم القيامة حمل قرونها لأتعبني، فما بالك بها كلها؟! ". وفي "تندميرة" نشأ أبو حفص عمرو بن عيسى هذا المؤمن العالم البطل الذي كان يطارد الجهل والبدعة من ميدان إلى ميدان كما يطارد المحارب المقدام جيوش الأعداء، فلم يستقر به المقام، وَلَمْ يسترح من الكفاح حَتَّى لحق بربه. وفي "تندميرة" هذه نشأ عدد غير قليل من العلماء الذين دونت أقوالهم وسيرهم في كتب الشريعة وفي كتب التاريخ والسير. وإلى الغرب من "تندميرة" بمسافة غير طويلة، تقع مدينة "تملوشايت" هذه المدينة التي كانت تنازع "شروس" وتنافسها، والتي بلغت من العظمة في يوم من الأيام أن كانت تخاطب تونس الخضراء فتصفها بأنها قرية والقصة في ذلك مشهورة لا يزال الناس يتناقلونها من التعليقات والأخيلة التي لا تخلو منها قصة طريفة، فقد قيل: إن مزارعا تونسيا يملك مخزنا
يملك عددًا
مع شيء
من الخنازير
كبيرًا ملأه بمحصوله من الحبوب، وكان إلى جواره معمر مسيحي يملك السمان، وغفل التونسي فترك مخزنه مفتوحا فدخلت إليه ختريرة قذرة، وفي وسط الحبوب ولدت عددًا من الجراء، وسال منها عَلَى تلك الحبوب ما يسيل من الختريرة عند الولادة. (1/407)
صفحة 408
الإباضية في موكب التاريخ
406
الإباضية في ليبيا (2)
وذهب الفلاح التونسي إلى المشهورين من علماء تونس يستفتيهم فيقلبون له أكفهم ويرجعون العلم إلى الله ورسوله إن هذه الحالة تقع لأول مرة، وَلَمْ تدون في الكتب، وهكذا طاف الرجل على أصحاب العلم في تونس الخضراء فلم يجد من يتشجع ويقول مثلا: إن الأنجاس تزال بالغسل؛ لأن الناس جميعا يستقذرون الخنازير. ولو أفتى أحد الناس بهذا لاتهم في دينه من العوام، وسمع به أحد الناس، فنصح المزارع أن يبعث بسؤاله إلى مدينة "تملوشايت" من جبل نفوسة.
وبعث الرجل، وبعد أسابيع جاءه الجواب، فقد كان في "تملوشايت" العالم الأديب الشاعر أبو نصر حاضرًا، فكتب إليه يقول: من مدينة "تملوشايت" إلى قرية تونس، وبعد الديباجة قال: "ازرعوا الحبوب النجسة تنبت زرعًا طيبا طاهراً، وهكذا عملت العبقرية على حفظ مال الرجل، والاستفادة منه، قد يحق لأبي نصر أو غيره من العلماء أن يفتوا بطهارة هذه الحبوب إذا غسلت وأزيل منها الأذى، وَلَكنَّهم يعرفون أن النفوس تستقذر الخترير وما لمسه، وأنه لا يمكن أن تؤكل هذه الحبوب ولو كانت طاهرة وحلالا، ولكن زرعها شيء معقول وغير مستقذر، وبهذه المدارك الدقيقة، وفهم أسرار النفوس وأسرار الشريعة يتفاوت العلماء، فما كُلِّ من عرف شيئًا يقوى على حل المشاكل والفتوى للناس.
وإلى الغرب من "تملوشايت" بمسافة ليست طويلة تقع قرية "طمزين" على ضفة الوادي المقابلة لـ"تملوشايت" تلك القرية التي كانت من قبل مدينة عظيمة تتصل بـ"تمصمص"، وفي هذه المدينة نشأ الرجلان العظيمان أبو يونس وسيم، وسعيد بن أبي يونس، اللذان تعاقبا عَلَى حكم "قنطرارة" "تيجي" مدة ليست بالقصيرة .. وفي هذه المدينة نشأ أبو محمد خصيب بن إبراهيم، أحد أولئك الأعلام الذين كونوا أجيالا، فقل أن تجد عالما نشأ في زمانه لم يتلق العلم عن أبي مُحمَّد، وفيها نشأ أبو نصر الذي دار جبل نفوسة أربعين دورة ليقوم برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويلقي في المجتمعات دروس الوعظ والإرشاد. وفي أواخر أيامه فقد بصره، فلم يمنعه ذلك من الكفاح، حَتَّى الكفاح بالسيف، فكان يدخل المعارك يجالد العدو، دون أن تقذى عيناه برؤية ذلك العدو.
إن هذه المنطقة منطقة "تندميرة"، و"تملوشايت"، و"طمزين" منطقة غنية بالأباد، غنية بالعلم، غنية بالدين، وقد أنتجت تربتها الخصبة من رجال التاريخ من يَحقُّ للأمة الإسلامية
أن
تضعهم
في مصاف العظماء. (1/408)
صفحة 409
الإباضية في موكب التاريخ
407
الإباضية في ليبيا (2)
وادي أمسين
"وادي أمسين" أو "وادي" جلازَن واد عميق بين جبال شاهقة ينحدر من الجنوب إلى الشمال ويتكون أعلاه من عدد من الفروع تنبع فيها كثير من العيون والآبار، ويزدان بكثير من الأشجار، وتجتمع في أمكنة منه غابات كثيفة من النخيل ترتفع متمايلات كأَنَّها تشترك في حفلة رقص، وعلى منطقة هذا الوادي التي تتجه غربا إلى "تالة"، وشرقا إلى حدود "فساطو" تنتشر اليوم مجموعة من القرى كانت قبل زمن ليس بطويل مدنا عامرة بالإيمان والعلم والبطولة. وإذا كانت "أَفَاطْمَان" تلك المدينة التي تقع عَلَى الْحَدِّ الغربي لهذه المنطقة، هي أول مدينة ليبية فكرت في تكوين مدرسة لتعليم دين الله، فإن بقية المدن قد أمدت الحياة العلمية بعلماء أجلاء، وعالمات صالحات حافظوا عَلَى هذه الرسالة المقدسة
قرونا طويلة.
وإذا كانت "قطرس" أنجبت عمروسا وأمثاله، و"أبديلان" أنجبت أبا الحسن
وأمثاله، و"أَفَاطْمَان" أنجبت أبا مُهاصر وأمثاله و ونزيرف" أنجبت أبا محمد الخير وأمثاله، وأنجبت "مَرْسَاون نوحا بن حازم وأمثاله، وأنجبت "تيميجار" أبا الربيع سليمان بن يخلف وأمثاله، وأنجبت "إينر" أبا سليمان وأمثاله، وأنجبت أرْجَاجن" زَورَغ وأمثالها، وأنجبت "أمسين" أم يحيى أوَّل أرملة ليبية فكرت في تخصيص مدرسة للبنات مجهزة بالأقسام الداخلية. إذا كانت هذه المدن أنجبت هؤلاء وعشرات من أمثالهم، فَإِنَّهُ لا يوجد في هذه الأرض المنبسطة الفسيحة بما فيها من شعاب وأودية والتي يطلق عليها اليوم اسم الرحيبات" مكان إلا وفيه بقايا مدينة أو قرية كانت عامرة بأهل العلم والفضل
والخلق والدين. (1/409)
صفحة 410
الإباضية في موكب التاريخ
ولا يوجد مكان
408
الإباضية في ليبيا (2)
هذه الأرض الطيبة لا يحمل ذكرى عطرة للكفاح في سبيل من الله، وإذا كان العمران قد انحسر اليوم إلى قليل من القرى المتناثرة، وأصبحت المسافة بينها بعيدة، فإنها كانت من قبل متصلة تكاد تكون مدينة واحدة.
ويكفي أن تعرف أن الفتاة قد تذهب من "جيطال" أو من "أبديلان" إلى "أرجاجن" لتستمع إلى الدروس الأسبوعية التي تلقيها العجوز الصالحة "زورغ" على بنات الجبل لتغرس في نفوسهن الدين الصحيح، والخلق القويم.
وإن الفتاة كانت تذهب من "إينر" و"جيطال" ومن "مرساون" و"وتزيرف" إلى "أمسين"، فتحضر الدروس في مدرسة أم يحيى للبنات ثُمَّ تعود فلا تخاف من وحش أو بشر؛ وذلك لأنها كانت تقطع هذه المسافات التي يخيل إلينا اليوم أَنهَا طويلة، كما تقطعها اليوم في مدينة كبيرة آهلة بالسكان إنَّهَا تكاد أن تكون
شوارع المدينة واحدة آهلة بالعمران مزدحمة بالسكان.
000 (1/410)
صفحة 411
الإباضية في موكب التاريخ
409
الإباضية في ليبيا (2)
وادي الزرقاء
هو واد عميق، يتجه من الجنوب إلى الشمال في انحدار متدرج، يُكون شلالين عظيمين، أَوَّلُهما: شلال الزرقاء، ولا يقل ارتفاعه عن ثمانين مترًا حسب تقدير العين المجردة. أَمَّا الثاني: فأسفل منه، ويسمى "ماصر" وهو أكثر ارتفاعا من الأول. ويستمر الوادي في الانحدار بعد هذا الشلال حتّى ينسل من الجبال، ويذهب زاحفًا بين السهول الخضراء يحمل إليها الماء والغرين التي تكون أهم أسباب الخصب في أراضي الزراعة. في مصب الشلال الأَوَّل تتجمع مياه الأمطار والينابيع، فيتكون من مجموعها البحيرة الجميلة الساحرة التي تسمى الزرقاء، وسميت الزرقاء؛ لأن الزرقة هي اللون الغالب على مائها، ويبلغ عمقها في بعض الجهات ما يزيد عن عشرة أمتار حسبما يقال، وهي مستديرة الشكل كالمرآة، يبلغ قطرها مرمى الحجر للرجل القوي، عذبة الماء صافية الأديم، دائمة الزرقة، يحيط بها من جميع الجهات إطار من الأشجار، يمنحها الخضرة والجمال والظل الظليل، ينبع حواشيها، وينحدر إليها من الطبقات الصخرية صافيا باردًا منعشًا، وتعد الزرقاء أجمل مصيف لأهل المنطقة، ويأتيها السواح من جميع الجهات لمنظرها الخلاب، ومائها العذب، وهوائها
الماء من
المنعش العليل. أما الشلال الثاني "ماصر ": فهو أقل جمالا من الزرقاء، وأكثر ارتفاعا، وهو لا يكون بحيرة كما فعل الشلال الأول، فإن مياهه لا تجتمع وَإِنَّمَا تذهب منحدرة مع الوادي، والينابيع التي تخرج من طبقات الصخور في مصب هذا الشلال تعتبر عيونا عادية، عذبة الماء، تسقي ما تحتها من أجنة وبساتين. أما المسافة الواقعة بين الشلالين فهو أرض مزدانة بالأشجار المتشابكة، منها المثمر ومنها غير المثمر، ومنها ما تعهدته يد الإنسان، ومنها ما غرسته عوامل الطبيعة، ويسقي جميع هذه المنطقة المياه المنحدرة مع الوادي من بحيرة الزرقاء، مكونة نهراً صغيرًا لا يكف عن الجريان، حتى ينحدر مع شلال "ماصر"، أو تمتصه التربة الخصبة قبل ذلك. (1/411)
صفحة 412
الإباضية في موكب التاريخ
410
الإباضية في ليبيا (2)
وإن
والصورة في جملتها تمثل منظراً من أبدع المناظر، يخيل للمتنزه فيه أنه في بعض مناطق لبنان،
إن لكل بلد سحره وجماله. ولو ظفر ببعض العناية فوصلت طرق السيارات على البحيرة، وأقيمت فيه بعض المحال التي تقدم للمنتزه ما يحتاج إليه، وظفر فيها الزائر بوسائل الراحة لأصبح من المناظر السياحية التي يقصدها السواح من كُلّ مكان، واشتهرت به ليبيا كما اشتهرت لبنان بـ"زحلة". على ضفة هذا الوادي من الغرب تقع قرية "الْجَمَّارَى" الجميلة هذه القرية التي كانت تسكنها "نانا مارن" جدة المشايخ تلك العالمة الذكية التي استطاعت بما أوتيت من علم وعقل أن تقنع أصلب رجل في جبل نفوسة بوجهة نظرها حين استعصى إقناعه على فطاحل العلم والسياسة ما بين تاهرت و جادو"، وقد تقدمت هذه الحادثة مفصلة في حياة أبي عبيدة عبد
الحميد.
وإلى الشمال من هذه القرية بمسافة قصيرة، وعلى الضفة نفسها تقع قرية أخرى جميلة هي قرية "ندباس" وفي هذه القرية يروي التاريخ قصة من أروع قصص المرأة في ميدان العلم والعبقرية، واتباع الحق. ذهب أبو معبد الجناوني إلى "قنطرارة" يدرس على العالم الكبير سعيد بن أبي يونس، وَلَمَّا بلغ من العلم درجة، وحسب أنه نال منه الكفاية رجع إلى "جنَّاوَن"، ومر في طريق رجوعه علَى "ندباس" وقبل أن يدخل القرية وقد أنهكه التعب والإعياء والعطش وجد أمة تسقي
الماء من صهريج
1
فطلب منها أن تسقيه، وبدلا من أن تسارع الأمة إلى إرواء هذا العطشان
أجابته في حزم أتستخدم أموال الناس يا جاهل؟. رجع إلى نفسه يسائلها بأي حق يستخدم أموال الغير؟، وعرف أنه ما أوتي من العلم إلا
قليلا.
ولقنته الأمة درسًا، فرجع من مكانه إلى مدرسته وواصل دراسته حَتَّى أصبح فيما بعد موسوعة علمية متنقلة، وكان مرجعًا من المراجع الهامة التي يقصدها الناس للاستفادة والعلم. وإن بلدا تبلغ فيه الإماء هذه الدرجة من العلم حقيق أن يشغل التاريخ وتستخلص منه
العبرة. (1/412)
صفحة 413
الإباضية في موكب التاريخ
411
الإباضية في ليبيا (2)
وإلى شمال هذه القرية عَلَى منبسط فسيح فوق قمة شامخة تقع مدينة "مزغورة" ترتفع فيها مئذنة مسجد أبي زيد ضاربة في الهواء تناطح السحب، وتبعث بتحاياها وتهمس بنجواهاء إلى مئذنة أخرى ترتفع ضاربة في الهواء من مسجد أبي يحيى في "تاردية"، وفي هذه المدينة الفسيحة التي كانت تنافس "جادو" في العظمة والمجد نشأ العلامة أبو زيد، وعاش مشغولا برسالته المقدسة في جو علمي بين طلاب أذكياء، وزملاء علماء صلحاء، فلما توفي بقيت مدرسته الفسيحة بما فيها من مخازن وأقسام داخلية مثابة لأهل العلم والفضل، وقد كان يرد إليها فطاحل العلماء من جميع الجهات ليؤدوا فيها هذا الواجب المقدس طيلة قرون متتابعة، وتعاقب عليها عدد غير قليل من كبار العلماء والمربين مثل أبي موسى الطرميسي، وأبي عزيز، وأبي ساكن، ونوح بن حازم، وغيرهم.
وتعد "مزغورة" في التاريخ الليبي من المدن العلمية التي كانت مركز إشعاع زمنا طويلا، وفي كُلّ واحد من هذه المدن الثلاثة قصة لامرأة، وقد عرفت قصة "مارن" وقصة "أمة ندباس"، أما المرأة التي أريد أن أحدثك عنها في "مزغورة" فهي من نوع آخر؛ إِنَّهَا زوجة أبي زيد، هذا العالم المؤمن، لقد ابتلي بزوجة سوء لا يسمع منها إلا الكلمة البذيئة، ولا يرى منها إلا العمل القبيح، إذا دعاها إلى الخير أعرضت عنه، وإذا أسمعها الكلمة الطيبة أسمعته الكلمة النابية واللفظة الجارحة، إذا أيقظها لصلاة الصبح دعت عليه بالسوء واستمرت في النوم، ورغم كُلّ ذلك لم يطلقها، حرص عَلَى الاحتفاظ بها خوفا من أن يُبتلى بها مؤمن آخر فلا يصبر على أذاها.
وإلى الغرب من "مزغورة" بنحو ميلين تقع "ويفات" على عنق جبل وعر متجهة إلى الشمال الغربي، وقد كانت مدينة كبيرة عامرة المساجد متراكبة المباني، تكاد تكون مع "مزغورة" ضاحية، أو امتداد شارع، وإلى الجنوب منها بنحو ثلاثة أميال تقع القرية الصغيرة "رقرق" وهي قرية صغيرة قابعة على ضفة وادي سحيق العمق ضيق، يكاد يكون عبارة عن حندق عظيم يفصل بينها وبين "توكيت". و"توكيت" مدينة عظيمة تستلقي على هضاب وشعاب تقابل "رقرق" من جهة الغرب، وقد كان لهذه المدينة في الماضي تاريخ مجيد، وإذا كان للمدن حق الافتخار بمن تعجب من (1/413)
صفحة 414
الإباضية في موكب التاريخ
412
الإباضية في ليبيا (2)
الرجال، فَإِنَّهُ يَحقُّ حينئذ لهذه المدينة أن تفخر بأبي زكرياء، هذا العالم المؤمن الذي قيل فيه: "أبو زكرياء هو الجبل، والجبل هو أبو زكرياء"، والذي جعله الإمام عبد الوهاب حجة وبرهانا، وحسبه أعظم مرجع علمي في زمن كثر فيه العلم والعلماء، فقال لأبي عبيدة: "وإن كنت ضعيفًا في العلم فعليك بأبي زكرياء التوكيتي. وبين هذه المدن الست المتقابلة وهي: الْجَمَّارَى"، "ندباس"، "مزغورة"، "ويفات"، "رقرق"، "تو"كيت" أو "تمزدة" غابة خضراء من شجر الزيتون، ولا تخلو ربوة من ربا هذه المنطقة أو شعب من شعابها من أثر قرية قد اندثرت، أو مسجد قد بقيت أطلاله أو رسومه تشهد للتاريخ بما كانت عليه من عمران أما مسجد أبي زيد فقد بقي يطاول الزمن بمئذنته الشامخة، والحجرات الدائرة به، تلك الحجرات التي كانت مساكن لطلبة العلوم ودواميسه الكبيرة التي كانت مخازن تحفظ فيها مؤن طلاب العلم الوافدين من كُلِّ مكان .. وَمِمَّا يسر أن هذا المسجد بقي إلى اليوم كما كان العهد به مسجد الصلاة للمدينة الكبيرة. ومن عبر التاريخ أن المدرسة الحديثة بنيت ملتصقة به، فهو لا يزال يقوم برسالته الخالدة التي قام بها مؤسسه العظيم منذ القرن الثالث. أما على الضفة الشرقية لوادي الزرقاء، فتقع مدينة "أرجان"، العظيمة وتنبسط هذه المدينة العظيمة على عدد من الربى والشعاب بين "أندماذ" وضفة الوادي، وقد اندثر جانبها الشرقي فلم يبق منه إلا مسجد أبي زكرياء الأرجاني عَلَى رأس ربوة عالية كانت في القديم قلب المدينة، وقد انجاز العدد الباقي من السكان وتكتلوا عَلَى قمة الجبل من حاشية الوادي الشرقية فكونوا قرية صغيرة سُمِّيت اليوم "مزو"، وهذه القرية تقابل قرية "الْجَمَّارَى" كَأَنَّها صورتان باهتتان لمجد باهر غير، وتاريخ مشرق مضى، ولعل أحفاد أولئك الجدود يذكرون ما قدم أسلافهم من خدمة الله والوطن، فيعملون على تجديد ذلك البنيان، وإحياء ذلك التاريخ العطر الذي خلد أبطالا من الرجال والنساء، وفي نانا" "مارن" وأبي زكرياء الأرجاني أسوة
حسنة وقدوة صالحة.
وإلى الشمال من أرجان تقع مدينة "جادو" مدينة نفوسة ومركز الحكم في الجبل، عامرة الأسواق، فسيحة الميادين طويلة الشوراع عالية المباني تنبسط على مجموعة من الربي والوهاد في عزة الآمن واستقرار المطمئن، تحيط بها مجموعة من القرى تكون لها ضواحي (1/414)
صفحة 415
الإباضية في موكب التاريخ
413
الإباضية في ليبيا (2)
من
مكانها
جميلة، وقد جرى الزمن عَلَى "جادو" بمثل ما جرى به على "أرجان"، فانتقلت الفسيح المنبسط، والتجأت إلى حافة الجبل، فتجمعت في قمة منه، دائرة حول مصلى أبي
عبيدة كأنها تعتصم به من أحداث الزمان، وتضاءل عدد السكان، ووسائل العمران، صارت "جادو" بالنسبة إلى ما كانت عليه من علم وحضارة وازدهار كأنها ملخص صغير لموسوعة علمية ضخمة لم تستطع أفهام الطلاب المهازيل استيعابها، فعملت الأيدي على
اختصارها وتلخيصها.
ولقد أنجبت "جادو" من الأبطال والعلماء الأعلام ما امتلأت به بطون الكتب، وحسبها أنها كانت دار الندوة ومجتمع المشايخ للتشاور، وعقد المؤتمرات العلمية أو الاجتماعية أو
السياسية، وقد وقع عليها الاختيار لأن تحمل هذه الرسالة فحملتها في شرف وإخلاص. اتفق علماء نفوسة فاختاروا "جادو" ليبنوا فيها مسجدهم "إمسراتن"، ولعلها أول مدينة يجتمع شعب كامل على بناء مسجد فيها ليكون مسجد الشعب كله لا مسجد المدينة وحدها، وقد اشترك الجبل في البناء من أقصاه إلى أقصاه، وأدى هذا المسجد إلى الوطن ما لم يؤد أي مسجد آخر، فقد كان العلماء يقصدونه زرافات ووحدانا من كُلّ جهة، ويتذاكرون أمور الناس، ويتشاورون في وجوه الإصلاح التي يجب أن يقوم بها كُلّ واحد منهم في ناحيته، ثُمَّ كان ملتقى للثقافات، فقد كان أولئك العلماء الذين يردون إليه يقومون بإلقاء دروس متعددة، وقد يستعرضون في تلك الدروس أحوال المجتمع وما يجب أن يكون عليه، وليس ذلك فقط؛ وَإِنَّمَا كان يؤمه الطلاب الذين انتهوا من دراساتهم أو كادوا في المدارس المنتشره ويلازمونها أوقاتًا، تختلف، وذلك ليستمعوا إلى عدد من العلماء، ويأخذوا عنهم، ويناقشوهم، حَتَّى يطمئنوا إلى علمهم وكفاءتهم، فقد كانت رسالة هذا المسجد الإصلاح والتعليم بالإضافة إلى العبادة، وانحسر السكان عن موقع مسجد "إمسراتن" واندثر العمران من حوله، وبقي شامخا يروي للأجيال ما كان عليه من مجد وحضارة. ومنذ سنوات فكر بعض أهالي "جادو" في ترميم المسجد وتنادى الناس إلى إعادة بنائه، وبذلوا ما لديهم من جهد ومال ولكنهم لم يستطيعوا أن يقيموا ذلك المجد الشامخ (1/415)
صفحة 416
الإباضية في موكب التاريخ
414
الإباضية في ليبيا (2)
واختصروا المسجد الفسيح منه أقل من النصف وهدم الباقي، فكان عملهم هذا اخت هذا اختصارًا
هزيلا لعمل عظيم.
وقد أراد المولى الله أن يبقي حي "إمسراتن" حي العلم حَتَّى بعد أن هدم بناؤه، وانحسرت المدينة. عنه، فبنيت المدرسة إلى جنبه من الغرب ومعهد المعلمين إلى جنبه من الشرق. وإلى شمال "جادو" الحديثة، تتابع ثلاث قرى جميلة هي: "القصير"، و"أشبارى"، و"يوجلين".
وقصة هذه القرى الثلاثة قصة "جادو" و "مزو" فقد كانت تكون جانبا من مدينة
هي
عظيمة تقابل "جادو" من الشمال الشرقي، فانحسر عنها العمران وتوالى عليها العدوان، فالتجأت إلى قمة الجبل، وتحصن فلولها بالوعر، وبقيت آثارها هنالك تروى أخبار التاريخ للقرون المتعاقبة.
وتحت قرية "القصير" وفوق منتصف الجبل بقليل تنتصب قرية "تَمَوْقط" باسمة ضاحكة كأنها الوليد الذي تهدهده الأم على الصدر الحنون، أَمَّا في السفح فتضطجع "جَنَّاوَن" في استرخاء على أقدام هذا العملاق العظيم بينه وبين محرى وادي الزرقاء.
أن
وإلى الشمال الشرقي من هذه القرى بنحو أربعة أميال تقع "طرميسة" وهي اليوم تشبه تكون برجا عظيما أو ناطحة سحاب، اختار لها مؤسسوها أنف جبل شامخ يشبه أن يكون زاوية مثلث، فوضعوها عَلَى رأس الزاوية ثُمَّ اقتطعوها عن بقية الجبل بخندق حفرته أيدي الناس، فكان الدخول إليها والخروج منها لا يمكن إلا على معابر يضعونها في النهار ويزيحونها في الليل فتنام آمنة مطمئنة، إنَّهَا شديدة الشبه بالجزيرة، غير أن خندق الجزيرة حفرته عوامل الطبيعة، أما خندق "طرميسة" فقد حفرته أيدى البشر لتتحصن به من عدوان البشر. وتقع ما بين "طرميسة" و"جادو" و"أرجان" و "أدرف" منطقة كانت آهلة بالسكان، متصلة العمران، متواصلة البنيان، يقوم في كُلّ مرتفع منها مسجد أو مصلى، وفي كُلّ شعب من شعابها آثار قرية أو بقايا ضاحية، يصل بين ذلك غابة خضراء متشابكة بالزيتون، متمايلة بالنخيل، ينتشر بين ذلك شجر التين والكرم .. أَمَّا تلك المدن والقرى التي بقيت إلى اليوم تدب (1/416)
صفحة 417
الإباضية في موكب التاريخ
810
الإباضية في ليبيا (2)
فيها الحياة دبيبًا ضعيفًا أو قويًا، فقد كانت في يوم ليس ببعيد في التاريخ مثابة للعلم، ومركزاً
للإشعاع، ومأوى للأخبار ومحطا للرحال، رحال الكرام، يأوون إلى الكرام. وهذه "جنَّاوَن" التي لا تجد اليوم فيها سبعين رجلا ذكرًا، كان يجتمع بها في مسجد أبي عبيدة سبعون عالما، لا يرد أحدهم السؤال إلى الثاني إلا من طريق الأدب، وكان أبو عبيدة على ما عنده من علم وحكمة يجلس إلى بعضهم كما يجلس التلميذ إلى الأستاذ، وكان هؤلاء العلماء يعيشون في عصرهم بما تعنيه هذه الكلمة، فهم مطلعون على سير الحوادث وحالات المجتمع، يدرسونها ويتشاورن فيها، ويتخذون في جميع ذلك القرارات اللازمة.
وفي قرية "القصير" التي كانت محل استراحة واستجمام بين "جادو" و"جَنَّاوَن" كان يجلس أبو الليث في صعوده إلى "جادو" أو في منحدره إلى "جَنَّاوَن"، فيصلي الله ما شاء، ثُمَّ يعقد مجلس العلم في ذلك المكان الجميل الذي تظلله أشجار البطوم العظيمة، فيحضر إليه الناس ويقبلون عليه إقبال العطاش ولا يزال الناس إلى اليوم يذكرون تلك المجالس العلمية العامرة بالإيمان؛ ولكنهم بدلا من أن يشغلوها بالدراسة وإحياء السيرة وبث المعرفة، ونشر الفضيلة، أصبحوا يشغلونها بالصدقة والإطعام مرة أو مرتين في السنة، وهكذا عندما أقفرت الرؤوس من العلم جادت الجيوب بالمال، وفي هذا دليل على أن القلوب مفعمة بالإيمان وحب الخير ولكنها في حاجة إلى تعليم وتنوير.
أما "يوجلين" التي أنجبت أبا يوسف وجدليش بن في وأضرابه، فقد كانت ملاذ المشايخ ومزار الصالحين، ومقصد العلماء العاملين حَتَّى قال بعض المؤرخين إن العلامة أبا محمد عبيدة بن أفلح اليُوجلانى إِنَّمَا تعلم العلم في بيته لكثرة من يغشاه من العلماء الأعلام، ولطول ما يقيمون عنده وكان من أكثر العلماء إقامة في يوجلين وأخصهم بأبي محمد العلامة أبو الله جلداسن، وعليه أخذ أبو مُحمَّد عبيدة وغيره من علماء يوجلين، وقد أسندت إمارة الجبل إلى أبي عبيد الله بن جلداسن، فكان يقسم وقته بين "لالوت" و"جادو"، وفي الفترة التي يقيمها في "جادو" كان يمكن "يوجلين" ومنها يحضر إلى "جادو" ليقوم بمهام الحكم، أما الدروس فكان يلقيها أحيانًا في "يوجلين" وأحيانًا في "إمسراتن" مسجد نفوسة.
عبد (1/417)
صفحة 418
الإباضية في موكب التاريخ
416
الإباضية في ليبيا (2)
لقد كان عبيدة بن أفلح غنيًا كريما، ولذلك فقد كان يطعم هؤلاء المشايخ الذين يقيمون في "يوجلين" فيطيلون الإقامة من خالص ماله، ولا يقبل مساعدة من أحد، ولم يكن يشابهه في ذلك إلا العالم الثري أبو علي الفساطوي الذي كان ينفق من غير حساب، وكان من أخص الناس به وأقربهم إليه أبو الخير الزواغي حَتَّى ارتفعت الكلفة بينهما، وكانا يتحدثان في كُلّ جليل وحقير من أمرهما.
زاره عدد كبير من المشايخ فأقاموا عنده وأطالوا الإقامة فاختص بضيافتهم، ولم يسمح لأحد أن يساعده ويشاركه، وكان يذبح كُلّ يوم شاة لعشائهم وشاة لغذائهم، فخجل المشايخ وخافوا أن يكونوا أثقلوا عليه، فكلموا أبا الخير الزواغي راجين منه أن يترك اللحم على الأقل في إحدى الوجبتين، وفي اليوم الثاني من حديثهم مع أبي الخير زاد أبو علي فجعل عَلَى كُلِّ وجبة شاتين، وعاتب المشايخ أبا الخير فقال لهم: "لقد أبلغته رجاءكم وَلَكِنَّهُ استشارني واستنصحتني فنصحته بالزيادة في الخير".
أما "طرميسة" التي أنجبت عددًا من فحول العلماء مثل أبي مُحمَّد التنكيصي ومُحمَّد بن بركين وأضرابهم فيكفي أنه نشأ فيها من يستحق أن يلقب بأستاذ الجبل في القرن السابع الهجري، ذلك العلامة أبو موسى عيسى بن عيسى الطرميسي.
لقد كانت "جادو" بما تشتمل عليه من ضواح وقرى هي الحصن المنيع طيلة عدد غير قليل من القرون، وقد بقيت مركزا للحكم، وعاصمة سياسية للجبل يتوالى عليها الأمراء، أميرًا بعد أمير، لم تُخضعها القوى التي كانت تتكالب على احتلال الجبل من الشرق والغرب، وصمدت في بطولة للضربات العنيفة التي وجهت إليها، ولَمْ تؤثر عليها حتّى الجريمة النكراء التي ارتكبها الميورقي يوم أحرق غابة الزيتون التي كانت تظلل مدخل الوادي في "جناون" فكان عمله ذلك أفظع من عمل "داهيا" الكاهنة الوثنية؛ لأنها كانت تحسب ذلك حيلة من حيل الدفاع، أما هو فقد اتخذ ذلك وسيلة من وسائل الهجوم ضاربًا بعرض الحائط تعاليم الإسلام، ووصايا أمراء المؤمنين بعدم حرق الشجر، حتّى أيام الفتوح في البلاد التي لم ترتفع
فيها كلمة الإسلام. (1/418)
صفحة 419
الإباضية في موكب التاريخ
417
الإباضية في ليبيا (2)
وادي الآخرة
واد عميق كثير الأشجار، غزير المياه، تنبع من أماكن مختلفة منه عدد من العيون والآبار، وهو ينحدر من الجنوب إلى الشمال كما تتجه جَمِيع الأودية التي تشق جبل نفوسة في أماكن كثيرة.
وعلى جانبي هذا الوادي من الشرق والغرب تنتثر مجموعة من القرى والمدن كان لها الأثـ القيم في التاريخ العلمي لهذه البلاد، والأراضي المنبسطة من شرق هذا الوادي وغربه تكون غابات جميلة من الزيتون كثيفة الأشجار دائمة الخضرة خصبة التربة، والقسم الواقع منه إلى الغرب كان يُسَمَّى أرض "بني زمور، وهو ما يطلق عليه اليوم اسم "الرجبان"، وفي أرض "بني زمور" هذه تقع عدد من المدن والقرى، كانت منشأ فطاحل من العلماء، قدموا للأمة ما هي في حاجة إلى مثله اليوم. وفي الجهة الغربية من هذه المنطقة تقع مدينة "أشفي" على منبسط فسيح فوق الجبل الشامخ، قريبا من حافته.
وإلى هذه المدينة لجأ العلامة طاهر بن يوسف وقصة هذا الشيخ في الواقع إحدى المآسي التي تنتج عن عهود البغي والظلم والعدوان واستحلال ولاة الأمور لما صانه الإسلام من أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم. نشأ طاهر بن يوسف في وطنه ساحل" "المهدية في أسرة مؤمنة، أنعم الله عليها بالكفاف من الرزق، وكان يلي أمر البلاد التونسية حينئذ الطاغية المعز بن باديس، وزار المهدية وجمع الناس، وصار يفرض عليهم الضرائب الباهظة دون رجوع إلى حكم الإسلام، ولا تقدير لما أموال، فكان يدعو الرجل فيفرض عليه مبلغًا من المال فإذا بادر الرجل إلى شكر السلطان سكت عنه وأخذ منه ما فرض عليه، وإذا لم يبادر إلى شكره ضاعف عليه ودعا أعوان السلطان الشيخ فيمن دعوا من الناس فقرأ الكاتب ما يلي: "على طاهر بن يوسف سبعون قفيزا من الزيت"، فسكت الشيخ، وأمر السلطان الكاتب أن يعيد القراءة، فبقي الشيخ ساكنا، فغضب المعز وأخذ الكشف من الكاتب، وقرأ: "على
يملك الناس من
وهكذا، (1/419)
صفحة 420
الإباضية في موكب التاريخ
418
الإباضية في ليبيا (2)
ينبس
بكلمة
طاهر بن يوسف سبعمائة قفيزا من الزيت، ولكن الشيخ بقي مطرقًا ساكنا لا فكاد السلطان ينفجر من الغضب، وقام يفكر في وسيلة للانتقام تذل هذا الرجل الصموت
الوقور.
أما الشيخ فقد حسب جميع ثروته الصغيرة فوجدها لا تفي بهذا المبلغ، وكان قد سئم من هذا الجور الذي لا يقف عند حد، فجمع ما خف لديه من مال وركب البحر هو وزوجه
المخلصة، وكان ذلك المال القليل مع ما عندها من الحلي قد جعلتها في صرة واحتفظت بها. ولما كان المركب ببعض الطريق أرادت أن تغسل يديها فسقطت الصرة في البحر واستراح ابن يوسف من المال، وهكذا هاجرت هذه الأسرة الكريمة من ساحل المهدية إلى طرابلس، ثُمَّ إلى جبل نفوسة وليس لديها من حطام الدنيا إلا ثياب مهلهلة عَلَى ظهور أفرادها، وقصد الشيخ جبل نفوسة معقل الأحرار حينئذ، ونزل أول ما نزل في "تاغمة" إحدى ضواحي " يفرن " المدينة البيضاء كما كانت تُسَمَّى في التاريخ القديم، وتسابق الناس إليه يجمعون له الأموال ويقدمون له المساعدات ولكن الشيخ طلب إلى الناس أن يمسكوا أموالهم، ويحتفظوا بها لأنفسهم حتى يزور بقية الجبل، ويرى بقية إخوانه من العلماء الأعلام، ثُمَّ يختار لنفسه بلدا
يسكنه.
وهكذا بدأ رحلته في الجبل، واجتمع بأقطاب العلم والدين، يأخذ منهم ويأخذون منه وأخيرًا اختار مدينة "أشفي" فاتخذها وطنًا، وقرر الإقامة بها، وحينما استقر بـ"أشفي" ذهب العلامة عيسى بن محرز وكان في "تَارَديَة" إلى مسجد "أمسراتن" الذي يشبه أن يكون دار ندوة يحضرها كُلّ علماء نفوسة فصلى صلاة الصبح، ثُمَّ أخبر الناس باستقرار الشيخ طاهر بن يوسف في "أشفي"، وجمع الناس له في ذلك المقام ستة وخمسين دينارا وبعث إليه علماء جنَّاوَن " أربعين قفيزا من الزيت، وبعث إليه إخوانه في "شروس" أربعين دينارا؛ وبهذه الثروة المتواضعة استطاع ذلك العلامة الكبير أن يعيش في "أشفي" عيشة المؤمنين وهو آمن على
حريته.
إلى الشرق من "أشفي" تقع مدينة كبيرة أخرى هي "تاردية"، وقد جثمت على منبسط من الأرض فوق جبل شامخ ترنو منه إلى قصر "الحاج" القرية الصغيرة عند السفح، كما يرنو (1/420)
صفحة 421
الإباضية في موكب التاريخ
419
الإباضية في ليبيا (2)
صومعة
العملاق الطويل إلى قزم يلعب بين قدميه وفي هذه المدينة يقوم مسجد أبي يحيى بمئذنته الضاربة في الهواء كالمنارة الحدباء مائلة قليلا إلى الغرب كأنها تنحني لتهمس في أذن أبي زيد تشكو إليها أحداث الزمان وتغير التاريخ، وإعراض الناس عن دين الله وعمارة المساجد والقيام بأمر الله. وإلى المشرق من هذه المدينة بمسافة ليست طويلة تقع مدينة "سنتوت" متكئة على صدر هضبة ترنو إلى الشمال في غير مبالاة.
وفي هذه المدينة المسترخية اليوم نشأ أبو الشعثاء السنتوتي، قمة شامخة من قمم العلم، وعلما من أعلام الفضل، دأب على التدريس، وهذا خلق طبع عليه جميع رجال العلم في ذلك الحين، على أن الذي امتاز به أبو الشعثاء إِنَّما هو عنايته بتعليم الفتاة، فقد كان يخصص لهن دروسا فكن يتلقين عنه العلم ويستمعن منه إلى النصيحة، ولم يكن مجلسه يقتصر على الفتيات من "سنتوت" بلده أو القرى والمدن القريبة منه فقط وَإِنَّمَا كان يحضر إليه الفتيات الذكيات الراغبات في العلم من الأمكنة البعيدة التي يقطعن فيها المسافات الطويلة حبا في الثقافة، ورغبة في توسيع المدارك، حَتَّى لقد تحضر إليه الفتيات من "تدينت"، وإذا كان هذا إقبال المرأة عليه واهتمامه بأمرها فإن إقبال الرجال عليه أعظم، ورسالته فيهم أوسع، وعمله بينهم أكثر إثماراً، وأوسع إنتاجًا، وأعود بالفائدة .. وحياة أبي الشعثاء حافلة بالعلم والتعليم، الله والقيام الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والفهم الصحيح لدين كانت أم الخطاب امرأة صالحة رغب فيها أخو زوجها السابق فجاء يخطبها فرفضته، فالح، فأقسمت بعتق رقيقها أن لا تتزوجه، وأكثر عليها الناس فيه القول واللوم، وألحوا في النصيحة حتّى لانت واستجابت وراجعت نفسها وفكرت في قسمها، فقال لها أولئك الذين يحتالون على الدين، ويلتمسون الفتوى من الطرق الملتوية، ولا يهمهم أن يحللوا ما حرم الله، قالوا لها: "لو" وهبت مماليكك لأحد الناس ثُمَّ تزوجت فردهم عليك أو رد بعضهم لجاز لك ذلك"، ولكنَّها لم تطمئن، فذهبت إلى أبي الشعثاء تسأله عن موضوعها وتخبره عن فتوى
الناس، فقال لها في استنكار وتأنيب: "اتخادعين من خلق الخداع، يا أم الخطاب؟! ". (1/421)
صفحة 422
الإباضية في موكب التاريخ
420
الإباضية في ليبيا (2)
فرجعت مسرعة إلى دارها، فوجدت الإماء ينسجن فقالت لهن: "إنكن معتقات"، فقمن وَلَمْ تزد واحدة منهن خيطا فرحًا بالحرية وكن ثلاث عشرة جارية، وعلى مسافة قريبة من "سنتوت" إلى الشرق تقع مدينة "إشارن" بلد أبي إسحاق العالم الزاهد الذي كان لا يفتاً يقول لأهل بلده اضمنوا لي أربعا أضمن لكم أربعًا الأذان، والصلاة، وتعليم الخط، وحفظ القرآن الكريم؛ يسلم مسافركم، وينمو رزقكم، وتطفأ نار الحرب عنكم، ويرتفع القحط"؛ فإذا جاء إلى المسجد وَلَمْ يجد أحدا غضب الله وشدد الإنكار، وأسمعهم قوارع التأنيب، وَرُبَّمَا قال لهم: "يا أهل "إِشَارَن صِرتُم إِشَارَن (1).
كانت أرض "بني زمور المنبسطة المعتدة ما بين "وادي الآخرة" والأراضي التابعة لـ"جادو" متصلة العمران كثيرة، القرى، يعمرها العلم والعمل الصالح، وكانت ترتفع في وسط هذه الأراضي العامرة مدينة "ميرى" على عدد من الهضاب المشرفة على المنطقة، وعلى قمة عالية من إحدى هذه الهضاب لا يزال يجثم مسجد الإمام العظيم عبد الوهاب بن عبد الرحمن كما يجثم الصقر على صخرة ضاربة في الهواء، ينظر إلى ما تحته من حشرات وخفافيش في احتقار وازدراء.
مکث عبد الوهاب بن رستم سبع سنوات كاملة في هذه المدينة، فكانت بذلك عاصمة للإمامة فيما بين "سرت" والمغرب الأقصى وكان يرجع إليها الولاة من "سرت" و"ودان" و"زويلة" و "فَزَّان"، كما يرجعون إليها من تونس والجزائر.
واتسعت المدينة العظيمة للإمام العظيم فكانت حلقة اتصال بين الشرق والغرب والجنوب، واليوم وقد غدا الزمان على المدينة وأصبحت خرائب وأطلالا لم يبق منها إلا ذلك المسجد، يروي للتاريخ عبر الماضين، ولا يزال إلى اليوم حرما آمنا يضع فيه أبناء "الرجبان" اليوم زرعهم وزيتونهم فلا تمسه يد ولا يعتدي عليه، معتد كأنما لا يزال أمير المؤمنين عبد الوهاب يقيم فيه حدود الله، فيقطع أيدي السارقين، وينزل حكم الله على الخائنين.
1 إشارن الأولى: اسم البلد، وإشارن الثانية: يعني بما معناها البربري، وهو: الأظافر. (1/422)
صفحة 423
الإباضية في موكب التاريخ
421
الإباضية في ليبيا (2)
وإلى الجنوب من "ميرى" بنحو ميلين تنبسط "أدْرَف" التي تقع على مشارف غابة الزيتون،
فإلى شمالها الشجرة المباركة، وإلى جنوبها تمتد سهول مزارع القمح والشعير. وقد أنجبت هذه المدينة أعلامًا قل أن يجود بهم الزمان، وفيها نشأ عدد من العظام الذين
أختيروا الحكم جبل نفوسة، ومن بينهم أبو داود الذي استقل بحكمها، فقيل عنه: "إن نفوسة لم تر مثل أيام أبي داود، أقيمت حدود وصد عدوان المعتدين، فانتشر الأمن وعم الرخاء،
الله،
واستقرت الحياة بالناس فكان عصره عصر خير وبركة". على الضفة الشرقية لـ"وادي الآخرة" تمتد أراضي "تاغرمين" الفسيحة الخصبة، وقد كانت تلك الأراضي الفسيحة عامرة بالمدن والقرى، آهلة بالسكان ما بين حافة الجبل و"مطكو داسن" على حوافي الجبل يظلك شجر الزيتون الضخم، وعندما تبتعد عنها إلى الجنوب تمتد أمامك مغارس شجر، التين، فإذا تجاوزتها انبسطت أمامك مزارع القمح والشعير تلك المزارع التي لا يصل إلى مداها البصر، ولا تحدها رؤية العين تبدأ ضيقة في رؤوس الهضاب ثُمَّ تنفسح تدريجيا، فإذا نزلت الأمطار انسكب عليها الماء من المرتفعات فأرواها وأنعشها. و" تاغرمين" هذه التي أصبحت اليوم تُسَمَّى "الزَّنتان" كانت مقر علم وفضل ودين، ومنبت رجولة وبطولة وأخلاق.
وفيها نشأ عدد غير قليل من فطاحل العلماء، مثل أبي يعقوب الذي حكم جبل نفوسة، من خيرة الحكام اتباعا للحق، ورجوعا إلى دين الله في كُلّ صغير وكبير، وتواضعا للمؤمنين قال فيه أبو العباس: "أتاه رجل بنميمة فقال: فلان لا يقول هذا: بل هو منك. ومنك.
فكان
(1)
فقطع عن نفسه النمائم" أما أبو محمد عبيدة بن زارور فقد كان في المرتبة السامقة من العلم والورع والاستقامة. جلس يوما إلى المشايخ يتحدث عن نفسه ويراجع حسابه مع ربه فقال: "عملت ثلاثا يشبهن الفضول: أعطيت حمارا فارها أركب عليه من مكان إلى مكان فأعجبني سيره، فقلت: هذا الحمار! " فقال الرفاق: "إنَّه لليتيم الفلاني".
ما أحسن سير
1) السير: ص 253. (1/423)
صفحة 424
الإباضية في موكب التاريخ
422
الإباضية في ليبيا (2)
وحين عرف أبو محمد أن الحمار ليتيم نزل وأتم الرحلة عَلَى رجليه، ولولا الفضول لبقـ راكبا دون أن يجد في نفسه شيئًا. ومر على بستان تين فدعاه صاحبه إلى الأكل ودخل العالم الورع فأعجب بنضارة التين وطيبه فقال: "ما أحسن هذا التين"، فقال له صاحب البستان: "عندما سالت الأمطار انكسرت إليه تلك الساقية"، وأشار إلى ساقية تجلب الماء إلى بستان ثان، فقال أبو محمد ولمن الساقية؟ " فقال صاحب البستان: "إنَّهَا لليتيم الفلاني"، وكان هذا كافيا في حرمان أبي محمد من هذا التين الطيب، ولولا الفضول والسؤال لأكل أبو محمد دون أن يعلق به إثم. ومرت به أمة نشيطة خفيفة جميلة فسلمت عليه فرد السلام وقال لها: "ما أحسنك إن عرفت توحيدك"، فتعلقت به وطلبت إليه أن يعلمها توحيدها واضطر أبو مُحمَّد أن يلقى درسا طويلا مسهبا في التوحيد لهذه الأمة المسلمة ليعلمها أمور دينها، ولولا الفضول لَمَّا
11
اضطر إلى هذا العناء.
11
قال أبو محمد: وعملت ثلاثا يُشبهن الكذب":
كان يسير مع رفاق له فأبصر ذئبا فقال للرفاق: "ألا ترون ذلك الذئب"، وهو لا يعرف إن كان ذكراً أو أنثى.
وخرجت سيدة البيت لشأن من الشؤون تاركة طفلها الصغير، فأخذ الطفل يبكي فكان أبو محمد يقول للطفل: "هذه أمك مقبلة وَلَمْ تكن كذلك، فكان أبو محمد يرى من نفسه أنه كذب على الطفل البريء. ونفرت بغلته فأخذ مخلاة فارغة يدفعها أمام البغلة النافرة حتَّى رجعت إليه، أليس هذا
خداعا للحيوان الغافل. لقد ارتكب أبو مُحمَّد هذه الجرائم، وكان لا يفتأ يذكرها ويستغفر الله منها، ويحاسب نفسه عليها، فما رأي القراء الكرام في رجل هذه أعماظم ذنوبه وأكبر أخطائه. ولعل الكاتب الذي ينقل عبرة التاريخ وجمال الذكر لا يستطيع أن يَمُرٌ عَلَى "تاغرمين" دون أن يذكر قصة المرأتين الصالحتين أم جلدين وأم زعرور؛ أما أم زعرور ففتاة درست (1/424)
صفحة 425
الإباضية في موكب التاريخ
423
الإباضية في ليبيا (2)
على أم يحيى، وتزوجت أبا مُحمَّد التغرميني، ورحلت معه إلى بلده، فكانت له نعم الزوجة، والقارئ الكريم يقع على أخبارها في أثناء هذا الكتاب.
إلى
أما أم جلدين فامرأة صالحة نشأت بـ"يفرن وتزوجت هناك، إلا أنها لم ترزق أولادا، وفي آخر أيامها كانت تدعو الله أن لا يرفعها إليه حتّى ترى زيتون "تاغرمين" وتلتقي بأم زعرور ثُمَّ تتوفى ويصلي عليها أبو مُحمَّد، وفي إحدى السنوات نزل المطر الباكر على أراضي "تاغرمين"، وتأخر عن يفرن، فرأى أهالي تلك المنطقة أن ينتجعوا الكلأ في منازل الغيث، وارتحل زوج أم جلدين فيمن ارتحل إلى أراضي "تاغرمين"، وذهبت فتاتان من الزنتان لشأن من الشؤون، فساقتهما الصدفة إلى بيت أم، زعرور، فكن يلاحظنها وتهمس إحداهن للأخرى قائلة: هذه العجوز تشبه جدتنا، ويقصدن بجدتنا أم جلدين، فهذا هر اللقب الذي يطلقه عليها الناس وسمعت أم زعرور ما تتهامس به الفتاتان، فسألتهما عن جدتهما فأخبرتاها فذهبت معهما لزيارتها، والتقت المرأة الصالحة بالمرأة الصالحة، وتواصتا بما فيه الخير، ثُمَّ قالت أم زعرور لأم جلدين: "ادعي لنا"، فقالت أم جلدين: "لقد سألت ربي كثيراً وإنني أستحي أن أزيد"، فدعت أم زعرور ورجعت إلى متزلها فأخبرت أبا محمد، فذهب هو الآخر ليزور العجوز الصالحة، ولَكنَّهُ وجدها قد توفيت فصلى عليها، ورجع ينقل الخبر إلى صديقتها الوفية، وهكذا تحققت مطالب أم، جلدين، فرأت زيتون "تاغرمين"، واجتمعت بأم زعرور، وصلى عليها أبو محمد ..
وفي "تاغرمين" مصلى أم الخطاب الذي كان محل اجتماع لأعاظم الأمة، وحسبك أن يكون مقصدا لأبي مرداس وأضرابه.
مصلى أم جلدين فلا يزال معروفا إلى اليوم في يفرن
لقد كانت تاغرمين في المرتبة التي لا تداني من كثرة العمران، ووفرة السكان، وخصب
الأرض، وانتشار العلم والصلاح، وتزايد الأبطال، أبطال العلم وأبطال الكفاح. (1/425)
صفحة 426
الإباضية في موكب التاريخ
424
الإباضية في ليبيا (2)
وادي الرومية
واد يتجه من الجنوب إلى الشمال كما يتجه جميع أودية الجبل، وينحدر انحداراً تدريجيا خفيفا حتى يصل إلى قطاع من الجبل، فيكون شلالا عظيما رُبَّمَا كان أعلى شلال في جبل نفوسة، والمنطقة التي فوق الشلال تكون روضة مستطيلة قليلة النظائر، تشتبك فيها الأشجار المختلفة من مثمرة وغير مثمرة، وتسيل خلالها المياه الدائمة، وتنبع في كُلّ جهة من جهاتها عيون وآبار تجعل منها منطقة خصبة دائمة الخضرة، وأعظم هذه العيون وأعذها ماء هي عيون الرومية. وقد سحب قسم من مائها في أنابيب إلى مدينة يفرن على مسافة ستة أميال تقريبا، ومنها نروى هذه المدينة العظيمة.
أما المنطقة التي تحت الشلال فتكون غابة جميلة من الزيتون والنخيل تختبئ في أحضان الجبل العظيم، وبين تلك الأشجار الباسقة في حضن الجبل الدافئ وحول مصب الشلال العالي تنام قرية أولاد عطية في هدوء واطمئنان. إلى غرب هذا الوادي الخصيب الجميل تمتد أراضي خصبة تكون مزاراع للقمح والشعير تارة، وتكون أجنة وبساتين شجر التين تارة أخرى، فإذا اقتربت من حافة الجبل كونت غابة فسيحة خضراء من شجر الزيتون، حتّى تصل إلى جبل "شماخ" الذي يرتفع في شموخ بين الربى والمرتفعات. و تاريخ هذا الجبل كان يَمُرّ كتاريخ بقية الجبال والمرتفعات في حياة الطبيعة لو لم ينشأ عليه آل شَمَّاخ الأماجد، ورغم أن هؤلاء الرجال العظام انتقلوا في سكناهم من "شماخ" إلى "يفرن" بتاريخهم الحافل، وأعمالهم المجيدة، رفعوا من "شَمَّاخ" و"يفرن" على السواء، ويندر جدا أن تجد بلدا أمد الإسلام برجال تسلسلوا في أزمنة طويلة من التاريخ وهم يحملون أعباء الرسالة المقدسة في حرص وأمانة، كما فعل آل شماخ وآل الباروني، وآل أبي منصور إلياس. ولو كان للبقاع أن تفتخر لحق لـ"شَمَّاخ" و"تَندَمِّيرَة" و"تملوشايت" أن ترتفع بين الربى
والأوهاد.
وليس معنى هذا أن بقية البقاع لم تقدم من الرجال مثل هؤلاء، إني لو قلت مثل هذا لوقفت كثير من البقاع محتجة، ولصرخت في وجهي "أدرف" و"جادو" و"توكيت" و"أرجان" (1/426)
صفحة 427
الإباضية في موكب التاريخ
425
الإباضية في ليبيا (2)
و"جناون" و"وَنزِيرف" و"ويغُو" و"كباو" و"فرسطاء" و"تمصمص" و"لالوت"، وعشرات غيرها، ترد على هذا القول وتبطل هذا الزعم، ولكن الفرق بين تلك القرى الثلاثة التي أنجبت عمالقة عظاماً وغيرها من القرى، أنها لم تحتفظ بهم لنفسها، وَإِنَّمَا آثرت بهم غيرها من المدن والقرى. إن جد الأسرة البارونية أبا هارون موسى ما أسند إليه حكم الجبل حتى "تملوشايت" التي أنجبته، وجعل مركز حكمه في "إبناين" ثُمَّ انتقل أبناؤه من "إبناين" بعده إلى كُلّ مكان، وعمروا كُل بلد إلا "تملوشايت" مدينتهم الأولى.
منصور.
وكما فعل آل الباروني فعل أبناء أبي منصور، فما أسند الحكم إلى أبي منصور حتى انتقل إلى "جَادُو"، وقد، وقد عمر أبناؤه من بعد كُلِّ القرى والمدن إلا "تندميرة" مدينتهم التي أنشأت أبا وعلى هذا المنوال سار آل شَمَّاخ، فقد انتقلوا إلى "يفرَن"، واستفاد من علمهم وخلقهم ودينهم كُلّ مكان في الجبل، ولكن "جبل شَمَّاخ" لم يعد مأوى لهم.
إن هذه المدن الثلاثة "تملوشايت" و"تندَمِّيرَة" و"شَمَّاخ" أنجبت أبر الأولاد، ولكنها آثرت هم غيرها، وتسلسلوا في بلدانهم الجديدة، ولكن أعمالهم كانت للأمة جمعاء، إن المدن الأخرى أنجبت عظماء مثل هؤلاء أو أكثر أو أقل احتفظت بأبنائها، وإن كانت أعمالهم للجميع. وكأن أسرة الشماخي لم تتكون في هذا الجيل إلا لتدخله في حساب التاريخ دون آلاف
التي
من الربى والوهاد في مختلف البلاد.
وعلى الجهة الشرقية لهذا الوادي تقع مدن كثيرة متناثرة بين هضاب قليلة الارتفاع، ووهاد قليلة الانخفاض، ذات تربة خصبة تزدان بحدائق غناء من أشجار الفواكه المختلفة. تلك المدن المتناثرة تتقارب في بعض الجهات حتى تصبح مدينة واحدة، وتتباعد في جهات أخرى حتّى تصبح ضواحي لتلك المدينة، ويطلق عليها اليوم اسم "يقرن"، وهو اسم القبيلة البربرية التي سكنتها في بعض أدوار التاريخ، أما الاسم التاريخي لهذه المدينة قبل الإسلام فهو البيضاء"، واستعمل الاسم الأخير حتّى في بعض الصور الإسلامية، وذكرها به بعض الكتاب .. ومن المفارقات أن هذا الاسم كان يطلق على طرابلس أيضا، فيسميها بعض الرحالين بالمدينة البيضاء، قال التيجاني: "وَلَمَّا توجهنا إلى طرابلس وأشرفنا عليها كاد
بياضها مع شعاع الشمس يعشي الأبصار، فعرفت صدق تسميتهم لها بالمدينة البيضاء". (1/427)
صفحة 428
الإباضية في موكب التاريخ
426
الإباضية في ليبيا (2)
وتاريخ "يفرن الإسلامي حافل بالمجد والعظمة، وقد بقيت مدة غير قليلة مركز إشعاع، ومنذ القرن الثامن تقريبا حملت رسالة العلم والتعليم في الجنوب الليبي، وكان لها فضل عظيم في نشر الثقافة الإسلامية ورعايتها والدعوة إليها إلى زمن الاحتلال الإيطالي وحتى في عصور الانحطاط، وفي أيام حكم الدولة العثمانية على البلاد بقيت "يَفرَن" في مقدمة البلاد التي حافظت على التراث الإسلامي الصافى محافظة لا تساهل فيها ولا تفريط. وقد كانت زاوية البخاخة مقصدا لطلاب العلم، ومأوى لعشاق الثقافة يقصدها نجباء الطلاب من كُلّ مكان تقوم برسالة التعليم المقدسة باستمرار مرة بقوة ونشاط، ومرة بضعف وفتور، حتّى جاءها في أواخر العصر التركي الإمام العلامة عبد الله بن يحيى الباروني، نجدد بناءها، وجدد أسلوب التدريس فيها، فاقتبس طريقة التعليم والإصلاح الاجتماعي، ومكافحة الأمراض التي بدت تسري في كيان الأمة من دين الله، ومن سيرة السلف الصالحين الذين سبقوه في هذا الميدان، فكان لمجهوده العظيم أعظم الأثر، لا يقل عما تركه أبو موسى عيسى الطرميسي وأبو ساكن عامر بن على الشماخي.
أما المدرسة التي أسسها أبو ساكن عامر الشماخي فقد بقيت هي الأخرى تؤدي رسالتها، تارة في التعليم المنهجي والإصلاح الاجتماعي، وتارة تقتصر على الإصلاح الاجتماعي، وكان في أغلب الأحيان يعمر هذه المدرسة بعض أبناء هذه الأسرة الكريمة التي لم ينقطع منها الفضل والشرف والعلم. وقد نشأ في "يفرن عدد غير قليل من العلماء أمثال عبد السلام بن صالح، وعمروس اليفرني وأبي يحيى زكرياء بن عبد الرحمن؛ وكان من العمالقة الذين أنجبتهم "يفرن" في أواخر العصر التركي، العلامة قاسم بن سعيد الشماخي نزيل مصر، وقد كون هذا العلامة إلى جنبه الأديب الصحفي المصري مصطفى بن إسماعيل، وكان الرجلان يكونان ثنائيا مندفعا في كفاح الأباطيل والخرافات والبدع بقوة وعزم وحينما ثار الجامدون في وجه الإمام مُحمد عبده كان هذا الثنائي من أعظم الأنصار الذين وقفوا في وجه الجمود، يردُّون كيد الخصوم، ويحاربون منطق التخلف الذي يمليه في أغلب الأحيان، حسد، مبعثه القصور والعجز فكانت لهما مقالات رنانة متآزرة في الصحف، وكتب متآخية في نصرة الحق، أما المحاضرات والمناقشات التي كانا يقومان بما في النوادي والمجتمعات، فقد سمعنا عنها وَلَمْ يصلنا منها شيء. أما والده سعيد الشماخي الذي كان يحتل مكانًا مرموقا في الأوساط العلمية فيكفي للدلالة على مكانته أن الحكومة التونسية قد اختارته وكيلا لها على شؤونها في مصر عَلَى ما لتونس من الرجال في ذلك الحين. (1/428)
صفحة 429
الإباضية في موكب التاريخ
427
الإباضية في ليبيا (2)
تآزر جهود الفرد والجماعة والدولة
في الفصول السابقة عرضت إلى الحديث عن عدد من العلماء الليبين الذين نشأوا في أجزاء من ليبيا، ودرسوا في أجزاء من ليبيا، وقاموا بالتدريس والإصلاح في أجزاء من ليبيا، ولو كنت من دعاة القوميات لحسبت ذلك شرفا لهذا الوطن الكريم، أو لهذا الشعب النبيل، ولكني لا أؤمن إلا بالأمة الإسلامية الكبرى التي تذوب فيها الشعوب والقوميات والأجناس. ولا أحب إلا الوطن الإسلامي الكبير دون حدود أو تقسيم ذلك الوطن الذي يجمع أولئك الناس الذين يؤمنون بالله ربا وبمُحمَّد رسولا وبالقرآن كتاباً، وبالإسلام دينا و ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقْبَلَ مِنْهُ)، وأن أي عمل مجيد يقوم به فرد أو طائفة في أنحاء هذه المملكة الإسلامية الواسعة إن هو إلا من أمجاد الأمة جمعاء، ومن مآثر الإسلام على البشرية. وأن أي انتكاسة تصيب جزءاً من أطراف هذه المملكة الواسعة إن هو إلا انحراف عن سبيل الله، أو بسبب الانحراف عن سبيل الله.
الله.
تحدثت عن هؤلاء العلماء كمثل للكفاح الإسلامي في واجهة دقيقة وميدان شديد الخطر؛ لأنه يتصل بالفكر والعقل، ولست أقصد بالأسماء التي ذكرتها سواء كانت أسماء رجال، أو أسماء أمكنة أن أحصر الكفاح في أولئك الأشخاص أو في تلك الأمكنة، فإن هذا لا يجرى في خاطري، وَإِنَّمَا ذكرت هؤلاء كمثل لعشرات مثلهم أو خير منهم، نشأوا وعاشوا في هذا الجانب من الوطن، وقاموا بمثل هذا الكفاح الطويل المقدس في سبيل وكمثل لآلاف من العلماء المخلصين الذين ينبثون في كُلّ ركن، وَكُل زاوية، وَكُلّ جهة من الوطن الإسلامي الكبير، يكافحون هذا الكفاح الدائب المخلص، إيمانا برسالة الله، واحتسابا الله وحفاظًا عَلَى التراث المجيد الذي خلفه المهتدون من أمة محمد. إن الأمة الإسلامية، ورجال الأمة الإسلامية، لم يعتمدوا قط على الدول في بناء المشاريع العظيمة منذ انحرفت تلك الدول عن النظام الإسلامي في الحكم، سواء كان هذا الانحراف بعيدا أو قريبا.
(1) سورة آل عمران: 85 (1/429)
صفحة 430
الإباضية في موكب التاريخ
428
الإباضية في ليبيا (2)
والأعمال الخالدة، والمشاريع الضخمة، والكفاح الدائب المستمر إِنَّمَا كان يقوم كُلِّ ذلك عَلَى كواهل أفراد أو جماعات من الأمة لا يسندهم الحكم، ولا يقدم لَهُم يد المساعدة إلا حينما يجد
في ذلك دعاية له أو تأييدًا لحكمه، أو جلبا لأنصار جدد يتأيد بهم سلطانه، ويقوى نفوذه. وحينما كان العاملون في الأمم الأخرى تغدق عليهم الأموال، وتفتح لهم الأبواب، وتحشر أمامهم الإمكانيات، كان رجال الإسلام يقومون وسط الدول المنحرفة بأعمالهم إما منفردين أو مؤيدين بأهل الفضل والإحسان من أبناء الأمة، ومع ذلك فقد استطاع أولئك الأبطال أن يقدموا للبشرية ما لم يقدمه غيرهم، وذلك لأنهم بنور الله يبصرون، وبروحه يعملون، إنهم يعملون في ضوء الإسلام الذي أنار آفاق الحياة للإنسان. ارجع إلى معاهد العلم في الوطن الإسلامي الفسيح، وإلى الدراسات التي قام بها جبابرة العقل، وإلى الرحلات الطويلة التي اكتشف فيها المسلمون كثيرا من مجاهيل الأرض، ارجع إلى ذلك وإلى أكثر من ذلك فإنك سوف تجده قد قام عَلَى كواهل أفراد أو جماعات، وكثيرا ما تجيء الدول فتحتضن مشروعا من تلك المشاريع بعد أن يثبت ويستقر، وأكثر المعاهد العلمية إِنَّمَا كانت عَلَى هذا النمط بناها أصحاب الخير والفضل أفرادا أو جماعات، وأوقفوا عليها أوقافا تدر عليها ما يكفيها من النفقات، وبعد أن يقوم هذا العمل ويؤدي رسالته كأحسن ما تؤدي الرسالات تأتي الدول فتدخل المعهد تحت نفوذها ثُمَّ تسحب أوقافه إلى ميزانيتها وتنفق عليه من بعد في حرص وتقتير، وتزعم للعالم وللناس أنها تشجع العلم وترعى معاهده. إن الذي أريد أن أقوله في هذا الصدد أن حركة الإصلاح بأوسع ما تتضمنه هذه الكلمة من معنى لم تتوقف يوما واحدا في الأمة الإسلامية، وعندما كانت الدول تنحرف عن صراط الله، أو تعجز عن القيام بمهامها، أو تشتغل بأمور أخرى بعيدة عن واجباتها، أو تستخذي لسلطان دولة أخرى فإن دبيب الحياة في الأمة يستمر، ورسالة الإصلاح لا تتوقف، والمؤمنون المخلصون يدأبون على ما عاهدوا الله عليه من جهاد في سبيله، وذود عن رسالته، وقيام بأمره. ولست أعني بهذا الحديث أن الدول المتعاقبة في تاريخ الإسلام لم تقدم للبشرية مثل ما قدمت الدول الأخرى أو أكثر أو أقل، فإن كثيرا من المشاريع الضخمة قامت بها دول يدين (1/430)
صفحة 431
الإباضية في موكب التاريخ
429
الإباضية في ليبيا (2)
التعبير
القائمون عليها بالإسلام، ولكنني أعني أن المجهود الشعبي للمسلمين كان أكثر آثاراً وأعظم إنتاجا وأدوم حركة. وهذا الكفاح الفردي أو الكفاح الشعبي لا يعفي الدولة من المسوؤلية، ولا يجعلها في معزل عن الإصلاح في شتى ميادينه، ولا يباعد بينها وبين الأمة؛ لأن الدولة في الإسلام هي العملي عن فكرة الأمة، بشرط أن تكون هذه الفكرة متمشية على هدى من الدين القويم. وعندما تكون الدولة ملتزمة لنظم الاسلام عاملة بشرائعه مستوحية منه الهداية، فإن الغايات من الكفاح الفردي والشعبي والدولي أو الحكومي تكون واحدة، ويكون الوصول إليها سهلا ميسوراً؛ لأن الإسلام كما لم يُعف الدولة من الإصلاح، كذلك لم يُعف الفرد وَلَمْ يعف الجماعة.
فإذا تآزرت هذه القوى قوة الفرد وقوة الجماعة وقوة الدولة التي هي العناصر المكونة للأمة، إذا تآزرت هذه القوى كان ذلك اندفاعا محمودا في تحقيق الرسالة التي تسعى إليها الإنسانية في نور الشرائع السماوية.
ولن تفترق هذه الجهود في دولة إسلامية عاملة بكتاب الله محافظة على دينه، فإذا وجدت أن أعمالا عظيمة ومشاريع ضخمة تقوم على مجهود فردي أو مجهود شعبي دون أن تعني بذلك الدولة فإنَّهَا حينئذ تكون منحرفة عن سبيل الله.
أما الفرد أو الجماعة انه من الأمَّة فَإِنَّهَا لا تستطيع الانحراف في دولة إسلامية، وهذا يعني إذا وجد انحراف سواء كان هذا الانحراف عن دين الله من فرد أو جماعة فإن الدولة أيضا لم
تقم بأمر الله وَلَمْ تسر عَلَى الإسلام. وإذا كان لا يحل للفرد العادي المسلم أن يسكت عن المنكر يقوى على تغييره، فكيف يقع
المنكر من فرد أو جماعة ترعاهم دولة مسلمة، وتتولى تنفيذ أحكام الله فيهم. إن الدولة لا تكون إسلامية إلا إذا كانت جميع الطاقات والقوى فيها سواء كانت هذه الطاقات فردية أو جماعية موجهة إلى خير الإنسانية سائرة في النهج القويم الذي دعا إليه كتاب الله، وأوضحته سنة رسول الله له وسار فيه المهتدون من سلف هذه الأمة. (1/431)
صفحة 432
الإباضية في موكب التاريخ
430
الإباضية في ليبيا (2)
المرأة الإباضية في ليبيا
كان موقف المرأة الإباضيَّة في ليبيا هو موقف المرأة المسلمة المؤمنة من الأسرة والمجتمع والأمة، لا يقعد بها ظلام الجهل عن مكانها، ولا يطغى بها الغرور العلمي عن مكانها، فهي عماد الأسرة في التربية والتوجيه، وهي عماد الأمة في النصيحة الله ولرسوله، وهي ظهيرة الرجل في كفاحه من أجل دينه ومن أجل وطنه، تثبت في الصف الثاني دائما لتكون ردءًا للرجل ومرجعا له، إن استشارها نصحته، وإن رجع إليها من عنت العمل ومشاق الكفاح غمرته بالمحبة والحنان، ووطأت له كنف المنزل فوجد الراحة لنفسه، ووجد الراحة لبدنه، ووجد الراحة لقلبه، تقوم على شوؤن البيت قيام العارفة، وتتصرف في مال الزوح تصرف المخلصة الأمينة. وتتلقى عن الأب والأم أسس السلوك الذي يحمدها عليه عشراؤها طول الحياة، هذه الصورة هي الإطار العام لحياة المرأة الإباضية على العموم، أمَّا الصورة التفصيلية لآحادهن فهي أروع وأجمل.
فَهِمَت قواعد الْمَذهَب الإباضي الذي لا يجيز التقليد في الدين، وفهمت قواعد المذهب الإباضي الذي يوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفهمت قواعد الْمَذهَب الإباضي في وجوب الولاية والبراءة الشخصيتين. وحملتها القاعدة الأولى عَلَى أن تدرس وتحضر مجالس العلم، وتشترك في النقاش الحاد لتأخذ دينها عن فهم واقتناع لا عن محاكاة وتقليد. وحملتها القاعدة الثانية أن تعرف كُلّ شيء في مجتمعها، وتطلع عما يجري حولها، وتزن أعمال
الناس وأخلاقهم حَتَّى تستطيع أن تصرخ في قوة لتستنكر المنكر، وتدعو في حرارة إلى المعروف. وحملتها القاعدة الثالثة أن تنظر إلى سلوك الأفراد فتعلق محبتها ورضاها لمن يستحقون الولاء، وتعلن غضبها وبراءتها من أولئك الذين يتمردون عن الْحَقِّ، ويجابهون الله بالمعصية، أو يخالفون عن سيرة المسلمين، فينطلق صوتُها من وراء الحجاب المسلم المصون يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الإيمان بالله ويندد بالعصاة والمنحرفين. (1/432)
صفحة 433
الإباضية في موكب التاريخ
431
الإباضية في ليبيا (2)
1 - فكم كان رائعا حين انطلق صوت المرأة المسلمة (1) من قسم النساء في مسجد غ بالمصلين يأمر الإمام بالتأخر؛ لأنه ليس أهلا لأن يصلي بالمسلمين، ويستجيب ذلك الإمام لصوت
الْحَقِّ الذي انطلق من فم امرأة في مسجد غاص بالرجال، فيتأخر ويتقدم من هو أولى.
وتقضي ظروف الحياة أن تلتقي هذه المرأة المؤمنة في مضيق من الطريق بهذا الرجل الذي آذته في الله، فتوجس في نفسها خيفة، وتخشى أن تلقى منه بعض ما تكره، ويحس الرجل بما
يعتمل في نفسها فيقول لها: امضي راشدة، لولاك لهلكنا، يسر الله لك سبل الْجَنَّة (2). لقد خفت صوت المراة بعد أمهات المؤمنين ومن تأدب بأدبهن في المساجد ومجامع الصلاح، وإن ارتفع في مجالس الغناء والشراب وفي المراقص والملاعب، وفي الشوارع والمكاتب، ولكن هذا المجتمع الذي يعمل بقاعدة الولاية والبراءة، ويرتفع فيه صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تزال فيه المرأة تحتفظ بآداب الإسلام، لا تغرها المظاهر الخادعة من الحياة الزائفة،
ولا تزال المرأة تعمر المسجد، وتشترك في مجالس العلم من وراء حجاب وتصدع بالْحَقِّ. 2 - رجع أبو يوسف حجاج بن وفتين إلى بيته بعد نقاش طويل حاد في المؤامرة التي يدبرها خلف بن السمح لقلب نظام الحكم، وتكوين دولة جديدة تحت حكمه، وكان أبو يوسف يميل إلى مؤازرة هذا الزعيم الجديد، فلما أراد الدخول إلى داره ووضع رجله داخل العتبة، صاحت به زوجة المرأة المؤمنة التي تتمسك بالْحَقِّ وتتبعه قائلة: "إليك يا بائع دينه" (3)، و صدمت كلمة الْحَقِّ سَمع الرجل فوقف في مكانه لا يتقدم ولا يتأخر يوازن بين الموقفين، ويقارن بين المصيرين، وأطال الوقوف حَتَّى تبين له الْحَقِّ، وأدرك فداحة الجرم الذي كان مقدما عليه، وعرف صدق النصيحة في هذه الزوجة الوفية التي تحبه وتحب له الخير ولنفسها ولأولادها؛ وللأمة من ورائهم، فأعلن إذعانه للحق، وتوبته إلى الله، ورجوعه إلى صفوف المسلمين، وحينئذ انفتح له القلب الكبير الذي أحبه وغمره بالعطف والحنان، وهداه بالنصيحة
السديدة المخلصة.
(1) هي أم يحيى زوجة أبي ميمون صاحب المدرسة الشهيرة في أمسين.
(2) راجع السير، ص 233.
(3) راجع السير، ص 187 (1/433)
صفحة 434
الإباضية في موكب التاريخ
432
الإباضية في ليبيا (2)
إن المرأة في ذلك العصر لم تكن أقل من الرجل علما وفقها في الدين، ومعرفة بأسرار الشريعة واستمساكا بالْحَقِّ.
3 - ارتحل أبو معبد الجناونِي إلى "قنطرارة تيجي" والتحق بمدرسة سعيد بن أبي يونس الطمزيني، ودرس حَتَّى ظن أنه بلغ الغاية عن العالم الكبير، وقفل راجعا إلى مدينته "جناون" فمر في طريقه بقرية "ندباس" هذه القرية التي تقع عَلَى الضفة الغربية لوادي الزرقاء الجميل، والتي تستقبل قبلة الشمس عند البزوغ كُلّ صباح، وتبعث بتحاياها الرقيقة إلى زميلتها "مزو" المقابلة لها على الضفة الشرقية من الوادي فوجد أمة تسقي الماء من صهريج خارج القرية، وكان قد بلغ منه الجهد والعطش، فاتجه إليها وطلب منها أن تسقيه فنظرت إليه في استنكار، وقالت له: "أتستخدم أموال الناس يا جاهل؟! (1).
وصدمه الجواب العنيف .. أبعد كفاحه الطويل في طلب العلم تعيره أمة بالجهل؟! ورجع إلى نفسه، وتاب إلى رشده، وأذعن للحق، وعرف أن دراسته نظرية بحته، وأنه في حاجة إلى مكانه ذلك إلى المعهد الذي كان يدرس به، فأقام فيه وأطال الإقامة حتّى
المزيد، ورجع من أصبح علما بين العلماء، ومرجعا للنبغاء.
إنَّه فضل المرأة التي تعرف حدود الدين ومنتهي الحقوق. وشبيه بهذا الموقف موقف بهلولة مع أبان:
مثلها علما وصلاحا، بن وسيم
- كانت بهلولة (2) امرأة عالمة صالحة، وكان أبو ذر أبان فكان يزورها يقتبس من علمها وخلقها، وتقتبس من علمه وخلقه، وأعجب بها فخطبها إلى وليها. وجاءها يوما فرحا مستبشرا فاستأذن فأذنت له وفتحت الباب وبادرها يخبرها أنه خطبها من وليها، وأن الولي وافق وعقد العقد، فأغلقت في وجهه الباب ثُمَّ قالت له: "كنت تدخل إلينا بأمانتك ففتحنا لك، والآن صرت مدعيا، فإن أتيت ببينة رضينا بك زوجا، وإلا فانصرف"، ثُمَّ قالت له: إنك أمين ولكنك احتجت إلى الأمناء، ولو كنت أبانا".
(1) راجع: السير، ص 242.
(2) راجع: السير، ص 217. (1/434)
صفحة 435
الإباضية في موكب التاريخ
433
الإباضية في
(2)
واضطر العالم الشيخ الورع، أن يثبت دعواه بشهادة الشهود وإقرار الولي حتى رضيت به بهلولة زوجا، وكانت له نعم الزوجة وكان لها نعم الزوج، فما عرف أن زوجين تشابها خلقا وعلما ودينا كما تشابه هذان الزوجان. وقد دلت الحادثة السابقة أنها أملك منه لزمام نفسها، وأكبح لعاطفتها، وأرسخ قدما في الوقوف عند حدود الشرع وتطبيقه، فلما استخفه الفرح بموافقة الولي على خطبته لها لم يجعل لشيء آخر حسابا، أما هي فقد طبقت عليه أحكام الشريعة السمحة تطبيق العالمة المؤمنة، التي تراعي الدقة وَالْحَقِّ في الأحكام، فلم تعتمد على معرفتها الشخصية لأبان، ولم تستجب منه، وَإِنَّمَا رجعت في تلك القضية إلى حكم الله، ذلك لأنها كانت عالمة بحكم الله.
وإذا اجتمع العلم والإيمان في قلب إنسان ذكرًا كان أم أنثى - أكسباه مناعة خلقية تسمو به عن العواطف والحظوظ الصغيرة للنفس البشرية، والتفكير المحدود المنغلق المحصور في ذات مشبعة بالأنانية.
1
ه كان أبو عامر التصراري رجل علم، وعبادة، وكانت زوجه أمة الواحد (1) امرأة مؤمنة صالحة، يجمعها إلى زوجها حب وعطف وحنان، ويقارب بينهما اشتراك في الميول والعواطف والأعمال، وجاءت عجوز من "تندميرة" إلى "تصرار" تشكو إلى أبي عامر بنتها الشابة قالت العجوز: "لقد توفي زوجي منذ أمد طويل، وترك لي بنتا صغيرة سميناها "توزين"، وحبست نفسي عَلَى هذه البنت فعلمتها وربيتها أحسن تربية، ولما بلغت سن الزواج تهافت عليها الشباب الأكفاء يطلبون يدها، ولكنها رفضتهم جميعا دون سبب وكلما راجعتها في ذلك أجابتني بأنها لا تريد الزواج؛ لأنَّها تخشى حقوق الزوج، وتخاف مسوؤلية الأسرة، وهذا الزمن يتقدم بي، وإني لأخشى أن أتركها في يوم من الأيام دون رعاية أحد".
استمع الشيخ إلى شكاية العجوز وعطف على قضيتها ووعدها بأن يزورها مع جمع من المشايخ لعلهم يستطيعون إقناع البنت بما ترجوه أمها.
(1) راجع السير، ص 218 (1/435)
صفحة 436
الإباضية في موكب التاريخ
434
الإباضية في ليبيا (2)
واجتمع الشيخ بعدد من العلماء وذهبوا إلى "تندميرة"، وقصدوا بيت العجوز ودعوا إليهم الصبية التي تمنعت عن الزواج، وَلَمْ يزالوا بها حتى لانت واقتنعت، ولكنها اشترطت عليهم شرطا واحدًا معقولا، وهو أن تختار زوجها بنفسها.
فوافق المشايخ بالإجماع على هذا الشرط؛ لأنه حقها الطبيعي الذي منحتها إياه الشريعة السمحة، وكانوا ينتظرون أن تعلن إليهم اسم أحد أولئك الشباب الذين تقدموا لخطبتها،
ولكن الفتاة أعلنت إليهم أنها اختارت أبا عامر التصراري، هذا الشيخ العالم الزاهد المسن. إنَّهَا لا تفكر بالشباب ولا بالقوة ولا بالمال، واستجاب المشايخ لها، كما استجاب لهم من قبل، ورجع أبو عامر إلى زوجه الحبيبة أمة الواحد بأسوأ خبر يمكن أن ينقله زوج إلى زوجه، ورجاها أن تستعد للقاء الزوجة الثانية، فتلقت الخبر بصبر المؤمنة وأعدت في منزل الشيخ ما يعد للعروس في أوَّل زفاف، واستقبلتها استقبال أخت محبة، ولَمَّا آوى الشيخ إلى الزوجة الثانية ذكرت أمة الواحد أن العروسين ينقصهما شيء سهت عنه عندما أعدت لهما الغرفة، فناولتهما إياه من تحت الباب ورجعت إلى فراشها لتبيت فيه منفردة. إن لهذه المرأة قلبا كما لسائر النساء، ولها عاطفة قوية جياشة وهي تحب زوجها، ولكن لها مع ذلك دين يعصمها من النزق ويوقفها دون أن تتعدى حدود شرع الله وحقوق الناس، وعاشت الزوجتان تحت كنف أبي عامر يرعاها بلطفه ويغمرها بحبه ويساوي بينهما بعدله، وذات يوم خرجت أمة الواحد إلى بعض البساتين تجمع حطبا، عندما همت بأخذ الحطب وسوس لها الشيطان فخطر لها أن الشيخ قد تغذى مع الزوجة الشابة، وتركا لها لقمة باردة في ناحية من البيت، وعرفت أن هذا الخاطر من الشيطان فاستعاذت بالله ورمت حزمتها إلى الأرض، ثُمَّ زادت فيها حطبا لترغم أنف الشيطان.
ورجعت إلى البيت ودخلت الدار فوجدت الزوجين قد تغديا وتركا لها نصيبها في إناء، فرجع إليها الخاطر من جديد وأحست بالغيرة تدب في نفسها واصفر لونها. وكان أبو عامر ينظر إليها في شوق وحنان فلما رأى وجهها متغيرا عرف حديث النفس وقام إليها فأمسك بطرف كمها وقال كمن يخاطب الشيطان: الله "اخرج يا عدو من جسد طاهر". (1/436)
صفحة 437
الإباضية في موكب التاريخ
435
الإباضية في ليبيا (2)
الشيطان من
وكان لهذه الكلمات الأثر المطلوب على نفس المرأة المؤمنة، فقد خرج جسدها الطاهر، وزالت الغيرة من نفسها ورجعت إليها الثقة في زوجها، وعاشت الأسرة
المتكونة من امرأتين ورجل في منزل يغمره الحب والتفاهم والتعاون.
ومع
هذا الخلق السامي الذي تتحلى به أمة الواحد لم تسلم من نقد الزميلات، فقد أعلنت
شيئا مما تحرص النساء عَلَى إخفائه، فبعثت إليها زينب اللالوتية تقول لها في استنكار وتأنيب: "لو أمكن لنا أن نستر قبورنا بين القبور لفعلنا فتابت أمة الواحد، واستمعت إلى النصيحة التي وردت إليها من أخت مؤمنة تحب لها الخير وتحرص على سلامة دينها وسعادتها
في آخرتها.
لقد كانت المرأة المسلمة في تلك العصور تقف إلى جانب الْحَقِّ لا تتعداه وما دام الشارع الحكيم
"1
يوجب عليها أمراً من الأمور فهي تسمع له وتطيع غير ناظرة إلى إساءات الناس أو إحسانهم. 6 - أبو عثمان المزاتي عالم من كبار العلماء، ومؤمن من أصدق المؤمنين، كان يسكن قرية "دجي". هذه القرية التي تجثم على صدر جبل شامخ إلى الشمال من "تنزغت" و"غفسوف" وكان لأبي عثمان بنتان أحسن تربيتهما وتعليمهما، الكبرى منهما تُسَمَّى "منزو (1)، وكانت قبيلته تسكن إلى الجنوب عند بئرها المعروف اليوم بئر "مزاتة" فجاءه بعض أقربائه يخطب إليه "منزو" ولَمْ يظن أبو عثمان بهذه الفتاة اللطيفة الأدبية الصالحة عن أجلاف البادية فاستجاب له، وما تم العقد حتَّى نَهض الرجل ومر بجانب البيت الذي فيه العروس، وقد كثر فيه لغط النساء فص بصوته الغليظ الجافي قائلا: "إن كانت منزو بينكن فلا آذن لها أن تبقى". وقامت الفتاة المؤمنة الصالحة اللطيفة قبل أن تستكمل زينتها وسارت وراء هذا الزوج الجافي الغليظ الطبع، وكان راكبا جملا.
وسارت الفتاة، وطال بها المسير، حتّى حفيت قدماها وسالت منها الدماء، ولكنها مع ذلك لم تشك وَلَمْ تتبرم، فإذا نزل زوجها في مكان للمبيت أو للمقيل بادرته فوسدت له رداءها، ووطأت له مجلسه، ثُمَّ عالجت له طعامًا، فإذا قامت له بجميع شؤونه وقدمت له ما
(1) راجع السير، ص 206. (1/437)
صفحة 438
الإباضية في موكب التاريخ
436
الإباضية في ليبيا (2)
يحتاجه رجعت إلى نفسها وأدت حقوق ربها، ولم يزل هذا دأبه ودأبها حتى وصلا إلى
وطنهما، فبنى لها بيتًا بعيدة على الناس، فكانت تشبه أن تكون سجينة لا تزور ولا تزار. إنَّهَا لا ترى أحدا من خلق الله غير هذه الطلعة الكريهة الجافية، وكانت مع ذلك تبالغ في الإحسان ويبالغ في الإساءة، وذكرها المشايخ بعد طول غياب ذكرها العلامة أبو زكرياء يحي بن يونس السدراتي، فدعا أباها وجماعة من المشايخ إلى زيارتها. وسار المشايخ يقطعون ألوية الرمال ليزوروا أختا في الله وشاءت المصادفة أن يصلوا إليها وهي تصلح بيتها من الخارج متفضلة (1)، فكانت أوَّل كلمة وجهها إليها أبو زكرياء هذه التحية: "إني لأختار أن أجد جنازتك خارجة، ولا أراك خارج بيتك متفضلة"، واستتابها فسارعت إلى التوبة والاستغفار وَلَمْ تعتذر بأنها منفردة، وأنه لا يوجد في المنطقة غريب، وَأَنها تمر عليها الشهور ذوات العدد لا تسمع حسا ولا ترى شخصا؛ لم تقل شيئًا عن ذلك وَلَمْ تشك وَلَمْ تتبرم، لقد كتب عليها أن تتزوج هذا الرجل وله عليها حقوق، فعليها أن تصبر وأن تؤدي ما عليها من حق غير ناظرة إلى صاحبها أيستحق هذا التكريم أم لا يستحقه، ومكث القوم ثلاثا ثُمَّ قفلوا راجعين.
ولقد أثرت حالة "منزو" هذه عَلَى أبي عثمان، فكان يحس لها من الألم شيئا كثيرًا، وَلَكِنَّهُ لا يستطيع أن يفعل شيئا لها، واستفادت بنته الصغيرة "تكفا" نفسية أبيها بعد قصة من "مترو"، فكانت تلقى منه من العطف والتدليل فوق ما كانت تجده قبل ذلك، حَتَّى كانت تفضي إليه بأسرارها العاطفية وتحادثه عن زينتها، وما تخشاه من فسادها وه تزف إلى زوجها الحبيب في ليلة العرس، فكان يرفق بها ويساعدها ويستمع إليها في حنو بالغ. إن الذي يقرأ الحوادث السابقة قد يحسب أن مجهود المرأة الإباضية في ليبيا قد يقف بها عنصر الصبر والاحتمال والخضوع المطلق للزوج أو الأب أو الولي، وهو حسبان ليس له ظل من الصواب، فإن المرأة في تلك العصور، رغم أنها لم تزل حجابها، وَلَمْ تمتهن نفسها، ولَمْ تستعرض مفاتنها عَلَى العيون، ولم تنحدر بكرامتها إلى سوق المساومة، إنَّهَا رغم ذلك
(1) لابسة ثوب المنزل المبتذل. (1/438)
صفحة 439
الإباضية في موكب التاريخ
437
الإباضية في ليبيا (2)
كانت تشترك اشتراكا فعليا في أحداث الحياة، وكثيرًا ما وجهت سياسة الأمة من جهة إلى
جهة، ولَمْ ينقص كفاحها عن كفاح الرجال في جميع الميادين.
كانت أم يحيى (1) العالمة الفاضلة والمربية القديرة تسكن مدينة "أمسين" بين "جيطال" و"تيميجار"، وكانت ترى أن الفتاة لا تتم دراستها في المدارس التي يدرس بها الطلبة الذكور، ورأت أنها لو فتحت مدرسة خاصة بالفتاة لأتاحت للمرأة المسلمة فرصة الدراسة إلى آخر المراحل التعليمية، وما اقتنعت بهذه الفكرة حَتَّى شرعت في تنفيذها، وتأسست المدرسة الخاصة بالبنات، وفتح بها شبه ما يسمى اليوم بالأقسام الداخلية، فكانت الفتيات يقبلن عليها للتعلّم، وكانت البعيدات منهن يقمن في المدرسة، وهي تقدم لهن الأكل وتشرف على تربيتيهن، ولَمْ تكتف بهذا فقد كانت توجه الفتيات حسب استعدادهن وميولهن، فكانت تربي الجميع تربية إسلامية صالحة، وتوجههن في الحياة، فمنهن من تفتح لها أبواب العمل، ومنهن من تسهل لها
طريق تكوين أسرة، ومنهن من تحرص أن تستمر في دراستها حتّى تصل إلى درجة النبوغ. ولست أدري والله ما الذي صنعه علم النفس الحديث فوق ما صنعت هذه المرأة، ولا المآثر التي بلغتها المرأة، اليوم فوق ما فعلته امرأة الأمس دون أن تعلن عنها الجرائد وتتحدث عنها الإذاعات وتصفق لها الأكف .. إِنَّهَا كانت تعمل ساكنة صامتة وإن كانت نتائج عملها تظهر باهرة في أمثال شاكرة الزعرارية وأم زعرور وأضرابهما. ومن المؤسف أن تقف فتاة اليوم تلعن ماضيها المشرق؛ لأنها تنظر إليه بعين مغمضة، وتناقشه برأي مستورد، وتاريخ مزور، ولو أَنَّهَا ألقت عن نفسها هذا التبجح، وتنازلت عن قليل من الغرور المصطنع والتمست طريقها القويم بين الحقائق التي خلفتها لها جدتها، لوجدت في ذلك من الشرف والنبل والكفاح ما لم تبلغه هي في هذا العصر مع الأسباب الميسرة والوسائل المتاحة.
- كانت أم ماطوس (2) فتاة ذكية جرئية يسكن أهلها في المدينة المنبسطة فوق جبل "جار إصرا" شرق "كباو"، ودرست عَلَى علماء بلدها حَتَّى لم تجد عندهم جديدا، فرغبت في
1) هي زوجة أبي ميمون، وقد سبقت الإشارة إليها في هذا الفصل رقم (1).
(2) راجع السير، ص 317. (1/439)
صفحة 440
الإباضية في موكب التاريخ
438
الإباضية في ليبيا (2)
الالتحاق بمدرسة أبي مُحمَّد خصيب بن إبراهيم التمصمصي جنوب "طمزين"، وليس بالمدرسة قسم داخلي للبنات وبين المدرستين مسافة طويلة لا تقل عن أربعة أميال، وكان طبيعيًا أن تجد معارضة من أهلها لاسيما من أخيها الغيور، فهل يسمح لفتاة في عمر الزهور أن تقطع هذه المسافة الطويلة بين البلدين منفردة في كُلّ يوم، ولكنَّها صممت على بلوغ
الغاية، وتحدث الأهل والأقارب.
فكانت تأخذ أدوات الدراسة وتتسلح بمزراقها ثُمَّ تذهب إلى المدرسة فتحضر مجلس أبي محمد، وتستمع إلى دروسه، وتشترك في المناقشات وترجع إلى قريتها فتجد الناس قد آووا إلى مضاجعهم واستغرقوا في النوم العميق، فتشتغل في دروس الغد، وتحضر ما لديها من واجبات حَتَّى إذا اطمأنت إلى أنها قامت بواجبها أحسن قيام أوت إلى فراشها فأراحت ذلك الجسم المكدود، وَلَمْ تزل كذلك حَتَّى بلغت الغاية، وأصبحت من الأعلام التي لا يستغنى عن حضورها في مجلس من المجالس العلمية .. وكتب لها أن تزوجت في "مرساون " قرب تميجار" فكان المشايخ لا يعقدون مجلسًا إلا بحضورها، فتحضر المناقشات، وتستمع إلى آراء الأعلام وتنتقدها، وقد تسببت لها هذه الشهرة في مشاق وأتعاب، وكثيرا ما تكبدت أهوال السفر وهي حامل لتحضر المجامع التي تعقد في "جَنَّاوَن" أو "تندوزيغ" أو غيرها من الأماكن التي يختارها المشايخ للاجتماع.
أذكر أنني التقيت في الجامعة الأمريكية في بيروت بسيدة كانت فخورة جدا؛ لأنها كانت حسبما تقول أول فتاة عربية دخلت الجامعة، وكانت تعيد ذلك في كُلّ مجمع وَلِكُلّ مناسبة، فكنت أقول في نفسي: هذه فتاة ربيت في بيت مسيحي، وهي تعيش منذ خلقت سافرة، ولا تجد أي عنت في مجالسة الرجال في البيت والمقهى ولا بد أن يكون أتيح لها – قبل دخول الجامعة - أن تراقص عددًا من الشبان عَلَى الطريقة الغربية عَلَى الأقل في أعياد الميلاد، ميلادها أو المسيح، هذا إذا كانت أسرتها محافظة في بيروت وفي القرن العشرين، ومع ذلك تحسب أَنَّهَا كسبت مجدا؛ لأنها دخلت مدرسة للذكور منفردة. ضع إلى هذه الصورة الصورة الأخرى - صورة هذه الفتاة المسلمة التي تعيش بين أفراد أسرة مسلمة، محتفظة بالحجاب، لا تسمح لنفسها أو يسمح لها الناس أن تخالط الرجال غير (1/440)
صفحة 441
الإباضية في موكب التاريخ
439
الإباضية في ليبيا (2)
المحارم،
هذه الفتاة المسلمة بخلقها ودينها وحجابها استطاعت أن تقهر كل الظروف، فتحقق لنفسها أمنيتها الغالية وهي الالتحاق بجامعة أبي مُحمَّد خصيب وتدرس في هذه الجامعة رغم معارضة الأهل وتشددهم في هذه المعارضة، ورغم المسافة الطويلة التي لا تقل بحال عن أربعة أميال، ما مقدار بطولة فتاة العصر إلى أم ماطوس التي كانت تعيش في القرن الثالث الهجري؟ أضف إلى ذلك أين تلك الفتاة كافحت ذلك الكفاح العظيم من أجل العلم فقط، ولم يكن في حسابها شَيْء مِمَّا يزدحم به رأس الفتاة في هذا العصر، إنَّها لم تكن تدرس لتحصل على شهادة، ولا على زوج ولا عَلَى عمل ولا لتتيح لنفسها المتعة واللهو. اذكري تاريخك يا فتاة اليوم، وانظري إلى أعمال جدتك في الماضي، فستجدين فيه من العظمة ما يحقُّ لك أن تفخري به دون أن يمس شرفك أو تمتهن كرامتك، وليس صحيحا ما يلقيه في روعك دعاة الانحلال والتفسخ بأن ماضيك كان مظلمًا ومظلومًا فمنذ تشرفت خديجة بنت خويلد بالإسلام تغير حال المرأة، ووضعها في التاريخ و المجتمع، وقد أكرمها الإسلام أما وزوجة وبنتا وأختا.
وأهانها بغيا وداعرًا، وليس هذا الحكم قاصرًا عَلَى المرأة ولكنَّه حكم منطبق على الرجل أيضا، وكما تسلح الرجل بالإيمان والعلم، كذلك تسلحت المرأة بالإيمان والعلم، وما بلغنا من الله دين عن الرجال ليس أكثر كثيرًا ممَّا بلغنا عن النساء، وَلَمْ ينقص من علم عائشة أبدًا أَنَّهَا لم تكن سافرة، ومع الحجاب الشديد الذي كان يلفها فقد كانت من أعلم الناس، وعنها
أخذنا نصف ديننا.
وهذه الفتاة أم ماطوس التي تلتفع بثوبها ثُمَّ تجلس بجانب المجلس تستمع إلى الشيخ وتسائله، وتستجيب لنقاش الطلبة وترد عليهم، لم يمنعها ذلك الحجاب أن تتفوق على أكثر
زملائها، ولم يدعها علمها إلى أن تلقي عنها ثوب الحياء وترمي بفتنتها بين الناس. وليست أم ماطوس هي الفتاة الوحيدة التي انتهجت هذا المنهج العلمي وبلغت ما أرادت، وَإِنَّمَا سُقت قصتها لما فيها من عنت السير وبعد المسافة، وإلا فالعلم كان متاحا للجميع في
ذلك العصر. (1/441)
صفحة 442
الإباضية في موكب التاريخ
440
الإباضية في ليبيا (2)
9 - كان أبو حفص عمروس المساكني من فطاحل العلماء، وكانت أخته (1) النجيبة الذكية ترافقه في دراسته وتستمع إليه وتأخذ عنه، حَتَّى بلغت مبلغًا قل أن تصل إليه فتاة، وعندما كان يقوم بالدراسة أو التأليف كانت تقدم إليه من المساعدة ما هو في حاجة إليه، فتجمع له مادة التأليف، وتلخص له مواضيع البحث، وتعد له مناهج الدراسة، وتساعده في الكتابة،
فتملي عليه، أو تتلقى عنه الإملاء فتكتب، وهكذا وجد منها "سكرتيرة" ذكية وبارعة. وعندما ذهب إلى الحرب في وقعة "مانو" رافقته وقتل أخوها، وقتل أكثر الجيش، وأخذت أسيرة مع بعض زميلاتها فخافت الفساد، فقالت لزميلاتها أما وقد وقعنا أسيرات ولا قدرة لنا على الخلاص من أيدي هؤلاء الوحوش فلتستعف كُلّ واحدة منكن من يزوجها بمن يريد بها سوء. وهكذا حتَّى في أسوأ الأحوال ينجدها العلم والدين.
هذا نموذج يمثل جانبا من جوانب الفتاة في ذلك الحين، وفي تاريخ هذه الفتاة نماذج أخرى، لها من الروعة ما يبعث على الإعجاب.
10 - كان أبو مسور يصلتين يسكن "أدونَاط" هذه القرية التي تقع بين "تميجار" و"جيطال" في منتصف الجبل، متجهة إلى الغرب، وكان كما قال فيه أبو الربيع عظيم القدر
في الإسلام، علما وعملا وورعا، وكان الإمام في تاهرت يعتبره من المراجع العلمية الحية. نشأت في كنفه ورعايته بنته (2) الذكية النجيبة، ودرست عنه وعن غيره من العلماء ما أبلغها رتبة سامقة من العلم، وكانت بارعة في النقاش قوية الحجة، حاضرة البرهان. جاءت إلى أبيها يوما تسأله عن مسائل الحيض وتصف له بعض ما أصابها، فقال لها العالم الكبير: "ألا تستحين؟ " فقالت: "أخشى إن استحييت منك اليوم أن يمقتني الله القيامة"، يوم فألزمت الشيخ الحجة، وَلَمْ يَجد لها ردا، وأجابها عن أسئلتها. وتحدث جمع من المشايخ وكانت حاضرة تستمع إلى نقاشهم، فقال أبوها: "المسلمون أفضل من أقوالهم"، فقالت هي: "بل" أقوالهم أفضل، فإن المسلمين يذهبون ولكن أقوالهم تبقى؟
(1) راجع السير، ص 228.
(2) راجع السير، ص 231. (1/442)
صفحة 443
الإباضية في موكب التاريخ
441
الإباضية في ليبيا (2)
إلا أن تريد فضل الأجسام على الأعراض، وإلا فليس هناك شيء أفضل من العلم" .. وهكذا استطاعت أن تأخذ زمام المجلس وهي في سن المراهقة. وجلست ذات يوم إلى أبيها بعد أن فرغت من غسل ثيابها ونشرها تتحدث إليه حديث الطفلة المحبوبة إلى والد حنون، ونظر الأب إلى الثياب، فقالت: "أتمنى لو جعل الله تطهير قلبي إلى يدي فأغسله مثل الثياب وأبعثه إلى خالقه نظيفا، فقال الشيخ معجبا ببنته الذكية: "إنَّك أبلغ مني حتى في الأماني".
وتدللت عليه يوما فغاضته، فقال لها: "لأزوجنك بمن له عليك سبعون حقا"، وكم تفر هاربة كما قد تفعل بنات اليوم، ولكنها أجابته في ظرف وكياسة: "إذن أردهن إلى ثلاث: إن دعا أجبت وإن أمر امتثلت، وإن نهى اجتنبت".
هذا نموذج من فتاة الأمس، المتحجبة، فهل منعها الحجاب أن تصاول فطاحل العلماء
وتقارعهم بالحجة، وتفحمهم بالبرهان، وتتغلب عليهم بالأدب والبر والكياسة. لقد استعرضت عددًا من النماذج عن حياة الفتاة فما هي حياة المرأة الكبيرة؟ وما أثرها في المجتمع؟ وما سلوكها في البيت والأسرة؟.
11 - كان أبو يحيى الأدلي - رَحِمَهُ الله - من العلماء العاملين لم يتزوج حتى تقدم به العمر، ودخل ذات يوم إلى بستان من بساتينه يجمع العنب فمر به رجل نصراني يسكن البلدة، فدعاه ليأكل العنب وسر النصراني بالدعوة فجاء معه بأهله، وكان له بنات مظهرهن عن الجمال والأدب وكمال العقل، فأعجب بهن أبو يحيى، وحدثه في شأنهن، فقال النصراني: إن جاز في دينكم زوجتك إحداهن واختار أبو يحيى أم الخطاب (1)، وكانت أجملهن وأكملهن عقلا.
فَلَمَّا آوى إليها في الليل حدثها عن الإسلام، وشرح لها قواعده وأصوله، ثُمَّ خيرها بين الإسلام والرجوع إلى أهلها وكانت أعجبت بالرجل وبخلقه ودينه، وفهمت من الإسلام ما
(1 راجع السير، ص 247، 256. (1/443)
صفحة 444
الإباضية في موكب التاريخ
442
الإباضية في ليبيا (2)
لم تعرفه من قبل، وتذكرت أنها حتّى لو بقيت مسيحية فإن المسيحية لا يجوز لها أن تفارق
زوجها.
وهكذا شرح الله صدرها للإسلام، وجاءت أمها تزورها في الصباح فوجدتها مسلمة، فقالت
لها: "كنت أرغب أن لا تتركي دينك أبدًا، أما وقد فعلت فكوني من خيار أهل دينك الجديد". وبدأت هذه المرأة التي أسلمت حديثا في حفظ كتاب الله، فلم يمض عليها زمن طويل حَتَّى عرضت على زوجها سورة البقرة وآل عمران في حفظ جيد أعجب به أبو يحيى، وجدت في دراسة الإسلام ومعرفة أسراره حتّى أصبحت مرجعا من مراجعه، ومقصدا للعلماء الأعلام، يزورها أمثال أبي مهاصر وأبي زكرياء وأبي ميمون. وقد كانت تروض نفسها على أنواع من العبادة لا يقوى عليها إلا أصحاب العزائم من المؤمنين الصادقين، ومعبدها في "تغرمين" من أشهر المعابد في التاريخ، ولعل للاسم الذي اختارته له دلالة على اتجاهها في عبادة الله، فقد سمت ذلك المعبد "أغرم إيمان" ومعنى هذه الكلمة البريرية، كما فسرها العلامة الشماخي: قصر النفس في مجلس الذكر. وقد يناسب هذا المقام أن ننقل قصة أخرى تمثل كفاح المرأة من أجل العلم والحق، صورة واضحة لما تكون عليه المسلمة حين تكون طالبة، وحين تكون زوجة.
-
وعبادة
الله
12 - كان أبو محمد التغرميني يعيش عيشة العلماء الزاهدين، لا يحفل بالدنيا ولا بما فيها من متاع، فكان يقضى وقته بين مذاكرة العلماء وزيارة الإخوان والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحل المشاكل التي تنجم بين الناس، فكان لا يجد فراغا من الوقت لغير هذه الأعمال. زار ذات يوم أم يحيى في "أمسين" وحدثها عن نفسه وعن عمله، فلم ترض له حياة العزوبية الطويلة، وذكرته أن الإسلام لا يدعو إلى الرهبنة، واقتنع برأي الناصحة الأمينة واستشارها في أمره.
قالت المربية الكبيرة للشيخ: بين طالباتي فتاة (1) نشأت في "جيطال" بين أسرة فقيرة، وفي سنة من سنوات القحط والجفاف ارتحل أهلها طلبا للمرعى والتحقت الفتاة بالمدرسة وأقامت بين
(1) راجع السير، ص 249. (1/444)
صفحة 445
الإباضية في موكب التاريخ
443
الإباضية في ليبيا (2)
الطالبات المقيمات التي تشرف المدرسة عَلَى جَمِيع شوؤنهن من التعليم والتربية، إلى النفقة و الإقامة والكسوة، وهي إلى ذكائها وأدبها وجدها في الدراسة وتفوقها على أكثر الزميلات ذات
جمال؛ فرغب من العالمة أن تتيح له التعرف على هذه الفتاة التي قد يقدر فتكون له زوجة. ورحبت المربية العارفة بأحكام دين الله وما يعطيه من الحقوق للناس فدخلت وأمرت الطالبة أن تأتي لها بجرة ماء من صهريج بجانب المدرسة. وذهبت الفتاة إلى الصهريج تحمل جرتين إحداهما لها، والثانية لمدرستها، فما شرعت في الاستسقاء حتّى وقف إلى جانبها رجل يرسل إليها تحية الإسلام ويطلب إليها أن تملأ له جرة كانت في يده، فردت عليه السلام، وَلَمْ تضطرب لهذا الطلب من رجل غريب، واستمرت كأن
شيئا لم يحدث، فملأت جرة أستاذتها أَوَّلا، ثُمَّ ملأت جرة نفسها، ثُمَّ أخذت جرة الغريب. وأعجب أبو مُحمَّد بهذا الخلق، وهذه الرزانة، وهذا الثبات وقال لها: "هل الله مزرعة يا جارية؟ " فقالت: "نعم". فقال: وهل" له من يحرثها؟ قالت: "نعم"، وقال: "وهل له من يحصد ذلك الحرث؟ " قالت: "نعم" قال: "وهل له مخازن؟ " قالت: "نعم! " ثُمَّ شرعت تشرح له جوابها في فصاحة وبيان قالت المزرعة الدنيا، والحراثون الناس، والحاصد الموت والمخازن الجنة والنار.
وعلم أبو مُحمَّد أَنه عثر عَلَى درة نادرة المثال، وأن أم يحيى لم تأله نصحا، وأن هذه الفتاة قد جمعت بين الجمال وكمال العقل، والأدب والعلم والذكاء والثبات، وهي صفات قلما تجتمع في شخص واحد.
وذهب أبو محمد عمّ الفتاة يخطبها، ولكن أقارب الفتاة مانعوا في أن تتزوج فتاتهم بعيداً عنهم في "تاغرمين" ولهم في بني عمها فتيان أكفاء، وَلَمَّا رجعوا إليها أخبرتهم أنها لن تتزوج إلا من يرضى عنه عمها، وكان عمها عرف ميولها إلى أبي مُحمَّد وإعجابها به فرقف إلى جانبها وأصر أن لا يفرضوا عليها زواج من يُحبون، هم، ولكنها يجب أن تتزوج من تحب، وانتصرت على تعنت الأهل والأقارب وتزوجت أبا محمد التغرميني، وعاشت مع هذا الزوج الحبيب حياة مليئة بالسعادة والحب والفهم المشترك، وكان من خلقهما أنهما ما نزلا عن (1/445)
صفحة 446
الإباضية في موكب التاريخ
444
الإباضية في ليبيا (2)
فراشهما قط إلا وتحاللا، حتّى لا يبقى على أحدهما من حقوق الزوجية شيء، إنه أدب سام تجلى به أولئك المؤمنون والمؤمنات الذين يعرفون قداسة الحقوق.
ظفر أبو محمد فيها بزوجة محبة، وزميلة عالمة ومربية قديرة وسيدة بيت من الطراز
الأول، فوثق بها وألقى بين يديها كُلّ مشاكل البيت والأسرة، فكان لا يعرف منها شيئًا. فَلَمَّا خطب أبو زكرياء إلى أبي محمد فتاته الحبيبة وطلب إليه أن يجهزها للعرس احتار في أمره وصار يدخل ويخرج دون أن يعرف ما يصنع وتولت الزوجة الحازمة إعداد ما يلزم، فكلما أحضرت شيئًا سألها: "أهذا لنا! " فتجيبه: "نعم"، فيدعو لها وتطمئن نفسه، حتَّى أتمت تجهيز العروس وزفت إلى بيت الزوجية وهي راضية مستبشرة. هذه الشخصية القوية التي كانت لأم زعرور زوجة أبي مُحمَّد، ومع ثقته الكاملة فيها ومع كانت لا تعمل شيئًا دون إذنه واستشارته.
زارتها المؤمنة الصالحة أم زيد فأفاضت عليها من علمها وخلقها ودينها، ولما أرادت الرجوع طلبت إليها أن تشيعها وأن تفيدها مقابل ذلك ثلاث فوائد، وقبل أن تستجيب أم زعرور لمطلب ضيفتها، ذهبت تستأذن زوجها، وأذن للزوج بل حضها على ذلك فقال لها: شيعيها ولو مت في الطريق ودفنت في "ادبيرن" و"ادبيرن" موضع في طريق وفيه مصلى لأبي مُحمَّد، وَلَمَّا كانت بالطريق قالت أم زيد لأم زعرور: "من شيع أخاه في الله كتبت له بكُلِّ
خطوة حسنة، ومحيت عنه سيئة، ولا ينبغي للمسلم أن يبقى بغير صديق يفشي ويشركه في همومه، فإن لم يجده الرجل في الرجال اتخذه في النساء، والمرأة بالعكس، وإذا اتفق رجلان على نكاح فتاة ثُمَّ رجع الخاطب أو المخطوب إليه من غير سبب بعد ما فشا أمرهما،
فلا يلقى خيرا، ولا يجد بركة".
هذه امرأة لم يُعقها الفقر عن الدراسة، ولَمْ يعقها استبداد الأهل عن الحصول عَلَى الْحَقِّ الذي خوله لها الدين، وهو اختيار الزوج الكفء المثالي، وهذا لعمري كفاح لو قامت ببعضه إحدى بنات اليوم لملأت الصحافة والإذاعة تبجحا ودعوى ولكن المرأة في ذلك الحين كانت تعمل كما يعمل الرجل، يستهدفان الحق، ويعملان للمصلحة ويقومان بالواجب المقدس نحو
النفس أو نحو الأمة. (1/446)
صفحة 447
الإباضية في موكب التاريخ
445
الإباضية في ليبيا (2)
وَلَعَلّ في القصة الآتية دليلا على إخلاص المرأة لرسالتها المقدسة، رسالة خدمة المجتمع الإسلامي بنشر العلم والثقافة والخلق القويم. 13 - كانت أم الربيع الوريورية (1) عالمة فاضلة، وكان الله قد أنعم عليها بثروة طائلة. ومال وفير، وكانت إلى هذا المال وهذا العلم طيبة القلب، سخية الكف، حية الضمير، تشكر نعمة الله بالإنفاق منها، وتصلح المجتمع بإنشاء المشاريع النافعة، وكان المشايخ يستطيبون الإقامة عندها والاجتماع لديها للمشاورات والمناقشات العلمية والدراسات الاجتماعية، وقد يطليون الإقامة، فكانت تنفق عليهم في مدرستها العامرة التي يتولى الإشراف عليها أبو محمد بن سنتين ويقوم بالتدريس، والإرشاد فيها وينقطع إلى عبادة الله مع الأخيار بين عرصاتها وسواريها، وكثيرًا ما لجأوا إليها للنصيحة فأنارت أمامهم السبيل وأرتهم طريق الهدى والخير. والمتحدث عن المرأة الإباضيَّة في ليبيا لا يستطيع أن يمضي دون أن يذكر تلك العجائز التي يطلق عَلَى كُلّ واحدة منهن جدة المشايخ، وَلَعَلّ من الخير أن أذكر في أواخر هذا الفصل الذي عقدته للحديث عن المرأة بعض تلك العجائز.
-
14 - "نَانًا مَارَن (2) نانا كلمة بربرية معناها الجدة ومارن هو العلم الذي أطلق على هذه العجوز التي نريد أن نشير إلى حادثة تاريخية كان لها فيها الموقف الحازم الذي يحق للمرأة أن تفتخر به. عاشت نَانًا مارن في قرية الْجَمَّارَى، هذه القرية الجميلة التي تقع على الضفة الغربية لوادي الزرقاء الجميل، إلى الجنوب من "ندباس" بمسافة قصيرة، ودرست على العلماء الأعلام هناك و بلغت مرتبة قل أن تبلغها امرأة، واشتهرت بين الناس بالعلم والصلاح والرأي السديد، ولا يزال مسجدها إلى اليوم مشرفا فوق ربوة عالية يصارع ويطاول التاريخ.
وفي مدينة "جَنَّاوَنَ" التي لا تبعد عن الْجَمَّارَى بمقدار خمسة أميال كان يعيش أبو
عبيدة عبد الحميد الجناوني.
1) راجع السير، ص 310.
(راجع السير، ص 310. (1/447)
صفحة 448
الإباضية في موكب التاريخ
446
الإباضية في ليبيا (2)
سبع
وكان الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن يعرف ليبيا ويعرف رجالها فقد بقى سنوات، وأراد أن يختار واليا على ليبيا فوقع اختياره عَلَى أبي عُبيدة الجناوني، وعزز هذا الاختيار اتفاق المشايخ عليه.
ولكن أبو عبيدة رفض هذا المنصب الذي يُلقى عليه، وألح عليه الإمام وألح عليه المشايخ ولكن دون جدوى، وطالت المحاولة وشغلت فكر أبي عبيدة وأخيراً وجد الحل، قال للمشايخ الذين كانوا مجتمعين عنده يبذلون محاولة أخيرة لإقناعه إنَّه سيستشير، وغدا يسمعون الكلمة القاطعة، ونظر المشايخ بعضهم إلى بعض علهم يعرفون هذا الرجل الذي يركن أبو عبيدة إليه أكثر مما استمع إلى هؤلاء الأعلام وإلى رجاء الإمام.
ونظر الشيخ بعد صلاة العصر يصعد جبلا شامخا إلى جهة الغرب حتّى بلغ القمة، فظهرت له ربوة مرتفعة نتأ عليها مسجد يشرف على مناظر الزرقاء الساحرة، وقصد المسجد وكانت نانا مارن بجوار المحراب تناجي ربها، فسلم أبو عبيدة وجلس وأفضى إليها بذات نفسه، وحدثها عن مشكلته، واستمعت إليه كما تسمع الأم الحازمة إلى مطالب الولد المدلل، ثم قالت له: "إن تقدمت وأنت تعلم أنه يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار، وإن تأخرت وأنت تعلم أنه لا يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار"، وفكر الرجل الكبير واستعرض الرجال واحدا واحدا ثُمَّ رفع إليها رأسه وقال في احترام عظيم: "أما في الرجال فلا"، ورجع إلى "جناون" واجتمع في اليوم بالمشايخ وأعلن لَهُم قبوله لذلك المنصب فقال أحدهم: "هيا بنا نزور وقاية هي خير من عمائمنا". وكان لهذا الموقف الحازم من الجدة أثر في تاريخ بنيها لا يزال إلى اليوم يذكر بالفخر والاعتزاز، إن المرأة في ذلك الحين كانت واعية، وكانت عارفة بمجرى الأحداث والتيارات السياسية المعارضة، وكانت تعمل على توجيه الأمة الوجهة الصالحة دون أن تملأ المجالس بالثرثرة، وتشغل الأسماع بالخطب الرنانة، وتقارع الأحزاب على المنابر لتظهر براعتها في الحذاقة لا في نصر المبدأ. وجدير بي في هذا الفصل أن أذكر أمثلة من وصايا العجائز لتكون عبرة وموعظة لهذه
الأجيال. (1/448)
صفحة 449
الإباضية في موكب التاريخ
447
الإباضية في ليبيا (2)
15 - "نانا تابر كانت السدراتية (1) أعظم امرأة عاشت في تلك العصور الطافحة بالإيمان والعلم والخير، وقد اشتهرت بين العلماء بشهرة لم يبلغ إليها أحد في زمانها، وإذا أطلق لفظ العجوز أو لفظ الجدة أو لفظ جدة المشايخ في كتب الفقة وكتب السيرة، فالمعنى بذلك أَنهَا
العالمة الفاضلة الصالحة.
زارها جمع من العزابة فقالوا لها: أوصنا يا عجوز؟ " فقالت: "وكيف أوصيكم وأن الرجال، منكم الرسل والأنبياء، ومنكم الأمراء والوزراء، ومنكم المؤذنون والأئمة"، قالوا: "لا بُدَّ من ذلك فإن الذكرى تنفع المؤمنين"، قالت: إياكم" وكثرة الكلام لئلا تكذبوا، وإياكم وكثرة الأيمان لئلا تحنثوا، وإياكم وكثرة الإدلال لئلا تسرقوا، وإياكم والتهمة لئلا تظلموا". قالت: زيارتكم طلب حوائجكم، ومصافحتكم، مقارعة، وأكلكم أكل النهماء، ومشيكم مشي المرضى، ونومكم نوم الموتى". قالوا: زيدينا قالت شر الصدور صدر لا رأفة فيه، وشر الأقدام قدم لا تزور في وشر البيوت بيت لا يدخله المسلمون وشر المال مال لا ينفق منه". ثُمَّ ترجمت لَهُم إلى اللغة البريرية قول بعض الحكماء: "نقّ العمل فإن الناقد بصير، جدد
الله
السفينة فإن البحر عميق، كثر الزاد فإن السفر بعيد، خفف الحمل فإن العقبة كؤود". أعتقد أن هذه الأسطر كافية للدلالة عَلَى مركز هذه المرأة العظيمة، واتساع علمها، و دراستها، ومعرفتها لأسرار الشريعة، وأسرار النفوس. وإنه لمن المناسب أن أنقل في هذا المقام تلك الوصية الغالية التي بعثتها نفوسية إلى زميلة لها في تاهرت فقالت لها: "لا يأكل خير ما في بيتك غير زوجك، ولا تكشفي رأسك في بيت غيرك ولو كان صاحبه في العراق، ولا تجعلي مدراك في أندر غيرك" أرادت بذلك أن لا تبدأ في إشاعة الأخبار قبل أن يتناقلها الناس. وفي الوصية الأخيرة عبرة يجب أن تفكر فيها فتاة اليوم، وذلك ما طبعت عليه المرأة من كثرة الحديث ونقل الشائعات من مكان إلى مكان.
1) راجع السير، ص 295، وادرس عنها في المعلقات في أخبار وروايات أهل الدعوة، واللقط لأبي عامر وغيرها. (1/449)
صفحة 450
الإباضية في موكب التاريخ
448
الإباضية في ليبيا (2)
هذه لقطات أخذتها حسب الصدفة من حياة المرأة الإباضية في ليبيا، وَلَمْ أقصد من التقاط هذه الصور إلى كتابة قصص، أو استهواء القراء الكرام بجمال الخيال، ليستطيع كُلّ مشتغل بالقصة أن يجد مادة خصبة في حياة المرأة وكفاحها الطويل في سبيل الْحَقِّ، ولو فعل الأمد المكتبة الإسلامية العامرة بثروة رائعة من قصص الواقع. أما أنا في هذا الكتاب فإنني أحاول أن أصور للقارئ الكريم حياة هذا القسم من الأمة العظيمة، وأن أطلعه بقدر الإمكان على سيرة أهل الْمَذهَب الذين عاشوا في هذا الجانب من الوطن الكريم، وطبيعي أن حياة الأمة وتاريخها لا يتمثل في مظهر دولة لا تحكم بكتاب الله، ولا يستمد من أعمال قواد جيوش يفرحون بما لديهم من قوة فلا يفرقون بين
الْحَقِّ والباطل، ولا في ترف عند قليل من أصحاب الثروة والمال الذين لا يزنون القـ الإسلامية إلا بالذهب.
ولكن تاريخ الأمة يتمثل في سلوك الفرد العادي، في عمل المدرس والفلاح والعامل والتاجر أولئك الذين يقدمون على أعمالهم بوحي من ضمائرهم، وبضرورة مصالحهم ومصالح أسرهم ومصالح أمتهم، لا في أعمال الذين تأتي إليهم الأوامر فينفذونها كأنهم
آلات صماء.
إن تاريخ الأمة الإباضية يتمثل في الكلمة الحرة، والفكرة الحرة، والحركة الحرة في البيئة الحرة، لم يقلها صاحبها وآلات التسجيل تنتظر ما يقول، ولم يعملها وآلات التصوير تواجهه من كل ناحية، ولَمْ ينمقها ليكسب بها مزيدا من الأصوات، وَلَمْ يزينها في المعارض أو في المتاحف. أيُّهَا القارئ الكريم إلى بعض الفصول السابقة فستجد صورًا دون رتوش
وارجع معي
تمثل لك حقيقة الحياة، وحقيقة التاريخ في بساطته وواقعيته.
هذه فتاة متعلمة تناقش أباها في دلال وبراعة وهذه بنت في أوائل البلوغ تزف إلى بيت الزوجية في فصل شتوي ممطر فتخشى على زينتها، وتشكو حالها إلى أبيها المحب وترجوه مساعدتها، وهذه امرأة كتب عليه القدر أن تتزوج من أجلاف البادية، فتتبعه حافية القدمين، وتصبر على فظاظة الزوج الخشن، وقساوة الصحراء رغم رقتها ولطفها (1/450)
صفحة 451
الإباضية في موكب التاريخ
449
الإباضية في ليبيا (2)
(2)
منه
وثقافتها، وهذه امرأة مؤمنة ترى رجلا يتقدم إلى الصلاة بالناس وفيهم من هو أولى فيرتفع صوتها من ركن النساء تنهاه عن التقدم، كما كان يرتفع صوت أم المؤمنين آمرة بمعروف أو ناهية عن منكر، وهذه عجوز قد درست العلم واختبرت الحياة، وعرفت حلو الزمان ومره، تلقي بالنصائح الغالية إلى أبنائها وهذا عالم من العلماء يدعو إليه جماعة من زملائه، وينتقل من بلد إلى بلد ليحل مشكل فتاة أعرضت عن الزواج، وهذا خلاف ينشب بين أخ غيور وأخت تحب أن تستكمل دراستها وهذه امرأة تهمها قضية المرأة في ذلك التاريخ، فتنشئ مدرسة خاصة بالبنات وتنشئ فيها قسما لسكنى الغريبات منهن، وهذا جمع من أعلام الفكر يعقدون مجلسًا لشأن من شوؤن الدولة، فلا يوفقون حتى تعرض قضيتهم عَلَى امرأة فتجد لَهُم الحل ... إلى آلاف من الصور التي تمثل الحياة الطبيعية
بما فيها من واقعية.
وهي
تقوم
لقد حاولت أن أضع بين يديك صورًا من التاريخ الحقيقي، كما تجري به الحياة، بعيدًا عن ضوضاء السلطان، وطغيان المال، وبما أن الأمة تتكون من العنصرين الأساسين: الرجل والمرأة؛ فقد حاولت أن أجلو لك صورًا من حياة كُلّ منهما، ولست أدرى هل استطعت أن أقدم إليك المادة الحقيقية لحياة المرأة الإباضية في ليبيا، حياتها برسالة الأمومة كأحسن ما تقوم بها أم وتعمل بدين الله كأحسن ما تعمل مؤمنة، وتطلب العلم كأحسن ما يطلب العلم وتثبت حقها الطبيعي في اختيار الزوج بإصرار، وتشترك في مجالس العلم وندوات الاجتماع بأوفر نصيب، وتقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقوم مسلمة غيورة على دين الله .. أم أن قلمي الضعيف ترنح أن يتمّ هذه الصورة التي أردت أن أضعها بين عينيك.
ہے (1/451)
صفحة 452
الإباضية في موكب التاريخ
450
الإباضية في ليبيا (2)
مقارنات
في هذا الفصل أريد أن أضع بين يديك أيها القارئ الكريم أحداثًا تاريخية وقعت في مختلفة من تاريخ الإباضية في ليبيا، وكانت حين وقوعها أموراً طبيعية لا تثير عصور الاهتمام ولا تبعث على الإعجاب.
فَلَمَّا
وقعت أشباهها في هذه العصور اعتبرت بعض تلك المواقف بطولات واعتبرت تلك الأحداث أوائل تاريخية تكسب المجد العظيم.
1 - الاكتفاء الذاتي:
اعتبر غاندى من أبطال التاريخ في كفاحه السلبي للاستعمار الإنجليزي؛ وذلك لأنَّه اقتصر في غذائه على نتاج الهند، ودعا مواطنيه إلى الاقتداء به، حتّى لا يجد المستعمرون في الهند سوقا رائجة يشحنون إليها بضائعهم، ويتخذون ذلك ذريعة للسيطرة عليه، وهو موقف عظيم قدره له التاريخ، ولكن التاريخ حين يشيد ببطولة غاندي ينسى بطلا آخرا سبق غاندي إلى هذه الفكرة بعشرة قرون، لقد كان العلامة الكبير أبو الليث الجناوني يقتصر في غذائه على حليب بقرة يرعاها أو ترعاها زوجه في أراضي "جَنَّاوَن" الخصبة، وكان يقتصر في كسائه على ما تنتجه أيدي الجناونيات من أنسجة الصوف المتينة، وكان يدعو إلى الاقتصار على الإنتاج المحلي، حَتَّى لا تتسرب البضائع المسترابة إلى البلاد، وحتى لا يجد الظالمون وسيلة لدخولها، وكان هذا الرجل في مقام من التعظيم والاحترام لم يصل إليه أحد، فإذا تكلم أنصت العلماء، وطأطأ الحكام، رؤوسهم، إنَّه لا يقل عن غاندي في عظمة التفكير، ويزيد عليه بكرامة الإسلام، وَكُلُّ ما ينقصه إِنَّما هو وسائل النشر
والدعاية والإتصال.
2 الثورة البيضاء:
ثار الضباط الأحرار في مصر، وخلعوا الملك فاروق من العرش، وطوحوا به إلى المنفى، وحرروا الشعب المصري من ظلم طويل، وهذا عمل عظيم والتاريخ اليوم يشيد بهذه (1/452)
صفحة 453
الإباضية في موكب التاريخ
451
الإباضية في ليبيا (2)
البطولة التي تقلب نظام الحكم، وتعزل ملكا دون أن تريق قطرة دم، ولكن التاريخ الذي
يشيد اليوم بهذا العمل المجيد يَمُرّ مرا سريعًا بحادث يقع في ليبيا منذ اثني عشر قرنا. كان يحكم ليبيا تحت ظل الخلافة العباسية حكام لا يقلون عن فاروق ظلما واستبدادا وبعدا عن أحكام الإسلام في ذلك العهد القريب من مطلع الإسلام، وكانت الأمة تتألم في صمت تحت ذلك الحكم المستبد. وتداعى جمع من المؤمنين الأحرار وقرروا الإطاحة بالظالمين، فاحتلوا المدينة طرابلس واستولوا على مركز الحكم، دون أن يريقوا قطرة واحدة من الدم، ثُمَّ دعوا إليهم الحاكم العباسي وخيروه بين البقاء بينهم فردا عاديا من أفراد الأمة أو الخروج من ليبيا آمنا موفورا، وَكُلُّ ما هنالك من فرق بين الثورة البيضاء التي قام بها مؤمنون أحرار في مطلع الثورة البيضاء والتي قام بها ضباط أحرار في هذا العصر أن الأولى قامت بتدبير نفر عاديين ما لَهم من قوة إِنَّمَا هو محبة الأمة وتأييدها، وأن الثانية حين قامت كانت تعتمد على سلطة الجيش وقوته التي أسكتت المعارضة قبل استعمال السلاح.
كل
من قضايا المرأة:
تحتل المرأة في العصر الحاضر مكانا مرموقا من تفكير الإنسان، وقد دأبت الصحافة والإذاعة على تمجيد نفر من الفتيات استطعن أن يثبتن قوة شخصيتهن وصلابة إرادتمن حين التحقن ببعض الجامعات لإتمام دراستهن رغم معارضة أهلهن، وانتقاد البيئة لمسلكهن، وكم صدرت صحيفة تشيد بفلانة أو فلانة التي حطمت التقاليد، وكانت أول فتاة دخلت كلية كذا أو جامعة كذا، والتاريخ حين يشغل نفسه بهذه الأحداث في العصر الحاضر، يمر مرا سريعا عَلَى أحداث أخرى قبل عشرة قرون، حطمت فيها الفتاة الليبية قيود التقاليد، واشتركت في الدراسة إلى جنب زميلها تشاركه في المناقشة وقد تفوقه ذكاء وجدا ومثابرة.
في مدينة منبسطة على جبل "جَار إصرا" كانت تُسَمَّى الفتاة الذكية عافية التي سميت فيما بعد أم ماطوس"، درست هذه الفتاة في مدارس مدينتها وعن مشايخها حَتَّى لم تجد (1/453)
صفحة 454
الإباضية في موكب التاريخ
452
الإباضية في ليبيا (2)
ما تستفيده، فرغبت أن تلتحق بالمدرسة الكبرى التي يديرها المربي الكبير العلامة عندهم أبو محمد بن إبراهيم في "تمصمص". والمسافة بين المدينتين بعيدة لا تقل عن أربعة أميال وفي المدرسة قسم داخلي ولكن
للذكور فقط، فماذا تعمل هذه الفتاة لنلتحق بذلك المعهد فتتم دراستها وتبلغ غايتها؟ عرضت أمرها على أهلها، فعارضوها، وَلَمَّا ألحت في الطلب ثار ثائرهم، وقرروا أن يمنعوها حتى بالقوة، وكيف يسمحون لفتاة في عمر الزهور أن تقطع يوميا مسافة لا تقل عن أربعة أميال منفردة، وكان أصلب الجميع في الموضوع أخوها الغيور، وتطوع أن يحبسها وأن يقوم بوظيفة السجان، ولكن جميع هذه الوسائل العنيفة لم تستطع أن تصد الفتاة عما رغبت فيه والتحقت بالمدرسة، ودرست فيها حَتَّى تخرجت منها، وكانت فيما بعد مرجعا من مراجع العلم والتقوى، وقل أن يعقد مجلس علمي لا تدعى إليه. وكان رأيها في مقدمة الآراء، وكثيرا ما اضطرت إلى قطع مسافات طويلة لحضور اجتماعات وهي حامل أو مرضع.
ليست أم ماطوس الفتاة الوحيدة التي درست فبلغت هذه المرتبة السامقة من العلم .. إن الفتيات بلغن مثل هذا المكان المرموق لا يبلغهن العد، ولكن أم ماطوس من أولئك القلائل اللائي لم يبالين نقد البيئة، ومعارضة الأهل لبلوغ الغاية العظمية، وقد فعل فعل أم ماطوس عدد من الفتيات، ومن بينهن من تحضر مجلس العلم بين الشباب فتدير على نفسها حصيرة ثُمَّ تشترك في الدرس اشتراكا حيا واعيا وهي بين الطلاب. على أن هذه الفتاة التي حطمت التقاليد وأغضبت الأهل، وحضرت مجالس العلم، أوَّلاً تسلك سلوكها هذا تحت مراعاة مربين قدراء أمثال أبي مُحمَّد خصيب، ثُمَّ كانت تحافظ على سترتها ولباسها وحشمتها، ثُمَّ كانت لا تفتح المجال للاختلاط الحر، ولا تشترك في نقاش أو حديث مع أحد إلا في قاعة الدرس.
كانت
وهناك فرق كبير بين أن يفتح المجال للفتاة كي تستمر في الدراسة حَتَّى تبلغ غايتها تحت رقابة الدين والخلق وحسن التربية ومثالية السلوك، وبين الدعوة التي ينعق بها اليوم (1/454)
صفحة 455
الإباضية في موكب التاريخ
453
الإباضية في ليبيا (2)
كثير من الناس إلى اشتراك الفتى والفتاة في تجربة فرص الحياة بما تحمله كلمة التجربة من
معان، ويدعون إلى أن تبدأ هذه التجربة من المدرسة.
4 - من قضايا المرأة أيضا:
إن مشكلة تعليم المرأة من أهم المشاكل في العصور الأخيرة، وقد تضاربت فيها الآراء واختلفت وجهات النظر، وكان بعض المفكرين يرون أن الفتاة يجب أن تدرس بجانب الفتى ابتداء من روضة الأطفال إلى نهاية المراحل الدراسية، ويرى مفكرون آخرون أن الفتاة يجب أن تستقل بمدرستها ومنهجها وأسلوب تربيتها في جميع مراحل التعليم، ويتخذ آخرون مواقف متأرجحة بين الموقفين السابقين، وأنا في هذا الفصل لا أريد أن أعلن عن رأي خاص في الموضوع، وَإِنَّمَا أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم رأيا أعلنته ثُمَّ نفذته، وقد اتفق عليه أعلام يحسب لَهُم حساب في مجال التربية والتعليم، وذلك
قبل عشرة قرون.
اهتمت أم يحيى في ذلك العصر بقضية تعليم المرأة، وكانت درست على كثير من فحول العلماء، منهم زوجها أبو ميمون ولكنها رأت ما تلاقيه الفتاة من المشقة والتعب في الدراسة ممَّا يضطر الكثير منهن إلى الانقطاع، ولذلك فقد قررت أن تنشئ مدرسة خاصة بالبنات وأنشأت هذه المدرسة فعلا في مدينة "أمسين" وجعلت فيها أقساما داخلية تأوي إليه الطالبات الوافدات من بعيد، وَلَمْ تكتف بهذا بل كانت توجههن توجيها اجتماعيا واعيا، ففي الحين الذي تشجع البعض منهن على الاستمرار في الدراسة والتبحر في العلم، كانت تشير على أخريات بالدخول في معترك الحياة بتكوين أسرة، أو ترشدهن الأعمال النسوية المعروفة في ذلك الحين، ولكنها غالبا ما تمسك الفتاة في مدرستها حتّى تطمئن إلى أنها فهمت واجباتها الدينية والاجتماعية، وتم فيها البناء الخلقي، واكتمل لديها مقومات المرأة الفاضلة.
إلى
بعض
ذلك ما فعلته المرأة المسلمة منذ عشرات السنين وهذا ما نقتبسه اليوم من علماء النفس والتربية في الغرب، حاسبين أنهم سبقونا إليه، وأن لَهُم الفضل علينا في ذلك، ولو (1/455)
صفحة 456
الإباضية في موكب التاريخ
454
الإباضية في ليبيا (2)
رجع المسلمون إلى تاريخ أمتهم وراجعوا ماضيها البعيد والقريب، لوجدوا فيه ثروة
صالحة لأن تكون أساسا لما وصلته حضارة الإنسان في القرن العشرين. -5 - تكوين الجمعيات العلمية:
إنَّه لمن دواعي الشرف لي أن أبدأ الحديث عن هذه النقطة بكلمة للإمام العلامة أبي إسحاق اطفيش، أمد الله في عمره، وأبقاه ذخرا للإسلام، قال في مقدمته "كتاب الوضع"
(صفحة 9)
11
وَلَمْ" يَمُرّ عصر منذ القرن الثاني للهجرة إلا وتحد من مؤلفات علمائه ما يبهر العقول، فبين أيدينا اليوم ما يَدُلُّ عَلَى تلك الذخائر الهائلة، كديوان الأشياخ الذي ألفه سبعة من العلماء في خمسة وعشرين جزءاً، وديوان العزابة الذي ألفه عشرة من الفقهاء، وَكُلّ منهما يعتبر دائرة معارف فقهية، وناهيك بتأليف اجتمع على تحريره هذا العدد
الأجلاء".
من
العلماء
إن تكوين الجمعيات العلمية وتأليف الموسوعات تعتبر ظاهرة عصرية، ويحسب كثير من الناس أنها نشأت في الغرب، وسواء صح هذا الحسبان أو لم يصح فإن المسلم في ليبيا يستطيع أن يرجع إلى أسلافه الأماجد ليجد فيهم أولئك القوم الذين يسبقون إلى كُلّ فضيلة، ومن الفضائل تكوين الجمعيات العلمية لتأليف الموسوعات، ولست أجزم بأن الجمعية التي ألفت الديوان هي أولى الجمعيات العلمية في الشرق الإسلامي، ولكنني لا أعرف جمعية أخرى سبقتها.
ولذلك فلو طلبت أن أتحدث عن أول جمعية تأسست لتأليف موسوعة علمية فإني سوف أقرر أَنَّهَا جَمعية الديوان التي تتكون من هؤلاء العلماء: أبو عمران موسى، وأبو عمرو النميلي، وعبد بن مانوج، وأبو زكريا يحيى بن جَرناز، وجابر بن سدر مام وکباب بن مصلح، وأبو مُخبر توزين.
الله (1/456)
صفحة 457
الإباضية في موكب التاريخ
455
الإباضية في ليبيا (2)
وبعد أن ألف هؤلاء العلماء موسوعتهم الفقيهة انتشر تكوين الجمعيات العلمية في مختلف فنون الثقافة، كَأَنَّمَا كان الباب مغلقا ففتحه أولئك الأعلام، ثُم اندفع إليه الداخلون من بعدهم.
أن
والذي أريد أن أعرضه عَلَى القارئ الكريم في هذا الفصل هو أن يعرف الليبي أسلافه الكرام قد سبقوا العالم إلى هذا النضج الفكري، وفي هذا الحين الذي يتحدث التاريخ عن هذه الظاهرة الفكرية في الغرب بكُلِّ إجلال واحترام، نراه يمر بأمجادنا مرا
سريعا؛ لأن هذه الأمجاد لم تتح لها أقلام تكشف عنها وتبرزها للناس.
من قضايا التعليم:
?
الناس في هذا العصر بقضايا التربية والتعليم اهتمامًا كبيرًا، وتفتح أقسام داخلية يهتم لإيواء الطلاب في كثير من المدراس، حَتَّى في المرحلة الابتدائية وذلك لتيسير التعليم لجميع الطبقات، ثُمَّ للإشراف على تربية الشباب إشرافًا كاملا، وهي خطوة مباركة،
ويحسب كثير من الناس أنها فكرة عصرية، غير أن الواقع التاريخي لا يوافق على ذلك. فقد اهتم الإسلام بقضية التربية والتعليم، وعملوا على تيسيرها للجميع، وذلك بفتح أقسام داخلية في كثير من المدارس يأوي إليها الطلاب الفقراء مجانًا، فيجدون المأوى والمسكن والإشراف التربوي النظيف، ويأوي إليها الأغنياء عَلَى أن يدفعوا النفقات ولم تكن الحكومات هي التي تشرف أو تنفق على هذه المشاريع، وإنما كان يشرف عليها المصلحون من الأمة، أما النفقات وَإِنَّمَا فتجمع عن طريق التبرعات، وقد تكون لبعض المدارس الكبرى أوقاف في هذا السبيل.
وفي بعض فصول هذا الكتاب عدد المدارس التي كانت
من
تتبع هذا النظام، فيسرت
التعليم وأفادت البلاد فائدة علمية اجتماعية لم تصل إليها بعض الدول في هذا العصر.
-7 - من قضايا التعليم أيضاً:
تقوم المدارس والمعاهد في هذا العصر برحلات علمية واستطلاعية يشرف عليها الأساتذة وينظمونها، وقد يظن بعض الناس أن هذه الفكرة وليدة العصر الحاضر، أو أَنَّهَا
مستوردة من الفكر الغربي، ولكن التاريخ يثبت عكس ذلك. (1/457)
صفحة 458
الإباضية في موكب التاريخ
456
الإباضية في ليبيا (2)
فقد كانت الرحلات المدرسية ضمن المناهج الدراسية عند أسلافنا العظام في ليبيا، فكان المربون ينظمون رحلات يذهب فيها فريق من الطلبة أو كُلّ الطلبة تحت إشراف مدرسين قديرين يراقبون الطلبة ويوجهون أنظارهم إلى ما تجب ملاحظته، ويحسن الاطلاع عليه، ويدرسون، نفسياتهم، ويراعون سلوكهم في حالتي السفر والاقامة، ويعفونهم من قيود النظم في بعض الأحيان لتتاح لهم دراستهم ومعرفة نفسيتهم عندما ينطلقون في حرية كاملة، ولعله من المؤسف أن تقترن إحدى تلك الرحلات بحادث أليم.
فقد كان أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي من فطاحل العلماء، وكبار المربين، وكان من أنشط المربين في القيام بهذه الرحلات التي يدرس فيها نفسية طلابه ويدربهم على العمل والحياة.
ونزل الشيخ الكبير ? طلابه ليبيتوا بعيدا عن ضوضاء المدن، وكان "بنو تيجن" إحدى القبائل الضاربة حول الجبل والتي تعيش على النهب والسلب كان بعض "أهل تيجن" قد شاهدوا هذه القافلة الكبيرة التي تتزل للمبيت فهجموا عليهم عَلَى حين غفلة، وقتلوهم جميعًا، وخسرت ليبيا علمًا من أعلامها لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره، ورغم
ذلك فقد درس عليه عدد غير قليل من فطاحل العلم والكتب مشحونة بآرائه وأقواله. أحسب أن فيما نقلته من هذه المواضيع الكفاية، وتاريخ الأمة الإسلامية مشحون بمثل هذه الأمجاد، ومثل هذا السبق في مختلف ميادين الحياة. وكثير مما نحسبه اليوم وارداً من الغرب، أو وليدا للعصر إِنَّمَا سبق إليه المسلمون، ولكنه أغفل في بعض زمن الانحطاط والرجوع إلى تاريخ هذه الأمة العظيمة في سير رجالها ونسائها نستطيع أن نكشف عن تراث رائع عظيم.
? (1/458)
صفحة 459
الإباضية في موكب التاريخ
457
الإباضية في ليبيا (2)
الزاوي ينحرف عن الحق
الأستاذ الطاهر الزاوي مؤلف مكثر، وقد عنى بالتاريخ الليبي فأصدر فيه فيما علمت ثلاثة من الكتب المتوسطة الحجم، هي: «جهاد» «الأبطال»، و «تاريخ الفتح العربي في ليبيا»، و «أعلام ليبيا».
يستتر
وعناية الأستاذ الزاوي بالتاريخ الليبي جهد مشكور وعمل نبيل، وقد حاول أن يظهر في كتبه بمظهر الرجل المنصف السليم، الطوية، إلا أن قلمه خانه فكانت تصدر منه اللمزات الخفيفة، والطعنات الخفية، كأَنَّه خائف لا يقوى على الظهور، فهو خلف عبارات ملتوية أو إشارات بعيدة، ولكنها موفية للغرض. وإذا كانت ليبيا جزءاً من الوطن الإسلامي الكبير، تسكنها أمة مختلقة الأجناس والألوان، فيها البربر والعرب، وفيها السود والبيض. فإن المؤرخ السليم يجب أن ينظر إلى الأحداث التي تقع في هذه البلاد نظره إلى أحداث تقع من تقع من أفراد أسرة أفراد أسرة واحدة، فإن الإسلام ليس له لون ولا جنس .. وكما أن الثورات والحروب لم تقع في جميع الممالك حَتَّى تلك التي تتكون من جنس واحد ولون واحد ما دام هناك ظالمون ومستغلون، فإن الثورات هنا لم تتوقف. والمؤرخ المنصف يجب أن ينظر إلى السبب الحقيقي المباشر لكل ثورة أو حدث أو فتنة، والباعث عليها، فليس الثائرون هم المخطئين دائما، وليس حقا أن من تولى شأنا شوؤن المسلمين يكتسب بذلك حصانة يستطيع أن يفعل داخلها ما يشاء من
استغلال مجهود الناس.
من
وإنه لتحريف لدين الله أن يفسر قوله تعالى: ونَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الله
الأمر منكم يكي الرسول وأولي الأمر منكم (1) بهذا المعنى؛ فإن أولى الأمر الذين ينحرفون عن دين ويحكمون بغير ما أنزل الله، ويتخذون عباد الله، خولا وأموالهم دولا، ليسوا منا، أي
1) سورة النساء: 59. (1/459)
صفحة 460
الإباضية في موكب التاريخ
458
الإباضية في ليبيا (2)
ليسوا من المسلمين الذين تجب لهم الطاعة، فإنَّهُ لا طَاعَة لِمَحْلُوقٍ فِي مَعصِيَةِ الخالق، والأحاديث التي تخرج الفساق والعصاة من المسلمين كثيرة ومتوافرة: «من غَسَّنَا فَلَيسَ مِنَّا» (1)، فالحاكم الذي لا يتقيد بنصوص الشرع الشريف وأحكامه غاش للمسلمين، فهو ليس منهم، ولا تجب له عليهم طاعة، والذي يحمل عليهم السلاح فيقتل منهم بغير حق، أو يأخذ أموالهم بغير عدل، ليس منهم ولا تجب له عليهم الطاعة.
جنسا
ولكن الأستاذ الزاوي لم يكلف نفسه هذا العناء، فهو من أول كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا» قسم السكان إلى قسمين: عرب، وبربر، ثُمَّ جعل العرب كتلة واحدة، وجعل البربر كتلة واحدة، ثُمَّ جعل يضع على كواهل البربر جميع أخطاء التاريخ، ويلقي عليهم كُلّ أعبائه، وينسب إليهم جميع النقائص التي يمكن أن تنسب إلى شعب وهذا منطق غريب ليس أبعد منه عن الصواب، وأوغل في الخطأ؛ فإن البربر باعتبارهم جنسا ليسوا أسوأ من العرب، وأن العرب باعتبارهم ليسوا خيرا من البربر، وأن العرب والبربر جَمِيعًا باعتبار أجناسهم ليسوا خيرا أو أسوأ من غيرهم من الشعوب. ولقد كنا نعتقد أن خرافة الجنس الأعلى "السوبرمان" فكرة ولدت في دماغ هتلر وذهبت معه إلى غير رجعة، وبقيت كُل الشعوب متساوية باعتبار أجناسها، وإن تفاوتت في أخلاقها وأعمالها ودينها.
ثُمَّ لَم يكتف الأستاذ الزاوي بذلك، فتحدث عن الخوارج، وجعل مبادئهم تتسرب إلى المغرب الإسلامي، ولَمَّا كانت هذه المبادئ هدامة – في نظر الأستاذ الزاوي- فقد تلقاها البربر وتمسكوا بها، واتخذوها وسيلة لمحاربة العرب. وعلى هذا النمط سار الأستاذ الزاوي في كتابه أو في كتبه ولم يشفع للبربر أن فكرة الخوارج إِنَّمَا نشأت في قلب الجزيرة العربية، وأن العرب دافعوا عنها بأكثر
(1) أخرجه الشيخان والربيع في صحيحه عن ابن عباس رقم 582، 753، 970. (المراجع) (1/460)
صفحة 461
الإباضية في موكب التاريخ
459
الإباضية في ليبيا (2) ا
ممَّا دافع عنها البربر، إن البربر في المغرب كانوا كما كانت بقية الأمة الإسلامية في بقية الوطن الإسلامي، فيهم عدد غير قليل من الطوائف والمذاهب، فقد كان فيهم شيعة وخوارج ومعتزلة وإباضية وأشاعرة وظاهرية وغيرهم.
ولقد اعتاد الأستاذ الزاوي في كتابه عندما تثور طائفة من طوائف البربر أو قبيلـ من قبائلهم بحق أو بباطل أن يسند ذلك العمل إلى البربر جَمِيعًا، فهو نادرا ما يسند العمل إلى القائمين به، ولكن يسهل عليه أن يقول: "فعل البربر كذا" وطبيعي عند أن البربر مخطؤون على طول الخط وأَنَّهُ ليس لَهُم الحق لا في الحكم ولا في
الزاوي
الثورة، ولا حتى في التوجع والأنين.
الله عليهم.
وهذا فيما أعتقد ظلم للتاريخ وظلم للمبادئ وظلم للعقائد، وظلم للناس، وإذا ساغ مثل هذا التفكير عند أمثال الرحالة التيجاني وأضرابه من خدم الولاة الظالمين، أو عند المستعمرين الغربيين الذين كانوا يرون أن الناس إِنَّما خلقوا ليخضعوا لهم، إذا ساغ هذا التفكير عند أولئك، فما يسوغ هذا التفكير في عقل رجل عالم مسلم يعيش في القرن العشرين ويدعو إلى الرجوع إلى دين الله والعمل بكتاب الله و اتباع سنة رسول الله وهدى أصحابه الكرام، رضوان قد يخيل للقارئ الكريم، وهو يقرأ السطور السابقة، أنني بصدد الدفاع عن البربر، والحقيقة التي أريد أن يعرفها القراء الكرام أنه لا يعني جنس العرب أو جنس البربر، أو غيرهم من الأجناس في قليل أو كثير، فأنا أومن أن إرادة الباري عندما خلقت الإنسان، ثُمَّ جعلت منه شعوبا وقبائل وقد أعطت كل شعب أو جنس أو لون من بني الإنسان خصائص ومواهب تساوي ما عند الآخرين، فلا يكون التفاوت إلا في الأفراد، ولذلك نهى النبي لا أن تمحى قبيلة بأسرها، فإن أي قبيلة مهما كان جنسها أو لونها لها من المواهب والاستعداد والفطرة والخصائص التي تمنحها القدرة الإلهية مثل ما لغيرها من القبائل، وإن تفاوتت قيم الأفراد في القبيلة نفسها، وفي خارج القبيلة. (1/461)
صفحة 462
الإباضية في موكب التاريخ
460
الإباضية في ليبيا (2)
وأنا في هذا الكتاب أتحدث عن فرقة من المسلمين تدين الله في مذهب إسلامي، له قواعده وأصوله المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة، عاشت في مطلقا
ليبيا ولا زالت تعيش، ولا يعنيني جنس أفرادها أو لونهم، وأنا أيضا لا أتحدث عن هذه الفرقة إلا لأنها تكون جانبًا من الأمَّة المسلمة الكبرى، وقد تناولت هذا الجانب بغير الْحَقِّ أقلام مخطئة وأقلام مغرضة.
وإنه لواجب على رجال الإسلام أن يكشفوا آثار تلك الأقلام المغرضة والمخطئة عن جميع فرق الإسلام.
ومن المؤسف أن الانسياق في تيارات معينة شوه جمال الإسلام عند بعض الفرق، والذي يلتمس الشواهد على هذا الحديث يستطيع أن يرجع إلى بعض كتب التاريخ، وبعض كتب الرحلات، فَإِنَّهُ سوف يجد من التناقض في الكتاب الواحد ما يبعث على الاستغراب، وقد يجد اختلافا يخجل منه عقل يحترم نفسه، ومن هذه الكتب مثلا كتاب "الاستبصار في غرائب الأمصار، ورحلة التيجاني وأمثالها.
ومن المؤسف أن بعض من يوثق بهم وبعلمهم مثل ياقوت الحموي يقع في الخطأ الفاحش؛ لأنه يستمد معلوماته من بعض المؤرخين الذين لا يتحرون الحق، ولا
يلتزمون الصدق.
** (1/462)
صفحة 463
الإباضية في موكب التاريخ
461
الإباضية في ليبيا (2)
لمزات من الزاوي
في هذا الفصل أريد أن أتحدث الأستاذ الزاوي عن لمزات كان يجب أن يتنزه عنها قلم عالم، وكتاب مؤرخ أمين، فإليك أيها القارئ الكريم بعض تلك اللمزات الواردة في كتابه تاريخ الفتح المبين العربي في ليبيا» قال:
-
11
1 - صفحة 104): ومنذ أن خرجوا عَلَى سيدنا علي انفتح باب الفتنة في المسلمين يسد بعد، ولن يسد ما دام لَهُم أنصار عَلَى وجه الأرض". هذه الكلمة من المغالطات التاريخية التي يحمل فيها وزر بعض الناس على غيرهم استغلالا لمشاعر العامة والدهماء، وإلا فما نصيب هذه القصة من ولقد كان في القديم أسباب سياسية باعثة على مثل هذا الكلام، ولكن تلك الأسباب لم
الْحَقِّ؟
تعد موجودة اليوم، فلماذا يندفع الأستاذ الزاوي مع مغالطات ذهبت الدوافع إليها. إن الفتنة قد وجدت في الأمة الإسلامية قبل أن يوجد من يسيمهم الزاوي بالخوارج، أي قبل أن يختلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع بعض أنصاره ويقتتل معهم، وإن العدد الهائل من القتلى الذين ذهبوا في وقعة "الدار" وفي وقعة "الجمل" وفي وقعة "صفين" أكبر بكثير من القتلى الذين ذهبوا فيما بعد بين الخوارج وعلي والفتنة التي وقعت بين بني هاشم وبني أمية لم يدع إليها الخوارج، والحروب الطاحنة التي وقعت بين بني أمية وبين العباس لم يقدها الخوارج، والمعارك المتتابعة التي كانت تقع بين بني العباس أنفسهم وبينهم وبين مركز الخلافة واستقلالهم عنها، إن تلك المعارك لم تكن من تدبير الخوارج، وتتبع التاريخ الإسلامي فإنك الثورات والحروب في كُلّ ركن من الوطن العظيم، وليست تلك الحروب
ستجد سلسلة
من
والثورات من تدبير الخوارج.
فلماذا تُلقى عَلَى الخوارج إثم تلك الدماء التي أريقت في مختلف أدوار التاريخ -ولا تزال تراق إلى اليوم بحق أو بباطل، وقد انقرض الخوارج وذهبوا في ذمة الله؟
ولماذا نجعل باب الفتنة بأيديهم؟ ونحن نعلم أن باب الفتنة إِنَّمَا كَان في يد أولئك الذين غرتهم الحياة، وزين لَهُم الشيطان سوء أعمالهم، فاستبدوا بالأمة وعبثوا بالأمانة، وخانوا الله ورسوله ليحتفظوا لأنفسهم بعزة السلطان. (1/463)
صفحة 464
الإباضية في موكب التاريخ
462
الإباضية في ليبيا (2)
وليس ذلك من مبادئ العقائد أو الفرق الإسلامية، ولكنَّها فرص أتيحت لأفراد من الأمة انحرفوا عن سبيل الله، فلج بهم الطغيان في الباطل والجبروت.
وأنا حين أقول هذا الكلام لا أريد الدفاع عن الخوارج، وَلَكنَّها كلمة حق أهمس بها في أذن مؤلف معاصر جرفه تيار أحداث سابقة، ثُمَّ إنني أريد أن أشير إلى اللمزة الصغيرة الخفية التي تنطلق من قلم الزاوي كأنها خائفة فتتوارى، هذه الكلمة: "ولن يُسد ما دام لَهُم أنصار على وجه الأرض".
من هم أنصار الخوارج الذين يقصدهم الزاوي في كلمته هذه؟ وماذا يوحي بها؟ إن المرمى الذي يطوّح إليه الأستاذ الزاوي في هذه الجُملة سوف ينكشف في لمزات آتية،
وإنني أدع مناقشة فيها إلى ذلك الحين في بعض نقط هذا الفصل. 2 - صفحة (115: وما زال العرب إذ ذاك يخافون ثورة البربر، وتدبير مكائدهم، وكان رئيسهم في طرابلس عبد الله التجيبي رئيس الإباضيَّة، فقبض عليه إلياس وضرب عنقه"، ولست أدرى ما الذي حمل الأستاذ الزاوي على تكديس البربر وحشرهم في هذه القضية؛ إن هذه القضية تتعلق بالإباضية، والإباضية مذهب ومبدأ وليسوا جنساً أو لونا، وأعمالهم في ذلك الحين إنَّما قاموا بها من أجل الدين أو من أجل المبدأ، وهم حين يقومون بتلك الأعمال لا ينظرون إلى أجناس الناس؛ لأن الأجناس عندهم متساوية.
ولكن الأستاذ الزاوي لا يريد ذلك، إنَّه لا ينظر إلى دين القوم ولكنه ينظر إلى جنسهم، وما دام الإباضية يثورون على الحاكم الظالم، وما داموا بربرا فلابد أن يكونوا من مدبري وهو منطق غريب لا يجد عليه الأستاذ الزاوي شواهد حَتَّى من المؤرخين المغرضين فإن تاريخ الإباضية في ليبيا لم يسجل عليهم تدبير ثورة واحدة قبل أن يستحل إلياس بن
المكائد،
بيب دماء الأبرياء منهم.
فلما ارتكب إلياس جريمته في طرابلس، وَلَمْ يزد أخوه عبد الرحمن عن نقله من ليبيا ليوليه أعمالا في جهات أخرى، وَلَمْ يستجب إلى حكم الله فيقتل القاتل. لما وقف عبد الرحمن بن هذا الموقف يحتضن أخاه، وينصره على الباطل ثار الإباضية وحقٌّ لَهُم أن يثوروا.
حبيب (1/464)
صفحة 465
الإباضية في موكب التاريخ
463
الإباضية في ليبيا (2)
وإلياس هذا الذي ثار الإباضيَّة عليه، وطلبوا القصاص منه رجل رفعته الظروف إلى أن
الله
أصبح واليا على طرابلس، فقتل عبد بن مسعود التجيبي، وأراد أخوه عبد الرحمن أن يحول دون القصاص منه فدعاه إليه في القيروان وولاه على بعض الأعمال، ولكن هذا الر المتعطش للدم هذا دأبه.
ومرض عبد الرحمن فذهب إليه إلياس يزوره، فلما وجد منه غرة وثب عليه وأغمد خنجره
الحاد في صدره، واحتز رأسه، ثُمَّ خرج يعلن للناس قتله لأخيه وتوليه الحكم عليهم. وهكذا تنكر لمبادئ الإسلام، والشرف والإنسانية، والقرابة، وَلَمْ يعرف أي حق للأخوة،
أخوة الدين أو أخوة الدم، أو حَتَّى أخوة الجنس التي يقدسها الأستاذ الزاوي. هذا هو الرجل الذي سبب أَوَّل ثورة للإباضيَّة عَلَى الظالمين، فهل يلام شعب يثور على حاكم ظالم يقتل الأبرياء بغير ذنب، بل تصل به الدناءة إلى أن يغدر بأخيه الأكبر الذي طوق جيده بالنعم فيقتله غدرًا في داره لينصب نفسه حاكما، ولَم يكتب له أن يستمتع بالحكم الذي انتهك من أجله أقدس الحرم فقتل بخنجر ابن أخيه بعد أيام من حكمه. أين الفتنة في هذا؟ وأين تدبير المكائد؟ أعند هؤلاء الذين يطالبون بتنفيذ أحكام الله، أم عند هذا الوحش الذي يتنكر لأبسط مبادئ الإنسانية فيلغ في الدماء كما يلغ الكلب العقور ويبيح جميع ما حرم الله ليصل إلى الحكم؟
فهل يلام الإباضية أو غير الإباضية حين يضربون على يد هذا الطاغية الظلوم، ويحبسون شره عن المسلمين؟ وهل تعتبر ثورتهم هذه تدبيرًا للمكائد؟ ونزوعا إلى الفتنة؟.
إن الأمة الإسلامية لو حافظت عَلَى مبادئ الإسلام، فضربت عَلَى أيدي العابثين، وطهرت مناصب الحكم من الوصوليين والانتفاعيين لما نكبت بما نكبت به، وإن المصائب التي انصبت عليها في جميع أقطارها كان السبب الأوَّل فيها هو وصول غير الأكفاء إلى مناصب الحكم، ثُمَّ استبدادهم به، دون الرجوع إلى دين الله، واستخفاهم بحقوق الناس من أموال، ودماء، وأعراض. وكان حقا على الأستاذ الزاوي وهو يكتب التاريخ في القرن العشرين أن يجمع شات الأمة في وحدة الهدف الإسلامي. (1/465)
صفحة 466
الإباضية في موكب التاريخ
464
الإباضية في ليبيا (2) ا
هي
كان حقا عليه أن يسرد تلك الحوادث مجردة كما وقعت أمَّا إذا أراد أن يبدي فيها رأيه فكان حقا عليه أن يعلق بما يُمليه الحق والعدل؛ ولكن قلم الأستاذ الزاوي ينحرف عن الْحَقِّ فيسكت عن المجرم الذي أراق الدماء البريئة وتعدى حكم الإسلام ويرمى المظلومين الذين يطالبون بتنفيذ حدود الله بأنهم قوم يتلمسون أسباب الثورة، ويُنْزَعون إلى الفتنة .. ثُمَّ يلجأ كما عادته إلى البربرية والعروبة فيقول: "وما زال العرب يخافون ثورة البربر وتدبير مكائدهم"، و"أخذوا يتلمسون أسباب الثورة للانتقام"، "وما زال الإباضية في غضبهم حتى نزعوا إلى الفتنة". هذه لمزات ينثرها الأستاذ الزاوي في غير موضع من كتابه وهو في ذلك يمزج بين العنصرية، والْمَذهَبية، فيربط بين الجنس والعقيدة، ثُمَّ يرتب عَلَى ذلك أحكامه حسب العوامل النفسية ورواسب العصبية، وتطغى عليه هذه الرواسب فلا يستبين الْحَقِّ، ولا ير. أحكام دين الله، ولا يزن أعمال الناس بميزان الشرع، العادل، وَإِنَّمَا ينساق في موكب الظالمين يحدو لهم، ويبرر أخطاءهم، وينقد مخالفيهم، كأَنما كان يعيش في تلك القرون، ويتلقى العطايا من أيدي أولئك الظالمين المترفين.
إلى
وهذا موقف غير شريف يقفه عالم مسلم فإن امتداح الظلم وأهله، والتصفيق للطغاة والجبابرة، والسير في ركاب المستعبدين الظالمين في ذلة وهوان شنشنة ذهب بها الزمن فلن تعود، وتنزَّه عنها حتَّى أولئك الذين لم يكرمهم الله بالإسلام.
- ويقول الأستاذ الزاوي في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا» (صفحة 119): "وكان - أي أبو الخطاب - من اشد خصوم سياسة العرب في أفريقيا، وقاتلهم انتصارا لمذهبه، وقد أخلص للبربر إخلاصا جعله منهم في محل التقدير والإعجاب". إن أبا الخطاب الذي يتحدث عنه الأستاذ الزاوي بمرارة في هذه السطور عربي ثابت العروبة، بايعه سكان ليبيا من الإباضية وغيرهم إماما ليحكم فيهم بكتاب الله. وأبو الخطاب رجل يعتز بإسلامه، ويعتز بأخلاقه، إنَّه يعتز بدينه لا بجنسه، وما الجنس عنده إلا خرافة لا يستمسك بها إلا المهازيل، وَلَمْ يكن أبو الخطاب ينقم على العرب أو البربر، وَلَكِنَّه كان ينقم على الطغيان عند أصحاب الحكم، وعلى الانحراف عن الدين الْحَقِّ، إنه كان يثور على تلك السياسة التي ينتهجها ذووا النفوذ من العرب والبربر جَمِيعًا ما لم تتقيد (1/466)
صفحة 467
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
بقيود الإسلام؛ لأن الأستاذ الزاوي لا يعير الحكم الإسلامي أي اهتمام في هذه الناحية، فهو غارق إلى أذنيه في قضية العصبية ويرى أن ما يعمله العربي يجب أن يكون مقبولا، ومن
اشد
عارضه بإحدى التهمتين الخطيرتين: أن يكون من البربر أو أن يكون من الخوارج. وَلَمَّا لَم يجد الأستاذ الزاوي ما ينتقده على أبي الخطاب قبل أن يبايع بالإمامة على ليبيا، وبعد أن تولى أمر المسلمين، لَمَّا يَجد ما ينتقده عليه لجأ إلى إثارة عواطف الدهماء واستنص بقضية العرب والبربر كما هو شأنه في كامل كتابه فقال: "وكان أي أبو الخطاب- من سياسة العرب في أفريقيا". خصوم إن الخصومة ليست بين العرب والبربر كما أراد أن يصورها الأستاذ الزاوي، ولكنها بين الناس استولوا على الحكم إما بطريق القوة أو التخويف، أو التضليل بتمويه الحقائق في نظام الحكم الإسلامي، حتّى أضفوا على أنفسهم شرعية الحكم، وبين طائفة أخرى لم يؤثر عليها الإغراء، ولم يرهبها التخويف، وَلَمْ يجز عليه التضليل والتمويه، فوقفت موقف المعارضة تطالب بالاستمساك بدين الله وتطبيق أحكامه بالقول حين يجدي القول، وبالثورة البيضاء أو الحمراء حين يصر المنحرفون عن دين الله عَلَى موقفهم.
الله
ومن ظلم الحقيقة، ومن ظلم التاريخ ومن ظلم الإسلام أن نقول إن هذا الموقف هو موقف البربر فقط، أو موقف العرب فقط، أو موقف المسلمين الذين آمنوا برسالة الإسلام وتأدبوا بأدب محمد، وعز عليهم أن يغلب الشيطان أصحاب الحكم فينحرفوا بدين عن مجراه، فوقفوا في كُلِّ ركن من أركان الوطن الإسلامي يحاربون الباطل الذي استعلن لنفسه شرعية الحكم، وخوّل لها الاستبداد والفساد وأرسل أبواق الدعاية تلفق التهم وتختلق الأكاذيب، وتحدث من الضجيج ما تود أن تستر به دعوة الحق والحرية المنبعثة من المؤمنين الصادقين في كُلّ فرقة من فرق الإسلام.
فادعي
ومنذ اختار الله لمحمد الله أصحابه، وساوى بين الرومي والحبشي والفارسي والغربي، انصهرت القوميات والجنسيات في الدين، وأصبح الرباط الذي يريط المسلمين هو رباط العقيدة، الرباط الذي اختاره خالق الإنسان ليكون العلاقة المتينة بين أفراد الإنسان، واقتنع المؤمنون بذلك وآمنوا وعملوا به، وَلَمْ يعد يلتجئ إلى الجنس أو القومية من العرب أو البربر (1/467)
صفحة 468
الإباضية في موكب التاريخ
466
الإباضية في ليبيا (2)
الله
أو الفرس أو غيرهم من الأجناس المسلمة إلا أولئك الذين يريدون أن يكسبوا مشاعر الدهماء من الناس، وأن يستغلوا ذلك لأغراض دنيوية بعيدة عن الإسلام وعن روح الإسلام، وإنه قلما يقسم الأمة في أوطانها المختلفة، فيجعل منها قوميات متباعدة، أو يقسم الأمة في دولة من دولها فيجعل منها أجناسًا متناكره لقلم أثيم. وفي الفقرة يقول الأستاذ الزاوي في حديثه عن أبي الخطاب وقد أخلص أبو الخطاب للبربر إخلاصا جعله منهم في محل تقدير، وهذا لعمري تَجنِّ على التاريخ وظلم للحقيقة، فإن أبا الخطاب أخلص لدينه وأخلص لإسلامه الذي يرتفع به عن وضاعة النظر إلى أجناس الناس وألوانهم، ولقد كافح أبو الخطاب المنحرفين عن دين من العرب والبربر على السواء، فقاتل الحكام الظالمين من ولاة الدولة العباسية، وقاتل الحكام الظالمين من مـ مذاهب الصفرية والمعتزلة، لا ينظر إلى أجناسهم ولا إلى ألوانهم ولكن إلى أعمالهم. وسيف أبي الخطاب هو السيف الذي طهر القيروان من عبث عبد الملك الورفجومي هذا الرجل الذي لم يلامس الإيمان قلبه إلا قليلا فسولت له نفسه أن يعيث فسادا في المدينة الصحابية الكبيرة، ويربط الدواب في مساجدها العامرة، فلو كان أبو الخطاب مخلصا للبربر نهم بربر فقط لوضع يده في يد عبد الملك وازداد بذلك قوة ونفوذًا. إن أبا الخطاب مسلم قبل أن يكون عربيا أو بربريا، وهو لم يعمل للوصول إلى الحكم وَإِنَّمَا أرغمته عليه الأمة إرغاما، وهددته بالقتل إذا امتنع، وذلك حين ضج الناس من الظلم، وأصبحت الحرم التي قدستها الشريعة منتهكة، فقام بأمر الأمة، ودافع المنكر في أي مظهر ومن أي جنس، وحكم البلاد كما حكم عمر بن عبد العزيز زمنًا قصيرا؛ وَلَكِنَّهُ كاف لإقامة حجة الله عَلَى البشرية .. فقد ذاق فيه الناس التراهة والعدل والمساواة واللجوء إلى کتاب الله فيها دق وجلّ من أمرهم .. فلماذا يأتي الأستاذ الزاوي بعد اثني عشر قرنا و نصف ليلمز أبا الخطاب هذه اللمزات الجائرة.
4 - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب (صفحة 120): (1/468)
صفحة 469
الإباضية في موكب التاريخ
467
الإباضية في ليبيا (2)
" وهذه الكلمة - أي لا حكم إلا لله) - التي اتخذها الخوارج ذريعة للخروج على سيدنا علي،
وأصبحت شعاراً لهم، ولا ندرى كيف يقولها الإباضية وهم ينكرون أنهم من الخوارج". إن الأستاذ الزاوي وهو يكتب تاريخ ليبيا كان أسير فكرة معينة، هذه الفكرة تتلخص في أن سكان ليبيا ينقسمون إلى قسمين: بربر وعرب وأن البربر تجمعهم جامعة واحدة هي أنهم خوارج، فهم بين رذيلتين في نظر الزاوي، كونهم بربرا، وكونهم خوارج، وهم لذلك يجب أن يتحملوا جرائر التاريخ وعندما يثورون يقف الأستاذ الزاوي موقف القاضي الحازم دون أن ينظر إلى الموضوع، أو أن يستمع إلى دعوى الطرفين ويصدر حكمه بإدانتهم، وعندما يتنصلون تهمة ألحقت بهم أو ضلالة نسبت إليهم ويقيمون على ذلك الأدلة والبراهين يبتسم. الزاوي ابتسامة صفراء، ويهز رأسه هزة خفيفة فيها مسايرة ظاهرة، وفيها تكذيب داخلـ قاطع، فإذا بدرت من أحدهم كلمة أو إشارة مال في جد ووقار إلى يمينه وإلى شماله يقول في
الأستاذ
صرامة: ألم أقل لكم إن هؤلاء يكذبون، إِنَّهُم، بربر، وإِنَّهُم خوارج، أرادوا أو لم يريدوا. يا سبحان الله، لماذا هذا التحامل كله؟!، إن هذا انحراف عن الصراط السوي، وابتعاد عن إعطاء النصفة والحق .. ماذا تعني كلمة "لا حكم إلا الله"؟ وما هي الظروف التي نشأت فيها؟ ولماذا يغضب عليها الأستاذ الزاوي؟ إننا لكي نجيب على هذه الأسئلة يجب أن نستعرض الفترة التاريخية التي ولدت فيها هذه الكلمة وموقف الأمة منها.
خالف معاوية بن أبي سفيان إجماع الأمة، وأشعل نار الفتنة، وجهز جيشا لمحاربة الخليفة الشرعي الذي اختاره المسلمون وقابله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بما يقابل به خليفة شرعي فئة باغية، فجهز جيشا من أبطال الإسلام، وقاده بنفسه، والتقى الجيشان في صفين، وابتدأ القتال .. وعرف معاوية أنه إذا لم يلجأ إلى الحيلة فَإِنَّهُ سوف يخسر القضية في أقرب
مما يتوقع، ومهد لذلك بتكوين طابور خامس في جيش علي، ثُمَّ دعا إلى التحكيم. وعرف علي وعرف الصحابة مقصد معاوية من التحكيم، وأنها إحدى المكائد التي تفتق عنها ذهن عمرو بن العاص، ولذلك قال علي: "إِنَّمَا قاتلناهم بكتاب الله"، وأصر هو وأصحابه على
1) قال تعالى في محكم كتابه العزيز: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إلا لله يَقُصُّ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} (الأنعام: 57). (1/469)
صفحة 470
الإباضية في موكب التاريخ
468
الإباضية في ليبيا (2)
الجهاد، ولكن الطابور الذي كان يقوده أكبر صنائع معاوية الأشعث بن قيس كان قد عمل عمله في الجيش ومالت الأغلبية إلى قبول التحكيم، وحينما كان علي والمخلصون من أصحابه يكافحون لإقناع بقية الجيش بصواب موقفهم ونبذ الاستماع إلى هذه الخدعة الحربية التي لجأ إليها الفريق الباغي، لخص أحد أصحابه موقفهم في هذه الكلمة المشهورة "لا حكم إلا الله"، وكانوا يصيحون بها في جوانب الجيش ويرددها أنصار علي في كُلّ موقف، وكان علي يستمع إليها راضيا بها وهو يناقش الناس ويدعوهم إلى التمسك بمضمون هذه الكلمة، وعدم الانخداع بحيل معاوية؛ لأن قضيتهم واضحة، وقد حكم فيها الله له من فوق سبع سماوات. وشاءت إرادة المولى الحكمة يعلمها أن لا تستجيب الأغلبية لعلي، وأن تميل أكثرية الجيش إلى دعاة الهزيمة، وأن يتغلب الأشعث بن قيس - صنيعة معاوية- على المناضلين من أجل الْحَقِّ، فيجد الإمام نفسه مضطرًا إلى التخلي عن مبدئه وترك الصفوة من أصحابه ليحافظ على الأغلبية ويسير معها؛ فرضي بالتحكيم مرغماً، وإلى هذه اللحظة التي رضي فيها علي بالتحكيم وموافقة الأغلبية، كانت كلمة "لا حكم إلا لله" تعبيراً عن موقفه، وشعارا لمبدئه، بل إنها تعبير وشعار لكُلِّ مؤمن يُحكّم كتاب الله فيما شجر فيه خلاف بينه وبين الناس.
وانعزل معارضوا التحكيم إلى جانب واستمسكوا بموقفهم الذي كانت تعبر عنه هذه الكلمة أصدق تعبير، ونشأ عن هذا التطرف موقف آخر متطرف كُلّ التطرف، فإن الكلمة حينما أطلقت وقصد منها أنَّه لا يجوز للناس أن يحكموا فيما نزل فيه حكم الله، وذلك ما فهمه الإمام علي ورضي به وفهمه المعارضون وعملوا به، ولكن ناسا من المتطرفين فيما بعد، زعموا أنه لا حاجة إلى الإمارة، وأَنَّهُ لا داعي لأن يكون للمسلمين حكومة، وحملوا كلمة لاحكم إلا لله" هذا المقصد الهدام، وهذا التطرف هو ما سخطته الأمة، وردته عنهم .. وتولي الإمام علي شرحه بإسهاب وإيضاح، لا يبقى بعده إشكال. قال الإمام علي يرد على أولئك المتطرفين الذين خرجوا بكلمة "لا حكم إلا الله" عن معناها الذي وضعت له (1): "كلمة حق يراد بها باطل نعم إنه لا حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون
(1) أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 259. (1/470)
صفحة 471
الإباضية في موكب التاريخ
469
الإباضية في ليبيا (2)
لا إمرة إلا الله، وإنه لا بُدَّ للناس من أمير بَر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ فيها لأجل، ويجمع بها الفيء، ويقاتل فيها العدو، وتؤمن به السبل، ويؤخذ به
لا
للضعيف من القوي، حَتَّى يستريح بر، ويستريح من فاجر". فهل يرضى الأستاذ الزاوي أن يكون الإباضيَّة عَلَى رأي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فيعترفون أن كلمة "لا حكم إلا لله" كلمة حق كما يعترف بذلك أمير المؤمنين، فقال: نعم إنَّهَا كلمة حق، فإذا تنطع متنطعون فأرادوا بها الباطل، وتطرف متطرفون فزعموا أن الأمة ليست في حاجة إلى الإمارة، فإن الإباضية يردون هذا الباطل كما رده الإمام، ويدفعون هذا التطرف كما دفعه لا كما يُحملونها غير المعنى الحقيقي الذي وضعت له. فهل يظن الأستاذ الزاوي أن أمير المؤمنين كان من الخوارج؛ لأنه ينطق بكلمة "لا حكم إلا لله" ويعترف بأنها حق، ويتخذها شعاراً، وهو يحارب خدع المحتالين، وكيد الكائدين، فلما جاء قوم وخرجوا بها عن معناها وعن الغرض الذي قيلت فيه شرحها شرحه الخالد الذي حدد فيها حدود الْحَقِّ والباطل، فنص أَنَّهَا كلمة حق، وأن الباطل فيها هو هذا التطرف والغلو، الذي يزعم أن الأمة لا حاجة لها في الإمارة، فرد عليهم رده الحاسم، ومن المؤسف أن المتطرفين من الجانب الثاني حملوا كلام الإمام علي غير ما يريد وابتتروا منه جملة واحدة يؤيدون بها ما يريدون، وعندما يسمعون كلمة "لا حكم إلا الله" يردون بسرعة: "كلمة حق أريد بها باطل، ولا يحملون أنفسهم مشقة الفهم، فهم سياق الكلام الذي شرح به الإمام هذه الجُملة، فلا ينظرون إلى قوله: "نعم، إنَّها كلمة
حق"، ولا إلى قوله الذي أوضح به موضوع النقد: "ولكن هؤلاء يقولون: "لا إمرة إلا الله". إن أمير المؤمنين لم ينتقد كلمة الْحَقِّ وَإِنَّمَا انتقد التطرف فيها، والخطأ في فهم معناها، والإباضية كسائر المسلمين ينتقدون هذا التطرف وهذا الخطأ.
فهم لا يحفلون بآراء الناس فيما نزل فيه حكم الله، وهم يدعون إلى تكوين دولة مسلمة ترعى الأمة المسلمة، ويطالبون أن تكون الدولة مخلصة في العمل بأحكام الله، فإذا انحرف ولاة الأمر عن دين الله. الله طالبوهم بالرجوع إلى دين (1/471)
صفحة 472
الإباضية في موكب التاريخ
470
الإباضية في ليبيا (2)
ولو تأمل الأستاذ الزاوي سيرة الإباضيَّة في مختلف أدوار التاريخ، ووزنها بميزان الْحَقِّ، مبتعدا عن المؤثرات الخارجية التي تركت في نفسه رواسب تحول دون الإنصاف، لكان حكمه عليهم أنزه، وموقفه معهم أشرف وأكرم وكفاهم وكفى نفسه هذه اللمزات المنتثرات.
ه - قال الأستاذ الزاوي في كتابه السابق (ص 122): "واستولى أبو الخطاب عَلَى عسكره أي عسكر أبي الأحوص العجلي - ورجع بغنائم كثيرة إلى طرابلس وكان ذلك سنة مائة واثنتين وأربعين هجرية.
هذه لمزة خفيفة، قد يكون الأستاذ الزاوي استند فيها إلى مؤرخين لا يتحرون الحقيقة ولا يسجلون الوقائع كما هي، وإلا فإن الأستاذ الزاوي يعلم أن أبا الخطاب لا يستحل أموال البغاة من المسلمين، ولا يسمح لجنده أن يغنموا منها شيئًا، وقضية أبي الخطاب مع جميل السدراتي واضحة الدلالة في هذا الموضوع.
فإن أبا الخطاب بعد أن انتصر على ورفجومه في القيراوان واستسلمت له المدينة، تفقد القتلى فوجد واحدا منهم مسلوبًا، وسأل عن السالب فلم يعرفه، فاصدر أمره في الجيش أن يرد السلب الذي أخذ من القتيل، ولكن أحدا لم يبادر إلى رد ما سلب، وفي الطريق جرى سباق بين الفرسان واشترك فيه جميل السدراتي، فشاء له سوء حظه أن يسقط عن فرسه ويتكشف سرجه عن المتاع المسلوب، فأخذه الإمام وأجرى عليه الأدب، وغضب جميل وفر إلى العراق، وبقي سنة كاملة في بغداد يحرض الخليفة أبا جعفر المنصور على أبي الخطاب لينتقم لنفسه.
هذه قصة جميل السدراتي، ملخصة وإن إماماً يعاقب فردًا واحدا من الجيش غره
الشيطان فأخذ سلب قتيل لا يمكن أن يغنم الغنائم الكثيرة، ويرجع بها إلى طرابلس .. على أن سيرة أبي الخطاب في الحروب معروفة، وحكم الإسلام في هذا واضح لا غموض فيه ولا إيهام. وتاريخ الإباضية في حروبهم مع الموحدين جرى على نسق واحد لا طغيان فيه ولا تعدّي، ولا استحلال العرض أو غنيمة لمال. (1/472)
صفحة 473
الإباضية في موكب التاريخ
471
الإباضية في ليبيا (2)
وكما نظفت يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من أموال اتباع طلحة والزبير وأموال معاوية، وجميع من حاربه من المسلمين، كذلك نظفت أيدى الإباضية من أموال محاربيهم، وإنك لتستطيع أن تضع كشفا بأسماء من ولى الحكم في ليبيا من الإباضية، فتكتب أسماء: الحارث بن تليد وأبي الخطاب عبد الأعلى وأبي حاتم الملزوزي وأبي منصور إلياس، وأبي عبيدة عبد الحميد الجناوني، وأبي الحسن أيوب بن العباس وأبي زكريا التندميري، وأبي زكرياء الباروني، وأبي يحيى الأرجاني وأبي مُحمَّد الدرفي وأبي عبد الله اللالوتي، وعشرات غيرهم، فسوف تجد أن هؤلاء جَمِيعًا يحرصون كُلّ الحرص عندما ينتصرون على محاربيهم من الموحدين أن لا يتعدوا فيهم حكم الله فلا يقطعون رأسًا، ولا يمثلون بقتيل، ولا يجهزون على جريح، ولا يتبعون مدبرا، ولا يغنمون مالا، ولا يهتكون ستراً.
وقد شهد التاريخ أن أبا الخطاب عاقب الجندي الذي مد يده ليسلب قتيلا، وأن أبا حاتم هدد بترك القيادة إن لَم يُرَدّ ما أخذ من المعركة، وأن أبا منصور ترك أحمال الذهب تتناثر في ميدان المعركة دون أن يلتفت إليها، وأن أبا زكرياء جمع ما تركه العدو الهارب من مال وسلاح فأوقد فيه النار .. وإن قوما يقفون هذه المواقف لا يصح أن يقول الأستاذ الزاوي في رئيسهم: ورجع بغنائم كثيرة إلى طرابلس". 6 - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب صفحة (122) ومهما بلغت كثرة جيش يذهب من مصر ليغزو أفريقيا فلا يمكن أن يصل واحد من عشرين من جيش البربر، الذي يمكنهم أن يعدوه لمقابلة هذا الجيش، ولكن النصر بيد الله والله مع الصابرين". هذه زاوية كثيرًا ما يلجأ إليها الأستاذ الزاوي، وهو يريد أن يوحي إلى القراء الكرام أن الثوار الذين يقاومون ظلم الاستبداد مبطلون، وهو يزعم أن الجيوش الثائرة أوفر عددًا من الجيوش الظالمة، فإذا انتصر العدد القليل فذلك يعني أن الْحَقِّ بجانبهم، ولندع النصر والهزيمة بيد الله، فإن حكمة الله في مداولة الأيام بين الناس لا يعلمها إلا هو .. وَلَكِنَّهُ يَحقُّ لنا أن أن الخلافة العباسية لا تستطيع أن تجهز جيشا يبلغ واحدا
نناقش الأستاذ الزاوي الذي يدعي من عشرين مما يستطيع البربر أن يعدوه، وأن نفند له هذا الزعم استنادا إلى منطق الواقع، ودلالة التاريخ، ومجرى الحوادث غير خاضعين للعواطف، ولا متأثرين بالإيحاء. (1/473)
صفحة 474
الإباضية في موكب التاريخ
472
الإباضية في ليبيا (2)
كلمة الأستاذ الزاوي السابقة وردت تعليقا على الحروب التي وقعت بين محمد
الأشعث القائد العباسي، وأبي الخطاب الذي بايعه الليبيون إماما. فما هي إمكانيات كلا الرجلين؟ وما هو عدد الجند الذي يستطيع أن يعده كُلّ واحد منهما؟ تتلخص إمكانيات أبي الخطاب فيما يأتي: -
أ- حكم أبي الخطاب يمتد ما بين القيروان وسرت ويشمل الجنوب الليبي التونسي. ب- كثير من القبائل البربرية لا تخضع لحكم أبي الخطاب حَتَّى في هذه البلاد، ولاسيـ كان منها عَلَى مذهب الأزارقة، أو الصفرية، أو المعتزلة. من
سكان
فقط. مصر
ج- عدد السكان في هذه المملكة لا يكاد يبلغ ربع د ليس لأبي الخطاب جند تتكفل الدولة بالإنفاق عليه، ويبقى مستعدا للحرب على الدوام، وَإِنَّمَا يعتمد أبو الخطاب على المتطوعين الذين يحاربون من أجل المبدأ، أو من أجل العقيدة، فإذا دعاهم داعي الجهاد، زودوا أنفسهم وسلحوها وذهبوا إلى الحرب دون أن يكون لهم أمل في مكسب مادي مطلقا، فلا أجرة ولا غنيمة، فإذا انتهت الحرب رجعوا إلى أعمالهم الحرة. هذه إمكانيات أبي الخطاب تقريبا، أمَّا إمكانيات مُحمَّد بن الأشعث فتتلخص فيما يلي: أ- إن الجيش الذي جاء به محمد بن الأشعث إنَّما جهزه أبو جعفر المنصور. يخضع لأبي جعفر في ذلك الحين العراق، والشام، والجزيرة العربية، ومصر، والمغربان
الأوسط والأقصى.
ج
سكان
مصر وحدها يبلغون أربعة أضعاف سكان مملكة أبي الخطاب. لأبي جعفر جند تحت السلاح تدفع الدولة لَهُم مرتبات دائمة، وعند اللزوم تلتجـ
إلى التجنيد الإجباري.
هـ - جهز أبو جعفر هذا الجيش بقيادة مُحمَّد بن الأشعث بعد تحريض من خالد الزناتي
الذي أراد الانتقام.
بعض الإمكانيات التي كانت تحت يد مُحمَّد بن الأشعث، وبالنظر إليها يتضح للقارئ الكريم أن ابن الأشعث يستطيع أن يجهز جيشًا يبلغ عدد سكان مملكة أبي الخطاب لا عدد جنده فقط، (1/474)
صفحة 475
الإباضية في موكب التاريخ
473
الإباضية في ليبيا (2)
ولا تزال هذه الحقيقة باقية إلى اليوم، فإن سكان المغرب كله بما فيه ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى قد لا يزيدون عن سكان مصر وحدها، فكيف تكون النسبة عندما يكون القسم الأول مقتصراً عَلَى بعض ليبيا وبعض تونس، ويضاف إلى القسم الثاني الشام، والعراق، وما يتبعها. من هذا ترى أن الأساس الذي يبني عليه الأستاذ الزاوي فكرته لا ظل له من الحقيقة. ولقد ينخدع القارئ البسيط من التهويل الذي يعتمد عليه الزاوي؛ ولكن ما معرفة هذه البلاد اليوم وما تشتمل عليه من سكان؟ وما هي الجيوش التي يمكن أن تعدها لينسف تهاويل الأستاذ الزاوي، ويذيب الإيهامات التي يريد أن يوحي بها.
أما
قضايا النصر والهزيمة بين الجيوش المتحاربة فتلك أمور بيد الله، ولها أسبابها ودواعيها، وليست الكثرة أو القلة والنصر أو الهزيمة هي دلائل الْحَقِّ دائما، ولاسيما عندما تكون الحروب بين فرق من المسلمين، ولقد انتصر الأمويون على الحسين ولد بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلوه، وقطعوا رأسه، فهل يعني ذلك أَنَّهُم عَلَى حَق وَأَنَّهُ عَلَى باطل؟ وفي هذه المعركة التي انتصر فيها ابن الأشعث عَلَى أبي الخطاب نستطيع أن نعرف الأسباب التي أدت إلى نتائجها التاريخية، وتتلخص تلك الأسباب فيما يلى:
1 - ليس لأبي الخطاب جيش نظامي مقيم تدفع له المرتبات من خزينة الدولة، ولا عمل له
إلا الحرب.
-
2 - يتكون المحاربون مع أبي الخطاب من المتطوعين الذين يحضرون عندما تعلن الحرب، معتمدين على أنفسهم في زادهم وسلاحهم، وينصرفون عند نهاية المعارك، ليقوموا بأعمالهم. دعا أبو الخطاب الناس إلى ملاقاة مُحمَّد بن الأشعث فتكون له جيش قوي، ولما علم به ابن الأشعث أظهر أنه عدل عن محاربة أبي الخطاب، وأمر جنده بالرجوع إلى مصر، وقتل من عارضه في فكرة الرجوع. 4 - وليس ذلك كله إلا حيلة يفرق بها جيش أبي الخطاب، وكلما سمع أتباع أبي الخطاب
برجوع ابن الأشعث ذهبوا إلى أعمالهم، لاسيما والوقت كان وقت حصاد زرع، فلم يبق معه معه إلا عدد ضئيل مِمَّن ليست لَهُم أعمال مستعجلة، وما علم ابن الأشعث بانطلاء حيلته على جيش أبي (1/475)
صفحة 476
الإباضية في موكب التاريخ
474
الإباضية في ليبيا (2)
الخطاب، وتفرق الناس عنه، حتَّى أخذ السير راجعا، وفاجأ أبا الخطاب في قلة، فأعمل فيهم السيف، فيقبلون إلى موطن الحرب فرادى وجماعات، فيتلقاهم ابن الأشعث وهو مستقر مطمئن وبيد هذه الجماعات المقبلة، حتّى بلغ عدد القتلى في بعض الروايات أربعة عشر ألفا، وليست هذه الوقعة حرباً كالحروب التي تقع بين جيشين متصادمين، ولكنَّهُ حكم بالقتل على ناس يجهل أكثرهم الظروف التي هو مقدم عليها، ولكن تتصور حقيقة الموقعة ضع في حسابك جيشا يتكون من خمسين ألفا على أقل تقدير، يهجم على بضعة آلاف على حين غفلة فيقتلهم عن آخرهم، ثُمَّ يبقى متربصا فتقدم عليه شراذم من الناس في جماعات تتكون من العشرات لا من المات فيتلقفهم جماعة بعد جماعة، حتّى لا يجد المزيد، وحينئذ يسير بهذا الجيش الكبير يتبع السكان في القرى، وفي المدن وفي البادية، يقتل ويسلب ويغنم.
-
ه تلك هي صورة الموقعة، ولا داعي فيها للإبهام أو التضليل وتكثير بعض الجيوش، وتنقيص غيرها، فإن الكثرة أو القلة في هذا الصدد لا قيمة لها.
-9
وَلَعَلْ أَوَّل من خطرت له فكرة الاحتجاج بالقلة والكثرة، واعتبر انتصار القلة دليلا على الإيمان، هو الشاعر الخارجي حيث يقول:
األفًا مُؤمن فيما زَعمتُم وَيَعْلُبهم بآسُكَ أَربَعُونا
كذبتم ليس ذلك ما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا فبماذا يُجيب الأستاذ الزاوي عَلَى هذا الشاعر؟ إنني أرجو أن لا يضيق تفكير الأستاذ الزاوي هذا الضيق فيعتنق هذا الرأي.
7 - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب صفحة (146): "وإن دلت هذه الخرافة على شيء فَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الطعن في رواية الأخبار، وقلة التحري في نقلها". يقول الأستاذ الزاوي هذا الكلام تعليقا على خبر نقله في كرامة نسبت إلى العلامة الكبير الشيخ مهدي الويغوي النفوسي، وقد نقل القصة الشماخي فلم يبد فيها رأيا، ونقلها سليمان باشا الباروني فعلق عليها بقوله: "و إن الله خرق العوائد فلا غرابة، ويظهر أن هذا التعليق من
11. (1/476)
صفحة 477
الإباضية في موكب التاريخ
475
الإباضية في ليبيا (2)
سليمان باشا هو الذي أغضب الأستاذ الزاوي، فعلق عليها بالتعليق السابق، بل لقد اختبرها بمقياس العقل والمنطق فلم تثبت في الاختبار.
ويؤسفني حقا أن يحيد عن الإنصاف مؤلف مسلم في هذا العصر، فينصب نفسه حكما في التاريخ يثبت هذا أو يسقط ذاك، فالأستاذ الزاوي نفسه الذي يستكثر هذه الكرامة على مؤمن من المؤمنين ينقل عددًا غير قليل من هذه الكرامات لأشخاص آخرين رضي عنهم، بعضها أغرب من هذه الكرامة التي يكذبها ويجعلها خرافة، وأنا حين أتحدث عن الكرامة سواء منها ما نقله الباروني أو ما نقله الشماخي أو ما نقله الزاوي أو ما وجد في كتب التاريخ لغيرهم أحترس، فلا أزعم أنني أكذبها ما دام أصحابها مشهورين بالصلاح، معروفين بالتقوى. إن الأستاذ الزاوي الذي يستكثر أن تنسب الكرامة إلى مهدي النفوسي، ويحسب ذلك خرافة ويجعل، نقلها سببا للطعن في أخبار ناقليها وعدم تحريهم، هو نفسه ينقل عددا غير قليل مما
يسميه كرامات في كتابه أعلام ليبيا» وينقل في كتابه تاريخ الفتح العربي في ليبيا» ما يلى: "جاء في رياض النفوس" أن عقبة قال في ندائه: "أيتها السباع ادخلوا، فإنا أصحاب رسول الله، فنظر الناس في ذلك اليوم إلى أمر عظيم نظروا إلى السباع تخرج إليهم من الشعران (1) تحمل أشبالها، والذئب يحمل أجراءه، والحية تحمل أولادها سمعا وطاعة". نقلت هذه القصة عن الأستاذ الزاوي لا لأكذبها ولكن لأبين للقارئ الكريم أن الأستاذ الزاوي لم يكن منصفا وهو يستعرض أحداث التاريخ، فهو في قصة مهدي يريد أن يخضع الكرامة للعقل والمنطق، وَلَكنَّهُ في كرامة عقبة ينسى العقل والمنطق. وإلا فأي عقل اليوم يصدق أن رجلا يقف بجانب دغل ويأمر ما به من الوحوش بالخروج فتسمع له وتطيع، ثُمَّ تبدأ في تنفيذ الأمر والناس ينظرون، فإذا بالسباع والذئاب تخرج من بينهم حاملة أجراءها، وإذا بالحيات تحمل أولادها؛ فاذا صدق العقل هذه الهدنة التي وقعت بين الوحوش فكانت تخرج أسرابا مع بعضها البعض لا يثب الذئب على الظبي، ولا يعدو الأسد على
(1) ضرب من الرمث أخضر يضرب إلى الغيرة مثل قعدة الإنسان ذو ورق، ويقال هو ضرب من الحمض. انظر:
العين، مادة: شعر. (المراجع) (1/477)
صفحة 478
الإباضية في موكب التاريخ
476
الإباضية في ليبيا (2)
الوعل، وقبل هذا الموقف الذي يصور الوحوش وهي تستعرض رشاقتها، فتخرج بين صفوف من الناس الذين وقفوا يمتعون أنظارهم بهذا المنظر الفريد .. إذا قبل العقل كُلّ ذلك وطلب إلى هذا الرجل الذي روى القصة وشاهد الحيات تحمل أولادها وهي منطلقة في زحفها خارج الدغل أن يصف كيف تحمل الحيات أولادها؟ هل تربطها على ظهرها وهي خارجة تتلوى، وهل كانت تركبها على الطول أم العرض، أم أنها تمسكها من أذنابها الدقيقة وتجرها معها، وهل كانت عاطفة الأمومة عند الزواحف في ذلك الحين أقوى منها الآن، بحيث تحضن بيضها وتنظره حتّى يفقس فتتولى تلك الفراخ الزاحفة بالرعاية، حتّى إذا انتقلت نقلتها معها؟.
أليست هذه القصة ممَّا لا يقبله العقل، ألا يَدُلُّ نقلها عَلَى عدم التحري في نقل الأخبار. إنني لا أستكثر على عقبة بن نافع هذه الكرامة أو أكبر منها أو أصغر، ولا أستكثر على غيره من المؤمنين الصادقين أن يفيض الله عَلَى أيديهم ما يشاء من الأسرار.
ولكنني أحادث الأستاذ الزاوي بالعقل الذي يحتكم إليه حينا ويتركه حينا آخر، أما أنا فأحسب أن الكرامة غير خاضعة لمقاييس البشر، فإذا أردنا أن ندخلها في حساب التاريخ فعلينا أن ننقلها كما رويت لا نزخرفها بالخيال ولا نشوهها بالنقد، ولا نستكثرها على رجل اشتهر بالتقوى والصلاح، فإن ينابيع رحمة الله وقبول أعمال شخص من الأشخاص ومترلته عند الله ممَّا لم يكشف عنه الغيب، ولم ترفع عنه الحجب.
والعلماء الذين تحدثوا عن كرامة الأولياء ذهب أكثرهم إلى أن الكرامة لا تأتي مع التحدي فتنقلب، معجزة، كما أَنَّهَا لا تكون تابعة للرغبة، والإرادة ولا تكون بحال من الأحوال لصاحب معصية.
وكيفما كان الحال فإن المؤرخ النزيه يجب أن يكون له خلق يعصمه من التجني على عباد الله، وأن يتخذ لنفسه مبدءًا يسير عليه، ويحتكم إليه متجردًا عن رواسب العصبية المجنونة. - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب (صفحة 164):
"أما الإباضية فكان موقفهم من الشيعة هو موقفهم من أهل السنة، موقف التحفظ، وعدم الامتزاج، والنظر إلى غير العنصر البربري نظرة الغريب المحتل، وعلى هذا دأبوا، ولم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا". (1/478)
صفحة 479
الإباضية في موكب التاريخ
477
الإباضية في ليبيا (2)
هذه لمزة لئيمة من الأستاذ الزاوي، وهي تناقض نفسها، فبينما يقرر في أوَّل هذا الفصل نفسه أن دولة الشيعة دولة بربرية يقول إن الإباضيَّة يقفون معها موقف التحفظ وعدم
يرميهم
الامتزاج، ثُمَّ يزعم أن الإباضية ينظرون إلى غير العنصر البربري نظرة الغريب المحتل. لماذا ينظر الإباضيَّة إلى الشيعة نظرة الغرباء، ويقفون معهم موقف التحفظ وهم بربر، لو كان للجنس عندهم حساب؟ عجبا، إن الإباضية يقاتلون ورفجومة" و"صنهاجة" و"كتامة" وهي أكبر قبائل البربر، ومع ذلك الأستاذ الزاوي بالتعصب العنصري للبربر، ثُمَّ يزعم أنهم دأبوا على هذا التعصب العنصري، وأنهم لم تسنح لَهُم فرصة للثورة إلا ثاروا، وهو بهذا الكلام يناقض نفسه، فبينما يزعم في (صفحة 164): "أن الإباضية لم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا" يقول في نفس الكتاب (صفحة 126): "وكان الإباضية أقرب طوائف البربر إلى العرب، وأقل نزاعا معهم، ولذلك تجد أكثر الثوار على أمراء أفريقية العرب من الصفرية وغيرهم من النحل المتطرفة. انتهى كلام الزاوي بحروفه. إني أضع هذا الكلام المتضارب المتناقض أمام القارئ الكريم ليعلم أن الزاوي حينما كان يكتب التاريخ الليبي لم يكن رائده الإنصاف وَالْحَقِّ، وإنه لم يُحمل نفسه عناء التفريق بين أجناس الناس ومذاهبهم الدينية، ومبادئهم الاجتماعية أو السياسية، وأنه كثيرًا ما يعمد إلى الغموض والإبهام للتمويه، وَأَنَّهُ لَم يصدق في تعليل الأحداث التاريخية؛ لأن قضية العنصرية كانت تشغل كُلّ حيز في تفكيره، فهو لا يقبس حياة العصور إلا بهذا المقياس، لا يبالي فيهـ
الْحَقِّ أو الخلق أو الدين. وَإِنَّهَا لحقيقة تاريخية أن يعرف الأستاذ الزاوي أن الإباضية لم يفكروا يوما من الأيام في الجنس البشري الذي ينتسبون إليه، وَلَمْ يفرقوا بين البربر والعرب وغيرهم من الناس، فهم يعتبرون المسلمين إخوة، يتولون من تثبت عندهم عدالته واستقامته ويبرأون ممَّن يثبت عندهم عصيانه وفسوقه، ويقفون فيمن لا يعرفون موقف التحفظ .. هذا الموقف المحدود الذي يقفه الإباضية مع العرب، ومع البربر، ومع الترك، ومع الهنود، ومع غيرهم من الأجناس، ولو راجع الأجناس، ولو راجع الأستاذ الزاوي أحداث التاريخ التي رواها هو نفسه، ونزه قلمه وقلبه من الرواسب التي تركتها فيهما عنصرية بغيضة لرأي أن الإباضيَّة لم يتأثروا في أي يوم بجنسهم؛ لأنهم هم أنفسهم يتكونون من عرب (1/479)
صفحة 480
الإباضية في موكب التاريخ
478
الإباضية في ليبيا (2)
وبربر وفرس وغيرهم، وأن تحفظهم إذا تحفظوا في موقف مع فرقة من المسلمين تخالفهم في الْمَذهَب، فذلك راجع إلى أصولهم الدينية فحسب، كما تتحفّظ كُلّ الفرق بالنسبة إلى مخالفيها. والحروب التي دفع إليها الإباضية في ليبيا أو تونس أو في الجزائر كان أكثرها مع البربر لا مع
ومن
العرب، كما أن الحروب التي دفعوا إليها في عمان أو في العراق أو الجزيرة كانت مع العرب. هذا يتضح أن ما يريد أن يوحي به الأستاذ الزاوي من تفريق كلمة الأمة باطل من أساسه، وأن كلمته: وَلَمْ" تسنح لَهُم فرصة للثورة إلا ثاروا" لمزة لئيمة متجنية يكذبها الواقع والتاريخ أشد تكذيب، وَلَعَلَّه من المناسب أن أستشهد في هذا المقام بالكلمة الرائعة التي علق بها أمير السيف والبيان سليمان باشا الباروني - أعظم رجل أنجبته ليبيا في تاريخها الطويل- على سلم العامة والمبتدئين" قال الباشا الباروني في تعليق له على الانقلاب السلمي الذي قام به الإباضية بقيادة أبي الخطاب عبد الأعلى: "ربما يفهم من لا علم له من مثل هذه الحركة أن الإباضية يوجبون الخروج عَلَى كُلّ حال، أو يوجبون أن يكون الإمام منهم لا بد في كُلّ، وقت، وغير ذلك، مما هو من قواعد الصفرية والأزارقة والشيعة التي هي كثيرًا ما نسبها متعصبوا المؤرخين للإباضية، وليسوا منها على شيء، وكتب الإباضية تشهد بذلك".
فالإباضية ليسوا منغلقي الذهن، فيتجاهلون العالم الإسلامي الفسيح وما يضطرب فيه من آراء وأفكار واتجاهات وقوى، ولذلك فعندما يكون السلطان منهم يوجبون عليه أن يسير سيرة العدول في المسلمين باختلاف مذهبهم ونحلهم، وإذا كان السلطان من غيرهم من الفرق المسلمة يتعاونون معه في إخلاص، ما دام في إخلاص، ما دام محافظا عَلَى حدود الله قائما بدين الله عَلَى مذهبه، فإذا انحرف عن ذلك فإن الإباضية لن يتعاونوا مع منحرف عن دين الله، فإذا بلغ به الطغيان إلى استحلال الدماء والأموال التي حرم الله فزع الإباضية إلى سيوفهم، فردوا عدوان المعتدين إلا إذا لم يستطيعوا.
وهذا الموقف هو موقف الإباضية بالنسبة إلى ولاة الأمور، سواء كانوا أشعرية، أو شيعة، أو معتزلة، أو إباضية أو من غيرهم من الفرق فهم إِنَّمَا يطلبون من ولاة الأمور استقامتهم وعدلهم واهتمامهم بقضية الأمة، ولا يهتمون لمذاهبهم وأجناسهم. (1/480)
صفحة 481
الإباضية في موكب التاريخ
479
الإباضية في ليبيا (2)
ومن رجع إلى جميع الثورات التي قام بها الإباضية في ليبيا والتمس أسبابها فَإِنَّه لن يجد إلا ردا لعدوان أو طلبًا لحق، ولن يجد في تلك الأسباب نزاعًا عَلَى سلطة أو طلب الدنيا، أو رغبة في مال. 9 - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب (صفحة 173):
يبال
"وكان معه أي مع المعز - جماعة من الإباضية، فهربوا إلى إخوانهم في جبل نفوسة، فلم بهم، وحمد الله أن طهر جيشه من المنافقين".
هكذا يقول الأستاذ الزاوي، لا يخشى الله، ولا يستحي من الناس.
إن المعز أذكى من أن يطمع في أن يكون في جيشه ناس من الإباضية يساعدونه على الظلم، ويقومون معه بالعدوان، ولذلك فهو لم يطالبهم بذلك، وَلَمْ يرجه منهم، وما حفظ التاريخ أن الإباضية دخلوا في جند مرتزقة، يعملون فيه بأجر دنيوي، إِنَّهُم إِما أن يحاربوا من أجل إعلاء كلمة الله فلا يتقاضون عَلَى ذلك أجرًا من غير الله، وحينئذ لا يكونون أعوانا لظالم كالمعز، وَإِمَّا أن يُحاربوا دفاعًا عن أنفسهم .. أما أن يكونوا آلة يُسيرهم طلاب الشهوات، وعبيد الدينا من ملوك الأرض فذلك ما لم يسجله عليهم التاريخ في يوم من الأيام قبل الحروب الإيطالية في ليبيا. أمَّا
هؤلاء النفر الذين قبض عليهم المعز -وهو مرتحل إلى مصر - خوفا من أن يقوضوا
دعائم ملکه من بعده، فلما وصل طرابلس وجدوا غرة من حرسه ففروا إلى إخوانهم،
واعتصموا بالجبل المنيع الذي صمد للعدوان قرونًا متطاولة، أما هؤلاء النفر فليسوا على الظلم، ولَكنَّهم كانوا من الشخصيات القوية ذات النفوذ، وكان يخشاهم في مغيبه، ولذلك حرص أن يأخذهم معه، فَلَمَّا هربوا منه إلى الجبل أقض ذلك مضجعه، ولكنَّه كان لا يستطيع صنع شيء من أولئك الأبطال الذين يعتصمون بالقمم الشماء، فإن الجبل كان ملجأ للأحرار عندما تضيق بهم مواطن الطغيان، وفي هذه الحادثة التجأ إلى الجبل عدد غير قليل من عسكر المعز، من مختلف المذاهب والطوائف، كما التجأ إليه زعماء الإباضية.
قال الأستاذ أحمد النائب في تاريخه "المنهل العذب" (صفحة (100): "وسار - أي المعز- إلى طرابلس ومعه جيوشه وحواشيه، فهرب منه جمع من عسكره إلى جبل نفوسة، فطلبهم فلم يقدر عليهم". (1/481)
صفحة 482
الإباضية في موكب التاريخ
480
الإباضية في ليبيا (2)
وهذا نص يكذب زعم الزاوي: أن المعز لم يبال بالجند الفار إلى جبل نفوسة ولكنَّه طلبهم
فعجز عنهم:
بقيت الكلمة الأخيرة التي انطلقت من الأستاذ الزاوي كما تنطلق كلمة السب من المحنو وهي قوله: "وحمد الله أن طهر جيشه من المنافقين".
المغيظ
هل فكر الأستاذ الزاوي قبل أن يرمي هؤلاء الناس بالنفاق، وحاسب نفسه وضميره، وعرف الحقيقة التي كان عليها القوم. إن الحكم بالنفاق على رجل يؤمن بالله ليس أمرا سهلا، فهل يسمح لنا الأستاذ الزاوي أن نستعرض الموقف التاريخي في ذلك الحين على حسب ما يتصوره الزاوي نفسه، ونرى ما هو الحكم الديني الصحيح الذي يمكن أن تطلقه على أولئك الناس الذين تفصل بيننا وبينهم عشرة قرون.
أنه هذا ملك غرته الحياة الدنيا ونسي بشر ضعيف، وخدعه الشعراء بقولهم فيه: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار هذا الملك المغرور الذي يستمع إلى الكفر الصراح يُمدح به، يجهز جيشا ينفق عليه الملايين من أموال الأمة ليحارب به المسلمين في مصر وسوريا، فإذا كان ببعض الطريق يفر جمع من هذا الجيش الذي يرغم عَلَى مُحاربة الإخوان في الدين، ويلتجئون إلى حمى منيع لا تصله يد هذا الملك، فما هو الحكم فيهم يا ترى؟
إن الأستاذ الزاوي يحكم عليهم بأنهم منافقون؟
فما هو الإيمان إذن في نظر الزاوي؟ إِنَّه استعباد الناس، واستحلال دمائهم وأموالهم، ومشاركة الله في ملكه والعدوان والبغي والظلم، فتلك هي أعمال أولئك الذين يرى الزاوي أن الخروج عليهم نفاق، ذلك هو المعنى الذي يسلم إليه منطق الأستاذ الزاوي، ولكننا نظن بالأستاذ الزاوي خيرًا، ونَحسب أن المقاييس لم تنقلب عنده هذا الانقلاب، ولكنه رجل مخدوع بالمظهر، فهو يحسب أن مُخالفة الحكام وعدم الانقياد لهم حتى في ارتكاب المعصية أمر لا يصح، ومن خرج عن طاعة ولاة الأمر ولو كانوا ظلمة فاسقين حكم عليه بالنفاق .. وهذه وجهة نظر ذهب إليها كثير من الفقهاء المرتزقة، والسائرين
في ركاب الظالمين، يبررون أعمالهم، ويمهدون لسلطانهم. (1/482)
صفحة 483
الإباضية في موكب التاريخ
481
الإباضية في ليبيا (2)
لوقفنا مع
وقد يكون الأستاذ الزاوي أحد هؤلاء الذين يعجبون بذوي السلطان كيفما كانوا. لو كان هذا المعز يقود الجيش للجهاد في سبيل الله، ومحاربة أعداء الإسلام الأستاذ الزاوي نشيد بأعمال هذا السلطان ولكن هذه الجيوش موجهة إلى محاربة أمة مسلمة في وطن مسلم، تحكمها دولة مسلمة، ليس سلطانها أسوأ السلطان الغازي، فكان معقولا أن يحكم عَلَى هذا الغازي بالنفاق، وعلى من من رغب من جيشه في هذا العدوان ورضي به. هذه لمزات قليلة أعرضها عَلَى القارئ الكريم من كتاب واحد من كتب الزاوي، ولا يزال في الكتاب عدد غير قليل من هذه اللمزات تدق حَتَّى تكاد أن تختفي، وتستعلن حتّى تنطلق في صورة سباب أو شتيمة، وفيما اطلعت عليه من كتب الزاوي التاريخية كثير من هذا التجني على الحقيقة وعلى التاريخ.
ويؤسفني وأنا أناقش الأستاذ الزاوي - مناقشة الأخ لأخيه - أن أضطر إلى العنف أحيانا، فإن لؤم بعض العبارات وإيغالها في إيقاد الفتنة ومحاولتها للتفريق بين عناصر الأمة لا تترك في صدر الحليم مكانا للصبر. لقد كنت أرجو من الأستاذ الزاوي أن يوجه نظر الأمة إلى عدو الإسلام الخارجي، وأن يدعو إلى تكوين كتلة واحدة من أمة واحدة .. وإنَّ هَذِهِ أَمَتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبَّكُمْ فَاعْبُدُون (1) وإذا كان الكتاب الكريم يقرر أن جميع الأمم التي استجابت لرسل الله في مختلف أدوار واحدة، فكيف بالفرق التي استجابت لمحمد.
أمة التاريخ هي
"
إن أمة محمد هي هذه الأمة التي تنتشر ما بين الهند والمحيط الأطلسي بجميع أجناسها، وألوانها وأشكالها ومذاهب أهلها، لا يخرج منها إلا شخص لم يؤمن بالله أو برسالة مُحمَّد
فهو لا يزال مرتهنا بكفره مرتكسًا في رجسه .. أو شخص غرته الدنيا فأسلم زمام نفسه للشيطان بعد أن آمن بالله، فانحرف بعمله عن دين الله، فالأمل منه أن يهجر الموبقة، ويعاود
التوبة، ويعود إلى صفوف الأمة.
1) سورة الأنبياء: 92. (1/483)
صفحة 484
الإباضية في موكب التاريخ
482
الإباضية في ليبيا (2)
وإنه لواجب على علماء الإسلام أن يطهروا قلوبهم من المعصية، وآراءهم من السطحية، وأحكامهم من التبعية، وأن لا يحكموا بالخطأ أو الصواب الجماعي دون تفريق بين عمل الفرد ورأي الْمَذهَب.
وأن يدرسوا آراء جميع الفرق والمذاهب كما وردت في مصادرها، وأن يزنوها بالميزان الْحَقِّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ROOR
المجتمع المسلم
في الفصول السابقة من هذا الكتاب قدمت لك أَيُّهَا القارئ الكريم صوراً حقيقية عن الرجل المسلم الإباضي، انتزعتها من مجرى حياته اليومي، وقد تتبعت سلوكه في أحواله المختلفة، عندما يكون على رأس دولة مستقلة كاملة الاستقلال، وعندما يكون قائدا للجيش يدخل معا مع الحرب فينتصر أو ينهزم، وعندما يكون حاكما عَلَى قطعة من أرض الوطن، ينفرد بها، أو يرتبط برئيس أعلى، وعندما يكون جنديًا بسيطاً يسير مع الجحافل الجرارة لدفاع أو هجوم، وعندما يكون داعية يحمل رسالة الإسلام، وليس له إلا دينه وخلقه وعلمه، وعندما يكون عالما يغذي عقول الشبيبة بالمعرفة والعلم، وقلوب الكهول بالوعظ والإرشاد، ويذود عن دين الله جراثيم البدعة والخرافة والجهل، وعندما يكون طالبا يتخطى رقاب الزملاء في ميادين العرفان، وعندما يكون عاملا يشتغل بالزراعة أو الصناعة أو التجارة، وعندما كان يكافح في أي سبيل من سبل الحياة، وفي المخطط الذي وضعه الإسلام لأبناء الإسلام. قدمت لك صورا من حياة الرجل الإباضي في جميع ميادين الحياة التي سار فيها أولك الناس، كأفراد وكمجموعات وكأمة. وقدمت لك صورًا من حياة المرأة الإباضيَّة في سلوكها المستقل لنفسها، وفي سلوكها في نظام الأسرة، وفي سلوكها في مجتمعها الضيق وفي سلوكها باعتبارها فردا من الأمة،
وبعد
اطلاعك (1/484)
صفحة 485
الإباضية في موكب التاريخ
483
الإباضية في ليبيا (2)
على الصور التي أخذتها لك من واقع الرجل، والصور التي أخذتها لك من واقع المرأة تستطيع أن
أن وبعد
تبين ملامح المجتمع الإباضي، وهو يشق لنفسه طريق الحياة في موكب التاريخ الضخم. وضعت بين يديك أيها القارئ الكريم هذه الصور من حياة الأفراد التي منها جَمِيعًا تتكون الصورة الكاملة لحياة المجتمع .. بعد هذا أريد أن أتحدث معك عن موضوع تعرفه حق المعرفة، لتقيس عليه تلك الصور التي وضعت بين يديك في الأحاديث السابقة علك تستخرج من المقارنة بعض الحقائق التي تهم المفكر المسلم.
أريد أن أتحدث إليك عن المجتمع الإسلامي النظيف قبل أن ينحسر عنه ذلك المد الفياض من هداية النبوة والسيرة الرشيدة الخلفاء محمد ال فيتطرق إلى ذلك المجتمع فساد الحكم، وظلام الظلم، وانحلال الخلق، وأدران الرفاهية والترف وما يجر كُلّ ذلك من النكبات. الصورة التي يجدها الباحث لذلك المجتمع الذي كونه رسول الله، وغذاه بهداية
فما
هي
ورب
المسجد
الوحي وأخلاق النبوة؟ ما هي حياة الرجل؟ وما هي حياة المرأة؟ وما هي صورة المجتمع الذي يتكون منهما؟ كان الرجل في ذلك العهد الزاهر بطلا في الميدان يكافح في سبيل الله لنشر الإسلام والسلام، وطالب علم يقبل عَلَى حفظ ما تيسر من كتاب الله وسنة رسوله ال أسرة يشتغل في تجارة أو زراعة ليمون أهله من أشرف سبيل، وعبدا من عباد الله يوم ليعبد الله كأنه لم يُخلق إلا للعبادة، وأخا عطوفا يمتلئ قلبه بمحبة مجتمعه، فيذوب في خدمته، ويضحي بمجهوده له. ولو أتيح لك أن ترجع إلى ذلك العصر لتبحث عن واحد من أولئك الناس الذين اختارهم الله لصحبة نبيه لما وجدته في غير بعض الأحوال السابقة. إنك لن تجده بين المقاهي يتسكع ليقتل الوقت، ولن تجده في الحانات يعب مما حرمه الله .. ولن تجده يطوف على المحال المشبوهة كما تطوف الكلاب على مواطن الجيف .. ولن تجده يتردد بين دور القضاء والمحاماة يبتكر فيها الأساليب التي يغتصب بها حقوق الناس .. ولن تجده يتخذ كُلّ الوسائل في المعاملات لتروج تجارته، وتنمو أرباحه، وتتكدس عنده الأموال، وهو في ذلك لا يسأل عن الحرام والحلال .. ولن تجده يسعى بين إدارات الشركات يحتال (1/485)
صفحة 486
الإباضية في موكب التاريخ
484
الإباضية في ليبيا (2)
عليها ليبتز منها الأموال التي تختلسها تلك الشركات من الثروة الطبيعية للأمة .. ولن تجده يصارع البنك والبورصة ويكد فكره طول النهار وزلفًا من الليل في تدبير المقالب ليزيد إلى المال الحرام الذي يملكه مالا جديدا، فإذا رجع إلى بيته رجع مكدودا ميت الروح، فآوى إلى المضجع ونام فيه نوماً ثقيلا طويلا، ولا يستيقظ منه إلا بعد أن يرتفع الضحى ليبدأ الاستعداد
للعمل من جديد، وهو في كُلّ ذلك لا يذكر ربا، ولا يؤنس أهلا، ولا يؤدى لَهُم واجبًا. ولن تجد في المجتمع الذي كونه رسول الله الله هذا الحاكم الذي يتعالى على الناس، ويحتجب دونهم، ويحسب أن له ميزة عَلَى أفراد الأُمَّة، ويظن أن هذا المنصب الذي أعطي له بأمانة الله يخوله حق التصرف في أموال الناس وأموال الدولة بغير حق.
ولن تجد في ذلك المجتمع هذا الموظف الذي تراه غارقًا إلى أذنيه في كرسي هزاز يقرأ جريدة سيارة، أو ينتفخ لاستقبال المتزلفين، أو يحادث زملاءه في العمل، ومصالح الأمة ضائعة، ومشاكلهم متشابكة، والتقارير المرفوعة إليه تثقل الرفوف وتنوء بها الخزائن.
إنك لن تجد في ذلك المجتمع هذه الصور، وأشباه هذه الصور.
إنك لا تجد الغني الذي يبطره الغنى ولا الفقير الذي يذله الفقر، ولا تجد الحاكم الذي يتشرف بالمنصب، ولا رجل الشعب الذي ينحط لأنه لا يحتل كرسيا في جهاز الدولة .. إِنَّهُم أفراد متساوون فيما بينهم، «تَتَكَافَأُ دمَاؤُهُم، وَيَسعَى بذمَّتهم أَدْنَاهُم، وهُم يَدٌ عَلَى مَن سِوَاهُم»، لا يرفع بعضهم عن بعض إلا عمل خير يتمنى كُلّ واحد أن يكون السابق إليه، ولا ينحط بعضهم عن بعض إلا بتقصير في أمر، أو أمر الأمة يصدر من أحدهم، فيحمد الله باقيهم إن حفظه الله منه.
إن أعلى وظيفة في الدولة لا تميز صاحبها عن بقية الناس، ولا تعطيه أي حق لم يكن لغيره من أفراد الأمة، ولا يرتفع بها عن أدنى رجل من المسلمين، ولذلك فالمسلم عندما يتولى منصبا لا يزدهيه هذا المنصب، وعندما يقال لا تؤسفه الإقالة؛ بل لقد كانت المناصب زمن رسول الله هو وزمن الخلافة الرشيدة قياماً بمهام عارضة، يندب إليها أي فرد من المسلمين، فإذا احتاجت الأمة إلى تجهيز جيش أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أي واحد من أصحابه بقيادة هذا (1/486)
صفحة 487
الإباضية في موكب التاريخ
485
الإباضية في ليبيا (2)
الجيش، حتّى إذا تَمَّت المهمة ورجع الجيش منها أصبح القائد فردًا عاديا كسائر الناس، فإذا احتاجت الأمة إلى تجهيز آخر، أشار له إلى فرد آخر يتولى القيادة، وأصبح القائد الأوَّل جنديًا عاديًا، يندفع إلى الميدان لحماية الرسالة العظمى دون أن يشعر أنه أهين بعزل، أو يشعر الثاني أنه أكرم بالتولية، وهكذا في بقية الأعمال، فعندما تحتاج الأمة إلى عامل، أو قاض، أو معلم، أو إمام، أو غير ذلك، يشير رسول الله الله إلى واحد أو جماعة من أصحابه ليقوموا بذلك، وهو حين يسند إلى واحد منهم بعض تلك الأمور لا يوليهم فخرًا ليس لبقية الأمة،
ولا يعطيهم عن عملهم ذلك أجرًا ماديًا ليس لإخوانهم مثله .. ولذلك فهم لا يشعرون اختيروا أو فضلوا عن غيرهم من المسلمين، إنَّهَا مهام الأمة يجب أن يقوم بها أي فرد من أفرادها، ولا يراعي في ذلك إلا الاستعدادات الفطرية، والكفاءات العلمية والعملية، وَلَكِنَّهُم مع ذا ذلك متساوون لا تعاظم ولا أبهة، ولا ترف ولا استغلال. وليس موقف المرأة المسلمة في ذلك الحين بعيدا عن موقف الرجل في الميدان الذي هيئت لها طبيعتها الأنثوية، فهي تقف دائما حيث يطلب منها واجب المسلمة أن تقف، لا تطغى بها غرامة
القوة فتدفع الرجل عن مقامه لتقوم فيه، ولا يقعد بها الضعف إلى الاستسلام والإهمال والجهل. تتساوى مع الرجل في الحقوق والواجبات والأعمال التي ساوى فيها بينهما الدين القويم، والطبع الكريم، وتنفرد بالحقوق والواجبات والأعمال التي هي من خصائص الأنثى، وتبتعد عن الحقوق والواجبات والأعمال التي هي من خصائص الرجال. تربط بين أفراد الأسرة بنبل العاطفة، وتغمرهم بالحنان، وتملأ أرجاء البيت بالمحبة، وتعمر مساجد الله بالتقوى، وتغترف العلم من منابعه الصافية باستقامة الخلق. وقد ترافق الرجل في مواقفه العنيفة لتخفف عنه الألم، وتداوي منه الجراح، وتبعث في نفسه الحماس، وتمده بروح الجلد والقوة والكفاح وقد تساعده في عمله اليومي إذا كان ذلك لا يرهق أعصابها، ولا يزيل حجابها، ولا ينافي طبيعتها، ولا يمتص منها عناصر المحبة والعطف والحنان.
أما هذه المواقف التي تصبح فيها المرأة مشاكسة، تنازع الرجل كتفا إلى كتف، لتأخذ منه موقفه، وتقوم بعمله، فليست موجودة في ذلك المجتمع النظيف. (1/487)
صفحة 488
الإباضية في موكب التاريخ
486
الإباضية في ليبيا (2)
إنك لن تجد فيه المرأة التي تسلم أبناءها كُلّ يوم إلى خادمة؛ لأنها حين تقوم من النوم تستقبل المشط والمرأة وما معهما من وسائل الزينة، فتقضي بينهما وقتا، غير قصير، حتى إذا أكملت زينتها اختطفت محفظتها الأنيقة، ثُمَّ سارت تتهادى حتى تصل إلى مقر العمل، في تصريف شوؤن الدولة أو شوؤن الشركة، فإذا انقضى الوقت مرت عَلَى المطعم أو رجعت إلى ما هيأته لها الخادمة، فتناولته عَلَى عجل، ثُمَّ استلقت عَلَى الفراش لتريح الجسم المكدود، وما تفتاً تشعر بالراحة حتى تعود إلى المرآة والمشط وأداة الزينة تخرج بعدها تتسكع في الشوارع وتعرض
فتنتها على أنظار الجائعين حتى إذا كاد المساء أن ينتهي آوت إلى دار من دور اللهو باس التسلية، وكثيراً ما تكون هذه التسلية حفلة للرقص، تعرض فيها خصرها الطيع على سواعد المعجبين، فإذا انقضى الليل أو كاد رجعت إلى البيت مكدودة قد نضبت فيها منابع الحنان وحب الأسرة ولم يجد منها الزوج والأبناء غير هيكل من عظم، قد امتصت الشوارع
خصائص الأنوثة من الجمال والحب والحنان، فلم يبق فيها معنى للزوجة ولا روح للأم. هذه الصور وأشباهها لن تجدها في ذلك المجتمع النظيف إن للمرأة رسالة في الحياة، وللرجل رسالة، وكما لا يحق للرجل أن يزاحم المرأة على رسالتها، كذلك لا يحق للمرأة أن تزاحم الرجل عَلَى رسالته، إنَّه قد يطلب من أحدهما أن يساعد الآخر في ظروف خاصة تستدعيها طبيعة الحياة، أما أن يأخذ أحدهما أعمال الثاني، ويجلس في مكانه، فذلك مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها. ولعل
من أعاجيب الحياة الحاضرة التي انطلقت فيها الشياطين تجوس خلال الديار أن تحد أفراد أسرة يشتغلون جَميعًا ذكورًا وإناثًا في دوائر الحكومة، أو الشركات، أو المصانع، بينما تجد أفراد أسرة أخرى يجتمعون على البطالة، ذلك أن الفتاة المسترجلة في الأسرة الأولى، قد سبقت الشاب فجلست مكانه وحرمت الأسرة الثانية من حقها في العمل باسم حقوق المرأة في العصر الحاضر.
لقد كان المجتمع المسلم يسوده التضامن والتعاون والتساند ويتساوى أفراده في الحقوق والواجبات حسب الطبيعة البشرية التي خلقهم الله عليها وتكافأ الفرص بين جميعهم، فلا استغلال ولا أثرة ولا عدوان (1/488)
صفحة 489
الإباضية في موكب التاريخ
487
الإباضية في ليبيا (2)
ومع أن ينابيع الثروة في ذلك الحين كانت أضأل منها في العصور التالية جَمِيعًا، فقد عاش ذلك المجتمع المسلم لا يشعر بحرمان، وَلَمْ تنشأ فيه غريزة الاكتناز، ومحبة الترفه والبطالة والإثراء من أقرب سبيل، إلا بعدما انقضت الخلافة الرشيدة.
الله
عنهما -
وإنه لعجب حقاً أن تجد المجتمع المسلم في عهد الصديق أو عهد الفاروق -رضي، يسوده الرضا والطمأنينة، والسعادة، فَلَمَّا نشأت فكرة الاكتناز، وبدأ أصحاب السلطة يميلون إلى الدعة والاستغلال والتشبه بالدول غير المسلمة، بدأ التذمر والسخط وعدم الرضا، ثُمَّ النقد والاندفاع والثورة، ثُمَّ بدأ التقلقل الاجتماعي والتغلغل السياسي، رغم فيضان الأموال، واتساع موارد الثروة بين الناس، ثُمَّ انحرفت الموازين الدينية، والمقاييس الأخلاقية عن الاتجاه الإسلامي، فأصبحت أحكام الشريعة وسائل للحساب لا للسلوك، وأسبابا للعقاب لا للحق، وركائز للانتقام لا للعدل، فلا يهتم ولاة الأمر بمخالفة الناس لدين الله، إلا إذا أرادوا الانتقام من شخص؛ لأنه لا يريد أن يجري معهم في الفلك الذي هم فيه يسبحون، ثُمَّ ازدادوا خطوة
المال،
أخرى في الابتعاد عن دين الله وأحكام شريعته، فلم يعودوا يأبهون إلى الحلال والحرام من فكما أباح بعض الأفراد لأنفسهم كُلّ الطرق لجمع المال، كذلك أباحوها للدول، ولم يعد يهمهم أن تجمع ميزانية الدول من الضرائب والمكوس، وأن يدخل فيها ما يأتي عن طريق الربا والبغاء، وبيع الخمور، ومصادرة الأموال التي لا يبيح الشرع مصادرتها، ومن غير ذلك من الأموال التي لا تجد بابا في ميزانية الاقتصاد الإسلامي.
وماذا يضير الدول الإسلامية لو أنها طهرت أرضها من الخمر ومن الربا ومن البغاء، ومن مصادرة الأموال بغير حق، وما إلى ذلك مما يبعد عن شريعة الله.
فهل تخشى من غضب السكارى؟ أم من غضب الفاسقين؟ أم حنق المرابين؟! لقد فتنت بعض الدول الإسلامية اليوم بأنظمة الغرب أو أنظمة الشرق، وجرى بعضها وراء هؤلاء، وبعضها وراء أولئك، وأجروا عَلَى الشعوب الإسلامية عددًا من أخفق أغلبها، فلماذا لا تجري تجربة جديدة؛ فنعود إلى أنظمة الإسلام في السياسة والحكم
والاقتصاد.
لماذا لا نعود إلى هذا المنهج القويم الذي وضعه عالم الغيب والشهادة؟.
التجارب (1/489)
صفحة 490
الإباضية في موكب التاريخ
488
هل نخشى أن نوصف بالرجعية؟ وماذا يهم
السعادة والاطمئنان.
الإباضية في ليبيا (2)
ما دمنا نستطيع
أن
نضفي على مجتمعنا
لقد حاولت جهد المستطاع أن أضع بين يديك صورة مصغرة من المجتمع الإسلامي النظيف في الصدر الأوَّل من تاريخ هذه الأمة العظيمة المجيدة، ويسرني لو أن القارئ الكريم قارن الصور التي رآها للمجتمع الإباضي في عصوره المختلفة إلى صور ذلك المجتمع الإسلامي الأَوَّل، وأنا عَلَى يقين أنه سوف يجدها صورة واحدة لمجتمع واحد، وإن
اختلفت بهما العصور.
[شكر وتقدير]
خدمة
إنني وأنا أختم هذا الكتاب، أحمده الله على ما أولاني من نعمة، ويسر لي وسهل لي من أسباب، وفتح لي من أبواب. وأصلي وأسلم على سيد المرسلين وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأتجه بشكري وتقديري إلى الأخوة الذين أمدوني بالمساعدة وأخلصوا لي النصيحة، وكشفوا لي عن العقبات ومهدوا بين يدي السبل لإنجاز هذا العمل الذي أرجو أن ينفع الله به قلوبًا تُحب الخير، وضمائر تستهدف الْحَقَّ، ونفوسا تحن إلى الهداية والتوفيق.
والله من وراء القصد، وهو الهادى إلى سواء السبيل .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/490)
صفحة 491
الإباضية في موكب التاريخ
الحلقة الثالثة:
الإباضية في تونس
تأليف الشيخ العلامة
علي يحي
معمر
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان (1/491)
صفحة 492
الأباضية في موكب التاريخ
490
الية الحالية
قال الله وعجل:
الأباضية في تونس
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
واتقوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
(سورة الحجرات: (10) (1/492)
صفحة 493
الأباضية في موكب التاريخ
491
الأباضية في تونس
بـ
مقدمة
عندما وضعت تخطيطا لإصدار كتاب «الإباضية في موكب التاريخ» لَمْ أقدر لإنجاز عملي زمنا مُحددا، وَإِنَّمَا كنت أجمع المادة التاريخية من مصادرها التي تتيسر لي، سواء كانت في الكتب، أو عند الرجال، أو على الآثار .. وكنت وضعت في تخطيطي ألا أجهز أية حلقة حلقاته للنشر إلا بعد زيارة للموطن الذي أتحدث عنه، ولقد من يسر الله لي العمل فأصدرت الحلقة الأولى على الصورة التي رآها القراء الكرام، وهي أقل مما قدرته في نفسي، ودون ما يتطلبه الموضوع مني، وخير ممَّا زعمه ناس في ليبيا؛ حسبوا أن تأليف الكتب لا يقدم عليه شخص إلا بعد أن يأذنوا له؛ لأن الإنتاج مقصور على أقلامهم السيالة، ثُمَّ أصدرت في نفس الوقت قسمين من الحلقة الثانية، وقد جرى الحديث فيهما عن الإباضية في ليبيا، التي أتيح لي الاطلاع على كثير من البلاد فيها، والاتصال بكثير من الشخصيات ودراسة عدد غير قليل من الكتب، لا سيما كتب النوازل، كاللقط والمعلقات وغيرها، وقد أضطر إلى إعادة قراءة بعض هذه الكتب عدة مرات لاستخلاص حادث تاريخي، وقد يسر الله لي العمل فأخرجته على ما رآه القارئ الكريم، وأنا اليوم أتمنى لو يتاح لي من الوقت ما استطيع فيه إعادة هذه الحلقات من جديد؛ لأن ملاحظات كثيرة بدت لي من بعد، وأود لو تناولتها مرة أخرى، على أن هذه الأمنية هي
الحلقة
من
هذه
أمنية كل مؤلف فيما أحسب؛ لطبيعة النقص البشري، وقد بقي القسم الثالث وهو يتناول الحديث عن الإباضية في العهدين: العثماني والإيطالي، جمعت له ما تيسر لدي من مادة تاريخية ولا زلت أجمع، وعندما تتم لي الصورة التي أرتضيها سوف يخرج هذا القسم إن شاء الله. أما هذه الحلقة التي أقدمها إليك اليوم الإباضية في تونس» فقد جمعت ما تيسر لي من مادة تاريخية عنها، ولكني كنت عزمت ألا أتقدم لطبعها إلا بعد أن أزور الجمهورية (1/493)
صفحة 494
الأباضية في موكب التاريخ
492
الأباضية في تونس
التونسية، وأشاهد بصفة خاصة الوسط والجنوب وجربة بالذات؛ لأتحقق من كثير من المشاهد والوقائع التي كنت أتصورها على صورة ما.
أهدافي من
وقمت فعلا بهذه الزيارة مع بعض الأصدقاء في الصيف الماضي 1965 م، فسافرنا إلى تونس العاصمة، واقتضتنا ظروف خاصة أن نزور الجزائر، فسافرنا إليها ورجعنا إلى تونس عن طريق تقرت ومررنا بوادي سوف، ثم ببلاد الجريد إلى، قابس، ومنها إلى جزيرة جربة، ولكن هذه الرحلة قد استغرقت مدة الإجازة وكنت مضطرا إلى العودة. بقيت في جربة" يومين فقط، فكانت زيارتي لها زيارة خاطفة، لم أتمكن من تحقيق هذه الزيارة، ولكنني في نفس الوقت حاولت أن استفيد منها أكثر ما يمكن، فقمت بجولة سريعة خاطفة في الجزيرة؛ لأشاهد أحياءها وحاراتها، وبعض مساجدها، وبعض ما بها من الآثار وتمكنت من الاطلاع على فهرس المكتبة البارونية القيمة، وزرت العلامة الشيخ سالم بن يعقوب، وفتح لي مكتبته القيمة التي تحتوي على مجموعة ثمينة من المخطوطات نقل أكثرها بخطه حينما كان بمصر، وقد نقلت منها على استعجال أشياء كثيرة، واستفدت من الشيخ فوائد جمة، كما أنني اجتمعت بعدد غير قليل من أهل الجزيرة الكرام وبالطبقة المثقفة منهم على الأخص؛ علماء ومدرسين وطلابا، وتحدثوا إلي طويلا، واستفدت منهم في جميع ميادين المعرفة فوائد قيمة كان لها أثر كبير في نفسي، وسافرت من الجزيرة وأنا أشد رغبة وشوقا إلى البقاء فيها، وكنت أمني النفس بالرجوع إليها في فرصة قريبة، ولكن ذلك لم يتحقق لي. ورأيت أن أنجز عملي وأخرج الكتاب على ما هو عليه وأنا على يقين أن صورا قيمة كثيرة تنقصه، ولكنني مضطر إلى إصداره على هذا الوضع؛ لأن مسودات كتاب الإباضية في الجزائر» هي الأخرى تتنزى في الأدراج تريد الخروج، وإذ يسر الله لي العمل أيها القارئ الكريم - فأخرجت لك هذه الحلقة، فأنا أقول لك بصراحة الأخ إلى أخيه الذي لا يتكلف معه الحديث ولا يستر عنه مواطن الضعف فيه: إن هذا الكتاب لا يعطيك الدراسة التاريخية الكاملة للمذهب الإباضي في تونس ولا يضع بين يديك كل (1/494)
صفحة 495
الأباضية في موكب التاريخ
493
الأباضية في تونس المعلومات التي تحتاجها عن هذه الفرقة من فرق الأمة الإسلامية الكبرى، ولا يعرض عليك جميع الصور التي يحيط بها إطار واحد عن الإباضية في الجمهورية التونسية، ولكنه ولا شك- يضع بين يديك صورا من حياة مجتمع مسلم عاش على هذا الوطن الكريم، ولا يزال أبناؤه يعيشون محافظين على كثير من أخلاقه ومثله. وسوف تلاحظ أيها القارئ الكريم وأنت تتنقل بين فصول الكتاب بعض الإعادة والتكرار، وقد يكون ذلك مما يثقل على القارئ المستعجل والباحث المتقصى، الذي تهمه الأحداث المجردة، وأنا أعتذر إلى هؤلاء القراء الكرام ولكنني مصمم على طريقتي في العرض، ذلك أنني حين فكرت في إصدار هذا الكتاب وبدأت العمل فيه، لم أتناوله بقلم المؤرخ الذي يهتم بالأحداث البارزة وتسجيلها على المنهاج العلمي لكتابة التاريخ، ولكنني تناولته بقلم من يريد أن يعرض صورة من حياة مجتمع عاش طيلة قرون يرسمه من عدة زوايا؛ لتكتمل الصورة العامة لذلك المجتمع بجميع مناظرها، وهي طريقة لا شك لها عيوبها، ولكنني مع ذلك أفضلها في عملي هذا على السرد التاريخي الزمني المجرد، الذي يعنى بالأسماء والأرقام أكثر مما يعنى بالمعاني الاجتماعية للتاريخ، فإذا سئمت أيها القارئ الكريم من ذلك فما عليك إلا أن تضع الكتاب على الرف وأمرك الله فيما ضاع لك من
وقت ومال.
إن الكتاب لم يؤلف ليكون مرجعا يعتمد عليه الباحثون في التاريخ، ولكنه صورة لحياة من الأمة المسلمة، بما فيها من ألوان أضعها بين أيدي أبنائها البررة، حتى يتعرفوا
جانب
على الأسباب الحقيقية التي انحدرت بالأمة الإسلامية إلى ما تعانيه اليوم.
وأنا عندما أقدم هذه الصورة عن الإباضية في تونس لا أشك أنها صورة تنطبق على جميع طوائف الأمة الإسلامية في مختلف البلاد، ولذلك فمما يهمني أن يعرف الإخوة أنني طائفة معينة، أو بلد معين فليس الغرض من ذلك أنني أعتبر أن تلك الطائفة أو ذلك البلد هو أرفع من غيره وأكرم، وَإِنَّمَا الغرض أن يعرف أبناء الأمة المسلمة يجميع طوائفها وفي جميع أماكنها أنهم أمة واحدة لم تنفك عن الكفاح في سبيل الله منذ
عندما أكتب عن (1/495)
صفحة 496
الأباضية في موكب التاريخ
494
الأباضية في تونس
أشرقت قلوبها بنور الله، وأنها لم تتوقف يوما عن الجهاد رغم ما بذرته السياسة الماكرة والشهوة الغالبة من عراقيل في طريقها.
والكاتب المسلم حين يكتب عن طائفة أو عن بلد يجب أن يحرص على الرباط المتين الذي يربط بين الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها وديارها، وأن يبعد عن قلبه وعن إحساسه وعن شعوره معاني التفرقة والعنصرية والعصبية، تلك المعاني المنتنة التي استغلتها المصلحة الخاصة غير المؤمنة، وقامت بها في أحداث الزمن مطامع فردية، وسجلتها في التاريخ أقلام مأجورة، أو مغرورة أو مخدوعة على حساب العناصر، أو الأجناس، أو
المذاهب.
وإنني وأنا أقدم للقارئ الكريم هذا الكتاب عن فرقة من فرق الإسلام، في جزء من وطن الأمة المسلمة الكبير، يسرني جدا أن أعلن هنا كما أعلنت من قبل أنني لا أعتز إلا بالأمة المسلمة أمة واحدة ولا أعتز إلا بالوطن المسلم وطنا واحدا، وأن ما قدمته وأقدمه أبحاث من عن طوائف صغيرة، أو بلدان ضيقة، فإنما أكشف عن صورة من حياة هذه الأمة العظيمة في جانب من جوانبها، أو قسم من أقسامها، فإذا بدا للقارئ الكريم في أثناء قراءته ما يشعر بغير هذه الحقيقة الثابتة، أو أحس أن عبارة من العبارات تشعر بغير هذا
المعنى، أو تدعو إلى عنصرية أو تفرقة فليضرب بذلك عرض الحائط، فإن كيان الأمة المسلمة والوطن المسلم أكرم على الله وعلى الملائكة وعلى المؤمنين، وأعز من جميع الكتب والدعاة، وإنني أحسب أن إيماني بهذه الحقيقة من وحدة الأمة في مذاهبها، وأجناسها و أوطانها قربة أتوسل بها إلى الله تعالى.
عصمنا الله من الزيغ والزلل، ووفقنا إلى خير العمل، إنه نعم المولى ونعم النصير.
88 (1/496)
صفحة 497
الأباضية في موكب التاريخ
495
الأباضية في تونس
تونس
من
المغرب
كلمة "تونس" فعل مضارع مشتق من الإيناس وهو من الإنسان المؤالفة والملاطفة ومن الأمكنة سكون القلب بها، وارتياح النفس إليها، وقد أطلق المسلمون هذه الكلمة على المدينة الصغيرة الجميلة التي تقع جنوب قرطاجنة، على ربوة يحيط بها خندق طبيعي، هو كالحصن (1) لها، أما قبل الفتح الإسلامي فقد كانت هذه المدينة تسمى: "ترشيش" على ما يقوله المؤرخون. وأنا في هذا الفصل لا أريد أن أتحدث عن مدينة "ترشيش" الصغيرة التي سماها المسلمون الفاتحون "تونس"، ولا على هذه المدينة العظيمة التي أصبحت اليوم من أعظم المدن في المغرب الإسلامي، وأصبحت عاصمة يطلق اسمها على جمهورية مزدهرة، تكون جزءا هاما الإسلامي، وعضوا حيا من جسم الوطن الإسلامي الفسيح الأرجاء، فإن تونس -هذه المدينة العظيمة الجميلة- هي إحدى العواصم الإسلامية التي حملت أمانة العلم، وكانت مثابة لأبناء المسلمين في مختلف الأقطار، والتي شيدت معهد الزيتونة العامر، وحافظت على الثقافة الإسلامية قرونا طويلة، هذه المدينة لا يفي بحقها فصل في كتاب ولا يكفي للحديث عنها استطراد في مقال، على أن الحديث عن هذه المدينة ليس من غرض هذا الكتاب، وَإِنَّمَا أريد أن يعرف القارئ الكريم أنني قد استعمل كلمة "تونس" وأنا أقصد به هذا القطر المسلم الذي يقع بين ليبيا والجزائر والبحر، ويكون حلقة من الحلقات المترابطة للوطن الإسلامي الشاسع، ويسكنه قسم الله الأمة المسلمة كافحت كثيرا لحفظ المجد الإسلامي، منذ بدأ الإنسان ينحرف عن دين إلى اليوم، ولا تزال فيها بقية من عزيمة للكفاح عن دين الله وفي سبيل الله، وهذه الأمة في أدوار التاريخ الإسلامي وإن تفرقت بها المنازع السياسية، والمذاهب الدينية، والزعامات الفردية والقبلية في كثير من الأحيان، إلا أنها حافظت في مجموعها على الأصالة الإسلامية، واستمسكت بعرى الدين الحنيف وسارت على هديه ولا تزال فيها بقية تسير على ذلك
من
(1) راجع تاريخ المغرب الكبير، للأستاذ محمد علي دبوز، 2/ 115. (1/497)
صفحة 498
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
الهدى، إلى أن يأذن الله بعودة الأمة المسلمة إلى ما كانت عليه في الصدر الأول؛ من قيادة
البشرية الحائرة، وتوجيهها إلى سبيل الخلاص خلاص الإنسانية من أسباب الضلال. والحقيقة أن إطلاق كلمة "تونس" على هذا القطر، أو هذه الجمهورية، بهذا الوضع الجغرافي هي تسمية متأخرة جدا، فعندما كانت الجيوش الإسلامية تجوب هذه البلاد فاتحة، وكانت الدول الإسلامية تتركز هنا أو هناك من بلاد المغرب، وكانت المعارك الطاحنة تدور بين الجيوش المتقاتلة في كثير من الأنحاء، لم يكن يرد اسم "تونس" إلا كما يَرِدُ اسم أي مدينة يقع فيها حدث من الأحداث التاريخية التي يتناقل الناس أخبارها.
ولعل الأحداث التي وقعت في "تونس" أو في "ترشيش" نفسها إبان الفتح لم تكن أكثر من
الأحداث التي وقعت في غيرها من المدن والقرى في هذا القطر الكريم في ذلك الحين. ومهما كان الأمر فقد أصبحت كلمة "تونس" تدل فوق دلالتها على هذه المدينة الكبيرة التي أصبحت اليوم إحدى العواصم الكبرى على حقيقة جغرافية، تعني هذه الجمهورية أو هذا القطر الإسلامي المجيد بحدوده التي ذكرناها سابقا. ويعنيني في هذا الفصل أن أبين للقارئ الكريم أنني أريد أن أكشف عن صور مجيدة لحياة أمة مسلمة عاشتها طائفة منها في هذا القطر الكريم، ولا تزال تعيش. إنني أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم صورا عن حياة الإباضية، منذ الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الفرنسي للقطر التونسي العزيز، وأنا عندما أتحدث هذه الطائفة عن من المسلمين في هذا القطر من بلد الإسلام لا أدعي أبدا أن هذه الطائفة قدمت في خدمة دين الله ما لم تقدمه غيرها من الطوائف، ولا أزعم أبدا أن هذا القطر قد اختص بأمجاد إسلامية ليس لها مثيل أو شبيه في غيره من البلاد، ذلك أنني أحسب أن الأمة الإسلامية أمة واحدة بجميع طوائفها، وأن الوطن الإسلامي وطن واحد بجميع أجزائه، وأن ما يقوم به الفرد أو الفرقة من المسلمين فإنما هو راجع إلى مجد الأمة الكبرى، وأن ما يحدث في بلد من بلاد الإسلام رغم انقساماته السياسية- فإنَّما هو حدث في الوطن الإسلامي الكبير، وأن في المسلمين بجميع فرقهم وطوائفهم وأوطانهم من يجعل نصب عينه الدعوة إلى سبيل الله، والمحافظة على دين الله، والكفاح لإقامة شريعة الله، كما أراد الله.
adds and bus (1/498)
صفحة 499
الأباضية في موكب التاريخ
497
الأباضية في تونس
القيروان)
القيروان مدينة إسلامية أنشأها عقبة بن نافع وهو يفتتح المغرب الكبير، وصاحب فكرة إنشاء هذه المدينة في قلب الجمهورية التونسية لتكون مركزا للجيوش الإسلامية الفاتحة إنَّما هو معاوية بن خديج، لكنه اختطها في موضع يسمى القرن فلما ولي بعده عقبة لم يعجبه الموضع فنقلها إلى موضعها الذي أنشئت فيه. وقواد الجيوش الإسلامية الفاتحة أرادوا أن يجعلوا من المملكة التونسية نقطة تجمع وانطلاق لها، وهي تحمل الرسالة الكبرى، رسالة الإسلام إلى هذه البلاد الفسيحة الأرجاء التي تتصل بتونس من الغرب والشرق والجنوب بل والشمال بعد اجتياز البحر، ومنذ أنشأ عقبة بن نافع مدينة القيروان في قلب المملكة التونسية أصبحت مطمع أنظار المتحاربين، ولقد استطاع الإسلام أن يطهر الأراضي التونسية من أدران الشرك والوثنية في مدة قصيرة، غير أن سيطرة الإسلام على البلاد، وتولي المسلمين لقضايا الحكم وتركز الدولة في القيروان لم ييسر نشر السلام والأمن والطمأنينة بين الناس، وذلك لعدم محافظة كثير من الحكام على تطبيق أحكام الإسلام في الدماء، والأموال، ومرافق الحياة، وحرص بعضهم على الوصول إلى الحكم والاستقرار فيه بمختلف الوسائل والسبل، وقد تعاقبت الأحداث على القيروان بسرعة وبشدة، وكانت لا تستقر تحت حكم معين، فما تتولى فيها أسرة الحكم حتى تقبل عليها حملة أخرى من أسرة ثانية فتخرجها من حكم السابقين، فكانت تتعاقب عليهم الجيوش والدول والإمارات جيشا بعد جيش ودولة بعد دولة، وإمارة بعد إمارة وما يقع ذلك إلا بعد نكبات، وحتى عندما يطول عليهم حكم أسرة أو دولة، فإن
1) يعتقد الناس أن عقبة صحابي وليس كذلك قال ابن الأثير في كتابه القيم أسد الغابة: "ولد على عهد رسول الله، لا تصح له صحبة، وكان ابن خاله عمرو بن العاص، ولاه عمرو بن العاص أفريقية لما كان على مصر؛ فانتهى إلى لواته ومزاته" وبعد كلام قال: "وهو الذي بنى القيروان وذلك في زمان معاوية، وكانت هي أصل بلاد أفريقية، ومسكن الأمراء، ثم انتقلوا عنها" انتهى. (1/499)
صفحة 500
الأباضية في موكب التاريخ
498
الأباضية في تونس
الأمن لا يستقر، والسلام لا يطول؛ لأن الثورات لا تتوقف، والحروب لا تنفك تتجدد؛ إما من مناهضي الأسرة الحاكمة أو الدولة القائمة، أو حى من العناصر المتنازعة على الحكم من نفس الدولة ومن نفس الأسرة، فيذهب نتيجة لذلك كثير من الأرواح، وكثير من الخيرات التي تنتجها تلك الأرض الطيبة، فكان سكان القيروان المدنيون يعانون من ذلك أشد الويلات والمصائب حتى أصبحوا تحت أزمة نفسية مؤلمة من ذلك الوضع المتقلب الذي لا يستقر، وأصبحوا لا يهتمون للداخلين أو الخارجين ولا للمنهزمين أو المنتصرين، وبسبب الآثار المختلفة من نتائج الحروب المؤلمة، والألوان المتعددة للحكومات المتعاقبة، كان سكان القيروان يتوقون إلى سنوات من الاستقرار والسلام، ولو في ظل حكم ظالم ولكن اظالم، ولكنهم لم يظفروا بهذه الأمنية لأزمنة طويلة.
والذي نريد أن نتحدث عنه في هذا الكتاب من تاريخ القيروان الطويل الحافل المجيد، إنما هو فترة قصيرة بمقدار ما كان لها من دخل في حياة المذهب الإباضي الذي نكتب عنه في هذه المحاولة التاريخية القصيرة، فلقد كانت القيروان من المدن التي استقر فيها الحكم للأباضية في فترتين تاريخيتين، كما أن هذه المدينة العظيمة بضواحيها كانت مقرا لكثير من علماء الإباضية، وأنجبت كثيرا من الفحول، وتولى فيها التدريس والفتوى أعلام منهم، وسوف يرد ذكرها وذكر ضواحيها لا سيما الجبال المشرفة عليها في كثير من فصول هذا الكتاب. (1/500)
صفحة 501
الأباضية في موكب التاريخ
499
الأباضية في تونس
دخول المذهب الإباضي إلى تونس
في مطلع القرن الثاني الهجري بدأ المذهب الإباضي ينتشر بسرعة في تونس كما انتشر في مصر وليبيا وبقية المغرب، وأهم سبب لانتشاره بسرعة أن أتباعه والدعاة إليه حافظوا على صفاء الرسالة الإسلامية، فلم ينحرف عن النهج القويم الذي عرفه الناس لرسول الله والخلفائه الراشدين لم تلتصق به البدع الدخيلة ولم يشنه ظلم الطغاة من الولاة، فكانت المبادئ التي يدعو إليها هي المبادئ السمحة الكريمة الصافية التي يدعو إليها الإسلام منذ كان محمد، وكانت السيرة التي يسير عليها ولاته هي السيرة التي حافظ عليها المهتدون من خلفائه عليهم السلام.
ولقد كان للداعية المسلم الكبير سلمة بن سعد أثر كبير في نشر هذه الدعوة، ويظهر أن الداعية العظيم اختار لمسيره في نشر الدعوة طريقا وسطا في بلدان المغرب الشاسعة، فلم يكن طريقه في الصحراء، كما لم يكن في الشريط الساحلي، وأعتقد أنه تجنب الطرق الساحلية في رحلته الطويلة لنشر دعوته القويمة؛ حتى لا يصطدم بأعوان الدول الظالمة التي كانت تسيطر على تلك الجهات، فيتعرض لمصاعب قد تعوقه عن القيام بمهمته، كما أنه تجنب الطرق الصحراوية؛ لما يتعرض له من مشاق قطع الصحاري الواسعة، واجتياز أخطارها دون أن يكون له ما يساعده على ذلك من رفقة، ثم إن معظم السكان كانوا على المناطق الجبلية التي تخترق كلا من ليبيا وتونس والجزائر، ومروره بهذه المنطقة المتوسطة الآهلة بالسكان ييسر له الاتصال بالناس ويساعده على إيضاح الرسالة الإسلامية لهم، وتنظيمها لحياتهم أكثر من أية جهة أخرى. ولقد كانت المهمة الأولى التي يريد أن يعطيها للناس هي أن يقرر في أذهانهم الصورة الصحيحة للإسلام الصورة الصحيحة في الإيمان والعبادة والمعاملة، ذلك أن الناس تلقوا الرسالة الإسلامية من كتاب الله، سنة رسول الله، ومن ومن سيرة أصحابه رضوان الله عليهم - فآمنوا بها، واطمأنوا إليها، ووثقوا بها، فلما رأى الناس الصورة العملية (1/501)
صفحة 502
الأباضية في موكب التاريخ
500
الأباضية في تونس
عند كثير ممن يحكم باسم الإسلام بعيدة عما عرفوا من الإسلام، كون ذلك عند بعضهم رد فعل جعلهم ينحرفون أو لا يبالون، وقد استطاع سلمة بن سعد أن يقنع الناس أن نظام الإسلام ليس هو هذا النظام الذي يقوم عليه الولاة الظالمون، ومن يسير في ركابهم من قادة وجنود وأتباع، وليس هو هذا التنطع الذي يدعو إليه المبتدعة، ممن يفرق كلمة المُسلمين، ويبث الشقاق بينهم، ويحكم على مخالفيهم بأحكام المشركين، فيستبيح منهم ما يستباح من أعداء الله ولا هو في التبجح والدعوى، وكثرة الجدل، ومحبة الظهور، وَإِنَّما هو في الإيمان الذي يمتلئ به قلب المؤمن، فتستجيب له جوارحه، فيكون عبدا الله، لا يغره مظهر، ولا يخدعه منصب، ولا تغلبه نفس أمارة بالسوء، ولا يخضع الشهوة غالبة مهما كان الدافع إليها.
واستجاب الناس لهذه الدعوة الصافية الخالصة، وكان سلمة ينتقل بين المدن والقرى يوضح للناس تشريع الإسلام في إعداد فرص الحياة، ونظامه في الحكم، ومساواته بين الناس من جميع الأجناس. ولعل السكان في القطر التونسي كانوا أكثر فهما لهذه الدعوة وتعلقا بها، واستجابة لها في ذلك الحين، ولذلك فقد كونوا بعثة علمية إلى البصرة لتتم دراستها في مركز من مراكز الإشعاع الإسلامي، وسافر الطالبان النجيبان عبد الرحمن بن رستم من القيروان وأبو
داود من قبلي ليغترفا العلم من شيخ الإباضية بالعراق أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ولقد درس الطالبان على يد الإمام الكبير خمس سنوات كاملة ثم رجعا مع زملاء لهم؛ فقام عبد الرحمن بكفاح سياسي، بدأه في ليبيا، ثم انتقل به إلى تونس، ثم انتقل به إلى الجزائر، حيث أسس الدولة الرستمية الشهيرة، أما أبو داود فقد انقطع عن الكفاح السياسي والعسكري إلى الكفاح العلمي والإصلاح الديني، وكان لكفاحه هذا أكبر الأثر في تكوين جيل مثقف ثقافة إسلامية صحيحة حريص على المحافظة على دين الله كما جاء عن رسول الله.
*** (1/502)
صفحة 503
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أسباب الثورات
حمل الفاتحون الأول رسالة الإسلام إلى تونس كما حملوها إلى بقية البلاد نقية صافية كما جاءت في كتاب الله فأقبل الناس عليها يعتنقونها، ويتمسكون بها في حرص واعتزاز، ولكن لم يمض وقت طويل على انتشار الإسلام في المملكة التونسية حتى تغيرت أنظمة الحكم عن زمن الفتح، وانحرف الولاة الظالمون فشوهوا الصورة الجميلة لعدالة الإسلام ونزاهته، ومساواته بين الناس في جميع وسائل الحياة المساواة المطلقة، التي تجمع بين الأمير والفقير في كل الحقوق والواجبات، كما تجمع بينهما في المسجد لأداء الصلاة، لا يطمع قوي في شيء إلا أن يكون حقا له، ولا يخشى ضعيف أن يسلب شيئا إلا أن يكون ليس من حقه أما الكرامة والعزة والعظمة فتلك حقوق طبيعية يتساوى فيها جميع المؤمنين تحت العبودية لله، فما أن يقال: فلان أعظم من فلان أو أعز منه، إلا أن يقال: أخشى الله وأتقى، أو أشد اتباعا لأحكام الله واستمساكا بدينه، فيكون أكرم على وأحق برضاه عنه، وكرامة المؤمن عند الله ورضاه عنه هي غاية العزة والعظمة. والأفراد في الأمة الإسلامية كما يتساوون في المسجد، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي المشعر الحرام، وفي كثير من مظاهر العبادات كذلك يتساوون في المجتمع، فهم كأسنان المشط تتكافاً دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، أما المظاهر التي ينخدع بها الناس؛ كالمال والقوة والسلطة فلا قيمة لها في نظر المؤمن إلا بمقدار ما يعود منها على
الأمة - مجتمعا وأفرادا - من فوائد.
يصح
الله
إن الأموال لا قيمة لها إلا بالمقدار الضروري للحياة، أو بما ينفق منها في سبيل الله، وإن القوة لا قيمة لها إلا بمقدار ما يستطيع به الإنسان الحياة، أو بمقدار ما يصرف منها في الصالح العام، أما السلطة فلا تخلو إما أن تكون داخلة في التشريع الالهي دون طغيان، فهي صيانة لحقوق الأمة، وحفظ توازن بين القوي والضعيف وتوزيع عادل لفرص الحياة بين الناس وإتاحة الحياة الكريمة لكل فرد وتنظيم للمحافظة على الأمن والسلام، ورعاية لحدوده، (1/503)
صفحة 504
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
وتطبيق لأحكامه، واستمرار في الدعوة إليه بالوسائل التي شرعها وما إلى ذلك، فهذه هي السيرة التي وضعها الإسلام لسير الحكام .. وأما أن تكون تعديا لحدود الله وحكما بغير ما ظلم وجبروت، يجب أن يوقفها المؤمنون، وأن يضربوا على يد صاحبها، وأن
أنزل الله فهي *
يطالبوه بالتزام حدود الله.
تلك هي
الصور التي عرفها الناس لنظام الحياة تحت حكم الإسلام، فلما انحرف الأمراء والولاة بالحكم عن طريقه البين، والواضح وانحرف المفكرون بالعلم عن مجرى السنة إلى البدعة، وعن نصاعة الحق إلى ظلمة الشبهة ثار الناس.
جميع
ثاروا على الانحراف بأنظمة الحكم، وثاروا على الانحراف بحقائق العلم، فحاربوا الظلم بالسيف والقوة، وحاربوا البدعة بالبرهان، والحجة وأثبتوا صلاحية الإسلام لتنظيم الحياة بصدق الدعوة، وعدالة السيرة، وليست هذه الحركة الثورية ضد الانحراف في الحكم، أو في العلم، قاصرة على ليبيا، أو تونس أو الجزائر، ولا على الإباضية، ولكنها كانت قائمة في البلاد التي دخلها الإسلام، ثم انحرف الناس عن هديه، وحادوا عن سبيله، ولقد تختلف بعض الثورات عن بعض في القوة والاتجاه، والغرض، ولكن الباعث على أهم الحركات الثورية في الإسلام لا يبعد أن يكون سببه انحرافا في تطبيق الحكم، وأنا حين أقول هذا لا أنفي أنه قامت ثورات لم يدع إليها الإخلاص للدين، والمحافظة عليه، وَإِنَّمَا كان سببها حب السيطرة والوصول إلى الحكم، ولا سيما في العصور المتأخرة، عندما كان يتوق إلى الحكم ناس لم يتثقفوا بالثقافة الإسلامية، بل لم يكن لهم في المجال العلمي
نصيب.
على أن هناك ظاهرة يجب أن نشير إليها ونحن نتكلم عن نظام الحكم في الإسلام، وعن أسباب الثورات الكثيرة التي قامت في البلاد الإسلامية، سيما بعد تمام دولة الخلفاء
الراشدين.
إن نظام الحكم الإسلامي هو النظام الذي جاءت قواعده الأساسية في كتاب الله، ثم طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريقة عملية، وسار به خلفاؤه الراشدون ثم قامت بعد ذلك دول إسلامية كثيرة، استطاع بعضها أن يسيطر على جميع الوطن الإسلامي، وانقسم الوطن الإسلامي في (1/504)
صفحة 505
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ومن
تلك
بعض الأحايين إلى دول متعددة؛ تحكم كل دولة منها قسما من هذا الوطن الكبير، الدول من حاول أن يسير بالنظام الإسلامي في الحكم، حتى كاد أن يكون امتدادا للخلافة
الرشيدة، ومنها من بعد عن أنظمة الحكم الإسلامي حتى كاد يخرج بها عن دائرة الإسلام، وَإِنَّمَا كان همُ القائمين بالحكم أن يصلوا أو يوصلوا إلى غايات معينة دون مراعاة للقواعد التي جعلها الإسلام أسسا لبناء الحكم، كما أنهم لم يراعوا أحكام الله في الدماء والأموال والأعراض، ولكن أولئك الحكام مع ذلك البعد عن دين الله - استطاعوا بوسائل كثيرة أن يضفوا على دولهم وحكوماتهم صبغة شرعية، وأن يجعلوها معتبرة من الدول التي تقوم بأمر الله، وقد توصلوا إلى إضفاء هذه الشرعية على دولهم بطرق مختلفة؛ فمنهم من حصل عليها بالقوة والعنف، ومنهم من حصل عليها بالدماء والحيلة، ومنهم من حصل عليها بالوعود والرشوة.
وأنا حين استعمل كلمة الرشوة في هذا المقام فإنما أقصد بها ما يغدقه الحكام على رؤساء الطوائف والقبائل؛ لينضموا إلى صفوفهم، وما يجازون به الشعراء والكتاب لينشروا لهم الدعاية، ويحملوا الناس على الالتفاف حولهم والسير في ركابهم، وما يمنحونه لضعاف العلماء ليعترفوا لهم بالإمارة ويستخلصون منهم فتاوى توجب على المسلمين طاعتهم، وتحرم عليهم، نقدهم ومطالبتهم بالعدل، وتجعل الخروج عليهم باطلا تحل به الدماء والأموال، وما إلى ذلك من ألوان العقاب، ثم ما يقطعونه لأصحاب المطامع من القواد والأجناد ليكونوا آلة بأيديهم يضربون بها من يطالبهم بالحق، أو يحاسبهم على العدل. وقد نتج عن ذلك مباحث قيمة بين علماء الشريعة في جواز الثورة على الدولة الظالمة أن الإسلام يحرم الظلم، ويحاربه في جميع أشكاله وألوانه، فإن كثيرا من علماء الإسلام دعوا إلى الرضا بالحكم القائم اتقاء للفتنة، وخوفا من أن الثورة على الظالمين إلى إراقة دماء، وإلحاق مضار بالأمة قد تكون أعظم مما يرتكبه الظالمون في أحكامهم، وإذا كان هذا الفريق من علماء الشريعة يرى هذا الرأي، ويذهب هذا المذهب العلماء يرى أن إيقاف الظلم، وتغيير الحكم
وعدم جوازها، ومع
خوفا على الأمة، وإشفاقا عليها، فإن غيرهم من
تؤدي
الجائر من أول ما يجب على الأمة مهما كانت النتائج؛ لأن الاستسلام للظلم لا يولد (1/505)
صفحة 506
الأباضية في موكب التاريخ
0.2
الأباضية في تونس
العدل، ثم إن استمرار تحمل الضيم، أو قبول الجور يورث الذلة، ويربي النفوس على الخنوع ويجرى الظالمين على الاسترسال في طغيانهم، ويجعل من البشر آلهة يحكمون كما يريدون فتطول عهود الحكم الظالم وتنشأ على ذلك أجيال فتتعوده، وتعتقد أن ذلك هو الحق، لا سيما وأن الحكام الظالمين أعرف الناس، وأقدرهم على تثبيت أقدامهم في الحكم، وتوجيهه لمن يريدون وذلك بما يصطنعونه من الحواشي والأتباع، ويشترونه من الذمم والضمائر، ويتزلونه من ألوان العقوبة على من يقاوم ظلمهم، ويطالبهم باتباع الحق والعدل، ولذلك فإن هذا الفريق من العلماء يرى أن ثورة الأمة على انحراف الدولة مهما كانت النتائج أهون من الرضا بالحكم الجائر المسترسل الطويل.
المنصب،
الله
فإن
ولو أردنا أن نعتبر كل واحد من هذين الاتجاهين مبدأ لحزب، وبحثنا عن أحد كبار التابعين لنجعله على رأس هذا الحزب لاستطعنا أن نجعل على رأس القائمة الأولى أحد الإمامين: الحسن أو الزهري، ولجعلنا على رأس القائمة الثانية أحد السعيدين: ابن المسيب أو ابن جبير. وأنا حين أشير إلى هذين الاتجاهين اتِّجَاه مسالمة الدولة الظالمة الذي يمثله الحسن، أو اتجاه مقاومتها والثورة عليها الذي يمثله ابن جبير لا أدخل في حسابي أولئك المتزلفين من القدماء والمحدثين؛ الذين بهرهم البريق فاندفعوا أو يندفعون في ركاب السلطان، وقد جعلوا علمهم ودينهم وخلقهم ثمنا لما يحصلون عليه من متعة المال، أو الشهرة أو الجاه أو وسخروا ذكاءهم وكفاءتهم وبراعتهم لخدمة المنحرفين عن سبيل هؤلاء وإن بلغوا في العلم مبالغ سامقة إلا أنهم لا حساب لهم في التفكير الصحيح، ذلك أنهم مالوا إلى الدنيا من أول يوم، واتخذوا مناصرة الظالمين مبدأ، ثم أصبحوا يبحثون عن البراهين والحجج ليؤيدوا ما ذهبوا إليه. إن هذا الاختلاف في الرأي بين علماء الإسلام مراعاة لمصلحة الأمة وإشفاقا عليها، لا يرتفع إلى أن يكون خلافا مذهبيا بين الطوائف الإسلامية، وإن كان أصحاب كل مذهب قد يميلون إلى أحد الاتجاهين أكثر مما يميلون إلى الاتجاه الآخر، وإذا كان بعض الإباضية يميلون إلى اتجاه المقاومة ويرون وجوب محاربة الظلم، ومكافحة الباطل، ما كان إلى ذلك سبيل، فإن عجزت الأمة عن مقاومة الظالمين بالثورة الشاملة التي تقلب أنظمة
أئمة (1/506)
صفحة 507
الأباضية في موكب التاريخ
505
الأباضية في تونس
الحكم، وتبعد غير أهل الكفاءة والاستقامة عن التصرف في مقدرات الأمة، فإنه يجب أن تقوم فدائية تذكر الدول الظالمة أن الأمة غير راضية للحكم القائم، وإن استسلمت للقوة والقهر، وأنها لا تزال تطالب بتنفيذ أحكام الله، وأن الرجوع إلى حكم الإسلام، والتزامه والسير على منهجه، أولى لها، وأحق بها، وإن المؤمن لا يهادن الظلم وإن غلبه الظلم، أقول إذا كان بعض الأئمة يرى هذا الرأي فإن البعض الآخر يميل إلى المسالمة، كما فعل الإمام الأكبر جابر بن زيد.
ومنهم من يرى سلوك طريق وسط في الموضوع، وذلك بالنظر إلى حالة الأمة؛ فإذا خشي أن تكون المقاومة سببا إلى فتنة تكون المضرة فيها على الأمة أكثر مما يلحقها من حكم الظالمين، فإن الاستسلام، أولى وإذا كان للمقاومة أسباب تؤيد نجاحها، وترجع صلاح القائمين بعدها، ففي هذه الحالة يرون أن الإطاحة بالحكم الظالم أولى.
ولقد عانى المسلمون من الظلم والجبروت شيئا كثيرا في المملكة التونسية؛ بسبب انحراف الولاة عن حكم الله، وكان ذلك من الأسباب التي دفعت الناس إلى إشعال نار ثورات كثيرة قامت في تلك الجهات وطال بها الأمد، وامتدت وتسلسلت مع التاريخ، حتى جعلت الناس مستعدين للانضمام إلى كل ناعق رسمي للوصول إلى الحكم. وبما أن هذا الكتاب موضوع لإعطاء صور عن حياة الإباضية في تونس، فإنه من حق القارئ الكريم علينا أن نحدثه عن الثورات التي اشترك فيها الإباضية طالبين أو مطلوبين، والدوافع إليها ونتائجها ..
وفي الفصل الآتي وما بعده من الفصول سوف يجد القارئ الكريم صوراً عن هذه الحياة
التي تمتاز بكفاح طويل. (1/507)
صفحة 508
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أبو الخطاب في القيروان
يقول أبو العباس الشماخي في كتابه القيم "السير": فزحف عاصم وأخوه مكرم إلى القيروان فدخلوها بعد حرب، وفر حبيب إلى قابس ثم إلى جبل أوراس، فاستحكمت ورفجومة على القيروان وعتوا وطغوا وجاروا وساموا الناس سوء العذاب، وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، فخرج إليهم أبو الخطاب غضبا الله ولدينه".
أما كيف وردت الأخبار إلى أبي الخطاب؟ فيظهر مما يأتي: "أرسلت إليه امرأة أن لها بنتا جعلتها في مطمورة خوفا عليها من ورفجومة، وحكى ابن الرقيق عن ابن حسان أن رجلا من الإباضية دخل القيروان، فرأى ناسا من الورفجوميين كابروا امرأة على نفسها والناس ينظرون ولم ينكروا ذلك عليهم خوفا منهم فترك حاجته فأتى أبا الخطاب". ونقل آخرون ورفجومية أخرجوا امرأة وهي تصيح: "يا" معاشر المسلمين أغيثوني! .. " فلم يغثها أحد، وبلغ الخبر أبا الخطاب".
"أن
وذكر بعض المؤرخين أن أهل القيروان بعثوا يستغيثون بأبي جعفر المنصور وأهل القيروان وهم في هذا الوضع الشاذ الذي استبيحت فيه كل الحرمات، يحق لهم أن يستنجدوا بأبي الخطاب وبأبي جعفر، وبكل مؤمن يرجون منه النجدة، ويأملون فيه الإنقاذ، فإنه لا شر أن أعظم من تعيش أمة مسلمة صانت كلمة التوحيد دماءها وأموالها وأعراضها، تحت حكم ناس ينتسبون إلى الإسلام، ثم هم يرتكبون من الفواحش وألوان الظلم ما جاء الإسلام ليطهر البشرية منه، وقد اجتمع على أهل القيروان في أحداث ورفجومة استباحة المساجد حتى ربطت فيها الدواب، واستبيحت الأموال والدماء بدون حساب، وانتهكت حرمات الأعراض، حتى أصبحت الفاحشة تُؤتى علنا، وتقاد إليها الحرائر كرها بين الناس، وهي لا ترضاها حتى الضمائر الوثنية، فكيف والناس يعيشون في نور الإسلام. وهذه الفظائع التي ارتكبها عبد الملك الورفجومي وأتباعه جعلت أهالي القيروان ينظرون إلى حكم الأمراء السابقين على ما فيه من ظلم وعدوان كأنه العدل المطلق.
حالة (1/508)
صفحة 509
الأباضية في موكب التاريخ
507
الأباضية في تونس
الأمانة،
كان أبو الخطاب المعافري من أولئك العلماء الأعلام الذين يرون أنه لا يحق لامرئ مسلم أن يسكت عما يرتكبه الظالمون باسم الإمارة، والحكم، فلما بايعه المسلمون في ليبيا إماما، وأسندوا إليه القيام بشؤون الدولة في هذا الجزء من الوطن الإسلامي الكبير، أعد نفسه لحمل أن وعزم ينتهج بالمسلمين ذلك النهج الذي سار عليه الخلفاء الراشدون، وسار عليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فلما بلغه ما يقع في القيروان من المناكر، وتحقق أن الحالة بلغت من السوء إلى الحد الذي تنتهك فيه حرمات الله جهارا نهارا، دون تستر أو تأويل، والناس خوفا على أنفسهم وأعراضهم ينظرون ولا يستطيعون أن ينكروا، لما تحقق من ذلك جميع الناس، وخطب فيهم يقول: "إنني أطمع الْجَنَّة لمن يستشهد في هذه الوقعة ما لم يكن مصرا على كبيرة (1).
ولَما خرج من الاجتماع سل سيفه وكسر غمده كناية عن العزم الأكيد على الكفاح في سبيل الله، ونصرة الإسلام، والمحافظة على عدالته ونزاهته وصفائه) وقاد جيشه المتطوع في سبيل الله، وارتحل إلى القيروان فمر بقابس فجعل عليها واليا من قبله، وسار حتى بلغ القيروان فحاصرها مدة اختلف المؤرخون في تحديدها ثم لانت له، وخرج إليه عبد الملك الورفجومي بمن معه من الأتباع، وكانت معركة حاسمة انتصر فيها أبو الخطاب ودخل القيروان وكان أهالي القيروان ينتظرون نهاية الحرب في ترقب وخوف، فقد مر بهم عدد من الحروب والوقائع وهم يعرفون، نتائجها، وما تسفر عنه ويخشون ما يقاسونه بعد كل معركة من ويلات ومصائب وعندما كانت المعارك تدور بين أبي الخطاب وعبد الملك الورفجومي كان أهل القيروان ينتظرون نهاية هذه الوقائع في إشفاق وخوف، وكانوا يحسبون أن أقل ما يلحقهم من ضرر أن تكون الجيوش المحاصرة قد أتت على مزارعهم وبساتينهم، وما فيها من ثمار، وغلال مدة حصارهم لهذه المدينة الحصينة، وعندما الجنت المعركة عن هزيمه عبد الملك بدت لأهل القيروان المفأجاة الأولى؛ وقد كانوا ينتظرون ما
1) نقل كلام الإمام متصرف فمن شاء ليي فاراج سمير الشماخي، ص 128. (1/509)
صفحة 510
الأباضية في موكب التاريخ
508
الأباضية في تونس
تعودوه بعد الحروب السابقة؛ من التتبع والقتل والانتقام والغنيمة، ولكن يدا واحدة لم تمتد إليهم بسوء بعد المعركة، فكان هذا من أعجب العجب في ذلك الحين ..
وعندما خرجوا إلى ساحة القتال ظهرت لهم المفاجأة الثانية؛ فقد كان القتلى هناك صرعى على أوضاع مختلفة، ولكن أحدا لم يمس يمس ما عليهم من أسلاب، فكأنهم نائمون في ليلة صائفة، حتى وصفتهم واصفة بقولها: "كأنهم رقود".
أما المفاجأة الثالثة فقد وجدوها عندما خرجوا إلى مزارعهم وهم يتوقعون لها كل شر، فإذا بها لم تُمس، ولم يتحرك فيها شيء من موضعه اللهم إلا ما حركته عوامل الطبيعة
من وحش أو ريح.
وذاق أهل القيروان حكم الإسلام النظيف حين يطرد الباغين، ويقيم حكم الله على المسالمين، فقال قائلهم بعد أن ذهب أبو الخطاب، وقام أمراء آخرون يدعون الحكم
بالإسلام: "تشبهون دينكم بدين ابن الخطاب وأين مثل أبي الخطاب في فضله وعدله! ". ولعله من المناسب أن أنقل للقارئ الكريم في ختام هذا الفصل كلمة للأستاذ محمد المرزوقي، قال في كتابه القيم "قابس جنة الدنيا" ما يلي: "والظاهر أن قابس نعمت في ظل الإباضيين خلال ثلاث سنوات بشيء من الطمأنينة، وكثير من العدل والمساواة، فهؤلاء الناس كانوا على غاية في التشدد في الدين والتمسك بالحق، والقيام على نصرته والزهد في الدنيا". (1/510)
صفحة 511
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
عبد الرحمن بن رستم
حج عبد الرحمن بن رستم وهو صبي مع أبويه من فارس إلى البلاد المقدسة، فلما كان بمكة المكرمة توفي أبوه وتزوجت أمه رجلا من القيروان.
كان صبيا يطل الذكاء من عينيه، وتبدو النجابة على مخائله ويطالعك الظرف والأدب وخفة الروح في حركاته وسلوكه فأحبه زوج أمه وسهر على تربيته، رجع ذلك القيرواني الكريم إلى بلده يحمل معه أسرة متكونة من شخصين؛ هما عبد الرحمن وأمه، واستقر بهم المقام في القيروان وطاب، وكان الصبي من عشاق المعرفة، فتدرج في المدارس البسيطة الموجودة في هذه القرية الناشئة، حتى لم يجد عند مدارسها مزيدا، ولم تكن تلك المدارس الصغيرة والدروس المتقطعة في تلك القرية الناشئة لتطفئ غلته، وتروي ظمأه، فإن القيروان حينئذ كانت أشبه بقلعة حربية منها بعاصمة علمية وكانت أمه وزوجها لا يفتئان يحرضانه على المزيد من طلب العلم واتصل به سلمة بن سعد وحدثه عن المعاهد العلمية في الشرق الإسلامي، ولذلك فقد كان يشغله التفكير في الطريق الذي يسلكه ليستكمل دراسته، والمكان الذي يقصده ليحقق فيه غايته، والعدة التي يجب أن يستكملها ليصل إلى أمله الغالي في دراسته العلمية الطويلة، وترامى إلى سمعه الشهرة الذائعة للمعاهد العلمية في العراق، وبلغه ما تتمتع به البصرة من شهرة تطغى على بقية العواصم الإسلامية لذلك الحين، وحدثه متحدثون عن فطاحل العلماء من بقية التابعين، وتابعي التابعين الذين تزدان بهم حلق الدراسة.
كان عبد الرحمن يؤمن أن الفتى الذي يريد طلب العلم لا تصده العقبات، ولا ترده الصعاب، فإن الإرادة القوية، والعزيمة الصادقة، والرغبة الملحة، كفيلة أن تقرب المسافات البعيدة، وتيسر الطرق الصعبة، وتبعد التفكير في النفقات للزمن الطويل، وما يحتاج إليه الإنسان في كثرة الاستعداد، وإحضار الأموال، وصمم الفتى الغض الإهاب، الطري العود على السفر بعد أن أذنت له أمه. (1/511)
صفحة 512
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أتخذ الأهبة ليلحق بالعراق، ويستقر في البصرة، تلك العاصمة العلمية التي قيل فيها «باض العلم في المدينة، وفرخ في البصرة، وطار إلى عمان إنَّه يريد أن يعيش في ذلك العش الذي فرخ فيه العلم، فإن طارت منه طيور إلى عمان فهو سوف يتخذ لنفسه مطارا، ويختار لحياته مسبحا وسار الفتى وهو ما يزال في غضارة الصبا حتى وصل البصرة، واتصل بالزملاء وطلاب العلم من مختلف بلاد العالم الإسلامي، أولئك الزملاء الذين يقصدون البصرة كما قصدها هو وحدثهم وحدثوه وناقشهم وناقشوه وفاضلوا بين مجالس العلم وبين المشايخ والعلماء، حسب مداركهم وحسب منازعهم، وأراد عبد الرحمن أن يتأكد من موقفه، ومن سلامة اختياره فجال بين المساجد ودور العلم، واستمع إلى كبار تابعي التابعين، وهم يشرحون كتاب الله وسنة رسول الله، وانتقل من حلقة إلى حلقة، و من عالم إلى عالم، حتى حضر دروسا على أولئك الأعلام الذين يقومون بالدفاع عن دين في حرص وأمانة، واختار من بينهم واحدا ليتلقى عنه العلم، ويقتبس منه نور الهداية. اختار مجلس أبي عبيدة مسلم من أبي كريمة مولى بني تميم ذلك الإمام العظيم الذي يطارده طغيان الحجاج وأعوانه ويضيق عليه الخناق ويحاول أن يحول دونه ودون إبلاغ رسالة الإسلام إلى المُسلمين.
الله
اختار عبد الرحمن هذا الإمام أستاذا له ليتلقى عنه رسالة الدين، وفنون المعارف الإسلامية؛ لأنه يمتاز عن غيره من أعلام تابعي التابعين، الذين كانوا يتولون التدريس في تلك البقاع بروحه الحية المتحررة التي لم يستطع الطغيان أن يطفئ فيها جذوة الكفاح، ومناصرة الحق، والدعوة إلى تحطيم الأنظمة الفاسدة التي أقامتها دول انحرفت عن الإسلام في نظام الحكم. واستقبله أبو عبيدة كما يستقبل الأب الحنون العطوف ولدا بارا عزيزا، واحتفى به احتفاء كريما، وأضفى عليه من حبه ورعايته الشيء الكثير، وذلك لأسباب كثيرة؛ منها ما طالع منه من أدب جم، وذكاء وقاد، وفهم كثير، واستعداد للتلقي، ولطف في السلوك، ورغبة حقيقية في العلم ومنها أنه كان أصغر طلابه المغاربة سنا، ومنها أن هذا الفتى قد الألم والمرارة وهو صغير، فقد تكبد مشقة السفر من
وجد من عنت الدهر ما أحس
معه (1/512)
صفحة 513
الأباضية في موكب التاريخ
511
الأباضية في تونس
فارس إلى مكة المكرمة مع أبويه ليؤديا فريضة الحج، فتوفي أبوه في هذا الموسم الذي يعج بالناس من كل جنس لا يهتم الشخص منهم إلا بنفسه وعلاقته بربه، وترك للقدر مصير أرملة وطفل صغير في محنة الغربة البعيدة في ذلك الحين، الذي تعز فيه وسائل النقل وأسبابه وقد انحلت هذه المشكلة بطريقه لم يفكر فيها لا هو ولا أمه، فقد انقضى موسم الحج، وبدأ الناس يعودون إلى بلادهم، وكانت الأرملة العاجز تفكر في مصيرها ومصير ولدها، وتدرس الطريقة التي تمكنها من الرجوع إلى بلدها، ولكن تفكيرها الطويل ودراستها للموقف، وانشغالها به لم يوصلها إلى حل، وَإِنَّمَا جاءها الحل لحكمة يعلمها الله بطريقة لم تفكر فيها، وَإِنَّمَا ساقها القدر إليها، فقد تقدم إليها رجل من الْمَغرِب يَخطبها لنفسه، ويعدها أن يربط مصيره بمصيرها إن شاءت ويعمل على إسعادها وإبعاد ولدها الحبيب، وافقت على هذه الرغبة الكريمة، وعقد عليها القيرواني وتم الزفاف، وبدلا من أن تولي وجهها إلى مطلع الشمس حيث تعود بطفلها الحبيب إلى الأرض الحبيبة أرض الوطن، أرض فارس .. بدلا من ذلك اتجهت إلى مغرب الشمس، إلى تلك البلاد التي كانت موضوعا لا ينتهي للحديث والخيال والقصص الصادق والكاذب، وسار الولد وراء أمه إلى حيث يقدر لهما الحياة، وهو يبكي أبا عزيزا، فقده بين يدي الله في منازل الوحي، ووطنا حبيبا ولد فيه، واتخذ فيه ملاعب الصبا ومسارح الطفولة، سار الفتى وطال به المسير، يقطع أرضا بعد أرض ويجتاز فلاة بعد فلاة حتى بلغ بعد عناء ومشقة، مقر الأسرة الجديدة في القيروان المقر الذي أراد الفاتحون أن يكون مركز الدولة في إفريقيا. وشب الطفل في البيت الجديد، والوطن الجديد؛ تحت رعاية الأب الجديد، حتى اشتد ساعده، ونضج تفكيره، وفاق الأقران علما وعملا، وضاقت دور التعليم عن مواهبه، فبدأ يرنوا إلى بعيد حتى يسرت له أسباب الرحيل إلى البصرة؛ إلى مطلع الشمس، إلى ذلك البلد القريب من وطنه الحبيب. ولقد كان وهو يفكر في السفر إلى البصرة، يذكر المسافات الشاسعة التي قطعها حين
ورد إلى القيروان ولكن كان يهون عليه سلوك ذلك الطريق ويخفف من متاعبه: (1/513)
صفحة 514
الأباضية في موكب التاريخ
512
الأباضية في تونس
أولا: الغاية الكبرى التي وضعها بين عينيه من الورود إلى منابع العلم الصافية. أما ثانيا: فقد كان يداعب خياله أمل في أنه حين يصل إلى العراق سوف يكون قريبا من فارس، فيتنسط أخبار الوطن، ولعله يعرف مآل ثروة، أبيه، وأملاكه، ولعله يجد وسيلة
للحياة الكريمة في الوطن العزيز، فلما وصل البصرة، واستقر به المقام، وتلقى الدروس
أن
الأولى على أبي عبيدة تفتح عقله الكبير لحقائق أكبر مما كان يفكر فيه، وعلم المؤمن حيثما كان في بلاد الإسلام فهو في وطنه، فهو ليس فارسيا، ولا قيروانيا، ولا بصريا، ولكنه مسلم يمكنه أن يعيش في أي جزء من العالم الإسلامي الفسيح، أما المكان الذي يجب أن يستقر يه فهو أي مكان يحتاج إليه للقيام برسالته، والاستمرار في دعوته، والكفاح من أجل إقامة دين الله ومقاومة أولئك الذين يدعون زورا أنهم يحكمون بالإسلام، إنه يجب أن يعد نفسه للكفاح في سبيل الله، أما المكان الذي يعيش فيه فليس بذي أهمية؛ لأن الأقدار هي التي سوف تسوقه إليه على أن الْمُؤمِن ليس له وطن، فهو في رحلة طويلة في هذه الحياة من أجل مثل أعلى وغاية أسمى، وليس له أن يقيم إقامة الخالدين، إنه يجب عليه أن يكون مستعدا في كل حين لتحمل أعباء الرسالة في أي
مكان، وإلا فإن إيمانه بالله، وطلبه للعلم، وتحمله للمشاق لا يكون ذا جدوى. اقتنع عبد الرحمن بهذه المبادئ، ووعى حقائقها واستقرت في ذهنه، فمضى في دراسته خمس سنوات كاملة في ذلك المعهد العظيم الذي أنتج عقولا، وخرج فحولا، وتكونت له أواصر صداقة ومحبة وتفاهم مع بعض الزملاء، واشترك معهم في الاتجاه والتفكير والعمل، وبحثوا منهاج حياتهم وكفاحهم للمستقبل، ودرسوا الموطن الذي سوف يركزون فيه نضالهم، ويبدأون منه انطلاقهم من أجل الحق، وإعلاء كلمة الله، وتعاهدوا على أن يتآزروا ويتعاونوا ويعيشوا كتلة واحدة ما أمكنهم ذلك، ولم يحاول واحد منهم يدعو بقية الزملاء إلى موطنه، ليتخذوا منه قاعدة انطلاق للكفاح، فيكون قد استغل عواطفهم، ولكنهم درسوا موضوعهم على ضوء الأحداث السياسية لذلك الحين، واستقر
رأيهم أن تكون طرابلس من بلاد المغرب هي منطلق الدعوة ومبدأ الكفاح.
أن (1/514)
صفحة 515
الأباضية في موكب التاريخ
513
الأباضية في تونس
بعضهم
من
ولما تأكد الإمام العظيم من نضوج هؤلاء الفتية في دينهم، وأخلاقهم، وعقولهم، أذن لهم في السفر، والبدء في المعركة الطويلة، لتثبيت دعائم الحكم الإسلامي، فإن سهاما كثيرة توجه إليه، منها ما يصطبغ بلون السياسية، ومنها ما يصطبغ بلون العقيدة، ومنها ما يصطبغ بألوان أخرى على أنه وهو يوصيهم وصاياه الأخيرة أخبرهم أن عبد الرحمن بن رستم الفارسي قد بلغ درجة الاجتهاد في العلم، فيحق له أن يفتي بما سمع منه، سمع منه، وما لم يسمع، ولم ير لغير عبد الرحمن من أفراد البعثة العلمية هذه الدرجة العلمية، فقد أوصى أن يفتوا بما سمعوا منه فقط، أما البعض الآخر فقد أوصاهم ألا يتقدموا للفتوى، لا بما سمعوا، ولا بما لم يسمعوا، وقد أوصى المجموعة إذا تمكنت القيام بأمر الأمة، أن تولي الإمامة لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، فهذا أقوى المجموعة شخصية، وأصلبهم إرادة، وأمضاهم عزيمة، وأقدرهم على قيادة الجماهير. وتحقق رأي الإمام في المجموعة، فقد بدأوا حياتهم في طرابلس، وعرضوا الإمامة على عبد الرحمن بن رستم فامتنع منها، واحتج بوصية الإمام أبي عبيدة، فبايعوا أبا الخطاب إماما، وعندما فتح أبو الخطاب مدينة القيروان وطرد منها ورفجومية ترك عليها عبد الرحمن بن رستم الفارسي واليا، ومن أولى من عبد الرحمن بولاية القيروان وهو الذي نشأ فيها، ودرس في معاهدها وشب في مغانيها.
