صفحة 1
الكتاب: الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الإباضية
ومنهجية البحث
عند المؤرخين وأصحاب المقالات
علي بن محمد بن عامر الحجري
بسم الله الرحمن الرحيم
" وإن من يمعن نظره في التراث الإباضي الفكري - متجرداً عن العوامل النفسية، والمؤثرات الوراثية - يدرك كل الإدراك أنّ الإباضية أكثر فئات هذه الأمة اعتدالاً، وأسلمها فكراً، وأقومها طريقاً، وأصحّها نظراً، وأصفاها مورداً ومصدراً " (1)
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
الإهداء
إلى مكتبة ولاية بدية العامة العامرة
جعل الله تعالى حاضرها الزاهر حلقة وصل بين الماضي العريق التليد والمستقبل المشرق الواعد.
شكر وتقدير
لفضيلة الشيخ الأستاذ/ ناصر بن سليمان السابعي على توجيهاته ونصائحه التي بفضل الله تعالى ثم بسببها خرج هذا البحث، فله مني جزيل الشكر والتقدير. وأشكر أيضاً سعادة الشيخ الأستاذ/ أحمد بن سعود السيابي على توجيهاته وإرشاداته التي كان لها الأثر الكبير في إخراج هذا البحث. وأشكر أيضاً الشيخ الأستاذ الوالد/ عامر بن سعيد الحجري والشيخ الأستاذ / خميس بن راشد العدوي والشيخ الأستاذ/ يوسف بن إبراهيم السرحني والشيخ الأستاذ/ عبد الله بن سعيد المعمري والشيخ الأستاذ/ عبد الله بن عامر العيسري والأستاذ/ حمدان بن عامر الحجري والأستاذ/ مسلم بن سالم الوهيبي والأستاذ/ محمد بن حمد بن سعود المالكي والأستاذ/ عبد الله بن سعيد بن علي الحجري والأستاذ/ سالم بن عامر بن محمد الحجري والأخ العزيز/ عامر بن حمدان بن سالم الحجري وكل الأخوة القائمين على إدارة مكتبة ولاية بدية العامة، وكل من مد يد العون إليّ إما بالتوجيه أو بالمعلومة.
تقديم بقلم سعادة الشيخ الأستاذ/ أحمد بن سعود السيابي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
__________
(1) البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص12 (1/1)
صفحة 2
فإنه مما لا يتمارى فيه اثنان، أن الكتابة أو الحديث أو النقاش عن موضوع الطوائف أو الفرق الإسلامية لهو من الصعوبة بمكان، ومن الخطورة في آن. وذلك لأن الدخول في هذا الموضوع يحتاج إلى جمع المعلومات بشكل عميق ودقيق، وإلى منهج استقرائي تام لتكون الحقيقة للكاتب أو الباحث واضحة المعالم بارزة للعيان.
وما ذلك التخبط الذي نجده عند كتاب الفرق والمقالات إلا راجع إلى عدم جمع المادة العلمية الصادقة. حيث إنهم لم تكن لديهم المعلومات الكافية عن الفرق أو الطوائف الدينية التي كتبوا عنها، ولا نبالغ أو لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن المعلومات حول ذلك عندهم معدومة لا وجود لها. فإذا هم يتخبطون تخبط العشواء، ويخلطون الأمور كحاطب ليل.
وعندما كتب أولئك عن الإباضية وفق ذلك المنهج السقيم، والجهل أو التجاهل الفاضح، إذا هم تهوي بهم الريح في مكان سحيق بعيدا عن الحقيقة والمنهج العلمي الإسلامي الصحيح.
فلا غرو أن يرى كثير من الكتاب والباحثين المعاصرين أن كتب الفرق والمقالات ليست جديرة بالمصداقية فهي لا تحمل المصداقية.
ويعجبني هنا أن أنقل ما قاله أخونا وصديقنا الكاتب القدير والباحث الخبير الدكتور عمر محمد صالح با في كتابه ( دراسة في الفكر الإباضي) حيث يقول: " والحق أن كتاب المقالات جنوا على التاريخ، وجنوا على العلم، وجنوا على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - . (1/2)
صفحة 3
جنوا على التاريخ لأنهم زورّوه وكتبوا وقائعه على نحو سقيم، واعتدوا على قوم أبرياء -قلمياً- وزيفوا مبادئهم وقالوا بألسنتهم ما لم يقله هؤلاء. وجنوا على العلم، لأن كتبهم -مع عدم صحة ما ورد فيها وانتفاء الثقة عنها- أصبحت مراجع يرجع إليها من يريد الإطلاع على آراء الفرق الإسلامية والتزود بمادة علمية منها، والحال أنها خالية عن أية مادة علمية. وجنوا على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لمحاولة تفريقها، أو الإمعان في تمزيقها وبالتالي إضعافها. ولم يحاولوا فقط تضييق الهوة الناشئة عن نتائج اجتهادات مجتهديها لمسائل فرعية غير جوهرية في الدين، وهي إلى السياسة أقرب منها إلى الدين" (1)
بيد أنه من العجيب حقاً -مع كل هذا- أن تكون تلك الكتب مصادر علمية أساسية معتمدة يرجع إليها كل من يريد القول أو الخوض عن الفرق أو المذاهب الإسلامية. حتى أننا لنجد كتاباً وباحثين معاصرين تكاد تكون كتاباتهم ومقالاتهم - بل هي كذلك- اجتراراً لما في تلك الكتب ذات التعصب المذهبي البغيض، والافتراء الواضح، ونحن في هذا العصر الذي توفرت فيه وسائل المواصلات وتوفرت فيه وسائل الاتصالات، وأصبح العالم قرية صغيرة.
__________
(1) دراسة في الفكر الإباضي، ص48 (1/3)
صفحة 4
ومن الغريب أن يقول بعضهم أننا لا يمكننا أن نهمل ما كتبه أولئك -أي كتاب الفرق والمقالات- على أي حال، وهو قول عجيب ومنطق غريب. لذلك فإننا نقدر الباعث لأخينا وصديقنا الفاضل/علي بن محمد الحجري على اختيار موضوع منهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات في كتابه الذي عنون له بـ(الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات) لما قرأه وسمعه من تجن وتحامل غير مبرر على الإباضية، وما ذلك إلا شجة الابتعاد عن استعمال المنهج العلمي الصحيح. وهو يقول في مقدمة بحثه: " ومما يؤسف له حقاً أن هناك كتاباً يخرقون مناهجهم التي تنادي باتباع منهج أهل الحديث في تمييز المرويات. فهم حينما كتبوا عن أهل النهروان والإباضية لم يطبقوا ما نادوا به". فإذا بالكاتب الحجري ينفض كنانة فكره على أسلات قلمه ليميط اللثام ويزيح الستار عن كثير من الحقائق. مبيناً تجاوزات الكثير من المؤرخين والكتاب في طرحهم لقضايا التاريخ ومعالجتهم لها.
وقد اتبع الباحث منهج المحدثين في نقل الوقائع التاريخية، وهو منهج ينادي به الكثير من المفكرين قديماً وحديثاً. وهو -بلا شك-منهج له وجاهته، وإن كنا نتحفظ عليه، لأن نقل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دين ولا بد من العدالة في ناقله وراويه. وأما الروايات التاريخية لا تعدو كونها نقل أحداث تاريخية وقعت، فلا يستدعي الأمر فيها اشتراط عدالة الناقل أو الراوي إذا أمن الكذب. أما الكذاب فإنه يرد إليه صدقه فضلاً عن كذبه عقوبة له. وعلى كل حال فإن الباحث له اختياره الذي اختاره، وهو اختيار له وجاهته كما قلت، وهو أيضاً منهج مناسب لا سيما في نقل أحداث الفتنة التي حدثت بين الصحابة، فإنها وإن كانت روايات تاريخية، غير أنها أطرت تأطيراً دينياً وبنيت عليها تصورات عقدية اشتملت على التصويب والتخطئة على أساس مفهوم ديني. (1/4)
صفحة 5
لذلك يقول دفين القاهرة الإمام الشيخ أبو إسحاق اطفيش -رحمه الله- حول قضية التحكيم وهي أم قضايا الفتنة : " لعل مسألة التحكيم من أهم المسائل التي لعبت بها أيدي الهوى وشوهت حقيقتها تبريراً للطعن في المحكمة زوراً وجوراً " (1) . ولقد أعطى أخونا الحجري صورة واضحة المعالم حول كيفية معالجة وتناول تلك القضايا المعقدة من واقع أحداثها التاريخية بأسلوب رصين. وهو يقرر في كتابه هذا بأسلوب منطقي وتسلسل واقعي أن التجاوزات التي حدثت من المؤرخين وأصحاب المقالات في طرحهم واستنتاجاتهم لقضية الفتنة وما بنوه من تصورات حول ذلك، إنما ناشئ ذلك عن عدم تطبيقهم للمنهج العلمي الذي ينادي به كثير منهم في مقدمات مؤلفاتهم.
ونأمل أن يحتل هذا البحث مساحة مناسبة في ساحة الفكر الإسلامي ويسد حيزاً مناسباً في أروقة المكتبة الإسلامية. وهو -ولا شك- إضافة جيدة بين مفردات البحوث والكتب العلمية.
والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد بن سعود السيابي
مسقط
سلطنة عمان
تقديم بقلم فضيلة الشيخ الأستاذ/ ناصر بن سليمان السابعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاماً على خير المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فكم عانت الأمة الإسلامية من آلام التشتت، وقاست من مآسي التمزق، ولا زالت ترزح تحت وطأة هذه المعاناة وتنوء بأثقالها.
وحقيق بها -وقد حادت عن المنهج السوي ورمت بعوامل وحدتها وأسباب قوتها- أن تذوق مرارة كل ذلك وأن تتضور من الحرمان والعوز والفاقة.
ولا ريب أن المنهج الرباني الذي أنزله الله آيات تتلى وشرعاً يحكم به هو المخلص للأمة من غياهب الضلال وفيافي الضياع.
__________
(1) تحفة الأعيان، ج1/ هامش ص 79 (1/5)
صفحة 6
وإذا كانت هذه الأمة المسلمة قد انحرفت كثيراً وحادت طويلاً عن منهج الله، فإن فترات العزة والقوة التي ذاقت فيها حلاوة الإيمان ونعيم العدالة -رغم قصرها- دليل واضح صريح على أن في يد هذه الأمة من القدرة على الوصول إلى المخلص الوحيد لها وللبشرية كلها من مشاكلها ومتاعبها، ما يكفي لها بياناً على عطف عنان هذه المسيرة التائهة.
ولئن كان التاريخ مليئاً بالصور العديدة من مظاهر وآثار ذلك الانحراف الفكري والعملي فلنا منه -نحن المسلمين خاصة- العبرة الناصعة والعظة النافعة، كيف لا وقد وجهنا القرآن الكريم إلى أخذ المواعظ مما قصه لنا من قصص الماضين وأحداث الأقوام السابقين.
وما أحرانا أن نتبين المساوئ والمآخذ التي أفرزتها الخطى المائلة والمناهج الفاسدة إذ خطاها من خطاها من أفراد هذه الأمة سواء منها حاكموها وشعوبها، وعلماؤها وجهالها، وكتابها وحملة علومها عبر الأجيال المتلاحقة، لتكون لنا منهجاً حيَّا فريداً مميزاً يضمن لكل الأجيال اللاحقة الثبات والاستمرار، واليقين بقوة هذا الدين، ومتانة أصوله وثوابته ومبادئه.
أجل كم ثمة انحرافات..
ولكننا -بعون الله - قادرون على تعديل المنهج وتسوية الصراط وذلك بالعودة إلى المصدر الأصيل كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
وإن من أهم المناهج التي ينبغي أن تصحح ما رسمته أيادي عدد من المؤلفين والكتاب في شأن ثلة من السلف الصالح لهذه الأمة، متمثلة في الطائفة المسماة بأهل النهروان الذين مشى على خطاهم أتباع المذهب الإسلامي العريق ( الإباضية) الذين كابدوا قروناً طوالاً آثار الانحراف لدى مناهج كثير من علماء وأتباع المذاهب الإسلامية الأخرى.
وإن من غريب الأمور ما نراه على الساحات العلمية من ظهور مؤلفات وكتابات ومقالات تسيء إلى هذا المذهب وأتباعه، بغير دليل ولا واضح سبيل. (1/6)
صفحة 7
ولئن حاولنا الاعتذار عن الأقدمين ببعد الشقة وطول العهد وعدم الاطلاع على مؤلفات هذا المذهب ومصنفات علمائه، فإن العذر يتضاءل في هذا الوقت الراهن الذي تعلو فيه شعارات الوحدة والموضوعية والمنهجية، والتي ما إن تعرض على المحك حتى يتهاوى عدد منها على تراب الأرض.
وقد شاءت الإرادة الإلهية أن أكون على صلة علمية وطيدة بالأخ العزيز الأستاذ/ علي بن محمد الحجري الذي جلَّى لي ولغيري من القراء المنهج السديد الذي يحتكم إليه في مناقشة قضايا هذا المذهب وسائر المذاهب الإسلامية ... منهج يحتاجه عدد وافر من الكتَّاب، ولا يستغني عنه الباحثون والمؤرخون.
وإنه لحري بأن ينال حقه من الدراسة والبحث، ليس على المستوى الثقافي فحسب، بل حتى على المستويات الأكاديمية.
وإن مما ميز هذا الكتاب الرائع الرائق، حسن أسلوب مؤلفه، وتجرده للحق، وحرصه على حرمات المسلمين لاسيما السلف الماضي من هذه الأمة، وتوجيهه عناية القارئ إلى واقع الأمة ومستقبلها. كما امتاز بمزجه بين منهج المؤرخين ومنهج المحدثين، في أسلوب يصل إلى نهاية يجتمع فيها ثبوت حقيقة ما أو نفيها، وبيان مدى أهمية ذلك في ضوء الدعوة القرآنية إلى وجوب الاستظلال بظلال الوحدة الوارفة التي يجتمع تحتها كل أفراد هذه الأمة المسلمة.
أسأل الله عز وجل أن يجزل له الثواب، وأن ينفع بهذا الكتاب القيم وأن يأخذ بيد هذه الأمة إلى سبيل عزتها وكرامتها، وهو ولي ذلك والقادر عليه.
ناصر بن سليمان السابعي
مسقط
سلطنة عمان
مقدمة البحث
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فمن أول يوم شهدت فيه الأرض نور خاتمة الشرائع والرسالات، تغيرت مبادئ واتجاهات، وطلب من الناس اتباع منهج واحد واضح المعالم.. بين المبادئ.. شامل لحياة الناس الظاهرة والباطنة. (1/7)
صفحة 8
جاءت الرسالة الإلهية الخاتمة لترتقي بالبشرية إلى مدارج الكمال الإنساني، الذي يرضاه المولى جل وعلا لهذا المخلوق، صاحب الطباع المزدوجة.
جاءت لتحدد له معالم الطريق، الذي عليه أن يسلكه كخليفة مستأمن في هذه الأرض؛ ليقوم بواجبه خير قيام بلا تحريف لمبادئه ولا تلكؤ عن القيام بواجبات وظيفته ولا تكاسلٍ عن القيام بنصرة دينه.
جاءت هذه الرسالة لتحدد لكل إنسان مواضع خطواته في أدائه لهذه الوظيفة.. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - رسالته واضحة بينة أُمر بالقيام بها، وقد قام بها - صلى الله عليه وسلم - وأداها كما أُمر وانتقل إلى الرفيق الأعلى وقد كمل الدين وتمت نعم الله على العباد، والحمد لله رب العالمين.
والصحابة - رضوان الله عليهم - والتابعون وتابعو التابعين ومن جاء بعدهم إلى يوم الدين طلب منهم القيام بهذه الرسالة كل حسب طاقته ووسعه.
التاجر في متجره أمين وصادق في بيعه وشرائه. والمجاهد في سبيل الله يُغبر قدميه ويسل سيفه لله ولوجه الله متمسكاً بآداب الله في السلم والحرب.
والكاتب يكتب كما علمه الله همه خدمة دين الله ومنفعة عباد الله جل وعلا.
والراوي ينقل المفيد مما سمع ووعى بلا زيادة ولا نقصان، حتى تقوم أجيال المسلمين المتلاحقة بمواصلة عملية البناء والتعمير، لهذه الأرض بلا تباطؤٍ ولا توقف.
لقد جاءت آيات الله البينات في القرآن الكريم وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتحدد لجنس البشر عامة أركان إيمانهم وإسلامهم. وجاءت كذلك لتبين لكل صاحب عمل الإطار الذي حول عمله، والخطوط التي يجب أن يسير عليها حتى يؤدي وظيفته حسب المنهج الإلهي. وفي أجيال المسلمين المتعاقبة قيض الله تعالى لهذه الأمة رجالاً بينوا لكل صاحب حرفة الخطوط التي يجب أن يتبعها في عمله حسب المنهاج الرباني الذي لا يتغير ولا يتبدل مهما طال الزمان وتغير المكان. (1/8)
صفحة 9
وحرفة كتابة التاريخ - إن صح لنا اعتبارها حرفة - تناولتها أيد متشعبة المقاصد والاتجاهات، فبعض الأيدي تناولت موضوع كتابة التاريخ حسب دوافع نفسية أو مادية أو سياسية أو مذهبية أو عقائدية. ومهما يكن من دوافع فكتابة التاريخ لها قواعدها وأسسها وثوابتها التي يستطيع المحقق من خلالها معرفة الصحيح والسقيم من المرويات المشحونة في أمهات كتب الحديث والتاريخ.
لقد طالب كثير من كتاب التاريخ اتباع مسلك علماء الحديث والجرح والتعديل في نقد روايات التاريخ خاصة ما اتصل بتاريخ الرعيل الأول من هذه الأمة - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - حتى تبرز حياتهم الطاهرة لأجيال المسلمين في أجمل صورها وأحسن مظاهرها.
ومع كل الصرخات التي يطلقها المهتمون بكتابة التاريخ لأجل تمييز الصحيح من السقيم من المرويات، فإننا لا نجد محاولة لتطبيق منهج علماء الحديث في عالم الواقع، بل إننا لنجد استرسالاً في اتباع منهج السابقين في النقل المباشر من كتب التاريخ الماضية بدون تدقيق ولا تروٍّ.
ومما يؤسف له حقاً أن هناك كتاباً يخرقون مناهجهم التي تنادي باتباع منهج أهل الحديث في تمييز المرويات. فهم حينما كتبوا عن أهل النهروان والإباضية لم يطبقوا ما نادوا به. وسترى أخي القارئ صدق ما نقوله من خلال مناقشتنا لبعض الكتّاب في بحثنا هذا.
لم يصل الأمر ببعض الكتاب إلى النقل من كتب التاريخ، أو محاولة الابتعاد عما ينادون به من اتباع منهج أهل الحديث فحسب بل تعدوا ذلك إلى تعديل أشخاص اشتهروا في كتب الجرح والتعديل بوضع الحديث وبالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما ذلك إلا ليجدوا آذاناً صاغية بين أجيال المسلمين المتطلعة إلى صدق الرواية وحقيقة الواقع. (1/9)
صفحة 10
والكتابة عن أهل النهروان لم تجد من الموضوعية ما يؤهلها لأن تكون صورة حية للفكر الإسلامي الذي حرر أتباعه من قيد الهوى وألزمهم قول الحق واتباعه. والمتتبع للأخبار الواردة في كتب التاريخ والمقالات والحديث عن أهل النهروان، المحكمة الأولى، يجد أن السمة الظاهرة عليها هي نقل اللاحق من كتب السابق، وهي وإن جاءت تحت أبواب من أبواب كتب الحديث فإنها لم تجد من شراح كتب الحديث حظها من حيث تبيين مواضع القوة والضعف فيها. لهذا يجد القارئ تبايناً واضحاً في عرض تاريخ أهل النهروان بين ما كتب في مؤلفات الإباضية وما سطر في بعض كتب السير والمقالات. فالإباضية لا يقبلون الطريقة التي يتبعها الكتاب الطاعنون في تاريخ وأقوال أهل النهروان، وغير المنصفين من الكتاب لا يلتفتون إلى ما نقل عن أهل النهروان في كتب أتباعهم. لهذا فلا بد للجميع أن يحتكموا إلى الحق الذي يعترف بسلطانه كل مسلم في إثبات ما هو ثابت بالدليل القاطع، وإبطال ما هو باطل بالحجة الواضحة البينة. (1/10)
صفحة 11
وهناك من الكتاب المنصفين الذين وقفوا على كتب ومؤلفات الإباضية فوجدوها صورة حية ممثلة لروح الإسلام وجوهره، لهذا كان منهم قول الحق الذي وجدوه بلا محاباة ولا نكران للواقع، وهم يشكرون على هذا. ولكنهم حينما اطلعوا على ما كتب عن أهل النهروان في كتب التاريخ والمقالات وجدوا واقع الإباضية يكذب تلك الأخبار الواردة في أهل النهروان، فما كان منهم إلا أن يأتوا بحل وسط ينص على أن المذهب الإباضي تطور وأصبح ينسجم مع التيار الإسلامي المعتدل بعد فترة التعايش مع المسلمين (1) .
__________
(1) قال الدكتور محمد أرشيد العقيلي: ".. والإباضية: اتباع عبد الله بن إباض، وقد كنا ناقشنا أن بعض المصادر التاريخية وكتاب الفرق يعتبرون الإباضية من الخوارج، في حين يتبرأ الإباضيون أنفسهم من الخوارج ويعدونهم خارجين على الدين. والحق يقال كما سيأتي أن الإباضية بعد أن انفصلت عن الخوارج في المراحل المبكرة من حياة الخوارج، أصبحت مبادؤها وخط سيرها بعيداً كل البعد عن معظم مبادئ وآراء الخوارج، مما يجعل المرء لا يتردد في اعتبار الإباضية في كلياتها وفي معظم مبادئها، وفي أسلوب تحقيق أهدافها، خارجة عن دائرة الخط الخارجي، باستثناء المراحل المبكرة من حياتها. " ( انظر الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص 135 ).
الذي يرفضه الإباضية هو ربط تاريخهم بتاريخ الأزارقة المشهور بسفك الدماء. أما أهل النهروان، المحكمة الأولى، فلم يفكر الإباضية يوماً من الأيام أن يتبرأوا منهم، وكل ما نسب إليهم من أعمال إنما هو باطل لا يصح.
قال الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر - رحمه الله - : «وخلاصة البحث أن كلمة الخوارج، أطلقها بعض المؤرخين على أتباع عبد الله بن وهب الراسبي إطلاقاً تاريخياً وأدبياً، بحيث لا تنصرف إلى غيرهم، وليس في هذا كبير بحث، فإن إطلاق اسم على مجموعة من الناس ليس بذي أهمية إذا كان هذا الإطلاق مجرد تسمية. أما إذا روعي فيه مدلول ديني فإنه يحسن بنا أن نتريث قبل أن نطلق هذا الحكم الرهيب، الذي يسلطه التاريخ المغرض على رؤوس بعض الطوائف الإسلامية في قساوة وغلظة ، في الحين الذي نعترف فيه أن هذه الطوائف تؤمن برسالة " محمد " وبتكاملها، وبما جاء فيها، وتستند في آرائها ونظرياتها إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام...» ( انظر الإباضية في موكب التاريخ، ج1/ص31 ) (1/11)
صفحة 12
وهذا القول فرض (1) من الفروض التي لا تستند إلى دليل، فهو ناشئ عن تصور خاطئ لحقيقة الأحداث التاريخية التي أعقبت قبول التحكيم من قبل الإمام علي - كرم الله وجهه -. وهذا القول وإن كان منشؤه الرغبة الشديدة من قبل هؤلاء الكتاب في توحيد الصف الإسلامي- وهم يشكرون على ذلك- لكننا نلمس منه محاولة قطع الصلة بين أهل النهروان والإباضية.
لهذا رأيت أن يكون هناك بحث يتناول -ولو بشيء من الاختصار- ذكر المنهج الإسلامي في دراسة الأحداث التاريخية، وكذلك مناقشة الروايات الواردة في كتب التاريخ والحديث في شأن أهل النهروان مع تبيين صحتها من ضعفها.
وعند تحديدي لخطة هذا البحث جاءت النظرة العامة لهذا العمل لتشمل محورين مرتبطين ومتشابكين، وكلاهما يسير على منهج واحد وصوب غاية واحدة. المنهج هو تطبيق "طريقة التلقي" التي جاء بها الإسلام وشرحها علماء الأمة. والغاية هي إبراز الحقيقة بعد عرض الأخبار على الميزان الموثوق بعدالته.
فالمحور الأول : يجيب عن هذين السؤالين:
1) ما المنهج الذي ينبغي أن يتقيد به كاتب التاريخ؟
2) ما نتيجة الانحراف عن منهج البحث السليم؟
وأما المحور الثاني : فيتناول تطبيق منهج علماء الأمة في شأن إثبات الأحداث المنسوبة إلى أهل النهروان أو نفيها.
وقد جاء المحوران معروضين في ستة فصول وخاتمة :
الفصل الأول : يتناول أسس البحث العلمي وقواعده في مجال التاريخ
الإسلامي .
الفصل الثاني : يتناول ذكر بعض من مصادر التاريخ ومعرفة مدى
الاحتجاج بها.
الفصل الثالث: يتناول الأحداث التي سبقت وأعقبت فتنة يوم الدار.
الفصل الرابع: يتناول ذكر مثالين تحرى فيهما أصحاب المقالات الدقة
والتثبت.
الفصل الخامس : يتناول مناقشة الأحداث التاريخية المنسوبة إلى أهل
النهروان.
الفصل السادس: يتناول مناقشة الروايات الواردة في كتب الحديث والتي
اعتمد عليها في النيل من أهل النهروان.
__________
(1) انظر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج1/ص80-81 (1/12)
صفحة 13
هذا وأدعو الله عز وجل أن يبارك في هذا البحث، وأتضرع إليه جل وعلا أن يعين أفراد هذه الأمة على اتباع الحق في جميع شؤون حياتهم إنه على ذلك قدير وهو بالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الأخيار وأصحابه الأطهار ومن والاهم إلى يوم الدين.
علي بن محمد الحجري
ولاية بدية
سلطنة عمان
شهر رجب 1420هـ الموافق شهر أكتوبر 1999م
الفصل الأول
أسس وقواعد البحث العلمي في التاريخ
... إن المبادئ والقيم التي جاء بها ديننا الحنيف أزالت غشاوات عن أعين الأمم، وأسهمت في بناء الحضارات على قواعد قوية وأسس متينة، وما كان لهذا التقدم الرائع الرهيب في جميع ميادين العلوم ليحدث لولا تلك الهمم التي تحلى بها علماء الإسلام في العصور الأولى من تاريخ أمتنا. وفي هذا الفصل من هذا البحث نقف عند تراث إسلامي رائد بز كل ما يفتخر به عباقرة الأمم الأخرى في موضوع توثيق الأخبار وتحليل الوقائع.
ولأجل توضيح المنهج السليم في كتابة التاريخ وتقييم الأمم والجماعات، أضع بين يديك أخي القارئ الكريم هذه الأقوال القيمة، لعلها تسهم في تذكير أبناء هذه الأمة بما عليهم من واجبات عند كتابة الأخبار ونقلها وتقبلها.
وهذا الفصل يقع في خمسة أقسام وخاتمة.
القسم الأول:- منهجية البحث عند ابن خلدون
القسم الثاني:- منهجية البحث عند محب الدين الخطيب
القسم الثالث :- منهجية البحث عند محمد صامل العلياني السلمي
القسم الرابع :- منهجية البحث عند الأستاذ سيد قطب
القسم الخامس :- منهجية البحث عند الأستاذ محمد قطب
القسم الأول:- منهجية البحث عند ابن خلدون
قال ابن خلدون في عدة مواضع من مقدمته ما نصه :
1 - " فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك وتأمل الأخبار واعرضها على القوانين الصحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه والله الهادي إلى الصواب " (1)
__________
(1) تاريخ ابن خلدون، المقدمة ص 18 (1/13)
صفحة 14
2- وقال أيضاً : " فقد زلت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث والآراء وعلقت أفكارهم ونقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر والغفلة عن القياس وتلقوها هم أيضاً كذلك من غير بحث ولا روية واندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن التاريخ واهياً مختلطاً وناظره مرتبكاً " (1)
3 - وقال أيضاً : " وتمحيصه [ يقصد الخبر ] إنما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وأما إذا كان مستحيلاً فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح " (2)
4 - وقال أيضاً: ".. ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبعته وله أسباب تقتضيه. فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها الذهول عن المقاصد.. ومنها توهم الصدق... ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع .. ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر ... ومن الأسباب المقتضية له أيضاً وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران.." (3)
5 - وقال أيضاً: " وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط من الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً.." (4)
__________
(1) المرجع السابق، ص 37
(2) المرجع السابق، ص48-49
(3) المرجع السابق، ص46 - 47
(4) المرجع السابق، ص 13 (1/14)
صفحة 15
6 - وقال أيضاً: " إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها.. وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها.. فالتحقيق قليل.. " (1)
حينما قرأت قول ابن خلدون ".. وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها.." تمنيت أن أجد دليلاً على هذا القول مبثوثاً في صفحات مقدمته ولكن في أثناء تجميعي لمادة هذا البحث أدركت ما يشير إليه ابن خلدون وعرفت بعضاً من الأشخاص الذين يعنيهم بقوله هذا، كما سترى أيها القارئ الكريم صدق ذلك في صفحات هذا البحث إن شاء الله تعالى.
من النصوص السابقة التي اقتطفناها لك أيها القارئ من مقدمة ابن خلدون تعرف منهج الكاتب وطريقته في دراسة التاريخ؛ فهو يحدد المواصفات والموازين للروايات والأخبار قبل أن يصح تقبلها والعمل بها. ولكنه حينما تكلم عن أهل النهروان والإباضية خاصة لم يطبق مبدأه هذا بل أخذ بأقوال السابقين له بلا تمحيص أو تمييز فقد قال في مقدمته ما نصه : ".. وشذ بمثل ذلك الخوارج (2) ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح، فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم ولا نروي كتبهم (3) ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم." (4)
__________
(1) المرجع السابق، ص 6
(2) قرن ابن خلدون ذكر الإباضية بذكر الخوارج في عدة مواضع من تاريخه حيث قال:
? ... ".. وكانوا يدينون بدين الإباضية من الخوارج.. " ( ج6/ص150)
? ... " ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا برأي الإباضية ودانوا به وانتحلوه.. "( ج6/ص158 )
(3) من المعلوم أن الأزارقة والنجدات لم يخلفوا كتاباً واحداً، والكتب التي أشار إليها ابن خلدون هنا إنما هي كتب الإباضية التي انتشرت في مواطنهم ببلاد المغرب والمشرق.
(4) تاريخ ابن خلدون، المقدمة ص 564 (1/15)
صفحة 16
كيف يسوغ لابن خلدون - وقد بين منهجه في كتابة التاريخ - أن ينكر على قوم لم يعرف شيئاً من مذاهبهم؟ وكيف يصح له أن يساير ركب الذين قالوا بما لا يعلمون وهو لم يحفل بدراسة مذهب من وصفهم بالخوارج؟
وخروج ابن خلدون عن القاعدة التي رسمها لنفسه يدركه كل قارئ لتاريخه ؛ فقد قالت الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف : " ولكن مما يؤسف له أنه لم يطبق هذا المنهج حين عرض هو نفسه لكتابة تاريخه المشهور : ( العبر وديوان المبتدأ والخبر) " (1)
وقال الدكتور عوض خليفات : ".. ولا يستطيع باحث في تاريخ أفريقية والمغرب الاستغناء عن تاريخ ابن خلدون، الذي يزودنا بمعلومات قيمة عن تاريخ الإباضية في شمال أفريقية، إلا أنه يخطئ كثيراً في التواريخ ويمتاز بعدم الدقة في ضبط الأسماء البارزة التي اشتركت في الحوادث. كما أنه غالباً ما يخلط بين الإباضية والصفرية. " (2)
القسم الثاني:- منهجية البحث عند محب الدين الخطيب
لقد قام محب الدين الخطيب بالتعليق على مبحث واحد من كتاب "العواصم من القواصم" للعلامة ابن العربي وسماه " العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ". ولقد بين محب الدين بعضاً من القواعد والأسس التي ينبغي لكاتب التاريخ أن يتبعها ويتقيد بها وهو يعرض حقائق التاريخ. ومن خلال دراسة تعليقاته نجد عدم تقيده بما أشار إليه. وإليك أيها القارئ هذه المقتطفات من تعليقاته:
__________
(1) مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه، ص 60
(2) نشأة الحركة الإباضية، ص11. وكذلك ص32 (1/16)
صفحة 17
1 - " ومعيار الأخبار في تاريخ كل أمة الوثوق من مصادرها، والنظر في ملائمتها لسجايا الأشخاص المنسوبة إليهم. وأخبار التاريخ الإسلامي نقلت عن شهود عيان ذكروها لمن جاءوا بعدهم، وهؤلاء رووها لمن بعدهم. وقد اندس في هؤلاء الرواة أناس من أصحاب الأغراض زوروا أخباراً على لسان آخرين وروجوها في الكتب إما تقرباً لبعض أهل الدنيا، أو تعصباً لنزعة يحسبونها من الدين، ومن مزايا التاريخ الإسلامي - تبعاً لما جرى عليه علماء الحديث - أنه تخصص فريق من العلماء في نقد الرواية والرواة.. والذين يتهجمون على الكتابة في تاريخ الإسلام وتصنيف الكتب فيه قبل أن يستكملوا العدة لذلك - لا سيما في نقد الرواة ومعرفة ما حققه العلماء في عدالتهم أو تجريحهم - يقعون في أخطاء كان في إمكانهم أن لا يقعوا فيها لو أنهم استكملوا وسائل العلم بهذه النواحي " (1)
2 - وقال أيضاً: " والتاريخ الصادق لا يريد من أحد أن يرفع لأحد لواء الثناء والتقدير، لكنه يريد من كل من يتحدث عن رجاله أن يذكر لهم حسناتهم على قدرها، وأن يتقي الله في ذكر سيآتهم فلا يبالغ فيها ولا ينخدع بما افتراه المغرضون من أكاذيبها" (2)
__________
(1) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب تعليق 66، هامش ص 75 - 76
(2) المرجع السابق، ص46 - 47 (1/17)
صفحة 18
3 - وقال أيضاً: " هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان : أحدهما طريق أهل الحديث في أن لا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم ثم يستعرضوا أحوال هؤلاء الأشخاص فيقبلوا من صادقهم، ويضربوا وجه الكذاب بكذبه. والطريق الثاني طريق علماء التاريخ وهو أن يعرضوا كل خبر على سجايا من يخبر عنه، ويقارنوه بسيرته، هل هو مما ينتظر وقوعه ممن نسب إليه ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا. وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقتين معا يقوم بهما علماء راسخون فيهما " (1)
هذه الأسس والقواعد التي أشار إليها محب الدين هي نفسها التي نادى باتباعها ابن خلدون في مقدمته، والقارئ يستأنس لهذه الأقوال حينما يجدها تصدر من أفواه هؤلاء الكُتاب، الذين لا يتوقع منهم الرجوع عنها بل يرغب في أن يجد مصداق ما قعّدوه في طوايا كتاباتهم.
