صفحة 1
الكتاب: الإباضية في ميدان الحق
المؤلف: ناصر بن مطر بن سعيد المسقري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الإباضية في ميدان الحق
ناصر بن مطر بن سعيد المسقري
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الداعي إلى الوحدة والوئام والناهي عن الفرقة والخصام وعلى آله وصحبه الكرام
وبعد ،،،
إن التباين و الاختلاف سمة من سمات البشر تعود إلى طبيعة العجز البشري ، وقد ابتليت بالافتراق كل الأمم ولم تسلم حتى أمة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - التي أرسل الله إليها أعظم رسول وأنزل إليها أجلّ كتاب حذرت فيه من الفرقة حيث قال الله سبحانه " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " آل عمران 103 ، وقال سبحانه " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " آل عمران 105 ، وقال سبحانه " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " الأنفال 46 ،
? ليس العيب أن يخطئ الإنسان أو يقصر أو يخالف فلا كمال إلا لله ، فالخطأ مع الاستغفار يغتفر وإن كان فادحا ولكن الذي لا يغتفر هو خلق مكابرة الحق بالباطل والإصرار عليه والاستكبار عن الرجوع للحق والإعراض عن منهج القرآن الذي فيه هداية الناس والذي أمر الله سبحانه وتعالى فيه أن يحتكم إليه في أي نزاع حيث قال سبحانه " يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " النساء 59 ،
? وليس عيبا النقد التقويمي والبَنّاء ، بل هو أحد خصائص الإسلام الكبرى وهو وظيفة اجتماعية ضرورية لكشف جوانب الخطأ لأن الإنسان قد لا يكتشف خطأه أو خطأ جماعته وقد يصعب عليه الاعتراف بالخطأ ويحاول الهروب منه ، ملقيا اللوم على غيره . (1/1)
صفحة 2
? وإنما العيب تلك الحملة الهوجاء التي يشنها أصحاب بعض الفرق الإسلامية على الفرق الأخرى لمحاولة تشويه تلك الفرق وطمس حقيقتها وتفريق أمة الإسلام التي لا يستفيد منه إلا أعداء الله الذين يكيدون للإسلام ليل نهار من غير هوادة 0
? والإباضية ممن أصلوا بنار الفتنة التي أوقدها هؤلاء المتعصبون الذين توجههم السياسة الماكرة وأهواؤهم النفسية معرضين عن تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تدعو للوحدة وتحذر من الفرقة وتحذر من الكذب وظلم الآخرين وتدعو إلى العدل مهما بلغ بغض أولئك القوم يقول الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون "سورة المائدة 8
? فهذه الحملة التعسفية التي شنها هؤلاء على الاباضية بالافتراءات التي سطروها في كتبهم أو بما تفوهت به ألسنتهم لطمس الحق بإخفاء حقيقة المذهب الإباضي عن الناس هي سبب كتابة هذه الرسالة الصغيرة الني سميتها " الإباضية في ميدان الحق " لإزاحة ركام الباطل وظلمة الظلم بنور الحق الذي جاء به القرآن والسنة النبوية وذلك بالاحتكام إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم واتباع هديهما في قول الصدق وقبول الحق " ضمنتها خمسة فصول : الأول في معرفة الحقيقة والثاني في ذكر بعض الادعاءات على الإباضية وبيان كذبها وثالثها في مفاهيم يجب أن تختفي والرابع في المسائل الخلافية وختمت ذلك بذكر أدلة استقامة الإباضية ، هذا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
ناصر بن مطر بن سعيد المسقري 0
الفصل الأول
معرفة الحقيقة وأسباب الجنوح الفكري
الباب الأول
الطريق الصحيح لمعرفة الحقيقة (1/2)
صفحة 3
? إن من يريد الخير لأمة الإسلام عليه أن يبحث عن الحقيقة ويعبر عنها كما هي وهذا سيقرب المسلمين من بعضهم حيث أن نقاط الخلاف تكون قليلة جدا بخلاف الحاقدين الذين يجعلون الخلاف يزيد ويتسع فإذا كان في خمس نقاط يجعلونه عشرا 0
? ولا يمكن أن يصل الباحث إلى الحقيقة وهو يبحث عنها من غير مصدرها فكيف يعرف حقيقة فرقة من عند خصومها – إن صح التعبير –
? وكذلك لا يمكن أن يصل إلى الحقيقة إلا باستقراء تام للفرقة أو الموضوع وأيضا لا يمكن الوصول إلى الحقيقة إلا بالتخلص من أسباب الخطأ والجنوح الفكري الذي يعمي الإنسان ويصمه فيرى مالا ترى عيناه ويسمع مالا تسمع أذناه .
? ولقد أجاد العلامة الشيخ عبدالرحمن الميداني في كتابه " بصائر للمسلم المعاصر " في إيضاح الطريق التي توصل إلى الحقيقة وإيضاح أسباب الجنوح الفكري التي تبعد الإنسان عن إدراك الحقيقة .
? ومن تمام الفائدة نبقى مع العلامة الميداني نقلت ذلك مع بعض التصرف بالاختصار والزيادة.
يقول الميداني في الكتاب المذكور :-
( إن لكل أمر حقيقة ، ولكل حقيقة حدود ومقادير وكل إدراك أو تعبير عنه يهدف إلى إصابة الحقيقة ولو دعاء له أحد الوجوه التالية :-
(1) أن يطابق الحقيقة مطابقة تامة وهو تمام الحق 0
(2) أن يزيد عليها من غيرها وذلك تجاوز وغلو وفيه من الباطل بقدر الزيادة 0
(3) أن ينقص منها وذلك تقصير أو قصور فإن كان مع إدعاء المطابقة ففيه باطل بقدر النقص .
(4) أن ينحرف عن مطابقتها وذلك تجاوز وقصور وفيه من الباطل بمقدارهما إن كان مع إدعاء المطابقة .
(5) أن يخرج عن الحقيقة خروجا كليا وهو إدراك أو تعبير كله باطل .
? إن الزيادة على حدود الحقيقة التي يوجه لها الإدراك مع تصور أو ادعاء إن هذه الزيادة داخلة في حدود الحقيقة تعميما فاسدا غير مطابق للحقيقة يسند إليها أحكاما وصفات ليست لها . (1/3)
صفحة 4
? والتعميم الفاسد في الحكم قد ينجم عنه قلب الحق باطلا والباطل حقا ، والمعمم تعميما فاسدا قد يقبل المذهب كله لأنه قد رأى بعضه حقا ، وقد يرفض المذهب كله لأنه قد رأى بعضه باطلا.
? إن على الباحث طالب الحق أن يجزئ عناصر الموضوع العام أو عناصر المذهب ، ويبحث كل جزء فيه بحثا مستقلا ويعطي حكمه عليه بالدليل ولا يصح له أن يعطي حكما عاما بالصحة لمجرد أن رأى بعض عناصر الموضوع صحيحة أو رأى بعض مسائل المذهب صحيحة ، فكثير من الأخطاء تأتي من الحكم على الكل بسبب ما اقتضاه الحكم على البعض ويسقط في الخطأ أو الغلط هنا فريقان :-
(أ) فريق يحكم ببطلان كل عناصر الموضوع أو المذهب وقضاياه ومقولاته لأنه رأى خطأ أو بطلانا في بعضها 0
(ب) وفريق يحكم بالصحة لكل عناصر الموضوع أو كل مسائل المذهب وقضاياه ومقولاته لأنه رأى بعضها صحيحا 0
? والمنهج الفكري السليم الذي يجب إتباعه في الأحكام التعميمية هو أن الجزم بالتعميم لا يكون إلا باستقراء تام لكل الوحدات الجزئية التي تدخل في العموم ، لأن الاستقراء الناقص دلالته ضعيفة لا يصلح الاعتماد عليه ، و إن على الباحث أن يقسم الموضوع إلى عناصره ليعرف مدى صحة كل عنصر حتى يأتي عليها كلها ولا يغتر بالعناصر الصحيحة لأن قليلا من السم يكفي للإفساد (1)
? إن معظم السقطات الشنيعة تأتي من التعميمات الفاسدة ومن الأمثلة على التعميمات الفاسدة رفض كل ما عند المذاهب المخالفة لأن بعض ما فيها باطل ، واعتقاد أن كل مسائل المذهب الذي ينتمي إليه المعمم هي حق ، مع أنه لا يفحص كل مسألة من مسائله فحصا عمليا استدلاليا . إن مثل هذا التعميم لا يقبل به منطق الحق ، إنما يدفع إليه التعصب والجهل وعدم البصيرة العلمية الربانية . (2)
الباب الثاني
أسباب الخطأ أو الجنوح الفكري
السبب الأول
__________
(1) بصائر للمسلم المعاصر ، عبد الرحمن الميداني ، ص68
(2) المرجع السابق ، ص77 (1/4)
صفحة 5
الوهم الناشئ عن اضطراب نفسي أو عدم اتزان فكري :
فكم يكون الخطأ أو الجنوح الفكري عن الحقيقة ناشئا عن الوهم الذي يحدثه الخوف أو الطمع أو الشهوة العارمة أو الغضب ، وبالوهم يرى الرائي ما لا ترى عيناه ويسمع ما لا تسمع أذناه ويصغّر الكبير ويكبّر الصغير (1) فيجانب الحقيقة ولا يقبل النصح والإرشاد .
? فكم من أخطاء تقع بهذه الأسباب .
? فكم من أناس وقعوا في الباطل ومعصية الله بسبب الخوف .
? وكم من أخطاء وقعت بالطمع ربما من أقلها أن يزوج الرجل ابنته لمن يدفع له أكثر .
? وكم وقع العشاق في ضياع لحياتهم بسبب متابعة شهواتهم .
? وأما الغضب فأخطاؤه كثيرة جدا ، يقول صاحب تهذيب الإحياء : وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل ويستحي منه قائله عند فتور الغضب ، وربما انطلقت لسانه بما يسبب له مشاكل اجتماعية مثل الطلاق ، وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة . (2)
السبب الثاني
ضعف الإدراك أو وسيلته مع الغرور النفسي :
? ينتج عن هذا السبب توهم كمال الإدراك وكمال الوسيلة ثم ينتج عنه توهم معرفة الحقيقة معرفة كاملة مستوعبة .
? والغرور بالنفس ينفخ فيها حتى تتورم تورما مرضيا فيغشي البصيرة والفكر وأدوات الحس وقد يطمسها أحيانا فيقع المغتر في أخطاء كثيرة تجر عليه ولمن تبعه نكبات وبلايا وشرور عظيمة .
? إن الغرور بالنفس يصيب الأفراد والجماعات .
? ومن هنا وقع الذين ينكرون الغيبيات كالملائكة والجن توهما منهم بأن لديهم الأداة المدركة مع وسائلها التي تجعلهم يدركون حقيقة الواقع بصفة استغراقية فما لم يدركوه فهو غير موجود .
__________
(1) بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع السابق ، ص96
(2) المهذب من إحياء علوم الدين ، صالح أحم السامي ، ج2 ، ص 101 . (1/5)
صفحة 6
? وهذا الغرور بوسائلهم الضعيفة قد عطّل عقولهم عن التسليم بالبديهة التي تقرر أن عدم وجدان صاحب الإدراك الناقص للشيء لا يدل على عدم وجود ذلك الشيء). (1)
? وكم من إنسان يغتر بكثرة أتباعه وحزبه أو مذهبه فلا يلتفت إلى غيره معتقدا أنه مصيب للحق وللطريقة السليمة والكثرة هي دليل ذلك مع أن كثرة الناس في إتباع شيء معين لا تدل على أنه حق ، ويدل على ذلك القرآن والواقع وسنوضحه في موضعه إن شاء الله .
السبب الثالث
انحراف النظر عن رقعة الحقيقة :
? وهذا نوع من الحول الفكري ( فقد يبدأ النظر برؤية الأجزاء الأولى من الحقيقة ثم ينحرف عنها فيغره البدء الصحيح ثم لا يدرك أنه قد انحرف عن الحقيقة بعد ذلك ،كمن يبدأ السير في طريق بداية صحيحة ثم يسير غير متحرٍ لصحة مسيره مع كل خطوة ويضل ولا يصل إلى الهدف بل يقع في المتاهات وهو يزعم أنه على صواب متوهما ذلك بسبب بدايته الصحيحة ).
السبب الرابع
اشتباه الحقيقة بما جاورها :
? بهذا السبب تختلط أرض الحقيقة بما جاورها فيحدث الخطأ وقد نبّه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ضرورة أخذ الحذر من الوقوع في المشتبهات في الحديث الذي رواه مسلم والبخاري عن النعمان بن بشير – رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول " إن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام00000" الحديث .
السبب الخامس
تشابه الحقائق في صفاتها ولو تباعدت :
? قد ينشأ الخطأ عن تشابه الحقيقة مع غيرها في الشكل أو الصورة أو اللون أو غير ذلك ولو لم يكن المتشابهان متجاورين كمن يرى السراب ماء .
__________
(1) بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع سابق ، ص99 . (1/6)
صفحة 7
? وكذلك نظر الكافرين إلى أعمالهم حيث يرون أنها تشبه الأعمال التي تحقق لأصحابها السعادة فيجتهدون في سبيل ذلك ولا يصلون إلى هدفهم ، قال الله تعالى في سورة الكهف " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (103-105
? ومن الأغلاط التي وقع فيها كثير من الناس بهذا السبب إطلاقهم على نظام الإسلام أسماء مبادئ غير إسلامية بل هي مضادة للإسلام إلا أن بينها وبين نظام الإسلام شبها جزئيا فاشتبه الأمر عليهم وساعد على هذا الرؤية الفاسدة والتسرّع في الحكم ، ومن أمثلة ذلك إطلاق أسماء الاشتراكية أو الرأسمالية أو الديمقراطية أو الدكتاتورية على نظام الإسلام الذي هو شيء آخر .
السبب السادس
ردود الأفعال الفكرية السريعة بمؤثرات نفسية :
وكثيرا ما يكون الخطأ الفكري ناشئا عن ردود الأفعال الفكرية السريعة إلى الضد الأقصى المقابل لفكرة باطلة رفضوها أو مذهب رأوا فساده فلم يقبلوه .
? وبسبب هذا الانتقال السريع الذي هو من قبل ردود الأفعال غير الواعية يتركون الأوساط التي قد تكون الحقيقة في واحد منها أو موزعة الأجزاء بين الأوساط وقد يكون ما رفضوه بعض الحق مختلطا بباطل كثير وفيما انتقلوا إليه بعض الحق مختلطا بباطل كثير وبعملهم هذا ينتقلون من خطأ إلى خطأ آخر مثل الذي فرّوا منه ، وربما يكون الذي انتقلوا إليه أفحش وأشد بعدا عن الحقيقة .
? ومثال ذلك حقد العمّال على الرأسمالية المقيتة فثاروا عليها ورفضوها لكنهم انتقلوا _ بردود الأفعال السريعة المعاكسة _ إلى الضد الأقصى فسقطوا في براثن المنظمات الشيوعية والاشتراكية وتركوا الوسط الذي هو الأنفع والأصلح والأعدل وهو نظام الإسلام ، فعندما اشتووا بنار الشيوعية المقيتة عميت بصائرهم مرة أخرى وقاموا ينادون بالرأسمالية .
السبب السابع (1/7)
صفحة 8
سوابق الأفكار :
? إن سوابق الأفكار الثابتة حول موضوع معين تجعل فكر الإنسان موجها شطر هذه السوابق ومحجوبا عن غيرها .
? فهي تغشي البصر والبصيرة وتجعل الفكر يجنح وينحرف عن وجه الصواب إلا في حال أن تكون سوابق الأفكار من الحقائق الواضحة غير مختلطة بباطل .
? ويضل كثير من الناس متخبطا لا يتضح له الحق ولا ينكشف له وجهه مع أن الموضوع يتعلق بقضية من القضايا الأساسية المهمّة مهما عرضت له الأدلّة والبراهين ، لا لأن الأدلة غير كافية للإقناع بالحق ولكن لأن سوابق الأفكار كان لها سلطان على عقولهم وتأثير فيها وتغشية على بعض قدرات الرؤية لديها .
? ويرجع هذا التأثر إلى عدة عوامل :
(1) الإلف فللإلف استهواء خاص يجعل المألوف محببا للنفوس ، ومحلاّ للطمأنينة والسكينة ، ويجعله مأنوسا غير مستغرب لدى العقول حتى يكون كالبديهيات التي لا تناقش ولا تحتاج إلى أدلّة أو براهين ، فهي تتمسك به على أنه حق جليّ جدا ولو كان باطلا واضح البطلان في حقيقة أمره إلا أن الإلف حجب بصيرة العقل عن فحصه وتقويمه بميزان المنطق السليم والنظر التأملي الصحيح فجعله من المسلّمات التي لا تحتاج نظرا ولا استدلالا .
(2) الاستكبار عن الاتهام بالتزام الخطأ وعدم استبصاره طوال المدة السالفة التي استبدت فيها سوابق الأفكار بقناعة العقل وارتياح النفس .
? ويبدوا أن الرجوع عن الخطأ إلى الصواب يجرح كبر المتكبرين أصحاب الأنانيات فيصرون على الخطأ ويعاندون ولو ظهر لهم وجه الحق وكثيرا ما يحجب عنهم كبرهم رؤية وجه الحق والإصغاء إلى دليله .
? وقد وقع كثير من المشركين في هذا الخطأ لأنهم صعب عليهم ترك ما ألفوه من الأصنام والرجوع إلى حقيقة التوحيد ولأن كبرهم منعهم من أن يتهموا هم وآباؤهم بأنهم كانوا في ضلال وجهل ). (1)
__________
(1) بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع سابق ، ص135-136 (1/8)
صفحة 9
? ونجد عند أصحاب المذاهب كثيرا من هذا العناد الصارف عن الحق فلا يقبلوا الحق في أي مسألة قال به مذهب آخر بسبب سوابق الأفكار التي سيطرت عليهم في مذهبهم وحب مذهبهم فنجد أنهم يمتنعون حتى عن الحوار في ذلك بدعوى أنه إظهار للباطل ، فلينتبه إلى ذلك لأنه من أسباب فرقة المسلمين وعدم الوصول إلى وحدتهم .
السبب الثامن
التعصب لشخص أو قوم أو جماعة أو فكرة قديمة :
? إن التعصب ظاهرة موجودة في مختلف المجتمعات البشرية وفي مختلف مستوياتها .
يقول العلاّمة عبد الرحمن الميداني : " وهذه ظاهرة تمثل انحرافا مرضيا حينما لا تكون ذات مضمون أخلاقي كريم لانتصار حزب الله وجماعة الحق فيما يدعون إليه من الحق على أننا حينئذ لا نسميه تعصبا بل هو انتصار للحق بالحق " (1) ، ولكن لا يؤخذ الانتصار للحق ذريعة لتقليد أعمى .
? والتعصب فرع من فروع الأنانية الفردية أو الجماعية ، فليحذر المسلم من اتباعها لأنها مناصرة للباطل سواء مناصرة لهواه وشهواته أو لجماعته أو لمن يواليه عامة .
? وللأسف الشديد نلاحظ أن التعصب موجود عند معظم الفرق والطوائف وأصناف الناس حتى عند العلماء .
? وهو الداء المهيمن على عقول ونفوس الماديين وأصحاب الأهواء ومتبعي الأديان المحرّفة كاليهود والنصارى .
? وموجود في دوائر جزئية عند المسلمين أيضا ، فنلاحظه عند الفقهاء والمفسرين والأدباء والشيوخ والدعاة والوعّاظ وغيرهم .
? إنهم في غمرة التعصب يندفعون اندفاع السكارى واندفاع محجوبي الأبصار إلا من زاوية الرؤية التي حصروا أنفسهم فيها فهم لا يرون إلا من خلالها ، كوحيد القرن الذي يرتبط بصره بخطوط الرؤية المتصلة برأس قرنه الذي يريد أن يبعج به بطن عدوه وهو هائج ثائر . (2)
السبب التاسع
التسرّع في الحكم مع عدم وضوح الرؤية :
__________
(1) راجع كتاب بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع سابق ، ص 138
(2) راجع بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع سابق ، ص 138 (1/9)
صفحة 10
? إن التسرع والاندفاع في إصدار الأحكام دون روية ودون تحرٍّ للحقيقة ولا صبر في البحث عنها بل الاكتفاء ببادئ الرأي يوقع في أخطاء كثيرة ، يقول الشيخ أحمد بن النظر :
لا تلوميه على ما صنعا كل ما طار وشيكا وقعا (1)
? (والاكتفاء ببادئ الرأي سمة العامة والدهماء الذين تحركهم العواطف الآنية وتوجههم الانفعالات غير الواعية وتتحكم بهم الغوغائية ويشغلهم عادة أصحاب المصالح والأهواء ، ولذلك إن أكثر الأفكار المسيطرة عليهم التي تتحكم بها تعميمات باطلة ومبادئ لا تعتمد على حق وعقائد لا تستند إلى براهين ولا أدلة كافية للإقناع بل عواطف لا قيمة لها في ميزان الفكر السليم ولا في ميزان الواقع التجريبي . (2)
? وهذا ليس منهاج المسلم المستنير بالقرآن والسنة لأن القرآن الكريم حذّر من ذلك وأخبر أن ذلك يوقع في الظلم وتكون عاقبته الندامة ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " الحجرات 6 ، ويقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : " التأني من الله والعجلة من الشيطان " رواه الترمذي .
? فعلى المسلم أن يضبط نفسه ولا يندفع تحت أي تأثير لإصدار الأحكام والردود السريعة ويفحص القضية فحصا دقيقا ويتأكد من صحة الخبر .
السبب العاشر
مؤثرات الأهواء والشهوات والمصالح الخاصة :
يقول الشيخ نور الدين السالمي – رحمه الله - :
حبك للشيء يغطي عيبه ويسترنّ عيبه وريبه
حبك يعمي ويصمّ فاحذر من الهوى فإنه لم يذر
بل حب ما يحبه مولاكا من دينه فهو الذي هداكا (3)
__________
(1) الدعائم ، أحمد بن النظر ، ص 133
(2) بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع سابق ، ص 139
(3) جوهر النظام ، نور الدين السالمي ، ص 598 (1/10)
صفحة 11
ويقول العلاّمة عبد الرحمن الميداني : " ومن شأن أهواء النفوس وشهواتها ومصالحها الخاصة أن تعمي بصيرة الإنسان وتصيبها بالعشى أو تمدّ عليها غشاوة ما فيرى الإنسان بسبب ذلك الحق باطلا والباطل حقا ، أو تختلط عليه الأمور وتلتبس في فكره صور الأشياء بنسبة ما وذلك على مقدار غلظ الغشاوة .
? ومما لا شك فيه أن الهوى الطاغي يعمي عن رؤية الحق ويصم الآذان عن سماع كلمة الحق فمن كان له هوى في اتجاه فكري معين حجب عنه هذا الهوى رؤية الاتجاهات الأخرى فهو لا يرى إلا الذي دفعه أو جذبه إليه هواه ومن يريد إقناعه بتصحيح رؤيته لغير اتجاه هواه لا يجد لديه أذنا تسمع له نصحا ، أو فكرا يفهم منه بيانا ، لأن ذهنه منصرف عنه انصرافا كليّا ، والسبب في ذلك مؤثرات الهوى التي حجبت الذهن والبصيرة عن الحقيقة وعزلت الحواس عن إدراك ما يعرض عليها ، فالعين لا ترى إلا أشكالا ورسوما وظواهر ، والأذن لا تسمع إلا أصواتا وحروفا فمخاطبتها كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء . (1)
السبب الحادي عشر
التقليد الأعمى :
? التقليد الأعمى ينشأ عن التعصب أو الثقة الإجمالية بالإمام المقلَّد أو الثقة بمنهجه أو طريقة اجتهاده .
? فالمقلِّد للإمام دون بصيرة في كل خطوة يخطوها يقع في كل الأخطاء التي يقع فيها إمامه تلقائيا .
__________
(1) بصائر للمسلم المعاصر ص 139-140 (1/11)
صفحة 12
? ومن الحق أن التقليد ضرورة إذ لا يمكن أن يكون كل إنسان مجتهد بنفسه ولنا في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسوة حسنة حيث كان فيهم أئمة يستنبطون ويفتون وآخرون يستفتون ويعملون بما يفتيهم به أئمتهم ، لكن من الخطأ أن يدّعي المقلِّد أن إمامه على صواب وما عداه باطلا ، لأن مثل هذا الإدعاء لا يملكه إمامه نفسه لأن الاجتهاد في المسائل الاجتهادية الخلافية لا يقدم أكثر من دليل ترجيحي والدليل الترجيحي لا يعطي يقينا بأن ما وصل إليه الاجتهاد هو الحق قطعا وما عداه باطل قطعا (1) ، والعصمة للأنبياء فقط .
الفصل الثاني
افتراءات كتّاب المقالات على الإباضية
الباب الأول
أسباب التعصب ضد الإباضية
أولا: إنكارهم الظلم في كل زمان وخاصة زمن بني أمية حيث سلطت عليهم الدولة الأموية إعلامها الهادر فكالت عليهم التهم كيلا فانطلت على البعض وساعد في نشرها الطّمّاعون فيما لدى الدولة ، وليس من المستغرب وجود مثل هؤلاء الطماعين فهم موجودون في كل زمان ، كذلك ليس من المستغرب كيل التهم على المصلحين فرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يسلم من ذلك ، وهذه طريقة متبعة إلى يومنا هذا .
ثانيا : كون الإباضية متفقين مع الخوارج في الخروج عن علي – كرم الله وجهه – بسبب عدم قبول التحكيم سهّل إلصاقهم بالخوارج .ومروق الخوارج من الدين سهل الافتراء على الإباضية .
ثالثا : الأكاذيب التي سطرها كتاب المقالات في كتبهم ، فكتاب المقالات الذين سطروا الأكاذيب ضلوا وأضلوا وصاروا قنطرة عبور للحاقدين سواء قصدوا ذلك أو وقعوا ضحية .
? أما كونهم ضلوا فهم مسئولون عما كتبوه يوم القيامة .
__________
(1) نقلا من كتاب بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع سابق ، ص141 بتصرف (1/12)
صفحة 13
? وأما كونهم أضلوا فكتبهم أصبحت مرجعا لكل من أراد أن يعرف شيئا عن الإباضية ، ووثقوا بها فيما قالت لسببين : لكون هؤلاء الكتاب من العلماء المشهورين ، ولكون هذه الادعاءات موجودة في عدة كتب مع أن مصادر هذه الكتب غير متنوعة وإنما نقل الثاني ما كتبه الأول وهكذا .
? فكونت هذه الكتب لدى قارئها صورة بغيضة عن هذه الفرقة الإسلامية فرأى أن من واجبه حماية الناس من الوقوع فيها وإنقاذ المنتمين إليها من الضياع ، وهذا رأي في محله لو كان ما كتب عن الإباضية صحيحا لأن ما كتب عنهم ينفر منه الطبع السليم ، ولكن في الحقيقة من وقع في شباك هذه الكتب جرفه السيل وهو لا يدري ، لأن ما كتب عنهم لا يمت إليهم بصلة .
? فإن من يقرأ عن الإباضية في كتب المقالات ويقارن ذلك بكتب الإباضية يجد عجبا ، حيث لا يجد أي أثر لما كتب عنهم وذلك لأن كتّاب المقالات لم يكتبوا شيئا حقيقيا عن الإباضية بسبب أن الإباضية في نظرهم فرقة ضالة يجب أن يلقى بها في مكان سحيق ، سواء كان هذا الحكم نابعا منهم أو وقعوا ضحية لغيرهم فقاموا بالتضليل على هذا المذهب وطمس حقيقته بشتى الأساليب ، واتفاق الكثير منهم على ذلك ليس صدفة وإنما بسبب وحدة عقيدتهم عن هذا المذهب وأخذ الثاني ما كتبه الأول وتبعهم الآخرون من غير تتبع للحقيقة من كتب الإباضية مع أن بعضهم شرط على نفسه أخذ ذلك من كتبهم . باستثناء بعض الكتاب المنصفين فلهم الشكر والتقدير .
? ويدل على ما أقول :
(1) إنهم لم يكتبوا شيئا عن أئمة الإباضية مثل جابر بن زيد وأبي عبيدة وغيرهم
(2) لم يذكروا عقائد الإباضية .
(3) لم يذكروا شيئا من آراء الإباضية الفقهية .
(4) لم يذكرا إلا النزر اليسير من مبادئ الإباضية تنحصر في السياسة وحقوق المسلمين على بعضهم . بل ذكروا بدائل للتضليل
? فقسموا الإباضية إلى فرق أصلية ، وأخرى فرعية استنتجوها من وحي خيالهم لمسرحية بيع أمة وذكروا لها عقائد شرك بالله . (1/13)
صفحة 14
? والإباضية لا يعرفون شيئا عن تلك الفرق ولا يوجد أي ذكر لها ولا لعقائدها ولا لأئمتها في كتب الإباضية سواء الذي ألفت قبل كتب المقالات أو التي ألفت بعدها ويبرؤن منها إن كان لها وجود أصلا وممن ألصقها بهم .
? حاولوا طمس الحقيقة بالتعميمات الفاسدة حيث أنهم ألصقوا الإباضية بالخوارج والفرق الضالة وشتى الاتهامات الأخرى سأذكرها فيما بعد .
? وانتشرت هذه الافتراءات في الكتب الأخرى وعلى السنة الخطباء الحاقدين وفي الأشرطة السمعية إلى يومنا هذا مثل كتاب الإباضية الذي سيأتي الرد عليه المحشي بالأكاذيب وبقى الإباضية يعانون منها متخذين موقف الدفاع عن أنفسهم
? وما كنت اكتب كلمة واحدة مما قاله أهل المقالات السابقين مما خالفوا فيه الواقع لو أن المتأخرين اتبعوا الحق و لم يظلوا يرددون تلك الأكاذيب.
من يعرف النطق منكم صار يشتمنا كأنه فرض عين عندكم شهرا
? ولكن ما الذي حمل هؤلاء الكتّاب على هذه الافتراءات حيث دونوا اسم الإباضية وكتبوا أشياء لا تمت إليهم بصلة ؟!!
? يقول البعض ربما أن ذلك يعود إلى قلة معرفتهم بالمذهب الإباضي بسبب أن حركته كانت سرية ، وفي الحقيقة أن هذا ليس شيئا مقنعا لأمرين :
أولا :- إن كتب المقالات التي كثر فيها الكذب على الإباضية بدأ تأليفها في القرن الرابع الهجري وقبل كتابتهم هذه كان المذهب منتشرا ، ففي عمان بويع بالخلافة قبل هذا التاريخ حوالي ستة أئمة ،بدءا من الإمام الجلندى بن مسعود الذي بويع في عام 132 ه وفي المغرب الأئمة الرستميون كانت دولتهم تغطي حيزا كبيرا من المغرب العربي من الجزائر إلى ليبيا ودامت أكثر من 150 سنة ،من 144 -296 هـ وهو قبل القرن الرابع الهجري وكذلك الإمام عبدالله بن يحيى الكندي في اليمن وصل نفوذه إلى الحجاز فهل بعد هذا تعذر الحصول على المعلومات ، هذا بالنسبة للقدماء فكيف بالمتأخرين ؟ (1/14)
صفحة 15
ثانيا :- إذا كانوا أخذوا من غير الثقات فقد وقعوا فيما نهى الله عنه حيث قال الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين "الحجرات 6 وفيما عده رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا في قوله : " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " متفق عليه
ثالثا:- إن كانوا لا يعرفون شيئا عن الإباضية وكتبوا عنهم لإكمال كتبهم فقد وقعوا فيما نهى الله عنه حيث قال :- " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) الإسراء 36
? وإن كان قد حملتهم إلى ذلك كراهية هذا المذهب فالله سبحانه نهى أن يحمل الإنسان بغضه على الظلم وأمره بدل ذلك بالعدل حيث قال عز من قائل " لا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " المائدة 8 ) أي لا يحملكم بغض أي قوم على ظلمهم وإنما عليكم العدل في كل شيء .
وأي ظلم يعمله هؤلاء على هذا المذهب أكثر من وصفهم بالضلال ونسبة الشرك إليهم والله يقول " إن الشرك لظلم عظيم " لقمان 13
? وإن كان قصدهم الانتصار للحق لكون أنهم يرون أنفسهم على حق وغيرهم على باطل ، فإن هذه الدعوى كل يدعيها كما نص على ذلك حديث الافتراق ولكن الحق غير محتاج إلى تأييد بالباطل فالحق والباطل ضدان ، قال الله تعالى :- " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " الإسراء 81 وقال :-" بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " الأنبياء 18
لم تقم السماوات والأرض إلا بالحق بل لم يخلق الله هذا الكون إلا بالحق والباطل لا يأتي إلا بباطل ، كيف يدعي شخص أن الفرقة التي ينتمي إليها متبعة الحق وهو في نفس الكتابة التي كتبها لم يستطع سلوك طريق الحق ؟!
الباب الثاني
ردود على كتاب المقالات
الإباضية مع أبي الحسن الأشعري (1/15)
صفحة 16
? أبو الحسن من علماء القرن الرابع الهجري وهو من أوائل من كتب في الفرق الإسلامية وكتابه " مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين " أخطر كتاب حيث أن عددا كبيرا ممن جاءوا بعده اعتمدوا على كتابه إلى يومنا هذا ربما ثقة به لسعة علمه ، فيا ليته كتب الحقيقة لينال أجرها عند الله ، ولكنه كتب أشياء لا أساس لها على الأقل بالنسبة للإباضية حيث قسمهم إلى فرق ليس لها وجود عند الإباضية ونسب إليهم أقوال لا تمت إليهم بصلة . (1) حيث قال:
? الفرقة الأولى :- الحفصية إمامهم حفص بن أبي المقدام ، زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل بجميع الخبائث من قتل نفس واستحلال الزنى وسائر ما حرم الله من فروج النساء فهو كافر برى من الشرك .
? الفرقة الثانية :- يسمون اليزيدية ، إمامهم يزيد بن أنيسة ، زعم أن الله سبحانه سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء وينزل عليه دفعة واحدة وتولى أبو يزيد هذا من شهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالنّبوءة من أهل الكتاب وإن لم يدخل في دينه ولم يعمل بشريعته وزعم أنهم بذلك مؤمنون .
? الفرقة الثالثة :- من الاباضية أصحاب حارث الإباضي ، قالوا في القدر بقول المعتزلة وخالفوا فيه سائر الاباضية ، وقالوا دار السلطان دار كفر "
? الفرقة الرابعة :- يقولون بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل ، ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا لله إذا فعل شيئا أمره الله به وإن لم يقصد الله بذلك الفعل ولا أراده به 0
? وقال بعضهم ليس على الناس المشي إلى الصلاة ولا الركوب إلى الحج ولا شيء من أسباب الطاعات التي يتوصل بها إليها إنما عليهم فعلها فقط "
__________
(1) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، أبو الحسن الأشعري ، ص103-111 (1/16)
صفحة 17
? وقال جميعهم إن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل فإن تاب وإلا قتل كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله 0
? وقالوا من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل 0
? وقال بعضهم ليس من جحد الله وأنكره مشركا حتى يجعل مع الله غيره 0
? وقال بعضهم بتحليل الأشربة التي يسكر كثيرها إذا لم تكن الخمر بعينها0
? إن الله يؤلم أطفال المشركين على طريق الإيجاب لا طريق التجويز .
? أورد أبو الحسن قصة عن بيع الإماء للمخالفين ، فذكر في هذه القصة أسماء منكرة النسب مثل إبراهيم وميمون وعبد الجبار وسلمان وثعلبة وعبد الكريم بن عجرد وأم سعيد وأورد فيها أن إبراهيم أفتى بالجواز وميمون برئ منه وقوم وقفوا وذكر في القصة أوصاف مثل العلماء والإماء وامرأة ثعلبة وتكفير بعضهم لبعض .
? إن ما قاله الأشعري لا يعدو أن يكون سطورا من الافتراءات قصد بها التشنيع على المذهب الإباضي وتكريههم إلى الفرق الإسلامية الأخرى ، ربما أن الشيخ الأشعري وقع ضحية لأصحاب الأحقاد ضد الاباضية ولكن ذلك لا يخرجه من قوله صلى الله عليه وسلم :- كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " متفق عليه
? ويدل على ما أقول :-
أولا :- إن الأشعري قسم الإباضية إلى أربع فرق ليس لها علاقة بالمذهب الإباضي في قليل أو كثير ، فالفرق الإسلامية تنسب إلى الإمام الذي تقتنع تلك الفرق بآرائه الدينية وتأويله لنصوص العقيدة وهذا لا يوجد له أثر بين الاباضية والفرق المزعومة ، وكتب الاباضية التي ألفت قبل وبعد الأشعري شاهدة بذلك ومستعدون لتوفير أي مرجع يريده الباحث المنصف 0
? فالأئمة الذين ذكرهم مجهولون ليس لهم أي ذكر في أي كتاب من كتب الإباضية لا كتاب سيرة ولا فقه ولا عقيدة ولا غير ذلك 0
? ونرى الأشعري بنفسه أتى ببعضهم بدون أب وبعض الفرق لم يجد لها إماما قط 0 (1/17)
صفحة 18
? كما أن العقائد التي ذكرها الأشعري لهذه الفرق هي عقائد شرك فكيف تعد من الفرق الإسلامية ؟ وهي لا شك مخالفة لعقائد الاباضية بل البعد بينهما أكثر من البعد ما بين السماوات والأرض .