الرحمن بن رستم
قال أبو العباس الشماخي: "تُمَّ ارتحل من القيروان أي أبو الخطاب، وولى عليها عبد أحد حملة العلم من المشرق المتقدم ذكرهم، ورتب عبد الرحمن العمال على مدائن أفريقيا ونواحيها، وسار عبد الرحمن في القيروان سيرة مؤمن يوجهه الدين القويم، والعلم الغزير والضمير الحي، حتى تغلبت عليه قوات الدولة العباسية، وأخرجته من القيروان، فارتحل إلى الجزائر؛ حيث كان له هنالك شأن سوف نتحدث عنه في الحلقة الآتية من هذا
الكتاب إن شاء الله. (1/515)
صفحة 516
الأباضية في موكب التاريخ
514
الأباضية في تونس
أبو حاتم الملزوزي
أبو حاتم الملزوزي هو الإمام الثالث الذي بايعه المسلمون في طرابلس، بيعة مستقلة عن غيرها من الدول الموجودة في الشرق والغرب، والأسباب التي دعت الناس إلى بيعة أبي حاتم، ما ارتكبه جنود عمال العباسيين من المناكر، حتى ضج الناس بالشكوى، واجتمعوا على هي أبي حاتم، وأجبروه أن يقوم بأمر الإمامة، ليرد عن الناس عدوان أولئك الذين لم يهذب الإسلام أيديهم وألسنتهم، فاستجاب لهم على شروط شرطها عليهم وقام بأمرهم، فطرد عمال الدولة العباسية من طرابلس، واستقل بها، وأجرى فيها أحكام الله، وسار بسيرة المهتدين من أمة محمد، حتى بلغته المآسي التي كانت تقع في القيروان، واستنجد به الناس لرفع الظلم عنهم، فجهز جيشا كثيفا وأتَّجه إليهم فمر بقابس ثم سار إلى القيروان فحاصرها مدة طويلة حتى لانت له وافتتحها، وعندما انفتحت له أبواب القيروان واستسلم الجند المحاربون، عمل أعظم عمل قام به قائد حربي بعد الانتصار، فقد عفا عن الجميع، والعفو عن الجميع بعد الانتصار حادثة قد يجد لها الباحث في التاريخ البشري شبها، لكن أبا حاتم زاد عن العفو، فأطلق سراح الجند الذين كانوا يقاتلونه، بعد أن زودهم الزاد الضروري، وسلحهم السلاح الذي يدفعون عن أنفسهم العدوان الفردي من الإنسان أو الحيوان وأقام الإمام بالقيروان مدة ليست بالطويلة، بعدما رفع عن الناس ألوان الظلم، ورتب الأمور، وأشاع الأمن والسلام، وأقام قواعد العدل، ثم انطلق راجعا إلى طرابلس مركز الإمامة ومقر الحكم. قبل أن يصل الإمام إلى طرابلس بلغه أن ثورة اندلعت في القيروان، وإن حكما جديدا قد انبعث فيها، ذلك أن سكان القيروان أنفسهم أصبحوا بمعزل عن هذه الحركات، فهم عندما تبدأ الأحداث لا ينهضون لتأييد بعضها على بعض، وكل ما يرجونه أن تنتهي بسرعة على أي شكل من الأشكال فإن الظلم مع السلام أفضل من الحرب وما يجر من النكبات، ولذلك فقد كانوا يقفون من تلك الحروب موقف المتفرج، ينتظرون نهايتها، لا يعنيهم شيء، أما أولئك الذين نشأوا في حواشي الإمارات الظالمة فإنَّه لا يروق لهم أن (1/516)
صفحة 517
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ينتشر
العدل، ويسود حكم الله؛ لأن في انتشار العدل وتطبيق أحكام الله حرمانا لهم مما تعودوا أن يكسبوه بالباطل، ولذلك فما اختفى أبو حاتم وجنده من القيروان حتى اجتمع أولئك الذين ذاقوا حلاوة الرغد، واستمرؤوا طعم الظلم واعتادوا الحكم والسيطرة والمتعة، فقاموا بثورة يقلبون فيها نظام الحكم، ويردونه إلى أسوأ مما كان عليه، وسمع أبو حاتم بالحركة فاضطر أن يعود من طرابلس إلى القيروان ليقضي على هذه الحركة الجديدة، وليؤدب أولئك الذين يسعون في الأرض فسادا، وقد تم له ما أراد، وأرجع الأمور إلى نصابها، وترك على القيروان جرير بن مسعود المديوني، ولكنه ما كاد ذلك حتى بلغه أن جيوشا جرارة أقبلت من المشرق تحت قيادة يزيد بن حاتم بن قبيصة يريده فأسرع إلى لقائها.
يتم
فترة انتقالية
لقد كان أغلب سكان المملكة التونسية على المذهب الإباضي، يقول الأستاذ محمد الأستاذ لوفيسكي: "إن هذا المذهب قد جاء إلى تونس من طرابلس،
المرزوقي نقلا عن وانتشر انتشارا واسعا في الشعوب البربرية بجهات "جربة"، و"جرجيس"، و"ورغمة"، و"مطماطة"، و"نفزاوة"، و"الجريد"".
ويقول في مكان آخر من الكتاب: "وكان سكان نفزاوة على المذهب الصفري، وتحولوا إلى الإباضية في عهد الإمام عبد الوهاب، وبقي هذا المذهب هناك إلى القرن الحادي عشر الميلادي؛ حيث كان في بلدة "فطناسة" من "نفزاوة" وحدها إحدى عشر مسجدا إباضيا، وأما في "الجريد" فقد انتشرت الإباضية في زمن مبكر، وكان لها قوة عتيدة، خصوصا في أيام ازدهار مدينة "درجين" قرب نفطة"، وكان سكان "درجين" يعدون وحدهم نحو ثَمانية عشر ألف فارس، وانتشرت الوهبية بين "توزر" و"الحامة". (1/517)
صفحة 518
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ويقول بعد الكلام فكان الإباضية يؤمون نفس المساجد التي يؤمها أهل السنة، ويملون تعاليمهم، ويناقشون تلاميذهم". ويُحدثنا مؤرخ مغربي (1) أن مفتيين على رأي المذهب الإباضي كانا بالقيروان في النصف الثاني من القرن التاسع (م). ودامت مدينة القيروان إلى القرن الحادي عشر (م) مثابة للإباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعلم العربية وآدابها، وكانت فروع من مزاته وهوارة تسكن حصن القيروان، وهي على المذهب الإباضي من الوهبية، في أيام بني زيري الصنهاجيين".
ويقول بعد كلام ودخلت الإباضية إلى جبل وسلات؛ حيث كانت معروفة إلى القرن الحادي عشر، كما كان هذا المذهب موجودا بين سكان زغوان من نفوسة أثناء هذه المدة". لقد كانت هذه البلاد وغيرها من البلاد التي يسكنها الإباضية في تونس تابعة للإمامات في طرابلس تبعية فعلية، كما هو الشأن في القيروان وقابس أو تبعية محبة وعطف وتأييد فلما قتل أبو حاتم الملزوزي آخر الأئمة في طرابلس انتقلت الإمامة إلى الجزائر، وبعد أن كانت طرابلس هي مركز الإمامة أصبحت تاهرت هي المركز، وهكذا انتقلت تبعية أغلب سكان تونس لا سيما سكان الوسط والجنوب إلى تبعية الإمامة في تاهرت.
حين كان عبد الرحمن بن رستم واليا على القيروان وكانت الجيوش العباسية توالي هجوماتها على إمامات طرابلس كان يفكر في أصلح مكان لإقامة الإمامة، وكان فيما يبدو قد استعرض الأماكن المناسبة لذلك مكانا مكانا، فتحقق أن طرابلس لا تصلح لإقامة هذا البناء، فَإِنَّهَا مَمرٌ من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، والممر لا يمكن أن يستقر على حال، أما القيروان التي أخرج منها عندما قتل الإمام أبو الخطاب فهي الأخرى لا تصلح أن تكون مركزا للإمامة؛ لأنها هدف العباسيين من جهة، ومطمح طلاب الحكم من جهة أخرى، بقي عليه أن يختار مكانا آخر في الجنوب التونسي، أو في جبل نفوسة، أو
(1) هو ابن سلام من مؤرخي الإباضية وكان يعتمد في نقله على ابن زرقون (1/518)
صفحة 519
الأباضية في موكب التاريخ
517
الأباضية في تونس
في الجزائر، واستقر عزمه أن يختار الجزائر فهي أصلح مكان؛ لأنها تتوسط الْمَغرِب الإسلامي؛ ولأنه يجد فيها أنصارا وأعوانا على مكافحة الظلم، والدعوة إلى القيام بأمر الله. وسار عبد الرحمن من القيروان إلى الجزائر، بين القرى والأحياء من الإباضية لا يتعرض له أحد بسوء، حتى وصل جبل سوفجج واجتمع عليه الناس يطالبونه بإقامة الإمامة في الجزائر، بعدما قتل آخر الأئمة في طرابلس، وهكذا اختيرت تاهرت لتكون مركز الإمامة، ومنذ قامت تاهرت كانت أغلبية المملكة التونسية في الجنوب والوسط تابعة لهذه الإمامة، وكان عمال الدولة الرستمية يقيمون أحكام الله في تلك البلاد نيابة عن الدولة الرستمية، ولعل مركز الولاة كان في قابس ونفزاوة وقفصة وغيرها من المملكة التونسية، وقد استمر الجنوب والوسط التونسي تحت حكم الدولة الرستمية، إلى أن تغلبت عليها الدولة الشيعية، فخرجت تاهرت وانقرضت الإمامة من هنالك، فأصبحت هذه البلاد في بادئ أمرها شبه مستقلة، يدير شؤونها مشايخ العلم من أهلها، ثم خضعت للدول المتغلبة على أفريقيا، أعني أن هذه البلاد التي يسكنها الإباضية في ذلك الحين أصبحت بعد انقراض الدولة الرستمية غير تابعة لدولة ما، ولكنها في نفس الوقت لم تؤسس دولة أو دولا، وَإِنَّمَا كان أمرها يرجع أول الأمر إلى كبار مشايخ العلم، ثم فيما بعد إلى مشايخ العزابة، إلى أن انقرض الإباضية في بعض تلك البلاد، أو انحل مجلس العزابة من بعض الأجزاء، والحقيقة أن الدول التي قامت في القيروان أو في المهدية أو في غيرها سرعان ما وجهت حملاتها الشديدة على الإباضية، وحاربتهم محاربة لا هوادة فيها، وحاول بعض الملوك أن يحملوا الناس على اتباع مذهب الحاكم، وقد ارتكبت من أجل ذلك فظائع ومآسي كان لها أسوأ الأثر في تلك الجهات، وقد اتخذ بعض الملوك قضية المذهبية وسيلة لابتزاز الأموال، والانتقام من الخصوم، وعندما لا تتوفر لهم قضية المذهبية يتخذون وسيلة لذلك قضية عنصرية، أو أي سبب، كما وقع في درجين" و"قصطالية، بمختلف مدنها، و"جربة" و"قابس" وغيرها من البلاد، التي لا تنفك توجه إليها الضربات؛ لسبب مختلف في كثير من الأحيان، وسوف نستعرض صورا من ذلك أثناء الكتاب. (1/519)
صفحة 520
الأباضية في موكب التاريخ
518
الأباضية في تونس
أبو القاسم يزيد بن مخلد
نشأ أبو القاسم يزيد بن مخلد اليهراسني في وسط القطر التونسي، فقد ولد في الحامة، تلك البلدة الجميلة الغنية بمناظرها الطبيعية، الشهيرة بأنواع من أجود الفاكهة والثمار، وقد أصبحت اليوم منتزها يقصدها الناس للسياحة، والاستشفاء بمياهها المعدنية المتدفقة باستمرار، ورغم أن الحامة لم تجد من الدول التونسية وسياحتها ما وجدته قرية، إلا أنها لا تقل عنها وعن غيرها من الحمامات زوارا تلك الحمامات التي يؤمها الناس للاستراحة والاستجمام والاستشفاء، في هذه المدينة أو القرية التي تقع قرب قابس من جهة الغرب، والتي كانت في يوم من الأيام نقطة تجمع وارتكاز للإباضية، في هذه المدينة أو القرية تكون الرجل العظيم أبو القاسم يزيد بن مخلد، وقد بدأ عهد طفولته في الدراسة حتى ظهر على جميع الأقران، وتفوق على كل الزملاء، وتيسرت له سبل الحياة، فاجتمع لديه من المال ما جعل مركزه في المقدمة بين الْمُؤمِنين الأغنياء، وأوتي من الذكاء والألمعية، وطهارة السريرة، وشجاعة القلب، وقوة
الإرادة، وصدق العزيمة ما لا يتحلى به إلا القليل من الناس، في القليل من الأزمنة. درس علم الكلام على علامة زمانه سحنون بن أيوب، أما بقية العلوم فقد درسها على العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن زرقون، وبلغ في العلوم شأوا سبق به أساتذته، فاعتبر من كبار الأئمة الذين بلغوا درجة الاجتهاد وحسب من الأئمة العشرة المجتهدين الذين أتى كل واحد منهم بأقوال (1). الحامة إلى سجلماسة للدراسة، وأمضى هنالك فترة صالحة من شبابه في الكفاح من أجل المعرفة، ولما رجع بعد أن بلغ ما بلغ اتَّجهت إليه الأنظار، ورافقه الإمام أبو خزر يغلا بن أيوب فكانا يدرسان الكتب، مجتمعين وفي أكثر الأحيان كان أبو القاسم يقرأ وأبو خزر يستمع، وقد يقوم أبو خزر لشأن من شؤونه فيمضي أبو القاسم في القراءة، فإذا رجع أبو خزر رجع أبو القاسم فأعاد قراءة ما قرأه بعد أبي خزر، ويقول له: "لي مرتان و".
سافر من
مرة واحدة"، ثم يستمر في القراءة.
(1) راجع الدليل والبرهان 206/ 1. (1/520)
صفحة 521
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
كان أبو القاسم من علماء الطبقة السابعة (يعني النصف الأول من القرن الرابع) في أواخر عهد الدولة العبيدية، وفي عهد أعظم ملوكها المعز لدين الله الفاطمي، وكان أعظم شخصية إباضية في ذلك العصر تلتف حوله الجموع، ويستجيب له الناس، ويترلونه منزلة الإمام، وكان موطنه كما أسلفت نقطة ارتكاز يتوسط الأماكن العامرة بالإباضية، وكان كثير من الناس يعتقد أنه يعمل للقضاء على الدولة الفاطمية وتكوين إمامة عادلة، وهذا ما كان يشيعه ويخشاه رجال الدولة الفاطمية، ويحذر منه أتباعهم، ويرفعون فيه الوشايات إلى المعز لدين الله، وعندما أكثر الناس الحديث عن أبي القاسم ومطامحه في مجلس المعز اشتاق أن
يراه،
كل
فبعث إليه وحادثه وناقشه في كثير من الأمور، وعقد له مجالس المناظرة، فأعجب به الإعجاب، حتى قال فيه كلمته المشهورة لَمّا سئل عنه وعن زميله أبي خزر وأبي نوح: "أبو
القاسم لم تلد العرب مثله، وأبو خزر عالم ورع، وأبو نوح فتى مجادل"، وكان المعز يطلب من أبي القاسم أن يحضر مجالسه ويستثيره ويحترمه ويأخذ برأيه، وبلغ عنده متزلة كبرى لا يرد له طلبا، حتى إن أبا تميم غضب مرة على أهل الحامة، فبعث فرقة من الجيش لإنزال العقاب بها، وزود الفرقة برايته الحمراء التي يسميها راية السخط، دلالة على الغضب وإرادة الانتقام، فسمع أبو القاسم بذلك، فجاء إلى المعز، وطلب منه أن يرجع عن عزمه ذلك، فاستجاب الملك الكبير لطلب العالم الكبير، وسلم إليه الراية البيضاء التي تدل على الرضا، وقال له: "الحق بالجيش قبل أن يصل إلى البلد فينفذ الأمر"، وأخذ أبو القاسم الراية ولحق بالجند قبل أن يصلوا إلى الحامة بمسافة قريبة فسلم إليهم الراية البيضاء، وبلغهم أوامر الملك بالعدول عما عزم عليه، ورجع الجند بعد أن كادوا ينزلون بالناس الأبرياء ألوانا من العذاب، وكان أبو القاسم يظهر في مجلس المعز بمظهر الْمُؤْمِن المعتز بإيمانه القوي في شخصيته لا يتملقه ولا يتصاغر، له ولا يخاطبه بغير ما يخاطب به المسلمين، ولذلك فقد كان المعز يحترمه، وكان الحواشي والأتباع لا
الفرد العادي من يستطيعون أن ينطقوا بحضوره، فإذا غاب سلقوه بألسنة حداد. (1/521)
صفحة 522
الأباضية في موكب التاريخ
520
الأباضية في تونس
كان يوما في مجلس المعز، وطلب منه أن يريه سيف رسول الله هذا الفقار، وكبر على المعز أن يرد طلب أبا القاسم، فقام وأحضر السيف الكريم وسلمه لأبي القاسم، فقلبه بين يديه، ثم سله من غمده وهزه، ثم أعاده في غمده، وأرجعه إلى صاحبه، قال المعز: "لم آمنه على نفسي حين سل السيف حتى أرجعه إليَّ". قال أبو إسحاق اطفيش - رحمه الله وله -: "ولكن وزراء المعز كانوا يحفظونه على أبي القاسم، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم مكانته لدى ملكهم، وتقديمه عليهم، فاتهموه بمحاولة الاستقلال عن المعز، وما أشد هؤلاء الظلمة إنصاتا للحواشي في هذا الباب، وما أسرعهم شكا في صدق المخلص البريء مع ما رأوا من جلال الرجل ومكانته، فقد لفقوا عليه تهمة الاستقلال ودبروا له مكيدة الانفصال مملكة المعز عن بقومه، وله من القوة والنفوذ ما يبلغه ذلك لو شاء، حتى تخوف المعز من أبي القاسم، وعمرت نفسه بذلك، فكتب إلى عامله بالحامة يأمره بقتل أبي القاسم اغتيالا". وتقول كتب التاريخ أن عامل المعز على الحامة كان من أصدقاء أبي القاسم، والمعجبين به، وكان يرى أن قتل مثل هذا الرجل العظيم خسارة، ولذلك فقد حاول أن يجد له سبيلا إلى النجاة، فاقترح عليه أن يحج فلم يوافق أبو القاسم، وقال له: "لقد حججت"، فقال العامل: "إنكم معشر الإباضية تكثرون من الحج"، فقال أبو القاسم: "ليس الله عليّ أن أحج مرتين"، فاقترح عليه أن يقوم بجولة لزيارة الإخوان في جبل نفوسة فلم يوافق، فاقترح عليه أن يقوم بجولة لزيارة الإخوان في وارجلان فأصر أبو القاسم على البقاء، وقال له: "لا أخرج وأنا " لقد بذل العامل ما في وسعه ليجد سبيلا ينجو به أبو القاسم من القتل، أو أن يقتل على يد غير يده، ولكن أبا القاسم الذي فهم ما يريده العامل الصديق، لم يرد أن يفر، فهو رجل لم يرتكب إثما، ولم يقم بأي عمل يستحق عليه غضب السلطان، فإذا شاء هذا السلطان أن يلطخ يديه بدم بريء فما أحوج أبا القاسم إلى الشهادة، وحين تحقق العامل أن أبا القاسم مصر على البقاء مهما كانت الظروف، وأنه لا يريد أن يخرج من بلده ليعيش عيشة اللاجئين أراد أن يبدي له عذره في موقفه الذي سيقفه منه، فأراه ثلاث رسائل
حي
،
من السلطان يأمره فيها بقتله، وفي الأخيرة منها يقول له: "إما رأس أبي القاسم وإما رأسك". (1/522)
صفحة 523
الأباضية في موكب التاريخ
521
الأباضية في تونس
عرف أبو القاسم أن هذه الساعة هي آخر ما بقي له في الحياة، فطلب إلى العامل أن يمهله أعماله المجيدة بأفضل ما يتقرب به الْمُؤْمِن إلى ربه
مقدار ما يصلي ركعتين، وبعد أن
ختم
الجهات
استعد للحصول على الشهادة، وتوارى العامل حين دخل الجند لتنفيذ أوامر السلطان، فاستقبلهم أبو القاسم استقبال الأعزل الشجاع، واستطاع أن يتغلب على الدفعة الأولى ويستخلص منهم، سلاحا ووقعت بينه وبينهم معركة حامية سقط فيها عدد من القتلى والجرحى، ثم تغلبت الكثرة، واستشهد أبو القاسم في دار العامل -رحمه الله ورضي عنه. وكان السلطان يعرف أن هذه الحادثة لا يُمكن أن تذهب دون أن يكون لها آثارا، وكان يعتقد أن العلامة أبا مُحمَّد ويسلان تلميذ أبي القاسم - هو الشخصية التي سوف تتحرك، وتقود الجماهير، فألقى عليه القبض وأودعه السجن. وبلغ مقتل أبي القاسم مبلغا كبيرا في نفوس جَميع الذين يعرفونه من الإباضية وغيرهم، ولذلك فما سمع الناس به حتى تحركوا للثورة. وقامت ثورة واسعة النطاق، وهددت دولة السلطان الظالم، وكادت تقوض أركانها، وخشي هو عاقبة عمله فكان يرسل إلى القائمين بالثورة يتنازل لهم عن بعض البلاد ليقيموا بها دولة ولكن الثائرين الذين كان يقودهم أبو خزر لم يكونوا طلاب دولة، أو راغبين في الوصول إلى الحكم، ولكنهم كانوا يريدون أن يقف هذا الظلم عن الناس، وأن يتذكر السلطان أنه حين منح الحكم إنَّما أخذه بأمانة الله، وحقه على أن الناس، وأن يحفظ منهم، ولهم ما حفظته الشريعة القويمة، وكأنما كانت هذه الثورة التي قادها أبو خزر بسبب مقتل أبي القاسم، واعتقال أبي مُحمَّد بداية تجرأ بها الناس على السلطان الواسع النفوذ، فتبعتها ثورات متلاحقات بمختلف المقاصد والنوايا، حتى قضت على الدولة التي لم يحترم سلاطينها حقوق الناس، ولم يُحافظوا على أحكام الله. كان أبو القاسم غنيا ذا مال كثير، وكان ينفق إنفاق من يغرف من بحر، حتى ذهب العذال إلى أبيه يقولون له إن ابنك هذا لا شك، مجنون، فهو يعلّم ويطعم، ويعطي فوق ذلك من أمواله الشيء الكثير، إنه لم يكتف بأن يعلم مجانا، لا يتقاضى عن مجهوده العملي شيئا، حتى
يرعى حقوق
كان (1/523)
صفحة 524
الأباضية في موكب التاريخ
522
الأباضية في تونس
مختلف الجهات.
ينفق على طلابه ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء، ثم هو لا يقتصر على هذا المجهود العظيم في التعليم والإطعام، حتى يبذل لَهُم ولغيرهم من المحتاجين ما يرومون من أموال، ولقد كان أبو القاسم بمنزلة الإمام للإباضية، وكانت مدارسه عامرة بمجموع من الطلبة من بعد أن أتم دراسته واستعد للحياة التي يحياها الناس، وأخذ من العلم ما يفتح أمامه آفاق المعرفة، فكر في الزواج، وبحث عن امرأة تجمع بين الخصال التي يطلبها أمثاله من خلق ودين وعلم، فوجدها في فتاة من أسرة كريمة كانت تسمى "الغاية"، لَها من الجمال والخلق والدين والعلم ما يرشحها لأن تكون زوجة له فخطبها من أهلها وزفت إليه فكانت في بيته مرجعا للمؤمنات، ومرشدة هادية للفتيات وقدوة صالحة للمقتديات الصالحات وعندما توفي أبو القاسم بقيت الغاية مقصدا لطلاب العلم والدين والخلق القويم، وكان العلماء والمشايخ يزورونها، ويستشيرونها، ويستفتونها، ويرجعون في كثير من الأحيان إلى رأيها، وكثيرا ما يلجأ إليها عالم من كبار العلماء في معضلات علم الفقه، أو علم الكلام فيقول لها: "ماذا كان رأي أبي القاسم، أو ماذا حفظت عن أبي القاسم في كذا وكذا؟! " فتجيبه بما حفظت عن زوجها. كان أبو القاسم يُحدث طلابه يوما، ويُحرضهم على الدراسة، وينصحهم بالابتعاد عن كل ما يشغلهم عن التعليم، فقال لَهُم لأن" يبلغني موت الطالب خير من أن يبلغني تزوجه"، وكانت الغاية تستمع إليه من وراء ستار، فقالت له: "لماذا تزوجت إذن؟ "، فقال لها: "لو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها الرحال" يعني وتركتك أيتها الزوجة المحبوبة. أنه يبدو تزوج من الغاية بعد سنة من بلوغها فكانت تحضر دروسه من وراء ستار، وسمعته يقول لطلابه: "إن" من يقرأ سرا في صلاته ولا يحرك شفتيه فإن صلاته باطلة"، فأعادت صلاة السنة كاملة؛ لأنها كانت تكيف ولا تحرك شفتيها في قراءة السر.
معضلة
من
هذه جوانب من حياة هذا الإمام العظيم أضعها بين يدي القارئ الكريم، دون تنسيق أو ترتيب، ليراها على وجهها الطبيعي الذي كانت عليه فإن كل ما أريد أن أعرضه إنَّما هو صور من حياة الأمة المسلمة، المتمثلة في حياة الأفراد أو الجماعات.
*** (1/524)
صفحة 525
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أبو خزر يغلا بن أيوب
أبو خزر يغلا أيوب اشتهر بابن، زلتاف وزلتاف اسم، أمه، موطنه الحامة، وعصره بن القرن الرابع، وزميله وأستاذه أبو القاسم يزيد بن مخلد وقد بلغ درجة الاجتهاد، وانفرد بآراء في علم الكلام، اعتبر من أجلها إماما.
عاش أبو خزر في الفترة المضطربة الهائجة من القرن الرابع، فقد جمع السلطان بالمعز لدين الله الفاطمي، فاستحل لتوطيد ملكه دماء الناس وأموالهم واستغل الخلاف المذهبي لذلك أبشع استغلال، وأطلق أيدي الجند والعامة ترتكب ما تشاء من المناكر في كل مخالف لمذهب السلطان، وأصاب الإباضية من هذا البلاء والأذى كثيرا، مثلما أصاب غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى، وكان العامة يهيجون ويتهيئون للثورة، ولكن الإمامين أبا القاسم وأبا خزر يهدئاهم، ويدعوانهم إلى السكينة والاعتصام بالصبر، فلما تجرأ المعز وقتل أبا القاسم يزيد بن مخلد، نفذ أبي خزر ودعا إلى الثورة، غير أن كثيرا من العلماء كانوا غير موافقين على اتخاذ هذه الخطوة؛ من هؤلاء أبو مُحمَّد ويسلان وأبو صالح اليهراسني، وكان هذا الفريق من العلماء يرون أن الصبر على الظلم أهون من الحرب وأقل شرا، لكن أبا خزر صمم، وصمم معه المتحمسون من الشباب، وقد درس الموضوع، واتخذ الخطوات التي رآها لازمة لبدء الثورة، فبعث أبا نوح سعيد بن زنغيل إلى جبل نفوسة و "جربة" فاستشارهم، وطلب منهم فأجابه أهل الجبل بأنهم مهددون كل يوم بالفتن والحروب، ولكنهم مع ذلك سيقفون معهم إذا تم لَهُم القيام، ووعده أهل جربة بأنَّهم على استعداد وبعث أبا محمد جمالا إلى بلاد "الزاب"،
صبر
المساعدة،
و "أريغ" و"وارجلان"، فتحمس القوم، وجمعوا عدتهم وعددهم، وبدأوا الثورة من فورهم. كان العلماء والأعيان قد بايعوا أبا خزر إمام دفاع، فلما سمع المعز لدين الله بذلك، وأن أبا خزر بدأ يستعد للقيام بثورة شاملة، فبعث إلى الجبل، وجربة"، و"وادي أريغ"، و"الزاب"، و وارجلان"، وأنه أرسل إلى الدولة الأموية في الأندلس يطلب منها النجدة والمساعدة، لَمَّا سَمع المعز الفاطمي بهذه الحركة خشي! تقضي عليه، فبعث إلى أبي خزر يعرض عليه صلحا، (1/525)
صفحة 526
الأباضية في موكب التاريخ
524
الأباضية في تونس
وذلك بأن يتخلى له عن مواطن الإباضية من بلاد الجريد، وجبال "دمر"، و"جربة"، وهم أبو خزر أن يقبل هذا الصلح ويوافق عليه، ولكن المتحمسين ممَّن كان معه لم يرضهم ذلك، إنَّهم يريدون القضاء على الدولة العبيدية التي ارتكبت فيهم أقبح أنواع الظلم، ولكي لا يتركوا مجالا للصلح بدأوا المناوشات الحربية، وهجم أهل وارجلان ومن معهم قبل أن تنتظم الصفوف وتتوحد القيادة، ووجدها المعز فرصة ذهبية لإخماد هذه الثورة، فقد استطاع أن يغري بعض القادة بالرشاوي، وأن يوجه ضربة قاسية إلى مبدأ الثورة، فأثخن في القتل، وتفرقت الجموع التي كانت تتهيأ للثورة، وطارد المعز أنصار الثورة في كل مكان فتنكر أبو نوح في ثياب راعي إبل، حتى وقعت عليه أعين الجند، فحملوه إلى السلطان، وهرب أبو خزر إلى المعقل الحصين جبل نفوسة، فبقي فيه إلى أن أرسل إليه المعز بالأمان فقدم عليه.
أخذ أبو خزر العلم عن العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن زرقون، وكانت تربطه بالإمام أبي القاسم أمتن روابط الصداقة والمحبة والإعجاب وقد كان يقتدي به في سلوكه وأخلاقه، ويساعده في أعماله وينوب عنه في أداء واجباته، ويرافقه في دراسته الطويلة، وبلغ في العلم والزهد مرتبة شهد له بها جميع الناس، حتى قال عنه المعز لدين الله الفاطمي: "إنه رجل علم وورع". كان أبو القاسم يقوم عند الإباضية مقام الإمام، يتولى فصل المشاكل، وفض المنازعات، والرشاد إلى أقوم الطرق والإشراف على مصالح الناس الاجتماعية والصلاة بهم، فإذا غاب قام أبو خزر بتلك المهمات، فهو له بمثابة الوزير. وقد ذكر المؤرخون أن أبا القاسم تأخر عن حضور الصلاة في المسجد في يوم من الأيام فأقيمت الصلاة، وتقدم أبو خزر ليؤم الناس، فأحس بحضور أبي القاسم، فتأخر وترك له المحراب والإمامة. قلت في أول الفصل أن أبا خزر دعا إلى الثورة حين قتل أبو القاسم، واستجاب له الناس، وبايعوه إمام دفاع، ولكن هذه الثورة فشلت بسبب التسرع، فهرب أبو خزر إلى جبل نفوسة واعتصم به، وحاول المعز لدين الله الفاطمي أن يصل إليه فلم يستطع، وكان الرجل يخشى أن يستعد أبو خزر من جديد، وينظم صفوفه، وأن يجعل مركز انطلاقه ذلك الجبل الأشم الحصين، وكان حريا أن ينجح في ثورته لو فعل ذلك، ولذلك فقد كان مشغولا بهذا الأمر، ولَمَّا لَم (1/526)
صفحة 527
الأباضية في موكب التاريخ
525
الأباضية في تونس
يستطع أن يصل إليه بطريق القوة، فكر في طريقة أخرى أقرب إلى تحقيق ما يريد من الحيلولة دون
قيام ثورة إباضية أخرى؛ تنبعث من مكان حصين برجاله وجباله يقول أبو إسحاق اطفيش -
-
رحمه الله ورضي عنه -: "فالتجأ إلى جبل نفوسة فظل فيه معتصما من الْمُعِزّ، حتى أرسل إليه وإلى
كل القبائل التي كانت معه بعهد الأمان، فطلبه إليه، فقدم عليه، فأكرم وفادته". المعز لدين الله الفاطمي أنه أخطأ في قتله أبا القاسم وإن هذه الثورة التي كان في
من
لقد علم
غنى عنها إِنَّمَا قامت بسبب ذلك الخطأ، ولذلك فقد غير سياسة العنف إلى سياسة اللين، فأطلق سراح أبي محمد ويسلان وعفا عن أبي نوح، وأعلن الأمان والعفو عن أبي خزر وجميع أتباعه في كل مواطنهم وهدأ الناس وألقوا بالسلاح واطمأن أبو خزر فرجع إلى موطنه الحامة، ودعاه إليه المعز أبو تميم، وأكرم وفادته وأظهر احترامه ورفعه فوق مرتبة من كان يحضره العلماء، لقد كان المعز يخشى أبا خزر إن قتله أو أطلقه ولذلك فقد أراد أن يقيده بالإحسان، وكان يعلم أن فشل الثورة السابقة إِنَّمَا كان صدفة بسبب التسرع، وكان السلطان الكبير ينوي الانتقال إلى القاهرة ويعد نفسه لذلك، وكان يعلم أنه إذا بقي أمثال أبي خزر، وأرادوا قلب نظام الحكم من بعده فإن ذلك سوف يكون شيئا يسيرا عليهم، في غياب السلطان وأكثر رجال الدولة، ولذلك فعندما عزم على الرحيل دعا إليه الإمامين أبا خزر وأبا نوح، وأخبرهما أنه متنقل إلى مصر ليتخذ القاهرة مقرا للحكم، وأنه في مسيره هذا لا غنى له عن كبار العلماء، ليجل بهم مجلسه، ويرجع إليهم في مشاكله وشوراه ويدفع بهم سورة الجدال والمناظرة، فوافق أبو خزر، أما أبو نوح فتمارض عندما بدأ السلطان بالرحيل، واكتفى المعز بأبي خزر، فإنه الرجل التي تحتل شخصيته أكبر مقام في البلاد، وتسمع كلمته دون مراجعة، وإن الناس لا يقدمون بأي خلاف على الحكومة في غيابه؛ لأنهم يعرفون أنه ما أخذ إلا رهينة، فلو قام أتباعه بشيء لوصل إليه الأذى حتى وهو في ديار الغربة.
وأمن المعز جانب الإباضية بعد موافقة أبي خزر على الرحيل، ودخل أبو خزر فعلا إلى مصر، وعاش هنالك عيشة رغد وهناء، وكان يتمنى من حين إلى حين لو أتيح له عدد من الطلبة الأذكياء؛
ليعلمهم، ويربيهم، وينفق عليهم ممَّا أتاه الله، ولكني أحسب أن هذه الأمنية لم تتحقق له. (1/527)
صفحة 528
الأباضية في موكب التاريخ
526
الأباضية في تونس
أما السلطان الذي كان يخشى على ملكه في إفريقية، وكان يفكر للمحافظة عليه الليالي الطوال، ويعمل لترسيخ دعائمه بكل الوسائل؛ حتى كان يوصي خليفته على إفريقية وهو يودعه أغرب وصية يوصي بها مسلم يتولى الحكم باسم الإسلام، فقد كان يقول لخليفته على إفريقية بلكين بن زيري الصنهاجي: "لا ترفع السيف عن البربر، ولا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا تول أحدا من أهل بيتك"، والله وحده يعلم ما هو الجواب الذي أعده المعز ليوم الحساب حين يسأل بماذا استحل دماء البربر وأموال أهل البادية أما السلطان فقد شاءت إرادة الله أن لا يبقى ملك دولتهم بعدهم إلا قليلا، ثم يقلبه عليهم من وثقوا به، وسلموه إليه، فنقض المعز بن باديس بيعتهم، وألحق دولته بالدولة العباسية بالعراق، والملك الله وحده.
أبو الخطاب وسيل بن سنتين
قمة من قمم العلم الشامخة وطود من أطواد الإيمان الراسخة، يسكن "ريصوا"، ولكنه كان ينتقل في الجنوب التونسي من بلد إلى بلد، يدعو إلى المحافظة على دين الله ودعوة الْمُؤمِنين المخلصين، ينفي عنه عبث الجاهلين، ويحارب بدع المبتدعين، ويرد كيد الضالين، ويحكم بما أنزل الله على المتخاصمين، إنه أحد أولئك العمالقة العظام الذين يكافحون في سبيل الله بكل الوسائل التي وضعتها إرادة الله في يديه، يأمر بالمعروف، وينهى المنكر، ويبين سبل الهداية، ويلقي الدروس، ويُجيب عن الفتوى، ويدعو إلى الاستمساك بحبل الله المتين، ولكنه كان في دعوته، وفي أمره ونهيه، وفي دروسه وتوجيهاته، وفي جميع مواقفه لين الجانب، سهل الخلق، يتحمل ويتجمل، ويرد بسهولة ويسر على من ينتقده بغير حق، ويذعن ويستجيب لمن ينتقده بحق، ويُحاول أن يرد إلى الصواب بحياء ورفق من يعترض أحكام الله، وينحرف عن سبيل الْمُؤمِنين، ويقصر نقده على مواضيع النقد، ولا
عن
يتجاوزها إلى الجوانب الشخصية .. يتقبل العتاب ويفرح له. (1/528)
صفحة 529
الأباضية في موكب التاريخ
527
الأباضية في تونس
كان مستقرا في "ريصوا"، وفي هذا البلد الصغير كان عدة من الطوائف الإسلامية، فاجتمعت تلك الطوائف على أن تتولى كل فرقة منها شأنا من الشؤون الدينية، أو الاجتماعية، فأسند إلى بعضها الفتوى وأسند إلى بعضها إمامة الصلاة، وأسند إلى البعض الآخر الأذان في المساجد أما الإباضية فقد أسند إليهم القضاء والأحكام، وكان أبو الخطاب هو الذي يتولى ذلك على جميع الفرق، وكانت تلك الفرق تعيش في انسجام ووئام. وكانت "ريصوا" كبقية الجنوب التونسي تابعة للدولة الرستمية، وحين انحرف اليقظان عن سبيل المؤمنين، وخالف السيرة التي سار عليها أسلافه في الدولة الرستمية، فخولت له نفسه أن يتوصل إلى مركز الحكم بالطرق التي يتبعها الظالمون، فعمل على اغتيال الإمام ليقوم هو مقامه، سخط عليه الناس، وحكم عليه المسلمون بالبراءة، وانتقدوه في كل مجمع،
وتجنبوه وتجنبوا مساعدته، والعمل تحت حكمه، ودعا كثير منهم إلى الاقتصاص منه. أما أبو الخطاب فرغم أنه يوافق الأمة على النقمة من اليقظان والحكم بالبراءة منه، إلا أنه كان لا يريد الخروج عليه، ولا يدعو إلى الثورة، بل كان يُحاول أن يهدئ الناس، وأن يروضهم على الطاعة، وأن يجمع كلمتهم، ويوحد صفهم؛ لأنه كان يرى كما يرى كثير من علماء الأمة أن الحكم القائم وإن كان ظالما أهون من الفتنة والحرب، ولذلك فقد كان يلتزم ببيعة اليقظان، آملا أن يتصلح اليقظان، أو أن يتغير الحكم تغيرا طبيعيا، فيؤول إلى إمام يقوم بأمر الله، وتضافرت الأسباب الداخلية والخارجية على اليقظان قادت إلى قتله، وإلى انقراض الدولة الرستمية، ووقع ما كان يخشاه أبو الخطاب ويحذر منه. استولت الدولة الفاطمية على أكثر الجهات التي كانت تابعة للدولة الرستمية، كما أنها استولت على مملكة الأغالبة، وفرضت الضرائب غير العادلة على الناس، فكان أبو الخطاب يجمع المقادير المفروضة من الناس، ويسلمها لأعوان الحكومة الظالمة، فبعث إليه علماء
جبل نفوسة ينتقدون عليه عدة أمور، ويطلبون منه إيضاح موقفه منها:
1 - التزامه لأمر اليقظان.
تغريمه للأرامل واليتامى. (1/529)
صفحة 530
الأباضية في موكب التاريخ
528
الأباضية في تونس
ولما بلغ ما يطلب منه إخوانه من جبل نفوسة بكي، وقال: "الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبونني على ما بلغهم من التقصير قبل يوم القيامة"، ثم أوضح لَهُم موقفه ووجهة نظره، فأبان أن تغريمه للأرامل واليتامى، وجمعه الأموال من الضعفاء والفقراء، وتقديمه لأعوان الدولة الظالمة إنَّما هو مداراة عليهم، ودفع للأذى عنهم، ورد لما يرتكبه الظالمون مع من لا يبادر إلى إحضار ما يفرض عليه من الضرائب فهو بجمعه للأموال من الناس وتقديمه إلى أعوان الدولة إنَّما يوفر عليهم العنت والإهانة والتعضيب، والمبالغة في العقوبة، وكأنه في ذلك يستند إلى القاعدة العامة التي وضعها بعض علماء الإسلام استنادا إلى الشريعة السمحة: على العالم أن ينظر للجاهل ويتحرى له مصلحته في الدنيا والآخرة". أما في التزامه الأمر لليقظان فقد قال لهم: " والتزامي الأمر لليقظان إِنَّمَا التزمه احتسابا الله لا لليقظان"، فهو لم يكن ينظر إلى شخص اليقظان، وَإِنَّمَا كان ينظر إلى الأمة ويشفق عليها، وهو في ذلك يذهب مذهب كثير من علماء الإسلام الذين عاشوا في ظلال الدول الظالمة، وأذعنوا للسلاطين الجورة، خوفا من الفتنة وطلبا للسلام، وحقنا للدماء. ويبدو لي أن أبا الخطاب حسبما يفهم من سلوكه ومن لينه وحيائه، وعشرته لمن ينقم عليه، وتعامله مع من يحكم عليه بالبراءة أنه كان يقدر وحدة الأمة المسلمة أكثر من أي شيء، فهو حريص أن تبقى الأمة في سلام، لا ترتفع فيها دعوة إلى ثورة، ولا صيحة إلى تفرقة؛ لأن الاختلاف والافتراق يؤدي بالأمة إلى حالة أشنع من الحالة التي هم عليها، فإن الحاكم الظالم قد يُمكن إصلاحه حين تستقر الأمور وتهدأ، أما انشقاق الأمة وإراقة الدماء بينها فإنَّها تؤدي لا محالة إلى القضاء عليها. ولعل الحوادث التي وقعت بعد وصول اليقظان إلى الحكم، واختلاف الناس عليه ثم قتله، أثبتت مقدار بعد نظر أبي الخطاب في هذه القضية، فقد جاء أبو عبيد الله الحجاني الشيعي فوجد اليقظان مجفوا مبغوضا فقتله، ووجد الدولة الرستمية لقمة سائغة فازدردها، ثم ارتكب من الفواحش ما كان يشفق منه نه أبو الخطاب، فقتل دون حساب، وانتهك الحرمات (1/530)
صفحة 531
الأباضية في موكب التاريخ
529
الأباضية في تونس
دون حياء، وكان من أفظع الجرائم الإنسانية التي ارتكبها إحراقه للمكتبة الكبرى
انجه
الله.
"المعصومة"، التي كانت تحوي آلافا من المجلدات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان أبو الخطاب ذكيا، وكان عالما بالشريعة الإسلامية، وكان يفهم أسرارها فهم الفقيه المحقق الذي لا يقف عند أقوال الفقهاء، وَإِنَّمَا يتغلغل إلى أسرار الشريعة في مصادرها الثابتة من الكتاب والسنة والاجماع. جاءه يوما غني من بني يهراسن يخبره أن له أخا فقيرا ممن لا يتصف بالورع، ولا يتجمل بالتقوى، وسأله هل يجوز له أن يعطيه زكاة ماله؟. ولو كان المفتي غير أبي الخطاب لأجاب دون إبطاء: أنه يشترط فيمن تعطى له الزكاة الوفاء بدين ولكن أبا الخطاب لَم يَجِب بهذا الجواب، وَإِنَّمَا طلب من الغني أن يُحضر إليه أخاه، فلما إليه أبو الخطاب، وقال له في لهجة قوية: "تب إلى الله! "، واستجاب الفقير دون تردد، فقال: "تبت إلى الله"، فالتفت أبو الخطاب إلى الغني وقال له: "أعطه زكاتك"، ثم اتَّجَه إلى الفقير وقال له: لقد ألبسناك ثوبا هو لباس التقوى، فإن تعريت منه فلا قتلك إلا الجوع"، والكلمات الأخيرة في نظري هي أهم ما في الموضوع، فلقد عمل أبو الخطاب على استثارة ضمير الرجل الفقير بالدعوة إلى التوبة، فلما استجاب له أكرمه على هذه التوبة بإعطاء الزكاة، فلما تم له ذلك أراد أن يشعره بأنه أصبح يتحلى بجمال روحي، هو جمال التقوى، وإن الإنسان العاقل لا يتجرد مما يكسبه جمالا ومحبة وغنى. ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بكلمة لإحدى النساء من ذرية أبي الخطاب عبد الأعلى حين توفي أبو الخطاب بن سنتين قالت تلك المرأة: "مات الحق، وبقيتم يا زواغة،
حضر
بطون كالأخرجة، وعمائم كالأبرقة، ونعال سجلماسية، وأحكام متعوجة". حقا إن موت أبي الخطاب قد ترك فراغا، فإن قليلا من الرجال من يملأ ذلك المكان. (1/531)
صفحة 532
الأباضية في موكب التاريخ
530
الأباضية في تونس
أبو محمد جمال المزاني
قمة شامخة من قمم العلم والكرم، جمع إلى غزارة العلم وفرة المال والجود بهما، قال فيه أبو العباس الشماخي: "وهو من السباق في العلم والعمل والندى"، وهو إلى غزارة علمه، وسعة كرمه، مؤمن من أخلص الْمُؤمِنين عبادة الله، واستمساكا بدينه ودعوة إليه.
وكان عالم اجتماع من أكثر الناس دراسة للمجتمع، ومعرفة بشؤونه، وعملا بما يصلح له ومراعاة لمصلحة الأمة التي تعيش في محنة؛ بسبب ما تعانيه من الحكام الظالمين والولاة؛ الذين لا يهمهم إلا ما يفرضون من ضرائب ويجمعون من أموال ليسترسلوا في عبثهم ولهوهم.
وهو وإن لم يسند إليه الحكم، ولم يتول إمارة، إلا أنه كان يقوم مقام الحكام والأمراء، يفصل المنازعات ويحل المشاكل، ويؤدب من يستحق التأديب، ويدعو إلى الاعتصام بدين الله على بصيرة.
هيأه مركزه الاجتماعي والعلمي إلى أن يكون أعظم شخصية يجتمع على محبته واحترامه وامتثال أوامره والرضا بأحكامه - الموافقون له في المذهب والمخالفون، وكان هو يعمل على إرضائهم في حدود الدين كان يصلي بالجميع، وفيمن يصلي بهم أتباع لبعض المذاهب التي ترى القنوت في الصلاة، فكان يقنت بآي القرآن الكريم، حتى يجمع بين من يرى القنوت ومن لا يراه وكان مع هذه السهولة قويا في دين الله، لا ينفك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مكان وأي صورة. مر في بعض أسفاره البعيدة على مدين، ووقف على تاجر قد ازدحم الناس عليه، وهو يكيل لهم ويطفف الكيل، فلطمه أبو محمد، وقال له مذكرا بكتاب الله: وأَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُحْسِرِينَ * وَرَزُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيم). فرفع إليه الرجل رأسه وهو يبتسم ابتسامة صفراء باهتة، وقال له: "فينا والله نزلت يا مغربي".
(1) سورة الشعراء: 182. (1/532)
صفحة 533
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
وكان أبو مُحمَّد يقيم أحيانا بالبادية، وكان إلى جواره رجل غني اليد، فقير القلب، تروح عليه الأنعام وتغدو، ولكن أسرته تعاني من شظف العيش، وبؤس الحياة ما يعانيه الفقراء المعدمون، فرأى أبو مُحمَّد أن إلزام هذا الرجل بالإنفاق أمر بالمعروف، ولكن الرجل غلبه شحه المطاع، فلم يقف أبو مُحمد عند الأمر بالقول، ولكنه انتقل إلى الطريقة العملية التي أجدى في كثير من الأحيان، ولقد يحسن أن أنقل لك هذه الحادثة كما صورها أبو العباس الدرجيني بأسلوبه البليغ الرائع.
هي
قال أبو العباس: وذكر أن أبا مُحمَّد جَمال كان في جواره رجل من أهل البادية في سنة مجاعة، وللرجل صرمة (1)، وقد أضر به الجوع .. وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة فيطفئ شعث نفسه وعياله، فبلغ ذلك أبا مُحمَّد، فجاءه فوجده في خيمة لا حراك له من ألم الجوع، فقام أبو محمد احتسابا في الرجل وفي يديه حربة، فدخل في إبله فعمد إلى ناقة كوماء، لم ير في إبل الرجل أسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل، فقال: "لعل غيرها يا أبا محمد"، فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، فلما نَحرها قال لَهُم: "قوموا وكلوا"، فلما أصبح أغارت عليهم غارة فاكتسحت إبل الرجل، فلولا أن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ لماتوا جوعا، فتبلغوا بشحم تلك الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم". وواضح أن البدوي لم يستفد إلا من الناقة التي نحرها أبو محمد، وهذه الظاهرة الاجتماعية التي تكشف عنها هذه القصة قد تكون من أخلاق الناس مدى الحياة، وليس غريبا أن تجد في هذا العصر ناسا يملكون الإبل بالعشرات، والأغنام بالمئات، ولكنهم مع ذلك لا يحسنون غير تزيين الأرض بتلك القطعان فهم يعيشون عيشة فقر مؤلم، تعيش أسرهم على شظف وشدة، ولا تستفيد منهم الأمة، لا يؤدون حق الله، ولا حق المجتمع، ونحن في حاجة إلى علماء في فهم أبي مُحمَّد، يتولون حمل الناس على أداء الحقوق لأنفسهم ومُجتمعاتهم حتى بالقوة، ولكنهم لا يتجاوزون في ذلك الحدود التي شرعها الله لصيانة أموال
الناس وممتلكاتهم.
(1) الصرمة: هي القطعة من النخل أو الإبل أو السحاب. انظر: المعجم الوسيط، صرم. (المراجع) (1/533)
صفحة 534
الأباضية في موكب التاريخ
532
الأباضية في تونس
كان أبو محمد الكلا بمواشيه مع بعض أحياء، مزاتة وجاءهم جباة الضرائب الذين ينتج يجمعون الأموال دون قانون أو شريعة، وطالبوا بالمقادير المفروضة، ولكن أهل الحي تهاونوا وَلَم يهتموا بهم، فقال الجباة: "إن بتنا ضاعفنا عليكم، وكلما بتنا ضاعفنا الضريبة عليكم، وبقي أهل الحي على عدم اهتمامهم وقلة اكثرائهم حماقة وخرقا لا قدرة وعزا (1)، فجاء أبو محمد إلى جباة الضرائب وقال لَهُم قفوا على ترع الأحياء، ولا تتركوا الماشية تسرح، فإنَّهم سوف يدفعون لكم، ففعلوا، فلما رأى القوم ماشيتهم محبوسة بادروا إلى الدفع، وانصرف عنهم الجباة، فقال قائلون: "إن أبا مُحمَّد أعان الظلمة على المساكين والضعفاء"، فلما بلغه نقدهم لسلوكه قال: "إن الله على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه".
ليت علماء الأمة جميعا يفهمون هذه القاعدة الهامة ويعملون بها في مختلف العصور والأزمان، فينظرون للجهال ويدلونهم على ما فيه سلامة دينهم ودنياهم، ولست أعني بطيعة الحال حمل الناس على الرضا بالظلم، فإن هذا لا يدعو إليه مؤمن إلا إذا كان مضطرا، كما كان أبو مُحمَّد وقومه، وَإِنَّمَا أريد من العالم أن يدل الجاهل على ما يصلح له فيه دينه ودنياه، من جميع مشاكل الحياة، كان أبو مُحمَّد في دقة الفهم، ومعرفة أسرار الشريعة، والتمييز بين الحقوق في المرتبة التي لا تدانى ويدل على ذلك وسائله في الحكم وإقناع الخصوم، وإلى القارئ الكريم شاهدا على ذلك: أعطى رجل من مزاته مبلغا من المال إلى رجل آخر يتجر فيه، وبينما كان التاجر يدور في الأسواق عثر على كتاب قيم، نادر هو تفسير القرآن الكريم للعلامة هود بن محكم الهواري فاشتراه فسمع به صاحب المال فجاءه، فقال للتاجر: "بل الكتاب لي، ولك رأس ووقع بين الرجلين خلاف حاد، وبلغت بهما اللجاجة حد العصبية، فانتصر لكل واحد منهما قومه وأصدقاؤه، واقترح مقترح أن ترفع المشكلة إلى أبي مُحمَّد جَمال، فطلب من التاجر أن يسلمه الكتاب فأخذه وقسمه نصفين، أعطى لكل واحد منهما نصفا، ثم قال
مالك"،
1) هذا تفسير أبي العباس الدرجيني. (1/534)
صفحة 535
الأباضية في موكب التاريخ
533
الأباضية في تونس
لَهُما على كل واحد منكما أن يستعير النصف الثاني، وينسخه، وهكذا حلت المشكلة بإرضاء الطرفين، وظفرت المكتبة الإسلامية بنسختين.
إن الحديث عن أبي مُحمَّد ومواقفه يطول، ولعل القصة الآتية كافية في التدليل على غزارة
صحيح،
علم الرجل واعتداده بنفسه، وتمسكه بذاته عندما يعتمد هذا الرأي على سند قال أبو العباس الدرجيني: وذكر أن جماعة من المشايخ توجهوا نحو طرابلس فركبوا
البحر، ونزلوا بجزيرة جربة"، وحضروا مجلسا قد حضرته فقهاء أهل "جربة" ومشيختهم؛ كأبي مسور وأمثاله فتذاكروا في الطهارة حتى وردت بينهم مسألة، فوقع فيها الاختلاف بينهم؛ وهو ما كان من نبات الأرض من الثياب هل يطهره من النجس ما يطهر الأرض والنبات؛ لأنها من جنسها أم لا؟ فأجمعوا على أن الثياب كلها حكمها في ذلك إذا نجست، واحد لا يطهرها إلا الغسل بالماء ولا يطهرها سواه، بخلاف العناصر. فخالفهم أبو مُحمَّد جمال وحده، وقال لَهُم حكم الأرض ونباتها، وما يعمل منها من ثياب جميعا واحد يطهرها تدوام الشمس والرياح عليها إذا عرضت لها المدة الطويلة، ما لَم تبق عين النجاسة قائمة قيل فنبهه بعض أصحابه وأعلمه بما كان من اتفاق الجميع، وأن اتفاقهم هو الصواب، فأقام أبو مُحمَّد يُحاجج على صحة مذهبه وقوله، ولم يرجع عنه، فقال لهم أبو مسور كفوا عنه، فإن العالم كالأجدل، إذا حلق "ضرب" هذه صور من حياة عالم من علماء الأمة، كان قدوة للمسلمين، ينهج بهم نهج الحق بكل الوسائل أذى الظالمين ولا يبالي ما يصله بسبب والاستقامة، ويخفف عنهم نقد، قصر أصحابه عن فهم مراميه ومقاصده، فرحمه الله ورضي عنه.
ذلك
من (1/535)
صفحة 536
الأباضية في موكب التاريخ
534
الأباضية في تونس
أبو مسور اليهر اسني
أبو مسور يسجا بن يوجين اليهراسني، علم من أعلام العلم والفضل والاستقامة، وجد
أسرة متسلسلة في خدمة دين الله قرونا متتابعة، ولا تزال بقاياها حتى الآن قائمة بأمر الله. بلغ أبو مسور درجة في العلم يقصر عنها الأقران وعمل في حقل الإصلاح الاجتماعي ما يعجز عنه المصلحون، كان الله المادة، رحمه غزير لطيف المعشر، سهل الخلق، لين العريكة،
ذلك
حيبا متسامحا إلى أبعد حدود الحياء والتسامح وكان ذكيا نافذ البصيرة، وكان جم التواضع حليما، يضاف إلى ذلك سعة في المال، وسخاء في النفس، وانطلاق في اليد، وكرم، مطبوع، وهذه الصفات جميعا كونت له شخصية عظيمة محبوبة، وهيأت له عند الإباضية وغير الإباضية متزلة سامية لا يصلها إلا النادر من الناس فكان ينظر إليه كما ينظر إلى الزعيم أو الحاكم المحبوب، ينتظر الناس أمره ليلبوه عن رضا ومحبة، ولكنه كان أشرف من أن يستغل محبة الناس وأنزه من أن ينحرف عن الحق، وأعدل من أن يميل مع الرغبات، وأحكم من أن لا يقدر عواقب الأمور ونتائجها.
كانت الدولة العبيدية في عصره مسئولة على أغلب المملكة التونسية، ولكن نفوذها في مواطن الإباضية كان ضئيلا، لا يتعدى مبالغ من المال تؤخذ منهم، وقد كان أبو مسور هو الحاكم الفعلي كما كان الأئمة من قبله، ولو شاء أن يستقل بالجنوب التونسي عن الدولة العبيدية لسهل عليه ذلك، ولكنه فضل أن يبقى على الوضع الذي هو عليه، والذي كان عليه الأئمة من قبل، مثل أبي القاسم وأبي مُحمَّد وغيرهم.
كان في سكان تونس عدد من مختلف الفرق الإسلامية، وكان في بعض تلك الفرق طلاب زعامة يستغلون الخلاف المذهبي أو الجنسي في الدعاية للوصول إلى مراميهم الخفية، وأغراضهم البعيدة، وكان بعض أولئك الناس كثيرا ما يلقون بالكلمة النابزة في حق أبي مسور في تغافل، ويتجاهل وينزه سمعه عن الإصغاء إليهم، ولسانه عن مجاوبتهم، ونشط بعض الناس في ذلك، وهم يقولون عنه: إنه رجل غريب عن "جربة"، وماذا يحق له (1/536)
صفحة 537
من
الأباضية في موكب التاريخ
535
الأباضية في تونس الشأن، ولو طرد لما وجد من يدعوه إلى الإقامة، وكان يتولى كل ذلك خاله خلف بن أحمد النكاري، ويتحدث به في المجالس، ويظهر الاستخفاف والاستهانة به، ويحمل الناس على عصيان، أمره وتناثرت هذه الأخبار إلى مختلف البلاد التي يسكنها الإباضية، فسمع بذلك أهل جبل نفوسة، كما سمع به سكان جبال "دمر"، و بلاد الجريد، ومدينة درجين، وبلاد أريغ، ووارجلان وما إليها.
صح
صح
ذلك
اجتمع أهل "جربة ذات يوم بمختلف مذاهبهم وأجناسهم لأمر هام، وكان أبو مسور طائفة يرأس المجلس، وكان خلف النكاري من الحاضرين مع من أتباعه، وبينما كان المجلس منعقدا إذ ورد رسول من زواغة البادية يحمل رسالة إلى أبي مسور، وقرئت الرسالة، فإذا فيها: "وقد سمعنا يا شيخ أن النكار يقعون فيك ويهمزون ويلمزون، ويُحاولون أذاك، فإن ذلك فأعلمنا، نلق علينا ثيابنا ونصر خك، وليس علينا غير الإزر والسلاح رغبة في نصرتك، وقذعا لِمَن يرومك ويُحاول ضيمك"، فالتفت أبو مسور إلى الرسول وقال له: "لم أسمع بهذا ولا لي به علم"، وانصرف الزواغي إلى قومه مطمئنا، ولم يستمر المجلس طويلا حتى ورد رسول آخر من جبال دمّر " يحمل كتابا إلى أبي مسور، وقرئ الكتاب، فإذا فيه: يا شيخ قد بلغنا أن النكار يتحركون ويسيئون إليك، ويلكئون أمرك، فإن فعرفنا، نصرخك بعسكر، يكون أوله عندك وآخره هنا، وفعل أبو مسور مع هذا الرسول الكريم ما ما فعله بسابقه فالتفت إليه وقال: "ما سمعت بهذا، ولا لي به علم"، ولكنه ما فرغ الكتاب الثاني حتى وافاه كتاب ثالث يحمله رسول من نفوسة، كان مما جاء فيه: صح فأخبرنا نكسر غمد السيوف ونصلك والسيوف مصلته في أيدينا"، والتفت أبو مسور إلى رسول نفوسة وطمأنه كما طمأن الرسولين السابقين، وأخبره أن ما بلغهم ليس صحيحا، وسافر الرسول، واستمر المجلس في بحث المشاكل التي انعقد من أجلها. ذعر القوم الذين كانوا يحسبون أن أبا مسور رجل غريب في "جربة" ليس له أنصار، وكانوا يعتقدون أن من اليسير طرده أو إيذاؤه على أن موقفه الحكيم معهم وتغاضيه عن إساءتهم المتكررة ترفعه عن التزول إلى المستوى الذي عاملوه به، مع ما هو عليه من القوة،
من
" ... فإن (1/537)
صفحة 538
الأباضية في موكب التاريخ
536
الأباضية في تونس
بن أحمد النكاري
جعلهم يفكرون في عظمة الرجل ويؤمنون بها، ويسلمون لها، وأصبح خلف يفكر بعد ذلك تفكيرا متزنا، حتى أنه صار يرد الأذى حين يسمعه، ويقول لمَن يُحاول أن يلمز
أبا مسور ولو في خفاء: "أبو مسور إمامنا أجمعين، لحمي لحمه، ودمي دمه". لقد كان أبو مسور عظيما حقا، عظمة الْمُؤمِن القوي، والعالم المتمكن، وكان واسع
سأله
الاطلاع، عالما بأسرار الشريعة، وإلى القارئ الكريم أمثلة مما يُجيب به السائلين: يوما أحد الناس عما يقرأ عند من حضره الموت، فقال: "ما سألني أحد عن ذلك منذ فارقت أبا معروف، يقرأ عند وفاة المُؤمِن قوله تعالى: وَمَا أَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَنَةُ * ارْجِعِي إِلَى ربك راضية مرضية (1)
ولعل في الحديث الآتي ما يكشف عن عظمة نفس أبي مسور وسعة اطلاعه، وعمقه في الفهم والتحليل؛ توفي له ولد عزيز عليه فأتاه المشايخ يعزونه في الفقيد الراحل، ويواسونه في مصابه، ويوصونه بالصبر الجميل، فقال لَهُم: "ما الصبر الجميل؟ " تحيّر المشايخ في الجواب، ونظر بعضهم بعضا، ولكن أحدا منهم لم يجد الجواب الذي تطمئن إليه النفس، إنهم كثيرا ما رددوا هذه الكلمة في أنفسهم، وأوصى بها بعضهم البعض، وتمثلوا بقوله تعالى في الكتاب الكريم على لسان سيدنا يعقوب ال: فصبر جميل)، وكان لها في أنفسهم صورة واضحة، ولكنهم لم يجدوا العبارة التي تضع هذا المعنى في إطار يوضح صورتها الجميلة في أنفسهم، فأرجعوا الجواب إلى الشيخ وقالوا له الجواب من عندك يا شيخ"، قال أبو مسور: "ألا تظهر المصيبة على وجه المصاب"، وفكر القوم في معنى الجملة، فوجدوا أن هذه الكلمة تعبير رائع صادق فصيح عن معنى الصبر الجميل، واقتنعوا بذلك، فلم يناقشوا الشيخ لأنهم لم يجدوا ما ينتقدونه في هذا التعريف، أو في هذا الإطار الذي وضعه للصبر الجميل، فلما رأى ما هم فيه من الاقتناع قال لَهُم وهل أيسر" من هذا؟ "، وكأنه يقول لهم: إن هذه المرتبة السامقة من الصبر الجميل لا يصل إليها إلا قليل من عباد الله المخلصين، فرد
(1) سورة الفجر: 27 - 28.
(2) سورة يوسف: 18. (1/538)
صفحة 539
الأباضية في موكب التاريخ
537
الأباضية في تونس
المشايخ إليه الجواب، فقال لَهُم ما لم يتغير الوجه، وتأمل القوم هذه الجملة فوجدوا أنها غير بعيدة عن الإطار الأول، إِنَّهَا مرتبة سامقة من الإيمان، والصبر، والاحتساب، أن تنزل المصيبة على الْمُؤمن فلا يتغير بها وجهه، ولا تبدو عليه الكآبة.
واقتنع المشايخ بهذا التعريف أيضا، ولكن الشيخ زاد فقال لهم: "وهل أسهل من هذا؟ " ونظر القوم بعضهم إلى بعض، ثم رفعوا أبصارهم إليه وقالوا: "منك الجواب"، فقال: "ما لم يبك"، أيكون عدم البكاء عند نزول المصيبة صبرا جميلا؟، وفكر المشايخ طويلا في هذا الجواب ولكنهم وافقوا عليه أخيرا، فلو لم يكن الصبر الجميل هو الذي منع الْمُؤمنين من البكاء لتعالى نحيبهم وطال بكاؤهم، ولكن الشيخ لم يكتف بهذا، فقال لهم: "وهل أسهل من هذا؟ "، فنظر إليه القوم، مستغربين، وبدأ الشك يساورهم في أن تكون متزلة الصبر الجميل أدنى من المنزلة السابقة، ولكنهم قالوا له في شبه تحد الجواب من عندك. فقال لَهُم: "ما يصح، ويدع بالويل والثبور"، وكأنه أحس بدبيب الشك في نفوس القوم، وأنهم يترددون في قبول هذا المعنى، فإن الشخص الذي تنزل به المصيبة فيضطرب لها، وتنهمر عيناه بالدموع لا يعتبر صابرا صبرا جميلا في نظرهم، ولما أحس بما يعتمل في نفوسهم شرح لهم وجهة نظره، فقال لَهُم: "لأنّ البكاء يكون من الرحمة"، نعم، إن البكاء لا يدل في جميع
لَم
الأحوال على الجزع وقلة الصبر، فإن العين وثيقة الصلة بالقلب الرقيق المفعم بالرحمة.
نشأ
في قبيلة بني يهراسن، ثُمَّ ارتحل إلى جبل نفوسة، فالتحق بمدرسة أبي معروف الكبيرة في "شَرْوَس"، وبقي فيها ثماني عشرة سنة يدرس حتى بلغ مرتبة أساتذته، وتفوق على بعضهم، وكان في ذلك الحين فقير ضيق ذات اليد فكان كثيرا ما ينقع الشعير فيشرب ماءه في وجبة، ويطبخه في الوجبة الأخرى لا يتأنق ولا يحتفل بالأكل، ولا يشغل وقته بالتوافه من الأمور، ولما أتم دراسته، وذهب إلى "جربة"، فتح الله عليه أبواب الرزق، وأغدق عليه النعمة، وآتاه من فضله، فكان من أصبر الصابرين في الأول، ومن أصدق الشاكرين في الآخر، وضع ثروته تحت تصرف الأمة، فكان ينفق منها في كل أوجه الخير، لا سيما وجه التربية والتعليم، ترجم له المؤرخ الجربي محمد أبو راس في كتابه: "مؤنس الأحبة"، فوهم في (1/539)
صفحة 540
الأباضية في موكب التاريخ
538
الأباضية في تونس
اسمه، فذكر أنه أبو مسور يصليتن، وَإِنَّما هو أبو مسور يسجا، وقد جر هذا الوهم من أبي راس الأستاذ محمد المرزوقي إلى خلط بين شخصيتين متباعدتين، فقد قال المرزوقي في تعليقه (صفحة، (9) من كتاب "مؤنس الأحبة" ما يلي: "يؤخذ مما ورد في السير للشماخى (صفحة (23)، أنه عمّر نحو مائة سنة أو تزيد؛ حيث يقول: عمر حتى بلغ الغاية في السن والهرم، وكان في زمن الإمام عبد الوهاب، وعاش بعده، المعروف أن الإمام عبد الوهاب توفي سنة 208 هـ، فإذا قدرنا أن أبا مسور حضر ومن أواخر أيام الإمام أي مفتتح القرن الثالث، وتوفي أوائل القرن الرابع، يكون قد عمر أكثر من مائة سنة، وعاش طيلة مدة الأئمة الرستميين، وحضر إلى اضمحلال دولتهم سنة 296"، هذا تعليق الأستاذ المرزوقي، والخطأ واضح في هذا التعليق، فإن الشماخي ترجم لأبي مسور يصليتين النفوسي الأدوناطي في صفحة (23)، وترجم لأبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني في صفحة 345، والكلمة التي نقلها المرزوقي قد وردت في أبي مسور النفوسى الأدوناطي من علماء الطبقة الخامسة، أي النصف الأول من القرن الثالث، أما أبو مسور يسجا بن يوجين جد الأسرة المشهورة في "جربة" فهو من علماء الطبقة السابعة، أي: النصف الأول من القرن الرابع، وقد أخذ العلم عن أبي معروف أبي معروف من علماء الطبقة السادسة، أي: النصف الثاني من القرن الثالث، فأستاذ أبي مسور اليهراسني أصغر من أبي مسور النفوسي، وبينهما نحو قرن من الزمان، ويبدو أن الذي جر المرزوقي إلى هذا الخطأ التاريخي إنَّما هو خطأ مُحمَّد أبي راس في اسم أبي مسور.
هذه صور غير وافية عن شخصية علمية من رجال الإسلام، أرجو أن يجد فيها القارئ
جوانب مشرقة تضاف إلى ما للإسلام من جوانب مشرقات.
??? (1/540)
صفحة 541
الأباضية في موكب التاريخ
539
الأباضية في تونس
ويترسم
أبو نوح سعيد بن زنغيل
يكفيه شهرة وتعريفا أنه تلميذ الإمامين الكبيرين أبي القاسم وأبي خزر، وأنه استلم منهما الرسالة، وقام بأمر الأمة بعد سفر أبي خزر إلى مصر، وعنهما أخذ العلم حتى بلغ مبلغ الفحول، ومنهما اقتبس السيرة حتى صار قدوة، وقد أوتي فصاحة وبيانا، وقوة حجة، حتى شهد له بذلك أبو تميم المعز لدين الله فقال: "أما أبو نوح ففتى مجادل"، قال أبو تميم هذه الكلمة وأبو نوح لا يزال فتى طري العود يلتزم حلق الدرس، ويتابع مجالس العلم، خطا الإمامين العظيمين يتلقى منهما المعرفة، ويجد فيهما القدوة في السيرة الحسنة، فلما قتل أبو القاسم غيلة كما مر - ودعا أبو خزر إلى الثورة كان أبو نوح أنشط القائمين بالدعوة إلى الثورة، وأشد المتحمسين للأخذ بثأر الشهيد، وكان يتنقل بين البلدان بأمر من الإمام أبي خزر يحرض الناس، ويدعوهم إلى النضال، وقد سافر إلى الجهات البعيدة مثل جبل نفوسة، وكاتب بني أمية، إنه كتلة من النشاط لا يقف ولا يستقر، ولما اجتمعت بعض الجموع على أبي خزر، وبدأوا فعلا ثورتهم في بغاي، كان أبو نوح في مقدمة المقاتلين فرسا أدهم يجول به في الميدان.
له
ورغم أن أبا نوح إنَّما نشأ بين حلق التعليم ولم يتدرب على القتال، إلا أن كتب التاريخ أثبتت من البطولة والشجاعة وقوة القلب والساعد ما يفتخر به أبطال الحروب، وعندما دارت الدائرة على جند أبي خزر كان أبو نوح يطير بفرسه من مكان إلى مكان يحمي الناس، وينفس عليهم الكرب، وتشتت الجموع، وقتل عدد غير قليل، والتجأ أبو خزر إلى جبل نفوسة، أما أبو نوح فقد تنكر في حالة راعي إبل، وجد المعز الفاطمي في تتبع الإباضية في البحث عن الشيخين أبي خزر وأبي، نوح، حتى عثرت جنوده بأبي نوح في الحالة السابقة، فألقوا عليه القبض، وأركبوه جملا وطافوا به في البلدان، فلما نزلوا به عند الليل، بادر إلى التيمم للصلاة، فقال له السجان: "أدخل الخباء واسترح وأزل عنك وعثاء السفر"، فعلم أبو نوح أنه لا يقتل حينئذ، وبقي في الحبس أياما، نيام فيقولون له: "لقد تركت القوم يقعون فيكم، ويتحدثون عنكم"، فيجيبهم قائلا: (1/541)
صفحة 542
الأباضية في موكب التاريخ
540
الأباضية في تونس
"مولانا خير منكم"، وبلغ ذلك أبا تميم فخفت حدته وغيظه وبعد أيام عفا عنه، فكان يأتيه الرجل من حاشية الأمير فيقول له: "يا حبيبي"، فيقول أبو نوح: "أرأيت حبيبا يأكل لحم حبيبه؟ "، فيجيبه الآخر: "نحن رجال الملك، من أحبَّه أحببناه، ومن كرهه كرهناه". كان أبو نوح قد كتب إلى بني أمية يستنجدهم وقد أخذ كتابه إلى أبي تميم، غير أن
كان
هو
الكتاب لم يوقعه أبو نوح، فعقد السلطان مجلسا للتشاور، وكان في الحاضرين يهودي الآخر يتولى بعض مناصب الدولة، فقال لَهُم: "أنا آتيكم بخطه"، وأخذ ورقة وقلما، ودخل على
أبي نوح في صفة الآسف على ما وقع، وقال له: "يحسن بك أن تكتب إلى الملك تعتذر إليه وتطلب منه العفو، فإنه لا عيب في طلب العفو من الملوك"، وجلس ساعة يتحدث ثُمَّ خرج، واقتنع أبو نوح بصواب رأي اليهودي، فأخذ القلم والورقة وبدأ يكتب، غير أنه لم يتم السطر الأول حتى خطرت له المكيدة، فقطع ما كتب وغير خطه تغييرا كاملا، وكتب رسالة العفو وطواها وبقي ينتظر، عُرضت الرسالتان على المجلس الذي عقده أبو تميم، فاتفقت الأغلبية على أن خط الأولى غير خط الثانية، وعقد أبو تميم مجلسا قضائيا لمحاكمة أبي نوح، ووجهت إليه فيها مختلف التهم، ولكنه استطاع أن يبرئ ساحته ببراعة وحذق مما نسب إليه.
في
جلس أبو تميم في مجلس حربي يدل على السخط، فقد لبس لباسه الأحمر وجلس تحت قبة حمراء على السرير الأحمر، ووقف الحرس حوله بالحراب، ثُمَّ أمر بإحضار أبي نوح يرسف الأغلال والقيود، فلما رأى أبو نوح هذه الهيئة أيس من الحياة، واستعد للشهادة، فسلم بلسان فصيح وجنان ثابت، فأطرق أبو تميم مليا، ثُمَّ رفع رأسه وقال: "يا سعيد! أحقا كاتبتم فينا أمية؟ " بني قال أبو نوح: "إن تقبل حُجَّتِي وترفع عذري تكلمت، وإلا فالأمير يفعل ما يشاء". قال أبو تميم: "بل" يقبل عذرك". وكان أبو نوح كما
بني
سبق
أن قلنا فصيح
اللسان، شيق البيان، واسع الاطلاع فقال: "كيف نكاتب أمية ونأمنهم، وقد علمت ما بيننا وبينهم، وهم الشجرة الملعونة (1) التي ذكر الله في القرآن".
1) قال ذلك بعض المفسرين القدماء (المؤلف)، وقد ذهب جمهور الشيعة إلى القول بذلك .. ولم يقل بذلك الشيخ إلا مكيدة للهروب في مثل هذا الموقف الحرج، فانظر في ذكائه وسعة علمه واطلاعه على أقوال الآخرين (المراجع). (1/542)
صفحة 543
الأباضية في موكب التاريخ
541
الأباضية في تونس
فلما سمع أبو تميم ذلك سره، وانطلق وتبسم فدفع إلى أبي نوح بالكتاب الذي وجهه إلى أمية وأخذ في الطريق، وقال له: "أنت" كتبت هذا الكتاب؟ " فقال أبو نوح: "والله ما هذا بني كتاب كتبته بيدي، فاختلف أهل المجلس في يمينه، قال بعضهم: "جعل ما زائدة"، وقار آخرون: "إنه لا يفطن لمثل هذا قال أبو تميم لو صادفتني يوما باغاي أتتركني لغيرك؟ قال أبو نوح: "لا! ". فرجح عند أبي تميم صدق أبي نوح في جميع ما قال أو أنه تظاهر بتصديقه، ثُمَّ قال له: "إن أدخلت إلى رجلك بالعلم، ولا تخرج إلا بالعلم. فقال أبو نوح: "عسى الله أن يجعل ذلك كفارة لذنوبي"، فغضب أبو تميم وقال: "أنحن مسيئون فيك؟ ". قال أبو نوح: ليس في ذلك ما يدل على إساءتك، ألا ترى أن الله ل يبتلي عباده فيصبرون فيؤجرون، وليس في ذلك ما يثبت الإساءة الله تبارك وتعالى".
القيود
،
بأنه
فزال غضبه ثُمَّ إن أبا نوح طلب منه العفو فعفا عنه وأعطاه مالا جزيلا، وثيابا حسانا، فرق الجميع على الناس بعد خروجه من القصر، ورآه بعض الحاشية وهو يفرق الأموال، فذهب إلى أبي تميم وأخبره أن الرجل مجنون، فقد جعل يبعثر الأموال التي منحها له، فقال أبو تميم: ليس بالرجل جنة، وَإِنَّمَا منتحل زعامة ورئاسة". حرص أبو تميم بعد ذلك أن يقرب إليه أبا نوح وأن يحضره إلى مجلسه من حين إلى آخر، وأن يستشيره في بعض الأمور، وقد سأله يوما عن مكان أبي خزر فأجابه أبو نوح لا يعرفه، فقال أبو تميم: "تأتي به دراهمنا أينما كان فسكت أبو نوح لهذا التحدي ولم يجب، فقال أبو تميم: "أترانا نخشى أمره؟ قال أبو نوح: إن أمنته وأمنت الناس في جميع الجهات لا تخشى أمره، وإذا لم تفعل فإنك تخشاه، وتخشى أمره"، وعرف أبو تميم في هذا الجواب صدق النصيحة، وإن لم يخف عليه أن أبا نوح إنما قصد خير شيعته بذلك، فبعث أبو خزر بالأمان إلى جميع مواطن الإباضية، وبلغ خبر ذلك إلى أبي خزر في جبل نفوسة فاستعد للرجوع، وعلم المعز برجوع أبي خزر إلى موطنه في الحامة، فبعث إلى أبي نوح يأمره بلقاء أستاذه وصديقه، وذهب أبو نوح فاستقبل صديقه في قابس، ثُمَّ دعاهما أبو (1/543)
صفحة 544
الأباضية في موكب التاريخ
542
الأباضية في تونس
تميم إليه وأكرم، وفادتهما، وأظهر من احترام أبي خزر وإجلاله ما لم ينله غيره، وقرب مجلسهما، وصار لا يستغني عن رأيهما، وهو يعمل كل ذلك لينسيهما حركة الثورة، وأن لا يدع في نفسيهما سببا للانتقاض عليه. ولما عزم على الانتقال إلى القاهرة حرص أول ما حرص على اصطحابهما فأجاب أبو خزر، أما أبو نوح فقد ادعى المرض يوم الرحيل، ولما جاءه أعوان الملك يدعونه إلى مرافقة الملك وجدوه مصفر اللون في حالة تدعو إلى الإشفاق، فأخبروا الملك بذلك فتركه وسافر. ويقول
المؤرخون: إن أبا نوح اغتسل بماء النخالة فاصفر لونه، حتى حسبه الناس مريضا. بعد سفر أبي خزر إلى القاهرة لم يطل المقام لأبي نوح، فكان يتنقل من فكان يتنقل من مكان إلى مكان يلقي دروس الوعظ والإرشاد، ويحث الناس على الاعتصام بدين الله، والاستمساك به، على أنه لم يأمن جانب الدولة العبيدية، لا سيما بعد وصية المعز أبي تميم لخليفته بلكين بن زيري، فانتقل إلى وارجلان وكان بها في ذلك الحين الإمام العظيم أبو صالح جنون بن يمريان، مرجع الإباضية وملاذهم وأعلم علمائهم في تلك الأنحاء، فاستقبله استقبال الأخ المحب لأخيه، وآواه إيواء الأب لأبنائه البررة الأعزاء عليه وأجرى عليه من الأموال والأرزاق ما يستطيع أن ينفق منه أبو نوح على سعة، ورغد وعامله الإباضية هنالك بما يعامل به أعاظم الرجال، وكانوا يجتمعون إليه في مسجد جنون ويستمعون إلى دروسه القيمة في شغف ورغبة وتعطش، وكان طلبة العلم لا يفارقونه، ويسمرون معه إلى ساعات متأخرة من الليل، وارتفعت بينه وبين الطلبة الكلفة حتى قال له أحدهم يوما حدثنا بكل ما حفظت"، فقال أبو نوح: "كيف أحدثكم في ليلة واحدة بما أكلت في تعلمه أقفزة من ملح". وبعد زمن اشتاق إلى موطنه فأراد الرجوع، وحاول أبو صالح أن يثنيه عن عزمه، وعرض عليه أن يقاسمه جميع أمواله وأملاكه، وكان ذا ريع كثير، فأصر أبو نوح على السفر، ولما وصل إلى المملكة التونسية، وجد الأمور قد تغيرت عما كان تغييرا كبيرا،
فقد استبدت الدولة الصنهاجية بالناس وعاملتهم أقسى معاملة، وحاربت من يخالفها (1/544)
صفحة 545
الأباضية في موكب التاريخ
543
الأباضية في تونس
في المذهب بكل الوسائل، فأسف على ذلك، قال له بعض الناس: "ما أخرجك عن وارجلان وقد أحسنوا إليك، قال: "حب" الإخوان والأصحاب".
وكان يتقلب بين بلاد الجريد، وجبال "دمر"، ومنطقة "الحامة"، يدعو الناس إلى
الله
المحافظة على دين ورحب به أجمل ترحيب واستقبله أحسن استقبال، فحدثه أبو نوح عن السيرة، ونهاه عن البدعة، وأوضح له أن الْمُؤمِن لا تخدعه الدنيا، لا بالمال، ولا بالسلطة، فوجد عنده
وعدم الاغترار بالدنيا، وذهب يوما إلى درجين فاستقبله مقدمها،
بن
حسن استماع، واستعدادا للقبول، بينما كان أبو نوح في درجين، سمع به المنصور بلكين فبعث إليه يدعوه، وقد انبعثت الشكوك من هذه الدعوة في قلب أبي نوح، ولذلك رأى أن يستشير، فذهب إلى مقدم، درجين، وأخبره بدعوة المنصور، فقال له المقدم: إن أردت المسير إليه فلا خوف عليك، وإن لم ترد كفيتك أمره، فسار أبو نوح إلى المنصور فقرب مجلسه، وأكرم، وفادته وأبقاه بجانبه، وكان كثيرا ما يرد بعض العلماء للجدال والمناقشة في بعض مسائل التوحيد وعلم الكلام، فتتحطم الشبه التي يعرضونها على حجة أبي نوح، وقد ذكرت كتب التاريخ أمثلة من تلك المناقشات، فإذا شاء القارئ الكريم الاطلاع عليها فعليه أن يرجع إلى مظانها في كتب التاريخ، التي ترجمت للإمام أبي نوح). عاش أبو نوح حياة حافلة بالعلم والعمل، ولقد تقلبت به أحداث التاريخ وانتقل من إلى مكان فعاش في المملكة التونسية، وزار بلاد الإباضية في الجزائر، وأقام بها حينا من الدهر، وذهب إلى جبل نفوسة، وتنقل بين مدنه وقراه وارتحل إلى مناطق فزان، حتى بلغ زويلة بني خطاب، وكان في جميع أحواله عندما كان تلميذا لأعظم إمامين عالمين، وعندما كان داعية من دعاة الثورة على الظلم وعندما كان متنكرا في ثياب رعي إبل، وعندما كان مقربا من السلاطين، وعندما كان متنقلا من مكان إلى مكان للوعظ والإرشاد والتعليم، كان في جميع هذه الأحوال مثال المسلم الحريص على دينه الوفي لعقيدته المخلص في عمله، الدؤوب على عمل الخير وقول الخير، والكفاح من أجل الخير، فرحم الله ذلك الرجل العظيم و
مكان
(1) منها: كتاب السير لأبي زكرياء، وكتاب الطبقات للدرجيني، وكتاب السير للشماخي ... وغيرها. (المراجع) (1/545)
صفحة 546
الأباضية في موكب التاريخ
544
الأباضية في تونس
أبو صالح اليهر اسني
نشأ أبو صالح بكر بن قاسم اليهراسني في "إزارن، وهي ناحية من البادية، خصبة المراتع، سهلة المراجع، خضراء الوديان، مونقة الربا، تعجب أصحاب الماشية، وقضى طفولته يتمتع بِمَا يتمتع به أصحاب البادية من حرية وانطلاق مع جمال الطبيعة فاكتسب بذلك قوة في البدن والإرادة، وانطلاقا ووضوحا في الخلق والطبع ودربة على الحديث وفصاحة فيه. أخذ العلم عن الأشياخ الذين كانت تمتلئ بهم تلك الأحياء الضاربة في بطون الصحراء، ثُمَّ التحق بمدرسة العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن ماطوس، فاغترف منها حتى أصبح من الفحول، وأخذ فيما أحسب عن ابن زرقون في أواخر أيامه، وأصبح علما من الأعلام يرجع إليه فيما دق وجل من الأمور، وكان مرجعا في جميع مشاكل الحياة، سواء
كانت تلك المشاكل عملية أو دينية أو اجتماعية، وحتى سياسية في بعض الأحيان. ولقد وثق فيه الناس ثقة كاملة، فولوه من أمورهم ما لا يسند إلا إلى الْمُؤْمِنِين الأكفاء، فكان إليه المرجع في الفتوى وإقامة الأحكام، وتأديب الجناة، والفصل في المشاكل، والاستمرار في إلقاء دروس العلم إلى مختلف الطبقات، فكان يتولى ذلك جميعا بحزم وقوة ودراية، ومع حرصه على إقامة العدل والمساواة بين الناس فإنه كان يرفض الفصل في المشاكل التي يكون أحد أطرافها من صنهاجة، ولا يتولى تأديب الجناة منهم، ذلك أن هذه القبيلة العاتية كانت قد تولت الحكم في المملكة التونسية في ذلك الحين فترة من الزمن، فاستبدت بالحكم، وسارت به كما شاء لها الهوى لا تتقيد بقانون ولا شريعة. وإنني حين أقول هذا الكلام تبعا للمؤرخين استغفر الله تعالى في هذا التعميم- فإنه لا شك أن أفراد القبيلة لا يتساوون، وأن فيهم ولا ريب مؤمنون يحفظون عهد الله على إقامة دينه، ويعصمهم الإيمان عن المشاركة في الإثم، وَإِنَّمَا البغي الذي حال دون إيصال الحقوق إلى أصحابها، والعدوان الذي سلط على الناس دون مبرر، والطغيان الذي تقوده شهوة السلطة حتى تبلغ به دعوة الربوبية إِنَّمَا كان بيد الفئة الحاكمة، التي وصلت إلى السيطرة على
ويحرصون (1/546)
صفحة 547
الأباضية في موكب التاريخ
545
الأباضية في تونس
مقدرات الأمة دون أن يؤهلها لذلك دينها، ولا عملها ولا خلقها، وَإِنَّمَا أوصلتها السبل الملتوية التي تجرى عليها السياسة الباغية في كل زمان، وفي كل مكان، ويبدو المؤرخون أن أبا صالح اليهراسني الذي عاش في فترة الدولة الصنهاجية، وحينما تولى الحكم
يقصه
فيها سلاطين ظلمة، يعمدون لتوطيد ملكهم بما ملكت أيديهم كان لا يستطيع أن يجري الأحكام على المجرمين هذه القبيلة؛ لأن التعصب القبلي والمذهبي في ذلك الحين قد بلغ
من
أقصى ما يُمكن أن يبلغه؛ بسبب المسلك الذي سلكه المعز لدين الله الفاطمي الصنهاجي. والحقيقة أن أبا صالح لم يتول هذه الأحكام للدولة، وَإِنَّمَا أسندها إليه العزابة، ورضي الناس به لثقتهم فيه؛ ورضاهم بحكمه، فهو يتولاها منهم رغم أنه لا يملك قوة السلطة، ولا تأييد الحكام. على أن الثورات التي كانت تندلع ألسنتها باستمرار، وزحف العرب الهلاليين وإخوانهم بني سليم، وغارات السلب والنهب التي قاموا بها، وما يصيب الأحياء الضاربة في الصحراء من الغارات والروعات واغتصاب الأموال، وما يتبع ذلك من ويلات ومصائب، أقانى أبا صالح فترك البادية، وانتقل إلى جربة" وسكن بها واستوطنها. كان أبو صالح عالما واسع المعرفة، ومؤمنا خالص الإيمان، ومربيا خبيرا بأساليب التربية السليمة وحاكما قوي الإرادة، لا تأخذه في لومة لائم، فهو إما أن يقيم
ويثبت العدل، وإما أن يتخلى عن الحكم وأسبابه.
الله
وكان حريصا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على دين
ومع
الحق،
الله
ذلك فهو
هنالك،
ومحاربة البدعة والمبتدعين، لا يحول بينه وبين ذلك تعب ولا مشقة، متواضع كريم النفس يعترف بالحق ويقر بالتقصير. أن سمع بعض المبتدعين قد استقروا في جبل "دمر"، وأنهم ينشرون بدعهم حتى كادوا أن يؤثروا بها على الناس، وأن يجدوا لدعاويهم آذانا، فاستدعى إليه ولده ويسلان، وأمره أن يصحبه في رحلته إليهم، على كبر سنه، وضعف بدنه، وتغلب الشيخوخة والهرم عليه، وكانت جبال "دمر وعرة المسالك صعبة المراقي، - قال التيجاني (1) يصف
1) رحلة التيجاني، ص 185. (1/547)
صفحة 548
الأباضية في موكب التاريخ
546
الأباضية في تونس
قسما منها: "وهو جبل مرتفع في السماء، قد سهلت فيه طرق ضيقة لا يسلكها السالك إلا على غرر، وقد تدرب أهلها على سلوكها، فهم يتنازون فيها تنازي العصم، وكذلك غنمهم وإبلهم، يسلك البعير منها مسالك لا يستطيع الآدمي سلوكها إلا بالحيلة"، فلما بلغ القرية -وهي في قمة الجبل - قصد رئيس الجبل زيري بن، كملين فاستقبله الرجل بالترحاب، ولكن الشيخ عجل عليه باللوم، والتوبيخ وأنبه على تسامحه مع هؤلاء المبتدعة الذين يزرعون البدعة، فيقودون الناس إلى الانحراف عن دين الله، ولكن مقدم "دمر" كما يسمى حينئذ اعتذر بأنه ليس لديه من العلم ما يقف به في وجه أولئك الناس، وأنه ليس في "دمر" من يستطيع الرد على أولئك الذين وجدوا الجو خاليا، فباضوا واصفروا بحجة العلم، وبرهان الاقناع، وأنه كان من واجب العلماء في "جربة" وغيرها من البلاد المجاورة أن يزوروهم وأن يعلموهم، وأن يردوا عنهم ألسنة السوء، فأجاب الشيخ: "إِنَّمَا العلماء منع
11
من
تكرار
الجفاف
من
مهمته
الزيارة ما كان عليه أهل جبل "دمر" في ذلك الحين من ضعف اقتصادي، بسبب جهة، والضرائب المتتابعة من جهة أخرى، فمجيء العلماء إليهم يكبدهم نفقات قد لا تتيسر لَهُم، فقال زيري: إذا أشفقتم علينا من الناحية الاقتصادية فهلا جئتم إلينا، وحملتم معكم أزوادكم، فقمتم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، ورد البدعة، وإحياء السنة، ولم ترزأوا الناس شيئا في أموالهم، فأعجب الشيخ بجواب زيري بن كملين مقدم جبل دمر، واعترف أن هذا القول حق وأن العلماء مقصرون، وأن الحجة قامت عليهم، وأن من يتصدى لحمل رسالة الإسلام يجب أن لا يعوقه شيء عن أداء العظيمة، كانت تتعاقب عليه حلقات من الطلبة مُختلفة المستويات، وكانت أكبر الحلقات مستوى فيها ابنه أبو محمد ويسلان، وأبو يخلف النفوسي، وكان أبو يخلف فقيها حاذقا ذكيا، كثير الحفظ، متقنا لمسائل الطهارات، ضابطا لأصولها وفروعها، فكان أبو صالح يحيل عليه الأسئلة التي ترد في الحيض والطهارات، فيجيب أبو يخلف في حياء وأدب بِمَا عنده من علم، ثُمَّ يعتذر في تواضع، وهكذا لا يستنكف كل من العلمين عن الاعتراف بالقصور، ولا يستبد به الغرور الذي يصيب بعض المتعلمين في العصر الحاضر في أنف أن (1/548)
صفحة 549
الأباضية في موكب التاريخ
547
الأباضية في تون
يسترشد من هو أعلم منه وأهدى ولقد كان إلى هذا الخلق القويم شديدا في أمر الله، ينكل بالعصاة والمجرمين، ولا تأخذه بهم رأفة في دين الله وحينما كان بالبادية قد أعد خشبة ثقيلة فيها سلاسل من الحديد يربطهم فيها عند الليل لئلا يهربوا قبل أن يجري عليهم الأدب أو تؤخذ منهم الحقوق، وعندما انتقل إلى "جربة" ألقى تلك الأخشاب بما فيها من حلق الحديد في بئر، خوفا أن تستغل في غير حق، أو تستعمل في غير ما وضعت له، وعاقب فتي ممن درس على أبي مسور، فشدد في عقابه، فذهب الفتى إلى شيخه أبي مسور يشكو إليه قسوة أبي صالح، فقال أبو مسور للفتى وطن نفسك على ما تلقى من أبي صالح، فإن الْمُؤمِن كالحديدة المحماة، تحرق ما يقع عليها، أو تقع عليه". ويبدو أن الفتى لم يتعظ بعقاب أبي صالح ولا بدرس أبي مسور فعاد إلى ما ارتكب، فأعاد الشيخ تأديبه بما عرف عنه من الشدة في دين الله، فذهب هذه المرة إلى أبي زكرياء يشكو إليه ما يلقى من أبي صالح، وكان ينتظر أن يقف أبو زكرياء إلى جانبه وأن يطلب من أبي صالح أن لا يلجأ إلى العنف في تأديب هذا الرجل، ولكن أبا زكرياء حين سمع منه ذلك تجهم وجهه، وبدا الغضب عليه، وقال له في قوة: "أرجو ألا يؤاخذ الله أبا صالح فيما ترك من تمام، أدبك، فإن أباك ذكر أنك تنتف لحيته، وهكذا تعاون المشايخ على تأديب العصاة، واتفقوا على أسلوب أبي صالح وطريقته.
هذه الشدة التي يستعملها العصاة المتقدمين في السن، فقد كان
مع
وأبو صالح مع رحيما، رقيق القلب، واسع الصدر، لا يلجأ إلى الشدة إلا للضرورة، ويستعمل وسائل التربية الإقناعية، ما لم تدع الضرورة إلى غيرها.
كان موضوع الدرس في يوم من الأيام اللباس في الصلاة"، وبينما كان الشيخ منهمكا في تقرير الدرس، وإيضاح جوانبه، أراد أحد الطلاب أن يداعب الشيخ فقال له: هل تجوز الصلاة بثوب واحد؟ وأجاب الشيخ على الفور: نعم تجوز، إذا كان الثوب طاهرا ساترا للعورة"، وابتسم الطالب في خبث وقال: أرأيت إن كان الثوب شاشية (1)؟، فقال الشيخ في بساطة: "نعم تجوز
(1 الشاشية لباس الرأس من قماش وغيره. (1/549)
صفحة 550
الأباضية في موكب التاريخ
548
الأباضية في تونس
الصلاة بها اذا كانت طاهرة ساترة للعورة، وضحك التلاميذ، واستمر الشيخ في الدرس دون أن يغضب، كما قد يفعل أكثر المدرسين الذين يضيقون بشقاوة الطلاب وعبثهم.
ناول في يوم من الأيام كتابا لأحد الطلاب المجيدين، وأمره أن يقرأ درسا معينا، وبدأ الطالب القراءة، واستمر فيها وكان إلى جانبه زميل له دونه في العلم والفهم، ولكنه كان يتظاهر بالمعرفة، وكان لا يفتأ يصحح للأول قراءته، فأراد الشيخ أن يلقنه درسا تأديبيا لينا، فقال للتلميذ الذي بيده الكتاب: "إعط الكتاب لِمَن هو أحسن قراءة منك"، وأشار إلى زميله، فسلم له الكتاب وأراد القراءة فلم يستطع وبان له ضعفه بالنسبة إلى زميله، واكتفى الشيخ بهذا الدرس العملي في تربية التلميذ المنتفخ، الذي غلبه حب الظهور على نفسه. أساليب التربية عند الشيخ بالنسبة لأفراد الشعب، ولطلبة العلم، وبقي علينا أن
هذه أمثلة من
نذكر أمثلة
من قصصه في حله للمشاكل وحكمه بين الناس وإيصاله للحقوق إلى أصحابها. عندما كان الشيخ بجربة باع رجل لرجل سلعة اتفقا على تحديد ثمنها بستين، غير أنهما لم يبينا العملة، فلما أراد المشتري أن يدفع الثمن قال البائع: "العملة ذهب"، وقال المشتري: "بل نحاس"، وتخاصما، وارتفعا إلى أبي صالح، فقال أبو صالح: "إن العرف الجاري في "جربة" التعامل بحناديس النحاس، فعلى البائع أن يقبل هذه العملة، أو أن يأخذ سلعته". ووردت عليه يوما قضية أخرى، فقد كان لنكاري على إباضي دين مقداره دينار واحد، فمات الإباضي ولم يخلف شيئا غير شاة واحدة، فجاء صاحب الدين إلى ولد المدين الميت، وطلب إليه أداء دينه، فقال الولد: دونك الشاة فبعها وخذ مالك، وقال صاحب الدين: "بل بع شاتك وأعطني مالي، فارتفعا إلى أبي صالح، فقال أبو صالح للإباضي: "بع شاتك واعط للرجل ماله"، فقال بعض الحاضرين ممَّن تغلب عليه العصبية المذهبية: "إن أبا صالح أعان النكاري على الإباضي"، فأجابهم -رحمه الله - بأن الحكم لا يختلف باختلاف مذاهب المتخاصمين. وقال أبو مُحمَّد ويسلان: لو أن العواطف تؤثر على أبي لأثرت عليه في هذه القضية؛ لأنه يستطيع أن يستند إلى قول مشهور في الفقه، وهو أن الوارث لا يلزمه شيء من ديون الميت إذا تبرأ من التركة، فلو شاء لاستند على هذا القول، واعتمده وحكم للإباضي". (1/550)
صفحة 551
الأباضية في موكب التاريخ
549
الأباضية في تونس
قال أبو العباس الدرجيني: "إذا لم يخلف المدين إلا معينا فعلى الحاكم أن يجتهد في النداء حتى يبلغ أقصى ثمنه في الوقت ثُمَّ يقضي الدين، وهو الصواب إن شاء الله؛ لئلا يقوم غيره من أصحاب الديون على الوارث".
كان رجل في جبال دمر يكنس مربدا له بجانب منزله فرمى حجرا وراء جدار فوق على رجل فمات، ونتجت عن ذلك مشكلة تعددت فيها الآراء والنظريات، وأخيرا رفعوها إلى أبي صالح، فحكم فيها بالدية على عشيرة الرامي وسمع بذلك مقدم جبال دمر زيري بن كملين، ففرح بهذا الحكم أيما فرح؛ لأنه كان يأخذ الثلث من الدية على عادت عادتهم وزعم زيري وقومه أن هذه السيرة أخذوها عن السلف من الأئمة، فغضب عليهم أبو صالح، وأنكر عليهم إنكارا شديدا، وأفهمهم أن هذه العادة تخالف أحكام الإسلام، وأقنعهم أن هذه السيرة لا يُمكن أن تكون من الأئمة؛ لأَنها مُخالفة لشريعة الله، وما كان الأئمة ليعملوا عملا يُخالف شريعة الله، ولم يزل بهم حتى أبطلها فيهم، وكان أبو صالح يجمع إلى غزارة المادة في العلم والقوة في دين الله، والشدة على العصاة، واللين والمحبة في معاملة التلاميذ، عاطفة فياضة، وقلبا رحيما بكل ما خلق الله،
من
وهو في هذا شبيه بالعلامة أبي مهاصر موسى بن جعفر، فقد غاب عن أهله لشأن الشؤون، وترك فيهم ناقة مصراة (1)، فلما رجع بعد أيام وجد أن أهله لم يترعوا الصرار عن الناقة، حتى أثر فيها الخيط، وتقيح موضعه فغضب غضبا شديدا لهذا الإهمال، وجعل ينزع الخيط الناقة والقيح يقطر عليه فجاء ولده ويسلان يبعد أكمام الشيخ حتى لا ينزل عليها الصديد، فانتهره الأب وهو يفك الخيط، ويجعل على موضع التقييح بعض الأدوية التي تجففه وكان كثيرا ما يلجأ إلى التربية العملية، وهو يتولى إيضاح بعض الأحكام لولده ويسلان بدون أن يشعره بذلك.
الخيط عن
طلب مرة من ويسلان أن يصحبه في رحلة قصيرة، فركب الأب أتانا فارهة، وكان الولد المؤدب العالم يسير إلى جانب أبيه، فلما كان ببعض الطريق طلب من ويسلان أن يقتطع غصنا من
(1) الناقة المصراة: هي التي شد ضرعها بالصدار لئلا يرضعها ولدها. (1/551)
صفحة 552
الأباضية في موكب التاريخ
00.
الأباضية في تونس
شجرة برية يناوله إياه ليسوق الحمارة ففعل ويسلان فلما ناوله القضيب الجديد كان في يده، وقال لويسلان: "هذا هو المال الذي يسميه العلماء متروكا، ويحل أخذه".
بقضيب
وفي سيرهما ذلك وجدا شاة على آخر رمق لا يعرفان لمن هي، فقال لولده: "اذبحها يا ويسلان"، فتردد الولد وتحرج، فتزل الشيخ عن الدابة وذبح الشاة، وقال لولده: "أنتم أهل هذا الزمان لا تصلحون لشيء، ولا تجزون عن أحد في كبيرة ولا صغيرة"، وهو بذلك يريد أن يعرف ولده متى يجب عليه التحرج، ومتى يجب عليه القيام بواجبه المحافظة على أموال المُسلمين أن تضيع، فقد كان رحمه الله - شديد العناية بأحوال الناس، كثير الحرص على أموالهم، شديد التفهم لمشاكلهم، وكان يريد من العالم أن يفهم أسرار الدين الحنيف، فيعرف متى يجب عليه العمل ومتى يجب عليه التوقف. زاره فتيان وشكوا إليه أباهم وذكروا له أن أباهم يفرق الأموال ويبعثرها دون حساب، فبعث إليه، فحضر الرجل فأخبره بشكوى أولاده، فقال الرجل: "إنني امرؤ قد ارتكبت بعض المعاصي أول عهدي، وقد منّ الله علي فتبت، فأنا أدفع كفارات عن آثامي السابقات"، تم
جم
ذلك،
عقب على ذلك فقال: "أيريدون أن أكون من أولئك الذين هددهم القرآن الكريم؛ لأنه يكترون الذهب والفضة؟! "، فاستحسن الشيخ جواب العامي، ووجد أن الحق بجانبه فتركه. وكان -رحمه الله - العبادة، كثير الصلاة، محافظا على الطهارة في جميع أحواله، زاره بعض المشايخ في مرضه الأخير وكان في عريش خارج البيت، وكان بقربه محل للوضوء، فجعل المشايخ يحذرون أن يمس الثرى ثيابهم، ولاحظ الشيخ منهم فقال لهم: "لا" تحذروا على ثيابكم فإنني لم آت ذلك المحل بنجاسة قط". وكان من عادته بعد أن يؤدي ما اعتاد من النوافل أن يدعو إليه أحد طلبته فيأمره بقراءة آي السجدة كلها فيسجدها واحدة واحدة قبل أن ينام. وكان - رحمة الله عليه - عفيف اللسان كثير الأدب، جم الحياء، لم تسمع منه كلمة شـ
شر
في حياته الطويلة إلا مرتين سئل في الأولى عن بئر في بستان لغير مالكه هل هي عيب؟. (1/552)
صفحة 553
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
فقال: شر العيوب"، وسئل مرة أخرى عن رجل وكل رجلا أن يزوجه، فزوجه أربع نسوة مرة واحدة، فقال: "هو شر الوكلاء". ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بالكلمة الآتية التي رواها عنه طلابه: كان رحمه الله يقول: "يأتي على الناس زمان يود الرجل من يأكل طعامه فلا يجده، ويود من يستشيره فلا يجده، ويود من يرجع إليه أمر النازلة تنزل عليه في أمر دينه فلا يجده، لا لقلة الناس بل لقلة الفضلاء منهم، فمن أدرك ذلك الزمن منكم فليتمسك بما حفظ من دينه دين الله عز وجل وليعض عليه بالنواجذ"، ويبدو لي أننا أدركنا هذا الزمان حقا، فإن المواكلة أصبحت لغير الله، وأن الاستشارة أصبحت في أكثر الأحيان التماسا للعصبية والفتنة، أما النازلة فقد قل من يفهمها، ويرشد إلى الخلاص منها، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
عن
أبو زكريا. فصيل بن أبي مسور
المجد
قال فيه أبو العباس الدرجيني: الطيب" موردا، ومرعى، الكريم أصلا وفرعا، ورث أمجد الأباء وأورثه نجباء الأبناء". عاش أبو زكريا في القرن الرابع، ولد في أوائله وتوفي في أواخره، وعده أبو عبد الله محمد ابن زكرياء الباروني من علماء الطبقة الثامنة، أي النصف الثاني من القرن الرابع. كانت "جربة" في هذا العهد شبه مستقلة، فلقد احتلها العبيديون سنة 311 هـ، وأخرجهم منها أبو يزيد بن كيداد سنة 331 هـ، ثُمَّ قتل أبو يزيد سنة 335 هـ فخرج منها أنصاره، ومنذ ذلك الحين بقيت "جربة مستقلة، يتولى شؤونها شيوخ العزابة؛ كأبي زكرياء فصيل وأبي
عمرو النميلي وغيرهم إلى سنة 431 هـ، حين احتلها من جديد المعز لدين الله الفاطمي. ويبدو أن أبا زكرياء فصيل لم يهتم بالشؤون السياسية، ولم يوجه عنايته إلى أنظمة الحكم، ولم يدع إلى محاسبة الدول الظالمة، وإنَّمَا كان يهمه أن يعيش أهل الجزيرة في (1/553)
صفحة 554
الأباضية في موكب التاريخ
552
الأباضية في تونس
أمن وهدوء وسلام، ولذلك فقد كان رفيقا في معاملة الولاة، ورجال الحكم على البلدان المجاورة، يظهر لَهُم الاحترام، ولا يتدخل في شؤونهم، وإذا ورد أحدهم إلى الجزيرة سعى في إكرامه واحترامه وتلطف معه حتى يأمن شرهم ولا يستفزهم إلى العدوان، وكان موقفه هذا عكس موقف العلامة أبي عمرو النميلي، الذي كان من أشد الناس نقمة على الظلم والظالمين ينتقد انحراف الدول الحاكمة في ذلك الحين، ويوضح بعدها عن المنهج الإسلامي في دروسه العامة والخاصة، ويرى أن ذلك مخالفة لدين الله، والمخالفة لدين الله منكر يجب على المؤمن أن ينهى عنه، وأن يبرأ من فاعله.
قال أبو العباس الدرجيني حين ترجم لأبي زكرياء فصيل و كان أبو زكرياء ربَّما عامل ابن ويمي وأشباهه بالإكرام، وقابلهم بإطعام الطعام، فإذا فعل شيئا من ذلك تبرع بإطعام مثله، فالأول وقاية العرض، وإبقاء الحرمة، والثاني تكفير عن الأول"، ويدل على موقف أبي زكرياء من الحكام الظالمين ما ذكره أكثر المؤرخين الذين ترجموا له؛ فقد كان أهالي جربة كما أشرت آنفا، مستقلين أو شبه مستقلين عن الدولة الحاكمة، سواء في ذلك الدولة العبيدية في آخر أيامها والدولة الصنهاجية في أول أيامها غير أن الدولة الصنهاجية وقد كثرت عليها الفتن من كل الجهات والجوانب، كانت في حاجة دائمة إلى مزيد من المال، ولذلك فما تتهيأ لها فرصة للاستقرار حتى توجه ولاتها إلى جباية الضرائب ممَّن يدين ن لَهَا بالطاعة، وإخضاع من لا يدين لها بالطاعة واستباحة أموالهم، وفرض الضرائب عليهم. وفي إحدى هذه الفترات بعد الزحفة الهلالية أمرت عاملها على القيروان أن يتوجه إلى احتلال "جربة"، واستباحتها وغنيمة أكثر ما يُمكن من الأموال واستعد عامل القيروان الذي تسميه المصادر التاريخية التي بين يدي ابن ويمي المزاتي، وكان فاسقا جائرا، واتَّجه إلى "جربة" في جيش كثيف، ولكن هذا العامل كان كثيرا ما يزور "جربة" زيارات عادية، فيلقى من أبي زكرياء الإكرام والاحترام ولذلك فعندما أمر باحتلال الجزيرة بعث إلى ابن أبي مسور أنه مكلف من طرف الدولة باحتلال الْجَزيرة ويطلب إليه أن ينحاز بأهله وأقاربه وبني يهراسن إلى المسجد؛ حتى لا ينالهم أذى من الجيش الغازي، ودخل ابن ويمى
يخبره (1/554)
صفحة 555
الأباضية في موكب التاريخ
553
الأباضية في تونس
الجزيرة، وارتكب فيها من الأفاعيل ما كان حريا أن يرتكبه أمثاله من الفساق، الذين يتعاونون مع الحكومات الظالمة في قهر الشعوب والتسلط عليها، ولما أتم المجزرة التي استعد لها وجمع من الأموال ما أمكن أن يجمعه ذهب إلى ابن أبي مسور يطالبه بفرض الضريبة على بني يهراسن، وسأله في وقاحة القائد المنتصر عن مقدار الضريبة التي يستطيع بنو يهراسن قوم أبي أن مسور يدفعوها إليه، وأخبره العالم الجليل أنهم ضعفاء، وأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا أكثر من دينارين فرضي بذلك، ودفع ابن أبي مسور له دينارين من ماله الخاص، فقبلهما ابن، ويمي وهو يقول: "لقد أفسد أهل جربة الرعية على السلطان". ذكر هذه القصة أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن أبي زكرياء فصيل، واعتبروها من كراماته، فلولاه للقي بنو يهراسن ما لاقاه غيرهم من ابن ويمي وجنده، ولقد قرأت القصة وتأملتها مرارا، وراجعتها في غير مصدر من مصادر التاريخ التي لدي، وكانت أسئلة كثيرة حائرة تثور في ذهني كلما عدت إلى التأمل فيها.
النكبات، ومع
إن الموقف المسالم للحكام الظالمين عندما يتغلبون على الأمة هو الموقف الذي وقفه كثير من علماء الأمة، بل لقد ذهب بعضهم إلى أن الرضا بالحكم الظالم أولى من الثورة عليه، لما تجره من ومع أنني أعلم هذا ولست أجد شيئا أنتقده على مسلك أبي زكرياء مع الحكام الظالمين، وملاطفته لَهُم، وإكرامه إياهم، ومحاولة عدم الاصطدام معهم، إلا أنني غير مطمئن لهذا الموقف الأخير منه الله، لقد عاشت "جربة" كما قلت آنها مستقلة، أو شبه مستقلة عن الدولة العبيدية والصنهاجية في أكثر الأحيان، وكانت غير خاضعة لها، اللهم إلا في مبالغ من المال تدفعها في بعض الأحيان، فلماذا يهادن أبو زكرياء عوامل الظلم، ويسالم أيدي العدوان، وينفصل بمسلكه عن علماء عصره، أمثال أبي عمرو النميلي، وأبي صالح اليهراسني، وأبي موسى الزواغي، وأبي محمد كموس، وأبي بكر وغيرهم، ويرضى أن يرتكب الظالمون الفواحش في "جربة"، في الحين الذي ينفصل هو بآله من بني يهراسن مثلا، فلا يمسهم سوء، وهل لنجاة بني يهراسن دون إخوانهم من أهل جربة قيمة؟، وهل يمكن أن يصدق أبو زكرياء وعد ابن ويمي، فلا يفعل شيئا إلا أن يخرج بأهله إلى (1/555)
صفحة 556
الأباضية في موكب التاريخ
554
الأباضية في تونس
المسجد ليقيهم سطوة المعتدين، ألم يُخامره شك في أن طلب ابن ويمى له بانفصاله لا يقصد به تكريم أبي مسور، وإِنَّما يقصد به إضعاف صف المقاومة في "جربة"، وتفريق الكلمة .. إنَّها خواطر كانت تتعاقب في ذهني وأنا أمر بأحداث هذه القصة، فأردت إثباتها هنا، وهي لا تعني شيئا، وأحسب أن القراء الكرام سوف يمرون بها ساخرين، فإن
أحداث التاريخ لم تتوقف في يوم من الأيام تنتظر ما تكتبه عنها أقلام الأجيال القادمة. كان أبو زكرياء جبلا من جبال العلم، ومؤمنا شديد الإيمان، ومحبا للسلام مخلصا في حبه وكان يتمسك بالواضح في دين الله ويصر على العمل بالعزيمة، ولا يميل إلى الفتوى بالرخصة، ويحشد جَمِيع قواه للعلم والتعليم، فكان يقول: "متزل التلاميذ كشجر الخروب لا ينبت بجانبه شيء، وإن نبت كان ضعيفا". ويقصد بذلك أن العناية الكاملة يجب أن تصرف إلى التلاميذ وإلى تعليمهم، وتربيتهم، وأن الاهتمام والاشتغال يجب أن يصرف إليهم، كان يقول هذا لأهله وأقاربه، والقائمين على شؤون التعليم، حتى تنصرف إلى الطلاب جميع الجهود، وتبذل في سبيلهم كل المساعي. لقد تأسست كثير من المدارس على نفقة العلماء ورعايتهم في كثير من البلاد، ولقد قصر بعضهم جهده على التعليم، وبذل فيه كل قوة غير أن أبا زكرياء قد يكون فريدا في مسلكه واهتمامه بقضية التعليم، ورعايته لها وحدبه عليها، ومع قيامه بالتدريس، وبجلب المدرسين المساعدين إلى مدرسته والإنفاق عليهم ماديا، حتى يتمكنوا من والإنفاق على الأقسام الداخلية بتوفير المسكن والمأكل لجميع الطلاب الذين يأتون من البلاد البعيدة، وكانت "جربة" تغص بهم، مع كل ذلك كان أبو زكرياء يبتكر الوسائل في تحبيب العلم إلى الطلاب، لا سيما الصغار والجدد منهم وكثيرا ما كان يعاقب التلاميذ على ألواحهم ودفاترهم، وكتبهم بعد خروجهم فيضع فيها مبالغ من المال رغبة في إخفاء الصدقة من جهة، وتشجيعا ومساعدة للطلاب من جهة أخرى، وكان الطلاب حين يجدون ذلك وهم لا يعرفون مصدرها ولا سببها يأتون بها إلى الشيخ أبي زكرياء، فيخبرونه بأنهم وجدوا تلك الأموال في أدواتهم الدراسية دون أن يعرفوا من فعل ذلك، فيجيبهم
أداء واجبهم، (1/556)
صفحة 557
الأباضية في موكب التاريخ
555
الأباضية في تونس
أبو زكرياء بأنها أموال ساقها الله إليهم، ويحل لَهُم الانتفاع بها، فلما توفي أبو زكرياء الله - انقطع ذلك المدد عن الطلبة، فعلموا أنه من فعل أبي زكرياء.
-رحمه
كان أبو بكر الزواغي من أشد الناقمين على الظلم المنتقدين على الوضع الفاسد الذي كانت الأمة الإسلامية تعيشه في ذلك الحين، فكان يقول في مجالسه: "لسنا في ظهور ولا دفاع ولا شراء ولا كتمان ولكن زماننا سائب".
وبلغت الكلمة إلى أبي زكرياء فخشي أن يفهم الناس أن الزمان السائب مسلك خامس من مسالك الدين، فقال للذين نقلوا إليه كلمة أبي بكر: "أخبرو أبا بكر أن مسالك الدين أربعة فقط الظهور والدفاع والشراء والكتمان".
وأبو بكر الزواغي يعلم أن مسالك الدين أربعة، ونحن أيضا نعلم ذلك، ولكن كلمة الزمن السائب تجد مكانها في بعض الأحوال، وأحسب أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو الآخر داخل في الزمن السائب، على أن الوضع الذي كانت عليه "جربة" في عصر أبي زكرياء وأبي بكر يحتاج إلى تفكير، لإدخاله في مسلك من مسالك الدين، فإن "جربة" في ذلك الحين لم تكن خاضعة لدولة عادلة ولا ظالمة وليس في حال ثورة فعلية على عهد ظالم، وليس فيها فدائيون يحاربون ألوان الظلم والجبروت، والناس مع هذه الحالة المائجة لا يحرصون على أداء الله شعائرهم، والمحافظة على دينهم، واجتناب ما نهى عنه، إنَّها على كل حال صورة من صور الحياة في عهود الكتمان ذلك؛ لأنّ "جربة" لو فكرت في تكوين دولة عادلة، وبايعت إماما في ذلك العهد لأتجهت إليها الضربات من كل جانب، وتخطفها الظالمون من كل سبيل، ولذلك فقد كانت تلك الحياة التي عبر عنها العلامة أبو بكر بأنها حالة سائبة هي صورة من الصور التي تعيشها الأمة تحت الحكم الظالم، لا تريد شيئا إلا أن ينجو من العيث والعبث. لقد عاش أبو زكرياء للعلم، ولتصحيح عقائد الناس وأعمالهم في شؤونهم الدينية، وعاش على كرمه وإحسانه ومؤاساته ونفقاته عدد غير قليل من الناس، وحين توفي ترك للأمة ولديه النجيبين زكرياء ويونس، قال عنهما أبو العباس الدرجيني: "لكل واحد منهما (1/557)
صفحة 558
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
سجايا جود كالسحاب وذكاء كالشهاب وحسن سلوك الطريقة، وحفظ العلول على
الحقيقة، والتمسك من عرى التقوى بالأسباب الوثيقة" فرحم الله الجميع.
أبو عمرو النميلي
سمت
ولد أبو عمرو النميلي 311 من الهجرة النبوية في جزيرة جربة، فنشأ في عصر متناقض كل التناقض، فبينما كانت الجزيرة تعج بالعلماء الأعلام، وكانت البيئة التي يعيش فيها والأسرة التي يتربى بين يديها تسير على الإسلام وهديه، مستقيمة كاملة الاستقامة، محافظة على الدين شديدة المحافظة، متمسكة بهدي الإسلام شديدة التمسك، بينما كانت سيرة الناس في جربة هذه السيرة التي جاء بها الإسلام كانت البيئة الأخرى البيئة الحاكمة ظالمة شديدة الظلم، متغطرسة شديدة التغطرس متجبرة شديدة التجبر، لا تختار لمناصب الدولة إلا أولئك الأفراد الأقوياء في غير دين القساة في غير لطف، الذين يفعلون ما يطلب إليهم دون رجوع إلى دين أو ضمير وكان الناس ساخطين على هذا الوضع، ناقمين على هذه السيرة، ثائرين على هذه الأحكام. نشأ أبو عمرو بين هذين التيارين المختلفين، فتأثر في دينه وأخلاقه وسلوكه بأسرته ومجتمعه، فشب مؤمنا قوي الإيمان حريصا على الاستقامة شديد الحرص، داعيا إلى الاهتداء بهدي رسول الله الله ناقما على الظلم والظالمين، ثائرا على من يُخالف الإسلام في ومبادئه، داعيا إلى الضرب على أيدي الطغاة، وكان لا ينفك عن هذه الدعوة في دروسه وفي أحاديثه أينما سار وأينما كان وليس هذا شأن أبي عمر وحده، ولكنه شأن العلماء جمع من في "جربة" وفي غيرها، وإن كان الوضع في جربة" من الناحية السياسية خيرا منه في بقية البلدان. ولد أبو عمرو في السنة التي احتل فيها الفاطميون جربة على يد علي بن سليمان الداعي، ولقد ارتكبوا فيها من المناكر ما اعتادوا أن يرتكبوه في كل بلد احتلوه، وبقيت الجزيرة
أحكامه (1/558)
صفحة 559
الأباضية في موكب التاريخ
557
الأباضية في تونس
خاضعة لحكمهم في الظاهر إلى سنة 331 حين احتلها أبو يزيد بن كيداد، وطرد منها حكام الدولة الفاطمية، وارتكب فيها من الأفاعيل ما لا يرتكبه مؤمن، فـ «الإيمان قيد الفَتْك لاَ يَفتكُ مُؤمنٌ» (1) كما قال رسول الله، إلا أن أبا يزيد شغل بمحاربة الدولة الفاطمية حتى قتل سنة 335 هـ، وبذلك بقيت جربة مستقلة عن حكم أبي يزيد الذي قتل، وعن الدولة الفاطمية الذين خرجوا بسبب انتصار أبي يزيد عليهم، وهكذا استقرت فيها
الأمور، ورجع الحكم إلى مشايخ العزابة الذين يتولون رعاية شؤونها بحكم الله. وذاق الناس حلاوة الإيمان في هذا العهد وتمتعوا بعدالة الإسلام التي يجريها علماء الإسلام، وكان أبو عمرو النميلي ضمن مجموعة العلماء الذين يديرون أمر الجزيرة، ويتولون شؤونها، وكافحوا حرصا على أن يحتفظ الناس بعزة الإسلام، فلا تستعبدهم القوة، ولا تغرهم الشهوة، ولا تجرفهم تيارات الانحراف، وأن يتخلقوا بأخلاق الإسلام، فكانوا يتولون ذلك منهم بالموعظة الحسنة، والقدوة الصالحة، والبيان الفصيح الصريح، وإيضاح سيرة المسلمين المهتدين في عهد النبوة وما تلاه من عهود إلى عصرهم، وهم في كل ذلك لا يتحرجون عن نقدهم لمسلك الحكومات الظالمة التي كانت تجاورهم، وازدهر الجانب العلمي هنالك، فتألفت الجمعية العلمية في غار أمَجماج، وكان أبو عمرو أحد أعضائها، وألفت الديوان المعروف، الذي تحدثنا عنه في بعض حلقات هذا الكتاب. وهكذا بينما كانت بقية البلاد في الجنوب التونسي تعاني من الفتن المتعاقبة، المستمر، والظلم الذي يتزل عليهم متتابعا من الحكام أشد ما تعانيه أمة في عهد حكم فاسد،
"
والنزاع
كانت جربة آمنة مطمئنة مستترة تنشر العلم، وتكون الجمعيات، وتشتغل بتأليف أضخم الدواوين إلى سنة 431 هـ، حين جهز المعز لدين الله الفاطمي الصنهاجي جيشا واحتل جربة، وارتكب فيها أفظع جريمة يرتكبها قائد حربي، فقد جمع إليه أكبر طبقة من العلماء الأعلام وأمر بقتلهم معتقدا أنه بقتل أولئك العلماء يستطيع أن يضمن طاعة جربة
1)
(1) الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة، (2769، 87/ 3. الحاكم في المستدرك، بلفظه عن معاوية، ر 2769
ر 8038، 392/ 4. (المراجع) (1/559)
صفحة 560
الأباضية في موكب التاريخ
558
الأباضية في تونس
أولا، وأن يحول سكانها من المذهب الإباضي إلى المذهب المالكي، كما كان يُحاول أن يفعل ذلك في بقية البلاد، فقد أجهد نفسه وأجهد الناس معه على أن يجمعهم جميعا المذهب المالكي، واشتد في التنكيل بكل من يخالفه.
على
وكان من العلماء الذين دعاهم إليه أبو عمرو النميلي، وقد بلغ مائة وعشرين سنة من عمره المبارك، قضاها في نشر العلم بين تدريس، وتأليف وفي محاربة المنكر في شتى صوره وألوانه وأمر المعز لدين الله الفاطمي وهو منتش بالنصر الذي أحرزه على إخوته الْمُسلمين بأبي عمرو، فذبح كما تذبح الأغنام، ولم يشفع له عند الطاغية ابن باديس لا جلالة العلم، ولا وقار السن ولا حتى انتظار الأجل القريب للشيخ الفاني، وهكذا كتب لأبي عمرو أن تختتم أعماله المجيدة في سبيل الله بالشهادة، بعد أن حمل رسالته قرنا كاملا من الزمان .. روى ابن عباس عن رسول الله الله أنه قال: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالَ كَلمَة حَقٌّ يُقْتَلُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا عِندَ سُلْطَان جَائِرِ» (1) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبو الخطاب عبد السلام بن منظور
أخذ المبادئ الأولى في اللغة العربية وفي الشريعة الإسلامية عن علماء مزاتة، وحضر مجالس أبي عبد الله محمد بن بكر حين كان يرتب نظام الحلقة، "فكان عبد السلام ممَّن وضع لَها الأساس، وأحكم لها الأحراس كما يقول أبو العباس الدرجيني، أما دراسته فقد كانت على العلامة الكبير أبي نوح سعيد بن زنغيل، ومن أبي نوح أخذ مع العلم ما كان يتمتع به أستاذه الكبير من حيوية ونشاط واستعداد للكفاح.
1) الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الصغير، بلفظ قريب عن أبي أمامة ر 151، 107/ 10. وأخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، عن أبي سعيد الخدري، بلفظ: «أَفْضَلُ الجهاد كَلِمَة حَقٌّ عِندَ سُلْطَانٍ جَائِرِ». (المراجع) (1/560)
صفحة 561
الأباضية في موكب التاريخ
559
الأباضية في تونس
العلماء
لقد درس على أبي نوح سعيد بن زنغيل، وسبقه على هذا المجلس الإمام الكبير أبو عبد الله محمد بن بكر، وعندما كان أبو الخطاب طالبا في حلقة الدرس كان أبو عبد الله قد بدأ يشتهر، وتتجمع عليه حلق التلاميذ والعلماء، ولما انفصل عبد السلام عن مدرسة أبي نوح ارتحل إلى "كنومه"، والتحق بحلقة أبي عبد الله، فدرس ودرس، وكان ضمن الذين يحضرون على أبي عبد الله العلامة أبو محمد يوجين اليفرني، كان عبد السلام بن منظور مجرا مشغوفا بالمذاكرة، يطيل السهر، فكان أبو محمد يوجين يقول له: "أرني موضع نومك يا عبد السلام حتى أوقظك لصلاة الفجر". ويستمر عبد السلام في المذاكرة إلى هزيع من الليل، وما يكاد يلمس جنبه الفراش حتى يرن في أذنه صوت أبي محمد يوجين في حنان وإعزاز: "يا عبد السلام يا بني قم! فإنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات، والنوم من اللذات" فيتمطى الفتى في مكانه، وإن أوصاله لا تزال عالقة بالفراش، ولكنه سرعان ما يثب، لئلا يغلبه سلطان النعاس، فيأخذ الإبريق، وما إن يتوضأ ويستقبل القبلة ويصلي الله ما يشاء حتى تكون بقايا النوم والكسل قد طارت من عينيه فيأخذ كتبه، ويعتزل في زاوية على نور مصباح هزيل من الزيت، ثُمَّ يستمر في الدراسة في جو السحر الهادي اللطيف. مكث أبو عبد الله محمد بن بكر في "كنومة" مدة رآها كافية لإصلاح الوضع، فقد استقام الناس، وحرصوا على التمسك بالدين، وبدأ نظام العزابة يوجه الأمة إلى الخير، وترتبت الحلقة، وأحس الناس كبارا وصغارا رغبة ملحة في التعلم، فاطمأن الإمام عليها، وأراد الارتحال إلى بلاد أخرى محتاجة إلى جهوده المباركة وكان عبد السلام قد أصبح ذا كفاءة للإرشاد والتوجيه والدعوة إلى سبيل الله، والتدريس في العلوم اللغوية والشرعية التي حتاج إليها الناس، وكان يفكر في الرجوع إلى موطنه ليقوم بالكفاح في سبيل الله، ولكن الإمام الأكبر أبا عبد الله صاحب نظام العزابة دعاه إليه لما رآه فيه من حيوية ونشاط، ومحبة العمل ومداومته عليه وقال له: "لقد رأيت أن أنتقل إلى وادي أريغ ومعي الدارسون والمدرسون لنجعل تلك البلاد مركزا للدعوة زمنا، وأرى أن تنتقل معي؛ لأن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل الحرب لا غناء به عمن يعينه ويؤيده، ويرعاه (1/561)
صفحة 562
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ويرفده ويداوي جراحه وإلا كان هلاكه وشيكاً"، وامتثل عبد السلام لأمر الإمام، وهل كان يسعه غير الامتثال وسافر معه إلى أريغ، واستقر بها معه، واطمأن به المقام، وكان الساعد الأيمن لأبي عبد الله؛ يتولى عنه كثيرا من شؤون الطلبة والناس، وقد رأى أبو عبد الله أن يقيده بالزواج، فاستشاره في ذلك، وخطب له ابنة أبي القاسم، فتزوجها، وأقام مع الإمام يساعده، ثُمَّ حن إلى أهله وبلده فاستأذنه في زيارتهم.
لما
مسئولا بين يدي
الله
بهم
خطبوا
وصل وطنه اجتمع عليه، قومه وأهل عشيرته وقالوا له: "إن تركتنا فما نحن بتاركيك، أقم بيننا، وقم بما كان يقوم به أبوك من التعليم والتوجيه والإصلاح، وإلا كنت عنا، وخائنا لأمانته فينا، فإننا في أشد الحاجة إليك، وليس لنا غنى عنك"، فأجاب رغبتهم، وعزم على الإقامة بينهم، ففرحوا بذلك، ولكي يوثقوه له فتاة وافرة الجمال والأدب والدين هي زينب بنت أبي الحسن فتزوجها، وعزم أن يعود إلى أريغ ليقطع شؤونه بها، فذهب إلى أبي عبد الله وأخبره بما جد من أمره، وبعزمه على طلاق ابنة أبي القاسم، واضطراره إلى فراقها، وبأنه جاء معه ببعض الصداق، والباقي سوف يدفعه متى تيسرت له الأحوال، فلما علم أبو القاسم والد الفتاة استحيا أن يأخذ عرضا من أعراض الدنيا من أبي الخطاب، وقال لأبي عبد الله بن بكر معاذ الله أن آخذ عرضا من أعراض الدنيا، فقد جمعتنا من قبل المحبة في الله، وحين شاءت إرادة الله الفراق فاشهدوا أني تحملت عنه ما لها بذمته، ومع هذا الموقف النبيل من أبي القاسم أراد أبو الخطاب أن يطمئن،
جميع
ممَّا
فحضرت إليه الزوجة السابقة، وتسامحا عما مضى من حياتهما، وجعلته في حل لها عليه، وقد حاول الإمام أبو عبد الله هذه المرة أيضا أن يثني عزم صديقه وتلميذه عن الذهاب، ولكن الرجل صمم فإن أثقالا وضعت في عنقه. وشاءت ظروف الحياة القاسية ألا يطمئن المقام به في موطنه، فقد تعاونت عوامل الفتن والظلم والجفاف على الناس، واضطرت قبيلة مزاته أن ترتحل إلى طرابلس، طلبا
أبو
لخصب الحياة، فأقامت هنالك ما أقامت وحين همت بالرجوع إلى موطنها عرج الخطاب عبد السلام بأهله على جبل نفوسة، وطاب له المقام هنالك فترة من الزمن، انتهز (1/562)
صفحة 563
الأباضية في موكب التاريخ
561
الأباضية في تونس
فيها الفرصة لأداء فريضة الحج، ولما رجع من بيت الله ارتحل من جبل نفوسة واختار لمقامه قلعة بني درجين قرب نفطة، وكانت حينئذ مدينة عامرة بالعلم، رخية الحياة، قوية
مهيبة الجانب، تعد نحوا من عشرين ألف فارس وهي قوة لها حساب في ذلك العصر. اطمأنت الحياة بأبي الخطاب في درجين، ولم يكن ينقصه شيء إلا أنه لم يرزق أولادا ذكورا، وَإِنَّمَا رزق عددا من البنات من زوجته الثانية زينب بنت أبي الحسن، وعندما يجمعهما السمر كان كثيرا ما يقول لها في مداعبة ورجاء أن تفهم إليه-: يرمي يوشك أن يغلب بنو العم على بناتك يا زينب"، وهو يقصد أن أولئك البنات عندما يكبرن يخطبهن أبناء العم، فيتزوجن، ولا يبقى للبيت غيرهما، وما أشد وحشة بيت لا يسكنه غير شيخين هرمين، وكانت الزوجة الوفية المحبة تفهم ما يرمي إليه زوجها من وراء كلامه، وتتمنى أن يكون لبناتها أخ، ولكن ما حيلتها هي، إن الله هو الذي يهب الذكور والإناث، وأشرق ذهنها بومضة وهي تفكر في إسعاد زوجها.
وقع في ليبيا قحط وجفاف استمر عدة سنوات مع فساد في الحكم، وظلم من الحكام، فهاجر أكثر الناس سنة 430 هـ، وأرخوا فيما بعد بهذا العام وسموه: "عام فرورا"، وقدمت أسرة من تلك الأسر التي هاجرت طلبا للمعيشة إلى درجين، وسكنت في جوار أبي الخطاب، وكانت للأسرة فتاة مشرقة الجمال صبية، أديبة نشيطة وكانت زينب تنظر إليها، وتعجب بها وأحبتها، فخطبتها لبعلها الشيخ، وهي تدعو الله تعالى أن يرحم زوجها، فيهب له ولدا تقر به عينه ولبناتها أخا، يلجأن إليه إذا ضاقت بهن سبل الحياة، وتزوج الشيخ هذه الفتاة، ولكن إقامتهم بعد ذلك في درجين لم تطل، فقد بدا للدولة الصهناجية أن تقضي على هذه القوة الموجودة في درجين فجهزت جيشا كثيفا على حين غفلة، ولم يسمع أهل درجين" حتى وجدوا جيشا كثيفا يحيط بالقلعة من جميع الجهات، وطال الحصار، واضطر أهل القلعة إلى فتح الأبواب والحرب بما أمكن، يقول أبو العباس الشماخي: "فترل عسكر صنهاجة على قلعة، درجين فحاصرها حصارا شديدا فلما اشتد عليهم الحصار خرجوا عليه خروج رجل واحد يقاتلون فقتلوا عن آخرهم واستبيح ما في القلعة"، كان أبو الخطاب (1/563)
صفحة 564
الأباضية في موكب التاريخ
562
الأباضية في تونس
غائبا عند وقوع هذه الأحداث، فما كان يخطر له أن الدولة التي يطلب منها الحماية هي التي تتولى العدوان، فلما عاد وجد أن القلعة قد استبيحت وأن أهله حفظهم بعض أهل المروءة ممَّن كان في الجيش، وسمع إخوانه بنكبة درجين فأسفوا أن ينحدر الظلم بأصحاب الحكم إلى هذا القرار وبعثوا وفدا منهم يطلب إلى أبي الخطاب الرحيل إلى آجلو، والإقامة فيه، فارتحل بأهله إلى آجلو، وهنالك ولدت زوجته الأخيرة مولودها البكر، وكان ذكرا، فلما بشروه بذلك قال لَهُم: "إن ولد الشيخ يتيم"، يعني، يعني أن الشيخ الهرم على حافة القبر، وأن أولاده في هذه السن هم كالأيتام لأنه مهما يطل عمر أبيهم فمدته قصيرة، ولابد أن يتركهم، وسَمَّى الولد سعيدا، ومن هذا الولد تناسلت ذرية أبي الخطاب عبد السلام بن منظور
يبدو أني أطلت الحديث عن حياة الشيخ الخاصة بما لم أتعود مثله في أحاديثي عن الأعلام
الذين ذكرتهم في هذا الكتاب، وقد ساقني إلى ذلك ترابط الأحداث وتناسقها. كان عبد السلام عالما غزير المادة، مستقلا برأيه، لا يقلد غيره إذا بدت له الحجة واتضح له البرهان، وكانت له آراء خاصة لم يقل بها غيره من الفقهاء فيما أعلم، مر يوما على أهل أمسنان فأخبروه أن رجلا منهم أقر على نفسه بالزنا، فأمرهم أن يحضروه، ولما اعترف الرجل على نفسه بارتكاب الفاحشة أمرهم أن يأخذوه إلى مزبلة، وأن يرجموه، وحضر وقت صلاة الظهر، وكان اليوم جمعة، فخطب فيهم، وصلى بهم صلاة الجمعة، ثُمَّ قال لهم: "إن الكتمان يأخذ من الظهور، وإن الظهور لا يأخذ من الكتمان".
وهذا يعني: أن الأمة المسلمة حين تكون ضعيفة مغلوبة على أمرها تنفذ ما تستطيع من أحكام الله، أما إذا كانت الدولة المسلمة قادرة على تنفيذ الأحكام، فإنَّها لا يجوز لها أن تتخلى عن تنفيذ أحكام الله وهي نظرة اجتهادية لم أعلمها لغيره من الفقهاء. وكان شديد الورع كثير الاحتياط، اشترى يوما عددا من الخرفان من رجل في السوق، فلما أراد دفع الثمن مد البائع يده وقال له: "أرا" "هات" لهجة بربرية خاصة
يعني
-وهي
بصنهاجة، فخشي الشيخ أن يكون الرجل من صنهاجة، وصنهاجة في ذلك الحين لا تتورع (1/564)
صفحة 565
الأباضية في موكب التاريخ
563
الأباضية في تونس
عن أموال الناس ودمائهم، فدفع الثمن لصاحب الخرفان وتصدق بها على الفقراء والمساكين تحرجا من رزق صنهاجة، لتجبرهم، وغصبهم للناس أموالهم، وإنني استغفر الله من التعميم في هذا الحكم، فلست أعتقد أن صنهاجة كلها على خلق واحد. حين ارتحل أبو الخطاب من درجين إلى آجلو أحب أن يزور أريغ، وأن يستمتع بصحبة أبي عبد الله أياما، فلما وصله وجده مريضا على فراش الموت، فجعل يتأسف ويظهر الجزع على فراقه فقال له الشيخ أقصر عن هذا يا عبد السلام، وعليك بالدعاء" وجعل يكررها حتى فاضت روحه المطمئنة راجعة إلى ربها راضية مرضية. فكان أبو الخطاب يقول: مثلي مثل من يسير في شدة الحر قاصدا شجرة يتفيأ ظلالها فلما وصلها اقتلعت فأضحى ضاحيا .. ".
هذه
صور من حياة علم عاش في كفاح مستمر وقد تنقلت به ظروف الحياة من مكان إلى مكان فكان مثلا للمؤمن يلتزم السير على الجادة مهما تقلبت به الأحوال، فرحم الله أولئك الأعلام الذين أصلحوا أنفسهم عند فساد الناس.
أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي
صحيح
البنية قوي
نشأ أبو محمد عبد الله بن مانوج كما نشأ فتيان قبيلته في البادية الإرادة قويم الخلق، صريحا فصيحا صدوقا، ولم يتح له في صغره أن يدرس، فشب أميا، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وَإِنَّمَا أخذ مبادئ دينه بطريقة التلقين، فحفظ بعض السور القصار من كتاب الله، وتعلم الأحكام العملية للإسلام دون تعمق أو فلسفة، إنه صورة من أولئك الْمُسلمين الأوائل الذين يفدون على رسول الله فيقرون بكلمة التوحيد؛ فيبين لهم الله
بأوجز عبارة ما يطلب منهم، أو يحرم عليهم، فيستمسكون بذلك، ويعضون عليه بالنواجذ. كان أبو محمد عبد الله بن مانوج يشتغل بتربية الماشية كما كان يشتغل أكثر سكان البادية، يتولى رعايتها بنفسه ويتبعها بشخصه ويهش عليها بعصاه، وذات يوم بينما (1/565)
صفحة 566
الأباضية في موكب التاريخ
564
الأباضية في تون
كانت غنمه منتشرة في سهل أخضر تنتقي العشب وتقطف منه الطري الشهي، وقد بدا عليها أثر حسن الرعاية ووضح السمن وهو يسوقها تارة ويتقدمها أخرى، مغتبطا مسرورا مر به شيخ من شيوخ لماية، فسلم عليه، وحدثه مليا، ثُمَّ أشار إلى الغنم وقال لأبي محمد: "نعم الغنم ترعاها لحية"، وسر أبو مُحمَّد بهذا الإطراء، ولكن الشيخ الوقور لم يقف عند هذا الحد، فأردف يقول: "و بئست اللحية التي ترعى الغنم، وذهب الشيخ لكن الكلمة الحكيمة التي لقاها في أذنه بقيت مجلجلة تدوي في أعماقه وشغل ذهنه، وفكر فيها تفكير الرجل الحريص على سعادته في مستقبله، وتحقق أن اللحية التي تقضي عمرها ترعى الغنم لا تزيد أن تكون شاة من الغنم، ولذلك فقد قرر أن يغير مجرى حياته، حتى بعد أن اجتاز مرحلة الطفولة والشباب ودخل مرحلة الكهولة، فإن تقدمه في العمر لم يقف حاجزا دون الأمل الذي انبثق في قلبه وعاد بالغنم إلى الحي بعد هون من الليل، في الصباح أخبر أهل الحي بما صمم عليه، لقد ترك الغنم لمن يريد أن يرعى الغنم كانت جربة أقرب مكان علمي إليه، وكانت حينئذ تغص بالعلماء الأعلام، مثل ما كان جبل نفوسة، وكانت المدارس منتشرة فيها، دائبة الحركة في التربية والتعليم، وكانت المساجد في كل ناحية من نواحيها عامرة بالمصلين وبحلق الدروس المتعاقبة، وبالوعظ والإرشاد، فاختار أبو عبد الله هذه الجزيرة لتكون محل دراسته، وسافر إليها، واستقر بها، وكان يعمل عمل التلميذ الجاد الراغب القوي العزيمة، فكان لا يقتصر على مدرسة، ولا يختص بمدرس، ولكنه كان يطلب العلم من معادنه جميعا، فكان يحضر مجالس أبي صالح، و مجالس أبي مسور، ومجالس أبي موسى فيلتقط ما ينثره أولئك الأعلام من علم وحكمة، ومكث على هذه الحال زمنا حتى ظن أنه أبعد الجهل عن نفسه، وبلغ في العلم مبلغا، فرجع إلى قبيلته الضاربة في شعاب البادية واستقبله الناس بالترحاب وفرحوا بمقدمه أيما فرح، فقد أصبح حيهم يأوي عالما، وجاء الشيخ اللمائي إلى الحي وسلم على أبي وناقشه في مسائل من العلم وعرف أن أبا مُحمَّد لم يبلغ الدرجة التي يؤملها له، ولذلك فقد
محمد
محمد،
قال له وهو يودعه: "إن جميع الإبل تبرك لحمل الأثقال ولكن التفاضل بينها إنَّما يكون (1/566)
صفحة 567
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
بإيصال الأحمال إلى الغاية .. " وذهب الشيخ، وبقي أبو محمد يفكر في الموضوع، إنه قضى وقتا صالحا في الدراسة، وتحصل على مبلغ من العلم ولكن هل يكفيه هذا المبلغ؟ إنه لا يزال في حاجة إلى المزيد، وقرر أن يعود إلى الجزيرة العامرة بالعلم والصلاح، وعاد واستمر في دراسته زمنا حسبه كافيا لإدراك الغاية، فرجع أيضا إلى حيه ذلك الحي الذي يقتعد رأس شعبة خصبة تسرح فيها الأنعام وفرح القوم به كما فرحوا أول مرة، واجتمعوا لتحيته، ولسماع الحكمة منه، وحضر الشيخ فيمن حضر من الناس، واستمع إلى درس أبي مُحمَّد، ثُمَّ ناقشه في أصول وفروع من العلم، فلم يطمئن له، ولذاكرته، ولذلك قال له وهو يودعه: "إن جميع الغدران تُمسك بالماء، ولكن التفاضل في طول البقاء"، واستجاب أبو محمد لنصيحة الرجل للمرة الثالثة وذهب إلى جربة وبقي فيها حتى اعترف له العلماء، وحتى بلغ درجة الاجتهاد، وحتى اختير عضوا في جمعية العلماء التي ألفت الموسوعة العلمية المعروفة بالديوان، في خمسة وعشرين جزءا، وتعتبر من أهم المصادر الفقهية والتشريعية الإسلامية، ولو لم يؤلف علماء الإباضية غيرها لأغنت.
كان
رحمه
صحيح
لدين
الله
نير البصيرة، قويا في الحق، مخلصا النصيحة لله وللمسلمين، ذا فهم الله، وللمقاصد التشريعية في الإسلام، مجتهدا في العبادة، يحمل نفسه على
العزيمة والعمل الشاق شديد الاحتياط في الطهارة، حتى أنه لما كان بالبادية اتخذ خيمة خاصة بالاستحمام، وكان له في كل جهة من جهاتها مستحم حتى يتقي الريح، ولما كبر أصيب بمرض في عينيه، يضره استعمال الماء، فكان يغتسل ويتوضأ لجميع أعضائه ما عدا وجهه، فإنه يتيمم له، فقيل له: "يكفيك التيمم"، فقال: "تلك مسألة العاجز"، وكأنه كان ينظر إلى قوله: (إِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»)، فقد استطاع الشيخ في تلك الحالات أن يغسل جَمِيع بدنه ما عدا الوجه، وأن يتوضأ لجميع أعضائه ما عدا الوجه، فاستجاب لأمر الشريعة، أما العضو الذي لم يستطع أن يغسله فقد تيمم له حتى
يخرج من الخلاف.
1) الحديث أخرجه البخاري ((6858) ومسلم ((1337)، بلفظه من حديث طويل عن أبي هريرة. (المراجع) (1/567)
صفحة 568
الأباضية في موكب التاريخ
566
الأباضية في تونس
تذاكر مع أبي عمران موسى بن زكرياء أحد زملائه في تأليف الديوان ما ابتلي به الناس في ذلك الحين من ضيق الأمور، وكثرة الريب، وما يدخل على الناس من ذلك مما يعلمون ومِمَّا لا يعلمون من الشبه والريبة، قال أبو عمران: "إنَّما نعيش اليوم بحمل الأشياء على أحسن وجوهها، قال أبو مُحمَّد: "إِنَّمَا يصح ذلك في أحوال الطهارات، أما في الأموال فلا"، فاستحسن أبو عمران هذا الجواب من أبي محمد ووافقه عليه.
ضرب
سئل يوما ما العبادة؟ فقال: "العبادة هي النية والإخلاص لا ما يتخيله الناس من كثرة العمل والاجتهاد، إلا اذا صحب ذلك النية والإخلاص، فإن الكثرة حينئذ تكون أفضل"، ثُمَّ ضر للسائل مثلا، فقال: "ألا ترى أن ولدي داود يقيم الفتنة وهو يحفظ ما بين دفتي المصحف؟ ". ويعلق أبو العباس على هذا فيقول: " وأكثر" قصده في ذلك ما يقذع به ابنه عما هو ليس بسببه، وكان ينهى عن معاضدة داود ومساعدته خوفا أن يصيبهم ما أصابه، فلم يزل متكدر النفس من أجله لسلوكه عن طريقة أبيه، حتى عادت عليه بركة الشيخ، فألهمه الله الرشد، وتاب عما كان عليه وحسنت توبته".
كان ماكسن بن الخير شابا قوي الذاكرة حاد الذكاء، راغبا في العلم، فمر وهو في طريقه إلى جربة للدراسة بأبي مُحمَّد فرأى أن يسأله النصيحة في موضوع الدراسة فقال له: "إنني مبتدئ في الدراسة، فبأي مادة ابتدئ؛ أبعلم الكلام أم بعلم الفقه؟ ". فقال أبو محمد وقد توسم في الفتى الذكاء والرغبة: أدرس الجميع"، فقال ماكسن: "فإن قصر فهمي؟ "، فقال أبو محمد: "فدينك علم الفقه".
زاره عبود بن منار المزاتي فرحب به، وقال له: "يا عبود إنك عظيم القدر عندي، فما حالك؟ " وكان عبود متوسط الحال، صاحب أنعام وحبوب، فأجاب عبود: "إنني بخير ولكن ركبتني ديون"، فغضب أبو مُحمَّد وقال له: أعليك الدين وتزورني؟ ابتعد عني"، وهذا الغضب من أبي محمد في محله، فإن الديون التي ركبت عبودا لم تدفع إليها ضرورة، كما أن في استطاعة عبود أن يتخلص منها، وخرج عبود محرجا إلى أهله ودعا إليه صديقه الحميم علي بن يخلف، وقص عليه القصة، ثُمَّ قال له: بادرني يا علي بمن يُخلصني من هذا الدين"، واهتم علي (1/568)
صفحة 569
الأباضية في موكب التاريخ
567
الأباضية في تونس
بالموضوع في الحال، وأحضر إليه من اشترى منه عبدا وقطيعا من الغنم، وكمية من الحبوب، ودفع الديون التي عليه، ولم يلبث بعد ذلك إلا قليلا حتى غارت على حيه غارة من أولئك الناس
الذين لم يتخلصوا من عادات الجاهلية، ودافع عبود عن نفسه وماله حتى قتل رحمه الله. لقد طالت الحياة بأبي مُحمَّد وامتد به العمر وفي أواخر عمره أمسك عن الفتوى، فلما قيل له في ذلك أجاب: "إن بعض العلماء يقول: إذا علم العالم من نفسه ضعف العقل فلا يفتي وأنا أخذ بهذا، وأترك الناس قبل أن يتركوني".
الله
الزواغي فسأله
عن
ولعل خير ما نختم به هذا الفصل ما يلي زاره عمروس بن عبد حاله، فأعلمه أنه صالح الحال، فكان ممَّا قال له: "يا عمروس اجعل تقوى الله جنة، فإنه خير جنة، وأحسن معاشرتك للناس"، فقال عمروس: "وأي الناس"، فتبسم أبو محمد ابتسامة إعجاب وفرح وقال: "أحسنت وفهمت! .. الناس هم الصالحون"، فرحم الله أولئك الناس.
2005 2006 2005 200
يخلف
أسرة يخلف بن يَخلف
بن يخلف النفوسي التميجاري جد أسرة كريمة متسلسلة في العلم والعمل والصلاح، وهو وإن كان من تميجار في أواسط جبل نفوسة إلا أنه استقر في الجنوب التونسي، فكانت إقامته بنفطة، وسكنى بنيه بدرجين ذلك الحصن الذي كان معقلا من معاقل العلم والصلاح والاستقامة حتى دهمته الحوادث السود، والفتن العمياء، فلم تزل تتعاقب عليه بالنكبات حتى خربته وخربت ما جاوره. كان العلامة يخلف في مرتبة من العلم يقل فيها النظير، وكان من الذكاء والألمعية والفطنة بحيث يكون ظنه كالرؤية والسماع، وكان من نفاذ البصيرة وصواب الرأي في المنزلة التي رضي بها عنه المسلمون موافقين ومخالفين وكان من دقة الحكم وتحرير الفتوى، وتحقيق الحجة في الدرجة التي أجمع الناس على قبولها من جميع الفرق، والمذاهب في بلاد (1/569)
صفحة 570
الأباضية في موكب التاريخ
نفطة والجريد، فكانت
جميع
الأباضية في تونس
المشاكل والمنازعات ترفع إليه، فيقضي فيها بحكم الله،
ويفصل بين الناس فيتبعون حكمه برضاء وتسليم، واشتهر الرجل بالعلم والصلاح بين الناس، فأصبح ملجأ لهم في جميع مشاكل الحياة.
حدث أبو عبد الله مُحمَّد بن بهلول النفطي قال: ورد" على شيخنا أبي علي محمد بن عمران النفطي بعض الزوار، فأخذ جلساؤه من أهل نفطة في ذكر مناقب يخلف العزابي وبنيه، وأهل بيته، فأوسعوا في القول، والزائر الغريب يستحسن ويستغرب، حتى قال أحد الجلساء للشيخ - يعني أبا علي النفطي: أترى يا سيدي أنه يرجى لهم خير عند الله لهذه الأوصاف وهم على ذلك المذهب؟ فلم يُجبه بغير الصمت، فقال الزائر للشيخ: يا سيدي وما مذهبهم؟ قال أبو علي مذهبهم الصلاح، فانقطع بجوابه الكلام".
أحمد
قال أبو العباس بن سعيد الدرجيني المنحدر من هذه السلالة الطيبة العريقة في الإسلام: "حدثني من لا أنهم: أنه كان جماعة من البربر وجماعة من العرب من قبائل مختلفة ومذاهب متفرقة يقصدون الشيخ يخلف، فيجتمعون عنده أفواجا، يقضي بينهم في الجراحات وغيرها، لا يرغب عنه أحد لمخالفة مذهبه ولا يرد عليه، قوله وأما سكان الحاضرة أي نقطة فمفتقرون إلى علمه".
لقد بارك الله في يخلف، وبارك في بنيه، فكان يخلف علما ومرجعا في العلم والصلاح، أما
الله
ولده أبو الحسن علي بن يخلف فقد قدم للإسلام أجل خدمة يقدمها الدعاة إلى دين وبلغ بمفرده ما عجزت عنه الجيوش الفاتحة. كان أبو الحسن بن يخلف يشتغل بالتجارة، واقتضته ظروف العمل أن يسافر إلى وسط إفريقيا، فاختار عاصمة "مالي" مقرا لتجارته، وكان سكان تلك الجهات إما وثنيين وإما من أتباع المسيحية المحرفة، فاشتهر بين السكان بطيبة خلقه وحسن معاملته، وحرصه على الأمانة، واستمساكه الوثيق بدينه؛ ذلك الدين الذي كان غريبا بين سكان تلك الجهات ووثق به الناس، وأحبوه واشتهر اسمه، وحسن معاملته، حتى بلغ سمع الملك، فأحضره إليه، واختبره بطريقته الخاصة، حتى صدق ما عرف
عنه، فاستخلصه لنفسه، وأصبح يستثيره في أموره، وبلغ عنده منزلة لم يبلغها أحد. من وزرائه. (1/570)
صفحة 571
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ولقد استطاع المسلم العامل بالإسلام أن يؤثر على ذلك الملك، فأسلم الملك، وأسلمت الحاشية، وبدأ الإسلام ينتشر ويسري في عاصمة "مالي"، ثُمَّ فيما جاورها من مدن وبلاد .. إنه الداعية الْمُؤمِن الذي حمل بمفرده مشعل الإسلام إلى بلاد تعششت فيها الوثنية، فاستضاءت بذلك المشعل، واقتبست من ذلك النور، وإليه وإلى أمثاله من الرواد الأول يرجع الفضل في انتشار الإسلام في ربوع إفريقيا السوداء.
أحدا
ولقد كان أبو الحسن يشبه أباه في دينه وخلقه وعلمه ورحابة صدره، وسعة احتماله، كان القاضي عمر بن زرعة النفطي يقول: "ما رأيت مثل علي بن يخلف أحدا من الناس، فمن عجيب ما رأيت منه أبا القاسم القمودي كان من المشايخ المتوصفين، قدم من "توزر" ومعه طلبته، فأكرمه طلبة "نفطة" وصوفيتهم، فاحتفلت في إكرامه، وقلت: "لا ينبغي أن يتغيب أبو الحسن عن مثل هذا الحضور، فأحضرته وقد حضروا، فلما حضر قال ابن القمودي: "من هذا الجالس معنا؟ " قلت: "إنه الفقيه أبو الحسن علي بن العزابي" فقال: "أهو من بغضة علي؟ "، فلما قال ذلك رأيت ظلمة حالت بيني وبينه وندمت على الاشتغال بإكرامه، وإذ فعلت، فلم جنيت على نفسي وعلى صاحبي؟ وما كان أغناني أنا وصاحبي عن هذا الحضور. فلما سمع علي منه ذلك قال: "من أنبأك هذا يا شيخ؟ قال: "كذا يذكرون عنكم"، فقال: هل رأيت ابنه باسم "عدوه؟ قال: "لا! " قال: "كان أبي من فقهاء الإباضية، وقد سماني عليا"، قال: ثُمَّ أخذ معه أخذ معه في مذاكرة تشفي الصدر حتى استمال قلبه، وملك لبه، فجعلت تلك الظلمة تنجلي حتى صرت في ابتهاج عظيم، ولم يفترقا حتى قال له: "يا أبا الحسن أريد أن لا تفارقني مدة إقامتي بهذا البلد، وانفصل ابن القمودي يحمده ويحمد مذهبه". إن هذه القصة القصة التي ذكرها أكثر المؤرخين عن سبب دخول الإسلام إلى إفريقيا الوسطى تدلان دلالة واضحة أن الإسلام قد هذب من أخلاق هذا الرجل، وجعل منه إنسانا تتمثل فيه أسمى صفات الإنسانية، التي تدعو إليها الأديان السماوية، حتى أصبح مثلا حيا للمؤمن الذي يهدي بخلقه وسلوكه قبل أن يهدي بمقاله وبيانه، ولو لم يكن الرجل متصفا بما أوصى الإسلام فتجلت فيه الثقة والأمانة، وحسن المعاملة، والصدق فيها، حينما كان في "مالي"، وتحلى بالصبر على الأذى وضبط النفس والتحمل حينما قابله ابن القمودي بتلك الفظاظة
يسمي (1/571)
صفحة 572
الأباضية في موكب التاريخ
570
الأباضية في تونس
لانقلبت صفحات من التاريخ لو غضب بلمزة ابن القمودي وعامله بنفس الأسلوب من الخشونة، والازدراء لانقطعت الصلة بين الرجلين، وربَّما نشأت عن ذلك فتنة، ولعل أكثر الفتن التي وقعت وتقع بين طوائف المُسلِمِين إِنَّمَا سببها طيش بعض المنتسبين إلى العلم، وعدم فهمهم لروح الإسلام، وتغلب الغرور والطيش وضيق الصدر عليهم، وتحكم العصبية المذهبية فيهم. وكما أنجب يخلف ولده عليا، قد أنجب علما من أعلام الإسلام، هو أبو الربيع سليمان بن علي بن يخلف كان سليمان شاعرا مطبوعا يجيد الزجل أو الشعر باللغة الدارجة، كما يجيد الشعر باللغة البربرية، إلا أن شعره باللغة الفصحى لا يتسامي إلى درجة شعر ولده سعيد، أو حفيده أحمد، ذلك أن دراسته للغة العربية لم تطل، فقد انقطع للعلوم الشرعية، وتخصص فيها، فكانت لا تشذ عليه مسائل من مسائل الفروع والأصول في المذهب الإباضي، وكان يتقن الفرائض، ويجيد حسبتها، هذه مرتبته العلمية، أما مرتبته الدينية والخلقية فهي مرتبة المُؤمِنين الحريصين على إيمانهم وأخلاقهم.
وكان إلى علمه وخلقه ونزاهته كريما مطبوعا على الكرم، فلم يبق من ماله الكثير غير شيء قليل، وكان بعض الأصدقاء ينصحونه بأن يبقي لأولاده، فكان يقول لهم: "أما أولياء منهم فإن الله لا يتخلى عنهم، وأما العصاة فأنا أحق بمالي"، ولما كبر قل ماله،
الله
المهر
وضاقت ذات يده فجاءه صديقه الحميم بياضة بن عزون فقال له: "يا شيخ إن مالك قد قل، ومؤنتك قد كثرت فهل لك في خمسين ويبة تمرا أو مائة من عندي في كل عام تستعين بها على أضيافك، وأضياف المسجد، وضعفاء أهل الدعوة"، فقال له: "لا والله، إن لكفاية، أؤدي منها حقوق من ذكرت، ولو على عسر، ولكن إن كنت فاعلا فقم
فيما بقي
بحقوقهم كما قام بها غيرك، تول ذلك بنفسك ومالك". كان أبو الربيع سليمان يعيش في زمن مضطرب بالفتنة مشحون بالعصبية، قد انفلت زمام الناس، وبعدوا عن جادة، الإيمان وفي أواخر أيامه أوقد بعض دعاة العصبية نار الفتنة في "كنومة"، وتألب سكانها على الإباضية فأخرجوهم منها، وألحق الشيخ بإخوانه، فلما رآه المتعصبين من النكار صاح: "إذا تركتم فقيه القوم يخرج سالما فما فعلتم شيئا"،
بعض (1/572)
صفحة 573
الأباضية في موكب التاريخ
571
الأباضية في تونس
وتواثب إليه الناس، فطعنه أحدهم طعنة ظنها قاتلة، ولما ذهب المعتدون تولى أصهار الشيخ إسعافه وعلاجه، فأطال الله عمره، وأبقاه لحمل رسالة الإسلام والإصلاح. لقد كانت البلاد في ذلك الحين تعاني من الظلم وفساد الحكم وانتشار الفتنة واصطراع العصبية، وتغلب الفساد الشيء الكثير، وكانت الدولة في ذلك الحين تفرض على سكان منطقة الجريد وما يتبعها من الواحات أن يزرعوا أراضيهم، ويقوموا بخدمة مزارعهم وحقولهم مناصفة، فتأخذ نصف الإنتاج من جميع غلل الزراعة كالحبوب والتمر، ثُمَّ تلزم الناس أن يدفعوا الضريبة من أنصبتهم، ومقدارها العشر، ثُمَّ يخرج المتقون منهم من أنصبتهم فريضة الزكاة، فلا يبقى لهم إلا مقدار الثلث من نتائج مجهوداتهم، فكان أبو الربيع يجيز للناس ولنفسه أن يخفوا ما استطاعوا من أموالهم، حتى لا تأخذ الدولة نصفه كأنها صاحبة الأرض، والعشر ضريبة على الفلاح، ويقول: إن الدولة ليس لها أن تأخذ إلا ما قرره الشرع الكريم، أما أن تسن من نفسها تشريعا تستبيح أموال الناس، وتغتصب حقوقهم، فذلك ليس من حقها، فإذا تغلبت هي بالقوة فإن للمزارع أن يسلك معها بالحيلة، وأن يحفظ أمواله بأي طريقة لا تعرضه للعقوبة والمهانة.
به
حدثتك أيها القارئ الكريم عن ثلاثة أعلام من هذه الأسرة الكريمة، ولقد أنجب أبو الربيع ولدا سار في نفس النهج، وسلك نفس الطريق، سماه أبوه سعيدا، وكان سعيد هذا مع إيمانه وعلمه وعمله، شاعرا مجيدا.
وأنجب أبو عثمان سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف ولدا، كان غرة في جبين الدهر من أولئك الأبطال، الذين لا يجود بهم الزمان إلا في فترات طويلة من التاريخ، ذلك هو
أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف الدرجيني صاحب «الطبقات». ويكفي دليلا وبرهانا على علم الرجل وأخلاقه ودينه واحترامه لحملة مشعل الهداية: ما ورد في أول الكتاب عندما تحدث عن الطبقة الأولى، فإليك ما قال عندما ذكر محتويات الكتاب: "فالذين اشتملت عليهم الخمسون الأولى من المائة الأولى: هم المائة الأولى: هم أصحاب رسول الله وفضائلهم أشهر ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج إلى تعدادهم، إذ هم نجوم الهدى، مصابيح الدجى، وعلى مكانتهم ومتزلتهم وفضلهم فلابد من تقديم ذكرهم جملة، إذ هم (1/573)
صفحة 574
الأباضية في موكب التاريخ
572
الأباضية في تونس
الأئمة والقدوة والسلف والصدر الأول، ولئلا يكون السكوت عن ذكرهم إعراضا، والتجاوز عن شرفهم غمضا أو إغماضا، وأعاد نفس المعنى عندما بدأ في التفصيل، فقال: الطبقة الأولى هم أصحاب رسول الله، وفضائلهم أشهر، ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج له إلى تسميتهم؛ لأنهم رضوان الله عليهم- تحصل من سيرهم وأخبارهم في الدواوين ومن آثار هم محفوظا في صدور الراوين ما أغنى عن تكليف تصنيف وانتحال تأليف، وحسبهم ما قال فيهم رسول الله: «لا يَشْقَى مَن رَآنِي» (1)، وقوله ال: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُم» (3)، وأحاديث كثيرة في فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أن من الصحابة من لَم يُخالفنا في تقدمهم مُخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ومنهم من لم ينل حظا في الإنصاف عند أهل الخلاف وهم معدودون عندنا في جملة الأكابر والأسلاف فلنذكر منهم من أمكن ذكره، ووجب علينا وإن عاب الغير شكره". بعد هذه المقدمة القيمة ذكر أبو العباس بعض أصحاب رسول الله له ممن تناولتهم ألسنة الأهواء، وأقلام المغرضين من أحلاس السياسة، فأوضح -رحمه عدالتهم ونزاهتهم، وثقة رسول الله الله، وكبار أصحابه فيهم، وحكم فيهم بالحكم العام، الذي ينطبق على جميع أصحاب رسول الله، والدارس للتاريخ الإسلامي في الْمَغرِب الإسلامي لا يُمكن أن يستوفي معلوماته دون الاطلاع على هذا الكتاب القيم، فرحم الله أبا العباس.
الله
ورضي عنه
قمم
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزائي
العلم الشامخة، ومكتبة حافلة بأنواع المعارف حية متنقلة، على أنه لم يكن
من حملة العلم الجامدين الذين يحملون آراء غيرهم دون أن يكون لهم رأي، بل لقد
1) لم أجد من خرجه بهذا اللفظ. (المراجع)
الحديث أخرجه البخاري وغيره بلفظه عن عمران بن حصين ر 3450، 3/ 1335. (المراجع) (1/574)
صفحة 575
الأباضية في موكب التاريخ
573
الأباضية في تونس
وهب مع
الحافظة الواعية التي لا تكاد تنسى فكرا نفاذا إلى حقائق الأشياء، وبصيرة نيرة خبيرة بمواقع الأحكام كان عالما بالأصول والفقه، درس كل ما وصلت إليه يده، حتى بز جميع الأقران، وفاقهم، فلما نضجت مواهبه واستقرت معارفه تصدى للتدريس والفتوى، فتخرج على يده كثير من أعلام الإسلام. بدأ دراسته على مشايخ عصره، ثُمَّ التحق بمدرسة الإمام الأعظم أبي عبد الله مُحمَّد بكر الفرسطائي وعنه أخذ العلم والسيرة. لقد قضى أبو الربيع أيام الصبا والشباب في الدراسة، ثُمَّ عكف على التدريس والتأليف، إنها الأمانة العلمية التي تحملها أسلافه أعد نفسه لحملها، فحملها بجدارة واستحقاق، ولم يتخل عنها لحظة واحدة في حياته، وكما كون جيلا من أنجب الطلاب، وأوضح معالم الإسلام للضالين والجاهلين بالدعوة إلى دين الله وبيان حدوده في دروس الوعظ والإرشاد، ترك لنا مؤلفات قيمة؛ منها المتحف في الأصول، والسيرة المنسوبة إليه، وهي دستور قيم للعالم المتعلم، يجدر بالشباب المسلم المتعلم أن يحفظها وأن يعمل بها.
الله"،
كان مستقلا برأيه، مجتهدا في أحكامه، قد يفتي بالقول المرجوح، ويعمل برأي الأقلية، ويبدو أنه في فتاواه وأحكامه لا يقتصر على بحث الآراء والأدلة التي تستند عليها، وَإِنَّمَا يضيف إلى ذلك ظروف البيئة، ودراسته الشخصية للموضوع، ومعرفته لما يحيط بالحادثة. لما مرض أستاذه الأكبر أبو عبد الله محمد بن بكر مرض الوفاة، قال لجماعة ممن حضر: اشهدوا أن البستان الفلاني الذي على العيون هو لأبي يوسف، وهو أكبر أبناء أبي عبد فسمعت امرأته بذلك، فظنت أن ذلك بسبب الوجع أو السهو، فقالت تنبهه: ما هذا يا شيخ؟ فكرر الشيخ الإشهاد على نفسه بما قال، وأكد للقوم قوله الأول، ولم يرجع عنه، وأجاب امرأته قائلا: "إني اعتقدت له أكثر من ذلك، وعلمي ورأيي لا أرجع عنهم إلى علمك ورأيك، وكان ولده أبو العباس أحمد حينئذ عند أبي الربيع سليمان بن يخلف في نظام الدراسة، فبلغ وفاة أبيه، وقد بقيت بيده بقية من نفقة فأمسك عنها؛ لأنه رأى أن ذلك قد أصبح مالا للورثة،
• (1/575)
صفحة 576
الأباضية في موكب التاريخ
574
الأباضية في تونس
لهم
وهذا
فقال له أبو الربيع: أمسك ما بيدك، وأنفق منه ولا حرج عليك، فإن أباك لا تلزمه العدالة بينكما، ثُمَّ ذهب إلى موطن الشيخ أبي عبد الله، وأنفذ وصيته كما أوصى بها، مع أن أكثر الفقهاء يوجبون العدالة بين الأولاد، ولا يجيزون إنفاذ العطية إذا وقعت في مرض الموت، ولا شك أن في المسألتين خلافا بين علماء الإسلام، ولكن الراجح المعمول به عند الإباضية هو وجوب العدالة بين الأولاد، وعدم إنفاذ العطية الواقعة في مرض الموت. وفتوى أبي الربيع بغير المشهور من أقوال المذهب في ذلك، يدل دلالة واضحة على استقلال رأيه، واجتهاده من جهة، ثُمَّ استناده على معرفة أحوال الناس الذين يقع المشاكل والأحداث، ودراسته لظروف تلك الأحداث من جهة أخرى. ويبدو لي أن الذي يسر لأبي الربيع أن يفتي هذه الفتوى إنَّما هو معرفته الكاملة لأسرة أستاذه أبي عبد الله، وللمجهود الجبار المتواصل الذي بذله أبو يوسف يعقوب في تكوين هذه الأسرة، وتهيئة ظروف الحياة الكريمة لها، حتى كأنه شريك، أو أخ لأبي عبد الله، ما لاحظه أبو عبد الله، فهو يعلم أن ما يعود عليه من أملاك إنَّمَا كان لكفاح أبي يوسف، فرأى أن يعوضه عن ذلك المجهود بهذه العطية. وعلى هذه المعرفة الشخصية والدراسة النفسية استند أبو الربيع في إصدار هذه الفتوى، ولقد تحدث أبو العباس الدرجيني عن هذا الموضوع فقال: "قلت أما فعل أبي عبد بن بكر الله فلا ينفذ لوجوه منها أولا أنه عطية في المرض الذي توفي فيه، فلا يجوز إلا بإجازة الورثة. ثانيا: أنه لم يذكر التسليم والحوز وذلك شرط عند جميع أهل العلم إلا الشاذ. ثالثا: إنه لم يعدل فيما دل عليه اللفظ والعدل بين البنين واجب على الأب في قول جماعة من أهل العلم، وإليه مال أكثر أصحابنا فيما علمت لكن الشيخ أبا الربيع رجح قول من قال لا تجب العدالة على الأب وأقول والله أعلم -: إن ذلك إنما جاز لإجازتهم إياه، إبرارا بالشيخ رحمه الله " انتهى قول أبي العباس ويرد على تعليله الأخير بأن الورثة ربما أجازوا ذلك ما ورد في أول القصة بأن امرأته نبهته حاسبة أن ما قاله إنما كان من
الله محمد (1/576)
صفحة 577
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
الوجع، فأصر أبو عبد الله على موقفه، وأعلن أنه لن يرجع عن رأيه وعلمه إلى رأيها وعلمها، مع العلم أنها وارثة.
بِهَذه
الزمالة
مهما يكن فإن ترجيحه للقول المرجوح، وفتواه بغير المعمول به دليل على ملكة الاجتهاد والاستقلال في الرأي، وملاحظة جميع الظروف المحيطة بالقضية عند تطبيق الأحكام، وشبيه الحادثة ما جاء في القصة الآتية: كان بين مجموع الطلبة الذين يدرسون عند أبي الربيع تلميذان ذكيان، تربط بينهما عرى والصداقة، والمحبة وكانا يقضيان وقتهما في مذاكرة ودراسة، حتى إذا أحسا بالتعب والملل خففا عن نفسيهما بالنكتة الضاحكة، والدعابة البريئة، والهزل الخفيف، ووضع الزميلان كتب الدراسة إلى جانبهما، وحلق بهما الخيال في مسارح آمال الشباب، فتحدثا عن العزوبة والزواج، والتفت أحدهما إلى الآخر متصنعا وقار الجد، وقال له: "إني أرغب إليك يا صديقي في أختك فلانة بنت الحسب والنسب، وجئتك راغبا في زواجها فهل توافق على ذلك؟ " وتصنع الزميل الثاني وقار ولي الأمر الذي يفكر في مستقبل أخته، وينظر إلى مصلحتها، ثُمَّ رفع رأسه وقال: "قد قبلت فبارك الله لكما"، وضحكا الفتيان ورجعا إلى كتبهما للمذاكرة، ولكن شيئا بدأ يهجس في نفس الفتى الخاطب، ألا يكون قد ارتكب بدعابته هذه حماقة، وأصبح الزواج منعقدا، وأصبحت فلانة هذه امرأته، ويكون مسئولا أمام الله والناس عن زوجة لا تدري عنه شيئا، وعندما افترقا بقي الشاب يردد الفكرة على ذهنه، فلا تزداد إلا رسوخا وثباتا، وفزع بمشكلته إلى زملائه الذين يكبرونه سنا وعلما يلتمس عندهم الحل، فكان كلما عرضها على واحد منهم أجابه بأن «ثَلَاثَةٌ جَدُّهُنَّ جِدٌ وَهَزَلُهُنَّ جد: النكاح والطلاق، وَالْعِتَاق» (1)، فالنكاح قد انعقد بينه وبين الفتاة، وأصبحت زوجة له بحكم الشرع، ويضيفون إلى ذلك ما يشاءون من نكت ودعابات، واهتم الفتى واحتار، وفي درس من الدروس لاحظ الشيخ أبو الربيع سهو تلميذه النجيب، وشرود فكره، فعلم أن
(1) الحديث أخرجه الحاكم (ر 2800) والترمذي (ر 1184) وغيرهما عن أبي هريرة بلفظ: « ... والرجعة». (المراجع) (1/577)
صفحة 578
الأباضية في موكب التاريخ
i
576
الأباضية في تونس
شيئا أصابه فلم يخطه بالسؤال، وإنما سأل عنه بعض زملائه، فأخبروه بالقصة، فقال الشيخ: "قولوا له فليقم، وليشتغل بالقراءة فإنه لم ينعقد نكاح، ولا يلزمه شيء ولو أجازته". هذه حادثة أخرى من الحوادث التي تدل على مبلغ علم الرجل واجتهاده في ذلك العصر، ولقد ناقش الشيخ أبو العباس الدرجيني هذه القصة أيضا فقال: "قلت: وهذه المسألة لها وجوه تقيد بها، وليست مطلقة، وذلك أن أخا المرأة لا يخلو أن يكون وكيلا مع كونه وليا، أو لا يكون وكيلا، فإن كان وكيلا فالنكاح قد أنعقد بلا خلاف، وإن كان النكاح فضولا بغير توكيل ثُمَّ أجازته فالأولى جوازه، وقيل: يكون موقوفا على قبولها أو امتناعها، ولعل أبا الربيع -رحمه الله - عرف في هذه القضية بعينها ما أوجب امتناعها، كتراكن وقع خاطب، أو عقد تقدم من ولي آخر، والله أعلم"، انتهى كلام أبي العباس. هذه القصة تؤيد ما أشرت إليه سابقا من استقلال أبي الربيع في رأيه واجتهاده في استخراج الأحكام، واعتماده في إصدار الفتوى على قرائن الأحوال، وعلى الدراسة الشخصية لظروف الحادثة. كان أبو الربيع يتحلى بأسمى أخلاق الْمُؤمِنين من اللين والحلم والتواضع والكرم والعفة ومحبة المُسلمين، والنصح لَهُم.
متقدما
أراد جماعة من طلابه أن يعودوا إلى بلدانهم، فسار معهم مسافة طويلة لوداعهم، وكان يتحدث إليهم، ويوصيهم في آخر مرحلتهم الدراسية، وممَّا قال لهم وهو يسير معهم: امضوا بالسلام، فإذا وصلتم منازلكم إن شاء الله، فإياكم والدنيا أن تستقبلوها بوجوهكم، فإن من استقبلها أغرقته ومن استدبرها فلابد أن تأخذ منه، وعليكم بالألفة، والنصيحة، والتزوار، وحفظ مجالس الذكر، وإياكم وأمور الناس وإياكم التقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم والسلام، وحينما عزم جماعة من الطلاب على الرجوع إلى أوطانهم معتقدين أنهم أخذوا ما فيه الكفاية من مبادئ العلم، وأنهم يستطيعون أن يستمروا في دراستهم معتمدين على الكتب لم يرض لَهُم، وأوصى العلامة أبا يحيى زكرياء بن أبي بكر أن يقول لهم: "اعلموا أنكم إن رجعتم على هذا الحال إلى أهلكم فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا"، وليس أعنف من هذه العبارة توبيخا على من يرضى بالأقل؟، أو يتملكه الغرور فيحسب أنه قد ملك من الوسائل ما يصل به الغاية، ولا أشد تحريضا على طلب الكمال. (1/578)
صفحة 579
الأباضية في موكب التاريخ
Ovv
الأباضية في تونس
خلف الزواغي
كان ذات يوم جالسا في زاوية من زوايا المسجد إلى جانب صديقه يزيد بن يستمعان من مكانهما إلى درس يلقيه العلامة أبو يعقوب محمد بن يدر فسأله سائل: "هل
،
يجب علينا العلم بالفرائض؟ فأجاب أبو يعقوب خطأ؛ إذ قال لمن سأله: "علينا العمل بالفرائض، وليس علينا العلم بها، فاتَّجَه يزيد إلى صديقه أبي الربيع، وسأله بحيث يسمع من في المسجد: يا سليمان ما الذي أخذت عن أبي عبد الله بن أبي بكر في هذه المسألة؟ "، قال أبو الربيع: إذا لزم العمل بشيء لزم العلم به، وإن في فعله الثواب وإنه فرض وعدل". دوى صوت أبي الربيع بهذا الجواب في جوانب المسجد، فلم يرد عليه أحد، ومع ذلك فلم يعلن أبو يعقوب عن رجوعه، ولا طلب منه الشيخان أن يرجع عن قوله والقضية من مسائل علم الكلام المشهورة مبسوطة في الكتب، وهي من مسائل الخلاف بين الإباضية وبعض الفرق الإسلامية الأخرى؛ لأنه لا يعقل أن يقوم الإنسان بعمل لا يعرف كيف يقوم به.
ويعلق أبو العباس الدرجيني على هذه الحادثة فيقول: "وكان هذا حال الشيخ أبي ربيع لا يعجل بتخطئة أحد، ولا يسمعه جفاء"، ولعل ممَّا يكمل به إطار هذه الصورة التي أردت أن أضعها لهذا الْمُؤمن العامل في هذا الكتاب أن أنقل للقارئ الكريم نماذج مما ورد في كتابه القيم المشهور بـ"سير أبي الربيع":
(
"ينبغي للعالم أن تكون له خزائن لا يدخلها إلا هو "من" جهالة العالم أن يفتي لكل من يسأله"، "العالم في علمه كالطبيب في أدويته، لا يضع دواء إلا حيث يصلح، وكل علة مع دوائها"، "صونوا" علمكم بالسكينة والوقار وحسن الأدب"، "العلم يحتاج إلى السياسة ما لا تحتاج السياسة إلى العلم"، "على العالم أن يعبد الله بكتمان علمه ما لم يُحتج إليه، فإذا احتيج إليه لم يسعه كتمانه"، "العلم أكثر أن من يحصى، ولكن خذوا من كل شيء أحسنه"، "ظلم الناس الإسلام بثلاثة: تركوه من غير عيب، وجعلوا له عيوبا لم تكن فيه، وادعوه ولم يكن فيهم"، "سرعة اللسان بالاستغفار والتمادي على الذنوب توبة الكذابين"، "من يتوب ثُمَّ يرجع إلى ما تاب عنه كالمستهزئ بربه"، "احذروا الناس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه، ولا متن جواد إلا عقروه، ولا قلب مسلم إلا أفسدوه". (1/579)
صفحة 580
الأباضية في موكب التاريخ
OVA
الأباضية في تونس
يكون الرجل في قعر بيته قد غلقت عليه الأبواب واقفا في صلاته في جوف الليل، ليس معه غيره وهو مراء بصلاته، قيل له: كيف ذلك؟!، قال: إذا أحب في نفسه أن يظهر ذلك للناس ويطلعوا عليه"، "يكون الرجل في مطلع الشمس وتكون الفتنة في مغربها، وهو في بيته على سريره راقد، ولم يحضر بنفسه ولا بماله وسيفه يقطر دما من تلك الفتنة، قيل له: كيف ذلك؟، قال: إذا مال بقلبه إلى إحدى الطائفتين". هذه ملامح عن شخصية أبي الربيع المزاتي، أرجو أن يكون القارئ قد رسم منها صورة لذلك الرجل العظيم.
KOOK K
ميمون بن أحمد المزاتي
قال فيه أبو العباس الدرجيني: "كان ذا فطنة وذكاء، وعقل ودهاء، وكان مصدرا بدرجين من قبل مقدمها مولاهم بن علي والجماعة، فكان حكمه عدلا وقوله فصلا"،
ويبدو من هذا التعريف أن الشيخ ميمون يتولى الأحكام والفتاوى في درجين؛ لأَنْ مقدم درجين في ذلك الحين وجماعة المُسلمين يرجعون إليه في هذه الأمور؛ لأن ميمونا لم يتول العمل للحكومة في أي فترة من حياته، وَإِنَّمَا وثق فيه وفي علمه ودينه الناس فالتجأوا إليه، وكان في عامل درجين بقية من خير، فلم يركب رأسه ويفعل ما يفعل غيره من أصحاب السلطة، وَإِنَّمَا كان يرجع في أحكامه إلى ميمون بن أحمد المزاتي، الذي كان يحكم بعدل، ويفصل المشاكل بعلم، ويتصرف بدين ونزاهة، وقد أرضى بعمله هذا الحاكم الفعلي لدرجين، وأرضى جماعة المُسلمين. امتدت الحياة بالشيخ، وطالت حتى كف بصره، وأدبرت أيام درجين، وتغلب فيها الجهل، حتى كان الشيخ يتمنى أن يجد من يسأله، أو يناقشه في حديث، أو يتعلم منه أو يعلمه، وقد من الله عليه، فاستجاب دعوته في آخر أيامه فوهب له طالبا ذكيا، المعيا شديد الرغبة في (1/580)
صفحة 581
المسجد
الأباضية في موكب التاريخ
579
الأباضية في تونس
العلم، هو العلامة سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف، ففرح به الشيخ، وأمل أن يُحيي الله على يديه ما انطمس من معالم الحق، وكان الطالب الذكي لا يفارق مجلس الشيخ في المسجد أو في البيت فكان يحضر حلقة القرآن الكريم، وكان يرافق الشيخ ويخدمه، وكان الشيخ يؤثره إكراما لجده يخلف بن يخلف، فكان يمرنه على القراءة، ويحمله على مراجعة أخطائه، حتى يهتدي إلى تصحيحها بنفسه ويسرد له ما عسر عليه، ويرافقه في تلاوة القرآن الكريم، ويفسر له بإيجاز معاني الآيات، ويشرح له معاني المفردات اللغوية، إلى آخر ما هنالك مما يفعله المدرس النصوح مع التلميذ النجيب، الراغب في الاستفادة. قال أبو عثمان سعيد بن سليمان: دخلت حلقة درجين وأنا صبي قبل أن أكمل قراءة القرآن الكريم، فكان الشيخ ميمون سبب تمرني على قراءة الكتب؛ لأنه كان يكبرني إجلالا لوالدي، ويخصني بالفوائد، وذلك أنه متى خرج إلى المسجد أخرج معه كتابا، فإذا جاء دعاني، وقال لي: "اقرأ"، فآخذ الكتاب وأقرأ، فمتى توقفت في بعض ما يشكل علي، قال لي: "بين" ولا ترهب"، فإذا قرأت حرفا ما أصبت أم صحفت استحسن ذلك، وكان يقول لي بعد ما كف بصره: اقرأ علي سورة كذا أو كذا، وكان لا يخليني من كان شديدا في الأمر والنهي، حريصا على إقامة دين الله، فلما كبر وكف بصره خفف من حدته، ولان في أمره ونهيه وكان العلامة يخلف بن يخلف يتوسم فيه الخير والصلاح. فكان يخصه بالهدايا الطريفة، وكان يحض الناس على إكرامه والبر به، ويقول لهم: أكرموا ميمون بن أحمد، فقد اجتمعت فيه الخصال الثلاثة عزيز ذل، وغني افتقر، وعالم بين جهال"، لقد كان هذا العالم الذي حكمت عليه ظروف الحياة أن يعيش في درجين حين أدبرت أيامها وذهبت نضارتها، وأتى الظلم والجبروت على ما كان فيها من علم ودين وخلق مثلا يحتذى في وسائل التربية والتعليم، فلقد جرى على طريقة تعتبر من الطرق الحديثة في التربية والتعليم، وذلك أنه يعمل على أن يعتمد التلميذ على نفسه، بعد أن يستثير المدرس ذهنه، فيستنتج ويستخرج القواعد، ويُحاول أن يصل إلى أخطائه بنفسه، فيصححها دون أن يلقنه المدرس، وهو في طريقة تدريسه وتربيته يحترم شخصية الطالب، ويبذر فيه
فائدة". (1/581)
صفحة 582
الأباضية في موكب التاريخ
580
الأباضية في تونس
بذور الشجاعة، والثقة بالنفس، وقد كان حريصا على أن يكون الْمُؤمِن حسن السيرة، لين الخلق، عفيف اليد واللسان، فكان يقول: "من" قال المسلم يا ثقيل يبرأ منه"، إنه لا يريد أن ينسب إلى المسلم أي وصف تكرهه النفس، وتمله بسببه الأصحاب.
أبو حفص عمرو بن جميع
لو
يشرفني أن أضع القلم لأرافق القارئ الكريم في قراءة هذه الترجمة القيمة التي كتبها الإمام القدوة أبو إسحاق اطفيش - رحمه الله ورضي عنه، قال حين ترجم لأبي حفص في مقدمة التوحيد: "هو العلامة أبو حفص عمرو بن جميع لم نجد له ترجمة غير ما كتبه عنه البدر الشماخي -رحمه الله- في تراجمه وإن كنا ندرك متزلته العلمية والعملية في نفس المقدمة جزمنا بنسبتها إليه"، قال البدر كان إماما مشهورا، وكان من بين العلماء منظورا، وإليه تنسب العقيدة التي كانت بالبربرية، فأبدلها بلسان العربية وهي اعتماد أهل جزيرة جربة وغيرهم من أصحابنا أهل المغرب غير نفوسة في ابتداء الطلبة، وأودعتها شرحا على قدرها" انتهى. أما كونها ليست عماد أهل نفوسة فلاعتمادهم على العقيدة المعروفة عندهم بعقيدة نفوسة، وهي متن من متون أصول الدين لأحد أئمة القدماء، اشتهر عندهم واعتنوا به، فاستغنوا عما سواه من المتون، ويبدو على متن المقدمة المنسوبة إلى العلامة أبي حفص أمور: اشتمالها على ما لا يسع جهله من مسائل التوحيد من الجمل الثلاثة، وتفسيرها، على منهاج السلف - عنهم دون أن تشاب بأساليب الفلسفة الكلامية، وتكليف المبتدئين معرفة الصفات والمسائل الخلافية، تضمنها في مسائل الولاية، والبراءة، معرفة المعصومين، وهم أثنى الله عليهم في كتابه العزيز نصا، أو تلويحا، وهم بذلك مقطوع بسعادتهم في الآخرة، وبموتهم على الوفاء بدين الله، المعبر عنه عند أصحابنا بالعصمة احتواؤها على مسائل هي من قبيل مسائل التاريخ، كذكر الأنبياء الذين أرسلوا إلى الكافة، وأولو العزم، والأنبياء
رضوان الله
الذين (1/582)
صفحة 583
الأباضية في موكب التاريخ
581
الأباضية في تونس
العرب ... الخ، كي يكون المبتدئ على إلمامة بمهم ما يتصل بمسائل دينه، عنايتها بتفصيل الناس بالنسبة إلى العمل بالدين وعدمه، وبيان حال المسلم في أطوار الحياة الدينية، والأحوال التي تكون عليها الأمة بالنسبة إلى الاستقلال والغلبة المعبر عنه بالظهور، والتغلب عليها المعبر عنه بالكتمان، لعدم نفاذ أحكام الإسلام العامة وحدوده، وفرز الإسلام من غيره، وأصول التشريع من التنزيل والسنة والرأي الذي هو الإجماع والقياس ... الخ ما هنالك من مهمات المسائل التي يلم بها المتعلم في بداية التعليم، حتى يكون آخذا بقسط من مسائل الدين، والتهذيب، وأصول التشريع، وأسس الحياة الاستقلالية، ومعرفة أحكام الملل، وطاعة أولي الأمر من الأئمة العدول، والتضحية في سبيل الحق لأجل الحق، والتحلي بالكمالات الإسلامية، ومعرفة الكبائر، وفرز ما بينها، فهذه العقيدة هي في نفس الأمر والواقع من أهم المقدمات، لو اعتني بها من جميع نواحيها لكانت المؤلفات التي تكتب عليها من أجل الكتب، وأبدعها أصولا وتاريخا، وخلوا من هوس الفلسفة الكلامية.
وعندي أن نسبتها إلى الإمام أبي حفص فيها نظر؛ لأنه رحمه الله يقول:
طبقة
"وجدت هذه النكتة منسوخة بالبربرية ... الخ "، فهذه العبارة صريحة في أنها لغيره لا له، ثُمَّ إن التاريخ أعرب لنا عن حقيقة لا مراء فيها، وهي أن عهد التأليف بالبربرية أقصى ما يمكن أن يصل إليه لا يعدو القرن الرابع، والمؤلف من الطبقة الخامسة عشر، التي هي الخمسين الأولى من القرن الثامن على ما يؤخذ من طبقات أبي عبد عبد الله الباروني، وسير الشماخي -رحمهما الله-.
ويُمكن أن يقال: إن هذه المقدمة آخر ما نقل عن البربرية إلى العربية من المؤلفات، وهذا الطور -طور التأليف بالبربرية - من أهم أطوار التاريخ الإسلامي في شمال إفريقيا، يدل على ما بذله أسلافنا من الجهود في هداية البربر إلى الإسلام وتمكينهم فيه بما لم يبلغ إليه سواهم، فجزاهم الله عن الإسلام أحسن جزاء.
ففي قول البدر الشماخي أن العلامة أبا حفص كان إماما شهادة عظيمة تعرفنا بمرتبة
المترجم له، وبنسبته بين أقرانه، إذ ليس البدر الشماخي بمن يقول ويلقي دون وزن، وهما -
- (1/583)
صفحة 584
الأباضية في موكب التاريخ
582
الأباضية في تونس
رحمهما الله - قريبان في العصر، حيث توفي البدر سنة 928 هجرية، والإمام أبو حفص وإن لم نقف على تاريخ وفاته عند كتابة النبذة، فإنه معدود عند أصحاب الطبقات من أئمة الخمسين الأولى من القرن الثامن كما تقدم، توفي رحمه الله بجزيرة جربة، ودفن بمقبرة جامع تَفَرُّوحِين (بفتح التاء والفاء، وشد الراء المضمومة) لفظ بربري، وذلك بجهة والغ القديمة من الجزيرة.
******
أسرة البرادي
عماد هذه الأسرة أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البَرَّادي، وقد نشأ في جبل دمر من الجنوب التونسي، ودرس على بقية المشايخ هنالك في أول أمره، حتى ثقف لسانه، وصلب عوده، وازداد عطشه إلى العلم وظمأه إلى المعرفة، فانتقل من جبال دمر إلى جزيرة جربة فالتحق بمدرسة علامة زمانه الشيخ يعيش الجربي، فدرس عنده ما شاء الله، ثُمَّ تاقت نفسه إلى المزيد، فارتحل إلى جبل نفوسة، والتحق بمدرسة الإمام الكبير أبي ساكن عامر بن علي الشماخي وواصل هنالك دراسته حتى أصبح علما من الأعلام، وإماما من الأئمة، ورجع إلى جبال دمر فبدأ كفاحه من أجل الرسالة المقدسة، ولكنه لم يستقر في دمر طويلا، فقد انتقل إلى جربة ليجعل من تلك الجزيرة مركزا لإقامته، ومنطلقا لدعوته الإصلاحية، وميدانا لكفاحه في سبيل الله، وكانت الْجَزيرة في ذلك الحين تعج بالعلماء الأعلام وتنتشر فيها المدارس، وإن كانت من الناحية السياسية تعاني أشد المتاعب، وتتعرض لصنوف من الأذى، تحت نظام حكم فاسد وحكم منحرفين عن دين الله، واستقر جربة وتصدى للتأليف والتدريس والفتوى والفصل في مشاكل الناس، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتنديد بالظالمين، والمنحرفين، ولقد آتت جهوده العلمية أحسن الثمرات، فتخرج على يده عدد غير قليل من الأعلام.
ومع
كفاحه للباطل الذي بدأ ينتشر في التحلل الديني والباطل الذي بدأ ينتشر على ألسنة
المبتدعين، والباطل الوافد في ظلال الحكم الفاسد، وعدم الاستقرار، والباطل المخيم مع (1/584)
صفحة 585
الأباضية في موكب التاريخ
583
الأباضية في تونس
الجهل بدين مع كفاحه للباطل في شتى هذه الصور وانشغاله بتوعية الرأي العام، كان
الله
قد ترك لنا ثروة قيمة من الآثار.
الله محمد
فقد ألف في الحدود الشرعية رسالة قيمة استجابة لطلب الشيخ أبي عبد أحمد بن الصدغياني، حدد فيها حقائق أكثر العلوم الشرعية، وبدأ في شرح الدعائم فأصدر منه الجزء الأول، وصل فيه إلى الطهارات، ثُمَّ جمعت مسودة الباقي من بعده، فبلغت إلى الزكاة ولم يتم الكتاب، وشرح كتاب "العدل والإنصاف" للإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم ولم يتمه، وألف كتاب "الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات"، وهو تصدير مطول، أو جزء أول لكتاب الطبقات لأبي العباس الدرجيني، أما الفتاوى والأجوبة فقد ترك منها الشيء الكثير، وقد رأيت منها جملة تدل على أن الرجل بلغ من العلم درجة تجاوزت مرتبة التقليد إلى الاجتهاد، وخولت له الاستقلال بالرأي في الفتوى وهو في رسائله قوي صريح صراحة تبلغ الشدة والعنف في بعض الأحيان لا يبالي في الحق لومة لائم، والذي يبدو من دراسة التاريخ أن الفترة التي كان فيها أبو الفضل كانت من أحرج الفترات التي مرت على جبل دمر والجنوب التونسي كله، فقد كانت العصبية المذهبية بلغت حدا كبيرا، وكانت الأيدي الحاكمة الهزيلة المتغطرسة التي ضعفت عن حكم الناس بالشرع أو بالقانون، فاستندت في حكمها على إيقاد نار الفتنة بين طوائف الأمة، وتوسيع شقة الخلاف بين الناس، وتسليط الذين لا يخشون الله ولا يتقونه على غيرهم، ومساعدتهم على العدوان ليتسنى لَهُم أن تجمع الأموال التي تطالب بها بكل الحاح وباستمرار، فأصبح الناس يعيشون في تلك المناطق منعزلين متعادين، كل قرية أو قبيلة أو مجموعة منها تعيش منفردة بنفسها، وأصبح كل ما يمت إلى الاتصال بالدولة دليلا على الظلم والفساد، ولعل مما يصور ذلك ما قاله البرادي وهو يتحدث عن الحلال والحرام والشبهة - قال: "ومن القرائن التي تدل على الشبهة والريبة، ويجب التوقف والبحث عندها، قرينة الإغارات والتلصص في بلادنا هذه العمائم الزرق، ومن قرائن الغشم والإغارات والانتهاب الرمح والقوس، ومن قرائن التسلط والقهر والعلو والسلطان الترفه والتفنن، والتباهي في الملابس (1/585)
صفحة 586
الأباضية في موكب التاريخ
584
الأباضية في تونس
الفاخرة مثل الفراء الموشاة، والثياب المذيلة المطولة، والأخراج والخيل المسومة، والبرانيس الواسعة الأكتاف، وكثرة الأعوان، والتعزز بكثرة الأتباع والتبختر في المشي، وقصر الخطا". ويقول بعد كلام والاجتماع والوقوف على أبواب الظلمة، والانتصاب بين أيديهم، ولباس الثياب والأجباب مفردة من غير ما يلقى على العواتق فهذه قرائن كلها باكتساب الشبهة والحرام والريبة، وتوجب التوقف والبحث، والفحص عما في أيديهم، وإن كان يحتمل أن يحصل لَهُم الحلال، بميراث، أو هدية أو صدقة، أو شراء إلى الذمة، فهو احتمال ضعيف نادر، والنادر لاحكم له".
ويقول بعد كلام: "فالهدية إليهم في أكثر الأمور رشوة، والميراث إِنَّمَا يقع إليهم في غالب الأمور من أمثالهم، ومن هو بمترلتهم، فمهما ظهرت قرينة من هذه القرائن فقد وجب التنزه والتوقف، فهو معنى قوله: وَمَن تَرَكَهَا فَقَد استبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَن رَتَعَ حَولَ الْحِمَى يُوشِكُ أَن يَقَعَ فِيه» (1).
تَخرَّج على أبي الفضل عدد جم من كبار العلماء، وتسلسلت منه أسرة شهيرة في العلم والعمل والكفاح في سبيل الله، ولعل أشهر أفراد الأسرة هو ولده: أبو محمد الله عبد أبي القاسم البرادي، كان كما يقول أبو العباس الشماخي: "شيخا عالما متفننا"، درس على مشايخ جبل دمر، ثُمَّ ارتحل إلى تونس، فدرس في المعهد الزيتوني العامر، وبلغ فيها مرتبة شهد له فيها علماء الزيتونة العظام بالنبوغ والعلم، قال بعض تلاميذه: "كنت بالزيتونة في مجلس من مجالس العلم، فأثيرت مشكلة من مشاكل اللغة العربية، فاستشكلها الأستاذ المدرس وتردد فيها، فتكلمت فيها بما حضرني، فأعجب الشيخ، جوابي فقال لي عمن أخذتها قلت عن أبي مُحمَّد البرادي، فالتفت إلى القوم وقال: لَهُم ما رأيت أعلم من البرادي، فغضب بعض الحاضرين من هذا القول، فالتفت الشيخ إلى البجيري -وكان متخصصا في العربية - فقال له: إنه يشاركك في العربية، وزيد عليك في علوم أخرى، ثُمَّ التفت إلى غيره ويقول لكل واحد منهم: "إنه يشاركك في مادة
(1) الحديث أخرجه البخاري (((52) ومسلم ((1599) بلفظ قريب عن النعمان بن بشير. (المراجع) (1/586)
صفحة 587
الأباضية في موكب التاريخ
585
الأباضية في تونس
تخصصك، ويزيد عليك في علوم"، هكذا يشهد الشيخ حسين المدرس الكبير في المعهد العامر لأبي مُحمَّد وهو غائب شهادة يغار منها جماعة من العلماء، فيقرر لهم الشيخ في
صراحة أن البرادي يشارك كل واحد منهم في مادة تخصصه، ويزيد عليه في علوم. عندما أتم دراسته اختار جزيرة جربة مقرا لعمله وفيها بدأ كفاحه العلمي والديني، وطنه جبل دمر فقد تركه لأخيه أبي عبد الله محمد البرادي.
أما
قال أبو الربيع سليمان بن أبي زكرياء الفرسطائي: ارتحلت إلى جبل دمر للدراسة، فالتحقت بمدرسة أبي عبد الله البرادي، فكان هو المدرس والمفتي، والحاكم في جبل دمر، فإذا جاء أخوه أبو مُحمَّد عبد الله، رجع الدرس والفتوى والحكم إليه، وكنت أريد أن أسأله مسألة عن في الإيمان فيمنعني الحياء منه، وسألته يوما عن الإيمان فقال لي: يقول بعض العلماء أن النظر في الإيمان إلى ما يدل عليه اللفظ، ويقتضيه وقال بعضهم: النظر فيه إلى النيات وهو أولى، هذا ترجيح أبي محمد".
تولى أبو فارس عزوز الحكم في تونس ما بين 796 - 837 هـ، وكان قويا فاضلا، ذا سياسة وحكمة، جاءه بعض الناس يشيرون عليه أن يلزم أهل جربة باتباع المذهب المالكي، ويخبره أنهم لا يزالون محافظين على المذهب الإباضي، ويوهمونه أن في المذهب الإباضي بدعا تخالف الإسلام، وأن أهله لا يزالون يناوئون الحكام، وأن توحيد البلاد تحت مذهب واحد أحسن، فاستحسن الفكرة، وكان - فيما يبدو - لا يعرف شيئا عن الإباضية غير ما يقصه المتعصبون، المغرضون، فرأى أنه يجب عليه كي يتخذ الخطوة أن يزور القوم، وأن يتصل بهم، وأن يعرف منهم أصول هذا المذهب وقواعده حتى يقيم عليهم الحجة، ويلزمهم بالخروج منه، والدخول في مذهب آخر، وارتحل إلى جربة، وفي ركابه عدد جم من علماء المالكية الفضلاء، وطاف في البلد فوجد المساجد عامرة غاصة، والمدارس مزدحمة، وحلق الدروس متتابعة، وآداب الإسلام في المعاملة ظاهرة متغلبة، ولكي تتم له الصورة التي أراد أن يأخذها عن الإباضية في جربة عقد مجلسا للمناظرة، حضره جمع من علماء الجزيرة وطلاب العلم، وأثيرت بعض المشاكل العلمية، فأمر أبو مُحمَّد أحد تلاميذه بالجواب فأوضح التلميذ وأبان، وأجاب بما أقنع أبا فارس (1/587)
صفحة 588
الأباضية في موكب التاريخ
586
الأباضية في تونس
والجمع الذين حضروا معه، واتضح لأبي فارس أن الكلمة التي ألقيت في أذنه باسم النصيحة للدين والدولة، إنَّما هي وشاية متعصب حقود، ولذلك فقد أقام أياما في جربة ثُمَّ عاد إلى مركز الحكم وهو مقتنع أن هؤلاء القوم أحرص على دينهم من الوشاة الذين يتزلفون إليه. تخرج على أبي مُحمَّد عبد الله عدد من فحول العلماء، منهم: أبو النجاة يونس التعاريتي، وأبو يحيى بن أفلح ... وغيرهما كثير.
أبو سليمان الثلاتي
يشرفني هنا أن أرفع قلمي الضعيف، وأدع الحديث للإمام القدوة العلامة أبي إسحاق
اطفيش -رحمه الله ورضي عنه.
قال أبو إسحاق حين ترجم للعلامة أبي سليمان التلاتي: "هو العلامة النحرير، والقدوة الشهير، الولي الصالح أبو سليمان دواد بن إبراهيم التلاتي الجربي أحد الثقاة الصالحين، رحل في طلب العلم، واقتطاف أزهار فنونه من رياضها، جاب الفدافد إلى العلامة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل الميزابي المليكي بوادي ميزاب عام أحد وستين وتسعمائة، وعن
الشيخ سعيد بن علي الخيري الجربي الداوي، وهو الشهير بغرداية (1) بـ"عمي سعيد". فهو الذي يُحدثنا عن مراحله العلمية منذ البداية فقال: أول ما قرأت العقيدة؛ عقيدة التوحيد وغيرها، على عمنا أبي زكرياء ابن عيسى الباروني والذي في طبقات أبي عبد الله الباروني أبي بكر ابن عيسى الباروني وهو من نفوسة، ثُمَّ قال: ثُمَّ قدمت من نفوسة إلى جربة، وقرأت بها عند الفقيه أبي القاسم بن يونس السدو يكشي، ومن شيوخه العلامة أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الهواري، من مشاهير الطبقة التاسعة عشر؛ كأبي القاسم السدويكشي، ثُمَّ رحل ثانيا إلى جبل
(1) إحدى القرى السبعة في وادي ميزاب وعاصمتها بالجنوب الجزائري، وتعد الولاية 47 حسب التقسيم الإداري
الجديد (المراجع). (1/588)
صفحة 589
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: الإباضية في موكب التاريخ
المؤلف: علي يحيى معمر
مراجعة: سليمان بن الحاج إبراهيم بابزيز
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1429ه/ 2008م
الطبعة: 3 (مصححة ومراجعة)
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 ربيع الأول 1447ه/ 08 - شهر 09 - 2025م. الأياضية في موكب التاريخ
OAY
الأباضية في تونس
نفوسة، فأخذ على أبي يوسف يعقوب بن صالح؛ علامة "أجناوَنَ" (بفتح الهمزة والجيم، وشد النون وفتح الواو بعدها نون لفظ بربري معناه الجنان، جمع جنة، وهي من أجمل قرى جبل نفوسة، بها عين "ثرارة"، تسقي القرية وحدائقها الغناء، ثُمَّ ارتحل شيخه إلى جزيرة جربة، فعكف على أخذ العلم عن الشيخ إبراهيم بن أحمد من سلالة أبي منصور إلياس التندميرتي النفوسي الإمام المشهور عامل أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب، وكلاهما من الطبقة السادسة، وقد أخذ عن شيخه إبراهيم بن أحمد فنون المعقول؛ كالمنطق والبيان، حتى برع فيها ونبغ. وكان مُجاهدا مُجتهدا في العلم وإصلاح، شعبه، والوقوف في وجوه الظلمة والطغاة، ولم يأل جهدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى كان في مكانته بمنزلة الإمام العادل في تنفيذ الأحكام والسهر على أمن الأمة وراحتها. وقد ذر قرن الطغيان والعسف من عمال الأتراك يومئذ على تونس ويبدو أن الثورة على درغوث بن علي التركي في جزيرة جربة كانت بإشارته؛ حيث بلغ الشر من أولئك الولاة الطغاة أشده، بما لا بد معه من الدفاع عن الكرامة والدين فكان أن أغار درغوث الطاغية على الجزيرة بجموع من العربان والنكار والجند، فأخمد الثورة بضروب القسوة، نهايتها قتل هذا العلامة الجليل، فاستشهد - رحمه الله - بعد أن أخذ خديعة، وسجن شهرا، وقد واجه هذا الطاغية وهو في أوج طغيانهبما انطبق عليه قوله: «أَفضَلُ الْجِهَادَ كَلِمَةُ حَقِّ عِندَ سُلطَانٍ جَائِرٍ فَيُقتَلُ بِهَا صَاحِبُهَا»، أو كما قال، فلم يلبث الطاغية وأعوانه بعده إلا نحو أسبوع حتى انتقم الله منهم بأعدائه الإسبان، فكان جزاؤهم، وفاقا، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة سبع وستين وتسعمائة (967 هـ)، أوائل شهر جمادى الأولى، ودفن بجامع أبي دواد بحومة بركوك، بالجزيرة جربة.
-
وأبو داود هو أبو سليمان، اشتهر عند العامة بأبي داود حتى أن أكثر التلاميذ لا يعرفون
بن
مصنفاته إلا بأبي داود وهو خطأ أن يكنى باسمه، كخطئهم في كنية جدنا محمد عبد العزيز، إذ لا يعرف إلا بأبي محمد، والخطأ نشأ أن البربر يكنون العظماء من بأسمائهم، والأصل أن العظيم من رجال الدين يقال له: بابا فلان، أي: سيدنا
عندهم (1/589)
صفحة 590
الأباضية في موكب التاريخ
588
الأباضية في تونس
فلان، ويختصرونه إلى بافلان فيتوهم أنهم يكنون، وعلى هذا اشتهر كثير من عظماء العلماء بكنيتهم بعلمهم في البلاد التي تغلب عليها اللهجات البربرية بالمغرب. ولأبي سليمان داود، مصنفات، نفع الله بها كثيرا من عباده المؤمنين؛ منها "شرحه على متن إيساغوجي" في المنطق، مقرر بالجامع الأعظم الزيتونة بتونس، و"شرحه على الأجرومية" قل أن تجد ممَّن أدركناه لا يحفظه عن ظهر القلب، وهو ممَّا منَّ الله علينا به من المحفوظات، وشرح المقدمة هذه، ومقدمة العقيدة، كذلك قل أن نجد ممن أدركناه من العلماء أو التلاميذ لم يكن من محفوظاته، وذلك في بلادنا وادي ميزاب، ولعل الحال في الجزيرة ونفوسة كذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه". هذا ما كتبه الإمام أبو إسحاق عن أبي سليمان التلاتي وأنا وإن كنت لا أجد شيئا جديدا أضيفه إلى كلام الإمام، غير أنني أختتم هذا الفصل الرائع بكلمة جانبية صغيرة: يبدو لي من مقارنات تاريخية كثيرة أن أبا سليمان التلاتي كان من أواخر من تولى رئاسة مجلس العزابة، وكان لغزارة علمه، وقوة شخصيته وصلابة إرادته، كأنه يقف في الميدان منفردا، يتولى جميع الشؤون، وهذا ما عبر عنه أبو إسحاق بقوله: "حتى كان في مكانته بمنزله الإمام العادل في تنفيذ الأحكام والسهر على أمن الأمة وراحتها". والحقيقة أن مجلس العزابة يقوم في أطوار الكتمان بعمل الحكومة الجمهورية، وشيخ العزابة يكون فيه بمثابة رئيس الجمهورية أو الإمام العادل ينفذ الأحكام، ويصدر الأوامر، ويتولى جميع الشؤون التي يقرها المجلس، على أن ظروف الحياة في جربة قد اضطرت مجلس العزابة أن يجري بعض التعديل على نظامه، فيخالف بذلك نظام العزابة المعروف في جبل نفوسة، ونظام العزابة المعروف عند الإباضية في الجزائر، وذلك أن المجلس يختار من غير أعضائه شيخا يسمى شيخ الحكم؛ يسند إليه القيام بالشؤون السياسية والمدنية، تحت استشارة مجلس العزابة، وهذا الشيخ أصبح لا تتوفر فيه شروط العزابة، ولا يكون عضوا في الحلقة، وإنما يكون غالبا كإمام دفاع في حالات الحرب وكواسطة بين الأمة والدول الظالمة لجمع الضرائب بالطريقة التي يقررها مجلس العزابة، ويسلمها لعمال الدول الحاكمة، وذلك حتى لا يكون التعاون المباشر بين حلقة (1/590)
صفحة 591
الأباضية في موكب التاريخ
589
الأباضية في تونس
العزابة وحكم الظالمين، وهذا التعديل الذي أدت إليه ظروف خاصة في جربة أجرى حسب تقديري بعد القرن التاسع، ويدل على إجراء هذا التعديل كلمة أبي سليمان داود التلاتي حين كان درغوث يستجوبه فقد قال له: "نحن جماعة العزابة ليس بأيدينا، ولا إلينا تولية الأمراء، ولا عزلهم في هذا الزمان"، وهذا يدل أن العزابة هم الذين كانوا يتولون تولية الأمراء وعزلهم، وواضح أن أبا سليمان كان يقول هذا وهو شديد الأسف على هذا الإجراء الذي اتخذ، والحقيقة أن مجلس العزابة في جربة بدأ يتخلى ويضعف عن مزاولة اختصاصاته، فكانت تسلب منه شيئا فشيئا، كما سلبت منه الرئاسة السياسية والمدينة، وقد يتولى في بعض الأحيان بعض كبار العلماء رئاسة المجلس، فينتعش كما انتعش في عهد أبي سليمان وعهد شيخ مشايخ أبي النجاة وغيرهم، ولكن الظروف التي جاءت من بعد، والضربات الموجهة إليه بقصد من بعض الولاة، وتمرد بعض مشايخ الحكم من أهل الجزيرة، ومحاربتهم علنا للعلماء العاملين، ومساعيهم لدى الدولة للقضاء على أولئك العلماء، هذه الأسباب كلها كانت عوامل لانحلال مجلس العزابة.
له
وعلى كل حال فإن أبا سليمان داود بن إبراهيم التلاتي كان من أولئك العمالقة العظام الذين انتهت إليهم رئاسة المجلس، وقيادة الأمة، ومحاربة الطغيان، حتى ختم بالشهادة، فرحمه الله رحمة واسعة.
أبو النجاة يونس بن سعيد
أبو النجاة يونس بن سعيد بن يحيى الخيري الجربي اشتهر بـ"ابن تعاريت"، عاش في القرنين التاسع والعاشر وكان حلقة اتصال متينة بين مواطن الإباضية في ليبيا وتونس والجزائر، أخذ العلم عن جماعة من الأعلام؛ مثل أبي عفيف صالح بن نوح التندميرتي، وأبي بن أبي القاسم البرادي، وأبي يحيى زكرياء بن أفلح الصدغياني وغيرهم، وتخرج عليه جمع من الأعلام؛ مثل أبي يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي، وإبراهيم بن أحمد أبي الأحباس وأبي عثمان سعيد بن علي الخيري الحربي، وسلامة الجناوني وغيرهم
محمد.
عبد الله (1/591)
صفحة 592
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
من أقطاب الْجَزيرة والجبل وبني مصعب، ويكفيه شرفا أنه من العلماء الذين جازت عليهم نسبة الدين إلى المواطن الثلاثة.
حدود
الله
على
اشتغل بالتعليم، وقضية التعليم هي الواجب الأول على جميع علماء الأمة، ومع قيامه بهذه المهمة وتوافد طلبة العلم عليه من كل مكان، فقد كان يكافح من أجل إقامة دين الله في جميع الميادين، فكان من أحرص الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الله وكان داعيا من الدعاة المُؤمِنين المخلصين، الذين أوتوا مقدرة وكفاءة على قيادة الناس في سبيل الخير، وكان حريصا على حماية المجتمع المسلم من الأمراض الأخلاقية، التي تتسرب إليه من هنا وهناك، وكان دائم التنقل بين أنحاء الجزيرة يعلم الجاهل، ويرشد الضال، ويحل المشكلة، ويفصل المنازعة، ويقضي بين المنازعة، ويقضي بين المتخاصمين، ويقيم حدود المنحرفين، فلقد كان شيخا للعزابة، إليه ترجع جميع الشؤون وهو الذي يتولى تنفيذ أحكامهم، وإن كان في الجزيرة في ذلك الحين شيخ للحكم، هو أبو زكرياء السمومني، اختاره العزابة أنفسهم، ولكن أبا زكرياء كان يتولى إمامة الدفاع عندما يغير على الجزيرة مغير، ويتولى في بعض الأحيان تسليم الضرائب إذا اقتضت الظروف السياسية لجزيرة جربة تدفع الضرائب لبعض المتغلبين، أما النواحي الأخرى من الشؤون سواء كانت دينية، أو اجتماعية، أو أخلاقية، فإنما يتولاها الشيخ أبو النجاة تنفيذا لقرارات مجلس العزابة، الذي
أن
كثيراً ما تقتضيه الظروف فينعقد في بيت أحد أعضاء العزابة، بدلاً من المسجد.
كان يلقي الدروس لحلقات متفاوتة من الطلاب منهم، مبتدئون، ومنهم من يسلك في سلك العلماء الكتب التي يدرسها للطبقة العليا من الطلاب كتاب "الجهالات"، وهو ومن متين الأسلوب، لا يقوى على فهمه وتدريسه إلا فطاحل العلماء، فوضع عليه أبو النجاة تعاليق وهوامش تشرح الغامض منه، وتسهل الصعب، وعلى تلك الهوامش اعتمد أبو عبد الله بن أبي ستة في حواشيه على الكتاب المذكور.
کتاب
دسم
غزير المادة،
من التلاميذ النجباء الذين درسوا على أبي النجاة سلامة بن يوسف الجناوي، وكان سلامة ذكيا لبقا خفيفا، كثير الحركة، النشاط، ولذلك فقد كان ملازماً للشيخ لا يفارقه، يحضر
جم (1/592)
صفحة 593
11
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أكثر مجالسه، ويسجل ما يقع فيها من مناقشات علمية أو مداولات في الشؤون السياسية، والاجتماعية، ويهتم بصفة خاصة بالنواحي التاريخية، فيسجل الأحداث تارة بالسنوات، وتارة بالشهور، فيقول مثلا: اجتمعت مع شيخي عمنا يونس بن تعاريت عام 903 م"، أو يقول: وقع لعزابة جربة اجتماع عند شيخنا الفاضل الهمام أبي النجاة عمنا يونس بن سعيد بن يحيى بن تعاريت ... الخ، وهكذا كان هذا الطالب النجيب، لا يترك شيئا هاما يحدث في مجالس أبي النجاة دون أن يسجله باختصار، ويبدو أن سلامة هذا لم يعن فيما بعد بتنسيق تسجيلاته وملاحظاته، وَإِنَّمَا تركها هكذا لتكون مادة علمية مجردة عن رأي المؤلف، وطريقته هذه شبيهة بالطريقة التي سلكها من قبله مؤلفوا اللقط، ولو جمعت هذه التسجيلات لكانت كتابا قيما، يعطي صورة حقيقية للجزيرة في عصر من العصور. كان أبو النجاة فضلا عن رئاسته لمجلس العزابة إماما من الأئمة الأعلام، إليه المرجع في العلم والرأي والسياسية، وكانت جميع الاجتماعات في جربة تعقد تحت رئاسته، سواء كانت تلك المجالس من العزابة أو من غيرهم، فتناقش المشاكل الناجمة بين يديه، وإلى آرائه ينتهي القوم فيما يفعلون وفيما يتركون، ولعل من أهم الأحداث الواقعة في زمنه أحداث القرصنة، ومهاجمة الأساطيل الإفرنجية للشواطئ الإسلامية، وعدوانها على ثغور البحر الأبيض المتوسط. وقد تولى كثير من مؤرخي الجزيرة تفصيل تلك الأحداث وما يقوم به أهل الجزيرة الأبطال من الدفاع، بتوجيه وقيادة العلماء ومشايخ العزابة، ولعلّ في الحادثة الآتية الدليل الكافي عما يتمتع به العلامة أبو النجاة من إيمان راسخ وعقيدة لا تتزعزع، وحب للإسلام، واستماتة في الدفاع عنه، وما يتمتع به من دراسة عميقة للنفس البشرية، ومعرفتها معرفة صحيحة. نشطت القرصنة الأسبانية في ذلك الحين، ووالت هجومها على الشواطئ الإسلامية، وبدأت تحتلها من ناحية الغرب، فاحتلت بجاية، ثُمَّ الْمرسى الكبير، ثُمَّ وهران، ثُمَّ طرابلس، وكان المخطط الإسباني يضع جميع الثغور الإسلامية تحت سهام موجهة حسب وبعد احتلاله لتلك المراسي كان يأمل أن يحتل غيرها، ومنذ احتل الأسبان بجاية علم أهل جربة أنه سوف توجه إليهم ضربة من ضربات القراصنة، وإن عليهم أن يختاروا
الأهمية، (1/593)
صفحة 594
الأباضية في موكب التاريخ
592
أحد.
الأباضية في تونس
بين أمرين لا ثالث لَهُما إما أن يسلموا من أول الأمر، فيسمحون لأولئك الغزاة باحتلال بلادهم، وإما أن يدافعوا دون أن ينتظروا مددا من عقد العزابة اجتماعا في دار رئيسهم أبي النجاة يونس، وقد حضره شيخ الحكم أبو زكرياء السمومني، وطرح أبو النجاة موضوع احتمال غزو الأسبان لَهُم للمناقشة، ودرسوا موقفهم من كل جوانبه، واستعرضوا الحالة العامة للمسلمين في ذلك الحين، فعرفوا أنه لا أمل لَهُم في نجدة تأتي من الخارج، فإن الدولة الحفصية التي كانت تحكم تونس في ذلك الحين، وكان يتولى إمارتها أبو عبد الله أحمد الحفصي، كانت أضعف من أن تنجد جربة، وأضعف من المال، أما البلدان المجاورة التي كان يحتمل أن تهب لنصرة الإخوة في الدين،
بغير جمع
أن تهتم
من
فقد أتى عليها الخلاف القبلي، والتعصب المذهبي، والفتن الداخلية، حتى بلغت حالة الضعف والانهيار لا يُمكن معها أن تنجد أحدا ولا أن تهتم بقضية دين، أما جبل نفوسة فقد كان حينئذ مضطرا للاحتفاظ بجميع قواه ليحافظ على نفسه من الغارات المتوالية التي يشنها على أطرافه في كل يوم ناس كانوا يعيشون على النهب والسلب. وهكذا درس القوم الموضوع، وعلموا أنه لن ينجدهم أحد لو وقع عليهم عدوان من قراصنة الأسبان، وهنا في مثل هذا الموقف تبرز خصائص الإيمان والزعامة، ويمتاز الرجال بعضهم عن بعض، وظهر أبو النجاة بخصائص العالم الْمُؤمِن الشجاع، فقد علم أن الجزيرة لا يُمكن أن تعتمد على مدد من الخارج، فلم يبق لديه إلا القوة الموجودة في الجزيرة، وعليه أن يكون منها قوة يستطيع أن يدفع بها عدوان المعتدين.
وقد فكر قبل كل شيء أن يستثير الناحية الروحية في الناس، وأن يملأ قلوبهم بالإيمان، ونفوسهم بالثقة بالله، وألا يترك للخوف واليأس سبيلا إليهم، فجعل يحبب إليهم الاستشهاد، ويثير في نفوسهم الرغبة في الدفاع عن الدين والوطن، ولكي يؤكد هذا المعنى في أذهانهم، ويجعل منهم قوة متماسكة مندفعة في سبيل الله، قال لهم: "ليس بيننا وبين النصارى إلا أمران نجعلهما حجابا وسترا: (1/594)
صفحة 595
الأباضية في موكب التاريخ
593
, (Y),
الأباضية في تونس
الأول: العمل بقوله: (إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمْ الأُمُورُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيكُم بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَعٌ وَشَاهِدٌ مُصَدَّق» (1)، ورجع القوم إلى القرآن الكريم فوجدوه يقول للمؤمنين: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله يَدْرِ وَأَنتُمْ أَذلة، ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مواطن كثيرة) (2)، لنا أنها الذينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرُكُمْ وَيُثبِتْ أَقْدَامَكُمْ، وإِنا تَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ان ينصركُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُم، وقاتِلُوهُمْ يُعَ م يعد يهم الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ نين، وَلَيَنصُرَنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِينُ}، {وَإِن يَقَاتِلُوكُمْ يُولُوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لأَبْصَرُود الأَدْبَارَة) والا إِنَّ نَصْرَ الله قريب (10)، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عند الله العزيز الحكيم)، طوقان استنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، وكم من فئة قليلة غلبت منه كثرة باذن الله)
)
ب الله أَغْلَبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي (15)، فَلْيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلُ فِي
(1) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ. (المراجع) (2) سورة آل عمران: 123.
(سورة التوبة: 25.
4 سورة محمد: 7.
0) سورة غافر: 51.
(6) سورة آل عمران: 160.
) سورة التوبة: 14.
8 سورة الحج: 40.
9 سورة آل عمران: 111.
(10) سورة البقرة: 0214
(11) سورة آل عمران: 126.
12) سورة الأنفال: 72.
13) سورة الروم: 47.
(14) سورة البقرة: 249.
15) سورة المجادلة: 21. (1/595)
صفحة 596
الأباضية في موكب التاريخ
594
الأباضية في تونس
سبيل الله فيقتل أو تطلب فسوف تؤتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا))، وإن تكن منكم عشرُونَ صَابِرُونَ يَعْلَبُوا ماشين وإن يكن
و فَإِنَّ هُمُ
منكم مائة تعلموا ألفا من الذين كفروا) ()، فإن حزب الله هم الغالبون. مائة مَنَا
ذكر أبو النجاة حديث رسول الله الله للناس، ورجع القوم إلى القرآن الكريم يستشهدون به في تلك الأمور الملتبسة المظلمة، فوجدوا فيه النور الذي ينير لَهُم الطريق، ويبين لَهُم سبيل الهدى الذي يجب أن يتبعوه، وقال لَهُم أبو النجاة: لقد وجب علينا الدفاع بأمر كتاب الله، أما النصر فقد ضَمِنَهُ الله سبحانه وتعالى، وكثرة العدد وقلته عند الله سواء، على أن واجب الْمُؤمِنين أن يقاتلوا في سبيل الله حتى ينتصروا أو يستشهدوا {وَمَن يُقَاتِلُ فِي سَبيل الله فَيُقْتَل أو طلب فسوف تأتيه أجرا عظيمًا) ().
(4)
إن واجب الْمُؤمِنين أن يقاتلوا أعداء الله، حتى يتحقق لديهم أحد الأمرين: إما النصر، وإما الشهادة، والاختيار في ذلك ليس لَهُم، وَإِنَّما هو الله العزيز الحكيم، إن شاء يسر لَهُم أسباب النصر، وإن شاء يسر لَهُم الشهادة، وفي كل ذلك خير.
وبعد
أن شحن نفوس الناس بهذه القوى الروحية، زاد فطلب إليهم أن يتلوا القرآن الكريم
ربهم
تلاوة جماعية، وأن يجعلوا ختمة في كل جمعة وحتى في أقل من ذلك، وأن يتوبوا إلى ويستغفروه من آثامهم وذنوبهم، وأن يتخالصوا في الحقوق التي بينهم، فإنهم قادمون على الله. ورقت نفوس القوم، واستعدوا للقاء الله وترك الدنيا وما فيها، فكانوا يستغفرون الله، ويلجأون إليه بالدعاء، ويتخالصون ويتحاللون فيما بينهم من معاملات، وزادهم أبو النجاة الشحنة الروحية الثالثة، حين اقترح عليهم أن يكتبوا إلى إخوانهم في جبل نفوسة، وأن يطلبوا نصرهم، ونفذت الفكرة، فكتبت الرسالة حالا وختمها بيده الكريمة، وبعث بها إلى أعلام الجبل؛ من أساتذته وزملائه، وتلاميذه فتقبلوها بقبول حسن، واهتموا لها أي
1) سورة النساء: 74.
(2) سورة الأنفال: 65.
(3) سورة المائدة: 56.
(4) سورة النساء: 74. (1/596)
صفحة 597
الأباضية في موكب التاريخ
595
الأباضية في تونس
اهتمام، وقرروا أن يعقدوا اجتماعا في مسجد "تاله" المتوسط في الجبل، وأن يتجهوا إلى الله تعالى بالتضرع والدعاء أن يحمي الجزيرة وأهلها من ظلم أعداء الله.
دأب شيخا الْجَزيرة - شيخ العزابة وشيخ الحكم على العمل في بقية المدة، فكان أبو النجاة يدعو الناس إلى الاعتصام بالله وتهوين أمر المشركين، والاستخفاف بقواتهم واستعداداتهم، وكان أبو زكرياء يعمل على تسليح الناس، وتدريبهم على القتال، وإعدادهم من الناحية العسكرية، وتحقق ما توقعوه، فقد جاء الأسطول الأسباني، وهاجم الجزيرة، بأعظم أسطول عرفته البحار في ذلك الحين، فتلقاه أهل جربة الأبطال، ولم تطل
المعركة، فقد نصر الله الْمُؤمِنين، وخذل المعتدين، ورد كيدهم في نحورهم. لقد كتب كثير من الْمُؤمِنين عن هذه الموقعة، وذهبوا في تعليل انتصار جربة الأسطول الأسباني مذاهب شتى، فكان المؤرخون الغربيون ومن أخذ منهم يعللونها بن مادية صرفة لا يقبلها العقل كالجهل بطبيعة الأرض، وشدة الحر، وعطش الجند الأسباني إلى ذلك، وكان بعض المؤرخين المُسلمين يحسبونها في كرامات الأولياء والصا
الإيمان
فيجعلها بعضهم من كرامات أبي النجاة، أو استجابة للدعوات الحارة من أهل الجبل. أما القلة من المؤرخين الذين درسوها على ما عرفوه من تاريخ الإسلام، فلم يجدوا فيها شيئا غريبا يستحق التفكير، وليست هي أول حرب تقع بين الإيمان والكفر، فينتصر مع قلة عدده، وعدته وينهزم الكفر مع كثرة ما أعد. إن الأسباب التي انتصر بها المسلمون في وقعة بدر، والأسباب التي انتصروا فيها في وقعة مؤتة، وفي اليمامة، والقادسية، واليرموك، وغيرها من الوقائع، هي نفس الأسباب التي انتصر بها المسلمون في هذه الوقعة، وفي أشباهها من الوقائع، لقد تجرد المسلمون من المادية، ولم يضعوا بين أعينهم غير حقيقتين اثنتين: النصر والشهادة، وانطلقوا إلى الجهاد في سبيل الله بتلك الروح التي كان يحارب بها المسلمون في الصدر الأول، ويوالون الفتوح متجردين لنشر دين الله، وإعلاء كلمته. حارب سكان جربة على قلة عددهم وضعف مادتهم، فنصرهم الله، وأقام بهم على المُسلمين في كل عصر وفي كل مصر، إنها حادثة جديرة أن يدرسها المسلمون، وأن يستخرجوا منها الموعظة والعبرة. (1/597)
صفحة 598
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أسطول يتكون من عشرين ألف جندي في مائة وعشرين سفينة، يغزو شواطئ المغرب الإسلامي، فينتصر في مراكش، والجزائر وتونس، وطرابلس، ويحتل مراسيها مرسى بعد مرسى، حتى يأتي إلى جزيرة جربة فيهاجمها بكل ما لديه من قوة وكبرياء ونشوة بالانتصارات السابقة المتوالية، فتقابله هذه الجزيرة الصغيرة بثلاثة آلاف مقاتل على أكثر ما يُمكن، مما تدعيه المصادر
بهم
الأجنبية، فيهم عدد غير قليل من شيوخ عجزة، دفعهم حب الشهادة، وأطفال مراهقون جاء الحماس، فتنتصر هذه الآلاف الثلاثة الضعيفة، التي ليس لها من قوة السلاح غير بنادق قليلة، وبعض السيوف والخناجر والعصي، وتنهزم العشرون ألفا المسلحة تسليحاً كاملاً بالبنادق، والمدافع، وما إلى ذلك من آلات الحرب والدمار؛ إِنَّهَا ليست معركة عادية بين قراصنة أسبانيا وسكان جربة، ولكنها معركة بين الإيمان والكفر، الإيمان الذي لا يعتمد على المادة، ولكن يعتمد على الروح: قُوَّةُ اللَّهِ إِنْ تَوَلَّتْ ضَعِيفًا تَعِبَتْ فِي مِرَاسِهَا الْأَقْوِيَ
أبو زكرياء السمومني
بنو سَمومن أسرة عريقة في المجد والشرف والدفاع عن الدين والوطن، وقد تولت حكم جربة باختيار العزابة ما يقرب من ثلاثة قرون، فلقد ذكر التيجاني في رحلته مع اللحياني أن رئاسة الإباضية الوهبية في ذلك الحين كانت في بني سمومن، واستمرت أحداث التاريخ تذكر بني سمومن في مشيخة جربة باختيار العزابة إلى سنة 997 هـ، حين توفي آخر شيخ من هذه الأسرة، وهو الشيخ مسعود السمومني، الذي جمع في حكمه للجزيرة بين اختيار العزابة واختيار الدولة التركية في ذلك الحين، وبعد وفاته أسندت المشيخة إلى أسرة أخرى، هي أسرة أبي جلود.
ويبدو من أحداث التاريخ أن مجلس العزابة في هذا الحين بدأ ينحل ويتخلى عن اختصاصاته، ولذلك فلم يعد يختار شيوخا للجزيرة، ومنذ بدأت أسرة ابن جلود الحكم كان توليهم عن طريق الحكومة لا عن طريق العزابة، وكان أكثرهم مناهضين للعلماء معارضين لهم. (1/598)
صفحة 599
الأباضية في موكب التاريخ
597
الأباضية في تونس
كثير من
يعتبر أبو زكرياء يحيى السمومني واسطة العقد في أسرة بني سَمومن، كما أن أعماله المجيدة ترفعه إلى مصاف الأبطال في الأمة الإسلامية، وتضعه في صف الأبطال، عرفوا كيف يدافعون عن عقائدهم وأوطانهم وأراضيهم، ويدفعون عدوان المعتدين، وبغي المستعمرين. وإنه لموقف مشرف ذلك الموقف الذي سجله التاريخ لأبي زكرياء، حين أقامته الأمة في جزيرة جربة مقام إمام الدفاع، فوقف وقفة الأسد الهصور دون العرين ورد الأساطيل الأسبانية الضخمة احتلت جميع الشواطئ الإسلامية في بلاد المغرب الكبير، فلما بلغت إلى جربة، الجزيرة
التي
الصغيرة الضعيفة، ردت تلك الأساطيل على أعقابها تجر أذيال الخيبة والخزي والفضيحة. عقد العزابة اجتماعا في بيت أبي النجاة يونس حين سمعوا بعزم الأسبان على غزو الجزيرة، ودعوا إلى الاجتماع بشيخ الجزيرة الذي اختاروه من قبل، ليتولى شؤون الناس، فكلفوه بمهمات الدفاع يعني أنَّهم خولوه سلطات إمام الدفاع، فباشر تلك السلطات الْمُؤمِن القوي، الحريص على القيام بواجبه، فكان بالتشاور مع مجلس العزابة يعمل على الاستعداد للدفاع عن هذا الثغر الهام، ولَمَّا اتَّخذ الاحتياطات المادية والمعنوية جميع بقي على يقظة وانتباه، ينتظر وصول العدو المغير.
بهمة
وصل الأسبان بأسطولهم الضخم، وقواتهم الغازية، وبعثوا رسولا إلى الشيخ يطلبون إليه تسليم الجزيرة، فأغلظ الشيخ للرسول في القول، ورده أقبح رد، ولما علم الأسبان موقف الجزيرة، صمموا على الحرب، وعلى احتلالها بالقوة وبدأوا الاستعداد للهجوم، فرتبوا
شهم القوي في صفوف متراصة كلما انهزم منها صف تقدم الصف الذي يليه. أما أبو زكرياء السمومني فقد كان عدد جيشه القليل لا يُمكن أن يرتب هذا الترتيب، ولذلك فقد رتبه على صف واحد طويل، مقابل لصفوف العدو، وكان أبو زكرياء على فرسه السابق يطوف على المدافعين الأبطال، يشد عزائمهم، ويدعوهم إلى الصبر والثبات، ويهون عليهم أمر العدو، حتى التحم الفريقان وبدأ القتال، فكان المحاربون الأسبان يتساقطون في الميدان، وكلما انهزم صف تقدم الصف الذي يليه إلى المجزرة، ولما طال الموقف خشي أبو الربيع بن أبي زكرياء السمومني أن يزيد ثبات العدو، وأن يفشل المسلمون، فاختار معه (1/599)
صفحة 600
الأباضية في موكب التاريخ
598
الأباضية في تونس
عددا
من الأبطال الفرسان وانحرف عن موقفه في مواجهة العدو، إلى موقف من وراء العدو، ليقطع عنهم خط الرجعة، ولما رأى العدو أن الفرسان المسلمين قد طوقوهم من الخلف، وأنهم قطعوا عنهم خط الرجعة إلى سفنهم خارت قواهم وضعفت عزائمهم، وألقوا بأيديهم واستسلموا لمصائرهم وحاول بعضهم الفرار فابتلعه البحر.
وهكذا انتصر أبو زكرياء انتصاره الرائع الحاسم القوي، واستطاعت هذه الجزيرة الصغيرة حين اعتصمت بالإيمان، ودافعت بيقين، ووجدت قيادة حكيمة أن تحطم أضخم أسطول في ذلك الحين، الأسطول الذي احتل المرسى الكبير، واستولى على وهران، وبجاية وطرابلس وأقامت الحجة على المُسلمين الذين يخشون القوى المادية،
وأعلمتهم أن الأمة المسلمة مهما كانت قليلة وضعيفة حقيقة بالنصر ما أخلصت العمل
وتجردت عن الرغبات والشهوات، والمطالب الدنيوية.
لله
أبو يعقوب يوسف بن أبي مسور
قال فيه العلامة الشيخ سعيد التعاريتي: "كان رحمه الله إماماً مطاعاً، وقدوة مهابا"، وتكفي هذه الشهادة للدلالة على مكانة الرجل، فإن الشيخ التعاريتي من أولئك المؤرخين الذين لا ينطلق منهم الوصف إلا بعد تحقيق وتحقق، على أننا لسنا في حاجة إلى ما يطلقه المؤرخون من أوصاف على هذا الرجل العظيم، الذي كان يتمتع في عصره بما يتمتع به الإمام أو الزعيم، فقد أهله لذلك عدة أسباب، فهو حلقة في سلسلة أسرة أبي مسور التي دامت زعامتها الروحية من القرن الرابع إلى العصر الحاضر، فلم يمض في تاريخ جوبة الطويل عصر دون أن يكون فيه فرد أو أفراد من أسرة أبي مسور؛ يتولون قيادتها الروحية أو السياسية، منفردين أو مشتركين مع غيرهم، فلقد ورث أبناء أبي مسور على مختلف العصور خلقه السمح، وطبعه الكريم، وكرمه المطبوع، ودينه القويم، وعلمه الواسع، ولقد تتضاءل بعض هذه الصفات في بعض الأحيان، وتتجلى في الأحيان الأخرى. (1/600)
صفحة 601
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
وقد تجلت في أبي يعقوب مع قوة في الحق، وشجاعة ليس لها بين معاصريه من أهل الجزيرة مثيل، فكان لشجاعته، وقوة شخصيته وسعة علمه ومبلغ كرمه، مسموع الكلمة واسع النفوذ، قويا قوة الْمُؤمِن المحق، لا يخشى الجبابرة، ولا يطأطئ رأسه لذوي الطغيان، بل كان يُجابههم ويُحبههم.
لم يشتغل أبو يعقوب بالتدريس فيما أعلم، رغم أن التدريس هو الواجب الأول الذي يراه علماء الإباضية أوكد الواجبات عليهم، والسبب في ذلك على ما يبدو أن الجزيرة كانت في زمنه قد غصت بالعلم والعلماء فما من مدرسة أو مسجد إلا وهو يعج بالعلماء الأعلام، والطلبة الأذكياء، والتلاميذ النجباء، ولهذا السبب فقد اقتصر أبو يعقوب على التوجيه الديني، والإصلاح الإجتماعي العام، أعني أنه ترك رعاية الأطفال والشباب لغيره من المعلمين والمربين، واقتصر على رعاية الكهول والشيوخ يدعو إلى سبيل الله على بصيرة من أمره، وكان كثيرا ما يقف في وجوه الولاة الظالمين الذين لا يهمهم إلا أن يجمعوا أموالا من الناس كيفما كانت حالة الناس،
وكثيرا ما كان يدفع الضريبة المترتبة على أحدهم - إذا كان فقيرا – من ماله الخاص.
لما
عينت الدولة التركية درغوث بن علي واليا على طرابلس اهتم بأمر جربة، فذهب إليها واحتلها واقتطعها عن تونس والحقها بحكمه في طرابلس، وترك عليها واليا من قبله، ولكن الوالي الذي تركه درغوث على جزيرة جربة كان ضعيفا، فانتهز بعض العساكر والجنود الذين بقوا مع الوالي لحفظ الأمن ضعفه، فأصبحوا يرتكبون من الفظائع ما تأباه الضمائر الحرة، يقول فيهم العلامة أبو الربيع الحيلاتي: "فاشتد الحال على أهل جربة، لما أظهروا لَهُم من الشر وسفك الدماء وأخذ الأموال"، فثار أهل جربة على الوالي، وطردوه من الجزيرة، ولوا على أنفسهم عبد الله البرجي، وطلبوا من الدولة في تونس حمايتهم من عمال طرابلس وجورهم، وإرسال المدد إليهم، ولكن الدولة التونسية حينئذ كانت تحتضر، وسمع درغوث بالحركة فغضب، وجهز جيشا قويا، وارتحل إلى جربة، واستعد أهالي الجزيرة لملاقاة الجيش الزاحف إليهم، فعسكر درغوث بجيوشه الجرارة في مرسى القنطرة خارجا، وعسكر أهل جربة في "سدويكش"، وحولوا سوقهم إلى بني ديغت، وبقيت جربة تحت الحصار ثلاثة (1/601)
صفحة 602
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أشهر، تضايق منه أهل الجزيرة المحصورة، وفكر جماعة من أهل الجزيرة في حل المشكلة، وقرروا أن يطلبوا مقابلة درغوث للمفاوضة في أمر الصلح، فإذا جاءهم قتلوه، وبعثوا إليه من أبلغه رغبة القوم في الصلح، وطلبهم لحضوره إليهم فوافق، بلغ خبر المكيدة إلى المشايخ، وإلى أبي يعقوب يوسف فوزنوا الأمر بميزان المصلحة العامة للأمة المسلمة، وذكروا ما لدرغوث من جهود في رد عدوان الصليبيين، وتحطيم أساطيل القرصنة، فلم يرضوا ولم يوافقوا على تنفيذ المؤامرة، وانتدبوا أبا يعقوب ليقوم بالمفاوضة في أمر الصلح، ورضي أبـ
يعقوب، واستعد للقيام بالمهمة، كما أن جميع الأهالي قد وافقوا على هذه الخطوة العادلة. ذهب أبو يعقوب إلى درغوث واتفق معه على الصلح، وذلك بأن سكان الجزيرة يسمح لدرغوث وجيشه بالدخول، وأن تعود الجزيرة إلى حكمهم على ألا يُؤذى أحد، ولا يُؤخذ مال، ولا تقتل نفس، وتخلى المدافعون الأبطال لجنود درغوث، فدخلوا البلد، ولما وجدوا أنفسهم داخل الجزيرة غرهم الشيطان فحسبوا أنفسهم فاتحين، فارتكبوا من القتل والغصب والسرقة ما يرتكبه، أمثالهم، ولم يف درغوث بالوعد، ولم يتقيد بما اتفق عليه الطرفان، فسمح لجنده أن يفعلوا ما يشاءون، وألقى القبض على شيخ الجزيرة الذي اختاره الناس عبد الله البرجي، فقتله ثُمَّ سلخ جلده، وملأه نخالة، وبعث به إلى طرابلس، واضطر الشيخ أن يعود مرة أخرى إلى درغوث ليذكره بأنه خان، عهده، وأخطأ في تقديره وفي تصرفه، وأن مشايخ الجزيرة لو سمحوا بالغدر والغيلة وخيانة العهد لكان درغوث هو المقتول قبل أن يصل إلى هذا المكان فاستحيا درغوث واستجاب لكلمة الحق، ولكن بعد أن ترك جيشه في الجزيرة أسوأ الآثار.
وارتحل درغوث إلى طرابلس، ولكن البقايا الذين تركهم في الجزيرة عادوا إلى مسلكهم، في ظلم الناس، وابتزاز الأموال، وهتك الأعراض، فتذمر الناس، وسخطوا على حكم طرابلس، وحاولوا أن يتصلوا مرة أخرى بحكومة، تونس، وسمع درغوث بهذا الحادث الجديد، فجهز جيشا آخر ودخل الجزيرة، ولم يظهر أهل الْجَزيرة أية مقاومة، فقد استنفذ العدوان السابق المتلاحق ما لديهم من وسائل المقاومة، فقد قتل رجالهم، وأخذ سلاحهم، واستترف (1/602)
صفحة 603
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أموالهم، ولذلك فما سمعوا برجوع الجيش التركي حتى تركوا منازلهم ومزارعهم، وارتحلوا إلى جوار أبي يعقوب، فسكنوا إلى جانبه على شكل لاجئين من كانت له خيمة نصب خيمته، وآوى إليها، ومن لم تكن له خيمة نصب أرديته على أعمدة، وأضاف إليها جريد النخيل، وبعض القش وسكن بها، إِنَّهَا صورة من مساكن اللاجئين الذين يطاردهم الأقوياء من بني الإنسان فيحرموهم من أموالهم وأراضيهم، ومساكنهم.
يصنع
ودخل الجيش التركي في دوي عظيم، طلقات متواصلة من المدافع والبنادق، ودقات متتابعة للطبول، وضاق الناس بهذا المظهر الصاخب، فتجمعوا على أبي يعقوب يلتمسون منه أن شيئا لإيقاف هذه الكارثة الجديدة واستجاب الرجل العظيم لطلب الناس، واستعد لمجابهة العدوان الجديد، فاتصل بالقائد الأعلى للقوات المسلحة درغوث بن علي، وطلب منه أن يأمر في الحال بإيقاف هذا الدوي الصاخب حتى تهدأ أعصاب الناس واستجاب القائد لكلمة الشيخ، فأمر بإيقاف جميع الحركات، وحينئذ طلب الشيخ من القائد أن يسير معه إلى متزله ليتفاوضا في أمر الصلح، واستجاب القائد أيضا، فتبع الشيخ إلى منزله مع بعض رجاله، وتم عقد الصلح، واتفق الرجلان على مصلحة الجميع، وتغذى القائد ورفاقه حيث رجع إلى جنده يحذره أن يرتكب أي خطأ في حق، جربة، كما فعل في الماضي؛ أما الشيخ الذي كان يعرف ما قاساه أولئك اللاجئون المساكين، الذي ملأ الرعب أفئدتهم، وما تعرضوا له من الحرمان والجوع، فقد أمر أهله أن يجعلوا من الطعام ما يُمكن أن يغاث به أولئك اللاجئون، فتم ذلك فعلا، وكانت تقدم الجفنة الكبيرة ملأى بالطعام، يحملها رجلان أو أكثر في شارية، يطوفون بها على مساكن اللاجئين، وكان الشيخ يطوف معهم وبيده مغرف، يأخذ الجفنة ويعطي لتلك الأسر المحرومة حسب أفراد عائلتها، حتى طاف على جميع تلك الخيام. أثمر الصلح هذه المرة، فلم يعد الجند إلى الاعتداء، وإنما كانوا يأخذون ما فرضوه من الضرائب على
من
الشعب المسكين فقط، حتى تغير وجه التاريخ في جربة، وانتهت تبعيتها لطرابلس، وألحقت بتونس. كان أبو يعقوب أحد العظماء من أسرة أبي مسور العريقة في جربة، هذه الأسرة التي لم تز: متميزة بالعلم والدين والجود والشجاعة منذ أسسها أبو مسور يسجا بن يصليتن اليهراسني: (1/603)
صفحة 604
الأباضية في موكب التاريخ
602
الأباضية في تونس
عند
النصف الأول من القرن الرابع الهجري، والتي لم تبق في يوم من الأيام دون أن تكون بها شخصية عظيمة، تجمع بين العلم والدين والشجاعة والكرم ما تكون به ملاذا للناس، ومرجعا لَهُم. الشدائد، عاش أبو يعقوب في الفترة الحرجة من تاريخ جربة، التي اجتمعت فيها البلايا من كل جانب على هذه الجزيرة الصغيرة، فقد كان الأعراب يتكالبون عليها للسلب والنهب، وكانت الدولة التونسية تلح في جمع المال، وفرض الضرائب، وكانت القرصنة الأسبانية حريصة على. احتلالها، عاملة على غزوها من حين إلى حين، وكان درغوث والجند الذين معه لا ينفكون يعتدون عليها ويعاملونها معاملة الأعداء، وكان بعض المتعصبين ممَّن ينتمي إلى العلم، يلهب العصبية المذهبية، ويوغر الصدور على الإباضية، ويدعو إلى تكفيرهم، وعدم قبول شهادتهم في هذه الفترة الحرجة التي بلغت أسوأ ما يُمكن من الحالة السياسية، عاش أبو يعقوب في جو مزدهر بالعلم، فكان يُخفف آلام الناس بما يملك من وسيلة، فقد يمد يد الإحسان، وقد يستعمل
الكلمة اللطيفة، وقد يقف للحكام، أو يرد على أولئك الذين يحسبون أن جربة مغنم لا ينضب. توفي أبو يعقوب يوسف بن أبي مسور سنة،1013 م، فترك فراغا هائلا في جربة، أحس به الناس جميعا، رغم أنه خلف لَهُم في منزله ولدا بلغ من العلم مثل ما بلغ أبو يعقوب أو أكثر، واشتهر بالصلاح والتقوى، والبركة وكان مرجعا للناس بعد أبيه وإن لم تطل به الحياة أيضا، فلحق بربه بعد سنوات من وفاة أبيه، فرحم الله أبا، مسور وأبناء أبي مسور، وجعل في بيته من يحمل رسالته، ويقوم بدعوته، ويناضل في سبيل الحق والخير.
أبو محمد عبد الله السدويكشي
أبو محمد عبد الله بن سعيد السدويكشي قمة من قمم العلم الشامخة، ودعامة من الدعائم التي قام عليها بناء الإيمان والحق في الجزيرة، فتح الله عليه آفاق المعرفة، ورزقه من قوة الجنان وفصاحة اللسان، وبراعة البنان، ما مكنه خدمة الله، ويسر له أن يأمر
من
دين (1/604)
صفحة 605
الأباضية في موكب التاريخ
603
الأباضية في تونس
بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى سبيل الله على بصيرة من أمره، كان لا يمل من التدريس، وكان يسجل في جميع دروسه ملاحظات وشروحا على الكتب التي يدرسها، حتى ترك لنا ثورة علمية قيمة لا تزال سندا لمَن يريد أن يطلع على كتب الإباضية، بل حتى على بعض كتب اللغة العربية التي درسها للطلبة.
كان يتولى دروس الوعظ والإرشاد في جميع مساجد الجزيرة، أما مقره فقد كان في مسجد بني لاكين، وفي هذا المسجد العامر كان يحلق عليه الطلبة المستديمون ويتلقون عنه فنون المعرفة، حتى تخرج عليه فيه عدد من فحول العلم؛ منهم: العلامة أبو محمد عبد الله بن أبي حفص، وأبو عبد الله بن أبي ستة الذي ورث عنه علمه، وخلقه وكفاحه ومجلسه، وإلى هذا المسجد كان يتوارد وفود الناس يحملون مشاكلهم وخصوماتهم، فيفصل بينهم بكتاب الله، فلقد كان يقوم فيهم مقام الإمام، وإليه انتهت رئاسة العزابة والعلماء، لا بتعيين من الولاة والأمراء، ولكن بالعلم الواسع الذي يعترف به الزملاء، ويسلمون لصاحبه محبة، وتقديرا وكان العلماء جميعا يحضرون مجلسه، ويناقشون جَمِيع شؤون الجزيرة من كل نواحيها، فيقرون ما يوافق الإسلام، ويعلنون الحرب عما
الحرف إليه الناس من بدع، أو مناكر انجر إليها الناس بطبيعة الحياة والاختلاط. كان شيخ الْجَزيرة في ذلك الحين أحد أبناء أبي الجلود، الذين توصلوا إلى الحكم عن طريق الرشوة، والكيد، وتقديم الأموال، وأقام الرجل في دار الحكم ينتظر أن يحتفل به الناس، وأن يلتفوا حوله، وأن يعمروا، مجلسه، وأن يتوددوا إليه، وأن ينقلوا إليه أخبار الناس، وأن يعرضوا عليه مشاكلهم، فلم يكن يأتيه أحد، اللهم إلا أشياخ الحارات في مواعيد الضرائب، يحملون إليه ما فرض على الناس كاملا مستوفيا دون شكوى من أحد، وبقي الرجل في فراغ، فكان يتساءل عن السبب، حتى أخبره أحد الناس أن أهل الْجَزيرَة تعودوا أن يرجعوا بمشاكلهم إلى
علمائهم الذين يتمتعون باحترامهم وتقديرهم وأن أعلم علمائهم في هذا الحين الذي يرجـ الناس إليه، هو أبو محمد عبد الله السدو يكشي، وغضب شيخ الجزيرة في نفسه، وظن أن التفاف الناس بهذا الرجل استهانة بمنصبه و مقامه، فدعاه إليه، ولما اجتمع به وسمع منه، (1/605)
صفحة 606
الأباضية في موكب التاريخ
604
الأباضية في تونس
أكبره وأكبر، علمه، وأظهر له من الاحترام ما يليق بمثله، وانصرف أبو محمد من مجلس شيخ الجزيرة، ودخل الوشاة الذين لا يحلو لَهُم إلا أن يحسدوا الناس على ما آتاهم الله
من
فضل، فقالوا لابن أبي الجلود: "ما زدت أن رفعته فوق مكانه، وأصبح هو والي الجزيرة الحقيقي، ولو شاء أن يدعو الناس إلى قتلك أو غير ذلك لاستجابوا له مختارين".
،
وعملت الوشاية في صدر الوالي عملها، فدعا إليه الشيخ من جديد، وأراد أن يظهره بين الناس في مظهر المستهان به المحتقر فأمره ألا يلبس على رأسه إلا طاقية بيضاء من القماش، مثلما يلبس الأطفال، تحقيرا له وتشهيرا به وامتثل الشيخ لأمر الوالي، ولبس الطاقية البيضاء حتى اشتهرت به واشتهر بها وشاءت إرادة المولى سبحانه وتعالى أن تكون هذه العقوبة أو هذا التشهير الذي أراد به الوالي تحقير أبي مُحمَّد سبب تكريم لهذا النوع من اللباس، لذا لم يمض غير زمن قصير حتى كانت الطاقية البيضاء من القماش هي الزي الرسمي، أو اللباس الخاص برجال العلم ورجال الدين فأصبحت هي لباس العزابة والطلبة، وقد انتقلت هذه الفكرة من الجزيرة إلى الجبل، وإلى الجزائر، وإلى جميع مواطن الإباضية في المغرب الإسلامي، ولو أتيح للقارئ الكريم أن يزور وادي ميزاب في الجزائر فإنه سوف يجد جميع العزابة والطلبة لا يلبسون على رؤوسهم إلا طاقية بيضاء من القماش، فهي زيهم الرسمي الموحد، وقد احتفظ الطلبة الميزابيون بهذا الشعار في جميع مظاهر النشاط، حتى أن فرق الكشافة كانت تحتفظ به كلباس للرأس في جميع رحلاتهم ومُخيماتهم حيثما أقيمت، وكان لها من الجمال ما بعث الإعجاب في نفس رئيس الجمهورية الأول، فثنى عليها، وأبدى استحسانه لها.
أما في ليبيا فقد اختلف أمره، ففي زوارة أصبحت الطاقية البيضاء هي لباس أغلب أهالي زوارة، يفضلونها عن غيرها من ألبسة الرأس في الصيف، وصارت غير خاصة بالعزابة، أما في جبل نفوسة فقد كانت خاصة بالعزابة إلى عهد قريب، ثُمَّ شاع استعمالها بين الناس عندما انحلت نظـ العزابة في الجبل، وأصبحت هي لباس الرأس المفضل في الصيف عند أغلب الناس.
كان أبو محمد عبد الله من أولئك العلماء الذين لا يعرفون الراحة، ولا ينفكون عن العمل، فهو دائم الكفاح في سبيل الله، ينتقل من ميدان إلى ميدان قد يعقد المجلس لفصل المشاكل (1/606)
صفحة 607
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
والمنازعات، وقد يعقد المجلس للتشاور في شؤون الجزيرة العامة أو الخاصة، وما يجد فيها من الأحداث، وقد يعقد المجلس العلمي لمناقشة بعض المشاكل العلمية الجديدة التي تتطلب أحكام شرعية جديدة، وقد ينتقل بين مساجد الجزيرة، ويلقي دروس الوعظ والإرشاد. وقد ينتقل بين المتاجر والأسواق، ومجامع الناس يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر ويبين الحلال والحرام للناس، وهو قبل كل ذلك وبعد كل ذلك يرى على نفسه واجبات ثلاث، لا يُمكن أن يخل بواحدة منها مهما كان الأمر، تلك الواجبات هي: أولاً: تخصيص أوقات من الليل والنهار يتفرغ فيها من شواغل الدنيا العامة والخاصة،
ويتجه إلى ربه بعبادة خالصة، يقضي فيها حق الروح والقلب.
ثانيا: تخصيص أوقات أخرى لإلقاء الدروس الفنية على طلبة العلم، وقد أثمر هذا العمل للبلاد ثمرا طيبا، فتخرج على يد الشيخ عدد من فطاحل العلماء كانوا هدى ومنارا، وتركوا لنا ثروة علمية لا زالت مرجع طلاب العلم والمعرفة.
ثالثا: تخصيص أوقات لتأليف الكتب ودراسة المشاكل المستجدة، واستنباط الأحكام لها بطريق الاجتهاد، وقد اهتم كثيرا بالكتب المؤلفة، فكان يكتب عليها التعاليق الكثيرة، والشروح المسهبة تارة يحررها بنفسه، وتارة يتركها لطلابه النجباء، ولذلك فقد كان العلامة أبو عبد الله بن أبي ستة - المشهور بـ "المحشي"- يعتمد عليه في أكثر حواشيه، ويقول مثلا: "قال شيخنا عبد الله"، أو يقول: "بخط شيخنا عبد الله"، والمقصود
بذلك طبعا هو الشيخ أبو محمد عبد الله السدويكشي، فهو شيخه الذي أخذ عنه العلم. قال العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت في العلامة السدو يكشي ما يأتي: "لا تمر به مسألة إلا حل مشكلها، كان آية من آيات الله تعالى في كلام الفحول، ومن اطلع على مصنفاته يشهد له بطول الباع، وبدقة النظر، وله من التآليف البالغة في الحسن حاشية جزء الصلاة من كتاب الإيضاح، وحاشية كتاب الديانات لأبي ساكن في نحو كراسة، ورأيت له حاشية على شرح القطر في النحو لا بن هشام عظيمة القدر والشأن"، ويقول بعد كلام: وله أجوبة وأحكام ونوازل عديدة في جميع الفنون، خصوصا علم الكلام، فإن له فيه اليد
العليا -رحمه الله "، ثُمَّ ذكر التعاريتي أمثلة من الأحكام التي أفتى بها اجتهادا. (1/607)
صفحة 608
الأباضية في موكب التاريخ
606
الأباضية في تونس
كان أبو مُحمَّد من أولئك الأعلام الذين بعثوا الحياة في الأمة، وتركوا من بعدهم نورا وهدى، وختم أعماله المجيدة بزيارة بيت الله الحرام، وفي تلك الربوع المقدسة ختمت أعماله، وانتقل إلى ربه -رحمه الله رحمة واسعة، وأفاض عليه من فضله العميم إنه غني كريم.
أبو عبد الله بن أبي سنة
هو الإمام القدوة العلامة: أبو عبد
الله
محمد
بن عمرو بن محمد بن أحمد بن أبي ستة
اشتهر بين الدارسين بلقب المحشي أخذ العلم عن كثير من أهل الجزيرة وغيرهم، وكان
الله
بن سعيد السدويكشي.
أكثر ما أخذ عن الإمام أبي عن الإمام أبي محمد عبد كان الإمام أبو ستة من أولئك الْمُؤمِنين الذين أخلصوا دينهم وعملهم، وأسلموا أرواحهم وأنفسهم الله، فهو لا يفتر عن الجهاد في سبيل الله عاش في القرن الحادي عشر، وكانت المملكة التونسية في ذلك الحين تحت حكم شديد الاضطراب وولاة لا يهمهم من أمر الدولة، ومصلحة الأمة إلا مقدار ما يأخذون من أموال وكانت الشعوب في ذلك الحين بعيدة كل البعد عن الدولة، وعن الالتفاف حولها، أو الاعتماد عليها في أي شأن، ولذلك فهي تدفع الضرائب لطلابها تحت ضغط الضرورة، وتعود إلى نفسها في بقية الشؤون، فتسندها إلى من تثق من علمائها وصلحائها. سافر أبو عبد الله إلى مصر برسم الدراسة في الأزهر، فبقي هناك 28 سنة، دارسا في الأول ومدرسا بعد ذلك، وتخرج على يده عدد من فطاحل العلماء في أرض الكنانة، واشتهر بين علماء الأزهر بلقب البدر، فإذا أطلقت كلمة البدر بين علماء الأزهر فالمعني بها أبو عبد الله بن أبي ستة، وكان إلى دراسته وتدريسه بالأزهر يقوم بنشاط آخر خارج ميدان الأزهر، فقد كان الرجل من أشد الناس حبا للعمل ومواصلة للكفاح، ولذلك فقد كان لا ينفك عن المحاضرات والندوات والدروس الخاصة، وكان جل اهتمامه بالدار العلمية التي تأوي عددا غير قليل من طلاب العلم، الذين يقبلون من مختلف بلاد الإباضية
كبير (1/608)
صفحة 609
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
على القاهرة للدراسة، وكانت تلك الدار تحتوي على مكتبة من أنفس المكتبات، فكان يتولى الإشراف عليها، وإرشاد الطلاب إلى الاستفادة من كنوزها.
وعندما رجع إلى وطنه جربة كان بمثابة دائرة معارف حية متنقلة، فكان لا يستقر في
حي،
مكان، وَإِنَّمَا كان ينتقل من مدرسة إلى مدرسة ومن مسجد إلى مسجد، ومن حي إلى يلقي دروس العلم على طلاب العلم ودروس الوعظ والإرشاد في المجامع العامة، ويدعو الناس إلى الاستمساك بدين الله والحرص على المحافظة عليه، وكان لا ينفك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد يخيل للقارئ الكريم وهو يقرأ هذه السطور أن القيام بكل هذا كثير على رجل واحد، والواقع أن هؤلاء المكافحين الذين يبذلون كل ما
أن
عندهم من علم وقوة ووقت الله والأمة قليلون وهم أفراد في كل عصر وفي كل أمة، على أبا عبد الله كان إلى جانب ذلك يخصص وقتا للدراسة العليا، فلقد ورث عن شيخه أبي محمد السدو يكشي مجلس مسجد بن لاكين فكان يلقي فيه دروسا بين صلاتي الظهر والعصر، لجميع الطبقات، يحضره كبار العلماء، فيلقي عليهم درسا يستمر إلى صلاة العصر، ويناقشه أولئك العلماء، ويناقشهم في المشاكل التي تعرض لهم أثناء الدرس، وبعد صلاة العصر يعقد مجلسا للحكم، فيقبل عليه الناس بمشاكلهم، ومنازعاتهم، وقضاياهم، فيحكم بينهم بكتاب الله ويرضى الناس، بحكمه، وينصرفون مقتنعين بحكمه، لا ينظرون إلى حاكم، أو قاض، أو شيخ من موظفي الحكومة الذين يعتبرهم الناس آلات جعلتهم الدولة للتحكم في الأمة، فأتاحت لَهُم أن يعيشوا عالة على الأمة، يقبضون المرتبات من الدولة، ويبتزون الأموال من الناس بمختلف الطرق. يقول العلامة الشيخ سعيد التعاريتي في رسالته القيمة: "وبعد الصلاة – أي صلاة العصر - يجلس للحكم بين الناس، وله مكان يحكم فيه معلوم إلى اليوم، به مقصورة يجلس الشيخ ببابها، ويجلس الخصوم داخلها، ولا يخرج منها المحكوم عليه حتى يذعن للحق، ويستعد للأداء، ورأيت دفترا مقيدا به جميع أحكامه الصادرة منه هناك، وهي كثيرة جدا وكلها فوائد علمية وأحكام شرعية، ونوازل فقهية، رحمه الله ما أعلمه وأدقه". إن شهادة الشيخ التعاريتي وحدها كافية في الدلالة على ما للرجل من منزلة في العلم والعمل ولكننا لا بد أن نشير إلى بعض الجوانب من هذه الشخصية الفذة والفريدة في ذلك العصر. (1/609)
صفحة 610
الأباضية في موكب التاريخ
7.4
الأباضية في تونس
اشتغال أبي عبد الله بالتدريس، وقيله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واضطلاعه بأمور الناس في جميع أنحلك الجزيرة، وتخصيصه وقتا لكل مسجد وكل حي يلقي فيه دروس العلم، أو دروس الوعظ، ومع انشالغه بالحكم بين الناس، فقد خصص وقتا للتأليف، وقد أنتج في هذا الميدان ما استنار به الدارسون والمدرسون واستعانوا به على فهم علوم الأولين، ولقد اهتم أكثر ما اهتم بشرح وتوضيح وتحقيق ونقد ما كتبه الأولون، فكان يضع الشروح، والهوامش، والتحقيقات، والنقود على الكتب التي تمر على يده، ومن هذه التآليف ما يأتي: 1 - حاشية ضافية على قواعد الإسلام لفيلسوف الإسلام الشيخ إسماعيل الجيطالي. 2 - اللمع علي كتاب الوضع لأبي زكرياء الجناوني. 3 - حواشي على بعض الأجزاء من كتاب الإيضاح للإمام أبي ساكن الشماخي. 4 - حاشية على شرح العقيدة لأبي العباس الشماخي.
ه حاشية الترتيب على مسند الربيع بن حبيب وتعتبر هذه الحاشية أجل كتبه وأقيمها.
- حاشية كتاب النكاح.
حاشية مختصر العدل لأبي العباس الشماخي.
- حاشية على شرح الجهالات.
9 - حاشية على تبين أفعال العباد لأبي العباس بن أبي بكر.
10 - حاشية على كتاب الفرائض لفيلسوف الإسلام إسماعيل الجيطالي.
11 - حاشية على كتاب الشيخ تبغورين بن عيسى.
12 - حاشية على كتاب السؤالات.
ولهذه الحواشي الكثيرة على كتب الفقه والتوحيد والفرائض لقبه الطلبة بـ"المحشي". توفي سنة،1087 م، وله من العمر خمس وستون سنة، وقد ترك فراغا هائلا، وحزن عليه أهل العلم والإيمان، ورثاه جماعة من الشعراء، منهم تلميذه الأديب المؤرخ أبو الحسن علي بن بيان بقصيدة طويلة مطلعها:
إلى الله أشكو لَوعَتِي وَشُجُو
فرحم الله ذلك الْمُؤمِن الذي أدى للأمة أجل خدمة في عصر الاضطهاد والاضطراب والفوضى.
OK ak K (1/610)
صفحة 611
الأباضية في موكب التاريخ
609
الأباضية في تونس
أبو الربيع بن أحمد الحيلاتي
قال فيه أبو عبد الله مُحمَّد أبو راس: هو شيخ مشايخ، عصره، ووحيد دهره"، وقال فيه العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت: الشيخ النحرير، العالم الكامل، مُحي ما انطمس من آثار هذه الدعوة".
ولد أبو الربيع سليمان بن أحمد الحيلاتي في أوئل القرن الحادي عشر، وتوفي آخره سنة 1099 م، وعاش أبو الربيع الحيلاتي في عصر بلغت فيه جربة من الناحية العلمية والدينية مرتبة يندر أن تصل إليها البلاد، فلقد كان القرن الحادي عشر في جربة من أزهى العصور، بما فيه من العلماء الأعلام، منهم من بلغ درجة الاجتهاد في جميع العلوم، منهم من تخصص في فرع من فروع المعرفة، هذه الكثرة من العلماء الأعلام، ومع والمؤلفين العظام، كان مقام أبي الربيع الحيلاتي ظاهرا واضحا بين أقرانه، فلقد أوتي مع ما أوتي من سعة الإطلاع، وغزارة المادة نشاطا متزايدا، وهمة دائبة، وعزيمة قوية، وحيوية متوثبة، قل أن تتوافر في شخص واحد لعل اهتمامه بسيرة السلف، وعنايته بناحية التاريخ هي الجوانب التي برز فيها، ومَيَّزَته عن غيره من علماء عصره، حتى أصبح مصدراً من مصادر التاريخ، لا يُمكن لدارسي التاريخ - لا سيما تاريخ المذهب الإباضي ورجاله – أن أن يستغني عن أبحاثه ورسائله ورواياته الكثيرة، وإذا عَنَّ لباحث أن يعد علماء التاريخ من الإباضية، فذكر البغطوري، وأبا زكرياء وأبا عمار، وأبا الربيع بن يخلف وأبا الربيع الوسياني، وأبا العباس الدرجيني، وأبا القاسم البرادي، وأبا العباس الشماخي وأبا عبد الله الباروني، فإنه ولاشك يجب أن يذكر معهم أبا الربيع الحيلاتي، ولعل الحيلاتي هو أهم من أرخ في القرن الحادي عشر. وأبو الربيع وإن كانت آثاره لا تزال متفرقة، وكثير منها غير منسق، ويحتاج إلى مجهود علمي، إلا أنها تكون مادة تاريخية دسمة لتاريخ الجزيرة على الأخص، ولقد سلك في عنايته بتاريخ جربة أساليب لم يسبق إليها، ومسالك تعد في نظري ابتكارا علميا في كتابة (1/611)
صفحة 612
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
التاريخ، تساعد الباحث وتيسر له العمل، فلقد وضع رسالة في تاريخ جربة)، أرخ فيها للأحداث، سواء كانت تلك الأحداث سياسية أو طبيعية أو اجتماعية، بحسب السنوات، فيقول مثلا: "وفي هذه السنة – أي سنة 1007 م- وقع الغلاء الكبير المعروف بغلاء البرجي، حتى انقطع السعر، وتمادى القحط والجدب والغلاء سبع سنين من تمام ألف إلى السنة السابعة والظلم الكثير، إلى أن أغاث الله أهل جربة بتولية عبد الله البرجي في السنة المذكورة، فأزال عنهم الظلم والأذى. وفي السنة الثامنة رجع الباشا درغوث حاكم طرابلس بعد أن وقع الخداع والنفاق بين أهلها وبعثوا إليه الكتب فأتاهم في أوائل السنة، واستولى عليها، بعد أن قتل في السوق خلق كثير، واستأداهم مائة ألف دينار لما فعلوا وأمسك أهل أركو عبد الله البرجي، وسلموه لدرغوث فسلخ جلده، وحشاه نخالة وصلبه على جذع نخلة، وجعل
في البلد ما لم يأذن به الله من السبي، وأخذ الأموال والغصب، والفاحشة العظيمة". ووضع الحيلاتي رسالة أخرى ترجم فيها للعلماء تراجم، مختصرة، ووضع رسالة ذكر فيها مساجد جربة ومؤسسيها وزمن كل واحد منهم، ووضع رسالة ذكر فيها العلماء الذين جازت عليهم نسبة الدين من عصره إلى عهد النبوءة، ووضع رسالة ذكر فيها الاجتماعات العلمية، والعلماء الذين انتهت إليهم رئاسة تلك المجامع والمساجد، والأماكن التي كانت تنعقد فيها تلك الاجتماعات، كذلك أشار في كثير من الأحيان إلى حلق الدراسة ومواضعها، هكذا سلط الأضواء على النواحي التاريخية بجوبة من جميع الجوانب، فيسر على الباحث العمل في الميدان الذي يريده، إنك إذا أردت أن تدرس شخصية من الشخصيات العلمية فعليك أن ترجع إلى رسالة التراجم بدلا من أن تبحث على أخبارها المتفرقة في كتب التاريخ، وإذا كنت تبحث عن المجامع العلمية فما عليك إلا أن تعود إلى الرسالة الموضوعة لذلك، وهكذا في بقية الجوانب التاريخية لحياة الجزيرة، لقد حاول أن الجزيرة صورة يصور
(1) هذه المجموعة طبعت مؤخرا بعنوان علماء جربة المسمى رسائل الشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي في ذكر علماء جربة وأماكن أضرحتهم والحوادث التي وقعت في أيامهم ومجالسهم العلمية رحمهم الله تعالى، تحقيق محمد قوجة، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1998 م. ص 5 - 7. (المراجع) (1/612)
صفحة 613
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
كاملة، فوجه إليها عدسته من عدة زوايا، فصورها من زاوية الأحداث، وصورها من زاوية العلم والعلماء، وصورها من زاوية المساجد والنواحي الدينية، وصورها من زاوية المجتمع إلى آخره، ولكي تتم الصورة التي أرادها لجربة وضع رسالة أخيرة صغيرة، وذكر فيها الأسر العلمية، وتحدث عن كل أو بعض من نبغ في تلك الأسر، وعلى كل حال فقد ترك لنا مادة خصبة للتاريخ، وأنه لواجب أكيد على المثقفين مع أبناء الجزيرة الكرام أن يدرسوا هذا التراث القيم دراسة علمية، تستفيد منها الأجيال المقبلة، ولو أن عناية الشباب المتعلم من إخواننا في جربة تناولت آثار أبي الربيع الحيلاتي من آثار أبي عبد الله أبي، راس، مع آثار سلامة بن يوسف، آثار إبراهيم بن ثابت، آثار أبي الحسن علي بن بيان مع آثار أبي عثمان سعيد بن تعاريت، وغير ذلك من آثار العلماء التي لم أتصل بها، ولم أعرفها، وقد تكون بين أيدي بعضهم، لخرجوا منها برصيد ضخم من العلم والثقافة، ولألقوا ضوءا منيراً على عهود من التاريخ نحن في حاجة إلى معرفتها، هذا من الناحية التاريخية، أما الجوانب الأخرى وما أخصبها وأكثرها - فإنَّها تدعو أبناء جربة الكرام أن يلتفتوا إليها، ويهتموا بها. ولقد بقيت جربة خلال القرون الثلاثة الماضية حاملة لواء العلم والمعرفة، رغم فساد الحكم، وتعدد ألوان الظلم عليها. لم يكن أبو الربيع مؤرخاً فحسب، ولكنه كان من الطبقة العليا في جميع أنواع الثقافة الإسلامية، وله كثير من الرسائل والفتاوى، بالإضافة إلى دروسه القيمة، ولقد تخرج على يده عدد كبير من العلماء، وجازت عليه نسبة الدين قال أبو عثمان سعيد بن تعاريت: ورأيت له أجوبة وأسئلة في الفقه والأحكام شافية كافية".
ولقد عاصره جمع كبير من العلماء؛ منهم العلامة أبو الربيع سليمان بن قاسم بن سعيد اليونسي المتوفى سنة ستين وألف ومنهم العلامة أحمد بن محمد أبي ستة المتوفى سنة الله إحدى وستين، وألف ومنهم أبو الربيع سليمان بن عبد بن زيد الصدغياني المتوفى سبع وتسعين وألف ومنهم الإمام أبو عبد الله بن أبي ستة المتوفى سنة سبع جماعة وثمانين وألف وغيرهم كثير، أخذ العلم عن علماء عصره، ولكن أكثر ما من أخذ كان على العلامة الكبير الشيخ أبي الفضل قاسم بن سعيد الصدغياني.
سنة (1/613)
صفحة 614
الأباضية في موكب التاريخ
612
الأباضية في تونس
لقد كانت حياة أبي الربيع الحيلاتي وأعماله شديدة الشبه بحياة وأعمال أبي النجاة يونس، فعنه أخذ العلم عدد غير قليل من العلماء، وكان مقصد الطلاب من الجبل
والجزائر وجربة، وعنه انتشر العلم، فرحمه الله رحمة واسعة.
000000
أبو يعقوب يوسف المصعبي
محمد
يشرفني هنا أن أضع قلمي الهزيل لأستمع مع القارئ الكريم إلى ما كتبه الإمام القدوة شيخ الصحافة الجزائرية؛ الشيخ أبو اليقظان متعنا الله بحياته وأمده بروح منه، قال حفظه الله في كتابه القيم "ملحق السير (1): " ومنهم العلامة الشيخ يوسف بن السير" (1): المصعبي المليكي، من آل يرو في مليكة، أخذ العلم عن الشيخ سعيد بن يحيى الجادوي، كما أخذ عن الشيخ سليمان بن محمد الباروني، وعن الشيخ عمر الويراني السدو يكشي، إليه أسند نسب الدين عند أهل وادي ميزاب المتأخرين. و کفي به شرفا أن تخرج على يديه تلميذه الشيخ أبو زكرياء يحيى بن صالح، الذي أحيا وادي ميزاب، كما يأتي قريبا إن شاء الله.
وله تأليف كثيرة جزيلة النفع عظيمة الفائدة منها حاشية ضخمة في جزأين على تفسير الجلالين، ومنها حاشية على "كتاب" "الفرائض للشيخ إسماعيل الجيطالي، ومنها رسالة محكمة في الرد على من حكم برد شهادة الإباضية من المتنطعين"، أبرز فيها تفوقه العلمي، وغزارة مادته ومنها رسالة في تنجيس أبوال الحيوانات"، رد فيها على من زعم طهارتها، ومنها مجموعة أجوبة مفيدة عن أسئلة لو جمعت كلها لكانت كتابا ضخما، ومنها غير ذلك.
1) هذا الملحق هو تتمة لكتب السير المتقدمة التي ترجمت للعلماء والمشايخ، ويتناول الفترات اللاحقة لتلك السير إلى القرن العشرين ولا يزال هذا الملحق مخطوطا ينتظر من يتناوله بالدراسة والتحقيق (المراجع). (1/614)
صفحة 615
الأباضية في موكب التاريخ
613
الأباضية في تونس
وكان يعظ الأمراء والحكام لا تأخذه في الله لومة لائم، وله في نفوسهم مكانة رفيعة، ومنزلة سامية، يتحامون جانبه إجلالا لعلمه وقدره وفضله وكانوا يزورونه في مواسم الأعياد، وكان يتعلم عنده كثير من تلامذة إخواننا المالكية، وتوفي رحمه الله في صفر ضحوة الأحد عام 1187 هـ.
ولما توفي قال عنه أحد علماء المالكية بجربة: "لا يفرح لموت عالم"، وكان بينه وبين أبي ستة المحشي قرن كامل؛ إذ توفي أبو ستة في سنة 1087 هـ، والشيخ يوسف في سنة 1187 هـ، وهما مجددان لمعالم الإسلام - رحمهما الله- ولترجمته بسطة حافلة تركناها خوف التطويل".
أبيه
وقد أضاف الشيخ أبو اليقظان -حفظه الله ورعاه- إلى ترجمة العلامة أبي يعقوب تر. ولده العلامة أبي عبد الله محمد، فقال: "منهم العلامة الكبير الشيخ محمد بن يوسف المصعبي المليكي، أخذ العلم عن يوسف بن مُحمَّد بجربة، كما أخذ عن الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر بن رمضان التلاتي، وله تأليف كثيرة تدل على غزارة علمه وطول باعه منها "شرحه لقصيدة أبي نصر فتح بن نوح"، الشهيرة بين الطلبة بـ"تحريض الطلبة، وقد طبع طبعا حجريا بمصر، وله خط جميل، وقد نسخ بيده كثيرا من الكتب، ولم نعلم تاريخ وفاته بالضبط، ويقال: إنَّه لما وضع في قبره شم الناس منه رائحة طيبة كالمسك، ودفن هو وإخوانه علي ومهنى بمقبرة والدهم، وهي قرب مقبرة الشيخ إسماعيل الجيطالي بجربة -رحمهم وكان معاصرا للشيخ شعبان بن أحمد الفنوشي الجربي، وكانت بينه وبين الشيخ أحمد مراسلات؛ في الفقه والتوحيد والأحكام، وله غير ما ذكرنا من التأليف، تركنا سردها خوف الإطالة". هذا ما كتبه الشيخ أبو اليقظان عن هذين الإمامين العظيمين، وفيه كفاية لمن يبحث عن تاريخ العلم والعلماء.
الله - (1/615)
صفحة 616
الأباضية في موكب التاريخ
614
الأباضية في تونس
إيضاح وبيان
حدثتك أيها القارئ الكريم عن عدد من الشخصيات الإباضية التي عاشت في الجمهورية التونسية، ولم أقصد بحديثي عن هذه الشخصيات أن أقص عليك تراجم حياتهم، أو أن أعرفهم لك تعريف المؤرخ، الذي يُعنى بدقائق حياة الشخص العادية، أو أن أربط بين تسلسل الأحداث التاريخية، أو حتى أن أقدمهم إليك حسب وجودهم الزمني، لم أقصد شيئا من ذلك؛ لأن ذلك من عمل المؤرخ، وهذا الكتاب لم يوضع للتاريخ، وَإِنَّمَا قصدت أن أضع بين يديك صورا من تاريخ الإسلام في سير أعلامه، تجد فيها الكفاح المتواصل لإعلاء كلمة الله، إنك ترى فيها صورة من حياة المُسلمين كما كانوا في الصدر الأول عمل لا يقصد منه غير وجه الله.
إِنَّهَا صور غير منسقة، وقد تكون غير واضحة كل الوضوح في الدلالة على الحياة العامة للإباضية في كل القطر؛ لأن الإباضية كما قلت في الفصول السابقة كانوا يعمرون أغلب الجمهورية التونسية، ولكي أعطي صورة كاملة للقارئ الكريم يقتضيني العمل أن آخذ صورا عن جميع الجمهورية وفي العصور المتتابعة وأن أقدم نماذج من حياة الأفراد، ونماذج من حياة المجتمع أو حياة الأمة، لكي تكون الصور أقرب إلى
الحقيقة.
وبما أن عوامل مختلفة أثرت على الإباضية في المملكة التونسية، فتقلصوا منها، ولم يبق لَهُم وجود وجود في غير جزيرة جربة العامرة، فقد رأيت أن أقتطف صورا مستعجلة، ونماذج مُختصرة عن الأماكن التي عاشوا فيها في يوم من الأيام، مثل بلاد الجريد، وقصطالية، وحصن، درجين وجبال، دمر وسلات وفحص القيروان، وقابس، والحامة، وما أشبهها، وعنيت أخيرا أن أقدم صورا أوضح لحياة الإباضية في جزيرة جربة، ولقد تحدثت عن عدد من أعلامها في الفصول السابقة، أما الفصول الآتية فسوف تكون أغنيه! عن «الإباضية في جربة»، وما لاقوه فيها من عنت الدهر، وظلم الإخوة، وعدوان (1/616)
صفحة 617
الأباضية في موكب التاريخ
615
الأباضية في تونس الاستعمار، وكيف صبروا لظلم ذوي القربى، وجاهدوا في الله حق جهاده عدوان أعداء
الله.
إنك أيها القارئ الكريم سوف تقرأ ذلك بشيء من التفصيل في الفصول الآتية، وتاريخ جربة الإسلامية حافل بالعظمة والمجد والكفاح في سبيل الله، وعلى أبنائها البررة أن للكشف عن تلك الأمجاد، حتى يرى الشاب المسلم أمثلة رائعة من عمل المُؤمِنين الصادقين الذين يعملون له فحسب، لا يدفعهم إلى البذل والفداء والتضحية طمع في منصب ولا رغبة في مال، ولا شهوة غالبة.
يتصدوا
والمتتبع لتاريخ جربة في العهد الإسلامي، إذا أراد أن يدرس هذا التاريخ من الوجهة الواقعية الحقيقية لحياة الأمة كما كانت تعيش، لا غنى له أن من يقسم هذا التاريخ إلى عدد من الفترات تمتاز كل منها بخصائص واتّجاهات، ولتيسير هذا الاعتبا سوف أعمل على إيضاح مُميزات كل فترة من تلك الفترات، وأعتقد أنه مما يساء القارئ الكريم أن أعرض عليه في هذا الفصل تلك الفترات، ثُمَّ أتولاها بشيء مر
التفصيل.
1 - الفترة الأولى من الفتح الإسلامي سنة 47 هجرية إلى سنة 300 هـ. 2 - الفترة الثانية من سنة 311 إلى سنة 431
- الفترة الثالثة من سنة 431 إلى سنة 529 هـ. الفترة الرابعة من سنة 529 إلى سنة 960 هـ. الفترة الخامسة: من سنة 960 إلى سنة 1298 هـ.
6 - الفترة السادسة من سنة 1298 إلى استقلال تونس.
الفترة السابعة: تبدأ من استقلال، تونس، وسيتولى مؤرخو الأجيال القادمة
إيضاح خصائص هذه الفترة.
يعتبر
على أنني أستطيع أن أجمل هذه الفترات في عهود، وفي إمكان القارئ الكريم أن الفترات الثلاثة الأولى داخلة في عهد واحد هو عهد الاستقلال، وأن يعتبر الفترة الرابعة (1/617)
صفحة 618
الأباضية في موكب التاريخ ???
الأباضية في تونس
داخلة في عهد الجهاد في سبيل الله، والفترة الخامسة داخلة في عهد الانضمام إلى الجامعة
الإسلامية، أما الفترة السادسة فهي عهد الاستعمار البغيض، أما الفترة السابعة فنرجو
تكون داخلة في عهد طويل مشرق سعيد.
ويتلخص من هذا أن تاريخ جربة ينقسم إلى خمسة عهود: العهد الأول: من 47 هـ إلى 529 هـ.
العهد الثاني: من 529 هـ إلى 960 هـ.
أن
العهد الثالث: من 960 هـ إلى 1298 هـ.
العهد الرابع من 1298 هـ إلى الاستقلال.
العهد الخامس: يبتدئ من استقلال تونس ويستمر إلى ما شاء الله.
رهذا الكتاب يتحدث عن بعض الأحداث في العهود الثلاثة الأولى، أما العهد الرابع فله
فصل غير هذه الحلقة. (1/618)
صفحة 619
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تون
جربة بعد الفتح الإسلامي
الفترة الأولى
جربة: جزيرة صغيرة، كانت لا تتصل بغيرها من البلاد إلا عن طريق البحر، ثُمَّ أنشئت بها قنطرة تمتد في البحر مسافة سبعة كيلومتر، تربط بينها وبين جرجيس.
نور
دخلها الإسلام في النصف الأول من خير القرون، مع الفاتحين من أصحاب (1) رسول الله واستقبل سكانها الدين الجديد بقلوب متفتحة للإيمان، وأرواح متشوقة إلى الله، لقد دخل الإسلام تلك الْجَزيرة ولم يخرج منها. عاشت جزيرة جربة بعدما دخلها الإسلام واستجاب أهلها لدين الله، في أغلب الأحيان إما مستقلة استقلالا كاملا، وإما مستقلة استقلالا داخليا ولم تكن تابعة للدول القائمة في غيرها من البلدان تبعية كاملة إلا في فترات قصيرة من التاريخ، فمنذ دخلها الإسلام، وتشرفت تربتها الزكية بأقدام الفاتحين الأول، وارتحلت عنها الوثنية والمسيحية المحرقة لم يعد فيها للكفر مجال، ولذلك فلم تشترك في حروب الردة التي كانت تثور بين الحين والحين في مختلف جهات المملكة التونسية، ولم يرتفع فيها صوت يدعو إلى الاشتراك في الحروب الطاحنة، والمعارك الهائلة، التي كانت تشنها بقايا الوثنية الضالة، والمسيحية المتعصبة؛ لأنه لم تبق للكفر في الجزيرة بقية منذ أشرق فيها نور دين الله لقد بقيت طيلة حروب الردة في إفريقية وهي متربصة يقظة، خشية أن يدهمها المرتدون أو من يُحركونهم؛ ليتخذوا منها مركز هجوم أو ملجأ للتحصين والدفاع، وكانت دائما مستعدة لرد من يُحاول ذلك من أعداء الله. إن الصحابي الجليل حينما أتم فتح جربة، وعرف أن أهلها قد استجابوا الله ورسوله لم يعد ليهتم بناحية الحكم فيها، وقد قاد جيوشه المظفرة لمواصلة الكفاح في سبيل الله حيث
(1) فتحها رويفع بن ثابت الأنصاري من بني مالك بن النجار، حينما ولاه معاوية على طرابلس على أشهر الروايات، وقد صحب رسول الله وروى عنه أحاديث في غزوة خيبر. (1/619)
صفحة 620
الأباضية في موكب التاريخ
618
الأباضية في تونس
اتجاهه.
يجب الكفاح واستودع أهل جربة دينهم وأمانتهم وخواتم أعمالهم، واستمر أوه فأرادوا أن تبقى جزيرتهم على ذلك الوضع الذي تركهم عليه رويفع، فساروا في ولَما تَمَّ فتح المملكة التونسية، وقضي القضاء الكامل على الوثنية، وأصبحت كلمة الله وخضع المغرب للدولة الأموية، بقيت جربة منعزلة عن ولاة الحكم، يقيم بعض
هي
العليا،
ترمي
مشايخها فيها حكم الله حسبما تلقوه في ذلك الحين من حملة دين الله. وتعاقب ولاة الدولة الأموية على المملكة التونسية، وتنازعوا فيما بينهم على الحكم في بعض الأحيان، وثار عليهم الناس هنا أو هناك أحيانا أخرى، وكان التراع هذه المرة داخل صفوف الْمُسلمين، يقوم به ثائرون على انحراف الولاة بالحكم عن منهاج الإسلام، أو حريصون على البقاء في حكم، أو طامعون في الوصول إليه، وبقيت جربة على الوضع الذي اختارته لنفسها، تطبق نظم الحكم الإسلامي في شؤونها الداخلية، ولا تخرج خارج الجزيرة، ولا بثقلها إلى أي جانب من الجوانب المتنازعة، فلم تشترك في الثورات الكثيرة التي تقع عن يمينها وشمالها، وإِنَّما حافظت على الحياد والسلام إلى أواخر القرن الثاني، حين التحقت راغبة طائعة بالدولة الرستمية، والسبب في بقائها إلى هذا الحين دون أن تضم إلى حكم ولاة الدولة الأموية أو ولاة الدولة العباسية أو الثائرين عليهم، هو ما كانت تلاحظه من البعد بين نظم الحكم التي جاء بها الإسلام وبين طرق الحكم التي يسير عليها أولئك الولاة في كثير من الأحيان، فقد كان واضحا أن أغلب الولاة لم يكونوا يتقيدون بالتشريع الإسلامي في معاملة الناس، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، إنَّمَا كانوا يهتمون قبل كل شيء بإقامة الدولة، والمحافظة على السلطة، ولو أدى ذلك إلى انتهاك الحرم التي صانها الإسلام.
ولقد قامت في ليبيا ثلاث إمامات مستقلة عن الدولة الأموية والدولة العباسية، وحاولت تلك الإمامات أن تعود بالحكم المنحرف إلى المنهج الذي جاء به دين الله، وشمل حكم هذه الإمامات بعضها من المملكة التونسية، إلا أن جربة بقيت مترددة لم تقدم على الانضمام إلى تلك الإمامات، و حافظت على حيادها السياسي والعسكري، ولعل شيوخ الجزيرة كانوا يرون أن البقاء على وضعهم الخاص لا يعرضهم لسخط أحد، كما أنهم كانوا يرون أن الإمامة لا يُمكن أن تستقر في ليبيا؛ لأن الطريق الطبيعي للجيوش الذاهبة من الشرق إلى الغرب، أو من الغرب إلى الشرق، ومهما
ليبيا هي (1/620)
صفحة 621
الأباضية في موكب التاريخ
619
الأباضية في تونس
كان رأيهم في الموضوع فقد وقفوا منها موقفا سلبيا، فلم يساعدوها في حروبها؛ سواء في ذلك الحروب الواقعة في ليبيا، أو الحروب الواقعة في المملكة التونسية، كما لم يساعدوا مناهضيها في كلا البلدين، فلما تأسست الدولة الرستمية في الجزائر، وبايع الناس عبد الرحمن بن رستم بالإمامة، كانت جربة من البلدان الأولى التي استبشرت بميلاد هذه الإمامة، وسارعت إلى الانضمام إليها والدخول تحت جناحها، كما فعل أغلب الجنوب والوسط من المملكة التونسية، ولعل من الأسباب التي جعلت جربة تستبشر بميلاد هذه الإمامة الجديدة، والانضواء تحت لوائها ما يلي: 1 كان عبد الرحمن بن رستم شخصية لامعة من حملة العلم، ومن أخلص الدعاة إلى
الله
المحافظة على دين ولقد أسند إليه حكم القيروان في عهد الإمام أبي الخطاب، فكان مثالا للحاكم المسلم التريه الذي يحرص على إقامة دين الله فإذا بويع بالإمامة في الجزائر فهو خليق أن يسير بها في طريق العدول من الْمُؤْمِنِين.
2. الموقع الذي اختاره عبد الرحمن ومستشاروه ليكون مركزا للإمامة موقع ممتاز، تتوافر فيه وسائل الاستقرار لإقامة حكم عادل في دولة قوية. . كان أهالي جربة يعرفون أنهم لن يتركوا على هذا الانعزال والاستقلال دون أن يدخلوا تحت حكم دولة.