وحينما تابعت ما سطره محب الدين في تعليقاته على " العواصم من القواصم " وجدته ينقل عن سيف بن عمر التميمي الكذاب المتهم بالزندقة عند علماء الجرح والتعديل، ويصب غضبه على أناس أبرياء شُهد لهم بالاستقامة في كتب الرجال المعتبرة. فقد قال ما نصه في أحد هؤلاء : " ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي - وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق - على ما نقله عنه الطبري أن حكيم بن جبلة (2) كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع.." (3)
__________
(1) المرجع السابق، تعليق رقم 218، هامش ص145
(2) انظر ترجمة حكيم بن جبلة في ص 125
(3) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، تعليق 153،هامش ص124 (1/18)
صفحة 19
ولم يكتف محب الدين بالاستسلام لمرويات هذا الكذاب الوضاع ونقلها بدون تبيين لحالها ، بل تجاوز ذلك إلى تعديل هذا الراوي على رغم حكم علماء الجرح والتعديل عليه بالكذب. فقد قال ما نصه: ".. فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف :.. وطائفة ثالثة من أهل الإنصاف والدين - كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير - رأت من الإنصاف أن تجمع أخبار الأخباريين من كل المذاهب والمشارب - كلوط بن يحيى.. وسيف بن عمر العراقي المعتدل.. " (1)
وستجد أيها القارئ في طوايا هذا البحث تراجم لبعض الرواة الذين اعتمد على رواياتهم في الكتابة عن أهل النهروان والإباضية.
وأنا إذ أذكر هذا ليس رغبة في إنشاء حوار أو جدال مع هؤلاء العلماء، ولكن هو اتباع لمنهجهم الذي بينوه وأفصحوا عنه ونادوا باتباعه والالتزام بخطواته وخطوطه في عرض حقائق التاريخ.
القسم الثالث :- منهجية البحث عند محمد صامل العلياني السلمي
محمد صامل العلياني ألف كتاباً سماه (منهج كتابة التاريخ الإسلامي) بين فيه ما يجب على كاتب التاريخ أن يتحلى به من آداب وما يتقيد به من قواعد. فقد قال في مواضع عدة من كتابه القيم :
1- " وعلى هذا الأساس من الالتزام بالعقيدة تقاس أعمال المؤرخين والباحثين وتوزن مناهجهم ومذاهبهم في التأليف، لأن الباحث المسلم ليس مطلق الحرية في اتخاذ المواقف وتفسير الحوادث وتقييمها كيفما عَنَّ له الخاطر. إنما هو مقيد بالقواعد الشرعية والأصول العلمية المتبعة في إثبات الأخبار وردها. فليس من حقه أن يتهم أحداً بناءً على رواية لم يتأكد من صحتها وعدالة رواتها واتصال سندها.." (2)
2 - وقال: " منهج كتابة التاريخ الإسلامي.. يعطي مدلولين :
__________
(1) المرجع السابق، تعليق 309، ص 179
(2) منهج كتابة التاريخ الإسلامي، ص 91 (1/19)
صفحة 20
المدلول الأول : المبادئ والأسس التي يضعها الإسلام لتكون حدوداً تحكم دراسة التاريخ الإسلامي، فهذه نحتاجها عند تفسير الواقعة التاريخية وتحليلها والحكم عليها.
المدلول الثاني: هو القواعد والطرق التي تتبع في إثبات الحقائق والوقائع التاريخية، فهذه نحتاجها في إثبات صحة واقعة تاريخية معينة أو نفيها، ومعلوم أننا أولاً نثبت الواقعة ثم بعد ذلك نفسرها. فمرحلة الإثبات مرحلة سابقة على مرحلة تفسير الحدث وتعليله" (1)
3- وقال أيضاً: " تفسير التاريخ يقصد به معرفة الروابط التي تربط الأحداث والوقائع المتفرقة ودراستها لتبين دوافعها وارتباطاتها ونتائجها واستخلاص السنن والنواميس الإلهية من خلالها والاعتبار بالدروس والعظات فيها. وهو مرحلة تأتي بعد التحقيق والنقد للأخبار فما ثبت من الوقائع والأحداث هو الذي يفسر وتدرس ارتباطاته ويتعرف على دلالته وآثاره.." (2)
4 - وقال أيضاً: ".. وعليه فإنه يمكن القول بأن الرواية التاريخية إذا كانت تتعلق بموضوع شرعي كتحليل أو تحريم أو ما يدخل في باب سب المسلم وتنقصه أو تدليس حاله على الناس فإنه لا بد من التثبت من رواتها ومعرفة نقلتها. ولا يؤخذ في هذا الباب إلا عن العدول الضابطين الذين سلمت مروياتهم من المعارضة." (3)
__________
(1) المرجع السابق، ص101
(2) المرجع السابق، ص 168 -169
(3) المرجع السابق، ص 246 - 247 (1/20)
صفحة 21
5 - وقال أيضاً: ".. ثم عليه أن لا يظهر الباطل بمظهر الحق ولا يظهر الخير بمظهر الشر. إنما يسمي الأشياء بأسمائها الشرعية فالحق حق مهما كان فاعله والباطل باطل مهما كان قائله. والميزان هو شرع الله. فإذا رأى غدرة أو ظلماً أو إهانة لأحد أو تعدياً لحدود الله فإنه لا بد أن ينبه على أن ذلك تجاوز ومخالفة لشرع الله. وإذا رأى عدلاً وإحساناً وجهاداً في سبيل الله وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر أشاد به ومدح صاحبه ليكون قدوة في هذا الفعل الطيب وهذا من أعظم غايات دراسة التاريخ وثمراته" (1)
القسم الرابع :- منهجية البحث عند الأستاذ سيد قطب
قال سيد قطب في عدة مواضع من تفسيره (في ظلال القرآن) ما نصه :
1 - " إن منهج الله ثابت، وقيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التصور وقواعد السلوك. ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوباً على المنهج، ولا مغيراً لقيمه وموازينه الثابتة.
وحين يخطئ البشر في التصور أو السلوك، فإنه يصفهم بالخطأ. وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف. ولا يتغاضى عن خطئهم وانحرافهم - مهما تكن منازلهم وأقدارهم - ولا ينحرف هو ليجاري انحرافهم !
__________
(1) المرجع السابق، ص 263 (1/21)
صفحة 22
ونتعلم نحن من هذا أن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج ! وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه - أياً كانوا - وألا تبرر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً، بتحريف المنهج، وتبديل قيمه وموازينه. فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف.. فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص. والواقع التاريخي للإسلام ليس هو كل فعل وكل وضع صنعه المسلمون في تاريخهم. وإنما هو كل فعل وكل وضع صنعوه موافقاً تمام الموافقة للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة.. وإلا فهو خطأ أو انحراف لا يحسب على الإسلام، وعلى تاريخ الإسلام ؛ إنما يحسب على أصحابه وحدهم، ويوصف أصحابه بالوصف الذي يستحقونه : من خطأ أو انحراف أو خروج على الإسلام.. إن تاريخ " الإسلام " ليس هو تاريخ " المسلمين " ولو كانوا مسلمين بالاسم أو اللسان ! إن تاريخ " الإسلام " هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام، في تصورات الناس وسلوكهم، وفي أوضاع حياتهم، ونظام مجتمعاتهم.. فالإسلام محور ثابت، تدور حوله حياة الناس في إطار ثابت. فإذا هم خرجوا عن هذا الإطار، أو إذا هم تركوا ذلك المحور بتاتاً، فما للإسلام وما لهم يومئذ؟ وما لتصرفاتهم وأعمالهم هذه تحسب على الإسلام، أو يفسر بها الإسلام؟ بل ما لهم هم يوصفون بأنهم مسلمون إذا خرجوا على منهج الإسلام، وأبوا تطبيقه في حياتهم، وهم إنما كانوا مسلمين لأنهم يطبقون هذا المنهج في حياتهم، لا لأن أسماءهم أسماء مسلمين، ولا لأنهم يقولون بأفواههم : إنهم مسلمون؟!" (1)
__________
(1) في ظلال القرآن، ج 1 / ص 533 (1/22)
صفحة 23
2 - وقال أيضاً: " إن الواقع التاريخي "الإسلامي" هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوراته وشرعته وموازينه. هذا وحده هو الواقع التاريخي " الإسلامي" .. أما ما يقع في المجتمع الذي ينتسب إلى الإسلام، خارجاً على أصوله وموازينه فلا يجوز أن يحسب منه، لأنه انحراف عنه" (1)
3 - وقال أيضا: " إن التاريخ - وإن وعى بعض هذه الأحداث - هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف. ونحن نشهد في زماننا هذا - الذي تيسرت فيه أسباب الاتصال ووسائل الفحص - أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى، وينظر إليه من زوايا مختلفة، ويفسر تفسيرات متناقضة. ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق " (2)
4 - وقال أيضاً:" فالتثبت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم. ومنهج الإسلام الدقيق. ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة ... والأمانة العلمية التي يشيد بها الناس في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعتها الكبرى، ويجعل الإنسان مسؤولاً عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد ... إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب. أمانة يسأل عنها صاحبها وتسأل عنها الجوارح والحواس والعقل والقلب جميعاً. أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة، وكلما روى الإنسان رواية، وكلما أصدر حكماً على شخص أو أمر أو حادثة..
__________
(1) المرجع السابق، ج 1 / ص 583
(2) المرجع السابق، ج 4 / ص 2290 (1/23)
صفحة 24
فلا يقول اللسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية، ولا يحكم العقل حكماً ولا يبرم الإنسان أمراً إلا وقد تثبت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هناك شك ولا شبهة في صحتها { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } حقاً وصدقاً.. " (1)
5- وقال أيضاً: ".. فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد، صغير السن، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض ! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب والأغاليط؛ وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري ؛ والتي يكمن بعضها في أغوار النفس، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب، ولا يبدو منها إلا بعضها. وهذا البعض يخطئ البشر في جمعه، ويخطئون في تفسيره، ويخطئون أيضاً في تمييز صحيحه من زائفه - إلا قليلاً - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علماً، وأنه يملك تفسيره تفسيراً " علمياً "، وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضاً.. هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي: إنه يتحدث عن ( توقعات) لا عن ( حتميات) لكان ذلك مستساغاً.. ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري؟! " (2)
القسم الخامس :- منهجية البحث عند الأستاذ الشيخ محمد قطب
لقد حدد الأستاذ الشيخ محمد قطب في كتابه " كيف نكتب التاريخ الإسلامي " بعضاً من المعالم التي يجب على كل من أراد الاشتغال بكتابة التاريخ الإسلامي أن يهتدي بها وأن يسير على خطوطها. فقد قال :
__________
(1) المرجع السابق، ج4 / ص 2227
(2) المرجع السابق، ج2/ص1088-1089 (1/24)
صفحة 25
1 - " وموقف المؤرخ المسلم من هذه الأحداث أن يسجل الحقائق بلا تحامل ولا محاباة .. لا نجامل الجماعات الإسلامية حين تخطئ، فأي مجاملة ستكون على حساب الإسلام. ولا نداري على أخطائها، فكل مداراة على الأخطاء ستكون تضليلاً لمن يأتي بعدنا من الأجيال. وإذا كنا لم نقبل المجاملة والمداراة بالنسبة للأمويين ولا العباسيين ولا العثمانيين رغم الحرص على إبراز إيجابيات تلك العهود كلها، فلا يجوز لنا كذلك أن نجامل أو نداري على أخطاء الجماعات الإسلامية، وبعضها خطير.
ولكن تسجيل الأخطاء لا يجوز أن يكون دافعه التشويه والتشهير، فهذا لا يصدر عن المؤرخ المسلم على أي حال، إنما دافعه استخراج العبرة من الأحداث لتكون تلك العبرة زاداً لما يستقبل من الطريق.. وفي الوقت ذاته لا بد من تسجيل الإيجابيات التي يطمسها الأعداء وهم يتحدثون عن هذه الجماعات " (1)
2 - وقال أيضاً : " ولئن كان في هذه الطريقة [ طريقة المؤرخين القدامى] من مزية فهي أنها حفظت لنا الوقائع كلها، وما ورد فيها من أقوال، فهي من هذه الناحية مصادر ثمينة للباحث المدقق الذي يأخذ على عاتقه مهمة التمحيص، ولكن عيبها بالنسبة للقارئ العادي وطالب العلم غير المتمرس، أنها تغرقه في خضم من الروايات والوقائع المتضاربة أو المتناقضة أحياناً ، لا يعرف لنفسه طريقاً للخلوص منها بنتيجة محددة، ومن ثم لا تحقق له بغيته من قراءة التاريخ ودراسته، فلا هو يملك الصبر ولا المقدرة الفنية التي يستطيع بها أن يمحص الروايات المختلفة ويرجح بعضها على بعض " (2)
خاتمة الفصل الأول
__________
(1) كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 216
(2) المرجع السابق، ص 10 (1/25)
صفحة 26
فيما نقلناه لك أخي القارئ الكريم من كتابات أولئك العلماء كفاية لمعرفة الضوابط التي تحدد المنهاج الذي يجب أن يسلكه كل من أراد أن يؤرخ لفئة معينة من الناس حين يعتمد على أخبار السابقين من الرواة والمؤرخين. وهذه النقولات التي اخترناها لتوضيح معالم هذا المسلك تبرز نفسها بنفسها بحيث يدرك القارئ بأن محاولة شرحها لا يضيف إليها زيادة بيان.
وعلى ضوء ما سبق نقله أذكر بشيء من الإيجاز أسس كتابة التاريخ:
1 - عدم الثقة بما كتبه المؤرخون عن الفرق التي لا ينتسبون إليها إلا بعد أن تُعرض الأخبار على القوانين المُرَجِحة للروايات.
2 - تمحيص الخبر من جانب النظر في سند الرواية. فصحة السند أو ضعفه شرط من شروط قبول الرواية أو رفضها.
3 - دراسة متن الرواية وذلك لمعرفة إن كانت الرواية نفسها ممكنة الحدوث. فإن ثبت ضعفها فلا فائدة من النظر في السند.
4 - عند دراسة تاريخ أي مذهب، فلابد من الرجوع إلى مصادر التاريخ التي ألَّفها أتباع ذلك المذهب مع عرض أحداث التاريخ على "العقائد" و"المبادئ " التي يدعو إليها ذلك المذهب. وعدم إطلاق أحكام عامة من مجرد سلوكيات فردية، فنحن حين ندرس تاريخ أي مذهب من مذاهب الإسلام نعرف أن جميع المذاهب الإسلامية تحرم الزنى، وأكل الربا وقتل الأبرياء وأكل أموال اليتامى، وتدعو إلى صيانة الأعراض، فإذا ما خرج أحد من أتباع أي مذهب ؛ فقتل الأبرياء وانتهك الأعراض ونهب الأموال، فإن الحكم يكون على ذلك المقترف لهذه الجرائم ولا يصح أن تنسب إلى مذهبه تبعات ما قام به من أعمال (1) .
5 - عند النظر في سيرة أي شخص فإنه ينظر إليه بمنظار الإسلام الذي يجعل العمل المبني على عقيدة التوحيد الخالص هو المعيار في الجرح والتعديل لا إلى المظاهر والألقاب، فكم من مجرم هتّاك للأعراض أُطلق عليه أزكى العبارات وأحسن الأوصاف، وكم من متقٍ أواه وُسم بأقبح الأسماء وأقذر النعوت!.
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج2/ص127 (1/26)
صفحة 27
وبعبارة أخرى : توزن الرجال بالحق ولا يوزن الحق بالرجال، وكما قال الشيخ أبو طاهر الجيطالي -رحمه الله-: " فاعلم أنه من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال، فاعرف الحق تعرف أهله " (1) .
الفصل الثاني
كتب الفرق والتاريخ في الميزان
إن الانحراف عن المنهج السوي له آثاره ونتائجه السيئة، فالإنسان الذي لا يتقيد بضوابط الشرع في الأخذ والعطاء يكون مترنحاً متذبذباً؛ ليس له أعمدة تقومه وتثبته، وليس أمامه طريق مستقيم يسلكه ويتبعه. فالعامل الذي لا يتقيد بضوابط مهنته تأتي نتائج أعماله وبالاً عليه وعلى الناس من حوله وعلى أُمته. ومما مزق الأمة الإسلامية وجعلها أحزاباً وشيعاً أقوال وكتابات صدرت من أناس لم يأتمروا بأوامر الله جل وعلا. والأخبار المكذوبة والأقوال الزائفة التي وضعت في كتب التاريخ والملل والنحل منذ القرون الأولى من تاريخ الإسلام سبب من أسباب افتراق المسلمين وضعف شوكتهم في هذه العصور.
وفي هذا الفصل والفصل التالي نتعرف على بعض من مصادر التاريخ الإسلامي، ونتعرف كذلك على آثار ونتائج الأخذ بأقوال الضعفاء من الرواة والمؤرخين.
وهذا الفصل يقع في خمسة أقسام وخاتمة:
القسم الأول : صوَر من تحريف المنهج السليم
القسم الثاني : مصادر كتب الفرق والتاريخ
القسم الثالث : أقوال علماء الجرح والتعديل في بعض من كتاب التاريخ والسير
القسم الرابع : رأي العلماء في كتب التاريخ والمقالات
القسم الخامس : روايات يرفضها واقع المكتوب عنهم
القسم الأول : صوَر من تحريف المنهج السليم
__________
(1) قناطر الخيرات، ج1/ص92 (1/27)
صفحة 28
في الفصل الأول من هذا البحث نقلنا - بشيء من الاختصار- قواعد "البحث العلمي" في مجال التاريخ الإسلامي، وعرفنا أن أي كاتب مهما علت منزلته وارتفع صيته عليه أن يبين لقرائه المصادر التي استقى منها معلوماته، وعرفنا أن الأحكام التي يصدرها أي كاتب على أي أحد لا بد أن تكون مبنية على يقين ومعرفة تامة بأحوال المُتَكَلم عنهم وإلا فإن قوله يكون مردوداً عليه ولا يعتد به.
وهذه الأحكام ليست مما توصل إليه الناس في هذا العصر بل هي الحقيقة التي نادى بها ديننا الحنيف منذ أن أُنزل ليطهر الكيان البشري من الجاهلية وإفرازاتها التي تُمْلي على البشر قاطبة تعاليمها ومبادئها. وأصبح للمسلم شخصية يعرف بها إذا تكلم وإذا شرب وإذا لبس وإذا كتب وإذا نام وإذا عمل أي عمل مرتبط بوجوده في هذه الأرض.
ولكن حينما تكون في النفوس عقد منفوث فيها التعنت والإصرار على جحود الحق، وحينما يكون على القلوب أسوجة من عقابيل التعصب المذهبي البغيض، وحينما تكون على الأبصار غشاوات من موروثات الأباطيل والأضاليل، وحينما تكون كل هذه في كيان يهتز طرباً لرؤية السراب الخداع وفزعاً من الحق الدامغ. فإنه لا محالة ستنقلب الموازين في نفوس أصحاب هذه الصفات، وتتغير عن الحق اتجاهاتهم وتفسد نتائج أعمالهم، وما ذلك إلا بسبب تلوث موروثاتهم وتأسن مواردهم. وتظهر هذه الصفات في الذين رفعوا شعاراتهم باسم " المنهج العلمي" كذباً وزوراً حينما كتبوا عن المذهب الإباضي كتابات يمجها كل صاحب حق ويرفضها كل من له أدنى معرفة بالأسس والقيم التي يتحلى بها الكاتب المنصف. (1/28)
صفحة 29
من هؤلاء الكتاب الذين جانبوا الحق في كتاباتهم - حينما لم يتبعوا أسس وقواعد البحث العلمي المعتمد على التمحيص والتدقيق للروايات من حيث السند ومطابقة واقع المكتوب عنهم - الدكتور ناصر عبد الكريم العقل صاحب كتاب " الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام " وناصر بن عبد الله السعوي صاحب كتاب " الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم "، والدكتور محمد عبد الفتاح عليان صاحب كتاب " نشأة الحركة الإباضية في البصرة ومناقشة دعوى تأسيس جابر بن زيد لها وعلاقتها بالخوارج "، وكذلك الدكتور صابر طعيمة صاحب كتاب " الإباضية عقيدة ومذهباً "
حاول الدكتور ناصر العقل وناصر السعوي في كتابيهما محاولة يائسة - اعتمادا على أقوال ضعيفة - النيل من الفكر الإباضي والتقليل من شأنه وطمس أمجاده، وهذه محاولة قد تنجح لبعض من الوقت عند سفهاء الأحلام وضعفاء العقول، وإلا فإن الفكر الإباضي هو فكر الإسلام لا يدركه إلا العقلاء (1) من أولي الألباب الذين تطهرت عقولهم وقلوبهم من شوائب التعصب ولوثة البغضاء.
__________
(1) إني لأقف وقفة إجلال واحترام لكل من الدكتور حسين عبيد غانم غباش صاحب كتاب " عمان الديمقراطية الإسلامية " والدكتور نايف عيد جابر السهيل صاحب كتاب " الإباضية في الخليج العربي " اللذين لم يحابيا أحداً في كتابيهما، إذ عرضا الفكر الإباضي عرضاً صادقاً مبتعدا عن كل ما تناقلته كتب التاريخ والمقالات من أقوال زائفة، وقاسا سيرة أتباعه عبر التاريخ على حسب تمسكهم بالمذهب أو تركهم لمبادئه. فيا ليت الكتاب يحذون حذوهما حتى يظهر الحق ويبين للجميع. (1/29)
صفحة 30
فكان على الدكتور ناصر العقل وناصر السعوي دراسة تاريخ فكرهما الذي سطره صاحب كتاب "عنوان المجد في تاريخ نجد" (1) قبل التفكير في منافسة الفكر الإباضي في ميدان الحضارة والأمجاد.
لهذا فإني أقول لهما ولغيرهما ممن فكر في النيل من الفكر الإباضي أن من كان بيته من نسج العنكبوت لا ينفخ صوب أهل القلاع والحصون لأن النتيجة معروفة المصير.
وكل ما أريد قوله هنا هو ما ذكره الشيخ محمد الغزالي في أحد كتبه حيث قال: ".. فغايتي تنقية السنة مما قد يشوبها ! وغايتي كذلك حماية الثقافة الإسلامية من ناس قيل فيهم: إنهم يطلبون العلم يوم السبت، ويُدَرِّسْونه يوم الأحد، ويعملون أساتذة له يوم الاثنين. أما يوم الثلاثاء فيطاولون الأئمة الكبار ويقولون : نحن رجال وهم رجال !!
وهكذا بين عشية وضحاها يقع زمام المسلمين الثقافي بين أدعياء ينظر إليهم أولو الألباب باستنكار ودهشة.
وإن كان هؤلاء لم يرزقوا شيوخاً يربونهم، أو أساتذة يثقفونهم فسوف تربيهم الأيام والليالي وما أحفلها بالعجائب.. !! " (2)
أكتفي بهذه الإشارة وفيها الكفاية لمن كان له وجه حياء وعرق حياة. وسوف يكون لنا -إن شاء الله تعالى- نقاش لتلك الروايات التي اعتمد عليها هذان الكاتبان وغيرهما في الفصلين الخامس والسادس من هذا البحث.
الدكتور محمد عبد الفتاح عليان وكتابة التاريخ
__________
(1) مؤلف هذا الكتاب هو عثمان بن بشر النجدي، فقد ذكر فيه تاريخ فكر هذين الكاتبين منذ أن أُنشأ. فالأمجاد!! التي عدها ابن بشر لأئمته وافتخر بها هي قتل المسلمين وغنم أموالهم وقطع طرق قوافلهم وإسقاط الأجنة من أرحام نسائهم. فعلى الدكتور العقل وناصر السعوي وكل من قال بقولهما مراجعة هذا الكتاب، وعندها سيعلمون أن الذي يقذفون به أهل النهروان والإباضية ما هو إلا مجد !! من أمجاد!! أئمتهم.
(2) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 7-8 (1/30)
صفحة 31
الدكتور محمد عبد الفتاح عليان ألف كتاباً بعنوان " نشأة الحركة الإباضية في البصرة ومناقشة دعوى تأسيس جابر بن زيد لها وعلاقتها بالخوارج ".
فالكاتب -وهو أستاذ في التاريخ الإسلامي!!- لم يتبع المنهج الإسلامي عند تناوله لمواضيع بحثه، فقد دخل إلى البحث لأجل إلصاق الأباطيل الزائفة، ونفي كل فضيلة يعتز بها الفكر الإباضي. وهو عند استشهاده بأقوال الآخرين لم يخجل من تصديق النصارى والكذابين في ذكر أحداث أخطر قضية مرت بها هذه الأمة. فقد قال وهو يعلن اعتزازه بأقوال أعداء الإسلام: " وحتى لا نتهم بالانحياز إلى غير الحقيقة التاريخية، ننقل هنا ما جاء بدائرة المعارف الإسلامية في هذا الصدد، تلك التي لا يمكن أن يتهم أحد مؤلفيها النصارى بالانحياز إلى أي مذهب من مذاهب المسلمين " (1) .
وهكذا نجد هذا الكاتب يستعين بأعداء الله لأجل الفصل بين مذاهب الإسلام التي مزقتها أقوال وروايات باطلة. فكان على هذا الدكتور دعوة المسلمين قاطبة إلى نبذ كل دواعي الفرقة والشتات حتى لا يجد أعداء الإسلام أية ثغرة بين صفوفهم.
وفي مقابل احتجاجه بأقوال أعداء الله نجده لا يلتفت إلى أقوال الإباضية المعبرة عن حقيقة فكرهم، بل وصل به الحال إلى أن اعتبر أقوالهم "هراء لا يقبله أي عقل" (2) و"مجرد افتراض لا دليل عليه" (3) و"نسج خيال" (4) ووجهة نظر (5) وزعم (6) وادعاء (7) وإشاعة (8) وانتحال (9) .
__________
(1) نشأة الحركة الإباضية في البصرة، ص24
(2) المرجع السابق، ص233
(3) المرجع السابق، ص 157
(4) المرجع السابق، ص216
(5) المرجع السابق، ص 93، هامش ص106
(6) المرجع السابق، ص86، 107 ، 111 ، 122، 141، هامش151، 195، 216
(7) المرجع السابق، ص117، 125
(8) المرجع السابق، ص129، 137
(9) المرجع السابق، ص129 (1/31)
صفحة 32
وأما ما جاء مخالفاً للفكر الإباضي من أقوال آحاد من أتباعه فإننا نجده ينسبه إلى الإباضية ويتخذه دليلاً لأجل إلصاق التهم الباطلة بأتباع هذا المذهب. وهذا مسلك لا تنبني عليه دعوى إذ إن أقوال أفراد معدودين من أي مذهب ليس بحجة ما دام قولهم لا يوافقه الجمهور من علماء ذلك المذهب. ومما جاء في بحثه ما يلي: "علماً بأن أسلاف الإباضية كفروا الكثير من الصحابة .. بل إن بعض الإباضية لم يتورعوا عن اختلاق أحاديث يصفون فيها بعض الصحابة بالضلال، وينسبونها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مثلما يفعل القلهاتي حين يقول: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: سيكون في أمتي حكمان ضالان مضلان ويضل من اتبعهما. وقد جاء في سيرة أبي قحطان خالد بن قحطان مثل ذلك ، بل أضاف إليه كلاماً يصل إلى حد السخف، ونصه: (فلما بلغ الكتاب أجله وأراد الله أن يظهر من عورة علي بن أبي طالب ما أظهر من عورة عثمان ، للذي قد سبق في علمه من الفتنة التي تكون ، وقد حذرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفتنة، وقال فيما سمعنا والله أعلم: يبعث في أمتي حكمان ضالان مضلان يضلان من اتبعهما. وكان أبو موسى الأشعري ممن يروي هذا الحديث ، فلم ينتفع بروايته للسابق في علم الله، وكان أبو موسى أحد الحكمين. فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى). ومن الواضح أن هذا الحديث المزعوم لا سند له.. .. فلنا أن نتساءل: من أين جاء به كل من أبي قحطان والقلهاتي؟ ومهما يكن من أمر، فإنه لا يسعنا إلا أن نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى " (1) .
إن الذي نسبه هذا الدكتور إلى الإباضية وأسلافهم باطل ليس له دليل يقويه ولا برهان يعضده:
__________
(1) المرجع السابق، ص 224-225 (1/32)
صفحة 33
1) فلقد ثبت بالدليل القاطع أن أسلاف الإباضية، أهل النهروان، لم يكفروا ولم يسبوا أحداً من الصحابة، وأن ما نسب إليهم من أقوال هو محض افتراء وكذب، وسنناقش هذه الفرية في موضعها إن شاء الله تعالى (1) .
2) ومن مزاعم هذا الدكتور وأباطيله التي تنم عن فساد طويته وفحش جهله قوله: - ".. بل إن بعض الإباضية لم يتورعوا عن اختلاق أحاديث يصفون فيها بعض الصحابة بالضلال، وينسبونها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .."
وقوله: "ومن الواضح أن هذا الحديث المزعوم لا سند له .."
إن الكذب واختلاق الأحاديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس من أخلاق الإباضية، فالكذب عندهم كبيرة من كبائر الذنوب التي تورث أصحابها العذاب المقيم في نار جهنم والعياذ بالله. والذي قاله هذا الدكتور هنا إنما هو دليل قاطع على جهله بعقيدة الإباضية، وجهله كذلك بشهادة علماء الجرح والتعديل على صدق وصحة روايات من انتسب إلى فكر أهل النهروان. وأما الرواية التي أشار إليها الدكتور عليان ونقلها عن القلهاتي وأبي قحطان وهي "سيكون في أمتي حكمان ضالان مضلان .." لم يروها أحد من الإباضية بل نقلها من نقلها منهم عن كُتاب غير إباضيين ومع هذا لم يجزموا بصحتها، ولو كلف هذا الدكتور نفسه شيئاً من عناء البحث في كتب الحديث لوجد هذه الرواية عند البيهقي والطبراني:
__________
(1) انظر القسم الثاني من الفصل الخامس (1/33)
صفحة 34
- فقد أورد البيهقي في (دلائل النبوة) (1) تحت " باب ما جاء في إخباره [ - صلى الله عليه وسلم - ] عن الحكمين اللذين بعثا في زمان علي - رضي الله عنه - : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا إسماعيل بن الفضل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير ، عن زكريا بن يحيى ، عن عبد الله بن يزيد ، وحبيب بن يسار ، عن سويد بن غفلة قال إني لأمشي مع علي بشط الفرات فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلاَّ وأضلاَّ، وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلاَّ وضلَّ من اتبعهما".
-ونقل ابن حجر في (لسان الميزان) (2) عن الطبراني ما نصه: " قال الطبراني في الكبير: حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي، ثنا إسماعيل بن موسى السدي، ثنا جعفر بن علي، عن علي بن عابس، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (يكون في هذه الأمة رجلان ضالان، ضال من تبعهما) فقلت: يا أبا موسى انظر لا تكون أحدهما. قال: والله ما مات حتى رأيته أحدهما.
قال الطبراني بعد تخريجه: وهذا عندي باطل، لأن جعفر بن علي شيخ مجهول لا يعرف.
قلت [ابن حجر]: وشيخه قال فيه القطان، وابن معين: ليس بشيء، فالظاهر أنه الآفة "
__________
(1) دلائل النبوة، ج6/ص 423
(2) لسان الميزان، ت:145/2012، ج2/ص150 (1/34)
صفحة 35
فهل يستطيع هذا الدكتور أن ينسب اختلاق الأحاديث والكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كل من البيهقي والطبراني؟. وهل يستطيع أن ينسب اختلاق الأحاديث ووصف بعض الصحابة بالضلال إلى بعض الشافعية لكون هذه الرواية في أحد مصنفات البيهقي الذي قال عنه "إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي فضل عليه غير البيهقي، فإن له المنة والفضل على الشافعي لكثرة تصانيفه " (1) ؟.
في ما نقلناه هنا جواب على تساؤلات هذا الدكتور حينما قال: " فلنا أن نتساءل: من أين جاء به كل من أبي قحطان والقلهاتي؟ "
وقد استفرغ الدكتور عليان كل ما أُوتيّ من جهد لنفي صلة الإمام جابر بن زيد بالفكر الإباضي، واعتمد على روايات لا تقوم بها حجة في عرض دعواه الزائفة وأقواله الباطلة. وإليك أخي القارئ الكريم هذه الروايات التي استند إليها وقول علماء الجرح في رجال أسانيدها.
الرواية الأولى:
قال ابن سعد: " أخبرنا سعيد بن عامر وعفان بن مسلم قالا: حدثنا همام عن قتادة عن عزرة قال: قلت لجابر بن زيد إن الإباضية يزعمون أنك منهم، قال: أبرأ إلى الله منهم، قال سعيد في حديثه: قلت له ذلك وهو يموت" (2) .
هذه الرواية لا تقوم بها حجة وذلك بسبب همام بن يحيى وقتادة بن دعامة .
همام بن يحيى بن دينار الازدي
".. قال الحسن بن علي الحلواني : سمعت عفان يقول كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً فنستغفر الله تعالى .. وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سمع منه قديماً، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل وقال أبو بكر البرديجي : همام صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به .. وقال الساجي : صدوق سيئ الحفظ ما حدث من كتابه فهو صالح وما حدث من حفظه فليس بشيء ." (3)
__________
(1) الأعلام، ج1/ص116
(2) الطبقات الكبرى، ت:3057، ج7/ص134
(3) تهذيب التهذيب ت: 7638 ، ج11 /ص61 - 62 (1/35)
صفحة 36
" .. قال أبو حاتم : ثقة، في حفظه شيء وكان يحيى القطان لا يرضى حفظه .. وقال محمد بن المنهال : عن يزيد بن زريع - وسئل عن همام ، فقال كتابه صالح وحفظه لا يسوى شيئاً . وقال عمرو بن علي : كان يحيى لا يرضى حفظه ولا كتابه ، ولا يحدث عنه .. " (1)
قتادة بن دعامة السدوسي
قتادة بن دعامة مدلس من الطبقة الثالثة (2) ، لهذا فإن روايته هذه لا يصح الاحتجاج بها لكونه يعنعن فيها عن عزرة بن عبد الرحمن الخزاعي.