? فإن كان لا يوجد أي أثر لسيرة أئمة الفرق المذكورة عند الإباضية ولا عقائدهم ولا آرائهم فكيف ساغ للأشعري أن يلحقهم بالإباضية بل أن يجعلهم الاباضية أنفسهم ؟!
ثانيا :- إن الأشعري نسب أقوالا لجميع الاباضية وأقوالا أخرى لبعضهم هي أيضا مخالفة لأقوال الاباضية تماما 0
بعض الأدلة من كتب الإباضية على صحة ما أقول
(1) الفرقة الأولى نسب إليها القول :- إن الكفر بالرسل والجنة والنار ليس شركا
? يقول العلاّمة نور الدين السالمي الإباضي في غاية المراد
وقد أتت حجج البرهان ناطقة بالموت والبعث والحسبان فامتثلا
وأنه من أطاع الله يدخله جناته أبدا لا يبتغي نقلا
ومن عصاه ففي النيران مسكنه ولم يجد مفزعا عنها فينتقلا (1)
(2) الفرقة الثانية نسب إليها القول :- إن الله سيبعث رسولا من العجم ويتولون أهل الكتاب الذين شهدوا برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يدخلوا في دينه والشيخ العلاّمة نور الدين السالمي يقول في بهجة الأنوار :-
قد نسخت شرائع الجميع سوى الهدى بشرعنا البديع
وماله أي شرعنا مغير فهو على الدوام لا يغير
ويقول :
والحب للمؤمن من حقوقه والبغض للكافر من عقوقه
والكل واجب على من عقلا ويلزم الوقوف عمن جهلا
3- والفرقة الثالثة نسب إليها القول :- أنها قالت بقول المعتزلة في القدر
? والإباضية لا يقولون بقول المعتزلة في القدر ، قال نور الدين السالمي في غاية المراد :
وإنما الفعل مخلوق ومكتسب فالخلق لله والكسب لمن عقلا
4-والفرقة الرابعة نسب إليها القول :- صحة العمل لله من غير نية
__________
(1) قصيدة غاية المراد في الاعتقاد ، نور الدين السالمي ، ص50 (1/18)
صفحة 19
? والإباضية يرون النية من قواعد الدين لا يتم العمل إلا بها ، وثاني حديث في مسند الربيع بن حبيب قوله صلى الله عليه وسلم (( الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )) .
ويقول العلامة السالمي في غاية المراد :
قواعد الدين علم بعده عمل ونية ورع عن كل ما حظلا
1- وأما القول بأن الاباضية لا يوجبون المشي للصلاة والركوب للحج فهذا باطل
? لأن الإباضية يرون أن كل مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب 0
وأما القول باستتابة مخالفيهم فإن تابوا وإلا قتلوا ، وكذلك القول بقتل السارق فهذا باطل لأن الاباضية متقيدون بما جاء في القرآن والسنة من الحدود ولا يزيدون عليها حرفا واحدا ، قال أبو حمزة الشاري – رحمه الله - وهو على منبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة : مشركا بالله عابد وثن ، أو كافرا من أهل الكتاب ، أو متسلطا في الأرض يحكم في عباد الله بغير ما أنزل الله "
? ويقول الإباضية على لسان العلامة نور الدين السالمي – رحمه الله تعالى
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما أظهروا ضلالا واعتقدوا في دينهم محالا
قمنا نبين الصواب لهم ونحسبن ذاك من حقهم
فما رأيته من التحرير في كتب التوحيد والتقرير
حل مسائل ورد شبه جاء بها من ضل للمنتبه
قمنا نردها ونبدي الحقا بجهدنا كي لا يضل الخلقا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهم ونكتفي منهم بأن يسلموا (1)
2- وأما القول :- ليس من جحد الله مشركا حتى يجعل معه شريكا فهذا باطل ،
? يقول العلامة السالمي في غاية المراد 0
والشرك لابد من أن تعرفنه لكي تكون في مقعد عن غيه اعتزلا
وهو المساواة بين الله جل وبين الخلق أو جحده سبحانه وعلا (2)
__________
(1) كشف الحقيقة ، لمن جهل الطريقة للشيخ نور الدين السالمي ص 7
(2) غاية المراد في الاعتقاد ، الشيخ نور الدين السالمي ، ص 51 (1/19)
صفحة 20
3- وأما القول بتحليل المسكر غير الخمر ، فهذا أيضا مخالف لقول الاباضية
? يقول العلامة ابن النظر في الدعائم :
والسكر مكروه حرام كله من كل مشروب ولو من ماء
4- وأما القول بأن الله يؤلم أطفال المشركين على طريق الإيجاب لا على طريق التجويز فهو مخالف لما يقوله الاباضية
? لأن الإباضية يقولون بان أطفال المشركين خدم لأهل الجنة0
ثالثا : قضية الأمة :- وأما قضية بيع الأمة المنسوبة إلى الإباضية والتي ضلت السنة الحاقدين الذين اتخذوا السب ديدنهم مثل مقبل الوادعي ترددها إلى اليوم فهي لا تعدو أن تكون مسرحية لشخصيات مجهولة سواء ذكر منها بالاسم أو بالوصف تمثل مشاجرة ، فما قيمة هذه المشاجرة بين أناس مجهولين في تحقيق علمي يراد به إثبات العقائد وتصنيف فرق الأمة 0
? إنها ليست إلا أسماء مجردة ، ما الدليل أنهم من الاباضية ؟!! لماذا لا يكونون من الفرق الأخرى ؟!!
? إن الإباضية لا يكفرون الفرق الأخرى ماداموا متأولين لكتاب الله أو سنة رسوله فكيف يكفرون بعضهم بعضا ؟!!
? كيف يكون تكفير في مسائل فقهيه اجتهادية ؟!!
? الظاهر أن الاباضية لم يحضروا هذا النزاع في بيع الإماء لأنهم لا يعرفون عنه شيئا تاريخيا ولا دينيا ، ولم يدخلوا تلك السوق الحامية ولا شهدوا ذلك العرس الذي نتج عنه سيل من الشتائم وتبادل اللعنات فنسبة هذه القصة إلى الإباضية من أعجب العجب ونسبة أبطالها إلى أئمتهم وعلمائهم من أكاذيب التاريخ التي لم تستتر حتى بقليل من الحياء ، وإن جازت حتى على كبار الأئمة أمثال ابن الحسن 0
? إن مخترع هذه القصة أراد أن يكثر من عدد الفرق المنسوبة إلى الإباضية والتي لا أساس لها أصلا حتى يظهرهم بمظهر المتشرذمين الذين يتنازعون لأتفه الأسباب فيتخالفون ويتفرقون انسياقا وراء العواطف ودوافع الغضب أكثر مما هو انسياقا وراء دوافع العقيدة والدين . (1/20)
صفحة 21
رابعا :- إن جميع الأسماء التي وردت فيما كتبه أبو الحسن عن الاباضية لا علاقة لها بالاباضية إلا اسمين هما عبدالله بن أباض و عبدالله بن يزيد الفزاري كان من الاباضية وخالفهم في بعض المسائل فانفصل عنهم وانظم في فرقة النكار ، وقد ذكر ابن النديم عدد من الكتب المنسوبة إليه منها :-
كتاب التوحيد ، كتاب الرد على المعتزلة ، وكتاب الرد على الرافضة ، وكتاب الإستطاعة ، ولا أعلم أن شيئا من هذه الكتب قد بقي ، وأما أصحاب هذه الفرقة فليس لهم وجود فيما أعلم 0
? وحتى هذا الفزاري لا يعد من الاباضية بدليلين :-
1- لأنه خالف الاباضية في العقيدة وانقسام الفرق بسبب العقائد ، وهذا الأشعري نفسه كان من المعتزلة لمدة أربعين سنة (1) ، فعند ما خالفهم ولم ينظم إلى عقائد فرق أخرى نسب إليه فرقة 0
خامسا :- إن أبا الحسن لم يذكر أحدا من أئمة الاباضية كجابر بن زيد وجعفر السماك العبدي وأبي سفيان قنبر وصحار العبدي وأمثالهم من أئمتهم في النصف الثاني من القرن الأول ولا ذكر شيئا من أقوالهم 0
? ولم يذكر أحدا من أئمتهم في النصف الأول من القرن الثاني أمثال أبي عبيدة ، مسلم أبي كريمة التميمي وضمام ابن السائب وأبي نوح وصالح الدهان و عبدالله بن يحيى الكندي ، والجلندى بن مسعود العماني والخطاب عبدالأعلى المعافري ، وهلال بن عطية الخراساني وأضرابهم ، ولم يذكر شيئا من أقوالهم ولم يذكر أحدا من علماء النصف الثاني من القرن الثاني أمثال الربيع بن حبيب وأبي سفيان ومحبوب بن الرحيل وعبدالرحمن بن رستم ولا ذكر شيئا من أقوالهم 0
? ولم يذكر أحدا من علمائهم في النصف الأول للقرن الثالث أمثال أفلح بن عبد الوهاب والمهنا بن جيفر وموسى بن علي وأضرابهم ولا ذكر شيئا من أقوالهم 0
__________
(1) الفرق الإسلامية مدخل ودراسة ، د. علي عبدالفتاح المغربي ، ص268 (1/21)
صفحة 22
? ولم يذكر أحدا من علمائهم في النصف الثاني من القرن الثالث أمثال محمد بن محبوب ومحمد بن عباد والصلت بن مالك وغيرهم ولا شيئا من أقوالهم . (1)
سادسا :- إن بعض من ذكرهم من أئمة الاباضية ذكر لهم فرقا غير الاباضية مثل العجاردة
سابعا :- إن تجاهل الأشعري أئمة الاباضية الحقيقيين ونسبتهم إلى أئمة مجهولين يؤدي إلى صرف الناس عن معرفة حقيقة المذهب الإباضي ويسهل الكذب عليهم لإثبات تهمة الضلال عليهم بخلاف لو أن ذكرهم بأئمة معروفين عند الناس لأن أئمة الاباضية معروفين باتباع الحق وعدم الزيغ عنه مثل جابر بن زيد وأبي عبيده وعبد الله بن يحيى 0
? إن الأشعري لو نسب الاباضية إلى أئمتهم الحقيقيين مثل جابر بن زيد وأبو عبيده وعبد الله بن يحيى وغيرهم لم يستطع أن يشوههم وينسبهم إلى الضلال لأنهم معروفين عند الناس فأي شيء ينسبه إليهم مخالف للواقع يكون معروفا ويكشف بسرعة ولكنه اختار أن يسلك بالاباضية طريقا مظلما لا تتضح فيه الرؤية 0
? فأئمة الاباضية ليس من ساقهم الأشعري كالقطيع وأدخلهم في الاباضية وإنما ينتمون إلى أئمة يشهد التاريخ بعدالتهم 0
يقول الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي :-
أدين دين المصطفى المكرم
من معرب بسموله أو معجم اقفو سبيل جابر ومسلم
وابن الرحيل العالم المحكم إني إلى المسنتصرين أنتمي
إني لأرباب العلا لأستمي إني من القوم القيام القوم
الرائمين فوق روم الروم الشاريين الخطباء الحكم
الباهرين بالمقال المفحم كابن بذيل وابن حصن المعلم
والراسبي الشاري المعمم وابن حدير السيد المقدم
وطالب الحق ابن يحيى الحضرمي وابن حميد ذي العلوم الضيغم
إنا لأهل العدل والتقدم إنا لأصحاب الصراط القيم
الدين ما دنّا بلا توهم الحق فينا الحق غير أطسم
يا جاهلا بأمرنا لا تغشم توسمن أو سل أولي التوسم
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية ، علي يحيى معمر ، ج1 ص 27 (1/22)
صفحة 23
البغدادي والفرق الإسلامية (1)
? لقد جاء البغدادي بعد قرن من الأشعري مقتفيا طريقه وملتمسا خطواته 0
? وقد بدأ كتابه(الفرق بين الفرق) في مقدمته بكلمات رنّانة أتبعها بأحكام صارمة حيث قسم الأمّة إلى ثلاثة أقسام :
? قسم حكم بخروجهم من الملّة رغم انتسابهم إلى الإسلام ، وقسم ما أوردهم إلا لذكر فضائحهم والتشنيع عليهم وتلمس أخطائهم وإظهار ما به ضلوا في نظره 0
? ثم حكم على القسمين بالضلال وقذف بهم جميعا في النار.
? أما القسم الثالث فقد حكم عليه بالسعادة مسبقا أيضا لأنه في نظره من أهل السنة 0
? وليته حين تلمس أخطاء تلك الفرق التي عزلها عن السنة ، وفتش عن فضائحهم رجع إلى مصادرهم ولم يأخذها من مصادر خصومهم – إن صح هذا التعبير .
? يقول المؤلف في الفصل الأول من نفس الكتاب صفحة " 13 " بعد أن ناقش معنى أمة الإسلام وعلام تدل ، ما يلي :-
من كانت بدعته من جنس بدعة المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة الإمامية أو الزيدية أو من بدع النجاريه أو الجهمية أو الضرارية اوالمجسمة فهو من الأمة في بعض الأحكام وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين وفي ألا يمنع حضه من الفيء إذا غزا مع المسلمين ، وفي ألا يمنع من الصلاة في المساجد 0
? وليس من الأمة في أحكام سواها ، وذلك أنه لا يجوز الصلاة عليه ولا خلفه ولا تحل ذبيحته ، ولا نكاحه لإمرأة سنيه ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم 0
? وهذا الكلام يدل على ما ذكرناه من أنه أخرج المسلمين من ملة الإسلام رغم انتمائهم إليها لأنه حكم عليهم بأحكام المشركين 0
__________
(1) اعتمدت في ما كتبته عن البغدادي على كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية الشيخ علي يحيى معمر ج1 ص 43-52 (1/23)
صفحة 24
? فقوله لا تجوز الصلاة عليهم ولا خلفهم دليل على اعتبارهم مشركين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول :- " الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر وصلوا على كل بار وفاجر " وقال " الصلاة على أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر واجبة فمن تركها فقد كفر " وفي نسخة أنكرها بدل تركها ، رواهما الربيع بن حبيب .
? وبقوله لا تحل ذبيحتهم جعلهم أشد كفرا من أهل الكتاب وساوى بينهم والوثنيين والشيوعين لأن أهل الكتاب تحل ذبائحهم 0
? ويؤكد ذلك قوله : ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم ، لأن المسلم يباح له أن يتزوج الكتابية
الإباضية عند البغدادي
? لقد سلك البغدادي في كتابته عن الاباضية مسلك الأشعري في التضليل وعدم الرجوع إلى مصادر الإباضية ، بل إنه اعتمد عليه كثيرا ، تارة ينقل نفس العبارة وتارة أخرى ببعض التصرف ومع هذا لم يذكر أنه نقل عنه 0
? يقول في كتابه الفرق بين الفرق " ص 103 " ما يلي :-
أجمعت الاباضية على القول بإمامة عبدالله بن أباض ، وافترقت فيما بينها فرقا يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة يعنون مخالفيهم من هذه الأمة ، براء من الشرك والإيمان ، وانهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار ، وأجازوا شهادتهم وحرموا دمائهم في السر واستحلوها في العلانية وصححوا مناكحتهم والتوراث منهم وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ورسوله لا يدينون دين الحق ، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح ، فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة 0
? ثم افترقت الاباضية فيما بينها إلى أربع فرق وهي الحفصية والحارثية واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد بها الله 0
مناقشة ما قاله :
? (1) أما قوله :- افترقت فيما بينها فرقا ، مجانب للصواب لعدة أسباب : (1/24)
صفحة 25
أولا :- إن الإباضية لم تفترق لأن الفرقة تخرج عن الفرقة الأصل إذا خالفت في العقائد وليس في المسائل الاجتهادية وعقائد الإباضية ثابتة مدونة في كتبهم من قبل البغدادي والأشعري وإلى يومنا هذا لم تختلف بل ليس عندهم سلف وخلف كما عند غيرهم 0
ثانيا :- إن الفرق التي ذكرها مجهولة لدى الإباضية تماما وليس لها ذكر ولا لعقائدها 0
ثالثا :- إن هذه الفرق كما ذكرنا سابقا نسب إليها عقائد شرك ، إن كان لها وجود أصلا وما في كتب الاباضية مخالف لها تماما سواء الكتب القديمة أو الحديثة0
? (2) أما قوله :- يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة يعنون مخالفيهم من الأمة براء من الشرك والأيمان ، فيه تضليل بسبب نسبة الكفر للمخالفين والحقيقة أن الإباضية يطلقون على العاصي كافر كفر نعمة وهو ما يسمى كفر دون كفر سواء كان العاصي مخالفا أو إباضيا ولا معنى لتخصيص المخالفين .
? والذي أخرج فرق المسلمين المخالفة لمذهبه من الإسلام هو لأنه حكم بعدم الصلاة عليهم وتحريم ذبائحهم كما ذكرناه سابقا 0
? (3) وأما قوله :- حرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلن قصد به التضليل أيضا لأن الإباضية لا يستحلون دماء المسلمين من أي فرقة بسبب خلافهم للإباضية لا في السر ولا في العلانية يقول العلاّمة السالمي :-
وأول الفرض من تأصيله جمل ثلاثة فزت إن تستحضر الجملا
وإن أتيت بها نطقا حفظت بها للنفس والمال والسبي بهاحظلا (1)
? ولكن الاباضية يقاتلون الباغي سواء كان من الاباضية أو من غيرهم ولا علاقة له بالمذهبية وهذا ما قصد به جواز قتلهم في العلن 0
? (4) وأما قوله :- وصححوا مناكحتهم والتوارث منهم ، وزعموا في ذلك أنهم محاربون لله ورسوله ، فنسبة القول بصحة التوارث والمناكحة صحيح ولكن هل أباحوا ذلك لأنهم محاربون الله ورسوله ؟! ما هذا إلا تضليل 0
__________
(1) غاية المراد في الاعتقاد الشيخ نور الدين السالمي ص 49 (1/25)
صفحة 26
? (5) وأما قوله :- استحلوا الخيل والسلاح ، فهذا غير صحيح
يقول الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي :
ولا هاربا ولىّ من الزحف مدبرا ولا تغنموا من مسلمين غنائما
فإن حزتم من آلة الحرب منهم سيوفا وأفراسا ونبلا كرائما
فلا بأس أن تستكتموها لحربهم إلى أن يزول الحرب عنهم تنادما
ولا غرم في أوزارهم إن تحطمت لدى الحرب بل بعض يرى الغرم لازما (1)
(6) وأما قوله :- وزعمت الاباضية كلها أن دار مخالفيهم من أهل مكة دار توحيد ، إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي عندهم 0
? هذا القول أيضا فيه تضليل ومجانبة للحق في نقطتين :-
(أ) تخصيص المخالفين من أهل مكة ، فإن الإباضية يعتبرون أي بلاد ينطق أهلها بالشهادتين فهي دار توحيد ، من أي فرقة من الفرق الإسلامية كانت وأي بلاد 0
(ب) قوله دار السلطان دار بغي ، لأن الإباضية يعتبرون دار السلطان العادل دار توحيد وعدل من أي فرقة إسلامية كان 0وإذا كان غير عادل فهي دار ظلم من أي فرقة كان 0
? وقد نقل البغدادي الأكاذيب الذي قال بها الأشعري ، منها :-
(أ) عدم وجوب المشي للصلاة .
(ب) استتابة مخالفيهم وإلا قتلوا .
(ج) وقتل الزاني والسارق إذا لم يتوبا .
? وهذه كلها قد سبق تبيين عدم صحتها عن الاباضية
? وقد جاء بعموميات من القول لا أساس لها تركتها خوف الإطالة .
? والمهم أن البغدادي قد اعتبر الإباضية من الخوارج فرقة ضالة يجب أن يقال عنها فضائح وشنائع ليقذف بها بعيدا فهذا هدفه الذي ذكرهم من أجله
? ويدل على ذلك :-
(1) ابتعاده عن ذكر أئمة الاباضية الحقيقيين مثل جابر بن زيد وأبو عبيده وغيرهم ، ونسبتهم إلى أئمة مجهولين تبعا للأشعري 0
(
__________
(1) ديوان السيف النقاد ، إبراهيم بن قيس الحضرمي ، ص117 (1/26)
صفحة 27
2) تجاهله لعقائد الاباضية ، وذكر الأكاذيب والأقوال المبهمة بدلها ليسلك بالاباضية نفس الطريق المظلم الذي سلكه الأشعري ، وإلا فالبغدادي كان يعيش في القرنين الرابع والخامس توالى قبل عهده عدة أئمة في عمان واليمن والمغرب
(3) بالإضافة إلى دعوته للفرقة وإيقاد الفتنة وشق الصفوف حيث دعى إلى عدم زواج المسلمين من بعضهم البعض وعدم الصلاة خلف بعضهم وعدم أكل ذبائحهم 0
أيها القادح فينا أقصر أتدر ماذا قلت أم لم تشعر
قدحت في مذهب أهل الحق ويحك أغضبت إله الخلق
فما الإباضيون إلا علما لخلفاء الحق منا فاعلما (1)
ابن حزم والاباضية
? عاش في القرن الخامس الهجري وقد عني بالمذاهب الإسلامية ، وقد سلك ابن حزم هو الآخر مسلك المشنعين والكاذبين على الإباضية بل في الحقيقة لم يذكر شيئا حقيقيا عن الاباضية حالته حالة أسلافه ، فلم يذكر أئمة الاباضية والذين تعاقبوا في المشرق والمغرب كما بينا سابقا ولم يذكر عقائد الاباضية ولا شيئا من سيرتهم مع مخالفيهم ، بل إنه أضاف افتراءات جديدة
? فقد بدأ كلامه في كتابه " الفصل في الملل والنحل " ص 188 (2) بذكر الفرق المجهولة عند الاباضية فرقة يزيد بن أنيسة أو فريد كما قال هو وما قالته تلك الفرق من الشرك ثم عقب عليه أن الاباضية يكفرون من قال بهذه الأقوال ؟ فما الغرض من ذكرها إلاّ إظهار التفرق في الاباضية والبعد عن ذكر الحقائق ، ولماذا ألحقها أصلا بفرق المسلمين ؟0
? ثم قال " وقالت طائفة من أصحاب حارث الإباضي إن من زنى أو سرق أو قذف فإنه يقام عليه الحد ، ثم يستتاب مما فعل فإن تاب ترك وإن أبى التوبة قتل على الردة "
__________
(1) منظومة كشف الحقيقة ، الشيخ نور الدين السالمي ص1
(2) * كل ما نقلته عن ابن حزم هو من كتاب " الإباضية بين الفرق الإسلامية للشيخ علي يحيى معمر ج1ص52- 60 (1/27)
صفحة 28
? نرى ابن حزم يأتي بالفرقة الثانية التي ذكرها الاشعري فرقة حارث الإباضي وقد قدمنا الرد على إلصاق هذه الفرقة بالاباضية عند الرد على الأشعري .
? وقوله قتل على الردة ، فالإباضية لا يعتبرون صاحب الكبيرة مشركا وذكرت ذلك في الفرق بين الاباضية والخوارج .
? وقال في ص 189 :
" وشاهدنا الاباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش ويوجبون القضاء على من نام نهارا فاحتلم و يتيمّمون وهم على رؤوس الآبار التي يشربون منها إلا قليلا منهم "
? نرى ابن حزم يريد استكمال التشنيع الذي بدأه باستبدال أئمة الاباضية بأئمة غيرهم وعقائد غير عقائدهم بأن يضيف تشنيعات في المسائل الاجتهادية التي تختلف فيه الفرقة الواحدة إلى عدة أقوال ليظهر اختلاف الاباضية 0
? فلنلقي نظرة عما قاله عن الاباضية :-
? (1) تحريم طعام أهل الكتاب
? إطلاق قول تحريم طعام أهل الكتاب غير صحيح لأن الاباضية يقولون بتحليل طعام أهل الكتاب وهناك قول بأن طعام أهل الذمة منهم فقط ، لأنهم يروا أن الآية في أهل الذمة ولكن قطب الأئمة يرجح القول الأول حيث يقول (في المذهب قول آخر أن تحل ذبائحهم ونكاح حرائرهم ولو لم يعطوا الجزية ولو حاربوا لإطلاق القرآن عن اشتراط الجزية ونزل القرآن فيهم وهم محاربون ولم يشترطها وهو قول قومنا وبعض أصحابنا وهو الصحيح) (1)
? أما تحريم طعام أهل الكتاب على الإطلاق غير صحيح .
? (2) تحريم قضيب التيس والثور والكبش
? يقول الشيخ علي يحيى معمر لست أدري لماذا هذا الاهتمام الكبير من العالم الكبير بهذه التي لا يعمد إلى أكلها أحد ولا يستسيغها أحد سواء كانت حلالا أو حراما ، وقد صدق ابن حزم في هذه القضية فإن الاباضية يبعدونها لسببين :-
(
__________
(1)
(1) نقلا من كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية مرجع سابق ج1 ص 102_103 (1/28)
صفحة 29
أ) لأنها أشياء قذرة تقزز منها النفوس وينفر منها الطبع وليس فيها ما يغري على الأكل أو يفيد الجسم 0
(ب)إنها حاملة بولا ولا تخلوا منه والبول عند كثير من المذاهب ومنها الاباضية نجس
? (3) القضاء على المحتلم ، يقول :- " ويوجبون القضاء على من نام نهارا في رمضان فاحتلم "
? وليس الأمر هكذا بهذا الإجمال وإنما يوجبون القضاء على من أصبح جنبا مع شيء من التفريط عملا بالحديث الشريف الذي رواه الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم ومالك في الموطأ فهم يرون إن الصائم الذي ينام في النهار فتصيبه الجنابة يجب عليه عند الاستيقاظ المبادرة إلى الاغتسال ولا شيء عليه إذا لم يهمل أو يتهاون ، أما إذا أهمل أو تهاون فيجب عليه القضاء لأنه ضيع0
? (4) التيمم عند وجود الماء 0
? هذه دعوى باطلة فالإباضية يعيشون مع الفرق الأخرى فمن شاهد الاباضية يعملون ذلك ليؤيد قول ابن حزم ؟ أو من وجد جواز ذلك في كتبهم ؟!! ، بل يرون أن من تيمم ورأى الماء فسد تيممه وبطلت صلاته إن كان في الصلاة يقول العلامة نور الدين السالمي في جوهر النظام :-
ومن رأى الماء وقد تيمما فإن ذاك يفسد التيمما
ولو رأى ذلك في الصلاة فإنها تبوء بالبتات
? ويقول ابن حزم ص 191 ، والى قول الثعالبة رجع عبدالله بن أباض فبرئ منه أصحابه فهم لا يعرفونه اليوم ، ولقد سألت من هو في مقدمهم في علمهم ومذهبهم عنده فما عرف أحد منهم 0
? يقول الشيخ علي يحيى معمر وهذا القول من أغرب الأقوال وإن كان قد تردد على كثير من الألسنة والأقلام ، من هم الثعالبة ؟وما هو قولهم الذي رجع إليه عبدالله ابن أباض ؟ ولماذا رجع ؟ وهل رجع في قول واحد أو في عدد من الأقوال ؟ أسئلة ليس لها جواب عند ابن حزم0
? وكيف لا يعرفه من هو في مقدمهم عنده وهو مذكور في معظم كتب السيرة سواء الإباضية أو غيرها ؟ وكيف يبرؤون منه وهم لا يعرفونه ؟ (1/29)
صفحة 30
? لم يزعم أحد من الإباضية أن عبدالله بن أباض رجع إلى قول الثعالبة ولا يوجد أحد منهم يبرأ من عبدالله بن أباض ، يقول السالمي عن ابن أباض :-
فأظهر الحق على رغم العدى والكل من أعدائه قد شهدا
قد كان في أيام عبدالملك مع شدة الأمر وضيق المسلك
ناقشه وبيّن الصوابا ولم يكن لبأسه قد هابا
وكان لا يدعوه إلا باسمه تعززا بحقه وعلمه
فصار معروفا مع الجميع لما حوى من شرف رفيع (1)
? ويقول ابن حزم في ص 191 ما يلي :-
" ومن حماقاتهم قول بكر بن أخت عبد الواحد بن يزيد ، فإنه كان يقول :-
كل ذنب صغير أو كبير ولو كان أخذ حبة من خردل بغير حق أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح فهي شرك بالله " 0
? يقول الشيخ على بن يحيى بن معمر :- " هذه ليست من حماقات الاباضية وإنما حماقات العالم الكبير ابن حزم ، من هو هذا البكر الذي لا يعرف أبوه ولا أمه ولا حتى عصبة أبيه وإنما ينسب إلى أخواله ؟ ثم يكون هذا البكر المجهول النسب إماما له أقوال يعتد بها ويذكر في الكتب ، ثم ساقه هذا العالم إلى صفوف الإباضية ونسبه إليهم وألقي عليهم تبعة حماقته،
? في الواقع لا شيء أسخف من هذا التشنيع حيث يؤتى برجل مجهول يلقى به في قوم ويجعل إماما ويلقى بتبعاته على تلك الفرقة .
? هذه ليست إلا حماقات نسج خيوطها التعصب والانغلاق والدعاية الفاجرة والخيال السقيم وعدم الأمانة في النقل والشهادة ثم توجيه السياسة الماكرة بأساليبها المختلفة . (2)
? ويقول ابن حزم عن الاباضية :- لا يجيزون أكل السمك إلا بعد ذبحه
? هذه فرية ظاهرة يشهد ببطلانها الواقع على مر القرون ، فهل أحد يدعي أنه رأى إباضيا يذبح سمكا ؟!!
? ويقول يجيزون الحج في أي شهر من شهور السنة .
? وهذا أيضا إدعاء باطل يكذبه الواقع ،من رأى إباضيا حج في غير الأوقات المحددة بالسنّة النبوية ؟!!
__________
(1) منظومة كشف الحقيقة ، نورالدين السالمي ، ص 1
(2) الإباضية بين الفرق الإسلامية ، مرجع سابق ، ص59-60 (1/30)
صفحة 31
يقول العلامة الشيخ أحمد الخليلي :- وكيف يقولون ذلك وهم أحرص الناس على أداء مناسك الحج في أوقاتها من غير تقديم أو تأخير
الصبر في الملك الديان مفروض فاصبر فإن سبيل الحق ميغوض
أبو المظفر الأسفراييني والإباضية
? من علماء القرن الخامس الهجري ، كتب عن الفرق الإسلامية في كتابه " التبصير " والقارئ لهذا الكتاب يلاحظ أنه صورة من كتاب البغدادي في عنفه وتهجمه على الفرق الإسلامية .
ويلاحظ انسياقه خلف الكتاب السابقين بنقل أكاذيب من غير تمحيص ، وقد لاحظ محقق الكتاب محمد الكوثر ملاحظتين هي العنف وعدم عزو الأقوال .
? فذكر عن الإباضية أنهم يستبيحون دماء مخالفيهم في العلانية ،وأنهم يستحلون بعض غنائم مخالفيهم ويحرمون بعضها فيستحلون السلاح والخيل وقد ذكر الفرق السابقة التي نسبها الأشعري إلى الإباضية وكذلك البغدادي وعقائدهم الفاسدة 0
? وقد عرض لمسرحية بيع الجارية التي استخرج منها أئمة فرق وتكفير ولكنه اختصرها 0
? وهذه كلها أكاذيب قيلت عن الاباضية وبينت سابقا كذبها ومخالفتها لما في كتب الاباضية القديمة والحديثة مما يدل أن المؤلف لم يثبت شيئا مما قاله وربما حقده وبغضه لهذه المذهب دفعه لذلك ، ولكن الله يقول :- "ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنكم شنآن قوم على إلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون " المائدة 8
? وربما أنه جرى خلف السياسة حيث أننا نراه يتهجم تهجما شديدا على الفرق المعادية للظالمين ويفتخر بالملوك الظالمين مما يدل على أن الهوى يسوقه وليس الحق
ومن هنا تعرف أن الأهوا تقودهم للحق حين يروى
? يقول في كتابه "التبصير" ص 176 (1) وهو يعد مآثر أهل السنة 0
__________
(1) كل ما نقلته عنه نقلا من كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية .مرجع سابق ص61_66 (1/31)
صفحة 32
وأما أنواع الاجتهادات الفعلية التي مدارها على أهل السنة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة مثل المساجد والرباطات المثبتة في بلاد أهل السنة ، إما في أيام بني أمية وإما في أيام بني العباس مثل مسجد دمشق المبني في أيام الوليد بن عبدالملك وكان سنيا قتل في أيامه ما شاء الله من الخوارج والروافض
? نستنتج من هذه الجمل ما يلي :-
(1) تمجيده للظلمة مما يؤكد اتباعه هواه .
(2) قوله :- " وكان سنيا قتل في أيامه ما شاء الله من الخوارج والروافض "
يدل دلالة واضحة بأن تسميه المذاهب الأربعة " أهل السنة " ليس نسبة إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الوليد توفي سنة 96 والمذاهب التي يطلق عليها لفظ أهل السنة لم توجد بعد فأبو حنيفة كان غلاما ومالك كان ابن سنة واحدة ، أما الشافعي وأحمد فلم يولدا بعد .
وليس قتل المسلمين اتباعا للسنة ،
أبو الفتح الشهر ستاني والإباضية
? كان من علماء النصف الأول من القرن السادس الهجري ويعتبر الكثيرون كتابه " الملل والنحل " من أهم المراجع ويعتمدون عليه كمصدر ثابت لا يناقش ، فلنرى هل استطاع تجنب الأخطاء الذي وقع فيها غيره ؟
? يقول في ص 6 : وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب لهم ولا كسر عليهم ، دون أن أبين صحيحه من فاسده وأعين حقه من باطلة 0
? وللأسف أنه لم يوف بشروطه ، يقول الشيخ علي يحيى معمر " ومن مقدمة الكتاب جرد سيفه وجعل ينظم صفوف الفرق ويصفها طوابير طويلة تمتد جذورها في أعماق التاريخ من عصره إلى عهد إبليس ، متخذة في كل عصر مظهرا مناسبا من موقف إبليس إلى موقف المشركين والمنافقين إلى موقف الفرق الضالة ، ويحاول ربط العلائق الوثيقة بين هذه الفرق الضالة وأسلافها في نظره من المنافقين أو الشياطين 0
? كما أنه لم يوف بشروطه في نقل عقائد المذاهب من كتبهم على الأقل بالنسبة للاباضية 0
? حيث قال في الجزء الأول ص 212 : (1/32)
صفحة 33
" إن عبدالله بن أباض خرج في عهد مروان بن محمد وقتل بثبالة ".
? وهذا خطأ لأن عبدالله بن أباض كان في زمن عبدالملك بن مروان ومكاتباته له موجودة ، وقد توفي في أواخر أيام عبدالملك 0
? وقد نسب إلى الإباضية ما قال به سابقوه من استحلال غنيمة السلاح ، وإن دار السلطان دار بغي وهذا لم يصح عن الإباضية كما بينت ذلك
? فعدم ذكر عقائد الاباضية الصحيحة وذكر ما تناقلته كتب المقالات دليل على أنه لم يرجع إلى كتب الإباضية . (1)
? ولكن الذي يستحق عليه الثناء أنه لم يذكر مسرحية الأمة وحسب الفرق المزعومة من الاباضية كالحفصية واليزيدية والحارثية فرقا مستقلة ، وهذا يعتبر في حد ذاته ردا على كتّاب المقالات 0
الأستاذ الغوابي والإباضية
? هو مؤلف كتاب " تاريخ الفرق الإسلامية " بذل في كتابته جهدا مشكورا ليظهر بمظهر الاعتدال وعدم التعصب وحاول جمع الفرق على صعيد المحبة ولكن بسبب اعتماده على كتب المقالات وثقته بهم لم يسلم من الانزلاقات ، فمعظم ما كتبه مجانب للواقع ، بل اعتمد في بعض الأحيان على المستشرقين وكان الأولى أن يتبع الحقيقة من أصولها فيكتب عن كل فرقة من كتبها .
حاول أن لا ينساق مع التيار وأن يعمل بوعي ولكن مصادره حيرته 0
? فعند عرضه لحركة الخوارج في التاريخ حسب مصادره السابقة ، ذكر أن أهل النهروان قتلوا جميعا ولم ينج منهم إلا تسعة أشخاص من أربعة آلاف وإن الأربعة آلاف لم يستطيعوا أن يقتلوا من عدوهم إلا تسعة أشخاص كأنهم مقيدون وأولئك التسعة تفرقوا في البلاد ولا شك على هذا الحال لا تقوم لهم قائمة 0
__________
(1) أنظر الإباضية بين الفرق الإسلامية مرجع سابق ج1 ص 66_72 (1/33)
صفحة 34
? ولكنه فوجئ وهو يستعرض أحداث التاريخ بأن العصر الأموي ابتدأ من معاوية كان مشحونا بحركة دائبة للخوارج فلم يظهر له كيف يربط الصلة ، فحاول أن يقدم حلا بأن يجعل المحكمة سلفا للخوارج ، ولكنه وجد أن المحكمة حسب مصادره انتهت في 37 هجري وحركة الخوارج بقيادة الأزارقة والنجدات بدأت في أربعة وستين للهجرة كما يرى الغوابي ، إذن هناك انفصام تأريخي عملي بين المحكمة والخوارج 0
? وعندما استعرض مبادئ الخوارج وأفكارهم وجد مصادره ترميهم بالشذوذ والتشدد وضئالة الفهم ، فلما استعرض فرقة الاباضية التي يعتبرها من الخوارج حسب مصادره لم يجد فيها تلك الصورة الشرسة البغيضة التي ترسم عن الخوارج فوقف وقفته الثانية من التأمل والتفكير ومصادره لا تقدم له الحل فوضع فرضية أن الخوارج هم سلف الاباضية ، والاباضية هم الخلف ، ثم جعل هذه الفرضية حقيقة بني عليها بحثه فيما بقي .