وهكذا اختارت جربة أن تكون تابعة للدولة الرستمية في الجزائر، شأنها في ذلك شأن أغلب البلاد الليبية، وأغلب المملكة التونسية، وأصبحت منذ ذلك الحين أهم حلقة اتصال بين الإباضية الموجودين في ليبيا من جهة، والإباضية الموجودين في تونس والجزائر من جهة أخرى، وكانت علاقتها بالدولة الرستمية علاقة استقرار وسلام، واطمئنان ولما كانت سياسة الدولة الرستمية تتمشى حسب تعاليم الإسلام ()، لها الإشراف العام على الأقطار التابعة لها، دون التحكم فيها
(1) يقول الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه القيم "موجز التاريخ العام للجزائر" صفحة 180: "يرأس الدولة الرستمية إمام يلقب أمير المؤمنين بيده مقاليدها، وتصاريف أمورها، وله ترجع السلطتان الزمنية والروحية، ينتخبه وجوه المدينة وزعماء المذهب، وشيوخ الدين بحرية عن غير مبالاة، ولا تقاليد، ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان يراعون فيه المعرفة والدراية والتحنك والدهاء والعدل والإنصاف يجريهما على نفسه قبل ذوي قرابته، وعلى ذوي قرابته قبل الحاشية أو عموم السكان، وأن هم رأوا اعوجا قاوموه لا بالرفق واللين وأنزلوه من أريكته من غير وجل أو أسف أو اعتبار. ويقول في الصفحة:182: "وكانوا على نزاهة تامة لا ينازعهم فيها منازع، وذمة بريئة من كل سائبة من الشوائب، وقد وردت في شأنهم في كتب تاريخية مالكية، مما يدل على عدم التعصب في ذكر الراوية وصحة النقل". (1/621)
صفحة 622
الأباضية في موكب التاريخ
620
الأباضية في تونس
وفي مقدراتها، فقد كانت جربة كما كانت بلدان الوسط والجنوب التونسيين، وكما كان جبل نفوسة وغيره من البلاد الليبية التابعة للدولة الرستمية ترتبط بمركز الدولة ارتباطا روحيا أكثر مما ترتبط بها ارتباطا ماديا، فلقد كان أهالي الجزيرة كما كان غيرهم – يختارون من يتولى شؤونهم؛ فيبعثون باسمه إلى مركز الإمامة فيأتي تعيينه عليهم فيتولى أمرهم، يحكم بينهم بحكم الله، فيفصل المشاكل، ويقيم الحدود، ويرعى مصالح الأمة باسم الدولة الرستمية، ولم تكن الدولة الرستمية تجمع الأموال، أو تفرض الضرائب على الناس، وإنما كانت تجمع الزكاة على النظام الإسلامي، وتحرص على صرفها في وجوهها التي عينها الكتاب الكريم، وكانت زكاة جربة لا تخرج منها، فقد كان عامل الدولة يجمعها من أصحابها، ثُمَّ يصرفها بحرص شديد في الوجوه التي تصرف فيها الزكاة. أما الجند فرغم أن الدولة الرستمية هوجمت في كثير من الأحيان، وقامت بينها وبين الدول المجاورة لها عدة حروب، وثار عليها ثائرون خطرون، رغم كل ذلك فإنَّها كانت تعتمد في حروبها على المتطوعين للجهاد في سبيل الله، ولم تتخذ جنودا مرتزقين كما كانت تفعل غيرها من الدول التي تقوم على الاستبداد والظلم، وقصارى ما اتخذته من جند مستديم إِنَّمَا هم شرطة البلدية، وكانوا يقومون بهذه الواجبات احتسابا لما عند الله، ولا يأخذون عن عملهم هذا مقابلا كذلك بعض الشرطة الذين يقومون مقام البوليس لحفظ الأمن لا تتخذ جندا، ولا ترسلهم إلى الدولة المركزية التي لم تتخذ جيشا مقيما يتلقى رواتب من الدولة. ومهمته الحرب، وَإِنَّمَا كانت الدولة الرستمية في حربها تعتمد على المتطوعين، فعندما تثار حرب يدعى الناس إلى الجهاد في سبيل الله، أو حماية الوطن أو ما إلى ذلك، فيندفع الناس إلى القيام بذلك الواجب المقدس غير منتظرين أجرا من الدولة، أو كسبا من الحرب، فإذا رأى الإمام أن العدو المتطوع في مركز الدولة لا يكفيه للدفاع استعان بغيرهم في بقية البلاد، دون العدد، أو يحمل الناس على الحرب، مرغمين أو طامعين في مكسب دنيوي، فإذا
أن يلزمهم انتهت المعركة رجع أولئك المحاربون إلى أعمالهم الحرة. ويبدو أن الجزيرة حافظت على المبدأ الذي التزمته من قبل منذ الفتح الإسلامي، فلم
ترسل أي نجدة للدولة الرستمية في حربها الكثيرة وإنَّما احتفظت بقوتها لنفسها، كذلك لم (1/622)
صفحة 623
الأباضية في موكب التاريخ
621
الأباضية في تونس
تشترك في الثورات التي قامت ضد الأغالبة في القيروان، ولم تحاول أن تنصرهم، وَإِنَّمَا حافظت على حيادها الكامل بالنسبة لهذه الدولة، ونستطيع في آخر هذا الفصل أن نلخص الحديث عن جربة في الفترة الأولى من تاريخها الإسلامي فيما يلي:
دخل الإسلام إلى جربة سنة 47 من الهجرة، على يد رويفع بن ثابت الأنصاري على أشهر الروايات، ومنذ فتحها رويفع لم يرتفع فيها صوت للكفر أو الردة، فقد رضيت الإسلام دينا، واطمانت له، وعملت به، وحافظت عليه في إطارها الداخلي، ولذلك لم تعد إليها الجيوش الإسلامية الفاتحة، التي كانت تنتقل من مكان إلى مكان، لتأديب المرتدين والعصاة؛ لأنه لم يكن في جربة مرتدون أو عصاة وكان قادة الفتح في العهود الأولى لا يهتمون بمظاهر السلطة، ولا يميلون إلى التحكم أو النفوذ، وَإِنَّمَا كل ما يعنيهم هو نشر الإسلام وأمن الدعوة إليه، فحيثما تحقق ذلك ترك أهل البلد وشأنهم، ولذلك فما افتتحوا الجزيرة وأيقنوا أن أهلها قد نبذوا الوثنية، وأسلموا أمرهم الله حتى تركوهم لشأنهم، ووجدت جربة نفسها وهي تعيش في ظل الإسلام، إِنَّهَا قد ارتاحت من عنت الكفر، ومن طغيان الرومان الذين كانوا يتحكمون فيها تحكم المستعمر الباغي، فحافظت على الإسلام والسلام، واستمرت على هذه الحالة الهادئة إلى أواخر القرن الثاني حين انضمت إلى الدولة الرستمية، ودخلت تحت رعايتها واحتمت بجناحها، ومن أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث لم تختلف الأحوال كثيرا على جربة، فقد بقي فيها النظام الإسلامي، وكان علماؤها يحرصون على تطبيقه، وكل ما حدث من فرق أن الأوامر في العهد الرستمي كانت تنفذ باسم الإمام، وأن الأعمال كانت تقام باسم الدولة، ولقد نتج عن هذا الاستقلال والاستمرار في هذه الجزيرة نتائج أتت بثمار طيبة، فقد اهتم الناس فيها بالدراسة، ونشر العلم، وبث المعرفة، فنبغ علماء فحول في هذا العصر، كانت اليد البيضاء على توجيه الناس من الناحية الدينية والاجتماعية والخلقية والسير بهم في المنهاج الإسلامي للحياة البشرية، وتكونت عدة مدارس حافظت على التراث الإسلامي المجيد طيلة قرون طويلة، ونستطيع أن نعتبر الفترة الأولى من تاريخ جربة التي تمتد ما بين 47 و 300، فترة استقلت فيها جربة (1/623)
صفحة 624
الأباضية في موكب التاريخ
622
الأباضية في تونس
استقلالا كاملا لمدة قرن ونصف وكانت تابعة للدولة الرستمية لمدة قرن، وكان عهدها في هذه التبعية شبيها بعهود الاستقلال؛ لأنها كانت تتمتع بجميع المزايا التي تكفلها نظم الحكم الإسلامي حين يقام لأمة مسلمة صان الإسلام دماءها وأموالها وأعراضها، وأتاح لها من فرص الحياة الكريمة ما يسر لها أن تعيش حرة سعيدة، دون أن تكون خاضعة للأهواء البشرية، التي تفرضها غطرسة الحكام الذين لا يتقيدون بأحكام الله.
هذه خلاصة الفترة وتتضح فيها الخصائص الآتية:
1 لم يقع فيها ارتداد عن الإسلام كما وقع في أكثر الجهات المجاورة لها. 2. لم تنضم إلى فريق من الفرق المتحاربة. حرصت أن تباشر شؤونها بنفسها تحت رعاية شيوخ العلم، ولم تُحاول أن تنضم
إلى دولة قائمة، أو تعلن ميلاد دولة قبل انضمامها إلى الإمامة الرستمية.
عكفت على نشر العلم.
ه كانت هذه الفترة في حياة جربة فترة استقرار وهدوء وسلام.
جربة في العهد الإسلامي الفترة الثانية
في أواخر القرن الثالث نشأت الدولة الفاطمية وتغلبت على الدولة الرستمية في الجزائر، ثُمَّ على الأغالبة في تونس فأزاحتها عن الحكم، وقد نشأ عن ذلك عدد من الثورات والحروب الدامية، التي امتدت زمنا طويلا في جميع البلاد الجزائرية، والمملكة التونسية، والشق الغربي من ليبيا، وأدى ذلك من الناحية السياسية إلى انقطاع الاتصال بين جربة ومركز الدولة الرستمية التي انقرضت كما قلل من وسائل الاتصال بينها وبين جبل نفوسة، لاسيما وأن (1/624)
صفحة 625
الأباضية في موكب التاريخ
623
الأباضية في تونس
الجبل كان لا يزال يعاني من النكبات المتوالية التي سلطت عليه، ومن أهمها آثار وقعة، مانو التي ذهب فيها خيار أبطال الجبل وعلمائه.
وعليهم
ورأى علماء جربة على ضوء الأحداث الواقعة أن يعودوا إلى نظام حياتهم في العهود السابقة، قبل أن يدخلوا تحت حكم الدولة الرستمية، فعليهم أن يحافظوا على استقلالهم الداخلي من الناحية السياسية وعليهم أن لا يحتكوا بالدولة الفاطمية التي تحاول أن تستقر، وعليهم ألا يحتكوا بالثوار الذين يُحاولون أن يقضوا على هذه الدولة الناشئة، أن يُحافظوا على جزيرتهم، وألا يتركوا أحدا من المتنازعين ليجعلها مركزا للعدوان، وكانوا يهمهم أن يعيشوا على حياد تام وفي سلام في ظل الإسلام، وهم وإن انقطع الاتصال السياسي بينهم وبين الجزائر وليبيا إلا أنهم كانوا على اتصال وثيق مستمر بإخوانهم الإباضية في كامل القطر التونسي وفي الجزائر وليبيا والفارق بين حالة الإباضية في جزيرة جربة وبين غيرهم من الإباضية في المملكة التونسية أن إباضية جربة قد عاشوا طول الفترة الماضية في حياد وأمن وسلام، لم تنلهم الحروب، ولم تستفزهم الثورات، ولم يقع عليهم اعتداء، ولم يصابوا بأضرار حرب، أما إخوانهم من الإباضية في بقية المملكة التونسية فقد كانت توجه إليهم الضربات إثر الضربات إما من الدول القائمة التي تريد أن تحكم، وإما من الثوار الذين يريدون أن يطيحوا بتلك الدول ليصلوا إلى الحكم وإما من فورات العصبية المذهبية، التي تذكيها المصلحة الفردية أحيانا، والمصلحة السياسية أحيانا أخرى. ونظم أهالي جربة حياتهم على نظامهم الخاص لا يعلنون اسم دولة جديدة، ولا ينضمون إلى دولة قائمة ولا يؤيدون الثوار الذين ينعقون في كل جهة من البلاد، فإذا التجأ إليهم ملتجئ يلتمس الحياة الهادئة، والاستقرار والسكينة، فتحوا له المجال وآووه، أما إذا أراد أن يتخذ الجزيرة مركزا للعنف والثورة، فإنهم لا يسمحون له بذلك، ويردونه عنهم بلطف، فإذا لم يستجب ردوه عنهم بعنف. وعندما كانت الدولة الفاطمية تكافح من أجل البقاء في المملكة التونسية، وتعمل جاهدة على التمكن والاستقرار، كان أهل جربة لا يهتمون بها، وَإِنَّمَا كانوا يحلمون بأنهم سوف يعيشون حياة هادئة آمنة سعيدة كتلك الحياة التي عاشوها في الفترة الأولى، لا تحكم (1/625)
صفحة 626
الأباضية في موكب التاريخ
624
الأباضية في تونس
ولا ظلم ولا عدوان، ولا وثنية ولا كفر ولا عصيان ولكن هذا الحلم لم يطل، فإن الدولة الفاطمية كانت تعمل على الاستقرار لتباشر الحكم، وتستغل مكاسبه، ولذلك فما اطمانت إلى استقرارها، وثبتت دعائم حكمها في المهدية، وكونت أساطيلها البحرية القوية حتى فكرت في مباشرة الحكم على تلك البلاد التي بقيت منعزلة عنها وهكذا وجهت أسطولها إلى جزيرة جربة على حين غفلة من أهلها ودخلتها سنة 311 هـ، على يد علي بن سليمان الداعي، فأصبحت جربة بذلك خاضعة خضوعا فعليا حقيقيا للدولة الفاطمية، وذاقت جربة مرارة الحكم الظالم كما كانت تذوقه بقية البلاد، ولقد زاد في شناعة الموقف ما كانت تبثه الدعاية المغرضة التي تباعد ما أمكنها بين فرق المُسلمين، لا سيما بين الإباضية والشيعة، وكان الولاة الشيعة يرتكبون ما يرتكبون من الفواحش في جربة وفي غيرها من بلاد الإباضية، وهم أن ما يفعلونه لا تُحرمه الشريعة، بل كثيرا ما يرغبهم بعض المتعصبين المنغلقي الذهن على الانتقام من الإباضية، مستبيحا دماءهم وأموالهم، ولذلك فقد كان أولئك الولاة لا يتورعون عن شيء، وبقيت الجزيرة تحت حكم الدولة الفاطمية عشرين سنة، يتولى أمرها ولاة تعينهم حكومة المهدي، فلما ثار أبو يزيد مخلد بن كيداد صاحب الحمار، استبشر به
من
يعتقدون
الناس من جميع الطوائف الإسلامية التي كانت في المملكة التونسية، ما عدا الشيعة طبعا. وظنوا أن الخلاص من ظلم الفاطميين إنَّما يقع على يد هذا الثائر العنيد، ووقع مجمع علمي من علماء المالكية في القيروان أفتوا فيه بوجوب مناصرة أبي يزيد، ومحاربة الفاطميين بكل القوى، وبدا لأول وهلة أن أبا يزيد هذا سوف ينتصر، وسوف يقوض أركان هذه الدولة، واستمر ينتصر في مواقع كثيرة، وبلغ جربة فاحتلها سنة 331 هـ. كان أهالي جربة كغيرها من سكان المملكة التونسية، يتذمرون من ظلم الفاطميين، وتوقعوا الخلاص على يد أبي يزيد، فلما احتل أبو يزيد جربة وارتكب فيها ما لم يأذن به الله، وما لم يبلغ إليه الفاطميون، وجدوا أن ألوان الظلم تتفاوت حتى يبدو بعضه بالنسبة إلى البعض الآخر كأنه العدل المطلق، ومرت على جربة سنتان مظلمتان تحت حكم أبي يزيد الذي طرد منها عامل الدولة الفاطمية، وحكمها كما شاء له ولأتباعه الهوى، وفي سنة 335 هـ قُتل أبو يزيد الثائر العنيد، وأرجعت جربة إلى حكم الدولة الفاطمية في المهدية فوجدت نفسها تقيم على ألوان (1/626)
صفحة 627
الأباضية في موكب التاريخ
625
الأباضية في تونس
مختلفة من الظلم والانحراف عن حكم الله، ولذلك فقد بدأت تعمل على الثورة وتتهيأ لها، وأعدت من الوسائل ما يكفل لها النجاح، وفيما بين سنة 341 - و 350 هـ كانت قد أعدت وسائلها، واطمانت إلى نجاحها، فثارت وطردت عامل المهدية، وعادت إلى النظام الذي وضعته لنفسها من قبل بعد الفتح الإسلامي، وعاشت عليه في الفترة الأولى من تاريخها المجيد، واستمرت على ذلك الوضع إلى عهد المعز لدين الله الفاطمي الصنهاجي الذي احتل الجزيرة سنة 431 هـ، فاستباح منها جميع الحرم التي صانها الإسلام، وارتكب جريمته النكراء، فجمع خيار الأمة في الجزيرة من العلماء والزهاد وذوي الفضل والرأي فذبحهم، إِنَّهَا إحدى الجرائم التي يقدم عليها الطغاة من الحكام دون وازع من دين أو ضمير أو خلق. في هذه الفترة التاريخية التي تمتد ما بين سنة 300 إلى سنة 431 هـ، عاشت جربة ثلاثين سنة تابعة تبعية كاملة لحكم خارج عن الْجَزيرة ذاقت فيه من ألوان الظلم والقهر والجبروت ما كان يرتكبه الظالمون في البلاد التي يتغلبون عليها دون أن يحاسبهم أحد، وقد قضت سنتين من هذه الفترة تحت حكم أبي يزيد بن كيداد أما الباقي من هذه الثلاثين سنة فقد قضته تحت الحكم المباشر للدولة الفاطمية، وعاشت مائة سنة من تاريخها في هذه الفترة مستقلة استقلالا كاملا عن التبعيات تعيش فيها على النظم التي اختارتها لنفسها في الأزمنة السابقة، والتي تود أن تعيش عليها في الأزمنة اللاحقة، ما لم تتكون دول تسير على النهج الإسلامي وتحكم بدين الله. هذه خلاصة الفترة الثانية، وفيها يتضح من الأمور ما يأتي:
1. تعرض أهل جربة لما كان يتعرض له غيرهم من ويلات الحروب. 2. تكون فيهم بسبب العدوان عليهم استعداد للدفاع، وحتى للقيام بالثورات على الحكم الظالم.
حرصوا أكثر من ذي قبل على نظامهم الداخلي، وبعدهم عن الاتصال بطلاب
الحكم، وأدركوا مناسبته لمصالحهم، فاستمسكوا به في حرص واعتزاز. 4. أصبحوا يعلنون سخطهم على الانحراف بالحكم عن منهاجه الإسلامي، وينتقدون مسلك ولاة الأمر والثوار عليهم جميعا، وكان العلماء من أكثر الناس شدة في نقد
الأوضاع الفاسدة، وبيان مخالفتها للشريعة السمحة الكريمة. (1/627)
صفحة 628
الأباضية في موكب التاريخ
626
الأباضية في تونس
كان سكان جربة أمة تحب السلام وتحرص عليه ولا يهمها أن تعيش في أمن بعيدة عن مظاهر العنف، فلما وقع عليها العدوان، وارتكبت فيها الفواحش دون سبب يدعو
إلى ذلك من أولئك المعتدين، بدأت تراجع مبادئها في الحياة، وموقفها من الناس. .6 كانت هذه الفترة في حياة جربة فترة فيها قلق واضطراب وتخوف من المستقبل، وإعداد له.
000000
عنه
جربة في العهد الإسلامي
الفترة الثالثة
كان سكان جربة منذ الفتح الإسلامي إلى سنة 431 هـ يُحاولون أن يحتفظوا بهدوء أعصابهم، ويلتجئون إلى السلم ولا يعمدون إلى القوة والانتقام ولا يسعون إلى محاربة غيرهم من الدول أو الثوار، وَإِنَّمَا كانوا يحرصون على الانعزال داخل جزيرتهم، وتطبيق أحكام الإسلام في شؤونهم الخاصة دون الاحتكاك بالسياسية الخارجية، فلما احتل المعز لدين الله الفاطمي الْجَزيرة سنة 431 هـ، وارتكب فيها من الظلم والفواحش ما لا يغضي الحليم، ولم يقتصر على الظلم في الأموال والأعراض والأرواح، وَإِنَّمَا تعدى ذلك إلى الدين، والتحكم في أعمال الناس وعقائدهم فأراد أن يرغمهم على اتباع مذهب معين، ولتنفيذ هذه الفكرة جمع العلماء الذين يرجع إليهم الناس في أمر دينهم، وأمر بقتلهم جميعا. لقد كان الشيعة في الدولة الفاطمية يُحاولون من قبل أن يحملوا الناس على المذهب الشيعي، ولكن لم يبلغ بهم العدوان إلى الحد الذي بلغه المعز لدين الله الفاطمي في حمل الناس على اتباع المذهب المالكي، فلقد أسرف في حمل الناس على ترك مذاهبهم، وكان يلتمس أوهى الأسباب لقتلهم؛ جماعات وفرادى، ولا سيما ذوي العلم والرأي، ولا شك أن الحامل له على هذا المسلك ليس هو الإخلاص للمذهب المالكي، وَإِنَّمَا هو الخوف على ما (1/628)
صفحة 629
بيده من
الأباضية في موكب التاريخ
627
الأباضية في تونـ الملك، أو كان يخشى أن تثور بعض تلك المذاهب على ظلمه وعدوانه، فأراد استئصالها قبل أن تعد العدة له، بل إن اتباعه للمذهب المالكي لم يكن مبنيا على دراسة إسلامية، ومقارنة بين المذهبين؛ الشيعي الذي نشأ عليه، والمالكي الذي اعتنقه أخيرا، وَإِنَّمَا دعاه إليه ما كان يراه من كثرة أتباع المذهب المالكي حينئذ وكرههم للشيعة، ولكي يتخذ أولئك الناس أنصارا له ويعتمد عليهم في نظامه السياسي اعتنق المذهب المالكي، وترك الشيعة في حوادث تاريخية تشبه أن تكون مسرحيات تمثيلية ذهب ضحيتها أعداد وافرة المُسلمين (1)، قد كانت فكرة قتل العلماء والصلحاء ومن يرجع إليه الناس في أمور دينهم أبشع ما ابتكرته السياسة الماكرة في عقل المعز لدين الله الفاطمي، ويبدو أن الرجل قد تجرد من الإيمان كل التجرد، حين كان يجمع أمثال أبي عمرو النميلي، وأبي محمد كموس ليذبحوا أمامه، حتى لا يجد الناس مرجعا لَهُم في أمور دينهم. لقد نتج عن تلك المذابح التي تولاها المعز في جزيرة جربة، واختار لتنفيذها خيار الْمُسلمين نتائج خطيرة .. لوث المعز يديه بالدم البريء، ورجع إلى عاصمة ملكه ليستقبل مزيدا من الثورات والمؤامرات والمكائد التي وجهت إليه من كل جانب ومكان، والتي ما كان يدبرها أو يعد لها أولئك الأبرياء الذين قتلهم ولا من يعمل بآرائهم، أما أهل الجزيرة فقد أثارت فيهم هذه القضية رد فعل شديد وبعد أن كانوا أمة مسالمة، حريصة على أن تتبع دين الله وحكمه في نفسها وفي غيرها، وأن تحافظ على الأمن والسلام في ربوعها، وأن لا تشترك في الدماء التي تراق والأموال التي تختلس والحرم التي تنتهك، بعد أن كانت حريصة على ألا تلوث يديها بما حرم الله راجعت نفسها على ضوء الأحداث التي وقعت لها، وذكرت قول الشاعر الجاهلي:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلـ
1) قال الزاوي في "تاريخ الفتح العربي في ليبيا" صفحة 195: وقضى على الشيعة ومذهبهم، وكان هذا مشجعا للناس على اصطادهم والفتك بهم، كما قضى على مذاهب الصفرية والإباضية والنكارية والمعتزلة، وحمل كل الناس على مذهب الإمام مالك". (1/629)
صفحة 630
الأباضية في موكب التاريخ
628
الأباضية في تونس
فخيل إليها أن في هذا المنطق الجاهلي بعض الحق، وقرر المتحمسون من شبابها أن يثوروا، وأن يرتكبوا ما يرتكبه غيرهم، وأن يعتدوا كما يعتدي الآخرون، إنه لا يكفي لعزتهم أن يردوا الظلم عنهم، وَإِنَّمَا يجب أن يقوموا بالظلم في بعض الأحيان (1)، لقد كان العلماء الأعلام يغلون أيدي العامة عن ارتكاب الجريمة وإتيان المنكر فقتل المعز أولئك العلماء وصمتت تلك الألسنة الدائبة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبحت الدعوة إلى الانتقام وإلى الأخذ بالثأر وإلى الانطلاق من قيود الحرام والشبهة دعوة يميل إليها الرأي العام فجد القوم في إعداد عدة الحرب، وبنوا أساطيل في البحر، وربوا شبابهم على فنون القتال وقبل أن تتم سبع سنوات من احتلال المعز للجزيرة كان أهلها يثورون على عامل الدولة الصنهاجية، ويرمون به وراء البحر في وجه هذه المرة لا في رفق وهدوء وسلام كما كانوا يفعلون من قبل، ولم يكتفوا بهذا بل سرحوا أساطيلهم للقرصنة، وسمحوا لشبابهم أن يرتكب ما يرتكبه غيره من التسلط على الأساطيل الضعيفة وغنيمة ما بها من الأموال فضيقوا الخناق على الدولة الصنهاجية، وحبسوا التجارة عن المهدية وهي عاصمة الصنهاجين وضاقت المذاهب على أمراء الدولة وحاولوا أن يردوا هذا المارد الذي خرج من القمقم، فلم يستطيعوا. لقد كان علماء الدين هم السحرة الذين حبسوا المارد في الجزيرة فلم يخرج منها، أما وقد قتل أولئك العلماء، وخفتت أصواتهم فلم يعد هنالك ما يحول دون المارد والانطلاق، ومضى على هذه الحال قرابة سبعين سنة من سنة 441 إلى سنة 510 هـ وفي هذه المدة تكونت طبقة أخرى من العلماء الأعلام الحريصين على مبادئ الإسلام، فكانت أصواتهم تنطلق آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، داعية إلى التمسك بدين الله، وأكثروا التنديد على أصحاب السفن التي تشترك في القرصنة، وحرموا ما كانت تأتي به من أموال فأثرت مواقفهم هذه في نفوس أصحاب الأساطيل، وفي سنة 510 هـ جهز أبو الحسن علي بن يحيى بن تميم أسطولا لغزو جربة واستعد أسطول الجزيرة للقائه، كما استعد سكانها للدفاع مهما كانت الظروف، وبقي
(1) قرأت هذا الفصل على العالم المؤرخ الشيخ سالم بن يعقوب الحربي فلم يوافق على ما ورد فيه، وقال إن ما ينسبه المؤرخون إلى أهل جربة من قيامهم بالقرصنة في هذه الفترة التاريخية لا صحة له، فإن إباضية جربة لم يستحلوا في يوم من الأيام أموال الناس ولا دماءهم وقصارى ما كانوا يفعلونه إنَّما هو الدفاع المشروع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ولم يتجازوا هذا الموقف أبداً. (1/630)
صفحة 631
الأباضية في موكب التاريخ
629
الأباضية في تونس
أبو الحسن محاصرا للجزيرة أياما يهددهم بالحرب والاحتلال فيظهرون له القوة والاستعداد للدفاع وأخيرا دعاهم إلى صلح وكانت مواد الصلح أن يترك أبو الحسن الجزيرة دون أن يلحقها بحكمه، وذلك مقابل ما يأتي:
أولا: أن يكفوا أساطيلهم عن التعرض إلى السفن التجارية التي ترد إلى الثغور
الإسلامية في المملكة التونسية.
ثانيا: أن يفتحوا محال التجارة إلى المهدية التي ركدت فيها الحالة الاقتصادية. ووجد علماء الجزيرة أن هذه الشروط هي ما يجب أن تكون عليه الأمة المسلمة، فما يجوز العدوان على الإخوة، فحملو قادة الأساطيل على الموافقة، وتم الصلح على أن تبقى الجزيرة مستقلة في شؤونها الداخلية لا تتعرض لها الدولة الصنهاجية في شيء، وأن تكف أساطيل الجزيرة عن القرصنة، وأن تفتح شروط التجارة مع المهدية.
ورجع الأسطول الصنهاجي يحمل شروط الصلح، وفي كل من الطرفين بها وحافظا عليها
وحرم
وبقيت جربة على نظامها الخاص الذي عرفته من قبل، والذي سارت عليه إلى سنة 529 هـ. لقد نتجت عن هذا الصلح نتائج هامة أثرت على تاريخ الجزيرة من بعد فمنذ وقع الصلح، العلماء ما تأتي به أساطيل القرصنة، أصبحت تلك الأساطيل غير ذات جدوى، وأصبح أولئك الشباب الذين كانوا يعيشون على الكفاح في البحر، يتركون البحر والكفاح فيه، ويعرضون عنه، حتى صار غير ذي غناء لهم وبيعت تلك الأساطيل القوية المعدة للحرب ولم تبق إلا سفن الصيد الصغيرة ونشأ الجيل الجديد لا يهتم بالسفن وقيادتها، ولا يعد نفسه للحرب عليها، ولا يشتاق إلى معانقة الأمواج، ومصارعة الأثياج. ورجع أهالي جربة إلى حياتهم الوادعة التي كانوا يعيشونها منذ الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس: نظام هادئ عادل مستقر يتولى فيه أمورهم شيخ من شيوخهم بناء على ما يقرره العلماء الأعلام في مجالسهم بالمساجد، واطمأنوا إلى هذه الحياة الهادئة، التي اعتادتها الجزيرة الصغيرة الرابضة في البحر، فقد كانت حياة هنيئة سعيدة في ظل الإسلام، إلا أن
التاريخ كان يتمخض عن
أحداث
هي
أعنف مما
سبق في الجزيرة من أحداث. (1/631)
صفحة 632
الأباضية في موكب التاريخ
630
الأباضية في تونس
تبعية كاملة إلا
لقد امتدت هذه الفترة من تاريخ جربة قرابة قرن لم تكن فيها الجزيرة تابعة لدولة أخرى سنوات أو أقل، أما بقية المدة فقد عاشتها الجزيرة مستقلة استقلالا كامنه سبع عن نفوذ أية دولة، على أن هذه السنوات السبع التي عاشتها الجزيرة تابعة للدولة الصنهاجية خاضعة للمعز بن باديس قد غيرت من أخلاق الجزيرة ومن دينها الشيء الكثير، وكان لموقف المعز منها ومحاولة حمله لها على اعتناق مذهب غير مذهبها وقتلة لعلمائها وصلحائها، أسوأ الأثر من الناحية الدينية. فلقد بقيت الجزيرة منذ الفتح الإسلامي إلى احتلال المعز لها سنة 431 هـ نظيفة، لم يدخلها المال الحرام، ولم تتلوث أيديها بالدم الحرام، ولم ترتكب فيها الجرائم التي ترتكب في غيرها من البلدان، ولم يخرج أهلها عن حكم الإسلام في معاملاتهم للناس خارج الجزيرة وداخلها، فلما وقف المعز منها ذلك الموقف المؤلم، وأحضر خيار أهلها فذبحهم ذبح الأغنام بين سمع الناس وبصرهم، أثر ذلك في نفوسهم، وكون فيهم رد فعل شديد انقلبوا معه من شعب يتقي الشبهات ويبتعد عن الحمى إلى قوة مندفعة حاطمة تخوض معركة الحياة بنفس السلاح الذي يستعمله غيرها من الناس. ومما زاد في شناعة الموقف أن المعز وهو يرتكب هذه الألوان من الظلم الفادح كان يزعم للناس أنه يذود عن دين هذه خلاصة هذه الفترة من تاريخ جربة ويتضح في هذه الفترة الظواهر الآتية:
1 - خفوت صوت العلماء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
الله.
2 - انطلاق العامة والدهماء في ميدان الحياة على نفس الأسلوب الذي تجري به الحياة في
البلاد الأخرى.
تكون قوة بحرية ضاربة.
4 - تكون استعداد حربي داخل الجزيرة.
ه استقلال جربة عن الدول القائمة وحرصها على ذلك الاستقلال.
كانت هذه الفترة من حياة جربة فترة فيها خروج عن المألوف من حياة الإباضية واستمساكهم بدين الله، وحرصهم على ذلك، وفيها اعتزاز واعتداد بالقوة، وفيها محاولة لإظهار التسلط، ولكن في آخر الفترة تغلب دعاة الحق وملتزمو الاستقامة على العامة (1/632)
صفحة 633
الأباضية في موكب التاريخ
631
الأباضية في تونس
والدهماء، واستطاعوا أن يرجعوا بهم إلى المنهج الإسلامي، ابتعاداً عن الفتنة ودعاتها، وهروباً من الظلم يقع منهم أو عليهم، وحرصاً على أحكام الإسلام في الجزيرة.
000000
خلاصة هذا العهد
هذا عهد تاريخي قرابة خمسة قرون، إذ يبتدئ سنة 47 هـ، عندما دخل الإسلام أول مرة إلى جربة فأشرقت بنور الله، ويمتد إلى سنة 529 هـ، حينما هجم عليها قراصنة الإفرنج فاحتلوها، وكانت حياة جربة طيلة هذا العهد بمختلف أطواره تعيش في إطار إسلامي نظيف، قضت منه قرنا ونصفا تابعة للدولة الرستمية وحوالي ثلاثين سنة تحت حكم الدولة الفاطمية أو العبيدية وسنتين تحت حكم أبي يزيد بن كيداد، وسبع سنوات تحت حكم الدولة الصنهاجية، أما بقية المدة من هذا العهد -وهي تقارب ثلاثة قرون- فقد كانت فيها جربة مستقلة عن غيرها من الدول استقلالا كاملا، تعيش على المنهج الإسلامي في الحياة، وبالطريقة التي اختارها علماؤها، دون أن تعلن عن قيام دولة، ودون أن تتخلى عن تنفيذ أي حكم من أحكام الإسلام. ويحق للمؤرخ الذي ينظر إلى جربة من الزاوية الإسلامية غير مهتم بمظاهر السلطة والنفوذ أن يقول: إن الفترة التي عاشتها جربة مستقلة عن تبعية غيرها من الدول كانت عهودا مشرقة بالإيمان والعمل الصالح، والتمسك بهدي مُحمَّد -عليه الصلاة والسلام-، وذلك باستثناء السبعين سنة التي اشتركت بها أساطيل الْجَزيرة في الأعمال البحرية، وأنا حين أطلق هذا الحكم العام على سبعين سنة من تاريخ الجزيرة أجد نفسي ملزما بأن أوضح للقارئ الكريم أن هذا الحكم غير دقيق، فإن السبعين سنة لم تمض كلها في الأعمال البحرية، كما أن الناس الذين يقومون بها ليسوا أهل الجزيرة كلها وَإِنَّمَا هم أفراد منها، وإلا فإن الغالب من السكان لا سيما المتدينين كانوا غير راضين عن
تلك (1/633)
صفحة 634
الأباضية في موكب التاريخ
632
الأباضية في تونس
الأعمال، ويدل على ذلك أنه ما تكونت طبقة من العلماء المنظور إليهم حتى استطاعوا أن يوقفوا تلك الأعمال، وأن يطهروا أرض الجزيرة وأيدي أبنائها من آثار الظلم والعدوان، وأن يعودوا بالأمة إلى سلوك الطريق القويم، عمل خالص الله
?
ومحاسبة
للنفس، والتزام للحق، مستجيبين لدعوة الله في كتابه الكريم: ويا أيها الذين آمنوا عليكم
أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مِّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
(1). هذا العهد
الأول من تاريخ جربة في الإسلام. أما العهد الثاني فيبتدئ من سنة 529 هـ حين هجم الإفرنج على الجزيرة، ويمتد إلى سنة 960 هـ، حين دخلت جربة تحت الخلافة العثمانية، وسوف نعرض بالحديث في الفصول الآتية عن العهد الثاني من تاريخ جربة لنجلو من ذلك صورا من كفاح الأمة المسلمة نضعها بين يدي القارئ الكريم لعله يجد في ذلك عبرة وموعظة.
هيج
عهد الجهاد في سبيل الله
يسير تاريخ جربة في هذا العهد في اتِّجَاهين مختلفين: الاتجاه الأول هو مقاومة الاستعمار الصليبي، ومُحاربة القرصنة الإفرنجية، والوقوف في وجه العدوان الذي تباركه الصليبية المتعصبة، وسلطة الكنيسة الحاقدة على الشواطئ الإسلامية، ويبتدئ هذا الاتجاه
529 هـ ويمتد إلى سنة 960 هـ.
من
سنة
أما الاتجاه الثاني فهو تبعية الجزيرة لحكم خارج عنها، سواء كان تحت رعاية دولة أو تحت نفوذ ولاة يعملون على الاستقلال بالحكم، ويبتدئ هذا العهد من سنة 555 هـ ويمتد إلى سنة 960 هـ.
(1) سورة المائدة: 105. (1/634)
صفحة 635
الأباضية في موكب التاريخ
633
الأباضية في تونس
وبينما كان تاريخ جربة في الاتجاه الأول مشحونا بالأحداث والجهاد المتواصل في سبيل الله والوطن، كان تاريخها في الاتجاه الثاني عبارة عن تحمل وصبر وأداء لما يطلب من أموال وضرائب، وسوف أحاول في الفصول الآتية أن أضع بين يدي القارئ الكريم صورا عن كل من الاتجاهين، مبتدئا بالاتجاه الأول.
صلحا
ف ف ف
كفاح الاستعمار الصليبي
إن جزيرة جربة الصغيرة التي ليس لها مطامع، والتي ترغب أن تعيش في هدوء وسلام، أرغمتها ظروف الحياة إلى أن تخرج من عزلتها، وأن تكون أسطولا تهدد به بعض الموانئ، وتحطم السفن، وتصارع الأساطيل، فجاءها أمير المهدية علي بن يحيى، وعرض عليها بحسن الجوار، ووقف العدوان، والتبادل التجاري، فرضيت الجزيرة بالصلح فأمنت من العدوان واطمأنت إلى السلام وفيما هي تنام في أحضان الطمأنينة فاجأها أسطول بحري قوي لدولة حاقدة على الإسلام والمُسلمين، فقد جهز حاكم صقلية روجار أسطولا ضخما واتَّجَه به إلى الْجَزيرة الوادعة الآمنة، فلم تستيقظ حتى كان الإفرنج قد احتلوها، وأصبحوا يجوبون شوارعها، ويعيثون فيها فسادا تنادى السكان إلى الدفاع، وقاتلوا قتالا عنيفا؛ تكبدوا فيه خسائر لا تُحصى، إلا أنهم غلبوا على أمرهم، واستكانوا على رغمهم، وخضعوا لحكم النور ماند.
جعل النورماند من جزيرة جربة مركزا لتموين أساطيلهم وإمدادها بما تحتاج إليه في عدوانها من عتاد وسلاح، كما اتخذوها ملجأ لَهُم من العواصف البحرية، وانتظر أهل جربة أن يخف أحد لنجدتهم، ولكن لم يسستين لَهُم في الأفق شيء، فقد كانت الأساطيل الإفرنجية تسيطر على البحر الأبيض المتوسط، وكانت تهاجم السواحل الإسلامية كل يوم، وكان حسن الصنهاجي صاحب المهدية مشغولا بالدفاع عن نفسه وعن (1/635)
صفحة 636
الأباضية في موكب التاريخ
634
الأباضية في تونس
مركز دولته، ولما طال بقاء النوماند في الجزيرة، وأيقن أهلها أنه لا مدد يأتيهم من الخارج، وأن بلادهم أصبحت مركزا للعدوان منها تنطلق أساطيل القرصنة، فكر أهالي جربة في الثورة، ونظموا أمرهم، ثُمَّ تداعوا إلى الثورة سنة 548 هـ، فانتصروا على الحامية التي تركها الإفرنج هنالك، وقتلوا منهم عددا عظيما، وأخرجوا باقيهم من الجزيرة. وعندما ترامت فلول المنهزمين إلى صقلية، وبلغت تفاصيل الأخبار إلى ملكهم، غضب غضبا شديدا، وجهز أعظم أسطول عرفته القرصنة البحرية في ذلك الحين ثُمَّ وجهه إلى جربة، وتلقى أهالي الجزيرة ذلك الأسطول الضخم بنية مستميتة في الدفاع، وعزم مصمم على النضال، وقعت معركة من تلك المعارك الهائلة، التي تتناثر فيها الأشلاء البشرية دون حساب أو تقدير وتغلبت القوة والكثرة، وقتل أهل الْجَزيرة حتى لم يكد يبقى فيهم من يقوى على حمل السلاح، وأخذ كثير من أهلها أسرى فبيعوا في أسواق إيطاليا وصقلية عبيدا، وخفتت في الجزيرة تلك الأصوات التي كانت تطن في أجواف الليل بالدعاء وتلاوة القرآن، وتملأ المساجد في النهار بدروس العلم، ودروس الوعظ والإرشاد، وبدت الجزيرة كأنها في غفوة طويلة، لا تبدو عليها حركة أو حياة.
بقي الإفرنج في الجزيرة إلى سنة 555 هـ، حين قدم عبد الْمُؤمن بن علي فساعد الجزيرة على طرد أولئك المستعمرين الدخلاء، كما طردهم من غيرها من الثغور الإسلامية، وأدخل الجزيرة تحت حكمه، وما خرج الإفرنج من الجزيرة حتى بدأت تعاودها الحياة، وتدب في نواحيها الحركة وأخذ الناس يباشرون أعمالهم العادية، وكان أولئك الذين فروا يعودون إليها، وبدأت المنازل تعمر من جديد، وانبعثت الحركة في الأسواق.
بقيت جربة تابعة لدولة الموحدين إلى سنة 725 هـ، حين استقل أبو زكرياء الأول الحفصي بالحكم في تونس، فانتقلت جربة إلى نظره، وصارت تابعة للدولة الحفصية، يحكمونها بواسطة الولاة.
واحقيقة أن تبعية الْجَزيرة للموحدين في الأول أو الحفصيين في الآخر إنَّما هي تبعية اسمية وكل ما يربط بين التابع والمتبوع إنَّما هي مبالغ من المال، يأخذها عامل الدولة في جربة برسم (1/636)
صفحة 637
الْمُؤْمِن
الأباضية في موكب التاريخ
635
الأباضية في تونس
الضرائب، ويسلمها للدولة المركزية في تونس، ورغم أن جربة رضيت بهذه التبعية للحكم في، تونس، وَلَم تُحاول أن تنفصل عنه، رغم كل ذلك فإن الحكام في تونس كان لا يعنيهم من الجزيرة إلا مبالغ المال تدفع لَهُم من حين إلى حين، وكثيرا ما كان الولاة يستضعفون الحكومة المركزية فيستبدون بالأمر، ويختصون بالحكم، ويحتفظون بالأموال لأنفسهم، أما الدفاع عن الجزيرة وحمايتها من عدوان القرصنة الإفرنجية فذلك ما لم تهتم به تلك الدول المتعاقبة على حكم البلاد، اللهم إلا مرات قلائل سوف يجد القارئ الكريم إحصاءها في بعض الفصول الآتية. وبقيت جربة من سنة الأحماس 555 هـ التي خرج فيها النصارى من جربة على يد عبد بن علي، ومساعدته للسكان إلى سنة 688 هـ، حيث احتلها الإفرنج من جديد احتلالا كاملا، واستقروا فيها لمدة طويلة امتدت إلى نصف قرن. عندما خرج الإفرنج من السواحل التونسية سنة 555 هـ - لم يقفوا عن العدوان، وَإِنَّمَا كانوا يصرون على احتلالها من جديد، ولذلك فقد كانت أساطيلهم لا تنفك عن مهاجمة هذه السواحل كلما أمكنتهم الفرصة، وبقيت جربة من سنة 555 إلى سنة 688 هـ -أي مدة قرن وثلث وهي تصارع الأساطيل الإفرنجية منفردة، رغم أنها كانت تدفع الضرائب الباهظة والمبالغ الجمة من المال، إلى أولئك الولاة الذين يتمرغون في النعيم بما يبتزونه من أموال الناس ويخلعون على أنفسهم أعظم ألقاب الحكم والنفوذ، وطال على الجزيرة الصغيرة أمد الكفاح، وأكلت الحرب رجالها، وكان أبطالها المغاوير يتناقصون في كل موقعة، وكان الجهاد المتواصل في سبيل الله يستنفذ ما لديهم من قوة بشرية وقوة مادية. واستمرت الجزيرة على طريقتها في دفاع العدو، يهاجمونها، فتردهم على أعقابهم، وقد يتغلبون عليها مؤقتا فيدخلون الجزيرة، ولكنها سرعان ما تثور بهم فتقذف بهم وراء البحر، وفي سنة 688 هـ جهز الإفرنج أساطيل ضخمة، وعملوا على احتلال الجزيرة احتلالا ثابتا يستقرون فيه، وهجموا عليها بتلك القوى، وكان أبطال الدفاع عن الجزيرة قد أكلتهم الحرب، فتغلب الإفرنج عليها، وجعلوا برج القشتيل مركزا لهم، وبقيت الجزيرة تحت حكمهم إلى سنة 738 هـ، أي أنها بقيت تحت الاستعمار الصليبي نصف قرن كامل، (1/637)
صفحة 638
الأباضية في موكب التاريخ
636
الأباضية في تونس
وأولئك الذين يعتبرونها ضمن مملكتهم، وكم أخذوا منها من أموال لم يحركوا ساكنا لنجدتها، وإخراجها من أيدي أعداء الله والوطن. وفي هذه السنة استيقظت الدولة الحفصية من سباتها، وتذكرت أن عدوها يجثم على صدر قطعة كريمة عزيزة من ترابها ووجدت في نفسها فرصة مواتية للعمل والتحرك، فجهزت جيشا كبيرا في أسطول ضخم، بأمر الملك الحفصي أبي بكر الثاني، وأسند قيادة هذا الجيش إلى مخلوف بن كماد، فقصد الأسطول الجزيرة، وحاصر القشتيل مدة غير طويلة فلان له؛ إذ
كانت الحامية الإفرنجية هنالك تقع بين نارين نار الأسطول المهاجم، ونار السكان الثائرين. وخرج الإفرنج من الجزيرة، وطهرت من الاستعمار، ورجعت إلى حكم الولاة الذين استقلوا بها عن مركز الدولة، وكانوا يثقلون عليها الضرائب، ويكثرون من جمع الأموال، إلا أن أهل الْجَزيرة كانوا راضين عن هذا الظلم صابرين له، فإن دفع الأموال لأخوة في الدين أهون من البقاء تحت نير الاستعمار البغيض.
-
بقيت جربة من سنة 738 هـ إلى سنة 835 هـ أي ما يقرب من قرن تحت حكم ولاة تابعين في الاسم للدولة في تونس، وقد يستبدون بالحكم فيها أو في بعض البلاد المجاورة لها، حالة التبعية أو حالة كما فعل ابن مكي وابن أبي العيون وغيرهم، وفي كلتا الحالتين الاستبداد، كانت جربة تعيش في قلق دائم، بسبب ما تعانيه من ظلم وعدوان، غير أنها لم تحاول في هذه الفترة الطويلة أن تنفصل عن حكم الولاة، واستمرت بها هذه الحالة إلى سنة 835 هـ، حيث بدأت تسطر صفحات من المجد قل أن تسطرها أمة في تاريخ الكفاح.
برج الجماجم
كان أبو فارس عبد العزيز بن أحمد الحفصي الذي تولي الحكم سنة 796 هـ، وتوفي سنة 838 هـ، من أحزم ملوك الدولة الحفصية، ومن أكثرهم يقظة وعناية بأطراف مملكته، وفي سنة 835 هـ وقعت أحداث بالجريد استدعت الاهتمام بها، فسار إلى تلك البلاد بجمع كبير من جنده. (1/638)
صفحة 639
الأباضية في موكب التاريخ
637
الأباضية في تونس
وترامى إلى سمع الإفرنج انشغال الملك الحفصي ببلاد الجريد بعيدا عن السواحل التونسية، وكانت فكرة الاستيلاء على السواحل، واتخاذها مراكز للقرصنة ما تزال تشغل أذهان الإفرنج من مدة طويلة قد قاموا من أجل ذلك بعدة محاولات كما أسلفنا في هذا الكتاب، وكان نصيبهم في تلك المحاولات إما فشل ذريع، وإما نجاح مؤقت لا يلبث أن يؤول إلى الإخفاق، وفي هذه الفترة قد تكونت لديهم أساطيل ضخمة، وعدد هائل من المحاربين المدربين على القتال في البر والبحر، وكانت القوة الحربية للمملكة التونسية مشغولة في الدواخل خطر لَهُم أن الاستلاء على موقع استراتيجي في السواحل الإسلامية يجعل البحر الأبيض المتوسط تحت سيطرتهم، وكان أصلح مكان لهذا التركز وأيسره في نظرهم هي جزيرة جربة، هذه الجزيرة الصغيرة المحصورة، التي لا يُمكن أن يأتيها المدد إلا عن طريق البحر، والبحر سوف يكون تحت سيطرتهم، ورقابتهم ولا يوجد من يرسل إليهم نجدة سوى ملك الحضرة أبي فارس، وأبو فارس مشغول هو وجيشه في بلاد الجريد، وهكذا ضمنوا النجاح فيما بدا لَهُم فجهزوا أسطولَهُم القوي، واندفعوا في البحر ينشدون أناشيد النصر المرتقب، وهم يتجهون إلى الجزيرة الصغيرة الرابضة في البحر.
اجتمع المشايخ في الْجَزيرة في أسرع وقت، وطرحوا الموضوع للنقاش، ما هو الموقف الحكيم الذي يجب أن تقفه هذه الجزيرة الصغيرة الضعيفة المعزولة عن العالم أمام هذا الأسطول القوي المجهز بأحدث أنواع الأسلحة؟.
قال قائل: رُبَّما يكون الاستسلام أهون الشرين فارتفعت أصوات الإنكار على صاحب هذا الرأي، وأجيب بأن موتهم جميعا، وخراب الجزيرة أهون وأكرم من الاستسلام لأولئك القراصنة، وبعد استعراض أوجه الموقف الذي هم فيه وتبادل الآراء، اتفقوا على اتخاذ الخطوتين الآتيتين: الأولى: أن ينتظرو نزول الجيش المحارب إلى الأرض، وعندئذ يهبون بكل ما لديهم
من وسائل إلى الدفاع عن دينهم، وشرفهم ووطنهم، وألا يُمكنوا العدو - مهما كانت الخسائر، ومهما كان عدد القتلى من التقدم، فإن الجيش المحارب إذا تمكن من التقدم
- (1/639)
صفحة 640
الأباضية في موكب التاريخ
638
الأباضية في تونس
بمختلف
والوصول إلى الأحياء السكنية التي يعمرها الضعاف من النساء والأطفال والعجزة جرأهم ذلك على المزيد من التقدم، وتمكنوا من الإثخان في القتلى، وسهل عليهم العدوان أشكاله على أولئك الضعاف، كما أن العملية الحربية إذا بلغت إلى هذا الحد فإِنَّهَا تعني انتصار الفريق المتقدم لا محالة، وبعث ذلك الفشل في عزائم المناضلين، فإنهم إذا رأوا أسلحة العدو تقع على النساء والأطفال، ورأوا العلوج يتوغلون في المدينة، فإنهم يحاولون أن ينقذوا ما يُمكن إنقاذه؛ إما بالفرار أو بالتسليم، وهذا يعني الهزيمة. الثانية: أن يرسلوا بأسرع ما يُمكن رسولا يحمل الخبر إلى أبي فارس في بلاد الجريد، ويطلب منه الإسراع بالنجدة ما أمكن ونفذت الفكرتان في الحال، فانطلق رسولُهُم إلى الجريد يستصرخ أبا فارس، وانطلق المشايخ يجمعون الناس، ويحثونهم على الجهاد في سبيل الله، ويتقدمونهم في ذلك، وما سمع الناس بخبر هجوم العدو، ودعوة المشايخ إلى لقائه، حتى انطلقوا إلى ميدان المعركة بكل ما لديهم من قوة، قوة الإيمان الله والثقة بنصر
ووقع اللقاء، وصبر الأبطال للجلاد، وبذل العدو ما ملك من جهد ليتقدم خطوة فلم يستطع، ولكن أملا كان يداعب غروره، فهو يعتقد أنه سوف يمتد به البقاء في الْجَزيرَة، وأنه سيطيل الحصار لها، وأنه سيحاربهم حرب مطاولة، ما دام يسد عليهم ثغور الجزيرة، وليس من نجدة تأتيهم من الخارج، واستمرت النيران مشتعلة بين الفريقين، وكان القتلى يتساقطون من جيش العدو في تتابع واستمرار فإن الضربة حينما يوجهها المسلم إلى جيش العدو المتكاثف المرصوص لابد أن تهوي بقتيل، أما الطلقات الإفرنجية التي يطلقها العدو بإسراف دون هدف، فإنها كانت لا تزيد عن إحداث مزيد من الضحيج، وإثارة غبار يتصاعد إلى عنان السماء.
وثبت المسلمون في وجه العدو، وكانت كفتهم هي الراجحة طول الوقت، رغم ما يتمتع به العدو من القوة والكثرة، واحتفظ المسلمون بمراكزهم ولم يُحاولوا التقدم، وبينما كان القتال على أشد ما يكون، وكان القتلى من العدو يتهاوون، وصلت النجدة إلى أهالي الْجَزيرَة في وقت لم يكونوا يتوقعون وصولها، ولم يكن العدو يتوقعها. (1/640)
صفحة 641
الأباضية في موكب التاريخ
639
الأباضية في تونس
إن الملك الحازم أبا فارس ما سمع أن العدو هجم فعلا على الجزيرة، وأنه ينوي احتلالها، حتى تخلى عن جميع الشؤون التي ذهب من أجلها إلى الجريد، وطار بجيشه إلى جربة، ولما كان يعرف أن الدخول بالسفن والقوارب عن طريق البحر أمر مستحيل في ذلك الحين، فقد دخل هو جيشه خوضا في البحر عن طريق "تاربلة"، ولم يعلم المسلمون حتى وصلهم المدد، ووجدوا سواعد إخوانهم تمتد لإعانتهم وتساعدهم، وما رأى العدو المدد يصل إلى المُسلمين، وتتقوى صفوهم به، ويدخل إلى الميدان محاربون جدد، جد مشتاقين إلى شرف الشهادة، أو شرف النصر، حتى وقع في قلوبهم الرعب، وانكفأوا على أعقابهم منهزمين فركب المسلمون ظهورهم يقتلون فريقا، ويأسرون فريقا، ويغنمون ما يقع تحت أيديهم من سلاح ومال، وقد رأى قادة الحرب في تلك الموقعة أن يثخنوا في القتل، حتى يكون ذلك موعظة للمعتدين، فلا تحدثهم أنفسهم بالعودة، ثُمَّ اجتمع الجزيرة وجند أبي فارس فجمعوا رؤوس القتلى، وبنوا بها برجا عظيما، سموه "برج الجماجم"، حتى يبقى ذكرى لهذه الموقعة الرائعة، ولقد بقي هذا البرج من سنة 835 هـ إلى سنة 1264 هـ، حيث نقلت الجماجم ودفنت وبني في مكانها نصب تذكاري سمي برج الجماجم"، عليه رخامة نقش عليها تاريخ الموقعة، وتاريخ دفن الجماجم. الله كانت هذه الحادثة إحدى الحوادث الخالدة لأهالي جزيرة جربة الأبطال، على إهداء والدين والوطن ..
أهل
كان الجربيون أشد الناس محبة للسلام وحرصا عليه فلما اضطرتهم الظروف إلى الوقوف في ميادين القتال، أثبتوا أنهم أشد الناس صبرا على المكروه، وأقواهم احتمالا، وأعرفهم بالتفكير المقترن في الحوادث السود، وأشجعهم في أوقات المحنة، لقد عرفوا كيف يستلون النصر، ويؤدبون المعتدين، ويبرهنون للعالم أجمع شرقه وغربه أنهم أمة تحب السلام ما وجدت إليه سبيلا، فإذا شمرت للحرب فإنَّهَا أمة لا تعرف التردد، ولا ترهب النضال، إنه لا شيء يبعث الخوف إلى نفسها، وفي هذه الحادثة برهان صادق على ما نقول،
وسوف تأتي شواهد كثيرة على ذلك. (1/641)
صفحة 642
الأباضية في موكب التاريخ
640
الأباضية في تونس
لقد يخطر لبعض القراء الكرام أن أهالي جربة ما انتصروا في هذه الموقعة إلا بفضل تجدة أبي فارس، فالفضل في هذا الانتصار الرائع راجع إليه، ونحن لا ننكر فضل هذا الملك الحازم، لا في هذه الموقعة ولا في غيرها من المواقع التي كان له فيها يد في أي مكان، ولا شك أن أبا فارس يعتبر من خيرة من ولي الحكم في المملكة التونسية، ومن أكثرهم حزما ونشاطا، وغيرة وحفاظا، كما لا تنكر فضل أي ملك أو أمير قدم للأمة أو للوطن أية خدمة في أي جانب من البلاد الإسلامية الشاسعة، ولكننا حين نرجع إلى هذه الموقعة بالذات التي تم فيها النصر للجربيين على الإفرنج بمساعدة أبي فارس، نرى أن أكبر الفضل أولا وأخيرا إنَّما يرجع إلى أهل الجزيرة، إلى أولئك الأبطال الذين كان لَهُم من قوة الإيمان والصبر، ومضاء العزيمة وصدق الإرادة، ما جعلهم يصممون على الوقوف في وجه عدو، لا نسبة بين ما أعده لمحاربتهم من عدة وعتاد، وبين ما لديهم من عدة كليلة، وأعداد قليلة، ثُمَّ يقفون فعلا في وجهه كالسد المنيع، رغم أنه تمكن من حصرهم في الْجَزيرة وسد عليهم منافذ الرزق والحياة، وحال دونهم ودون الاتصال بالعالم الخارجي فيما يحسب، ولولا إيمانهم بالله وثقتهم في نصره، وما يتحلون به من شجاعة، وثبات ورباطة جأش، لما وقفوا هذا الموقف المشرف، فجابهوا العدو، وردوه على أعقابه، ولما سجلوا هذا اليوم الإسلامي العظيم على أعداء الله.
يوم من أيام الإسلام على الصليبية
مرت على الإنسانية في البحر الأبيض المتوسط عهود نستطيع أن نسميها عهود القرصنة، إنَّهَا عهود مخجلة، تحمل الخزي والعار في أحداثها، ولكن المؤرخ وهو يستعرض الحياة البشرية، لابد أن يمر بها. لقد تكونت أساطيل ضخمة تُجهزها دول كبرى وتباركها كنائس تنتسب إلى المسيحية السمحة، وليس الغرض من تلك الأساطيل حماية الممالك ولا الدفاع عنها، ولا حتى إثبات (1/642)
صفحة 643
الأباضية في موكب التاريخ
641
الأباضية في تونس
النفوذ وإقرار الحكم، وَإِنَّمَا الغرض منها أولا السرقة والغصب، واختطاف الناس، وبيعهم في الأسواق عبيدا، ثُمَّ بعد ذلك الانتقام أو التشفي، أو تبريد حرارة الحقد الذي تشبعت به بعض النفوس في جنوب أوروبا لا سيما أسبانيا، فهي تحتل الثغور، وتمتلك الموانئ، لتجعل منها مراكز اعتداء، تُهاجم منها البلاد والسفن البحرية، حتى السفن التجارية، وقوارب الصيد الصغيرة، وكم ينتفخ قادة تلك الأساطيل كبرا وإعجابا بالنفس عندما يتغلبون على ما يقع بين أيديهم من سفن تجارية أو حربية؛ فيأخذون ما فيها من أموال وبضائع، ويسبون من بها من الناس فيتخذونهم عبيدا، يجدفون لَهُم في سفنهم تحت السياط والعذاب، أو يبيعونهم في الأسواق ليقبضوا تمنهم ذهبا وفضة ونشطت القرصنة الصليبية في القرون الوسطى، تباركها بعض الكنائس المتعصبة، وتساعدها الدول الصليبية الحاقدة، حتى كادت تلك القرصنة أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط، وحتى أصبحت التجارة البحرية تحت رحمة تلك الأساطيل، التي لا تنفك تمخر عباب البحر باستمرار. استطاعت القرصنة في أوائل القرن العاشر أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط تحكما كاملا، فقد كانت الأساطيل الأسبانية تنطلق من شواطئ أوروبا مجهزة بكل وسائل القتال، لتقتنص ما تجده في البحر من سفن إسلامية، أو لتهاجم ثغور المغرب الإسلامي، لتختلس منها ما يسهل، اختلاسه أو تقيم فيها مراكز للعدوان وتأيدت هذه الحركة بفرسان القديس يوحنا الذين تؤيدهم الكنيسة وتبارك، أعمالهم، والذين سَمح لَهُم بأن يتخذوا من "مالطة" الجزيرة البحرية القريبة من الشواطئ الإسلامية، مركز انطلاق عدوان.
هاجمت أساطيل القرصنة الإفرنجية متعاونة موانئ المَغرِب الإسلامي، فاحتلتها ميناء بعد ميناء، بدأوها من المغرب الأقصى، وساروا معها حتى احتلوا طرابلس سنة 916 هـ، ولم يبق من موانئ المغرب الإسلامي بعد احتلال طرابلس إلا جزيرة جربة، وقد تركوها من قبل واهتموا بغيرها، إنهم كانوا يظنُّونَها لقمة سائغة سهلة الازدراد، فهي جزيرة صغيرة
منكمشة في البحر، لا قوة لها ولا مدد يأتيها، إن احتلالها لا يتجاوز بضع ساعات. (1/643)
صفحة 644
الأباضية في موكب التاريخ
642
الأباضية في تونس
انفلت القرصان الكبير بدرو نافارو بأسطول يتكون من اثني عشرة سفينة إلى جزيرة جربة، وفي اليوم التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة 916 هـ وقف أسطول عتيد على مداخل جربة، ونزل منه زورق صغير يحمل رسالة إلى شيخ الجزيرة أبي زكرياء يحيى السمومني. وقف الرسول أمام الشيخ في اعتداد السارق الوقح وطلب من الشيخ باسم قائد الأسطول أحد أمرين: إما تسليم الجزيرة وإما القتال، فأجاب الشيخ بأن الجزيرة لن تسلم نفسها، وأن عليه أن يخبر قائده بأن الجزيرة مستعدة للدفاع عن دينها وكرامتها، وأرضها، وأنهم لن يسمحوا لقدم أن تطأ ترابهم إلا إذا أصبحوا جثثا هامدة.
قلبه،
وصمم
أن
وعرف الرسول التصميم في عزيمة الشيخ، ورأى الإصرار والتحدي على الحاضرين، فرجع إلى "بدرو نافارو" ينقل إليه ما سمع وما رأى، وفكر القرصان الكبير طويلا في الموضوع، أيقدم على الحرب أم يعود أدراجه ليزيد في قوته ما يضمن له النصر؟ وكان الغيظ والحنق يأكلان ويحملانه على الإقدام ولكن صوت العقل والحكمة قد تغلب عليه فيما زعم وعزم، فجر أسطوله دون أن يعرضه لهذه التجربة، ورجع إلى طرابلس يجر أذيال الخيبة، يضم إليه من القوة ما يكفل له تحطيم هذه الجزيرة العتيدة تحطيما لا تقوم لها من بعده قائمة. عد كثير من المؤرخين هذا الموقف نصرا للجزيرة، وهزيمة للمعتدين، فإن الأسطول إنَّمَا جاء للجزيرة لاحتلالها لا للاستطلاع، ولكن الموقف الصامد الذي وقفه شيخ الْجَزيرَة، والتصميم الأكيد على الدفاع، ووضوح الإصرار على المقاومة الذي كان يتجلى على أقوال وحركات الجربيين، هي الأسباب التي ملأت قلب القرصان الكبير خوفا ورعبا فأقلع راجعا، إنها بالتأكيد هزيمة له، فإذا لم تكن هزيمة مادية فهي هزيمة معنوية. وصل أسطول "بدرو نافارو" إلى طرابلس، والتحقت به بقية القطع البحرية والأساطيل الإفرنجية، التي كانت تجوب البحر الأبيض المتوسط، فتكون منها أسطول ضخم، قوامه مائة وعشرون سفينة، تحمل عشرين ألفا المقاتلين المدربين على القتال، وأقلع من الأسطول متجها إلى جربة، فبلغها يوم الخميس 23 جمادى الأولى، وفي صبيحة الجمعة نزلت
الجيوش الجرارة من سفنها، وزحفت على ساحل الجزيرة، كما تزحف أرجال الجراد. (1/644)
صفحة 645
الأباضية في موكب التاريخ
643
من
الأباضية في تونس
وبين
ثلاثة
عشرون ألفا كما تذكر المصادر الإسلامية، أو خمسة عشر ألفا كما يزعم مؤرخو الإفرنج المقاتلين المدججين بأنواع السلاح المعدين للحرب المزودين بأحدث ما ابتكره من الإنسان من وسائل التدمير لذلك العصر، يهجمون على جزيرة صغيرة محصورة ضيقة، ليس لها مدد إلا من الله، لا يبلغ عدد سكانها من الرجال والنساء والأطفال ثلاثين ألفا. ما هو عدد المحاربين الذين تستطيع هذه الجزيرة أن تعده للدفاع؟ لقد حاول مؤرخو الإفرنج في تلك الفترة أن يرتفعوا بعدد الجربيين المحاربين إلى أقصى ما يُمكن أن يقبله العقل، فقالوا: إن الجربيين قد أعدوا لهذه المعركة ثلاثة آلاف مقاتل، فما هي النتيجة التي يتوقعها القارئ الكريم لمعركة بين عشرين ألفا الجنود المدربين المسلحين آلاف محارب كثير منهم لم يحملوا السلاح من قبل، وفيهم نسبة كبرى من شيوخ عجزة وصبيان مراهقين حملهم الحماس والغيرة على الإقدام. نظم المسلمون محاربيهم في صف واحد مستقيم، يمتد إلى اليمين وإلى اليسار وتقدموا لمقابلة العدو، وهم عازمون على الصبر والثبات إلى النصر الكامل، أو الاستشهاد الكامل، وقال أحد الذين يدعون إلى الاستماتة في الدفاع: إنه يجب أن لا تطيش ضرباتنا، إذ يجب أن نقتل من العدو أكثر ما يُمكن، فلا أقل أن يقتل كل رجل من المُسلمين رجلا من المشركين، أما الشيء الذي لا يحل لنا حتى مجرد تذكره أو التفكير فيه، إنَّما هو التسليم أو الفرار من الزحف، إنه لو بقي منا فرد واحد لوجب عليه أن يثبت في القتال، وأن يحارب حتى يقتل، إنه لا يجوز لأحد من المُسلمين أن يفر في هذه المعركة، فإذا قدر لنا أن ننتصر فذلك ما نأمله ونرجوه، وإذا قدر لنا أن نخسر المعركة فلا أقل من أن نكبد العدو خسارة تزيد عن عددنا. اعتمد الإفرنج أول ما اعتمدوا على الجانب المادي من القوى، وعلى إظهار العدة، فأكثروا قبل بدء المعركة من الضوضاء والصخب وإطلاق البنادق والمدافع، وإنشاد
الأناشيد الحربية بالآلات الموسيقية الصاخبة، إلى آخر ما لديهم من وسائل التهويش. أما المسلمون فليس لديهم من القوة إلا قوة الإيمان، والرغبة الملحة في الحصول على شرف الاستشهاد في سبيل الله، ولذلك فقد اعتمدوا على القوة الروحية، التي تدفع جوارحهم إلى العمل، فكانت جوارحهم تنطلق بالتكبير، وكانت أرجلهم تتسابق إلى الميدان دون استعراض (1/645)
صفحة 646
الأباضية في موكب التاريخ
644
الأباضية في تونس
المسافة
لحركات الرشاقة، وموازنة الخطا التي تفصل بين الفريقين في مراكز الإعجاب بالنفس، وكانت التي تفصل بين الفريقين في مراكز التجمع الأول تقدر بستة أميال، وكان المسلمون لا ينفكون يرسلون من يستطلع لَهُم أحوال العدو وتحركاته، فلما ورد إليهم الخبر أن العدو يهم بالزحف إليهم، والهجوم عليهم، اندفعوا إلى لقائه والاصطدام به وكان الإفرنج قد رتبوا جنودهم في صفوف متراصة صفا وراء صف، حتى إذا هلك الأول أو انهزم تقدم الذي يليه، وتراجع الصف الأول الذي كان في المقدمة إلى المؤخرة، حتى يكون على استعداد للنجدة والتقدم إذا لزم الأمر، وهي مبالغة في الاحتياط حسب تقدير أولئك القواد. واصطدم الفريقان الاصطدام الأول، فوقعت رجة عند المُسلمين، صبروا لها وثبتوا واستماتوا في النضال، حتى لانت بين أيديهم الأيدي المقاتلة من الصف الأول من عدوهم، فانهزم وتقهقر، وتقدم الصف الذي يليه، لمعاضدته وسد الخلل الذي وقع فيه، ووقعت من تقدمه رجة أخرى عنيفة عند المُسلمين ثبتوا لها وصبروا وكان البطل أبو الربيع سليمان بن يحيى السمومني يقاتل بما أوتي من همة وشجاعة في جناح الجيش، وفي نفس الوقت كان يلاحظ بعيني المحارب اليقظ تحركات العدو، وموقف المُسلمين منها، فلما رأى تلك الصفوف المتراصة التي يعضد بعضها بعضا، في الحين الذي لا يقابلها من جانب المُسلمين إلا صف واحد من الرجال، إذا قتل واحد منهم ترك في مكانه ثغرة لا تسد، وخشي إذا بقيت جيوش العدو على هذا التنظيم أن تستطيع زحزحة الصف الإسلامي الوحيد، أو أن يحدث ثغرة في بعض جهاته، وإذا وقع ذلك وليس له ما يعضده من خلفه فهنالك الكارثة، ولذلك فقد عرف أن النصر لا يكون إلا بإحداث ارتباك في صفوف العدو، وخطرت له فكرة! .. فنفذها في الحال. لقد انسل من بين المقاتلين، واختار معه عددا من الفرسان الشجعان، ثُمَّ انعطف بهم إلى جانب، ودخل بهم وراء صفوف العدو بين الجيوش المقاتلة، والأسطول الجاثم في البحر، وكان جند الإفرنج وقادتهم يعتقدون أنهم آمنون من الخلف فليس بينهم وبين سفنهم أي خطر، وتراجع المحاربون الذين كانوا في الصف الأول على مهل، ليكونوا وراء الجيوش المقاتلة حسب تنظيمهم ليكونوا الصف الأخير، وليأخذوا قسطا من الراحة بعد العناء الذي (1/646)
صفحة 647
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
لاقوه في الاندفاعة الأولى، ويستعدوا إذا ما وصلهم الدور الثاني لو تمكن المسلمون من دحر بقية الصفوف، وهو ما لا يتوقعون حدوثه أبدا، فما كانوا يعتقدون أن المسلمين يصبرون لَهُم ساعة، وما وصلوا مؤخرة الجند، ليريحوا سواعدهم المكدودة فقد أنهك الخوف قواهم وشل الرعب أعصابهم حتى واجهتهم فرسان المسلمين التي يقودها أبو الربيع، تدفع في نحورهم بالموت الزؤام، وذعروا، فقد كانوا يعتقدون أنهم فروا من الموت، ونجوا من أيدي أولئك المُسلمين الذين ينطلق الموت من أيديهم دون سلاح، فإذا بهم يفاجأون من جديد وفركوا أعينهم من الدهشة يتأكدون من الحقيقة، فلما أيقنوا بها ظنوا أنهم أخذوا، وأن المُسلمين قد أحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، فهاهم يلاقونهم إذا تقدموا وها هم يلاقونهم إذا تأخروا إنهم أين اتجهوا لم يروا إلا أشباح الموت تنطلق من صفوف المُسلمين، وحاصوا حيصة الْحُمُر يفاجئها سبع صيود، وارتبكوا فيما بينهم، بعضهم يريد أن يتقدم، وبعضهم يريد أن يتأخر، وبعضهم يجري إلى اليمين وبعضهم يجري إلى اليسار، وسرى هذا الارتباك إلى صفوف المقاتلين، وعم جميع طوابير الجيش، فوقعت هذه الحركة بين صفوف الجند الذين لم يروا وجه العدو بعد، فامتلأوا خوفا، وقذف في قلوبهم الرعب وحسبوا أنهم وقعوا من المُسلِمِين بين نارين، نار تترصدهم من الأمام ونار تسوقهم من الخلف، فبلغ بهم الوهن أقصاه، وألقوا بالسلاح، وجعلوا يلتمسون السبل للفرار، إنه ليس بين أيديهم إلا الموت أو الفرار، ولم تعد تجدي فيهم أوامر القادة أو إنذاراتهم، فولوا معرضين والواحد منهم يقتل رفيقه إن اعترض سبيله، أو عاقه عن المسير، وركب المسلمون ظهورهم يقتلونهم، وهم يسيرون على غير هدى، حتى تراموا في البحر، وحال بينهم ظلام الليل، وعندما ارتفعت عنهم أيدي الْمُؤْمِنِين، كان الخوف والتعب قد بلغا منهم أشد ما يبلغ الخوف بقلب الجبان، والتعب بجسم العليل، فتهاووا على الأرض، يريحون بقية الأجسام المكدورة، والقلوب المخلوعة، ورقدوا على ساحل البحر لأنهم لم يهتدوا إلى مواقع السفن، فقد ربط الرعب أيديهم
وأرجلهم، وأعمى أبصارهم، فلم يستطيعوا أن يتبينوا مواقعها ليلتجئوا إليها. (1/647)
صفحة 648
11
الأباضية في موكب التاريخ
وبينما هم
646
الأباضية في تونس يغطون في نوم عميق، صورت الأحلام المزعجة لأحدهم أن المُسلمين يأخذون بخناقهم، ويهجمون عليهم في الظلام الدامس في موقعهم ذلك، فاستيقظ مرعوبا، وأخذ يصيح ويطلب النجدة، فاستيقظ القوم على صياحه وهم أشباه السكارى من ثقل النوم والتعب والخوف، فجعلوا يتجارون في الظلام الحالك على غير هدى لا يعرفون اتجاهم، ولا يرون مواقع أقدامهم، وكانوا يترامون في البحر طمعا في أن يصلوا إلى سفنهم، أو أن يحميهم من سيوف المُسلمين فيما يحسبون، وكان البحر يبتلع في هدوء وسكينة حتى لم يبق منهم إلا
ميهم الماء
القليل، وعند الصباح كانت الأمواج تتلاعب بجثث منتفخة، وأنواع من الملابس المختلفة. وتجمعت فلول الجيش الغازي في بقايا السفن يلتمسون البعد عن هذه الجزيرة، التي لقنتهم درسا لا يُمكن أن ينسى وألحقت بهم فضيحة وعار في العالمين الشرقي والغربي، ولكن إرادة الله كانت لا تزال تخبئ لَهُم مفاجآت ممَّا أعده الله للتنكيل بالمعتدين، فقد هبت عواصف شديدة منعت الأسطول من التحرك، وأغرقت عددا منها، وبعد أسبوع هدأت العاصفة، فأقلع الأسطول يجر أذيال الخيبة، تاركا من ورائه ثلاثة آلاف قتيل، وثماني عشرة سفينة، وعددا كبيرا من الأسرى، هو بطبيعة الحال أكثر من عدد القتلى، وقد قدره بعض المؤرخين بما يترواح بين ستة وسبعة آلاف شخص، فيهم عدد كبير من الأسرى الذين غنمتهم الأساطيل الإفرنجية في بعض المواقع السابقة، فحملتهم معها ليجدفوا لها على السفن، أو ليباعوا في الأسواق، فوجد أولئك الأسرى فرصتهم المناسبة فكانوا يفرون من السفن الإفرنجية في الليل، ويلتحقون بالمُسلمين ناقلين إليهم أخبار عدوهم، وما هو فيه من الحسرة والغيظ والألم.
هذه خلاصة الحادثة، ولعله يكون من المناسب أن أنقل في آخر هذا الفصل شواهد مِمَّا كتبه المؤرخون المسلمون:
يقول أبو عبد الله محمد أبو راس الجربي:
ورجع عليهم المسلمون، وحملوا عليهم من كل جهة وجانب حملة رجل واحد، وأعلنوا كلمة التوحيد، ووضعوا فيهم السيف فلم يبق منهم إلا القليل فأسروهم، ولم يرجع منهم أحد إلى سفنهم، وبتقدير الحكيم العزيز أرسل الله على سفنهم ريحا عقيما، فتكسرت من (1/648)
صفحة 649
الأباضية في موكب التاريخ
647
الأباضية في تونس
سفنهم ثماني عشرة سفينة على الساحل، بما فيها من الأموال والكفار، فغنم المسلمون غنيمة لم يروا مثلها، واستشهد من الْمُسلمين هذا النصر الغريب والظفر العجيب نيف وعشرون رجلا، وهلك من الكفار ما يقرب من عشرة آلاف (1)، ورجعت بقية مراكبهم خائبة إلى طرابلس ليلة الخميس آخر ليلة من جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة، فكانت مدة إقامتهم على جربة سبعة أيام والحمد الله رب العالمين". وجاء في الوثيقة التاريخية التي طبعها الأستاذ مُحمَّد المرزوقي في ملاحق كتاب "مؤنس الأحبة" وصف مسهب لهذه الحادثة، سوف أنقل منه بعض الشواهد، والوثيقة لم يتمكن الأستاذ المرزوقي من معرفة صاحبها، وليس لدي الآن ما يثبت نسبتها إلى شخص معين، وإن كنت أرجح أنها للشيخ سلامة بن يوسف الجناوني، فإن أسلوب الرسالة قريب من أسلوبه في بعض ما وجدت له من، آثار إن بعض العبارات وجدتها بنصها في بعض تعاليقه، وإذا أضيف إلى ذلك أنه تلميذ أبي النجاة يونس وأنه قد يكون شاهد عيان للمعركة، وأنه كان لا يفتأ ينتقل بين الجزيرة والجبل ويكاتب هؤلاء وهؤلاء، وأنه كان يُعنى بالأحداث التاريخية خاصة، ولا سيما ما يتعلق بشيخه أبي النجاة، إذا استحضرنا هذا كله فإننا نرجح أن يكون هو صاحب الرسالة، كتبها من جربة بعد الحوادث السابقة، وبعث بها إلى مشايخ جبل نفوسة. وإلى القارئ الكريم شواهد من هذه الوثيقة التي لا شك أن كاتبها كان معاصرا، وربَّما
مشاهدا للأحداث:
" ومن فضل الله ومنه أن سلط عليهم ريحا حبستهم في الوادي، ولم يجدوا إلى الخروج منه سبيلا، حتى فقدوا من سفنهم نحوا من ثماني عشرة سفينة فيما قيل، بين كبارها وصغارها، وفي كل ذلك تهرب الأسرى من عندهم كل ليلة، ويأتون بأخبارهم إلى المُسلمين". ويقول بعد كلام ومن" بركة المذهب، ودليل إجابة دعوة من تقدم، ما سلط الله عليهم من الريح في غير أوانها إذ كان ذلك في أوائل "سبتمبر" من الشهور العجمية، وأيضا كان
1) بين القتلى والأسرى. (1/649)
صفحة 650
الأباضية في موكب التاريخ
648
الأباضية في تونس
الوادي المذكور ملجأ للسفن إذا هاج البحر، فمهما دخلته لم تبال بهيجانه، وقد سمعتم ما فعل الله بسفن هؤلاء الكفرة وهي فيه ويذيل هذا الوصف الرائع بالدعوة الحارة إلى الاستمساك بدين الله فيقول: "ما ذلك والحمد الله إلا بما ذكرت لكم وعليكم أيها الإخوان بالتمسك بالمذهب جهدكم، فإنكم في حفظ الله وأمانه ما تمسكتم به وعليكم بعمارة مساجدكم بالأذان والصلاة جماعة، وتعليم الصبيان، وقراءة القرآن وغير ذلك من وجوه عمارتها، وعليكم بالدعاء في مظان الإجابة، والتضرع إلى الله، والاتجاه إليه في كشف الضر عنكم وعن جميع المسلمين، وعليكم بالتوبة والاستغفار، ويختتم رسالته القيمة بآيات بينات من كتاب الله عل.
أصداء هذه الحادثة
لاشك أن هذه الموقعة كان لها صدى كبيرا في جميع الأوساط، سواء في ذلك أوساط الأمة الإسلامية، أو أوساط الدول الإفرنجية التي كانت تفخر بأعمال هذه الأساطيل، وتشجعها على السيطرة على البحر الأبيض المتوسط، وتبارك جميع الخطوات التي يتخذها، ولقد اهتم بها المؤرخون في ذلك الحين وفيما بعد أيما اهتمام، ولقد قرأت ما وصلت إليه يدي ممَّا كتب عن هذه الأحداث، فوجدت أنها متفقة على الأسباب والنتائج والتفاصيل، وليس بينها إلا اختلاف يسير من حيث الأرقام والتصوير والتبرير وهذا الاختلاف في عدد القتلى مثلا، أو تبرير الهزيمة، أو تصوير الوقائع أمر طبيعي فإن إحصاء القتلى غالبا في المعارك الكبرى يكون عن طريق التقدير، أما تبرير الهزيمة، أو تصوير الواقعة، فهو يعود إلى الناحية النفسية للمؤرخ وميوله، ومع ذلك فقد اتفقت المصادر الإسلامية التي أخذت عنها أن الأسطول الإفرنجي يتكون من مائة وعشرين سفينة، ويذكر أبو عبد الله محمد أبو راس أن عدد المحاربين الذين ذهبوا إلى جوبة عشرون ألفا، بينما يذكر سلامة الجناوني، وأبو (1/650)
صفحة 651
الأباضية في موكب التاريخ
الربيع الحيلاتي " أن عدد
من
649
الأباضية في تونس
جميع المحاربين الذين كانوا بالأسطول عشرون ألفا، بقي منهم في
"الأسبان
طرابلس ثلاثة آلاف مقاتل وهجم منهم على جربة سبعة عشر ألفا". ويبدو لي أن ما ذكره المؤرخان: الجناوني والحيلاتي أقرب إلى الصحة، لا سيما إذا ذكرنا أن الجناوني كان معاصرا لهذه الأحداث، بل لقد كان يحضر مجالس أبي النجاة يونس حين كان أهالي جربة يجهزون وسائل الاستعداد للدفاع، ولا يستبعد أن يكون حضر تلك المعركة وشارك في أحداثها، فإنه من المستبعد أن يحضر مجالس تدبير المقاومة ثُمَّ لا يشترك فيها، اللهم إلا إذا كلفه أستاذه أبو النجاة بتبليغ الرسائل إلى جبل نفوسة فغاب لهذا السبب، وإذا كان كذلك فيكون ناقلا عمن حضرها وشهد وقائعها، وينقل أخبارها عمن اشتركوا فيها إذا لم يکن نفسه مشتركا، ويعضد كل ما جاء عن الجناوني ما وجد في وثيقة قديمة نقل عنها الشيخ سعيد التعاريتي، وطبعها الأستاذ مُحمَّد المرزوقي في ملاحق: "مؤنس الأحبة"، وكتب عن هذه الموقعة المؤرخين العرب المعاصرين الأستاذ عمر الباروني في كتابه القيم وفرسان القديس يوحنا"، ويبدو لي أن الأستاذ الباروني اعتمد على المصادر الإفرنجية فقط، ولذلك فقد جاء تصويره لبعض الوقائع، وتبريره لبعض المواقف كأنما يساير النفسية الإفرنجية في ذلك الحين، وليفهم القارئ الكريم ما أعني بهذه الملاحظة سوف أناقش الأستاذ الكبير في بعض تلك التصويرات والتبريرات: يقول الأستاذ الباروني في صفحة 49 من كتابه الأسبان" وفرسان القديس يوحنا": "ورسا الأسطول الأسباني في قناة القنطرة في جربة، وأنزل القائد ثلاثة رجال يتكلمون اللغة العربية، ويحملون أعلاما بيضاء إشعارا بمجيئهم للتفاوض ولعرض رسالة من القائد، إلا أن سكان جربة كانوا على استعداد للدفاع والمقاومة والقتال"، وبعد كلام يقول: "ولم يتقدم حاملوا الأعلام البيضاء كثيرا في أرض الجزيرة حتى تقدم منهم الحراس المكلفون بخفر السواحل، ولم يلتفتوا إلى ما كانوا يقولون وما كانوا يعرضون ولم يمهلوهم، بل عاجلوهم وقتلوهم، إشعارا بعدم قبول أي تفاوض، ويبدو أن الأستاذ الباروني قد اقتنع بصحة هذا الخبر الذي قص علينا مسلك أهل جربة تجاه رسل جاؤوهم يحملون علامة السلام، ولذلك فقد عمد إلى (1/651)
صفحة 652
الأباضية في موكب التاريخ
650
الأباضية في تونس
تبرير موقف أهل جربة في قتل الرسل بأسلوبه الشيق البليغ وأنا أشك في صحة هذه الصورة، وأعتقد أنها صورة وضعها كتاب الإفرنج حتى يوهموا القراء الكرام حتى في هذه الظروف العصيبة أن الإفرنج يلتزمون الأساليب المتبعة بين المتحاربين، وأنهم قد سلكوا المسلك الإنساني حين أنذروا أهل جربة وطلبوهم للمفاوضة، ولكن أهل جربة قد ارتكبوا حماقة بقتلهم الرسل، مما يدل على أنهم أمة لا تعرف أساليب التعامل مع الأصدقاء أو الأعداء، وأنها تجهل أصول السلوك، فهي لا تحترم حتى الرسول الذي لا ذنب له في الموقف، والذي تجمع آداب الحروب على احترامه وعدم التعرض له بالأذى. وعلى كل حال فبينما ينساق الأستاذ الباروني مع هذه الرواية ويقتنع بها ويُحاول أن يبرر منها بعض المواقف، نجد غيره من المؤرخين المُسلمين يقصون علينا هذه القصة كما يلي:
يقول أبو عبد الله محمد أبو راس الجربي في كتابه "مؤنس الأحبة" صفحة 106: "فترلت فلُوكَة (الزورق الصغير) وفيها رجل من طرف رئيس الإفرنج، ومعه كتاب للشيخ يخاطبه فيه على أن يسلم له الْجَزيرة أو القتال، فأجابه بأن له رغبة في القتال، وأغلظ له في الخطاب، فلما بلغ الجواب استعد لتزول البحر، فتحول المسلمون إلى قربهم عند قصر مسعود، فنظر أعداء الله إلى كثرة المُسلمين، وعلموا أن لا طاقة لهم بقتالهم، فانصرفوا راجعين إلى طرابلس". وجاء في الوثيقة التي نشرها المرزوقي في ملاحق "مؤنس الأحبة" صفحة 137 ما يلي: "فلما اتصل خبرها بالشيخ أبي زكرياء شيخ الجزيرة وعاملها -حفظه الله-، وهو إذ ذاك بالقشتيل، مشى إليها وكثير من الناس معه فلما قاربها وقع بينه وبين النصارى تراسل و كلام يؤول معناه إلى أنهم طلبوا من الشيخ أعزه الله - شروطا يأبى طبعه من إعطائها أن يفعلها، وإلا فليتهيأ للحرب والقتال، وأنه حفظه الله - أراهم من نفسه
القوة، وأنه لا يكترث ولا يعبأ بهم ولو أتوا بأضعاف ما وراءهم، فغضبوا لذلك". وجاء في رسالة عن سلامة الجناوني ما يلي: "ولما وصل الإفرنج إلى الجزيرة أنزلوا قاربا يحمل رسولا إلى شيخ الحكم في الجزيرة - الشيخ أبي زكرياء السمومني، في مجلسه حينئذ شيخ مشايخنا أبو النجاة، التعاريتي، فلما وصل رسول الإفرنج قال
وكان (1/652)
صفحة 653
الأباضية في موكب التاريخ
651
ا الأباضية في تونس
للشيخ أبي زكرياء إن سيدي القبطان يطلب منك أن تسلم له الجزيرة، أو أن تستعد للحرب، فالتفت أبو زكرياء إلى شيخنا أبي النجاة يستشيره، ثُمَّ إلى غيره من الحاضرين،
نظر إلى رسول الإفرنج وقال له: قل" لسيدك الذي أرسلك إنه ليس لدينا إلا السيف". هؤلاء ثلاثة من المؤرخين المُسلمين فيهم معاصر للأحداث، يتفقون على أن المخاطبة وقعت بين رسول الإفرنج والمُسلمين، وأن شيخ الْجَزيرة بلغه رأي سكان الْجَزيرَة، وَلَم يشر أي واحد منهم إلى قتل الرسول، وإن أشار بعضهم إلى أن شيخ الجزيرة أغلظ له في القول، ولا شك أن هذا أصح ممَّا يقول مؤرخو الإفرنج المتعصبون. هذه نقطة النقط التي أعتقد أن الأستاذ الباروني اعتمد فيها على المصادر من الإفرنجية، وأن أولئك المؤرخين الإفرنج لم يتحروا الحقيقة، وأن المؤرخين الذين نقلت عنهم كانوا قريبي عهد من زمن الحادثة، فالجناوني إما أن يكون حضر الواقعة، وإما أن يكون نقل عمن حضرها، والوثيقة المطبوعة يعتقد أنها كتبت بعد الحادثة مباشرة، وبعض التعابير الواردة فيها تدل على ذلك، أما أبو راس (1) فهو بطبيعة الحال ناقل عن غيره، ولكنه قريب عهد بالموضوع .. أما أبو الربيع الحيلاتي فأعتقد أنه استند إِلَى الجناوني وكذلك التعاريتي، وإما أنه نقل عن الجناوني، أو الحيلاتي، وكثيرا ما يقول بهذه العبارة: "وجدت في تقاييد لبعض أصحابنا".
وبناء على ذلك، فإن القول بأن سكان جربة قتلوا الرسل الذين جاءوهم للمفاوضة
قول باطل، اختلقه مؤرخون مغرضون محنقون من كتاب الإفرنج.
S
1) لم أتمكن من معرفة ميلاده أو وفاته، ولكنه على كل حال أخذ من القرنين الثاني والثالث عشر. (1/653)
صفحة 654
الأباضية في موكب التاريخ
652
الأباضية في تونس
حقيقة وخيال
في مقدمة هذا الفصل أنقل لك وصفا رائعا كتبه الأستاذ عمر الباروني في حديثه عن مهاجمة "بدر" ونافارو" لجزيرة جربة، قال الباروني في كتابه "الأسبان وفرسان القديس يوحنا" (صفحة 53) ما يلي: "
وفي الصباح الباكر من يوم الجمعة نزل الجنود من السفن وهاجموا السواحل سيرا على الأقدام، وسط مياه البحر القليلة العمق، وكان هذا اليوم حارا شديد الحرارة، ولم تكن قرب السواحل، آباراً، أو صهاريج يستقي منها العسكر، واضطر بعضهم أن يشتري كأس الماء بعشرة قروش طرابلسية، وتحرك الجيش الأسباني بعد أن انتظمت فرقه قاصدة مهاجمة البلدة، وكان الجيش الأسباني يتكون من أحد عشر طابورا، ونصب أمام الجنود في الوسط مدفعان كبيران،
واثنان آخران من الحجم المتوسط، وكلف رجال البحرية بسحب هذه المدافع إلى الأمام. وبعد أن قطع الجيش الأسباني شوطا من الطريق بدأ الإعياء يظهر جليا على الجند، واشتد العطش بين الرجال، وعلى الأخص الذين كلفوا بسحب البطاريات وبراميل البارود، واختل النظام، ولم يعد في مقدور الضباط أن يرجعوا النظام إلى نصابه، اشتد العطش وبدأ الجنود يلهثون لهث الكلاب الصادية، ويتساقطون أمواتا. أما دون قراشيا الطليطلي الذي لبس درع المذهب، وتسلم قيادة الجيش، فكان يشجع بأن أمامهم الآبار الفياضة والمياه الفضية الباردة، والظل الظليل، تحت
رجاله، ويعدهم أشجار النخل والزيتون.
وتشجع الجيش قليلا طائعا أو مكرها، وتعثر الجند في خطواتهم بين اليأس والرجاء، وقطعوا ما أمامهم من أرض رملية، وهم ينتظرون أن يروا بعدها ما وعدوا به، ليطفئوا غلهم، ويرووا ظمأهم من ماء الجزيرة البارد الفضي، فلم يروا شيئا، ولم يصادفوا في طريقهم أي شخص صديقا كان أو عدوا، وكان لهذا الأثر الكبير في تثبيط هممهم، والقضاء على معنوياتهم، وكم كان سرور الأسبان كبيرا عند ما بدت أمامهم خضرة أشجار الزيتون، (1/654)
صفحة 655
الأباضية في موكب التاريخ
653
الأباضية في تونس
وأيقنوا أنهم سالمون حقا من الموت عطشا، وأن كثيرا أو قليلا مما وعدوا به قد تجلى وظهر، كان الوقت ظهرا عندما وصل الجنود غابات الزيتون في جزيرة جربة، وكانت الشمس حارة تلفح الأرض، وتشوي الوجوه والأجسام، إِنَّهَا شمس أغوستو في الشمال الإفريقي دون شذوذ عن المعتاد، ووجد الجنود وسط هذه الغابات وعلى قارعة الطرق الآبار فعلا غير مقفلة أو، مردومة ومياهها الصافية النقية الباردة تكاد تدعو الأسباني أن يلقي بنفسه فيها حتى يرتوي، ولكن عرب الجزيرة أشفقوا عليه من الارتماء في أحضان البئر، فتركوا قرب هذه الآبار جرات وقللا، فارغة وقدرا كافيا من الحبال لتساعد الجنود الأسبان المساكين ورد الماء، واستخراجه من الآبار دون مشقة وعناء. يا لها من إنسانية ثعلب ... !! ولكن أين عرب الجزيرة يا ترى؟ هل تركوا أرض أجدادهم الجيش المغير، وغادروا ربوع جزيرتهم عندما صاح صائحهم: الأسبان ..
عندما صبحهم الأسطول .. الأسطول؟ ..
بدت جربة مقفرة من السكان جرداء من الحياة، وظن الأسبان أنهم بمنجي من العدو، وأنهم قادمون على اكتساح أرض لا يسكنها إنسان، فاختلت صفوفهم، وتركوا مراكزهم، وفقدوا شعورهم أمام منظر الآبار والقلل والجرار، وتشتتوا في جلبة وضوضاء، معركة حامية بين الجند أنفسهم لافتكاك الجرار، وإلقائها في الآبار للحصول على قطرة من الماء. ولم يترك عرب جربة جزيرتهم غداة ظهور الأسبان أمام سواحلهم، بل وضعوا خطة حكيمة للقضاء على الجيش المغير على الرغم من قلة عددهم ونقص أموالهم، فلقد استعد سكان جربة قرب هذه الآبار للانقضاض على الأسبان عندما يتهافتون على الماء، وتختل صفوفهم، وتبدو عليهم، الفوضى كانت فرصة مؤاتية لعرب الجزيرة، فلقد انقضوا على الأسبان في شدة وعنف، وطوقوهم من كل مكان ونزلوا عليهم ضربا بالسيوف والرماح، ولم تنزل جرعة الماء بعد إلى أجوافهم، ولم تهدأ المعركة التي أضرموها بينهم على الماء"، انتهى ما أردت نقله. وصف الأستاذ الباروني. لا شك أن الأستاذ الباروني قد اعتمد كل الاعتماد في هذا الوصف على المصادر
الإفرنجية، وأنا وإن لم أقرأ هذا في كتبهم أكاد ألمس أقلامهم، بل بعض تعابيرهم رغم (1/655)
صفحة 656
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
التعريب ويبدو أن الأستاذ الباروني إذا لم يكن قد ترجم هذا الوصف بالفعل عن بعض كتبهم، فإنه قد وثق به وصدقه حتى صاغه في هذا الأسلوب الرائع الجميل. وأنت أيها القارئ الكريم إذا قرأت ما نقلته لك من وصف الأستاذ الباروني على أنه قطعة من الأدب العربي في الوصف، فلا شك أن تجد فيها من المتعة والروعة وجمال الأسلوب ما يشوق ويروق، وإذا أردت أن تقرأها على أنها قصة فإنك أيضا واجد فيها من سعة الخيال، وبراعة الوصف، وجمال الأسلوب، ما يدعوك إلى قراءتها، والإعجاب بها، أما إذا أردت أن تخرج منها بحقائق تاريخية، وتقرأها على أنها وصف لواقعة من وقائع الحرب، فإن في ذلك مجالا للبحث والمناقشة.
هزيمتهم
عشرين
لقد كان لتغلب جربة على الأسطول الأسباني في ذلك الحين صدى بعيد، وبقدر ما فرح به المسلمون، وتألم له الصليبيون الحاقدون، وخجل منه ملوك أوربا المتغطرسون، وأسف له رجال الكنيسة المتعصبون، بقدر ذلك كله حاول كتاب الإفرنج ومؤرخوهم أن يخففوا من أثر الصدمة عليهم، وأن يجعلوا سبب هزيمتهم خارجا عن إرادة البشرية، وكانوا يلتمسون أسبابا مهما كانت واهية يعللون بها إخفاق الأسطول، حتى لا يكون مرد إِنَّمَا هو بطولة أبناء جربة، وموقفهم الصلب في الدفاع، وقد لفقوا كثيرا من القصص ليخففوا بها آثار الفضيحة في زعمهم فحاولوا أن يقللوا عدد الجند الأسباني، من ألفا إلى خمسة عشر ألفا أو أقل، وحاولوا أن يضخموا من عدد المُسلمين إلى أقصى ما يصدقه العقل، فزعموا أنهم جهزوا ثلاثة آلاف، فارس، ثُمَّ جعلوا يصورون هذه الجزيرة الصغيرة كأنها صحراء وسط إفريقيا، أو الربع الخالي من جزيرة العرب، وجعلوا الإعياء يستولي على الجند، ويتمكن منهم العطش حتى يسقط بعضهم ميتا، ويضطر آخرون إلى أن يشتروا كأس الماء بعشرة قروش طرابلسية، ولم يكفهم هذا الخيال حتى جعلوا أهل الجزيرة يعرفون مقدما ما سيصيب الأسباني من إعياء وعطش فيضعون بناء على ذلك خطة يستطيعون بها التغلب على عدوهم، وذلك بأن يتركوا الآبار مفتوحة، ويضعون عليها المقادير الكافية من الجرار والحبال، ليتنازع عليها الجند الأسباني حينما يشتد بهم العطش، ويتقاتلوا فينقض عليهم الجربيون في سهولة ويسر. (1/656)
صفحة 657
إن
أميال،
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
إنه تخطيط لمعركة على الورق، خططها خيال خصب حتى تكون أسباب هزيمة الجيش الأسباني الكبير إِنَّمَا نتجت عن التعب والعطش وشدة الحر، واختلاف الجند على الشراب، ووقوعهم في فخ منصوب بحكمة وخبرة ودراسة وهذه القصة يبدو سخفها واضحا إذا وضعت أمام الحقائق. المسافة التي كانت تفصل بين الجيشين قبل أن يتحركا للقتال كانت لا تتجاوز ستة وهي مسافة لا يتعب من قطعها الرجل العادي، فما بالك بالجندي المدرب على الصبر والاحتمال، ثُمَّ إن هؤلاء الجنود قد دربوا على أن يسيروا أياما متوالية، فكيف يتعبون من سير نصف يوم أو أقل، ويقول بعض الكتاب: إن الجند كانوا يتساقطون قتلى من العطش، فهل من المعقول أن يبلغ الحال بالجيش إلى هذا الحد، ويستمر القادة دون أن يتخذوا أي شيء لإسعاف القوم أو إراحتهم، ويزعمون أن بعضهم يشتري كأس الماء بعشرة قروش فممن كانوا يشترونها يا ترى؟
وقد صور الأستاذ الباروني دخول الأسبان إلى الجزيرة كأنهم يتوغلون في صحراء قاحلة، ويسيرون حتى يملوا السير، دون أن تبدو لأعينهم خضرة أو يجدوا ماء، أو يروا إنسانا، ولا يسعني أزاء هذه الصورة التي وضعها الأستاذ الباروني إلا أن أضع بجانبها صورة أخرى وضعها مؤلف تونسي يعرف جزيرة جربة حق المعرفة، هو الأستاذ محمد المرزوقي، قال في كتاب: "مؤنس الأحبة" صفحة 145:
" من أعجب الظواهر في جزيرة جربة أن الزائر لَها لأول مرة يؤخذ بجمال مناظرها الطبيعية الساحرة، فمجرد اقترابه من شواطئها تظهر له غابات الزيتون الخضراء، وجذوع النخل الباسقة أمام عينيه يحركها النسيم، والبحر حواليها ترقص أمواجه لرقصها، وتهتز أواديه لاهتزازها، ويتزل الزائر لأرضها فلا يجد غالبا أثراً للسكان بل لا يكاد يرى أحدا، كأن الحياة معدومة فيها"، ويقول بعد كلام ولكنه لا يكاد يخطو خطوات داخل هذه الأشجار الخضراء حتى تنبثق له من بينها بناية بيضاء لامعة لمعان شمس جربة الضاحية، ذات قباب صغيرة، وأبراج قائمة على زواياها كأنها حصن من الحصون وبجانب هذا الحصن تجد البئر الروية؛ تمتد منها الجداول الصغيرة الملتوية التي تعطي الماء لأنواع الخضر والغلال". (1/657)
صفحة 658
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
هذه هي الصورة الحقيقية لجربة، وهي مناقضة تمام المناقضة للصورة التي وضعها لها الأستاذ الباروني، التي أحسب أنه اقتبسها عن كاتب غربي كان يصف جربة وهو يسرح بخياله الخصب في صحاري إفريقيا. أما
خرافة أعداد الجرار والحبال على الآبار، والاستعداد حولها إلى آخر ما جاد به الخيال الخصب، فهي عكس ما تقتضيه عكس ما تقتضيه المكائد الحربية، ويبدو أن سكان جربة الكرام لم يفكروا في قضية الماء والعطش، ولم يخطر على بالهم أن هذا الجيش المجهز بكل شيء يغفل عن الماء فلا يأخذ معه المقدار الكافي، ولذلك فلم يهتموا بالآبار، وبقيت صهاريجهم الموزعة في الجزيرة على مسافات مختلفة، حسب احتياجات السكان على حالها، ما كان منها مغلقا بقي مغلقا، وما كان مفتوحا وعليه الجرار والحبال بقي كذلك، ولو خطر لَهُم أن العدو قد يحتاج إلى الماء، وأنه سيصاب بالعطش، لأغلقوا تلك الصهاريج والآبار، أو غوروها حتى لا يتمكن العدو من الشراب، وتغوير الآبار وتفويت الماء على العدو طريقة متبعة معروفة بين الجيوش المتقاتلة منذ أقدم العصور، وأول من استعملها في الإسلام رسول الله الله في غزوة بدر، بإشارة من سيدنا الحباب بن المنذر.
جاء في سيرة بن هشام صفحة 62 ما يلي: "فقال أي الحباب-: يا رسول الله فإن هذا ليس بمترل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثُمَّ نغور ما وراءه من القلب، ثُمَّ نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثُمَّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله: «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْي» (1).
فكيف يخطر لقادة جربة أن يفتحوا آبارهم ويضعوا عليها الحبال والجرار، ويمكنوا عدوهم من الشراب توقعا أن يقع بين جند العدو نزاع على الماء. إِنَّهَا صورة شعرية زخرفها خيال كاتب لم يعرف جربة، ولم يشترك في حرب، وقد اعتمد عليها الأستاذ الباروني دون أن يتناولها بالنقد على ضوء الأحداث والمواقع والوقائع، وأنا في هذه المناقشة لا أزعم أن الأستاذ الكبير قد ارتكب في حق جربة خطأ تاريخيا، فإن هذا
(1) أخرجه ابن سعد في طبقاته (567/ 3)، والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ر 0802، 482/ 3. (المراجع) (1/658)
صفحة 659
الأباضية في موكب التاريخ
657
الأباضية في تونس
طبيعة
لم يخطر لي على بال، وَإِنَّمَا كل ما أردت أن أشير إليه أن الأستاذ اعتمد المصادر الأجنبية، وقد يكون له في ذلك كل العذر، إذ قد كان لا تتوافر له المصادر العربية، لا سيما في الفترة التي وضع فيها كتابه القيم عن تاريخ القرصنة الأسبانية. ولكي أضع الصورة الحقيقية لتلك الحادثة بين يدي القارئ الكرام، فإنني أنقل له ما قالته المصادر العربية القريبة العهد من تلك الحادثة، بل المعاصرة لها، والتي تتمشى مع الأشياء، ويتقبلها العقل دون تشكك أو ارتياب يقول أبو عبد الله محمد أبو راس في كتابه "مؤنس الأحبة " تحقيق المرزوقي: "وفي يوم الجمعة استعد الكفار للنزول، فصلى المسلمون صلاة الجمعة، وخطب خطيبهم بما أعد الله من النعيم المقيم للمجاهدين في سبيل بعساكر؛ رجالا وركبانا بطبولهم وآلة حربهم من مدافع ومحرقات
الله الله، ونزل عدو وغيرها، فرتب المسلمون صفوفهم ميمنة وميسرة وقلبا.
عند
نزولهم للبر هجموا على المُسلمين، فولى المسلمون أمامهم، فأتبعتهم الكفرة، وقد أكمن لَهُم المسلمون جماعة من المجاهدين، وعليهم الشيخ سليمان بن يحيى السمومني، فقطعوا بينهم وبين البحر، ورجع عليهم المسلمون، وحملوا عليهم من كل جهة وجانب حملة رجل واحد، وأعلنوا كلمة التوحيد، ووضعوا فيهم السيف فلم يبق منهم إلا القليل فأسروهم، ولم يرجع منهم أحد إلى سفنهم".
الغد،
فصح
وجاء في الوثيقة التي اقتبسنا منها غير مرة ما يلي: "ثم كان آخر الليل سمع المسلمون أصواتاً من آلات الحرب عند النصارى، فأيقنوا بترولَهُم غدا وزادوا شدة وندامة على ما سلف من ذنوبهم، ثُمَّ هم كذلك والطبول تضرب، والناس على ما تقدم من التحريض وطلب المحاللة والتوبة، وخيول الشيخ تصل إلى قرب النصارى وتأتي بأخبارهم، إلى أن حان وقت الظهر الخبر أن النصارى أخذوا في السير والوصول إلى المُسلمين، وكانت مسافة ما بين الفريقين ستة أميال، فقام المسلمون حينئذ وصفوا صفاً، والشيخ حفظه الله وأولاده والعزابة وأصحاب - الخيل، وزعماء الناس يمشون على الصف، ويسوونه، ويرتبون الناس، ويأمرونهم بالثبات، وألا
يخافوا؛ لأن الله لن يقول: وكم من فة قليلَة غَلَبَتْ فَةٌ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
من (1/659)
صفحة 660
بمن
الأباضية في موكب التاريخ ???
الأباضية في تونس
قادمون
فلما استقام المسلمون في صفهم وكان من في قلبه لا يرى من في ميمنته، ولا من في ميسرته؛ لعدم استواء الأرض، وكثرة الأشجار، وطول الصف، وكان ذلك أول وقت الأولى، والناس بين مصل وغير مصل؛ لأن الوقت متسع، وما هم فيه أضيق، فإذا بأعداء الله على الصف من الجهة الشرقية، فلما تقارب الصفان إذا بخيل النصارى تدفع، وحديدهم الذي لبسوه يسمع، ودخان البارود يسطع، وأنفارهم (1) ومكاحلهم تسمع، فما زاد ذلك كله كان في مقابلتهم من المُسلمين إلا جراءة عليهم، وجسارة، فتنادوا بالصلاة على النبي وتداعوا بالدين والإسلام، وتوسلوا إلى الله بأوليائه، وبقرآنه، وببركة مذهب الإباضية الذي ظهرت بركته في غير موطن فحملوا عليهم حملة واحدة فلما التقوا وكان أعداء الله رتبوا أنفسهم صوابي (2)، كل صابية في ظهرها آخرون. مَنَّ الله على المُسلمين بإدبار الصابية الأولى، وقتلوا منهم كثيرا، فعضدتهم الصابية التي تليهم، فهنالك وقع تزحزح قليل من الذين قابلوهم من المُسلمين، ثُمَّ كروا بعدها كرة واحدة". وبعد كلام تقول الوثيقة: "فبينما هم كذلك، من كان في القتال في القتال، ومن كان في الفرار في الفرار، فإذا بطائفة من المُسلمين يقدمها الشيخ أبو الربيع سليمان بن الشيخ أبي زكرياء، فقطعوا ما بين النصارى، والبحر، فلما رأى الفريقان ذلك جَرُو الْمسلمون، وزاد من في القتال شدة وذل النصارى، وأعطوا بالإدبار مرة واحدة فصارت خيل المُسلمين توهن، والرجال تقتل، حتى وصلوا البحر".
، (2)
أعتقد أن هذا الوصف من رجل قد يكون حضر المعركة كاف في إبطال القصص الخيالية التي يؤلفها كتاب الإفرنج، ليهونوا من بطولة المُسلمين، وليخففوا من أثر الفضيحة التي وقع فيها
له
أسطول القرصنة الإفرنجية، الأسطول الذي تؤيده الدول الصليبية، وتباركه الكنيسة، ويدعو البابا بالنصر والتأييد، إنَّها معركة حقيقة فيها ما في المعارك الحربية من عنف الصدام، وقساوة
القتل، وحرارة الموت، وقد كتب فيها النصر لأشد الفريقين ثباتا، وأمضاهما عزيمة،
1) أي: أبواقهم.
(2) أي: طوابير. (1/660)
صفحة 661
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
وأصبرهما على حر النضال، وأشدهما رغبة في النصر أو الشهادة ولم تكن أسباب الهزيمة فيها عائدة إلى طول مسافة، أو شدة حر، أوقلة ماء، أو جهل بموقع البلاد، وَإِنَّمَا أراد الله سبحانه وتعالى أن يقيم الحجة على المُسلمين في كافة أقطار الأرض بهذه الواقعة، فمنح نصره للقلة الضعيفة المحصورة، كما منحه من قبل للمؤمنين الصادقين، وما صدق الْمُؤمِنون في جهادهم
الله
إلا نصرهم الله فيما مضى وفيما يأتي، مهما كانت القوة المادية للعدو، وإِن جُند تا لهم الغالبون)) ولن يبطل وعد الله المؤكد ثلاث تأكيدات في الكون شيء في الكون لو صدق المسلمون.
أثى معركة جربة
كان لهذه المعركة التي انتصرت فيها جربة على الأسطول الإسباني الضخم ذلك الانتصار الرائع أثر بالغ في نفوس المُسلمين، وفي نفوس الأوروبيين على السواء، فقد تضاءل فيه الصليبيون، واعتبر فضيحة في تاريخ القرصنة الأسبانية، أما المسلمون فقد أثر في هذا الانتصار، ورفع من معنوياتهم، وأرجع إليهم الثقة التي فقدها
نفوسهم
بعضهم
أو كاد، وجعلتهم يستخفون بأولئك الغزاة الذين كانوا يتحكمون في جميع السواحل الشمالية لأفريقيا، ونتج عن كل ذلك فكرتان متعارضان إحداهما عند الإفرنج، والثانية عند
المسلمين.
أن يقوموا
أما الإفرنج وقد صدموا هذه الصدمة العنيفة فقرروا ليحافظوا على هيبتهم بمناورات على سواحل البحر الأبيض المتوسط، يقصدون بها إرهاب المُسلمين، وبعث الخوف في نفوسهم، وإشعارهم بأن القرصنة الإفرنجية لا تزال على قوتها، لم تنل منها أحداث الوقعة المؤلمة في جربة.
(1) سورة الصافات: 173. (1/661)
صفحة 662
الأباضية في موكب التاريخ
660
الأباضية في تونس
أما المسلمون وقد رأوا نتيجة الثقة بالله والصبر عند اللقاء، والرغبة في الاستشهاد، فقد استخفوا بالإفرنج وما لديهم من قوة وزال من قلوبهم ذلك الخوف الذي بعثته فيها الدعاية
الواسعة عن قوة الإفرنج، وضخامة أساطيلهم، وامتلأت قلوبهم شجاعة وجرأة وإقداماً. وقد انبنى على الفكرتين معا تجربة أخرى، فقد فكر القائد الأسباني أن يلم فلول جيشه، وأن يجمع أساطيله المعطوبة في الجزيرة الصغيرة "لمبدوشا"، وحاول أن ينفخ روح الحياة في تلك الهياكل المتحركة، وأن يرد لتلك الأخشاب العائمة فوق الماء قوة السفن الحربية، وأراد أن يجهز من مجموع ذلك أسطولا يمخر عباب البحر، وكان في الحقيقة يعلم أن المقاتلين الذين لم يكتب لَهُم أن يقتلوا في جربة، وخرجوا منها أشباحا متحركة قد أصيبوا في قلوبهم، فما عادت لَهُم قلوب تقوى على مُجابهة الأحداث ومقابلة الأعداء، ومقارعة الأبطال، ولكنه كان يعتقد أن الدعاية قد تأتي بنتيجة، فهو لا يزال ينفخ فيها الروح، ويعمل على أن يعيد الحياة إلى تلك الأشباح ليكون منها بشرا يتحركون، وهو من جهة أخرى كان يرسل على مختلف الألسنة والوسائل دعاية هائلة وإشاعات طويلة عريضة عن الأسطول الجديد، وعن الضربة الهائلة التي سوف يوجهها إلى بعض الثغور الإسلامية، في ذلك لا يعين الثغر الذي سوف يقصده، أو الميناء الذي سوف يصدمه، وإنَّما يرسل هكذا دعاية طويلة عريضة، يرمي من ورائها طمأنة الدول التي تساعده وبعث الشجاعة في نفوس جنده، وبعث الخوف والرعب في قلوب المُسلمين، وشعر أصحاب الثغور الإسلامية فعلا بالقلق، ولم يستطع أي ثغر منها أن يسمح لقواه بالابتعاد عن الثغر، خوفا من مباغتة هذا الأسطول القابع في "لمبدوشا"، المتحفز للهجوم، وبقيت الثغور تننظر تنفيذ الإنذار الجديد. تحرك الأسطول الملفق قاصدا ثغرا من الثغور الإسلامية هو صفاقس، ورجعت قوارب الصيد الصفاقسي ذات يوم مذعورة تعلن قرب وصول الأسطول الإفرنجي إلى ميناء صفاقس دون سابق إنذار، وتسامع الناس فاندفعوا إلى ساحل البحر بما لديهم من أسلحة بسيطة أكثرها خناجر وعصي، وتجمعوا ينتظرون وصول العدو إلى الشاطئ، ونزوله إلى البر ليحتفلوا بمقامه العظيم، وليقوموا بتكريمه بما يستحق من التكريم على طريقة المتحاربين. (1/662)
صفحة 663
الأباضية في موكب التاريخ
661
الأباضية في تونس
ولَمَّا وصل الأسبان، وكان أسطولهم هذه المرة هزيلا ضعيفا ذليلا، إذ لا يبلغ عشرين سفينة، بينما كان في الحملة الماضية يتجاوز المائة. وقف مترددا يراجع حساباته، ويصحح تقديراته، ولما رآه المسلمون فرحوا به واستبشروا، وعزموا أن يحيوه بصفعة على خده الأيسر، بعد أن كادت آثار أصابعهم تزول عن خده الأيمن، ولكن عزمهم هذا لم يتحقق، فإن الأسطول ما كاد يقترب من الساحل الصفاقسي، ويرى تلك الأعداد الهائلة من البشر تتحرك في خفة ورشاقة، وتنتظر وصوله في لهفة وشوق حتى امتلأ ذعرا، وملك الرعب عليه زمام أمره، فأطلقوا أشرعتهم للريح، وانطلقوا في عرض البحر يعرضون على الأسماك رشاقتهم في السباحة، وسرعتهم عند الهروب، وفوتوا على المُسلمين فرحة النصر، وثروة بالغنيمة، وسعادة بالشهادة، وأوحى لَهُم الجبن أن يظهروا بمظهر الشجاعة، ويتخذوا سمت القوي وهم يسبحون في عرض البحر. وَإِذَا مَا خَلَا الْجَبَانُ بِأَرْضِ طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنَّزَالاً فقصدوا جزيرة "قرقنة"، وكانت حينئذ خالية لا سكان، بها، فأنزلوا بها ألف جندي ليختبروا حالها، وليبنوا بها برجا كبرج القشتيل في جربة، حتى يكون مركزا لهم ينطلقون منه، وحصنا يأوون إليه ويحتمون به وكان المسلمون يتنسمون أخبارهم، ويتتبعون حركاتهم، فلما نزل القوم في جزيرة قرقنة تسلل إليها نحو ستمائة مقاتل من المُسلمين، وعندما جثم الليل على صدر الجزيرة، وخيم الظلام على الأرض، بعث أولئك المقاتلون الشجعان نفرا منهم يستطلعون أخبار هذا الجيش الصغير، فوصل أولئك النفر إلى محل الجند، وداخلوهم ومروا من بينهم فوجدوهم قد أمنوا على أنفسهم، وأسلموا أجسامهم للمضاجع، وأعينهم للنوم، فما كانوا يتوقعون مباغتة من عدو في هذه الجزيرة الخالية. رجع أولئك النفر إلى إخوانهم وأخبروهم بما رأوا ووجدوا، فأسرع المسلمون حتى دخلوا معرس الإفرنج دون أن أحد، ولم يستيقظ أولئك القوم إلا بعد أن كان المسلمون واقفين على رؤوسهم بالسلاح، يداعبون رقابهم بأسنة الرماح، وانتبه القوم مذعورين. أعتقد أن القارئ الكريم ليس في حاجة إلى أن أقول له أن تلك الكتيبة التي تتألف جندي، والتي ذهبت لترتاد مركزا للقرصنة في جزيرة قرقنة لم يعد منها أحد
يشعر بهم
من ألف
حتى الآن، وقد (1/663)
صفحة 664
الأباضية في موكب التاريخ
662
الأباضية في تونس
خسرها الأسطول الأسباني إلى الأبد، وأن الصفعة التي هم المسلمون بإلقائها على خد القرصنة في صفاقس، فتفاداها الأسطول بالفرار، قد تلقاها الأسطول نفسه في جزيرة قرقنة ساخنة مؤلمة. وجرب الأسطول أن يوهم الناس بأن به بقية من حياة ودماء من قوة، وقصد سواحل جزيرة جربة، وجعل يحوم حولها، ولكن أحدا من الناس لم يرفع إليه نظره، ولم يلتفت إليه، ولم يحسب له حسابا أو يعبأ به، فقد بلغ من الهوان إلى أن تغاضت عنه العيون، فلما علم أن دعايته انفضحت، وأن خدعه انكشفت وأن مناوراته فشلت وأن هيبته ضاعت إلى الأبد، ضيعتها عليه تلك الجزيرة الصغيرة، التي كان يعتقد أن الاستيلاء عليها لا يزيد عن نزهة بحرية، وأنه لن يستطيع لتلك الهيبة ردا مهما بذل، ومهما، عمل لما انكشفت له هذه الحقائق، واستبانت له النتائج، ووصل في تفكيره الذكي إلى معرفة واقعه المؤلم رفع الأشرعة وأطلقها للريح ...
RO
تجربة أخرى
إن الصفعتين المؤلمتين اللتين تلقاهما الأسطول الأسباني في جزيرة جربة، ثُمَّ في جزيرة قرقنة، تركتا أثراً مؤلما بدا واضحا على جميع العالم الغربي المتعصب، وكان أشد ما يكون إيلاما على سيدة القرصنة في ذلك الحين "أسبانيا"، ولذلك فقد كانت تعمل جاهدة على أن ترد تلك الصفعات تؤيدها الدعوات من الكنيسة ورجالها، والمساعدات من العالم المسيحي الغربي، وتأخذ بثأر قتلاها وسباياها من الجزيرة الصغيرة، جزيرة جربة، واستمرت تعد العدد والعدة وتتحين الفرصة.
وبعد عشر سنوات، أي في سنة 926 م استكملت استعدادها، وظنت أنها بالغة ما تريد، فأذنت لنائب ملك أسبانيا على صقلية الدوق هو جو دي منكادا" أن يقوم بالمهمة، وبدأ نائب الملك الأسباني على صقلية يعد عدة الهجوم، ويتخذ التدابير، ويزن الأمور، وقاد أسطوله المكون من مائة سفينة تحمل خمسة عشر ألفا
من
المقاتلين (1/664)
صفحة 665
الأباضية في موكب التاريخ
663
الأباضية في تونس
المدربين المسلحين المجهزين بأحدث ما عرف الإنسان من آلات الحرب في ذلك الحين، و كان "الدوق منكادا" يعصر ذهنه، ويكد فكره ليرسم خطة سليمة للهجوم، يتلافى فيها الأخطار التي وقع فيها أسلافه، فيخسروا سمعتهم الحربية، وانطلق الأسطول حتى بلغ الجزيرة الصغيرة جزيرة جربة التي صارت صخرة صماء تتحطم عليها قوى البغي والعدوان وأنزل القائد كامل قواته المقاتلة حتى يضرب الضربة العنيفة القوية، وكان الهجوم مفاجئا، فلم يسمع أهل الجزيرة بالخبر إلا من قريب وبدأ الرجل زحفه، فأسرع إليه من بلغه الخبر من سكان الجزيرة.
إن السواعد التي صفعت دون بدر و نافارو و دون قراشيا الطليطلي"، و"دياجو دي فيرا" لا تزال موجودة وقوية وإن إشراقة الإيمان التي بعث أبو النجاة إشعاعها لا تزال تومض في قلوب الْمُؤمنين، وإن العيون التي كانت تنظر إلى عدد قليل من الناس العزل يطاردون بإيمانهم وصبرهم وثباتهم عشرين ألفا؛ مزودين بأحدث الأسلحة، إن هذه العيون لا تزال تلمح أشباح الأسبان؛ بين فار وقتيل، ومن ورائهم المسلمون يسوقونهم سوق الرعاة للأغنام إن تلك الصور الرائعة التي مضى عليها عشر سنوات فقط لم تسمح بعد من أذهان الناس.
ولذلك فما سمع الناس بهجوم الإفرنج على الجزيرة حتى تسارعوا إلى لقاء العدو في ميدان القتال، واشتبك الفريقان في معركة حامية .. غزاة يحملهم الجشع والطمع على القتال، يهاجمون حماة يذودون عن الدين والوطن والعرض مؤمنين بحقهم، وعدالة موقفهم في هذا الدفاع المجيد، واثقين في نصر الله، ولم يطل الصراع، فلقد كان القائد
الأسباني يدير المعركة وهو ينظر إلى صفوف جنوده تتهاوي صرعي، صفا بعد صف. إن أسلحته النارية كانت قليلة الجدوى، وكان ينظر إلى أولئك المُسلمين الذين يتسابقون إلى الموت وليس لديهم من الأسلحة الفتاكة شيء، وَإِنَّمَا يعتمدون على سيوف كليلة، وخناجر قصيرة، وعصي وما أشبه ذلك من السلاح البسيط، ولكنهم يملكون معها سواعد قوية لا تطيش ضرباتها وقلوبا ربط عليها الإيمان وأجسام خفيفة نشيطة (1/665)
صفحة 666
الأباضية في موكب التاريخ
664
الأباضية في تونس
متحركة؛ تعرف متى وكيف تزوغ من وسائل التدمير التي أعدها العدو، ولكنها حين تضرب تصيب الهدف، وتقع المقتل؛ لأنها تقبل على الموت برغبة في الشهادة، وتضرب العدو بشجاعة، وتدافع عن الوطن بحمية، ورأى دوق" منكادا" ما يحل بجيشه، وأيقن أنه سائر في الطريق الذي سار فيه أسلافه عندما تعرضوا لغزو جربة فاستعصت عليهم، وليس هذا فحسب، ولكنها برهنت لَهُم أن قواها المعنوية أقوى كثيرا مما حشدوا من قوى مادية وواتاه الذكاء الذي لم يوات أسلافه في محنتهم، فرأى أن يقلل من الخسارة ما أمكن ما دام لا يستطيع أن يتفادى الفضيحة، وصاح في الجيش يأمر بالانسحاب، وكانت هذه الصيحة أحب ما ينتظره أولئك الجنود المساكين، وسرعان ما أطاع أفراد الجيش هذا الأمر الذي يعتبرونه السبيل الوحيد للبقاء على الحياة، وجر القائد بقايا جيشه المفلول تاركا من ورائه ستمائة قتيل وأضعاف ذلك من الأسرى، ولو استمر في القتال إلى الليل لوقع له ما وقع للجيوش السابقة، ولكنه تفادى الخسارة، ورجع ببقية جنده إلى أسطوله، فامتطى السفن وأطلق الأشرعة للريح ...
هي
إنه يوم من أيام الله خلدته جزيرة جربة لتقيم به الحجة على الأمة الإسلامية، وتعرفها أن قوة الحق والإيمان لا تنهزم أمام الحديد والنار، وأن الله الذي مكن للطائفة القليلة من المُسلمين على الفرس والروم، والأسباب بالأمس، سوف يُمكن للأمة المسلمة اليوم، أو غدا على الإنجليز والأميركان والروس إذا ما وفت بما عاهدت عليه الله، وسارت في المنهاج الذي دعاه إلى السير فيه، {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَانتُمْ أَذَلَّةٍ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُعدكُمْ رَبِّكُمْ بِثَلَاثَةِ الآف من المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِن
فورِهِمْ هَدَايُمْدِدْكُمْ رَبِّكُمْ بِخَمْسَةِ الآف مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسْوَمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بَشْرَى لَكُمْ وَتَطْمَئِنَ قُلُوبَكُمْ بِهِ
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكيم)
(1).
(1) سورة آل عمران: 123 - 126.
000 (1/666)
صفحة 667
الأباضية في موكب التاريخ
665
الأباضية في تونس
التبعية الاسمية
سنة من
إن المتتبع لأحداث التاريخ في جربة حسبما تحدثنا عنه في الفصول السابقة يستطيع أن يسمي العهد الأول من تاريخها - وهو العهد الذي يمتد من سنة 47 إلى سنة 52 - بعهد الاستقلال، أما العهد الثاني من تاريخها -وهو العهد الذي يمتد 529 هـ إلى سنة 960 هـ. والذي أطلقنا عليه في بعض الفصول السابقة عهد الجهاد في سبيل الله، يُمكن أن يطلق عليه عهد التبعية الاسمية، إذا نظرنا إليه من جهة السياسة والحكم، وذلك أن جربة بعد أن استولى عليها الإفرنج سنة 529 هـ، ثُمَّ خرجوا منها سنة 555 هـ، بقيت تحت حكم خارج عنها، فقد بقيت تحكم حكم الموحدين إلى سنة 725 هـ، ثُمَّ انتقلت إلى حكم الحفصيين، وكثيرا ما يستبد بحكمها بعض الولاة لمدة، تعود إلى الدولة المركزية.
وفي هذه المدة الطويلة من تاريخها التي تمتد ما بين سنة 555 هـ إلى سنة 960 هـ، لم تكن جربة تهتم بأي دولة مسلمة تحكمها، أو أي وال يأتيها، فقد الألوان التي تتناوبها، وكانت تظهر الطاعة وتدفع الضرائب في هدوء، ولا
رضيت بجميع
تشترك في النزاعات التي تقوم بين الدول و الولاة الذين يتنازعون حكمها، وَإِنَّمَا كانت تنظر إليهم نظر الفريسة إلى السباع لا تبالي من سبق منها إلى الولوغ في دمها، فهي تقف من الجميع موقفا سلبيا كاملا، وَإِنَّمَا كل ما يهمها أن يكون الحاكم مسلما؛ سواء كان تابعا لإحدى الدول القائمة حينئذ، أو كان مستبدا لحسابه كما فعل ابن مكي وابن أبي العيون، وكانت طيلة هذه المدة مشغولة بكفاح متواصل للإفرنج، تدخر لملاقاتهم ما تعد من قوة، ذلك أن الإفرنج طيلة هذه المدة لم ينفكوا عن مهاجمتها، ومحاولة الاستيلاء عليها، فكانت تحصر همها في موضوع الجهاد، معرضة عن قضية الحكم وما فيه من فساد. ومن المؤسف أن أولئك الحكام الذين رضيت جربة بحكمهم على اختلاف اشكالهم، واستسلمت لَهُم، وكانت تدفع لَهُم الضرائب، كان لا يهمهم منها غير ذلك، (1/667)
صفحة 668
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
وعندما يهجم عليها الغزاة الصليبيون، يقف أولئك الحكام موقف المتفرج من بعيد، فإذا ردت العدو، أو اتخذت معه موقفا من المواقف رجع إليها أولئك الحكام وهي تنزف دما، ليلعقوا من تلك الدماء.
يقول الأستاذ المرزوقي في "مؤنس الأحبة" صفحة 103: "حيث وقع المساكين بين نارين، سيطرة النصارى المحتلين لأرضهم من جهة، ومطالبتهم من طرف هذه الحملات الحفصية بدفع الخراج للدولة"، بل لقد بلغ أولئك الحكام إلى أكثر من ذلك، فقد يهجم العدو على الجزيرة المسكينة، فتشتغل بالدفاع، وتستهلك جميع قواها في ذلك للدفاع، وتغلب على أمرها، فيحتلها العدو، وتنتهي العمليات الحربية، وحينئذ فقط تذكر الدولة أن جربة من ممتلكاتها، وأنها تأخرت في دفع الضرائب، وأنه يجب تأديبها على ذلك. يقول أبو محمد التيجاني في رحلته ص 126 وكان" تغلبهم عليها في هذه المدة الأخيرة سنة ثمان وثمانين وستمائة بسبب اشتغال ملك الحضرة إذ ذاك الله -
من
-رحمه
ببعض الثائرين عليه"، وبعد أن يصف كيف دخل جيش اللحياني إلى الجزيرة، ويصف بعض معالمها، يقول في صفحة 128: "ووصل إلينا إذ ذاك شيخ النكارة، وقد كان هو ونظيره من الوهبية فارا عن الجزيرة أول إقبالنا عليها خوفا على أنفسهما، فلما حللنا بها كتبا إلينا كتابا يطلبان الأمان، فأسعفا به، فوصل النكاري وتأخر وصول الوهبي، فوصل بعده بأيام، ولما اجتمعا تكفلا باستخلاص ما وضع الأداء على قومهما، وانفصلا ليشتغلا بقبض ذلك من يومهما، هكذا يتحدث التيجاني دون أن يخجل من تسجيل هذه الصفحة التاريخية المؤلمة التي كان هو أحد أبطالها، وهذا مخدومه أبو زكرياء اللحياني يقود جيشه الجرار ليطالب بالضرائب قوما قد استنفذ العدو ما لديهم، واحتل أرضهم، وكان المنطق يقتضي أن يوجه هذا الجيش الجرار إلى مقاتلة ذلك العدو الرابض في القشتيل، أما هذه الأمة التي وضعتها طبيعة الوطن في ثغر من ثغور الجهاد، فيجب تقدم إليها كل المساعدات؛ من رجال وسلاح، حتى تقف في وجه العدو باستمرار. هذه الصورة التي نقلناها عن التيجاني تمثل الحياة الكاملة لجربة في هذا العهد، الذي أطلقنا عليه اسم عهد التبعية فهي تستقبل العدو بالجهاد، وتقف في وجهه بما تملك من قوة
أن (1/668)
صفحة 669
الأباضية في موكب التاريخ
667
الأباضية في تونس
فتدفعه عنها، أو يتغلب عليها، وهي في كل ذلك تعتبر نفسها تابعة في الحكم لإحدى الدول القائمة، أو الولاة المستبدين بها، وتبعث إليها بضرائبها، فإذا تأخرت عن تسديد الضرائب إما لاشتغالها بجهاد العدو، وإما لسوء الحالة الاقتصادية تقدم إليها أولئك الحكام في وقاحة يطلبون منها دفع الضرائب، ويضعون عليها أنواعا من الغرامات، وقد ينزلون بها ألوانا من العقاب، وكانت الجزيرة المبتلاة بكل هذه المصائب تدفع إليهم ذلك وهي صابرة على الأذى، صامدة في وجه العدو، وتعتذر إليهم عن تأخرها في بعض الأحيان، لا تعكر عليهم صفو الأمن، ولا تدعو إلى ثورة، وذلك حرصا على سمعة الإسلام، ورغبة منها أن تكون تابعة لدولة مسلمة، ولو كانت هذه التبعية اسمية، وحفظا لقوتها التي تدخرها لمجابهة العدو المتربص بها على الدوام ينتظر الفرصة المناسبة لينقض عليها. على أنه يجب أن نذكر في هذا الصدد ثلاثة من ملوك هذه الدول دفعتهم غيرتهم على الإسلام، ومحافظتهم على الوطن الإسلامي إلى أن يُنجدوا هذه الجزيرة، ويساعدوها على تطهير أرضها من الغزاة المحتلين هؤلاء الملوك هم:
عبد الْمُؤمِن بن علي سنة 555 هـ، وأبو بكر الثاني الحفصي سنة 738 هـ، وأبو
فارس عبد العزيز بن أحمد سنة 835 هـ.
أما رحلة أبي زكرياء اللحياني وجيشه اللجب، فلم يكن القصد الحقيقي منها طرد العدو من جربة، وَإِنَّمَا كان القصد منها جميع أكثر ما يُمكن من الأموال والضرائب من الوسط والجنوب التونسي، ولذلك فقد كان ذلك الجيش الجرار ينتقل بين البلاد؛ من توزر، ونفطة، وقابس والحامة، وجربة، وغمراسن، وغيرها، وكان يعمل سرا على تكوين مملكة مستقلة في طرابلس، فهو بعد هذه الرحلة التي أبدى فيها في الظاهر إخلاصه للدولة، كان ينوي الحج وهو ملوث اليد والجيب من أموال الناس، ولم يكن قصده للحج إلا وسيلة للخروج من تونس دون مضايقة أو رقابة وهكذا تم له ما أراد فخرج إلى الحج ورجع فأقام بطرابلس، وحاول أن يقيم هنالك دولة، ودعا لنفسه وبايعته بعض القبائل، ثُمَّ ساعدته الظروف ورجع إلى تونس. (1/669)
صفحة 670
هذه
الأباضية في موكب التاريخ
كل هي
الأباضية في تونس المساعدات والنجدات التي تقدمت بها الدول القائمة إلى جربة في خلال
هذا العهد الذي يمتدّ ما يزيد عن أربعمائة وثلاثين سنة، حسبما وصلت إليه في أبحاثي،
واستنادا على المصادر التاريخية التي تمكنت من مراجعتها في هذا الموضوع. كان هذا الوضع الشاذ الذي وجدت فيه جربة سببا في أن تجري حياتها على عدة خطوط متوازنة لا تلتقي أو على عدد من الاتجاهات التي لا يربط بينها تناسق أو انسجام، ونستطيع أن نلخص في آخر هذا الفصل تلك الاتجاهات أو الخطوط فيما يلي:
من
1 - استعداد لمحاربة العدو، ورد عدوانه دون انتظار لمساعدة أحد. 2 - اعتراف بالتبعية لأي حاكم مسلم والتزام لدفع مطالبه دون الاشتراك في مواقف العنف عندما يختلف حاكمان، أو دولتان على الحكم. 3 - اعتماد أهل الجزيرة في الحياة الاقتصادية على مواردهم الخاصة داخل الجزيرة، وسلوك سبيل يضمن لَهُم الحياة في تلك الظروف الحرجة الضيقة، ولذلك ازدهرت في الجزيرة بناء على ذلك بعض الصناعات المحلية، وبعض أنواع الزراعة.
-
4 - إيجاد هيئة تتوفر فيها الثقة والدين والعلم، لتتولى شؤون الوطن من الوجهة الدينية والاجتماعية والمدنية، وتشرف على أحوال البلاد، وتسيرها في سبيل قويم يحفظ عليها كرامتها كأمة مسلمة.
وخلاصة الحديث في هذا الفصل أن جربة في طول هذا العهد كانت تابعة من حيث الحكم إما للموحدين، أو الحفصيين أو بعض الولاة المستبدين، ولم تحاول أن تنفصل عنهم، أو تستقل بنفسها أو بغيرها نظام الحكم فيها، وواضح للقارئ الكريم أن ذلك الحكم إنَّمَا كان حكما ظاهرا ليس له إلا جمع الأموال، أما الحكم الحقيقي الذي يشمل جميع شؤون الناس والبلد فقد كان إلى تلك الهيئة المختارة، التي هي عبارة عن مجلس العزابة بنظامه
المعروف. (1/670)
صفحة 671
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
خلاصة هذا العهد
هذا عهد تاريخي يمتد قرابة أربعة قرون ونصف؛ إذ يبتدئ من سنة 529 هـ، حين هجم الإفرنج على جربة واستولوا عليها لمدة قصيرة وينتهي سنة 960 هـ، حين التحقت جربة بحكم الدولة العثمانية، باستيلاء درغوث بن علي عليها، وقد قضت جربة هذا العهد وهي تابعة لدولة الموحدين أولا، ثُمَّ للدولة الحفصية ثانيا، ويتخلل ذلك فترات استبد بالحكم فيها بعض الولاة؛ كابن مكي وابن أبي العيون كما أنها تبعت الدولة المرينية لفترة قصيرة.
لقد كان حكمها ينتقل من دولة إلى دولة أو من وال إلى وال، دون أن تهتم لذلك ويكون لها فيه شأن، فهي في وضعها الشاذ وتهديد الإفرنج لها باستمرار كانت راضية ما يأتيها من الحكام المُسلمين، وكانت تدخر كل قواتها وإمكانيتها لمحاربة الغزاة الإفرنج، أما شؤونها الداخلية فقد كانت بأيدي العزابة، الذين كانوا يقومون بها، ويشرفون عليها بكل ما في النظم الإسلامية من خير وحب وعدل.
بجميع
وفي هذا العهد من تاريخ جربة المجيد، مع ما هي عليه من شذوذ الوضع، وظلم الإخوة، وتعسف الحكام استطاعت أن تضرب المثل الأعلى للأمة المكافحة، وتحرز البطولة، وتستل النصر، وتقهر العدو، وتقف شامخة معتزة بطريقة ينذر أن تجد لها مثيلا في تاريخ الكفاح بين القوي والضعيف فاحتفظت بكرامتها بين تلك العوامل التي أشرنا إليها من قبل، زيادة عن أربعة قرون، حتى انتهى عهد القرصنة الغربية، وبدأ عهد جديد هو عهد الجامعة الإسلامية تحت الخلافة العثمانية.
وفي الفصول الآتية سوف نعرض - إن شاء الله - صورا من حياة هذه الأمة
الكريمة في عهدها الثالث.
RO (1/671)
صفحة 672
الأباضية في موكب التاريخ
670
الأباضية في تونس
عهد الدخول في الجامعة الإسلامية
العهد الثالث من تاريخ جربة هو عهد الدخول في الجامعة الإسلامية تحت الخلافة العثمانية، ويبتدئ هذا العهد من سنة 960 هـ؛ حين استولى درغوث بن علي التركي على جربة، وينتهي سنة 1298 هـ، حين احتلت فرنسا كامل المملكة التونسية، واحتلت معها جزيرة جربة، وفي هذا العهد الذي يمتدّ قرابة ثلاثة قرون ونصف كانت جربة تعيش عيشة مريرة قاسية، فمنذ تولي درغوث بن علي طرابلس، خطر له أن يلحق جربة بحكمه في طرابلس، وأصرت هي في استماتة أن تبقى ضمن المملكة التونسية، وقد أصابها من جراء هذا كثير من الأذى والعدوان والاضطهاد، وعوملت بكثير من الظلم والقسوة، حسبما تقرؤه في الفصول الآتية إن شاء الله. أما
شبح القرصنة الإفرنجية فقد بدأ يخف، ثُمَّ يتوارى عن جربة وغيرها، وكان في
اختفائه ذلك يتجمع ويعيد النظر في خططه وأعماله، وأهدافه ولم تعد تكفيه تلك الغارات الخاطفة، التي يقصد منها تأمين القرصنة في البحر، وسرقة ما يُمكن من الشواطئ الإسلامية، إن القرصنة والسرقة أصبحت لا تشبع نهمه ولا تشفي غليله ولذلك فقد تجمعت أسباب الحقد الصليبي كلها في سحابة دكناء، تشمل أوروبا جميعها، واتجهت إلى الشرق ترمي إلى تغيير كل شيء في العالم الإسلامي، وذلك باحتلال البلاد اختلالا كاملا، واستعمارها استعماراً شاملا، والقضاء على الدين، وتغير القيم الأخلاقية، وتبديل اسم الجنس المحتل باسم الجنس الغالب، ووضعت أوروبا خطتها على هذا النمط، وبدأت في التنفيذ، وهجمت هجومها الصليبي العام على جميع الشرق الإسلامي، فزحفت فرنسا على الجزائر والمغرب وتونس، وتحتلها الاحتلال الكامل، لتجعل منها بدل الأمة المسلمة أمة فرنسية مسيحية وراء البحار، وتلحق ترابها بتراب الوطن الأم كما كانت تقول، وكانت جربة بطبيعة الحال داخلة في هذا المخطط الواسع الشامل، وعندما ألقت فرنسا قنبلتها على المملكة التونسية أصابت شظية منها هذه الجزيرة الصغيرة، فاضطربت وتخبطت قليلا، ثُمَّ (1/672)
صفحة 673
الأباضية في موكب التاريخ
671
الأباضية في تونس
خضعت للاستعمار الفرنسي كما خضع له كل الشمال الإفريقي وبقيت تحت نفوذه خمسا
الله
وسبعين سنة، وهي مدة العهد الرابع من تاريخها الطويل كما بقيت تونس، حتى يسر للبلاد الإسلامية سبيل الخلاص من الاستعمار الغربي، فتخلصت منه واحدة إثر أخرى، والعاقبة لكشمير وفلسطين وزنجبار، وإننا لنضرع إليه سبحانه وتعالى كما يسر لنا الخلاص من الاستعمار السياسي أن ييسر لنا الخلاص من آثار ذلك الاستعمار فيما تركه في ديننا، وأخلاقنا، واقتصادنا، وطبيعة حياتنا، إنه على كل شيء قدير.
ف ف ف
ظلم ذوي القربى
وقفت جربة الجزيرة الصغيرة المعزولة عن العالم - موقفها المشرف كالصخرة الصماء، تتحطم عليها أساطيل القراصنة، وترتد عنها غارات المهاجمين من الإفرنج، وتذوب على سواحلها أعداد وعدد المعتدين المعتدين من المستعمرين المتعصبين وقفت تلك المواقف دون أن
تعتمد على مساعدة، أو تنتظر نجدة من أحد، اللهم إلا مرات ثلاث؛ وذلك لأن الدول القائمة حينئذ كانت من جهة عائمة في فتن، داخلية، ومن جهة أخرى كان لا يهمها من الأقاليم التابعة لها إلا مقادير الأموال التي تدفع إليها، أما بقية الشؤون فليس يهمها من أمرها شيء، هذا بالنسبة للدول، أما السكان الذين كانوا يحيطون بالجزيرة من الخارج فقد غل التعصب المذهبي أو العنصري أيدي بعضهم عن مساعدتها، وانشغل بعضهم بنفسه، إذ كان هو الآخر في ظروف ليست خيرا من ظروف جربة، أما البعض الآخر فقد كان يحترف الغارة والنهب، وكثيرا ما ينتزي على جربة أو على غيرها، فيختلس، أو يغتصب ما تقع عليه يده في سرعة ويفر. أما إخوان جربة في المذهب في الديار البعيدة عنها؛ مثل ليبيا والجزائر وبعض بلاد الجريد، فقد كان فساد الحكم، وتعود بعض سكان البادية على الغارة والنهب، وقطع الطرق، قد اضطرهم إلى البقاء في بلدانهم للمحافظة على أنفسهم وأموالهم، وهكذا كانت الجزيرة (1/673)
صفحة 674
الأباضية في موكب التاريخ
672
الأباضية في تونس
منه
سارع الاستعمار والقرصنة منفردة، وكانت ناجحة في صراعها كله فلم يستطع الاستعمار ن يثبت بها قدمه إلا فترات قصيرة في أول الأمر، ثُمَّ صلب عودها فكانت تلقمه حجرا ما حاول الاعتداء عليها، وحتى حين يتاح له أن ينتصر عليها انتصارا مؤقتا كانت لا تلبث وتأخذ بثأرها وترمي به وراء البحر، وكان على الدول الإسلامية القائمة في الحينإذا لم تتمكن من مساعدتها بالمال والرجال والعتاد أو ببعض ذلك، كان عليها على الأقل أن تتركها وشأنها، لتقاوم تلك الأساطيل التي تعب في مراسها سنان، وخير الدين، ودرغوث وغيرهم، فلم تترك حتى لهذا النضال الشريف.
: سنة 960 هـ عينت الحكومة التركية القائد العنيد درغوث بن علي واليا على طرابلس بع. مساع منه طويلة لعزل مراد آغا عنها وتوليته هو بدلا منه وكان درغوث يطمح إلى أن يضم إلى ولايته كل المملكة التونسية؛ لتكون الموانئ الهامة في البحر الأبيض المتوسط تحت حكمه يستطيع تركيز قوته فيها، ليضرب البحرية الغربية التي لا تنفك عن مهاجمة الثغور الإسلامية، والتي كانت تكاد تتحطم في البحر الأبيض المتوسط، وشاعت عنه هذه الرغبة وتناقلتها عنه الألسن.
وكانت جربة في ذلك الحين لا يهمها الوالي الذي يتولى حكمها، ولكنها لا تريد أن تنفصل عن تونس، واقترح مقترحون على درغوث أن يستولي على جربة وأن يضمها إلى طرابلس، فإنَّها مركز بحري هام وهي مع ذلك جزيرة صغيرة يسهل اقتطاعها من تونس، وبلغ الحديث إلى سكان جربة، فخافوا أن تقطع جزيرتهم عن المملكة التونسية وتلحق بطرابلس وذلك ما يكرهون، فقد أقنعتهم التجارب أن الحاق الجزيرة بطرابلس في الحكم لا يعود عليهم بالخير أبدا، ولما تحققوا من نية درغوث بعثوا إلى مركز الدولة في تونس وكان على رأسها في ذلك الحين أحمد بن حسن الحفصي، يطلبون حمايتهم من درغوث، وإبقاء جزيرتهم في مكانها الطبيعي من المملكة التونسية، ولكن أحمد الحفصي كان في واد غير هذا الوادي، فلم يستجب لهم، ولم يهتم بطلبهم، ووصل درغوث بأسطوله وجيشه إلى الجزيرة. (1/674)
صفحة 675
الأباضية في موكب التاريخ
673
الأباضية في تونس
كان سكان جربة يتوقعون نزول درغوث على جزيرتهم، ولكنهم لم يتفقوا على قتاله، ولم يستعدوا له، فقد وقع خلاف بين العلماء في جواز قتال هذا الجند المسلم، الذي يقوده قائد مسلم، وقال قائلون: ما دام القائد يتبع في حكمه دولة الخلافة ويرجع إليها، فإن على جميع البلاد الإسلامية أن تسمع وتطيع، وإذا طالبها ولاة تلك الدولة بالطاعة، وجربة بلد مسلم، أراد والي دولة الخلافة أن تتبعه في الحكم فعليها أن تطيع، سواء كان مركز الولاية في طرابلس، أو في تونس، أو في غيرهما، فإن الوالي لا شك يرجع في شؤونه إلى مركز الخلافة، ورضاؤها عن عمله بمثابة رغبتها في ذلك، وبناء على هذا فلا يحل لنا أن نقاتل هذا الجيش الذي به تعتز الأمة الإسلامية، ولا يجوز أن نحمل السلاح لنقتل جندا مسلما جاء لتنفيذ إرادة الدولة السنية ولا يحق لنا أن نعرض أنفسنا لنقتل، والقتيل منا لا يكون شهيدا، وإِنَّما يعتبر في حكم البغاة.
وقال قائلون: إن بلدنا هذا تابع في طبيعته وحكمه لتونس وعلى تونس دولة مسلمة نحن مرتبطون بها، فيجب أن نحافظ على هذا الارتباط ولا نخالف عنه، وسواء بقيت تونس مستقلة عن دولة الخلافة أو صارت ولاية من ولاياتها، أو الحقت بطرابلس، فلو دخلت تونس تحت حكم درغوث لدخلت جربة تبعا لذلك، أما تونس لم تدخل تحت حكم ذلك الوالي، فإن على جربة أن تدافع من يريد إخضاعها بالقوة، ويبتغي فصلها عن تونس، وأن ترد عنها يد من يحاربها؛ لأنه باغ معتد على بلد مسلم، وتسليم أهلها يعتبر خيانة للعهد وتفريطا في واجب مقدس عليهم صيانته. وهكذا اشتد الخلاف بين السكان، وتوقفت أكثر السواعد عن القتال تحرجا، ولما هم درغوث باحتلال الجزيرة قابلته شراذم من الناس تحمل في وجهه السلاح، وتبدي له المقاومة، فاشتد غضبه عليها، ودعا إلى مساعدته بعض القبائل خارج جوبة من أولئك الطامعين الذين يتوقون إلى مثل هذه الفرصة ليشبعوا نهمة الغنيمة والسبي في أنفسهم، ووقعت بين الإخوة موقعة مؤلمة، خسرت فيها جربة أشجع أبطالها وأفضل شبابها، وخيرة فتيانها، وأثمن أموالها وذلك أن القائد ما وضع رجله في الجزيرة حتى أباح للجند أن (1/675)
صفحة 676
الأباضية في موكب التاريخ
674
الأباضية في تونس
من
يرتكبوا ما شاؤوا، ولم يفرق بين المحاربين والمسالمين ولا بين العزل والمسلحين، فاضطر حتى أولئك الذين أمسكوا عن القتال في مبدأ أمرهم أن يدخلوا المعركة، وأن يخوضوها مع الخائضين، واستباح أولئك الجفاة الجزيرة؛ فارتكبوا ما سولت لهم أنفسهم، وزينت شهواتهم، وقتل فيها من أبطال جربة الصناديد ألف ومائتا قتيل، وهي خسارة لم تخسرها جربة في كل حروبها مع الإفرنج ما عدا موقعة سنة 548 هـ لقد طالما كبدت هذه الجزيرة المسلمة أساطيل الإفرنج خسائر فادحة، دون أن تتجاوز خسارتها في الأرواح في أكبر المعارك بضع عشرات، أما اليوم فقد ذهب على يد درغوث ألف ومائتان من الْمُؤمنين الصادقين، لقد قتل هذا العدد الهائل من المحاربين الأكفاء، وفر أمكنته الفرصة، ولم يبق في الجزيرة غير الضعاف الذين لا يجدون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، ومكث درغوث في الجزيرة حتى رتب أمورها، وعين عليها واليا وأسند إليه الحكم، ثُمَّ رجع إلى مركز ولاية طرابلس منتفخ الأوداج بالنصر العظيم، وكان الوالي الذي تركه على جربة من الضعف بحيث استطاعت الحاشية أن تتسلط عليه وتسيره في أغراضها، وترتكب باسمه ما تشاء؛ فكثر الظلم وأهدرت، الحقوق وانتهكت الحرم، وتحقق الناس ما كان يخشاه فريق من العلماء من تبعيتهم لطرابلس، فضحوا بالشكوى، ولم يكن لهم ملاذ في ذلك الحين غير تونس؛ لأنهم كانوا يرون أن البلاء إنَّما هو آت من طرابلس وعاصمة الخلافة فيما يبدو راضية بذلك. وهكذا طالبوا بإرجاع جربة إلى حكم تونس لينقذوا أنفسهم من جور عمال طرابلس، فإن الدولة التونسية مع ضعفها في ذلك الحين لا تكلف الناس شيئا غير مبالغ من المال، تؤدى إليها سنويا برسم الضرائب، وليس لها بعد الحصول على الأموال المطلوبة أي شأن بشؤون البلد الخاصة، وكتب أتباع درغوث في جربة إليه بالحركة الجديدة، فجهز جيشا آخر، وعاد إلى جربة يغلي غضبا، ولم يتقدم أحد لمقاومته هذه المرة، فدخل الجزيرة، وبدأ سيلا من الانتقامات وارتكب فيها من الفواحش ما يبرأ منه الدين والعرض؛ فسلب الأموال، وقتل الأنفس، وسبى النساء والأطفال، وهكذا قضى القائد المسلم على الجزيرة (1/676)
صفحة 677
الأباضية في موكب التاريخ
710
الأباضية في تونس
القضاء الكامل، ولم يبق إلا من لم تصل إليه يد القائد أو أيدي جنده، وكان فيمن قتله درغوث علامة زمانه الشيخ أبو سليمان داود التلاتي. رجع درغوث وجنده يحملون الأموال والأسرى، وبقيت الجزيرة شبه خالية، يحكمها شيخها القديم مسعود بن صالح السمومني واليا من قبل درغوث، ولما علم الإفرنج أن السيوف التي كانت تصدهم في جربة قد تحطمت وأن السواعد القوية التي كانت تصفعهم قد تكسرت وأن العزائم الصامدة التي كانت تقف أمامهم لا تعرف
الهزيمة أو التراجع قد استؤصلت لما علم الإفرنج بذلك جهزوا أسطولا وقصدوا جربة. ومن الغريب أن درغوث لم يسارع إلى لقاء هذه الأساطيل الإفرنجية ليردها عن بعض ويحمي منها هذا المركز الاستراتيجي الهام الذي كبد الإسلام خسائر لا
ممتلكاته،
تحصى للحصول عليه، وَإِنَّمَا أخلى الطريق لتلك الأساطيل (1). فلما بلغ الأسطول الفرنجي ساحل جربة نشط واليها مسعود بن صالح السمومني، وجمع حوله بقايا العزائم القوية ممَّن أفلته سيف درغوث، وأغلب أولئك شيوخ يحني هاماتهم الشريفة عجز الهرم ومراهقون أطرياء العود يدفعهم الحماس إلى امتشاق الحسام قبل الأوان، واستقبل بهم العدو، ووقف في وجهه، فوقعت بين الطرفين مقاتلات عنيفة، لم يستطع فيها الإفرنج أن يتقدموا خطوة، وطال الحصار، وخشي والي الجزيرة أن يدب الوهن إلى رفاقه فصالح الإفرنج على أن يدخلوا القشتيل فقط، وليس لهم أن يتجاوزوه، وهكذا دخل الإفرنج القشتيل في جزيرة جربة حينما مهد لَهُم درغوث الطريق دون قصد، حينما استولى على جربة فخضن شوكتها، وفل، سلاحها وقلم أظفارها، ورغم أن الإفرنج قد احترموا شروط الصلح، فلم يتجاوزوا حصن القشتيل، ولم يتدخلوا في أي أمر أمر من أمور الجزيرة، فإن سكان جربة لم يرقهم ذلك، وكرهوا أن يبقى الأجنبي في بلادهم، وأن يتخذ
(1) يقول أبو الربيع الحيلاتي: "وفي السنة المذكورة نزلت عمارة النصارى على جربة، وجعلها الله رحمة وفكاكا للمسلمين مما هم فيه من جور درغوث وكان قد ألقى عليهم "أبي على الوهيبة" خمسين ألف دينار، وأخذ منها
شيئا فلما نزلت عليه العمارة هرب - أي برغوث إلى طرابلس واقتتل المسلمون مع النصارى". (1/677)
صفحة 678
الأباضية في موكب التاريخ
676
الأباضية في تونس
أعماله
منها مركزا للقرصنة والعدوان على بقية الثغور الإسلامية، ولما كانوا لا يستطيعون إخراجه في ذلك الحين فقد بعثوا وفدا إلى دار الخلافة يطلب منها إرسال قوة تطهر بلادهم من العدو الأجنبي، واستجابت دولة الخلافة لطلبهم وجهزت قوة بحرية أرسلتها إلى جربة على أن تمر بطرابلس ويتولى قيادتها، درغوث، ولم يكن يعلم درغوث وهو يدير الواسعة في طرابلس حتى وصلته الحملة، وطلبت منه قيادتها لتطهير جربة من عدوها الجاثم فيها، فامتثل لأمر الخليفة، وقاد الحملة، ثُمَّ اتَّجَه إلى جربة، ووجه هذه المرة ضربته إلى الإفرنج القابعين في القشتيل، وثار من في الجزيرة من الاستعمار حتى تكونت السحابة الدكناء التي شملت شمال إفريقيا كله وأطبقت على تونس سنة 1298 هـ
آراء المؤرخين في حروب درغوث
في هذا الفصل أنقل آراء بعض المؤرخين في حروب درغوث بجربة خاصة، وآثار تلك الحروب على الجزيرة، ومن هؤلاء المؤرخين استخلصت للقارئ الكريم الفكرة التي بنيت عليها حديثي في الفصل السابق، وفي فصول أخرى آتية فأرجو القارئ الكريم أن يتأمل هذه الآراء، ويزنها بميزان الحق ميزان الإسلام الذي لا يبخس الناس أشياءهم، غير متأثر بعاطفة عن جربة، ولا شهرة غالبة لدرغوث. 1 - قال أبو زكرياء عبد الله بن مُحمَّد بن زكرياء الباروني في ترجمته أبي سليمان التلاتي: "وتوفي في أوائل جمادى الأولى سنة سبع وستين وتسعمائة، وقتله درغوث بن علي التركي، لما خالفت عليه أهل جربة)، وأدخلوا على قائده المسعود بن صالح السمومني، وحاصروه في القشتيل نحو أربعة أشهر أو خمسة، ثُمَّ تحرك عليهم درغوث بالعرب وزوارة ومستاوة،
1) يشير إلى مطالبة أهل جربة بأن تكون جزيرة جربة تابعة للبلاد التونسية. (1/678)
صفحة 679
الأباضية في موكب التاريخ
677
الأباضية في تونس
من
جماعة
فانهزمت الوهبية من برج الوادي إلى المشيخة وقتل منهم نحو أربعمائة أو خمسمائة رجل، وثالث يوم من الهزيمة أتى موسى بن عمرو بن أبي الجلود إلى الشيخ أبي سليمان الجند، فقالوا له: "لو سرت معنا إلى درغوث لنتكلم على الضعفاء"، فقال له الشيخ: نعم. فسار معه راكباً على بغل له، حتى أتى إلى درغوث، فكلمه درغوث في مخالفة جربة وما كان من أهلها، فقال له الشيخ: نحن جماعة العزابة ليس بأيدينا ولا إلينا تولية الأمراء ولا عزلهم في هذا الزمان، فقال له: "بل أنتم أدخلتم المسعود، وأفسدتم البلاد وفعلتم"، فقال له الشيخ: "ما فعلنا شيئاً إلا الخير، ولسنا - إن شاء الله من أهل الشر في شيء، بل الفساد قبلك، من لتقديمك الأسافل وغير ذلك"، فأخذ الشيخ وسجنه نحو شهر أو أقل، ثُمَّ قتله" (1). 2 - قال أبو عبد الله مُحمَّد أبو راس "في سنة ستين وتسعمائة قدم صاحب طرابلس درغوث باشا إلى الجزيرة بعساكره من الترك وزوارة والسبعة وأولاد شبل، ولما سمع أهل الجزيرة بقدومه أرسلوا إلى صاحب تونس أحمد بن حسن الحفصي يستمدونه، فلم يلتفت إليهم لعجزه واختلاف، أمره فهاجمهم درغوث باشا ودخل الجزيرة، ونزل على الساحل القبلي، واجتمعت أهل الجزيرة وقاتلوا قتالاً شديداً، وترادفت العربان مع درغوث باشا فانهزم أهل الجزيرة، واستشهد منهم ألف ومائنا شهيد، وافترق الباقون، واستولى درغوث باشا على الجزيرة، ورتب قوانينها واستخلف عليها عامله الشيخ مسعود السمومني، ورجع إلى طرابلس سنة وستين وتسعمائة، وكان أهل المدينة في كدر من جور عمال طرابلس، فأرسلوا إلى صاحب
سبع
تونس، وفي ذلك التاريخ دخلت الترك لمدينة تونس، والحكم بأيدي البلبكاشية في الديوان. في السنة المذكورة قدم درغوث باشا إلى الجزيرة لما سمع أن أهلها طلبوا رجوعها لتونس، فقتل جماعة من أهلها؛ منهم الشيخ داود التلاتي كما تقدم في ترجمته، ونهب الأموال، وفر غالب أهلها ولم يبق فيها إلا العاجز، وفي سنة سبع وستين المذكور لما سمع الإفرنج بما وقع في الجزيرة وفرار أهلها أتوا إليها بمراكزهم، ونزلوا على الساحل الجوفي عند مزار الشيخ سالم أذروم، فتلقاهم الشيخ مسعود بن الشيخ صالح
(1) انظر: السير، ص 582، طبعة الباروني. (1/679)
صفحة 680
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
السمومني- وهو آخر السمومنيين- بمن معه ممَّن بقي من أهل الجزيرة، وصالحوه بأن يسلم لهم برج القشتيل، ولا يلتفتوا إلى غيره".
وبعد كلام يقول: " لنرجع إلى ما نحن فيه من صلح الإفرنج والسمومني في تسليمهم برج القشتيل، بقي في يد الإفرنج فبعث أهل الجزيرة إلى الدولة العلية العثمانية، وأخبروها بما صار لَهُم،
فجهزوا لَهُم مراكب، وقصدوا حصار البرج المذكور، فحاصروه ثلاثة أشهر، وفتحوه عنوة. - وقال أبو الربيع سليمان بن أحمد الحيلاتي: "وجاء الباشا درغوث من طرابلس مع أولاد شبل، والسبعة وزوارة، وخلق كثير برا وبحرًا، ونزل قشتيل الوادي، فالتقى مع الشيخ مسعود بن صالح السمومني والوهبية في سبخة القشتيل، فوقعت الدائرة على الوهبية الكثرة جنود طورغود]، ومات منهم ألف ومائتان ومات من الأتراك ومستاوة ومن معهم خلق كثير، ووقع من الفيء والسبي وهتك الحريم ما لم يأذن به الله، ثُمَّ قتل بعدها الشيخ الأجل الفاضل العالم العامل داود بن إبراهيم الثلاتي -رحمه الله مكرا وغدرا حيث أمر بالطلوع إلى الباشا المذكور لينظر في مصالح الرعية، ويتكلم عما وقع فيها من الفواحش ليرتدع عن ذلك، فأخذه دون جميع الفقهاء الذين طلعوا معه [قيل:] والذي مكر به موسى بن عمر البخلودي، وفي السنة المذكورة نزلت عمارة النصارى على جربة، وجعلها الله رحمة وفكاكا للمسلمين مما هم فيه (1) من جور درغوث.
(1)
4 - قال الشيخ سعيد بن تعاريت في ترجمته لأبي سليمان التلاتي: "وساد بجربة، وتولى مجلسها إذ ذاك، وإليه يرجع الأمر في زمانه والشورى والأمر للأمراء والنهي لَهُم، لا يخاف في الله لومة لائم، حتى جعل الله له الموت على الشهادة تمام السعادة، توفي رحمه الله تعالى شهيدا، قتله الملعون الطريد درغوث بن علي التركي، لما خالفت عليه أهل جربة في أوائل جمادى الأولى سنة 967 هـ "
(1) سليمان بن أحمد الحيلاتي: علماء جربة المسمى رسائل الشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي في ذكر علماء حربة وأماكن أضر حتهم والحوادث التي وقعت في أيامهم ومجالسهم العلمية رحمهم الله تعالى، ص 5 - 7. (1/680)
صفحة 681
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
يقول أبو إسحاق اطفيش - رحمه الله -: "وقد ذر قرن الطغيان والعسف من عمال الأتراك يومئذ على تونس ويبدو أن الثورة على درغوث بن علي التركي في جزيرة جربة كانت بإشارته، حيث بلغ الشر من أولئك الولاة الطغاة أشده، بما لا بد معه من الدفاع عن الكرامة والدين، فكان أن أغار درغوث الطاغية على الجزيرة بجموع من العرب والنكار والجند، فأخمد الثورة بضروب القسوة نهايتها قتل هذا العلامة الجليل".
انتهى
المملكة
ما أردت نقله من أقوال وآراء بعض المؤرخين ومنها ومن غيرها مما كتب عن حروب درغوث في جربة، يستخلص القارئ الكريم أن جربة كانت تصر على أن تبقى ضمن التونسية، وأنها في المدة التي ألحق حكمها بطرابلس سواء في زمن درغوث، أو عهد ابن مكي، قد أصيبت بألوان من الظلم والاضطهاد ما نفرها من طرابلس والارتباط معها بعلاقة الحكم، وإن عدد القتلى في جربة الذين استشهدوا على يد درغوث يزيد عن ألف وستمائة، وهذا العدد نصف الجيش الذي استطاعت أن تكونه جربة يوم جمعت كل من يقوى على حمل السلاح لمحاربة الإفرنج.
لم تكن هذه الحروب التي شنها درغوث على جربة بكل قساوة آخر حروبه عليها، ولا ثوراتهم آخر المحاولات للتخلص من حكمه، وظلمه ومن ظلم ولاة طرابلس واستبدادهم، والعمل على البقاء ضمن المملكة التونسية، فإن درغوث لما رجع إلى جربة لإخراج النصارى من القشتيل بأمر الدولة العلية اعتبر ذلك احتلالا لها وألحقها بحكمه من جديد، وعين موسى البجلودي واليا عليها من قبله وسكنت جربة مدة حكم موسى هذا، فلما مات تولى الحكم مكانه ولده عمرو بن موسى فأساء السيرة، وسافر مرة إلى طرابلس ليستشير الوالي في بعض الأمور، فاتفق أهل الجزيرة على عزله، وولوا على أنفسهم عبد الله البرجي، وبعثوا إلى صاحب تونس يطلبون منه المدد، ويملكونه الجزيرة وسـ ويملكونه الجزيرة، وسمع درغوث بهذه الحركة فغضب لذلك، وجهز جيشًا، وسار به إلى الجزيرة، وكان عمرو بن موسى البجلودي معه، فاستعد عبد الله البرجي للقتال، ووقعت بينه وبين درغوث معركة عنيفة، ذهب ضحيتها عدد من الأبطال، وانتصر درغوث، وألقى القبض على البرجي، فقتله وسلخ جلده، وحشاه نخالة (1/681)
صفحة 682
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
وأرسله إلى طرابلس وأرجع الحكم إلى عمرو بن أبي الجلود، وبقيت جربة تحت حكم طرابلس إلى السنة الرابعة عشر بعد الألف؛ حيث بعث قارة عثمان داي جينا إلى الجزيرة لطرد الحامية الطرابلسية، فوقعت معركة بين الفريقين ذهب فيها عدد من الضحايا، وانهزمت الحامية الطرابلسية، وأخرجت من الجزيرة، وخسرت جربة في هذه المعركة التي دارت بين الواليين اثنين وأربعين رجلاً من رجالها الكرام.
SOOR SOR
رجوع جربة إلى تونس
دخلت تونس في الجامعة الإسلامية، وأصبحت هي الأخرى ولاية عثمانية مثل طرابلس، وهنا بدأ نزاع الإخوة على الشركة، فقد عملت طرابلس من قبل على سلخ جزيرة جربة من
تونس وإلحاقها بطرابلس، وأصبح هذا العمل لا يروق لوالي تونس. وفي السنة الرابعة عشر بعد الألف جهز قارة عثمان داي جيشا لمحاربة الحامية الطرابلسية في جربة، ووقع بين الفريقين قتال انتهى بهزيمة الحامية الطرابلسية وخروجها، ورجوع الجزيرة إلى حكم تونس وعزل عثمان داي والي الجزيرة حينئذ الشيخ عمرو بن موسى بن أبي الجلود، ولكن أحدا من الناس لم يتقدم لطلب الحكم على جربة، ولم يقبلها أحد ممَّن عرضت عليه، فاضطر إلى إرجاع عمرو هذا إلى منصبه السابق. وبإرجاع جربة إلى تونس وإسناد الحكم مرة أخرى إلى أسرة أبي الجلود بدأت سلسلة من المتاعب المحلية والفتن الداخلية، فقد تنازع أبناء هذه الأسرة على الحكم، وتقاتلوا عليه، وكاد بعضهم لبعض وتآمر عليه، وانقسم السكان بطبيعة الحال انقسام الحكام، مع وكانت أصابع بعض الشخصيات التركية تحرك تلك الدمى المتقاتلة، وتساعدها في بعض الأحيان وتؤجرها وتستأجرها، وكان هؤلاء الحكام المتقاتلون لا ينفكون عن جمع الضرائب، وفرض الغرامات، ومصادرة الأموال، وكلما أحس الواحد منهم بحاجة إلى مزيد من المال (1/682)
صفحة 683
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
لنفسه أو لسادته التمس أية وسيلة لفرض غرامة تتناسب مع الحاجة وقد تفرض تلك الغرامة على جهة أو قبيلة أو على الجزيرة كلها حسب اللزوم، وترسل من تلك الأموال المقادير المقررة للدولة في تونس أما الباقي فهو لاستهلاك الحاكم الشخصي. وقد تحكم الخلاف بين أسرة أبي الجلود حتى أدى إلى الاغتيال والقتل، واستئجار رؤساء العصابات للانتقام، وبعد إحدى هذه الحوادث المؤلمة ذهب أحمد بن موسى بن أبي الجلود إلى طرابلس يطلب من واليها أحمد القره مانلي أو مائلي) أن يجهز له جيشا يحتل به الجزيرة، ولكن القره مائلي لم يستجب لطلبه، ولم يلتفت إليه، فرجع وجمع جموعا من "عكارة" و"ورغمة، ودخل بهم إلى الجزيرة لقتال موسى بن صالح، ووقعت معركة حامية بين جيشي ابني العم انهزم فيها موسى فاحتمى بالبرج الكبير، ثُمَّ فر إلى صفاقس، أما العربان الذين جاء بهم أحمد فقد استباحو السوق وانتهبوا ما فيه، وذلك ما يطلبون ومن أجله يحاربون، واستولى أحمد على الجزيرة. لَمَّا وصل موسى موسى بن أبي الجلود إلى صفاقس وجد هنالك يونس بن علي معسكرا هناك، فلما أخبره الخبر جهز له جيشا وأمره بالرجوع إلى جربة وطرد ابن عمه أحمد، فسار موسى بجيشه اللجب حتى دخل جربة، فتلقاه أحمد، ولما رأى أنصاره من "عربان" و"ورغمة" و"عكارة" كثرة جيش موسى وحسن استعداده ولوا هاربين وكانوا عازمين على الخروج من طريق تاربلة خوضا في البحر، فلحق بهم جيش موسى فقتلهم عن آخرهم، ولم يبق منهم إلا شواذ، تمكنوا من الخروج قبل وصول الجيش، ورجع جند موسى على حومة أجيم فاستباحها وانتهبها. وهكذا انتصر أحمد، فنهب أموال أنصار موسى وانتصر موسى بعد مدة قصيرة فنهب أموال أنصار أحمد، والنتيجة أن أموال الجزيرة قد أصبحت كلها في أيدي أبناء أبي الجلود المتنازعين على الحكم، وعاشت جوبة تحت حكم ابن أبي الجلود مدة قرن ونصف في أسوأ حالة تعيشها أمة تحت حكم لا يستند إلى دين أو قانون، ويبدو أن هذه الأسرة لا تخلو من شذوذ، فمع هذه المواقف المؤسفة التي يقفها بعضهم من بعض بلغ الهوس من أحدهم إلى أن بتاجموت ثُمَّ انتحر، أما آخر ولاتهم فبينما هو يتمتع بالحكم إذ اختل عقله، وشكاه أهل
حبس
نفسه (1/683)
صفحة 684
الأباضية في موكب التاريخ
682
الأباضية في تونس
الجزيرة إلى صاحب القيروان، فلم يصدق حتى دعاه إليه واختبره؛ فوجده على أسوأ حال من الجنون، فعزله وولى مكانه أخاه، فأساء السيرة ولم يحسن التصرف؛ فشكاه أهل الجزيرة إلى علي باشا صاحب تونس، فعزله وسجنه ثُمَّ أمر بمصادرة أموال هذه الأسرة وتخريب دورهم، وانتهت فترة من أسوأ ما مر على جربة من فترات وذلك أن المصائب كانت من قبل تأتيها من الخارج فتقف الجزيرة متحدة لمجابهتها، أما في هذه الفترة كانت المصائب تنبع من الداخل، وتجد من يؤيدها من الخارج، فكان شرها قد تعدى الأموال والأرواح إلى تفريق كلمة الأمة، وتكوين عصبيات وحزازات ودماء بينها.
SOOR SO
جربة تعود إلى طرابلس
جاء في "المنهل العذب" صفحة 318 ما يلي: "ولما استولى علي باشا برغل على طرابلس، ودانت له القاصية، وجبى البلاد، وصفا له جوها من أولاد القرة مانلي، تحدث مع رجاله في الاستيلاء على مملكة تونس، ووزع أعمالها بينهم؛ ومنهم قره محمد التركي، ووعده بولاية جربة فقال له: "إن هذه الجزيرة ذات خصب وثروة عظيمة، وكانت من أعمال طرابلس واغتصبها والي تونس من سوء إدارة أسلافه، فالبدار للفرصة! .. هذه الجزيرة قريبة منا، وعسكرنا
حاضر مستعد للقتال، فتوجه بألف مقاتل من الجند في سبعة مراكب بلا استئذان الباب العالي". وصل جند علي برغل بقيادة قره مُحمَّد التركي إلى جزيرة جربة على حين غفلة من أهلها، فاحتلها دون قتال سنة 1209 هـ، وكان عاملها من قبل تونس الشيخ حميدة بن قاسم بن عياد قد أذهلته المفاجأة فلم يقم بالدفاع، وإنَّمَا أودع حرمه في زاوية أبي زيد، ثُمَّ انفلت هاربا إلى صفاقس في مركب أو جدته الصدفة المناسبة، وتلقاه محمود الجلولي فأكرم مثواه، وطير الخبر إلى حمودة باشا صاحب تونس. واهتم حمودة باشا بالموضوع، لا سيما وأن على برغل قد طرد أسرة القره مانلي - من ولايتهم في طرابلس - فلجأوا إليه يطلبون منه المساعدة والنجدة.
أصدقاءه (1/684)
صفحة 685
الأباضية في موكب التاريخ
683
الأباضية في تونس
درس حمودة باشا الموضوع دراسة مستفيضة وأكثر الاستشارة، واستعرض حالة تونس الحاضرة وحالة برغل وعلاقة الجميع بالدولة العلية وأخيرا قر رأيه على أن يقف مع ذلك المغامر الجريء موقف الحزم، فجهز جيشا عظيما تحت قيادة مصطفى خوجه، وأرسله إلى طرابلس لطرد علي برغل وإرجاع أبناء القره مانلي إلى مقر حكمهم. واستطاع القائد التونسي الأعرج أن ينجح في مهمته أعظم نجاح؛ فقد استولى على طرابلس، وطرد منها برغل وأرجع أصدقاء القره مانلي إلى حكمهم، وكف أيدي الجند عن الناس، فلم يلحق طرابلس أي أذى من هذا الجيش الكبير، فأحب أهل طرابلس هذا القائد واحترموه، وجمع أغنياؤهم مبلغ مائة ألف محبوب قدموه مكافأة لهذا الجيش العفيف القائد، وأضاف إليه مبلغ أربعين ألفا من عنده ووزعها على الجند، ورجع إلى
وقبله
منهم
تونس مشيعا بالاحترام والتقدير والإعجاب.
وفي نفس الحين الذي ذهب فيه مصطفى خوجه إلى طرابلس لتأديب برغل، جهز حمودة باشا أسطولا آخر تحت قيادة الجزيري وأرسله إلى جوبة، ووصل الأسطول التونسي إلى جربة؛ فتلقاه قره مُحمَّد ووقعت بين الجيشين معركة حامية، انهزم فيها قره محمد وخرج من الجزيرة، وكانت المدة التي بقيتها الجزيرة تحت حكم طرابلس في هذه المرة ثمانية وخمسين يوما -أي أقل من شهرين، ومن المؤسف أن أعمال علي الجزيري في جربة كانت عكس أعمال مصطفى خوجه في طرابلس، فما فرت حامية طرابلس ودخل هو وجنده الجزيرة حتى أباح لَهُم البلاد فنهبوها؛ وبلغ بهم الانحطاط والطمع إلى أنهم لم يحترموا حتى المساجد، فنهبوا أوقاف كثير منها، وبدا على الجزيرة سلسلة من الانتقامات والعقوبات، وهكذا أصيبت هذه الجزيرة بمحنة أخرى لم تكن تتوقعها، وبقي الجزيري واليا على جربة لمدة شهرين؛ ارتكب فيهما من ألوان الظلم والقسوة ما حمل أهل الجزيرة إلى أن يبعثوا وفدا إلى تونس، وذهب الوفد وعرض على حمودة باشا ما تلقى الجزيرة على يد الوالي علي الجزيري، فعاقبهم على تسليمهم جزيرتهم إلى علي برغل ثُمَّ قبل عذرهم، واستمع إلى شكواهم،
وعزل عنهم علي الجزيري، وولي مكانه مصطفى بن حسن الكبير سنة 1209 هـ. (1/685)
صفحة 686
الأباضية في موكب التاريخ
684
الأباضية في تونس
كان الجزيري حين احتل جربة قد أسر من حامية طرابلس أربعمائة جندي؛ فبعثهم إلى تونس واستقبلهم حمودة باشا كما يستقبل الأمير الكريم طائفة من جنده المخلصين. يقول النائب في المنهل العذب" صفحة 325: "وبعث له أربعمائة جندي طرابلسي من عسكر طرابلس أخذهم أسرى، فقابلهم الباي بجزيل الإنعام، وأثبتهم في ديوان جنده، وترقى بعضهم إلى منصب الطاي وغيره من المناصب".
بعد رجوع وفد جربة من تونس علم الجزيري أن الباي غاضب عليه، وأنه لن يلقى خيرا إذا ذهب إلى تونس، فخرج فارا إلى المشرق حتى وصل الحجاز، وهنالك أصيب بمرض عقلي، وتوفي وهو مقيد بالأغلال المرض.
بسبب
كانت محاولة برغل هي آخر محاولة لإلحاق جربة بطرابلس، وبعدها استقرت الجزيرة في تبعية البلاد التونسية، ولم يعد أحد يطالب بإرجاعها إلى طرابلس، وأصبح الباي يعين عليها الولاة، وسارت الحياة بأهل جربة هادئة مستقرة نوعا ما من الجانب السياسي، ولكن نشأت مشاكل جديدة من نواح أخرى قد نستعرض بعضها في فصول آتية إن شاء الله.
خلاصة هذا العهد
هذا عهد تاريخي يمتد قرابة ثلاثة قرون ونصف، إذ يبتدئ باستيلاء درغوث بن علي التركي على جزيرة جربة سنة 960 هـ، وينتهي بالاحتلال الفرنسي لكامل القطر التونسي
ومنه جربة سنة 1298 هـ.
ينقسم
هذا العهد من حياة جربة الى فترتين:
الفترة الأولى وتمتد نحو قرنين ونصف من سنة 960 هـ إلى سنة 1209 هـ، وهي فترة قضتها الجزيرة تحت ألوان من الظلم والتعسف، والاستبداد، والفتنة من الداخل والخارج، وقد تعاونت كل العوامل على جربة في هذه الفترة، حتى أصبح الناس لا يعرفون من أين تنزل عليهم المصائب، وكان موقعها الهام، وتربتها الخصبة، وثروة أهلها من أهم الأسباب في الكوارث التي نزلت عليها. (1/686)
صفحة 687
لقد
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
فقد تسلط عليها الولاة الأتراك على طرابلس؛ مثل درغوث بن علي، وعلي برغل، ووجهوا إليها من العنف أقسى ما يُوجهه ظالم لا يرحم على ضعيف لا يملك قوة، ولكنه لا يذل ولا يستكين، ولم يقفوا عند حد في الإضرار بها؛ فقد وجهوا إليها حملات غازية متتابعة، استنزفت منهم الدم والحياة؛ فقتلوا أبطالها، وابتزوا أموالها، وحطموا قوتها، وخربوا بلادها، وعاثوا فسادا، ولم يراعوا فيها لا حرمة الإسلام، ولا حرمة الجوار، ولا حرمة الضعيف المغلوب، ولا حتى حرمة البشرية. وضعوا بين أعينهم صورة واحدة لهذا البلد المسلم، هي الصورة التي عبر عنها علي برغل بقوله: "إن" هذه الجزيرة ذات خصب وثروة عظيمة (1)، ووضعوا لأنفسهم صورة أخرى عبر عنها علي برغل أيضا بقوله: "هذه الجزيرة قريبة منا وعسكرنا حاضر مستعد للقتال". وما دامت الجزيرة ذات خصب وثروة وهي قريبة، وعسكرهم مستعد للقتال فماذا يمنعهم من ظلم الناس وقتل أرواحهم، واستنزاف أموالهم، وتخريب ديارهم، إن من حقهم – فيما يحسبون - أن يستمتعوا بتلك الثروة، وذلك الخصب، فغزاها در غوث غزوات متلاحقات وكان في كل مرة يقتل من أهلها من يصله سيفه، ويأخذ من مالها ما تبلغه يداه، وحاول برغل من بعده أن يقوم بنفس الدور، ولكن حزم حمودة باشا باي تونس ضربه على يده بعد المحاولة الأولى، فخسر جربة، وخسر طرابلس معها.
ولم يقف الشر في جربة في هذه الفترة عند هذا الحد الذي يتمثل في الغزوات الظالمة من ولاة طرابلس على الجزيرة، وإنَّما تليت بحكم أسرة أبناء أبي الجلود؛ الذين أوصلهم درغوث إلى منصب الحكم، وكانت هذه الأسرة شر أسرة توارثت الحكم في البلاد، فكان حكمهم كارثة أخرى نزلت على البلد فيما نزل من الكوارث، وقد امتدت هذه الفترة المؤلمة من سنة 960 هـ إلى سنة 1209 هـ، حين طرد على الجزيري بأمر حمودة باشا- قائد الحامية الطرابلسية قره، مُحمَّد الذي احتل جربة بأمر علي برغل عاشت جربة في هذه الفترة التي تمتد قرابة قرنين ونصف على أسوأ وضع عاشت عليه
أمة، وقد أثر عليها من جميع النواحي أسوأ الآثار.
1) المنهل العذب، ص 318. (1/687)
صفحة 688
الأباضية في موكب التاريخ
686
الأباضية في تونس
أما الفترة الثانية: التي تمتد من سنة 1209 هـ إلى سنة 1289 هـ، وهي مدة تقارب قرنا من الزمن، فقد عاشتها جربة تحت نظارة الحكومة التونسية، وكانت أكثر استقرارا وأمنا، فقد كانت الحكومة التونسية تهتم بأمر الولاة وتستمع إلى شكايات الأهالي فيهم، وتحاسبهم بعض المحاسبة على تصرفاتهم، وقد تعزل البعض منهم استجابة لرغبة السكان كما فعلت بعلي الجزيري، فلم يستطيعوا أن يبالغوا في الظلم، ولا أن يثقلوا على الناس، وقد تخلصت جربة في هذه الفترة من الغزوات الخارجية؛ فلم يعد إليها الإفرنج، ولم يعد إليها ولاة طرابلس، وبذلك استطاعت أن تأمن وتطمئن، وأن تنمي الناحية العددية فيها برجوع بعض المهاجرين من أبنائها، وأن تعود إلى الكفاح لتحسين الناحية الاقتصادية التي استنزفتها الحروب والضرائب والغرامات. لقد كانت الفترة الأولى من هذا العهد بما حملته معها من فساد وخراب وفتنة داخلية وخارجية، قد قضت على الناحية الاقتصادية في جربة، فبعد أن كانت أرضا خصبة، تنتج أحسن الغلال وأجود الفواكه، وكان أهلها من أبرع المزارعين وأحرصهم على العمل عاث أولئك الجنود المتعاقبون فسادا في تلك المزارع، وأحالوها إلى أرض قاحلة، ولم يتركوا لأصحابها فرصة لإحيائها والمحافظة عليها، ولقيت الناحية الصناعية في البلد نفس المصير، فقد كانت تقوم في جربة معامل للصناعة المحلية تدر على أهلها ربحا لا بأس به، فخربت تلك الجيوش ما جاء في طريقها من تلك المعامل، وشردت الصناع الذين يديرونها أو يقومون عليها، وبددت المواد الخام التي تقوم عليها تلك الصناعة، وأصبح الناس في حالة يرثى لها، يتوقعون كل يوم مزيدا من الشر، ولكنهم لا يعرفون الصورة التي سوف يفد عليها، ومن المؤسف أن أولئك
الحكام كانوا يطالبون بالمزيد من المال كأنما كانت أصابع سكان جربة تسيل بالذهب. ونتج عن هذه الأحوال أن كل من استطاع أن يهاجر إلى أي بلد تيسر له أن ينتقل إليه في أمان، وباشر الجربيون في مهاجرهم أي عمل أبيح لَهُم، وكانوا يتقدمون في أعمالهم تلك في مهاجرهم بفضل ما يتحلون به من صدق وأمانة، وإخلاص وجد وكانت أعمالهم تلك تنتهي غالبا إلى افتتاح محال للتجارة، وهكذا كان هذا العهد الظالم سببا لهجرة أكثر (1/688)
صفحة 689
الأباضية في موكب التاريخ
987
الأباضية في تونس
سكان جربة إلى الخارج للاحتراف وتعودوا ذلك فاستمروا عليه حين هدأت الأحوال، واستقرت الأمور، ولقد نتج عن هذه الهجرة أن تكونت ثروة في أيدي التجار الجربيين، وأصبحوا من أحسن سكان البلاد التونسية اقتصادا، ولكن هل يغني هذا المال الذي يجمعه سكان جربة في مهاجرهم عن تلك الجنة الجميلة في وسط البحر التي حرمت من سواعد أبنائها البررة. ثم أين هي المجامع العلمية؟ وأين هي الوحدة التعاونية؟ وأين هي العزيمة الصامدة، والصبر الطويل الذي كافحت به جربة أساطيل أسبانيا مدة غير قصيرة؟ وأين هـ الأخلاق التي غرسها الإسلام في نفوس أبنائها، فحفظت عليهم عزتهم. إنني وأنا أكتب هذا الفصل تنهال على ذهني عشرات الأسئلة عن جربة ووضعها في الحاضر والمستقبل، الذي نأمل أن يكون خيرا في عهود الاستقلال الزاهرة، ويطمئنني أن الشباب المسلم من أبنائها مع الشباب المسلم من البلاد التونسية العزيزة سوف يسهر على
تلك
بناء مستقبل سعيد عزيز، يسود فيه حكم الإسلام وينفذ فيه أمر الله، وتعم فيه العدالة جمي الناس، إذ لا شك أن الأمة التونسية - وجربة جزء منها - قد بلت كما بلت جميع الأمم الإسلامية جميع ألوان الحكم في العهود الماضية، وعلمت كما علمت جميع الأمم الإسلامية الهوة السحيقة التي انحدرت إليها بسبب الانحراف في الحكم عن المنهج الإسلامي، وبسبب انغماس ولاة الحكم في المتعة، وعدم تحريهم للحق والعدل وسعادة الأمة، وقد أوصلهم ذلك الانحراف إلى أن تأخرت الأمة الإسلامية عن مركز قيادة البشرية إلى مرتبة التبعية في ألوان من العسف والقهر والهوان، واليوم وقد انزاح عن الأمة الإسلامية في مختلف دولها وأوطانها كابوس الاستعمار، ووضع عنها نير الاستعباد المقيت، عسى أن تتركز منها الخطوات وتسير في السبيل القويم، وعسى الشباب المسلم في الأمة التونسية الكريمة أن يكون في الرعيل الأول من الشباب المسلم الواعي اليقظ؛ الذي يحرص على حفظ تراثه وبناء مستقبله المديد على أسس سليمة من حاضره السعيد.
المجيد، (1/689)
صفحة 690
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
كفاح الإباضية للانحراف
لا شك أن البلاد التونسية في العهد الإسلامي قد تغيرت عليها أنظمة الحكم بين عدد من الدول والإمارات، ولا شك أنها كانت مقرا لعدد من الطوائف الإسلامية المختلفة المذاهب من صفرية، ونكار، ومعتزلة وشيعة وأشعرية وإباضية وغيرها، وإنه لعسير على مؤرخ أن يصور حياة هذه الأمة المسلمة بكل طوائفها التي كانت تعيش على تراب هذه البلاد العزيزة، باحثا لها من جميع الجهات، ناظرا إليها من مختلف الزوايا.
وأنا في هذا الكتاب إنَّما أتحدث عن طائفة واحدة من تلك الطوائف الكثيرة التي عاشت في هذا الوطن، ولست في حديثي هذا مؤرخا أتقصى الأحداث، وأتنسط الأخبار، وأتتبع سير الفرق لأسجل ما يقع فيه من حوادث، وأرافق الملوك والجيوش أصف معاركها، وأفصل انتصاراتها وانهزاماتها، وَإِنَّمَا كل ما أرمي إليه في هذا الكتاب أن أجعل القارئ الكريم يعيش وسط الشعب، ويحيا بين أفراد الأمة العاديين، الذين لا علاقة لَهُم بالحكم والحاكمين إلا حين يتفرجون على مواكبهم الفخمة. وهي تسير في الشوارع تياهة مُختالة، أو حين تسوقهم الأقدار مرغمين في بعض الأحداث، وأن أضع بين يديه صورا لحياة طائفة من الْمُؤمنين؛ عاشوا في جزء من البلاد الإسلامية الفسيحة قرونا من الزمن، ولا يزالون يعيشون يدينون الله دين الحق، ويحملون رسالة الله في ثبات
وصبر، ويُجاهدون في سبيل الله بقوة وعزيمة وجلد، مثل ما أتاحت للإباضية في البلاد التونسية. وبما أن الإباضية قد تقلصوا تحت عوامل متعددة من كثير من الجهات التي كانوا يعمرونها، وانحصروا في جزيرة جربة، فإن في إمكاننا أن نجعل هذه الجزيرة، أو هذه الطائفة من الإباضية في هذه البقعة من البلاد التونسية العامرة موضوعا لحديثنا، ومثلا نوضح به الصور التي نريد استجلاءها لنستخرج منها الغظة والعبرة، ولنرى ما تستطيع
الأمة الإسلامية أن تقدمه للبشرية، إذا هي التجأت إلى الإسلام، واحتمت بدين الله. إننا عندما نتحدث عن جزيرة جربة هذه الجزيرة الصغيرة التي كانت تلين عندما يهاجمها المسلمون حتى تصاب بأفدح الأضرار، وتتصلب حين يهاجمها الإفرنج حتى تصبح صخرة (1/690)
صفحة 691
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
عاتية؛ تتحطم عليها أقوى الأساطيل، فإنما نقدم للأمة الإسلامية في مختلف ديارها، ومختلف مذاهبها مثالا واقعيا يثبت لها تاريخيا أن الأمة المسلمة عندما تحتفظ بالإسلام لا تقهر بالقوة المادية وحدها أبدا، وأن الأمة المسلمة حينما تتخلّى عن الإسلام لا يمكن أن تنتصر؛ لا في ميدان المادة، ولا في ميدان الروح. وجربة هذه الجزيرة الصغيرة المنزوية في ركن خفي من خليج قابس، ذات التاريخ المجيد، لم تتوقف عن الكفاح في سبيل الله في يوم من الأيام منذ دخلها الإسلام، واستنارت ربوعها بنور الله، ورنت في بقاعها آيات الكتاب العزيز، وإن كفاحها المجيد هذا التاريخ الطويل يتواصل في عدة واجهات، يُمكن أن نعطي عنه صورا مختصرة فيما يلي:
-
1 كفاح الإباضية لإقامة دين
الله
2 - كفاح الرذيلة في مختلف أشكالها وألوانها.
3 - كفاح الجهل بدين
الله
كفاح البدعة الزاحفة التي تتخذ الدين ذريعة لغايات خفية.
كفاح السلطة الظالمة التي تتخذ الحكم وسيلة لظلم الناس، وابتزاز أموالهم. 6 - كفاح التعصب المذهبي الذي يستغله الجمود تارة، والسلطة تارة أخرى. كفاح الصليبية الحانقة التي ما فتئت تحارب الإسلام وتكيد له، ولا تزال إلى اليوم
وإلى ما شاء الله مهما اختلفت الأسماء والبلاد.
الكفاح لإقامة دين الله
ماوية
لما جاء الفاتحون الأولون يدعون إلى الإسلام، كانوا يحملون هذه الرسالة السـ السامية، التي جاءت بنظام شامل للحياة الإنسانية كما يريدها خالق الإنسان، نظام يشمل علاقة الإنسان بالله الذي خلقه وعلاقة الإنسان بالإنسان فردا ومجتمعا، وعلاقة الإنسان بالكون، وما أودع الخالق فيه من قوى، وأوضح أولئك الفاتحون للشعوب التي حملوا إليها الرسالة (1/691)
صفحة 692
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
الإسلامية الطريقة التي يجب أن تتعامل بها البشرية، وذلك بما في كتاب الله، وفي سنة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين، وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، وسيرة من تبعهم بإحسان، وكان الفاتحون في زمن الخلافة الرشيدة حراصا على أن ينفذوا أحكام الله كما جاءت في كتاب الله، وعرفوه في التطبيق الذي قام به من ولي الحكم من خيار هذه الأمة. فتقبل الناس هذا الدين في شمال إفريقيا كما تقبلوه في البلدان الأخرى، وقامت لمحاربته قلوب مظلمة بالكفر، وأيد مغلولة بالوثنية وعقول غرتها الحياة الدنيا والنفوذ والتحكم وضمائر لوثتها المطامع في الحياة، فلم تعد تهتم للحق والخيـ والعدالة، كما وقع ذلك في جميع الربوع عندما تشرق عليها لأول مرة أنوار الإسلام، ولكنها لا تلبث القلوب المتعفنة أن تفنى والعقول الخاطئة أن ترجع إلى الحق، وتستجيب لدعوة حتى ترفرف عليها راية الإسلام.
الله،
بهرج
السلطة
وتغير حملة الرسالة بعد ذلك، فذهب أولئك الذين أوصلوا الرسالة، وليس لهم هم إلا أن الله ينتشر دين وتعلوا كلمته، وجاء من بعدهم قوم يبنون لملك عضوض، ويؤطدون لدول متحكمة في مال الله وعباد الله، فأعتمت الصورة المشرقة التي جاء بها الإسلام لما انحرف الحكام عن إقامة دين الله، فطالب الناس باتباع أمر الله، والمحافظة على ما جاء في كتاب واتباع ما وردت به الحنيفية السمحة ولكن الأيدي الحاكمة التي كانت تمسك بمقاليد الأمور كانت لا تستجيب لهذه الدعوة، ولا يرضيها الرجوع إلى حكم الإسلام العادل النظيف؛ لأنه طريق لا يصلون منه إلى غاياتهم من الترف والرفاهية وبلوغ الشهوات، والتحكم في مقدرات الأمة، وتولد عن هذا الانحراف في أنظمة الحكم تطور في الكفاح ضد الانحراف.
لقد سبق أن أشرت إلى أن الإباضية كانوا منتشرين في أغلب البلاد التونسية، ولقد كانت لَهُم مواقف في الكفاح، كما كانت لغيرهم من الطوائف والمذاهب مواقف. ويجدر بي أن أقول هنا: إن الكفاح ضد الانحراف قد اتخذ طرقا عدة، ومظاهر مختلفة، منها مواقف إيجابية صارمة، ومنها مواقف سلبية لينة، وبينها مواقف كثيرة تختلف قوة وضعفا، ولينا وعنفا وشدة وهوادة والكفاح ضد الظلم أو الكفاح السياسي (1/692)
صفحة 693
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
سوف نتحدث عنه في فصل آت إن شاء الله، أما هذا الفصل فهو معقود للكفاح السلب الذي يقصد منه إقامة دين الله، والمحافظة على أحكامه بالنسبة للفرد والمجتمع، دون اللجوء إلى العنف أو الثورة.
حرص الإباضية في مختلف أدوار التاريخ على أن يقيموا دين الله فيما فإن أتيح للأمة بينهم الإسلامية دولة ترعى حدود الله وتقيم أحكامه تعاونوا معها، وأعانوها، أما إذا كانت الدولة القائمة جائرة غير سائرة على أحكام الله حرصوا على أن يكونوا أقل الناس شغبا، وأعطوها ما تطلب منهم من أموال أو ضرائب مثل غيرهم من الناس وكفوا أيديهم عنها ولها إلا بمقدار الضرورة، ثُمَّ رجعوا إلى مجتمعهم فاتبعوا النظام الذي سموه بنظام العزابة، وهو يكفل حد، وإقامة الصلاة فيها، وتيسير السبل لها، والمحافظة على دروس الوعظ
لَهُم رعاية المساجد، والإرشاد، وتثقيف العامة تثقيقا دينيا، ودراسة كتاب الله، والعلوم الشرعية واللغوية، والإشراف على تعليم الصبيان، وتربيتهم تربية إسلامية نظيفة والمحافظة على الأسواق أن تدخل إليها الأموال المحرمة أو المسترابة، والتشديد على التجار أن تدخل بعض الصور الممنوعة في معاملاتهم، وقد كان كبار العزابة يتفقدون بأنفسهم الأسواق والمتاجر، ويشرحون للناس صور الربا، وأنواع المعاملات التي لا تجوز شرعا، حتى كان الناس يتندرون بذلك، فيقول بعضهم: إن العلماء علموا التجار طرق الغش؛ لأنهم يشرحون لهم الصور الممنوعة التي قد يكونون غير عارفين بها، ولتشديد العلماء في مراقبة الأسواق وما يدخل إليها أصبح الناس يتحرزون كثيرا، ويترددون في أن يشتروا شيئا من سكان البوادي الذين كانوا في ذلك الحين لا يتورعون عن الإغارة واقتناء الماشية من طريق النهب، ولا سيما أولئك الأعراب الذين وفدوا مع بني هلال، وبني سليم، وكانت أدمغتهم لا تزال مشحونة بما كان يعتز به عرب الجاهلية من الشجاعة والإقدام على الموت، والإغارة على الأحياء المجاورة. وكانت تثور بين العلماء في هذا الصدد مناقشات حامية الوطيس، وقد وقع نقاش من هذا النوع في يوم من الأيام، فغلا أحدهم حتى قال: إن جميع الأموال التي بأيدي الأعراب ريبة؛ لأنها آلت إليهم عن طريق الغارة، والسلب، وحتى إذا لم يباشروا ذلك بأيديهم فإِنَّهَا لا محالة وصلت إليهم عن هذا الطريق، فقال له أحد الحاضرين: إن أصل الماشية منهم، فقد جاءوا بها عندما (1/693)
صفحة 694
الأباضية في موكب التاريخ
692
الأباضية في تونس
دخلوا إلى إفريقية، وكان المسجد غاصا بالحاضرين، قسم الرجال غاص بالرجال، وقسم النساء غاص بالنساء، فقالت امرأة من قسم النساء بل هي أموال أهل البلاد اغتصبوها، ثُمَّ هم يبيعونها. ومفهوم بالبداهة أن النقاش كان يدور حول الأعراب من بني هلال وبني سليم؛ الذين وردوا على إفريقيا في فترة من التاريخ وكل ما لديهم هي سيوف يقتا سيوف يقتلون بها، وخيول يحاربون عليها، وأيد يأخذون بها ما تصل إليه من أموال الناس.
إن
المناقشة السابقة تدل أن التحرج من الأموال المسترابة أمر شائع في حياة جميع أفراد الأسرة يتحرز منه الرجل، وتتحرز منه المرأة، وحتى عندما يتردد الرجل يتردد الرجل ويميل إلى التساهل تقف المرأة الْمُؤمنة دون ذلك التساهل؛ لأنها اقتنعت بوجهة نظر معينة، والمرأة عندما تقتنع لا يمكن أن تتراجع.
إن الإباضية عندما انحرفت الدول عن إقامة أحكام الله، وأصبح الناس يتهارشون على مناصب الحكم، تخلى لَهُم الإباضية عن تلك المناصب، وأقاموا لأنفسهم نظاما يكفل لَهُم القيام بجميع أحكام الله ما عدا حكم الإمامة، ولقد حافظ الإباضية في تونس على هذا النظام إلى القرن العاشر ثُمَّ بدأوا يتحللون منه، أما الإباضية في الجزائر فلا يزالون يحافظون عليه إلى اليوم، ويستطيع الزائر الذي يزور مواطن الإباضية في الجزائر أن يجد صورة صحيحة للمجتمع الإسلامي الحي الذي يقرأ عنه في السيرة، المجتمع الذي يسير بحكم الله؛ مستفيدا بما بلغت إليه الحضارة دون أن تؤثر عليه الحضارة بمفاسدها. أما هؤلاء الإباضية الذين تحللوا من نظام العزابة في ليبيا وتونس فقد جرفتهم الحياة كما جرفت غيرهم في تيار الحضارة الفاسدة، وأصبحت إقامة دين الله عندهم كما عند غيرهم شكلية ظاهرية، وأثرت على شبابهم المتعلم كثير الأفكار والنزعات المستوردة التي
التحفظ
كثير من
يقصد منها؛ إما محاربة الإسلام في أسمى مبادئه، وإما تبرير الأخطاء التي وقعت فيها بلاد الغرب ولم تستطع التخلص منها، على أنه لا تزال في الشباب والشيوخ بقية تحمل من الإثم؛ الإثم الفردي أو الجماعي، ذلك التحفظ الذي كان معروفا عن أسلافهم، وإن أملنا في الله قوي في أن يراجع المسلمون أنفسهم، وأن يعودوا بها إلى دينهم، وأن يبنوا حاضرهم على القواعد الراسخة من ماضيهم.
روح (1/694)
صفحة 695
الأباضية في موكب التاريخ
693
يهم
الأباضية في تونس
أحد في بلاد
لقد انقرض الإباضية من البلاد التونسية ما عدا جربة فيما أعلم، فلم يبق منهم الجريد التي كانت عامرة بهم، ولم يبق منهم أحد في جبال دمر التي كانت معقلا من معاقلهم، ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى انقراضهم هو تحللهم من نظام العزابة، الذي لا يستطيع فيه الفرد أن يشذ عن الجماعة المسلمة بارتكاب المعصية، فيحكم عليه بالبراءة، فلما تحلل أولئك الناس من نظام العزابة أدى ذلك إلى عدم الاهتمام بالتعليم، وأدى بالأفراد إلى عدم التحرج من ارتكاب المعصية الهيئة في نظرهم، وغلب عليهم الجهل، ثُمَّ توالى عليهم العدوان من الجموع التي تحترف من الغارة والنهب والسلب، وتتخذ الخلاف المذهبي أو الجنسي مبررا لأعمالها، فكانت هذه العوامل مجتمعة سببا في أن يهاجر بعض السكان إلى جهات أخرى حيث يأمنون، أو أن يعتنقوا مذاهب الطوائف الغالبة. وبقيت جربة محتفظة بمذهبها؛ لأنها بقيت محتفظة بنظام العزابة إلى أواخر القرن العاشر، ثُمَّ بآدابه وآثاره فيما بعد، وقد تحللت هي الأخرى من هذا النظام، وأصبحت الرابطة بينها رابطة ضعيفة، ولعل شبابها المتعلم الذي تخرج من معهد الزيتونة العامر أو من غيره من دور العلم في الشرق أو الغرب يدرك أنه لا حياة مسلمة إلا بالمحافظة على الإسلام المحافظة الحقيقية؛ من إقامة دين الله فيما يتعلق بالفرد أو بالمجتمع، وإنه يجدر به أن يعود إلى الإسلام لتتحقق الروابط المتينة؛ التي ربط الإسلام بها الأمة المسلمة في مجموعها، والأسرة المسلمة في نطاقها فيتمسك به، فإن التحلل من رباط الإسلام، أخلاقه وتبعاته، هو كل ما يطلبه منا أعداؤنا، وفيما أسلفت من تاريخ جربة أمثلة لقوة المسلم عندما يعمل بوحي الإيمان، وأمثلة أخرى لضعفه عندما يتحلل من الإسلام، وتصبح قضية الدين عنده شكلية، تشبه أن تكون عادة لا عقيدة.
والانحلال من
الله
لقد حافظ علماء الإباضية في البلاد التونسية وفي جربة بالذات على التمسك بدين فلم يسمحوا لأي فرد أن يتهاون بواجباته الدينية عملا وتركا، ومن خالف نفذ فيه حكم البراءة، فرجع إلى حظيرة الإسلام بالتوبة والاستغفار والتكفير إن كانت المسألة ممَّـ
يتخلص منه منه بالتكفير. (1/695)
صفحة 696
الأباضية في موكب التاريخ
694
الأباضية في تونس
أما الشؤون العامة؛ في قضايا الأحوال الشخصية، والمنازعات الفردية، والمشاكل الي تثور بين الناس، فقد كان يتولى النظر فيها مجلس العزابة، ويتولى شيخ المجلس تنفيذ الحكم،
الله
كما كان يتولى النظر في الجرائم والمخالفات، وتجري الأحكام حسبما ورد في دين ولما انحل مجلس العزابة في العهد التركي لأسباب عديدة ليس هذا موضع ذكرها، بقيت المجامع العلمية تتولى ما كان تتولاه مجالس العزابة ... وكان شيخ تلك المجامع يقوم بما يقوم شيخ العزابة، غير أن هذه المجامع العلمية قد فقدت قوتها التي كانت لمجالس العزابة، وتجرأ الناس على مخالفتها؛ إذ ليس في يديها حكم البراءة، ووجد أولئك المخالفون من يشجعهم، ويحميهم من أصحاب السلطة والنفوذ، ولعل الله سبحانه وتعالى يمن علينا فيلهمنا الرشد، ويهدينا سواء السبيل.
OK K
كفاح الرذيلة
لقد ترددت كثيرا قبل أن أكتب كلمة الرذيلة في هذا العنوان وناقشتها في ذهني طويلا، ولكنني مع ذلك أثبتها هنا، وجعلتها عنوانا لهذا الفصل وأنا أعلم أنها تدل على معان خاصة في أذهان القارئين، أو على الأقل فإن الناس لا يستعملونها إلا على جوانب خاصة من الآثام، ومن سوء سوء الأخلاق.
إذا قال قائل أن شرب الخمر، رذيلة، وأن الكذب رذيلة، وأن الغش رذيلة، وأن الفجور رذيلة؛ فإن سامعيه يوافقونه على ذلك ولا يعترضون غير أن وقع كلمة الرذيلة على سمع مرتكب إحدى هذه الكبائر يكون أخف من وقع كلمة المعصية، فهل تكون كلمة الرذيلة مرادفة لكلمة المعصية، وتدل على جميع ما يُخالف الإسلام من عمل وترك؟ ويبدو لي أن كلمة الرذيلة تدل على جميع ما تدل عليه كلمة المعصية، وقد تكون أكثر شمولا منها، فتدل على الصغيرة التي لا تكون معصية إلا بالإصرار، وعلى المكروه أيضا، (1/696)
صفحة 697
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
المكروه الذي لا يبلغ أن يكون حراما، ولكن المداومة على اقترافه تدل على انحراف في خلق المقترف، ورغبة منه في مُخالفة الإسلام ولو في بسائط الأمور.
وبهذه الاعتبارات رأيت أن كلمة الرذيلة أصلح في الدلالة على معناها في هذا الباب، تُم إن هنالك بعض المعاصي يرتكبها أصحابها مستحلين لها، وقد يوافقون على أنها رذائل، ولكنهم لا يوافقون البتة على تسميتها بالمعاصي والحكم عليها بالتحريم، وقد انتشرت أنواع من المعاصي بين الناس حتى أصبحت عادات سائرة يرتكبها الأفراد والجماعات دون تحرج؛ لأن كثرة انتشارها وإلف الناس لها خفف من شعور الإثم بارتكابها، فإذا ما قلت لأحدهم إن ما تفعله يا فلان رذيلة يجب الابتعاد عنها، تجده موافقا على أن عمله ذلك رذيلة، وقد يجيبك بأنه سوف يُحاول ترك تلك الرذيلة، أو يعتذر لك بأي عذر يخطر على باله، أما إذا وصفت عمله بأنه حرام، ومعصية، فإنه لن يوافقك على ذلك، ويبرهن لك على خطئك بأن أكثر الناس يفعلون ذلك، أو يصفك بأنك جامد متخلف عن العصر، فتعاطي الدخان مثلا، وتزوير الشهادات الطبية للتخلص من العمل، أو للخروج إلى البلاد الأجنبية برسم العلاج على نفقة الدولة، والنفاق الاجتماعي بالإطراء الكاذب للوصول إلى غرض خاص، أو غير ذلك من الأشياء التي تعود إلى سلوك الفرد الشخصي، أو سلوكه الجماعي بالنسبة للأمة والدولة. إذا وصفت مرتكب ذلك بأنه قد ارتكب رذيلة قد يوافقك على التسمية، ويبتسم لك ابتسامة صفراء، تدل على إعجابه بدهائه وذكائه في نفسه، ولكنك إذا قلت: إن تلك الأعمال حرام ومعصية، فإنه لن يرضى لك بذلك، ولن يوافقك عليه؛ وذلك لأن أمثال هذه الأشياء أصبح معتادا بين الناس، وخف فيه الشعور بالإثم والإحساس بالمعصية؛ لأن متعاطي ذلك قد تجاوز في نفسه معنى مخالفة الحق إلى الاستحلال واختفت من ذهنه أحكام الشريعة في تحريم الدخان، كما اختفت من ذهنه نصوص تحريم غش الأمة أو الدولة في النفاق الاجتماعي، كما اختفت من ذهنه معاني تحريم السرقة ومحاسبة النفس عن موارد المال، وطرق كسبها، كما اختفت من ذهنه نصوص الشريعة من تحريم الإخلال بالواجب في صور استصدار الشهادات للتخلي عن العمل، أو لأخذ الأموال دون حق برسم العلاج؛ لتصرف في السياحة ومعانيها خارج الوطن أو داخله. (1/697)
صفحة 698
الأباضية في تونس
الأباضية في موكب التاريخ ضربت للقارئ الكريم هذه الأمثلة لبعض المحرمات التي شاع ارتكابها في عصرنا الحاضر، حتى أوضح له المعنى الذي أقصاه بكلمة الرذيلة التي وضعتها في عنوان هذا الفصل، وأحس أن ما أرمي إليه أصبح مفهوما والرذائل التي حرص العلماء على محاربتها في عصور متقدمة ليست هي بطبيعة الحال نفس الرذائل الموجودة اليوم، والتي يجب على العلماء محاربتها، وإِنَّما لكل عصر رذائله، أو بتعبير قد يكون أدق إن المجتمعات في كل عصر عندما تنحرف عن أحكام الشريعة قد يستسهل أفراد منها نوعا ما من المعاصي أو الرذائل حتى ينتشر وتصبح الأكثرية من الناس لا تتحرج منها، ولا تشعر بالإثم في ارتكابها، وتصير رذيلة يعترف الناس بها، ولكنهم يستحلونها ولا يعترفون بأنها معصية ومحرم، وتوجد في المجتمعات الإسلامية اليوم أمثلة كثيرة لهذا النوع انتشرت في فترات طغيان الجهل، وضعف بعض العلماء، ثُمَّ أصبحت مما يعسر القضاء عليه.
،
وفي أزمنة الانحلال الديني لا سيما بعد القرن العاشر حين أقصي العلماء الأعلام عن قيادة الأمة، وحَدَّت السلطة الحاكمة من نفوذهم الروحي على أعمال الناس وعملت على عزلهم عن المجتمع، بدأ الناس يتعودون المعاصي، ويتجرأون على مقارفتها، ويبتعدون قليلا عن مكارم الأخلاق التي بعث سيد العلماء لإتمامها، حتى مردوا على بعض المعاصي من قلوبهم الشعور بالإثم في ارتكابها، وأصبحوا يقترفونها على أنها عادات سيئة لكن لا ذنب فيها، فإذا جئت تنتقد أحدهم على ارتكابه تلك المعصية على أنها رذيلة وجدته ينتقد معك، ويتحمس في النقد، ويسهب في ذكر مضارها والمساوئ التي تنتج عن تعاطيها، ولكن حين تأتيه من باب الدين، وتذكر له أن ذلك منكر يجب الابتعاد عنه، وأن عمله ذلك معصية ومحرم بشرع الله،
حين يسمع منك هذا يزور ويلوي عنقه عنك، ويصفك بأنك رجعي يغلب عليك الجمود. إن الكفاح في هذا الباب لا يخرج عن النهي عن المنكر، والنهي عن المنكر يكون قاعدة أصيلة من قواعد المذهب الإباضي كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحلقات الأولى من هذا الكتاب، فما يجوز لمسلم يرى منكرا ثُمَّ يسكت عنه، وقد حرص الإباضية على تطبيق هذه القاعدة والقيام بها قياما دقيقا، لا سيما عندما توجد لديهم مجالس العزابة، وتجاوزوا كفاحها في المحرم إلى كفاحها حتى في المكروه، وكانوا يعطون لأنفسهم حق (1/698)
صفحة 699
الأباضية في موكب التاريخ
697
الأباضية في تونس
الإشراف على الناس حتى يتعرفوا الخطأ والصواب فيه على اليقين، فيأمرونهم بما يجب أو يحسن، وينهونهم عما يحرم أو يكره.
ورغم أن الجنوب التونسي أمثال فحص القيروان والحامة، وبلاد الجريد، وجزيرة جربة، وجبال، دمر، ومطماطة وغمراسن وما بين ذلك كان يعج بالعلماء الأعلام، فإن الواحد من أولئك العلماء كان يتكبد مشاق السفر، وينتقل بين تلك البلاد المتباعدة، ويرتحل إلى الأحياء الضاربة في الصحراء، فيقيم مع كل حي أياما ليعرف سيرتهم عن كتب، ويرى الله، مقدار محافظتهم على دين ومدى فهمهم له والعمل به وما ينتقل ذلك الشيخ إلى حي آخر حتى يعقبه شيخ آخر من بلد آخر، يقوم بنفس المهمة، ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالعبارة التي اخترناها يقوم بمحاربة الرذيلة التي لا تجد في مثل هذا المجتمع
مكانا، وقد حفظت لنا كتب التاريخ من هذا الكفاح المجيد أحاديث تملأ المجلدات. وقد يزور أحدهم بلدا فيجد الناس قد خالفوا السيرة في أمر لا يبلغ أن يكون محرما وخوفا من أن يتعود الناس التساهل في آداب الإسلام، وسيرة العدول من المُسلمين، ويتجرأ الناس على ارتكاب الصغيرة ثُمَّ يصرون عليها، يأمرهم بملازمة السيرة، وينهاهم عن الخروج عن آداب الإسلام الظاهرة في سيرة المُسلمين، ويمتنع عن الدخول إلى بلدهم، والأكل من طعامهم حتى يقلعوا عن ذلك، ويعودوا إلى ما رضيه الإسلام والمسلمون الصادقون، وبسبب ذلك الكفاح المجيد حافظ الإباضية على أخلاق الإسلام حتى الحاكمون على العلماء، وكموا أفواههم، وقيدوا أيديهم، وحالوا بينهم وبين الدعوة إلى دين الله، فانطلق العامة دون هداية يرتكبون ما شاء لَهُم الهوى.
تسلط
إن كفاح الرذيلة بمعناها الواسع ظاهرة واضحة في تاريخ الإباضية، فمع الحرص على صيانة المجتمع الإباضي من انتشار المعصية بين أفراده، بسبب تطبيق نظام العزابة الذي تحدثنا عنه بإسهاب في حلقات ماضية، حرص العلماء على محاربة ما أطلقت عليه اسم رذيلة، حتى مما لا يبلغ أن يكون معصية، وحتى بعد أن انفرط عقد نظام العزابة في الجنوب التونسي، وليبيا، كان العلماء كأفراد - حريصين على القيام بهذه المهمة، ويرون أن القيام بها واجب شخصي عليهم، حتى تغلبت عليهم السلطة الحاكمة في العصر التركي الأخير، وكمت أفواهم، وربطت (1/699)
صفحة 700
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
أيديهم كما قلت سابقا، على أن أثر ذلك الكفاح لا يزال باقيا، فلا زلت تجد البعد عن الشبهات، والعفة عن أموال الناس والحرص على أداء الواجب والأمانة والإخلاص فيه من الخلال التي يتحلى بها الناس في جربة مثلا، ولا أزعم أن هذه الخلال تتناقص يوما عن يوم بسبب التيار الجارف في هذا العصر، فالأمل في أولئك الإخوان أن يحافظوا على ما بقي لهم من
مستوى أخلاقي رفيع، حتى يرجع إليهم الشارد ويفهم المخطئ أسباب أخطائه ونتائجها. من الرذائل التي حاربها الإسلام رذيلة البطالة، ورذيلة التسول، ورذيلة الاعتماد على الغير في مرافق الحياة، وقد حرم الإسلام ذلك مع القدرة، فما يجوز لمسلم يحرص على كرامة الإسلام فيه أن يعيش متبطلا يحترف التسول، ويعتمد على ما يحسن به الناس إليه، اللهم
إلا في حالات الضرورة التي تبيح المحظورات وإلا فالمسلم لا يمد يديه للسؤال وتلق عطايا الناس، وكشاهد على كفاح الإباضية لهذه الرذائل أسوق إليك ما يقوله المؤرخ الكبير
الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في مقدمته لكتاب "مؤنس الأحبة" يقول الأستاذ حسن: "وهم - أي أهل جربة - معروفون بنشاطهم في معترك الحياة، وبإقدامهم على مشاق وأتعاب الغربة في سبيل التكسب والكد المتتابع، واقتحامهم الصعاب للحصول على كفاف من المال، لا بنية التمتع به في أماكن قرارهم البعيد، بل أمل كل واحد منهم العودة بذلك المكتسب الغالي إلى وطنهم الصغير، وإنفاقه في إقامة منزل مناسب، يحيط به جنان ذو ثمار من نخيل وزيتون وكرم وتفاح، يكون العون المساعد لصاحبه عندما يدرك من العمر ما يمنعه من التمادي على نشاطه والاستمرار على العمل والاكتساب. هكذا عرفنا سكان جربة وعرفهم من قبلنا آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا، وكذا وصفهم كل من سكن هذا القطر، أو زار الجزيرة في القديم والحديث وهي لعمري صفات جد وعمل دائبين، يحبذهما كل من يقدر قيمة العمل، ويراه الوسيلة النافعة لإشادة البلاد في بناء عمرانها، وتحرير قاطنيها من ربقة الحاجة، ولقد حدا هذا السلوك إلى أن صيرهم في بهم غنى عن السعي إلى الوظيفة، وعن التطلع إلى الاستخدام في مصالح الحكومة، وهي غاية لا تدركها إلا بالممارسة الطويلة للعمل، والصبر على مضاضة العيش، وعدم الاستنكاف من المهن مهما كانت قاسية وبالتالي هي نتيجة للتجربة والتجلد". (1/700)
صفحة 701
الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
ويقول الأستاذ حسن حسني بعد كلام وليس منا من لا يعرف أفرادا من أهل جربة ابتدأوا حياتهم بالشغل البسيط المتواضع في ميدان الاقتصاد، وتكبدوا مرارة الأتعاب ومضاضة العيش وأقبلوا على المهن المرهقة حتى أصبحوا بعد حين من الدهر من أهل الثراء، فهذا نتيجة ذلك، ثُمَّ إنا لم نكن نسمع أن من بين أهل جربة من يمد يده للسؤال إلا من يعيش عالة على غيره، بل إن أفقرهم سواء أكان في وطنه أو خارجه، يكدح ليله نهاره لكسب قوته بيمينه ولا يرضى أن يمتهنه التسول وما من عمارة جديدة أنشئت في حضرة تونس أو خارجها وقبل انتهاء بنائها، إلا ويسبق إليها جربي فيستأجر بها دكانا لتجارته، أو محلا لبقالة أو غيرها، وليس هذا من الغريب بعد أن رأيت الفكرة التي يشب عليها وليد جربة من صغره، وقد يرشده سابقوه من أبناء جلدته إلى أنجع طريق يسلكها حسب استعداده وتأهله، ويمدونه بالمعونة المطلوبة ماديا وأدبيا، فكان من أسباب هذا الانتهاج أن دبت في أفرادهم الأمانة، وسرى في عروقهم حب الكد والصبر عليه، كما كان من نتائجه الملموسة أن أقبل كبيرهم وغيرهم على العمل واجتهد في المثابرة على التكسب، وترك الوناء والكسل، وبفضل هذا كله ظلت جزيرتهم على فقر تُربَتِها - من أطيـ المناخات وأبهى البلاد في المنازل التونسية.
ثم انظر يا رعاك الله - إلى ناحية أخرى من نشاط آل جربة في جزيرتهم، فإني لا أحسبك تجد فيهم من هو عاطل عن العمل، ولا من يستلقي لأضواء الشمس لا يدي حراكا، فكلهم صغار وكبار مقبل على شغله اليومي منقطع لحرفته".
وبعد كلام يقول الأستاذ حسن حسني: "فهذه التربية على العمل، وهذا الانكباب المصحوب بالجد والمثابرة، رُبَّمَا لا يشاهد مثله على تلك الصفة في المقاطعات التونسية الأخرى". انتهى كلام الأستاذ حسن حسن عبد الوهاب.
هذه الأخلاق التي أعجب بها المؤرخ التونسي الكبير في أهل جربة إنما تكونت عندهم بسبب كفاح علماء الإباضية لعدة رذائل تجري في نسق واحد وهي رذيلة البطالة، ورذيلة الاعتماد على الغير في وسائل العيش ورذيلة محاولة التكسب من أيسر طريق، ورذيلة (1/701)
صفحة 702
الأباضية في موكب التاريخ
700
الأباضية في تونس
الرغبة في الحصول على المال دون أي حساب لشخصيته وكرامته، ورذيلة الكسب الحرام أو المشبوه. وقد طهر المجتمع الإباضي من هذه الرذائل، وتكونت فيه الصفات المضادة لها، فتجد فيهم النشاط والعمل والاعتماد على النفس والحرص على الاكتساب من الطرق الحلال، والأمانة في المعاملة، وما إلى ذلك.
لقد استطاع العزابة أولا والعلماء الذين ساروا بسيرهم من بعد أن يكبحوا جماح الناس، وأن يجنبوهم ارتكاب الرذيلة في مختلف صورها وأشكالها ما بلغ منها درجة التحريم، وما كان دون ذلك، والباحث الذي يدرس المجتمعات يجد آثارا واضحة لكفاح العلماء في هذا الجانب، ولعل
القارئ الكريم يرى أمثلة في الصور الآتية التي أحاول أن أضعها بين يديه في إيجاز واختصار: 1 - كان العلماء من الإباضية يحرصون ألا تدخل أسواقهم البضائع المسترابة، والأموال المغصوبة، خوفا من أن تستمرئ بطون الناس أكل الحرام، فتلذ لَهُم المتعة، وتغلب عليهم الشهوة، وتهون عليهم المعصية، ولذلك فقد كان العزابة والعلماء هم الذين يشرفون على هذا الجانب من حياة المجتمع، ويُحاولون أن يحافظوا على طهارته ونظافته. 2 - عندما تقع بينهم وبين أي فرقة من المُسلمين حرب وينتصرون، فإنهم يمسكون أيديهم عن الغنيمة، والسلب والانتقام، والتتبع، والتاريخ يثبت أن جميع الحروب التي اشترك فيها الإباضية في تونس إنَّمَا كان فيها الهجوم من غيرهم، وَإِنَّمَا كانت منهم عن النفس أو عن المال أو عن الوطن.
-
-
دفاعا
لم يحفظ التاريخ أن أحدا من الإباضية في تونس حاول أن يشن غارات على
أحد، أو حاول أن يتكسب بطريق الغزو والغنيمة، وإذا وقع عليهم هجوم من غيرهم ردوا عدوان المعتدين، دون أن يتعرضوا لما حرم الله من دم أو عرض، هذا ما يجده من تتبع سيرتهم في مصادر التاريخ، اللهم إلا إذا لم يفرق بين الإباضية وغيرهم من الفرق؛ كالصفرية والنكار والمعتزلة وما شاء الله.
4 - كان العلماء الأعلام مثل الإمام فيلسوف الإسلام إسماعيل الجيطالي يتولون بأنفسهم أمور الحسبة، فيتجولون في المتاجر والأسواق، يُعلمون الناس الطرق الصحيحة للبيع والشراء، ويُبينون لَهُم الطرق المؤدية إلى الربا، أو إلى صورة من صور التعامل التي يمنعها الشرع. (1/702)
صفحة 703
الأباضية في موكب التاريخ
701
الأباضية في تونس
-
ه كان العزابة والعلماء يهتمون بالسلوك الفردي للأشخاص كما يهتمون بالسلوك الجماعي، فتراهم يعلنون حكم البراءة في قوة وعناية على من تسول له نفسه أن يُخالف سيرة المُسلمين، أو تغلبه نفسه فيميل مع الشيطان وترى العلماء يسارعون إلى النهي عن كل بادرة تشعر بأن المجتمع قد ينحرف عن سواء السبيل، فهم لا يقرون الفرد على ارتكاب الرذيلة؛ لأنهم يحكمون عليه بالبراءة، فيضطر إلى الرجوع إلى الطريق القويم، ولا يسكتون عما ينشأ في المجتمع مِمَّا لَم ينبع من سيرة المُسلمين الصادقين، وبهذا الموقف حافظوا على سيرة كاملة للمجتمع الإباضي، الذي يعتبر مجتمعا إسلاميا نظيفا حريصا على تطبيق الشريعة الإسلامية في الكليات وفي الجزئيات.
- يحرص العزابة والعلماء أن يكلفوا كل فرد داخل تحت نظامهم بالعمل والكفاح في سبيل العيش الحلال، ويُحاولون أن يجدوا لكل شخص عملا يتناسب مع استعداده الفطري وكفاءته الشخصية، ولا يسمحون للمسلم الإباضي أن يحترف التسول إلا في الحالات الضرورية جدا، تقدر بقدر دفع غائلة الجوع ريثما يجد الشخص العمل الذي يدر عليه كسبا يكفيه، أو تهيأ له حياة كريمة تحفظ ماء وجهه وكرامة شخصيته عن الابتذال والامتنان، وهم يجمعون بين النصوص الواردة في البحث على مساعدة الفقراء، وعلى الإكثار من الصدقة، وعلى معاملة السائل باللطف والرحمة وبين النصوص التي تحرم التسول، وتمنع الصدقة عن القوي الذي يستطيع أن يحترف بأنه يحرم على المسلم أن يتخذ التسول مهنة يحترف منها، وعلى المُسلمين أن يمنعوه من ذلك أولاً بالنهي عن ارتكاب هذه الرذيلة،
وإقناعه بأن هذا لا يتفق وعزة المسلم، وثانيًا بإتاحة فرصة العمل أو الحياة إذا لم تتح له بتوجيهـ التوجيه السليم في هذا الطريق، وقد نجح علماء الإباضية في هذا الباب نجاحا منقطع النظير، وفي الحين الذي ترى فيه أفواجا من المتسولين في بعض الجهات - وهم أقوياء الأجسام ذووا استعداد للعمل - غير أنهم يفضلون أن يكسبوا المال بمد الأيدي، وترديد اللسان لبعض الدعوات، فإنك في المجتمع الإباضي لا تجد متسولا واحدا يتككف الناس أعطوه أو منعوه، اللهم إلا إذا دخل إليهم من جهة أخرى، ولا تزال هذه الظاهرة واضحة إلى اليوم. (1/703)
صفحة 704
الأباضية في موكب التاريخ
702
الأباضية في تونس
هذه صور مقتضبة أضعها بين يدي القارئ الكريم في إيجاز، ويستطيع أن يجد كثيرا هذه الصور إذا هو تتبع التاريخ، أو أتيح له أن يعيش بين الإباضية في مواطنهم التي لم يتغلب عليهم فيها الانحلال العصري.
من
لمما
على أن هذه الصور الكريمة التي يعتز بها أي مسلم، والتي حسب الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب بعضها مزايا ومراحل لا تصل إليها الشعوب إلا بعد عناء وجهد. هذه المكارم التي حرص أسلافنا على الاتصاف بها بدأنا نحن نتخلى عنها، وإنه لـ يحز في نفسي وأنا استعرض ذلك التاريخ المجيد أن الإباضية في تونس وفي ليبيا قد بدأوا يخالفون سيرة أسلافهم الأمجاد، وأصبحوا يرتكبون بعض تلك الرذائل التي حاربها علماؤهم الأعلام بدون توقف ولا هوادة، فأصبحت ترى فيهم من يتلهف على الحصول على الوظيفة، ومن يهمه أن يجمع المال غير ناظر إلى وسائل ذلك الجمع، بل قد ترى من يرتكب بعض تلك الموبقات التي حرص أبوه على محاربتها بحكم الإسلام، فتراه
يحمل علبة السجائر، أو علبة السعوط، أو غيرها مما حرمه الإسلام للاستعمال أو للتجارة. والحقيقة المرة أن الشعب -أي شعب- إذا ابتلي بازدراء المقومات التي حفظت عليه شخصيته وكرامته، وأصبح يتحلل من مزاياه الدينية والخلقية، ويقلد الآخرين في رذائلهم فإنه سوف ينحدر إلى هوة بعيدة القرار.
إنني حين أسوق هذا الكلام وأنا أتحدث عن جربة، أو عن الإباضية في تونس، لا أقصد به جربة فقط، ولا أهل جبل نفوسة فقط، ولا المجتمع الإباضي فحسب، وَإِنَّمَا أقصد به الأمة المسلمة جمعاء بما فيها طوائف ومذاهب، فإن هذه الأمة الكريمة ما أصيبت بما أصيبت به، إلا حين تخلت عن مقوماتها كأمة تحمل رسالة إلى البشرية، وتسابق أفرادها إلى المناصب في الدولة، وإلى الوظائف في الحكومة، يشغلونها ليبتزوا أكثر ما يمكن من مال، بأقل ما يُمكن من جهد، وليشبعوا في أنفسهم شهوة السيطرة والتحكم والاستبداد، ثُمَّ تخالفوا على ذلك وتطاحنوا عليه، وتعادوا من أجله، ثُمَّ استمرأوا البطالة، وساغ في حلوقهم المال الحرام في المأكل والمشرب، والملبس والمنكح والمكسب، ولم يقف بهم الشيطان في هذا الحد، فتنازلوا عن خصائصهم كأمة قائدة هادية، وانحطوا إلى (1/704)
صفحة 705
الأباضية في موكب التاريخ
703
الأباضية في تونس
أن يكونوا أمة هزيلة ضعيفة تقلد الغير وتقتبس منه، وتتبعه في الأخطاء والرذائل، وأعرضوا عن ذلك المنهج الذي كون من شتى الأمم والأجناس خير أمة أخرجت للناس، وأعظم دولة سارت بالبشرية في الطريق القويم، وأصبحوا يستوردون مناهج للتجربة من أمم ضالة عمياء. أَعْمَى يَقُودُ بَصِيرًا لَا أَبا لَكُمُ قَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَتِ الْعُمْيَانُ تَهْدِيهِ متناسين المنهج الإلهي الذي سارت به أسلافهم، وقادوا البشرية إلى الخير والحب والسلام. ومن المؤسف أن العالم الإسلامي العظيم انقسم إلى أمم صغيرة، يجثم على صدر كل أمة منها أراجوز يطلق على نفسه أعظم الأسماء، وأضخم الألقاب، ومن حوله طائفة جميعا لا يزيدون عن أن يكونوا أراجيز خشبية وضعت للعب، أو أبواقا تنتفخ
الأتباع، وهم
للدعاية، أو قططا مقلمة الأظافر تنتفخ وتنتفش، ولقد صدق الشاعر حين يقول: مِمَّا يُرْهِدُنِي فِي أَرْضِ الْأَنْدَلُس أَسْمَاء مُعْتَمد فِيهَا وَمُعْتَضِد كَالْهِرْ يَحْكِي انْتِفَاحًا صَوْلَةَ الْأَسَدِ
أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ سَلْطَ
من
وقد ساء الوضع على ما عرفه الشاعر القديم ولا يزال يسوء. ومن المؤسف أن كل صاحب لقب من هذه الألقاب ينتفخ وينتفش ويتنمر على أخيه، فإذا لاح له الأجنبي أصبح أذل من، وتد وفي الحين الذي تجد فيه أصحاب هذه الألقاب، الذين يضفون على أنفسهم أكرم النعوت، ويتسرَّ بلون ثياب القيادة والزعامة، والدعوى العريضة على أنهم حراص على مصلحة الأمة، تجدهم يتحرشون بإخوانهم في الدين، ويستأسدون عليهم، وينكلون بالعلماء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وينتقدون ما في حكمهم من فساد وانحراف، وهم مع هذا المظهر المتجبر مع الإخوة لا يستنكفون أن يتذللوا لأعدائهم في الدين أو الوطن، ويتملقون من لم يضع يوما سلاحه في حرب الإسلام والْمُسلمين، وليت ملقهم هذا كان مقصورا على قوي يخشون سطوته، أو غني يطمعون
في ثروته، ولكنهم لا يزالون يتملقون من هو دونهم إرضاء لمن هو أكبر منهم. ومِمَّا يؤذي سمع المسلم أن تجد أولئك الرؤساء أو الزعماء يضفون النعوت الكاذبة على مكاريوس صاحب قبرص، ويستقبلونه استقبال الصديق العزيز، وهو الرجل الذي لا تزال يداه ملوثتين بدماء المُسلمين من الترك، ولا يزال يحمل سيف الصليبيين الحانقة على (1/705)
صفحة 706
الأباضية في موكب التاريخ
704
الأباضية في تونس
المسلمين، ويؤلب من يستطيع من الدول الغربية كاليونان على إعنات المُسلمين في جزيرة قبرص، واستذلالهم وإخراجهم من وطنهم ويحارب بكل ما يملك من حيلة القساوة ودهائهم الروح الإسلامية الباقية في الشعب القبرصي، وفي الشعب التركي. وتجد أمثال هذه المواقف مع زعماء الهند الذين استعمروا كشمير وقضوا على ما يزيد على
عشرة ملايين من المُسلمين وشردوا منهم آلافا من الناس لا يزالون بدون وطن أو مأوى. وتجد مثل هذه الأواصر المتينة تربط مع هيلاسلاسي أو غيره من زعماء إفريقيا الذين لا يزالون إلى اليوم وإلى ما شاء الله يحاربون الإسلام ويعذبون المُسلمين، بل إن أولئك الرؤساء أو الزعماء لم يستطيعوا أن ينبسوا ببنت شفة يوم قام الوثنيون في زنجبار، فقضوا على دولة عربية مسلمة مرت عليها هنالك قرون وهي تسير بنور الله، لم ينبس أولئك الزعماء أو الرؤساء ببنت شفة في ذلك الحادث الأليم حياء، أو خوفا من أنصار الصليبية والوثنية في إفريقيا. ولعل أشد ضررا من هذا أن تجد قوما ينتسبون إلى العلم بدين الله، ويزعمون أنهم يحرصون عليه لا يخجلهم في أنفسهم، ولا فيما بينهم وبين الناس، ولا يخشون الله أن يبرروا باطل أولئك الرؤساء والزعماء، وأن يحللوا لَهُم تلك الجرائم التي يرتكبونها باسم الأسماء، وأن يباركوا العلاقات الآئمة التي تربط بين أمة مسلمة وأمة مشركة، لم تزل تضطهد المُسلمين في ديارها، وتحاربهم في غيرها بما ملكت من حيلة ومكر ودهاء، متجاهلين القوانين السماوية التي جاء بها الإسلام ليبين للمسلمين طرق التعامل مع غيرهم، من أمم الشرك والوثنية في حدود قوله تعالى: طونا بها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوَي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاءَ تَلْقُونَ إليهم بالمَوَدَّةَ وَقد كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم من الحق)) (). ويقول: إنما تنها كراء ويقول: وأَنا تَنَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
من
خرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَ ظَاهِرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَتُوهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأَولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)).
ومِمَّا يحز في النفس أن دولا تجعل قضية فلسطين والقومية العربية كمصحف عثمان، وأصابع نائلة، تملأ الدنيا ضجيجا وصراخا ويرتفع صوتها عاليا على ما يقع في جنوب
1) سورة الممتحنة: 1.
(2) سورة الممتحنة: 9. (1/706)
صفحة 707
الأباضية في موكب التاريخ
705
الأباضية في تونس
إفريقيا من ظلم بين البيض والسود هذه الدول التي تملك الأبواق ذات الأصداء الرنانة، لم يحرك مشاعرها الإسلامية أو الإنسانية أن يقضى في ليلة على دولة مسلمة في زنجبار، وتشرد الملايين من المُسلمين من كشمير، ويعذب آلاف منهم في إفريقيا السوداء، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه أصابع الدولة الهندية ملوثة بدماء الجريمة في كشمير، وأصابع ملك الحبشة المتعصب تقطر من دماء المُسلمين في الحبشة، فيفتح أولئك الرؤساء أوطانهم وصدورهم وإذاعاتهم وجرائدهم لأولئك الذين حادّوا الله ورسوله، وقاتلوا المُؤمنين في دين الله، وأخرجوهم من ديارهم، وظاهروا على إخراجهم وودوا لو يكفرون.
أراني خرجت عن الموضوع، واجتذبني التاريخ الحديث عن التاريخ، فمعذرة إلى القارئ
الكريم فيما أضعت له من وقت في أشياء يعرفها، ويتصورها خيرا مما أعرفها أنا وأتصورها. إن كل ما أريد أن أحدث به إخواني هو أنني أدعوهم إلى أن يحتفظوا بما عرف عن أسلافهم؛ من كفاح للرذيلة في شتى صورها وألوانها، فإذا احتفظ الشاب المسلم بكرامة المسلم، فلم يسلم نفسه للشهوة، ولم تغلب عليه الدعة، ولم يتملكه حب الكسب من أي طريق، ولم تغلب عليه رغبة التسلط والقهر والتحكم في الغير، وَإِنَّمَا حافظ على طهارة نفسه في سلوكه، وفي ماله، وفي مرافق حياته جميعا، ثُمَّ رجع إلى الحقيقة التي خلق من أجلها، وهي
أنه صاحب رسالة مسؤول أمام ربه، وأمام نفسه، وأمام البشرية على حمل تلك الرسالة ... إذا رجع الشاب المسلم إلى هذه الحقيقة، وعمل بها، فإنه سوف يجد نفسه في المقدمة أمام قافلة البشرية يقودها بحكمة ويهديها السبيل القويم على معرفة، أما إذا أراد أن يسير في ذلك الطريق الذي سلكه غيره فإنه لن يصل ... لن يصل إلى المجد الدنيوي؛ لأَن أُمَما أخرى سبقته بمراحل طويلة يستحيل عليه أن يطويها قبل نهاية السباق، ولن يصل إلى الأخروي الذي كلفه الخالق الأعظم بتحقيقه؛ لأنه ضل سبيله، وحاد عن الاتجاه السليم.
المجد (1/707)
صفحة 708
الأباضية في موكب التاريخ
706
الأباضية في تونس
الله
كفاح الجهل بدين الله
القتال
إن الجهل بدين هو أكبر أعداء الإنسانية وأخطرها، وكان علماء الإسلام يعتبرون هذا الميدان أول ميادين الجهاد، وأهمها، وكانت عنايتهم مصروفة إليه قبل أي شيء، ولقد كانوا يقومون بالكفاح في هذا الميدان كما يقوم أي حريص على أداء واجبه دون أن ينتظر أجراء أو شكرا، أو أمرًا من أحد إنه الواجب الشخصي لكل عالم، ولذلك فهم يرون أنهم مسؤولون أمام أنفسهم بالدرجة الأولى عن التعليم مكلفون به فإذا كانوا يعيشون في بلد مسلم فمهمتهم أن يبصروا الناس بدين الله أو أن يعلموهم أوامر ربهم ونواهيه، وأن يفتحوا لَهُم آفاق المعرفة والاستنارة في الحياة، وإذا انطلقت الجيوش الإسلامية إلى افتتاح بلاد الكفر لإبلاغ الدعوة انطلق العلماء ضمن الجنود الذين يحملون راية الإسلام، وما ينتهي ويدخل الفاتحون بلاد الكفر حتى يضع العلماء سيوفهم ثُمَّ ينطلقون إلى أداء واجبهم الشخصي، واجب التعليم، وقد أدى علماء المُسلمين هذا الدور الرائع إبان الفتح بكل حرص وأمانة، ولعل فضلهم في نشر الإسلام وإدخال عقائده إلى القلوب المغلقة المملوؤة بالخرافة والوثنية، كان أكبر من فضل المحاربين الذين فتحوا البلاد، فإن هؤلاء ما زادوا أن دكوا حصونا من الحجارة وفتحوا أبوابا من خشب، أما العلماء فقد دكوا حصون الكفر والوثنية والجهل، وفتحوا قلوب الناس وبصائرهم لترى نور وإذا رجعنا إلى الحديث عن علماء الإباضية في البلاد التونسية نجدهم من أكثر علماء الأمة كفاحا في هذا الميدان وحرصا عليه، وإذا كان بعض علماء الأمة في البلاد الأخرى تسندهم دول، وتقدم لَهُم المساعدات المادية أو المعنوية، فإن علماء الإباضية كانوا يحاربون الجهل بما لديهم من وسائل دون أن يعتمدوا في ذلك على ذي سلطان، وكانت بلادهم من أكثر البلاد الإسلامية مدارس وكانت نسبة المتعلمين أعلى نسبة، وكانت الأقسام الداخلية تأوي كل من لا تتيسر له الدراسة على نفقته وكل ذلك إنَّمَا يقوم به العلماء أنفسهم، فهم يتولون التعليم، وهم يتولون إنشاء المدارس، وهم يتولون جمع
الله.
الطلبة (1/708)
صفحة 709
الأباضية في موكب التاريخ
707
الأباضية في تونس
لذلك
وجلبهم للدراسة، وهم يتولون الإنفاق عليها، فإذا كانت مواردهم الاقتصادية لا تتسع استعانوا بغيرهم فكان الواحد منهم يبذل وقته وجهد وماله ليوفر للطلبة وسائل الراحة والإقبال على التعليم، وقد يتفق مع أصحاب المال أن يقوموا بالجانب المادي فيتولون الإتفاق على مشاريعه التعليمية، ليواصل هو كفاحه في سبيل نشر العلم، وبث المعرفة، ولعل هذه الظاهرة كانت أظهر في جربة منها في غيرها من بلدان الإباضية في البلاد التونسية، وقد اتضحت أكثر في القرون المتأخرة، عندما انحل رباط العزابة الذين كانوا يشرفون على التعليم، وأصبحت قضية التعليم إحدى الواجبات الهامة التي صارت منوطة بالعلماء مباشرة، وأصبحوا يحسون بوجوبها إحساسا بليغا، فكانوا يضمون إلى جهودهم العلمية جهود أصحاب المال المادية، ليقوموا بهذه الرسالة المقدسة على أحسن ما يُمكن.
مدارسهم
وفي القرن الحادي عشر وما بعده، أصبح العلماء أفرادا ومجموعات أكثر اهتماما بالموضوع، وكانوا يدأبون على إراحة الطلبة من الجانب المادي، فكانوا بيسرون لهم وسائل الحياة الكريمة في الداخلية بما يتخذونه من التراتيب مع أصحاب المال، فإذا ضاقت المدرسة عن بعض الطلاب، أو كان أحد الطلاب يدرس في جهة أخرى لا تتوافر فيها وسائل السكنى والاستقرار الجماعي للطلبة، فسرعان ما يتصل العلماء بغني من الأغنياء ليتكفل بالإنفاق على الطالـ الفقير، ويستجيب الغني ويحسب ذلك نفقة في سبيل الله، وما أكثر ما كنت ترى طلابا يتفرغون لطلب العلم، ويسكنون في الخلايا التابعة لمسجد من المساجد، ويأتيهم في كل شهر ما يكفيهم لنفقتهم ويزيد من أحد الأغنياء المحسنين، وقد اعتاد أغنياء جربة هذه العادة، وأصبحت فكرة الإنفاق على طلاب العلم - لا سيما الطلاب الذين يأتون إليهم من بعيد من أحب أنواع البر إلى أنفسهم، حتى كادت تكون عادة دائمة، واستمرت هذه العادة إلى الزمن الأخير، وانتقل حب الإنفاق على طلاب العلم مع أغنياء جربة حتى خارج الجزيرة، فكان التجار في تونس ينفقون على الطلاب الذين يدرسون في المعهد الزيتوني العامر أو غيره من المعاهد، وليس من النادر أن يؤم طالب علم مدينة تونس من جزيرة جربة، أو من جبل نفوسة ليدرس العلم فيسمع أحد التجار هنالك فيدعوه إليه، ويتولى الإنفاق عليه حتى يتم دراسته. (1/709)
صفحة 710
ياضية في موكب التاريخ
708
الأباضية في تونس
هذا جانب من جوانب الكفاح في سبيل العلم، أما الجانب الثاني فيتضح مما يأتي: يشرف أحدهم على مدرسة يتولى تنظيمها وإدارتها والتدريس بها، يساعده في ذلك بعض العلماء وكبار الطلاب، ولكن قبائل أو أحياء أخرى قد تكون بعيدة بعض الشيء عن هذه المدرسة، فيتقاعس أبناؤها عن الحضور، ويتخلفون عن الدراسة فيهتم صاحب المدرسة لذلك، وينظم أوقاته وأوقات، مدرسته، بحيث يستطيع أن يزور هو وأحد مساعديه تلك القبائل أو الأحياء البعيدة زيارات منتظمة في الأسبوع أو اليوم، يلقي فيها دروس العلم للطلاب، ودروس الوعظ والإرشاد للعامة في المساجد، ويقوم في نفس الوقت بملاحظة سيرة الناس، ومدى اتباعهم لأحكام الدين، ومحافظتهم عليه، ليقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن وجد داعيا إلى ذلك.
وعلى هذه الوتيرة كان يعيش العلماء، ورب حي أو ناحية ليس بها مدرسة أو ليس بها مشايخ علم في فترة من فترات التاريخ يتعاقب عليها عدد من المشايخ من جهات مختلفة يلقون فيها دروس العلم ودروس الوعظ والإرشاد مرات في اليوم، ويرتب جدولها الأسبوعي بحيث يخصص لكل شيخ وقت محدد يدرس فيه مواد معينة.
إنهم كانوا لا يتركون الجهل يستبد بالناس، ومعركتهم مع الجهل هي المعركة الحقيقية الطويلة التي يرون أنهم مطالبون بين يدي الله بالكفاح فيها، ولقد يسمع أحدهم بأن بلدا من البلدان أو قبيلة من القبائل - حتى تلك القبائل البدوية الضاربة في الصحراء- خلت من العلماء، أو المتعلمين فيشد إليها رحاله تاركا وطنه وماله وأحيانا أهله، ويستقر في البلد الله الجديد، أو الحي البعيد، يعلم أبناء المُسلمين، ويحمل الناس على الاستمساك بدين والعمل بما جاء فيه، حتى إذا اطمأن إلى أنهم قد سلكوا الطريق القويم، ورأى أن المدرسة بدأت تؤتي نتائجها، وأصبحت تسير بدونه اتَّجه حينئذ إلى وطنه، ورجع إلى بلده ليستقر هنالك، ولكنه يبقى على استعداد دائما لمواصلة الكفاح، فلو علم أن مكانا آخر يحتاج إلى جهوده فإنه سرعان ما يشمر للرحيل.
لقد
اهتم
أولئك العلماء بالأمة اهتماما عظيما من جانبين جانب التعلم والتعليم، وجانب السيرة والسلوك، والمحافظة على دين الله، فكانوا لا يكتفون بالسؤال، ولا بما يبلغهم عن (1/710)
صفحة 711
الأباضية في موكب التاريخ
709
الأباضية في تونس
إخوانهم من طريق السماع، وَإِنَّمَا كانوا يفضلون المشاهدة ويعتمدون عليها، ولذلك فهم لا ينفكون عن زيارات جميع النواحي والاطلاع على أحوالها ومعرفة شؤونها عن كثب، فكان العالم من القيروان مثلا يزور جميع بلدان الجنوب حتى يصل إلى وادي أريغ، وقد يستمر إلى وارجلان، به أو بادية بني، مصعب وقد يسير مشرقا حتى يصل إلى جبل نفوسة، وهو في جميع ذلك ينتقل بين بلد، وبلد وقرية وقرية وحي وحي زائرا ومتفقدا ومعلما، ومتعلما، وكلما حل مكانا نظر، فإذا وجد أهله يحتاجون إلى تعليم، أو تقويم، أقام عندهم للتعليم أو للتقويم، وإذا وجد عندهم علما ليس عنده مكث للتعلم، وإذا رضي حالهم من الناحيتين العلمية والدينية، ولم يجد داعيا للبقاء بينهم انتقل إلى غيرهم، ولقد كانت هذه المسافات الممتدة نراها اليوم شاقة ومتعبة بوسائلنا الحاضرة كانت عليهم يسيرة سهلة هينة بوسائلهم في تلك العصور، ذلك أننا نركب القطار، والسيارة، والطائرة، ونقيس المسافات والأعمال بالمقياس المادي الوغل في المادية، أما هم فقد كانوا يركبون عزائمهم وإراداتهم، ويقيسون المسافات والمشاق بمقياييس روحية، فتتضاءل أمامهم العقبات، وتطوى المسافات، وإنه ليندر أن تجد عالما من أولئك العلماء لم يزر أغلب البلدان التي بها إخوانه في المذهب، ويعطيها ويأخذ منها، وقد يقيم في البلد الأخير، ويستقر كما فعل الكثيرون منهم.
التي
ويستطيع المؤرخ أن يجد لهذه الظاهرة مئات الصور، فإنه ما أخذ بلدا من بلدان الإباضية وتتبعه وتتبع سيرة علمائه إلا وجد منهم عددا غير قليل يسير بهذه السيرة المباركة، خذ مثلا جبل وسلات هذا الجبل الشامخ المشرف على القيروان، والذي كان في أزمنة طويلة من أهم معاقل الإباضية، إنك إذا تتبعت سيرة علمائه فسوف تجد إلى جانب المدارس الكثيرة التي كانوا يشرفون عليها هناك، ويؤمها طلبة العلم من جميع الجهات للدراسة، إنهم كانوا ينتشرون في بقية البلدان لأداء هذه الرسالة العظمى، بل إنك تجد بعضا منهم قد انتقلوا من أجل قضية التعليم خارج البلاد التونسية كلها، فهذا العلامة عبد الغني الوسلاتي (1) الذي يضعه علماء عصره في طبقة الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر، ينتقل من جبل وسلات ولا يزال يمر بالبلدان يعلم
(1) ذكره أبو عبد الله الباروني في الطبقة التاسعة. (1/711)
صفحة 712
الأباضية في موكب التاريخ
710
الأباضية في تونس
ويتعلم، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويحارب البدع المتكالبة، ويؤسس المدارس، حتى ينتهي به المطاف إلى كباو فيثوى هنالك. -رحمه الله ورضي عنه. وهذا العلامة أبو زكرياء يَحْيَى الوسلاتي ينتقل بين بلاد أهل الدعوة، يدعو إلى التمسك الله، والاعتصام بحبله المتين، ويفتتح المدارس حتى يبلغ به ح المدارس حتى يبلغ به المطاف إلى آجلو، وفي آجلو ولده العلامة جعفر الوسلاتي).
بدين
أحد،
هي
كان أبو زكرياء الوسلاتي في درجة من العلم والعمل قريبة من درجة أبي عبد الله بن بكر، وكان ولده جعفر من أنجب طلاب أبي عبد الله، ومن أحبهم إليه، وهو في مرتبة أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر. هذا الكفاح المتواصل في سبيل نشر العلم دون الاعتماد على مساعدة مادية من إحدى الميزات أو الخصائص التي كان يمتاز بها ذلك السلف الصالح، وإنك لو رجعت إلى التاريخ الإسلامي عامة، لوجدت أن أهل العلم في تلك العصور كانوا يحسبون تعلـ الجاهل فريضة واجبة عليهم لا يحلهم منها إلا القيام بها، ولذلك كانوا يحرصون على أدائها مهما بذلوا في سبيلها من جهد أو مال.
ولم يكن العلم في يوم من الأيام وسيلة للحياة أو للمال، فما يجدر بكرامة العالم أن ينحط بها حتى يأخذ تعويضا أو بدلا عن علمه، اللهم إلا في هذه العصور التي انقلبت فيها مقاييس الأخلاق وتنوسيت أحكام، الدين، وبعد الناس عن رعاية جانب الله في أعمالهم، وأصبح الرجل يمد يديه في وقاحة دون حياء ليقبض أجرا على درس في الوعظ والإرشاد، أو على تلاوة سورة من القرآن الكريم، أو حتى على أذانه في مساجد المُسلمين، أو صلاته بجماعة منهم، ولا حوة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كأنما العبادات أصبحت هي
الأخرى وظائف تؤدى للدولة لا الله.
(1) ذكره أبو عبد الله الباروني مع أبيه في الطبقة التاسعة. (1/712)
صفحة 713
الأباضية في موكب التاريخ
711
الأباضية في تونس
كفاح البدعة
عندما أبلغ الفاتحون الأولون الإسلام إلى إفريقيا على صفائه في زمن الصحابة -رضوان الله عليهم أقبل الناس عليه، وتقبلوه واعتنقوه، لا سيما وأنهم وجدوا فيه حلا لجميع المشاكل الإنسانية التي عقدتها الحياة، فلقد استنارت قلوبهم وانتشرت بينهم عقيدته الصافية الواضحة، وتحطمت عليها العقد الوثنية بمختلف عقائدها التي كان يدجل بها الوثنيون وأصحاب الديانات الباطلة والمحرفة، كما تحطمت عليها خرافة الألوهية البشرية، واستغلال الإنسان الذكي للإنسان الغبي، والإنسان القوي للإنسان الضعيف وسار الفاتحون الأولون سيرة الدعاة المخلصين إلى الإسلام، فاطمأن الْمُؤمِن، واقتنع الشاك، ورجع المرتد، وآب الشارد. فلما تولى الحكم طلاب الدنيا والراغبون في السلطان انحرفوا عن مبادئ الإسلام في الأحكام، وأصبحوا يتجنبون تطبيق ما لا يتفق مع رغباتهم ومطامعهم، ثُمَّ لحق بهم في الانحراف ناس أوتوا علما وذكاء وفهما، وصاروا يدخلون على الإسلام آراء غريبة عنه بعيدة عن الحق، فاضطر علماء الأمة إلى الدفاع عن نصاعة الإسلام؛ فكانوا ينقدون سلوك الحكام المنحرف وينهونهم وينهون أتباعهم عن البدع العلمية التي كانوا يرتكبونها من جهة، ومن جهة أخرى كانوا يردون الآراء الخاطئة، والتأويلات الباطلة، وذهبوا في هذا ثلاث مذاهب متعاونة متساندة.
كثير من
الأول: إنكار البدع العلمية، وذلك لنقد سلوك الحكام الذين يقرون بجميع أحكام الإسلام، ولكنهم يُخالفونها في أعمالهم، فيعترفون بوجوب العدل ولكنهم لا يعدلون، ويعترفون أن أكل أموال الناس بالباطل حرام ولكنهم يتزونها ويختلسونها ويغتصبونها، ويعترفون أن دماء المُسلمين حرام إلا بحقها، ولكنهم لا يتورعون عن سفكها لأتفه الأسباب، فكان العلماء يردون هذه البدع العلمية، ويواجهون الحكام بالنهي الصارم واللوم الشديد، وقد يتجاوزون موقف النقد والنهي إلى موقف الثورة؛ كما فعل فقهاء كبار التابعين في أوائل الدولة الأموية، كالحركة المعروفة التي ذهب ضحيتها التابعي الكبير سعيد بن جبير. (1/713)
صفحة 714
الأباضية في موكب التاريخ
712
الأباضية في تونس
والثاني هو تتبع الآراء الخاطئة والأفكار الدخيلة، والبدع التي تمتد وتنتشر يوما بعد يوم، سواء جاءت هذه البدع عن طريق ناس ينتمون إلى العلم والفكر، أو جاءت عن طريق عادات الناس وسريانها فيما بينهم بحكم الجوار والتقليد، فكانوا يتتبعون هذه البدع، ويظهرون بطلانها، ويوضحون مخالفتها لصريح الكتاب أو السنة أو السيرة البينة للعدول من أمة محمد الا الله، وكانوا يقومون بهذه البيانات؛ إما بالرد على أصحابها في المجامع العلمية، وفي كتب تؤلف لهذا الغرض إذا اصطبغت تلك البدع بصبغة علمية، أما إذا كانت من باب الأعمال الفردية والعادات التي تنتقل بين الناس، فقد كانوا يكتفون بمحاربتها بدروس متوالية في المساجد، وفي المجامع والمناسبات. الثالث: يكاد يكون وقائيا، وذلك بأنهم حرصوا على نشر العقيدة الصحيحة، والدعوة السليمة، والبرهنة على صحتها وسلامتها واستمدادها من الأصول الإسلامية، ومحاولة إفهام الناس قواعد الإيمان كما جاءت في الكتاب والسنة، دون تحريف أو خطأ في التأويل، وملء قلوبهم بها، وتشبع عقولهم بصحتها، حتى لا تجد البدعة إلى نفوسهم سبيلا، وقد كان هذا المجهود منهم يتناول الدين والشريعة، أو بعبارة تفصيلية كان هذا المجهود يبذل للمحافظة على العقيدة وعلى العبادات، وعلى المعاملات الفردية والجماعية. وهذا هو الميدان الذي كان يجوبه أكثر العلماء المخلصين، فهم يحاولون أن يحافظوا على سلامة العقيدة في نفوس الناس، وذلك بتلقينهم إياها، وتعريفهم بها قبل أر تصل الشبه إليهم حتى إذا جاء من يريد أن يزحزحهم عن دينهم وجد عندهم الكافية واليقين الذي لا يتزعزع، ولا ينال صفة التشكيك. ولقد كان معروفا أن عددا من الفرق الإسلامية كان منتشرا في البلاد التونسية كما كان منتشرا في بقية بلاد المغرب الإسلامي الفسيح، ومن بين تلك الفرق التي كانت تعمر هذه البلاد المعتزلة، والصفرية، وبعض فرق الأشاعرة والإباضية وغيرهم، ولا شك أنه كثيرا ما ينلس في بعض هذه الفرق أناس ذووا دعوات أو مبادئ خاصة يكتمون عن الناس دوافعهم الحقيقية لاعتناقها والدعوة إليها، ويظهرون أنهم يعملون للإسلام، وهم يرمون من وراء ذلك إلى
الحصانة (1/714)
صفحة 715
الأباضية في موكب التاريخ
713
الأباضية في تونس
الوصول إلى غايات خاصة يتوقون إليها، أو رغبات مكتومة يرجون الحصول عليها، يمت بعضها إلى النواحي المادية، بينما يمت البعض الآخر إلى النواحي الدينية والروحية، ولعل منهم من يهمه أن يُحارب الإسلام باسم الإسلام، متنكرا وراء عقيدة أو رأي أو مبدأ، وليس هذا بطبيعة الحال مقصورا على إفريقيا أو المغرب، بل كان موجودا في جميع البلاد التي تغلب عليها الإسلام
وساد فيها، ولعل وجوده في المشرق الإسلامي كان أكبر من وجوده في المغرب الإسلامي. وفي هذا الميدان؛ ميدان محاربة أولئك المتنطعين الذين يحاربون الإسلام وحقائق الإسلام بإدخال بدع في دين الله، سواء كان الدافع لَهُم إلى ذلك ماديا أو دينيا، وسواء فعلوا قصد أو عن خطأ وسوء فهم، كان يقف العلماء المخلصون الموقف الصامد
ذلك عن
دين
عن
القوي يذودون عن دين الله خطر البدعة الجارفة. ولقد كان علماء الإباضية من أحرص الناس على مكافحة البدعة، فكانوا يجوبون المسافات الطويلة من هذا القطر ليبقوا دون أن تدخل البدع القولية أو العلمية إلى الناس، وكثيرا ما ينتقلون من مكان إلى مكان بعيد، ليردوا بدعة بدأت تتسرب إلى عقائد الناس، أو إلى أعمالهم حتى إذا صححوا الوضع وأقروا الحق رجعوا إلى مواطنهم، وكانوا يكثرون زيارة إخوانهم في بلادهم ليروا أعمال الأفراد ويطلعوا على سلوكهم وأقوالهم، ويتعرفوا على سيرتهم عن كتب، ويحضروا مجالسهم العلمية في المساجد والمجامع العلمية، وتراهم في جميع ذلك حريصين على أن يبينوا الله كما جاء عن رسول الله الله، وهم أقوياء في ذلك أشداء، لا يسكتون عن المنكر من القول أو الفعل مهما كان صاحبه، وبمجرد ما يرون ذلك عند أحد من الناس سرعان ما يأمرونه بالرجوع إلى الحق، والتوبة من الخطأ، فإن استجاب فذلك المطلوب، وإلا أخرجوه إلى الخطة، ووحشية الهجران، ولقد تصدر الكلمة الخاطئة عمن يتحلى بالعلم، ويتصدر المجالس دون ترو، أو عن سبق وهم إلى النفس فلا يسكتون لها، ويردونها على صاحبها، ويطالبونه بالرجوع من الخطأ إلى الصواب، بل لقد بلغ بهم هذا التمسك بالصحيح إلى أن الطلبة قد ينتقدون أساتذتهم إذا بدا لَهُم أنَّهم أخطاوا في قول، أو اعتمدوا القول المرجوح دون دليل مقنع، وقد يبدأ الطلبة فيضعون شيخهم في الخطة إذا ظهر لَهُم أنه أصر على الخطأ، حتى يعود إلى القول الصحيح والعمل السليم، وإذا كانت هذه مواقف الطلبة في بعض الأحيان مع أساتذتهم فكيف تراه تكون (1/715)
صفحة 716
الأباضية في موكب التاريخ
714
الأباضية في تونس
مواقف العلماء الأعلام في محاربة البدعة ورد الباطل، وممَّا يدخل في محاربة البدعة رد بعض الآراء التي تروج في بعض المذاهب الإسلامية الأخرى مِمَّا يرى علماء الإباضية أنها مخالفة للإسلام في روحه في مفهومه أو في منطوقه، فيعملون على إبعادها من مجتمعهم، ويُحاربونها بأعنف ما عندهم من وسائل كفاح البدعة، وإلى القارئ الكريم أمثلة ذلك: من
يتم
1 - يرى بعض العلماء من بعض الفرق الإسلامية أنه يجب على المسلم العمل بالفرائض دون العلم بها وبكيفيتها، ويرى علماء الإباضية أن هذا الرأي بدعة تجب محاربتها، وإبعاد مفهومها عن الناس وكانوا حراصا على رد هذا القول، وإفهام الناس أن ما يجب العمل به يجب العلم به وبكيفية أدائه، وأن على العمل به الثواب وعلى تركه العقاب؛ لأنهم يقولون كيف يتصور عاقل أن يصدر عمل صحيح من إنسان لا يعلم كيفية أدائه!، ولذلك فقد كانوا يعلمون الناس بعض الفرائض العلمية فضلا عن الطريقة النظرية، فيدربون الأطفال في مبدأ البلوغ على الطريقة الصحيحة للتطهر والصلاة مثلا. 2 - يقول بعض العلماء من بعض الفرق الإسلامية أن العمل ليس شرطا في صحة الإيمان، ويكفي لكي يكون الإنسان مؤمنا أن يعتقد ويقر، ويرى علماء الإباضية أنه لا إيمان الإنسان حتى يقرن القول بالعمل، ويحسبون أن القول بعدم اشتراط العمل لصحة الإيمان بدعة، يجب محاربتها، وإبعاد مفهومها عن الإسلام، وكانوا يعملون في حرص جاهدين ألا يتقبل الناس هذا القول وأن يعملوا به، وإلا فإن مبادئ الإسلام سوف تذوب هذا الرأي، الذي يجعل الإسلام دينا سلبيا مبنيا على كلمات تنطق بها الشفاه. 3 - يحكم علماء بعض الفرق على مرتكب الكبيرة بأنه كافر كفر شرك، ويحكمون نتيجة لذلك باستحلال دمه وماله ويرى علماء الإباضية أن هذه بدعة أدخلت على الدين خطأ بسبب في الفهم والتأويل، ولذلك فقد كانوا حراصا على إبعاد هذا المفهوم عن الناس، ويتشددون في تحريم دماء المُسلمين، وأموالهم بما لا يزيد عليه. هذه أمثلة من الآراء التي كانت عند بعض طوائف المُسلمين، ويرى الإباضية أنها بدعة
بسبب
يحرصون على مكافحتها، وإبعادها عن الناس؛ لأنها تضر ضررا بالغا بحقيقة الإسلام. (1/716)
صفحة 717
الأباضية في موكب التاريخ
110
الأباضية في تونس
فإن الفكرة الأولى مثلا التي ترى وجوب العمل دون العلم بالفرضية والكيفية وترتب الجزاء، تجعل أداء الفريضة عملية يقوم بها المسلم لا روح فيها، إذ ينتفي من أدائها معى الخشوع والتقوى، ومعنى الخوف والرجاء من قلب المسلم.
الأديان
أما الفكرة الثانية فهي تسلب الإسلام ميزته الحقيقية، فإن ميزة الإسلام على غيره من أنه دين علم وعمل، ولقد كان رسول الله الله وأصحابه والله حراصا على العمل، والاستمرار فيه، والثبات عليه، فلما انتشرت هذه المقالة فيما بعد، أخذها الناس على معناها السطحي، ووجدوا فيها سندا للإهمال والتهاون وطمعوا أن يجازوا بالحسنى مع الإصرار على المعصية ما دامت
ألسنتهم تلك تلوك كلمة الشهادة ويقابل هذه البدعة من الجانب الثاني الفكرة الثالثة وهـ الحكم على مرتكب الكبيرة بالشرك واستحلال دمه، وهي فكرة تخرج أغلبية الناس عن الإسلام:
وتحكم فيهم الأهواء والنزعات، وتبيح منهم ما حرم الله من حُرم صانتها كلمة الشهادة. هذه أمثلة وضعتها أمام القارئ الكريم كنماذج، وهنالك بدع كثيرة بلغ بعضها إلى أن يكون رأيا لفرقة من فرق الإسلام، وكان بعضها شطحة من شحطات العلماء عندما يستحكم فيهم التعصب، واللجاج والجدل، ومنها ما دسته الإسرائيلية الماكرة، أو الوثنية المتحجبة، أو الصليبية، الحاقدة منها ما أملته شهوة استرضاء الحكام والنفوذ، ومنها البدع العملية التي تنتج عن الإهمال وعدم الحرص في تنفيذ أحكام الله. وتتبع هذه الانحرافات وإظهار جهود العلماء المخلصين في مكافحتها أمر يطول، ويحتاج إلى مجلدات، ويستطيع القارئ أن يعود إلى مظانها ليجد منها الشيء الكثير.
كفاح السلطة الظالمة
كان
تعاقبت ألوان من الحكم على البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الفرنسي، منها ما يسمثل الحكم الإسلامي في عدله، ونزاهته، ومساواته بين الناس، وإتاحة فرص الحياة الكريمة للجميع، وكان منها ما يهمه المجد العسكري، أو أنظمة السلطان، فيعمل على التحكم والاستبداد، وكان منها ما لا يهمه من ذلك غير جمع المال، وإتاحة المتعة لأصحاب (1/717)
صفحة 718
الأباضية في موكب التاريخ
716
الأباضية في تونس
الحكم، وكان منها ما يجمع بين فترات من الحكم الإسلامي المشرق الذي ينطبق على الأسس السليمة لنظام الحكم، وفترات من الحكم الظالم الطاغي، وكان العلماء المخلصون لدين الله طول هذه العصور يجاهدون ... كانوا يجاهدون بكل ما يملكون من سطوع الحجة، وقوة الحق، ونصاعة البرهان ينتقدون الحكام في انحرافهم عن سبيل الله، ويُحاولون أن يقوموا سلوكهم بالموعظة الحسنة، والبيان الواضح، والتهديد بعقاب الله للظالمين، وأحيانا بالدعوة إلى مطالبتهم بالتخلي عن الحكم، فإن لم يستطيعوا ذلك حاولوا بمختلف الوسائل أن يخففوا من أثر الظلم على الناس، وقد كانت منهم مواقف مشرفة في رد كيد الظالمين، والوقوف في وجوههم، وتذكيرهم بأنهم انحرفوا بدين الله عن النهج الذي أراده الله للأمة المؤمنة. والمتتبع للأحداث التاريخية يجد أن بعض العلماء قد نجحوا فعلا في رد العدوان، ويجد بعضا آخر منهم قد أدى بهم حرصهم وحفاظهم على دين الله وعلى كلمة الحق إلى السجن والتعذيب حينا، وإلى القتل أحيانا، كما كان الحال مع أبي القاسم بن مخلد، وأبي عمرو النميلي وأبي مُحمَّد كموس وأبي موسى الزواغي، وأبي سليمان بن إبراهيم، وغيرهم كثير، وقد يتوالى الظلم والاستبداد حتى يحمل بعض العلماء إلى الدعوة إلى الثورة، وقلب نظام الحكم، وإبعاد الظالمين عنه، كما وقع لأبي خزر يغلا زلتاف. وإن المتتبع للتاريخ في البلاد التونسية يجد أن هذا القطر الكريم قد تداولته أيد مختلفة من الحكم؛ فقد استقلت به دول في بعض الأحيان، وكان تابعا لإحدى الدول في الشرق، أو في الغرب في بعض الأحيان، وتقاسمته دولتان أو أكثر في أحيان أخرى، وعاش مقسما بين حكام محليين في أوقات كثيرة، يتولى الأمر في كل قسم من أمراء أشبه بالمشايخ، وقد يكون القطر كله تابعا من حيث الاسم لحكومة مركزية، لا يهمها إلا مقادير من الضرائب تدفع لها سنويا، أما بقية الشؤون فتتولاها كل جهة بنفسها تحت سيطرة ولاة، أو حكام
شبه مستبدين بالدولة والشعب، ولكنهم مع ذلك يباشرون جميع أعمالهم باسم الدولة. وفي الفترات التي كان فيها الحكم من هذا النوع كان السكان يعانون أشد أنواع الظل والإرهاق والجور، فكان الناس يكافحون جهدهم في إيقاف أو تخفيف ما ينزل عليهم، بما يقدمونه لأولئك الحكام من هدايا أو رشاوى. (1/718)
صفحة 719
الأباضية في موكب التاريخ
717
الأباضية في تونس
وكان أولئك الحكام كثيرا ما يشترون مناصبهم بأموال يقدمونها للحكومة المركزية، ثُمَّ يعودون إلى أفراد الشعب المساكين فيجمعون منهم أضعاف ما بذلوا، مرتكبين في ذلك أشد ألوان العسف والجبروت.
ولما كان أولئك الولاة أو الحكام لا يقيمون حكمهم على أسس تشريعية من الإسلام، ولا على أسس قانونية من وضع البشر، وَإِنَّمَا كانوا يسيرون وفق رغباتهم الخاصة، وشهواتهم الحالمة، فقد كانوا يرتكبون جرائم القتل أو السبي، أو مصادرة الأموال بناء على غضبة لسبب تافه؛ كوشاية من حاقد أو تحريض من عنصري متعصب، سواء كانت تلك العنصرية جنسية، أو مذهبية، أو حتى قبلية، أو رغبة في جمع مزيد من المال، أو حنق على أهل بلد؛ لأن أهله يميلون إلى حكم آخر، وإنك تستطيع أن تجد عشرات الصور المؤلمة لأحداث غاب فيها الإيمان والخلق، والضمير والإنسانية، وها أنا أمد يدي إلى أقرب المصادر التاريخية على المكتب فأنقل إليك أمثلة ممَّا كان يرتكبه أولئك الحكام بمختلف درجاتهم: يقول التيجاني في رحلته صفحة 14، وهو يرافق أبا زكرياء اللحياني ليجمع مزيدا من الأموال يستمتع بها ذلك السلطان القابع في الحضرة، وأساطيل الإفرنج تملأ عباب البحر: يوم الاثنين الحادي والعشرين متوجهين إلى نفزاوة، فترلنا يومنا ذلك بمنزل يعرف بـ "مجزم"، وهي قرية كبيرة وعليها غابة نخل ممتدة، وبها قصور ومنازل ضخمة بالنسبة إلى مباني البادية، ووجد الأجناد أهلها قد فروا عنها جلاء، وتركوها خلاء، فانطلقت أيديهم بالعبث في ربوعها، والرعي لزروعها، وكثيرا ما كانوا يحتفرون أرضا فيجدون أهلها قد أودعوا هنالك ما صعب عليهم نقله، وأثقلهم من الأثاث حمله، فأذهبوا بالإفساد، رسمها، ولم يبقوا منها في الحقيقة إلا اسمها". ويقول التيجاني في صفحة 179؛ متحدثا عن تبلبو: وكانت" بها قبل هذا غابة نخل، فقطعت أيام محاصرة مخدومنا لقابس كما تقدم".
وارتحلنا
هذه
من
"الحامة"
صور ينقلها لنا شاهد عيان في أوائل القرن السابع الهجري .. وإلى القارئ الكريم صورتان أخريان من هذه الصور التي ينحرف فيها الحكام عن نظام الإسلام، يقوم بإحداث إحداها مغامر جريء، يجري وراء المال، ويقص علينا التيجاني (1/719)
صفحة 720
الأباضية في موكب التاريخ
718
الأباضية في تونس
أحداث الصورة الأولى نقلا عن ابن، نخيل فيقول في رحلته صفحة 174: "وفي خلال تنقله أي الميورقي - إلى تلك الجهات بلغه عن أهل طرة من إقليم نفزاوة ما غير عليهم، فوصل إليها وقاتلها حتى افتتحها، ثُمَّ أطلق الجند عليها، فقتلوا الرجال وانتهبوا الأموال، وافترعوا الأبكار، وخربوا المنازل والديار، ووجد الميورقي بها رجلين من أجناد الموحدين كانا قاطنين منذ زمان فضرب رقابهما صبرا وترك طرة خاوية على عروشها، وخرج من سلم من أهلها فتفرقوا في بلاد نفزاوة".
أما الصورة الأخرى فاستمع إلى التيجاني يحدثنا عن ذلك في رحلته صفحة 138: "ثم توجه المنصور إلى قفصة، فحاصرها حصارا شديدا إلى أن خرج إليه أهلها راغبين في العفو، فشارطهم على تأمين أهل البلد في أنفسهم خاصة، وتبقى أملاكهم بأيديهم على حكم المساقاة، وجَمِيع من عندهم من الحشود والغرباء والأجناد ينزلون على الحكم، فوقع الاتفاق على ذلك، وخرج جميع من في البلاد من أهلها وغيرهم حتى لم يبق فيه إلا النساء فميز أهل البلاد وأمروا بالرجوع إلى بلدهم وبقي من كان بها من الغرباء والحشود والأجناد؛ ومن جملتهم إبراهيم بن قراتكين المعروف بسلاح دار" المتقدم الذكر، فثقفوا ساعة، ثُمَّ جلس المنصور إثر صلاة الظهر بموضع جلوسه، وأخذ الناس مراتبهم، وأمر بأولئك المثقفين فقيدوا إليه فأمر بذبحهم، فذبحوا بين يديه أجمعين، لم يفلت أحد منهم، وكان الأعمى الفهمي حاضرا، وهو نحوي فاضل كان الخليفة يعينه لقراءة أولاده القرآن، فطلب أن يسمح له بشخص منهم يتولى ذبحه بيده فأجابه الخليفة إلى ذلك، ولما أضحع له، طلب يسيرا من الملح والصعتر كما يفعله العامة بالضحايا، فأضحك بهذا الفعل المبكي جميع من حضر، وأمر المنصور بهدم سور "قفصة"، وقسمه على جميع من بالمحلة، فأعادوه في مدة يومين أثرا بعد عين، وفي هذه الخطرة هلك أكثر نخيل "قفصة"، إذ كان المنصور قد آلى أيام حصاره لها أن يقطع كل يوم ألف نخلة".
هذه الصور التي نقلتها لك أيها القارئ الكريم هي أمثلة لسيرة الحكام منذ انحرفوا عن التزام أحكام دين الله، وبعدوا عن فهم الروح الإسلامية في كرامة النفس البشرية، وعمران (1/720)
صفحة 721
الأباضية في موكب التاريخ
719
الأباضية في تونس
الأرض بما يزيدها خصبا، ونماء في ظلال العدل، هذا الظلم الذي رأيت صورا منه ما
منه
كان يعانيه السكان طيلة قرون طويلة ما ذهب ظالم إلا ابتلوا بأظلم مـ وقد كان الإباضية أكثر تعرضا لهذه الألوان جميعا من الظلم، فقد كانت الحملات توجه إليهم، والدسائس تحاك حولَهُم، والدعاية المغرضة تصدق فيهم، فكانت مواقف الحكام الأسباب الحقيقية المباشرة لانقراض الإباضية من كثير من الأمكنة التي
الظالمين منهم هي
از دهر فيها المذهب الإباضي، وكون بها عمرانا ونشر علما، مثل بلاد الجريد عامة، وقابس والقيروان والحامة، وجبال غمراسن والدويرات وجبال الحوايا وما إلى ذلك جميعا، ولعل من أهم الأسباب التي أثرت عليهم أكثر مما أثرت على غيرهم أنهم كانوا لا يستحلون لأنفسهم أن يعينوا الظالمين ويرتكبوا معهم ما يرتكبون، فلا يدخلون ضمن الجيوش الضاربة، ولا ينضمون إلى الشراذم المخربة، ولا يطالبون بكراسي الحكم لأنفسهم، بل إن الأموال التي تصل إليهم عن هذه الطرق كانوا لا يقبلونها؛ لأنها أموال مغتصبة فهي حرام، وهم يبتعدون عن ذلك ولا يجيزونه لا بالقول ولا بالعمل، هذا ما عزلهم عن غيرهم مِمَّن يستحل دماء المُسلمين وأموالهم؛ عقيدة أو عملا، ووجه إليهم النقد العنيف، ثُمَّ المحاربة العلنية والخفية، وخصهم طلاب السطوة والمال بالكراهية والمطاردة. وقد بدأ هذه الحملة المعز لدين الله الفاطمي، وبالغ فيها المعز لدين الله الفاطمي، وتابعه عليها كثير من الحكام الذين يريدون أن يوطدوا لملكهم بكل ما وجدوا من وسيلة، وإذا كان المعزان يرتكبان ما يرتكبان لتوطيد الملك فيما يزعمان، ولإقامة دولة وتثبيت حكم، فقد يكون لَهُما في ذلك عذر في منطق السياسة والساسة، ولكن الذين جاؤوا من بعد من حكام الإمارات لم يكن القصد مما يرتكبونه في الأغلب إقامة دولة، أو خدمة مبدأ، أو إقرار نظام عادل أو جائر، وَإِنَّمَا كانوا طلاب، مال، يستحلون من أجل الحصول عليه كل شيء، وكثيرا ما يقوم الواحد منهم فيجمع شرذمة من المغامرين الذين لا يفرقون بين حلال وحرام، فيهجمون على أي بلد أو قبيلة أو حي، فيقتلون ويغنمون ثُمَّ يذهبون، وقد انتفخت أوادجهم بالنصر الذي أحرزوه، وجيوبهم بالمال الذي اغتصبوه، وقد يرتكبون من الفواحش ما يتعدى المال (1/721)
صفحة 722
الأباضية في موكب التاريخ
720
الأباضية في تونس
والدم؛ فينتهكون الأعراض، ويستبيحون الحرم، وقد وجدت قبائل أعدت نفسها لهذه الحياة المتوحشة، يتدرب شبابها على القتال بطرق الغارة، والسلب والنجاة، ويتغنى شعراؤهم ببطولتهم في ذلك، وما قام مغامر يريد حربا إلا انضموا إليه، لا حبا في نصرة المغامر، ولا انتقاما من عدو متربص أو مراعاة لحق من حقوق الصداقة أو الجوار، ولكنهم يفعلون ذلك لكي يجدوا فرصة لمزيد من جمع المال من أماكن لا يتيسر لَهُم الوصول إليها دون مساعدة من غيرهم، ويبرون ما يرتكبون من هذه المناكر إما بالخلاف الجنسي، أو الخلاف القبلي، أو الخلاف على الحاكم، أو النزاع على البطولة، وأكثر ما يبررون العدوان بالخلاف المذهبي، في الوقت الذي لا يعنيهم من أمر المذهب أو الجنس أو القبيلة شيء، وَإِنَّمَا يعنيهم الحصول على المزيد من المال، ولقد قاسى الإباضية أشد ألوان العذاب من هذه الألوان جميعا. من المؤسف أن ينحدر إلى هذه الوهدة ناس ينتسبون إلى العلم والمعرفة من بعض الرحالين الذين يرافقون أولئك الحكام، أو بعض المتعصبين الذين يعملون في وظائف حكومة من الحكومات، فكان لهؤلاء جهد كبير من التفرق بين فرق الأمة، وحمل الحكام الجورة على ارتكاب الظلم وتيسيره لَهُم، وتبرير أسبابه، وذلك بإشادتهم بذلك الظلم، وإسباغ لون الشرعية عليه، وتبريره تبريرا دينيا، يخفف وطأة العقيدة، أو الضمير على الظالم، وحمل السذج والبسطاء من الناس على اعتقاد أن ما ينزلونه بغيرهم من الطوائف الإسلامية من عدوان في ظل ذلك الحاكم أمر يتطلبه النظام، ويقره الإسلام ويلقون في روعهم أن أولئك الحكام مهما انحرفوا
يمثلون شريعة الله، وأن أعمالهم كيفما كانت، ومهما كانت مقاصدهم تتماشى مع أمر الله. وفي مسلك الأعمى الفهمي الذي عرضناه في إحدى الصور السابقة إيضاح للانحطاط الديني والخلقي الذي يُمكن أن ينحدر إليه الإنسان، حين تغلب عليه المطامع الشخصية، فيصبح لا يفكر إلا في استرضاء مرؤوسه، فتجرد عن كرامته كرجل مسلم يخضع لمقاييس الحق والعمل التي جاء بها الدين القويم، ويصير أراجوزا خشبيا هزيلا، تدفعه المطامع إلى أسخف ألوان التزلف والملق فهذا رجل أعمى العينين لا يطيق حمل السلام، وهو نحوي فاضل -كما يقول التيجاني- يعني أنه ذو مبلغ من العلم، ويحفظ كتاب الله، فاختاره الخليفة ليربي له أولاده، ويعلمهم كتاب الله وآداب الإسلام، وكان يكفي هذا الأعمى في التقرب والتزلف من الخليفة أن (1/722)
صفحة 723
الأباضية في موكب التاريخ
721
الأباضية في تونس
يظهر له الرضا عما ارتكب من، ظلم وأن يبدي له استبشاره بهذا النصر على طائفة من إخوانه المُسلمين، ولكن الأعمى السخيف كان يعتقد أن هذا لا يكفيه في إظهار مبلغ مسرته، فطلب أن
يقدم إليه رجل يقتله بنفسه، كأنه يتقرب بإراقة الدم البشري الذي صانته كرامة الإسلام، وكانت ظروفه الخاصة تحول دونه ودون أن يطلب منه أن يلوث يديه بالدماء، ولكنه أصر أن ينحدر إلى هذه الوهدة، فقرب إليه الرجل موثق بالحبال، وهنا تبلغ السخافة بالأعمى الفقيه النحوي الفاضل أبلغ ما تبلغ السخافة برجل لا يحترم الدين الذي يسبغه على نفسه، ولا الكتاب الذي يحمله في صدره، ولا حتى البشرية التي ينتسب إليها، فيقف موفق المستهين بأمر الشرع في النهي عن التمثيل بالقتلى، ويصبغ هذه الجريمة النكراء بلون التمثيلية الهزلية؛ فيطلب الملح والصعتر كما يفعل العوام بالضحايا في الأعياد ليضحك الناس، وليرضي سيده.
هكذا
هذا المؤدب الذي اختاره الخليفة لتربية أولاده، وتعليمهم كتاب الله، أجرأ على يصبح مُخالفة أحكام الله، وأبعد من آداب الإسلام في عمل ما كان يطلب منه، ولا تظن فيه القدرة عليه ليجرئ الخليفة على ما يرتكب في عباد الله، ويضفي على أخطائه ثوب الشرعية حتى يرتك أولئك الناس ما يرتكبون من جرائم ومناكر، وكأنما هم يتقدمون إلى الله بأنواع القربة والطاعة. أشد علماء الأمة نقدا لهذا المسلك، ووقوفا في وجوه
كان علماء الإباضية من
الظالمين، وإظهار السخط عن أعمالهم المنحرفة، ولذلك فقد تسلط أولئك الظالمون عليهم، وآذوهم في الله، وقتلوا منهم عددا غير قليل، وكانت نقمتهم عليهم أكثر من نقمتهم على أي
طائفة
من طوائف المُسلمين، فلم يزالوا بهم يوالون عليهم النكبات، ويوجهون إلي الضربات، ويواصلون عليهم الغارات، حتى استأصلوهم من جميع المواطن التي عمروها غير جزيرة جربة التي صمدت للكفاح، وثبتت للظالمين، ولقنت المستعمرين الإفرنج في بعض أدوار التاريخ دروسا، عرفتهم قيمة البطولة الإسلامية عندما يتولى قيادتها الإيمان والحق. (1/723)
صفحة 724
الأباضية في موكب التاريخ
722
الأباضية في تونس
كفاح النعصب المذهبي
منذ النصف الثاني للقرن الأول اختلفت آراء بعض علماء المُسلمين في بعض أصول العقائد،
وفي كثير من الفروع، وتكونت بناء على هذا الاختلاف في فهم نصوص الكتاب والسنة فرق وطوائف، تتمسك كل واحدة بما اقتنعت به وحسبته أصح؛ لأنه فيما ترى يستند على البراهين القطعية المعتمدة على أصول الشريعة، وكان الخلاف في مبدأ الأمر علميا فلسفيا، يدور بين طبقة مخصوصة من كبار التابعين ومن جاء من بعدهم ولكن سرعان ما استغلته السياسة من جهة، والأيدي المحاربة للإسلام في خفاء من جهة أخرى، كما استغلته المطامع الشخصية، وعمل على تقويته وإظهاره في مظهر العنف والشدة ما يتحلى به بعض من ينتم
إلى العلم من تعصب مبني على ضيق الأفق، والفهم السطحي، والتحجر الفكري. وتعاونت هذه العوامل جميعا بقصد أو بدون قصد على توسيع الخلاف بين الأمة، وإذكاء نار الفتنة بين طوائفها، وفرقها وتمكنت بعض تلك العوامل أن تستغل هذا الخلاف لأغراضها الخاصة؛ كالهيمنة على الدولة، والتسلط على الحكم، أو الانتقام من بعض الطوائف والأفراد، أو إدخال بدع في الدين بقصد إفساده، إلى غير ذلك من الدواعي والأسباب، وكُلّما امتد الزمن ازداد الناس بعدا عن الدين، وعن فهمه والعمل به، فازدادوا عمقا في الخلاف وإيغالا فيه حتى جاءت أزمنة كان يحسب فيها المتفقهون الجامدون إنزال العقوبة بمن يُخالفهم في المذهب قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، وأن سب الفرق المخالفة لهم، وصب اللعنة عليهم من وتشبعت أفكار الغوغاء بمثل هذه الآراء، وكان بعض المنتسبين إلى العلم يتملقون أولئك الغوغاء، ويتقربون إلى الحكام بمبالغتهم في إظهار الكراهية لمخالفيهم، وقد يستحلون منهم ما حرم الله، فكانت ترتكب بسبب ذلك جرائم مؤلمة، ليس لها من سبب سوى التعصب المذهبي. من المواضيع التي تناولها البحث والنقاش في القرن الأول في عصر الدولة الأموية موضوع الدولة الظالمة الجائرة، هل يجب على الأمة إذا تولى أمرها إمام جائر لا يتقيد بأحكام الله أن
طاعة الله، (1/724)
صفحة 725
الأباضية في موكب التاريخ
723
الأباضية في تون
تضرب على يده، وتطالبه بالعدل أو العزل؟ وإذا امتنع عليها هل يحق لها الخروج عليه، وقتاله وقتله إذا اقتضى الأمر؟ ...
و افترقت آراء العلماء في هذا الموضوع؛ فذهب بعضهم إلى وجوب مطالبته بالعدل، والقيام بأمر الله، والتزام أحكامه، فإذا امتنع جاز عزله أو قتله، وذهب آخرون إلى أن الصبر على ظلم الإمام، وعدم قيامه بأمر الله أهون من الثورة عليه؛ لأن الثورة عليه قد تؤدي إلى فتنة تذهب بالأموال والأرواح. وأصبحت هذه الآراء فيما بعد آراء للمذاهب الإسلامية، كل مذهب يرجح رأيا منها، ويذهب
في تعليله والتدليل عليه بنفس الحرص والقوة التي يدلل بها على غير ذلك من آراء المذهب. وطبيعي أن الحكام وأصحاب السلطة يهمهم أن يعتنق الناس الآراء التي تدعو إلى مسالمتهم، وأن تتغلب هذه النظرة الوديعة على نظرة الثورة والتشدد، ولذلك فقد أيدوا في مبدأ الأمر من يقول بالصبر للسلطان، والرضا بالواقع، وحاربوا بكل عنف وقوة من يحمل الفكرة الثورية، ويدعو إلى عدم قبول الظلم واعتبار الحاكم مكلفا بمهمة، فإن أحسن القيام بها شكره الناس، وأجره على الله، وإن لم يحسن القيام بها طالبوه أن يعتزل أمرهم، ليتولاه من هو أجدر به، وحسابه على الله، وهكذا فرض أصحاب الحكم حمايتهم لبعض المذاهب، وحاولوا أن يغلبوها على غيرها، وأن يعمموها في المواطن الخاصة بحكمهم، وذلك ليس تفضيلا للمذهب نفسه، ولا اعتقادا أن آراءه أصح من آراء غيره، فإن هذا الجانب لم يتوفروا على دراسته وفهمه، ولكنهم يفرضون حمايتهم لبعض هذه المذاهب؛ لأن أكثر علمائها يدعون إلى مهادنة الظلم والصبر عليه، والاعتراف بشرعيته، وهذا ما يهمهم من الموضوع، ومرت فترات من التاريخ على دول حاولت أن تفرض مذاهب خلفائها بالقوة، وكانت تنزل أشد العقوبات يمن يخالف مذهب الدولة، وتضييق الخناق على العلماء المخالفين لها في المذهب وعلى أتباعهم، ليتركوا الآراء التي أخذوا بها، ويعودوا إلى آراء الدولة.
والأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي كثيرة، اهتم المؤرخون منها اهتماما خاصا ببعض المواقف التي وقفها خلفاء الدولة العباسية لحمل الناس على بعض آراء المعتزلة، وتحدثوا بإسهاب عن المحن التي أصابت بعض أئمة المذاهب بسبب آرائهم المخالفة لآراء الدولة (1/725)
صفحة 726
الأباضية في موكب التاريخ
724
الأباضية في تونس
من
ولعل ما كان يقع في جهات أخرى كان أشد وأقسى، فقد تسلط بعض الخلفاء العباسيين على بعض الأئمة الذين يُخالفونهم في بعض الآراء العقدية، فحبسوا منهم من حبسوا، وضربوا من ضربوا، وعذبوا من عذبوا، وعقدوا لَهُم مَجالس المناظرات، ولكن غيرهم من السلاطين قد تجاوز هذه المواقف كلها في حمل الناس على مذاهبهم، ولقد سبق أن أشرت في بعض الفصول السابقة إلى أحداث ممَّا قام به المعز لدين الله الفاطمي حين أراد أن يحمل الناس جميعا على اعتناق المذهب المالكي الذي اعتنقه هو أخيرا بعد أن كان على مذهب الشيعة، ولكنه رجع إلى الأشاعرة؛ لأن أغلبية السكان الذين كانوا تحت حكمه كانوا أشاعرة، فاعتنق مذهبهم ليضمن ولاءهم، ثُمَّ زاد على ذلك فاشتد في عقاب مخالفيه، وآذاهم في أموالهم وأنفسهم، ولقد تتبع الإباضية في كل مكان وأنزل بهم ما يستطيع من بهم ما يستطيع من الأذى، وضيق عليهم مجال الحياة، حتى هاجر كثير منهم، ولم يقف يقف عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى نوع من الطغيان لم يسبق إليه، فقد جمع إليه علماء الإباضية وصلحاؤهم، ثُمَّ أمر بقتلهم، حتى ينشأ الناس غير عارفين بهذا المذهب، فيعتنقون مذهب الملك، وهي خطوة لم يخطها أحد ملوك المُسلمين في تاريخهم الطويل، وسار على منواله في تتبع الإباضية، والتضييق عليهم، وقتل علمائهم لأتفه الأسباب كثير ممن جاء من بعده، يحمل بعضهم على ذلك تعصبه المذهبي، وحماسه له، ويحمل البعض الآخر على ذلك أغراض دنيوية أخرى؛ فيتخذ ذلك وسيلة للانتقام أو لجمع المال، أو حتى للوصول إلى منزلة أو وظيفة، ولم ــــــمر قرن واحد على الإباضية في البلاد التونسية لم توجه إليهم فيها أعنف الضربات، ولم تسل دماء الشهداء من العلماء الأعلام بسبب ذلك التعصب الذي تستغله السياسة، والمطامع والحقد. وقد تجاوزت هذه المضايقة رجال الدولة والقائمين على الحكم إلى أفراد الشعب،، ثُمَّ تجاوزت أفراد الشعب إلى ناس ينتمون إلى العلم اضطر علماء الإباضية إلى الدفاع عن أنفسهم في هذا المجال، بل لقد كان موقف بعض المنتسبين إلى العلم الضيق الأفق في هذا المجال أشد سوء من مواقف غيرهم، وبسبب أحاديثهم في المجالس، وفتاواهم للناس، ومراضاتهم للحكام، كان يقع ما يقع بين فرق المُسلمين؛ من شحناء ونزاع يتعدى في كثير من الأحيان مناحي القول إلى مناحي العمل فينتج عنه استهانة بالحقوق، واستخفاف بالحرم (1/726)
صفحة 727
الأباضية في موكب التاريخ
725
الأباضية في تونس
الإنسانية التي حفظتها شريعة الله، وصانتها كلمة التوحيد، ولعل مما يوضح هذا الجانب أن أضع بين يدي القارئ الكريم صورا من الأحداث التي كانت تقع من حين إلى حين، فتؤثر أسوأ الأثر في نفوس الناس، وإلى القارئ الكريم أمثلة ذلك:
من
تخاصم تاجران في طرابلس على قضية من قضايا التجارة، وترافعا إلى القاضي، فطلـ القاضي البينة من المدعي، فأحضر المدعي شاهدين من أهل جربة وقع التعامل أمامهما - وكان الشاهدان من الإباضية، فدفع المدعي عليه هذه البينة بأنه لا يقبل شهادة الإباضية دون مطعن في الرجلين واستمع القاضي إلى هذا الدفع، وقبله ورد شهادة الشاهدين لا لشيء إلا لأنهما على المذهب الإباضي، ورفعت القضية إلى المفتي فصدق على حكم القاضي، وكان حينئذ جماعة من تجار جربة في طرابلس، فساءهم هذا الموقف من القاضي والمفتي فاحتجوا على ذلك احتجاجا شديدا، ووقعت بسبب ذلك ضجة كبرى من والمشاحنات، حتى بلغت والي طرابلس، وكان حينئذ علي باشا عسكر فاهتم للموضوع، وعقد اجتماعا دعا إليه جمعا من كبار العلماء، ودرسوا موضوع الشهادة والأسباب التي ترد بها، واتفق العلماء الحاضرون في المجلس على أن فضيلة القاضي كان مخطئا في حكمه، وأن سماحة المفتي سايره على أخطائه.