الرواية الثانية:
قال ابن سعد: " أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن محمد قال: كان بريئاً مما يقولون، يعني جابر بن زيد، قال عارم: وكانت الإباضية ينتحلونه" (3)
هذه الرواية ليس فيها حجة لأحد على الإباضية وذلك لأن الإمام جابر بن زيد لم يذكر القوم الذين تبرأ منهم. وأما حمل قول محمد بن سيرين : " كان بريئاً مما يقولون " على الإباضية فهو تقول بلا دليل نطق به عارم بن الفضل الذي اختلط في آخر عمره. فقد قال ابن حبان: " .. اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به فوقع المناكير الكثيرة في روايته، فما روى عنه القدماء قبل اختلاطه إذا علم أن سماعهم عنه كان قبل تغيره فإن احتج به محتج بعد العلم بما ذكرت أرجو أن لا يجرح في فعله ذلك. وأما رواية المتأخرين عنه فيجب التنكب عنها على الأحوال. وإذا لم يعلم التمييز بين سماع المتقدمين والمتأخرين منه يترك الكل ولا يحتج بشيء منه. هذا حكم كل من تغير آخر عمره واختلط .. " (4)
الرواية الثالثة:
__________
(1) ميزان الاعتدال ت : 9253 ، ج4 / ص 309
(2) طبقات المدلسين، ت:92، ص42
(3) الطبقات الكبرى، ت:3057، ج7/ص135
(4) كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، ج2/ص294-295 (1/36)
صفحة 37
قال ابن سعد: "أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا داود بن أبي القصاف عن عزرة الكوفي قال: دخلت على جابر بن زيد فقلت: إن هؤلاء ينتحلونك، فقال: أبرأ إلى الله من ذلك" (1)
? وجاء في التاريخ الكبير للإمام البخاري:" .. وقال أبو هلال حدثنا داود بن أبي القصاف عن عزرة الكوفي قلت لجابر بن زيد تنحل الأباضية قال أبرأ إلى الله من ذلك " (2)
? وجاء في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " .. حدثنا عبد الرحمن نا أحمد بن سنان نا عبد الرحمن بن مهدى عن أبى هلال عن داود عن عزرة قال دخلت على جابر بن زيد فقلت إن هؤلاء القوم ينتحلونك -يعنى الإباضية- قال أبرأ إلى الله عز وجل من ذلك " (3)
هذه الرواية التي ذكرها ابن سعد والإمام البخاري وابن أبي حاتم لا تقوم بها حجة لورودها من قبل أبي هلال الراسبي.
أبو هلال الراسبي هو محمد بن سليم البصري " قال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وسمعت يزيد بن زريع يقول عدلت عن أبي بكر الهذلي وأبي هلال الراسبي عمدا .. وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء .... وقال النسائي: ليس بالقوي .. قلت [ ابن حجر ]: وقال ابن سعد: فيه ضعف ... وقال أحمد بن حنبل: يحتمل في حديثه إلا أنه يخالف في قتادة وهو مضطرب الحديث، وقال الساجي: روى عنه حديث منكر، وقال البزار: احتمل الناس حديثه وهو غير حافظ. وقال ابن عدي بعد أن ذكر له أحاديث كلها أو عامتها غير محفوظة وله غير ما ذكرت وفي بعض رواياته ما لا يوافقه عليه الثقات وهو ممن يكتب حديثه" (4)
الرواية الرابعة
__________
(1) الطبقات الكبرى، ت:3057، ج7/ص135
(2) التاريخ الكبير ، ت:810، ج3/ص238
(3) الجرح والتعديل ، ت: 2032، ج2/ص495
(4) تهذيب التهذيب ، ت :6190، ج9/ص168-169 (1/37)
صفحة 38
قال ابن سعد: "أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد قال: حدثنا همام بن يحيى عن ثابت البناني قال: دخلت على جابر بن زيد وقد ثقِل، قال: فقلت له: ما تشتهي؟ قال: نظرة من الحسن، قال: فأتيت الحسن وهو في منزل أبي خليفة فذكرت ذلك له فقال: اخرج بنا إليه، قال: قلت: إني أخاف عليك، قال: إن الله سيصرف عني أبصارهم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا عليه، قال: فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله، قال: فقال: { يوم يأتي بعض آيات ربك } ، قال: فتلا هذه الآية، قال: فقال له الحسن: إن الإباضية تتولاك، قال: فقال: أبرأ إلى الله منهم، قال: فما تقول في أهل النهر؟ قال: فقال: أبرأ إلى الله منهم، قال: ثم خرجنا من عنده" (1) .
هذه الرواية لا تقوم بها حجة لأحد على الإباضية وذلك لورودها من طريق همام بن يحيى بن دينار الأزدي الذي ضعف حفظه يحيى القطان وغيره من علماء الجرح والتعديل (2) .
الرواية الخامسة:
وجاء في تهذيب الكمال (3) وتهذيب التهذيب (4) : " وقال داود بن أبي هند عن عزرة دخلت على جابر بن زيد فقلت إن هؤلاء القوم ينتحلونك يعني الأباضية قال أبرأ إلى الله من ذلك"
هذه الرواية منقطعة الإسناد، فكل من جمال الدين المزي المولود عام 654هـ وابن حجر المولود عام 773هـ ينقلان هذه الرواية عن داود بن أبي هند المتوفى عام 139هـ (5) . فعلينا معرفة المصدر الذي نقل منه هذه الرواية كل من الإمام المزي والإمام ابن حجر قبل الاحتجاج بها.
__________
(1) الطبقات الكبرى، ت:3057، ج7/ص135
(2) انظر ص 55
(3) تهذيب الكمال، ت: 866، ج4/ص434
(4) تهذيب التهذيب، ت: 919، ج2/ص35
(5) التاريخ الكبير ، ت:780، ج3/ص231 (1/38)
صفحة 39
تناول الأستاذ سامي صقر عيد أبو داود مسألة صلة الإمام جابر بالفكر الإباضي في أطروحته لنيل درجة الماجستير من جامعة آل البيت، فقد قال بعد أن أشار إلى روايات ابن سعد السابقة: " على أننا نجد عالماً معاصراً لابن سعد يقدح في هذه الروايات التي يتبرأ فيها الإمام جابر بن زيد من الإباضية، والخوارج، إذ نجد يحيى بن معين -وهو من كبار علماء الجرح والتعديل-يصرح ببطلانها، فهو يعلق على الرواية التي يرويها أبو هلال عن جابر :أنه يبرأ من رأي الخوارج، وعلى ما بلغه عن عكرمة مولى ابن عباس: أنه كان لا يقول برأي الخوارج، بقوله: "وهذا باطل" (1) . ويبدو أن ابن معين كان متثبتاً من معرفته بجابر وعكرمة، فقد نقل عنه ابن حجر قوله: " كان جابر إباضياَ، وعكرمة صفرياً" (2) . تعليق ابن معين على رواية أبي هلال ينسحب على سائر الروايات التي تنفي صلة جابر بن زيد بالإباضية، لأن مجال نقد ابن معين إنما هو فحوى تلك الرواية. وعلى ضوء ما قاله ابن معين فإنه لا يمكن التعويل على رواية ابن سعد، وجعلها مستنداً لنفي صلة الإمام جابر بن زيد بالإباضية كما فعل محمد عليان.
ومن جهة ثانية فإن الواقع التاريخي يدل بوضوح على علاقة الإمام جابر بن زيد بالحركة الإباضية وقيادته لها؛ فتلاميذ الإمام جابر المقربين منه كان أكثرهم من زعماء الإباضية وأئمتهم فيما بعد، أمثال: أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب ، وضمام بن السائب، وصحار العبدي، وجعفر بن السماك، وأبي نوح صالح الدهان.. (3) . وكذلك فإن أراء الإمام جابر بن زيد الفقهية في شتى المجالات معتمدة عند الإباضية ... " (4)
__________
(1) تاريخ ابن معين، ج3/ص106
(2) تهذيب التهذيب، ت: 919، ج 2/ص 35
(3) العلل ومعرفة الرجال، ج3/ص11-12
(4) الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية، دراسة تاريخية، ص 47-48 (1/39)
صفحة 40
فقول علماء الجرح في سند روايات ابن سعد ومناقشة الدكتور عوض خليفات لمتونها (1) وكذلك قول الأستاذ سامي صقر حجج باهرة وأدلة قاطعة على بطلان مزاعم الدكتور عليان الذي حاول جاهداً قطع الصلة بين الإباضية وإمامهم جابر بن زيد.
ومما أزعج الدكتور عليان وقض مضجعه وأقلق باله الدعوة الإباضية الصادقة إلى تحرير كتب التاريخ الإسلامي من أقوال الضعفاء وكذب الكذابين وافتراءات الوضاعين. فقد قال وهو يعبر عن إفلاسه وضعفه وتقهقره من أمام الحجج الساطعة والبراهين الدامغة : " ومن الطبيعي أنه لا يحق للإباضيين أن يصادروا حرية أحد في القول بما يطمئن إلى صحته. ولكن الملاحظ أنهم يتهمون كل من يتحدث بما لا تهواه أنفسهم بالافتراء عليهم، أو التعصب ضدهم، أو بالجهل، أو بالاعتماد على مصادر معادية لهم وغير موثوق بها. أما من يرون في كتاباتهم شيئاً من التأييد لوجهة النظر الإباضية، فهو عندهم: العالم الكبير، والمؤرخ الثقة، وصاحب الجهود الصادقة في خدمة الثقافة الإسلامية وجمع الشمل بين المسلمين" (2) .
الأقوال التي اطمأن إليها قلب الدكتور عليان واحتج بها في كتابه جاءت من قبل النصارى والكذابين والوضاعين والضعفاء، فكيف لا ينفر الإباضية من هؤلاء وأذنابهم!!؟ وكيف لا يحكم الإباضية على هؤلاء وأذنابهم بالافتراء والتعصب والجهل؟. إن الذي تهواه أنفس الإباضية في كل العصور والأمصار هو الاستسلام المطلق لأوامر الله جل وعلا وأوامر رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - . وكل قول أو عمل يخالف تعاليم الإسلام فهو محارب من قبل الإباضية لأن هواهم هو ما جاء به خاتم الأنبياء والرسل - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) نشأة الحركة الإباضية، ص93-95
(2) نشأة الحركة الإباضية في البصرة، ص206- 207 (1/40)
صفحة 41
وهكذا يتبين لك أخي القارئ الكريم منهج الدكتور عليان في كتاباته عن المذهب الإباضي، فهو يرى أقوال الإباضية المعبرة عن تاريخهم وعقائدهم هراء ونسج خيال!!، وأقوال أعداء الله من النصارى عن تاريخ الإسلام حقائق يتهم من خالفها بالانحياز!!. وهذا المسلك الذي يسير فيه هذا الدكتور مسلك مظلم خطير منشؤه " الهوى ... الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويعمي المسالك، ويخفي الدروب.." (1) . وقد صَوّر الدكتور إبراهيم شعوط (2) -المشارك للدكتور عليان في الوظيفة والاتجاه- حاله وحال أصحابه بقوله: "ونحن إنما نجاهد - في شدة ظلام هذه الأحداث- أن نتحسس الطريق وعيوننا مغمضة، كمثل الأعمى الذي يبحث عن باب حجرته المغلقة لينفذ منها إلى من يأخذ بيده إلى غايته" (3) . ومن كان حاله الاطمئنان والتسليم لأقوال النصارى والكذابين فلن يبرح يهيم في الظلام والتيه بعيداً عن الحق والصواب. فنعوذ بالله من الخذلان بعد التوفيق ومن الضلال بعد الهدى.
أكتفي -في هذا الفصل- بهذا الحوار المتعلق بمنهجية ومصادر البحث التي اعتمد عليها الدكتور عليان، وسيكون لنا نقاش للروايات التي احتج بها على الإباضية في الفصول القادمة من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
منهجية البحث عند الدكتور صابر طعيمة
وأما الدكتور صابر طعيمة فقد اعتمد على منهج فاسد في تأليفه. وإليك أيها القارئ الكريم ما قاله في شأن منهجه الذي اتبعه وهو يكتب عن المذهب الإباضي:
__________
(1) في ظلال القرآن، ج3/ص1499
(2) لقد أقحم الدكتور شعوط على الفكر الإسلامي قولاً ليس من الإسلام في شيء، فقد قال:
? ... " فإن قراءاتي في كتب التاريخ، وتخصصي في مادته، جعلني أشعر أن الإحساس بالوجدان، يعتبر سبيلاً من سبل المعرفة قلما يخطيء" ( اباطيل.. ص9).
(3) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، ص184 (1/41)
صفحة 42
1 - ".. ومن ثم فنحن لا نستطيع إغفال أو إهمال ما كتبه رجال المقالات وكتاب الملل والنحل والأهواء عن الإباضية، لأننا إن أغفلنا ما دونوه على هذا المذهب تحت دعوى أنهم لم يتحروا الدقة فإن الدعوى نفسها ستنصرف على كل ما كتبوه عن الفرق الأخرى، وهذا ما لم يقل به منصف،.. وإلا فإن منهج الطعن في الرواة والكتاب السابقين وخاصة أولئك الذين عاشوا عصر المدونات والموسوعات الإسلامية في التاريخ والعقائد والحديث والتفسير وغيرها من علوم الإسلام يصبح هو القاعدة " (1) .
2 - وقال أيضاً: ".. لا نستطيع إهمال ما سجله هؤلاء الكتاب [ كتاب الفرق والمقالات ] وغالبيتهم فيما نعتقد تحرى الدقة والتثبت.." (2)
3 - وقال أيضاً: ".. وخاصة أولئك الذين دونوا المصادر الأمهات لتراث المسلمين بمختلف اتجاهاتهم، ناهيك عن أن تجريح منهجهم برفضه أو التشكيك في صحته قد يتناول حكم بعض العلماء الأئمة على العناصر الأولى التي قادت الخوارج.." (3)
4 - وقال أيضاً: " كما أوضحنا أن إهمال أئمة الإباضية لتراث علماء التاريخ والسيرة والتراجم فضلاً عن رجال الحديث وإغفال منهج أئمة كتاب المقالات المسلمين (4) والدعوة إلى اعتقاد المذهب من مقولات الإباضيين فقط مما يتنافى ومنهج البحث العلمي (5) .." (6)
5 - وقال أيضاً: ".. فلم نجد مبرراً للدعوى الإباضية التي تقول بتخطئة كتاب المقالات وإهمال ما دونوه على الإباضية.." (7)
__________
(1) الإباضية عقيدة ومذهباً، ص 70 -71
(2) المرجع السابق، ص 48
(3) المرجع السابق، ص 48
(4) هذا هو عين الافتراء والكذب على أئمة الإباضية. فالإباضية لا يهملون كتب أحد من المسلمين، بل يأخذون الحق من أي مصدر كان ويتركون الباطل ولو جاء به من يجلونه ويحترمونه.
(5) على هذا الدكتور وغيره من الذين يتجنون على المنهج العلمي تعلم أسسه وقواعده قبل أن يظهروا فضائح جهلهم به.
(6) المرجع السابق، ص 147
(7) المرجع السابق، ص 170 (1/42)
صفحة 43
6 - وقال أيضاً: ".. ونحن لا نريده جدلاً ولا مراءً مع مفكري ومؤرخي الإباضية لكن لا نرد منهج وموقف كل أصحاب المقالات لعل في ذلك ما يعين على تحديد المواقف وصحة الأحكام بعد ذلك." (1)
7 - وقال أيضاً: " هل يمكن لباحث منصف أن يعتبر أن الرجل [ يقصد أبا الحسن الأشعري ] بما يقوله، يقوله بغير تثبت وهل يمكن لباحث أن يقوم فيلقي بما يقوله الرجل عرض الطريق وينسب إليه الجهل التام بمعرفة عقائد الإباضية " (2)
8 - وقال في موضع آخر :" وعلى الدارس أن ينتبه إلى أن أقدم كاتب موسوعي كتب التاريخ الإسلامي وهو ابن جرير الطبري ومعه ابن الأثير قد سجلا بسندهما (3) هذا الموقف العقدي الذي مهد له نافع ابن الأزرق.. " (4)
لقد قال ابن خلدون في مثل الدكتور صابر طعيمة ومن سار على نهجه : ".. ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد، وبليد الطبع والعقل، ينسج على ذلك المنوال ويحتذي منه بالمثال، ويذهل عما أحالته الأيام من الأحوال.." (5)
ماذا كان يضير الدكتور صابر طعيمة أن يقول لكل أحد ولو تبوأ من العلم ما تبوأ أنى لك هذا؟.
لقد حاول الدكتور صابر طعيمة تبرير انحراف كتاباته بوضع سياج من الحصانة حول كتب المقالات والتاريخ. فهو حينما تحدث عن الحوار الذي جرى بين عبد الله بن الزبير والذين قدموا لحماية بيت الله الحرام من شر الجيش الأموي لم يجرؤ على تكذيب رواية أبي مخنف المتروك التالف (6) ، بل عاب على مفكري الإباضية رفضهم الانجراف خلف مرويات الكذابين والمفترين.
__________
(1) المرجع السابق، ص 75
(2) المرجع السابق، ص 77- 78
(3) الحقيقة التي يجهلها هذا الدكتور هي أن ابن الأثير ليس له سند، ومصدر كل ما نقله من أخبار عن القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام هو تاريخ الطبري كما وضح ابن الأثير نفسه في مقدمة تاريخه.
(4) المرجع السابق، ص 24
(5) تاريخ ابن خلدون، المقدمة، ص 7
(6) انظر هذه الرواية في القسم الخامس من الفصل الخامس. (1/43)
صفحة 44
فالدكتور صابر في كتاباته هذه يريد من القراء أن يأخذوا مما كُتب في كتب المقالات والتاريخ بلا تردد ولا توقف لأنه يعتقد (1) أن ما كتب فيها حق لا يناقش. ونحن نقول : إذا كانت الروايات في كتب الحديث وَجدت في الأمة الإسلامية مَن أثبت صحتها أو ضعفها، وتفرغ لها علماء بينوا مدى صحة نسبتها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فما المانع من نقد وتبين صحة الأقوال التي ذُكرت في كتب المقالات والتاريخ إذ القصد هو اتباع أمر الله الذي بينه في القرآن، والداعي إلى التثبت من صحة الأخبار المنقولة قبل تصديقها، يقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } (2) وقال عز وجل : { ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسؤولا } (3)
ليست هناك قدسية إلا لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وما عداه فلا بد من أن يُخضع لما تعارف عليه علماء الحديث من أسس وقواعد.
__________
(1) قد يعترض معترض على ما فهمته من عبارة الدكتور صابر هذه ويقول : إن المقصود من الاعتقاد هنا الظن وليس الجزم واليقين. وهذا اعتراض له وجهه لو درج الكاتب على هذا المعنى في كتابه. ولكن الذي وجدته من أقواله يؤكد أن المقصود هنا الجزم واليقين، فقد قال : " لا نستطيع إهمال ما سجله هؤلاء الكتاب.. "
و قال :" لكن لا نرد منهج وموقف كل أصحاب المقالات.. ".
ومثل هذا الموقف لا يجوز إلا مع الأقوال المقدسة التي لا يستطيع الإنسان ردها ولو قصر فهمه عن إدراك معانيها.
(2) سورة الحجرات : الآية 6
(3) سورة الإسراء : الآية 36 (1/44)
صفحة 45
وعبارات الدكتور صابر تدل على ما ملأ قلبه من حب لكتب المقالات حتى صارت تلك الأقوال الباطلة عنده بمنزلة العقيدة التي لا تقبل المساومة ولا التشكيك فيها!!. فهو بهذا الاعتقاد لينجرف - وهو لا يدري - في ركب أولئك الناس الذين أخذ بشغاف قلوبهم كتاب ألفه بشر مثلهم فاهتزت عقولهم، وقالوا أقوالاً تتصدع لبشاعتها الجبال الراسيات، حيث قال أحدهم في وصفه لذلك الكتاب : " فكيف بما تفضلتم به عليَّ من تشريفي بهذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " (1) ، وقال آخر في تقريظه لنفس الكتاب : " لقد أسعدتنا الحظوظ بالوقوف على كتابكم الكريم ومعي دافع الشوق إلى ترتيل حروفه من البدء إلى الغاية، فإذا هو ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ذلك القول الفصل وما هو بالهزل.. " (2)
إني لأدعو الدكتور صابر طعيمة وكل من رفع أقوال البشر إلى مستوى التقديس إلى فهم عقيدة الإسلام قبل التصدي للكتابة عن الفرق الإسلامية. فالإنسان الذي يجهل عقيدته لا يمكن له الوقوف على الطريق المستقيم، ولن يأتي إلا بأقبح الأقوال وأنكر الأفعال.
القسم الثاني : مصادر كتب الفرق والتاريخ
وبما أننا نتحدث - بشيء من الاختصار - عن أسس البحث العلمي في مجال التاريخ فإني أود أن أذكر المصادر التي استقى منها العلماء الذين تحاملوا على أهل النهروان حتى نكون على بينة من شأن هذه الكتب التي كثيراً ما يتخذها الكتاب حجة على الإباضية.
فكتب المقالات والفرق التي بين أيدينا اليوم عرضت أقوالها عن أهل النهروان، المحكمة الأولى، بأساليب حاربها الإسلام. وجاءت بطرق مصادمة لطرق التلقي التي حث عليها ديننا المنقذ من وهاد التخريص ومتاهات الظنون.
1- عند أبي الحسن الأشعري
__________
(1) المراجعات، ص 22
(2) المرجع السابق، ص 24 (1/45)
صفحة 46
فأبو الحسن الأشعري في كتابه " مقالات الإسلاميين " بين مصادر معلوماته عن أهل النهروان وعن الذين سموا خوارج. فقد قال :
".. ويقال إن أول..
.. ويقال إن المبتدع..
.. قالوا وقد كان نافع.. " (1)
.. وقال بعض الناس..
.. وقال قوم إن.. " (2)
" وحُكي لنا عنهم ما لم نتحققه.." (3)
" وحُكي عنهم أنهم.." (4)
" وحكى حاكٍ.. " (5)
" وحكى حاكٍ عن الخوارج.." (6)
2- عند عبد القاهر البغدادي
وأما عبد القاهر البغدادي صاحب كتاب " الفَرق بين الفِرق " فقد قام بتلخيص ما تناقلته كتب المقالات وكتب التاريخ من أحداث من دون الإشارة إلى المصادر الأولى التي جاءت بتلك الأخبار. فهو عندما تكلم عن المحكمة الأولى، أهل النهروان، ذكر ما نسب إليهم من أفعال وأقوال من دون تحقيق ولا بيان لصحتها أو فسادها (7) . وذكر أنه أخذ بعض معلوماته عن شيخه أبي الحسن الأشعري حيث قال:
" وقال شيخنا أبو الحسن.. " (8)
" ما حكاه شيخنا أبو الحسن.." (9)
ولقد علمتَ أن أقوال أبي الحسن مبنية على مصادر ضعيفة لا تقوم بها حجة.
وقال عبد القاهر أيضاً: ".. فمنهم من زعم أن أول من أحدث ذلك منهم عبد ربه الكبير ومنهم من قال : عبد ربه الصغير.." (10)
وقال : ".. وذكر أصحاب التواريخ.. " (11)
3- عند ابن حزم
__________
(1) مقالات الإسلاميين، ص86
(2) المرجع السابق، ص95
(3) المرجع السابق، ص96
(4) المرجع السابق، ص105
(5) المرجع السابق، ص 126
(6) المرجع السابق، ص127
(7) سوف نبين ضعف الروايات التي نسبت إلى أهل النهروان أقوالاً وأفعالاً هم بريئون منها في الفصلين الخامس والسادس إن شاء الله تعالى.
(8) الفرق بين الفرق، ص73
(9) المرجع السابق، ص 74
(10) المرجع السابق، ص 84
(11) المرجع السابق، ص111 (1/46)
صفحة 47
وابن حزم الظاهري اعتمد على كتب المقالات في تأليفه لكتابه " الفِصَل في الملل والأهواء والنحل " من دون تحقيق ولا محاولة للرجوع إلى علماء الإباضية الذين عايشهم في الأندلس (1) . فقد قال في مطلع حديثه عن الإباضية :
" ذكر بعض من جمع مقالات المنتمين إلى الإسلام أن فرقة من الإباضية.. " (2) ، وبعد ذلك أخذ بتكرار ما قاله كتاب المقالات الذين سبقوه من دون تتبع للمصادر الأولى التي جاءت بتلك الأخبار.
4- عند الشهرستاني
والشهرستاني صاحب كتاب "الملل والنحل" لم يسند الأخبار التي ذكرها إلى مصدر قوي متصل، بل جاءت أقواله نقلاً عن كتاب "مقالات الإسلاميين " للأشعري (3) . وكذلك من مصادر لا يعرف أصحابها حيث قال :
".. ويقال إن أول سيف سل من الخوارج.." (4)
".. وقيل كان نجدة بن عامر ونافع بن الأزرق.." (5)
".. ويحكى عنهم.." (6)
".. ويحكى عن جماعة منهم أنهم قالوا.." (7)
تلكم هي مصادر كُتّاب المقالات التي بنوا عليها كتاباتهم، وهي كما لا يخفى على من شم رائحة العلم - ولو لحظة - أنها مصادر مريضة سقيمة؛ تمرض واردها، ولا تنقذ مقتنيها من أصفاد الجهل.
__________
(1) قال ابن حزم " وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس.. " ( الفِصَل.. ج4/ص144 ) ثم ذكر أقوالاً باطلة مكذوبة على الإباضية قام الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر - رحمه الله - بدحضها والرد عليها. انظر "الإباضية بين الفرق الإسلامية " ج1/ ص52-60 وكذلك ج2/ص97-107
(2) الفِصَل في الملل والأهواء والنحل، ج4/ص144
(3) الملل والنحل، المطبوع في هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج1 /ص137-138
(4) المرجع السابق، ج1 /ص126
(5) المرجع السابق، ج1 /ص132
(6) المرجع السابق، ج1 /ص136
(7) المرجع السابق، ج1 /ص136 (1/47)
صفحة 48
لعلماء الإباضية جولات مشرفة في دحض ما قيل عن الإباضية في كتب المقالات، فقد قام الأستاذ الشيخ علي يحيى معمر -رحمه الله- بمناقشة أقوال أبي الحسن الأشعري وغيره في كتابه القيم " الإباضية بين الفرق الإسلامية " فلم يترك قولاً إلا ورد عليه بالدليل القاطع البين.
5- عند ابن خلدون
وأما كتابات ابن خلدون عن أهل النهروان والإباضية فأسقطها ابن خلدون نفسه حيث قال : ".. وشذ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح. فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم." (1)
6- عند ابن تيمية
وأما ابن تيمية فإنه نسف كل الأخبار والأحكام التي سطرها في مؤلفاته عن أهل النهروان بقوله : ".. وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة، والزيدية، والكرامية والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة والصوفية، ونحو هؤلاء " (2) . فالذين أشار إليهم ابن تيمية هنا هم كذابون ومدلسون وضعفاء متروكون قد جرّح عدالتهم علماء الأمة. فعلى الذين ينقلون تلك الأقوال من كتب ابن تيمية أن يثبتوا صحتها قبل الاحتجاج بها.
7- كتب الحديث وشروحها
__________
(1) تاريخ ابن خلدون، المقدمة ص 564
(2) الفتاوى الكبرى، ج13 /ص49 (1/48)
صفحة 49
وأما كتب الحديث وشروحها فهي ذات قدر عظيم عند كافة المسلمين وعظمتها تكمن في أن أصحابها أوردوا الأقوال وأسندوا الروايات إلى مصادرها، وطلبوا من القراء التحقق من صدق الأقوال قبل اتخاذها حججاً يخاصم بها، وإلا فلا جدوى من ذكر المصادر التي اعتمدوا عليها في نقل الأحاديث (1) والأخبار.
وقد اعتمد ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري على روايات مكذوبة مصدرها أبو مخنف والهيثم بن عدي للتحامل على أهل النهروان ووصفهم بما لا يلائم سجاياهم من العفة والنزاهة وحسن الخلق. فقد قال : " وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف.. واسمه لوط بن يحيى كتاباً لخصه الطبري في تاريخه، وصنف في أخبارهم الهيثم بن عدي كتاباً، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتاباً كبيراً، وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه (الكامل) لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله.." (2)
__________
(1) لقد اعتذر ابن حجر عن وجود بعض من الروايات الضعيفة والموضوعة في كتب الطبراني، فقال: " وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالإفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم ، وهذا أمر لا يختص به الطبراني، فلا معنى لإفراده اليوم، بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جراً، إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته، والله أعلم " ( انظر لسان الميزان ج3/ص90 )
(2) فتح الباري، ج 14 / ص 288-289 (1/49)
صفحة 50
واعتمد ابن كثير اعتمادا كبيرا على كتابات الهيثم بن عدي وأبي مخنف حيث قال في "البداية والنهاية" ما نصه : " قال الهيثم بن عدي في كتابه الذي جمعه في الخوارج وهو من أحسن (1) ما صنف في ذلك.." (2) و".. ذكر ابن جرير عن أبي مخنف لوط بن يحيى - وهو أحد أئمة هذا الشأن - أن قتال علي للخوارج يوم النهروان.." (3) . واعتمد أيضاً على أقوال سيف بن عمر التميمي ومحمد بن عمر الواقدي في ذكر الأحداث التي سبقت وأعقبت مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. فقد قال: " وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي " (4)
فهؤلاء المؤرخون أصحاب السير كأمثال الهيثم بن عدي وأبي مخنف ومحمد بن قدامة الجوهري وسيف بن عمر التميمي ومحمد بن عمر الواقدي المُعتَمد على أقوالهم في شأن أهل النهروان كذبة وضعفاء بشهادة علماء الجرح والتعديل - كما سيتبين لك - فلا يصح لَيّ أعناق الأحاديث الصحيحة لموافقة أقوالهم الفاسدة. ولا يجوز لنا الأخذ بأحكام من اعتمد على أقوال الكذابين في شأن أهل النهروان وغيرهم، بل علينا الأخذ من المصادر الصادقة وترك الباطل ولو نقله إلينا من نجله ونحترمه.
القسم الثالث : أقوال علماء الجرح والتعديل في بعض كتاب التاريخ والسير
إليك أيها القاري ما قاله علماء الجرح والتعديل في هؤلاء المؤرخين الذين اعتمد الكثيرون على كتاباتهم :
1 - سيف بن عمر التميمي السدي
" يروي عن هشام بن عروة.. وخلق كثير من المجهولين.. قال عباس، عن يحيى: ضعيف. قال أبو داود : ليس بشي. قال أبو حاتم: متروك . قال ابن حبان : اتهم بالزندقة. قال ابن عدي : عامة حديثه منكر " (5)
__________
(1) متى صار قول الكذابين يوصف بالحسن؟. انظر ما قاله علماء الجرح في الهيثم بن عدي في ص 75
(2) البداية والنهاية م 4 ج 7 / ص 318
(3) المرجع السابق، م 4 ج 7 / ص 321
(4) المرجع السابق، م 4ج7 / ص199
(5) ميزان الاعتدال ت: 3637 ج2/ ص255 (1/50)
صفحة 51
" يروي الموضوعات عن الأثبات.. وكان سيف يضع الحديث.. " (1)
".. حدثنا عبد الرحمن قال سئل أبي عن سيف بن عمر الضبي فقال : متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي " (2)
" قال ابن معين : ضعيف الحديث.. وقال البرقاني، عن الدارقطني : متروك. وقال الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط. " (3)
من أقوال علماء الجرح والتعديل يتبين لنا أن سيف بن عمر يعد من الكذابين والوضاعين للحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وكفى بهذا سبباً لرفض كل مروياته التي تناقلتها كتب الحديث والتاريخ. فمن لم يخف من نار جهنم التي جعل الله -سبحانه وتعالى- فيها مقاعد لكل من كذب على رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - فلن يمتنع عن الافتراء والكذب على من دون النبي -عليه الصلاة والسلام- من البشر.
وقد بين ابن قيم الجوزية " الحكمة في عدم سماع قول الكذاب"، حيث قال: " وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفتيا والرواية الكذب، لأنه فساد في نفس آلة الشهادة والفتيا والرواية، فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر؛ فإن اللسان الكذوب بمنزلة العضو الذي قد تعطل نفعه، بل هو شر منه، فشر ما في المرء لسان كذوب ... " (4)
2 - محمد بن قدامة الأنصاري الجوهري
" قال أبو محرز عن ابن معين: ليس بشيء. وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف لم أكتب عنه شيئا " (5)
3 - محمد بن عمر الواقدي
__________
(1) كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين ج1/ ص 345 - 346
(2) كتاب الجرح والتعديل ت: 1198 ج4/ ص278
(3) تهذيب التهذيب ت : 2819 ج4/ص268
(4) إعلام الموقعين، ج1/ص121
(5) تهذيب التهذيب، ت : 6524 ج9/ ص354 وأنظر كذلك ميزان الاعتدال ت: 8083 ج4/ ص15 (1/51)
صفحة 52
".. صاحب التصانيف، وأحد أوعية العلم على ضعفه.. قال أحمد بن حنبل : هو كذّاب يقلب الأحاديث.. قال ابن معين: ليس بثقة.. قال البخاري وأبو حاتم : متروك. وقال أبو حاتم أيضا والنسائي: يضع الحديث. وقال الدارقطني فيه ضعف.. قال ابن راهويه : هو عندي ممن يضع الحديث" (1) .