? وهذا مجانب للحقيقة من وجوه :-
(1) ليس للإباضية سلف وخلف فالإباضية مواقفهم ثابتة في الكتب التي ألفت منذ القرون الأولى والى يومنا هذا ، وسير الأئمة الذين بويعوا بالإمامة في عمان والمغرب والذين ذكرتهم سابقا موجودة وشاهدة بذلك 0
(2) تكاد تجمع كتب التاريخ أن نافع بن الأزرق هو الذي حكم بالشرك على مخالفيهم ، وأسقط عنهم حقوق المسلمين وكذلك تكاد تجمع على أن عبدالله بن أباض من أوائل من رد على نافع هذا رأيه 0
(3) إن سلف الاباضية هو جابر بن زيد وعبد الله بن إباض وجعفر بن السماك العبدي وصحار بن العباس العبدي وليس فوقهم إلا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم 0 (1)
? ومن الانزلاقات التي أوقعته فيها مصادره هو متابعة تلك الأقوال المنسوبة إلى الإباضية ، فذكر نفس الفرق التي ذكرها من قبله وغيره وذكر الأقوال مثل جواز غنيمة السلاح 0
__________
(1) نقلا من كتاب الاباضية بين الفرق الاسلامية مرجع سابق ج1 ص77 _ 96 بتصرف (1/34)
صفحة 35
? وعلى كل حال فهو يشكر على محاولته اتباع الحقيقة وإن أبعدته عن ذلك مصادره 0
مع الأستاذ عبدالقادر شيبة الحمد
هو مؤلف كتاب " الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة " والكتاب مقرر على طلاب الشهادة العالية بكلتي الشريعة وأصول الدين والأستاذ مدرس بجامعة المدينة المنورة ، ويلقي دروسا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم 0
كانت الظروف مهيأة له لو أراد أن يدعوا إلى وحدة الكلمة ولم الشمل وكان من اليسير عليه أن يتصل بعلماء الفرق وهم يتوافدون على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما يريد هو كتابته ولكن كراهيته للفرق المخالفة لمذهبه جعلته لا يعطيها اهتماما ، فرق الإباضية إلى سبع فرق وقال إن عبدالله بن أباض خرج زمن مروان بن محمد وأنه رجع إلى الثعالبة (1)
وهذه كلها غير صحيحة بينت عدم صحتها سابقا 0
? لخص مبادئ الإباضية في خمس نقاط بعضها غير صحيح ، وكأنّ الإباضية ليس لديهم من الدين إلا النزر اليسير .
? ولو ألقى نظرة بسيطة إلى تآليف الإباضية لوجد منها ما يصل إلى تسعين مجلد مثل قاموس الشريعة ومنها سبعون مجلد ومنها خمسون مجلد ومنها مخصصة في أصول الدين وبعضها في أصول الفقه 0
? ولكن ذكر هذه النقاط القليلة يشوه سمعة الإباضية .
مع عبد العزيز بن محمد عبد اللطيف
كاتب معاصر ألف كتيّبه الصغير المسمى " الإباضية " متضمنا 16 صفحة من الحجم الصغير ونشره في سنة 1412 هجري ، محشي بالتضليل ومخالفة الواقع سالكا طريق المغرورين بمذهبهم والذين لا يرون الحق إلا فيما قالوه وكأنه قرآن منزل وما عداه زيغ وضلال متهجمين على الفرق الإسلامية 0
? (1) يقول في ص5 " لا شك أن الإباضية شرذمة قليلون "
? ولسان حاله يقول " وإنهم لنا لغائضون " فنراه استخدم لهجة فرعون وهذا يكفي للرد عليه لأن القليلين هم قوم موسى والكثيرين هم قوم فرعون 0
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية ، مرجع سابق ، ص120 (1/35)
صفحة 36
? (2) وفي نفس الصفحة يقول :- " وأمر آخر جعلني أهتم بهم وهو دعوى علماء الإباضية أنهم ليسوا من الخوارج واتهامهم لكتّاب الفرق بالتحامل عليهم 0
? أما كون الإباضية ليسوا من الخوارج فسأوضح ذلك في باب " إلصاق الإباضية بالخوارج " وأما إن كان يريد تصديق كتّاب المقالات وتكذيب الإباضية فليأت بدليل على صدق ما قاله كتّاب المقالات ، وكتب الإباضية موجودة ، فليأت بالفرق التي ذكروها أو العقائد المنسوبة إلى الإباضية 0
? (3) وذكر في ص6 أنهم لا يريدون مناظرة مع الإباضية وقال: إن المناظرة توقع الناس في شكوك وشبهات 0
? صحيح ذلك ولكن هذه الشكوك ستقع ليس في الحق وإنما على المذهب الذي لا يسير على بينة واضحة ، فالحق ليس محتاجا إلى مناصرة بالإخفاء لأن الله تكفل بإحقاقه ، ولا يكون ذلك بإخافئه0
? وإذا كانت المناظرة لا تصلح لإظهار الحق فهل يظهر الحق بالافتراءات والتضليل المتتابع على المذاهب الأخرى من غير بينة بل بدعوى مجردة باتباع الحق من غير إيضاح والاعتماد على ما قيل على أن هذه الفرق ضالة وتلك على حق ، أو الاعتماد قول من قال أن الكثرة لا يمكن أن تكون على باطل غير متدبرا آيات القرآن التي تذم الكثرة وتمدح القلة والتي تعد بالعشرات 0
? (4) يقول في ص7 " أخبرني بعض الثقاة أن أحدا من طلبة العلم المغمورين من أبناء السنة قد ناقش المفتي الخليلي في بعض مسائل الاعتقاد وأدحض شبهه وأظهر الحق أمامه حتى بهت " 0
? ربما هذا الطالب صار أعلم من الذي امتنعوا عن المناظرة وأنا لا أوبخ العلماء بل أحترمهم لعلمهم ولكن أوبخ من ينشر الكذب والافتراءات على العلماء بل على فرق إسلامية بأكملها ، وأقول له إننا لا نعمل في الخفاء فالله أمر بإظهار الدين وليس بإخفائه والدعوة مفتوحة لتظهر ما تقول 0 لو كان حقا صريحا ما تروجه ما كنت بالحق هيابا ومستترا
? (5) ويقول في ص7 أيضا فهم أصحاب عبدالله بن أباض الذي خرج أيام مروان بن محمد 0 (1/36)
صفحة 37
? وقوله هذا يكذبه بنفسه ص13 حيث يقول " إن عبدالله بن إباض يعتبر نفسه امتدادا للمحكمة الأولى كما في الرسالة التي بعثها إلى عبدالملك بن مروان " ، فإذا كان خروجه زمن مروان بن محمد فكيف يبعث رسالة لمن كان قبله ؟!! .
? (6) ونراه في ص8 يعيش في ضلال قديم ، حيث ذكر الفرق المزعومة للاباضية الحفصية واليزيدية والحارثية وقد بينت كذب هذه الادعاءات وبين كذب نسبة هذه الفرق إلى الإباضية قبلي الشيخ علي يحيى معمّر في كتابه " الإباضية بين الفرق الإسلامية " ولكن أمثال هؤلاء لا يتحرّون الصدق وإنما يتحرون الكذب .
? (7) وقد قال في ص 10 " ويعطلون السنة النبوية ، بحديث جاء في مسند الإمام الربيع " إنكم ستختلفون من بعدي ، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني " .
? إذا كان رد السنة النبوية على القرآن تعطيل فماذا يقول في قول عمر بن الخطاب في حديث فاطمة بنت قيس " لا أدع قول ربي لقول امرأة لا أدري أحفظت أم نسيت ، وعائشة أم المؤمنين في حديث عذاب الميت ببكاء أهله احتجت في رد الحديث بقوله تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى " هل عطلا السنة ؟!!قال ابن القيم في "المنار المنبف" وللحديث الموضوع علامات منها مخالفة الحديث لصريح القرآن. (1) ويقول نور الدين السالمي في شرحه لهذا الحديث ( قوله " فماوافقه فعني" وهذا فيما وقع فيه الاختلاف بين الأمة بدليل قوله " إنكم ستختلفون من بعدي " أما المتفق عليه أنه عنه صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى عرض ، بل يجب العمل به وإن خالف ظاهر الكتاب ، لأنه إما ناسخ أو مخصص00 إلى آخره ) (2)
__________
(1) نقلا من الربيع بن حبيب مكانته ومسنده ، الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ، ص 114
(2) شرح الجامع الصحيح نقلا من "الربيع بن حبيب " مرجع سابق ص116 (1/37)
صفحة 38
? (8) وفي ص 11 يقول " ويجهلون الأحاديث الصحيحة ويمتطون التأويل المتعسف فيحرفون الكلم عن مواضعه " ويحتج في ذلك بتفسير الشيخ سالم بن حمود السمائلي " يقول السمائلي " وحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق) ثم تاب فالزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة للتائب من الذنب فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له .
? وفي الحقيقة أن هذا التأويل الذي انتقده يتفق مع قول الله تعالى : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " طه 82 وأين هذا المضلل من الأحاديث التي تتوعد من يأكل أموال الناس بالنار ولو كان قليلا ، فكيف أحد يسرق من أموال الناس ما يشاء ويدخل الجنة من غير توبة ؟!!
? (9) ويقول في صفحة 12 في رده على السمائلي " وقوله عن حديث من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " إذا مات غير مقترف لإثم دخل الجنة " وصف هذا التأويل بأنه فاسد ومظلم .
? ولعل هذا المضلل يريد أن التأويل المشرق هو أن الشرك هو السبب الوحيد الذي يدخل النار متعاميا عن الآيات والأحاديث الكثيرة في الكبائر الأخرى التي تدخل النار .
(10) وفي ص 16 ينصح الإباضية أن يتجردوا بالدليل وأن يتخلوا عن ربقة التعصب والتقليد للآباء .
? إن التقليد الذي وصف به الإباضية ليس هو إلا تقليد لمن قالوا ذلك قبله ونقل أشياء لا حقيقة لها قيلت من ألف عام ، وإلا فليأتنا بمسألة واحدة عن الإباضية لا تستند إلى الكتاب والسنة .
? لا يزال الحق فينا مذهبا رضي الخصم علينا أم أبى
مع أحد الكتاب المعاصرين (1/38)
صفحة 39
? قال سماحة الشيخ أحمد الخليلي ( أن أحد الكاتبين كتب تعليقا على كتاب عماني في الأنساب ، جاء فيه ذكر بني سليمة ، وإن منهم الإمام الشاري أبا حمزة المختار بن عوف الذي عرفه الإمام مالك ، كتب هذا الكاتب تعليقا على هذا الكلام قال : " نعم لقد عرف الإمام مالك أبا حمزة باغيا ضالا عن سبيل المؤمنين ، حين هاجم الحرمين الشريفين خارجا على الدولة الإسلامية" ورد سماحته على هذا الكاتب يقوله:
? أي إنصاف في كلام هذا الكاتب الذي كتب عن أبي حمزة !! ، ووصفه بالخروج على الدولة الإسلامية والضلال والإضلال !! ، مع أن أبا حمزة لم يخرج إلا على البغي والضلال ، ولم يقاوم إلا الباطل وهذا القائل يعني بالدولة الإسلامية بني أمية التي انتهكت حرمة الكعبة المشرفة فقصفتها بالمنجنيق ، والله تعالى حرم القتال حول المسجد الحرام ، والدولة الأموية هي التي قتلت سبط رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ الحسين بن علي ، وهي التي استباحت حرم رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ ثلاث أيام بالمدينة المنورة ، وكانت وقعة الحرة التاريخية التي قتل فيها أكثر من عشرة آلاف من أصحاب النبي _ صلى الله عليه وسلم _ ولم يبق بعدها بدري واحد ، وقد قيل أنه حمل في هذه الوقعة 300 من الأبكار من أهل المدينة بسبب معرة الجيش الأموي ، فهل من الممكن أن توصف أنها متمسكة بالإسلام ؟! ، وإن من خرج عليها ضال مضل ، وإنه أحق أن يوصف بالبغي ؟! ، ومتى هاجم أبو حمزة الحرمين الشريفين ؟! ، إن أبا حمزة لم يقاتل في الحرمين الشريفين ، ولكنه قاتل في قديد لما اعترضه أهل المدينة وحاول أن يقنعهم أن يرجعوا عنه ، ولكنهم أبوا الرجوع ، ثم قال لأصحابه :- " كفوا عنهم ولا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم " ، ولما رموا أصحابه بسهامهم وأصاب بعضها بعضا من رجاله قال لأصحابه :- " دونكم الآن فقد حل قتالهم " 0 (1/39)
صفحة 40
وقد كان تاريخه كله مثالا للاستقامة والنزاهة والبعد عن المؤثرات النفسية ، وكان أكثر ما يكون بعدا عن الانتقام للنفس أو لأصحابه كما شهد التاريخ بذلك ، كما جاء في كتاب البلاذري في " فتوحات البلدان " ، وكتاب " الأغاني " ، لأبي الفرج الأصفهاني وكتاب " مختارات الأغاني " ، لابن منظور ، وهذه الكتب كلها ليست عن الإباضية ، فكيف يوصف الإباضية بعد ذلك بالضلال ؟!! .
عندما خرج قائد بني أمية ابن عطية ليقاتل الإباضية الذين كانوا تحت لواء أبي حمزة الشاري بالمدينة المنورة ، منع أبو حمزة أصحابه من قتالهم حتى يقيم الحجة على ابن عطية ، قال له ماذا تصنعون بكتاب الله ؟ فأجابه أبن عطية نضعه في الجوالق ، قال له :- وماذا تصنعون باليتيم ؟ فأجابه نأكل ماله ونفجر بأمه !! فهل الإسلام يقتضي أن يوضع كتاب الله في الجوالق ؟! ، وأن يؤكل مال اليتيم ويفجر بأمه ؟! وهل الإسلام يقتضي أن من التزم طريق الحق وعمل بكتاب الله وسنة رسوله – عليه أفضل الصلاة والسلام – يعتبر من المارقين الخارجين عن هذا الدين الحنيف حتى يوصف أبو حمزة بأنه ضال مضل خارج عن الدولة الإسلامية . (1)
الفصل الثالث
مفاهيم يجب أن تختفي
الباب الأول
مسألة أن الحق عند الكثرة
? يستدل البعض على أنهم على حق وأن غيرهم على باطل بكثرتهم وقلة غيرهم ويقولون لا يمكن أن يكون هذا السواد الأعظم على باطل وفرقة صغيرة على حق .
__________
(1) أسباب التعصب ضد الإباضية شريط لسماحة الشيخ أحمد الخليلي (1/40)
صفحة 41
? نقل الشيخ العلامة الميداني عن ابن تيمية قوله " 00 ولهذا توصف الفرقة الناجية بأنهم أهل السنة والجماعة وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم ، أما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية فضلا أن تكون بقدرها بل قد تكون الفرقة منها غاية في القلة وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع 000 " انتهى . (1)
? ويقول عبد العزيز بن محمد عن الإباضية : " وهي فرقة ذات أقلية مبعثرة في بعض بلاد المسلمين ، ويقول : " لا شك أن الإباضية شرذمة قليلون (2) هذا في كتابه وأما ضميره فيقول بما يتبع هذه الآية بدليل تهجمه على المذهب بالباطل كما أوردت ذلك .
? وبسبب هذا الاغترار بالكثرة جعلهم يعتقدون أن أقوالهم على حق بل من البديهيات التي لا تناقش بدليل أنهم يرفضون الحوار مع المذاهب الأخرى ومن بينهم الإباضية ويدعون أن غيرهم على ضلال .
? فهل ما يقولونه له أساس من الصحة أم أوقعتهم فيه أسباب الخطأ من غرور وسوابق الأفكار والتعصب للمذهب وغيرها ؟ فلنناقش هذه المسألة .
? لو عقدنا مقارنة لوجدنا :
إن المسلمين أقل من المشركين " أعاذنا الله جميعا منهم "
والمؤمنين أقل من الفاجرين إلى غير ذلك .
? ولكن نترك هذا جانبا ولنحتكم إلى القرآن استجابة لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " النساء 59
?
? فلنستمع إلى ما يقوله القرآن عن الكثرة :
(1) قوله تعالى : " 000منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " المائدة66
(
__________
(1) بصائر للمسلم المعاصر ، مرجع سابق ، ص 198
(2) الإباضية ، عبد العزيز بن محمد ، مرجع سابق ، ص5 (1/41)
صفحة 42
2) " وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون " المائدة71
(3) " 00ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون " المائدة32
(4) " 000وإن كثيرا من الناس لفاسقون " المائدة49
(5) " وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون " المائدة62
(6) " 000وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا 000" المائدة 64 ، 68
(7) " ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون " المائدة80
(8) " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنّ كثيرا منهم فاسقون " المائدة81
(9) " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس له قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون " الأعراف179
(10) " 000وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون " يونس92
(11) " 000وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون " الروم8
(12) " 000ولكن أكثر الناس لا يعلمون " الروم9 ، 30، سبأ28 ، 36 ، غافر57 ، الجاثية26 ، النحل 38 ، يوسف 21
(13) " ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين " الصافات71
(14) " 000ولكن أكثر الناس لا يؤمنون " غافر59 ، الرعد1
(15) " 000ولكن أكثر الناس لا يشكرون " غافر61
(16) " 000فأبى أكثر الناس إلا كفورا " الفرقان50 ، الإسراء86
(17) " 000وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " يوسف103
? ولنستمع إلى ما يقوله القرآن عن القلة :-
(1) قوله تعالى : " 000فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين " البقرة246
(2) " 000كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " البقرة149
( (1/42)
صفحة 43
3) " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم 00" النساء 66
(4) " 000 ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " النساء 83
(5) " 000ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " النساء 46
(6) " 000وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل " هود40
(7) " فلولا كان قبلكم من القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم 000" هود116
(8) " 000وقليل من عبادي الشكور " سبأ13
(9) " 00وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم 000" ص24
(10) " وقليل من الآخرين " الواقعة14
(11) " قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا " الإسراء62
(12) " إن هؤلاء لشرذمة قليلون " الشعراء54
(13) " 000ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين " المائدة130.
نحن الحماة لدين الله ما طلعت شمس وما غربت رجلا وفرسانا
نحن القليل وفي القرآن مشتهر مدح القليل فسل إن كنت حيرانا
نحن الجماعة والإجماع معترف للعادلين ولو قد كان انسانا
نحن الشراة فهل من أعصر سلفت إلا نقيم بها لله سلطانا
لسنا نخيف سبيل العالمين ولا أيضا ننبه غير الضد يغشانا
لسنا نسائل خلق الله مالهم حرصا ولسنا نولي الأمر خوانا
لسنا نرد لأهل الذنب معذرة من تاب من كفره أو فعله كانا
لسنا نقاتل من يبغي مفاوضة قبل الدعاء ولا من قبل يبدانا
لسنا نحرم ما قد حل من دمه حتى يفيء إلى ذي العرش إذعانا
لا نستحل له مالا ولا ولدا كالمشركين ولا نكسوه إيمانا
من شاء يعلم ما كانت أوائلنا فيه فسيرتنا تكفيه برهانا (1)
الباب الثاني
مسألة اتهام الإباضية بكراهية الصحابة
__________
(1) السيف النقاد ، مرجع سابق ، ص135 (1/43)
صفحة 44
? لقد كثر التشنيع على الإباضية في قضية الصحابة ممن يقتفون نهج المفسدين وممن ضلوا بضلالهم ، فمنهم القائل :- إن الإباضية يكرهون الصحابة ، ومنهم القائل يكفرون الصحابة إلى غير ذلك 0
? ويتخذون من فتنة الصحابة ذريعة للتشنيع ونشروا هذه الإشاعات في المحاضرات والكتب التي ألفوها والتي تبع فيها الآخر ما قاله الأول في هذه القضية ، وفي كثير من القضايا من غير بحث عن الحقيقة أو تحرّ لها .
? وهم لا شك مجانبون للحقيقة كما سيتضح ذلك إن شاء الله فيما يلي :-
أولا :- إن آراء الإباضية ومواقفهم في أي مسألة من مسائل الدين لا تبنى من قول فلان وفلان ولا تحركها الأهواء والأطماع ، وإنما هي مواقف ثابتة مستمدة من أصول الدين الحنيف ، وموقف الإباضية من الصحابة رضوان الله عليهم كغيره مستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية ، فهم يحترمون الصحابة ويقدرونهم تبعا للقران الكريم قال الله تعالى :- " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيض بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما " سورة الفتح 29 وقوله تعالى :- " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم " التوبة 100
وفي رواية البخاري عن عمران بن حصين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم "0
ولوان أحد أنفق مثل أحد ذهبا لما ساوى مد أحدهم أو نصيفه كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم 0 (1/44)
صفحة 45
? فلهم الفضل في السبق إلى الإسلام ولهم الفضل بصحبة الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، ولهم الفضل في الدفاع عنه – صلى الله عليه وسلم ، ولهم الفضل في بذل أرواحهم لنشر الإسلام .
? فهم الحجّة والقدوة ونكنّ لهم الاحترام والتقدير ، وندعو لهم بالرحمة والمغفرة وكتبنا شاهدة بذلك .
يقول نور الدين السالمي – رحمه الله – في أول قصيدة غاية المراد في الاعتقاد:
ثم الصلاة على المختار سيدنا ومن إلى قاب قوسين دنا فعلا
والآل والصحب ما كان الهدى علما يهدي به الله للخيرات من عقلا
ويقول في آخر القصيدة :
ثم الصلاة وتسليم يقارنها على الذي ختم المولى به الرسلا
والآل والصحب ما لاحت فضائلهم ومن لهم في سبيل المكرمات تلا
ويقول الشيخ العلامة ناصر بن سالم الرواحي – رحمه الله - :
وآمنت برسول الله طائفة أعطاهم السبق فيه سابق القدر
زكى قلوبهم النور المبين كما يزكو النبات بما يلقى من المطر
لاقى صدورهم الإيمان فانشرحت له وقاموا به في عزم منتصر
نور بواطنهم نور ظواهرهم نور خلائقهم في الفعل والخبر
تضائق الملأ الأعلى مكانتهم في فطرة الله لا في فطرة البشر
خير القرون قرن المصطفى وكذا حكم القرينين لا ينفك من أثر
فمات عنهم رسول الله عدّتهم كالأنبياء عدول الحكم والسير (1)
? ولكن هنالك ثوابت جاء بها الإسلام يجب التقيّد بها وعدم الزيغ عنها لأن أي خروج عنها يعني التخبّط والتخليط في المواقف إذا لم تكن مبنية على قواعد متينة .
__________
(1) ديوان ابي مسلم ، العلامة ناصر بن سالم الرواحي ، ص33 (1/45)
صفحة 46
? ومن هذه الثوابت أن لا عصمة إلا للأنبياء فقط ، وأما الصحابة – رضوان الله عليهم – فهم كغيرهم من الناس معرّضون للخطأ وقد حدث ذلك عند بعضهم ، فمنهم من أنزل الله فيه قوله : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " الحجرات 6 ومنهم صاحب الشملة التي أخذها قبل قسم الغنائم وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها ستشتعل عليه نارا ، وغير ذلك .
يقول العلامة ناصر بن عديّم الرواحي – رحمه الله – :
وهم وإن شرفوا من أجل صحبته فحكم تكليفهم كالحكم في البشر
ومدحه لهم فرع استقامتهم في طاعة الله لا مدحا على الغير
وللموفّين في الإيمان متجه ما جاء من مدحهم في محكم السور
والحب والبغض فرضان استحقهما خصمان في الله من بر ومن فجر
ويقول :
نادى العشيرة في رأس الصفا علنا وصاح فيهم رسول الله بالنذر
فانظر إلى حكمة التخصيص كيف أتت للأقربين من أهل البدو والحضر
ليعلموا أنه التكليف لا نسب يغني ولا فيه دون الله من وزر
لو كان بالشرف التكليف مرتفعا إذن تعطل عدل الله في الفطر
(1)
ثانيا :
موقف الإباضية من الخليفتين عثمان بن عفّان وعلي بن أبي طالب – كرم الله وجهه
? من أقوال المشنعين في هذه القضية : أن الإباضية يقولون عن عثمان أنه صاحب بدع ويكفرون علي بن أبي طالب .
__________
(1) ديوان أبي مسلم ، مرجع سابق ، ص34 (1/46)
صفحة 47
? ولقد ردّ عليهم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (1) بقوله : " وهل قال الإباضية عن عثمان أكثر مما قاله ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة في ص35 و36 حيث قال : " وذكروا أنه اجتمع أناس من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسنة صاحبيه ، وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله ، ومنهم ذوي القربى واليتامى والمساكين ، وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدوا سبعة دور بناها في المدينة ، دار لنائلة ودار عائشة وغيرهما من بنات أهله ، وبنيان مروان القصور بذي خشب ، وعمارته للأموال من الخمس الواجب لله ورسوله ، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث غلمة ، لا صحبة لهم للرسول-صلى الله عليه وسلم- ولا تجربة لهم بالأمور ، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة -وهو أمير عليها – إذ صلى بهم الصبح وهو سكران أربع ركعات ، ثم قال : إن شئتم زدتكم ثلاثا ، وتعطيله إقامة الحد وتأخيره ذلك عنه .
? وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ، ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم ، وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة ، وما كان من إدارة القصائع والأرزاق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليس لهم صحبة بالنبي ، ثم لا يغدون ولا يذبون ، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط ، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس ، وإنما كان ضرب الخليفتين بالدرة والخيزران .
__________
(1) شريط موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي ، سماحة الشيخ الخليلي . (1/47)
صفحة 48
ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان ، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة ، فلما خرجوا والكتاب بيد عمار جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده ، فمضى حتى جاء دار عثمان ، فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات ، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية ، فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب ؟ فقال نعم ، قال : ومن كان معك ؟ فقال : كان معي نفر تفرقوا فرقا منك ، قال من هم ؟ قال : لا أخبرك بهم ، قال : فلم اجترأت عليّ من بينهم ؟ قال مروان : يا أمير المؤمنين : إن هذا العبد الأسود – يعني عمارا – قد جرأ الناس عليك ، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه ، فقال عثمان : اضربوه فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه ، فأغشي عليه ، فجروه حتى تركوه على باب الدار ، فأمرت به أم سلمة – زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – فأدخل منزلها ، وغضبت فيه بنو المغيرة – وكان حليفهم – فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد فقال له : أما والله لو مات عمار من ضربه لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية ، فقال عثمان : لست هناك 000 الخ " .
? وليس أكثر مما قاله الداعية سيد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام ص 159 حيث قال : " وهذا التصور لحقيقة الحكم تغير شيئا ما دون شك على عهد عثمان ، وإن بقي في سياج الإسلام ، لقد أدركت الخلافة عثمان وهو شيخ كبير ، ومن وراءه مروان بن الحكم يصرف الأمر بكثير من الانحراف عن الإسلام ، كما أن طبيعة عثمان الرخية ، وحدبه الشديد على أهله ، قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة من حوله ، وكانت لها معاقبات كثيرة ، وأثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيرا . (1/48)
صفحة 49
? منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم ، فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن بيت مال المسلمين ، وقد بدا في وجهه الحزن ، وترقرقت في عينه الدموع ، فسأله أن يعفيه من عمله ، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين ، فقال مستغربا : " أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي " فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف " لا يا أمير المؤمنين ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضا عما أنفقته في سبيل الله في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيرا " فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق صدره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين ، وقال له : " ألق يا ابن أرقم فإنا سنجد غيرك "
? والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات ، فقد منح الزبير ذات يوم تسعمائة ألف ، ومنح طلحة مائتي ألف ، ونفل مروان بن الحكم ثلث خراج أفريقية ، ولقد عاتبه في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم علي بن أبي طالب فأجاب : إن لي قرابة ورحما ، فأنكروا عليه وسألوه : فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم ؟ فقال : إن أبا بكر وعمر يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي ، فقاموا عنه غاضبين يقولون : فهديهما والله أحب إلينا من هذا .
? وغير المال كانت الولايات تغدق على الولاة من قرابة عثمان ، وفيهم معاوية الذي وسع عليه في الملك فضم إليه فلسطين وحمص ، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ، ومهد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة علي ، وقد جمع المال والأجناد ، وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي آواه عثمان ، وجعل ابنه مروان بن الحكم وزيره المتصرف ، وفيهم عبدالله بن سعد بن أبي السرح أخوه من الرضاعة . (1/49)
صفحة 50
? ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرفات خطيرة العواقب فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام ، وإنقاذ الخليفة من المحنة ، والخليفة في كبرته لا يملك أمره من مروان ، وإنه لمن الصعب أن تتهم روح الإسلام في عثمان ، ولكن من الصعب أيضا أن نعفيه من الخطأ الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة في كبرة عثمان.
? ولقد اجتمع الناس فكلفوا علي بن أبي طالب أن يدخل فيكلمه ، فدخل إليه ، فقال : الناس وراءي وقد كلموني فيك ، والله ما أدري ما أقول لك ، وما أعرف شيئا تجهله ، ولا أدلك على شيء لا تعرفه ، إنك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه ، ولا خصصنا بأمر دونك ، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ونلت صهره ، وما ابن قحافة بأولى بعمل الحق منك ، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك ، وإنك أقرب إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منهما ونلت ما لم ينالا ، ولا سبقاك إلى شيء ، فالله الله في نفسك ، فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل ، وإن الطريق لواضح بيّن ، وإن أعلام الدين لقائمة .
تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى ، فأقام سنة معلومة ، وأمات بدعة متروكة ، فو الله إن كليهما لبين ، وإن السنن لقائمة لها أعلام ، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به ، فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة ، وإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : " يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم " . (1/50)
صفحة 51
فقال عثمان : " قد والله علمت ليقولن الذي قلت ، أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ، وما جئت منكرا أن وصلت رحما وسددت خلة ، وآويت ضائعا ، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي ، أنشدك الله يا علي ، هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك ؟ ، قال نعم ، قال : فلم تلوموني إن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته ؟ فقال علي : سأخبرك ، إن عمر كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ، ثم بلغ به أقصى الغاية ، وأنت لا تفعل ، ضعفت ورققت على أقاربك ، قال عثمان : وأقرباؤك أيضا ، قال علي : لعمري إن رحمهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم ، قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها ؟ فقد وليته ، قال علي : أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرف غلام عمر منه ؟ قال نعم ، قال علي : فإن معاوية يقطع الأمر دونك ، وأنت لا تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية .
? ثم يقول الأستاذ شهيد الإسلام بعد ذلك :" وأخيرا ثارت الثائرة على عثمان واختلط فيها الحق بالباطل والخير بالشر ، ولكن لا بد لمن ينظر في الأمور بعين الإسلام ويستشعر الأمور بروح الإسلام أن يقرر أن تلك الثورة في عمومها كانت ثورة من روح الإسلام ، وذلك دون إغفال لما كان وراءها من كيد اليهودي عبدالله بن سبأ " . (1/51)
صفحة 52
? ولننقل هنا أيضا ما قاله ابن قتيبة في كتاب " الإمامة والسياسة " ص 46 في دفن عثمان لنستجلي الحقيقة ، يقول : " وذكروا أن عبدالرحمن بن أزهر قال : " لم أكن دخلت في أمر عثمان لا عليه ولا له ، فإني لجالس بفناء داري ليلا بعد ما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير فقال : إن أخي يدعوك فقمت إليه ، فقال : إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك ؟ فقلت : والله ما دخلت في شيء من شأنه وما أريد من ذلك ثم انصرف فاتبعته ، فإذا هم في نفر فيهم جبير بن مطعم ، وأبو الجهم بن حذيفة ، والمسور بن مخرمة ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعبد الله بن الزبير ، فاحتملوه على الباب ، وإن رأسه ليقول طق طق ، فوضعوه في موضع الجنائز ، فقام إليهم رجال من الأنصار فقالوا لهم : لا والله لا تصلون عليه ، فقال أبو جهم : ألا تدعونا نصلي عليه فقد صلى عليه الله تعالى وملائكته ، فقال له رجل : إن كنت فأدخلك الله مدخله ، فقال : حشرني الله معه فقال : إن الله حاشرك مع الشياطين ، والله إن تركناكم به لعجز منا ، فقال القوم لأبي الجهم : أسكت عنهم وكف ، فكف واحتملوه ، ثم انطلقوا مسرعين ، وإني أسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع ، فأتاه جبلة بن عامر الساعدي من الأنصار ، فقال : لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله – صلى الله عليه وسلم ، ولا نترككم تصلون عليه ، فقال أبو الجهم : انطلقوا بنا فإن لم نصل عليه فإن الله قد صلى عليه ، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في "حق" حتى إذا أتوا " حش كوكب " حفروا له حفرة ثم قاموا يصلون عليه ، وأمهم جبير بن مطعم ، ثم أدلوه في حفرته ، فلما رأته ابنته صاحت ، فقال : والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي في عينيك ، فدفنوه ولم يلحدوه باللبن ، وحثوا عليه التراب " . (1/52)
صفحة 53
? وأضيف إلى ذلك : وهل أكثر مما نقله ابن الأثير والطبري عن الصحابة رضوان الله عليهم حيث قالا : " وقيل كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم : إن أردتم الجهاد فهلموا إليه فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه " . (1)
? فلما كان ما قاله الإباضية لم يزد حرفا واحدا عما قاله منتقدوهم في كتبهم فلماذا يُخصّ الإباضية بأنهم قالوا إن عثمان صاحب بدع إلا للتشنيع ؟!!
وأما موقف الإباضية من علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه - :
? فهم يعترفون بخلافته وأنه على حقّ في قتاله معاوية بن أبي سفيان ، وأما تخطئتهم له في قبول التحكيم فليست نابعة من هوى نفس أو محاباة لأحد وإنما من الأدلة القاطعة التي تثبت أن معاوية كان باغيا والتي سأذكرها في ما بعد ، والله سبحانه حكم على الفئة الباغية بان تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله بقوله : " فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله 0
? وأما قضية التكفير فالإباضية لا يكفرون أحدا من المسلمين طالما أنه متأول لكن قد يطلقون على العاصي بأنه كافر نعمة بمعنى أنه لم يشكر النعمة واستخدمها في معصية الله ، وهذا ما يسمى كفر دون كفر .
? وهم يلتزمون الاحترام الكامل عند ذكر ما أخطأ فيه من قبول التحكيم
فهذا الشاعر الفقيه ناصر بن سالم الرواحي – رحمه الله – يقول :
أبا حسن ذرها حكومة فاسق جراحات بدر في حشاه تفور
أبا حسن أقدم فأنت على الهدى وأنت بغايات الغوي بصير
أبا حسن لا تعطين دنية وأنت بسلطان القدير قدير
أبا حسن لا تنس أحدا وخندقا وما جر عير قبله ونفير
أبا حسن أين السوابق غودرت وأنت أخوه والغدير غدير
أبا حسن إن تعطها اليوم لم تزل يحل عراها فاجر ومبير
أبا حسن طلقتها لطليقها وأنت بقيد الأشعري أسير (2)
ثالثا :- النظر في مواقف أهل السنة :
__________
(1) تأريخ الطبري ج4، ص36 وابن الأثير ج3 ص 58
(2) ديوان أبي مسلم مرجع سابق ص 344 (1/53)
صفحة 54
? عندما نتتبع مواقف أهل السنة نجد من مواقفهم :
(1) قولهم أن عثمان قتل ظلما وعدوانا .
(2) إن فتنة الصحابة اجتهادية ، المصيب مأجور والمخطئ معذور .
(3) يقولون إنهم يدافعون عن الصحابة
? فإذا أمعنا النظر في هذه الأقوال وجدنا فيها نظر :
أولا : إن قولهم : أن عثمان قتل ظلما وعدوانا هو مخالف لما ذكر عن الصحابة بل فيه تهجم عليهم لعدة أسباب :
(1) إن الصحابة أنفسهم أنكروا على عثمان أشياء كثيرة ذكرها غير الإباضية مثل ما في كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة وابن الأثير والطبري و سيد قطب كما ذكر سابقا .
(2) نصيحة علي بن أبي طالب له دليل على أنهم نصحوه عن شيء أنكروه عليه .