الخصومات
أبدى كل من القاضي والمفتي في أول الأمر استمساكهما برأيهما، وحاولا أن يُصرا على
ذلك، لكن موقف العلماء الصلب إلى جانب الحق أجبرهما على الانصياع والرجوع. ووقع موقف آخر شبيه بهذا الموقف في تونس في ولاية حسين باي، فقد طعن بعض الناس في شهادة علماء جربة، وردها بعض القضاة في الحكم لا لشيء إلا لأن أصحابها على المذهب الإباضي، ووقعت بسبب ذلك ضجة عظيمة، ورفع أهالي جربة شكاية إلى والي تونس، وإلى علمائها وقضاتها يطلبون منهم التحقيق والإنصاف، ولقد اهتم الوالي والقضاة والعلماء بالموضوع، وعقدوا لأجل ذلك مجمعا علميا، أصدر في ذلك قرارا، وإلى القارئ الكريم نص القرار: " الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على صفيه، وصحبه، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما، سبب تحبير حروفها، وتسطير صفوفها هو أنه بمجلس الشرع الشريف، ومحفل الدين (1/727)
صفحة 728
الأباضية في موكب التاريخ
726
الأباضية في تونس
بالجزيرة الخضراء بثغر تونس عمرها الله بالإسلام لدى سيدنا ومولانا أقضى قضاة الإسلام، أولى ولاة الأنام، عين الموالي العظام، محرر القضايا والأحكام بمزيد الأحكام، مميز الحلال من الحرام، مولى شريعة سيد الرسل الكرام، مُحمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام بالأدلة الواضحة، والبراهين العظام، راجي لطف الله المبدئي، المعيد، مولانا شيخ الإسلام خطيب منارة، أو زاده وبلاده، ذا منزلة السعادة، الناظر في الأحكام والأمور الدينية والدنيوية، والتعلقات الشريفة السلطانية، الواضع خطه الكريم، وطابعه العظيم أعلاه، لطف الله به وقضاه وبعد؛ فقد اتفق علماء تونس على تجويز شهادة العزابة في العموم والخصوص، لا سيما أهل الصلاح؛ لأن شهادة من أتى بالقول والعمل أبلغ ممَّن أتى بالقول وضيع العمل، إذا المقصود من قدح في شهادة العزابة لزمه الكفر على كل حال، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وقال: «مَن قَالَ لَا إِلَهَ إلا الله إيمَانًا وَاعْتِقَادًا دَخَلَ الْجَنَّة» (2)، فكيف ووجود ذلك قائما بذاتم ويقدح في أعراضهم، هذا ممَّا لا يجوز في الشريعة المحمدية، والمعارض في شهادتهم قد ارتكب معصية شديدة، ويؤمر بالاستتابة بسرعة، فإن أبي قتل من ساعته؛ لأن ذلك مما يسوغ بالتهزئ والقدح في الدين المحمدي كما يفهم من لحن خطابه، وفلتات كلامه، وليس ذلك من دأب المحصلين، ومن حق المسلم على المسلم أن يستر عوراته، ويتجاوز من هفواته، وإنه من دين الله كما نص عليه سيد المحققين مولانا قاضي المُسلمين -حفظه الله المُسلمين -حفظه الله ورعاه، ومن كل نزغة وقاه بجاه النبي الأمين، والله أعلم، وقع الاجتماع بين يدي المعظم الأمجا الأنجد، صاحب اللواء الموقر أمير المؤمنين، وسلطان المُسلمين، مولانا حسين باي، أدام الله أيامه، وأجرى برياح النصر فلكه، آمين يا رب العالمين بتاريخ أشرف الربيعين عام 1120 هـ.
(1) سورة الحجرات: 10.
(2) لم نجده هذا اللفظ، وأخرجه البيهقي في الشعب (2101) من مراسيل الحسن، بلفظ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
خلصا دَخَلَ الْجَنَّة». (المراجع) (1/728)
صفحة 729
الأباضية في موكب التاريخ
727
الأباضية في تونس
تصديق الفتوى
لكم جمعا -
"الحمد لله وصلى الله على رسوله ما أفتى به الشيخان أمامه حق، وعليه العمل، ولا يجدي القادح الاعتذار، بل ينهى عن ذلك، وإلا قتل شرعا حاصله يقضي بشهادتهم في سائر الفروع والأعمال، ولا تنعكس شهادتهم باختلاف الفروع؛ لأن الاجتماع عند ثبوت الأصل الحقيقي بورود القول المعتمد عليه المُسلمين، لا خلاف فيه، والله أعلم، حرره أفقر الورى إلى من بسط الثرى". مُحمَّد بن أحمد العبار (1). أما الرسالة الآتية التي تقدم بها أهالي جربة فهي توضح لونا آخر من ألوان المضايقات كان يلقاها الإباضية، فإلى القارئ الكريم صورة الرسالة بعد حذف الديباجة: "أما بعد فالمعروض على سمعكم الكريم - لا أوقر الله لكم سمعا، ولا شتت إن الموجب لهذا الكتاب الشكوى لله ولذوي الألباب، مِمَّا رمانا به النمام ممَّا لم تبحه السنة ولا الكتاب ونحن منه بريئون وعنه مبعدون، وكم كتبنا من كتاب للسيادة العلية متبرئين من هذه البلية، فلما لم نر لأحدها جوابا، جزمنا بعدم وصولها لا بعدم قبولها؛ لأن العذر لأهل العذر مقبول عند الله وأولي العقول، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، فلما عيينا من الكتابة والإرسال وأيسنا من الوصال، فوضنا الأمور لذي العزة والجلال ... والمطلوب من السيادة العلية ألا يقبلوا في الرعية خصوصا في هذه البلية، إلا قول من سلم من الأغراض الدنيوية، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ
(T),
المغتاب،
فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُ نادمين له (2)، وسبب نزول هذه الآية
كذب الوليد بن عقبة على الرسول.
(1) من المؤسف أنني لم أتمكن من مراجعة النص على السجلات الرسمية، وقد نقلت الفتوى والتصديق عليها، كما
كان التوقيع في إحداهما بلقب العبار، وكان في الأخرى بالعياري.
(2) سورة الحجرات: 6. (1/729)
صفحة 730
الأباضية في موكب التاريخ
728
الأباضية في تونس
وكتبنا هذا مخبرين، ومعتذرين لا ناهين ولا، آمرين وللعفو طالبين، فالعفو والأمان يا أولي الفضل والحلم والإحسان عمن كان بريئا مرميا بالبهتان من غير حجة عليه ولا برهان، وفارق الأوطان والأوكار في آخر الأعمار، من غير جرم ولا أوزار.
والمطلوب من فضلك المزيد أن تمن علينا بأمرك السعيد - أسعد الله لك الأيام، وأتم عليك الإنعام بحرمة النبيء عليه الصلاة والسلام والسلام عليكم من الأهل والولدان والإخوان والخدم والأخدان عم الله الجميع بالفضل والإحسان، والحمد الله ذي الفضل والمنة إذ وقاكم وكفاكم شر هذه الفتنة. أوائل ذي القعدة 1165 هـ. هذه الصور التي وضعتها بين يديك أيها القارئ الكريم صور هادئة، وقد أتيح للفريق المظلوم فيها أن يدافع عن نفسه، أو أن يستعين بالعلماء المخلصين الذين يفهمون أصول الشريعة، ويحرصون على وحدة الأمة؛ فيرفعونها فوق خلاف المذاهب على إثبات حقه، وإليك أيها القارئ الكريم صورا أخرى تحمل طابع التعصب العنيف الذي يتجاوز حدود الشرع بل حدود العقل أيضا بعض الأحيان، لترى مبلغ ما وصلت إليه العصبية عندما لم تجد علماء مثل علماء المجمع العلمي في تونس، أو في طرابلس. هذا قاض يحضر عليه مجلس الدراسة بعض الطلبة، وبعض المتفقهين، فيقرر لهم بعض المعلومات في مسائل التوحيد، وبعضا في مسائل العربية، فيستأذنه أحدهم أن يجعل من ذلك وسيلة لمجادلة، الإباضية، وإقامة الحجة عليهم، وقطع عذرهم، فيأذن له القاضي، غير أن طالب العلم يخشى صولة العلماء من الإباضية، ويخاف أن يُغلب في النقاش وهو البادئ بالتحدي، ولذلك يقرر أن يكتب تلك المعلومات في رسالة، ويتحداهم فيها، ويضع الرسالة في
المسـ
سجد،
وعندما يعجزون عن الجواب سوف يكون له فيهم موقف، وإليك أيها القارئ نص الرسالة: السلام على من اتبع الهدى وتجنب طريق الردى، إلى المعتزلة -يقصد الإباضية- الذين أخذوا دينهم عن عبد حبشي، الذي ترك لَهُم الخلود في النار، قال: «مَنْ أَلْزَمَ شَيْئًا لَنَفْسِهِ أَلْزَمْنَاهُ لَهُ» (1)، الذين يحجبون عن رؤية الباري جل جلاله، قال الله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَد
1) هذا القول ينسب إلى الإمام جابر بن زيد و لم نجد من نسبه إلى الرسول. (المراجع) (1/730)
صفحة 731
الأباضية في موكب التاريخ
729
الأباضية في تونس
ناضرة * إلى ربها ناظرةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَد باسرة)، أعاذنا الله، أعاذنا الله منهم، قال: «إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكم)، وقال جل ذكره: واللذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزَيَادَة، يعني النظر إلى الله تعالى، لكن طبع الله على قلوبكم وسمعكم وأبصاركم حتى صرتم تسبون في دين الملائكة، المتبعين الأمي، ما أجراكم على النار، وأيضا ألا بعد الله عليكم ما تقولون في الأنبياء قبل الأربعين سنة مشركون موحدون؟، وما تقولون فيمن قال مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود؟، وما تقولون فيمن قال: هو وهي زيد عالم ما كان الشأن والقصة؟ أجيبونا بكل ما سألناكم عنه، وإلا فدماؤكم وأموالكم حلال من الله ورسوله".
وهذه نتف من رسالة أخرى كتبها موسى بن مُحمَّد بن الحاج الشريف من سكان الجريد: "وإن وطء نساء الإباضية وغنم أموالهم أولى من الوليمة، يقتلون قبل المشركين بلا بأس ولا ضرر على قاتلهم وإنهم ملعونون من الله، أولهم وآخرهم، وإنهم يصلبون، ومن لقيهم حلق لحاهم".
أن
وإذا كانت أمثال هذه الرسائل والفتاوى تتداولها الألسنة والأيدي في نطاق ضيق لا تبلغ تنتشر في الآفاق، وإن أسلوبها يدل على أن كاتبها من الطلبة المبتدئين، أو من الفقهاء الجاهلين الجامدين فإليك أمثلة أخرى من ناس ينتمون إلى العلم ويقدمون على تأليف الكتب، ويتمتعون بسمعة علمية ذائعة ثُمَّ أضفى عليهم الزمن جلال القدم، فأصبحوا في العصر الحاضر من مراجع التاريخ: فهذا مُحمَّد العبدري البلنسي -مثلا- يقول عن جربة وهو لم يزرها، ولم يقم بها، ولم يتصل بأهلها: "وأهلها أصحاب مذاهب رديئة وأهواء مضلة مثل زوارة وزواغة دمرهم جميعا"، وقد سبق، وقد سبق أن قال في زوارة وزواغة ما يلي: "ومنها إلى قريتي زوارة وزواغة ذوي الأنفس الخبيثة، والقلوب الزواغة، معتقدات شنيعة، وأعمال كسراب بقيعة، ومذاهب
الله
(1) سورة القيامة: 22 - 24.
(2) أخرجه البخاري ((529) ومسلم ((633) وغيرهما بلفظه، من حديث طويل عن جرير بن عبد الله. (المراجع)
3) سورة يونس: 26. (1/731)
صفحة 732
الأباضية في موكب التاريخ
730
الأباضية في تونس
سوء رديئة، وضمائر شر عمرت منهم كل طوية قطع الله دابرهم، وخضد أصاغرهم وأكابرهم، ولا أخلاهم من قارعة تجتاحهم، قرعا وتسحتهم أصلا وفرعا". أما أبو عبد الله التيجاني وهو يقوم مقام الصحفي المأجور لأبي زكرياء اللحياني عن جربة، فقد أجاز لنفسه أن يأتي بسلسلة من المفتريات وهو يتحدث عن جربة، فقال: "والمتصلحون منهم لا يماسحون بثيابهم ثياب أحد ممن ليس على مذهبهم، ولا يؤكلونه في آنيته، وإن استقى عابر سبيل ماء من بعض أبيارهم استخرجوا ماء البئر كله فماحوه، وثياب الجنب عندهم لا يقربها طاهر، وثياب طاهر لا يقربها جنب، وقد شاهدت منهم من كان على طهر إذا أجنب غسل ثوبه الذي أجنب فيه؛ يرفعه بعصا أو بمحجن، ثُمَّ يلقيه في البحر، فيخضخضه بعصاه ساعة، ثُمَّ بعد ذلك يتناوله بيده، ويوجبون على أنفسهم الغسل صباح كل يوم رجالا ونساء أجنبوا أولم يجنبوا، ويتوضؤون ثُمَّ يتيممون، وقد شاهدت كثيرا، ويشترطون في وضوئهم غسل الأيدي من الأكتاف إلى غير ذلك من آرائهم الواهية، والأفعال التي حكينا عنهم منها ما شاهدناه وهو ما قصصنا، ومنها ما حكاه عنهم الشريف في كتابه المؤلف للجار"، هذا ما يقوله التيجاني عن الإباضية، ومن المؤسف أنه لَم يترك لنا وسيلة نلتمس له العذر، فنحسب أن هذه المفتريات إنَّمَا نقلها عن غيره، أو تسربت إليه عن بعض العوام الذين لا يحتاطون لدينهم ولا لأعراضهم، وإنما أكد لنا بصفة القطع ما قصه علينا إِنَّمَا شاهده هو بنفسه، وإن هنالك أشياء أخرى حكاها غيره، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أبا عبد الله التيجاني لا يوثق بكلامه عندما يتحدث عن الإباضية، وإن سعيه لإرضاء مخدومه، وتسهيل ارتكاب الظلم عليه وعلى جنده حمل أبا
هذا منهم
عبد الله أن يرتكب جملة من الأكاذيب للتشنيع على الإباضية حتى يكرههم في نظر الناس. وضع بين عينيك هذه الأكاذيب التي أحسب أنها لم تخطر لغير خيال التيجاني الخصب:
1 - وجوب الغسل كل صباح سواء كان له سبب أو لم يكن. الحكم بنجاسة البئر إذا شرب منه مخالف واستخراج مائه.
-
الابتعاد بنجاسة الناس وعدم مماستهم ثيابهم. (1/732)
صفحة 733
الأباضية في موكب التاريخ
- انعزال الجنب عن أن
-
731
يمس أحدا أو يمسه أحد.
ه - إلقاء الثياب التي وقعت بها الجنابة، وعدم تناولها باليد.
6 - الوضوء ثُمَّ التيمم بعده.
غسل الأيدي إلى الأكتاف.
الأباضية في تونس
هذه الصور من الأحكام التي خطرت لأبي عبد الله التيجاني، فألصقها بالإباضية في جربة وهي صور لا شك مستوحاة من الخيال.
إنه لا حاجة بالقارئ الكريم إلى أن نفند له هذه الأكاذيب الواضحة، فإذا شاء أن يسترسل في الخيال مع أبي عبد الله التيجاني فليتصور أن سكان جربة يقومون في الصباح الباكر وكل واحد منهم قد حمل ثوبا على عصا أو محجن تخفق به الرياح، وهو منصرف إلى البحر ليخضخضه، وليتصور الأزمة التي تحدث لأهل جربة عندما زارهم التيجاني ورفاقه، فإن أهل جربة يشربون من مياه الأمطار التي يجمعونها في صهاريج، فلما جاء هذا الجيش الكبير المخالف لَهُم في المذهب، وشرب أفراده من تلك الصهاريج، فإن خيال أبي عبد الله أو حكمه يقتضي أن يقوم أهل جربة إلى تلك الصهاريج يستخرجون ماءها الذي
هي
شرب منه عابروا السبيل فيريقونه ويشربون هم من بعد ذلك هواء البحر، والصورة اللطيفة هذا الرجل الذي وقف طاهرا بين يدي التيجاني، وتحقق طهارته، ثُمَّ أجنب بين يديه حتى يتأكد التيجاني من الحقيقة، ثُمَّ نزع ثوبه الذي أجنب فيه، ورفعه بعصا، أو من فألقاه في البحر وخضخضه، إن هذا الرجل أو هذه المرأة إنَّمَا قامت بهذه التجربة ليتأكد أبو عبد الله مما يروي للأجيال، ويستطيع أن يقول: وقد شاهدت منهم من ... هذه أمثلة مما يوحي به التعصب المذهبي، قد يكون التعصب نفسه دافعا إليها، وقد تكون هنالك أغراض أخرى هي التي تدفع إلى ذلك، والحقيقة أن المتتبع لأحداث التاريخ يجد كثيرا من هذه المواقف المؤلمة والرجل العامي الساذج عندما يسمع فقيها، أو قاضيا، أو عالما مؤرخا يثق فيه، وفي علمه ودينه يقول إن غنيمة أموال الإباضية حلال أولى من الوليمة، أو يسمع عالما أديبا محدثا مثل العبدري يقول عن الإباضية: "قطع الله (1/733)
صفحة 734
الأباضية في موكب التاريخ
732
الأباضية في تونس
دابرهم، وخضد أصاغر هم وأكابرهم"، أو يسمع هذه السلسلة من المفتريات التي تفتق عنها خيال أبي عبد الله التيجاني، وهو الأديب الفقيه المؤرخ .. إن أولئك العوام قد يعذرون فيما يرتكبون، أما الحكام الذين يهمهم أن يجدوا وسائل للعقوبة، أو لابتزاز الأموال، فإن أمثال هذه الأحاديث تكون سندا لَهُم، وحجة يعتمدون عليها، وهم وإن كانوا يعرفون أنها مبنية على كذب أو حنق أو جهل أو غير ذلك من الأسباب، إلا أنهم يستغلونها في بعض المواقف التي يحتاجون فيها إلى مثل هذه الدعاية على الأقل حتى يطمئن بعض التابعين لَهُم أنهم لم يرتكبوا محرما فيما ينزلونه بالناس من المصائب.
ولعل من الأشياء التي أضرت بالإباضية أنهم كانوا يتنزهون كثيرا عن الشبهات، ويحاولون جهدهم أن يبتعدوا عن الحرام وأسبابه، ولما كان أكثر ولاة الحكم لا يراعون أحكام الإسلام في نظام الحكم، وجباية الأموال، فقد كان الإباضية يبتعدون عنهم فلا
ولا
يعينونهم، ولا يستعينون بهم، ولا يتطلعون إلى الدخول في وظائف حكوماتهم، يسعون إلى الحصول على المناصب فيها، وإنَّمَا كانوا يُحاولون أن يعيشوا في مجتمع نظيف، بعيد عن مظاهر الحكم، قائم بدين الله، حريص حريص على أن يتولى شؤونه الدينية بنفسه،
لا يبالي ما تراه فيه الغير، وكان الإباضية في البلاد التونسية بالذات قد يخضعون للدول المتعاقبة، أو للحكام المختلفين على منصب الحكم، ويدفعون لها أو لَهُم ما يتقرر من
ضرائب، وتكاد تقف علاقاتهم بالحكومة والحكام في هذا الحد لو تركوا وشأنهم. ولكن أولئك الذين يصطادون في الماء العكر؛ إما لعصبية طاغية على نفوسهم، أو مطامع تمليها عليهم شهواتهم وإما لتزلف وتقرب وملق إلى الحكام التماسا للحصول على مرتبة أو منصب، وإما إظهارا لحماية الدين والذود عنه استجلابا لمحبة العامة واحترامهم، هؤلاء الذين يصطادون في الماء العكر لا يلبثون أن يحرضوا ثائرا من الثوار، أو شيخا من شيوخ القبائل الضاربة على شواطئ الجزيرة تحترف الغارة والسلب أو أميرا لا تزال خزائنه في حاجة إلى مزيد من المال، أو حاكم يعتقد أنه أعظم من أن يبقى أحد دون أن يدخل تحت جناحه في رغبة وشوق، فيوحي إليه أولئك المتملقون بأن أولئك الإباضية مخالفون في (1/734)
صفحة 735
الأباضية في موكب التاريخ
733
الأباضية في تونس
المذهب، وإنهم غير معترفين بالحكم، وإنهم يستكبرون في أنفسهم فلا يعودون بمشاكلهم إلى الدولة، ولا يرجعون إليها في شؤونهم الخاصة، وهكذا تتجرد غارة أو حملة على موطن من مواطن الإباضية؛ فتذهب أرواح وتستباح أموال، ولم تزل هذه المواقف متكررة في أغلب البلاد التونسية، فكان الناس في بلاء متواصل ممَّا اضطرهم إما إلى الهجرة، وإما إلى تغيير مذاهبهم، حتى انقرض المذهب الإباضي من بلاد الجريد كلها، ومن جبال دمر وما يتصل به، ومن القيروان وقابس والحامة وغيرها، ولم يبق في غير جزيرة جربة، على أن سكان جربة قد عانوا من التعصب المذهبي أشد ما تعانيه أمة، وقتل في سبيل ذلك من أبنائها علماء أعلام وعذبت طائفة، ومثل بآخرين، ولم يكن يخفف عليها إلا حينما ترتفع المشاكل إلى تونس ويحضرها علماء الشريعة المحققون؛ الذين يرتفعون بفهمهم عن مستوى العصبيات، والترضيات وقد سبقت أثناء هذا الكتاب إشارات إلى ذلك. كان موقف الإباضية منذ تأسس نظام العزابة هو موقف الدفاع في أضيق مجال، مهما كان العدوان الذي يسلط عليهم، وكانوا يبتعدون بعدا كاملا عن الاشتراك في والنزاع عليه، وكان العلماء منهم يكبحون جماح العوام أن يخطئوا، فيرتكبوا في غيرهم ما يرتكبه الغير فيهم.
الله
لكتاب
عندما يكون العدوان عليهم بالسلاح يقتصرون على دفع الأذى على أنفسهم، ورد العدوان عنهم إن استطاعوا، دون أن ينتقموا أو يقوموا بالمثل حتى عندما تتحقق لهم الغلبة، أما عندما يكون العدوان بالطعن في العقيدة، أو في آراء المذهب، فيقتصر علماؤهم غالبا على بيان براهينهم وحجتهم التي اعتمدوا عليها والأصول التي استندوا إليها في القول الذي اختاروه، إلا إذا كان المنتقد لَهُم قد بلغ به التنطع واللجاج إلى الحد الذي أصبح يتحدى القوم بذلك، فإنهم حينئذ يتجهون إليه بالرد، على سبيل من سبل المناظرة المعروفة في تلك العصور، ملتزمين ما أمكن آداب المناظرة.
ويبدو من بعض الأحداث التي حفظها التاريخ أن علماء الإباضية قد بدأوا منذ القرن الحادي عشر يتخلون عن موقفهم في الدفاع /
والبعد عن رجال الحكم، إلى دفاع (1/735)
صفحة 736
الأباضية في موكب التاريخ
734
الأباضية في تونس
فيه بعض الإيجابية، فقد كان معروفا عنهم أنهم لا يلتجئون إلى دولة أو حاكم في رد العدوان، أو رفع الظلم عنهم، وإِنَّما يدفعون ذلك عنهم بأنفسهم إن استطاعوا، أو يصبرون لما لم يستطيعوا، ولكنهم ابتداء من القرن الحادي عشر قد بدأوا يعرضون مشاكلهم على الدولة، ويطلبون منها كف الأذى عنهم، ويستعينون بقوتها على رد العدوان، ويطلبون منها أن لا تستمع فيهم إلى وشايات ذوي الأغراض دون تحقيق وإلى القارئ الكريم أمثلة
من ذلك:
يقول أبو الربيع الحيلاتي: "وفي جمادى الآخرة من السنة المذكورة - أي: 1010 هـ سعي بالشيخ العالم العلامة أبي القاسم بن سعيد اليونسي الصدغياني، وحبسه الأتراك بطرابلس، وبقي في السجن إلى أن سارت الفقهاء وبعض وجوه الوهبية إلى طرابلس، وأتوا لإطلاقه من الباشا والديوان بعد أن مكث في السجن أربعة وعشرين يوما (1).
ويقول أبو الربيع الحيلاتي: "وفي سنة 1020 هـ سُعي بالحاج يحيى بن عمر القلالي عند ديوان تونس بأنه مفسد؛ فبعث إليه وسار إليها، ودافع عن نفسه واحتج لها، وتبعه الشيخ أبو سلامة المذكور قبل وبعض مقدمي جربة ووجوهها، وكانت الحجة لَهُم (2). ويقول أبو الربيع الحيلاتي: وفي" سنة 1022 هـ سافر الشيخ أبو القاسم اليونسي إلى تونس لما سعي به عند الباشا، وبعث إليه طالبا منه ألفي دينار سلطانية، وسافر مع الفقهاء وغيرهم، فأيده الله ونصره على من عاداه، وصار له الفخر العظيم عند أمراء تونس وفقهائها، وقد كان سبقه هنالك من سبقه، وفتح له ما كان مغلقا من أبواب الخير، وأفسد عنه ما كان مفتوحا من أبواب الشر، فانتصر والحمد لله والتقى هنالك مع القاضي طعن فيه، وخصمه (3) وغلبه، وكانت الدائرة عليه، وعزل وطرد وسقط في الحفرة التي حفر،
وصار مثالا يعتبر، ورجع الشيخ إلى وطنه سالما غانما " (4).
(1) الحيلاتي: علماء جربة، ص 17 - 18.
(2) الحيلاتي: علماء جربة، ص 22.
3) غلبه في الخصومة.
(4) الحيلاتي: علماء حربة، ص 22 - 23.
جماعة من
الذي (1/736)
صفحة 737
الأباضية في موكب التاريخ
735
الأباضية في تونس
ويتجلى هذا الاتجاه في المواقف الكثيرة التي وقفها العلامة أبو عبد الله محمد المصعبي، وفي المواقف المتتابعة التي وقفها الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف المصعبي؛ فقد أوتي الرجل من غزارة العلم، وصحة الإدراك، وقوة الإرادة والشجاعة ما جعله لا يخشى حاكما، ولا يتوقف عن رد عدوان عملي أو قولي، فكان لا يفتأ ينتقل بين طرابلس وتونس والجزائر، ويناقش قضاتها وحكامها، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فما تصدر من أحد طعنة، أو وشاية في الإباضية حتى يتحرك أبو يعقوب للتحقيق عنها، وردها أو الرد عليها، وإبطال مفعولها، وفي إمكان القارئ الكريم أن يراجع ترجمته المختصرة بقلم شيخ الصحافيين في الجزائر الشيخ أبي اليقظان - متعنا الله بحياته ومد في عمره المبارك - هذه الظاهرة ظاهرة الالتجاء إلى الحكومة في دفع العدوان بدأت بوادرها حسبما وصلت إليه في أبحاثي التاريخية عن الإباضية في تونس مع القرن الحادي عشر، واستمر الالتجاء إلى الحكومة كوسيلة من وسائل الدفاع يلتجئ إليها الناس ليردوا عنهم ما يلحقهم من الأذى، وبمعرفة الناس لوسائل الاتصال بالحكومة، أو الاستفادة منها وطرق مخاطبتها، زادوا خطوة أخرى خطوة إعطاء الحقوق، أو إثبات الحقوق، فبدأ الناس أول الأمر على احتراس- يلتجئون
هي
كما
إلى الحكومة لإثبات حقوق لَهُم ثُمَّ تعودوا ذلك، فأصبحت الأمور تجري عادية منهم تجري من غيرهم، وأصبحت الدولة ودواوينها هي مرجع الناس في دفع الظلم، وفي نيل الحقوق، يفعلون ذلك كما يفعله غيرهم، وقد كان لهذا الاتجاه الجديد آثار واضحة على
الناحيتين الدينية والخلقية عند الإباضية، رُبَّمَا تحدثنا عنها في فصل من فصول هذا الكتاب. ويجدر بنا ونحن نستعرض التعصب المذهبي أن نشير إلى أن التاريخ قد حفظ لنا صورا من ذلك النقاش الذي آثاره التعصب، ومن الإنصاف أن نقول أن أغلب ما وجه إلى الإباضية من طعون ونقود يدل بمبناه أو معناه على سطحية قائليه وعامية تفكيرهم، أو على سوء قصد من بعضهم، كما أنه مما يدل على تغلب الروح الإسلامية المؤمنة، ومحبة الإنصاف والعدل والانتصار للحق ما قامت به بعض الجمعيات العلمية في تونس في بعض المواقف، فقد عقد علماء القيروان اجتماعا في القرن الرابع الهجري قرروا فيه وجوب مناصرة (1/737)
صفحة 738
الأباضية في موكب التاريخ
736
الأباضية في تونس
الإباضية ومؤازرتهم وجوبا شرعيا (1)، وحكم المجلس العلمي الذي بحث قضية الطاعن في شهادة الإباضية، وحكم عليه بالتوبة أو القتل، وهنالك مواقف كثيرة من العلماء في تونس وفي غيرها شبيهة بهذه المواقف، على أن هذا القدر كاف في الدلالة على أن المحققين من علماء الإسلام في تونس كانوا يعملون جاهدين على لم شع شعث الأمة، وعدم التفريق بين طوائفها. عناصرها، وإن أولئك الذين كانت تحركهم العصبية فيسيئون إلى غيرهم من المذاهب المخالفة لَهُم؛ إما أصحاب أغراض مصلحية يتسترون وراء المذهبية، وإما جهلة بدين الله
قصرت أفهامهم عن استبعاب حقائق الإسلام، فكانوا يندفعون اندفاعا هستيريا دون ترو أو فهم. ولعله يكون من المناسب أن أختتم هذا الفصل بأقوال لبعض فطاحل العلماء، قال ابن السبكي في جمع الجوامع": "ولا" نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب"، وقال أبو الحسن الأشعري: احفظوا عني أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة؛ لأني رأيت الكل مشيرين إلى
معبود واحد".
وقال زروق: "يجب الاحتراز عن التكفير في أهل التأويل، فإن استباحة المصلين الموحدين خطأ، قال الله: «فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُم ... الخ» (2). قال أبو حامد الغزالي: "إن أنصفت علمت أن من جعل الحق موقوفا على بعض بعنيه فهو إلى الكفر أقرب".
وقال قطب الأئمة الشيخ محمد أطفيش: "ولا نحل مال الموحد بالكبيرة ولا الصغيرة في حرب ولا في غيرها للغني والفقير"، وهذه تأليف الشيخ عامر، وتآليف أصحابنا كلهم تصرح بتحريم أموال أهل التوحيد إلا بحقها، الحديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلا الله، فَإِذَا قَالُوا حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُمْ»، وذلك مصرح به في نحو مائة كتاب في كتب أصحابنا، وليس من أصحابنا أحد يقول بحلها إلا بحقها، وليس الكبيرة ولا الصغيرة مبيحة لها".
(1) لم أتمكن عند كتابة هذا الفصل من الحصول على نص القرار.
(الحديث أخرجه البخاري (25) ومسلم ((22)، عن عبد الله بن عمر من حديث طويل بلفظ قريب. (المراجع) (1/738)
صفحة 739
الأباضية في موكب التاريخ
737
الأباضية في تونس
ويقول القطب بعد كلام: "ونحن بعد لا نقول بالخروج عن سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا"، ويقول بعد كلام "وأما ما ذكر من القول بأن دار الإسلام غير دار سلطانهم فلا قائل به، فإنه إذا لم تکن دار سلطانهم دار إسلام فكيف تكون دار غيره دار إسلام؟ إلا إن أراد أنه على غير حق"، هذا كلام للقطب رحمه الله - رد به على رسالة في الطعن على الإباضية للمفتي الطرابلسي ابن مصطفى.
وقد يكون مناسبا أن أقتطف جملا ممَّا رد به أبو عبد الله مُحمَّد المصعبي على إحدى الرسائل التي عرضتها على القارئ الكريم في أوائل هذا الفصل، وقد تتبعها أبو عبد الله المصعبي فقرة فقرة، ولما كان كثير مما ورد فيها إما مباحث معروفة في علم الكلام وتناولها أكثر علماء الإسلام بالمناقشة والبحث، أو شواهد تتعلق ببعض أحكام اللغة العربية، فإنني رأيت أن أقتصر في هذه المقتطفات على ما يتناول تلك المواضيع المعروفة، ليعرف القارئ الكريم أسلوب الشيخ في الرد على المتهجم رد العالم، المحقق، وإن كانت تصدر منه من حين إلى حين كلمات تشعر بالحنق والغضب، قال أبو عبد الله وأما قولك: "أخذوا دينهم من عبد حبشي"، فإن جعلت هذا عيبا فأمامك مالك مولى من الموالي وكثير من أئمتكم، وأما نحن فلا عيب لنا في أحد إلا فيمن لم يتبع كتاب الله وسنة رسوله، يقول الله تبارك وتعالى: «خَلَقْتُ الْجَنَّةِ لِمَن أَطَاعَنِي وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَخَلَقْتُ النَّارَ لِمَنْ عَصَانِي وَلَوْ كَانَ مَلَكًا هَاشِمِيًّا» (1). وأما قولك: "إن لم تجيبوني بما سألتكم عنه فدماؤكم وأموالكم حلال من الله ورسوله"، فإنا قد أجبناك وأنت دمك حلال من الله ورسوله أجبت أم لم تجب لطعنك في الدين، أما مَالُكَ فلا يحل عندنا إلا بثلاثة أوجه: هبة عن تراض، أو بيع عن تراض، أو ميراث من كتاب الله تعالى، ولكن مخاطبتي إياك كمثل من خاطب الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي، فهم لا يعقلون".
1) لم نجد من خرج هذا الحديث بهذا اللفظ. (المراجع) (1/739)
صفحة 740
الأباضية في موكب التاريخ
738
الأباضية في تونس
كفاح الصليبية الخانقة
في هذا الفصل أحاول أن ألخص للقارئ الكريم ذلك الكفاح المجيد الذي قام به أهالي
جربة الأبطال في دفاع الغزو الأجنبي، الذي كانت تقوم به الصليبية الحانقة على السواحل الإسلامية في بلاد المغرب الإسلامي، إما على سبيل القرصنة والسرقة، وإما لاحتلالها والانتقام منها فيما تزعم، وفي الفترات العصيبة التي كانت الأمة الإسلامية في بلاد الْمَغرِب تحت حكم دويلات متقطعة متخالفة المقاصد، وإمارات مستبدة متغطرسة تعاني أقسى أنواع الظلم من الحكام المحليين الذين لا يهمهم من مظهر الحكم غير ألقاب فخمة يطلقونها على أنفسهم، مظاهر كاذبة للعظمة يزينون بها مجالسهم ومواكبهم، وضرائب متتابعة يفرضونها، وأموال كثيرة يجمعونها، يزينون بها مجالسهم ومواكبهم وعقوبات مؤلمة ينزلونها على شعوبهم، في هذه الظروف العصيبة كانت الأمة المؤمنة تنظم شتات قوتها لتدافع بما بقي لها من عزة الْمُؤمنين أعداء الله وأعداء الوطن، فكان الناس يدافعون عن بلادهم في الثغور الإسلامية مثل بجاية، ووهران، وقابس، وطرابلس وغيرها، دون أن يمدهم أولئك الذين يتمرغون في النعيم - بما ابتزوه من أموال ليس لَهُم الحق في ابتزازها في كثير من الأحيان بأي مساعدة، ولقد كانت أكثر الثغور البعيدة عن مراكز الحكم تعاني ألوانا من الظلم من الحكومات والولاة المحليين من جهة، وتكون عرضة لضربات الغزاة من المعتدين الإفرنج من جهة أخرى، وعليها وحدها أن ترد عدوان الإفرنج، فهي تعيش بين نارين.
ولقد كانت جربة من هذه الثغور التي يُحاول الغزاة الغربيون احتلالها والاستقرار بها، ليتخذوا منها قاعدة في حروبهم وغزواتهم، وكان الأمراء في تونس وطرابلس لا ينفكون عن النزاع عليها ومحاربتها واحتلالها، أو افتكاكها من بعضهم البعض، وفي كل معركة هذه المعارك التي يتبادلها الإخوة طلبا للحكم يتعرض الناس لأشد أنواع البلاء والمحنة والانتقام؛ فيقتل شبابهم وتصادر أموالهم، وتفرض عليهم غرامات وضرائب، وقد يتعدى الأمر كل ذلك فيؤدي إلى استحلال ما حرم الله من أعراض الناس وهتك حرماتهم.
من (1/740)
صفحة 741
بهم
الأباضية في موكب التاريخ
الحجة على
الله
739
الأباضية في تونس
هذه الصورة البشعة التي كان يتعرض لها أهل جربة أحيانا من إخوانهم في الدين، ومع وأحيانا أخرى كثيرة من أعدائهم في الدين والوطن، فإنهم كانوا يرتضون ما يجره عليهم حكم إخوانهم ويسكتون، له ولكنهم لم يطأطئوا رؤسهم بذلة أمام أعداء الله، ولم يسكتوا عن ضيم منهم، ولم يرضوا عن عبودية تفرض عليهم، ولم يقفوا مكتوفي الأيدي عما ينزل: الظالمون، فلقد كتبوا أمجد صفحة في الدفاع عن الدين والوطن، وسجلوا انتصارات تكاد تكون صورا حية للانتصارات التي سجلها الْمُؤمنون الصادقون في صدر الإسلام، وأقاموا الْمُسلمين في كل عصر وفي كل مكان فقد أثبتوا بمواقفهم الرائعة أن النصر لا يتوقف على العدد ولا على العدة، وَإِنَّمَا يتوقف على ما يزخر به قلب الْمُؤمِن من محبة للقاء واستعداد كامل للحصول على الشهادة، ورغبة أكيدة في الموت في سبيل ا الله، وكما انتصرت القلة على كثرة في بدر، وفي الأحزاب وفي مؤتة وفي اليرموك، وفي جربة، يُمكن أن تنتصر القلة على الكثرة في كل مكان وفي كل زمان إذا توافرت لها الإمكانيات الروحية التي كانت عند الجيوش الْمُؤمنة، وهي تقاتل في سبيل الله أعداء الله. ومن أوائل القرن السادس إلى منتصف القرن العاشر والإفرنج لا يكفون عن غزو جزيرة جربة، وإزعاجها بأساطيلهم وقواتهم، وقد يتغلبون عليها مؤقتا، ولكنها سرعان ما تثور عليهم فتلقي بهم وراء البحر، وقد تنتصر عليهم من أول الأمر فتردهم خائبين، ولعل أعظم المعارك التي وقعت بين جربة وبين الغزاة الإفرنج هي كما يلي: 1 - في سنة 529 هـ هجم الإفرنج على جربة على حين غفلة من أهلها ودون توقع فاحتلوها وقتلوا عددا كثيرا من أهلها. 2 - في سنة 548 ه ثار أهل جربة على حامية الإفرنج الموجودة في الجزيرة، وأجلوها
عن وطنهم.
3 - في نفس السنة 548 هـ ما علم الإفرنج بثورة أهل جربة على حاميتهم وإخراجهم لها حتى كونوا أسطولا ضخما جهزوه بكل المعدات وهجموا على جربة فاحتلوها بعد معركة
طاحنة، وأخذوا كثيرا من سكانها المسالمين أسرى، فباعوهم في الأسواق الأوروبية عبيدا. (1/741)
صفحة 742
الأباضية في موكب التاريخ
740
الأباضية في تونس
4 - في سنة 555 ه ثار أهل جربة على الحامية الإفرنجية، وساعدهم عبد الْمُؤمِن بن
علي على أجلائها، فطردوها من جربة، وطهروا الجزيرة من العلوج.
5 - في سنة 688 هـ جهز أسطولا ضخما، وهجموا على الجزيرة واحتلوها. 6 - في سنة 730 هـ ثار أهل الجزيرة على الإفرنج، وساعدهم أبو بكر الثاني فطهروها منهم.
في سنة 835 هـ جهز الإفرنج أسطولا ضخما وهجموا على الجزيرة فتلقاهم أهلها، ووقفوا في وجوههم، وساعدهم أبو فارس عزوز فقتلوا من العدو عدد ضخما، وبنوا برؤوسهم برجا سموه برج الجماجم.
في سنة 916 هـ جهز الإفرنج أسطولا ضخما واتَّجه إلى الجزيرة لاحتلالها، فاعترضهم شيخ الجزيرة أبو زكرياء السمومني، وانتصر عليهم في وقعة مشهورة، اهتم لها الناس في الشرق وفي الغرب.
9 - في سنة 916 هـ جهز الإفرنج أسطولا في عشرين سفينة، وقام بمناورات حول جربة، فلم يهتم به أحد فرجع يجر أذيال الخيبة.
10 - في سنة 926 هـ جهز الإفرنج أسطولا ضخما يتكون من مائة سفينة، واتَّجَه إلى جربة، فتلقاه أهلها وردوه خائبا، بعد أن ترك في ميدان نحو 600 قتيل، وعددا أكثر من الأسرى والمعدات الحربية.
هذه معارك مشهورة تناولتها كتب التاريخ بالتفصيل والتعليق، وبين هذه المعارك كثير من الوقائع التي حاول فيها الإفرنج احتلال الجزيرة فردوا على أعقابهم، أو احتلوها لمدة قصيرة ثُمَّ ثار يهم السكان فطردوهم، وقد عدّد المؤرخ الجربي إبراهيم بن ثابت عددا من الوقائع، مقتصرا على ذكر تاريخ الوقعة دون تفصيل الأحداث، فقد ذكر مثلا أنه وقعت معارك بين النصارى وسكان جربة من المُسلمين -حسب تعبيره- في السنوات التالية من القرن السادس: 529، 532، 001، 000، 583، 585 هـ. وفي السنوات من القرن السابع: 633، 638، 639، 682، 688، 696،691 هـ ومن هذه التواريخ يرى القارئ الكريم إصرار الإفرنج على احتلال الجزيرة ومواقف الدفاع المشرفة من أهلها، وبالرجوع إلى الوقائع السابقة التي ذكرناها بشيء من
الآتية
التفصيل (1/742)
صفحة 743
الأباضية في موكب التاريخ
741
الأباضية في تونس
يرى القارئ الكريم أن أهل جربة وحدهم هم الذين يقومون بهذا الكفاح الرائع، إذا استثينا ثلاث معارك ساعدهم في أولاها عبد الْمُؤمن بن علي، وساعدهم في الثانية أبو بكر الحفصي، وساعدهم في الثالثة أبو فارس عزوز.
تلك
كان أهل جربة يقومون بهذا الدفاع المجيد دون أن يساعدهم أحد في الميدان غير من ذكرنا آنفا، رغم أن الدول التي كانت تتعاقب على حكم تونس في جميع الحالات كانت تحسب جربة تابعة لها، وكانت لا تنفك تطالبها بتسديد الضرائب
وتقديم الأموال، وكانت جربة تقدم لها ذلك عن رضى، وتعترف بتبعيتها لها، بل وتطالب بالبقاء تحتها، أو الانضمام إليها في بعض الأحوال، عندما يُحاول ولاة طرابلس الاستيلاء عليها والحاقها بحكمهم.
لقد استطاعت جربة أن تصمد للدفاع خمسة قرون رغم حرص العدو، وإصراره على الاستيلاء عليها والتحكم فيها، ورغم ازدياد معداته الحربية عاما بعد عام، وقرنا بعد قرن، ورغم إهمال الدولة الإسلامية لها، وتهاون أصدقائها عن نجدتها ماديا في محنها، و استطاعت أن تنتصر انتصارات مجيدة في أكثر المعارك التي خاضها لرد العدو أو طرده من البلاد، وعندما بدأت الدولة العثمانية تمد سلطانها على البلاد الإسلامية، وجاء در غوث لاحتلال الجزيرة وجدها نظيفة من أعداء الدين وأعداء الوطن، ولكنه مع ذلك أصر أن يريق الدم بغزارة، ولقد فعل، ولكن تلك الدماء التي أراقها در غوث كانت دماء زكية لأولئك الأبطال الذين حافظوا على الجزيرة، ودافعوا عنها خمسة قرون وزيادة. كانت جربة قوية عنيدة عنيفة في دفاع الغزو الأجنبي الذي يأتي من خارج العالم الإسلامي، ولكنها كانت لقمة سائغة سهلة الازدراء للأمراء الْمُسلمين، ما يُحاول أحد أن يحتلها حتى تلين له، سواء كان من الدول القائمة بتونس، أو كان من ولاة الجهات، أو القائمين بالحكم في طرابلس، فما السر في هذه القوة التي نجدها لجربة عندما يحاربها المشركون، وهذه الليونة التي نجدها لها عندما يحاربها المسلمون؟ وما هو أثر الحربين من الناحية المعنوية؟
كان
من
إن الجواب على هذه الأسئلة يكون في الفصل التالي إن شاء الله.
منهم (1/743)
صفحة 744
الأباضية في موكب التاريخ
742
الأباضية في تونس
أثر الكفاح على أهل جربة
كلما اعتدى الإفرنج على جربة أو حاولوا الاعتداء عليها تلقت ذلك منهم بثبات وصبر، وزادها العدوان عليها قوة وشجاعة وجرأة على المعتدين وردت عدوانهم في نفس الوقت، فإن غلبت ثارت عليهم بعد حين قريب وأخذت بثأرها، وانتقمت منهم لنفسها، ولم يخسر الجربيون في جميع تلك الحروب التي شنها عليهم أنصار الصليبية وقادة القرصنة لا من النواحي المادية ولا العددية ولا النفسية خسائر ذات قيمة، وحسبك أن تعلم أنه في المعركة الكبرى التي استعد لها الإفرنج أكبر استعداد وجهزوا لها أضخم أسطول، وجمعوا لها أكبر عدد من المحاربين حتى بلغ عددهم عشرين ألفا من المقاتلين المدربين، ولم تجمع جربة سوى ثلاثة آلاف فيهم شيوخ عجزة ومراهقون حملوا السلاح لأول مرة في هذه الموقعة التي استعد لها الإفرنج هذا الاستعداد العظيم، وخسروا فيها آلافا من القتلى وما لا يقدر من أموال لم تبلغ خسارة جربة مائة مقاتل على أكثر الروايات مبالغة، وقد استطاعت جربة أن ترد هذا الهجوم العنيف، وأن تكبد العدو أفدح الخسائر دون أن يقوم
بمساعدتها أحد، لا أصدقاؤها، ولا جيرانها، ولا الدولة التي تدفع لها الضرائب. تجد علماءها كانت جربة في جميع تلك الحروب التي يشنها عليها الاستعمار الإفرنجي وصلحاءها ومشايخها في مقدمة المجاهدين؛ يحرضون الناس على القتال، ويأمرونهم بالصبر، ويعدونهم إن هم أخلصوا بالفوز، ويقاتلون العدو كأشد ما يقاتل الأبطال؛ فيقتلون ويأسرون ويغنمون الأموال، ولكنهم حين يتغير الموقف فيشن الحرب عليهم قوم ينتسبون إلى الإسلام؛ سواء كانوا من تلك القبائل الثاوية في الصحراء تحترف الغارة للسلب والنهب، أو أولئك الولاة الذين يبحثون عن الحكم والمال، فيتعاقبون على محاربتها مرة من طرابلس ومرة من تونس وأحيانا كثيرة من غيرهما. إن أهل جربة في هذه الأحوال لا يجدون علماءهم وصلحاءهم في المقدمة كما كانوا يجدونهم في حروب الإفرنج، ولا يسمعون منهم كلمة التحريض والتشجيع على (1/744)
صفحة 745
الأباضية في موكب التاريخ
743
الأباضية في تونس
الحرب، وإذا سمحوا لَهُم بالقتال دفاعا عن النفس والأهل والمال فهم لا يسمحون لَهُ أبدا بالاستيلاء على أموال الموحدين بطريق الغنيمة.
إن الأسباب التي جعلت أهل جربة أقوياء أشداء على محاربة الإفرنج، وجعلتهم لينين ضعافا في مقاتلة المعتدين من المُسلمين إنَّما هي وقدة الإيمان في قلوبهم، وحرارة التقوى التي تغل أيديهم، والاستمساك المتين بالدين وأحكامه في معاملاتهم.
إنهم وهم يحاربون الإفرنج يشعرون بأنهم يقومون بأقدس واجب عند الله واجب الجهاد، وهم يعلمون أن من يقتل منهم في تلك المعارك فقد قتل في سبيل الله وفاز بالشهادة، وأن ما يحصلونه من مال إنَّما هو غنيمة قد أحلها لَهُم الدين الكريم، الذي أمرهم بالجهاد في سبيل الله: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ().
(1) 19
هذه المعاني كانت تملأ قلوبهم فتجعل منهم أبطالا تفل عزائمهم الحديد، وتطفئ إرادتهم النار، وتقهر خناجرهم البسيطة ما أعد العدو من مدافع وبنادق ومحرقات أما عندما يهاجمهم قوم يعلنون الإسلام، وينتسبون إلى أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فإن تلك المعاني تنطفئ من أنفسهم، وتلك الحرارة تبرد من قلوبهم؛ لأنهم يحملون سيوفهم ضد إخوة لَهم، ولو كان أولئك الإخوة بغاة، والمقتول من الفريقين خسارة للأمة المسلمة التي يتكالب عليها العدو، وليس أحد يقدر هذه
الخسارة مثلما يقدرونها هم، ثُمَّ إن الدين الذي يدينون به ويتقيدون بأحكامه لا يحل لَهُم حتى وه في حالة الدفاع أن يتجاوزوا حدود الدفاع إلى الانتقام أو العقوبة، فلا يحل لهم أن يتبعوا مدبرا، ولا أن يجهزوا على جريح، ولا أن يغنموا مالا، بل إن دفاعهم يجب أن يكون مقصورا في أضيق نطاق لرد العدوان، وكان كل واحد منهم يتمنى أن لا تسيل الدماء على يده، وكان العلماء لا يفتون يأمرون الناس بمراعاة أحكام الإسلام في محاربة البغاة من المُسلمين، وهذه المعاني هي التي تجعل الناس لا يقبلون على الحرب في هذه الأحوال، وإذا اضطروا للوقوف في هذه المعارك فإنما يقفون بفتور ووهن، وكثير منهم يتمنى أن يكون عبد الله المقتول، لا عبد الله القاتل؛ لأنهم يحسبون أن النصر والهزيمة سواء في هذه الحروب التي تجري بين الإخوة، فهي كلها خسارة.
(1) سورة الأنفال: 69. (1/745)
صفحة 746
الأباضية في موكب التاريخ
744
الأباضية في تونس
و في أكثر المعارك التي وقعت بين أهالي جربة وإخوان من المُسلمين كان الجربيون يلاحظون هذه المعاني الإسلامية في مواقفهم، وكان المعتدون عليهم في أغلب الأحيان لا يلاحظون شيئا منها، ولذلك فقد كانت هذه الحروب بين الإخوة من المُسلمين ذات آثار سيئة جدا، وكانت خسائر جربة فيها عظيمة وما شنت عليهم حرب من تلك الحروب إلا ذهب ضحيتها عدد كبير من الأنفس أكثرها من الأطفال الأبرياء، والنساء الضعيفات والشيوخ العجزة، وبالرجوع إلى أحداث التاريخ التي سردنا بعضها في فصول سابقة من هذا الكتاب أو الرجوع إلى المصادر العامة والخاصة للتاريخ في هذه البلاد، يتبين للقارئ الكريم هذه الحقيقة، ويكفي لإيضاح هذه الصورة أن أشير إلى إحدى الوقائع مما سردنا تفاصيله في هذا الكتاب فإن حربا واحدة من تلك الحروب التي شنها درغوث على جربة ليجعلها تابعة لحكمه في طرابلس كلفت الجزيرة ألفا ومائتين من القتلى، وقد تلقت فيه جربة فيما بعد ضربات متلاحقات حطمت قوة أبنائها، وفلت سيوفهم، وذهبت بخيرة شبابهم، فلما رجع الإفرنج من جديد، وكان درغوث قد شغل بأمور الحكم في طرابلس، لم تجد جربة القوة التي تضرب بها العدو، ولكنها وجدت في قلوبها عزة الإسلام التي لا تستسلم للكافرين، فتحركت الهمم، ووقفوا تجاه العدو، فلم يُمكنوه من احتلال جزيرتهم، ولكنه لما أطال الحصار لم ينجدهم أحد، وخافوا أن تتغلب عليهم القوة صالحوا الإفرنج على أن يسلموا لَهُم القشتيل دون أن يتجاوزوه إلى شيء غيره، وفي نفس الوقت بعثوا إلى دار الخلافة في تركيا يطلبون النجدة لحماية الجزيرة من بقاء المشركين بها، وجاءت النجدة من دار الخلافة، وتعاونت القوتان: قوة السكان وقوة الدولة على طرد العدو الطرد النهائي، وبقيت العزة الإسلامية تملأ قلوب أهل الجزيرة، فلما جاءت فرنسا من بعد لتنفيذ الفكرة الاستعمارية الصليبية كانت الجزيرة من أول المواطن التي قامت في وجه الاستعمار الجديد، ودافعته دفاع الأبطال، ولعل مما
يناسب المقام في آخر هذا الفصل أن أنقل كلمة للأستاذ محمد المرزوقي في هذا الموضوع. قال المرزوقي في تعاليقه على كتاب "مؤنس الأحبة" ما يأتي: "جربة تقاوم الحماية: لم يكد يعلن عن انتصاب الحماية الفرنسية على تونس في 12 ماي،1881 م، حتى هبت جربة للمقاومة المسلحة معززة جانب المقاومين في الجنوب والوسط والشمال واستسلمت السلطة المحلية (1/746)
صفحة 747
الأباضية في موكب التاريخ
745
الأباضية في تونس
للثورة، وأصبح المقاومون أسياد الجزيرة، مما اضطر الأسطول الفرنسي بقيادة الأمير غرنولت إلى التحرك نحوها بعد ضربه مدينة صفاقس في 15 - 16 جويلية،1881، فضرب مدينة قابس، وجزيرة جربة بقنابله، ولم تستسلم الجزيرة للقوات المحتلة إلا بعد دفاع مجيد".
OR
العهد الثالث
العهد الثالث من تاريخ جزيرة جربة هو عهد الدخول تحت جناح الجامعة الإسلامية، وذلك أن الدولة العثمانية حاولت أن تضم إليها جميع الدول الإسلامية الصغيرة الموزعة في العالم، لتتكون من ذلك دولة واحدة قوية لأمة واحدة متماسكة، ولكن المطامع الفردية، وسوء تصرف الولاة وتكالب الغرب على احتلال الشرق حال دون الوصول إلى النتائج الطيبة من هذه الفكرة، ولقد دخلت جربة تحت الجامعة الإسلامية في بادئ الأمر تابعة لوالي طرابلس، ثُمَّ لوالي تونس.
وسيحس القارئ الكريم شيئا من المرارة ونحن نتحدث عن هذا العهد من تاريخ جربة، وقد يجد بعض النقد لهذا العهد والذي أريد أن يعرفه القارئ الكريم قبل أن يستمر في الفصل أنني لا أنقد أبدا محاولة الدولة العثمانية أو غيرها من الدول الإسلامية الكبرى توحيد الأمة المسلمة تحت حكم واحد، يسير وفق منهج الإسلام في أنظمة الحكم، وحتى لو لم تتم الصورة المثالية لحكم الإسلام، فإن انضمام الأطراف الإسلامية إلى القلب، وتكتلها مع بعضها البعض، هو ما يجب أن يدعو إليه المسلم ويرضاه، وَإِنَّمَا الذي أحس له بالمرارة فإنَّما هو تصرف أولئك الولاة الذين لم يقدروا الأعباء الثقال الملقاه على عواتقهم، فكانوا عند الغضب أو الطمع يعاملون شعوبهم التي هي عزمهم وقوتهم كما يعاملون أعداءهم، وبذلك قتلوا في نفوس الأمة المسلمة روح المقاومة والثورة، وفرضوا عليها طابع المذلة والاستهانة، فلما عجزوا هم عن رد العدوان لم تقف عناصر الأمة المحطمة في وجه ذلك (1/747)
صفحة 748
الأباضية في موكب التاريخ
746
الأباضية في تونس
العدوان، ونتج عن ذلك أن فقدت الأمة خلافتها الإسلامية، ووحدتها الدينية، وحريتها الوطنية، وحديثنا عن جربة في هذا العهد قد يعطي صورة كاملة أو ناقصة، أو حتى من بعض الجوانب لبقية البلاد الإسلامية، سيما التي وهبتها عناية الله أسبابا للغنى والثروة.
في هذا العهد الذي يمتدّ ما بين سنة 960 هـ إلى سنة 1298 هـ، خضعت جربة لولاة الدولة العثمانية خضوعا كاملا، سواء كان أولئك الولاة في طرابلس أو في تونس.
ولقد مر هذا العهد على جربة من أشد العهود التاريخية، وذاق فيه السكان من أنواع البلايا ما تعجز عن تحمله الجبال الرواسي، وكثيرا ما يجتمع عليهم ظلم الولاة والفتن القائمة بينهم على الحكم، وتوالي فرض الغرامات الباهظة والمطالبة بالضرائب المتوالية ووقوع الغلاء والقحط، وإلى القارئ الكريم أسوق أمثلة مما ذكره المؤرخون: قول أبو الربيع الحيلاتي: في سنة 1895 اجتمع بالجزيرة قلة العافية والغلاء والكساء والجدب، ومنع علي بن مراد باي على أهل الجزيرة ميرة القمح والشعير، وَإِنَّمَا أكلت الناس الفيتورة (1)، فتمادى الحال كذلك من أول السنة وفي النصف من جمادى الأولى اتصل الخبر إلى أهل الجزيرة أن ديوان تونس وأمراءها تعصبوا على بن مراد فغلبوه، وطردوه من الوطن، وجيشه حينئذ على ما قيل أربعة عشر ألفاء ووقفوا أخاه محمد بن مراد أميرا على
إفريقيا بأمر السلطان نصره الله، وتمادى على منع القمح والشعير على أهل الجزيرة. "وفي سنة 1099 هـ ألقى الشيخ عبد الرحمن على الوهبية ألفي مطر (2) زيتا، وأعطاه للنصارى مما تداينه منهم، وأعطاه بتونس حتى ولوه الأمر، ثُمَّ ألقى عليهم غرامة (خطية عظيمة)
مع قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وكثرة الكساد، ثُمَّ ألقى عليهم أيضا غرامة أخرى (3). إن القارئ الكريم عندما يقرأ هذه الفقرة ممَّا كتبه مؤرخ شهد الأحداث بنفسه يتصور ما يقاسمه الناس من تسلط الحاكمين، فإن المنطق يقضي بأن الدولة الحاكمة إذا رأت في بلد
(1) الفيتورة: بقايا الزيتون بعد أن يعصر ويستخرج منه زيته.
(2) المطر كما يقول الشيخ أبو الربيع واحد وستون رطلا. (المراجع)
الحيلاتي: علماء حربة، ص 27. (1/748)
صفحة 749
الأباضية في موكب التاريخ
747
الأباضية في تونس
من بلدانها مجاعة بسبب القحط و الجفاف، فإِنَّهَا تعمل على مساعدة السكان على المعيشة، وتجلب إليهم المواد الضرورية للحياة، وتيسر لَهُم الحصول عليها، ولكن الأميرين مُحمَّدا وعليا ابني مراد المتعاقبين على الحكم، وهما يريان ما تقاسيه الجزيرة المسكينة؛ من قلة العافية والغلاء والكساد والجدب مع هذه المصائب يمنعان على الجزيرة ميرة القمح والشعير يعني يحكمان عليها بالموت جوعا، ويضطر الناس أن يعيشوا على الفيتورة؛ وهي بقايا الزيتون بعد أن يعصر ويستخرج منه زيته، ومع. ذلك فإن هؤلاء المُسلمين يحملون للدولة العلية كل محبة وإعزاز ويطلبون لها النصر والتأييد كما فعل المؤرخ النبيل، إِنَّهَا صورة مؤلمة لحياة أمة تحت جناح دولة يفرض فيها أن تحمي شعبها في جميع مواطنه وترعاه وتيسر له وسائل الحياة السعيدة.
أما الشيخ عبد الرحمن هذا وهو من عائلة بني جلود من سكان الجزيرة نفسها، فيسافر إلى تونس ويستدين من النصارى أموالا كثيرة يدفعها لوالي تونس ثمنا لكرسي المشيخة على الجزيرة، ويتولى فعلا مشيختها، وبمجرد تسلم مهام منصبه يفرض على السكان المساكين ألفي مطر من الزيت، والمطر كما يقول الشيخ أبو الربيع واحد وستون رطلا يذهب بها إلى النصارى فيدفعها لَهُم مقابل ديونهم عليه الديون التي اشترى بها منصب المشيخة على جربة من الدولة العلية، ثُمَّ يعود إلى الجزيرة فيلقي على السكان المساكين مزيدا من الغرامات غرامة تلو غرامة ليجمع الثروة في أقرب وقت ممكن، وهذه الغرامات المتوالية يلتمس لها أتفه الأسباب، ولا تكفي عن الضرائب السنوية التي تجمع للدولة،
الله
ومع هذا الظلم وهذا الحرص على المنصب والمال تضيق الحياة بالرجل، فيموت منتحرا. يقول العلامة الشيخ سعيد بن تعاريت: "وفي جمادى الأول من السنة المتممة للمائة ألقى الرعب على الشيخ المذكور، أبدى له الشيطان أن قتل نفسه أهون عليه من الحياة، وارتحل من داره لوادي الزبيب وسكن بتاجموت وفي الليلة السادسة من رجب ضاقت عليه الأرض بما رحبت فعمر بندقيته تعميرا بليغا، فلما جن عليه الليل أغلق الدار على نفسه، ومكنها من قلبه فمات. (1/749)
صفحة 750
الأباضية في موكب التاريخ
748
الأباضية في تونس
والمتتبع لتاريخ جربة في هذا العهد يجد كثيرا من هذه الصور المؤلمة التي تجتمع فيها ظروف الحياة القاسية مع مظاهر الحكم الظالمة، فهي تمتاز بالنزاع المتواصل بين
الحكام المحليين الذين كانوا يشترون مناصب الحكم بالأموال التي يدفعونها إلى الدولة المركزية في تونس، ثُمَّ يفرضون تلك الأموال بصورة غرامات وعقوبات على الناس، فيجمعونها منهم، ويرتكبون في ذلك أشد أنواع الإرهاق والظلم، ولا يكفيهم هذا، بل يضيفون إلى ذلك فرض ضرائب سنوية على كل شيء، حتى على الرؤوس من بني آدم، وقد أدى هذا المسلك من الحكام إلى نتيجتين:
الأولى: سخط الناس على من يتولى الحكم، وتمنيهم زوال أيامه، والعمل على
تغييره واستبداله.
- الثانية: طمع الناس في شراء المنصب، وقيامهم بالمطالبة بالحكم للحصول على الثروة من هذه الطريق، وأغلب ما يكون ذلك من بعض أفراد العائلة الحاكمة نفسها، ويؤدي ذلك إلى انقسام الأسرة الحاكمة إلى قسمين متحاربين، ينضم إلى كل قسم منها طائفة من الناس يناصرونه ويشدون أزره، على أمل أن يكون من الفريق الغالب، وأقل ما يستفيده أولئك المناصرين إذا انتصر أصحابهم أن يعفو من الغرامات والضرائب التي يلقيها الغالب منهما على المغلوب وأتباعه، وعندما تقع المعركة بين الفريقين وينهزم المعركة بين الفريقين وينهزم أحدهما، لا يقف الأمر عند هذا الحد، وَإِنَّمَا يخرج المغلوب منتصرا ببعض الولاة في طرابلس أو تونس، فيتعهد لَهُم بدفع مبالغ من المال إذا هم نصروه، وأوصلوه إلى الحكم، فإن لم يهتم به أولئك الولاة، ولم يستمعوا إلى مطالبه ووعوده، فإنه سرعان ما يكون جيشا من المرتزقة الذين هم على استعداد للمغامرات والحروب لقاء ما يحصلون عليه من الأسلاب والغنائم في البلدان التي يدخلونها، وهكذا يتكون جيش يقوده رجل ليس بين عينيه إلا الحصول على المنصب وجمع المال، أما أفراده فلا يهمهم من موضوع الغارة إلا ما يسلبونه من الناس، ويدخل الجيش الجزيرة، ويرتكب ما يرتكب إذا أتيح له أن ينتصر، أما إذا لم يتح له فإنه يرجع ليعمل من جديد على حشد مزيد من المرتزقة الطامعين، وإلى القارئ الكريم صورا مؤلمة مما ذكره المؤرخون لهذا العهد: (1/750)
صفحة 751
الأباضية في موكب التاريخ
749
الأباضية في تونس
يقول الشيخ أبو عبد الله محمد أبو راس الجربي: "وفي سنة اثنين وخمسين ومائة وألف وقعت وحشة بين الشيخ سعيد بن موسى وبين علي باشا بن محمد بن علي، إذ طلبه للقدوم فخاف وامتنع وأولاه على قيادة الأعراض، فخلص مالها وأرسله مع ولده خوفا على نفسه؛ لكونه أولاه عمه حسين بن علي، ولما قتل عمه واستولى مكانه، قتل أصحاب عمه ه، ثُمَّ إنه بعث رجلا من الأتراك يسمى قارة مصطفى ليقتله غدرا، فأتى لحارة اليهود على طريقه، فوجد زيتونة على الطابية بـ سانية زككوت، فاستخفى تحتها، ونقب الطابية، فضربه من النقب بالرصاص فسقط ميتا، فبلغ الخبر إلى علي باشا فأولى مكانه الشيخ موسى بن صالح، وهرب الشيخ أحمد أخو الشيخ سعيد المقتول إلى باشا طرابلس أحمد باشا القره مانلي، وطلب منه
بن موسي
محلة لأخذ جربة فلم يلتفت إلى قوله، فرجع إلى العربان فأجمعت عليه عكارة، وورغمة، ودخل إلى الجزيرة من مرسى، آجيم واجتمع عليه أصحابه من أهل الجزيرة، وقصدوا قتال موسى بن الشيخ صالح، وكان متأهبا لقتاله منذ سمع به فاجتمع الفريقان بحومة تاجموت، فتحار با فانهزم الشيخ موسى وفر هاربا للسوق فتبعه الشيخ أحمد بمن معه، إلى أن دخل البرج الكبير، فحماه البرج بالمدافع، فرجعت العربان إلى السوق، فنهبوه عن آخره، واستولى الشيخ أحمد على الجزيرة، وبعد كلام يقول: ولما" هزم الشيخ أحمد، وقتل غالب من معه
رجعت العسكر على حومة آجيم ونهبوا ديار كل من كان من جانب الشيخ أحمد". وهكذا تتم الصورة لهذا الحادثة؛ ينتصر أحمد فيستبيح عسكره جميع أموال موسى وأموال أتباعه، وينتصر موسى فيستبيح هو وعسكره جميع أموال أحمد، وأموال أتباعه وهكذا ينتهب نصف الجزيرة في المعركة الأولى، وينتهب النصف الثاني في المعركة الثانية. هذه صورة حادثة واحدة من حوادث متتابعة متكررة، وإذا شاء القارئ الكريم أن يرى صورة أخرى من هذه الصور المؤلمة فأنا أضع بين يديه هذه الصورة التي يعرضها علينا المؤرخ الكبير أبو الربيع الحيلاتي وهو شاهد عيان، فإن هذه الأحداث كانت في عصره، يقول أبو الربيع: "قدم الشيخ عبد الرحمن - أي ابن أبي الجلود من ساحل طرابلس في أربع مراكب، مستعينا بجند طرابلس، ولم يجد سبيلا إلى الدخول إلى الجزيرة بسبب عرب (1/751)
صفحة 752
الأباضية في موكب التاريخ
750
الأباضية في تونس
مطماطة
نحو
ورغمة الذين استعان بهم الشيخ سعيد - أي ابن جلود، ودار الشيخ عبد الرحمن في سفنه إلى مرسى آجيم، ومنع من الدخول إليها، فذهب إلى عرب الأعراض في الجريد، وجبل من بلد الزارات، وقابس، والمطوية، وما يقربهم، وفزعهم، قيل إن عدد ما فزع ثلاثة آلاف يريد الدخول بهم إلى الجزيرة ليقاتل بهم، ورغمة، فلما وصلوا إلى مرسى الغنم خارج الجزيرة، وبدأوا يدخلون إلى القطعاية القبلية، والشيخ قاعد معهم خارجا، قالوا: نحن نريحك من العرب، فإذا قاتلناهم لا نجد عندهم كسبا ولا شيئا ننتفع به ونحن ما جئناك إلا لطميعة نريد التسريح في أن نأخذ بعض الجزيرة ونفيئها، فأبى وقال: إنَّمَا أريد عمارة البلد ولا أريد خلاءها، فلم تقع بينهم المطاوعة، فقالوا له: فإن لم تطاوعنا على ذلك نرجع خائبين ابعث السفن وارددهم إلينا نبع رقابنا من غير طميعة". أعتقد أن هذه الصورة التي نقلتها عن مؤرخين معاصرين لتلك الأحداث كافية في إيضاح الحالة المؤلمة التي كانت تعيش عليها الأمة الجربية الكريمة في ذلك العهد، ولعل أسرة بني جلود هي أشأم أسرة حكمت الجزيرة من أهل جربة، فلقد عاشت الجزيرة في عهد بني سمو من عيشة الأمة المستقلة داخليا ملتفة حول علمائها، يفصلون مشاكلها وينظمون شوؤنها حسب أحكام الإسلام، وكان الشيوخ من بني سمومن متضامنين مع والعزابة؛ يسيرون بتوجيهاتهم وإرشاداتهم لا يطغون ولا يتجبرون، ولا يختلفون، ولا يتنازعون على الحكم، فلما تولى بنو جلود من بعدهم نزغ الشيطان بينهم، فتنازعوا على الحكم وتقاتلوا عليه وكاد بعضهم لبعض، واغتال بعضهم بعضا، وانقسم السكان بسبب انقسامهم، واستنصر كل فريق منهم على الآخر بجميع الوسائل الشريفة والوضيعة، وأصبحت صرخات العلماء صيحة في واد ونفخة في رماد، فلم يعد الناس يستمعون لهم، تعد الحكومات تمكنهم من أداء رسالتهم؛ لأن نظام العزابة قد حل وأصبح صوت العلماء صوت أفراد لا صوت هيئة، وفل حد السيف القوي الذي كان يحول بين الناس وبين المعصية ومُخالفة، الجماعة، ذلك السيف الذي فرطت فيه جربة، وفرط فيه جبل نفوسة فانفرط عقد نظامهم ووحدتهم وتعاونهم وحافظت عليه ميزاب فحافظت على مزايا
ولم
العلماء (1/752)
صفحة 753
الأباضية في موكب التاريخ
751
الأباضية في تونس
الأخلاق الإسلامية، ذلك السيف هو الحكم بالبراءة على من يخالف أحكام الإسلام، ويبتعد بارتكاب المعصية عن الأمة المسلمة، وسيرة المؤمنين الصالحين.
الأمة
ولم يكن هذا فحسب، بل إن السلطة الحاكمة سواء كانت منبعثة من الدولة المركزية، أو من المشيخة المحلية على طريق أغلب وأحكم، أو أدفع وأحكم قد استبدت بالعلماء وضغطت عليهم، وتعقبتهم وحالت دونهم ودون القيام بمهام العلم والتعليم، وألزمتهم الانعزال والبعد عن قيادة الجماهير، فصمتت ألسنة الإرشاد والتوجيه، وخفت من المجتمع صوت الإنكار على الرذيلة بمختلف أشكالها، حتى رذيلة الاختلاف بين عناصر الواحدة، التي أصبحت تعبث بها أهواء الحاكمين، وضعف الإحساس الديني في مراقبة الحلال والحرام، والهروب من الريبة، والشبهة وخيل لبعض الناس أن الالتفاف بالدولة، والارتزاق منها هو خير السبل وأضمنها للمعيشة فناصر بعضهم بعض الحكام، على أن أغلبية الناس كانوا يقفون موقف المتردد الشاك الذي لم يتضح له السبيل السوي. ولم يطل هذا الموقف بالناس، فقد تكشف لَهُم بعد زمن قصير أن ما كانوا يظنونه دولة، ويسبغون عليه حرمة الأمر الحكومي، وأنه يتولى الحكم عليهم بأمانة الله، إن هي إلا رغبات شخصية، ومطامع فردية أوصل بعض الناس إليها مهارتهم في نصب الحيل، وبراعتهم في تدبير المكائد، وخبرتهم بكيفية تقديم الرشاوي، وحرصهم على الاستغلال، وإن أولئك الناس الذين وصلوا إلى الحكم وأصبحوا يجلسون على كراسي الدولة، ويتكلمون باسمها إنَّما يعملون لأنفسهم، وإن غيرهم مِمَّن ينصرهم إنما ينال منهم بمقدار ما يؤدي من خدمات لهم، لا للدين ولا للأمة ولا للوطن، فأصيب أولئك الذين التحقوا بهم، والذين ترددوا في الالتحاق بصدمة جديدة، وعملت اليد الحاكمة على تفريق كلمة الناس وتوسيع شقة الخلاف، وتسليط بعضهم على بعض، فنتج عن ذلك زيادة في ألوان التعصب المذهبي والجنسي والقبلي، وغير ذلك من ألوان العصبية، ووجد أهل جربة أنفسهم محاصرين من عدة جهات، فرجعوا إلى الانعزالية التي عرفوا بها في الماضي، واعتمدوا على أنفسهم في الكسب والحصول على الثروة والمال، وبعدوا عن التعلق بأعمال الدولة إلى الأشغال الحر المتواصل، الذي لا يفتر ولا يمل، (1/753)
صفحة 754
الأباضية في موكب التاريخ
VOY
الأباضية في تونس
سواء كان ذلك في الزراعة عندهم ضيق ومحدود، أو كان ذلك في الصيد البحري، صيد السمك والإسفنج، أو كان الصناعة صناعة الفخار والصوف، أو كان في التجارة. وفي الميدان الأخير ميدان التجارة تنافس القوم واهتموا له حتى برعوا فيه، وبرزوا على غيرهم، وتغربوا من أجل التجارة إلى أقصى البلدان وأطالوا الإقامة في الغربة، حتى سيطروا على التجارة في كثير من البلاد، وأصبح لَهُم ثقل في ميزان الاقتصاد، وضرب بهم المثل في الحذق والمهارة والنشاط، وحتى تلك الأيدي التي كانت تشتغل في الزراعة أو الصناعة أو الصيد استهوتها المكاسب التجارية في ديار الغربة.
الله
إن هذا الاتجاه - أعني الاتِّجَاه إلى الاشتغال بالتجارة والتغريب بها وإطالة الغربة من أجلها - قد نتجت عنه نتائج خطيرة من الناحيتين الاجتماعية والدينية؛ فقد أصبح التاجر الجربي ينقطع عن وطنه تبعا لعمله، ويبتعد عن الجو العلمي والديني الذي كان يعيش فيه ويحيا في جو مادي خالص؛ قوامه العمل المتواصل من بين بيع وشراء وحساب للمكسب والخسارة، وتعرف لأحوال التجارة، وما يطرأ على الأسواق من تغيرات، ويخفت في سمعه صوت الوعظ والإرشاد وتبعد عنه أصداء الدروس التي تتعالى في مساجد جربة ويفقد تلك المجالس في بيوت قبل الصلاة، وبعدها، ويصاب بنوع من المادية والجفاف، وغلظ في الحاسة الدينية، ثُمَّ يبدأ في ارتكاب أشياء هيئة في نظر المجتمع الجديد، ما كان ليرتكبها لو بقي في جربة ويستمر ذلك ويتعوده، وهكذا يكتسب عادات وأخلاقا جديدة فيها كثير أو قليل من العادات والأخلاق التي كان الناس يحرصون عليها في وطنه. وعندما يعود إلى الجزيرة من غربته الطويلة ليقيم فيها أياما قليلة للراحة والاستجمام، يعتبر نفسه ويعتبره الناس ضيفا فلا يلتزم السيرة المعروفة للإباضية، ولا يحرص الحرص على حضور مجالسهم في مساجدهم، ولا يهتم بمتابعة الدروس التي تلقى للعامة أو الخاصة. وتتابعت الهجرة، وأصبحت هي الوسيلة للحياة، واعتاد الناس أن يأخذوا معهم أطفالهم وشبابهم إلى ديار الغربة ليدربوهم على احتراف التجارة، فيقطعونهم بذلك عن
الأكيد
التعليم (1/754)
صفحة 755
الأباضية في موكب التاريخ
753
الأباضية في تونس
الديني الصحيح السليم، ثُمَّ هم لا يحرصون على رعايتهم رعاية كاملة من ناحية السلوك
الديني، ولهذه الأسباب مجتمعة التي هي:
1 - انحلال نظام العزابة، وفقدان قيادته للمجتمع.
2 - الضغط على العلماء والحيلولة دونهم ودون القيام بأمر الله بين الناس. 3 - توالي الهجرة وتتابعها، والابتعاد عن المجتمع المتماسك المتقيد بسلوك خاص يرعاه أهل العلم والصلاح، تأثرت جزيرة جربة.
هذه الأسباب الثلاثة مهدت لوجودها ما أطلقت عليه في بعض الفصول من هذا الكتاب كلمة الرذيلة، لا سيما في العمل التجاري، وقد جد العلماء المخلصون من أهل الجزيرة الكرام في محاربة ما بدأ يتسرب إلى المجتمع الجربي، ممَّا يُخالف سيرتهم النظيفة في
السابق من مُحرَّم ومكروه، فكانوا ينتقلون بين أحياء الجزيرة للوعظ والإرشاد والأ. بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجاوزوا ذلك إلى السفر إلى البلدان التي يكثر فيها التجار من أهل الجزيرة؛ فيشرفون على أعمالهم ويطلعون على سيرتهم، وكثيرا ما يشتد أولئك العلماء في النكير على من يجدونه لا يلتزم السير على النهج الإسلامي القويم، لكن التيار الجارف كان أقوى من مجهود العلم المقيد من طرف السلطة الحاكمة. وفي الأمة الحربية اليوم من مزايا الخلق الإسلامي الشيء الكثير، فهي لا تزال تعتمد في الكفاح من أجل المعيشة على العمل الحر الشريف، دون امتهان للكرامة، أو التصاق بالدولة أو اعتماد عليها، وهي لا تزال ترعى المجتمع رعاية كاملة تأخذ بأيدي فقرائها وتساعدهم على الحصول على العمل الشريف، وهي لا تزال تحرص على الإنفاق في سبيل الخير، لا سيما في ميدان العلم والتعليم والتعليم الديني بالذات. ويهتم أغنياؤها ويتنافسون عليه، وهي لا تزال
محبة للاجتماع والتعاون على الخير والاستماع إلى الوعظ والإرشاد والتأثر بكلمة الحق. هذه المزايا متوافرة في أهالي جربة الكرام، ولو أنهم فكروا في إرجاع نظام العزابة الذي يتولى جميع الشؤون الدينية والاجتماعية، وحرص أفرادهم في مختلف ديارهم على السيرة النيرة المعروفة في جربة عندما كان علماؤهم الأجلاء يشرفون على توجيه الناس، فتمسكوا (1/755)
صفحة 756
الأباضية في موكب التاريخ
VO 2
الأباضية في تونس
بها في وطنهم وفي مهجرهم، ثُمَّ وفروا لأبنائهم في جربة وخارجها التربية الدينية السليمة؛ لو
الأمة
فعلوا هذا لكسبوا خيرا كثيرا. وإنه ليسرني وأنا أكتب هذا الفصل عن إخوان أعزاء علي أن أدعوهم إلى أن يراجعوا تاريخهم المجيد، وأن ينظروا في صفحاته المشرقة والصفحات التي كتبها الإسلام بأيدي الْمُؤمِنين المخلصين، وأنا حين أذكر التاريخ المجيد فإنما أعني تاريخ الأمة الإسلامية في مختلف العصور الطويلة الأمة التي يكون سكان جربة جزءا صغيرا منها، وتاريخ الإسلامية الكبرى لا يتمثل في أعمال الدولة التي تعاقبت على الحكم، أو تقاتلت عليه، ولا في أعمال الرجال الذين بلغوا إلى أعلى المناصب في أي عصر من العصور، إن ما قام به بعض الحكام، أو بعض الدول وما يقوم به بعضهم اليوم من ظلم أو انحراف لا يحسب على تاريخ الأمة الإسلامية؛ لأنَّه خروج عن حكم الله وعن إرادة الأمة، إن تاريخ الأمة الإسلامية إنَّما يتمثل في الأمة نفسها في الجماعات وفي الأفراد، فلقد كان منها في كل زمان وفي كل مكان من يقومون بأمر الله، ويبلغون، رسالته، ويحافظون عليها المحافظة الكريمة الكاملة دون الاستناد إلى قوة السلطة الظالمة، والاستعانة بنفوذ الدولة الجائرة، فإذا أتيح لَهُم دولة رشيدة عادلة استعانوا بها وأعانوها، وفي تاريخ جربة المثل على ذلك، فلولا القبس الحي الذي يملأ قلوب الْمُؤمِنين، ولولا الشحنة الروحية التي قدمها أبو النجاة في صدورهم لما استطاع ثلاثة آلاف من العزل أن ينتصروا على عشرين ألفا من أحلاس الحروب.
ولولا الوقفة الشريفة التي وقفها كل من عبد الْمُؤمِن، وأبي بكر، وأبي فارس في محن جربة لتغير وجه التاريخ. ولولا الأموال التي تبرع بها المنفقون في سبيل الله لما بنت المساجد المنتشرة على كامل الجزيرة، والتي يبلغ عددها نحو 360 مسجدا، ولولا الأموال التي تبرع بها الْمُؤمِنون لما شيدت المدارس ولما قامت دور العلم في مختلف الجهات، ولو أتيح لمؤرخ أن يحصي ما بني في العالم الإسلامي من المساجد
والمدارس ودور العلم على نفقة المحسنين من الجماعات والأفراد لأخذه العجب .. (1/756)
صفحة 757
الأباضية في موكب التاريخ
100
الأباضية في تونس
وفي جربة وحدها دليل كاف على ذلك، فإن جزيرة مساحتها ستمائة كيلومتر مربع يقوم
الله
مشيد
فيها ثلاثمائة وستون مسجدا دليل واضح على ما ينفقه الناس في سبيل الله. إن الزائر إلى جربة ما ينتقل من مكان إلى مكان قريب حتى يجد بيتا من بيوت الأركان عالي البنيان تتصل به مرافق الطهارة، وتحيط به دور عديدة خصصت لسكنى طلبة العلم الوافدين من الجهات البعيدة، وكل ذلك إنَّما قام به المسلمون المتطوعون، لا يريدون بذلك غير وجه الله تعالى، لم تشرف عليه دولة، ولم تنفق عليه جمعية ذات ميزانية ودخل. وإنه ليسرني في ختام هذا الفصل أن أدعو إخواني الْمُؤمنين إلى الاستمرار في عمارة بيوت الله التي أسسها الْمُؤمِنون على تقوى من الله من أول يوم، وأن يحافظوا على الصلاة فيها، وأن يعمروها بذكر الله، وأن يرفعوا صوت العلم في جنباتها، وأن يلجأوا إليها في الاتصال بخالقهم، فإن عزة الْمُؤمِنين في كل عصر وفي كل مصر إنَّما انبعثت من المسجد، وما دامت القلوب عامرة بالإيمان بالله والمساجد عامرة بعبادة الله، فإن عناية الله لا تتخلى عنهم، وما بعد ناس عن دين وهجروا مساجدهم إلا ووكلهم الله إلى أنفسهم فهلكوا .. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا تؤيسنا من رحمتك يا أرحم الراحمين.
الله
المجامع العلمية
في إطلاق هذا العنوان على الموضوع الذي أريد أن أتحدث عنه في هذا الفصل شي التجوز، فإن كلمة المجامع العلمية رُبَّمَا تعني عند القارئ الكريم معنى خاصا، يستوحيه من المجامع العلمية الرسمية التي تكونها الدول، وتشرف عليها لبحث مواضيع خاصة أو عامة، والذي أريد أن أتحدث عنه في هذا الفصل إنَّما هو ظاهرة تكاد تكون خاصة بعلماء جربة بعد انحلال مجلس العزابة في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر، وتكاد تكون تلك المجامع العلمية امتدادا معنويا لمجلس العزابة، التي كانت تتولى كل شيء في الجزيرة حتى تولية الأمراء (1/757)
صفحة 758
دين الله
الأباضية في موكب التاريخ
756
الأباضية في تونس
المحليين وعزلهم، فقد اعتاد أولئك العلماء منذ أن انحل مجلس العزابة بسبب تسلط الولاة عليه، ومحاربة أعضائه محاربة لا هوادة فيها، أن تنعقد مجالس العلماء مرة، أو عددا من المرات في الأسبوع، في مسجد من مساجد الجزيرة، تحت رئاسة أعلم علمائهم، وفي هذا المجلس الذي يجتمع فيه كبار العلماء لا يتخلف أحد منهم إلا لعذر، ويحضره المتعلمون من مختلف الطبقات، كانت تناقش أهم المسائل والأحداث، وتعرض المشاكل المستجدة، وتوضع بين يدي المجلس خصومات الناس ومنازعاتهم، وينظر المجلس في جميع ذلك، ويستعرضها موضوعا موضوعا، فيستنبط الأحكام للمواضيع المستجدة استنادا إلى أصول الشريعة ويفصل منازعات الناس بحكم الله، ويعلن الشيخ ذلك، وغالبا ما تدون محاضر تلك الجلسات، فيقوم الطلبة وقد استفادوا علما وعرفوا طريقة استخراج الأحكام واستنباطها من القواعد الكلية، وأنواع السلوك الذي يجب أن يتحلى به من يتهيأ للفصل بين الناس، ويقوم المتخاصمون وقد رضوا بحكم الله الذي أعلنه لهم شيخ المجلس العلمي، مكتفين بذلك، مقتنعين بأنه حق وصواب، لا يرتفعون إلى حاکم آخر، ولا يتجهون إلى قاض من القضاة الذين تعينهم الدولة؛ لأن المجلس في نظرهم وفي الواقع أكثر دقة وكفاءة في معرفة الأحكام، وحرصا على إيصال الحقوق، وأوفر أمانة ونزاهة وأبعد عن دواعي الجهل أو الخطأ، أو التأثر بالمؤثرات الخارجية؛ كالخوف أو الطمع. ولقد تعاقب على الرئاسة العلمية لهذه المجامع في زمن العزابة وبعدهم عدد من فطاحل العلماء الأعلام وكانوا يتعاقبون عليهم بالكفاءة الشخصية فقط، فلم يكن هنالك من يسند إليهم هذا المنصب الكبير لا من الدولة ولا من الأمة، ولكن بتسليم العلماء لعلمهم واعترافهم بتفوقه العلمي، وتأهله لشغل ذلك المكان الكريم، ومفهوم بالطبيعة أن هذا كان يحدث بعد انفراط نظام العزابة، أما حين كان نظام العزابة سائرا ينعقد ويقوم بمهامه، فهو الذي يسند الرئاسة العلمية إلى من يستحقها، ويسمى شيخ العزابة، ويسند الرئاسة المدينة إلى من يتوسمون
فيه القدرة على رعاية شؤون الناس ويسمى شيخ الحكم، ويكاد ينحصر عمل شيوخ هؤلاء أو الحكام المدنيين على مفاوضة الدول التي تحكم الجزيرة، أو تريد حكمها، وتسليم مقادير الضرائب التي تفرض عليها، وعندما يُحاول الإفرنج احتلال الجزيرة فإن هؤلاء المشايخ بالتعاون مع مجالس العزابة ينظمون وسائل الدفاع، ويشرفون عليها، وقد يتولون قيادة المعارك (1/758)
صفحة 759
الأباضية في موكب التاريخ
Voy
الأباضية في تونس
الحربية كما فعل أبو زكرياء السمومني، ولقد دأب علماء الجزيرة على هذا الوضع من عقد المجامع العلمية إلى عصر الشيخ سعيد بن تعاريت. ولقد يجمع عصر من العصور عددا ضخما من العلماء، ولكن سرعان ما يمتاز واحد منهم فيسلمون له رئاسة المجمع دون أن يحدث بينهم خلاف، فلقد كان فيهم من غزارة العلم، ومتانة الخلق، وصحة الدين، وسلامة الصدر، ومحبة الإخوان، ورعاية المصلحة العامة ما يحملهم على الاعتراف لذي الفضل بفضله، ولَم يحدث فيما وصلت إليه يدي من مصادر التاريخ أن تناقش اثنان من العلماء في الجزيرة على رئاسة المجلس، أو تنازعوا على الأعلمية، ولم يحدث فيما اطلعت عليه أن وقع خلاف بينهم في هذا الصدد، يحدث أن تكبر أحدهم أو انتفخ فاعتزل حضور المجلس، ويشهد لذلك الشيخ سعيد التعاريتي فيقول: "تجدهم مع غزارة علمهم وجلالة، قدرهم لا يستغنون عن بعضهم، وإنه إذا نزل بهم أمر مهم أو غيره يجتمعون على أكبرهم، ويوقرونه ويلتمسون منه الرأي والمخرج ممَّا هم فيه، وهذا دأبهم -رحمهم الله تعالى ورضي عنهم".
ولم
ومن المشايخ الذين ترأسوا المجامع العلمية:
-
-
-
-
-
أبو عثمان سعيد بن علي بن يامون الجربي. - أبو النجاة يونس بن سعيد التعاريتي.
زكرياء بن أفلح الصدغياني.
- أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي. قاسم بن سعيد اليونسي. - أبو الربيع سليمان بن عبد الله من أولاد أبي زيد.
أبو عثمان سعيد التغزويسني. أبو عبد الله محمد بن أبي ستة.
زائد بن عمر اللوغ.
-
أبو محمد عبد الله السدويكشي.
- أبو الفلاح إلياس بن داود الهواري.
- أبو الربيع سليمان بن أحمد الحيلاتي.
-
أبو الفضل قاسم بن أبي الربيع بن مُحمَّد الشماخي شيخ الشيخ سعيد بن تعاريت. ذكرت لك أيها القارئ الكريم هذه الأسماء لا على سبيل الحصر، ولا على طريقة الترتيب الزمني، ولكنهم كأمثلة للموضوع؛ فمنهم من رأس مجلس العلم ومجلس العزابة معا، ومنهم من رأس مجلس العلم دون مجلس العزابة؛ لتحلل نظام العزابة في عصره، ومن (1/759)
صفحة 760
الأباضية في موكب التاريخ
VOA
الأباضية في تونس
هؤلاء أبو الفضل الشماخي، ولعله من المناسب أن أنقل للقارئ الكريم في هذا الفصل شواهد ممَّا كتبه المؤرخون في هذا الموضوع: قال سلامة الجناوني: وقع" لعزابة جربة اجتماع عند شيخنا الفاضل الهمام أبي النجاة عمنا يونس بن سعيد بن يحيى التعاريتي".
وهذا النص يدل على أن مجلس العزابة كان ينعقد عند شيخهم، وأنه لم يزل إلى ذلك الحين (سنة 916 هـ)، يتولى جميع شؤون البلد حتى الشؤون السياسية، ويؤيد ذلك ما جاء في الوثيقة التي رجحت سابقا أنها من تقاييد الجناوني ما يلي: "فاجتمع حينئذ من ينظر إليه من عزابة وهبيتها (يعني: وهبية جزيرة جرية عند الشيخ الأجل الفقيه الأكمل العالم الأفضل أبي النجاة يونس بن سعيد - أسعده الله وأسعد به، ووفقه ووفق به، به، ووفقه ووفق به، ليروا رأيهم بين يديه؛ لما علموا من يمن الرأي الناجح الناتج على يديه".
ويقول الشيخ سعيد التعاريتي: "ويجتمع أي أبو النجاة يونس- هو وأكابر مشايخ عصره إذا نزلت بهم نازلة عند عمنا سعيد بن علي] يامون المذكور من حومة غيزن، من جانب صدغيان لقدم هجرته (1)، وكثرة بركاته، ويخرج الرأي من جميعهم". ويقول الشيخ سعيد التعاريتي في مكان آخر: "وإذا وردت نازلة يجتمعون عند عمنا زكرياء
هذا
الصدغياني"، ثُمَّ يقول بعد أسطر: "ثم من بعدهم الجميع بعد أسطر: "ثم من بعدهم الجميع عند عمنا يونس التعاريتي"، ومعنى أن رئاسة المجلس انتقلت بعد أبي عثمان يامون إلى أبي يَحْيَى زكرياء الصدغياني، ومنه انتقلت إلى أبي النجاة يونس، ويقول الشيخ التعاريتي في حديثه عن أبي سليمان التلاتي: "وساد بجربة وتولى مجلسها إذ ذاك، وإليه يرجع الأمر في زمانه والشورى".
ويقول الشيخ التعاريتي: وكان" الشيخ أبو الربيع سليمان بن عبد الله من أولاد ابن زيد - رحمه الله - أحد الأئمة، وكان ترجع إليه الشورى في مجالس العلم؛ لأنه كان المجلس بجربة
1) يطلق الإباضية هذه اللفظة على الدخول في سلك العزابة، فيقولون: فلان أقدم هجرة من فلان"، يعنون بذلك أنه سبقه إلى الدخول في مجلس العزابة، والحديث هنا يدل أن أبا عثمان يامون دخل مجلس العزابة قبل أبي النجاة، وهذا طبيعي؛ لأن أبا النجاة من تلاميذ أبي عثمان وأبو عثمان من تلاميذ الشيخ سعيد الحربي. (1/760)
صفحة 761
الأباضية في موكب التاريخ
109
الأباضية في تونس
مجلس المسجد الكبير، ثُمَّ تَحوَّل إلى مسجد بني لاكين، ثُمَّ صار في مسجد وادي الزبيب، يجتمع كافة العلماء والمشايخ على الشيخ سعيد التغزويسني وسيأتي التعريف به- بإذن الشيخ
أبي زيد الصدغياني، والشيخ إلياس الهواري، وذلك في عشرة الأربعين أظنها من القرن العاشر". ويقول الشيخ التعاريتي: "وإليه أي أبي النما رائد بن عمر اللوغ- المرجع في الفتوى والشورى في زمانه والمدرس حينئذ داود التلاتي بمسجد القصيين، والاجتماع عند أبي النما،
ولا يخرج الرأي إلا من عنده، وذلك في زمن تولية شيخ الحكم بالجزيرة صالح السمومني". ويقول التعاريتي عند الحديث عن أبي عبد الله بن أبي حفص بن أبي ستة: "وله مكان يحكم فيه معلوم، اليوم، به مقصورة ببابها، كان يجلس فيها الممتنع عن أداء الحق حتى يذعن، ويخرجه منها على ما قيل وذلك مشهور، وأضاف بعد أسطر يقول: "وهذا المجلس تولاه بعد شيخه عبد الله السدو يكشي"، والكلام هنا يدل على أن الحكم يتولاه باسم العزابة ولولا ذلك ما استطاع أن يحكم على الممتنع عن أداء الحق بالحبس حسب كلام التعاريتي؛ لأن القوة التنفيذية أو ما يعبر عنه التعاريتي بمشيخة الحكم إنَّمَا كانت في عصر أبي عبد الله في أسرة بني سمومن، فأبو ستة شيخ عزابة وليس شيخ حكم، وقوته هذه التي يستطيع أن يحبس بها من يمتنع عن أداء الحق إنَّمَا يستمدها من قوة العزابة لا من قوة الدولة. ويقول العلامة التعاريتي: إن مشايخ الجزيرة كلهم يجتمعون بمجلس الأحكام والأمور المهمات من صالح البلد؛ لأنهم -رحمهم الله - كانوا بوقتهم مهما يقع شيء في البلد لا يمكن حاكمهم بفضلة، ولا يفعل شيئا دونه (1)، كما يشهد لذلك ما رأيناه مقيدا بعدة رسائل في تقييد وقائع الجزيرة في زمان بعضهم؛ مثل أبي النجاة، وأبي سليمان وغيرهم". أحسب أن الشواهد السابقة كافية للدلالة على ما أردت أن أعرضه على القارئ الكريم من أن أهل جربة قد اعتادوا على نظام ساروا عليه، وذلك بعقد مجامع علمية يرأسها أعلم علمائهم، وتعرض فيها جميع مشاكلهم الخاصة والعامة ويكون هذا الاجتماع غالبا في بعض المساجد، ولكنهم قد يعقدونه في منزل الشيخ إذا دعت لذلك أسباب، وذلك فيما
1:أي: لا يفعل الحاكم شيئا دون مجلس العلماء. (1/761)
صفحة 762
الأباضية في موكب التاريخ
760
الأباضية في تونس
يبدو لي عند نزول أمور مهمة مستعجلة، كالغزو الخارجي، أو عندما يريدون أن يكون نقاشهم في دائرة خاصة بعيدة عن العوام وصغار الطلبة. وهذه المجالس إنَّما كانت اجتماعات لمجلس العزابة، فلما انحل اعتاد العلماء أن يقوموا بذلك، ويحافظوا عليه، وبقوا محافظين على هذه العادة لزمن طويل حتى تغيرت أنظمة الحكم في أواخر العهد العثماني، وتسلط الحكام على العلماء، ودخلت بعض المذاهب الإسلامية إلى الجزيرة، فاستغل الحكام ذلك لزيادة التفريق بين الناس، وتوسيع شقة الخلاف، وأصبحت تلك المجالس تتضاءل حتى انقرضت أو كادت في زمن الشيخ سعيد بن تعاريت على ما يفهم من حديثه يقول التعاريتي: "وتجد أشياخ وقتنا الواحد منهم لا يصلح أن يكون أقل تلميذا لأضعفهم علماء وتجد أعلم أشياخ وقتنا مثله لا يكون مدرسا، ولا يتأهل للتدريس، ومع هذا كله تلقاهم وتجدهم لا يجتمعون على لفظة، وكل مقتنع برأيه وعلمه، وإذا صاوبت أحدا منهم يقول ما يقول، والآخر كذلك، حتى صار هذا دين لَهُم، يفنى عليه، كبيرهم وينشأ عليه صغيرهم، فمن أجل ذلك سلط الله عليهم الظلمة الغشمة، واستولى عليهم الأسافل حتى لا يعرفون قدرهم، ولا قدر علمهم، وحينئذ يقول الواحد منهم أو كلهم هذا آخر زمان، لم يعد العلم يوقر، ولم يعد له قدر وشأن ولم يعلموا أن هذا كله بإرادة الله وبسوء أفعالهم، تصديقا لقول هادي الأمة كاشف الغمة: «كَمَا تَكُونُوا يُوَلِّ عَلَيْكُمْ)، وقوله عز من قائل: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَـ (2)، لكونه في محل ينبئ عن الباطل؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، وأما الظلمة والأسافل فهم في باب الظلم والتعسف، لا يعرفون الله ولا يراقبونه، جهلهم حملهم على ذلك وزيادة غاية حال زماننا كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُهُمْ أَراك)، فلا تجد عالما يصاوب ظالما، ولا ظالما يوقر عالما، لا داعي ولا مُجيب إنا الله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبي ونعم الوكيل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، نسأل الله تعالى السلامة والعصمة،
(3)
(1) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس بلفظه، عن أبي بكرة. (المراجع)
(2) سورة الشورى: 30.
(3) سورة مريم: 83. (1/762)
صفحة 763
الأباضية في موكب التاريخ
761
الأباضية في تونس
والنجاة من
فساد هذا الزمان، ومن شياطينه الإنسية والجنية آمين، وأستغفر الله من الزيادة في الكلام، وأختم قولي بالصلاة على النبي الي".
ورغم
هذه الصورة القاتمة التي وضعها الشيخ سعيد بن تعاريت لعصره وعلماء عصره، فإنني أعتقد أن ذلك العصر كان به أفذاذ من العلماء يقومون بأمر الله، ويُحافظون على دينه، ويرعون الأمة في جميع شؤونها، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتولون تعليم شباب الأمة، وتربيته على الأسس الإسلامية للتربية، وقد أدركت بعضا من علماء الجزيرة المعاصرين له، وحضرت دروسا على بعضهم؛ أمثال الشيخ رمضان الليني والشيخ عمر بن مرزوق والشيخ محمد بن تعاريت، فكانوا أمثالا للعلماء المسلمين سعة، اطلاع، وغزارة مادة وصحة عقيدة، وسلامة دين، وشدة ورع، ونصيحة لعامة المُسلمين وخاصتهم، وجهادا في سبيل الله، وكفاحا في نشر العلم، وقد كان غيرهم في الجزيرة كثير؛ مثل الشيخ عمر العوام، والشيخ سليمان الجادوي وغيرهم. وطبيعي أن هؤلاء العلماء في عصر المؤرخ الكبير الشيخ سعيد بن تعاريت لم يستطيعوا أن يقوموا بمثل ما كان يقوم به أسلافهم؛ لأنهم كانوا تحت حكم الاستعمار الفرنسي المتغطرس، ومهما بلغ الظلم والانحراف بالحكم من الأمراء المُسلمين في كل العصور، فإنه لا
يبلغ عشر ما جاء في الاستعمار الغربي للشرق الإسلامي، والفرق في هذا واضح، فإن الأم المسلم الظالم إنَّما يظلم لشهوة عارضة؛ إما للحصول على المال، أو للانتقام، أو التحكم وإظهار السلطة. أما الاستعمار الغربي فقد جاء بخطة تحويل ما في الشرق من خيرات إلى الغرب، والقضاء على الدين الإسلامي القضاء الكامل، وإلحاق هذه الأمة بالجنسيات الأروبية، وتحويل حضاراتهم وآدابهم ولغاتهم وما إلى ذلك مِمَّا يوحي به الشيطان عندما يخدع أعوانه لينطلقوا للتخريب والإفساد والفرق بين هذا وذاك لا نسبة بينهما، ومن المستحيل بطبيعة الحال أن نطلب مِمَّن يعيش في مثل هذه الظروف أن يعمل مثل ما يعمل من يعيش في مثل ظروف أولئك العلماء السابقين على مختلف عصورهم والفوارق بينها. وقد أتيح لي أن أزور جزيرة جربة زيارة خاطفة سنة 1965 م في عهد الاستقلال والحرية، فوجدت بقايا تلك الظاهرة، ظاهرة اجتماع العلماء والطلبة لدراسة العلم ومشاكل الجزيرة
ا (1/763)
صفحة 764
الأباضية في موكب التاريخ
762
الأباضية في تونس
الدينية والاجتماعية، ولقد سرني والله وأنا أتحدَّث إلى جمع غير قليل من رجال الجزيرة الكرام، ومن علمائهم العظام، ومن المدرسين وطلبة العلم ما لمسته فيهم من حرارة النقاش، ومحبة العلم والرغبة فيه والتماس الكمال والسعي له، وقد أخبروني أن لَهُم مَجالس علمية مرتين في الأسبوع، يتدارسون فيها مشاكلهم العلمية والدينية، ويدرسون بعض الكت المفيدة ممَّا ألفه السلف، وأنهم مواظبون على ذلك حريصون عليه. ولعل الشباب المثقف المتعلم من أهل الجزيرة يعمل على إحياء ذلك التاريخ المجيد الذي أنتج، عبقريات وترك تراثا إسلاميا رائعا في عهد الاستقلال الزاهر، الذي يعمل على أن يبوئ تونس بجميع أجزائها في أمكنة الصدارة من العالم الإسلامي.
كلمة الختام
أخي القارئ الكريم أرجو أنني قد وضعت بين يديك صورا من حياة أمة مسلمة كريمة، في وطن مسلم كريم، ولقد عملت ما في وسعي من جهد لأخذ تلك الصور من حقائق التاريخ، سواء كانت تلك الحقائق علما في صدور الرجال، أو أخبارا تتناقلها الأجيال، أو معارف مدونة في بطون الكتب والأوراق، أو شواهد بادية على الأطلال والآثار، فإن كان فيها علم وحق فذلك ما أردت والحمد الله على التوفيق وإن كان فيها الخلط والخطأ فالله سبحانه وتعالى المسؤول أن يرفع عني إثم الخطأ ويقيني الزلل.
وأخيرا أشعر أنه من واجبي أن أتقدم إلى أصدقائي الذين أمدوني بمساعداتهم المادية والعلمية، وتكبدوا من أجلي مشاق السفر بالشكر الخالص، داعيا الله سبحانه وتعالى أن يتولى جزاءهم عني، فإنه نعم المولى ونعم النصير.
ويليه المجلد الثاني الإباضية في الجزائر، مع الفهارس (1/764)
صفحة 765
الإباضية في موكب التاريخ
الحلقة الرابعة:
6
الإباضية في الجزائر
تأليف الشيخ العلامة
علي يحيى
معمر
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان (1/765)
صفحة 766
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
قال رسول الله:
•
«إِنَّ الحَمدَ اللَّهِ، نَحْمَدُهُ وَتَعينُهُ، وَتَغْفِرُهُ وَتَتُوبُ إِلَيْهِ، وَتَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِن سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَن يَهدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَه، وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَه .. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ... أُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وأَحْتُكُم عَلَى طاعة الله، وأستفتحُ بِالذِي هُوَخَيْرُ. أَيُّهَا الناسُ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أُخْوَةٌ فَلَا يحل لامرى قال أخيه إلا عن طيب نفسه، ألا هَل بَاعَتُ؟، اللهم فاشهد .... فَلا تَرجِعُوا بعدي كفاررًا يضرب بعضكم رقاب بَعضٍ، فَإِني قَد تَرَكتُ فِيكُم مَا إِن أَخذتُم بِهِ لَن تَضِلُّوا: كتاب الله وسنتي. . الاَ هَل بَعْتُ؟!. اللهم فاشهد ... أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ رَبَّكُم وَاحدٌ، وَإِنَّ أباكم واحد، كلكم لأدم وآدم من تراب، إِنَّ أَكْرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتْقَاكُم، لَيسَ لِعَرِبِي عَلَى
أَعْجَمِي! فضل إلا بالتقوى. . ألاَ هَل بَلَغَتُ؟!».
قالوا: "نعم". قالَ: «فليبلغ الشاهِدُ مِنكُم الغَائِبَ»
أجزاء من خطبته في حجة الوداع. (1/766)
صفحة 767
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
مهيد
الجزائر
الجزائر: هو الاسم الذي اختاره التاريخ ليدل على عاصمة من العواصم الإسلامية الكبرى، واقعة على البحر الأبيض المتوسط، كما يَدُلُّ على قطعة مجيدة عزيزة من الوطن الإسلامي الفسيح، الذي يمتد مستعرضًا على صدر الكرة الأرضية، يحتل منها أجمل الأجزاء وأنبلها، جزء الصدر من الجسم، الجزء الذي يمور بالحياة والإيمان والحب. وإذا كانت الجزائر العربية تُمثل القلب من العالم الإسلامي، فإن المشرق الإسلامي يكون
الجانب الأيسر بيده القابضة، والمغرب الإسلامي يكون الجانب الأيمن بيده الباطشة. وإذا كلمة الجزائر إنَّمَا أطلقت على هذه العاصمة ثُمَّ عَلَى هَذه الحلقة من السلسلة الرابطة بين أجزاء وطن أمة مُحَمَّد الله في عصور متأخرة .. فإن مواقف الإسلامية فيها في العصر ومحاربته للبغي والعدوان والاستعمار قد أكسب هذا الاسم مجدًا قلما ناله بلد في العصر الحاضر، ولا غرابة في ذلك فإن الجزائر تُمثل الساعد الأيمن الباطشة للأمة الإسلامية الناهضة. من أجل ذلك فمن تحصيل الحاصل أن يقوم اليوم كاتب ليعرف بالجزائر، ويقول للناس: إنها البلاد الواقعة جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرق المغرب الأقصى وغرب تونس وليبيا وشمال الصحراء الكبرى؛ فإن الكفاح الذي قامت به الجزائر في سبع سنوات متلاحقات حطمت فيها أسطول أعظم دول العالم مجتمعة في ميثاق الحلف الأطلسي جعلها تحتل مكان الصدارة في تاريخ النضال للعصر الحديث، وجعلها على موضع من العظمة يراها كُل الناس
ومن
ويعرفونها.
ولقد رأيت أن أفتتح هذا الكتاب بهذا العنوان لا لأنني أريد أن أتحدث عن الجزائ العاصمة فَإِنَّهَا غنية عن حديثي، ولا عن تاريخ الوطن الجزائري عن الجزائر في العصر الحاضر فقد كتبه أهله بالدم والرصاص، في حين تكتب بعض البلاد الأخرى تاريخها الحاضر بالزور (1/767)
صفحة 768
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
والبهتان، وبالدعوى العريضة الكاذبة، وبالتهريب من مُجابهة المسؤولية في وضوح، وبالفرار من تحمّل الصبور الواثق المستعد ..
في هذا الوطن العربي الإسلامي المجيد عاشت مجموعة من الطوائف الإسلامية في مختلف العصور، منتظمة تحت لواء واحد ودولة واحدة حينا، ومتفرقة تحت عدد من الدول أحيانًا، ومتعاونة متفاهمة متحدة في فترات وقد يقع بينها أو بين بعضها، وبما يقع بين الإخوان من حدة النقاش وسوء التفاهم وبواعث الخصومة، ولكنَّها في جميع تلك الأحوال بدولها المختلفة، وبمذاهبها المختلفة، وبما يقع فيها من أحداث الاختلاف والاتفاق ومظاهرهما، كانت تمثل الأمة المسلمة الحريصة على إسلامها المعتزة بدينها المحافظة عليه في إخلاص وحرص واعتزاز.
وفي هذه الحلقة من هذا الكتاب أريد أن أتحَدَّث عن فرقة من الفرق الإسلامية عاشت في هذه المغاني التي نسميها اليوم الجزائر، وكانت تُسَمَّى المغرب الأوسط" بما فيها من مد وجزر إلى الشرق أو الغرب، ولا تزال تلك الفرقة تعيش وتكون عنصرا هاما الأمة المسلمة، التي نرجو أن يتاح لها العودة إلى مكانها الطبيعي من قيادة البشرية، إلى سلوك المنهج
الذي اختاره
من عناصر
الله لها و دعاها إلى السير فيه. هذه الفرقة هي فرقة الإباضيَّة، وقد يسر الله - وله الحمد والمنة - لي أن تحدثت عن الإباضية في ليبيا وفي تونس بما قد يكون القارئ الكريم قد رآه وقرأه.
-
وفي هذا الجزء سأحاول بحول الله وقوته أن أتحدَّث عن الإباضية في الجزائر، سالكا نفس المسلك الذي سلكته من قبل، محاولا أن أضع أمام القارئ الكريم صوراً واقعية لحياة مجتمع إسلامي نظيف مستشهدًا عليها بأحداث تاريخية من مصادر مختلفة خلال عشرة قرون، غير مهم بالارتباط الزمني للأحداث؛ لأنني كما ذكرت غير مرة لست كاتب تاريخ يتقصى الأخبار والأحداث والوقائع في تتابعها الزمني، وَإِنَّما أنا أعرض صور حياة متكاملة لمجموعة من الناس كانت تعيش مع امتدادها الزمني .. ولذلك فقد يستدعيني عرض صورة من الصور أن أعرض بعض ما يتعلق بها من أشخاص أو أحداث من عدة جوانب، فيظنها بعض الناس إعادة وتكرارًا، وقد أهمل بعض الأحداث والأشخاص الذين أعتقد أن الصور التي (1/768)
صفحة 769
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
أردت عرضها تَتِمُّ، بدونهم، فيرى بعض الناس ذلك تقصيرا وإهمالا، ويحسبون أنني أطنب في مكان لا يحتاج إلى الإطناب، وأوجز في مكان ينبغي فيه الإسهاب، وليس ذلك كما ظنوا؛ لأن المهم عندي أن تكون الصورة التي أردت عرضها عن واقع حياة زاخرة واضحة من جميع جوانبها وزواياها، وأن تكون الحقيقة التي درستها وعرفتها واقتنعت بصحتها جلية مفهومة. ولقد قسمت الكتاب إلى خمسة أبواب، كُلّ باب تجتمع فيه مجموعة من الصور يضمها إطار واحد لمشهد من المشاهد التي أردت عرضها على القارئ الكريم.
ففي الباب الأَوَّل: عرضت مجموعة من الصور عن الدولة الرسمية تكون لها مشهدًا عاما في إطار واحد يبرز تلك الدولة وأسلوب حياتها، كما يبرز سيرة وأسلوب حياة الإباضية في تلك الفترة.
وفي الباب الثاني: عرضت مجموعة من الشخصيات العلمية والاجتماعية، ونماذج من نشاطهم لأعطي مشهدًا عاما في إطار واحد لحياة علمية واجتماعية استمرت مترابطة عشرة قرون أو تزيد ينبني بعضها على بعض.
وفي الباب الثالث: رأيت أن أجمع صورًا مُختلفة تصور جوانب مختلفة أضعها تحت إطار واحد ينتقل فيها النظر بين مشهد ومشهد وهي بالنظرة المجزأة تبرز مناظر متعددة ومنفردة، ولكنَّها بالنظرة الفاحصة الكلية تبدو منسجمة مع الصور الكاملة التي وضع من أجلها الكتاب، وتملأ الفراغات التي بقيت بين الفصول، وتربط بين الصور والمشاهد، ولا يتم المنظر العام الذي نريد رسمه للإباضيَّة في الجزائر خلال وجودهم بها منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم، إلا بهذه الصور المتناثرة التي جمعناها في مشهد واحد من الباب الثالث.
وفي الباب الرابع: تحدثت عن عدد من المدن التي كانت أو لا تزال عامرة بالإباضية، محاولا أن أعرض صورا قريبة من الحقيقة لتلك الحياة الزاخرة، بما فيها من مرارة أحيانًا، وإشراق وهناء أحيانًا أخرى، على أساس المبدأ الذي اتخذته وأعلنته في غير مكان من أن تاريخ الأمم والشعوب ليس هو ما تحققه أو تقوم به رغبات السلاطين والحكام والجيوش، وإِنَّما هو سلوك الأفراد النابع من ذواتهم دون سياط تلهب ظهورهم أو عطايا يتحلب عليهم (1/769)
صفحة 770
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
ريقهم، ولا يتلقى تاريخ الأمة والدولة إلا في حالة واحدة، وذلك عندما تكون الدولة سائرة
في المنهج الذي رسمته شريعة الله سيرًا حقيقيا لا مكر فيه ولا خداع.
وفي الباب الخامس: أوردت مجموعة من النقود والملاحظات مما قيل في صراحة ووضوح أو في نوع من الغمغمة والخفاء عن بعض أنواع سلوك المجتمع الإباضي في جانب من جوانب الحياة أو في قترة من تاريخهم بالجزائر. وأوردت إلى جانب تلك النقود صورًا من الرد على النقد المغرض، أو تصحيحا لفهم النقد المخطئ، أو تبريرا للمسلك الذي اتخذه ذلك المجتمع حسبما يراه، وجميع هذه الصور المتعارضة من النقد والرد تعطي مشهدًا متكاملا يقوم مقام الرتوش الجانبية التي تكتمل بها
الصورة، أو التشطيبات الأخيرة التي يتم بها البناء كما يقوم به المهندسون والمقاولون. وبعد هذا كله لا يُخجلني أبدًا أن أقول إنَّما قدمت جهد الضعيف ودراسة القاصر، ولبنة متواضعة في بناء صرح شامخ وإنني أعتذر إلى القارئ الكريم لما أخذت من وقته الثمين؛ على أنني أضع ثقل المسؤولية الكاملة عَلَى شبابنا الناهض الذي أتاحت له وسائل الدراسة الحاضرة كُلّ الإمكانيات، فاستطاع أن يستكمل دراساته الجامعية، وتخصصاته في الميادين العلمية، وعرف طرق البحث العلمي، والتأليف المنهجي، وزودته الدول والجامعات بكُلِّ ما يحتاج إليه من مصادر البحث ووسائل الانتقال والاتصال وفتحت له أبواب المكتبات
بمختلف اللغات، وزود بما يحتاج إليه من وسائل تحصيل المواد العلمية من مصادرها المتفرقة. وإلى أن يقوم شبابنا الناهض بهذا العبء الثقيل عَلَى أسلم الوجوه نرى ـتحن الذين تسلمنا أمانة الدين والتاريخ من الجيل الذي سبقنا- أنَّه من واجبنا الحتمي أن نزود القارئ الكريم المتعطش بمجهوداتنا الهزيلة ترطيبا للمهجة وإن لم نرو، الغليل، ومساعفة في إحضار الدواء وإن لم نشف العليل، وإفادة بما عندنا من نزر قليل، حَتَّى يحضر ما عندهم من جم
جليل.
والله المستعان وهو نعم الوكيل (1/770)
صفحة 771
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
عزيزي القارئ؛
الباب الأول:
الدولة الرستمية
في هذا الباب أحاول أن أعرض عليك داخل إطار واحد مجموعة من الصور عن الدولة الرستمية، وأنا في هذا العرض لا أسلك المنهج الذي اعتاده المؤرخون، وَإِنَّمَا أحاول أن أعرض عليك المشاهد كما أراها، أنا، وكما يتناولها رسام أو مصور، لا كما يتناولها كاتب أو
مؤرخ.
سوف تجدني أطيل في بعضها وأختصر في البعض الآخر، وذلك تبعًا لما يحكم به ذوقي الخاص في تصور وتصوير الأشياء .. وقد تجدني أطلت كثيرًا في قضيَّة أبي بكر بن أفلح، ورجائي أن تقرأ ذلك بإمعان، وأن تستعين بمصادر أخرى إن شئت، ثُمَّ تقرر حكمك في القضيَّة، فإن انتهيت إلى ما انتهيتُ إليه فالحمد لله عَلَى التوافق، وإن خالفتني في الرأي فالله أعلم بالحقائق، وهو وحده علام الغيوب .. واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
* (1/771)
صفحة 772
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
ابن الصغير يرسم صورتين
رسم ابن الصغير صورتين إحداهما للإمام الرستمي والأخرى للدولة الرستمية، فحينما أراد أن يرسم صورة للإمام في الدولة الرستمية قال:
هو رجل جالس على حصير فوقه جلد، وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها وسيفه، ورمحه وفرس مربوط في ناحية من داره».
رميت له وسادة من أدم فجلس عليها ينتظر فراغ دفن رجل مات».
«وكان إذا جلس الناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه، إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه .. وكان زاهدًا ورعًا ناسكًا سكينا».
فسار بهم سيرة جميلة حمدها أولهم وآخرهم وَلَمْ ينقموا عليه في أحكامه حكمًا، ولا في سيره سيرة، وسارت بذلك الركبان إلى كُلِّ البلدان»
هذه الصورة التي رسمها ابن الصغير لبعض الأئمة في الدولة الرستمية يصح أن تعبر عن كُلّ واحد منهم، مع تغيرات بسيطة لا تتناول جوهر الصورة ولكن الخطوط الجانبية. أما حينما أراد أن يرسم صورة للدولة الرستمية فقد قال:
«قوي الضعيف وانتعش الفقير، وحسنت أحوالهم، وخافهم جميع من اتصل به خبرهم وأمنوا ممَّن كان يغزوهم، ثُمَّ شرعوا في العمارة والبناء، وإحياء الموات، وغرس البساتين، وإجراء الأنهر، واتخاذ الرحاء (1)، وغير ذلك واتسعوا في البلد وتفسحوا فيها، وأتتهم الوفود والرفاق من كُلِّ الأمصار، وأقاصي الأقطار، ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم، وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد، وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله، حتّى لا ترى دارا إلا قيل هَذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم وهذا مسجد الكوفيين، وهذا مسجد
البصريين».
(1) الرحاء: جمع رحا، وهي: آلة طحن الحبوب. قال شاعر الجزائر وشيخ صحافتها -رحمه الله-:
هم اخترعوا الرحوات بحافة ينما فحازوا الظفر (1/772)
صفحة 773
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله والسيرة واحدة وقضاته مُختارة، وبيوت أمواله ممتلئة وأصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب، وأهل الصدقة على صدقاتهم، يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم في هلال كُلّ موسم».
ومن أهل الشاة والبعير يقبضون ما يجب عَلَى أهل الصدقات لا يظلمون ولا يُظلمون ... ثُمَّ أمر قوما في نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن رأوا قصابا ينفخ في شاه عاتبوه وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قذرًا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه، ولا يمنعون الصلاة في مساجدهم، ولا يكشفون عن حاله ولو رأوه رافعا يديه».
أحدا
من
وكانت خطبهم على المنابر خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب». إن قضاته وأصحاب بيت أمواله وأصحاب شرطته ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم بعضا، ولا سعى بعضهم ببعض، وكانت مساجدهم عامرة، وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئًا .. إلا أن الفقهاء تناجت بالمسائل فيما بينهم وتناظرت، واشتهت كُلّ فرقة أن تعلم ما خلفتها فيها عاقبتها ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه، وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله
كذلك.
أحسب أن هاتين الصورتين اللتين رسمهما ابن الصغير بقلمه البليغ كافيتان لإيضاح ما نرمي إليه، أو ربما كانتا هما خلاصة هذه المباحث الطويلة، وهذا الكتاب الثقيل فللمستعجل أن يكتفي بهما عن باقي الفصول.
وابن الصغير كما يعلم القارئ الكريم معاصر لهذه الدولة، وهو مخالف لها في المذهب، وقد صرح في كتابه أنه يبغضها؛ لأنه عَلَى غير مذهبه، ولَكنَّه مع بغضه لها لا ينكر الحقائق التي يعرفها وشاهدها، وهو يقول ذلك بصراحة وقوة فاستمع إليه:
«وأنا أتحرى فيها الصدق، ولا أحرفها عن معناها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات، ولا من أخلاق ذوي الديانات، وإن كنا للقوم مبغضين، ولسيرهم كارهين». (1/773)
صفحة 774
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
دخول المذهب الإباضي إلى الجزائى
في صيف سنة 1965 م قمت بجولة سريعة في الجزائر، وكنت يوما في مجلس بحضرة العلامة الشيخ يوسف العطفاوي، وكنت أتحدث عن المذهب الإباضي فقلت: إن المذهب الإباضي دخل إلى الجزائر في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني مع تلاميذ الإمام جابر بن زيد نفسه، ومنهم سلمة بن سعد الذي طاف جميع بلاد المغرب الإسلامي، واستطاع أن
يكون بعثة علمية في المغربين الأدنى والأوسط تحمل العلم من العراق، وتسير به مع الشمس». وصبر الشيخ حَتَّى أتممت كلامي، ثُمَّ قال: إن هذا الكلام غير صحيح فإن المذهب الإباضي إنَّما دخل الجزائر مع الفاتحين؛ لأن الإباضيَّة ليس فيها شَيْء غير ما في الإسلام الذي جاء به الفاتحون الأولون الصادقون .. وعندما تقول إن المذهب دخل بتاريخ كذا فإن قولك هذا يشعر بأن المذهب شيء آخر غير الإسلام، أو أَنَّهُ يَحمل شيئًا لَمْ يكن في الاندفاعة الأولى التي حملت الإسلام إلى هذا المغرب بصفائه ونقائه. والحقيقة إن الإباضية هي الإسلام، حافظ عليه من تسمّوا بهذا الاسم، فَلَمَّا انحرف منحرفون عن الإسلام، إما بالقول، وإما بالعمل، وإمَّا بالعقيدة، وإما بها جميعًا، وقف أولئك الناس يردون ما يراد إدخاله إلى دين الله من الأباطيل، فصورتهم السياسة الماكرة بصورة حزب أو مذهب أو كتلة أو ما شئت من أسماء، وحاولت أن تجعلهم حركة منفصلة قائمة بنفسها، بينما هي في الواقع ما زالت تلك الاندفاعة المشرقة الأولى التي جاءت تحمل دين الله كما بلغه رسول الله .. ". وصمت الشيخ الوقور بعد أن أبدى لي هذه الملاحظة القيمة. فكرت في ملاحظة الشيخ فوجدت فيها كثيرًا من الْحَقِّ والواقع، فلا شك أن حملة الإسلام في اندفاعتهم الأولى كانوا يدعون الناس إلى اعتناق الإسلام، وكانوا هم أنفسهم الإسلام؛ فَلَمَّا انحرف بعد ذلك منحرفون بدين الله تفرقت جهود الأمة الداعية إلى دين
يمثلون
الله
وسلك الدعاة سبلا مختلفة. فمنهم من استمر يدعو البعداء عن الإسلام إلى الدخول في الإسلام، لا يبالي ما عليه الناس داخل الأمة، ومنهم من رجع يدعو المنحرفين ويطالبهم بإلحاح أن يتقيدوا بالمنهاج الذي رسمه دين (1/774)
صفحة 775
الإباضية في موكب التاريخ
11
الإباضية في الجزائر الله، وأن يلتزموا بأحكامه وشرائعه ومنهم من اشتط في هذه الدعوة، فغلا حتّى سلك المنحرفين بدين الله في سلك واحد من الخارجين عليه، وجاء المؤرخون الذين يسيرون في ركاب الحكام المنحرفين، يعلمون لهم عمل الصحافة الموجهة، فأخذوا يسبغون الأسماء والألقاب عَلَى كُلّ من جهر بالدعوة إلى التمسك بالْحَقِّ والعمل في سبيله، وينسبون إليهم كُلّ ما من شأنه أن يثير عليهم الناس، ويظهرهم بمظهر طائفة شاذة منفصلة عن الأمة، منعزلة بنفسها. وجاء من بعدهم الكتاب، سواء كانوا كتاب العقائد أو كتاب المقالات التاريخية، فاعتمدوا عَلَى أولئك المؤرخين واعتبروهم حجة ومصدراً، وسهل لديهم أن يقال: إن الطائفة الفلانية تعتمد كذا، وتدين بكذا، وعملت كذا وكذا، دون الرجوع إلى تلك الطائفة وأصول مذهبها .. وقد يعمد بعضهم إلى سلوك فرد أو أفراد في طائفة من الطوائف فيعتبرونه أصلا ورأيا لتلك الطائفة، ولو كانت تلك الطائفة غير راضيّة عنه ولا عاملة، به لاسيما وأن آراء المخالفين للحكام، والداعين لهم إلى التزام الإسلام في الأحكام لم يتح لها الانتشار بصورتها الحقيقية المجردة، وَإِنَّمَا قلبت فيها الحقائق، وأضيف إليها كثير في الأباطيل، لكي تصل إلى الناس مكروهة، أما كتبهم التي قد تكون صورة صحيحة أو قريبة من الصحة فقد حوربت بدون هوادة حيل بينها وبين البلوغ إلى الناس بكُلِّ وسيلة، وأحرق منها الكثير، وحرف منها البعض، وكان يكفي في نظر الحكام الظالمين، أن يقوم الناس بنقد سلوكهم، أو مطالبتهم بالعدل والاستمساك بدين الله، حتى توضع لأولئك الناس أسماء فرقة تعزلهم عن المجتمع الإسلامي، وتصورهم بشناعة، وتظهرهم بمظهر من يشق عصا الطاعة، ويحدث في الدين ما لم يكن منه، وينشق عن الأمة ويفرق كلمتها، وحتى يجد أولئك الحكام سندًا لمحاربتهم والقضاء عليهم ومبررا يحمل جمهور الأُمة على كراهتهم دون أن يعرف من حقيقتهم، أو الدوافع إلى كراهيتهم ومحاربتهم شيئا. وقد استمر الإباضية إلا النزر اليسير على المنهاج الإسلامي النظيف يُحافظون عليه في أن يحافظ عليه، ويدعون أولياء الأمر ممَّن في أيديهم شؤون
أنفسهم، ويأملون من غيرهم الله فيها، وأن يؤدوا الأمانة التي جعلها الله في أعناقهم كما أرادها الله.
الأمة أن يراعوا حق ونستطيع أن نعتبر مسلك الإباضيَّة في الجزائر سائرًا على منهجين واضحين: (1/775)
صفحة 776
الإباضية في موكب التاريخ
12
الإباضية في الجزائر
الأَوَّل: استمساكهم بالواضح من دين الله والعمل به والحرص عليه، والتزام سيره وآدابه في تشدد يبلغ الجمود، أحيانًا، ودعوة المسلمين إلى تلك المحافظة، ومطالبة الفاتحين عَلَى الحكـ منهم ومن غيرهم، بمراعاة شريعة الله فيما يفعلون وفيما يذرون.
الثاني: الحرص على الجهاد المقدس، والكفاح في سبيل الله، سواء كان ذلك الجهاد لتأمين
الدعوة في البلاد التي يفتحها المسلمون، أو في الدفاع عن البلاد الإسلامية التي يحاربها المشركون. والشواهد على هذين الاتجاهين في تاريخ الإباضيَّة كثيرة متعددة، ويستطيع القارئ الكريم أن يجد صورًا من ذلك في الحلقات السابقة من هذا الكتاب وفي غيره من الكتب وقد نعرض في هذا الكتاب صورًا لكلا الاتجاهين في حياة الإباضية في الجزائر. وَلَعَلّ مسلك الأُمَّة في هذين الاتجاهين هي الصورة التي نجدها للأمة المسلمة عندما بدأ فيها الانحراف عن سبيل الله، فبينما كانت جموع منها توالي الفتوح إلى الشرق والغرب لتأمين الدعوة، كانت أصوات كبار الصحابة والتابعين تنتقد الانحراف عن دين الله، وتطالب بالرجوع إلى ما عرف من سيرة المؤمنين الصادقين.
وهذا المعنى هو ما حمل الشيخ يوسف العطفاوي على إبداء ملاحظته السابقة. فإذا كان الإباضية يستمسكون بدين الله كما عرف عن رَسُول الله، وكانوا يسيرون بسيرة خير القرون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر داخل أمة الإجابة، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لتبليغ رسالة الله، فإن تاريخ دخولهم إلى الجزائر يكون هو تاريخ دخول الإسلام إليها. وعلى هذا فيكون دخول المذهب الإباضي إلى الجزائر ما بين الخمسين والستين من الهجرة، وهو التاريخ الذي بدأت فيه الفتوح الإسلامية الدخول إلى الجزائر. وهذا بناء على ملاحظة الشيخ يوسف السابقة؛ أما بالنظر إلى ما يراه أكثر المؤرخين وكتاب مقالات العقائد وباعتبار أن الإباضية مذهب إسلامي كغيره من المذاهب له قواعده وأصوله وفروعه المختصة به فإن دخوله إلى الجزائر يكون في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني، وأظهر الشخصيات التي ظهرت عَلَى مسرح الدعوة له ذلك الحين هو بن سعد كما ذكرنا غير مَرَّة ومن بعده حملة العلم .. وبينهم عبد الحميد
سلمة
وربما غيره ممن لم نعرفه.
مغطير (1/776)
صفحة 777
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
بعثة علمية
لقد اخترت أن استعمل في هذا العنوان كلمة بعثة علمية، وإن كان هذا الاستعمال إنَّمَا حدث في هذه العصور المتأخرة التي تعتني فيها الدول والهيئات بإرسال طلاب العلم إلى مكان العلم؛ أَمَّا في ذلك العهد الذي أكتب عنه فلم يكن هذا الاستعمال اللغوي معروفًا .. ذلك أن الرغبة في طلب العلم هي أمنية كُلّ نفس في ذلك الحين، وكان
الله
الارتحال في طلب العلم هو الفرض الثاني للشاب المسلم في عملية الجهاد في سبيل ولهذا فقد اختار القرآن الكريم لهذا المعنى كلمة تَدُلُّ عَلَى الصبر والكفاح والجلد، تلك
الصفات التي يتطلبها الجهاد في كلا الميدانين فقد قال تعالى في سورة التوبة ما يلي:
ورز
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفرُوا كافة فلولا نفَرَ مِن كُل فرقة منْهُمْ طَائِفَة اليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (1)، فقد استعمل كلمة "نفر" في الاستعداد والاندفاع إلى الحرب كما استعملها في الاستعداد والارتحال إلى طلب العلم والذي يدفع المسلم في ذلك الحين إلى ميدان القتال، أو إلى معاهد العلم، إنَّما هو الباعث النفسي للقيام بالواجب في حماية الدعوة وتأمينها من عدوان السلاح أو حمايتها وتأمينها من عدوان الجهل؛ فالمجاهد في سبيل الله إنَّمَا يقوم بواجب لا ينتظر عليه أجرًا يدفع إليه من الناس، وطالب العلم لا ينتظر نفقة تصرفها دولة أو تمده بها جمعية أو هيئة. ولهذا الفرق بين طلاب العلم أمس واليوم رأيت أن أوضح للقارئ الكريم أن اختياري لاستعمال كلمة بعثة علمية" على طلاب العلم في ذلك الحين فيه كثير من والذي يسر لي أن أُسمّى الطلاب الذين سافروا من المغرب الإسلامي إلى المشرق الإسلامي لطلب العلم بجهودهم الخاصة "بعثة علمية" ليس هو التشابه في الحياة التي تحياها البعثات العلمية التي ترعاها الدولة والهيئات اليوم بحياة البعثات العلمية التي تقوم على المجهود الفردي في ذلك الحين؛ وَإِنَّمَا لأَن هَذه البعثة تكونت بأسلوب شبيه بأسلوب
1) سورة التوبة: 122.
التجوز، (1/777)
صفحة 778
الإباضية في موكب التاريخ
14
الإباضية في الجزائر
تكوين البعثات اليوم، ولبيان ذلك يحسن بنا أن نعود إلى إعادة بعض ما سبق أن تحدثنا عنه في الحلقات السابقة في هذا الكتاب.
كان سلمة بن سعد الذي تحدثنا عنه غير مَرَّة فيما مضى من أنشط الدعاة إلى الاستمساك بدين الله، كما أخذه من كبار التابعين أو بعض تلاميذهم، وكان يندد بأعمال الظالمين والمستبدين لا يفتر ولا يسكت ولا يقر في مكان، ولم يكن سلمة الرجل الوحيد الساخط على الوضع.
فقد كانت النقمة عَلَى الانحراف بالحكم، تعم العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، غير فئة قليلة من المنتفعين بالوضع، والمغترين بالجاه والمنصب وكان علماء الأُمَّة في هذا الصدد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
منه
1 - قسم غير راض عن الوضع فهو ينتقد، وينقم عليه، وَلَكنَّه في نفس الوقت يقف موقفاً مسالما، لا يجهر بالنقمة، ولا يدعو إلى الثروة، خوفا من فتنة تضر بالأُمَّة أكثر مما تصلح، وتشتت منها أكثر مما تجمع.
-
أحكام
وقسم هو الآخر غير راض عن الوضع فهو ينتقد الانحراف، ويطالب بتنفيذ الله والاستمساك بشريعته ولكن دون دعوة إلى ثورة تؤدي إلى فتنة جامحة؛ فإن أمن جانب الفتنة وتأكد الدعاة أن الثورة تكون في مصلحة الأمة، وأن نتائجها الحسنة مضمونة فَإنَّهُم حينئذ يطالبون الأُمَّة بالثورة والقضاء على الفساد، وَإِلا فَإِنَّهُم يكتفون بأن يقفوا موقف الناقد الصريح الذي لا يسكت عن منكر ولكنَّه لا يرفع سيفا، وهذا رأي الإباضيَّة ولذلك سَمُّوا أنفسهم "أهل الدعوة" فهم لا ينفكون عن الدعوة إلى الْحَقِّ مهما اختلفت الظروف، ولا يتجاوزونها إلى حمل السلاح إلا إذا كان ذلك لا يؤدي إلى فتنة
تضر بالأمة.
3 - أما القسم الثالث فقد كان ينتقد الانحراف ويدعو إلى الثورة غير ناظر إلى نتائجها وما تسفر عنه ولا مقدر لعواقبها وما ينبني عليها. (1/778)
صفحة 779
الإباضية في موكب التاريخ
15
الإباضية في الجزائر
وَلَعَلِّ علماء الأُمَّة يكادون يُجمعون على أن الحكم بعد الخلافة الرشيدة قد انحرف عن
مجراه الطبيعي في النظام الإسلامي، باستثناء خلافة سيدنا عمر بن عبد العزيز. وَلَكِنَّهم رغم اتفاقهم أن الحكم قد انحرف فقد اختلفوا في معالجة هذا الانحراف حسب شخصياتهم وقربهم وبعدهم من الحكم وفهمهم للإسلام، وحرصهم على وحدة الكلمة ومتانة الصف، واهتمامهم بمال الأمَّة ودمها، ثُمَّ بحسب أخلاقهم ونفسياتهم وتصوراتهم لما يحدث وكيف يحدث؛ فمنهم من يرى وجوب الخضوع للأمر القائم والبر له حتى تتبدل الأمور، ومنهم من يرى وجوب الإسراع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتشدد في النقد، والدعوة إلى الاستعداد على المدى الطويل حَتَّى يصلح الحال أو يأتي الظرف الذي لا تخشى فيه الثورة، ولا تؤدي إلى الإضرار بمصالح الأمة، ومنهم من يرى المسارعة إلى الضرب عَلَى أيدي العابثين وكف المعتدين بثورة عاجلة دون مصابرة أو انتظار، ودون تقدير للنتائج ولا ما ينال الأمة بعد ذلك.
وكان سلمة في الفريق الثاني من أولئك الذين يرون أَنَّهُ يَجب على المسلمين أن ينتقدوا الانحراف وأن ينهوا عن المنكر، ولكنَّه لا يتعجل بالثورة ولا يدعو إلى رفع السلاح إلا حينما يكون ذلك في مصلحة الأمة بالتأكيد، ولا ينجم عنه شر أكبر.
وكان يرى أنَّه لكي تفهم جماهير أمة هذا فَلا بُدَّ من وجود نوابغ من العلماء الذين يفهمون أسرار الشريعة، فلا يخدعون بالطمع في مظاهر الدنيا، ولا تجوز عليهم الحيل التي يلجأ إليها أنصار الحكم القائم، وصبغه بالشرعية القائمة، ووجوب الطاعة بتحريف معاني نصوص كريمة، ولذلك فلم يكن يدعو إلى الثورة وهو يجوب البلاد من العراق إلى المغرب الإسلامي، وإنَّمَا كان يقصر عمله على ناحيتين: الناحية الأولى: أن يبين للناس - لا سيما في المغرب الإسلامي حيث لم يستقر كبار الله - أن ما يرون في سلوك الأفراد الحاكمين
العلماء، ولم يتمكنوا بعد من إيضاح دين ليس هو ما جاء في دين الله، وأن هؤلاء الحكام قد خالفوا أمر الله في عباد الله وأموالهم (1/779)
صفحة 780
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
ودمائهم، وأنه يجب على أفراد الأمة أن يستمسكوا بدين الله، وأن يعملوا به في أنفسهم،
فإن صانوه في أنفسهم صانهم في نظامهم.
الناحية الثانية: كان يتخير الشباب الذين يتوسم فيهم الصفاء والذكاء والنبوغ ويدعوهم إلى السفر إلى المشرق لاستكمال دراساتهم على كبار تابعي التابعي، الذين كانت تمتلئ بهم العواصم الإسلامية في المشرق، وقد استطاع أن يرسل الفوج الأول من تلميذ واحد إلى البصرة، ثُمَّ استطاع أن يكون بعثة من أربعة طلاب أحدهم من ليبيا، واثنان من تونس، والرابع من الجزائر.
واستمر سلمة يدعو إلى التفقه في دين
الله
وفهمه فهما صحيحًا من المؤمنين الصادقين،
وكان يدعو الناس إلى السفر إلى منازل الوحي وإلى مرابع الإسلام، حيث ثبت واستقر في لوب المؤمنين، وانعكس على سلوكهم فكانوا مظهراً حقيقيًا له.
ونجحت البعثة العلمية التي كونها سلمة بن سعد فأخذت العلم والدين والخلق عن كبار تلاميذ التابعين وفهموا الإسلام بنظمه وقوانينه وشرائعه الحياة الإنسان وتنظيماته لسلوكهم أفرادا ومجتمعات. ورجع أفراد تلك البعثة إلى بلدانهم، وكان عاصم السدراتى يُمثل الجزائر في هذه البعثة
التي رجعت إلى أوطانها، فبدأ الكفاح في سبيل الله في جميع الميادين. (1/780)
صفحة 781
الإباضية في موكب التاريخ
17
الإباضية في الجزائر
الدولة الرستمية
من أراد أن يقرأ أخبار الدولة الرستمية وتاريخها المفصل، فعليه أن يرجع إلى ما ألف عنها خصيصا في القديم والحديث كـ تاريخ ابن الصغير «المالكي» في القديم، و «الأزهار الرياضية» للباشا الباروني، و «تاريخ المغرب» للأستاذ دبوز، أو يرجع إلى ما كتب عنها ضمن الأبحاث التاريخية في الكتب العامة.
أَمَّا في هذا الكتاب فلست أتناولها إلا بمقدار ما تكتمل به الصورة التي أريد أن أعرضها عَلَى القارئ الكريم في «تاريخ الإباضية في الجزائر».
عَلَى أن عملي في هذا المقام لا يتجاوز عمل الحامل التي توضع فيه الصورة، والاتجاه الذي
توجه إليه عند العرض؛
أما
رسم
الصورة نفسها وتلوينها فسوف أتركها لغيري من المؤرخين
الذين يرسمون أحداث التاريخ العام ووقائعه بدقة وبراعة.
يقول الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه القيم موجز التاريخ العام للجزائر» (صفحة 170) ما يلي: فكانت دولة قوية عزيزة ذات بأس وسلطان عاصرت بني الأغلب بإفريقيا، والأدارسه بالمغرب الأقصى، وكانت هي الآمرة الناهية في بلاد المغرب الأوسط».
ويقول الأستاذ الكعاك في نفس الكتاب صفحة) (180) ما يلي: «يرأس الدولة الرستمية إمام يلقب بأمير المؤمنين، بيده مقاليدها وتصاريف أمورها، وله ترجع السلطات الزمانية والروحية، وينتخبه وجوه المدينة وزعماء المذهب وشيوخ الدين بحرية من غير مبالاة ولا تقاليد، ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان يراعون فيه المعرفة والدراية والتحنك والدهاء والعدل والإنصاف يُجريهما عَلَى نفسه قبل ذوي قرابته وعلى ذوي قرابته قبل الحاشية أو عموم السكان، وإن هم رأوا اعوجاجا قاوموه بالسيف لا بالرفق واللين، وأنزلوه من أريكته في غير وجل ولا أسف أو اعتبار». فنظام الإمامة نظام الجمهورية في أحسن ما يكون في عهد عنفوانها وشبابها، وأيام ازدهار أصولها وأحكامها .. وكان الإمام لا يقدم عَلَى أمر من أمور الدين إلا بعد مراجعة الشراة وهم زعماء المذهب يستشيرهم ويعمل بما قروا له أن يعمل وإن رأى في ذلك خطأ، أن يرفع التبعة عن نفسه بإلقاء المسؤولية على عاتقهم خاصة.
وحسبه (1/781)
صفحة 782
الإباضية في موكب التاريخ
18
الإباضية في الجزائر
الصلاة».
وَأَمَّا في الأمور العامة في الاجتماع والاقتصاد فكانت المراجعة فيها للخاصة في المدينة ورؤساء القبائل ذات الشأن تستشار في المسائل والأمور بالمساجد بعد الفراغ من ويقول الأستاذ الكعاك في نفس الكتاب صفحة (182) ما يلي: «كانت السلطة العدلية عن السلطة المركزية فيما عدا المظالم فيها، وهي المجلس الأعلى للقضاء، يجلس لها السلطان لمراجعة القضايا المتظلم فيها وسماع الشكوى حَتَّى من القضاء أنفسهم، فهي من الوجهة ذات صبغة إدارية أكثر منها عدلية.
منفصلة
هذه
يعين الإمام القاضي بعد أخذ رأي الشراة فيه، وللقضاة دار خاصة بهم تعرف بدار القضاء يجلسون فيها للأحكام، ويتخذون الكتاب والأعوان والقماطر والخواتم، وكانوا على نزاهة تامة وإنصاف لا ينازعهم فيه منازع، وذمة بريئة من كُل شائبة من الشوائب. وقد وردت نوادر في كتب تاريخية مالكية ممَّا يَدُلُّ عَلَى عدم التعصب في ذكر الرواية
وصحة النقل». ويقول الأستاذ الكعاك في صفحة 184) من نفس الكتاب ما يلي: «ومن كان قد أمعن النظر في شكل الحكومة يراها عَلَى أحسن ما يرغب من حيث الأسلوب والنظام، ولو أن التراتيب الإسلامية قد أهملت البلديات التي هي خير كفيل لرقي المدن في دوائرها؛ لأنها مقصورة النظر على منطقة محددة تهتم بمصالحها من إنشاء المدارس وبسط الطرقات، وإقامة المعامل إلى غير ذلك.
وكان النظام الرستمي خير ما أخرج لتسيير البربر، وتدبير سياستهم بالحزم والعزيمة والرفق
والأناة.
"
وبهذه الطريقة تمكن "بنو رستم من ناصية البلاد، فجاروا البربر في أهوائهم الجنسية، ثُمَّ لطفوا من شدتها بعوامل إسلامية لينة، وأظهروا لهم الصلابة كلما اقتضت الأحوال، على أن لا يتجاوزوا الحدود، فكانت النتيجة أن البربر نالوا رغباتهم القومية من جهة، ودخلوا في الإسلام وحسن إسلامهم إلى حد ما من جهة أخرى، حَتَّى أمكن إدماجهم في العائلة الإسلامية الكبرى فيما بعد، من غير هضم أو ابتلاع». (1/782)
صفحة 783
الإباضية في موكب التاريخ
19
الإباضية في الجزائر
ويقول المؤرخ الجزائر الكبير الأستاذ أحمد توفيق المدني في كتابه القيم «كتاب الجزائر» (صفحة 20) ما يلي: «فقد كانت الدولة الرستمية أول دولة إسلامية بربرية نشأت في هذه الديار وازدهرت، و نمت و نال شهرة عالمية واسعة». ويقول في نفس الكتاب ما يلي وأصبحت هذه الدولة البربرية الإسلامية باسطة سلطانها العادل عَلَى كُل ربوع الجزائر ما عدا ناحية الزاب الأغلبية، وناحية تلمسان الإدريسية، وكان المذهب العام يومئذ للبربر في كُلّ بلاد الدولة هو المذهب الإباضي».
ويقول في نفس الكتاب: «أَمَّا الدولة فقد كانت مؤسسة عَلَى سنن الجمهورية الإسلامية في أيام الخلفاء الراشدين رئيسها يدعى أمير المؤمنين، ينتخبه القوم في أول الأمر انتخابا حراً، وهو يستشير في كبار الأمور الشراة" أي: عظماء المذهب وعلماؤه، وفي الأمور العامة يستشير وجوه القوم والقبائل، والإمام يُعيّن القضاة بعد استشارة "الشراة". وكان قضاه الرستميين على أكبر نصيب من الاستقامة والنزاهة».
وكان الضبط عَلَى نوعين: فهناك فرقة الشرطة التي تقوم بالحراسة والسهر على الأمن، وهناك فرقة الحسبة التي أسسها الإمام أبو اليقظان وهي مُختارة من وجوه القوم وصالحيهم، تطوف المدينة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، حاثة على الرفق بالحيوان.
وكانت مداخيل الدولة من أموال الزكاة وحدها، وتصرف في مصالح الدولة العامة. وخلاصة القول: إِنَّه يَحقُّ للجزائر أن ترفع رأسها مفتخرة بهذه الدولة الوطنية التي قلما شاهدت بلاد الإسلام قاطبة مثلها بعد دولة الراشدين.
ويقول الأستاذ يحي بوعزيز في كتابه «الموجز في تاريخ الجزائر» (صفحة 92): «ولقد كان نظام الحكم في هذه الإمارة شوريا، يطبق أئمتها أحكام القرآن والسنة، وسعوا جهدهم لإصلاح الأوضاع، فانتشرت الثقافة العربية بشكل ملحوظ، كما راجت الأعمال التجارية والفلاحية والعمرانية وغدت مدينة تيهرت التي جددوا بنائها ووسعوا عمرانهـ
ملتقى القوافل التجارية، ووفود طلاب العلم. (1/783)
صفحة 784
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
الدولة الرستمية صورة للخلافة الرشيدة
في الفقرات القليلة التي نقلناها في الفصل السابق عن بعض المؤرخين الذين تحدثوا عن الدولة الرستُميَّة يستطيع القارئ الكريم أن يستخلص صورة قريبة من الحقيقة لتلك الدولة، ولكي نساعد القارئ الكريم على استخلاص تلك الصورة وحصرها في إطار محدود تبدو فيه واضحة المعالم، نقدم له الخطوط العريضة لذلك كما يلي:
1 - يرأس الدولة الرستُميَّة إمام يلقب بأمير المؤمنين.
2 - ينتخب الإمام وجوه المدينة وزعماء المذهب وشيوخ الدين بحرية، من غير مبالاة ولا تقاليد ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان.
السكان.
يراعون فيه المعرفة والدراية والتحنُّك والدهاء والعدل والإنصاف يجريهما على نفسه قبل ذوي قرابته وعلى ذوي قرابته قبل الحاشية أو عموم - إن هم رأوا فيه اعوجاجا قاوموه بالسيف لا بالرفق واللين، وأنزلوه من أريكته من غير وجل أو أسف أو اعتبار. ه كان الإمام لا يقدم على أمر من أمور الدين إلا بعد مراجعة "الشراة"، وهـ زعماء المذهب يستشيرهم ويعمل بما قرروا له أن يعمل. 6 - في الأمور العامة في الإجماع والاقتصاد كانت المراجعة فيها للخاصة من المدينة ورؤساء القبائل ذات الشأن.
الاستشارة في المسائل والأمور بالمساجد بعد الفراغ من
الصلاة.
كانت السلطة العدلية منفصلة عن السلطة المركزية فيما عدا المظالم، وهي المجلس
الأعلى للقضاء، يجلس لها السلطان لمراجعة القضايا المتظلم فيها، وسماع الشكوى حتى القضاء أنفسهم.
- يعين الإمام القاضي بعد أخذ رأي "الشراة" فيه.
10 - للقضاء دار خاصة يجلس فيها القاضي للأحكام، ويتخذ لذلك الكتاب والأعوان والقماطر والأختام. (1/784)
صفحة 785
الإباضية في موكب التاريخ
21
الإباضية في الجزائر
11 - كانوا على نزاهة تامة وإنصاف لا ينازعهم فيه منازع، وذمة بريئة من كُلّ
شائبة.
(1)
12 - كان النظام الرستمي خير ما أخرج لتسيير البربر ولتدبير سياستهم بالحزم والعزم والرفق والأناة.
13 - أَمَّا الدولة فقد كانت مؤسسة عَلَى سنن الجمهورية الإسلامية في أَيَّام الخلفاء الراشدين، رئيسها يدعى أمير المؤمنين، ينتخبه القوم في أوَّل الأمر انتخابا حرا، وهو يستشير في كبار الأمور "الشراة".
14 - والإمام يعين القضاة بعد استشارة "الشُّرَاة"، وكان قضاة الرستميين على أكبر
نصيب من الاستقامة والنزاهة.
15 - كان الضبط فيها على نوعين:
(أ) فرقة الشرطة وتقوم بالحراسة على الأمن.
(ب) فرقة الحسبة تطوف المدينة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.
16 - مداخيل الدولة من الزكاة وحدها.
17 - يحق للجزائر أن ترفع رأسها مفتخرة بهذه الدولة الوطنية التي قلما شاهدت
بلاد الإسلام قاطبة مثلها بعد دولة الراشدين.
كان قد أمعن النظر في شكل الحكومة يراها عَلَى أحسن ما يرغب من حيث
18 - من الأسلوب والنظام.
19 - فكانت دولة قوية عزيزة ذات بأس وسلطان.
1) ليس للرستميين فضل في إخراج النظام، وَإِنَّمَا فضلهم في اتباعه والعمل به والتقيد بإحكامه؛ لأن النظام جاء به الإسلام ووضعه الخالق سبحانه لتسير به البشرية جمعاء، فلم يكن خاصا بالبربر أو العرب، أو غيرهم من الأجناس، وكلما سارت عليه دولة واتبعته في أجزائه وتفاصيله كانت حرية أن ترضي الله، ويرضى عنها الناس، وتسعد الأمة التي تسيرها ولو استمسكت به الدول الإسلامية في مختلف عصورها وأمكنتها لما نزلت عن مكانها في قيادة البشرية في المنهج القويم. (1/785)
صفحة 786
الإباضية في موكب التاريخ
22
الإباضية في الجزائر
20 - أصبحت هذه الدولة البربرية الإسلامية باسطة سلطانها العادل عَلَى كُل ربوع الجزائر ما عدا ناحية الزاب الأغلبية وناحية تلمسان الإدريسية، وكان المذهب العام يومئذ للبربر في كل بلاد الدولة هو المذهب الإباضي. 21 - لقد كان نظام الحكم في هذه الإمارة شوريا يطبق أئمتها أحكام القرآن والسنة، وسعوا جهدهم لإصلاح الأوضاع.
هذه خطوط عريضة لرسم صورة للدولة الرستُميَّة، تعاون عليها ثلاثة من المؤرخين
ليسوا من الإباضية، هم: الأساتذة عثمان الكعاك، وتوفيق المدني، ويحيى بوعزيز. وأوضح في هذه الصورة في هذا الإطار أن الدولة كانت صورة ثانية لدولة الخلفاء الراشدين كما قال المدني؛ لأن نظام الحكم فيها شوري يطبق فيه أئمتها أحكام القرآن والسنة كما قال بوعزيز بحرية دون مبالاة ولا تقاليد ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان كما قال الكعاك.
ولو رجع القارئ الكريم إلى دراسة سيرة الأئمة الحارث بن تليد وأبي الخطاب وأبي حاتم الذين كونوا إمامتهم في ليبيا؛ لوجد أن أولئك الأئمة في سيرهم كأئمة الدولة الرسمية، كانوا حراصًا عَلَى العدالة والنَّزَاهَة .. فما السبب في ذلك؟ إذ لا شك أن النظام الإسلامي للحكم واحد في المشرق وفي المغرب ولكل دولة مسلمة؛ فماذا امتاز أئمة هذه الدول بهذا الاستمساك بالنظام الإسلامي، والحرص عليه أكثر مما تستمسك به الدول الأخرى وتحرص عليه؟
لا شك أن لذلك سببا، قد أوضح الأستاذ عثمان الكعاك ذلك السبب فقال: ينتخب الإمام وجوه المدينة وزعماء المذهب وشيوخ الدين بحرية، من غير مبالاة، ولا تقاليد ولا ولاء في قرابة أو صداقة أو سلطان، يراعون فيه المعرفة والدراية والتحنك والدهاء والعدل والإنصاف يجريهما عَلَى نفسه قبل ذوي قرابته، وعلى ذوي قرابته قبل رأوا فيه اعوجاجا قوموه بالسيف لا بالرفق واللين،
الحاشية أو عموم السكان، وإن هم وأنزلوه من أريكته من غير وجل أو أسف أو اعتبار». (1/786)
صفحة 787
الإباضية في موكب التاريخ
23
الإباضية في الجزائر
فالأسباب التي تفرض عَلَى أئمة الإباضيَّة أن يلتزموا السير في المنهج الذي وضعه الإسلام تتلخص في أمرين:
الأَوَّل: حسن اختيار الإمام ومن يساعده في القيام بأعباء الدولة.
الثاني: دوام مراقبته ومحاسبته عَلَى أخطائه، فإن الإباضيَّة استنادا على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقاعدة الولاية الشخصية والبراءة الشخصية، لا يمكن أن يسكتو للإمام إذا هو انحرف عن سبيل المؤمنين، بل عليه أن يرجع عن خطئه ويعلن توبته، ويتحمل تبعة أعماله ونتائجها، وإلا أنزلوه من أريكته دون وجل أو أسف أو اعتبار.
موقفا
فالإمام لا بد أن يكون في ولاية المسلمين ليتعاونوا معه، وإذا جاز لهم أن يقفوا موقـ سلبيًا مع الأئمة والحكام الذين يخالفونهم في المذهب ويختلفون معهم في قاعدة الولاية والبراءة فما يجوز لهم أن يقفوا هذا الموقف السلبي مع الأئمة أو الحكام في مذهبهم، فإن أولئك الأئمة إما أن يكونوا عَلَى رضا واستقامة وتجب لهم المساعدة والمؤازرة، وَإِمَّا أن يكونوا على غير ذلك فيجب أن يبتعدوا عن مصالح المسلمين وتصريف شئونهم ولو
بالعزل، إلا إذا تغلبوه بالقوة الغاشمة، فيحق البقاء تحت حكمهم تقية مع مواصلة الإنكار.
00 (1/787)
صفحة 788
الإباضية في موكب التاريخ
24
الإباضية في الجزائر
الثورات في عهد الدولة الرستمية
ربما تكون القلاقل والثورات هي الدليل الحي عَلَى انحراف الدولة لاسيما في العهود الأولى من الحكم الإسلامي، والشعوب بطبيعتها إذا لم تحكم على أحد نمطين فلا بد من أن تهتاج وتثور وتعلن السخط؛ أَمَّا نَمطا الحكم اللذان تسكت معهما الشعوب فهما: إما العدالة والنزاهة والاستقامة بالمقدار الكامل الذي يرضى عنه الناس، وَإِمَّا الحكم بالحديد والنار الذي تتطاير فيه الرؤوس، وتقطع الرقاب لأوهى الأسباب.
والحكم في الدولة الرستُميَّة بإجماع المؤرخين ليس من هذا النوع، ولذلك رأينا أن نعود إلى تاريخها نستخرج منه عدد الثورات في عهد هذه الدولة وأسبابها لنعلم أين نضعها في الدول الإسلامية التي حكمت المسلمين الخلافة.
برسم
وإلى القارئ الكريم تلك الثورات حسبما لدينا من مصادر التاريخ الموثوق بها:
أمضى الإمام عبد الرحمن بن رستم إحدى عشرة سنة في الإمامة ولم تقم عليه ثورة، ولم يرتفع صوت بالإنكار في أي حكم من أحكامه، بل كانت جميع الألسنة تلهج بالثناء عليه والرضا عنه، وعن جميع عماله عماله وموظفيه.
وتولى من بعده عبد الوهاب ببيعة جماعية وَلَمْ يمض عَلَى إمامته سنة حتى كانت الثورة الأولى. الثورة الأولى: اشتهرت في كتب التاريخ بثورة النكار؛ لأن الذين قاموا بها هم قوم أنكروا إمامة عبد الوهاب، وذلك أنه لم يمض عَلَى إمامة عبد الوهاب سنة حَتَّى قامت دعوة معارضة تطالب بتكوين مجلس للشورى يكون أعضاؤه أشخاصاً معروفين محدودين، وقد تزعم هَذه المعارضة في مبدأ الأمر يزيد بن فندين اليفرني، ثُمَّ التحق به شعيب بن المعروف] المصري، وكان الأول من أوائل من بايع الإمام ومن أشد المتحمسين له، وكان يطمع أن تسند إليه بعض المهام في الدولة .. ولكن عبد الوهاب لم يسند إليه شيئًا من ذلك فوجد في نفسه وأراد الانتقام. شعيب فقد كان يعتبر عالماً فاضلا جليلا علماء مصر، ممَّن ينظر الناس إليه من ويقتدون به، ويرجعون إليه في أمور الدين؛ فلما سمع بحركة ابن فندين سافر من مصر إلى الشخصية الجزائر ليزيد من لهيب الفتنة عسى الناس يعزلون عبد الوهاب أو يقتلونه فيكون هو
أما (1/788)
صفحة 789
الإباضية في موكب التاريخ
25
الإباضية في الجزائر الأولى المرشح للإمامة عند الثوار، وهذا في ظنه طبعا؛ فصبر عبد الوهاب على دعاة الفتنة حتى أغراهم تساهله معهم وزين لهم الأماني والأحلام فدبروا مكيدة لقتلة، ولكن المكيدة لم تنجح، فافتضح بها أمرهم وانكشف سرهم، فأعلنوا الثورة، وأقدموا على الحرب، وذلك أَنهم تحينوا حَتَّى علموا أن الإمام عبد الوهاب خرج من المدينة وكان لشأن من الشؤون، فهجموا عليها فجأة ودون إنذار، ولكن أهل المدينة دافعوا عن أنفسهم، وانتصروا على دعاة الفتنة .. وَلَمَّا رجع الإمام عبد الوهاب وكان وصوله بعد نهاية المعركة وجد على باب المدينة جئنا ملقاة، ودماء، مراقة وظواهر تنبئ عما حصل، وأخبره الناس بما وقع فأمر بالقتلى من الفريقين فجمعوا ثُمَّ جعلوا في صفوف، وصلى على الجميع اقتداء بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقعة الجمل، ثُمَّ أمر بدفن الجميع. قال الباشا الباروني في الأزهار صفحة (112) ما يلي: «ثُمَّ عاد الإمام من سفره، ووجد القتلى في أماكنها، والناس على أثر حرب مهولة في رعب وانزعاج، فاستغرب السبب وسأل فأخبر بالواقع، فأمر بجمع قتلى الفريقين وصفت صفوفًا وصلى على الجميع صلاة الجنازة، تطيبا لنفوس بقية أتباع ابن فندين وتأنيسا لهم وتأليفا لقلوبهم». لم يكن يزيد بن فندين وأنصاره ينتقدون شيئًا عَلَى عبد الوهاب في سيرته وأحكامه،
عنه
وَلَكِنَّهم استندوا في الإنكار عليه والدعوة إلى عزله أو قتله بعد مبايعتهم له على نقطتين: الأولى: أنه بويع له بالإمامة وفي رجال الدولة من هو أعلم منه، فإمامته في دعواهم باطلة، وهم قد حضروا البيعة - ماعدا شعبيا - وعقدوها، وكان ابن فندين حسب أقوال المؤرخين أحرص الناس على إمامة عبد الوهاب. الثانية: أنهم طالبوه أن يعين مجلسًا للشورى من أفراد معدودين محدودين معروفين، ولا
تتجاوزهم الشورى إلى غيرهم، ولا تمضي الأمور دون اتفاقهم، ولا يتصرف الإمام بغير رأيهم. وقد أخذت مناقشة هاتين النقطتين بين الدعاة والمعارضين لها كثيرًا من الجهد والوقت، وَلَمْ تقتصر على علماء المغرب، وإنما تجاوزتهم إلى علماء المشرق وقد اهتم بها أولئك العلماء أيضا، وبحثوها على ضوء ما عرفوا في سنة النبي وسيرة الخلفاء الراشدين. (1/789)
صفحة 790
الإباضية في موكب التاريخ
26
الإباضية في الجزائر
وقد أجيب عن النقطة الأولى: أن المسلمين أجازوا عقد الإمامة لرجل وفي الأُمَّة من هو أعلى منه، استنادًا إلى ما فعله أصحاب رسول الله الله فقد بايعوا أبا بكر بالخلافة وزيد بن ثابت
أفرض منه وعلي بن أبي طالب أقضى منه معاذ بن جبل أعلم منه بشهادة رسول الله. ولا خلاف بين الأمة في هذا، مع إجماع الأمَّة عَلَى إمامة أبي بكر إلا ما يذكر عن بعض الغلاة في بعض فرق الشيعة، وأولئك الغلاة لا يعتد برأيهم، ومثل ما وقع في خلافة أبي بكر وقع في خلافة بقية الخلفاء الراشدين، وحسب المسلم أن يهتدي بأولئك النجوم الذين قال فيهم رسول الله الله: «عَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّة الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعدي» (1). وقد أجيب عن النقطة الثانية: أن هذا المجلس لم يكن في خير القرون وأن الخلفاء الراشدين لله لم يحددوا للشورى ناساً بأعيانهم لا تتجاوزهم الشورى، ولا تقضى الأمور بدونهم، ثُمَّ إِن تكوين مجلس للشورى على هذا الوصف يكون سببا لتطويل الأحكام، والحيلولة دون تنفيذ الحدود، وقد يحول دون إمضاء الإمام لمهام الأمور التي يقع الضرر على الأُمَّة أو على الدولة بتأخيرها. وهكذا وقفت الدولة دون مطالب ابن فندين، وآزرها في ذلك جميع العلماء والأئمة،
ولكن ابن فندين تشدد في تلك المطالبة حَتَّى استحل بها الدماء وأشعل نار حرب
ضحيتها.
- الثورة الثانية: إنَّمَا كان الدافع إليها تعصب مذهبي محض، فقد كانت الجزائر في ذلك الحين موطنا لعدد من المذاهب الإسلامية وكان بجوار تاهرت وتحت حكمها أعداد وافرة من القبائل القوية الغنية على مذهب الواصلية من المعتزلة، وكانوا أصحاب علم ومال وفروسية؛ فأنفقوا من البقاء تحت حكم الدولة الرستُميَّة والرضا بسلطانها عليهم رغم أنهم لا ينتقدون عليها شيئا في سيرة أو حكم، وكانوا يفضلون أن يكون أئمة الدولة من رجال المعتزلة، وأن تسير الدولة تحت رعايتهم؛ فعملوا لقلب نظام الحكم كما يقال اليوم، وكونوا جيوشا جرارة
(1) رواه أبو داود والحاكم وابن ماجة وابن حبان والترمذي عن العرباض بن سارية، وقال: حسن صحيح.
(المراجع) (1/790)
صفحة 791
الإباضية في موكب التاريخ
27
الإباضية في الجزائر
دربوها عَلَى القتال تدريبا متقناً ثُمَّ دعوا إلى الثورة، فوقعت بينهم وبين الإمام عبد الوهاب مناوشات ثُمَّ مقاتلات عنيفة حَتَّى توجس منها خيفة، ثُمَّ انتصر عليهم في موقعة حاسمة وقتل في المعركة رؤساء الثورة ودعاة الفتنة وهدأ بقية الناس وسكن المشاغبون، وساد الأمن واستقرت أوضاع الدولة.
-
- الثورة الثالثة: كان الدافع إليها هو الجهل والغرور، فقد كانت بعض القبائل البدوية الكبيرة، ذوات العدد الوافر في الرجال والأنعام تعيش على تربية المواشي، تتبع مواقع الغيث ومواطن الخصب، وكانت في إبان الربيع غالباً تقترب من تاهرت واقتربت في سنة من السنوات كالعادة من العاصمة، ونزلت بمضاربها وأنعامها على بعض التلال والأودية المخصبة المحيطة بالمدينة، وكان وجوهها وأعيانها يدخلون إلى العاصمة لقضاء مصالحهم، ويرتادون أسواقها لعمليات البيع وشراء وكانوا يحضرون إلى المسجد ويصلون وراء الإمام، ويستمعون إلى دروس وعظه وإرشاده، ويشاركون في بعض ما يعن من الأمور، ويعرض من الشؤون في المسجد، لتجري فيها مشاورة العامة والخاصة.
وكانوا يرون تواضع الإمام ولينه وقبوله للنصيحة فيعجبهم منه ذلك، ويغريهم بإبداء الآراء له،
وتوجيه النصيحة إليه حاسبين أنهم يخدمون بذلك الدولة، ويقدمون خدمة للأمة والوطن. وكان في المدينة بعض من يصطادون في الماء العكر، ويضربون بأيدي غيرهم من يريدون ضربه، فأرادوا أن يستغلوا سذاجة هؤلاء وأن يستخدموهم في مآربهم، فاتصلوا بهم وأوحوا إليهم أنهم يحترمونهم لمساعيهم في الخير، وأن الإمام أيضا يستمع إليهم ويأخذ برأيهم، ثُمَّ أوهموهم أن بعض الموظفين في الدولة مفسدون يحتاجون إلى تغيير، وأنهم بطلبهم ذلك من الإمام وعملهم لإبعادهم أولئك الموظفين يقدمون خدمة للأمة، يستحقون عليها الأجر من الله والشكر من الناس، وصدَّق أولئك البداة وسوسة هؤلاء فذهبوا إلى الإمام وطلبوا أن يخلي لهم المجلس فأخلاه لهم وقدموا إليه كشفًا بأسماء بعض الموظفين والقضاة يطلبون عزلهم وتعيين آخرين مكانهم، فشكرهم على إخلاصهم ونصحهم واهتمامهم بأمر المسلمين، ثُمَّ طلب منهم أن يعودوا إليه في الغد، ووعدهم أن ينظر في الموضوع بينه وبين رجوعهم، وتحرى الإمام عن الموظفين والقضاة المطلوب عزلهم فلم يجد ضدهم شيئًا، وَلَمَّا رجع القوم إليه في اليوم الثاني (1/791)
صفحة 792
الإباضية في موكب التاريخ
28
الإباضية في الجزائر
لمعرفة النتيجة أخبرهم الإمام أَنَّهُ لَمْ يجد شيئًا يدين به أولئك الموظفين، وطلب منهم إيضاح الأسباب إذا كانت لديهم أسباب، ويبدو أن أصحابهم الذين استغلوهم لم يزودوهم بشيء فلم يجدوا ما يبررون به طلبهم، ولكنَّهم أصروا عليه؛ فَلَمَّا لم يستجب لهم الإمام خرجوا من مجلسه، وبدلا من أن يغضبوا على أولئك الذين استغلوا سذاجتهم وضحكوا على ذقونهم، و سخروهم للانتقام دون سبب، بدلا من ذلك غضبوا على الإمام؛ لأنه رد وساطتهم، وَلَمْ يأخذ بجانبهم ويستجب لطلبهم، وكانت الأيدي الخفية لا تزال تنفتح في أوداجهم، وتحرك فيهم نعرة الجاهلية حتَّى بيتوا أمرًا فأبعدوا منازلهم عن العاصمة قليلا، ثُمَّ بدؤوا يستعدون لضرب العاصمة، ويعدون المقاتلين لذلك كانت أخبارهم تصل إلى الإمام عبد الوهاب فيتلكا ويصبر عساهم يدركون خطأهم ويرجعون عن غيهم، حَتَّى تأكد لديه عزمهم على مهاجمته في المدينة فخرج إليهم وصفعهم صفعة أدب ردت إليهم أحلامهم، وأفهمتهم أن الدعوة إلى الفتنة ليست من أخلاق المؤمنين.
- الثورة الرابعة: هَذه الثورة كان الدافع إليها عاطفة شخصية محضة، وأنانية عمياء بغيضة، وكان لرئيس قبيلة كبيرة بنت اشتهرت بالعقل والأدب والجمال.
وذكرها الناس في مجلس الإمام وذكروا مزاياها فخطر له أن يخطبها أولا لفضائلها، وثانيا لتوثيق الصلة بينه وبين قومها، وتقدم فعلا لخطبتها وتزوج بها، وكان هناك رئيس قبيلة أخرى يحلم بالزواج من تلك الفتاة ويذكر ذلك في مجالسه الخاصة بين أصدقائه، ولكنَّه لم يتخذ الخطوة العملية، وَلَمْ يتقدم إلى الخطبة، فلما سبقه الإمام حسب ذلك تعديا عليه ومراغمة له وتحديا لمركزه؛ فأظهر الغضب وأكثر النقد وخرج من العاصمة يدعو إلى الثورة فاستجاب له ناس مِمَّن يستجيبون لكُلِّ دعوة، ويتبعون كُلّ ناعق في كُلّ عصر .. ووقف الإمام معه موقف الصبر والأناة معتقدا أن الزمان كفيل بإرجاعه إلى منهج الرشد، ولكن الرجل التزم طريق الغي وأوغل فيه، وكان يزيد كُلّ يوم شدة وتماديًا حتى بلغ به وبمن مه ه خداع النفس، والاستهانة بأحكام الله أن استحلوا لأنفسهم استعراض الناس وقطع الطريق والولوغ في الدماء، فلما بلغوا إلى هذا الْحَدّ خرج إليهم الإمام فصفعهم على أقفيتهم صفعات ردت إليهم، رشدهم، وعرفهم أن الْحَقِّ أحق أن يتبع. (1/792)
صفحة 793
الإباضية في موكب التاريخ
29
الإباضية في الجزائر
خلف
- الثورة الخامسة: كان الدافع إلى هذه الثورة هو حب الرئاسة والرغبة في التحكم، فقد كان الإمام عبد الوهاب ولى وزيره السمح بن أبي الخطاب عَلَى حيز طرابلس وجبل نفوسة، فلما توفي السمح وثب ولده خلف إلى كرسي الولاية مكان، أبية، وأيده جماعة من الطماعين الذين يلتفون حول كُلّ حاكم ويرمزون في كُلّ موكب وَلَمْ يكن خَلَف مرضيا عنه من أهل العلم والفضل والرأي، فبعثوا إلى الإمام يخبرونه بوفاة عامله ويعزونه فيه، ويخبرونه بوثوب خلف إلى مكانه دون رأي منهم، وأَنَّهُ ليس أهلا لذلك المكان، فبعث إليه الإمام أمرا باعتزال أمر الناس، وأخبره أنه ولى أبا الحسن أيوب بن العباس مكان السمح بن أبي الخطاب، فاستكبر عن العزل، واستنكف عن قبول أمر الإمام، ودعا إلى فصل ليبيا عن الجزائر، وبعث رسائل إلى علماء المشرق يطلب إليهم أن يفتوا له بجواز الانفصال، ولكن الأجوبة جاءت مخيبة للآمال، وأوجبت عليه السمع والطاعة ما لم يكن هناك مبرر شرعي لعزل الإمام عن الإمامة جملة، فأعرض عنها وجعل يستعد لإقامة دولة مستقلة في ليبيا، ثُمَّ قام بعدة حملات إرهابية في الجبل، ارتكب فيها ما يخالف الإسلام ويبتعد به عن سيرة الإباضية الذين لم يستحلوا في يوم من الأيام أموال المسلمين ولا دمائهم ولم يجيزوا أبدا الاستعراض والاغتيال والغدر، ووقعت منه عدة مناوشات ومهاجمات، وقد انتهت تلك الثورة التي ذهبت بكثير من الأموال وأراقت كثيرًا من الدماء على يد العباس بن أيوب الذي لم يتوقف عن مطاردة خلف حتى انتهت منه وأراح منه الناس.
الثورة السادسة هي في الحقيقة فتنة وليست ثورة، وذلك أن بعض الأيدي الآئمة دبرت اغتيال زعيم يُسَمَّى ابن عرفة ثُمَّ نسب الاغتيال إلى الإمام، ووقفت مجموعات من الناس تطالب بالثأر من الإمام، ووقعت عدة معارك ذهب فيها دماء وأموال ثُمَّ اعتزل الإمام وتم اختيار إمام جديد، وبذلك انتهت تلك الثورة.
-
- الثورة السابعة بعد تولي أبي حاتم الإمامة بفترة قصيرة قام دعاة يحرضون على الفتنة ويدعون إلى الفرقة، ويشيعون قالة السوء، وجدوا في إفساد قلوب الناس، وأكثروا من النجوى، فرأى الإمام أن ينفيهم من العاصمة حَتَّى يقلل نشاطهم، ويحد من حركتهم، وقد (1/793)
صفحة 794
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
فعل غير أنه خيرهم في المنفى فاختاروا أصلح مكان الحركتهم، واستطاعوا أن يجمعوا حولهم عددًا من الأتباع في أقل مدة وتظاهروا بأنهم مظلومون، مضطهدون، وجهزوا جيشًا وهجموا على العاصمة في سرية تامة وعلى حين غفلة، بدلا من أن يلاقيهم الإمام بالقلة التي معه فتقع مذبحة، فضل أن يُخلي لهم المدينة فخرج حَتَّى سمع به الناس والتحقوا به وتكامل لديه جيش قوي يستطيع أن يردع به المعتدين ورجع بجيشه وحاصر العاصمة، وكان جيشه يزداد قوة كُلّ يوم، وكان عدد البغاة ينقص كُلّ يوم حَتَّى يئسوا من موقفهم وسلموا، فرجعت الأمور إلى نصابها، وسار الإمام بالدولة في النهج القويم الذي عرفناه لأسلافه.
- الثورة الثامنة نشأ لليقظان أخي الإمام ولدان يبدو أنهما حقدا على الإمام وأضمر ا له الشر زمنا طويلا، إلا أن ذلك لم يعرفه عنهما أحد، وواتتهما فرصة في يوم من الأيام فوتبا على الإمام فقتلاه ونصبا والدهما إمامًا على الدولة، ولكن فرحتهما لَمْ تَتم فقد أعرض عنهما الناس وتبرءوا منهم، ثُمَّ لَم يلبث أن قدم عليهم أبو عبد الله الحجاني فقتل الوالد والولدين وبقية أفراد الأسرة، وانتهت الدولة الرستُميَّة بذلك، ولله الأمر من قبل ومن بعد. هَذه أهم الثورات التي قامت خلال قرن ونصف من حكم الدولة الرسمية حسب المصادر التي بين يدي، لَمْ أترك منها شيئًا إلا بعض مناوشات أو مخالفات لا تبلغ أن تُسمى ثورة؟ کمواقف فرج النفوسي المشهور بنفاث، وهي مواقف لَمْ تبلغ إلى حمل السلاح أو دعوى العصيان أو الخروج، وكحماية بعض القبائل لقتلة ميمون، وعدم تسليمهم إيَّاه للدولة حتى أرغمتهم الدولة على التسليم، واقتصت ممن يجب عليه القصاص. وكالمناوشة الخفيفة التي قام بها ابن خلف فلحق به أبو منصور في جربة وأخذه معه إلى
الجبل فتاب وصلح، أمره، حَتَّى أصبح يُسَمَّى الطيب ابن الخبيث ابن الطيب.
وإذا رجعت أيها القارئ الكريم إلى تأمل الثورات السابقة ومعرفة أسباب اندلاعها فإنك لن تجد فيها مبررًا واحدًا لقيامها، أو على أقل تقدير لا تجد فيها سببًا واحدًا متصلا بسيرة الأئمة، أو يكون وسيلة للطعن عليهم في عدالتهم ونزاهتهم للحكم؛ فابن فندين يريد أن يفرض نفسه على الدولة، وَلَمَّا لَمْ يجد مكانًا تذرع بإدخال شرط في الإمامة، فَلَمَّا لَمْ يوافقه عليه أحد ثار حتى قتل. (1/794)
صفحة 795
الإباضية في موكب التاريخ
31
الإباضية في الجزائر
والمعتزلة حملهم على ذلك تعصب مذهبي وهي حركة قامت وتقوم في كُلِّ مكان، ولكنَّها ليست عَلَى كُلّ حال طعنًا في سلوك الإمام.
والبداة الذين خيل إليهم غرورهم أن الإمام أهانهم بعدم استجابته لمطالبهم تَدلُّ ثورتهم عَلَى
كفاءة الإمام ونزاهته.
أما العاشق والولهان فهو نموذج من النماذج الموجودة في الدنيا، والتي لا يَدلُّ تصرفها إلا على الإغراق في الخيالات والأحلام.
أما خلف فقد خطر له أن يجعل الولاية، وراثية، ولكن الإمام وقف له بالمرصاد. أَمَّا المؤامرة التي ذهب ابن عرفة ضحية لها فقد مس رشاشها الإمام، ولكنها في الواقع جريمة
دبرت في الخلفاء، وهي دليل على براعة مدبرها في الإجرام لا على إدانة الإمام. أما الثورة التي قمعها أبو حاتم فهي لَمْ تتذرع بأنّهام الإمام بأي شَيْء، وَإِنَّمَا كانت تزعم
أنها حرة التصرف. أما الثورة الأخيرة فهي ليست ثورة وَإِنَّمَا جريمة اغتيال تدين القائم بها فقط.
وإذا كان رؤساء غيرها في الدول من أجل إقرار السلام يقتلون بالعشرات ويسجنون بالمئات، بل بالآلاف لأسباب سياسية محضة لا تبيح القتل أو السجن، فإن أئمة هذه الدولة قد سلمت من التلوث بالدماء البريئة والمصادر التاريخية التي بين أيدينا لم تذكر لنا حادثة قتل
واحدة في عهد الدولة كله ما عدا ابن عرفة الذي لا يستطيع أحد أن يجزم بمعرفة قاتله الآن، وحتى دعاة الثورة أو الفتنة أو دعاة الشعب لم يكن أئمة الدولة الرستمية يتناولونهم بالعقوبة حتّى يبدؤوهم بالعدوان، وحينئذ تقابلهم الدولة في صف القتال، فإذا انتهت المعركة بانتصار الدولة على المشاغبين توقفت الدماء وتوقف التتبع، ولَمْ يسع الانتقام لما سبق الحرب من أعمال ضد الدولة أو ضد رجالها، اللهم إلا أن تكون العقوبة حدا من حدود الله، فَإِنَّهُم حينئذ لا يتأخرون عنها مهما كانت العواقب (1/795)
صفحة 796
الإباضية في موكب التاريخ
32
الإباضية في الجزائر
الحروب في عهد الدولة الرستمية
لَعَل الدولة الرستمية كانت أقل حروبا مع الدول الإسلامية الأخرى من جميع الدول الـ قامت في المغرب الإسلامي .. وإليك أيها القارئ الكريم جميع الحروب التي وقعت بين الدولة الرستمية وغيرها من الدول المجاورة بإيجاز واختصار.
- الحرب الأولى هي مناوشات صغيرة وقعت بين الدولتين الرستمية والأغلبية في طرابلس وسببها أن بعضا من جند الأغالبة خرج إلى القبائل البدوية الضاربة في سهل الجفارة والتابعة للدولة الرستُميَّة فارتكب ما يرتكبه مثله من أخذ الأموال وقتل من يحول دونها فذهب أولئك الناس إلى الإمام عبد الوهاب - وكان حينئذ في جبل نفوسة- يشتكون إليه ويستجيرون به، فجهز جيشا وذهب به إلى طرابلس، وسمع إبراهيم بن الأغلب بالحركة فجهز جيشا بقيادة ولده عبد الله وأرسله للمحافظة على ممتلكات الدولة الأغلبية في طرابلس، وقد وصل الجند الأغلبي إلى طرابلس قبل أن يصلحها الجند الرستمي، فَلَمَّا وصل عبد الوهاب ووجد الجيش الأغلبي في المدينة حاصره حصارًا شديدا، وكانت تقع بين فرق من الجيش مناوشات صغيرة لا تلبث أن تنتهي، وأخيرًا طلب عبد الله من عبد الوهاب أن يعقدا بينهما صلحا يتوقف فيه العدوان، ويسود فيه بين الدولتين، السلام على أن تكون طرابلس والبحر للأغالبة، وما عداها للرستمين فوافق عبد الوهاب، وتَمَّ الصلح على ذلك واحترمه كُلّ من
الطرفين.
- الحرب الثانية: هي أيضا مناوشات صغيرة، وذلك أَنَّهُ لَمَّا أرسل الإمام عبد الوهاب عامله قطفان بن سلمة الزواغي إلى قابس عارضه بعض جند الأغالبة واحتك به، ووقعت بين الفريقين مناوشات صغيرة انتهت بتسليم جند الأغالبة وتمكن قطفان من ضبط شؤون قابس ورعاية مصالحها وإدارة أمورها للدولة الرستمية.
- الحرب الثالثة: كان العباس ولد أحمد بن طولون صاحب مصر عاصيا لأبيه ناقما عليه، وخرج أبوه ذات يوم من عاصمة المملكة لشأن من الشؤون، فانتهز فرصة غياب والده وأخذ ما بالخزانة من أموال وأخذ معه ثمانمائة فارس وعشرة آلاف رجل من عبدان أبيه؟ واتجه إلى (1/796)
صفحة 797
الإباضية في موكب التاريخ
33
الإباضية في الجزائر
الغرب قاصدا، القيروان ليبني هنالك ملكا له فيما يحسب بعد أن يقوض ملك بني الأغلب، وَلَمَّا وصل إلى لبدة تحرش بالإباضية وبعث برسالة تمديد إلى أبي منصور إلياس عامل الدولة الرستمية في جبل نفوسة، فغضب أبو منصور وجهز جيشًا في اثني عشر ألف مقاتل وزحف عليه فطحنه وقتل أغلب من معه، وفر العباس منفردًا عَلَى فرسه حتى رجع إلى حضن أمه، وتناثرت تلك الأموال التي سرقها من خزانة مصر ليبني بها ملكا في القيروان في ساحات القتال، وبقيت هناك لم تمسسها يد من جند تمسسها يد من جند أبي منصور حتَّى جاءها بنو الأغلب والتقطوها من الأرض ومن أيدي الناس .. أما أبو منصور فعندما تم له النصر كف يده ويد جنده عن الدماء والأموال، ورجع إلى مركز حكمه دون أن تتدنس جيوبه وجيوب أصحابه باستحلال أموال صانتها كلمة التوحيد، وحفظتها شريعة الله
-
الحرب الرابعة قرر إبراهيم بن الأغلب وهو إبراهيم الأصغر الانتقام من ابن طولون باحتلال مصر وإضافتها إلى دولته فجهز جيشاً لجبا واتجه به إلى الشرق، وسمع أتباع الدولة الرستمية بما عزم عليه ابن الأغلب، وتوقعوا منه شراً، فهو ولا شك سيمر في أراضيهم، ولا بد أن يحاول احتلال ما يكون له طريقا مأمونا بين القيروان ومصر، وتوقعوا أنه سينالهم الكثير من الأذى فقرروا اعتراضه والوقوف في وجهه ورده إلى موطنه كما ردوا ابن
الشيء
طولون من قبله، وبعثوا إليه يخبرونه بأنهم لا يسمحون له بالمرور في أراضيهم ولو في شريط ضيق، واستمسك كُلّ من الفريقين برأيه فجهز جيشه وبدأ المسير وجهزوا هم أيضا جيشا زحفوا به إلى لقاء أبي العباس بن الأغلب، والتقى الجيشان وكانت معركة حامية الوطيس لقي فيها كُلّ من الجيشين عن وكتب النصر لبني الأغلب، ولكن الضربة التي أصابته كانت قاضية، فلم يتمكن من مواصلة سيره وتنفيذ قراره ثُمَّ أصيب باختلال في قواه العقلية بعد هذه المعركة العنيفة بقليل.
- الحرب الخامسة: كانت الدولة العبيدية قد كونت نفسها وبدأت تكتسح المغرب الإسلامي بلدًا بلدًا، وتقوض أركانه دولة دولة حَتَّى بلغت إلى تاهرت فابتلعتها في سهولة ويسر، كما ابتلعت غيرها من العواصم، ونحن حين نسمي استيلاء الدولة العبيدية على (1/797)
صفحة 798
الإباضية في موكب التاريخ
34
الإباضية في الجزائر
السكان،
تاهرت حربا نكون قد تجوزنا كثيرًا في التعبير؛ لأن تاهرت في ذلك الحين لم يبق بها من آثار الدولة الرستُميَّة إلا الرماد متمثلا في اليقظان قابعًا عَلَى كرسي وعلى جانبيه ولداه؛ أَمَّا عدا ذلك فقد انفض عنه؛ لأن سخط الناس عليه بلغ نهايته فتركوه وتركوا نصره في حكمه، وكانوا ينظرون إليه في تشف وسيوف الحجاني تقطع أوصاله. وعلى كُلِّ حال فقد هجمت الدولة العبيدية بجيوشها عَلَى تاهرت التي كانت عاصمة للدولة الرستُميَّة فخرَّبت المدينة وأحرقت مكتبة المعصومة وقتلت من بقي بها من وطاردت من تشرد منهم في الآفاق. هذه هي كُلِّ الحروب التي قامت بين الدولة الرستمية وبعض الدول الأخرى، ولقد رأى القارئ الكريم أن حربين منها كانتا مناوشات صغيرة سببها سوء تصرف الجند الأغلي، وأنها سرعان ما انتهت حينما اتفقت الدولتان على وضع حد لتلك المشاحنات، فهي ليست سوى مناوشات مما يقع عادة على أطراف حدود الدول والممالك بين الجند
والناس. أَمَّا الحربان الأخريان فلم تكن فيها الدولة الرستُميَّة مقصودة بالذات بالحرب، ولا كانت قاصدة للعدوان على غيرها، وَإِنَّمَا طبيعتها الجغرافية التي جعلتها تفصل بين دولتين متعاديتين كانت السبب في أن تقع الحرب في أرضها، وأن تضطر للمشاركة فيها فعملت في المرة الأولى على رد ابن طولون عن أرضها، وحاولت في المرة الثانية أن ترد ابن الأغلب عن
هي
ذلك.
أما الحرب الخامسة فلم تكن حربًا بالمعنى الصحيح، وَإِنَّمَا كانت عبارة عن خلع باب مخلوع، ونَحرِ بو (1) محشو بالتين.
(1) البو: هو جلد حوار يُحشى تبنا ويقرب إلى الناقة فتحن عليه وتدر اللبن فتحلب. وفي المثل: "فلان أخدع من "بو" لأن البو تخدع به الناقة فتظنه ولدها حيا فتدلا عليه. (1/798)
صفحة 799
الإباضية في موكب التاريخ
35
الإباضية في الجزائر
الدولة الرستمية بين الحرب والسلام
لو رجع القارئ الكريم إلى دراسة تاريخ الدولة المجاورة لبني رستم لوجدها - ما عدا الدولة الرستمية- في حالة حرب مستمرة، فهي إما مشغولة بحروب داخلية تعمل على تهدئتها وإطفاء نيرانها، وَإِمَّا مشغولة بالدفاع عن نفسها؛ لأن دولا أخرى مجاورة تهاجمها وتريد القضاء عليها، وتروم الاستيلاء عليها واحتلال بلادها، وإما أن تكون هي التي
ترغب في التوسع والسيطرة، وتوزع هجماتها عَلَى ما تستضعفه من البلاد والدول. ويندر أن تَمرَّ بِهَا فترة سلام، ولذلك فإن تلك الدول كانت قد اتخذت جندا كثيف
تدفع لهم المرتبات، ومهمتهم الوحيدة هي القتال في الدفاع أو الهجوم. وكان يهمها أن يكون ذلك الجند مشغولا دائمًا بالقتال أو بالتفكير والتخطيط له فهم حين يستقرون يسأمون من الفراغ، ويشغلون أنفسهم بتدبير المؤامرات، مستجيبين لدعاة الانقلابات الذين يتحينون الفرص وينتظرون اللحظات المناسبة.
أما الدولة الرستُميَّة فقد كانت تعتمد في جميع حروبها سواء كانت مع هجوم خارجي أو فوران داخلي - على التطوع فعندما تحتاج إلى جيش من المقاتلين، يعلن الإمام ذلك ويدعو الناس إلى حمل السلاح لرد عدوان أو حفظ أمن فيندفع الناس إليه متطوعين بأزوادهم وأسلحتهم دون إكراه ودون طمع في أي مكسب؛ لأن الدولة لا تدفع لهم أي أجر على قتالهم، ولا تسمح لأحد أن يأخذ شيئًا من الغنائم والأسلاب
منهم
ما دام القتال بين طائفتين من المسلمين. ولا شك أن كثيرًا من الناس يفضلون عدم الاشتراك في الحرب أو في المعركة الدائرة إما لانشغالهم بأعمالهم الخاصة، أو لعدم اقتناعهم بأهميتها، أو غير ذلك من وجهات النظر، فيتخلفون عن تلبية الدعوة والدولة لا تلومهم عَلَى ذلك، ولا تحملهم على استجابة الدعوة بالقوة.
فالدولة الرستمية هي الدولة الوحيدة في ذلك الحين التي ليس لها جند قابع في الثكنات ينتظر التعليمات، ويحلم بالمكاسب والمغانم من وراء الحرب والغارات. (1/799)
صفحة 800
الإباضية في موكب التاريخ
36
الإباضية في الجزائر
الخارج.
وقد نتج عن هذا الوضع الذي كانت عليه الدولة الرستُميَّة في عدم وجود جند معد للقتال، مستعد على الدوام نتيجتان واضحتان في جميع المعارك والحروب التي وقعت بين الدولة الرستمية وخصومها، سواء كانوا ثوارًا في الداخل أو دولا مهاجمة من النتيجة الأولى: أن الدولة الرستُميَّة غالبًا ما تصاب بالخسائر في الهجمة الأولى وقد تخرج من العاصمة في بعض الأحيان حَتَّى يتسامع الناس ويتلاحقون ويتأهبون لرد العدوان أو قمع الثورة ثُمَّ يقدمون على ذلك فتكون لهم الكرة وذلك؛ لأن الهجوم المفاجئ لا يقابله جند مستعدون للحرب على جميع الأحوال يجدهم في مقابلته متى حضر، وَإِنَّمَا يقع الهجوم المفاجئ والناس في أعمالهم الحرة موزعين في مختلف الميادين. وبعد أن يهجم ويسمعون به يتجمعون ثُمَّ يدفعونه.
النتيجة الثانية: ما يكاد يتجمع المتطوعون ويعطفون على مقاتليهم حَتَّى ينتصرون عليهم بسهولة؛ لأن المتطوع إنَّمَا جاء يحارب عن حرمه بمبدأ أو عقيدة فهو يستميت في دفاعه، ويبذل في الثبات ما يملك من جهد وقوة.
أما الجندي المأجور فهو إِنَّمَا يحارب امتثالا لأمر، قائد وانتظارًا لمنفعة عاجلة من سلب أو غنيمة؛ فإذا خشي على نفسه، أو علم أنَّه لن يكسب شيئًا من وراء القتال سهل عليه الانهزام، وبرر في نفسه سبب الإدبار؛ فلذلك كان الجيش المتكون من المتطوعين الذين يحاربون عن عقيدة ومبدأ أبسل وأشجع وأصبر وأقوى دائما من الجند المرتزق الذي يتخذ القتال مهنة، والجندية حرفة يعيش بها؛ فالجندي المتطوع جاء بالدافع النفسي يطلب الموت، أما الجندي المرتزق فقد جاء يطلب ما يتمتع به في الحياة، وشتان بين من يقدم على الحرب طلبًا لما بعد الموت، ومن يقدم عليها طلبًا للمتاع والحياة والسلامة، ولهذه المعاني كانت الجيوش الإسلامية منذ حملت الدعوة متطوعة لا تعرف الانهزام، فَلَمَّا دخلها الجند النظامي كما يُسَمَّى - وأصبحت الجندية مهنة للارتزاق بدأت تفشل في مواصلة الفتوح، ثُمَّ فشلت في حماية نفسها أيضا. (1/800)
صفحة 801
الإباضية في موكب التاريخ
37
الإباضية في الجزائر
والدارس لتاريخ الدولة الرستمية يبدو له في وضوح أَنَّهَا لَمْ تكن دولة توسع ترغب في امتلاك البلاد، وأن الأقطار التي كانت تحت لوائها إنَّما انضمت إليها برغبتها الجماعية، أو برغبة الأغلبية الساحقة، وهي تقتصر عَلَى هَذه الرغبة في مد حكمها؛ فمن آوى إليها آوته، ومن ازور عنها تركته. وقد كان على حدودها في بعض الأحيان دول صغيرة ضعيفة يسهل احتلالها والسيطرة عليها، وكان في بعض الجهات من حدودها بلاد لا تخضع لأيَّة دولة، وَإِنَّمَا على نظام عشائري خاص بها، وكان من الميسور على الدولة الرستمية ابتلاع تلك البلاد وقبائلها ولكن الدولة الرستُميَّة لَمْ تحاول أن تضم إليها تلك الدويلات الصغيرة وتلك القبائل المتناثرة في جوارها، وَإِنَّمَا كانت تبني معها علاقات المودة والصداقة وحسن
الجوار.
منهم
تقيم
وأحسب أن السبب في ذلك إنَّما هو ما التزمته من السيرة التي تسير عليها، فهي تكره إراقة الدماء، وتخشى أن تلوث سيوفها بالدماء الحرام، وأيديها بالمال الحرام، ويهمها أن يأوي إليها أتباعها راضين راغبين عَلَى أَنَّهُ ليس لها أية فائدة تجنيها من الاستيلاء على غيرها بالقوة، ما دامت لا تفرض عليهم ضرائب، ولا تأخذ غرامات، ولا تجمع في حروبها معهم غنائم، ولا تضع في خزائنها المالية شيئًا من أموالهم المغصوبة أو المصادرة، ولا تكون منهم جندا مرتزقًا ينتظر الأوامر بالزحف كما كانت تفعل الدول التي تطلب التوسع، وتسعى للسيطرة على أكثر ما يمكن من البلاد؛ لأجل ما تحصل عليه من المكاسب المادية بالغنيمة والضريبة والغرامة والمصادرة.
وكانت الدولة الرستُميَّة من القوة بحيث لا يطمع فيها الطامعون.
وهكذا كفت يدها عن الغير وكف الغير يده عنها، فقد مر عهد عبد الرحمن كله دون أن تتعرض الدولة لحرب دفاع أو هجوم ومر عهد عبد الوهاب كله ولم تتعرض الدولة لحرب دفاع أو هجوم، ما عدا حادثتين بسيطتين مما يقع على الحدود بسبب الاحتكاك. ومر عهد أفلح كله وعلى طوله دون أن تتعرض الدولة لحروب دفاع أو هجوم. ومرّ عهد أبي بكر دون أن تتعرض الدولة لحرب دفاع وهجوم ومر عهد أبي اليقظان الطويل (1/801)
صفحة 802
الإباضية في موكب التاريخ
38
الإباضية في الجزائر
سعيد دون أن تقع حرب ما عدا واقعة واحدة على أطراف الحدود الشرقية، قام بها تغامر جريء هو العباس بن أحمد بن طولون، فلقنه عامل الإمام أبو منصور درسًا حسين
حاول أن يخترق الحدود الرستمية رجع به دون جيش أو مال إلى أبيه في مصر. ثُمَّ يَمُرُّ عهد أبي حاتم دون أن تتعرض الدولة لحرب، ما عدا واقعة واحدة حاول فيها ابن الأغلب أن يخترق الأراضي الرستُميَّة في جهاتها الشرقية فاعترضه عامل الإمامة واصطدم الجيشان فتحطما معا، واختل بسببه عقل ابن الأغلب.
عليه
الأمة،
ثُمَّ يجيء اليقظان فيلوث يديه بالدم البريء قبل أن يصل إلى منصب الإمامة فتسخط ويقدم عليه أبو عبد الله الحجاني فينحره كما تنحر الجزور دون أهل، وتنتهي الدولة الرستُميَّة عند مقتل أبي حاتم، ولا تعترف بمحاولة اليقظان لبناء العرش والصعود
عليه.
وَمِمَّا يَدُلُّ أن الدولة الرسميَّة لَمْ تكن تنوي الهجوم على أحد، ولم تكن تتوقع أن يغزوها أحد أَنَّهَا لَمْ تشتبك في أية معركة بقوتها الكاملة زاحفة من العاصمة أو قلب الدولة، وَإِنَّمَا كانت تقع لها المناوشات على أطراف الحدود فيقف لها الجانب القريـ
منها.
فعندما خرج جند الأغالبة من طرابلس إلى بعض السهول القريبة من العاصمة يروع البداة الآمنين ويبتز منهم، أموالهم زحف إليه عبد الوهاب بمن حضره من رجال الجبل فأصلحوا الفساد، وعقدوا المعاهدة دون أن الأغلب دون يحرك قلب العاصمة ويطلب
منها المدد أو حتى الاستعداد للمدد.
مع
ابن
وعندما جاء العباس بن طولون منتفخ الأوداج وهو ينشد في غرور: الله دري إذ أعدو على فرسي إلى اللقاء ونار الحرب تستعر وفي يدي صارم أفري الرؤوس به في حده الموت لا يُبقي ولا يذر إن كنت سائله عني وعن خبري فها أنا الليث والصمصامة الذكر
من آل طولون أما إن سألت فما فوقي لمفتخر بالجود مفتخـ (1/802)
صفحة 803
الإباضية في موكب التاريخ
39
الإباضية في الجزائر
لو كنت شاهدة كري بلبدة إذ بالسيف أضرب والهامات تبتدر إذا لشاهدت مني ما تناقله مني الأحاديث والأنباء والخبر فزحف إليه أبو منصور بمن حضره من تلك الجهات دون أن يزعجوا الإمام ولا مركز الدولة بالاستئذان أو طلب المعونة، وحقق للعباس بن طولون ما افتخر به من الجود؛ فقد تكرم بعشرة آلاف من عبدان أبيه، وبثمانمائة حمل من الذهب بعثرها في ميدان القتال، وعاد إلى أبيه يعدو على فرسه، بعد أن استفاق من حلم لذيذ على واقع مرير، وواجه سلمه الرواغي عربدة الجند الأغلبي في قابس بمن كان معه في ذلك الحين. وجهز أفلح بن العباس من استطاع تجهيزه من ليبيا لملاقاة ابن الأغلب في "مانو"، دون الرجوع إلى مركز الخلافة ولا طلب المدد منها.
قطفان
بن
أما الدولة العبيدية حين هجمت على الدولة الرسمية في تاهرت فقد جاء هجومها
متأخراً؛ لأن الدولة الرسميَّة كانت قد انتهت ولم يبق فيها من يقوم للقتال. وهكذا ترى أَيُّهَا القارئ الكريم أن هذه الدولة التي عاشت نحو قرن ونصف لَمْ يحدث فيها أن عبأت قوتها الكاملة لحرب دفاع أو هجوم، مما يدل عَلَى أَنَّهَا كانت تعيش آمنة مطمئنة لا تخاف ولا تُخيف، بل إن من يتتبع أحوال اضطراب الأمن فيها بسبب الداخلية أو الخارجية يجدها لا تتجاوز ثلاثة عشر أو أربعة عشر حدثا طيلة مدة حكمها، ومثل هذه الأحداث يقع في سنة واحدة في دول أخرى مجاورة لها بل في شهور. ويكفي
هذا لمعرفة السلوك الذي كانت تسير به تلك الدولة.
الأحداث
esrae (1/803)
صفحة 804
الإباضية في موكب التاريخ
40
الإباضية في الجزائر
كيف وصل الأئمة الى سنميون إلى الحكم؟
في هذا الباب أحاول أن أعرض على القارئ الكريم الصور التي تم فيها اختيار الأئمة في الدولة الرستُميَّة ليستطيع مقارنتها بالأسس التي وضعها الإسلام لاختيار الحكام من جهة وبطرق وصول الحكام إلى الحكم في الدول المجاورة من جهة أخرى.
يبدو
يعتبروه
أن أئمة الإباضيَّة في المغرب الإسلامي جميعًا عدا اليقظان الذي تبرأ منه الإباضيَّة وَلَمْ إمامًا - قد وصلوا إلى الحكم بالأسلوب الذي وصل به الخلفاء الراشدون إلى الحكم، وتم اختيارهم عَلَى إحدى الصور التي تَمَّ فيها اختيار أحد الخلفاء ولم يكن لولاية العهد أي اعتبار أو نظر، بل لم يكن لهم فيها أي تفكير ولا عنها أي حديث، وفيما يلي سوف نعرضهم واحدًا واحدًا بالترتيب:
الأَوَّل: إن أوَّل إمام للإباضية في الدول الرستمية هو عبد الرحمن بن رستم الفارسي، وقد وصل عبد الرحمن إلى الإمامة بطريقة الاختيار العام قال ابن الصغير المالكي فيما نقله عنه الباشا الباروني في الأزهار الرياضية (صفحة 84) ما يلي:
وميثاقه
«ثُمَّ نَهضوا إليه بأجمعهم وقالوا: يا عبد الرحمن رضيك الإمام أبو الخطاب في ابتدائنا، فنحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت أنه لا يصلح أمرنا إلا إمام نلجأ إليه الله في أمورنا، ونحتكم عنده فيما ينوب من أسبابنا، فقال لهم: "إن أعطيتموني عهد على الطاعة فيما وافق الْحَقِّ وطابقه قبلت ذلك منكم"، فأعطوه عهد وميثاقه على ذلك، وشرطوا عليه مثل ما شرط عليهم وقدموه على أنفسهم وألقوا إليه بأيديهم، فسار فيهم سيرة جميلة حمدها أولهم وآخرهم، ولَمْ ينقموا عليه في أحكامه حكمًا ولا في سيره سيرة، وسارت بذلك الركبان إلى كُلّ بلدان».
الله
قضى عبد الرحمن بن رستم في الإمامة إحدى عشرة سنة كاملة كانت كأنها فترة من الخلافة الرشيدة قبل أن تثور، الفتن وعندما أحس بدنو أجله جمع إليه الأعيان والوجهاء والعلماء والصالحين أوصاهم بما يوصي به المؤمن وهو يترك الدنيا ويستقبل الآخرة، ثُمَّ رشح (1/804)
صفحة 805
الإباضية في موكب التاريخ
41
الإباضية في الجزائر
للإمامة من بعده سبعة أشخاص حسب اجتهاده ليختاروا واحدًا منهم يتولى الإمامة، وقد كان في هذا الترشيح مقتديًا بأمير المؤمنين الفاروق.
الثاني: توفي الإمام عبد الرحمن مرضيا عنه مأسوفًا عليه، وبدأت المناقشات في اختيار الإمام الجديد الذي يخلفه، وتدافعها خيار المرشحين في بادئ الأمر بينما رغب فيها غيرهم، وطال أمد النقاش مدة شهر تقريبا اتضح منه أن أولى المرشحين بها وأكثرهم رصيدا من محبة الناس ورغبتهم اثنان هما مسعود الأندلسي وعبدالوهاب الرستمي، وأن الناس يفضلون مسعودًا عَلَى الجميع ويفضلون عبد الوهاب على الباقي، وقرروا أن يبايعوا مسعودا وحددوا موعدًا، فَلَمَّا بحثوا عنه بحثوا عنه لم يجدوه، وذهبت جهودهم في البحث هباء فقد اختفى .. وتشاور القوم من جديد وقرروا على مبايعة الرجل الثاني عبد الوهاب الفارسي، فعرضوا عليه الأمر بعد امتناع مسعود وخفائه فأظهر لهم الرضا واستعد لتحمل أعباء هذه الأمانة الثقيلة التي يفر منها من يخشى من نفسه الضعف والخور، ولسان حاله يقول ما قال عبد الله بن وهب في موقف مشابه: "هاتوها فو الله ما آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها خوفًا من الموت". وما علم مسعود أن الناس قد تركوه واتجهوا إلى عبد الوهاب وأن عبد الوهاب رضي ووافق حتى ظهر بين الناس وكأنما انشقت عنه الأرض، وكان أسرع إلى مبايعة عبد الوهاب وتتابع الناس حتى تمت البيعة بالإجماع.
وعدلا،
وشمر عبد الوهاب للقيام بمهام منصبه الجديد فكان عند ظن المؤمنين به استقامة ونزاهة ذكاء نادر، وغزارة علم، وحرص على الدراسة والتدريس، كانت طريقة انتخاب مع عبد الوهاب شبيهة جدا بطريقة انتخاب أمير المؤمنين ذي النورين، وقد سلك عبد الوهاب بالناس المحجة، وسار على النهج الذي اتبعه العدول من أمة محمد، وفي آخر مدته استقرت الأمور وانتشر الأمن وساوى العدل بين الناس، فرأى أن يؤدي فريضة الْحَجِّ فأناب عنه ولده أفلح في رعاية الدولة، وسار متنقلا بين القرى والبلدان حتى بلغ جبل نفوسة، وهناك وقف في وجهه جماعة من كبار العلماء ومنعوه من الْحَجِّ خوفًا عليه من العباء العباسيين، (1/805)
صفحة 806
الإباضية في موكب التاريخ
42
الإباضية في الجزائر
وأقنعوه أن الطريق بالنسبة إليه غير مأمونة (1) فأناب عنه من قام بالحج، ومكث بالجبل سيع سنوات يلقي الدروس في مسجده المعروف إلى الآن.
وفي هذه السنوات السبع كلها كانت أمور الدولة على أحسن ما يرام .. سلام دائم، وعدل شامل واستقرار تام وبعد ذلك رجع إلى عاصمة الإمامة "تَاهَرْت" فلبث هناك أربع سنوات أخرى يشتغل بالتدريس والتأليف وكانت الدولة تسير سيرتها الطبيعية آمنة مطمئنة مستقرة. وَلَمَّا أحس بدنو الأجل لَمْ يهتم بمن يتولى الإمامة من بعده، فإن حالة الأمة حينئذ كانت لا تدعو إلى الخوف من فتنة أو نزاع وكان في موقفه هذا مقتديا بالرسول.
الثالث: عندما توفي الإمام عبد الوهاب وأتم الناس تشييع جنازته إلى مقره الأخير، اجتمع العلماء والأعيان وأصحاب الشورى وناقشوا موضوع الإمامة، فاتفقوا بالإجماع على اختيار أفلح بن عبد الوهاب وقد كان أفلح من الظهور والبروز والتميز في حال لا تسمح لظهور منافس له في هذا الموضوع، كما أنه كان قد تدرب على تصريف الأمور وإدارتها والتمرس على حل مشاكل السياسة ومعالجتها في عهد والده لمدة طويلة، ولذلك فقد استمرت أمور الدولة كأَنها لَمْ تنتقل من يد إلى يد أخرى، وَإِنَّمَا جرت على نفس الوتيرة وبنفس الأسلوب، واستمرت الدولة عَلَى حالها من السلام والاطمئنان والعدل إلى نهاية إمامة أفلح، وعندما أحس بدنو الأجل لم يهتم بموضوع الخلافة من بعده، وَإِنَّمَا تركها شورى بين
المسلمين يختارون لها من يشاؤون كما تركها أبوه من قبل، وكما تركها رسول الله الله. الرابع: بعد وفاة الإمام أفلح اجتمع الناس اجتماعاً سريعا وتداولوا في أمر الإمامة، وكانت الأكثرية الغالبة مائلة إلى أبي بكر بن أفلح، وإن كانت قد ارتفعت بعض الأصوات المعارضة أثناء المناقشة ذابت واختفت وسط الأغلبية، وتمت بيعة أبي بكر في صورة إجماع كامل، وسار الإمام أبو بكر بالإمامة على النهج السابق فترة من الزمن، ثُمَّ حبكت مؤامرة قتل فيها شخصية من الشخصيات البارزة في الدولة هو ابن عرفة، ونتج عن هذه المؤامرة فتنة
1) وقد أثبت التاريخ صدق ظنهم فقد حج حفيده أبو اليقظان، ولم يكن حينئذ أميراً ولا وليا للعهد، ولكنهم مع ذلك اعتقلوه وبقي في السجن سنتين، وَلَمْ يطلق سراحه إلا لأن الخليفة الذي اعتقل في عهده توفي وتولى من بعده خليفة جديد فأطلق المساجين لهذه المناسبة. (1/806)
صفحة 807
الإباضية في موكب التاريخ
43
الإباضية في الجزائر
عارمة استبدت بالدولة والأمَّة زمنًا .. تنازل بعدها أبو بكر عن الإمامة بإشارة من أصدقائه حقنًا للدماء على الأرجح أو من نفسه عزوفًا عنها واعتزال السياسة وما يتصل بها، فلم يظهر له أثر فيها فيما بعد.
الخامس عندما وقعت الفتنة بمؤامرة قتل ابن عرفة وتنازل الإمام أبو بكر عن الإمامة اجتمعت الأطراف المتخالفة ودرسوا موضوع الإمامة بعد أبي بكر، وبعد تلك الفتنة العارمة ووقع اختيارهم عَلَى أبي اليقظان مُحَمَّد بن أفلح فكونوا فيما بينهم لجنة أرسلوها تعرض الموضوع عليه فقبل من اللجنة بشرط أن لا تثار مشاكل الفتنة السابقة، وكانت اللجنة أيضا تحب ذلك فقبلت وبلغت الأطرف بقبول أبي اليقظان، وتمت بيعة هذا الإمام بالإجماع، فسار بالدولة أحسن سيرة مدة أربعين سنة، ولَمَّا أحس بدنو الأجل لَمْ يهم أيضا بموضوع الخلافة؛ لأن الدولة كانت عَلَى أحسن ما يكون من الازدهار والسلام والأمن، وكانت الأمَّة عَلَى أحسن ما يكون من الازدهار والانسجام والوفاق، فتركها شورى بين المسلمين يختارون لها
من يشاؤون.
السادس: بعد وفاة الإمام أبي اليقظان سارع الناس إلى ترشيح أبي حاتم، وارتفعت الأصوات من الساحات والشوارع تدعو إلى بيعته، وكان غائبا في مهمة بعثه إليها الإمام السابق، فلما رجع تلقفته جماهير الناس خارج المدينة يعزونه في الإمام ويبايعونه بالإمامة، وكانت الجموع تتهافت عليه حَتَّى غصت بهم الحارات والأزقة، وقصدوا به إلى المسجد الجامع حيث صلى بهم الظهر وتمَّت له هناك البيعة بالإجماع تقريبا، وقلت تقريبا؛ لأن عمه يعقوب بن أفلح كان موجودًا فلم يبايع ولَمْ يعارض، ويبدو أنه وجد في نفسه، ولذلك فقد وقف موقفا سلبيًا واعتزل في "زواغة" بعيدا عن مجرى الأمور. ثُمَّ حدثت أحداث وقعت فيها فتنة دعا فيها الساخطون على الإمام عمه يعقوب، وعرضوا عليه البيعة فقبلها منهم، ثُمَّ أدرك خطأه فاعتزل ورجع إلى "زواغة"، وأطفأ الإمام نار الفتنة فهدأت الأمور واستقامت السيرة، ورجعت الحال إلى ما ألفه الناس أيام الازدهار، وعلى حين غفلة وثب ولدان لليقظان على عمهما أبي حاتم فقتلاه ونصبا أباهما على الإمامة، ولكن الأمة (1/807)
صفحة 808
الإباضية في موكب التاريخ
44
الإباضية في الجزائر
التي ألفت العدل والاستقامة والنزاهة والشورى غضبت على اليقظان وتبرأت منه وممن ولاه وساعده، ثُمَّ اجتنبوه فبقي منفردًا هيكلا عَلَى كرسي كَأَنَّهُ تمثال من القش، وَلَمْ يتمكنوا من إنزاله وإقامة إمام بدله حتَّى قدم أبو عبد الله الحجاني مولى أبي عبيد الله الشيعي، فوجد اليقظان أمامه أعزل من كُلِّ سلاح، قد سخط الناس عليه وعلى من شايعه وتبرؤوا منه وأسلموه، فقتله بسهولة ويسر مع أهله وأولاده واحتل تاهرت وتعقب أفراد الأسرة الرستمية حتى قضى عليهم، وَلَمْ ينج منهم إلا أبو يوسف يعقوب بن أفلح، فقد فر هو وأهله وأتباعه إلى "وار جلان".
هؤلاء هم
أئمة الدولة الرستُميَّة الذين تولوا الحكم قرابة قرن ونصف، وهذه هي الطرق والأساليب التي جرى عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن الخلافة الرشيدة وفي خير القرون، فقد اختير كُلّ من عبد الرحمن وأفلح وأبي بكر وأبي اليقظان وأبي حاتم بطريق الشورى والاختيار العام دون عهد أو وصاية أو إيعاز عَلَى الأسلوب الذي اختير به الصديق وأبو الحسن، وتولى عبدالوهاب بطريقة الترشيح عَلَى الأسلوب الذي اختير به ذو النورين
عثمان.
وقد اقتدى عبد الرحمن بالفاروق فرشح لها سبعة من الناس، واقتدى بقية الأئمة برسول الله وبأبي الحسنين فلم يرشحوا لها أحدًا .. هذا بقطع النظر عن اليقظان الذي اغتصب الإمامة فلم يعترف به أحد من الإباضية كإمام وأسلموه فلم ينصروه. ولو أن جميع الدول الإسلامية الأخرى سلكت نفس النهج، وسارت على سنة رسول الله وأصحابه، فلم تحول الخلافة إلى ملك عضوض تقطع فيه الرؤوس بغير حساب؛ لوفرت على الإمامة الإسلامية كثيرًا من الدماء والفتن والاعتداء عَلَى الله حدود على أن هناك ثلاثة أشخاص آخرين وصلوا إلى الحكم في الدولة الرستميَّة، ولكن الأُمَّة لَمْ تعترف بحكمهم، والتاريخ الإباضي لَمْ يسلكهم في مسلك أئمته الذين رضي طريقة بيعتهم، وطريقة حكمهم وسيرتهم في مدتهم، وهؤلاء الثلاثة هم: (1/808)
صفحة 809
الإباضية في موكب التاريخ
45
الإباضية في الجزائر
1 - مُحَمَّد
بن مسالة الهواري: كان رجلا غنيا كريما محبوبا من الناس مسموع
الكلمة،
محمد
بن
فَلَمَّا خرج أبو بكر من تاهرت نتيجة للمؤامرة التي ذكرنا تفاصيلها في فصول أخرى- دخل مسالة إلى العاصمة وصار مرجع الأمر والنهي في المدينة وكان ناس يميلون إليه، فاستمتع بالحكم مدة الفتنة إِلا أَنَّهُ لَمْ يطالب بالبيعة لنفسه ولا طلبها له الناس ولا عرضها عليه أحد، فَلَمَّا انتهت الفتنة وتنازل أبو بكر وأجمعت الأمة عَلَى مبايعة أبي اليقظان استسلم لرغبة الناس ودخل فيما دخلوا فيه، وَبِمَا أَنه تولى الحكم على جزء فقط من أرض الدولة، وفي أيام فتنة وبغير شورى، وَلَمْ يطالب أحد بالبيعة وَلَمْ يدّع لنفسه الإمامة، فَإِنَّهُ لَمْ يحسب من أئمة الدولة الرستمية وَلَمْ يسلك في نسقهم.
- أبو يوسف يعقوب بن أفلح عندما ثار بعض الناس على أبي حاتم دعوا يعقوب بن أفلح فبايعوه بالإمامة، ودخل تاهرت وتقبل البيعة، ووقعت بينه وبين أبي حاتم عدة حروب أدرك خطأه وندم على عمله وسلم للإمام الشرعي، وَبِمَا أَنَّهُ تقبل بيعة فئة باغية، ورضي يكون على رأسها، وقام عَلَى إمام شرعي ثبتت إمامته بالبيعة العامة، ولَمْ يرتكب ما يدعو إلى
أن
خلعه، وَأَنَّهُ لَمْ يتغلب إلى البلاد وَلَمْ يصل إلا إلى حكم جزء من أرض الإمامة لوقت قصير. وَبِمَا أَنَّهُ أدرك خطأه وندم على عمله، وسلم لأهل الْحَقِّ حقهم، فلم يحسب في عداد الأئمة الذين تولوا الحكم في الدولة الرستمية .. وقد انتقده الناس في حركته تلك على إعجابهم به. ويقول المؤرخون: إن يعقوب لم تكن له هفوة غير تلك وقد تاب منها .. غفر الله له، وهو في أئمة العلم والدين لا أئمة الحكم والسياسة.
اليقظان بن مُحَمَّد تآمر ولداه عَلَى أبي يوسف فقتلاه ليتولى هو الإمامة فسخط عليه الناس وتبرؤوا منه واعتزلو وأعرضوا عنه. وَلَمْ يرد مؤرخو الإباضيَّة أن يلوثوا بأيام حكمه عهود أئمتهم النظيفة، الزاهرة، ولذلك فهم يؤرخون لانتهاء الدولة الرستمية بمقتل أبي حاتم يوسف، ولا يعترفون بأيام اليقظان، وكانوا يزجرون من يعده في الأئمة، وإنما يعدونه في الملوك الظالمين والسلاطين الجورة، وكانوا يبرؤون ممَّن دخل تحت طاعته ورضي:
واعترف بإمارته.
بحكمه (1/809)
صفحة 810
الإباضية في موكب التاريخ
46
الإباضية في الجزائر
أئمة الدولة الرستمية
لقد وضعت بين يديك أيها القارئ الكريم صورًا مختلفة للدولة الرستمية، التقطتها جميع جوانبها، ثُمَّ ذكرت لك الطريقة التي وصل بهَا كُلّ إمام من أئمتها إلى الحكم، وفي هذا الفصل أريد أن أعرض عليك صورة شخصية لكُلِّ إمام منهم حتى يكمل المشهد لديك،
عنه
وتتضح الحقائق بين يديك. 1 - الإمام الأوَّل للدولة الرستمية هو: عبد الرحمن بن رستم الفارسي: ورُبَّما قرأت في الحلقات السابقة، والذي أريد أن أعرضه عليك هنا إنَّما هو صورة شخصية له بعد أن أصبح أمير المؤمنين في "تاهرت"، بايعه الناس بالإمامة سنة 160 للهجرة، وتوفي سنة 171 منها، فكانت مدة إمامته إحدى عشرة سنة.
قال عنه الباشا الباروني في كتابه «الأزهار الرياضية» صفحة (98) ما يلي: «كان رحمه الله مشهوراً بالعلم، معدودًا في فحول العلماء الراسخين .. له تفسير جليل القدر، تكلم عليه المؤرخون ولا وجود له الآن وله ديوان خطب نفيسة. ذكر العلامة الوار جلاني - رَحِمَهُ الله - أنه رآه وله رسائل متعددة وجوابات كثيرة مفيدة في
فنون من العلم، بعضها موجود وبعضها مفقود. وبالجملة: فقد كانت مدة هذا الإمام بالمغرب أيام سكون وراحة وعدل، ولا حرب ولا شقاق، وكان محبوبا عند الجميع مهيبا، مطاع الأوامر والنواهي».
ونقل الباشا الباروني عن ابن الصغير المالكي في نفس الصفحة ما يلي: «فلم تزل أموره كذلك وعلى ذلك، والكلمة واحدة، الدعوة مجتمعة ولا خارج يخرج عنه ولا طاعن يطعن عليه إلى أن اخترمته منيته وانقطعت أيام مدته».
ونقل عنه أيضًا في صفحة (84 ما يلي: فسار فيهم سيرة جميلة، حمدها أولهم وآخرهم، ولم ينقموا عليه في أحكامه حكمًا ولا في سيره سيرة، وسارت بذلك الركبان إلى كُلّ البلدان، وكانت له قصص حكوها عنه لا يمكن ذكرها إلا على وجهها، وأن أتحرى فيها الصدق ولا أحرفها عن معناها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه (1/810)
صفحة 811
الإباضية في موكب التاريخ
??
الإباضية في الجزائر
ليس من شيم ذوي المروءات، ولا من أخلاق ذوي الديانات، وإن كنا للقوم مبغضين، ولسيرهم كارهين».
ونقل عنه في صفحة (85 ما يلي: «لَمَّا ولى عبد الرحمن بن رستم من أمور الناس ما ولى، شمر مئزره، وأحسن سيرته وجلس في مسجده للأرملة والضعيف لا يخاف في الله لومة لائم». بعث إباضيَّة المشرق وفدًا إلى "تَاهَرْت" ليتعرف على أحوال هذا الإمام، قال الباشا الباروني في «الأزهار الرياضية» صفحة (86) ما يلي: «فوجد رجلا جالسًا على جلد فوق حصير وما سدة في البيت سوى ينام عليها، وسيف ورمح وما أشبه ذلك من السلاح والعدة، وفرس، فسلموا عليه وبلغوه سلام إخوانه فحياهم بأحسن، تحية وأمر الغلام فأحضر مائدة عليها قرص سخنه وشيء من سمن فهشم القرص في السمن وقال عَلَى اسم الله ادنوا فكلوا فتقدموا وأكل معهم إكراما لهم، وهضما لنفسه». وقال الأستاذ عثمان الكعاك في «موجز التاريخ العام للجزائر» (ص 187) ما يلي: «إلا أن عبد الرحمن لم يتبع الذوق العام في الترف والبذخ، بل كان لَم يزل على ما كان عليه من
التقشف والزهد».
وقال الأستاذ الكعاك صفحه 186 ما يلي: فاستمر في عمله فرتب البلاد، واستمر فيها بالعدل والإنصاف متبعا أحكام الدين ومتبعًا لأوامره، واقفًا عن نواهيه، فدانت له الرقاب خاضعة لعدله ووفدت الأقوام إلى مملكته داخلة تحت رايته لما لها من كفالة في حكمه، ومن طمع في الارتزاق تحت ظل الأمن والرعاية». هذه صورة مصغرة جدًا للإمام الأوَّل في الدولة الرستُميَّة تعاون على وضعها أقلام ثلاثة من المؤرخين الترهاء هم: ابن الصغير والباروني والكعاك .. وليس لي فيها من يد غير وضعها على لوحة عرض الصور أمام القارئ الكريم.
الفارسي:
عن
2 - الإمام الثاني للدولة الرستمية هو عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بايعه الناس بالإمامة بعد وفاة أبيه عبد الرحمن أخذ العلم عن حملة العلم، وأكثر ما أخذ والده وعن أبي داوود القبلي، وكان في عهد إمامة والده عبد الرحمن يشتغل بالتجارة مع الشرق والجنوب حتى أثرى وأصبح من أغنياء الدولة، وعندما حملته الأمة أمانة الإمامة (1/811)
صفحة 812
الإباضية في موكب التاريخ
48
الإباضية في الجزائر
ورئاسة الدولة، استعد لحملها بإخلاص وتصميم، فقامت في طريقه عقبات، وثارث زوابع ولكنه استطاع بما أوتي من علم وصبر، وما اتبعه من حكمه وعدل وشوري أن يمهد تلك العقبات، وأن يسكن تلك الزوابع.
قال عنه الباشا الباروني في «الأزهار الرياضية» صفحة (137) ما يلي: «وَلَمَّا رأى الإمام - رَحِمَهُ الله من سائر أتباع دولته كمال الانقياد واستيلاء الأمن والعافية على البلاد، وانقطاع دواعي الفساد، وجرثومة العتو والعناد، حن متشوقاً إلى زيارة ضريح أفضل الخلق على الإطلاق نور الوجود، ونبراس اليوم المشهود سيدنا مُحَمَّد الله وعلى آله الأبر آله الأبرار، وإلى تلك الديار المقدسة الطاهرة وقد علم نفسه - رحمه الله - أَنَّهُ ممَّن تعين في حقه القيام بأداء فريضة الحج المعظم لما لديه مما أتاه الله فضله الثروة الواسعة، إذ كان رحمه الله -
من
من
قبل تحمله أعباء الإمامة من أعظم أولي الأموال الوافرة في عصره، فكانت تجارته في أشهر المدن والجهات كالسودان».
على أنه لم يتمكن من تنفيذ عزمه هذا عَلَى الْحَجِّ، فبعد أن صمم وأخذ زوجته معه وسار
إلى الشرق منعه مانعون قال الباشا الباروني في «الأزهار الرياضيَّة صفحة) (140 ما يلي: «وَلَمَّا فشا خبر توجه الإمام إلى الْحَجّ اجتمع العلماء وأصحاب الرأي من نفوسة وغيرهم واتفقوا على والتعرض له، خوفًا من غدر ملوك الشرق به ومن قبضهم عليه؛ لأن الملك في تلك الأقطار
هم».
منعه
عنه،
واستجاب عبد الوهاب لنفوسة بعد تردد، وتمنع وأناب عنه شخصاً ليقوم بالحج. استنادا إلى اختلال شرط أمن الطريق بالنسبة إليه، وبدلا من أن يعود إلى مركز الإمامة وعاصمة الحكم بقي في جبل نفوسة سبع سنوات كاملة قام فيها بهوايته المفضلة: الدراسة والتدريس .. فكان يلقي دروس العلم على طلبة العليم من الشباب، ويلقي دروس الوعظ عَلَى العامة، وكان أحيانًا يتلقى العلم عن بعض كبار العلماء والمشايخ أمثال ابن مغطير الذي سبق حملة العلم إلى الدراسة عَلَى أبي عبيدة في البصرة، وطال به العمر حتى أدرك إمامة عبد الوهاب وهو قوي البنية والذهن، حاد الذكاء. (1/812)
صفحة 813
الإباضية في موكب التاريخ
49
الإباضية في الجزائر وبعد سبع سنوات رجع الإمام إلى عاصمة إمامته فوجدها على أحسن حال .. الأمن منتشر، والعدل قائم والاقتصاد مزدهر وفرص الحياة متساوية، ورغد العيش قد شمل الناس جميعا؛ فاشتغل هناك أيضا بهوايته المفضلة: الدراسة والتدريس، تاركا الشؤون السياسية بين يدي من هي عندهم تسير في نظام واستقرار». قال عنه الباشا الباروني في الأزهار (صفحة 142 ما يلي: وبالجملة: فقد نشر في تلك المدة من درر البيان وجواهر التبيان ما اهتدى به كُلّ جاهل، واستضاء به كُلّ مظلم، وتنبه به كُل غافل من علوم زاهرة ومواعظ زاجرة، وأحاديث فاخرة، عطفت عليه الألباب، وأخضعت له الرقاب، فاتسعت حلقة مجلسه المهيب وانتظم في سلك عقدها العلماء الراسخون، وأمها من الفقهاء والعلماء والأدباء والعباد وأهل الصلاح من نفوسة وغيرهم من يثلج ذكرهم الصدور .. ويملأ حديث مفاخرهم ومزاياهم الدفاتر والسطور» وقال الباشا الباروني في نفس الكتاب صفحة (163 ما يلي: وكان له عدة رسائل وأجوبة مفيدة جدا في فنون شتى، بعضها موجود وبعضها مفقود قال ابن الصغير: وكان لعبد الوهاب كتاب يعرف بمسائل نفوسة الجبل كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كُلّ مسألة ممَّا سألت عنه، كان هذا الكتاب في أيدي الإباضية، مشهورًا عندهم معلومًا يتداولونه قرنًا عن قرن إلى أن لحق الفضل فأخذته من بعض الرستميين فدرسته، ووقفت عليه، وله أقوال مشهورة معتمدة في كتب الفقه وغيرها». وَلَعَلَّ القصَّة الآتية تعطينا صورة أوضح عن شغفه بالدراسة، فقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن الإمام عبد الوهاب بعث ألف دينار إلى أعوانه بالمشرق ليشتروا بها كتبا ويرسلوها إليه، فاتفق رأيهم عَلَى أن يشتروا بها كلها ورقا، وأن ينسخوا له فيها كتبا وقد فعلوا، وَلَمَّا بعثوها إليه وكانت مكتبة عظيمة قيمة سهر لدراستها والاطلاع عليها حتى فلاها وورقة ورقة، فقال: "الحمد لله الذي علمني جميع ما فيها إلا مسائل، ولو سئلت
كتابا كتابا
عنها لأجبت قياسًا كما قررت في الكتب". أحسب أن ما تقدم يكفي لإعطاء صورة عن الإمام عبد الوهاب واضحة المعالم، والحقيقة أن غياب الإمام عن عاصمة الدولة ومركز الحكم مدة سبع سنوات دون أن يخاف هو على (1/813)
صفحة 814
الإباضية في موكب التاريخ
50
الإباضية في الجزائر
مرکزه ودون أن يحدث أي شغب يستدعي حضوره ودون أن يحدث ما يعك والسلام، ودون أن يتمتع هو بلذة الحكم المباشر ومظهر السلطان الذي لا تتم الأمور بدونه، ويكتفي أن يعيش كما يعيش أي مدرس في قرية نائية من أطراف الدولة دليل كاف على ما تتمتع به تلك الأمة من حكم رضيت عنه وسعدت به، وما يتمتع به موظفو الدولة من نزاهة واستقامة وعدل. ولا شك أن صلاح الرعية إنما يتم بصلاح الراعي. إِنَّمَا
-
الإمام الثالث للدولة الرستُميَّة هو: أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بايعه
الناس بعد وفاة أبيه بالاختيار العام دون استخلاف أو وصية أو ترشيح، وقد بايعوه مباشرة بعد وفاة الإمام دون تردد أو منافسة من أحد، فقد كانت شخصية أفلح وعظمته وتفوقه في جميع الميادين أدعى إلى أن تتجه إليه جميع الأنظار، أحق بأن تتضاءل أمامها كُل المواهب والكفاءات .. ولذلك فقد تمَّت له البيعة في يسر وسهولة؛ لأن أحدًا لَمْ تحدثه نفسه بأنه أو غيره يحلم أن تسند إليه الإمامة وأفلح موجود.
وأفلح نفسه لم يشعر بهذا الانتقال من شخص عادي بين الناس إلى إمام يرجع إلى أمره ونهيه جميع الناس؛ ذلك لأن عظمته وكفاءته، وقوة شخصيتة ومحبة الناس له والتفافهم
حوله وإعجابهم بكُلِّ أحواله جعله يتقدم إلى منصب الإمامة متئدا مطمئنا متطامنًا. أخذ العلم عن أبيه وجده ومن عاصرهما من كبار العلماء حَتَّى بلغ درجتهم وتفوق على بعضهم، وأصبح من الأئمة المعدودين والعلماء المشهورين انفرد بأقوال في علم الكلام اعتبر من أجلها إماما.
وعندما وثقت به الأمة وأسلمت إليه مقاليد الدولة، وشرفته بالبيعة تلقى الأمانة كما يتلقاها المؤمن الحريص، وكان لحظه العظيم قد تركها له الإمام السابق كأحسن ما تترك دولة مسلمة عَلَى أمة مسلمة دولة عادلة عَلَى أمة مطيعة تخشى الله، وتخضع للحق، مستقرة في كنف العدل، آمنة في حكم يقدر المسؤولية ويتحمل أعباءها وعمال وموظفون أمناء نزهاء، يخافون الله أكثر مما يخافون القانون ويخشون حساب ضمائرهم أكثر مما يخشون حساب
الناس، ويفرون من حر جهنم أكثر مما يفرون من سوط الجلاد. (1/814)
صفحة 815
الإباضية في موكب التاريخ
51
الإباضية في الجزائر
لهذه الأسباب لَمْ تعترضه أية صعوبة، ولم تقم في وجهة أية مشاكل، فمضى بنفس السيرة وعلى نفس الطريقة، مساجد، عامرة، ومدارس غاصة، وأسواق مزدهرة، وأرض معمورة، و دور قضاء مهجورة، فإن الظلمة والمعتدين على قلتهم - يردون الحقوق قبل أن تصل الشكاوى إلى رجال القضاء؛ لأنهم يعرفون أن رجال القضاء في تلك الدولة أذكى من أن يخدعوا، وأقنع من أن يطعموا وأعدل من أن ينحازوا، وأخشى الله من أن يجوروا، وأعظم في نفوسهم من أن يداهنوا أو يسكتوا وهكذا مرت عَلَى الأُمَّة خمسون سنة تحت إمامته في عهد يمثل الحكم الإسلامي النظيف حق تمثيل.
قال الباشا الباروني في «الأزهار الرياضية» صفحة (166 ما يلي: «فبادروا في يوم وفاته إلى ابنه أفلح الذي كان مترشحا للإمامة بأعماله العالية وعلومه ومداركه الواسعة، فبايعوه وسلموا له مقاليد الأمور بدار الإمارة، قطعا للخلاف على أن يسير فيهم بالكتاب السنة، وآثار السلف الصالح فقبل منهم ذلك».
وقال الباشا الباروني في «الأزهار» (صفحة (180) ما يلي: فبسط العدل في الرعية، وسار فيهم سيرة مرضيَّة، واستقامت له الأحوال، وساعدته الأقدار، فاقتفى سيرة أبويه، ولم ينقم عليه أحد في شيء من أحكامه، وكان من المهابة والفروسية وغزارة العلم والحلم وا والإقدام والورع بمنزلة يكل عن وصفها اللسان».
نقل الباشا الباروني في «الأزهار» عن ابن الصغير (ص (181) ما يلي: «فَلَمَّا ولي أفلح أخذ بالعزم والحزم ونشأ له من البنين ما لم يكن لغيره من قبله وطاوله الصيت، وأتته نفوسة الجبل يسألونه أن يقدم عليهم من يتولى أمرهم، ولم تكن "الشراة" تطعن عليه في شيء من أحكامه، ولا في صدقاته، ولا في إعشاره».
وقال الأستاذ الكعاك في كتابة القيم: «موجز التاريخ العام للجزائر» (ص 124) ما يلي: «لما تولى شمر عن ساعد الجد، وأظهر من العزيمة والحزم ما قطع به دابر المتطلعين، واستعمل السيف، واللسان في مقام اللسان، واستمال القلوب بالمعروف والقول الحسن، والعمل البار، والعدل والإنصاف، وكان إذا وعد، وفى، وإذا قال، عمل، وإذا أمر بالإحسان ائتمر، يقف عند نواهي الدين، ويقيم الحدود، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وقد وردت في كتب التاريخ (1/815)
صفحة 816
الإباضية في موكب التاريخ
52
الإباضية في الجزائر
مناقب في شأنه تَدُلُّ عَلَى علو كعبه في السياسة وحبه للإنصاف والعدل، وإجرائهما حتـ على ذويه .. ناهيك أنه تمكن من تأليف القلوب بعد افتراقها، والتوفيق بين مصالح المذاهب
المتنافرة، والقبائل المتشاكسة، وإرجاع الدولة إلى ما كانت عليه من العمران والحضارة». أحسب أن الصور السابقة لا تعطينا كامل الخطوط التي تحدد معالم صورة هذا الإما. العظيم، وَلَعَلّ الإمام أفلح يعتبر أعظم من تولى الإمامة في المغرب الإسلامي، وأنا حين أطلو هذا الحكم أضع في الاعتبار مراعاة تطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها مع طول المدة وإقبال الدنيا، وفيضان الثروة بين جميع الطبقات.
وبناء عَلَى هَذه الأسس فإن الدارس لتاريخ الحكم في المغرب لا يجد من جمع بين غزارة العلم ودقة الفهم، والاطلاع الواسع على التشريع الإسلامي، والبراعة في النقد والأدب، ثم الشجاعة التي تضرب بها الأمثال وقوة الإدارة والتصميم وحضور الذهن عند الأزمات: ومراعاة العدل والإنصاف، ومراقبة الله في جميع ما يأتي وما يذر، مع طول مدة في الحكم بلغت نصف قرن أو يزيد، والأمة في رغد ورفاهية وأمن وسلام داخلا وخارجا مثلما جمع أفلح بن عبد الوهاب.
الإمام الرابع في الدولة الرستمية هو: أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب: بايعه الناس بعد وفاة أبيه على شيء من الاستعجال والتسرع، ويبدو أن الاستشارة لم تكن كاملة؛ فقد كان بعض الناس غير راضين، إلا أن أصوات المعارضة القليلة قد ذابت في الكثرة الغالبة، وصمتت بسرعة، ودخلت فيما دخل فيه الناس، فوافقت الأغلبية في اتجاهها وبايعت. كان أبو بكر علمه الغزير، ومعرفته بالأدب وفنونه وشغفه بمجالسة العلماء والأدباء جم الحياء مع دين وورع وتقى، متواضعا سريع الثقة بالناس، ودودًا عطوفا محبا لجميع الناس .. وَلَعَلْ هَذه الصفات والأخلاق الكريمة هي التي جعلت الأكثرية الغالبة تميل إليه وتحبه وتسارع إلى مبايعته بالإمامة .. وهي أيضا نفس الصفات والأخلاق التي جعلت الأصوات ترتفع بالمعارضة خشية عَلَى الدولة من هذه الأخلاق الكريمة نفسها. وكان لأبي بكر صهر يعرف بابن عرفة يملك كثيرًا من صفات الزعامة، فهو جميل وقوي وغني وكريم، حسن التصرف ذو لباقة في الحديث ومعرفة بأساليب الدهاء والسياسة، يحسن (1/816)
صفحة 817
الإباضية في موكب التاريخ
53
الإباضية في الجزائر
استمالة قلوب الجماهير .. وكان ابن عرفة يعتقد أنه إذا آلت الإمامة إلى أبي بكر فسوف يكون الرجل الأوَّل في الدولة يتصرف فيها وفي شؤونها كما يرى ويحب.
وفكر في تنفيذ ذلك بالفعل فقد حاول أن يعزل أبا بكر عن الناس، وأن يحيطه بالمظاهر التي انه
يحاط بها الملوك فيبتعد عن شعبه ويبتعد عنه شعبه، ويكون هو الواسطة بين الجميع، غير لم يقدر له النجاح في هذا المسعى، واستمسك الإمام بإدارة الإمامة في حزم، وباشر اختصاصاته ورقابته ورعايته للدولة بإهتمام، فَلَمَّا فشل ابن عرفة في حمل الإمام على هذا المسلك، ولم يتحصل لنفسه على هذا المركز في الدولة عاد إلى نفسه فأضفى عليها مظهر العظمة، واتخذ لنفسه حشما وأتباعًا وطلاب، حاجات وكان إذا تحرك تحرك في موكب عظيم ليظن الناس ومن لا علم له أنه بلغ مبلغا كبيرًا في الدولة.
وفي هذه الأثناء رجع أبو اليقظان من المشرق فوجد الأمور على أحسن ما يرام، والدولة في استقرار والأمن مستتب فسر بذلك وانشرح له، واستعد للقيام بواجبه في إعانة أخيه على مهام الدولة وقد فعل، وَلَمَّا رأى الإمام أبو بكر ما يتحلى به أبو اليقظان من خبرة ودراية وكفاءة ومقدرة على حل المشاكل، وأساليب اقتبسها من أنظمة الدول في المشرق وثق به وأسند إليه كثيرًا من الأمور، فكان يقوم بها في كفاءة وجدارة مستحقا التقدير، وأصبح الإمام وأهل الشورى والناس جميعًا يلهجون بالثناء عَلَى أبي اليقظان، فقد تحصل على المكان الذي كان يحلم بها ابن عرفة، وهكذا ثارت عوامل الغيرة عند ابن عرفة وصار يميل إلى الشقاق، ويظهر النقد عَلَى الإمام ويدعو إلى الفتنة، وكان الإمام لا يرى في ذلك كبير بأس، فهو يعرف أخلاق صهره وغرامه بالمظاهر .. ولكن أهل الإصلاح في الدولة رأوا أنه يجب أن يصلح هذا الانحراف قبل أن يتسع، وأن يسترضى ابن عرفة حتّى لا تكون فتنة، وعقدت اجتماعات تمهيدية للموضوع فتشدد ابن عرفة في موقفه أَوَّلاً واستمسك ثُمَّ لان. وكان هناك دعاة فتنة يعملون في السر، وكانوا يحاولون توسيع شقة الخلاف بين الإمام وابن عرفة؛ فَلَمَّا تحركت يد الصلح وبدا لهم أن ابن عرفة سوف يستجيب امتدت منهم يد آلمة في غلس الظلام فاغتالت ابن عرفه واحتضنت أتباعه واتهمت أبا بكر باغتياله ودعت (1/817)
صفحة 818
الإباضية في موكب التاريخ
54
الإباضية في الجزائر
إلى المطالبة بثأره .. وفشل بطبيعة الحال كُل مجهود يرمي إلى الصلح، ووقف الناس في القضية الناجمة على ثلاثة مواقف:
-
1 أتباع ابن عرفة وقد احتضنهم دعاة الفتنة الذين كانوا يعملون في السر، وتبنوا المطالبة بثأر ابن عرفة، وقادوا المعارك في ذلك.
- أنصار أبي بكر وهم الذين وثقوا في أبي بكر وصدقوه في براءته، ولم يصدقوا -وهم أعرف الناس به - أنه يتنازل إلى تدبير المؤامرات ومباشرة الاغتيال. 3 - المحايدون وهم الذين لم يتضح لهم الموقف، فوقفوا بين الفريقين موقفا حياديا لفترة طويلة، حتّى اتضح لهم الموقف فانضموا إلى فريق أبي بكر.
لَمْ يتخلّ أبو بكر عن الإمامة ولم يتغلب عليه دعاة الفتنة، ولَكنَّه مع ذلك لم يستطيع أن يقوم بأعبائها في ذلك الجو المشحون بالبغضاء والحقد والاستعداد للقتال، حتَّى قدم أحد الزعماء فعمل على إصلاح الأمر، ودعا أبا بكر إلى أن يعتزل الإمامة وأن يتولاها أبو اليقظان، فاستجاب أبو بكر لدعوة الصلح والإصلاح ورضي أبو اليقظان بالبيعة، مع اشتراطه على الجميع أن لا تثار الأحداث السابقة، وأن لا يطالب فيها بثأر أو دم.
وستجد أيها القارئ الكريم بعد هذا الفصل مناقشة طويلة لأحداث هذه القضية تحليلا لأسبابها ودوافعها ونتائجها والقائمين بها، وغفلة المؤرخين فيها عن الْحَقِّ، ولا شك أن الموضوع فيه جوانب غامضة لم تتضح بعد.
ه الإمام الخامس للدولة الرستمية هو: أبو اليقظان مُحَمَّد بن أفلح: ذهب لأداء فريضة - الْحَجِّ في عهد والده أفلح فاعتقلته الدولة العباسية ونقلته إلى بغداد أو حيث سجن، وَلَمَّا أطلق سراحه ورجع إلى وطنه وجد أباه قد لحق بالله والناس قد بايعوا أبا بكر، والأمور هادئة راضية فاستبشر خيرًا واستعد للقيام بواجبه، وكان قد عرف كثيراً من الأساليب الجديدة في نظم الإدارة والحكم وهو في العراق، فأحب أن تستفيد الإمامة بتلك التجارب القيمة، وأسند إليه الإمام أبو بكر كثيرًا من المهام صار يشرف عليها، ويباشر العمل فيها، ويعرض نتائج جهده على الإمام مرتين في اليوم، إلى أن وقعت فتنة ابن عرفه التي سنقرأ (1/818)
صفحة 819
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
تفاصيلها فيما بعد، واتهم فيها أبو بكر فتوقف أبو اليقظان في الموضوع، واتخذ جانب الحياد لمدة طويلة، وتتبعته نفوسة في ذلك الموقف، حتّى استبان الْحَقِّ وعرف أنها مكيدة يراد بها القضاء على أبي بكر والدولة، فانضم إلى أبي بكر ثُمَّ جرى صلح اعتزل فيه أبو بكر الإمامة،
واختار الناس أبا اليقظان فقبل منهم البيعة واشترط عليهم أن لا تثار الحزازات السابقة. ودخل المدينة وشَمَّر عن ساعد الجد والنشاط والعمل، وطال عهد أبي اليقظان، وكان عهدًا مزدهرا شبيها بعهد أبيه أفلح وجده عبد الرحمن استقرت فيه الأمور واستراح الناس وكثرت الثروة، وعمرت البلاد وتوفرت مجالات الحياة لجميع الطبقات، وقد طال عمر أبي اليقظان حتّى قارب المائة، وعندما حان أجله كان أكبر أولاده اليقظان في الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، وكان ولده يوسف على رئاسة جيش يحرس قافلة تجارية كبرى آتيه من المشرق فتوفى الإمام وأكبر أولاده غائبان.
قال عنه الباشا الباروني في «الأزهار الرياضيَّة (ص 239) ما يلي: «وثابر له على إصلاح ما انثلم في أثناء تلك الحروب حَتَّى عادت الناس إلى خطة سيرها القديم في سبيل العمارة والنجارة والبنيان، واشتغلوا بطلب العلوم وقضاء ما فاتهم في فترة السنين القاسية التعيسة من العبادة، نادمين على ما اجترموه من السيئات وما أضاعوه من الأموال وما سفكوا من
الدماء».
ويقول الباروني في «الأزهار» صفحة (240 ما يلي: «وأسرع السير في التقدم في الإصلاح دينا ودنيا، حَتَّى أجمع الناس قاطبة على حبه، وولايته والرضا بأحكامه، وبلغ في الفضل والعدل والورع والزهد مع حسن السيرة، مبلغا عظيما استحق به تشبيه ولايته بولاية جده الإمام مع عبد الرحمن الله، إذ كان كمثله في الإنفاق على ولايته، واشتغل -رحمه الله - بتجديد ما اندرس من الدين بكمال جد واجتهاد يباشر إلقاء الدروس وتعليم العلوم للطالبين بنفسه طلبا للأجر وقيامًا بالواجب، وترغيبا للغير، فشدت إليه الرحال من كُلِّ الأقطار فقلد الواردين عليه من جواهر فنونه وغرائب علومه العقود الثمينة، وكانت من اليد الطولى
والقدح المعلى في سائر الفنون حَتَّى صاروا قادة ومصابيح يهتدي بهم في الآفاق في د. المشكلات، ويلجأ إليهم في المعضلات، وامتلأت عموم ولايته بالعلم والعلماء والزهاد (1/819)
صفحة 820
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وأصحاب الكرامات، خصوصاً جبل نفوسة كما هو مبسوط في كتب السير كلها،
ومع.
ذلك
لا يفتر عن الانشغال وإقامة حكومته واستراحته في التعليم ومصالح دولته بالتأليف والتحرير ومكاتبة العمال والولاة وجموع الرعية، بالنصائح المرشدة والحكم النفسية، والرد
على المخالفين في سائر الفرق والمذاهب حَتَّى أَنه ألف في الاستطاعة وحدها أربعين كتابا». ونقل الباروني عن ابن الصغير صفحة (242 ما يلي: وكان أبو اليقظان عاش من السنين مائة أو نحوها، وكان عمره في إمارته نحو أربعين سنة، ولحقت أنا بعض إمارته وأيامه ورأيته وحضرت مجلسه. ويقول ابن الصغير بعد أسطر: "وكان إذا جلس للناس وأمرهم بالجلوس لَمْ ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامه ترفع إليه". وكان زاهدًا سكينًا ورعًا، ناسكًا، ويقول بعد أسطر: وكان إذا ضرب سرادقه وأتته وفودهم أي وفود نفوسة لا يناجون الليل حول فسطاطه شأنهم التهليل والتكبير من أول الليل حتى الفجر، فإذا صلوا الفجر معه ضربوا بأنفسهم إلى الأرض فناموا».
قال الأستاذ عثمان الكعاك في «موجز التاريخ العام للجزائر» (صفحة 198) ما يلي: «بويع اليقظان بالإمامة فارتسم لنفسه خطة مثلى، أساسها العدل، وقرارها الحزم والعزيمة، فَإِنَّهُ داوى الجروح بتقديم من هو أهل بالوظائف العليا، وأحدث إصلاحات ذات شأن في نظام المدينة الأمور بلين عليه سمة الاعتزام، ومن مناقبه التي تذكر فتشكر أنه كان ينتصح لنصائح الناصحين، إن رأى فيها صلاحًا، ورآها بعيدا عن الأغراض غير مشوبة بالغايات». وبعد أسطر يقول: كذلك استقامت أحوال الحكومة، ونهضت الأمَّة نهضة شاملة باتت ترفل في حلل العز والسيادة والأمن والسلم والعمران والحضارة ومناقب أبي اليقظان كثيرة لا يسعنا المقام لذكرها واحدة واحدة، وقصدنا الإيجاز لا الإحاطة، وحسبنا أن نقول إنَّه لَمَّا توفي كانت تركته سبعة عشر دينارًا».
إنني أحسب أن
خير
ما
يصور
في صف مع
لنا أبا اليقظان ذلك الإمام العظيم الذي لا أستطيع أن أضعه
الخلفاء الراشدين إجلالا لخير أصحاب رسول الله، ووفقا لمرتبتهم عن
مراتب جميع الناس مهما كانوا لشرف الصحبة، وَإِنَّمَا أستطيع أن أعده في نسق من خيار
الأمة الذين تولوا الحكم فنهجوا به الطريق السمحة التي دعا إليها الإسلام. (1/820)
صفحة 821
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
لقد نقل المؤرخ الصادق ابن الصغير المالكي هو معاصر لأبي اليقظان هذه القصة التي سيهزأ بها أولئك الذين ملأت المادية أذهانهم، وشغلت أفكارهم وعقولهم، فاحتلت عندهم الموازين والقيم، وذابت في نظرهم السدود والحدود بين الحلال والحرام.
قال ابن الصغير (1): «قال أحمد بن بشير قال لي سابق خرج أبو اليقظان يوما إلى منزله الذي كان اختصه "بتسلونت" يتفقد سائمته، وعبيده وأبطأ في انصرافه إلى أن دخل الليل. قال أبو سابق فحططت عن الفرس وربطته على مدرة، وخرجت لآتى له بعلفه من عند حريف له، فألفيته وقد أغلق حانوته فملت إلى بيت المال ففتحته، وأخذت منه علف الفرس وأغلقت عليه، ثُمَّ رجعت إلى موضعي في القصر، وإذا بأبي اليقظان قد افتقدني مرة بعد أخرى فَلَمَّا رأيته صعد إليه خادم فأخبره بمجيئيء، فقال له: أصعده إليَّ. وكان يستريح إلي ويسألني عن أخبار الناس فقال: وما حبسك؟ وما أبطأ بك؟ فأعلمته خبر الحريف وغيبته، وفتحي بيت المال وأخذي العلف منه، وتعليقي إياه للفرس، فقال: آه يا أبا سابق؟ والله لا نام ولا أكل ولا شرب حَتَّى تمضي وترد في بيت المال ما أخذت منه. قال: فمضيت والله في ليلتي تلك حتَّى أتيت الحريف، وأخرجته من داره وأخذت منه علف الفرس، ثُمَّ مضيت وانتزعت المخلاة عن الفرس فكلت ما بقي وأتممت ما أخرجته من بيت المال، ورددته فيه وعلقت ما بقي عَلَى الفرس ومضيت إليه، فأصبته جالسًا ينتظرني.
محمد
فقال: ما وراءك يا أبا سابق؟ فأعلمته بما صنعت فقال لي: أحسنت؟ أما الآن فاجلس. فمات أبو اليقظان فكل شيء وجد له من العين في تركته سبعة عشر دينارا، وكان لأبي اليقظان في إمارته وقائع صارت تاريخا لموالد الناس». ويعلق الباشا الباروني عَلَى هَذه القصة فيقول في «الأزهار» (صفحة 251) ما يلي: «هذه حاله، وقد حكمها من "تاهرت" بالمغرب إلى أراضي سرتا بالمشرق فهكذا والله العدل، وهكذا الزهد والورع، وهكذا كان الخلفاء الراشدون من أصحاب النبي أهل الإنصاف
والفضل».
(1) انظر هذه النقولات عن ابن الصغير في كتاب الباروني: الأزهار الرياضية، ص 240 ... (1/821)
صفحة 822
الإباضية في موكب التاريخ
58
الإباضية في الجزائر
إن رجلا يحكم ما بين "تَاهَرت" وسرتا مدة أربعين عاما لا يُجيز لنفسه أن يستعير من بيت المال صاعا من شعير عشاء للفرس عَلَى أن يرده في اليوم التالي، ثُمَّ عندما عندما يتوفاه الله ويحصي الناس التركة التي خلفها إبان حكمه لأغنى منطقة في المغرب الأوسط مدة أربعين سنة يجدون أن تلك الثروة لا تتجاوز سبعة عشر دينارا. لا شك أن أي إنسان ولو كان يحترف المسألة يعيش أربعين سنة في ذلك العهد المزدهر يستطيع أن يوفر أكثر من هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يعتبر تركة لحاكم أبدا، اللهم إلا أن يكون حاكما مسلما حريصًا عَلَى الإسلام.
أن رجلا بهذا الوصف حقيق أن يضرب به المثل في حياة البشرية الطويلة، وأن يجعل قدوة لمن تسند إليهم الأمم أمورها، وتكل إليهم رعاية مصالحها وتوجيه سياستها.
فلما
6 - الإمام السادس للدولة الرستُميَّة: أبو حاتم يوسف بن مُحَمَّد: في أواخر أيام أبي اليقظان خرج اليقظان إلى المشرق، حاجا، أَمَّا أبو حاتم يوسف فقد كلفه أبوه بالخروج إلى ملاقاة قافلة كبيرة آتية من المشرق ليتولى حراستها حتّى تصل سالمة وفي غيابهما، اليقظان في الْحَجِّ، ويوسف في حراسة القافلة، توفي الإمام -رحمه الله - فتشاور الناس فيمن يتولى الإمامة بعده فمالت الأغلبية إلى أبي حاتم ونادى الناس بإمامته وهو غير موجود، رجع لاقته الجماهير بالبيعة على أبواب المدينة إلى المسجد، وتسامع الناس بذلك فبادروا إليه، وأجمعوا على بيعتة من كُلّ أنحاء البلاد التابعة للدولة الرسمية. وعزم الرجل أن يقتفى أثر سلفه الصالحين، وأن يسير في النهج القويم الذي ساروا عليه .. غير أن زوابع حدثت فقد سعى بعض المفسدين إلى الفتنة ودعوا إلى الثورة وهجموا عَلَى العاصمة على حين غفلة، فاضطر الإمام إلى الخروج منها، ثُمَّ استغل دعاة الفتنة الإمام فدعوه إليهم، وعقدوا له البيعة مع أن بيعة أبي حاتم في أعناقهم وفي عنق عمه أيضًا، وعندما استفاق أبو حاتم من ذهول المفاجأة وجمع أنصاره حوله كرَّ بهم على المدينة، ووقعت بين الإمام وبين دعاة الفتنة عدة وقائع ذهبت فيها دماء وأموال، ثُمَّ بدأت كفة الإمام ترجح وبدأت تظهر الحقيقة للذين أنجروا وراء الفتنة دون وعي فصاروا ينفصلون عنها ويعودون إلى الإمام، وأخيرا دعا دعاة الصلح فاستجاب له الطرفان وبقيت الإمامة بيد صاحبها الشرعي، وذهب عم الإمام إلى (1/822)
صفحة 823
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
"زواغة"، وخضع أصحاب الفتنة لنظام الدولة، ودخل الإمام أبو حاتم إلى عاصمة الإمامة، وقد أجمعت عليه الأمة بعد الفتنة كما أجمعت من قبل، واجتمعت على محبته القلوب، وعرف الناكثون فضله عليهم، فسار بالدولة كما سار بهما أسلافه الصالحون.
قال الباشا الباروني في «الأزهار» صفحة (266 ما يلي: «فَلَمَّا وصل إلى باب المدينة ازدحم الناس من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره فبايعوه فما وصل المسجد الجامع إلا وقت الظهر فأصعدوه المنبر وبايعوه وكبروا حوله». وبعد أسطر يقول: «فتمت له البيعة وخلصت له الإمامة، بدون إنكار ولا معارضة من أحد، إلا ما كان خفيفا». وبعد أسطر يقول: فشمر أبو حاتم المباشرة أموره عن ساق الجد، وسار سيرة أسلافه
الصالحين، واستقام له الأمر، وأجمع الناس وسلمت بمواطن العامة من جهته». وقال الأستاذ عثمان الكعاك في «موجز التاريخ العام للجزائر» (صفحة (201) ما يلي: «لَمَّا رجع أبو حاتم إلى مدينة "تيهرت" اقتفى سيرة أبيه خطوة خطوة، فقدم للوظائف من يستحقها، فرجعت الأحوال إلى أحسن حال، ورتبت الأمور، واستتب الأمن وانتصب النظام، وكان قد لحق المدينة شيء من الفساد في الأخلاق، فشمر صاحب الشرطة عن ساعد الجد، وقمع عمل المفسدين وقطع دابرهم واستأصل جرثومتهم، وأقام للفضيلة صروحها العوالي، وتبع قطاع الطرق والمغتصبين للسابلة، ودمرهم تدميرًا وقضى عليهم، وكان القضاء جاريًا على أحسن حال، والعدالة منشرحة الصدر، وضاءة الجبين والناس قد عادوا إلى أن غدر به بعض أبناء أخيه فقتلوه لحاجة في أنفسهم». لعل القارئ الكريم يرى أن الصور التي وضعتها أقلام المؤرخين لهذا الإمام تتناسب مع
الصور عرضناها من قبل لأسلافه الأئمة السابقين وتتلاءم معها تلاؤما تاما.
ويكاد الإباضيَّة يجمعون عَلَى أن هؤلاء هم الأئمة المعترف بهم في الدولة الرسمية، ويتوقف بعضهم في أبي بكر، أمَّا غير هؤلاء الأئمة ممَّن تولى الحكم فيها، فلا يزيد عن أن يكون مدعيا للحكم لا يجرؤ أن يدعي لنفسه الخلافة كابن مسألة، أو في موقف البغاة كيعقوب ثُمَّ ندم وتاب، أو يكون في حكم السلاطين والملوك كاليقظان آخر حكام الدولة الرستمية. (1/823)
صفحة 824
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
الإمام أبو بكر بن أفلح
مع
بعد أن تحدثت عن أئمة الدولة الرستُميَّة أحببت أن أخصص فصولا أناقش فيها مـ القارئ الكريم بعض الأحداث التي نسبت إلى هذا الإمام العظيم والتي أعتقد أن فيها كثيرا من الحوادث والوقائع يغلب الشك في صحتها أو صحة نسبتها إليه.
لقد علمت أيها القارئ الكريم أن أبا بكر وصل إلى مركز الإمامة بطريق البيعة العامة والأغلبية الساحقة والمصادر التاريخية التي بين يدي متفقة عَلَى ذلك، وهي تذكر أصواتا قليلة خافتة قد عارضت، ولكنَّها ذابت في وسط الكثرة الغالبة، وتمت له البيعة العامة.
ولم يتحدث التاريخ عن أصحاب تلك الأصوات فيما بعد، ولم نجد لهم أي ذكر في أحداث المؤامرة التي دبرت فيما بعد للقضاء على أبي بكر، وعلى الدولة الرستمية من ورائه. يقول ابن الصغير المالكي عن هذا الإمام: كان سَمحاً جواداً لين العريكة يسامح أهل المروءات، ويشايعهم على مروءتهم ويحب الآداب والأشعار وأخبار الماضي». ويبدو لي أن هذه الصفات
هي التي
التي جعلته محبوبًا من الجماهير وهي نفس الصفات التي
جعلت المتشددين يعارضون بيعته خوفًا عليها وعلى الدولة منها.
وعلى كل حال فقد تمَّت البيعة، وأسندت إليه الإمامة وبدأ عمله العظيم.
وهنا تذكر المصادر التاريخية شخصية أخرى تربطها بالإمام علاقات؛ فقد ذهبت بعض تلك المصادر تقول: إنه كان يوجد في "تَاهَرْت" رجل اسمه مُحَمَّد بن عرفة وأنه كان وسيما جميلا سمحا جوادًا، وأنه وفد على بعض ملوك السودان فأعجبوا به وأطروه، وأنه كان ذا هيبة وفروسية، وأنه كانت له أخت أجمل منه تزوجها الإمام أبو بكر، وأنه لذلك كان لا يحجب عنه، وأن الإمارة أصبحت بالاسم لأبي بكر وبالفعل لابن عرفة، وأن ابن عرفة إذا ركب من داره يريد أبا بكر مشى بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره أمم من من الأمم، وأن أبا بكر كان لا يرى شيئا ولا يعرف شيئًا فغارت قلوب الحاشية، وحقدوا على ابن عرفة وأصبحوا ينتظرون فرصة للوصول إلى أبي بكر، وذات يوم حانت الفرصة فقد استدعاهم للمشاورة في أمر من الأمور فأوغروا صدره عَلَى صهره ابن عرفة، وذكروا له المواقف التي (1/824)
صفحة 825
الإباضية في موكب التاريخ
61
الإباضية في الجزائر
يسير بها ابن عرفة والعظمة التي يستمتع بها بين الجماهير، وأنه في إمكانه أن يراقب ذلك من قصره ليتأكد من حقيقة الحال، ونقب أبو بكر فتحة في قصره لينظر منها إلى موكب ابن عرفة في مجيئه وذهابه، ورأى ذلك بنفسه، فاستشار أصحاب المؤامرة في الخطوة التالية فأشاروا عليه أن يدعوه إلى نزهة منفردين، وأن يبقيا هناك يوما كاملا حتّى إذا جاء وقت صلاة المغرب، وقام ابن عرفة إلى الصلاة أشار إلى عبد من عبيده بقتل الرجل وتَمَّت المؤامرة ما خطط لهذا المستشار، فَلَمَّا قتل ابن عرفة زمله العبد في ثيابه.
وذهب به مع الإمام إلى مكان فأخفوا فيه الجثة، ورجع الإمام كأن شيئًا لَمْ يقع، وتحير أهل ابن عرفه حين أبطأ عنهم في أوَّل الليل، فبعثوا جواسيسهم إلى قصر الإمام موجود وأن ابن عرفة ليس معه، فباتوا عَلَى هم وقلق، وفي الصباح تفرق الناس للبحث عن ابن عرفة حتّى وجدوا أثر الدم وتبعوه حَتَّى أخرجوا الجثة من المغارة التي خبئت فيها، وأركبوه فرسه وجاءوا به إلى المدينة يمسكه بعضهم ويدعون إلى الأخذ بثأره من أبي بكر. هذا ملخص القصة وقد انساق إلى تصديقها بعض من عنى بالكتابة عن الدولة الرستمية في هذا العصر، أمثال الزعيم الكبير الشيخ سليمان باشا الباروني، والأستاذ مُحَمَّد عَلَى دبوز، ويبدو لي أن كلا الكاتبين قد أخذا القصة مسلمة، وإن كان كُلّ واحد منهما كان في تصديقها وتعليلها وروايتها متأثراً بجانب معين من ظروف الحياة التي يعيشها.
فالزعيم الباروني وقد كان قريبا من قصور السلاطين في تركيا، وذا معرفة بما يدور فيها من مؤامرات ويحاك من دسائس ويجري من أحداث، وبكثرة ما يسمع من ذلك كان يسهل عليه تصديق أمثال هذه المؤامرات وغيرها، ولذلك فهو لَمْ يناقشها بحس المؤرخ الذي يُحاول أن يعيش ظروف الفترة التي يؤرخ لها؛ وَإِنَّمَا ناقشها بالإحساس الذي يعيش به فعلا في تركيا في ذلك الحين. وقد كانت المكايد تجري من حوله في كُلّ لحظة، فرواها متأثراً بما يعرفه من تدبير السلاطين لاغتيال من يخشونه على عروشهم، ويعللها بنوعية الأحداث التي تقع في قصور تركيا، وما يشابهها من القصور الملكية المستبدة الباطشة في حال القوة، والمكايد في حال الضعف. أمَّا الأستاذ مُحَمَّد عَلى الدبوز فقد كان يفتش عن المرأة في هذه القصة كما هو شأنه في من أحداث التاريخ، وقد تناول بقلمه الغزل أم أبي بكر ودخل إلى مخادع أفلح و
كثير من (1/825)
صفحة 826
الإباضية في موكب التاريخ
62
الإباضية في الجزائر
مع حريم ذلك الإمام العظيم، وعزا مسؤولية فشل أبي بكر في الحكم -حسب نظره - إلى تلك الأم التي حاول أن يجعل منها دمية يلعب بها أفلح في بيته عندما يتجرد من مهام عمله العظيم في الليل أو في النهار، ولا شك أن دور تلك الأم التي لا نعرف عنها إلا القليل الذي لا يعطي عنها أية صورة ليس بذي أثر كبير في شخصية أبي بكر.
ويعزو
أيضا جانبا من فشل أبي بكر حسب نظره - إلى البيئة الثرية الرخية التي عاش فيها أبو بكر، وأغفل أن تلك البيئة نفسها هي البيئة التي عاش فيها أخوا أبي بكر: أبو اليقظان وأبو يوسف يعقوب.
وعندما كنت أراجع مصادر التاريخ وأجد هذه القصة في بعضها كانت تساورني كثير من الشكوك في جملتها وتفاصيلها؛ فَلَمَّا عزمت على الكتابة في الموضوع سنة 1967 م كتبت رسالة إلى المؤرخ الكبير شيخنا أبي اليقظان إبراهيم للاستفهام، وهذا نص الرسالة بعد الديباجة: «لقد أطلت التفكير في إمامة أبي بكر بن أفلح من أئمة الدولة الرستُميَّة، وفي قضيَّة قتله لصهره ابن عرفة غيلة، حسبما هو مذكور فيما بين يدي من المصادر، وقد سيطرت عَلَيَّ في القصة كثير من الشكوك، وأجدني في دخيلة نفسي غير مصدق بها رغم أنني لا أملك دليلا عَلَى هَذه الشكوك، و يبدو لي أن القصة دخيلة عَلَى سيرة الأئمة، وأنها صورة لوقعة البرامكة الشهيرة قيست عليها ونسجت على منوالها، وجعل أبطالها من الدولة الرستمية ..
فكيف
فإن الذي يعرف من أخلاق أبي بكر إنَّما هو اللين والعطف ومتانة الدين، لنفسه بالاغتيال لأعز صديق، ولأقرب الناس إليه، وعلى كل حال يسمح فأنا أشك في الحادثة وأحسب أنها إما أن تكون أدخلت في تاريخ الدولة الرستمية بطريق الخيال، وإما أن يكون الذين اغتالوا ابن عرفة هم بعض حساده والناقمين عليه، وأن يكونوا هم الذين سعوا في نسبتها إليه حَتَّى يثور الناس، وقد نجوا في مكيدتهم، ولعدم تحقق نسبتهما إليه وقفت نفوسة وأبو اليقظان في القضية موقف الحياد، وإلا فكيف يَحقُّ لَهم السكوت عن الانحراف بدين
الله». (1/826)
صفحة 827
الإباضية في موكب التاريخ
63
الإباضية في الجزائر
قضية
كُلِّ حال أنا الآن في تحرير هذا الموضوع، وأرجو أن تبعثوا لي برأيكم ورأي أفلح (1) في الموضوع حتَّى أطمئن إلى ما أعتمده من الآراء، فإذا كان رأيكم متفقاً مع هذه القصة التاريخية فإنني سوف أبعد الشكوك عن نفسي وأستسلم إلى ما قاله المؤرخون، والله سبحانه وتعالى هو المطلع على الخفايا». وقد أجابني الأستاذ الجليل الشيخ أبو اليقظان -رحمه الله - برسالة (مؤرخة يوم 21 من المحرم سنة 1387 هـ / 1 مايو سنة 1967 م)، وهذا نصها بعد الديباجة وبكل سرور تسلمت رسالتكم الكريمة مؤرخة في (1967/ 4/16 المؤرخ 4 المحرم 1387 هـ)، وفيها تسألون عن الإمام أبي بكر وابن عرفة الشائكة. نعم، لقد وقعت في نفسي الحيرة بها منذ القديم ما وقعت لكم هذه الأيام، وقد عظم هذا الأمر عَلَى قلبي، ورمت أن أسُلَّ منها الإمام الأديب أبا بكر من بين الأئمة العظام -سل الشعرة من العجين فكان سؤالكم هذا مدعاة للبحث عنها، فأحلت لدى وصول الرسالة سؤالكم إلى الأخ الأستاذ أفلح، وسلمت إليه بعض المراجع التي لدي موثوق بها ليجول فيها جولات الفارس المغوار فكان - حفظه الله - جوابه وافيًا بالغرض كما تراه داخل هذا، وقد سل الإمام أبا بكر كما أروم من الشبهة التي ألصقها به دعاة الفتنة من ذوي الأحقاد ضد الإباضية، فتأملوا جوابه بإمعان تجدوه مسراً مبهجا في آن واحد .. ولك الفضل أنت إذ حركتنا بأبحاثك القيمة فزدنا هذا أمدك الله من ولكن مع هذه الرسالة رسالة أستاذنا الفاضل الشيخ بيوض رسالة أستاذنا الفاضل الشيخ بيوض - حفظه الله- ومعها النص
بعونه وتوفيقه».
الذي نقله عن طبقات الدرجيني، وإلى القارئ الكريم نص الرسالة بعد الديباجة: أحال علي الشيخ أبو اليقظان -حفظه الله - جواب كتابك في قضيَّة الإمام أبي بكر وصهره ابن عرفه لاشتغال الشيخ أمد الله في عمره - بإتمام بعض تأليفه التي لا تقبل التأخير، وليس لدينا مصدر لرواية الاغتيال إلا الأزهار الرياضية» و «طبقات الدرجيني»، وبينهما أهمه أن الاغتيال عند الدرجيني كان قبل قدوم أبي اليقظان من المشرق، وأنه
خلاف كبير من
1) أفلح هو الاسم الذي اختاره أستاذنا الفاضل العلامة الشيخ بيوض إبراهيم -حفظه الله - لنفسه، فكان يوقع به المقالات التي ينشرها في المجلات والجرائد. وقد أحب جميع طلابه هذا الاسم، فكنا في جميع الأحوال لا تناديه إلا به، ولا نستعمل في رسائلنا ومكاتباتنا فيما بيننا وبينه غير هذا الاسم. (1/827)
صفحة 828
الإباضية في موكب التاريخ
64
الإباضية في الجزائر
نسب إلى أبي بكر لمنع الاتفاق وأن الخلاف بين أبي بكر وابن عرفة قد اشتد إلى حد القطيعة بل إلى الحرب قبل الاغتيال، وأنه أصبح قتيلا والناس يجتمعون وينظرون في هذه الفتنة وإطفائها، وأن أبا اليقظان قدم في هَذه الأثناء، وأن الخلاف ارتفع بقدومه فاعتزل أبو بكر وتولى الإمامة مُحَمَّد، ودان له الناس بالسمع والطاعة. فالدرجيني -رحمه الله - لا يثبت نسبة الاغتيال إلى أبي بكر، ونحن معه ومعك في الشك في ذلك، واشتداد النزاع والشقاق واشتعاله بين الرجلين إلى الحد الذي ذكره الدرجيني يقضي على صورة المؤامرات ويجتثها من أصلها .. عَلَى أن كُلّ جزء من أجزاء الصورة يعلن صارخا بالتلفيق المغفل والصنعة البليدة وهل يبلغ السخف والسفه والبلادة بأبي بكر إلى حد حبك المؤامرة على تلك الصورة الصبيانية المفضوحة، هذا ما لا نظنه ولا نتصوره، بقطع النظر عما وصف به الرجل من متانة دين، وسماحة خلق، وإن أباح له دينه، دمه، فإن بيده الأمر، ولن يعجزه تنفيذه بصورة أشرف وأحزم، والله أعلم. وقد يكون عندك المصادر أكثر مما عندنا، من هذا فقد بعثنا إليك نص كلام الطبقات احتياطاً، وأنت بعد أدرى بالصيغة التي تروي بها الحادث بعد التروي وإمعان النظر، بما تعقبه وتعلق عليه أخذ الله بيدك، وسدد خطاك، وأعانك عَلَى إتمام ما أنت بصدده من عمل جليل، ترجو الأمة عاجل نفعه وترجو أنت آجله». ولتكتمل الصورة التي أردت أن أضعها أمام القارئ الكريم من هذه المراسلات أضع بين يديه نص الطبقات الذي أرسله أستاذنا الفاضل -حفظه الله - مع رسالته، وإليك النص: وصل أبو اليقظان إلى "تَاهَرْت" فوجد أهلها مجتمعين في أمر أبي بكر لما بينه وبين ابن عرفه، وذلك أن ابن عرفه رجل من أعيان أهل "تَاهَرْت"، فكانت بينه وبين أبي بكر مواقعة أفضت إلى حرب، وكاد الافتراق يقع، والفتن لا ترتفع بينهما، فبينما الناس في ذلك أصبح ابن عرفة قتيلا فنسب إلى أبي بكر في هذا ما منع من وقوع الاتفاق عَلَى طاعته، فَلَمَّا يسر الله بقدوم مُحَمَّد كان رفعا للخلاف، وقطعًا لقبائح الأوصاف، فاعتزل أبو بكر الولاية وانسلخ منها، ولم يجد الناس لِمُحَمَّد مَحيدًا عنها، فعقدوا له البيعة، والتزموا سمعه وطاعته». ويعلق الأستاذ الفاضل على هذا فيقول: هذا هو النص الحرفي في النسخة التي بين أيدينا». (1/828)
صفحة 829
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
أبو بكر بن أفلح وروايات ابن الصغير
لا شَكٍّ أن المؤرخين الكبيرين الباشا الباورني، ومُحَمَّد عَلَى دبور وقد اعتمدا على ابن الصغير اعتمادا كليا فيما كتبه كلاهما عن أبي بكر، وأنهما قد أخذوا ما وجداه عنده قضية مسلمة لا يتسرب إليها الشك، ولا تستدعي أي نقاش .. وهما معذوران في ذلك، فإن رسالة ابن الصغير
تعتبر من أوثق المصادر عن تاريخ الدولة الرستُميَّة، ولكني مع ذلك أستطيع أن ألاحظ ما يلي: نحن نفترض الصدق والنَّزَاهَة في ابن الصغير ولا نتهمه بالكذب والتلفيق، بدليل قوله في رسالته عن تاريخ الدولة الرستُميَّة: وأن أُتمَّ الصدق فيها، ولا أحرفها على معانيها، ولا أزيد فيها، ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات، ولا من أخلاق ذوي الديانات، وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا ممن تعجبهم طلاوة
أفعالهم، ولا حسن سيرهم». ولا شك أنه يتضح للقارئ الكريم في هذا أن ابن الصغير كان مبغضا لأئمة الدولة الرستُميَّة، ولبغضه لهم كان لا يعجبه العدل وحسن السيرة منهم، ولكنَّه يقرر أنه رغم ذلك فهو ينقل سيرهم الحسنة وأخبارهم الدالة على الاستقامة والعدل كما تبلغ إليه ولا يغيرها؛ لأن تغيير الأخبار ليس من شيم ذوي المروءات، وواضح من هذا أن الأخبار والأحداث التي وقعت في عهد أبي بكر لم يحضرها ولم يشهدها، وإنَّما بلغته عن طرق أخرى غير المعرفة
الشخصية اليقينية الجازمة.
إن الأخبار وصلت إليه عن غير واحد فنقل ما وصل إليه وسجله في رسالته التي تعتبر اليوم من أهم الوثائق في تاريخ الدولة الرستُميَّة، فإذا أردنا أن نتأمل فيما جاء في هذه الرسالة عن الأحداث والوقائع والأخلاق في عهد أبي بكر فإننا نجد كثيرًا من التناقض الذي يهدم بعضه بعضا، وأن الرؤوس التي دبرت المؤامرة واتهمت بها أبا بكر وألصقتها به لا تزال إلى عهد ابن الصغير توالي جهودها في نفس الاتجاه .. وأن الأخبار التي بلغت إلى ابن الصغير إنَّما بلغته من هذا الجانب الذي كان يعمل على تحطيم أبي بكر والدولة الرستمية من ورائه. (1/829)
صفحة 830
الإباضية في موكب التاريخ
17
الإباضية في الجزائر
وإنه لا يزال مستمرا في جهوده لتحقيق مراميه ولعله ممَّا يساعد القارئ الكريم على
دراسة هذه القضيَّة وتفهم حقائق أحداثها أن نستعرض معا الصور التي رسمها ابن الصغير لأبطال تلك الأحداث، ثُمَّ ما نسب إلى كُلّ منهم من أعمال، وهل تتناسب تلك الأعمال تلك الصور؟ وإلى القارئ الكريم هذه الصور:
1 - أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب يقول عنه ابن الصغير: «فَلَمَّا ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن قبله من آبائه ولكن كان سمحاً جواداً لين العريكة يسامح أهل المروءات ويشايعهم على مروءاتهم، ويحب الأدب والأشعار وأخبار الماضين». فأنت ترى أن الإطار العالم لهذه الصورة يبرز أبا بكر في صورة عالم وأديب ومؤرخ لين الجانب متسامح، جواد محب للمروءة، مساعد عليها. فهل يمكن أن تصدق أيها القارئ الكريم أن رجلا هَذه أخلاقه يمكن أن ينقلب بوشاية في جلسة واحدة إلى متآمر يغتال الأنفس البريئة؟.
هل تستطيع أن تصدق أن هذا الرجل الوديع الهادئ الودود يمكن أن ينقلب إلى وحش يلغ في الدم، بل إلى رجل توضع بين يديه مؤامرة لاغتيال صهره وأعز صديق لديه –حسب رواية ابن الصغير بجميع تفاصيلها وتحديد مكانها وزمانها وطريقة تنفيذها؟ فيقوم بدوره فيها، وينفذه بدقة وإحكام حسبما خطط واضعو المؤامرة له.
إن الفكر السليم والمنطق الصائب لا يمكن أن يصدق هذا .. ولو كان أبو بكر من عتاة المجرمين اليوم وممَّن تعود أن يقوم بأدوار الإجرام لاحتاج إلى مزيد من الوقت ومزيد من التفكير، فكيف بذلك الرجل الحيي الودود؟!
الهيبة
2 - مُحَمَّد بن عرفة يقول عنه ابن الصغير: كان وسيما جميلا جوادًا سَمحا، وكان قد وفد على ملك السودان بهدية من قبل أفلح بن عبد الوهاب فأعجب ملك السودان ما رآه من هيبته وجماله وفروسيته إذا ركب الخيل، فهز يديه وقال أنت حسن الوجه، حسن خلفه والأفعال. وكان مُحَمَّد ابن عرفة إذا ركب من داره يريد أبا بكر مشى بين يديه ومن ومن يمينه ومن يساره أمم من الأمم ... وفي كُلِّ ذلك مُحَمَّد بن عرفة في دوي وصيت عال». (1/830)
صفحة 831
الإباضية في موكب التاريخ
67
الإباضية في الجزائر
الإطار العام للصورة التي وضعها ابن الصغير لِمُحَمَّد بن عرفة تبرزه في صورة رجل غني كريم جميل محبوب محب لمظاهر العظمة يسعى للظهور.
ولا شك أن هذه الصفات تجمع حوله الناس وتجعله ممَّن يحدث نفسه بالوصول إلى أكبر المراكز في الدولة، فإذا عاقه عائق اتخذ للوصول جميع الوسائل حتَّى وسائل العنف، وسلك كُل السبل التي تتناسب مع خلقه ومركزه في نفسه، خلقه ومركزه في نفسه، وأمثال هذا الرجل غالبا يسلكون مسالك العنف ولا ينحدرون إلى تدبير المؤامرات والمكايد. 3 - البطل الثالث أبطال هذه الرواية هو: أبو اليقظان وقد قال عنه ابن الصغير ما من يلي: «وقد لحقت أنا بعض أيامه، وإمارته، وحضرت مجلسه وقد جلس للناس خارج الجامع منا يلي الجدار الغربي ... ورأيته يوما ثانيا في مصلى الجنائز، وقد رميت له وسادة من أدم فجلس عليها ينتظر فراغ دفن رجل مات من وجوه الناس، وكان مربع القامة أبيض الرأس واللحية، وكان إذا جلس الناس وأمرهم بالجلوس لَمْ ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه، وكان زاهدًا ورعًا ناسكًا سكيتا».
المسجد
ناسك
فأنت ترى أن الإطار العام لهذه الصورة يبرز أبا اليقظان في صورة رجل زاهد ورع وقور ملتزم للصمت مهيب هل يمكن أن يصدق إنسان أن رجلا في هذه الصورة ينحدر إلى صفة واش متآمر يضع خطة للاغتيال بأدق تفاصيلها؟ ثُمَّ يدفع خطة للاغتيال بأدق تفاصيلها؟ ثُمَّ يدفع أخاه إلى تنفيذها ويغريه بالقيام
بأدوارها المخزية؟ وفي نفس الوقت تكون موجهه إلى صهر هذا الأخ وخال أطفاله؟!. بعد هذه الصور التي وضعتها مختصرة بين يديك للأبطال الثلاثة الذين أسندت إليهم فصول هذه المؤامرات باعتبار أبي اليقظان مخططا، وأبي بكر منفذا، وابن عرفة ضحية .. يهمني أن تلحظ
كانه
معي موقف ابن الصغير راوي القصة، فإن في أسلوبه في رواية هذه القصة ما يدعو إلى التأمل. يبدو لي أن ابن الصغير وهو يستمع إلى رواة وأحداث المؤامرة كانت تعتلج في نفسه كثير من الشكوك وعدم التصديق، وكان يخشي أن القارئ يتهمه بعدم التحري في نقل هذه الأخبار، ولذلك فقد بدا شديد الاحتراس كثير الاحتياط يكرر بمختلف الأساليب أَنه إِنَّمَا ينقل ما بلغه، وأنه رُبَّما كان يشك في صحة ما بلغه، ولكنَّه مع ذلك لا يملك إلا أن ينقله مع (1/831)
صفحة 832
الإباضية في موكب التاريخ
68
الإباضية في الجزائر
الاحتراس، والعهدة على الراوي كما يقولون، ومن المهم أن نتأمل احتراساته، فانظر إليه كيف يصوغها:
تزوج
«أخبرني جماعة»، «أخبرني غير واحد»، «قالوا»، «قالوا: وكان مُحَمَّد بن عرفة هذا قد بأخت أبي بكر»، «قالوا: فكانت الإمارة بالاسم لأبي بكر، وبالحقيقة لمُحَمد بن عرفة»، «قالوا: المنفرد بهذا الكلام أبو اليقظان خاصة دون سائر إخوانه وأعمامه»، «فالله أعلم أي ذلك كان».
هذه أمثلة من احتراسات واحترازات ابن الصغير، ويبدو منها أن الرجل كان يحس بمسؤولية تلقى على كاهله، فهو يعمل جاهدا كي يتنصل منها، ولو لم يكن يشك فيها لما حاول التنصل منها بهذا الإلحا. أما الأسباب التي دعت ابن الصغير إلى نقل هذه الأخبار مع الشك في صحتها فلربما عدم وصوله إلى الحقيقة في ذلك الحين، ثُمَّ إن الحزب الذي دبر المؤامرات ونفذها لا يزال يعمل إلى ذلك الحين، وهو يسعى إلى إثبات الجريمة كما خططتها المؤامرة، ولَعَلّ الرواة الذين نقلوا أخبار المؤامرة إلى ابن الصغير كانوا من هذا الحزب، وَلَعَلَّه كان يعرف ذلك أيضا، ولذلك فهو يشك فيهم ولكنَّه لَمْ يجد مفراً من النقل عنهم.
وبالجملة: فإن القارئ إذا كان يقرأ ما كتبه ابن الصغير عن هذه الأحداث يتبين بوضوح أن ابن الصغير نفسه كان يروي تلك الأحداث وهو يشك في صحتها وصدق روايتها، فكان يخشي أن أنه إنَّمَا بلغه ما يرويه عن بالكذب أو التلفيق، فحرص أن يخبر يتهم جماعة أو قالوه له، وَلَعَلّ القارئ الكريم يلاحظ في هذا الفصل أن نوعًا من الارتباك أصاب ابن الصغير وهو يتحدث عن هذه الفترة من تاريخ الدولة الرسمية، فهو لَمْ ينقلها لنا بلسانه ويسرد علينا أحداثها سردًا عاديًا، وَإِنَّمَا كان يشير إلى أن مبلغين بلغوها إليه، وهو رغم ذلك قد فاته شيء مهم؛ لأنه لم يذكر أسماء المبلغين عَلَى الطريقة الروائية المعروفة التي تلقى فيها العهدة على الراوي الأول للحدث، وهكذا رغم احتراسه الشديد فإن تهمة خفيفة تتجه إليه بأنه قصر في التحري والتحقيق، والنقل من الأحزاب المتعارضة، وهي كثيرة في تلك الفترة .. أو أنه عمد إلى إغفال ذكر أسماء من نقل عنهم؛ لأنهم ليسوا في المرتبة التي تسلم من
النقد. (1/832)
صفحة 833
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
التناقض في أخبار ابن الصغير
يذكر ابن الصغير أن مُحَمَّدا بن عرفه تزوج أخت أبي بكر، وأن أبا بكر تزوج أخت ابن عرفة ويقول: إن ابن عرفة كان لا يُحجب عن أبي بكر سواء كان في مجلسه أو كان في حرمه .. وهذا شيء طبيعي إذ كانت زوجة أبي بكر هي أخت ابن عرفة فلا داعي لحجبه عن بيت أبي بكر، أو بعبارة أوضح عن الدخول عَلَى أخته وزيارتها متى يشاء .. كما أنه لا يحق لغيره ممن ليس له حرمة القرابة أن يدخل إلى بيت أبي بكر بدون استئذان، فإن له حرمة مضمونة كما لجميع بيوت المسلمين.
ويبدو أنه يحسن بنا أن ننقل نصوص ابن الصغير لنتأملها ونعرف ما تشتمل عليه. 1 - قال ابن الصغير: «وكان مُحَمَّد بن عرفة إذا أتى باب أبي بكر لَمْ يُحجب، كان أبو بكر في مجلسه أو في حرمته وكان أبو اليقظان وجميع إخوان أبي بكر وأعمامه لا يدخلون على أبي بكر إلا باستئذان إذا كان في مجلسه وإلا انصرفوا».
وقبل هذا الكلام مباشرة يقول ابن الصغير وهو يتحدث عن أبي اليقظان: «فإذا كان آخر النهار أتى باب أخيه أبي بكر فإن وجده جالسًا دخل عليه وأعلمه بما حدث في يومه من خبر، وحكم، وإن لقيه مشتغلا قال لمن علم أنه يصل إلى حرمته اقرأ على الأمير السلام، وقل له أصبحت مدينتك اليوم هادئة وأمست هادئة». تأمل أيُّها القارئ الكريم هذه العبارة تجدها مناقضة كُلّ التناقض للعبارة الأولى، فهو يقول في الأولى: إن ابن عرفة لا يُحجب عن أبي بكر سواء كان في مجلسه أو في حرمته، وأن بقية الناس ومنهم أبو اليقظان كانوا يحجبون ولا يصلون إليه سواء كان في مجلسه أو في حرمه إلا بإذن.
وفي العبارة الثانية يقول: إن أبا اليقظان يمر يوميًّا عَلَى أبي بكر فإن وجده في مجلسه دخل وأخبره بأحداث اليوم، وإن وجده عند حرمه أوصى من يجوز له الدخول فيبلغه الأخبار، وهذا هو الموقف الطبيعي؛ لأن زوجة أبي بكر لم تكن محرمًا لأبي اليقظان فيدخل متى
يشاء كما يدخل ابن عرفة. (1/833)
صفحة 834
الإباضية في موكب التاريخ
70
الإباضية في الجزائر
تكشف
عن
والمقارنة بين القصتين مع دراسة طبيعة الأحداث والسلوك في ذلك العصر المحتشم الملتزم هذه التلفيقة الأخيرة التي دبرت لتحبك بها فصول المؤامرة، فزعمت أن أبا اليقظان كان يحجب عن مجلس أبي بكر، ومن يكن في مجلسه إذا لم يكن فيه أبو اليقظان؟! ولست أدري كيف فاتت هذه الملاحظة ابن الصغير فأثبت الخبر دون ترو أو نقاش!؟ كما لست أدرى كيف لم يلتفت إليها كُلّ من المؤرخين الكبيرين الباروني والدبوز؟! وقد اعتمدا فيما يبدو على رسالة ابن الصغير اعتمادا كليا.
هذه صورة من التناقض الذي ورد في رسالة ابن الصغير عن أحداث المؤامرة التي نسبت
إلى أبي بكر. وإليك صورة أخرى يبدو لي أنها أوضح وأحق أن تستجلب اهتمام القارئ ثُمَّ الدارس
والباحث، يقول ابن الصغير:
عل
2 - «قالوا: فكانت الإمارة بالاسم لأبي بكر وبالحقيقة لمُحَمَّد ابن عرفة». ويقول: إلى أن قدم أبو اليقظان من العراق فوجد أخاه أبا بكر أميرًا، والعجم أحوالهم، والنفوسة على مراتبهم، وسائر الناس على ما هم عليه، فلم يغير شيئًا ولم ينكره، ولا ادعى إمارة ولا نازع فيها أخاه، بل يظهر له القيام، له والحسبة بين يديه، وكان أبو بكر يحب اللذات، ويميل إلى الشهوات، فصرف النظر في المدينة وأحوازها إلى أخيه أبي اليقظان مع ما ظهر له من الكفاية مع أدب المشرق، والأخذ بالحزم فيما رآه من ولاية بني العباس وسيرهم .. وكان أبو اليقظان يركب إلى أعلى مسجد في المدينة فيجلس فيه فمن تكلم إليه من الناس بين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة نظر في ذلك نظراً شافيا، وأجرى الْحَقِّ عَلَى من رضي وسخط، عظم قدره أو صغر، ولم تأخذه في الله لومة لائم فحمد له الشراة" ذلك، وحمد له أخوه فعله، فإذا كان آخر النهار أتى باب أخيه أبي بكر فإن وجده جالسًا دخل عليه وأعلمه بما حدث في يومه من خبر أو حكم، وإن لقيه مشتغلا قال لمن علم أنه يصل إلى حرمته: "اقرأ عَلَى الأمير، السلام وقل له: أصبحت مدينتك اليوم هادئة وأمست هادئة، وإذا كان في الليل ركب وطاف في المدينة حَتَّى أقصاها، ويحكم في الأمر الضروري، ويأمرهم إذا حدث حادث أن يوافوا داره، فإذا أحكم جميع ذلك انصرف (1/834)
صفحة 835
الإباضية في موكب التاريخ
71
الإباضية في الجزائر
إلى داره، فإذا كان بالغداة غدا إلى باب أخيه فإن وجده جالسًا أعلمه بما كان في المدينة من حدث إن كان حدث، أو هدوء إن كان هدوء، فلم يزل كذلك حَتَّى جلب قلوب الناس و"الشراة" إليه ومالت نحوه».
إذا صرفنا النظر عن موقف أبي بكر في الحكم فأي الرجلين كان هو الأمر على الحقيقية، مُحَمَّد بن عرفة أم اليقظان مُحَمَّد بن أفلح؟. ذكر ابن الصغير أن الإمارة كانت بالحقيقة لابن عرفة هكذا على الإجمال، ولكنَّه وهو يتحدث عن أبي اليقظان قد فصل سيرته اليومية، ومباشرته لأعمال الإمارة وسهره عليها ليلا ونهارًا، وتولية مشاكل الناس واتخاذ الحلول لها حَتَّى أحبه جميع الناس، ثُمَّ إِنَّه كان يعرض نتيجة عمله عَلَى الإمام أبي بكر مرتين في اليوم، فإذا وجده في مجلسه عرض عليه ذلك مباشرة، وإن وجده في حرمه كلف من يبلغ إليه ذلك عند حرمه ممن يجوز له الدخول عليه مباشرة .. فما هي السلطة التي كانت بيد ابن عرفه؟ ألا ترى أيها القارئ
الكريم في هذا تناقضا واضحا!!؟.
محمدا
إن كل ما أستطيع أن أفهمه في هَذه الروايات وأن أصدقه لقربه من الواقع أن أتصور أن بن عرفة صهر أبي بكر هو رجل له مركزه في الأوساط الشعبية كما يقال اليوم؛ فهو عندما يريد أن يزور الإمام يلتف حوله مجموعة من طلاب الحاجات والطامعين تسير حوله، فإذا بلغ إلى باب أبي بكر دخل سواء كان الأمير في مجلسه الذي يستطيع أن يدخله كُلّ واحد، أو كان في حرمه الذي لا يستطيع أن يدخل إليه إلا من كانت له العلاقة الشرعية المبيحة .. ويرى أولئك الأتباع أن ابن عرفة يدخل إلى منزل أبي بكر كما يدخل إلى مجلسه دون استئذان فيظنون أن ذلك لارتفاع مقامه وتصرفه في أمور الدولة، يضاف إلى ذلك أَنه رُبَّمَا يقضي بعض المآرب لبعض الناس فيطلقون له ألسنة الدعاية.
بعد هذا أود أن يتأمل القارئ الكريم معي ما يأتي: إن أحداث المؤامرة في اغتيال ابن عرفة صورت عَلَى أساس أن ابن عرفة كان يتمتع بِكُلِّ شيء في إمامة أبي بكر، وأنه كان الإمام الفعلي، ولذلك فقد غار منه وحسده أقارب الإمام وإخواته ولاسيما أبو اليقظان، وأنه من أجل ذلك حبك أبو اليقظان تلك المؤامرة (1/835)
صفحة 836
الإباضية في موكب التاريخ
72
الإباضية في الجزائر
ونسج خيوطها، ودفع أخاه أبا بكر إلى ارتكابها، ولكنك بقراءتك لما نقلناه لك عن ابن الصغير تجد أن الحاكم الفعلي في ذلك الحين إنَّما هو أبو اليقظان، فهو الذي ترك له التصرف المطلق، وَأَنَّهُ كان يتولى ذلك بكفاءة ونزاهة وحزم.