واختتم الذهبي ترجمة محمد بن عمر بقوله : " واستقر الإجماع على وهن الواقدي" (2)
4 - الهيثم بن عدي الطائي
" قال البخاري : ليس بثقة. كان يكذب ... روى عباس عن يحيى : ليس بثقة. كان يكذب. وقال أبو داود : كذاب. وقال النسائي وغيره : متروك الحديث... وقال ابن المديني : هو أوثق من الواقدي، ولا أرضاه في شيْ " (3)
" وقال أبو حاتم : متروك الحديث، محله محل الواقدي. وقال أبو زرعة : ليس بشيء. وقال العجلي : كذاب، وقد رأيته ... وقال الساجي : سكن مكة، وكان يكذب. وقال الإمام أحمد : كان صاحب أخبار وتدليس " (4)
5 - أبو مخنف لوط بن يحيى
"أبو مخنف ليس بثقة .. متروك الحديث.. " (5) وهو " أخباري تالف لا يوثق به.. وقال الدارقطني : ضعيف " (6)
وقد جمع يحيى بن إبراهيم بن علي اليحيى أقوال علماء الإسلام في أبي مخنف ورواياته، وبين إجماع نقاد الحديث على تضعيف روايات أبي مخنف (7) .
القسم الرابع : آراء العلماء في كتب التاريخ والمقالات
__________
(1) ميزان الاعتدال ت : 7993، ج3 /ص662 - 666
(2) المرجع السابق، ج3/ص 666
(3) المرجع السابق، ت : 9311، ج4 / ص324
(4) لسان الميزان ت : 121/8977 ، ج6 / ص253
(5) كتاب الجرح والتعديل ت: 1030،ج7 / ص182
(6) لسان الميزان ت : 8/6776 ، ج4 / ص584
(7) مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، ص43-46 (1/52)
صفحة 53
لقد ذكرنا أقوالاً لبعض العلماء حول الأسس والمناهج التي يجب أن يحتكم إليها في كتابة التاريخ، وبيّنا كذلك المصادر التي نقل عنها الكُتّابُ أخبارهم عن أهل النهروان. ونحن في حوارنا مع الدكتور صابر طعيمة نريد أن نذكره بأقوال بعضهم في حق كتب التاريخ والمقالات التي نادى هو بتصديقها وعدم الطعن فيها حتى يتبين له سبب رفض الإباضية السير وراء كل ناعق وخلف كل زاعق.
1 - قول للإمام الطبري
يقول الإمام الطبري - وهو أعرف الناس بكتاباته - في مقدمة تاريخه:
".. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنما أُتي من قِبَل بعض ناقليه إلينا؛ وأنّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا " (1)
هذا هو قول الإمام الطبري ولكن مما يؤسف له أن الكتاب والمؤرخين الذين اعتمدوا على تاريخ الطبري كمصدر أساسي لبحوثهم لم يلتفتوا لهذا الشرط الذي اشترطه على من أراد النقل من تاريخه، فقد جعلوا من عدالة الإمام الطبري عذراً للأخذ بما في تاريخه بدون تدقيق ولا تمحيص للروايات من حيث السند والمتن. والقارئ لتاريخ الطبري يجد الكثير من رواياته جاءت من طرق رواة كذابين كأمثال سيف بن عمر التميمي، وأبي مخنف لوط بن يحيى ومحمد بن عمر الواقدي وغيرهم. وإنه لمن الظلم (2)
__________
(1) تاريخ الطبري، ج1 / ص 13
(2) قال الدكتور إبراهيم شعوط حينما لم يتقيد بشروط الإمام الطبري: " ومما يثير الأسى دائماً، أن كبار المؤرخين المسلمين، هم الذين أعدت لهم الأكاذيب، ثم انزلقوا، فتولوا نشرها، حتى صارت حجة على المسلمين فيما بعد".( اباطيل..ص138)
وقال: " لكن الطبري وأمثاله، يطالعوننا برواية عجيبة، تفتح أبواب الشر، وتشعل نيران الفتنة، .. " (أباطيل.. ص171)
وقال: " هنا نرى التخبط في الحكم والتناقض في الأخبار، مما يدل على أن الهوى كان يسيطر على مدوني هذه الأخبار، فإن لم يكن الهوى، فإن الغفلة هي التي جعلتهم ينقلون الأخبار المتضاربة، دون أن يتحروا الصحيح منها، وينبذوا الفاسد الموضوع لغرض خبيث" ( أباطيل..ص345) (1/53)
صفحة 54
حقاً للإمام الطبري أن تنسب إليه هذه الأقوال لمجرد أنها وجدت في تاريخه.
2 – قول للإمام ابن الأثير
إن المقياس الذي يوزن به تاريخ الإمام الطبري هو نفس المعيار الذي يُحتكم إليه في تقييم " الكامل في التاريخ " للإمام ابن الأثير. فقد قال ابن الأثير في مقدمة تاريخه: "فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعوَّلُ عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أخل بترجمة واحدة منها.. ووضعت كل شيْ منها موضعه، إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئاً، إلا ما فيه زيادةُ بيان.." (1)
لقد عرفتَ أيها القارئ أن " تاريخ الطبري " لم يخلُ من الروايات الضعيفة خاصة التي تحدثت عن الفتنة التي جرت بين الصحابة.
3 - أقوال لابن العربي
قال ابن العربي في كتابه " العواصم من القواصم " ما نصه:
1 - ".. لا تلتفتوا إلا إلى ما صح من الأخبار، واجتنبوا ... أهل التواريخ، فإنهم ذكروا عن السلف أخباراً صحيحة يسيرة ليتوسلوا بذلك إلى رواية الأباطيل، فيقذفوا ... في قلوب الناس ما لا يرضاه الله تعالى، وليحتقروا السلف ويهونوا الدين، وهو أعز من ذلك، وهم أكرم منا، فرضي الله عن جميعهم " (2)
__________
(1) الكامل في التاريخ، ج1 /ص3
(2) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص 256 (1/54)
صفحة 55
2 - وقال أيضاً : ".. وإنما ذكرت لكم هذا لتحترزوا من الخلق، وخاصة من المفسرين، والمؤرخين، وأهل الأدب، فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين، أو على بدعة مصرين، فلا تبالوا بما رووا، ولا تقبلوا رواية إلا عن أئمة الحديث، ولا تسمعوا لمؤرخ كلاماً إلا للطبري وغير ذلك هو الموت الأحمر، والداء الأكبر ... فأما الجاهل فهو ابن قتيبة (1) ، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب " الإمامة والسياسة " إن صح عنه جميع ما فيه وكالمبرد في كتابه الأدبي.. وأما المبتدع المحتال المسعودي (2) ..
__________
(1) كيف يكون جاهلاً من كانت هذه مؤلفاته : صناعة الكتابة، غريب الحديث ، إصلاح الغلط في غريب الحديث، تفسير غريب الحديث، المعارف، الشعر والشعراء، المسائل والأجوبة، تأويل مشكل الحديث، عيون الشعر، جامع النحو الكبير، إعراب القرآن، جامع الفقه، التفسير ، معاني القرآن، وغيرها كثير.. ( انظر الشعر والشعراء ص 18 )
(2) قال المسعودي بعد أن ذكر أخبار الفتنة : " والأشياء التي استحق بها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفضل هي : السبق إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والقربى منه والقناعة وبذل النفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والفقه، والعلم..
..
ولكل فضائل ممن تقدم وتأخر، وقبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راضٍ عنهم، مخبر عن بواطنهم بموافقتها لظواهرهم بالإيمان، وبذلك نزل التنزيل، وتولى بعضهم بعضاً، فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتفع الوحي حدثت أمور تنازع الناس في صحتها منهم، وذلك غير يقين، ولا يقطع عليهم بها، واليقين من أمورهم ما تقدم، وما روى مما كان في أحداثهم بعد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فغير متيقن، بل هو ممكن، ونحن نعتقد فيهم ما تقدم، والله أعلم بما حدث، والله ولي التوفيق " ( انظر مروج الذهب ج2/ ص437-438) (1/55)
صفحة 56
فإذا صنتم أسماعكم وأبصاركم عن مطالعة الباطل، ولم تسمعوا في خليفة ممن ينسب إليه ما لا يليق ويذكر عنه ما لا يجوز نقله، كنتم على منهج السلف سائرين وعن سبيل الباطل ناكبين " (1)
3 - وقال أيضاً: " ولا يشتغل برواية الحديث من كل كتاب فالباطل فيه كثير، وما الصحيح من حديث النبي إلا كنقطة من بحر وليحذر كتب الصالحين، ومن ينتمي إلى الوعظ، فإنهم لم يألوا في الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقصد، وبغير قصد.." (2)
مما نقلناه لك أيها القارئ تدرك رغبة ابن العربي في الحرص الشديد على عدم الأخذ بلا ضوابط من كتب السابقين، وإن كنا لا نوافقه في بعض أقواله ؛ فتاريخ الطبري مثلاً يجب أن يعرض على منهج أهل الحديث - كما اشترط مؤلفه - حتى يتبين لنا الصحيح من السقيم من الروايات.
4 – أقوال للدكتورة سيدة إسماعيل كاشف
قالت الباحثة الإسلامية الدكتورة سيدة إسماعيل في شأن كتب التاريخ:
1- ".. وطبيعي أن كثيراً من الكتب الحديثة سطحي، أو يقصد به تأييد وجهة نظر خاصة من دون التقيد بأساليب البحث العلمي الصحيح، أو يهدف إلى التثقيف العام، ومثل هذا كله لا يصح أن يكون مرجعاً في البحوث العلمية التاريخية " (3)
2 - وقالت أيضاً: ".. ونلاحظ أنّ الجزء الأخير من تاريخ الطبري ينم عن ضعف في المادة وينذر بأن أساليب المحدثين لم تعد وحدها كافية لكتابة التاريخ في الإسلام بعد أن تعقدت النظم الحكومية وأصبح الكُتَّاب ورجال البلاط والمتصلون برجال الحكم خير مصدر لكثير من الأخبار " (4)
__________
(1) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص 260 - 262
(2) المرجع السابق، ص 370
(3) مصادر التاريخ الإسلامي، ص 104
(4) المرجع السابق، ص 35. نقلاً عن زكي محمد حسن، دراسات في الموازنة، ص 11 (1/56)
صفحة 57
3- وقالت أيضاً: " والواقع أن أئمة الحديث متفقون على أن أحاديث كثيرة وضعتها جهات مختلفة ويشير ابن حزم.. إلى وضع أحاديث في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه. ومنذ الفتنة الأولى في الإسلام زمن عثمان بن عفان أخذ وضع الحديث يزداد وينمو حتى استفحل الأمر فيما بعد فنرى الأمويين يروجون الأحاديث في فضائل عثمان وفضائل الأمويين. وقد وضع العباسيون أحاديث تؤيد حكمهم وتثبت حقهم في الخلافة. ونسب إلى المهلب بن أبي صفرة - بطل محاربة الخوارج زمن الأمويين - الأحاديث ضد الخوارج. كذلك وضع أنصار المرجئة الأحاديث.. وهناك بعض الأتقياء والزهاد الذين وضعوا الحديث لصرف الناس إلى الدين وإلى القرآن وذلك رغبة في حفظ الدين وتقويته. ومن هؤلاء نوح بن مريم الذي كان يعد من أكابر الفقهاء والمحدثين.." (1)
4 - وقالت أيضاً: " وجدير بالباحث أن يعرف سيرة المؤلف ليتبين ميوله وأهواءه وأثرها في كتاباته، فقد يكون المؤلف مشايعاً لمذهب أو لحزب أو لفئة معينة ممن يكتب عنهم فيناصرهم من غير قصد، أو يذهب في ذلك إلى تعمد الكذب في الرواية، أو إلى تحريف الحقائق وحذف بعضها ليقود القارئ إلى نتائج معينة ترفع من شأن الذين يشايعهم أو تدفع عنهم مسئولية أو عاراً. وقد يندفع المؤلف إلى البعد عن العدالة بسبب الحرص على تملق أولياء الأمور، أو على مداراتهم والنجاة من اضطهادهم " (2)
5 - وقالت أيضاً : " وينبغي للباحث في التاريخ أن يذكر أن كتب التاريخ الإسلامي التي ألفت بين القرنين الثالث الهجري (التاسع الميلادي) والتاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) ليست كلها مصادر أصلية لهذا التاريخ، فهي لا تستوي جميعاً من حيث قيمتها بين المصادر الأصيلة للتاريخ الإسلامي " (3)
5 - قول للدكتور محمد جميل غازي
__________
(1) مصادر التاريخ الإسلامي، ص 20
(2) المرجع السابق، ص 53
(3) المرجع السابق، ص 54 (1/57)
صفحة 58
ذكر الدكتور محمد جميل غازي في مقدمة كتاب "العواصم من القواصم" ما نصه: "ولقد كان المجال التاريخي - ولا زال، وسيظل - معبراً للتصورات الباهتة والروايات الموضوعة، التي تؤيد حزباً ضد حزب، وتعين فريقاً على فريق ! إن الرواية التاريخية أصبحت على لسان المحاربين كالسيف الذي في أيديهم يقتلون بها.. وإذا كانت الحرب الباردة تعتمد على الإشاعة والأكاذيب فإن الإشاعة والأكاذيب تحولت إلى روايات تاريخية.. بل إلى روايات حديثية.. يضعها الوضاعون، ثم يرفعونها بلا خوف ولا خجل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يقفونها بلا حياء ولا استخزاء عند صحابته رضوان الله عليهم" (1)
6-قول للدكتور عوض خليفات
قال الدكتور عوض خليفات : " يجب أن نستخدم هذه المؤلفات [ كتب المقالات والملل والنحل] بحذر شديد لأن أصحابها تنقصهم الموضوعية ويعوزهم الحياد عندما يتكلمون عن فرق مخالفة لمعتقداتهم.. وخاصة إذا تذكرنا أن هذه المعلومات مشوهة ومتحيزة وتفتقر إلى الدقة والمعرفة العميقة.. " (2)
7- قول للدكتور عبد العزيز الهلابي
وقال الدكتور عبد العزيز صالح الهلابي: " ونحن نرى بالمقابل أنه لا يصح أبداً الاعتماد على كتب الفرق والمقالات في دراسة القضايا التاريخية إذ أن معظمها -إن لم تكن كلها- كتبت بروح التحامل والتعصب وتعوزها الأمانة والتدقيق في صحة ما تنقل بالإضافة إلى الكثير مما فيها من المبالغات والتناقضات" (3) .
أكتفي بهذا القدر من أقوال العلماء وأحسب أن فيه الكفاية للتدليل على بطلان أقوال الدكتور صابر طعيمة الداعية للأخذ من كتب الأوائل بلا ضوابط.
__________
(1) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص 9
(2) نشأة الحركة الإباضية، ص12-13
(3) عبد الله بن سبأ دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة، ص57 (1/58)
صفحة 59
إن المنهج الذي يسلكه الدكتور صابر طعيمة وأمثاله في اعتبار النقل بلا تحفظ من كتب الأوائل هو منهج وطريق لا يسلكه إلا المهازيل الضعفاء الذين تقصر هممهم عن تتبع الأخبار من مظانها ووزنها بميزان الحق الذي لأجله أجهد علماء الأمة أنفسهم في إقامته لتسير أجيال المسلمين المتلاحقة على قواعده وأسسه.
فعلى صابر طعيمة - وهو الدكتور- أن لا يكتفي بقوله ".. لا نستطيع إهمال ما سجله هؤلاء الكتاب وغالبيتهم فيما نعتقد تحرى الدقة والتثبت.. " (1) ولكن كان عليه أن يثبت لنا بالدليل القاطع صدق مقالات أبي الحسن الأشعري وغيره من الكتاب. ولكن أنَّى لمتخبط السير على الطريق السوي، وأنَّى لصاحب هوى إدراك الحق..
قال الأستاذ سيد قطب : " إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة.. إن هناك اصطلاحاً من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه، والذي خلقت به السماوات والأرض.. ولكن الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة.. الهوى هو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويعمي المسالك، ويخفي الدروب.. والهوى لا تدفعه الحجة إنما تدفعه التقوى.. تدفعه مخافة الله، ومراقبته في السر والعلن.. ومن ثم هذا الفرقان الذي ينير البصيرة، ويرفع اللبس، ويكشف الطريق." (2)
ليس في مقدور البشر أن يلزموا الدكتور صابر طعيمة اتباع الطريق السليم في التأليف، فهو حر في اختيار اتجاهه. ولكن عليه أن يعلم بأن ما أسسه ورسمه وأصله علماء الأمة يناقض أقواله الجوفاء فعليه أن يختار لنفسه ما يكون فيه سعادته في الدنيا والآخرة، وعلينا نحن تبيين الطريق السليم السوي الذي حاد عنه.
القسم الخامس : روايات يرفضها واقع المكتوب عنهم
__________
(1) الإباضية عقيدة ومذهباً، ص 48
(2) في ظلال القرآن، ج 3 / ص 1499 (1/59)
صفحة 60
وإذا أردنا - جدلاً - الأخذ بمنهجية الدكتور صابر طعيمة في اعتقاد أن كتاب التفسير والتاريخ تحروا الدقة والتثبت في النقل والتأليف، لوجدنا أنفسنا أمام روايات يصعب تصديقها والأخذ بها. وإليك أيها القارئ الكريم هاتين الروايتين أنقلهما لك من " تفسير القرطبي " و" تاريخ الطبري "
أولاً : من " تفسير القرطبي "
كتب التفسير (1) حوت من الروايات الضعيفة وبعض الأخبار التي لا تتلاءم مع سجايا الرجال الذين تحدثت عنهم ؛ فمثلاً في كتاب " الجامع لأحكام القرآن " نقل القرطبي في تفسير قوله تعالى : { أفرأيت الذي تولى - وأعطى قليلاً وأكدى } (2) ما نصه:
".. وقال ابن عباس والسدي والكلبي والمسيّب بن شريك : نزلت في عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان يتصدق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح : ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان : إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه ! فقال له عبد الله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة فأنزل الله تعالى : { أفرأيت الذي تولى - وأعطى قليلاً وأكدى } فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله. ذكر ذلك الواحدي والثعلبي..” (3)
__________
(1) قال سيد قطب : ".. وذلك تحرزاً من الإسرائيليات والأقوال والروايات التي لا أصل لها ؛ والتي تسربت – مع الأسف – إلى التفاسير القديمة كلها، حتى ما ينجو منها تفسير واحد من هذه التفاسير ؛ وحتى إن تفسير الإمام ابن جرير الطبري – على نفاسة قيمته – وتفسير ابن كثير كذلك – على عظيم قدره – لم ينجوا من هذه الظاهرة الخطيرة.." ( انظر في ظلال القرآن، ج3 / ص1358- 1359)
(2) سورة النجم : الآية 33 -34
(3) الجامع لأحكام القرآن، ج 17 / ص 73 (1/60)
صفحة 61
لقد نفى قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش (1) - رحمه الله – نسبة هذه الرواية إلى الإمام عثمان " لبعد ذلك عن أضعف الصحابة فضلاً عنه" (2)
ثانياً : من " تاريخ الطبري "
أورد الطبري في تاريخه الكتبَ التي أرسلها المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدثين فقد جاء في هذه الكتب ما نصه :
".. فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ورؤوس الضلالة، المنقوصون من التوحيد حظاً، والمخسوسون من الإيمان نصيباً، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه ؛ من أهل دين الله، وأحق من يُتهم في صدقه، وتطرح شهادته، لا يوثق بقوله ولا عمله ؛ فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد.. " (3)
__________
(1) هو الشيخ العلامة محمد بن يوسف أطفيش الحفصي العدوي الجزائري علامة بالتفسير والفقة الأدب ، إباضي المذهب ، مجهتد ، كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية يدل على وطنية صحيحة ولد 1236هـ/1820م وتوفي 1332هـ/1914م ، مولده ووفاته في بلدة يسجن ( من وادي ميزاب في الجزائر ) له أكثر من ثلاثمائة مؤلف .. ( انظر الأعلام ج7/ص156-157 )
(2) تيسير التفسير، ج 12 / ص 556
(3) تاريخ الطبري، ج 5 / ص 187 (1/61)
صفحة 62
".. وقد عَظّم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثّلْمَ في دينهم، والجرح في أمانتهم وسهَّلوا السبيل لعدو الإسلام، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على قلوبهم حتى عرّفوا ووصفوا خلق الله وفعلَه بالصفة التي هي لله وحده، وشبهوه به، والاشتباه أولى بخلقه. وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظاً في الدين، ولا نصيباً من الإيمان واليقين، ولا يرى أن يحل أحداً منهم محل الثقة في أمانة، ولا عدالة ولا شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية.. وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من أمور المسلمين إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق.. " (1)
".. فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته؛ إذ كانت تلك المقالة الكفر الصراح، والشرك المحض عند أمير المؤمنين، فإن تاب منها فأشهر أمره، وأمسك عنه ؛ وإن أصر على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه.." (2)
" وأما أحمد بن حنبل وما يكتب عنه؛ فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها، واستدل على جهله وآفته بها.." (3)
لا أظن أحداً من الذين ينادون بالأخذ بما في كتاب " تاريخ الطبري " وغيره من كتب التاريخ بدون تدقيق يجرؤن على تصديق أحكام المأمون على بعض من علماء الأمة الإسلامية.
نقلتُ هذه الرواية من بين روايات كثيرة تحدثت عن أعمال بني أمية وبني العباس وجنودهم، ولا نجد لها مثيلاً إلا عند الكفار حينما يهجمون على المسلمين الآمنين. وإني لأذكر هذه الرواية هنا لأبين للدكتور صابر طعيمة إلى أي مدى تصل هيمنة السلطات الحاكمة في توجيه الرأي العام وتسخير الأقلام المستأجرة للنيل من كل من وقف أمام الحاكم الظالم.
__________
(1) المصدر السابق، ج5 / ص 189
(2) المصدر السابق، ج 5 / 191 - 192
(3) المصدر السابق، ج5 / ص 192 (1/62)
صفحة 63
والذي تعرض له الإمام أحمد من سلطات العباسيين قد تعرض الإباضية لأضعافه من قبله ومن بعده، وما ذلك إلا لأنهم لم يواطئوا حكام بني أمية وبني العباس على ظلمهم للأمة الإسلامية. فقد ألفت الكتب المليئة بالكذب والافتراء، وروج لأحاديث مكذوبة بين أوساط الناس حتى صار الزكي هو من رضي عنه الخليفة!! والسعيد هو من قربه أمير المؤمنين!! إليه ولو كان غارقاً إلى شحمة أذنه في دماء المسلمين الأبرياء. وصار الخبيث عندهم هو من سخط عليه الخليفة!! والتعيس هو من طرده أمير المؤمنين!! عن كنفه ولو كان من أتقى عباد الله.
وكل ما نجده من أقوال عن أهل النهروان والإباضية في كتب التاريخ والمقالات فإن مصدرها هو نفس المصدر الذي وصف الإمام أحمد بتلك الأوصاف التي لا تليق به ولا بإخوانه الذين عذبوا وأُوذوا في سبيل مسألة كان النقاش وعقد المجالس العلمية فيها كفيلان بتوضيح القول الصحيح. ولكن هي عادة المتسلطين الذين رزئت بهم أمة الإسلام يتخذون من الاختلافات المذهبية عذراً للنيل ممن يخافون منه على ملكهم وهيمنتهم، فبنو أمية وبنو العباس أثاروا السفهاء من الناس على الإباضية تحت دعاوى باطلة ما زالت آثارها تسري إلى أفكار كثير من الكتاب إلى يومنا هذا. (1/63)
صفحة 64
قال الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى - في وصفه لموقف الإباضية من تلك الأحداث التي شهدتها ساحة المملكة العباسية، والتي عذب فيها العلماء وأهل الفضل من هذه الأمة: " ولا أراهم وقفوا هذا الموقف الصامت إلا سداً للذريعة وتجنباً لمشايعة الظالمين، فإنهم رحمهم الله من أرسخ مبادئهم وأبرز سماتهم مناهضة الظلم ومصارعة الظالمين، من غير التفات إلى من صدر منه الظلم أو من وقع عليه، وكانت الأنباء تترادف إليهم بما يتعرض له أبناء الأمة - من أبشع الظلم وأشنع القسوة - في العاصمة العباسية التي كانوا على مقربة منها، فكانوا كأنما يحسون بأنينهم وسياط الظالمين تلذع ظهورهم، وبشهيقهم وصوارمهم تفصل رؤوسهم عن أجسادهم، فلم يكن لهم - وهم دائماً ثائرون على الظلم، منابذون للظالمين، وقد رقق الإيمان قلوبهم وطهر مشاعرهم من الأحقاد - إلا أن يقفوا هذا الموقف لئلا تجد السلطة الظالمة من قولهم ما يبرر صنيعها، وقد جعلت من الدين جسراً تعبر به إلى ما تهواه من سفك الدماء وإزهاق الأرواح وتعذيب الأجساد، فلله تلك الأنظار الثاقبة، والبصائر النيرة، والسرائر النقية " (1)
إن المواقف التي وقفها الإباضيون في وجوه الجبابرة والظالمين لا ينكرها أحد إلا الظالمون أنفسهم ومن امتزج في عقولهم الظلم والعدل والحق والباطل. وأما المنصفون الذين يرون الأشياء بمنظار الإسلام فلا تلتبس عليهم الأمور، فهم يرون الحق أمام أعينهم ويسعون إلى إظهاره بكل صدق وأمانة.
__________
(1) الحق الدامغ، ص 107 (1/64)
صفحة 65
فمن هؤلاء الذين ندين لهم بالشكر والتقدير على مواقفهم الصادقة الدكتور نايف عيد جابر السهيل، حيث قال عند مناقشته لمواقف الإباضية عبر التاريخ : ".. فضلاً على أن الكثيرين من الكتاب والمؤرخين كانوا يقفون من المذهب الإباضي موقفاً معادياً على طول الخط لا لشيء اللهم إلا تأييداً ومساندة لخلفاء الدولة العباسية وحكام بعض البلدان الذين تصدوا للإباضية وبذلوا الجهد الكبير للقضاء عليها تماماً أو إضعافها على الأقل.
إذ كانت الإباضية بأفكارها السياسية المستقاة من القرآن والسنة تشكل خطراً كبيراً على الخلفاء والحكام الذين بعدوا إلى حد كبير عن الالتزام والعمل بما جاء في القرآن والسنة وبخاصة فيما يتصل بنظام الحكم ومشتملاته." (1)
ويوضح الأستاذ سيد قطب المواقف التي وقفها المخلصون من أبناء هذه الأمة في وجوه الطغاة فيقول : ".. بعض أذناب السلطة في كل زمان، كانوا يفتون لحكام لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة،.. كانوا يفتون لهم بأن يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات - باسم شريعة الله - بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون الله ورسوله، بل يحاربون سلطة خارجة على الله ورسوله.. إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله.." (2)
لعل هذه الرواية وما نقلناه وما قلناه هنا يفتح باباً للدكتور صابر طعيمة وغيره من الكتاب الذين لم ينصفوا المذهب الإباضي لكي يدرسوا الملابسات التي زامنت كتابة كتب التاريخ التي بين أيدينا اليوم.
خاتمة الفصل الثاني
__________
(1) الإباضية في الخليج العربي، ص 139
(2) في ظلال القرآن، ج2/ص879 (1/65)
صفحة 66
هاتان الروايتان اللتان نقلتهما لك أيها القارئ الكريم من تفسير القرطبي وتاريخ الطبري تبرهنان على ضعف منهجية البحث عند الدكتور صابر طعيمة ومن سار على نهجه في الأخذ بلا قيود من كتب التاريخ ولو علت منازل كتابها. وإذا كان الدكتور صابر طعيمة يرفض هذه الأقوال التي نقلناها له من الكتب التي نادى بتصديق ما فيها فليس له حجة ولا لغيره من المفترين من أمثاله على المذهب الإباضي بما في كتب التاريخ والمقالات من كذب وبهتان. وما دعا إليه الدكتور صابر من تصديق كتب المقالات والتاريخ من غير قيود ليس له دليل بل كل الأدلة ترفض هذا المسلك وتبطله.
وإذا كان هذا هو الحال، إذاً فلتنقطع ألسنة المفترين ولتنكسر أقلام المغرضين وليبق منهج البحث العلمي الذي دعا إليه ديننا الحنيف سليماً من كيد المحرفين الداعين إلى الفرقة والنزاع.
الفصل الثالث
فتنة يوم الدار
قبل كتابتي لهذا الفصل كنت محجماً عن الخوض في ذكر أحداث هذه الفتنة، لأني على قناعة تامة أن الحديث عنها لا يجر لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أية منفعة، ولأن الأشخاص الذين تدور حولهم تلك الأحداث هم خيار هذه الأمة بعد رسولها الكريم - صلى الله عليه وسلم - .
وما زلت مقتنعاً قناعة تامة أن صحة تلك الأخبار لا تضيف على المسلم مسئولية فوق مسئولياته التي فرضها الإسلام عليه، وأن ضعف تلك الروايات لا يسقط عنه شيئاً من المسئوليات التي تحملها في هذه الحياة. فمصادر التشريع في الإسلام لا ترتبط باتجاهات الناس وميولهم، وليس هناك من بصمات تخلفها أي فتنة على مصادر التشريع الإسلامي. على هذا فيجب على أفراد الأمة الإسلامية أن يأخذوا حياتهم من القرآن والسنة الصحيحة وما أجمع عليه علماء الأمة في أي عصر من العصور بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
فالأمة الإسلامية أرادها الله أن تكون خير الأمم في جميع شئون حياتها
أرادها خير الأمم إذا تحدثت
وأرادها خير الأمم إذا نقلت الأخبار (1/66)
صفحة 67
وأرادها خير الأمم إذا قبلت الأخبار
فمن هنا وجب الصدق في القول، والأمانة في النقل، والتثبت عند ورود الخبر. ولكن - يا للأسف - لم يكن لهذه الأمة - بعد أن تخلت عن رسالتها - أن تسلم مما حذرها الله تعالى منه. فوجد في تاريخ المنتسبين لها من قال الكذب ، ووجد في مسيرتها من استسهل حمل الافتراء، ووجد في أيام حياة أفرادها من تفكه بذكر الأباطيل.
لا أحد ينكر تلك الأحداث التي وقعت بين أفراد ذلك الجيل الطاهر الذي نقل إلى البشرية هذا الدين الخالد وهذه الرسالة العظمية.
ونحن في هذا العصر نقرأ عن تلك الأحداث الواردة في كتب التاريخ الماضية، ونضع لأنفسنا تساؤلات منبعثة من واقع ما نتحمله من مسئولية العبودية التي خُلقنا لأجلها. فنجد مثلاً أن عمراً ظلم زيداً، أو أن زيداً مَثَّلَ بعمرو. ونقف عند هذه الأحداث التي جاء الإسلام ليحاربها ويقضي عليها ونتساءل :
1- هل من وظائفنا أن نعرف أن فلاناً قتل فلاناً قبل مئات السنين؟
2- هل نحن مسئولون عن أسباب ونتائج أحداث وقعت قبلنا بقرون؟
ما أظن أحداً ممن عرف الإسلام معرفة صحيحة يستطيع أن يجيب بـ " نعم " على هذين السؤالين، ولا أظن أحداً يستطيع أن يفرض على الناس رأياً في تلك الأحداث.
لقد ظهرت بحوث عدة تناولت دراسة الفرق الإسلامية، تاريخياً وعقائدياً، وذكر أصحاب هذه البحوث أنهم يتبعون المنهج العلمي السليم والأسلوب العلمي الجاد والهادئ (1) "حتى يستبين الأمر ويتميز الحق عن الباطل" (2) . وهذا القول يُقدم عليه الكتاب في مقدمات بحوثهم لأجل اقتناص ثقة القراء بنتائج كتاباتهم، ولأجل توطئة النفوس لما ستمليه عقولهم واتجاهاتهم.
__________
(1) دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين، ص9
(2) المرجع السابق، ص 9 (1/67)
صفحة 68
من هؤلاء الكتاب الذين تعرضوا للحديث عن الفتنة التي حدثت في أواخر خلافة الخليفة الثالث هو الدكتور أحمد محمد أحمد جلي، فهو وإن ذكر المنهج السليم في شأن تلقي الأخبار لكنه لم يلتزم به عند عرضه لأحداث تلك الفتنة ، فقد قال :
" وحاولت جاهداً أن يسود الحوار الهادئ في التناول على العاطفة، سعياً إلى تأكيد الهدف الأساسي من هذا الكتاب في أن يكون لبنة في مسيرة توحيد الأمة الإسلامية، مع الالتزام التام بقواعد المنهج العلمي والتقيد بها في العرض والنقد.. " (1)
وقال أيضاً : " ولعل من أسباب اضطراب المؤرخين المعاصرين حول أحداث الفتنة هو أنهم اعتمدوا في استقاء أحداث الفتنة على بعض كتب التاريخ، ككتاب الطبري، دون أن يأخذوا في الاعتبار أن الطبري وغيره من المؤرخين أوردوا في كتبهم هذه، إلى جانب الروايات الصحيحة، العديد من الروايات الموضوعة والمكذوبة والواهية، لأنهم أوردوا كل ما سمعوه وتركوا لمن يأخذ عنهم أن يميز، عن طريق السند، بين المكذوب والصحيح والثقة والضعيف.. " (2)
هذا القول الذي أشار إليه الدكتور أحمد حجة عليه وإلزام له.
فهو حينما كتب عن فتنة يوم الدار لم يحفل بهذا القول، بل ألقى به خلف ظهره، وأقبل على روايات الطبري التي وصفها بـ " الموضوعة والمكذوبة والواهية " وأخذ يعتمد عليها في الطعن على بعض الصحابة (3) ويصفهم بـ " فساد المعتقد وقلة الدين وإيثار العاجلة على الآجلة " (4) ويصفهم كذلك بـ" طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن" (5)
__________
(1) المرجع السابق، ص 10
(2) المرجع السابق، ص 30
(3) انظر تراجم بعضهم في القسم الثالث من هذا الفصل.
(4) المرجع السابق، ص 43. وانظر نحو هذا القول في العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص121
(5) دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين، ص 45 (1/68)
صفحة 69
ومن الذين كتبوا عن تلك الفتنة محب الدين الخطيب الذي بنى كتاباته على روايات فاسدة باطلة وعرضها للأمة الإسلامية في شرحه لمبحث واحد من كتاب "العواصم من القواصم " للعلامة ابن العربي، وشرحه هذا أصبح مرجعاً يعتمد عليه المؤلفون الذين تناولوا موضوع الفتنة في دراساتهم.