(3) إن الذين جاءوا لحصار عثمان جاءوا بمكاتبة من أهل المدينة لهم وقادتهم من الصحابة ، فالذين جاءوا من مصر على رأسهم عبد الرحمن بن عديس وهو صحابي أحدي بايع تحت الشجرة ، والذين جاءوا من الكوفة على رأسهم زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي (1) وزيد صحابي جليل ، والذين جاءوا من البصرة على رأسهم حرقوص بن زهير وهو صحابي جليل شهد الرسول له بالجنة ثلاث مرات .
? فعلى زعمهم يكون هؤلاء الصحابة أول الظالمين لعثمان .
(4) إن عثمان لم يقتل غيلة وإنما حوصر أكثر من أربعين يوما ، والصحابة لا يدافعون عنه مع أن عددهم يبلغ حوالي مائة ألف ، فلو قلنا أنهم غير راضين مع أنهم لم يدافعوا عنه وصفناهم بالجبن وبترك الواجب وهو الدفاع عن خليفة المسلمين ، فالله تعالى يقول : " قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا " آل عمران 167 فحاشاهم عن الجبن وترك الواجب عليهم ، فكيف وقد دكّوا حصون كسرى وقيصر .
(
__________
(1) الكامل في التاريخ ، ابن الأثير ، ج3 ، ص50_51 (1/54)
صفحة 55
5)ما ذكره ابن الأثير من جواب أهل المدينة لعثمان عندما خاطبهم " وأما قولك أنه لا يحل إلا قتل ثلاثة فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت : قتل من سعى في الأرض فسادا وقتل من بغى وقاتل على بغيه ، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه ، وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه ولم تقد من نفسك ما ظلمت وقد تمسكت بالإمارة علينا ، فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلونك لتمسكك بالإمارة فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال فسكت عثمان ". (1)
? وأما قولهم أن عثمان منع أهل المدينة عن الدفاع عنه فيتعارض مع ما ذكره الطبري : أن عثمان كتب إلى معاوية يستنجده حيث أرسل له رسالة قال فيها : " بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول " . (2) هذا ما ذكرته كتب التاريخ والله أعلم
? وأما قولهم أن فتنة الصحابة اجتهادية وأن المصيب فيها مأجور والمخطئ معذور وأن معاوية وعمرو بن العاص وأشياعهم مجتهدون فهم معذورون .
فربما صدر عنهم بحسن نية لكي لا يتجرأ الناس لسب الصحابة ولكن هذه الأمور لا تعالج بهذه الطريقة لأن هناك قاعدة لا يصح أن تغفل وهي أن المصيب لا يجوز أن يخطّأ والمخطئ لا يجوز أن يصوّب لأنه يترتب على ذلك ولاية وبراءة ، فالولاية والبراءة فرض واجب ، قال الله تعالى : " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم " المجادلة 22 .
ولو كان كل مجتهد مصيب لما حكم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالنار لكل الفرق ما عدا واحدة .
? مع أن كل الدلائل تدل أن معاوية باغ وليس مجتهد ومن ذلك :
(
__________
(1) الكامل في التأريخ ، محمد بن علي بن عبد الكريم " ابن الأثير " ، ص172
(2) تأريخ الطبري ، ج3 ص368 (1/55)
صفحة 56
1) ما ذكره الطبري : يقول عمرو لمعاوية وهو يحثه للقتال : " أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها حيث نقاتل من نعلم سابقته وفضله وقرابته ولكن إنما أردنا هذه الدنيا فصالحه معاوية وعطف عليه " . (1)
(2) إن معاوية رأى جيشه قتل عمار بن ياسر ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لعمار : تقتلك الفئة الباغية فلم يرتدع .
(3) إنه يعلم أنه يقاتل من ارتضاه المسلمون خليفة لهم ويعلم فضله عليه ، فهل هو مجتهد في انتزاع إمامة المسلمين من يدهم وتولي الأمر قهرا ؟!!
(4) إنه عندما ولي الأمر لم يسلك مسلك الخلفاء وإنما سلك مسلك الملوك وقد أرغم الصحابة على اتباعه .
(5) هل هو مجتهد في إلزامه الناس لعن علي بن أبي طالب على المنابر ؟!!
(6) هل يعد اجتهادا قتل من يمتنع عن لعن علي بن أبي طالب مثلما قتل حجر بن عدي وأصحابه ، المشهور بالزهد والورع ، وقد قال معاوية عند موته : " يومي بك طويل يا حجر بن عدي (2) قال العلامة نور الدين السالمي – رحمه الله - :
وظهرت من بعد ذا أناس عمهم في الدين الالتباس
فجعلوا الجميع في الولاية فأخطأوا بذلك الهداية
ولم يكن لهم عليه سلف من صحب أحمد الذين اختلفوا
وذاك أن المتقاتلينا مع القتال يتلاعنونا
وجعلهم جميعهم في منزلة خلاف حكم ما الإله أنزله
لأنما ولاية المحقّ غير البراءة لأهل الفسق
والكل فرض وعلينا نجعل أصناف هذا الخلق حيث نزلوا
وقولهم إن الجميع اجتهدوا فأخطأ البعض وبعض أرشدوا
وكل من في دينه قد اجتهد يعذر إن أخطأ إذ لم يعتمد
ليس بشيء والحديث وردا في حاكم اخطأ حين اجتهدا
وذاك في الفروع لا سواها فمخطئ الدين صلا لظاها
إلا إذا ما تاب من قريب وقام للمحق بالتصويب
فمخطئ الدين يسمى مستحلّ في دينه وهو بذلكم مظل
لو كان كل مستحل يُعذر نجا أولو الضلال ممن غيروا
__________
(1) تأريخ الطبري ، مرجع سابق ، ص561
(2) البداية والنهاية ، ابن كثير ، ج8 ، ص153 (1/56)
صفحة 57
والخبر الصحيح في افتراق أمته مخالف الإطلاق
لأنه قد جعل السلامة لفرقة كانوا أولي استقامة
وبالهلاك للبواقي حكما كذلك الإجماع أيضا فاعلما (1)
? وأما قولهم أنهم يدافعون عن الصحابة فذلك غير واضح لأننا نراهم يدافعون عن بني أمية ويلتمسون لهم الأعذار ويتخطون كل الدلائل التي تدل على خطئهم ، وأما أهل النهروان فيكيلون لهم السب كيلا مع أنهم من الصحابة وفيهم من شهد له الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالجنة مثل حرقوص بن زهير السعدي ، يقول العلامة نور الدين السالمي :
وقولهم نسكت عن حروبهم نحن ولا نخوض في عيوبهم
كذب فقد خاضوا وسبوا الصحبا إذ وجهوا للنهروان السبا
ولعنوهم وهم قد طلبوا حقا ومن خوف الضلال هربوا
وفيهم من شهد الرسول ثلاث مرات له يقول
أول من يدخل من ذا الباب فهو إلى الجنة والثواب
وفي الثلاث يدخلن حرقوص نجل زهير وهو المخصوص
وفيهم من شهد المشاهدا وكان خصمه بذاك شاهدا
قد أنكروا المنكر إذ رأوه وسلكوا الطريق إذ أتوه
عضوا على وصية المختار في سيرة الأئمة الأبرار
وعند هذا كله فالقوم يصدر منهم شتمهم واللوم
قد عولوا في عذر نجل صخر على أمور لم تكن بعذر
وكلها مع التزام الحق موجودة فيمن رموا بالفسق
فمن هناك تدر أن الأهوا تقودهم لا الحق حين يروى (2)
وقفة تأمل
? إذا تأملنا موقف الإباضية من الصحابة وجدنا :
(1) إن الإباضية يكنون للصحابة الاحترام والتقدير ويعتبرونهم الحجة والقدوة ويعترفون لهم بالفضل في أشياء عديدة .
(2) إن القول بأن الإباضية يكرهون الصحابة قول لا دليل عليه إذ أن الإباضية يتولون الصحابة بدليل أنهم يترضون عنهم ويترحمون لهم والترضي والترحم هما عين الولاية وكتبهم مليئة بذلك .
(3) إن الإباضية يرون الصحابة – رضوان الله عليهم - هم كغيرهم من البشر غير معصومين من الخطأ إذ لم يقم دليل على عصمتهم .
(
__________
(1) منظومة كشف الحقيقة ، مرجع سابق ، ص3
(2) منظومة كشف الحقيقة ، نور الدين السالمي ص5 (1/57)
صفحة 58
4) إن القول بأن الإباضية يقولون عن عثمان : بأنه صاحب بدع ، يقصد به التشنيع على الإباضية وإلا فإن الإباضية لم يزيدو حرفا واحدا عما ذكرته كتب المشنعين أنفسهم ، فلماذا يجعل هذا القول من خصائص المذهب الإباضي ؟!!
(5) إن الإباضية لم يكفروا علي بن أبي طالب ولا أحدا من المسلمين مادام متأولا ولكن يسمون العاصي كافر نعمة بمعنى أنه لم يستخدم هذه النعم في طاعة الله تعالى .وربما استوهم البعض من ذلك
(6) إنهم يعتبرون تحكيم الحكمين خطأ ليس لهوى نفس أو مطمع سياسي أو دنيوي وإنما مستند على أدلة .
(7) إن قول من قال بأن عثمان بن عفان قتل ظلما وعدوانا هو بمثابة من يبني قصرا ويهدم مصرا لأنه برأ واحدا ووجه التهمة إلى عشرات الآلاف من الصحابة إذ أن ما نقل عن أهل المدينة يدل على رضاهم بذلك لما ثبت في كتب التأريخ من كلامهم ، ولما ذكرته كتب التأريخ من الأحداث التي عملها عثمان ، وطول الحصار وهم ساكتون ، ولأنهم منعوا من دفنه في البقيع ولم يشيعوا جنازته ، فالقول بقتله ظلما يعني رضا الصحابة بذلك الظلم .
(8) إن القول بأن عثمان منع أهل المدينة من الدفاع عنه ليس بشيء لما ذكر أنه استنجد بمعاوية وهو في الشام فكيف يمنع أهل المدينة من الدفاع عنه ويستنجد بمن في الشام ؟!! بالإضافة إلى أنه ذكر في رسالته لمعاوية عدم رضا أهل المدينة عنه .
(9) إن القول بأنهم كلهم مجتهدون خطأ فلو كان الأمر كذلك لكانت كل الفرق الإسلامية ناجية ، مع ما ثبت أن معاوية لم يخرج لنصرة الدين .
تنبيه هام (1/58)
صفحة 59
? إن قضية الصحابة ينبغي الكف عن ذكرها واتباع قول الله تعالى : " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون "البقرة 134 واتباع قوله – صلى الله عليه وسلم – " إذا وصلتم أصحابي فكفوا " ، وما كنت لأكتب كلمة واحدة في هذا المختصر عن هذه القضية لولا أن زُجّ بنا في ذلك زجّا حيث جعلت قضية تشنيع على المذهب الإباضي وإظهاره بالانحراف ليظهر المشنعون أنهم على الحق وغيرهم على باطل .
? فليس من ديننا الشتم ولا اللعن ولا التشهير ، هذا إذا كان في غير الصحابة فكيف بصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .
وفي هذا الموضوع يقول العلامة نور الدين السالمي – رحمه الله - :
نحن الألى نسكت عما قد مضى ولا نعد الشتم دينا يرتضى
وما ذكرته بهذا النظم لم يك بالسب ولا بالشتم
لكنه كشف لأصل الأمر ليظهر المخطئ من ذي العذر
نقول تلك أمة وقد خلت وكل فرقة لها ما كسبت
وديننا لم يتوقفنا لشتم من ضل فنشتمنا
وفي صنوف طاعة الرحمن شغل عن الفضول باللسان
يلزمنا أن ننكرن المنكرا وما يزيد لم يكن ليذكرا
لو كان الاعتقاد موقوفا على ذكر المضلين إذن تطوّلا
وامتلأت مجلدات العلم بالسب والشتم لأهل الظلم
هيهات ليس ذاك عندنا بشي بل فعله يعرف عندنا بغيّ (1)
جاهلنا لا يعرف الخلافا بينهم حتى الممات وافا
وعالم بالاختلاف يمضي في السر ما يلزمه من فرض
خوفا من الجهال أن يقولوا ما لم يكن لهم به دخول
هم منعوا بأن يقول الجاهل ما لم يكن له بعلم حاصل
إن سمعوا من جاهل مقالا بغير علم أنكروه حالا
قالوا فإن العلما قد حكموا في ذاك بالذي قد علموا
وأنت إن علمت مثل علمهم جاز لك الحكم بمثل حكمهم
وذاك للقيام بالواجب من معنى البراءة الذي كان زُكن
وإن جهلت فرضك الوقوف وهو سبيل عندنا معروف
وكان من قولهم لا تبحثن عن حدث لأجل منه تبرأن
لأنه تجسس ممنوع لا يفعلنه عندنا المطيع
__________
(1) كشف الحقيقة ، مرجع سابق ، ص6 (1/59)
صفحة 60
وقد تناسوا أمر ذاك الحدث من قولهم لا تبحثن لا تبحث
فما مضى قبلك لو بساعة فدعه ليس البحث عنه طاعة (1)
بيان موجز لقضية التحكيم
? مضى الخليفتان أبو بكر الصديق وعمر الفاروق والناس يكنون لهما الشكر والتقدير لما قاما به من جهد في الحفاظ على الإسلام ونشره .
? ثم بايع المسلمون الخليفة الثالث عثمان بن عفان فقام بالعدل لفترة من الزمن ، ولكنه ضعف فقام من حوله من بني أمية يقتطعون الأمر دونه ، وأنكر عليه المسلمون كما أنكروا عليه بعض الأحداث الأخرى ولكنه لم يتخلى عن ذلك فحوصر في بيته وقتل .
? فبايع المسلمون علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – فخرج معاوية بن أبي سفيان باغيا على إمام المسلمين بجيش من الشام متذرعا بالمطالبة بدم عثمان بن عفان فكانت موقعة صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية فحمل جيش علي على جيش معاوية وقتل آلافا كثيرة منهم ، ولما رأى معاوية الهزيمة قال لعمرو بن العاص : أخرج ما في خبأتك يا عمرو فقال عمرو : من عنده مصحف فليرفعه على الرماح منادين بطلب حكم القرآن فأثرت هذه المكيدة على جيش علي فانقسموا بعضهم موافق على وقف القتال واللجوء إلى التحكيم وبعضهم معارض .
? ولكن عليا مضى في أمر التحكيم فبعث حكما وهو أبو موسى الأشعري وبعث معاوية حكما هو عمرو بن العاص فاتفق الحكمان أولا على خلع الاثنين ثم يختار الناس من يريدون (2) ، ولكن عند إعلان ذلك خلع أبو موسى عليا ومعاوية وصعد عمرو المنبر وقال : اثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا ، فخرج عدد من أصحاب علي الذين لم يرضوا بالتحكيم أصلا وقالوا لا حكم إلا لله وسموهم المحكمة وهم أهل النهروان الذين قتلهم علي .
الباب الثالث
مسألة إلصاق الإباضية بالخوارج
__________
(1) كشف الحقيقة ، مرحع سابق ، ص7
(2) انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص207 (1/60)
صفحة 61
? كثيرا ما نقرأ ونسمع ما يبذله بعض المذاهب في إلصاق الإباضية بالخوارج وذلك لا لشيء إلا لقصد التشنيع عليهم واظهارهم بالفساد والمروق من الدين بل إنهم عندما يذكرون الخوارج يقولون " الإباضية حاليا
? ولكن ما الذي يدل على أنه لا ينبغي وصف الإباضية بأنهم خوارج ؟
? الجواب : أشياء كثيرة .
أولا : إذا نظرنا إلى التعريفات التي أوردها أصحاب المقالات للخوارج مثل الشهرستاني والأشعري نجدها عامة تنطبق على الكثيرين من أصحاب الفتنة وغيرهم .
? فتعريف الشهرستاني للخوارج : هو كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه ، يسمى خارجيا سواء كان الخروج أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم من التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان.
? وتعريف الأشعري : " والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب " (1)
? فإذا فكرنا في التعريفين وجدناهما يؤكدان أن سبب التسمية هو الخروج على الإمام سواء من خصه بالإمام علي أو من عمم .
? فما الذي جعل الإباضية من الخوارج ومعاوية وأتباعه ليسوا من الخوارج ؟!!
ثانيا : إذا كانوا يصفون الإباضية بأنهم خوارج لتأييدهم المحكمة و يعتبرن خروج المحكمة مروق من الدين فكيف يكون خروج المحكمة عن علي – كرم الله وجهه – مروق من الدين وخروج معاوية وأتباعه ولعن علي على المنابر ليس مروقا من الدين ؟!!
__________
(1) غالب بن علي عواجي، فرق معاصرة تنتسب الى الإسلام ، ج1 ، ص16 (1/61)
صفحة 62
? مع أن خروج المحكّمة ليس لطلب الدنيا مثلما هو الحال عند معاوية وعمرو بن العاص ولم ينسب اليهم أي قول أو فعل يدل على مروقهم من الدين،والخوارج الذين نسبت اليهم أعمال وأقوال تدل على المروق من الدين بدؤوا من نافع بن الأزرق بعد أكثر من ثلاثين سنة ، وإنما أنكر المحكمة على علي توقفه عن قتال البغاة وتحكيم الحكمين في شيء حكم الله فيه بقوله تعالى : " فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " .
فقد قالوا لابن عباس " إن البغي جريمة مثل جريمة السرقة ، قد حكم الله فيها بقتال الباغي حتى يرجع عن بغيه مثلما حكم على السارق بقطع يده ، فهل السارق إذا وجب عليه الحد يبعث إليه حكم ؟
وعندما حجهم ابن عباس بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة " المائدة 95 ، قالوا له : أخبرنا عن من قتل الصيد وهو محرم هل يسعه أن يحكّم في الصيد من دينه استحلال قتل الصيد وهو محرم ويستحل قتل الصيد في الحرم ؟ قال : لا ، قالوا : كيف يسع عليا أن يحكم في دين الله من يدين باستحلال ما حرم الله من دماء المسلمين ويحرم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية .
ثم قالوا : نذكرك بالله يا ابن عباس : هل تعلم أن أبا موسى كان شاكا في قتال الفئة الباغية ، يحرم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية ويخذل الناس عن القتال ، وعمرو بن العاص استحل ما حرم الله من دماء المسلمين فقال : اللهم نعم . (1)
__________
(1) الكشف والبيان ، الشيخ محمد بن سعيد القلهاتي ، ج2، ص243-244 (1/62)
صفحة 63
ثالثا : إن اسم الخوارج يطلق على الفرق التي مرقت من الدين لحكمهم على المسلمين بأحكام المشركين مثل جواز قتل المسلمين وسبي نسائهم وذرياتهم وغنم أموالهم ، ويدل على ذلك ما نراه من تفسير أحاديث المروق من الدين فيهم ، وإن كان علماء الإباضية يقولون ليس بالضرورة أن تكون هذه الأحاديث خاصة بهم إذ يمكن أن تشمل علماء السوء في كل زمان فإنهم يتفقون مع من يقول إن هذه الفرق مثل الأزارقة والصفرية وغيرهم مرقت من الدين ، يقول العلامة نور الدين السالمي في جوهر النظام :
ومال أهل البغي لا يحل وإن يكن قوم له استحلوا
ثم ذكر الذين استحلوا أموال المسلمين ووصفهم بالمروق حيث قال :
خوارج ضلت فصارت مارقة من دينها صفرية أزارقة
فعرضوا للناس بالسيف كما قد استحلوا المال منهم مغنما
وأمة المختار فارقتهم وضللتهم وفسقتهم
ووردت فيهم عن المختار جملة أخبار مع الآثار
وفيهم المروق يعرفنا ومنهم لا شك نبرأنا
? ونستنتج من هذا :
(1) إن هذه التسمية ذم مطلق .
(2) إن الإباضية ليسوا منهم لأنهم لا يشاركونهم في السبب الذي سموا من أجله بهذا الاسم .
(3) إن الإباضية يبرؤون من هذه الفرق وهذا دليل أنهم ليسوا منهم .
(4) إن تسمية الإباضية بالخوارج هو من باب التنابز بالألقاب الذي نهى الله تعالى عنه ، خاصة أن المعنى المعول عليه في عصرنا الحاضر هو المروق من الدين لأنه لا يكاد يذكر أحد الخوارج إلا ويربطه بأحاديث المروق من الدين .
? حتى على فرض إن المحكمة الذين يؤيدهم الإباضية يسمون بالخوارج فلا ينطبق على الإباضية فالفرقة الإسلامية تسمى بإمامها الذي اقتنعت بآرائه والإباضية لهم اسم مستقل ولهم أئمة .
? فإطلاق أي لقب على إنسان يكره ذلك اللقب هو تنابز بالألقاب حتى ولو كان له علاقة بذلك اللقب ، فكيف والإباضية لا تنطبق عليهم هذه التسمية ويكرهونها لما تحمل من معنى الانحراف عن الدين . (1/63)
صفحة 64
رابعا : إن الحجة التي يحتجون بها على إن الإباضية من الخوارج هي كون الإباضية يتفقون مع الخوارج في بعض النقاط القليلة .
ولكن هذه حجة واهية لأن الفرق الإسلامية لا بد أن تلتقي مع بعضها في بعض النقاط .
? والاختلاف بين الإباضية والخوارج في العقيدة وغيرها كثير سأذكره إن شاء الله .
? وبالرغم من هذا كله أخذوا يتبعون شتى الأساليب في إثبات هذه التهمة
لمحاولة التلاعب بعقول الناس بإظهار الأسلوب العقلي في بعض الأحيان .
سؤال مردود على صاحبه
? يقول عبد العزيز بن محمد عبد اللطيف في كتيبه " الإباضية " ص 13-14
" هل الإباضية من الخوارج ؟ والآن أسرد أخي القارئ القواسم المشتركة والأمور المتفق عليها بين الخوارج والإباضية وسيظهر لك تلقائيا الجواب عن هذا السؤال هل الإباضية من الخوارج أم لا ؟ فقام يعدد ما هو صحيح وما هو غير صحيح " الإباضية امتداد للمحكمة ويقولون بخلق القرآن ويعطلون صفات الله ويقولون بتخليد أهل الكبائر في النار وينكرون الشفاعة للعاصي ويجيزون الخروج على أئمة الجور ويتهجمون على معاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن العاص " .
? وأنا لا أريد هنا مناقشة النقاط التي ذكرها إنما أريد أن أبين خطأ ما يريد أن يثبته من أن التشابه في هذه الصفات يدل على أن الإباضية من الخوارج
فأقول إن هذا تعميم فاسد ، و السقطات الشنيعة تأتي من التعميمات الفاسدة .
? إن تشابه الأسد مع القرد في بعض الأشياء لا يعني أن الأسد قرد ، وكذلك تشابه بعض الفرق في بعض العقائد والآراء . (1/64)
صفحة 65
? وإلا فإننا نرى اليهود يقولون بالرؤية ، قال الله تعالى : " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون " البقرة 55 ، وقالوا بالخروج من النار، قال تعالى : " ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون "آل عمران 24 ، ووصفوا الله بصفات خلقه عندما أشكلت عليهم الآيات المتشابهة ويقولون بالشفاعة لأهل الكبائر وقالوا بأن أحبارنا ستشفع لنا ، ويقولون إن الذنوب تغفر من غير توبة ، يقول تعالى : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون " الأعراف 169
? فهل القائلين من المسلمين بهذه المسائل نعدهم من اليهود ؟!!
بعض أوجه الاختلاف بين الإباضية والخوارج (1)
الخوارج :
(1) اعتبروا أنفسهم المسلمين المؤمنين المستخلفين في الأرض واعتبروا أعدائهم مشركين .
(2) أباحوا دماء المسلمين في السر والعلانية .
? الإباضية
قد تقدم قول أبي حمزة " الناس منا ونحن منهم 000 " وقول السالمي :-
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعتقادا
فأين مقال الإباضية من مقالهم
(3) الخوارج : يقولون : ما كف أحد عن القتال منذ أنزل الله البسط إلا وهو كافر ، يعني يكفرون القاعد عن القتال .
? الإباضية :
__________
(1) آراء الخوارج مأخوذة من " مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ص89 103 ومن كتاب"الملل والنحل للشهرستاني من ص129 137 ومن كتاب"المدخل الى دراسة الأديان والمذاهب"عبد الرزاق محمد أسود ص233 ومن كتاب "الكشف والبيان"محمد بن سعيد القلهاتي ج2 ص423 _435 (1/65)
صفحة 66
يعتمدون على الدعوة والإقناع ولا يلجئون إلى العنف ، وأدل شيء على ذلك طريقة الكتمان والدعوة السرية مثل ما فعل أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وجابر بن زيد الأزدي رغم إنكارهم الشديد على حكام الدولة الأموية لسلوكها المنحرف عن الكتاب والسنة .
وطريقة الكتمان باللجوء إلى الدعوة السرية ليست مخصصة بوقت بل هي طريقة يتبعها الإباضية عندما يظهر أعداء الإسلام ولم يكن لهم القدرة لمقاومتهم حتى يستطيعوا ذلك وذلك عندما يكونوا نصف عدوهم.
(4) يقول الخوارج : إن صاحب الكبيرة مشرك ، ويقول بعضهم إن الإصرار على الصغيرة شرك وعدم الإصرار ولو على كبيرة ليس بشرك .
والإباضية لا يقولون بذلك كما يدل على ذلك قول أبي حمزة المتقدم " الناس منا ونحن منهم 000إلخ " وقول السالمي المتقدم " ونحن لا نطالب العبادا 000 الخ " ، لكنهم يسمون العاصي كافر نعمة بمعنى أنه استخدم شيئا من نعم الله في معصية الله وهذا ما يسمى كفر دون كفر وله أدلة كثيرة .
(5) الخوارج : أوجدوا مبدأ امتحان لكل من يلتحق بهم ليتأكدوا من مطابقة آرائه لآرائهم وعقائدهم .
? والإباضية لا يوجد لديهم مثل هذا المبدأ ويعتبرون جميع المسلمين متساوين في الحقوق فلا يمتحنوا أحدا لهذا الغرض ولا يتجسسوا عليه لأن التجسس عندهم حرام حتى على الكافر إلا في حالات شرعها الإسلام .
(6) الخوارج : يعتقدون أنه يجوز أن يبعث الله نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته وأنه كان كافرا قبل بعثته .
? والإباضية يقولون بعصمة الأنبياء يقول نور الدين السالمي رحمه الله :
وواجب عليك أن تعرف ما يجوز للرسل وما قد لزما
وما استحال عنهم فاللازم في حقهم نعتا هي المكارم
كالصدق والتبليغ والأمانة والعقل والضبط وكالفطانة
والمستحيل ضدها كالكذب وكالجنون وارتكاب الريب (1)
(
__________
(1) بهجة الأنوار ، نور الدين السالمي ، ص10 (1/66)
صفحة 67
7) الخوارج : يستحلون دماء أهل العهد والذمة وأموالهم ويستحلون دماء من يعيشون في كنفهم من المسلمين .
? الإباضية : يقول الإمام السالمي – رحمه الله - :
ويرفع الحرب لجزية أتت منهم وفي المجوس حكمهم ثبت (1)
(8) الخوارج : تولوا أصحاب الحدود والجنايات منهم .
? الإباضية : يقول الإمام السالمي – رحمه الله - :
ولاية المؤمن فرض حققا وهكذا براءة الذ فسقا (2)
(9)الخوارج قالوا لعل الله يعذب المؤمنين بذنوبهم بغير النار ثم يدخلهم الجنة
? الإباضية :يقول الشيخ أبي طاهر الجيطالي :مما يجب اعتقاده على كل مكلف أن يعلم إن لله ثوابا لايشبهه ثواب وثوابه الجنة وهي ثواب الله لأوليائه في الآخرة. (3)
(10) أجمعت النجدات من الخوارج أن لا حاجة للناس إلى إمام وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم .
? والإباضية ، يقول نور الدين السالمي في غاية المراد:
إن الإمامة فرض حينما وجبت شروطها لا تكن عن شرطها غفلا
(11) يقول بعض الخوارج : الفعل من العبد خلق وإبداع لأن الله تعالى فوضها للعباد .
? والإباضية يقولون :
ومن يقل إلهنا لم يخلق أفعالنا بعدا له من أحمق
لقوله لكل شيء خالق سبحانه الرب المليك الرازق
لو كان خالق سواه لزما تعدد الإله قطعا حتما
ولو تعدد الإله لظهر فساد هذا العالم الذي بهر
لكن لنا في فعلنا اكتساب به الثواب وبه العقاب
من ثم قد نيل به على الرتب إلا النبوات فليس تكتسب 2)
ويقول الشيخ ابن النظر :
خلق العالم ذو العز وما أحدث العالم من خير وشر
فالأفاعيل اكتساب للورى ومن الرحمن خلق وفطر (4)
(12) ويقول بعض الخوارج : القدر خيره وشره من العبد .
__________
(1) بهجة الأنوار ، مرجع سابق ، ص153
(2) بهجة الأنوار مرجع سابق ، ص126
(3) قواعد الإسلام ، الشيخ أبي طاهر الجيطالي ، ص19
(4) الدعائم ، الشيخ أحمد بن النظر ، ص24 (1/67)
صفحة 68
الإباضية يقول الإمام السالمي : وما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره لأنهما أصلان من أصول الدين وركنان من الإيمان " .
(13) يقول الخوارج من أقام في دار كفر فهو كافر لا يسعه إلا الخروج .
? والإباضية يقولون على لسان نور الدين السالمي :
وبعد ما فتحت أم القرى نسخت ما كان من هجرة مفروضها اتصلا (1)
فلا تجب الهجرة حتى من دار الكفر إلا إذا منع عليه إقامة الدين وتعذر عليه ذلك
(14) يقول بعض الخوارج : تجب البراءة من الطفل حتى يدعى إلى الإسلام ويجب دعاؤه إذا بلغ
? الإباضية ، قال القطب : " تجب ولاية غير البالغ لأنه تعالى يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب ، ولأن كل مولود يولد على الفطرة . (2)
(15) الخوارج أباحوا أموال المسلمين واعتبروها حلالا في السر والعلانية .
? أما الإباضية فقد أطبقت كتبهم على أنه لا يحل شيء من أموال المسلمين وإن كانوا بغاة ولو في حالة قتال .
وهذا ما يقوله نور الدين السالمي – رحمه الله – في جوهر النظام : (3)
ومال أهل البغي لا يحل وإن يكن قوم له استحلوا
ثم ذكر الذين استحلوا أموال المسلمين بقوله :
خوارج ضلت فصارت مارقة من دينها صفرية أزارقة
فحكموا بحكم المشركينا جهلا على بغاة المسلمينا
واحتج بفعل أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ذلك فقال :
ولم يكن غنم بيوم الجمل ويوم صفين وسبي من علي
كذاك يوم الدار أيضا لم يكن سبي ولا غنم فكيف يقبلن
فعلهم الحجة فيما فعلوا ونقلهم فيما له قد نقلوا
ولم يكن للعمرين فيهم سبي ولا غنم كما قد زعموا
لأن خصمهم بالارتداد يدعون لا بالبغي والفساد
(16) الخوارج : منهم من قال إن التقية جائزة ولو في قتل نفس .
? والإباضية يقولون :
ولم تجز تقية بالفعل كالحرق والغرق ومثل القتل
__________
(1) غاية المراد في الاعتقاد ، الإمام نور الدين السالمي ، ص52
(2) الذهب الخالص ، محمد بن يوسف اطفيش ، ص39
(3) جوهر النظام الإمام نور الدين الدين السالمي ج3 ص512 _513 (1/68)
صفحة 69
لكن جواز ما أبيح للضرر كالأكل للميتة والدم اشتهر
(17) ينكر بعض الخوارج سورة يوسف من القرآن ويزعمون أنها قصة من القصص .
? أما الإباضية فيعرفون القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله نزل به الروح الأمين على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس "
(18) الخوارج : قالت الشيبانية من الثعالبة أن الله لم يعلم حتى خلق لنفسه علما ، والأشياء تصير معلومة له عند حدوثها ووجودها .
? الإباضية : يقول الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله - :
فهو عليم لا بعلم جلبا وهو سميع لا بسمع ركبا (1)
(19) يجيز بعض الخوارج نكاح بنات البنت وبنات أولاد الاخوة والأخوات بدعوى أن القرآن الكريم لم يذكرهم في المحرمات .
? ويقول الإباضية في جامع البسيوي " فحرام تزويج الأمهات وما ولدت وبنات الابن وبنات البنات والأخوات وما ولدن وأمهات الأمهات وإن علون والأخوات وبناتهن وإن سفلن والعمات والخالات وبنات الاخوة وما ولدن وبني الاخوة وما ولدوا " (2)
(20) قال بعض الخوارج : تؤدي الحائض جميع الشعائر الدينية أثناء فترة الحيض .
? ويقول الإمام السالمي في شرح الجامع الصحيح : " والحيض في اللغة مصدر حاض إذا سال وفي الشرع دم ينفضه رحم امرأة سليمة من الداء أو الصغر وحكمه إن يمنع الصوم والصلاة والجماع وتلاوة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد ، ويجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة " . (3)
(21) بعض الخوارج أسقط الحدود التي لم ترد في القرآن مثل رجم الزاني وحد قذف المحصنين من الرجال مع وجوبه على المحصنات من النساء .
__________
(1) بهجة الأنوار ، نور الدين السالمي ، ص 8
(2) جامع ابي الحسن البسيوي ، الشيخ علي بن محمد بن علي البسيوي ، ج3 ، ص37
(3) شرح الجامع الصحيح ، الإمام نور الدين السالمي ، ص 126 (1/69)
صفحة 70
? ويقول الشيخ نور الدين السالمي في شرح الجامع الصحيح عن الرجم : وهو سنة مجمع عليها وحكي عن الخوارج والنظام وأصحابه من المعتزلة إنكاره ، ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن وهذا باطل فقد ثبت بالسنة المتواترة . (1)
(22)يقول بعض الخوارج إن الله علي عزيز عظيم جليل كبير لا لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وكذلك سائر الصفات التي ليست له ولم يوصف بها لمعان .
الإباضية : يقول نور الدين السالمي :
نعبده جل امتثال أمره سبحانه ونهيه وزجره
فإن يشا يرحمنا بفضله وإن يشا عذبنا بعدله
فالملك والعزة والسلطان له كذا القدرة والبرهان (2)
(23) الخوارج :
أباحوا قتل الأطفال ممن لم يكونوا في معسكرهم واعتبروهم خالدين في النار الإباضية :
يقول الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي مخاطبا جيشه :
ولا تقتلوا طفلا وشيخا وغادة ومن كان مجروحا من البتر جاثما
(24) الخوارج :
قال البدعية نقطع أن من اعتقد اعتقادنا فهو في الجنة ولا نقول إن شاء الله فان ذلك شك في الاعتقاد فنحن من أهل الجنة قطعا من غير شك.
الإباضية : يقول نور الدين السالمي :
فان يشا يرحمنا بفضله وإن يشا عذبنا بعدله.
(25) الخوارج: الإيمان بالعلم بالقلب دون القول والعمل.
الإباضية: يقول نور الدين السالمي:
إيماننا القول والتصديق مع عمل فالقول مر فصدقه وكن عملا (3)
الباب الرابع
اتهام الإباضية بالبدعة والتقليد
? يورد البعض اتهامات وهمية على المذهب الإباضي منبعثة من كراهية هذا المذهب أو جريا وراء التقليد الأعمى والتعصب واتباع الهوى من غير دليل واحد يثبت شيئا من هذه الاتهامات ، وهذه الاتهامات هي :
(1) الإباضية أهل بدعة
(2) الإباضية يقلدون أشياخهم ولا يقبلون الدليل .
(3) الإباضية متعصبون
__________
(1) شرح الجامع الصحيح ، العلامة نور الدين السالمي ، ج3 ، ص 283
(2) بهجة الأنوار ، مرجع سابق ، ص 7
(3) غاية المراد مرجع سابق ص 50 (1/70)
صفحة 71
? إلى غير ذلك من الاتهامات الباطلة التي تتكرر في الكتب والمحاضرات .
? وأنا أتساءل لماذا يصرون على إلصاق هذه الاتهامات بالإباضية ؟
? هل الإباضية يعبدون القبور ؟ هل يقدسون الأشخاص كما يفعل غيرهم ؟ هل هناك أي مسألة عند الإباضية لا تستند إلى دليل من القران أو السنة ؟
? أدعو أي باحث عن الحقيقية أن يأتي ولو بمسألة واحدة عند الإباضية لا تستند إلى دليل. أو تقرب إلى الله بما لم يأذن به الشرع
? ومن أجل توضيح الحق في هذا الجانب وبيان من الأولى بهذه الاتهامات الإباضية أم الحشوية والذين يلصقون أنفسهم بأهل السنة نناقش شيئين ،
? أولا : أقوال الطرفين في هذا الجانب ثم نناقش المسائل الخلافية بين الإباضية وأهل السنة لأنه إذا كان هناك ابتعاد للإباضية عن الدليل من القرآن والسنة فلا يكون في المسائل المتفق عليها وإنما في المسائل الخلافية
? وأريد أن أنبه أن المسائل الخلافية بين الإباضية وأهل السنة ليس كما يظن من وقعوا ضحية للمشنعين أنها لا تعد ولا تحصى وإنما في عدد قليل ، ولكن أبدأ أولا بما يقوله كل من الإباضية والحشوية في الدعوة إلى اتباع الدليل أو إلى اتباع التقليد .