فعلى أي شيء يغار أبو اليقظان من ابن عرفه؟ وعلى ماذا يحسده؟ والأمور كما ذكر ابن الصغير كلها بيده، وأخوه. عنه راض، و"الشراة" عنه، راضون والشعب له محب .. وإن ابن الصغير وهو يتحدث عن ابن عرفة رسم
له ثلاث صور
الأولى: صورة شخصية مال وجمال وجود وفروسية.
الثانية خلقية تعاظم ومحبة للظهور والمظاهر، واصطناع للحواش والأتباع.
الثالثة: عملية وقد كانت باهتة جدا لا تتضح فيها خطوط ولا ملامح؛ لأن ابن
الصغير اكتفى فيها بجملة واحدة هي قوله: «كان الأمير بالحقيقة».
وكما رسم لابن عرفة ثلاث فقد
أيضا:
صور
رسم
لأبي اليقظان وهو يتحدث عنه ثلاث صور
الأولى صورة شخصية: دين وورع ونسك وعلم ووقار.
الثانية: خلقية: جد في معالجة المشاكل وتصريف الأمور، وحزم في إجراء الأحكام مع عدالة ونزاهة وكفاية، ومقدرة وخبرة وأدب مكتسبان من أنظمة الحكم في الدولة العباسية، واقتباس للأساليب الصالحة في تسيير دفة الحكم وتنظيم الرعايا.
الثالثة: عملية وهي صورة واضحة لمخطط عمله اليومي، وسلوكه في تصريف جميع شؤون الدولة بما لا يبقى لغيره شيئًا منها، وإحكام ذلك وتنفيذه بالسرعة التي لا يعقبها ولا تتخللها شكوى.
ومقارنة هذه الصورة بالصورة الثالثة التي وضعت لابن عرفة تجعل ما قيل عن ابن عرفة في هذا المجال لا يمكن بحال من الأحوال أن يستقيم أو يثبت اللهم إلا إذا كان دخول ابن عرفة على صهره دون حجاب، أو اتباع بعض الطامعين أو المتزلفين له طمعا في المال أو في الجاه يعتبر هو حقيقة الإمارة، وهذا أبعد شيء عن منطق الواقع. (1/836)
صفحة 837
الإباضية في موكب التاريخ
73
الإباضية في الجزائر
وإنَّه لا يُمكن لأي عقل يحترم نفسه أن يصدق أن أبا اليقظان بدينه وأخلاقه وسلوكه، وما أسند إليه من مهام الدولة وتصريف لشأنها يمكن أن ينحدر إلى الوشاية وتدبير المؤامرات، وأنه ليس له أي دافع أو مصلحة في ذلك، وابن الصغير نفسه عندما قال: «قالوا: المنفرد هذا الكلام أبو اليقظان خاصة دون سائر إخوته وأعمامه» لم يصدق ذلك، وهو الرجل الذي عرف أبا اليقظان عن كتب، وحضر مجلسه، ولذلك عقب على تلك الجملة بقوله: «فالله أعلم أي ذلك كان»، بعدما تنصل من تبعة الرواية -حسب طريقته المعهودة - بقوله في أول الجملة: «قالوا».
- يقول ابن الصغير: «وكان مُحَمَّد بن عرفة إذ أتى باب أبي بكر لَمْ يُحجب كان أبو بكر في مجلسه أو في حرمته وكان أبو اليقظان وجميع إخوان أبي بكر وأعمامه لا يدخلون عَلَى أبي بكر إلا باستئذان»، ويقول: «جمعهم يوما إلى نفسه لأمر أراد شوراهم فيه فَلَمَّا
محمد
ظفروا بالخلوة قالوا ... »، ويقص بعد ذلك وشايتهم بابن عرفة وحبكهم للمؤامرة. والذي يلفت النظر في هذه القصة أن أبا بكر جمع خاصته ليستشيرهم في أمر هام ولم يحضر معهم بن عرفة .. فإذا كانت منزلة ابن عرفة في الدولة كما يصورها ابن الصغير فكيف ينعقد مجلس شورى في أمر هام من أمور الدولة ولا يحضره ابن عرفه، وكيف يدعو أبو بكر ناسًا لاستشارتهم ولا يكون ابن عرفة في مقدمتهم، ثم إن ابن عرفة لا يستأذن ولا يُحجب عن مجالس الإمام، فكيف غاب عن هذه المجالس وقد تعددت كما يقول ابن الصغير؟ لا شك أن في هذا تناقضا واضحًا.
4 - يقول ابن الصغير: «قالوا: المنفرد بهذا الكلام أي الوشاية وتفصيل المؤامرة - أبو اليقظان خاصة دون سائر إخوانه وأعمامه»، ويقول في موضع آخر من كتابه ما يلي: «واعتزل أبو اليقظان الفريقين وصار إلى عدوة نفوسة».
الا تحس معي
أيها القارئ الكريم بشيء من الغرابة والتناقض في هذا الكلام؛ فهذا أبو اليقظان كما يقول ابن الصغير يظفر بخلوة مع الإمام فينتهز هذه الفرصة ويشي له بصهره ابن عرفة، ثُمَّ يخطط له جريمة اغتيال ويدعوه إلى ارتكابها، فيستجيب الإمام إلى كُلّ ذلك (1/837)
صفحة 838
الإباضية في موكب التاريخ
74
الإباضية في الجزائر
كأنما
هو منوم تنويما مغناطيسيا، وعندما تنكشف المؤامرة ويثور الناس على أبي بكر يقف أبو اليقظان متفرجًا من بعيد قد اعتزل الفريقين وجمد في عدوة نفوسة .. كيف لا
مخططا
ينصره أخاه في أحرج اللحظات وهو الذي دفعه إلى هذا الموقف، لا سيما وأن أبا بكر ثبت وَلَم يسقط؟! أَمَّا كان من واجب أبي اليقظان وهو يعرف كُلّ أسرار القضيَّة باعتباره لها أن يقف إلى جانب أبي بكر بكُلِّ ما لديه من قوة عَلَى الأقل ليحقق رغبته في القضاء على ابن عرفة وأنصاره؟ بل أليس من واجبه أن يكون قد أعد العدة لاستقبال هذا الموقف
وغيره.
-- يقول ابن الصغير عن أخلاق أبي بكر: كان سَمحا جوادًا لين العريكة». ويقول: «وكان أبو اليقظان وجميع إخوان أبي بكر وأعمامه لا يدخلون على أبي بكر إلا
باستئذان».
ألا ترى معي
أيها القارئ الكريم أن هذا غير مقبول أن الرجل السمح الجواد اللين العريكة، يكون كذلك مع أهله وأقاربه أكثر مما يكون مع الناس، هذا النوع من الرجال غالبا ما يكون ضعيفا أمام الشخصيات القوية من ذوي القرابة، فكيف أمكن لأبي بكر وهو مجلسه، السمح الجواد اللين أن ينقلب إلى غليظ شديد نفور يحجب عنه أقاربه ويردهم عن ولا يوقر حَتَّى أخوته الأكبر منه وأعمامه، فيحبسهم على بابه في انتظار الإذن!؟ إنَّها لو كانت حالة مع فرد منهم لأمكن ذلك، أمَّا أن تكون حاله وهو بالأوصاف السابقة لمما يدعو إلى الشك والارتياب فيما قيل!!.
أحسب أن هذا يكفي لإيضاح أن مؤامرة اغتيال ابن عرفة يستحيل أن تكون صادرة من بيت الإمارة، من أبي بكر أو من أبي اليقظان، أو من يفكر بتفكيرهما ويسلك سلوكهما، وَإِنَّمَا دبرتها أفكار تريد أن تضرب أبا بكر وأبا اليقظان معًا، ورُبَّمَا ابن عرفة أيضا، والأطماع إذا انفتحت أبوابها فإنَّها لا تنغلق، ولم تجد خيرا من أن تشغل الخلاف القائم فتحدث فتنة بقتل ابن عرفة وإلقاء التهمة عَلَى أبي بكر لتستريح من الاثنين. (1/838)
صفحة 839
الإباضية في موكب التاريخ
Vo
الإباضية في الجزائر
هل كان أبو بكر ضعيفاً؟!
أود أن يعرف القارئ الكريم أنني في هذا الفصل أحب أن أناقش صفة أطلقها بعض المؤرخين على أبي بكر فقالوا: إِنَّه كان ضعيفًا، ووصفه بأنه الحلقة الرخوة في سلسلة الأئمة الرستميين الذهبية، وإنني في مناقشتي هَذه سوف أعتمد على ما ورد في رسالة ابن الصغير فقط، وهي أقرب المصادر من عصره.
ذكر ابن الصغير استنادا إلى بلغه أن أبا بكر لم تكن له من الشدة ما كانت في أسلافه، وأنه كان لين العريكة سهل الخلق يُحِبُّ الأدب والشعر والتاريخ، وأنه كان يميل إلى طيبات الحياة، ولأجل هذه الصفات والأخلاق اعتبره ضعيفًا.
وجاء الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز فانساق في هذا التيار وصب جام غضبه على أم أبي
بكر التي كان يتخيلها ولا يعرف عنها شيئًا، فهل كان أبو بكر ضعيفا حقا؟
إن الأحداث التاريخية القليلة التي وقعت في عهده والتي ذكر المؤرخون أكثرها بعد أن حرفتها الأهواء وشوهتها الدعاية وأذاعها في الغالب الجانب المعادي لأبي بكر وللدولة الرسمية لا تَدُلُّ عَلَى ضعف أبي بكر، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى قوته، وسعة مداركه، وتفهمه لمجرى السياسة في عصره، وقوة إرادته وحزمه وصبره. ولكي يتضح لنا هذا يجب أن نستعرض بعض الحقائق الثابتة في تاريخ تلك الفترة، ثُمَّ نتأمل دلالتها وما تؤدي إليه.
-1 - الحقيقة الأولى عندما أعلنت البيعة لأبي بكر وسارع إليها الناس ارتفع صوت عبد العزيز بن الأوز بالمعارضة، وكان يصيح في الشوارع معلنا معارضته، وينتقد الدعاة إلى بيعة أبي بكر في صراحة ووضوح، ولكن البيعة تمت بالأغلبية التي تعتبر المعارضة في جانبها كأنها غير موجودة .. فما هو موقف أبي بكر من هذا الرجل الذي يصيح في الشوارع معارضًا لبيعته؟ لو كان أبو بكر ضعيفًا كما يظن بعض المؤرخين لسلك في هذا الحادث مسلك الحكام الضعفاء .. لسارع إلى الانتقام من الرجل ليجعل منه عبرة لغيره؛ لأن الضعيف يخشى على منصبه أن ينال منه النقد أو تؤثر عليه المعارضة، ولأن هذا (1/839)
صفحة 840
الإباضية في موكب التاريخ
76
الإباضية في الجزائر
المسلك هو الذي سار عليه الحكام الضعفاء، لا يثبتون مراكزهم إلا بإسكات أصوات المعارضة، وخنق حريات الشعوب والأفراد، أمَّا الحاكم القوي الواثق من نفسه ومن محبة الشعب له فهو لا ينظر إلى أصوات المعارضة إلا نظرته إلى شيء طبيعي يقع خلال حكمه،. سيستفيد من حقه ويهمل باطله، ولا يهتم به إلا إذا تجاوز المعارضة القولية على مستوى النقد إلى المعارضة الفعلية على مستوى إشعال نار الفتنة، أو تفريق صفوف الأمة، أو ارتكاب أسباب الجريمة، وحينئذ يتخذ القوي موقف القوة فيضرب الضربة التي تحسم الشر، وتطفئ النار المشتعلة، وتلم شتات الصفوف المتفرقة، أو تحول دون ارتكاب الجرائم المتوقعة، وهي في كُلّ ذلك لا تتجاوز الْحَق والعدل.
إن سكوت أبي بكر على عبد العزيز بن الأوز الذي يصيح في الشوارع بالمعارضة حَتَّى بعد تمام البيعة دليل من أدلة قوة أبي بكر.
2 - الحقيقة الثانية: يقول ابن الصغير: إن الكلمة مجتمعة والدعوة واحدة والناس مقيمون على أحوالهم .. إلا أن الضغائن بين القبائل وأهل الخواص في الصدور على ما
كانت في أيام أبيه، وبين القبائل حروب تهيج ثُمَّ تسكن والبلد زائدة في العمارة». ويقول: «إلى أن قدم أبو اليقظان من العراق فوجد أخاه أميرًا، والعجم على أحوالهم، والنفوسة على مراتبهم، وسائر الناس على ما هم عليه، فلم يغير شيئًا، ولم ينكر شيئًا، ولا ادعى إمارة ولا نازع فيها أخاه».
هذه صورة حالة البلاد في الفترة التي تولى فيها أبو بكر الحكم، ما بين بيعته بالإمامة ومجيء أخيه أبي اليقظان من العراق، حسب رواية ابن الصغير طبعًا. وقد ذكر ابن الصغير أن هذه الحالة هي نفس الحالة التي كانت عليها الدولة في عهد أبيه، والمؤرخون مجمعون فيما أحسب أن أفلح يعتبر أقوى شخصية في الدولة الرستمية، ومحافظة أبي بكر على المستوى الذي كانت عليه الدولة في حكم أقوى أئمتها، واستمرار تلك الحالة طيلة فترة حكمه دليل على أن أبا بكر يتمتع بالقوة التي يتمتع بها أفلح، فإن لم يكن مثله فهو سائر في ركابه ومتأثر بخطواته. (1/840)
صفحة 841
الإباضية في موكب التاريخ
VV
الإباضية في الجزائر
ثُمَّ إن هذه الصورة التي ذكرها ابن الصغير للدولة الرستُميَّة في عهد أبي بكر تَدلُّ أن أبا بكر سار بالدولة في منهجها القويم الذي كانت تسير عليه من قبل كما تَدُلُّ هَذه الصورة أن مُحَمَّدا بن عرفة كان موجودًا، ولكن أبا بكر لم يُسند إليه شيئًا من أعمال الدولة، ولم يعتمد عليه في تصريف أمورها، وَإِنَّمَا كان يقوم بها بنفسه حَتَّى جاء أبو اليقظان فأسندت إليه كثير من المهام، فقام بها بكفاءة وجدارة ويقظة تستحق الإعجاب. ولا شك أن هذه الصورة تنسف خرافة أن ابن عرفة كان هو الأمير الفعلي والأمير بالحقيقة من أساسها، ولا تُبقي لها ظلا أو نسبة ظل. لو كان أبو بكر ضعيفًا لتفرقت الكلمة، وتغيرت أحوال الناس، وتضاربت القبائل، وخرجت الضغائن من الصدور، وتوقفت العمارة في البلد، واستولى عشاق الحكم على مناصب الدولة وتصرفوا فيها على حسب أهوائهم .. ولكن القضية كانت بخلاف ذلك؛ كان أبو بكر يمسك الأمور بحزم ودراية، فلم يستطع أحد أن يلعب بأمور الدولة، فَلَمَّا وصل أبو اليقظان اختبره أبو بكر ووثق به فاستعان به عَلَى تصريف الشؤون، وأسند إليه كثيرًا من المهام .. وهذا التصرف نفسه دليل على القوة والثقة بالنفس، وقد جرى تاريخ السياسة والحكم من هذا كثير، ولا نذهب بالقارئ بعيدًا فلقد ترك عبد الوهاب الأمور لأفلح زمنا غير قصير، ولا يستطيع أحد أن أن عبد الوهاب كان ضعيفًا، على أن أبا بكر يزعم كانت تعرض عليه نتائج أعمال أبي اليقظان مرتين في اليوم، وهذا منتهى الحزم
والقوة.
- الحقيقة الثالثة: عندما دبرت مؤامرة اغتيال ابن عرفة وإلقاء التهمة على أبي بكر لم يتخاذل ولَم يضعف، وَإِنَّمَا وقف بين الأعاصير موقف القوي لَمْ الشامخ، وعندما زحفت عليه الجماهير الغاضبة التي حركتها يد الفتنة مطالبة بقتله، وتخلى عنه حسب روايات ابن الصغير - حَتَّى أقرب الناس إليه أبو اليقظان ونفوسة تصدى وردها عن أعقابها، وثبت في مكانه حتى تمت المفاهمة (1/841)
صفحة 842
الإباضية في موكب التاريخ
YA
الإباضية في الجزائر
وتنازل عن الإمامة غير آسف عليها، وهو مؤمن أنها سوف تكون في يد أمينة؛ فاعتزل السياسة اعتزالا كاملا بعدها، ولم يجر له فيها ذكر.
لقد كان الرجل قويًّا في شخصه وخلقه ونفسه وإرادته وتفكيره، متحكما في أعصابه، ولو يكن كذلك لكانت له مواقف أخرى من الذلة والهوان.
4 - الحقيقة الرابعة: عندما جاء أبو اليقظان من الشرق واختبره أسند إليه القيام بأعمال هامة ولو كان الرجل ضعيفًا لترك له الأمر يتصرف دون علمه كما يفعل أكثر الناس والحواشي مع الملوك والسلاطين، ولكن أبا اليقظان كان يعرض نتائج أعماله على أبي بكر مرتين في اليوم، ولا دليل على اليقظة والاهتمام والقوة أقوى وأوضح من هذا .. ودارس التاريخ السياسي قد يجد أئمة وملوكا أو سلاطين يثقون في أشخاص فيتركون لهم تسيير أعمالهم في الدولة مع المحاسبة أو مع عدمها، ولكن يندر أن تجد بينهم من يطلب أن تعرض عليه النتائج مرتين في اليوم، وأن يدق بابه مسؤول مفوض في الصباح والمساء ليذكر له ما عمل وما رأى وما يقترح، فإذا لم يكن هذا المسلك من أبي بكر هو الحزم والقوة فما أعرف كيف تكون القوة ويكون الحزم!!؟.
هذه بعض الجوانب التي تظهر شخصية أبي بكر في تصرفه ومدى قوته وحزمه في معالجة المشاكل وتصريف الأمور، والوقوف بين الأعاصير التي هيجها دعاة
الفتنة
ومدبرو المكايد. وإنني أحسب أنه كلما ازداد الإنسان اطلاعا ودراسة لتاريخ هذه الفترة كلما ازداد اقتناعا بقوة أبي بكر ونزاهته وحسن تصرفه إذا لم ينساق وراء ظاهر تيارات الروايات التي نقلها المؤرخون دون تمحيص ولكن بكثير من الشك والريبة؛ لأنها كما قلت سابقا رويت عن الطرف الذي كاد لأبي بكر والدولة
الرستمية.
ه DK K (1/842)
صفحة 843
الإباضية في موكب التاريخ
79
الإباضية في الجزائر
أبو بكر وابن عرفة
كان ابن عرفة صديقا حميما لأبي بكر قبل أن يتولى الإمامة، وزاد من صداقتهما وتوثق العلاقة بينهما تلك المصاهرة المزدوجة، وقد كانا يتشابهان في كثير من الأخلاق والصفات والميول، ويختلفان في قليل منها .. وَمِمَّا كانا يتشابهان فيه الجمال والمال و الجود ورواية الأشعار والأدب والأخبار، وحسن المسامرة والحديث والأخذ بنصيب من طيبات الحياة الحلال .. ومما كانا يختلفان فيه أن مُحَمَّدا بن عرفة كان مُحبًّا للظهور، مغرماً بالمظاهر، يهوى العظمة، يصطنع الأتباع، ويستكثر من الحواشي، ويسعى إلى قضاء مصالح الناس لتلتف حوله القلوب، وتسير وراءه الجموع، أما أبو بكر فقد كان يحب أن يعيش على النسق الذي عاش عليه في عهد أبيه، يميل إلى البساطة ويبتعد عن المظاهر، ولا يهتم بكثرة الحواشي والأتباع، ولا يتخذ المواكب الحافلة تملأ الشوارع من ورائه بالهتاف والدعاء، تتحرك إذا تحرك وتسكن إذا سكن. وكان ابن عرفة لا يرى من أبي بكر إلا الجانب الأدبي الشعري ولذلك فقد كانت نفسه تحدثه بآمال طوال عراض عندما يصل أبو بكر إلى الإمامة؛ فقد كان يعتقد أنه يستطيع أن يملأ أوقات أبي بكر بالسمر الحلو والحديث العذب والشعر الرائق والأخبار الحسان، وأن يشغله بالأدب وأخبار الماضين عن قضية السياسة والحكم ومشاكله، وبذلك يتاح له أن يتصرف في الدولة تصرف الوزير الخطير .. وجعل يسعى إلى هذا برفق ويأمل الأناة أن يصل إليه بقليل من والتبصر. وقد كان أبو بكر يرى في ابن عرفه صديقا كريما، وصهرا عزيزا ومحدثًا لبقا، بارع النكتة، لطيف المعشر، عذب الحديث، ولكنَّه كان يرى فيه أيضًا حبه للظهور وميوله للسيطرة فأبقاه في متزلته التي كان عليها قبل أن تصل إليه الإمامة .. صهرا كريما، وصديقا
حميما، ولم يمكنه من أي شيء من أعمال الدولة، فَلَمَّا وصل أبو اليقظان من المشرق عهد إليه أبو بكر بكثير من مهام الدولة التي كان ابن عرفة يتوق إليها فلم يصل، ورأى أن مساعيه قد فشلت، وأن آماله، تحطمت وأن وسائل المصاهرة والصداقة لم تؤثر على (1/843)
صفحة 844
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
تفكير أبي بكر السليم المتزن، فامتلأ قلبه حقدًا عَلَى أبي بكر وحسدا لأبي اليقظان وأظهر النقمة والنقد عَلَى أبي بكر، وجهر بذلك وتحدث بين الناس، وانضمت إليه أصوات من أتباعه ومريديه، وأصوات تريد توسيع شقة الخلاف وإيقاع الفتنة بين الناس، فاجتمع ناس من أصحاب الفكر والرأي ومِمَّن يحرص على مصلحة البلد وأهله للنظر في الموضوع وقرروا أنَّه يجب تدارك القضيَّة قبل أن يفلت الزمام، وأن تطفأ النار قبل أن تشتعل الفتنة. وبينما كان أولئك المصلحون من الأعيان والوجهاء، في اجتماعاتهم ومشاوراتهم ودراساتهم للمشاكل من جميع وجوهها .. بينما كانوا كذلك تحركت يد أخرى في الظلام، لقد كانت هنالك يد إجرامية أئمة يهمها أن تشتعل الفتنة، وأن تتحطم الدولة وأن تتفرق الجماعة، فَلَمَّا رأت مساعي الصلح تبذل خافت من فشل المؤامرة فأسرعت تتخذ لخطوة التي لا يمكن أن تلتئم الجروح، ولا تجتمع الصفوف بعدها فدبرت اغتيال ابن عرفة واتهمت به الإمام أبا بكر.
ونجحت المؤامرة في اغتيال ابن عرفة كما خططته نجاحًا كاملا، كما أن إشاعة إلقاء التهمة عَلَى أبي بكر لقيت رواجًا كثيرًا فصدقها البعض، وأحب البعض تصديقها .. ووقفت مجموعات من الناس عَلَى الحياد لَمْ يصدقوا ولم يكذبوا، وكذبت جماعة كبيرة تلك الإشاعة فوقفت إلى جانب أبي بكر.
ومع
ذلك فإن الغاية التي سعت إليها المؤامرة قد تحققت .. فقد وقع الخلاف وانقسمت الأُمَّة عَلَى نفسها، وأصبح البعض منها يستعد لضرب البعض، بل يبدو أن المؤامرة قد نجحت أكثر مما كان يطمع فيه مدبروها، وبالرجوع إلى ابن الصغير يتضح ذلك .. اقراً إن شئت قوله:
«ثُمَّ جلسوا حلقا يذكرون أمرهم إلى أن بعث رجل يعرف بمحمود بن الوليد رجالا من خاصته يتعرفون أحوال الناس وما هم عليه؛ فرجعت رسله إليه فقالت له: "قد حمي الوطيس، وَإِنَّمَا ينتظرون محركا، فصعد إلى أعلى موضع المدينة يعرف بالكنيسة فضرب الطبل فبادر الناس إليه وأمرهم بأخذ السلاح والزحف إلى أبي بكر. (1/844)
صفحة 845
الإباضية في موكب التاريخ
81
الإباضية في الجزائر
ومفهوم من هذه الصورة التي نقلناها عن ابن الصغير وعن صور أخرى وردت موزعة في الكتاب أن منظمي المؤامرة قد استعدوا لها استعدادًا دقيقاً، وحسبوا لنتائجها كُلّ حساب، فهم بعد اغتيال ابن عرفة وإلقاء التهمة على أبي بكر، كانوا يخشون أن المؤامرة وتعرف الحقيقة كما أنهم كانوا يخشون أن لا يجدوا الغضب الكافي على أبي بكر
تنفضح
والنقمة عليه .. ولذلك فقد انبثوا بين الصفوف واندسوا في المجتمعات وتوزعوا في المجالس يؤججون النار، ويبثون الحماس ضد أبي بكر، ويشحنون النفوس سخطا عليه .. فَلَمَّا علموا أن النار قد اشتعلت وأن نفوسًا تهيأت وأن الفتنة فتحت أبوابها تدعو إلى من يخوضها ظهروا على السطح، وانكشفوا للناس وبادروا إلى قيادة الجماهير للدخول في حرب تراق فيها الدماء، ويبتعد الناس بعضهم عن بعض، وتموت فكرة الصلح والإصلاح في مهدها؛ فضربوا الطبول وجمعوا الحاقدين وهجموا على أبي بكر.
أما أبو بكر فقد وجهت إليه - في الحقيقة عَلَى حال غفلة طعنتان حادتان سببتا له شيئًا من الارتباك والذهول في أَوَّل الأمر، ثُمَّ تغلب عَلَى ذلك ووقف موقفه الذي يحتمه الوضع من غير أن يكون له في ذلك اختيار:
الطعنة الأولى هي ثُمَّ هو أخو زوجته وزوج أخته، ومهما يثر بينهما من خلاف فإنَّه لا يصل إلى استباحة الدم، ولا ينحدر بالكريم إلى وهدة تدبير المؤامرة والاغتيال، ويبدو أنه أصيب بنوع من الذهول عندما سمع لأول مرة باغتيال ابن عرفة، فلم تصدر عنه أية حركة لا من حيث الاستعداد لرد الفعل، ولا من حيث البحث والتحري .. وَلَعَلَّه كان يفكر فيما بينه وبين نفسه عمن عساه يقدم عَلَى اغتيال ابن عرفة وهو رجل محبوب لا ينقم عليه أحد .. وقبل أن يستفيق أبو بكر من الذهول والحيرة والارتباك فاجأته المؤامرة بالطعنة الثانية وكانت أكثر إيلاما وأشد إيذاء من الأولى، وأبعد من أن تخطر على بال إنسان، وهكذا لَمْ يستفق من حيرته حَتَّى جاءته الأنباء تتهمه باغتيال ابن عرفة وتُلقي عليه اللوم وتطالب بالثار منه .. ذلك أن المؤامرة في الواقع إنما كانت تستهدف أبا بكر والدولة الرستمية، ولم
اغتيال ابن عرفه، وهو كما يعرف القارئ الكريم صديق قديم (1/845)
صفحة 846
الإباضية في موكب التاريخ
82
الإباضية في الجزائر
يکن ابن عرفة مقصودًا لذاته، وَإِنَّمَا كان الضحية المناسبة التي اختارتها المؤامرة لتحقيق
أهدافها.
فَلَمَّا بلغ خبر
التي ينبغي
بلغ خبر الاتهام أبا بكر بدأ يستفيق ويدرك موقفه الحرج، وبدأ يفكر في الخطوة له أن يخطوها ولكن المؤامرة سارت إلى تحقيق نتائجها بأسرع مما كان يتوقع أبو بكر وبقية الناس، وقبل أن يحضر العقل الواعي والتفكير القويم. فشغلت الناس بإشعال الفتنة، وإعلان الحرب والهجوم عَلَى أبي بكر، وقد استعد أبو
بكر لذلك الهجوم ورده. لقد تألم أبو بكر من اغتيال ابن عرفة، وتألم أكثر من ذلك من نسبة الاغتيال إليه، ولا شك أن هذه التهمة قد سببت له حرجًا كثيرًا مع أهله، فتحرج موقفه مع زوجته وأم أولاده، وتحرج موقفه مع أخته زوجة ابن عرفة وأم أولاده، وظهر في صورة محرم في نظر أولاده حيث يرونه متآمرا باغتيال، خالهم، كما تظهره المؤامرة في موقف خال محرم يتآمر على اغتيال أبيهم، فهو بالنسبة للأسرتين أب يغتال خال أولاده وخال يغتال أب أبناء أخته، كما أن زوجته ترى فيه قاتل أخيها، وأن أخته ترى فيه قاتل زوجها، وكل هذه الصور تقع منه دون مبرر معقول.
وصبر أبو بكر على آلامه وجروحه - وَلَعَلّ من أشدها عَلَى نفسه شك أبي اليقظان ونفوسة فيه حَتَّى اعتزلوه - حَتَّى خيب آمال دعاة الفتنة ومدبري المؤامرة، فَلَمَّا جاء المخلصون يطلبون منه اعتزال الإمامة لتوضع في أيد أمينة ترعى أمانة الله في عباده سارع إلى التخلي عنها غير آسف عليها، واعتزل لنفسه وعاش بقية عمره معتزلا لدنيا الناس وضجيجها فلم يعرف عنه خبر. (1/846)
صفحة 847
الإباضية في موكب التاريخ
83
الإباضية في الجزائر
من القائل؟
بتنفيذها؟
لا شك أن المصادر التي استقى منها ابن الصغير -وهي شفوية متحزبة والمصادر التي استقت من ابن الصغير إِنَّمَا توجه تُهمة تدبير مؤامرة اغتيال ابن عرفة إلى أقارب أبي بكر وإلى أبي اليقظان خاصة، أمَّا تهمة تنفيذ المؤامرة والقيام بالاغتيال فهي تنسبها إلى أبي بكر نفسه .. وهي لتبرير هذه التهمة تخلق الأسباب والمبررات التي تجعل نسبة هذه الجريمة إلى الإمامين العظيمين، رُبَّما تقبلها بعض العقول وراحت تنسج خيوطا مأخوذة من خيوط قصة نكبة البرامكة على يد الرشيد مع فوارق طفيفة. وفي هذا الفصل أود أن أناقش مع القارئ الكريم موضوع المؤامرة فمن نتهم إِنِّي أيضًا أريد أن أعتمد على ابن الصغير في هذا الموضوع، وسوف أناقشه بملابساته وظروفه ومنطقية الأحداث وطبيعة، وقوعها والقارئ الكريم عندما يقرأ ما كتبه ابن الصغير عن تلك الفترة لا يمكنه من أول وهلة إلا أن يجعل في قفص الاتهام مجموعة من الأفراد، ومجموعة التكتلات، وتقتضي طبيعة المناقشة أن أسلك فأضع في قفص الاتهام مجموعة من التكتلات التي بدا لها ارتباط بالوقائع، ومجموعة من الأشخاص الذين ورد ذكر أسمائهم، وبعض تصرفاتهم في تلك الفترة المحرجة. ونستطيع حسبما ورد في رسالة ابن الصغير أن نستحضر الأسماء التي ذكرت حينئذ، ونسب إليها نوع من التصرف في فترة إمارة أبي بكر، وهي:
من
1 - عبد العزيز بن الأوز.
3 - خلف الخادم.
4 - ابن الواسطي.
7 - محمد
بن
مسالة
2 - محمود بن الوليد.
- أبو مُحَمَّد الصيرفي.
6 - ابن وردة.
يضاف إلى هذا الكشف بالطبيعة ثلاثة أسماء هي: أبو اليقظان، وأبو بكر، وابن عرفة .. أما بالنسبة
للتكتلات والأحزاب حسبما ورد في رسالة ابن الصغير فنستطيع أن نذكر ما يلي:
1 - الرسمية.
- العرب.
2 - الجند.
5 - نفوسة.
3 - العجم. (1/847)
صفحة 848
الإباضية في موكب التاريخ
84
الإباضية في الجزائر
فأي حزب من هَذه الأحزاب أو تكتل من هذه التكتلات كان يعمل لهذه المؤامرة؟ وأي زعيم من أولئك الزعماء كان يخطط لها؟ وينظمها في الخفاء؟ ويقودها إلى نتائجها التي يقدرها؟ ولأي حزب من هذه الأحزاب يعمل؟.
حسب النتائج التي وصلت إليها بعد الدراسة والبحث ومناقشة الأحداث ومقارنتها بالنظر إلى الظروف العامة لتلك الفترة القصيرة رأيت أنَّه ينبغي استبعاد بعض الأسماء
الأول وهم: 1 -
من
ابن عرفة: فلا داعي لكي نتهمه بأنَّه قتل نفسه أو انتحر؛ لأنه لا يوجد لدينا أي باعث له عَلَى ذلك، ثُمَّ إن الموضع الذي قتل فيه غير المكان الذي وجد فيه، وهذا وحده يكفي لإبعاد تهمة الانتحار من الموضوع.
2 - أبو بكر وأبو اليقظان وقد أوضحت في الفصول السابقة الأسباب التي تدعو إلى إبعاد التهمة عنهما.
3 - عبد العزيز بن الأوز: هذا رجل رفع صوته بالمعارضة والإنكار في أَوَّل البيعة، ثُمَّ سكت بعد ذلك .. يصف ابن الصغير هذا الرجل فيقول: «له فقه بارع، وله رحلة نحو المشرق، ولكنَّه سفيه اللسان خفيف العقل، يترهون مجالسهم عن حضوره، ويستغنون عنه في معضلات مسائلهم»، ورجل هَذه صفاته لا يستطيع أن يدبر مؤامرة، ولا أن يقوم بتنفيذها، ولا أن يكتم أسرارها إذا علم بها ولذلك فقد استبعدته.
بعد
4 - الصيرفي والواسطي وهما تاجران غنيان صاحبا أموال، وقد زادا من لهيب الفتنة أن وقعت واقترحا على الجند والعرب بناء، حصن، وتعهدا بالنفقات اللازمة، أن دورهما في الموضوع لا يتجاوز الاستحسان والتشجيع وأغلب هذا النوع من الناس يتصفون بالإحجام والتردد وعدم الإقدام عَلَى أعمال خطيرة قد تؤدي إلى فقدان الثروة، وانعدام الراحة.
ويبدو
ه - مُحَمَّد مسالة هو رجل له، مركز، وله معجبون لم يرد ذكره قبل أو إبان بن
اشتعال الفتنة، فَلَمَّا وقعت المعارك بين أبي بكر وأصحاب الفتنة ولزم أبو بكر داره لا يأمر (1/848)
صفحة 849
الإباضية في موكب التاريخ
85
الإباضية في الجزائر
ولا ينهى دخل مُحَمَّد بن مسالة إلى المدينة وخيل إليه أَنَّه رُبَّما اختاره الناس للحكم، ولا يتجاسر هو إلى أن يدعو إلى ذلك، وَإِنَّمَا اكتفى بإصدار بعض الأوامر والنواهي، فَلَمَّا تنازل أبو بكر ودعا الناس إلى أبي اليقظان تلكأ قليلا ثُمَّ استجاب ودخل فيما دخل فيه الناس، ولو كان لهذا الرجل في المؤامرة لما فرط في نتائجها بهذه السهولة، وهكذا لا يبقى بين أيدينا في قفص الاتهام غير ثلاثة أشخاص هم خلف الخادم، وابن وردة، ومحمود بن
الوليد؟
ديارهم
طبعه
6 - خلف الخادم قال عنه ابن الصغير ما يأتي: وكان قد قبض العرب مولى من موالي الأغلب يقال له خلف الخادم، وكان له أموال عظيمة فأعان القوم بنفسه وماله»، ويقول بعد أسطر: وكانت العرب والجند إذا غلبت على العجم أخرجتها من بعض ديارها في حالها، فقال لهم خلف الخادم وما تصنعون شيئًا .. إذا غلبتم على شيء من فأضرموه نارًا». هَذه الأسطر القليلة تكشف عن أخلاق هذا الرجل، وغلظ وموت حسه، وما درب عليه من محبة القتل والتخريب مثل هذا الرجل يمكن الاستعانة به في جريمة تقترف؛ إذ ليس له دين يحجزه، وليس له خلق يعصمه، وليس له كرامة يصونها ويقدسها، فهو من الذين يفرحون للفتن وما تجره من ويلات ونكبات، ويسر للحرب وما تجره من تخريب ودمار ويشفي شيئًا من غليل حقده أن يرى الدماء البشرية تسيل، ثُمَّ هو من ناحية أخرى قد يستفيد مما يسرقه أو يسلبه أو يغنمه في هذه الأحوال .. وأمثال هذا الرجل في نظري ليس له تلك العقلية التي يستطيع أن تحكم تدبير المؤامرة وتخطيطها بدقة، ولَكنَّه قد يفرح أن يكون آلة تستخدم في هذه الأغراض، وقد يحرص على تنفيذ ما يُكلف به في هذا المجال بدقة وإتقان وأنا لا أستبعد مطلقا أن يكون للرجل ضلع كبير في تنفيذها لا في تخطيطها .. فليس من الصعب عليه أن يفتعل خلوة بابن عرفة ثُمَّ يجهز عليه ويتم بقية العملية كما وصفت تاركا آثار الدم عمدا حسبما خطط له لتوجه الشبهة إلى أبي يكر بدلا منه. (1/849)
صفحة 850
الإباضية في موكب التاريخ
86
الإباضية في الجزائر
-
ابن وردة وهو حسب ما جاء في رسالة ابن الصغير رجل من العجم له مال
وجاه شجاع قوي ولا يستبعد من مثله أن يتآمر وأن يستغل الفتن أو أن يسرق نتائجها، والصور الواضحة في ذهني عن هذا الرجل أَنَّه لم يكن من مديري المؤامرة، ولكنَّه فرح بوقوعها واجتهد في أن يزيد من لهيبها ليستغلها كما قدر لنفسه، لاسيما وقد ذكر ابن الصغير أن العجم -وهو أحد قادتهم كانوا وقفوا عَلَى الحياد، فَلَمَّا وقت الحرب وقدروا أن الفريقين معا قد ضعفا هجموا على أساس أن يقضوا على فريق أبي بكر وفريق محمود بن الوليد لينحصر لهم الأمر كما قال ابن الصغير، وإليك كلمة ابن الصغير في تصويره لمحاولة العجم بسرقة نتائج المؤامرة قال: «فَلَمَّا رأت العجم ما نزل بين الفريقين من السباب والقتل قالوا قد أمكننا في العرب والجند ومواليهم وأتباعهم ما نريد، فقدموا بنا مع اشتغالهم بأنفسهم حَتَّى نثب على طرف المدينة، فنقتل مقاتلهم، ونخرب ديارهم، ونميل على سائرهم فنهلكهم فيصفو لنا البلد والسلطان، وقد وقع بينهم وبين سلطان البلد من الفتق ما لا يرتق أبدا».
-- محمود بن الوليد لمعرفة دور هذا الرجل ينبغي أن نعود إلى ابن الصغيير لننقل عنه الصورة الآتية: قال ابن الصغير: «ثم جلسوا حلقا حلقا يذكرون أمرهم إلى أن بعث رجل يعرف بمحمود بن الوليد رجالا من خاصته يتعرفون أحوال الناس، وما هم عليه فرجعت رسله إليه وقالت: "قد حمي الوطيس، وَإِنَّمَا ينتظرون محركا"، فصعد إلى أعلى موضع في المدينة يعرف بالكنيسة فضرب الطبل فبادر الناس إليه، وأمرهم بأخذ السلاح والزحف إلى أبي بكر».
هذه الصورة الصغيرة التي وضعها ابن الصغير لأحداث تلك الفتنة تكشف الأيدي التي خططت للمؤامرة واستغلها أسوأ استغلال ولو أراد القارئ أن يحلل الأحداث لاتضح له
ما يلي: كانت هنالك رأس مدبرة مستترة لأحداث تلك المؤامرة، ولا يبعد أن تكون تلك الرأس هي محمود بن الوليد، ومحمود بن الوليد رجل ذكي طموح يتودد إلى ابن عرفة (1/850)
صفحة 851
الإباضية في موكب التاريخ
87
الإباضية في الجزائر
ويخدمه، ويعمل على توسيع شقة الخلاف بينه وبين أبي بكر بما يسكبه في أذنه من أنه خلق للإمارة والزعامة وأنَّه لولا جور الزمان لكان بالإمامة أولى وأحق، وعندما اشتد الخلاف بين أبي بكر وابن عرفة كان حريصًا عَلَى أن يشتد حَتَّى تنفصم العرى، رُبَّمَا كان يأمل أن ينتصر ابن عرفة في حركة عنف فيكون هو إلى جانبه، ورُبَّما كان يُمَنِّي نفسه بمناصب كبيرة، فَلَمَّا تحرك الناس للمصالحة بين أبي بكر وابن عرفة وبدأت الاجتماعات خشي من اتفاق الكلمة، ورأى في ذلك الهيارا لكُلِّ ما بناه، وتكذيبا لكُلِّ ما قام به، ففكر بسرعة وعرف كيف يكيد كيدا يستحيل بعده أن تتفق الكلمة، وهكذا دبّر اغتيال ابن عرفة في سر وألقى التهمة عَلَى أبي بكر، وضرب الرجلين بحجر واحد، وانطلت المكيدة عَلَى الناس .. وكان في قرارة نفسه حَتَّى بعد تنفيذ الاغتيال يخشى فشل الخطة وافتضاح الأمر، وانكشاف القائمين بتنفيذ المؤامرة كما كان يخشى ألا يصدق الناس أن أبا بكر ينحدر إلى هذه الوهدة ويرتكب هذه الجريمة التي هو في غنى عنها، وقد بقي محمود بن الوليد مستترا خفيًا، وكان أصحابه منبثين في الناس يستعظمون الجريمة، ويشحنون نفوس الناس بالغضب والحقد، ويعدونهم للمطالبة بأخذ الثأر .. ولم يظهر إلى الميدان إلا بعد أن بعث أعوانه سرا ينظرون أمر الناس، فَلَمَّا الأعوان وأكدوا له أن رجع الحيلة قد انطلت، وأن المكيدة نجحت، وأن الناس في هياج عظيم، وأنهم لا ينظرون إلا رأسًا للفتنة تقودها وثب بأسرع ما يمكن وتولى قيادة الجماهير الغاضبة؛ فذهب إلى أعلى مكان بالمدينة وضرب الطبل ثُمَّ أمر الجموع بالتسلح والهجوم على أبي بكر فظهر على حقيقته زعيما للفتنة، وهكذا تولى القيادة بعد أن تأكد أن تخطيطاته نجحت، وأنه أصبح الشخصية الأولى في الميدان، فابن عرفة الذي كان يُحبه قد قتل، وأبو بكر لا يلبث أن يقتل وهو قد تولى الزعامة يأمر وينهى فيطاع، ولم يكن يدور في خلده أبدا أن أبا بكر بعد هذا كله سوف يصمد ويرد عنه بعنف ويغلق أمامه السبيل للوصول إلى كرسي الحكم والإمارة. كان محمود حسبما يبدو متصفًا بالدهاء ودقة، التدبير وكان يوجه غيره للعمل ولا يحب أن يظهر إلا حينما يتأكد من نجاح ظهوره تأكدا كاملا. (1/851)
صفحة 852
الإباضية في موكب التاريخ
88
الإباضية في الجزائر
أَمَّا خلف الخادم وقد عاش فترة من عمره جنديًا ففيه من شجاعة الجند وتمورهم واندفاعهم الشيء الكثير، وهذا ما يحتاجه محمود، ولذلك فقد دعا إليه خلف ثُمَّ نفخ في أذنه وكال له المديح والإطراء، ولوح له ببعض المناصب والوعود المعسولة، ثُمَّ ألقى إليه بتخطيط المؤامرة، وطلب منه تنفيذها في حرص واحتراس عظيمين، ولم يكن ذلك عسيرا عليه فإن العلاقة بينهم وبين ابن عرفة كانت وطيدة يسهل معها جره إلى أي مكان بأي
دعوة.
وصورة الحادثة في ذهني حينما علم بالجهود التي تبذل بين أبي بكر وابن عرفة خاف أن يصطلح الرجلان فدبر لاغتيال ابن عرفة وإلقاء التهمة عَلَى أبي بكر، ثُمَّ استعان على التنفيذ بخلف الخادم أو بغيره أو به وبغيره وعندما أخبره القائم بالاغتيال بإتمام المهمة رفد إلى قصر ابن عرفة أن سيد القصر ذهب في ذلك اليوم إلى الإمام، وأن إبطاءه وعدم عودته أمر يثير الاهتمام والقلق. واستطاعوا فعلا أن يشحنوا نفوس أهل القصر بالقلق والخوف، وهكذا ذهبوا يسألون فلم يجدوا جوابًا، وفي الصباح استطاعوا أن يملأوا النفوس بالشك والريبة في الإمام، ثُمَّ جعلوا يبحثون عنه كما لو كان طفلا صغيرا .. وتعاون الجميع على البحث، وكان القتلة قد مهدوا الطريق فتركوا آثار واضحة تَدُلُّ عَلَى الجريمة، ولربما قادوا الناس إلى اقتفاء تلك الآثار دون وعي أو شعور من الناس حتى أوصلوهم إلى مكان الجثة، وأذاعوا أن أبا بكر هو الذي فعل هذا. واقتنعت تلك الجماهير التي تشترك في هذه التمثيلية والجماهير حين تغضب تفقد التفكير السليم والمنطق القويم والسيطرة على المشاعر.
أما
موقف أبي بكر من هذه الحادثة فقد كان فيما يبدو كما يلي: جاءه بعض أهل ابن عرفة
يسألونه عنه فأجابهم بأنه ليس معه ولم يهتم للموضوع، فإن غياب رجل عن بيته يوما أو ليلة ولا سيما عندما يكون الرجل ذا أعمال كثيرة موزعة، وأصدقاء مخلصين في كل مكان ومحبة في كُلّ
قلب، فإن غياب هذا الرجل لا يستدعي القلق ولا يبعث على البحث والشك. إن هذه الليلة ليست أول ليلة يغيب فيها ابن عرفة عن بيته وقد كان يختار للوفادة إلى الأقاليم منذ زمان أفلح .. وفي الصباح انبعث الناس يبحثون عنه كما لو كان طفلا صغيرًا، (1/852)
صفحة 853
الإباضية في موكب التاريخ
89
الإباضية في الجزائر
وربما كان أبو بكر يعجب لتصرفهم هذا، ويسخر في نفسه منهم، ولم يلبث أن سمع بالنكبة وبلغته الأخبار بأن ابن عرفة وجد مقتولا فتولته الدهشة وقبل أن يستفيق وصلته أنباء أخرى تلقي عليه تهمة اغتيال ابن عرفة وكانت دهشة أخرى وحيرة.
وقبل أن يستفيق من المفاجأة الثانية سمع الطبول تقرع، ثُمَّ علم أن الجموع الهادرة الساخطة مقدمة عليه تريد رأسه فوثب إلى سلاحه وانضم إليه بعض من كان قريبا ووقعت المعركة الأولى فثبت فيها أبو بكر، ولم يستطع محمود بن الوليد أن يحقق شيئا، وتكررت الوقائع ولكن أبا بكر ثبت مع القلة الذين وقفوا معه وبرغم أن المكيدة انطلت على أغلب الناس حَتَّى أبي اليقظان فاعتزلوه .. لا شك أن كُلّ فرد من الأفراد الذين وجهنا إليهم التهمة في أوَّل هذا الفصل إنَّما كان يعمل لإحدى التكتلات أو الأحزاب التي ذكرناها سابقا، أو أن كُلّ واحد منهم إنَّمَا كان يمثل جهة معينة. فمن أي التكتلات كان محمود بن الوليد وخلف الخادم؟ أَمَّا خلف الخادم فقد كان من الجند بلا شك وقد صرح بذلك ابن الصغير، فلا داعي لمزيد من البحث .. أما محمود فإن المصادر التي بين أيدينا لَمْ تصرح من أي التكتلات هو، ولذلك فلا مناص من الاستنتاج. لا شك أن محمودًا ليس من الرسميَّة، وإلا لما قام بعمله ذلك وليس من نفوسة؛ لأنّ نفوسة قد اعتزلت الفتنة فلم تشترك فيها إلا أخيرًا حين أضرم أتباع محمود وخلف النار في منازلهم وليس من العجم؛ لأن العجم وقفوا موقف المتفرج عندما قاد محمود الجماهير إلى قتال أبي بكر في الهجمة الأولى، وعندما كان ملتحما في المعركة كان العجم ينظرون إلى أقوى الفريقين حَتَّى ينقضوا عليه من الخلف ليسحقوهما معا ويخلو لهم المكان، فلم يبق إذن إلا أن يكون من العرب أو الجند واشتراك العرب والجند في المعارك وتآزرهم في جميع المواقف يَدُلُّ عَلَى أن محمودا كان من العرب، وأن خلفًا كان من الجند؛ فاشترك الرجلان في عمل واحد وكونت الطائفتان تكتلا واحدا يشبه أن يكون حزباً، وقد بقي هذا الحزب يعمل أوَّلاً بأسلوب العنف حتّى فشل، فَلَمَّا فشل بطريقة العنف استمر يعمل بالوسائل الأخرى، وقد انقضى عهد أبي بكر ثُمَّ جاء عهد أبي اليقظان ودام نحو أربعين سنة وكان هذا الحزب لا يزال يعمل، ولما جاء أبو حاتم نشط الحزب أيضًا، وكان يعمل بجد وحرص. (1/853)
صفحة 854
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
ويكفي للدلالة على هذا أن نقتطف من ابن الصغير ما يلي: «وكان مشايخ البلد من غير الإباضية قد استولوا عليه أي أبي حاتم - منهم رجل يعرف بأبي مسعود وكان كوفيا فقيها بمذاهب الكوفيين، ومنهم شيخ يعرف بأبي دنون وكان على مثل صاحبه من الفقه الكوفي، ومنهم رجل يعرف بعلوان بن علوان ولم يكن من أهل الفقه، ولكن كانت له رئاسة في البلد ومحبة عند العوام، وكانوا هؤلاء قد طمعوا أن يبيدوا خبر الإباضية ويطفئوهم».
ولا شك أن ابن الصغير وهو المؤرخ الأمين قد أخذ كثيرا من الأخبار عن أفراد من من هذا الحزب أو التكتل، وقد امتد تكتله كما رأيت إلى نهاية خلافة أبي حاتم، يستعلن أحيانًا ويختفي أحيانًا أخرى، يعمل في ميدان المجابهة، والتحدي ويعمل في ميدان البحث والمناقشة والفكر، ويعمل في ميدان المؤامرة والكيد.
بقي لي أن أقول للقارئ الكريم إِنَّني في هذا التحليل قد جاريت رواية ابن الصغير واعتمدت عليها، أما لو أردنا أن نعتمد رواية الدرجيني فإن قضيَّة المؤامرة والاغتيال تبتعد عن بيت الإمارة كما ذكر أستاذنا الفاضل الشيخ بيوض -حفظه الله ورعاه- إذ أن الدرجيني يذكر أن خلافا شديدا وقع بين أبي بكر وابن عرفة أفضى إلى مشادة وحمل سلاح، ثُمَّ إِنَّه وقع اغتيال ابن عرفة من يد مجهولة فاشتد الشقاق حَتَّى وصل أبو اليقظان فاجتمعت عليه جميع الأطراف بعد عديد من المساعي، ومهما كانت التحليلات فإن الذي أستبعده كُلّ الاستبعاد أن يتهم أبو اليقظان بتدبير المؤامرة، وأن يتهم أبو بكر بتنفيذها وهما أقدر على قتل ابن عرفة إذا استحق القتل شرعًا، وأنزه وألطف من أن يلوثا أيديهما بدماء بريئة ..
والله أعلم بحقيقة الوقائع، ولا يعلم الغيب إلا الله ..
وإني أستغفر الله تعالى إن كان اجتهادي خطأ، فما بحثت إلا عن الحقيقة، وما أردت إلا
الصواب والتوفيق من الله تبارك وتعالى. (1/854)
صفحة 855
الإباضية في موكب التاريخ
91
الإباضية في الجزائر
عزيزي القارئ؛
تستحق
عنهم،
الباب الثاني.
صور عن شخصيات
في هذا الباب أحاول أن أعرض عليك عددًا من الشخصيات دون اختيار. ذلك أنه يستحيل على أن أتحدَّث في هذا المجال عن كُلّ من يستحق الحديث، أو كُلّ من ينبغي عنه الحديث، وكتب السيرة حفظت لنا مئات الشخصيات العظيمة التي كل واحدة منها دراسة وافية .. ولقد أغمضت عيني وأخذت أسماء من السيرة كيفما اتفق لي ودون مراعاة للعصر ولا للمرتبة ولا للإنتاج ولا للبلد، وقد بقي من علماء هذه المنطقة التي أكتب عنها أعلام لهم مركز ومقام لم أتحدث لَعَلّ من أقربهم إلى ذهن القارئ أمثال أبي العباس أحمد بن محمد الذي تعتبر كتبه من أهم المراجع في الفقه الإباضي، وتبغورين الملشوطي الذي يعتبر كتابه في علم الكلام أهم مرجع وعليه يعتمد المؤلفون من بعد، وغيرهما كثير ممن كانت لهم كتب ومؤلفات، أو مِمَّن لَمْ يتركوا مؤلفات ولكن دونت أقوالهم وأبحاثهم ورسائلهم من مؤلفات غيرهم، ومِمَّن لَمْ يشتغل بتأليف الكتب ولكنه اشتغل بتأليف الرجال فكون أجيالا، وقد كان لبعضهم جموع من الطلبة تتحرك الطلبة تتحرك معه كأنها الجيوش، وكان منهم من يقوم في المجتمعات الإباضيَّة مقام الإمام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقيم الحدود ويرد عدوان المعتدين حتّى بالعنف، ولكن هذا المجال لا يتسع لغير ما قدمنا، وعسى أبناءنا البررة أن يسدُّوا ولو من بعدنا هذا الفراغ، ويرممون هذا البناء، ويعيدون ذلك الصرح العظيم على قواعده الصلبة يشع منه النور والمعرفة والهداية. (1/855)
صفحة 856
الإباضية في موكب التاريخ
92
الإباضية في الجزائر
عاصم السلماني)
نشأ عاصم في قبيلة "سَدارَتَه"، وكان ينتقل معها بين جبال أوراس تارة في الشمال وتارة في الجنوب فشب قوي البنية قويم الخلق، سليم النفس ذكي الفؤاد، مع شيء من حدة الطبع، وصلابة الإدارة وقوة العزم في تصميم وإقدام. قرأ القرآن الكريم وعرف مبادئ الإسلام القويمة، وحضر مجالس العلم وكان يصغي إلى رجال العلم في الدين وهم يتحدثون عما يدعوه إليه الإسلام ويطالب المسلمين بالاستمساك به، وإلى ما زاغ به ناس جرفتهم مطامع الحياة فكان يتحرق شوقا إلى مزيد من المعرفة، ولكن الأحوال التي كانت عليها بلاد الجزائر في ذلك الحين، وما كانت عليه من ثورات وحروب كانت تثور كُلّ يوم في كُلّ جهة، كانت تحول دون استمرار الشباب في الدراسة، ولذلك فقد كان عاصم يتألم في صمت لحرمانه، ويتأسف في أسى لوجوده في تلك الظروف المتقلبة .. فَلَمَّا بلغه ما يدعو إليه سلمة بن سعد، وما تزدان به المساجد ودور العلم في البصرة من بلاد العراق صمم على السفر، وكان وهو يعد نفسه يلتمس الرفيق والزميل حَتَّى بلغه خبر ثلاثة فتيان كانوا قد عزموا على مثل ما عزم عليه فاستبشر بذلك وقرر أن ينضم إليهم.
وتكونت بعثة عملية من أربعة طلاب نجباء سافروا من المغرب الإسلامي إلى المشرق
الإسلامي ليغترفوا العلم من، منابعه ويأخذوا أصول الدين وفروعه عن أساتذته. قضى عاصم خمس سنوات في الدراسة في معاهد البصرة، يستمع إلى من وجد من كبار التابعين وتابعي التابعين، ويحضر مجالسهم .. أَمَّا أستاذه الذي درس عليه باستمرار، واقتبس دينه وخلقه منه، وتكونت شخصيته علي يديه فهو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة .. وفي البصرة ربطت أواصر الصداقة بين الطلاب الأفارقة الأربعة، ثُمَّ أضافت إليهم طالبًا آخر جاء إلى البصرة من اليمن لمثل ما جاؤوا إليه هو الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري وتعاهد الرفاق الخمسة أن يكون متجههم واحدا أينما ساروا بعد
(1) من علماء القرن الثاني، ذكره الباروني في الطقة الثالثة. (1/856)
صفحة 857
الإباضية في موكب التاريخ
93
الإباضية في الجزائر
التخرج .. فَلَمَّا أذن لهم شيخهم بالرجوع إلى أهاليهم وأوطانهم لتفقيه أقوامهم ودعوتهم إلى الاستمساك بدين الله اختاروا بالإجماع أن تكون ليبيا نقطة انطلاق نشاطهم، وكان استقرارهم بادئ الأمر في طرابلس.
اختار عاصم أن لا يتقيد بمسؤولية وظيف في إمامة زميله أبي الخطاب، وَإِنَّمَا كان يختار لنفسه المجال الحر، وكان رفاقه يحترمونه ويحبونه ويستجيبون لرغباته؛ فَلَمَّا شغل أبو الخطاب بالإمامة، وشغل عبد الرحمن بالولاية، وشغل أبو درار بالقضاء، وشغل أبو داوود بالتدريس، كان الموقف يحتم على عاصم أن يشتغل بالدعوة في مجال حر غير متقيد ولا مرتبط بمكان .. وقد اشتغل عاصم بهذا العمل فكان ينتقل بين المدن ينتقل بين المدن والقرى والأحياء الضاربة في الصحراء ترود الكلأ بمواشيها، وتنتجع الخصب لأنعامها .. يُلقي الموعظة الحسنة ويحل المشكلة الناجمة، ويفصل الخصومة الثائرة بالحكمة والرأي السديد .. كانت التي رسمها لنفسه في عمله الحر أن يركب ناقته وينتقل بين الأحياء يضرب في
الخطة
لاسيما
البيداء يعلم الناس في مضاربهم ويبين لهم ما يجهلونه من أحكام الدين المتعلقة هم، أولئك الذين يعيشون عيشة البداوة، ولقد اختار أن يشق طريقه من طرابلس على سهل الجفارة، ثُمَّ يصعد على الجبل يسير معه حتى يبلغ "تيغيت" قرب "نالوت" فيقيم هناك أيا ما ثُمَّ يرحل عَلَى طريق "تيفست" ثُمَّ "درج" ثُمَّ "غدامس"، ومن هناك يتجه غربا مارا بالقبائل الضاربة في البادية حَتَّى يبلغ مواطن سَدارته في جبال أوراس، ويقيم هناك ما يقيم ثُمَّ يعود أدراجه مع نفس الطريق مارا بالأحياء الضاربة في الصحراء، يقيل هنا ويبيت هناك، فيتجمع عليه الناس للسؤال والاستفتاء، وقد اتخذ في طريقه هذا عدة مصليات كان يقيم فيها أَيَّاما يُلقي دروس الوعظ والإرشاد، بل ودروس التوجيه والتعليم. أما اختياره لتلك المصليات التي كان يقيم فيها آخذا لنفسه قسطا من الراحة فقد كان ينبني على كثرة السكان، فحيثما وجد كثافة السكان ورغبة في المعرفة أقام المدة التي من تتيحها ظروفه، ويقتضيها قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ولم يكن في تلك المناطق في ذلك الحين من كبار العلماء من يُروي ظمأ الناس فكان يقيم أياما يتلقى عنه الشباب دروس العلم، وبقية الناس الأحكام وحلول المشاكل الدينية، وقد عرف (1/857)
صفحة 858
الإباضية في موكب التاريخ
94
الإباضية في الجزائر
سكان المنطقة الواقعة بين "غَدَامَس" و "طرابلس" عاصماً، وعرفوا ناقته التي يركبها حتَّى نسجوا حولها الأقاصيص، ولا تزال بعض تلك الأقاصيص تتناولها الشفاه، ورُبَّمَا أضاف لها طول الزمن كثيرًا من الخيال والخرافة. وعرفوا مواعيد سفره التقريبية فكانوا ينتظرونه في المواعيد المتوقعة، وَلَعَلّك لا تجد أحدًا من الجيل السابق في هذه المنطقة يجهل اسم عاصم السدراتي وناقته وبعض القصص المتعلقة
وقد بقيت بعض مصلياته وأماكن إقامته إلى اليوم معروفة، بينما اندثر البعض الآخ ونسي مكانه وإن كانت تجمعات طلابه المشاهير تعرف بالتقريب إلى اليوم، ومن طلابه تكونت الطبقة الأولى لكبار العلماء في الجبل أمثال أيوب بن العباس، وأبي مرداس، وأبي الحسن الأبدلاني، ومُحَمَّد بن يانس وأبي نصر التمصمصي وأبي يونس وسيم، وعبد الخالق الفزاني، وكثير غيرهم منهم من استمعوا إليه في طفولتهم كعبد الخالق وأبي يونس وسيم، ومنهم من حضروا عليه في شبابهم وذلك كله حين كان ينتقل بين "سدارته" و "طرابلس" عن طريق "غَدَامَس"؛ فَلَمَّا قتل الإمام أبو الخطاب وانتقل الإمام عبد الرحمن إلى الجزائر استقر عاصم في منطقته من جبال أوراس والتف حوله هنالك جموع غفيرة من المسلمين الذين نقموا عَلَى سلوك الحكام في الجزائر.
فَلَمَّا
بايع الناس
الناس أبا حاتم الملزوزي في ليبيا استعد عاصم لمناصرته بمن معه ولحق به في القيروان مع قوة كبيرة جاءت معه من جنوب الجزائر، وفي تلك الوقعة قتل مسموما في
قثاء كما تذكر كتب التاريخ.
بعد مقتل عاصم وانتقال الإمامة إلى "تَاهَرْت" في الجزائر اعتزل الإمام أبو درار القضاء واستقر في بلدة "غَدَامَس"، واشتغل بالتدريس فلحق به طلاب عاصم وأخذوا منه أكثـ
ممَّا أخذوا عن عاصم، وأصبحوا ينسبون علومهم إليه ويحسبون من مدرسته. أما أبو داود القبلي فقد اعتزل الحركة السياسية من أول الأمر، واستقر في بلده يلقي دروس العلم، فَلَمَّا قتل عاصم لحق به جمع من تلاميذ، عاصم، ولحق جمع آخر بالإمام عبد الرحمن بن رستم في "تَاهَرْت"، ولهذا لم يذكره المؤرخون فيمن جرت عليهم نسبة الدين؛ (1/858)
صفحة 859
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
لأن طلابه قد انتسبوا بعده إلى أحد الأئمة الثلاثة الذين هم أبو درار وأبو داوود وعبد
الرحمن.
قال عنه أبو العباس الشماخي في السير صفحة (141 ما يلي: «ومن أئمة المغرب ومشاهير أشياخها وقادة أهلها عاصم السدراتي، وكان من حملة العلم عن أبي عبيدة مسلم، وتقدم بعض أخباره مع أبي الخطاب وكان من خيار من صحبه، واشتهر موته بحصار القيروان بسم في قثاء وهو مع أبي الخطاب كما قال أبو زكرياء)، أو مع أبي حاتم كما قال ابن سلام قال الرقيق عسكره ستة آلاف وكان رحمه الله - تعالى جمع العلم والعمل والجهاد والحزم وشدة العزم والرأي وحيد الدهر وفريد العصر». وقال الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز في تاريخ المغرب الكبير (صفحة 79) ما يلي: «وكان عاصم السدراتي من قبيلة سدراته وكانت مواطنها بالمغرب الآن في شمال أوراس وجنوبه، وكان من علماء المغرب الكبار، ومن أهل التقوى والورع والزهد، وكان مع هذا فارسا من فرسان المغرب، وقائدًا حربيًا من قواده المحنكين». ويقول بعد أسطر: سارع بجيشه إلى أبي حاتم الملزوزي الذي زحف على القيروان فانضم إليه، وكان من أعضاء أبي حاتم الكبار، ومن قواده العظام، ومن ذوي الرأي والحماس».
999
(1) لا شك أن أبا زكرياء واهم، فأغلب مصادر التاريخ تذكر وقوف عاصم مع أبي حاتم ولو قتل مع أبي الخطاب لما ذكر، بل إن بعض كتب التاريخ تذكر جميع مواقفه بدقة وعدد جيوشه في كُلّ حركة من حركاته مما يدل
على ما قاله ابن سلام. (1/859)
صفحة 860
الإباضية في موكب التاريخ
صفى فارس)
الإباضية في الجزائر
عبد الرحمن بن رستم الفارسي
هو رجل حقيق بأن يكتب عنه الكاتبون ويرسمه الرسامون، ويترجم له المترجمون، إنه شخصية من الشخصيات التي يندر وجودها في التاريخ، وإذا أتيح لعصر من العصور مثل هذه الشخصية كان ذلك طابعًا مميزا لذلك العصر، وسمة واضحة له.
حوله هالة رسم
إنَّني ما ذكرت عبد الرحمن بن رستم إلا وذكرت بطلا آخر يشبهه في بعض المواقف والوجوه لا في كلها، ذلك هو عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) .. على أن صقر قد وجد من عناية التاريخ واحتفال الكتاب به من المجد والعظمة والفخار .. ووجد صقر فارس من إهمال التاريخ وحقد المؤرخين والكتاب عليه وانصرافهم إلى طمس مزاياه وأخباره ما كان حريًّا أن يخرجه من حيّز الوجود، ويطمس آثاره من واقع الحياة. عندما تغلب بنو العباس على بني أمية، وانتزعوا كراسي الحكم منهم، ثم أصبحوا يتتبعونهم، ويطاردونهم ويضيقون عليهم هرب عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس كما هرب كثير من الأمويين. وكان بها من أتباع بني أمية عدد كبير، كما أن العصبية القبلية كانت
هناك مستعرة مستحكمة.
وقبل أن يدخل عبد الرحمن إلى الأندلس بعث مولاه بدرًا ينظر له الأمر ويمهد له الجو، ويدعو إليه وجوه الناس وأعيانهم ويعد ويُمني؛ فَلَمَّا اطمأن إلى نتيجة الحركة وبلغته الأخبار المشجعة دخل إلى الأندلس فوجد الأمر مهيأ والحال مساعدًا، فبويع بالخلافة تم حارب مخالفيه حتى انتصر عليهم ودانت له الأندلس.
فعبد الرحمن الداخل شخصية لامعة من شخصيات الدولة، وهو من أسرة تولت الحكم لمدة قرن من الزمان، ولا يزال كثير من الناس يحنّ إلى حكمها، ويود لو يعود إليها الأم
1) من أئمة القرن الثاني ذكره الباروني في الطبقة الرابعة وتقدم بعض الحديث عنه في كتاب «الإباضية في تونس» وتحدثت عنه أغلب كتب التاريخ العام. (1/860)
صفحة 861
الإباضية في موكب التاريخ
97
الإباضية في الجزائر
والسلطان ثُمَّ إِنَّه كما ذكرنا قد مهد الأمر بإرسال مولاه بدر الذي اتصل بأنصار الأمويين فوطأوا له الأكناف ومهدوا له السبل، وأتاحوا له الفرصة، فلما وصل وجد البيعة تنتظره،
وباب الإمارة مفتوحا، فبويع، ثُمَّ إِنَّه استعمل السيف حتَّى أسكت الألسنة المعارضة. لقد كانت جميع الظروف مساعدة، وكان الجو ملائما، كانت طبيعة الوضع في الأندلس تنتظر من يدق الباب، ومع ذلك فقد اعتبر من أبطال التاريخ وسُمي "صقر قريش"؛ لأنه حين خرج خرج طريدًا شريدا وحيدًا ليس معه إلا خادمه بدر هذا .. وهو صديقه المخلص على الأصح وبعض الخدم أفضل وأصدق من الأقرباء.
هذا هو الإطار العام للقسم الأوَّل من صورة البطولة التي من أجلها أطلق على عبد الرحمن الداخل لقب صقر قريش.
أما عبد الرحمن بن رستم فقد كان أبوه من موالي، الفرس، وهو أعجمي، ومات أبوه وتركه يتيما .. صغيرًا فقيرًا يتبع أمه في موسم الْحَجِّ، وارتحل مع أمه إلى القيروان حيث نشأ تحت كفالة زوج أمه في وطن غير وطنه، وبين ناس لا علاقة له بهم غير علاقة الإسلام العامة التي تربط كُلّ مسلم بِكُلِّ مسلم فاعتمد على نفسه ودرس حتى أصبح إماما؛ فاختاره صديقه أبو الخطاب عبد الأعلى عاملا على القيروان .. فَلَمَّا تغلب العباسيون على أبي الخطاب كما تغلبوا على الأمويين، وقضوا عَلَى دولته في ليبيا كما قضوا عَلَى الدولة الأموية، وتغلبوا على البلاد التابعة له من البلاد التونسية كانت القيروان ضمن البلدان التي تغلبوا عليها، وفر عبد الرحمن بن رستم منها مع ولده وخادمه فقط، حتّى بلغ أواسط الجزائر فاستقر في جبل "سوفجَج"، وطورد هناك وحوصر في ذلك الجبل المنيع فترة من الزمن حتَّى استطاع أن يؤثر على الناس بخلقه ودينه وأن يثقوا فيه، ثُمَّ دعى إلى إقامة الإمامة في "تاهرت"، فبويع إمامًا وأقام هنالك كفاءات الدولة الرستمية بعد أن جمع حوله القلوب والسيوف بفضل ما يتحلى ــن
شخصية فقط.
فقد بايعه الناس دون أن تمهد له عصبية، فقد كان فارسيًا بين عرب وبربر، ولم تسع له قومية فإن قوميته كانت منهارة في ذلك الحين، ولم يبن عمله على حسب، فقد كان حسبه القريب ولاء وعبودية، ولم يدع له دعاة لسابقة حكم في عهد الإسلام، فقد نشأ يتيما في (1/861)
صفحة 862
الإباضية في موكب التاريخ
98
الإباضية في الجزائر
كفالة زوج
أمه الذي لا يعرف الناس عنه شيئًا .. ولم تسبقه دعوة؛ لأنه خرج والمطاردون
على أثره، واستقبلته السيوف والرماح لولا اعتصامه بالجبل المنيع. هذا هو الإطار العام للقسم الأول من صورة البطولة التي من أجلها أطلقت أنا على عبد
الرحمن بن رستم لقب صقر .. فارس وهذه هي الصورة التي تجاهلها المؤرخون عن عمد فلـ يظهروها بالوضوح الكافي.
أما القسم الثاني لصورة الصقرين أو البطلين فهي متشابهة كُلّ التشابه، فقد كان الرجلان متعاصرين نالتهما الأحداث من الدولة العباسية الناشئة بسبب انتماء كُلّ واحد منهما إلى دولة سابقة؛ فقد فر صقر قريش ولحق بالأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة، وفر صقر فارس من القيروان واستقر بـ "تَاهَرْت" سنة إحدى وأربعين ومائة، وتوفي صقر قريش سنة اثنتين وسبعين ومائة وتوفي صقر فارس سنة إحدى وسبعين ومائة وترك الداخل دولة عظمى في الأندلس، وترك الفارسي إمامة عظمى في الجزائر .. وكانت الدولة التي تركها صقر قريش تمثل الدولة العظيمة في حضارتها وازدهارها المادي، وكانت الإمامة التي تركها صقر فارس تُمثل الدولة الرشيدة التي وضع أسسها الإسلام .. وَكُلُّ ما هنالك من فرق أن قدم الداخل لم تثبت في الأندلس إلا بعد أن أريقت دماء وضاعت أراضي من بلاد الإسلام، وأن قدم الرستمي ثبتت دون إراقة دماء ولا ضياع بلاد. قال ابن خلدون (في المجلد الرابع صفحة (265 ما يلي: وعندما شغل المسلمون بعبد الرحمن وتمهيد أمره قوى أمر الخلاف واستفحل سلطان القوط، وتجهيز فرويلة بن الأدفونش ملكهم، سار إلى ثغور البلاد فأخرج المسلمين منها، وملكها من أيديهم». إنني كلما تتبعت أحداث التاريخ التي وصل بها صقر قريش إلى الخلافة، وأحداث التاريخ التي وصل بها صقر فارس إلى منصب الإمامة، زادت في نظري عظمة عبد الرحمن بن رستم لاسيما إذا أضفت إلى ذلك أن عبد الرحمن الداخل لم يطمئن على كرسي الإمارة إلا بعد أن أريقت دماء مسلمة زكية وضاعت بلاد مسلمة حبيبة، وثار خلاف عصبي ممقوت لَمْ يهدأ حتَّى قضى عَلَى الدولة الإسلامية في الأندلس بعد قرون.
وأن عبد الرحمن بن رستم رفعته الأكف والقلوب إلى كرسي الإمارة، وتغلب على الخلاف بالمحبة والعدالة والسلام وترك سيرة نقية يضرب بها المثل. (1/862)
صفحة 863
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
محكم الهواري)
محكم الهواري هو شخصية من الشخصيات اللامعة التي تتهرب من الظهور وتتباعد عن الأضواء، ولكن الناس يلاحقونها ويسلطون عليها أنوارهم الكاشفة .. نشأ "محكم الهواري" في جبال أوراس الجميلة الخصبة، وترعرع في تلك الأودية والشعاب في حرية أهل البادية وسماحة نفوسهم، وصرامة طباعهم، وبعدهم عن اللف والدوران والتعقيد، وتجافيهم عن النفاق الاجتماعي والمداهنة، والملق وقد كان محكم منذ صغره ذكيًا قويم الخلق، فتعلم العلم ونبغ فيه، وأنشأته أسرته المؤمنة على دين وتقوى، فشب لا يخاف إلا الله ولا يرجو غير الله، عازفا عن الدنيا مترفعا عن ملاذها وشهواتها، محافيًا لعبيدها. وقد عرف الناس كمال علمه وخلقه ودينه وشدته في الْحَقِّ وتعلقه بالله فاحترموه لهذا الخلق وأحبوه من أجلها.
وإذا كان الناس اليوم ولاسيما من درس شيئًا من العلم يكونون أحرص من غيرهم على استثمار علمهم استثمارًا ماديًا يبيعون فيه الكرامة من أجل المنصب، ويبذلون عزة النفس من أجل الثروة، ويتخلون عن شرف العلم لشرف المهنة، وقد يبلغ الحرص على الدنيا ببعضهم أن يُغضب الله ليرضي الناس؛ فإن أهل العلم في ذلك الحين كانوا لا يغرهم شيء من زخارف الدنيا. وإذا كان العلماء اليوم يتسابقون على الحكم ويتهارشون عليه، ويتحاربون من أجله، وقد ينحدر بعضهم إلى الكيد والكذب؛ فإن العلماء في ذلك الحين كانوا يهربون منه ويفرون فرارهم من الأوبئة والأمراض .. وكانوا يقولون: إذا رأيتم العالم يغشى باب السلطان فاتهموه على دينكم".
ومع أن العصر الذي عاش فيه محكم الهواري كان مملوءاً برجال العلم والصلاح مشحونا بذوي الدين السوي والخلق الرضي، غاصاً بأصحاب الفهم والذكاء والألمعية، ولا سيما "تاهرت" التي كانت معقلا لهم فإن الناس حينما استشارهم الإمام أفلح فيمن يختارونه للقضاء في "تَاهَرْت" أجمعوا عَلَى استجلاب هذا الرجل القابع بين جبال أوراس الشاهقة،
(1) من علماء القرن الثالث الهجري ذكره الباروني في الطبقة الخامسة. (1/863)
صفحة 864
بعيدا
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
عن الضوضاء والصخب، وكان يشتغل بنفسه لنفسه قانعا بحظه من الحياة راضيا بما
قسم الله له.
حين اختار الناس محكما لمنصب القضاء ورفعوا رأيهم هذا إلى الإمام ناقشهم الإمام في اختيارهم هذا وأخبرهم أن في الدولة كثيرًا من الرجال لا يقلون علمًا ودينا وذكاء وتحريَّا عن، محكم، وهم يعيشون في وسط الدولة، ويعرفون كيف يتصرفون مع الناس في لطف ولباقة، وأن محكما في طبعه الصريح الجاف، ومواقفه الصامدة وقوته في الْحَقِّ، ومعيشته في حياة البادية قد لا يلائم طبائعهم المتحضرة، وأذواقهم المرهفة الحساسة وسلوكهم الذي تقيده آداب المدينة وأعرافها .. ولكن الناس قد اتفقوا عامتهم وخاصتهم على محكم لا يريدون غيره، وصمموا على موقفهم، وألزموا الإمام بتنفيذ رغبتهم. ولكنَّهم جميعًا كانوا حائرين يفكرون في طريقة دعوته إلى الحاضرة؛ فإنهم لو دعوه باسم الوظيف الجديد كان حريًا أن لا يأتيهم وأن لا يستجيب لطلبهم، وتداولوا الرأي مع "الإمام أفلح" وأخيرًا اتفقوا أن يكتب أهل الشورى له رسالة يطلبون فيها حضوره المستعجل لأمر مهم وأن يكتب الإمام أيضا رسالة يدعوه فيها إلى الحضور، وقد اتفقوا على فحوى
الرسالة.
إلى القارئ الكريم نص رسالة أهل الشورى قالوا: «أما بعد، فإنه نزل بالمسلمين أمر لا غنى بهم عن حضورك، وهم منتظرون لقدومك، ولا يسعك التخلف فيما بينك وبين الله في اللحوق بهم، والاجتماع معهم، ليجمع رأيك على ما فيه صلاح المسلمين». وما تسلّم مُحكم الرسالة حتّى أخذ كساءته وعصاته وعمد إلى دابة له فركبها ولحق بالقوم في "تاهرت"، وحضر إلى المسجد فإن المسجد هو المكان الذي تناقش فيه قضايا المسلمين الكبرى والصغرى فسألهم عن الحديث، فأخبره الإمام أن قاضي المسلمين قد توفي، وأن الناس قد اختاروه ورشحوه لمنصب القضاء، وأنه هو أي الإمام - موافق للناس على رغبتهم هذه. فتمنع محكم وأبدى كثيرًا من الأعذار، ولَكنَّهم لم يزالوا به حتَّى قبل وسار فيهم التي أملها المسلمون، وقد سجلت في فضله وعدله وشدته في الْحَقِّ قصص وطرائف ليس هذا
السيرة (1/864)
صفحة 865
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
مكانها ومن شاء الاطلاع عليها، فعليه بكتب التاريخ أمثال رسالة «ابن الصغير» و «سير» الشماخي و «طبقات» «الدرجيني و «أزهار الباروني و «مغرب» الدبوز وغيرها، أما نحن في هذا الكتاب فَإِنَّمَا يعنينا في قصته أمران:
الأَوَّل: الرسالة التي بعثت إليه وكانت كافية في إقناعه بوجوب إجابة الدعوة. الثاني: الأسباب التي استطاع الإمام والمسلمون أن يقنعوا بِهَا مُحكما ليتولى القضاء بعد تمنعه وفراره .. فإن هذين الأمرين فيما -أرى يعطيان صورة قريبة من الصحة لحالة الأمة ورجالها في ذلك الحين، وما هم عليه من خلق ودين؛ وذلك لأننا نريد أن نرسم صورًا
للحياة التي كانت تحياها الأمَّة المسلمة أمام أنظار أبنائها في هذه العصور لعلهم يجدون هم يحدون فر
ذلك قدوة حسنة، وأسوة صالحة، وتاريخا مشرفًا ينتسبون إليه بفضل الإسلام.
ذلك أن مجتمعنا اليوم قد بعد جدا عن الروح التي كانت تجمع أغلب أبناء الشعب في ذلك الحين، وأصبح رجل العلم عندنا اليوم هو نفسه يتكالب على منصب في الدولة، يقرع كُلّ الأعتاب، ويذل ويستجدي حتّى للبواب ويسعى بجميع الطرق والحيل
الأبواب، ويتمسح بجميع
ويتخذ كُلّ الوسائل والوسائط فإذا تحصل عليه، اعتبر ذلك مغنما، وانتفخ متعاظماً.
بلغني منذ سنوات أن أحد الرجال المنسوبين إلى العلم ممَّن يتجرأ فيصلي بالناس، ويلقي عليهم دروس الوعظ والإرشاد، لا سيما في مواسم الانتخاب إذا عزم أن يخوض معركتها، وكثيرا ما يحرر الخطب الجمعية في نقد الحكومة والاهتمام بمصالح الناس .. كان ذات ليلة يسهر مع جمع من أصدقائه، وفتحوا جهاز الإذاعة على نشرة الأخبار، فإذا فيها تأليف وزارة جديدة، وإذا المرسوم يشتمل على إسناد وزارة إليه فقام دون أن يشعر، ودون أن يخجل حتَّى من الحاضرين يتلوى راقصا في الحجرة بين الحاضرين بكرشه الضخم، وعمامته المقورة، وهو يلوك إحدى الأغنيات الشائعة بين الطبقات الدنيا من الجماهير. ومنذ تلك الليلة ترك المسجد ودروس الوعظ والإرشاد إلى أن تخلت عنه الوزارة؛ فرجع إلى بيت الله يعظ الناس حتّى يصطاد وظيفة أخرى وقد فعل ولم ينته حتى جمعته الأقدار مع أشكاله في السيرك البشري الذي عرض على الجماهير في سبتمبر 1969 م، والله في خلقه شؤون. (1/865)
صفحة 866
الإباضية في موكب التاريخ
102
الإباضية في الجزائر
والنزر اليسير من أصحاب العلم في هذا العصر يملكون من الشهامة وعزة النفس ما يحملهم على عدم التمسح بالأعتاب، والوقوف عَلَى الأبواب، ولكنَّهم إذا علم الواحد منهم أن الدولة تذكرته فاختارته ليشغل منصبا هاما سارع إليه وهو يكاد يطير من الفرح، مقدرا ما وراء من المكاسب المادية، وقد تكون تلك الخطوة هي الخطوة الأولى من صاحبنا في طريق
ذلك
تخليه عن مبادئه.
أما أولئك العلماء الأعلام في ذلك العصر، فإن المنصب لا يزدهيهم، وإن المال لا يغريهم، وإن فخفخة الحكم لا تجد مكانها في نفوسهم؛ لأن نفوسهم أعظم من الدنيا وحظوظها، فهم يتهربون منها، فإذا أرادت الدولة أو الأمة أن تسند إلى أحد منهم عملا احتالت عليه فجاءته
من طريق الآخرة.
وهكذا حين تم اختيارهم لمحكم الهواري ليتولى القضاء بعثوا إليه يستدعونه، لم يذكروا له أن الأمة اختارته، ولا أن الإمام وثق به، ولا أن الدنيا أقبلت عليه؛ وَإِنَّمَا أخبروه أن نازلة نزلت بالمسلمين، وأنه لا يسعه التخلف عنهم، فَلَمَّا بلغه ذلك لَمْ يسعه التخلف، وركب دابته
معهم
ولحق بالقوم في "تاهرت" ليساعد على النظر في موضوع النازلة، وتخفيف أثرها عليهم. ولما وصل وأخبره القوم أن النازلة إنَّما هي وفاة قاضي المسلمين، وأن المسلمين والإمام قد اختاروه ليتولى في مكان القاضي المتوفى يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله الكلية وآثار السلف الصالحين .. استاء الرجل من هذا، فإن وفاة رجل وإن كان قاضيا لا تعتبر نازلة ما دام في الأمة من يقوم مقامه، وامتنع عن قبول المنصب فإن حياته المنعزلة في جبال أوراس يعمل لنفسه ولآخرته آثر عنده وأحب من النظر في مشاكل الناس وخصوماتهم. وحاول الإمام أن يقنعه وحاول مجلس الشورى ولكن دون جدوى، قالوا له: إنهم يحتاجون إلى قاض في فضله وعلمه ودينه وخلقه، يستوي عنده الكبير والصغير والغني والفقير ليشغل هذا الفراغ ويسد الثلمة .. فأجابهم بأن البلد مشحون بأهل العلم والفضل والدين، وأن عليهم أن يختاروا من المدينة نفسها من تتوافر فيه الشروط المطلوبة، مع معرفته بالناس وطباعهم وسلوكهم وعاداتهم وأساليبهم في الحياة، وطال الجدل بينهم؛ وَلَكِنَّه أصر على موقفه وأصروا على موقفهم. (1/866)
صفحة 867
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وأخيرًا قال أحدهم لرفاقه: "إذا لم تأتوه من باب الآخرة وتُخوفوه بالله فإنَّه لن يقبل"، وجلس إليه عدد منهم وقال قائلهم: "أما وقد امتنعت فاعلم أنك إن تخلفت عما دعوناك إليه كنت المسؤول عن كُلّ دم يراق من غير حله، وفرج يوطأ بغير وجهه، فاتق الإمام والمسلمين فيما دعوك إليه".
الله
ولا تخالف
وأصاب هذا القول الموضع الحساس من ضمير العالم الكبير، إنَّه يطالبه بتقوى الله ويحمله المسؤولية فيما يقع من اختلال بأحكام الإسلام، وفكر قليلا ثُمَّ لان ولم يلبث أن وافق، فإنَّه القضاء خوفا من الله، والآن يجب أن يتولاه خوفًا من الله.
كان يهرب من
قضى محكم الفترة التي تولى فيها القضاء وهو مرضي عنه من المسلمين ومن الإمام، يسير فيهم سيرة نزيهة لا يكبر في عينه أحد حَتَّى يأخذ منه الْحَقِّ، ولا يصغر في عينه أحد حتى
يأخذ له الْحَقِّ، الناس عنده متساوون في حقوقهم وأقدارهم وشخصياتهم وأملاكهم. وقد كتب المؤرخون عن عدله ونقلوا عنه طرائف في القضاء النزيه تزيد في ثروة القضاء الإسلامي العادل ومساواته بين الناس، فرضي الله عن أولئك القوم الذين لا يوجد في قلوبهم
حساب لغير الله.
ولد لمحكم ولد سَمَّاه هودًا رباه عَلَى الإسلام وأنشأه عَلَى تقوى الله، ودربه على المعارف الإسلامية منذ صغره، فاستمر في الدراسة حَتَّى أصبح علما من الأعلام، وقد الأعلام، وقد ألف هود عدة كتب اشتهر منها تفسيره للقرآن الكريم عَلَى طريقة السلف لا يتعرض فيه للناحية اللغوية،
ولكنَّه يقتصر فيه على بيان معاني الآيات الكريمة، واستخراج ما تتضمنه من حكم وأحكام. ويعتبر هذا التفسير من أوائل التفاسير في الإسلام وهو بالنسبة إلى المذهب الإباضي يعتبر ثاني تفسير؛ إذ سبقه الإمام عبد الرحمن بن رستم، وإن كان تفسير الإمام عبد الرحمن قد ضاع فيما يبدو - ولا توجد منه نسخ، اللهم إلا إذا احتفظت بها بعض المكتبات ولم يشع خبره؛ أما تفسير هود فتوجد منه عدة نسخ مخطوطة .. وعندما اجتمعت بالشيخ سليمان بن الحاج داود علمت أنه مهتم بطبعه ثُمَّ علمت أن الأخ العزيز الشيخ شريفي بالحاج ابن عدون يتولى تحقيقه مند سنة تقريبا، فإذا تمت هذه الخطوة المباركة فإنَّه يصبح في المكتبة الإسلامية أثر نفيس من آثار السلف في القرن الثالث الهجري، ويضاف إليها كتر من كنوزها مضى عليه أحد عشر قرنًا وهو مخبوء. (1/867)
صفحة 868
الإباضية في موكب التاريخ
104
الإباضية في الجزائر
يسرني
أبو عيدة الأعرج
أن أترك المجال للمؤرخ الكبير ابن الصغير المالكي ليحدثنا عن هذا العالم العظيم قال في رسالته ما يلي: وكان منهم رجل يعرف بأبي عبيدة الأعرج .. كلهم مقرون له بالفضل، معترفون له بالعلم مسلمون له في الورع، إذا اختلفوا في أمر من الفقه أو من الكلام صدروا عن رأيه .. وقد رأيت أنا هذا الرجل وجلست إليه فما رأيت في سود الرؤوس رجلا أخشع منه، وكان قليل الدخول على أبي اليقظان، ولم يكن يجمعه وإياه سوى المسجد الجامع، فحدثني أحمد بن بشير قال: ضرب أبو اليقظان سرادقه لحدث أراده، وبرز بنفسه إلى سرادقه، قال: علم الناس بخروجه فخرج إليه الفقهاء والقراء، وضربوا أبنيتهم حول سرادقه خلا أبا عبيده قال: فبينما ذات جلوس إذ أقبل أبو عبيدة راكبًا عَلَى دابة فقال الناس: "هذا أبو يوم عبيدة قد أقبل متفقدًا الأمير مسلّما عليه". قال: فأعلموا بقدومه أبا اليقظان، فَلَمَّا دخل عليه أدناه إلى نفسه، فقال: "ما جنت مسلّما ولا متفقدا، غير أن جارة لي خرج ولدها البارحة في طلب معاش له ولها، فأخذه المحروق صاحب حرسك وحبسه، فأتتني الغداة باكية شاكية تسألني أن أسألك في إطلاق ولدها"، فأمر بأن يطلق كُلّ من حبس تلك الليلة إجلالا لأبي عبيدة، ثُمَّ سلم وانصرف فعجب الناس من صدقه، وتركه التصنع وإظهاره على لسان ما أسر في قلبه.
الناس
ألفه
عبد
وكان أبو عبيده هذا عالما بالفقه والكلام والرقائق والنحو واللغة، وكان مع منه كتاب إصلاح الغلط الذي الأدب والمروءة، وقد أتيته يوما أسمع من ديانته حسن الله بن مسلم بن قتيبة على أبي عبيدة، فَلَمَّا افتتحت قراءته وقلت: "لعل" ناظراً في كتابنا هذا ينفر من عنوانه، ويستنفر من ترجمته، ويرباً بأبي عبيدة عن الزلة". فلم أهمزه ولم أمده فقال لي: "يرباً بأبي عبيده بهمز الألف وضمه"، وَإِنَّمَا ذكرت هذا الحرف لأدل على براعته في اللغة فَلَمَّا قرأت من الكتاب مثل ورقة أو
1) من علماء القرن الثالث ذكره الباروني في الطبقة السادسة. (1/868)
صفحة 869
الإباضية في موكب التاريخ
1.0
الإباضية في الجزائر
يزيد، أتاه
قوم فقالوا: "يا أبا عبيدة، شهادة يأجرك الله عليها"، فأخذ نعله وعصاه تم قام مع القوم .. فَلَمَّا كان اليوم الثاني أتيته فَلَمَّا قرأت مثل ما قرأت بالأمس أتاه قوم فقالوا: يا أبا عبيدة شهادة يأجرك الله عليها"، ففعل مثل ما فعل بالأمس فقمت معه وقلت له: "أصلحك الله إن لي في الرهادنة دكانًا أبيع فيه وأشتري، وأتركه وآتي إليك فيأتيك الناس فتشتغل عني، فلا أنا في دكاني، ولا أنا في مقابلة كتابي". فسكت، فَلَمَّا كان بالغداة أتيته فَلَمَّا قرأت بعض جزئي أتاه ناس فسألوه كما سألوه
قبل هذا فقال: "إن هذا اليوم لهذا الفتى فإن آثركم على نفسه وأذن لي.
معكم". فَلَمَّا رأيت ذلك قلت له: "يا سيدي، لا كلّ هذا، فسر إذا شئت أو أقم". وَإِنَّمَا ذكرت هَذه لأدل عَلَى مروءته وحسن أدبه وكان المغرب كله مفتونا بهذا الرجل حتى أن من كان من الإباضية بسجلماسة يبعثون إليه بزكاتهم يصرفها حيث
يشاء».
ما قاله ابن الصغير عن أبي عبيده الأعرج وهو كاف لتصوير تلك الشخصية العظمية التي تحترمها الدولة وتتطامن لها. (1/869)
صفحة 870
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
أبو يوسف الطر في ")
هو أبو يعقوب يوسف بن سيلوس السدراتي اشتهر بالطرفي .. أخذ العلـ الأئمة في "تَاهَرْت" ثُمَّ ارتحل إلى "وَار جلان" وفيها استقر وأقام وطاب له المقام فكان فيها علمًا يُهتدى به، ومنارا يستضاء بنوره.
بلغ من العلم مبلغا أهله لأن يكون مرجعا، وأن يكون في الدين قدوة، وأن يكون في الخلق مثالا يُحتذى ومثلا يضربه الناس بعضهم لبعض.
وكان إلى هذه المرتبة الشامخة من الدين والعلم والخلق مربيا يحسن التربية ومرشدا يحسن التوجيه .. فهم أسلوب الإسلام العملي في إرشاد الناس إلى ما يصلحهم في الدين والآخرة فعمل به.
جاء إلى "وَارجُلان" رجل من سكان "جبل دمر"، وقصد إلى أبي يوسف وأخبره أنه صاحب عيال، وأنه فقير لا يملك ما يقيم به، أودهم ويرجوه مساعدة مادية يعود بها إلى عياله وأطفاله، وكان في إمكان أبي يوسف أن يمد الرجل بمساعدة تكفيه وتكفي عياله لمدة أسبوع أو شهر أو أكثر من ذلك أو أقل .. وحتى إذا كان لا يستطيع أن يعطيه من ماله الخاص فإنَّه يستطيع أن يجمع له من أصحاب الخير والفضل ما يقر به عينًا ويرجع إلى أهله فرحًا مسرورًا .. ولكن أبا يوسف كان لا يطمئن إلى هذه النجدة المؤقته، فَإِنَّها سرعان ما تنفذ وسرعان ما يقى الرجل في حالة فقر بائس فيعود إلى طلب الإحسان من الناس، ثُمَّ يتخذ ذلك عادة فيخسر عزة نفسه وكرامتها. وعلاج أمثال هذه الشؤون الاجتماعية يجب أن يستوحيه المؤمن من روح الإسلام، وأن يعود فيه إلى سيرة النبي الله فإنَّه واجد هناك خير الحلول. نظر أبو يوسف إلى الرجل فوجده قويًا سليما يستطيع العمل، ولكنه لا يجد العمل ولا يعرف كيف يشتغل، فأمره أن يذهب إلى السوق فينظر أرخص الأشياء فيها ثُمَّ
1) من علماء القرن الثالث ذكره الباروني في الطبقة السادسة. (1/870)
صفحة 871
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
يرجع إليه ويخبره، وذهب الرجل إلى السوق وطاف بين أكداس البضائع المطروحة، وقطعان الماشية المعروضة، ثُمَّ رجع إلى الشيخ فأخبره أنه لم يجد أرخص من الإبل في هذا الموسم من أواخر الشتاء، فقال له الشيخ: "عندي أربعة وعشرون دينارا وديعة لأحد الناس، خذها على سبيل القرض واذهب واشتر بها جمالا، ثم أحسن رعايتها وعلفها حتَّى إذا سمنت عد إِلَيَّ". وأخذ الرجل برأي يوسف فأخذ منه الدنانير ثُمَّ ذهب إلى السوق فاشترى بها ثلاثة جمال ذهب بها إلى بعض الأودية الخصبة، وكم يمض عليها زمن طويل حَتَّى حسن حالها وسمنت فرجع إلى أبي يوسف يُخبره .. فأمره أبو يوسف أن يأخذ اثنين منها إلى السوق ليبيعها، وهكذا رد من ثمنها مبلغ الوديعة، واشترى بالباقي منه بضاعة حملها على الثالث، ورجع إلى أهله موفوراً بعد شهور قليلة، يحمل على الجمل الثالث خيرات له ولأهله.
يقص المؤرخون هذا الحادث من تاريخ أبي يوسف متعجبين من تفكيره وسداد تصرفه وحسن تدبيره، غافلين أن هذا العالم العامل لم يأت بشيء من عنده، وَإِنَّمَا هو قبس من سيرة الرسول وطريقته في معالجة المشاكل المشابهة. عندما ترجم أبو العباس الدرجيني لأبي يوسف الطرفي ذكر القصة السابقة ثُمَّ ناقشها على ضوء الأحكام الفقهية، وهل يصح للمؤمن أن يتصرف في وديعة توضع عنده دون إذن صاحبها وقال: إن من عادة علماء السلف إذا وضعت عند أحدهم أمانة أن يستأذن صاحبها في التصرف فيها بغير عدوان إذا احتاج إليها، وإن أبا يوسف لا بُدَّ وأن يكون قد جرى على هذا السنن فاستأذن رَبِّ الوديعة في الاستفادة منها إذا لزم الأمر .. فَلَمَّا جاءه الدمري تصرف.
هذه خلاصة مناقشة أبي العباس للموضوع، ويبدو لي أن أبا يوسف كان في إمكانه أن يساعد الرجل بقرض من ماله الخاص، أو أن يجمع له من أصحاب الخير، أو يقرض له من شخص ما قرضاً؛ وَلَكنَّه فضل غير هَذه الطرق جميعها .. فضل أن يتصرف في الوديعة، وأن يحرص على ذكر الوديعة وهو يسلم المال للرجل حتى لا تحدثه نفسه بمطمع، وحتى يعلم أن إرجاعها يجب أن يكون سريعا، وذلك يحمل (1/871)
صفحة 872
الإباضية في موكب التاريخ
108
الإباضية في الجزائر
الدمري على الجد والمثابرة في العمل .. أما الوديعة وقد تصرف فيها ضامن لـ ولا شك لصاحبها لو ضاعت أو وقع فيها شيء ما.
كان أبو يوسف يقوم مقام القاضي في "وَارجُلاَن" دون أن يسند إليه ذلك أحد، ولقد كانت شهرته العلمية وحرصه رصه على تنفيذ أحكام الله ونزاهته صفات جديرة أن تترك الناس يفزعون إليه بمشاكلهم وخصوماتهم، ثُمَّ هم يرضون بما يراه ويحك به، ولم يكن يتقاضى عن عمله هذا شيئًا فقد كان يقوم به لوجه الله تعالى. أما طريق رزقة فهو طريق جميع المسلمين، رزقه يأتيه من عمل يديه وعرق جبينه وكان يجمع إلى مهمة القضاء، ودروس الوعظ وتعليم الشباب والدراسة المستمرة، كان يجمع إلى الأعباء عبء الجد والعمل من أجل الحياة وكسب موارد الرزق
الحلال.
فلما
وعندما مرض مرض الوفاة كان ولده يتردد عليه ويطلب منه النصيحة الأخيرة، وكان أبو يوسف يتمتع ويتأبى ويقول لولده ما أراك تَقْبَل»، ولكن الوالد حرص، علم منه صدق الطلب وصحة المقصد قال له: «ولاً يكن ندبك الناس إلى الخير أوكد من ندبك نفسك، ولا يكن غيرك أسبق إلى الحرث منك .. وكن للناس كالميزان وكالليل للأدران، وكالسماء للماء».
درس عليه عدد لا يحصى من المتعلمين، وتخرج عَلَى يده عدد جم من فطاحل العلماء، وَلَعَلّ من أبرزهم وأكثرهم اقتداء به العلامة "أبو صالح جنون بن يَمْرِيان"، وَلَعَلِّ خير ما نختم به هذا الفصل ما قاله عنه أبو العباس الدرجيني: «العالم الفقيه الفاطن النبيه اليقظ الذكي، الورع الزكي، ذو الجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المعلي والدفتر»، وقال عنه في آخـ الفصل: «وكان منتهى الفتيا في وار جلان"». (1/872)
صفحة 873
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
أبو باديس أخت بن باديس")
أبو باديس أبخت بن باديس بن زيدان اليكشفي مؤمن من المؤمنين الذين أكرمهم الله بصحة الدين ووسع عليهم في العلم والمال، فقد كان مؤمنا تقيا موصول القلب بالله في جميع أعماله، وكان عالما غزير العلم حريصًا على العمل بما يعلم، وكان وافر الثروة، يملك أعدادًا لا حصر لها من قطعان البقر والإبل والغنم يتولى تربيتها ورعايتها في فحوص بونة الخضراء الخصبة، وكان يشرف بنفسه عَلَى تربيتها وتنميتها، وكان يعطي منها في سبيل الخير دون حساب وإذا كان الكرماء يعطون بالآحاد فقد كان أبو باديس يدفع بالعشرات، ويهب بالقطيع، ويرسل منها إلى من يعرف فيه الاحتياج إليها ولو بعد مكانه، ولا شرط له على هذه العطايا إلا أن يكون أصحابها من المتقين لا يستعينون بماله على معصية الله. ولد أبو باديس في أواخر الدولة الرستُميَّة رُبَّمَا في السنوات الأخيرة من خلافة الإمام أبي اليقظان، ورأى فيها أمثلة للحكم النظيف للأمة الإسلامية؛ فَلَمَّا ذهبت تلك الدولة التي تسير بمنهاج الإسلام وجاءت بعدها الدولة العبيدية في اندفاعتها الأولى، لا يهمها ما تحطمه من أجل بناء سلطانها، وكان يعيش بين ما يرتكبه حكامها من عسف وظلم وجور، أن تقوم دولة أخرى تسير بسيرة الإسلام، وكان يتعهد بينه وبين نفسه أن يقدم إليها كُلّ ما بين يديه من مساعدة، ولهذا فقد حرص على أن يضاعف ثروته ليضعها في يدي الدولة التي الله أن تقوم لتقوم بأمر في الناس .. وكان يملك تلك القطعان من الأنعام رعائل الخيل، يتخيرها ويعرف أنسابها، ويشرف على ترتيبها، ويعدها للكفاح حسب الأمل الذي لَمْ ينطفئ في قلبه أبدا، وكان ينتظر ذلك اليوم الذي يتحقق فيه أمله فيدفع تلك الخيول وما وراءها من ثروة الله وفي سبيل الله. وكان يعرف أصول تلك الخيل وأجناسها ومقدار عتقها وكان يحبها ويتفقدها؛ فَلَمَّا تقدمت به السن وكف بصره وعجز عن مزاولة الفروسية بقي يحن إلى الخيل وركوبها وتلمسها .. كما لَمْ يتحطم أمله في قيام دولة عادلة يقوم بها مؤمنون مخلصون، وكان عجزه
كان
من
يرجو
1) من علماء القرن الثالث ذكر الباروني في الطبقة السادسة.
كان يتمنى (1/873)
صفحة 874
الإباضية في موكب التاريخ
110
الإباضية في الجزائر
عن الرعاية المباشرة لخيوله العتاق لم يمنعه من الاهتمام بها، وتفقد أحوالها، والسؤال عنها
وعن نتاجها، وكان أبناؤه وأحفاده وخدمه يقومون له بكل ما يطلب من ذلك. جاءه مرة حفيده مُحَمَّد بن عبد الله بن أبخت يقود إليه مهراً صغيرًا ويخبره أنه نتاج الفرس
الفلانية، وكانت من الأفراس التي يحبها ويعتز بها وبأصلها، فأخذ الشيخ بمقود المهر وتلمس أعضاءه ليرى بيديه ما كان يراه بعينيه، وربت على ظهره وعنقه ثُمَّ قال الحفيده: "أدبه وأحسن رعايته وتربيته تأخذ فيه ألف دينار" .. ثُمَّ جاءه مرة أخرى بمهر آخر وأخبره عن وأصله فتلمسه الشيخ كما تلمس الأوَّل ثُمَّ قال لحفيده: "إن أحسنت تربيته تأخذ فيه
خمسمائة دينار" ..
أمه
وقد اهتم الفتى بالمهرين وتربيتهما واهتم بالفروسية وأتقنها حَتَّى أصبح من أفذاذ الفرسان في المغرب .. وكان لوصية الشيخ وأسلوبه في التربية تربية الإنسان وتربية الحيوان أثر قوي في توجيه الفتى، فقد سار على نفس المسلك من تربية المواشي وتنميته للثروة وإنفاقها في سبيل
الخير.
كما كان حريصًا عَلَى تربية الخيل وتخير أصولها وتوفير عددها لَعَلَّ دولة عادلة تقوم فتحتاج إليها، ولكن هذا الأمل لَمْ يتحقق لا في حياة الشيخ ولا في حياة حفيده ولا في حياة
ولده.
أصبح مُحَمَّد حفيد أبي باديس فارسا لامعًا، وغنيًا مرموقاً، وزعيما محبوبا، ينظر إليه الناس في فحوص بونة بالإجلال، ويستمعون إلى أمره بتقدير واحترام ويطيعونه فيما يشير إليه طاعة المحبة والولاء.
وقد اعتقد كثير من الناس أَنه رُبَّمَا دعا إلى ثورة أو تزعم حركة، أو طالب لنفسه بالحكم، ولكنَّه يرد أن يتجه هذا الاتجاه .. على أن أسلوب الحكم قد تغير في الدولة العبيدية، فقد وصل الحكم إلى المعز بن باديس، وأظهر المعز سخطًا عَلَى أسلافه - وإن لم يكن خيرًا منهم وغير مذهبه، فأصبح أشعريًا بعد أن كان شيعيا .. فرأى أبو عبد الله مُحَمَّد أن يقيم الود مع الحاكم الجديد، ولعله يستطيع أن يعود بالحكم إلى النهج الإسلامي فيتحقق المطلوب.
علائق (1/874)
صفحة 875
الإباضية في موكب التاريخ
111
الإباضية في الجزائر
فوفد عليه وقد أخذ معه هدية قيمة فيها المهران السابقان وقد أصبحا جوادين مطهمين تنحبس عندهما العين، ويبهج الخاطر .. وقدم الهدية إلى الملك المعز فسر بها وتقبلها وشكر صاحبها .. وكان سرور المعز بوفود أبي عبد الله أعظم من سروره بالهدية، فقد كان يتوقع منه ما يتوقعه كُلّ حاكم ظالم من كُلّ رجل عظيم محبوب لا يتزلف إليه ولا يتقرب، فَلَمَّا رآى هذه الخطوة من هذا الزعيم أمن جانبًا مِمَّا كان يقض مضجعة، وتولى الفتى بعد أن ودع الملك ليعود إلى بلاده وقد اقتنع أكثر من ذي قبل علة وجوب المهادنة، وعدم تعريض الناس لفتن لا يرجى منها خير للإسلام والمسلمين .. غير أن هذا الموقف البسيط الذي أرضى الملك وطمأنه لَمْ يرض الحاشية، فما خرج أبو عبد الله حتَّى سارعت الحاشية إلى النيل منه وتحريض الملك عَلَى إزالته من الطريق، وقالوا له: "إن الرجل صاحب ثروة ضخمة، وهو فارس شجاع، شهير مسموع الكلمة، محبوب من الناس يقوم في "مزاتة" مقام الزعيم، ولو دعا الإباضية إلى أي عمل لاستجابوا له جميعا، ولو حدثته نفسه بالثورة عليك لسبب لك متاعبا جمة أنت في غنى عنها، والرأي وقد وقع بين يديك أن تتخلص منه". قال المعز: "كيف يمكن أن أقتل الرجل وقد عرف القاصي والداني أنني رحبت به وقبلت هديته، وجازيته بالإحسان، إن الغدر في مثل هذا المقام يضر بنا أكثر من أي عمل يقوم به هذا الرجل"، غير مدبري المكايد لا تعيبهم الحيل، واستطاعوا أن يدبروا مكيدة اقتنع المعز بوجاهتها؛ فبعث وراء الفتى يدعوه إليه، وعندما وصله أعوان الملك يبلغونه طلب الملك له عرف أنه دعي إلى مكيدة، ولكنَّه ماذا عساه يصنع غير أن يسير في الطريق إلى نهايتها؟ ورجع حتى وقف بين يدي المعز وانتظر ما تأتي به الأقدار، فأظهر المعز الحفاوة مَرَّةً أخرى، وأبدى له التعظيم والإجلال، ثُمَّ قال له: "إنكم فتيان مزاتة موصوفون بالفروسية والبراعة في ركوب الخيل، وَيَدُلُّ عَلَى ذلك عنايتك بتربية الخيل وإعدادها، وقد خطر لي أن تعرض علينا ألوانا من الفروسية، وفي حظيرتنا أسد يُمكنك أن تلاعبهُ عَلَى أَنَّه يجب أن تعرف أن الأسد ضار قد يضرُّ بك، فخذ حذرك منه واعرف كيف تروغ منه أو تقتله وأنت محرد من السلاح". وعرف الفتى الغرض من كُلّ هذا، وأنه محكوم عليه بالإعدام، ولكن بهذه الخدعة الدنيئة، ولم يرد أن يتنازل عن اعتزازه واعتداده بنفسه، ولا أن يظهر الضعف لهؤلاء القوم الذين أحسن
أن (1/875)
صفحة 876
الإباضية في موكب التاريخ
112
الإباضية في الجزائر
هم
الظن، فقال له مزهوا: "لبيك". وقدم له الفرس الذي جاء به هدية للملك وأدخل إلى خان السبع مُجردًا من السلاح وأطلق عليه الأسد الضاري الذي كان المعز يستعمله بمثابة آلة الإعدام لمن يحكم عليه بذلك، وقد مرد الوحش على الولوغ في الدماء البشرية، واعتاد على افتراس الناس في ذلك الخان، وأصبح من الممتع له أن يطلق في وسط الحظيرة، ثُمَّ يلقي إليه بفريسة بشرية يمارس معها طبيعة الصيد الكامنة فيه، ثُمَّ يلتهمها بعد دقائق. وحينما رأى رجلا على فرس يقتحم عليه الحظيرة استعد أن يُمارس طبيعته الحيوانية في الصيد، وإن يكن المنظر قد تغير عليه وسبب له شيئًا قليلا من الارتباك، فقد كان يلقي إليه الرجل مجردًا، أما الآن فها قد ألقى إليه رجل عَلَى، فرس، وعلى كُل حال فلا أهمية لذلك ..
بدل الفريسة الواحدة فريستان.
وبدأت المعركة الرهيبة بين الوحش المفترس القوي، وبين الفارس الشجاع الجريء، وطالت المعركة بين الأسد المسلح بسلاح الطبيعة من مخلب وناب وبين الفارس الذي جردته اليد الماكرة حتَّى من السكين والسوط، ولكن تلك اليد لم تتمكن من تجريد الفارس من سلاح الشجاعة وحضور الذهن في أحرج المواقف، وسرعة الفر والإفلات. كان المعز أمر أن تعد له ولحاشيته منصة عالية حول الحظيرة، ففرش عليها المفارش الوثيرة، وتحول بينها وبين انطلاق الوحش إليها قضبان متينة من الحديد حَتَّى يتمكنوا من الاستمتاع بالنظر إلى الأسد الخطر، وهو يلغ في دماء الفتى المزاتي، ويلتهم عضلاته.
و كم شهد أولئك القوم وثبات الأسد الضاري على الأجسام البشرية البائسة التي يرمى بِهَا إليه ظلم الإنسان للإنسان وكانوا هذه المرة يتابعون المعركة بعيون زائغة وحركات قلقة؛ فلم يحدث في تاريخ حظيرة الموت أن تلكأت آلة الإعدام عن مهمتها، ولم يحدث لأسدهم مثل هذا العنت في المقاومة .. ففي اللحظة التي ينتظرون وقوع المخالب والأنياب على الفارس أو الفرس، بعد وثبة هائلة من الوحش يجدون أن الفرس قد راغ بفارسه بعيدا، ووقع الأسد على الأرض الفارغة يسف التراب، ولقيت مخالبه ضربة قاسية من الأرض الصلبة، وفي زبحرة الغضب والحقد من الخيبة يرى الفارس يعود إليه يحتك به من جديد، ويعيد الأسد الكرة وقد ظهر أنه لن يفلت الفريسة هذه الْمَرَّة، ولكن الحركة تتكرر وتذهب الوثبة سدى، حتَّى (1/876)
صفحة 877
الإباضية في موكب التاريخ
113
الإباضية في الجزائر كل الأسد من الوثوب، وأصبح يطارد الفريسة مطاردة لعله يلحق بها، وهذا ما كان يرجوه الفارس الماهر، وعندما يكاد الأسد يصل إلى القدمين الخلفيتين للفرس يهمز الفارس فرسه بالأشابير همزة قوية فيرمح الفرس الأسد رمحة قوية بنعاله الحديدية فتقع عليه الضربة، إلى أن صادفت إحدى الضربات موضعا قاتلا من رأس الأسد فوقع، وكان أغرب ما ختمت به هذه المأساة التي صارت ملهاة، وطالت أكثر مما قدر لها أن تمكن الفتي الأعزل من قتل الأسد، وسلم الفارس والفرس، وقد اختار أبو العباس الدرجيني وهو يصف قتل الأسد أن يقول: فهوى ميتا كالنخلة السحوق، والحمد تغلب هذا الفتى عَلَى الأسد وقد تغلب فتيان من قبله عَلَى أسود في مثل هذه المواقف، بل استطاع بعضهم أن يقتل أسدًا بالسوط فقط دون سلاح أو فرس، وقد حلات الوقائع بقصائد من الشعر الرفيع في الأدب العربي، لقد خابت المكيدة ولم تنجح الحاشية في
الله.
بعض تلك
خطتها التي حسبتها مضمونة. وقد أعجب المعز بن باديس بالفتى المزاتي وشجاعته وفروسيته وتَمنَّى لو كان في حاشيته وجنده عدد من مثل هذا البطل، ونزل من منصته وتقدم إلى الفتى يهنئه ويشكره، ثُمَّ أعطاه جائزة مالية قدرها ألف وخمسمائة دينارا، فأخذها الفتى وشكر الملك على ثقته، وانصرف مستعجلا وهو يتوقع أن تتفتق أذهان الحاشية عَلَى مكيدة أخرى، ويم ويحسب أن خيب أن خيبتهم في التجربة الأولى ستزيد من حقدهم عليه وبغضهم له.
كان أبو باديس أبخت بن باديس من أولئك العلماء العاملين الذين لا تشغلهم الدنيا تكاليف الحياة ما بذمتهم من واجبات نحو الأمة والمجتمع، ولا يقصرون
الله
الدين، ولا تنسيهم كفاحهم على الجانب المادي فتستعبدهم الدنيا، ولا على الجانب الروحي فيقتعدون زوايا المساجد لا يبرحون .. ينتظرون من يرمي في أيديهم باللقمة، وعلى أجسامهم بالخرقة، ولكنَّه كان يعمل عمل المؤمنين الأغنياء، ويجاهد لإقامة دين ما وسعه الجهاد، فكان يقوم بالتدريس لفتيان "مَزَّاتَة" البادين ينتقل بين أحيائهم في سهول عنابة الخضراء، وكان يجتمع بالعلماء والمشايخ فيناقشهم في مسائل العلم، ومشاكل السلوك، وكان يقص من سيرة السلف الصالح ما فيه العبرة والموعظة الحسنة عَلَى المجتمعات التي يحضرها، وألف في الوعظ والإرشاد (1/877)
صفحة 878
الإباضية في موكب التاريخ
114
الإباضية في الجزائر
كتبا، وكان كثير التجوّل للعبرة والاتعاظ، وحج إلى بيت الله غير مرة وزار بيت المقدس وعندما كف بصره لزم بيته وفرغ لنفسه، فكان إذا خلا مجلسه من طلاب العلم وأخبار إلى نفسه ليقوم بحق رَبِّه في نوع من أنواع العبادة .. إمَّا صلاة ينقطع فيها عن دنيا البشر إلى مناجاة خالقه، وإما ابتهال ودعاء حار يرجو فيه رحمة الله ويستعيذ من عذابه، وَإِمَّا تلاوة للقرآن الكريم تلاوة تدبر وإمعان يراجع فيها أحكام الله.
السيرة
وقد توفي أبو باديس عن سن تناهز المائة، ولم يتحقق أمله في أن تكون دولة مسلمة عادلة تسير على منهاج الدين في أحكامها، وتتبع نظمه في سياستها، وتوفي بعده ولده باديس ولم يتحقق الأمل، ولحق بهما من بعد ولدهما مُحَمَّد الفتى المزاتي الذي مكر به المعز بن باديس وحاشيته فانتصر عليهم بفضل شجاعته وبراعته في الفروسية وحضور ذهنه عند الشدائد، ولم يتحقق ذلك الأمل الذي ظل يراود أفراد هذه الأسرة ثلاثة أجيال.
على أن العلماء في عصر أبي عبد الله لَمْ يتركوها تمرّ فقد عتبوا عليه في وفادته على المعز، ولو لم يكونوا مقتنعين أَنه لَمْ يفد عليه طلبا للدنيا ولا تزلفًا إلى أصحاب السلطة، وَإِنَّمَا وفد عليه ليختبر قوته، مقدرًا سلطانه حَتَّى يستمر على مسألته، أو يدعو إلى الثورة عليه وانتزاع
الحكم من يديه.
فعلم أن الرجل قوي، متمكن وأن الثورة عليه لا تزيد عن فتنة تذهب فيها أموال ودماء دون أن تحقق ما يأمله المسلمون فالتزم سيرة أبيه وجده وحافظ على الأمن والسلام .. ولهذا الاعتبار لم يعامله أولئك العلماء كما عاملوا العلامة أبا مُحَمَّد عبد الله بن جابر حين وفد
على أمراء "قابس"، وذلك أن أبا عبد الله اليشكني كان غنيًا قويًا لم تعلق به شبهة الطمع والتزلف حين وفد عَلَى المعز، أَمَّا أبو مُحَمَّد الله بن جابر فقد كان مقلا تغلب عليه عبد
الحاجة، فَلَمَّا وفد عَلَى أمراء "قابس" تعلقت به شبهة الرغبة في دنياهم، ودنياهم تلك غير نظيفة فأخرجه المشايخ إلى الخُطة استنادا إلى الأثر المشهور: «إذا رأيتم العالم يغشى باب السلطان فاتَّهموه عَلَى دينكم». (1/878)
صفحة 879
الإباضية في موكب التاريخ
110
الإباضية في الجزائر
أبو سهل الفارسي"
قال عنه الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه القيم موجز التاريخ العام للجزائر» (صفحة 211) ما يلي: «أبو سهل الفارسي من أحفاد الإمام عبد الرحمن، وكان زاهدًا متعففًا، وله تأليف كثيرة باللغة البربرية، وكان أفصح أهل زمانه بها، وقد تولى خطة الترجمة بدواوين الحكومة على يد الإمام أفلح ثُمَّ الإمام يوسف.
كان شاعراً بليغا وأديبا فصيحا له دواوين شعرية في مراثي الدين وأهله، والبكاء عليه دمعًا مدرارا، وفي الوعظ والتذكير والتخويف وتاريخ أهل الدعوة، وكانت اثنتي عشر كتابا، ذهبت فريسة للنيران في ثورة أبي يزيد الخارجي».
وقال عنه أبو العباس الدرجيني: غلبت عليه هذه العزوة الفارسية وليس بفارسي وَإِنَّما هو نفوسي، ولا شك أن أمه رستمية من بيت الإمامة، فغلب نسبها عليه واشتهر به»، وقال الدرجيني: «وكان أبو سهل فصيحا بلغة البربر، ولقد كان ترجمان جده الإمام افلح، وقيل: بل ترجمان خاله يوسف الإمام .. فقيد له اثني عشر كتاباً في المواعظ، وفيها جمل من تواريخ أهل الدعوة فاختلس النكار شطرها وبقي له ستة أجزاء». وذكر المؤرخون أنه في خاتمة هذه الأناشيد أو القصائد أبياتا يقول فيها: إنَّه يهدي هذه الدواوين الشعرية لأهل مذهبه من الإباضيَّة، وعندما سمع الإباضية بذلك كلفوا أحدهم فذهب إلى سعيد النكاري الذي اختلسها فطالبه باسم الإباضية، وردها منه، وجمعوها مع بقية القصائد الموجودة عندهم وضموها في كتاب أو دعوه أمنع حصونهم حينئذ "قلعة درجين"، وحين أخذت هذه القلعة فيما بعد، أحرق ما بها من كتب الإباضية وأحرقت هذه الدواوين القيمة فيما أحرق من نفائس الكتب.
واهتم بعد ذلك أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر بهذا الأثر القيم فصار يجمعه من صدور الرجال، ويلتقطه من ذواكر الحفاظ، ولكن أكثر ذلك صار مُحرَّفا مختل الموازين، يقول الدرجيني: «فَلَمَّا أخذت قلعة "بني درجين" وأحرقت أحرق ما وجد من هذه الكتب؛ فحينئذ
(1) من علماء القرن الرابع ذكره الباروني في الطبقة السابعة. (1/879)
صفحة 880
الإباضية في موكب التاريخ
116
الإباضية في الجزائر
تلاقي أبو عبد الله ما تحصل في صدور العزابة فقيد منه أربعة وعشرين بابا، فلذلك تجد فيها قلة الاتزان والزيادة والنقصان.
ومن المؤسف أن هذه القطع الشعرية حتّى التي جمعها أبو عبد الله قد ضاعت، ولقد بذلت ما لدي من الجهود للعثور على بعض تلك الأشعار فلم أوفق، ولعل من الأخطاء التي وقع فيها كثير من المؤرخين فيما أرى أنهم لَمْ يعملوا عَلَى نقل تلك الشواهد بنصوصها في لغاتها الأصلية، فاستغنوا عن تلك الشواهد بمبناها ومعناها في بعض الأحيان، وترجموا القليل منها أحيانًا .. ولا شك أن الترجمة لا تؤدي ما يؤديه الأصل، ولا تدل دلالة حقيقية على المعاني التي وضعت لها عبارتها الأصلية في لغتها الأصلية، ولقد تكفي الترجمة إذا كان الموضوع يتعلق بأحداث تاريخية تسرد سردا .. ولكن ذلك يكاد مستحيلا إذا كان الموضوع يتعلق بالصورة الشعرية والاختلاجات النفسية والإحساسات الرقيقة التي تعبر عنها كُلّ لغة، بالإضافة إلى اللفظ والجرس والإيحاء والكلمة الموزونة التي لا يغني عنها غيرها.
وكنت كثيرا ما أحس بالأسف والحسرة عندما أقرأ ترجمة شخصية من الشخصيات في كتب التاريخ، فيقول المؤرخ إن للمترجم له شعراً أو نثراً باللغة البربرية له حلاوة وعليه طلاوة، ولكني تركته مخافة التطويل أو خشية أن لا يفهمه الناس وكنت أقول في نفسي: ما ضر صاحبنا لو نقل إلينا تلك الشواهد بنصوصها ثُمَّ ترجمها أو ترجم مفرداتها إن كان يعرف معناها، وإلا نقلها إلينا فيكون قد أو فى الأمانة العلمية حقها .. عَلَى أن بعضهم عمل بالمثل فنقل إلينا جملا من ذلك دون أن يعرض لترجمة تلك النصوص لا في معانيها الإجمالية ولا في
مفرداتها اللغوية، ولا شك أن موقف هؤلاء أفضل من موقف الأولين، ورحم الله الجميع. عاش أبو سهل الفارسي في عهد الدولة الرستمية الأخير، وكان ترجمانا للإمام يوسف بن مُحَمَّد، ولا أعتقد أنه ترجم لجده أفلح؛ فإنَّه في ذلك الحين كان صغيرًا جدًا، وَلَمَّا تغلبت الدولة العبيدية على الدولة الرستمية، وتشرد رجالها قصدت كُلّ طائفة منهم جهة ما، وكان أغلبهم قد اتجه إلى الواحات في الجنوب؛ أما أبو سهل فقد اختار أن يتجه إلى الشمال الشرقي، وقصد مرسى الدجاج من جزائر بني" "مزغنة وهي مواقع عاصمة الجزائر اليوم، وعاش هنالك في دائرة ضيقة يعبد الله وينظم الشعر، ويتحسر على ما فات أمة الإسلام من خير حتى وافاه الأجل، وكان الناس يزورونه من حين إلى حين للاستفادة، فَلَمَّا توفي كان كثيرًا ما يخطر لبعضهم أن يقول للآخرين: "هيا بنا ننطلق إلى زيارة قبر النادب دينه، فنستغفر له ونترحم عليه".
"1 (1/880)
صفحة 881
الإباضية في موكب التاريخ
117
الإباضية في الجزائر
أبو صالح جنون بن يمريان
أبو صالح جنون بن يمريان شخصية فذة من تلك الشخصيات التي تتسامى بمواهبها وأعمالها وأخلاقها حَتَّى تكون ظاهرة مرتفعة بين الجميع وعند الجميع .. جمع أبو صالح بين عدد من الفضائل قل أن تجتمع في شخص فقد كان الرجل عالما غزير المادة، وذكيًا متوقد الذكاء، وحليما واسع الحلم، وكريما بالغ الكرم، وحييا عظيم الحياء .. ولكنَّه إلى ذلك شديدا في أمر الله لا يخاف ولا يأبه ولا يسكت، وقد أغدق الله عليه نعمة ووسع عليه موارد الثروة، فكان لسعة علمه وماله وخلقه مقصدا للناس، يأتونه من كل جانب، ويلتجئون إليه في كُلّ شدة، وكان قد حزم أمر وارجلان"، ووحد بينها حَتَّى صارت كتلة قوية يخشاها الظالمون ويتحاشون جانبها.
المال،
لم يشترك في المجال السياسي، ولم يقم بأية حركة في هذا الميدان حسبما وصلت إليه في أبحاثي، فكانت "وَارجُلاَن" في عصره مستقلة عن جميع الدول الحاكمة تحكم نفسها بنفسها .. يقيم العلماء أحكام الإسلام فيها اعتمادًا عَلَى كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الأئمة من السلف، لا سيما أئمة الدولة الرستُميَّة، وما استنبطوا من أحكام .. ولذلك فقد كانت ملجأ لعلماء الإباضية وزعمائهم طيلة قرن كامل، يفرون إليها من الاضطهاد فيجدون في ربوعها الأمن الشامل في قلعة طبيعية لا تقربها يد ظالم، وكان المقصود من هذا الملجأ الأمين إنَّما هو أبو صالح جنون.
ويكفي أن يعرف القارئ ما يلي حَتَّى يدرك المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها أبو صالح في ذلك الحين، عندما تغلبت الدولة العبيدية عَلَى الدولة الرستمية واحتلت "تاهرت" كانت أعظم شخصية رستمية يخشاها العبيديون إنَّما هو أبو يوسف يعقوب بن أفلح، وهو حري لو دعا الناس إلى مبايعته بالإمامة أن يستجيبوا له ويبايعونه لاستطاع أن يكون دولة قوية تقف في وجه الدولة العبيدية التي بدأت تزحف وتمتد .. ولذلك فقد كان قواد الدولة العبيدية حراصا على قتله أو الحصول عليه، فأطلقوا من ورائه فرقًا من
(1) من علماء القرن الرابع ذكره الباروني في الطبقة السابعة. (1/881)
صفحة 882
الإباضية في موكب التاريخ
118
الإباضية في الجزائر
الجيش تطارده خوفًا من أن تتجمع من حوله السيوف، وتقف معه الجموع كما وقفت مع جده العظيم عبد الرحمن. وجرت تلك الفرق من الجنود وراءه أشواطا، ولكنَّها أخيرًا توقفت حين علمت أنه يقصد وراجلان الحصينة القوية وكان العبيديون يخشون إثارتها فتحاشوها .. ووصل العالم الكبير أبو يوسف يعقوب إلى وارجلان" فاستقبله أبو صالحا كما يستقبل أباه، وكان أبو يوسف شيخا كبيرًا، أَمَّا أبو صالح فقد كان في ريعان الشباب وعنفوان القوة، ووضع الشاب المؤمن الغني كُلّ ما كان له تحت تصرف الشيخ الكبير، عرض عليه أن يدعو الناس إلى بيعته، ولكن أبا يوسف قد استقر رأيه عَلَى رأي بعض علماء المذهب من الابتعاد عن الحال السياسي، وتركه لأولئك الذين يتقاتلون عليه؛ فاقتنع وأحب أن يقضي بقية حياته هدوء .. فمهد له أبو صالح سبيل الحياة الكريمة، وأغدق عليه من ماله الغزير وأحاطه بما يحاط به أمثاله من العناية والتكريم. أَمَّا هذه واحدة؛ الثانية فقد كانت الأخرى في الدولة العبيدية، وذلك أن المعز لدين الله الفاطمي حين قرر الانتقال إلى القاهرة كان يخشى على ملكه في المغرب، وكان يخشى على الأخص من العالمين الفاضلين الإمامين أبي خزر يغلا بن أيوب وأبي نوح سعيد بن زنغيل، فقرر أن يأخذهما معه، وأصدر أمره إليهما فاستجاب أبو خزر، أما أبو نوح فتعلل بالمرض، وعندما أراد المعز السفر أحضر إليه خليفته على بلاد المغرب وأوصاه أغرب وصية (1) أوصى بها ملك جائر عامله على رعيته، وكان فيما أوصاه به أن لا يرفع السيف عن البربر، والبربر في ذلك الحين هم سكان البلاد؛ فتوقع أبو نوح أذى كثيرا يناله إن أقام في موطنه "الحامة" قريبا من مركز الدولة، وقرر أن يفر بأسرته إلى مكان يأمن فيه مكر الدولة العبيدية ومكايد الحكام الظالمين ورأى أن أنسب مكان له إِنَّمَا وار جلان"، هو فاتجه إلى المغرب حَتَّى وصل "وار جلان"، وكانت في أحسن عهود ازدهارها، كثرة
هي
(1) لما أرد المعز لدين الله الفاطمي الانتقال إلى القاهرة أوصى خليفته على المغرب يوسف بن زيرى قائلاً: «إن نسيت شيئاً مما أوصيك به فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر،
ولا تول أحداً من إخوتك أو بيتك شيئا، فإنَّهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوص بالحضر خيراً». (1/882)
صفحة 883
الإباضية في موكب التاريخ
119
الإباضية في الجزائر
سكان، ووفرة ثروة وغزارة علم، وأكرم وفادته وأسبغ عليه فضله كما فعل من قبل مع الإمام أبي يوسف يعقوب بن أفلح.
ويبدو أن أبا نوح كان خائفا يترقب ما سوف يقوم به الحكام الظالمون وقص مخاوفه على أبي صالح، فقال له ما قاله سيدنا شعيب لسيدنا موسى عليهما السلام-: ولا تخف نجوت مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، واستقر أبو نوح في "وارجلان" عند أبي صالح، وقد يسر له أسباب الحياة الكريمة والمعيشة الرغدة، وبعد زمن حنَّ الإمام الكبير إلى موطنه وعزم على زيارة أهله في بلده. فاستمسك به أبو صالح وعرض عليه أن يقاسمه ماله ولكن الشوق إلى الوطن كان قد غلب الإمام واستبد به وصمم على الزيارة. ورجع أبو نوح فعلا إلى وطنه "الحامة" وَلَكنَّه وجد الأحوال قد تغيرت على ما كانت عليه، وتبدل الناس وسيرتهم، وفعل الحكم الظالم والفتن المتوالية فعله في دين الناس وأخلاقهم، فتغيرت معالم الحياة، وتبدلت القيم في نظر الناس؛ فأصبح قسم منهم ينظر إلى ترف الحياة نظره إلى غاية سامية يسعى إليها بكُلِّ ما في يده من وسيلة، وقسم اعتصم بدينه، واستمسك بأخلاقه ومثله؛ فأعرضت عنه رفاهية الحياة، وجانبته مادية الحكـ واضطهده الظالمون وأعوان الظالمين ومن يسير في ركابهم.
فندم أبو نوح عَلَى مفارقته لـ"وَارجُلان"، وخروجه عن صحبة أولئك القوم الكرام. كانت "وَارجُلان" عاصمة من عواصم الصحراء تبدو فيها بين الواحات كالعملاق العظيم، وكان أبو صالح على هامة هذا العملاق طيلة قرن كامل، يملأ الدنيا دينا وعلما وعملا صالحًا .. كان رجال العلم يلجأون إليها من كُلّ مكان فيجدون في المدينة نعم المقر، ويجدون من السكان نعم الأخوة، محبة ويجدون من أبي صالح خاصة نعم الأب والأخ والصديق يضفي عليهم، محبته ويقدم إليهم، خدمته، ويتولاهم بإرشـ
وخلقا
ماله.
بإرشاده،
ويوجههم بتعليمه، وينفق عليهم من
1) سورة القصص: 25. (1/883)
صفحة 884
الإباضية في موكب التاريخ
120
الإباضية في الجزائر
وَلَعَلّ القارئ الكريم يتطلع إلى معرفة بعض الوقائع من حياة هذا الرجل العظيم، فإذا شاء ذلك فإليه أمثلة منها: 1 - وقعت مجاعة في "وارلان"، وأصبح عدد الفقراء يزداد كُلّ يوم، وما بأيدي الناس يتناقص حَتَّى أحس أهل المدينة بالخطر، وكان أبو صالح من أكثر الناس ثروة، وأكثرهم عملا، وأحسنهم ادخارا، فَلَمَّا رأى ذلك في الناس بدأ ينفق عليهم من ماله بالقدر الذي ينفق منه عَلَى عياله حَتَّى نفذ جميع ما عنده، ولم يفضل أسرته أو نفسه إبان الإنفاق بشيء، ولم يدخر شيئًا حَتَّى أصبح مثلهم لا يملك قوت يوم ثُمَّ جاء الفرج من
الله.
-2 - مرت سنة عجفاء عَلَى أهل وَارجُلاَن" فرَّ فيها أصحاب الماشية بجميع مواشيهم إلى مواقع الغيث والخصب بعيدا عن وارجلان، وقد أمسك أبو صالح عنده جملا يعلفه، وبعض شياه احتسابا للطوارئ، واستعدادًا للضيوف، ومضى زمن غير يسير عَلَى الناس لَمْ يذوقوا فيه لحما فقدموا إليه، وكان أبو صالح يلاحظ فيهم كل شيء، ويسمع الواحد يقول للآخر: "لقد علينا كذا وكذا يومًا أو شهرًاً لَمْ نذق فيه اللحم"، فيجيبه الثاني بمثل جوابه؛ فعمد أبو صالح إلى الجمل الذي يعلفه فنحره ثُمَّ قسمه على أهل المدينة وسمع آخر الأمر أن أهل بيت لمْ يصل إليهم نصيبهم من اللحم فأمر خادمه أن يأخذ نصيب أسرته إلى أهل ذلك البيت، ثُمَّ أمره فذبح لأهله شاة تعويضا لهم عن نصيبهم الذي أخذه من بين أيديهم.
منهم
جميعًا،
مضى
كان يشتغل في مزارعه كأنشط الزراع، وأبرعهم، واشتغل مرة بسقي الأجنة وتوزيع المياه عليها حَتَّى فاتته صلاة المغرب مع الإمام، وكان في ليلة جمعة من شهر رمضان، فتألم لذلك أشد الألم وشق عليه هذا التقصير، فأخذ في الصلاة بعدما دخل المسجد واستمر فجاءه أهله بفطوره فوجدوه قائمًا يصلي فوضعوه إلى جانبه، ثُمَّ جاءوه بسحوره فوجدوه قائما يصلي فوضعوه إلى جانبه، ولم يشتغل به حَتَّى ظهر عليه الفجر، وعند الصباح تصدق بطعام مسكينين فطورًا وسحورًا، وقال عن نفسه: "هذا جزاء راع ضيع ما يرعاه"، يعني بذلك عقابه لنفسه بحرمانها من فطورها وسحورها وحملها على (1/884)
صفحة 885
الإباضية في موكب التاريخ
121
الإباضية في الجزائر
الصلاة ليلة كاملة، والتصدق على مسكينين .. تكفيرًا عن عدم حضوره صلاة الجماعة في المسجد مَرَّةً واحدة.
4 - كان رجل سليط اللسان من أولئك الناس الذين يحلو لهم التطاول؛ فآذى الشيخ ببعض ما يكره في يوم من الأيام، ودار الزمن وأصاب الناس مجاعة فأخذ أبو صالح يوزع الصدقات كما هو شأنه في مثل تلك الظروف، ووقف ذلك الرجل المتطاول بين عيني أبي صالح يمد يديه للصدقة، وتذكر الشيخ الكبير ذلك الرجل وموقفه منه في يوم من الأيام، وأحس في نفسه بوسوسة الشيطان، فزاد للرجل عما كان يعطيه لسائر الناس حَتَّى يرغم أنف الشيطان، ودار الزمن دورة أخرى وحلّ بالناس ما يَحلّ بهم في كُلّ دورة من جفاف، وما يتبع ذلك من جوع، ووقف أبو صالح كما اعتاد أن يقف يوزع الصدقات، ويفرق عَلَى الناس ما يقيمون به أودهم، ووقف فيمن وقف طفلة يبدو عليها البؤوس والجوع وتهامس الناس أنَّها بنت فلان للرجل الذي تطاول عَلَى أبي صالح وآذاه دون أن يحترم في شخصه الدين أو العلم أو الكرم، وتحركت نوازع الشيطان وأحس أبو صالح أن إبليس يحرض أعوانه للعمل، ولكن الله أخزى إبليس وأعوان إبليس على يدي أبي صالح فرجعوا مدحورين ورجعت الفتاة بضعف ما حصل عليه أترابها.
ه - كتب إليه ابن عم له في المغرب يدعوه إليه ويقول له مرغبا: «يا ابن العم، لقد أقمت بأرض فقراء وعندنا أرض خصبة، ففرش الكساء منها يوقر البعير حبا»، فأجابه أبو صالح: يا ابن العم إن أرضنا كريمة قعدة رجل منها توقر الجمل عسلا». يعني: النخيل، وأصر أبو صالح عَلَى البقاء في "وَار جلان"، وفضل الإقامة في هذه الواحة عن الرجوع إلى وطنه من أرض المغرب الخصبة؛ لأن خصوبة "وَارجُلاَن" في ذلك الحين إنما كانت في الدين والعلم والعمل، ولقد أكرمه الله فأغدق عليه فيها التمر والعسل وجعله ملاذا
ومعاذا.
جاء رجل من أهل وارجلان يستفتيه وكان الرجل مقلا، وله زوجة ذات مال وثروة فسأل الرجل أبا صالح: "هل يجوز له أن يأخذ زكاة مال زوجته؟ "، فتحرج أبو صالح ولَم يُحبه وأرجأه إلى أن يسأل من هو أعلم منه، حَتَّى وصل أبو نوح سعيد بن (1/885)
صفحة 886
الإباضية في موكب التاريخ
122
الإباضية في الجزائر
زنغيل فأفتى له بجواز ذلك ممَّا هو معروف من مبادئ الفقه التي لا تخف تخفي على أبي
الله.
صالح، وَإِنَّما هو الورع والتثبت في دين وجد أحد أبنائه كتاباً في السوق فاشتراه، وَلَمَّا رجع إلى البيت أخبر أباه وقرأ
عليه فصولا منه، فكان أبو صالح يقول وهو كأنما يخاطب الكتاب: "قد باعك من لا يعرفك، واشتراك من لا يعرفك.
-- كانت له زوجة شرسة الطباع سيئة، الخلق، لَمْ يتمكن أبو صالح من ترويضها، وذات يوم كانت تعجن عجينا للخبز فكلمها أبو صالح في شأن من الشؤون لَمْ يعجبها، فغضبت ولطمت زوجها أبا صالح بيدها الملوثة بالعجين حَتَّى بقي أثره على وجهه؛ فصبر الرجل العظيم عَلَى حماقة المرأة الشرسة الوقحة وعندما اجتمع بأستاذه الكبير أبي يعقوب الطرفي قص عليه ما وقع من زوجه فتبسم أبو يعقوب وأشار إلى زوجته هو. فقال أبو صالح: "ما شأنها؟ " فقال أبو يعقوب: "لقد كانت البارحة تقلي بعض الحبوب لتصنع لنا سويقا، فكلمتها في شأن من الشؤون فلم يرق لها كلامي وغضبت غضبا شديدا ثُمَّ أخذت المقلى وضربتني به على رأسي حَتَّى دخل المقلى إلى عنقي كالطوق. فقال أبو صالح: أنت أنت، يعني: أصبر مني و مني وأعظم.
- أوصى بنيه فقال: "يا بني، إذا كان إبان غلتكم فتولوه بأنفسكم ولا تولوها غيركم حتى توصلوها موضع حرزكم. فإن لم تكونوا أصحاب غلة ولم يكن لكم بُدُّ من شرائها فاشتروها ما دامت في أصولها ولا تتركوها حَتَّى تصل الحرز فيصعب إخراجها. وإن لم تكونوا أصحاب غلة، ولا قادرين على شرائها وتنزلتم إلى طلبها فاطلبوها قبل
دخولها إلى الحرز فيسهل عطاؤها.
-
إلا
- والثانية: إن كنتم في بلدة فأول ما تلتمسون لأنفسكم السكن، فإن من سكن في مسكن غيره؛ فَإمَّا أن يكون غنيا، وإما أن يكون فقيرًا؛ فإن كان غنيا ووسع على نفسه سَمَّاه الناس مبذرا، وإن ضيق سَمّوه مقترًا، وإن كان فقيرا قالوا: ليس وراء هذا الأذى بالدخول والخروج، ومن كان في مسكنه يستر عليه غناه وفقره، ولا يعرف الناس
له عيبا. (1/886)
صفحة 887
الإباضية في موكب التاريخ
123
الإباضية في الجزائر
- والثالثة إذا أقبل الشتاء فحصلوا كسوة شتوتكم، فإن من بات مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفها أبدا، والذي تخلقون من ثيابكم فيه بقية ومنفعة للصيف المقبل، وكف
للألسنة عنكم".
أحسب أن هذه الوقائع التي نقلتها للقارئ الكريم تضع إطارًا عامًا جامعا للصورة التي نحاول أن نرسمها لهذا الرجل العظيم في شخصه وفي سلوكه. وهل ترى أكرم ممن ينفق في المحل لا يترك شيئًا لنفسه وأهله، ولا يفضلهم بشيء عَلَى غيرهم، بل ويتحسس رغباتهم وشهواتهم؛ فإذا أحس أنَّهم قرموا إلى اللحم عمد إلى خيار ماله فذبحه لهم؟!. وهل ترى أعظم ممَّن يلتجئ إليه الزعماء الذين تطاردهم دول وجيوش، حَتَّى إذا
وصلوا إليه وجدوا في كنفه الأمن والسلام والعيش الرغيد والحياة الكريمة؟!.
وهل تجد أتقى الله ممَّن تفوته صلاة الجماعة مَرَّةً واحدة لانشغاله بعمل مندوب إليه فيعاقب نفسه على ذلك بمواصلة الصلاة ليلة كاملة، وحرمان نفسه من الأكل وإطعام مسكينين؟!.
وهل تجد أصبر عَلَى الأذى ممَّن تقوم إليه زوجته ويداها ملطختان بالعجين فتصفعه حَتَّى يبقى أثر العجين على وجهه الكريم، فلا يزيد على الحوقلة والاستغفار؟!. وهل تجد أحلم ممَّن يقف بين رجل قد سبقت منه الإساءة إليه والتطاول عليه، فلا يجد من نفسه إلا أن يتصدق عليه بضعف ما يتصدق به عَلَى غيره إرغاما لأنف الشيطان؟!. الله أبا صالح، فقد كان كما قال أبو العباس الدرجيني: «ذو الورع والسخاء،
حم
وصالح بركات الدعاء، وهو أحد أقطاب الدين، وشَمَّال اليتامى والمساكين». (1/887)
صفحة 888
الإباضية في موكب التاريخ
124
الإباضية في الجزائر
أبو نوح سعيد بن خلف)
أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي علم من أعلام مزاتة، وعظيم من عظمائها، كان يعيش عيشة أهل البادية، ينتقل بأنعامه الكثيرة بين الأقطار الثلاثة الجزائر وتونس، وليبيا، طلبا للمرعى، وجريا وراء الخصب، قال عنه أبو العباس الدرجيني: وكان ذا سعة في العلم والمال حيب الصدر فيها عند السؤال، لا يضجر من السائل، ولا يعيا من أجوبة المسائل، والورع في كل ذلك دليله، والرفق خليله».
من
كان أبو نوح صاحب إبل وغنم وخيل، يتأثر بخطا أبي باديس أبخت ويقتدي به، وكان أفذاذ العلماء، فهو يجمع بين سعة العلم، ومتانة الدين .. وكان يعيش في عصر انحرف فيه فهو ينتظر يوما تشرق فيه شمس العدالة في دولة إسلامية نزيهة الحكم،
الله الحكم عن دين سليمة المقصد، قوية الاتجاه مسلمة المنهج.
ولذلك فهو لا ينفك يعد لذلك، ويجمع له المال فيحافظ له عليه ويعد الخيل ويربيها ويرعاها، ويجمع السلاح والعتاد ووسائل القوة، حَتَّى إذا جاءت الدولة المسلمة التي ترعى كتاب الله وتعمل بحكمة وقف إلى جانبها وأمدها بالمال والسلاح وكان من أشد أنصارها، وأقوى أعضادها، وأصلب أعوانها عَلَى إقامة الْحَقِّ والعدل .. ولكن القدر لم يحقق له هذا
الأمل، ولم يتح له هذه الفرصة، ولم تتكون تلك الدولة التي كان يرجوها له ويعد لها .. كان أبو نوح فارسا من أعظم الفرسان، وكان يختار من رعائل خيله أعرقها نسياء وأعتقها منظرًا ومظهرًا فيتخذها لنفسه يركبها في أسفاره الكثيرة، ويحج عليها إلى بيت الله، ويزور بلاد الإسلام يتعرف فيها على أحوال المسلمين في كُلِّ مكان، وكان ورعا شديد الورع، محافظاً شديد المحافظة، يأخذ نفسه بالعزيمة ولا يجنح إلى الرخصة، يحاسب نفسه على الكبيرة والصغيرة أشد المحاسبة، ويحرص مع ربه على أوثق العلائق. أشد الحرص دائما كان كما أسلفت كثير الأسفار يعيش في البادية، ويبيت في الخلاء، يقطع المسافات الطويلة والصحاري الشاسعة ما بين الجزائر وليبيا منفردًا أو مع رفقة، ومع ذلك لَمْ يُصَلِّ
(1) من علماء القرن الرابع ذكره الباروني في الطبقة الثامنة. (1/888)
صفحة 889
الإباضية في موكب التاريخ
125
الإباضية في الجزائر
قط .. وكان قد خصص لصلاته ثيابا لا يلبسها في غير حالة الصلاة أبدا، فإذا حضرت بتيمم الصلاة تطهر ثُمَّ عمد إلى خرج يحتفظ به معه دائمًا؛ فأخرج ثيابا نظيفة طاهرة فصلى بها فرضاً أو سنة أو تطوعًا أو كلها، فإذا قضى صلاته طوى تلك الثياب ثُمَّ أعادها في مكانها من الخرج نظيفة طاهرة، ولبس لباسه العادي؛ وذلك لأنه كان شديد الاحتياط في موضوع الطهارة، فإن اللباس العادي قد تمسه أو تعلق به بعض النجاسات بعلم أو بغير علم، وهو ينتقل بين مرابض الغنم ومعاطن الإبل واصطبلات الخيول. وقد عود نفسه على أنواع من العبادة لم يتركها قط في حضر ولا سفر؛ فقد كان يصلي صلاة الضحى فلم يتركها طول حياته، كما أنه اعتاد أن يصلي الصلوات في أوائل أوقاتها لا يؤخرها أبدا، فإذا كان في سفر وحل وقت الصلاة أوقف فرسه ثُمَّ نزل فتطهر ثم يصلي الصلاة الحاضرة، فإذا أتمها ركب فرسه فلحق بالرفقة إن كان له رفقة، وموقفه من صلاة الفرض هو موقفه من صلاة السنة وصلاة التطوع التي اعتادها وكان مما اعتاده نوم الظهيرة فكان لا يتركه في حضر ولا سفر، فعندما يحل وقت المقيل وهو مسافر فإنَّه يتزل عن فرسه ثُمَّ يضرب بجنبيه عَلَى الأرض فينام نومه الظهيرة، ثُمَّ يقوم فيتطهر ويصلي ويركب جواده فيلحق بالرفقة، وكان هذا دأبه حتى توفاه الله. أعتقد أن ما حدثتك به عنه إِنَّمَا يعطينا بعض الخطوط إذا أردنا أن نرسم صورة لرجل مسلم يعيش في بيئة لا تساعد كثيرًا على الاستمساك بطرق العبادة، والاعتماد في جميع الأحوال على العزيمة دون الرخصة، ولَعَلَّه وأمثاله يقومون حجة على المسلمين الذين يجدون من انشغالهم بالأعمال اليومية والدنيوية الكثيرة أعذارًا يستندون إليها في الإهمال والتهاون عن أداء فرائض أما إذا أردنا أن نرسم له صورة تمثله في الجانب العلمي فإن لذلك قصصًا ووقائع تَدُلُّ عَلَى يتمتع به الرجل من غزارة العلم، واستقلال النظرة، ونفاذ البصيرة، ومراعاة لمصلحة الأمة، وذكاء نفاذ إلى معرفة العلل الحقيقية الشرعية لأحكام الله. كان لا يفتأ يفتي بوجوب مراعاة مصلحة المسلمين وصيانة أموالهم حتى وهم غائبون، وكان يقول: مهما تصرفت في أموال الناس بقصد أن تدخل عليها مصلحة في ذلك، أو تدراً عنها مضرة فإنَّه ليس عليك تباعة في ذلك ولو لحقها بعض
ما
الضرر.
الله. (1/889)
صفحة 890
الإباضية في موكب التاريخ
126
الإباضية في الجزائر
وتذكر كتب التاريخ أنه يسير في الحياة بمقتضى فتواه وينفذها فيما يتطلب ذلك منه؛ فقد كان في يوم من الأيام راكبًا عَلَى فرس يتبعها مهر، ومرّ بجانب مزرعة لأحد الناس، فرأى في
وسطها قطيعا من البقر فلوى عنان فرسه إلى المزرعة ودخلها راكبا يطرد عنها البقر، ولم يتحرج ممَّا قد تطؤه أرجل الفرس أو المهر أو ما عساه يختطفه المهر وهو يجرى وراء أمه، وقد رأى أنه يباح له هذا الضرر القليل ليبعد عن المزرعة الضرر الكبير.
كان أبو نوح سعيد بن يخلف متواضعًا كريما سهل الخلق طيب النفس، لا يتكلف ولا يتملق عظماء الناس، ولا يتظاهر بالغنى أمامهم، أو يترفع عنهم ..
وعندما وقعت مجاعة محرقة بسبب جفاف طال أمده في الجزائر وتونس، وفساد في امتد وطال، وفتن عمياء كانت توقد نيرانها نزاعًا عَلَى السلطة فلا تنطفئ؛ ارتحل أبو نوح بمواشيه إلى الأراضي الليبية، وقد اختار لها تلك السهول الفسيحة الممتدة بين البحر و"زوارة" من الشمال وجبل نفوسة من الجنوب، وقد زاره هناك الإمام الكبير أبو نوح سعيد بن زنغيل أيام محنته حين كان يطارده الظالمون من أتباع الدولة العبيدية فيتنكر في ثياب رعاة الإبل؛ فمكث عنده أياما، فكان يقدم له "العصيدة باللبن" (وهي أكلة ليبية معروفة يتقنها أهل
البادية وأشباههم ويميلون إليها لسهولتها وخفة (مؤونتها فكان يقدمها في حياء ويقول للإمام: "كل" يا شيخ، فإني لا أعتذر لمن أدعو له بالجنة وأرجو أن يكون من أهلها".
وأبو نوح سعيد بن زنغيل حينما ذهب إلى "وَارجُلاَن" وبقي في ضيافة أبي صالح جنون تحير أبو صالح في طعامه وبحث فلم يجد في "وَارجُلاَن" كلها إلا امرأة واحدة حاذقة بألوان الطهي فخصصها للإشراف على ما يقدم لأبي نوح، وكانوا يحسبونه مرفها. كان أبو نوح سعيد بن زنغيل وهو في ضيافة أبي نوح سعيد بن يخلف حين يقدم إليه طعامه "عيش ولبن" ويعتذر له مضيفه بذلك العذر اللطيف يسر وينشرح صدره بهذه البساطة، ويستلذ ذلك الطعام البسيط، ويفضله على كثير مما يقدمه إليه الآخرون من الذبائح، والاحتفال في إعداد الطعام، وتعديد ألوانه وأشكاله ممَّن ليسوا في مكانة أبي نوح الدينية والخلقية. وَلَعَلّ أحسن ما نختم به هذا الفصل ما قاله أبو العباس الدرجيني: «وكان كثير المال، كثير الأضياف، لا يرد بابه دون أمل». (1/890)
صفحة 891
الإباضية في موكب التاريخ
127
الإباضية في الجزائر
(1)
أبو عبد الله محمد بن بكر)
هو: «الطود الذي تضاءلت دونه الأطواد، والبحر الذي لا تقاس به الثماد (2)، أقامه الإباضيَّة مقام الإمام، في جميع الأمور والأحكام، أسس لهم قواعد السيرة، وله في كُلّ فن
تأليف كثيرة».
هذه شهادة اتفق عليها المؤرخان الكبيران الدرجيني، والشماخي، وهي تشير بإيجاز إلى منزلة أبي عبد الله عند الإباضية، وإلى ما كان يتمتع به من ثقة وإكبار عندهم وَلَكنَّها مع ذلك لا تكفي لإعطاء صورة واضحة عن هذا الإمام العظيم الذي يعتبر بحق أحد أولئك الأعلام القلائل الذين يوجدون في فترات متباعدة من الزمن فيوجهون البشرية في أطوار من التاريخ فيتغير التاريخ بتوجيههم. لقد كان أبو عبدالله بآرائه وتعليمه وتوجيهه وسلوكه فاصلا واضحا بين طورين من أطوار تاريخ الإباضية في المغرب الإسلامي.
ولد أبو عبد الله بن بكر الفرسطائي في منتصف القرن الرابع الهجري بمدينة "قرمطاء" العظيمة حينئذ، والقرية الصغيرة المنعزلة الآن عَلَى ربوة مرتفعة فوق قمة شامخة من قمم جبل نفوسة تطل على واد عميق تتناثر فيه أجنة (3) فسيحة ترتفع منها نخلات باسقات، وتحتم فيه أعداد من شجر التين المخضر في الصيف العاري في الشتاء، من أسرة مشهورة بالعلم والعمل والصلاح، فقد كان أبوه وجده من علماء الجبل، ولهما في كتب الفقه أقوال منتشرة في مختلف مسائل الفروع.
1) ولد سنة 345 هـ حسبما ذكره أستاذنا باكلي عبد الرحمن، وتوفى سنة 440 هـ. (2) جمع تمد: وهو الماء القليل يبقى في الأرض الجلد. وقيل: الماء القليل يظهر في الشتاء ويذهب في انظر: العين، (محمد). (المراجع)
يف.
كثيراً ما أستعمل كلمة "أجنة" جمعاً لكلمة جنان قياسا على "أسلحة" جمع سلاح، وأنظمة جمع نظام، وإن كان الشائع استعمالها جمعا لكلمة جنين. (1/891)
صفحة 892
الإباضية في موكب التاريخ
128
الإباضية في الجزائر
11
الأما
درس عَلَى مشائخ الْجَبل حَتَّى بلغ مرتبة رفيعة، ثُمَّ رغب في المزيد لا في العلوم النظرية فإن معين العلوم النظرية في الجبل حينئذ كان لا ينضب، ولكنَّه أراد أن يدرس علوم الاجتماع والمشاهدة وسافر من "فُرسُطَاء" إلى جزيرة جربة" فدرس على بعض مشايخها حتّى استوعب ما عندهم، ثُمَّ انتقل إلى "القيروان" وكانت حينئذ عامرة بعلماء الإباضية، فقعد عند أحد مشائخها حتّى استوعب ما عنده فقال له الشيخ: أوصي بك إلى من هو أعلم مني"، فانتقل إلى أبي مُحَمَّد وَلَم يلبث إلا يسيرًا حَتَّى استوعب ما عنده؛ لما رزق من الذكاء والحرص والجد، وقرر أن يرجع إلى البحر الذي لا ينضب الإمام أبي نوح سعيد بن زنغيل، ذلك الفتى الذي شهد له المعز الفاطمي بالبراعة في النقاش، فقال فيه: سعيد ففى مجادل"، وبعد دراسته عَلَى أبي نوح ابتدأ عهد الكفاح في العمل - ورُبَّمَا- بتوجيه من أبي نوح- متنقلا بين بلاد الإباضيَّة في المغرب الإسلامي، فرجع إلى جبل نفوسة وبني هنالك مسجده المعروف إلى الآن في بلده "فُرسُطَاء"، وكان قد وضع الخطوط العريضة لنظامه المعروف بمعاونة أبي زكرياء بن أبي مسور فدعا إليه في الجبل وطبق في بعض الجهات، ولم ينتظر حتى يعم جميع مناطق الجبل، فقد كان مطمئنًا، وَإِنَّمَا قرر الانتقال إلى بلاد المغرب فمر جديد، وعمل على إقرار النظام بمساعدة علمائها، ثُمَّ تنقل إلى بلاد الإباضية في الجنوب التونسي، وكانوا في ذلك الحين مضطهدين مُحاربين يستبد بهم الخوف من الظلم المرير المتواصل، فلم يستطع الإقامة هنالك، ومر ببلاد "قصطيلية" بسرعة كما مر من قبل بجبال "دمر" وغيرها، حتّى وصل جنوب الجزائر من وغلانت" و"بلاد أريغ" و"وار جلان" وبادية "بني مصعب" فاستقر به المقام هنالك، وظهرت نتائج كفاحه المثمرة ابتداء من سنة 409 هـ التي تم فيها صياغة نظام العزابة في صورة مواد قانونية. هذا ملخص سريع لحركته الإجمالية، وَلَعَلَّنا نساعد القارئ الكريم في تكوين صورة عامة عنه باللقطات الآتية التي تجعلها بين يديه، وهي تكمل بعضها البعض لتعطي صورة متناسقة لذلك الرجل العظيم. كان الإباضية في المغرب الإسلامي كسائر فرق الأُمَّة، يعنون عناية فائقة بقضيَّة الحكم، ويعتقدون أن المجتمع لا يقوم على الإسلام، بدونه ويعملون بجهد على إرجاعه إلى ما
من (1/892)
صفحة 893
الإباضية في موكب التاريخ
129
الإباضية في الجزائر كان عليه في عهوده الزاهرة من النَّزَاهَة والاستقامة والعدل ويطالبون الدول القائمة بذلك .. وحاولوا هم أن يقوموا بهذا الدور للأمة المسلمة، وقد ضربوا في ذلك أمثله رائعة حفظها لهم التاريخ ويمتد هذا الطور من دخول الإباضية إلى المغرب الإسلامي إلى نهاية انقراض الدولة الرستمية أو بعدها بقليل.
بعد انقراض الرستُميَّة انصرف الإباضيَّة عن الاهتمام بقضيَّة الحكم، ورئاسة الدولة، ومظهر السلطة العلنية إلى الاهتمام بالمجتمع، ومحاولة حمله على السير في المنهج الإسلامي في شئون الفرد وشئون الجماعة دون أن يتعرضوا لقضيَّة الدولة، ومن يتولى الحكم على أن موقفهم هذا لَم يخل من تطلعات في كثير من الأحيان إلى إقامة دولة، وكثيراً ما تطرح اقتراحات بهذا الشأن على بعض الشخصيات التي تلتف حولها الجماهير. فلما جاء الإمام أبو عبد الله الفرسطائي أعرض عن التفكير في قضية الحكم وتكوين الدولة. وقرر نظامه الذي اعتبر أحسن بديل عن قيام دولة عادلة وكان هذا النظام فتولى جميع الشؤون وكل القضايا حسب حكم الله ما عدا الأحكام الخاصة بالإمام كإقامة الحدود وما شابه ذلك من الأمور التي تتعلق برئيس دولة قائمة. قرر أبو عبد الله هذا الاتجاه، واتَّخذ له قواعد وأسسا ودعا الناس إلى السير عليه، ونفذه في حياته، ودرس عليه تلاميذه الذين يبلغون المئات من جميع الجهات، والذين كانوا يكونون، فرقا من الشباب المؤمن الحريص عَلَى طاعة الله المتفاني في خدمة الدعوة، وكان أولئك الشباب يتسابقون إلى تنفيذ أوامر الشيخ وتلبية طلباته والقيام بأمره، ويقومون معه بإبطال المنكر حتّى بالقوة إذا عرف أن ذلك لا يؤدي إلى فتنة تضر بالمسلمين. ولقد أوتي أبو عبد الله الصفات ما يؤهله لأن يبلغ أعظم منزلة في نفوس الناس، ولو أنجه انجاها سياسيا، ودعا الناس إلى بيعته لأجمعوا عليه، وكان خليقا أن يفوز.
من
ولكن الرجل كان يبتعد عن مظاهر السلطة وينأى عما يجر إلى سفك الدماء، ويتحاشى
العظمة الزائفة التي يتهارش عليها طلاب الدنيا، ويتهالكون عليها حتّى يهلكوا في سبيلها. كان يعمل في اتجاه مضاد لتلك المظاهر، ويدعو الناس إلى المحبة والتعاون ويجمع قلوبهم على عبادة الله والخضوع له وحده، والالتجاء إليه فيما دق وجل من الأمور، وإرجاع جميع (1/893)
صفحة 894
الإباضية في موكب التاريخ
130
الإباضية في الجزائر
الشؤون إلى كتاب الله الكريم، أو سنة رسوله العظيم عليه أزكى الصلاة وأفضل التسليم .. أو إلى سيرة المهتدين من خيار المسلمين في خير القرون.
-1 - كان الْمَعيًّا حاد، الذكاء، يفهم الخاطرة، ويدرك اللمحة العابرة، ويصل إلى المعنى
الباعث على حركة، ويتغلغل إلى ما يختلج في أعماق النفوس من مُحدثيه. قال أبو الربيع: كنت عنده يوما فقدَّم بسرًا (1) لعمال يعملون عنده، قال: "كُل معهم يا سليمان فامتنعت". قال: "كُل فإن من يطاوع مشكور الحال .. "، فأردت أن أقول: "ولو فيما لا ينبغي؟ " فأمسكت فاطلع على ما كتمت، وكشف عما عنه سترت. قال: "يا سليمان، ذلك ليس بمطاوع، فنطق به قبل أن أظهره له .. إن الاختلاجة اليسيرة التي اختلجها أبو الربيع حين هم أن يتكلم ثُمَّ سكت فهمها أبو عبد الله وأوضحها بنفس العبارة التي كانت تتردد في ذهن التلميذ النجيب.
2 - كان يهتم بكُلِّ شأن من شؤون المسلمين يرعى التلاميذ ويتولى الإنفاق عليهم، ويرعى المجتمع ويتولى توجيهه وإرشاده ويرعى الفقير ويسد عليه فقره وعوزه، ويرعى الغائب في أهله حتى يؤوب، ويرعى الأرملة واليتيم .. وقد كانت جميع أمور الناس ومشاكلهم تلقى عليه فكانت تجد الحلول السليمة، والأحكام الشرعية الصحيحة، والإجراءات التنفيذية السريعة ..
ولِهَذِه الميزات وثق به الناس فألقوا إليه مقاليد أمورهم، ترفع إليه المشاكل للحل، وتجمع عنده الأموال للإنفاق في سبيل الخير والمنفعة، ويتجمع لديه الشباب للتعلم والتدرب على العمل جاءته امرأة تذكر له أنها من حيث المال والنفقة في نعمة ورغد تحمد الله عليهما، ولكن زوجها قد سافر إلى ليبيا وأطال الإقامة هناك عدة سنوات، وقد أصابها ما يصيب مثلها من الضرر، وكان على زوجها أن يأخذها معه أو أن يعود إليها بعد غياب معقول، ولو في فترات متقطعة، أو أن يطلقها .. واستمع الشيخ الكبير إلى شكوى المرأة ورأى ما فيها من الْحَقِّ، وأدرك الحالة النفسية لهذه المرأة المحرومة فوعدها خيرًا، وفي نفس الوقت دعا إليه شابين من خيرة طلابه، وأمرهما بالسفر إلى مقر الزوج وحل المشكلة عَلَى أحد الوجوه الثلاثة السابقة ...
1) البسر: البلح بعد أن يصفر وقبل أن يصير رطبا. (1/894)
صفحة 895
الإباضية في موكب التاريخ
131
الإباضية في الجزائر
وسافر الشابان حتَّى لحقا بالرجل في مقره ليبيا وعرضا عليه حكم أبي عبد الله فاستجاب الرجل للحق، وانحلت المشكلة التي كانت تعاني منها امرأة بائسة أضرَّ بها تهاون الزوج وحرمها إهماله استقرار النفس وطمأنينة الحياة.
3 - كان يهتم لِكُلِّ ما يعرض من دقائق الأمور وجلائلها، فيتولى الحكم فيها بفهم نير لحكم الإسلام من جهة، ودراسية نيرة للنفس البشرية من جهة أخرى. اقترض ينكول بن عيسى - وهو عالم مؤمن غزير العلم قوي الإيمان؛ ولكنه كان مقلا كأكثر العلماء في مختلف العصور - مبلغًا من المال من أحد الناس وتوفي قبل أن يتمكن من تسديد الدين، واجتمع المشائخ لشأن من الشؤون وكان في الاجتماع صاحب الدين على ينكول، فتذاكر القوم الفراغ الذي تركه ذلك العلم العظيم؛ فقال صاحب الدين: "إن لي عليه دينا، وقد مات ولم يوفه فضاع مالي". قال داود بن يوسف: "على تخليص دين ينكول"؛ فقال سعيد بن إبراهيم: "بل" عليَّ قضاء دينه. فقال مُحَمَّد بن الخير: "أنا أوسع الجميع مالا وأولى بقضاء دين ينكول". فَلَمَّا رأى صاحب الدين حرص الجماعة على دفع ذلك الدين أدرك مقام الرجل، وعرف ما في مساعدته من خير وأجر، فقال: "لقد تركت مالي على ينكول"، واستمسك كُلّ واحد بموقفه وأصر عليه، وأخيرًا عرضوا القضيَّة عَلَى أبي عبد الله؛ فقسم أبو عبد الله الدين على خمسة أقسام، وطلب من كُلّ واحد منهم أن يدفع خمسا إلى صاحب الدين، ودفع أبو عبد الله خمسًا، وترك صاحب الدين خمسا، وهكذا انحلت
معهم
المشكلة باشتراك الجميع بعد أن تشاد فيها ثلاثة من فحول العلماء.
4 - كان رقيقاً حليما محبا للخير، ولكنه مع ذلك كان قوي الشخصية مهابا، وكان لا يسكت عن منكر يراه فكان يعالجه باللين والموعظة الحسنة، وقد يشتد على المخطئ، ويصرح له
بخطئه في مجمع من الناس إذا خاف أن تصل أضرار الخطأ إلى الجماعة حتى يحترس الناس منها. زار "وَاعْلانَت" فوجد بين أهلها تدابرًا وتنازعًا فجمعهم وجعل يتحدث إليهم ليلم الشعث ويجمع الكلمة، وكان في الجماعة رجل من "لواتة" يُسَمَّى "أبد الله (1)،، وكان أبد الله هذا محبي الظهور والزعامة، وكان هو من أسباب الفتنة والخلاف، وكان يرى لنفسه عظمة
من
1) هو تحريف لعبد الله، ويستعمل كثيرا عند بعض القبائل البربرية، كـ "لواتة" و "المطة" في القديم، وحروف الحلق ينوب بعضها عن بعض أحياناً في اللغة البربرية. (1/895)
صفحة 896
الإباضية في موكب التاريخ
132
الإباضية في الجزائر
وفضلا، فراجع أبا عبد الله الفرسطائي في بعض حديثة دون أن يسأله الإمام فالتفت إليه الإمام في شدة المؤمن وقوته في الْحَقِّ، وقال له: «يا أَبْدَ الله، ليس واحد أفضل من جماعة إلا رسول الله .. اعلم يا أبد الله، أن من يتكلم وقد احتيج إلى كلامه فقد ابتلي ببلية، ومن يتكلم ولم يُحتج إلى كلامه فقد ابتلي ببليتين»، ثُمَّ استرسل في توبيخه وتقريعه، وبيان فضل الاتحاد والتعاون والذوبان في مصلحة الجماعة حتى صار الرجل عبرة، وبعد أن كان ينزع مترع الظهور والزعامة أصبح ينزع مترع الاستخفاء والاستتار واتحد الصف واتحدت الكلمة. ه عندما يتمكن الانجراف بقوم ولا تجدي فيهم وسائل الوعظ والإرشاد والتوجيه فإنه معهم موقفاً أقسى عليهم من ذلك.
يتخذ
-
ومسموعي
كانت قبيلة "بني ورماز" إحدى القبائل الضاربة حول "أريغ" قد انحرفت بسلوكها عن المنهج السوي للمسلمين، فكانت تشتغل بالغارة، وتقطع الطريق عن المسافرين وتبتز الأموال بالعنف والقوة من المسالمين، إلى غير ذلك من أنواع الفساد الذي اعتادته بعض القبائل التي لم يتمكن الإيمان من قلوبها؛ فجمع الإمام أبو عبد الله أهل "أريغ" وحدثهم في الموضوع، وعرض ما يرتكبه أولئك الجفاة المفسدون، وشرح لهم ما يقاسيه المسافرون؛ فقام إليه أحد كبار "أريغ" الكلمة فيهم فقال: "وما نقدر عليه نحن؟ " فغضب الإمام لهذا الضعف المستخذي، وقال له: «إذا لَمْ تقدروا أنتم على الضرب عَلَى أيدي هؤلاء المعتدين المفسدين، فإننا نحن نقدر على أنفسنا». ومن الغد ارتحل بأهله وتلاميذه ونزل "إيفران (1) في ضواحي "وار خلان"، وتمادى بنو "ورماز" في الفساد من قطع الطريق وسلب المارة ففسدت أحوال "أريخ" وهجرها الناس لما يلحقهم من بنو "ورماز" هؤلاء من الأذى، وانتقد أهل "أريغ" ما كان يملأ مساجدهم ومجتمعاتهم من دروس العلم والوعظ وما يقوم به أولئك المؤمنون من أنواع العبادة أطراف الليل والنهار، وغابت عنهم أفواج الطلبة الذين كانوا يغدون ويروحون ومدارسهم وأمكنة إقامتهم، وهكذا تغيّرت عليهم الأحوال ماديًا وأدبيا فلا أسواقهم بقيت عامرة، ولا مساجدهم ومدارسهم كما كانت واجتمعوا ودرسوا الموضوع، وعلموا أن ما أصابهم كان لسبب خلافهم لأبي عبد الله وهجرانه لهم، فقرروا أن يبعثوا إليه
الله
(1) لا تزال إلى اليوم بهذا الاسم، تبعد عن وارجلان ما يقرب 45 كلم، من جهة "نقوسة". (المراجع). (1/896)
صفحة 897
الإباضية في موكب التاريخ
133
الإباضية في الجزائر
وفدا يدعوه للرجوع، وتكون الوفد فعلا وذهب إلى عبد الله، فَلَمَّا اجتمع الوفد بالإمام رأى أن يجرب معه الجانب المادي لعله يأتي بنتيجة فقال له قائلهم: "إن ضيعتك قد أقبلت غلتها، وهي في هذه السنة أجود منها في جميع السنوات السابقة، ومن الخسارة أن تتركها ولا ترجع إليها في هذا الموسم الجني. فأشار أبو عبد الله إلى شجرة أمامهم وقال لهم: "إن ضيعتني بالوصف الذي تذكرونه هي وهذه (الزيتا) (1) عندي سواء"، إنَّني أصبحت بينكم في حالة لا يرضاها الحر، يقبل الناس عَليَّ من أطراف الأرض للاستفادة أو التعليم أو الزيادة، فإذا بلغوا نواحي "أريغ" يعدو عليهم المفسدون فيقتلونهم أو يسلبون أموالهم». وعدّ عليهم وقائع كثيرة، فلم يجدوا له جوابا، ورجعوا آسفين إلى بلدهم وقرروا أن يطهروا أرضهم فجدوا في ذلك ونجحوا فلم تمض عليهم سنة حَتَّى أمنت السبل، وساد السلام، وعمرت الطرق، وعرف الداني والقاصي بذلك، وكونوا وفدًا جديدًا يستدعي الإمام، فلبى الدعوة، ورجع إلى مكانه من بلاد "أريغ".
الفساد،
6 - كان من أحرص الناس على الاتحاد والتضامن والتعاون، وكان أكره ما يكره الفرقة والشقاق، وكان يمقت الأشخاص الذين يسعون إلى الخلاف أو يتسببون فيه، وكانت دروسه في الوعظ والإرشاد تنصب على هذا الجانب، ويضرب الأمثلة العديدة من واقع الحياة في البلاد التي يعيش فيها ومما كان يقوله في هذا الباب: "مثل الجماعة كالخشبة المتينة المتماسكة، ومثل الفر الذي يستغني برأيه ويدعوه إلى الفرقة والخلاف كمثل الوتد الذي يضرب في الخشبة". فتفريق الجماعة يكون بسببه؛ وذلك أنه إذا استبد برأيه في أمر تبتغى فيه المفاوضة، فإنه يكون حريا أن يخطئ، فإذا أخطأ فلا بد من اجتماع الجماعة للنظر في أمره، فإذا أخذوا في الكلام لم يعدموا من يقوم مغضبا للمخطئ يدافع عنه، فيكون مخطئًا مثله، ويكون بمثابة الوتد الثاني الذي يدق لشق الخشبة، فإذا أرادوا أن يتكلموا عن الوتد الثاني لَمْ يعدموا شخصاً ثالا يدافع عنه، فيكون هذا الثالث بمثابة الوتد الثالث الذي يدق في شق الخشبة، وحينئذ تتفرق الجماعة، ألا ترى
(1) الزيتا: نوع من أنواع الشجر لا هم له، ينبت في السباخ والمياه المالحة، ولا تأكله الحيوانات، وليس له خشب يصلح للوقود أو غيره. (1/897)
صفحة 898
الإباضية في موكب التاريخ
134
الإباضية في الجزائر
أن الخشبة بعد الوتد الثالث تصير اثنتين فلا ينبغي للمسلم أن يستأثر برأيه فقد ورد عن رسول الله أَنه قال: «مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ ضَلَّ، وَمَنْ هَجَمَ عَلَى الْأُمُورِ عَطَب» (1).
كان كثيرا ما يعالج ما يحدث للجماعة من الخصومات والشقاق بالوعظ، والإرشاد، وضرب الأمثال. وقد يقسو عليهم في أمثلتهم ومن ذلك قوله: "أهل زماننا كالتيوس إن اجتمعوا تناطحوا، وإن افترقوا تصايحوا. وكان يقول: "قطيعة الرحم كبتر عضو من الجسد، لا يربط، ولا يخاط ولا يناط. وكان يقول: أهل زماننا كالأرض السبخة، إن ابتلت أزلقت، وإن يبست خدشت".
-- كان يتأنى في أحكامه ولا يتعجل، وَلَعَلّ أحسن مثل لذلك هذه القصة، التي يقصها ويرويها الدرجيني، قال: «خرجنا في حلقة زائرين أهل الدعوة فما صرنا في بعض بلاد الساحل، خرج أهل المنزل فتلقونا وأدخلونا، وأحسنوا نزلنا، ودخل معنا رجل ممن كنت أعرفه من تلامذة شيوخي وممن قرأ معي، وإذا هو قد لبس كساء حشيما، وفي رجله قرق (2) قلعي، وعلى رأسه شاشية حمراء، وفي يده مزراق يرفعه ويضعه فأدخلونا المنزل، وقد عزمت على هجران صاحبنا المذكور، ثُمَّ إن الرجل دخل بيننا، وأدخل معنا رجالا من أعوان الجبابرة، فازددت عليه حنقا، وتضاعف غضي عليه، فأكلنا طعامًا إلى آخره، وفرغت القصعة، وجعل الفوار يتصاعد من قعرها، ولم أر قبلها قصعة تفور بعد فراغ الطعام منها؛ وذلك لشره الأعوان، وشدة أكلهم وقلة أدبهم، وكان ذلك مما زادني حنقاً وقوى عزمي عَلَى هجرانه، إلا أنه كان من لطف الله أن حبست نفسي، ولم أعجل عليه. قال: فبعد انصرافهم أدخلنا بينا آخر ليس فيه إلا العزابة، وأحضر طعامًا حفيلاً، وقال: "كلوا فلعلنا نؤدي بعض حقوق الإسلام وأهله، ويكفيهم ما تعلق بنا من طعام كنا نأكله من أموال أهل الدعوة في حرمة هذا الإسلام". ثُمَّ قال: "ما دعانا إلى ما ترون من مؤاكلتكم غير الجنس إلا المداراة عليكم، قال: فانْحل بعض ما اعتقدت، ثم دعونا وانفصلنا إلى المسجد، فَلَمَّا كان وقت صلاة الأولى إذا بالرجل قد جاء فطلع وأذن، فانحل بعض
(1) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ.
(2) الفرق: هو القاع الأملس. انظر: مقاييس اللغة، (قرق). (1/898)
صفحة 899
الإباضية في موكب التاريخ
135
الإباضية في الجزائر
ذلك أيضا، ثُمَّ جاء فركع ما شاء الله، ثُمَّ أقام الصلاة فلم يجد من يقوم ليوم فتقدم هو، وأم بالجماعة، فانحل بعض ذلك أيضا، ثُمَّ دعا وقام وركع ما شاء الله، ثُمَّ جلس وأخذ الكتاب، وجعل يقرأ ويفسر ما أشكل فيه، فانحل جميع ما اعتقدت عليه وحمدته واستحسنت حاله وحمدت الله إذا لَمْ يكن لي إليه عجلة بنشاط، ولا معاملة بمكروه".
9 - كان جم التواضع كثير الاهتمام بأمور الطلبة، يعيش بينهم كواحد منهم، ويغضبه أن يخص بشيء دونهم أو يؤثر عليهم. فإذا ما أهدي إليه شيء قسمه بينهم إن كان مما يقسم، وإلا أعطاه لصغارهم أو للمحتاجين منهم إليه، وكان يشاركهم في الأعمال التي يقومون بها أثناء رحلاتهم وإقاماتهم، يساعدهم على بناء الخيام، ويجمع معهم الحطب، ويتولى معهم تنظيف المكان، وإعداده للإقامة والاستقرار.
ذكر ياجرين بن جعفرانه حين كان تلميذا في حلقة أبي عبد الله اجتمع الطلبة لتنظيف غار لهم يخرجون منه الكناسة وأكداس التراب، فكان أبو عبد الله يشتغل معهم، ويحمل التراب على عاتقه حتى يرميه في المزبلة، فقال له ياجرين: اقعد يا شيخ فإن الطلبة يكفونك". فأجابه الشيخ: "أو يحملون عني ذنوبي يوم القيامة". فقال له ياجرين: إذن فاحمل كثيرًا كثيرا"، وكان الشيخ ضعيف البنية يحمل ما يطيقه، فأجابه الشيخ: "لو كان رأيك يؤخذ به لأخذ به في المرة الأولى". 10 - كان يحض الطلاب على المذاكرة والاستيعاب، ويوجههم إلى مطالعة الأمهات والمراجع، وعدم الاكتفاء بالمختصرات والملخصات من الكتب. 11 - كان الإباضيَّة يفزعون إليه في جميع مشاكلهم، وكانوا يطلبون منه أن يعين لهم من يقوم لهم بأمور دينهم أو أمور دنياهم، وفي القصة التالية دليل على ما كان يتمتع به من الناس، وإكبارهم له، ورضاهم بأحكامه. احتاج بنو "ورتيزر لن" إلى من يتولى أمورهم، ويفصل مشاكلهم، ويحكم بينهم بحكم الله، يطلبون منه أن يولي عليهم من يختاره لهم، وفكر أبو عبد الله في الرجل الذي يوكل إليه هذه المهمة التي تحتاج إلى العلم والنزاهة والدين، فاختار لهم الشيخ أبا الحسن بن أفلح تلميذ العلامة حمو بن اللؤلؤ، وأرسله معهم، فمكث فيهم سنين يحكم بكتاب الله وسنة ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، ويقيم العدل فيهم، وكان الرجل شديدا في أمر الله لا تأخذه في الله
فأتوا أبا عبد
الله
ثقة (1/899)
صفحة 900
الإباضية في موكب التاريخ
136
الإباضية في الجزائر
لومة لائم، فسخط عليه جماعة ممَّن وجب عليهم الْحَقِّ، وتلمسوا مسائل ظنوا أنه أخطأ فيها، ثُمَّ كونوا وفدًا ذهب إلى أبي عبد الله يشكو إليه القاضي أبا الحسن، وتضييعه الحقوق، فأمسك الشيخ الوفد عنده، وبعث إلى أبي الحسن فأحضره معهم، وأجلس القوم في حلقة واحدة، ثم سألهم ما الذي نقمتم من أبي الحسن؟ فقال قائلهم: "إن أبا الحسن يحكم بين بعض منا دون بعض"، فقال أبو عبد الله: "أكان ذلك يا أبا الحسن؟ " فقال: "نعم". قال أبو عبد الله: "تم ماذا؟ "، قالوا: حكم على رجل بصداق امرأة بغير إقرار ولا شهادة"، فقال أبو عبد الله: "أكان ذلك يا أبا الحسن؟ " فقال: "نعم". قال لهم أبو عبد الله: "ثُمَّ ماذا؟ " قالوا: "اختصم عنده رجلان في شفعة، وأبطلها من يد القائم فيها، فقال له أبو عبد الله: "أكان ذلك يا أبا الحسن؟ " قال: "نعم". قال أبو عبد الله: "ثُمَّ ماذا؟ " قالوا: مات رجل يقر أنه أوصى بماله في وصيته، فاستأثر بها أبو الحسن"، فقال أبو عبد الله: "أكان ذلك يا أبا الحسن؟ " قال: "نعم". قال أبو عبد الله: ماذا؟ " فنظر القوم بعضهم إلى بعض، ولم يجدوا زيادة فسكتوا. فقال أبو الحسن: "سأخبرك بما فعلت فيها يا مُحَمَّد أيثبت الحكم في الأرض المشاعة التي لم يتعين لها رب؟! إن هؤلاء القوم حين دخلت هذه البلاد قالوا لي: ما بين فلانة وفلانة مشاع بين بني ورتيزلن"، فجعلوا يعمرون هذه الأرض دون أن يسلم بعضهم لبعض، فهو ما لَمْ أحكم فيه بينهم". ثُمَّ قال: "ما تقول في رجل أقر بالنشوز؟ فهل يحكم عليه بالصداق أم لا؟ ". قال أبو عبد الله: "نعم". قال: "اختصم أبو الخير وامرأته "ثازوراغت"، فأقر بالنشوز، فحكمت
لم
عليه بصداقها.
:
ثُمَّ ق قال أبو الحسن: "ما تقول في نخل نبت في أعلى مجرى العامة؟ هل يحكم فيه بالشفعة لبعضهم دون بعض؟ " قال أبو عبد الله: "لا". فقال إن رجلين اختصما عندي في نخلة هي في
مجرى العامة، فطلبها رجل بالشفعة من مشتريها، وهو واحد من تلك العامة فلم أحكم له بها". وأما أمر الوصية فإن الرجل الذي مات من بني "ورتيزلن"، فإنه استخلف امرأته على تنفيذ الوصية، فقالت لي: "أرسل معي من يعلمني كيف أنفذ هذه الوصية"، فأرسلت معها ولدي، فبلغني أنها تصدقت عليه بربع شاة لحما، ولم أره ولم اكله". (1/900)
صفحة 901
الإباضية في موكب التاريخ
137
الإباضية في الجزائر
كلامك،
ثُمَّ قال: "إن عندي كلاما أريد أن ألقيه إليك"، فقال له أبو عبد الله: "دع كلام فحلف أبو الحسن أن لا يتولى القضاء بينهم سبع سنين". واستبان للقوم مقدار خطأهم وخسارتهم، فقاموا وأمسك أبو عبد الله أبا الحسن عنده يوما کاملاً، يتأنس به، ويراجع معه كثيرًا من مسائل العلم ومشاكله، وعندما ذهب أبو الحسن
قال أبو عبد الله ليعقوب بن أبي القاسم: "إن جيرانك يصارعون من لا يطيقون مصارعته". 12 - كان شديد الاهتمام بالتربية العلمية لطلابه، فهو يدربهم على القيام بمهام الأمور، فيقيم معهم الرحلات، ويتولى في حضورهم فض المشاكل، ويشاركهم في عمليات الأم بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدربهم عَلَى العمل لفائدة الجماعة والذوبان فيها. وكان عندما يتخرج الطلبة من معهده، ويعزمون عَلَى الرجوع إلى بلدانهم أفرادا أو جماعات، يوصيهم الوصايا الكثيرة، ومن الوصايا التي كان يحرص عليها، ويقولها لكلِّ متخرج عند وداعه، الوصية الآتية: ارجع إلى أهلك بسلامة الله، فإن وجدت من تقدمه في الأمور، فتكتفي به فاتبعه، فإن لم تجد ووجدت من تتعاون معه فتعاون عَلَى البر والتقوى، فإن لم تجد ووجدت من يقدي بك في الخير فكن إماماً، فإن لم تجد من هؤلاء أخا فالزم الطريق وحدك وجانب الناس». 13 - كان أبو عبد الله عفيف اللسان، عفيف اليد عفيف الضمير. وقد شهد له أبو الربيع في الأولى فقال: "كان أبو عبد الله إذا سئل عن أحد فإن علم خيرا قاله، وإن علم غيره سكت". وَلَعَلّ خير شاهد على عفة يده عَلَى كثرة ما مر بها من أموال- ما يلي:
قال ولده أبو يعقوب يوسف: أوصى أبي بألف دينار، ثُمَّ استكثرتها، فأوصى بخمسمائة دينار، ثُمَّ قال لي: "يا يوسف، يا بني هَذه وصيتي فأنفذها، ولا جعلك الله في حل إن دفعت زائدا علَى أربعة دراهم لشخص أي شخص كان، فإنما هي حوطة من أموال أهل الدعوة، ما أطعمتكم منها عشاء، ولا غداء، ولكن ربما أرادوا وجهًا فصرفتها في غير الوجه الذي أرادوا.
ولعل
خير
ما نختم به هذا الفصل هو شهادة أبي الربيع، قال: "إنَّما مثل أبي عبد الله كما
(1) ,
قال الله تعالى: ولوا إلى قومهم منذرين (1).
(1) سورة الأحقاف: 29. (1/901)
صفحة 902
الإباضية في موكب التاريخ
138
الإباضية في الجزائر
أحسب أن الخطوط السابقة كافية لرسم صورة باهتة لهذا الإمام العظيم، ولعل تلك الصورة لا تتم إلا إذا أشرنا إلى الميدان الحقيقي الذي عاش للكفاح فيه طوال حياته، لا يمل، ولا يفتر، ولا يتوقف، إنَّه ميدان التربية والتعليم، ومنهاجه في ذلك، وهذا في الحقيقة يحتاج إلى دراسة متوسعة وكتب مفردة؛ لأن في ذلك المنهاج إقرارًا لكثير من الآراء التربوية التي نعتقد أنها حديثة، وأنها آتية من الغرب، وذلك كحالة توحيد اللباس والتربية العملية، والرحلات المدرسية، واشتراك الطلاب في إدارة المدارس وغير ذلك من الآراء التي يفتخـ
أَمَّا
الناس بها اليوم، وَلَعَلَّ بعض شبابنا المتعلم يهتم بذلك، ويقدم فيه الدراسة الكافية. مدرسته في فترته الأخيرة فقد كانت تمثل المرحلة الجامعية، وقد كان النظام يفرض على الطلاب أن يلتحقوا أوَّل ما يلتحقون بالدراسة بمدرسة أبي يعقوب مُحَمَّد بن بدر، فيعلمهم القراءة والكتابة والآداب النفسية والسير وهذا يمثل المرحلة الابتدائية في نظامنا الحديث، ومنها ينتقلون إلى مدرسة الشيخ مُحَمَّد بن سدرين، فيدرسون عنده علوم اللسان من نحو وصرف وبلاغة ومنطق وأصول وعلوم الشريعة، وتمثل هذه المرحلة المراحل المتوسطة من مراحل تعليمنا الحاضر، ثُمَّ يلتحقون بمدرسة أبي عبد الله، فيتخصصون في المباحث العلمية، ومنها يتخرجون؛ إما إلى التدريس، أو العمل في ميادين الحياة العلمية المختلفة بعد التخرج مباشرة، ومنهم من يوجه إلى قيادة الناس بالتوجيه والإرشاد وتمثل هذه المرحلة المرحلة الجامعية في نظامنا الحالي، وقد يستمر بعضهم في المجال العلمي دارسة وتأليفا.
ولد أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر الفرسطائي كما قلت سابقا - في "فُرسُطَاء"، وعاش حياة مليئة بالعلم والعمل، وبلغ من قلوب الناس منزلة لَمْ يبلغها أحد بعده، ولا يزال مضرب المثل في كُلِّ شأن من شؤون المجتمع والحياة، ولو لَمْ يعمل شيئًا غير نظام العزابة الذي كان عند الإباضية في المغرب بديلا لنظام الإمامة، فيه جميع مزاياها، وليس فيه أخطارها لكان عملاً كافيا، وتوفي رحمة الله سنة (440) من الهجرة النبوية في مدينة "آجلو" التي كانت تعرف
بمدينة الصالحين، ولا يزال قبره معروفًا إلى اليوم، يزوره الناس للعبرة والذكرى.
RO (1/902)
صفحة 903
الإباضية في موكب التاريخ
139
الإباضية في الجزائر
أبو محمد ماكسن بن الخير)
ولد في عاصمة الدولة الصنهاجية من البلاد التونسية بعد وفاة أبيه بشهور قليلة، وأصيب في صغره - وهو ابن سبعة أعوام فكف بصره، وكانت أسرته أسرة فقيرة مقلة، وإن كانت
متألمة
تعيش في كرامة المؤمنين وعزة أنفسهم .. كانت أم ماكسن عندما أصيب ولدها ببصره. أشد الألم، حائرة لا تعرف ما تصنع لتردّ على ولدها الحبيب بصره، وكانت لا تفتأ تسأل الناس علها تجد دواء يردّ البصر على من فقده، ولَكنَّها لم تجد .. وذهبت يوما إلى بيت المعز بن باديس سلطان أفريقيا، وكانت تربطها بزوجة أم يوسف أواصر صداقة قديمة، وعلاقات وثيقة منذ الصغر .. وذهب الولد الأعمى بصحبة، أمه، وحينما كانت المرأتان تثرثران في مختلف الشؤون كعادة النساء دائما كان الصبي الصغير تارة يتسمع إليها، وتارة يلعب بما يجده بين يديه من إناء أو أداة، وكانت أم يوسف لا تنفك تنظر إليه وتتأمله فأعجبت بخفة روحه، ولباقته وذكائه، وحسن تصرفه في لعبه، واقترحت عَلَى أُمِّه أن تأخذه إلى الكتاب فإِنَّه جدير أن يكون له في المستقبل شأن.
ورجعت أم ماكسن بولدها ثُمَّ أخذته إلى مدرسة المدينة أو كتابها، فحفظ القرآن الكريم في وقت قصير، وكان لذكائه وحدة ذهنه لا يسمع شيئًا إلا فهمه وحفظه .. وحين ضاق الكتاب عن مواهبه سافر إلى "جربة" والتحق بمدرسة أبي مُحَمَّد ويسلان بن أبي صالح، فكان أنجب طلابها، وأذكى من يتلقى العلم فيها، غير أنه كان حاد المزاج، سريع الغضب، لاذع النكتة، حاضر البديهة عنيف الهجوم؛ فكان الطلاب يتضايقون منه، ويودون لو تخلصوا من وجوده، فكانوا يشتكون منه إلى شيخهم أبي مُحَمَّد، ويطلبون منه إبعاده عنهم، وطرده من مدرستهم، أو إرساله إلى مدارس أخرى، ويلحون في ذلك فيستمع الشيخ إليهم في حنان، ويطيب خواطرهم ويهدئ من ثورهم، ثُمَّ لا يفعل شيئًا مع ماكسن ..
يبدو
أن الطلبة قد ملوا من عشرة ماكسن وكلوا من الشكوى إلى أبي مُحَمَّد، فقرروا أن يقفوا من الموضوع موقفًا حازما؛ فذهبوا إلى أستاذهم مَرَّةً أخيرة وقد ملكهم الغضب
(1) من علماء القرن الخامس ذكره الباروني في الطبقة العاشرة. (1/903)
صفحة 904
الإباضية في موكب التاريخ
140
الإباضية في الجزائر
فتكلموا بنوع من الشدة والحدة، وعرضوا شكواهم على الشيخ، وقابل الشيخ ثورتهم بثورة، وحدتهم بحدة، ثُمَّ أقسم لهم أنه لن يطرد هذا الطالب النجيب الذكي ما دام راغبا في الدراسة فأسقط في أيديهم .. ثُمَّ سألهم ما يشكون منه؟. قالوا: "نشكو منه الخفة"، فقال لهم: "لقد سئل رسول الله: بم تكون الخفّة في المؤمن؟ " فقال لهم: «لغَزَارَة». وقيل لابن عباس: "إنك لخير لولا خصلة فيك". قال: «وما هي؟» قيل: "الخفة .. " قال ابن عباس لناقده: عتبتني بخير الخصال .. ». وهكذا استطاع أبو مُحَمَّد أن يرد طلبته عن شكواهم وأن يقنعهم بأن في موقفهم بعض الخطأ، وأن ما كانوا ينتقدونه على زميلهم لا ينتقد.
وبقي ماكسن في المدرسة واستمر في الدراسة حَتَّى تخرج وأصبح من الأعلام، وكان طول حياته لا ينسى فضل أبي مُحَمَّد ويسلان، وكان لا يفتأ يتحدث في مجالسه قائلاً: "لو سمع أبو مُحَمَّد رجاء الطلاب وطردني من مدرسته لرفعت برأسي، وكنت في غير الْحَقِّ، فضللت وأضللت وهلكت وأهلكت، وهو بهذا يعترف بما في طبعه من الحدة والأنفة والاعتداد بالنفس، ولعل أغلب العميان كذلك.
كان أبو الربيع سليمان بن يخلف من الطلاب الصغار الذين يحضرون حلقة أبي مُحَمَّد ويسلان، وكان أبو الربيع من أطيب الناس، نفسا، وأسهلهم خلقا، وأرضاهم خليقة، وألينهم عريكة، وأدومهم صحبة وأحسنهم عشرة، وأصبرهم عَلَى الأذى؛ فاتخذ من ماكسن رفيقا معه الدروس، ويقرأ له الكتب، ويحضر له ما بعده من تمارين،
وصديقا وأخا، يطالع ويساعده في حل المسائل، والرجوع إلى المصادر.
قال أبو العباس الدرجيني: ولا جرم أن الشيخ أبا الربيع سليمان بن يخلف كان مفتاح باب الخير عليه؛ لأنه كان مُحاضره، فكان ينشطه ويدربه ويحرضه ويقرأ عليه الكتب .. فإذا قرأ بابا رددا معًا، مسائله وهكذا كانت عادتهما، وكان كُلّ واحد منهما برا بالآخر حقيًّا به. كان أبو الربيع كما ذكرنا- لا يألوا جهدا فيما ينفع به صاحبه، فلا يعرف له طريق
1) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ. (1/904)
صفحة 905
الإباضية في موكب التاريخ
141
الإباضية في الجزائر
مصلحة إلا تحراه، وكان ماكسن على نحو ذلك فيما له عليه قدرة .. حتى أن ماكسن يدعوه بالخؤلة مع كونه دونه، وهذه الدعوة؛ لأن أم ماكسن مزاتية من قوم أبي الربيع .. واستمرت الزمالة والصداقة بين الشابين الذكيين وطالت وإن كانت لا تخلو من لحظات يقع فيها ما يقع عادة بين الإخوة والأصدقاء، من حدة النقاش، وبوادر الغضب والاستياء، لا تلبث أن تزول آثارها.
الله
كانا يوما يتذاكران بابا من أبواب المعرفة في كتاب فقهي، واختلفت وجهتا النظر منهما في فهم المسألة، وتمسك كُلّ منهما بفهمه وتعصب له ودافع عن رأيه بحرارة، وطال بينهما النقاش، واحتد حَتَّى انفصلا شبه، متخاصمين وحضرت الصلاة وكان ماكسن إذا أراد الصلاة نزع ثيابه ولبس ثياب أبي الربيع؛ لأنه يتيقن طهارتها بصورة أقوى؛ ولأنه لا يأمن أن يلحق ثيابه نجس دون أن يشعر به لعدم الرؤية؛ فلكي يبعد عن نفسه هذا الاحتمال أو هذا الوسواس كان يصلي في ثياب أبي الربيع، فَلَمَّا حضرت الصلاة ذلك اليوم هم أن يصلي في ثيابه خوفا أن يكون أبي الربيع قد وجد عليه .. فصاح به أبو الربيع وطلب منه أن يلبس الثياب التي كان يلبسها حين الصلاة، وقال له: "صل بها عافاك الله، فإِنَّه لَمْ يقع في قلبي شيء بسبب نقاشنا، ولبس ماكسن ثوب أبي الربيع وصلى به وكان وقوفه بين يدي ومناجاته له كفيلاً بمسح آثار الحدة من نفسه، وملء قلبه بالخلق الإسلامي المرضي. بقي ماكسن في "جربة" بعد أن ارتحل إليها من "القَيْرَوَان" حَتَّى أصبح علما يشار إليه، ثُمَّ ارتحل إلى وارجلان وكانت في ذلك الحين في أيام عزها وازدهارها فرحب به أهلها، وأحلوه في مقام كريم، ولقي حفاوة من رجال العلم وإقبالا من الطلاب، وإكراما من جميع الناس .. ومنها ذهب إلى الحج، فزار مهد الإسلام وتشرف بالسير في أكرم بقعة، وأدى الركن الخامس من أركان الإسلام، وشهد البقاع التي كان يترل فيها الوحي على رسول الله ثُمَّ رجع فمر هو وجمع من رفاقه عَلَى جزيرة جربة" يؤدي حق الزيارة لتلك المرابع التي اغترف منها العلم، وكانت له فيها ذكريات في الشباب، ثُمَّ عاد إلى "وارجان" فاستقر وتزوج وأنجب وكان مرجعا من مراجع العلم، وشخصية من الشخصيات المرموقة في المجتمع التي علا لها ذكر وشأن عند البعيد والقريب والموافق والمخالف. (1/905)
صفحة 906
الإباضية في موكب التاريخ
142
الإباضية في الجزائر
عندما جاء ماكسن إلى "وار جلان" وجد هنالك فيمن وجد العلامة أبا موسى عيسى - بن أبي الحجاج، وكان في المرتبة العليا متانة دين وغزارة علم، وسمو أخلاق، فاتخذ منه ماكسن آبا وشيخا وأخا وصديقا.
وهنأت الحياة لماكسن وأبنائه في "وار خلان"، حتَّى ورد إليها أبو العز ابن داود، وهو شخصية مرموقة محبوبة من "آجلو" جاء يتفقد إخوانه، فَلَمَّا عرف ما عليه حالة ماكسن جلس إليه وتحدث طويلا، وعرف أن الشيخ قد استقر، وأنه رضي بنوع الحياة التي يعيش فيها، وكان ماكسن كما قد عرف القارئ ذكيا المعيا حساسًا، وكان يستمع إلى أبي العز في كُلّ ما يقوله متأثراً به، فقال أبو العز: إنك يا ماكسن في رغد من العيش بما يضفيه عليك أهل وار جلان" الكرام، وإذا أقمت عَلَى هَذه الطريقة من الحياة يأكل أولادك تحف أهل الدعوة، فإنك إن مت اقتسموا ريح الصبا".
وعملت هذه العبارة اللاذعة عملها في نفس ماكسن، وفكر في الانتقال إلى "أريغ"، وفزع إلى أستاذه وصديقه أبي موسى يطلب منه الحل؛ لأنه ينوي الرحيل، فدهش العالم الكبير، وقال له: "بل" أطلب الحل من طلبك الحلّ وعزمك عَلَى الرحيل، فقد أدخلت على قلبي روعة يجب أن تطلب بسببها الحل". ثُمَّ قال له: "إنَّني لا آذن لك في الرحيل وأنا حي، فإذا مت و حضرت غسلي وتكفيني ودفني فأنت بعد ذلك في حلّ، إن شئت أقمت، وإن شئت
ارتحلت".
فصبر ماكسن وأقام في "وَارجُلان" حَتَّى توفي أبو موسى وحضر غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ثُمَّ نفذ قراره فانتقل إلى "أريغ". كانت "وار جلان" في ذلك الحين من الثروة والغنى بحيث لا يستطيع أن يمتلك فيها أمثال
أبي مُحَمَّد ماكسن شيئًا، وذلك ما لاحظه أبو العز فإنَّه يعرف أن أهل "وَار خلان" - و على ما هم عليه من غنى وثروة لا يبيعون شيئًا من الأصول، وإذا خطر لأحدهم أن يبيع شيئاً منها باعه بسعر مرتفع ليس في طاقة ماكسن وأضرابه .. ولذلك لا يمكن لماكسن أن يخلف في هذا البلد شيئًا لأولاده، ولذلك نصحه أبو العز بالرحيل، لاسيما وأن "وارجلان"
كانت مشحونة برجال العلم والدين، وأنهم لا يحتاجون إلى ماكسن من هذا الجانب. (1/906)
صفحة 907
الإباضية في موكب التاريخ
143
الإباضية في الجزائر
أما وادي "أريغ" فقد كانت في ذلك الحين في حالة سيئة من جميع النواحي، ناحية الدين، وناحية العلم، وناحية الاقتصاد، ووجود أمثال أبي مُحَمَّد ماكسن فيها يفيدها في المجال الديني، وفي المجال العلمي ويستفيد هو منها اقتصاديا؛ لأنه يستطيع أن يشتري فيها أملاكا تدر
عليه غلالا
فَلَمَّا
انتقل أبو مُحَمَّد ماكسن إلى "أريغ" واستقر بها، وقد بقيت بيده أموال صالحة مما كسبه في "وَارجُلان" وغيرها، استطاع أن يشتري أملاكا تغل عليه وعلى أبنائه ما يكفي حاجتهم، ويعيشون به في کفاف مستورين
وزاره أبو العز في وادي "أريغ" كما زاره من قبل في "وَار جلان" فوجده قد استقر اقتصاديًا، ولكن "أريغ" كانت في حالة إدبار من الناحية العلمية قد قل فيها العلماء، وتعطلت أكثر المدارس .. فقال أبو العز: "أقم هكذا يا ماكسن حَتَّى تموت فيبيع أولادك كتبك"، ووقعت الكلمة من نفس ماكسن موقعها، وأحدثت فيه أثرها القوي، وعلم أنه قد بنى لأولاده ما يستقرون عليه في دنياهم، ولكنَّه أغفل أمر آخرتهم، فهو تأخر عن تعليمهم القراءة والكتابة وبعض فنون العلم، وليس في "أريغ" من يقوم لهم بذلك ابتغاء وجه الله، وقياما بالواجب المفروض على العلماء؛ فاستأجر لهم مؤدبا يؤدبهم ويعلمهم ما يعجز ماكسن عن تعليمهم إيَّاه كالخط والحساب وما شابه ذلك. كان أبو مُحَمَّد ماكسن بن الخير، رغم فقدانه للبصر لا يسكت عن منكر يقع، وكان يحارب البدع ويتتبع مواقعها حَتَّى يقضي عليها، وكان يحارب الجهل بدين الله فلا ينفك عن إلقاء الدروس للخاصة والعامة وكثيرًا ما تكون تلك الدروس حملات عنيفة ضد الانحراف والبدع والتهاون، سواء أكان ذلك في القول أو في العمل أو في العقيدة. واستطاع بما أوتي من قوة إرادة وصدق عزيمة أن يتفوق بأعماله عن المبصرين، كان ماكسن حر الفكرة ينتقد على بصيرة من أمره، وهو حَتَّى حين يفتي بالأقوال المعمول بها عند الفقهاء إلا أنه لا يخفى نقده لتلك الآراء وعدم اقتناعه بوجاهتها، وكان كثيرا ما يضرب المثل لتناقض آراء الفقهاء بالمسائل الثلاثة الآتية: (1/907)
صفحة 908
الإباضية في موكب التاريخ
144
الإباضية في الجزائر
الأولى: يقول الفقهاء إن المسلم لا يحل له أن يقذف ولو هدد بالقتل، أي: أنه لو خيره ظالم بين أن يقتله أو يقذف بريئًا وجب عليه أن لا يقذف ولو قتل، ونص العبارة عندهم «يموت الرجل ولا يقذف»، ثُمَّ إِنَّهم أجازوا له في حالة الخوف أن يقول: "إن هذا الشخص ليس ابن
فلان أو ليس من القبيلة الفلانية" .. وهذا نفي واضح للنسب، ويرى ماكسن أن لا فرق بينهما. الثانية قولهم: يموت المسلم ولا يتعرى» يعني أن المسلم لا يجوز له أن يتعرى أمام الناس ولو أدى استمساكه بسترته إلى الموت ولو خير بين التعري والقتل وجب عليه أن يختار القتل .. وأجازوا له أن يتعرى للطبيب، وماكسن لا يرى الفرق بين المسألتين على أن الموت في قضية الطبيب مظنون فقط.
الثالثة: يقول الفقهاء: «إن عَلَى زوجة المفقود أن تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، ثُمَّ
أوجبوا أن يطلق عنه وليه».
والذي يقتضيه الرأي من الزاوية التي ينظر منها ماكسن في القضية الأولى: أنه ما دام لا يحل للمسلم أن يقذف ولو في حالة الإكراه، وأنه يستسلم للموت ولا يقذف إذا أرغم عَلَى ذلك؛ فكيف يجوز له أن ينفي النسب لمجرد الخوف؟ ونفي النسب هو عين القذف .. وحرموا عليه التقية في الهلاك المحقق وأجازوها له في الهلاك المتوقع. أَمَّا في المسألة الثانية: فما دام لا يجوز للمسلم أن يتعرى ولو أدى به ذلك إلى القتل؛ فكيف يباح له أن يتعرى للطبيب والقابلة وقائس الجروح، وأقصى ما يؤدى إليه عدم التعري في هذه الحالات إنَّما هو الموت أو ضياع قليل من المال، فكيف حرموا عليه التعري وحكموا عليه باختيار القتل، وأوجبوا عليه أن يضع عنقه في المشنقة ولا ينكشف للناس، ثُمَّ أجازوا له
أن يتعرى لضرر متوقع قد لا يؤدي إلى الموت وذلك أمام الطبيب والقابلة والقائس. أَمَّا المسألة الثالثة: فما دام المفقود قد حكم عليه بالموت وطلب من زوجته أن تعتد عليه عدة الوفاة كان المعقول أن تخرج بمجرد انتهاء مدة العدة؛ فلماذا أوجبوا عليها ألا تخرج إلا إذا طلق عنه وليه. والمعقول في النظر أنه إذا حكم على المفقود بالوفاة فإن على زوجته أن تعتد عدة الوفاة، وتخرج، أما إذا حكم عليه بالطلاق فإنَّها تعتد عدة الطلاق وتخرج، فما الذي يجمع الوفاة والطلاق في حالة واحدة. (1/908)
صفحة 909
الإباضية في موكب التاريخ
145
الإباضية في الجزائر
وقد ناقش أبو العباس الدرجيني هذه المسائل الثلاثة عَلَى طريقة الفقهاء، وحاول أن يرد على ماكسن فقال: «أَمَّا الأولى فمن الكذب المباح لا في باب القذف، والثانية: ضرورة تعارض فيها حكمان فَلا بُدَّ من أرجحهما، والثالثة: أخذوه في العدة بالحوطة، ونظروا في تسريح المرأة خشية الضرار، وجعلوا التطليق إلى الأولياء بناء عَلَى أَنه لا حكم عَلَى غائب». وواضح أن هذه الأجوبة التي رد بها أبو العباس هي نفس التعاليل الموجودة في كتب الفقه .. ولا شك أن ماكسن قد درسها؛ غير أن تعليلاتها لم تقنع عقل ماكسن المتحرر البحاث، وكانه يقول: لماذا يباح الكذب في وجه ولا يباح في الوجه الآخر من قضيَّة واحدة. ونفس الاستشكال يتوجه على المسألة الثانية فإنَّهم حين أباحوا لإنسان أن يتعرى للطبيب خوف الهلاك، كان عليهم أن يبيحوا له أن يتعرى أمام غيره خوفًا من الهلاك. وفي المسألة الثالثة يبدو أنها لتخفيف الضر عن المرأة إما أن تحكم بموت الزوج وتعتد الزوجة وتخرج، أو لا تثير قضية الوفاة ويطلق ولي الزوج، وتعتد المرأة عدة المطلقة وتخرج أيضا دون أن نربطها بحكمين وفاة وطلاق، وهما شيئان لا يجتمعان أبدا، والموضوع مبسوط في كتب الفقه بأوسع من هذا. لَمْ يترك ماكسن فيما أعرف مؤلفات، ولكن كتب الفقه عند الإباضية لا تكاد تخلو من
أقواله وفتواه. وقد كان الرجل من النشاط والحركة وحسن السيرة في المرتبة الأولى، وحينما كان في "وَارجُلان" وفي "أريغ" كان يشترك في جميع المسائل العامة والخاصة حتَّى أَنه كان يذهب في الوفود هنا وهناك، بل إنَّه عندما يقع عدوان على أهل بلده وتؤخذ منهم أموال، يذهب مع الذاهبين لاسترجاعها، وحينما كان غيره يعتمد عَلَى القوة والشجاعة البدنية، كان هو يعتمد على الحجة والإقناع وحسن التلطف، والحديث، وقد روت كتب التاريخ كثيرا من الأحداث التي اشترك فيها، وخرج إلى غُزاة استاقوا أنعاماً فَلَمَّا بلغهم مع رفاق له، استطاع أن يسترد منهم ما أخذوه بألطف الوسائل، دون أن يحتاج إلى استعمال العنف وإراقة الدماء، وزيادة إذكاء نار العداوة والفتنة بين أهل الحضر وأهل الوبر. (1/909)
صفحة 910
الإباضية في موكب التاريخ
146
الإباضية في الجزائر
أبو زكريا. الهواري)
أبو زكرياء بن وكمين الهواري شخصية من الشخصيات اللامعة التي جمعت بين الإيمان الراسخ والعقل الراجح، والعلم الغزير والفهم السليم والدين القويم .. كان مقصدا لطلاب العلم، ومرجعا للعلماء، يعدون المشاكل العلمية ويهيئونها له، حَتَّى حضر ألقوها عليه فوجدوا الجواب المقنع والحل الصحيح، والرأي السديد.
جلس إليه أبو مُحَمَّد
مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد في جمع من المشائخ والطلاب، وقال له: "لقد بلغنا عن رسول الله له أنه قال لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب: هَلَكَتْ فِيكَ يَا عَلِيّ فَتَتَانِ، مُحِبُّكَ الْمُفرِط وَمُبْغِضُكَ الْمُفرِط» (2)، فما معنى
الحديث؟!
قال أبو زكرياء عَلَى الحين: صدق رسول الله، فأَما الذين هلكوا بإفراطهم حبه فهم غلاة الشيعة الذين قالوا في علي مثل ما قال النصارى في المسيح ال، وزعموا أنَّه نبي، وأَنَّه لا يموت وأنَّه الإمام المعصوم يجوز له تبديل حي الكتاب والسنة، وأنه أولى بالخلافة من الصديق والفاروق، وأن الأمة كفرت
حين ولت أبا بكر ولَم تولّ عليًّا ... إلى آخر ما ذهب إليه أولئك الغلاة.
وأَمَّا الذين هلكوا بإفراطهم في بغضه فهم غلاة الصفرية ومن لف لفهم من الذين زعموا أن كُل معصية شرك، وأن الإمام عليا حكم الضالين وقتل المسلمين؛ فهو قد ارتكب الكبائر بذلك، وحكموا عليه بالشرك. وهكذا صح قول رسول الله له حين أخبر أن طائفتين تهلكان؛ إحداهما: بسبب إفراطها في حب علي والأخرى بسبب إفراطها في بغضه.
أما المعتدلون من المسلمين الذين يضعون الإمام عليا في موضعه من أصحاب رسول الله الله فأولئك من الهلاك ناجون إن شاء الله.
(1) من علماء القرن الخامس ذكره الباروني في الطبقة العاشرة.
(2) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ. (1/910)
صفحة 911
الإباضية في موكب التاريخ
147
الإباضية في الجزائر
كان أبو زكرياء الهواري عالما واسع الاطلاع، وكان مُحققا متثبتًا، وكان يتمسك بالأساليب العلمية المعروفة في ذلك الحين، وقد ذكر أن أبا مُحَمَّد عبد الله كان في مسجد "آجلو" يلقي درسا في شرح الحديث النبوي، وقد جلس بين يديه أحد الطلبة يقرأ الأحاديث النبوية الشريفة من مسند أبي صفرة عبد الملك بن صفرة، فكان أبو مُحَمَّد يتجاوز رجال السند ولا يذكرهم إنَّما يعيد الحديث ثُمَّ يتناوله بالشرح والتحليل، حسبما هو معروف من طريق التدريس في المساجد الإسلامية، وكان أبو زكرياء الهواري في ناحية من نواحي المسجد يستمع إلى الدرس فعز عليه أن لا يذكر الشارح أسماء أولئك الأعلام الذين بلغوا إليه رسالة الإسلام؛ فصاح به من مكانه في صوت قوي: "ما لك لا تذكر أئمتك؟ ". وكانت هذه الصيحة القوية المنبعثة من بعض جوانب المسجد في لهجة العتاب المر كافية؛ لأن تحمل أبا مُحَمَّد عَلَى الرجوع إلى الحق، وأصبح بعد ذلك حين يقرأ عليه الطالب حديثا من الأحاديث يعيد هو الآخر السند ذاكرًا رواة الحديث واحدا واحدًا حَتَّى ينتهي إلى رسول الله ..
إن هذه القصة البسيطة تحمل مغزى عظيمًا من أخلاق أولئك العمالقة العظام فهذا عالم يتصدر المجلس للتدريس في مسجد عامر، ينتقده عالم آخر جالس في ركن من المسجد علنًا جهارًا على مسمع الناس وبصرهم، فلا يملك إلا أن يستجيب للنقد ويعمل به، دون أن يثور أو يغضب أو حَتَّى يتألم .. ذلك لأن رائد القوم في ذلك الحين إنَّما هو الْحَقِّ، واتباع الحق، والعمل بالحق، ولا يهمهم الطريق الذي يسلكه أو الأسلوب الذي وصل به. أحسب أن هذه القصة لو وقعت اليوم لنتجت عنها أسوأ الآثار، وأحسب أن أي واحد من أولئك الذين يتصدرون لإلقاء الدروس في المساجد لو ارتفع إليه صوت ناقد من زاوية المسجد يأمره أو ينهاه لنتج عن ذلك مشكلة، ورُبَّما وصلت إلى ساحة القضاء، ولملأ فضيلة الشيخ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، واعتبر النقد عدوانًا وقع عليه، وتشويها لسمعته، ونيلا من كرامته العلمية ... وما إلى ذلك ممَّا يتحذلق به أقزام اليوم، ولعل أوسعهم صدرًا من يقول: إن النقد البناء لا يكون أمام الناس ووسط الجماهير، وإنما يجب أن (1/911)
صفحة 912
الإباضية في موكب التاريخ
148
الإباضية في الجزائر
يصدر في همسة خفيفة، أو قولة لطيفة في خلوة هادئة حسبما تقضيه الآداب العامة، وأساليب التربية الحديثة التي تحذر حَتَّى المدرس أن يجرح عواطف تلميذه الرقيقة، وتلزم
حَتَّى الأب أن يختار الكلمات التي يوجهها إلى ولده الصغير.
كان أبو مُحَمَّد عبد
الله
يشترك مع أبي مُحَمَّد ماكسن في المذاكرة والمطالعة، وكان
ماكسن أكبر سنًا، وأغزر مادة، وأوسع اطلاعا، وأحد ذكاء؛ فكان أبو مُحَمَّد يعتمد عليه ويستعين بفهمه وعندما تعترضهما مشكلة تسعصى عَلَى أفهامهما يقول ماكسن لزميله دعها حَتَّى يأتي صاحب المشكلات أبو زكرياء الهواري.
وكان أبو زكرياء إذا حضر إلى مجلس العلماء والطلبة وجدهم قد ادخروا له من المشاكل العلمية فيلقونها عليه واحدة بعد الأخرى، فيجدون عنده
عددًا
الحل المرضي والجواب الشافي.
وكان أبو زكرياء مع علمه الغزير قويًا في دين الله شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان شجاعاً صريحا عنيفًا. ذكر المؤرخون أن أيوب بن حمو كان يلي أمر الناس من جماعة "تينْوَال"، وأنه انحرف عن السيرة التي كان يحافظ عليها المسلمون فانقسم الناس بسبب ذلك إلى قسمين؛ قسم ينتصر له ويبرر انحرافه وقسم ينتقد ذلك ويعيبه ولكن في تستر وخفاء؛ وَلَمَّا بلغ ذلك أبا زكرياء أمرهم أن يعقدوا اجتماعاً في بعض المساجد ليناقشوا القضية، واجتمع القوم فعلا في مسجد "تَاهَست" وكان أيوب حاضرًا؛ فرأى بعض الطلبة أن يمهد للموضوع بقراءة فصل من كتاب في الوعظ والإرشاد وأخبار الماضين ريثما يحضر أبو زكرياء، وَلَمَّا حضر وجد الطالب يقرأ قصة أحد الزهاد في زمن سيدنا موسى ال، فصاح به أبو زكرياء: "دعونا من البله الذين تمتلئ بهم الْجَنَّة، وهيا بنا إلى من يثقب الخرزة بذكائه". يعني: أيوب بن حمو، واتجهت الأنظار إليه وإلى أيوب ولم يزل به يلقي عليه زواجر الوعظ والإرشاد، ويوجه إليه قوارع اللوم والتوبيخ ويحمله مسؤوليته ومسؤولية أتباعه من جماعة "تينْوَال" حَتَّى استجاب أيوب للحق، وتاب واستقام وأعلن أنه سيحافظ على النهج القويم والسيرة الطيبة، وبذلك رجع القوم إلى بعضهم وقاموا من المسجد وهم يد واحدة. (1/912)
صفحة 913
الإباضية في موكب التاريخ
149
الإباضية في الجزائر
كان أبو زكرياء يقوم مقام المفتي والقاضي والحاكم، وكان الناس يرجعون إليه في قضاياهم وخصوماتهم؛ فكان يفصل المشاكل، ويوصل الْحُقُوق، وقد يستعمل بعض العنف والشدة إذا اقتضى الموقف ذلك.
الله
اجتمع عدد من المشائخ مع أبي زكرياء في "آجلو"، فأقبل عليهم شاب يشكو أباه ويذكر للمشائخ أنه ماطله في دين له عليه، وكان الأب ممَّن يعزى إلى الدين والعلم، والصلاح، فاستدعاه المشائخ وألزموه بدفع الدين إلى صاحبه، ولكن الرجل فيما يبدو كان لا يريد دفع المال إلى ابنه وكان يحسب أن ذلك من حقوقه عليه؛ فوضعوه في الخُطة، وحكموا عليه بالحبس حَتَّى يدفع الدين، أو يطلق صاحب الحق سراحه .. وبقي الرجل في الحبس أيَّاما فبلغ الخبر إلى ماكسن بن الخير في "تينْوَال"، وكان قويا في دين لا يخاف ولا يرهب، فجاءه إلى "آجلو" وحضر مجلس المشائخ وصاح فيهم: "علام يُحبس الوالد في مال ابنه؟ " وكان في إمكان أبي زكرياء أن يدخل مع ماكسن في مناقشة علمية يبرهن فيها على رجاحة ما ذهب إليه، وحكم به هو والمشائخ؛ ولكن أبا زكرياء فضل أن يقف موقفا صارمًا عنيفًا مع ماكسن، وقال له: "لقد حكم بها أبو عبد الله محمد بكر في واغلانت" وحكم بها هنا في "آجلو"، ونحن نحكم بها، ولا يخرج من الحبس حتّى يدفع الدين أو يسرحه ولده". وسكت ماكسن أمام هذه القوة التي جابه بها أبو زكرياء، واقتنع حين أخبره أن الحكم يمثل ما قد جرى به العمل من قبل في الأحوال المشابهة. وقضيَّة الأموال بين الأب والابن والزوج والزوجة قد أخذت من جهود العلماء قسطًا غير قليل في مختلف العصور. هذه أحاديث غير منسقة جمعناها عن أبي زكرياء الهواري آملين أن تعطي صورة، إذا لم تكن كاملة الوضوح فهي مميزة له عن صور غيره من
الأفذاذ.
بن (1/913)
صفحة 914
الإباضية في موكب التاريخ
10.
الإباضية في الجزائر
أبو مُحَمَّد اللواتي
(1)
هو أبو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن ناصر بن ميال بن يوسف اللواتي، كان جده
أنه
يوسف من رجال الشورى الذين يرجع إليهم الإمام أفلح حَتَّى حسب بعض المؤرخين من وزراء الإمام .. أَمَّا جده ميال فقد كان عاملا له عَلَى نَفزَاوَة" وما يليها من بلاد "الجريد"، أَمَّا والده أبو عبد الله مُحَمَّد بن ناصر فقد كان من سكان "برقة" وكان من أكبر أغنيائها، يملك أعدادًا وافرة من الأنعام ينتقل بها من مكان إلى مكان في أراضي برقة الخصبة، ويعيش معها عيشة الرُّحْلِ البداة؛ فَلَمَّا ولد له عبد الله حاول أبوه أن يعلمه ويربيه تربية إسلامية نظيفة وأخذ الصبي مبادئ العلوم عن والده، فعرف بعض قواعد اللغة العربية وأصول الشريعة الإسلامية؛ ولكن عبد الله لَمَّا شب لم ترقه حياة البادية، وما يكتنفها من شظف وجهل، ولذلك فما تقلد زمام الأمور حَتَّى ارتحل من "برقة
يسوق أمامه قطعان الماشية متجها إلى الغرب، ووصل إلى بلاد "أريغ" سنة 450 هـ وعمره ثماني عشرة سنة؛ فرتب للماشية رعاة يعيشون بها في البادية، هو فقد التحق بحلقة يزيد بن يخلف الزواغي، تاركًا حياة البداوة والعيش مع الحيوان لمن تستهويهم مناظر
الطبيعة الحرة المنطلقة.
كان مستواه العلمي عندما التحق بحلقة الزواغي أقل مما يبدو عليه تكوينه الجسمي، ذلك أَنَّه لَمْ تتوفر له وسائل الدراسة في صباه وشبابه المبكر، فَلَمَّا التحق بالحلقة اضطر أن يطوي المراحل الدراسية بسرعة حَتَّى ينسجم مع أقرانه في السن. كان أبو مُحَمَّد ذكيا حاد الذكاء حفاظا قوي الحافظة، الفهم، كثير الاجتهاد
سريع
شديد الرغبة في الاستفادة، فاتخذ لوحا طويلا يبلغ طوله ضعف أطوال ألواح زملائه من الطلاب، وكان يملؤه، كتابة وكان يكتب تحت القرآن الكريم في أسفل اللوح بعض المتون الفقهية واللغوية، وبعض الآثار والسنن والقطع الأدبية.
(1) من علماء القرن الخامس ذكره الباروني في الطبقة العاشرة. (ت: 528 هـ). (1/914)
صفحة 915
الإباضية في موكب التاريخ
151
الإباضية في الجزائر وكان سرعان ما يحفظ ذلك جميعاً، ويعرضه عَلَى أستاذه بسهولة ويسر، فلـ فلم:
يلب
طويلا حتَّى لحق الأذكياء من زملائه، وتفوق على المتوسطين والمتخلفين منهم. عرض يزيد بن يخلف عَلَى طلابه أن يقوموا بجولة يزورون فيها إخوانهم فوافقوا، وتحدثوا فيما بينهم عما ينبغي لهم أن يقولوه، وكان فيما قرروه أن يظهروا بمظهر واحد فلا يختلفوا في أي شئ حَتَّى يعودوا إلى مدرستهم. وبدأت جولتهم الموفقة من بلد إلى بلد حَتَّى بلغوا "آجلو"، فخرج إليهم العلامة ماكسن واستقبلهم أحسن استقبال وفرح بهم أشد الفرح، وأكرمهم غاية الإكرام، وحادثهم بأحاديث شيقة مُمتعة في السيرة والتاريخ وأخلاق المسلمين فأعجبوا به وأحبوه؛ ودعهم أبو مُحَمَّد ماكسن وخرج عائدًا إلى منزله لحق به عبد الله اللواتي وأخبره أن فَلَمَّا ودعهم الطلبة في حلقة الزواغي قد اتفقوا أن لا يفترقوا فهل يجوز له أن يفارقهم إذا رأى في
ذلك مصلحة.
فقال له ماكسن: "إِنَّمَا خلقنا الله أحرارًا لنملك أمورنا فيما لنا فيه مصلحة"، فتركهم اللواتي والتحق بحلقة ماكسن، وكان أنجب من درس عليه. من
الله أبا مُحَمَّد وهب
الذكاء والعبقرية والرغبة الشديدة في العلم نشاطا وحركة
روح تجعله محبوبًا من كُلّ من يعاشره، وكان لا يتعب مع العمل، ولا يسأم من وخفة، روح السفر، ولا تحول دون رغباته المسافات الطويلة، ولا المهامات البعيدة الشاسعة، وَلَعَلَّ للنشأة البدوية أثرًا في ذلك.
بعد أن أتم دراسته على الشيخ ماكسن رجع إلى بلده "تينوال" ليقوم بالرسالة المقدسة، رسالة التعليم والتوجيه فمر به الشيخ سليمان بن مدرار النفوسي؛ فسأله أبو مُحَمَّد من أين أقبل؟ فأخبره أنَّه جاء من قلعة حَمَّاد"، وأَنَّه ترك في سوقها كتابا في تفسير القرآن " الكريم تأليف الإمام عبد الرحمن بن رستم ينادى عليه فما أَتَمَّ سليمان كلامه حَتَّى عزم أبو مُحَمَّد عَلَى السفر إلى القلعة للبحث عن الكتاب واستعد لذلك؛ فأخذ شيئًا من البضاعة حَتَّى يخفي السبب الحقيقي لسفره، ويظهر كأَنَّه أقبل على القلعة للتجارة، وليس له في الواقع هم غير الحصول عَلَى ذلك الكتاب النفيس الفريد، كما أنَّه يسعى أيضا إلى (1/915)
صفحة 916
الإباضية في موكب التاريخ
152
الإباضية في الجزائر
الحصول على غيره من الكتب النادرة، وأقام في قلعة "حَمَّاد" وطال به المقام وهو يتلطف، ويسأل في استخفاء عن مصير ذلك الكتاب حَتَّى عثر عَلَى رجل متفقه على مذهب النكار وكان أهل قلعة "حماد" في ذلك الحين عَلَى طائفتين: نكارية، ومالكية فقال له الفقيه النكاري: "اطمئن يا عبد الله فقد بيع الكتاب، ووقع في يد لا يخرج منها، ولا يمكن أن تراه، فابحث إن شئت عن غيره واستمرَّ أبو مُحَمَّد في مهمته في جمع الكتب، وهو إن لم يتحصل على تفسير الإمام فقد تحصل عَلَى مَجمُوعة قيمة من الكتب الأخرى، وأرسلها مع قافلة ذاهبة إلى "وَارجُلان"؛ فأخذت القافلة في الطريق وأخذت الكتب فيما أُخذ من أموال القافلة وأمتعتها، وضاع ذلك المجهود العظيم. وَلَمَّا علم أبو مُحَمَّد بالنكبة أطال إقامته في القلعة واستمر في التقاط الكتب، مَرَّةً بالشراء، ومرة بالنسخ حَتَّى تحصل عَلَى مَجمُوعة أخرى لا تقل قيمة عن الْمَجموعة
الأولى.
وبينما كان أبو مُحَمَّد يفكر في الرجوع خطر لأمير القلعة أن يُجهز جيشا لمحاربة بعض أمراء أفريقيا فسر أبو مُحَمَّد بذلك واندس في وسط الجيش وسافر مع العسكر، وعندما كان بالطريق لاحظ أحد قواد الفرق حرص أبي مُحَمَّد عَلَى الصلاة واستعداده لها واحتفاله بها؛ فقال له العسكري: "ماذا تصلي يا عبد الله وأنت تعلم الماذا نحن الله: خارجون؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ وكان يظنه فردًا من أفراد العسكر، فقال له عبد اشتغل بنفسك يا إنسان". واستمر الجيش في طريقه حَتَّى بلغ "وَاعْلانَت" فتحين غفلة منهم وانفلت هاربًا، وارتحل الجيش إلى إنجاز مهمته كما كلفته قيادته. استراح أبو مُحَمَّد أَيَّاما هناك وعرف أهل "وَاغْلاَنَت" ما أصابه، فقرروا أن يجمعوا المال يدفعونه إليه تعويضًا عما ضاع منه قال يتحدث عن نفسه: "فسمع شيوخ "وَاعْلانَت" بما أصابني في الكتب فاجتمعوا وأجمعوا أمرهم على أن ينظروا في إعانتي بقدر ما أصيب حَتَّى يُخلفوه علي؛ فالله يُحسن عونهم ويخلف عليهم؛ فَلَمَّا أحسست بالذي
مبلغا (1/916)
صفحة 917
الإباضية في موكب التاريخ
153
الإباضية في الجزائر
عزموا عليه أردت الخروج في خفية، فخرجت في الهاجرة ولم يشعر بي أحد إلا وأنا البلد، فوصلت "تنوال" سالما، والحمد الله رَبِّ العالمين".
خارج
كان بعض أهل قلعة " حَمَّاد" كما قلنا سابقا - على المذهب المالكي، والبعض الآخر على المذهب النكاري، وكان التعصب والخلاف بينهم على أشده؛ فَلَمَّا دخل أبو مُحَمَّد إلى تلك المدينة كانت طبيعة عمله تقتضي أن لا يسخط عليه أحد الفريقين، ولذلك فقد كان يقف منهما مواقف يحاول أن تحوز رضاهم جميعًا، ويقص علينا هو نفسه بعض أخباره في القلعة فيقول:
له
«وكان في القلعة حينئذ رجل من أهلها يعرف بمُحَمَّد بن عصمة متفقه مدرس عليم حلقة، فكنت أحضر مجلسه وأعود من جملة أهل، الحلقة، فحضرنا عنده يوما فقال لابن صغير: سمعت أن غنما لبني "يَنجَاسَن" دخلت السوق، وما ضرنا أن نجتنب الشراء من السوق ثلاثة أَيَّام، ثُمَّ لا حرج بعدها في الشراء. قال أبو مُحَمَّد: فأعجبني ما قاله». وقد كان جلوس أبي مُحَمَّد إلى ذلك الفقيه الورع واستماعه إلى دروسه ومواظبته عليها مبعث ارتياح عند المالكية من سكان القلعة عموما. وكان ذات يوم في جمع من أصدقائه الطلبة يتحدثون فمر بهم أحد معارفه من النكار فسلم عليه فرد أبو مُحَمَّد السلام؛ فَلَمَّا انصرف النكاري عتب عليه أصدقاؤه، ويقص علينا هو نفسه القصة فيقول: « ... فلقيني الرجل النكارى فسلم علي فرددت السلام؛ فلما انصرف، قالوا لي: مالك تسلم عَلَى مثل هذا؟ فقلت لهم: مالكم أنتم تسلمون على اليهود وهم مشركون ولا أسلم أنا عَلَى رجل من أمَّة مُحَمَّد، فأفحمتهم ولم يجدوا
جوابا».
لقد كان أبو مُحَمَّد عالمًا أديبا، وكان واسع الاطلاع غزير المادة، حاضر الشواهد، لا يجري الحديث في شجن من شجون الحياة إلا أنشد عليه شاهدا من شواهد الأدب العربي، ودلائل مختارة من الشعر مر عليه جماعة من المشائخ والطلبة فوجدوه يشتغل بيده لنفسه، فعاتبوه وتَمنّوا أنَّه لو ترك ذلك إلى غيره من خادم أو ولد، فأنشد لهم قول
الشاعر: (1/917)
صفحة 918
الإباضية في موكب التاريخ
102
الإباضية في الجزائر
الظالم
تروح وتغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وحاجة من عاش لا تنقض وقص عليه بعضهم ما ينصب عليه من ظلم وعدوان بسبب السلطان الجائر، والحكـ فأنشد له قول الشاعر: إذا ما خفت في أرض مضيقا فشد اليعملات إلى سواها فإنك واجدا أرضا بأرض ولست بواجد نفسا سواها وخل الدار تبكي من بناها
فنفسك فز بها إن خفت عنها
ورأى شخصا يحاول ما لا يستطيع، ويتعاطى ما لا قبل له به؛ فأنشد قول الشاعر:
ومستعجل للحرب والسلم حظه
فَلَما استدارت كلّ عنها بحافره ورأى صور التعامل بين الناس ونقدهم لمن لا يستفيدون منه واتجاههم إلى من يبذل لهم المال؛ فإذا نفد ما بيده قلبوا له ظهر المجن، وضحكوا عليه، وسخروا منه؛ فأنشد قول
الشاعر:
إذا اقتصد الفتى في المال قالوا بخيل لا يهش إلى المعالي
وإن هو سامح القوام جودا
خداعًا يحلبون نداه حتـ فعادوا بعد تقديس لشـ
فيالك فيه من حسن المقال إذا عروه من نشب وصال
وصار بعد مذموم الفعال
کفي ابن آدم تجربة وصبرا به وبأهله في كل حال
أرى لك أن تمد يديك قصدا
بلا سرف ولا إمساك غال وهكذا كلما مرت به حالة أنجدته حافظته القوية التي لا تنسى بشاهد من الأدب العربي إن كان المجال مجال أدب؛ أَمَّا إذا كان المجال مجال دين فقد علمت أنه حفظ كتاب الله، وحفظ كثيرا السنة النبوية المطهرة، وهذا الزاد هو عدته في دروس الوعظ والإرشاد التي يقوم بإلقائها في من
كُل مناسبة، وهي مدار حجته وبرهانه في أحاديثه التي يفيض بها أينما جلس ومع من جلس. (1/918)
صفحة 919
الإباضية في موكب التاريخ
100
الإباضية في الجزائر
قال أبو الربيع قعدت أنا وأبو مُحَمَّد عَلَى طريق فمرت بنا امرأة فالتفتت إليها، فقال لي: لا يجوز قعود عَلَى صعدات الطريق إلا لمن أدى حقها. قلت: "وما حقها؟! " قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما حقه؟» قال: «إِغَاثَةُ الْمَلَهُوفِ، وَهِدَايَةُ الأَعْمَى، وَغَضُ الطَّرفِ عَنِ الْحُرُمَاتِ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى» (1)».
وكان عالما بالتفسير، وبآراء المفسرين، قال أبو الربيع: تحدثت مع أبي مُحَمَّد حَتَّى ذكر أولاده ونظر في أمرهم، فهونت عليه وقلت له: إنَّهم ذكران رجال فلا يهمك أمرهم". فقال: "لا تقل هذا القول فإن على الأب أن يعين ولده على إبراره، وقد قال بعض المفسرين في الذين سَمَّاهم الله أبرارًا، إِنَّمَا سَمَّاهم كذلك؛ لأنَّهم برُّوا الآباء وبروا الأبناء فاستحقوا أن يسمُّوا أبرارًا".
كان خطيبا فصيحا عارفًا بمواقع الكلام، قام جماعة "قصطيلية" يريدون زيارة إخوانهم فتلقاهم أبو مُحَمَّد قريبا من منزله، وقال لهم بعد التحية والترحيب: «كان ينبغي أن نتلقاكم في "سوف"، وَإِلا ففي "وَاغْلانت"، ولكن الزمن غير مساعد، وقال: «لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَتْ فَصَدَقَت وَإِذَا حَكَمَتْ فَعَدَلَت وَإِذَا اسْتَرْحِمَت فَرَحِمَت» (2)، جعل الله مجيئكم مجيء أبي مودود إلى حضرموت»؛ فقام هذا الكلام عندهم أشرف مقام. وَلَعَلِّ الصورة التي أريد أن أعرضها للقارئ الكريم لا تَتِمُّ إلا إذا نقلت له ما يلي عن العباس الشماخي: «ولأبي مُحَمَّد في الأدب كلام كثير، وفي المواعظ والأمثال والتحذير والوصية والأجوبة، فمن أرادها فعليه بالطبقات وكتاب أبي الربيع وغيرها، ولأبي زكرياء مكاتبات بمسائل يطلب جوابها فأجابه فيها وتقدم بعض ذلك، ومات عام ثمانية وعشرين وخمسمائة وهو ابن ست وتسعين سنة». وقد أورد له الدرجيني رسالة
قيمة في ثلاث صفحات تشتمل على حكم قيمة، ونصائح غالية، ومواعظه حسنة.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، باب النهي عن الجلوس في الطرقات، رقم: 2121.
وأخرجه أحمد والطبراني.
) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ.
• (1/919)
صفحة 920
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
أبو عمار عبد الكافي)
أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي نادرة من نوادر الزمان في الذكاء والفهم والحفظ والرغبة في العلم، نشأ في "وَار جلان"، ودرس عَلَى مشائخها فنون علوم الشريعة واللغة حَتَّى أجازوه، ثُمَّ رأى أن يسافر إلى تونس ليزداد علما في فروع أخرى المعرفة، وكانت تونس في ذلك الحين قصبة القصاد ومعدن العلم والمعرفة، ومقر فطاحل العلماء والأعلام؛ فاختار أبو عمار من بينهم من أعجبته طريقته في التدريس، وأنس إلى أسلوبه في التعليم والمعاملة فالتزم مجلسه.
اتفق مع
كان أبو عمار من أسرة غنية موسع عليها في الرزق الحلال، فَلَمَّا أراد السفر إلى تونس أسرته أن يبعثوا إليه ألف دينار كُلّ سنة لمصاريفه وما يحتاج إليه من كتب وأدوات دراسية وإكراميات للمدرسين؛ فكان يأتيه المبلغ كُلّ سنة مع الرسالة فيحتفظ بالرسالة في مكان دون أن يقرأها ويقسم الألف نصفين: نصف يسلمه لأساتذته، ونصف يحتفظ به لمصاريفه وحاجياته. واستمرَّ عَلَى هَذه الطريقة حَتَّى بلغ من العلم درجة تؤهله لأن يكون من كبار العلماء، فأذن له أساتذته أن يستقل عنهم، وأجازوه للفتوى والتدريس .. وهنا فكر في الرجوع إلى وطنه، وبدأ يستعد لذلك، وتذكر الرسائل المحفوظة فاستخرجها من مكانها مرتبة وبدأ يقرؤها واحدة بعد الأخرى؛ فوجد في كُلّ واحدة منها أخبارًا كانت حريَّة أن تشغل ذهنه أيَّام التحصيل والكفاح لو أنه اطلع عليها، بل كان فيها ما هو جدير أن يحمله على قطع الدراسة؛ وَلَكنَّه تلافى ذلك بعدم الاطلاع على الرسائل .. وعلم من بعض تلك الرسائل أن والدته قد لحقت بربها، وكذلك والده أحدهما بعد الآخر. وبعد أن صفى أحواله من تونس عاد إلى "وَارجُلان" ليؤدي الرسالة المقدسة؛ رسالة كُلّ عالم مؤمن يحرص أن يعمل الله ويجاهد في سبيله.
1 من أئمة القرن السادس ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة. (1/920)
صفحة 921
الإباضية في موكب التاريخ
157
الإباضية في الجزائر
قال أبو العباس الدرجيني: «ولقد حدثني بعض الطلبة النفطيين الذين قرأوا بتونس عن بعض أشياخه أنهم قالوا: أدركنا أشياخنا يذكرون طالبًا من أهل "وَارجُلان" قرأ معهم على شيخهم إذ ذاك، قالوا وأدركناهم يعجبون من فهمه وحفظه ومواظبته وورعه وسخائه، وجلالة نفسه، وسعة خلقه، قالوا: وَلَم نر مثله من العرب ولا من البربر. قال لي: وكانوا يذكرون لي أنَّهم اطلعوا عَلَى كتاب معه في علوم مذهبه، وكان نظما في قصائد؛ فما هذا الكتاب. فقلت له: هو دعائم ابن النظر كانت منه في بلادنا من قبل هذا نسخة غير محلولة، وأَمَّا حل ابن وصاف فلم يرد بلادنا حَتَّى ورد به الشيخ أبو موسى عيسى بن زكرياء، وأعلمته أن الطالب المذكور هو أبو عمار وأطلعته على كتاب لَمَّا ذكره وسأل عنه، فلما راه جعل يتعجب منه فنظر منه بعض قصائد العقائد، وهي الرائية التي في الرد على القدرية؛ فقال معرضا: ما أرى ها هنا إلا موافقة أهل السنة. فقلت له: ما خالف هذا الكتاب فهو خلاف السنة».
الدعائم،
قال أبو العباس الدرجيني: «ألف أبو عمار كتابه الموجز في الرد عَلَى كُلِّ من خالف الْحَقِّ في جزأين، وشرح كتاب الجهالات في سفر، وله كتاب الاستطاعة، وغيرها، وأقام بتونس يتعلم الأدب والنحو وغيرها».
كان أبو عمار من كبار علماء الكلام والمنطق والجدل، وَلَكنَّه كان أيضا من أولئك العلماء الذين يشغلهم علم الباطن عن علوم اللسان، وكان يعتمد على العمل أكثر مما يعتمد على القول، ولا يركن إلى القول إلا عندما يقتضي الموقف تقرير حجة لدحض شبهة، أو إثبات سنة لمحاربة، بدعة وكان في الغالب لا يميل إلى الإسهاب، والإكثار من القول، وَإِنَّمَا يمتاز برصانة الأسلوب، وجزالة المعنى، والإيجاز في الحديث.
بعث العلامة أبو عبد الرحمن الكرتي المصعبي بعض أسئلة، يطلب عنها الجواب من علماء وارجلان"، فاجتمع المشايخ وناقشوا الأسئلة، ثُمَّ فوضوا أبا عمار في الإجابة
عنها. (1/921)
صفحة 922
الإباضية في موكب التاريخ
158
الإباضية في الجزائر
وقد حرر أبو عمار الجواب عن الأسئلة، ثُمَّ عرضه عليهم، فوافقوا عليه بالإجماع، وأرسلوه إلى أبي عبد الرحمن الكرتي. وقد تضمنت الرسالة عدة أسئلة نضعها بين يدي القارئ فيما يلي:
1 - سؤال: ما اليقين والقدر والفرق بينهما؟
الجواب: اليقين صحة الاعتقاد، وهو من أفعال القلب، ومن أفضل أفعال العبادة. قال رسول الله: «اعبد الله عَلَى الرِّضَا وَالْيَقِينِ، وَإِلا فَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَه خَيْرٌ كثير» (1). وقال [في عيسى ال]: «لَوْ زَادَ يَقِينًا لَمَشَى عَلَى الْهَوَاءِ، وَالْقَدَرُ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ» (2)، قال الله في الإيمان: «وَأَنْ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ» (3). 2 - سؤال: ما أعلام الساعة؟
الجواب اثنتان منصوصتان واثنتان مستخرجتان من النص، وواحدة من الحديث
(1) ,
فالمنصوصتان قوله تعالى: {حَتَّى إذا فتحت يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ)، وقوله في عيسى إنَّهُ لَعِلْمُ للسَّاعَةِ (). والمستخرجتان من النص: طلوع الشمس من مغربها، قال الله تعالى: ويوم يأتي بعض آيات ربك، والدابة، قال الله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةٌ من الأَرْضِ). والحديث قوله: نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ عَدَن تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى شَرِهِمْ، وَحَبَشِي يَعْلُو الْكَعْبَةَ بِفَأْسِهِ يَهِدِمُهَا، وَحَسَفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ»).
(1) أخرجه البيهقي في شعبه، عن ابن عباس في حديث: «يا غلام أولا أعلمك كلمات ... »، رقم: 1074. (المراجع) (2) أخرجه البيهقي في كتاب الزهد، عن معاذ، رقم: 976 والترمذي في نوادر الأصول، 170/ 3. (المراجع) (3) أخرجه الربيع في صحيحه عن عبادة بن الصامت، رقم: 72. (المراجع)
(4) سورة الأنبياء: 96 5) سورة الأنعام: 158.
(6) سورة الزخرف: 61.
(7) سورة النمل: 82.
) أخرجه أبو داود، عن حذيفة بن أسيد، رقم: 4311. ونعيم بن حماد في الفتن، عن عمر بن الخطاب، 2/
624. وغيرهما بألفاظ مختلفة. (المراجع) (1/922)
صفحة 923
الإباضية في موكب التاريخ
159
الإباضية في الجزائر
- سؤال: هل يقال الله تعالى باللغة البربرية: "أيراد"؟ جواب: ما سمعنا أحدًا أجازه إلا أبا سهل، وَلَعَلّ هروبهم من جوازه اشتراك اللفظة في لغة البربر، فإنَّهم يسمون الداجن من الطيور والوحش: "أَيْرَادَن"، ولمن أخلف: "يُرْدي"، وهذا على حسب اللغات والهروب من المشكل إلى الواضح أولى.
- سؤال: ما الحكم فيمن قال: إن الله ليس بـ"يُكش؟ ".
جواب: إنَّه إن كان بربريًا أو يعرف لغة البربر، فهو كمن قال: إن الله ليس بإله، ومن قال ذلك فهو شرك.
وقد علق أبو العباس الدرجيني عَلَى هَذه الأجوبة بما يأتي:
قلت: وهذه الأجوبة بقدر وسع السائل، لا بكنه مقدار المجاوب؛ بل إنَّه عرض في تلك السوق ما أشبهها من المتاع، وادخر الخز والديباج لأشكاله، اللهم إلا في جواب السؤال الأخير».
ولست أدري ما عسى الدرجيني يقول لو كان هو الذي يجيب عن هذه الأسئلة، فإن أبا عمار فيما أرى أجاب بما فيه الكفاية، وهو وإن لم يطل في حديثه عن اليقين والقدر إلا أنه أجاب فأقنع، ووافقه على ذلك مشايخ وارجلان"، ولا شك أن موقف أبي عمار يقتضيه الإيجاز والوضوح، فهو لم يكن يلقي درسا، ولم يكن يؤلف فصلا وليس هو في جدال مع القدرية والمرجئة، وَإِنَّمَا كان يشرح معنى الكلمتين بإيجاز لسائل راغب في الاستفادة.
من
کتاب
أما إجابته على الأسئلة المتعلقة باللغة البربرية فهي تتعلق بمباحث لغوية. وإذا كانت كلمة "يكش" بالبربرية تعني إله، فإن نفيها عن الله تبارك وتعالى باللغة البربرية من يعرفها لا شك إشراك بالله؛ لأنَّها إنكار للألوهية فهي شرك وجحود. أَمَّا إذا نطق بِهَا
ناطق وهو لا يعرف معناها، فحاكي الكفر ليس بكافر، والتتره عن ذلك أولى. واللغة البربرية كسائر اللغات لها تعابيرها الخاصة بها، ولها أساليبها واستعاراتها وكناياتها وأوجه بلاغتها، فما أدى المعنى المقصود أداء سليمًا صحيحا فذلك حسن، وما (1/923)
صفحة 924
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
أوهم أو شك فذلك ممنوع، كما يمنع من العربية أو غيرها من اللغات. والإسلام - ولا سيما إبان الفتوح- قد دخل إلى كثير من البلاد التي لا يفهم أهلها اللغة العربية ولا يتكلمونها. ولو اشترط الإسلام اللغة العربية على جميع المسلمين لتوقفت الفتوح، وتوقف الإسلام، فإنَّه ليس في إمكان البشر أن يتعلموا اللغة بالسهولة التي يأخذون فيها العقائد، وأعمال العبادات، ولكن الإسلام رُبَّمَا جمع الأمم إلى الدخول في الإسلام، واستعمل العربية حيث أمكن استعمالها، واستعمل غيرها حيث لا تؤدي العربية المقصود من الدعوة، وقد بقيت كثير من الأمم الإسلامية تستعمل لغاتها الأصلية في كُلّ شيء، ما عدا شيئًا واحدا فإنَّه لا يمكن أن يؤدى إلا كما هو، وهو القرآن الكريم. فعلى المسلمين أن بنصه العربي، الذي أنزله الله على سيدنا مُحَمَّد الله مهما كانت لغات أولئك لمسلمين. وإذا لَمْ يفهموا النص العربي فلهم أن يطالبوا بشرح معانيه بلغاتهم، ومعلوم لا يمكن أن يعتبر الإنسان مسلما إلا إذا كان محافظًا عَلَى الصلاة، وأن الصلاة لا تصح إلا بالقرآن، فعلى كُلّ مسلم مهما كانت لغته أن يحفظ شيئًا من القرآن بنصه العربي - ليصلي به حَتَّى ولو لَمْ يفهم معاني ما يقرأ، وعلى علمائهم أن يشرحوا لهم معاني الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة بلغاتهم.
حفظوه
أنَّه
ونحن إلى اليوم كثيرا ما نلقي دروس الوعظ والإرشاد باللغة البربرية، لا سيما في المواطن التي تحضرها النساء وهن غالبًا لا يعرفن اللغة العربية الدارجة. وكثيرا ما توجه إلينا في المساجد أو المجامع العامة أسئلة باللغة البربرية فنجيب عنها بنفس اللغة إيثارا لإفهام السائل عما يسأل عنه، مقدرين أنَّه ما اختار استعمال تلك اللغة إلا لأنَّه أقوى بها على الفهم والاستيعاب.
كان أبو عمار بالإضافة إلى غوصه في بحار علم الكلام من أكثر الناس حرصا على العمل، وبعدا عن المهاترة، والشغب وهروبا من المراء والجدال، واشتغالا بالاهتداء والاقتداء واتباع السلف. وقد اهتم بتاريخ العلم والعلماء، فألف فيه كتابا قيما، اعتمد عليه الدرجيني في طبقاته فيما بعد، قال أبو العباس الدرجيني في مقدمة كتاب الطبقات ما يلي: «هذا الترتيب الذي رتب أبو عمار حسن في معناه إِلا أَنَّه لَمْ يذكر من الطبقة التي (1/924)
صفحة 925
الإباضية في موكب التاريخ
161
الإباضية في الجزائر
هو فيها شيوخه ومعاصريه إلا بعضا من كل واستغنى فيها عن كثير من العدد، و فيمن سمى كفاية». وبعد أسطر يقول: «وها هنا وجب أن نذكر جماعة من الأشياخ الذين أخذوا عن الجماعة التي انتهى إليها ترتيب الشيخ أبي عمار».
كان الدرجيني حين ألف كتابه "الطبقات" حسبه تتمة لعمل أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر، ثُمَّ لعمل أبي عمار، وجاء من بعدهم أبو القاسم البرادي. فرأى أن الدرجيني لم يتناول القرن الأوَّل بالإسهاب والتفصيل اللازمين فتناوله هو حسب كتابه "الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات، كأَنَّه مقدمة لكتاب الدرجيني أو فصول منه، وجاء من بعدهم العلامة أبو العباس الشماخي، فألف موسوعة تاريخية لعلماء المذهب، وترجم الجميع من ذكره السابقون ولكثير ممَّن أغفلوه عمدا أو سهوا، فجاء الشيخ سعيد التعاريتي، وانتقد الشماخي في ذلك السهو، ثُمَّ ترجم لعدد جم لمن غفل عنه الشماخي من معاصريه ومن جاء بعدهم حَتَّى جاء شيخنا أبو اليقظان إبراهيم -رحمه الله- فأتم عمل الشماخي منذ ذلك العصر إلى اليوم، وقد ترجم فيه الجميع علماء الإباضية من
المغرب الإسلامي مدة خمسة قرون وزيادة فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء. يعد أبو عمار في عصره من أعلام الأدب والتاريخ والسيرة، زيادة عن علوم الشريعة بجميع فروعها، وكان يضطلع بالتدريس والفتوى والحكم بين الناس وهو في جميع أطواره مؤمن حريص على إيمانه، محافظ على دينه ذكي يفهم أسرار الشريعة، ويفرق بين الأحوال فيها، وعندما تعرض عليه مشاكل الناس يسبر أغوار نفوسهم أولاً، فيساعده ذلك على حل المشاكل بعدل وحق، وَلَعَلّ الصورة التي نريد أن نضعها له لا تتم إلا بما يأتي:
كان أبو عمار يقول: "إذا وقعت فتنة بين فئتين من المؤمنين، فالأحب إليَّ أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحب إليَّ أن لا تغلب فئة فئة، فإن من أحب أن تغلب إحداهما الأخرى، فقد دخل في الفتنة، ولزمه ما لزم أهل تلك الفتنة، وكأن سيفه يقطر دما". وروى عنه عيسى بن أحمد أنه قال: "السلامة" عندي أن يكونوا من البراءة سواء، لا يرجح قلبي إلى إحدى الطائفتين، فإنه متى رجح أثم" ..
فرحم الله تلك النفوس المؤمنة التي ليس لها ميزان غير ما يرضي الله تبارك وتعالى. (1/925)
صفحة 926
الإباضية في موكب التاريخ
162
الإباضية في الجزائر
أبو يعقوب بن خلفون)
كان أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي من الذكاء والعبقرية وسعة الاطلاع في مرتبة قصر عنها جمع من نظرائه ومنافسيه، وقد أوتي مع سعة الاطلاع حسن التصرف في المعرفة، وفضل البيلا في التعبير. فكان حين يتحدث فصيح العبارة، سهل الأسلوب، بين المقاصد، سليم اللغة، وكان حاضر البديهة، قوي العارضة، ساطع الحجة، لا يطاق في النقاش، ولا يوقف له في المناظرة. وكان بارعا في الشرح والإيضاح عند التدريس عذب الحديث، فكان طلاب العلم يتزاحمون
مع
محافظته
على مجلسه، ويتدافعون عَلَى الاقتراب منه، والاغتراف من نبعه الفياض الذي لا ينضب. قال عنه أبو العباس الدرجيني: «المتحقق الوصول إلى الغاية في علمي الفروع والأصول، وإن درّس فملقن يحسن التلقين، وإن أفتى فمغترف من عذب معين لا يخشى منه تعسف، ولا يدرك ألفاظه تكلف، كثير الاطلاع على مسائل الاتفاق والاختلاف، كثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف وله تعليقات عجيبة وأجوبة مقنعة مصيبة، إلا أنه كان وكثرة حفظه، يعجب من ضعف بخته مع الإخوان وقلة حظه، فإنَّهم لَمْ ينيلوه في العشرة إنصافا، ولم يهبوه من أنفسهم إسعافًا، بل لقد أذاقوه العقوق أصنافا». كان أبو يعقوب لغزارة علمه، وسعة أفقه لا يتطامن لمنافسيه، ولا يتصاغر لهم، وَإِنَّمَا كان يدلي بما عنده من علم، ويتحدى من يتعرض له في النقاش وكان إلى جانب ذلك لا يضفي على كتب السابقين ثوب القداسة، ولا يرفعها إلى مكان العصمة الخطأ، وَإِنَّمَا كان من ينتقدها نقد الخبير، فيطري ما استجاد منها، وينتقد ما لَمْ يَحُز، رضاه، شارحًا لمآخذه أحيانًا، مجملا لها أحيانًا أخرى، وكان مع هذه الحرية في الرأي كثير المطالعة لا يكاد يفلت منه كتاب الكتب الموجودة في عصره، مما ألفه علماء الإسلام من مختلف المذاهب، وكان يعنى من
بمسائل الخلاف بين المذاهب عناية خاصة، ويراجعها في مصادرها عند كُلّ مذهب. فكان الزائر عندما يزوره يجد عنده مَجمُوعات من مختلف الكتب لمختلف المذاهب، وهذا التحرر في المنهج الدراسي، والاعتداد بالنفس، وعدم التطامن للأقران هو الذي أثار عليه
(1) من علماء القرن السادس ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة. (1/926)
صفحة 927
الإباضية في موكب التاريخ
163
الإباضية في الجزائر
بعض منافسيه. كما أثار بعض الفقهاء المتشددين من عصره الذين لا يرتفعون إلى أُفقه، ولا يحلقون في جوه، إن كانوا يتمتعون بمركز علمي ممتاز، وسمعة شهيرة ذائعة، فحاربه الطرفان بغير سلاح العلم، وحكموا عليه بالخُطّة والهجران، ولكن الرجل القوي استمسك بموقفه، فلم يتنازل لهم، وقرر أن لا يرجع عما يراه من الصواب إلى استرضاء الجامدين، والتنازل للمنافسين، وإِنَّمَا استمر يعمل على أفقه الفسيح، ويسبح في جوه الواسع. وسمع الإباضية من مختلف بلادهم بإصدار حكم الخطة عَلَى أبي يعقوب، وكان يصل إليهم هذا الخبر عن ناس موثوق في دينهم وأمانتهم. والبعداء الذين تصلهم الأخبار من جانب واحد لا يعرفون حقيقة الوضع فيلتزمون بما وصل إليهم، فكانوا هم أيضا يعتبرون ذلك العالم الفاضل في حكم الهجران فيقطعون عنه الصلة، ويحولون دونه ودون اللقاء. وكان بعضهم يتساءل عن سبب هذا الحكم على عالم واسع الاطلاع، فيأتيه الجواب بأن الرجل يطعن في كتب السلف، ولا يهتم بما كتبه علماؤنا الأجلاء، ويحتقر كتبهم، ولا شك أنه خارج عن مذهب أهل الْحَقِّ والاستقامة إلى مذاهب أخرى، ويضيف نقله الأخبار إلى هذا ما يناسبها من التهم التي يلفقها المنافسون، ويقبلها الجامدون.
بقي أبو يعقوب زمنًا غير قصير تحت ضغط هذا الحكم القاسي، فلا العلماء المستنيرون كسروا الهجران، وحاولوا أن يتصلوا به ليناقشوه ويفهموا منه وجهة نظره، ولا هو حاول أن يسترضي أولئك الذين حكموا عليه، أو يتصل بغيرهم من فطاحل العلم، فيشرح لهم موقفه، ويبين لهم، مقصده، وإن كان نظام تطبيق الخُطّة يقتضي أن لا يحاول المحكوم عليه أن يعتذر، أو يتخلص إلا بعد إعلانه التوبة مما نسب إليه، وهذا هو الموقف الذي لم يرد أن يتخذه أبو يعقوب، إلى أن أتيح له أن يحج إلى بيت الله الحرام.
ويقص علينا العلامة أبو عبد الله بن سعيد، وهو حينئذ من تلاميذ العلامة يخلف بن يخلف فيقول: «خرجنا حجَّاجًا شيخنا يخلف يخلف حَتَّى إذا كنا بـ "عقاب" قدم علينا في
مع
بن
وقت المساء رجل لا نعرفه فرأيناه يسأل عنا .. فقال له يخلف: "من هذا السائل ومِمَّن؟ " قال: صباح المزاتي". فاستحال (1) ذلك شيخنا فبادره بأن قال: كذبت؟ " ... قال أبو عبد الله:
" أنا
1) استحال الشيء: عده محالا لا يُمكن أن يقع. (1/927)
صفحة 928
الإباضية في موكب التاريخ
164
الإباضية في الجزائر
وما رأيته قط عمل بسوء معاملة قاصدًا إلا تلك الليلة، ثُمَّ تدارك فسأله: "ما شأنك؟ وما وراءك؟ " قال: قدمت مع عمي يوسف بن خلفون، وأعلمه بأمور دلت على صدقه؛ فجعل يستغفر الله ويتوب إليه مِمَّا فرط منه .. قال له: "وابن عمك يوسف؟ " قال: "يبيت عندكم في الليلة المقبلة"، قال أبو عبد الله: فَلَمَّا كانت الليلة المقبلة لحق بنا هو ومن معه .. فَلَمَّا حل بنا أبو يعقوب لَمْ يمكنا إقبال عليه؛ لأنا قد خرجنا من بلادنا، والعلم عندنا أنه في الهجران، ولا علم عندنا بتوبته ولا غيرها، فجهدنا أن نتأسى بشيخنا يخلف، فَلَمَّا تقدم فيه تقدمنا. قال: فَلَمَّا تراءى الشيخان وضع شيخنا يخلف يده في يد أبي يعقوب وتنحيا جانبا غير بعيد، فجعل يثرب عليه ويعدد ما نسبوه إليه بتشريب لم نفهم منه إلا ما عاينا الشيخ كلما ذكر الشيخ خطيئة خط بإصبعه في الأرض خطا، فكلما عدد عليه شيئًا ذكر وجهه وسببه واعتذر واستغفر، حتى أتى عليها جميعًا، وظهرت براءته، وكان الشيخ يخلف يقول في تثريبه: "يا ابن خلفون كيت وكيت ثُمَّ يخط ... "، ثُمَّ يقول: "يا ابن خلفون كيت وكيت" وأطال العتاب، وأبو
يعقوب مطرق إلا أنه مهما عد عليه شيئًا ذكر وجهه وسببه، حتى توجه عند الشيخ عذره. فسمعنا شيخنا يقول: "الحمد الله رَبِّ العالمين"، وقاما معًا فاعتنقا وقمنا نحن أيضا فسلمنا على الفقيه أبي يعقوب وتأنسنا به، وسرنا إلى بلد الله الحرام، فأدركنا هنالك ركب إخوانا أهل عمان ومعهم فقيههم الذي حج بهم يُسَمَّى ناجية بن ناجية .. قال أبو عبد الله: فحججنا حجة لَمْ يَحجَّها مغربي قبلنا ولا بعدنا". صبر أبو يعقوب كما رأيت لحكم البراءة الذي أصدره عليه الفقهاء والجامدون من أهل بلده، ثُمَّ أبلغوه إلى إخوانهم في كُلّ مكان فحكموا به عليه، ولم يسارع إلى إعلان التوبة بين يدي أولئك الفقهاء؛ لأن التوبة تعني الرجوع عن حقه إلى باطلهم، والتنصل من آرائه العلمية المجردة التي قصروا عن فهمها. ولم يتح له أن يتصل بغيرهم ممن هم أوسع أفقا وأسلم إدراكا وأصح فهما.؛ فَلَمَّا أتيح له أن يَحجَّ وسَمع بعزم العلامة يخلف بن يخلف عَلَى الْحَج فرح بذلك، وبعث إليه ابن عمه يخبره أنه سيرافقهم، وهو يعلم سيرافقهم، وهو يعلم أنه في نظر يخلف في الهجران، ويعلم كذلك أن يخلف من تمسكا بالبراءة ممن يستحقها، وأحرصهم على أن يسير الجميع سيرة يرضى عنها الدين والخلق والعلم، ويعلم كذلك أن يخلف قد أوتي من العلم
أشد الناس (1/928)
صفحة 929
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
واتفقوا
ما يفرق به بين الحق والباطل والصواب والخطأ، ومن الدين ما يجابه به أي فرد أو. مستمسكا بالْحَقِّ لا يفرط فيه. وَلَمَّا وصل أبو يعقوب حار الناس في موقفهم منه؛ أيقفون منه موقفهم مع محرم مذنب يعتبرونه عاصيا فيقاطعونه ولا يسلمون عليه، أم أنهم يكسرون حكم الهجران فيهدمون قاعدة هامة من القواعد الخاصة بالمذهب، والتي كانت سببًا في حفظ المجتمع الإباضي من الانحراف .. ثُمَّ إِنَّهم سوف يحكم عليهم هم أنفسهم بالهجران ويخرجون إلى الخطة أخيرًا أن يقتدوا بشيخهم يخلف وفي اقتدائهم به عذر لهم عند أبي يعقوب، وعند خصومه .. وما اقترب منهم حَتَّى قام إليه الشيخ يخلف قبل أن يكسر الهجران، ودون أن يسلم عليه هو أو غيره، وتنحى به جانبا، ثُمَّ وقف معه موقف القاضي الحازم مع المتهم، يسوق إليه التهم الموجهة إليه مِمَّن حكموا عليه بالبراءة، ويطلب منه الدفاع عن نفسه، وكان كلما ذكر تهمة خط خطا واستمع إلى الردّ فإذا اقتنع به وجه التهمة التالية خط خطا وهكذا (1).
"يا ابن خلفون، قيل: إنك تهون في تأليف أسلافك يا ابن خلفون، إنك تشتغل بمطالعة كتب أهل الخلاف يا ابن خلفون، إنك تعظم علماء أهل الخلاف وتحتقر علماء مذهبك. يا ابن خلفون، إنك تتكبر على العزابة ولا تخضع لأحكامهم. يا ابن خلفون، إنك تصر على خطئك ولا تراجع التوبة يا ابن خلفون، قيل: إنك تريد أن تخرج عن مذهبك وتنتحل غيره. يا ابن خلفون، قيل .. وقيل .. إلى آخر ما وجه إليه من تهم ونسب إليه من أقوال وأفعال تبعد عن منهج الاستقامة.
وكان أبو يعقوب يستمع إلى العالم العظيم في احترام وتقدير، وكما وجه إليه تهمة ذكر وجهة نظره والأسباب التي دعته إلى عملها أو القول بها، أو أنكر أن تكون منه إن كانت التهمة كاذبة، ثُمَّ يعتذر ويستغفر الله حتَّى اقتنع الشيخ يخلف بسلامة موقف الشيخ أبي يعقوب؛ فحمد على ذلك وقام فاعتنقه وحطم ذلك السور الذي ضرب على ابن خلفون ما يزيد على اثنتي عشرة سنة، كما يذكر بعض المؤرخين.
(1) الأسئلة الآتية أمثلة لها، نظنه جرى فيه النقاش، ولَمْ نعثر في المصادر التي بين أيدينا على نصوص النقاش الذي جرى بين العالمين الكبيرين. (1/929)
صفحة 930
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وقد تناول أبو العباس الدرجيني هذه القضيَّة ووقف في جانب أبي يعقوب موقف المحامي اللبق والمدرس الخبير .. وقد حاول أبو العباس في مناقشته لهذا الموقف بين العزابة وأبي يعقوب أن يبرر موقف كُلّ منهما، وأن ينظر إلى مسلكه من زاوية معينة؛ فعذر العزابة في موقفهم،
وعذر أبا يعقوب في سلوكه.
وأحسب أن أبا العباس وُفِّق كُل التوفيق في مناقشته تلك. كان كبار العلماء أشد استمساكا بتطبيق أحكام البراءة عَلَى من يستحقها، ويندر أن تقع حالة مشابهة لحالة أبي يعقوب فيحكم بالهجران بأسباب غير وجيهة .. وعندما يقع مثل هذا الخطأ فإن أهل العلم والدين يؤيدون حكم العزابة حَتَّى يتبين لهم الخطأ في حكمهم، ويتأكد ذلك لديهم، وأن المحكوم عليه لا يستحق ذلك الحكم، وهم بطبيعة الحال معذورون في هذا الموقف، وقد يتشددون أكثر إذا كان المحكوم عليه من رجال العلم؛ لأن رجال العلم المفروض فيهم أن يكونوا قدوة وأن يكونوا أبعد الناس عما يغضب عليهم جماعة المسلمين. وعندما أعلن حكم البراءة عَلَى أبي يعقوب كان من أشد الناس عليه العلامة أبو رحمة حنيني اليشكني، ذلك أن العلامة أبا رحمة كان مرجعا في "وَارجُلاَن"، وكان لا يتساهل أبدا في أي انحراف مهما كان بسيطا .. ولَمَّا أعلن عزابة "تين باماطوس" حكمهم على أبي يعقوب انتظر منه أبو رحمه موقفًا غير موقفه؛ فهو إما أن يسارع إلى التسوية والتنصل مما نسب إليه، وهذه هي الطريق التي سلكها أغلب علماء الإباضيَّة الذين لحقهم حكم الهجران، وإما أن يتصل بالعزابة خارج بلده ويبرر لهم موقفه ويقنعهم أنه ليس على خطأ، وقد لا ينجح في هذا أبدا؛ فَلَمَّا لَمْ يفعل شيئًا من ذلك حسب أبو رحمة منه ذلك تعنتا وغرورا وارتفاعا على العزابة، فاشتد عليه واشتد في محاسبة من يتصل به. كان طلبة العلم الذين يدرسون في مدارس مختلفة عندما ينتهون من دراساتهم يعودون إلى أعلام المذهب فيعرضون عليهم ما أخذوه من مختلف المدارس ليصححوا لهم ما أخذوه، ويجيزوهم فيعترفون بعلمهم ويعرف به الناس من ورائهم .. وهم حين يعرضون عليهم ما تعلموه قد ينصحونهم بوجوب الاستمرار في الدراسة مع تعاطي التدريس، وقد يُجيزون لهم والفتوى مطلقا .. وكان أبو رحمة اليشكني هو المرجع في ذلك العصر كله، فكان الطلاب يدرسون في مختلف المدارس والبلاد ثُمَّ يرتحلون إلى "وار جلان" ليعرضوا عليه ما درسوه.
العلماء من
التدريس (1/930)
صفحة 931
الإباضية في موكب التاريخ
167
الإباضية في الجزائر
قال بعض الطلبة: «قدمت من جهة طرابلس" بعد قراءتي بها على الشيخين أبي عبد الله وأبي عمران موسى النفوسيين مسائل في المذهب فقصدت جهة وارجلان" لألقى الشيخ أبا رحمة اليشكني فأعرض عليه ما أخذت قال: فاجتزت على "تين باماطوس" وبها الفقيه أبو يعقوب، ثُمَّ جئت إلى أبي رحمة بـ"إيفران"، فَلَمَّا رآني قال لي: عَلَى طريق "تين باماطوس" كان طريقك؟.
فقلت نعم. قال: هل سلمت على فلان قلت لا. قال لو سلمت عليه لم أسلم عليك». هكذا كان أبو رحمة يتشدد في تطبيق الحكم والحرص على تنفيذه والمحافظة عليه، وقد بقي حكم الهجران مصلنا في قوة وعنف عَلَى أبي يعقوب إلى أن التقى بالعلامة يخلف في طريق الحج، فأعلن هذا العالم العظيم رفع البراءة عن ذلك العالم العظيم حين اقتنع بسلامة موقفه، وصحة عقيدته وبراءته من بعض ما نسب إليه.
ورغم هذا الموقف الصارم من عزابة تين" باماطوس" ضدّ أبي يعقوب، واتهامهم له بأنه يريد أن يخرج عن المذهب، وأنه يفضل كتب المذاهب الأخرى، وأنه كان يطعن على أسلافه رغم هذه التهم كلها فإن أبا يعقوب قد برهن عمليا على أن أولئك الناس لا يعرفون عن حقيقة دراساته ومواقفه في الاحتجاج للمذهب على غيره شيئًا. وقد ذكر أبو العباس أنه مما قيد من تعليقات أبي يعقوب يوسف بن خلفون أجوبته عن المسائل التي سأله عنها سائل فكتب بها إليه، وبين ما في جميعها من أقوال العلماء، فوجه ما ذهب إليه أصحابنا، واستدلّ عَلَى صحته بأدلة قاطعة ورسالته إلى أهل جبل نفوسة مشتملة على فقه ووعظ. وقد اطلعت على رسائله تلك، وهي نموذج رائع من التحقيق العلمي، ومناقشة مشاكله على ضوء آراء علماء الأُمَّة لا علماء المذهب فقط، الاعتماد أساسا على السنة النبوية المطهرة، وآراء الصحابة والله، وقد علمت أن الأخ الدكتور عمرو النامي سدد الله خطاه قد حقق تلك الرسائل وهو بصدد نشرها (1) في رسالة المسجد " لدار الدعوة، أما رسالته إلى أهل الجبل فلم أطلع عليها. وَلا بُدَّ أن تكون للعالم العظيم أعمال أخرى غير هذه، إِمَّا أَنها ضاعت، أو لم يتيسر لي الاطلاع عليها.
(1) قد نشرت تلك الرسائل بتحقيق الدكتور النامي في كتاب مستقل باسم: «أجوبة ابن خلفون». (المراجع) (1/931)
صفحة 932
الإباضية في موكب التاريخ
168
الإباضية في الجزائر
أبو عمرو السوفي)
هو: أبو عمر عثمان بن خليفة السوفي المارغني، قال عنه خليفة السوفي المارغني، قال عنه أبو العباس الشماخي: كان إماماً في العلوم لا سيما علم الكلام».
أخذ أبو عمرو العلم عن العلامة الكبير أبي العباس أحمد بن مُحَمَّد بن بكر، وقد أخذ عنه مع العلم حبه للعمل .. فكان أبو عمرو من أولئك العلماء الذين يكافحون بِكُلِّ ما أتوه من قُوَّة في سبيل الله .. كان لا ينفك عن محاربة الجهل والبدعة والانحراف، حينًا بالموعظة الحسنة، وحينًا بالنقد اللاذع والتوبيخ الصارم، والوعظ الزاجر وكان لا ينفك يدعو إلى الاستمساك بدين الله، مبينا للناس ما كان عليه رسول الله، وما كان عليه أصحابه وه، وكيف كانت سيرة خيار المسلمين. ولقد كان بلده "سوف" بالنسبة للإباضية خير مكان لمن يقوم بالدعوة؛ لأنه جاء متوسطا بين الأماكن العامرة بهم كأنه نقطة ارتكاز فيرتحل منه الداعية مغربا فيزور بلاد "أريغ" و"وَارجُلان" وبادية بني مصعب وجبال أوراس وما ولاها. يُحلّق عليه الطلبة، ويجتمع به المَشايخ، ويستمع إليه العوام، ويساعد على حل ما يجده من المشاكل، ويعود إلى مركزه فيستقر قليلا، ثُمَّ يتّجه مشرقاً فيزور بلاد "الجريد" (نفطة، وتُوزر ودرجين، والحامة، وجَربة، وجبال دمّر حتّى يبلغ جبال نفوسة وما ولاها ثُمَّ يعود .. وتعددت رحلات أبي عمرو حتَّى ضاقت منها صدور المتعصبين من بعض المذاهب فكادوا له. وهذا هو أبو العباس الدرجيني يعرض علينا بأسلوبه الرائع تلك الحادثة المؤسفة قال: «إن "الحامة" لَمْ تزل في إدبار من عهد أبي القاسم وأبي خزر -رحمهما الله-، وما طرأ عَلَى كُلِّ واحد منهما وعلى من بعدهما، حَتَّى إذا كان في زمن الشيخ عثمان السوفي فورد الحامة وليس فيها من أهل المذهب إلا أطلال بالية، ومساجد عامرة كالخالية .. وكان أبو عمرو عابر سبيل فأراد أن يذاكر هنالك بما يثبتهم في
1) من علماء القرن السادس ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة. (1/932)
صفحة 933
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
الدين ويمسكهم بعقائدهم على يقين، وكان المخالفون من أهل الموضع قد سكنت
أهله،
نفوسهم واطمأنت قلوبهم بانقراض مذهبنا في بلدهم، وضعف من بق من فَلَمَّا سمعوا بقدوم أبي عمرو، وَبِمَا شرع فيه، عضوا عليه الأنامل من الغيظ، واجتمعوا فيما بينهم وأرادوا ما يفضحون به أبا عمرو إذا هم ناظروه، فتشاروا في ذلك، فجعل كُلّ واحد منهم يدلي برأي فقال قريعهم: "اعلموا أن الرجل عالم، ذو قدرة على المناظرة، ولا طاقة لكم به إن حاولتم أخذه في الطريق المهيع؛ لكن إن سلكتم معه بنيات الطرق وجادلتموه بالباطل، ومقتموه في أنظار العوام وتظلمتم فإنكم تظفرون به .. قالوا: وكيف يُمكن الظفر به من طريق الباطل؟ قال: يسأله أحدكم: هل يجوز في مذهبكم تزويج نساءنا؟ فإنَّه حينئذ يقول الْحَقَّ ويُجيب بأن يستعظم هذا ويقول: يا سبحان الله، قد جاز عندنا تزويج اليهوديات والنصرانيات
فكيف بنسائكم. فإذا قال هذا الزمناه الذنب بأن نقول له: نراك أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى فنكابره و تفحمه، وإن هو أجاب بنعم؛ فقط استأنفنا سؤالا آخر. فَلَمَّا كان الغد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، وأحضروه هو وتلامذته فسأله سائلهم ما أعد من مسألة النكاح فأجاب بما كان خصمه ينتظره منه؛ فَلَمَّا قال ذلك قال مدره (1) القوم: إن هذا أنزلكم منزلة اليهود والنصارى.
فقاموا عليه قيام رجل واحد شتما وصفعًا وضربًا وطرداً حتّى نفوهم من البلد، وأكرهوا من بقي من أهل المذهب عَلَى الرجوع إلى مذهبهم، وعمدوا إلى المسجد الكبير من مساجد الإباضية فغسلوه بمياه كثيرة حتى جرت أنهارا وسارت في الطرقات، وخرجت من البلد هامية .. يعتقدون أن ذلك تطهير للمسجد والبلد»!!. هذه حادثة من الحوداث الكثيرة التي كانت تقع بسبب الجمود والجهل والتعصب المذهبي، والتي تسبب فيها غالبًا ويقودها رجال قاصرون ينتسبون إلى العلم، ولكنهم
(1) رجل أمدر: الجنبين أي عظيمهما. انظر: العين، (مدر). (1/933)
صفحة 934
الإباضية في موكب التاريخ
170
الإباضية في الجزائر
يحاولون أن يسيطروا على أذهان العامة بالادعاء والدجل، فإذا حل بين ظهرانيهم من يتحلى بالعلم الصحيح والخلق السليم والدين القويم خافوا أن يفتضح قصورهم وتقصيرهم، ويتضح للناس جهلهم وفشلهم فيلجؤون إلى الْمَكايد يدبرونها ضد أهـ العلم والخلق والدين مهما كانت نتائج تلك المكايد، ولو سببت في فن بين الناس تنتهك فيها الحرم وتراق الدماء، وتضيع الأموال بغير حق.
كان أبو عمرو منذ كان طالباً جمّ النشاط كثير الحركة، ذا حيوية متدفقة. فَلَمَّا أراد أن يسافر من "وَار جلان" إلى وادي سوف"، وقد أصبح ذا منزلة علمية مرموقة شيعه الشيخان أيوب بن إسماعيل، وموسى بن علي، وكان الشيخان يريدان منه أن يتجمل بشيء من الوقار تقتضيه منزلته العلمية، فقال له أيوب: «يا عثمان الوطوطة والعلم لا يجتمعان»، وقال له موسى: «الحجر المتقلب لا يثبت عليه بنيان». قال أبو عمرو فرأيت ما أشارا به هو الصواب. قال أبو العباس الشماخي: «وله من التآليف كتاب السؤالات (1)، وهو تأليف مفيد أظهر فيه منزلة من العلم، وله غيره من التآليف، وله مناظرات مع المخالفين». ولقد اطلعت على نسخة من هذا الكتاب القيم.
تخرج على يديه عدد من الأعلام منهم ميمون التنكيصي الورغمي، وهو أحد العلماء الثقاة الذين جازت عليهم نسبة الدين، وكان حلقة في السلسلة التي ربطت العصور المتأخرة بخير القرون.
(1) لا يزال هذا الكتاب إلى اليوم تحت التحقيق، ونأمل أن يسارع محققوه في إخراجه. (المراجع) (1/934)
صفحة 935
الإباضية في موكب التاريخ
171
الإباضية في الجزائر
أبو سهل بن إبراهيم"
هذه الترجمة منقولة حرفيا من كتيب صغير لشيخ الصحافة الجزائرية شيخنا أبي اليقظان إبراهيم - رحمه الله - اسمه: «تَراجُم الأئمة» قال: «هو الشيخ أبو سهل يحى بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمان -رحمه الله، العالم الشهير ذو الكرامات العديدة، والآثار القيمة، والتآليف الكثيرة، والأجوبة المفيدة بالعربية والبربرية. وذكر لي العلامة الشيخ إبراهيم بن أبي بكر أن له تأليفا رائقًا عند القطب اطفيش - رحمه الله-.
ومسجده في البلد داخل داره في شارع البستان وقبره خارج البلد، وهو كالربوة
لم و يندرس، ومن جهة رأسه محراب كبير، ويزار كُلّ عام على الهيئة التي قدَّمنا. وأما أبوه إبراهيم وجده سليمان وجد أبيه إبراهيم وجدهم الأعلى ويجمان فكلهم فضلاء معدودون في جملة المشايخ العظام. وأما ابنه داود بن سهل فهو شيخ عالم عامل، شديد في الأم والنهي، شديد الشكيمة على العصاة والمجرمين.
ومن
تلامذة أبي سهل الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني مؤلف كتاب طبقات الْمَشايخ» كتب له أبوه قصيدة من عيون شعر أهل الحق والاستقامة يُحرضه فيها على تحصيل العلم والمواظبة حين كان يتعلم على الشيخ أبي سهل بـ "وار جلان"، وتعتبر بحق أنها فريدة في بابها ومطلعها:
مضت سنة واستقبلت بعدها أخرى فياليت شعري ما تجيء به البشرى أب العلم فزتم أم إلى اللهو ملتم ونحن نعد العام والفصل والشهرا
ألا إنها تحصى عليك لياليا فحاسب أبا العباس نفسك جاهدًا
فما الترك والإهمال للحرّ بالأحرى
وناقش ولا تنسى الصغيرة والكبرى
1) أبو سهل يحيى بن إبراهيم، ذكره القطب في الطبقة الثانية عشرة. (1/935)
صفحة 936
الإباضية في موكب التاريخ
إلى أن قال:
172
الإباضية في الجزائر
وشيخك والحفاظ حاذر عقوقهم ووقرُهُمُ كلا وكن بهم برا
وعاشرهم في الله أحسن عشرة وكن لهم، لا تعصي سرا ولا جهرا
إلى أن قال:
فَمَا عُدْرُ مِن أُسْتَادُه فَذُ
عصره
أبو سهل الحبر الذي قد علا فخرا
سلالته أشياخ كرام وسادة فاکرم به فرعا وأكرم بهم نجرا حوى العلم والدين القويم وراثة فأصبح في ذا العصر أطيعهم ذكرا
ففيه التناهي في العلوم فحسبه
به "ورقلي" تزهو كمالا وبهجة
فكل فقيه ماهر فطن نذرا
به أشرقت نورا به اتسمت نورا
إلخ. وذكر القطب في رسالة وادي ميزاب" رقم: 181 ما نصه:
من أهل الخمسين الثانية من أهل المائة السادسة: أبو سهل يحيى بن إبراهيم
الورقلي»». انتهى
so so (1/936)
صفحة 937
الإباضية في موكب التاريخ
173
الإباضية في الجزائر
أبو يعقوب الوار جلاني"
مر
أخذت ترجمة هذا الإمام من رسالة شيخنا أبي اليقظان -رحمه الله - «تراجم الأئمة» مع قليل من التصرف وكثير من الاختصار. هو: الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوار خلاني -رحمه الله - وهو من رجال القرن السادس الهجرى توفى سنة 570 هـ. ولد في بلدة "وَارجُلان" عام 500 هـ وبعد أن أخذ في تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن العزيز، وتفقه في الدين على منهاج الإباضية الوهبية، وأخذ مبادئ علوم الدين من عقائد وفقه عن مشائخه في "وَار جلان، ارتحل إلى الأندلس وسكن قرطبة وهو شاب أعواما عديدة لاستكمال علومه في فنون اللسان والتفسير والحديث والتنجيم ونبغ في جميع ذلك نبوعًا منقطع النظير، كما ستعرفه قريبا إن شاء الله. وقد ترجم له عدد من مؤرخي السلف والخلف منهم أبو العباس الدرجيني، وأبو العباس الشماخي، ونور الدين السالمي، وعبد الرحمن الجيلالي، وأبو إسحاق اطفيش، وتحدث عنه أيضا المؤرخ التونسي الكبير الشيخ حسن حسني عبد الوهاب. وقد نقلها شيخنا أبو اليقظان كلها في رسالة ولكني رأيت أن أقتصر على واحدة هي ما نقله عن الشيخ الجليل عبد الرحمن الجيلالي، قال:
منها،
هو العلامة المتبحر أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم يوسف بن إبراهيم الوار خلاني، ولد بمدينة وارجلان" (ورقلة) بالجنوب الجزائري سنة (500 هـ - 1160 م)، وأخذ العلم ببلده ثُمَّ ارتحل منها إلى الأندلس طالبًا الاستزادة؛ فدخل قرطبة حاضرة العلم يومئذ، فكان هناك بين المثقفين مثالا للنبوغ النادر، والأدب الجم والاطلاع الواسع، والعلم الغزير، حَتَّى كان الأندلسيون مع حداثة سنه يشبهونه بالجاحظ، ثُمَّ عاد إلى وطنه، وجدد منه الرحلة إلى المشرق فدخل عواصمه العلمية اللامعة، وتضلع فيها بجميع ما كان متعارفًا مشهورًا في وقته من العلوم الإسلامية معقولها ومنقولها وأكثر من الرحلة في سبيل العلم
1 من أئمة القرن السادس ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة. (1/937)
صفحة 938
الإباضية في موكب التاريخ
174
الإباضية في الجزائر
فتوغل في أواسط أفريقيا حَتَّى بلغ إلى قريب من خط الاستواء قبلما تبجح الأوربيون باكتشافه بقرون، وذكر ذلك بنفسه في كتابه الجليل الجامع الدليل والبرهان لأهل العقول» (1)، وهو أحد كتبه الممتعة طبع بمصر سنة 1306 هـ - 1888 م. وَلَمَّا عاد من رحلته لازم داره بـ"ورقلة" منكبا على الدرس والتأليف، مكرسًا حياته لخدمة العلم ونشر الثقافة الإسلامية، فلم يخرج من داره مدة سبعة أعوام، ولم يكن يرى فيها كما قال الشماخي - إلا ناسخا أو للأقلام باريًا، أو للدراسة فاعلا، أو للحير طابحًا، أو للدواوين مقابلا، أو للكتب مسفّراً.
أنَّه
وللشيخ من التأليف: «تفسير القرآن» يقع في سبعين جزءاً وصف البرادي جزءا منه فقال: رأيت منه في بلاد "أريغ" سفرًا كبيرًا لَمْ أر ولا رأيت قط سفرًا أضخم منه ولا أكبر منه، حزرت أنَّه يُجاوز سبعمائة ورقة أو أكثر أو أقل، فيه تفسير فاتحة الكتاب والبقرة وآل عمران .. وحزرت فسر القرآن كله في ثَمانية أسفار مثله، فلم أر ولا رأيت أبلغ منه، ولا أشفى للصدر في لغة أو إعراب أو حكم، مبين، أو ظاهرة أو شاذة أو ناسخ أو منسوخ أو في جميع العلوم منه». يقال إنه يوجد من هذا التفسير جزء واحد بإحدى خزائن ألمانيا، وله كتاب «العدل والإنصاف» (2) في أصول الفقه يقع في ثلاثة أجزاء.
والقصيدة الحجازية نظم فيها رحلته العلمية إلى تلك الديار تقع في 360 بيتا، جمع فيها كثيرا من فنون العلم. وكتاب مرج البحرين في «الفلسفة ترجم إلى أكثر لغات أوروبا
نظرا لأهميته.
واشتهر له في خدمة كتب الحديث ترتيب سند الربيع بن حبيب». وما رأيت له من كتبه المطبوعة سوى الدليل والبرهان» جمع فيه من الفنون: الحكمة والفلسفة والإلاهيات وعلم الكلام والمنطق والهندسة ومناقشة المذاهب والتفسير .. إلخ، فهو
أشبه
1) طبعت هذا الكتاب وزارة التراث القومي والثقافة بسلطة عمان بعد وفاة المؤلف، ووضعت عليه دراسات كثيرة
من قبل الباحثين. (المراجع)
(2) طبعت هذا الكتاب وزارة التراث القومي والثقافة بسلطة عمان بعد وفاة المؤلف. (المراجع) (1/938)
صفحة 939
الإباضية في موكب التاريخ
175
الإباضية في الجزائر
عنه
-
بصورة مصغرة لدائرة معارف إسلامية، وتوفي رحمه بمسقط رأسه "وار جلان" سنة 570 هـ، قال شيخنا أبو اليقظان -حفظه الله -: وما بقي في حفظي عنه، ما قصه علي وأنا في تونس في غضون سنة 1914 م - أستاذنا حسن حسني عبد الوهاب أستاذنا في التاريخ بالمدرسة الخلدونية أنَّه قال: إن أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوار خلاني يعتبر عند علماء أوروبا أكبر عالم رياضي في شمال أفريقيا، ثُمَّ قال: إن له كتابًا كبيرًا في التاريخ يُسَمَّى «فتوح المغرب» رأيت نسخة منه في تركة المستشرق الكبير الفرنسي مسيو (مونتينسكيو)، ولولا قلة النقود عندي لاقتنيته في جملة ما اقتنيت مما خلف، مثل: رسالة ابن الصغير المالكي في أئمة
بني رستم
قال: ويوجد ذلك الكتاب «فتوح «المغرب» الآن في بعض خزائن ألمانيا. وقد بحث عنه شبابنا فيها فلم يحصل على أي نتيجة إيجابية، وما تزال الجهود في البحث عنه متواصلة.
أخذ العلم في "وَارجُلاَن" عن عدد من كبار العلماء، أمثال أبي عمار عبد الكافي، وأبي زكرياء يحيى بن زكرياء، وأبي سليمان أيوب بن إسماعيل وقد رثاه بقصيدة مطلعها: أَيُّوب! يا أَيُّوب يا أَيُّوب أودى به قدر الردى المجلوب
أَمَّا كتبه فقد ذكرنا أكثرها فيما سبق ونلخصها من جديد فيما يلي:-
1 - «تفسير القرآن الكريم» في سبعين جزءاً.
2 - «الدليل والبرهان» في ثلاثة أجزاء.
-
«العدل والإنصاف» في ثلاثة أجزاء.
4 - «مرج البحرين».
-
«فتوح المغرب».
- ترتيب مسند الإمام الربيع بن حبيب».
7 - «رسالة في رجال كتاب المسند».
-- «ترجمة رجال الإباضيَّة ذكرها أبو إسحاق اطفيش في «الدعاية إلى سبيل المؤمنين». (1/939)
صفحة 940
الإباضية في موكب التاريخ
176
الإباضية في الجزائر
- «كتاب في الفقه» لم نعرف عنه شيئًا.
1 - أجوبة كثيرة لو جمعت لكونت مجلدًا ضخمًا.
وقد قام بعدد من الرحلات للدراسات العلمية ولدراسة النفس البشرية، ولدراسة
المجتمعات الإنسانية وتتخلص رحلاته فيما يلي:-
1 - رحلته في شبابه إلى الأندلس لاستكمال معلوماته.
2 - رحلته إلى عواصم الشرق لاستكمال الدراستين العلمية والاجتماعية.
رحلته إلى أداء الفريضة.
رحلته إلى الجنوب وتوغله في إفريقيا، واقترابه من خط الاستواء، واكتشافه
لتساوي الليل والنهار ودراسته للمجتمعات البشرية المختلفة.
وقد كانت له نظريات خاصة وآراء أشار إليها أستاذنا الشيخ أبو اليقظان؛ فمن أرادها فعليه برسالة «تراجم (الأئمة» (1)، وقد تتاح الفرصة لدار الدعوة فتنشر منها ترجمة أبي يعقوب مفصلة كما وردت عن الشيخ.
والواقع أن أبا يعقوب يحتاج إلى دراسة كاملة يقوم بها بعض الشباب، وفي إمكان أحدهم أن يقدم أطروحة للماجستير أو رسالة للدكتوراة في هذا الموضوع القيم)
(2)
1) الكتاب لا يزال مخطوطا في حوزة الدكتور مُحَمَّد صالح ناصر، ولعله يجدد النية في تحقيقه ونشره مستقبلا إن شاء الله، وقد اعتمد الكتاب كثيرا في إنجاز معجم أعلام إباضية المغرب. (المراجع) (2) وقد تمت أمنية الشيخ كما ذكر، فقد وضعت عليه دراسات ورسائل كثيرة في حياته وفكره ومنهجه ومقارنته بأقرانه في تلك الفنون، وخاصة في الدليل والبرهان والعدل والإنصاف. (المراجع) (1/940)
صفحة 941
الإباضية في موكب التاريخ
177
الإباضية في الجزائر
أبو مهدي بن إسماعيل"
يسرني أن أنقل إلى القارئ الكريم ترجمة أبي مهدي بنصها الحرفي من «تراجم الأئمة» لشيخنا أبي اليقظان -رحمه الله-.
قال: هو العلامة الورع الشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي الذي كان على المذهب المالكي وتمذهب بالمذهب الإباضي، وهو من عرش أولاد نائل.
أخذ العلم عن الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي، وأخذ عنه الرحالة الشيخ مُحَمَّد بن زكرياء الباروني الذي حرر مسند الدين لرجال الإباضية منه إلى «اليوم المحفوظ نص عليه سـ الْمَشَايخ» للبدر الشماخي في (صفحة 571 هـ)، وذكر فيه أنه كان في بني مصعب "واد ميزاب" في عام 961 هـ، وأنه أخذ العلم هناك عن الشيخ أبي مهدي عيسى إسماعيل المليكي. وللشيخ أبي مهدي عيسى شعر رائق رأيت له أرجوزة رائعة في الوعظ والزهد هذا مطلعها: الحمد لله الذي هداني
لدينه فضلا من الرحمن
وقد ربعها الشيخ عمر بن عيسى التندميرتي النفوسي، ويأتي ذكره في محله إن شاء الله، كما رأيت له رسالة يدافع فيها عن زميله الشيخ سليمان عبد الله المرزوقي الذي اعتنق مثله المذهب الإباضي، يرد فيها بالنقد البريء عن بعض المشاغبين؛ إذ كتب له رسالة عنيفة يقول له فيها: "إذا أجبتني فسأحرق رسالتك". وكان من حذق الشيخ المرزوقي أن أجابه في رسالته نفسها بين أسطرها، وقال: "لئن أحرق الرسالة فإنَّه يُحرق رسالته مع الجواب أيضا"، ولكن لم تصله الرسالة في المغرب إلا وقد توفي وكانت رسائل الشيخين في عام 929 هـ.