فمحب الدين الخطيب اعتمد على مرويات سيف بن عمر بعد أن وصفه بالاعتدال، مناقضاً بذلك ما اشترطه الإمام الطبري في مقدمة تاريخه، فنجده يروج لتلك الأخبار الفاسدة التي جعلت من أسطورة ابن سبأ واقعاً وحقيقة. ولو أن الخطيب طبق ما دعا إليه من اتباع منهج علماء الأمة في دراسة أحداث التاريخ (1) لأراح نفسه من عناء الكتابة، ولجنب مكانته العلمية الانزلاق خلف ركب الكذابين والوضاعين.
وأما الذين جعلوا من شرح محب الدين مرجعاً لكتاباتهم فلم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن صدق الروايات التي نقلها محب الدين في شرحه وتعليقاته، بل نقلوا تعليقاته المبنية على روايات فاسدة وأخذوا يحتجون بها.
وإليك أخي القارئ هذه الكلمات التي قالها أحد الكتاب المعجبين بما كتبه محب الدين في شأن الفتنة.
قال محمد مهدي الأستنبولي: " لا شك أن هذا الكتاب القيم سيحدث انقلاباً عظيماً في نفوس قرائه، وسيزيل من أفكارهم ما علق فيها من الدسائس التي ثبت كذبها.. وستعجب أيها القارئ بعد الإطلاع على الحقائق التاريخية هناك كيف أن الأمة الإسلامية ذهبت ضحية لشرذمة من الطغام الخارجين على أعدل عصور الإسلام وأسعدها منذ كذبوا، ثم كذبوا، حتى انخدع الناس بأكاذيبهم، فظنوا سحرها حقيقة، ولكن ما لبثت الوقائع أن تبينت كما هي، فجاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.." (2)
__________
(1) انظر القسم الثاني من الفصل الأول.
(2) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، تعليق : 502، هامش ص268 (1/69)
صفحة 70
هذا الذي قاله أحد المعجبين بكتابات محب الدين في موضوع الفتنة، وستعجب أخي القارئ من أمر هذا الكاتب الذي وصف بعض الصحابة والصالحين بـ " شرذمة من الطغام الخارجين" !!. وستعجب كذلك من أمره إذ جعل من روايات الكذابين التي اعتمد عليها الخطيب حقائق تاريخية جاءت لتزهق روايات هي أثبت منها سنداً !!.
وقال ناصر بن عبد الله السعوي وهو يصف أولئك الصحابة الذين خرجوا على الإمام عثمان: " غير أن أعداء الإسلام لم يرق لهم ذلك فقد كانوا مطأطئين رؤوسهم ذلاً وخوفاً وصغاراً، وإلا فهم يتربصون بالمؤمنين الدوائر ويتحينون الفرص والمنافذ لينالوا من هذه الأمة، وخاصة من أولئك أصحاب الديانات السابقة الذين غاظهم وحز في صدورهم إظهار الله لدينه ونصرته لنبيه وخلفائه من بعده.
ومن أشهر أولئك: عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث الذي تظاهر بالإسلام والتف حوله كثير من الجهال وسفهاء الأحلام، فعملوا كل ما في وسعهم من الكيد ضد الإسلام وفي تفريق كلمة المسلمين حتى تمخضت إثر ذلك كله تلك الفتنة العظيمة التي حوصر فيها أمير المؤمنين عثمان، ثم قتل شهيداً - رضي الله عنه - وكان ممن ساهم في هذه الفتنة العظيمة والحادثة الجسيمة رجال عرفوا فيما بعد بالخوارج بل وكانوا رؤساءهم.." (1)
لهذا كان لزاماً عليَّ وعلى كل مسلم أن يتتبع تلك الأحداث لأجل الدفاع عن أطهر جيل عرفته الإنسانية، ولأجل استئصال كل عوامل الفرقة التي جعلت من تلك الروايات سلاحاً لتمزيق الأمة الإسلامية.
وقد قمت - بعد تأنٍ وتريث - بكتابة هذا الفصل وجعلته في ثلاثة أقسام وخاتمة.
القسم الأول : روايات اعتمد عليها كتاب الفرق ...
القسم الثاني : ... روايات تجاهلها كتاب الفرق
... القسم الثالث : تراجم لبعض من الذين سموا بـ"السبئيين"
القسم الأول : روايات اعتمد عليها كتاب الفرق
__________
(1) الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم، ص54-55 (1/70)
صفحة 71
إليك أخي القارئ الكريم هذه الأخبار التي تناقلتها أقلام وأفواه الطاعنين في أولئك الرجال الذين سنذكر تراجمهم في القسم الثالث من هذا الفصل إن شاء الله تعالى. وهذه الأخبار المكذوبة جاءت من طريق سيف بن عمر التميمي الساقط ومحمد بن عمر الواقدي الكذاب، وهي تتحدث عن الفترة التي سبقت مقتل الإمام عثمان والأحداث التي أعقبت يوم الدار وتقف عند نهاية حرب يوم الجمل.
نقل الإمام الطبري:
" (1)
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " فأما سيف فإنه ذكر فيما كتب به إلي السري عن شعيب عنه، عن محمد وطلحة، قالا: كان سعيد بن العاص ... "
ومن علل هذه الرواية أيضاً شعيب بن إبراهيم الكوفي فقد قال ابن حجر: " راويةُ كُتُبِ سيف عنه، فيه جهالة، ذكره ابن عدي وقال: ليس بالمعروف، وله أحاديث وأخبار، وفيه بعض النكرة، وفيها ما فيه تحامل على السلف".( انظر لسان الميزان،ت:46/4100، ج3/ص176 ) (1/71)
صفحة 72
كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلا أهل نازلة الكوفة ووجوه أهل الأيام وأهل القادسية وقراء أهل البصرة والمتسمِّتون، وكان هؤلاء دخلته إذا خلا، فأما إذا جلس الناس فإنه يدخل عليه كل أحد، فجلس الناس يوماً، فدخلوا عليه؛ فبينما هم جلوس يتحدثون قال خُنَيس بن فلان : ما أجود طلحة بن عبيد الله ! فقال سعيد بن العاص : إن من له مثل النّشاسْتَج لحقيق أن يكون جواداً ؛ والله لو أن لي مثله لأعاشكم الله عيشاً رغدا. فقال عبد الرحمن بن خنيس - وهو حدث : والله لوددتُ أن هذا المِلطاط لك.. قالوا فض الله فاك ! والله لقد هممنا بك، فقال خنيس : غلام فلا تجازوه، فقالوا : يتمنى له من سوادنا ! قال : ويتمنى لكم أضعافه، قالوا: لا يتمنى لنا ولا له، قال: ما هذا بكم ! قالوا : أنت والله أمرته بها، فثار إليه الأشتر (1) وابن ذي الحبَكة وجندب وصعصعة (2) وابن الكوّاء وكميل بن زياد (3) وعمير ابن ضابئ ؛ فأخذوه فذهب أبوه ليمنع منه فضربوهما حتى غُشي عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبْون، حتى قضوا منهما وطراً .." (4)
.. فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب : إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية. فأخرجوهم، فذلوا وانقادوا حتى أتوه - وهم بضعة عشر - فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية : إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفراً خُلِقوا للفتنة، فرعْهم وقُمْ عليهم ؛ فإن آنست منهم رشداً فاقبل منهم ؛ وإن أعيَوْك فارددهم عليهم ...
..
__________
(1) انظر ص 122
(2) انظر ص 129
(3) انظر ص 135
(4) تاريخ الطبري، ج2/ص634 (1/72)
صفحة 73
وكتب معاوية إلى عثمان : إنه قدم عليّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل ؛ لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة ؛ وإنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة ؛ والله مبتليهم ومختبرهم،ثم فاضحهم ومخزيهم ؛ ... فإنهم ليسوا الأكثر من شغب أو نكير (1) ." (2)
" (3) اجتمع نفر بالكوفة - يطعنون على عثمان - من أشراف أهل العراق : مالك بن الحارث الأشتر، وثابت بن قيس (4) ، وكميل بن زياد النخعي، وزيد بن صوحان العبدي (5) ، وجندب بن زهير الغامدي (6) ، وجندب بن كعب الازدي (7) ، وعروة بن الجعد (8) ، وعمرو بن الحَمِق الخزاعي (9) . فكتب سعيد بن العاص إلى عثمان يخبره بأمرهم، فكتب إليه أن سيِّرهم إلى الشام وألزمهم الدروب." (10)
" (11) ... وخلت الكوفة من الرؤساء إلا منزعاً أو مفتوناً. فخرج يزيد بن قيس (12) وهو يريد خَلْع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه، وثاب إليه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم ... " (13)
__________
(1) هكذا صور الكذابون أهل الفضل لا لشىء إلا لأنهم وقفوا في وجه سياسة بني أمية.
(2) المصدر السابق، ج2/ص635-636
(3) سند هذه الرواية هو : " قال محمد بن عمر : حدثني عيسى بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: اجتمع نفر.."
(4) انظر ص 123
(5) انظر ص 128
(6) انظر ص 123
(7) انظر ص 124
(8) انظر ص 131
(9) انظر ص 134
(10) المصدر السابق، ج2 / ص639
(11) سند هذه الرواية هو : " مما كتب إلي به السري، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن قيس بن يزيد النخعي.."
(12) انظر ص 138
(13) المصدر السابق، ج2 / ص641 (1/73)
صفحة 74
" (1) كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالَتهم فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتَمر فيهم..
" فبث دعاته، وكاتَب من كان استَفسَد في الأمصار وكاتَبوه، ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصرٍ منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسَعُوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويُسرّون غير ما يُبدون، فيقول أهل كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتُليَ به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا : إنا لفي عافية مما فيه الناس، وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان، قالوا : فأتْوا عثمان، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال لا والله، ما جاءني إلا السلامة، قالوا : فإنا قد أتانا.. وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم ؛ قال فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا عليّ ؛ قالوا نُشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم.. " (2)
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " فيما كتب به إليّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبد الله بن سبأ يهودياً ... "
(2) المصدر السابق، ج2 / ص647 - 648 (1/74)
صفحة 75
" (1) قالوا : لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء ؛.. ومعهم ابن السوداء، وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق،.. وخرج أهل البصرة في أربع رفاق،.. " (2)
" (3) .. ولما رجع الأمراء لم يكن للسبئية سبيل إلى الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف..
قالوا نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنّا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه.." (4)
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: لما كان في شوال.."
(2) المصدر السابق، ج2 / ص652
(3) ابتدأ الطبري هذه الفقرة بقوله " رجع الحديث إلى حديث سيف، عن شيوخه " وهذا السند الذي أشار إليه الطبري هو " كتب إليّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الأسدي، عن رجل من بني أسد ، قال:.."( تاريخ الطبري ج2/ص649)
(4) المصدر السابق، ج2/ص650 (1/75)
صفحة 76
" (1) .. بقيت المدينة بعد قتل عثمان - رضي الله عنه - خمسة أيام، وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يُجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريون علياً فيختبيء منهم ويلوذ بحيطان المدينة.. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه.. ويطلب البصريون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة ؛ وكانوا مجتمعين على قَتْل عثمان مختلفين فيمن يهوَوْن، فلما لم يجدوا ممالئاً ولا مجيباً جمعهم الشر على أول من أجابهم، وقالوا : لا نولّي أحداً من هؤلاء الثلاثة.. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله، فقالوا : أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقاما والله لا أتعرض له، فالتمسوا غيري. فبقوا حيارى، لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم". (2)
" (3) .. واجتمع إلى علي بعد ما دخل طلحة والزبير في عدّة من الصحابة، فقالوا : يا علي، إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلّوا بأنفسهم. فقال لهم : يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ! ها هُمْ هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خِلالَكم يسومونكم ما شاؤوا، فهل ترون موضعاً لقُدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا : لا..
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " ومما كتب به إليّ السري عن شعيب، عن سيف بن عمر، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، وطلحة بن الأعلم، وأبو حارثة، وأبو عثمان، قالوا : .."
(2) المصدر السابق ج2 / ص699
(3) سند هذه الرواية هو: " وكتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: .." (1/76)
صفحة 77
واشتد [ يقصد الإمام علياً كرم الله وجهه] على قريش ؛ وحال بينهم وبين الخروج على حالٍ، وإنما هيّجه على ذلك هرب بني أمية. وتفرق القوم ؛ وبعضهم يقول : والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار ؛ لَتركُ هذا إلى ما قال علي أمثل. وبعضهم يقول : نقضي الذي علينا ولا نؤخّره، ووالله إن علياً لمستغنٍ برأيه وأمره عنا، ولا نراه إلاّ سيكون على قريش أشد من غيره. فذُكر ذلك لعلي فقام فحمد الله وأثنى عليه.. ونادى : برئت الذمة من عبدٍ لم يرجع إلى مواليه. فتذامرت السبئية والأعراب ... . " (1)
" (2) .. خرج علي في اليوم الثالث على الناس، [ فقال ] : يا أيها الناس، أخرجوا عنكم الأعراب. وقال يا معشر الأعراب، الحقوا بمياهكم. فأبت السبئية وأطاعهم الأعراب. ودخل عليٌّ بيته ودخل عليه طلحة والزبير وعدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : دونكم ثأركم فاقتلوهم، فقالوا : عَشوا عن ذلك، قال : هم والله بعد اليوم أعشى وآبى.. " (3)
" (4) .. لما جاءت وفود أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم، جمع علي الناس، ثم قام على الغرائر، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ..."
__________
(1) المصدر السابق، ج2 / ص702
(2) سند هذه الرواية هو: " وكتب إلي السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا:.."
(3) المصدر السابق، ج2 / ص702
(4) سند هذه الرواية هو: " كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا:.." (1/77)
صفحة 78
ثم قال : ".. ألا وإني راحل غداً فارتحلوا، ألا ولا يرتحلنّ غداً أحدٌ أعان على عثمان بشيء في شيء من أمور الناس، وليُغنِ السفهاء عني أنفسهم. فاجتمع نفرٌ، منهم عِلباء بن الهيثم (1) ، وعدي بن حاتم (2) ، وسالم بن ثعلبة العبسي، وشريح بن أوفى بن ضبيعة، والأشتر ؛ في عدة ممن سار إلى عثمان : ورضي بسير من سار، وجاء معهم المصريون : ابن السوداء وخالد بن ملجم وتشاوروا، فقالوا : ما الرأي؟ وهذا والله عليّ، وهو أبصر الناس بكتاب الله وأقرب ممن يطلب قتلة عثمان وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلا هم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه، وإذا رأوا قِلّتنا في كثرتهم (3) ! أنتم والله ترادون، وما أنتم بأنجى من شيء. فقال الأشتر : أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما، وأما علي فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، ورأيُ الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا وعلي فعلى دمائنا ؛ فهلموا فلنتواثب على علي فنلحقه بعثمان ؛ فتعود فتنة يُرضى منّا فيها بالسكون.
فقال عبد الله بن السوداء : بئس الرأي رأيت ! أنتم يا قتلة عثمان من أهل الكوفة بذي قار ألفان وخمسمائة أو نحو ستمائة..
" وقال عِلباء بن الهيثم : انصرفوا بنا عنهم ودعوهم، فإن قلّوا كان أقوى لعدّوهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم.. فقال عدي بن حاتم : والله ما رضيتُ ولا كرهت، ولقد عجبت من تردّد من تَرَدَّد عن قتله في خوض الحديث، فأما إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإنّ لنا عتاداً من خيول وسلاح محموداً، فإذا أقدمتم أقدمنا وإن أمسكتم أحجمنا. فقال ابن السوداء : أحسنت!
__________
(1) انظر ص 132
(2) انظر ص 131
(3) تذكر هذه الرواية المكذوبة أن السبئيين أقل عدداً ، بينما رواية سابقة تذكر بأنهم كانوا أكثر عدداً. فعجباً من أمر هؤلاء الرواة الكذابين !! (1/78)
صفحة 79
وقال سالم بن ثعلبة : من كان أراد بما أتي الدنيا فإني لم أرد ذلك، والله لئن لقيتهم غداً لا أرجع إلى بيتي، ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتهم لا يزد على جَزْر جَزور. وأحلف بالله إنكم لتفرَقون السيوف فرَق قوم لا تصير أمورُهم إلا إلى السيف . فقال ابن السوداء : قد قال قولاً.
وقال شريح بن أوفى : أبرِموا أموركم قبل أن تخرجوا، ولا تؤخِّروا أمراً ينبغي لكم تعجيلُه ؛ ولا تعجّلوا أمراً ينبغي لكم تأخيره ؛ فإنا عند الناس بشر المنازل، فلا أدري ما الناس صانعون غداً إذا ما هم التقوا !
وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم، إن عزّكم في خُلْطة الناس، فصانعوهم، وإذا التقى الناس غداً فانشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدّاً من أن يمتنع ؛ ويشغل الله علياً وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عمّا تكرهون. فأبصَروا الرّاي،وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون.." (1)
__________
(1) المصدر السابق، ج3 /ص 32 - 33 (1/79)
صفحة 80
" (1) .. وبعث علي من العشيّ عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير، وبعثا هما من العشيّ محمد بن طلحة إلى علي، وأن يكلم كل واحد منهما أصحابه، فقالوا: نعم، فلما أمسَوا - وذلك في جمادى الآخرة - أرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه، ما خلا أولئك الذين هَضُّوا عثمان، فباتوا على الصلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا، وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمرَ عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسرّوا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر، فغدوا مع الغلس، وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالا، وعليهم ظلمة، فخرج مضَريُّهم إلى مضَريِّهم، ورَبعُّيهم إلى رَبعيهم، ويمانيُّهم إلى يمانيِّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم.. (2)
قالوا طرقنا أهل الكوفة ليلاً، فقالا [ طلحة والزبير ] : قد علمنا أن علياً غير منتهٍ حتى يسفك الدماء، ويستحل الحرمة، وأنه لن يطاوعنا..
.. وقال علي لصاحب ميمنته : ائتِ الميمنة، وقال لصاحب ميسرته : ائت الميسرةَ، ولقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء، ويستحلا الحرمة، وأنهما لن يطاوِعانا، والسبئية لا تفترُ إنشاباً.. " (3)
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " وكتب إليّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: .."
(2) هذه القصة باطلة ساقطة وذلك لأن راويها كذاب وضاع، وهي تناقض رواية أخرى أسلم منها سنداً (انظر الرواية التاسعة من القسم الثاني من هذا الفصل )
(3) المصدر السابق، ج3 / ص39 - 40 (1/80)
صفحة 81
" (1) .. وقالت عائشة : خل يا كعب عن البعير ؛ وتقدم بكتاب الله عز وجل فادعهم إليه، ودفعت إليه مصحفاً. وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعليّ من خلفهم يزعهم ويأبَوْن إلا إقداماً، فلما دعاهم كعب رشقوه رشقاً واحداً، فقتلوه، ورموا عائشة في هودجها، فجعلت تنادي : يا بنيّ، البقية البقية – ويعلو صوتها كثرة – الله الله، اذكروا الله عز وجل والحساب، فيأبون إلا إقداماً، فكان أول شيء أحدثته حين أبوْا أن قالت : أيها الناس، العنوا قتلَة عثمان وأشياعهم، وأقبلت تدعو " (2) .
" (3) .. ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه الوقعة، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، وقال : لكم إن أظفركم الله عز وجل بالشام مِثلُها إلى أعطياتكم.وخاض في ذلك السبئية، وطعنوا على علي من وراء وراء." (4) ... ...
" (5) .. كان من سيرة علي ألا يقتل مدبراً ولا يذفِّف على جريح، ولا يكشف ستراً، ولا يأخذ مالا، فقال قوم يومئذ : ما يُحلّ لنا دماءهم، ويُحرّم علينا أموالهم؟ فقال علي : القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا، ونحن منه، ومن لجَّ حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر، وإنّ لكم في خُمسه لغنىً (6) ، فيومئذ تكلمت الخوارج " (7)
القسم الثاني : روايات تجاهلها كتاب الفرق
__________
(1) سند هذه الرواية هو: قال الطبري: " رجع الحديث إلى حديث سيف، عن محمد وطلحة: قالا:.."
(2) المصدر السابق، ج3 / ص43
(3) سند هذه الرواية هو: " كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا:.."
(4) المصدر السابق، ج3 / ص59
(5) سند هذه الرواية هو: " كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد، عن أبيه، قال:.."
(6) نسبة تخميس أموال المسلمين للإمام علي -كرم الله وجهه- كذب وافتراء.
(7) المصدر السابق، ج3 / ص59 (1/81)
صفحة 82
بعد عرضنا لتلك الروايات الفاسدة التي اعتمد عليها كثير من الكتاب في التشنيع على بعض الصحابة، رضوان الله عليهم، أضع بين يديك أخي القارئ هذه الروايات بأسانيدها وستعجب من انجراف كثير من الكتاب خلف روايات سيف بن عمر الوضاع والواقدي الكذاب وتركهم لروايات أخرى أرقى منها سنداً. فقد نقل الطبري وغيره روايات -من غير طريق سيف بن عمر والواقدي - تذكر جانباً من جوانب الفتنة التي حدثت في السنوات الأخيرة من خلافة الإمام عثمان وما تلتها من أحداث.
فقصدي من ذكر هذه الروايات هو إثبات أن تلك الفتنة كانت بين الصحابة -رضوان الله عليهم -، وأنه من الأسلم لنا عدم ذكر أي منهم بسوء. وكذلك إقامة الحجة على الذين يحتجون بروايات الكذابين والوضاعين. فأقول لهم : إن كان ولا بد لكم من الخوض في ذكر تلك الفتن فعليكم ترك الأخبار الموضوعة والمكذوبة والأخذ بما هو أفضل حالاً.
وإليك أخي القارئ بعضاً من هذه الروايات :
الرواية الأولى
أورد الإمام الطبري في تاريخه ما نصه:
" يعقوب بن إبراهيم (1) ،
__________
(1) يعقوب بن إبراهيم بن كثير.. أبو يوسف الدورقيٌّ الحافظ البغدادي
" قال أبو حاتم صدوق. وقال النسائي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الخطيب كان ثقة متقناً، صنف المسند... قلت [ ابن حجر] : قال مسلمة: كان كثير الحديث ثقة " (تهذيب التهذيب، ت:8133، ج11/ص332 ) (1/82)
صفحة 83
قال : حدثنا معتمر بن سليمان التيمي (1) ، قال: حدثنا أبي (2) ، قال حدثنا أبو نضرة (3) ، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري (4) . قال: سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا، قال : فاستقبلهم، وكان في قرية له خارجة من المدينة..
__________
(1) معتمر بن سليمان التيمي أبو محمد البصري يلقب بالطفيل، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة مائة وسبع وثمانين وقد جاوز الثمانين ( تقريب التهذيب، ت: 6809، ج2/ص199)
(2) سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري نزل في التيم فنسب إليهم ثقة عابد من الرابعة مات سنة مائة وثلاث وأربعين وهو ابن سبع وتسعين ( تقريب التهذيب،ت:2583، ج1/ص387 )
(3) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوقي البصري أبو نضرة مشهور بكنيته ثقة من الثالثة مات سنة ثمان أو تسع ومائة ( تقريب التهذيب،ت: 6915، ج2/ص213)
(4) أبو سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري ".. ذكره ابن منده في الصحابة ولم يذكر ما يدل على صحبته، لكن ثبت أنه أدرك أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - فيكون من أهل هذا القسم، قال ابن منده روى عنه أبو نضرة العبدي قصة مقتل عثمان بطولها وهو كما قال وقد رويناها من هذا الوجه وليس فيها ما يدل على صحبته." ( الإصابة في تمييز الصحابة ت: 588، م4 ج7 /ص95 وكذلك انظر " أسد الغابة " ت: 5951، ج6 / ص141 ) (1/83)
صفحة 84
فقالوا له افتح التاسعة - وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة - قال : فقرأها حتى أتى على هذه الآية { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون } (1) . قال : قالوا له : قف، فقالوا له أرأيت ما حميتَ من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري ! قال : فقال : امضه ؛ نزلت في كذا وكذا. قال : وأما الحِمَى فإن عمر حَمَى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة، امضه. قال : فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول امضه، نزلت في كذا وكذا.. ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج. قال : فعرفها، فقال أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فقال لهم : ما تريدون؟ قال: فأخذوا ميثاقه.. وأخذ عليهم ألا يشقوا عصاً، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم.. فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال: فرضوا بذلك، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين.
قال: فقام فخطب فقال: إني ما رأيت والله وفداً في الأرض هم خير لحوباتي (2) من هذا الوفد الذين قدموا عليَّ.. " (3)
الرواية الثانية
أورد الإمام الطبري:
__________
(1) سورة يونس : 59
(2) لم يصف الإمام عثمان أولئك الناس الذين قدموا عليه من مصر بما وصفهم به الكذابون وأذنابهم، فقد مر بك ما قاله الدكتور أحمد جلي، انظر 95
(3) تاريخ الطبري ج2 / ص655 (1/84)
صفحة 85
" حدثني جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا عمرو، عن محمد بن إسحاق ابن يسار المدني عن عمه عبد الرحمن ابن يسار، أنه قال: لّما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مَن بالآفاق منهم - وكانوا قد تفرقوا في الثغور : إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عز وجل، تطلبون دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وتُرِك، فهلموا فأقيموا دين محمد - صلى الله عليه وسلم - فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه. وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامله على مصر - حين تراجع الناس عنه، وزعم أنه تائب - بكتاب في الذين شخصوا من مصر، وكانوا أشد أهل الأمصار عليه : أما بعد فانظر فلاناً وفلاناً فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك، فانظر فلاناً وفلاناً فعاقبهم بكذا وكذا - منهم نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومنهم قوم من التابعين - فكان رسوله في ذلك أبو الأعور بن سفيان السُّلمي، حمله عثمان على جمل له.. فسألوه أين يريد؟..
فوجدوا معه كتاباً في إداوة يابسة.. فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة، فبلغ الناس رجوعُهم، والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها، وثار أهل المدينة " (1)
الرواية الثالثة
أورد الإمام الطبري في تاريخه:
__________
(1) المصدر السابق، ج2 / ص662 (1/85)
صفحة 86
" حدثني جعفر، قال : حدثنا عمرو وعلي، قالا : حدثنا حسين، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كتب أهل مصر بالسُّقيا- أو بذي خُشُب- إلى عثمان بكتاب ؛ فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه، فلم يرد عليه شيئاً، فأمر به فأخرج من الدار ؛ وكان أهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رؤوس أربعة، مع كل رجل منهم لواء، وكان جماع أمرهم جميعاً إلى عمرو بن بُدَيل بن ورقاء الخزاعي - وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى عبد الرحمن بن عديس التجيبي ؛ فكان فيما كتبوا إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ أما بعد، فاعلم أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ؛ فالله الله ! ثم الله الله ! فإنك في دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تلبِس نصيبك من الآخرة ؛ فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم أنّا والله لله نغضب، وفي الله نرضى، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة، أو ضلالة مجلّحة مُبْلجة ؛ فهذه مقالتنا لك، وقضيتنا إليك، والله عذيرنا منك. والسلام.
وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله.." (1)
الرواية الرابعة
أورد ابن شبة في تاريخ المدينة (2) :
__________
(1) المصدر السابق، ج2 / ص 663
(2) تاريخ المدينة المنورة، ج3/ص1112-1113 (1/86)
صفحة 87
" حدثنا محمد بن سنان (1) قال، حدثنا أبو عوانة (2) قال، قال حصين (3) : قلت لعمرو بن جاوان (4) : لِم اعتزل الأحنف؟ قال، قال الأحنف : انطلقنا حجاجاً فمررنا بالمدينة، فبينما نحن بمنزلنا إذ جاءنا آت فقال : إن الناس قد فزعوا إلى المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر وسط المسجد، فتخللتهم حتى قمت عليهم فإذا علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص قعود، فلم يك ذاك بأسرع أن جاء عثمان - رضي الله عنه - يمشي في المسجد عليه مُلَاءَةٌ له صفراء قد رفعها على رأسه، قال : فقلت لصاحبي : كما أنت حتى ننظر ما جاء به. فلما دنا منهم قالوا : هذا ابن عفان. قال : أهاهنا علي؟ قالوا : نعم. قال: أهاهنا الزبير؟ قالوا : نعم. قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا : نعم. قال : أهاهنا سعد؟ قالوا نعم. قال: أُنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له. قال فابتعته بعشرين - أو بخمسة وعشرين- ألفاً، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له : إني قد ابتعت مربد بني فلان. قال : اجعله في المسجد وأجره لك؟ قالوا : نعم، ولكنك بدلت.
__________
(1) محمد بن سنان الباهلي أبو بكر البصري العوقي ثقة ثبت من كبار العاشرة مات سنة مائتين وثلاث وعشرين ( تقريب التهذيب،ت: 5954 ج2/ص83)
(2) الوضاح بن عبد الله اليشكري مولى يزيد بن عطاء أبو عوانة الواسطي البزاز .. مشهور بكنيته ثقة ثبت من السابعة مات سنة مائة وخمس أو ست وسبعين( تقريب التهذيب،ت:7434، ج2/ص282)
(3) حصين بن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة تغير حفظه في الآخر من الخامسة مات سنة مائة وست وثلاثين وله ثلاث وتسعون ( تقريب التهذيب،ت:1375، ج1/ص222).
(4) عمرو بن جاوان التميمي البصري ويقال عمر مقبول من السادسة ( تقريب التهذيب،ت:5014، ج1/ص730) (1/87)
صفحة 88
قال : أُنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من يبتاع بئر رومة غفر الله له فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : إني قد ابتعت بئر رومة. فقال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك؟ قالوا : نعم، ولكنك بدلت. قال : أُنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال : من يجهز هؤلاء غفر الله له. فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً؟ قالوا : نعم، ولكنك بدلت. قال: اللهم اشهد - ثلاث مرات، ثلاث مرات - ثم انصرف."
الرواية الخامسة
نقل ابن شبة في تاريخ المدينة :
" حدثنا موسى قال، حدثنا جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، عن عمه : فجاءها [ يقصد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ] مروان فقال أرسلني أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ورحمة الله وقال : ردي عني الناس، فأعرضت عنه مرة أو مرتين، فقام وهو يتمثل ببيت شعر لم يحفظه أبو سلمة، فقالت : ارجع والله لوددت أنك وصاحبك الذي جئت من عنده في وعائنا وكيت عليكما ثم نبذتكما" (1)
الرواية السادسة
أورد ابن شبة في تاريخ المدينة:
" حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا عبد الوهاب بن عكرمة من بني قيس بن ثعلبة، عن أُمه (2) قالت : كنت عند عائشة رضي الله عنها فدخل عليها أبو البختري ابن درهم فقال : يا أم المؤمنين ما تقولين في عثمان؟ فقالت : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } " (3)
الرواية السابعة
قال ابن سعد
__________
(1) تاريخ المدينة المنورة، ج4/ص1171-1172
(2) في التاريخ الكبير جاء " أخبرتني جدتي كريمة بنت عمارة "
(3) تاريخ المدينة المنورة، ج4/ص1171. وانظر كذلك التاريخ الكبير، ت: 1830، ج6/ص99 (1/88)
صفحة 89
"أخبرنا يزيد بن هارون (1) قال: أخبرنا محمد بن عمرو (2) عن أبيه (3) عن علقمة بن وقاص (4) قال: قال عمرو بن العاص لعثمان وهو على المنبر: يا عثمان إنك قد ركبت بهذه الأمة نهابير (5) من الأمر فتب وليتوبوا معك، قال: فحوّل وجهه إلى القبلة فرفع يديه فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، ورفع الناس أيديهم" (6) .
الرواية الثامنة
وقال البلاذري :
__________
(1) يزيد بن هارون بن زاذان، السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة ، عابد مات سنة ست ومائتين (تقريب التهذيب، ت:7817، ج2/ص333)
(2) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، الليثي المدني، صدوق له أوهام، مات سنة خمس وأربعين ومائة ( تقريب التهذيب، ت:6208، ج2/ص119)
(3) عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، المدني، مقبول ( تقريب التهذيب، ت:5096، ج1/ص741)
(4) علقمة بن وقاص، الليثي، المدني، ثقة ثبت، من الثانية، أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ( تقريب التهذيب، ت:4701، ج1/ص687)
(5) النهابير: المهالك ( انظر لسان العرب، ج14/ص299) ، " وواحد النَّهابير نَهْبُور والنَّهابر مَقْصُورٌ مِنه وكأّن واحِده نَهْبَر هـ ومنه حديث عمرو بن العاص أنه قال لعثمان ركِبْتَ بهذه الأمة نَهابِير من الأمور فَرَكبوها منك ومِلْتَ بهم فَمَالوا بِكَ إعْدِل أو اعْتَزِل" (انظر النهاية في غريب الأثر، ج5/ص133)
(6) الطبقات الكبرى، ج 3/ ص51 (1/89)
صفحة 90
" حدثنا عفان بن مسلم الصفار (1) ، حدثنا حماد بن سلمة (2) ، أنبأنا كلثوم ابن جبر (3) ، عن أبي غادية قال: سمعت عماراً يقع في عثمان ... " (4) .