أولا : أقوال الحشوية الملصقين أنفسهم بأهل السنة في الدعوة إلى التقليد :
? يقول الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين في تفسير سورة الكهف : " يجب على الناس جميعا أن يتبعوا المذاهب الأربعة ويجب على الناس أن يقلدوا الأئمة الأربعة ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل ، ولا يبعد أن يقع في الكفر ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة " .
? ويقول الطحان في شريط مسجل : " لا خير في قرآن بلا سنة ولا خير في سنة بلا فهم لسلفنا الكرام " وقال : " فكل من يدعو إلى قرآن بلا سنة فهو
ضال وكل من يدعو إلى كتاب وسنة بلا فهم لسلفنا الأبرار فهو ضال " (1)
__________
(1) سقط القناع ، سماحة الشيخ الخليلي ، ص 78 (1/71)
صفحة 72
? لم تقتصر تشتم الأخيار قاطبة حتى تجهمت أمرا يجلب الخطرا
تقول لا خير في القرآن قط ولا في سنة سنها من أنقذ البشرا
في أي شيء يكون الخير بعدهما أفي الخزعبلة العمياء أنت ترى
? فهل أحد من الإباضية يدعو إلى تقليد الإباضية ولو خالف القرآن
والسنة ؟!!
? وهل يوجد في الإباضية من ينفي الخير عن القرآن والسنة ويثبته في سلفه ؟!!
مع أن الله سبحانه وتعالى يقول : " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " سورة البقرة 2
ويقول : " تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين " النمل 1-2
أليس منطق هذا الحشوي يتفق مع منطق الكافرين كما وصفهم الله بقوله : " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون " المائدة 104 .
ثانيا : أعمال الحشوية التعصبية :
? سب الإباضية في الكتب والمحاضرات .
? الكذب على الإباضية المدون في الكتب من غير استحياء والذي لا يعد ولا يحصى متجاهلين نهي الله ورسوله عن الكذب والظلم .
? حرق كتب الإباضية علنا وإن كان ليس فيها أمور خلافية .
? عدم ذكر أي قول من أقوال الإباضية وكأنها لم تكن من أقوال علماء المسلمين .
? ثالثا : ما يقوله الإباضية عن التقليد :
يقول الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي :
لن نرتضي التقليد دون تحقق إلا لرسل الله يتلوا مصحفه
ويقول نور الدين السالمي رحمه الله :
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار
والاجتهاد عند هذي منعا وهالك من كان فيها مبدعا (1)
ويقول :
نقدم الحديث مهما جاء على قياسنا ولا مراء
ويقول :
حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثارا
ويقول :
ونحن حيث أمر القرآن لا حيث ما قال لنا فلان
ويقول :
فنأخذ الحق متى نراه لو مبغض لنا به أتاه
والباطل المردود عندنا ولو أتى به الخل الذي له اصطفوا
ويقول :
__________
(1) بهجة الأنوار ، مرجع سابق ، ص4 (1/72)
صفحة 73
لأنني أقفو الدليل فاعلما لم أعتمد على مقال العلما
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل والحق ممن جاء حتما يقبل
? إن قول الإباضية إنهم يتبعون الدليل ولا يرضون التقليد ليست كلمات رنانة وإنما هو مبدأ ملزم هالك من خالفه هذا ما يقوله نور الدين السالمي :
والاجتهاد عند هذي منعا وهالك من كان فيها مبدعا
? كما إن الإباضية لم يقتصروا في أخذ الدليل من مسند الإمام الربيع وحده كما يقول المظللون وإنما كتب الحديث جميعها هي مصدر لتلقي الحديث مثل البخاري ومسلم والموطأ والنسائي وغيره ، وكتب الإباضية مليئة بالاستدلال بهذه الأحاديث الموجودة في تلك الكتب .
? وأيضا فإن قول الإباضية إنهم يأخذون الحق متى يرونه ليس ادعاء باطلا وإنما هي حقيقة ثابتة فالمكتبة الإباضية مليئة بكتب المخالفين من تفاسير وكتب السنة وشرحها وكتب عديدة في جميع الفنون ، كما أن أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء مليئة بها كتب الإباضية والعالم يرجح القول الذي يرى الدليل معه بغض النظر عن قائل هذا القول ، وإن شئت أن تتأكد إن هذه هي طريقة المذهب فخذ معارج الآمال للإمام نور الدين السالمي العماني، وخذ البعد المكاني فانظر الذهب الخالص وشامل الأصل والفرع للشيخ محمد بن يوسف إطفيش وهو من المغرب .
? وهنا يرى الباحث المنصف الفرق الكبير بين من يقتني كتب المخالفين وينقل منها ويحترم آراءها وبين من يحرقها علنا ويسب أصحابها .
الباب الخامس
اتهام الإباضية بالتعطيل
? الإباضية والحمد لله يثبتون جميع صفات الله الذاتية والفعلية ، فماذا يقصد هؤلاء الحشوية بأن الإباضية معطلة ؟
? هل يقصدون قول الإباضية إن صفات الله هي ذاته وينفون الزيادة ، فهذا القول يتناسب مع كمال الله سبحانه ، حيث أنه يقتضي أن ذات الله كاملة سميعة وبصيرة وعليمة وغير ذلك من الصفات يعني أنها غير مفتقرة إلى جهاز سمعي وجهاز بصري إلى غير ذلك . (1/73)
صفحة 74
? ولكن القول بأن صفات الله شيء زائد على الذات يقتضي أن الذات ليست سميعة بنفسها وليست بصيرة بنفسها بل هي مفتقرة إلى أجهزة سمعية وبصرية .
? يقول ابن العربي الأندلسي المالكي: لا فرق بين قول القائل ان صفات الله غيره وبين قول اليهود إن الله فقير إلا تحسين العبارة " . (1)
? أم لأنهم قاموا بتأويل المتشابه من القرآن والأخبار تنزيها لله تعالى
? فهذا التأويل لم ينفرد به الإباضية ، فهذا الفخر الرازي يقول : " إن جميع فرق الإسلام مقرّة بأنه لا بد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار ، ويواصل الاستدلال بقوله : أما في القرآن بعدة وجوه :
الأول : هو أنه ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر العين وذكر الجنب الواحد وذكر الأيدي وذكر الساق الواحدة ، فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه واحد وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيد كثيرة وله ساق واحدة ولا نرى في الدنيا شخصا أقبح صورة من هذه الصورة القبيحة المتخيلة ، ولا أعتقد أن عاقلا يرضى بأن يصف ربه بهذه الصفة .
الثاني : قوله تعالى : " ولتصنع على عيني " لو فسر بظاهره لاقتضى أن يكون موسى – عليه السلام – مستقرا على تلك العين ملتصقا بها ، وذلك لا يقوله عاقل .
الثالث : قال الله تعالى : " فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " وقال : " بين يدي رحمته " فالنجوى والرحمة ليس لهما عضوان مسميان باليدين . (2)
الرابع : إن قولهم في تفسير قوله تعالى " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " بأن الله أمر الملائكة تسجد لآدم لأنه خلقه بيده ، ولو كانت اليد عبارة عن القدرة لكانت علة هذه المسجودية حاصلة في كل المخلوقات .
__________
(1) دراسات في المذاهب القديمة والمعاصرة ، عبدالله الأمين ، ص347
(2) أساس التقديس في علم الكلام ،الإمام فخر الدين الرازي ، ص69 (1/74)
صفحة 75
? الجواب : لو كان خلق آدم باليدين هو سبب اصطفائه لاستحقت البهائم أيضا هذا الاصطفاء لقوله تعالى : " أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون " يس 71
الخامس :- إن الله قال " نسو الله فنسيهم " التوبة 67 وقال : " وما كان ربك نسيا " ولو كان النسيان في الآيتين بمعنى واحد فكيف يثبته الله ثم ينفيه ؟!!
? هل يريدون منا أن نصف الله بصفات خلقه كما فعل الحشوية المشبهة حيث وصفوا الله بصفات خلقه ونفوا الألوهية عمن لا يتصف بهذه الصفات
كقول ابن خزيمة " إن من لا رجل له ولا يد ولا عين ولا أذن فهو غير جدير بالألوهية " . (1)
محتجا في ذلك بقوله تعالى : " ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها " الأعراف 195 ، ونسي أن الآية تعني أنكم أكمل من هذه الأصنام فكيف تعبدونها ، ولا تعني أن الخالق لا بد أن توجد فيه هذه الصفات تعالى الله عن ذلك .
يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي :
? (ولقد رد على الحشوية كثير من المحققين من أهل السنة من المذاهب الأربعة بمن فيهم المذهب الحنبلي الذي ألصق الحشوية أنفسهم به واعتبروا هذه العقيدة يهودية المنبت واعتبروهم كفارا .
? ومن أئمة المذاهب الأربعة الذين قالوا ذلك العلامة تقي الدين الحصني الشافعي في كتابه الذي سماه " دفع شبه من شبه وتمرد " ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد " فقد جاء في مقدمة هذا الكتاب : " وبعد فإن سبب وضعي لهذه الأحرف اليسيرة ما دهمني من الحيرة من أقوام أخباث السريرة يظهرون الانتماء إلى مذهب السيد الجليل الإمام أحمد ، وهم على خلاف ذلك والفرد الصمد ، والعجب أنهم يعظمونه في الملأ ، ويتكاتمون إضلاله مع بقية الأئمة ، وهم أكفر ممن تمرد وجحد ويضلون عقول العوام وضعفاء الطلبة "
__________
(1) التوحيد لابن خزيمة ، نقلا من الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية ، الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد ، ص52 (1/75)
صفحة 76
ثم استمر على ذلك إلى أن قال بعد ما وصف كلام كل من ابن حامد والقاضي وابن الزاغوني من أئمة هؤلاء الحشوية المشبهة ، وما جاء في كلامهم من التشبيه لله تبارك وتعالى بخلقه ، قال في هؤلاء : " هي نزعة سامرية في التجسيم ونزعة يهودية في التشبيه ، وكذا نزعة نصرانية .
? ونجد أن العلامة الكبير الزبيدي الحسيني الشافعي قال في كتابه القيم " إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين " : (1) قال ابن القشيري : وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استزلا لهم العوام بما يقرب من أفهامهم ويتصور في أوهامهم لأجللت هذا المكتوب عن تلطيخه بذكرهم ، يقولون : نحن نأخذ بالظاهر ونتحرى الآيات الموهمة تشبيها والأخبار المقتضية حدا وعضوا على الظاهر ، ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شيء من ذلك ، ويتمسكون بقول الله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " وهؤلاء – والذي أرواحنا بيده – أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمون ، وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون ، فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلوا في قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات ، فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات ، فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدري .
__________
(1) اتحاف السادة المتقين ، الشيخ محمد بن محمد الحسيني ،ج2 ، ص109 (1/76)
صفحة 77
? ولنترك ما يقوله علماء المذاهب الثلاثة الحنفية والشافعية والمالكية ولنأت إلى ما يقوله أحد علماء الحنابلة ، مع أن هؤلاء الحشوية يلتصقون بالمذهب الحنبلي ، فهذا العلامة الكبير أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي يقول في مقدمة كتابه " دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه " : " ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبدالله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني ، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب ورأيتهم نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته ، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات وعينين ولهوات ، وأضراسا وأضواء لوجهه هي السبحات ، ويدين وأصابع وكفا ، وخنصرا وإبهاما ، وصدرا وفخذا ، وساقين ورجلين ، وقالوا : ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا : يجوز أن يمس ، ويدني العبد من ذاته ، وقال بعضهم : ويتنفس ، ثم يرضون العوام بقولهم : لا كما يعقل ، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة ، لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من صفات الحدوث ، ولم يقتنعوا بأن يقولوا صفة فعل ، حتى قالوا صفة ذات ، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا : لا نحملها على توجيه اللغة ، مثل يد على نعمة وقدرة ، ومجيء وإتيان على بر ولطف ، وساق على شدة بل قالوا : نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين ، والشيء إنما يحمل على حقيقته إذا أمكن ، ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون : نحن أصحاب السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام . (1/77)
صفحة 78
? وقال في نفس الكتاب ص 274 : " وقال ابن حامد المجسم : رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصوفا في ذاته بأنه يتنفس ، قال : وقالوا الرياح الهابة مثل الرياح العاصفة والعقيم ، والجنوب والشمال ، والصبا والدبور ، مخلوقة إلا ريحا من صفاته هي ذات نسيم حياتي وهي من نفس الرحمن ، قلت – أي ابن الجوزي - : على من يعتقد هذه اللعنة ، لأنه يثبت جسدا مخلوقا ، وما هؤلاء بمسلمين "
? فترون أن ابن الجوزي نفى عنهم الإسلام ، ولئن لم يكونوا مسلمين فما هم إلا كفار ، فهذا نص أحد أئمة الحنابلة بل هو من أكبر علمائهم .
? ونجد العلامة السيد محمد رشيد رضا الذي عصفت به العواصف فألقته في قاع العقيدة الحشوية ، وذلك واضح في تفسيره المنار عندما يأتي إلى الآيات المتشابهات ، فإنه عندما يتحدث عن أي آية من هذه الآيات يحاول جهده أن يحملها على ظاهرها .
يقول في كتابه " الوحي المحمدي " ص 146 " إن الركن الأول والأعظم من هذه الأركان ، وهوا الإيمان بالله تعالى قد ضل فيه جميع الأقوام والأمم ، حتى أقربهم عهدا بهداية الرسل ، فاليهود على حفظهم لأصل عقيدة التوحيد ، قد غلب عليهم التشبيه ، وغاب عنهم أن يجمعوا بين النصوص المتشابهة في صفات الله وبين عقيدة التنزيه ، وقد جعلوا الله كالإنسان يتعب ويندم .
فترون أنه يثبت بأن منشأ ضلال اليهود هو كونهم عجزوا عن الجمع بين النصوص المتشابهة وبين عقيدة التنزيه ، وهذا الأمر عينه هو الذي وقعت فيه المجسمة الحشوية ، فإنهم عجزوا عن ذلك ، بل أخلدوا إلى الأخذ بالآيات المتشابهة وتركوا الأخذ بالآيات المحكمة ). (1)
الفصل الرابع
المسائل الخلافية
__________
(1) نقلا من (وسقط القناع ) ، سماحة الشيخ أحمد الخليلي ، ص30_40 (1/78)
صفحة 79
? والآن نستعرض المسائل الخلافية بين الإباضية وأهل السنة لنرى إن كان الإباضية مبتدعين ولا يقبلون بالدليل ويتبعون أقوال شيوخهم ويتركون السنة كما يقول بذلك المشنعون على الإباضية متبعا مبدأ الدليل والمقارنة .
الباب الأول
الجانب السياسي
? (أ) قول أهل السنة : الخلافة تكون في قريش ولا يجوز الخروج على الحاكم ما دام يقول لا إله إلا الله "
ب – قول الإباضية : يرى الإباضية أن إقامة الخلافة الإسلامية فرض واجب اذا كملت شروطها ولا يشترطون القرشية ولا يلجئون إلى استخدام العنف فلا يحملون سيوفهم ضد الناس بتهور .
ولكنهم يعتمدون على الدعوة والإقناع إن هدفهم الأساسي هو إقامة شرع الله في الأرض ، ولكن الصراع بين الحق والباطل هو سنة الله في أرضه جعله الله ابتلاء واختبارا لعباده المخلصين لدينه .
? والإباضية عندما يرون أعداء الله متسلطين في الأرض بغير الحق وليس لهم القدرة على مقاومتهم لإظهار الحق يلجئون إلى الكتمان وذلك بنشر الوعي الديني ليزيد حزب الله ويقاوم الفساد فإذا أنسوا من أنفسهم القوة وذلك بأن يكونوا نصف عدوهم بناء على قوله تعالى : " فإن يكن منكم مائة يغلبوا مائتين " ، في ذلك الحين يرى الإباضية أن ليس للمسلمين العذر في البقاء تحت إمرة الظلمة مع قدرتهم على مقاومة الظلم وإقامة العدل فيرون أن مبايعة خليفة للمسلمين يقوم بالعدل أمر واجب ، يقول الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله – :
إن الإمامة فرض حينما وجبت شروطها لا تكن عن شرطها غفلا (1)
? ولقد لخص الشيخ علي يحيى معمر – رحمه الله – أهم أصول الإباضية السياسية (2) في النقاط التالية :
(
__________
(1) غاية المراد غي الاعتقاد ، العلاّمة نور الدين السالمي ، ص45
(2) الإباضية مذهب إسلامي معتدل ، الشيخ علي يحيى معمر ، ص25-26 (1/79)
صفحة 80
1) عقد الإمامة فريضة بفرض الله الأمر والنهي – والقيام بالعدل وأخذ الحقوق من مواضعها ووضعها في مواضعها ، ومجاهدة العدو والدليل عليها من الكتاب والسنة والإجماع .
(2) رئاسة الدولة الإسلامية ( الخلافة ) ليست مقصورة على قريش أو على العرب وإنما يراعى فيها الكفاءة المطلقة فإن تساوت الكفاءات كانت القرشية أو العروبة مرجحة .
(3) لا يحل الخروج على الإمام العادل .
(4) الخروج على الإمام الجائر ليس واجبا كما تقول الخوارج ، وليس ممنوعا كما يقول الأشاعرة والسلفية وإنما هو جائز بترجح استحسان الخروج إذا غلب الظن نجاحه ، ويستحسن البقاء تحت الحكم الظالم إذا غلب على الظن عدم نجاح الخروج أو خيف أن يؤدي إلى مضرة تلحق بالمسلمين أو تضعف قوتهم على الأعداء في أي مكان من بلاد الإسلام .
? والإباضية عندما يتكلمون عن الأئمة الجورة لا يقصدون مخالفيهم فقط كما توحي به عبارات المؤرخين وكتاب المقالات ، وإنما يقصدون أئمة الجور الذين انحرفوا عن حكم الله سواء كانوا من أتباع المذهب الإباضي أو من أتباع غيره ، فالجور ليس له مذهب .
(5) الإمام يختار عن طريق الشورى واتفاق أغلبية أهل الحل والعقد .
(6) الإمام هو المسئول عن تصرفات ولاته ، ويستحسن له أن يستشير أهل الحل والعقد من أهل كل منطقة في تولية العمال عليهم وعزلهم عنهم .
(7) لا يجوز أن تبقى الأمة الإسلامية دون إمام أو سلطان .
(8) الحاكم الجائر يطالب أولا بالعدل فإن لم يستجب طولب باعتزال أمور المسلمين فإن لم يستجب جاز القيام عليه وعزله بالقوة ولو أدى ذلك إلى قتله إذا كان ذلك لا يؤدي إلى فتنة أكبر .
(9) الحاكم الجائر سواء كان من الإباضية أو من غيرهم هو وأعوانه في براءة من المسلمين ومعسكره معسكر بغي .
(10) بلد المخالفين لهم في المذهب بلد إسلام ولو كان سلطانهم جائرا .
(11) لا يجوز الاعتداء على دولة مسلمة قائمة داخل حدودها إلا ردا لعدوان
( (1/80)
صفحة 81
12) يجوز أن تتعدد الإمامات في الأمة المسلمة إذا اتسعت رقعتها وبعدت أطراف البلاد عنها أو قطع بين أجزاءها عدو بحيث يعسر حكمها بنظام واحد أو يكون ذلك سببا لانهيارها وتشتت قواها وتعطل مصالح الناس فيها
? وهكذا لقد عمل الإباضية على تطبيق مبدأ وجوب إقامة الخلافة الإسلامية والذي يسمونها بالإمامة وهي عبارة عن قيادة دينية سياسية مأخوذة من قول الله تعالى لعبده إبراهيم – عليه السلام – " إني جاعلك للناس إماما " أي قدوة وقائدا في الخير .
? ولقد ابتدأت الخلافة الإسلامية عند الإباضية منذ القرن الثاني الهجري فقد بويع الإمام طالب الحق في اليمن عام 128هـ كما بويع الإمام الجلندى بن مسعود في عُمان عام 132 وبويع الإمام أبو الخطاب المعافري عام 140 في طرابلس ، ولقد بويع في عُمان وحدها أكثر من ستين إماما أقاموا شرع الله في أرضه .
يقول الشيخ ناصر بن سالم الرواحي – رحمه الله - :
تعاقبت خلفاء الله منصبها منذ الجلندى وختم الكل عزّان
أئمة حفظ الدين الحنيف بهم من يوم قيل لدين الله أديان
صيد شراة أباة الضيم أسد شرى شمس العزائم أواهون رهبان
سفن النجاة هداة الناس قادتهم طهر السرائر للإسلام حيطان
وقف على السنة البيضاء سعيهم وفي الجهادين ان عزوا وإن هانوا
ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثنى عزمهم نفس وشيطان
فجاهدوا واستقاموا في طريقته عزومهم لصروح الدين أركان (1)
__________
(1) ديوان أبي مسلم ، الشيخ ناصر بن سالم الرواحي ، ص 302 (1/81)
صفحة 82
ويقول الدكتور حسين عيد غانم غباش في كتابه " عمان والديمقراطية الإسلامية " في مقدمة الكتاب : " ينم تأريخ عمان وثقافتها_ وهما في الأكثر مجهولان_ عن صنوف من الأصالة ويفتحان على أبواب من الخصائص المميزة ، فلقد التصق هذا التأريخ منذ القرن الثاني الهجري ( الثامن الميلادي ) ولفترة تزيد على ألف عام في جوهره بتأريخ حركة فريدة نشأت وازدهرت على خلفية مذهب إسلامي أقلي هو المذهب الإباضي ، وانطبعت هذه الحقيقة بالسعي إلى تشييد إمامة عادلة وناجحة وفق النموذج الإباضي للدولة الإسلامية .
? ولقد وجدت الحركة الإباضية هويتها العقائدية والفكرية في زمن مبكر ، ومن خلال محافظتها على مبدأ الشورى والانتخاب الحر للأئمة مبدأ الإجماع والتعاقد يمكن أن تعد وأن تعد نفسها الوريث الحقيقي لتقاليد الخلفاء الراشدين 11هـ 632م –40هـ661م ، وبشكل خاص الفترة الأولى من فترة أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
? تعد دولة الخلافة هذه الفترة المثالية والنموذجية للدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتمثل هذه الفترة بالنسبة للإباضية وغيرهم المرجعية الإسلامية الوحيدة ، ومنها استلمت الحركة الإباضية رؤيتها وشرعيتها ومبادئها وقوانينها الدستورية وكل ذلك في سبيل إقامة الدولة والمجتمع الإسلاميين المثاليين من خلال تشييد نظام الإمامة "
شروط الإمام
وفق الدستور الإباضي يجب على الإمام أن يكون عادلا حكيما شجاعا شريفا قادرا على نشر العدالة بين الناس والسهر على حقوقهم ومصالحهم وأن يحكمهم بالعدل التام حسب الشريعة الإسلامية ، ولا ينبغي أن يكون الإمام حسودا ولا حقودا ولا بخيلا ولا متعجلا ولا مبذرا ولا غدّارا ، ويجب ألا يكون ماكرا ولا مقعدا ولا أعمى ولا أبكم ولا أصم ". (1)
__________
(1) المصنف ، أحمد بن عبد الله الكندي ، ج10 ، ص39-63 ، نقلا من كتاب عمان والديمقراطية للدكتور ، حسين عبيد غانم غباش ، ص 70. (1/82)
صفحة 83
? يقول الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي يصف الهدف الذي قامت الإمامة من أجله
والله لا أشرا قمنا ولا بطرا لا ولا طلبا ملكا وعدوانا
لكن كقدوتنا بالعدل إذ نبذت آيات خالقنا والحق قد بانا
شكرا لخالقنا إذ نحن ليس كمن ضل السبيل ورام الملك طغيانا
إن الإله هدانا جلّ جلّ إلى أهدى الهداية والعرفان عرفانا
إنا نقول بحكم الله قد شهدت كل البرية في التحكيم قتلانا
إنا على بصر من ديننا وعلى قصد السبيل أخو العدوان يلقانا
إنا نحث على مرضاة خالقنا دينا ونخلع من قد رام عصيانا
إنا نميز ما بين الولي وما بين العدوّ كما قد قال مولانا
لم يرض أولنا قدما مداهنة في دينهم وكذا لم نرض إدهانا (1)
? ولقد كان الأئمة يأخذون العهود على ولاتهم وقضاتهم لإقامة العدل ، ولقد اخترت نقل بعض الأبيات عن الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي لولاته وقضاته حيث قال :
نظمت لكم عهدا فلا بد من عهد يكون إلى قاض ووال على الجند
ليحمل كل ما تحمل مشفقا ويعلم أن الله لا غيره قصدي
فمن منهما خان الإله عزلته ومن لم يخن عهدا شددت به عضدي
وما أنا إلا ناقض العهد خائن إذا لم أزل من خان ممن ولى عهدي
على الناس عصياني وإسقاط حرمتي إذا لم أطع ذا العرش أو لم أصن عقدي
فيا أيها القاضي نصبت لمعظم من الأمر فانظر ما تعيد وما تبدي
نصبت ومن ينصب لحكم القضا فقد تنصب للبلوى على خطر أد
حملت أمانات فكن من حسابها على وجل واذكر مناقشة الفرد
فإن السما والأرض أعرضن خيفة وأشفقن من حمل الأمانة والعهد
فخذ بكتاب الله واقتد بأحمد وأتباعه ترشد وترشد إلى الرشد
وما غاب من علم عليك فانه إلى العلما بالله بالله فاستهد
ولا تقض إلا عن فراغ وخلوة عن الملل المذموم والغضب المردي
وواس بعينيك الخصوم ملاحظا وساو سواء مجلس الحر والعبد
وأطرق إذا جاءتك حجة مدع قليلا كذا أطرق إذا احتج ذو الجحد
__________
(1) ديوان السيف النقاد ، مرجع سابق ، ص 134 (1/83)
صفحة 84
ولا تتهم خصما لخصم ولو بدا لوهمك وهم من سديد ولا وغد
وقال :
ويا أيها الوالي جعلتك واليا على طاعة الرحمن والمصطفى النجدي
وللأمر بالمعروف والنفي للأذى وإخماد نار الجور والقمع للضد
وترك الهدايا والتجارة إنها تبث على الوالي أذى العزل والطرد
ولطفك والإحسان بالناس كن بهم رؤوفا لطيفا بالمشيب وبالمرد (1)
الباب الثاني
مسائل الخلاف في العقيدة
أولا : مسألة خلق القرآن
? إن مسألة قدم القرآن وخلقه فتنة أثارها اليهودي أبو شاكر الديصاني وكثر الكلام فيها بين القائلين بقدم القرآن والقائلين بخلقه .
? أما القائلين بقدم القرآن فقد اختلفوا اختلافا كثيرا ، فلو أخذنا ما تقوله فرقة واحدة مثل الحنابلة وجدناهم قد اختلفوا في :
(أ) صوت قارئ القرآن وتلاوته .
(ب) الحروف الهجائية التي تتركب منها كلمات القرآن وغيره .
(ج) تكلم الله هل بمشيئته أو بدونها .
أولا : اختلافهم في الصوت :
? ذهب فريق منهم إلى قدم صوت القارئ واعتقاد أنه قائم بذات الله تعالى ، ومن هؤلاء محمد بن داود البصيصي وابن حامد وأبو نصر السجزي والقاضي أبو يعلى وأنكر عليهم ذلك أبو بكر وآخرون ، وحكوا عن الإمام أحمد قوله " من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع " . (2)
? ويقول الشيخ أحمد الخليلي : " وفي هذا النص الذي رووه من التناقض ما لا يخفى على عاقل فإنه لا توسط بين الخلق وعدمه ، فالشيء إما أن يكون مخلوقا أو غير مخلوق ، فإن كان مخلوقا فلماذا يضلل القائل بخلقه ؟! وإن كان غير مخلوق فلماذا يبدّع من قال بعدم خلقه ؟!
? ومن جهة أخرى كيف يكون صوت المخلوقين قديم وقائم بذات الله ؟!!
__________
(1) ديوان السيف النقاد ، الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي ، ص19
(2) الصواعق المرسلة ، ص 440 نقلا من الحق الدامغ لسماحة الشيخ أحمد الخليلي ص 127 (1/84)
صفحة 85
ثانيا : اختلافهم في الحروف : قال ابن تيمية : " لما تكلموا – أي الحنابلة – في حروف المعجم صاروا بين قولين طائفة فرقت بين المتماثلين فقالت الحرف حرفان هذا قديم وهذا مخلوق ، فأنكر عليهم كثيرون وقالوا هذا مخالف للحس والعقل (1)
? وذكر ابن تيمية أنه رأى بخط القاضي أبي يعلى قال : " نقلت من آخر كتاب الرسالة للبخاري في أن القراءة غير المقروء ، وقال وقع عندي عن أحمد بن حنبل على اثنين وعشرين وجها كلها يخالف بعضها بعضا ، والصحيح عندي أنه قال : ما سمعت عالما يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق ،قال وافترق أصحاب أحمد بن حنبل على نحو من خمسين " . (2)
? يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي – حفظه الله – في الحق الدامغ :
وهم في هذا التنازع لا يرجعون إلى أصل من كتاب أو سنة وإنما كل مستندهم ما يروونه عن الإمام أحمد ويتأولون من كلامه فكأنهم جعلوا كلامه أصلا من أصول الدين المستند إليها فأين هم من قول الله تعالى : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " النساء259 ، وأغمضوا أعينهم عن كل ما جاء عن الله ورسوله مما يجلوا وجه الحق ويكشف سدول الجهل عن حقيقة هذه المسألة "
ثالثا : اختلافهم في كلام الله بمشيئته أو بغيرها :
? قال بعضهم : إن الله لم يتكلم بمشيئته ، وهم اتباع بن كلاب القاضي وغيره وبنو قولهم هذا على أن كلام الله الحرفي صفة قديمة قائمة بذات الله عز وجل ، فإن القديم بقدمه لا تسبقه مشيئة كالعلم والقدرة والحياة وأمثالها من صفات الله تعالى .
? وقال بعضهم إن الله متكلم بمشيئته يتكلم متى شاء .
__________
(1) فتاوى ابن تيمية المجلد الثاني ععشر ص83 نقلا من الحق الدامغ ص128
(2) المرجع السابق ص 366 نقلا من الحق الدامغ ص 141 (1/85)
صفحة 86
? وإذا رجعنا إلى كلام الشيخ ابن تيمية وجدناه يقول : " ولا قال أحد منهم – أي السلف – إن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال ، وأن الله قامت به حروف معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال ، فإن هذا لم يقله ولا دل عليه قول أحمد ولا غيره من أئمة المسلمين ، بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في نقيض هذا " . (1)
? فما دام ابن تيمية ينكر أزلية القرآن فلماذا يقال القرآن غير مخلوق ؟!!
? فإن قيل إنكار القول بخلق القرآن هو إنكار كونه ناشئا عن غيره تعالى كما يفيده قول ابن تيمية " مع قولهم إن كلام الله غير مخلوق وأنه منه بدأ ، ليس بمخلوق ابتدأ من غيره "
? يعني أنهم لا يستطيعون إطلاق كلمة مخلوق على القرآن حتى لا يفهم أن القرآن ابتدأ من غير الله .
? وفي الحقيقة إن وصف الشيء بأنه مخلوق لا يعني أنه ابتدأ من غير الله سبحانه ، فإن مبدأ الكون منه تعالى ، قال تعالى : " أمّن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " النمل 64
? ومن التناقض في قول ابن تيمية قوله " إنه منه بدأ ليس بمخلوق " حيث نفى الخلق وأثبت البداية وهل البداية إلا خلق ؟!! (2)
قول الإباضية في خلق القرآن :
? يقول الإباضية بخلق القرآن ويستدلون بأربعة عشر دليلا من القرآن وحده بالإضافة إلى الأدلة من السنة والأدلة العقلية ، فمن أدلة القرآن قوله تعالى " وخلق كل شيء فقدره تقديرا " الفرقان 2 ، فالقرآن داخل في عموم قوله " وخلق كل شيء " ومقدرة سوره وآياته وجمله وكلماته وحروفه وحركاته وتلاوته ومعانيه وأحكامه وأخباره ، والأدلة موجودة في " الحق الدامغ " وفي مختصره .
__________
(1) فتاوي بن تيمية المجلد الثاني عشر ص86 نقلا من الحق الدامغ ص148
(2) الحق الدامغ ، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ، ص148 (1/86)
صفحة 87
? فهل هذه الأقوال المتضاربة متبعة للسنة والإباضية الذين اعتمدوا على أدلة من القرآن والسنة هم مبتدعة ؟!!
? الخلاصة : نقلت هذا الجزء البسيط من أقوال القائلين بقدم القرآن والتي تدور حول ما قاله أئمتهم ليظهر للباحث المنصف خطأ من قال " إن الإباضية أهل بدعة " .
? وإلا فإننا لو أخذنا المفيد من أقوال أهل السنة وجدنا أن الخلاف بين الإباضية وأهل السنة في هذه المسألة لفظيّ كما يقول أبو إسحاق : " ولعل أعدل ما في هذه المسألة القول بأن الخلاف فيها لفظي لأن القائلين بالخلق يعنون القرآن المتلو المكتوب وغيرهم يعني معانيه والله أعلم " . (1)
? ربما أن التحليلات التالية تدل على ما قاله أبو إسحاق :
? (1) إن التكلم بالقرآن غير أزلي وهذا ما يقره الإباضية وأهل السنة ، يقول ابن القيم في الصواعق المرسلة " وكذلك قوله تعالى " وإذا أردنا أن نهلك قرية"الإسراء 16 سواء كان الأمر هنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن " (2)
(2) إن معنى كلمة " قديم "أي لم يسبق وجوده عدم ، ومعنى " مخلوق " أي سبق وجوده عدم.
? فلو جئنا إلى وجود القرآن المتلو المكتوب في المصاحف بهذه الصياغة ، كل حرف محتاج إلى آخر لتتركب الكلمة وكل كلمة محتاجة إلى كلمة أخرى لتتركب الجملة .
? سبق وجوده في المصاحف عدم . لأن المصاحف غير أزلية
? وسبق وجوده في الصدور عدم لأنه قبل أن ينزل لم يكن موجودا لا في مصحف ولا في صدر .
? وكذلك ليس أزليا في اللوح المحفوظ لأن اللوح المحفوظ مخلوق .
? وليس قائما بذات الله .
? ولكنه أزلي قديم في علم الله سبحانه ، وهذا يتفق عليه الجميع .
? إذن الكلام المنزل المركب من الحروف الذي تتلوه الألسن وتسمعه الآذان وتعيه العقول التكلم به حادث في أوقات محددة ( التكلم به غير قديم )
__________
(1) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ، الشيخ نور الدين السالمي ، ص156
(2) نقلا من الحق الدامغ ، مرجع سابق ، ص110 (1/87)
صفحة 88
حادث في المصاحف ( وجوده في المصاحف غير قديم )
حادث في الصدور ( وجوده في الصدور غير قديم )
حادث في اللوح المحفوظ ( وجوده في اللوح المحفوظ غير قديم )
غير قائم بذات الله سبحانه ( لا توجد حروف ولا أصوات أزلية قائمة بذات الله )
قديم في علم الله .
إذن لم يبق وصف لهذا الكلام المعين بالقد م الاّ وجوده في علم الله .
ثانيا : نفي رؤية الباري جلّ وعلا
? من المعلوم أن الإباضية ينفون رؤية الله في الدنيا والآخرة ، وأهل السنة يثبتونها ، وأنا لست هنا بصدد عرض الأدلة لأني ذكرتها في كتاب " العقيدة الإسلامية في ضوء العقل والنقل " ، ولكن أنبه على بعض النقاط بناء على أدلة الطرفين التي ذكرتها هناك .
? أقوال المثبتين للرؤية :
(1) بعضهم يقول أنها يمكن أن تقع في الدنيا والآخرة .
(2) وبعضهم يقول لا تقع إلا في الآخرة ولا يراه إلا المؤمنون .
(3) وقال آخرون إنه يرى الله جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم .
(4) وقال آخرون يراه المؤمنون والمنافقون دون الكافرين .
? والأقوال الثلاثة الأخيرة في مذهب الإمام أحمد وهي لأصحابه . (1)
? ونحن لا نستغرب هذا التضارب في الأقوال لأنها مبنية على أدلة متضاربة .
فحديث أبي هريرة يثبت حسب زعمهم الرؤية في الموقف .
وحديث صهيب يثبتها في الجنة وسياقه دل على أنها أول مرة لو أخذ بظاهره .
وحديث أبي هريرة يثبتها للمؤمنين والمنافقين .
وحديث صهيب يثبتها للمؤمنين فقط .
? فنقول أولا:
(1) الحق واحد فأين الحق من هذه الأقوال ؟!!
(2) لو قلتم أن الرؤية للمؤمنين فقط فماذا تعملون بحديث أبي هريرة الذي يثبتها للمنافقين أيضا ؟!!