وتوفي الشيخ أبو مهدي - رحمه الله - في (11) ذي القعدة من عام 971 هـ). وإليه تنسب المقبرة المعروفة باسمه في مليكة "مقبرة الشيخ سيدي عيسى" نسبة لأعظم دفينها، وقد علقت عليها أوقاف كثيرة في البلد، وكانت روضته هَذه مقر العزابة عند انعقاد مجلسهم الرسمي للقصور السبعة حديثا.
1) من علماء القرن العاشر ذكره الباروني في الطبقة التاسعة عشر. (1/941)
صفحة 942
الإباضية في موكب التاريخ
178
الإباضية في الجزائر
ويقال: إنَّه كان له ولشيخه عمي سعيد بن علي ربوة مشرفة على الوادي من غرب مليكة يجلسان عليها ويتذاكران في مسائل العلم والمعرفة وصادف أن واحدا منهما طبخ له رأسا؟ فقال في نفسه: "أهدي من هذا لأخي فكي الرأس، وهما أحسن ما في الرأس"، وَلَمَّا قدم الهدية إلى صاحبه قدَّم إليه أخوه نفس الهدية لنفس النية لطيب سريرتهما، وصفاء أخوتهما في الله تعالى، ولها نظير في جبل العباد بـ وارجلان"، وهكذا فلتكن الأخوة في الله والصفاء بين
الأصدقاء.
وشهر
مكان الربوة في مشاهد الزيارة (1) بـ "وادي ميزاب" بمشهد "أجاين" (2) أي: أخدود
الرأس بلغتنا.
قلت: يستفاد مما نقلناه من الوثائق التاريخية أن حياة عمي سعيد في "وادي ميزاب" كانت في الخمسين الثانية من القرن العاشر كحياة معاصره تلميذه الشيخ أبي مهدي عيسى كما علمت؛ ولكن ما جرى عليه الأب داوود القسيس الفرنسي يغاير هذا فقد وقفنا على فهرسته لمشايخ غرداية، وهذا نص محلّ الحاجة منها، قال: «وفد من "جربة" الشيخ عمي سعيد بن علي بن حميدة بن عبد الرزاق بن سعيد الخيري في عام (854 هـ/ 1450 م)، وأسس المجلس الذي يحمل اسمه في: (3) شوال 855 هـ / 17 فيفري 1453 م) وتوفي الشيخ عمـ سعيد بن علي في: (محرم) 898 هـ / 3 جانفي 1492 م)، ففي نظر الأب داوود كانت حياة عمي سعيد في القرن التاسع، وفي نظرنا كانت في القرن العاشر، ولسنا ندري كيف يكون الجمع بين الروايتين إذا صحتا .. ولو لم ينص الأب داوود عن وفاة الشيخ لأمكن لنا القول بأنه عمر في القرنين التاسع والعاشر، ولعلنا نقف على ما يجلو الحقيقة بعد.
1) حفلة يوم الزيارة في قرى وادي ميزاب" تقع في أوَّل الاثنين من مارس من كُلّ سنة، يزور فيها الطلبة مشاهير الصالحين من السلف حول القرى إحياء لذاكراهم في قلوب الخلف من أبنائهم، وتجديداً للعهد والوفاء لهم في
مآثرهم. (أبو اليقظان).
(2) ولعل الصواب كما تنطق اليوم: "أَدْجَايَن". (المراجع) (1/942)
صفحة 943
الإباضية في موكب التاريخ
179
الإباضية في الجزائر
أبو محمد البزقني"
نص حرفي من رسالة تراجم الأئمة لشيخنا أبي اليقظان -رحمه الله-:
هو الشيخ أبو مُحَمَّد بن عبد العزيز .. كان علامة زمانه، ومرجع الفتوى في "وادي ميزاب"، ذا علم واسع، وحلم وورع وتقوى، أمضى عمره في نشر العلم، وخدمة الدين والنصح والإرشاد وجد وكد في وقت أشرف الإسلام عَلَى الانقراض في البلاد، فجدد شبابه -رحمه الله - الله - وخلف خمسة أبناء نجباء كان بهم حياة الدين، وكفاه فخرا أن كان من نسله صاحب النيل الشيخ عبد العزيز الثميني، ومن نسله قطب الأئمة الشيخ اطفيش وغيرهما
-رحمهم
الله
و نسبه مرفوع إلى نسب عمر بن الخطاب من بني عدي، وهو معاصر للشيخ أبي مهدي عيسى بن إسماعيل، وكان من جملة تلامذته. ويقال: إنَّه إذا ذهب إلى شيخه بمليكة يذهب راكبًا عَلَى حصان له، فقال فيه بعض حساده في ذلك؛ فحكى إلى الشيخ
قولتهم، فقال له: إذا لَمْ يسرُّهم ذلك فاركب إِلَيَّ عَلَى واحد، وقد معك آخر". وهو جد العرش الكبير آل با امْحَمَّد الشهير في يزقن، وإليه تنسب مقبرة الشيخ بالمحمد التي في سفح جبل الشيخ بو عميد المشرف على الجبل. وقد علق عليها آل بامْحَمَّد أوقافًا كثيرة غزيرة تنفذ في بعض أيام جمعات الشتاء عند تلاوة القرآن فيها، وتوزع مع الصدقات على الفقراء والمساكين بها.
1) من علماء القرن العاشر، معاصر لأبي مهدي. (1/943)
صفحة 944
الإباضية في موكب التاريخ
180
الإباضية في الجزائر
أحمد بن أفلح
يسرني أن أنقل هذه الترجمة بنصها الحرفي من رسالة تراجم الأئمة» لشيخنا أبي اليقظان إبراهيم -رحمه الله- قال:
أَوَّلاً: أَمَّا الشيخ الحاج أحمد بن أفلح الورجلاني فقد قال عنه الشيخ أعزام الحاج إبراهيم بن صالح في كتابه «غصن البان في تاريخ وَارجُلان ما يأتي وهذا نصه قال: «نكتة طريفة وكالة الجامع الكبير "لالة" "عزة كانت مُختصة بأولاد أفلح، وبلغت هذه الوظيفة بأيدي اثني عشر نفرا آخرهم الشيخ باحمد بن مُحَمَّد بن أفلح، دفين مقبرة أولاد أفلح التي على طريق إدارة الحكومة، والمذكور بلغت وكالته إلى سنة 1149 هـ. هو شيخ الإباضية، ورئيسهم وقتئذ الشيخ أبو زيان بن عبد العزيز دفين مقبرة أولاد عبد العزيز، ومكث فيها ما شاء الله، وفي العام الأخير اجتمعت العزابة واتفقوا عَلَى أن يبحثوا عن مال المسجد وما آل إليه أمره، فامتنع الوكيل عن ذلك، وقال لهم: اتركوا الأمر في ستر الله، فأرغموه لذلك؛ وفي مقدمتهم أبو زيان فأخذ بخاطرهم وأتى بمصابيح الدار وتأبط زمام -سجل الحسابات الجامع؛ فَلَمَّا دخلوا الدار وهم عشرون عزابيا وجدوا مئونة قوية وأشياء لم تكن بالحسبان، ومن جملتها 13 إبريقا خزفًا مملوءة دنانير، فَلَمَّا رأوا ذلك استعظموه ودعوا له بالخير. وفي أثناء ذلك وضع الزمام في مكان يرونه، وخرج هاربًا على حين غفلة منهم؛ فَلَمَّا أرادوا الخروج نادوه فلم يجدوه، فأخذ الشيخ أبو زيان المفاتيح وأغلق الأبواب وأمسكها عنده، وفي الحين وقع الخلاف على إمساك المفاتيح بين إباضية بني سيسن وإباضية بني وكين .. فاستدعاه وكلمه في شأن إمساك المفاتيح إطفاء للفتنة، ورغبة في ذلك فأجابه: بأن صدرت منه أيْمَان مغلظة ألا يُمسكها، ولكن اجعلوا واحدًا من بني وكين وواحدا من بني سيسن ليزول الخلاف والشقاق؛ فقاموا عَلَى رأيه وانحسم الشقاق، وجرى الأمر على ذلك إلى يومنا هذا؛ فهي أي الوكالة بين بني وكين وبني سيسن وما عند
الله
خير وأبقى».
(1) من علماء القرن الثاني عشر من الطبقة الثالثة والعشرين. (1/944)
صفحة 945
الإباضية في موكب التاريخ
181
الإباضية في الجزائر
باسة بن موسى (1)
يسرني أن أنقل هذه الترجمة بنصها الحرفي من رسالة تراجم الأئمة» لشيخنا أبي اليقظان إبراهيم -رحمه الله -:
هو الشيخ باسة بن موسى - رحمه الله من العلماء العاملين والصلحاء المرشدين، أخذ العلم عن شيخه الحاج مُحَمَّد بن أبي القاسم المصعبي وله مهارة كبيرة في الكتابة لا يضجر ولا يمل منها، وقد رأيت كتبا كثيرة وأجوبة جَمَّة بخط يده.
تولى رئاسة الحلقة بـ"وار جلان" فسار فيهم سيرة مستقيمة تركت له في تاريخه الذكر الجميل، وتوفي رحمه الله سنة 1176 هـ، وترك خزانة كبيرة مملوءة بالمجلدات القيمة بخط يده .. وبترك حفيده طريقته العلمية تلاشت وكم يق ولم يبق منها إلا
شيء قليل. قال الناقل من أعزام أبو اليقظان إبراهيم: قد عثرنا على رسالة له وجهها إلى "جربة يزاولون، دوروسهم، قال ما نصه:
إخوانه من بني مصعب «إخواننا .. الله الله
في زيادة العلم ليلا ونهارًا، مساء وصباحا؛ لأن العلم كاد أن
ينقرض من بلدانكم ولأن الجهل مطية من ركبها ذلّ، ومن صاحبها ضل.
إخواننا .. الله الله، تعلموا العلم فإنَّه يُصلح حالكم ويرغم شانئكم، وتعلموا فإنه عزّ لا يبلى جديده وكتر لا يفنى مزيده .. وتعلموا العلم؛ لأنه أفضل خلق، والعمل به أكرم، شرف فعسى أن تُحيوا لنا ما اندرس من العلوم، وأن تقوموا ما انطمس من الرسوم.
إخواننا .. عليكم بتقوى الله والورع عن محارم الله، يقول الله: {وَاتَّقُوا اللهَ يُعلَمُكُمُ الله كم)؛ لأن قليلا من العلم مع العمل يكفي، وكثيرا من العلم بلا ورع يعمي.
1) من علماء القرن الثاني عشر من الطبقة الرابعة والعشرين.
(2) سورة البقرة: 282.
> (1/945)
صفحة 946
الإباضية في موكب التاريخ
182
الإباضية في الجزائر
إخواننا .. اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وكونوا عباد الله إخوانا ولا
تشتتوا.
إخواننا .. عليكم في السعي في المهمات والرغبة في جمع الخيرات تنجون من شدة
العذاب
بالجنات
يوم الفصل في الحساب؛ فإذا سعيتم جهدكم فيما ذكرنا جزاكم الله مع الخيرات الحسان، ومصداق ذلك قوله تعالى: وَشِرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارَ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قبل وأتوا به مشاهَا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجُ مُطَهَرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) .. وبلغوا مجموع المشايخ بِهِ
سلامنا ... » إلخ. ومن حسن الحظ أن وقعت على أوراق متناثرة هي ما بقي من خزانة الشيخ باسة بن موسى بن داود، وقد سلمت لَمْ تأكلها الأرضة من كتبه ومخطوطاته النفيسة. وفي الأوراق رسالة للشيخ باسة وجهها إلى إخوانه في الله هو وعلماء وتلاميذ معه وهم من أهل وادي ميزاب وهم يقرأون بـ"جربة"، ورد فيها ذكر عدة علماء وتلاميذ في ذلك العهد وقد عنون رسالته بعد البسملة بقوله:
ــي
«هذه الرسالة أرسلها الناسخ باسة بن موسى بن الحاج داود إلى إخوانه مصعب كانوا يكرعون في جزيرة جربة" -هو إذ ذاك كان يقرأ في "ميزاب". رحم الله الجميع بجاه النَّبِيِّ الشفيع». وقد صدر رسالة بالشيخ سعيد بن علي الجادوي من لسانه ولسان العلماء الذين بـ"ميزاب"، منهم: شيخه الشيخ مُحَمَّد بن أبي القاسم، ومنهم يخ إبراهيم
بن
أحمد، ومنهم الشيخ أحمد بن أيوب، ومنهم الشيخ الحاج نوح بن أيوب، ومن الشيخ صالح بن الحاج إبراهيم من مشائخه وقد رثاه بقصيدة ومنهم باعمور بن
الحجاج.
(1) سورة البقرة 25. (1/946)
صفحة 947
الإباضية في موكب التاريخ
183
الإباضية في الجزائر
قال في أول الرسالة هكذا بالنص: الحمد الله الذي خلق الموت والحياة ... إلخ» وقد أطال في مقدمتها، وكان كُلّ واحد من الْمَشايخ المومئ إليهم مقرونا بأوصاف عظيمة عالية تَدُلُّ عَلَى مَنزلته السامية في العلم والورع والدين والخلق الكريم،
والكاتب يعيش في أواخر القرن الثاني عشر توفي -رحمه الله - في عام 1179 هـ الأمر الذي يَدُلُّ عَلَى ازدهار العلم، وترابط العلماء بعضهم ببعض رغم ترادف الفتن، وتتابع المحن، وقد تركنا تلك الأوصاف وتلك المقدمة خوف الملل والإطالة
على القارئ. وقد سجل في الرسالة أجوبة بعض أولئك العلماء عن مسائل فقهية وأحكام شرعية أرسلها الشيخ نوح بن أيوب يسأل فيها العلامة الشيخ مُحَمَّد بن أبي القاس
تَدلُّ أجوبته على تطلعه في الفقه وعلوم الشريعة -رحمهم الله ورضي عنهم-. (1/947)
صفحة 948
الإباضية في موكب التاريخ
184
الإباضية في الجزائر
عزيزي القارئ؛
الباب الثالث:
صور مختلفات عن مشهد واحد
في هذا الباب رأيت أن ألتقط صورًاً مُختلفة ومن زوايا متعددة أضمها ضمن إطار واحد، ينتقل فيها النظر من صورة إلى صورة، وتلك الصور في مجموعها تكوّن مشهدًا إذا نسقت مع بعضها البعض تعطى كل منها منظرًا مستقلا إذا فصل بعضها عن بعض.
وهي عند جمعها تنسجم انسجاما كاملا، وتتسق اتساقاً تاما مع الصورة الكاملة التي وضع الكتاب من أجلها، وهـ وهى ولا شك تملأ منه فراغات
وتسد فيه فجوات، رُبَّمَا كانت فيه بين بعض الفصول أو أثناء الفصول. ومهما كان الأمر فإن الصورة الكاملة الواضحة في ذهني التي أردت أن أعرضها على القارئ الكريم بوضعي لهذا الكتاب لا تَتِمُّ إلا بهذا الوضع. (1/948)
صفحة 949
الإباضية في موكب التاريخ
185
الإباضية في الجزائر
الإباضية في الجزائر
قد كنت وجهت إلى شيخنا الفاضل أبي النهضة الجزائرية وشيخ صحافتها السؤال الآتي:
ما هي المواطن التي كانت عامرة بالإباضية في عهد الدولة الرستمية وما بعده؟ وقد أجابني -رحمه الله - إجابة مسهبة، وذكر مواطن الإباضية في كُلّ من ليبيا وتونس والجزائر. وخلاصة ما ذكره عن الإباضية في الجزائر ما يلي: «أما في عهد الدولة الرستمية فإن الخريطة التي وضعها الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز كافية في بيان الغرض، وأما فيما بعد ففيما يلي:
1 - وادي سوف.
3 - وادي ميزاب.
ه - جبل أوراس.
2 - وادي أريغ.
- باغاي.
6 - الزاب.
7 - وارجلان.
وقد وجهت نفس السؤال إلى شيخنا الفاضل الشاعر الأديب باكلي عبد الرحمن بن عمر، فأجابني إجابة مسهبة فيها كثير من التفصيل وخلاصة ما ذكره: «المواطن التي كانت آهلة
بالإباضية في القطر الجزائري هي:
1 - الزاب.
2 - وادي أريغ.
3 - وادي سوف.
4 - تاجديت.
ه - وارجلان.
- الرمال وهو موطن لا يبعد كثيرًا عن سوف).
6 - آجلو. -جبال بني مصعب.
9 - متليلي.
10 - الأغواط.
11 - المنيعة أو (القليعة).
هذا خلاصة ما قاله الشيخان المؤرخان الكبيران. ولا شك أن الكاتب الذي يريد أن يترسم خطى الإباضية في الجزائر، ويتتبع آثارهم من حيث العلم والخلق والدين يجد آثارًا منها في كُلّ ناحية من نواحي الجزائر، فقد كانوا منتشرين في جميع المغرب الإسلامي، وفي الأندلس أيضا. (1/949)
صفحة 950
الإباضية في موكب التاريخ
186
الإباضية في الجزائر
غير أنهم اضمحلوا في بعض الجهات بسرعة، واستقروا في جهات أخرى لعوامل سياسية غالبا، كما أنهم كانوا يكونون كُلّ السكان أو أغلب السكان في بعض الجهات، ويكونون أقليات أو أفرادا في جهات أخرى، ولا شك أن الأعداد الوفيرة منهم إنما كانت تستقر في المناطق الوسطى الأقرب إلى الجنوب في تونس والجزائر والمغرب.
المذهب
ورغم أن التكتل الكبير لهم إنَّمَا كان في تاهرت حيث أسسوا الدولة الرستمية وهي في الجانب الغربي الشمالي من الجزائر إلا أن هذا التكتل لم يطل به الأمد بعد انقراض الدولة الرسمية سنة 296 هـ، فقد جد حكام الدولة العبيدية في القضاء على جميع من يتبع الإباضي وينتسب إليه؛ لأنهم يرون أن الإباضيَّة أشد فرق الأمة معارضة لبدعهم، ونقدا لتصرفهم وغلوهم وإظهارا لانحرافاتهم. وتحت ضغط أولئك الحكام وقسوتهم تفرق الإباضيَّة من تلك المنطقة، وشردوا إلى جميع
الجهات، وقد كان اتجاهم إلى الجنوب الشرقي أكثر من اتجاهم إلى النواحي الأخرى. وبهذا السبب تكتل الإباضيَّة في الواحات مثل "وَار جلان" و "سدراته"، و"وادي أريغ"، و"وادي سوف"، وغيرها من الواحات الواقعة في خطها مثل: "بغاي"، و"جبال أوراس"، و"الزاب"،
و"وادي ميزاب"، ثُمَّ في بلاد قصطيلية في القطر التونسي، وما والاها إلى الشرق والشمال. وعاش الإباضية في جميع هذه الأمكنة دون أن يكونوا لأنفسهم كيانا سياسيا (أي: دولة)، أو يدعوا إلى تكوينه. وَإِنَّمَا كانوا يعيشون تحت نظام العزابة الذي تحدثنا عنه في فصول سابقة. ويحمل هذا النظام جميع مزايا الحكم الشوري الإسلامي ماعدا منصب الخليفة أو الإمام. والأحكام الخاصة به والتي لا يحق لغيره أن يقوم بها. عَلَى أن الأحكام الخاصة بالخليفة نفسها كثيرًا ما يقوم بها مجلس العزابة. ويكلف شيخ الحلقة بتنفيذها أو ينفذها أعضاء المجلس أنفسهم كإجراء بعض العقوبات التي لا تبلغ الحدود، كالأدب والنكال والتعزير، وكإصدار الأوامر وقيادة الجموع في حالات الدفاع، وكعقد الاتفاقيات، وذلك عندما لا يكونون تحت سلطان دولة مسلمة.
ويكون قيام مجلس العزابة بمثل هذه المهام أيسر عليهم حين تكون بلادهم غير خاضعة لدولة قائمة أو تابعة لها سياسيا، فهي في تلك الأحوال تشبه أن تكون جمهورية مستقلة رئاستها العليا (1/950)
صفحة 951
الإباضية في موكب التاريخ
YAY
الإباضية في الجزائر
بيد مجلس العزابة، وقد بلغ من المجلس في بعض الأحيان إلى أن صدر له عملة نقدية خاصة (1) ولَكنَّه في جميع الأوقات لا يعلن عن نفسه كدولة، ولا يدعيها، ولا يقبل هذا الوصف من
يسبغه عليه، ولا يباشر الأحكام التي يباشرها باسم الحكام، وإنما باسم مجلس العزابة. أمَّا القوة التي استطاع بها هذا المجلس أن يقود المجتمع بنجاح وأن يفرض بها طاعته على الناس، وأن يكسب احترامهم لأحكامه فهي: 1 - استقامة أعضاء المجلس، ونزاهتهم، وحسن سيرتهم وسلوكهم، ومحافظتهم على الدين محافظة كاملة في جميع الأحوال.
2 - قوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي كان من ثمرتهما الولاية والبراءة الشخصيتان – حسب قواعد المذهب الإباضي، وبحكم البراءة هذه استطاعوا أن يغلوا أيدي الناس عن ارتكاب المحظور، وتجاوزوا المحظور الشرعي إلى المحظور الاجتماعي أو المحظور العرفي. وبذلك استطاعوا أن يحافظوا فوق محافظتهم على الدين وأحكامه وآدابه على مجموعة من العادات الحسنة، وأنواع السلوك الذي يتمشى مع روح الإسلام وإن لم تضبطه نصوص، وأن يحافظوا عَلَى الروابط المتينة بين الناس. وعلى ما تعارفوا عليه من الآداب والسير في جميع مرافق الحياة، وأن يحولوا دون تسرب العادات السيئة في المجتمعات الأخرى إليهم.
- الإسراع في علاج المشاكل عند ثورانها وعدم تركها حتّى تستفحل، ثُمَّ المساواة بين جميع الناس مهما اختلفت أقدارهم في إجراء الأحكام، فلا أحد يطمع في أن يرتكب ما تحب به البراءة ثُمَّ ينجو من الموقف الصارم إزاءه.
كما أنه لا أحد يطمع أن يرتكب ما تجب به الخطة أو الهجران ثُمَّ ينجو من الموقف
الصارم إزاءه. والبراءة لا تكون إلا على ارتكاب المعصية التي تسقط بها الولاية. أما الخلطة والهجران فقد توقعان على من يخالف العرف العام للبلد، أو الاتفاقات المعمول بها تحت رعاية العزابة، أو مخالفة السلوك المتبع في قضيَّة من القضايا. وبهذه الاعتبارات فإن الهجران نال كثيرًا حَتَّى من كبار العلماء.
(1) أخبرني بذلك أستاذنا الفاضل الشيخ باكلي عبد الرحمن وكفى به حجة. (1/951)
صفحة 952
الإباضية في موكب التاريخ
188
الإباضية في الجزائر
أمَّا البراءة فلا تقع إلا عَلَى من سقطت ولايته بارتكاب كبيرة.
ان
ولا شك أن هذا النظام ما بين سنة 286 هـ تاريخ الهزيمة التي استوحى منها الكبيران البغطوري والونزير في أصول هذا النظام متمثلة في الإعراض عن الجوانب السياسية الظاهرة، والاهتمام بالجوانب الداخلية التعليمية والسلوكية وبين سنة 1356 هـ وهو تاريخ كتابة هذا الفصل- قد تطور تطورات كثيرة. فقد كان في مبدأ الأمر فكرة ثُمَّ سيرة، ثُمَّ عرفا، ولا شك أن الإمام الجليل أبا مسور يسجا" قد عرف هذا الاتجاه من علماء الجبل عندما كان يدرس في مدينة "شروس" عَلَى أستاذه العظيم أبي معروف، فَلَمَّا رجع إلى جربة
وقد كان الإباضيَّة بها أقلية ضئيلة وأكثر السكان إمَّا خلفية وَإِمَّا نكارا (1) جد في التعلـ والدعوة حتّى اقتنع أكثر الناس بما يدعو إليه وانصرفوا عن التفكير في موضوع السياسة إلى التفكير الجدي في تنظيم يكفل لهم سعادة الآخرة، وكان والده أبو زكرياء فصيل- وقد أصبح
قدوة وإمامًا لجميع الإباضيَّة في الجنوب التونسي قد شغل فكره بصياغة مواد ذلك التنظ في وثيقة مكتوبة يمكن أن توزع على جميع مناطق الإباضيَّة في المغرب، ولكنه مع ذلك لَمْ يخرج هذا العمل من حيز الفكرة إلى حيز حيز التطبيق، فَلَمَّا جاء أبو عبد الله مُحَمَّد بكر بن الفرسطائي لاستكمال دراسته وكان قد عرف هذا الاتجاه عند علماء الجبل وهو يتلقى العلم عن مشايخ بلده فرسطاء ومنهم والده الذي قال عنه أبو العباس الشماخي في السير (صفحة 384) ما يلي: ومنهم الشيخ الإمام المتقن بكر بن أبي بكر النفوسي الفرسطائي أخذ العلم
(1) قال أبو العباس الدرجيني في كتابه (الطبقات): وقد كانت الجزيرة حينئذ (أي: حين كان أبو مسور يدرس في الجبل) ليس فيها أحد إلا على مذهب خلف بن السمح، غير نفر قليل قد تقدم ذكرهم، فدعاهم أبو مسور إلى مذهب الوهبية، فأجابه منهم من أراد الله به خيراً. وكان بها حينئذ رجل من زواغة نكاري يقال له: خلف بن أحمد، وكان ذا مال كثير، وكان متكرما، فكان يصنع الطعام ويدعو إليه الناس ويدعوهم إلى مذهبه فكل من أجاب أبا مسور كان وهبا ومن أجاب خلفا كان نكاريا، حتى لم يبق في الجزيرة أحد على مذهب ابن السمح بل صارت كلها تبعا لأبي مسور، أو الخلف بن أحمد. فأقام في الجزيرة تجتمع إليه الجماعات لطلب العلم وأخذ السير وانتهاج الطريق". انتهى كلام الدرجيني. قلت: وطلب العلم وأخذ السير وانتهاج الطريق هي الخطوط العريضة لأصول نظام العزابة. (1/952)
صفحة 953
الإباضية في موكب التاريخ
189
الإباضية في الجزائر
من ابن ماطوس سليمان وقد تقدم التنبيه على بعض أخباره مع أستاذه ابن ماطوس ويأتي تمام التعريف به في التعريف بابنه إذ هو أشهر وإن كان هذا أقدم.
وقال في صفحة (392) في ترجمة ابنه مُحَمَّد ما يلي: "ودارهم معدن العلم قديما من أبيه وجده وجد جده - عَلَى ما أظن، وقد تقدم أبوه ولكنهم دونه في الشهرة".
عندما جاء أبو عبد الله إلى جربة تدارس الموضوع مع أستاذه أبي زكرياء فصيل وحددا فيما نظن بنوده، ولكن مع ذلك لَمْ يتم تنسيقه في جربة، فَلَمَّا انتقل أبو عبد الله إلى مناطق أريغ أرسل أبو زكرياء إليه ولديه للتعليم، ثُمَّ للتحريض على إنجاز المهمة، وعكف أبو عبد الله فترة من الزمن عَلَى تحريره حَتَّى أخرجه في الصورة المعروفة المنقولة عنه تحت اسم "نظام الحلقة"، قال الدرجيني في الطبقات ما يلي: وسبب ذلك ومبدأه أن الشيخ أبا زكرياء وجه ولديه زكرياء ويونس وابن أخيه أبا بكر بن يحي وغيرهم من أقاربه في جماعة وقال لهم: "اطلبوا أبا عبد الله فحيثما وجدتموه فلازموه واقرأوا عليه وحيثما كان فكونوا معه ولو في شغل دنياه». وقال بعد سطور: "فَلَمَّا وصلوا "تتبوس" وافق وصولهم إليها قدومه من القيروان، وقد حصل ما كان يفتقر إليه من علم اللسان".
وقال بعد أسطر: "فَلَمَّا ألف الله شملهم بأبي عبد الله أعلموه بما جاءوا في طلبه وألقوا إليه ما فارقوا عليه جزيرة جربة، وما وصاهم عليه الشيخ أبو زكرياء وأكد عليهم في أن يكون، ورغبوا إليه في أن يجلس لهم ويرتب لهم الحلقة". وقال بعد سطور: ثُمَّ انتقل أبو عبد الله وتلامذته إلى "تينيسلي"، فرتب بها الحلقة وشيد من
كريم البنيان ما يتشبث به العزابة ويتشبهون به الآن وإن كان الناس قد فسدوا وفسد الزمان. فهذا سبب قعود الحلقة المباركة الصادرة عن أكرم مشاركة بين الشجرتين الطيبتين: المسورية والبكرية بخطبة وإجابة كانتا في الله، فتولدت بينهما هذه الأنوار البهية، فلنذكر لمعا
من الآداب التي جعلها قوانين وصيرها جميعا - مسالك سبل العلم والدين. (1/953)
صفحة 954
الإباضية في موكب التاريخ
(1)
الإباضية في الجزائر
وكان انتقال الشيخ أبي عبد الله إلى أريغ سنة تسع وأربعمائة (409 هـ)، ولذلك يُسمى الغار الأَوَّل المذكور "التسعري" نسبة إلى هذه السنة. وَلَمْ يبق النظام عَلَى ما سطره الإمام أبو عبد الله بن بكر، ولا على ما حرره تلميذه أبو الربيع سليمان بن يخلف، وإِنَّما تطور مع الزمن فكانت تضاف إليه من حين إلى آخر تنظيمات جديدة، وصلاحيات جديدة، وتخصصات محددة لكُلِّ قسم من أقسام الحلقة، كتخصصات مجلس العزابة، وتخصصات التلاميذ إيروان"، وتخصصات المساعدين "إمصوردان" على النمط الحالي الذي يجري به العمل في وادي ميزاب" و "وَار جلان"، وقد حرص الإباضيَّة في المغرب الإسلامي على تطبيق نظام العزابة بشيء من الدقة والمنافسة منذ وضعه الإمام أبو عبد الله بن بكر؛ بل لقد حرص الإمام نفسه على تنفيذ النظام، وذلك هو السبب في كثرة رحلاته وتنقلاته حتّى يرى بعينيه مدى تطبيق النظام والنتائج المترتبة عليه عَلَى أَنَّهُم في تطبيقه ساروا عَلَى أساليب مختلفة اختلافات بسيطة بين جهة وأخرى، وفي الإمكان إيضاح ذلك فيما يلي: 1 - في كُلّ من جبل نفوسة وزوارة كان يتكون مجلس العزابة من كامل الأعضاء في كُلّ قرية أو مدينة وَلِكُلِّ مجلس شيخ، ومن مشايخ جميع المجالس يتكون المجلس الأعلى للعزابة، ومقر اجتماع المجلس الأعلى للعزابة في الجبل هو مدينة "جادو"، وقد اختيرت لتوسطها بين مناطق الإباضية في الجبل، ولأجل اختيارها مقراً للحكم بني فيها مسجد "امصراتن" باشتراك أهل الجبل جميعًا في بنائه حَتَّى تَتم فيه الاجتماعات، وتنعقد فيه بمجالس الشورى عقب الصلوات، وقد اشترط على جميع من اشترك في بنائه أن يعتمد على نفسه في نفقاته، وأن لا يقبل ضيافة أحد مدة اشتغاله بالعمل حَتَّى يكون عمله كله الله لا تدخله أية شبهة. وهذا المجلس الأعلى هو الذي يتولى جميع الشؤون الداخلية والخارجية، وشيخ هذا المجلس يطلق عليه شيخ الجبل، أو حاكم الجبل، ووصف في فترات قصيرة بالأمير. وبأي وصف من الأوصاف السابقة فهو الذي يتولى تنفيذ جميع قرارات المجلس وإعلان أحكامه،
1) كلمة التسعري: مأخوذة من تسع وأربعمائة على غرار قولهم عبدري في النسبة إلى عبد الدار، وعبشمي في
النسبة إلى عبد الشمس. (1/954)
صفحة 955
الإباضية في موكب التاريخ
191
الإباضية في الجزائر
وعليه أن يتخذ قرارات سريعة في الأحداث المستعجلة التي لا يمكن أن تنتظر إن أمكن باستشارة من حضر من عزابة قريته أو غيرهم، أو حتى بدون الرجوع إليهم إذا كان في الأمر ما يستدعي الإسراع ويتحتم عليه أن يقيم في "جادو" مدة ما هو حاكم للجبل، ولا يسمح
له إلا بزيارات محدودة لا تؤثر على سير العمل إلى موطنه الأصلي، وفي فترات متقطعة. 2 - في جربة كان مجلس العزابة فيها أيضًا يتولى جميع الشؤون الدينية والاجتماعية للجزيرة، وكان للجزيرة مجلس، واحد ولكن طبيعة الجزيرة في كونها تشبه أن تكون مدينة كبيرة جدًا ذات ضواحي متعددة كانت تقتضي أن يكون أعضاء المجلس غير محدوين بالعدد المعروف لمجلس العزابة، فقد كان توزيع المساجد يقتض يقتضي أن يتعدد الأئمة والمؤذنون والمدرسون. وهذه الوظائف حيوية في مجلس العزابة ولذلك فقد كان عدد أعضاء مجلس العزابة يتغير تبعًا للمصلحة واحتياج الناس، ويصل في بعض الأحيان إلى ضعف عدده الأصلي تلك الأحوال لا يكون له إلا شيخ واحد هو شيخ العزابة.
من
ذلك، ولكنَّه في جميع
أو أكثر كما أن مكان الاجتماع غير محدد فكان ينعقد غالبا في المسجد الذي يصل فيه الشيخ عادة بعد صلاة العصر، وقد ينعقد في بيته أو في بعض المساجد حسب الظروف والأحوال.
وفي جربة كان يوجد إلى جانب شيخ العزابة شيخ آخر يُسَمَّى شيخ الحكم، وهو يستند في جميع أموره على مجلس العزابة. وقد يستبد أحيانًا فتصاب الجزيرة بأفدح النكبات (1). وعلى هذا ففي الجزيرة شيخان:
أحدهما: هو شيخ العزابة ويتولى جميع الشؤون الدينية والاجتماعية باسم مجلس العزابة. والثاني: هو شيخ الحكم ويتولى الشؤون الإدارية والسياسية والعلاقات الخارجية للجزيرة باستشارة مجلس العزابة أو شيخه غالبا. وفي هذه الحال يحرص المؤرخون عندما يتحدثون عن الشيخ الأخير أن يصفوه بالحكم فيقولون: "شيخ الحكم" حتّى لا يشتبه على القارئ فيظنه شيخ العزابة، وقد تجتمع المشيختان في النادر عند شخص واحد، وحينئذ تكون جربة على
أهنا الأحوال.
(1) راجع: الإباضية في تونس فصل المجامع العلمية ص 421. (1/955)
صفحة 956
الإباضية في موكب التاريخ
192
الإباضية في الجزائر
- في "وادي ميزاب" طبق نفس النظام الذي طبق في جبل نفوسة مع تقليل بسيط في صلاحية شيخ الوادي أو شيخ العزابة، وإن كانت اختصاصات المجلس الأعلى للعزابة في الجبل، وَكُلُّ ما هنالك من فرق أن شيخ العزابة في الجبل يطلق عليه في كثير من الأحيان اسم حاكم الجبل، وقد يتخذ إجراء أو يصدر آراء في شأن من الشؤون المستعجلة دون أن ينعقد المجلس أو يدعوه إلى الانعقاد، وذلك غالبًا في الأحداث الطارئة ولا سيما في قضايا الدفاع ورد العدوان. أما شيخ المجلس في الوادي فهو يعلن الاتفاقات التي صدرت في المجلس، وليس له أن يصدر أمرا إلى جميع سكان الوادي دون الرجوع إلى انعقاد المجلس واتخاذ القرار فيه. وقد يعود هذا فيما يبدو إلى طبيعة البلاد، فانعقاد المجلس في الجبل تكتنفه صعوبات كثيرة كبعد المسافة ووعورة الطريق، ويحتاج انعقاد المجلس إلى ما لا يقل عن أسبوع من التحضير والذهاب والإياب. ولذلك فإن الأمور التي لا تتحتمل التأخير يصدر فيها حاكم الجبل أمره ويتصرف حسن تقتضيه المصلحة العامة مع استشارة أهل العلم والرأي ممَّن حوله، أما طبيعة "وادي ميزاب" لا سيما قبل القرارة وبريان فهي تشبه أن تكون مدينة واحدة ذات ضواح، والاجتماع فيها سهل يتم بيسر وفي مدة قريبة، وقد فضل أهل الوادي أن يكون اجتماع المجلس في مسجد الشيخ أبي عبد الرحمن الكرثي، ثُمَّ نقل إلى مجلس عمي سعيد الخيري الجربي.
حسبما
4 - في بقية بلاد الإباضية من المغرب الإسلامي كان مجلس العزابة يطبق على طريقة فردية؛ أي: أن كُل قرية أو مدينة لها مجلسها الخاص بها والذي لا يرتبط في كُلّ مشاكله بمجموعة من المجالس المتقاربة أو المترابطة.
ويتضح من هذا أنه بينما كان ارتباط مجالس العزابة في كُلّ من جبل نفوسة وجربة و"وادي ميزاب" بمجلس أعلى له الكلمة النافذة على جميع المجالس، وشيخ واحد يتولى تنفيذ قرارات المجلس اختلاف بسيط في الاختصاصات، فإن بقية قرى ومدن الإباضية في المغرب الإسلامي لم تتوحد فيها مجالس العزابة على شكل كتل حتّى في القرى الكثيرة المتقاربة كما هو الشأن في القرى التي أشرنا إليها، آنفًا، وَإِنَّمَا كان لكُلِّ قرية أو مدينة مجلسها الخاص يتولى شؤونها منفردا دون الارتباط بمجلس القرى الأخرى أو الرجوع إلى آرائها، ولا يتعدى شؤونها التي يشرف عليها ويتولى قيادتها. (1/956)
صفحة 957
الإباضية في موكب التاريخ
193
الإباضية في الجزائر
ومع ذلك فإن الأحكام التي يصدرها أي مجلس عزابة في قرية من تلك القرى على شخص من الأشخاص بالبراءة أو الهجران كان يجد صداه في جميع الأماكن الأخرى، وتتجاوب جميع المجالس في ذلك لا يخل واحد منها بالحكم، ولا يستطيع المحكوم عليه أن يلتجيء إلى بلد آخر ليزيح عنه حكم الهجران إلا بعد أن يعلن التوبة ويتنصل من التبعة إن كانت عليه تبعة، وقبل منه العزابة في ذلك المكان
أو غيره، ويتلخص من هذا أن مسلك الإباضية بالنسبة إلى مجلس العزابة كان على نمطين: الأول: تكتل عدد من المجالس لعدد من القرى تحت مجلس أعلى.
والثاني: انفراد كُل قرية بمجلس مستقل.
وقد أدى نظام العزابة في البلاد التي اتبع فيها النمط أو الاتجاه الأول (الارتباط بين المجالس) إلى حفظ مجتمع له خصائص الدولة الصغيرة ماعدا الاسم. وساعد على تكوين مجتمع متماسك ذي خصائص واضحة حافظ عليها وحافظت عليه رغم جميع المؤثرات الخارجية، كما أنه منح القوى المشتركة في المجلس العام والتابعة لنفوذ شيخ واحد توحيدا في القيادة، وقوة جماعية لمكافحة عوامل التفكك والتحلل والذوبان، وجعلت ذلك المجتمع أقوى على
الصمود والدفاع، كما أنها قللت من مطامع الغير فيه، ومحاولة استغلاله بالعنف والقوة. أما القرى والمدن التي اتخذت الاتجاه الثاني انفراد) كُلّ قرية بمجلسها) فإن العوامل الخارجية سرعان ما أثرت عليها، وَلَمْ تصمد لها طويلا رغم المواقف العنيفة والحركة النشيطة الدائبة في حفظ مجتمع ذي خواص متميزة داخل قرية أو مدينة واحدة منفردة.
وبناء على ذلك فقد استطاعت العوامل التي كانت تستغل الخلاف المذهبي أن تغير المذهب في تلك القرى والمدن - ما عدا وارجلان وزوارة، وأن تتغلب عليها تارة باسم الدولة، وتارة باسم الدين؛ لأنها تناولتها عن طريق الانفراد لا عن طريق الجماعة، ولعل أغلب الأحداث التي أدت إلى تغير المذهب الإباضي بغيره من أغلب البلدان إِنَّمَا كان مبنيا عَلَى أمرين: تعصب مذهبي أو مكر سياسي. وَلَعَلِّ العصر الحاضر رغم التسامح وكفالة الحريات-يحمل صورًا من ذلك استجابة لرغبة متفقه متعصب أو متزعم متسلق، أو حاسد يرى خيرًا عند غيره ولا تطوله يداه. (1/957)
صفحة 958
الإباضية في موكب التاريخ
194
الإباضية في الجزائر
تجمعات إياضية في الجزائر
كان أغلب السكان في الجزائر عَلَى المذهب الإباضي (1) لا سيما في الوسط والجنوب طيلة القرنين الثاني والثالث، وكان أكبر تجمع لهم وأقواه في تاهرت وما حولها.
وعلى هذه الكثرة تأسست الدولة الرستُميَّة، وبقي هذا التجمع على كثرته إلى أواخر القرن الثالث حين تغلبت الدولة العبيدية عَلَى الرستُميَّة، وَلَمْ يكن حينئذ نظام العزابة معروفًا، فَلَمَّا انفرط عقد الدولة الرستمية وزال سلطانها وتفرق رجالها وأتباعها بقيت بعض البلدان الآهلة بالإباضية على حالها، وهذا غالب في المدن والقرى المتطرفة البعيدة عن مراكز العبيديين والصنهاجيين من بعدهم، أما المدن التي كانت قريبة من مراكزهم وتحركاتهم فقد خرب الكثير منها، وانتقم من أهلها. أما الأقليات والأفراد الذين يسكنون في مدن أخرى فقد حاولت السلطة أن تجبرهم على أحد أمرين: فمنهم من اعتنق المذهب الشيعي على كره، ومنهم من قتل أو هاجر إلى حيث يأمن بطش العبيديين.
والواقع أن المناطق الشمالية والغربية قد قل منها الإباضية بعد الدولة الرستمية وأصبحوا فيها أفراداً لا جماعات وكانوا يتناقصون يوما عن يوم ولم يبق في المدن الكبيرة التي كانت عامرة بهم إلا عائلات معدودة أو أفراد قلائل وبقدر ما كان الإباضية يقلون في المناطق الشمالية والغربية كانوا يكثرون في المناطق الجنوبية والشرقية للجزائر.
وعندما ينعقد مجلس للعلماء في إحدى الواحات الجنوبية الشرقية للجزائر أو الغربية لتونس يكون المجتمعون من أماكن شتّى وبلدان متفرقة متباعدة يقص كُلّ واحد منهم المآسي التي عاشها في موطنه الأصلي، وما بلغه ظلم الحكام وانحرافهم عن سبيل الإسلام. وفي المواطن الأصلية لهم قد تنقسم الأسرة الواحدة على نفسها يهاجر بعضها إلى مكان ويهاجر البعض الآخر إلى مكان
1) "أصبحت هذه الدولة البربرية الإسلامية باسطة سلطانها العادل على كل ربوع الجزائر ما عدا الزاب الأغلبية، وناحية تلمسان الإدريسية وكان المذهب العام يومئذ للبربر في كل بلاد الدولة هو المذهب الإباضي". كتاب
الجزائر توفيق المدني، ص 21. (1/958)
صفحة 959
الإباضية في موكب التاريخ
195
الإباضية في الجزائر
غيره، أو يقيم في مكانه الأصلي ينتظر الفرصة لصلاح الزمن وتبدل الأيام، وسيادة الحق على الباطل بسبب من الأسباب وكثيرًا ما تكون المجاذبة والأخذ والرد بين أفراد العائلة الواحدة المنقسمة على نفسها كُلّ يدعو القسم الآخر إلى الانتقال إليه والاستقرار معه.
يعني:
قال أبو العباس الدرجيني وهو يتحدث عن أبي صالح جنون بن يمريان ما يلي: "وذكر أن ابن عم له كتب إليه من بلاد المغرب يا ابن عمي: "ائتني فإنك أقمت في الأرض القفر وار جلان"، فإن عندنا أرضا كريمة قدر كساء يحمل البعير وسقه حبا. فأجابه أبو صالح: "يا ابن عمي: ائتني فإن عندنا أرضا قعدة رجل يحمل البعير وسقه عسلا" النخلة". والشواهد على هذا كثيرة حَتَّى أنه يعسر على المؤرخ أن يعرف مواطن العلماء الذين ينسبون إلى بلد ما أو يعيشون فيه، اللهم إلا بالعزوة أو النسبة كما يقال: أبو عبد الله الفرسطائي، وأبو العباس الويليلي، وأبو جعفر الوسلاتي، وفي كثير من الأحيان ينسب الشخص إلى القبيلة وتكون القبيلة من القبائل التي تفرعت إلى فروع كثيرة، وتنتقل بين بلاد المغرب الإسلامي كلها فلا يعرف لها مقر، ولا يعرف موطن الشخص الأصلي، وَإِنَّمَا يعرف الموطن الذي استقر فيه من بعد وأقام.
هنالك
هي
الغالية
وإنك لو تتبعت أسماء العلماء في بعض كتب التاريخ لوجدت النسبة إلى القبيلة أمثال: المشلوطي، والسدراتي واللواتي والمزاتي، والزناتي واليهراسني، والزواغي، والزرواري، والنفوسي، والفارسي، والوسياني، والتناوتي واليفرني واليروتني، والفسطناسي .. إلى آخر ما من أسماء وألقاب لمختلف القبائل والعروش ينسب إليها، وفي أحيان قليلة يذكر المؤرخون الموطن الأصلي للعالم، وينسبونه إلى القبيلة، ثُمَّ يذكرون مقره الذي استوطنه أخيرا. وعلى كل حال فإن الإباضيَّة لَمْ يزالوا يطاردون في جميع أنحاء المغرب ويضيق عليهم تارة من طرف الحكام المستبدين، وتارة من بعض زعماء القبائل الأقوياء المستغلين، وأحيانًا قليلة من بعض المتعصبين من المستفقهين الجامدين، فكانوا يلجأون في أغلب الأحوال إلى تلك الجهات من الواحات، يأوي المستقرون منهم إلى المدن ويأوي أصحاب الماشية إلى الوديان والتلال الخصبة في تلك الجهات، فتكون بسبب ذلك نشاط ملحوظ في الجوانب العلمية والدينية. (1/959)
صفحة 960
متنقلا
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وبلغ بهم الحرص على التعليم وعلى العبادة إلى أن جعلوا مساجد ومدارس متنقلة (1) مع الأحياء التي تعيش عَلَى نهج البداوة، فكان أرباب الماشية ينصبون أحياءهم متقاربة من مواطن الخصب، ثُمَّ يقيمون بناء المسجد والمدرسة فيؤمه الطلبة للدراسة والمصلون لأداء الفريضة، وقد ذكر المؤرخون أن لبعض الأحياء مسجدا من هذا النوع يحملونه عَلَى اثني عشر بعيراً ينصبونه في مكان متوسط ليومه الناس من أحياء متعددة، وقد قيل: إن تفصيله شبيه بتفصيل المساجد المبنية، حيث يخصص قسم منه للنساء وقسم للمرافق. ويبدو أن الوحدة لأصحاب الماشية في تلك الجهات إنَّما هي القبيلة، ومن يندرج القبيلة، ومن يندرج تحتها وينضم إليها، فتكون تلك القبيلة ومن معها تجمعا يقيم أو يرتحل بالاتفاق، وهي بذلك تقيم لنفسها مجتمعا صغيرا تتيسر فيه عدة من أنواع النشاط في التربية وفي التعليم وفي إقامة الشعائر الدينية كما تتكون فيه يد قوية تحمي ذلك المجتمع من عدوان الغارات. أما القرى والمدن فقد كانت كُلّ منها تكون تجمعا خاصا، ويغلب أن يكون سكان القرية أو المدينة متكونا من مجموعة كبيرة من الأسر والأفراد جاءوا إليها من جهات مختلفة نتيجة للضغط في بلدانهم الأصلية. أما الرباط بين تلك القبائل أو بين تلك القرى أو بينها جميعًا، فهو الرباط العام من السيرة والسلوك والتعاون العلمي والديني والعطف والمحبة ولكن التنظيم لم يصل بينهما إلى درجة تكوين وحدة بين مجموعة من القبائل أو مجموعة من القرى تقف موقفا موحدا في حالات الدفاع
بنظام ثابت ومستمر.
وبينما كان جبل نفوسة بجميع قراه ومدنه يكون وحدة، وكانت جربة بجميع حاراتها وأحيائها تكون وحدة، فإن بقية بلاد الإباضية في المغرب كمنطقة الجريد، و "وادي أريغ"، و"وار خلان"، و "آجلو"، و"تجريت" لم تكن بينهما هذه الوحدة. أما
1) يتخذون نماذج من الحصر يسهل أن يقام منها بيت أو مسجد أو مدرسة على المساحة والهندسة المطلوبة بأيسر جهد فإذا أرادوا الارتحال طويت الحصر وحملت على الجمال إلى المكان الجديد حيث تنصب بسهولة أيضا. (1/960)
صفحة 961
الإباضية في موكب التاريخ
197
الإباضية في الجزائر
"وادي ميزاب" فقد بدأ الإباضيَّة يتجمعون فيه بعد ذلك في أوائل القرن الخ وقبل أن ينشأ "وادي ميزاب" كان نظام العزابة قد استقر عرفا في كُلّ من الجبل وجربة، ثُمَّ اتبع نظاماً مقررًا في كُلّ بلاد الإباضية في ليبيا والجزائر؛ غير أنه طبق في الجبل وجربة على أسلوب الوحدة، وطبق في بقية الجهات الأخرى على أسلوب الانفراد كما سبقت إليه الإشارة.
وقد ذكرت غير مرة في هذا الكتاب وفي غيره أيضًا هذه السيرة إنَّمَا نشأت أوَّل ما نشأت في جبل نفوسة - بعد وقعة مانو والقضاء على الدولة الرستمية مباشرة الشيخين أبي القاسم البغطوري وأبي الخير الونزير في بقصد لَم الشعث، وتوحيد الصفوف وتوجيه الأمة توجيها سليما في أهم جانبين من جوانب الحياة هما الجانب الديني والجانب العلمي.
من
ولكن هذه السيرة بقيت سيرة عرفية غير مقررة ولا محددة حَتَّى جاء أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر فجعلها قانونا ونظاماً خاصاً يشبه أن يكون نظام جمهورية صغيرة الله وقد سبق الحديث عن هذا النظام في غير هذا الجزء، وكما سمعت أن الأخ الأديب فرحات الجعبيري قد يقدم عنه دراسة وافية ممتعة - أعانه الله
مستوحى من شريعة
ويسر له خدمة الإسلام والمسلمين.
Ros (1/961)
صفحة 962
الإباضية في موكب التاريخ
198
الإباضية في الجزائر
تجنب إياضية المغرب للنزاع على السلطة
عندما انحرفت الدول الكبرى عن المنهج الإسلامي في إجراء الأحكام، واتبعت أسلوبا دكتاتوريًا متعسفاً ثار الناس في كُلّ مكان، واتخذت تلك الثورات مختلف الأشكال والألوان
جملة
من
والمبادئ، وسارت في طرق تتقارب أحيانًا وتتباعد أحيانًا أخرى. وكان الإباضية من انتقد الانحراف في سلوك الحكام، وكان موقفهم في المغرب الإسلامي لا يتعدى في بادئ الأمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول. وكان العلماء ينددون بالظلم والظالمين في مجالسهم الخاصة والعامة، ويتحدثون عن ذلك في المساجد والمجامع، ويكشفون للناس عن صور الانحراف عن الحق في سلوك الظالمين، ولَمَّا خاف الأمراء كلمة الحق وخشوا على أن تزلزلها الدعوة إلى الاستمساك بكتاب الله بسطوا أيديهم بالأذى، وسلطوا عَلَى الإباضيَّة، فاستباحوا منهم المال والدم وحكموا سيوفهم في رقاب بعض العلماء الأعلام، فاندلعت شرارة الثورة المسلحة عليهم عندما تعدوا على العلامة عبد الله التجيبي دون أن يصدر منه ما يبرر العدوان عليه، فانتقل الإباضية من مرحلة النهي عن المنكر بالقول إلى مرحلة النهي عنه بالفعل، فوقفوا في وجوه المعتدين، يشلون أيديهم الضاربة، ويزحزحونهم عن كراسيهم المتحجرة، وتكونت هذه الحركة أوَّل ما تكونت في ليبيا، ونجحت في مبدأ الأمر، ولكن سرعان ما تأثبت عليها القوى المستغلة للحكم، والتي لا تريد
مناصبهم ظلمهم
أن
بن مسعود
يرى الناس نصاعة الحكم الإسلامي، فينكشف لهم ما عليه أولئك المنحرفون من وجور وجبروت، بعد أن كانوا يُموّهون عليهم بأن السلطان الذي بأيديهم إنَّما كان بأمر الله، وأن ما يجرونه عليهم من أحكام إنَّمَا استمدوه من الحق الذي وضعته الشريعة في أيديهم، وأنه لا حق لأحد أن ينازعهم فيه أو يحاسبهم عليه، أو يأخذه منهم، أو ينتقدهم بسبيه، واستطاعت تلك القوى أن تضرب الإباضية ضربة قضيَّة حينما قتل أبو حاتم الملزوزي حسبما هو مفصل في كتب التاريخ. وتأكد الإباضية في ليبيا أَنَّهُ لا يمكن لهم أن يقيموا دولة ترعى حدود الله، وعن يمينها وشمالها دول تجري أحكامها على رغبات بشرية فانتقلت الحركة إلى الجزائر، ونجحت في مبدأ (1/962)
صفحة 963
الإباضية في موكب التاريخ
199
الإباضية في الجزائر
الأمر، وتكونت هنالك الدولة الرستُميَّة، ولكن سرعان ما وجهت إليها الضربات، واستطاعت رغم كُلّ شيء أن تقيم حكم الله مدة قرن ونصف. ثُمَّ جاءت الدولة العبيدية فقضت عليها كما هو مفصل في كتب التاريخ، وسار حكام الدولة العبيدية على نمط قد يكون أسوأ من غيره، واستباحوا لأنفسهم أموال الناس ودمائهم.
بعد القضاء على الدولة الرستمية وقف الإباضيَّة يفكرون في المسلك الذي يسلكونه تجاه الجورة والمستبدين من الأمراء والحكام أيقابلون أولئك الحكام بالدعوة إلى الثورة عليهم وقلب نظام الحكام وإبعاد المنحرفين عن مقدرات الأمة مهما كانت النتائج؟ أم أنهم يسلكون مسلك المسالمة والمهادنة؟
وكان أوَّل من فكر في الموضوع بجدية وانتهى فيه إلى رأيهما العالمان أبو القاسم البغطوري وأبو مُحَمَّد الونزير في وكانا حينئذ مرجع أهل الجبل وكان ذلك بعد معركة "مانو" التي قتل فيها الأغالبة أعدادا لا تحصى من رجال نفوسة، وتتبعوا علماءهم وصلحاءهم حتى كادوا يقضون عليهم. ولذلك فقد رأى الشيخان أنه ينبغي لجبل نفوسة أن يحتفظ بانعزاله سياسيا، فلا يحتك بإحدى الدول القائمة ولا يدعو إلى ثورة ولا يشترك فيها، ولا يقيم لنفسه حكما بجهاز دولة، وَإِنَّمَا عليه أن يختار هيئة من الرجال الأكفاء تمثل الجبل بجميع نواحيه تتولى تحت رئاسة أحد العلماء شؤون الجبل الدينية والاجتماعية، وتنظم وسائل الدفاع إذا اضطروا إليه،
ويتولى ذلك كله الرئيس الذي يطلق عليه اسم شيخ الجبل أو حاكم الجبل، وينفذ القرارات التي يتخذها المجلس، وهكذا استقر رأي الجانب الشرقي من إباضية المغرب الإسلامي على عدم إقامة دولة، وعلى عدم مناوشة الدول الأخرى ومطالبتها بالتزام سلوك معين .. وَإِنَّمَا أوجبوا عَلَى أنفسهم أن يقيموا حدود الله فيما بينهم، وأن يلتزموا السير في المنهج الإسلامي الذي سار عليه الصالحون من أمة مُحَمَّد. أما الجانب الغربي الذي ذاق حلاوة الحكم الإسلامي تحت رعاية الدولة الرستمية فقد كان أفراد منه يتوقون إلى إعادة ذلك الحكم، ولكن المفكرين منهم قد انتهوا إلى مثل ما انتهى إليه إخوانهم في الجانب الشرقي. (1/963)
صفحة 964
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وكانت الدولة العبيدية عندما تغلبت على الدولة الرستُميَّة في تاهرت لا تخشى أحدا كما تخشى أبا يوسف يعقوب بن أفلح، ولا تخشى بلدا من بلدان الإباضية في تلك المناطق كما تخشى وارجلان"، فَلَمَّا فرَّ أبو يوسف متجها إلى الجنوب تبعته فرق من الجيش العبيدي ولاحقته بقواتها ولكن تلك الفرق لَمْ تتمكن من حتَّى قرب من "وار جلان"، وعندئذ أمرت بالتراجع خوفًا من الاصطدام بأهل وارجلان وإثارتهم، فرجعت دون أن تبلغ ما تريده من قتل أبي يوسف أو أسره أو الحيلولة دون الوصول إلى "وار جلان". كان مع أبي يوسف جموع من الناس الذين هاجروا من الشمال إلى الجنوب بعد تلك الأحداث المؤلمة فعرضوا عَلَى الإمام يعقوب أن يبايعوه إماما عليهم يقيم فيهم نكم الله ويحارب بهم عدوه، فقال لهم: افترقوا" فقد انقطعت أيامكم، وزال ملككم فلا يعود إليكـ إلى يوم القيامة، ولا اجتمع منكم ثلاثة إلا عليهم الطلب». وبلغ الرجل العظيم المدينة العظيمة "وار جلان"، وكانت وارجلان" وما يجاورها في ذلك الحين مازرًا وملجا للإباضية ولهم فيها قوة وصولة فعرض عليه أهلها أن يبايعوه بالإمامة، وأن يحاربوا تحت لوائه حَتَّى يقيموا دين الله، ولكن أبا يوسف قال لهم قولته المشهورة التي ذهبت مثلا: "الجمل لا يستتر بالغنم. وهكذا اتحدت الفكرة عند كبار رجال الإباضية في المغرب الإسلامي عَلَى اعتزال السياسة، وتجنب الاحتكاك بالدول القائمة، وعدم القيام بتأسيس دولة جديدة. ترك الإباضية في المغرب الإسلامي الحكم لطلاب الحكم يتهارشون عليه، أمَّا هم. رجعوا إلى داخل نفوسهم يطهرونها، وإلى أعمالهم يزكونها، وإلى مجتمعهم يحاولون أن يقيموه على أسس متينة من شريعة الله. ولقد تهيأت ظروف الثورة لهم على بعض الدول، وتيسرت لهم الأسباب لإقامة دولة جديدة في بعض الأحيان؛ ولَكنَّهم لم يشاءوا أن يشغلوا أنفسهم بذلك ولا أن يتطلعوا إليه، وَلَعَلّ من أبرز الشواهد على ذلك ما كان عليه الإباضية في عصر أبي القاسم يزيد بن وذلك في عهد المعز لدين الله الفاطمي.
مخلد (1/964)
صفحة 965
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
فلقد وانت الظروف أبا القاسم واجتمعت الإباضية وغير الإباضية على حبه وإطاعة أمره وكان لهم من القوة المادية ما يكفل لهم الفوز، وعرض كثير من الناس الأمر على أبي القاسم وطالبوه بقبول البيعة ولكنه رفض؛ لأن رأيه كان مثل رأى البغطوري وابن الخير ويعقوب بن أفلح، فكان يرى أن التعلق بالحكم لا يهم، وأن المؤمن يستطيع أن يحافظ على دينه دون أن يكون صاحب سلطان. وأن ما تعطل من شريعة الله فَإِنَّمَا يحاسب عليه أولئك الذين أمسكوا بالسلطة في أيديهم، فلا هم أقاموا فيها أمر الله ولا هم تركوها لمن يقيمه فيها، وأنه ينبغي للإباضيَّة أن لا يزيدوا للأمة فتنا عَلَى ما بها من فتن تتخذ وسيلة لاستحلال الدماء والأموال، وَإِنَّمَا عليهم أن يقيموا الإسلام في أنفسهم، فمن كان منهم مستقلا مثل جبل نفوسة، فعليه أحكام الإسلام ويراعي حدوده دون أن يعلن اسم دولة، ومن كان خاضعا منهم لدولة قائمة مثل إباضيَّة تونس والجزائر، فعليهم أن يخضعوا للدولة، وعليهم أن يدفعوا لها ما تطلبه منهم من الضرائب والغرامات، وأن يجاهدوا معها أعداء الله إذا وجهت جيوشها لمحاربة الكفار والمشركين وعليهم أن يقوموا هم أنفسهم برعاية مصالحهم الدينية والاجتماعية وأن يفصلوا مشاكلهم حسب الأصول الشرعية، وأن يكفوا أيديهم وألسنتهم عن مساعدة الدول القائمة في جميع ما ترتكبه من ألوان الظلم الذي تنزله على الناس، وأن لا يشتركوا معها في أي حرب ضد المسلمين وفي بلاد الإسلام.
أن
يقيم
وسار الإباضيَّة عَلَى هذا المنهج في أول أمرهم دون أن يجعلوا لذلك كتبا أو قوانين يرجعون إلى موادها وإنَّما يطبقون أحكام الإسلام فيما أمكنهم من حقوق الله وحقوق العباد، حتّى ضاق المعز لدين الله الفاطمي ذرعًا بأبي القاسم بن مخلد، وخشي من محبة الناس له، وإقبالهم عليه، وطاعتهم لأوامره. فأمر عامله في (الحامة) أن يغتاله فاستزار العامل أبا القاسم واغتاله في منزله نفسه. وكان هذا الاغتيال دون جريرة سببا في ثورة عارمة قام بها بعض أصدقاء (1) أبي القاسم وبعض تلاميذه وأتباعه جعلت المعز يترنح فوق عرشه، ويتنازل عن كبريائه، ويعرض
(1) عارض القيام بالثورة عدد من العلماء الإباضية من أشهرهم: أبو صالح اليهراسني وأبو محمد ويسلان. (1/965)
صفحة 966
الإباضية في موكب التاريخ
202
الإباضية في الجزائر
الصلح عَلَى أولئك الثائرين ويتنازل لهم (1) عمَّا كان تحت أيدي الإباضية في عهد الدولة الرستُميَّة من البلاد فلم يقبلوا بذلك؛ لأَنهم لَمْ يثوروا طلبًا للملك، وَإِنَّمَا ثاروا محاربة للظلـ
والجبروت.
بن بكر.
الخاصة، وفي
وَلَمَّا سكنت تلك الثورة ورجع الناس إلى حياتهم العادية كان أفراد من رؤساء القبائل وزعماء العشائر يعدون للقيام بثورات أخرى. ويهمسون بذلك في مجالسهم الاجتماعات المأمونة، حَتَّى جاء الإمام الكبير أبو عبد الله مُحَمَّد استبعد الإمام أبو عبد الله فكرة الثورات والحروب والقيام بدولة محاربة الحكام من أذهان الناس استبعادا كاملا واتجه بالمجتمع الإباضي اتجاهاً خاصاً هو الاهتمام بالنفس وبالمجتمع، دون الاهتمام بالدولة وحوَّل سيرة الإباضية بعد وقعة "مانو" من عرف جرى عليه الناس، وعادات استحسنوها، وتمسكوا بها إلى حيز الدراسة والبحث العلمي، ثُمَّ التقنين وألف في الموضوع وجعل ذلك دستوراً في مواد وقوانين. فنظم حلقة العزابة كما ذكرنا من قبل، وحدد فيها اختصاصات الهيئات واختصاصات الأفراد، واعتنى عناية خاصة بقضيَّة التربية والتعليم وجعل لذلك منهاجا، أعتقد أنه منهاج فذ في نظم التربية والتعليم. وَمِمَّا يتضمنه ذلك المنهاج توحيد زي الطلبة، وتوحيد زيّ المدرسين، وتنظيم أوقات الدراسة، وتخصيص كُلّ وقت لما يناسبه من المعارف، وإدخال الآداب الإسلامية والقيام بالعبادات الدينية في قلب النظام بحيث تكون مواد أساسية في المنهاج الدراسي، وتخصيص أوقات للتربية العملية في حل المشاكل وحسن التصرف وإدارة الأمور، والسلوك الحسن بين المجتمعات المختلفة وفي البيئات المختلفة، كما أنه أعطى قيمة خاصة للفروق الفردية بين الطلاب وأوجب احترام شخصية الطالب المتخلف ذهنيا ومراعاته ودراسة ظروفه حتَّى لا تتكون فيه الأمراض التي تُسَمَّى اليوم: "العقد النفسية"، وبالجملة فإن هو الذي حول بطريقة عملية مجرى تاريخ الإباضيَّة فأبعدهم عن التهارش
الإمام أبو عبد
الله
(1) قال الدرجيني في الطبقات فأرسل -أي: المعز - إلى المشايخ أن ارجعوا إلى بلادكم التي بها أوائلكم قبل هذا من تاهرت وغيرها، فتكونوا على ما كانت عليه أوائلكم ونكون على ما كان عليه أوائلنا. (1/966)
صفحة 967
الإباضية في موكب التاريخ
203
الإباضية في الجزائر
على مناصب الحكم الدنيوي والتراع على السلطة، ودعاهم إلى تنظيم حياتهم تنظيما إسلاميا يلزمون فيه أحكام الله على الفرد وعلى المجتمع.
ومنذ ذلك الحين تخلى إباضيَّة المغرب عن التفكير في موضوع الحكم، وساروا بنظام العزابة
من
السلف.
في وحدة متكاملة متعاونة محافظة على دين الله حريصة على اتباع سيرة المحسنين وفي العهد التركي الأخير بدأ إباضية جبل نفوسة وجربة يتخلون عن ذلك النظام الرائع تركوه تماما، فأصبحوا يعيشون في مجتمع واحد لكن دون رباط ولا منهاج؛ إذ فقدت الدولة المسلمة التي تحمل الناس على السير في الجادة. وأضاعوا النظام الذي كفل لهم حياة إسلامية نظيفة أكثر من خمسة قرون، فابتعدوا بسلوكهم عن الإسلام كما ابتعد الكثير من
غيرهم.
أما إباضية الجزائر فقد حافظوا عليه إلى اليوم فحفظ عليهم وحدتهم واستقامتهم وتميزهم على بقية المجتمعات الإسلامية، وفي "وادي ميزاب" و"وَار جلان" أمثلة رائعة لأمة محافظة على دين الله قائمة به، إذا شذ منها فرد فارتكب ما يخالف تعاليم الإسلام أو آدابه نبذه المجتمع وقاطعه حَتَّى يتوب ويعود .. وهى مع ذلك تعيش في العصر الحاضر وتستفيد بآخر ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية والمعارف البشرية من كشوف واختراعات في القرن العشرين .. تخلت عن دينها كما فعل المخدوعون الذين يسيرون في ركاب الأجانب دون وعي، ولا هي حرمت من الاستمتاع بالمباح ممَّا يسرته الحضارة والعلم في عصر الحضارة والعلم، وقع لبعض الجامدين والمتزمتين الذين يغمضون أعينهم عن كُلّ ما لَمْ تصنعه أيديهم.
فلا هي
كما (1/967)
صفحة 968
الإباضية في موكب التاريخ
204
الإباضية في الجزائر
انتشار الإباضية ثم الحصار هم
عن النقطة
لقد سبق أن ذكرنا أن الإباضيَّة طيلة القرنين الثاني والثالث كانوا منتشرين في كامل القطر الجزائري، ويكونون أغلبية السكان فيه وفي القرون التالية إلى القرن الثامن الهجري أو بعده بقليل كانوا يملأون بلاد الواحات من القطرين الجزائر وتونس، كما كانوا منتشرين في أغلب النواحي الشرقية للجزائر، والنواحي الجنوبية والغربية لتونس؛ أما الآن فهم منحصرون في "وادي ميزاب" و"وار خلان" من الجزائر. وقد بحثت كثيرًا عن الأسباب التي جعلت إباضية الجزائر ينحصرون في "وادي ميزاب" و وار جلان"، وجعلت إباضية تونس ينحصرون في جربة، وجعلت إباضية ليبيا ينحصرون في جبل نفوسة وزوارة وللإجابة عن النقطتين الأخيرتين مكان غير هذا المكان؛ أمَّا الأولى فبعد أن رجعت إلى ما لدي من مصادر وما بين يدي من مراجع، وبعد دراسة ما أمكن لأوضاع الجزائر المختلفة والمتقلبة عبر العصور المتلاحقة، رأيت أن أستعين على الموضوع برأي عالمين فاضلين من علماء، الجزائر، أحدهما العالم الفاضل شيخ الصحافة الجزائرية شيخنا أبو اليقظان إبراهيم، وثانيهما العالم المؤرخ الأديب أستاذنا باكلي عبد الرحمن بن عمر فوجهت إلى كُلّ واحد منهما عَلَى انفراد السؤال الآتي: «ما هي الأسباب التي أثرت عَلَى الإِبَاضِيَّة في الجزائر حتَّى انحصروا في وادي ميزاب" و"وار جلان"؟». وقد أجابني كُلّ من الشيخين الفاضلين فكان بينهما لقاء في أكثر الأسباب، ويتخلص جواب شيخنا أبي اليقظان في النقط الآتية:
1 - مضايقة جيرانهم لهم، ومحاربتهم لهم باستمرار، ويقصد بالجيران أولئك الناس الذين كانوا يحترفون الغارة ويعيشون على النهب والسلب وأولئك الحكام الذين يعملون على إخضاع الناس لابتزاز أموالهم والتحكم في رقابهم.
2 - القحط والسنون: فقد توالت عَلَى مناطق الجنوب خاصة سنوات متوالية من القحط والجفاف اضطرت أكثر الناس إلى الهجرة. (1/968)
صفحة 969
الإباضية في موكب التاريخ
205
الإباضية في الجزائر
موت علمائهم بسبب الفتن المتوالية وفشو الجهل بناشئتهم، وعدم معرفتهم لأصول مذهبهم؛ فاعتنقوا المذاهب الأخرى.
هذه خلاصة الأسباب التي أرجع إليها شيخنا أبو اليقظان أسباب انحسار الإباضية عن أغلب القطر الجزائري، وانحصارهم في وادي ميزاب" و"وار خلان" الآن. أما أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن فقد أجاب إجابة فيها بسط وإسهاب، ولعل من المفيد للقارئ الكريم أن أنقل إليه نص جواب الشيخ قال حفظه الله:
"إذا بحثنا عن الأسباب التي أثرت عَلَى الإباضيَّة فصيرت كثرتهم قلة، وجعلتهم ينحصرون في نقطتين اثنتين "ميزاب" و"وَار جلان" بعد أن كانوا في أكثر من عشرة مواطن، لا يقل الواحد منها عن الباقين قوة وكثرة وجدنا لذلك أسبابا كثيرة منها:
-
الظاهرة العامة المتأصلة في نفوس البربر الذين هم أغلبية سكان الجزائر في مختلف أدوارها، ومعلوم أن البربر متمسكون أشد التمسك بمبادئهم، إذ المبادئ تتصل بالعقيدة، فهم يحاربون من أجلها ويموتون في سبيلها (1).
- حياة الفوضى التي عمت القارة وطبعتها بطابعها، وضعف السلطة المركزية أن تسيطر على الحالة؛ فتوقف كُلَّ عند حده، وتحمل الرعايا ولو بالقهر على التزام النظام، واحترام
الحريات والحرمات.
جور الحكام وانتهاجهم سياسة التفقير والاثخان في البربر، عملا بوصية أسلافهم وعلى رأسهم الأصحاب الذين ينتمي معظمهم إلى قبيلة زنانة العظيمة المعادية للصنهاجيين وخلفائهم، ومن نهج منهجهم السياسي، يَدُلُّكَ عَلَى ذلك ما حكاه الشيخ الشماخي عن بعض حفدة الشيخ أبي باديس أبخت بن باديس اليكشني [قمهـ] أحد شيوخ الإباضية الأغنياء الذي كان يسكن في بونة، فقد ربَّى فرسين بأمر جده، فأحسن تربيتها وتأديبها ثُمَّ أهداهما إلى المعز بن باديس الصنهاجي مداراة فقبلها منه و فرح به وبهما وأكرمه. فكره وزراؤه ذلك فطعنوا فيه وأفسدوا قلب المعز عليه، قالوا: "اقتله فإنَّه من الإباضية، وقد أمكنك ورأيت عظم ما أتاك به، وكيف ما خلف وراءه لئلا يخالف عليك".
(1) نقلت هذه الفقرة بتصرف. (1/969)
صفحة 970
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
(وفي هذا التعليل كُلّ الدلالة على روح السياسة وقتئذ فقال لهم: "كيف الحيلة إلى قتله وقد عرف القاصي والداني قبولنا لهديته، قالوا: تأمره أن يُلاعب أسد السخط الأسد -وهو الضاري العادي بفرسه فيهلكه. قال الحفيد فأرسل إلى المعز فقال: "تلاعب بمهرك أسد السخط، وأنتم زنانة تذكر عنكم الفروسية" فقلت: "لبيك زهوا وتيها؛ فأمر بي أن أدخل خان السباع فركبت مهري الأول وأطلق على سبع ضار عاد، وجُلت مع السبع في الدار مليًّا حَتَّى إذا ارتاضه المهر قربته إليه فهمزته بالأشابير، فضربه عَلَى أم رأسه فتعلل حافره في رأسه فوقع كالنخلة السحوق،
ونجوت والحمد لله رَبِّ العالمين". انظر تفصيل القصة في سيرة الشماخي (ص 383). - الصراع الذي لا يكاد يفتر بينهم وبين الحكام الجورة وعدم الاستكانه لهم، وَمِمَّا يذكر في هذا الباب أن أحد المشايخ كان لا يلتفت إلى جبار احتقاراً، ولا يصافح الجبابرة البتة فلما قيل له في ذلك أجاب: "إن الله يسأل اليد لم تصافح اليد، وكان من مبدأهم عدم الوفادة إلى الجورة، وقد أخرجوا فعلا عبد الله بن جابر لوفادته إلى أمراء قابس وهاجروه، ويروون في هذا خبرا: «إن رأيتم
العالم يمشي إلى باب السلطان فاتّهموه على أمر دينكم» (1)، وقد نظم الشاعر هذا المعنى فقال: قل للأمير مقالة لا تركنن إلى فقيه إن الفقية إذا أتى أبوابكم لا خير فيه تأصل العداوة ضد نزعة الأصحاب التحررية التي ينعتونها بالخارجية -وإن كانت من لُباب الإسلام - خوف الجورة على سلطانهم منهم، وتأليب الغوغاء عليهم، تخضيدا (2) لشوكتهم، وتوهينا لقوتهم وإشغالهم بالدفاع عن أنفسهم لئلا يتفرغوا لمهاجمتهم.
وقوفهم
دائما موقف الدفاع إزاء أعدائهم، ولا يقفون موقف الهجوم أصلا .. وأنت خبير أن المدافع دائما إلى ضعف، وما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا.
الله سننه (ر 301) عن عبد بن
مسعود
د، قال: «من أراد أن يكرم
(1) جاء في معنى هذا الأثر ما روى الدارمي في دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان، ولا يخاصمن أصحاب الأهواء». (المراجع)
2) الخضد: هو نزع الشوك عن الشجر، كما قال تعالى: وفي سدر مخضود، أي: متروع الشوك. انظر: العين،
(خضد). (المراجع) (1/970)
صفحة 971
الإباضية في موكب التاريخ
207
الإباضية في الجزائر
وقوفهم عند حدود الشرع في معاملة خصومهم وإن جاروا عليهم، عملا بقول عمر بن الخطاب: «مَا عَاقَبتَ مَن عَصَى الله فيك بمثل أن تُطيع الله فيه».
تحكم الترعات المذهبية التي احتضنتها بعض تلك الدول وشجعتها؛ لأنها لا تكون في
نظرها خطرًا عَلَى نفوذها، ورأته الخشخاش الذي يكرهه المذهب ويظل في أنفه ما عاش. عدم استنادهم إلى دولة عتيدة تحمي ظهرهم وتشد أزرهم وتجمع كلمتهم، بل ظلـ أوزاعا مبددين هنا وهناك. - ابتلاؤهم ببعض الخوف وهجمات ذوي المطامع من الملوك والأمراء الذين ينزعون إلى الاستبداد والسيطرة، كالميورقي الذي اصطلم) وَارجُلان" (يعني: ناحيتها، وعلى الأخص
(1)
سدارته) سنة 626 هـ، وهدم سورها، وتركها قاعًا صفصفًا كأن لَمْ تغن بالأمس. - ما ينزل بهم من التخريب والترويع والتشريد أثناء انتقال السلطة من دولة إلى دولة، دون غدون تسليم المهاجم ملكه، واستيلاء المهاجم عليه دماء تسيل وأرواح تزهق، وعمران يخرب ويقوض وأموال تفنى وتبدد وحرمات تنتهك إلى غير ذلك. - مطاردة الجورة إياهم وتغريمهم بغرامات لا قبل لهم بأدائها تعجيزا لهم، وتذرعا إلى
قتلهم. انظر حكاية أبي الخير الزواغي مع أحد أعوان ابن باديس (السير ص 336). وإذا أضفت إلى كُلّ ذلك نزوعهم إلى حياة الروح والعكوف في الخلوات، وعزوفهم عن الجانب
المادي الذي يُخولهم قوة يستطيعون بها رد عاديات الأيام، لم تستغرب من النتيجة الحتمية. وهكذا تضافرت هذه الأسباب عليهم واستمرت تُضعفهم شيئًا فشيئًا حتى تركتهم بالقلة
التي نشاهدها عليها اليوم، وجعلتهم ينحصرون في "ميزاب" و"وار جلان". ولكن ما السر في انحصارهم في تلك المنطقة دون سواها وبقائهم فيها إلى اليوم؟؟ السر أن منطقة "ميزاب" و "وَار جلان" منطقة بعيدة عن أوساط الاحتكاك، وَلَمْ تكن. المناطق الخصبة التي يكثر فيها النزاع، بل هي في صحراء قاحلة تأخذ ولا تعطي، فكانت قحولتها كشوك القنفذ تقصي الأيدي منه، انحازوا إليها مُحافظة على عقيدتهم وأخلاقهم،
1) اصطلم القومُ: إذا أبيدوا من أصلهم. انظر: العين، (صلم). (المراجع) (1/971)
صفحة 972
الإباضية في موكب التاريخ
208
الإباضية في الجزائر
وضنا بوحدتهم أن تذوب وسط خضم المجتمع الكبير الذي تسوده الفوضى وتطاحن القوى، وعدم التقيد بمبادئ الدين في تصرفاته.
وقد استعانوا على بقائهم بخصائص جمعها الله في هذه الكتلة الصغيرة الكريمة. جمعت إلى المتانة في العقيدة الاستقامة في السمت وإلى الصبر على شظف العيش العمل المستمر، وإلى الاقتصاد في النفقة تعاون الرجل والمرأة .. الرجل يغترب وراء الكسب، أو يعتكف على استثمار أرضه والمرأة تشتغل سحابة يومها وهزيعا من الليل في الغزل والنسيج، وإلى الغيرة الوطنية إسعاد ذوي اليسار للمحاويج العاطلين وإلى العمل التطوعي المتبادل بين العموم "التَّويزة" القيام بأنظمة البلد تطوعًا واحتسابًا، كنظام العزابة ونظام العشائر وضمانها، ونظام الحراسة .. هذه الخصائص هي التي حفظت لهذه المجموعة بقاءها، ولن تزال إن شاء الله ما دامت تتمتع بها. هذا بعض ما قاله أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن. أحسب أَنَّهُ لَمْ يبق لي في هذا الفصل عمل بعدما نقلته إلى القارئ الكريم عن الشيخين الفاضلين، فإن الصورة التي رسماها للحالة التي أردنا تصويرها كانت صورة دقيقة كاملة، وما أحسب الدارس واجدا فوق ذلك أو بعد ذلك ما يزيده لها، ولقد يكون من الأسباب التي ذكرها شيخنا باكلي بعض الإطناب، ولكنَّه إطناب يقتضيه استيفاء جوانب الصورة كاملة، ويتطلبه جهل الناشئة بأحداث التاريخ، وبالأمراض المزمنة التي أصابت الأمة المسلمة في عصور طويلة، فلم تزل تنخر في عظامها حتَّى أسلمتها للمرض الذي هيأها؛ لأن تقع فريسة في يد المستعمر الذي يتظاهر بأنه يسعى وراء السلطة والحكم ووراء المكاسب الاقتصادية والمادية؛ ولكنَّه في الحقيقة ما كان يعمل إلا للقضاء على عقيدة الإسلام العقيدة التي اندفعت بالبشرية في المنهاج الذي رسمه لها الخالق الحكيم، فلم ترض بذلك الوثنية والزندقة والإلحاد، وآزرت هذه القوى المتضامنة قوى أخرى من المسيحية المحرفة، والصهيونية المتقمصة ثياب اليهودية المعذبة، وتآزرت هذه القوى جميعًا عَلَى الإسلام بادئ الأمر في الميدان العسكري والسياسي، ثُمَّ في المجال الخلقي والديني، وقد نجحت في خطتها الأخيرة نجاحًا سريعًا لَمْ يتوقعه خبراء الفتنة والتضليل فيها. (1/972)
صفحة 973
الإباضية في موكب التاريخ
209
الإباضية في الجزائر
حين كانت تلك القوى المتآزرة المتآمرة عَلَى الإسلام والمسلمين تلم شتائها لتحاربه في كُلّ شبر من أراضيه، وفي كُلّ منحى من حياته، وفي كُلّ خلق كريم من أخلاقه، وفي كُلّ مبدأ سام من مبادئه كان المسلمون سادرين في غفلة عما يراد بهم ويساقون إليه. يتناقش العلماء منهم والمثقفون في مدلول الألفاظ والعبارات، ويتصارع الأغنياء منهم وذوو اليسار على الترف والبذخ والإسراف في النفقات، ويتقابل أصحاب السلطة على مناصب الحكم وكراسي الإمارات، ويدأب الصعاليك والمغامرون عَلَى إشعال الفتن، وشن الغارات، وتتهارش العامة الجاهلة حائرة بين هذه الفرق، ومندفعة بحماس تارة طلبًا للدنيا، وتارة طلبًا للدين، ولكنها في كُلّ ذلك تسير وراء قيادة غير نزيهة في أغلب الأحوال .. وبذلك عاش المسلمون هذه الفترة من تاريخهم في حروب وفتن مظلمة يضرب بعضهم البعض معرضين عما يُجهزه لهم الأعداء،
ولا شك أن هذه العوامل وما جرت إليه إنَّمَا نشأت عن انحراف المسلمين عن منهاج الإسلام. فقد انحرف أصحاب السلطان فحكموا بالظلم وتصرفوا في المال بغير عدل، وأخذوا الرشوة بغير موجب، وعاملوا الناس بغير حق، وانحرف العلماء عن منهاج الإسلام، فتملقوا للحكام واسترضوا أصحاب السلطان وسكتوا عن مناكرهم، بل وبرروا لهم انحرافاتهم، وانحرف الأغنياء عن منهاج الإسلام؛ فأصبح التنافس على كسب المال هو غايتهم، وتساهلوا في معرفة الحلال والحرام فلم يعنهم كيف يصل المال إلى أيديهم، ثُمَّ استأثروا بحق الفقير، وتهاونوا بمصلحة الأُمة ودخلوا في منطقة الربا والترف .. وانحرف العامة عن منهاج الإسلام، فرغبوا أن يشاركوا أصحاب الأموال في أموالهم وأصحاب السلطان في سلطانهم بطرق غير شريفة ولا نظيفة، فصاروا آلات في أيديهم، يكسب بها الغني، ويضرب بها الحاكم، ويستغفلها العالم. وانحرفت الأمة بأجمعها عن منهاج الإسلام، فاتكلت على غير الله، واعتزت بسواه، وتوددت إلى أعداء الله، وربطت أواصر الصداقة والمحبَّة مع من نَهى الله عن مودتهم، وقسمت المشركين والكفار إلى قسمين تقبل على بعضهم وتعرض عن البعض فيما تحسب، وَإِنَّما هم يتلاعبون بها كما يلعب الأطفال بالكرة، فتارة تحت قدم هذا وتارة تحت قدم ذاك. هذه الأمور بعض أسباب المحنة ودواعي الفتنة، نسأل الله تبارك وتعالى- أن يزيل الغشاوة عن عيون المسلمين، فَإِنَّهُ لا حول ولا قوة إلا بالله (1/973)
صفحة 974
الإباضية في موكب التاريخ
21
الإباضية في الجزائر
صورة مصغرة لحياة الإباضية في الجزائر
بعثت سؤالا عن هذه الصورة إلى الأستاذ شيخنا باكلي عبد الرحمن فأجابني -حفظه الله - في رسالة مطولة تحتوي على اثنتي عشرة صفحة رأيت أن أقتطف منها ما تقرؤه فيما يلي: كان المجتمع الإباضي الجزائري في عهد الشيخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن بكر (أي: في أواتل القرن الخامس للهجرة) مُجتمعًا إسلاميًا في عقيدته وأخلاقه وسمته غنيًّا برجاله الصناديد، وبعلمائه الفطاحل، وبجيوش طلبته الميامين بل العامة الذين يخضعون لرؤسائهم ومشايخهم، ويستميتون في حمايتهم إلى آخر قطرة من دمائهم، وكانت النواحي الآهلة كـ"الزاب" و"وادي أريخ" و"وار جلان" و"سوف" وجبال بني مصعب "ميزاب" تعج بهم عجا، وكانوا إلى ذلك على اتصال وثيق بإخوانهم إباضية جبل "دمر" و "قصطالية" و"جربة" و"طرابلس" و"نفوسة"، وكانت لهم خطة متحدة الأهداف لاسيما في كفاح الجورة الحاكمين بأمرهم قمعا للظلم، وتنغيصا للساقطين، وصدهم عن القضاء عليهم، واصطلامهم كما هي سياسة الحكام الشيعيين، وخلفائهم الصنهاجيين (انظر وصية الفاطمي) (1).
يهم
كانوا يعيشون عيشة الروح لا عيشة الجسم حياة التقشف لا يحفلون بالقشور، ولا يميلون إلى الترف والنعيم، وأَنَّى لَهم .. وقد صرفوا كامل عنايتهم إلى الاضطلاع بدين الْحَقِّ، إلى تصحيح العقيدة، إلى نشر تعاليم الإسلام بين الجماهير الساذجة وحملهم عليها قولا وعملا، فانساقوا في هذا السبيل سبيل الآخرة إيثارا للآجلة عَلَى العاجلة، وساعدهم على تحررهم من مهام الملك التي تستنزف جهودهم وأوقاتهم، وتحملهم على اعتناق الحياة المادية طوعًا أو كرها.
أجل إنَّهم وإن لم يعرضوا عن الحياة المادية تماماً إلا أَنهم يحيون حياة هزيلة لا تعدو – على عمومها- تربية المواشي وفلاحة الحبوب، وغرس النخيل والأشجار سيما الزياتين .. إلى
(1) لَمَّا ارتحل المعز الفاطمي إلى القاهرة أوصى خليفته على المغرب يوسف بن زيري قائلا: «إن نسيت شيئا مما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من أخوتك وبنيك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوصي بالحضر». (1/974)
صفحة 975
الإباضية في موكب التاريخ
211
الإباضية في الجزائر شيء من تجارة عمادها المقايضة، وإذا قدر لبعض الأشياخ مثلا أن يكون ذا ثروة فَإِنَّهُ يقنيها في كفالة الطلبة الذين ينقطعون الخدمة العلم، وإقامة شعائر الدين والوعظ والإرشاد احتسابا وامتثالا لما يأمر به الدين ويدعو إليه القرآن الكريم، الأمر الذي حفظ للدين تعاليمه وللعلم حقائقه، ولحسن السلوك منهاجه وإصلاحًا لذات البين، وتصحيحا للأخطاء، وقياما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على صعوبة المواصلات وقلة الوسائل، وخوف السابلة
وبعد المسافات.
ولذلك حافظوا على المذهب الإباضي بين تلك الزعازع والأعاصير العاصفة في مختلف نواحيه واستطاعوا أن ينازلوا خصومهم الذين يحاولون جهدهم تحويلهم عن عقيدتهم، وزعزعتهم عن مراكزهم، وحملهم طوعًا أو كرها عَلَى الذوبان في بوتقتهم. والْحَقُّ أَنَّهُم أوتوا صبرًا عجيبًا، وقدرة فائقة عَلَى تحمل شظف العيش، ومجابهة خشونة الحياة، وترك حظوظ النفس إرضاء لربهم، واستعدادًا لتحمل الأمانة التي عرضها الله عَلَى السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، يقصرون أوَّل حياتهم على التعلم حَتَّى إذا نبغوا تصدوا للتعليم، وعقد الرحلات للدعوة إلى الله، وتفقد أحوال المسلمين، ورأب، صدعهم، وجمع كلمتهم، وتصنيف الكتب في مختلف العلوم لاسيما فقه الشريعة، وتوجيه قافلة الخلق في طريق الخالق، والانقطاع إلى العكوف على عبادة الله، ويبذلون في سبيل ذلك كُلّ عزيز ونفيس .. فترى الأشياخ المياسير يقومون بتموين طلبتهم و تفنى ثروتهم، فقد قص علينا الشيخ الشماخي أن نيفا وثلاثين شيخا منهم أبو عبيدة وشق من شيوخ أهل الدعوة تعاهدوا أن يتكفلوا بنوائب الحلقة وحوائج الطلبة، فمن مات منهم قام الباقي مكانَهم حَتَّى لَم يبق إلا الشيخ أبو عبيدة وشق فاستمر في عهده حتَّى تُوفي. وكما قصَّ علينا سيرة أبي عبد الله مُحَمَّد بن سليمان النفوسي، وكان ممَّن وسع الله عليه، وكانت عنده كثرة التلاميذ يعلمهم ويطعمهم ويكسوهم من خالص ماله؛ إذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها الدفء، وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخف وادخر الأخرى، وَرُبَّما باعها بالثمن الذي اشتراها به.
كفالتهم (1/975)
صفحة 976
الإباضية في موكب التاريخ
212
الإباضية في الجزائر
أجل هناك بعض النواحي تمتاز عن سائرها بتعاطي التجارة، وعقد الرحلات إلى البلاد النائية طلبا للرزق، كتجار وارجلان" الذين يسافرون إلى السودان وبلاد غانة .. قال الشريف الإدريسي عن مدينة "وَارجُلان: «ورقلة هي مدينة فيها قبائل مياسير وتجار أغنياء يجولون في بلاد السودان إلى بلاد غانة ونقارة - وهكارة فيخرجون منها التبر ويضربونه في بلاده عملة مسكوكة - باسم بلادهم، وهم وهبية إباضية». والذي جعل جمهور الأصحاب يفضلون خشونة العيش والكفاف أنهم لا يستطيعون التفرغ للاكتساب مقلقين في أوطانهم، خائفين في أسفارهم مخاطرين عرضة للنهب والسلب والقتل من جيرانهم، بله إمعان الجورة في تجريدهم مما بين أيديهم، وتشريدهم في البلاد والنكاية بهم. فأنت ترى أن هذه الأجواء التي يتنفسون فيها شبه الغاز المخنق، لا يساعدهم على تكوين الثروات ولا على استبقائها، وهل تبقى - لا أبا لك ثروة وسط هذه الزعازع والأعاصير سواء كانت مادية أو أدبية.
أجل، لولا تلك الفتن الداخلية والخارجية المتوالية والحروب المتتالية، وعوامل المحو والإبادة التي تسلطت عليهم خلال القرون فأفقدتهم من الأموال، وأخنت عليهم كما أخنت على لبد، وأنت على ما هنالك من تراث علمي؛ لأبقت تلك القرائح الوقادة، والعقول الراجحة لنا وللمكتبة الجزائرية من الكنوز والزخائر ما يرفع رأسها عاليا بين أمم التاريخ.
ثُمَّ لولا ما أنشأوا من مدن وبنوا من ديار، وغرسوا من بساتين، وحفروا من آبار، وأقاموا من سدود، ومدوا من قنوات سواقي الري في شَتَّى النواحي الصحراوية المتباعدة، فكونوا
واحات زاهرة مزخرفة تلمع في وسط الصحراء القاحلة لمعان النجوم في سماء ليل بهيم. أجل، لولا ما نشروا من علم وركزوا من عقائد صحيحة، وقاوموا من بدع مبيرة، ومرنوا الجماهير على اتباع القول العمل، وأحيوا من معالم دين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم في وسط عصر عمته الفوضى والجهالة، وتحكمت فيها الأهواء والتروات، وطغى سلطان المادة على النفوس فطمس بصائرها أن تتنور بالْحَقِّ، فانغمست في محبة (1/976)
صفحة 977
الإباضية في موكب التاريخ
213
الإباضية في الجزائر
الشهوات والحظوظ النفسية، وألهاهم التكاثر حَتَّى زاروا المقابر، لولا ذلك - وناهيك
-
به لكانت حياة مُجتمعنا طيلة هذه القرون يومًا مكرّرًا متشابها وغير متشابه. ظل مجتمعنا طيلة القرون الخامس والسادس والسابع في ازدهار وانتشار كما أسلفنا، فكانت مضاربهم في "وادي أريغ" و"سوف" و"وار جلان" و"الزاب" و"تاجديت" و"الرمال" و"سدراته"، وجبال بني مصعب "ميزاب" مضرب المثل في الاستقامة، وإحياء سيرة الرعيل الأوَّل من سلف الأمة الصالح، وناهيك بـ "تاجديت" وما بلغته من ازدهار وتألق. كذلك مجتمعنا ظلت عوامل المحو والإبادة تناوشه وظل هو بدوره يقاومها دراكا، بينما قوة مقاومته تضعف شيئًا فشيئًا، حَتَّى ألقى السلاح واستسلم أمام ضربات الدهر القاسية، ونحن إذا استثينا الأقلية الضئيلة الباقية بـ"وارجلان" وجدنا المذهب الإباضي يأرز وينحصر في جبال بني مصعب "ميزاب"، وإن لم يكن ثَمَّت أيضا بنجوة عمن انتابه في أوطانه الأولى، ولو ذهبنا نستعرض ما مر به في أدوار تاريخه من خوف ونهب وسلب وسطو وفوضى وتسلط ذوي الأطماع من الأمراء ومن فتن داخلية، وقحط ومسغبة وأمراض، وضيق العيش، وغير ذلك من أرزاء الحياة لتعجبنا كيف قدر المجتمع صغير مثله أن يبقى إلى اليوم في الوجود. ولَعَلَّه يظل كذلك صامدًا صمود الجبال الراسخة يهزأ بالأنواء والأعاصير، ويضحك في
وجه النوائب والمحن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين».
هذه مقتطفات من إجابات شيخنا باكلي عبد الرحمن عن الصورة التي طلبتها وقد ه، فظننت أن رسمها - حفظه الله ورعاه- في إطار أوسع من هذا الذي اقتبسته. - هذه الجوانب كافية لجعل القارئ عالما بالظروف التي عاش فيها المجتمع الإباضي في الجزائر ما يزيد عن عشرة قرون. (1/977)
صفحة 978
الإباضية في موكب التاريخ
214
الإباضية في الجزائر
البراءة:
هي
البراءة والهجران
التطبيق العملي لقاعدة الولاية والبراءة الشخصيتين في المذهب، فإن المسلم
المستقيم هو أخ لجميع المسلمين يتعاملون معه على أسس التقوى ورضوان الله وعندما يثبت عَلَى شخص ما ارتكاب معصية تعلن منه البراءة حَتَّى يتوب، ويتبع ذلك كإجراء تأديي، هجرانه أي مقاطعته اجتماعيًا فلا يتعامل أحد معه فيجد نفسه معزولا من المجتمع فيضطر إلى التوبة لتعود إليه مكانته، ويستطيع أن يعيش بين المسلمين كواحد منهم.
يعتقد
وقد جرى في بعض العهود توسع في تطبيق الهجران، فلم يقتصر فيه على من يرتكب المعاصي المعروفة، وَإِنَّمَا يطبق على من يُخالف السيرة المتعارف عليها، وعلى من يرتكب ما أنه يحط من قيمة الشخص، أو يسبب مضرة للأفراد، أو انحلالا وتفككا في المجتمع .. ثُمَّ وقع تشدد أكثر في أهل العلم ومن يقتدي بهم الناس ويتأثرون بسلوكهم. ولعل مما يفيد القارئ الكريم أن أنقل إليه ما قاله أبو العباس الدرجيني وهو يتحدث عن هذا الموضوع قال: «الْخُطة والهجران والإبعاد والطرد ألفاظ تترادف على معنى واحد، وذلك متى أجرم أحد من أهل الطريق جرما، أو ظهرت عليه خزية، أو أتى بنقيصة في قول أو عمل أو تضييع، فَإِنَّهُ يهاجره كُلّ أهل الصلاح فلا يكلّم ولا يحضر جماعة، ولا يؤم، ولا يؤاكل، ولا يجالس، وكأن خطة بينه وبين أهل الخير، فإن تاب واستغفر قبل منه، ورجع إلى الجماعة وزال عنه شين ذلك الاسم، وكان بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الجرم وصغره وتوبة المجرم، وإصراره، فمنهم من يتوب ويرجع في الحال، ومنهم من يبقى ساعة أو ساعتين، أو يوما أو يومين أو أياما، أو شهورًا أو أعواماً، أو عمره إذا عظم الجرم، ودام المجرم على الإصرار وترك الاستغفار، أسأل الله أن يقينا شر أنفسنا وشر كُلّ ذي شر». وفي هذا الفصل أريد أن أضع أمام القارئ الكريم صورًا من وقائع الهجران التي نفذت في بعض الحالات، والتي شملت جماعة من كبار العلماء والأئمة الذين يقتدي بهم ويتبعون أقوالهم وفتاويهم، بل بعض من تعتبر مؤلفاتهم أصولا ومراجع في المذهب الإباضي؛
الناس، (1/978)
صفحة 979
الإباضية في موكب التاريخ
215
الإباضية في الجزائر
ليرى القارئ الكريم مدى الحرص الذي كان عليه ذلك السلف الصالح في المحافظة على الاستقامة، بل على السلوك الرفيع طبقا لأرفع الأداب التي دعا إليها الإسلام. وإليك الأمثلة: -1 - زار أبو مُحَمَّد عبد
الله
بن عيسى صديقه أبا يعقوب يوسف بن موسى فوجده يطالع الكتب الفلسفية التي تبحث مسائل الخلاف في علم الكلام وتتوسع فيه، فنهاه عن قراءة تلك الكتب ونصحه بالابتعاد عنها، خوفًا من أن تؤثر عليه، أو أن يعرف حاله ضعاف الطلبة فيقتدون به في قراءتها فتؤثر عليهم، فلم يستجب أبو يعقوب لصديقه ولم يعمل بنصيحته، واستمر على منهاجه في المطالعة والدراسة، ولَمَّا اجتمع المشايخ بـ"تونين" أخبرهم أبو محمد بالموضوع وما قد يترتب عنه، فناقشوا المسألة واقتنعوا بوجاهة رأي أبي مُحَمَّد، فاتَّفق رأيهم عَلَى هجران أبي يعقوب فبعثوا إليه بذلك؛ فبادر بالذهاب إليهم، وأعلن توبته بين
أيديهم ووعدهم بترك دراسة الكتب التي يخشونها عليه، أو على غيره ممَّن يقتدي به. 2 - كان الشيخ صالح يعلو بن صالح في المرتبة التي لا تداني علما وعملا وخلقا، وبلغ المشايخ عنه شَيْء، وكان كبير السن فجاز عليه المشايخ سنة ثَمانية وخمسمائة فجعلوا يعاقبونه على أشياء بلغتهم عنه، وجعل يستغفر ويتوب ويقول لا أعود حَتَّى انتهوا منه ورفعوا عنه حكم الهجران. فقال لهم: "لَمْ أفعل ما بلغكم عنِّي، وَكُلّ ما بي إنَّما هو ضعف ومرض ولا شَيْء مِمَّا
أصلا
من
تكرهون". - الشيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي أحد أئمة الإباضيَّة، وكتابه في علم الكلام يعتبر الأصول المعتمدة، وأقواله وآراؤه تعتبر، حجة، ومع ذلك فلم يسلم من الهجران فقد بلغ المشايخ عنه شَيْء فحكموا عليه بالهجران ووضعوه في الخُطة، واضطر أن يسافر إلى "تينوال" يتوب بين أيديهم ويعتذر مما نسب إليه حَتَّى قبلوا منه. 4 - كان إسماعيل بن العباس عالمًا فاضلا وبلغتهم عنه أخبار فوضعوه في جاءهم وتاب بين أيديهم وقبلوا منه.
الْخُطة حتى
ه عاتبوا جميع شيوخ "أريخ" من أخرجوه منهم إلى الخطة، ومنهم من اكتفوا بعتابه
-
وتوبيخه، وحكموا عَلَى جَميع شيوخ "تينوال" فأخرجوهم إلى الخطة حتّى تابوا. (1/979)
صفحة 980
الإباضية في موكب التاريخ
216
الإباضية في الجزائر
6 - من المواقف الصلبة التي وقفوها ضد بعض العلماء موقفهم مع سليمان بن عبد عبد الله بن بكر، فقد كان هذا الشيخ أفتى بمسألة مُخالفة للمعمول به بـ"تاجديت"، فأخرجه الأشياخ إلى الخُطة، وجاء سليمان يتوب بين أيديهم فلم يقبلوا منه إلا بعد اثنتي عشرة سنة؛ ذلك لأنهم قالوا: "إن الفتوى قد انتشرت في الناس، ولا تَتِمُّ التوبة حتى يبلغ خبر رجوع الشيخ عن فتواه إلى كُلّ من بلغته الفتوى الخاطئة".
كان الشيخ أبو طاهر إسماعيل بن أبي زكرياء من أعلم الناس وأتقاهم، فرحل إلى البادية وأقام بِهَا أَيَّامًا، فبلغ الأشياخ أنه أكل طعاماً عند أناس لا يتقون الشبه، ولا ويعفون عن الحرام؛ فأرسلوا إليه بالهجران، فلما بلغه الخبر وهو بالبادية دعا إليه ولده أيوب وأمره أن يرحله على الناقة، وكان الشيخ قد كبر وضعف فركب الناقة وأخذ الولد بخطامها يقودها، فحرص الشيخ أن لا يكلم ولده إلا إذا قال له الطريق من هنا أو من هنا، حرصاً على تنفيذ حكم الأشياخ ولئلا يكسر عليهم هجرانهم، حتى دخل وارجلان" وأناخ بباب مسجد "تاماست (1)، ووقف على باب المسجد يتوب ويتضرع ويسألهم القبول منه، ولا يزيد عن التوبة وهم يعاتبونه ويلومونه فيقول لهم: "تبت ولا أعود آجركم الله"، حتى قبلوا منه ورضوا عنه فقال لهم: "يا مشيختي لَمْ أفعل شَيْئًا مِمَّا بلغكم". كان علماء الإباضية يشددون النكير عَلَى التعامل مع القبائل التي لا تتقي الشبهات،
"
ثلاث من
ولا تحرص على مراعاة الحلال في كسب الأموال، وكانوا ينهون عن التعامل مع قبائل البربر وهي بنو غمرة"، و "بنو ورسفان"، و"بنو بنجاسن، لأن هذه القبائل لا تتورع عن النهب والغصب، ولا تعف عن الغارة والسلب وكانوا يقولون: إذا حضر إليك طعام وغسلت يديك لتأكل فتبين لك أَنَّهُ طعام بعضهم فارفع يدك ولا تأكل".
وكذلك كان حكمهم على بعض القبائل العربية من بني
نفس المسلك ويحترف نفس الحرفة.
هلال وبني سليم ممن يسلك
أشيع عن قبيلة مغراوة أشياء أنكرها الأشياخ منها تطفيف الكيل، وتقديم غير الأكفاء في المصالح العامة؛ فاجتمع جمع من المشايخ منهم أبو العباس أحمد بن مُحَمَّد بن بكر وعبد
(1) كلمة بربرية معناها الوسطى. (1/980)
صفحة 981
الإباضية في موكب التاريخ
217
الإباضية في الجزائر
السلام بن وزجون ويحيى بن ويجمين ويونس بن أبي الحسن وأمثالهم فحكموا على مغراوة كلها بالهجران وأخرجوها إلى الخُطة، فاجتمعت القبيلة بأسرها عند المشايخ وأعلنت أنها أنت تائبة، ففوض الأشياخ الشيخ سمداسن لمناقشتهم فجعل يذكر لهم المنكرات التي تنسب إليهم والتي انتقدها المشايخ عليهم ووضعوهم في الخُطة من أجلها، فأعلنوا توبتهم واستعدادهم لتنفيذ أوامر المشايخ والمحافظة عليها، والرجوع إلى السير في المنهاج، والمحافظة على السيرة التي عرفها الأخيار من أهل الاستقامة، فقبل الأشياخ منهم وعفوا عنهم، وحذروهم الاغترار والانخداع بوسوسة الشيطان.
- كان علماء الإباضية كثيرًا ما يؤلفون وفوداً يكلفونهم بزيارة إخوانهم، والاطلاع على أحوالهم ومعرفة شؤونهم، فإذا وجدوا ما ينكرونه عندهم أنكروه عليهم لا يخافون لوما، ولا يخشون غير الله، وتألف وفد فيه العلامة داود بن أبي سهل فلما قدموا عَلَى شيوخ "أريخ" لم يعجبهم حالهم فعابوهم وانتقدوهم، ووضعوهم في الخطة حَتَّى تابوا وعاهدوا الله أن يُحافظوا على السيرة النظيفة التي
سار عليها المسلمون السابقون من المنهج الإسلامي، فقبلوا منهم ورفعوا عنهم ذلك الحمل الثقيل. 10 وَلَعَلّ من أجمل ما يروى في هذا الموضوع موقف العلامة الشيخ أبي الحسن علي بن خزر الوسياني النفوسي، فقد ترامت عنه إشاعات إلى الشيخ سعد بن يفاو، فقدم عليه وعدّ عليه ثَمان خصال بلغه أَنَّهُ فعلها ممَّا لا يستقيم مع سيرة الفضلاء العدول، وكان الشيخ الوسياني بريا منها جميعًا، فكان كلما ذكر سعد خصلة منها بادر أبو الحسن إلى التوبة والاستغفار والتعهد بعدم العودة إليها، وإلى ما يغضب المسلمين حتَّى أتمها فقبل منه ورفع عنه حكم الهجران. ولَمَّا مضى جاء أصدقاء أبي الحسن وأقرباؤه يلومونه أَنَّهُ لَمْ يدفع عنه ما نسب إليه وهو بريء منه، فقال أبو الحسن: أعوذ بالله أن أرد ناصحا ولو رددته لضرني ذلك فيما أعمل، يقول لمن يريد نصحي نصحه فلان فلم يقبل، وأنا لست خيرا منه».
11 - وَلَعَلّ من أطرف ما يروى في هذا الباب القصة الآتية: كان أبو مسور يسجا يدرس في "شروس" عَلَى شيخه العلامة أبي، معروف، وكان أبو معروف كسائر أهل الجبل في ذلك الحين يشتغل بالزراعة، فذهب ذات يوم إلى بعض جناته يعمل ما يعمل الفلاحون، وكان الوقت صيفًا، فتخفف من ثيابه الثقيلة ولم يبق عليه إلا سراويل، ولحق به تلميذه أبو مسور (1/981)
صفحة 982
الإباضية في موكب التاريخ
218
الإباضية في الجزائر
فوجده يشتغل على تلك الحال، ورأى أبو مسور أن هذه الحالة لا تتناسب مع شيخه الوقور الذي يعتبر قدوة وإمامًا فأخرجه إلى الْخُطَّة، وَلَمْ يزل الشيخ يتوب بين يدي تلميذه ويتعهد بأنه لن يعود إلى هذه الحالة حتى قبل منه، وأراد أبو مسور أن يستمر في عتاب شيخه فأسكته الشيخ قائلا: "قد كان لك ذلك قبل قبول التوبة، أما بعد قبولها فليس لك أن تلوم". وَلَعَلْ هَذه القصة لا تتم إلا بالصورة المناقضة لها في القصة الآتية: فقد ذكر أبو العباس الدرجيني في كتابه الطبقات ما يلي: قال" أبو الربيع: جئت لزيارة عبد الله بن الأمير فلم أجده في منزله فأعلمت أنه في الأندر فقصدته، فوجدته في جبَّة صوف وقد وضع كساءه، وهو يضم أطراف الأندر، فَلَمَّا رآني تنحى إلى كسائه فلبسه، فلاقاني، فصافحته ثُمَّ أقبل يعتذر كَأَنَّهُ أساء في وضع الكساء. وقلت له: وهل في ذلك من بأس، أليس هو العمل في الحلال؟ ". فقال: "نعم، ولكن أين من يحسن العمل في الحلال، إنَّما يحسن ذلك أبو صالح"، فقلت: "وكيف كان عمله؟ " قال: "كان" في أيام الحصاد يحمل الزرع إلى الأندر على ناقة له، فإذا كان وقت صلاة الضحى أناخ ناقته وحط عنها حملها، ثُمَّ عقلها وحل إزاره، وأخذ في الصلاة حتّى يصلي ما كان يصلي قبل ذلك، ثُمَّ يرجع لناقته فهكذا العمل في الحلال إنَّما هو ما لم يضر بعمل الآخرة".
أحسب أن الأمثلة السابقة كافية لإيضاح الصورة التي أردنا أن نضعها لذلك المجتمع الذي وضع لنفسه سيرة يُحافظ عليها كما يُحافظ على بقية ما أوصى به الإسلام، ويحاسب أفراده على صغار الأمور وكبارها بلا هوادة ولا تلطف.
وعندما يتأمل القارئ الكريم جميع الصور السابقة التي طبق فيها حكم الهجران على عدد من الأفراد والجماعات يجد أن أكثرها إنَّما أوقع عَلَى ترك الفضائل والمستحسنات، وليس فيها ما
أوقع على ارتكاب الكبائر والمحرمات اللهم إلا ما أسند إلى قبيلة مغراوة من تطيفف الكيل. ويكفي هذا دليلا على مقدار ما كانوا عليه من خلق ودين ومن قوة في الإلزام والالتزام بما جاءت به الشريعة السمحة الغراء، إما في نصوصها الثابتة، أو ما نقل عن المقتدى بهم في خير القرون، أو ما اتفق عليه المسلمون ورأوه صلاحًا. (1/982)
صفحة 983
الإباضية في موكب التاريخ
219
الإباضية في الجزائر
الإباضية مع جيرانهم
عندما نطلق كلمة الإباضية في هذه الحلقة فَإِنَّمَا نعني بِهَا إبَاضِيَّة الجزائر في أغلب الأحوال،
والإباضية في الجزائر قد عاشوا في بادئ الأمر منتشرين في كافة القطر الجزائري، ثُمَّ انحازوا إلى أرض الجنوب واعتصموا بالواحات والصحراء، ثُمَّ انتهى بهم الأمر إلى أن تقلصوا من جميع الأماكن التي كانوا يعمرونها وانحصروا في "وارجلان" و"وادي ميزاب". شك أن جيران الإباضيَّة في الفترات الوسطى إنَّمَا كانوا في بعض الجهات دولا
ولا
وإمارات، وفي أخرى مغامرين وطلاب حكم، أو بداة يعيشون على النسق الذي اعتاده بنو هلال وبنو سليم من الغارة والنهب والسلب والقتل أما جيرانهم في الفترات الأخيرة حيز انحصروا في "وار جلان" و "وادي ميزاب" فقد كانوا من أولئك الضاربين في الصحراء، يعيشون مع الأنعام، ينتقلون بها من واد إلى واد.
وعندما كنت أراجع ما لدي من مصادر لاستخراج الصورة التي كان عليها الإباضية بين جيرانهم كنت أعد سؤالا وجهته إلى كُلّ من الشيخين الفاضلين أبي اليقظان إبراهيم وباكلي عبد الرحمن، وقد تفضل كُلّ من الشيخين فأجابني عن سؤالي على انفراد. ويسرني أن أضع أولاً بين يدي القاريء الكريم الصورة التي وضعها العلامة الفاضل شيخنا أبو اليقظان. قال -رحمه الله -: "إن حالة الإباضية مع جيرانهم من المسلمين تختلف باختلاف الميادين التي كان يعيش هؤلاء وهؤلاء فيها، وهي طبعا - تبع للظروف السائدة في كُلّ ميدان، ففي ميدان الاقتصاد تَمرُّ بين الفريقين أزمات فيها كثير من المرارة والتشاكس، رُبَّمَا تؤدي إلى اغتيال ونهب وسلب وسرقة، بينما جيرانهم الإباضية - يقفون في سائر الأحوال موقف دفاع، وعند دفع العدوان ينكفون عن الشر حسب مبادئ أسلافهم الصالحين الإباضية الأولين. وفي ميدان الاجتماع كذلك تنشأ أحيانًا أزمات حادة قد يثيرها الاستعمار أو بعض المتعصبين ضد الإباضية من الطعن في مذهبهم، أو في أفراد منهم بارزين فتنشأ عن ذلك ردود فعل هنا وهناك، رُبَّمَا تتسم بانحراف أقلام المدافعين وقد اشتدت هذه الأزمات النفسية في أواخر القرن التاسع عشر المسيحي وأوائل القرن العشرين، عندما تكالب الاستعمار على (1/983)
صفحة 984
الإباضية في موكب التاريخ
220
الإباضية في الجزائر
بلاد الإسلام فيسلط المسلمين بعضهم على بعض، ويقف هو موقف المتفرج الساخر، وهو يقضي مآربه من الوطن بمناجاة من أبنائه آمنًا أن يكيلوا له ضربة بمثلها، وقد برز في ميدان الدفاع المحامي المدرب في هذا الباب السيد الحاج عيسى بن قاسم خريج الشيخ اطفيش، وبرز الكتب في هذا الميدان كتاب الشيخ اطفيش إن لَمْ تعرف الإباضية يا جزائري"، وكتاب "القول المتين" للشيخ قاسم الشماخي وكتاب المسلك" "المحمود" للشيخ سعيد التعاريتي الجربي وأمثالها، لا رد الله ذلك العهد».
من
هذا ما قاله شيخنا أبو اليقظان -حفظه الله ورعاه-، أَمَّا شيخنا باكلي عبد الرحمن فقد تلك الحالة صورة مؤلمة بما فيها من واقع مرير وقد ردّ ذلك إلى تمسك الإباضية الشديد بتعاليم الدين وحرصهم عليه، وسكناهم في مدن متحضرين أو شبه متحضرين، بينما كان جيرانهم عَلَى غير ذلك، فقد كان الجيران في بعض العصور الأولى من بعض الفرق التي تستحل دماء وأموال مخالفيهم، فكانوا بذلك لا يعفون عن اختلاس أموال الإباضية ولا عن إراقة دمائهم، وبعد أن انقرضت تلك الطوائف التي كانت تبيح دماء وأموال مخالفيها بدين وعقيدة، ابتلي الإباضية هناك بجيران يحترفون الغارة، ويعيشون على النهب والسلب، فهم لا ينفكون يهجمون على قرى الإباضية الآمنة، أو يتعرضون لقوافلهم فتذهب بسب
ذلك
أموال وتزهق أرواح. وإلى القارئ الكريم جانبًا من الصورة التي وضعها الأديب العالم الفاضل شيخنا باكلي عبد
الرحمن عمر -حفظه الله
ورعاه-: «أما
جيرانهم فيحيون حياة بدائية طبيعية لا نظام فيها ولا قواعد، ليس لهم رادع من عقل، ولا وازع من دين؛ فحياتهم على عمومها حياة فوضى ونهب وقطع طريق، يضاف إلى ذلك ما تأصل فيهم من أحقاد، متوارثة، وعنصرية عريقة في جهل مطبق قائم، وكثرة تضر ولا تنفع، فالإباضية معهم دائما في خوف أو عراك، عرضة لغاراتهم المتعاقبة، في دفاع أو مداراة، وضع لا يطاق ولا تستقيم معه الحياة، يتحتم على من ابتلي بـ أن يفكر فيما يلطفه ويتقي به شروره فاتخذوا لذلك الوسائل الآتية: 1 - اتخذوا من بعض تلك القبائل أحلافًا يستعينون بهم على دفع اعتداء القبائل الأخرى. (1/984)
صفحة 985
الإباضية في موكب التاريخ
221
الإباضية في الجزائر
2 - فتحوا أسواقهم في وجوههم فسهلوا لهم المعاملات التجارية، وتبلال المصالح على طرق المقايضة، يحلبون محصول البادية من أغنام وألبان وسمن وإقط وصوف وشعر ووبر وجلود وحطب وأعشاب وغيرها؛ فيبادلونهم ثيابا وحبوبًا وتمورا وغيرها من حاصلات الحضر.
- يُحسنون إلى محاويجهم وضعفائهم بالصدقات المتنوعة، وتجد نساؤهم بحالا لبيع الأطباق والأوطاب والكساكس وغيرها، ويأخذن بدلا من ذلك دقيقا وقمحا وتَمرًا وثيابًا لهن ولأولادهن.
ويستخدمون أبناءهم عُمَّالا في المزارع، ويضاف إلى ذلك كله أن الإباضية اتخذوا الشتاء موسمًا لتوزيع أوقاف المقابر نظرًا لعطلة أغلب السكان عن العمل وشدة احتياجهم أيام البرد؛ فترى جموع الأعراب أخذوا نصيبهم منه، وأن الواحد منهم لينال منه أحيانًا ما يكفيه قوتًا لكامل أسبوعه، أي حتَّى يعاد توزيع الصدقات إذا
كان مقتصدا.
4 - يتخذ الإباضية الأغنام يودعونها عندهم فيستفيد منها الطرفان، وقد يبعدها المودعة عنده ويدعي موتها أو فقدها فتبقى له.
-
ه يهادنونهم ويمونونهم ويضيفونهم كلما حلوا بالبلد. 6 - ظهر بعض الأغنياء الأسخياء في البلد فعمَّ إحسانهم من يؤم قراهم من أي عرش كان، سيما رؤساؤهم، فكان لهذا الإحسان العام أثره المحسوس في إزالة السخائم من الصدور، وكان بمثابة درع حصين يقي سكان الوطن من غارات بعض القبائل، وكثيرا ما يجر لهم أصدقاء وأنصارًا، ولا غرابة فالإحسان يستعبد الإنسان». هذا جانب من الصورة التي وضعها شيخنا باكلي عبد الرحمن للإباضية وجيرانهم في الجزائر، وهى بلا شك إنَّمَا تصور حياة الميزابيين مع جيرانهم في عصور والجهل، من القرون الثلاثة الأخيرة، وليست هذه المضايقة مقصورة على الإباضية في الجزائر، وَإِنَّما هي صورة وجدت في كثير من القرى والمدن المنفردة في الواحات وغيرها، والتي يعيش بجوارها بعض القبائل المتبدية التي يغلب عليها الجهل بالإسلام
الانحطاط (1/985)
صفحة 986
الإباضية في موكب التاريخ
222
الإباضية في الجزائر
وأهله وأحكامه؛ فكانت لا تعرف مصادر الرزق الحلال ولا تَهمُّها المصادر الـ يأتيها منها المال، بل إنَّها لتعد التغلب على قوم آخرين وابتزاز أموالهم من المفاخر التي يمتدح بها الأقوياء.
تكف
ينطلق
وَلَعَلِّ مِمَّا يوضح فهم أولئك الناس لمصادر الرزق هي القصة التي كان يقصها عَلَيَّ أحد الشيوخ المسنين من جيراننا قال: "كان فلان لشخص سماه - شيخا هما تجاوز التسعين، وهو من بعض القبائل الضاربة حول الجبل، وكان شيخا لقبيلة كذا وذكر اسم القبيلة - وهو صاحب أغنام وإبل، كثيرة وكان لا يفتأ يغير على غيره من القبائل الغافلة فيأخذ منهم أموالهم ويضيفها إلى ماله، فَلَمَّا كبر وعجز أعلن التوبة وأدى فريضة الْحَجّ، وجلب معه سبحة أنيقة لا تفارق أصابعه، وقد كف عن مباشرة الغارة، وَإِنَّمَا كان يجلس في خيمة تنصب له وراء الحي، وكانت أصابعه لا عن الحركة وشفتاه لا تكف عن التمتمة بالتسبيح، وكان له عدد من الأولاد والأقوياء الأشداء رباهم على خلقه وأسلوبه في الحياة، فكان الواحد منهم فيغير على بعض الأحياء أو المنازل ويقتطع منهم الماشية فيأتي بها إلى حيهم ولا يدخلها إلى مالهم حَتَّى يعرضها عَلَى أبيه، فيقف الولد في رهبة ومهابة أمام الشيخ الوقور، وهو منصرف عنه إلى التمتمة والتسبيح حَتَّى إذا أَتمَّ العدد أو الورد التفت إليه وقال له في صرامة وشدة: من أين أتيت بهذا المال؟ " فيقول الولد: "مرت على غنم كان رعاتها نياما فأخذت منها هذا وَلَمْ ينتبهوا". فيقول الشيخ التائب: "إنَّهم باعوا أموالهم بالنوم، سألت عنها الإمام فقال: هي، حلال، اخلطها بالمال! ". ثُمَّ تتحرك أصابع الشيخ وشفتاه من جديد وينصرف عن الولد الذي أضاف إلى مالهم الحلال مالا حلالا آخر .. فإذا قال الولد اقتطعتها منهم وهربت فلم يلحقوا بي يُجيبه الشيخ: "لقد باعوها بالضعف، سألت الإمام فقال: حلال". هي وإذا قال الولد وقعت بيني وبينهم معركة قتلت منهم، أو جرحت ثُمَّ نجوت بهذا المال،
11
يجيب الشيخ: "إنَّهم باعوها بالخوف"، وَأَنَّهُ سأل الإمام فقال: هي حلال. (1/986)
صفحة 987
الإباضية في موكب التاريخ
223
الإباضية في الجزائر
لمعنى
وهكذا كلما ذكر الولد سببًا برره الوالد التائب، وأخبر أنه سأل الإمام عن ذلك فأجابه بأنه حلال، ثُمَّ أمره بحفظ المال المسروق أو المغصوب. هذه القصة سواء كانت واقعية أو كانت خيالية تَدُلُّ عَلَى تصور أولئك الناس الحلال والحرام، واستساغتهم للحصول عليه بأي وسيلة والرجل التائب منهم والذي لا ينفك عن التسبيح، وذكر الله لا يرى بأسًا أن يأكل مما يجيء عن طريق الغصب؛ لأن أصحابه في نظره قد باعوه بالعجز أو الكسل أو الخوف، ولا مما يجيء عن طريق السرقة؛ لأن أصحابه في نظره باعوه بالنوم أو بالغفلة وعدم الاعتناء، أو بغير ذلك من الأسباب.
ولقد كنت أستبعد أن يقع مثل ذلك من أناس ينتمون إلى الإسلام ويفخرون بأنهم من أمة مُحَمَّد -عليه الصلاة والسلام، وتنفرج شفاهم عن ذكر الله في كُلّ مقام، ولكن الزمن برهن لي عَلَى أَنَّهُ قد يقع ذلك وأكثر من ذلك، وأن الإحساس الديني بإثم الجريمة قد يضعف حَتَّى يتجاوز الناس فيه حد المقارفة إلى حد الاستحلال، وحد الاستحلال إلى حد الافتخار والتمدح والإعجاب. وقد يبدأ الأمر بالتجاوز عن أشياء يخيل لمرتكبها أنها بسيطة، وربَّما موهت بشبه يقبلها التفكير الساذج والإيمان السطحي، ثُمَّ لا تفتأ النفوس تعتادها
وسيلة من وسائل الحياة يعسر الاستغناء عنها.
والطريقة التي ذكرتها آنفًا كانت وسيلة من وسائل الحياة في البادية في عهود الجاهلية، سواء في ذلك بلاد العرب وبلاد البربر، وغيرهما من البلدان التي تعيش في نفس الظروف، فَلَمَّا جاء الإسلام توقفت الأيدي المؤمنة عن التصرف في أموال الناس ودمائهم إلا بحقها، ثُمَّ جعل للحقوق حدودًا قائمة بينة واضحة وقف الناس عندها والتزموها.
وكان وقوف بعض الأيدي عن القيام بأعمال الظلم إنَّما هو نتيجة لخوفها من العقاب الرادع الذي جعله الإسلام جزاء للمعتدين، وكانت بعض الأيدي تحن إلى ما نشأت عليه وتعارفته وافتخرت به في جاهليتها، فَلَمَّا انحرف الحكام عن إقامة دين (1/987)
صفحة 988
الإباضية في موكب التاريخ
224
الإباضية في الجزائر
الله الله وعطلوا حدود من جهة، ثُمَّ إِنَّهم هم أنفسهم استباحوا أمال الناس ودمائهم وأعراضهم من جهة أخرى، ثُمَّ قامت دعوات باسم الدين أو المذهب تبيح دماء وأموال مخالفيها، وأحيانًا حتَّى أعراضهم، سارعت تلك الأيدي التي غلها الخوف من تطبيق الإسلام إلى تطبيق ما عرفته وعادت إلى ما اعتادت عليه من عيشة الجاهلية بدعوى الانتقام أو عقوبة المخالفين في الرأي أو المذهب، ثُمَّ لَم يلبث هذا التعليل واعتباره وسيلة التحليل أن اختفى وأصبح القيام بالغارة وسلب المال وسيلة من وسائل العيش كما كان في عهود الجاهلية، وأصبحت أغلب الواحات والمدن المتناثرة والقرى الواقعة في الأطراف والأحياء الضيقة أو قليلة العدد المهاجمين، ومنتجع الغاصبين المعتدين.
هي
مقصد
وقد أخذت "وَارجُلان" و"ميزاب" حظيهما الوافرين من هَذه المصائب، وفي هذه العهود الأخيرة اختفت هذه الظواهر وساد الأمن، وأصبح المسلمون من البداة يُحسون بالرباط الأخوي الذي يربطهم ببقية المسلمين وعرف الناس أجمعون أن تلك الأحوال التي كنا نصفها أحوال لا يرضى عنها دين ولا قانون ولا خلق ولا ضمير ولا يستسيغها عقل ولا منطق وَإِنَّمَا هي نزوة من نزوات الشهوة والعاطفة العمياء تتحركان في غفلة من من العقل والضمير.
??? (1/988)
صفحة 989
الإباضية في موكب التاريخ
225
الإباضية في الجزائر
ما هي
العلاقة بين الإباضية في المغرب الإسلامي
الأسئلة التي وجهتها إلى الشيخين الفاضلين أبي اليقظان وباكلي السؤال الآتي: علاقة إباضيَّة الجزائر بإخوانهم في نفوسة وجربة؟ فاتفقا في معنى الجواب، وإن اختلفا في أسلوب العرض، وقد رأيت إفادة للقارئ الكريم أن أنقل أهم ما ورد في الرسالتين. قال أستاذنا الشيخ أبو اليقظان -رحمه الله -: «إن العلاقة بينهم كانت طيبة للغاية القصوى بعد عمارة الوادي، فبمجرد استقرارهم في الوادي بقراهم الخمس، توافدت إليهم وفود -كما أشرنا إليهم آنفا - من "نفوسة"، و"جربة"، و"وار جلان"، رجال من أهل العلم والرأي والصلاح والتقوى لأداء رسالة العلم والدين والخلق والمصاهرة؛ فكانت عائلات كبيرة تنسب إلى الآن "لآل نالوت" مثلا في غرداية، أو آل هارون فيها، وآل الطرميسي" كـ"آل تيريشين" في يزقن، أو آل" هارون الجلالمي" في العطف، و "آل الشيخ عمى سعيد بن علي" من جربة في غرداية، وآل ثَمينة" و"آل" "متياز في يزقن من ورقلة، و"آل ويرو" بمليكة بجربة، كما ستعرفه قريبا إن شاء الله.
وكما كانت نفوسة وآل "بارون بالأخص بجربة، وكان علماؤهم في هذه البلاد يتبادلون الزيارات، ومواكب تلاميذهم يتوافدون لاغتراف العلم والمعرفة، فبعضهم بالمراسلات والقصائد والخطب العلمية والأدبية، وما كان بينهم وبين الشيخ عبد الله الباروني وقطب والشيخ سليمان الباروني شائع ذائع كما سجلته دواوينهم وزياراتهم، وآخرها زيارة قطب الأئمة الشيخ اطفيش، والشيخ الحاج قاسم بن بالحاج لجبل نفوسة في عهد قبل الأخير، أضف إلى ذلك زيارات الشيخ سليمان باشا الباروني مراراً للوادي بعد تخرجه مع زملائه عن قطب الأئمة الشيخ اطفيش.
الأئمة
ولا تنس زيارة الإمام مُحَمَّد بن زكرياء الباروني وتعلمه عن الشيخ أبي إسماعيل مهدي بن إسماعيل المليكي في غضون 961 هـ، كما ذكر عن نفسه في سير الشماخي -رحمه الله-، وكان الإمام أبو زكرياء أثناء ذلك عضوا من بين أعضاء مجلس عمي سعيد كما تشهد بذلك اتفاقات مجلسهم الشهيرة بالموانع العامة. (1/989)
صفحة 990
الإباضية في موكب التاريخ
226
الإباضية في الجزائر
وبالجملة كانت الإباضية في الشمال الإفريقي عائلة عائلة واحدة متشابكة الأوشاج مترابطة الأوصال.
كما كانت الحال في الترابط والانسجام بين جربة ونفوسة تعلماً وثقافة وتزاورا ومصاهرة،
كما بين الباروني وجربة من جهة وبين آل مليكة في "ميزاب" وجربة من جهة أخرى». وبعد سطور يقول: «وَأَمَّا ما كان من جهة التبادل الثقافي بين الإباضية في شمال أفريقيا فحدث عن البحر ولا حرج، ناهيك به قوة ومتانة في علاقة الثقافة بين هذه الأقطار ما كان في "وادي ميزاب" من اعتمادهم عَلَى كتب نفوسة العلمية الدينية في مختلف الطبقات، فخزائنهم مملوءة بكتب نفوسة ومجالات أقلامهم في كتب نفوسة، وحلق تدريسهم مـ مؤلفات جربة ونفوسة، وقرى "ميزاب" جلها حافلة بدور الغرباء من تلامذة جربة ونفوسة، وعليها أوقاف مؤبدة لتغذية هذه الدور سائر العصور؛ فهى تؤدي مهماتها على الوجه الأكمل، ونجد أن جربة ونفوسة تذكر فتشكر، كما حدثنا تاريخ السلف الماجد بذلك ففي الخمسين الثانية من القرن العاشر، قيل إن أهل "وادي ميزاب" رأوا أن البلاد إلى فناء واضمحلال، إذا لم تتدارك بعلماء فطاحل من إخوانهم الإباضية من جربة ونفوسة، فأرسلوا يستغيثون إلى إخوانهم أن يتداركوا أمرهم برجال من أولي العلم الغزير والدين فأرسلوا إليهم
من هؤلاء ثلاثة:
- الشيخ عمي سعيد بن علي الخيري الجربي من جربة إلى غرداية.
- والشيخ بالحاج مُحَمَّد بن سعيد ذلك المصلح الكبير إلى يزقن من نفوسة.
- والشيخ دحمان من نفوسة إلى بنورة.
فقام هؤلاء بمهماتهم في نشر العلم والدين والخلق الكريم والإصلاح الديني العام بما أشاع النور والهدى في الوادي، وأزاح ظلمات الجهل والفتن.
وإذا كان في العهد الأخير هناك فترة فتور فَإِنَّمَا يرجع أمرها للاستعمار الغاشم فإنَّه لم يفتأ يضع حواجز بينهم وبين إخوانهم المسلمين، كما وضع أمثال ذلك بين الإخوة المسلمين الأشقاء في عموم الشمال الإفريقى كله جميعا .. فها هو ذا قد ارتفع (1/990)
صفحة 991
الإباضية في موكب التاريخ
227
الإباضية في الجزائر
كابوس الاستعمار بفضل ضربات المجاهدين - من ليبيا إلى المغرب الأقصى - الله فأصبحنا والحمد نتزاور بالسيارات». ثُمَّ ذكر بعد ذلك بعض المظاهر التي تَدُلُّ عَلَى هذا الترابط يمكن أن نلخصها في
النقاط الآتية:
1 - تفرغ بعض الأسر من جهة إلى أخرى وقيادتها لحركة التعليم والإصلاح، كما وقع من أسرة أبي عبد الله الفرسطائي في مناطق الإباضية بالجزائر، وكما وقع من الأسرة البارونية في جربة، كما وقع من أسرة آل ويرو من مليكة في جربة.
2 - نجدة نفوسة لجربة في محنتها بغزو الإسبان سنة 915
- خدمة القطب رحمه الله - لمؤلفات نفوسة وجربة، والاستفادة منها وتنسيقها وتنظيمها ثُمَّ تقديمه لعدد كبير من المؤلفات استفاد منها الإباضية عموما، و اشتمال حلقته الدارسية على أعداد من أبناء نفوسة وجربة تخرج منهم أعلام
أمثال سليمان الباروني وعمر العوام. تعاون رجال الأقطار الثلاثة نفوسة وجربة و"ميزاب" بما فيها وارقلة في تبادل الثقافة
4 -
واستنساخ المخطوطات والتعاون على طبع ونشر الكتب العلمية والدينية. هذا أهم ما في جواب شيخنا أبي اليقظان -رحمه الله - وقد لخصت بإيجاز شديد ما عبر عنه بمظاهر العلاقة؛ أما أستاذنا الفاضل الشيخ باكلي عبد الرحمن -حفظه الله - فقد قال: «الْحَقُّ أن العلامة بين نفوسة وجربة وبين "مزاب" كانت متينة على ممر أدوار التاريخ، فلم تنفك الوفود مترددة ذاهبة آئبة من هنا وهنالك إلى أيامنا، وإن كانت قبل أنشط منها الآن والمراسلة لَمْ تفتأ موصولة الحبل، وكم للمراسلة من أثر حسن في تمتين العلاقات وتلقيح الأفكار وحفظ التاريخ.
ولا غرو، فالقلم أحد اللسانين؛ بل نجد كثيرًا يهاجرون من نفوسة ومن جربة ويستقرون نهائيا في "ميزاب" و "وَار جلان" قصد إحياء معالم الدين ونشر مبادئ المذهب، لاسيما في فترات التاريخ التي تعم فيها الجهالة، ويخاف فيها عَلَى أهله الانحراف وراء الدعايات المذهبية (1/991)
صفحة 992
الإباضية في موكب التاريخ
228
الإباضية في الجزائر
غير الإباضيَّة (الوهبيَّة التي ظل علماؤها ينشرونها، وتسندهم في دعوتهم السلطة الزمنية، بل تقهر لهم أحيانًا من يظهر عليهم بالحجة قهراً.
وكذلك نجد أشخاصاً يسافرون من "ميزاب" إلى "نفوسة" وإلى "جربة" طلبا للعلم متى إذا امتلأ، وطابهم، وتأهلوا لقيادة الأمة عادوا إلى موطنهم وتصدوا لإحيائه وإصلاحه، كما هو شأن الشيخ يحيى بن صالح الذي ابتدأت منه النهضة العلمية الحديثة بـ"ميزاب"، وغيره كثيرين.
وهنا نسجل ملاحظة جديرة بالاعتبار، تلك هي أننا نرى أهل نفوسة" و"جربة" يهاجرون إلى "ميزاب" ويتوطنونه بخلاف أهل "ميزاب" يسافرون إلى "نفوسة" و"جربة" ولا يستقرون فيهما، بل يأخذون حاجاتهم من العلم ثُمَّ يعودون، لذلك لا نجد عائلات أصلها من "ميزاب" عَلَى ما أعلم)، وكأن "نفوسة" و"جربة" بالتبعية - الغنية بعلمائها ترى انحصار مسئولية المحافظة على المذهب الإباضي فيها، فكانت لذلك أكثر تضحية وأشد غيرة عليه. ولا جرم ف "نفوسة" لم تزل الحامية الحاضنة للمذهب الإباضي والمجددة لما اندرس من معالمه لما ظهر فيها من أبطال صناديد وعلماء فطاحل عبر القرون. وَالْحَقُّ أَنَّهُم عملوا جهدهم لتوحيد التعليم بينهم، وقد تبنت "نفوسة" المسألة فكنت ترى الأشياخ منها يرحلون تارة إلى "جربة" وأخرى إلى "وار جلان" وأحيانًا إلى "ميزاب" -كما قلنا سابقا - ثُمَّ نرى في حالات أخرى تلاميذ من مواطن الإباضية المختلفة تجتمع على عالم واحد ويتلقون ثقافة واحدة كما فعل أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء أحد تلاميذ الشيخ أبي
(1) من الميزانيين الذين استقروا بجربة الشيخ يوسف المصعبي، وممَّن استقر في جبل نفوسة أخيراً موسى بن أحمد الغرداوي، وقد اشتهر بين الناس باسم الشيخ مُحَمَّد الميزابي، وتوفي في زوارة ودفن بها. ومنهم عيسى بن حمو الواهج وقد تزوج من الرحيبات، وله فيها أولاد وبنات وتوفي بها كما أخبرني أخيراً أهل المنطقة. وفي بعض نواحي الجبل أملاك تنسب إلى الميزابيين فيقال لها: زيتونة الميزابي، ونخلة الميزابي، وما أشبه ذلك. ولَمَّا سألت بعض من توجد بحوزتهم تلك الأملاك لم يعرفوا على التحقيق شيئا، وقالوا ربَّما كانت لأناس من ميزاب أو أن أصلنا من هناك. وهنا قبر في إحدى غاباتنا يُسمى "قبر الميزابي" ولا نعرف شيئا فوق ذلك. وهناك قصص تروى عن ميزانين كانوا في بعض المناطق، ولكنها خرجت الآن عن نطاق التاريخ إلى نطاق القصص إذا لم يظهر ما يوضح معالمها. (1/992)
صفحة 993
الإباضية في موكب التاريخ
229
الإباضية في الجزائر
مساكن عامر بن علي الشماخي، فقد كان ساد في زمانه واجتمع عليه طلبة من "نفوسة" و"جربة" و"دمر" و "يفرن" و"المغرب" فكان همزة وصل بين الأصحاب هنا وهناك. وكما هو شأن العلماء الثلاثة الذين وفدوا من "جربة" إنجادًا لـ"ميزاب" الذي يحتاج مجتمعه وقتئذ إلى تثقيف وإصلاح، وقد تأتى لهم ذلك فكانت لحركتهم ثمر مباركة لا نزال نتمتع بها إلى يومنا (1).
ومعلوم أن البربر يخضعون غالبا وينقادون إلى من يرد عليهم من الخارج أكثر مما يطاوعون من بالداخل، والعلماء الثلاثة هم: الشيخ أبو عثمان سعيد بن علي الخيري الجربي، والشيخ بالحاج، والشيخ دحمان؛ فكان
الأول
من نصيب غرداية، والثاني من نصيب يسجن، والثالث من نصيب بونورة. وَلَمَّا رق حبل العلم هنالك توافدت طلبته منها على القطب اطفيش تم على تلاميذه، بعده وأخيرًا اختلفت بعثات عَلَى رئيس النهضة العلمية الحديثة، الشيخ بيوض -حفظه الله - ولا تزال».
هذا ما قاله الشيخان إجابة عن السؤال السابق وفيه مقطع بقي لي أن أشير إليه أن حركة المد والجزر العلمية والإصلاحية بين هذه الأطراف كانت مستمرة متواصلة، أحيانًا يزدهر العلم فيها جميعا ويسودها الهدوء والاستقرار فتجري بينهم زيارات المودة والأخوة وصلة الأرحام، وأحيانًا تضيق الحياة في بعضها في بعض جوانبها - فيكون الغوث لها من باقيها، وفي جميع الأحوال كانت "جربة" بموقعها المتوسط - قلب الحركة، وقد حظيت "نفوسة" في هذا العصر بزيارات متعددة فردية وجماعية كان أهمها على الإطلاق زيارات الإمام أبي اسحاق، وزيارة الإمام بيوض، ولا تزال أصداء تلك الزيارتين ترن في الأسماع.
ا هذا الكلام من شيخنا باكلي يؤيد ما أشرت إليه في بعض الفصول من أن حركة النهضة أو اليقظة الانطلاقة لهذا الشعب تبدأ من القرن التاسع وتستمر متواصلة مترابطة، وإن كان يتاح لها من حين إلى حين يد قوية تدفعها إلى الإمام في ثبات وسرعة فتكون حركتها أوضح وأظهر. (1/993)
صفحة 994
الإباضية في موكب التاريخ
230
الإباضية في الجزائر
موقف العزابة في كفاح الباطل
ما
كفاح الباطل في شتّى صوره ومظاهره وألوانه كفاح الرذيلة، كفاح الظلم، كفاح البدعة، كان هذا الموضوع من المواضيع التي أردت أن أكتب فيها؛ لأنه يعطي صورة من الصور التي أحرص على تقديمها إلى القارئ الكريم في هذا الكتاب، ورأيت أن أستعين بالأستاذ الفاضل شيخنا باكلي عبد الرحمن فوجهت إليه سؤالا في الموضوع، وقد أتاني الردُّ فأتى على جميع في نفسي وزاد عليه، ولذلك فقد رأيت أن أكتبه بنصه وأكتفي به فإلي القارئ الكريم ما قاله شيخنا - حفظه الله ورعاه وأمده بالهناء والعافية -: «حياة العزابة كلها كفاح ونضال وخدمة للجانب الروحي في الأمة، تصحيح عقيدتها، وتثقيفها في دينها، وبعثها على صالح العمل، وصرفها عن فاسده، وعن الانغماس في الرذائل والموبقات والقيام عنها بعدة فروض كفائية لو تركت مرسلة ومهملة لاختل نظام الأمة وهلكت بتضييعها .. أجل إنهم ينقطعون إلى إرشاد الأمة للصالح العام، ودعوتها إلى المحافظة عَلَى آدابها العامة، ومقاومة الظلم والرذيلة والبدعة في شتّى صورها وأشكالها، لا تكاد تعدو هذه الميادين يوما، وتقوم بكُلِّ ذلك تطوعًا، وابتغاء ما عند الله، لا يريدون جزاء ولا شكورًا، ولا يتقاضون مرتبا من حكومة أو هيئة أو مؤسسة، ولقد امتحن معدنهم في هذا الميدان فأبان عن ذهب خالص لا زيف فيه ولا دغل، وأعربوا عن تعلقهم بما عند الله وما عند الله خير وأبقى. وفعلا قدمت الحكومة وما بالعهد من قدم لبعض أئمة المساجد بـ"ميزاب" مبلغا معتبرًا شأنه أن يستهوي العابد الزاهد فرفضه قائلا: «إما أن تتركوني أقوم بهذا الواجب ابتغاء ما عند الله، وإما أن اعتزل إمامة الصلاة ولا متزلة بين المتزلتين»، ولهذا السر تركت الحكومة الجزائرية أمر أئمة المساجد الإباضيين في "ميزاب" ووار جلان] حرا، وَلَمْ تعتبرهم من سلك موظفي الأوقاف كما هو شأن غيرهم من الأئمة في سائر القطر الجزائري. وَالْحَقُّ أن الضلع الأكبر في بقاء الجامعة الإباضية في "ميزاب" محتفظة بطابعها الحقيقي، طابع الدين والخلق الكريم المتين يرجع الفضل فيه إلى هذه المؤسسة الجليلة، فهي العقال الذي قيد الأمة عن الانحراف وراء تيار التحلل والتفسخ، وعن الانحراف عن سواء السبيل، والحاجز
من (1/994)
صفحة 995
الإباضية في موكب التاريخ
231
الإباضية في الجزائر الذي أوقف الجماهير بعيدا عن الاسترسال وراء الشهوات والحظوظ النفسية .. فكم نال أفرادها في سبيل الاضطلاع بحملها أذى كثير سجن وتغريم وتعذيب وفتنة وإذلال وإهانة فلم يصدهم شيء من ذلك عن أداء رسالتهم، نصرة للدين، ونصحا الله ولرسوله وفَمَا وَهَنُوا لما أَصَابَهُمْ في سبيل الله وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالله يحب الصابرين (1)
فإذا لم تكن ثَمَّة حياة أحلى لدى القائمين بدين الله من مصارعة الباطل (وياما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين)، وإذا كان لا يهنا بال القاسطين ما رأوا الْحَقِّ يشق طريقه نحو هدفه، وأنصاره يزدادون في إقراره ونشره ثباتًا ونشاطا.
فإن حياة العزابة لا تكون إلا حياة صراع مستمر ضد الباطل في شتى صوره وألوانه، وإن تاريخها ليطفح بقضايا كانت ميدانا للصراع العنيف بين الْحَقِّ والباطل نذكر منها على سبيل النموذج المسائل الآتية:
1 - (في كفاح البدع: مسألة البناء على القبور والتوسل بها. مسألة إلغاء ميراث المرأة (2) على
عادة الجاهلية، وحسبما يجري به العمل الآن في بعض الجهات، عدم احتجاب المرأة عن حميها. أثارت العزابة ضدها حملات عنيفة اضطربت لها أركان البلاد وعصفت عواصفها مدة طويلة، وظل العزابة يبينون فيها وجه الْحَقِّ، ويدعون إلى ترك مألوف العادات التي تتصادم مع الشرع، وإن استصعبت النفوس مفارقتها فإن في الصبر على ما يكرهون خيرًا كثيرًا، ثُمَّ ما فتئوا يبشرون وينذرون ويقرعون ويربتون حتَّى فهم الناس وجه الْحَقِّ وعاد إليهم صوابهم، فانتصر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.
2 - (في كفاح الرذيلة): تطهير المدن من أعشاش الخناء وحارات البغاء التي ركزتها قوى الكفر بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، فصمد المسجد يصك الأسماع بزواجره وقوارعه، ويزلزل القلوب بحججه وبراهينه ويوقظ العقل بحكمته وإقناعه، وما عتم مع السلطة الزمنية في زعزع ورخاء، وجذب وإرخاء، ووعد ووعيد، وترقيق وتهديد، حتّى اجتثت شجرة
(1) سورة آل عمران: 146. (2) راجع ما كتبته في فصل "لا يا أخي". (1/995)
صفحة 996
الإباضية في موكب التاريخ
232
الإباضية في الجزائر الفساد الخبيثة من فوق الأرض ما لها من قرار واختفى شبح تلك المناظر الفظيعة عن العيون، وانغلق باب حرية الفساد والتهتك في وجوه الفساق الشهوانيين الذين لا يبالون بانتشار الرذيلة، وفساد الأجيال الصاعدة. وكذلك مسألة الخمور بيعًا وشرابًا. ومسألة القمار وانتشار حريقه؛ فقد كانت مقاومة المسجد لهذه الآفات الاجتماعية وردها الراتب، وكانت له صولات وجولات في موضوعها في حين لآخر لدى المناسبات.
(وفي كفاح الظلم): مسألة التجنيد الإجباري الذي دامت حربها أكثر من جيل مع الحكومة الفرنسية من سنة 1912 م إلى أن ألغتها أيام الحرب العالمية نهائيا، أي حوالي سنة 1943 م. ومسألة المكس، ومسألة استصفاء مقبرة الميزابيين القديمة بقسطنطينية، ومحاولة تحويلها إلى طريق عامة إلى غير ذلك.
ولعلي أعطيك صورة صادقة لَها كُلّ مغزاها - إذا شرحت لك موقفا من مواقفها البطولية، وأساليب المقاومة التي اتخذتها إزاء قضيَّة من قضايا الرذيلة وقعت في بعض مدن "ميزاب"، فحاولت سلطة الظلم انتهاز فرصتها لتتخذها ذريعة للنيل من هذه المؤسسة الجليلة التي وقفت كالشجرة في حلقها، والتنكيل بالقائمين بها قتلا للروح الدينية في الأمة، فلقيت
فيها مصرعها بعد حرب دامت ما يقرب من خمس سنوات، ومن صارع الْحَقِّ صُرِع». ويذكر بعد هذا خلاصة لتلك القضية التي أشار إليها وفي آخرها يقول: «تنبيه: لقد أفردت القضية برسالة خاصة تبلغ صفحاتها نحو مائة شرحت فيها أدوارها وَكُلُّ ما يتصل بها، إِنَّهَا لتشتمل على معلومات قيمة لا يستغني عنها طالب الحقيقة تعطيه صورة رائعة للمسجد وسلطانه في "ميزاب"».
هذا ما أجابني به الأستاذ الفاضل شيخنا باكلى عبد الرحمن وقد رأيت أن أنقله للقارئ الكريم بنصه ما عدا القضيَّة الأخيرة التي استشهد بها فقد فضلت أن أثير شوق القارئ إليها، وأرجو الله تبارك وتعالى أن لأستاذنا الكبير الطرق، ويتيح له نشر تلك الرسالة القيمة،
پيسر
القصة الشيقة، أو القضيَّة الهامة؛ ليجدها القارئ كاملة غير مبتورة، أو لعله يتيح لدار الدعوة بنالوت شرف نشرها وهو مشكور في الحالتين. (1/996)
صفحة 997
الإباضية في موكب التاريخ
233
الإباضية في الجزائر
فتن متوالية
عاشت منطقة الواحات المتكونة من بلاد "أريغ" و"وار جلان" و"سوف" و"قصطيلية" فترة طويلة تعانى من الفتن المتوالية التي ما تتخلص من إحداها حتّى تثور أخرى، وكانت الهجمات لا تنفك توجه اليوم هنا وغدًا هناك، وكانت الطرق تكاد تكون مقطوعة، والقوافل التي تربط بين البلاد اقتصاديًا بأنواع البضائع تكاد تتوقف، وكتب التاريخ تذكر عرضا أنباء الوقائع التي كانت تقع هنا أو هناك بإيجاز حينا، وبإسهاب حينا آخر.
وفي هذا الفصل سوف نذكر أمثلة من تلك الفتن والغارات والوقائع المؤلمة ليرى القارئ الكريم صورة واضحة لما كانت تعانيه تلك البلاد من محن في قرون طويلة، ومدى الكفاح الذي كافحته من أجل البقاء.
جاء في طبقات الدرجيني في ترجمة أبي العباس أحمد بن مُحَمَّد بن بكر ما يلي:
وذكر أنه وقعت فتنة ببلاد "أريغ" سنة إحدى وسبعين وأربعمائة». وكانت نتيجة هذه الفتنة أن فر العلماء من تلك البلاد فالتجأ أبو العباس إلى "آجلو"، والتجأ أخوه أبو يعقوب يوسف إلى "وَارجُلاَن".
ويقص علينا أبو العباس الشماخي أخبار فتنة من تلك الفتن فيقول: وذكر أن عنان بن دليم المطرفي نزل بأريغ فحشد عليه أبو العباس مغراوة فردوه ثُمَّ نزل
هزمهم
فلما
عليه
ثانية فحشدهم فردوه، وهزموه، وقد قتل من "بني يطوفت" ستين رجلا وحمل رؤوسهم، استنقذ الرؤوس ودفنها، وأكثر من معه بنو ورتيزلن"، قيل: إنهم قرب ألف، وجمع "بنو أيضا جمعا عظيما وأراد غدر الشيخ وتبييته وأخفى سيره فلم يشعر بهم الشيخ حتى قربوا رقع إليه الخبر مع جاسوس، وسرى ليلا وقصد أبا العباس فلم يجده وهدم قصره، وجمع أبو العباس "بني ورتيزلن" وأهل رأس الوادي، فقال له فلفل بن فلنار: "هذا رجل غدار فإياك أن تخرج إليه إذا طلب رؤيتك. وقال لقمان لابنه: إياك أن تخالف ناصحا، ولا تجاور فاضحا، ولا تعامل كاشحًا. فطلب عنان رؤية أبي العباس فمنعه الناس أن يخرج إليه. قال الشيخ أبو عبد الله: إن أبى من الرجوع فاقتلوه؛ لأن قتل الواحد خير من قتل الجميع. وأفسد (1/997)
صفحة 998
الإباضية في موكب التاريخ
234
الإباضية في الجزائر
عنان النخيل وأفسد الغابة، وذلك عام اثنتين وخمسمائة، ثُمَّ لَحقه بعد أن ارتحل ثلاثمائة وثلاثة عشر من "بني ورتيزلن ومعهم غيرهم، فهزموه واستردوا ما قدروا عليه، وقتلوا من قتلوا. ويقص علينا أبو العباس الدرجيني أخبار غارة من الغارات الكثيرة التي كانت تقع في تلك البلاد.
عند
قال الدرجيني وهو يتحدث عن ماكسن بن الخير: وذكر أبو الربيع قال: أغارت غارة من "بني "توجين على رأس وادي" أريغ"، فساقت غنمهم فاتبعهم عدة من المشايخ منهم ماكسن وأبو العباس الوليلي وعيسى بن يرصو كسن وعبد الله الدمري، فلم يلحقوا بهم إلا: أحيائهم فلبثوا مدة يستردون حتَّى استردوا الغنم بجملتها، وما استردوها إلا وقد نفذت أزوادهم أو كادت قيل: وكان فيهم عجوز مرابطة، وقد اطلعت على حال المشايخ وعلمت أن أزوادهم قد نفذت، وأن طعام قومها لا يروق أكله تورعا فرغبت إليهم
أن
طعامًا، وَلَمَّا حان وقت صلاة المغرب وصلوا جاءتهم العجوز تسألهم عن مسائلها». بعد أسطر يقول الدرجيني: حتَّى سألتهم ما تقولون في قومي هؤلاء إذا أغاروا غارة وغنموا وأخذوا أعطوني زكاة ما أخذوا فهل عليَّ من ذلك حرج؟. فقالوا لها وأنت إذن على هذه الحالة المذمومة يا عجوز؟؛ فانصرفوا ولَمْ يذوقوا طعامها». ويقص علينا الدرجيني أيضا أحداث قصة مؤلمة فيقول: «وذكر أن قافلة خرجت من "وَارجُلان" من أهل "أريغ" متوجهين إلى "أريغ" فَلَمَّا وصلوا إلى "أن ونودي" يعني بئراً، فازدحموا عليها يستقون حَتَّى اقتتلوا»، ويسهب أبو العباس في ذك أحداث الواقعة وما نتج عنها من عواقب مؤلمة. ويقص علينا الدرجيني بعض أحداث فتنة الميورقى في ترجمة أبي موسى عيسى بن يرصو كسن فيقول: «ولقد حدثني رجل يعرف بابن القابلة وَرَدَ "توزر" سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة، وكتب في خيل يحيى بن إسحاق الميورقي فتوجه بعسكره من "أريغ" إلى وار جلان"، أو قال من "وَار جلان" إلى "أريغ"، وهذا أقرب إلى الصحة فنزل "تالا عيسى"، وأراد الأجناد والأعراب أن يطلقوا خيولهم في الزروع فأنذرهم بعض من معهم ممن عرف قديما حال الموضع وأهله وحذرهم وقال لهم: هذا موضع منسوب إلى رجال عزابة صلحاء
11 (1/998)
صفحة 999
الإباضية في موكب التاريخ
235
الإباضية في الجزائر
عمرو
مساكين يتقى عقوقهم، فإياكم وإياهم، فمن الجند من تنحى ومنهم من توقف. وقال لهم كاتب الميورقي: "الكلام هذا سخيف، أمنع فرسي هذا الخصب، قل لهم فليدعوا على فرسي". وأطلقها في الزرع ترعى، واقتدى به غيره في هذا الضلال والاستخفاف، قال ابن القابلة: "فو الله ما رفع من هناك إلا رسنها وسرجها، ومات معها سبع وعشرون فرسا".
وليس هذا من باب كرامات الأولياء، ولكنَّه من باب استجابة دعوة المظلوم.
ويذكر الدرجيني في ترجمة عبود بن منار المزاتي بعض تلك الفتن فيقول: «فبعد ذلك بأيام أغارت عليه غارة للنكار خرج بها رجل فيهم يعرف بمنصور بن ملديك، فلقوه بمنزله من زريق فدافع عبود عن نفسه وماله وأهله حَتَّى قتل شهيدا رحمة الله عليه». وفي ترجمة أبي مُحَمَّد اللنتي ذكر أبو العباس الدرجيني فتنة من تلك الفتن التي تنشب بسبب الجهل والعصبية البغيضة من الطرفين قال: «وكان أبو مُحَمَّد بحلقته في "تين" "زارين" لَمْ تزل بها الحلقة قائمة قد رتبت عَلَى أبي مُحَمَّد لا يخشون أحدًا ولا يمسهم أحد، حتى جعل الله لخروجها سببًا. وسبب ذلك فيما كان أبو الربيع ساقه من هذه الحكاية قال: «كان تلامذه أبي الربيع سليمان بن يخلف من أهل "سوف" و"أريغ" و"وار جلان" و"الزاب" و "قصطيلية" قد حلفوا عَلَى أبي مُحَمَّد بتين، زارين، وكانت الفتنة حينئذ بين "تكسينت" وهبيتهم ومالكيتهم؛ فالوهبية منهم قبيلة يقال لهما "بنو يروتن"، والمالكية من عداهم من قبائل "بني تكسينت"، فكانت الفتنة والعزابة منها في أمان لا يخافون مكروها ولا يسمعونه، فقدر بأن حضر "بنو يروتن" فرقي رجل جاهل ممن شملته الحلقة يقال له: "توزين من أهل "فنظنار"، فقال لأهل العسكر الحاشدين: اسكتوا وانصتوا"، ففعلوا فقال لهم: فلان وفلان وفلان حتى عدد جماعة من أئمتهم، عليهم اللعنة وسوء الدار، فَلَمَّا سَمعوا منه ذلك تركوا القتال واستدعوا شيخا لهم يقال له: مطهره بن نقاض، فأخبروه الخبر، فقال: "أسمعتم ذلك حا؟ "، قالوا: "نعم"، قال لهم: "احرقوا واسبوا واقتلوا"، فَلَمَّا سمع العزابة ذلك خرجوا ليلا
وتفرقوا إلى اليوم». (1/999)
صفحة 1000
الإباضية في موكب التاريخ
236
الإباضية في الجزائر
ويقص علينا أبو العباس الشماخي في ترجمة أبي عبد الله مُحَمَّد بن الخير إحدى تلك النكبات فيقول: «وذكر الشيخ أظن أبا الربيع- أن عدو الله حماد بن بلقين لما نزل عَلَى كدية مغراوة بجنوده وكانت كثيرة، وقف رجل صباحا ليراها وهي تمر عليه متصلة إلى صلاة الظهر من كثرة عددهم فحاصر أهلها، وذكر له أن الخير وأخويه رجال صالحون، حجاج، فناداهم مناديه أن اخرجوا بالأمان، ونادى الضعفاء ومن لا استطاعة له، فلم يخرج أحد فقاتلهم محاصراً نحو شهر، فما أتاهم مدد فأخذهم قهرا إلا برجا فيه عبد الله ومسعود أبناء المنصور الورزماري، فقاتلا أياما المعسكر بأجمعه فقتل مسعود، وأضرمت النار إلى البرج، فرمى عبد الله بنفسه خارجا فمضى وامتنع ونجاه الله منهم، وأخذ حماد ابنه وحمله طمعا أن يكون كأبيه شجاعة ونجدة وجرأة».
هذه نماذج من الفتن المتوالية المتتابعة التي كانت تقع هناك، بل و في غيرها من بلدان الواحات، فكان السكان لا يهنأون بعيش ولا ينعمون بسلام، ولا يطمئنون إلى أحد، ولا إلى مكان؛ بل إن بعضهم ما يكاد يستقر في مكان حَتَّى تحدث أحداث تدفعه إلى الهجرة والفرار، فإذا قصد مكانًا لحقته الفتن والأحداث مرة أخرى. وكثيرًا ما كانت تلك الفتن والأحداث تتسبب في تشتيت أسرة وتفريق عائلة واحدة إلى جهات مختلفة، فيقصد بعض دون وعي ولا تخطيط مكانًا، ويقصد الآخرون أيضا بدون وعي ولا تخطيط ولا اتفاق أمكنة أخرى، وقد سبق أن أشرنا إلى بعض الفتن والحروب التي وقعت في "وادي ميزاب" أو في "وار خلان"، فتشتت بذلك أسر، وقطعت وشائج أرحام، وضاعت نفوس كريمة بين الحل والترحال وهي تلتمس مأوى آمنا تستكن فيه، وموطنا يسوده السلام لتستقر بين ربوعه ومغانيه (1/1000)
صفحة 1001
الإباضية في موكب التاريخ
237
الإباضية في الجزائر
إمارات الدفاع
عندما انحرف الحكام عن منهج الإسلام في الحكم فكر إباضية المغرب الإسلامي في إقامة إمامة تعود بالأمة إلى المنهج الذي رسمه الإسلام، وسار عليه الخلفاء الراشدون، وقليل من الأئمة الذين جاءوا من بعدهم مثل عمر بن عبد العزيز فقاموا بالتجربة في ليبيا، وأقاموا ثلاث إمامات متعاقبة لم يكتب لإحداهن أن تستقر وتطول، فقد وجهت إليها الضربات من كُلّ جهة وجانب، وَلَمَّا فشلت التجربة في ليبيا - وهي بوضعها الجغرافي معبر بين الشرق والغرب- أعادوا التجربة في الجزائر، فأقاموا الدولة الرستُميَّة. واستطاع أغلب أئمة هذه الدولة أن يعودوا بالحكم إلى ما ألفته الأمة من السير على النهج الإسلامي القويم من الإمامات العادلة، وبعد ما يقرب من قرن ونصف قضى عَلَى تلك الدولة وانقرضت الإمامة في تاهرت. ومنذ قُضِي عَلَى الدولة الرستُميَّة لَمْ يفكر إبَاضِيَّة المغرب تفكيراً جديًا في إقامة بناء دولة مرة أخرى، وَإِنَّمَا كانوا يعملون على أن يعيشوا في أمن وسلام، تاركين لغيرهم دنياهم يتهارشون عليها تمارش السباع؛ ولَكنَّهم رغم ذلك فقد اضطروا في كثير من الأحيان أن يبايعوا أمراء سموهم أمراء دفاع، وذلك عندما تبلغهم أخبار عن مهاجمة عدو لهم، أو تتوقع خطر ينزل عليهم، فَإِنَّهُم يتفقون على واحد منهم يبايعونه عَلَى أن يقودهم في معركة الدفاع. فإذا انتهت المعارك، وذهب العدو، وأمنت البلاد بطلت البيعة والإمارة تلقائيا، فلا يحتاج إلى عزل ولا تنازل؛ بل بانتهاء مهمات الدفاع يصبح الأمير فردا كسائر الناس. إِنَّهَا بيعة تُخوِّل الإمام أن يقود الناس إلى الدفاع عن أموالهم وحرماتهم وأنفسهم وأوطانهم، ويقيم بينهم وفيهم في تلك الفترة أحكام الله وحدوده، فإذا أمنوا وزال الخطر ورجعت الأمور إلى نصابها انحلت البيعة من أعناقهم، وزالت الإمامة عن إمامهم، ورجعوا تلقائيا إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل أن تنجم هذه الحركة.
إن إمارة الدفاع عند الإباضيَّة إمارة مؤقتة تقتضيها ظروف معينة لمجابهة أحداث واقعة أو متوقعة، فإذا زالت الظروف زالت الإمارة. وهذا التنظيم الاستثنائي يَدُلُّ عَلَى فهم عميق (1/1001)
صفحة 1002
الإباضية في موكب التاريخ
238
الإباضية في الجزائر
للنفس البشرية، فإن أي مجموعة من الناس إذا لَمْ تجمعهم قيادة في عمل من الأعمال، فلا شك أن الافتراق واختلاف الآراء سرعان ما يؤدي بهم إلى الفشل.
فإذا بايعوا أميرًا يقودهم في الحرب، وينظم صفوفهم في المعركة ويقاتل بهم عدوهم في صفوف منظمة، وخطة موحدة، وهو في كُلّ ذلك يقيم الحق بينهم، كان هذا التنظيم أجدر أن يبعث فيهم القوة والعزة والمنعة، ويثير فيهم روح المنافسة والحماس والفداء. ولقد احتاج الإباضيَّة إلى هذا التنظيم بعد الدولة الرستُميَّة في كثير من الأحوال، وذلك عندما يبلغهم أن معتديًا يريد الهجوم عليهم وابتزاز أموالهم. وفي الإمكان أن أعرض عَلَى القارئ الكريم عددا من النماذج توضح له هذه الفكرة في التطبيق العملي عند الإباضية:
1 - عندما قتل المعز لدين الله الفاطمي أبا القاسم يزيد بن مخلد في "الحمة" غيلة وبدون أية جريرة جناها أبو القاسم غضب الإباضيَّة، وجاءوا إلى العلامة أبي خزر يغلا بن أيوب فبايعوه إمام دفاع على أن يقوض أركان الدولة الفاطمية، وقبل منهم البيعة، وبدأ العمل حتى بعث إليه الفاطمي يعرض الصلح، ويتنازل عن حكم المواطن العامرة بالإباضية، واستشار أبو خزر أصحابه في الموضوع فرفضوا وطلبوا. منه الاستمرار في القتال.
منهم
2 - عندما احتل الأسبان أغلب الثغور الإسلامية من المغرب الإسلامي قرروا احتلال "جربة"، فاجتمع أهل جربة" وقدموا عليهم أبا زكرياء السمومني، فبايعوه إمام دفاع، وتقبل البيعة، وحارب بهم العدو حَتَّى طرده في صورة مخزية للعدو مشرفة للإسلام والمسلمين. 3 - في سنة 1226 هـ قرر ابن جلاب الهجوم عَلَى وَار جلان" من "تقرت"، فاستنصر أهل "وارجلان" بإخوانهم في "وادي ميزاب"، فجاءتهم النجدة، واتفقوا على أن يقدموا عليهم جميعا الشيخ طباخ داود بن إبراهيم إمام دفاع، واستطاع الإمام أن يقف أمام العدو وأن يرده في هزيمة منكرة تحدث عنها شعراء ذلك العصر، وعندما فر العدو وأمنت السبل، ورجعت الأمور إلى نصابها انحلت بيعة الشيخ طباخ عن أعناق الناس، وأصبح في مكانه العادي بين أفراد الأمة. (1/1002)
صفحة 1003
الإباضية في موكب التاريخ
239
الإباضية في الجزائر
4 - قرر بعض العربان الهجوم على وادي ميزاب"، وقطع طريق القوافل عنه، فاجتمع أهل الوادي، وقدموا عليهم الشيخ سليمان بن عيسى اليزقني إمام، دفاع، فقاد جيش الدفاع، وأدار المعركة بنظام، ووقع قتال وسقط في الميدان شهداء، وانهزم العدو، وولى أدباره تاركا مالا وعتادا، وبعد انجلاء المعركة عاد الإمام إلى مكانه فردا عاديًا إلى الأمة.
ه - نصب مُحَمَّد أبو شوشة نفوذه على جنوب قسنطينة وهجم على وارجلان"، فارتكب فيها الأفاعيل، وخطر له أن يهجم على وادي ميزاب، فسمع أهل الوادي، فاستعدوا لذلك وقدموا عليهم الشيخ حمو بن باحمد باكلي إمام دفاع، فنظم الصفوف، واستنفر الشباب الموجود خارج البلد، فرجع وكتب الكتائب، واستعد للقاء العدو عند الحدود، فلما سمع أبو شوشة بذلك التنظيم وبلغته أخبار الاستعداد خاف العاقبة، فأراد الرجوع بشكل لا يسقط هيبته، فبعث إليهم رسالة يقول لهم فيها: "اعلموا أني أمهلتكم مدة شهر وثلاثة أيام لتقدموا إلي طاعتكم، وتدخلوا تحت سلطاني، فإذا انتهى الأجل وَلَمْ تمتثلوا لأمري قاتلتكم"، وقد انتهى الأجل ولا يزالون ينتظرونه، ولسان حالهم يقول: إن عادت العقرب فالنعل حاضرة. لقد اقتبست هذه الصور بتصرف من رسالة للعلامة شيخنا أبي اليقظان تحت عنوان «نموذج إمارة الدفاع».
هذه
ه نماذج من إمارات الدفاع التي عقدها إباضيَّة المغرب في حالات وقوع خطر، أو توقع حدوثه. والمتتبع لأحداث التاريخ يرى أن هذه الإمارات المؤقتة كان يقصد منها تنظيم العملية الحربية في حالات الهجوم أو الدفاع، والفارق بينها وبين القيادة الحربية أو الفرق بين إمام الدفاع وقائد القوات المسلحة كما يُسَمَّى اليوم أن إمام الدفاع رغم أن إمامته محدودة، فإنَّه يعطى جميع الصلاحيات التي تعطى لخليفة المسلمين أو أمير المؤمنين، بالإضافة إلى قيادة الجيش مدة قيامه بإمامة الدفاع، فله أن يجري جميع الأحكام حتى إقامة الحدود، ولكنَّه عندما تنتهي الحالة التي نصب من أجلها إماما للدفاع تسلب منه كُلّ الاختصاصات التي أعطيت له في تلك الظروف الخاصة. ولاشك أن هذه الإمامات كانت تعقد لرد عدوان فعندما يستعد بعض المتسلطين على الحكم لمهاجمة بلد ما وتطير أخباره إلى أصحاب البلد، فإن المعتدى عليهم يستعدون هم للدفاع عن أنفسهم، ويهيئون وسائل المقاومة، فيعقدون الإمامة لمن تتوفر فيه شروط القيادة،
أيضا (1/1003)
صفحة 1004
الإباضية في موكب التاريخ
240
الإباضية في الجزائر
وقد يقتضي منطق الدفاع أن يبدأ بالهجوم على صفوف أو خطوط المعتدي لإيقاع الخلل في تنظيمه ومفاجأته بما لَمْ يجعل له حسابا.
أما الغارات المفاجئة التي تقوم بها عصابات أو قبائل بقصد الحصول على ما سهل من أموال ثُمَّ الفرار بها، فَإِنَّهَا لا تترك فرصة للتفكير والتنظيم ثُمَّ عقد إمارة. وَإِنَّمَا يتلقاها أوَّل من يراها أو يسمع بِهَا ثُمَّ يبعث بالصريخ إلى الباقي، وقد تنتهي تلك الوقائع قبل أن يسمع بها أغلب السكان، لا سيما إذا كانت تلك الغارات تستهدف قوافل في الطريق، أو ماشية في المراعي، أو غلالا على أشجارها في أطراف البساتين، فتخطف منها ما يتيسر لها اختطافه، أو اختطاف بعضه ثُمَّ تفر تاركة في أغلب الأحيان قتلى وجرحى منها أو من أصحاب المال المسروق أو منهما ماء ولذلك فقد كان سكان الواحات مثل "وار جلان" و "وادي ميزاب" يتخذون حراسا لغاباتهم في فصول نضوج الثمار. وكان أولئك الحراس يوزعون مسلحين عَلَى مختلف مناطق الغابات والبساتين، وكثيرًا ما تنشب معارك حامية بين أولئك الحراس وبين القائمين بالغارات أو السرقات الذين يتسللون ليلا في جماعات فيختلسون ويفرون، وإذا اعترض طريقهم معترض ضربوا وقتلوا، غير أن هذا النوع من الأحداث داخل في السرقات العادية التي لا يخلو منها مكان ولا، زمان، فهي لا تقتضي وجود إمارة خاصة للدفاع، وَإِنَّمَا تستلزم يقظة وحراسة مستمرة، ولذلك فقد جعل له جهاز خاص تتعاون على تكوينه مجالس العشائر تحت إشراف العزابة والأفراد الذين يتكون منهم هذا الجهاز يُسَمَّى "إمصوردان (1)، ولهذا الجهاز نظام كامل مسجل لم أحصل على صورة منه بكل أسف حتَّى أضع صورة له أعرضها على القارئ الكريم، ليتعرف على جانب آخر من جوانب التنظيم في تلك المنطقة الحية.
(1) لا أعرف المعنى الذي تَدلُّ عليه هذه الكلمة، ولم أسأل عنه أحدا من الإخوة الجزائريين الذين يستعملونها، فإن كان لها لديهم مدلول فذلك هو؛ وإلا فأعتقد أن تحريفا بسيطا دخل عليها، وأن أصلها "أمسيردان" أي المنظفون أو المطهرون وأطلق عليهم ذلك؛ لأنهم ينظفون الغابة أو القرى، أو يطهرونها من دنس السرقة، وعلى كُلّ حال فهو استنتاج خيالي فلا تهتم به. (1/1004)
صفحة 1005
الإباضية في موكب التاريخ
241
الإباضية في الجزائر
إباضية الجزائر تحت الحكم العثماني
عندما دخلت الجزائر تحت الحكم العثماني كان الإباضية الذين يسكنون بلاد "وادي
11
و" وارجلان" يفكرون في موقفهم تفكيرًا عميقا، هل ينضمون تحت لواء هذه الدولة أم يحاولون أن يبقوا على الوضع الذي كانوا عليه مستقلين في جميع شؤونهم، لا يتبعون دولة أو إمارة، ولا يعلنون عن دولة لأنفسهم؟!
وفكر القوم فيما يبدو - تفكيرًا طويلا واستعرضوا حالتهم في ذلك الحين، وقارنوا بين حياتهم تلك وبين الانضواء تحت جناح هَذه الدولة المسلمة القوية الجديدة، والاحتماء بها، وما يتوقعون أن يكون لهم في ذلك من أمن وسلام. ولا شك أن الآراء اختلفت، وأن الجدل كان محتوما، وأن اجتماعات كثيرة قد انعقدت لدراسة الموضوع غير أن ذلك الجدل وتلك الاجتماعات والمناقشات التي جرت فيها المقارنة بين عهدين أحدهما: ماضي ومعروف، والآخر: مستقبل مجهول مخوف قد أسفرت جميعها عَلَى أن جانب دعاة الالتجاء إلى الدولة والاحتماء بها كان أقوى فمالت إليه الأغلبية وأيدته العناصر التي بيدها الحل والعقد. فقررت الاتصال بالدولة العثمانية والاتفاق معها قبل أن تتحرك هي نفسها للاستيلاء. وقد تم ذلك فعلا، فذهب وفد مخول بصلاحيات كاملة للاتفاق إلى الجزائر العاصمة، وقد استطاع ذلك الوفد أن يعقد مع الدولة الحاكمة اتفاقية تشتمل على عدة بنود لعل أهمها: أن تسمح للإباضيَّة أن يزاولوا أعمالهم الحرة في كُلّ المدن والبلدان التي تقع تحت نفوذ الدولة العثمانية، وأن تتعهد الدولة العثمانية بحمايتهم أفراداً وجماعات في بلدانهم و في جميع بلادها على أن يدفعوا لها خراجًا سنويًا معينا حددته المعاهدة. وقد تم الاتفاق على المعاهدة وأصبح الإباضية في الجزائر تحت النفوذ العثماني لكنه نفوذ شكلي؛ لأنه لا شيء يمثل الدولة العثمانية في بلاد الإباضية، وحتّى الخراج أو الضمان المتفق عليه بينهم فَإِنَّهُم هم الذين يتولون جمعه بأنفسهم، ثُمَّ يوصلونه إلى الحكومة، دون أن تتكلف تعبا ودون أن تطأ قدماها أي جزء من تربتهم، وَلَمْ تحاول تركيا رغم العهد الطويل الذي بقيت فيه أن تغير من بند الحماية إلا ما حاوله أحد ولاتها من ضم "وادي ميزاب" إلى ولاية (1/1005)
صفحة 1006
الإباضية في موكب التاريخ
242
الإباضية في الجزائر
وهران، فاعترضوا وَلَمْ تنجح المحاولة كما سنشرحها فيما يأتي في هذا الفصل، وفي هذا الموضوع لَمْ أرد أن أعتمد على ما لدي من مصادر فقط، وإنَّما رجعت إلى أهل الشأن، فوجهت سؤالا إلى الشيخين الكبيرين الفاضلين أبي اليقظان إبراهيم، وباكلي عبد الرحمن فأجابني كلاهما على حدة.
أما نص السؤال فهو كالآتي: "ما هي حالة إباضية الجزائر مع الدولة العثمانية؟ " وقد كان جواب أستاذنا الفاضل شيخ الصحافة الجزائرية كما يلي: «إنَّها حالة مسالمة وتقدير للوضع الذي كان لهم في الاقتصاد الجزائري، وَكُلُّ الطرفين مسالم للآخر، إلى أن وصل النفوذ التركي في الأغواط بالجنوب على يد صالح باي وعلى يده وقعت مفاوضات بينه وبين أهل وادي ميزاب" في تحديد العلاقات بين الدولة التركية وبين "وادي ميزاب" على أسس ترمي إلى الاعتراف بوجود ميزاب" كما هو، ومسالمته في نظمه وآدابه على أن يدفع مقابل ذلك للدولة التركية اثني عشر عبدا واثنتي عشرة أمة، وأشياء أخرى في كُلّ سنة كما فصل ذلك في كتاب "عثمان باشا" لتوفيق أحمد المدني، وعلى هذه الأسس وقت معاهدة بين فرنسا و"ميزاب" سنة 1853 م.
11
ومن أبرز العلاقات بين الدولة التركية و ميزاب" رسائل وقصائد الشيخ الحاج إبراهيم بيحمان الذي ذكرناه آنفًا، يخاطب بها ملوك الدولة فيما بين عام 1200 م وعام 1207 م مخلد في ديوانه المخطوط، وكان لها أثر محمود في أوساط الدولة و"بني ميزاب" في
كما
هو
ذلك الحين».
هذا ما قاله شيخنا أبو اليقظان الله -
-رحمه
ويبدو أن بعض الأحداث التاريخية الهامة قد اختلطت عليه وهو يكتب جواب السؤال، فلا شك أن الاتفاقية المبرمة بين الإباضية والدولة العثمانية إنَّما أبرمت بين وفد مكلف من الوالي العام أو (الداي) في الجزائر العاصمة، أما صالح هذا فهو عامل من عمال الداي، وطمحت نفسه أن يضم "وادي ميزاب" إلى الأرض التي تقع تحت عمالته، وبنو "ميزاب" في ذلك الحين يتمتعون باتفاقية حماية لا خضوع كامل، فَلَمَّا سَمعوا بنواياه قاموا لذلك وقعدوا، وأجروا عدة مفاوضات مع الوالي العام للجزائر لا مع
صالح باي وتم لهم ما أرادوا وسوف يتضح لك الموقف كله بعد قراءة الفصل كله. (1/1006)
صفحة 1007
الإباضية في موكب التاريخ
243
الإباضية في الجزائر
أما أستاذنا الفاضل الشيخ باكلي عبد الرحمن فقد كان جوابه كما يلي: «كان الإباضية في "ميزاب" إلى عهد الدولة التركية منعزلين في وطنهم لا يكادون يتصلون بخارج محيطهم اللهم إلا ما كان من زيارة بعض شيوخ دعوتهم، وما إلى ذلك من انتقالات جزئية مستقلين فيه استقلالا تامًا حَتَّى استقرت قدم الدولة التركية بالجزائر، وأخذ نطاق استقلالها يتسع، فوجدوا أنفسهم بين شدقي ضيغم، ووضعهم عَلَى خطر إن لَمْ يحتاطوا لمستقبلهم، وسارعوا إلى مع هذه القوة الزاحفة مفاهمة يحفظون معها ذاتيتهم واستقلالهم، وإلا عصفت بهـ
المفاهمة
رياح الحوادث ويا ما أكثرها، ولا سيما وهم أقلية. وفعلا اتصلوا بالدولة التركية، وقرروا تبعيتهم إليها تبعية اسمية فقط، أو بعبارة أوضح: دخلوا تحت حمايتها مقابل خراج سنوي يدفعونه لها، ولهم مقابل ذلك حق الاتجار والاكتساب في مدنها وحماية أشخاصهم وأموالهم في أسفارهم عبر بلادها. فهل أمنتهم في أسفارهم وحمتهم من قطاع الطرق حقا؟
كلاً فالذي يقصه علينا التاريخ أن الدولة التركية لم تعر إلى هذه الناحية أدنى التفاتة؛ بل ألقت الحبل على الغارب، وتركتهم عرضة للنهب والسلب والترويع، فلا يخرجون من بلادهم أو إليها إلا قوافل مسلحين استعدادًا للطوارئ، وتحت حماية بعض أبطال ذلك الزمن منهم الذين يستأجرونهم لذلك، مخافة أن يذهبوا هم وأموالهم وأولادهم ضحية، فكم من جماعة سافرت إلى وطنها بعد أن أمضت سنتين في الجمع والاكتساب تخرج عليهم جماعة محرمة من قطاع الطرق، فتجردهم من كُلّ ما ملكت أيديهم، وتتركهم عراة صفر الأكف». تبعد كلام طويل بليغ قال: «فَلَمَّا أخضع الباي صالح جبال "عمور" والصحاري وما حواليها حدثته نفسه بتحويل تبعية "ميزاب" إليه، ففاوض في الشأن باي الجزائر حسن الدولاتلي، فقيل: إنَّه أجاب طلبه نظرًا لإخلاصه وحسن بلائه، بيد أن الميزابيين ثارت ثائرتهم، واضطربوا اضطرابًا شديدًا لما يعلمون من سوء نواياه كما يصرح بذلك جوابهم إلى باي الجزائر الذي أعلنوا فيه في شمم رفضهم لتبعيتهم للباي، صالح، فإما أن يبقيهم على الحالة الأولى من تبعيتهم للسلطة المركزية، وإلا فليسرحوا أبناء "ميزاب" الذين دخلوا بلادهم بأمان،
وأرض الله واسعة الفضاء». (1/1007)
صفحة 1008
الإباضية في موكب التاريخ
244
الإباضية في الجزائر
المسلمين
الكتاب نيابة عن "ميزاب" بأسره الشيخ الحاج إبرهيم بيحمان أحد تلاميذ الشيخ عبد العزيز صاحب النيل، وأحد شيوخ "يسجن"،بعده، وَمِمَّا جاء في الكتاب: « ... من عليك جموع "بني ميزاب" المشتكين إليك ما نزل بهم مِمَّا لا طاقة لهم به، وذلك أنهم سمعوا
أنك تريد أن تضرب عليهم الغرامة المالية على يد صاحب الولاية الشرقية غير ما كانوا عليه من قديم الزمان، ويريد أن تبدل أحوالهم المسطرة من الأسلاف والأجداد إلى أن قال:- فإن قلت لابدَّ من هذا فإنَّا لأمر الله طائعون، ولكلامك سامعون فسرح جينئذ أولادنا الذين دخلوا الجزائر بأمان الخادمين بضائعها بالإحسان أن يقدموا إلى ما يريدون من البلدان، وأرض الله واسعة ما دام الزمان.
عَجِبْتُ لِمَنْ يَعِيشُ بِغَيْرِ عِنْ
وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ بَراهَا
والجواب أرسل إلى السيد إبراهيم بن صالح الأمين ويدخله إليه بواسطته على يد صهره الحاج علي بن عبد اللطيف مؤرخ بتاريخ ذي القعدة عام 1206 هـ، ثُمَّ جاءت الأخبار 206 بعد ذلك بعدول باي الجزائر عن عزمه بسبب وقوع سوء مفاهمة بينه وبين الباي صالح أدى إلى مصرع هذا الأخير، ومن أبطن سريرة ألبسه الله رداءها». فيما نقلته عن الشيخين الفاضلين يرى القارئ الكريم أَنَّهُما لَمْ يتحدثا في رسالتيهما عن إباضية "وَارجُلان"، وَإِنَّمَا قصر حديثهما على إباضيَّة "وادي ميزاب"، ويبدو أن حالة "وادي ميزاب" في ذلك الحين تختلف عن حالة "وَارجُلاَن" بعض الاختلاف. فبينما كان سكان "ميزاب" عند دخول الأتراك إلى جنوب الجزائر كلّهم عَلَى المذهب الإباضي، اللهم غير أسر قليلة جاءت تبعا لوسائل العيش، والتماسًا للعمل، ولا تلبث أن ترتحل، وكانت بلاد ميزاب" مستقلة استقلالا تاما
عن أي نفوذ ويتولى الحكم فيها مجلس العزابة بأنظمته المعروفة في شؤونه الداخلية والخارجية. وبينما كانت "ميزاب" على هذا الوضع المستقل نوعا ما كانت "وار جلان" على وضع يخالف هذا الوضع بعض المخالفة، فقد كان سكان "وَارجُلاَن" في ذلك الحين يتكونون من الإباضية والمالكية كما أنهم كانوا خاضعين لأمير يجري عليهم الأحكام على طريقة أمراء الطوائف والشيوخ المستبدين، وإن كان الإباضية من سكان "وَار جلان" يرجعون في أمورهم (1/1008)
صفحة 1009
الإباضية في موكب التاريخ
245
الإباضية في الجزائر
الدينية والاجتماعية إلى مجلس العزابة في أكثر الأحوال، ولكن يبدو من أحداث التاريخ ووقائعه أن سلطة مجلس العزابة في تلك الفترة كانت محدودة جدا.
ونظرا لطبيعة هذه الفوارق بين إباضية "وادي ميزاب" وإباضية "وَارجُلان" اختلف موقف الدولة العثمانية منهما، فبينما ألحقت جميع البلاد الجزائرية ومنها "وار خلان" لحكمها، وجعلت عليها ولاة ينفذون سياستها ويطبقون أحكامها ويشرفون على إدارتها ويجمعون لها الضرائب ويتولون رعاية جميع الشؤون في مختلف ميادين الحياة. فبينما يقفون هذا الموقف في "وارجلان" وفي بقية القطر الجزائري تراهم في "وادي ميزاب" يقتصرون على عقد اتفاق حماية، يعترف فيها الشعب الميزابي بسيادة الدولة العثمانية، ويدفع لها خراجًا سنويا معينا، وتتعهد الدولة مقابل ذلك بحمايتهم في وطنهم وخارج وطنهم. أما شؤون "ميزاب" الداخلية في المجالات الدينية والاجتماعية والاقتصادية فمرجعها إلى مجلس العزابة. هذا الفارق بين طبيعة الحياة في وارجلان وطبيعة الحياة في وادي" ميزاب" هو ما ترك الشيخين
يتحدثان عن علاقة "ميزاب" فقط بالدولة العثمانية تاركين الحديث عن "وار جلان" لغيرهم. والواقع أنه إذا استثنينا وضع "ميزاب" فإن أسلوب الحكم العثماني يتشابه في أغلب البلاد الإسلامية؛ لأن المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية قد خضعوا للدولة العثمانية والمنوا إليها، ورأوا فيها دولة الخلافة التي تحافظ عَلَى تراث الإسلام ومجده ما عدا أفرادا كانوا يثورون هنا وهناك لأسباب مختلفة أغلبها شخصية سعيا وراء الوصول إلى كراسي الحكـ الحكم. وقد بادلت الدولة العثمانية المسلمين جميعًا حبًا بحب، واطمئنانا باطمئنان، وأعدت نفسها لتشغل مكان الدولة الإسلامية الكبرى التي تقود البشرية، وتحافظ على الحضارة الإسلامية السابقة، مضيفة إليها ما تستطيعه من حضارة وأمجاد وقد حملت مشعل الإسلام وأوصلته إلى ما لَمْ يصل إليه من بلاد الشرق الأقصى وشمال أوروبا الشرقية. وضعها تجاه الدول الصليبية الحاقدة الحانقة التي كانت تحاول بكل ما عندها من وسائل أن تقضي على الإسلام، وتستولي على البلاد التي ينتشر فيها، عرقلت مساعيها
غير أن
الإصلاحية العمرانية الداخلية. (1/1009)
صفحة 1010
الإباضية في موكب التاريخ
246
الإباضية في الجزائر إن الموقف المتعنت من دول أوروبا الصليبية الحاقدة الحانقة جعلها توجه أكمل عنايتها إلى الناحية الحربية، وتهتم بالعواصم والثغور للمحافظة عليها، وتهمل أمور الدواخل في أغلب الأحيان نوعًا من الإهمال اللهم في فترات قصيرة وبجهود بعض الولاة المصلحين بفطرتهم ودينهم. وعلى هذا الوضع كان الجنوب الجزائري.
وهذه الصورة التي عرضناها عَلَى القارئ الكريم لا تمنعنا أن نقول كلمة الحق في تلك الدولة التي رفعت منار الإسلام زمنًا غير قصير، ونشرته في كثير من أنحاء الأرض، وكالت لأعدائه والحاقدين عليه صفعات مؤلمة لا يزال صداها يرن فوق أثباج البحر الأبيض المتوسط. ولقد كان دورها في التاريخ الإسلامي العام لا يقل عن دور الدولتين الأموية والعباسية بحال من الأحوال، إن الذي تَدلُّ عليه المصادر التاريخية التي بين أيدينا من المراسلات الجارية بين مركز الدولة وأطرافها يَدُلُّ عَلَى أن لها عناية واهتماما بالتعرف على شكاوي الأهالي، ودراستها والاستجابة لها، وقبول المعقول من طلباتهم، وأحسب أن هذا القدر كاف في الدلالة على حسن نية الدولة ورعايتها لمصلحة الأُمَّة، ولا مطمع في أكثر من ذلك من أية دولة مدنية لا تلتزم الإسلام منهجًا وحكماً.
وأيا ما كان الأمر فقد كان الإباضيَّة في الجزائر كغيرهم من المسلمين الداخلين تحت نفوذ الدولة العثمانية يرون أنها في ذلك الحين تمثل قوة الإسلام وتحمل لواءه، وأن سلاطينها هم الخلفاء الذين يجب أن يسمع لهم ويطاع أمرهم، وهم لذلك راضون عن الدولة مطيعون لها وإن نقموا بعض الأحكام من بعض الأفراد أو بعض التصرف من أحد الولاة أو الموظفين، وهم لا يطمعون منها في أكثر من ذلك؛ لأنها دولة مستبدة وليست خلافة رشيدة، وهذا الموقف هو ما كانت عليه جميع دول الخلافة في العهد الإسلامي باستثناء الخلافة الرشيدة أو خلافة عمر بن عبد العزيز أو بعض الدول التي قامت في جهات العالم الإسلامي، وَلَمْ يتح لها أن تحكمه كله، وإنما حكمت جانبًا منه لفترة قصيرة أو طويلة، وقد كانت الصورة العامة كما يلي: - اعتراف من الناس بنظام الدولة القائم، واعتزاز، به وسمع له وطاعة، ونقد لأعمال الحكام، وسخط على الولاة الظالمين والموظفين الذين لا يراعون أحكام الله ولا يسيرون على
منهاجه القويم واحترام وتقديس الشخص الخليفة النقد الحر لكُلِّ ما ومن يتصل به. (1/1010)
صفحة 1011
الإباضية في موكب التاريخ
247
الإباضية في الجزائر
- كان الإباضية يعيشون في كُلّ من "ميزاب" و"وَارجُلاَن" في نطاق ضيق محصور على ما تنتجه أراضيهم، وعلى حرف يدوية بسيطة، قد يكون أهمها صناعة الصوف الذي تشتغل به المرأة، فَلَمَّا دخلت تركيا إلى الجزائر وأظهرت أنها ستؤمن جميع السبل (1)، وتعهدت للميزابيين بحمايتهم، انطلق أولئك الناس المجدون، حيث يجدون متسعًا للكفاح في سبيل الرزق الحلال، وذهبت جماعات منهم في بادئ الأمر إلى الجزائر لاحتراف التجارة. نجحت تجربة تلك الجماعات نجاحًا باهرا، شجع الكثيرين على الاقتداء بأولئك المغامرين الأولين، وتبعهم آخرون. وهكذا نشط القوم ودخلو أغلب المدن الجزائرية، واستطاعوا - في مدة قصيرة - بما أوتوا من خبرة من التجارب وجد في العمل، وأمانة في المعاملة أن يمسكوا بمقاليد التجارة في كل الجزائر، وبالتالي في الاقتصاد الجزائري العام بعد أن أمسكته ذلك الأيدي الأمينة المجدة الحريصة، فاحترمتهم الدولة لذلك، وكانت تحسب لهم حسابًا أي حساب، وعرفوا هم أيضا متزلتهم في الاقتصاد الجزائري وفي نفس الدولة، فكانوا يدلون عليها بذلك ويهددونها هذا الميدان إذا لم ترع حقوقهم، وتستجيب لمطالبهم، وتفي لهم بما تعهدت به، ويَدُلُّ عَلَى ذلك دلالة واضحة كثير من المراسلات التي جرت بينهم ومن آخرها وأوضحها في هذا المقام ما جاء في رسالة الحاج إبراهيم بيحمان: « ... فإن قلت لابد من هذا، فإنا لأمر الله طائعون، ولكلامك سامعون، فسرح حينئذ أولادنا الذين دخلوا الجزائر بأمان الخادمين
بالانسحاب من
منهم
بضائعها بالإحسان، أن يقدموا إلى ما يريدون من البلدان وأرض الله واسعة ما دام الزمان». بهذه اللهجة الشديدة يجابه ممثل "ميزاب" والي، الجزائر، ويهدده بالانسحاب من ميدان التجارة، ولاشك أن هذا الوالي وغيره من ولاة الدولة العثمانية في الجزائر ليسوا هم الذين دعوا الميزابيين إلى التجارة في الجزائر أو في غيرها من المدن؛ وَلَكنَّهم كانوا يعرفون الفرق في الحالة الاقتصادية الجزائرية ومداخيل الحكومة منها قبل أن يتولى الميزابيون وأهل "وارجلان"
1) يقول أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن: إن الدولة العثمانية لم تف للإباضية بما تعهدت به، وَلَمْ تؤمن السبل لهم ولا لغيرهم، فقد كانت مشغولة بمصارعة القرصنة على أمواج البحر الأبيض المتوسط، ولذلك فقد انصرف الإباضية عن وعودها، لهم واعتمدوا على أنفسهم واتخذوا وسائلهم الخاصة لحماية أنفسهم وأموالهم أثناء
أسفارهم المتوالية. (1/1011)
صفحة 1012
الإباضية في موكب التاريخ
248
الإباضية في الجزائر
تصريف التجارة فيها وبعد ذلك. ومعرفة الوالي بحقيقة ذلك دعته أن يتغاضى عن الخشونة والتحدي الظاهر في الرسالة رغم أن آذان الولاة في تلك العصور لم تتعود سماع الكلام الخشن، ولو كان حقا؛ ولأن الوالي يعرف أنه لو أغفل مطالب أولئك القوم، وترك لهم أن يخرجوا على تلك الصورة الغاضبة، فإن الاقتصاد الجزائري سوف ينهار أو رُبَّمَا يترنح فقط، وأن أسواقها سوف ترتبك. ولا شك أن مداخيل الدولة ترتبك من وراء ذلك عَلَى الأقل فترة ما حتّى يجد ذلك الاقتصاد الأيادي البديلة التي تمسكه وتسير به كما يعرفون أن التجار من "بني مصعب" وأهل "وَار جلان" الذين مهروا في التجارة، وعرفوا أدق أسرارها وأخفى أساليبها لا يلبثون أن يفتحوا لأنفسهم مجالات جديدة في أماكن جديدة، تدر عليهم أرباحا لا تقل عن الأولى، وترفع اقتصاد بلاد أخرى رُبَّما كان بين ولاتها وهؤلاء الولاة تحاسد ومنافسة، وإن كانت جميعًا ترتبط باسم الدولة العثمانية. ولذلك فقد تردد الوالي أمام لهجتهم المتحدية القاسية، ثُمَّ لان واستجاب لرغباتهم ووافق على مطالبهم.
على أن موقف الدولة التركية من الإباضية في الجزائر وفي غير الجزائر كان يبدو فيه كثير من التقدير والاحترام والتفهم ومحاولة الإنصاف، يَدُلُّ عَلَى ذلك تلك المجالس العلمية التي كان يعقدها ولاة الدولة التركية لمناقشة بعض المسائل والمشاكل والشكاوى، فيدعون إلى حضورها بعض علماء الإباضية المعروفين فيمن يدعى من علماء المذاهب الأخرى، وكذلك مجالس المناظرة والمناقشة في المسائل الخلافية بين المذاهب التي تثار هنا وهناك بطريقة تتيح الفرصة لكُلِّ أهل مذهب أن يكشفوا عن آراء مذهبهم بما لديهم من حجة وبيان. وقد كان العلامة أبو يعقوب يوسف بن مُحَمَّد المصعبي - في نظر الدولة التركية- يُمثل العالم والزعيم الإباضي في المغرب الإسلامي، ولذلك فقد كان طيلة عصره ممثلا لرأي الإباضيَّة في جميع المشاكل من هذا النوع التي أثيرت في الجزائر وتونس وليبيا، وكانت له في
ذلك مواقف مشرفة عند جميع الأطراف، وله في هذا الميدان رسائل وتقارير قيمة. كما أن الدولة التركية كانت تنظر إلى الإباضية نظرتها إلى أي فرقة إسلامية أخرى نظرة طبيعية مجردة نزيهة، لا عصيبة فيها، ولا ترفع ولا تحامل ولعل السبب في ذلك أن (1/1012)
صفحة 1013
الإباضية في موكب التاريخ
249
الإباضية في الجزائر
الشخصيات العلمية التي اتصلت بالأتراك في مختلف بلاد الإباضية كانت تمثل شهامة العالم المسلم، وترفعه عن الطمع وعدم تملقه لهيبة السلطة، وقوته في إعلان كلمة الحق والإصداع به. كما قد يكون أولئك العلماء الذين احتكوا بمجالس الحكم قد أوضحوا في تلك المجالس أن المذهب الإباضي من أصح المذاهب الإسلامية استنادًا وارتباطا بالقرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة، وأن أتباعه من أحرص المسلمين عَلَى أن يكونوا مثلا عُليا في كُلِّ مجتمع عاشوا فيه. كما قد يكون الولاة الأتراك قد تحققوا خلال تعاملهم مع الإبَاضِيَّة في الجزائر من صدق القوم في معاملتهم وعهودهم والتزامهم للأمانة، وحرصهم على الشرف والنظافة والاستقامة، ومحاسبتهم لأنفسهم ولقومهم قبل أن يحاسبهم الغير، أو يبدو منهم ما يخالف دين الله، أو قانون الدولة، أو عرف الناس.
وَلَعَلَّه يحسن بي أن أختتم هذا الفصل بما يلي:
قال السيد عمر بن عيسى بن إبراهيم في كتابه بيان حقيقة عن التجنيد الإجباري" صفحة 43 ما يأتي: «في عهد الاستيلاء التركي على الجزائر تكاثر عدد التجار الميزابيين المنتشرين بشمال أفريقيا بسبب نمو أمتهم فاحتاجوا لحماية تجارتهم من طرف ولاة الأمور العثمانيين، فوقع اتفاق بينهم وبين ميزاب، بحيث أن اليمزابين يدفعون للأتراك جباية سنوية مقدارها اثنا عشر عبدا واثنتا عشرة أمة ولا يتدخل أرباب السلطة البتة في أمورهم؛ بل تركوهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم على مقتضى مذهبهم الإباضي وعوائدهم وأخلاقهم الخاصة بهم، وهكذا كانت حالة "ميزاب" عند احتلال الجزائر في سنة 1830 م». (1/1013)
صفحة 1014
الإباضية في موكب التاريخ
250
الإباضية في الجزائر
عزيزي القارئ؛
الباب الرابع:
صور عن مدن وبلدان
في هذا الباب أردت أن أضع بين يديك صورًا للمدن أو البلدان التي كانت عامرة بالإباضية، فذكرت "آجلو" و"تجديت" و"تقرت" كنماذج كانت عامرة في الماضي ثُمَّ خلت من الإباضية، وذكرت "وارجلان" و"ميزاب" كنماذج كانت عامرة في الماضي، وهي عامرة الآن والحمد الله، ولن تزال عامرة بهم ما شاء الله.
وهذ المدن جميعًا في المناطق التي تحويها وتتصل بها كانت مترابطة تعطي صورة واضحة كاملة للحياة الاجتماعية، والسيرة الإباضية التي كان يحيا عليها الإباضية في القطر الجزائري بعد انقراض الدولة الرستمية.
"اجلو"
مدينة كانت تقع قرب البلدة التي تُسَمَّى اليوم "بَلْدَة عمر"، قال عنها ؤرخ المدقق والأديب البارع شيخنا باكلي عبد الرحمن ما يلي: مثل ذلك بلدة "آجلو" (بلدة عمر) القديمة، وما اشتهرت به من صلاح حَتَّى اتسمت ببلدة الصالحين». اشتهرت مدينة "آجلو بالصلاح والعلم والعمل شهرة لَمْ تبلغها أية مدينة أخرى قريبة منها، معاصرة لها، وقد بلغت من شهرتها في الصلاح والفضيلة والنظام مبلغًا يسر للخيال أن يضيف إليها بعض الخيوط، وللخرافة أن تجد مدخلا بين الحقائق (1)، ووصف بما وصفت به المدينة حياة قويمة بحياة الفرد والمجتمع، وأصبحت بذلك مأرزا وملجأ لرجال العلم، فكان
الفاضلة
من
(1) انتشرت بين الناس في ذلك الحين خرافة تزعم أن دولة تقوم في مدينة تُسَمَّى "جعراف"، وأن تلك الدولة تملاً الدنيا عدلا وأن تلك الدولة يتكل عليها المسلمون الصادقون وَلَمَّا رأى بعض الناس ما عليه "آجلو" من فضيلة وصلاح قالوا: إِنَّهَا هي "جعراف" التي تتحدث عنها بعض القصص؛ بل بلغ بعضهم إلى أن زعم أن "آجلو" هي "جعراف"، وأن ملكها هو أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر. (1/1014)
صفحة 1015
الإباضية في موكب التاريخ
مطمئنا، في جو
251
الإباضية في الجزائر
يلجأ إليها كُلّ من يخشى الفتنة، أو يثور بين رجليه دخانها، فيفر إليها ليعيش هنالك آمنا كله دين وخلق وعلم وعمل صالح، لا تجد إليه السياسة طريقا، ولا البدعة مدخلا، ولا مكائد الناس والشيطان مروّجا، وكان كثير ممن يعيش في البلاد المضطربة يعد العدة للهجرة إليها، ويوصى بنيه بذلك؛ لأنها في نظرهم وفي الواقع تمثل موطن السلامة في الدين، وقد كانت مركزا علميًا واسع النطاق، ومنها امتد نور المعرفة إلى كثير من البلاد وتخرج فيها عدد غير قليل من العلماء الأعلام، وكان العباد والزهاد والصلحاء يؤمونها للعبادة فيقضون فيها أوقاتا ممتعه في مناجاة الله، ثُمَّ يعودون إلى قراهم وأحيائهم، وقد بلغت ذروة مجدها وعظمتها في هذه الناحية عندما اختارها أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر فاتخذها موطنا له ولطلابه. كان العالم الصالح معاذ بن أبي علي يسكن في أول أمره في قصر "بني وليل" الواقع جنوب "وادي" "أري "، وَلَكنَّه كان يُجشم نفسه مشقة السفر مَرَّةً في كُلِّ أسبوع، فكان يحضر إلى "آجلو" مساء كُلّ خميس من العبادة كالصلاة وتلاوة القرآن ومذاكرة فنون العلم، ويقضي صبيحة اليوم معهم مفيدًا ومستفيدًا، حَتَّى إذا صَلَّى الظهر وحضر دروس الوعظ التي يلقيها أكابر العلماء هناك، ثُمَّ صَلّى العصر، انصرف راجعا إلى قريته قصر "بني وليل". وَلَمَّا أرهقه التعب، وأضناه السفر، ونالت منه المشقة، ورأى أن الاستفادة مقصورة عليه ولا تنال أفراد أسرته الآخرين فكر في الانتقال، وهكذا أخذ معاذ أفراد أسرته وانتقل إلى "آجلو"، واستقر بها بين أهلها الكرام وأتيحت له الفرصة لكي يعيش في تلك المساجد والمجامع العلمية العامرة بالإيمان والمعرفة والعبادة، كما أتيح لولديه إبراهيم وعائشة أن يواصلا دراستهما، وأن يحضرا مجالس العلم على فطاحل العلماء، ومع أنجب الطلاب وأذكى التلاميذ. كانت أسرة معاذ أسرة دين وعلم وفضل، حَتَّى ضرب بهم المثل فقيل: "خير شيو "آجلو" معاذ، وخير فتيانها إبراهيم ولده، وخير نسائها عائشة بنته". وقد اشتهر معاذ بصفات يحقُّ له بها أن ينال احترام الناس وتقديرهم، فقد كان سخي النفس، سليم الصدر، بعيدا عن المزاحمة في أمور الدنيا، يُحِبُّ الخير للجميع، وماذا يريد الناس من أي إنسان أكثر من أن يكون صدره مفعما بالمحبة والعطف، يتسع لهم جميعا، وأن تكون (1/1015)
صفحة 1016
الإباضية في موكب التاريخ
252
الإباضية في الجزائر
نفسه سخية تمتد لهم بالمساعدة والإحسان، وأن يتجاوز عن دنياهم ويتركها لهم لا يزاحمهم عليها، ولا يطالبهم بنصيبه فيها.
وقد كان لطيبة قلبه وحبه للناس وعدم اهتمامه بأمور نفسه يحسبه بعض الناس قليل الذكاء
قال أبو العباس الشماخي: «والشيخ معاذ رجل صالح زاهد تقي القلب محموله، ذو نية». وقد درست عائشة بنت معاذ على فطاحل العلماء في "آجلو" وبلغت درجة في العلم يعز على نظائرها بلوغها، فكانت تناقش كبار العلماء في أدق مسائل علم الكلام، وكانت كثيرا ما تلزم بعضهم الحجة، وتنتصر عليهم في ميدان الجدل والحوار، وكانت تذهب في آرائها ونظرياتها مذهب
التشدد والتضييق حتَّى أَنها كانت ترى أن من لا يعرف الصواب في مسائل الاجتهاد غير معذور. جمعها يوما مجلس مع الشيخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد اللنتي وجرى بينهما نقاش في بعض مسائل العلم، فقالت له: "ما تقول فيمن أقر بالصلوات المفروضة إلا واحدة؟ فقال لها: هو منافق، ولا يحكم عليه بالشرك، فقالت له: أخطأت؛ بل يحكم عليه بالشرك". واستَتَابَتْهُ من قوله فتاب منه.
إن أبا مُحَمَّد اللني قد أقر لعائشة بما تريد، واستجاب لها حين طلبت منه التوبة إلا أن القضيَّة كانت ما تزال تشغل فكره، واجتمع ذات يوم بالعالمين الكبيرين أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر، وأبي هارون موسى بن علي فسألهما سؤال عائشة له فأجاباه بما أجابها هو به حين سألته، فحمد الله تعالى وأخبرهما بقصته مع بنت معاذ وتوبته لها عن قوله السابق، فأكد له الشيخان أن قولهم هو الصواب، وأن عائشة مُخطئة، وَأَنَّهُ ما كان يحق له أن يُجيبها فيتوب من الصواب إلى الخطأ .. وسارت الأيام بهذه القصة وكانت عائشة كثيرة الحركة جَمة النشاط، متقدة الحيوية ماضية في الدراسة، عاملة عَلَى الاتصال برجال العلم والإفادة والاستفادة منهم، حتى جمعها يوما مجلس مع أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر فناقشته في كثير من مسائل علم الكلام وكان فيها وجهت إليه من الأسئلة ما يلي: هل يعذر الإنسان بجهله للصواب؟ فأجاب بأنه يعذر إذا اجتهد في مسائل الفروع وقالت: "لا يعذر". (1/1016)
صفحة 1017
الإباضية في موكب التاريخ
253
الإباضية في الجزائر
سألته عمن نسي رسولا فحسبه نبيًا بماذا يحكم عليه. فقال: "يحكم عليه بالنفاق"، قالت: "بل" هو مشرك"، فأجابها أبو زكرياء بلهجة فيها تأنيب بدعابة وإدلال بقسوة، وتعريف "ألست أنت التي استتبت أبا مُحَمَّد اللنتي يا كليفة؟ "، قالت: "بلي"، فعرفت هذه المسائل الثلاثة بمسائل الكليفة.
بحزم
درست عائشة علم الكلام على العلامة الكبير تبغورين بن عيسى الملشوطي، وكانت تفتخر به وبدراستها عليه وتعتبر أقواله حجة، فإذا جرى بينها وبين أحد نقاشا في قضيَّة من قضايا علم الكلام كان يكفيها حجة أن تقول: قال تبغورين بن عيسى الملشوطي: كذا وكذا .. "، وكان هذا في نظرها أبلغ حجة وأسطع برهان فلا تحتاج بعده إلى مزيد كلام، ومع احترامها لشيخها تبغورين وحبها له إِيَّاهُ واعتزازها بعده بدراستها عليه وتمسكها بأقواله وآرائه كانت تقول: رأيت كثيرًا من العلماء وأهل الخير واستمعت إلى عدد جم منهم واستفدت، ولولا أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر لَمتُ بالجهل". وذلك أَنها كانت تدرس عَلَى غيره من المشايخ في شبه، تخصص، تأخذ عن بعضهم علم اللغة والأدب، وتأخذ عن بعضهم علوم الشريعة والأصول، وتأخذ عن غيرهم علم الكلام، أو
علم المنطق، وغير ذلك من فروع الثقافة المعروفة في ذلك الحين ضمن التاريخ والرياضيات. أَمَّا أبو العباس أحمد بن مُحَمَّد بن بكر فقد كان دائرة معارف يجول في كُلّ ميدان، وكانت تهم
دروسه تشبه أن تكون مُحاضرات تلقى في جميع الفنون فكان المتفوقون من الطلاب يلذ سماعه والسباحة معه في الآفاق التي يسبح فيها، وكانت عائشة من أمهر السباحين في علوم الشريعة بمختلف فروعها، وفي علوم اللغة والأدب، وكانت ترى أن تعلم اللغة وآدابها وما تقوم
عليه من نحو وصرف واجب أكيد على المسلم حتَّى يستطيع فهم كتاب الله وسنة رسوله ال. كانت عائشة تمثل المرأة المسلمة المستنيرة التي تشارك الرجل في جميع الميادين الثقافية، دون أن تتخلى عن رسالتها كأم ترعى بيتا وترعى أولادا، وكزوجة تصون نفسها وبيتها، وترعى زوجها في نفسها وفي ماله وفي بيته وتوفر له وسائل الراحة والسعادة والاستقرار، ودون أن تلقي عنها ثوب الحياء والحشمة؛ فلم يعقها الحجاب، ولا الثوب السائر الفضفاض أن تناقش أذكى الطلاب، وأن تتفوق عليهم. (1/1017)
صفحة 1018
الإباضية في موكب التاريخ
254
الإباضية في الجزائر
حفظت عائشة القرآن الكريم وهي صغيرة السن وتفتّح عقلها الذكي لمزيد من المعرفة
سن
وعندما كانت أشد ما تكون ظمأ إلى المزيد من المعرفة وإلى الاستقرار في الدراسة بلغت المراهقة، وتفتحت فيها براعم الجمال، وأشرقت عليها أنوار الشباب بعد غضارة الصبا وبراءة
الطفولة، وكان هذا التحول في شخصيتها من طفلة تلفها البراءة إلى صبية تطفو عليها مسحة الجمال المغرية سببا في تغير سلوكها، فقد لاحظت أن أعين الزملاء تنظر إليها نظرات تحمل معاني مَجهولة لَمْ تكن تُحس بِهَا من قبل، وأحست بجو جديد بينها وبين أسرتها، وهمسات عنها يحسبونها في غفلة، وفهمت ما كانوا يوشوشون به، وأدركت أنهم يفكرون في قطعها عن الدراسة، وعدم السماح لها بالذهاب إلى مجالس العلم، وهي على أبواب البلوغ، وقدرت أنه ستثور بينها وبين أهلها معركة حامية تكون فيها هي المغلوبة لا محالة إذا لم تعرف كيف تعد لنفسها أسباب النصر، وفكرت في قضيتها في هدوء تفكيرا سليما قبل أن يفكر أفراد أسرتها ومدرسوها بجد، وجاءت ذات يوم إلى أبيها تطلب منه أن يشتري لها حصيرًا من النوع الخفيف غير العريض، وطلبت من أمها أن تُحضر لها عباءة، ولما سألها والدها عن سبب هذا الطلب شرحت لهم وجهة نظرها فهي تريد أن تستمر في دراستها على مشايخها، وتريد أن لا ينشغل بها أحد وتنشغل به. ووافق الوالدان على الطلب، واستطاعت أن تضمن لنفسها الدراسة دون أن تثير عليها غضب أحد أو نقده، ودون أن تتبذل أو تستهتر، فكانت تذهب إلى المجامع العلمية متلفعة في عباءتها الساترة الحاجبة، فإذا بلغت المجلس جلست قريبا من شيخها، ثُمَّ أدارت على نفسها الحصير وتخففت في العباءة فكان شخصها مفصولا عن الحاضرين لا تراهم ولا يرونها، ولكنَّها كانت تستمع وتناقش وتكتب ما تشاء في حرية كاملة حتى بلغت ما بلغت واشتهرت بين رجال العلم معارفها وسعة اطلاعها، وفصاحتها، وأصبحت الأنظار متجهة إليها في احترام وتقدير لما حباها به من عقل وذكاء وفهم، ولما تتحلى به من دين متين، وخلق قويم، وعلم غزير. لقد كانت عائشة بنت معاذ في الجزائر مثل أم ماطوس في ليبيا، وقد أقامت هاتان المرأتان الحجة على المرأة المسلمة، وبرهنتا عَلَى أن الفتاة إذا شاءت فَإِنَّهَا تستطيع أن تبلغ أقصى ما يبلغه الرجال من المعرفة مع المحافظة على دينها وأخلاقها، وصيانة تامة لأسرتها وبيتها، ودأبها
الله (1/1018)
صفحة 1019
الإباضية في موكب التاريخ
255
الإباضية في الجزائر
على القيام بالأعمال المطلوبة من المرأة في البيت دون مزاحمة الرجل على أعماله ومحاولة
الجلوس في مكانه، وزحزحته عما خلقه الله بالفطرة لتأخذه
هي بالدعوى والتكلف.
"تجديت"
"تحديت"
كانت مدينة كبيرة قرب "جامعة" قال عنها شيخ الصحافة الجزائرية وأحد أركان نهضتها شيخنا أبو اليقظان إبراهيم -رحمه الله -: كانَ لـ "تجديت" شهرة عالمية في العلم والعمران والنظام العجيب»، وقال بعد أسطر: «ويبدو لي بتسمية هذا البلد بـ"تحديت" أَنَّهُم بإنشائها يُحاولون مقابلة عاصمة تاهرت التي يسمونها بـ"تاقدمت" كما هو مرسوم بمحطة أطلال تاهرت، وكأنهم يهدفون بهذا إلى إنعاش تاهرت القديمة "تاقدمت" باسم البلد الجديد "تجديت" وهو مرمى بعيد وهدف سياسي له مغزى يرمي إلى تجديد تاهرت في الجنوب». وقال المؤرخ الأديب الشاعر البارع أستاذنا باكلي عبد الرحمن بن عمر -حفظه الله ورعاه- ما يلي: «وناهيك بتاجديت وما بلغته من ازدهار وتألق أنوار، وقد قصَّت علينا السيرة ما يدهش ويبهر .. تحدث كثير من المؤرخين عَلَى هَذه المدينة التي كانت في يوم من الأيام عاصمة من عواصم العلم، ومركزاً من مراكز الثقافة الإسلامية تشد إليها الرحال، ويؤمها الطلاب من كُلّ مكان، قال عنها أبو العباس الشماخي: "تجديت" موضع معلوم بقبيلة "أريغ" وليست ببعيدة عنه، اجتمع فيها من أهل الدعوة والعلماء والطلبة وأهل الصلاح ما لم يوجد في غيرها، وعد فيها مائة عالم لا يرد أحدهم مسألة إلى الآخر إلا من جهة الأدب».
العلماء
يبدو من كلام المؤرخين أن "تاجديت" تكاد تكون مدينة علمية بما فيها من والطلاب والمعاهد فقد كان الطلاب فيها يعدون بالمئات ويصنفون إلى أصناف حسب مواهبهم واتجاهاتهم ورغباتهم في التخصص، تجد منهم من يستعمل التفكير ويعتمد عليه فيميل إلى كثرة الدراسة وسعة الاطلاع، ويتناقش ويتنافس هذا الصنف في عدد الكتب التي يدرسها كُلّ واحد منهم، ومقدار التحصيل الذي بلغ إليه بجده واجتهاده، وتجد منهم من (1/1019)
صفحة 1020
الإباضية في موكب التاريخ
256
الإباضية في الجزائر
يميل إلى الحفظ والاستظهار ويتنافس ويتناقش هذا الصنف في عدد الكتب التي يحفظونها ويستظهرونها عن ظهر قلب، وقد يبلغ عدد ما يحفظه كُلّ منهم العشرات والمئات، وقد ذكر بعض المؤرخين أعدادا كبيرة من أولئك الطلاب الذين كانوا يستظهرون عشرات الكتب، بالإضافة إلى بعض أبيات ومقاطع الأدب.
من
كانت "تاجديت" خاصة بسكنى العلماء والطلاب تقريبا، ولذلك فقد كان يبدو عليها الجمال والنظافة وكانت مساجدها ومدارسها عامرة باستمرار وكانت تشبه أن تكون ركزا المناطق واسعة آهلة بالسكان يرجعون إليها في أوقات الصلوات، وربما أيضا مركزاً تجاريًا عامر الأسواق، وقد اعتاد سكان ضواحيها أن يأتوا إليها راكبين فيربطون دوابهم قريبا المسجد، فإذا استوت الصفوف وكبرت الجماعة تكبيرة الإحرام نفرت الدواب بسبب الدوي القوي الذي يُحدثة تكبير العدد الضخم من المصلين، وَلَعَلِّ أحسن ما يورد عنها هو الصورة التي وضعها لها المؤرخ الكبير أبو العباس الشماخي قال ما يلي: ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس، وإذا كبروا تكبيرة الإحرام نفرت المواشي، وهي قريبة من "آجلو" في الذي أعتقد، وهذا في زمان واحد ودخلها عامل لصنهاجة ورأى كثرة العزابة وكثرة الخلق وضيق الموضع فاعتقد أنهم يدنسون وجه الأرض بالخلاء والسماد فدار فيها وحواليها، فلم يظفر بشيء مما تكرهه عينه، وتعافه نفسه، فقال وقد مد يده بسيفه: "ما يخاف الناس إلا من هذا
أو من الله"؛ فهذا (يعني: السيف) ليس هذا موضعه وما منعهم من ذلك إِلا خوف الله» (1). هذه الصورة التي عرضها علينا المؤرخ الكبير أبو العباس الشماخي، وهذه الملاحظة الدقيقة التي لاحظها العامل الصنهاجي إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى شيء واحد هو أن سكان هذه المدينة رغم كثرتهم وضيق مدينتهم كانوا يتأدبون بأدب الإسلام من المحافظة على النظافة والطهارة ظاهراً وباطنا، في أنفسهم وفي موطنهم بحرص واهتمام.
(1) السير، ص 488. (1/1020)
صفحة 1021
الإباضية في موكب التاريخ
257
الإباضية في الجزائر
وإنهم كانوا يحرصون على وسائل الصحة التي دعا الإسلام إليها، وحرص على مراعاتها قبل أن يستيقظ الطب الحديث، وقبل أن تستيقظ لها الحضارة الغربية فتأخذ منا لتبيعه لنا مصنعة في مناشير وتقارير.
إنه لغريب حقا أن تجول في مدينة أو قرية غاصة بالسكان في القرن الخامس الهجري، وتجول في شوارعها وحواليها فلا تقع عينك على قذر تشمئز منه نفسك أو ينفر منها طبعك، وقد يتيسر في ذلك الحين أن تجد شوارع قرية نظيفة، أما أن تجد الشوارع جميعا، وأن تجد أيضا ما حول القرية من النظافة بحيث لا ترى فيه ما تقذى منه العين من بقايا الكناسة، أو متناثر السماد الذي يخرجه أهل القرية ليرمى في مزارع بعيدة تستفيد منه الحقول، ولا يتأذى منه الناس .. لقد كان هذا الموقف النظيف حقاً غريباً في ذلك العصر وبوسائله، ولسنا نحن فقط نراه غرِيبًا وَإِنَّمَا سبقنا إلى ذلك، ذلك المعاصر الدقيق الملاحظة المرهف الإحساس الذي يفرق بين من يسير بهدي الله، ومن يسير بتلويحات السيوف وهمزات السياط. العلماء الذين عاشوا في هذه المدينة العلامة أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن شاكر الفطناسي، قال شيخ الصحافة الجزائرية وأحد أركان نهضتها شيخنا أبو اليقظان -رحمه الله - ما يلي: «وكان من بين علمائهم أبو الربيع سليمان بن شاكر الفطناسي يحف حوله مائة عالم يشار إليهم بالبنان».
من
ونقل الإمام أبو إسحاق اطفيش -رحمه الله - عن الربيع في مقام الاحتجاج ما يلي: «ومثل هذا ما ذكر سليمان بن عبد الله بن شاكر الفطناسي المزاتي قال: أدركنا في "فطناسة" وكانت قبيلة قليلة العدد من مزاتة اثني عشر مسجدا كلها عامرة بالآذان والجماعات والمجالس، أي: مجالس العلم». عاش هذا العالم الكبير في القرن الخامس الهجري ونقلت عنه الرواية سنة 467 هـ حسبما قاله الإمام أبو إسحاق –رحمه الله-. كان أبو الربيع الفطناسي من أولئك العلماء الأشداء في دين الله القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يعرفون المسايرة في دين الله يقفون مع الْحَقِّ حيث وقف، ويصدعون (1/1021)
صفحة 1022
الإباضية في موكب التاريخ
258
الإباضية في الجزائر
بآرائهم لا يبالون رضي الناس أم سخطوا، فإذا تبين لهم خطأ في قولهم أو في عملهم لم يتمادوا
المسجد
في الضلال، وسارعوا إلى التوبة، ورجعوا عن الخطأ إلى الصواب غير مبالين بالناس وأقوالهم. قرر أبو الربيع أن يقوم بجولة يزور فيها أهل الدعوة ويتفقد أحوالهم، فخرج من بلده "تاجديت" يتنقل من بلد إلى بلد، يطلع على الأحوال، ويدرس الأوضاع، ويفيد ويستفيد، فاستغرقت الرحلة منه وقتا غير قصير، ولما رجع إلى بلده "تاجديت" وجد أن أهل البلد قد عمدوا إلى أرض مشاع بين أهل المدينة فغرسوها وعمروها، واستغلوها بأنواع من النخيل والأشجار فعاب عليهم ذلك، وانتقد سلوكهم وتصرفهم في المشاع كما يتصرفون في أملاكهم الخاصة، ووقف على باب يصيح فيهم بصوته الداوي: "ما هذا الحدث الذي أحدثتموه"، وكان في داخل المسجد العلامة أيوب بن أبي عمران فأجابه من الداخل بأن عملهم ذلك جائز، وَأَنَّهُ لا يصطدم بشريعة الله، وكان في المسجد أيضا العلامة أبو يعقوب يوسف بن يعقوب فاتجه إليه أبو الربيع، وقال له: "ما حفظت يا يوسف في هَذه عن شيخك وارسفلاس بن مهدي النفوسي؟ "، قال أبو يعقوب: "إن اتفق أهل المشاع عَلَى غرسه جاز، وتجرى عليه أحكام الملك، كلها، وإن عاد خرابا رجع إلى المشاع"، فاقتنع أبو الربيع بما ذهب إليه أولئك العلماء وأفتوا به، وأقلع عـ إنكاره، واعتذر عن موقفه من إخوانه، وشدة إنكاره عليهم. هذا كان دأب أولئك السلف الصالحين، يتمسك أحدهم بما يراه الْحَقِّ، ويتشدد فيه ويدعو إليه ويدور معه حيثما دار، ولا يأنف أحدهم أو يتكبر عن الرجوع عن رأي أو قول به إذا عرف أن الْحَقَّ في غيره، فرحم الله أولئك الناس الذين كانوا يطلبون الْحَقَّ، وَالْحَقِّ فقط أينما
المسألة.
كان وكيفما كان، ومهما كانت نتائج الطلب. (1/1022)
صفحة 1023
الإباضية في موكب التاريخ
259
الإباضية في الجزائر
أراضي "تقرت"
أخذت هذا العنوان من المؤرخ الكبير الأستاذ أحمد توفيق المدني، فهو يقول في تاريخه القيم "كتاب الجزائر" صفحة (182) ما يلي: «أرض "تقرت" وهي الناحية الشرقية من أرض الجنوب العسكرية (1)، وموقعها جنوب مقاطعة قسنطينة، تشمل عدة واحات بديعة، تستمر إلى وادي أريغ"، و"وادي سوف"، و"وادي ايغارغار"».
ويقول بعد سطور في صفحة (183) ما يلي: «من أشهر مدن هذه الدائرة "تقرت"، و"ووادي سوف"، وورقلة»، وأنا حينما أطلق هذا الاسم فأنا أقصد تلك القطعة المباركة من الأرض الجزائرية العامرة التي تقع غرب الحدود التونسية من جهة "قصطيلية" و"الجريد" و"نفطة"، والتي تشمل كثيرًا من الواحات وبلاد الرمال، والأراضي الشاسعة التي كانت وما تزال مرتعا خصبًا لتربية المواشي، ولا شك أن المؤرخ الذي يتبع آثار الإباضية في مراحل الزمن وفي بطون التاريخ سوف تتردد بين عينيه كثيرا الأسماء الآتية: "سوف" و"أريغ" و"وَاغْلانت" و "آجلو" و"تقرت" و "بقايي" وما بين هذه المواطن وما جاورها.
أما "وَار جلان" فقد كانت بمثابة العاصمة العلمية والدينية للإباضية في الجزائر بعد انقراض تاهرت وهجرة سكانها إلى مختلف البلاد. وسوف نتحدث عن "وار جلان" في فصل خاص بها.
أَمَّا هذا الفصل فسوف تمرُّ فيه مروراً سريعًا عَلَى ما سميناه أراضي "تقرت"، وذكرنا أسماء بعض مدنه وواحاته وقراه التي كانت عامرة بالعلم والعلماء غاصة بالمدارس والمساجد، ذات حركة نشيطة إلى عصور متأخرة، واليوم قد انقرض الإباضيَّة منها جميعًا كسكان أصليين، وإن كان يوجد بها جماعات منظمة منهم يشتغلون في مختلف ميادين الحياة الحرة ولا سيما التجارة، وأغلب هؤلاء إنَّمَا
(1) اتبع الأستاذ المدني التقسيمات الإدارية في عهد الاستعمار الفرنسي؛ لأنه وضع الكتاب في ذلك الحين. (1/1023)
صفحة 1024
الإباضية في موكب التاريخ
260
الإباضية في الجزائر
وفدوا إلى تلك البلاد إما من وادي ميزاب" أو من "وَار جلان"، وقد يوجد هناك أفراد من "جربة".
كان أكثر سكان الجزائر في القرنين الثاني والثالث عَلَى المذهب الإباضي، يقول الأستاذ توفيق المدني في كتاب "الجزائر " (صفحة (20) ما يلي: «واعتنقت الأغلبية 20) الكبرى منهم المذهب الإباضي الذي نشره بينهم من قبل دعاة الإمام أبي الخطاب من طرابلس الغرب»، ويقول بعد قليل: «وكان المذهب العام يومئذ للبربر في كُلّ بلاد الدولة هو المذهب الإباضي.
هذه الصورة التي يرسمها المؤرخ الجزائري الكبير لانتشار الإباضية في الجزائر إنما كانت في القرنين الثاني والثالث، ولكنَّها بعد ذلك تغيرت تغيراً ملحوظا، فعندما تغلب العبيديون على الدولة الرستمية واستولوا عَلَى عاصمتها تاهرت عملوا ما وسعهم الجهد على مطاردة الإباضية في كُلّ مكان، ومحاربتهم محاربة مستمرة، تساعدهم في ذلك منازع العصبية المذهبية في ذلك الحين، ولذلك فقد تناقص وجود الإباضية في جهات الشمال، وتركزوا في جهات الجنوب الشرقي للجزائر، والجنوب الذي عبرنا عنه في عنوان هذا الفصل بأراضي "تقرت" وما جاورها.
يقول المؤرخ الكبير شيخنا باكلي عبد الرحمن ما يلي: «المواطن التي كانت آهلة بالإباضية في القطر الجزائري هي: "الزاب" و"وادي أريغ" و"سوف" و"تجديت" و الرمال" و"وَارجُلان" بما فيها "سدراته"، ونواحيها التي ازدهرت فيها حضارة رائعة، دلت الحفريات التي أجرتها الآنسة "مارغريت فان "برشايم" العالمة التي انتدبتها الحكومة الفرنسية للبحث عن الآثار القديمة بالقطر الجزائري عَلَى زخرفة ونقوش في دقة الصنع، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أن الفن المعماري قد بلغ في تلك النواحي أوجا بعيدا، وأثبتت في فصول نشرتها بالمجلة المصورة الفرنسية "الجيريا وأفريقيا الشمالية" (عدد جويلية أكتوبر (1953 م أنها كانت أرقى بكثير من الفن الأندلسي الذي كان مضرب المثل في تلك العصور، وأطبقت شهرته الآفاق، وقد خصص لآثارها في متحف الآثار الجزائري قاعة باسم "قاعة "سدراته"" والمدن المجاورة كـ"كريمة"
غاية من (1/1024)
صفحة 1025
الإباضية في موكب التاريخ
261
الإباضية في الجزائر
و"جبل "العُبَّاد" و"إفران" و "انقوسة" إلى مدن كثيرة انتهى عددها إلى نحو ثلاثمائة، كما وجدته في بعض التقاييد القديمة، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ما للأصحاب هناك من سطوة وعمران، وقل مثل ذلك في "آجلو" و "تجديت" وقد أسلفت عنها بعض القول. و"الرمال" وهو موضع لا يبعد كثيراً عن "سوف" كان كذلك موطنا من مواطن الأصحاب الآهلة. وجبال بني مصعب "ميزاب" بما فيها».
من
وعدد مدن "ميزاب" العامرة اليوم والقرى التي خرجت وجلا عنها سكانها ثُمَّ قال: «ومدينة متليلي (1) التي تبعد عن غرداية بنحو ثلاثين كيلو متراً غربا كان قسم سكانها إباضيين، ويحكى عن مدينة الأغواط التي تبعد نحو مائتي كيلو متر عن عاصمة "وادي ميزاب" شمالا كانت آهلة بالإباضية أيضا، وبلدة "المنيعة" (قليعة) البعيدة عن "وادي ميزاب" بثلاثمائة كيلو متراً غرباً كان الإباضيون يسكنونها». لاشك أن أستاذنا الكبير عندما قال هذا الكلام كان يقصد العصر الذي بعد الدولة الرستُميَّة، إنَّه يقصد تلك العصور التي انكمش فيها الإباضية وتجمع أكثرهم في بلاد بعيدة عن فتنه الحكم والحكام واعتزلوا ميدان السياسة وقصروا اهتمامهم على الناحيتين الدينية والعلمية، أو الروحية والعقلية، وقد عمرت بهم واحات الجزائر، وكان العلماء يتنقلون في قوافل كبيرة بينها، يواصلون الدراسة في رحلاتهم، ويقيمون الصلاة في مساجد متنقلة من الحصر تحمل عَلَى الإبل، فإذا أقاموا بمكان نصبوها، وإذا أرادوا الرحيل طووها وأخذوها معهم.
1) لا يزال في الأغواط وفي متليلي عائلات تنتمي إلى عائلات إباضية في وادي ميزاب تربط بينهما علاقات نسب
وهم حتى الآن يتزاورون ويتهادون. (1/1025)
صفحة 1026
الإباضية في موكب التاريخ
262
الإباضية في الجزائر
رحلة وزيارة
كانت تَمرُّ عَلَى أثناء قراءتي أخبار وأحداث عن "وَار جلان"، وعن رجال العلم والعمل في وار لان"، وعن وفود الطلبة والتجار إلى "وَارجُلان"، وعن القوافل المسافرة إلى أفريقيا
السوداء من "وار خلان"، وعن الحركة التجارية الواسعة التي يقوم بها أبناء "وَار جلان". الصحراء إلى الجنوب.
عبر
فكنت أتصور "وَارجُلاَن" مدينة عَلَى شكل شبيه ببعض المدن الواقعة في جنوب المغرب الإسلامي، واحة من تلك الوحات التي تجمع الظل الظليل والماء العذب، والخضرة اليانعة، والحياة الآمنة المستقرة النشيطة، في حفرة من حفر الصحراء، تكتنفها ألوية الرمال، أو سلاسل الجبال، وكانت هذه الصورة قد تضيق وقد تتسع وأنا أقارنها ببعض ما أعرف من مدن الصحراء. وقد أتيح لي أن أقوم برحلة إلى الجزائر في صيف سنة (1965 م مع بعض الأصدقاء من (سنة "جبل نفوسة"، زرنا فيها كثيرًا من أنحاء الجمهورية الجزائرية المكافحة، وقضينا منها نحو عشرة أيام في الواحات أنسانا فيها الأصدقاء الأعزاء أهلنا وبلادنا، وقد كنت أسجل خواطر سريعة أثناء الرحلة ثُمَّ نسقتها بعد ذلك في فصول قد يتاح لي نشرها في يوم من الأيام. وأحب أن أنقل إلى القارئ الكريم هنا فصلا من تلك الفصول حَتَّى أشركه في خواطري، وأنا أنتقل من وادي ميزاب" العامرة الذي أعتبر أهله لي أهلا وجباله وهضابه ووديانه لي وطنا إلى "وَارجُلان" العظيمة.
في أصيل يوم 1965/ 10/11 م انطلقنا من وادي ميزاب" في رفقة طيبة من المشايخ والطلبة والأصدقاء، وقد تفضل شيخنا الفاضل مدير المدرسة الجابرية الشيخ مُحَمَّد بانو فرافقنا في تلك الرحلة المباركة مع ما يسبب له ذلك من أتعاب ومشاق، كنت أحمل في نفسي لهذه المدينة العظيمة ذكريات مجيدة في خدمة الاسلام لمدة تقارب ألفًا ومائتي سنة، كانت في عشرة قرون منها عاصمة دين وعلم وخلق واقتصاد، وكانت طريقا للدعوة الإسلامية إلى أفريقيا السوداء، الدعوة التي يحملها المؤمنون الصادقون بسمتهم وهديهم وخلقهم وعلمهم وعملهم دون أن تحرسهم قوات مسلحة أو تُمهد لهم جيوش منظمة، أو (1/1026)
صفحة 1027
الإباضية في موكب التاريخ
263
الإباضية في الجزائر
تسبقهم دعوات مبشرة، أو تنفق عليهم أموال لا حساب لها، وَلَعَلّ النور الذي يومض اليوم في أمكنة كثيرة من أفريقيا السوداء إنَّمَا كان أكثره قبسات حملها أفراد مؤمنون عن طريق وار جلان"، أو ما شابهها من المدن الصحراوية التي تعتبر ثغوراً أو منافذ إلى جهات الصحراء وما وراء الصحراء، أَمَّا من الناحية العمرانية فقد كنت أرسم لها في مخيلتي صورة لبلدة مبنية بالطوب في منخفض من الأرض تكتنفها رمال أو هضاب كالذي أعرفه من "غدامس" أو بعض الواحات الأخرى، ولكن الحقيقة فاجأتني بغير ذلك، فلقد وضحت أمام عيني وأنا مقبل عَلَى وَارجُلان" مدينة عظيمة فسيحة مستبحرة العمران متسعة الأرجاء تتلالاً فيها أنوار الكهرباء، ويُحيط بها إطار أخضر من النخل الباسق الذي بدأ يؤتي أكله في ذلك الحين. ومنذ تراءت لي مشارف "وار جلان" العظيمة خيل إليَّ أَنَّني رحلت عبر عصور طويلة من التاريخ، وأنني أعيش هذه اللحظات في "وار جلان" القديمة وتلاشت من ذهني صور الحاضر بما فيه من حركة وحياة، فكنت كالمأخوذ لا أحس بمن معي من الرفاق، ولا أحس بالزمن الذي أنا فيه، ولا بالوضع الذي أنا فيه، وطغت عَلَيَّ المشاعر والأحاسيس بالماضي، وغلب علي الحنين إليه، ذلك الماضي المجيد الذي عشت فيه في كتب التاريخ بين رجال الدين والعلم والعمل، أحضر بعض اجتماعاتهم ومناقشاتهم، وحتى مآدبهم وأساليبهم في الإحسان والمعروف. استقبلنا الإخوان الأعزاء والأصدقاء الكرام من أهل "وَار جلان" الأفاضل وهم يسلمون علي، ويحتفلون بي ويهيئون لي المقام الكريم في صدر المجلس من المسجد العامر، وأقسم أني ما كنت أحس بشيء مما حولي، وحين جلست في صدر المجلس وطلب إليَّ أن ألقي موعظة على الجمع المنتظر المتعطش إلى سماع صوت أبناء الجبل، كنت أتمنّى بِكُلِّ قلبي أن يتولى ذلك عني أي شخص آخر، وأن أترك لأستسلم لخواطري، وتكلمت ولكنني حتى الآن لا أذكر أنني
تقدمت إلى الحديث دون أن أدري ما أقول أو ما قلت مثل ما وقع لي في ذلك المقام الكريم. لقد كنت أتحدث دون أن أستطيع حصر فكري في موضوع، كما يتحدث تلميذ صغير في تجربة أولى بين جمع رهيب من أساتذته الكبار، ومشايخه الذين يحترمهم ويخشاهم، وما كنت وأنا أتحدث أحس بالحاضرين، وَإِنَّمَا كان يُخيل إليَّ أَنَّني أتكلم في جموع حافلة من عباقرة العلم طيلة أجيال، وكان الوهم يصور لي بينها صوراً متناثرة من هنا وهناك لبعض أولئك (1/1027)
صفحة 1028
الإباضية في موكب التاريخ
264
الإباضية في الجزائر
الأفذاذ في صورة حقيقية، فيضع بين عيني في ذلك المجلس الوقور صورة لأبي صالح أو لأبي يوسف بن أفلح، أو لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم، أو لأبي صالح جنون أو لأبي رحمة أو لغيرهم مِمَّن ترك في نفسي أثرًا حين قراءتي عنه ودراستي لحياته.
فكنت في ذلك المجلس مهتاج العواطف، مضطرب الفكر متباين الأحاسيس، خشيان خجلان، وكانت شفتاي تنفرجان عن كلمات باهتة خافتة كأنها تخرج ميتة، ولست أدري كيف بدأت الحديث ولا كيف أنهيته، وقمنا إلى الصلاة ثُمَّ ذهبنا إلى تناول العشاء في بيت من بيوت بعض الأصدقاء، وبعد سهر خفيف اوى الإخوان إلى مضاجعهم. أما أنا فقد عملت تلك الخواطر في نفسي عملها، فأرقت وَلَمْ يغمض لي جفن طوال الليل، وبعد صلاة الصبح ذهبنا مبكرين لزيارة جبل العُبَّاد"، وكنت أتحرَّك مع الإخوان والأصدقاء كما يتحرك إنسان مسلوب الإرادة لا يقوى على شيء، وقصدنا جبل العباد، ورغم أن هذا الجبل لم يكن شاهق الارتفاع، وأن ما تعودت صعوده من جبال "نفوسة" قد تفوقه ثلاث مرات أو أربع؛ إلا أنه بدا لي شاهقاً شديد الارتفاع لا يمكن أن أبلغ إلى قمته، وكان الإخوان من حولي يتنازون (1) صاعدين، بينما كنت أنا أتسلق الجبل في مشقة وعسر، وكأن على عاتقي أحمالا ثقالا من الماضي السحيق، وكانت نفسي مشحونة بالخواطر التي تتعاقب تُحدثني بأن الرجال العظام الذين كانوا يعيشون هنا كما يفوقونني روحيا يفوقونني ماديا، وأَنَّهُ كما لا يحق لي أن أتطلع إلى مراتبهم السامقة في ميادين العلم والعبادة والإحسان كذلك لا يحق لي أن أتطلع إلى هاتيك الأماكن السامقة التي اختاروها في خلواتهم، للأتصال بخالقهم في مناجاتهم الخاشعة، وخيل إلي اني بزيارتي لهذه الأماكن كأنني أنتهك حرمة مقدسة دون استئذان.
وعملت هذه الخواطر في نفسي عواملها، بالإضافة إلى أرق الليلة السابقة، وإلى سهر متواصل لعدة ليال وأسفار متتابعة؛ فأصبت بنوبة قلبية سببها مرض الربو الذي يلازمني زمنًا، فكاد نياط قلبي يتقطع، وانقطع عني التنفس، واشتدَّ خفقان قلبي وتصبب مني العرق، وأصبحت في حالة من التعب والإعياء لا أملك معها حركة ولا أستطيع كلمة، فأحاط
بي
(1) من النزو: وهو الوثبان. انظر: العين، (نزو). (1/1028)
صفحة 1029
الإباضية في موكب التاريخ
265
الإباضية في الجزائر
خارج
فأحجمت
الإخوان يُخفّفون عَنِّي ويساعدونني ويتلطفون بي حَتَّى بلغت المكان الذي اختاره علماء وار جلان" و"سدراته" الصالحون لإحياء الليل، ومناجاة خالق الخلق، عندما يسكن الناس ويغفو الكون، ويسود السبات عَلَى الحياة، فيكونون هم فقط هنالك يناجون خالق الخلق، وقد رقت نفوسهم، وتخلصت من شوائب الدنيا وعلاقاتها. استدار الإخوان في المسجد (1) لتلاوة ما يتيسر من كتاب الله، وكنت أتمنى لو تركوني المسجد، ولكن الإخوان أصروا أن أكون من بينهم وبقيت في المسجد صامتا، إذ كنت في حالة من التعب لا أستطيع معها القراءة، وعندما اختتموا أداروا الدعاء وجاء دوري عن الدعاء .. أحجمت لأن الخواطر بدأت من جديد تهجس في نفسي، بأي حق أدعو في هذا الحرم المقدس الذي دخلته دون أن أستأذن أصحابه؟ وما يدريني هل كان أولئك العمالقة العظام يرضون عن هؤلاء الأقزام وهم يقتحمون عليهم خلوتهم لمناجاة ربِّهم! إن أمكنة العبادة المشتركة والتي يَحقُّ لِكُلِّ مسلم أن يدخلها وأن يعبد الله فيها متى شاء وكيف شاء إِنَّمَا المساجد المقامة للجميع؛ أمَّا هَذه الأماكن الخاصة التي يتكبدون مشاقا وتعباً غير قليل ليكونوا فيها على خلوة إنَّما هي ملك خاص لهم، وحرم مقدس لا يجوز انتهاكه، ومن أن يتخذ لنفسه خلوة يأوي فيها إلى الله شاء أن يقتدي بهم شاء. متى قمنا بعد ذلك لنَزُور أطلال سدراته"، تلك المدينة العظيمة التي كانت لها شهرة في العلـ والدين لا تقل عن شهرة وارجلان، واشتهرت اليوم بأنها تحمل آثار حضارة إسلامية شبيهة بما تركه المسلمون في الأندلس، وقصدها علماء الآثار من أوربا وقاموا فيها بأبحاث وحفريات لم تذهب سدى.
هي
كان الإخوان ينظرون إليها كمدينة أثرية يعجبون لما يجدون فيها من دلائل الاهتمام بالبناء والزخرفة، أما أنا فكنت أنظر إليها من زاوية أخرى، ونزلنا من "جبل العباد" وسرنا حتى بلغنا منبسطاً من الأرض، تتعرج فيه ألوية من الرمال تغمر كُلّ شيء، وقالوا: "ها هنا
(1) ليس في المكان بناء، وإنما أطلقت عليه كلمة المسجد؛ لأنه الموضع الذي اختاره أولئك الصلحاء، وكانت الصلاة هي أعظم وأكثر ما يتقربون به إلى الله، ولكن فرادى؛ لأنها تطوع، ويرى الزائر هناك ما لا يدخل تحت حصر من المحاريب على الأرض حيث يقف كُل واحد منهم (1/1029)
صفحة 1030
الإباضية في موكب التاريخ
266
الإباضية في الجزائر
11
كانت مدينة "سدراته العظيمة". قلت في نفسي: نعم، إِنَّه أنسب مكان تقوم فيه مدينة
إباضيَّة تبلغ القمة في العمل الله.
من
البناء
سرنا فيها غير قليل حَتَّى بلغنا بعض ربوات صغيرة ظهرت عليها آثار بسيطة هنا تبدأ الآثار العمرانية لهذه المدينة الخالدة، قلت في نفسي: وهذه الآثار البسيطة
قالوا: ومن
من الاحتفال بالبناء قد تكون من آثار أولئك الأجداد العظام.
العصور،
وسرنا قليلا فوجدنا آثاراً فيها نقوش واحتفال بالزخرفة واهتمام بالعمران وطول الحياة والبقاء، وكان الإخوان فرحين بعثورهم عَلَى هَذه الآثار الدالة على الحضارة، والتقدم في تلك أَمَّا أنا فقدت كانت تقوم في نفسي معر كة حامية من دلالة هذه الآثار؛ لأن تلك المعاني التي يفرح لها الأصدقاء والتي بها هذه الآثار هي أبعد ما يمكن أن أتصوره لأصحابنا في تاريخهم المجيد الطويل، وكنت أقول في نفسي: إن هذه الآثار التي يبدو عليها الاحتفال بالفن والاهتمام بالعمران - والعمل للبقاء والتشبث بالخلود في الدنيا - لا تكون أبدا لأصحابنا، إِنَّهَا بِكُلِّ تأكيد ليست من عمل الإباضيَّة .. إما أن تكون سبقتهم، وَإِما أن تكون لغيرهم ممن كان يعيش بينهم في عهود الرخاء والازدهار. إن الإباضية في تاريخهم الطويل في المغرب الإسلامي لَمْ يَحفلوا بهذه النظرة الدنيوية التي ينظر إليها الناس، ولَم يأخذوا في حسابهم أبدا أن يبنوا للبقاء، أو يشيدوا للخلود، ولا أن يزخرفوا للجمال، ويشتغلوا للفن؛ لأنّ كُلّ ذلك في نظرهم عبء يتنزه عنه المؤمنون، والتماس الخلود في الدنيا يبتعد عنه من يعملون للآخرة وللقاء ربهم ينتظرون:
ولو كان في الزخرفة والاحتفال بالمباني الشاهقة، وبذل الجهود المضنية لإقامتها خير ما عابها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم على الأمم السابقة مثل قوله تعالى لعاد قوم هود ال: أتبنون بكل ربع آية تعبثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَاعَ لَعَلَّكُمْ تَحْدُونَ * وَإِذَا بَطَعْتُمْ بَطَتُم جبارين) وفي أمثالها، فكأَنَّما الإباضيَّة في المغرب الإسلامي كانوا يخشون أن ينالهم طرف من هذا الوعيد، فكانوا أبعد الناس عن الاهتمام بمظاهر الحضارة الصناعية، اللهم إلا في جانب واحد من الحياة، ذلك أنهم
1) سورة الشعراء: 128 - 130. (1/1030)
صفحة 1031
الإباضية في موكب التاريخ
267
الإباضية في الجزائر
يتعرض
شيدوا في كُلّ مكان عاشوا فيه مساجد يُخطئها العدُّ في جميع القرى والمدن التي عمروها، وحرصوا على أن تكون تلك المساجد متينة البناء فسيحة تتسع للأعداد الوافرة، كما حرصوا أن يخصصوا في تلك المساجد أقسامًا للنساء تحجب الرؤية، ولا تمنع الصوت لتتمكن المؤمنات من حضور الصلوات والاستماع إلى الدروس، وهن مصونات دون أن يؤذين أو يتأذين، كما حرصوا أن يجعلوا في تلك المساجد جميع المرافق التي تيسر على المسلم وسائل الطهارة دون أن لأذى الحرّ في الصيف، أو أذى البرد في الشتاء، وعملوا لتوفير المياه فيها؛ إما بالآبار أو الصهاريج، وَلَكِنَّهم في كُلّ تلك المساجد التي أقاموها واحتفلوا لبنائها لم يهتموا بالزخرف أو النقش أو الفن؛ لأن المؤمن عندما يأوي إلى بيت الله ينقطع عن حظوظ الدنيا جميعا ليتصل بالله، فهو حري أن لا يشغل فكره بما على الجدران من فنون؛ لأنه ليس في زيارة لمتحف أو معرض، وَإِنَّما هو في مكان ينقطع فيه عن الدنيا ليصل حبال قلبه بالله. رجعنا من "سدراته" إلى "وار خلان وأنا لا أزال منهك القوى، مضعضع الحواس، فقصدنا محلا من محلات الإخوان، وأتيح لي فيه أن أستريح قليلا قبل وقت الغذاء، وغفوت غفوة قصيرة رددت لي بعض النشاط، ودعانا الإخوان إلى جنان من أجنتهم الفيحاء لتناول الغداء، كبير من أكرم الإخوان ودارت أحاديث مُمتعة في العلم والتاريخ والأدب وعلوم الشريعة حرمت من أكثرها؛ لأني كنت مشغولا بتصفح الكتاب القيم غصن البان في تاريخ وارجلان» الذي لا يزال مخطوطًا بِكُلِّ أسف (1)، وَلَمَّا لَمْ يكن في إمكاني استعارة الكتاب، ولا نقله في تلك الساعات القلائل كنت أؤشر على بعض الفصول التي أرى ضرورة قصوى في الاطلاع عليها، وطلبت من صديقنا الفاضل الأستاذ الشيخ أبي معقل عمر بن داود بن الحاج أحمد أن ينقلها، وأن يرسلها إليَّ في أسرع وقت ممكن، وقد فعل جزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً. وبعد صلاة العصر ودعنا الأصدقاء للسفر إلى "تقرت"، وكنت أودع الإخوان وأنا أحس أني لَمْ أزر "وَارجُلاَن"، ولم أتعرف على أهلها الكرام الأماجد، ولم أتعرف على حياتهم في
وحضر
الغذاء جمع
1) ولا يزال هذا الكتاب تحت التحقيق من قبل بعض الأساتذة، فلعله يرى النور عن قريب إن شاء الله. (المراجع) (1/1031)
صفحة 1032
الإباضية في موكب التاريخ
268
الإباضية في الجزائر
حاضرهم وانني قد قصرت كل التقصير في حقهم وكنت أعاهد نفسي - نفسي على الرجوع (1) في أقرب فرصة لأعرف "وار جلان" الحاضرة، لأربط بين "وَار جلان" التي عرفتها من خلال الكتب في قرون من التاريخ الطويل وبين "وَارجُلان" المعاصرة التي تكافح في جلد وصبر وثبات، لتقيم مجدها الحاضر الزاهر على ماضيها الراسخ الثابت، ولأرى مقدار ما يعده شبابها المسلم المؤمن من وسائل لمحاربة ما تجرّه الحضارة المستوردة من بدع ومفاسد تُحاول أن تجتث أصول الإيمان بالله والاعتماد عليه في كُلِّ صغيرة وكبيرة من قلوب الشباب في ديار الإسلام، حتى يبقوا كالقطيع الذي لا راعي له فيسهل على الذئاب الفتك به وتقطيع أوصاله.
قيل عن أهل "وار جلان"
وأهل ورقلة كلهم رجال خير وإيمان وصلاح، يهاجرون كثيرا إلى جهات الشمال لأجل العمل، فلا تكاد تحصي على أحد سيئة أو
منهم
هنة».
كتاب الجزائر: أحمد توفيق المدني)
(1) وقد أتيح لي أن أعود إليها بعد إحدى عشرة سنة، وذلك في يوم الاثنين 4 شوال سنة 1396 هـ من قراءة الفصول التي كتبتها عن تاريخ وارجلان على الأخ العزيز الشيخ أبي معقل عمر بن داود.
تمكنت (1/1032)
صفحة 1033
الإباضية في موكب التاريخ
269
الإباضية في الجزائر
" وارجلان"
لقد كانت "وار جلان" في عصور طويلة عاصمة للإباضية بكل الاعتبارات، وقد كتب عنها جمع من المؤرخين الذين تحدثوا عن المغرب الإسلامي في كل فترات تاريخه، وتناولها كُلّ واحد منهم من الزاوية التي ينظر منها، وكانت من العظمة بحيث يجد كل ناظر صورا جميلة للعرض، وَكُلُّ متحدث ميدانا فسيحا للحديث، ويسرني في هذا الفصل أن أدع المجال للمؤرخ الكبير الشيخ إبراهيم بن صالح أعزام -رحمه الله - صاحب كتاب «غصن البان في
تاريخ وارجلان» يضع لنا إطارا نعرض في داخله صورا من تاريخ هذا البلد العظيم. قال الشيخ أعزام: "هذا الوطن من الأوطان القديمة، يحقُّ أن يكون له تاريخ عظيم مكتوب بحروف من نور على صفحات قلوب أبنائه، وكيف لا وهو من فاتح القرن الثاني وطن إسلامي علمي، أثبت كثيرًا من فحول العلماء وأعاظم الرجال، حتَّى أن الإنسان لا يمر بشارع أو طريق هذا قبر الشيخ فلان، أو مسجد العلامة فلان أو محضرة العالم الفلاني ... إلى غير
إلا ويسمع. ذلك من الألقاب الشريفة، والشاهد على ذلك العيان، وليس بعد العيان بيان.
ومن يرد تحقيق هذا الخبر يصل إلى بلادنا وينظر" ويقول بعد أسطر: "وكان فيه من الخزائن المملوءة بالمجلدات (1)، والأسفار الضخمة في الفنون المختلفة من تاريخ وفقه وحكم وتفسير وغير ذلك من العلوم العقلية؛ ولكن الفتن العمياء أعدمتها حرقًا وتمزيقا، وَلَمْ تبق منها بقية، وحتى أن الإنسان مهما بحث أشدَّ البحث لا يجد ولو أقل قليل من تلك الأسفار إلا بعض وريقات لا تفي بالمقصود". ويتحدث الأستاذ أعزام عن "سدراته" فيقول: "بلاد" سدراته" منسوبة إلى شعب من شعوب البربر من بطون زناتة، وهي بلاد كثيرة يسكنها معتنقو المذهب الإباضي قديما، وَلَمْ يَنْزحوا عنها إلا بعدما خربها يحيى بن إسحاق الميورقي المعروف بابن غانية سنة 624 هـ عند ثورته على الأمير يعقوب بن المنصور أحد أمراء الموحدين كما كان بيان ذلك في محله، وبقيت البلاد إلى الآن خرابا".
(1) قال أعزام: "وجدت رسالة مبعثرة قديمة عن تاريخ سدراته ووارجلان اكتشفها باحث إفرنجي ولم يسعد الحظ بالحصول عليها حتى الآن". (1/1033)
صفحة 1034
الإباضية في موكب التاريخ
270
الإباضية في الجزائر
ويقول بعد أسطر: "وبعد خراب البلاد تفرق الباقي من ساكنيها إلى "وادي ملوية" التي الحدود بين بلاد "وار جلان" والبلاد المراكشية، والبعض سكن "وادي ميزاب"، والبعض الآخر إلى "وار جلان".
هي
11
وعقد الأستاذ أعزام بعد هذا فصلا تحت عنوان: بلاد وارجلان عند المؤرخين». قال فيه: وار جلان واركلان واركلا، ورقلة وارقلا وارقلان هذه الأسماء كلها واقعة على هذا الوطن قديما وحديثا، إلا أن الاسم المعروف به الآن "وار جلان" و"ورقلة" اسم لعاصمة بلاد كثيرة تحت نفوذها، يسكنها الآن أخلاط من الإباضيَّة والأعراب ورجال الحبشان، والأصل فيها الأَوَّلون من قـ من قبائل زناته ومزاتة وبني يفرن ومغراوة، كما سنذكر أقوال المؤرخين، وربَّما نذكر
المؤرخ والكتاب وعدد الصفحة والجزء ليراجع من أراد التحقيق، وعلى الله الاتكال".
وقد نقل الأستاذ أعزام أقوال جمع من المؤرخين قدماء ومحدثين عن "وَارجُلان"، وعـ جغرافيتها وموقعها وسكانها، وعن حياتها وحياة أهلها، وممَّن نقل عنه من القدماء: ابن
خلدون، والحموي، والبكري، والعياشي، ونقل أيضا عن السالمي والكعاك وبيرم التونسي. والقارئ لكتاب «غصن البان ولما نقله مؤلفه عن غيره من المؤرخين يفهم أن كلمة "وَارجُلان" إِنَّما هي اسم لإقليم واسع ذي خصائص جغرافية وعمرانية وتاريخية ودينية، أما كلمة "وارقلة" فهو اسم لعاصمة هذا الإقليم، وَمِمَّا يساعد على هذا الفهم ما نقله الأستاذ أعزام عن الحموي: " وَار جلان" كورة بين إفريقيا وبلاد الجريد ضاربة في البر، كثيرة النخل والخيرات، يسكنها قوم من البربر".
ونقل الأستاذ أعزام عن الشيخ السالمي قوله: "وار جلان واد بأرض المغرب فيه عمارة يَنْزِلُها أصحابنا".
ولقد نص الأستاذ أعزام عَلَى هذا المعنى فيما نقلته لك في أول هذا الفصل حيث قال: "وار خلان، واركلا، ورقلة، وارقلا، وارقلان هذه الأسماء كلها واقعة عَلَى هذا الوطن قديما وحديثًا إلا أن الاسم المعروف به الآن وارجلان، وورقلة اسم لعاصمة بلاد كثيرة واقعة تحت نفوذها". (1/1034)
صفحة 1035
الإباضية في موكب التاريخ
271
الإباضية في الجزائر
ويبدو لي أن تلك البلاد الكثيرة والقرى العامرة والمدن المنتشرة والعيون الجارية والغابات الكثيفة الخصبة قد تضاءلت كلها، ولم يبق منها إلا هذا العمران الذي تشتمل عليه مدينة وارقلة" التي كانت عاصمة.
وبذلك أصبحت كلمتا وارجلان" و"ورقلة اسمين لمدينة واحدة هي نقطة اتصال هامة بين الجزائر وتونس وليبيا والصحراء، والموقعها الجغرافي الهام كانت مركزا تجاريا وعلميا هاما في مدى اثني عشر قرنا وما تزال.
وَلَمَّا كان هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ يتتبع الزمن عصرًا عصراً ليسجل الأحداث حسب وقوعها فَإِنَّهُ لا يفوتني أن أضع صورًا للقارئ الكريم عن هذا الوطن العظيم الذي كان مركز إشعاع، ومقصد رجال العلم والدين من جهة، وهدفًا يضربه المنحرفون بغير هوادة من جهة أخرى، ومرتادا خصبًا يتحلب عليه ريق المغامرين من جهة ثالثة.
وأحسبني أستطيع نظرا للأحداث الكبرى التي وقعت في هذه البلاد أن أق تاريخه إلى عهود يمتاز كُلّ عهد منها بخصائص واتجاهات وأحداث ينفصل بها عن العهود الأخرى وإن شاركها في بعض المظاهر، إذ لا شك أن تلك العهود ينبني بعضها على بعض ويأخذ منها؛ فمن المستحيل أن تكون فترة تاريخية لحياة أمة ما منفصلة كُلّ الانفصال عما سبقها وعما لحقها.
ولقد سبقني
الأستاذ أعزام وله الفضل إلى هذا التقسيم فله الشكر ينقسم تاريخ
"وَارجُلاَن" إلى أربعة عهود هي كما يلي:
1 - العهد الأَوَّل: من الفتح الإسلامي إلى سنة 450 هـ تقريبا.
3 -
العهد الثاني من 450 هـ إلى سنة 624 هـ تقريبا. العهد الثالث من 642 إلى ستة 1040 هـ قريبا. - العهد الرابع من 1040 هـ إلى ستة 1286 هـ تقريبا. (1/1035)
صفحة 1036
الإباضية في موكب التاريخ
272
الإباضية في الجزائر
العهد الأول
العهد الأوَّل من تاريخ "وَارجُلان" يمتد قرابة أربعة قرون؛ إذ يبتدئ من الفتح الإسلامي ويستمر إلى منتصف القرن الخامس الهجري.
فقد اعتنق أهالي "وَارجُلاَن" "الإسلام عندما حمل الفاتحون الأوَّلون مشعل الهداية إلى المغرب الأوسط في أواسط خير القرون، ويبدو أن سكان هَذه البلاد ثبتوا عَلَى الإسلام منذ اعتناقهم له،
ولَمْ تجرفهم عوامل الردة التي وقعت في كثير من بلاد المغرب بأقسامه، لا سيما منطقة أوراس. وفي عهد الدولة الأموية التي لم يستقر فيها الوضع في الجزائر بسبب حروب الردة أولاً، ثُمَّ الثورات المتعاقبة؛ إما نزاعًا عَلَى الحكم، وَإِمَّا سخطًا من الظلم، في هذه الفترة كانت "وَار جلان" هادئة مطمئنة وكان قد انتشر فيها المذهب الإباضي كما انتشر في بقية المغرب الإسلامي مع أوائل القرن الثاني، فاشتغل الناس بالجانب العلمي كما اشتغلوا بالدعوة إلى إقامة كتاب الله والمحافظة على أحكامه.
وتكونت من بعد البعثة العلمية فذهب عاصم السدراتي إلى البصرة ودرس ورجع مع حملة العلم، وعندما بايع الناس أبا الخطاب بالإمامة في طرابلس كان عاصم من أول من بايع، وكان يأمل أن تتكون إمامة تحكم بكتاب الله وتسير على نهج الخلفاء الراشدين، وبعد أن استقرت قدم أبي الخطاب، وهدأت الأحوال، ودلّت البوادر الأولى أن هذا الإمام الجديد حري أن يعود بالأمة والدولة إلى نهجها في أيام العدول من أئمة الإسلام فاطمأن عاصم إلى النتائج، وسافر إلى الجنوب الشرقي للجزائر حيث كانت له شخصية محترمة وكلمة نافذة مسموعة، وكان الناس يستمعون إليه، ويتتبعونه، وكان يعمل على أن تكون تلك البلاد تابعة للإمامة في ليبيا، فاستجاب له الناس وساروا وراءه، غير أن إمامة أبي الخطاب لم تطل فقد قتل بعد سنتين في معركة حاسمة، وبايع الناس أبا حاتم الملزوزي، فالتزم عاصم ببيعته ولَمْ يدعُ لنفسه، وَلَمْ يقل: إِنَّه من حملة العلم، وإنه أقوى شخصية بعد أبي الخطاب فهو أولى بالإمامة، وَإِنَّمَا كان أطوع قائد تقدم المعاضدة أبي حاتم وأقواه، وعندما اضطر أبو حاتم إلى انتزاع القيروان من الدولة العباسية (1/1036)
صفحة 1037
الإباضية في موكب التاريخ
273
الإباضية في الجزائر
وافاه عاصم عَلَى رأس جيش من أبطال سدراته و وارجلان (1) وكان حكام القيروان يعرفون ما يتحلى به عاصم من الشجاعة والقوة وحسن التدبير، فعملوا على قتله بحيلة ذكرتها كتب التاريخ، ومات البطل العظيم قبل نتائج المعركة، وقد أسفرت عَلَى انتصار أبي حاتم، ورجع أولئك الأبطال الذين جاءوا تحت قيادة عاصم منتصرين، ولكن دون أن يرجع معهم عاصم. وَلَمْ تطل إمامة أبي حاتم فقد تمكن العباسيون من التغلب عليه وقتله، بعد هذه الأحداث سلك الإباضية في "وَارجُلاَن" نفس المسلك الذي سلكه الإباضية من أهل "جربة"، فقد انعزلوا عن الحركات السياسية والثورات العسكرية، لا ينضمون إلى دولة، ولا يناصرون أحد المتخاصمين، ولا يساعدون الثوار، ولا الدول القائمة؛ ولكنَّهم كانوا يلتزمون الإسلام في سيرتهم، وينفذون أحكامه على أفرادهم ومجتمعهم، وعندما تكونت الدولة الرستمية في تاهرت، وامتد سلطانها عَلَى أغلب بلاد الجزائر وتونس وليبيا دخلت "وارجلان" في هدوء تحت جناح هذه الدولة الجديدة.
وَلَمَّا كانت الدولة الرستمية تسير على نهج الخلافة الرشيدة، وتعمل على تطبيق أحكام الإسلام، وتتقيد بها، فقد كانت البلاد التابعة لها تتمتع بكُلِّ أنواع الحرية والعدالة والاستقرار التي كلفها الإسلام، وكان نفوذ الدولة عليها نفوذاً اسميًّا لا يتعدى إقامة حدود الله على من يخرج عنه، والفصل بكتاب الله فيما ينجم من خلافات بين الناس، أما في غير ذلك فقد كانت ترك لأهل البلاد أن يعيشوا كما يحلو لهم، فهم أحرار في معاملاتهم وتجاراتهم وجميع أعمالهم، ما دامت لا تجري عَلَى أسلوب من الأساليب المحرمة، أو في نوع من الأنواع المحرمة، وكان الناس حينئذ أشد إيمانًا من أن يخالفوا أحكام الإسلام في معاملة أو تجارة مخالفة صريحة واضحة. وكانت الدولة الرستمية لا تُجبر أهل وار جلان" ولا غيرهم على التجنيد الإجباري، فهي لم تتخذ جنداً مقيما له المرتبات والأجور ليبقى تحت السلاح باستمرار استعدادًا لهجوم أو دفاع، ولا تعتمد على ذلك الجند الذي يحارب من أجل المال ووسائل العيش، وإنما كانت تعتمد على
1) ذكرت "وارجلان" هنا استنتاجا فقط، فلست على يقين من أن أهل وارجلان" بمخططها الواسع قد اشتركوا في جيش أبي حاتم. (1/1037)
صفحة 1038
الإباضية في موكب التاريخ
274
الإباضية في الجزائر
التطوع، وعلى أولئك الذين يحملهم إيمانهم على محاربة المعتدين والدفاع عن حوزة الإمامة
رغبة فيما عند الله، لا أملا في الحصول على غنيمة، أو سعيا وراء نيل مرتب من الدولة. إن الدولة الرستُميَّة لَمْ تكن تدفع مرتبات للجند، كما أنها كانت لا تجيز لنفسها، ولا لمن يعمل تحت حكمها أن يستحل شيئًا من أموال المسلمين ولو كانوا بغاة ظالمين معتدين. عاشت "وَارجُلان" في هدوء وسلام مدة الدولة الرستُميَّة، وَكُلُّ ما يربطها بهذه الدولة من علاقة إِنَّما هو اعترافها بالتبعية لها، وإقامة الحدود، وإصدار الأحكام باسمها، والرجوع في مهام الأمور إليها. علاقة الدولة الرستمية بجميع البلاد التابعة لها، فلم تكن تبغي غير ذلك، ولا
وتلك هي
يهمها إلا أن يعيش المسلمون أحراراً، يتمتعون بكُلِّ ما يكفله لهم دينهم ما يكفله لهم دينهم الذي ارتضاه الله لهم. وقد كانت الدولة الرسمية لا تفرض ضرائب ولا تصادر أموالا، ولا تأخذ غرامات من أحد، وَإِنَّمَا كانت تجمع أموال الزكاة على النهج الإسلامي الذي سار عليه الخلفاء الراشدون، والمهتدون بهم من بعدهم، وقد كانت لا تأخذ من "وَارجُلان" شيئًا، وَإِنَّمَا كان عمال الدولة من خيرة العلماء يجمعون الزكاة من أغنياء البلاد ويردونها في فقرائهم حسبما هو معروف في النظم الإسلامية.
ولهذه الحرية الكاملة التي كانت تتمتع بها "وار جلان" وبقية البلاد التابعة للدولة الرستمية لم يدرك بعض المؤرخين العلاقة، وأعتقد أن حكمها لَمْ يَمتد إلى تلك النواحي؛ لأنه لم يجد له الصدى الذي يجده غالبًا لغيرها من الدول.
ويسرني أن أختتم هذا الفصل بهَذه الصورة الرائعة التي صور بها الأستاذ أعزام هذه الفترة من تاريخ "وار جلان" الحافل قال -رحمه الله -: "إن هذه البلاد في سنة (151 هـ/ 830 م)) إلى سنة (450 هـ / 1039 م عامرة بالإباضية كما قدمنا، ولا اختلاط معهم من الأجناس الأخرى (2)، وشؤونهم بأيديهم، وَكُلُّ واحد رئيس عَلَى عائلته ومنكب على أشغاله ومهماته،
1) لا يقصد المؤلف التحديد الدقيق بهذه السنة.
(2) يقصد المؤلف المذاهب. (1/1038)
صفحة 1039
الإباضية في موكب التاريخ
275
الإباضية في الجزائر
عويصة
والرئاسة العليا بيد حلقة العزابة (1) بالجامع الكبير في كل مدينة، وإن نزلت بهم مسألة اجتمع العلماء من جميع القرى فيفصلونها على مقتضى الكتاب والسنة وآثار السلف، ولا يؤدون على أملاكهم وديارهم وأنفسهم أية ضريبة للدولة إلا الزكاة، فقد كان يؤدي كُلّ واحد واجبه فيما بينه وبين الله تعالى لمستحقه بغير رياء أو سمعة أو محاباة".
التي
هذه الصورة التي وضعها الأستاذ أعزام لـ"وار جلان" خلال ثلاثة قرون ونصف هي نفس الصورة كانت عليها "جربة" في تلك الفترة أيضا، وقد اعتصمت "وار جلان" بالانعزال عن الفتن القائمة
ثُمَّد
قبل تكوين الدولة الرستُميَّة، ثُمَّ دخلت طائعة تحت نظام هذه الدولة فلما انقضت أيامها عادت " وارجلان" إلى نوع حياتها التي عاشتها ما بين الفتح وتكوّن الدولة الرستمية، وكُلُّ ما هنالك من فرق بين حياة وارجلان قبل تكون الدولة الرستمية وبعدها إلى نهاية العهد الأول من تاريخها، وبين حياتها تحت نظام تلك الدولة العادلة أن الأمور في زمن الدولة كانت تجري باسم الدولة، أما قبل ذلك وبعده فقد كانت الأمور تجري على أيدي رجال العلم والدين والصلاح، إلى أن تكون نظام العزابة على أساسه العرفي أَوَّلاً، ثُمَّ عَلَى نظامه المقنن المسجل فأصبح بديلا عن الدولة. ومنذ تأسيس نظام العزابة المقنن في عهد أبي عبد الله مُحَمَّد بن بكر أصبح سيرة من سير أهل وارجلان" يعملون به ويُحافظون عليه إلى اليوم، وإلى ما شاء الله، رغم اختلاف
الأحداث
تغب عني
وتغير الأزمان.
قد يلاحظ القارئ الكريم أن هذا العهد لم يكن في جميع فتراته متشابها كُلّ التشابه، وَلَمْ هذه الملاحظة وقد خطر لي أن أقسمه إلى ثلاث فترات: - تبتدئ الفترة الأولى منها من الفتح الإسلامي في منتصف القرن الأول أو بعده بقليل، ويمتد إلى منتصف القرن الثاني عند تكون الدولة الرستمية.
(1) نظام العزابة في أوَّل هذه الفترة غير معروف لا عرفا ولا تنظيماً، ويقصد الأستاذ أعزام أن أمور المسلمين كانت بأيدي القائمين على شؤون المسجد من العلماء، ولا شك أن القائمين على أمور المساجد حينئذ من الأئمة والمؤذنين والمشرفين على الأوقاف والقائمين بحركة التعليم ودروس الوعظ والإرشاد، ومن هؤلاء جميعاً تكون فيما بعد مجلس للعزابة حسب التنظيم الموجود إلى الآن، والذي سجله الإمام أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر (سنة 408 هـ) على الأرجح، بعدما اتفق مع أبي زكرياء فصيل على خطوطه العريضة قبل ذلك في جربة. (1/1039)
صفحة 1040
الإباضية في موكب التاريخ
276
الإباضية في الجزائر
- وتبتدئ الفترة الثانية من تكوّن الدولة الرستُميَّة إلى نهاية القرن الثالث عند انقراض الدولة الرسمية.
- وتبتدئ الفترة الثالثة من انقراض الدولة الرستمية في أواخر القرن الثالث وتمتد إلى
نهاية هذا العهد.
وهذه الفترات الثلاث كانت كُلّ منها تتميز بأحداث تاريخية هامة أو بأنماط من السلوك خاصة، إلا أن حياة الشعب الوار خلاني في هذا العهد كانت تسير على وتيرة متقاربة ليس بينها كبير اختلاف فقد كان يعيش في جميعها عيشة هدوء وأمن واستقرار، وتطبيق لأحكام الإسلام تطبيقاً حقيقيًا. وشعور بالحرية الكاملة دون أن ينالها ظلم أو تعسف أو إرهاق.
العهد الثاني
يمتد هذا العهد قرابة قرنين من الزمان من النصف الثاني للقرن الخامس إلى منتصف القرن السابع تقريبا (أي: من سنة 450 هـ إلى سنة 624 هـ)؛ أي: منذ دخول العرب من بني
هلال
وبني سليم إلى المنطقة حتّى تغلب ابن غانية عَلَى وَارجُلاَن" وتخريبه لمدينة سدراتة. ويمتاز هذا العهد عن غيره من العهود بكثرة القلاقل والفتن والحروب والغارات، وذلك أنه بالإضافة إلى عدم استقرار دولة متغلبة تتحكم في البلاد بقانون عادل أو جائر، كان هنالك ناس يحترفون الغارة والنهب والسلب. ويبدو أن هَذه الحالة جاءت مع أفواج الأعراب من بني هلال وبني سليم الذين كانوا لا يزالوا يعيشون على ما اعتاده أسلافهم البداة من الغارة على الغير واستخلاص ما تصل إليه أيديهم من أموال الناس عَلَى طريق الغنيمة، سواء كانت تلك الأموال عروضا محفوظة، أو محاصيل زراعة مجموعة أو سوائم ترود الكلاً في المراعي. وَلَمْ تكن هذه الحالة المؤسفة مقصورة على القبائل الوافدة من نجوع بني هلال وبني سليم، وإنما تضاف إلى هذه الحياة المنحرفة بعض القبائل البادية الأخرى التي تعيش في البلاد من قبل، (1/1040)
صفحة 1041
الإباضية في موكب التاريخ
277
الإباضية في الجزائر
والتي شجعها بني هلال وبني سليم أن تسلك نفس المسلك للحصول على المال؛ إما متفقة ومنسجمة معها، أو معارضة ومناقضة لها، أو منفردة. وتكاثرت تلك الأحياء الضاربة في الوديان
والبوادي، والتي كانت تقوم بأعمال العدوان للسلب والغنيمة على أحد الأسلوبين الآتيين: فقد تكون جموعا من المحاربين الأشداء تحت رئاسة بعض شيوخ القبائل وفرسانهم، ثم يهجمون على حين غرة على بعض المدن أو القرى أو الأحياء الأخرى، يقتلون من يعترض سبيلهم، ويغنمون ما تصل إليه أيديهم. ثُمَّ.
يركبون جيادهم، ويعودون إلى أحيائهم، وهم يفخرون بما أظهروا من صبر وثبات في القتال، وما قتلوا من رجال وما غنموا من متاع وسلبوا من أموال.
وقد يعدون مجموعات من أولئك المحاربين فيعترضون الطرق، ويستولون على القوافل التي
تنقل البضائع من مكان إلى مكان فيأخذون ما عندهم لأنفسهم غنيمة باردة.
ولا شك أن هذه الأحياء البادية التي تعيش هذه العيشة إنما تسعى إلى كسب المال من جهة وإلى التغني بالبطولة والشجاعة من جهة أخرى، وليس لهم أي مقصد في الاستقرار أو البقاء في الأماكن التي يغزونها ويتغلبون عليها. ولذلك فحروبهم كانت عبارة عن هجمات خاطفة على من يجدون عنده غرة، أو يتوقعون منه غفلة، فإن حصلوا على شيء فذلك مطلبهم، وإلا فروا هاربين ليعيدوا الكرة على نفس المكان أو عَلَى غيره في فرصة تكون أكثر مواتاة لهم. أما الأسلوب الثاني فقد كانت بعض تلك القبائل تلتحق ببعض الأمراء أو بعض الثائرين أو بعض المغامرين من طلاب الحكم، فتدخل تحت لوائه، وتحارب مع صفوفه لا محبة في نصره، ولا اعتناقا لمبدئه، وَإِنَّمَا استعانة به على تحقيق نزعة القتال الجامحة في نفوسهم، والتغني بالبطولة وعلى الحصول على الأموال من طريق الغنائم، الطريق الذي لا يعرفون غيره، ولا يفكرون في سواه، ولذلك فقد كان من السهل عَلَى تلك القبائل أن تنقلب عَلَى تناصره، وأن تعمل تحت قيادة من كانت تحاربه. وقد كانت "وَارجُلان" في هذا العهد -وهي محاطة بعدد غير قليل من هذه القبائل- غير خاضعة لدولة ولا تابعة لإمارة، وَإِنَّمَا كان مجلس العزابة يدير شؤونها وينظم أمورها، ويفصل في مشاكلها، ويتولى قيادة الدفاع عنها، وبقوتها الشعبية لا بقوة دولة، وبذلك كانت
من
کانت (1/1041)
صفحة 1042
الإباضية في موكب التاريخ
278
الإباضية في الجزائر
عرضة للهجمات والغارات أكثر من جميع البلدان التي تجاورها، وقد يكون من الأسباب التي وجهت إليها أنظار المغيرين - رُبَّمَا أكثر من غيرها - أَنَّهَا كانت تتمتع بمركز اقتصادي ممتاز، وأن أهلها كانوا عَلَى نصيب وافر من الثروة والغنى بسبب الأخلاق التي كانوا يتحلون بها من جد ونشاط ومواصلة للعمل، سواء كان هذا العمل في خدمة الأرض والاشتغال بالزراعة، أو كان بالضرب في الأرض والسفر إلى بلاد السودان للاشتغال بالتجارة. وقد استطاع العزابة في هذه الفترة أن يحتفظوا بالسلطة كاملة، وأن يستمسكوا بقيادة الأمة، وأن يحافظوا على النهج القويم الذي كانوا يسيرون عليه من قبل، وأن يدفعوا عنهم عدوان المعتدين في تلك الغارات الخاطفة، دون أن يتورطوا في حروب طويلة مع الدول القائمة، أو الثائرين عليها، فلم ينحازوا إلى أي من الجانبين، وكانوا يتركون بلادهم شبه مفتوحة للحركات الدولية، فلا يعترضون سبيلها في تحركها ولا يخضعون لها، وإنَّمَا يتركونها تمر كما تمر العاصفة يتطامنون لها، تجاوزتهم وقفوا واستطاعوا أن تبقى بلادهم في تلك الظروف الحالكة المتقلبة في أمن وراحة وهناء. وكما يمتاز هذا العهد من تاريخ "وَارجُلان" بالحالة المضطربة فيما جاورها، وبكثرة الفتن والغارات والحروب كان العهد من تاريخها يمتاز بمزايا أخرى بعيدة كل البعد عن تلك المعاني، مباينة كُلّ المباينة لذلك الاتجاه، وذلك أن "وَار جلان" في كامل ذلك العهد أهم مركز علمي للإباضية، وأحصن ملجأ يلجأ إليه العلماء والطلاب والزهاد، وقد تداول فيه الرئاسة العلمية والدينية عدد من أعلام الإسلام، نذكر منهم أبا صالح الياجراني في أول العهد، وفيلسوف الإسلام أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم في آخره، وبين العالمين العظيمين وفي عصريهما حلقات مترابطة من فطاحل العلماء، وأعداد لا نستطيع حصرها من طلاب العلـ في المدن والقرى، وحتى في الأحياء البادية (1). البادية (1).
إذا
(1) ذكر المؤرخون أن أبا صالح خرج من وارجلان إلى بعض الأحياء الضاربة في البادية، وكان له معهم إبل فوجد هنالك شيخاً من كبار العلماء عليه حلقة من الطلبة يتجاوز عددها ثلاثمائة، وعند رجوعه شيعه الشيخ وتلاميذه فال أحدهما الآخر قبل الوداع، قائلاً: "أخبرني ما أعظم شيء ينال به خير الدنيا؟ أهي التجارة أم الزراعة أم الصناعة؟ " فقال: "أفضل ما ينال به ذلك دعاء الصالحين، لا سيما إذا سبقه إغاثة ملهوف، أو سداد حاجة مضطر". (1/1042)
صفحة 1043
الإباضية في موكب التاريخ
279
الإباضية في الجزائر
يقول الأستاذ أعزام عن هذا العهد في كتابه القيم غصن» «البان ما يلي: "وفي بحر هاته الأعوام اختلطت البلاد، ودخلت العرب الوطن كما سيأتي بيانه، وفي أثناء ذلك وقع الهجوم والهرج والفتن الكثيرة في المغرب، ولكنَّهم بقوا عَلَى حالتهم الأولى من الهدوء والسكون".
ويقصد الأستاذ أعزام بكلمة "العرب" هنا تلك الجموع الهائلة من بني. هلال وبني سليم
الذين وفدوا عَلَى المغرب بمكيدة من الدولة الفاطمية في القاهرة، فانتشروا في أرجاء ليبيـ وتونس والجزائر والمغرب، يقتلون ويخربون ويغنمون، وقد نالت "وار جلان" نصيبها منهم، ومِمَّن سار بسيرتهم وأصابتها فتن وحروب وتخريب، وإن كانت في أغلب الأوقات تقف للمعتدين بالمرصاد ترد عليهم ما يقومون به عليها من صولات وجولات، ما جعلها تعيش طيلة هذا العهد على استعداد دائم لترد عدوان المعتدين.
وقد صور المؤرخ الكبير ابن خلدون حركة دخول العرب من بني هلال وبني سليم، وما قاموا به من فتن وحروب وما أدخلوه على البلاد من الروع والفزع، وما ارتكبوه من تخريب في عدة مواضيع من كتابه القيم - نأخذ منه هذه الصورة لنعرضها على القارئ الكريم كمثل لما قام به أولئك الناس. قال ابن خلدون في تاريخه القيم (ج 6، ص (43) ما يلي: "وعاجوا على ما هنالك من الأمصار مثله طبنة والمسيلة فخربوها وأزعجوا ساكنيها، وعطفوا على المنازل والقرى والضياع والمدن فتركوها قاعًا صفصفًا، أقفر من بلاد الجن، وأوحش من جوف العير، وغوروا المياه، واحتطبوا الشجر، وأظهروا في الأرض الفساد". وأحسب أن هذه الصورة الصغيرة التي نقلناها للقارئ الكريم عن المؤرخ الكبير كافية المعرفة ما أصاب البلاد في المغرب الإسلامي من الأضرار ما كان يقوم به أولئك البداة الجفاة، الذين لم يلامس الإسلام قلوبهم إلا قليلا، وَلَمْ يلتزموا أحكامه في إخوانهم المسلمين لا كثيرا
ولا قليلا. (1/1043)
صفحة 1044
الإباضية في موكب التاريخ
280
الإباضية في الجزائر
العهد الثالث
يمتد هذا العهد ما يزيد عن أربعة قرون أي من سنة 624 هـ عندما خرب الميورقي سدراتة إلى سنة 1040 هـ عندما استدعى بنو سيسين أسرة ابن علاهم لتولي الحكم في "وار جلان".
لقد ذكرت للقارئ الكريم أن أهل "وَارجُلان" الكرام كانوا في العهد السابق عرضة للغارات التي تقوم بها بعض القبائل التي تبني حياتها على السلب والنهب، ولكن سنة 624 هـ جاءت بأشد ما يُمكن أن يقع، فقد مر المغامر الجريء يحي بن إسحاق الميورقي على هذه المنطقة كما يَمُرُّ الإعصار، فقتل الأنفس بدون حساب، وخرب المدن، وغور المياه، وأحرق الغابات، وقد انصبت نقمته على سدراتة" فهدم، سورها، وتركها قاعا صفصفا، وغادرها كأن لم تغن بالأمس» (1).
كان ابن غانية ثائراً على الموحدين يريد أن يقوض دولتهم، وأن يبني لنفسه على أنقاضها ملكًا، فكان يَمُرُّ بالبلدان بشراذم من المغامرين فيقتلون ويخربون، ثُمَّ تَمرُّ من بعدهم جيوش الموحدين على تلك المدن والقرى المنكوبة فيعاقبونها هم الآخرون على استسلامها للميورقي، ودفعها له ما فرض من ضرائب .. وتوالت الهجمات من عدة أطراف فكانت لها نتائج وخيمة على تلك المنطقة.
ونظراً لتضافر القلاقل وكثرة الفتن وتعاقب طلاب الحكم على البلاد، وإنزالهم بالناس شَتَّى أنواع الظلم، وكثرة غارات البداة، ومن في حكمهم فإن هذا العهد يعتبر أسوأ عهد تاريخي مر عَلَى وَار خلان" في عهودها الإسلامية.
وإذا كانت الغارات وقطع الطريق والتعرض للسابلة في العهد السابق قد قيَّدت نشاطات رجال العلم والعمل، وعاقت طلاب العلم عن الانتقال بين المدارس والمفاضلة بين الشيوخ والمدرسين والالتحاق بأكثرهم فائدة وأوسعهم دائرة، وأصبرهم على العطاء؛ فإن حالات الفتنة واستمرار الحرب والاضطراب والقلق قد أثرت عَلَى الناس فاشتغلوا بوسائل الدفاع،
(1) ما بين قوسين عبارة أبي العباس. (1/1044)
صفحة 1045
الإباضية في موكب التاريخ
281
الإباضية في الجزائر
وكرسوا أنفسهم لرد سيول المهاجمين الذين لا ينقطعون، وقرّ كُلّ واحد منهم في موطنه يتوقع كُل يوم نزول المصائب، ويحتال لدفعها، ويعد الوسائل لردها أو التخفيف منها، فوقع شبه تهاون في الجانب العلمي بانصراف العلماء والمتعلمين إلى مضاعفة الاشتغال في الميدان الاقتصادي حتى تستطيع البلاد مواجهة ما تأتي به الأيام من المطالبات، كما أنهم كانوا أيضا يعدون وسائل الدفاع، ويتدربون عليها لرد الغارات التي يقوم بها طلاب المال من رؤساء
القبائل.
وفي هذه الأثناء احتاجت البلاد إلى رجال أشداء تسند إليهم إدارة البلاد عسكريا ليتولوا حمايتها والدفاع عنها، وَلَمَّا كان من تتوفر فيه شروط القيادة السياسية والعسكرية قد لا تتوفر فيه شروط الزعامة الدينية التي يقوم بها العزابة، ومن تتوفر فيه شروط العزابة قد لا تتوافر فيه شروط الزعامة للقيادة السياسية والدفاع، فقد أسند الدفاع إلى رجال من غير العزابة، وقد سار أولئك الحكام المختارون في مبدأ الأمر سيرة حسنة، خاضعين للاختيار والشورى، عاملين بنصائح العزابة وتوجيهاتهم، ولكنَّهم لم يلبثوا أن استغلوا تلك المناصب فأعطوا لأنفسهم حق الحكم والتحكم حسبما يعرف عند غيرهم من المجتمعات، وحرصوا على أن يبقى الأمر في أيديهم، ثُمَّ عملوا عَلَى أن يبقى الحكم وراثيا في أسرهم.
وعندما بلغ بهم الانحراف إلى هذا الاتجاه بدأت المشاكل الداخلية، فقد كانت أسر أخرى ترى أن تولّي الحكم شرف وحق، وهي تريد أن تحصل على هذا الشرف وتنال هذا الْحَقِّ، وكانت أسر أخرى ترى أن الحكم مغنم ووسيلة للاستغلال، وهي تريد أن تجني لنفسها بعض المكاسب، وتستغل ما استغله الآخرون. كان هناك مجموعات من الناس ينتقدون في الأسر الحاكمة هذا الانحراف الذي يميل إلى الاستبداد والاستعلاء، ويحاولون أن يطيحوا بأولئك الحكام حَتَّى يقوم الأمر على نزاهة ونظافة واستقامة، وبدأ التطاحن الداخلي في نفس "وَارجُلاَن" يفعل فعله؛ فانقسم أهلها وكان لِكُلِّ داعية أتباع، ولكل قبيلة أشياع، استطاع "بنو سيسين" أن ينزعوا الحكم من "بني وكين"، ولم يطل ببني سيسين الأمر، فقد وقع بين أفراد العائلة نفسها نزاع وخصام نتجت عنه فتن طويلة ذهبت فيها أموال وأرواح، وخشي أصحاب الحكم من "بني سيسين" أن (1/1045)
صفحة 1046
الإباضية في موكب التاريخ
282
الإباضية في الجزائر
يتغلب عليهم منافسوهم فينتزعون منهم مقاليد السلطة، فارتكبوا الخطأ الذي يرتكبه كُلّ ضعيف يتمسك بالحكم رغما عن أهل وطنه؛ فالتجأوا إلى خارج "وار جلان"، وذهب منهم وفد إلى مراكش يدعو إليهم من يسندهم في موقفهم ويشدهم على كراسيهم، فجاءتهم هذه المساعدة ممَّن أخذ الحكم منهم ومن منافسيهم. وفي سنة 1040 هـ قدم مولاي عبد الغفار بن مولاي مُحَمَّد بن مولاي علاهم بدعوة من "بني سيسين" ليتولى الحكم على شروط شرطوها عليه فقبل منهم، وأقبل إلى "وَار خلان" حيث تولى الحكم إلى الأبد من "بني سيسين" ومن بني وكين ومن أهل "وار خلان" أجمعين، وكان مجيء عبد الغفار هذا مبدأ للعهد الرابع من تاريخ "وَار جلان" الحافل.
انقضى هذا العهد بين فتن وحروب داخلية وغارات متواصلة من الخارج، وحيل بين العزابة وبين توجيه الناس والسير بهم في جميع الاتجاهات واستبدت السلطة في بعض الأحيان استبدادًا أخفت صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبدو أن الاستمساك بالدين والمحافظة عليه ومراعاة آدابه لم يعد مثلما كان من قبل عندما كانت جميع الأمور بيد العزابة، وتوالى الضغط عَلَى الإباضيَّة في "وَارجُلاَن" وما يُجاورها، وكانت الغارات توجه إليهم باسم المذهبية من ناس جهلة لا يفرقون بين الحلال والحرام ولا بين مذهب ومذهب، وَإِنَّمَا يتخذون المذهبية وسيلة لابتزاز الأموال واستحلال الاستغلال، فأثرت هذه المواقف على البلدان المجاورة لـ " وراجلان"، فكان الإباضيَّة يتناقصون منها تحت الضغط المتواصل بالهجرة ومرة بالانتساب إلى المذاهب الأخرى حَتَّى انقرضوا من تلك البلاد.
أَمَّا "وَارجُلان" التي كانت في ذلك الحين أقوى المراكز الإباضية في المغرب الإسلامي فقد استطاعت أن تصمد وأن تحتفظ بكيانها، وإن كانت تلك الظروف قد أثرت عليها تأثيرًا كبيرًا فأخذت في الضعف، وكثر فيها الجهل وانحراف الناس عن النهج القويم الذي كان عليه أسلافهم وانعزل مجلس العزابة عن مهمته الحقيقية من قيادة الأمة في جميع الميادين، والإشراف على المجتمع وتوجيهه إلى هيئة قائمة في المسجد، مهمتها القيام بشعائر العبادة ثُمَّ الفتوى البعيدة عن التنفيذ. (1/1046)
صفحة 1047
الإباضية في موكب التاريخ
283
الإباضية في الجزائر
ويبدو لي أن هذه الصورة شبيهة كُلّ الشبه بما مر على "جربة" في الأيام الأخيرة قبل انحلال مجلس العزابة، وَكُلُّ ما هنالك من فرق أن المجلس في "جربة" قد انحل كما انحل في "جبل نفوسة"، وانفرط ذلك العقد الكريم فلم يعد له أثر على المجتمع، بل لم يعد له وجود لا شكلا ولا موضوعا؛ أما في "وار خلان" فقد استطاع المجلس أن يصمد وأن يقاوم وأن يحتفظ بمكانه من بيت الله. واليوم وقد بزغت شمس الحرية على الجزائر العظيمة، وانفتحت أبواب العلم والمعرفة للشباب المسلم في كُلّ الأصقاع وَكُلّ الأقطار، وأصبح ميسوراً لأبناء وَالآن" الأذكياء أن يلحقوا بمعاهد العلم وأن يغترفوا منها بسهولة ويسر، فعساهم أن يردوا لوراجلان مجدها العظيم ومركزها التاريخي الرفيع، وأن يغدو مجلس العزابة بالعناصر المتعلمة المؤمنة التي تجمع بين الثقافة الواسعة الواعية، والعقيدة المؤمنة الصادقة والسلوك المهذب القويم، والعمل المتواصل الدؤوب ليواصل مجلس العزابة الموقر رسالته العظيمة في كفاح الباطل، وكفاح الرذيلة، ومحاربة المنكر.