الرواية التاسعة
أورد الإمام الطبري في تاريخه:
__________
(1) عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصفار، البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه.. "( تقريب التهذيب، ت:4641، ج1/ص679)
(2) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد.. وتغير حفظه بآخره، مات سنة مائة وسبع وستين ( تقريب التهذيب، ت:1504، ج1/ص238)
(3) كلثوم بن جبر أبو محمد ويقال أبو جبر البصري روى عن .. أبي الغادية الجهني .. وعنه ابنه ربيعة .. قال أحمد وابن معين: ثقة وقال النسائي: ليس بالقوي وذكره بن حبان في الثقات وقال مات سنة ثلاثين ومائة ( تهذيب التهذيب، ت:5877،ج8/ص385)
(4) أنساب الأشراف، ج3/ص93 (1/90)
صفحة 91
" أحمد بن زهير، قال: حدثنا أبي أبو خيثمة، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال : سمعت أبي قال : سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري.. فلما تواقفوا خرج عليّ على فرسه، فدعا الزبير، فتواقفا، فقال علي للزبير : ما جاء بك؟ قال : أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلا، ولا أولى به منّا ؛ فقال علي : لستَ له أهلا بعد عثمان ! .. وعظّم عليه أشياء، فذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّ عليهما فقال لعلي : ( ما يقول ابن عمتك؟ ليقاتِلنك وهو لك ظالم ). فانصرف عنه الزبير، وقال : فإني لا أقاتلك. فرجع إلى ابنه عبد الله فقال : ماليِ في هذه الحرب بصيرة، فقال له ابنه : إنك قد خرجت على بصيرة، ولكنك رأيتَ رايات ابن أبي طالب، وعرفت أن تحتها الموت، فجبُنت. فأحفَظَه حتى أُرعد وغضب، وقال ويحك ! إني قد حلفت له ألا أقاتله، فقال له ابنه : كفِّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فأعتقه، وقام في الصف معهم، وكان علي قال للزبير أتطلب مني دمَ عثمان وأنت قتلتَه .. فقال علي لأصحابه : أيكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإذا قطعت يده أخذه بيده الأخرى، وإن قطعت أخذه بأسنانه؟ قال فتىً شابٌ : أنا .. فقال عليٌّ : اعرض عليهم هذا، وقل: هو بيننا وبينكم من أوله إلى آخره، والله في دمائنا ودمائكم. فحمل على الفتى وفي يده المصحف، فقطعت يداه، فأخذه بأسنانه حتى قتل، فقال علي : قد طاب لكم الضراب فقاتلوهم.. " (1)
__________
(1) تاريخ الطبري، ج3/ص40-41 (1/91)
صفحة 92
هذه الرواية -وإن كانت من مراسيل الزهري (1) - فهي أحسن حالاً من مجموع الروايات التي يتراقص حولها أذناب الكذابين الذين عششت في أدمغتهم خرافة "ابن سبأ " (2) . وعلى الذين يرضون بذكر تلك الفتن أن يأخذوا بالأسلم حالاً من الروايات، وإلا فمن الأفضل عدم الخوض في ذكر تلك الأحداث التي سلم الله منها أسنتنا.
الرواية العاشرة
أورد البلاذري:
__________
(1) ".. قال صاحب التنقيح: مراسيل الزهري ضعيفة، كان يحيى القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا ويقال هي بمنزلة الريح.." ( نصب الراية لأحاديث الهداية، ج3/ص422)
(2) انظر العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، الهامش 266، ص 159-160 (1/92)
صفحة 93
" حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي (1) ، حدثنا أبو النضر (2) ، حدثنا إسحاق بن سعيد (3) ، عن عمرو بن سعيد (4) ، حدثني سعيد بن عمرو (5) : عن ابن حاطب (6) قال: أقبلت مع علي يوم الجمل إلى الهودج وكأنه شوك قنفذ من النبل، فضرب الهودج، ثم قال: إن حميراء إرم هذه أرادت أن تقتلني كما قتلت عثمان بن عفان. فقال لها أخوها محمد: هل أصابك شيء ؟ فقالت: مشقص في عضدي. فأدخل رأسه ثم جرها إليه فأخرجه" (7) .
الرواية الحادية عشرة
أورد خليفة خياط في تاريخه:
" وحدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن الجارود بن أبي سبرة قال: نظر مروان بن الحكم إلى طلحة بن عبيد الله يوم الجمل فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرماه بسهم فقتله " (8)
الرواية الثانية عشرة
أورد خليفة خياط في تاريخه:
__________
(1) أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدورقي النكري ثقة حافظ، من العاشرة ( تقريب التهذيب، ت:3، ج1/ص29)
(2) هاشم بن القاسم بن مسلم، الليثي مولاهم، البغدادي، أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة ثبت، من التاسعة ( تقريب التهذيب، ت:7282، ج2/ص261)
(3) إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، السعيدي الكوفي، ثقة من السابعة ( تقريب التهذيب، ت: 356، ج1/ص81) و ( تهذيب التهذيب، ت:389، ج1/ص211-212)
(4) عمرو بن سعيد القرشي، أو الثقفي مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة من الخامسة ( تقريب التهذيب، ت:5051، ج1/ص735)
(5) سعيد بن عمرو بن سعيد بن أبي العاص الأموي، المدني، ثم الدمشقي، ثم الكوفي، ثقة، من صغار الثالثة ( تقريب التهذيب، ت: 2377، ج1/ص361)
(6) محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي، الكوفي، مختلف في كنيته، صحابي صغير، مات سنة أربع وسبعين ( تقريب التهذيب، ت:5818، ج2/ص65)
(7) أنساب الأشراف، ج3/ص46
(8) تاريخ خليفة خياط ص 135 (1/93)
صفحة 94
" قال [ أبو عبد الرحمن القرشي ] وحدثني جويرية بن أسماء عن يحيى بن سعيد عن عمه قال : رمى مروان طلحةَ بن عبيد الله بسهم، ثم التفت إلى أبان بن عثمان فقال : قد كفيناك بعض قتلة أبيك " (1)
الرواية الثالثة عشرة
ونقل البلاذري:
" حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي، حدثني أبو أسامة عن إسماعيل بن حكيم الأحمسي قال: قال طلحة يوم الجمل: إنا داهنّا في أمر عثمان فلا نجد اليوم شيئاً أفضل من بذل دمائنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى." (2)
الرواية الرابعة عشرة
نقل البلاذري:
" عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر (3) ، ثنا وكيع (4) عن إسماعيل بن أبي خالد (5) عن قيس بن أبي حازم (6) قال: قال مروان بن الحكم يوم الجمل: لا أطلب أحداً بثأري في عثمان بعد اليوم، فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته فكان الدم يسيل، فإذا أمسكوا ركبته انتفخت، فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله، اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى" (7)
الرواية الخامسة عشرة
نقل الحاكم:
__________
(1) المصدر السابق، ص139
(2) أنساب الأشراف، ج10/ص126
(3) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي ثقة حافظ صاحب تصانيف من العاشرة " ( تقريب التهذيب،ت:3586، ج1/ص528)
(4) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة ( تقريب التهذيب،ت:7441،ج2/ص283-284)
(5) إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي ثقة ثبت من الرابعة ( تقريب التهذيب،ت:439 ج1/ص93)
(6) قيس بن أبي حازم البجلي أبو عبد الله الكوفي ثقة من الثانية مخضرم ويقال له رؤية وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة مات بعد التسعين أو قبلها وقد جاوز المائة وتغير ( تقريب التهذيب،ت:5583، ج2/ص32)
(7) أنساب الأشراف، ج10/ص126 (1/94)
صفحة 95
"حدثنا علي بن حمشاذ العدل ثنا محمد بن غالب ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة بن عبيد الله يومئذ فوقع في ركبته فما زال يسبح إلى أن مات" (1)
نحن لسنا هنا في محضر تحقيق لأجل إثبات مَن قتل مَن، وكل غايتي من ذكر هذه الروايات هو إبطال خرافة "ابن سبأ" ولفت أنظار الكتاب الذين تستهويهم أقوال الكذابين إلى ما هو أحسن حالاً.
لهذا أقول لجميع أفراد هذه الأمة أنه لن تكون لنا يقظة إلا إذا أخذنا بما اتفق عليه ذلك الجيل الطاهر من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- من إخلاص في العقيدة وصدق في القول والعمل، ولن تكون لنا وحدة إلا إذا تركنا ما شجر بينهم وربينا أبناءنا على ما رباهم عليه الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه-.
القسم الثالث: تراجم لبعض من الذين سموا بـ"السبئيين"
إليك أخي القارئ الكريم هذه التراجم لبعض من أولئك الرجال الذين اشتهروا في كتب التاريخ المكذوبة بـ " السبئيين " والذين تحدثت عنهم الروايات التي نقلناها لك من تاريخ الطبري في القسم الأول من هذا الفصل.
1- الأشتر النخعي
" مالك بن الحارث.. المعروف بالأشتر.. له إدراك.. كان رئيس قومه.. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين.. وقد روى عن عمر وخالد بن الوليد وأبي ذر وعلي.." (2) ".. قال علي: رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله " (3)
__________
(1) المستدرك على الصحيحين، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا ، الرواية :5591، ج3/ص418
(2) الإصابة ، ت: 8335، ج 6 / ص 161 - 162
(3) الأعلام ج5 / ص 259 (1/95)
صفحة 96
وقد قال محب الدين الخطيب المحشي على كتاب " العواصم من القواصم" اعتماداً على روايات محمد بن عمر الواقدي ما نصه : ".. ومع افتراض أنه من رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرض من أغراضهم وقد ثبت أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة عند رحيل الثوار عنها مقتنعين بأجوبة عثمان وحججه. وفي مدة تخلف الأشتر وحكيم بن جبلة تم تدبير الكتاب وحامله للتذرع بهما في تجديد الفتنة ورد الثوار.. " (1)
2- ثابت بن قيس
" ثابت بن قيس بن الخطيم بن عدي.. الأنصاري الظفري ذكره ابن شاهين عن محمد بن إبراهيم عن محمد بن يزيد عن رجاله في الصحابة وقال أبو عمر هو مذكور في الصحابة استعمله سعيد بن العاصي على الكوفة لما طلبه عثمان لشكوى أهل الكوفة منه ولا أعلم له رواية.. وثابت بن قيس جرح يوم أحد اثنتي عشرة جراحة وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ حاسرا فكان يقول له يا حاسر أقبل يا حاسر أدبر وهو يضرب بسيفه بين يديه وشهد المشاهد بعدها واستعمله علي على المدائن فلم يزل عليها حتى قدم المغيرة عاملا على الكوفة لمعاوية فعزله ومات ثابت في أيام معاوية..
.. معاوية كان يكره ثابت بن قيس لما كان في حروبه مع علي." (2)
3- جندب بن زهير الغامدي
__________
(1) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، هامش 141 ص 119
(2) الإصابة في تمييز الصحابة، ت :898، ج1/ص202. وانظر أيضاً تاريخ بغداد ت : 15، ج1/ص175 (1/96)
صفحة 97
" جندب بن زهير بن الحارث بن كثير بن سبع بن مالك الأزدي الغامدي.. وله ذكر في ترجمة عمير بن الحارث الأزدي أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه منهم جندب بن زهير ومخنف بن سليم وعبد الله بن سليم وجندب بن كعب وغيرهم .. وروى ابن سعد بسند له أنه كان مع علي يوم الجمل وروى خليفة من طريق علي بن زيد عن الحسن أن جندب بن زهير كان مع علي بصفين وكذا ذكره المفضل الغلابي في تاريخه" (1)
4- جندب بن كعب الأزدي
"جندب بن كعب بن عبد الله بن جزء.. الأزدي الغامدي.. وهو جندب الخير وهو قاتل الساحر.. قال ابن حبان جندب بن كعب الأزدي له صحبة.. وروى البخاري في تاريخه من طريق خالد الحذاء عن أبي عثمان ... قال كان عند الوليد رجل يلعب فذبح إنسانا وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه فجاء جندب الأزدي فقتله. ومن طريق عاصم عن أبي عثمان قال قتله جندب بن كعب. وروى البيهقي في الدلائل من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود أن الوليد بن عقبة كان أميرا بالعراق وكان بين يديه ساحر يلعب فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيقوم خارجا فيرتد فيه رأسه فقال الناس سبحان الله يحيي الموتى ورآه رجل صالح من المهاجرين فنظر إليه فلما كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه وقال إن كان صادقا فليحي نفسه فأمر به الوليد فسجن وكان صاحب السجن يسمى دينارا وكان صالحا فأعجبه نحو الرجل فقال له انطلق لا يسألني الله عنك أبدا." (2)
5- حكيم بن جبلة العبدي
" حكيم بن جبلة.. العبدي.. قال أبو عمر: أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أعلم له رواية ولا خبراً يدل على سماعه منه ولا رؤيته له، وكان رجلاً صالحاً له دين، مطاعاً في قومه، وهو الذي بعثه عثمان على السند فنزلها،...
__________
(1) الإصابة في تمييز الصحابة، ت : 1214، ج1/ص259
(2) الإصابة في تمييز الصحابة، ت : 1224، ج1/ص261-262. وانظر أيضاً تهذيب الكمال، ت:975، ج5/ص141 (1/97)
صفحة 98
ثم إنه أقام بالبصرة، فلما قدم إليها الزبير وطلحة مع عائشة - رضي الله عنهم - وعليها عثمان بن حنيف أميراً لعلي - رضي الله عنه - ، بعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة في سبعمائة من عبد القيس وبكر بن وائل فلقي طلحة والزبير بالزابوقة قرب البصرة، فقاتلهم قتالاً شديداً فقتل.." (1)
هذا ما ذكر عنه في أسد الغابة. ومن طريق سيف بن عمر الكذاب أورد الطبري ما نصه : ".. كان حكيم بن جبلة رجلاً لصاً، وإذا قفلت الجيوش خنس عنهم فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع " (2) . وعن نفس المصدر ذكر الطبري أيضاً : ".. فكان الزبير يقول: جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت واللَّجّ على عنقي" (3) ، وجاء أيضاً : " وغدا حكيم بن جبلة وهو يبربر وفي يده الرمح، فقال له رجل من عبدالقيس : مَن هذا الذي تسب وتقول له ما أسمع؟ قال : عائشة، قال : يا ابن الخبيثة ألأم المؤمنين تقول هذا؟ ! فوضع حكيم السنان بين ثدييه فقتله. ثم مر بامرأة وهو يسبها - يعني عائشة - فقالت : من هذا الذي ألجأك إلى هذا؟ قال عائشة، قالت: يا ابن الخبيثة، ألأم المؤمنين تقول هذا ! فطعنها بين ثدييها فقتلها،ثم سار.." (4)
ما أظن أحداً ممن عنده مثقال ذرة من عقل يجرؤ على تصديق أقوال هؤلاء الكذابين الذين جعلوا من أحداث تلك الفتنة طريقاً إلى الإساءة إلى عباد الله الصالحين.
6- حمران بن أبان
__________
(1) أسد الغابة، ت : 1233، ج 2 / ص 44. وكذلك أنظر الإصابة، ت : 2100، ج2 / ص80
(2) تاريخ الطبري، ج 2 / ص 639
(3) المصدر السابق، ج2 / ص701
(4) المصدر السابق، ج3 / ص16 (1/98)
صفحة 99
" قال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين : حمران من تابعي أهل المدينة ومحدثيهم.. وقال [ ابن عبد البر] : وكان حمران أحد العلماء الجلة أهل الوجاهة والرأي والشرف.." (1) . وقال السيوطي ".. أدرك أبا بكر وروى عن مولاه ومعاوية وعنه أبو وائل وعروة والحسن وزيد بن أسلم وغيرهم. ذكره ابن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم ووثقه ابن حبان. وكان يصلي خلف عثمان ويفتح عليه وكان صاحب إذنه وكاتبه قدم البصرة فكتب عنه أهلها " (2)
وقد أورد ابن كثير في البداية والنهاية (3) بأن حمران بن أبان وثب في سنة 41 هـ على البصرة فأخذها وتغلب عليها، فبعث معاوية جيشاً ليقتلوه ومن معه..
وقال محب الدين الخطيب: " .. أزيدك علماً بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج من مدينة الرسول امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة، فجاء الكوفة يعبث فيها فساداً، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة ... . وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارئ يحكم به عليهم بما يشاء، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع ... " (4)
__________
(1) تهذيب التهذيب، ت : 1588، ج 3 / ص 21 -22
(2) اسعاف المبطأ برجال الموطأ، ت:36، ص8
(3) البداية والنهاية، م 4 ج 8 / ص 23
(4) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، هامش ص 108 (1/99)
صفحة 100
وهكذا نرى محب الدين الخطيب يرمي أحد الثقات المعتمد على رواياتهم بالكذب والفساد في الأرض، في وقت يُعدل فيه سيف بن عمر -صاحب هذه الحكايات (1) التي نقلها عنه- على رغم حكم علماء الجرح والتعديل عليه بالكذب والوضع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وإنه لمن المفيد للقارئ أن يعلم أن حمران بن أبان -الذي كذبه محب الدين الخطيب واتهمه بالإفساد في الأرض - قد أخرج له الإمام البخاري في صحيحه (2) والإمام مسلم في صحيحه (3) والإمام أحمد في مسنده (4) وغيرهم من أئمة الحديث.
7-زيد بن صوحان العبدي
" زيد بن صوحان بن حجر.. العبدي.. وهو أخو صعصعة وسيحان ابني صوحان. أسلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وكان قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه.. كان فاضلاً ديناً خيراً، سيداً في قومه هو وإخوته. وكان معه راية عبد القيس يوم الجمل" (5)
__________
(1) انظر تاريخ الطبري، ج2/ص639، حيث جاءت حكاية حمران بن أبان مع عامر بن عبد قيس بسند ساقط: " كتب إليّ السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة قالا:.."
(2) انظر فتح الباري، الرواية: 159، ج1/ص348 والرواية: 164، ج1/ص357 والرواية:587، ج2/ص256 والرواية:1934،ج4/ص662 والرواية:3766، ج7/ص475 والرواية:6433،ج13/ص28-29
(3) انظر المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج-، الرواية:135،م 1ج2/ص165، والروايات:537-539 و541 و543و545 -548 ،م2ج3/ص100-111، والرواية: 577، م2ج3/ص127
(4) انظر مسند الإمام أحمد، الروايات: 377، 383، 391، 393، 395، 397، 403، 413، 419، 429، 434، 443، 446، 448، 452، 453، 458، 462، 467، 472، 485، 522، 16303، 16307
(5) أسد الغابة، ت : 1848، ج 2 / ص 291 (1/100)
صفحة 101
".. ومن طريق حسين بن رماحس عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي قال : سمعت علياً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سره أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان.. وذكر البلاذري أن عثمان كان سيره فيمن سير من أهل الكوفة إلى الشام فجرى بينهم وبين معاوية كلام فقال له زيد بن صوحان إن كنا ظالمين فنحن نتوب وإن كنا مظلومين فنحن نسأل الله العافية فقال له معاوية : يا زيد إنك امرؤ صدق وأذن له بالرجوع إلى الكوفة" (1)
__________
(1) الإصابة في تمييز الصحابة، ت : 2991، ج 3 / ص 45 - 46 . وكذلك أنظر " الأعلام" ج3 / ص 59 و"الطبقات الكبرى "، ت : 2012، ج6 / ص 176. وتاريخ بغداد، ت :4549، ج8/ص439. (1/101)
صفحة 102
وقال ابن حجر في "تعجيل المنفعة" ما نصه : " زيد بن صوحان بن حجر بن الحارث العبدي عن عمر وعلي وغيرهما وعنه أبو وائل والعيزار بن حريث وجماعة قال ابن سعد كان قليل الحديث وقال يعلى بن عبيد عن الأجلح قطعت يد زيد يوم جلولاء ثم قتل يوم الجمل. قلت[ ابن حجر]: هو مذكور في الصحابة وهو أخو صعصعة بن صوحان وأبوه.. أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقال إن له وفادة عليه وكان يكنى أبا عائشة فمن شدة حبه لسلمان الفارسي اكتنى أبا سلمان قال الخطيب نزل الكوفة وروى عن عمر وعلي وغيرهما روى عنه أبو وائل وجماعة وفي مسند أبي يعلى من طريق الهذيل بن بلال عن ابن مسعود رفعه من سره أن ينظر إلى رجل سبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان قال أبو يعلى قطعت يده في جهاد المشركين ثم شهد الجمل مع علي بن أبي طالب فقتل يوم الجمل وأخرجه بن مندة من حديث علي مثله وفي تاريخ أبي العباس السراج من طريق جرير عن أبي فروة أو غيره بلغني انهم كانوا في مسير مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل يسوق بهم فقال زيد وما زيد جندب وما جندب رجلين من أمتي أحدهما يسبقه بعض جسده إلى الجنة والآخر يفرق بين الحق والباطل وفضائل زيد كثيرة وقتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين " (1)
8- صعصعة بن صوحان
" صعصعة بن صوحان بن حُجر بن الحارث بن هجرس العبدي، أبو عمرو، ويقال : أبو طلحة، وأبو عكرمة الكوفي أخو زيد. روى عن عثمان، وعلي ، وابن عباس، وشهد مع علي صفين، وكان أميراً على بعض الصف.. وقال ابن سعد : كان ثقة، قليل الحديث، توفي بالكوفة في خلافة معاوية. وذكره ابن حبان في " الثقات ".. وذكره ابن عبد البر في "الصحابة " وقال كان مسلماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يره، وكان فصيحاً خطيباً ديناً " (2) .
__________
(1) تعجيل المنفعة، ت : 347، ج1/ص142
(2) تهذيب التهذيب، ت : 3023، ج 4 / ص 386 - 387 (1/102)
صفحة 103
".. وكان سيداً من سادات قومه عبد القيس، وكان خطيباً فصيحاً، لسناً ديناً فاضلاً، يعد في أصحاب علي - رضي الله عنه - وشهد معه حروبه. وصعصعة هو القائل لعمر بن الخطاب، حين قسم المال الذي بعثه إليه أبو موسى، وكان ألف ألف درهم، وفضلت فضلة فاختلفوا أين يضعها؟ فخطب عمر الناس، وقال : أيها الناس، قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس. فقام صعصعة بن صوحان، وهو غلام شاب، وقال : يا أمير المؤمنين، إنما تشاور الناس فيما لم ينزل فيه القرآن، فأما ما نزل به قرآن فضعه مواضعه التي وضعه الله، عز وجل، فيها. فقال : صدقت، أنت مني وأنا منك. فقسمه بين المسلمين. وهو ممن سيره عثمان إلى الشام، وتوفي أيام معاوية، وكان ثقة قليل الحديث." (1)
9- عبد الرحمن بن عديس البلوي
" عبد الرحمن بن عديس.. له صحبة، وشهد بيعة الرضوان، وبايع فيها وكان أمير الجيش القادمين من مصر لحصر عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لما قتلوه. روى عنه جماعة من التابعين بمصر.. فلما كانت الفتنة كان ابن عديس ممن أخذه معاوية في الرهن فسجنهم بفلسطين، فهربوا من السجن، فاتبعوا حتى أُدركوا، فأدرك فارس منهم ابن عديس، فقال له ابن عديس : ويحك ! اتق الله في دمي، فإني من أصحاب الشجرة! فقال : الشجر بالخليل كثير. فقتله سنة ست وثلاثين." (2)
فصحبة عبد الرحمن للرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع أن ينفيها أحد (3) ،
__________
(1) أسد الغابة، ت : 2503، ج 3 / ص 21. وكذلك أنظر " الأعلام " ج 3 / ص 205
(2) أسد الغابة، ت : 3352، ج 3 / ص 474. وكذلك انظر " الإصابة "، ت : 5155، م2 ج4 / ص 171 -172. وكذلك انظر " الأعلام "، ج3 / ص 316. وأيضاً انظر " الطبقات الكبرى "، ت : 4036، ج7 / ص 352
(3) جاء في دلائل النبوة للبيهقي ما نصه : " قلت [ البيهقي ] : وبلغني عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: عبد الرحمن البلوي هو رأس الفتنة لا يحل أن يُحدث عنه بشئ " ( دلائل النبوة، ج6/ص395 ).
إذا كان لا يحل أن يحدث عن هذا الصحابي الجليل، فعن من نحدث إذاً؟ أنحدث عن سيف بن عمر الساقط أم عن محمد بن عمر الواقدي الكذاب؟!! (1/103)
صفحة 104
وأما كونه من السبئيين وأحد أعلاج مصر (1) فهذا قول باطل فاسد لا يجوز رمي أولئك الرجال العظام به.
10- عدي بن حاتم
" عدي بن حاتم بن عبد الله.. الطائي.. أسلم في سنة تسع وقيل سنة عشر وكان نصرانياً قبل ذلك وثبت على إسلامه في الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر وشهد فتوح العراق ثم سكن الكوفة وشهد صفين مع علي.. وقال الشعبي عن عدي أتيت عمر في أناس من قومي فجعل يفرض للرجل ويُعرض عني فاستقبلته فقلت: أتعرفني قال نعم آمنت إذ كفروا وعرفت إذ أنكروا ووفيت إذ غدروا وأقبلت إذ أدبروا، إن أول صدقة بيضت وجوه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة طي. أخرجه أحمد وأبن سعد.." (2)
11- عروة بن الجعد
" عروة بن الجعد ويقال ابن أبي الجعد وصوب الثاني ابن المديني.. مشهور وله أحاديث وهو الذي أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - ليشتري الشاة بدينار فاشترى به شاتين، والحديث مشهور في البخاري وغيره وكان فيمن حضر فتوح الشام ونزلها ثم سيره عثمان إلى الكوفة وحديثه عند أهلها، وقال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة بن الجعد ستين فرسا مربوطة " (3)
".. روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر وسعد بن أبي وقاص، وعنه شبيب ابن غرقدة والشعبي.. قال ابن البرقي جاء عنه ثلاثة أحاديث، وقال غيره: استعمله عمر على قضاء الكوفة وضم إليه سليمانَ بن ربيعة قبل شريح، وقال الشعبي: أول من قضي على الكوفة عروة بن الجعد البارقي" (4) .
12- علباء بن الهيثم
__________
(1) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص 142
(2) الإصابة، ت : 5467، ج 4 / ص 228 - 229
(3) الإصابة في تمييز الصحابة، ت : 5510، ج4/ص236-237
(4) تهذيب التهذيب، ت : 4721، ج7/ص157. وكذلك تهذيب الكمال، ت :3902، ج20/ص5 (1/104)
صفحة 105
" علباء بن الهيثم بن جرير، أبوه من الرؤساء الذين حاربوا كسرى في وقعة ذي قار.. وأدرك علباء الجاهلية والإسلام وشهد الفتوح في عهد عمر ثم شهد الجمل فاستشهد بها.." (1)
13- عمار بن ياسر
" عمار بن ياسر بن عامر.. العبسي أبو اليقظان.. كان من السابقين الأولين هو وأبوه وكانوا ممن يُعَذب في الله فكان - صلى الله عليه وآله وسلم - يمر عليهم فيقول: (صبراً آل ياسر موعدكم الجنة) واختلف في هجرته إلى الحبشة وهاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها ثم استعمله عمر على الكوفة..
" وعن علي قال: استأذن عمار على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: (ائذنوا له مرحباً بالطيِّب المطيَّب). وفي رواية أن علياً قال ذلك وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: (إن عماراً ملئ إيمانا إلى مشاشه..)
" فقال [ صلى الله عليه وآله وسلم ] من عادى عماراً عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله...
" وتواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن عماراً تقتله الفئة الباغية وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفين.. " (2)
__________
(1) الإصابة، ت : 6443، ج 5 / ص 111
(2) المرجع السابق، ت : 5699، ج4 / ص 273 (1/105)
صفحة 106
".. ثم إنه بعد ذلك صحب علياً، رضي الله عنهما، وشهد معه الجمل وصفين، فأبلى فيهما ما قال أبو عبد الرحمن السلمي : شهدنا صفين مع علي، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبعونه، كأنه علم لهم . قال : وسمعته يؤمئذ يقول لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص : يا هاشم، تفر من الجنة ! الجنة تحت البارقة، اليوم ألقى الأحبة، محمداً وحزبه، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على حق، وأنهم على الباطل.. وروى عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفاً. وشهد صفين ولم يقاتل، وقال : لا أقاتل حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( تقتله الفئة الباغية ) فلما قتل عمار قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة ثم تقدم فقاتل حتى قتل " (1)
بعد هذا العرض المختصر لسيرة الصحابي الجليل عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- إليك أيها القارئ الكريم أقوال من تأثر بمرويات الكذابين والوضاعين من أمثال سيف بن عمر التميمي:
- يقول محب الدين الخطيب: " ولما نظم السبأيون حركة الإشاعات، وصاروا يرسلون الكتب من كل مصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالاً ممن يثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال، تناسى عثمان ما كان من عمار وأرسله إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها، فأبطأ عمار في مصر، والتف به السبأيون ليستميلوه إليهم.." (2)
وقال محب الدين الخطيب أيضاً : ".. ولما أرسل عماراً إلى مصر ليكشف له أمر الإشاعات وحقيقة الحال، استماله السبئيون.. " (3)
14- عمرو بن الحمق الخزاعي
__________
(1) أسد الغابة، ت : 3798، ج 4 / ص 134 - 135
(2) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، هامش 73 ص 78
(3) المرجع السابق، هامش 150 ص122 (1/106)
صفحة 107
"عمرو بن الحمق بن الكاهن... الخزاعي له صحبة سكن الكوفة ثم انتقل إلى مصر، بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وصحبه بعد ذلك، وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده وقتل بالحرة، قتله عبد الرحمن بن أم الحكم، وقيل بل قتله عبد الرحمن بن عثمان الثقفي عم عبد الرحمن بن أم الحكم سنة خمسين قبل الحرة، وقال خليفة بن خياط: قتل بالموصل سنة إحدى وخمسين قتله عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وبعث برأسه إلى معاوية، وقال غيره كان أحد من ألب على عثمان بن عفان وقال هنيدة بن خالد الخزاعي أول رأس أهدي في الإسلام رأس عمرو بن الحمق أهدي إلى معاوية، وقيل إن حية لدغته فمات فقطعوا رأسه فأهدوه إلى معاوية. روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. سقى النبي - صلى الله عليه وسلم - لبنا فقال اللهم أمتعه بشبابه فمرت به ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء روى له النسائي وابن ماجة حديثا واحدا." (1)
15- كميل بن زياد
" كميل بن زياد بن نهيك ويقال ابن عبد الله النخعي التابعي الشهير.. له إدراك" (2)
".. روى عن عمر وعلي وعثمان وابن مسعود وأبي مسعود وأبي هريرة.. قال ابن سعد : شهد مع علي صفين وكان شريفاً مطاعاً في قومه قتله الحجاج وكان ثقة قليل الحديث وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين : ثقة. وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة.. " (3)
وأورد ابن كثير (4) في " البداية والنهاية " أن كميلاً كان في جيش ابن الأشعث حينما حارب الجيش الأموي بقيادة الحجاج.
__________
(1) تهذيب الكمال، ت : 4353 ، ج21/ص596
(2) الإصابة، ت : 7495، ج 5 / ص 325
(3) تهذيب التهذيب، ت : 5890، ج 8 / ص 390
(4) البداية والنهاية، م5 ج 9 / ص 44 (1/107)
صفحة 108
وقال ابن كثير في ترجمته لكميل : " كميل بن زياد.. كان شجاعاً فاتكاً، وزاهداً عابداً، قتله الحجاج في هذه السنة، وقد عاش مائة سنة، قتله صبراً بين يديه، وإنما نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه. فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه، فقال له الحجاج : أوَ مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص؟ ثم أمر فضربت عنقه، قالوا: وذكر الحجاج علياً في غبون ذلك فنال منه وصلى عليه كميل. فقال له الحجاج : والله لأبعثن إليك من يبغض علياً أكثر مما تحبه أنت..
وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله ( القلوب أوعية فخيرها أوعاها ).. " (1)
16- محمد بن أبي بكر الصديق
" محمد بن عبد الله ( أبي بكر ) بن عثمان بن عامر التيمي القرشي : أمير مصر وابن الخليفة الأول أبي بكر الصديق. كان يدعى " عابد قريش ".. وشهد مع علي وقعتي الجمل وصفين. وولاه علي إمارة مصر، بعد موت الأشتر فدخلها سنة 37هـ. ولما اتفق علي ومعاوية على تحكيم الحكمين فات علياً أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر. وانصرف علي يريد العراق، فبعث معاوية عمرو بن العاص بجيش من أهل الشام إلى مصر، فدخلها حرباً بعد معارك شديدة، واختفى ابن أبي بكر، فعرف معاوية بن حديج مكانه فقبض عليه وقتله وأحرقه، لمشاركته في مقتل عثمان بن عفان، وقيل لم يحرق.." (2)
وقال صاحب "الاستيعاب" : ".. وكان على الرجالة يوم الجمل وشهد معه صفين ثم ولاَّه مصر فقتل بها.. وكان علي ابن أبي طالب يثني على محمد بن أبي بكر ويفضله؛ لأنه كانت له عبادة واجتهاد، وكان ممن حضر قتل عثمان.. " (3)
__________
(1) المرجع السابق، م 5 ج 9 / ص 50
(2) الأعلام ج 6 / ص 219-220. وكذلك انظر تهذيب التهذيب، ت: 6008، ج 9 / ص 67
(3) الاستيعاب، ت: 2348، ج 3 / 422 (1/108)
صفحة 109
وقال صاحب " أسد الغابة " : ".. وكان ممن حصر عثمان بن عفان ودخل عليه ليقتله، فقال له عثمان : لو رآك أبوك لساءَه فعلك ! فتركه وخرج. ولما ولي مصر سار إليه عمرو بن العاص فاقتتلوا، فانهزم محمد ودخل خربة، فأخرج منها وقتل، وأحرق في جوف حمار ميت. قيل : قتله معاوية بن حديج السكوني. وقيل قتله عمرو بن العاص صبراً. ولما بلغ عائشة قتله اشتد عليها وقالت: كنت أعده ولداً وأخاً، ومذ أحرق لم تأكل عائشة لحماً مشوياً. وكان له فضل وعبادة، وكان عليّ يثني عليه.. " (1)
ويأتي دور الكذابين وأذنابهم في الطعن في شخصية محمد بن أبي بكر وما ذلك إلا لأنه وقف أمام الجيوش الأموية بكل بسالة وإقدام ؛ فقد أورد الطبري عن طريق سيف بن عمر الكذاب ما نصه : ".. سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر : ما دعاه إلى ركوب عثمان؟ فقال : الغضب والطمع، قلت : ما الغضب والطمع؟ فقال : كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، وغره أقوام فطمع. وكانت له دالة فلزمه حق، فأخذه عثمان من ظهره ولم يدهن، فاجتمع هذا إلى هذا، فصار مذمماً بعد أن كان محمداً." (2)
وجاء أيضاً : ".. وأما محمد بن أبي بكر فإنه أُعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه.." (3)
17- محمد بن أبي حذيفة
".. محمد بن أبي حذيفة.. العبسي.. يكنى أبا القاسم.. من الصحابة واستشهد أبوه أبو حذيفة باليمامة فضم عثمان محمداً هذا إليه ورباه.. " (4)
18- يزيد بن قيس
__________
(1) أسد الغابة، ت : 4744، ج5 / ص 102 -103
(2) تاريخ الطبري، ج 2 / ص 681
(3) المصدر السابق، ج2 / ص650
(4) الإصابة، ت: 7761، ج6 / ص 53 (1/109)
صفحة 110
" يزيد بن قيس بن تمام.. الهمداني ثم الأرحبي.. له إدراك وكان رئيساً كبيراً فيهم، قال مجالد بن سعيد: لما سار سعيد بن العاص حين كان أمير الكوفة لعثمان فثار عليه أهل الكوفة فتوجه إلى عثمان فاجتمع قراء الكوفة فأمروا عليهم يزيد بن قيس هذا ثم كان مع علي في حروبه وولاه شرطته ثم ولاه بعد ذلك أصبهان والري وهمذان وإياه عنى القائل بعد ذلك يخاطب معاوية من أبيات :
معاوي إن لا تسرع السير نحونا فبايع علياً أو يزيد اليمانيا " (1)
بعد مطالعتنا لتراجم بعض من أولئك الرجال الذين عُرفوا في كتب التاريخ المكذوبة بـ "السبئيين " وجدنا أن منهم الصحابة الذين بايعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة ومنهم الصالحون والثقات الذين لا تحوم حول عدالتهم الشكوك. ولكن حينما تكون أقوال الكذابين هي المرجع، فإن الأقلام لن تقصر عن وصفهم بكل رذيلة وقذفهم بكل سيئة.