(3) لو قلتم الحق أن الرؤية للمؤمنين والمنافقين حسب حديث أبي هريرة مع قولكم أن الرؤية أكبر نعيم من الجنة فلماذا يحرم الله المنافقين من النعيم الأصغر ؟!!
(
__________
(1) حادي الأرواح ، ابن القيم ، ص 326 (1/88)
صفحة 89
4) وإذا قلتم أن الله يريهم نفسه ثم يحجبون ليتحسروا – كما قال بعضكم – فلماذا لا يدخلهم الجنة ويخرجهم ليتحسروا ؟!!
(5) لماذا لم يذكر الله نعيم الرؤية بالتفصيل كما ذكر نعيم الجنة بالتفصيل ؟!!
ثانيا : عندما احتج النافون للرؤية بآية محكمة تدل دلالة صريحة على نفي الرؤية وهي قوله تعالى " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " الأنعام 103 رددتم هذا الاحتجاج بشبهات من الخيال لا أساس لها فكيف يطمئن أحد أن يبني عقيدته على تفسر آية محكمة بشبهة من الخيال تغير معنى الآية ولا يجد لها أي تأييد في الكتب حيث قلتم :
(1) إن الإدراك معناه الإحاطة ، ولم نجد في كتب الصحاح من يفسر الإدراك بالإحاطة ،بل وجدنا حسبما فسرناه فكيف يكون الرد حقيقة ؟!!
(2) وقلتم أن الآية جاءت لسلب العموم لا لعموم السلب فهل تستطيعون أن تطبقوا هذا التعليل على الآيات الأخرى التي سيقت للمدح وتضمنت النفي مثل قوله تعالى " إن الله لا يحب المعتدين " البقرة 190 ؟!!
(3) وقلتم إن عدم رؤيته لا يعد مدحا بسبب مشاركته غيره في ذلك كالرياح والأرواح ، فهل تستطيعون تطبيق هذا التعليل على قوله تعالى " لا تأخذه
سنة ولا نوم " البقرة 255 لأن الأجرام السماوية لا تنام ؟!!
(4) أحتج النافون للرؤية بحديث أبي موسى الأشعري الذي رواه الشيخان : " جنتان من فضة آنيتها وما فيها وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن
? فهل رداء الكبرياء يزول عنه تعالى حتى تحصل الرؤية ؟!! تعالى الله عن ذلك .
? وأخيرا هل المذهب الذي قال بأربعة أقوال متضاربة مبنية على أدلة متضاربة لم يستطع المستدلين بها الجمع بينها هي الحق واتباعا للقرآن والسنة ؟ والمذهب الذي قال بقول واحد تدعمه أدلة استطاع أهله أن يردوا على جميع اعتراضات استدلاله يقال أنه مجانب للحق وأنه مبتدع ؟!! (1/89)
صفحة 90
ثالثا : مسألة الشفاعة وعدم غفران الذنوب من غير توبة
لقد أتبع الحشوية أنفسهم هواها وأتوا لها بالمبررات لتفعل ما تشاء من
المنكرات من غير أن تخاف من عقوبة الملك الديان متبعين التأويل التعسفي
لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية وفوق ذلك يشنون حملة من الانتقادات والسب على من أول تلك الآيات تأويلا صحيحا .
? فقالوا : إن الإنسان بمجرد انتمائه إلى الدين الإسلامي بالنطق بالشهادتين صار له جواز سفر دبلوماسي لدخول الجنة ، محتجين بقوله – صلى الله عليه وسلم – " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " وعندما قال الشيخ سالم بن حمود السمائلي هذا إذا لم يقترف إثما آخر ، قالوا هذا تأويل فاسد .
? وقالوا لو عمل الإنسان ما عمل ما دام قال لا إله إلا الله فذنوبه مغفورة من غير توبة (1) محتجين بقوله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " النساء 48 وبقوله – صلى الله عليه وسلم – : " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق " ، وعندما قال الإباضية : إذا تاب ، قالوا : هذا تأويل فاسد ، وقالوا : لو جاء وذنوبه مثل الجبال فسيخرج له بطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله فترجح على كل الذنوب وتلغيها ويدخل الجنة .
? وقالوا : إن الرسول سيشفع لأهل الكبائر ولو كانت هذه الكبيرة قتل النفس (2) مع أن الله تعالى يقول : " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها " النساء 93
? وقالوا : إن من دخل النار من أهل الكبائر فسيخرج منها .
? فإذا كان من مات لا يشرك بالله دخل الجنة بغض النظر عن الكبائر الأخرى ، وإن الذنوب مغفورة من غير توبة ، فما الذي يدخلهم النار إلا الشرك ؟!! والمشركون مخلدون في النار فمن الذين قالوا عنهم يخرجون من النار ؟!! ، فلا شك إن هذه تأويلات فاسدة تجرىء الناس على معصية الله .
__________
(1) الإباضية ، عبد العزيز بن محمد ، ص 10
(2) التوحيد ، لابن خزيمة ، ص273 (1/90)
صفحة 91
? فإذا كان الله سبحانه وتعالى وصف القول بالخروج من النار يسبب الغرور في الدين حيث قال سبحانه : " ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون " آل عمران 24 ، فكيف الأقوال الأخرى ؟!!
? فلو كان القول بالخروج من النار حقا لما سبب الغرور فالحق لا يسبب الباطل .
? ليس الأمر كما يعتقد هؤلاء أن مجرد الانتماء إلى هذا الدين يجعل الإنسان يفلت من الجزاء فلقد نص القرآن الكريم في آيات كثيرة على أن كل من عمل صالحا جوزي بما عمل ، ومن عمل سيئا جوزي بما عمل ، وقد حذر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة من الاغترار بالأماني ، فقد قال عز من قائل : " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا " .النساء 123
? يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي : "وفي ذكر أماني أهل الكتاب مع أماني هذه الأمة إشارة إلى أن بعض أفراد هذه الأمة سوف يغترون كما اغتر أهل الكتاب ، وسوف يتعلقون بالأماني راجين من الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم ذنوبهم بمجرد انتمائهم إلى هذا الدين الحنيف وتصديقهم بالنبي – عليه أفضل الصلاة والسلام – وقد ذكر أماني هذه الأمة تحذيرا لهذه الأمة عن مسلك أهل الكتاب ليأخذ كل حذره وليعمل جهده في طاعة الله سبحانه وتعالى .
? وقد جاءت آيات كثيرة تؤيد ما جاءت به الآية من أن كل أحد سوف يجازى بعمله ، من ذلك قوله تعالى : "و من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون " النمل ،90 وقوله سبحانه : " من جاء بالحسنة فله خير منها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون "القصص 84 ، وهذه نصوص صريحة لا تقبل الجدل أن الله سبحانه وتعالى يجازي كل أحد بعمله خيرا كان أو شرا . (1/91)
صفحة 92
? وقد بين سبحانه وتعالى أنه يغفر ذنوب التائبين لا ذنوب المصرين ، فقد قال عز من قائل " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى "طه 82 ، وبين سبحانه وتعالى أنه يغفر سيئات الذين يجتنبون الكبائر ، أي يغفر صغائرهم دون كبائرهم ، ولا يغفر الصغيرة إلا مع اجتناب الكبيرة وشريطة عدم الإصرار عليها لقوله سبحانه وتعالى : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما "النساء 31 .
? وإذا أدرك الإنسان ذلك فهم معنى قوله سبحانه وتعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "النساء 48 فيغفر لمن يشاء إما بالتوبة والإقلاع عن الكبائر والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ، وإما باجتناب الكبائر مع صدور بعض الصغائر من غير قصد الإصرار عليها ومن غير الاستمرار على ارتكابها ، هذا هو المقصود بقوله : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ، فقد بين سبحانه في آيات أخرى من يشاء لهم المغفرة وهم الذين يجتنبون الكبائر ولا يصرون على الصغائر ، وقد جاء الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار " . (1/92)
صفحة 93
? وكما أنه سبحانه وتعالى حذر من أماني الغفران ، وبين أن كل أحد سوف يجزى بما كسب ، حذر أيضا من أماني الشفاعة ، وقد وجه هذا التحذير إلى هذه الأمة ، فقد قال مخاطبا المؤمنين : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون " البقرة 254 وقال سبحانه مخاطبا بني إسرائيل : " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولاهم ينصرون"البقرة 48 ، وفي هذا أيضا تحذير لهذه الأمة ولغيرها من التعلق بأماني الشفاعات . وبين تعالى أن الشفاعة لا تكون للظالمين بقوله : " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " غافر 18 . وهل من قائل أن أكل مال اليتيم بالباطل أو غصب أموالهم أو أعراضهم أو كان قاتلا أو غير ذلك بأنه غير ظالم ؟!
وأما ما قيل من أن الإنسان يشفع له النبيون يوم القيامة ، وسوف يتخلص من العقاب ، فقد بين سبحانه وتعالى الذين يستحقون شفاعة النبيين وغيرهم في قوله : " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى "الأنبياء 28 فالشفاعة تحق للرضى دون غيره ، وإن كان الرضى يستحق دخول الجنة قد تكون الشفاعة أيضا من ضمن الأسباب التي تؤدي إلى دخول الجنة فقد يتوب التائب من معصيته ، ويجعل الله سبحانه وتعالى للشفاعة نصيبا في قبول توبته ، وأما المصرون على الكبائر فلا شفاعة لهم بهذه النصوص القاطعة " . (1)
رابعا : مسألة الخلود في النار
? اختلف المسلمون في خلود أهل الكبائر في النار ، فالبعض يقول يعذبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون من النار والبعض الآخر يقول إن من دخل النار لا يخرج منها ، والإباضية يقولون بالخلود .
? فإذا نظرنا إلى القول بخروج أهل الكبائر من النار وجدناه ضعيفا لعدة أشياء :
__________
(1) موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي " شريط " ، الشيخ أحمد الخليلي . (1/93)
صفحة 94
أولا : إنه جاء من عند اليهود كما صرح القرآن الكريم بذلك حيث قال سبحانه : " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " البقرة 80-81
ثانيا : إن في الآية استنكار لهذه العقيدة وإنها غير مستندة إلى عهد الله .
ثالثا : لقد صرحت الآية أن من ارتكب سيئة وأحاطت به خطيئته – يعني أنه لم يتخلص منها بالتوبة – فهو مخلد في النار .
رابعا : ليس هناك آية واحدة في القرآن الكريم تذكر الخروج من النار بل القرآن أنكر قول اليهود ذلك ، بالإضافة إلى ذلك فإن آيات الخلود كثيرة .
خامسا : هناك أحاديث تنص على خلود أهل الكبائر وغيرهم في النار .
سادسا : كل ما تعلق به القائلون بالخروج من النار بعض الأحاديث النبوية ، مع أن أحاديث أخرى تثبت الخلود ومتفقة مع القرآن .
فهل نأخذ الأحاديث المتفقة مع آيات القرآن أم المختلفة معها ؟.
? يقول السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار: " وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفته رواية لغيره من الثقات فمخالفة القطعي من القرآن أولى بسلب وصف الصحة عنه " (1)
? بالإضافة إلى ذلك فإن عمر بن الخطاب رد حديث فاطمة بنت قيس لمخالفته القرآن ، كذلك السيدة عائشة ردت حديث ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله لمخالفته القرآن ، وإذا كانوا في ذلك الوقت يرجعون أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى القرآن حتى لا يقعوا في الخطأ فكيف بعد ما اختلط الحابل بالنابل .
? أما الإباضية ومن معهم فقد بنوا قولهم بالخلود لكل من دخل النار ليس اتباعا للهوى وإنما على أدلة قطعية من القرآن والسنة لا يشك في صحتها عاقل .
__________
(1) تفسير المنار ، السيد محمد رشيد رضا ، ج1 ، ص 86 نقلا من شريط سمعي عن سماحةالشيخ أحمد الخليلي بعنوان موقف الإباضية من الخليفتبن عثمان وعلي (1/94)
صفحة 95
? فآيات القرآن صرحت في أن أصحاب الكبائر مخلدون في النار إن ماتوا مصرين عليها ولم يتوبوا منها ، قال الله تعالى : " إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون "الزخرف 74-75
? يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله - : " وهل من قائل يقول إن الزاني الذي مات وهو مصر على الزنا أو شارب الخمر أو قاتل النفس المحرمة بغير الحق أو آكل الربا أو المصر على ارتكاب الكبائر ليس من المجرمين ؟!! من الذي يقول إن هؤلاء ليسوا مجرمين ؟!! ويقول سبحانه وتعالى : " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين " الانفطار 13 -16 بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن الناس ينقسمون إلى قسمين : أبرار وفجار ، وبين أن الأبرار في النعيم وأن الفجار في الجحيم وأنهم لا يغيبون عن هذا الجحيم ،
? فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر أن الزنا من البر ؟!! وأن قتل النفس المحرمة من البر ؟!! وأن من فعل شيئا من ذلك من الأبرار ؟!! وهل ينكر أحد من المؤمنين بالله واليوم الآخر أن هذه المعاصي ليست من الفجور وأن فاعلها ليس من الفجار ؟!! .
? ويقول سبحانه وتعالى : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " الفرقان 68_70
لقد نص الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن من قتل النفس المحرمة بغير حق ومن زنى فلهما حكم المشرك في الخلود في النار .
ولعل قائلا يقول : إن الوعيد منصب على من جمع هذه الصفات جميعا ، أي من أشرك مع الله إلها آخر وقتل النفس المحرمة بغير الحق وزنى . (1/95)
صفحة 96
? والجواب : إنه يلزم هذا القائل أن لا يخلد أحد في النار بسبب الشرك حتى يضم إلى الشرك قتل النفس المحرمة بغير الحق والزنى ، أما إن أشرك ولم يقتل النفس المحرمة بغير الحق ولم يزن ، يلزمهم على هذا القول أن لا يكون من الخالدين في النار .
? ويقول سبحانه وتعالى في آكل الربا : " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " البقرة 275 ، فهذا نص صريح في أن آكل الربا من أصحاب النار الذين يخلدون فيها .
? ويقول تبارك وتعالى : " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها 000" الآية ، النساء93 فقد بين سبحانه وتعالى أن قاتل النفس المؤمنة بغير حق مأواه جهنم وسوف يخلد فيها ،ويقول الله سبحانه وتعالى : " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين " النساء 14 .
فالآية جاءت بعد تبيان أحكام المواريث وحكمت على المتعدي فيها بالخلود ، فهل التعدي في الميراث شرك ؟!! " . (1)
? وما وراء ذلك من الآيات الكثيرة الناصة على الخلود في النار ، وهذه الآيات كلها تدل على خطورة عقيدة من يعتقد الخروج من النار أو العفو عن أهل الكبائر لما تجره من التهاون بأوامر الله والجرأة على معاصيه " .
? وهناك أدلة أخرى من القرآن ذكرتها في كتاب " العقيدة الإسلامية في ضوء العقل والنقل " .
? وروى البخاري ومسلم وغيرهم من طريق ابن عمر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت ويا أهل الجنة لا موت كل خالد فيما هو فيه " وروى مثله البخاري عن أبي هريرة والطبراني والحاكم وصححه من طريق معاذ - رضي الله عنه - .
ودلالة الحديث على الخلود من غير استثناء واضحة .
__________
(1) موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي " شريط " ، سماحة الشيخ أحمد الخليلي (1/96)
صفحة 97
? كما وردت أحاديث صحيحة في مسلم والبخاري وغيرهم تنص بالخلود لمن ارتكب الكبائر ، وقد نصت على خلود كل من : مدمن الخمر ، والعاق لوالديه ، والديوث ، ومن استرعاه الله رعية فأضاعها ، ومن اقتطع حق مسلم بيمينه ، ومن قتل نفسه بحديدة أو بسم ، ومن يضربون الناس بالسياط ، والكاسيات العاريات ، وهذه الأحاديث موجودة في كتاب " الحق الدامغ " لسماحة الشيخ الخليلي وفي مختصره .ومعظمها رواها الشيخان
? أليست هذه كبائر غير الشرك ؟!!
? هل العقوبة على استحلالها دون فعلها ؟!!
? يقول العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار في الجزء الأول ص 112 " القاعدة السادسة " أن الجزاء على الإيمان والعمل معا لأن الدين إيمان وعمل ومن الغرور أن يظن من ينتمي إلى نبي من الأنبياء أن ينجوا من الخلود في النار بمجرد الانتماء ، والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم في دينهم وما رد به عليهم حتى لا نتبع سنتهم : " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة "وبعد ذلك يقول : ولكننا قد اتبعنا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع مصداقا لما ورد في الحديث الصحيح ، وإنما نمتاز عليهم بأن المتبعين بعض الأمة لا كلها وبحفظ نص كتابنا كله وضبط سنة نبينا في بيانه وبيان حجة أهل العلم والهدى قائمة إلى يوم القيامة " . (1)
? وقد قال في تفسير آية الربا " وقد أول المفسرون الخلود لتتفق مع المقرر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار فقال أكثرهم : من عاد إلى أكل الربا واستباحته اعتقادا ، ورده بعضهم بأن الكلام في أكل الربا ، وما ذكر عند من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم ، فهو ليس بمعنى استباحة المحرم ، فإذا كان الوعيد قاصرا على الاعتقاد فحسب فلا يكون هناك وعيد على الأكل بالفعل " .
__________
(1) تفسير المنار ، ، ص112 نقلا من موقف الإباضية من الخليفتين ، مرجع سابق (1/97)
صفحة 98
? ويتابع السيد محمد رشيد رضا " والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء ، يجب إرجاع كل قول في الدين إليه ، ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس ، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في قتل العمد ، وليست هناك تسمية في اللفظ على إرادة الاستحلال " . (1)
?
الباب الثالث
بعض مسائل الخلاف الفقهية
مسألة صلاة السفر
? اختلف العلماء في هذه المسألة في عدة جوانب :
(1) في القصر هل هو واجب أم رخصة والتمام أفضل .
(2) في مسافة القصر التي يجب القصر عند بلوغها .
(3) في مدة القصر في السفر التي يجب فيها القصر.
? يرى الإباضية أن القصر واجب على كل من يتجاوز مسافة القصر وهي ما بين المدينة المنورة وذي الحليفة وقدرت بفرسخين أو 12كم ، ومدة السفر إلى أن يعود إلى بلده .
? والقول بوجوب القصر لم ينفرد به الإباضية وحدهم ، قال الخطابي في المعالم : وكان مذهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول علي وعمر وابن عباس وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن وقال حماد بن سليمان يعيد من صلى في السفر أربعا . (2)
? وهذا القول يستند على أدلة قاطعة لا تقبل الشك :
أولا : إن رواة السير والحديث أجمعوا أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يتم في سفر قط .
ثانيا : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، وقد نقل إلينا أصحابه – رضوان الله عليهم – أنهم رأوه يصلي في الحضر الظهر والعصر والعشاء أربعا وفي السفر ركعتين ، وأنهم صلوا وراءه كذلك ولم يتم في سفر قط ، وما كان لنا أن نخالف رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما شرع لنا ولو كان هناك حكم آخر لبينه لنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
__________
(1) موقف الإباضية من الخليفتين ، شريط سمعي ، مرجع سابق
(2) نيل الأوطار الشوكاني ج4 ص114 (1/98)
صفحة 99
ثالثا : إن هناك أحاديث صحيحة تبين أن الصلاة فرضت ركعتين وبعضها يبين أن الإتمام في السفر كالقصر في الحضر .
? وإليك هذه الأدلة لتطمئن إلى صحة ما قلناه :
(1) قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة فلما قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا في المغرب فإنها وتر النهار وصلاة الفجر لطول قراءتها وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى . رواه ابن خزيمة وأحمد والبيهقي وابن حبان من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما.
(2) فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر " رواه الربيع ومسلم عن أم المؤمنين عائشة .
(3) فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأول " رواه البخاري وأحمد وزاد أحمد إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا .
(4) " فرض الله الصلاة في السفر ركعتين وفي الحضر أربعا " رواه مسلم والجصاص .
(5) " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود .
(6) " صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد – صلى الله عليه وسلم – " رواه أحمد والنسائي وابن ماجه .
(7) " على المقيم سبع عشرة ركعة وعلى المسافر إحدى عشرة ركعة " رواه الربيع بن حبيب .
(8) " صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر " أخرجه الطبراني عن ابن عمر في الكبير برجال الصحيح .
(9) " من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين " رواه أحمد .
(10) قال قتادة : سمعت موسى بن سلمة قال : سألت ابن عباس فقلت : إني أكون بمكة فكيف أصلي ؟ قال : " ركعتين سنة أبي القاسم – صلى الله عليه وسلم – " رواه البيهقي .
(11) " قال ابن عمر صلاة السفر ركعتان نزلت من السماء فإن شئتم فردوهما " رواه الطبراني .
( (1/99)
صفحة 100
12) " كان – صلى الله عليه وسلم – إذا خرج من بيته مسافرا يصلي ركعتين ركعتين حتى يرجع " رواه البيهقي عن ابن عباس .
(13) قال عمران بن الحصين " ما سافر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع ، ويقول " يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين ، وأتى الجعرانة فاعتمر فيها ، وحججت مع أبي بكر – رضي الله عنه – فصلى ركعتين ، واعتمرت مع عثمان فصلى ركعتين ركعتين صدرا من إمارته ثم صلى عثمان أربعا " وروي الحديث من عدة طرق وبألفاظ مختلفة وهذه رواية البيهقي .
(14) صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت " رواه الخطيب والجصاص .
(15) قال ابن عمر صحبت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك " أخرجه البخاري ومسلم وأحمد .
(16) أقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مددا مختلفة في أماكن مختلفة وفي كل ذلك يقصر الصلاة . (1)
(17) وعن ابن عمر قال :"إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتانا ونحن ضلال فعلمنا، فكان مما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر ، رواه النسائي)
? وقد احتج القائلون بأن القصر رخصة ببعض الأدلة :
(1) قوله تعالى : " ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " النساء 101
? قالوا إن عدم نفي الجناح لا يدل على العزيمة وإنما على الرخصة .
__________
(1) انظر أحكام السفر في الإسلام الشيخ علي يحيى معمر ص 26_29 (1/100)
صفحة 101
? وأجيب( بأن هذا النقاش كان في زمن الصحابة رضوان الله عليهم حيث أخرج مسلم عن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب : " ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " فقد أمن الناس فقال _ أي عمر _ عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ، إن الآية نزلت في صلاة الخوف لا في صلاة السفر فأشكلت على الصحابة فسألوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأجابهم بحكم صلاة السفر وقال إنها صدقة من الله ، نعمة من نعمه الكثيرة التي يجب شكرها ، وقد خشي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يظن أن القصر رخصة فأصدر أمره بقبول حكم الله – فاقبلوا صدقته – والأمر للوجوب .
? ورفع الحرج في الآية يعني التطمين والإيناس لأنهم يصلون الظهر والعصر والعشاء رباعية في الوطن فظنوا أن القصر رخصة فبينت لهم الآية أنه ليس رخصة وأن هذا شرع الله ولا إثم فيه ، والشاهد على هذا المعنى قوله تعالى : " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم) البقرة 158 .
? فقد جاءت الآية للتطمين والإيناس فقد سبق في أذهان الناس أن السعي بين الصفا والمروة من أعمال الجاهلية لأنهم كانوا يطوفون حول الصنمين أساف ونائلة فتحرجوا من ذلك فبين الله لهم أن السعي فريضة لا حرج فيه ) (1)
? وقد أورد الشوكاني حججهم ورد عليها حيث قال :
" والحجة الثانية قوله – صلى الله عليه وآله وسلم - : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " فإن الظاهر من قوله صدقة إن القصر رخصة فقط .
? وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها وهو المطلوب .
__________
(1) أحكام السفر في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 37 (1/101)
صفحة 102
والحجة الثالثة : ما في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فمنهم القاصر ومنهم المتم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض " كذا قال النووي في شرح مسلم ولم نجد في صحيح مسلم قوله فمنهم القاصر ومنهم المتم ، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار ، وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – اطلع عليهم وأقرهم عليه ، وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك ، وقد تقرر إن إجماع الصحابة في عصره – صلى الله عليه وسلم – ليس حجة والخلاف بينهم مشهور بعد موته .
والحجة الرابعة ما روي عن عائشة قالت : خرجت مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصروا وأتممت ، فقلت بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال : أحسنت يا عائشة " رواه الدار قطني وقال إسناده حسن .
? قال ابن حزم هذا حديث لا خير فيه وطعن فيه ، ورد عليه ابن النحوي قال في الهدي بعد ذكره لهذا الحديث " وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا حديث كذب على عائشة ، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم وحدها بلا موجب ، وكيف وهي القائلة فرضت الصلاة ركعتين فزيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ، فكيف تزيد على فرض الله وتخالف رسول الله وأصحابه ؟!.
? ويقول الشوكاني بعد ذلك " وقد لاح من مجموع ما ذكرناه رجحان القول بالوجوب ، وأما دعوى التمام أفضل فمدفوعة بملازمته – صلى الله عليه وآله وسلم – للقصر في جميع أسفاره ، وعدم صدور التمام عنه كما تقدم ، ويبعد أن يلازم – صلى الله عليه وسلم – طول عمره المفضول ويدع الأفضل ". (1)
__________
(1) نيل الأوطار ، ج4 ، محمد بن علي الشوكاني ، ص116-117 (1/102)
صفحة 103
? وأما في مقدار المسافة التي يقصر فيها الصلاة فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب ابن حزم إلى أقل مسافة وهو ميل واحد وقال البعض ثلاثة أميال ، وذهب البعض إلى اشتراط السفر الطويل وأقله مرحلتان عند البعض وثلاث مراحل عند البعض الآخر .
? وقال الإباضية المسافة التي يجب فيها القصر فرسخان محتجين بما رواه أنس قال : صليت مع رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين " متفق عليه .
? ومما يدل على وجوب القصر في السفر القصير ما روي عن شعبة بن يحيى بن يزيد الهنائي سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين " شعبة الشاك رواه أحمد ومسلم وأبو داود .
? قال في الفتح وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه ،
وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التي يبدأ منها القصر لا غاية السفر ، قال : ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال : سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس : فذكر الحديث ، قال فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ منه القصر . (1)
? وأما الذين اشترط السفر الطويل فقد أورد الرد عليهم سيد سابق حيث قال
__________
(1) نيل الأوطار ، مرجع سابق ، ص122 (1/103)
صفحة 104
" وأما ما ذهب إليه الفقهاء من اشتراط السفر الطويل وأقله مرحلتان عند البعض وثلاث مراحل عند البعض الآخر فقد كفانا مؤنة الرد عليهم الإمام أبو القاسم الخرقي قال في المغني : قال المصنف : ولا أدري لما صار إليه الأئمة حجة ، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف ، فقد روي عن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا ، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قوله حجة مع قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وفعله " (1)
فتبين أن القول بوجوب القصر في السفر القصير والذي بينه الحديث بالمسافة من المدينة إلى ذي الحليفة وقاسه العلماء فوجدوه 12 كم هو الصحيح ، وأن القول باشتراط السفر الطويل لا يستند إلى دليل .
? وفي مدة القصر اختلف العلماء إلى أقوال كثيرة فمنهم حدده بثلاثة أيام ومنهم من قال ولو إلى سنين ومنهم من قال غير ذلك .
? وقال الإباضية بأن مدة القصر ما دام مسافرا وقد قال بهذا القول الصنعاني في سبل السلام وسيد سابق وابن القيم حيث يرى ان الإقامة لا تخرج عن حكم السفر طالت أم قصرت ما لم يستوطن المكان الذي أقام فيه .
? ولهذا القول أدلة كثيرة من هدي الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهدي أصحابه ، فقد جاء عن الرسول – صلى الله عليه وسلم :
(1) عن أبي هريرة أنه صلى مع الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى مكة في المسير والمقام بمكة إلى أن رجعوا ركعتين ركعتين " رواه أبو داود الطيالسي في مسنده .
(2) وعن يحيى بن إسحاق عن أنس قال : خرجنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة فقلت أفأقمتم بها شيئا قال أقمنا بها عشرا " متفق عليه .
(3) عن جابر قال : " أقام النبي – صلى الله عليه وسلم – بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة " رواه أحمد وأبو داود .
(
__________
(1) فقه السنة سيد سابق ص 212 (1/104)
صفحة 105
4) وعن عمران بن حصين قال : " غزوت مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر " رواه أبو داود .
(5) عن ثمامة بن شرحبيل قال : خرجت إلى ابن عمر فقلت : ما صلاة المسافر ؟ فقال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثا ، قلت أرأيت إن كنا بذي المجاز ؟ قال : وما ذي المجاز ؟ قلت : مكان نجتمع فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة ، فقال : يا أيها الرجل : كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أو شهرين فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين " رواه أحمد .
(6) صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت" رواه الخطيب والجصاص.
? وأما هدي أصحابه – صلى الله عليه وسلم – فقد أورده سيد سابق في كتابه فقه السنة (1) حيث قال :
? وقال نافع : " أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول "
? وقال حفص بن عبيد الله : " أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر "
? وقال أنس : " أقام أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة "
? وقال الحسن : " أقمت مع عبدالرحمن بن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا يجمع "
? وقال إبراهيم : " كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك و بسجستان السنتين " فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ترى وهو الصواب . ففي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاة وأما التقليد الأعمى فهو سبيل ضعاف الإيمان .
? وأما مذهب الناس فقال الإمام أحمد إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يجمعوا الإقامة البتة بل كانوا يقولون : اليوم نخرج غدا نخرج .
__________
(1) فقه السنة ، سيد سابق ، ج 1 ، ص 214 (1/105)
صفحة 106
? ففي هذا نظر لا يخفى فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتح مكة وهي ما هي وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب ، ومعلوم قطعا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام ولا يتأتى في يوم واحد ولا يومين ، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدو ، ومن المعلوم قطعا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام ، وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج ، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ولا يذوب في أربعة أيام بحيث تفتح الطرق ، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر ، وإقامة الصحابة برام هرمز سبعة أشهر يقصرون ، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد لا ينقضي في أربعة أيام ، وقد قال أصحاب أحمد : إنه لو أقام لجهاد عدو أو حبس سلطان أو مرض قصر سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة ، وهذا هو الصواب ، لكن شرطوا فيه شرطا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة فقالوا شرط ذلك احتمال انقضاء الحاجة في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الأربعة أيام ، فقال : من أين لكم هذا الشرط والنبي – صلى الله عليه وسلم – لما أقام زيادة على أربع يقصر الصلاة بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئا ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ، ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته فلم يقل لهم حرفا واحدا لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال وبيان هذا من أهم المهمات ، وكذلك اقتداء الصحابة به بعده ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئا من ذلك ".
مسألة التسليم في الصلاة هل واحدة أم اثنتان
? اختلف العلماء في ذلك ، يقول الإمام السالمي :
وسلمن يمنة ويسرى تسليمتين والشهير وترا (1/106)
صفحة 107
? فالقائلون بالتسليمتين يحتجون بما رواه ابن مسعود أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يسلم عن يمينه وعن يساره : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده " رواه الخمسة وصححه الترمذي .
وعن عامر بن سعيد عن أبيه قال" كنت أرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلم عن يمينه و عن يساره حتى يرى بياض خده " رواه أحمد ومسلم والنسائي
? واحتج القائلون بالتسليمة الواحدة بما روي عن هشام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة قالت كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة فيحمد الله ويذكره ويدعو ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة فيجلس فيذكر الله ويدعو ثم يسلم تسليمة يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس " رواه أحمد والنسائي وفي رواية أحمد ثم يسلم تسليمة واحدة السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا "
وعن ابن عمر قال : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة واحدة يسمعناها " رواه أحمد .
وعن أنس عند أبي شيبة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – سلم تسليمة واحدة ، وعن الحسن مرسلا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة " ذكر ذلك أبو شيبة " (1)
أدلة استقامة الإباضية
? إن قول الإباضية بأنهم أهل الحق والاستقامة ليس مجرد دعوى وإنما تؤيده عدة أدلة يدركها من حرّر نفسه من ربقة التعصب ، ومن هذه الأدلة :
أولا : إنها الفرقة التي أقامت الخلافة الإسلامية لإقامة شرع الله في أرضه حيثما وجدت هذه الفرقة في عمان والمغرب واليمن .
__________
(1) نيل الاوطار مرجع سابق ص 186 (1/107)
صفحة 108
ففي عمان وحدها بويع بالخلافة أكثر من ستين إماما بيعة على مبدأ الشورى والتعاقد على نهج الخلفاء الراشدين ، وليس هذا ادعاء فقط وإنما هو حقيقة واقعة ابحث عن سيرتهم هل تجدهم قصّروا في شيء من شرع الله من إقامة حدود وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وغير ذلك ؟ هل تجد عندهم الإقطاعيات ؟ هل تجدهم يقيمون السهرات الماجنة مثل من تدعوهم الفرق الأخرى بالخلفاء من عباسيين وأمويين وعثمانيين وغيرهم ؟
? أنظر عهودهم إلى جيوشهم مثل عهد الإمام الصلت بن مالك لجيشه الذي أرسله لمقاتلة النصارى في سقطرى والذي ركز فيه على تحذير الجيش من عصيان الله وحثهم على المعاملة الحسنة ورسم لهم الخطوط العريضة التي يتبعونها في نهجهم مع أهل سقطرى أكثر من تركيزه على المكاسب العسكرية .
وانظر عهود الأئمة إلى ولاتهم تدلك على سيرتهم .
? ومن جهة أخرى هل يعقل أن تكون الفرقة الناجية من الفرق التي لم تقم الخلافة الإسلامية لإقامة شرع الله على مر العصور ؟!! بل تحمي الظلمة والمتسلطين بقولها لا يجوز الخروج عليهم .
ثانيا : بعدها عن عقائد اليهود ، مع أن بعض الفرق التي تدعي أنها المحقة اتفقت مع اليهود في خمس مسائل عقائدية ذكرتها في باب " الفرق بين الإباضية والخوارج " .
ثالثا : وحدة رأيهم في مسائل العقيدة ، حتى في المسائل الخلافية ، ففي نفي الرؤية مثلا لهم قول واحد وكذلك في عدم الخروج من النار والشفاعة وغير ذلك ، بينما لا تجد هذا الاتفاق في الفرق الأخرى ، فالمثبتون للرؤية من أهل السنة لهم في الرؤية عدة أقوال وفي قدم القرآن عشرات الأقوال وفي الخروج من النار أكثر من قول .مع ان العقيدة ليس فيها اجتهاد ،فالحق واحد.
رابعا : قوة أقوالهم فليس هناك مسألة في العقيدة إلا ولها أساس من القرآن والسنة ولم يستطع المخالفون نقض تأويلهم لها ، بينما نرى أن لدى المخالفين أقوال تناقض القرآن كما بينت ذلك في نفي الرؤية .
، (1/108)
صفحة 109
ويرفضون الحوار باستمرار مدعين أن دلك إظهار للباطل ، وفي الحقيقة هو إفلاس من الحجة فمثلا هم دائما يرددون أن الإباضية أهل بدعة ،ونراهم يعرفون البدعة بأنها : التقرب إلى الله بما لم يأذن به الله ، والإباضية كما ذكرت سابقا ليس لديهم أي نوع من هذه البدع فليس لديهم تمسح بالقبور وليس لديهم تقديسا لأشخاص ولم يذكر المخالفون في كتبهم عن الإباضية بدعة محددة .
خامسا : بعدهم عن الكذب عموما وعلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خصوصا ، فهم أبعد ما يكون عن وضع الأحاديث .
سادسا : عدم مناقضة بعضهم بعضا وسب بعضهم البعض بل ولعن بعضهم البعض كما يفعل غيرهم وذكرته في باب " الرد على من اتهم الإباضية بالتعطيل " نقلا من كتبهم .
سابعا : منهجيتهم العلمية: وتبدوا واضحة فيما يلي :
(1) تحري الدقة في أحكامهم في كل شيء حتى مع الفرق الأخرى ، ليس كما تفعل الفرق الأخرى حيث يبدو واضحا حكم الشرك على المسلمين في قول البغدادي في عدم جواز الصلاة خلف الفرق الأخرى ولا عليهم ولا مزاوجتهم بالإضافة إلى من يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم.
(2) بعدهم عن الكذب على الفرق الأخرى لإظهار حجتهم عليهم كما رأيناه موجود ا عند الفرق الأخرى .
(3) سعة أفقهم ورحابة صدورهم حيث أنهم يتبعون الحق فيأخذون الأحاديث النبوية من جميع كتب السنة وينقلون أقوال المخالفين ويرجحون أي قول يرون دليله أقوى بغض النظر عمن قاله ، وهذا واضح في كتبهم .
ثامنا : عدالتهم الاجتماعية ، فالمواطنون من الفرق الإسلامية الأخرى في ظل الدولة الإباضية لهم كافة الحقوق والواجبات التي يستحقها كل مسلم من إباضي وغيره ،إلا الولاية (الحب في الله) وإن حدث ما يخالف ذلك فهو ظلم ، المبادئ الإباضية بريئة منه .