وإذا كان أسلافهم الكرام قد بلغوا من غزارة العلم ومتانة الدين وقوة الإرادة ما استطاعوا به أن يقوموا بواجبهم، وأن يبلغوا رسالتهم وسط الأعاصير والزوابع فليس للأبناء اليوم عذر في التقهقر أو التخلف أو الانحراف، وإذا كان أولئك الأسلاف العظام بلغوا إلى أسبانيا طلبا للعلم وتوغلوا إلى مجاهل إفريقيا طلبا للرزق ونشراً لدعوة الإسلام، فما أحرى هذا الخلف وقد تيسرت له السبل أن يبلغوا ما لم يبلغه أولئك مع معاكسة الزمان وجور الأيام. (1/1047)
صفحة 1048
الإباضية في موكب التاريخ
284
الإباضية في الجزائر
العهد الرابع
يمتد هذا العهد ما يقرب من قرنين ونصف من سنة 1040 هـ التي تولى فيها أسرة ابن
علاهم الحكم على وارجلان إلى سنة 1286 هـ عندما احتلت فرنسا الجزائر. وفي هذا العهد كانت "وَار جلان" شبه إمارة مستقلة، فقد كان يرأسها شريف يحكمها حكمًا مستبدا مطلقا، وإن كان في أغلب الأوقات يتبع الدولة العثمانية تبعية اسمية، يجمع لها الضرائب في مواسمها ويسلمها إليها، وليس له شأن بها غير ذلك .. وقد كان الحكم طيلة هذا العهد وراثيا في أسرة بني علاهم، وقد سار بعض الحكام من هَذه الأسرة سيرة نظيفة نزيهة فيها كثير من العدل والاستقامة، وسار آخرون سيرة فيها من الانحراف والاستبداد والظلم ما يبعد بهم عن منهج الحكم في الإسلام، كما أن منهم من يستقيم فترة ثُمَّ يبدو له فينحرف ويرتكب ما لم يرتكبه غيره من الظالمين، ومع هذه الحال المتقلبة التي كان عليها حكام وارجلان" من أسرة بني علاهم فقد كان أهل البلد راضين بهم؛ ذلك لأن وجودهم كان يحمي البلاد من شرور المغامرين والمغيرين الذين لا ينفكون يهجمون على الآمنين يقتلون ويسلبون ويختلسون. لقد كانت الجزائر كُلّها في هذا العهد تابعة للدولة العثمانية، ولكنها في نفس الوقت لم تتمكن من التنظيم والاستقرار والحكم المباشر، لا سيما في الدواخل والجنوب، وذلك أن الدول الغربية كانت لا تتوقف عن مهاجمة الجزائر في مُختلف الجهات وبمختلف الأساليب وسواء كانت الدوافع إلى ذلك رغبة في القرصنة التي احترفتها ورعتها بعض الدول الغربية مثل أسبانيا والبندقية، أو كانت أسبابًا استعمارية، أو كانت أسبابا صليبية يمليها التعصب الديني؛ فكانت تلك الهجمات تتوالى وإن اختلفت أماكنها مَرَّةً عَلَى الجزائر ومرة أخرى على وهران أو تلمسان أو عنابة أو بجاية أو غيرها .. وكثيرًا ما يجد أولئك المهاجمون من يساعدهم من المغامرين وينضم إليهم في محاربة الدولة العثمانية طمعا في منصب، أو جريا وراء غنيمة تؤخذ، أو غنيمة تُمنح .. وكان في نفس الوقت ثورات تثور في الدواخل من المغامرين طلاب الحكم أو طلاب المال، وكانت الدولة غالبًا مشغولة عنهم بمصارعة العدوان
الخارجي وإيقافه عند حده، فتستمر أعمالهم الفوضوية حتى تلتفت إليهم الدولة. (1/1048)
صفحة 1049
الإباضية في موكب التاريخ
285
الإباضية في الجزائر
وكانت "وَارجُلان" في هذه الظروف المتقلبة هادئة راضية بوضعها، فهي لا تثور على الدولة العثمانية، ولا تحاول الاستقلال عنها، ولا تمتنع عن دفع الضريبة السنوية عليها، إلا أن هذا الاستقرار بالنسبة إلى علاقة وارجلان بالدولة الكبرى لم يكن عامل استقرار بالنسبة للبلد نفسه، وللأسرة التي تحكمه؛ فقد كان الخلاف لا ينفك يثور بين أهل البلد بتحريض بعض المتعصبين للمذهبية الدينية كما كان التراع لا يلبث أن ينشب بين أفراد الأسرة الحاكمة نزاعاً عَلَى الحكم ورغبة في الاستغلال وقد كان ينبني على ذلك فتن داخلية ومكائد سياسية ينجم عنها إزهاق أرواح، إما بطريق الاغتيال الفردي أو الحرب الداخلي .. ومضى هذا العهد عَلَى وَارجُلاَن" كما مضى العهد السابق لم تتمكن فيه من مراجعة نفسها وتصفية حسابها، والرجوع بسيرتها إلى ما عرف من تاريخها المجيد؛ فبقى مجلس العزابة في المسجد يقوم بالأمور الدينية الخاصة بالعبادة وليس له من أمر توجيه الناس، ومعالجة مشاكلهم بشيء، كما أَنَّهُ لَمْ يتمكن من مُحاربة البدعة في انحراف الحكم، لا سيما وأن ولاة الحكم كانوا على غير مذهب الإباضية؛ فلم يكونوا يستمعون إلى رأي مجلس العزابة، وإذا شدد المجلس في الإنكار على أحدهم لسوء تصرفه وانحرافه وعدم تقيده بأحكام الدين يعزو الحاكم ذلك إلى الخلاف المذهبي وينسبه إلى التعصب والتحكم ثُمَّ يثير العامة من المذاهب الأخرى فتحدث فتن بسبب ذلك بين الناس، ويستقر هو في منصبه بعد أن يضرب الأمة بعضها ببعض، ويفرق كلمتها، ويشعل بينها نار الشحناء والبغضاء. وخلاصة القول في هذا العهد أن "وَارجُلاَن" كانت فيه مستقلة منعزلة مشغولة بأحداثها الخاصة دائرة عَلَى نفسها، وكانت علاقتها بأواسط إفريقيا أكثر من علاقتها بشمالها؛ فقد كانت تجارتها وأسفارها متجهة إلى الجنوب أكثر مما كانت متصلة بالشمال، وهذه الحركة المتجهة إلى الجنوب من "وَارجُلاَن" وما شابهها من الواحات كانت هي المعين الذي يستمد منه المسلمون في إفريقيا المدد الروحي، وكان أولئك المسافرون هم حقا الدعاة الذين أبلغوا الإسلام إلى كُلِّ مكان في هذه القارة السوداء المجهولة العظيمة. (1/1049)
صفحة 1050
الإباضية في موكب التاريخ
286
الإباضية في الجزائر
فتن ساحقة في "مارجلان"
لَعَل القارئ الكريم يذكر أن كلمة "وَارجُلاَن" صارت علمًا على مدينة كانت عاصمة لعدد غير قليل من القرى والواحات، اندثر أغلبها وغطتها الرمال، وَلَعَلّ من أهم الأسباب التي ساعدت الرمال عَلَى التغلب على تلك البلاد عدد من الفتن والحروب توالت مع عوامل
الطبيعة القاسية.
وفي هذا الفصل سوف أعرض صوراً لبعض الفتن الكبرى التي كان لها أثر بالغ على "وَارجُلاَن"، وقد تَحدَّث الأستاذ أعزام عن هذه الفتن بإسهاب فمن شاء فليراجعها في «غصن البان»، أما في هذا الفصل فسوف أعرضها باختصار وإيجاز:
1 الفتنة الأولى: سبب هذه الفتنة فيما يبدو - إِنَّما هو عصبية جاهلية ونعرة قبلية، وعدم تحكيم لكتاب الله فيما شجر بين الناس، وقد اختلفت أساليب المؤرخين في عرض أحداث هذه الفتنة والنتائج التي ترتبت عنها، وإن كان جميع المؤرخين متفقون أن سببها حادثة بسيطة من تلك الحوادث التي تقع كثيرًا عَلَى معاطن المياه بين القوافل المتعارضة، أو رعاة الماشية الواردة، أو بعوث الأحياء الضاربة في الصحراء لاستقاء المياه. وقد ذكر الأستاذ أعزام في غصن البان: أن امرأة ذهبت إلى بئر لتستقي وفي أثناء ذلك ردت على البئر إبل لقبيلة أخرى، فتدافعت عَلَى المرأة وزاحمتها فتقطع رشاء سقائها ووقع في البئر؛ فرجعت إلى أهل حيها شاكية دون أن تستقي، فصحبها رجل من حيها إلى البشر ليلوم صاحب الإبل ويعتب عليه إهماله فوقع بينهما أخذ ورد بلغ بهما إلى نهاية الـ الغضب، وثب صاحب الإبل عَلَى صاحب المرأة فقتله والتحمت قبيلتاهما في معركة حامية، وناصر كلاً من القبيلتين قبائل أخرى فاتسع الخرق، ومات عدد من آخرون، وكانت هذه الفتنة أوَّل شرارة داخلية أوقدت في منطقة "وَارجُلاَن"، وكانت لها آثار بعيدة المدى فيما بعد، وقد ذكر أبو العباس الدرجيني حين تَحدَّث عنها أن الفتنة لم تنته بانتهاء المعركة في موقعة البئر، وَإِنَّمَا تغلب فيها التعصب القبلي، فكانت كُلّ من القبائل المتعادية تحاول الهجوم المفاجئ على الأخرى للأخذ بالثأر.
الناس وجرح (1/1050)
صفحة 1051
الإباضية في موكب التاريخ
287
الإباضية في الجزائر
ورغم
أن عددا من كبار المشايخ حاولوا بِكُلِّ جهد إطفاء هذا الحريق وشدوا النكير،
ومنهم من قاطع قومه ووصفهم بالعدوان وخرج مغاضبًا لهم، لكن كُلّ ذلك لم يوقف سيل الدماء، وَلَمْ يستل الضغائن من القلوب، وَلَمْ يرجع الأواصر بين تلك القبائل إلى ما كانت عليه، وكان هذا الوضع هو الذي مكن للنكبة الأخرى التي حاقت بالبلاد على يد ابن غانية في أوائل القرن السابع، وكانت هذه الفتنة في أوائل القرن السادس الهجري]، في أواخر عهد ماكسن بن الخير وأضرابه.
2 - الفتنة الثانية: كان ابن غانية يحيى بن إسحاق مغامراً جريئًا، عمل على أن ينتقم من الموحدين وأن يقوض ملكهم .. ينتقل بين بلاد المغرب الإسلامي يقتل ويغنم ويحتل ولا يستقر، إنَّه كان لا يثبت ملكا، ولا يستقر في مكان. وكان الموحدون يتعقبونه أينما حل، وفي سنة 624 هـ مرَّ بمنطقة "وار جلان" فارتكب فيها من الأفاعيل ما لا يرتكبه إلا مغامر لا يعصمه دين ولا خلق.
وقد عرض علينا الأستاذ أعزام صورة واضحة جلية، وإن كانت مختصرة لما تركه الميورقي عند مروره بـ "وار جلان"، قال في: «غصن البان» ما يلي: "وهو يحيى بن إسحاق المتلثم المعروف بابن غانية منسوب إلى جزيرة ميورقة بالأندلس ثار بأفريقيا وفعل فيها العجائب من الفساد، وكان أن كتب عَلَى هَذه الأوطان الخراب والفتن والأهوال، قدم هذا الغشوم ثائرا سنة 624 هـ لهاته الأوطان، فخرب البلاد وقتل العباد، وكان سلوكه على بلاد وار جلان" فنزل بها، وهدم، قصورها، وقطع نخيلها، وأفسد عيونها، وشتت جموعها، وزاد إلى حومة "أريغ" وبلاد "سوف" و"جبل نفوسة" و"بني دمر"، ونزل على عين الصفا، بـ"سدراته" فأفسدها في ثلاثين يوما، ثُمَّ عَلَى عين قبائل "يفرن" فأفسدها في ثلاثين يوما. فَلَمَّا وقع بهم هذا هربوا من أوطانهم طالبين السلامة، فمنهم من هرب إلى جهة المشرق، ومنهم من هرب إلى وادي ميزاب، ومنهم من هرب إلى "وادي مَلْوِيَّة"، ومنهم من تحصن بجبل الكريمة وهو جبل بناحية جبل العباد "و"سدراته في غاية المنعة، صعب الارتقاء ولا طريق لصعوده إلا من ناحية واحدة فتحصنوا فيه فحاصرهم العدو من
مدة شهر،
لَمَّا
"
ثُمَّ انصرف عنهم يئس منهم".
-
أسفله (1/1051)
صفحة 1052
الإباضية في موكب التاريخ
288
الإباضية في الجزائر
ويقول الأستاذ أعزام: ثُمَّ نزل بـ"وَار خلان" وأهل "أنقُوصَة" وحاصرهم حصارًا شديدا
إلى أن أعطوه أموالا كثيرة، واتفقوا معه عَلَى غير الْحَقِّ خوفًا من جوره وتعسفه ..... هذه الصورة التي وضعها الأستاذ أعزام لفتنة الميورقي، معتمدًا فيها على مصادر تاريخية أهمها ابن الأثير كما يقول صاحب الكتاب نفسه، وهي صورة مما كان يقاسيه أهل تلك البلاد من المتاعب بسبب المغامرين من طلاب الحكم، وبسبب جور الدول الظالمة التي تعمل على تثبيت سلطانها بِكُلِّ وسيلة.
و" وارجلان" بموقعها الممتاز الذي يربط بين الصحراء وبلاد الشمال وبين تونس والجزائر كانت محط أنظار الطامعين والمتنازعين من طلاب الملك ومع أن أهلها بسبب كثرة التقلبات السياسية كانوا لا يهمهم من يتولى الحكم في بلادهم؛ لأن الحكام والأحكام في ذلك الحين كانت متشابهة كلها، بعيدة كُلّ البعد عن المنهج الإسلامي، ولذلك فهم يقفون منها موقفا سلبيا لا يساعدون بعضها على بعض، إلا أنهم كانوا يلاقون على موقفهم هذا أشد العنت من كُلّ من تسنح له فرصة التغلب على البلاد والسيادة بها ولو لزمن قليل، وعندما يهجم عليها طالب من طلاب الحكم فيتغلب على الحاكم السابق ويطرده منها أو يقتله فإنه يُنزِل بأهل البلد جميع وسائل العقوبة، من قتل وتعذيب ومصادرة أموال، وفرض ضرائب وغرامات، وإن كان يعلم علم اليقين أن السكان كانوا على حياد تام في المعارك الناشبة بينه وبين سلفه ويري أن ذلك الحياد أو ذلك الموقف السلبي بين المتخاصمين لا ينهض عذرا ولا
يلقى مبرراً.
والواقع إنما يرتكبون ما يرتكبونه بدافعين الدافع الأَوَّل: هو التماس الوسائل والأسباب لجمع أكثر ما يمكن من المال والدافع الثاني: هو إشاعة الخوف والإرهاب حتى يستجيب السكان الأبرياء لجميع المطالب .. إن أولئك الحكام المتسلطين الذين كانوا يسيرون بالفتنة يوقدونها أينما ساروا كان يساعدهم أن يحسبوا الشعب في أي بلد دخلوه مناوا لهم، مؤازراً لخصومهم، حتَّى يَجدوا بين الناس وفي دخائل نفوسهم أيضا مبررا لما يرتكبونه من أعمال، ويعاقبون كما يشاوؤن بطريق التغريم والمصادرة وفرض الضرائب غير المحدودة؛ (1/1052)
صفحة 1053
الإباضية في موكب التاريخ
289
الإباضية في الجزائر
لأنهم دائما في أشد الحاجة إلى المزيد من المال، وفي جميع الأحوال، ومتى تعسرت عليهم هذه السبل كلها وَلَمْ ترو ظمأهم فَإِنَّهُم يلتمسون وسائل أخرى ويعودون على ذوي اليسار. ونظرة واحدة إلى حكام اليوم لا سيما في البلاد الصغيرة والفقيرة من أنحاء العالم كافية لنفهم بها سلوك أولئك الناس الذين يرتفعون من غير شيء كما ترتفع الزوابع والأعاصير، ثُمَّ يذوبون في السراب كما تذوب تلك الزوابع والأعاصير أحيانًا قبل أن يستفيق من مرت به
من الدهشة.
3 - الفتنة الثالثة: تحدث الأستاذ الكعاك عن أولئك المغامرين الذين يسودون بعض القبائل ثُمَّ يستولون على الحكم، ويلقبون أنفسهم بأضخم الألقاب، فقال في كتابه «الموجز» (ص 451) ما يلي: "لم تكن هذه الأسر بدول لها شأن عظيم، ولكنَّها تشابه ملوك الطوائف في الأندلس، ولو أَنَّهَا لَمْ تبلغ إلى درجتها من الرقي والسطوة وهي أكثر شبها بمناطق الأسياد في القرون الوسطى، لا سيما وهي لا تبعد عليها في الشكل والجوهر؛ فإن أمير القبيلة يعيش عيشة (السيد) فيتخذ له قلعة يتحصن بها ويجعلها قاعدته المدنية والحربية، ويبسط نفوذه على قبيلته التي تطيعه كُلّ الطاعة، وتمده بالمال والرجال، وتتطوع له في كُلّ شأن يريده، فيهجم بها على القبائل المجاورة لغزوها وسبيها، والإثراء والتوسع على حسابها".
وبعد أسطر يقول: "ومن جملة هذه الدول دولة بني جلاب التي تأسست في مدينة "تقرت"
في القرن العاشر، في أواخر أيام بني زيَّان" واستولت على جميع ولاية "وادي أريغ". ويتحدث مؤرخ "وار جلان" الأستاذ أعزام عن بني جلاب فيقول: "قلت لما أن ثبت قدمهم في هذه البلاد حدثتهم نفوسهم بالإغارة عَلَى أموال الإباضية بـ"وار جلان" سنة 1070 هـ قدموا إلى "وار خلان" بجيشهم الجرار، وشنوا غاراتهم على البلاد، وأخذوا طريق الفساد والقتل والنهب، وأعانهم جميع من ينتمي إلى الفساد والغالب من "أنقوصة" لما أنها في ذلك الأوان تحت طاعة وادي" أريغ" كما ذكره المؤرخون". ثُمَّ يتحدث الأستاذ أعزام عن تفاصيل المعركة ونتائجها وآثارها.
-
ويذكر شيخ الصحافة الجزائرية شيخنا أبو اليقظان إبراهيم في كتابه القيم «نموذج إمارة «الدفاع» فتنة أخرى قام بها بنو جلاب عَلَى وَارجُلان" سنة 1226 هـ، كانت الفتنة الأولى (1/1053)
صفحة 1054
الإباضية في موكب التاريخ
290
الإباضية في الجزائر
الطوابير
التي قام بها بنو جلاب في أوَّل حكمهم حينما استقرت أسرتهم في "تقرت"، ثُمَّ استطاعت أن تغلب على الجهات المجاورة من "أريغ "أريخ" و"أنقُوصة" وتبسط عليها نفوذها، وكانت تأمل أن تتوسع فكونت جيشًا لَجبًا وأتجهت به إلى "وار جلان" عروس الصحراء ومعقل القوافل وأغنى المناطق، ولكن أهل "وار جلان" قد عرفوا عزم بني جلاب فاستعدوا للقائهم رغم الخامسة، واستعانوا عَلَى دفع العدوان بالأصدقاء من جيرانهم الذين كانوا يريدون ضرب بني جلاب قبل أن يستفحل أمرهم، ولا شك أن بني جلاب إذا استطاعوا أن يتغلبوا عَلَى "وَارجُلان" فسوف يحاولون الاستيلاء على غيرها وإخضاع البلاد جميعها لهم. وصل بنو جلاب إلى "وار جلان" ووقعت معركة حامية الوطيس بين الفريقين ذهبت فيها أرواح كريمة وأموال غزيرة، ثُمَّ انهزم بنو جلاب وخسروا المعركة والسمعة، وكانت هذه الوقفة الصامدة من "وَارجُلان" في وجوههم وردهم على أدبارهم كافية لأن تجعلهم حراصا
-
على عدم التوسع وعدم العدوان على بلاد أخرى، حَتَّى سنة 1226 هـ في أواخر أيامهم. على ما ذكره قطب الأئمة رحمه الله - أرادوا أن يعيدوا الكرة وجهزوا جيشًا لَحِبًا وقصدوا "وَار جلان"، وسمع أهل "وَارجُلاَن هَذه المرة أيضًا بما عزم عليه بنو جلاب فاستعدوا
11
للقائهم، واستعانوا بإخوانهم من بني ميزاب" فأنجدوهم بجيش تحت قيادة بطل من أبطالهم، ولَمَّا قرب بنو جلاب من وارجلان" ووجدوا" الاستعداد والتنظيم والعزم على الدفاع، وخافوا أن تكون هذه الموقعة أشأم من الموقعة الأولى طلبوا السلامة، ورجعوا من حيث أتوا، وقد خلد بعض الشعراء هذه الموقعة بقصيدة رائعة غير موجودة عندي الآن، وإن بقيت أبيات منها عالقة بذهني وقد وصف الشاعر الاستعداد للمعركة والتحام القتال وانسحاب العدو فقال:
تتبعهم خيول وادي مصعب
فانهزمت عساكر الشيطان
أكرم بأهل الخيل من شجعان
كما وقد ذهبت عني الأبيات إلا أن الصورة كما رسمها الشاعر لا تزال مرتسمة بذهني
يلي: إن الجيش المغير بعد أن ثبت قواعده وجلب الذخائر وسوَّى صفوفه وعزم على القال (1/1054)
صفحة 1055
الإباضية في موكب التاريخ
291
الإباضية في الجزائر
وراءه
استولى عليه الرعب، فاضطر إلى القرار تاركا فسطاط القائد، وخيام الجنود مبنية، مخلفا ما جلب من ذخيرة البارود والرصاص، وانفلت برقابه لا يلوي على شيء. والحقيقة أن الفتنة الأولى لبني جلاب وإن تكن قد تسبب لأهل "وَار جلان" في خسارة أموال وأبطال إلا أَنَّهَا أرجعت إلى القوم ثقتهم في أنفسهم، واتحادهم مع إخوانهم، وقد نتج عن ذلك انتصارهم في المعركتين الكبيرتين اللتين سعى إليهما حكام هذه الدولة التي استقرت في "تقرت" وتريد أن تمتد إلى اليمين واليسار.
- الفتنة الرابعة: بوشوشة مغامر آخر من أولئك المغامرين الذين يصطادون في الماء العكر، وينتهزون الفرص في أسوأ الظروف، قال عنه شيخ الصحافة الجزائرية شيخنا أبو اليقظان -رحمه الله - ما يلي: ذلك أن الثائر مُحَمَّد بوشوشة لَمَّا نصب نفوذه على الجان الجانب القسطنطيني إبان الزحف الفرنسي، ولَمَّا استولى عَلَى وَار جلان" أمعن في التقتيل والتنكيل فزرع الرعب في القلوب.
11
أما الأستاذ أعزام فقد تناول الحادثة بشيء من التفصيل والإسهاب في كتاب «غصن البان» نقتطف منه ما يلي: "قدم لـ "وار جلان" بوشوشة المدعي الشرف، ونزلها على نية الفساد والإيقاع بأهاليها، فتلقاه بعض الناس بـ"وَارجُلان واتفقوا معه على إخلاء البلد والنهب، وكان لَمَّا سمع الأهالي بقدومه اجتمع سكان المدينة من الأعراش الثلاثة، واتفقوا على عدم طاعته والدخول تحت نفوذه، والقائد إذ ذاك عَلَى "بني وكين" الشيخ ابن الحاج معيزة، وعلى "بني إبراهيم الحاج حمو، وعلى بني سيسين جلول بن با حمان، ورئيس الطلبة الإباضية الحاج أبو عزيز خواجة، وبعد الاتفاق أعطوا العهود والمواثيق عَلَى عدم الخداع، ثُمَّ إِن رئيس الطلبة أبدى لهم رأيا أخذوا به، وهو أن يبنوا بين كُلّ عرش سورا وبابا خوفًا من الخداع، فإذا خدع عرش من الأعراش كان ذلك يخصه دون الآخرون". كان أهل "وار جلان" مذهبيهم الإباضي والمالكي، وبعنصريهم البربري والعربي قد اتَّحدوا في فتنة بني جلاب وكونوا قوة واحدة للدفاع، فاستطاعوا أن يصدوا وأن يردوا العدوان عن بلادهم، وقد وقعوا مثل الموقف في جميع الأحداث التي وقعت في تلك الفترة فلم يستطع أحد أن ينال منهم. (1/1055)
صفحة 1056
الإباضية في موكب التاريخ
292
الإباضية في الجزائر
فَلَمَّا جاء بوشوشة استطاع أن يكون فيهم طابورًا خامسًا، وأن يزرع بينهم كلمة التفرقة، وأن يتخذ لنفسه من يساعده من الداخل، ولَمَّا تأكد أن لديه أعوانا داخل المدينة يعملون له سرا جهز جيشه واستعان بكثير من الطامعين الذين يشتركون في الفتن والحروب طمعا في الغنيمة والكسب، وعسكر الرجل خارج المدينة قريبا منها، فانضم إليه من سكان "وَار جلان" كان متفقاً معه سرا، وكان ذلك مبدأ الخديعة والمكر وتفريق الكلمة، ووقع الصدام بين
من
"
الجند المهاجم وأهل المدينة، فكانت كفة المعتدين هي الراجحة طوال اليوم الأول. وعندما سكتت ألسنة الرصاص عند الغروب بدأت ألسنة الفتنة والمكيدة تعمل، فأشيع بين أتباع المذهب المالكي أن بوشوشة إنَّمَا يريد القضاء على الإباضية فقط، يقول الأستاذ أعزام: "ت" وقع الخداع من بعض المفسدين، وفتحوا البوشوشة الأبواب بحجة أن بوشوشة قدم لقتال الإباضية خاصة، فدخلت عساكر بوشوشة فنهبوا إباضية بني سيسين"، وقتلوا منهم من وقع بأيديهم وحانت منيته"، وهرب من استطاع الهروب، وَلَمَّا رأى الناس ما وقع لـ"بني سيسين" وأن الغزاة سينتصرون لا محالة اتفقوا على التسليم، فخرج زعماء الأعراش إليه يحملون علامات التسليم ووقف منهم موقف حاكم الأباريق في القصة المشهورة، يعفو عن هذا ويقتل هذاء ويغرم هذا حسبما تمليه عنطرة مغامر منتصر وغروره. ومن أسوأ ما فعل أنه غرم الشيخ ابن الحاج معيزة قائد "بني وكين"، والحاج أبا عزيز بن خواجة رئيس الطلبة بمبلغ عشرة آلاف فرنك لكُل واحد منهما على أن تدفع حالا، فجمع "بنو وكين" هذا المبلغ الضخم ودفعوه له، وما تسلم المبلغ حتى أمر الشيخين بالرجوع إلى البلد، ولكنه حين انفصلا عنه أمر بإطلاق الرصاص عليهما فقتلا، وكان جلول بن باحمان مُختفيا عند قائد "بي إبراهيم" فبعث إليه بوشوشة سبحته علامة عَلَى الأمان فَلَمَّا جاء الرجل أطلق عليه الرصاص قبل أن يصل إلى خيمة الحاكم بخطوات.
وقد ارتكب المغامر الجريء ما يرتكبه مغامر أفاق يجري وراء المال والسلطان، دون أن يعصمه دين أو خلق، وذهب بما كسبت يداه، وبقيت "وارخلان" وأهل (1/1056)
صفحة 1057
الإباضية في موكب التاريخ
293
الإباضية في الجزائر
وار جلان" درة في الصحراء، وحلقة اتصال بين أربعة أقطار مسلمة، ومركز إشعاع من مراكز الدين والخلق والعلم والاستقامة (1).
هذه صورة مصغرة جدا عن "وَارجُلان" في تاريخها الإسلامي الحافل .. أما الصورة الناصعة الحية فهي تلك التي يرسمها أو سوف يرسمها لنا أبناؤها الأبرار الأذكياء، والأقوياء في عهد الاستقلال الزاهر إذا تَمَّ لَهم حكم إسلامي نظيف، وديموقراطية عادلة شاملة .. وسلام وأمن واطمئنان .. لا تتحرك فيه فتنة ولا تور زوبعة، ولا يسعى إلى تفريق الصفوف، ولا يستغل الظروف فيه مغامر يسعى إلى السلطة أو يجري وراء المال، أو تقوم نفسيته المريضة على عصبية جاهلية من التفريق
بين المذاهب أو الأجناس أو العناصر.
(1) قرأت هذا الفصل على الأخ العزيز الشيخ أبي معقل عمر بن داود فكان من ملاحظته أن نتغاضى عن مساوئ بوشوشة، وأن تهمل ما ارتكبه من جرائم ضد المواطنين؛ لأنه في الأصل كان ثائراً على الاستعمار، فنيه في محاربة الاستعمار تغطي على الفظائع التي ارتكبها مع بني قومه. (1/1057)
صفحة 1058
الإباضية في موكب التاريخ
294
الإباضية في الجزائر
بين "وارجلان" و "وادي ميزاب"
لا شك أن كثيرًا من سكان "سدراته" و"وار جلان" هاجروا إلى "وادي ميزاب" (بادية بني مصعب)، وقد استمرت تلك الهجرة المتقطعة من أوائل القرن الخامس إلى الثلـ الأَوَّل من القرن السابع .. وأسباب تلك الهجرة المتطاولة متعددة، بعضها اقتصادي وبعضها علمي، وبعضها سياسي.
ومن المؤسف أن بعض المؤرخين المستأخرين يذكرون أن سبب هجرة أهل "سدراته" إلى "وادي ميزاب" إِنَّمَا هي الفتن التي أشعلها ضدهم إخواتهم بنو "وارجلان"، وأحسب أن هذه الكلمة وردت أَوَّل ما وردت إمَّا في القصص الشعبي الذي يعلل الأحداث التاريخية البعيدة بالخيال والمبالغة، وَإِمَّا عَلَى لسان مؤرخ غير نزيه القصد يرمي إلى إيقاع الفتنة بين الأخوين العزيزين المتحابين فانساق بعض مؤرخينا المعاصرين وراء تلك الرواية، بل ذهب بعضهم إلى المفاضلة بين "وَارجُلاَن" القديمة و"سدراته" الحديثة وما تتصف به الأولى من شيخوخة وهرم وتتحلى به الثانية من شباب وجمال جاءت به من الشمال، وحاول أن يصور الدافع حسب ظنه - إلى الخلاف بينهما بغيرة أهل وار جلان" من أهل "سدراته" وحسدهم لهم عَلَى نجاحهم مِمَّا حملهم على مضايقتهم ودفعهم إلى الهجرة بعيدا عنهم.
وقد كنت أرى أن هذا لا ينسجم مع منطق الأحداث في تلك الفترة من التاريخ لا سيما أن "وَارجُلان" و"سدراته" كانتا تتمتعان في ذلك الحين بازدهار ديني وعلمي
وخلقي رفيع. وعندما كنت أكتب هذا الفصل وأنا قلق من وجود هذه الفكرة وسيطرتها على بعض المؤرخين المعاصرين حَتَّى حسبها حقيقة، وكان بين يدي ما تيسر من مراجع التاريخ من مؤلفين قدماء ومحدثين أقلبها صفحة صفحة لاستخلاص الحقائق التاريخية التي تسير حسب ما تقتضيه الأحداث من جهة، وينسجم مع الخلق الإباضي من جهة أخرى، ويتفق مع نفسية طائفتين من الناس تعتنقان مبدأ واحدا وقع عليهما كليهما بسببه (1/1058)
صفحة 1059
الإباضية في موكب التاريخ
295
الإباضية في الجزائر
عدوان، رجعت إلى رسالة أستاذنا الفاضل الشيخ أبي اليقظان -رحمه الله - فإذا به يقول فيها ما نصه: وقد غلط من زعم أن إباضيَّة "وادي ميزاب" هم بقية الرستميين الذين طردهم أهل "وَار جلان" لمنافستهم لَهم في الحياة، وقد رددت على إذاعة الجزائر برسالة محكمة خلاصتها ما سبق وحاشا إخواننا بـ "وَارجُلاَن" أن يتضايقوا من هؤلاء الضيوف الكرام، وقد قاسموهم أموالهم، كما فعل ذلك الغني الكبير أبو صالح جنون بن
يمريان".
ويقول - رحمه الله - في موضع آخر من الرسالة: "ثُمَّ أخذت جموع الإباضية تتلاحق إلى الوادي من وادي" "أريغ" و "جربة" و"نفوسة"، وأخص من بين أولئك بقية بني رستم من "وار خلان".
"
ويقول في رسالة أخرى ما يلي: وبعد استقرار الإباضيَّة في الوادي على النمط المؤمى إليه أخذ أفواج الإباضيَّة تفد من بلاد الإباضيَّة في شمال إفريقيا زرافات ووحدانا، من نفوسة" و"جربة" و"وار جلان" و "أريغ" ومن المغرب كما رأيت، ومع تناسل أجيالهم من بعد عمر الوادي بالإباضية إلى اليوم".
ويقول الأستاذ توفيق المدني في تاريخه القيم كتاب الجزائر صفحة 110) ما يلي: وَلَمَّا غصت بلاد "وَار جلان" و "أريغ" برجال الإباضيَّة وأرادت أن تتنفس في معيشتها فيما جاورها رأت جبال بني مصعب وادي ميزاب أحسن ملجأ لها، وأمنع حصن لأجيالها المتعاقبة، فتكاثرت الهجرة إليها منها، ومن "سجلماسة" بعد انقراض ملك بني مدرارا مستعمرة تيهرت ومن نواحي المغرب، فتكونت بذلك في عصور متعاقبة بلاد "ميزاب" السبع".
ويقول الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز في كتابه القيم «نهضة الجزائر الحديثة» (صفحة 161) ما يلي: "وفي القرن الخامس الهجري ابتدأت هجرة الميزابيين إلى "ميزاب" من "سدراته" و"وار جلان" و "وادي "أريغ ". ونستخلص من الفصل الذي كتبه الأستاذ الدبوز عن هجرة الإباضية من "سدراته" إلى
1111
بادية بني مصعب "وادي ميزاب" عدة أسباب منها ما يلي: (1/1059)
صفحة 1060
الإباضية في موكب التاريخ
296
الإباضية في الجزائر
1 - "القحط الذي أصاب تلك النواحي بجفاف الأرض، وأن العمارة والفلاحة قد اتسعت فأرهقت العيون التي كانت تكفي وارجلان"، فغار كثير منها فانقطعت مياهها، فاحترقت غابات كثيرة من النخيل وتضررت الفلاحة".
2 - "كثبان الرمال الكثيرة في تلك النواحي، فترى العواصف تهيلها على البساتين والمزارع فتقتلها".
- "كانت "سدراته" وما يُحيط بها من المدن في السهول لا تستطيع أن تعتصم من العدو القوي الذي يصر أسنانه غيظًا وحنقًا عليها في الشمال".
وقبل أن يذكر الأستاذ مُحَمَّد علي الدبوز هذه الأسباب الحقيقية لهجرة بعض سكان "سدراته" و"وَارجُلان" وغيرهم ذكر خرافة نزاع أهل وَارجُلان" لأهل "سدراته" وحسدهم لهم وغيرتهم منهم، ومضايقتهم لهم؛ ففكروا في الهجرة تبعا لبعض تلك الروايات دون أن يهتم بنقدها.
والحقيقة التي لا مراء فيها والتي تنطبق عَلَى أخلاق المؤمنين الصادقين في كل عصر، والتي نجدها في المجتمعات الإباضية في أي مكان وما تَدُلُّ عليه الأحداث التاريخية في تلك العهود، واقتران اسمي وارجلان" و "سدراته" في كُلّ التحركات الجماعية والفردية هذه الحقيقة تكذب قصة العداء بين أهل "وَارجُلاَن" وإخوتهم في "سدراته"، بل إن "سدراته" لم تكن في الواقع إلا ضاحية من ضواحي وارجلان الكثيرة، وما كان الناس يهتمون بالتفريق بين "وَارجُلان" و"سدراته" حَتَّى أن كثيرًا من علمائهم سواء أكانوا من وار جلان" أو من "سدراته"، أو كانوا يعيشون في "وَارجُلاَن" أو في "سدراته" كانوا في الغالب ينسبون إلى وارجلان"، وأن الجموع المهاجرة سواء إلى "وادي ميزاب" أو إلى غيره غالبا ما تتكون من أهل وار جلان" وأهل "سدراته". إن الأحداث التاريخية في تفاصيلها والتي استطعنا أن نطلع عليها تكذب قصة العداوة سكان بين أهل "وَارجُلان" وسكان "سدراته"، الذين أصبح بعضهم فيما بعد ضمن
"وادي ميزاب"، ومنهم ومن غيرهم تكوَّن هذا الشعب الميزابي الكريم. (1/1060)
صفحة 1061
الإباضية في موكب التاريخ
297
الإباضية في الجزائر
وكما آوى جبل نفوسة" كُلّ من هاجر إليه وأحسن إليهم وقاسمهم في جميع مرافق الحياة، وكما آوت "جربة" جميع من هاجر إليها، وقاسمتهم في جميع مرافق الحياة، وهيأت لهم سبل العيش الكريم، وكما آوى وادي ميزاب ولا يزال يأوي كُلّ من هاجر إليه، ووفر له الحياة الكريمة، وقاسمه المال والوطن؛ كذلك فعلت وارجلان" مع من هاجر إليها من الشمال والشرق والغرب، وفتحت لهم، صدرها وأولتهم خيرها وبرها، وعاملتهم معاملة المؤمن لأخيه المؤمن حين يضيق به مجال الحياة، وَلَمْ تتنكر لإخوتها في يوم من
الأيام.
ولقد كانت "وار جلان" لا سيما في تلك العهود أشد برا وأكثر عطفا وأعمق إيمانا واستشعارًا للمسئولية الدينية والأخوية من أن تصدَّ إخوانها أو تعاملهم بالغلظة التي تتركهم يفكرون في الهجرة، وَإِنَّمَا حمل أهل "سدراته" عَلَى الهجرة بل وأهل "وَار جلان" أنفسهم تلك العوامل الأخرى التي أشرنا إليها في أوَّل هذا الفصل، وَيَدُلُّ لذلك أن الهجرة كانت تدريجية بطيئة، وكانت من "سدراته" ومن "وَار جلان" أيضًا ومن "أريغ" وغيرها، ولو كانت هجرة مبنية على خلاف وعداوة وتحاسد ثُمَّ نزاع وتغلب لاقترنت بما تقترن به تلك الحركات عادة من ألوان التعاسة والمآسي ومناظر البؤس الجماعي، ولكنَّها كانت هجرة فردية مبنية على أسباب معيشية، وكانت هجرة تدريجية حتى بالنسبة للأفراد، فقد كان الكثير من أولئك الذين انتقلوا من "سدراته" أو "وَار جلان" إلى "وادي ميزاب" لَمْ يكونوا في أَوَّل الأمر ينوون الاستقرار أو الإقامة وَإِنَّمَا ارتحلوا وراء أنعامهم التي سبقتهم فرحب بهم إخوتهم، وطابت لهم الحياة فأقاموا .. ومنهم من أحس بالجفاف في "سدراته" أو ""وَارجُلان"، وازدياد قسوة الطبيعة فذهبوا يرتادون الأماكن إلى "وادي ميزاب" أو غيرها فطاب لهم المكان الجديد، فرجعوا وقرروا الارتحال إليه بأهلهم وأموالهم. ونظرة واحدة إلى تاريخ تكوّن القرى في وادي ميزاب" توضح لنا أن الهجرة إليه كانت تدريجية؛ فقد تكونت العطف في سنة 402 هـ حسبما ذكره الأستاذ الدبوز، وهذا يعني أن الناس الذين التفوا حول الإمام أبي عبد الله من المصعبيين أنفسهم، ومن
|| (1/1061)
صفحة 1062
الإباضية في موكب التاريخ
298
الإباضية في الجزائر
الذين التحقوا بمواشيهم من أهل "سدراته" و"وار خلان" قد راقتهم الإقامة مع الإمام
11
الكبير" في وادي ميزاب"، فتكونت المجموعة السكنية الأولى لهذه القرية الأولى. وَلَمْ تتكون المجموعة السكنية الأولى للقرية الثانية إلا بعد خمس وثلاثين سنة، حيث تكونت قرية بنورة، ولَمْ تتكون المجموعة السكنية الأولى للقرية الثالثة إلا بعد أربعين سنة من تكون الثانية.
ثُمَّ همدت الهجرة نوعا ما، وتوقفت حركة التحضر في المصعبيين نحو ثلاثة قرون، حيث تتجمع المنازل الأولى للقرية الرابعة، وبعد نصف قرن آخر تكونت القرية الخامسة،
بدأت
ثُمَّ همدت حركة البناء نحو ثلاثة قرون تكونت بعدهما القريتان السادسة والسابعة. ومع أن هذه القرى تنتشر على بادية "بني مصعب" وتستغل مياه ثلاثة أودية، إلا أن "وادي ميزاب" غلب عليهما أخيرًا. والشعب الذي يعيش في هذه المنطقة أصبح معروفا بـ"بني مِيزَاب" و"ميزاب"، وعَلَى ما يُخيل إِلَيَّ أَنَّهَا كلمة مُحرفة عن مصعب الذي تنتسب إلى أبنائه البادية، وأحد الأودية
الثلاثة التي تخترقها معترضة سلاسل الهضاب والجبال فتكوّن منها ما يشبه الشبكة. (1/1062)
صفحة 1063
الإباضية في موكب التاريخ
299
الإباضية في الجزائر
قال قطب الأئمة
-رحمه
"وادي ميزاب"
الله - في رسالته صفحة) (38) ما يلي: "وليس أهل هؤلاء القرى
إباضية من أول، بل كانوا معتزلة يسافرون إلى تاهرت لقتال الإباضية".
وبعد أسطر يقول: "وبعد انقراضها جاءت فلولهم فانضموا إلى من سكن هذه القرى من المعتزلة، وجاء أيضا أولاد عبد الله من المغرب كما جاء منه بابه عيسى العلواني، وجاء قوم "نفوسة" وأكثر نزل "يسجن" وهم أولاد عمي عيسى، وبعضهم نزل "غرداية" وهم اللالوتيون وبعضهم العطف. ومن "جربة" عمي سعيد وتناسل في غرداية، وقليل من "بني ميزاب" جاءوا من جربة" و"نفوسة" أولاد أبي مسور في العطف، وجاء أيضا من تاهرت وجاءوا أيضًا من ناحية "فساطو" من "جبل نفوسة. وسبب انضمامهم إلى موضع الجدب هو الخوف من الجورة". انتهى بتصرف.
"
قال الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه «موجز التاريخ العام للجزائر» (ص 453) ما يلي: وَلَمَّا سقطت الدولة الرستمية الإباضية بقي المذهب قائما عند النفوسيين بطرابلس والجربيين بتونس و"بني ميزاب بالجزائر، والميزابيون هؤلاء قوم من قبيلة "نفوسة" قد جاءوا تحت قيادة الإمام يعقوب من أحفاد الرستميين إلى جنوب مدينة "وَار خلان" الغربي سنة 360 هـ وهو وادي مية، وأسسوا به المنازل منها "الكريمة" و"سدراته" وجبل أباظ (1). وَلَمَّا كانوا أمة ناشطة عاملة استطاعوا أن يجعلوا وادي مية بلادا خصبة بفضل جدهم واجتهادهم، وقد ساعدهم على ذلك بعدهم عن المعارك الشمالية، وإقامتهم بالصحراء مَحَلّ استقلالهم، وقد تخوف منهم بنو وارجلان" وخشوا منافسيهم فأجلوهم عن وادي مية بعد
مضي نصف قرن (3)، فخرجوا وقصدوا وادي ميزاب وقد كان موطنا للمعتزلة الجزائريين. والشبكة عبارة عن نجد من الجلامد تخترقها الأودية الضيقة تبلغ مساحتها (8000 كم) عَلَى مسافة (110) (كم) من مدينة الأغواط، وقد استطاع الميزابيون أن يحولوا تلك الجلامد
1) الاسم الصحيح هو جبل العباد لا أباظ"، ولا تزال آثار عشرات المحاريب واضحة فوقه. (2) سبق أن أوضحنا أن هذه الفكرة لا أساس لها من الصحة، راجع المقال السابق إن شئت. (1/1063)
صفحة 1064
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
إلى بساتين ومزارع، ويؤسسوا بها المدن، وقد سكنوا في أول أمرهم الخيام، ثُمَّ إِن الرئيس خليفة بن أبغور أسس مدينة العطف سنة 402 هـ " (1).
ويقول الأستاذ أحمد توفيق المدني في كتابه القيم كتاب «الجزائر ما يلي: "والشبكة تشمل
وهي
العطف،
المدن الميزابية السبعة غرداية، وبني يزقن وبنورة ومليكة والقرارة، والعطف، وبريان". ويقول الأستاذ مُحَمَّد دبوز في كتابه «نهضة الجزائر الحديثة» (ج 1 ص 149) ما يلي: "وادي ميزاب يقع في جنوب الجزائر في شمال الصحراء الكبرى في ناحية تُسمى الشبكة منطقة جميلة تتخللها أودية، ويبعد "ميزاب" عن مدينة الجزائر بثلاثمائة وعشرين ميلا ونصف الميل، ويتكون وادي" ميزاب من سبع مدن خمسة منها متجاورة وهي وبنورة، ومليكة، وبني يسقن، وغرداية، واثنتان تبعدان عن المجموعة بعض البعد وهي مدينة بريان التي تبعد عنها بأربعة وعشرين ميلا وهي في شمالها الشرقي ومدينة القرارة البعيدة عن أخواتها بأربعين ميلا ونصف الميل وهي في شرقها". ويقول الأستاذ دبوز في صفحة أخرى ما يلي: "وكانت هذه النواحي عبارة عن مجموعة من الجبال متشابكة في شمال الصحراء تتخللها ثلاثة أودية كبيرة هي: "وادي ميزاب" بجنوب الأغواط في ناحية (نيلي) وتنحدر جنوبا نحو "ميزاب" فتمر منعطفة بين جباله ورباه، وتنتهي في شمال "وَار جلان" برمال (أنقوسة) ".
هذا بعض ما قاله المؤرخان الكبيران المدني ودبوز. ولا شك أن موقع "وادي ميزاب" من أرض الشبكة هو كما قالا، ويكون جزءاً منها قد يكون أكثرها خصوبة، وعمرانًا، ولذلك غلب اسمه على المنطقة كلها. وترى أَيُّهَا القارئ الكريم أن هذه المنطقة تطلق عليها ثلاثة أسماء هي: بادية "بني مصعب"، أرض الشبكة، "وادي ميزاب".
1) إذا صح
هذا فَإنَّه يناسب الفترة التي كان مُحَمَّد بن بكر يزور هذه المنطقة، وقد يكون خليفة هذا أحد تلاميذ أبي عبد الله أو أحد أتباعه من بني مصعب، ويكون تأسيس العطف على يد أبي عبد الله لا قبله، كما يرجح أستاذنا باكلي والمؤرخ البحاثة الشيخ سليمان بن الحاج داود. (1/1064)
صفحة 1065
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
11
فما هو الاسم الأصلي لهذه الأرض؟ يبدو لي أن التسمية الأصلية لهذه الأرض هي بادية ابني مصعب"؛ لأنّ "بني مصعـ مصعب هم الذين كانوا يعمرون هَذه المنطقة، وينتقلون بين أجزائها، فكانت لهم منتجعا ومرتعًا، وَلَمَّا كانت هذه البادية تخترقها وديان ثلاثة على شكل جبال طويلة، وتعترضها سلاسل مُمتدة من الجبال شابهت في صورتها الشبكة، فأطلق عليها أيضا أرض الشبكة.
"
أما كلمة "ميزاب" فقد تكون اسما لأحد الأودية الثلاثة كما يعتقد أكثر الناس، وقد تكون اسما لفروع من قبيلة "نفوسة" كما يرى الأستاذ الكعاك، وقد يكون مقتبسا من "ميزاب" الكعبة المشرفة، كما علل القطب - رحمه الله-. ولكنني غير مطمئن لهذه الفروض جميعا، فأنا أرجح بدون استناد إلى أدلة كافية أن كلمة محرفة عن مصعب أو مصاب أو مضاب. وهذه الكلمات الثلاثة ترد كثيرا في المصادر التي تتكلم عن تلك المنطقة، أو عن الأشخاص الذين ينتسبون إليها، ممَّا يَدُلُّ أن أصلها واحد، فأصل الكلمة فيما يبدو "مصعب"، ثُمَّ حرفت إلى مصاب بإبدال حرف العين همرا، وحروف الحلق عند البربر ينوب بعضها عن بعض، فكثيراً ما ينطقون الخاء بدلا من الحاء، والهمز بدلا من العين، بل رُبَّمَا كان حرف العين من أعسر الحروف نطقا عليهم، ولذلك فتجري ألسنتهم بالهمز بدلا عنها (1)، ثُمَّ سهلت الهمزة فقرأت الصاد، ممدودة، ثُمَّ إن هذه الصاد حرفت مرة أخرى فنطقها بعض ضادًا، ونطقها بعض زايا لتقارب مخرجي الضاد والزاي. وعلى كُلّ فكلمة "ميزاب" هي المرحلة الأخيرة لمصعب، وشاع اليوم أن تنطق كلمة "ميزاب" بميم مكسورة يمدها البعض، ولا يمدها آخرون. ولكن كثيرا من الناس ينطقونها مضمومة ممَّا يَدُلُّ أن أصلها مصاب، ومصأب مصعب، فكلمة "ميزاب" إذن هي مصعب، وكلمة "بنو ميزاب" تَدُلُّ عَلَى ما كانت تدلُّ عليه كلمة "بنو مصعب" غير أن "بني
كلمة
(1) من ذلك أَنهم يقولون: "أبد الله" بدلا من عبد الله، وكثير من الأعلام اشتهرت هكذا حتى ظن الناس أنها وضعت قصداً كذلك. ومنها نطقهم لفظة "أُمِّي" بدلا عن عمي حتَّى ظن الناس أنها وضعت كذلك للدلالة
على الاحترام والتعظيم. (1/1065)
صفحة 1066
الإباضية في موكب التاريخ
302
الإباضية في الجزائر
مصعب" كانوا يمتلكون كامل البادية التي يطلق عليها أرض الشبكة فكانت تنسب إليهم، ويقال لها بادية "بني مصعب" بأوديتها الثلاثة، وسلاسل مرتفعاتها وجبالها.
أما تسمية اليوم بنسبة "بني مصعب" إلى "ميزاب" واعتبار أن "ميزاب" اسم لأحد الأودية الثلاثة فهي تسمية تُحاول أن تقصر أولئك القوم على بعض أجزاء باديتهم، بينما تُهمل الأجزاء الأخرى أو تنسبها لقبائل أخرى، ولقد يكون اسم "بني ميزاب" آخر ما أطلق على هذا الشعب الذي كان يسكن بلاد الشبكة أو بادية "بني مصعب" ينطلق فيها طولا وعرضا، ثُمَّ انحصر في المدة الأخيرة في بعض أجزاء منها، ولا أستبعد أن يكون للاستعمار يد ولو كانت خفية في تضييق المكان الذي يعتبر وطنا للمزابيين، لا سيما حينما عجزت فرنسا عن استعماره، وارتبطت معه بعهد حماية؛ فإن من مصلحتها أن تضيق رقعة الحماية إلى أقصى حد ممكن، ونحن نعلم أنها حاولت أكثر من مرة أن تنقض اتفاقية الحماية، وأن تحتل تلك البلاد من جديد لتدخلها ضمن المستعمرات، فلم يتسنَّ لَها ذلك أبدا، وجرى بينهما كفاح
سياسي مرير طويل لم ينته إلا بانتهاء الوجود الاستعماري لفرنسا في الجزائر وإفريقيا. على أن مناقشة هذه التسمية بالنسبة للأودية الثلاثة المتوازية التي تقطع سلاسل من المرتفعات المتوازية حَتَّى سُمِّيت الشبكة أو للبادية المترامية الأطراف التي تحتضن تلك الأودية وتلك المرتفعات، أو لـ"وادي ميزاب" الذي أطلق اسمه عَلَى كُلّ أرض الشبكة اتباعا للقاعدة "تسمية الكل باسم "الجزء" لا ينبني عليها شيء البتة. وَإِنَّمَا الذي أريد أن أتحدث عنه في هذا الفصل إنَّما هم الميزابيون كشعب ذي خصائص
ومميزات.
ومع احترامي الكبير للمؤرخين الكبيرين الكعاك، ودبوز، ومع تقديري لجهودهما العظيمة في الأبحاث الطويلة والعميقة في تاريخ الجزائر، وسعة معارفهما بطبيعة البلاد والسكان، إلا أنني
أخالفهما في بعض النقاط البسيطة فيما يتعلق بالميزابيين، وسوف أوضح ما أذهب إليه فيما يلي: قال القطب رحمه الله - في رسالته (صفحة 84): جرى تسمية أهل هذه القرى الخمس، بل السبع ببني مُزَاب (بضم الميم وتخصيصهم بهذا الاسم. (1/1066)
صفحة 1067
الإباضية في موكب التاريخ
303
الإباضية في الجزائر
وبعد سطور قال: "ثُمَّ إن أهل هذه القرى الخمس فقط يسمون "بني مصعب"؛ لأن بعضهم من ولد مصعب، وَلَعَلَّه مصعب بن سلمان"؛ فالميزابيون اليوم هم إذن أحفاد سكان هذه البادية التي نسب إليهم وتسمت باسمهم بوديانها وهضابها، وقد كانوا يسكنونها على حياة بدوية قوامها تربية الماشية، وقليل من الزراعة الموسمية التي تعتمد على الأمطار، كما كانت تعيش كثير من القبائل البربرية في تلك العهود، وكانوا ينتقلون فيها على ضفاف الأودية الثلاثة التي تربط باديتهم رباطا يشبه الشبكة .. فلما جاء الإسلام إلى الجزائر أسلم "بو مصعب" كما أسلم غيرهم من الناس، وسبقت إليهم أصول المعتزلة فاعتنقوها، قليل منهم عن اقتناع وعلم، والكثير عن تبعية وتقليد.
11
وبقوا عَلَى ذلك (1) إلى أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، حين كان أبو عبد الله بن بكر يتنقل بين وادي" أريخ" و"وار جلان" بجموعه الهائلة من طلبة العلم كأنها الجيوش الجرارة، وكان يعتمد لتمويل ذلك العدد الهائل من الطلبة عَلَى ما تنتجه تلك الواحات الكريمة من الغلال، وما يُخصصه أصحابها من مقادير ضخمة للإنفاق على طلاب العلم، كما يعتمد على أعداد وافرة من الماشية يتخذ لها رعاة يتخيرهم من أصحاب الدين والأمانة، ثُمَّ يسلمها إليهم ليتولوا رعايتها وتربيتها وعندما تجدب المراعي بسبب الجفاف في نواحي "آجلو" و"أريغ" و"وَارجُلاَن" - وهذه البلاد كانت مضطرب الإمام يدعو رعاته إلى انتجاع بادية بني مصعب"، وقد يرافقها ليتأنس أصحاب الأرض ويحصل على موافقتهم، وقد استطاع في رحلاته تلك أن يتخذ منهم معارف وأصدقاء، كما استطاع أن يتعرف على كامل تلك البادية تعرفا كاملا، ويعرف مواطن الخصب من أوديتها، وجبالها، وملاءمة كُلّ جزء منها لأنواع الماشية على مدار السنة، ولمختلف الفصول.
(1) عندما قرأت هذا الفصل على أستاذنا الشيخ عبد الرحمن باكلي -حفظه الله - قال: "يرجح أنه كان هناك إباضية في العطف قبل مجيء مُحَمَّد بن بكر من فلول تاهرت، ويؤيد هذا أنه توجد مقبرة قديمة يظن أنها لبعض بني رستم"، ولست مقتنعًا بهذا الرأي؛ لأن أهل هذه المنطقة كانوا على خصام متواصل مع الدولة الرستمية كما هو معروف، وكما قرره القطب رحمه الله؛ فمن المستعبد جداً أن يقصدهم فلول الدولة الرستمية عند نكبتهم؛ لأن تلك الفلول إِنَّمَا تلتجئ إلى من تثق بالسلامة والأمن معها، وهؤلاء ليسوا معها حينئذ على سلام. (1/1067)
صفحة 1068
الإباضية في موكب التاريخ
304
الإباضية في الجزائر وفي أوائل القرن الخامس توالى الجفاف عَلَى منطقة "وَار جلان" وما جاورها عددًا من السنين، وزحفت كثبان من الرمال على "سدراته"، وكانت بعض الأودية -التي تنساب تحت طبقات من الأرض حَتَّى إذا وصلت إلى منطقة "سدراته وارجلان" نبعت على شكل عيون غزيرة المياه - قد تغيرت مجاريها فغارت تلك العيون النابعة منها، فضاقت الحياة بالناس لا سيما أصحاب الماشية.
ودرس القوم موقفهم وكان الإمام أبو عبد الله من بينهم فلم يجدوا منتجعا لإنقاذ ماشيتهم غير بادية "بني مصعب"، ولإيضاح هذه الصورة يسرني أن أنقل للقارئ الكريم ما قاله شيخ الصحافة الجزائرية الشيخ أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى في رسالته المختصرة «الإباضية في شمال إفريقيا» قال - رحمه الله - ما يلي: "بعد فترة حوالي 50 عاماً (1) فيما أظن من حلول فلول بني رستم" بوار خلان وقعت مجاعة كبيرة في البلاد أكلت الحرث والنسل، وأحرقت الحدائق والبساتين، حَتَّى قيل إِنَّهَا غورت أكثر من ألف عين ... إلخ إلخ".
وهناك التأم جمع من علماء وأعيان البلاد من أهل الرأي والصلاح وفيهم أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر النفوسي، اجتمعوا في مكان ما للمداولة في إيجاد حل لهذه الأزمة التي تهدد بخراب البلاد، وفناء العباد إذا بقيت كذلك بدون حل.
وبعد تقليب وجوه الرأي اتفقوا على إيجاد حل للقضيَّة بالبحث عن متس حيوي، يأوي إليه الأجيال الآتية بأنفسهم ودينهم وخلقهم يكون لهم كمأرز للدين والإسلام، ويأوون إليه كما تأوي الحية في جحرها عند الخطر. وحيث سبقت للإمام معرفة ببادية "بني مصعب" إذ كانت رعاة أغنامه ترتاد عين المكان للرعي والكلأ في الربيع، كما كانت رعاة الشيخ أبي عمار عبد الكافي ترتاد لرعي أغنامه بني راشد في الشمال، لأجل ذلك اتفق مؤتمرهم على ما يلي:
جبال
1) خرب العبيدون تيهرت سنة 296 هـ، وانتداب أبي عبد الله إلى ارتياد بادية بني مصعب يكون في أوائل القرن الخامس؛ فإن أكثر المصادر التاريخية تذكر أن مدينته العطف بدأ تأسيسها سنة 402 هـ، ولاشك أن مجيئه إليها
كان بعد ذلك. (1/1068)
صفحة 1069
الإباضية في موكب التاريخ
305
الإباضية في الجزائر
أَوَّلاً: أن ينتدبوا الإمام أبا عبد الله للبحث عن هذه المهمة لخبرته بالمكان، ولحكمته لمعالجة طباع أهله الشرسة.
ثانيا: تزويد الوفد بمؤونتهم لستة أشهر على حساب الجماعة.
قام الإمام بالمهمة، وإن كانت كلفته خسارة ابنه العزيز إبراهيم، إذ قتله سكان البلاد الأصليون لشراستهم، وعداوتهم المزمنة للإباضيَّة، ولكن لَمْ يُثن ذلك من عزمه لاستصلاح البلاد. فهو بحكمته وصبره ألان من قسوة قلوبهم وكبح من جماحهم وشراستهم حتى شرح الله صدرهم للإسلام الْحَقِّ. فتزل أوَّلاً في العطف واتخذها مركزا لعمله، ومقامه هنالك موجود كتذكار حول ضفة الوادي إلى اليوم.
ثالثًا: أن يرافقه خادمه وابنه إبراهيم فيما أظن. انتهى المقصود من كلام شيخنا. هكذا قرروا أن يتجهوا إلى بادية بني مصعب" فساروا بقطعان لا حصر لها من الإبل "بني والأغنام، وكان قد أعجفها القحط والجفاف، وحسب الاتفاق الذي عقده أهل الحل والعقد وأهل الماشية من انتداب أبي عبد الله صحبهما الإمام نفسه ورحب به القوم بعد جفاء، وراق المقام فقد وجد المرعى الخصب لما معه من الأنعام والأسماع المرهفة والعقول النيرة لما يلقيه عليهم من دروس فأعجبهم منه الدين والقيم والخلق السمح، والتواضع الجم، والعلم الغزير، والصدر الفسيح الذي لا يضيق وتحلق عليه الشباب والشيب فتكونت النواة الأولى لأول قرية ميزابية مستقرة (1)، وكانت أخبار أبي عبد وكانت أخبار أبي عبد الله مع "بني مصعب" تصل إلى أهل "سدراته" و وار جلان" تحدثهم عن نجاح الرحلة، وعن المدى الذي بلغت إليه الألفة بينهم، وكانوا قد تضرروا وضاقوا من توالي الجفاف وانحباس الغيث ونضوب المياه وزحف الرمال عليهم بفعل رياح الجنوب المستمرة، حتّى أصبحت الحياة في بعض تلك الأماكن عسيرة أو شبيهة
1) يقول أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن: هناك عددا من القرى في هذا الوادي قبل مجيء مُحَمَّد بن بكر، وأن قرية العطف نفسها كانت موجودة قبل مجيئه، والذي يبدو من مقارنات أقوال المؤرخين أنه كانت هناك بالفعل بعض المجموعات من المنازل قبل أبي عبد الله لا تبلغ أن تكون قرية، وإِنَّما تشبه أن تكون مشاتي لبعض الأسر يأوون إليها عند اشتداد البرد، ويرتحلون منها بعد ذلك طوال السنة، فهي ليست قرى أو مدنا بالمعنى المتعارف، وإنما هي مقار ثابتة لأسر من قبائل بادية. (1/1069)
صفحة 1070
الإباضية في موكب التاريخ
306
الإباضية في الجزائر
بمستحيلة .. ففكر بعضهم في النجاة بماشيته ونفذ فكرته فطابت له النقلة، والتحق بهم بعض من لم تكن لهم مواشي، وَلَكِنَّهم يحسنون الزراعة، ففتحت لهم أرض الوادي صدرها عندما مدوا إليها أذرعهم القوية.
ووجد أولئك المهاجرون الأول من "سدراته" و "وَار جلان" أن المصعبيين قد تأثروا بدروس أبي عبد الله فلانت طباعهم، وسمحت نفوسهم واتسعت أخلاقهم فاستقبلوا المهاجرين إليهم بالترحاب والتكريم، وامتزجوا بهم الامتزاج الكامل، وأضافوا إلى حياتهم البدوية نوعا من حياة مستقرة كالتي كانت في "سدراتة" و"وار جلان" و"وادي أريغ".
وبدأوا يحفرون ويشتغلون بالزراعة، ويبنون البيوت ويستقرون بأخلاطهم في انسجام ووئام وتعاون، وتسامع الإباضيَّة في كُلّ مكان بهذا التغيير الذي وقع عند "بي مصعب" وترحيبهم بالإمام وآثار الإمام فيهم، فاشتدت الهجرة إليهم من كُلّ الأماكن، من "سدراتة" و"وار جلان" و"وادي أريغ"، ومن الجنوب التونسي ومن جبل نفوسة" ومن جميع البلدان، أي: من " من أي مكان يجد فيه الإباضيَّة كيدا بسبب الضغط السياسي، والضيق العنصري، أو الاحتياج الاقتصادي.
11
وكانت الهجرة غالبا ما تتم إلى "وَارجُلاَن" لشهرتها عند الإباضية في ذلك الحين، ومنها ينتقلون إلى إخوانهم في "بني مصعب".
اعتنق "بنو مصعب المذهب الإباضي على يد الإمام أبي عبد الله في أوائل القرن الخامس، وورد إليهم كثير من إخوانهم من البلدان الأخرى، لا سيما واحات الجنوب الشرقي من الجزائر، والجنوب الغربي من تونس، وعائلات من المغرب، ومن بعض المدن المختلفة في الجزائر كقسنطينة وبسكرة ومن جربة والجبل وانصهر أولئك في مختلف البلاد والجهات، ومن ضمنهم بعض الرستميين الذين كانوا في سدراتة من السكان الأصليين أي "بني مصعب" وذابوا فيهم وتكون من الجميع شعب ذو سمات وخصائص واضحة فيه، غير متكاملة في غيره. ومنذ بدأ يتكون تكونه الجديد من حيث اعتناق المذهب واستيعابه للمهاجرين الجدد بداً يتجه - بعناصره المختلفة - إلى تغيير جذري في حياته الاقتصادية وبعد أن كان شعبا يعيش عيشة البداة ينتقل بين المراعي صار شعباً زراعيا مستقراً يبنى الحياة الكريمة في مدن كريمة، (1/1070)
صفحة 1071
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
معتمدا على استغلال خيرات الأرض بِكُلِّ ما يملك من علم وجهد. ولما تغيرت ظروف الحياة، وأصبحت الزراعة وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد سليم، غير ميدان كفاحه الاقتصادي، فانطلق وراء التجارة (1) وبلغ فيها ما لم يبلغه غيره من جيرانه.
وفي هذا العصر لما بدأت الحياة تتغير وموازين الاقتصاد تتحول بدأ هذا الشعب يتجه في اقتصاده اتجاها جديدًا، وأصبح لا يقصر اعتماده على التجارة كما كان من قبل، وَإِنَّمَا صار يعتمد على الصناعة ويعود إلى الزراعة الزراعة الواعية من جديد حتى يتمكن من بناء اقتصاده على أساس ثابت مدروس قد خطط له عن علم وخبرة ودراية. وبعد كُلّ هذا فأحسب أَنَّهُ من الخطأ أن نقول إن الميزابيين هم بقايا الرستميين هاجروا من تاهرت إلى "سدراته"، ثُمَّ إلى الوادي عَلَى تلك الصورة المتميزة التي صورها الأستاذ دبوز، من الخطأ أن نقول إنَّهم قوم من قبيلة "نفوسة" جاءوا تحت قيادة يعقوب بن أفلح إلى وادي" "ميَّة" جنوب "وَار جلان"، ولنشاطهم كونوا هناك بلاداً خصبة فتخوّف منهم أو حسدهم بنو "وَارجُلان" فأجلوهم عن تلك البلاد، فالتحقوا بـ"وادي ميزاب" فتكون منهم هذا الشعب الذي نتحدث عنه.
كما أنه
وهاتان الصورتان كما ترى يلعب فيهما الخيال دوراً هاماً، ويكفي أن تعلم أن يعقوب عندما هاجر من تاهرت لم يهاجر برسم قيادة وإنَّمَا هاجر خائفًا فاراً بأهله أو بعض أقاربه، وكتب التاريخ حين تصف هجرته تعبر بدقة عن تلك الحالة، وأكثر كتب التاريخ تذكر أن يعقوب عند فراره من تاهرت والتجائه إلى وارجلان"، وكانت فرق من الجيش العبيدي تطارده كان يقف لها وحده يشاغلها حتَّى يبتعد رفاقه، ثُمَّ يلتحق برفاقه، فإذا لاحقتهم فرق جيش العبيديين اعترضها منفردًا وشاغلها حتّى يبتعد صحبه حتَّى نَجوا .. فلو كانت الصورة كما رسمها الأستاذ الكعاك قوم من "نفوسة" جاءوا تحت قيادة يعقوب" لَمَا اضطر أن يشاغل العدو وحده طول الطريق، ولكان من الحكمة أن يساعده بعضهم على الأقل ليكونوا أرهب في عين العدو.
1) تولدت عن ممارسة التجارة في ديار الغربة مشاكل اجتماعية، اتخذت لها حلول لم تعرف لأي شعب غيره، سوف نعرض لها بإيجاز في فصل خاص. (1/1071)
صفحة 1072
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
على أن العبارة الدقيقة التي حددت المعنى قد تكررت عند الدرجيني على صور فتأملها فيما يلي: ثُمَّ إن يعقوب ابن الإمام وابنة أخيه دوسر (1) خرجا في خفاء إلى جهة "وار جلان" حتَّى نزلاها". ويقول في مكان ثان: "وخرجوا في خفاء خوفًا مما ينالهم من عدوهم".
معه من
ويقول في مكان آخر: "فأقبل بمن أهله حَتَّى نزل "وَار جلان". أضف إلى كُلّ هذا ما جاء في الكتاب نفسه في موضع آخر: "قال لأصحابه: إنكم لا يجتمع منكم ثلاثة نفر إلا كان عليهم الطلب .. افترقوا".
أظن أن هذا ينسف كل الصور التي كانت ترسمها بعض الأقلام بأن مجموعات كبيرة إما من الرستميين أو "نفوسة" بقيادة يعقوب قصدت "وار جلان" ثُمَّ استوطنت سدراتة إلى آخر الصورة السابقة، ويتضح منها جميعًا أن إباضيَّة تاهرت عندما احتلها أبو عبد الله الحجاني وارتكب فيها الأفاعيل فر من نجا منهم إلى أي مكان يظن فيه النجاة أو الحماية، دون توجيه من أحد أو قيادة أو تنظيم، وأن يعقوب بن أفلح اتجه بأهله وابنة أخيه إلى "وَار جلان"، فَلَمَّا رأى أن بعض الفلول تنضم إليه خاف أن يكون في ثقل يتعثر في تنقله، ويعجز هو عن الإسراع به إلى مكان النجاة وهو في حالته تلك لا يستطيع حمايتهم فأمرهم بالتفرق، وفعلا تفرقوا عنه، فلم يكن معه عندما بلغ إلى وارجلان أحد غير أهله، كما نص على ذلك أبو العباس الدرجيني بقوله فيما نقلناه عنه سابقا، وتأمل إن شئت قوله: "فأقبل بمن معه من حتى نزل "وَار جلان". هذا أن بقية الإباضيَّة الذين نجوا من القتل في تاهرت قد تفرقوا إلى جهات مختلفة، ومعنى وَرُبَّمَا التحق بعضهم بـ"وَارجُلاَن" في مجموعات كبيرة أو صغيرة قبل أو بعد يعقوب بن أفلح، ولعل بعضهم نزل مدنا أخرى أو جهات أخرى ثُمَّ بدا له فاتجه إلى "وار خلان"، هذه كلها احتمالات لا نستطيع إثباتها ولا دفعها.
أهله
(1) تقول كتب التاريخ أن "دوسرا" هي إحدى بنات الإمام أبي حاتم وكانت من الجمال بمرتبة عالية، فَلَمَّا اغتال أبناء اليقظان أباها صممت على الأخذ بثأره مهما كانت الظروف، فذهبت مع أخ لها إلى الحجاني وطلبت منه الانتقام من اليقظان، ووعدته إن فعل ذَلِكَ تتزوج به، فَلَمَّا فعل خافت أن يطالبها بوعدها ففرت مع عمها يعقوب، وبحث عنها الحجاني بإلحاح فلم يقع لها على أثر. (1/1072)
صفحة 1073
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وأحسب أننا ننتهي من هذا الحديث الذي طال أكثر مما ينبغي له إلى أن الميزابيين هم السكان الأصليون، والمالكون الحقيقيون لبادية بني مصعب"، بما فيها من هضاب ووديان وسهول، وبما يرعى عليها من ضباب وظباء ووعول فإذا كانت قد وردت عليهم طوائف من الناس، أفرادا أو أسرًا طلبا للحياة الكريمة، أو فراراً من الظلم أو الاضطهاد، فإن تلك الطوائف قد دخلت بينهم وانصهرت فيهم، وذابت في مجموعهم، ولا يغير من هذه الحقيقة أن بعض تلك الطوائف أو الأسر أو الأفراد لا يزالون يذكرون مواطن أجدادهم التي هاجروا منها، أو أنهم لا يزالون يحتفظون بأسمائهم وألقابهم قبل أن يستوطنوا هذه البلاد الكريمة. ومهما راجعت المصادر التي بين يدي وفكرت في أصل الميزابيين، فلست أؤيد أبدًا أولئك الذين يقولون إن الميزابيين هم بقايا "تاهرت" بعد أن خربها العبيديون، هاجروا إلى سدراتة، وبقوا فيها متميزين عن غيرهم، ثُمَّ إنَّهم هاجروا إلى "وادي ميزاب"، فتكون منهم هذا الشعب الذي نتحدث اليوم عنه في اعتزاز المحافظته عَلَى نقاء الإسلام، ولسيره على منهج
المسلمين في خير القرون، لا لانحداره من دماء، ملكية ولا لانتسابه إلى ارتفاعات طبقية.
وَكُل ما يقال في هذا الموضوع: إن بقايا تاهرت من الرستميين -وهم قليل جدا وغيرهم هاجر بعضهم تحت ضغط عوامل اقتصادية محضة في أزمنة متفاوتة إلى "بني مصعب"، فكانوا ضمن العناصر التي انصهرت وذابت فيهم، وتكوّن منهم جميعًا هذا الشعب الذي كان يُسَمَّى إلى مدى قريب بني مصعب، وأصبح اليوم يُسَمَّى "بني ميزاب"، وهكذا انتبهت لتلك "بني مصعب"، الصورة التي وضعها الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز في قوله: "كان الميزابيون إلى آخر القرن الثالث الهجري في شمال الجزائر وفي نواح أخرى من المغرب الأدنى والأقصى، فهم الذين أنشأوا في الجزائر أول دولة إسلامية مستقلة"، ثُمَّ يستمر في رسم الصورة فيهاجر بهم إلى "وارجلان"، ثُمَّ إلى سدراتة، ثُمَّ إلى "وادي ميزاب".
وَلَعَلّ الممحاة التي تمسح ظلال هذه الصورة ولا تترك منها إلا الوقائع الحقيقية هي قول مُحَمَّد علي دبوز نفسه في نفس الكتاب ص 159: "وكانت هذه النواحي الميزابية وطنا لقوم من زناتة القبيلة البربرية المشهورة، استوطنوه منذ زمن بعيد فنسب إليهم، وكان هؤلاء الزناتيون منبثين في مكان المدن الخمس، قد نصبوا فيه خيامهم ويبنوا في نواحيه بعض قرى (1/1073)
صفحة 1074
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
بسيطة يسكنونها ومن تلك القرى العطف التي لا تزال فيها آثارهم إلى اليوم، وكان هؤلاء الزناتيون على مذهب المعتزلة".
وبعد سطور يقول: "فاندمجوا في إخوانهم الميزابيين الذين هاجروا إليهم، وامتزجوا بهم، وصاروا شعبا واحدا تربط بينهم الدماء الممتزجة ودين الله القويم".
ويبقى لنا هنا سؤال معلق يحتاج إلى جواب وهو اسم "الميزابيين"، هل هو اسم لمجموعة من الناس كانوا معروفين به في شمال الجزائر ثُمَّ هاجروا وهم محتفظون به إلى "وار خلان" وسدراتة، ثُمَّ انتقلوا به إلى أودية زناتة، فاندمجوا مع سكانها، وغلب اسمهم على الجميع، فسموا به كما يظهر ممَّا قاله مُحَمَّد علي دبوز، أم أن أولئك المهاجرين من شمال الجزائر ومن غيره إنما جاءوا يحملون أسماء أسرهم وأطلق عليهم الأكثر، وأنهم عندما دخلوا هذه المنطقة انصهروا في سكانها وقبائلهم عَلَى اسمها عَلَى ما أوضحناه في أوَّل هذا الفصل. أَمَّا أنا فأحسب أن اسم الميزابيين لم يعرفه الشمال إلا في هَذه العصور المتأخرة عندما انفتحت أبواب التجارة لسكان بادية بني مصعب"، فانطلقوا إلى أغلب مدن الشمال حيث تحكمت أصابعهم المرنة في أغلب المقاييس والموازين والمكاييل. ملاحظة: بعد الانتهاء من كتابة هذا الفصل بسنوات اطلعت على جواب الأستاذ الفاضل
تعني
11
وماذا
الإمام بيوض إبراهيم أجاب فيه عن سؤال وجه إليه عن حقيقة النسبة إلى "ميزاب"، هذه الكلمة وقد حلل الموضوع تحليلاً كافيًا في إيجاز بليغ. وعندما اطلعت عليه خطر لي في بادئ الأمر أن أنشره في هذا المكان مستغنيًا به عن هذا الفصل، ثُمَّ عدلت عن هذا الرأي، وقررت أن أنشره بنصه بعد هذا الفصل حرصا على فائدة القارئ.
so so
م (1/1074)
صفحة 1075
الإباضية في موكب التاريخ
311
الإباضية في الجزائر
من هم بنو ميزاب (1)
تسألون عن انتساب إباضية القطر الجزائري إلى "ميزاب"، وهل النسبة إلى جد، أو إمام، أو مذهب، أو كرامة أو وطن، وتطلبون شرح هذا وتفصيله .. الجواب:
مما حفظناه وطالعناه وتحققناه قديما؛ إذ ليس لنا سعة من الوقت للمراجعة والبحث. إن النسبة إلى الوطن والوادي، وليس في كلمة "ميزاب" ما يمت بنسب أو سبب إلى إمام، أو كرامة أو جد أو مذهب أو وطن. فدونكم البيان:
تعرف هذه الجبال المحيطة بقرى "ميزاب" في التاريخ بجبال "بني مصعب" ويعرف الوادي الذي عمرت عليه القرى "بوادي "مصاب في التاريخ، وبهذا أسماه المؤرخ الشهير ابن خلدون. ومصعب ومصاب واحد فيما ترى، وَإِنَّمَا الفرق بين نطق العرب والبربر. وإفريقيا بعد حملة هلال -كما تعلمون أو بعد الفتح الإسلامي - عَلَى الأصح- عمرت بالعرب الذين زاحموا البربر الأصليين في كُل بقعة من أرض إفريقيا، ومن البربر من لا يستطيع النطق بالعين محققة، وَإِنَّمَا ينطق بها همزة وقد يسهلها إلى الألف.
بني
مسعد
فإذا قال العربي: مصعب قال البربري مصاب، ولكم على هذا أدلة قاطعة من نطق الأعاجم لهذا الحرف ولغيره من حروف الحلق. وحتى الكتابة فإن حرف العين ساقط عندهم فلا يكتبون اليوم إلا مسأد. ثُمَّ إن تقارب مخارج الصاد والزاي والضاد من جهة، وتعدد اللهجات والألسنة من جهة أخرى تقادم العهد من جهة ثالثة، وكتابة المؤرخين للأسماء بحسب اللهجات التي نقلوا عنها وفيهم العربي والبربري والإفرنجي من جهة رابعة أوجبت اختلاف اللغات في النطق لهذا الحرف فقالوا: "ميزاب"، "مزاب"، "مضاب"، "مصاب"، "مصعب".
وأصل الكلمة واحد غير متعدد هو اسم لهذا الوادي وللجبال المحيطة به، وتستطيعون أن تجدوا لهذا عشرات من الأمثلة في أسماء المدن والأودية والجبال والأشخاص، إذا كتبت بأصل كتبت بصيغة وإذا نقلت عن أصل إفرنجي كتبت بصيغة أخرى حتّى تستغلق ولا تفهم في كثير من الأحيان، وحتى تنقطع الصلة بينها وبين أصلها، وقد حضرتني عشرات وعشرات
عربي
1) هذا جواب أستاذنا الفاضل الإمام بيوض إبراهيم من الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية لبعض من سأله عن الموضوع. (1/1075)
صفحة 1076
الإباضية في موكب التاريخ
312
الإباضية في الجزائر
من
الأمثلة لولا ضيق الوقت لذكرتها، وخذوا عَلَى سبيل المثال اسم مدينة "وهران" إذا نقلت عن الفرنسية كانت "أوران"، و"تيارت" كان في القديم "تاهرت" ثُمَّ حرفت إلى "تيهرت"، ولا يستطيع الإفرنجي أن ينطق بهذا الحرف إلا "تيارت"؛ إذ يضطر إلى قلب الهاء همزة مسهلة بعد ياء، وكثيرًا ما انتقد العلماء على بعض كتاب الشرق الذين يجهلون كثيرًا من المدن الإسلامية والأقطار العربية، فإذا كتبوا عنها نقلوا أسماءها عن مؤرخي الأوروبيين فجاءت محرفة لا تَدُلُّ عَلَى مسماها.
وليس للإباضية جد ولا إمام مُسَمَّى بهذا حَتَّى تكون النسبة إليه. وأَمَّا دلالة لفظ "مِيزَابي" اليوم عَلَى "إِبَاضِي" فَإِنَّمَا جاءت من كون الذين عمروا هذا الوطن من زمن قدم إباضية المذهب، ولم يزالوا هم الأغلبية الساحقة فيه إلى الآن، وحكام الوطن منهم وأموره بأيديهم، فأصبحت كلمة "ميزابي" مرادفة في العرف العام لكلمة "إباضي"، ونظير ذلك كلمة فارسي اليوم، فَإِنَّهَا كادت تكون مرادفة لكلمة شيعي؛ لأن مذهب الفرس التشيع.
وقديما كانت كلمة المغربي ترادف كلمة "مالكي" لغلبه مذهب مالك على المغرب. نعم إن بعضا يزعم أن كلمة "ميزابي" نسبة إلى "ميزاب" الرحمة في الكعبة الذي قطرت
من قطرات ماء في يوم مشرق الشمس سماؤه صافية الأديم فيها قزعة سحاب على أحد أئمة الإباضيَّة أبي بلال مرداس استجابة لدعوته، وأمارة على هداه، وصدق دعواه في قصة
مشهورة.
والخبر إن كان صحيحا في نفسه لعدالة رواته وثقتهم ونزاهتهم عن الكذب، لكن دعوى نسبة "ميزابي" إليه باطلة قطعًا، فَإِنَّهَا لَمْ تعرف في القديم، ولو كانت صحيحة لكان أولى الناس بها إباضيَّة المشرق وإباضيَّة الصدر الأوَّل، وما نعرف أن إباضيَّة عُمان، والبحرين، واليمن، وزنجبار، والجبل، وجربة، و"وادي أريغ"، و"وار جلان" انتسبوا لهذا قط، فالدعوى باطلة. هذا ما حضرني للجواب عن سؤالكم وأرجو أني وُفقت فيه، وأذكر أن الشيخ اطفيش. الله - قد تكلم في التسمية كثيرًا، ولكني لا أذكر الآن موضوعه. (1/1076)
صفحة 1077
الإباضية في موكب التاريخ
313
الإباضية في الجزائر
العهود النار يخية لبني مصعب
أحسب أنني أوضحت بما فيه الكفاية في الفصول السابقة أن الكلمات: "وادي ميزاب"، أرض الشبكة، بادية "بني مصعب". هي أسماء مترادفة لإقليم واحد، كان يسكنه في مبدأ الفتح الإسلامي شعب يُسَمَّى "بني مصعب"، ثُمَّ هاجر إلى هذا الإقليم في مختلف أدوار التاريخ الإسلامي أعداد من الناس اندمجوا به وانصهروا فيه وتكوّن منهم جميعا شعب كريم عزيز أصبح يُسَمَّى الشعب الميزابي أو "بني ميزاب".
إن كلمة "بني مصعب" تحرفت إلى كلمة "بني مصاب"، بقلب حرف العين الحلقية إلى همزة، ثُمَّ جرى تسهيل الهمزة فقيل: "مصاب"، ثُمَّ تحرفت الصاد إلى ضاد لقرب المخارج، ثُمَّ بعد ذلك أصبح الضاء ينطق زايا لقرب المخارج ولخفتها، والقارئ الكريم إذا تصفح كتب التاريخ والسير؛ بل وكتب الفقه يجد أن بعضها تستعمل كلمة "بني مصعب" أو مصاب أو مضاب، ولا تستعمل "ميزاب" أو "مزاب" إلا في هَذه العصور المتأخرة، وأنها حين تنسب
إليه تقول المصعبي. وبناء عَلَى هَذه الحقيقة فإن الشعب الميزابي الكريم هو الشعب الذي تكون من "بني مصعب"، ومن انضم إليهم وانصهر فيهم منذ الفتح الإسلامي حتى الآن. فإذا أردنا أن نتحدث عن تاريخ هذا الشعب في المدى الممتد بين الفتح الإسلامي والعصر الحاضر فإننا نستطيع أن نقسمه إلى ثلاثة عهود متميزة بعضها عن بعض، وأن كل عهد من تلك العهود يشتمل على عدد من الفترات التاريخية التي تربط بينها روابط من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والحركات العمرانية والنشاطات العلمية والثقافية والسمات الدينية والسلوكية، وإن كانت تفصل بينها أحداث سياسية، أو مظاهر اجتماعية فصلا غير سميك.
ولَعَلّى في هذا الفصل أستطيع أن أعرض - بإيجاز - صورًا لكُلِّ عهد من تلك العهود بما يتميز به من مظاهر وظواهر تجعله يُكَوِّن وحدة زمنية واضحة المعالم في عباب التاريخ الطويل. (1/1077)
صفحة 1078
الإباضية في موكب التاريخ
314
الإباضية في الجزائر
العهد الأول
العهد الأَوَّل لـ "بني مصعب" في التاريخ الإسلامي يبتدئ من الفتح الإسلامي لتلك المنطقة فيما بين سنة خمسين وستين للهجرة تقريبا، ويمتد إلى نهاية القرن الرابع أو بعده بقليل، حين ورود أبي عبد الله إلى تلك المنطقة، والبدء في تطبيق نظام العزابة. ويمتاز هذا العهد بأن سكان أرض الشبكة قد اعتنقوا الإسلام ببساطة، ثُمَّ سبقت إليهم آراء المعتزلة في الأصول والفروع فأخذوا بها، وطبقوها على أنفسهم في حرص شديد، وحافظوا على نظام حياتهم كشعب يعتمد على تربية المواشي بالدرجة الأولى، وعلى الزراعة الموسمية بالدرجة الثانية. وَرُبَّمَا كانت المرأة عندهم تشتغل بصناعة الفليجة (1) كما عادة أغلب نساء البادية وحاولوا أن يحتفظوا بما عندهم، وأن ينعزلوا عن غيرهم محافظة عَلَى شخصيتهم الخاصة في دينها وخلقها وتفكيرها واقتصادها، وهم يدافعون بحماس شديد كُلّ من يخشون منه التأثير على اقتصادهم أو حرية مواطنهم المترامية، أو عَلَى آرائهم الدينية. ويمكن لنا أن نقسم هذا
هي
العهد إلى ثلاث فترات قصيرة متقاربة متشابهة في أغلب الأشياء متخالفة في أخرى. 1 - الفترة الأولى: تمتد هذه الفترة نحو قرن من الزمان أي من الفتح الإسلامي في الستينات تقريباً إلى تكوّن الدولة الرستمية سنة 160 هـ تقريبا. وقد كان المصعبيون سكان أرض الشبكة في هذه الفترة قد آمنوا بالإسلام، وتقبلوه واطمأنوا إليه واستمسكوا به في حرص شديد. ومع أن هذه الفترة كانت فترة مدّ وجزر بالنسبة للفتوح الإسلامية في المغرب الإسلامي الكبير، وكانت فترة حروب بين المسلمين الفاتحين وبين غيرهم من أصحاب الديانات الباطلة أو المرتدين ممَّن أسلموا قبل ذلك إلا أن هذه الأحوال لم يرد لها ذكر في أرض الشبكة أو بادية "بني مصعب" ممَّا يَدُلُّ أن سكان تلك المنطقة حين آمنوا بالإسلام، قد اقتنعوا به واستقر في قلوبهم، فلم تجتذبهم الدعاية المضادة له، وَلَمْ تؤثر عليهم مساعي
1) الفليجة هي شقة الخباء، والأخبية أو بيوت الشعر مصنوعة من عدد من الفلائج، والفلائج تصنع من شعر الماعز مخلوطاً بوبر الإبل والبدويات غالباً ماهرات في الصناعات المتخذة من الشعر والوبر؛ أما الصوف فلا يهتممن به ولا يجدن صنعه، ولذلك فهو يجلب إلى أسواق الحضر فيباع فيه. (1/1078)
صفحة 1079
الإباضية في موكب التاريخ
315
الإباضية في الجزائر
طلاب الزعامة، فلم يشاركوا البلاد المجاورة لهم فيما يصدر عنهم من شغب، وَلَمْ يستجيبوا لطلاب الزعامة فيما يحدثونه من قلاقل واضطرابات.
و في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني من الهجرة بدأت تتكوّن الآراء المذهبية ويتميز بعضها عن بعض، وبدأ يحتدم حولها النقاش والجدل، وبدأت تنشأ المذاهب الكلامية والفقهية، وكان حملة الآراء والعقائد لا يقلون نشاطا عن زعماء السياسة، فكانوا يجوبون البلاد يدعون الناس إلى ما يرون ويعتقدون، وكان المعتزلة من أشد فرق المسلمين نشاطًا وأكثرهم حركة، فسبقت آراؤهم إلى هذه المنطقة فتقبلها أهلها واعتنقوها بعضهم عن اقتناع، وبعضهم عن تقليد، وكانوا متأثرين بالحركة العامة للمعتزلة الذين كانوا منتشرين في ذلك الحين في أغل
القطر الجزائري، وكانوا يصاولون في قوة وعنف غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى. غير أن الموقف لا سيما عند "بني مصعب" لَمْ يخرج عن محال الكلمة والدعوة، فاستمرت حياتهم هادئة في كامل هذه الفترة.
2 - الفترة الثانية: تمتد هذه الفترة قرابة قرن ونصف إذ تبتدئ بعد منتصف القرن الثاني وتستمر إلى نهاية القرن الثالث، وذلك أن المعتزلة عموما وأهل هذه البادية من أتباعهم قد رأوا أن للمذاهب الإسلامية الأخرى التي تخالفهم في الأصول والفروع دعاة لهم في الحركات والنشاط ما جمع عليهم أعداد كبيرة من الأتباع، وأنهم بدأوا يكونون لأنفسهم دولا، ويركزون مذاهبهم على حكم وسلطان وأن البعض الآخر منها بصدد التكوين، وبدا لهم أن تلك الدول تبحث على السلطة، وأنها قد تحاول السيطرة على بعض البلاد، وتعمل للتحكم فيها، فكتلوا أنفسهم، وتحفزوا للعمل، واستعدوا للدفاع، أو حتَّى للهجوم إذا اقتضى الأمر. ونشأت بالفعل من حولهم ثلاث دول قوية لم يكن لإحداها علاقة بالمعتزلة. فقد نشأت الدولة الرستمية سنة 160 هـ، ونشأت الدولة الإدريسية سنة 172 هـ، ونشأت الدولة
الأغلبية سنة 184 هـ، وكان لكُلِّ دولة من هذه الدول نفوذ على بعض جهات الجزائر. ورغم أن المعتزلة في هذه الفترة بالذات كانوا على أشد ما يكونون من الانتشار في الجزائر، وعلى أشد ما يكون من الدعوة لمذهبهم إلا أَنَّهُم لَمْ يتمكنوا أن يتغلبوا على جهة، أو أن (1/1079)
صفحة 1080
الإباضية في موكب التاريخ
316
الإباضية في الجزائر
يستقلوا بها فلم تنشأ لهم هنا دولة، واستمروا في صراعهم مع المذاهب الأخرى أحيانا باللسان وأحيانًا بالسنان.
وَلَمَّا كان معتزلة هذه البادية مرتبطين مذهبيًا مع الأعداد الوفيرة من المعتزلة الذين يحيطون بالدولة الرستمية والذين كانت علاقتهم تتراوح بين الجدل في المجامع والمساجد، وبين القتال والحرب في ميادين النضال، تبعًا لإحساس المعتزلة أنفسهم بما هم عليه من قوة وضعف. وكان لهذا الموقف لمعتزلة الشمال أثره البالغ على سكان بادية "بني مصعب"، وذلك أن إخوتهم في المذهب من أهل الشمال لا يفتأون يحذرونهم من أن المذهب الإباضي يكاد المنطقة. أن دعاته لا يلبثون أن يدخلوا بين صفوفهم ونتيجة للمخاوف التي كان يصورها ويبالغ في تصويرها دعاة المعتزلة، تحذيرًا من الإباضيَّة ومن الدولة الرستُميَّة بالذات. فقد تكون رد فعل عنيف عند "بني مصعب"، واستعداد قوي لمجابهة هذا المذهب وأصحابه، ومحاربة أتباعه ودولتهم إن اقتضى الأمر.
يعم
وكما تتكوّن آراء الشعوب - دائما - في الاندفاعات الأولى حسب أهواء الزعماء والقادة والدعاة، كما يصورون لهم غيرهم من الشعوب وما هم عليه من الآراء والمبادئ. وكما يلقون في روعهم أن مخالفيهم معادون لهم ومضادون أو مزاحمون دون معرفة حقيقية أو تجربة، واقعية، فقد استقر في أذهان "بني مصعب" -وهم معتزلة - أن الإباضية -وهم مخالفون في المذهب أعداء لهم، وخصوم وَأَنَّهُ يجب الاحتراز منهم والبعد عنهم ومحاربتهم إذا دعت الدواعي. وعندما كانت تقع المناوشات بين معتزلة الشمال والدولة الرستمية كان "بنو مصعب" يحسون بالخطر، ويقفون على أهبة الدفاع وقد يذهبون لنجدة إخوانهم بما يتيسر لهم من مساعدة مادية أو معنوية (1).
ومضت هذه الفترة كاملة على المعتزلة عموما وعلى بني مصعب" خصوصا، وهم إما في محاربة فعلية مع بعض الدول القائمة، وإما في استعداد أو توقع لحرب.
1) قال القطب -رحمه الله- في رسالته صفحة 38 ما يلي: وليس أهل هؤلاء القرى إباضية من أول، بل كانوا معتزلة يسافرون إلى تيهرت لقتال الإباضية، وكانت المعتزلة أقوياء في هذا المغرب". (1/1080)
صفحة 1081
الإباضية في موكب التاريخ
317
الإباضية في الجزائر
ويبدو مما يفهم من النتف القليلة التي وردت على السنة بعض المؤرخين أن مواقف "بي مصعب" كانت في أغلبها موجهة ضد الدولة الرستُميَّة، فهم لا يخشون غيرها ولا يهتمون بسواها، ولا يطمعون حسبما يلقى إليهم ويصور لهم في غير احتلال مكانها، والسيادة بدلها؛ ولذلك فهم معها على عداء مستمر. إِمَّا قتال، وَإِمَّا مناصرة لمن يحاربها، وينقم عليها، ومساعدة له ولو بالمال والرأي. وَإِمَّا تحفز واستعداد، فعاشوا قرنًا ونصف قرن في قلق و اضطراب وحرب أعصاب.
وأثر هذا الموقف التحفزي عليهم تأثيرًا كبيرًا، فتضاءل اهتمامهم بالجانب العلمي، واختفت من مجتمعاتهم تلك المجالس الصاخبة التي يثور فيها الجدل، ويكثر الأخذ والرد في بعض مسائل العقائد، وتناقص عدد العلماء وطلبة العلم وأصبحت العلوم الدينية عندهم سواء في أصول الفقه وفروعه - عبارة عن معلومات محفوظة حفظا لفظيًا تنتقل جافة على صورة ميتة، فيها كثير من التحريف والتشويه.
وفي نهاية الفترة ضعف فيهم الاهتمام العلمي والحرص على الثقافة، ولم يبق لهم إلا كيان اقتصادي يُبنى عَلَى تربية الماشية والزراعة الموسمية فرجعوا إلى حياة بدوية تختفي منها جميع صور الحضارة.
ويبدو
أن الصراع الحاد الذي عاش عليه المعتزلة طيلة هذه الفترة قد أثر عليهم جموعا، فتضاءلت مواقفهم في جميع أنحاء المغرب الإسلامي، ولم يعد لهم وجود ملموس. وفي نهاية هذه الفترة قد انقرضت الدول الثلاث التي أشرنا إليها سابقا، فقد اكتسحتها جميعا الدولة العبيدية في نهاية القرن الثالث الهجري، واختفى أيضا الوجود الظاهري لفرق المعتزلة كالواصلية التي كادت أن تكتسح في مبدأ أمرها بعض دول الجزائر عقائديا وعسكريا، وحتى حسبت لها الدولة الرستُميَّة كُلّ حساب فاستنجدت استعدادا للمجابهة واللقاء على ميدان الجدال أو ميدان القتال بعلماء وفرسان "جبل نفوسة".
وهكذا تنتهي الفترة الثانية بـ"بني مصعب" بدورة حول أنفسهم، وترجع بهم إلى مبدأ الحياة التي كانوا عليها عندما بلغهم الإسلام، ما عدا أنهم الآن في نهاية الفترة يتشرفون بالإسلام، وينتمون إلى خير أمة أخرجت للناس. (1/1081)
صفحة 1082
الإباضية في موكب التاريخ
318
الإباضية في الجزائر
3 - الفترة الثالثة: تمتد هذه الفترة نحو قرن من الزمان أي من أواخر القرن الثالث عند انقراض الدولة الرستُميَّة، إلى أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس عند دخول أبي عبد الله بن بكر إلى بادية "بني مصعب".
في أَوَّل هَذه الفترة قد اختفت الدولة الرستُميَّة التي كان بنو مصعب" يناصبونها العداء، كما اختفت الدول المجاورة لها في نفس الفترة، وخضع الشمال كله بما فيه من مبادئ وعقائد ومفارقات ودول لسلطة واحدة هي سلطة الدولة العبيدية، وبذلك بدا لـ"بني مصعب" أن الشمال قد انفصل عن الجنوب انفصالا كاملا، فأصبح معتزلة الشمال وإباضيتهم خاضعين لحكم واحد هو حكم الدولة الفاطمية، وانعدم الرباط الذي كان يربط الشمال أما إباضيَّة الجنوب فأصبحوا هم الآخرون في مستوى معتزلته لا تحميهم دولة ولا
بالجنوب،
يلوذون بسلطان.
فتزعوا إلى موادعة الإباضيَّة، وأمنوا في حياتهم واطمأنوا وانطفأت حرارتهم، وفقدوا في نفوسهم دوافع الحرب للدفاع أو للهجوم وتركوا الاستعداد والإعداد له، ومالوا إلى حياة
بدوية مستقرة.
وَلَعَلِّ أهم ما تمتاز به هذه الفترة الثالثة من حياة الميزابيين الذين لا يزالون إلى ذلك الحين مصعبيين عَلَى مذهب المعتزلة، إنَّما هو الاطمئنان والاستقرار والهدوء والحياة الرتيبة، والانصراف عن مجالس العلم والحرب إلى تربية الماشية ورعايتها في البادية الفسيحة، وأوديتها الطويلة المتعرجة الخصبة، وإلى تكوين علاقات جديدة - وإن كانت محدودة - مع محاوريهم من المناطق الأخرى فيما تقتضيه طبيعة تربية الماشية من ضرورة تتبع مواقع الغيث هنا وهناك، ولا شك أن الأمطار قد تجود في باديتهم وتقل عند جيرانهم فيضطر أولئك الجيران أن يلتمسوا عندهم المرعى بأسلوب من الأساليب، وقد تنعكس القضية فيجدبون هم وتخصب بلاد جيرانهم فيضطرونهم إلى التماس المرعى عند أولئك الجيران بطريقة من الطرق. وَلَعَلَّ مِمَّا سهل ذلك عليهم أن جيرانهم من أصحاب الوادي والواحات قد بقوا غير تابعين لدولة من الدول، فهم يعيشون في نفس الظروف السياسية، فلم يكن أحد منه (1/1082)
صفحة 1083
الإباضية في موكب التاريخ
319
الإباضية في الجزائر
يخشى الآخر، أو يتوقع غزوه؛ فانصرف كُلّ منهم إلى حياته الخاصة يعالجها على
حسب ما اعتاد وعرف من وسائل الحياة. وَلَمَّا كانت بادية بني مصعب فسيحة، وكانت أوديتها خصبة صالحة للمرعى في معظم شهور السنة، وكانت الأمطار في أغلب السنوات إما أن تنزل عليها كلها فتخصب، أو تنزل على بعض جهاتها، أو على أقل تقدير على رؤوس أوديتها فتسيل، وتتكون فيها المراعى فإن بعض جيرانها لاسيما من الجهات الغربية وأصحاب الواحات كانوا يحتاجون إليها أكثر مما تحتاج هي إليهم، فكانوا ينتجعونها في مواسم الخصب ويعودون إلى مواطنهم، وكان هذا الاتصال بينهم يسبب تعارفًا وتعاونًا في بعض الأحيان كما يسبب شعبا ونزاعا في
أحيان أخرى تبعًا لاتساع الخصب والجدب وكثرة الأمطار وقلتها في هذه الجهة أو تلك.، وفي أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس كان مُحَمَّد بن بكر بنظامه الاجتماعي الفريد، وتلاميذه الكثيرين ومدرسته المتنقلة ومواشيه الوافرة، ينتقل بين أودية "آجلو" و "أريغ" و"وار جلان"، وكان أحيانًا ينتجع بادية "بني مصعب"، فيصيب منها ويعود؛ فتكونت بينه وبين "بني مصعب معرفة لم تلبث أن تطورت إلى مودة، حتَّى دفعته سنوات الجفاف إلى الانتقال إليهم، والسكنى بينهم في مدينة العطف، التي يرجح أكثر المؤرخين أنها تأسست سنة 402 هـ. ويرى بعضهم أن نواة المدينة كانت موجودة قبل حضوره، وَإِنَّمَا في الْمُدَّة التي بقي هناك وتجمع السكان فيها وفيما حولها، وكانت -
جعلها مستقراً له
حقيقة هي النواة لهذه الحضارة الرائعة القائمة اليوم في "وادي ميزاب".
بهذا الحديث تنتهي الفترة الثالثة، وينتهي معها العهد الأوَّل من حياة "بني مصعب" في
التاريخ الإسلامي، ويبتدئ العهد الثاني من تاريخ هذا الشعب الكريم. (1/1083)
صفحة 1084
الإباضية في موكب التاريخ
320
الإباضية في الجزائر
العهد الثاني
العهد الثاني لحياة "بني مصعب" في التاريخ الإسلامي يمتد نحو أربعة قرون، فهو يبتدئ من أوائل القرن الخامس بعد استقرار نظام العزابة به وبنائه المدن الثلاثة، وينتهى في آواخر القرن الثاني بعد الانتهاء من بناء مدينتي مليكة وبني يزقن والتفكير في الانبعاث. وَلَعَلّ أبرز سمات هذا العهد عند سكان بادية "بني مصعب" أَنَّهُم تحولوا عن آراء المعتزلة واعتنقوا المذهب الإباضي، ثُمَّ إن أخلاقهم البدوية الجافة الخشنة بدأت تلين وتكتسي نوعًا من اللطف والرقة، وأنهم صاروا يفكرون عمليا في تغيير حياتهم من النسق البدوي القلق المتغير إلى النسق التحضري المستقر المقيم، فجعلوا يتجمعون في مدن أو قرى كبيرة ويحفرون - متعاونين- آبارًا عميقة لإقامة زراعة مستمرة تعتمد عَلَى الري الدائم، ثُمَّ أصبحوا يرحبون بمن يهاجر إليهم، فيستقبلونهم بكرم، ويفتحون لهم، صدورهم، ويفتحون لهم أبواب الحياة الكريمة بينهم، ويستفيدون هم من خبرات أولئك القادمين من بلاد مُختلفة في المجالات المختلفة لوسائل الحياة، ولا سيما في مجال الزراعة الثابتة المستديمة. وهكذا استمرَّ هذا الشعب الكريم طيلة هذا العهد في كفاح متواصل من أجل الاستقرار والتحضر، ودأب أبناؤه عَلَى البناء أربعة قرون كاملة لا يفترون ولا يتوقفون، وإن كان اتجاههم في الفترة الأخيرة من هذا العهد قد انصرف إلى جانب مادي غالبا - رُبَّمَا كان - الاهتمام فيه بالمحافظة على الموجود أكثر من الاهتمام بمزيد من التقدم، نظرا إلى الأوضاع القاسية المحيطة بهم، والتي كانوا ينظرون إليها في حذر وخوف وترقب. وفي الإمكان تقسيم هذا العهد إلى ثلاث فترات تتميز كُلّ واحدة منها بظواهر وخصائص أوضح مما في الأخرى، وإن كانت جميعا مترابطة متلاحمة يبنى آخرها على أولها، وينسق السلوك فيها جميعًا نظام العزابة الذي ابتدأ تطبيقه مع أوائل هذا العهد.
1 - الفترة الأولى: الفترة الأولى من العهد الثاني لحياة "بني مصعب" تمتد نحو قرن من الزمان، إذ تبتدئ من أوائل القرن الخامس وتنتهي في أواخره أو أوائل القرن السادس ما بين (400 - 500 هـ) تقريبا. (1/1084)
صفحة 1085
الإباضية في موكب التاريخ
321
الإباضية في الجزائر
وأهم ما تمتاز به هذه الفترة من تاريخ بادية "بني مصعب" أن سكانها قد اعتنقوا المذهب الإباضي بالفعل بدلاً من عقائد المعتزلة، وأنهم سمحوا بالهجرة لإخوانهم الذين اضطهدوا في جهات أخرى، أو ضاقت بهم الحياة لأسباب سياسية أو مذهبية، أو اضطروا للهجرة إليهم تحت قسوة ظروف الطبيعة، كما وقع لبعض سكان "سدراتة" و"وار جلان" و"وادي أريغ"، فتقبلوهم أحسن قبول، وامتزجوا بهم أكمل امتزاج ثُمَّ إنَّهم اتحدوا في عمل جاد متواصل لتكوين حياة حضرية مستقرة في أخصب وديان الشبكة وادي ميزاب"، وَلَمْ ينته هذا القرن حتى تكونت ثلاث قرى كانت نواة لاستقرار الشعب المصعبي أو الميزابي، تلك القرى أو المدن هي: العطف وبدأت تتكون مع أَوَّل القرن الخامس، ثُمَّ بنورة وبدأت تتكون في العهد الرابع من نفس القرن، ثُمَّ غرداية وبدأت في العقد الثامن من نفس القرن.
وَلَمْ ينته القرن الخامس حَتَّى كان في أحد أودية "بني مصعب" ثلاث مدن آهلة بالسكان يقيم بِهَا عَلَى الدوام من انتقل من الحياة الرعوية إلى حياة الاستقرار من "بني مصعب"، ومن هاجر إليهم من مختلف الجهات كما يجعلها بعض من لم يتخلص من حياة البادية ومن تربية المواشي من بني مصعب" مآلا ومرجعاً يقيم بها أغلب فصول السنة، ويلتحق بأنعامه في بعضها حين يكون الالتحاق بها ضروريًا كفصل الربيع لاستخلاص النتاج بأنواعه، فإذا انتهت المهمة رجع إلى تلك القرى ليستقر بها. وقد اتضح اتجاه سكان هذه المدن إلى الاستقرار حينما اعتمدوا في اقتصادهم على الزراعة
بالدرجة الأولى، فكانوا يتعاونون في تفان وإخلاص عَلَى استخراج المياه الجوفية بحفر الآبار التي تكون في بعض الأحيان شديدة العمق، وكان اهتمامهم بالزراعة يزداد يوما فيوما، وكان التحسن في وسائلهم يظهر لهم من خلال المحاصيل السنوية التي تزداد كُلّ عام، ولم يقتصروا على الزراعة بل لقد التفتوا إلى الصناعة البسيطة التي تحتاجها البيئة، وتوجد مواردها الأولية هناك، فمرت أيدي صناعة الآلات الخفيفة المختلفة للزراعة ولاستخراج المياه ولجرف التربة أو نقلها، ولتفتيت الصخور ونقلها، ولصنع قوالب الطين والآجر في بناء الحوائط والجدران، ولاستغلال سعف النخيل وخشبه في الأثاث المنزلى بمختلف أنواعه. (1/1085)
صفحة 1086
الإباضية في موكب التاريخ
322
الإباضية في الجزائر
ويبدو
أن المرأة المصعبية نفسها قد أخذت حظها من التطور، فقد كانت في العهود السابقة مشغولة بمساعدة الأسرة في عمليات الرعي المختلفة، وقصارى ما تستطيع أن تجيده من الصناعة إِنَّمَا هي صناعة الفلائج التي تتكون منها الأخبية والبيوت، وكانت الصوف وهي أهم نتاج الماشية تؤخذ فتباع في أسواق الحضر، وَلَمْ يشتغل بِهَا إِلا - عدد قليل من العلائلات المصعبية التي استقرت في منازل قليلة أطلق عليها اسم "قصر الصوف" أو "حصن الصوف" لأنه المكان الوحيد الذي كانت المرأة فيه تعرف صناعة الصوف.
ولا شك أن اللغة السائدة في ذلك الحين وفيما قبله هي اللغة البربرية، ولذلك فقد كان يطلق على تلك المجموعة من المساكن التي يقال: إنَّها سبقت مدينة العطف اسم "أَغَرَمْ نَتْلَرْدَت". والترجمة الحرفية لكلمة: "أَغَرَم" القصر أو الحصن، والترجمة الحرفية لكلمة: "تلزدَت" قطعة الصوف المحلوجة. وأعتقد أن البربر يُطلقون كلمة "أَغَرَمْ" التي معناها الحرفي هو: القصر، ويقصدون بها
هي
هي
القرى البربرية في القديم لا تخلو من قصور أو حصون.
أَمَّا النون في أَوَّل كلمة: "نتلردت" فهو حرف إضافة.
وَلَمَّا استقر "بنو مصعب" ومن هاجر إليهم في مدنهم تلك، وأعفيت المرأة من الأعمال التي كانت تزاولها في البادية واستقرت في البيت وأصبح زوجها يقوم بأعمال الزراعة والصناعة قريبا منها ثُمَّ يعود إليها، وجدت أن في وقتها فراغا تستطيع أن تستغله لفائدة الأسرة، وتحركت أصابعها الدقيقة الماهرة تغزل الصوف وتنسج منه الأكسية والبرانيس لأفراد الأسرة أو للسوق، حيث تضيف دخلا إلى دخلها في الزراعة أو الصناعة. وأثبتت تعاون المرأة مع الرجل لتحسين اقتصاد الأسرة قبل أن تنعق زعيمات هذا العصر يطالبن باشتراك المرأة في ميدان العمل بعدة قرون.
وَلَعَلْ أهم ما تمتاز به هذه الفترة وما بعدها وما قبلها هو تطبيق نظام العزابة بتفاصيله، وبه استطاع هذا الشعب أن يوحد القيادة، ثُمَّ أن يوجه الجهود إلى أهم مجالات الحياة بدراسة ووعي وتخطيط. (1/1086)
صفحة 1087
الإباضية في موكب التاريخ
323
الإباضية في الجزائر
2 - الفترة الثانية: تَمتَدُّ الفترة الثانية من العهد الثاني نحو قرنين من الزمان، أي من أوائل القرن السادس إلى أواخر القرن السابع.
هذه الفترة تُشبه أن تكون امتدادًا للفترة الأولى، فقد استمرَّ بنو مصعب" في الاستقرار
"
والتركز في القرى التي تكونت في وادي ميزاب"، وشغلتهم الجوانب الاقتصادية فتفرغوا لها وانصرفوا إليها. وبديهي أن اقتصادهم حينئذ كان ينبنى على الزراعة وقليل من الصناعة، وتوالت إليهم الهجرة من مختلف الجهات لما يتمتعون به من أمن وسلام، وبعد عن التموجات الحركية للمغامرات السياسية، ولما ينعمون به من استقرار في أودية خصبة تكفي لإعاشة عدد كبير من السكان إذا أحسن استغلالها، ثُمَّ لوجود تلك الوديان في أمكنة حصينة بعيدة عن أن تكون متعرضة للمناوشات والاعتداءات، وقد استمرت الحياة على هذه الوتيرة وعلى هذا النحو نحو قرنين من الزمان، حتّى كبرت تلك القرى وأصبحت مدنا فسيحة تعج بالسكان وتضيق بهم، وكان السكان لا يزالون يكثرون بمن يهاجر إليهم، وبمن يتحضر منهم ويستقر في تلك المدن فيغيّر مجرى حياته من بداوة ترتبط بالماشية والمطر والكلاً إلى حضارة تزدهر بالزراعة والصناعة والتجارة، وتمتاز بالاستقرار.
وَلَعَلّ أوضح ما في هذه الفترة ظاهرتان.
الأولى: مغامرات الميورقي، فقد ثار هذا الرجل على الموحدين طلبا للحكم، وكان يؤم أطراف المملكة ونقاط الضعف فيرتكب فيها الأفاعيل، ومر بمنطقة الواحات فرب "سدراتة"، وعاث فسادًا وإفسادًا في "وَار جلان" و"وادي أريغ" وما كان في طريقه إلى ليبيا؛ فتسبب بذلك في هجرة أعداد وافرة من الناس إلى بنى مصعب ولا سيما أهل "سَدراتة" فَإِنَّهُ لم يبق أحد بعد فتنة الميورقى، وهاجر أغلب سكانها إلى بادية "بني مصعب"، وبذلك تضاعف عدد السكان في "وادي ميزاب".
11
الثانية: بنو مصعب" أنفسهم في هذه الفترة كانوا متخوفين الأحداث أشد التخوف من التي تجري في جوارهم، وكانوا يتوقعون كُلّ يوم أن يمسهم ما يمس غيرهم، وكان كلما ورد إليهم وفد من المهاجرين المضطهدين من أي جهة كانت نقل إليهم الأخبار المؤلمة عن المآسي (1/1087)
صفحة 1088
الإباضية في موكب التاريخ
324
الإباضية في الجزائر التي تقع على الناس، بسبب حماقات المغامرين وطلاب الحكم، فكانوا يتوجون خوفا أن يلحقهم ما لحق غيرهم، ولذلك فقد اعتصموا بصمتهم ووحدتهم، وفرحوا بكُلِّ من هاجر إليهم باعتباره قوة لهم يستفيدون منها في الدفاع عن أنفسهم لو نزل بهم مكروه. وقد نتج عن هذا بعض الجمود في الجانب العلمي؛ لأن السكان وعلى قيادتهم مجلس العزابة- شغلوا في هذه الفترة بتدبير وسائل الأمن والحيطة وبالاستمرار في تحسين الجانب الاقتصادي، فلم تتغير عندهم الحياة كثيرًا عما كانت عليه في الفترة السابقة، إذا استثنينا جانب ازدياد السكان بالهجرة ازديادا مطردًا، أو التوسع في ناحيتي الزراعة وتمدُّد البناء بطبيعة الانكماش في الوادي، وتضاعف السكان مع ضيق المحال الحيوي الذي يضطرب فيه أولئك القوم للحصول على ضروريات الحياة، أو بعض كمالياتها لو ساعدتها الظروف، وَبِمَا أَنَّهُم بقوا نحو ثلاثة قرون عَلَى نَمط واحد من الحياة، فلم يضيفوا مدنًا جديدة إلى مدنهم الثلاث، وَلَمْ تبرز لهم جهود واضحة متفوقة في الميدان العلمي، وَلَمْ يسجل لهم انطلاق خارج وطنهم المحدود، فقد اعتبر بعض المؤرخين هذه الفترة بمثابة غفوة خفيفة، أو استلقاء للراحة والاستجمام. 3 - الفترة الثالثة: تَمَتَدُّ الفترة الثالثة من العهد الثاني نحو قرن من الزمان، إذ تبتدئ من أوائل القرن الثامن وتنتهي ببداية التاسع، وهي تشبه أن تكون صورة للتمدد والتمطي فوق استعدادًا للنهوض والاندفاع. إن هذا الشعب بسبب ظروف الحياة القاسية التي عاشها طيلة الفترة السابقة - في خوف متوقع من الخارج، وكفاح مستمر لاستثمار الأرض في الداخل كان كأَنه قد استلقى عَلَى الفراش الوثير للراحة أو النوم، وهو في هذه الفترة يتمدد ويتمطى ويمسح عينيه بعد اليقظة ليندفع إلى الكفاح المستمر. لقد انتبه "بنو مصعب من غفوتهم القصيرة فوجدوا أن أعدادهم تضاعفت، وأن المدن السابقة قد غصت بهم حَتَّى لَمْ يعد في إمكانها احتمال للمزيد وهم مضطرون إلى التوسع وزيادة المدن والقرى في باديتهم الفسيحة، وأوديتهم الطويلة، ورغم إحساسهم بضيق المكان في "وادي ميزاب" ورغبتهم في استغلال بقية الأرض فقد آثروا أن يزيدوا قرى قريبة من القرى الأولى؛ لأن صدى المغامرات العدوانية السابقة التي وقعت عَلَى من جاورهم بل عَلَى بعضهم لا يزالون يسمعون صداها في آذانهم. ولأن جميع الظروف المحيطة بهم تدعوهم إلى التجمع لكي لا تفرق المسافات
الفراش (1/1088)
صفحة 1089
الإباضية في موكب التاريخ
325
الإباضية في الجزائر
بينهم، فيجد فيهم
أصحاب المطامع فرصة للعدوان، ولم ينته القرن الثامن الهجرى حتى تكونت
إلى جوار القرى السابقة قريتان أخريان هما "مليكة" و"بني يسقن".
ويبدو أن أوائل سكان هاتين القريتين كانوا من المهاجرين الجدد الذين وردوا على الوادي فرأوا ما يعانيه من ضغط سكاني، وقدروا أن المدن السابقة أصبحت في حالة لا تستوعب معها أكثر مما فيها، ورأوا أن كُلّ تزايد سكاني فيها يؤثر على إمكانياتها الاقتصادية، فآثروا
أن ينفسحوا بعض الانفساح عن السكان السابقين، وبذلك صار الوادي يتكون من مجموعة سكنية من خمس قرى تشبه أن تكون أحياء من مدينة واسعة؛ فإن المسافة بين أبعد نقطتين من هذه القرى الخمس لا تزيد عن ستة أميال.
وبينما كان وادي" "ميزاب قبل القرن الخامس الهجري مثل زميليه: "وادي زقرير" و"وادي النساء"، كُلّ ما فيه من حياة أنه كان منتجعا لأصحاب الماشية، يؤمونه بعد مسيله في بعض فصول السنة، فأصبح خلال أربعة قرون فقط مركزا لحياة اجتماعية متحضرة، يعيشها شعب امتاز بالإيمان، والإخلاص والجد والمثابرة على العمل الذي لا يتوقف ولا ينقطع، وتكونت فيه مدينة مستبحرة العمران تتكون من خمسة أحياء كُلّ حي منها يحمل اسم قرية، وكما يصح أن يعتبر ذلك الحي حيا من مدينة كبرى، أو ضاحية من ضواحيها يصح أن يعتبر بلدا عامرًا يموج بالحركة والحيوية، وصار الوادي يشتمل على بساتين ورياض غنية الإنتاج، وافرة الغلال جميلة التنسيق متعددة الأنواع، عادلة التوزيع. وبينما كان هذا القسم من بادية "بني مصعب" تجري فيه الحياة العمرانية كما وصفناها في هذه الفترة - وفي الفترة السابقة كانت الجهات الأخرى من البلاد المجاورة كبلاد "سدراتة" و" وارجلان" و"أريغ" و"سوف" و"تجديت" و"واغلانت" و"آجلو" وغيرها تكافح في استماتة من أجل البقاء، بل إن منها من لفظ أنفاسه وهمد إلى الأبد، وذلك بسبب ما تعرض له من العاملين القاسيين هما: 1 عامل الطبيعة من الجفاف وندرة الأمطار، وهبوب رياح الجنوب باستمرار محملة بالرمال الزاحفة لمدد طويلة. (1/1089)
صفحة 1090
الإباضية في موكب التاريخ
326
الإباضية في الجزائر
2 - عامل بشري يتمثل في فتن وعداوات وغارات للسلب والنهب، قام بها الأعراب البداة من بني هلال ومن سلك مسلكهم من قبائل البربر.
وكان أقسى من كُلّ ذلك مغامرات طلاب الحكم كابن غانية، ومن سلك طريقه في البحث عن السلطة، أو البحث عن المال.
الصورة التي أردنا أن نعرضها من حياة "بني مصعب" في عهدها الثاني من
بِهَذَا تنتهي تاريخها الإسلامي.
العهد الثالث
العهد الثالث لـ"بني مصعب" في التاريخ الإسلامي يمتد نحو أربعة قرون ونصف، إذ يبتدئ من أوائل القرن التاسع وينتهي في منتصف القرن الثالث عشر تقريبا، ويمتاز هذا العهد بأنه عهد الانطلاق (1) الكامل في جميع ميادين الحياة، ولكن في الإطار الإسلامي الجميل. وقد أتَّخذ هذا الانطلاق عدة اتجاهات متوازنة متساندة متعاونة:
فقد انفتح باب للاتجاه العلمي فقدم إليهم وفد من "جربة" والجبل يشتمل على خيرة من أفاضل العلماء والأعلام العاملين، فقادوا الحركة العلمية، وتزعموا حركة الإصلاح عموما، واندفع
إليه مجموعة من خيرة الشباب الأذكياء تكون منهم فيما بعد عناصر صالحة للزعامة والقيادة. وانفتح باب للتوسع الحيوي والانطلاق العمراني، فتأسست مدن جديدة في بادية "بني مصعب" كانت إحداها عَلَى "وادي النساء" وكانت الأخرى عَلَى "وادي زقرير"، وبذلك
(1) - أستاذنا الفاضل الشيخ عبد الرحمن باكلي -حفظه الله - يرى غير هذا الرأي، فهو يقول في مقدمته لكتاب النيل ما يلي: "كان القرن الثاني عشر والثالث عشر فترة ركود بل انتكاس بالنسبة للحياة العلمية بميزاب، ضول شعاعه، ورك حبله حتى كاد ينبتر، لولا أن تباركه لطف الله فاطلع في سمائه بدراً منيراً أرسل أشعته على زواياه فأنارها، ذلك هو الشيخ أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي"، وَلَعَلَّ أستاذنا الكبير حين كتابته للمقدمة كان متأثراً بما كتبه صاحب النيل نفسه على أستاذه أبي زكرياء، ولا شك أن أبا زكرياء وضياء الدين كانا حلقتين
متينتين مترابطتين في حركة الانبعاث التي بدأت في القرن التاسع الهجري. (1/1090)
صفحة 1091
الإباضية في موكب التاريخ
327
الإباضية في الجزائر
عمرت جميع الأودية التي تكون الجبال الرئيسية لأرض الشبكة، والتي تمثل شرايين الحياة
لبادية "بني مص وانفتح باب للانطلاق السياسي، فأصبح ذلك الشعب المنكمش الذي كان يقبع في مناطق وعرة محصورة من أرض الجنوب خائفا يترقب.
أصبح من ذلك الشعب رجال يناقشون أعقد المسائل السياسية في عصرهم، ويرتادون أرفع الدوائر الحكومية، ويشاركون مشاركة فعالة في تكوين الآراء والتخطيطات لوضعهم السياسي والاقتصادي ضمن الشعب الجزائري الكبير.
وانفتح باب واسع للانطلاق الاقتصادي، فبعد أن كان هذا الشعب يعيش في واحات الجنوب عَلَى حياة مبنية على زراعة بسيطة، وصناعة ساذجة، وتربية ماشية مضطربة، انطلق في هذا العهد إلى ميدان التجارة الحر الفسيح، وصار يُمارسها متنقلا من بلد إلى بلد مكونا أعرافا وتقاليد ونظما، لو وجدت من اهتم بها ودرسها بعمق لاستخلص منها نظريات اقتصادية رائعة في ميدان التجارة، ونتج عن انطلاقهم هذا في ميدان التجارة غيبة طويلة عن الوطن، وانتقال متتابع من مكان إلى مكان (1)، فصار بذلك ذلك الشعب الذي قضى زمنا غير منكمشا في الواحات، منعزلا على نفسه، يملأ مدن الجزائر وقراها، بل وخارج الجزائر بالحركة والنشاط ويتحكم في الاقتصاد العام للبلاد.
قصير
وقد ترتَّب عَلَى هذا الانطلاق خارج الوطن وعلى الغيبة الطويلة عدد من المشاكل درست دراسة وافية، واتخذت لها حلول روعيت فيها جميع الجوانب التي تتأثر بها حياة مجتمع مسلم، فلم يهمل فيها الجانب الديني، ولا الجانب الخلقي، ولا الجانب النفسي، ولا الجانب الاقتصادي، فاستحدثوا في كُلّ قرية بها عدد من تجارهم أو عمالهم مركزا للاجتماع، وهيئة تتولى الإشراف المهني على أصحاب المحلات التجارية، وتقدر أجور العمال وتزود الجميع بالرعاية التي تحمي أخلاقهم ودينهم من أن تؤثر عليها الغربة الطويلة، وتراقبهم مراقبة دقيقة في مهجرهم حتى لا
1) حركة الانبعاث الاقتصادي بدأت في القرن التاسع الهجري بتجارة أولية محدودة، ثُمَّ تأكدت بالاتفاقية التي جرت بينهم وبين خير الدين في أوائل القرن العاشر وتركزت بعد العملية الفدائية في نسف برج "بوليلة"، فأخذت مجالها بالكامل. (1/1091)
صفحة 1092
الإباضية في موكب التاريخ
328
الإباضية في الجزائر
ينفرط عقد أمتهم، ولا تذوب خصائصها التي تمتاز بها، كما جعلوا مدارس خاصة تتولى تعلـ أبنائهم الذين يعيشون أو يشتغلون مع آبائهم، مراعين أن تكون خطة الدراسة غير متعارضة مع أوقات العمل، ثُمَّ سنوا مجموعة من القوانين والقرارات في شؤون المجتمع والأسرة كان لها أطيب الأثر على حياتهم، وقد نتعرض لبعض هذا في فصل خاص. وفي الإمكان أن نقسم هذا العهد أيضا إلى ثلاث فترات تتميز كُلّ منها ببعض السمات الخاصة
-
بها، أو التي تكون أكثر وضوحًا منها، وهي جميعا مرتبطة بعضها ببعض، ينبني آخرها عَلَى أَوَّلها. 1 - الفترة الأولى: تَمَتَدُّ الفترة الأولى من العهد الثالث نحو قرنين من الزمان، إذ تبتدئ من أوائل القرن التاسع وتنتهي في أواخر القرن العاشر بعد وفاة العلامة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل المصعبي.
وأظهر ما تتميز به هذه الفترة أنها فترة دبيب اليقظة في أوصال المجتمع الذي كف عن الحركة في غفوة قصيرة، فلما فتح عينيه ذعر؛ لأنه وجد نفسه واقفًا، بينما ركب الحياة يسير، ووجد محافل العلم عنده ومجالس العزابة خالية من فطاحل العلم وكبار الأئمة، ولا يشغلها غير فقهاء من الدرجة المتوسطة يعتمدون على استظهار القرآن الكريم وشيء من السنة النبوية، ويعتمدون في فقهم على ما حفظوه، ويجدونه مسطورًا في الكتب فينقلونه للناس في جمود ودون تصرف. وقد اعتاد "بنو مصعب من قبل أن لا يخلو موطنهم من كبار العلماء، فأسرعوا إلى استقدام عدد منهم ليشغلوا المراكز الهامة وينيروا الطريق في دروب الحياة المختلفة، ولبى إخوانهم في "جربة" و"جبل نفوسة طلبهم، فجاءهم البعثة العلمية التدريسية من ثلاثة علماء أفاضل، كان أعظم شخصية فيها هو العلامة الكبير الشيخ سعيد بن علي بن بو حميدة بن عبد الرازق بن سعيد الخيري الجربي، فباشرت البعثة حالا، مهمتها وقامت بواجبها أحسن قيام، ووضع الشيخ سعيد الخيري الذي اشتهر بعمي "سعيد" الأسس الأولى لنهضة ذلك الشعب الكريم بعد يقظته، فقد التف حوله جماعة من نبغاء الطلاب فبلغوا عَلَى يديه درجات سامقة من العلم، ووضع شعارًا خاصا للعزابة، وأسس لهم المجلس المعروف بمجلس عمي سعيد، الذي يجتمع فيه رؤساء المدن الميزابية، وتعرض فيه جميع المشاكل فتتخذ لها الحلول مجالس العزابة، وتبحث فيه قضايا جميع المناسبة، وفي ذلك المجلس تصدر القرارات العامة لتنظيم الحياة
الناس. (1/1092)
صفحة 1093
الإباضية في موكب التاريخ
329
الإباضية في الجزائر
وبالإضافة إلى الإصلاحات الاجتماعية والدينية التي كان يتحمل أعباءها الثقال بكفاءة ونجاح، كان هو وزملاؤه يشتغلون بالتدريس، ونشر العلم والمعرفة في أماكن متفرقة، حتى تخرج على أيديهم عدد من كبار العلماء، كانوا هم السند القوي لدعائم النهضة، ولو لم على أيديهم إلا أبو مهدي عيسى بن إسماعيل لكفى به نجاحًا.
ينجح.
إن هذه الفترة حسب دراساتي الناقصة - تعتبر عصر انتفاضة لـ"بني مصعب" من غفوة خفيفة، وقد سبقتها فترة التمطي، وسوف تعقبها فترات الانطلاق الكـ ر، ففيها إذن وضعت اللبنات الأولى لأسس النهضة الشاملة فيما بعد.
ومنذ انطلق هذا الشعب من غفوته في أوائل القرن التاسع لم يتوقف عن العمل حتى بلغ مرحلته الحاضرة، وهو سائر بخطوات فسيحة في منهج إسلامي سليم لبناء حضارة إسلامية فريدة في هذا العصر المادي الصرف، ركناها الالتزام بالإسلام عقيدة ودينا وخلقا وسلوكا، والاستفادة من الاكتشافات العلمية بناء وعمرانا وحضارة وحياة.
2 - الفترة الثانية: فترة التمدد المادي أو كسر الكتكوت لقشرة البيضة؛ وتَمَتَدُّ هَذه الفترة نحو قرن من الزمان إذ تبتدئ من أوائل القرن الحادي عشر وتنتهي في أواخره، وتتميز
هذه الفترة بظاهرتين واضحتين:
أصبح مختنفًا
إحداهما: أن سكان الوادي أحسوا بضيق المجال الحيوي لهم، وأن "وادي ميزاب" وحده يضيق من الناحيتين العمرانية والاقتصادية، وأَنَّهُ لاَ بُدَّ لهذا الشعب المحصور في هذا الوادي الضيق بين الجبال المرتفعة من الانفساح والانطلاق، ولا بد من ارتياد أماكن أخرى في نفس البادية تكون صالحة للعمران.
وانطلقت الدفعة الأولى من الرواد الشجعان تلتمس مكانا تستقر فيه، فاختارت موقعا على "وادي النساء"، وانطلقت بعدها دفعة أخرى من الرواد الشجعان تلتمس لها مكانا تستقر فيه أيضا، فاختار لها موقعًا عَلَى "وادي" "زقرير"، وبذلك تأسست المدينتان الزاهرتان: القرارة، وبريان. وانضم إلى كُلّ دفعة من هذه الدفعات بعض سكان تلك المناطق ممن لا يزالون على حياة البادية، فتحضروا واستقروا في تلك المدن الجديدة، كما انضاف إليها (1/1093)
صفحة 1094
الإباضية في موكب التاريخ
330
الإباضية في الجزائر
بعض المهاجرين من جهات أخرى بعيدة طلبا للأمن والاستقرار، وبتأسيس هاتين المدينتين العامرتين أصبحت أرض الشبكة، أو ما كان يطلق عليه بادية "بني مصعب" عامرة بحضارة مزدهرة في أهم وديانها الخصبة، بل لقد أصبح "بنو مصعب" على الحقيقة يعمرون كامل باديتهم ويستغلون جميع وديانهم. الظاهرة الثانية ناجمة عن هذه الانطلاقة، فما خرج الكتكوت عن قشرة البيضة، وتمت له الانطلاقة الأولى حتّى تكونت انطلاقة أخرى في الميدان الاقتصادي، وبدأ الناس يجمعون رؤوس الأموال الصغيرة من محاصيلهم الزراعية المحدودة، أو من أثمان مواشيهم بعد بيعها، ثُمَّ ينطلقون إلى الغربة حيث يكونون المتاجر في مختلف البلاد. وقد كانت التجارب الأولى مشجعة رغم ما يكتنفها من صعاب ومتاعب، وأصبح التنافس واضحا بين الشباب المتحمس المتوثب وبدأت نظرة المجتمع التي كانت مقتصرة على تقدير الزارعة ووسائلها واحترام العضلات القوية التي تستثمر الأرض خيرًا من غيرها، بدأت تلك النظرة تتجه إلى تكون اقتصادي مبني على أسس تجارية، وبدأت تبعا لذلك قيمة التاجر الذي يغيب زمنا ثُم يعود بمكاسب تفوق كثيرا مكاسب زميله الذي بقي يشتغل بالزراعة - ترتفع في نظر المجتمع، لا سيما وأن المشاريع العمرانية، والمرافق الجماعية أصبحت تعتمد على التجارة أكثر مما
تعتمد على المزارعين. أَمَّا
الجانب الثقافي فيبدو لي أن هذه الفترة كانت فترة تبادل ثقافي بين "بني مصعب" من جهة وجربة" أو "جبل نفوسة" من جهة أخرى، وأن مجيء عمي سعي سعيد في الفترة السابقة كان بمثابة تشجيع للاتصال الثقافي واستمراره بين هذه البلاد، ولاسيما بين "بني مصعب" و "جربة"، ويكفي للدلالة على هذا الموضوع مجئ طلبة من "جربة" و"نفوسة" للدراسة على أبي، مهدي، كما أن رحيل الشيخ مُحَمَّد المصعبي والد الشيخ يوسف في أواخر القرن الحادي عشر واستقراره في جربة" يقوي ما نراه من حركة علمية نشيطة بين البلدين يتبادلان فيها وسائل الثقافة، وَلَعَلَّ الذي أضفى بعض الغموض عَلَى أهمية البعوث العلمية من "بني مصعب" إلى "جربة" أو "جبل نفوسة والعكس، أَنَّهُ لَمْ تلمع من بين تلك الأفواج
11 (1/1094)
صفحة 1095
الإباضية في موكب التاريخ
331
الإباضية في الجزائر
شخصيات في مستوى عمي سعيد، أو أبي يعقوب يوسف المصعبي (1) مِمَّن يتركون دويا لا
يحضره الزمان ولا المكان.
لقد كانت هذه الفترة هي فترة التحسس لمواضع الأقدام في كُلِّ مَجال من مجالات الحياة، فقد كسرت القوقعة وخرج منها الكائن الحي يستنشق النسيم والعبير، وبدأ ينقص أجنحته ويتطاول بعنقه ليلحق في الأجواء. - الفترة الثالثة: تمتد الفترة الثالثة من العهد الثالث نحو قرن ونصف، فهي تبتدئ من أوائل القرن الثاني عشر وتنتهي في منتصف القرن الثالث عشر كان "بنو مصعب" في العهود السابقة لهذا العهد يسكنون قرى تشبه أن تكون مدينة واحدة وهم يعيشون فيها على حياة زراعية سقوية، أو تربية ماشية يتولى رعايتها رعاة متخصصون ينزاحون بها بعيدا عنهم في مواطن الكلاً، فكان مجال حركتهم بين البستان والبيت والمسجد؛ فالرجل منهم لا يغيب عن أهله إلا فترات قليلة في اليوم، فلم يكونوا يحتاجون إلى الأسفار والتنقل، فإن أبعد نقطتين عن قراهم الخمس لا تزيد عن ستة أميال، فَلَمَّا تأسست مدينتا "القرارة" و"بريان" أصبح السفر ضرورة من الضروريات على أقل تقدير لصلة الرحم بين سكان المدن السبع، ولاسيما في المواسم والأعياد، وكما بدأوا يشتغلون بالتجارة خارج وطنهم وجدوا أنفسهم محتاجين إلى عدة أشياء لا تستقيم حياتهم الجديدة إلا بها، وتلك الأشياء هي التي تكون الظواهر الخاصة بالفترة الثالثة لهذا العهد، ويبدو لي أَنَّهَا يُمكن أن تتلخص فيما يلي:
الظاهرة الأولى: لَمَّا بدأت جماعات التجار ذاهبة آتية بين المدن الكبرى في القطر الجزائري وأراضي الشبكة لاحظ ذلك بعض المغامرين الذين يعيشون على السلب والنهب وقطع الطرق، واستنتجوا أن التجار الذين يعودون من كبريات المدن في الجزائر إلى صحراء الجنوب بعد غياب طويل لا بُدَّ أن يكونوا محملين بكثير من المكاسب، فكانوا يتعرضون لهم في الطريق، وكثيرا ما
ودين
عندما
(1) مما يؤيد هذا الرأي أن عدداً ضخماً من طلاب العلم التحقوا بمدرسة القطب – رحمه الله-، ومنهم رجال فقه أفادوا بلادهم رجعوا إليها، ومن طلاب الجبل لم يشتهر إلا الزعيم سليمان باشا الباروني، أما بقية الأسماء فهي ذاهبة في الاختفاء مع قرب الزمن، ولن يمضي هذا الجيل حتى يغطي الجهل أولئك الناس الذين قاموا بدور هام في حياة الأمة إذا لَمْ تبادر يد غيورة فتكتب عنهم. (1/1095)
صفحة 1096
الإباضية في موكب التاريخ
332
الإباضية في الجزائر
كانوا يسلبون أموال الضعاف منهم؛ فتولدت عندهم لذلك فكرة رد الفعل ومجابهة العدوان، فكان المسافرون منهم يتخذون الاحتياطات اللازمة للحراسة من امتلاك السلاح، ومعرفة استعماله عند اللزوم، واستصحاب الحراس الأشداء الأمناء في تلك السفرات الطويلة، وبذلك تكون لهم في هذه الفترة وما بعدها عدد من الأبطال الأشداء الشجعان الذين يخشى قطاع الطرق جانبهم؛ فصاروا يتحاشون قوافل "بني مصعب" ويبتعدون عن طريقها، وأصبح أولئك الحراس كأَنَّمَا يتمهنون حرفة الحراسة، لهم أجور معينة عن كُلّ رحلة من الرحلات بين مدن الصحراء والتل، حتّى تتجاوز قوافل المسافرين مناطق الخطر إلى الشمال أو إلى الجنوب.
الظاهرة الثانية (1): أحس التجار غير الميزابيين في مختلف المدن بمنافسة جديدة خطيرة على ما ظهر لهم فلم يرتاحوا لها، ووقفوا معها موقف المعارضة والرد، ونتج عن ذلك عدد من المشاكل كانت تصل إلى السلطة المحلية بمختلف الأساليب والوسائل، فوجد المصعبيون أنفسهم في حاجة ماسة إلى من يتولى توضيح موقفهم في الحالات الفردية والجماعية، والدفاع عن مصالحهم، وإقناع المستائين من منافسيهم بأن التجارة ميدان حر متسع للجميع، وكما هو صالح للمنافسة وإظهار التفوق والعبقرية الاقتصادية هو صالح أيضا للتعاون والاستفادة المشتركة، وتوحيد الجهود الاقتصاد الوطني على يد التاجر الأمين النزيه، فتكون لهم مجموعة من أفذاذ الرجال في جميع هذه الجوانب، فمنهم من اصطبغ مسلكه بالزعامة السياسية، فكان يتصل بالأجهزة الحاكمة في مختلف أماكنها ومنهم من اشتهر في الميادين الاجتماعية فكان يتصل بالأعيان وكبار التجار لدراسة المشاكل الناجمة عن سوء التفاهم بين الأطراف المختلفة، واتخاذ الحلول اللازمة لها، ومنهم من يقوم بالدعوة إلى التوفيق والمساعدة والتعاون ومنهم من يستخلص النتائج من التجارب ويدرس المواقع واحتياجاتها والأيدي الماسكة بدواليب الحركة وشدتها وتوزيعها، ويتخذ بناء على ما يستخلصه من كُلّ ذلك آراء له يقدم عنها توصيات واقتراحات.
لبناء صرح
يتولى
1) هذه الظاهرة في الواقع في حاجة إلى دراسة متعمقة متغلغلة، وَلَعَلّ أحد الشباب المثقف من بني مصع منه، فتختفي معه كثير من الأسرار والحقائق القيام بهذه المهمة قبل أن يختفي هذا الجيل الذي لم يبق إلا أفراد من
وتضيع إلى الأبد. (1/1096)
صفحة 1097
الإباضية في موكب التاريخ
333
الإباضية في الجزائر
الظاهرة الثالثة: أحس المصعبيون بناء على انطلاقتهم باحتياجهم إلى عناصر مثقفة قوية من الرجال الأكفاء في جميع الميادين ثقافة تؤهلهم لمراكز قيادية من جهة، وإلى نشر العلم بين كُل الطبقات من جهة أخرى، فعملوا على استجلاب مدرسين أكفاء، وإلى إرسال بعثات علمية تعود إليهم بعد نجاحها، وبذلك تمت الانطلاقة في جميع الاتجاهات على النمط التالي: فقد أمكن الانسجام في البلاد الجديدة التي اختارتها أي مجموعة
الدوائر الحكومية أَنَّهُ يَجب أن تكفل الحرية لهذه الانطلاقة القوية.
الطرق بسبب
منهم
لعلمها، واقتنعت
و فهمت العناصر الحاكمة قيمة هذه الحركة التجارية في البلاد وأثرها على الاقتصاد العام فسمحت لها بالنشاط، وفتحت لها الميادين، وتعهدت لها بالحماية وإن لَم توف لها بذلك، ثُمَّ أمنت اتخاذ الحراسة القوية الذاتية والاعتماد عليها، حتى أصبح لتلك الحراسة نظم وأعراف. وتكونت زعامات اقتصادية وسياسية واجتماعية، تولت معالجة جميع المشاكل الناجمة عن أي وضع من الأوضاع، واتخذت لها الحلول المعقولة المقبولة. ثُمَّ بدأت النهضة العلمية تؤتي ثمارها، فتزود المجتمع بمثقفين ينهضون بأعباء العمل بجدارة واستحقاق، كما تكونت شخصيات علمية مرموقة أصبحت تتمتع بكل احترام وتقدير، لا من المجتمع المصعبي أو الإباضي فقط؛ وَإِنَّمَا من المجتمع الإسلامي في المغرب الكبير كله بما فيه ليبيا، ولعل أبا يعقوب يوسف بن مُحَمَّد أوضح مثال لذلك. وَلَعَلّ من أوضح خصائص هذه الفترة أنه اجتمع فيها ثلاثة من الأعلام، هم: أبو يعقوب المصعبي الذي يعتبر في عصره زعيماً عاماً لإباضية المغرب، وجميع الأوساط العلمية والسياسية في الجزائر وتونس وليبيا تعرف مواقفه وتقدرها له، وقد دافع عن الإباضية في حرارة بلسانه وقلمه في جميع الأوساط الرسمية وغير الرسمية، وحصل على الإعجاب والثقة والتقدير في كل المجامع التي حضرها. وأبو زكرياء الأفضلي الذي يعتبره أكثر المؤرخين مبدأ للنهضة الحديثة، ويرونه موقظ "بني ميزاب" من نوم عميق. وضياء الدين الثميني الذي أرسى قواعد النهضة، ومن مجهوداته انطلقت الحركة العلمية
يوسف بن
مُحَمَّد
الإباضية في الأقطار المغربية الثلاثة، بل إن كتبه أصبحت عدة أصحابنا في المشرق أيضا. (1/1097)
صفحة 1098
الإباضية في موكب التاريخ
334
الإباضية في الجزائر
وفي منتصف هذا القرن القرن الثالث عشر) تنتهي الفترة الثالثة وينتهي معها العهد الثالث من حياة "بني مصعب"، ليبدأ العهد الرابع وهو حافل بمجموعة من الأحداث الهامة، منها: استلام القطب رحمه الله - لراية القيادة، ثُمَّ أحداث جانبية أخرى كفتن بي جلاب وبوشوشة، والاحتلال الفرنسي وما تبع ذلك من أحداث ووقائع.
وأحسب أن العهد الرابع يبتدئ بالقطب رحمه الله - ويمتد فترة قصيرة رُبَّما كانت أقل من قرن، وينتهي بعد وفاته بقليل، وَلَعَلِّ في هذا العهد على قصره من الأحداث والظواهر ما جميع ما عرفناه للعهود السابقة.
يربو
على
أما العهد الخامس فيبتدئ بالحركة التي قام بها تلاميذ القطب، وعلى رأسهم الشيخان العظيمان أبو إسحاق وأبو اليقظان - رحمهما الله -، ثُمَّ قادها بكفاءة وبراعة أستاذنا الفاضل الشيخ بيوض -حفظه الله وسلمه، ويمتد هذا العهد إلى ما شاء الله.
ولما كان هذان العهدان (الرابع والخامس زاخرين بالأحداث والحركات، سواء ما كان منها نابعا من داخل الأمة نفسها أو من موقفها من القضايا الإسلامية عموما، أو من تطور العصر وتأثيره في حياة الشعوب جميعًا، لاسيما في قضايا التربية والتعليم، أو ما كان ناتجا عن الكفاح الطويل المرير للاستعمار البغيض الذي ابتلى به المغرب الإسلامي الكبير، وقد وقف في عهده ضده بما أوتي من قوة وحجة ودعوة، فمسه منه أذى كثير بلغ
القطب رحمه
الله
إلى حد السجن، ووقف أفلح -حفظه الله - ضده أيضا بما يملك من قوة وحجة ودعوة، وَلَمْ يتزحزح عن موقفه على ما ناله من الأذى حَتَّى أدبر الاستعمار عن البلاد، كما يدبر الإعصار المدمر مخلفا
وراءه الأنقاض والغبار والدخان، فجاءت بعده يد الاستقلال وأزالت
الأنقاض وسكنت الغبار وأطفأت النار فانقشع الدخان. رأيت أن أؤجل الحديث عنهما، وأن أفصلهما عن العهود السابقة لغزارة مادة الحديث فيهما. هذا الكتاب وَلَعَلَّ الله تبارك وتعالى ينسئ في الأجل، وييسر لي العمل، فأتم هذه الحلقة بجزء مستقل عن العهد الرابع وبعض الخامس، والله عاقبة الأمور.
من (1/1098)
صفحة 1099
الإباضية في موكب التاريخ
335
الإباضية في الجزائر
الباب الخامس:
صور عن نقود ومردود
عزيزي القارئ في هذا الباب سوف أعرض عليك صورًا من النقد الذي وجه إلى شعب "بني مصعب"، سواء أكان ذلك النقد موجها إلى خلقه، أو إلى سلوكه العام، أو إلى نظامه الاجتماعي، أو إلى آثار إباضية الجزائر في التاريخ، فمن ذلك النقد ما وجه عن سوء نية وجهل، ومنه ما وجه عن حسن نية وسوء فهم، ومنه ما لم يقصد به النقد، ولكنَّه جاء في صورة النقد العنيف، ومنه ما تهمس به الشفاه وتلوكه الألسنة في الخلوات ومنه إحساسات تثور في صدور شباب "بني مصعب" أنفسهم لمعارضة بعض أنظمتهم الاجتماعية، ولكنَّهم لا يجرأون عَلَى البوح بها لرسوخ فائدتها في نظر المجتمع، ولقد حاولت أن ألتقط مشاهد مختلفة لتلك النقود مع الإشارة الخفيفة إلى سوء القصد أو سوء الفهم أو سوء التعبير عن الناقدين، وإلى الغرض من التنظيم، والحكمة في التشديد والمقصد من السلوك، والسبب في وجود الحالة في كُلّ تلك المشاهد عند من خططوا ونظموا وسلكوا، وجمعت كُلّ ذلك في هذه الفصول. وفي حسباني أن الصورة الكاملة لتاريخ هذا الشعب لا تتم إلا بهذه الفصول، وذلك أن التواريخ الأخرى لشعوب العالم إنَّما تعتمد أساسًا عَلَى أداة الحكـ يسقط وملك يتولى، وجمهورية تُمحى وجمهورية تقوم، وجيش ينهزم وجيش
ملك
ينتصر، وقائد يخيب وقائد ينجح. أما تاريخ تاريخ هذا الشعب - في اثني عشر قرنًا من حياته الحافلة فهو مجرد من حاكم ومحكوم ومنتصر ومهزوم وجيش وقيادة، ومع ذلك فقد استطاع أن يحتفظ بحريته ولو كانت غير كاملة أمام جيوش الأعصار الاستعماري الغربي الذي اكتسح كُل دول المنطقة، وحطم جيوشها وسلب حرية شعوبها، وتصرف حتَّى في أوقاف مساجدها، وبلغ به التسلط -وهو الكافر بالإسلام إلى أن يُعين الأئمة والمؤذنين. (1/1099)
صفحة 1100
الإباضية في موكب التاريخ
336
الإباضية في الجزائر
ومن المؤسف أن الدارسين لعلم الاجتماع الحقيقي الذين لم تلونهم السياسة لم تقع أنظارهم عَلَى هذا المجتمع المثالي المعزول في الصحراء؛ لأن أفلام المستشرقين المغرضين الكذب
والمستعمرين الحاقدين وكتبة المتعصبين قد شوهوا الصورة الجميلة للحقيقة بإطار من والبهتان والتضليل، وغيموها بألوان غامقة من الصور والتحليل والتعليل. أخي القارئ، لا تتم لك الصورة التي أردت أن أعرضها عليك في هذا الكتاب إلا إذا ضممت هذا المشهد بكامل صوره وألوانه وزواياه إلى المشاهد السابقة.
لا يا أخي. . (1)
4.6.
يقول الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز في كتابه القيم نهضة» الجزائر الحديثة» (الجزء الأول صفحة 254 ما يلي: "وخلا "ميزاب" من العلماء الأجلاء الذين ينشرون العلم ويصلحون المجتمع. إن "ميزاب" في أوَّل القرن الثاني عشر الهجري يغط في نومه، ويسوده الجهل وما يتولد عنه من عصبيات قبائلية وحزبية فرقت صفوفه، وأغرقته في الفتن والدماء، وجعلت القوي فيه يأكل الضعيف، وانعدم فيه ذلك المجتمع الذي تسوده الأخوه الإسلامية، وانحرف في ناحية الإخاء وشدة التمسك بالدين عن الطريق الذي أقره فيه أسلافه ومنشئوه.
وكانت البدع التي ينكرها الدين والخرافات التي تأباها الثقافة والاستسلام للأهواء الذي يحرمه الإسلام قد انتشر في "ميزاب"، فتعكر جوه الصافي الذي كان، والمجتمع الذي كونه فيه أسلافه. .
وقد بلغ جهل ميزاب بالدين واسترساله مع الأهواء ومع ما يدعو إليه طبعه الموروث إلى أن كان يعطي للزوجة نصف الميراث لا الربع أو الثمن كما شرع الدين .. إن هذا يَدُلُّ على احترام "ميزاب" للمرأة، لقد استجاب لما دعته إليه وراثته البربرية التي تدعو إلى إكبار
1) اقرأ في آخر الفصل رأي أستاذنا الفاضل الإمام بيوض إبراهيم في هذا الموضوع. (1/1100)
صفحة 1101
الإباضية في موكب التاريخ
337
الإباضية في الجزائر
المرأة وتقديرها، وجعله جهله بالدين يستجيب لطبعه ويجعل إلفه له دينا، وما وجد آباءه عليه من بدع هو الحق الذي يجب التمسك به ويناضل عنه، ويرمح بالأرجل كُلّ من
يُحاول اقتلاعها ومناهضتها".
ويقول في (صفحة 260) من نفس الكتاب ما يلي: "جاءته -أي أبا زكرياء الأفضلي - امرأة تسأله عن ميراثها من زوجها وكانوا في الجاهلية قبل أبي زكرياء يعطونها النصف، فأخبرها بأنَّه الربع أو الثمن، فثارت في وجهه وقالت: هَذه بدعة في الدين .. هذه شريعة خضراء، فأجابها أبو زكرياء شريعتنا الخضراء خير من جهلكم "الأسود".
هذه بعض الصور من صور متناثرة في الكتاب استوقفتني كثيرا، وكنت متردداً بين أن أسجل ما أحسه نحوها من غربة عن تاريخ الشعب الميزابي، ونبو عن سلوكه وأخلاقه، أو أن أترك ذلك للقارئ الكريم يعرفه المطلع، ويستنتجه الذكي، ويخطئ فيه العادي، وكنت في هذا الموقف يتنازعني عاملان عامل الوفاء لهذا الشعب الكريم، وعامل الوفاء للصديق الوفي والزميل القديم، وقد غلبني العامل الأوَّل لاعتقادي أن زميلي وصديقي مُحَمَّد علي يسره هذا الموقف، وهو يبذل جهوده العظيمة المتواصلة لاستخراج الصورة الحقيقة لشعبه
مني
الكريم نظيفة من كُلّ تشويه، ولو كان ذلك التشويه مما يتناثر من قلم الأستاذ دبوز. يبدو لي لو أن متهجما حقودًا أراد أن يهجم عَلَى "وادي ميزاب". يهجم على "وادي ميزاب" بما يسيء إليه في أعز ما يعتز به لما تهجم عليه بأكثر من هذا، ولو أن خصمًا عنيدًا له حاول تحطيم ذلك البناء الشامخ الذي أقامه الميزابيون في واديهم الأمين منذ أن انبثق نور الإسلام في قلوبهم إلى اليوم، والذي صارع جميع الأعاصير، فمضت دون أن تنال منه، ودون أن ينحني لها لما ضربه باشد هذا المعول، ولما كان لمعوله أثر أسوأ من هذا الأثر، ولا صورة أبشع من من هذه الصورة التي رسمها له الأستاذ دبوز .. وأنا على شبه يقين لو أن هذا الكلام صدر من شخص آخر لانبرى له الأستاذ الدبوز يرد ويصحح ويوضح.
ولا شك أن الأستاذ الدبوز إنَّما صور "ميزاب" بهذه الصورة القائمة في الفترة التي سبقت أبا زكرياء الأفضلي ليوضح للقارئ الكريم مقدار الكفاح العظيم، والجهد المتواصل الذي بذله أبو زكرياء، ولا شك أن أحدًا ممَّن له إلمام بتاريخ الحركة العلمية عند "بني مصعب" (1/1101)
صفحة 1102
الإباضية في موكب التاريخ
338
الإباضية في الجزائر
لا ينكر فضل أبي زكرياء ولكن من الخطأ أن نعتقد أن أي مصلح يرتفع بقدر ما ينحط الشعب الذي يعمل من أجله.
لقد جاء أبو زكرياء في فترة الركود العلمي لا في "ميزاب" خاصة، ولكن في العالم الإسلامي عامة، ولقد يكون "ميزاب" في ذلك الحين خيرًا من غيره بكثير، ويكفي أن عصر أبي زكرياء مسبوقاً بعدد من العلماء الأعلام، مثل: العلامة سعيد بن علي الجربي، وأبي مهدي عيسى بن إسماعيل، وأبي يعقوب يوسف المصعبي وزملائهم وتلاميذهم. وإن عصرا تعاقب فيه هؤلاء الأعلام الثلاثة في وطن ضيق كـ"ميزاب" لا يمكن أن يكون عصرا ساد فيه الجهل وتغلبت فيه البدعة [إلى هذا الْحَد].
ومهما كان .. فإن الإشادة بالكفاح العظيم الذي قام به أبو زكرياء لا يحمل على المغالاة في تحطيم أمة معتزة بإسلامها ومحافظتها عليه منذ انشرح صدرها للإيمان، فاستجابت لدعوة الله واستقبلت قبلة الإسلام، ولست أدري كيف ساغ للأستاذ الدبوز أن يقول في أمته المسلمة الكريمة: "وكانوا في الجاهلية قبل أبي زكرياء"، إنَّهَا كلمة أبعد من أن تجد مكانها في تاريخ هذه الأمة الكريمة، ولو كتب لأبي زكرياء أن يعود إلى الحياة وفي نفس الظروف التي كان عليها لما رضيها في وصف أمته، بل لما رضي أن يصف بها خصومه في الإصلاح، ولسنا نرضاها نَحن وأحسب أن جميع الميزابيين ومنهم مُحَمَّد علي - ومن يعرف الميزابيين على حقيقتهم في الماضي والحاضر لا يرضى أن يطلق هذا الحكم الجائر على تلك الأمة الكريمة.
لو وصفت بها عادة من عادات الميزابيين، أو بدعة ممَّا قد يكون، أو جماعة معينة محدودة لاحتملناها على مضض، أمَّا هكذا عَلَى الإطلاق فلا يا أخي ... فلا وألف لا ... إن كلمة "الجاهلية" لا يسوغ أن تطلق عَلَى مُجتمع يؤمن بالله، ويقوم بواجباته الدينية في
حرص وتشدد، ويحافظ في عمومه عَلَى شعائر الله فلا يترك فرضًا ولا ينتهك حدا. ولا يستطيع الأستاذ الدبوز، ولا غير الأستاذ الدبوز أن يزعم بحق أن الشعب الميزابي في تاريخه الإسلامي الطويل، أو في أي فترة من فترات ذلك التاريخ كان قد انحرف عن سبيل (1/1102)
صفحة 1103
الإباضية في موكب التاريخ
339
الإباضية في الجزائر
الله وأعرض عن دينه، فتخلى عن الواجبات وانتهك أو استباح المحرمات، أو أن ذلك كان يقع فيه وهو راض ساكت لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر.
الله
كيف يُجيز إنسان لنفسه أن يصف مجتمعًا يحرص على أداء الفرائض حتى يالغ في الحرص، ويقاطع كُلّ من يتهاون بفريضة أو سنة، وينأى عن جميع المعاصي، ويقاطع كُلّ من يرتكب معصية، ويقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويدين بالولاية والبراءة الشخصيتين، فيحرص على محبة الناس في الله ومعاداتهم في بأنه كان في جاهلية. لاشك أن هذا المجتمع قد تكون له عادات سيئة، وقد تكون بينه بدع تخالف السنة، وقد يكون فيه أفراد ينتهكون حرمات الله، ويرتكبون الموبقات، وهذا شيء طبيعي لا بد أن يكون في مجتمع؛ ولكن وجود بعض البدع الغالبة على الناس أو بعض العادات السيئة، أو بعض الأفراد المجان في مجتمع أغلب ما هو عليه الطاعة والعبادة لا يبرر وصفه بأنه في
جاهلية.
العامة
والشعب الميزابي في تاريخه الإسلامي الطويل أبعد ما يكون عن المجتمع الذي صوره الأستاذ الدبوز بتلك الصور الشوهاء التي لا يُمكن بحال أن تكون صورة له في أي عهد من عهوده الإسلامية، ولإبعاد هذه الصورة البشعة في ذهن القارئ الكريم عن ذلك الشعب الطيب نعود إلى نفس الكتاب صفحة 249) فقد جاء فيه ما يلي: "لم تخل "ميزاب" من العلماء في وقت من الأوقات يقومون بالشؤون الدينية، ويعظون ويرشدونها، إن "ميزاب" في كُلّ عهوده كان متمسكا بالدين غيورا عليه، محافظا على نظامه الاجتماعي الإسلامي لا يبغ عنه بديلا، ولا يرضى له أن يضعف أو يضمحل، والدين يقوم على العلم، وكذلك نظامه الاجتماعي، فَإِنَّهُ بدون العلم في العزابة ورؤساء العشائر وجمعية الشباب وغيرها لا يؤتي أكله؛ لذلك كان الميزابيون حريصين في كُلّ عهودهم على العلم، غير أن انتشار العلم والثقافة فيهم يختلف في العهود التي مرت عليهم في "ميزاب "". (1/1103)
صفحة 1104
الإباضية في موكب التاريخ
340
الإباضية في الجزائر
11
ويقول في نفس الكتاب صفحة 241 ما يلي: فهو الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي الذي وفد مع اثنين من العلماء فأحيوا وادي ميزاب بعلمهم بعد الجهالة التي استولت عليه في أوَّل القرن العاشر الهجري كما أرى، ثُمَّ لم ينقطع العلم في "وادي ميزاب" بعد
ذلك.
ومعنى
إن الفقرة الأولى التي نقلناها لك هنا هي الصورة الحقيقية لـ "وادي ميزاب"، وهي الرد البليغ من الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز على تلك الصورة الشوهاء التي وردت في الكتاب، أما الفقرة الثانية فهي تنص كما ترى أن العلم في "وادي ميزاب" لم ينقطع منذ القرن العاشر، هذا أن هذه الفترة قد مسحت ما وصف به الدبوز أهل "وادي ميزاب" في الفترة التي سبقت أبا زكرياء الأفضلي وهي ولا شك الفترة التي تقع بين عمى سعيد الجربي وأبي زكرياء الأفضلي، والتي كان فيها العالمان الفاضلان أبو مهدي عيسى وأبو يعقوب المصعبي، كما كان بها أيضًا العالم المناضل القوي أبو مُحَمَّد اليزقني. وأرجو أن لا تغرك أيها القارئ الكريم كلمة الجاهلية والجهالة التي ترد على قلم الأستاذ الدبوز، فهي له بمثابة ستار يحجب به العصور التي سبقت من يتحدث عنهم ومن سبقه، وعندما يتحدث عن عمي سعيد يضع تلك الستارة على القرن التاسع وما سبقه، وعندما يتحدث عن أبي زكرياء يضعها عَلَى القرن الثاني عشر ومن سبقه، وعندما يتحدث عن القطب يسحب تلك الستارة ويضعها على العصور التي سبقته، واقرأ إن شئت في نفس الكتاب وهو يتحدث عن جهود القطب في الإصلاح، (صفحة 335) ما يلي: "وكان الأب في عهد تلك الجاهلية"، وهكذا بكل بساطة يعتبر الأستاذ الدبوز العصور التي سبقت عمي سعيد عصور جاهلية، ثُمَّ يعتبر العصور التي سبقت أبا زكرياء عصور جاهلية، وضاعت في هذه الصورة الآثار القيمة عن جهاد عمي سعيد، ثُمَّ يعتبر العصور التي سبقت القطب عصور جاهلية، وضاعت في هذه الصورة تلك الآثار القيمة التي نتجت عن كفاح أبي زكرياء وضياء الدين.
وأحسب أنه
حين يتحدث عمن جاء بعد القطب سوف يسحب نفس الستارة،
ويحجب بها. عصر القطب. (1/1104)
صفحة 1105
الإباضية في موكب التاريخ
341
الإباضية في الجزائر
تبقى هي
إن كلمة الجاهلية تقوم له مقام اللوح الأسود، أو الخرقة السوداء عند المصورين تحصر له الضوء في بؤرة محدودة هي التي يريد إبرازها للقارئ في وضوح كامل، وإذا أزحتها عن جميع الصور فإن الصورة الصادقة لـ "وادي ميزاب" في عصور الانحطاط والركود العام الصورة التي رسمها له الأستاذ الدبوز في صفحة (249) من كتابه هذا، وهي (1): إن "ميزاب" لَم يَخل في عهد من عهوده من علماء أجلاء، ولم ينحرف الشعب عن الدين، ولم تتمكن منه البدع وإن لم يخل منها، ولم يخل من رجال يقومون لها ويقاومونها بشدة وإصرار والرجوع إلى من ذكرهم الأخ الدبوز في كتابه من علماء وصلحاء ميزاب والمصلحين فيه ومعرفة تواريخهم وعصورهم وقيام مجلس العزابة طوال هذا التاريخ بمهمته دليل كاف لإظهار الصورة الحقيقية لـ"وادي ميزاب" في كل فترات
تاريخه. أَمَّا
خرافة المرأة والميراث التي تحدَّث عنها الأستاذ الدبوز مرتين في كتابه، فأحسب أنه مِمَّا لا يتلاءم مع المنطق التاريخي، وما انجر إليه الأستاذ الدبوز استنادا على أخبار العوام، والإشاعات المتناقلة بين الناس من أن الجهل قد سيطر على الوادي حَتَّى أصبح أهله لا يعرفون فريضة الزوجة في الميراث، فكانوا يعطونها النصف بدلاً من الربع أو الثمن، لا يثبت حقائق تاريخية ولا يَدلُّ عليها. إن هذه القصة غير مقبولة إطلاقا، والميزابيون بأنظمتهم التي عاشوا عليها أحرص على أن يغيروا أحكام الله بهذه الدرجة، كما أنه لا يستساغ مطلقا المحافظة على الدين من قصة تنقلها الإشاعات العامة أن العلماء الأجلاء الذين سبقوا أبا زكرياء، والذين نتهم علموه ودربوه بالجهل أو بالرضا والسكوت عن هذا المنكر، وهم الأشدُّ حرصًا عَلَى أحكام الإسلام، بل إنَّه لا يتأتى أن تجري أمثال هذه التغييرات في الفرائض المنصوص عليها في القرآن الكريم، ونظام العزابة قائم يشرف على تنفيذ أحكام الله، ويشرف على تصفية
المواريث عقب الوفاة مباشرة.
1) أوردنا نص العبارة فيما سبق من هذا الفصل لمن شاء مراجعتها.
بناء (1/1105)
صفحة 1106
الإباضية في موكب التاريخ
342
الإباضية في الجزائر
إن قصة هذه المرأة إن صحت إِنَّمَا هي قصة فردية امرأة كانت تعتقد أنها سوف ترث النصف من مال زوجها فحال أصحاب الحقوق دون ذلك، فذهبت إلى أبي زكرياء الأفضلي العالم المتحرر - في نظرها - الذائع الصيت الذي لا يرد قوله تستفتيه، وكانت مقتنعة أن الْحَقِّ لها، فَلَمَّا أجابها بغير ما كانت تتوقع وتنتظر، قالت كلمتها وهي تنصرف محنقة يعتصر ألم الحرمان قلبها؛ بل إن القصة لا تَدلُّ بمفهومها ومنطوقها إلا على هذا، فلو كان إعطاء النصف للزوجة عملا جاريًا معمولا به معروفًا بين الناس لأعطي لهذه المرأة نصفها، ولما احتاجت هي أن تسأل أحدا، ولكن القضيَّة هي أن أحكام الفرائض كانت تجري في ذلك المجتمع المسلم على ما وضعه الإسلام، وكان اعتقاد هذه المرأة يخالف ذلك، وَرُبَّمَا قيل لها إن العالم الجديد له آراء أخرى غير ما عرفه الناس فأملت أن تحصل على فائدة، وذهبت إلى أبي زكرياء مستفتية وشاكية ومخاصمة فردها العالم الكبير إلى حكم الله. ومهما كان الأمر فإن هذه القصة لا تصور إلا حالة فردية هي خطأ من الأخطاء التي يقع فيها الأفراد كُلّ يوم، أو جهل بحكم شرعي مما يمكن الجهل فيه، أو معصية منا يرتكبه الأفراد في كُلِّ، مجتمع، ولا يمكن أن نعطيها أكثر من ذلك مهما قيل عنها؛ أما الحكم على مجتمع مسلم بأنه في جاهلية؛ لأن امرأة منه زعمت أن ميراثها من زوجها يجب أن يكون النصف، وذهبت تستفتي العلماء في ذلك فليس من الْحَقِّ، وليس من الصواب، وليس من حقائق التاريخ، على أن ما كتبه الأستاذ الدبوز عن المرأة الميزابية وعن ثقافتها وتدينها في مختلف العصور من تاريخها ومحافظتها على نظام مجلس العزابة النسوي، وحرصها على حضور الدروس، بل على قيامها بالدروس في المجتمع النسوي وما إلى ذلك يقوض أركان هذه الخرافة من أساسها، ولا يبقي لها أي ظل.
وعد إن شئت إلى نفس الكتاب، فسوف تجد فيه: "وللنساء في "ميزاب" مجلس ديني من النساء العالمات الصالحات الورعات ... يختارهن العزابة بدون تحيز ولا تعصب من العشائر ... والمجلس الديني للنساء يعين مجلس العزابة في تثقيف المرأة الميزابية وتربيتها تربية دينية صحيحة ... إن المرأة الميزابية بفضل التربية الدينية التي تكون لها من والديها وأسرتها والمجتمع، وهذا المجلس الديني الذي يتعهد النساء وينفخ فيها الروح الدينية (1/1106)
صفحة 1107
الإباضية في موكب التاريخ
343
الإباضية في الجزائر
الصحيحة و ... و ... متمسكة بدينها كُلّ التمسك تخاف الله وتراقبه في أعمالها، لا ترضى أن يخالف الدين أمامها، إنها امرأة صالحة".
الأستاذ
والمرأة المتدينة الصالحة لا تأخذ ما ليس لها بحق، ولعله من المضحك أن يهتم الدبوز بهذه القصة كُلّ هذا الاهتمام، ويوردها في كتابه مرتين شاهدًا على أن الشعب كان في جاهليته، ثُمَّ يغرق في النزع فيعلل ذلك بأنه نابع من طبع "ميزاب" الموروث من البربرية في إكباره للمرأة وتقديره لها، مع أنه في فصول أخرى من الكتاب يصفع البربر، وينكر أن يكون الميزابيون منهم.
الميزابي
يقول في نفس الكتاب صفحة (167 ما يلي: ولا صحة لما يدعيه الاستعمار ومقلدوهم من أنهم بربر خلص؛ فالبربر الخلص إذا أمكن وجودهم في المغرب (1) ففي رؤوس الجبال المنقطعة التي لا تعرف دولة ولا حضارة، أمَّا الميزابيون فمتحضرون، وأبناء أكبر دولة إسلامية نشأت في الجزائر، اختلطوا فيها بالشعوب الإسلامية سيما بالعرب فالدماء العربية فيهم أكثر، يَدُلُّ عَلَى ذلك فصاحتهم العربية وخلوهم من اللكنة الموجودة في بعض أناء
البلاد".
وسواء أكان الميزابيون بربرا أم عربا، أم كانوا خليطاً منهما ومن غيرهما، أم كانوا خليطاً من أحدهما ومن غيرهما، فقد تكون منهم شعب ذو خصائص ومميزات احتفظ بها دون غيره لمحافظته على دينه، ولا بتعاده عن وصف الجاهلية لاتصافه بأخلاق الإسلام، وليس للمرأة في هذا الشعب قديما وحديثا غير مكانها الطبيعي، وليس للمرأة عند البربر أو عند العرب في القديم إلا مكانها كأم وزوجة وأخت وبنت، وقد قيل عن البربر، أو قالوا عن أنفسهم في جاهليتهم: "إنَّهم يكرمون الخيل، ويهينون النساء"، ويعنون بذلك أنهم شعب جد وفروسية، ونضال وإن المتعة لا تستعبدهم ولا تضعف عزائمهم فتجعل منهم أحلاس بيوت، أو عبيد شهوات، أو عبدة إناث.
(1) اقرأ عن هذا الموضوع ما كتبه الأستاذ الدبوز في كتابه: تاريخ المغرب الكبير» الجزء الأول. (1/1107)
صفحة 1108
الإباضية في موكب التاريخ
344
الإباضية في الجزائر
وقبل أن أختتم هذا الفصل يسرني أن أقف وقفتين قصيرتين أعرض في الأولى منهما رأيًا عن المرأة الميزابية لأستاذنا الفاضل الشيخ باكلى عبد الرحمن -حفظه الله ورعاه-، وأعرض في الثانية رأي أستاذنا الفاضل الإمام بيوض إبراهيم في هذا المقال نفسه في قصة المرأة السالفة، أرجو أن يتابعني القارئ الكريم فيها لعله يستخلص منهما عبرة، ولا شك أنه سيخرج منهما بفوائد:
الوقفة الأولى: في سنة 1965 م وجهت سؤالا إلى أستاذنا باكلى عن موقف العزابة في كفاح الباطل والرذيلة، والظلم والبدعة؛ وقد أجابني - حفظه الله - بجواب مطول (بتاريخ 1965/ 1/2 م) جاءت فيه هذه الفقرة القصيرة: في كفاح البدع مسألة البناء على القبور والتوسل بها مسألة إلغاء ميراث المرأة عَلَى عادة الجاهلية، وحسبما يجري به العمل الآن في بعض جهات القبائل. عدم احتجاب المرأة عن أحمائها. ويقول في مقدمته على الطبعة الثانية لكتاب النيل (صفحة) (13) ما يلي: اشتهرت في أيامه أي الشيخ عبد العزيز الثميني- عادات فاسدة كعدم احتجاب المرأة عن أحمائها، وكفُشو الوشم بين الرجال والنساء،
وتعاطي السعوط (الشمَّة) جهراً، وكعدم توريث المرأة النصيب المفروض إلى غيرها". لَعَل القارئ الكريم لاحظ أن ما يقرره أستاذنا باكلي -حفظه الله - في موضوع ميراث المرأة يناقض تمام المناقضة ما يقرره الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز، فبينما يذهب الدبوز إلى أن المرأة في تلك العهود كانت تحصل على أكثر من حقها وأن الزوجة كانت تأخذ النصف من ميراث زوجها يقرر أستاذنا باكلي أَنَّهَا مَحرومة بالكلية.
والذي يستنتج من هذا أن الواقع الذي كانت تسير عليه الأحكام في عمومها، وتحت إشراف مجلس العزابة إنَّما هو الحكم الذي جاءت به الشريعة الإسلامية، وأنه قد يشذ عن هذه القاعدة أحيانًا بعض الأفراد فيعطون أكثر من الْحَقِّ أو يمنعون الْحَقِّ، ويثور من أجل ذلك جدال ونقاش ويقف العلماء بثبات حَتَّى يضعوا الْحَقَّ في نصابه، فتروى عن ذلك قصص تنتشر بين طبقات الشعب تغذيها الخيالات والأوهام والأهواء فتتسلل إلى أقلام
المؤرخين. (1/1108)
صفحة 1109
الإباضية في موكب التاريخ
345
الإباضية في الجزائر
الوقفة الثانية: كنت كتبت هذا الفصل وأنا متردد فيه، ثُمَّ أخذت منه صورة وأرسلتها إلى أستاذنا الفاضل الإمام بيوض أعرض عليه الفصل وأستشيره في نشره أو عدم نشره، وقد جاءتني منه رسالة بتاريخ 11/ 10/ 1971 م) قال فيها – حفظه الله - ما يلي فيما يخص هذا الموضوع:
"هذه
رابعا: الفصل المستشار فيه من فصول كتاب الإباضيَّة) في الجزائر) لا نرى إسقاطه ولا إلغاءه، فإن نظرياتكم في مناقشة الأستاذ معقولة ونحن نعلم كما تعلمون أَنَّهُ إِنَّمَا كتب ما كتب عن حسن نية، وغفلة عما يتركه ذلك الوصف المبالغ فيه من أثر شيء عند من يتصيد أمثال هذه الهنات، والباعث له حقيقة هو نفس ما عللتم به، وقضيَّة المرأة السائلة عن ميراثها من زوجها لا يُمكن أن تكون بحال من الأحوال معبرة عن نزعة بربرية عريقة في تقديس المرأة، وإنَّما هذا خيال مفرط عَلَى أن قصة المرأة وسؤالها وقولها للعالم المفتي شريعة خضراء" إنَّما وقعت حقيقة ببلدة القرارة والعالم المسؤول شيخ عماني نزل القرارة وتزوج بها وعلم فيها، وكان يلبس جبة خضراء، ولذلك قالت المرأة قولتها تلك، واشتهرت بين أهل القرارة وقد أدرك مشايخنا هذا الشيخ الجليل وعرفوه وسمعوا عنه، وأعقب بنتا عرفت بين أمهاتنا ببنت العماني، وأنت خبير أن بعض هذه الوقائع وهَذه الأمثال تنتقل من بلد إلى بلد وينسبها الجاهلون بحقيقتها وموردها إلى أشخاص آخرين، وهذا كثير وكثير جدا.
أحسست
وبعد، فإن الفصل آتيك ضمن هذا الكتاب، وإذا أمكنك أن تَمرَّ بيدك الناعمة عليه، فما من خشونة في كلمة صقلته (1). وإن له لفضلا كبيرًا فيما يعانيه من إبراز تاريخ أمته جُملة وتفصيلا كما يليق بكرامتها".
(1) بعد رسالة أستاذي الفاضل الإمام بيوض إبراهيم -حفظه الله - رأيت أنه من واجبي أن أنشر الفصل، وأن أعود إليه فأعيد صياغته، وقد حذفت منه جُملاً وزدت فيه جملاً، واستشهدت برأي أستاذنا باكلي -حفظه الله- فإننى لم أعرض له في الفصل حين عرضته على أستاذي -حفظه الله - فإن كان في الفصل ما يجرح إحساس أخي وزميلي الدبوز فأنا أعتذر إليه، وهو يعلم أنى من أبناء الجبل لا بُدَّ أن يكون في طبعي شيء من طبعه، وفي أسلوبي بعض من خشونته. (1/1109)
صفحة 1110
الإباضية في الجزائر
346
الإباضية في موكب التاريخ
أحسب أَنَّهُ لَم يبق ما أزيده بعد هذه الكلمة الرائعة لأستاذنا العظيم -حفظه الله ورعاه- سوى أن أشكر الأستاذ الدبوز مُحَمَّد علي عَلَى مَجهوده العظيم القيم، ولقد كان كتابه هذا وكتبه الأخرى من بين المراجع الهامة التي اعتمدت عليها، ورجعت إليها في كثير من الأحيان، واستفدت منها فوائد جلى، ساعدتني في أبحاثي وتكوين آرائي. أعان الله الأستاذ الدبوز عَلَى إتمام ما عزم عليه ويسر له الوصول إلى ما يصبو إليه من خدمة الأمة والوطن.
000
O (1/1110)
صفحة 1111
الإباضية في موكب التاريخ
347
الإباضية في الجزائر
"ميزاب" في نظر مستشرق
أستاذنا
إن للمستشرقين والمستعمرين الغربيين أساليبهم الخاصة عندما يكتبون عن أي بلد من بلدان الشرق، وهم يدعون النزاهة والعلمية، ولكن الواقع أن الكثير منهم لا يدعون فرصة تفوتهم لكي يبثوا السموم فيما يكتبونه عن الشرق، وهذا مستعمر فرنسي كتب عن الجزائر وعن "ميزاب"، وفي كتابه كثير من المغالطات والسموم، وفيه بعض الحقائق، ولقد طلبت من الفاضل الشيخ عبد الرحمن أن يترجم لي الفصل المتعلق بـ"وادي ميزاب" فأجاب مشكوراً، وقد رأيت أن أنقل عنه بعض الفقرات فقط، وأن أترك كثيرًا من التشويهات والأكاذيب دون أن أثقل بها على القارئ الكريم، وَرُبَّمَا أنقل له واحدة من الأكاذيب كنموذج.
قال شيخنا باكلي عبد الرحمن ما يلي: الكتاب هو كتاب: «صحراء الجزائر»، تأليف العقيد توماس المدير المركزي للشؤون العربية بالجزائر، نشره بإجازة المارشال دوق دي دالماس رئيس وزراء فرنسا يومئذ ووزير الحرب، مطبوع في باريس سنة (1845 م). بعد أن ساق خلاصة يظن أنه استقاها من بعض خصوم الميزابيين تشتمل على ما ينبزون به من قبل مخالفيهم الذين ينظرون إليهم كمارقين من الدين، قال: "ومهما كان الأمر فإن الميزابيين أشد تدينا من العرب، يتخذون ثيابا خاصة بالصلاة، لا يسكرون ولا يزنون يصومون ويصلون، ويسبغون الوضوء، يبالغون في تطهير تقاليدهم إلى حد التشديد والغلو، فهم يعتبرون لذلك زهاد الصحراء المصلحين. وللواحد منهم وهو الواقع أن يتخذ زوجات أربع، ولَكنَّهم يحجبونهن عن أعين الناس عكس أعراب البادية، فالابن لا يمكنه أن يرى سوى أمه، والأخ لا يسوغ له أن يرى زوجة أخيه، فإذا خرجن خرجن متلثمات إلا عينا واحدة الزاني عندهم يرجم، ويغرم غرامه باهظة، ويعزر خمسمائة جلدة، ويغرَّب فهم متدينون مُحافظون عَلَى عقيدتهم، أعداء الكذب، يموت أحدهم جوعًا ولا يخون الأمانة المودعة عنده فكأن لسان حاله يقول لها: حفظك الله، نامي فأنا ساهر عليك. لا يأكلون إلا ما يطبخونه ويحضرونه بأنفسهم عفة ومبالغة في الزهد، لا ينشقون السعوط ولا يدخنون ويرون ذلك محرما شرعًا، ويرون الإسكار جريمة بحيث لو سكر يهودي لفتشوا، محله وقد يفتشون محال ذويه أحيانًا وما عثروا عليه لديهم من جرار الخمر حطموه في البطحاء العامة بين سمع الناس وبصرهم، وإذا زنت يهودية غربت بكيفية مخجلة وهذا مما يؤسف له". (1/1111)
صفحة 1112
الإباضية في موكب التاريخ
348
الإباضية في الجزائر
وبعد كلام يقول: "ولقد" تسرب بعض اليهود إلى "ميزاب" فآووهم وأظهروا معهم تسامحا لم يجدوه مع غير الميزابيين عَلَى شرط أن يخضعوا لقوانيين البلاد ويحترموا تقاليد الذين آووهم، ويتمتعون معهم بحريتهم كاملة، لهم كنائسهم وأحبارهم ومدارسهم. ويسمح لهم أن يلبسوا لباسًا يشبه لباس الميزابيين على أن تكون لهم علامة تميزهم، وذلك أن لا يلبسوا الحائك، وأن يتعمموا بعمامة سوداء، وليس لهم أن يركبوا الخيل، ولهم كما في الأماكن الأخرى أن يحترفوا التجارة والحلاجة والصباغة والصياغة".
وبعد كلام يقول على من يريد أن يكون ميزابيا، أي أن يتحصل على الجنسية الميزابية: "وإذا قبل أحدهم ذلك فإن قبوله لا يتم إلا باعترافه أمام الشيخ، ورغم ذلك لا يعتبر ميزابيا خالصا إلا بعد أربعين جيلاً .. هذه الخطوط الرئيسية لمنظمة إدارية دينية جديرة بالدراسة، وتنقصنا لاستخراج العبر مع الأسف المعلومات الكافية الدقيقة عن أصل هذا الشعب الوحيد". الصورة التي أردت أن أعرضها عليك أيها القارئ الكريم، وسوف أنقل لك
هذه هي
تعاليق لشيخنا باكلي -حفظه الله- عن بعض النقط منها: 1 - التعليق الأوَّل: عن قوله: "فالابن لا يمكن أن يرى سوى أمه. قال شيخنا باكلي: "ليس الأمر كذلك بل يباح له أن يرى المحارم اللائي حرم الله عليه زواجهن المذكورات في قوله تعالى: و مرمت عليكم أنها تكُم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأنها تكُمُ الأتي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم وَبَنَاتِ اللَّاتِي من الرضاعة وأَنها نِسَائِكُمْ وَرَائِكُمُ الآتي في حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ الآتي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَال أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأحْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمَا).
2 - التعليق الثاني: عن قوله: "الزاني يعزر خمسمائة جلدة. قال شيخنا باكلي -حفظه
الله: فالله يقول: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل واحد منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة (2) لا خمسمائة جلدة". 3 - التعليق الثالث: عن قوله: "لا يعتبر ميزابيًا خالصًا إلا بعد أربعين جيلا". قال شيخنا باكلي حفظه الله -: ليس الأمر كما قال المؤلف من أن الذين يدخلون الجامعة الميزابية لا
(1) سورة النساء: 23 - 24.
(2) سورة النور: 2. (1/1112)
صفحة 1113
الإباضية في موكب التاريخ
349
الإباضية في الجزائر
يعتبرون لديهم ميزابيين أقحاحا إلا بعد مضي أربعين جيلا، فالواقع التاريخي ينفيه؛ لأننا وجدنا عائلات كثيرة من مختلف قرى الوادي ولا تزال إلى أيامنا- كانت مالكية فتأبضت، وإنها لتعتبر من صميم الميزابيين، ولا يكاد يستشعر من لا يعرف سابق أمرهم شيئًا، اللهم إلا إذا بقيت عائلة على سيرتهم الأولى من رقة الدين وفسولة الأخلاق فيحترز منهم ا لذلك كما
على
يحترز من الإباضيَّة الأصلاء، إلا إذا كانوا كذلك لا لأجل أنهم كانوا فصاروا. على أن غالب العائلات التي كان أصلها عربيا فتوطنت "ميزاب" كانت غير إباضية فتأبضت، وإنَّها لتعتبر من صميم أبناء "ميزاب" لا فرق بينهم وبين من سبقهم بأجيال، على أننا لو ناقشنا أصل النظرية لوجدناها غير واقعية، ذلك أن الجيل عبارة عن أربعين سنة أصح الأقوال، وأربعين جيلا عبارة عن 1600 سنة، ولم يكن لـ"ميزاب" بمدنه الحالية هذا العمر؛ فالنتيجة أن سكان "ميزاب" ليسوا بميزابيين أقحاح، وهذا تناقض وقضية باطلة من أساسها لا يقول بها أحد حتى المؤلف نفسه على ما يظهر.
يتورعون أن
ولا يبعد أن يكون قد استوحى هذا الزعم من معاملة بعض الجهال العنصريين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان متعمدا إثباتها كحقيقة تاريخية لحاجة في نفسه على ما أرى؛ لأن مؤرخي الغرب وإن تظاهروا بالتحقيق العلمي وبإنصاف التاريخ إلا أن عسلهم لا يصفو من مغافير إن لم نقل من سم، وغالبهم متشبعون بالروح الاستعمارية يخدمون ركابه بتأليفهم، ولا يزخرفوا نظريات من شأنها أن تحدث الخلاف بين صفوف الأمة عملا بسياسة فرق تسد". ومؤلف كتاب صحراء الجزائر من القواد العسكريين المتشبعين بروح السيطرة والاستيلاء، فلا نكون ظالمين إذا اتهمنا حسن نيته في هذا الميدان، وإن لنا في هذه القطع التي ترجمناها عنه لغمزات، وإن تعمده الإطلاق في عبارته ابتغاء الفتنة كما في رقم 3 ورقم 4 لقرينة على صحة هذا الاتهام، والاستعمار مكيافيلي الترعة مبدؤه: "الغاية تبرر الواسطة" (1). أما أن يكون ما أثبته توماس في النقط التي عُلّق عليها وفيما لم ننقله هو واقع الأمة الميزابية فلا ولا، والتاريخ الْحَقِّ حكم بيننا، والله يقول الْحَقَّ وهو يهدي السبيل.
1) المبدأ عند الفيلسوف الإيطالي هو: «الغاية تبرر الوسيلة» إلا أنه لا تعارض بين ما كتبه الشيخ ومبدأ ميكافيلي. (1/1113)
صفحة 1114
الإباضية في موكب التاريخ
350
الإباضية في الجزائر
"ميزاب" في نظر مستغرب
إذا ظن القارئ الكريم أن ما تَدُلُّ عليه كلمة (مستغرب) هو ضد ما تدل عليه كلمة (مستشرق) فهو مخطئ، بل إن المعنى الذي تَدُلُّ عليه كلمة (مستغرب) هو نفس المعنى الذي تَدلُّ عليه كلمة (مستشرق)، فهما كلمتان مترادفتان وَكُلُّ ما بينهما من فرق أن كلمة (مستشرق) تَدُلُّ عَلَى إنسان غربي يحمل فكراً غربيًا، وقلما غربيًا ينطلق بهما إلى الشرق بدعوى خدمة العلم ليمهد للغرب وسائل احتلال جزء من الشرق إما احتلالا عسكريًا، أو فكريًا، أو خلقيا، أو دينيا، أو كُلّ ذلك.
وَأَمَّا كلمة (مستغرب) فهي تَدُلُّ عَلَى أن إنسانًا شرقيًّا ينطلق إلى الغرب بدعوى الحصول على العلم، فيحصل على فكر غربي، وقلم غربي، ينطلق راجعا بهما إلى بلاده في الشرق ليقوم فيهـ بنفس الدور الذي كان سيقوم به المستشرق، موفّراً بذلك عَلَى دول الاستعمار بكل معانيه وعلى مؤسساته تلك المصاريف الباهظة التي كانت تتكبدها لتمويل المستشرقين والمبشرين وأشكالهم بمختلف الأساليب، كما يوفر عليها حدة رد الفعل الذي يحدثه دخول أجنبي إلى مجتمع شرقي ليهدم .. وهكذا يبدأ المعول الهدام الذي صمم - خصيصا للشرق في مصانع الغرب يتحرك داخل الحصن بيد أحد سكان الحصن، يعمل بجد ورتابة معتقدا أنه أدى واجبا، أو حصل على متزلة، أو ملأ فراغاً، وهو إنَّما أدى دوراً، ودخل في (حصالة) واشتغل على فراغ. لقد نجح المستشرقون في مهمتهم أعظم نجاح فيهم استطاع الغزو الفكري أن يتغلغل في رؤوس الشرقيين، والأضرار التي نجمت عن جهود المستشرقين والمبشرين في العالم الإسلامي، كانت أفدح ألف مرة من الأضرار التي تركتها فيه جحافل جيوشهم الجرارة. ولا شك أن الأضرار المادية التي خلفها الاستعمار العسكري قد استطاعت الشعوب الإسلامية أن تتلافاها بعد أن خرج الاستعمار العسكري من بلادها، أما الأضرار التي خلفها المستشرقون في العقائد والقيم والأخلاق والفكر فهي لا تزال تقرع في آذان المسلمين، وقد اختفى شبح أولئك المستشرقين من بلاد الإسلام، ولكن تلاميذهم (المستغربين) وقد احتلوا مكانهم وأصبحوا يسيطرون على أعظم مؤسسات الثقافة والتوجيه، ولا يزالون يواصلون (1/1114)
صفحة 1115
الإباضية في موكب التاريخ
351
الإباضية في الجزائر
جهودهم بنفس الأسلوب، وبنفس الحماس والنشاط، ولم يتغير عند أكثرهم إلا الاسم، فبعد أن كان المستشرقون يحملون أسماء غربية مثل كريستو، وفيليب وتوين، صار المستغربون أسماء عربية مثل مصطفى ويحيى وإبراهيم؛ أما الحقيقة فهي حقيقة واحدة يخفيها الأول
يحملون
تحت ستار خدمة العلم ويظهرها الثاني فوق بطاقة الجنسية.
هذه خاطرة خطرت لي وأنا أقرأ فصلا من كتاب أرجو أن لا يعلق عليها القارئ أهمية فيما نحن بصدده، ولننتقل إلى ما نريد الحديث عنه في هذا الفصل.
أراد الدكتور يحيى هويدي أن يكون فيلسوفا فتحصل على دكتوراه في الفلسفة من باريس، وكتب في الفلسفة كتابات عدة يهمنا منها هنا فصل من كتاب «تاريخ فلسفة الإسلام في الشمال الإفريقي»، ويبدو من قراءة ذلك الفصل أنه فتات من عدة موائد جمعت لتشغل حيزا من كتاب، وسوف ننقل فيما يلي فقرات منه مع بعض الملاحظات البسيطة والخفيفة: قال في صفحة 51 - 52) ما يلي: 1 - "وحوالي (400) هـ / 1009 - (1010 م انتهى مطاف الوهبية الإباضية في الشمال الإفريقي جنوب "وار جلان" في "كريمة" و"سدراته" بالجزائر ونزحوا إلى إقليم شبكة "مأزب" حيث ظلوا يعيشون حَتَّى اليوم. في هذه الفقرة ملاحظتان: إحداهما: يجثم عليها ظل المستشرقين الكالح بوضوح، فتصوير الإباضية بصورة مجموعة من الناس تطوف مكان إلى مكان حتّى استقر بهم المطاف في مكان ما هي نفس الصورة التي خطرت للمستشرق نلينو حين صوّر الإباضيَّة بأنهم فرقة نزحت من الشرق إلى الغرب تاركة وراءها عقائدها، ثُمَّ جعلت تستعير العقائد من المعتزلة والشيعة لتملأ بها فراغ نفسها، فقد قال نلينو: فكان" الجزء الأكبر من مذهب الإباضية في إفريقيا إذن معتزلي، فهل هم أخذوه وهم في الشرق من قبل أن ينزحوا إلى بلاد المغرب؟ أم هم تقبلوه في شمال إفريقيا تحت تأثير اتصالهم بالأدارسة من الشيعة؟ ". وهذه ولا شك صورة مضحكة ومما يزيد في طرافتها أن يأخذها الدكتور هويدي تم يعبر عنها بأسلوبه الخاص كأَنها نابعة من خياله هو لا من خيال نلينو، مستعملا كلمة
من
الطواف بدلا من
النزوح. (1/1115)
صفحة 1116
الإباضية في موكب التاريخ
352
الإباضية في الجزائر
والواقع الذي ينبغي أن يعرفه الدكتور هويدي أن الفرق الإسلامية بما فيهم الإباضية ليسوا فرقًا متكونة من مجموعات متنقلة كطوائف الغجر تطوف من مكان إلى مكان؛ إن الإباضية هم السكان الأصلاء لأغلب مناطق المغربين الأدنى والأوسط، ثُمَّ عملت السياسة عملها فزحزحت بعضهم عن أماكنهم، وأذابت بعضهم في غيرهم، وثبت أهل وارخلان" و"سدراته" و"بي مصعب" على وضعهم، وَرُبَّمَا هاجر إليهم غيرهم فراراً من واقع أليم، ولا صحة لما توحيه عبارة الدكتور في قوله: "انتهى بهم المطاف"، ولا قول المستشرق: قبل أن ينزحوا من بلاد المغرب"؟ فإن الإباضية لم يعرفوا الطوافة بأي معنى من معانيها في جميع فترات تاريخهم، ولم يكن ابتداء عمران" "وار جلان" و "سدراته" و"كريمة" بالإباضية ابتداء من القرن الرابع كما ظن الدكتور، وَإِنَّمَا كانت "وار جلان" ومنطقتها عامرة بالإباضية منذ دخل المذهب الإباضي إلى الجزائر في أواخر القرن الأوَّل وأوائل القرن الثاني الهجري، وكانت في القرن الثالث تعتبر من أعظم عواصم الإباضية في شمال إفريقيا، ولذلك التجأ إليها يعقوب بن أفلح بعد تخريب تاهرت وأبو نوح سعيد بن زنغيل عندما طارده الفاطميون ليحتميا فيها وبها من ملاحقة المطاردين. أما الملاحظة الثانية: فهي ذلك الخطأ الشائع الذي يقع فيه كُل عربي ذي ثقافة غربية يعتمد على المصادر الأجنبية، فينقل عنها أسماء فتأتي مُحرَّفة؛ لأن النطق والكتابة في اللغات الأجنبية غير النطق في اللغة العربية؛ ولأن بعض الأصوات الواضحة في اللغة العربية ليس لها حروف في تلك اللغات أمثال العين والحاء والضاد.
والذي وقع فيه الدكتور هويدي هو أَنَّهُ حرَّف "ميزاب" إلى "مأزب" نقلا -فيما يبدو - عن بعض كتابات الغربيين عن "بني ميزاب" كما أن ما كتبه في هذا الفصل يَدُلُّ أَنَّهُ لا يفرق بين مأزب التي جاء بها والزاب، أَمَّا كلمة "ميزاب" فلم ترد على لسانه في هذا الفصل؛ لأنه لا يعرف حقيقة المكان ولا حقيقة أهله، وإِنَّما وجد فنقل دون معرفة أو فهم.
وقال الدكتور هويدي في نفس الفصل ما يلي: 2 - وبنو مأزب يؤمنون بأن مثال الخلافة كان في الخلافة الكاملة، أي في الخلافة في عهد الخلفاء الراشدين حتَّى عام 38 هـ، وهو العام الذي خرج فيه الإمام عبد الوهاب الراسي
على سيدنا علي بن أبي طالب (وقد قتل علي بعد هذا بعامين أي عام 40 هـ) ". (1/1116)
صفحة 1117
الإباضية في موكب التاريخ
353
الإباضية في الجزائر
هذه فقرة لا تحتاج إلى تعليق والمسلك الملتوي الذي سار معه المؤلف لا يبلغه إلى مقصده، وإذا كان "بنو ميزاب" يرون أن الخلافة الكاملة في الأمة الإسلامية هي ما كان عليه الخلفاء
الله عبد
الراشدون، فَإِنَّهُ لا يخالفهم في هذا الرأي، مسلم، ولو خالفهم لم يجرؤ على إعلان خلافه. أما الاسم الخرافي الذي جاء به فلا نجد له ذكرًا في مصادر التاريخ التي نعرفها، ولعله يقصد الراسبي، ولا نعرف أي معنى لخصمه سنتين من خلافة أمير المؤمنين علي. أمَّا تعبيره الذي جرى عليه في هذا الفصل بقوله: "بنو مأزب يؤمنون" في قضايا ليست من مسائل الإيمان، فلا تَدُلُّ إِلا عَلَى إحدى ثلاث: الاستهتار والاستخفاف، أو الجهل، أو النقل
بن وهـ
المغفل البليد.
ويقول الدكتور هويدي في نفس المقال ما يلي: 3 - ويؤمنون بأن من حق المسلمين أن يعزلوا الخليفة إذا حكموا بانحرافه"، عبارة أخرى ملتوية لا تقتضي الوقوف؛ لأن الالتواء فيها ظاهر لكُلِّ قارئ، ولا مكان لكلمة "يؤمنون" في هذه الفقرة كالتي قبلها والتي بعدها. أمَّا جملة "إذا حكموا بانحرافه" فقد صيغت على ما يبدو - هكذا بقصد، والقضيَّة ليست قضيَّة "بني ميزاب" فقط، وَإِنَّمَا هي قضيَّة الأُمَّة المسلمة جمعاء، منهم من يرى أن من حق الأمة أن تعزل الخليفة إذا انحرف عن سبيل الله، ومنهم من يرى لها الصبر والتحمل. ويقول في نفس الفصل ما يلي: 4 - ويؤمنون بأن الخلافة تكون بالانتخاب، وإذا كان الأمر بيد سلطان الجور فلا بد من تأجيل الانتخاب".
هذا الكلام ساقط لا معنى له ولا داعي للإتيان به ذلك أن الأمر إذا كان بيد سلطان الجور فما موقفهم في التأجيل أو التعجيل، وما دام سلطان الجور قائما فهل في إمكانهم أن يُعجلوا الانتخاب، وهل في استطاعتهم أن يؤجلوا الانتخاب!؟ إنَّهم صابرون كما يصبر غيرهم على المحنة حَتَّى تزول، وليس هذا موقف "بني ميزاب" فقط، ولا هو موقف الإباضية فقط، وَإِنَّمَا موقف الأُمَّة المسلمة جمعاء منذ بدأت تنكب بسلاطين الجور، لا خيار لها بين (1/1117)
صفحة 1118
الإباضية في موكب التاريخ
354
الإباضية في الجزائر
أمرين، إما أن تخوض الدماء لقلب نظام الحكم، وقد يتسلق الحكم من هو أسوأ من الأول، وَإِما أن تصبر على مضض حَتَّى يفرج الله.
ويقول في نفس الفصل ما يلي:
ه وإباضية "ميزاب" يعدون أنفسهم في دور الستر، وهو الدور الذي بدأ بسقوط تاهرت عندما أعلن الإمام الرضي يعقوب أَنَّهُ لا مجال لانتخاب إمام بعده، وكان ذلك حوالي عام (909 هـ / 1503 - 1504 م) ".
تذكرني هذه الفقرة بنوادر مرَّت عليّ في بعض مطالعاتي منها: أن رجلا يتظاهر بالعلم والعقل والوقار، سئل عن علي فقال: أليس هو أبو فاطمة؟ قالوا: ومن كانت فاطمة؟ قال: امرأة النَّبي ال بنت عائشة أخت معاوية، وقد قتل علي في غزوة حنين. ومنها: أن رجلا جاء إلى الوالي يشكو أن جارًا له يتزندق، فسأله الوالى عن مذهب الرجل فقال: إنَّه مرجئ قدري ناصبي رافضي؛ فاستوضحه الوالي عن مقالته فقال: إنَّه يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل علي بن العاص فقال له الوالي ما أدري على أي شيء ء أحسدك؟ أعلى علمك بالمقالات، أو على بصرك بالأنساب. ولسنا ندري نَحن والله عَلَى أي شيء نحسد الدكتور في هذا الفصل؟ أعلى اختياره للمراجع، أم عَلَى فهمه للمصطلحات، أم عَلَى معرفته لتاريخ ما يكتب عنه، أم على تحقيقه للأحداث وأسماء الأشخاص؟؟. ولَعَلّ الفقرة السابقة وحدها تعطينا صورة كاملة عن جميع ذلك. وأرجو أن يفهم الدكتور هويدي وأن يعرف القارئ الكريم أن "بني ميزاب" خاصة، والإباضية عامة لا يعرفون ما يشير إليه الدكتور من دور الستر هذا، ولا يستطيع هذا الدكتور ولا أي مستشرق أو مستغرب أن يجد كلمة الستر أو السر عند الإباضية بهذا المعنى الذي يلوح إليه المؤلف. ومن المؤسف أن يقع دكاترة مسلمون في مزالق أو مطبات يتعثر فيها المستشرقون لبعدهم عن فهم المسلمين، واعتمادهم على الفهم المادي للكلمات المفردة في اللغة العربية. وَلَعَلِّ السبب الذي أوقع هؤلاء الناس في هذا الخبط العشوائي يرجع إلى نقطتين هما: الأولى: يجدون كلمة السر عند بعض فرق الشيعة في حديثها عن الأئمة المحتجبين فظنوا أن مثل هذا يكون عند الإباضية. (1/1118)
صفحة 1119
الإباضية في موكب التاريخ
355
الإباضية في الجزائر
الذي
الثانية: أَنهم يجدون كلمة الكتمان عند الإباضية ولا يفهمون المعنى الاصطلاحي وضعت له فترجمها المستشرقون بمعناها اللغوي عندهم، فلما أراد المستغربون ترجمتها إلى اللغة العربية ترجموها بما تَدلُّ عليه تلك الكلمة في اللغات الأجنبية، وهي السر والستر، ثُمَّ وضعوا تحتها ما يجري في مخيلاتهم من معاني لهذه الكلمة مستوحين ولو من بعيد ما تقوم به الجمعيات أو المؤسسات السرية في بلادهم، وما يشاع عن بعض فرق الشيعة في هذا المقام. إن كلمة الكتمان عند الإباضية لا تتعلق بها أي أسرار، وهي ليست حالة ببني ميزاب ولا الإباضيَّة، وَإِنَّمَا هي إحدى حالات أربع لا بُدَّ أن تكون عليها الأمة المسلمة الكاملة، أو جزء منها بعد أن انقسمت إلى أجزاء ارتفعت بينها الحدود. الحالة الأولى: أن تكون الدولة مسلمة مسيطرة على بلادها عاملة بشريعة الله منفذة لقوانينه، وأكمل صورة لهذا الوضع دون أي خلاف هي الحالة التي كانت عليها الأمة الإسلامية تحت قيادة النَّبِي في المدينة المنورة، وفي عهود الخلافة الرشيدة، وتسمى هذه
الحالة «الظهور». الحالة الثانية: أن تكون الأمة المسلمة في حالة كفاح ونضال فعلي تحت قيادة دولة مؤقتة، وأوضح مثال لهذه الحالة الثورة الجزائرية منذ قيامها حتَّى حصولها على الاستقلال،
هي
وتسمى هذه الحالة «الدفاع». الحالة الثالثة: أن تكون الأُمَّة المسلمة تحت سيطرة حكم غالب أجنبي أو منحرف لا تستطيع فيه الدفاع المتواصل، ولَكنَّه من حين إلى حين تقوم فرق من الفدائيين أو الثوار أو الشراة لمهاجمة الأنظمة الظالمة المسيطرة، وأظهر حالة لهذا في هذا العصر هو فلسطين والجماعات التي تقوم داخل فلسطين بالأعمال الفدائية؛ وتسمى هذه الحالة «الشراء». الحالة الرابعة: أن تغلب الأُمَّة المسلمة عَلَى حالها ويقضي الاستبداد وحكم الحديد والنار على أي نوع من المقاومة فيها، فتبقى مشتعلة بشعائرها الدينية فقط لا تقوى على «الدفاع» ولا عَلَى «الشراء»، وهذه الحالة ما تُسَمَّى «بالكتمان»؛ وأوضح مثال له في الماضى الأمة الإسلامية عندما كانت بمكة والسلطان فيها لمشركي قريش، أما في العصر الحاضر فقد كانت الأمثلة فيه
هي (1/1119)
صفحة 1120
الإباضية في موكب التاريخ
356
الإباضية في الجزائر
كثيرة والجزائر كلها كانت في عهود كتمان في أغلب الحالات بعد الاستعمار الفرنسي، ولو أراد المؤرخ أن يتتبع فيها أحداث التاريخ في الجزائر لاستطاع أن يقسمها إلى ثلاثة: - قسم تكون فيه في حالة دفاع كما كانت في عهد ثورة الأمير عبد القادر، والثورة التي أخرجتها من مسلك الدفاع إلى مسلك الظهور.
- وقسم تكون فيه في حالة شراء، كما كانت في بعض الانتفاضات الصغيرة التي كانت ما تنفك تثور هنا أو هناك.
- وقسم تكون فيه حالة كتمان وهي أطول الحالات التي مرت بالجزائر في عهد الاستعمار الفرنسي، ونفس الظروف مرت على ليبيا وعلى غيرها من البلدان الإسلامية التي سيطر عليها الاستعمار لفترة من الزمن طالت أو قصرت.
والأُمَّة المسلمة في ليبيا في الفترة التاريخية ما بين (1930) - 1940 م) تقريبا هي كتمان، أو في مسلك الكتمان عَلَى حسب ما عند الإباضية، هذه هي الصورة الواضحة للكتمان. وقد يلحق به اليوم تلك البلاد التي تقوم فيها دول لا تحكم بدين الله الله ولا تعمل بقانون شريعته ولا تلتزم بتنفيذ أحكامه، وَإِنَّمَا تَحكم بدساتير وضعها بشر من الشرق أو من الله الغرب ترجع إلى فلسفة الناس لا إلى تشريع فالشعوب الإسلامية التي تخضع لمثل هذه الدول هي في حكم الكتمان مهما كان مذهب الشعوب ومهما كان مذهب الحكام؛ لأن أحكام الله فيها معطلة وليس في الموضوع أسرار ولا أستار ولا أدوار.
وقد ذكر الدكتور هويدي في الفقرة السابقة أن يعقوب بن أفلح أعلن عن دور الستر سنة (909 هـ / 1503 - 1504 م) عند سقوط تاهرت، والصحيح أن تاهرت إنَّما سقطت سنة (296 هـ) لا سنة (909 هـ) كما هو معروف في جميع كتب التاريخ، ويعقوب بن أفلح لما سقطت تاهرت لم يكن في منصب حكومي ولكنَّه فر من تاهرت خوفا من العبيديين، فعرض عليه بعض الناس أن يبايعوه بالإمامة فرفض، وَلَمَّا وصل وارجلان" أعيد العرض من جديد فرفض لتقديره للظروف ولمعرفته أن ذلك لا يتم بعد أن تفرق جمعهم وخربت عاصمتهم، ووقعت الفتنة والخلاف في بيت الإمامة نفسه فانقسم أتباعهم لذلك. فكل موقف (1/1120)
صفحة 1121
الإباضية في موكب التاريخ
357
الإباضية في الجزائر
يعقوب في المقام هو امتناعه عن قبول البيعة، ونصيحته للناس بعدم القيام بمغامرة الفشل فيها
أقرب كثيرًا من النجاح.
ومع
كُلّ ذلك فيعقوب لم يكن في ذلك الحين إمامًا، وحتى لو كان إماما فإن الأئمة عند الإباضية ليسوا معصومين كأئمة الشيعة، وأقوالهم وأعمالهم وآرائهم وأحكامهم كلها لا منزلة لها في نفسها عند الإباضيَّة؛ وَإِنَّمَا متزلتها بمقدار ما انبنت عليه من أحكام الشريعة. ومن هذا يتضح أن هذه الفقرة من كلام الدكتور ليست إلا نادرة أخرى مما ينبغي أن يصنف في كتب النوادر والملح لا في كتب التاريخ والفلسفة.
ويقول في نفس الفصل ما يلي:
6 - "والتنظيم الذي يخضع له أهل "ميزاب" قائم على نفس هذا الأساس، أي على أساس أَنهم يمرون بدور الستر".
وهكذا ببساطة استطاع الدكتور أن يقدم مقدمات عليها نتائج: "يعقوب بن أفلح ويبني إمام الإباضية عند سقوط الدولة الرستُميَّة في أواخر القرن الثالث أعلن عن دور الستر، وذلك في القرن العاشر، وخضع له أهل المأزب الذين بدأ تكونهم في القرن الخامس"، إنَّها أحداث تاريخية لا يفهمها إلا من أوتي عقل دكتور فيلسوف. ولكي يتضح الموقف وضوحًا كاملا للدكتور نقول له: إن أهل "وادي ميزاب" لم يكونوا في أي يوم في دور ستر، وأن يعقوب بن أفلح لم يعرف هذا الدور ولم يعلن عنه، وَإِنَّمَا كان بنو "ميزاب" كما كان غيرهم من الشعوب الإسلامية في فترات كثيرة من التاريخ في حالة كتمان، وقد خرج بنو "ميزاب" والشعوب الإسلامية كلها من سيطرة الحكم الأجنبي، وجعل الله الدول القائمة عليها عاملة بالإسلام، فلا يبقى للشعوب الإسلامية جميعًا إلا حالة الظهور التي يعز فيها الإسلام وتعز فيه شعوبه.
بعد الفقرات السابقة أراد الدكتور أن يتحدث عن نظام العزابة فركض وراء الخيال والأوهام، ومزج بين ما يسمعه عن أدوار الستر عند الشيعة بما يسمعه عن أسرار وتحكم الكنيسة، وخرج من ذلك بصورة ممسوخة جعلها لنظام العزابة، أجزاء تلك الصور هي: أدوار الستر، التوحد والاعتزال، والعزوبة وعدم الزواج، جباية الأموال، الاعتراف والغفران. (1/1121)
صفحة 1122
الإباضية في موكب التاريخ
358
الإباضية في الجزائر
ولا شك أن القارئ الكريم يلحظ بوضوح ألوان الكنيسة، وأصابع المستشرقين التي تغزل هذه الخيوط، والدكتور نفسه أحالنا في آخر الفصل على المستشرق الذي غزل خيوط هذا الفصل، وَكُلُّ وكل ما قام به الدكتور من مجهود هو أنه سافر من الشرق إلى الغرب ليأخذ عن الغرب صورة لمكان في الشرق ليعرضه بمنظار الغرب في الشرق، ولم يخطر له أن يصوره من مكانه القريب في الشرق؛ لأن آلة الدكتور غربية، ولا تسجل الصور إلا إذا وُجهت من الغرب. ويسرني في ختام هذا الفصل أن يعرف القارئ الكريم أن نظام العزابة نظام تربوي عملي لا سر فيه ولا أستار، ولا يجي الأموال، ولا يغفر الذنوب، ولا يعتزل الناس، ولا يشترط العزوبية وليست له فترة محدودة ولا هو مسلك من مسالك الدين فهو كما يكون في حالة الكتمان يكون في حالة الشراء، وفي حالة الدفاع، وفي حالة الظهور.
يفهم
و"بنو ميزاب" الآن وهم في حالة ظهور والحمد لله بعد استقلال الجزائر، لا يزالون يحتفظون بنظام العزابة، وَلَعَلَّ أهم نشاطاته في عهد الظهور هو محاربة المعصية، والقضاء على أسباب الرذيلة بمختلف أشكالها، بالإضافة إلى القيام بمهام المسجد عموماً وبشؤون التعليم الديني، وحفظ القرآن الكريم، ومن يزعم اليوم أن "بني ميزاب" يمرون في هذا العهد بدور سر أو ستر كما الدكتور هويدي، أو هم في حالة كتمان، فهو أحد رجلين: إِمَّا أَنَّهُ رجل يجهل عما يتحدث، وإما أن يكون رجل سوء يضمر الشر ببني ميزاب، ويبغي أن يُحطم المشاريع الضخمة الذاتية التي تقوم بها، فيحاول أن يوهم الدولة الجزائرية اليقظة بأن هذا القسم من أبناء الشعب الجزائري البطل له ظاهر وباطن .. ولن يكون مثل هذا الرجل إلا جرثومة فساد يعمل لهدم الجزائر كلها بتهديم أجزائها. ملاحظة: من حق الدكتور هويدي علينا أن نذكر للقارئ الكريم أن الشعب الجزائري - بما فيه "بنو مصعب" كان تحت الاستعمار الفرنسي حينما ألف الدكتور هويدي كتابه عن فلسفة الإسلام في شمال إفريقيا، فـ"بنو ميزاب" كانوا - حينئذ في حالة الكتمان كما كانت الجزائر كلها، ورغم أن "بني ميزاب" تربطهم بفرنسا في ذلك الحين معاهدة حماية فهم أيضا في حالة كتمان؛ لأنه بفرض الحماية الأجنبية عَلَى أي شعب مسلم يسقط الظهور، وليس هناك حال وسط يجتمع فيها الظهور مع أي نوع من أنواع السيطرة ولو كانت اسمية. (1/1122)
صفحة 1123
الإباضية في موكب التاريخ
359
الإباضية في الجزائر
وقفة مع الأستاذ الكفاك
قال الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه القيم موجز التاريخ العام للجزائر» (صفحة 206) ما يلي: "أي حظ يكون للأدب العربي في بلاد سكانها بربر وملوكها عجم". عبارة براقة تستهوي القارئ لأوَّل مَرَّة، ويراها حقيقة جديرة بالتصديق، ويؤكدها في أنه بالفعل لا يجد عند الإباضية - سواء في عهد الدولة الرستمية أو فيما
نظر الباحث
بعدها ما ينشده من
الأدب.
فلا مقطوعات في وصف الخمر، ولا مطولات في مدح الملوك عجم، ولا قصص دعارة تروى عن مجالس السمر.
فلماذا هذا؟ أكان السكان بربر والملوك عجم؟ وهل البربر والعجم لا يقولون الشعر؟ وهل كانت الثروة الأدبية عند العرب أكثر منها عند العجم؟ لا شك أن اللغة أية لغة ومنها اللغة العربية - أداة تعبير تكشف عما يختلج في النفوس، وقد امتلك ناحية اللغة العربية عجم وبربر فكتبوا بها الأدب، وكتبوا بها الشعر، وَرُبَّمَا كان المستوى الذي بلغه فيها الأعاجم بما فيهم البربر لا يقل عن المستوى الذي بلغه العرب، والشخص الذي يتكلم العربية بطلاقة ويكتب بها بسهولة مهما كان جنسه لا يعجزه أن يقول بها الشعر إذا وجدت عنده الدوافع النفسية لذلك. ولكي أؤكد هذه الحقيقة أستطيع أن أقول إن الإباضيَّة قد زاولوا الشعر واستخدموا اللغة العربية، بل وطوعوها في بعض محاولاتهم، لقد قالوا شعرًا جيدًا في الحكم، وقالوا شعرا في الرثاء، واستخدموا الشعر في مجال العلم، فنظموا المتون الطويلة في الشرعيات أصولا وفروعًا، وبلغت الأراجيز عندهم إلى خمسين ألف بيت (1)، وبلغت القصائد الأخرى إلى ثلاثمائة بيت فهل يرى القارئ الكريم أن الشخص الذي طوّع اللغة العربية بهذه المقدرة فنظم بها مئات الأبيات في مادة جافة جادة ومصطلحات محددة معينة، يعجزه ينظم
جيدا
أن
1) من آخر من نظم في هذا الباب الشيخ الحاج يوسف بن حمو اليسجني، فقد نظم أبواب الفقة في ثمانية وأربعين ألف بيت، وهو بربري إباضي. (1/1123)
صفحة 1124
الإباضية في موكب التاريخ
360
الإباضية في الجزائر
قصيدة في ميدان الشعر، يتغزل فيها بجارية، أو يصف فيها عربدة سكران، إذا وجدت دوافع ذلك في نفسه، وجرت أحاسيسها في خاطره.
إن الملوك الذين يقول عنهم إنهم عجم، يقول هو نفسه عن بعضهم إنَّه فسر القرآن الكريم، ويقول عن آخر إن له مؤلفات ورسائل هامة، ويصف ثالثا بأنه قال شعرًا رائعا في النصائح والحكم، ويصف رابعًا بأنَّه يُحِبُّ الشعر والأدب وأخبار الماضين؛ فهؤلاء أربعة من ستة من ملوك الدولة الرستمية الأعاجم.
فهل يُعجز هذه الطبقة بهَذا المستوى أن تقول الشعر، أو تكتب في الأدب باللغة العربية إذا وجدت الدوافع في أنفسهم؟ لا أحسب أن شخصا يصدق أن الأعجمي إذا بلغ علمه بالعربية إلى ما بلغ إليه هؤلاء لا يستطيع أن يقول الشعر، لا لشيء إلا أَنَّهُ لَم يولد في نجد
أو تهامة. والدليل على صحة هذا أن أفلح أحد هؤلاء الأعاجم عندما وجد الدافع في نفسه قال شعراً لا يقل جودة عما قاله غيره من الفحول بشهادة الأستاذ عثمان الكعاك نفسه. ولا شك أن العرب أنفسهم العرب الحقيقيين الذين ولدوا في جزيرة العرب، والذين الوحيدة، وبالسليقة لم يكونوا كلهم شعراء، ولم بالأدب إلا عدد يسير، أي أَنَّهُ لَم يشتغل منهم بالشعر والأدب إلا أولئك
كانت اللغة العربية هي
أداة تعبيرهم
يشتغل منهم الذين وجدت في أنفسهم الدوافع.
وبناء على هذا، فنحن نرى أن عدم ازدهار الأدب والشعر عند الإباضية عموما، وفي عهد الدولة الرستُميَّة خصوصا، لم يكن صادرًا عن عجزهم عن اللغة العربية؛ لأنهم عجم أو بربر.
بل لَعَلِّ البربر والعجم من الإباضيَّة كانوا متمكنين من اللغة العربية أكثر من غيرهم، أو على الأقل أكثر من كثير من الذين كتبوا بها ونظموا الشعر .. لذلك فيجب أن نبحث عن أسباب عدم ازدهار الأدب عندهم في غير العجز اللغوي.
لقد قلت إنهم حين وجدت عندهم الدوافع وأرادوا أن يقولوا الشعر في الحكم والزهديات والرثاء، قالوا وأجادوا وتركوا في هذا الباب تراثًا قيمًا عَلَى مختلف العصور، (1/1124)
صفحة 1125
الإباضية في موكب التاريخ
فهم متمكنون من
361
الإباضية في الجزائر
الأداة التعبيرية التي هي اللغة العربية، وليست هي التي تنقصهم وإن كانوا
عجما وبربرا، بل إنني أستطيع أن أزعم أن لهم في العصر الحاضر في الجزائر مجموعة من الشعراء لا يقل وزنهم عن أمثالهم في البلاد العربية.
والشاعر الجزائري الذي كان يقول منافسًا لشوقي في إمارة الشعر عندما اتفق شعراء
العربية على بيعته:
الأمير
منعما
لين الرياض يغازل الورقاء
نشأ الأمير مع ونشأت مقصوص الجناح معذبا أقضي الحياة مضاضة وشقاء لو ذقت من كأس النعيم صبابة لغدوت أحمل للقريض لواء
إن الحياة على البلاء مصيبة عظمت فيا أرض ابلعي الجبناء بربري إباضي إذا تحدث باللغة البربرية لم يكن أقل كفاءة فيها من أبي سهل الفارسي، فما هذا السبب الحقيقي في فقدان الأدب والشعر عند الدولة الرستمية خصوصا وعند
الإباضية في المغرب عموما؟.
إن
جميع
ألوان الثقافة وفنونها لها بيئات لا يُمكن أن تعيش إلا فيها، ولها دوافع نفسية لا يمكن أن تنبعث إلا منها، فإذا فقدت البيئة أو فقد الدافع لم تخرج تلك الثقافة أو ذلك
الفن إلى الوجود.
ولايضاح هذه الفكرة أستطيع أن أضرب مثلا قريبا يدركه كل الناس، لقد كان النحت والتصوير من أبرز الفنون التي ازدهرت في الدول المتحضرة، وقد بلغ فيها الرومان والإغريق شأوا قصر عنه الآخرون؛ فإلى أي مدى استطاع العرب أن يبلغوا في هذا الميدان؟ لقد ازدهرت الحضارة في العصر الإسلامي ولاسيما في عهد الدولتين الأموية والعباسية، وبلغت مرتبة رفيعة في فن النحت والرسم؟ أحسب أن المنصف سوف يجيب بأنه لا شيء .. وهذه هي الحقيقة .. وأدوات التعبير في هذين الفنيين إنَّما هي الإزميل والمطرقة أو الريشة واللون، فهل كانت الدولتان العظيمتان يعوزهما الحصول على مطرقة وإزميل وقطعة من الجبس أو (1/1125)
صفحة 1126
الإباضية في موكب التاريخ
362
الإباضية في الجزائر
الحجر؟ أو يعوزهما الحصول على ريشة ولون وسطح يصلح للرسم، فعجزت عن النحت والتصوير لعدم وجود الأداة.
إن من يقول مثل هذا الكلام لا شك أنه يغالط البديهيات، والواقع أن عدم ازدهار النحت والتصوير في الدولتين السابقتين، إنَّما هو انعدام البيئة التي تتطلب النحت ويعيش فيها، وتتطلب التصوير ويعيش فيها، ثُمَّ عدم وجود الدافع في نفوس الفنانين وعدم إحساسهم به.
رُبَّما أوضح لنا المثال السابق ما نقصده في الحديث. إن الأدب والشعر بصفة خاصة لم يجد عند الإباضيَّة بيئة صالحة له يعيش فيها، ولم يجد دافعا في نفوس أهله وإحساسا به فلم يكن ..
ولعل القارئ الكريم يريد أن يعرف صورًا من البيئات التي يعيش فيها الأدب والشعر، وأمثلة للدوافع والأحاسيس التي تبعث الشعر من أفواه الشعراء، فإلى القارئ الكريم ما يلي: لم يتخذ الملوك العجم كما يقول الأستاذ الكعاك في الدولة الرستمية مجالس للسمر يطوف فيها الغلمان بالكؤوس المعتقة، وتغني فيها الجواري بالأصوات الساحرة، وتتناجي فيها العيون باللغات الصامتة وتهتز فيها الخصور والأرداف بالحركات الخليعة الماجنة وتنطلق فيها كفا الملك إذا لعبت به الخمرة وأخذته النشوة تنشر الدراهم والدنانير دون حساب، هذه بيئة صالحة يعيش فيها الأدب والشعر، والدراهم المنتشرة والخمور المعتصرة، والخصور غير المتزرة دوافع لتحريك الشعر في نفس كُلّ متلهف إلى المال أو إلى الجمال أو إلى الجريال، وَكُلُّ هَذه الأشياء لم تكن في تلك الدولة التي ملوكها عجم وشعبها بربر، فلم تكن البيئة ولا الدوافع.
وبيئة أخرى صالحة للأدب والشعر لم تكن عند الإباضية البربر والملوك العجم، وذلك أن المجتمع الإباضي المتزمت لَم يسمح للمرأة الإباضيَّة أن تنطلق خارج بيتها تغترف الماء من النبع أو تجني الثمار من الأجنة، أو تقطف الزهور من الحدائق، أو تنشق النسيم العليل بين الزنابق والورود؛ فيلتقي بها شاب جميل ظريف يذكر لها أَنَّهُ أحبها من أول نظرة، وهام بِهَا من أَوَّل خطرة، ثُمَّ يقول وتقول ويومئ وتومئ وتتغنج وتتحرك وتتزايل وتتمايل ثُمَّ تتدلل (1/1126)
صفحة 1127
الإباضية في موكب التاريخ
363
الإباضية في الجزائر
وتتمنع وتنشأ وتنشأ عن أخرى صالحة للأدب والشعر فيها دوافع للقول لم توجد عند الدولة الرسمية ولا المجتمعات الإباضية، فلم يزدهر فيها الأدب ولم ينبع فيها شعر، ولم يسمح المجتمع الإباضي المتزمت للصبية الحسناء أن تنطلق وراء البهم تجري بها بين مشارف الأجنة وضفاف الأودية، فيلتقي بها شاب قوي العضلات، واضح التقاسيم يرعى قطعانًا من الماشية، فيلقي إليها بالكلمة الغزلة الرقيقة تستجيب لها أحاسيسها، ويمتنع في الأَوَّل حياؤها، ثُمَّ لا يزال حَتَّى يعزف لها فتستجيب وتجلس إلى جانبه يداعبها الأمل، ويربطها الغزل، وتفصلها النجوى عن عوالم الناس حَتَّى يستفيض خبرها ويبلغ إلى الأهل فتمنع الفتاة عن الخروج، ويبدأ الشعر ينطلق من أصدقهما حبا وأكثرهما لوعة .. هذه بيئة ودوافع لم يكونا موجودين في المجتمع الذي وصفه الكعاك بأنه أعجمي بربري لا يستطيع أن يقول الشعر، ولا أن
ذلك قصة تُحكى، وأشعار تروى وغزل يستفيض ويحفظ، هَذه بيئة
بالأدب.
يهتم
إن الملوك الذين وصفهم الأستاذ الكعاك بأنهم أعاجم، والذين حكموا الإباضية في المغرب الإسلامي لم يتخذوا لأنفسهم عروضًا في قصور محجبة لا يصل إليها عن طريق الحاشية إلا شاكر نعمة حقيقية أو وهمية، أو شاعر متكسب يدفع البيت من الشعر بميزانه من الذهب وعلى قدر ما يزداد كذبه عَلَى نفسه ويزداد كذبه على الملك الذي يمدحه تزداد قيمة القطعة أو القصيدة الشعرية.
هَذه أيضًا بيئة لم تكن، وَإِنَّمَا كان أولئك الملوك العجم المساكين يجلسون على الحصر في المساجد، ويتصلون بالناس جميعًا، ويتلقون مشاكلهم مشافهة ومباشرة. وهنالك بيئة أخرى أيضا قد تكون صالحة للشعر، وقد يكون فيها دوافع لقوله، ولكنَّها أيضا لم تكن عند هؤلاء الناس، فلم يوجد عند الإباضية أوقات من الفراغ يتجمع فيها الناس للهوى البريء أو غير البريء يتخلون فيه عن الجد والوقار ساعة من ليل أو نهار، وتنطلق فيها نفوسهم في عبث مستمر ضاحك لاعب كلعب الأطفال يجد فيه الشعر متنفسا
له وتعبيرا عنه.
إنهم كانوا أكثر جدية من كُلّ ذلك. (1/1127)
صفحة 1128
الإباضية في موكب التاريخ
364
الإباضية في الجزائر
تلك بعض البيئات التي يزدهر فيها الأدب ويعيش، وهي بيئات لم توجد عند الإباضية، وحين توجد ينبت فيها الأدب ويقوى ويزدهر، وإذا رجعنا إلى تاريخ الإباضية الطويل في المغرب الإسلامي بما فيه العهد الرستمي قد نجد قصائد أو مقطوعات من الشعر الرائع، إما في وصف الطبيعة وَإِمَّا في مُمازحة الإخوان، وَإِمَّا في الحكم والنصائح، ومعنى هذا أنه حينما وجدت البيئة الصالحة لهذا النوع من الشعر نبت ونما .. ونتج عن كُلّ هذا أن الأدب العربي وخاصة الشعر لم يزدهر في الدولة الرستُميَّة وعند الإباضية عموما، ليس لأن سكان بلادهم بربر، فإن من البربر من قال شعراً لا يقل روعة عما قاله امرؤ القيس والمتنبي وشوقي ونزار ولا لأن ملوكها، عجم، فإن من العجم من قال شعراً باللغة العربية يعجز عنه أبناء يعرب وقحطان ولَعَلِّ الذين اهتموا بالأدب العربي وخدموه خدمة صادقة مثمرة من الأعاجم أكثر ممن خدموه من العرب، ولكن الشعر و الأدب لم يزدهرا في الدولة الرستمية وعند الإباضية عموما؛ لأنه فقد البيئة الصالحة له والدافع الحقيقى الذي يثيره في نفس الشاعر فيسيل نفثات على لسانه أو قلمه. وَلَعَلِّ هَذه الصورة تشبه من قريب أو من بعيد الحالة التي كان عليها الشعر في عهد الخلافة الرشيدة لا سيما في شطرها الأول.
وهذا لا يمنع عن شأوه في مثيلاتها من الدول العربية، ذلك هو الأدب الجدي الذي يتمثل في الكتب، والرسائل، والمواعظ والخطب والنصائح، وفي المدائح النبوية وقصائد الرثاء والإخوانيات،
أن هناك ألوانا من الأدب قد ازدهرت في تلك الدولة، وبلغت شأوا لا يقل
وعلى الأخص الحكم والنصائح.
ہے (1/1128)
صفحة 1129
الإباضية في موكب التاريخ
365
الإباضية في الجزائر
مع الدكتور أحمد مختار عمر
بعد أن كتبت الفصل السابق وقع في يدي كتاب للدكتور أحمد مختار عمر تحت عنوان: النشاط الثقافي في ليبيا»، تحدث فيه عن الأدب الإباضي فرأيت أنه يقرر ما أشرت إليه في الفصل السابق استنادا إلى دراسات أجراها فأحببت أن يطلع القارئ على بعضه، فقد جاء فيه في صفحة (177) ما يلي: "يدخل تحت هذا العنوان (الأدب) نوعان من المادة، أولهما:
أما
الإنتاج الأدبي من شعر ونثر. وثانيهما: الدراسات المتعلقة بتاريخ الأدب وتوجيهه ونقده. الإنتاج الأدبي فقد كان وفيراً سواء في مادته الشعرية أو النثرية، وإن كانت في حدود المادة التي وصلتنا أصغر حجمًا وأقل جودة من نظائره في بعض البلدان العربية الأخرى، ونقول في حدود المادة التي وصلتنا؛ لأن هناك أخبارًا وأسماء وإشارات يتناقلها المؤلفون، وتحويها بطون كتب الأدب تؤكد وجود مادة أخرى كثيرة ضاع بعضها، وطمر بعضها الآخر داخل خزائن الكتب والمخطوطات.
وحتى نبتعد عن التعميمات ما أمكن رأينا أن نفصل الإنتاج الأدبي للإباضيين عن غيره لما للأول من سيماء خاصة تُميّزه، ولهذا قسمنا البحث إلى قسمين رئيسيين وهما:
1 - الأدب في ظل الإباضيين.
2 - الأدب في سائر أنحاء ليبيا".
ويقول (في صفحة (178) ما يلي: "أما النثر بنوعيه والشعر عند الإباضيين فسيتناول كلاً منه في جملة واحدة، نظرًا لندرة المادة التي تحت أيدينا وعدم إسعاف المراجع لنا بقدر يسمح بالتحليل، والتتبع التاريخي والمقارنة واستخلاص النتائج". ويقول في نفس الصفحة الأدب" في ظلّ الإباضيين معلوماتنا عن هذا الأدب جد ضئيلة لقلة المراجع التي حفظت نماذج منه من ناحية، ولصعوبة الحصول على كثير من هذه المراجع اعتناء الإباضيين بوجه عام بتسجيل أدبهم من ناحية ثالثة فيما عدا من ناحية ثانية، وبعدم اعتناء الإباضيين ما له فرض ديني أو سياسي أو تعليمي. (1/1129)
صفحة 1130
الإباضية في موكب التاريخ
366
الإباضية في الجزائر
ذلك يُمكننا أن نقول: إن جانب النثر عند الإباضيين قد فاق جانب الشعر، وإنه جاء
إلينا في شكل خطب أو وصايا أو رسائل ديوانية أو أقاصيص تعليمية أو حكم أو أجوبة". وقد أورد المؤلف أمثلة للنثر ما يلي:
1 - خطبة أبي الخطاب المعافري في أهالي طرابلس يحثهم على الجهاد.
2 - خطبة من الخطب الجمعية في الدولة الرستمية.
3 - وصية السمح عامل الإمام عبد الوهاب حين حضرته الوفاة.
4 - وصية الجدة ثابر كانت للعزابة.
ه وصية أبي مُحَمَّد اللواتي لقومه.
6 - رسالة أبي منصور إلياس إلى أبي العباس بن طولون. - رسالة الإمام أفلح إلى نفاث بن نصر.
-8 - رسالة الإمام عبد الوهاب إلى أهل طرابلس.
9 - قصة أماني النسوة الثلاث.
- حكم لأبي عبد الله مُحَمَّد بن بكر.
10 -
11 - نصيحة أبي إسحاق الإشارني.
12 - نصيحة أبي الخير توزين الزواغي.
وبعد أن أورد النصوص السابقة علق عليها بما يراه، ثُمَّ انتقل إلى الحديث عن الشعر، فقال
(في صفحة (188) ما يلي: "على الرغم من قلة ما تحت أيدينا من الشعر الإباضي فإن الشواهد تَدُلُّ عَلَى أَنَّه كان هناك شعراء إباضيون كبار، وأنه كان من حكام الإباضية من يتذوقون الشعر ويُجازون عليه، وأن هناك من الشعراء الأجانب من قصدوهم طلبا للعطاء، وقد ظهر ذلك وبشكل واضح تحت حكم الدولة الرستُميَّة التي عرف عنها احتضانها للعلم وتشجيعها للأدب، وعرف عن حكامها الشغف بالبحث والاطلاع والتأليف، ومن الشعر الإباضي
وصلنا ما يلي:
1 - قصيدة للإمام أفلح وتشطير للشيخ علي بن أحمد العماني لها.
2 - قصيدة أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم في رثاء أبي سليمان أيوب بن إسماعيل.
الذي (1/1130)
صفحة 1131
الإباضية في موكب التاريخ
367
الإباضية في الجزائر
3 - نماذج كثيرة من شعر أبي نصر ونثره.
4 - نموذج من شعر أبي طاهر إسماعيل الجيطالي.
نموذج من شعر أبي عبد عبد الله محمد
بن زكرياء الباروني".
وقد ناقش كُلّ نص من النصوص السابقة ونقده وعلق عليه، وَمِمَّا جاء عن النص الأَوَّل: "أما قصيدة الإمام أفلح فتكشف عن شاعرية صاحبها، وإن كان يغلب عليها الطابع التقريري الوعظي". فعلى الرغم من هدفه التهذيبي التعليمي، فقد وضع في صورة خيالية معبرة، جعلته يقف على قدم المساواة مع أبيات الحكمة المشهورة عند العرب ويدانيه في الجودة قوله: ولا تكن جامعا للصحف تخزنها كالعير يحمل بين العير أسفارا وَمِمَّا جاء عن النص الثاني: "وَأَمَّا قصيدة أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم في الرثاء فهي أقرب إلى الشعر الخالص من كثير من النماذج الشعرية التي عثرنا عليها". وقال عن النص الثالث: "وَأَمَّا أبيات أبي نصر فتح بن نوح فلعلها – في معظمها- أقرب ما وصلنا من شعره في المواعظ والحكم، فأنت تحس أثناء قراءته بقوة عارضة الشاعر، وحسن اختياره لألفاظه، وتحس في بعضها بعاطفة صادقة، وشاعرية متدفقة ... فيه إلى جانب ذلك حديث صريح عن مفهوم الشعر عند الإباضية وصفات الفخر عندهم وهي: الشغف بطلب العلم، وملازمة الأخيار، وعدم الركون إلى اللذات، أو المشاركة في مغامرات الصبا ولهو الشباب".
ويقول عن النص الرابع (ص 205) ما يلي: "وَأَمَّا أبيات الجيطالي الثلاثة، فهي من أبيات الحكمة العادية، وهي تعالج موضوعات أكثر الشعراء والحكماء في معالجته، ولا أظن أن هناك جديدا في هذه الأبيات يستحق الوقوف عنده".
ويقول عن النص الخامس ص (205) ما يلى: "وَأَمَّا قصيدة الباروني فتعد في جزئها الأوَّل 14 بيتًا أقرب إلى الشعر منها إلى النظم، وأما سائر الأبيات فأقرب إلى منظومات العلوم وإن لم تخل من عاطفة في بعض الأحيان، وتعد الأبيات الأربعة عشرة الأولى ذات أهمية خاصة؛ لأنها تكشف في وضوح عن موقف الإباضية من الشعر وعدم ترحيبهم إلا بالنوع الجاد منه (1/1131)
صفحة 1132
الإباضية في الجزائر
368
الإباضية في موكب التاريخ
الذي يحقق غاية أو يخدم هدفًا، وهي تنحى باللائمة على الشعراء الذين قضوا شبابهم في اللهو واللعب، ومعاقرة الخمر وملاحقة النساء، وتعرض بالشعراء الْمُجَّان، وتهاجم أولئك الذين أفنوا عمرهم في الجري وراء حبهم، وأولئك المداحين المتكسبين بالشعر أو الهجائين المقذعين، كما تهاجم أولئك الذين اشتهروا بالفخر بأنسابهم وقبائلهم؛ لأن موضع الفخر الحقيقي هو العمل الصالح، والانتماء إلى أهل الدين، والصواب، وَلَعَلَّ هَذه الأبيات تكشف لنا عن حقيقة
هامة هي:
إنَّه لا مكان لمعظم أغراض الشعر عند الإباضيين، وإنهم لم يكونوا يرتاحون للأغراض التي يجيد فيها الشعراء عادة مثل الغزل والفخر والهجاء والمدح، ووصف مجالس الخمر ورحلات الصيد، وإن معظم شعرهم كان من النوع الديني وشعر الحكمة بالإضافة إلى بعض الموضوعات التي لا تخدش تقاليدهم مثل الرثاء والحرب والوصف والفخر بالعمل الصالح والإخلاص في العقيدة".
ويقول (في صفحة (208) ما يلي: "إن الشعر الإباضي لم تتح له فرصة النهوض، ولم يهيأ له الجو المناسب ليزدهر، كما يبدو من ناحية أخرى أن اهتمام الإباضيين بتسجيل شعر شعرائهم وروايته، وحفظه كان ضئيلا للغاية، حَتَّى تسبب في فقد كثير من نماذجه وعبثت الأيام به".
"
000 (1/1132)
صفحة 1133
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
المختلفة
بنو مصعب والغرية
إن "بني مصعب" - في العهد الثالث من تاريخهم الإسلامي- بدأوا يخرجون من القوقعة، ويخرقون السياج الذي ضربته الطبيعة حولهم من جبال حاصرة مانعة، ثُمَّ ينطلقون إلى الأنحاء من القطر الجزائري يحترفون التجارة. كان انطلاقهم في مبدأ الأمر على نطاق ضيق يشبه أن يكون تلمسا لمنفذ، واستطلاعا لمجهول، وكان يتم على سبيل الطموح الفردي والتجربة الشخصية، فنجحت التجربة في الميدان الاقتصادي نجاحًا باهرًا بالنسبة إليهم، وبالنسبة للحركة الاقتصادية العامة للجزائر، وبالنسبة للدولة التركية الحاكمة في ذلك الحين؛ لأن مداخلها ازدادت بنسبة ملحوظة. وأصبح مع الأيام كُلّ الشباب المصعبي يتطلع إلى اليوم الذي يفارق فيه المسحاة والدلو والمنجل ويغادر هذا المجتمع الذي يرى أنه يحيا فيه حياة رتيبة مكررة يومية، إلى بلاد "التل (1) كما يسمونها ليعود بعد سنوات من الغُربة منتفخ الجيوب بما كسبه من عمله في التجارة خارج وطنه، فيجد مواطنيه قد التفوا حوله يعاملونه بكل تكريم واحترام وإعزاز، ترمقه عيونهم بالإعجاب، وتصغي إليه آذانهم متشوقة إلى سماع قصة مغامرته الناجحة، وتهفو إليه قلوبهم بالمحبة والعطف والشوق. وعندما تزايدت هذه الرغبة الجامحة في الانطلاق خارج الوطن، وأصبح شباب كل قرية يتنافسون عليها، ويتسللون من البلاد باستمرار فصارت الأيدي القوية الأمينة تنقص يوما عن يوم في الوطن، بمقدار ما تتزايد في غيره؛ فخشي المفكرون والمصلحون أن ينتج عن ذلك عدد من المضار والمشاكل تلحق بالوطن نفسه، فسارعوا إلى دراسة الموضوع بجملته، وإلى التعرف على المشاكل المتوقعة التي سوف تنجم عن هذه الحركة فاتخذوا لها الحلول المناسبة قبل أن تخرج من أيديهم، فتستعصي عليهم فلا يستطيعون وقفها، ولا الحد من آثارها. ولَعَلَّنا نستطيع أن نعرض بعض تلك التخوفات أو المشاكل التي كانوا يخافون منها على وطنهم وأمتهم إذا- هم أطلقوا الحبل عَلَى الغارب، وسمحوا لكُلِّ راغب في الهجرة أن يهاجر، -
(1) أي مدن الشمال الجزائري. (المراجع) (1/1133)
صفحة 1134
الإباضية في موكب التاريخ
370
الإباضية في الجزائر
وتركوا موضوع الاغتراب من أجل الاكتساب هكذا دون قيد أو شرط، ودون رعاية أو تنظيم فيما يلي:
1 - الانحراف بسبب الفشل من الناس من يحمله الطموح فيغترب وينجح، ومنهم من يحمله الطموح ويتوقع الربح الوفير بالعمل السهل فيخفق ويعز عليه أن يعود إلى وطنه بدون مال، فيحمله الفشل عَلَى الانحراف عن الاكتساب الشريف إلى الاكتساب غير الشريف، وبذلك يكون نكبة على البلاد التي هاجر إليها ويعيش فيها، كما يكون نكبة أيضا على بلده الذي سافر منه، ويصبح وصمة عار على سمعة وطنه النقية. 2 - الاغتراب تهربا من العمل: من الناس من يَمَلُ أعمال الزراعة الشاقة، ويضيق من شظف العيش ومن حياة التقشف التي يحياها في وطنه، فيسعى لأن يتخلص من زراعته بأي طريقة، ثُمَّ يأخذ ما تحصل لديه وينطلق إلى مدينة من تلك المدن في "التل"، وليس هؤلاء مؤهلين طبيعيا لممارسة التجارة، فيفشل بعضهم ويضيع منهم ما جمعوه، ثم يضطرون إلى العودة وهم يجرون أذيال الخيبة معهم، فيجدون بالإضافة إلى الصدمة النفسية أن ما كانوا يعتمدون عليه من زراعة قد انتقل إلى أيد أخرى حين باعوه أو سلموه لغيرهم، وقد يجدونه في انتظارهم، ولكن عوامل الإهمال في مدة الغربة قد أثرت عليه بحيث أصبح محتاجا إلى نفقات تفوق ما يغله لعدة سنوات .. وهكذا تصبح مشكلة أولئك الناس بعد رجوعهم من تجربتهم الفاشلة تساوي مشكلتهم في ديار الغربة وقد تفوقها.
- استيطان بلاد الغربة طلبًا لرفاهية العيش قد تروق الحياة في ديار الغربة لمن نجحت أعمالهم فيها، فيتخذون الإقامة الدائمة ويهجرون وطنهم بالتدريج، ويكثر عدد هذا النوع من الناس حتى يصبح الاغتراب - ثُمَّ اتخاذ وسائل الإقامة ثُمَّ الإقامة - كانها معاول تخريب للوطن، ولن يمضي على تلك الحال وقت طويل حتَّى يصبح وطنهم خبرا من أخبار التاريخ، أو قصة من قصص الأسمار، كما وقع بالفعل لبلدان كثيرة وأقرب مثال على ذلك مدينة "سدراتة". (1/1134)
صفحة 1135
الإباضية في موكب التاريخ
371
الإباضية في الجزائر
- تناقص الانتاج بنقصان اليد العاملة: لا شك أن الإنتاج في الوطن ولا سيما الزراعي منه ينقص بمقدار الأيدي القوية العاملة التي تتخلى عنه، وإذا سمح لكُلِّ يد عاملة بالهجرة فَإِنَّهُ يأتي يوم لا يوجد فيه عامل، وذلك معنى من معاني الخراب. - الانحلال الديني والخلقي أسباب ارتكاب المعصية بقسميها الفعلي والتركي- وأسباب الانحلال الخلقي ميسورة ومتوفرة في المدن أكثر مما هي في الأرياف؛ فإذا ترك الشباب نفسه بين مغريات الحياة تورط في كثير من الرذائل، واستسهل ارتكاب بعض المعاصي، وَرُبَّمَا اعتادها أو اعتاد بعضها فأصبح لا يستطيع أن يتخلى عنها، كما يقع لمن يتورط في شرب الدخان أو شرب الخمر، أو مزاولة القمار أو غيرها. وقد عولجت جميع التخوفات والمشاكل السابقة بنوعين من التنظيم، أولهما: بمثابة العلاج الوقائي، الغرض منه الحيلولة دون وقوع ما يخاف منه، ودون حدوث المشكلة أو المشاكل المتوقعة. وثانيهما: بمثابة العلاج بالدواء والغرض منه المبادرة بالحل المعقول لأول بادرة تظهر من متخوف منه أو مشكلة واقعة أو حسم المشكلة مهما كان حجمها .. وسوف تحاول فيما يلي أن نعرض كُلّ واحدة منهما بإيجاز فيما يلي:
(أ) خلايا النحل: لا شك أن القارئ الكريم يستغرب هذا العنوان في هذا الموضوع من الكتاب وله الْحَقُّ في ذلك؛ فنحن هنا لا نتحدث عن النحل ولا عسل النحل، وَإِنَّمَا نتحدث عن البشر، ولكنني وجدت مشابهة ظاهرة بين خلايا النحل، وما سأتحدث عنه فاستعرت العنوان.
أقصد بخلايا النحل في هذا المقام تلك المتاجر التي تعج بالحركة في أوقات الحركة، وبالهدوء في أوقات الهدوء حسب تنظيم دقيق، والتي يوجد في كُلّ متجر منها عدد من العمال يسمونهم "صناعا" يشرف عليه عدد من أرباب العمل تحت رئاسة واحد منهم قد يكون أكبرهم سنا، ولكنَّه لا بد أن يكون أكثرهم خبرة، وأقدمهم في ميدان العمل وفي إدارة المتجر، وأعلمهم بتقلبات أحوال الاقتصاد في البلد والعالم. (1/1135)
صفحة 1136
الإباضية في موكب التاريخ
372
الإباضية في الجزائر
هذا المتجر الذي تتحرك فيه مجموعة بشرية بنظام دقيق وقيادة واعية، قد روعي أن يكون فيه جميع ما ينبغي لِهَذِه المجموعة البشرية ليحفظ عليها دينها ودنياها، وليصلح بِهَا وَطَنَيْها: العام، والخاص. فهو في الحقيقة خلية بشرية تجمع فيها المال والدين والخلق، وقد حرص مصمموها أن يحددوا لأفرادها مراتع المال ومراتع الخلق. لقد راعى "بنو مصعب" أن تكون متاجرهم ومصانعهم في كُلّ مدينة من مدن الجزائر وغيرها خارج -بلدهم- خلية من هذا النوع ومن مجموع الخلايا أو المتاجر في المدينة الواحدة يتكون المغتربون الميزابيون في ذلك البلد، يربط بينهم جميعا تنظيم عملي يشرف عليه "كبار الحرفة"، ومسجد يؤدون فيه الصلاة في ثلاثة أوقات على الأقل، وهي صلاة العصر وصلاة العشاء وصلاة الفجر، ويعقب هذه الصلوات أو بعضها في أحيان كثيرة دروس أو
مواعظ أو نصائح وإرشادات .. وقاعة فسيحة للمداولة في مهمات القضايا.
وقد بنوا خلاياهم تلك أو متاجرهم ومصانعهم على الأسس الآتية: بناء التجارة والصناعة عَلَى المشاركة حَتَّى يكون لِكُلِّ مَحل، وَلِكُلِّ خلية عدد من المالكين، وذلك يسهل عليهم أن يتناوبوا الإشراف عليها حتّى يسهل عَلَى كُلِّ منهم أن يأخذ وقتا كافيا للاستقرار في الوطن، ففي الوقت الذي يشرف فيه بعض التجار على أعمالهم في التل تتاح الفرصة لشريكه أو شركائه أن يكونوا في إجازة يستمتعون بها في وطنهم، ويشرفون فيها عَلَى أعمالهم في الوطن ويتخذون لها من التنظيمات ما يكفي لسيرها فترة أخرى من الزمن، على أن الفرص التي تتاح لهؤلاء الشركاء تطول أو تقصر بحسب ضخامة الأعمال وعدد الشركاء.
الاستكثار من الصناع بحيث يكون في كُلّ خلية (محل تجاري أو صناعي) فائض عن عدد العمال المحتاج إليه، فعلا وذلك ليتمكن المحل من الاستغناء عن بعضهم في فترات من السنة، حتّى يستطيع بعض أولئك العمال أن يقضي إجازة في بلده، وأغلب هؤلاء الصناع من الشباب الصغير، وفيهم غير المتزوجين، وبعضهم دون المراهقة فهم يحتاجون إلى
يكونون
إجازات قصيرة، ولكنَّها متقاربة لإطفاء شوقهم وشوق أسرهم إليهم، ومساعدة أسرهم في (1/1136)
صفحة 1137
الإباضية في موكب التاريخ
373
الإباضية في الجزائر
أعمالهم أثناء إجازاتهم القصيرة، ثُمَّ يعودون لمزاولة أعمالهم في نشاطهم التجاري وهم أكثر
حيوية وأشد إقبالا عليها ومن كانت لهم دراسة منهم فهو يعود ليستمر في دراسته. يحرص أغلب أصحاب المتاجر أن يصطحبوا معهم أطفالهم أو أطفال غيرهم عندما يكونون غير مرتبطين بالدراسة إلى متاجرهم في ديار الغربة، وهم يقصدون بذلك بالإضافة إلى تغيير رتابة الحياة عن أولئك الأطفال تدريبهم على الأعمال التجارية، وتنمية ملكة الاقتصاد فيهم، وتعويدهم على حياة المغامرة، والحياة في الغربة، وعلى الاعتماد على النفس في الحصول على مطالب الحياة، وأهم من كُلّ ذلك تكوين جيل واع يخلف الجيل الذي سبقه في إدارة الأعمال. وقل أن تجد مصعبيًا واحدا في أي مجال من مجالات الحياة لم يزاول العمل في التجارة في مرحلة من مراحل عمره ولو كان ذلك في السنوات الوسطى من طفولته، وهو أثناء عمله في التجارة لا بُدَّ أن يتلقى أجرًا عن عمله فيها حسبما يقدره (جماعة الحرفة)، كما يقدرون أجور العمال المستديمين الكبار.
وبذلك تسلسل في أجيالهم حب التجارة والمغامرة فيها، وأصبحت الغربة عندهم لازما من لوازم الحياة لا تستقيم الحياة بدونها، ولا يمكن أن يتكون الرجل على النمط الذي يريدونه لأجيالهم إلا إذا أخذ قسطه من حياة الاغتراب، وجرب قدرته على الحركة في إطار بلد واحد ضيق محدود، وبهذا الأسلوب من التربية العملية الموجهة المنظمة، فإن الحياة لا تضيق على ميزابي، وإنه كفيل أن يشق طريقا لحياة شريفة ونظيفة ثُمَّ مريحة.
(ب) النقابات المهنية: وهو التنظيم الذي وضعوه ليضمن لهم نجاح المغتربين في أعمالهم بتهيئة ظروف مناسبة تساعد على المحافظة على الدين وعلى الاحتفاظ بالخلق القويم، وعلى
تنظيم عملية الاغتراب تنظيما يكفل للشعب مكاسبه، ويجنبه المشاكل والأضرار. هذا التنظيم الذي وضعت له (عنوان) النقابات المهنية في هذا الفصل لم يكن في واقعه نقابات، فإن ذلك العهد لم يعرف بعد نظام النقابات. ولكن بني "مصعب حين اضطر أبناؤهم أن ينطلقوا خارج بلادهم بأعداد وافرة خشوا عليهم من الضياع في زحمة الحياة، وحرصوا أن يكون لهم في كل بلد فيه جالية من "بي مصعب" هيئة من أهل الخبرة والرأي والصلاح تشرف على أحوال الجالية من جميع نواحيها. (1/1137)
صفحة 1138
الإباضية في موكب التاريخ
374
الإباضية في الجزائر
وَلَعَلِّ أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن -حفظه الله ورعاه- أعرف بالموضوع وأدق تعبيرا؛ فإلى القارئ الكريم ما قاله إحدى إجاباته عن أسئلتي في الموضوع، قال: "وللأخذ بتلابيب هذه الحركة الواسعة كانوا في المراكز الرئيسية جماعة، أو جامعة تدعى (جماعة الحرفة) لها الكلمة المسموعة لدى السلطة الحاكمة هي أشبه بالنقابة اليوم تفض المشاكل التي تقع بين العمال ومستخدميهم، وتقدر الأجور، وتوجد العمل للعاطلين ترجع المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا إلى وطنهم، وقد بلغ بها الأمر أحيانًا أن تطرد الكسالى المتسكعين
المتهتكين الذين يسودون وجه الأُمَّة عَلَى يد السلطة التي لا تردد في تسويغ ما ارتأته صالحا بهم. اتَّخذوا لهم في كُلّ بلدة تعتبر كمركز للحركة الاقتصادية من البلدان التي يكثر عليها توارد التجار الميزابيين، إِمَّا دارًا لتزول المسافرين الميزابيين من الإِبَاضِيَّة مَجانًا يطلق عليها "دار العرش"، وفيها قاعة للصلاة ومجهزة بالمرافق ووسائل الطهارة، وعليها قيم وطباخ في آن واحد يغنيهم في أكلهم عن الاحتياج إلى الخارج، وَإِمَّا مسجدًا للصلاة، ورُبَّما كان في عمارة ذات شقق لتزول المسافرين الميزابيين من الإباضية، ومقبرة لدفن موتاهم محصنة ومحروسة، فيها مكان فسيح لاجتماعاتهم العامة، لاسيما في الأعياد والمواسم، ولقد أضافوا إلى كُلّ ذلك في هذا العهد الأخير مدرسة بكُل بلدة تكثر فيها ناشئتهم .. ولو ذهبنا نعد المساجد وديار العرش والمقابر والمدارس التي أنشأوها لبلغت العشرات؛ عَلَى أَنَّهُم لَم يقتصروا على الجزائر، بل أبعدوا النجعة إلى القطر التونسي، فكان لهم فيها مثل هذا النظام وإلى المغرب، وحتى إلى فرنسا؛ إذ نشطت فيها حركة التجار الميزابيين فأنشأوا مراكز تجارية معتبرة، بله أفواج العاملين منهم في شتّى الميادين الاقتصادية، وسوف لا يلبثون - إن شاء الله – أن يتخذوا لهم في المغرب وفي فرنسا (1) ديارًا عَلى غرار مالهم في الجزائر وتونس، وما ذلك على همتهم ببعيد. بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك إلى الأماكن المقدسة، كجدة ومكة، ومنى، والمدينة، فكان لهم في كُلّ منها دار رحبة تسع المئات، تأوي حجيجهم، فلا يتعرضون للإهمال والإهانة كما يتعرض كثير غيرهم في مواسم الحَجِّ، تامة المرافق التي تيسر العبادة وتضمن الراحة.
1) لقد تحققت هذه الأمنية فأصبحت لهم في باريس دار رحبة فيها قاعة فسيحة للصلاة والاجتماعات، وعدد من الغرف لتزول الأضياف مجهزة جميعاً بِكُلِّ المرافق. (1/1138)
صفحة 1139
الإباضية في موكب التاريخ
375
الإباضية في الجزائر
ولقد أكبر جيرانهم فيهم هذه الهمة العالية، والنظام المحكم الذي أكسبهم بل أكسب الجزائر جمعاء- إعجاب الطوائف الإسلامية بأسرها، وما كانوا يستطيعون بلوغ هذه
الأهداف لولا تعاونهم وتضامنهم وبذل محسنيهم بسخاء في هَذه الميادين المشرفة، ألهِم الأمة المحافظة على دينها ووحدتها وشرفها. هذا، وقد كان للإباضيين في عاصمة الجزائر عَلَى الأخص التي أخذوا يهاجرون إليها أول الأمر للاكتساب والاحتراف مكانة لا تنكر، ونظرًا لمكانتهم في عين الدولة التركية فقد خيرتهم (1) في المهن التي يودون احترافها فاختاروا أسلمها، تبعة وإن كان لها خطرها في نظر الدين كالقصابة مثلا، لهذا أعطى لهم امتياز مذبحة العاصمة يشرفون عليها، ويتولون هم تعيين
الذباحين فيها، ورفض من لا يليق منهم لذلك، ودام لهم هذا الامتياز إلى عهدنا الأخير". (جـ) تحديد مجالات العمل: كان من أهم نقاط التنظيم الحرفي الذي اتبعه "بنو مصعب" في توجيه أبنائهم في بلاد الغربة هو تحديد مجالات العمل، فلم يسمحوا للإباضي المغترب أن يزاول في ديار الغربة عملا يدر عليه كسبا كيفما كان، وَإِنَّمَا حددوا مجالات العمل بناء على فلسفة انبنى عليها كُلّ تخطيطهم لحياتهم في ديار الغربة، فحرصوا أن تكون تلك المجالات مما يتيسر فيه العمل الجماعي، أي أنه يقوم على تعاون مجموعة من الناس تسيرهم أنظمة ثابتة، وبأن تتوفر في ذلك المجال صورة للبيئة التي كانوا يعيشون عليها في بلدانهم، وأن تكون تحت الإشراف المستديم، وأن تكون بعيدة عن تناول ما يحرم، وأن تكون من طبيعتها تدعو إلى التجمع والتكتل، وأن تكون مما يتيسر فيه تنظيم الوقت؛ فحددوا العمل عندهم ثلاث مجالات: التجارة بالدرجة الأولى، ثُمَّ الصناعة ثُمَّ الحمامات، واحتكروا لأنفسهم القصابة المركزية في الجزائر العاصمة، ولم يسمحوا لأبنائهم بالعمل في الزراعة خارج وطنهم، سواء أكانت بامتلاك المزارع، أو
1) عندما نسفوا برج (بوليلة) الذي أقامه الإسبان لضرب مدينة الجزائر أراد الداي أو الوالي مكافأتهم على عملهم البطولي، فخيرهم في المهن التي يرغبون أن تكون لهم بالأولوية فطلبوا منه استمرار تأمين تجارتهم حسب المعاهدة التي بينهم، وطلبوا احتكار قصابة الجزائر لهم، وأولوية إنشاء الحمامات راجع إن شئت زيادة في التفصيل فصل "الإباضية والجهاد في سبيل الله". (1/1139)
صفحة 1140
الإباضية في موكب التاريخ
376
الإباضية في الجزائر
بالعمل عند المزارعين أو المعمرين، ولم يسمحوا لهم أيضا أن يقوموا بالأعمال البدنية في المنشآت أو الموانيء أو غير ذلك من المجالات الكثيرة التي يجد فيها الأفراد مجالا للكسب، ونظرتهم في هذا -رغم سوء فهم بعض الناس لها واعتقادهم أن الإباضية يحتقرون أنواعا من العمل البدني - أنهم يحرصون بالدرجة الأولى على دينهم، وبالدرجة الثانية على وطنهم، ولا يسمحون أبدًا لأي فرد أو أي عمل أن يؤثر على أحدهما، ولو أطلق العنان للناس يشتغلون كما يشاءون، وأنى يجدون العمل لصعب الاتصال بهم وتجميعهم فانفرط عقدهم، وتورطوا في سلوك يبعدهم عن أوطانهم فيهجروها، ولو سمح لا سيما لأغنيائهم بالاشتغال بالزراعة لاستطاعوا أن يملكوا خارج بلادهم وينجحوا في ذلك، ثُمَّ ينتقلون إليها ويكون ذلك من أسباب القضاء على وطنهم، وهكذا استعرضوا جميع مجالات العمل فلم يجدوا في تلك المجالات كلها ما يوافقهم غير تلك المجالات التي يستطيعون أن يكونوا فيها خلايا خاضعة للتنظيم، فيوجه الشاب منهم إلى التجارة، فإذا حال دون ذلك أسباب وجه إلى الصناعة فإذا حال دون ذلك حائل - وهذا الحائل لا يكون إلا من قبل الشخص نفسه بأن كان مستواه الفكري لا يساعده على احتراف التجارة والصناعة، ويكون ممن ليس له مورد كاف في وطنه فيوجه إلى العمل في حمام؛ وذلك لأن الحمام لا يحتاج إلا إلى صحة وطاعة وانضباط، والحمام نفسه يسير بنظام دور التجارة، أي أَنَّهُ عَلَى نمط الخلايا في التجارة والصناعة، يتعاون فيه على العمل مجموعة من الناس منهم شركاء يتعاقبون على إدارة المحل، عمال يتناوبون القيام بأعماله ومهامه، ويقوم كُلّ حمام مقام متجر كبير يحتوي على
ومنهم
عدد من الصناع، فهو لا يختلف من وجهة نظرهم عن المتجر أو المصنع إلا في التوقيت. أما الحصول على امتياز قصابة الجزائر أو احتكارهم لها دون غيرهم فالدافع إليها دافع ديني محض؛ فهم قد لاحظوا أن بعض القصابين لا يحسنون الذبح، أو هم يستخفون بعملية الذبح فخشوا أن يطعموا عن غير قصد ما حرم بسبب سوء الذكاة؛ فطلبوا احتكارهم لها وتَم لهم ذلك، وهم لا يتولون اللحوم، وَإِنَّمَا كُلّ ما لديهم هو الإشراف على المركز الرئيسي بيع وتسييره وإسناد عملية الذبح لمن يحسنها منهم أو من غيرهم.
الله (1/1140)
صفحة 1141
الإباضية في موكب التاريخ
377
الإباضية في الجزائر
وتعتبر
هذه المجموعة من الناس أيضًا خلية كخلايا التجارة والصناعة والحمامات تتوفر فيها
جميع الشروط المطلوبة لهم مما أشرنا إليه من قبل.
(د) ملء الفراغ: يخاف "بنو مصعب" على أبنائهم من الفراغ أكثر مما يخافون من أي شيء آخر، ولذلك فقد كانوا يحرصون أن يملأوا أوقات أبنائهم بتنظيمات يسلم بعضها إلى بعض، وأي فراغ من أحدهم يعني إخلالا بإحدى تلك التنظيمات.
وتبدأ تنظيماتهم بوجوب الاستيقاظ مبكرًا لأداء صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة في الغالب، ثُمَّ تحضير مواد الإفطار، ثُمَّ الإفطار، ثُمَّ تفتح أبواب المحال للعمل إلى وقت الظهر حيث تبدأ فترة الغذاء، ثُمَّ صلاة الظهر، ثُمَّ راحة القيلولة وهي إجبارية، وقد تقدم راحة القيلولة على صلاة الظهر، ولا يشترط في صلاة الظهر أن تكون في المسجد وإنما لمن شاء منهم أن يصليها في محله صلاة جماعة أو صلاة فذ، وقبل العصر يستأنف النشاط ويستمر العمل إلى قرابة وقت العشاء لا يتخلل ذلك غير صلاة العصر وصلاة المغرب، وقبل صلاة العشاء يبدأ الاستعداد للصلاة، ثُمَّ تصلى صلاة العشاء في المسجد، وقد يعقبها درس أو موعظة أو نصيحة من أحد الناس يفترق الناس بعدها إلى محالهم لتناول ومناقشة نتائج العمل في اليوم الماضي وعرض مطالب اليوم المقبل، يشرك في المناقشة رَبِّ العمل الذي يدبره وأكثر العمال الموجودين في المحل، وقد تأخذ المناقشة جزءًا كبيرًا من الوقت يجد أفراد الخلية أنفسهم بعدها تميل إلى النوم فيأوون إلى مضاجعهم ليقوموا مبكرين لاستئناف نشاطهم، هذه الصورة الغالبة عليهم، وقد تختلف الطريقة في بعض البلدان، ولكنَّها كلها تخطط عَلَى عدم تمكين الفراغ من نفوس أبنائهم، فأوقاتهم بين نشاط في محال الحرفة، أو في العبادة، أو في مجال الاستفادة، أو في مجال الاستراحة البدنية المنظمة، والمقدرة بالأسلوب الذي يتناسب مع المطالب الجسدية للراحة.
هي
التوجيه والرقابة والمتابعة التوجيه والرقابة والمتابعة ثلاثة خيوط يرتبط بها أي فرد
من "بني مصعب" في أي بلد من بلدان عملهم داخل وطنهم وخارج وطنهم، وفي خارج وطنهم فَإِنَّهُ بمجرد ما يصل أي فرد من أفرادهم إلى أي بلد ليعمل فيه، فإن أول ما يقدم إليه إنَّما هو توضيح خط السير ثُمَّ النصائح والتوجيهات، تتولى ذلك هيئة كبار الحرفة) أو (1/1141)
صفحة 1142
الإباضية في موكب التاريخ
378
الإباضية في الجزائر
صاحب المحل، بعد ذلك تستمر مراقبتة ومتابعتة في مسيرته الطويلة، فإذا خيف عليه انحراف أو بدرت منه بوادر تَدُلُّ عَلَى ذلك استدعته هيئة كبار الحرفة) وحاسبته على تصرفاته، وقدمت له التوجيهات اللازمة، فإن لم تفد فيه هذه المواقف وانحرف فعلا بأن ارتكب بعض له جاءت مواقف أخرى سوف نعرض لها في فقرة تالية.
ما لا ينبغي
قد يظن بعض الناس أن تأثير مجلس العزابة لا يتجاوز حدود الوطن، وأن أولئك الميزابيين المغتربين الذين ابتعدوا عنه مئات الأميال قد خرجوا عن نطاق تصرفه، أو على الأقل بعدوا عن إمكانية مراقبته، وهذا الظن ليس صحيحًا؛ لأن مجلس العزابة يعتبر نفسه مسئولا عن حماية المجتمع دينا وخلقا واجتماعيا، وأن المجتمع يتكون من مجموع أفراده سواء أكان أولئك الأفراد في وطنهم، أو كانوا خارجه. وأن سلوك أولئك الأفراد سواء أكان خيرا أو شرا ينعكس على مجتمعهم، ولذلك فإن مجلس العزابة يتابع بوسائله الخاصة جميع الأفراد أينما كانوا، وعندما يتأكد لديه أن أحدا من أولئك الأفراد يخشى منه الانحراف فَإِنَّهُ يهتم بتوجيهه، فإن تجاوز الفرد ذلك إلى المقارفة فإن المجلس يتخذ قرارًا آخر سوف نعرض له في فقرة تالية. ثُمَّ إن مجلس العزابة لا يقتصر عَلَى هَذه التوجيهات من بعيد، أو على التوجيهات الفردية، وَإِنَّمَا يَحرص أن يرسل بأناس ذوي كفاءة لإلقاء الدروس والمواعظ والفتوى في المشاكل من حين إلى حين، إما للقيام بجولة استقصائية، أو جولة جهوية، أو جولة إلى مدن محدودة، ثُمَّ يتعاقب المرشدون عَلَى هَذه الرحلات فيرجعون بحصيلة من المعلومات والبيانات والتوصيات، كما أنهم يطلعون على سلوك الناس وأسلوبهم في المعاملة، فيعالجون منها ما يقوون على
علاجه، ويحملون غيره ليعرضوه على مجلس العزابة.
في
ثانيا: العلاج بالدواء ويتضح في الخطوات الآتية:
(أ) التفسير: عندما لا تفيد جميع الجهود في تقويم أحد أبنائهم عن الانحراف، ويبدأ في التورط ووطنه فإن أيسر موقف يتخذه معه (جماعة الحرفة) هو
أمته
أعمال تضر بمصلحته وبسمعة إرجاعه إلى وطنه على يد السلطة، وهذا النوع من أنواع الدواء الذي يجرعونه لمن تبدؤه الأمراض
الاجتماعية، وعندما يعود فإن البيئة والمؤسسات الموجودة هناك كفيلة بشفاءه شفاء كاملا. (1/1142)
صفحة 1143
الإباضية في موكب التاريخ
379
الإباضية في الجزائر
(ب) التأديب: إذا ما ارتكب أحد أفراد الخلية خصلة من خصال الانحراف، كشرب الدخان أو الخمر، أو سُمع عنه أنه ارتاد دارًا من دور اللهو المحرم أو ما يشبه ذلك، فإن رئيس المحل أو له جلسة تأديب قد تقتصر على التوبيخ والتقريع الشديدين لمن وقع منه ذلك أول مرة، وأبدى ندمه واستعداده للتوبة والرجوع إلى التزام المسلك القويم، وقد تصل إلى عقوبة بدنية من الضرب الخفيف، فإذا لم يجد هذا رفع أمره إلى (جماعة الحرفة) التي قد تحكم عليه بالتعزير،
الخلية يقيم
فيضرب (19) جلدة، فإذا لم يرتدع بذلك رفع أمره إلى مجلس العزابة في قريته الأصلية.
(ج)
البراءة والهجران: مجلس العزابة من مكانه في القرية يتابع جميع أفراد القرية في أماكن عملهم بوسائله الخاصة المعتمدة وتصله أنباؤهم تباعًا، فإذا ما ثبت لديه أن أحدهم قد ارتكب ما يخالف أمر الله ونهيه أو خرق ما اتفق عليه المسلمون فإنَّهم يعلنون البراءة منه ويأمرون بهجرانه وذلك؛ لأن البراءة منه هي العقوبة الوحيدة التي يمكن أن تصل إليه عَلَى بُعد المسافة، وتُحدث فيه الأثر المطلوب منها.
وبمجرد ما يعلن مجلس العزابة في مسجد القرية هذا الحكم عن شخص ما، فَإِنَّهُ سرعان ما يبلغه الحكم القاسي في مهجره فتتغير معاملة الناس له ويحس بالجفاء والغلظة والإعراض عنه، فيلحقه في ذلك الألم الكبير والندم الكثير، ولا يجد له مناصا في غير تصحيح وضعه الاجتماعي بإعلان التوبة ممَّا ارتكب والرجوع إلى الجادة التي ينبغى للمسلم الشريف أن لا يخرج منها والتعهد بذلك. وهكذا تجد الفرد منهم وهو في ديار الغربة قد يكون في الجزائر أو في وهران أو في عنابة، أو في تونس، أو في فرنسا، أو غيرها فتحدثه نفسه بأن يلم بما يلم به أمثاله في المجتمعات الأخرى معتمدًا على سعة رحمة الله وعفوه، حتّى إذا استسلم للشيطان فأضعف في قلبه وتغلب على تردده وترجح لديه تحت الإغراء والإقدام على المعصية، لاح له شبح مجلس العزابة يهدده بحكمه القاسي الذي سوف يصدر عليه متى علم المجلس بصدور المعصية عنه، فينفلت من مخالب الغريزة، ويتحرر من براثن الشهوة، ويفر من المعصية ناجيا بنفسه تاركا شيطانه بعض بنان الندم على خسارته في صفقة كاد يكسبها، فإن غلبه الشيطان
الخوف من
الله (1/1143)
صفحة 1144
الإباضية في موكب التاريخ
380
الإباضية في الجزائر
وسدر في الغي وأصر على موقفه ولم يبادر إلى إصلاح وضعه فإن مجلس العزابة لا يقف
مكتوف الأيدي، وإنما له وسائل وأساليب أخرى رادعة ليس هذا مكان تفصيلها. (د) الفروق الفردية: طبائع الناس وأخلاقهم ومشاعرهم الدينية تختلف، ومواقفهم من الخطأ ومن الرجوع عنه أيضًا تختلف، ولذلك فإن أنواع العلاج السابق لم تكن تطبق هكذا على الجميع كمواد قانونية جافة لا تصرف فيها ولا فهم؛ وَإِنَّمَا كانت تنفذ لاسيما من كبار (الحرفة) في ديار الغربة بعد دراسة وفهم لنفسية الفرد وظروفه وبيئته، ومقدار الصلاح والإصلاح الذي ينتج عنها، أو مقدار الضرر الذي قد يحدث بسببها، وكذلك درجة استحقاق العقوبة ومقدار تحملها، ولذلك فأنواع العلاج الذي يقرر للشخص الحيي الخجول الحساس غير أنواع العلاج الذي يستعمل للوقح الجافي الغليظ الطبع. وحتى عندما تتشابه المخالفة بأن يرتكب شخصان نوعًا واحدًا من المعصية وفي ظرف واحد فَإنَّه ليس من الضرورة أن يطبق عليهما نوع واحد من العلاج، فقد يكتفي بتوبيخ أحدهما طفيفا في زاوية منفردًا، ويلقى عَلَى الثاني درس قاس من التوبيخ والتقريع أمام أفراد الخلية كلها، أو أمام الجالية في مسجد الصلاة، وذلك تبعا لأخلاق وسلوك كُلّ منهما، وتبعا
أيضا لما به كلاهما
يتمتع من رقة الطبع أو غلظته وشفافية الحس أو قتامته، ودقة الإحساس أو
بلادته، وحدة الذكاء أو بطئه.
(هـ) الآثار والنتائج بمراجعة بسيطة لكلام أستاذنا باكلي -حفظه الله - ولما عرضنا من الفقرات السابقة في هذا الفصل يتضح لنا ما يلي:
إن الإباضي الجزائري عندما يجمع ما لديه ثُمَّ ينطلق إلى مدينة من مدن الجزائر أو تونس
أو حتّى فرنسا بحثًا عن العمل لا تستقبله الفنادق يأوي إليها، ولا تستقبله الشوارع. فيها يتصفح وجوه الرائحات والغاديات ولا تستقبله الفئات الضائعة التائهة عن المجتمع تلهث وراء المتعة الرخيصة، ولا تستقبله الفئات الضائعة التائهة عن المجتمع تلهث وراء المتعة الرخيصة، ولا حتى الأصدقاء أو الأقارب من العمال الكادحين يأوي إليهم في حجرة ضيقة عديمة المرافق ريثما يجد لنفسه عملا، فيضيق عليهم في مسكنهم وفي معيشتهم، ويتحمل من (1/1144)
صفحة 1145
الإباضية في موكب التاريخ
381
الإباضية في الجزائر
أجل ذلك منة طول عمره؛ وَإِنَّمَا تستقبله دار نظيفة أعدت خصيصًا لسكناه وسكنى أمثاله، بها قاعة لإقامة الصلاة تذكره خمس مرات في اليوم بواجبه نحو ربه، وهي مزودة بكلّ المرافق، وقد حرص المجتمع أن يكون في تلك الدار قيم يسهل على الطارئ الجديد مؤنة الطبخ، وجلب مواد الغذاء، ويتولى مساعدته في جميع ما يحتاج إليه حتى يستقر في عمل أو ينتقل إلى بلد آخر، ثُمَّ إن هذا الطارئ الجديد على المدينة لا يترك لنفسه، مهملا يطرق الأبواب بحثا عن العمل تتقاذفه ظروف الحياة بين الناس، وإنما تستلمه منذ وصوله هيئة شبه مسئولة فتعرف منه اتجاهه وخبرته في أنواع العمل واستعداده لأدائها، ومقدار رأس المال إن كان له رأس مال؛ فإن كان صاحب مال ويريد افتتاح تجارة، أو مشاركة فيها، يسرت له ذلك وساعدته عليه وأرشدته إلى النوع الذي يتوقع نجاحه.
وأَمَّا إن كان يريد العمل بجده وجهده فإن الهيئة تبحث له عن مكان مناسب في بعض المجالات المحددة حسبما سبق، والهيئة بطبيعة وجودها ومعايشتها للأوضاع الاقتصادية في تلك المدينة تعرف جميع الأماكن الشاغرة، ونوعية العمال المطلوبين لكلِّ منها، فإذا رأت المكان المناسب له وضعته فيه وقدرت له الأجرة المناسبة فرضًا عليه وعلى رَبِّ العمل وكلما تقدم في إدراك أسرار المهنة والإجادة فيها تقدم أجره ثُمَّ يضاف الزائد من أجره على نفقاته، فيضاف إلى رأس مال المحل حتّى يصبح بعد فترة معقولة شريكا في تجارة ذلك المحل، وقد يفتح له فرع جديد في جهة أخرى يتولى هو وبعض الشركاء الآخرين إدارته. وإذا لم يتسع له في تلك المدينة مجال للعمل اتصلت تلك الهيئة بهيئة أخرى في بلد آخر حتّى ينفتح له مكان في إحدى المدن، فينصح بالذهاب إليه لتستقبله نفس الظروف، فينزل في البيت المعد، وتتولاه الأيدي الحانية حتّى يلتحق بعمله الجديد وأجره المقرر. فإذا كان الرجل ممَّن لا يحتمل الغربة، أو ممن لا يقدر على العمل لأسباب بدنية أو أسباب فكرية، أو ممن يريد أن يتهرب من مجتمعه المحافظ ليدخل في المحيط الواسع فيذوب في الأخلاق الفاضلة التي يحرصون عليها اتخذوا موقفهم لإرجاعه إلى بلده ولو كان كارها، خوفًا أن يضيع منهم فرد ومجتمعه في حاجة إليه، وخوفا أن تتشوه الصورة الجميلة التي يحافظون عليها لشعبهم، فإذا التحق أحدهم بعمل سواء أكان عملا في محل
الكثرة، ويشذ عن (1/1145)
صفحة 1146
الإباضية في موكب التاريخ
382
الإباضية في الجزائر
بأجر، أو افتتح لنفسه محلا جديدًا فَإِنَّهُ يكون قد دخل تحت نظامهم العام؛ ونظامهم العام لا يتيح للفرد فرصة لارتكاب المخالفات أو حتّى للتفكير فيها، وذلك أنهم يعيشون في مجموعات صغيرة لكُلِّ مجموعة في متجر أو مصنع بيتًا يسكنون فيه، أو في بيت ملحق به تحت رعاية رئيس المحل بمثل نظام الأسرة التي لا توجد بها الأم أو الزوجة، وعلى بقية الأفراد أن يقوموا بأعمالهم في إدارة البيت فرئيس المحل يمثل الأب في سلطته وفي حنانه، وشركاؤه يمثلون إخوة كبار له، وأما العمال فهم بمثابة الأبناء، ويتعاون المجتمع على إنجاز مهمات البيت حسب تنظيم دقيق يرسمه رَبِّ العمل، وَلِكُلِّ مَحل أو خلية نظام ثابت روتيني ينتظم به سير العمل، ويقسم فيه الوقت تنظيماً دقيقاً، أوقات محددة للصلاة، أوقات محددة للأكل، وأوقات محددة للنوم، وأوقات محددة للتنظيف وأوقات محددة لترتيب البضاعة ووضعها في أماكن العرض، أو تحت تناول الأيدي للاستعمال، وأوقات محددة للتعامل مع الجمهور .. هذه السلسلة من التنظيمات الموضوعة بترتيب محكم سليم بعضها إلى بعض لا يجد معها الفرد فراغا لارتكاب المعصية أو حتى للتفكير فيها. وفي نهاية هذا البحث يمكننا أن نلخص ما سميناه بالعلاج الوقائي فيما يأتي: 1 - إيجاد بيئة اجتماعية لكل مغترب لا تختلف عن نشأ فيها، البيئة التي تكوين علاقة متينة بين مجموعة متعاونة تشبه إلى حد كبير العلاقات الأسرية.
مع
ملاحظة
2 - دقة التنظيم في استغلال الوقت بحيث يشتمل على العناصر التي يحتاج إليها الإنسان في صرف الطاقة من جهة، وفي راحة النفس والجسم من جهة أخرى في الحدود التي تجمع بين مراعاة الفطرة ومراعاة الشريعة.
ربط الحياة بجانبيها الديني والمدني، أو التوفيق بين المادة والروح دون إخلال
بمتطلبات أحدهما.
- تغليب فكرة بناء الأعمال على التعاون مهما كانت بسيطة، وإيجاب إنجاز المشاريع الضخمة على الجهود المشتركة من الجميع. (1/1146)
صفحة 1147
الإباضية في موكب التاريخ
383
الإباضية في الجزائر
-
ه إشعار العمال بكرامتهم وآدميتهم، وذلك بتقرير حقوقهم وأجرتهم من لجنة عليا لها العمال وأرباب العمل، وتتولّى تلك اللجنة محاسبة الجميع، مع شيء من الشدة ودقة المحاسبة على أداء الأعمال في إجادة وأمانة.
يخضع
- الاهتمام بالجانب العاطفي بتقرير إجازة يسمح فيها للعامل ولرب العمل الرجوع إلى وطنه وبقائه فيه مدة معقولة.
7 - تدريب الأطفال على التجارة والاغتراب منذ الصغر لربطهم بعجلة العمل، والاعتماد على النفس في الحياة.
-9
إيجاد العمل المناسب الذي يحفظ على الإنسان كرامته.
منع الاستغلال بتقرير الأجرة من هيئة أعلى، فلا يستطيع رب العمل أن يستغل
العامل ولا العكس.
10 - عدم السماح بوجود جماعات من الناس لا عمل لهم في أي مدينة، حتّى لا تتكون مجموعات من المتسولين أو المنحرفين، وذلك بإرجاع كل من ليس مؤهلا للعمل – في النطاق المحدود، وَكُلُّ من يريد أن ينطلق دون قيود- إلى أوطانهم ولو بالإكراه.
11 - إغلاق أبواب الفساد بعدم إتاحة فرصة لذلك. -12 - إعداد أماكن فسيحة للصلاة والاجتماعات وسماع الدروس والمواعظ ومناقشة المشاكل العامة أو الخاصة.
13 - إيجاد مدارس في أغلب المدن لمن لا يزال في سن الدراسة تُدرس له فيها نفس المناهج التي تدرس في وطنه، وهي مع ذلك تفتح صدرها للكبار الذين يريدون أن يزيدوا في ثقافتهم، فهي تجمع بين أنظمة المدارس العادية والمدارس المسائية ومدارس تعليم الكبار. 14 - الابتعاد عن الأعمال والمهن المنفرة والمرهقة والمفرقة.
15 - استمرارية التوجية بالنصائح والدروس في الميدانين العملي والعلمي.
16 - الشعور بالرقابة والمتابعة في جميع الأحوال.
17 - الحرص على حياة الضمير، وحياة العقيدة ومراقبة الله في السر والعلن، وغرس
الخوف من الله في كُلّ تقصير وفي كُلّ معصية. (1/1147)
صفحة 1148
الإباضية في موكب التاريخ
384
الإباضية في الجزائر
جميع
المجتمعات
18 - الحرص الشديد على المحافظة على الامانة بحيث كانت أبرز الأخلاق التي يتحلى بها الفرد عندهم، وقد يفرط في كُلّ شيء ما عدا الأمانة، وقد عرفت فيهم هذا التي عرفتهم وتعاملت معهم.
الغربة، وهي
هذه بعض التنظيمات التي اتخذت للحيلولة دون الأضرار أو المساوئ التي تحدث بسبب كما ترى كلها أدوية وقائية مبنية على دراسة للنفس البشرية، وإن كان الذين فكروا فيها ووضعوها تدريجيا - وغالبًا لمعالجة مشاكل لم يكونوا من حملة الشهادات، ولا من علماء النفس المعروفين؛ وَإِنَّمَا كانوا يتقون شرور الحياة على وطنهم ومجتمعهم بحذر الفطرة، وحرص الدين على السلامة.
أما التنظيمات التي جعلت لعلاج المشكلة بعد وقوعها، ونعني بالمشكلة في هذا الصدد الانحراف في الخلق والاستهانة بأحكام الدين، أو التفريط في الجانب من العمل ممَّا تختل بـ الثقة والأمانة فتتلخص في المواقف الآتية:
-1 - ترحيل كُلّ من لا يصلح للعمل في الغربة، أو من يرتكب ما يخالف النظام العام الذي يحرصون عليه مع الإصرار وعدم التوبة والندم.
2 - إجراءات تأديبية مخففة يقوم بها رئيس المحل بمحضر من العمال.
3 - إجراءات تأديبية مشددة تقوم بها هيئة كبار (الحرفة) إمَّا في جلسة خاصة، أو في
اجتماع عام حسب نوع الجريمة، وموقف المنحرف من الموضوع.
- إعلان البراءة من المنحرف المصر يصدر من مجلس العزابة في قريته.
ه يضاف إلى هذا بعض المواقف التي تتخذها الزوجة في بعض هذه المقامات، وسوف نشير إلى ذلك بتفصيل في الفصل التالي. (1/1148)
صفحة 1149
الإباضية في موكب التاريخ
385
الإباضية في الجزائر
المرأة الميزابية والغربة
انطلق "بنو مصعب" خارج بلادهم سعيا وراء التحسين الاقتصادي، ولكنهم كانوا يتخوفون من آثار هذا الانطلاق خارج البلاد، فكانوا يفكرون في وضع حلول للمشاكل الناجمة عن ذلك أو التي يتوقعون أنها سوف تنجم، وقد عرضنا بعض ذلك في الفصل السابق. وهناك جانب آخر على غاية من الأهمية كان المفكرون المصلحون يخشونه أكثر مما يخشون جميع المشاكل الأخرى، وذلك أَنهم كانوا يتساءلون عما يضمن لهم رجوع الميزابي الذي خرج من وطنه إلى ذلك الوطن نفسه، ويضمن ارتباطه به إذا ساغت له الحياة في مهجره وطابت له فيه المعيشة، وهم حين نجحوا في إرجاع المغترب الفاشل والمنحرف بالتعاون مع السلطة يعرفون بالتأكيد أن هذا الأسلوب لا يُجدي مع الجميع.
فالتاجر الناجح الذي ازدهرت أعماله وازدادت مكاسبه، وتوسعت تجارته، واستطاع أن يحصل على أملاك وعقارات في كبريات المدن ليس من صالحهم ولا من صالحه، ولا من صالح المجتمع، ولا من صالح الدولة أن يُقطع عن أعماله، ويلزم بالقبوع في "وادي ميزاب" مكتوف اليدين، بينما كانت يداه في ديار الغربة تغزلان الحرير وتصوغان الذهب. فما الذي يضمن رجوع هذا التاجر إلى منطقة صحراوية، ويحول دون أن يعيش في رفاهية ورغد في
وطنه الجديد.
إنه لو ترك وشأنه يتصرف في حياته كما يريد لأمكن أن يتسرب بأهله، وهكذا يتسرب سكان الوادي إلى الخارج دون إحساس بالتسرب ولا بالخطر الذي يتهدد وطنهم الأصلي. ولا يلبث ذلك الوطن إلا فترة قصيرة حتّى يصبح خرابا ينعق فيه البوم كما وقع لكثير من بلدان الجنوب التي تسرب منها أهلها طلبا لسهولة العيش ورغده. فما هو القيد الذي يستطيعون أن يضعوه في رجل كُلّ مغترب حتى يرتبط بوطنه ارتباطا لا ينقطع، لقد فكروا في هذا كثيرًا حَتَّى اهتدوا إلى ذلك القيد فصاغوه من أشرطة العاطفة الناعمة، وأوثقوه إلى قاعدة من الحب المكين، مما جعل الميزابي وهو يغادر بلده لا يكف عن الالتفات إليه؛ لأنه مرتبط فيه بنياط قلبه وموثق إليه بجميع مشاعره وأحاسيسه مما يجعله لا (1/1149)
صفحة 1150
الإباضية في موكب التاريخ
386
الإباضية في الجزائر
يفكر إلا فيه، ولا ينفق إلا عليه حتى يجعله جنة مزدهرة وارفة الظلال، جنية الثمار، جميلة المظهر والمخبر، ورأوا أنه لا يربط الرجل شيء ما في مكان ما غير المرأة، فهي وحدها القادرة على إمساكه وعلى جلبه.
وبناء على هذه النظرية فقد تولى مجلس العزابة إصدار قرار ينص على أنه لا يجوز للمرأة الميزابية أن تخرج من وطنها لغير الحجّ والعلاج، وكانت فلسفتهم في اتخاذ هذا القرار مبنية على عدة اعتبارات لها قيمتها في بناء المجتمعات، منها ما يلي:
المرأة ربة البيت وهي مُرتكز الأسرة، وعليها تتجمع، وبقاؤها في الوطن يحفظ للوطن
كُلّ مطالبه من الأسرة، وفي مقدمتها الجوانب الاقتصادية.
بقاء المرأة في الوطن يجعل رب الأسرة مرتبطا عاطفيًا بوطنه، فهو يعمل بكل وسيلة للرجوع إليه متى سنحت الفرصة، كما أنه ينفق عليه وفيه بسخاء لتوفير وسائل الراحة له ولأسرته، بما في ذلك الاستغلال الزراعي لما يملكه.
بقاء المرأة في الوطن يجعل أبناء الأسرة ينشأون على المثاليات المعروفة عندهم، ويحافظون على السلوك الذي اعتاده المجتمع هناك، وهو سلوك أقرب إلى الفطرة، وألصق بالدين، وأقوم منهجًا من سلوك مجتمعات المدن لا سيما تلك التي اقتبست حضارتها من الغرب. السماح للرجل باصطحاب زوجته وأطفاله إلى مقر عمله التجاري قد يكون سببًا لأن تروق لهم الحياة هناك، فيقل شوقهم إلى الوطن، ويتطور ذلك إلى استحباب البقاء هناك، فيكون لونا من ألوان الهجرة وهو ما يخشونه.
السماح للمرأة بالانتقال مع زوجها إلى أماكن عمله يتيح لها أن تتصل ببيئات أخرى، وبطبيعة الجوار والمعاشرة وطول الحياة تقتبس أنواعًا من السلوك وأخلاقا وعادات مخالفة لما اعتادته في وطنها، وتدريجيا تألف تلك الأخلاق والعادات؛ فإذا رجعت في زيارة إلى وطنها كان سلوكها الجديد مثارًا للنقد، فتتضايق من ذلك وتحمل زوجها على الإسراع في العودة إلى مكان الغربة، وتكون هذه الحالات بداءات للهجرة الكاملة.
تنقل المرأة والأطفال في حياتهم بين بيئة وأخرى يجعلهم يعيشون بين أنماط مختلفة من
السلوك، فتؤثر تلك الازدواجية السلوكية على أخلاقهم وعلى سلوكهم. (1/1150)
صفحة 1151
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: الإباضية في موكب التاريخ
المؤلف: علي يحيى معمر
مراجعة: سليمان بن الحاج إبراهيم بابزيز
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1429ه/ 2008م
الطبعة: 3 (مصححة ومراجعة)
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 ربيع الأول 1447ه/ 08 - شهر 09 - 2025م. الإباضية في موكب التاريخ
387
الإباضية في الجزائر
وجود الأسرة مع الرجل في بلاد الغربة يقلل من اهتمامه بالوطن، وبالتالي يقلل من الخدمات والنفقات التي يقدمها له لو لم تكن معه أسرته.
عندما يجد الرجل وهو في الغربة زوجته وأطفاله إلى جانبه يغلب عليه حب الاستقرار هناك، ويضعف حنينه إلى وطنه الأصيل، وتقل رعايته له، ولذلك فنظرا للاعتبارات السابقة ولغيرها، وربطا للرجل بوطنه وحفاظا على هذا الوطن، وحرصا على دينهم وأخلاقهم
وعاداتهم، ومحافظة على مجتمعهم بما له من مميزات وخصائص، اتخذوا هذا القرار، وهـ يعلمون الجوانب السلبية فيه وما ينتج عنها من مشاكل الخصها أحد الشباب الذين تحدثت معهم في هذا الموضوع في أضرار ينتج عنها نوعان من الأمراض، وخسارة اقتصادية. وفي الإمكان عرضها في إيجاز كما يلي:
1 - أمراض نفسية، أو كما عبر عنها اختلال في الصحة النفسية وهي ناتجة عن نوعين من
الحرمان:
- حرمان العاطفة. من الإشباع بالمحبة الأسرية.
- حرمان الغريزة من الاشباع الجنسي.
وحرمان كُلّ منهما من الإشباع يؤدي إمَّا إلى عُقد الكبت، وإما إلى انطلاقة الانحراف. والانحراف في الحرمان العاطفي ينتج عنه برود في العلاقات الأسرية، وتفكك في رابطتها وعدم انسجام في سلوكها، ثُمَّ تحول عاطفة الحب في النفس إلى كراهية وحقد على المجتمع أجمع، ثُمَّ طغيان الفردية على الشخصية حتى تذوب منها جميع الاعتبارات إلا ما فرضه
القوة.
والانحراف في الحرمان الغريزي ينتج عنه البحث عن إشباع الغريزة بطرق غير مشروعة كالشذوذ بأنواعه والبحث عن البغاء السري أو العلني.
2 - أمراض اجتماعية: وهي
ناتجة عن نوعين من الحرمان أيضا:
- حرمان الأسرة من الإشراف الدائم عَلَى أفرادها، والكون معهم، والحياة بينهم.
- وحرمان المجتمع الأسري أو ذوي الرحم والقرابة من رعاية حقوقها، ومداومة الاتصال بها، وإحكام المودة بينها. (1/1151)
صفحة 1152
الإباضية في موكب التاريخ
388
الإباضية في الجزائر
وينتج من الحرمان الأول نوع من التشرد والاستقلالية الجبرية التي أحدثتها الظروف، ولم
تكونها التربية الواعية. وينتج عن الحرمان الثاني نوع من التفكك، والتباعد بين الأقارب، وضياع كثير من الحقوق دون شعور من أحد، أو مسئولية عليها.
- خسارة اقتصادية: وذلك أن الرجل وهو يكافح في بلاد الغربة يضطر إلى الإنفاق على نفسه هناك وعلى الأسرة في الوطن، فهو من الناحية الاقتصادية كأَنما ينفق على أسرتين، يضاف إلى ذلك أن المرأة غالبًا لا تحسن التصرف المالي في غير اللباس والزينة، فيتسرب كثير مما يرسله الزوج إلى أسرته لكي تعيش حياة سعيدة من بين أنامل الزوجة إلى هذا الجانب، ويبقى أفراد الأسرة في حرمان من بعض ما يريدون وهم في ذلك ينسبون التقصير والمسؤولية إلى رب الأسرة الموجود في ديار الغربة.
والآن نستطيع أن نجمل الأضرار التي يخافها البعض ويحذر منها فيما يلي: الحرمان من إشباع العاطفة ينتج عنه برود العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة.
الحرمان من إشباع الغريزة ينتج عنه التماس ذلك بالوسائل المحرمة.