فقد قال محب الدين الخطيب : " الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب : فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين.. وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش.. وفيهم الموتورون في حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، فأضطغنوا في قلوبهم الأحنة والغل لأجلها. وفيهم الحمقى الذين استغل السبأيون ضعف عقولهم فدفعوهم إلى الفتنة والفساد والعقائد الضالة.. وفيهم من أصابه من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام.." (2)
__________
(1) المرجع السابق، ت : 9409 ، ج 6 / 360
(2) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، هامش 52 ص 73 (1/110)
صفحة 111
وقال أيضاً : " أما الذين استطاع عبد الله بن سبأ وتلاميذه أن يوقعوهم في حبائل الفتنة فبينهم وبين مستوى أهل الشورى أبعد مما بين الحضيض والقمة، بل أبعد مما بين الشر والخير. إن الشر الذي أقحموه على تاريخ الإسلام بحماقاتهم وقصر أنظارهم لو لم يكن من نتائجه إلا وقوف حركة الجهاد الإسلامي فيما وراء حدود الإسلام سنين طويلة لكفى به إثماً وجناية " (1)
وقد وصف الدكتور أحمد جلي بعضاً من أولئك الأطهار بـ " فساد المعتقد وقلة الدين وإيثار العاجلة على الآجلة " (2) وبـ " طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن " (3)
وقال محمد مهدي الإستنبولي : "..كيف أن الأمة الإسلامية ذهبت ضحية لشرذمة من الطغام الخارجين على أعدل عصور الإسلام وأسعدها منذ كذبوا، ثم كذبوا، حتى انخدع الناس بأكاذيبهم.. " (4)
فأقول لهؤلاء الكتاب وغيرهم من أذناب الكذابين ماذا أبقيتم لخير جيل مشى على هذه الأرض بعد أن وصفتموهم بقلة الدين وفساد المعتقد؟. وماذا أبقيتم لصحابة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بعد أن وسمتموهم بشرذمة من الطغام الخارجين الجهلة وسفهاء الأحلام؟.
فأي ضمير يجرؤ على وصف عمار بن ياسر وعدي بن حاتم وعبد الرحمن بن عديس وجندب بن زهير –رضي الله عنهم – بهذه الأوصاف التي طهرهم الله منها؟. فويل لكم أيها الأذناب من يوم شديد عصيب تقفون فيه أمام الجبار لينتقم منكم لأولئك المتقين الأبرار.
__________
(1) المرجع السابق، هامش 51 ص 72 - 73
(2) دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين، ص 43. وانظر نحو هذا القول في العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص121
(3) دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين، ص 45
(4) العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، تعليق : 502، هامش ص268 (1/111)
صفحة 112
من الروايات التي نقلناها في القسم الأول نجد أسماء بعض الصحابة من الذين وصفوا بـ"السبئيين"، ولكن عند دراسة تراجمهم في القسم الثالث لم نجد لبعضهم أي دور في أحداث فتنة يوم الدار. فلماذا يُلقي الكذابون بمن لم يشارك في أحداث يوم الدار في صفوف من يدعون أنهم استهواهم عبد الله بن سبأ اليهودي!؟.
ومن الروايات التي ذكرناها في القسم الثاني نجد أسماء بعض الصحابة ممن كان لهم دور ضد سياسة الإمام عثمان، بل إننا وجدنا روايات تنسب قتل الإمام عثمان إلى أحدهم، ومع هذا لم نجد لهؤلاء أي ذكر في قائمة أسماء من سموا "سبئيين". فلماذا لا يلقى بهؤلاء في صفوف السبئيين؟. ولماذا لا يصفهم الكذابون وأذنابهم بتلك الأوصاف التي وصفوا بها الآخرين من الصحابة -رضي الله عنهم- ممن قدر الله لهم دوراً في تلك الفتنة؟
والجواب على هذه الأسئلة واضح بين لمن درس سيرة أولئك الرجال. والباحث يدرك من الروايات والتراجم أن خرافة " ابن سبأ اليهودي" ليس لها علاقة بقتل الإمام عثمان، بل هي من الأكاذيب والافتراءات التي قصد منها النيل من أولئك الرجال الذين وقفوا أمام سياسة بني أمية وجيوشهم. وأما الذين سجل لهم التاريخ مواقف ضد الإمام عثمان ولم يسجل لهم مواقف ضد سياسة معاوية وجنود بني أمية فليس هذا من مبرر عند الكذابين للنيل منهم وحشرهم في صفوف من استهواهم ابن سبأ!!.
والذي يؤيد هذا القول هو موقف الكذابين من الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري الذي اختلف مع معاوية بن أبي سفيان في تفسير آية كريمة.
فقد قال الإمام البخاري (1) :
__________
(1) فتح الباري، الرواية:1406، ج4/ص16. وأيضاً الرواية: 4660، ج9/ص218 حيث جاءت بسند آخر: " حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن حصين عن زيد بن وهب قال مررت على أبي ذر بالربذة.."، وانظر كذلك سنن النسائي الكبرى، الرواية: 11218، ج6/ص354-355 (1/112)
صفحة 113
" حدثنا علي سمع هشيما أخبرنا حصين عن زيد بن وهب قال مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر رضي الله تعالى عنه فقلت له ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } . قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني فكتب إلي عثمان أن اقدم المدينة فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذاك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت"
هذه الرواية ليس فيها ذكر لابن سبأ لأن سندها ليس فيه كذاب ولا وضاع. ولكن حينما يروي نفس الحادثة كذاب فإن شخصية الصحابي الجليل أبي ذر - رضي الله عنه - تصبح أُلعوبة (1) في يد ابن سبأ اليهودي. فقد أخرج الإمام الطبري من طريق سيف بن عمر التميمي الكذاب ما نصه: " (2) لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر، فقال: يا أبا ذر، ألا تعجب إلى معاوية، يقول: المال مال الله! ألا إن كل شيء لله كأنه يريد أن يحتجمه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر، فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله! قال: يرحمك الله يا أبا ذر؛ ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره! قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول: إنه ليس لله ولكن سأقول: مال المسلمين.
__________
(1) قال الدكتور عبد العزيز صالح الهلابي عند دراسته وتحليلاته لروايات سيف بن عمر الكذاب :" وأبو ذر الصحابي الجليل ليس -عند سيف- إلا إمعة يغرر به يهودي حاقد على الإسلام، يملي عليه أفكاره ... ". (انظر عبد الله بن سبأ دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة، ص18)
(2) تاريخ الطبري، ج2/ص615 حيث جاءت بهذا السند: " ... كتب إلي بها السري، يذكر أن شعيباً حدثه عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال:.." (1/113)
صفحة 114
قال: وأتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له: من أنت؟ أظنك والله يهودياً! فأتى عبادة بن الصامت فتعلّق به، فأتى به معاوية، فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر؛ وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء. بُشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. فما زال حتى ولِع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس.."
من رواية الإمام البخاري والنسائي ورواية الإمام الطبري لحادثة واحدة ندرك أن قصة ابن سبأ من صنع الكذابين وافتراءات الدجالين. فأبو ذر الغفاري -الذي توفي قبل مقتل الإمام عثمان بثلاث سنوات (1) - لاحقه الكذابون وألقوا به في صفوف السبئيين وما ذلك إلا لأنه وقف أمام سياسة معاوية المالية.
فإذا كان هذا قول الكذابين في أبي ذر لأجل أنه اختلف مع معاوية في تفسير آية واحدة، فما بالك أيها القارئ الكريم في أقوال وأحكام الكذابين وأذنابهم فيمن قارع جنود بني أمية في ساحات الوغى وميادين النزال؟.
__________
(1) توفي أبو ذر الغفاري عام 32 هـ ( انظر تهذيب التهذيب، ت:8423، ج12/ص81) وكان مقتل الإمام عثمان كما هو معلوم عام 35 هـ. (1/114)
صفحة 115
لم يقف الكذابون وأذنابهم عند حدود القرن الأول في ذكرهم لتلك الفتنة بل تواصوا بحمل راية العداء لكل من ذكر فساد بني أمية وطغيانهم. وفي هذا العصر نجد كتاباً تحدثوا عن فتنة يوم الدار واتخذوا من وقائعها سلماً للوصول إلى النيل ممن انتقد دولة بني أمية. فها هو أحد الأذناب يؤسس مقدمة في بداية كتابه حيث قال: " .. لا نشك في أن الإباضية وكل فرق الخوارج –على كثرتها- هم في الأصل جماعة واحدة، أعلنوا الثورة على عثمان بن عفان وتبرءوا منه، ثم استباحوا دمه.." (1) ، وأنشأ على هذه المقدمة سؤالاً في موضع آخر من بحثه حيث قال: " فلماذا إذاً استباح أسلاف الإباضية دمه الحرام وقتلوه في شهر حرام ببلد حرام؟ مع أنه كان أميراً للمؤمنين وله حق الاجتهاد أكثر من سواه فضلاً عن حقه في أن يصان بحرمة لا إله إلا الله" (2)
بعد عرضنا للأقسام الماضية ندرك أن الدكتور عليان -الأستاذ في التاريخ الإسلامي!!- لا يعرف من التاريخ إلا الأباطيل والحكايات الزائفة، فلو التزم هذا الدكتور بمنهج الإسلام لعرف أن السؤال الذي سأله أسلاف الإباضية إنما هو في حقيقته موجه إلى أم المؤمنين عائشة وعمار بن ياسر وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عديس البلوي وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
خاتمة الفصل الثالث
في نهاية هذا الفصل أود أن ألخص ما نقلته وقلته في النقاط الآتية:
1) إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم قدوة أجيال المسلمين المتلاحقة إلى يوم الدين في الأمور التي جاء بها الدين الحنيف وحث عليها. وأما ذكر ما شجر بينهم فليس من الدين في شيء.
2) والروايات التي اعتمد عليها الكتاب في إثبات شخصية ابن سبأ ودوره في أحداث فتنة يوم الدار روايات واهية ضعيفة وليس فيها متعلق لأحد. والذين يقولون بعكس هذا القول عليهم أن يثبتوا أقوالهم وأحكامهم بالأدلة القاطعة والمستندة على روايات صحيحة.
__________
(1) نشأة الحركة الإباضية في البصرة، ص10
(2) المرجع السابق، ص 223 (1/115)
صفحة 116
3) والسبب في تسمية بعض الصحابة بـ " السبئيين " هو الوقوف أمام سياسة بني أمية وليس بسبب معارضة الإمام عثمان.
4) إن الروايات التي نسبت أحداث الفتنة إلى الصحابة أنفسهم أرقى وأحسن حالاً من الروايات التي نسبت إثارة الفتنة إلى أسطورة ابن سبأ.
قال الدكتور عبد العزيز صالح الهلابي في خاتمة بحثه عن عبد الله بن سبأ:
"والذي نخلص إليه في بحثنا هذا أن ( ابن سبأ) شخصية وهمية لم يكن لها وجود، فإن وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكد أنه لم يقم بالدور الذي أسنده إليه سيف وأصحاب كتب الفرق، لا من الناحية السياسية ولا من ناحية العقيدة" (1) .
الفصل الرابع
أين تقع الدقة والتثبت في كتابات أصحاب المقالات؟
المتتبع لما كتب في العصور الماضية والحاضرة عن الفرق الإسلامية يجد أن المصادر الأصلية لمادة تلك الكتب هي مؤلفات الأشعري والبغدادي وابن حزم الظاهري والشهرستاني وأمثالهم ممن عاش في القرنين الرابع والخامس الهجريين.
والذين كتبوا عن المذهب الإباضي خاصة اعتمدوا على تلك المؤلفات، وأخذوا منها كل ما ذكر من دون أدنى وقفة أمام تلك الأقوال، بل وصل بهم الاندفاع إلى أن أعلن أحدهم -وهو الدكتور صابر طعيمة- اعتقاده بأن ما كتب عن الإباضية في تلك الكتب ثابت لا يناقش!!، وأن الأحكام التي نطقت بها أحكام لا ترد!!. وقد مر بك أخي القارئ الكريم ذكر المصادر التي اعتمد عليها كتاب الفرق عند الكتابة عن الإباضية وأهل النهروان، وعرفتَ أنها مصادر ضعيفة لا تقوم بها حجة على أحد.
ونحن إذ نحاور هؤلاء الكتاب في شأن كتب الأوائل، لا يسعنا إلا أن نوقفهم أمام تلك الكتب التي أخذوا منها الباطل الذي يوافق هواهم وتركوا الأحكام التي تفضح عقائدهم.
وأذكر في هذا الفصل مثالين للتدليل على أن الدقة والتثبت يكتملان عند صاحبهما حينما يعبر عن حقيقة ما يكنه قلبه من عقائد ومبادئ.
__________
(1) عبد الله بن سبأ دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة، ص73 (1/116)
صفحة 117
المثال الأول: مسألة حديث الآحاد.
المثال الثاني: مسألة الاستواء على العرش.
المثال الأول : مسألة حديث الآحاد
قال الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل حينما تحدث عن المسائل التي خالفت فيها الإباضية - فيما يزعم - أهل السنة : " أهل السنة يقولون بحجية حديث الآحاد في الأحكام والعقائد أما الأباضية فإنهم يقولون : أحاديث الآحاد لا يحتج بها في العقائد موافقة للمتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم " (1)
وإليك أخي القارئ ما قاله العلماء في هذه المسألة:
1- نقلاً عن الشيخ القنوبي حفظه الله تعالى
لقد ذكر شيخنا إمام السنة والأصول الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي -حفظه الله تعالى- في كتابه "السيف الحاد" أقوال علماء الأمة وأئمة المذاهب الإسلامية في أن حديث الآحاد ليس بحجة في مسائل الاعتقاد، ولكنه يوجب العمل. فقد نقل عن الإمام مالك (2) والإمام أحمد (3)
قال الشيخ القنوبي : " وأما الإمام أحمد فقد ثبت عنه ثبوتاً أوضح من الشمس أنه كان يرى أن أحاديث الآحاد لا تفيد القطع، والأدلة على ذلك كثيرة جداً أكتفي هنا بذكر اثنين منها "
__________
(1) الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، ص103
(2) السيف الحاد، ص9، نقلاً عن القاضي عياض في " ترتيب المدارك " ج1/ص66. وكذلك عن الإمام الشاطبي في " الموافقات " ج3/ص21-23
(3) المرجع السابق، ص11 (1/117)
صفحة 118
روى أحمد ج2 ص301 حديث رقم 8011، والبخاري 3604 ومسلم 74(2917) من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله، قال : لو أن الناس اعتزلوهم ))، قال عبدالله ابن أحمد : ( وقال أبي في مرضه الذي مات فيه : اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ؛ فهذا دليل واضح وحجة نيرة، على أنه يرى أن الحديث الآحادي ظني لا يفيد القطع وإلا لما ضرب عليه ؛ مع العلم بأن هذا الحديث موجود في الصحيحين كما رأيت من تخريجه )
روى مسلم 266 ( 511 )، والأربعة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب.. إلخ )). قال الترمذي في سننه ج2 ص163 : قال أحمد : ( الذي لا أشك فيه أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وفي نفسي من الحمار والمرأة شيء ) اهـ، وانظر " الفتح " ج1 ص 774-775، فهذا أيضاً يدل دلالة واضحة على أن الإمام أحمد يرى أن الآحاد لا يفيد القطع، وإلا لو كان يراه يفيد القطع لما توقف فيه، وهذا الحديث كما رأيت موجود في صحيح مسلم " اهـ. (1/118)
صفحة 119
ونقل الشيخ القنوبي كذلك عن الإمام الزبيدي (1) ، والقرافي (2) ، وعبد القادر البغدادي (3) ، والإسنوي، وابن عبد البر (4) ، والبيهقي (5) ، والإمام النووي (6) ، والباجي (7) ، وإمام الحرمين (8) ، والإمام الغزالي (9) ، وأبي إسحاق الشيرازي (10) ، والخطيب البغدادي (11) ، والفخر الرازي (12) ، وابن الأثير (13) ، وابن الحاجب (14) ، والإمام البخاري (15)
__________
(1) المرجع السابق، ص 61، نقلاً من " إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين " ج2/ص105-106
(2) المرجع السابق، ص 61، نقلاً من " تنقيح الفصول وشرحه " ص 356- 358
(3) المرجع السابق، ص 62، نقلاً من " أصول الدين " ص12
(4) المرجع السابق، ص 62، نقلاً من " التمهيد " ج1/ص7
(5) المرجع السابق، ص 63، نقلاً من " الأسماء والصفات " ص357
(6) المرجع السابق، ص63، نقلاً من " شرح صحيح مسلم " ج1/ص131
(7) المرجع السابق، ص 63، نقلاً من " الإشارة " ص234 وكذلك من " تحقيق المذهب " ص 236-239، ومن " إحكام الفصول" ص 234 وص 241-242
(8) المرجع السابق، ص 65، نقلاً من " البرهان " ج1/ص606. وكذلك نقلاً من " الورقات " ص184
(9) المرجع السابق، ص65، نقلاَ من " المستصفى " ج1/ص145
(10) المرجع السابق، ص 66، نقلاً من " التبصرة " ص 298. وكذلك من "اللمع " ص72
(11) المرجع السابق، ص 66، نقلاً من " الكفاية في علم الرواية " ص 432
(12) المرجع السابق، ص 67، نقلاً من " المعالم " ص 138. وكذلك من" اساس التقديس "
(13) المرجع السابق، ص67، نقلاً من مقدمة "جامع الأصول "
(14) المرجع السابق، ص 68، نقلاً من " منتهى الوصول " ص71
(15) المرجع السابق، ص 68. (1/119)
صفحة 120
قال الشيخ القنوبي : " قال الإمام البخاري في كتاب أخبار الآحاد من صحيحه ج13 ص 290بشرح الفتح : ( باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام ) اهـ. قال الحافظ ابن حجر في شرحه عليه : ( وقوله الفرائض بعد قوله في الأذان والصلاة والصوم من عطف العام على الخاص، وأفرد الثلاثة بالذكر للاهتمام بها )، قال الكرماني : ( ليعلم إنما هو في العمليات لا في الاعتقادات ) اهـ وأقره الحافظ على ذلك." (1/120)
صفحة 121
ونقل الشيخ القنوبي كذلك عن الإمام صدر الشريعة (1) ، والإمام السعد التفتازاني (2) ، والسمرقندي الحنفي (3) ، والبزدوي (4) ، والإمام السرخسي (5) ، والإمام الجصاص (6) ، وأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي (7) ، وابن برهان (8) ، وصفي الدين الهندي (9) ، والإمام السبكي (10) ، وأبي بكر ابن عاصم (11) ، والشيخ ابن عبد الشكور (12) ، وأبي الخطاب الحنبلي (13) ، وصفي الدين البغدادي الحنبلي (14) ، وابن قدامة الحنبلي (15) ، والطوفي (16) ، والسرافيني الحنبلي (17) ، والإمام محمد عبده (18) ، والسيد محمد رشيد رضا (19) .
__________
(1) المرجع السابق، ص68، نقلاً من " التنقيح " وشرحه " التوضيح "
(2) المرجع السابق، ص 68، نقلاً من " التلويح " ج2/ص3-4
(3) المرجع السابق، ص 69، نقلاً من " ميزان الأصول " ج2/ص642-643
(4) المرجع السابق، ص 69
(5) المرجع السابق، ص 70
(6) المرجع السابق، ص71، نقلاً من " الفصول في الأصول " ج3/ص53
(7) المرجع السابق، ص 72، نقلاً من " تقريب الوصول إلى علم الأصول " ص121
(8) المرجع السابق، ص 72، نقلاً من " الوصول إلى الأصول " ج2/ ص172-174
(9) المرجع السابق، ص 72، نقلاً من " نهاية الوصول " ج6/ص2801-2802
(10) المرجع السابق، ص73، نقلاً من " جمع الجوامع "
(11) المرجع السابق، ص 73، نقلاً من " مرتقى الوصول "
(12) المرجع السابق، ص 73، نقلاً من " مسلم الثبوت " ج2/ص121-122
(13) المرجع السابق، ص 74، نقلاً من " التمهيد " ج3/ص78
(14) المرجع السابق، ص 74، نقلاً من " قواعد الأصول " ص16
(15) المرجع السابق، ص 74، نقلاً من " روضة الناظر " ج1/ص260
(16) المرجع السابق، ص76، نقلاً من " البلبل في أصول الفقه على مذهب أحمد بن حنبل " ج2/ص103
(17) المرجع السابق، ص 76، نقلاً من " لوائح الأنوار السنية " ج1/ص133. وكذلك من " لوامع الأنوار "ج1/ص5
(18) المرجع السابق، ص 77، نقلاً من " المنار " ج1/ص135
(19) المرجع السابق، ص 78، نقلاً من " المنار " ج1/ص138 (1/121)
صفحة 122
فعلماء الأمة وأئمة المذاهب الإسلامية يحققون المسائل اعتماداً على القرآن والسنة ويستفيدون من اجتهادات العلماء الذين سبقوهم. فمن الخطأ أن نجمع الناس تحت شعارات براقة ونملي عليهم أقوالاً قال علماء الأمة بضدها.
2- نقلاً عن الأستاذ سيد قطب
قال الأستاذ سيد قطب : " ونحن - على منهجنا في هذه الظلال - لا نتعرض لهذه الأمور الغيبية بتفصيل لم يرد به نص قرآني أو حديث نبوي صحيح متواتر. فهي من أمور الاعتقاد التي لا يلتزم فيها إلا بنص هذه درجته " (1)
وقال أيضاً : ".. وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة. والمرجع هو القرآن. والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد. وهذه الروايات ليست من المتواتر." (2)
3- نقلاً عن الشيخ محمد الغزالي
وقال الشيخ محمد الغزالي : " لقد تخرجت في الأزهر من نصف قرن، ومكثت في الدراسة بضع عشرة سنة لم أعرف خلالها إلا أن حديث الآحاد يفيد الظن العلمي، وأنه دليل على الحكم الشرعي ما لم يكن هناك دليل أقوى منه، والدليل الأقوى قد يؤخذ من دلالات القرآن القريبة والبعيدة، أو من السنة المتواترة...
والقول بأن حديث الآحاد يفيد اليقين كما يفيده المتواتر ضرب من المجازفة المرفوضة عقلاً ونقلاً ومن هنا فقد ألفنا قبول أحكام شتى تخالف المتبادر من بعض المرويات الصحيحة." (3)
وقال أيضاً : " والبعد الذي لاحظناه عن منهج السلف يرجع إلى انتشار الأحاديث الضعيفة، ويرجع قبل ذلك إلى انتشار مقولة لم يكن لها رواج بين الفقهاء القدامى، وهي أن حديث الآحاد يفيد اليقين العلمي الذي يفيده المتواتر !!
__________
(1) في ظلال القرآن ج3/ص1531
(2) المرجع السابق، ج6/ص4008
(3) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 74 (1/122)
صفحة 123
إن الحديث الصحيح له وزنه، والعمل به في فروع الشريعة له مساغ وقبول، وتركه لأدلة أقوى منه أمر مقرر مأنوس بين فقهائنا، أما الزعم بأنه يفيد اليقين كالأخبار المتواترة فهي مجازفة مرفوضة.. وعلى أية حال فإن الإسلام تقوم عقائده على المتواتر النقلي والثابت العقلي، ولا عقيدة لدينا تقوم على خبر واحد، أو تخمين فكر.." (1)
4- نقلاً عن عبد القاهر البغدادي
ومما يبين كذب الدكتور ناصر العقل وافتراءاته على أهل السنة في دعواه هذه هو ما كتبه البغدادي في كتابه " الفَرق بين الفِرق " حيث قال : " وقال أهل السنة :.. وأما أخبار الآحاد فمتى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها، دون العلم، وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم في أنه يلزم الحكم بها في الظاهر، وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة" (2) .
فقول أهل السنة -بأن حديث الآحاد لا يوجب العلم ولكنه يوجب العمل- موافق تمام الموافقة لما يقول به الإباضية. ولكن إذا وجد الدكتور العقل مصدقاً من بين أتباع المذاهب الإسلامية، فإن افتراءاته لا تنطلي على العارفين لأصول مذاهبهم من أفراد هذه الأمة.
__________
(1) المرجع السابق، ص 79-80.
وقد جاء نحو هذا القول في عدة مواضع من هذا الكتاب :
? ... ".. والإيمان بالغيب من قسم العقائد، هي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى : { وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً } كنا غير مكلفين أن نؤمن بمضمون هذه الأحاديث في عقائدنا.. " ( السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 120 )
? ... " ونحن نؤكد مرة ومرتين أنه ليس لروايات الآحاد أن تشغب على المحفوظ من كتاب الله وسنة رسوله، أو أن تعرض حقائق الدين للتهم والريب " (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 174 )
? ... " واليقين الثابت بالعلم وبالوحي لا يجوز أن يتقدم عليه ظن علمي يرويه حديث آحاد.. " ( السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ، ص 204 )
(2) الفرق بين الفرق، ص325-326 (1/123)
صفحة 124
المثال الثاني :مسألة الاستواء على العرش
قال الدكتور ناصر عبد الكريم العقل : " أما الأباضية فهم ... يؤولون صفات الله الخبرية كالاستواء والنزول والمجيء، وكاليد والوجه والعين والنفس ونحوها. وهم بهذا يخالفون أهل السنة ويوافقون المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية والجهمية المريسية " (1)
قد لا يدرك القارئ ما يعتقده ناصر العقل من هذه العبارات، ولكن تتضح لنا عقيدته من قول أصحابه في هذا الشأن.
فنذكر أولاً ما قاله أصحاب ناصر العقل ثم نذكر رد العلماء عليهم حتى يتبين لناصر العقل أن الإباضية ليس وحدهم يقفون أمام عقيدته التي نسبها إلى أهل السنة زوراً.
قال عمر الأشقر : " لله سبحانه ساق، يجب علينا أن نصدق بذلك ولا
نكذبه.." (2)
" لله سبحانه وجه لا يشبه وجوه المخلوقين، نصدق بذلك ونؤمن به.. " (3)
" ولله سبحانه وتعالى يدان تليقان بجلاله وكماله لا تشبهان شيئاً من أيدي المخلوقين.." (4)
وقال ابن عثيمين : " ونؤمن بأن لله تعالى يدين كريمتين عظيمتين.. ونؤمن بأن لله تعالى عينين اثنتين حقيقتين.. وأجمع أهل السنة على أن العينين اثنتان.. " (5)
".. وأما حديث ( إن قلوب بني آدم كلها بين اصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ).. ليس فيه تأويل عند أهل السنة والجماعة حيث يؤمنون بما دل عليه من إثبات الأصابع لله تعالى على الوجه اللائق به.. " (6)
وقال عمر الأشقر : " ولله سبحانه أصابع لا تشبه شيئاً من أصابع المخلوقين، وهي
تليق بكماله وجلاله سبحانه وتعالى.. " (7)
سبحانك ربي هذا بهتان عظيم
__________
(1) الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، ص90
(2) العقيدة في الله، ص 165
(3) المرجع السابق، ص 157
(4) المرجع السابق، ص 160
(5) عقيدة أهل السنة والجماعة ، ص 15
(6) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ج3/ص23
(7) انظر العقيدة في الله ، ص164 (1/124)
صفحة 125
إليك أخي القارئ الكريم رد علماء الإسلام على هذه العقيدة التي نسبها ناصر العقل وجماعته إلى أهل السنة زوراً وكذباً.
1- نقلاً عن الشيخ القنوبي حفظه الله تعالى
وفي الرد على هذه العقيدة قال شيخنا القنوبي - حفظه الله تعالى- ما نصه :
" (1) مسألة استقرار الله - سبحانه وتعالى - على العرش - تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً - :
حيث قال بذلك بعض أرباب هذه النحلة كالدارمي المجسم وابن تيمية وابن القيم، بل قال بعضهم إنه يقعد بجنبه يوم القيامة نبيه محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم - وقد وضعوا للتدليل على ذلك بعض الأحاديث كما وضعوا في ذلك أيضاً عدة أبيات على الإمام الدارقطني منها:-
فلا تنكروا أنه قاعد ولا تجحدوا (1) أنه يقعده
والمتهم بوضعه ابن كادش الكذاب أو شيخه العشاري المغفل. وقد كان أحد مجانينهم يقول : لو أن حالفاً حلف بالطلاق ثلاثاً أن الله يقعد محمداً - صلى الله عليه وسلم - على العرش واستفتاني لقلت له : صدقت وبررت، كذا قال هذا اللعين أخزاه الله وعامله بما يستحق.
وذهبت طائفة منهم إلى نفي ذلك مع القول بالعلو الحسي - تعالى الله عن ذلك - وممن ذهب إلى ذلك ناصر الألباني المتناقض حيث قال في مختصر علوه السافل بعد كلام :.. فإنه يتضمن نسبة القعود إلى الله عز وجل وهذا يستلزم نسبة الاستقرار عليه تعالى وهذا مما لم يرد فلا يجوز اعتقاده ونسبته إلى الله عز وجل. اهـ وقال في ضعيفته ج2 ص256 : فاعلم أن إقعاده - صلى الله عليه وسلم - على العرش ليس فيه إلا هذا الحديث الباطل وأما قعوده تعالى على العرش فليس فيه حديث يصح.. اهـ المراد منه.
__________
(1) وأورده ابن القيم في بدائع الفوائد ج4 ص48 هكذا :
ولا تنكروا أنه قاعد ولا تنكروا أنه يقعده
والكل كذب فقاتل الله الكذب والكذابين ومن يدافع عنهم. (1/125)
صفحة 126
قلت[ الشيخ القنوبي ] : بل ولم يثبت شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في العلو الحسي وما استدلوا به على ذلك فكذب موضوع وباطل مخترع مصنوع وما صح من ذلك فلا دليل فيه على ذلك البتة، وبيان ذلك في غير هذا الموضع.
وكما أنه لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - شيء من ذلك، كذلك لم يثبت شيء عن صحابته - رضي الله تعالى عنهم -، وما روي عنهم فكذب صريح عليهم.
ونحن نتحدى هؤلاء الحشوية أن يأتوا لنا برواية صحيحة فيها التصريح بالاستقرار أو الاستواء الحسي وليستظهروا على ذلك بمن شاءوا ولو بالثقلين جميعاً، كما أننا نتحدى أرباب هذه النحلة للمناظرة في هذه المسألة أو غيرها من المسائل العقدية.
هذا وكما أنهم كذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وصحابته - رضي الله تعالى عنهم - في هذه المسألة وغيرها كذلك كذبوا على الأئمة الأربعة حيث نسبوا إليهم القول بالاستواء الحسي وهم كاذبون وإليك بيان ذلك :-
1- الإمام أبو حنيفة :
نسبوا إليه أنه قال : من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله يقول { الرحمن على العرش استوى } وعرشه فوق سبع سماوات. (1/126)
صفحة 127
والجواب : أن هذا الكلام كذب باطل مصنوع على أبي حنيفة وذلك لأن الراوي لهذا الكلام هو أبو مطيع البلخي وهو كذاب دجال، قال ابن معين : ليس بشيء، وقال مرة ضعيف، وقال أحمد : لا ينبغي أن يروى عنه شيء، وقال البخاري : ضعيف صاحب رأي، وقال النسائي : ضعيف، وقال أبو حاتم : كان مرجئاً كذاباً، وقد جزم الذهبي بأنه وضع حديثاً كما في ترجمة عثمان بن عبد الله الأموي، قال ابن أبي العز شارح الطحاوية الحشوي المجسم الضال ج2 ص480 نقلاً عن ابن كثير : وأما أبو مطيع فهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي، ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن علي الفلاس والبخاري وأبو داود وأبو حاتم الرازي وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي وابن عدي والدارقطني وغيرهم.اهـ
هذا ما قاله هنا بينما قال بعدما أورد الأثر السابق ص 387 : ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك.. فتأمل في كلاميه واحكم عليه بما شئت. وأبو إسماعيل الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام الراوي لهذا الأثر لا يحتج بنقله ولا كرامة لأنه مجسم خبيث قائل بالحلول والاتحاد كما قال ابن تيمية كما نقله الإمام ابن السبكي في "الطبقات الكبرى" ج4 ص272 نقلاً عن الحافظ الذهبي. اهـ
وعلى تقدير صحة هذا الكلام فقد أجاب عنه الإمام ابن عبد السلام في حل الرموز كما نقله عنه القاري في " شرح الفقه الأكبر " ص 271 قال : من قال لا أعرف الله تعالى في السماء أم في الأرض كفر، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكاناً ومن توهم أن للحق مكاناً فهو مشبه. اهـ
قال القاري : ولا شك أن ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم فيجب الاعتماد على نقله لا على ما نقله الشارح - يعني شارح الطحاوية المجسم الضال - مع أن أبا مطيع رجل وضاع عند أهل الحديث كما صرح به غير واحد. اهـ كلام القاري. (1/127)
صفحة 128
على أن الإمام أبا حنيفة قد صرح بنفي الاستقرار على العرش كما في كتابه "الوصية" كما في شرح الفقه الأكبر " ص 61 حيث قال: نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه، واستقراره عليه وهو الحافظ للعرش وغير العرش فلو كان محتاجاً لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق ولو صار محتاجاً إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى، فهو منزه عن ذلك علوا كبيرا. اهـ
2-الإمام مالك بن أنس: -
فإنهم يروون عنه أنه قال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
والجواب : أن هذا لم يثبت عن مالك من رواية صحيحة ولا حسنة ولا ضعيفة خفيفة الضعف، ومن يدعي خلاف ذلك فعليه أن يوضح لنا ذلك ونحن بحمد الله على أتم الاستعداد لنجيب عليه وندحضه بالحجة والبرهان، وإنما جاء عنه بلفظ (( الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة )) وهذا قاصمة لظهور المجسمة.