الخاتمة
بدا واضحا أن الإباضية هم أهل الحق و الإستقامة وإن ما قيل عنهم بأنهم أهل ضلال ليس إلا ضباب من الوهم يتلاشى مع ظهور الحق 0 (1/109)
صفحة 110
أسأل الله العلي القدير أن يوحد كلمة المسلمين على الحق وأن يؤلف بين قلوبهم ، وأن يفرق شمل أعدائهم إنه سميع مجيب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
المراجع
(1) فقه السنة ، سيد سابق ، الفتح العربي الإعلامي ، القاهرة ، 1414هـ – 1993م .
(2) نيل الأوطار ، الشيخ محمد بن علي بن محمد الشوكاني ، مكتبة القاهرة ، 1398هـ – 1978م .
(3) قناطر الخيرات ، الشيخ أبي طاهر إسماعي ل بن طاهر الجيطالي ، دار النهضة للنشر والتوزيع ، سلطنة عمان ، ط2 ، 1418هـ – 1998م .
(4) الدعائم ، الشيخ أحمد بن النظر ، طبع وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، ط2 ، 1409هـ ، 1988م .
(5) جوهر النظام ، العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي ، دار المعارف ، لبنان ، 1410هـ - 1989م .
(6) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ، الشيخ نور الدين السالمي ، مكتبة الاستقامة ، سلطنة عمان .
(7) الكامل في التأريخ ، ابن الأثير محمد بن علي بن عبد الكريم ، دار الباز ، مكة المكرمة ، ط2 ، 1415هـ – 1995م .
(8) الإباضية بين الفرق الإسلامية ، الشيخ علي يحيى معمر ، طبع وزارة التراث القومي والثقافة ،سلطنة عمان .
(9) الحق الدامغ ، سماحة الشيخ أحمد الخليلي ، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ، سلطنة عمان ، 1412هـ .
(10) وسقط القناع ، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ، سلطنة عمان ، 1412هـ .
(11) أضواء على الإباضية ، الشيخ علي يحيى معمر ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان .
(12) المهذب من إحياء علوم الدين ، الشيخ صالح أحمد الشامي ، دار القلم ، دمشق ، 1413هـ – 1993م .
(13) عمان والديمقراطية الإسلامية ، د . حسين عبيد غانم غباش ، دار الجديد ، لبنان ، 1997م .
(14) أساس التقديس في علم الكلام ، الإمام فخر الدين الرازي ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، ط2 ، 1993م .
( (1/110)
صفحة 111
15) البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، الدكتور فرحات الجعبيري ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان .
(16) الجامع الصحيح ، مسند الإمام الربيع بن حبيب ، مكتبة مسقط ، سلطنة عمان ، 1415ه ـ 1994م .
(17) الكشف والبيان ، الشيخ محمد بن سعيد القلهاتي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1400هـ .
(18) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ، الشيخ محمد بن محمد الحسيني ، دار الكتب العالمية ، بيروت ، 1409 هـ – 1989م .
(19) الإمامة والسياسة ، الشيخ محمد بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، دار المنتظر ، بيروت ، 1405هـ – 1985م .
(20) ديوان السيف النقاد ، الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي ، ط2 ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1409 هـ – 1988م .
(21) شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع ، الشيخ نور الدين السالمي ، المطبعة العمومية ، دمشق ، 1383هـ – 1963م .
(22) جامع أبي الحسن البسيوي ، الشيخ علي بن محمد بن علي البسيوي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1404 هـ – 1984م .
(23) كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة ، الشيخ نور الدين السالمي ، مخطوطة
(24) غاية المراد في الاعتقاد ، الشيخ نور الدين السالمي ، مخطوطة .
(25) العقود الفضية في الأصول الإباضية ، الشيخ سالم بن حمد الحارثي .
(26) دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة ، عبد الله الأمين ، دار الحقيقة ، بيروت .
(27) الفرق الإسلامية مدخل ودراسة ، د . عبد الفتاح المغربي ، مكتبة وهبة ، ط2 ، 1415هـ – 1995م .
(28) العدالة الاجتماعية في الإسلام ، سيد قطب ، ط7 ، بيروت ، 1387هـ _ 1976م
(29) البداية والنهاية ابن كثير دار المعارف بيوت الطبعة الرابعة.
(30) الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد دار المعرفة الجامعية الإسكندرية.
(31) المدخل الى دراسة الاديان والفرق والمذاهب العميد محمد أسود.
( (1/111)
صفحة 112
32) الفرق بين الفرق عبد القادر بن طاهر البغدادي دار الجيل بيوت 1408ه 1987م
(33) الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة محمد بن شامس البطاشي مكتبة الضامري مسقط السيب .
(34) فرق معاصرة تنتسب الى الإسلام وموقف الاسلام منها غالب ين علي عواجى مكتبة أضواء المنار المدينة المنورة . 1414 ه
(35) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ابن القيم الجوزية دار الكتاب العربي بيروت 1414ه 1994م
(36) زاد المعاد في هدي خير العباد محمد صلى الله عليه وسلم ابن القيم الجوزية دار الكتاب العربي بيروت.
(37) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري مكتبة فراتز شتايز نفيسادن 1400ه 1980م
(38) الفصل في الملل والنحل ابو محمد علي بن أحمد دار المعرفة بيوت 1395ه 1975م
(39) الملل والنحل أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني مكتبة الأنجلو مصرية 1977م
(40) التبصير في الدين أبو المظفر شاهفور بن طاهر الإسفراييني
(41) الإباضية عبد العزيز بن محمد دار طيبة الرياض 1412هـ
(42) أحكام السفر في الإسلام علي يحيى معمر مكتبة الاستقامة روي سلطنة عمان
(43) الذهب الخالص محمد بن يوسف إطفيش المطابع العالمية روي سلطنة عمان
(44) كشف الكرب محمد بن يوسف إطفيش وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1405هـ 1985م
(45) قواعد الإسلام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي مكتبة الإستقامة روي سلطنة عمان 1413هـ 1992م
(46) الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي مكتبة الضامري سلطنة عمان 1416هـ 1995م
(47) الوحي المحمدي محمد رشيد رضا 1404هـ 1984م
(48) إسلام بلا مذاهب الدكتور مصطفى الشكعة الدار المصرية اللبنانية 1414هـ 1994م
الفهرس
م ... الموضوع ... رقم الصفحة
1 ... مقدمة فضيلة الشيخ سعيد بن خلف الخروصي ... 1
2 ... مقدمة الكتاب ... 3
3 ... الفصل الأول : معرفة الحقيقة وأسباب الجنوح الفكري ... 5 (1/112)
صفحة 113
4 ... الباب الأول : الطريق الصحيح لمعرفة الحقيقة ... 5
5 ... الباب الثاني : أسباب الخطأ أو الجنوح الفكري ... 8
6 ... الفصل الثاني : افتراءات كتّاب المقالات على الإباضية ... 18
7 ... الباب الأول : أسباب التعصب ضد الإباضية ... 18
8 ... الباب الثاني : ردود على كتّاب المقالات ... 22
9 ... الإباضية مع أبي الحسن الأشعري ... 22
10 ... البغدادي والفرق الإسلامية ... 32
11 ... الإباضية عند البغدادي ... 34
12 ... ابن حزم والإباضية ... 38
13 ... أبو المظفر الأسفراييني والإباضية ... 43
14 ... أبو الفتح الشهرستاني والإباضية ... 45
15 ... الغوابي والإباضية ... 47
16 ... مع الإستاذ عبد القادر شيبة الحمد ... 49
17 ... مع عبد العزيز بن محمد عبد اللطيف ... 50
18 ... مع أحد الكتّاب المعاصرين ... 54
19 ... الفصل الثالث : مفاهيم يجب أن تختفي ... 56
20 ... الباب الأول : مسألة أن الحق عند الكثرة ... 56
21 ... الباب الثاني : اتهام الإباضية بكراهية الصحابة ... 61
22 ... وقفة تأمل ... 77
23 ... تنبيه هام ... 78
24 ... بيان موجز لقضية التحكيم ... 80
25 ... الباب الثالث : مسألة إلصاق الإباضية بالخوارج ... 81
26 ... الباب الرابع : اتهام الإباضية بالبدعة والتقليد ... 94
27 ... الباب الخامس : اتهام الإباضية بالتعطيل ... 99
28 ... الفصل الرابع : المسائل الخلافية ... 105
29 ... الباب الأول : الجانب السياسي ... 105
30 ... الباب الثاني : مسائل الخلاف في العقيدة ... 112
31 ... أولا : مسألة خلق القرآن ... 112
32 ... ثانيا : نفي رؤية الباري جل وعلا ... 118
33 ... ثالثا : مسألة الشفاعة وعدم غفران الذنوب من غير توبة ... 120
34 ... رابعا : مسألة الخلود في النار ... 124
35 ... الباب الثالث : بعض مسائل الخلاف الفقهية ... 130
36 ... مسألة صلاة المسافر ... 130
37 ... مسألة التسليم في الصلاة ... 141
38 ... أدلة استقامة الإباضية ... 142
39 ... الخاتمة ... 145
40 ... المراجع ... 146 (1/113)
صفحة 114
الإباضية في ميدان الحق
108
(9) الحاكم الجائر سواء كان من الإباضية أو من غيرهم هو وأعوانه في براءة
من المسلمين ومعسكره معسكر بغي. (10) بلد المخالفين لهم في المذهب بلد إسلام ولو كان سلطانهم جائرا. (11) لا يجوز الاعتداء على دولة مسلمة قائمة داخل حدودها إلا ردا لعدوان (12) يجوز أن تتعدد الإمامات في الأمة المسلمة إذا اتسعت رقعتها وبعـ أطراف البلاد عنها أو قطع بين أجزاءها عدو بحيث يعسر حكمها بنظام
•
ــدت
واحد أو يكون ذلك سببا لانهيارها وتشتت قواها وتعطل مصالح الناس فيها وهكذا لقد عمل الإباضية على تطبيق مبدأ وجوب إقامة الخلافة الإسلامية | والذي يسمونها بالإمامة وهي عبارة عن قيادة دينية سياسية مأخوذة من قول الله تعالى لعبده إبراهيم – عليه السلام – " إني جاعلك للناس إماما " أي قدوة وقائدا في الخير ولقد ابتدأت الخلافة الإسلامية عند الإباضية منذ القرن الثاني الهجري فقد بويع الإمام طالب الحق في اليمن عام 128 هـ كما بويع الإمام الجلندى بن مسعود في عُمان عام 132 وبويع الإمام أبو الخطاب المعافري عام 140 في طرابلس، ولقد بويع في عُمان وحدها أكثر من ستين إماما أقاموا شرع الله في أرضه.
يقول الشيخ ناصر بن سالم الرواحي – رحمه الله -:
تعاقبت خلفاء الله منصبها منذ الجلندى وختم الكل عزان أئمة حفظ الدين الحنيف بهم من يوم قيل لدين الله أديان صيد شراة أباة الضيم أسد شرى شمس العزائم أواهون رهبان سفن النجاة هداة الناس قادتهم طهر السرائر للإسلام حيطان (1/114)
صفحة 115
الإباضية في ميدان الحق
وقف على السنة البيضاء سعيهم وفي الجهادين ان عزوا وإن هانوا
ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثني عزمهم نفس وشيطان عزومهم لصروح الدين أركان فجاهدوا واستقاموا في طريقته
(1)
ويقول الدكتور حسين عيد غانم غباش في كتابه " عمان والديمقراطية الإسلامية " في مقدمة الكتاب: " ينم تأريخ عمان وثقافتها وهما في الأكثر مجهولان_ عن
صنوف من الأصالة ويفتحان على أبواب من الخصائص المميزة، فلقد التصـ هذا التأريخ منذ القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) ولفترة تزيد على ألفـ عام في جوهره بتأريخ حركة فريدة نشأت وازدهرت على خلفية مذهب إسلامي أقلي هو المذهب الإباضي، وانطبعت هذه الحقيقة بالسعي إلى تشييد إمامة عادلة | وناجحة وفق النموذج الإباضي للدولة الإسلامية.
ہے
ولقد وجدت الحركة الإباضية هويتها العقائدية والفكرية في زمن مبكـ ومن خلال محافظتها على مبدأ الشورى والانتخاب الحر للأئمة مبدأ الإجماع والتعاقد يمكن أن تعد وأن تعد نفسها الوريث الحقيقي لتقاليد الخلفاء الراشدين 632 م - 40 هـ 661 م، وبشكل خاص الفترة الأولى من فترة أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما
11 هـ
تعد دولة الخلافة هذه الفترة المثالية والنموذجية للدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتمثل هذه الفترة بالنسبة للإباضية | وغيرهم المرجعية الإسلامية الوحيدة، ومنها استلمت الحركة الإباضية |
ديوان أبي مسلم، الشيخ ناصر بن سالم الرواحي، ص 302 (1/115)
صفحة 116
الإباضية في ميدان الحق
110
رؤيتها وشرعيتها ومبادئها وقوانينها الدستورية وكل ذلك في سبيل إقامة
الدولة والمجتمع الإسلاميين المثاليين من خلال تشييد نظام الإمامة
شروط الامام
وفق الدستور الإباضي يجب على الإمام أن يكون عادلا حكيما شجاعا شريفا قادرا على نشر العدالة بين الناس والسهر على حقوقهم ومصالحهم وأن يحكمهم بالعدل التام حسب الشريعة الإسلامية، ولا ينبغي أن يكون الإمام حسودا ولا حقودا ولا بخيلا ولا متعجلا ولا مبذرا ولا غدارا، ويجب ألا يكون ماكرا ولا مقعدا ولا أعمى ولا أبكم ولا أصم ". (1)
=
يقول الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي يصف الهدف الذي قلمت
الإمامة من أجله
والله لا أشرا قمنا ولا بطرا لا ولا طلبا ملكا وعدوانا لكن كقدوتنا بالعدل إذ نبذت آيات خالقنا والحق قد بانا شكرا لخالقنا إذ نحن ليس كمن ضل السبيل ورام الملك طغيانا إن الإله هدانا جلّ جلّ إلى أهدى الهداية والعرفان عرفانا إنا نقول بحكم الله قد شهدت كل البرية في التحكيم قتلانا إنا على بصر من ديننا وعلى قصد السبيل أخو العدوان يلقانا إنا نحث على مرضاة خالقنا دينا ونخلع من قد رام عصيانا
(1) المصنف، أحمد بن عبد الله الكندي، ج 10، ص 39 - 63، نقلا من كتاب عمان والديمقراطية للدكتور، حسين عبيد غانم غباش، ص 70. (1/116)
صفحة 117
الإباضية في ميدان الحق
إنا نميز ما بين الولي وما بين العدو كما قد قال مولانا
لم يرض أولنا قدما مداهنة
في دينهم وكذا لم نرض إدهانا
(1)
111
ولقد كان الأئمة يأخذون العهود على ولاتهم وقضاتهم لإقامة العدل، ولقد اخترت نقل بعض الأبيات عن الإمام الشاري إبراهيم بن قيس الحضرمي
لولاته وقضاته حيث قال:
نظمت لكم عهدا فلا بد من عهد يكون إلى قاض ووال على الجند ليحمل كل ما تحمل مشفقا ويعلم أن الله لا غيره قصدي فمن منهما خان الإله عزلته ومن لم يخن عهدا شددت به عضدي وما أنا إلا ناقض العهد خائن إذا لم أزل من خان ممن ولى عهدي على الناس عصياني وإسقاط حرمتي إذا لم أطع ذا العرش أو لم أصن عقدي فيا أيها القاضي نصبت لمعظم من الأمر فانظر ما تعيد وما تبدي نصبت ومن ينصب لحكم القضا فقد تنصب للبلوى على خطر أد حملت أمانات فكن من حسابها على وجل واذكر مناقشة الفرد فإن السما والأرض أعرضن خيفة وأشفقن من حمل الأمانة والعهد فخذ بكتاب الله واقتد بأحمد وأتباعه ترشد وترشد إلى الرشد وما غاب من علم عليك فانه إلى العلما بالله بالله فاستهد ولا تقض إلا عن فراغ وخلوة عن الملل المذموم والغضب المردي وواس بعينيك الخصوم ملاحظا وساو سواء مجلس الحر والعبد وأطرق إذا جاءتك حجة مدع قليلا كذا أطرق إذا احتج ذو الجحد ولا تتهم خصما لخصم ولو بدا لوهمك وهم من سديد ولا وغد
1) ديوان السيف النقاد، مرجع سابق، ص 134 (1/117)
صفحة 118
وقال:
الإباضية في ميدان الحق
112
ويا أيها الوالي جعلتك واليا على طاعة الرحمن والمصطفى النجدي وللأمر بالمعروف والنفي للأذى وإخماد نار الجور والقمع للضد وترك الهدايا والتجارة إنها تبث على الوالي أذى العزل والطرد ولطفك والإحسان بالناس كن بهم رؤوفا لطيفا بالمشيب وبالمرد
(1)
الباب الثاني مسائل الخلاف في العقيدة
أولاً: مسألة خلق القرآن
ه إن مسألة قدم القرآن وخلقه فتنة أثارها اليهودي أبو شاكر الديصاني وكثر الكلام فيها بين القائلين بقدم القرآن والقائلين بخلقه. أما القائلين بقدم القرآن فقد اختلفوا اختلافا كثيرا، فلو أخذنا ما تقوله فرقة
واحدة مثل الحنابلة وجدناهم قد اختلفوا في:
(أ) صوت قارئ القرآن وتلاوته.
(ب) الحروف الهجائية التي تتركب منها كلمات القرآن وغيره.
(ج) تكلم الله هل بمشيئته أو بدونها.
أولا: اختلافهم في الصوت:
ديوان السيف النقاد، الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي، ص 19 (1/118)
صفحة 119
الإباضية في ميدان الحق
113
=
?
ذهب فريق منهم إلى قدم صوت القارئ واعتقاد أنه قائم بذات الله تعالى
ومن هؤلاء محمد بن داود البصيصي وابن حامد وأبو نصر السجزي
والقاضي أبو يعلى وأنكر عليهم ذلك أبو بكر وآخرون، وحكوا عن الإمـ أحمد قوله " من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ".
(1)
ويقول الشيخ أحمد الخليلي: " وفي هذا النص الذي رووه من التناقض ما لا يخفى على عاقل فإنه لا توسط بين الخلق وعدمه، فالشيء إما أن يكون مخلوقا أو غير مخلوق، فإن كان مخلوقا فلماذا يضلل القائل بخلقه؟! وإن كان غير مخلوق فلماذا يبدع من قال خلقه؟! بعدم
ومن جهة أخرى كيف يكون صوت المخلوقين قديم وقائم بذات الله؟!! ثانيا: اختلافهم في الحروف: قال ابن تيمية: " لما تكلموا – أي الحنابلة – في حروف المعجم صاروا بين قولين طائفة فرقت بين المتماثلين فقالت الحرف حرفان هذا قديم وهذا مخلوق، فأنكر عليهم كثيرون وقالوا هذا مخالف للحس
والعقل (2)
وذكر ابن تيمية أنه رأى بخط القاضي أبي يعلى قال: " نقلت من آخر كتاب الرسالة للبخاري في أن القراءة غير المقروء، وقال وقع عندي عـ أحمد بن حنبل على اثنين وعشرين وجها كلها يخالف بعضها بعضا،
"
(1) الصواعق المرسلة، ص 440 نقلا من الحق الدامغ لسماحة الشيخ أحمد الخليلي ص 127 (2) فتاوى ابن تيمية المجلد الثاني ععشر ص 83 نقلا من الحق الدامغ ص 128 (1/119)
صفحة 120
الإباضية في ميدان الحق 114
والصحيح عندي أنه قال: ما سمعت عالما يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، قال وافترق أصحاب أحمد بن حنبل على نحو من خمسين ". (1)) يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي - حفظه الله – في الحق الدامغ:
مس
تندهم
وهم في هذا التنازع لا يرجعون إلى أصل من كتاب أو سنة وإنما كل ما يروونه عن الإمام أحمد ويتأولون من كلامه فكأنهم جعلوا كلامه أصلا من أصول الدين المستند إليها فأين هم من قول الله تعالى: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خـ ير وأحسن تأويلا " النساء 209، وأغمضوا أعينهم عن كل ما جاء عن الله ورسوله مما يجلوا وجه الحق ويكشف سدول الجهل عن حقيقة هذه المسألة
ثالثا: اختلافهم في كلام الله بمشيئته أو بغيرها:
11
قال بعضهم: إن الله لم يتكلم بمشيئته، وهم اتباع بن كلاب القاضي وغيره وبنو قولهم هذا على أن كلام الله الحرفي صفة قديمة قائمة بذات الله عز وجل، فإن القديم بقدمه لا تسبقه مشيئة كالعلم والقدرة والحياة وأمثالها
من
صفات الله تعالى
وقال بعضهم إن الله متكلم بمشيئته يتكلم متى شاء
وإذا رجعنا إلى كلام الشيخ ابن تيمية وجدناه يقول: " ولا قال أحد منهم - أي السلف - إن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال، وأن الله قامت به حروف معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال، فإن هذا لم يقله ولا دل عليه قول أحمد
(1) المرجع السابق ص 366 نقلا من الحق الدامغ ص 141 (1/120)
صفحة 121
الإباضية في ميدان الحق
دا
=
سے
=
=
C
ولا غيره من أئمة المسلمين، بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح فـ
نقيض هذا ". (1)
فما دام ابن تيمية ينكر أزلية القرآن فلماذا يقال القرآن غير مخلوق؟!! فإن قيل إنكار القول بخلق القرآن هو إنكار كونه ناشئا عن غيره تعالى | كما يفيده قول ابن تيمية " مع قولهم إن كلام الله غير مخلوق وأنه منه بدأ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره يعني أنهم لا يستطيعون إطلاق كلمة مخلوق على القرآن حتى لا يفهم أن القرآن ابتدأ من غير الله.
وفي الحقيقة إن وصف الشيء بأنه مخلوق لا يعني أنه ابتدأ من غير الله سبحانه، فإن مبدأ الكون منه تعالى، قال تعالى: " أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم
صادقين
النمل 64
ومن التناقض في قول ابن تيمية قوله " إنه منه بدأ ليس بمخلوق " نفى الخلق وأثبت البداية وهل البداية إلا خلق؟!! (2)
قول الإباضية في خلق القرآن:
سے
يقول الإباضية بخلق القرآن ويستدلون بأربعة عشر دليلا من القرآن وحده بالإضافة إلى الأدلة من السنة والأدلة العقلية، فمن أدلة القرآن قوله تعالى " وخلق كل شيء فقدره تقديرا " الفرقان 2، فالقرآن داخل في عموم قوله وخلق كل شيء " ومقدرة سوره و آياته وجمله وكلماته وحروفه وحركاته
(1) فتاوي بن تيمية المجند الثاني عشر ص 86 نقلا من الحق الدامع ص 148
(2) الحق الدامغ، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص 148 (1/121)
صفحة 122
سے
=
=
الإباضية في ميدان الحق
وتلاوته ومعانيه وأحكامه وأخباره، والأدلة موجودة في " الحق الدامغ " وفي
مختصره.
فهل هذه الأقوال المتضاربة متبعة للسنة و الإباضية الذين اعتمدوا
أدلة من القرآن والسنة.
هم
مبتدعة؟!!
الخلاصة: نقلت هذا الجزء البسيط من أقوال القائلين بقدم القرآن والتـ تدور حول ما قاله أئمتهم ليظهر للباحث المنصف خطأ من قال " إن الإباضية أهل بدعة ".
وإلا فإننا لو أخذنا المفيد من أقوال أهل السنة وجدنا أن الخلاف بين الإباضية وأهل السنة في هذه المسألة لفظي كما يقول أبو إسحاق: " ولعل أعدل ما في هذه المسألة القول بأن الخلاف فيها لفظي لأن القائلين بالخلق يعنون القرآن المتلو المكتوب وغيرهم يعني معانيه والله أعلم ". (1) ربما أن التحليلات التالية تدل على ما قاله أبو إسحاق:
(1) إن التكلم بالقرآن غير أزلي وهذا ما يقره الإباضية وأهل السنة يقول ابن القيم في الصواعق المرسلة " وكذلك قوله تعالى " وإذا أردنا أن نهلك قرية "الإسراء 16 سواء كان الأمر هنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن " (1) (2) إن معنى كلمة " قديم أي لم يسبق وجوده عدم، ومعنى " مخلوق " أي سبق
وجوده عدم.
(1) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. الشيخ نور الدين السالمي، ص 156 (1) نقلا من الحق الدامغ، مرجع سابق، ص 110 (1/122)
صفحة 123
الإباضية في ميدان الحق
117
سے
C
فلو جئنا إلى وجود القرآن المتلو المكتوب في المصاحف بهذه الصياغة،
كل حرف محتاج إلى آخر لتتركب الكلمة وكل كلمة محتاجة إلى كلمة أخرى |
=>
?
C
لتتركب الجملة
سبق وجوده في المصاحف عدم. لأن المصاحف غير أزلية
وسبق وجوده في الصدور عدم لأنه قبل أن ينزل لم يكن موجودا لا فـ
مصحف ولا في صدر
وكذلك ليس أزليا في اللوح المحفوظ لأن اللوح المحفوظ مخلوق.
وليس قائما بذات الله
•
ولكنه أزلي قديم في علم الله سبحانه، وهذا يتفق عليه الجميع إذن الكلام المنزل المركب من الحروف الذي تتلوه الألسن وتسمعه الآذان وتعيه العقول التكلم به حادث في أوقات محددة (التكلم به غير قديم)
حادث في المصاحف (وجوده في المصاحف غير قديم)
حادث في الصدور (وجوده في الصدور غير قديم) حادث في اللوح المحفوظ) وجوده في اللوح المحفوظ غير قديم) غير قائم بذات الله سبحانه) لا توجد حروف ولا أصوات أزلية قائمة بذات الله قديم في علم الله
إذن لم يبق وصف لهذا الكلام المعين بالقدم الا وجوده في علم الله
• (1/123)
صفحة 124
O
الإباضية في ميدان الحق
ثانياً: نفي رؤية الباري جل وعلا
من المعلوم أن الإباضية ينفون رؤية الله في الدنيا والآخرة، وأهل السنة يثبتونها، وأنا لست هنا بصدد عرض الأدلة لأني ذكرتها في كتاب " العقيدة الإسلامية في ضوء العقل والنقل "، ولكن أنبه على بعض النقاط بناء علـ
أدلة الطرفين التي ذكرتها هناك
أقوال المثبتين للرؤية:
(1) بعضهم يقول أنها يمكن أن تقع في الدنيا والآخرة.
(2) وبعضهم يقول لا تقع إلا في الآخرة ولا يراه إلا المؤمنون
(3) وقال آخرون إنه يرى الله جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم.
(4) وقال آخرون يراه المؤمنون والمنافقون دون الكافرين
والأقوال الثلاثة الأخيرة في مذهب الإمام أحمد وهي لأصحابه. (1) ونحن لا نستغرب هذا التضارب في الأقوال لأنها مبنية على أدلة |
متضاربة.
فحديث أبي هريرة يثبت حسب زعمهم الرؤية في الموقف.
وحديث صهيب يثبتها في الجنة وسياقه دل على أنها أول مرة لو أخذ بظاهره.
وحديث أبي هريرة يثبتها للمؤمنين والمنافقين
وحديث صهيب يثبتها للمؤمنين فقط
=
فنقول أولا:
(1) الحق واحد فأين الحق من هذه الأقوال؟!!
326
حادي الأرواح، ابن القيم، ص
(1) (1/124)
صفحة 125
الإباضية في ميدان الحق
119
(2) لو قلتم أن الرؤية للمؤمنين فقط فماذا تعملون بحديث أبي هريرة الذي يثبتها للمنافقين أيضا؟!! (3) لو قلتم الحق أن الرؤية للمؤمنين والمنافقين حسب حديث أبي هريرة مع قولكم أن الرؤية أكبر نعيم من الجنة فلماذا يحرم الله المنافقين من النعيم الأصغر؟!! (4) وإذا قلتم أن الله يريهم نفسه ثم يحجبون ليتحسروا - كما قال بعضكم - فلماذا لا يدخلهم الجنة ويخرجهم ليتحسروا؟!!
(5) لماذا لم يذكر الله نعيم الرؤية بالتفصيل كما ذكر نعيم الجنة بالتفصيل؟!! ثانيا: عندما احتج النافون للرؤية بآية محكمة تدل دلالة صريحة على نفي الرؤية وهي قوله تعالى " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " الأنعام 103 رددتم هذا الاحتجاج بشبهات من الخيال لا أساس لها فكيف يطمئن أحد أن يبني عقيدته على تفسر آية محكمة بشبهة من الخيال تغير معنـ الآية ولا يجد لها أي تأييد في الكتب حيث قلتم: (1) إن الإدراك معناه الإحاطة، ولم نجد في كتب الصحاح من يفسر الإدراك بالإحاطة بل وجدنا حسبما فسرناه فكيف يكون الرد حقيقة؟!!
(2) وقلتم أن الآية جاءت لسلب العموم لا لعموم السلب فهل تستطيعون أن تطبقوا هذا التعليل على الآيات الأخرى التي سيقت للمدح وتضمنت النف
مثل قوله تعالى " إن الله لا يحب المعتدين " البقرة 190؟!!
(3) وقلتم إن عدم رؤيته لا يعد مدحا بسبب مشاركته غيره في ذلك كالرياح والأرواح، فهل تستطيعون تطبيق هذا التعليل على قوله تعالى " لا تأخذه سنة ولا نوم " البقرة 200 لأن الأجرام السماوية لا تنام؟!! (1/125)
صفحة 126
الإباضية في ميدان الحق
120
(4) أحتج النافون للرؤية بحديث أبي موسى الأشعري الذي رواه الشيخان: جنتان من فضة آنيتها وما فيها وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فهل رداء الكبرياء يزول عنه تعالى حتى تحصل الرؤية؟!! تعالى الله
=
=>
عن ذلك
وأخيرا هل المذهب الذي قال بأربعة أقوال متضاربة مبنية على أدلة متضاربة لم يستطع المستدلين بها الجمع بينها هي الحق واتباعا للقرآن والسنة؟ والمذهب الذي قال بقول واحد تدعمه أدلة استطاع أهله أن يردوا
على جميع اعتراضات استدلاله يقال أنه مجانب للحق وأنه مبتدع؟!!
ثالثاً: مسألة الشفاعة وعدم غفران الذنوب من غير توبة
الانتقادات
لقد أتبع الحشوية أنفسهم هواها وأتوا لها بالمبررات لتفعل ما تشاء من المنكرات من غير أن تخاف من عقوبة الملك الديان متبعين التأويل التعسفي لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية وفوق ذلك يشنون حملة. من والسب على من أول تلك الآيات تأويلا صحيحا. فقالوا: إن الإنسان بمجرد انتمائه إلى الدين الإسلامي بالنطق بالشهادتين صار له جواز سفر دبلوماسي لدخول الجنة، محتجين بقوله - صلى
عليه وسلم - " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " وعندما قال الشـ سالم بن حمود السمائلي هذا إذا لم يقترف إثما آخر، قالوا هذا تأويل فاسد
الله (1/126)
صفحة 127
(1)
('1')
الإباضية في ميدان الحق
121
=
وقالوا لو عمل الإنسان ما عمل ما دام قال لا إله إلا الله فذنوبه مغفورة |
(1)
من غير توبة محتجين بقوله تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفو ما دون ذلك لمن يشاء " النساء 48 وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق "، وعندما قال الإباضية: إذا تاب، قالوا: هذا تأويل فاسد، وقالوا: لو جاء وذنوبه مثل الجبال | فسيخرج له بطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله فترجح على كل الذنوب وتلغيها | ويدخل الجنة
•
وقالوا: إن الرسول سيشفع لأهل الكبائر ولو كانت هذه الكبيرة قتل أن الله تعالى يقول: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم
النفس (1)
مع
خالدا فيها " النساء 93
وقالوا: إن من دخل النار من أهل الكبائر فسيخرج منها
النظر
عن الكبائر
فإذا كان من مات لا يشرك بالله دخل الجنة بغض الأخرى، وإن الذنوب مغفورة من غير توبة، فما الذي يدخلهم النار إلا الشرك؟!! والمشركون مخلدون في النار فمن الذين قالوا عنهم يخرجون من
النار؟!!، فلا شك إن هذه تأويلات فاسدة تجرئ الناس على معصية الله فإذا كان الله سبحانه وتعالى وصف القول بالخروج من النار يسبب الغرور في الدين حيث قال سبحانه: " ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون " آل عمران 24، فكيف
الأقوال الأخرى؟!!
الإباضية.
، عبد العزيز بن محمد، ص 10
التوحيد، لابن خزيمة، ص 273 (1/127)
صفحة 128
الإباضية في ميدان الحق
122
C
=
فلو كان القول بالخروج من النار حقا لما سبب الغرور فالحق لا يسبب
الباطل.
•
ليس الأمر كما يعتقد هؤلاء أن مجرد الانتماء إلى هذا الدين يجعل الإنسان يفلت من الجزاء فلقد نص القرآن الكريم في آيات كثيرة على أن كل من عمل صالحا جوزي بما عمل، ومن عمل سيئا جوزي بما عمل، وقد حذر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة من الاغترار بالأماني، فقد قال عز من قائل: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ". النساء 123 يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي: "وفي ذكر أماني أهل الكتاب مع أملني | هذه الأمة إشارة إلى أن بعض أفراد هذه الأمة سوف يغترون كما اغتر أهل الكتاب، وسوف يتعلقون بالأماني راجين من الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم ذنوبهم بمجرد انتمائهم إلى هذا الدين الحنيف وتصديقهم بالنبي – عليه أفضلى الصلاة والسلام - وقد ذكر أماني هذه الأمة تحذيرا لهذه الأمة عن مسلك
•
أهل الكتاب ليأخذ كل حذره وليعمل جهده في طاعة الله سبحانه وتعالى وقد جاءت آيات كثيرة تؤيد ما جاءت به الآية من أن كل أحد سوف
يجازى بعمله، من ذلك قوله تعالى: "و" من جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون " النمل،90 وقوله سبحانه: " من جاء بالحسنة فله خير منها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون القصص 84، وهذه نصوص صريحة لا تقبل الجدل أن الله سبحانه وتعالى يجازي كل أحد بعمله خيرا كان أو شرا. (1/128)
صفحة 129
الإباضية في ميدان الحق
23
ے
?
=
وقد بين سبحانه وتعالى أنه يغفر ذنوب التائبين لا ذنوب المصرين، فقد
قال عز من قائل " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى طه 82، وبين سبحانه وتعالى أنه يغفر سيئات الذين يجتنبون الكبائر، أي يغفر صغائرهم دون كبائرهم، ولا يغفر الصغيرة إلا مع اجتناب الكبيرة وشريطة عدم الإصرار عليها لقوله سبحانه وتعالى: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما "النساء 31. وإذا أدرك الإنسان ذلك فهم معنى قوله سبحانه وتعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "النساء 48 فيغفر لمن يشاء إما بالتوبة والإقلاع عن الكبائر والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وإما باجتناب الكبائر مع صدور بعض الصغائر من غير قصد الإصرار عليها ومن غير الاستمرار على ارتكابها، هذا هو المقصود بقوله: " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "، فقد بين سبحانه في آيات أخرى من يشاء لهم المغفرة وهم الذين يجتنبون الكبائر ولا يصرون على الصغائر، وقد جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة
11
مع الاستغفار وكما أنه سبحانه وتعالى حذر من أماني الغفران، وبين أن كل أحد سوف يجزى بما كسب، حذر أيضا من أماني الشفاعة، وقد وجه هذا التحذير إلى هذه الأمة، فقد قال مخاطبا المؤمنين: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ممـ
رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون الظالمون " البقرة 254 وقال سبحانه مخاطبا بني إسرائيل: " واتقوا يوما لا
تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولاهـ (1/129)
صفحة 130
الإباضية في ميدان الحق
124
ينصرون البقرة 48، وفي هذا أيضا تحذير لهذه الأمة ولغيرها من التعلق بأماني الشفاعات. وبين تعالى أن الشفاعة لا تكون للظالمين بقوله: " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع · غافر 18. وهل من قائل أن أكل مال اليتيم بالباطل أو غصب أموالهم أو أعراضهم أو كان قاتلا أو غير ذلك بأنه غير ظالم؟! وأما ما قيل من أن الإنسان يشفع له النبيون يوم القيامة، وسوف يتخلص من العقاب، فقد بين سبحانه وتعالى الذين يستحقون شفاعة النبيين وغيرهم في قوله: " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الأنبياء 28 فالشفاعة تحق للرضى دون غيره، وإن كان الرضى يستحق دخول الجنة قد تكون الشفاعة أيضا من ضمن الأسباب التي تؤدي إلى دخول الجنة فقد يتوب التائب من معصيته، ويجعل الله سبحانه وتعالى للشفاعة نصيبا في قبول توبته، وأما المصرون | على الكبائر فلا شفاعة لهم بهذه النصوص القاطعة ". (1)
O
رابعا: مسألة الخلدوني النار
اختلف المسلمون في خلود أهل الكبائر في النار، فالبعض يقول يعذبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون من النار والبعض الآخر يقول إن من دخل النار لا
يخرج منها، والإباضية يقولون بالخلود
(1) موقف الإباضية من الخليفتين عثمان و علي شريط "، الشيخ أحمد الخليلي (1/130)
صفحة 131
الإباضية في ميدان الحق
125
فإذا نظرنا إلى القول بخروج أهل الكبائر من النار وجدناه ضعيفا لعدة
أشياء: أولا: إنه جاء من عند اليهود كما صرح القرآن الكريم بذلك حيث قال سبحانه: " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئت فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون · البقرة 80 - 81
ثانيا: إن في الآية استنكار لهذه العقيدة وإنها غير مستندة إلى عهد الله ثالثا: لقد صرحت الآية أن من ارتكب سيئة وأحاطت به خطيئته – يعني أنه لم يتخلص منها بالتوبة - فهو مخلد في النار.