عدم الإشراف إشرافًا مباشرًا عَلَى الأفراد في الأسرة ينشأ عنه تشرد أولئك الأفراد، وعدم انضباطهم.
الغياب عن المجتمع ينشأ عنه التفكك في العلاقات والخلاف بين ذوي الأرحام. بقاء الأسرة بعيدة عن ربها والإنفاق عليها يتسبب في مزيد من الإسراف دون تغطية المطالب لأفراد الأسرة.
حدثني بهذه المخاوف بعض الشباب الميزابي المثقف بثقافة هذا العصر، والذي درس الآراء والنظريات الجديدة في علم النفس وعلم الاجتماع، وكنا في اجتماعات خاصة نتحدث عن المرأة الميزابية ومزاياها، ونقارن المضار والمنافع الناتجة عن هجرة المرأة الميزابية مع زوجها، فحاولت أن ألخص ما يراه بعض الشباب في هذه الفقرات بإيجاز شديد حتى يعرف القارئ الكريم كُل جوانب الموضوع. (1/1152)
صفحة 1153
الإباضية في موكب التاريخ
389
الإباضية في الجزائر
أنا - في الحقيقة لا أعرف أوَّل من اتخذ هذا القرار، ولا كيف اتخذه، ولا لماذا اتخذه، والقرار بالنظرة السطحية لا ينسجم مع الفطرة، وهو تحكم في شأن خاص من شؤون الأسرة لم تقيده الشريعة السمحة إِلا عَلَى ضرب من التأويل يمكن أن يستند إليه إذا رجحته المصلحة
العامة.
وأنا أعتقد دون أن تكون لي شواهد أن أهل الوادي لم يصدروا هذا القرار إلا لأن وقائع معينة، أو أحداثًا بارزة دفعتهم إليه، وكانت السبب في وضع هذه المادة القاسية كما يرى بعض الإخوان. وقد تقبلها سكان هذه المنطقة واعتادوها، وأصبحت عندهم. عادة لا تبعث على التساؤل والنقاش، كما أن مجلس العزابة ولا بد أن يكون قد ناقشها من الوجهة الشرعية مناقشة مستفيضة كان يقف فيها موقفا صارماً لا يسمح لأي إنسان مهما كان مركزه أن يأخذ معه امرأة خارج "وادي ميزاب" لغير الحج والعلاج، وإلا لكان معرضا للحكم بالبراءة عليه، وكانت المرأة أيضًا معرضة لمثل ذلك من مجلس العزابة النسوي، وإذا أجاز رجل لنفسه أن يقف هذا الموقف فيتقبل الحكم بالبراءة، فَإِنَّهُ لا توجد امرأة واحدة تضع نفسها في هذا المأزق الحرج وتعرض نفسها لغضب الله وغضب المجتمع وهجرانه. وقد انبنى على قرار منع المرأة من الخروج من "ميزاب" تصرف آخر قصد منه الحد من الأضرار التي قد تلحق بالمرأة بسبب غربة الزوج، وما يتعرض له من إغراءات الانحراف، وما تتعرض هي من ألوان الحرمان، فأعطى لها حق اشتراط عدد من الشروط في العقد عند الزواج تكفل لها حق إبعاد الضرر عنها وعن بيتها إذا توقعته أو أحست به وقد أصبحت تلك الشروط عرفًا عامًا عند "بني مصعب" لا يسأل الرجل عند العقد عن قبولها أو عدم قبولها، كأنما ليس له حق الرفض؛ أَمَّا الشروط فتتلخص فيما يلي (1):
1 - أن لا يغيب عنها أكثر من ثلاث سنوات. 2 - أن لا يتزوج عليها. 3 - أن لا يشرب الخمر. 4 - أن لا يرتكب جريمة الزنى -5 - أن لا يلعب القمار. -6 - أن لا يرتكب جريمة قتل النفس التي حرم الله.
1) خصصوا الكبائر المذكورة هنا دون غيرها؛ لأن لهذه الكبائر آثار سيئة مباشرة على المرأة والأسرة. (1/1153)
صفحة 1154
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
ويضيفون إلى هذه الشروط فقرة شارحة تقول: فإذا ارتكب إحدى هذه المخالفات صار طلاقها بيدها، ولا يضرها الانتظار". ويقصدون بذلك أن الرجل إذا ارتكب مخالفة أحد هذه الشروط فإن من حق المرأة أن تطلق نفسها إذا شاءت، فإذا لم تبادر إلى تطليقها فإن عدم المبادرة لا يفقدها حقها في التخلص منه، وهذه الملاحظة الأخيرة البسيطة التي حفظت للمرأة حقها في الطلاق إذا خولف الشرط من شأنها أن تجعل المرأة غير متسرعة خوفًا أن يضيع منها الْحَقِّ، فتتخذ قرار الانفصال بمجرد الهفوة الأولى، وَإِنَّمَا تتريث وتتصبر ما دامت تأمل الصلاح من زوجها، وترجو منه التوبة عن انحرافاته. فإذا يئست منه وتحققت المضرة لها في نفسها أو في بيتها لجأت إلى القرار واستعملت الْحَقِّ، وأعلنت الحكم بالفراق بقولها: "أخذت بشرطي وطلقت
نفسي". فإذا أردنا الآن أن نعود إلى الموضوع فنجمل ما فيه من سلبيات وإيجابيات فإننا نستطيع أن
نلخصه كما يلي: الاغتراب عن "وادي ميزاب" للاكتساب ضرورة اقتصادية مسلّم بها، وغير خاضعة للنقاش، ولتجنب ما ينتج عنها من أضرار اتخذ عدد من التنظيمات تكفل الضمانات الآتية: 1 - قصرت أعمال "بني مصعب" على التجارة (إلا) شواذ لا حساب لها)، وقد روعي في تلك التجارة أن تكون على أسلوب المشاركة غالبا، ولوحظ عَلَى القائمين بها الاستكثار من العمال، حتّى يتمكن أصحاب رؤوس الأموال المتشاركون في التجارة من الإشراف على تجارتهم على طريقة المناوبة، فيستطيع بعضهم أن يقيم في بلده وشريكه يشرف على التجارة، ثُمَّ يحدث العكس، وحتى يستطيع كُلّ عامل أن يعود إلى بلده في فترات محدودة ويقوم بعمله بديل من زملائه.
2 - وضعت أمام المغترب نفس البيئة التي كان يعيش عليها في جميع نظم الحياة في أسلوب العمل، وفي تنظيم الإشراف والمتابعة وفي المحافظة على الصلاة، وحضور الصلاة في المساجد أو الأماكن المعدة لذلك، وفي موالاة الإرشاد والوعظ وفي إعداد وسائل الطهارة، وفي جمـ الصدقات وتوزيعها، بل حتَّى أنواع الأكل وطريقة إعداده وتقديمه، بحيث أن الواحد منهم في (1/1154)
صفحة 1155
الإباضية في موكب التاريخ
391
الإباضية في الجزائر
ديار الغربة لا يفتقد شيئًا، اللهم إلا بعض الوجوه أو بعض المناظر أو الشؤون الشخصية جدا، فهو يعيش في مجتمع هو نفس المجتمع الذي نشأ فيه بكُلِّ ألوانه وظلاله، وهو بذلك لا يحس أبدًا أَنَّهُ في غربة ولا يجد أبدا ما يجده المغترب - عادة - من الوحشة. وفي هذه العادة التي تنقل البيئة نفسها إلى مكان العمل من الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي ما يساعد على الاستمرار في العمل والإجادة فيه. - نظمت أوقات العمل والراحة والعبادة بحيث لا تترك فراغا يدعو إلى الاحساس
بالغربة، أو الافتقار إلى قتل الوقت؛ لأنه لم يبق لهم وقت زائد أو فارغ يستحق القتل. - عدم وجود الفراغ في الوقت مع شدة المراقبة والمتابعة من ثلاث جهات متعاونة، هي: مجلس العزابة، وجماعة الحرفة، وشروط عقد الزواج؛ لكُلِّ منها حق فرض عقوبة مناسبة، كان عاملا هاما في عدم التفكير في الانحراف بجميع أنواعه، وعدم التفكير في شيء يجعل الشخص لا يشعر بالحرمان منه.
ه التهديد بفقدان الزوجة وتشريد الأطفال إن هو فكر في إحدى الموبقات السابقة، أو فكر في إطالة الغربة أكثر مما حدده القرار، أو اتخذ حلاً مؤقتا بزواج ثان جعله لا يقدم عَلَى أي خطوة من تلك الخطوات لئلا يتهدم مستقبله كله.
ونستطيع الآن أن نقول:
إن المغترب لا يحس بالفراغ العاطفي طالما هو موجود في مجتمع وبيئة شبيهة بالبيئة التي كان يعيش فيها، وطالما في إمكانه أن يرجع إلى بلده في مناسبات معقولة، فلا يُخشى عليه من العُقد، ولا يخشى منه ولا عليه برود العلاقات الأسرية.
ولا يخشى عليه من سيطرة الغريزة؛ لأن وقته مملوء بعمل منتج، ولأنه لا يجد فرصة للتسكع فيرى ما يثير فيه نوازع الغريزة، ولأنه يعرف سلفًا أنه لا يستطيع أن يشبع غريزته بطريقة غير مشروعة فهو لا يفكر في الانحراف بتاتا، وَإِنَّمَا يحصر تفكيره في الجانب المشروع، وذلك إذا دعاه داعي الفطرة الذي حدد تقريبا بالأوقات التي يسمح فيها بالرجوع إلى البلد. وأحب هنا أن يدرك القارئ الكريم ذلك الفرق الكبير بين داعي الفطرة وداعي الغريزة،
أمَّا
فدواعي الفطرة وسيلة للقيام بوظيفة حيوية يتوقف عليها استمرار الخليقة؛ دواعي الغريزة (1/1155)
صفحة 1156
الإباضية في موكب التاريخ
392
الإباضية في الجزائر
فوسيلة للاستجابة والخضوع لسلطان شهوة غالبة أثارها إحساس أو نظر أو لمس، وقد يكون المثير مشروعًا عندما يكون مع من تربطهما علاقة شرعية، وقد يكون غير شرعي عندما يكون عند من لا تربطهما علاقة شرعية، وَلَعَلَّ الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي تختلط عنده مطالب الغريزة بمطالب الفطرة، وهو مطالب باعتباره عاقلاً مكلفا بالتفريق بينهما، ووضع كُلّ واحدة منهما في مكانها الصحيح؛ أمَّا غيره من المخلوقات فتوجهها الفطرة توجيها سليما، ولذلك فأنت ترى القطيع من الحيوان بذكوره وإناثه يعيش سنة كاملة معا لا يرتكب الخطأ الذي يرتكبه الانسان فإذا جاء الموسم الذي تدعوه الفطرة للقيام بمهمة استمرار الحياة استجاب لها بذكوره وإناثه حَتَّى إذا تَمَّت عملية الإخصاب بجميع الحوامل هدأت الحركة وتوقفت العملية إلى موسم مقبل.
فعملية اللقاء والإغراء في غير الانسان لا تستثير الغريزة ولا تدفع الشهوة إلى الغلبة والسيطرة إلا في الأحوال والأفراد الشاذين والشاذ لا حكم له. أما اللقاء والإثارة والإغراء في الانسان فهي شديدة الخطورة ولا تتحكم فيها الفطرة إنَّمَا تتحكم فيها الغريزة، والغريزة مطية الشهوة، ولذلك كان من تشريع الله للإنسان إبعاد المثيرات عنه بالفصل بين حركة الرجل والمرأة، وجعله لِكُلِّ منهما مدارًا في الحياة يدور فيه، ولا يتم اللقاء بينهما إلا بترتيب
وتنظيم.
وهذا ما أدركه المفكرون من "بني مصعب"، فكانوا لا يخشون على المغترب منهم من الانحراف؛ لأن ضمانات عديدة نفسية وعقلية ودينية وعملية تحول دون ذلك، ولا يخشى عليه من العقد؛ لأن العقد لا تنتج إلا من الاحساس بالحرمان المبني على القهر مع التفكير الدائم في إمكان الحصول على المرغوب لولا وسائل التسلط، أمَّا النفس التي لا تحصل على مرغوب مشتهى من دواعي الغريزة؛ لأنها مقتنعة داخليا - بأن ذلك ليس من حقها فلا تتعقد أبدا، فإذا كان المغترب ممَّن تكون عنده دواعي الفطرة بطيئة، وتغلبت عليه ظروف المال في ديار الغربة. ولا أحب أن يستمر فيها بعد أن بلغ الحد الأقصى للمدة المقررة أو المسموح بها، فإنه يكون عرضة لأن تنفصل عنه زوجته، وتتشرد أسرته فيبادر إلى الرجوع إلى وطنه ولو لم يكن
جمع (1/1156)
صفحة 1157
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
شديد الرغبة في ذلك؛ وذلك لأن واضعي التنظيم راعوا ظروف المرأة، فإن للمرأة في باب الفطرة حقا مثل حق الرجل، وقد مكنت من الحصول على هذا الحق بالقوة إذا لم تن
العاطفة.
موضوع تربية الأسرة، والإشراف عليها، وافتقاد منزلة الأب المغترب في ذلك موضوع هام في الحقيقة، غير أن "بني مصعب" وهم يرون أن الاغتراب ضرورة اقتصادية تحتمها مصلحة الوطن والمجتمع والفرد قد اتخذوا عددًا من الترتيبات والتنظيمات التي تخفف إلى أقصى حد مساوئ اغتراب رب الأسرة عن الأسرة. وذلك أنه بالإضافة إلى من يتركهم المغترب من كبار الأسرة ليشرفوا عَلَى كُلِّ الجوانب من أسرهم، فإن مجلس العشيرة يعتبر المشرف الحقيقي على جميع أسر العشيرة، وهو الذي يتولى رعاية شؤون كُلّ أسرة بالتفصيل وبالتدقيق حتى مع وجود رب الأسرة، ومع ذلك فإن القرية في وادي ميزاب" تعتبر أسرة واحدة يتولى الإشراف عليها من جميع جوانبها مجلس العزابة، يساعده على مشاكل دخائل البيوت والمجتمع النسوي مجلس العزابة النسوي، وعيّن هذا المجلس الساهرة على مصلحة المجتمع تدخل كُلّ بيت، وتتبع كُلّ أسرة وتعرف المشاكل، وتوجه كُلّ طفل لما ينبغي له، وتتيح لجميع أبناء القرية فرصا متساوية من التعليم والتهذيب والرعاية والتعويد على المحافظة على العبادات، لا سيما أداء الصلاة في المساجد والحصول على أنصبتهم من الأوقاف التي توزع كُلّ يوم أو في المناسبات، وتعويدهم على المحافظة على مكارم الخلاق. ويساعد مجلس العزابة والعشيرة مجلس المكاريس الذي يحافظ عَلَى النظام والآداب العامة في القرية، ويتولى حراسة القرية حراسة دقيقة في كُلّ ما يعكر جو الأمن أو الدين أو الخلق، سواء كان ذلك المعكر وافدًا من الخارج وهو أكثر الحالات أو كان نابعا من داخل القرية وهو
نادر جدا.
وبهذا فإن الأسرة لا تفقد بغياب الأب أو الأخ شيئًا غير شخصه الذي يجعل غيابه عنهم تزداد في قلوبهم وتعلقهم به يتضاعف بتضاعف شوقهم إليه، ويجعله هو في نفس الموقف أيضا؛ لأنه مطمئن عَلَى استقامة أمورهم جميعًا لوجود من يتولاهم في أمانة وإخلاص، ولا يحن إلى رؤيتهم إلا من باب الشوق والمحبة. (1/1157)
صفحة 1158
الإباضية في موكب التاريخ
394
الإباضية في الجزائر
والواقع أن هذا الوضع يقوي الترابط الأسري، ويبعد عنه ما تثيره التصرفات المباشرة، وتعارض الرغبات من آثار في النفوس.
وبفضل هذه التنظيمات وأمثالها لم يعرف التشرد في المجتمع الإباضي في أي دور من أدوار
بلدان
التاريخ حتّى في أشدها قسوة عليهم، رغم ما انصبت عليهم من النكبات في أي بلد من الإباضية. وكان هذا يمثل ظاهرة غريبة في الدراسات الاجتماعية لبعض المهتمين بهذا الموضوع، فقد كان بعضهم يلاحظ مع الاهتمام والاستقصاء والحرص أنه لا يوجد أي شحاذ أو متسول أو متشرد إباضي، بينما يوجد من غيرهم أعدادًا وافرة.
وقد أشار الأستاذ توفيق المدني ببراعة إلى هذه الظاهرة عندما تكلم عن إباضية "وار جلان"، أَمَّا الأستاذ حسن عبد الوهاب فقد لاحظ هذه الظاهرة بعمق في إباضية "جربة"، وتحدث عنها بشيء من الإسهاب وحاول أن يعللها ويبحث عن أسبابها فوفق في بعض التعليقات، وفاته التوفيق في بعضها. وحسبه أنه أدرك ما لم يشعر به، أو تغافل عنه غيره وكتب عنه بصدق وصراحة، وحاول أن يفهم أسبابه.
ولا خوف أبدا من التفكك الأسري المنبني على طول الغياب الذي يسبب ضعف العلاقات مع الأقارب والتقصير في أداء حقوقهم، فإن هذه الفكرة غير واردة أساسا؛ لأن حقوق الأقارب وزياراتهم ليست واجبًا يوميًا، وَإِنَّمَا هي مرتبطة غالبا بالمناسبات والمواسم، وتتفاوت هذه الحقوق بتفاوت درجات القرابة.
إليه وربما كان محملاً ولا شك أن الغياب فترة من الزمن يجيء بعدها القريب مشتاقا بالهدايا - كفيل بنسف كُلّ المخاوف في هذا الباب. وَلَعَلّ غياب بعضهم عن بعض فرات معقولة من الزمان أدى لأن لا تثور بينهم المشاكل بسبب احتكاك المعاشرة وأن يتغلب على صغائر الأمور فتغلب المحبة عليهم وتزداد أواصرهم توثقًا ومتانة. أمَّا نقطة الخسارة الاقتصادية فلعلها ليست تدعي الدراسة من الأهمية بحيث تستدعي والبحث، والأموال التي تصرف على الأسرة وعلى الوطن ليست خسارة، وإن كان فيها
بعض المبالغة، والمرأة التي تتولى إدارة البيت في غياب زوجها تتعود عَلَى حسن الإدارة، وَرُبَّمَا تجيد إدارة الجانب المالي فيه أكثر من إدارة الزوج له. (1/1158)
صفحة 1159
الإباضية في موكب التاريخ
395
الإباضية في الجزائر
خائمة الفصل
بقي في نهاية هذا الفصل أن أقول: إن هذه الأنواع من التنظيمات والإجراءات أو الأعراف ليست وليدة يوم، ولا منبثقة عن تفكير فلسفي في برج عاجي، أو نبعت بين أناس من ذوي الكراسي الدوارة والمكاتب العريضة الذين يتصورون مشاكل المجتمع بآذانهم، ويتخذون لها الحلول بأخيلتهم، وَإِنَّمَا هي نبعت من تجارب غنية متواصلة، وملاحظات مستمرة متتابعة ومناقشات في اختيار أنسب الحلول وأسلمها، وقد تدوم تلك الملاحظات والمناقشات شهورًا وأعواما حتَّى تبلغ إلى الصيغ النهائية التي نفذت كأعراف أو تقاليد، أو كأنظمة وقوانين. فما الآثار التي نتجت عن مجموع تلك القرارات والتنظيمات والأعراف والتقاليد؟
هي
وللإجابة عن هذا السؤال أستطيع أن ألخص أهم تلك الآثار في النقاط التالية: 1 - اعتمدوا في بناء وطنهم عَلَى أنفسهم، واعتبروا غربتهم تضحية في سبيل الوطن يرجون عليها الثواب من الله، وجعلوها وسيلة لخدمته، ولذلك فهم ينفقون بسخاء على تعميره مما جعله يمتاز عَلَى غيره من الواحات بالعمران والازدهار ووسائل الحضارة ويسر المرافق. وقد جعلهم حبهم لهذا الوطن واغترابهم من أجله يتصرفون خلاف ما هو متعارف عليه في العالم أجمع، وذلك أن أكثر الناس إذا أرادوا التخفف من المسؤليات وقضاء وقت في الراحة والاستجمام. يأخذون مبالغ من المال وينطلقون بها خارج بلادهم ينفقونها هناك في حرية ودون مسئولية، أمَّا "بنو مصعب" فَإِنَّهُم إذا أرادوا التخفف من مسئولياتهم وقضاء وقت في الراحة والاستجمام فَإنَّهُم يأخذون ما معهم من مال في دار غربتهم، ثُمَّ ينطلقون من بلدان عملهم إلى بلدان وطنهم الأصلي، حيث يقضون فترة من الراحة والاستجمام بين أفراد
أسرهم وفي ربوع وطنهم، وتعود نفقاتهم على بلادهم وشعبهم بالخير والرغد والازدهار. 2 - ارتبطوا مصيريًا بوطنهم الأصلي فهم مشغولون عَلَى كُلِّ النطاقات بالتفكير فيه والعمل له، والكفاح من أجله، وقد كلفهم ذلك أثمانا، باهظة قديما في رد عدوان هجمات النهب والسرقة والقتل، وحديثًا في كفاحهم للاستعمار الفرنسي ورفضهم للخضوع له، ولفروضه التي كان يفرضها عَلَى الشعوب الداخلة تحت سيطرته كالتجنيد الإجباري. (1/1159)
صفحة 1160
الإباضية في موكب التاريخ
396
الإباضية في الجزائر
3 - عند اغتراب الرجل بقيت المرأة هي ركيزة العمل الاجتماعي فقد توفرت لها التربية الدينية، وارتبطت بالمسجد يوميًا تحضر الصلاة، وتسمع الدروس، وكفل لها المجتمع حصانة دائمة لا تتعرض فيها لأي هزة أو إثارة، ولم تنفتح لها أبواب الشر والفساد كما انفتحت لغيرها. وألقيت عليها مسؤولية الاستقرار في الوطن والمحافظة على مثاليات الأسرة التي يوجهها الدين، ويقرها العرف الحسن، فثبتت في مكانها كقاعدة تدور حولها شؤون الأسرة جميعا، وينشأ تحت رعايتها الأطفال، ويساعدها الأجداد، ويشترك معها الزوج في رسم المسيرة عندما يحضر، أو يتم ذلك بالمراسلة في المشاكل الطارئة، ومنع غير المحارم من لقائها ولو كانوا من أقاربها، فاستغنت عنهم واستقلت بإدارة البيت ورعاية شؤونه مما أكسبها قوة في الشخصية واعتدادًا بالنفس وثقة من الزوج والأهل فكانت العلاقة التي تربطهم جميعا ولا سيما الزوجين مبنية على المحبة والاحترام المتبادلين.
4 - اعتاد الميزابيون مشقات السفر والاغتراب وتمرسوا بخدمة أنفسهم دون اللجوء إلى غيرهم، وعودوا أبنائهم عَلَى ذلك من عهود الطفولة، فتكونت فيهم صفات رجولية قوية معتمدة على النفس، وسلموا من عواقب التدليل الذي يورث الوهن، ومن مظاهر الحب والحنان الذي يتجاوز حدوده فينقلب إلى مرض نفسي. فكانوا إذا طلبوا من طفل في السابعة أن يرحل إلى بلد بعيد يقيم فيه السنة والسنتين دون أحد من أقاربه استعد لحمل أمتعته، وساعدته أمه عَلَى ذلك، دون أن تقوم مناحة في البيت بسبب الفراق، ودون أن تتبلل دستة من المناديل بالدمع في لحظات الوداع، ودون أن يحس هو بأنه في حالة حرمان المفطوم أو بأنها في موقف الثكلى. ه كان من أهم آثار تلك التنظيمات عليهم أن ربطتهم بوحدة متميزة في السلوك والعادات، وجعلتهم حراصًا على الاستمساك بالدين والاحتفاظ بالاستقامة في الخلق، وقويت الرابطة بينهم في ديار الغربة وفي داخل بلادهم وعودتهم على التفكير الجدي في المصالح العامة والتعاون عليها حتى أصبح القيام بها، والإنفاق عليها والتبرع لمشاريع الخير -كيفما كانت- ملكة فيهم يستجيبون لها بالنداء الداخلي الذي يحسونه في أنفسهم أكثر مما يستجيبون له بالدعوة إليه، وكان من نتائج ذلك أنه ما قام داع يدعو إلى مشروع خيرى لمصلحة الجماعة
تحس هي
- (1/1160)
صفحة 1161
الإباضية في موكب التاريخ
397
الإباضية في الجزائر
الا وجد النفوس مقبلة عليه مقتنعة بوجوب الإنفاق فيه؛ لأن تلك النفوس ريضت على أعمال
الخير واقتنعت بها قبل أن تدعى إليها. -6 - رُبَّمَا كانت رابطة الأسرة عندهم ولا سيما علاقة الزوجين والأبناء أقوى منها في أي بلد أو شعب آخر؛ لأنها عندهم تعتمد على ثلاثة ركائز هي:
-
المحبة والمصلحة والشوق، بينما لا ترتكز علاقة الأسرة عند غيرهم إلا على المحبة والمصلحة في قليل من الأحيان، وعلى المحبة فقط أو المصلحة فقط في أكثرها. وقد يكون سبب الارتباط بين الزوجين هو المحبة ثُمَّ تنشأ عنه المصلحة، وقد يكون المصلحة ثُمَّ تنشأ عنه المحبة. ومهما كانت في سائر الشعوب فَإِنَّهَا في هذا الشعب تزيد قوة وارتباطا بعامل الشوق الذي تتهذب به العواطف وتسمو به الأحاسيس، وتروق به المشاعر، فيصطبغ السلوك المبني عَلَى كُلِّ ذلك بالحنو والحنان والإحسان. ويبدو لي أن هذه المزايا كلها كانت نتيجة لقرار منع المرأة من الخروج خارج "وادي فاستقرت في وطنها، وباستقرارها استقر الشعب كله، وبذلك كان لها الفضل في حفظ الأسرة، وحفظ الدين، وحفظ الأخلاق والعادات، وحفظ الرجل من الفساد الخلق و حفظت نفسها من الوقوع بين مغريات الحياة، وحفظت الوطن مزدهرا عامرًا محبوبا متشوقا
ميزاب
إليه باستمرار.
وبفضل ازدهاره الذي كان السبب الحقيقي فيه هو تضحية المرأة الكبرى من أجله ولزومها له، وأصبح مفخرة للجزائر الحرة، ومرتادا سياحيًا من الدرجة الأولى يحرص السواح على زيارته، وتحرص أجهزة السياحة من الدولة أن تريه لهم، وكان قبل ذلك وبعد ذلك جنة من جنات الله في الأرض لا يحس "بنو مصعب" بالسعادة والهناء، والاستقرار والأمن إلا عندما يكونون بين ربوعه بقراه اللامعة وغاباته الخضراء التي تحيط بها كما يحيط هلال العلـ بنجمته الزاهرة. فإذا أراد الإباضية في الجزائر أن يبقى وطنهم واسطة العقد لواحات الصحراء جميعا، ومفخرة للجزائر كاملة، وحصنًا لهم مُحتفظًا بخصائصه ومزاياه فليحافظوا على القرار الذي
يمنع المرأة من الخروج من وادي ميزاب"، وإذا أرادوا أن يتساهلوا فيما ورثوه. (1/1161)
صفحة 1162
الإباضية في موكب التاريخ
398
الإباضية في الجزائر
وأعراف فليتساهلوا فيما شاءوا وليغيروا نظام اقتصادهم وحياتهم كما يشاءون، وليحتفظوا بثلاثة أشياء فقط هي: مجلس العزابة ومجلس العشيرة، وعدم السماح بخروج المرأة لغير العلاج والحج؛ وليتأكدوا أنهم إذا تساهلوا في موضوع العزابة فإن الجانب الديني قد اضمحل. وَأَنَّهُم إن تساهلوا في مجلس العشيرة فإن الجانب الاجتماعي لهم قد اختل. وَأَنَّهُم إن تساهلوا في رحيل المرأة عن الوادي فإن الشعب الميزابي كله قد رحل .. ولن يبقى في ذلك
الوادي غير مياه من حين إلى حين تسيل وجذوع مهترئة كانت فيما سبق جذوع نخيل. هذا ما تحققناه عن خبرة، وعرفناه عن تجربة وشاهدناه بالعين وحضرنا بعض مأساته، ولا أبقانا الله حَتَّى نرى نهايتها، فليسألوا إن شاءوا تلك الآثار الصامتة ما بين "جربة" و وار جلان"، وليسألوا إن شاءوا تلك الآثار الناطقة ما بين "غدامس" و"غريان" .. والله عاقبة الأمور في كل مكان. (1/1162)
صفحة 1163
الإباضية في موكب التاريخ
399
الإباضية في الجزائر
الباب السادس:
المؤسسنان الثانية والثالثة
جميع شؤون الإباضيَّة في الجزائر مجتمعا وأفرادا - بعد انقراض الدولة الرستمية، ولا سيما في العصور الوسيطة من أوائل القرن الخامس الهجري، فما بعد إِنَّمَا كانت تقوم عَلَى إحدى مؤسسات ثلاث أو عليها جميعا.
وهذه المؤسسات الثلاث هي: مجلس العزابة، ومجلس العشيرة، ومجلس المكاريس
(إيمَسُّوردَان).
1 - مجلس العزابة:
قد تحدثنا عنه في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب وفي هذا الجزء أيضا بما يكفي لإعطاء
صورة واضحة عنه. 2 - مجلس العشيرة:
لا نستطيع أن نعطي صورة كاملة مفصلة في هذا الفصل عن هذه المؤسسة، ولكن في إمكاننا استيفاء للأقسام أن نضع بين يدي القارئ الكريم باختصار شديد بعض الملامح التي تتكون منها تلك الصورة العشيرة تتكون من مجموعة من الأسر تربط بينها أواصر القرابة وعلاقة الرحم، وَلِكُلّ عشيرة مجلس غير محدد العدد من زعماء العشيرة وذوي الرأي والفضل منهم، وللمجلس رئيس يختارونه من بينهم ومن مجموع العشائر تتكون القرية أو المدينة، ومن رؤساء المجالس يتكون مجلس الضمان، ورئيس الضمان يمثل الحاكم المدني للقرية. ومجلس العشيرة هو المساعد القوي لمجلس العزابة من جهة، ولمجلس المكاريس مـ
جهة أخرى، وأبرز مهمات مجلس العشيرة تتلخص فيما يلي:
-1 - دراسة جميع أحوال العشيرة ودخائلها.
- دراسة جميع المشاكل التي تحدث داخل العشيرة واتخاذ الحلول لها. 3 - معالجة الانحرافات التي تقع من بعض أفراد العشيرة. (1/1163)
صفحة 1164
الإباضية في موكب التاريخ
40
الإباضية في الجزائر
التعاون مع مجلس العزابة، وإبلاغ الحالات المستعصية إليه ليتخذ فيها قرارا من العزابة.
5 - التعاون مع المكاريس، وتشجيع ذوي الكفاءة إلى الانضمام إليه.
جمع ما يفرض على العشيرة من أتاوات أو ضرائب أو غرامات أو التزامات
بأساليب تتفق والمستوى الاقتصادي لكُلِّ أسرة، ثُمَّ إيصال ذلك إلى الجهة المختصة. وَلَعَلّ أفضل صورة تعطى عن هذه المؤسسة هي الصورة التي تعاون على رسمها العالمان
الجليلان الشيخ أبو اليقظان -رحمه الله - والشيخ توفيق المدنى - أمد الله عمره -.
قال أستاذنا الشيخ أبو اليقظان - رحمه الله - ما يلي: "وقد علق الله بنظام العشائر حقوقا لليتامى والأرامل والسفهاء والمجانين والغياب، وحفظ به نظام الأس نظام الأسر والعائلات بحفظ الأنساب، وإلزام النفقات وإيصال حقوق الميراث لأصحابها وخفف به ثقل الدية في الخطأ على القاتل بتوزيعها على أفراد العشيرة" انتهى.
وقال الأستاذ توفيق المدني في كتاب الجزائر صفحة (121 ما يلي: "بما أن العشيرة تتركب من بيوتات، والبيت يتركب من عائلات فهي بمجموعها تعتبر كوحدة عائلية لا انفكاك بين أجزائها، ومن حيث إِنَّهَا مكلفة شرعًا حسبما هو منصوص في الفقه الإسلامي بالسهر على مصالح القصر من اليتامى والمجانين والأرامل والغياب منها، وأنها مسئولة عن حياتها في غير العمد، فهي متماسكة بلحام الدين وبأوشاج الأرحام، ولهذه الميزة كان لها الأثر الفعال في كثير من المصالح العمومية من ردع المفسد وإرشاد الضال، وإيواء العاجز، وإصلاح ذات البين، ودفع عادية المعتدين ... إلخ. فهي
تعقد جلساتها عادة من رؤساء العائلات كلما همهم أمر، وعند كُل شهر تقريبا، وجلساتها
العامة مرتين في العام في الغالب، هذا هو النظام المتبع منذ القديم، وقد تطرق الخلل للبعض فأهمل. وبفضل ما تقدم لا يوجد في بلاد "ميزاب" على الإطلاق زاوية ولا حانة ولا دار خنا، إلا ما أوجده الفرنسيون خارج غرداية .. كما لا يُرى عَلَى الإطلاق متسول من الميزابيين في أي طريق من طرق "ميزاب".
ولماذا يوجد وعشائرهم كجمعيات خيرية تكفل فقيرهم وعاجزهم بإلزام وليه بنفقته، وإلا حوكم أمام القضاء أو مجلس العزابة". انتهى. (1/1164)
صفحة 1165
الإباضية في موكب التاريخ
401
الإباضية في الجزائر
وتحب قبل أن نختتم هذه الفقرة أن ننقل للقارئ الكريم مقتطفات من كتاب «نهضة الجزائر الحديثة لمؤلفه العزيز الأستاذ مُحَمَّد على دبوز .. قال:
" فهم أي أعضاء مجلس العشيرة - العين البصيرة الساهرة، تراقب كُلّ أفراد العشيرة، وتعمل لصالحهم وتقدمهم وهنائهم، أنهم يراقبون سير العشيرة في ميدان العلم والمال والصلاح" انتهى.
ويقول: "وَلِكُلِّ عشيرة في "ميزاب" دار هي ملك لها من إنشائها تعقد فيها مجالس إدارتها وحفلات أعراسها وتستعملها المدينة أيضًا في حفلاتها واجتماعاتها إذا احتاجتها ... وَلِكُلّ دار أوقاف من أبناء العشيرة أو صندوق من تبرعاتهم لإصلاح الدار، وتجهيزها بالأثاث الذي يحتاجه أبناء العشيرة ...
ترى أن الفقير يجد لعرسه أو ضيفه في دار عشيرته ما يحتاجه فيستعيره ... وينظر المجلس في مشاكل العشيرة، فيفض الخصومات بين أهلها ولا يترك خصومة تصل القضاء، ويراقب سلوك أبناء العشيرة؛ فإذا شذ أحد عن الدين وزاغ عن الصراط المستقيم يستدعيه المجلس إلى دار العشيرة فيعظه ويوبخه ويحاول إصلاحه باللين، فإن أصر اجتمع أبناء العشيرة وقرروا تعزيره بالجلد فإن تمادى رفع أمره إلى العزابة نقلت هذه الفقرة بقليل من
التصرف.
وقال: "والعشيرة هي التي تهتم بالأيامى واليتامى في العشيرة، فإذا مات أحد وترك أبناء صغارًا دون وصي، عينت لهم العشيرة وصيَّا، وراقبته وحاسبته في مال اليتامى وتربيتهم وتعليمهم، وإذا لم يكن للأيم أقرباء ينفقون عليها فإن مجلس العشيرة يتولى كفالتها
وصيانتها".
"وإذا تعطل أحد عن العمل أوجد له مجلس العشيرة عملاً .. إن البطالة محرمة في "ميزاب"، ولذلك ترى التاجر أو الفلاح الذي لا يسع عمله إلا عاملين يستخدم ثلاثة وأكثر، فزالت البطالة من "وادي ميزاب" بفضل الإسلام". "وإذا اختلت تجارة أحد ووقع في أزمة لجأ إلى مجلس العشيرة فيعينه ويقرضه، ويأخذ بيده
حتّى ينهض". (1/1165)
صفحة 1166
الإباضية في موكب التاريخ
402
الإباضية في الجزائر
هذه مقتطفات من كتاب نهضة الجزائر الحديثة» نقلت بعضها بالنص، وبعضها بتصرف قليل، وهي في جملتها لا تخرج عن إطار الصورة التي وضعها أستاذنا الفاضل الشيخ أبو اليقظان -رحمه الله - وإن كانت تزيدها لمعانًا وإشراقا.
مجلس إمسطوردان:
كلمة "إمَسطُورْدَان" كما هو واضح كلمة بربرية، ويختلف الناس في نطقها اختلافات بسيطة لا تتغير فيها بنية الكلمة تغيرًا كبيرًا، وَإِنَّمَا توضع فيها بعض الحروف مكان بعض، أو
قد تُحذف بعض الحروف منها، وهذه الصيغة هي أكمل الصيغ وهي بلهجة أهل غرادية. وكما اختلف الناس في نطقها اختلفوا أيضا في معناها وترجمتها إلى اللغة العربية، أي في مدلولها اللغوي، فقد ترجمها بعضهم بـ"جمعية الشباب" وترجمها بعضهم بـ"جماعة الحراسة"، وسَمَّاها بعضهم "جمعية المكاريس"، والكلمتان الأخيرتان متقاربتان فيما يدو لي في مبناهما وفي معناهما؛ فكلمة "مكاريس" عَلَى ما يظهر مُحرفة، وهي تَدُلُّ عَلَى المبالغة في القيام بالحراسة كقولهم: مطعان لكثير الطعن، ومطعام لكثير الاطعام، وجمعها جميعا: مطاعيم، محاريس، ولها نظائر في اللغة العربية وإن لم تُحفظ بهذه الصيغة، وهذا التعليل وإن كان بعيدًا فَإِنَّهُ أقرب ما تعلل به هذه الكلمة.
تعني
الشخص
هذا ما ذهب إليه بعض من تناقشت معهم في أصل هذه الكلمة فقال: لَعَلَّها وأبعد من مأخوذة من كلمة (كرس) ومعناها الجماعة من الناس، وجمعها أكراس)، وجمع الجمع (أكاريس)، ثُمَّ حرفت الهمزة إلى الميم وأطلقت عَلَى هَذه المؤسسة أو ترجمت بها كلمة (مسطوردان)؛ لأنها تتكون من جماعات متعددة، وقال بعض من ناقش الكلمة (مكروس) و (مكاريس) كلمة دارجة في اللهجة الجزائرية لا أصل لها في اللغة العربية، وهي القوي الفطن اللبق، ولَمَّا كان أفراد هذه المؤسسة يتمتعون غالباً بهذه الصفات فقد ترجمت به كلمة "إمَسطُورْدَان". أما كلمة "إمَسطُورْدَان" فقد اطلعت على تحليل لها في بحث لم يذكر صاحبه قدمه إلى الأخ العزيز الشيخ فخار حمو بن عمر، وصاحب البحث يرى أن كلمة "إِمَسطُورْدَان" مُحرفه عن كلمة (تام أُوتُسَان)، وكلمة "تام" أُوتُسَان" تعني: ثمانية أيام، وهي المدة التي تدرس فيها طلبات (1/1166)
صفحة 1167
الإباضية في موكب التاريخ
403
الإباضية في الجزائر
الالتحاق بالمؤسسة، يقرر في آخر يوم منها قبول أو رفض الطلب، فسميت بها المؤسسة .. ومهما كان الأمر فنحن نعود إلى القاعدة العامة المعروفة إذا فهم المعنى فلا مشاحة في الألفاظ والأسماء، ولا تعلل وإن كانت أسماء لمؤسسات، فيستوي أن نطلق عليه اسم "المكاريس"، أو "جماعة الحراسة، أو "إمسطوردان"، أو "إمسوردان". ويؤسفنى أن أقول إني لا أعرف بالتدقيق متى أُنشئت هذه المؤسسة، ولا من أنشأها أوَّل مَرَّة، أو من وضع خطوطها العريضة، وإنَّمَا عرفت هكذا أحيانًا باسمها، وأحيانًا بآثارها لعدة قرون مضت.
كان
: وَرُبَّمَا لو حاول الباحث أن يستنطق الأحداث لوجد جذورها الأولى قد نبتت بعد انقراض الدولة الرستمية مباشرة أو بفترة قصيرة وربما وجد من الأحداث ما يَدُلُّ أَنها كانت مصاحبة لنظام العزابة، أو كانت هي التمهيد الأوَّل لنشأة فكرة العزابة، وَإِنَّمَا انفصل نظام العزابة عنها لطبيعة النشاط الذي تزاوله كُلّ منهما، وَيَدُلُّ لذلك أن تنظيما شبيها بهَذا التنظيم يوجد بجبل نفوسة تتضح بعض آثاره منذ القرن الخامس الهجري، بل قبل ذلك كما تفيده مواقف أبي يوسف وجدليش البجلاني وأضرابه. ولم يختف هذا التنظيم من بعض قرى الجبل كمؤسسة لها نظم وتقاليد- إلا بعد احتلال الطليان للجبل، وكانت هذه المؤسسة تسمى "إعَمَّارَن" أي العمارة، وتتكون عادةً من أربعين شخصاً لا يقلون إلا عند الضرورة، أمَّا اختيارهم فيتم عن طريق العشائر أو فروع القبائل. ومجلس العمار في اجتماعه العام هو الذي يتولى اختيار الرئيس من بينهم، أما عملهم فيجمع صلاحيات متعددة، فهم يتولون حراسة البلد وحراسة الغابة من السرقة، ولهم في ذلك أنظمة وتقاليد متبعة وأساليب تختلف حسب الفصول والمحاصيل.
وهم
أيضا يقومون بما يقوم به رجال الحسبة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراعاة الأسواق، والإشراف على العمليات والمعاملات التي تقوم بين الناس. وإلى هذا يقومون بما يقوم به شرطة الآداب من اعتقال المنحرفين وتأديبهم، أو تقديمهم إلى من يقوم بتأديبهم. ومن أهم أعمالهم رد العدوان المفاجئ فيتصدون له ريثما تتهيأ الأسباب لدفعه والاستراحة منه. (1/1167)
صفحة 1168
الإباضية في موكب التاريخ
404
الإباضية في الجزائر
فَلَمَّا جاء الاستعمار الإيطالي وسيطر عَلَى كُلّ شيء بهتت تلك الصورة الرائعة للعمار، وحرفتها السياسة الاستعمارية من مؤسسة عتيدة لها أعراف وتقاليد ونظم إلى صورة مصغرة باهتة لها الاسم دون الصلاحيات، فكانت تكلف مشايخ القبائل أن يختاروا عددا قليلاً من الناس في حدود موسم واحد الحراسة غلة ذلك الموسم لقاء أجر محدد يجمع من أصحاب الغلة، ولم تزل هذه المؤسسة العتيدة – في ليبيا - تتضاءل حتى انتهت في أواخر العهد الإنجليزي، واستغنى الناس عن تلك المؤسسات جملة وتفصيلاً، ثُمَّ ذاب ذلك النظام وتلاشى وحل محله نظام الشرطة في المدن والقرى وحرس الغابات في الرياض والمزارع.
وَلَعَلّ القارئ الكريم يرى كثيرًا من ملامح هذا النظام في ملامح مؤسسة "إمَسطُورْدَان"، أو
ربما يرى الخطوط العريضة لكلا التنظيمين واحدة مما يدل أنها انبثقت من منبع واحد. ولكي أضع بين يديه صورة لهذه المؤسسة العتيدة سوف أعتمد على البحث الذي قدمه إِلَيَّا الأخ الكريم الشيخ فخار حمو بن عمر -وإن كنت لا أعرف واضع البحث- مستعينًا بما كتبه المؤرخان الكبيران أبو اليقظان والمدني في الموضوع، ومن كتابات مُحَمَّد علي دبوز من أحاديث ومناقشات متناثرة أثناء لقاءات خاصة وعامة.
أحد.
1 - يستمد نظام حراسة "إمَسطُورْدَان": من روح النظام العسكري عند الدول، وهو مستقل تمام الاستقلال عن هيئة العزابة من حيث الإدارة والتصرفات، ولكنه يرتبط بالعزابة شرفيا؛ فهو من العزابة بمثابة السلطة العسكرية من السلطة المدنية. وهيئة "إمَسطُورْدَان" عبارة عن مؤسسة معترف بها رسميًّا من العزابة ومن نظام العشائر، ومخولة تلقائيا باتخاذ الإجراءات الكاملة في جميع مجالات عملها دون اعتراض من 2 - يتلخص عملها فيما يلي: السهر التام عَلَى الأمن العام، والإشراف على الأشغال العامة، وتنظيم الأعمال التطوعية، وتوزيع الصدقات في مواعيدها، وحماية المجتمع من شرور المنحرفين، والمحافظة عَلَى قداسة مجلس العزابة وحمايته ممَّا يتهدده من داخل أو خارج؛ فهي تقوم بمزيج من أعمال السلطة العسكرية، وأعمال شرطة الأمن وشرطة الآداب، وأعمال رجال الحسبة، وأعمال شرطة النجدة والمطافئ، وأعمال المنظمات الكشفية. (1/1168)
صفحة 1169
الإباضية في موكب التاريخ
405
الإباضية في الجزائر
3 - نظام المؤسسة: للمؤسسة نظام مضبوط محفوظ يتلقاه رؤساؤها كابرا عن كابر منذ أقدم العهود، ويتخلص فيما يلي:
تنقسم المؤسسة إلى ثلاث طبقات هي: طبقة الصغار، وطبقة المتوسطين، وطبقة الكبار. وهذه الطبقات لا يراعى فيها عامل السن، وَإِنَّما يراعى زمن الانضمام إلى المؤسسة وإجادة القيام بأعمالها، فالداخل إليها حديثا يعتبر من الصغار ولو كان متقدما في العمر. ومهمة طبقة الصغار تنحصر في الانقياد التام والطاعة الكاملة، والقيام بكل الواجبات التي تكلف بها عند اللزوم دون تردد ولها رئيس من أفرادها ومستشارون.
والرئيس هو الحلقة التي تربط الطبقة الصغرى بالطبقة الوسطى، وعليه أن يبلغ رغائب وطلبات طبقته إلى رئيس الطبقة الوسطى، وعليه أيضًا أن يتلقى التعليمات والتوجيهات من رئيس الطبقة الوسطى لتبليغها إلى طبقته لتنفيذها والعمل بها. ومهمة طبقة المتوسطين تنحصر في تنفيذ الخطط التي ترسم لهم من طبقة الكبار، وعلى طبقة المتوسطين المعول والاعتماد الكلي في الحراسة وفي جميع الأعمال الشاقة التي تستدعي مزيدا من الجهد والحذر والسرية. ولهذه الطبقة أيضًا رئيس منهم ومستشارون، ومن اختصاصات هذا الرئيس الاتصال المباشر برئيس طبقة الكبار والتلقي عنه، أو التبليغ إليه في جميع ما يتعلق بشؤون المؤسسة. أما طبقة الكبار فتشبه أن تكون مجلس إدارة موسعة للمؤسسة، وعليها وضع الحراسة، وتنظيم الأعمال، وتفقد الحراس حال الحراسة، واستكشاف نقاط الضعف منهم
الخطط، وترتيب
لملاقاتها، والحضور لدى هيئة العزابة للمفاوضات والمراجعات في القضايا التي تهم الهيئتين معا. ورئاسة المجلس العام بطبقاته الثلاث، ولا يجتمع على صورته الكاملة إلا نادراً بسبب أحداث جسام، وعندما تقتضي اجتماعه ظروف، ملحه، ويكون الاجتماع تحت رئاسة أكمل طبقة الكبار كفاءة وأقدمهم وجودًا في المنظمة. 4 - شروط القبول في المؤسسة: يشترط لقبول عضو جديد في المؤسسة عدة شروط أهمها
ما يلي: (1/1169)
صفحة 1170
الإباضية في موكب التاريخ
406
الإباضية في الجزائر
(أ) أن يكون العضو قادرًا على حفظ الأسرار محافظة كاملة مهما كانت الظروف. أن يكون حسن السيرة والسلوك، وأن يشهد بذلك من يتوفر فيه هذا الشرط. (ج) أن يكون العضو متزوجا؛ لأن الزواج يحصن الإنسان.
(ب)
(د) أن يكون مقدامًا شجاعا لا يهاب الموت في سبيل الواجب، ولكنه في نفس الوقت لا يترامى على الموت بدون مبرر.
(هـ) أن يكون موفور الصحة يتمتع بالقوة والصلابة وليس به أي مرض ظاهر.
(و) أن يكون ذكيا لبقا يعرف كيف يتصرف.
ه - كيفية الانضمام إلى المؤسسة: عندما يريد شخص أن ينضم إلى هذه المؤسسة فعليه أن يقدم طلبا بواسطة أحد أفراد الهيئة، وعلى ذلك الفرد أن يقدم الطلب إلى رئيسه قبل أوَّل جلسة مقبلة، وفي تلك الجلسة يعلن الرئيس اسم الطالب الجديد للأعضاء، ويطالبهم بإعطاء الرأي فيه .. وبعد مناقشة تطول أو تقصر يكلف الأعضاء بدراسة سلوك الشخص والمساءلة لمدة ثَمانية أيام، يجتمعون بعدها للبث في الموضوع، ويعبرون عن هذه الفترة بقولهم:. "أكلينت السوق" وترجمتها الحرفية: "رموه في السوق"، ويعنون بذلك أنهم وضعوه تحت الدراسة، فإذا اجتمعوا بعد الأيام الثمانية طرح الموضوع للمناقشة الدقيقة يشترك فيها جميع
الأعضاء، ويحددون صلاحيته للمؤسسة أو عدمه، ويقررون بناء على ذلك رفضه أو قبوله. فإذا كان القرار بالرفض كلف مقدم الطلب الأوَّل بإبلاغ القرار إليه، وإذا كان القرار بالقبول كلف - أيضا - بإبلاغ القبول إليه، ويطلب منه الحضور في موعد يحدد له، وفي الموعد المحدد ينعقد الاجتماع للمرة الأخيرة ويبقى العضو الجديد ورفيقه في معزل عن مكان الاجتماع، وتعاد مناقشة الموضوع مناقشة خفيفة، فإذا لم يجد في الموضوع ما يغير القرار بالقبول فيدعى العضو الجديد ورفيقه للحضور، ويعلن له أَنَّهُ قُبل في المؤسسة، ثُمَّ يشرح له الرئيس واجبات العضو، وأخلاقيات المؤسسة وخطوات العمل فيها، والمشاق التي سوف تصادفه، كما يشرح له أسباب ترقي العضو من هيئة إلى هيئة، ثُمَّ يطلب منه إعلان موافقته وقبوله لكُلِّ ذلك علنا وصراحة. فإذا أعلن ذلك أخذ عليه عهد بكل ذلك، وبعد ذلك يصبح عضوا في المؤسسة، ويعتبر أصغر الأعضاء الموجودين ولو كان أكبر منهم سنا، وعليه واجبات (1/1170)
صفحة 1171
الإباضية في موكب التاريخ
407
الإباضية في الجزائر
أصغر الأعضاء وله حقوقهم وكذلك مجلس العزابة ودار التلاميذ يعتبر أصغر الأعضاء آخرهم دخولاً وعليه خدمتهم، وعليه أن يطيع من سبقه مهما كان سنه، وعليه أن يجلس بعده في المجالس الرسمية، فَللأقدمية في هذه التنظيمات حقوق مراعاة ..
6 - مقر المؤسسة: التنظيم الداخلي لهذه المؤسسة يختلف من قرية إلى قرية، وَلَعَلّ الصورة الكاملة له هي المتبعة في غرداية. في غرداية تعتبر المحاضر (وهي المدارس القرآنية المركزية مراكز لهذه المؤسسة، وفي هذه المحاضرة تعقد الاجتماعات، وتصدر جميع التنظيمات الخاصة بالمؤسسة، ومنها تنبعث جميع ألوان النشاط الذي تقوم به ولنعطي صورة عن الحركة التي تقوم بها المؤسسة يمكن لنا أن نوضحها في الخطوط الآتية:
تجتمع طبقة الكبار فتناقش موضوعًا من مواضيع النشاط الذي تقوم به المؤسسة كالحراسة، أو منشآت تطوعية جماعية، أو توزيع صدقات، موسمية أو غير ذلك من ألوان نشاطها، فتتخذ في ذلك قرارًا أو تنظيمًا معينا، ثُمَّ يبلغ للمراكز للتنفيذ.
ولكي نوضح للقارئ الكريم أسلوب العمل في هذه المؤسسة ينبغي أن نأخذ لونا من ألوان نشاطها كمثل عَلَى بقية الأنشطة، وقد أخذنا نشاط الحراسة كمثل لبقية الأنشطة نعرضه في هذا الفصل للإيضاح والبيان.
تجتمع إدارة المؤسسة فتقسم المدينة إلى منطقتين أو أكثر، وكذلك تقسم الغابة إلى منطقتين أو عدد من المناطق، وتسند كُلّ منطقة أو عدد من المناطق إلى مركز من مراكز المؤسسة، ويحدد كذلك عدد الفرق التي تتولى الحراسة ومحال تحرك كُلّ فرقة بدقة، والفرقة التي تتولى الحراسة ينبغي أن تكون من ثلاثة أفراد أحدهم رئيس لها، وَكُلُّ مركز من المراكز الفرعية يعين الأفراد الذين يقع اختيارهم للقيام بالحراسة فيدعون إلى اجتماع خاص في مكان يحدد لهم، وقد اصطلح أن تُسَمَّى هَذه المجموعة فرقة الحراسة"، وتُسَمَّى كُل مجموعة تكلف بلون من ألوان النشاط الأخرى بـ"فرقة ... "؛ أي: منسوبة إلى لون النشاط فيقال: "فرقة ربط السدود"، أو "فرقة جلب الصخور"، أو "فرقة توزيع الصدقات" أو "فرقة إطفاء الحرائق" أو فرقة إغاثة الملهوفين" أو "فرقة الاحتياط العام أو الخاص" .. إلخ. (1/1171)
صفحة 1172
الإباضية في موكب التاريخ
408
الإباضية في الجزائر
أما الأشخاص الثلاثة الذين يكلفون بالحراسة معا فيطلق عليهم كلمة "رفقة"، وكذلك كُلّ مجموعة صغيرة تكلف بجزء من نشاط تُسَمَّى "رفقة"، معنى هذا أن الفرقة تتكون من عدد من الرفقات، وعدد الرفقات المحتاج إليها يختلف تبعا لفصول السنة، ولظروف الحياة، ولعدد أنواع النشاط المحتاج إليه في وقت واحد، ولعدد الأعضاء الكامل للمؤسسة، ورئيس كُلّ رفقة مسؤول عن رفقته أمام رئيس المركز الفرعي، ورئيس المركز الفرعي مسؤول أمام رئيس المؤسسة الأعلى. يجتمع العدد المكلف بحراسة المدينة "فرقة الحراسة" كُلّ ليلة بعد صلاة العصر، وقبل غروب الشمس، أما الفرقة المكلفة بحراسة الغابة فيجتمع كُلّ ليلة بعد صلاة العشاء كُل فرقة في مكان خاص يحدد لها، فيلقي عليها رئيس الفرقة التعليمات اللازمة ويُحدد لها المناطق التي تلزمها حراستها في تلك الليلة، ويوزع الرفقات عليها، ويزود الجميع بكلمة السر التي يتعرف بها بعضهم على بعض ذا دعت الضرورة، فينطلقون إلى القيام بمهماتهم، وعند الصباح الباكر يعودون إلى الاجتماع في مكان يعينه لهم رئيس الرفقة من أول الليل، فيتبادلون الأخبار والأحداث والملاحظات عن وقائع ليلتهم، فيستمع إليها رئيس فرقتهم ليتخذ الإجراءات المناسبة في الليلة القادمة.
فإذا حدث حادث في الليل كوقوع سرقة أو عدوان على مال أو عرض أو ما شابه ذلك، فعلى الرفقة التي وقع الحادث في منطقتها أن تعتقل الجاني فيمسكه اثنان ويذهب الثالث لإبلاغ الفرقة بالحادث، أما إذا كان الحادث يستدعي مجموعة أكبر من الحراس فإن اثنين يشتغلان بالحادث ويذهب الثالث إلى الاستنجاد بالرفقات المتجاورة مستعملاً كلمة السر التي لا يعرفها غيرهم، وعندما يتم القبض عَلَى الجاني أو الجناة إذا كانوا عصابة مثلاً يتم تسليمه أو تسليمهم إلى المؤسسة حيث تتخذ الإجراءات اللازمة حالاً، والمهم أن الأمن يسود كامل المنطقة، وينام الناس في دعة وسلام تحت عيونهم الساهرة.
وأعضاء الرفقات حين ينطلقون إلى أعمالهم في الحراسة لا بُدَّ أن يخرجوا متنكرين في لباسهم، مقنعين وجوههم بحيث لا تعرف أشخاصهم ولا يُميزهم لبعضهم إلا كلمة السر التي فقط، ولا يعرفها غيرهم أبدا.
يحفظونها هم (1/1172)
صفحة 1173
الإباضية في موكب التاريخ
409
الإباضية في الجزائر
المحاكمات:
عندما تعتقل رفقة من الرفقات مُجرماً متلبسًا، أو عددًا من المجرمين متلبسين أو في محاولة، فَإِنَّهَا تقدمهم إلى المجلس عن طريق رئيسها، وفي أسرع وقت ينعقد المجلس للنظر في القضيَّة، ولا ينفض حَتَّى يتخذ القرار بالحكم وينفذ الحكم دون تردد، ودون الرجوع إلى أي جهة أخرى.
مجلس التأديب: إذا أنهم أي عضو في المؤسسة بأنه قام بعمل مخل بالشرف شرف الفرد نفسه أو شرف المؤسسة، فإن فرقته تعقد له في مقرها مجلس تحقيق دقيق، وتجري معه بحا نزيها مجردًا من العواطف والاعتبارات، وعلى نتيجة ذلك التحقيق يتوقف الحكم؛ فقد يحكم عليه بالبراءة إذا ثبتت براءته في التحقيق، وقد يحكم عليه بالعقوبة. والحكم بالعقوبة يختلف باختلاف الجرائم، فقد تكون العقوبة لوما وتأديبا، وقد تكون توبيخا وتقريعًا، وقد تكون
بالضرب غير المبرح، وقد تكون بالإيقاف المؤقت، وقد تكون بالفصل من المؤسسة. والمحاكمة والحكم يجري على جميع أفراد المؤسسة بما فيهم الرئيس، وهم في تحقيقهم ومحاكمتهم وحكمهم وتنفيذهم له مستقلون كامل الاستقلال، لا يرجعون إلى أية جهة حتّى
مجلس العزابة.
إقرار النظام: مجلس العزابة يُمثل أعلى سلطة عند إباضية المغرب، وهو الذي يرعى شؤون المجتمع ويقوده إلى الخير، فإذا وقع الخلل في هذا المجلس نفسه وتطرق إليه الفساد، وانقسم أعضاء المجلس إلى حزبين متطاحنين أو أحزاب وتدهور الوضع إلى حالة يخشى منها على مصلحة الأمة، فمن يستطيع أن يصلح هذا الفساد بالقوة إذا لم تجد أساليب المنطق والعقل والحكمة؟
في هذه الحالة يتحرك مجلس "إمَسطُورْدَان" مجلس الحراسة عَلَى كُلّ شيء، فيحاول إصلاح الوضع بالحسنى، ويتصل اتصالاً مباشراً بأعضاء مجلس العزابة، ويحاول إقناع المخطئ والمتطرف وإرجاعهم إلى السبيل، فإذا تعذر ذلك فَإِنَّهُم يعقدون مجلسهم في مركز من (1/1173)
صفحة 1174
الإباضية في موكب التاريخ
410
الإباضية في الجزائر
مراكزهم، ويبحثون موضوع قلب المجلس، فإذا اتفق عَلَى اتخاذ هذا القرار سبعون منهم، فإن قرار قلب النظام يكون نافذا.
وأول خطوة يقومون بها بعد اتخاذ القرار بموافقة سبعين منهم على الأقل هو تعيين أعضاء جدد لمجلس العزابة، يعين كُلّ فرد منهم للقيام بعمل عضو من الأعضاء القدامى، وفي الليلة التي يريدون فيها تنفيذ العملية يطوقون المسجد بحراسة مشددة، ثُمَّ يحضرون العزابة الجدد فيسلمون لكُلِّ واحد منهم عمله، وذلك كله قبل الفجر، ويمنعون العزابة القدامي من الدخول إلى المسجد لمدة ثلاثة أيام، فإذا استقر الأمر وهدأت الأحوال وخضع الأَوَّلون للحركة فَإِنَّهُم يتركون المسجد، ويعودون إلى مزاولة نشاطهم، أعني أنه بعد أن يتم تنصيب المجلس الجديد، ويباشر كُلّ عضو مهامه تنسحب المؤسسة بعد أن أدت أعظم وأشق وأخطر مسئولياتها، لتواصل نشاطاتها العادية في ميادينها المختلفة.
الكلمة
أحسب أن هذا يكفي لإعطاء صورة عن المؤسسة الثالثة عن إباضية الجزائر، وَرُبَّمَا اختلفت بعض النظم من قرية إلى قرية، أمَّا هَذه الصورة فقد أخذت لمنظمة "إمَسطُورْدَانَ" في غرداية، وقد قيل لي: إِنَّهَا في هَذه المدينة أكمل منها في بقية المدن والقرى جميعًا، وَرُبَّمَا اختلفت غرداية عن بقية القرى حَتَّى في التسمية، فبينما تنطق في غرداية "إمَسطُورْدَان" تنطق في مدن أخرى "إمَسُّوردَان" أو "إمصوردان" مما جعلني في بعض التعاليق ألاحظ قرب هذه من كلمة "إمَسيرْدَان"، أي: المطهرون أو المنظفون أو الغسالون وكنت حين كتب كتبت ذلك التعليق لم أعرف عنها ما عرفته الآن في رحلتي الأخيرة، ولا شك أن هذه المؤسسة تنظف الجميع من كل الشرور. وأستبعد كل الاستبعاد أن تكون مشتقة من غسل الموتى، وإن كان العزابة قد يوكلون إليهم أحيانًا غسل بعض الموتى؛ لأن غسل الموتى ليس من نشاطهم العادي، وقد يقومون به لأسباب وظروف خاصة.
3?????? (1/1174)
صفحة 1175
الإباضية في موكب التاريخ
411
الإباضية في الجزائر
الإباضية والجهاد في سبيل الله
لاشك أن الجهاد المسلح في سبيل الله واجب من أوكد الواجبات على المسلمين، أمة، ودولاً، وأفرادا، وأن عملية الجهاد هي النبض الحقيقي الذي يَدُلُّ عَلَى الحياة، ويبرهن على الوجود، ويثبت الاستمرار في أداء الرسالة، وأن توقف الجهاد من أمة ذات رسالة يعني توقف الحياة فيها، وانتكاسها وارتدادها عن مكانة القيادة ومطالع الريادة إلى وهدة الجمود والتقوقع، والتخلي عن تحمل الأمانة التي أوكلت إليها، أو تعهدت بأدائها.
وذلك أن الأُمَّة ذات الرسالة لا تخلو عن أحد موقفين:
أعمدت
الأَوَّل: موقف تَحمُّل فيه رسالتها، وتنشر حضارتها، وتمضي مندفعة لتبلغها في جميع آفاق الأرض مسلولة السيوف مشروعة الرماح لتأمين الدعوة، وحفظ صوت البلاغ، وفتح الطرق أمام كلمة الْحَقِّ تبلغ كُلّ أذن، ويعيها كُلّ قلب وتتضح لِكُلِّ عقل .. فإن هي سيوفها ارتدت إليها سيوف أعداء الدعوة وتناوشها رماح المقاومة المضادة. الثاني: موقف تكون فيه في موقع الهجوم، ولكنَّها تقف ثابتة في مكانها مستعدة لكُلِّ الطوارئ، متحفزة لرد أي عدوان مضاد، حتّى تستكمل أدائها إن كانت محتاجة لأداء، أو راحتها إن وقفت للاستجمام، أو موعدها إن توقفت لعهد أو هدنة.
وقد حمل المسلمون رسالتهم وحضارتهم إلى آفاق العالم في صدق وثبات ينشرونها وسيوفهم مسلولة، ورماحهم مشرعة؛ فلما توقفوا عن الجهاد، وأغمدوا سيوفهم ارتدت إليهم سهام أعدائهم، ووجهت إليهم طعنات سيوفهم، وانقلبت المعركة، فبعد أن كان المسلمون وهم في حماية الدعوة مهاجمين، أصبحوا وهم حماية أنفسهم وكراسيهم مدافعين، ثُمَّ أصبحوا على تلك الكراسي متنازعين.
وبنظرة بسيطة إلى التاريخ الإسلامي منذ ابتداء الفتوح وامتدادها إلى جميع الجهات حتى تغلب الاستعمار وشمول احتلالاته، ويتضح لك أن المسلمين كانوا في انتصار متواصل، وتقدم مستمر حين كانوا يحملون دعوتهم منطلقين بها وأسلحتهم موجهة إلى صدور عدوهم، فنشروا الإسلام في جميع أنحاء العالم، وبلغوا الحضارة إلى كُلّ أطراف المعمورة، ونعم بالحرية والعدالة كل من (1/1175)
صفحة 1176
الإباضية في موكب التاريخ
412
الإباضية في الجزائر
عمهم ظل حكمهم، وكانت الدنيا تتسع لهم، وتنفسح أمامهم وتتفتح تحت ضربات أقدامهم فلما باستمرار، توقفوا عن الجهاد ووضعوا سيوفهم في أغمادها، وعادوا بنظرهم إلى الداخل، وفكروا تفكيراً ماديًا صرفًا، فأرادوا تقسيم ما بأيديهم، تولد فيهم النزاع على الكرسي، وتَهارشوا على سلطة الحكم؛ فأصبح السلاح الذي كان يوجه إلى الفتوح يقوم بتجزئة الصفوف، والجيش الذي كان يضرب العدو منقسمًا عَلَى نفسه يضرب بعضه بعضاً .. فتوقف تقدمهم الحضاري، ونشرهم للإسلام، ثُمَّ اشتبكت أسلحتهم فيما بينهم، ولم يزالوا يجزئون وطنهم حتى صار أجزاء صغيرة ضعيفة متحاربة لا يقوى أي منها عَلَى ردّ عدو، ولا يطمئن إلى مساعدة تأتي من الأجزاء الأخرى، فتقدم إليهم العدو يلتهم تلك الدويلات الضعيفة بكراسيها المتداعية قطعة بعد قطعة، ولم ينتصف القرن التاسع عشر الميلادي حتى صار أغلب العالم الإسلامي بدوله الكثيرة الصغيرة محكوما للاستعمار، إمَّا حكمًا كاملاً، وَإِمَّا حكمًا قريبا من الكامل. وفي هذه الأثناء - أي منذ توقف الجهاد في سبيل الله - انقلب حال المسلمين بدولهم الصغيرة إلى حالتين:
الحالة الأولى تتمثل في دفاعهم للعدو المهاجم بما أمكن من القوى، وقد كانت مواقف الناس والدول التي تتصدى للقيام بهذا الدفاع تختلف تبعا للظروف المختلفة، كالموقع ونظام الحكم، ونوع العلاقة العدو المهاجم، وعلاقة الدولة المدافعة بالدويلات الإسلامية المجاورة، مع ثُمَّ مقدار ما تشعر به من الأمن في داخلها مشتبكة العدو، يضاف كُل هذا إلى
وهي
الاستعداد النفسي والمادي للجهاد في سبيل الله وما يلحق بِهَذَا من المؤثرات.
الحالة الثانية: تتمثل في انشغال بعض الدويلات بتأمين نفسها، أو اشتغالها باستغلال ظروف جارتها المنهمكة في اشتباك مع العدو للحصول على مكاسب بشرية أو ترابية تضيفها إلى رقعتها الضيقة، هذا مع العلم بأن علماء المسلمين وصادقي المؤمنين لم ينفكوا في أي لحظة من الصراخ برجال السياسة والحكم لكي ينبذوا مطامحهم ومطامعهم الشخصية، وأن يتحدوا في نظام واحد يستطيعون فيه أن يوجهوا أسلحتهم بكل جدارة إلى أعداء الله وأعدائهم الحقيقيين، ولكن تلك الصرخات كانت تتحطم عَلَى رغبات ومطامح الحكام الأقزام الذين أعمى بالكراسي أبصارهم، وصرفهم عن معرفة حقيقتهم في ميزان الحقائق والقيم والقوى.
تشبثهم (1/1176)
صفحة 1177
الإباضية في موكب التاريخ
413
الإباضية في الجزائر
وموقف الإباضية في عمومه لا يختلف عن موقف بقية الأمة الإسلامية، وبالنسبة إلى إباضية الجزائر يُمكن لنا أن نرسم لموقفهم في الجهاد صورتان توضحان هذا الموقف، وتبرزان أهم ملامحه وأبرز سماته. الصورة الأولى: عندما كان لإباضية الجزائر دولة قائمة في تاهرت هي الدولة الرستمية ونحن حين ننظر إلى خريطة الجزائر الجغرافية للبحث عن موقع الدولة الرستمية التي كان أئمتها على المذهب الإباضي لنرى مبلغ جهادها في سبيل الله لأعداء الإسلام يتضح لنا أن موقع تلك
الدولة كان في داخل البلاد، أي أنها ليست مواجهة لأعداء الإسلام في أي جانب من جوانبها. أي أنها ليست من دول المواجهة بتعبير اليوم، فبينها وبين أعداء الإسلام من كُلّ جهة بلاد واسعة تقوم عليها دول إسلامية مختلفة الأسماء والنزعات. وتلك الدول فيما بينها على وفاق حينًا، وعلى خلاف وخصام أحيانًا كثيرة، وليس للدولة الرسمية منفذ إلى العدو إلا بالمرور على أرض إحدى تلك الدول، وتلك الدول هي ذات كيان مستقل أو شبه مستقل لا تسمح أبدًا، ومهما كانت الأسباب والظروف بمرور قوات عسكرية داخل أرضيها، ولذلك فلم يذكر لنا التاريخ فيما أعلم أن الدولة الرستمية قد اشتبكت أو اشتركت في جهاد فعلي ضد أعداء الإسلام). يضاف إلى هذا أن الأمة الإسلامية - في عمومها - في تلك الفترة كانت قد بدأت تبتعد عن الجهاد ضد العدو الخارجي، وصارت أسلحتها تتجه إلى الداخل يضرب بعضها بعضا، وأحسنها حالاً تلك التي كانت تقف في صمود ومصابرة لرد العدوان المتكرر من أعداء الله،
سواء كان أولئك الأعداء تحت راية الشرك أو تحت راية أهل الكتاب من نصارى ويهود. وعلى كُلِّ حال فَإِنَّهُ يبدو لنا أن الدولة الرستُميَّة لم تتح لها فرصة للقيام بواجب الجهاد المقدس استمرارًا بالفتح والله وحده يعلم ما كانت هذه الدولة فاعلة لو أن موقعها كان في مواجهة العدو الحقيقي، ولو أن محال الاستمرار بحمل الرسالة والانطلاق بها كان مفتوحا لها.
1) يرى المؤرخ البحاثة الشيخ سليمان بن الحاج داود غير هذا الرأي، ولعله اطلع في مصادر التاريخ على ما لم أطلع عليه من قيام الدولة الرستمية منفردة أو مشتركة بحروب ضد أعداء الإسلام والجهاد في سبيله. (1/1177)
صفحة 1178
الإباضية في موكب التاريخ
414
الإباضية في الجزائر
الصورة الثانية: هي مواقف الإباضية ضد أعداء هذا المدى التاريخي الطويل الذي مر بالجزائر، وليس للإباضية بها دولة، وليس لهم فيها سلطان؛ وَإِنَّما هم يكونون مجتمعا مستقلاً أو شبه مستقل، يسكن في بعض الواحات من جنوب الجزائر، ويتولى جميع شؤونها مجلس منتخب يُسَمَّى "مجلس العزابة، أو هم يعيشون أسرًا قليلة متناثرة أو فرادى من جهات مختلفة من أنحاء الجزائر. ولمدى معرفة جهاد الإباضية للعدو الخارجي، وكله في نطاق الدفاع في هذه الفترة التاريخية الطويلة يمكن أن نتناولها من ثلاثة جوانب:
الجانب الأَوَّل: عمل فردي، وذلك أن أعدادا كبيرة من الإباضية في الجزائر يعيشون في مختلف المدن لا سيما مدن الشمال والشواطئ يعملون في التجارة أو غيرها هنا أو هناك، وهم حين يفتحون متاجرهم هناك في تلك المدن والقرى يستقرون فيها لمدة طويلة كأنهم من سكانها، وعندما يحاول أي عدو من أعداء الجزائر الاعتداء عَلَى إحدى تلك المدن فَإِنَّهُ يَجد سكانها - ومن ضمنهم الإباضيَّة الذين يشتغلون بالتجارة فيها قد استعدوا للدفاع عنها، وطبيعة الدفاع تقتضي أن يهب الجميع مشتركين متداخلين لصدّ العدوان، فيدخل الإباضية أفرادا ضمن المجموعات الأخرى من بقية السكان، وأحيانًا تقتضي طريقة الدفاع وأسلوب تنظيم المقاومة أن يقسم المدافعون إلى فرق أو مجموعات تحت أي مبرر؛ ليسند إلى كُلّ فرقة منها مهمة الدفاع، إما في جانب من الجوانب أو جهة معينة، أو للقيام بعمل محدد، وقد. كان موقف الإباضية في جميع هذه الأحوال مشرفا (1). فقد صفعوا إسبانيا الاستعمارية في عهد طاغيتها شارل الخامس صفعة مؤلمة تلقاها قائده لأعمال القرصنة في برج بوليلة" سنة (948 هـ / 1541 م)، ومنذ تلك الصفعة لم تقم لاسبانيا الإستعمارية قائمة وبدا نجمها في الأفول.
1) يذكر المؤرخ البحاثة الشيخ سليمان بن الحاج داوود أن هناك وقائع كثيرة من الجهاد في سبيل الله قام بها إباضية الجزائر، واشتركوا فيها عبر البحر الأبيض المتوسط، وبما أنه ليست لدي مصادر موثوق بها تثبت بها ذلك الآن وأنني في هذا الفصل لا أريد إلا أن أقدم للقارئ صورة مصغرة عن هذا الموضوع، فقد اكتفيت بما أوردته ک خطوط عريضة للموضوع، أو طرقات على باب ينبغي للشباب المؤهل أن يفتحه. (1/1178)
صفحة 1179
الإباضية في موكب التاريخ
210
الإباضية في الجزائر
وعندما انصبت نيران الاستعمار الفرنسي على الجزائر وقف الإباضية مواقف مشرفة في كُلّ
مكان، وكانت لهم مواقف بطولية يضرب بها المثل كما وقع في قسنطينة والحراش وغيرها. قال أستاذنا الفاضل الشيخ أبو اليقظان -رحمه الله - في رسالته المخطوطة «الإباضية في شمال إفريقيا ما يلي: "ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى موقف "بني ميزاب" -وهم مسلمون طبعا - مع فرنسا عندما هجمت على الجزائر سنة،1830 م، فقد تطوع "بنو ميزاب" بألف جندي من الشبان جهد المقل في الدفاع عن الجزائر، وإن موقفهم البطولي بين جدران قسنطينة ضد الغزو الفرنسي معروف يثير الإعجاب، حتّى من القواد الفرنسيين أنفسهم" انتهى.
وقد اشتركوا في جميع الثورات والانتفاضات التي قامت في الجزائر ضد المحاولات الاستعمارية سواء كانت تلك المحاولات من إسبانيا أو من فرنسا بجهود تختلف قوة وضعفا حسب ظروف الحال وحسب طبيعة الدفاع.
الجانب الثاني: عمل جماعي تنظيمي، وله صور كثيرة كموقفهم في الحراش وفي قسنطينة، وكإرسالهم ألف متطوع من وادي ميزاب نفسها بالإضافة إلى من عندهم في المدن الجزائرية المختلفة، وَلَعَلَّ أهم هذه الصور وأوضحها الموقف الفدائي لطرد الأسبان بعد أن ركزوا أقدامهم في الشاطئ الجزائري، وخلاصة الموقف كما يلي: "إِنَّهَا تعود إلى سنة (1541 م) وإلى الحملة الرهيبة التي وجهها شارل الخامس "شارلكان" ضد مدينة الجزائر التي بدأ القراصنة البرابرة لتحصينها، لجعلها مصدر الرعب للمسيحية.
وجد الإمبراطور بعد الاستطلاع أن الربوات التي تشرف على مدينة الجزائر من جهة الجنوب هي موقع مناسب لتثبيت قطع المدفعية، وأعطى الأوامر لكي يشيد برج أو مركز
(1) أخذت هذه الصورة بنصها عن كتاب أخلاق) وعادات الجزائر) لمؤلفه الجنرال دوماس مستشار الدولة ومدير شئون الجزائر بوزارة الحرب نشرة هاشيت سنة 1803 م. وقد ترجم لى هذا النص خصيصاً الأخ المؤرخ البحاثة الشيخ سليمان بن الحاج داود كما عثرت على نفس الحادثة تحمل نفس الصورة مستقاه من مصادر أخرى فيها خلاف طفيف عن هذه الصورة في بعض التفاصيل الجانبية. وكلتا الصورتين تفيد أن الذين قاموا بهذه العملية الجريئة هم من الإباضية فقط وانهم كانوا مصممين على القيام بها مع يقينهم بعدم نجاتهم من الموت. فهي عملية فدائية من أروع عمليات الفداء وقد تمت بنسف البرج - حسبما تقوله المصادر الأخرى لا باحتلاله كما يقول دوماس ثم فرار من نجا من جند شارلكان، وشارلكان نفسه. (1/1179)
صفحة 1180
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
هجوم في أسرع وقت؛ لأن هذا المركز يشكل نقطة هامة بالنسبة لجيشه، وإن الأحجار والمواد الضرورية وقع اختيارها في ناحية عن "دريوط" (سهل مصطفى باشا، ميدان المناورات)، وقف صفان من جنود المشاة تحمل مواد البناء من السهل إلى المرتفعات أحدهما يمد القفف الملآى والآخر يرجعها فارغة. وفي ليلة واحدة شيد برج منيع محاط بالخنادق، وسلحه بقطع المدفعية ذات العيار الكبير، وسَمَّاه العرب برج "بوليلة"، تخليدا للسرعة الهائلة التي بني بها. من الصعب جدا الاستيلاء على موقع كهذا على درجة كبيرة من الحصانة والمناعة، والمدينة بعد أن صعقت لا يمكن أن تصمد أكثر .. في هذه الظروف الحرجة قرر بنو "ميزاب" الذين يوجد منهم عدد كبير منذ ذلك الوقت في الجزائر أن يضحوا بأنفسهم لإنقاذ المدينة، فعرضوا خطتهم على الباشا، فما كان من هذا الأخير إلا أن وافق كما هو متوقع. والحيلة التي استعملها بنو "ميزاب" للوصول دون خطر إلى الموقع هي كما يلي: لبسوا ملابس النساء، وغطوا وجوههم باللحاف حسب العادة المحلية حَتَّى لا تظهر لحالهم وشوارهم، وأخفوا تحت حوائكهم مسدسات ملأى بالذخيرة وخناجر مشحذة، فخرجوا من جهة "الباب الجديد"، وتوجهوا نحو الموقع. عند ظهورهم توقف الأسبان الموجودون في الخنادق عن إطلاق النار ظنا منهم أن سكان المدينة قد استسلموا معبرين عن ذلك بهذه القافلة من النساء حسب الطريقة المتبعة عند المسلمين (1).
من
المدينة
1) ليس من عادة المسلمين إذا اضطروا إلى التسليم في معركة ما أن يعبروا عن ذلك بإرسال وفود النساء إلى عدوهم. وليست هذه الطريقة وإنما هم قد يرفعون أعلاماً بيضاء دلالة على وقف القتال ثم يفاوضون عدوهم - ولو كان منتصراً في المعركة - بجباه مرفوعة لا مكان للذلة فيها. أما المرأة عندهم فتبقى مكرمة مصونة لا تعرض لمثل هذا الموقف أبداً ما بقي من المسلمين رجل يستطيع أن يرفع السلاح. ولعل غيرهم ممن اعتاد أن يتاجر بالمرأة في جميع الميادين، ويبذل بسخاء مقابل أى مكسب هو الذي يفعل هذا. والتاريخ العام يذكر عدداً من النساء اللواتي تاجر بمن أقوامهن واتخذوا منهن بضاعة رخيصة فكسبوا على أعراضهن وجمالهن مكاسب مادية أو سياسية. ولكن ليس بينهن - والحمد الله - نساء المسلمين. (1/1180)
صفحة 1181
الإباضية في موكب التاريخ
417
الإباضية في الجزائر
وهكذا دخل هؤلاء المهاجمون الماكرون الحصن دون عرقلة، وما إن دخل آخرهم حتى كشفوا عن دورهم الحقيقي، فأفرغوا أسلحتهم في هؤلاء الأسبان المغرورين، وسلوا خناجرهم فاحتدمت معركة عنيفة ورهيبة لم تنته إلا بموت آخر مدافعي الحصن.
ورغم المفاجأة لم يكن الدفاع أقل عنفا وضراوة مما تسبب في هلاك كثير من بني ميزاب. وما إن سيطر هؤلاء على الحصن، وبعد الاشارة المتفق عليها من قبل، أسرعت قافلة جند المشاة من
كانت قد أعدت من قبل وراء الباب الجديد، فأخذت مواقعها داخل برج "أبو ليلة". انتهى. هذا موقف من مواقف الجهاد في سبيل الله كما صوره مستشار دولة معادية يتولى إدارة
شؤون الحرب في الجزائر، يفيض قلبه مرارة من فشل الإسبان، وحقدًا على المسلمين. ولا شك لو أنا أخذنا الصورة عن مؤرخ نزيه لكانت أجمل وأروع من هذا بكثير. وقد نتج عن هذه العملية الفدائية التي قام بها بعض الإباضيَّة المقيمين في عاصمة الجزائر كتجار إعجاب وتقدير في نفس الباشا التركي، وأراد أن يكافئهم على ذلك المجهود العظيم والتضحية الغالية، فرغب إليهم أن يقدموا إليه ما يشاءون من مطالب فطلبوا منه ما يلي: 1 - أن تبقى الاتفاقية السابقة بينهم وبين الدولة التركية سارية المفعول مع الاهتمام
طرقهم.
بتأمين
- أن يعطي لهم امتياز الإشراف عَلَى مذبحة الجزائر حتّى يضمنوا صحة الذكاة، وحلية
اللحوم.
3 - أن يؤخذ برأي أمين جماعة الحرفة، وتنفذ له الجهات الرسمية طلباته فيما يتعلق بإرجاع بعض الأفراد من الإباضيَّة إلى واحاتهم إذا خيف عليهم الانحراف.
4 - أن تعطى لهم أولوية فتح الحمامات وإدارتها.
فوافق الباشا على جميع مطالبهم وهي مطالب كما يرى القارئ الكريم بسيطة، وربما سخر منها من لا يعرف أو لا يقدر النظرة العميقة التي بنيت عليها.
الجانب الثالث: ويتناول الكفاح المزدوج في الناحيتين السياسية والعسكرية لمدى طويل، ونستطيع أن نوضح معالمه - بإيجاز - في كفاح "بني مصعب" للاستعمار الفرنسي منذ
احتلال فرنسا للجزائر إلى أن طردت منها، وذلك على نطاقين: نطاق خاص، ونطاق عام. (1/1181)
صفحة 1182
الإباضية في موكب التاريخ
418
الإباضية في الجزائر
في النطاق الخاص: ونعني به كفاحهم في سبيل حرية واستقلال وطنهم "وادي ميزاب" خاصة. ولكي نبني هذه النقطة على أساس سليم من التاريخ ينبغي أن يعرف القارئ الكريم أن الميزابيين قد اتفقوا مع الدولة التركية في مبدأ أمرها أن يعترفوا بسيادتها، وأن يدفعوا لها ضريبة معينة قدرت بما يساوي (45،000) فرنك فرنسي، وأن لا يساعدوا أو يأووا أي قائم عليها أو مناهض لحكمها، ولهم مقابل ذلك أن يتعاطوا تجارتهم في أي بلد خاضع لسيادتها بكامل الحرية وأن تؤمن طرقهم ومواصلاتهم، وقد وفوا لها بما اشترطت عليهم، ووفت لهم ببعض ما اشترطوا عليها، وقد بقي الوضع عَلَى هَذه الحال إلى أن خرجت الدولة التركية من الجزائر، واستولت الدولة الفرنسية عليها سنة 1830 م، فاتخذ جهاد الإباضية منعطفا ثانيا.
لقد وقف "بنو مصعب" لحماية مدنهم موقف الشعب الحر الشريف، ولم يتمكن الفرنسيون أبدا من احتلالها واتخاذها مستعمرة، وعندما سقطت مدن الجزائر كلها شرقيها وغربيها وجنوبيها ولم يبق إلا مدنهم اضطر الإباضيَّة إلى نوع من التساهل كما اضطرت فرنسا أن تتنازل عن كبريائها الاستعماري، وأن تقتصر على مد نفوذها الاسمي على تلك المدن، وقبل "بنو مصعب" بعد كفاح مرير سياسيا وعسكريا استمر اثنين وعشرين سنة وزيادة أن يعقدوا معها معاهدة حماية شبيهة بالاتفاقية التي كانت لهم مع تركيا.
من سنة 1830 م إلى سنة 1853 م بقيت هذه المنطقة حرة مستقلة لا تخضع لأحد. وفي سنة 1853 م عقدت معاهدة الحماية بين فرنسا و"بني مصعب" عَلَى أن يعترف "بنو مصعب" بسيادة الدولة الفرنسية وأن يدفعوا لها نفس الضريبة التي كانوا يدفعونها للدولة التركية، وأن لا يساندوا أو يأووا إليهم من يثور عليها. ولهم عليها أن لا تدخل بلادهم، وأن لا تتدخل في شؤونهم، وحتى الضريبة المتفق عليها يقومون هم أنفسهم يجمعها، ثُمَّ يحملها وفد منهم إلى مدينة الأغواط التي لفرنسا فيها مركز؛ لأن مدن الإباضيَّة إلى ذلك الحين ليس فيها أي مركز حكومي، ولا أي حاكم فرنسي، والتي تنص المعاهدة أن تبقى كذلك أيضا.
(1) الوثائق الآن ليست تحت يدي، ولذلك فقد تركت التحديد، وأحسب أن هذه الاتفاقية إِنَّمَا عقدها وفد من بني مصعب مع خير الدين في أواخر الربع الأول من القرن العاشر الهجري. وَرُبَّمَا قبل أو أثناء الحركة التي قام بها أحمد بن القاضي وقارة حسن فاضطر
خير
الدين أن يخمدها بنفسه. (1/1182)
صفحة 1183
الإباضية في موكب التاريخ
419
الإباضية في الجزائر
على أن الاستعمار كالمرض الخبيث قد يستكن ولكنَّه لا يشفى، ويتحرك حين تواتيه الظروف الملائمة. ففي سنة 1882 م أعلنت فرنسا أَنَّهَا ألحقت بلاد "بني ميزاب" بأملاك فرنسا، وبصورة شبه مفاجئة ودون أن يعرف الميزابيون أنفسهم شيئًا عن الموضوع تحركت
منهم
حامية عسكرية من الأغواط وانتصبت في غرداية دون أي مقدمات، فلم يتعرض لها السكان بالقوة ظنا أن المطالبة باحترام نصوص المعاهدة كفيلة بإرجاع الأمور إلى نصابها، لاعتقادهم أن هذه المغامرة ليست من الدولة نفسها، وَإِنَّما هي حركة من بعض القواد العسكريين في الجنوب، وعندما احتج الميزابيون عَلَى هَذه الحركة لدى الحكومة الفرنسية أجابتهم بأسلوب المراوغات السياسة المعروفة أنها متقيدة بنصوص المعاهدة، وأنها حريصة على تنفيذها والمحافظة عليها.
ولكن الاستعمار لا يعرف الصدق ولا الوفاء ولم تخرج الحامية الفرنسية من غرداية إلى أن خرجت فرنسا من الجزائر. وقد جَابَة "بنو مصعب" هذا التصرف من الدولة الفرنسية من جهة بسلسلة من الاحتجاجات والمقاومة الدبلوماسية المبنية على احترام القوانين والمعاهدات والأعراف الدولية، لاسيما وأن فرنسا حينئذ كانت تدعي أنها حامية القانون وحارسة الحضارة، فكانت تود أن لا يذاع عنها في الأوساط العالمية ما يناقض دعواها ويكشفها على
حقيقتها.
ومن جهة أخرى نظموا مقاطعة سلبية (1) ضد كُلّ ما يتصل بالفرنسيين ولا سيما فيما يتعلق بمساعدتها عَلَى إدارة الأعمال، وقد أرادت بناء عَلَى استيلائها على المنطقة أن توظف كُلّ مجموعة من الإداريين لمساعدتها، فعرضت وظيف (قائد) عَلَى كُلّ مدينة، ولكن أحدا من أهل البلاد لم يتقدم لهذا الوظيف ووقف المسلمون المجاورون احتراما لإخوانهم نفس الموقف،
1) قال الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي في رسالته إلى ما يلي: "وما كاد الاحتلال العسكري يتم حتى نظم الميزابيون المقاطعة السلبية ضد كُلّ ما يتصل بالفرنسين سيما الوظيف الذي يمنحون بموجبه اليد المطلقة في كل بلدة وهو وظيف القيادة، وقد رفض الميزابيون هذه المسؤولية مع ما فيها من نفوذ و لم يقبلوه حتى عينوا يهودياً يُسَمَّى "فقح بشاعة" حاكماً بأمره، ولكن الفدائيين أعدموه في وادي مليكة؛ أي خارج القرى، وعبثاً حاول الفرنسيون العثور على قاتله، فطالبوا الميزابيون بدفع ديته". (1/1183)
صفحة 1184
الإباضية في موكب التاريخ
420
الإباضية في الجزائر
فلم يتقدم منهم أحد لشغل ذلك الوظيف المغري مع حرص الحامية على شغله بعنصر وطني، يكون بمثابة فتح ثغرة في الصفوف وإحداث صدع فيها. فَلَمَّا لَم يتقدم أحد من المسلمين تقدم له يهودي من الأغواط، وجاء فاستلم عمله في مركز غرداية، وبدأ عمله بنوع من التوقح والغلظة والكبرياء، وبينما كان يسير ذات يوم بين القرى في انتفاخ وزهو امتدت إليه يد فاغتالته. وقامت قيامة الدولة الفرنسية وارتكبت من وسائل التعذيب والتنكيل ما ترتكبه الدول الاستعمارية عادة في مثل هذه المواقف.
كما أن المقاومة السلبية لم تقف عند حد الرجال، وَإِنَّمَا تقدمت المرأة إلى اتخاذ موقف رائع، فقد ذكر الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي في رسالته: "إن الجماعات الدينية للنساء نظمن رئاسة رئيسة الجماعة الدينية النسائية بغرداية وهي المسماة "مامة بنت سليمان"،
مؤتمرا تحت
وقررن إصدار أوامر بمقاطعة كُلّ ما يتصل بالفرنسيين من لباس ومواد وغيرها".
وكان هذا الموقف المشرف من هَذه المرأة المؤمنة من المواقف التي رفعتها إلى مصاف زعيمات النساء المسلمات في العصر الحديث فقد اعتبرها صاحب كتاب «ثورات النساء في الإسلام» واحدة من اثنتي عشرة امرأة اشتهرن بمواقف بطولية في العالم.
ورغم
أن الحكومة الفرنسية أعلنت عندما احتلت حاميتها العسكرية غرداية، فاحتج مواطنوا المنطقة على هذا التصرف المخالف لنصوص المعاهدة المبرمة بينهم وبينها أنها ستحافظ على نصوص تلك المعاهدة، وأنها ستفي بالتزاماتها، ولكنَّها لم تفعل ذلك؛ بل أنها في سنة 1912 م وشبح الحرب العالمية الأولى يطل عليها، والدمار يهددها، وكانت تتشبث بكُلِّ ما تعتقد أنه يزيد في قوتها كما يتشبث الغريق بذنب الأفعى، فرضت التجنيد الإجباري على الإباضية باعتبارهم خاضعين لسيادتها، فقاموا لذلك وقعدوا، ووقفوا في الرفض موقفًا مصمما لا يتزحزحون عنه، وبعد صراع عنيف اقترح بعض ساسة فرنسا حلا وسطا وذلك بأن يدفعوا للدولة الفرنسية مبالغ من المال يمكن لها أن تستأجر بها مرتزقة بالعدد الذي فرضته عليهم بدلاً عن أبنائهم، فلم يقبلوا هذا الحل، وكان مما استندوا إليه في رفضهم للتنجيد الإجباري - بالإضافة إلى تمسكهم بنصوص المعاهدة، وعدم اعترافهم بأن لفرنسا هذا الْحَقِّ، (1/1184)
صفحة 1185
الإباضية في موكب التاريخ
421
الإباضية في الجزائر
وأن ذلك الأمر ليس له أي أساس من الشرعية مهما كان مصدرها - ما يلي (1): "والآن نبين هنا بإيجاز منافاة الجندية لحالة "ميزاب" الدينية ونلخصها فيما يلي:
أَوَّلاً: إن الجندية تجعل الجندي محرمًا إزاء دينه حيث تضطره لقتل أناس لا موجب لقتلهم، وقد قال الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
ثانيا: تلزمه في صورة التعويض أن يستأجر بماله من يقتل كذلك أحدا بدون موجب شرعي، والقاتل بنفسه أو بماله سواء.
ثالثًا: تضطره لترك ركن عظيم من أركان دينه وهو الصلاة، وليس بين العبد والكفر إلا
تركه الصلاة.
:رابعًا تجبره عَلَى أكل ما لا يحل له دينه أكله، وعلى شرب مالا يحل له شربه.
خامسا: تفسد له أخلاقه التي يوجب عليه دينه أن يتصف بها.
هذا مجمل ما في الجندية من منافاة للدين الإسلامي، ولذلك قال ذلك الرجل الحر: (م. برونيل): " إِنَّه يستحيل تحقيق إجراء الخدمة العسكرية على "بني ميزاب" بدون اعتداء على الفرائض الدينية، بمقتضى المذهب الإباضي الذي يوجب خمس صلوات في اليوم والليلة مع وضوءاتها". وقد أخذت قضيَّة التجنيد الإجباري من إباضيَّة الجزائر حجماً ضخما شغل المحافل السياسية والعسكرية والقانونية والقضائية فترة طويلة من الزمن، إذ استمر الصدام فيها إلى سنة 1945 م حين اعترفت فرنسا بخطئها وألغت قرارها ذلك، بعد أن تورطت في مواقف لم تكن تحب أن تتورط فيها وعراها موقف الميزابيين الذي احتمى بالقانون والعرف الدولي أمام أنظار العالم
دبلوماسيًا، وأظهرها عَلَى حقيقتها دولة استعمارية شرسة بعيدة عن معاني الحضارة والإنسانية. وليست قضيَّة التجنيد هي القضيَّة الوحيدة التي شغلت الرأي العام الفرنسي والجزائري من كفاح إباضيَّة الجزائر، بل هناك قضايا كثيرة منها قضيَّة مقبرة قسنطينة التي شغلت الرأي العام
(1) منقول بالنص من كتاب بيان حقيقة» لمؤلفه عمر بن عيسى بن إبراهيم، طبعة سنة 1350 هـ
(2) سورة النساء: 93. (1/1185)
صفحة 1186
الإباضية في موكب التاريخ
422
الإباضية في الجزائر
نشر سنوات كاملة، وكانت من القضايا الهامة التي تضاربت فيها رغبات السياسة والإدارة من جهة، وآراء القضاء والقانون من جهة أخرى، وبعد معارك طاحنة على الساحات الجزائرية ثُمَّ عَلَى الساحات الفرنسية في باريس نفسها استطاعت دور العدالة أن تقف في مواجهة السياسة والإدارة وأن تكبح جماحها، وثبت الْحَقِّ الذي دافع عنه هذا الشعب الإباضي الصغير بصمود واستماتة حتى ظفر به.
إن الإباضية حينما انتهكت فرنسا حرمة المعاهدة وعلموا أنهم لا يستطيعون مجابهتها بالقوة العسكرية التجأوا إلى ميدان السياسة والقانون، وكانوا يرفعون قضيَّة في كُلِّ جزئية تنتج عن انتهاك فرنسا لحرمة المعاهدة؛ فأصبحت دور العدالة في كُلّ من الجزائر وفرنسا مشغولة بالقضايا ضد الحكومة نفسها، وكانت بعض الجرائد الحرة وبعض الجرائد المحلية لاسيما جرائد الشيخ أبي اليقظان -رحمه الله، شيخ الصحافة في ذلك الوقت تتناول تلك القضايا بتعاليق تشجب فيها مواقف فرنسا، وتُحذر العدالة وهي القيمة الوحيدة الباقية لفرنسا الاستعمارية من الزيغ والانتكاس والوقوع في أحضان السياسة، أو الخضوع لإجراءات الإدارة. وقد أيدهم ووقف إلى جانبهم بعض أحرار الفرنسيين من المحامين والقضاة ورجال الصحافة ورجال السياسة .. وهكذا لم تستطع فرنسا بما أوتيت من قوة أن ترغم أولئك الناس -مع قلة عددهم- على الخضوع لها؛ فبقي الإباضية في تلك البقعة الصغيرة متميزين عن بقية السكان بأنهم تحت حماية، وليسوا تحت نفوذ احتلال واستعمار؛ ممَّا غل الأيدي الاستعمارية وحال دونها ودون التغلغل فيما بينهم وبقيت مجالس العزابة ومجالس العشائر ومجالس الحراسة، تتولى هي بنفسها جميع شؤونهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية .. ورغم محاولة فرنسا وبطشها لم يزد تأثيرها عليهم عن مبلغ من المال تأخذه منهم بمقتضى الاتفاقية، وحامية عسكرية صغيرة منتصبة في
غرداية، ليس لها من حقائق الحكم إلا راية ترفع على مركزها عند الصباح وتترلها عند المساء. وَلَعَلّ مِمَّا يوضح هذا الموقف أن نقتطف صورًا ممَّا قاله المؤرخون فقد جاء في كتاب «موجز التاريخ العام للجزائر» للأستاذ عثمان الكعاك (ص 455) ما يلي: "ولا تزال بلادهم إلى الآن متمتعة باستقلالها الداخلي لا تربطها بفرنسا إلا روابط خفيفة". (1/1186)
صفحة 1187
الإباضية في موكب التاريخ
423
الإباضية في الجزائر
وقال الأستاذ أحمد توفيق المدني في كتاب الجزائر» (ص) (184) ما يلي: "واستمر الميزابيون يديرون بلادهم باستقلال حسب مذهبهم الإباضي، وكان لهم بها نظام جمهوري متقن بديع، وكانوا يخضعون اسْمًا للدولة التركية، وقد تطوعوا عندما استفزهم حسين باشا للدفاع عن الجزائر بألف رجل، ثُمَّ اعترفت لهم فرنسا بذلك الاستقلال الداخلي المطلق بمعاهدة سنة 1853 م، وأخيرًا نقضتها برسالة سنة 1882 م بدعوى أن الميزابيين أووا إليهم الثائرين على فرنسا وأمدوهم بالسلاح". وقال في (ص 226) ما يلي: "وَلَمَّا أعلنت فرنسا تجنيس سائر اليهود في الجزائر لم يشمل يهود "ميزاب" ذلك الأمر؛ لأن بلادهم ليست تابعة لفرنسا، بل هي بلد حماية". وقال في صفحة (65) ما يلي: ثُمَّ لَمَّا أعلنت فرنسا قانون فصل الدين عن الدولة سنة 1901 م ضبطت كافة الأوقاف الإسلامية التي كانت تقوم بحياة المساجد ورجال الدين والقضاء الإسلامي، وأدخلت كُلّ ذلك ضمن أملاك الدولة، ووزعت الأرض على الاستعمار، فلم تبق بأرض الجزائر من أوقاف عامة إسلامية إلا ببلاد "ميزاب" وحدها، نسأل الله أن يقي تلك الأوقاف عوادي الحدثان".
أحسب أن هَذه المقتطفات كافية لإيضاح الكفاح الطويل الذي قام به الميزابيون لحماية أنفسهم في ميدان السياسة والقانون، وَأَنَّهُم استطاعوا أن يحفظوا عليهم استقلالهم رغم محاولات الاستعمار، وحنق الجهات العسكرية. وهكذا بقيت معاهدة الحماية نافذة المفعول رغم أن السلطة العسكرية ألغتها بقرار، ولكن ذلك القرار بقى حبرًا عَلَى ورق. وإذا استثنينا تلك الحامية التي انتصبت بالقوة في غرداية واستطاعت في الفترة الأخيرة وبعد اغتيال اليهودي (فتح)، وما قامت به من تنكيل وتعذيب للمواطنين، أن تجد أشخاصًا رُبَّمَا كان قصدهم حماية وطنهم من أمثال (فتح)، فتحت لهم هناك مكاتب، وأسندت إليهم وظائف دون أن يكون لهم مع الجمهور شغل؛ لأن الجمهور بقي يرتفع بمشالكه كلها إلى الجهات التي ألفها منذ قرون واطمأن إلى كفاءتها ونزاهتها
ومراعاتها للحق والمصلحة. (1/1187)
صفحة 1188
الإباضية في موكب التاريخ
424
الإباضية في الجزائر
وإذا ما استثنينا سنتي: 1920 م - 1921 م من الكفاح الميزابي ضد التجنيد الإجباري التي أرغم فيها الشباب الميزابي ولهاتين السنتين فقط - عَلَى الخدمة العسكرية، فقد استطاع الشعب الميزابي من قبل ومن بعد أن يرفض هذا الأمر حَتَّى اضطرت فرنسا أن تتنازل عن كبريائها وتعترف بخطئها وتلغي ذلك القرار في سنة 1945 م. وَلَعَلَّه ممَّا يفيد القارئ الكريم أن أنقل له مقتطفات ممَّا جاء في كتاب «بيان حقيقة» الذي يصوِّر جزءاً من الصراع العنيف بين هذا الشعب الصغير القوي وقوى الشر في فرنسا الاستعمارية، واحتماء هذا الشعب بالمبادئ والقانون والأعراف الدولية.
سنة
جاء في هذا الكتاب ما يلي: "ولكن الاتفاق الواقع في 29 إبريل سنة 1853 م بينهم وبين الوالي العام للجزائر الكونت (راندون) جعلهم تحت حماية فرنسا، والتزموا لها مقابل ذلك بدفع خراج سنوي قدره (45) ألف فرنك قيمة ما كانوا يؤدونه خراجًا للترك. وقد كان الميزابيون يتولون جمع ذلك الخراج بأنفسهم، ويبلغونه إلى مركز الحكومة بالأغواط، بواسطة وفد منهم يشكل لهذا الغرض، وهكذا كانت حالة "ميزاب" من 1853 م إلى سنة 1882 م. وفي هذه السنة أتى الجنرال دولاتور" دوفيرنيو" إلى "ميزاب" بدون مقاومة وبدون إهراق قطرة دم ونصب في غرداية حامية عسكرية ... وصدر أمر في 21 ديسمبر من سنة 1882 م وطّد العلائق الموجودة بين فرنسا و ميزاب" بدون أن يترع منه استقلاله الداخلي، ولم يخرج "ميزاب" عن دائرة الحماية المنصبة في سنة 1853 م". " وفي سنة 1919 م أجبر "ميزاب" على الخدمة العسكرية".
" ومن ذلك التاريخ يحتج الميزابيون بدون فتور على التجنيد ويعتبرونه غير قانوني". "ولكن ذلك الاحتلال لا يكون له نفس ذلك التأثير عَلَى "بني ميزاب" الذين كانوا يدفعون
خراجًا فقط للترك كما شاهدناه، وكانت بلادهم غير داخلة سياسيا في عموم الجزائر كانت خاضعة للداي حسين، وهذا الأخير لم يكن له الْحَقِّ الشرعي في التخلي لفرنسا إلا
عن الحقوق التي كانت له في ميزاب"، أعني الحقوق المنجرة من الاتفاق السالف الذكر". "إن احتلال الجزائر لم ينشأ عنه جعل "بني ميزاب" رعية لفرنسا خلافا لما تراه الحكومة الفرنسية .. وليت شعري كيف يمكن ذلك؟ وكيف يصح قبول هذا الأمر التشريعي بكونه (1/1188)
صفحة 1189
الإباضية في موكب التاريخ
425
الإباضية في الجزائر
الحق "ميزاب" بالجزائر وجعل أهاليه رعايا، فرنسيين لمجرد كونه تضمن أن الممالك الفرنسية بأفريقيا الشمالية تجعل تحت رعاية وال عام؟ وهل أن "ميزاب" إذ ذاك مملكة فرنسية مع أن الفرنسيين لم تكن لهم أدنى علاقة بـ"ميزاب. "إننا رأينا أَنَّهُ لَم يكن سوى بلاد تدفع خراجًا وبهذه الصفة لم تكن أرضا فرنسية البتة". وما زالوا يعيدون القول بأن هذا الاتفاق المؤرخ في 1853 م قد جعلهم في الحالة العدلية نفسها التي كانوا عليها في زمن احتلال الجزائر".
"إن فرنسا التزمت لهم بعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، بل صرحت لهم بمكتوب (الكومندان ديبراي) في 22 إبريل 1853 م بما يأتي: "إنَّهم يحافظون على عوائدهم القديمة، ويحكمون أنفسهم كما يظهر لهم، وأن الأعوان الفرنسيين لا يذهبون إليهم". لكن هل "ميزاب" وقع إلحاقه بفرنسا؟ لقد ارتكب من ظن ذلك غلطا فاحشا؛ لأن الأمر المؤرخ في 21 ديسمبر 1882 م، وإن كان استعمل كلمة إلحاق إلا أن ذلك الأمر لم يصادق عليه إلا رئيس الجمهورية المعروض عليه من طرف وزير الداخلية والحربية في شأن "ميزاب" وهذا التقرير يتضمن ما يأتي: أن ميزاب" هو عبارة عن قطعة أرض عائشة في
محدودة، وقد حان الوقت لإدخال الميزابيين تحت القاعدة العامة". " وهاته العبارة التي وقع استعمالها في الأمر المؤرخ في 1882 م تدل دلالة واضحة بلا نزاع أن هذه البلاد لم يقع إلحاقها قط بمقتضى الاتفاق المؤرخ في 29 إبريل 1853 م، وفي الحقيقة لم يقع إلحاق "ميزاب" أيضًا بمقتضى الأمر المؤرخ في 21 ديسمبر 1882 م". على أننا من حسن حظنا قد اطلعنا على تقرير مؤرخ في 14 ماي 1923 م وجهه والي عموم الجزائر. م. ستيق) إلى مجلس الدولة، وكتب فيه ما يأتي: "إن الإلحاق المزعوم في 21 ديسمبر 1882 م لا علاقة له بالعملية التي يقتضي القانون الدولي العام أن يتكون منها إلحاق ترابي"، فإن السيد الوالي العام للجزائر على تمام الوفاق مع الميزابيين الذين يحققون أن بلادهم لم يقع إلحاقها في سنة 1853 م، ولا في سنة 1882 م، وإن العلماء الذين وقع استفتاؤهم عن حالة "ميزاب" الشرعية وهم السادة (هانرى روبير، ومرنا (1/1189)
صفحة 1190
الإباضية في موكب التاريخ
426
الإباضية في الجزائر
روبيلي) قد أيدوا بفتواهم أن "ميزاب" لم يقع إلحاقها قط، وذلك أنهم بينوا جميع الصور التي بمقتضى القانون الدولي العام يتكون منها إلحاق ترابي حسبما يأتي:
أولاً: فرض إلحاق بمجرد الفعل وهو الاحتلال أو الغزو، وهذا الفرض ليس بصحيح إذ لا يسوغ احتلال الأراضي إلا إذا كانت خالية من الولاية أو من السكان، أو تسكنها أمم خارجة عن حدود التمدن، وهذه الصورة لا تنطبق عَلَى "ميزاب" الذي حافظ على تأسيساته القديمة رغما عن جعل قوة عسكرية بغرداية.
ثانيا: فرض عملية الإلحاق بين فرنسا و"ميزاب".
لأعمال
من
ولنفرض أن الأمر المؤرخ في 21 ديسمبر 1882 م ألحق "ميزاب"، ولكن لنا الْحَقِّ أن نبحث بتأمل، هل هذا الأمر يترتب عليه عملية الإلحاق وبعبارة أخرى إن الموجبات اللازمة هذا النوع قد وقع إتمامها. الجواب لاشك بالنفي؛ لأن ما يجب إجراؤه لصحة عملية الإلحاق قد وقع بيانه في الفصل الثامن من القانون الأساسي الدولي المؤرخ في 16 جويلية سنة 1876 م القاضي: "بأنه لا تقع حالة أو إبدال أو إلحاق أرض إلا بمقتضى قانون". كيف وأن الأمر المؤرخ في 21 ديسمبر 1882 م لم يقع عرضه قط عَلَى مَجلسي الأمة الفرنسية ولا الموافقة عليه منهما، وقد بقي هذا الأمر مجرد مشروع، وأن إلحاق "ميزاب المزعوم لا يوجد بصفة قانونية".
الفرض الثالث: في الإلحاق الضمني بـ"ميزاب" بمعنى خارج النطاق الاعتيادي من القانون وهو غير مقبول أيضا، وذلك أنه لم يوجد قط بين فرنسا و "ميزاب" علائق متواصلة حتى يثبتوا الاتحاد النهائي بإلحاق تلك البلاد لفرنسا". الفرض الرابع: وهو الإلحاق تحت عنوان الاحتلال والإدارة وهذا وقع في جزيرة قبرص والبوسنة والهرسك، وأَمَّا "ميزاب" فولاه الأمور ليسوا فرنسيين فيه، وَإِنَّمَا الأُمَّة هي التي تحكم نفسها بنفسها وتقوم بالوظائف التي تخص المحتل أو المدير، وأما من جهة الوجهة العدلية فالميزابيون يتقاضون لدى قضائهم الإباضيَّة، وينفذون أحكامهم بدون احتياج للسلطات
الفرنسية، وهذه صفة خاصة بهيئة الحماية". (1/1190)
صفحة 1191
الإباضية في موكب التاريخ
427
الإباضية في الجزائر
"فالمركز العسكري بغرداية لا يتعاطى النظر إلا في النوازل بين الميزابيين والفرنسيين". "وأما من جهة الادارة فإن بلدان ميزاب" خاضعة لسلطة عماله، وهؤلاء هم الذين يشخصون النفوذ التام، وأن فرنسا تراقب حقيقة هذه الإدارة، ولكن هذا النفوذ في المراقبة هو من قبيل الحماية ... وهذا الشكل في الإدارة يخالف تماماً غيره المعمول به في الواحات المجاورة لـ "ميزاب" التي هي بتمامها خاضعة لنفوذ فرنسا". "وهذه الفروض كلها تَدلُّ وتثبت أن "ميزاب" لم يقع إلحاقه قط، وأن فقه القضاء كان مؤيدا لهاته الفكرة، وأن الميزابيين في نظرها أجانب أحباب".
" وبذلك يتبين أن الميزابيين ليسوا برعايا فرنسيين وغير ملزمين، والحالة ما ذكر بالخدمة العسكرية وأن جميع التدابير الإدارية التي اتخذت بعد القانون المؤرخ في 3 فيفري 1912 م بشأن التجنيد بـ"ميزاب" غير قانونية".
11
ولنختم فصلنا هذا بما طرز به. م (برونيل كتابه تجنيد الأهالي» الجزائريين حيث يقول: "إن الأمة المستقلة التي تدفع خراجًا لا تجب عليها الخدمة العسكرية، إلا إذا التزمت بمقتضى اتفاق على ذلك الدولة الأخرى التي تعاقدت معها، وهذه ليس هي حالة "ميزاب"، ومن الظلم إدخالهم في الجندية".
أخي القارئ الكريم، لقد نقلت لك المقتطفات السابقة بشيء قليل من التصرف من كتاب بيان حقيقة» لمؤلفه عمر بن عيسى أحد وكلاء الأُمَّة الميزابية في قضيتها الوطنية ما بين (صفحتي 42 - 58)، أرجو أنني بذلك وضعت بين يديك ملامح الصورة الصراع الذي تسلح فيه إباضية الجزائر بقوة القانون والقضاء والسياسة الدولية أمام دولة استعمارية غاشمة، ترى نفسها في ذلك الحين ثاني دولة في العالم قوة وأول دولة فيه علمًا وحضارة فاستطاعوا أن يحرزوا عليها الفوز، وأن يقفوا في الميدان في شموخ تمر بهم الزوابع والأعاصير وهم يزدادون ثباتًا ورسوخا.
2 - في النطاق العام ونعني به كفاح بني مصعب السياسي والمسلح في سبيل الله من أجل حرية واستقلال وطنهم العام (الجزائر)، ولكي نضع صورة واضحة ومختصرة من ذلك الكفاح أمام القارئ الكريم يُمكن لنا أن نقسمه إلى فترتين: (1/1191)
صفحة 1192
الإباضية في موكب التاريخ
428
الإباضية في الجزائر
الفترة الأولى: وتَمَتَدُّ من ابتداء استعداد فرنسا لغزو الجزائر وتمام احتلالها إلى اندلاع ثورة التحرير الجزائرية. الفترة الثانية: وتَمَتَدُّ من اندلاع الثورة الجزائرية إلى تحرر كامل القطر الجزائري وخروج فرنسا منها نهائيا.
وفي الفترة الأولى: كان الإباضيَّة على المدى الطويل للكفاح في طرد الاستعمار الفرنس ظاهرين في الميدان، وقد كان منهم شخصيات واضحة في جميع الثورات والمؤسسات والجمعيات والأحزاب التي قاومت الاستعمار.
وَلَعَلَّ مِمَّا يفيد القارئ الكريم أن أقتبس فقرات من رسالة الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي توضح مواقفهم في هذه الفترة، قال ما يلي: "ولقد اعتبروا الجهاد ضد المشركين واجبًا دينيا قبل أن يكون واجبًا وطنيًا". وقال: "أما مشاركتهم (1) مع الأمير عبد القادر حين نظم المقاومة في الغرب الجزائري فأمر معروف .. ودليلاً عَلَى ذلك أذكر أن أحد المفاوضين باسم الأمير
1) يبدو أنهم اشتركوا معه في مقاومة فرنسا، ولكنهم رفضوا الخضوع لحكمه، فغضب بسبب ذلك، فكانت هذه الصورة التي نعرضها عليك نقلاً من أستاذنا باكلي، وقد ترجمها عن كتاب الصحراء الجزائرية» قال ما يلى: "لما حاصر الأمير عبد القادر "عين" "ماضي كتب للأمة الميزابية أن تعترف بحكومته وتدخل تحت علمه؛ لأنه كما قال: "قد أيدنى الله بالنصر واختارني، فالواجب على كُلّ مسلم أن يعترف بي". ثُمَّ ختم رسالته بهذا التهديد: "فإن رفضتم الخضوع لسلطاني فسأعاقبكم معاقبة أليمة، أقطع رأس كُلّ ميزابي يقع بين يدي". فأجابته الأمة الميزابية بما صورته: "نحن لا نحيد عن طريقة أجدادنا ولا نبغي سواها مسلكاً، نعم تدفع إليك تجارنا ومسافرونا الغرامة في بلدانك التي يقطعونها أو يمكثون فيها مثل ما كانوا يفعلون مع الأتراك، أما تسليم مدننا إليك فلا يقع ولن يقع، ونقسم لك أننا عندما تزحف بجيوشك ومدافعيك نهدم أسوار بلداننا حتى لا يبقى بين صدر شبابنا وجيوشك حاجز، فإن هددتنا أن تقطع عنا الحبوب التي ترد علينا من التل، فقد فاتك أن لدينا من الذخيرة باروداً وتمراً- ما يكفينا لمدة عشرين سنة، وأننا نزرع في بلادنا من القمح ما يموننا تقريبا، وإن توعدنا بقتل كُلّ ميزابي يقع بين يديك فلا يضعفنا ذلك؛ لأن الذين بارحوا بلادنا لا نعدهم من جيشنا، وإن شئت فاذبحهم ذبحاً، فإذا احتجت إلى كمية من الملح لديغ جلودهم فنحن مستعدون أن نرسل إليك منه قناطير، وإن كانت لك قوة فأت بها". وقال أستاذنا باكلي حفظه الله: "فلما وصل أي الأمير عبد القادر - (تاكدمت) مركز حكمه أمر بإلقاء القبض حالاً على بني ميزاب الموجودين في المدن الآتية المدية المليانة، تازا، بوغاز، معسكر، تاکدمت وغيرها، ثم ضرب عليهم غرامات فادحة أصبح كلهم بما فقراء" انتهى باختصار وقليل من التصرف. (1/1192)
صفحة 1193
الإباضية في موكب التاريخ
429
الإباضية في الجزائر
عبد القادر في معاهدة تافنة المعروفة كان ميزابيا من بني يسقن وكذا أمين الخزانة، وإن كان
سكان "وادي ميزاب" لم يدخلوا تحت طاعة الأمير لأسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا. أما مشاركتهم في ثورة المقراني وابن الحداد فقد كانت لهم فيها مواقف مشهودة، ويكفي أن تعلم أن بولنعاش أحمد بن صالح قد استشهد أمام دار المقراني، وقد صادرت فرنسا جميع ما صادرت من أملاك الذين قاموا بدور فعال في هذه الثورات". مع
ممتلكاته
جيوب
وقال: "واستمر الميزابيون بعدها في مد المقاومة التي كانت منتظمة بالصحراء بقيادة السيد مُحَمَّد بن الأعلى بنواحي متليلي، كما ساندوا ثورة أولاد سيدي الشيخ لما كان بينهم وبين الميزابيين من علاقات حسن الجوار، وحين تنبه الفرنسيون إلى تأييد الميزابيين لكُلِّ المقاومة سيما بالسلاح والعتاد والإيواء قرروا احتلال "ميزاب" في سنة 1882 م، وَلَعَلَّ الرسالة التي بعث بها الجنرال مرغريت قائد الحملة في احتلال "ميزاب" في نوفمبر سنة 1882 م إلى رئيسه الأعلى بالجزائر، والتي يذكر فيها الأسباب التي دعته إلى الزحف والاحتلال العسكري لمنطقة المفروض فيها أن لا تحتل لوجود اتفاقية. خير دليل على ما من قام به الميزابيون من تأييد فعال لجميع جهات المقاومة في الصحراء، وقد قال في الرسالة ما معناه: "لقد قررت الزحف على غرداية؛ لأن جميع المقاومة التي تعرضنا لهجماتها في الصحراء تستمد سلاحها من "ميزاب". ومن المعلوم لدى جميع سكان الصحراء أن "ميزاب" يُسَ (دار البارود) وذلك؛ لأن الميزابيين يأتون بملح البارود والرصاص من تونس ويصنعونه عندهم، ويمدون به الثوار، ولقد رأيت هؤلاء الناس يمسكوننا باليد اليمنى، ويمدون الثورة باليد اليسرى، ثُمَّ إن الكثير من معاونينا قد لقوا حتفهم في "ميزاب" ولم نعثر على قاتليهم، وَلَعَلَّ الطلبة الذين يسمون العزابة، وقد كان أول عمل قمت به هو سجن أشد عداء لنا هم اطفيش الذي أعلن الجهاد ضدنا، وعرفتهم بهذا العمل أنه لا يستطيع أن يصنع سلطاننا". انتهى ما بقي عالقًا بذهني من هذه الرسالة، وَلَعَلَّ لَها معجزة، ولا أن يفلت من نظائر كما يشير إلى ذلك البيان الذي أصدره (جول تيرمان إلى الجماعات الميزابية في
شيخهم
مبررات اختلال الفرنسيين لـ"ميزاب" رغم وجود اتفاقية.".
يُسَمَّى (1/1193)
صفحة 1194
الإباضية في موكب التاريخ
430
الإباضية في الجزائر
وقال: "أَمَّا مشاركة الميزابيين في جميع الحركات الوطنية والسياسية منها والثقافية والدينية فهو أمر اعترف به الجميع، فقد ساندوا الكفاح السياسي الذي قام به الشيخ أبو اليقظان في ميدان الصحافة وقام ببعث الوعي السياسي ما بين الحربين العالميتين في كل من البلاد التي تصل إليها الجرائد، ولم يهادنه الاستعمار لحظة من الزمن، وسقطت جرائده الثمانية واحدة تلو الأخرى، وكانت آخر جريدة هي جريدة الفرقان التي أقفلت قبل الحرب العالمية الثانية
بشهرين.
الجريدة
وقام الميزابيون بدور فعال في تأسيس جمعية العلماء ومناقشة قانونها الأساسي، وكان الشيوخ بيوض وأبو اليقظان عضوين بارزين من أعضاء إدارتها كما كان الشيخ باكلي عبد الرحمن والشيخ بن يوسف سليمان من جملة المؤسسين، وشارك الميزابيون مشاركة فعالة في حركة حزب النواب الجزائرى الذي تزعمه الدكتور ابن جلول، وكذلك حزب الشعب الذي تزعمه مصالي الحاج. ولعله من المهم أن تذكر أوَّل مجموعة من الجزائريين ألقى عليهم القبض في سنة 1937 م من أجل المطالبة بالاستقلال كان فيها غرافة إبراهيم ومفدي زكرياء مع مصالي الحاج والأحول الحسين وخليفة بن عمار. ومن الجدير بالذكر أن جريدة (الأُمَّة) التي كان يصدرها الشيخ أبو اليقظان هي الوحيدة التي احتجت ضد اعتقال هذه المجموعة من المواطنين رغم وجود جرائد عديدة". وقال: "وقد شارك الميزابيون في حركة بوراس التي كانت محاولة جريئة رغم ظروف الحرب، كما شاركوا في حركة العقيد ابن داود، وكانت هي الأخرى حركة لنيل الاستقلال يد الحلفاء بعد نزولهم بالجزائر". وقال: "كُلّ هَذه الأعمال السياسية مضافة إلى ما قام به إخواننا من نشاط في ميدان الإصلاح الديني والاجتماعي قد لا يعد اليوم شيئًا مذكورًا، ولكننا إذا جعلناه في إطاره التاريخي ودرسنا الظروف التي تجتازها هذه الحركات تحت الحكم الفرنسي، والنسبة العددية لإباضية الجزائر يتضح لنا مقدار ما بذله هذا الشعب الصغير من تضحيات، وما قام به من نضال في سبيل الله". (1/1194)
صفحة 1195
الإباضية في موكب التاريخ
431
الإباضية في الجزائر
وقال: "لم يقتصر جهادهم على أرض الجزائر بل تعدى إلى كثير من المناطق".
وقال: "ولقد بذل الميزابيون بعد الحرب العالمية الأولى مجهوداً جباراً في مناصرة الحركات السياسية في شمال إفريقيا، وإليكم ما رويناه عن شيوخنا الذين لا يزال بقية منهم على قيد
الحياة:
1 - تأييدهم للجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي بالمال والتموين وإيواء المهاجرين منهم. 2 - تأييدهم لحرب عبد الكريم بالريف بالعون المادي كما يذكر ذلك الشيخ حسن البغدادي وهو لا يزال حيًا، وكان كاتبا للأمير عبد الكريم.
مناصرتهم أو احتضانهم لحركة الزعيم الجزائري الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر،
وقد كانت أول حركة سياسية في الجزائر.
4 - تأييدهم لحركة بعث الخلافة الإسلامية بعد سقوطها.
ه العمل الجدي الجريء في تأسيس الحزب الدستوري بتونس، فقد كانوا أول المناصرين للشيخ عبد العزيز الثعالبي في تكوين أول وفد إلى باريس لعرض القضية التونسية، وطبع كتابه
تونس الشهيدة».
وَلَعَلَّكم تعلمون أن نفي الشيخ أبي إسحاق إلى مصر كان بسبب الدور الفعال الذي قام به في ميدان السياسة، وكان من أبرز أنصاره الشيخ أبو اليقظان والشيخ مُحَمَّد الثميني والسيد صالح سيوسيو .. ومن أطرف ما نذكره من اعتراف الحكومة التونسية الحالية بجهاد إخواننا أن الرئيس بورقيبة حافظ عَلَى زيارة مكتبة الاستقامة بتونس كُلّ ليلة السابع والعشرين من رمضان بعد الخروج من الحفل الرسمي الذي يقام في جامع الزيتونة.
ولم يقطع هذه العادة إلا بعد وفاة صاحب المكتبة الشيخ محمد الثميني -رحمه الله-. ونحن حين نستعرض كفاح الميزابيين في كُلّ الميادين التي يقفون فيها ضد الكفر والشرك نستخلص أن جهادهم نابع من إيمان راسخ بأن الوطن الإسلامي كله ميدان جهاد المؤمنين حيثما وجدوا من بلاد الإسلام، وهذا ما يدفع في صدور الذين يرمونهم بالانعزالية والانطواء". (1/1195)
صفحة 1196
الإباضية في موكب التاريخ
432
الإباضية في الجزائر
أحسب أن هَذه المقتطفات التي نقلتها عن رسالة الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي كافية في إيضاح الصورة التي أردت عرضها من كفاح الإباضية في الجزائر ضد الاستعمار، وجهادهم في سبيل الله طيلة الفترة التي تَمَتَدُّ ما بين سنة 1830 م التي بدأ فيها احتلال فرنسا للجزائر إلى سنة 1954 م التي اندلعت فيها نيران الثورة الجزائرية المباركة.
(2) الفترة الثانية:
هي التي ذهب فيها الشعب الجزائري بجميع عناصره لتحرير بلاده من الاستعمار الفرنسي سنة 1954 م إلى أن طردت فرنسا الطرد النهائي إلى غير رجعة.
عندما اندلعت نيران الثورة الجزائرية المسلحة كان الإباضية من أشد وأهم العناصر الذين اشتغلوا في هذا النضال، ومن أصدق من أعدوا له وأثبت من كافحوا بجد وإخلاص وتضحية في بعث الثورة والاستمرار فيها والسير بها إلى قمة النجاح ولو أتيح لمؤرخ سياسي أن يستلهم الفن والأدب وقام بدراسة للأناشيد التي كان يتغنى بها الأطفال والشباب الإباضي في مدارسهم ومعاهدهم منذ الأربعينات لتكشفت له الروح النضالية العالية التي أعدت للثورة
ورافقتها وتغنت بنجاحها.
ففي أواخر الأربعينات وهم يعدون للثورة كان الشباب الإباضي يتغنى بأمثال قولهم:
إن أضرمت نار الوغى قدم لها الوقود لا تَرْتج أن تَبلُغَا بدونها الأمال
وفي الخمسينات والشباب الجزائري مشتبك في النضال الفعلى المسلح مع قوات الاستعمار
الفرنسي
كان الشباب الإباضي يتغنى بأمثال قولهم:
ياشباب المسلمين قد جنود الفاتحين
وتقدم لا تهين
إنما المجد الحروب ولدى السلم الكروب
بسوى الحرب الزبون
والمعالي لا توب (1/1196)
صفحة 1197
الإباضية في موكب التاريخ
433
الإباضية في الجزائر
وربما كانت الأناشيد التي تغنت بها المدارس والمعاهد الإباضية في هذه الفترة النضالية تبلغ المئات، وكلها تدعو إلى التضحية والفداء والاستمرار في النضال، وهي ولا شك تعطي صورة
كاملة عن نفسية هذا الشعب الصغير.
ولا شك أن السطحيين الذين ينظرون إلى الظواهر قد تخدعهم قلة الأسماء في جهات القتال غافلاً عن النسبة العددية، ومع ذلك فقد لمعت لهم هناك أسماء وذهب لهم شهداء ورجع من جهات القتال بعد الانتصار مناضلون شرفاء، لم يمتنوا على الجزائر بنضالهم، ولم يطلبوا من الدولة ثمنًا لوطنيتهم بمنحهم ألقابا أو سلطة، وإنَّما رجعوا في تواضع إلى أعمالهم الحرة في الميادين الحرة دون ضجيج ولا صخب. وهؤلاء جميعا يعرفهم زملائهم من رفقة السلاح أو من قادة النضال، ومن مسيري العمليات الفدائية والعمليات الحربية، ورُبَّمَا تولت ذكرهم سجلات الإحصاءات الرسمية -التي ثبتت للتاريخ وللأجيال القادمة ذلك الرصيد الغالي الذي دفعته الجزائر ثمنًا للحرية إذا تولته أقلام صادقة ومخلصة. أما الدور الذي قام به الإباضيَّة في هذا النضال - وأغلبهم تُجار موزعون على جميع أنحاء القطر الجزائري فلعله يتلخص في الخطوات الهامة الآتية: 1 - في جبهات القتال: لا شك أن الوجه الواضح لثورة التحرير الجزائرية إنما يظهر في العمل البطولي الرائع الذي قام به المناضلون والفدائيون لمجابهة القوات الاستعمارية بمختلف تشكيلاتها في ساحات القتال، وفي الأودية ورؤوس الجبال، وبين الغابات والأدغال. وقد أخذ الإباضية في هذا المجال قسطهم الذي يتناسب مع حجمهم وَرُبَّما كان أكبر قليلاً من الحجم الذي يقدر لهم، ومن الأمثلة على ذلك أن الإباضية في الجزائر عند اندلاع الثورة الفا. كان عددهم يتراوح بين الستين والسبعين وقد التحقت أعداد من شباههم بمعاقل الثوار عَلَى كُلّ المستويات، إن أن الشباب الإباضي عَلَى أرفع المستويات كان في مقدمة من التحق بالثورة في بالجبال، ومن ذلك أَنَّهُ لَم (1/1197)
صفحة 1198
الإباضية في موكب التاريخ
434
الإباضية في الجزائر
الطلبات
يكن للإباضيَّة في ذلك الحين إلا ثلاثة أطباء، وقد التحقوا جميعًا بمعاقل الثورة فاستشهد منهم اثنان، وتستطيع أن تقيس بقية الجوانب على هذا النمط وتحسب النسب. 2 - التمويل: لا شك أن تمويل الثورة لا يقل أهمية عن حمل السلاح فيها، وقد اعتمدت الثورة الجزائرية ضد الاستعمار اعتمادا كاملاً على المتاجر الإباضية؛ فقد كانت جميع التي تقدمها العناصر المسئولة في الثورة إلى أي متجر من متاجر الإباضية تحقق في الحال، وفي صمت، وفي هدوء؛ كأنها عملية من عمليات البيع والشراء، ولكنها دون مساومة. ثُمَّ إن القيادة قد اتفقت مع شخصيات معينة منهم على أن تكون بعض متاجرهم في كُلّ مكان مصدرا للتمويل، ومركزاً لتزويد جبهات القتال بما تحتاج إليه. وقد كان تُجَّار الإباضية في مختلف المدن الجزائرية يعدون كُل ما تحتاج إليه الثورة الجزائرية تحت أيد أمينة لتصل إلى أماكنها عند الحاجة، وإلا بقيت محفوظة أو مخزونة حتى يأتيها الطلب، وَلَعَلّ ما دفعه إباضيَّة الجزائر لتمويل الثورة في مرحلتها الطويلة يفوق كُلّ ما دفعه
غيرهم.
وهكذا قام الإباضيَّة بجانب ثان هام من جوانب جهاد العدو، ولو لم يقوموا هم به على هذه الجدارة وبهذا الاستحقاق لما استطاعت الثورة أن تصمد أمام التحدي الاستعماري
العنيف.
وقيادة الثورة الجزائرية تعرف هذا حق المعرفة وتقدره حق التقدير، ولا يقلل من أهمية النضال أن بعض المناضلين لا يعرفون هذا ولا يعرفون الأسس السرية التي انبنى عليها النضال؛ لأنهم يمرون وسط شوارع المدن فيرون المتاجر مفتوحة، والأعمال جارية في روتينية واضحة، وأصحاب المتاجر يواصلون أعمالهم فيها في هدوء ونشاط، فيعتقدون أن أولئك التجار غير مُهتمين بالثورة، فهم إِمَّا سلبيون، وَإِمَّا، خونة، وَإِمَّا عملاء للاستعمار، فيشيعون الأراجيف التي ليست من الْحَقِّ في شيء، والتي رُبَّمَا سببت في إيذاء ناس كان إخلاصهم للثورة وبذلهم في الجهاد وعملهم في سبيل الله لا يقل عن أولئك الذين عرضوا أنفسهم للموت في ميادين القتال.
عنهم (1/1198)
صفحة 1199
الإباضية في موكب التاريخ
435
الإباضية في الجزائر
والجهاد بالمال في سبيل الله قرين الجهاد بالنفس في جميع مراحل الجهاد، وكثيرا ما قدم القرآن الكريم الجهاد بالمال عَلَى الجهاد بالنفس؛ ليشعر المؤمنين بأهمية البذل في سبيل الله. 3 - تأمين الأشخاص: لا تخلو مدينة من مدن الجزائر من عدد من المتاجر أصحابها من الإباضيَّة، وَلَعَلّ تسخير الإباضيَّة لأعمال التجارة في جميع أنحاء الجزائر كان وفق مشيئة تعالى الحكم يعلمها، وعرف الناس بعضها في هذه الظروف، وهو تأمين المجاهدين في سبيل الله
لإخراج المستعمرين من بلاد الإسلام.
بمجرد
الله
د ما يحس أحد رجال الثورة عند دخوله للمدن أو القرى للقيام بأعمال تقتضيها مصلحة الثورة برقابة السلطة الاستعمارية أو بتتبعها له، فإن أوَّل متجر للإباضية يقع في طريقه يكون مخبأ أمينًا له، فيلجأ إليه في الحال؛ لأنه يعرف أن لهم وسائل في إخفاء من يلجأ إليهم لا يمكن لشيطان الاستعمار أن يكشفها، وهو أيضا على يقين أن ذمم أولئك الناس لا تخفر مهما كانت النتائج، وهو يعرف أيضًا أن مُجرد التجائه إليهم يجعلهم يحسون بمقدار الخطر الذي يتهدده، ولذلك فهم حريون أن يوفروا له الحماية والأمن حَتَّى ينجز المهمات التي جاء من أجلها.
وهم يعرفون فوق ذلك أن انكشافه عندهم يعرضهم ويعرضه لكثير من الأذى ويضعهم
تحت الرقابة المستمرة. وتروى في هذا الباب قصص ونوادر (1) وبطولات تعتمد أوَّلاً عَلَى صدق النية في الجهاد بِكُلِّ الوسائل، ثُمَّ عَلَى الذكاء واللباقة وحضور البديهة واتساع الحيلة وحسن التصرف، وهي
1) ذكر لي أحد أولئك التجار أنه أعد في متجره أنواعاً من الألبسة التنكرية واللحى والشعور المستعارة والعمائم الجاهزة، وألبسة كالتي يلبسها عمال الإباضيّة في متجرهم، وعندما يدخل إليهم ملتجئ من متابعة العدو سرعان ما توضع على وجهه لحية، وعلى رأسه عمامة، وعلى ظهره ثوب من ثياب العمل، ثُمَّ يبدأ في العمل من الجوانب الواضحة من المحل؛ فإذا جاء المطاردون لم يخطر لهم أن طريدهم هو أحد العاملين في واجهة المحل، واندفعوا - بغطرستهم إلى الداخل يبحثون ويقلبون المحل تفتيشاً، ولَكنَّهم لا يعثرون على من يطلبون، وهو قد يكون في ذلك الحين بين أيديهم وأعينهم يمد قطعة قماش إلى زبون، أو يقشر البصل في المطبخ. (1/1199)
صفحة 1200
الإباضية في موكب التاريخ
في مجموعها تكشف
436
الإباضية في الجزائر
عن المعاناة الحقيقية لركائز الجهاد المجهولة التي كانت تعمل وهي لا تحتسب من أحد من الناس شكرًا أو أجرًا أو فخرًا.
4 - تأمين المواصلات بحكم اشتغال الإباضية بالتجارة في جميع أنحاء الجزائر فإن الحركة
والتنقل من مكان إلى مكان وشحن السيارات بالبضائع من بلد إلى بلد مظهر طبيعي مظاهر نشاطهم لا يثير - في عمومه - شكوك الاستعمار، ولا يستدعي المراقبة والتتبع والتحقيق، ولذلك فقد كانت مطالب الثورة تنتقل على أيديهم من بلد إلى بلد في صورة بضائع تجارية مطلوبة وتستقر تلك المطالب في صورة بضائع) في متجر من متاجرهم لتصل بالتدريج حسب الخطط التي تضعها قيادة الثورة إلى أماكنها من جبهات القتال، في بطون الأودية ورؤوس الجبال، ولربما كان أشد الطرق أمنًا وأكثرها نشاطا وحركة لإمداد الثورة بما تحتاجه من مؤن إلى أقصى مواقع الثورة، إنما هي التي كانت تمر على متاجر الإباضية، ويتولون هم أنفسهم ترحيلها واستقبالها ثُمَّ إيصالها إلى أماكنها التي ينبغي أن تكون فيها في مواعيدها المحددة حيث تكون تحت تصرف المناضلين. ه - تأمين المخابرات: إن الإباضيَّة في الجزائر بطبيعة أعمالهم التجارية وتنقلهم بسببها بين جميع أطراف البلاد وخارج أطراف البلاد قاموا بأروع الأعمال في تأمين مخابرات الثورة، سواء كان ذلك في إيصال المخابرات بين أجهزة الثورة نفسها، أو في إبلاغ مخابرات الثورة إلى الشعب، أو في إبلاغ مخابرات الشعب إلى الثورة؛ فقد ربطوا بين عناصر الثورة في كُلّ مكان، وأمنوا مخابراتها بحيث أصبحت الاتصالات بين أعضاء الثورة تتم في سرعة وسرية ودقة تستدعى الإعجاب والتقدير، فما تريد جهة من جهات الثورة تبليغ أمر أو خبر إلى جهة أخرى بعيدة حتّى ينطلق تاجر إباضي إلى تلك الجهة البعيدة ليعقد صفقة تجارية في الظاهر قد تتم أو لا تتم، ولكن المهم من تلك الرحلة التجارية أن تتم فيها للشورة ما شاءت من مخابرات تصل في حينها، وقد قام التجار الإباضية في تونس وأفراد البعثة العلمية هناك بربط الحلقات بين الحكومة الجزائرية المؤقتة في تونس وقيادة النضال في داخل الجزائر، بل إلى أي فرع من فروع القيادة في الأطراف. فعندما تفكر الحكومة الجزائرية في تونس في إبلاغ
جميع (1/1200)
صفحة 1201
الإباضية في موكب التاريخ
437
الإباضية في الجزائر
شيء إلى الثوار أو الحصول على شيء منهم ينطلق فرد أو أفراد من الإباضية - تجار أو طلبة لزيارة وطنهم، إما لعمل تجاري أو لإطفاء لواعج الشوق، وفي حركتهم تلك يتم المقصود من الإبلاغ أو الحصول، وهكذا تَتِمُّ المخابرات بين أعين وآناف الاستعمار وأجهزته المتجسسة، ولكنه لا يسمع ولا يرى ولا يشم.
في
وقد كانت بعض متاجر الإباضية في أغلب المدن الجزائر بمثابة دور البريد، أو مراكز المخابرات للثورة؛ فهي مستودعات للرسائل والنشرات والبلاغات وكانت تلك المراكز معروفة عند عناصر القيادة، فيتردد عليها حملة البريد السري للثورة أو توصل إليهم إذا خيف من التتبع والمطاردة .. وفي أكثر الأحيان يودع هناك ما يراد نقله أو توزيعه إلى جهات فيصلها أمان ودقة، وكانت تلك المتاجر تسلم أو تستلم ما يمر بها، إمَّا لشخص معروف لديها، وَإِمَّا بكلمة سر هي مفتاح التعامل. ولقد نال تُجَّار الإباضية بسبب هذه الأعمال كلها كثير من الشر والأذى كالسجن والضرب والتعذيب بأنواعه المختلفة ومصادرة الأموال. ولكن الاستعمار في جميع حالاته تلك لم يستطع بجهازه التعذيي الجهنمي وبطاقمه الوحشي أن ينتزع سرًّا واحدًا من إباضي واحد مِمَّن أوقعهم سوء حظهم تحت براثنه، وَإِنَّمَا كان الواحد منهم يتلقى ما يتزل عليه في ألم وصبر مُحتسباً ذلك في الله، ولم يذكر عن واحد أنه أشار لا من قريب أو بعيد إلى ما يضر بالثورة أو برجال الثورة، ولقد لقي بعضهم حتفه تحت التعذيب دون أن تنفرج شفتاه عن أي سر من أسرار الثورة وعنده منها مخبات سلمها خلفاؤه إلى رجال الثورة كاملة سليمة.
منهم
هذا الموقف البطولي نفسه كان مدعاة للحيرة والاندهاش بالنسبة إلى الجانبين، فهو من جانب تكذيب لتحريات رجال المباحث الاستعمارية فيما يعتقدون أنهم وضعوا عليه اليد وأمسكوه من كُلِّ أطرافه، وهو من جهة أخرى قلل من الشائعات والأخبار عما يقومون به من أعمال في صمت وإتقان حَتَّى ظن السطحيون أن جهودهم في مكافحة الاستعمار ضئيلة، وكانت نتيجة هذا الموقف البطولي من تحمل العذاب وكتمان السر أنه لن يستطيع أحد أن يقف يوما فيزعم أن ضررًا ما لحق به أو بشخص ما، أو بمرفق من مرافق الثورة، (1/1201)
صفحة 1202
الإباضية في موكب التاريخ
438
الإباضية في الجزائر
بسبب اعتراف إباضي عليه بعملية الترغيب أو الترهيب أو التعذيب، والسبب في هذا الموقف أن الإباضية لا يُجيزون - شرعًا - لأي شخص أن يخفف عن نفسه العذاب بتوريط غيره، وَلَعَلِّ مِمَّا يوضح هَذه الصورة أن أنقل فقرات من رسالة الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي، وقال: "ولا يفوتنا أن نشير في ختام هذه الرسالة (1) إلى الدور الفعال الذي أسهم به الميزابيون في الثورة التحريرية ما بين سنة 1954 م إلى سنة 1962 م، ولا يسعنا في هذا المقام أن نطيل بذكر التفاصيل، ولكننا سنشير إلى بعض النقاط:
1 - اندلعت الثورة في فاتح نوفمبر 1954 م وكان نشيد الثورة الرسمي هو النشيد الرسمي للدولة الجزائرية حتى اليوم، وهو من إنشاء شاعر الثورة الجزائري مفدي زكرياء، مثل نشيد فداء الجزائر الذي كان النشيد الرسم لحزب الشعب الجزائري، ومعنى هذا أن الشعراء الإباضية استطاعوا أن يعبروا عن المشاعر الوطنية للشعب الجزائري بأحر وأصدق ممَّا يعبر غيرهم، وَأَنَّهُم يحسون بالقضية الوطنية في كُل أدوارها ومراحلها بأعمق مما يحسه غيرهم من الشعراء".
وَلَعَلَّه لَم يرتفع في إذاعة صوت العرب بالقاهرة طيلة سنين النضال المسلح للثورة الجزائرية - صوت شاعر جزائري كما ارتفع صوت صالح الخرفي وهو مِيزَابي إباضي معبرًا عن وجدان الثورة الجزائرية، وأحاسيسها، وصاروخا بصوتها القوي يهز مشاعر الأفراد والجماهير، حتَّى خيل لكثير من متابعي صوت العرب أن صالحا الخرفي كان هو الصوت الرسمي للثورة الجزائرية في القاهرة، وقد استطاع صالح أن يدخل بصوت الثورة إلى أبراج الأدباء والشعراء في العالم العربي، وقد
استطاع هو أيضا أن يعبر على الشعر الثوري العاطفي إلى مكانه في الأدب العربي كان ليبلغها بالمقاييس الأدبية المجردة، ولو جاز لمسلم أن يستشهد لقضية الجهاد حتى بالأعمال التي تخالف شريعة الله لقلت - حسب روايات أحد الأصدقاء- إن شياطين
1) كتب الأستاذ إبراهيم قرادي تلك الرسالة بما تضمنتها من معلومات بموافقة المؤرخ البحاثة الشيخ سليمان بن الحاج داوود، وقد أكد لي الشيخ سليمان بأنه يملك مصادر موثوق بها، ووثائق رسمية في جميع ما جاء في رسالة الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي. (1/1202)
صفحة 1203
الإباضية في موكب التاريخ
439
الإباضية في الجزائر
الإباضية أيضًا قد اشتركوا في قضيَّة تحرير الجزائر بمجهود واضح لدى الجماهير، فقد تعاون شيطان الشعر عند الخرفي مع شيطان الغناء عند وردة الجزائرية وجوقتها، وقدموا عددًا من الأناشيد والأغاني الوطنية، فكان أولئك الشياطين يحركون عواطف
الناس بكلمات صالح وصوت وردة، ولكني لا أعلم في الحقيقة إلى أي اتجاه كانت تتحرك تلك العواطف (1).
استشهد منهم
2 - كان أول ثلاثة أطباء انضموا إلى صفوف الجيش في أول يوم من الميزابيين، اثنان وهما: تيرشين إبراهيم في نواحي الونشريش قرب "الأصنام (2)، وقضي بكير في جبال "سوق أهراس"، وقد سُمِّي باسمه مستشفي غرداية، أما الدكتور الثالث فهو لا يزال حيا، وهو الدكتور باباعمر عبد الرحمن ولم يكن من أبناء الميزابيين طبيب غيرهم، ومعنى هذا أنهم بعثوا بكل أطبائهم إلى صفوف الجيش
الذي حرر الجزائر فاستشهد الثلثان في جبهة القتال.
- أدار السيد الرئيس بن خدة والعربي بن المهيدي معركة الجزائر العاصمة من لثمانية عشر مركزا كانت كلها للميزابيين، قام فيها رجال الثورة بأدوار بطولية نادرة لم تكتشف إلا بعد إضراب الثمانية أيام، وَكُلُّ هَذه المراكز كانت للميزابيين في الأحياء الأوروبية من عاصمة الجزائر.
4 - تكونت الولاية السادسة تحت قيادة حواس العقيد أحمد بن عبد الرازق سي في مركزها الأول، وهو غابة الحاجب التي هي ملك لآل الخبزي، وانضم كل أبنائه إلى صفوف الثورة فكان منهم من صعد إلى الجبال، ومنهم من قام بالعمل السياسي وتركيزه في منطقة الصحراء".
وقال: "وقد توقف إطلاق النار في سنة 1962 م ومركز قيادة المنطقة الخامسة من الولاية السادسة في العطف بـ"وادي ميزاب"، وكانت مساحة هذه المنطقة تمتد ما بين الحدود
(1) الفقرة السابقة التي تحدثت عن شعر صالح الخرفي لم يكن مصدرها رسالة قرادي.
(2) ما يُسَمَّى بالشلف اليوم. (المراجع) (1/1203)
صفحة 1204
الإباضية في موكب التاريخ
440
الإباضية في الجزائر
التونسية بـ"وادي سوف" شرقا إلى "الأغواط" غربا، وإلى "تمنراست" جنوبا، وغني عن الذكر أن اختيار القيادة الرشيدة لمركز هذه المنطقة لم يكن عبئًا ولا مصادفة". أحسب أن هذه المقتطفات كافية لإيضاح الصورة التي أردنا عرضها على القارئ الكريم بإيجاز شديد، أما الصورة الكاملة فهي لا تزال مستترة حَتَّى ينتدب لها أحد الشباب المثقف من أبنائهم، فيتولى عرضها بأسلوب علمي يضع كُلّ حقيقة في مكانها، ويبني كُلّ لبنة فيها على أساس متين. وبعد كُلّ هذا؛ فإن الإباضية جزء من الأمة الجزائرية قاموا بواجبهم في جهاد العدو استجابة لأمر الله تعالى لا منة لهم عَلَى أحد، وليس لأحد عليهم منه، فإن كما يشذ من كُلّ قوم فلم يصدقوا في الجهاد في سبيل الله، أو قصروا في جنب الله، فإن ذلك ليس بدعًا في الأمم والشعوب، وفي كُل بلد مجموعة بشرية من أمثال أولئك الأفراد ولا عبرة بالشواذ، وإن كنا لم تبلغنا أية حالة من هذا النوع في هذا الشعب الكريم، ولم أسمع
شد فيهم أفراد
-
من أحد أن أحدا منهم -أي أحد أنّهم بخيانة أو عمالة أو جوسسة أو تواطؤ مع العدو. هَذه صورة مختصرة جدا عن جهاد الإباضية الجزائر في سبيل الله، وهم يحرصون شديد الحرص على عدم التحدث عما قاموا به؛ لأنهم قاموا به التحدث عما قاموا به؛ لأنهم قاموا به الله، ومنه وحده ينتظرون الجزاء. يوحد بين جميع المسلمين في نظام حكم واحد، عامل بدين
عسى
-
الله
الله تبارك وتعالى أن متجه إلى محاربة أعداء الله مجاهد في سبيل الله حسب أمره تعالى بالمال والنفس حتّى يتم تبليغ رسالة الإسلام التي أوقف تقدمها اشتغال ساسة المسلمين بالنزاع على ما في أيديهم، وإعراضهم عن السير قدما في الطريق الذي سار فيه أبو عبيدة وسعد وخالد وعمرو وعقبة
وموسى وطارق. (1/1204)
صفحة 1205
الإباضية في موكب التاريخ
441
الإباضية في الجزائر
عزيزي القارئ ..
كلمة أخيرة
في سنة 1966 م رسمت الخطوط العريضة لهذه الحلقة من هذا الكتاب، ثُمَّ بدأت في كتابة الفصول، وقد تناولت أغلبها .. منها ما كتبته بصورة تكاد تكون نهائية، ومنها ما يشبه أن يكون
داعيا؛
رموزاً أو علامات على مواضيع واستمر البحث والمراجعة في المصادر المصادر المكتوبة والمصادر المصورة، والمصادر الحية المتحدثة - وكنت كثيرًا ما أعود عَلَى ما كتبت بالتغيير والتصحيح حتّى خيل إِلَيَّ أني وضعت الكتاب على شبه الصيغة النهائية، ولم يق على إلا أن أعرضه أو بعض فصول منه على أحد شيوخي لأطمئن إلى عملي، وركبته في زاوية انتظارا لفرصة لقاء، وعندما أعلن أستاذنا الفاضل الإمام بيوض إبراهيم بن عمر عزمه على زيارة ليبيا في صيف 1392 هـ، توقعت أن تتاح لي فرصة معه، ولكن تلك الفرصة لم تسنح لي أبدا، فقد كان وقفه طيلة الأسبوعين مزدحما مشغولاً، فلم يتم لي ما رجوت، وكان ضياع هذه الفرصة عني لأن أعيد النظر فيها نظرة أخيرة فيما حسبت .. وقد فعلت. وفي صيف سنة 1396 هـ أتيح لي أن أزور الجزائر، وأن أبقى في الواحات لمدة أسبوعين، وأن ألتقي بعدد من العلماء والمشايخ، وأتيحت لي فرص لقراءة بعض الفصول على بعضهم، واستفدت كثيرًا من نصائحهم وتوجيهاتهم وتصحيحاتهم، فقد قرأت كل ما يتعلق بالدولة الرسميَّة عَلَى كُلِّ من الشيخين الفاضلين الإمام بيوض إبراهيم والشيخ باكلي عبد الرحمن -حفظهما الله ورعاهما، وقرأت أكثر الفصول الأخرى على الشيخ باكلي عبد الرحمن، وقرأت الفصول المتعلقة بـ"وَارجُلاَن" عَلَى الأستاذ الشيخ أبي معقل عمر بن داود وعلى الأخ المؤرخ البحاثة الشيخ سليمان بن الحاج داود، وقرأت مسودة فصل الجهاد على
أما
الشيوخ الثلاثة أفلح وابن يوسف وباكلي، كما قرأته على الأخ الشيخ إبراهيم قرادى .. الفصول: "ميزاب في نظر مستغرب"، و"بنو مصعب والغربة"، و"المرأة الميزابية والغربة"، "المؤسستان الثانية والثالثة"، هذه الفصول لم يطلع عليها أحد منهم؛ لأني كتبتها بعد رجوعي
من الرحلة. (1/1205)
صفحة 1206
الإباضية في موكب التاريخ
442
الإباضية في الجزائر
الآراء،
ولا شك أن القارئ يعرف أنني بعد زيارتي أعدت صياغة بعض الفصول، وصححت بعض وحققت بعض المعلومات، ولكنني مع ذلك لم أستطع أن أبلغ به ما في نفسي، وكل ما أستطيع أن أعتذر به في هذا المقام أن أقول: إِنِّي بذلت جهدًا غير قليل في إخراج هذا العمل إلى حيز الوجود، ولو لم يكن فيه من جهد غير نقله عددًا من المرات لكان عملاً مضنيا، وقد بقي بين يدي نيفا وعشر سنوات وكنت كلما تناولته أو تناولت بعضه بالصقل ظننت أنه صار أفضل، وأحسب الآن أنه على وضعه الموجود هو أفضل مما كان قبل ذلك، ولو تناولته بالتحقيق والتصحيح من جديد لوجدت فيه ما يستحق التغيير، ولصار بعد ذلك أفضل مما هو عليه الآن .. ولكننا لو سرنا على هذا الأسلوب نشتغل بالتصحيح والتحقيق حتّى نصل إلى اللحظة التي نبلغ فيها الكمال،
وتحوز الرضا التام فيما نقدمه من عمل لما وصلنا إلى تلك اللحظة أبدا، ولما أنجز لنا عمل أبدًا. وإذا وجد من يقول عن نفسه: إنه بلغ مرتبة الكمال في عمل من الأعمال، فذلك أحد رجلين إما رجل يعرف عن نفسه القصور فهو ينفخ فيها بالشجاعة خوف الإحجام، وَإِمَّا رجل لا يعرف معنى الكمال ولا يقدره .. وقد عرفت أناسا يريدون أن يخرجوا أعمالاً يصلون فيها إلى الكمال فأمضوا زيادة عن عشرين سنة يجمعون الحقائق حتَّى ذهب نور أبصارهم، ولم يخرج عملهم ذلك إلى النور، ولو أتيح له أن يخرج لكان صاحبه أول من يحس بالنقص فيه.
وإذا وجدنا من
ويزعم
الكمال الوصول إلى عين اليقين في كُلّ ما يقول؛ الكتاب من يدعي فأنا لا أملك هذه الجرأة، ولا أحسن هَذه الدعوى، وأعترف بصراحة صادقة أن في عملي هذا كثيرًا من النقص منه ما أعرفه ولَم أتمكن من إتمامه، ومنه ما لا أعرفه وقد يعرفه القارئ، ومنه ما قد يخفى عني وعن القارئ إلى حين.
وعلى جميع الأحوال فهو مُحاولة أرجو أن يستفيد منها من يقتنع منهم بالبسيط، وأن يجد فيه حملة الأقلام ما يستعينون به على شق طرق جديدة في منهج جديد لدراسة اجتماعية متكاملة، مبنية على أحداث تاريخية في جانب من المجتمع الإسلامي لم يجد بعد العناية الكافية من أقلام صادقة تكتب بالْحَقِّ، وتسعى وراء الْحَقِّ رغم ما كتبت عنه وفيه ... فإذا لم يجد فيه القراء وحملة الأقلام جدوى ولو قليلة فهو ليس أول عمل تافه يقدمه إنسان وهو يعتز به، وإنني على شدة الخجل من التصريح بالاعتزاز بعمل من أعمالي لأعتز به على ما فيه، وأرجو أن يكون من حسناتي عند الله. (1/1206)
صفحة 1207
الإباضية في موكب التاريخ
443
الإباضية في الجزائر
عزيزي القارئ ...
كلمة الختام
إنِّي أحمد الله تبارك وتعالى الذي ساعدني حتى أنجزت هذا العمل وقدمته إليك
كما هو الآن ..
وإن كُلّ ما أطلبه منك وقد قرأته إذا لم يعجبك، ولم يحز رضاك أن تدعو الله لي مُخلصًا حَتَّى يوفقني إلى تقديم ما يرضيه ويرضيك عني مستقبلاً، فإنني قد عزمت ألا أتركك أَيُّهَا القارئ الكريم ما دمت أقوى على الكتابة.
وما دمت لا تستطيع أن تتخلص من هذا العبء الثقيل الذي ألقيه على عنقك، فما عليك إلا أن تتجه إلى من بيده الأمور ليجعله عبئًا يسيرًا تقبل عليه نفسك، ويرتاح إليه مزاجك، وتحصل منه على بعض الفائدة.
وأخيرًا أضرع إليه تبارك وتعالى كما يسر لي إنجاز هذا العمل الضئيل أن يفيد به ويجعله دعوة إلى توحيد الصف، وإلى الاقتداء بخير السلف وإلى الاهتداء برسول الله، وإلى الاعتزاز فقط بالله، وأرجو منه تعالى أن يتقبله مني خالصا لوجهه الكريم، فَإِنَّهُ نعم المولى ونعم النصير، وهو حسبي وكفى به و به وكيلاً. (1/1207)
صفحة 1208
الإباضية في موكب التاريخ
444
الإباضية في الجزائر
الإباضية في شمال افريقيا
أخبار وتعاليق
الأزهار الرياضية
إزهاق الباطل
تاريخ أئمة الدولة الرستمية
تاريخ ابن خلدون
تاريخ الطبري
تاريخ المغرب الكبير
المصادر والمراجع المعتمدة
مرتبة حسب الحروف الهجائية)
(مخطوط)
أبو اليقظان إبراهيم
(مخطوط)
سلامة بن يوسف الجناوني
سليمان باشا الباروني
قطب الأئمة
ابن الصغير المالكي
عبد الرحمن بن خلدون
أبو جعفر الطبري
محمد علي دبوز
تاريخ علماء الجزيرة
(مخطوط)
سعيد بن تعاريت
تراجم الأئمة
(مخطوط)
أبو اليقظان إبراهيم
تقاييد
(مخطوط)
أبو الحسن على بن بيان
الجواهر المنتقاة
أبو العباس البرادي
حوادث الجزيرة
(مخطوط)
إبراهيم بن ثابت
الدعاية الى سبيل المؤمنين
أبو اسحاق اطفيش
الرد على الصفرية والأزارقة
(مخطوط)
قطب الأئمة
الرد على العقبي
رسائل المصعبي
رسالة إجابة عن أسئلة
رسالة طبقات العلماء
قطب الأئمة
مجموعة رسائل مخطوطة
أبو يعقوب يوسف المصعبي
(مخطوطة)
باكلي عبد الرحمن
(مخطوطة)
مُحَمَّد بن زكرياء الباروني
رسالة في التاريخ
(مخطوطة)
أبو اسحاق اطفيش
سلم العامة والمبتدئين
عبد
الله
بن يحى الباروني
السير
السير
سير الأئمة
(نسخة مصورة)
أبو الربيع المزاتي
أبو العباس الشماخي
أبو الربيع الوسياني (1/1208)
صفحة 1209
الإباضية في موكب التاريخ
445
الإباضية في الجزائر
شرح تحريض الطلبة
صحراء الجزائر
طبقات المشايخ
عقيدة التوحيد وشروحها
غصن البان
قابس جنة الدنيا
القول المتين في الرد على المخالفين
كتاب الجزائر
اللقط
اللمعة المر الإباضية
مؤنس الأحبة في أخبار "جربة"
مختصر تاريخ الإباضية
مروج الذهب
المعلقات "مؤلفها مجهول"
محَمَّد بن يوسف المصعبي
العقيد توماس
أبو العباس الدرجيني
مجموعة من المؤلفين
(مخطوط)
إبراهيم أعزام محمد المرزوقي
سعيد بن قاسم الشماخي
أحمد توفيق المدني
عامر بن موسى الشماخي
نور الدين السالمي
أبو عبد الله مُحَمَّد أبوراس
أبو الربيع سليمان الباروني
أبو الحسن المسعودي
رتبها قطب الأئمة
مقتطفات من الأخبار والأحداث
(مخطوط)
أبو الربيع الحيلاتي
ملحق السير
(مخطوط)
أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى
موجز التاريخ العام للجزائر
عثمان الكعاك
الموجز في تاريخ الجزائر
النقد الجليل
نماذج امارات الدفاع
(مخطوط)
يحى أبو عزيز
أبو اسحاق طفيش
أبو اليقظان إبراهيم
نهضة الجزائر الحديثة
مُحَمَّد عَلَى دبوز
وهناك مجموعة أخرى من الوثائق فاتتني عند ترتيب المراجع منها بيان حقيقة» للسيد وكيل الأمة الميزابية في قضية التجنيد الإجباري، ومنها رسالة الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي في موضوع الجهاد في سبيل الله ومنها البحث الذي قدمه إلى الأخ الأستاذ فخار حمو في منظمة إمسطوردان، ومنها رسالة مطبوعة لقطب الأئمة سقطت منها الصفحة الأولى فلم أعرف اسمها، ومنها بعض المراسلات التي كانت تجري بين العلماء التي تتناول موضوعنا من طرف جانبي، أو تشير الى أحداث معينة كان لها أثر في مجرى التاريخ، وبالتالي في الرأي الذي كونته أو انتهيت إليه في بعض القضايا. (1/1209)
صفحة 1210
الفهارس الشاملة
للجزء الأول
(الحلقات: الأولى والثانية والثالثة)
الآيات
الأحاديث والآثار الأعلام
الأماكن والوقائع
القبائل والفرق والأديان
الكتب (1/1211)
صفحة 1211
الإباضية في موكب التاريخ
"
الآيات
ومن تبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منهم (سورة آل عمران: 85)
يا أَيُّهَا الذين آمنوا).
أَدلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ (سورة المائدة: 54)
الفهارس الشاملة
أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ عيّا} (سورة مريم: 59)
الَّا إِنَّ نَصْرَ الله قريب) (سورة البقرة: 214)
الاعابري سبيل) (سورة النساء: 43).
)
ألا له الخلق والأمر} (سورة الأعراف (54
الْأَعْرَابُ أَشَدَ كُفْرًا وَفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) (سورة المائدة: 97)
الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (سورة الزمر: 62).
ألَمْ تَرَأَنَا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَوَزُهُمْ أَرا} (سورة مريم: 83).
427000
4 V .......
340
093000
...
315
54
175
54
7600
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ .. } (التوبة: 67) 740000
99،31
70
70
139
482 ...
...
10
لن أكرمكم عند الله اقامه (سورة الحجرات: 13)
إن الدين عند الله الإسلام (سورة آل عمران: (19)
}
انَ الَّذِينَ يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذلينَ (سورة المجادلة: 20)
ان الَّذِينَ يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ كُبُوا مَا كَبَتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (سورة المعادلة: ().
إنَّ هَذه أمَتكُمْ أُمَّةً واحدةً} (سورة الأنبياء: 92. وسورة المؤمنون: 52) إنَّ هَذه أنكُمْ أُمَّةً واحدةً وَأَنا رَبَّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (سورة الأنبياء: 92).
إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (سورة النجم: 4). (1/1212)
صفحة 1212
الإباضية في موكب التاريخ
الفهارس الشاملة
إن يكن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَبُوا مِاتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُم مَاتَة يغلبوا الفا ... ) (الأنفال: 265) 594400.000
نصركم الله فلا غالب لَكُمْ (سورة آل عمران (160
لَتَنصُرُ الْحَيَاةِ مُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (سورة غافر: 51) ..
....
ogr ......
ogr .........
إنك لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (سورة القصص: 56) ..... 7
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (سورة الحجرات: (10).
•
نمَا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم من دَيَارِكُمْ و ظاهروا ... ) (المتحدة: 9)
139، 726
704
....
530
أوفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُحْسِرِينَ * وَرَبُوا بِالْقِسْطَاسِ المُستقيم) (سورة الشعراء: 182). وبكى من كَسَبَ سَبَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطيتُهُ فَأُولَكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (سورة البقرة: 81) 102000 ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا علا الذين آمنوا) (سورة الحشر: ........ 139
فَإِنَّ م نَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ} (سورة المائدة: (56)
فيما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كثير) (سورة الشورى: 30)
قصير جميل جميل) (سورة يوسف: (18)
فَكُلُوا مِمَّا غَمْتُمْ حَلالا طيبا واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (سورة الأنفال: 69).
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا) (سورة المائدة: (6).
"
098 ....
ora ......
VET ............
.......
310
فلولا نفر إِذَا تر من كُل فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا ... ) (التوبة: 122) ..... 63 ليقاتل في سبيل اللهِ الله الذينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِل في سبيل الله ... ) (النساء: 74) .... 593
طور قاتلوهم يعد يّهُمُ الله أَيدِيكُمْ وَيُحْزِهِمْ وَيَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة: 14 ....... 599
وقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لعباده والطيبات من الرِّزْق) (سورة الأعراف: 32).
•
-
246 (1/1213)
صفحة 1213
الإباضية في موكب التاريخ
كتب الله لأَغْلَبَنَ أَنَا وَرُسُلي) (سورة المجادلة: (21).
4
الفهارس الشاملة
فة قليلة غلبت فيه كثيرة بإذن الله اله مع الصابرين) (سورة البقرة: 249 ....
093000
593، 657 .....
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... ) (آل عمران: 110) 0 444 99
الا تجد قوما يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (المجادلة: 22) .... 700، 72، 334
...
وَلَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَهُ لِأُولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولكن تصديق ... ) (يوسف: 111) و لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أَسْوَةٌ حَسَنَةً (سورة الأحزاب: 21)
ولقد نَصَرَكُم الله في مواطن كثيرة) (سورة التوبة: 25)
و للذيـ
أحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (سورة يونس: 26)
17 ....
oar .....
729
ليَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي عَنِي كَرِيمٌ) (النمل: 40 .... 7
ما
ا فتح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةِ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} (سور فاطر: 2)
مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضلِل فأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} (سورة الأعراف: 178)
110
97000000
315
119 .........
54
ogr ........
35
658 ......
مَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ} (سورة فاطر: (3).
هُوَ سَمَاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) (سورة الْحَجَ: (78).
وابتغوا من فضل الله) (سورة الجمعة: 10)
و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة من رباط الخيل) (سورة الأنفال: 60
لهو والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (سورة الصافات: 96)
وان استنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النصر) (سورة الأنفال: 72) وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (سورة الأنعام: (12) وان جند تا لهم الغالبون له (سورة الصافات: 173) (1/1214)
صفحة 1214
الإباضية في موكب التاريخ
الفهارس الشاملة
وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُولُوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا ينصَرُونَ) الأدْبَارَ ثُمَّ لأَنصَرُونَ} (سورة آل عمران: (111).
وهُ يَوْمَئِذ ناضرةٌ * إِلَى ربها ناظرةً *
وجوه
0930
ربها ناظرةً * وَوُجُوهُ يَوْمَذ باسرةً) (سورة القيامة: 22 - 24) ............ 728
وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الروم: 47).
728
ogr ......
ولا تزرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (سورة الأنعام: 164)
45
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْر واتم أدلة فاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ... ) (آل عمران: 123 - 126) ... 593، 664
ولله العزة وكرَسُوله وللْمُؤْمِنِينَ (سورة المنافقون: (8).
وَالله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... ) (آل عمران: 97)
69، 76 .....
vr ........
وتوسط الله الرزق لعباده البغوا في الأَرْضِ ولكن ينزل بقدر ما يشاءُ) (سورة الشورى: ..........
و وليجدوا فيكُمْ غلظة) (سورة التوبة: 123).
وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِينُ (سورة الحج: 40) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عند الله العزيز الحكيم (سورة آل عمران: 126) ..
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (سورة النجم: 3 - 4. وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (سورة المائدة: 44)
31700000000
72
ogr ......
ogr ......
17
vr .....
وَمَن يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّه وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله .. ) (النساء: 100) ... 24 وَمَن يُقَاتِل في سبيل الله فَيُقْتَل أَو يغلب فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (سورة النساء: 74 ........... 594 أَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَةُ * ارجعي إلى ربك راضية مرضية) (سورة الفجر: 27 - 28).
ora .......
457 .........
........ (09
نا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} (سورة النساء: 59). ينصركُم ويثبت أقدامكم لله (سورة محمد: (7). مروا الله
093000
.......
وا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَةٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْما بجهالة ... (سورة الحجرات: 1) .....
72 (1/1215)
صفحة 1215
في موكب التاريخ
الفهارس الشاملة
نا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... ) (سورة المائدة: 5
Try ........... ()
وا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاءَ تَلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمودة ... ) (سورة الممتحنة: 1) ... 704 آمَنُوا
,,,
ا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا .. ) (الرحمن: 33). 124 الجِنِّ اسْتَطَعْتُمْ
093
...
{{ ......
087،558
072
73
3270000
557
73
152
الأحاديث والآثار
إِذَا الْبَسَتْ عَلَيْكُمُ الأُمُورُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيكُم بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفْع ...
إِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
«اعْتَقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ»
أَفضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٌّ عِندَ سُلطَانٍ جَائِرٍ فَيُقتَلُ بِهَا صَاحِبُهَا».
أفضل أمتي قَرَني ثُمَّ الذين يَلُونَهم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» «أفلح إن صدق»
«أَلاَ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضَكُمْ رِقَابَ بَعْض»
الأمر بالْمَعْرُوفِ وَالنهيُّ عَنِ الْمُنكَرِ جُندَانِ مِن جُنُودِ اللَّهِ، مَن نَصَرَهُمَا نَصَرَهُ اللَّه ..
«الإيمانُ فَيْد الفَتْكِ لَا يَفتِكُ مُؤْمِنٌ»
«الرشا فِي الْحُكْمَ كُفْرَ»
«الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُم»
«أَمَّا بَعد: فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالاً مِنكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلأني الله ... »
234
«أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُم .... .... 64، 736
إن الله خَلَقَ الرَّافَةَ وَأَسْكَنَهَا قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَلَقَ القَسْوَةَ ... » «إن دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم عَلَيْكُم حَرَام»
313 (1/1216)
صفحة 1216
الإباضية في موكب التاريخ
إن الله رِجَالاً لَو أَقسَمُو عَلَيْهِ لأَبَرَّهُم».
«إن الله عبَادًا لَو أَقسَمُوا عَلَيْهِ الأَبَرَّهُم».
.
V
«إِنَّ نَاسًا مِن أُمَّتِي يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهِمِ مِنَ الرَّمِيَّة» «إِنَّكُم سَتَرَوْنَ رَبَّكُم»
الفهارس الشاملة
«أَيُّمَا رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُمَا زَانِيَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». ا تتكافا دمَاؤُهُم، وَيَسعَى بِذِمَّتِهِم أَدْنَاهُم، وهُم يَدٌ عَلَى مَن سِوَاهُم» «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِمْ كَالْجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى ... »
«ثَلاثَةٌ جدهُنَّ حِدٌ وَهَزَلُهُنَّ جِدٌ: النكاح والطلاق، وَالْعَتَاق» «خُذُوا عنها نصف دينكم»
210 .....
TOA .........
q. CY? ................
729 ........
91
EAE ........
ira ..................
«خَلَقْتُ الْجِنَّةَ لِمَن أَطَاعَنِي وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَخَلَقْتُ النَّارَ لِمَنْ عَصَانِي ... .......
«دَخَلَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمَا»
«دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتنَة».
رَجَعَنَا مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكبَرِ؛ جِهَادَ النَّفْسِ».
سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثَ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلَاَ وَاحِدَةً نَاحِيَةٌ ..
«في كُلِّ ذي كبد رطبة أجر»
كُفْرٌ بَعدَ إِيمان، وَزِنِّى بَعدَ إِحْصَانِ، وَقَتَلُ النَّفْسِ»
«كُلُّكُم لَآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُراب»
كَمَا تَكُونُونَ يُوَلِّ عَلَيْكُمْ» ..
كُنَّا نَدَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَن نَقَعَ فِي الْحَرَامِ»
«لَئِن أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُم قَتَلَ ثَمُود»
«لا فَضْلَ لِعَرَبِيٌّ عَلَى أَعْجَمِيٌّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»
لا يشقى من رآني».
«لَقَدْ أخترت بالرأي».
oyo
90
102 .........
249 ....
42، 45
«< ...
لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُم مَا إِن تَمَسَّكُتُم بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعدِي أَبَدًا: كِتَابِ اللَّهِ، وَسَتِي». «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ، وَلَوْ وَجَبَ لَمَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَو لَمْ تَفْعَلُوا لَكَفَرْتُم ..
313.
18 ........
99
760
........
32
31
072
65600.
{ .......
73 (1/1217)
صفحة 1217
73
ov.
71
7280
73
71
?OA ....
7260000
90
139000
TV ..
89
5840
36
الإباضية في موكب التاريخ
«لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ إِلا تَرْكُهُ الصَّلاة»
الفهارس الشاملة
لينتهينَّ أَقوَامٌ مِنَ الفَخر بآبائهم الذينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُم فَحمُ جَهَنَّمَ ... ». «من أحب الله، وأَبغَضَ الله، وأعطَى اللهِ، وَمَنعَ اللهِ فَقَد استكمل الإيمان).
«مَنْ أَلْزَمَ شَيْئًا لَنَفْسِهِ أَلْزَمْنَاهُ لَهُ»
«مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ كَفَرَ»
«من رأينا منهُ خَيْرًا، وَظَننا فيه خيرًا، قُلنا فيه خيرًا وتَولّينَاهُ.
مَن زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللَّهِ الفِرْيَةَ» «مَنْ عَشَنَا فَلَيسَ منَّا»
«مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلا الله إِيمَانًا وَاعْتَقَادًا دَخَلَ الْجَنَّة».
«مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلَا يَحْلُونْ بِامْرَأَةِ لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهَا مَحْرَمٌ»
وددت أني أرى إِخْوَانِي .. فَقالَ بَعضُ أَصحَابِهِ: أَو لَسنَا بِإخوانك .... ........ ولا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنوافل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَتُهُ كُنتُ سَمَعَهُ ... » وَلَن يَصلُحَ آخرُ هَذه الأمَّة إِلا بِمَا صَلَحَ بِه أَولُها». «وَمَن تَرَكَهَا فَقَد استَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ، وَمَن رَبَّعَ حَولَ الْحِمَى يُوشِكُ أَن يَقَعَ فِيه». «وَيْحَكَ يَا عُمَرْ اسْتَمْسِكَ بِغَرْزِهِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ». يَخْرُجُ مِن ضِفْضِفِي هَذَا نَاسٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهِمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ»
ROR
أبان بن وسيم النفوسي، أبو ذر
إبراهيم الخليل العي ..
إبراهيم بن أحمد أبي الأحباس
إبراهيم بن أحمد بن الأغلب
الأعلام
432،403،332 - 330،220،210 - 208
Or .....
089 - 087 ....
276، 284 ،228 ،220223 ،210 - 21400 (1/1218)
صفحة 1218
الإباضية في موكب التاريخ
إبراهيم بن الحاج عيسى، أبو اليقظان
إبراهيم بن ثابت .......
إبراهيم بن قاتكين، سلاح دار
إبليس
ابن أبي الجلود
ابن أبي العيون
ابن أبي يحيى الأرجاني، أبو زكريا.
ابن الجمع.
ابن الرقيق.
ابن السبكي
الفهارس الشاملة
365، 367، 612 - 735،613 .......
740،611
VI ........
... انظر: موسى بن عمرو بن أبي الجلود
6360، 665، 669
2360000
PEI .....
506
ابن السكيت
ابن القمودي
ابن اللحياني .....
ابن تعاريت، أبو النجاة
ابن حزم الظاهري الأندلسي
ابن حسان.
ابن سلام
ابن طولون ..
ابن غريون
اين قهرب
360
OV. 079 ..
389
انظر: يونس بن سعيد، أبو النجاة
1. Y ({\
0.7 ..
017 .......
انظر: العباس بن أحمد بن طولون
10
TIE ........
ابن محمد بن الشيخ.
ابن معطير الْجَنَّاوني. ابن مكي
ابن نخيل ابن هشام ..
ابن ويمي المزاتي. ابنة أبي القاسم
3570
انظر: مُحمد بن عبد الحميد بن مغطير
352، 636، 665، 669 .....
VIA .......
7.0 ...
5520 - 553
56000 (1/1219)
صفحة 1219
الإباضية في موكب التاريخ
أبو الجلود
أبو الحسن الأبدلاني.
الفهارس الشاملة
5960، 680 - 685،681
203، 206، 303 - 304
736
أبو الحسن الأشعري
أبو الحسن المديوني ..
أبو الخطاب
أبو الخير الزواغي.
أبو الربيع الوسياني.
أبو الربيع بن أبي زكرياء السمومني.
انظر: عبد الأعلى بن السمح
. انظر: توزين الزواغي
7.9.
5970
أبو الشعثاء السنتوني
أبو الضياء الطرميسي
أبو العباس الدرجيني
أبو العباس الشماخي
أبو العباس
أبو الفضل الغدامسي
أبو القاسم البرادي
أبو القاسم البغطوري
{19 ......
3570
انظر: أحمد بن سعيد الدرجيني
،184 - 186،179 - 17156، 4،122،3300،،359 - 364،33،323،312،199،561، 584،538،013،506،470،393
332،303،203،201،2244، 48
4، 572،56621،394،307،337
1760
انظر: البرادي
انظر: البغطوري
أبو القاسم بن سعيد اليونسي الصدغياني.
أبو القاسم بن يونس السدويكشي
أبو النجاة يونس
أبو اليقظان بن أبي بكر
أبو اليقظان
أبو بكر الثاني الحفصي
...
734
524520، 534، 539، 586
انظر: يونس بن سعيد بن يحيى بن تعاريت
212،11
انظر إبراهيم بن الحاج عيسى ... .
6360، 667، 754،740 (1/1220)
صفحة 1220
الإباضية في موكب التاريخ
أبو بكر الصديق
أبو بكر الطرابلسي سيدي أبو بكر بوقلاس) ..... 177
أبو بكر الغفسوفي
أبو بكر بن أفلح.
الفهارس الشاملة
487، 272،01،26،32
? .....
198،110،02،32 - 31
أبو بكر بن يحيى
أبو جعفر المنصور
أبو جهل
أبو حاتم الْمَلزوزي ..
أبو خليل صال الدركلي
أبو داود الدرفي
أبو داود القبلي
أبو زكريا الأرجاني
أبو زكريا التندميرتي
أبو زكريا التوكيتي.
أبو زكرياء الأول الحفصي
أبو زكرياء السمومني.
3760000
-? V• •\VT-IV. (177 - 170 (109 .......
506،472
05
انظر: يعقوب بن حبيب بن حاتم الملزوزي
.... انظر: صال الدركلي
261
500،320،289
412،237 - 2330000
12،312 - 311،309،191
634 ......
أبو زكرياء الوسلاتي.
أبو زكرياء بن أبي عبد الله التند ميرتي.
أبو زكرياء بن عيسى الباروني
أبو زيد الصدغياني
أبو زيد المزغورتي.
أبو سلامة
..
أبو سليمان الثلاثي.
أبو سليمان الطمزيني.
انظر: يحيى السمومني
انظر: يحيى الوسلاتي
2530000، 405
586
7590
355، 411،300،31800
734
انظر: داود بن إبراهيم الثلاثي
TAA ....... (1/1221)
صفحة 1221
الإباضية في موكب التاريخ
أبو صالح
أبو عامر التصراري
أبو عبد الله الباروني
أبو عبد الله
الدرفي.
أبو عبد الله بن أبي بكر
12
الفهارس الشاملة
TTA .......
3، 433 - 43497
5، 586، 60981
260
077 ،239
أبو عبد الله بن أبي حفص بن أبي ستة ............ 759
أبو عبد الله بن أبي عمرو
أبو عبد الله بن بكر الفرسطائي
أبو عبد الله بن جلداسن.
أبو عبد الله محمد المصعبي
أبو عبد الله محمد بن بهلول النفطي.
أبو عبد الوهاب القبسي
أبو عبيد الله الشيعي، الحجاني
أبو عبيدة الجناوني
أبو عبيدة مسلم
أبو عثمان المزاتي.
236
انظر: محمد بن بكر الفرسطائي
انظر محمد بن جلداسن اللالوني
انظر: محمد المصعبي
.
177
028،230،229،220
انظر: عبد الحميد الجناوني
..
انظر: مسلم بن أبي كريمة
4350 - 436
أبو عزيز بن إبراهيم بن يحيى، أبو غالي .............. 328، 350، 355، 411
أبو عفيف صالح بن نوح بن زكرياء التندميرتي النفوسي
589،363
أبو علي الفساطوي
أبو عمرو النميلي
أبو فارس .....
أبو محمد التغرميني.
أبو محمد التمصمصي.
أبو مُحمَّد التَّنْكيصي.
أبو محمد الدرفي ...
454، 551 - 558، 627، 716
انظر: عزوز أبو فارس
423، 444442.
338 - 337،258
416 ......
47100: (1/1222)
صفحة 1222
الإباضية في موكب التاريخ
أبو محمد الكباوي.
أبو محمد بن إبراهيم
أبو محمد بن الخير
أبو محمد بن سنتين. أبو محمد بن عبد
الله
التيمجاري
أبو محمد عبد الله بن مانوج أبو محمد
أبو مسعد الجناوني .... أبو معبد الجناونِي.
أبو معروف
أبو منصور النفوسي أبو مهاصر الأفطماني
أبو موسى الأشعري
أبو موسى الدجي
أبو موسى الزواغي
أبو موسى الطرميسي
أبو ميمون .... أبو نصر الملوشائي
13
الفهارس الشاملة
انظر: يصليتن الكباوي، أبو محمد
452
4070
445
261
.
انظر: عبد الله
بن مانوج
زار بن يوسف التفستي، أبو نصر
أبو هارون بن موسى
أبو هارون موسى الجلالمي
أبو هارون موسى الملوشائي
أبو ويسجمين
أبو يحيى الأدلي
أبو يحيى الأرجاني
246، 566، 586، 606
399
432،410
انظر: ويار بن جواد
انظر: إلياس التندميرتي
227،210 - 21300000
31،2700
260 - 261
553، 716.
انظر: عيسى الطرميسي
453،442
انظر: فتح بن نوح الملوشائي
341
399
انظر موسى بن هارون الجلالمي
انظر: موسى الملوشائي
39400
441
انظر: زكرياء الأرجاني (1/1223)
صفحة 1223
18
الفهارس الشاملة
انظر: زكرياء بن يونس الفرسطائي
.... انظر: الميورقي
انظر: زكرياء بن أفلح الصدغياني
26
546
انظر: مخلد بن کيداد
260
256
735،612
2540
073
469
092
681
480
393
677،672
532 - 533، 55854، 568 570
083،578 - 073،071
61300
710،073
611
681، 749
الإباضية في موكب التاريخ
أبو يحيى الدرفي.
أبو يحيى الفرسطائي
أبو يحيى بن إسحاق الميورقي
أبو يحيى بن أفلح
أبو يحيى زكرياء بن سفيان اللالوتي
أبو يخلف النفوسي.
أبو يزيد بن كيداد.
أبو يعقوب البرني.
أبو يعقوب البغطوري.
أبو يعقوب يوسف المصعبي ..
أبو يوسف الأحفري ..
أبو يوسف بن أبي عبد
أبي الأحوص العجلي أحمد الحفصي، أبو عبد الله
أحمد الزاوي الطرابلسي أحمد القره مانلي أو مائلي).
أحمد النائب ...
أحمد بن بصير.
أحمد بن حسن الحفصي.
أحمد بن سعيد الدرجيني، أبو العباس
أحمد بن عمر بن رمضان الثلاثي بن محمد بن بكر، أبو العباس
أحمد
أحمد بن محمد، أبو ستة
أحمد بن موسى بن أبي الجلود. (1/1224)
صفحة 1224
الإباضية في موكب التاريخ أحمد علي عسكر.
إدريس الفزاني.
آدم ال
أسامة
بن زيد.
10
125 .....
317.000.000
10? ......
29 .......
الفهارس الشاملة
إسماعيل بن درار الغدامسي، أبو الزاجر ............... 163، 289 - 291، 320، 325
إسماعيل بن موسى، أبو طاهر.
349032800 - 356، 368، 608، 613
الأشعث بن قيس
33 469
اطفيش قطب الأئمة .........
.. انظر: اطفيش امحمد
اطفيش، أبو إسحاق
،361 - 363، 36، 454، 520، 525
TV-TVA CO^^ COAT COM.
اطفيش امحمد بن يوسف قطب الأئمة ........... 16، 68، 365، 736
الأعمى الفهمي
أفلح بن العباس .. أفلح بن عبد الوهاب
الأقرع بن حابس.
إلياس الهواري.
إلياس بن أبي منصور التندميرتي النفوسي
إلياس بن حبيب
إلياس بن داود الهواري، أبو الفلاح
أم الخطاب.
أم الربيع الوريورية ..
أم الزين اللالوتية
أم جلدين ..
أم زعرور.
..
719
،720،403،276،231،221 - 220
587،110
730
،236، 253، 276 227،219 - 210
587،1
152 - 155، 160، 274،، 462 - 464
YOY
419، 441 ،207
44500
...
397
422
4220 - 423 (1/1225)
صفحة 1225
الفهارس الشاملة
2520، 394
{. Y ...
403 ،443 ،4 ، 423، 43707 ،319
2720
113 - 112 ،00،18،00،
112
roy ...
113
471 ،403 ،307 ،190 ،190 - 1
649 - 657 .....
الإباضية في موكب التاريخ
أم سحنون اللالوتية.
أم صفار.
أم ماطوس.
أم يحى زوجة أبو ميمون
أمة ندباس
...
أمين الأمة عبيدة بن الجراح.
أنس بن مالك ..
إياس بن معاوية
أيوب الجيطالي.
أيوب السختياني ..
أيوب بن العباس، أبو الحسن
الباروني (الأستاذ)
..
الباروني، أبو زكرياء.
الباروني، أبو عبد الله
بالحاج يحيى بن عمر القلالي
البخاري ....
البدر الشماخي، أبو العباس
بدرونافارو
البرادي، أبو القاسم.
بشر بن غانم الخراساني.
البشر بن محمد التندميرتي، أبو سهل.
البشر بن محمد، أبو سهل
البغطوري، أبو القاسم سدرات بن الحسن.
انظر: أبو عبد الله الباروني
734
الله
انظر: عبد بن عبد الواحد
653،6420
357، 363، 582 - 583، 609
224
260 .......
326، 393،31800
،239،326،239،232 - 231،176،
403، 609،332
1530
بكر بن عيسى (1/1226)
صفحة 1226
الفهارس الشاملة
17
523، 544 - 551، 553، 564 .......
99
542،526
الإباضية في موكب التاريخ
بكر بن قاسم اليهراسي، أبو صالح.
بلال الحبشي.
بلكين بن زيري الصنهاجي.
بهلولة.
بوقلاس
1770
البَيْدَمُورِي
359، 363
التعاريتي.
انظر: سعيد التعاريتي
تكفا
4360
الثلاثي.
انظر: داود بن إبراهيم التلاتي
ov .......
4، 454، 53533 ،382 - 376 .
203000، 326 ..
،4، 545، 59609 ،420 ،389 - 382000
731 - 730 ،717
6660
112
360
143 ،118 - 112 ،56، 59 ،13 ،180000
454
334
515
683 - 684
710 ...
توت عنخ آمون.
توزين الزواغي، أبو الخير
توفيق بن أيوب الجناوني، أبو يحيى. التيجاني، أبو عبد الله
التيجاني، أبو محمد
ثابت البناني.
ثعلب.
جابر بن زيد الأزدي
جابر بن سدر مام
جان بول سارتر.
جانا
جرير بن مسعود المديوني ..
الجزيري.
جعفر الوسلاتي. (1/1227)
صفحة 1227
الإباضية في موكب التاريخ جمال المزاتي، أبو مُحمَّد.
جميل السدراتي.
جناو بن فتى أبو الحسن
الجناوني، أبو الليث جندوز التمنكرتي.
جنون بن يمريان، أبو صالح.
جواد بن ويار، أبو معروف.
جون ديوى ..
18
الفهارس الشاملة
530 - 534
164 - 165، 470 - 471 ......
31700000
450،212
الحارث بن تليد المرادي الكندي العربي ......
الحاكم.
الحباب بن المنذر
بن عبد الرحمن بن
حجاج بن وفتين، أبو يوسف .......
الحجاج
الحماني.
الحسن البصري.
حسن الصنهاجي
حسن حسني عبد الوهاب.
حسين (شيخ)
حسين باي الحسين بن علي
حمزة بن عبد المطلب.
حمودة باشا
حميد بن عبد الله العكي
حميدة بن قاسم بن عياد .......
40300
542 - 549
326، 536،221
274، 471،111 - 160،154،1
108
277، 506
119 - 11067 ..
11
انظر: أبو عبيد الله الشيعي
504،112،107،8
0 633
698 - 702،699
010.
VYT .......
749 ،137
17600
683 - 685 .
153، 160 ...
682 ....... (1/1228)
صفحة 1228
الفهارس الشاملة
14
113000
انظر: سليمان بن أحمد
الإباضية في موكب التاريخ حيان الأعرج
الحيلاتي
خالد اللواتي
خروتشوف ....
165، 473
1.0
خصيب بن إبراهيم التمصمصي، أبو محمد ....... 250، 258، 324، 326، 336 - 438،
406
IV ....
276، 535 - 536
131 ،213 ،203 - 202 ،194
IrY ........
4030
672
21 .....
???
69 A-900 2019 - 019 C?.V rav .......
261
257 .......
326000
-999 691. 67. Y-099 C 0 A 9 - 0 AY
679، 684 - 685
??
652 - 663
66400000
الخضر.
أحمد النكاري .. خلف بن خلف بن السمح
خوفو
خيار التمنكرتي.
خير الدين
داروين
داهيا الكاهنة
داود بن إبراهيم التلاتي، أبو سليمان ....
Yo-YoY VIT
داود بن أبي محمد
داود بن تيتيس
داود بن علي.
داود بن هارون
درغوث بن علي التركي
دمرا بنت دَرْجو الحمدانية.
دوق قراشيا الطليطلي.
دوق منكادا (1/1229)
صفحة 1229
الفهارس الشاملة
662
663000
719
6630
182
761
618، 621 .....
7570
3170000000
-177 6108 - 109 61 · V (99 - 9 V 681 ..
،278 ،222 - 21 ،178 - 17 ،169
457 - 482
35، 26، 173، 471 ،310
736
،84، 233 - 236، 262، 326، 344
586،471
576
VOA-VOV 6019 6019 ......
426
260
الإباضية في موكب التاريخ
الدوق هو جو دي منكادا .....
دون بدر و نافارو.
الدويرات ..
دياجو دي فيرا ...
رائد بن عمر اللوغ، أبو النما .............
الربيع بن حبيب.
رمضان الليني.
رويفع بن ثابت الأنصاري
زائد بن عمر اللوغ
زار التفستنى، أبو نصر
الزاوي
الزبير بن العوام
زروق ....
زكريا بن أبي يحيى الأرجاني، أبو يحيى
زكرياء بن أبي بكر، أبو يحيى
زكرياء بن أفلح الصدغياني، أبو يحيى
زكرياء بن عبد الرحمن أبو يحيى ..
زكرياء بن عمار الشروسي. زكرياء بن فصيل بن أبي مسور
زكرياء بن يونس الفرسطائي، أبو يحيى
238، 255، 323، 326، 335 - 337 ....
0.2.
553 - 555 ......
الزهري ..
الزواغي، أبو بكر (1/1230)
صفحة 1230
الفهارس الشاملة
21
411
393
259
4070
236، 246، 255
549،546
393000000
071 - 09.
315
6770
4920
109،6100
749
018
انظر: عبد الله بن سعيد
Ya ........
1096901 - 989 67 • Y-7.0 09? ......
Voq-Voy
،406، 410 ،399 ،320 ،221 ،211
432
o. E c?A .....
YoY ?Y{Y 69 YA 67.9 69.0 6911
،760 - 761
الإباضية في موكب التاريخ
زوجة أبي زيد
.
زوجة أبي عامر التصراري. زوجة أبي هارون.
زورغ.
زيد بن أقصيت الدَّرَفي، أبو محمد
زيري بن كملين:
زينب اللالوتية
زينب بنت أبي الحسن
سارة ..
سالم أذروم.
سالم بن يعقوب
السالمي.
سانية زككوت
سحنون بن أيوب
السدو يكشي. سعد بن أبي وقاص
سعيد التعاريتي
سعيد التغزويسني، أبو عثمان.
سعيد بن أبي يونس الطمزيني
سعيد بن المسيب
سعيد بن تعاريت، أبو عثمان ... (1/1231)
صفحة 1231
الإباضية في موكب التاريخ
سعيد بن جبير
سعيد بن زنغيل، أبو نوح
.
22
الفهارس الشاملة
5 - 559،54339،020 - 018 ......
سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف، أبو عثمان
سعيد بن صالح بن زيد.
579،571 - 070
392 - 390،380000000
019 - 019
سعيد بن علي الخيري الجربي الداوي (عمي سعيد)
سعيد بن علي بن يامون الجربي أبو عثمان ....... 757 - 758
3650
365، 426
سعيد بن عيسى الباروني
سعيد بن قاسم الشماخي
سعيد بن موسى
سعيد بن يحيى الجادوي ..
749
612
سلامة بن يوسف الجناوني، أبو النجاة ............. 089 - 091، 611، 647 - 651، 758
44 ........
145 - 148، 159، 499، 50
366، 761 ....
395 - 399، 404، 475، 478
585، 657. .....
سلمان الفارسي
سلمة
بن
سعد
سليمان الجادوي.
سليمان باشا الباروني
سليمان بن أبي زكرياء الفرسطائي، أبو الربيع .. سليمان بن أبي هارون الباروني الملوشائي، أبو الربيع
سليمان بن أبي يحيى الدرفي، أبو داود ......
397،260، 343
246، 256
(TVA (90) TEA 6711 - 7.9 6099.
سليمان بن أحمد الحيلاتي، أبو الربيع.
سليمان بن زرقون النفوسي، أبو الربيع.
سليمان
....
241 - 242، 518، 524، 544
بن عبد الله بن زيد الصدغياني، أبو الربيع. 611، 757 - 758
سليمان بن علي بن يخلف أبو الربيع ............ 570 سليمان بن قاسم بن سعيد اليونسي، أبو الربيع .... 611، 757 سليمان بن ماطوس، أبو يحيى، أبو الربيع.
24، 326، 5440،237،230 (1/1232)
صفحة 1232
الإباضية في موكب التاريخ
محمد الباروني
سليمان بن
6120
الفهارس الشاملة
سليمان بن هارون الباروني اللالوتي، أبو الربيع. 32300 - 337، 393، 455 سليمان بن يحيى السمومني الباروني، أبو الربيع ... 366، 644
سليمان بن يخلف المزاتي، أبو الربيع.
السمح بن أبي الخطاب المعافري.
سنان ...
سهل، أبو الفضل
سيد قطب
سيدي علي
سيدي
محمد
اللحائي، أبو عبد الله
7.9 COVA-O V • C E • V C ? ¶. AY ...
•
220 ،183 - 181 .......
672
245 .....
379
3840000
178 ......
شعبان بن أحمد الفنوشي الجربي شكيب أرسلان الشماخي، أبو ساكن
الشهرستاني
شيبة الدجى
صال الدركلي، أبو خليل
صالح السمومني
صدوق الفرسطائي، أبو ذر.
1.9
انظر: عامر بن علي
107،5 - 531.000000
? .........
326، 330 - 332، 40،208
759
32600
99
صهيب الرومي.
ضمام بن السائب.
ضياء الدين الثميني.
الطاهر الزاوي
طاهر بن يوسف ....
الطرابلسي ابن مصطفى
طلحة
بن عبد
الله
118،113
3620
انظر: الزاوي
261، 417 - 418
73700
35، 26، 173، 471،3100. (1/1233)
صفحة 1233
الفهارس الشاملة
24
TYA ......
200 ،113 - 112 ،91 ،00 - 260 ، 48، 54
•
289، 320، ص 394
،349 353 - 360
،326 - 328،288000.000.000
5، 605، 73682،538،426،411
307،303، 276، 220، 207 - 202
276،229،222 - 219،217 - 2130
،162 - 168،109 - 107،109
،289،277،274،183،171 - 170
،32، 464، 466، 72471، 4780
507506، 516، 528 - 529، 620
160، 274،153
301،276،272،220،2
-
-190
445، 471،10،311
•
317
226، 317
746
749 - 750 ....
160 - 161، 274، 463
،183 - 181،16،108،152،110
601 V-0.9 co .. ،320 ،289 ،189
747،620
382 - 385 ....
426
الإباضية في موكب التاريخ
طور غود ..
عائشة أم المؤمنين.
عاصم السدراتي
عامر بن علي الشماخي، أبو ساكن ...
العباس بن أيوب
العباس بن طولون
عبد الأعلى بن السمح، أبو الخطاب
عبد الجبار بن قيس المرادي
عبد الحميد الجناوني، أبو عبيدة ...............
عبد الحميد الفزاني ..
عبد الخالق الفزاني
عبد الرحمن (الشيخ).
عبد الرحمن بن أبي الجلود
عبد الرحمن بن حبيب
عبد الرحمن بن رستم ..
عبد الرحيم الزواري
عبد السلام بن صالح (1/1234)
صفحة 1234
الفهارس الشاملة
25
558 - 563 ......
636000، 667،
709
..
318 - 317 ........
87،82 ....
600599، 610، 679
168،117،109،103،16
229 ......
019 - 012.
220
240، 327،231 - 230
143،136
..
الإباضية في موكب التاريخ عبد السلام بن منظور، أبو الخطاب
عبد العزيز بن أحمد الحفصي، أبو فارس
عبد الغني الوسلاتي
عبد القهار بن خلف.
عبد الكافي، أبو عمار.
عبد
الله البرجي
عبد
الله
بن أباض.
عبد
الله
عبد
بن إبراهيم بن الأغلب.
الله بن أبي القاسم البرادي، أبو محمد
عبد الله بن الأغلب
عبد
الله بن الْخَيْر، أبو محمد.
عبد
الله بن الزبير
الله عبد
بن اللمطي
الله بن سعيد السدويكشي، أبو محمد ....... 602 - 607، 757 - 759 عبد
عبد
الله بن عباس.
116، 558،113 - 112،4، 5480000
بن عبد الواحد الشماخي، أبو محمد. .... 327، 360 - 363، 580، 581 الله عبد
113،71،4، 55، 628،29
454، 563 - 565
274، 462 - 463،229،103 - 152 .......
34، 37،34 - 2800
329، 256، 365 - 367، 426 - 327
الله عبد
بن عمر
عبد
الله بن مانوج.
عبد الله بن محمد بن زكرياء الباروني، أبو زكرياء 676
الله عبد
عبد
بن مسعود
الله بن مسعود التجيبي
عبد الله
بن وهب الراسبي
عبد الله بن يحيى الباروني بن يحيى طالب الْحَقِّ. عبد
عبد
الله
الله، أبو محمد ...
313
109
2320، 246، 586، 604 (1/1235)
صفحة 1235
الفهارس الشاملة
634 - 635، 667، 740 - 41، 754
466، 506 - 507
،200 - 181
117،107
6189 - 18 A
،110
،35
26
،299 ،292 ،270 - 273 ،229 ،220
،42، 4460 ،412 ،403 ،320 ،300
538 ،010
OY .....
نية في موكب التاريخ عبد الْمُؤمن بن علي
عبد الملك الورفجومي
عبد الملك بن مروان
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم .......
عبد
العبدري
عبود بن منار المزاتي
عبيدة بن أفلح اليوجلاني، أبو محمد ....
عبيدة بن زارور أبو محمد
عثمان
بن
عفان
العزابي عريبي
..
.
،عزوز أبو فارس.
عطاء بن أبي رباح
عقبة بن نافع. العكي ....
علي الجزيري
علي باشا برغل
علي باشا بن محمد بن علي.
علي باشا عسكر
علي بقوش ........
. انظر: محمد العبدري البلنسي
415 - 416 ....
421
37،35،32 - 31،26
391 - 390،381 - 38300
586 637 - 640، 741، 754
EA .....
..
475، 497 ،270
انظر: حميد بن عبد الله العكي
683 - 686 .....
682 - 686 .....
749
726
38400 (1/1236)
صفحة 1236
الفهارس الشاملة
27
،108،60،38 - 36،33،31 - 224، 600.
380،272،220،173،143 - 144
461 467 - 469، 471
608، 611
556، 624
177 ....
746 - 747
6 - 633،629280
568 - 569 ......
613 ......
17 ........
649، 652
761
612
،194،178 - 177،102،71،26، 52 .....
487،272، 236،212،201،198
007،273،173،108 - 107،98
761
680
400، 467،28 - 20000000000
11300000
366 - 367،3290
الإباضية في موكب التاريخ علي بن أبي طالب
علي بن العزابي، أبو الحسن
علي بن بيان، أبو الحسن ..
علي بن سليمان الداعي
علي بن محمد البشت. علي بن مراد باي
علي بن يحيى بن تميم أبو الحسن.
علي بن يخلف أبو الحسن ... علي بن يوسف بن مُحمَّد.
عمار بن ياسر
عمر الباروني.
عمر العوام ...
عمر الويراني السدويكشي ....
عمر بن الخطاب، الفاروق
عمر بن زرعة النفطي
عمر بن عبد العزيز
عمر بن مرزوق عمرو بن أبي الجلود
عمرو بن العاص
عمرو بن جميع أبو حفص.
عمرو بن دينار
عمرو بن عيسى التندميرتي (1/1237)
صفحة 1237
الإباضية في موكب التاريخ عمرو بن موسى البجلودي. عمرو بن يمكنن
.
عمروس بن عبد الله الزواغي
28
6790
الفهارس الشاملة
325 - 319،1156 - 159، 63
567
عَمْرُوس بن فتح المساكني اليفرني، أبو حفص ...... 224 - 227، 315، 440
عنترة ..
ov .....
عيسى بن إسماعيل الميزابي المليكي، أبو مهدي ... 586
3760
،329 - 328،288،208 - 207،238 ....
،347 - 350، 353 - 355، 348 357
363، 368، 411، 416، 426، 564
{\ A ...
450
022
745
350، 736
VY COV .....
610
344000 - 346، 351، 367
? . E ........
1000000
780 ،680
YE ...
عيسى بن السمح، أبو موسى
عيسى بن عيسى الطر.
عيسي بن محرز
غاندي.
الغاية امرأة.
غرنولت (أمير).
الغزالي، أبو حامد
الغزالي، محمد
غلاء البرجي
فتح بن نوح الملوشائي، أبو نصر
فرج النفوسي ابن خالة مهدي
فصيل بن أبي مسور، أبو زكرياء ..........
قارة عثمان داي.
قارة مصطفى
قاسم بن أبي الربيع بن محمد الشماخي، أبو الفضل 757
1170، 426
611،58400
قاسم بن سعيد الشماخي
قاسم بن سعيد الصدغياني. (1/1238)
صفحة 1238
الفهارس الشاملة
29
113
649، 653،141
682 - 683 ...
682 - 685
200،1
569
45400
62
250،100
053، 627، 716 ....
10
730،717،596، 666 - 667
1760
5640
010
192
? .........
566
385،107،62
344
انظر: محمد بن عمرو
7120000
قتادة
الإباضية في موكب التاريخ
القديس يوحنا
قره مانلي.
قره محمد التركي
القمودي، أبو القاسم
قيصر.
کارل مارکس
کباب بن مصلح. الكدمي، أبو سعيد
کسري
كموس، أبو محـ
کنيدي.
اللحياني، أبو زكرياء.
اللقاني.
اللمائي (شيخ). لوفيسكي ..
مارن ..
ماطوس بن ماطوس
ماطوس بن هارون
ماكسن بن الخير
مالك بن أنس.
المتني ..
المحشي، أبو ستة.
محمد (1/1239)
صفحة 1239
الفهارس الشاملة
،537 - 538، 609.
657، 677، 749
rov ....
731 ،729
6900 190.-TEV COMA 2010 co.^ ....
65، 666، 744
737 - 730
583 ......
727 ،177
165 - 11، 472 - 473 ، 1080
17 .......
الإباضية في موكب التاريخ
محمد أبو راس الجربي، أبو عبد الله
محمد التِّفْجَانِي، أبو عبد الله.
محمد العبدري البلنسي.
محمد المرزوقي
محمد المصعبي، أبو عبد الله
محمد بن أحمد الصدغياني، أبو عبد)
محمد بن أحمد العبار الطرابلسي
الله
.
محمد بن الأشعث
محمد بن بركين.
محمد بن بصير
،558 - 563،398،375،232،87 .......
محمد بن بكر الفرسطائي، أبو عبد الله ........... 87، 232،
710 - 709،070 - 073
7610
محمد بن تعاريت
محمد
بن جلداسن اللالوتي، أبو عبد الله .......... 84، 250 - 253، 415، 471
محمد بن جنون، أبو عبد الله
محمد بن زكرياء الباروني، أبو عبد الله
محمد بن زيادة الله بن الأغلب أبو العباس
338
2620، 363، 551
222
....
182 ....
بن عبد الحميد بن مغطير الجناوني ......... 147 - 149، 159، 319، 315
محمد
بن عباد.
محمد
محمد
بن عبد العزيز
محمد
..
بن عبد الله العماني السمائلي
محمد بن عمران النفطي، أبو علي ...
.
587
36 (1/1240)
صفحة 1240
الإباضية في موكب التاريخ
21
محمد بن عمرو بن محمد بن أحمد بن أبي ستة، أبو عبد الله
محمد بن عيسى أزبار
محمد بن محبوب ......
محمد بن مراد باي
مُحَمَّد
بن
مسلمة الأنصاري.
الفهارس الشاملة
613، 757
362
22700
7470
rq .............
،605 - 607
محمد بن يانس الدركلي، أبو المنيب ............ 291 - 292، 325، 330، 403
محمد بن يدر، أبو يعقوب ..
محمد بن يفون
محمد بن يوسف المصعبي المليكي
محمد عبده.
محمود الخلولي.
مخلد بن كيداد، أبو يزيد مخلوف بن كماد ....
مراد آغا ... المرزوقي.
مزور بن عمران
مسعود التجيبي.
مسعود بن صالح السمومني.
المسعودي
مسلم بن أبي، كريمة أبو عبيدة.
077
262
61300
4260
682 ......
555510 624 - 625، 631
6360
6720
انظر: محمد المرزوقي
3110
??
596، 675 - 678
108
،162
،148،122 - 118،113،09،412، 415،335،291289
المسيح.
مصطفى بن إسماعيل.
438000
426 (1/1241)
صفحة 1241
الفهارس الشاملة
68300
.
683000
620 - 63
،136،108،38،35،31،29 - 20000
143، 250، 467 - 471
497
،5، 26515، 539 - 54518،179000
،719،630 - 20،08 - 007 001
724
703
177
108
4350 - 436
719 - 718،5430
-305،303،206 - 209،211،2030
•
23،317،310
404، 475،302 - 299،178 ...
TYE ......
613
3240000، 397
3570
74900
442 549 ،313
454، 566 .....
الإباضية في موكب التاريخ
مصطفى بن حسن ا
مصطفي خوجه
معاذ بن جبل.
معاوية بن أبي سفيان
الكبير
معاوية بن خديج
المعز لدين
الله بن باديس، أبو تميم
مكاريوس صاحب قبرص
مكي بن يوسف، أبو عبد
الله
المنذري ...
منزو
المنصور بن بلكين
مهاصر السدراتي، أبو مرداس ..
مهدي النفوسي الويغوي
المهدي.
....
المهلب بن أبي صفرة
مهني بن يوسف بن محمد.
موسى الملوشائي، أبو هارون
موسى بن أبي ساكن
موسى بن الشيخ صالح موسى بن جعفر، أبو مهاصر
موسى بن زكرياء، أبو عمران (1/1242)
صفحة 1242
الإباضية في موكب التاريخ
موسى بن صالح
الفهارس الشاملة
681، 749
موسى بن عمرو بن أبي الجلود البجلودي .......... 406، 677 - 681
موسى بن محمد بن الحاج الشريف
729 .......
موسى بن هارون الجلالمي أبو هارون ........... 84،
مولاي العربي الدرقاوي.
ميمون بن أحمد المزاتي.
ميمون بن مُحمَّد الشَّرْوَسِي، أبو عمرو.
الميورقي
نافع بن الأزرق.
نانا تابر كانت السدراتية ..
نانا مارن
ندباس
نصير بن راشد نهرو
،258 - 261،20 - 239،22
425،33326 5
178 - 177.
579 - 078،244
243 - 244، 261، 556 .....
266، 264، 284، 342، 16، 718000000
350
259، 447
410 - 412، 445
340، 410 - 412، 412، 432، 445
lor .......
1.0
نوح بن حازم المُرْسَاوُتي.
النورماند
هارون الرشيد.
هند بنت المهلب
هود بن محكم الهواري
هيلاسلاسي
واصل بن عطاء
407، 411،307،327
0 633
117 .......
032
704
299،107،59 ....
وجدليش بن في اليُخلاني الإمليلي، أبو يوسف .... 260، 326، 339، 415
وسيل بن سنتين، أبو الخطاب
وسيم، أبو يونس
376، 526 - 529
232، 406 (1/1243)
صفحة 1243
الفهارس الشاملة
•
34
7270
520 - 525، 545 - 551
460
758 .....
الإباضية في موكب التاريخ
الوليد بن عقبة.
ويار بن جواد، أبو معروف. ويسلان، أبو محمد
ياقوت الحموي
يامون، أبو عثمان
يحي بن يونس السدراتي، أبو زكرياء .............. 436
يحيى السمومني، أبو زكرياء .............
710
يحيى الوسلاتي، أبو زكرياء ...
يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني، أبو زكريا 326000، 342 - 343، 609
يحيى بن العز، أبو زكرياء .....
يحيى بن بكر، أبو زكرياء
يحيى بن جرناز، أبو زكرياء ........
يحيى بن زكرياء، أبو زكرياء
يحيى بن سفيان اللالوني، أبو زكريا.
يحيى بن صالح
329
AY.
393، 454 ...
357 ،327
248، 338،256 ،
366، 612
3150
567، 579 ....
3760
010.
376، 577
يحيى بن موليت.
يخلف بن يخلف النفوسي التميجاري ....
يخلف بن يزيد
يزيد بن حاتم بن قبيصة.
يزيد بن خلف الزواغي
يزيد بن مخلد اليهراسي، أبو القاسم.
يزيد بن مسلم
....
يسجا بن يوجين اليهراسني، أبو مسور
........
52، 539، 7163 - 018 .....
110 - 118 67.-09
،25 - 538، 54، 55، 564، 59833000،
601 - 602 (1/1244)
صفحة 1244
الإباضية في موكب التاريخ يصليتن الكباوي، أبو محمد.
يصليتين النفوسي الأدوناطي، أبو مسور
أحمد
يعقوب الية.
25
الفهارس الشاملة
24600، 255، 258، 326 ..
440 - 142، 538
.....
536
يعقوب بن بن موسى أبو يوسف ....... 327، 359، 363
يعقوب بن حبيب بن حاتم الملزوزي ...
يعقوب بن صالح التندميرتي، أبو يوسف
يعيش الجربي (الشيخ).
.
يغلا بن أيوب، أبو خزر
اليقظان (الإمام)
يوجين اليفرني، أبو محمد
،471،178،17 - 170،110 - 109
019 - 018
589 - 087،570 - 073
.....
082
OYA-OTY ....
يوسف بن إبراهيم الوار جلاني، أبو يعقوب .. يوسف بن أبي مسور، أبو يعقوب
559
5 - 602، 61399،083،35، 44، 361
600 - 602
6091.
326، 341، 246
261
360، 612 - 613
235 - 336، 246
،324
-5، 605، 612، 64797،150،594
يوسف بن زيد الدرفي، أبو يحيى.
يوسف
بن عبد الله
يوسف بن محمد المصعي المليكي.
يوسف بن محمد، أبو يحيى ...
يونس بن سعيد بن يحيى بن تعاريت الملوشائي الجربي، أبو النجاة
Y 09 - V 0 V 6701
يونس بن علي
يونس بن فصيل بن أبي مسور
يونس بن مصباح، أبو يعقوب
000
357
اليونسي، أبو القاسم ..
انظر: أبو القاسم بن سعيد اليوم (1/1245)
صفحة 1245
إبحرين ..
أبديلان.
إِبْنايَن، إيناين.
أبي رغوة
ROR
393000
الأماكن
407 - 408،309،
425،399،397،258، 261، 343
397.000.0
5620 - 563، 710
OAY .........
آجلو. أَجَناوَن.
.
آحيم (حومة) ......
.....
6810، 749
أديم، أدبمون ........... 393، 444
أحرف ....
أمُونَاط.
أرجاء من
أرحات
247، 414، 421، 424،1900000
440
407 - 408
4 - 414، 42412،235،233
أريخ (وادي) ............ 398، 523، 535، 559 - 563، 709
إزارن
الأزهر
أسبانيا ........
الإسكندرية ...
آسيا.
.
إِشَارَن .....
أشباري
أشفي.
54400
7.7.
109، 596 641، 662، 684
214
1387
{T ..
3390، 414
417 - 418 ...
أغر ميمان، أغرم إيمان ... 207، 442 (1/1246)
صفحة 1246
الأباضية في موكب التاريخ
أغل.
أَفَاطْمَان ..
أفريقيا ..
37
الفهارس الشاملة
325، 407،322،320 - 31156، 9 ........
،359،289،264،180،170،168،1145، 66،138، 107،57 ........
،5، 526، 568 - 569، 617، 65617،413،464، 471 477
إكراين
أبجماج (غار)
أمريكا ......
،711،70692،676، 4
261، 309 ........
v .....
ray .......
إمسراتن ............... 341، 414 - 415، 418
أمسين ......
انظر: أمسين
الأندلس.
أندونيسيا.
Orr .........
140 - 139
أوربا
392،64، 6701،138،109
أولاد شبل.
TVA .......
إيالة.
إيران .................
139
إيطاليا.
180،320،102
إيغانيمن.
342
إينر.
407 - 408،350،361،320
البارونية (مكتبة) ...
..
492
باكستان ............... 139
بجاية
738،098،591 .....
البحر الأبيض المتوسط 6330، 641، 648
البخابحة ...
البرتغال
برج الجماجم
برغل ..
355، 368، 426
109
6360000، 740
68300 (1/1247)
صفحة 1247
الفهارس الشاملة
28
الأباضية في موكب التاريخ
316،1310
،509،500،335،291 - 289،144 - 145، 148،110،112،48
511 - 512
539
470،220،170،168،155 ...
402 - 40،333 - 33200000
402
...
رقة. بره
البصرة.
بغاي ...
بغداد
بَعْطُورَة.
بقالة
..... انظر: الجريد بلاد الجريد
? Y ........
raa ..........
ETA ........
بني زمور
بودير
بيروت
425، 354
البيضاء .................
748،6810
تاجموت
تاديوت ................ 241
Tra ........
411، 418
421 - 422 ، 443
ra? .......
{\A ....
224، 407
3150
،325، 40 - 404 ،311 ،299 ،292 ،229، 188، ،181 - 180
،307، 316 ،303 ،230 220 ،212 ،199 - 1980110
-0.1 Y-017
223 ،109
تاربلة طريق ..
تاردية.
تَاغَرْمِينَ
تا غرويت.
ناغمة
تالة
تا لولا
تاهرت
تاورغا، تاورغة
تيرست.
تبلبو (قرية). (1/1248)
صفحة 1248
الفهارس الشاملة
39
الأباضية في موكب التاريخ
97
4950
231،139
433،397 ........
4420303
التتري.
تدينت
ترشيش
تركيا
تصرار ....
تغرمين ......
تغليس ................. 393
491
تقرت
تكوت ................ 394
تلات تالات ........... 395، 397، 399
\ { ................
384
41، 243، 256200000000000
تلمسان .....
تليل ..
تمزدة
تمصمص ............. 337000، 399، 406، 425، 452
405 - 406، 424 - 425،398،32580، 44
402 - 40،33200
264، 342، 414
....
01 .........
256، 261، 405، 424 - 425، 433،211
402، 435
399،397 ...
515، 569، 667 ....
تملوشايت .........
تمنكرت .....
تموقت، تَمُوقط
تميجار.
تندميرة.
تَنْدُوزِيع.
تنزعت ..
تنومات
توزر
توكيت.
تونس
41 - 412، 4241،23.000.000.
،289،273،241،238،180،162،144 - 145،129،8700
،395، 406، 401، 420، 426،387،35، 36، 3669،298
472 - 473، من 760490 أغلب صفحاتها. (1/1249)
صفحة 1249
تونين
تيجي
تيركت
تيغيت.
تيميجار
تيهرت
الأباضية في موكب التاريخ
403،393
406،399،320،229،211
235، 395 ......
394 - 395 .....
4، 437 - 438، 44007،320،230 .......
225 .......
تيونزيرف .............. 230
جادو
الفهارس الشاملة
،264، 276،260،224، 246، 252، 543،2،19500
،34 347 - 349، 368، 3942 - 339،323،303
جَارٌ إصْراً ............. 337، 437، 451
جامع أبي دواد ......... 587
جامع الزيتونة .......... 588
جامع تَفَرُّوجين ........ 582
جبال الحوايا ........... 719
جبال دمر ............. 524، 535، 54654 549 582 - 585، 614، 693، 697،
733
جبال غمراسن ......... 719 جبل أوراس ..
?. 7 .........
جبل سوفجج .......... 517
جبل شماخ ..
جبل نفوسة .......
جبل وسلات.
424 - 425 ....
،5 - 543، 564 - 567، 58237 028027 02 - 023،016 ........
،590، 594
V.9 6019 ........
جربة (جزيرة) ......... 145، 213، 200، 300، 303، 363 - 365، 382 - 398، من 490 -
762 في أغلب صفحاتها.
جربة.
-5، 5555، 566، 58038 - 033،023،017،11492، 5
6 - 613، 620، 667، 726 - 72909،09 - 090،092 (1/1250)
صفحة 1250
جرجيس
جريجن
الأباضية في موكب التاريخ
010.
402،33200000
الجريد (بلاد) .......... 614، 671
الجريد ............
الجزائر
جزيرة (بليبيا) ..
41
الفهارس الشاملة
،54، 568، 636 - 639، 693، 6973،135،02،515،491
733،729،719
،185 - 186، 162،180،144،14 - 145، 1620 - 139،88 - 87000.،365، 401، 420،320، 316،297، 292،289، 273،230،5، 516 - 517، 54 58913،002 - 199،47، 491، 495
6، 620 - 623، 670 - 671، 735،69220،596، 612،604
E.Y ...
الجزيرة العربية .......... 107، 139، 144 - 145، 458، 472
جزيرة قرقنة ........... 661
جليمَت .....
الجمارى ....
جَنَّاوَن
جيطال
الحامة
الحجاز.
الحديبية
الحرابة
34، 412،4102،19200.000.0
،34 - 343، 410، 414 - 4182،339 - 337،319،2254، 64 .......
432،425، 438، 445 - 446، 450
4، 440 - 44237،408،303،300،320
733،719 - 717،515، 518، 541 - 543، 614، 667، 697
TAE .........
01
حروراء .........
156 .......
27
الحسيان ............... 393
حصن در جين .......... 614
. انظر: آجيم حومة أجيم.
حومة بركوك .......... 587
حومة تاجموت ......... 749 (1/1251)
صفحة 1251
الأباضية في موكب التاريخ
حومة غيزن ............ 758
دجل ....
دجى
110.
402، 435
درجين (نكبة) ......... 562
درجين
دَركَلْ ..
42
الفهارس الشاملة
079 - 078،5، 535، 54 561 - 563، 56717،51000
402 - 40،330
دمر (جبل) ............ انظر: جبال دمر
دمشق.
ديسير
الرجبان .......
الرحيبات ......
48، 155
354
246، 275، 417، 420
355، 40،313،230،22156، 4 .......
16400، 220
411 - 412 .............
رقادة .........
رقرق
رقو، عين ............... 396
ريصوا ................. 526 - 527
الزاب
زحلة.
زرزرت .......
orr ........
الزرقاء (عين) .......... 347، 409
زعرارَة .........
الزنتان
زنجبار
402
421
V.O-Y.? (TVI ........
،376 - 392
،229
زوارة (الصغرى الكبرى، سيدى علي، وزدِر، ولول)
729،604، 676 - 678
729،030،0290
408
543،420،23800000
زواغة.
زورغ
زويلة (1/1252)
صفحة 1252
الأباضية في موكب التاريخ
الزيتونة (معهد) ......... 495
ساحل المهدية .......... 417418
السبعة.
سجلماسة ....
TVA ........
241،518 .....
سدو يکش ............. 599
سرت
سرگوگم ..
سلات
الفهارس الشاملة
،364، 420،268،229،180،163،109 - 107،10،109 ......
472
393.
718 ........
سنتوت ................ 419 - 420
السودان ............... 45، 336
سوف (وادي)
491
....
سيدى علي، منطقة ..... 391
الشام
شَرْوَس.
26، 98، 472 - 473
406، 418، 537 - 398،39265، 335، 344، 4،201،21300000.
شكشوك .............. 339
صبرانة
صدغيان .....
376
VOA ....
صفاقس
660 - 662، 681 - 745،682
صقلية.
صنهاجة.
صنهاجة.
633، 662 ........
{VV .......
544، 562 ........
صومعة أبي زيد ........ 419
صياد.
الطابية.
17 .....
749 ....
طرابلس
،222 - 217،214،189،178 - 177،171 - 1152، 58،131 .......
،418، 425، 390، 382،3735، 366، 61،289،270 - 274 (1/1253)
صفحة 1253
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ
طرميسة
طمزين
،5، 596 - 60091،017 - 012،4، 462، 470 - 471، 48001
،728 - 720،610، 641، 6 - 65 667 - 672، 676 - 685
،745،74،، 748 - 7502،738،730 - 734
347 - 349، 414 - 416،328،230000
406، 438،399398،337،320
عام فرورا ........... 561
العراق.
4، 511، 52673 - 170،290،181،1144 - 48،112،107،980000 ..
عربان ..............
TAI ..
عرفات
110
عطر شو قصر .......... 397
عكارة ......
681، 749 ...
عُمان
144، 510،112،18 ........
العنقر (قصر) .......... 397
586 .......
غدامس
غرداية.
غزوة بدر .............. 656
غف سوف، غفسوف .. 402، 435
667، 697،387 0000000
98
188،185،178 - 17700000
425،398،32 - 300،344، 330000000
132
غمراسن ..
فارس
فاس
فاغيس
فرسُطَاء
فرعون .......
فرنسا.
فَزَّان
فساطو
فطناسة.
14، 399، 6700،88 ..............
420، 54،331 - 330،319،229000000000
407،365 ...
010 ....... (1/1254)
صفحة 1254
الفهارس الشاملة
فلسطين
الأباضية في موكب التاريخ
TVI (18.-1 ra cov .......
فَنْدَهُ (شلال) ........... 397
45
،114،541،518 - 14 08 - 06،191،352،330،22100 ...
745، 750،، 738،733،719 - 717،667، 689
542، 607،2130
V.r ...
قابس
القاهرة
قبرص.
قرطاجنة ............... 495
{AV .......
635 - 636 ، 650، 661، 675 - 676، 679
264
القرن
القشتيل (سبخة وادي برج)
القصب
قصر الحاج ............ 418
قصر الخزين ....
قصر حاتم .............. 214
20، 517، 614
342، 414 - 415،339
2240، 407
719 - 718،017 ....
قصر مسعود
قصطالية.
القصير قطرس .......
قفصة
بني درجين ........ 561 قلعة
397000
TEY .......
قلو (عين)
قنطرارة، تيحي ......... 221، 229، 399، 406، 410، 432
099000
،277،270، 268،228،214،171 - 1158، 63،109،60 60.9 - .
463 466، 470 - 472، 497 - 56،500،498،330،709،697،682،55، 614، 620 - 621، 6242،017 - 013
730 - 733،719
القنطرة.
القيروان (1/1255)
صفحة 1255
الفهارس الشاملة
46
الأباضية في موكب التاريخ
قيقيلة
332
كاباو، كباو ........... 236، 365، 368، 399396، 425، 437، 710
كتامة
47700
کراين (وادي) ......... 396 - 399
705،671
ov. 009 ..
383 - 384
EA .......
كشمير.
کنومه. كوطين ..
الكوفة
الكويت ............... 139
لالوت (وادي) .....
415، 425،395 - 393،36337، 356، 6،201،28،236
214
{\ .....
564 .....
لبده
لبنان.
لماية
لمبدوشا (جزيرة) ...... 660
-144 - 148، 156، 161،140،131،129،100، 98،93،87000
،4، 495، 499 - 50291،330 - 319،231،220،1162، 66،6 - 622،619 623، 671، 69218،605، 489،061،007
702،697
35 - 36
?. 9 .......
341
64100
079 ..
276
ليبيا.
المارقة.
مارن .....
ماصر
ماطس
مالطة
مالي ....
مانو (قصر).
محزم (منزل) ......... 717
المحاريق ...
265 (1/1256)
صفحة 1256
المحيط الأطلسي ...
....
47
الأباضية في موكب التاريخ
214، 482،109
مدرسة أبي زيد المزغورتي 350، 355
مدرسة أبي عبد
الله
البرادي 585
المدينة.
مراکش
مَرْجَس
48
185، 596
402
مَرسَاوَن ..
320، 356، 407 - 408، 438 .......
..
مزاتة (بئر) ............. 435، 532، 516، 558
مزغورة ......
مزو
مستاوة.
مسجد أبي سليمان الطمزيني،
356، 411 - 342،412،340،328000000
412،342 - 432،414،233،1920
676 - 678 ........
398
مسجد أبي عبيدة ........ 254
مسجد أبي هارون ...... 399
مسجد بن لاكين ....... 607، 759
مسجد تالة
090 ...........
مسجد جنون .......... 542
مسجد عبد الوهاب بن عبد الرحمن 420
مسجد عقبة
167
مسجد وادي الزبيب ... 759
المشرق
مصر
مطماطة
المطوية
684،513،311 - 310،118 .........
الفهارس الشاملة
،144، 167 - 168، 185،139،132 - 129،109،107،98،18000000000
،316، 365، 426، 471 - 472، 480،298،276،220،188
499، 525، 606، 613
515، 697.
Yo .....
المعصومة (مكتبة) ...... 225، 529 (1/1257)
صفحة 1257
الأباضية في موكب التاريخ
48
الْمَغرِب الإسلامي ...... 596، 712،604، 738
المغرب الأقصى
المغرب
4، 67020،139
......
الفهارس الشاملة
307،290 - 289، 213،1144، 148، 62،118،109،980000000.
097،588،017،173 - 72،458،401،364
156، 167
مغمداس
مكة .....
مليكة
116، 511 - 110،1800000
TIY ...
مماسين ............... 397 المهدية.
6، 0628 63320،01700000
موريتانيا ............... 139
ميتيون
355
ميري .........
،276، 307 - 270،220،200،193،180،182 - 181،11800000
420 - 421
ميزاب (وادي) ......... 391، 399، 586 - 588، 604، 612، 750
نفزاوة ...
نفطة ...
نفوسة
نَملل.
النهر.
الهند
هوارة
718 - 017،515 ....
515 561، 567 - 667،569 ....
-228،223 222،21،210،200 - 199،15،147،131 - 310،307،292،276،200،203،232، 241،244، 246،365، 376، 309 - 307،34، 346، 3533،328،320،311 - 4 - 415، 417، 424، 480، 41010،4544،398،38 - 5، 535 561 580، 58620،020،416، 420، 424516
709 - 707،6 - 622، 64720،588، 604، 612
39800000
38
482،450
516 .......
وادي أريغ ............. انظر: أريغ (1/1258)
صفحة 1258
الأباضية في موكب التاريخ
وادي الآخرة .......
205، 417 - 423.
وادي الرومية ....... 424
وادي الزبيب .......... 747
وادي الزرقاء
432،409
وادي الشيخ ............ 397 وادي أمسين ..
وادي تالة ............. انظر: تالة
وادي جلازن .....
وادي سوف
......
الفهارس الشاملة
4 - 408، 437، 442، 45307،359،350،328،3190
407
انظر: سوف
وادي ميزاب ........... انظر: ميزاب
وارجلان .............. 394، 398، 523 - 524، 535، 542 - 543، 709
وازن .........
395 ....
والغ القديمة ............ 582
وجلا
ودان.
ورداسة.
ra? ........
420000
167 .......
ورغمة.
وزوري
VO.-V?9 (TA) COLO ....
3980000000
وزدر
وقاية.
382
19 Y .............
382 - 384
ولول .........
ونزيرف .....
وهران .........
وِيغُو
ويفات ..............
يفرن ..
407 - 408، 425
738،098،591
402، 403، 425،333 - 332،299
254، 411 - 412
4، 423 - 42618،39363، 368، 4،359،300 - 30،328 ... (1/1259)
صفحة 1259
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ
289
341 - 342، 414 - 415،33900
V ...............
ROOR
القبائل والفرق والوقائع
،6، 685، 69779 - 978،354، 426، 596،320،320،229،970
734
154، 289 ........
761 ...
35 - 36، 143 - 144، 472، 479
،649، 653، 661 - 663، 649، 658، 662، 602،597،19591 - 4
اليمن ....
يوجلين اليونان
الأتراك .....
الأحباش.
الأروبيون ..
الأزارقة
الأسبان.
إسرائيل .. الأشاعرة ....
18.
4، 688، 72479،409،108 - 107، 13،39،230،
الاشتراكية ........... 66
الأعراب ............. 691
الأغالبة الدولة الأغلبية،87، 214، 221، 228، 275، 399، 527، 621، 622
97000
6990 - 991 6701 - 908 6907 - 901 690. 690. - TEP TRO-PI ...
،74، 742 - 7440 ،739 - 738 ،720 ،669 - 678، 679 ، 687 - 688
الإغريق ...
الإفرنج.
آل أبي منصور إلياس 42400 آل الباروني ............ 424 - 425
4240
TI ........
آل شماخ
آل برو (1/1260)
صفحة 1260
الأباضية في موكب التاريخ الأمويون ............... 29 - 30، 36، 98،
51
الفهارس الشاملة
144، 153، 461 539،137 - 136، 115،100
711،540 523، 618
الإنجليز
..
450
أهل السنة والجماعة .. 108، 143، 477
أهل الْمَغرِب
580
أهل النهروان .......... 33
أهل أمسنان .......... 562
أهل زمور
أهل طرة ...
أولاد محمود.
الإيطاليون
البربر.
246
718
368، 400،320
-457،383،289،217،2115، 154، 166 - 169، 42،99 - 96 .....
088،081،467، 471 - 472 477 526
برج الجماجم ....
البلبكاشية .........
بنو تميم ...
639
677
510،137
بنو تيجن
3 - 324، 45623000
بنو جلود
بنو خطاب ...
بنو ديغت ........
VEY .....
543
099
بنو زمور ...
417،270،235،199
بنو زيري.
???
بنو سليم .......
545، 691 ....
759،097 - 096
بنو عبد الله .......... 247، 341
فاطمة. بنو
بنو لاكين .........
137
603 (1/1261)
صفحة 1261
بنو مصعب
الأباضية في موكب التاريخ
بنو هاشم ........
709،090
143، 461
بنو هلال ............ 691
بنو ولول ............ 383
بنو يهراسن
التركيون ....
تمنكرت أهل
5، 552 - 55337،529 ...
599، 694، 704
333
02
التونسية (الدولة) ..... 363، 382، 417، 426، 599، 602
60، 461
592، 634 - 636، 668 - 669
395 ........
نمود.
الجمل (وقعة) .....
الحفصيون ....
......
الحوامد.
الخوارج
الدار (وقعة) .......
درجين (نكبة)
الرستميون
الفهارس الشاملة
،158،155،143،136،107 - 1056 60، 74، 6،38 - 29،20 - 230000
،385 - 388، 458 - 461، 465، 469،382،1168 - 69
461
562
-5، 61827، 517،399،316،231 - 229،220،181 - 180،110
....
622، 631
الروم، الرومان ...... 97، 285
الزارات .............. 750
زغوان (سكان) ........ 516
زنانة.
247، 394
السكسون .......... 97
الشيعة .............. 29 - 30، 33، 39، 87، 107، 136، 16، 229 - 230، 236، 385،
الشيوعية.
5، 624، 626 - 627، 688، 72417،459 477 - 479
الصفرية ............. 229، 466، 472، 77 - 479، 515، 688، 700 (1/1262)
صفحة 1262
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ
صفين (وقعة) ........ 26، 461، 467
286، 636، 670، 641، 657، 704، 738، 742 - 744،22000000000
الصليبيون.
الصنهاجيون (الدولة). 516، 542، 545 552 - 553، 628، 629، 631، 561
288،286،21
459 ....
،462، 516، 274،180،199 - 198،13،101،137 - 136،100 ....
526، 618، 724
376، 524، 534 552 - 631،553
الصهاينة.
الظاهرية.
العباسيون.
العبيديون
العثمانيون ........... 283، 365، 632، 669 - 670، 678، 680، 745، 759
-45 - 458، 4627،289،217،،166 - 168،154،102،99 - 960000000
477466، 545، 676
،596، 596 0922088،009،398،370،369،88 - 87،79 - 70،700،7330،707،726،701 - 700،697 - 603 - 604، 668
760
286، 453
011 - 01.
العرب ...
..
العزابة
الغرب. فارس
الفاطميون ........... 229، 027، 552 - 557، 622 - 626، 631
الفتح الإسلامي ...... 715
466، 478،289،280، 97
VEE CVT CVIO CTAE ....
1700
الفرس.
الفرنسيون
كندة
المالكيون
مانو (وقعة).
558، 586، 613، 624 - 627، 724 ......
،403،399،334،332،23 - 2409،23222228 2212 - 220،87
440، 623
.....
669 .....
المرينيون .. (1/1263)
صفحة 1263
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ
48، 147، 617، 640، 662 ........
-143 - 144، 158، 168 - 169، 185، 108 - 107،59، 13،39،23
،700،688،45، 466، 472، 4799،399،300 - 298،292،186
728،723
المسيحيون
المعتزلة.
97
668 - 669،134
المعصومة (مكتبة) ..... 230
المغول
الموحديون
390
......
5، 635، 650، 666، 678 - 679، 747،74092،363، 177،1
ميزاب (بني)
نصاري ...
النكار
،700،688،54، 5، 6668،030، 21،229
545
9، 154، 7057
الهلاليون ....
الهنود الحمر ....
الوثنيون ............. 147، 617، 704
ورفجومة (قبيلة)
163، 166 - 168، 47، 470، 274، 277، 506
TVA.
..
الكتب
492
460
• • • • ••••
36
475،218،179،170 - 171،990000
الوهبية
الإباضية في الجزائر
الاستبصار في غرائب الأمصار.
إصلاح المنطق
إعراب مشكل الدعائم .....
أعلام ليبيا.
الإيضاح (1/1264)
صفحة 1264
الأباضية في موكب التاريخ
تاريخ الفتح العربي في ليبيا.
تاريخ القرصنة الأسبانية .... تاريخ جربة
تحفة الأعيان ..........
تقاييد الجناوني.
جمع الجوامع.
جهاد الأبطال
الجهالات
الفهارس الشاملة
CIVE CITA-1976105 - 107 691 - 97 197 (E) ........
45 - 464، 4758 ،222 ،217 ،179
657 ...
610
109
Yo? ......
736
41، 99،9600
090
الجواهر المنتقاة فيما أخل به کتاب الطبقات 583
حاشية الترتيب على مسند الربيع بن حبيب 608
حاشية جزء الصلاة من كتاب الإيضاح 605
حاشية على تبين أفعال العباد لأبي العباس .. 608 حاشية على تفسير الجلالين .......... 612
حاشية على شرح الجهالات .......... 608
حاشية على شرح العقيدة للشماخي .. 608
حاشية على شرح القطر في النحو لابن هشام 605
حاشية على قواعد الإسلام.
7. A .....
حاشية على كتاب السؤالات. ....... 608
حاشية على كتاب تبغورين.
608
حاشية على كتاب الفرائض للجيطالي. 608، 612
حاشية كتاب الديانات لأبي ساكن ... 605
حاشية كتاب النكاح.
608
حاشية مختصر العدل للشماخي ....... 608
حواشي على أجزاء من كتاب الإيضاح 608
الدليل والبرهان ......
35 ........
ديوان الشيخ عبد الله الباروني ........ 366 (1/1265)
صفحة 1265
الأباضية في موكب التاريخ
ديوان جابر
الديوان
رحلة التيجاني
الرد على العقي.
رسائل اطفيش ...
116
557، 564، 566
718 - 717 .....
17 ........
3650
رسالة في الرد على من حكم برد شهادة الإباضية
رسالة في تنجيس أبوال الحيوانات ..... 612
رياض النفوس.
...
475،177.
سلم العامة والمبتدئين للعروج ......... 366، 395، 399، 478
سليمان الباروني باشا في أطوار حياته 3670
سير أبي الربيع سليمان بن يخلف ....... 375، 577
السير للشماخي ..
سيرة بن هشام
شامل الأصل والفرع.
شرح الأجرومية
شرح الدعائم .....
الفهارس الشاملة
612
،363، 394،310،292،246،201،171،330
581،038،506
65600
68 .........
5880
083
شرح على متن الديانات ............. 362
شرح على مرج البحرين لأبي يعقوب. 362
شرح قصيدة أبي نصر فتح بن نوح ... 613
شرح متن إيساغوجي
شرح مقدمة الأصول
الصراط المستقيم
الله الباروني.
5880
362000
108
581 .......
طبقات أبي عبد
الطبقات للدرجيني
.
العدل والإنصاف للوارجلاني.
عقيدة التوحيد.
083،571
OAT .......
76، 586 .... (1/1266)
صفحة 1266
الأباضية في موكب التاريخ
العمروسي.
في ظلال القرآن .....
قابس جنة الدنيا
القلائد الدرية ...
22700000
..
379
قناطر الخيرات
كتاب الوضع.
اللقط
350
491
اللمع على كتاب الوضع للجناوني .... 608
مؤنس
الأحبة.
57
الفهارس الشاملة
6794 6777 (908 1900 190.-9? V cora-orv
مختصر
المقدمة من
كتاب العدل والإنصاف 361
مدونة أبي غانم ..... مرشد الأمة (جريدة).
المعلقات
مقدمة التوحيد.
مقدمة الخونجي (في المنطق).
225
366
491 ...
.
......
360
مقدمة في أصول الفقه وشرحها ...... 361
ملحق السير
المنهل العذب
النوازل ..
النونية
744
612
480، 682 - 684
491
351
ROO
الأبيات (1/1267)
صفحة 1267
الأباضية في موكب التاريخ
58
الفهارس الشاملة
الفهارس الشاملة
للجزء الثاني
(الحلقة الرابعة)
الآنات
الأحاديث
المذاهب والفرق والأديان
الأماكن والوقائع
الكتب
الأعلام (1/1268)
صفحة 1268
الأباضية في موكب التاريخ
ود
الفهارس الشاملة
الآيات
ابنُونَ آية بنُونَ بِكُلِّ ريع آية تمبونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَاعَ لَعَلَّكُمْ تَحْدُونَ ... ) (الشعراء: 128 - ......... 26 الزانية والزاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (سورة النور: 2)
حتى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُو (سورة الأنبياء: 96)
350
17.
حرمَتْ عَلَيْكُمْ أَنْهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتكم وبنات الأخ ... ) (النساء: 23 - 24) 35000 و فمَا وَهَمَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالله يحب الصابرين) (آل عمران: 146) 232
ولا تخف نجوت مِنَ القوم الظالمين} (سورة القصص: 25)
واتقوا الله ويعلمُكُمُ الله) (سورة البقرة: 282).
{وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةٌ مِّنَ الْأَرْضِ} (سورة النمل: (82).
وإنه لعلم للساعة} (سورة الأنعام: 158)
وَشِرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ... } (البقرة 25)
ولوا إلى قومهم منذرين) (سورة الأحقاف: 29)
.....
121
183
184
139
و وما كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَة ليتفقهوا في الدين ... } (التوبة: 152122
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} (النساء: 93)
يوم يأتي بَعْضُ آيات ربك)) (سورة الزعرف) (61)
422 ...
19. (1/1269)
صفحة 1269
الأباضية في موكب التاريخ
7.
الفهارس الشاملة
الأحاديث والآثار
إذَا رَأَيْتُمُ العَالِمَ يَغْشَى بَابَ السلطانِ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِكُم»
اعبد الله عَلَى الرِّضَا وَالْيَقِينِ، وَإِلَّا فَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَه خَيْرٌ كَثِير»
208
«إِغَاثَةُ الْمَلَهُوفِ، وَهِدَايَةُ الأَعْمَى؛ وَغَضُّ الطَّرْفِ عَن الْحُرُمَاتِ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى» 1570000 «عَلَيكُم بِسْتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعدِي» (1)
YA .....
«لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَتْ فَصَدَقَت وَإِذَا حَكَمَتْ فَعَدَلَت وَإِذَا اسْتُرْحِمَت فَرَحِمَت» 157
«لقد سئل رسول الله: بم تكون الخفة في المؤمن؟ فقال لهم: «لِغَزَارَة» (2) «لَوْ زَادَ يَقينًا لَمَشَى عَلَى الْهَوَاء، وَالْقَدَرُ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ»
«مَا عَاقَبتَ مَن عَصَى الله فيكَ بِمِثلِ أَن تُطِيعَ اللَّهُ فِيه»
مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ ضَلَّ، وَمَنْ هَجَمَ عَلَى الْأُمُورِ عَطَب»
10
142
??
209
136
نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ عَدَن تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ، وَحَبَشِي يَعْلُو الْكَعْبَةَ بِفَأْسِهِ. ى يَعْلُو الْكَعْبَةَ بفأسه ... » .... 160
هَلَكَتْ فِيكَ يَا عَلِيٍّ فِتَتَانِ مُحِبُّكَ الْمُفرِط وَمُبْغِضُكَ الْمُفرِط»
«وَ أَنْ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللهِ». «وَأَنْ
.
1480
RO
الأبيات
أبالعلم فزتم أم إلى اللهو ملتم ونحن نعد العام والفصل والشهرا. إذا اقتصد الفتى في المال قالوا بخيل لا يهش إلى المعالي.
173
???
(1) رواه أبو داود والحاكم وابن ماجة وابن حبان والترمذي عن العرباض بن سارية، وقال حسن
(المراجع) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ. (1/1270)
صفحة 1270
الأباضية في موكب التاريخ
11
الفهارس الشاملة
.....
41
???
إذا لشاهدت مني ما تناقله مني الأحاديث والأنباء والخبر ... إذا ما خفت في أرض مضيقا فشد اليعملات إلى سواها. أرى لك أن تمد يديك قصدا بلا سرف ولا إمساك غال ......... 156 ألا إنها تحصى عليك لياليا فما الترك والإهمال للحرّ بالأحرى ....... 173 إن أضرمت نار الوغى قدم لها الوقود إن الحياة على البلاء مصيبة عظمت فيا أرض ابلعي الجبناء ..... 363
إن كنت سائله عني وعن خبري فها أنا الليث والصمصامة الذكر أيوب يا أَيُّوب يا أَيُّوب أودى به قدر الردى المجلوب بسوى الحرب الزبون
به ورقلي تزهو كمالا وبهجة به أشرقت نورا به اتسمت نورا تتبعهم خيول وادي مصعب أكرم بأهل الخيل من شجعان تموت مع المرء حاجاته وحاجة من عاش لا تنقضي فضلا من الرحمن
لدينه
4330
.....
......
الحمد لله الذي هداني حوى العلم والدين القويم وراثة فأصبح في ذا العصر أطيعهم ذكرا ....
خداعًا يحلبون نداه حتى إذا عروه من نشب وصال
40
177
434
174
292
???
179
174 ....
......
فاکرم به فرعاً وأكرم بهم نجرا .... سلالته أشياخ كرام وسادة
??
174 ....
....
246 ...
وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ بَراهَا عَجِبْتُ لِمَنْ يَعِيشُ بِغَيْرِ عِز دا أرضا بأرض ولست بواجد نفسا سواها ......... 156
فإنك واجـ
فانهزمت عساكر الشيطان
292
173
....
وناقش ولا تنسى الصغيرة والكبرى فحاسب أبا العباس نفسك جاهدًا
فعادوا بعد تقديس لشتم
وصار بعد مذموم الفعال
.....
???
.....
فكل فقيه ماهر فطن نذرا ففيه التناهي في العلوم فحسبه
فَمَا عُدْرُ مِن أُسْتَادُه قَدْ
عصره
أبو سهل الحبر الذي قد علا ... را ........
وخل الدار تبكي من بناها فنفسك فز بها إن خفت عنها
174
174
156
قل للأمير مقالة لا تركنن إلى فقيه إن الفقية إذا أتى أبوابكم لا خير فيه ..... 208
کفي ابن آدم تجربة وصبرا به وبأهله في كل حال ........ (1/1271)
صفحة 1271
الأباضية في موكب التاريخ تَبلُغَا
لا ترتج أن
الله دري إذ أعدو عَلَى فرسـ
بدونها
الفهارس الشاملة
الأمال ......... 433
إلى اللقاء ونار الحرب تستعر.
لو ذقت من كأس النعيم صبابة لغدوت أحمل للقريض لواء
40
363
لو كنت شاهدة كري بلبدة إذ بالسيف أضرب والهامات تبتدر ........ 41
مضت سنة واستقبلت بعدها أخرى فياليت شعري ما تجيء به البشرى ... من آل طولون أما إن سألت فما فوقي لمفتخر بالجود مفتخر
173
40
3630
..
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي ......... 156 نشأ الأمير مع الأمير منعما لين الرياض يغازل الورقاء وإن هو سامح القوام جودا فيالك فيه من حسن المقال ... وتقدم لا تهين إنما المجد الحروب
434
174
.....
وشيخك والحفاظ حاذر عقوقهم ووقَرْهُمُ كلا وكن بهم برا وعاشرهم في الله أحسن عشرة وكن لهم، لا تعصي سرا ولا جهرا ......... 174 وفي يدي صارم أفري الرؤوس به في حده الموت لا يُبقي ولا يذر ....... 40 ولا تكن جامعا للصحف تخزنها كالعير يحمل بين العير أسفارا
ولدى السلم
الكروب
والمعالي لا
تئوب
ومستعجل للحرب والسلم حظه فلما استدارت كلّ عنها بحافره ومن يرد تحقيق هذا الخبر يصل إلى بلادنا وينظر
369
434
271
ونشأت مقصوص الجناح معذبا أقضي الحياة مضاضة وشقاء ......... 363
يا شباب
المسلمين
قد جنود الفاتحين
الكتب
الإباضية في الجزائر .................... 347
434 (1/1272)
صفحة 1272
الأباضية في موكب التاريخ
الإباضية في شمال إفريقيا.
الأزهار الرياضية
ألجيريا وأفريقيا الشمالية
إن لم تعرف الإباضية يا جزائري
بيان حقيقة لعمر بن عيسى تاريخ ابن الصغير المالكي تاريخ ابن خلدون ..........
تاريخ الإباضية في الجزائر.
الفهارس الشاملة
63
2050، 416
،65،61،59 - 07،53،42، 48 - 51،27،19
103
262
222
251، 425، 428
177،103،19
281
19 .......
تاريخ المغرب الكبير لمحمد دبوز ........ 19، 97، 103
تاريخ فلسفة الإسلام في الشمال الإفريقي 353
تجنيد الأهالي
تراجم الأئمة.
ترتيب مسند الربيع بن
ترجمة رجال الإباضية
428
183 - 181،179 - 178،170،173
176، 177 .........
178
169
.
تعليقات أبي يعقوب يوسف بن خلفون
تفسير القرآن الكريم لابن رستم
تونس الشهيدة.
ثورات النساء في الإسلام
15، 176 - 1773000000
432
421
الجواهر المنتقاة فيما أخل به کتاب الطبقات. 163
دعائم ابن النظر
الدعاية إلى سبيل المؤمنين.
178
الدليل والبرهان لأهل العقول .......... 176 - 177
الرائية في الرد على القدرية.
رسالة إبراهيم قرادي
429 (1/1273)
صفحة 1273
الأباضية في موكب التاريخ
رسالة الحاج إبراهيم بيحمان.
رسالة الشيخ بيوض
..
249 ....
347
رسالة القطب اطفيش ...
رسالة المسجد لدار الدعوة ............. 169
رسالة في رجال كتاب المسند ......... 177
الفهارس الشاملة
رسالة وادي ميزاب ..
174
السير
227،209 - 208،190،179،103،970
شرح ابن وصاف.
109 ......
شرح
كتاب الجهالات ................ 159
صحراء الجزائر.
349، 351
طبقات الدرجيني.
العدل والإنصاف
غصن البان في تاريخ وار خلان.
فتوح المغرب
القصيدة الحجازية .........
،191،173،16 - 1632،107،103،65
220، 234
177 - 176000
293،289 - 288،281،272 - 269،182
1770000000
IV ......
222
القول المتين
.
كتاب أبي الربيع
كتاب الاستطاعة
lov ......
159000
كتاب الجزائر لأحمد توفيق المدني ........ 21، 260 - 261، 270، 297، 301، 401،
كتاب السؤالات
،424
172
كتاب في الفقه
مرج
المسلك المحمود ...
178
البحرين للوار جلاني ............. 176 - 177
222 (1/1274)
صفحة 1274
الأباضية في موكب التاريخ
مسند الدين لرجال الإباضية منه إلى اليوم 17900
مقدمة ابن خلدون .....
281
مكاتبات أبي زكرياء ................. 157
الفهارس الشاملة
،361،300،117،61 - 09،49، 53،21 - 19 ......
موجز التاريخ العام للجزائر ...........
،424
الموجز في الرد عَلَى كُلّ من خالف الْحَقِّ ... 159
،207 - 200
291
367
291،200
402 - 40،338،301،2970000
246، 347،181
الموجز
.
النشاط الثقافي في ليبيا .............
RO
نموذج إمارة الدفاع
نهضة الجزائر الحديثة
النيل
أبخت بن باديس اليكشني، أبو باديس
الأعلام
209 - 207،127،119 - 110
،187 - 173
ro ....
1840
41 - 40 ،36 - 35 ....
إبراهيم الأصغر.
إبراهيم بن
أحمد
إبراهيم بن الأغلب، أبو العباس
إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمان .......... 173
YET ......
،64 - 86، 163 ....
244 ، 257، 291، 306 ،221
2530000
إبراهيم بن صالح الأمين
...
إبراهيم بن عيسى، أبو اليقظان ...........
إبراهيم بن معاذ (1/1275)
صفحة 1275
الأباضية في موكب التاريخ
66
الفهارس الشاملة
إبراهيم قرادي. ابن الأثير
ابن الأغلب
ابن الحاج امعيزة ابن الحداد
ابن الصغير المالكي.
ابن القابلة
ابن الواسطي.
ابن جلاب. ابن جلول
ابن خدة ....
ابن خلدون
ابن سلام.
ابن طولون .......
ابن عبد العزيز، أبو زيان. ابن علاهم.
ابن غانية
421، 429، 433، 443،
290
..... انظر: إبراهيم بن الأغلب، أبو العباس
430
،67،6 - 733،09،53،4 48 - 512،11
109،92،88 - 82،78 - 76
2360000
240
440
312،281،272،1
970
انظر: العباس بن أحمد بن طولون
182
286،28100
انظر: يحيى بن إسحاق الميورقي
ابن مسألة
اين وردة ....
ابن وكمين الهواري، أبو زكرياء
أبو إسحاق اطفيش.
أبو إسحاق الإشارني.
أبو الحسن الأبدلاني.
61
88 - 87،80 ....
101 - 18 A
432،336 ،209 ،231 ،178 ،170
36800
96
أبو العباس الشماخي.
انظر: الشماخي
أبو العباس الويليلي
أبو العز بن داود ...
235،1970000.
\ {0 - 1 {{ ...... (1/1276)
صفحة 1276
الأباضية في موكب التاريخ
أبو القاسم البرادي.
أبو اليقظان.
TV
الفهارس الشاملة
163، 176
،73،92 - 91،60 - 55،- 39،210000
،240، 245،229،226،222،111،106
،4 - 416،40500،336،296،293،209
431 - 432
أبو اليقظان
أبو بكر الصديق.
أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب
أبو بكر بن يحي الزواغي
أبو جعفر الوسلاتي
أبو داوود القبلي
أبو درار الغدامسي
أبو زكرياء السمومني أبو زكرياء بن أبي مسور.
أبو زكرياء
أبو زيان ....
أبو سابق
.
أبو صالح الياجراني
أبو عبد الرحمن الكرثي المصعبي. أبو عبد الله الحجاني
أبو عبد الله
الله أبو عبيد
بن سعيد
الشيعي
أبو عبيدة الأعرج.
أبو عبيدة بن الجراح
أبو عبيدة
أبو عزيز بن خواجة
أبو عزيز خواجة، الحاج.
انظر: إبراهيم بن عيسى
1 EA GET
44 - 47، 54 - 92، 14 .....
197 ،191
197000000
240، 343
130
340 ،227 ،97
. انظر: ابن عبد العزيز
09 ....
280
159، 19
311،45،40،320
165 ......
{0 ....
1.1 - 1.7.
{{\ ......
2130
29400000
293000 (1/1277)
صفحة 1277
الأباضية في موكب التاريخ
أبو محمد اللنتي.
أبو مُحَمَّد الونزريفي.
أبو مُحَمَّد اليزقني ...
الفهارس الشاملة
.. انظر: عبد الله بن
مُحَمَّد اللنتي
201،199،190
..... انظر: سليمان بن عيسى اليزقني
أبو محمد بن عبد العزيز.
أبو مرداس.
أبو مسعود.
أبو معروف.
أبو منصور إلياس.
أبو مودود.
أبو نصر التمصمصي.
أبو يزيد الخارجي
أحمد بن أفلح الورجلاني
أحمد بن أيوب
احمد
بن
بشير
أحمد بن سعيد الدرجيني، أبو العباس.
الحواس
أحمد بن عبد الرازق العقيد سي | أحمد بن محمد بن بكر، أبو العباس ....
أحمد توفيق المدنى .....
4، 405، 42401،390،302
أحمد مختار عمر
الأحول الحسين أخت ابن عرفة.
أخت أبي بكر.
إسماعيل الجيطالي، أبو طاهر
181000
96000
9200
219،190
انظر إلياس أبو منصور
lov ......
96
11700000
JAY ......
IAE .....
106
،129 - 120 ،117 ،110 -
•
09 ،92 ،660
،136، 142، 147، 157 - 164، 168 - 175
-236، 310 - 23 ،220 ، 216 ،197 ،191
311
440000
234، 255 ،219 ،170 ،930،
-301 ،297 ،261 - 260 ،224، 45 ،21000000
~
rv ......
71
71 - 70
79 ........ (1/1278)
صفحة 1278
الأباضية في موكب التاريخ
إسماعيل بن أبي زكرياء، أبو طاهر إسماعيل بن العباس
أعزام الحاج إبراهيم بن صالح
أفلح (أستاذ) ..
أفلح المادغاسني، أبو الحسن .. أفلح بن العباس
أفلح بن عبد الوهاب.
إلياس أبو منصور
أم أبي بكر
أم ماطوس.
أم ماكسن.
أم يوسف.
امرؤ القيس
الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر ........
الأمير عبد القادر
الأمير عبد الكريم.
أيوب بن أبي عمران
أيوب بن إسماعيل، أبو سليمان.
أيوب بن العباس أبا الحسن.
أيوب بن حمو
با امْحَمَّد ...
بابه عيسى العلواني
باحمد بن مُحَمَّد بن أفلح.
الباروني
2190
TIA ......
الفهارس الشاملة
-288،183 - 281،277 - 276،273 - 270 .....
293
139 - 137 .....
410
،90،78،644 - 46، 5452، 6 - 8،39،
،15، 336، 362، 3682، 117، 102 - 101
368 - 369، 44
3، 40 3685،320
770
2560
1410 - 143
1 {\ .......
365 ...
4320، 441
4580429
4320
Y .....
368 ،177 ،172
10.
JA .......
182000.000
انظر سليمان باشا الباروني (1/1279)
صفحة 1279
الفهارس الشاملة
V.
183 - 184 ...
041800
IAE .....
،222 - 221 ،210 ،212 - 210 ،207 ،187 ...
،234، 244 - 245، 252 ،231 - 229 ،226
370 ،351 - 349 ،272 ،257، 262، 346
442 - 443 ،31 ،381
2280000
246
42804220
203 - 201 ،199 ،190 ،171
1900
انظر: باكلي عبد الرحمن بن عمر
181
4330
430
272
،347، 431،336،312،230،92،650،
442
404
200،218،197،930000000
{{ ......
368،209،35.00
A ........
الأباضية في موكب التاريخ
باسة بن موسى بن الحاج داود.
الباشا التركي
باعمور بن الحجاج.
باكلي عبد الرحمن بن عمر
بالحاج بن عدون، شريفي.
بالحاج مُحَمَّد بن سعيد
باي الجزائر
برونيل (م).
البغطوري، أبو القاسم
بكر بن أبي بكر النفوسي الفرسطائي.
البكري .....
بو عميد.
بوراس
بورقيبة
بولنعاش أحمد بن صالح
بيرم التونسي
بيوض إبراهيم بن عمر.
تَامْ أُوتُسَان
تبغورين بن عيسى الملشوطي
ترشين إبراهيم.
توزين الزواغي، أبو الخير
توماس .......
ثابر (جدة) (1/1280)
صفحة 1280
الفهارس الشاملة
71
138 .......
120
293 - 294 ........
1، 265، 29797،120 - 119،110
? ri .......
2450 - 246
YE ......
432
ثازوراغت.
الأباضية في موكب التاريخ
جابر بن زيد
الجاحظ
جلول بن بحمان.
جنون بن يمريان، أبو صالح
جول تيرمان
الحاج إبراهيم بيحمان ....
الحارث بن تليد
حسن البغدادي
حسن الدولاتلي.
حسن حسني عبد الوهاب
حسين باشا.
حماد بن بلقين ...
حمو بن اللؤلؤ
حمو بن باحمد باكلي
حمو بن عمر، فخار ...
حمو، الحاج
الحموي
حنيني اليشكني، أبو رح
خلف الخادم
خلف بن السمح.
خليفة بن أبغور
خليفة بن عمار
داود بن إبراهيم طباخ
داود بن أبي سهل
الدبوز
دحمان
.. انظر: صالح الباي
390،177،170
424
237
137
240
4040
29300
272.0.0
1680 - 169، 265
91 - 90،87،80
90،31
3010
240
219،173
... انظر: محمد علي دبوز
230 - 22800 (1/1281)
صفحة 1281
الأباضية في موكب التاريخ
الدرجيني.
دوسرا ...
دوق دي دالماس (المارشال).
دولاتور دوفيرنيو، الجنرال.
الرقيق.
72
. انظر: أحمد
الفهارس الشاملة
بن سعيد
310
425 ......
97
الزرواري.
زريق ...
زكرياء بن أبي زكرياء
زيد بن ثابت.
....
السالمي، نور الدين
ستيق (م).
سعد بن بيفاو.
سعد
سعيد التعاريتي الجربي
سعيد بن إبراهيم.
.
.
سعيد بن زنغيل أبو نوح
سعيد بن علي الجادوي
1970
2360
191000000
27000
272،170
ETV ......
2190
441
1630، 222
133
121 - 120 ،301 ،1280
IAE ....
،180 - 179
سعيد بن علي بن بو حميدة الخيري، عمي سعيد ........
سعيد بن يخلف المزاتي أبو نوح.
سلمة
:
سعد بن
سليمان باشا الباروني.
،300
،242
،228 - 227
343،340،332 - 330
130،128،126 - 128
1 - 14، 16، 18
،72،4، 48 - 5، 5 - 6، 672،27، 1900000
369،228 - 227،103
سليمان بن الحاج داود.
105، 443
سليمان بن عبد الله الفطناسي المزاتي، أبو الربيع. الفطناسي المزاتي، أبو الربيع 19700000، 219، 259 - 260
سليمان بن عيسى اليزقني.
سليمان بن ماطوس ....
240، 343،181
191 ..... (1/1282)
صفحة 1282
الفهارس الشاملة
73
153
-235،220، 192،107، 142،132 - 13100
237
443،4310
179000
31
{\ V ........
TIE ......
121
26 - 27
،157، 163، 170 - 176 ،129 ،103 ،97
2، 254، 25837 - 23 ،207 ،190 ،179
365،363
23000
2440 - 246
4390
1840
4320
2180000000
1650 - 166
85 - 86 .....
44100000
2530 - 356
94 - 97، 274 ،180000
23000
368 ،41 - 40 ،36 - 34
31
الأباضية في موكب التاريخ
سليمان بن مدرار النفوسي
سليمان بن يخلف أبو الربيع
سليمان بن يوسف
سليمان عبد
الله
المرزوقي.
السمح بن أبي الخطاب.
شارلكان، شارل الخامس
الشريف الإدريسي
شعيب العين
شعيب بن المعروف] المصري .. الشماخي، أبو العباس ....
شوقي.
الشيخ بالحاج.
صالح الباي
صالح الخرفي
صالح بن الحاج إبراهيم من
صالح سيوسيو.
صالح يعلو بن صالح
صباح المزاتي الصيرفي، أبو مُحَمَّد.
طارق بن زياد
عائشة بنت معاذ
عاصم السدراتي.
عامر بن علي الشماخي، أبو ساكن
العباس بن أحمد بن طولون
العباس بن أيوب (1/1283)
صفحة 1283
الفهارس الشاملة
24، 42، 94 - 99، 261، 274، 368
14
74
.
96
10
-980
117،105،100 - 926، 42 - 49، 5، 5
{{ .....
2190000
432
246، 335، 347،343،1810
85 - 86،78
الأباضية في موكب التاريخ
عبد الأعلى بن السمح المعافري، أبو الخطاب
عبد الحميد بن مغطير.
عبد الخالق الفزاني
عبد الرحمن الجيلالي.
عبد الرحمن الداخل صقر قريش.
عبد الرحمن بن رستم الفارسي
عبد الرحمن باباعمر.
عبد السلام بن وزجون
عبد العزيز الثعالي.
عبد العزيز الثميني ضياء الدين ...
عبد العزيز بن الأوز
عبد الكافي بن أبو يعقوب التناوتي، أبو عمار .... 158 - 163، 177، 197، 306
227000
Tro ......
r? .......
220
23700
عبد الله الباروني.
عبد
الله الدمري.
عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب
الله
بن الأمير .... عبد
الله عبد
بن المنصور الورزماري
عبد
عبد
الله بن جابر، أبو محمد.
الله بن عباس
عبد الله بن عيسى، أبو مُحَمَّد
عبد الله بن مُحَمَّد اللنتي، أبو مُحَمَّد
208،1160
142 ......
2170000000
236، 254 .........
عبد الله بن مُحَمَّد ناصر اللواتي، أبو مُحَمَّد ... 152 - 157، 148 - 149، 197، 368
عبد الله
عبد
الله
عبد الله
بن
بن مسعود التجيبي
بن مسلم بن قتيبة.
بن وه
الراسي
1.7 .....
43، 355 ........
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي.2600000 - 29، 40 - 51، 79، 368
23600
عبود بن منار المزاتي (1/1284)
صفحة 1284
الفهارس الشاملة
Yo
،272 ،117 ،11 - 09 ،03 ،9 ،24 ،20 - 19 ........
36 - 364، 4241 ،310 ،30 - 300 ،291
2450
171 - 17000000
27 ......
{{ ...
441
92
14، 355 - 3568 ،27 ،11
TA .......
356
الأباضية في موكب التاريخ
عثمان الكعاك
عثمان باشا
عثمان
بن خليفة السوفي المارغني أبو عمرو.
عثمان ذو النورين
العربي بن المهيدي
عقبة بن نافع ..
علوان بن علوان ........
علي بن أبي طالب.
علي بن أحمد العماني
علي بن العاص.
علي بن خزر الوسياني النفوسي، أبو الحسن ......... 219
علي بن عبد اللطيف الحاج ...
عمر العوام ....
عمر بن الخطاب، الفاروق
..
عمر بن داود بن الحاج أحمد أبو معقل
عمر بن عبد العزيز
عمر بن عيسى التندميرتي النفوسي
عمرو (كاتب الميورقي)
عمرو النامي
عمي
عمي
سعيد
عنان بن دليم المطرفي
العياشي
عيسى بن أبي الحجاج، أبو مو
أحمد ..
عيسي بن
عيسى بن إسماعيل المليكي، أبو مهدي.
2460
228 ......
209،181،420، 46، 148
269، 442 .........
248،238،17
428،201،179 0
236، 441 ....
179 .......
انظر: سعيد بن علي بن بو حميدة بن
r ....
235 ......
272 ........
TEE-1 ET .......
163 ....
343 ،33، 3402 - 330 ،227 ،181 - 17900000 (1/1285)
صفحة 1285
الفهارس الشاملة
159
76
2220
235 - 236 .....
rot .....
369 .....
320
199
10
191 - 190000
222
2270000000
365
الأباضية في موكب التاريخ
عيسى بن زكرياء أبو موسى
عيسى بن قاسم، الحاج
عيسى بن يرصو كسن، أبو موسى
غرافة إبراهيم
فاطمة
فتح بن نوح، أبو نصر
فرج النفوسي، نفاث
فرحات الجعبيري.
فرويلة بن الأدفونش
فصيل أبو زكرياء ........
فلفول بن فلنار.
قاسم الشماخي
قاسم بن بالحاج
قحطان
قطب الأيمة
قطفان بن سلمة الزواغي
الكعاك
انظر: محمد بن يوسف اطفيش
.... انظر: عثمان الكعاك
42600
425
23500000
262
،235،203،1141 - 147، 151 - 53،138000000
289
4210
101
الكومندان ديبراي
الكونت راندون ..
لقمان العلية.
مارغريت فان برشايم
ماكسن بن الخير
مالك بن أنس.
مامة بنت سليمان
المتنبي
محكم الهواري. (1/1286)
صفحة 1286
،140 - 137
الفهارس الشاملة
YV
432 - 433 .....
264000
185، 332 - 18300
V 609 ....
430
الأباضية في موكب التاريخ
مُحَمَّد الثميني
مُحَمَّد بيانو
مُحَمَّد. بن أبي القاسم المصعبي.
محمَّد بن أفلح، أبو اليقظان.
مُحَمَّد بن الأعلى
محمَّد بن الخير، أبو عبد الله.
محمد
بن بكر الفرسطائي، أبو عبد الله ............ 117،
23700
، 131 - 129
،199 - 197،192 - 190،166 - 169،151
،277،203،228،220،212،20 - 206
368،319،310،307 - 3304
369،227،179
مُحَمَّد بن زكرياء الباروني، أبو عبد الله.
محمد بن سليمان النفوسي،
مُحَمَّد بن سليمان بن ماطوس.
بن عبد الله بن أبخت
سليمان النفوسي، أبو عبد الله ............
213.
1910000
112 - 111
44، 54 - 05، 63 - 92،31
،230 - 227
،222
،181
100
47، 85 - 87 ......
96
• IVE-IVY .....
•
240، 293 - 335
،187 ،103 ،97 ،77 ،72 ،67 ،63 ،19
،338 - 348 ،312 - 308 ،240 ، 297 - 304
402 - 405
،91 - 87 ،80 ،82
31300
مُحَمَّد
محمد بن عرفة.
محمد
عصمة.
بن
محمد
بن مسالة الهواري.
مُحَمَّد
بن ناصر،، أبو عبد
الله
مُحَمَّد بن يانس ...
محمد بن يوسف اطفيش.
مُحَمَّد بوشوشة
محمد علي دبوز
محمود بن الوليد مرداس، أبو بلال (1/1287)
صفحة 1287
الأباضية في موكب التاريخ
مرنا روبيلي.
المزاتي
مسعود الأندلسي
مسعود بن المنصور الورزماري ..
مسلم بن أبي، كريمة أبو عبيدة.
المسيح العيون
مصالي الحاج.
مصعب بن سدمان
مطهرة بن نقاض
معاذ بن أبي علي معاذ بن جبل.
معاوية بن الخطاب
المعز بن باديس
مفدي زكرياء ....
المقراني
موسي
موسى بن علي، أبو هارون ........
موسي بن نصير
موسى، أبو عمران
78
4270000
197
4300
2370
\ EA ....
4310
الفهارس الشاملة
237
253
27 .......
roq ......
،207 ،203 - 202 ،11 ،120 ،111 - 1120
239
?T ......
100 ،121
172، 254
4410
169
284
مولاي عبد الغفار بن مولاي مُحَمَّد بن مولاي علاهم
مونتينسكيو (مسيو)
ميمون التنكيصي الورغمي
الميورقي
177000000
17200
انظر: يحيى بن إسحاق
نزار.
نفاث بن نصر
نلينو
365
TA ......
353 - 354 ........ (1/1288)
صفحة 1288
الفهارس الشاملة
79
1 A 0 - 1 A? ......
A .......
ETV ........
TTA ....
D
260
86
{{.
197 ......
96
154 ،14 - 141.
137000
21، 24
-173
،118 - 117
الأباضية في موكب التاريخ نوح بن أيوب.
هارون الرشيد
هانري روبير.
هود الكنية.
وار سفلاس بن مهدي النفوسي
الواسطي
وردة الجزائرية
الوسياني.
وسيم، أبو يونس
ويسلان بن أبي صالح أبو محمد.
ياجرين بن جعفرانة.
يحي بوعزيز
يحيى بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمان، أبو سهل
174، 363
Y
254 ،177 ،163
-289 ،281 ،278 ،271 ،236 ،22700000000
325 ،290
343 - 344 ،339 ،330 ،22900
2190000
انظر: 354، 360، 353، 458
165 - 166 .....
1970
197،32،27 - 20000000
239،203 - 2020
1520 - 153
300،220 - 219،190
...
يحيى بن أبي بكر، أبو زكرياء
يحيى بن إسحاق، الميورقي
يحيى بن صالح، أبو زكرياء الأفضلي
يحيى بن ويجمين
يحيي هويدي
يخلف
بن
يخلف
اليروتني ..
يزيد بن فندين اليفرني.
يزيد بن مخلد، أبو القاسم
يزيد بن يخلف الزواغي.
يزيد من لهيب.
يسجا بن يوجين، أبو مسور (1/1289)
صفحة 1289
الفهارس الشاملة
365
80
1390000
،45 - 47 ....
،121 - 119،108،64
،354،311 - 308،301، 265،203 - 202
458 - 459
271 0.00
239،171،120
60 - 59،47 - 40 46
يعرب
الأباضية في موكب التاريخ
يعقوب بن أبي القاسم
يعقوب بن أفلح أبو يوسف.
يعقوب بن المنصور ....
يغلا بن أيوب، أبو خزر
اليقظان بن مُحَمَّد.
ينكول بن عيسى
اليهراسي.
يوسف العطفاوي
يوسف بن إبراهيم الوار خلاني، أبو يعقوب ...
1330
197 .....
12
368 - 369، 280، 265،178 - 1748، 5
164 - 168 .....
يوسف بن خلفون المزاتي، أبو يعقوب .........
يوسف بن سيلوس السدراتي الطرفي، أبو يعقوب 108000 - 109، 123، 197
343،340، 335،332،250
-9،92 - 91،44، 60 - 61،31،200
274 - 275،20
•
،118 - 117،97
21700000
260
230،1390
191
219
يوسف بن مُحَمَّد المصعبي، أبو يعقوب
يوسف بن مُحَمَّد، أبو حاتم
يوسف بن موسى أبو يعقوب.
يوسف بن يعقوب أبو يعقوب
يوسف، أبو يعقوب
يونس بن أبو زكرياء
يونس بن أبي الحسن. (1/1290)
صفحة 1290
الأباضية في موكب التاريخ
81
الفهارس الشاملة
الطوائف والقبائل الفرق
الأتراك، الدولة التركية.
الأدارسة، الدولة الإدريسية.
الإسبان
244 - 251، 419، 424،219،200
303،317،24، 21،190000000
240، 418، 22800
الأغالبة الدولة الأغلبية .......... 19 - 21، 24، 34 - 35، 40، 317
الإغريق.
آل الخبزي
363
440
آل الشيخ عمي سعيد بن علي ... 2260
آل الطرميسي
آل با امْحَمَّد
آل تيريشين
آل ثمينة.
آل متياز.
آل مليكة.
آل نالوت
2260
JAI ........
226000
226000
Tr .......
227 ......
226 .......
آل هارون الجلالمي .............. 226
آل ويرو.
226، 228 ....
الأموية
99 - 98،247، 363،274 .......
الإنجليز. الأندلسيون.
أهل طرابلس
الأوربيون
أولاد أفلح
أولاد سيدي الشيخ.
170
PA ......
176، 313، 440
JAY ........ (1/1291)
صفحة 1291
الفهارس الشاملة
82
الأباضية في موكب التاريخ
179.
432،405
..
أولاد نايل. الإيطاليون
البارونية آل بارون ............. 227 - 228
AO .....
،227 ،219 ،207 ،161 ،109 ،120 ،99 ،2 - 19
،31، 3463 - 312 ،29 - 293 ،272 - 271 ،261
417 ،311 ،361 - 365
293 - 294 ......
237
235
330 - 291 .....
117000
1.
28900000
291000000
281 - 278 ،221 - 1221900000
29 - 293 ،284 ،281 ،18200000
\A\ .......
YAT .......
219 .......
118
..... انظر: الميزابيون، بنو مصعب
313،281،279 - 278،227،221 - 2219 .....
235،137.0000
219.
134 - 135 .......
البرامكة
البربر
بنو إبراهيم. بنو تكسينت.
بنو توجين.
بنو جلاب
بنو درجين ..
بنو دمر
بنو زيان.
بنو سليم
بنو سيسين
بنو عدي بنو علاهم
بنو غمرة ....
بنو مزغنة.
بنو مصعب
بنو هلال
بنو ورتيزلن ...
بنو ورسفان
بنو وَرْماز (1/1292)
صفحة 1292
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ
294 - 293،281،1820
253000
23700000
301،226،221،18100
271
219،100
1، 261، 37690،141،99
1900000
بنو وكين ...
بنو وليل.
بنو يروتن ....
بنو يزقن، بنو يسقن .........
بنو يطوفت
بنو يفرن.
بنو يَنجَاسَن
التونسية
الجربيون
الخلفية
الرستميون، الرستمية ............ أغلب صفحات الكتاب
311،19700
307،353،313،213،19148، 6،28
148
208،213، 207،1914، 610000
24، 274 - 275، 3637،100 - 98،71 - 72،43، 56 ......
،188،128،12
1
119،112 - 111،41،36 - 35 .....
458،318،311 - 310،262،202،196
244 - 249، 286 - 287، 2510000
361 - 365،91،80،78000
361،312،29 - 293،281،109،99،8
6، 360 ........
354،319،281،2390
313،197،99000 ...
416، 419، 428 - 430، 458،401،360،335،233
الزناتيون .....
الشيعة
الصفرية.
الصنهاجية.
العباسيون.
العبيدية
العثمانية.
العجم.
العرب
الغرب ..
الفاطميون
الفرس ...
الفرنسيون (1/1293)
صفحة 1293
الفهارس الشاملة
84
الأباضية في موكب التاريخ
القدرية
قريش
358
القوط
الكوفيون.
اللالوتيون
المالكيون
المراكشية.
المرجئة
المستشرقون
المسيحيون
المعتزلة
92
30
313
271
161
357، 360،302
222، 417
303،319 - 310،311،300
،222 - 221،33،28 .......
الميزابيون، بنو مصعب وادي ميزاب. من 223 - 432 أغلب صفحاتها
148، 171
30
19 V .......
190 ،154 ،117 ،2600
الأماكن
280000
171000000
OR
180
...
النصارى
النفوسيون
النكار
.
الواصلية.
اليهود
أَجايَن (مشهد) (1/1294)
صفحة 1294
آجلو
أريغ
الأباضية في موكب التاريخ
أسبانيا الأصنام ..
أَعْرَمْ نَتْلَرْدَتْ .......
الأغواط ..
إفران ..
أفريقيا.
ألمانيا
الأندلس.
85
الفهارس الشاملة
،254، 258 - 202،230،227،220،199،187،103،1490
261 - 262، 305
،192 - 191،188 - 187،176،170،144 - 147،135،130،253،237 - 23،227 - 226،222 - 218،210،212،199
314،307 - 30،298 - 297،292 - 289،258 - 262
285 - 286، 416
440
223
4، 425، 44120،302 - 301،244، 262،187000
262
،289 - 280،272،226 - 643،227،178 - 1141، 76،19
35 - 354، 360، 4263،313،303،297
177 - 17600
،291 - 289، 26، 2672،187،178،170، 10،
،99،98 .........
أنقوسة، أنقوصة ..... 262، 290 - 292، 302
302،292 - 290
أوراس (جبال) ....... 96 - 97، 101 - 102، 104، 170، 187 - 188، 274
أوروبا ......
إيفران.
الباب الجديد .......
باريس
24700
135، 169
418
432،423،303،349000،
باغاي
بجاية
187 ....
286
....
البحر المتوسط
البحرين.
بدر
....
99 (1/1295)
صفحة 1295
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ
1520
333 - 331،301،19
برقة
بريان.
~ ................... Sum
1، 94، 2748 ،
188، 261 ........
252
286
301 ،299 ،228 ،230 ،222
البصرة.
بغاي ..
بغداد .......
بلدة عمر
البندقية
بنورة ..
بوليلة (برج) .......... 416 - 417
تاجديت، تجديت ...... 187، 199، 215، 219، 227، 202، 257 - 259، 262
YOY ............... CAGE
236
..
تالا عيسى.
تا ماست ....
219
تاهرت، تيهرت تيارت،28 35 - 36، 41 - 48، 5 - 66، 96 - 108، 119، 188، 191،
،300،297،270،262 - 26 27،238،202،196
354، 414، 458، 96،313 - 308
تركيا
248،630
التسعري غار) ....... 192
تسلونت.
09
293 - 291،26 - 262، 2690،202،240
237 000
371
24، 286،21
441
تقرت. تكسينت .....
التل.
..
تلمسان
تمنراست ... (1/1296)
صفحة 1296
الأباضية في موكب التاريخ
توزر
87
236، 237،170
تونس
تونين
تيغيت
تيفست
تين باماطوس
الفهارس الشاملة
ه، 18، 127 - 130، 108، 177 - 188، 197، 207، 250،
،381،376،335،308،301،290،281،270،272
432 - 433، 437
217
169
.....
237
.......
تين زارين .....
تينوال
تينيسلي.
218،100، 150 - 153
191
264
.
193 - 1920000
الجابرية (مدرسة)
جادو
..
YOV ................. tit.
بني راشد ...... 306
جبال
جبال عمور
246
جبل العباد أباظ ..... 180، 262، 265، 267، 289، 301
جدة
جربة.
الجريد (بلاد)
الجزائر
الحامة
الحراش
.....
376
،199،194 - 191،184 - 180،170،14، 1431،130،32،280،277 - 270،261،240،231 - 226،212،207 - 200 399،390،332 - 328،314،308،300 - 297
272،261،199،170،102
أغلب صفحات الكتاب
239،203،171 - 170،121 - 120 ......
4160 (1/1297)
صفحة 1297
الأباضية في موكب التاريخ
حصن الصوف ...
....
223
حضرموت ........... 157
الخلدونية (مدرسة) ... 177
88
دار العرش.
375 .....
درج.
درجين
دريوط سهل مصطفى باشا
170
417
دمر (جبل) الرمال ........
230،212،170،130،108
215، 262، 187،
الرومان .............. 363
الزاب.
زنانة
زنجبار
زوارة.
زواغة
...
سجلماسة ....
سدراتة.
سرتا.
السودان
سوف.
الفهارس الشاملة
262، 354،237،210، 212،188 - 187،21، 210
311،271،208 - 207
207،195،192،128
45، 61
297،107
-262، 267،227،222،210،209،200،188،97 - 9 .......
،320،312 - 307،301 - 296،289،281 - 270،271،269
،372،353 - 354
280،2150، 68، 4
،234، 237،227،210،212،188 - 187،172 - 170،1070000
260 - 262، 289، 441
سُوفْحَج (جبل) ...... 99
??
سوق أهراس.
440
.. (1/1298)
صفحة 1298
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ
89
الشبكة
الشرق
247، 360،178،80، 35،
شروس .......
219،190
الصحراء الكبرى ..... 5، 272
طرابلس الغرب ....... 31، 34، 40، 95 - 96، 169، 212، 261، 274، 300، 368
78،72،17، 56
440،311،301 - 30
•،223، 226 - 221
3140
286، 381
214
،95 - 96، 264، 399
،401، 408،301 - 300، 262،230،226 - 228،222،180
412، 420 - 421، 424، 427، 430، 440
العراق
العطف
عقاب
عُمان .......
عنابة
غانة.
غدامس
غرداية.
غريان
399
غزوة حنين ............ 356
فرسطاء
فرنسا
190،140،130 - 129
433،430 - 416، 419،381،376،39،303،2245، 86
فساطو
فطناسة.
فنظنار.
259 .....
237
قابس
116، 208،41 34
القاهرة ...
439،281 ........
القرارة
348،333 - 331،302 - 301،194 ........
قرطبة. (1/1299)
صفحة 1299
الفهارس الشاملة
قسنطينة
الأباضية في موكب التاريخ
3، 416، 42308،260،240
223
....
قصر الصوف ....
قصطالية.
261،237،234،188،130،212
قلعة حَمَّاد ...
153 - 155 .....
قلعة
درجين .......... 117
القيروان ............
،143، 274،130،100،99،35
الكريمة
303،301،262
لالة عزة (مسجد) .... 182
لواتة
133
ليبيا
مانو.
متليلي
،200،199،187،133،127،99،95 - 96،18،11،31،5
،335،281،270272،250، 256،238،228 226،207
367 405 442، 458
،
•
1، 262، 4308700000000
المدينة المنورة .......... 357، 376
مراکش
284
271،209،127، 110، 113
مرسى الدجاج ......... 118
مزاتة.
...
مسجد البصريين.
..
1
مسجد القرويين ...... 10
مسجد الكوفيين
..
10
مسجد إمصراتن ....... 192
مسجد تاهست ...... 150
المشرق.
مصر
170،9،72،24، 49، 555، 65،60،18،10،5
26، 34 35، 176، 432 (1/1300)
صفحة 1300
الأباضية في موكب التاريخ
المعصومة (مكتبة) ..... 36
الفهارس الشاملة
مغراوة ......
271،230،219
المغرب.
... أغلب صفحات الكتاب
مقبرة الشيخ سيدي عيسى
179
مقبرة أولاد عبد العزيز. 182
مكة
358، 37600
مليكة
301،228 - 226،221،181،180 - 179
مني
376
المنيعة، القليعة ......... 187، 262
ميزاب
ميورقة
نالوت
نَفزَاوَة
نفطة
نفوسة.
،24 - 252، 261 - 271، 289 - 3040،233 - 221،210 - 179
354، 386 - 403، 440، 459،345 - 331،314 - 310
289
90 .......
JOY .......
261 ،170
،91 ،86 ،7978 ،70 ،5857، 64 ،50 ،43 ،35 - 31 ،219 ،212 ،207 - 20 00 ،201 - 199 ،194 - 190 ،130 - 128 ،310 - 307 ،302 - 297 ، 289 ، 28226 - 231، 263 - 265 ، 5
332 - 330 ،319 ،314
نقارة، وهكارة ....... 214
نيلي
الواحات
وادي النساء.
\\? ..........
226 - 328، 331 ....
وادي ايغار غار ....
....
وادي زقرير
260
331،328،226 (1/1301)
صفحة 1301
الأباضية في موكب التاريخ
وادي مَلْوِيَّة. وادي مية.
301،289،271
309،301
ورقلة ... .... 8. وار جلان،
اغلانت ......
92
442 - 119،109
-
الفهارس الشاملة
154، 157، 227، 261،101،133،130
وقعة الجمل ........... 27
440 .....
،381،313،244، 286
161
246، 300،230،228 - 226
289،230
314
ROR
المصطلحات والألفاظ البربرية
24، 403 - 405، 4113،192
1610
161
192
357، 360.
357، 360،73،03،23،21
357، 360 ...
من 117 - 460 أغلب صفحاتها
400 - 402
357، 360 .......
الونشريش.
وهران، أوران.
يُرْدِي ....
يزقن، يسجن
يفرن ..
اليمن
إمَسطُورْدَان، إمصوردان.
أَبْرَاد.
أَيْرَادَن.
إيروان ..
الدفاع
الشراة ....
الظهور
العزابة.
العشيرة ...
الكتمان ... (1/1302)
صفحة 1302
الأباضية في موكب التاريخ المكاريس، إيمَسُّوردَان.
يُكش.
يكش: إله
•
93
الفهارس الشاملة
المصادر والمراجع التي اعتمدها المؤلف
(مرتبة حسب الحروف الهجائية)
الإباضية في شمال افريقيا
أخبار وتعاليق
الأزهار الرياضية
إزهاق الباطل
تاريخ أئمة الدولة الرستمية
تاريخ ابن خلدون
تاريخ الطبري
تاريخ المغرب الكبير
? .. 90 ...
(مخطوط)
أبو اليقظان إبراهيم
(مخطوط)
سلامة بن يوسف الجناوني
سليمان باشا الباروني
قطب الأئمة
ابن الصغير المالكي
عبد الرحمن بن خلدون
أبو جعفر الطبري
محمد على دبوز
تاريخ علماء الجزيرة
(مخطوط)
سعيد بن تعاريت
تراجم
الأئمة
(مخطوط)
أبو اليقظان إبراهيم
تقاييد
(مخطوط)
أبو الحسن على بن بيان
الجواهر المنتقاة
أبو العباس البرادي
حوادث الجزيرة
(مخطوط)
إبراهيم بن ثابت
الدعاية إلى سبيل المؤمنين
أبو إسحاق اطفيش
الرد على الصفرية والأزارقة
(مخطوط)
قطب الأئمة
الرد على العقبي
قطب الأئمة
161
171 .... (1/1303)
صفحة 1303
الأباضية في موكب التاريخ
14
الفهارس الشاملة
رسائل المصعبي
رسائل مخطوطة أبو يعقوب يوسف المصعبي
رسالة إجابة عن
أسئلة
(مخطوطة)
باكلي عبد الرحمن
رسالة طبقات العلماء
(مخطوطة)
محمد بن زكرياء الباروني
رسالة في التاريخ
(مخطوطة)
أبو إسحاق اطفيش
سلم العامة والمبتدئين
الله عبد
بن يحى الباروني
أبو الربيع المزاتي
السير السير
سير الأئمة
شرح تحريض الطلبة
صحراء الجزائر
طبقات المشايخ
عقيدة التوحيد وشروحها
غصن البان
قابس جنة الدنيا
القول للمتين في الرد على المخالفين
كتاب الجزائر
اللقط
اللمعة المرالإباضية
مؤنس الأحبة في أخبار جربة
مختصر تاريخ الإباضية
مروج
الذهب
المعلقات مؤلفها تجهول
أبو العباس الشماخي
(نسخة مصورة) أبو الربيع الوسياني
مُحَمَّد
بن يوسف المصعبي
العقيد توماس
أبو العباس الدرجيني
مجموعة من المؤلفين
(مخطوط)
إبراهيم أعزام مُحَمَّد المرزوقي
سعيد بن قاسم الشماخي
أحمد توفيق المدني
عامر بن موسى الشماخي
نور الدين السالمي
أبو عبد الله مُحَمَّد أبوراس
أبو الربيع سليمان الباروني
أبو الحسن المسعودي
رتبها قطب الأئمة
مقتطفات من الأخبار والأحداث
(مخطوط)
أبو الربيع الحيلاتي
ملحق السير
(مخطوط)
أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى
موجز التاريخ العام للجزائر
عثمان الكعاك (1/1304)
صفحة 1304
الأباضية في موكب التاريخ
الموجز في تاريخ الجزائر
النقد الجليل
نماذج امارات الدفاع
نهضة الجزائر الحديثة
الفهارس الشاملة
يحى أبو عزيز
أبو اسحاق طفيش
(مخطوط)
أبو اليقظان إبراهيم
مُحَمَّد عَلَى دبوز
وهناك مجموعة أخرى من الوثائق فاتتني عند ترتيب المراجع منها «بيان حقيقة» للسيد وكيل الأمة
الميزابية في قضية التجنيد الإجباري، ومنها رسالة الأخ الأستاذ إبراهيم قرادي في موضوع الجهاد في سبيل الله
ومنها البحث الذي قدمه إليَّ الأخ الأستاذ فخار حمو في منظمة إمسطوردان، ومنها رسالة مطبوعة لقطب الأئمة سقطت منها الصفحة الأولى فلم أعرف اسمها، ومنها بعض المراسلات التي كانت تجري بين العلماء التي تتناول موضوعنا من طرف جاني، أو تشير الى أحداث معينة كان لها أثر في
مجرى التاريخ، وبالتالي في الرأي الذي كونته أو انتهيت إليه في بعض القضايا.
RO (1/1305)
صفحة 1305
ه
12
19 ......
22 ....
Y ....
الفهارس الشاملة
96
الأباضية في موكب التاريخ
تمهيد
الجزائر
الباب الأول
الدولة الرسمية
ابن الصغير يرسم صورتين
محتويات الحلقة الرابعة
الإباضية في الجزائر
دخول المذهب الإباضي إلى الجزائي.
بعثة علمية ..........
الدولة الرستمية
الدولة الرستمية صورة للخلافة الرشيدة
الثورات في عهد الدولة الرستمية (1/1306)
صفحة 1306
34
37
42
{A ....
62
67 ......
71
vv
81
??
93
93
..
9? ......
98
..
98
\.\ .......
106
الفهارس الشاملة
الأباضية في موكب التاريخ الحروب في عهد الدولة الرستمية
الدولة الرستمية بين الحرب والسلام
97
كيف وصل الأئمة الرستميون إلى الحكم؟
أئمة الدولة الى سمية
الإمام أبو بكر بن أفلح.
أبو بكر بن أفلح وروايات ابن الصغير.
التناقض في أخبار ابن الصغير هل كان أبو بكر ضعيفاً؟!
أبو بكر وابن عرفة.
من القائل؟.
الباب الثاني
صور عن شخصيات ......
عاصم السلماتي
صفى فارس
عبد الرحمن بن مستمر الفارسي.
محكم الهواري.
أبو عيدة الأعرج. (1/1307)
صفحة 1307
J. A .....
1
\\Y ........
119
126
ITq ......
1410
148 .....
lor ....
10 A ...
164
I vr .......
IVO ....
1 V 9 ......
J^\ .......
الفهارس الشاملة
98
الأباضية في موكب التاريخ
أبو يوسف الطرفي ...
أبو باديس أخت بن باديس.
أبو سهل الفارسي.
أبو صالح جنون بن يسريان
أبو نوح سعيد بن خلف
أبو عبد الله محمد بن بكر
أبو محمد ماكسن بن الخير.
أبو زكريا. الهواري.
أبو محمد اللواتي.
أبو عمار عبد الكافي
أبو يعقوب بن خلفون
أبو عمرو السوفي
أبو سهل بن إبراهيم.
أبو يعقوب الوار جلاني
أبو مهدي بن إسماعيل ...
أبو محمد البزقني أحمد بن أفلح .. (1/1308)
صفحة 1308
VAT ......
1^7 .......
JAT ........
187 .......
197 ......
Y .........
TIT .......
221 ......
2260
231000
2340
23800000
243000
252 .......
YOY .......
الأباضية في موكب التاريخ
الفهارس الشاملة
باسة بن موسى.
الباب الثالث
صور مختلفات عن مشهد واحد
الإباضية في الجزائر
تجمعات إياضية في الجزائر
تجنب إباضية المغرب للنزاع على السلطة. انتشار الإباضية ثم الحصار. هم
صورة مصغرة لحياة الإباضية في الجزائر
البراءة والهجران
الإباضية مع جيرانيم
العلاقة بين الإباضية في المغرب الإسلامي موقف العزابة في كفاح الباطل
فتن متوالية.
إمارات الدفاع.
ياضية الجزائر تحت الحكم العثماني
الباب الرابع
صور عن: مدن وبلدان (1/1309)
صفحة 1309
YOV .......
26000
26300
270
270000
2740
278000000
YA ......
YAT ......
YAA .......
296
•
3120000
314000
221000000
الأباضية في موكب التاريخ
الفهارس الشاملة
تجديت
أراضي نفرت
مرحلة وزيارة
قيل عن أهل وار جلان
وارجلان
العهد الأول.
العهد الثاني
العهد الثالث
العهد الرابع.
فنن ساحقة في وارجلان
بين ورجلان ووادي ميزاب
وادي ميزاب.
من هم بنو ميزاب
العمود النار يخية لبني.
العهد الأول
العهد الثاني
العهد الثالث
مصعہ (1/1310)
صفحة 1310
33700
33700
338
349
352 .....
361 .....
...
370000
TAT .........
97 .......
400
4
4
•
E ........
{. A ......
{EY .....
443
الأباضية في موكب التاريخ الباب الخامس
الفهارس الشاملة
صور عن نقود ومردود
لا يا أخي ..
ميزاب في نظر مستشرق
ميزاب في نظر مستغرب ..
وقفة مع الأستاذ الكعاك.
مع الدكتور أحمد مختار عمر
يتو مصعب والغربة.
المرأة الميزابية والغربة
خاتمة الفصل
الباب السادس:
المؤسسنان الثانية والثالثة.
مجلس العشيرة
مجلس إمسطوردان:
المحاكمات
الإباضية والجهاد في سبيل الله. كلمة أخيرة
كلمة الختام. (1/1311)