رابعا: ليس هناك آية واحدة في القرآن الكريم تذكر الخروج من النار بل القرآن أنكر قول اليهود ذلك، بالإضافة إلى ذلك فإن آيات الخلود كثيرة.
خامسا: هناك أحاديث تنص على خلود أهل الكبائر وغيرهم في النار.
•
سادسا: كل ما تعلق به القائلون بالخروج من النار بعض الأحاديث النبوية، مع أن أحاديث أخرى تثبت الخلود ومتفقة مع القرآن.
فهل نأخذ الأحاديث المتفقة مع آيات القرآن أم المختلفة معها؟.
يقول السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار: " وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفته رواية لغيره من التفات فمخالفة القطعي من القرآن أولى بسلب وصف الصحة عنه " (1)
(1) تفسير المنار، السيد محمد رشيد رضا، ج 1، ص 86 نقلا من شريط سمعي عن سماحة الشيخ أحمد الخليلي بعنوان موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي (1/131)
صفحة 132
=
=
=
الإباضية في ميدان الحق
بالإضافة إلى ذلك فإن عمر بن الخطاب رد حديث فاطمة بنت قيس لمخالفته القرآن، كذلك السيدة عائشة ردت حديث ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله لمخالفته القرآن، وإذا كانوا في ذلك الوقت يرجعون أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى القرآن حتى لا يقعوا في الخطأ فكيف بعد ما اختلط الحابل بالنابل أما الإباضية ومن معهم في فقد بنوا قولهم بالخلود لكل من دخل النار ليس اتباعا للهوى وإنما على أدلة قطعية من القرآن والسنة لا يشك في
عاقل.
حتها
فآيات القرآن صرحت في أن أصحاب الكبائر مخلدون في النار إن ماتوا مصرين عليها ولم يتوبوا منها، قال الله تعالى: " إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون "الزخرف 74 - 75 يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله -: " وهل من قائل يقول إن الزاني الذي مات وهو مصر على الزنا أو شارب الخمر أو قاتل النفس المحرمة بغير الحق أو أكل الربا أو المصر على ارتكاب الكبائر ليس من المجرمين؟!! من الذي يقول إن هؤلاء ليسوا مجرمين؟!! ويقول سبحانه وتعالى: " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين " الانفطار 13 - 16 بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن الناس ينقسمون إلى قسمين: أبرار وفجار، وبين أن الأبرار في
النعيم وأن الفجار في الجحيم وأنهم لا يغيبون عن هذا الجحيم (1/132)
صفحة 133
الإباضية في ميدان الحق
127
=
=
فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر أن الزنا من البر؟!! وأن قتل النفس المحرمة من البر؟!! وأن من فعل شيئا من ذلك من الأبرار؟!! وهل ينكر أحد من المؤمنين بالله واليوم الآخر أن هذه المعاصي ليست من الفجور وأن فاعلها ليس من الفجار؟!!
ويقول سبحانه وتعالى: " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا
القامة له العذاب يوم فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " الفرقان 68_ 70 لقد نص الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن من قتل النفس المحرمة بغير حق ومن زنى فلهما حكم المشرك في الخلود في النار
=
ولعل قائلا يقول: إن الوعيد منصب على من جمع هذه الصفات جميعا، أي من أشرك مع الله إلها آخر وقتل النفس المحرمة بغير الحق وزنى والجواب: إنه يلزم هذا القائل أن لا يخلد أحد في النار بسبب الشرك حتى يضم إلى الشرك قتل النفس المحرمة بغير الحق والزني، أما إن أشوك ولم يقتل النفس المحرمة بغير الحق ولم يزن، يلزمهم على هذا القول أن لا يكون من الخالدين في النار.
=
ويقول سبحانه وتعالى في أكل الربا: " فمن جاءه مو عظة
11
من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون البقرة 275، فهذا نص صريح في أن أكل الربا من أصحاب النار الذين
يخلدون فيها
• (1/133)
صفحة 134
الإباضية في ميدان الحق
128
=
ويقول تبارك وتعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها
" الآية، النساء 93 فقد بين سبحانه وتعالى أن قاتل النفس المؤمنة بغير حق مأواه جهنم وسوف يخلد فيها، ويقول الله سبحانه وتعالى: " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين " النساء 14. فالآية جاءت بعد تبيان أحكام المواريث وحكمت على المتعدي فيها بالخلود، فهل التعدي في الميراث شرك؟!! ". (1)
=
=
وما وراء ذلك من الآيات الكثيرة الناصة على الخلود في النار، وهذه الآيات كلها تدل على خطورة عقيدة من يعتقد الخروج من النار أو العفو عن
أهل الكبائر لما تجره من التهاون بأوامر الله والجرأة على معاصيه ". وهناك أدلة أخرى من القرآن ذكرتها في كتاب " العقيدة الإسلامية في ضوء العقل والنقل "
=
وروى البخاري ومسلم وغيرهم من طريق ابن عمر أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت ويا أهل الجنة لا موت كل خالد فيما هو فيه " مثله البخاري عن أبي هريرة والطبراني والحاكم وصححه من طريق
وروي
معاذ - رضي الله عنه -
ودلالة الحديث على الخلود من غير استثناء واضحة. كما وردت أحاديث صحيحة في مسلم والبخاري وغيرهم تنص بالخلود لمن ارتكب الكبائر، وقد نصت على خلود كل من: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث، ومن استرعاه الله رعية فأضاعها، ومن اقتطع حق
(1)
موقف الإباضية من الخليفتين عثمان وعلي " شريط "، سماحة الشيخ أحمد الخليلي (1/134)
صفحة 135
الإباضية في ميدان الحق
129
==
مسلم بيمينه، ومن قتل نفسه بحديدة أو بسم، ومن يضربون الناس بالسياط
، والكاسيات العاريات، وهذه الأحاديث موجودة في كتاب " الحق الدامـ لسماحة الشيخ الخليلي وفي مختصره. ومعظمها رواها الشيخان أليست هذه كبائر غير الشرك؟!!
هل العقوبة على استحلالها دون فعلها؟!!
يقول العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار في الجزء الأول ص 112 " القاعدة السادسة " أن الجزاء على الإيمان والعمل معا لأن الدين إيمان وعمل ومن الغرور أن يظن من ينتمي إلى نبي من الأنبياء أن ينجوا من الخلود في النار بمجرد الانتماء، والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم في دينهم وما رد به عليهم حتى لا نتبع سنتهم: " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وبعد ذلك يقول: ولكننا قد اتبعنا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع مصداقا لما ورد في الحديث الصحيح، وإنما نمتاز عليهم بأن المتبعين بعض الأمة لا كلها وبحفظ نص كتابنا كله وضبط سنة نبينا في بيانه وبيان حجة أهل العلم والهدى قائمة إلى يوم القيامة |
(1)."
المقرر
وقد قال في تفسير آية الربا " وقد أول المفسرون الخلود لتتفق مع في العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار فقال أكثرهم: من عاد إلى أكل الربا واستباحته اعتقادا، ورده بعضهم بأن الكلام في أكل الربا، وما ذكر عند من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم، فهو
(1)
تفسير المنار
6
، ص 112 نقلا من موقف الإباضية من الخليفتين، مرجع سابق (1/135)
صفحة 136
الإباضية في ميدان الحق
130
=
ليس بمعنى استباحة المحرم، فإذا كان الوعيد قاصرا على الاعتقاد فحسـ فلا يكون هناك وعيد على الأكل بالفعل
ويتابع السيد محمد رشيد رضا " والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء، يجب إرجاع كل قول في الدين إليه، ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد الخلود في قتل العمد، وليست هناك تسمية في اللفظ على إرادة الاستحلال ". (1)
الباب الثالث
بعض مسائل الخلاف الفقهية
مسألة صلاة السفر
اختلف العلماء في هذه المسألة في عدة جوانب: (1) في القصر هل هو واجب أم رخصة والتمام أفضل (2) في مسافة القصر التي يجب القصر عند بلوغها.
(3) في مدة القصر في السفر التي يجب فيها القصر.
C
يرى الإباضية أن القصر واجب على كل من يتجاوز مسافة القصر وهي ما بين المدينة المنورة وذي الحليفة وقدرت بفرسخين أو 12 كم، ومدة السفر إلى أن يعود إلى بلده.
(1) موقف الإباضية من الخليفتين، شريط سمعي، مرجع سابق (1/136)
صفحة 137
سے
الإباضية في ميدان الحق
131
والقول بوجوب القصر لم ينفرد به الإباضية وحدهم، قال الخطابي المعالم: وكان مذهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول علي وعمر وابن عباس وروي ذل ك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن وقال حماد بن سليمان يعيد من صلى في السفر أربعا. (1)
وهذا القول يستند على أدلة قاطعة لا تقبل الشك: أولا: إن رواة السير والحديث أجمعوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتم في سفر قط
ثانيا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، وقد نقل إلينا أصحابه - رضوان الله عليهم – أنهم رأوه يصلي في الحضر الظهر والعصر والعشاء أربعا وفي السفر ركعتين، وأنهم صلوا وراءه كذلك ولم يتم في سفر قط، وما كان لنا أن نخالف رسول الله - صلى الله عليـ وآله وسلم - فيما شرع لنا ولو كان هناك حكم آخر لبينه لنا رسول الله
-
الله عليه وآله وسلم - إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ثالثا: إن هناك أحاديث صحيحة تبين أن الصلاة فرضت ركعتين وبعضها يبين
أن الإتمام في السفر كالقصر في الحضر
وإليك هذه الأدلة لتطمئن إلى صحة ما قلناه:
(1) قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا في المغرب فإنها وتر
(1) نيل الأوطار الشوكاني ج 4 ص 114 (1/137)
صفحة 138
الإباضية في ميدان الحق
132
النهار وصلاة الفجر لطول قراءتها وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولـ رواه ابن خزيمة وأحمد والبيهقي وابن حبان من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما.
(2) فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر
وزيد في صلاة الحضر " رواه الربيع ومسلم عن أم المؤمنين عائشة (3) فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على
الأول " رواه البخاري وأحمد وزاد أحمد إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا (4) " فرض الله الصلاة في السفر ركعتين وفي الحضر أربعا " رواه مسلم
والجصاص.
(5) " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود.
(6) " صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفط ر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد - صلى الله عليه |
وسلم - " رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
(7) " على المقيم سبع عشرة ركعة وعلى المسافر إحدى عشرة ركعة " رواه
(^)
الربيع بن حبيب.
•
" صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر " أخرجه الطبراني عن ابن
عمر في الكبير برجال الصحيح.
(9) " من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين " رواه أحمد (1/138)
صفحة 139
الإباضية في ميدان الحق
133
(10) قال قتادة: سمعت موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس فقلت: إن أكون بمكة فكيف أصلي؟ قال: " ركعتين سنة أبي القاسم – صلى الله عليه وسلم – " رواه البيهقي
(11) " قال ابن عمر صلاة السفر ركعتان نزلت من السماء فإن شئتم فردوهما " رواه الطبراني.
(12) " كان – صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من بيته مسافرا يصل
ركعتين ركعتين حتى يرجع " رواه البيهقي عن ابن عباس.
(13) قال عمران بن الحصين " ما سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، ويقول " يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين، وأتى الجعرانة فاعتمر فيها، وحججت مع أبي بكر – رضي الله عنه - فصلى ركعتين، واعتمرت مع عثمان فصلى ركعتين ركعتين صدرا من إمارته ثم صلى عثمان أربعا " وروي الحديث من عدة طرق وبألفاظ مختلفة وهذه رواية البيهقي
(14) صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت " رواه الخطي والجصاص.
(15) قال ابن عمر صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك " أخر. ه البخاري
ومسلم وأحمد
(16) أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مددا مختلفة في أماكن مختلف وفي كل ذلك يقصر الصلاة. (1)
(1) انظر أحكام السفر في الإسلام الشيخ علي يحيى معمر ص 26 29
ــة (1/139)
صفحة 140
الإباضية في ميدان الحق
134
(17) وعن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتانا ونحن ضلال فعلمنا، فكان مما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر، رواه النسائي)
=>
وقد احتج القائلون بأن القصر رخصة ببعض الأدلة:
(1) قوله تعالى: " ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " النساء 101 قالوا إن عدم نفي الجناح لا يدل على العزيمة وإنما على الرخصة. وأجيب (بأن هذا النقاش كان في زمن الصحابة رضوان الله عليهم حيـ أخرج مسلم عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: " ليس عليكـ جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " فقد أمن النلس | عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله - صلى الله
-
فقال _ أي عمر عليه وسلم - عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته إن الآية نزلت في صلاة الخوف لا في صلاة السفر فأشكلت على الصحابة |
=>
فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابهم بحكم صلاة السفر وقال إنها صدقة. من الله، نعمة من نعمه الكثيرة التي يجب شكرها، وقد خشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يظن أن القصر رخصة فأصدر أمره بقبول حكم الله فاقبلوا صدقته - والأمر للوجوب.
-
ــهر
ورفع الحرج في الآية يعني التطمين والإيناس لأنـ هم يصلون الظـ والعصر والعشاء رباعية في الوطن فظنوا أن القصر رخصة فبينت لهم الآية أنه ليس رخصة وأن هذا شرع الله ولا إثم فيه، والشاهد على هذا المعنى قوله تعالى: " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا
جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم) البقرة 158 (1/140)
صفحة 141
الإباضية في ميدان الحق
135
=
=
فقد جاءت الآية للتطمين والإيناس فقد سبق في أذهان الناس أن السعي بين الصفا والمروة من أعمال الجاهلية لأنهم كانوا يطوفون حول الصنمين أساف ونائلة فتحرجوا من ذلك فبين الله لهم أن السعي فريضة لا حرج فيه)
(1)
وقد أورد الشوكاني حججهم ورد عليها حيث قال:
" والحجة الثانية قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: " صدقة تصدق الله بها
عليكم فاقبلوا صدقته " فإن الظاهر من قوله صدقة إن القصر رخصة فقط
ہے
•
وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها وهو المطلوب
والحجة الثالثة: ما في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنهم القاصر ومنهم المتم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض " كذا قال النووي في شرح مسلم ولم نجد في صحيح مسلم قوله فمنهم القاصر ومنهم المتم، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار، وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - | اطلع عليهم وأقرهم عليه، وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرر إن إجماع الصحابة في عصره - صلى الله عليه وسلم - ليس حجة والخلاف بينهم مشهور بعد موته والحجة الرابعة ما روي عن عائشة قالت: خرجت مع النبي – صلى الله عليه وسلم - في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصروا وأتممت، فقلت بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال: أحسنت يا عائشة " رواه الدار قطنـ وقال إسناده حسن.
•
(1) أحكام السفر في الإسلام، مرجع سابق، ص 37 (1/141)
صفحة 142
الإباضية في ميدان الحق
136
قال ابن حزم هذا حديث لا خير فيه وطعن فيه، ورد عليه ابن النحوي قال في الهدي بعد ذكره لهذا الحديث " وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا حديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة الرسول | - صلى الله عليه وسلم - وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم
وحدها بلا موجب، وكيف وهي القائلة فرضت الصلاة ركعتين فزيدت فـ صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، فكيف تزيد على فرض الله وتخالف رسول الله وأصحابه؟!.
ويقول الشوكاني بعد ذلك " وقد لاح من مجموع ما ذكرناه رجحان القول بالوجوب، وأما دعوى التمام أفضل فمدفوعة بملازمته - صلى الله عليه وآله وسلم – للقصر في جميع ره، وعدم صدور التمام عنه كما تقدم ويبعد أن يلازم - صلى الله عليه وسلم - طول عمره المفضول ويدع |
الأفضل ". (1)
أسفاره
وأما في مقدار المسافة التي يقصر فيها الصلاة فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب ابن حزم إلى أقل مسافة وهو ميل واحد وقال البعض ثلاثة أميال، وذهب البعض إلى اشتراط السفر الطويل وأقله مرحلتان عند البعض وثلاث مراحل عند البعض الآخر
وقال الإباضية المسافة التي يجب فيها القصر فرسخان محتجين بما رواه أنس قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين " متفق عليه.
(1) نيل الأوطار، ج؛،، محمد بن علي الشوكاني، ص 116 - 117 (1/142)
صفحة 143
الإباضية في ميدان الحق
137
=
?
ومما يدل على وجوب القصر في السفر القصير ما روي عن شعبة بن يحيى بن يزيد الهنائي سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله. صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلـ
ركعتين " شعبة الشاك رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
قال في الفتح وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه،
وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التي يبدأ منها القصر لا غاية السفر، قال: ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس: فذكر الحديث، قال فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ منه القصر وأما الذين اشترط السفر الطويل فقد أورد الرد عليهم سيد سابق حيث قال
?
(1)
" وأما ما ذهب إليه الفقهاء من اشتراط السفر الطويل وأقله مرحلتان عند البعض وثلاث مراحل عند البعض الآخر فقد كفانا مؤنة الرد عليهم الإمام أبو القاسم الخرقي قال في المغني: قال المصنف: ولا أدري لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف، فقد روي عن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم يوجد ذلك يكن في قوله حجة مع قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وفعله " (1)
(1) نيل الأوطار، مرجع سابق، ص 122
(1) فقه السنة
سيد سابق ص
212 (1/143)
صفحة 144
الإباضية في ميدان الحق 138
فتبين أن القول بوجوب القصر في السفر القصير والذي بينه الحديث بالمسافة من المدينة إلى ذي الحليفة وقاسه العلماء فوجدوه 12 كم هو الصحيح، وأن القول باشتراط السفر الطويل لا يستند إلى دليل
ه وفي مدة القصر اختلف العلماء إلى أقوال كثيرة فمنهم حدده بثلاثة أيام ومنهم من قال ولو إلى سنين ومنهم من قال غير ذلك
=>
وقال الإباضية بأن مدة القصر ما دام مسافرا وقد قال بهذا القول الصنعاني في سبل السلام وسيد سابق وابن القيم حيث يرى أن الإقامة لا تخرج عن حكم السفر طالت أم قصرت ما لم يستوطن المكان الذي أقام فيه ولهذا القول أدلة كثيرة من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم – وهدي أصحابه، فقد جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم: (1) عن أبي هريرة أنه صلى مع الرسول - صلى الله عليه وسلم – إلى مكة في المسير والمقام بمكة إلى أن رجعوا ركعتين ركعتين " رواه أبو داود
?
الطيالسي في مسنده
(2) وعن يحيى بن إسحاق عن أنس قال: خرجنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة فقلت أفأقمتم بها شيئا قال أقمنا بها عشرا " متفق عليه.
(3) عن جابر قال: " أقام النبي - صلى الله عليه وسلم – بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة " رواه أحمد وأبو داود.
(4) وعن عمران بن حصين قال: " غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول يا
أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر " رواه أبو داود. (1/144)
صفحة 145
الإباضية في ميدان الحق
139
(5) عن ثمامة بن شرحبيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثا، قلت أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وما ذي المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة، فقال: يا أيها الرجل: كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أو شهرين فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين " رواه أحمد.
(6) صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت" رواه الخطيب والجصاص.
ہے
=>
ے
=
ہے
وأما هدي أصحابه - صلى الله عليه وسلم - فقد أورده سيد سابق في
كتابه فقه السنة (1) حيث قال:
وقال نافع: " أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حلل
?
الثلج بينه وبين الدخول وقال حفص بن عبيد الله: " أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة
المسافر
وقال أنس: " أقام أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم – برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة "
وقال الحسن: " أقمت مع عبدالرحمن بن سمرة بكابل سنتين يقصر
الصلاة ولا يجمع "
وقال إبراهيم: " كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك و بسجستان السنتين " فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ترى وهو
(1) فقه السنة، سيد سابق، ج 1، ص 214 (1/145)
صفحة 146
الإباضية في ميدان الحق
140
?
=
الصواب. ففي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاة وأما التقليد
الأعمى فهو سبيل ضعاف الإيمان.
وأما مذهب الناس فقال الإمام أحمد إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن
-
نوي دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله صل
وسلم – لم يجمعوا الإقامة البتة بل كانوا يقولون: اليوم نخرج.
هي
الله عليه
غدا نخرج
ففي هذا نظر لا يخفى فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة ما وهي. وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام ولا يتأتى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشـ هر يقصر الصلاة من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ولا يذوب في أربعة أيام بحيث تفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برام هرمز سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصر والجهاد لا ينقضي في أربعة أيام، وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد أو حبس سلطان أو مرض قصر سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطا لا دليل عليه
عدو
مدة
من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة فقالوا شرط ذلك احتمال انقضاء الحاجة في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الأربعة أيام، فقال: من أين لكم هذا الشرط والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أقام زيادة على أربع يقصر الصلاة بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئا ولم يبين لهم أنه لم يعزم (1/146)
صفحة 147
الإباضية في ميدان احق
121
على إقامة أكثر من أربعة أيام وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته، ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته فلم يقل لهم حرفا واحدا لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال وبيان هذا من أهم المهمات، وكذلك اقتداء الصحابة به بعـ ده ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئا من ذلك ".
O
مسألة التسليم في الصلاة هل واحدة أم اثنتان
اختلف العلماء في ذلك، يقول الإمام السالمي:
وسلمن يمنة ويسرى تسليمتين والشهير وترا
فالقائلون بالتسليمتين يحتجون بما رواه ابن مسعود أن النبي – صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده " رواه الخمسة وص
الترمذي
ادة عن
وعن عامر بن سعيد عن أبيه قال" كنت أرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلم عن يمينه و عن يساره حتى يرى بياض خده " رواه أحمد ومسلم والنسائي واحتج القائلون بالتسليمة الواحدة بما روي عن هشام عن قتـ زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة فيحمد الله ويذكره ويدعو ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة فيجلس فيذكر الله ثم يسلم تسليمة يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس " رواه أحمد والنسـ وفي رواية أحمد ثم يسلم تسليمة واحدة السلام عليكم يرفع بها صوته حتـ
قظنا يو
ويدعو (1/147)
صفحة 148
الإباضية في ميدان الحق
وعن ابن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة واحدة يسمعناها " رواه أحمد.
وعن أنس عند أبي شيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمة واحدة، وعن الحسن مرسلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة " ذكر ذلك أبو شيبة " (1)
أدلة إستقامة الإباضية
ه إن قول الإباضية بأنهم أهل الحق والاستقامة ليس مجرد دعوى وإنما تؤيده عدة أدلة يدركها من حرّر نفسه من ربقة التعصب، ومن هذه الأدلة: أولا: إنها الفرقة التي أقامت الخلافة الإسلامية لإقامة شرع الله في أرض حيثما وجدت هذه الفرقة في عمان والمغرب واليمن. ففي عمان وحدها بويع بالخلافة أكثر من ستين إماما بيعة على مبدأ الشورى والتعاقد على نهج الخلفاء الراشدين، وليس هذا ادعاء فقط وإنما هو حقيقة واقعة ابحث عن سيرتهم هل تجدهم قصروا في شيء من شرع الله من إقامة حدود وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وغير ذلك؟ هل تجد عندهم الإقطاعيات؟ هل تجدهم يقيمون السهرات الماجنة مثل من تدعوهم الفرق الأخرى بالخلفاء من عباسيين وأمويين وعثمانيين وغيرهم؟
(1) نيل الأوطار مرجع سابق ص 186 (1/148)
صفحة 149
الإباضية في ميدان الحق
143
?
أنظر عهودهم إلى جيوشهم مثل عهد الإمام الصلت بن مالك لجيشه الذي |
أرسله لمقاتلة النصارى في سقطرى والذي ركز فيه على تحذير الجيش عصيان الله وحثهم على المعاملة الحسنة ورسم لهم الخطوط العريضة التي يتبعونها في نهجهم مع أهل سقطرى أكثر من تركيزه على المكاسب |
العسكرية.
انظر عهود الأئمة إلى ولاتهم تدلك على سيرتهم. ومن جهة أخرى هل يعقل أن تكون الفرقة الناجية من الفرق التي لم تق
الخلافة الإسلامية لإقامة شرع الله على مر العصور؟!! بل
والمتسلطين بقولها لا يجوز الخروج عليهم
الظلم
ثانيا: بعدها عن عقائد اليهود مع أن بعض الفرق التي تدعي أنها المحقة مع اليهود في خمس مسائل عقائدية ذكرتها في باب " الفرق بين الإباضية |
اتفقت
والخوارج ".
ثالثا: وحدة رأيهم في مسائل العقيدة حتى في المسائل الخلافية، فف الرؤية مثلا لهم قول واحد وكذلك في عدم الخروج من النار والشفاعة وغير ذلك، بينما لا تجد هذا الاتفاق في الفرق الأخرى، فالمثبتون للرؤية من أهل السنة لهم في الرؤية عدة أقوال وفي قدم القرآن عشرات الأقوال وفي الخروج من النار أكثر من قول. مع ان العقيدة ليس فيها اجتهاد، فالحق واحد.
رابعا: قوة أقوالهم فليس هناك مسألة في العقيدة إلا ولها أساس من القرآن والسنة ولم يستطع المخالفون نقض تأويلهم لها بينما نرى أن لدى المخالفين أقوال تناقض القرآن كما بينت ذلك في نفي الرؤية. (1/149)
صفحة 150
الإباضية في ميدان الحق
144
، ويرفضون الحوار باستمرار مدعين أن ذلك إظهار للباطل، وفي الحقيقة هو إفلاس من الحجة فمثلا دائما يرددون أن الإباضية أهل بدعة، ونراهم
هم
يعرفون البدعة بأنها: التقرب إلى الله بما لم يأذن به الله، والإباضية كما ذكرت سابقا ليس لديهم أي نوع من هذه البدع فليس لديهم تمسح بالقبور وليس لديهم
تقديسا لأشخاص ولم يذكر المخالفون في كتبهم عن الإباضية بدعة محددة.
-
خامسا: بعدهم عن الكذب عموما وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصوصا، فهم أبعد ما يكون عن وضع الأحاديث سادسا: عدم مناقضة بعضهم بعضا وسب بعضهم البعض بل ولعن بعضهم البعض كما يفعل غيرهم وذكرته في باب " الرد على من اتهم الإباضية بالتعطيل " نقلا من كتبهم. سابعا: منهجيتهم العلمية وتبدوا واضحة فيما يلي: (1) تحري الدقة في أحكامهم في كل شيء حتى مع الفرق الأخرى، ليس كما تفعل الفرق الأخرى حيث يبدو واضحا حكم الشرك على المسلمين في قول البغدادي في عدم جواز الصلاة خلف الفرق الأخرى ولا عليهم ولا
مزاوجتهم بالإضافة إلى من يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم. (2) بعدهم عن الكذب على الفرق الأخرى لإظهار حجتهم عليهم كما رأيناه موجود ا عند الفرق الأخرى. (3) سعة أفقهم ورحابة صدورهم حيث أنهم يتبعون الحق فيأخذون الأحاديث النبوية من جميع كتب السنة وينقلون أقوال المخالفين ويرجحون أي قول
يرون دليله أقوى بغض النظر عمن قاله، وهذا واضح في كتبهم. (1/150)
صفحة 151
الإباضية في ميدان الحق
ثامنا: عدالتهم الاجتماعية، فالمواطنون من الفرق الإسلامية الأخرى في ظل الدولة الإباضية لهم كافة الحقوق والواجبات التي يستحقها كل مسلم من إباضي وغيره، إلا الولاية الحب في الله وإن حدث ما يخالف ذلك فهو ظلم، المبادئ الإباضية بريئة منه
الفاتية
بدا واضحا أن الإباضية هم أهل الحق و الإستقامة وإن ما قيل عنهم بأنهم أهل ضلال ليس إلا ضباب من الوهم يتلاشى مع ظهور الحق
•
أسأل الله العلي القدير أن يوحد كلمة المسلمين على الحق وأن يؤلف بين قلوبهم وأن يفرق شمل أعدائهم إنه سميع مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
( (1/151)
صفحة 152
الإباضية في ميدان الحق
المراجع
(146
(1) فقه السنة، سيد سابق، الفتح العربي الإعلامي، القاهرة، 1414 هـ – 1993 م. (2) نيل الأوطار، الشيخ محمد بن علي بن محمد الشوكاني، مكتبة القاهرة، 1398 هـ 1978 م. (3) قناطر الخيرات، الشيخ أبي طاهر إسماعي ل بن طاهر الجيطالي، دار النهضة للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، ط 2، 1418 هـ - 1998 م.
(4) الدعائم، الشيخ أحمد بن النظر، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 2، 1409 هـ، 1988 م
(5) جوهر النظام، العلامة نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، دار المعارف، لبنان، 1410 هـ - 1989 م.
(6) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الشيخ نور الدين السالمي، مكتبة الاستقامة، سلطنة
عمان.
(7) الكامل في التأريخ، ابن الأثير محمد بن علي بن عبد الكريم، دار الباز، مكة المكرمة، ط 2، 1415 هـ - 1995 م.
(8) الإباضية بين الفرق الإسلامية، الشيخ علي يحيى معمر، طبع وزارة التراث القوم و الثقافة سلطنة عمان.
(9) الحق الدامغ، سماحة الشيخ أحمد الخليلي، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع:
(10)
عمان، 1412 هـ.
لطنة
وسقط القناع، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مكتبة الضامري للنشر
والتوزيع، سلطنة عمان، 1412 هـ.
(11) أضواء على الإباضية، الشيخ علي يحيى معمر، المطابع العالمية، روي، سلطنة
عمان. (1/152)
صفحة 153
(12)
(13)
الإباضية في ميدان الحق 147
المهذب من إحياء علوم الدين، الشيخ صالح أحمد الشامي، دار القلم، دمشق.
"
1413 هـ - 1993 م.
عمان والديمقراطية الإسلامية، د. حسين عبيد غانم غباش، دار الجديد، لبنان
1997 م.
(14) أساس التقديس في علم الكلام، الإمام فخر الدين الرازي، دار الفكـ اللبناني
"
6
(10)
بيروت، ط 2، 1993 م.
البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، الدكتور فرحات الجعبيري،، مطبعة الألوان
لطنة عمان
"
(16)
(17)
(18)
الحديثة، سلطنة عمان الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب، مكتبة مسقط،.
01415 - 1994 م.
الكشف والبيان، الشيخ محمد بن سعيد القلهاتي، وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان، 1400 هـ. إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، الشيخ محمد بن محمد الحسـ دار الكتب العالمية، بيروت، 1409 هـ - - 1989 م.
(19) الإمامة والسياسة، الشيخ محمد بن مسلم بن قتيبة الدينوري، دار المنتظر، بيروت
(20)
، 1405 هـ - 1985 م. ديوان السيف النقاد، الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي، ط 2، وزارة التراث | القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1409 هـ - 1988 م.
(21)
شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، الشيخ نور الدين السالمي، المطبعة |
العمومية، دمشق، 1383 هـ - 1963 م.
(22) جامع أبي الحسن البسيوي، الشيخ علي بن محمد بن علي البسيوي، وزارة التراث
القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1404 هـ - 1984 م.
(23) كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، الشيخ نور الدين السالمي، مخطوطة
(24)
(25)
غاية المراد في الاعتقاد، الشيخ نور الدين السالمي، مخطوطة.
العقود الفضية في الأصول الإباضية، الشيخ سالم بن حمد الحارثي. (1/153)
صفحة 154
الإباضية في ميدان الحق
148
(26) دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة، عبد الله الأمين، دار الحقيقة،
بيروت
(27) الفرق الإسلامية مدخل ودراسة، د. عبد الفتاح المغربي، مكتبة وهبة، ط 2، 1415 هـ - 1995 م. (28) العدالة الاجتماعية في الإسلام، سيد قطب، ط، بيروت، 1387 هـ ـ 1976 م (29) البداية والنهاية ابن كثير دار المعارف بيوت الطبعة الرابعة. الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد دار المعرفة
(30)
الجامعية الإسكندرية.
(31) المدخل الى دراسة الاديان والفرق والمذاهب العميد محمد أسود. (32) الفرق بين الفرق عبد القادر بن طاهر البغدادي دار الجيل بيوت 51408 1987 م (33) الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة محمد بن شامس البطاشي مكتبة | الضامري مسقط السيب.
(34) فرق معاصرة تنتسب الى الإسلام وموقف الاسلام منها غالب علي عواجي مكتبة أضواء المنار المدينة المنورة. 1414 5 (35) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ابن القيم الجوزية دار الكتاب العربي بيروت |
01414 1994 م
(36) زاد المعاد في هدي خير العباد محمد صلى الله عليه وسلم ابن القيم الجوزية دار الكتاب العربي بيروت.
(37) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري مكتبة | فراتز شتايز نفيسادن 51400 1980 م
(38) الفصل في الملل والنحل ابو محمد علي بن أحمد دار المعرفة بيوت 1395 ه
1975 م
(39)
(40)
الملل والنحل أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني مكتبة الأنجلو مصرية
1977 م
التبصير في الدين أبو المظفر شاهفور بن طاهر الإسفراييني (1/154)
صفحة 155
الإباضية في ميدان الحق
سلطنة عمان
129
(41) الإباضية عبد العزيز بن محمد دار طيبة الرياض 1412 هـ (42) أحكام السفر في الإسلام علي يحيى معمر مكتبة الاستقامة) روي (43) الذهب الخالص محمد بن يوسف إطفيش المطابع العالمية روي سلطنة عمان (44) كشف الكرب محمد بن يوسف إطفيش وزارة التراث القوم والثقافة سلطنة عمان
1405 هـ 1985 م
(45) قواعد الإسلام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي مكتبة الإستقامة روي سلطنة عمان 1413 هـ 1992 م
(46) الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسندة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي مكتبة | الضامري سلطنة عمان 1416 هـ 1995 م
(47) الوحي المحمدي محمد رشيد رضا 1404 هـ 1984 م
(48) إسلام بلا مذاهب الدكتور مصطفى الشكعة الدار المصرية اللبنانية 1414 هـ
1994 م (1/155)
صفحة 156
م
الموضوع
الفهرس
الإباضية في ميدان الحق
مقدمة فضيلة الشيخ سعيد بن خلف الخروصي
مقدمة الكتاب
الفصل الأول: معرفة الحقيقة وأسباب الجنوح الفكري
الباب الأول: الطريق الصحيح لمعرفة الحقيقة
الباب الثاني: أسباب الخطأ أو الجنوح الفكري الفصل الثاني: افتراءات كتاب المقالات على الإباضية الباب الأول: أسباب التعصب ضد الإباضية الباب الثاني: ردود على كتاب المقالات
الإباضية مع أبي الحسن الأشعري
البغدادي والفرق الإسلامية
الإباضية عند البغدادي
ابن حزم والإباضية
المظفر الأسفراييني والإباضية
أبو الفتح الشهرستاني والإباضية
الغوابي والإباضية
مع الإستاذ عبد القادر شيبة الحمد
مع عبد العزيز بن محمد عبد اللطيف
أحد الكتاب المعاصرين مع الفصل الثالث: مفاهيم يجب أن تختفي
الباب الأول: مسألة أن الحق عند الكثرة
رقم الصفحة (1/156)
صفحة 157
الإباضية في ميدان الحق
الباب الثاني: اتهام الإباضية بكراهية الصحابة
وقفة تأمل
تنبيه هام
بيان موجز لقضية التحكيم
الباب الثالث: مسألة الصاق الإباضية بالخوارج
الباب الرابع: اتهام الإباضية بالبدعة والتقليد
الباب الخامس: اتهام الإباضية بالتعطيل الفصل الرابع: المسائل الخلافية
الباب الأول: الجانب السياسي الباب الثاني: مسائل الخلاف في العقيدة
أولا: مسألة خلق القرآن
ثانيا: نفي رؤية الباري جل وعلا
ثالثا: مسألة الشفاعة وعدم غفران الذنوب من غير توبة
رابعا: مسألة الخلود في
النار
الباب الثالث: بعض مسائل الخلاف الفقهية
مسألة صلاة المسافر
أدلة استقامة الإباضية
الخاتمة
المراجع (1/157)
صفحة 158
/ (1/158)
صفحة 159
مطابع النهضة. تليفون: 563104. سلطنة عمان (1/159)