قال ابن اللبان في تفسير قول مالك هذا كما في " إتحاف السادة المتقين " ج2 ص82 قوله : كيف غير معقول أي كيف من صفات الحوادث وكل ما كان من صفات الحوادث فإثباته في صفات الله تعالى ينافي ما يقتضيه العقل فيجزم بنفيه عن الله تعالى، قوله : والاستواء غير مجهول أي أنه معلوم المعنى عند أهل اللغة، والإيمان به على الوجه اللائق به تعالى واجب ؛ لأنه من الإيمان بالله وبكتبه، والسؤال عنه بدعة ؛ أي حادث لأن الصحابة كانوا عالمين بمعناه اللائق بحسب وضع اللغة فلم يحتاجوا للسؤال عنه، فلما جاء من لم يحط بأوضاع لغتهم ولا له نور كنورهم يهديه لصفات ربه شرع يسأل عن ذلك، فكان سؤاله سبباً لاشتباهه على الناس وزيغهم عن المراد. اهـ " (1)
2- نقلاً عن الأستاذ سيد قطب
بين الأستاذ سيد قطب في عدة مواضع من تفسيره معنى الاستواء حيث قال :
__________
(1) السيف الحاد، ص24-27 (1/128)
صفحة 129
1- " والاستواء على العرش كناية عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة، باللغة التي يفهمها البشر ويتمثلون بها المعاني، على طريقة القرآن في التصوير.. و"ثم" هنا ليست للتراخي الزماني، وإنما هي للبعد المعنوي. فالزمان في هذا المقام لا ظل له. وليست هناك حالة ولا هيئة لم تكن لله – سبحانه- ثم كانت. فهو - سبحانه- منزه عن الحدوث وما يتعلق به من الزمان والمكان. لذلك نجزم بأن " ثم " هنا للبعد المعنوي.. لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه الله سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات، وعن مقتضيات الزمان والمكان " (1)
2- " والاستواء على العرش رمز لاستعلائه على الخلق كله. أما العرش ذاته فلا سبيل إلى قول شيء عنه. ولا بد من الوقوف عند لفظه. وليس كذلك الاستواء. فظاهر أنه كناية عن الاستعلاء. ولفظ.. ثم، لا يمكن قطعاً أن يكون للترتيب الزمني، لأن الله سبحانه - لا تتغير عليه الأحوال. ولا يكون في حال أو وضع - سبحانه - ثم يكون في حال أو وضع تال. إنما هو الترتيب المعنوي. فالاستعلاء درجة فوق الخلق، يعبر عنها هذا التعبير " (2)
هذا ما قاله سيد قطب في تفسيره ولكن العجب كل العجب من أولئك الناس الذين يدعون اتباع فكره وهم مع هذا لا يعرفون ما عليه الرجل من اعتقاد في ذات الله تعالى، بل نجدهم يلهثون خلف أقوال الحشوية ويدافعون عنها بكل حماسة.
ولندع المجال لكتاب الفرق والمقالات لكي يحدثونا عن أصل أقوال الدكتور ناصر العقل، ولنعرف صدق نسبتها إلى أهل السنة.
__________
(1) في ظلال القرآن، ج3/ص1762-1763
(2) المرجع السابق، ج5/ص2807. وجاء نحو هذا البيان لما يجب أن يعتقده المسلم في عدة مواضع من تفسيره، انظر في ظلال القرآن ج1/ص281 وج1/ص290 وج3/ص1297 وج4/ص2045 وج4/ص2328 ج5/ص2575
وكذلك ج3/ص1267 حيث قال : " والطريق إلى الله لا يمكن أن يكون حساً، فالله سبحانه جل عن التحيز، فهو إذن طريق الإيمان والطاعات المؤدي إلى رضى الله ". (1/129)
صفحة 130
3-نقلاً عن الشهرستاني
قال الشهرستاني : ".. غير أن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه مثل الهشاميين من الشيعة ومثل نصر وكهمش وأحمد الهجيمي (1) وغيرهم من أهل الشيعة قالوا معبودهم صورة ذات أعضاء وأبعاض إما روحانية أو جسمانية يجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكن..
وأما مشبهة الحشوية فذكر الأشعري عن محمد بن عيسى أنه حكى عن نصر وكهمش وأحمد الهجيمي أنهم أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة..
وحكى عن داود الخوارمي أنه.. قال : إن معبودهم جسم ولحم ودم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأذنين ومع ذلك جسم لا كالأجسام ولحم لا كاللحوم ودم لا كالدماء وكذلك سائر الصفات وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء ..
__________
(1) أحمد بن عطاء الهجيمي البصري الزاهد " عن خالد العيد قال الدارقطني متروك.. وقال الأزدي كان داعية إلى القدر متعبدا مغفلا، يحدث بما لم يسمع وقال زكريا الساجي قبله مثله، قال: وقال ابن المديني: أتيته يوما فجلست إليه فرأيت معه درجا يحدث به، فلما تفرقوا عنه قلت له: هذا سمعته؟ قال: لا، ولكن اشتريته وفيه أحاديث حسان أحدث بها هؤلاء ليعلموا بها، وأرغبهم أقربهم إلى الله، ليس فيه حكم ولا تبديل سنة. قلت له: أما تخاف الله؟ تقرب العباد إلى الله بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ( انظر لسان الميزان، ت:689، ج1/ص238) (1/130)
صفحة 131
وأما ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة في قوله عليه السلام ( خلق آدم على صورة الرحمن ) وقوله ( حتى يضع الجبار قدمه في النار ) .. إلى غير ذلك أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأكثرها مقتبسة من اليهود فإن التشبيه فيهم طباع حتى قالوا اشتكت عيناه فعادته الملائكة وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه وأن العرش لياط (1) من تحته كأطيط الرحل الجديد وأنه ليفضل من كل جانب أربعة أصابع، وروى المشبهة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لقيني ربي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله. وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن أن الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية.." (2)
" وأما التشبيه فلأنهم [ يقصد اليهود ] وجدوا التوراة مليئاً من المتشابهات مثل الصورة والمشافهة والتكلم جهراً والنزول عند طور سيناء انتقالاً والاستواء على العرش استقراراً وجواز الرؤية فوقاً وغير ذلك " (3)
4- نقلاً عن البغدادي
قال البغدادي : ".. ذكر الهشامية منهم: ...
هؤلاء فرقتان، فرقة تنسب إلى هشام بن الحكم الرافضي، والفرقة الثانية تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي. وكلتا الفرقتين قد ضمت إلى حيرتها في الإمامة ضلالتها في التجسيم، وبدعتها في التشبيه..
__________
(1) ربما ليئط
(2) الملل والنحل للشهرستاني ( المطبوع في هامش الفِصَل في الملل.. )، ج1/ص 111-113
(3) المرجع السابق، ج2/ص42 (1/131)
صفحة 132
زعم هشام بن الحكم (1) أن معبوده جسم ذو حد ونهاية، وأنه طويل، عريض، عميق.. ثم قال : قد كان الله ولا مكان، ثم خلق المكان بأن تحرك فحدث مكانه بحركته فصار فيه، ومكانه هو العرش " (2)
"ذكر اليونسية منهم: هؤلاء أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي.. وأفرط يونس هذا في باب التشبيه فزعم [ أن ] الله عز وجل يحمله حملة عرشه، وهو أقوى منهم، كما أن الكركي (3) يحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه.." (4)
__________
(1) " هشام بن الحكم أبو محمد الشيباني من أهل الكوفة سكن بغداد وكان من كبار الرافضة ومشاهيرهم وكان مجسما يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه ويزعم أن علم الله محدث ذكر ذلك ابن حزم وقال قتيبة في مختلف الحديث: كان من الغلاة ويقول بالجبر الشديد، ويبالغ في ذلك، ويجوز المحال الذي لا يتردد في بطلانه ذو عقل.." ( لسان الميزان، ت: 72/8928، ج6/ص234)
(2) الفرق بين الفرق، ص65
(3) قال محقق (الفرق بين الفرق) : " في الأصل ( الكرسي) تصحيف، والكرسي له أربع أرجل، لا رجلان، والعبارة مأخوذة عن مقالات الأشعري، قال الأشعري( واحتج يونس في أن الحملة تطيق حمل الباري وشبههم بالكركي وأن رجليه تحملانه وهما دقيقتان) والكركي –بوزن الكرسي- طائر قريب من الوز، أبتر الذنب، رمادي اللون، دقيق الرجلين طويلهما، يأوي إلى الماء أحيانا، وجمعه كراكي"(هامش رقم 4 ص70).
(4) المرجع السابق، ص 70 وكذلك ص228 وانظر أيضاً الملل والنحل، ج2/ص22 (1/132)
صفحة 133
ولما تكلم البغدادي عن الكرامية قال : " وضلالات أتباعه [ يقصد محمد بن كرام (1) ] متنوعة أنواعاً لا نعدها أرباعاً ولا أسباعاً، ولكنا نزيد على الآلاف آلافاً، ونذكر منها المشهور، الذي هو بالقبح مذكور. ومنها : أن ابن كرَّام دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده، وزعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه، وهذا شبيه بقول الثنوية.. وقد وصف ابن كرام معبوده في بعض كتبه بأنه جوهر.. وأتباعه اليوم لا يبوحون بإطلاق لفظ الجوهر على الله تعالى عند العامة خوفاً من الشناعة عند الإشاعة، وإطلاقهم عليه اسم الجسم أشنع من اسم الجوهر" (2)
" وأعجب من هذا كله أن ابن كرَّام وصف معبوده بالثقل، وذلك أنه قال في كتاب (عذاب القبر ) في تفسير قول الله عز وجل { إذا السماء انفطرت } إنها انفطرت من ثقل الرحمن عليها " (3)
".. ومنهم الكرامية في دعواها أن الله تعالى جسم له حد ونهاية وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه.. " (4)
وبعد ذكره لعقيدة الهشامية واليونسية والكرامية ذكر البغدادي عقيدة أهل السنة في مسألة الإستواء على العرش حيث قال:
وقالوا [ يقصد أهل السنة ] : بنفي النهاية والحد عن صانع العالم، على خلاف قول هشام بن الحكم الرافضي في دعواه أن معبوده سبعة أشبار بشبر نفسه، وخلاف قول من زعم من الكرامية أنه ذو نهاية من الجهة التي يلاقي منها العرش ... وأجمعوا على إحالة وصفه بالصورة والأعضاء، على خلاف قول من زعم من الغلاة الروافض ... " (5)
__________
(1) محمد بن كرام السجستاني العابد المتكلم شيخ الكرامية ساقط الحديث على بدعته.. قال بن حبان خذل حتى التقط من المذاهب أرداها ومن الأحاديث اوهاها.. ومن بدع الكرامية قولهم في المعبود تعالى: أنه جسم لا كالأجسام.. " ( انظر لسان الميزان، ت: 1158/7943، ج5/ص400)
(2) الفرق بين الفرق، ص216
(3) المرجع السابق، ص218
(4) المرجع السابق، ص228
(5) المرجع السابق، ص 332 (1/133)
صفحة 134
".. وأجمعوا [ يقصد أهل السنة ] على أنه لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، على خلاف قول من زعم من الهشامية والكرامية أنه مماس لعرشه، وقد قال أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - : إن الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته لا مكاناً لذاته، وقال أيضاً: قد كان ولا مكان، وهو الآن على ما كان.." (1)
5- نقلاً عن ابن حزم
" قال أبو محمد ذهب طائفة إلى القول بأن الله تعالى جسم، وحجتهم في ذلك أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض فلما بطل أن يكون تعالى عرضاً ثبت أنه جسم، وقالوا: إن الفعل لا يصح إلا من جسم والبارئ تعالى فاعل فوجب أنه جسم، واحتجوا بآيات من القرآن فيها ذكر اليد واليدين والأيدي والعين والوجه والجنب وبقوله تعالى { وجاء ربك } و { يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } وتجليه تعالى وبأحاديث فيها ذكر القدم واليمين والرجل والأصابع والتنزل..
قال أبو محمد: وهذان الاستدلالان فاسدان، أما قولهم: إنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض فإنها قسمة ناقصة وإنما الصواب أنه لا يوجد في العالم إلا جسم أو عرض وكلاهما يقتضي بطبيعته وجود محدث له فبالضرورة نعلم أنه لو كان محدثها جسماً أو عرضاً لكان يقتضي فاعلاً فعله ولا بد فوجب بالضرورة أن فاعل الجسم والعرض ليس جسماً ولا عرضاً، وهذا برهان يضطر إليه كل ذي حس بضرورة العقل ولا بد، وأيضاً فلو كان البارئ تعالى عن إلحادهم جسماً لاقتضى ذلك ضرورة أن يكون له زمان ومكان هما غيره وهذا إبطال التوحيد وإيجاب الشرك معه تعالى لشيئين سواه وإيجاب أشياء معه غير مخلوقة وهذا كفر وقد تقدم إفسادنا لهذا القول....
__________
(1) المرجع السابق، ص 333 (1/134)
صفحة 135
".. فإن قالوا لنا إنكم تقولون إن الله عز وجل حي لا كالأحياء وعليم لا كالعلماء وقادر لا كالقادرين وشيء لا كالأشياء فلم منعتم القول بأنه جسم لا كالأجسام قيل لهم وبالله تعالى التوفيق لولا أن النص الوارد بتسميته تعالى بأنه حي وقدير وعليم ما سميناه بشيء من ذلك لكن الوقوف عند النص فرض ولم يأت نص بتسميته تعالى جسماً ولا قام البرهان بتسميته جسماً بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى ولو أتانا نص بتسميته تعالى جسماً لوجب علينا القول بذلك وكنا حينئذ نقول إنه لا كالأجسام كما قلنا في عليم وقدير وحي ولا فرق.." (1)
".. وقال الأشعري إن المراد بقول الله تعالى أيدينا إنما معناه اليدان وإن ذكر الأعين إنما معناه عينان وهذا باطل مدخل في قول المجسمة.. " (2)
".. وكذلك صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال إن جهنم لا تملأ حتى يضع فيها قدمه، وصح أيضاً في الحديث حتى يضع فيها رجله. ومعنى هذا ما قد بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر صحيح أخبر فيه أن الله تعالى بعد يوم القيامة يخلق خلقاً يدخلهم الجنة وأنه يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها..
ومعنى رجله نحو ذلك لأن الرجل الجماعة في اللغة أي يضع فيها الجماعة التي قد سبق في علمه تعالى انه يملأ جهنم بها. وكذلك الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله عز وجل أي بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله عز وجل..
وأخبر عليه السلام أن الله يبدو للمؤمن يوم القيامة في غير الصورة التي عرفوها وهذا ظاهر بين وهو أنهم يرون صورة الحال من الهول والمخافة غير التي يظنون في الدنيا..
..
__________
(1) الفِصَل في الملل والأهواء والنحل، ج2/ص92-93
(2) المرجع السابق، ج2/ص 127 (1/135)
صفحة 136
وكذلك ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يوم القيامة أن الله عز وجل يكشف عن ساق فيخرون سجداً فهذا كما قال الله عز وجل في القرآن { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود } وإنما هو إخبار عن شدة الأمر وهو الموقف كما تقول العرب قد شمرت الحرب عن ساقها..
والعجب ممن ينكر هذه الأخبار الصحاح وإنما جاءت بما جاء به القرآن نصاً ولكن من ضاق علمه أنكر ما لا علم له به وقد عاب الله هذا فقال { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } " (1)
قال ابن حزم : "..إن الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلاً وهو قول الجمهور من أهل السنة وبه نقول وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه ... " (2)
6- نقلاً عن ابن العربي
قال ابن العربي : " وقد بينا في غير موضع أن الكائدين للإسلام كثير، والمقصرون فيه كثير، وأولياؤه المشتغلون به قليل، فممن كاده الباطنية، وقد بينا جملة أحوالهم. وممن كاده الظاهرية، وهم طائفتان : إحداهما : المتبعون للظاهر في العقائد والأصول. الثانية : المتبعون للظاهر في الأصول، وكلا الطائفتين في الأصل خبيثة، وما تفرغ عنهما خبيث مثلهما، فالولد من غير نكاح لغية، والحية لا تلد إلا حية، وهذه الطائفة الآخذة بالظاهر في العقائد، هي في طرف التشبيه، كالأولى في التعطيل، وقد بليت بهم في رحلتي وتعرضوا لي كثيراً دون بغيتي،..
__________
(1) المرجع السابق، ج2/ص128-129
(2) المرجع السابق، ج2/ص98 (1/136)
صفحة 137
وقالوا حين سمعوا : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } [البقرة : 210 ] { وجاء ربك والملك صفاً صفاً } [ الفجر : 22 ] { فأتى الله بنيانهم من القواعد } [النحل : 26 ] ( وينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا )، أنه يتحرك وينتقل، ويجيء ويذهب من موضع إلى موضع، ولما سمعوا قوله: { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5] قالوا : إنه جالس عليه، متصل به، وأنه أكبر بأربعة أصابع، إذ لا يصح أن يكون أصغر منه لأنه العظيم، ولا يكون مثله، لأنه { ليس كمثله شيء } [ الشورى : 11 ] فهو أكبر من العرش بأربعة أصابع ... .
.. وقرأ القارئ : { الرحمن على العرش استوى } . قال لي أخصهم : فرأيت - يعني الحنابلة - يقومون في أثناء المجلس ويقولون : قاعد، قاعد بأرفع صوت، وأبعده مدى، وثار إليهم أهل السنة من أصحاب القشيري، ومن أهل الحضرة، وتثاور الفئتان، وغلبت العامة، فأجحروهم المدرسة النظامية، وحصروهم فيها، فرموهم بالنشاب فمات منهم قوم ... .
وقالوا: إنه يتكلم بحرف وصوت، وعزوه إلى أحمد بن حنبل، وتعدى بهم الباطل، إلى أن يقولوا : إن الحروف قديمة، وقالوا : إنه ذو يد، وأصابع، وساعد وذراع، وخاصرة، وساق، ورجل، يطأ بها حيث شاء، وأنه يضحك ويمشي ويهرول،..
.. وكل منهم ذو أتباع من العوام، جمعاً غفيراً، عصبة عصية عن الحق، وعصبية على الخلق. ولو كانت لهم أفهام ورزقوا معرفة بدين الإسلام، لكان لهم من أنفسهم وازع، لظهور التهافت على مقالاتهم، وعموم البطلان لكلماتهم.ولكن الفدامة استولت عليهم، فليس لهم قلوب يعقلون بها، ولا أعين يبصرون بها ، ولا آذان يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ...
.. (1/137)
صفحة 138
وقبل وبعد، فينبغي أن تعلموا أن هذه الطائفة في حفظ ظاهر هذه الأخبار، لا يقال :إنها بنت قصراً، أو هدمت مصراً، بل هدمت الكعبة، واستوطنت البيعة، وحذار أن تنشئوا معهم دليلاً، ولا تستأنفوا معهم من الكلام نقيراً ولا فتيلاً، فليسوا لذلك أهلاً، ولا ينجع فيهم أن ينشر ذلك معهم، إلا أن تدخل إليهم من بابهم، وهو أيسر طريق إليهم في الكشف لضلالهم ولا تلتزم معهم مذهباً إلا أن تبطل رأيهم، ولا يظهر لك اعتقاد إلا رد الكلام إلى القرآن والسنة، وما أجمعت عليه هذه الأمة، وهم قد خالفوا الكل، فالمهم إفساد مقالتهم وبيان ضلالتهم، فيقال لهم : ما لكم أصحاب إلا اليهود ... .
.. ثم نعطف عنان القول فنقول : قوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } وأنتم قد قلتم : إنه أكبر من العرش مقداراً، كيف يشتمل عليه ظل الغمام؟ وكيف يأتي الحق مع الخلق يوم الفصل أو يأتي البنيان وهو أكبر من العرش، والعرش أكبر من السماوات والأرض؟
.. فلما قال : { الرحمن على العرش استوى } كان معناها هنا في المطلوب ثلاثة معان : معنى الرحمن، ومعنى استوى، ومعنى العرش، فأما الرحمن فمعلوم لا خلاف فيه ولا كلام. وأما العرش فهو في العربية لمعان فأيها تريدون، وكذا استوى عليه، يحتمل خمسة عشر معنى في اللغة، فأيها تريدون؟ ... ولم قلتم : إن معنى استوى، قعد أو جلس؟ فتحكمون باتصاله به، ثم تقولون إنه أكبر منه من غير ظاهر، ولم يكن عظيماً بقدر جسمي حتى تقولوا : إنه أكثر أجزاء منه. ثم تحكمكم بأنه أكبر منه بأربع أصابع، تحكم لا معنى له، وكنت أقضي عجباً من هذه النازلة ... " (1)
نكتفي بهذا القدر من قول ابن العربي وفيه الكفاية لدحض قول دعاة الحشوية الذين ينسبون أنفسهم إلى أهل السنة زوراً وكذباً وبهتاناً.
__________
(1) النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم، تحقيق الدكتور عمار طالبي، ص 208 -214. وكذلك اقرأ ما سطره ابن العربي في نفس الكتاب من ص220 إلى ص 231. (1/138)
صفحة 139
خاتمة الفصل الرابع
وهكذا يتبين لك أخي القارئ أن الذي يدعيه ناصر العقل من أن الإباضية خالفت أهل السنة في هذه المسائل إنما هو قول باطل كذبه أهل السنة أنفسهم، ونجدهم فوق ذلك ينسبون تلك الأقوال التي يعتقدها ناصر العقل وجماعته إلى الحشوية المتأثرة بمنهج اليهود في وصف الذات العلية.
وإذا قمنا بعمل مقارنة بين ما كتب عن أهل النهروان والإباضية وما كتب عن الحشوية في كتب المقالات التي بين أيدينا لنجد الآتي:
1 ) الذي قاله كتاب المقالات عن أهل النهروان والإباضية يفتقر إلى الموضوعية في البحث ويكذبه الواقع الصادق الذي ينطق بخلاف ما تناقلته تلك الكتب. لهذا جاءت الأحكام من قِبَل الكتاب بعيدة كل البعد عن العدل والإنصاف.
2) وأما الذي ذكره كتاب المقالات عن الحشوية تصدقه عقيدة الدكتور ناصر العقل وجماعته كما هو واضح من كتبهم. والأحكام التي قال بها كتاب المقالات في حق عقيدة الحشوية -كما مر بك أعلاه- إنما هي صادرة من منطلق الذود والدفاع عن عقيدة أهل السنة كما يلمس ذلك من كتاباتهم.
وهكذا يتبين لنا أنه ليس هناك من متعلق لمن أساء إلى الفكر الإباضي في كتب المقالات. وأن الذي جاء معبراً عن عقيدة أصحاب تلك الكتب إنما هو مناقض ومحارب للعقيدة التي يدعو إليها كل من الدكتور صابر طعيمة والدكتور ناصر العقل.
فالدكتور صابر طعيمة والدكتور ناصر العقل أرادا أن يمدا سلمهما المتساقط ليطاولا به الفكر الإباضي السامق، ولكنهما وجدا نفسيهما وقد ألقي بهما على رأسيهما في حفرة لا خروج لهما منها إلا بترك العناد واتباع الحق والتسليم لأهل البصائر والعقول.
الفصل الخامس
أحداث تاريخية
في هذا الفصل سنناقش الأحداث التاريخية التي نسبت إلى أهل النهروان وأتباعهم وسنتعرف على بعض من أعمال جنود بني أمية في الساحة الإسلامية.
ويتكون هذا الفصل من خمسة أقسام وخاتمة:
... القسم الأول: قضية التحكيم ومعركة النهروان (1/139)
صفحة 140
... القسم الثاني : تهمة التشريك والتكفير
... القسم الثالث: تهمة استعراض الناس وقتل الأبرياء
... القسم الرابع : قصة قتل الإمام علي كرم الله وجهه
... القسم الخامس : قصة اجتماع المحكمة بابن الزبير
القسم الأول: قضية التحكيم ومعركة النهروان
اعتمد كثير من الكتاب على تاريخ الطبري كمصدر أساسي للمعلومات عن أحداث الحكومة التي وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- ومعاوية بن أبي سفيان. والذي يهمنا في هذا البحث هو دور أهل النهروان في تلك الأحداث التي أعقبت حرب صفين.
روايات اعتمد عليها كتاب التاريخ والفرق
نقل الإمام الطبري من طريق أبي مخنف التالف ما نصه:
" (1) .. أن علياً قال :.. ويحكم ! إنهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهناً ومكيدة، فقالوا له : ما يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله.. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السنبسي، في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك : يا علي، أجب إلى كتاب الله عز وجل إذْ دعيتَ إليه، وإلا ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان ؛ إنه علينا أن نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلناه ؛ والله لتفعلنّها أو لنفعلنها بك.." (2)
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه :.."
(2) تاريخ الطبري ج3 / ص101، وانظر كذلك " مقالات الإسلاميين " ص4 (1/140)
صفحة 141
" (1) .. فقال الناس : فإنا قد رضينا وقبلنا، فقال أهل الشام : فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص ؛ فقال الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارج بعد : فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، قال علي : فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولِّيَ أبا موسى. فقال الأشعث وزيد بن حصين الطائي ومسعر بن فدكي : لا نرضى إلا به.. " (2)
" (3) .. ولما قدم علي الكوفة وفارقته الخوارج، وثبتْ إليه الشيعة (4) فقالوا : في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت ؛ فقالت الخوارج: استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان..
وبعث علي ابن عباس إليهم، فقال : لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك.. فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس، فدخله فتوضأ فيه وصلى ركعتين.. ثم تكلم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه..
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، عن رجل من النْخَع .."
(2) تاريخ الطبري ج3 / ص102، وانظر " مقالات الإسلاميين" ص4
(3) سند هذه الرواية هو: " قال أبو مخنف في حديثه عن أبي جناب، عن عمارة بن ربيعة، قال:.."
(4) ذكر عبد الرزاق أن الذين بايعوا الإمام علي - كرم الله وجهه - على الموت أربعون ألفاً، والمرء يتسائل عن هؤلاء الناس أين ذهبوا بعد معركة النهروان؟ ولماذا لم يتجهوا إلى بلاد الشام لمحاربة معاوية؟ لماذا تركوا الإمام علياً -كرم الله وجهه- يواجه الجيوش الأموية وهي تنتقص من أراضي خلافته؟. ( انظر مصنف عبد الرزاق، الرواية : 9770، ج5/ص461 ) (1/141)
صفحة 142
قال : أنشدكم بالله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم : نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم : إني أعلم بالقوم منكم.. امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهناً ومكيدة. فرددتم عليّ رأيي، وقلتم : لا، بل نقبل منهم.. قالوا : فخبرنا عن الأجل، لم جعلتَه فيما بينك وبينهم؟ قال : ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة. ادخلوا مصركم رحمكم الله ! فدخلوا من عند آخِرِهم..
وأما الخوارج فيقولون : قلنا : صدقتَ، قد كنا كما ذكرت، وفعلنا ما وصفت، ولكن ذلك كان منا كفراً، فقد تبنا إلى الله عز وجل منه، فتب كما تبنا نبايعك، وإلا فنحن مخالفون.." (1)
" (2) أن علياً لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة، أتاه رجلان من الخوارج : زُرْعة بن البُرْج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي، فدخلا عليه، فقالا له : لا حكم إلا لله، فقال علي : لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص : تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربنا، فقال لهم علي : قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً، وشرطنا شروطاً، وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال الله عز وجل { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون? } (3)
__________
(1) تاريخ الطبري ج3 / ص109 - 110 وانظر نحو هذا القول عند الطبري أيضاً ج3/ص120. وذكر البلاذري نحو هذا القول من طريق أبي مخنف ( انظر أنساب الأشراف، ج3/ص121-123)
(2) سند هذه الرواية هو: " قال أبو مخنف: عن أبي المغفل، عن عون بن أبي جحيفة .."
(3) سورة النحل : 91 (1/142)
صفحة 143
فقال له حرقوص : ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه.. فقال له زرعة بن البرج : أما والله يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتُك ؛ أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له علي : بؤساً لك، ما أشقاك ! كأني بك قتيلاً تسفي عليك الريح.. إن الشيطان قد استهواكم، فاتقوا الله عز وجل، إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها؛ فخرجا من عنده يحكّمان " (1)
هذه الروايات التي نقلها الطبري في كتابه واعتمد عليها الكتاب الذين لم ينصفوا أهل النهروان ضعيفة باطلة ساقطة لورودها من قبل أبي مخنف الراوي التالف المتروك (2) .
ويعجب الإنسان من أناس حملوا من الإجازات العلمية ما تؤهلهم للوصول إلى معرفة الغث من السمين من الروايات ومع هذا نجدهم لا يبالون من أي مورد يستقون، ولا من أي نبع يشربون، كل همهم الكيد لأهل النهروان وأتباعهم الإباضية الذين وقفوا أمام غطرسة بني أمية وظلم بني العباس وضحوا بأنفسهم لأجل الخلافة الراشدة.
فكل الذين نالوا من أهل النهروان نجدهم يعتمدون على روايات ضعيفة أبطالها أناسٌ لم تحفل الأمة بأخبارهم بل أطلقت عليها وابلا من قذائف الحق فأصبحت في أنظار أهل الحق والاستقامة ركاماً تحبط مقتنيها وتردي به في مضائق الجهل.
فقد تبين لك أعلاه أن بطل هذه الرواية هو أبو مخنف التالف. وأما متنها فيتناقض مع رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد والنسائي وابن أبي شيبة وأبو يعلى.
رواية تجاهلها كتاب التاريخ والفرق
قال الإمام أحمد (3) :
__________
(1) تاريخ الطبري ج3 / ص113 - 114
(2) لسان الميزان ت :8/6776، ج4 / ص584 وكذلك كتاب الجرح والتعديل ت: 1030 ، ج7 /ص182
(3) مسند الإمام أحمد، الرواية : 15408.
وجاءت هذه الرواية عند النسائي في السنن الكبرى " أنا أحمد بن سليمان نا يعلى بن عبيد نا عبد العزيز ابن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال أتيت أبا وائل أسأله... " ( الرواية : 11504، ج6/ص463).
وجاءت هذه الرواية أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة " ابن نمير قال حدثنا عبد العزيز ابن سياه قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل قال أتيته فسألته .. " ( الرواية : 19760، ج15/ص317)
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند أبي يعلى " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبد العزيز بن سياه حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل قال أتيته فسألته .. " ( الرواية: 473، ج1/ص364 ). (1/143)
صفحة 144
" حدثنا يعلى بن عبيد (1) عن عبد العزيز ابن سياه (2) عن حبيب بن أبي ثابت (3) قال أتيت أبا وائل (4)
__________
(1) يعلى بن عبيد بن أمية الأيادي
"قال صالح بن أحمد عن أبيه كان صحيح الحديث وكان صالحاً في نفسه وقال علي بن الحسن الهسنجاني عن أحمد : يعلى أصح حديثاً من محمد بن عبيد وأحفظ. وقال إسحاق ابن منصور عن ابن معين ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين ضعيف في سفيان ثقة في غيره. وقال أبو حاتم صدوق.. قلت [ ابن حجر ] :.. وقال [ ابن سعد ]: ثقة كثير الحديث.." (تهذيب التهذيب، ت : 8165، ج11 /ص351 )
(2) عبد العزيز بن سياه الأسدي الحماني الكوفي
" قال ابن معين وأبو داود : ثقة وقال أبو زرعة به وهو من كبار الشيعة وقال أبو حاتم محله الصدق. وذكره ابن حبان في " الثقات ". قلت [ ابن حجر ] : ووثقه العجلي وابن نمير ويعقوب بن سفيان "(تهذيب التهذيب، ت : 4252، ج6/ ص299)
(3) حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار.. أبو يحيى الكوفي
".. وقال العجلي : كوفي، تابعي، ثقة. وقال ابن معين، والنسائي : ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين : ثقة حجة.. وقال الأزدي : وحبيب ثقة صدوق.. وقال ابن خزيمة في صحيحه : كان مدلساً.." (تهذيب التهذيب، ت : 1148، ج 2 / ص 165) كون حبيب مدلساً لا يضر هذه الرواية لأنه صرح فيها بالسماع عن شيخه أبي وائل.
(4) أبو وائل هو شقيق بن سلمة الأسدي
".. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين : ثقة لا تسأل عن مثله. وقال وكيع : كان ثقة. وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث.. وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أنه ثقة.." ( تهذيب التهذيب، ت : 2914، ج4/ ص329 - 330 ) (1/144)
صفحة 145
في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي بالنهروان فيم استجابوا له وفيم فارقوه وفيم استحل قتالهم؟ قال: كنا بصفين فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن العاص لمعاوية أرسل إلى علي بمصحف وادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك فجاء به رجل فقال بيننا وبينكم كتاب الله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } فقال علي: نعم أنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله قال فجاءته الخوارج (1)
__________
(1) المتتبع للمعاني التي استخدمت لأجلها كلمة الخوارج يجدها متباينة ومختلفة، وهذا التباين مرتبط باختلاف المقاصد:
1) ... كلمة "الخوارج" في هذه الرواية تعني الذين عارضوا التحكيم الذي جرى بين الإمام علي -كرم الله وجهه- ومعاوية بن أبي سفيان، وهذا المدلول قبله بعض أتباع أهل النهروان لأنهم لم يجدوا في ذلك أي حرج.
2) ... فسر الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - كلمة " الخوارج" في الذين قتلوا الصحابي الجليل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - ، ومن المعلوم أن عمار بن ياسر قتل يوم صفين.انظر رواية الحاكم ص 220
3) ... وجاءت كلمة "الخوارج" في كتب السير عند الإباضية لتحمل معنى الخروج على الظلم والجور الذي مارسه عمال بني أمية وكذلك الخروج على الدين الذي قام به نافع بن الأزرق. فقد ذكر أحد علماء الإباضية هذين المعنيين في فقرة واحدة حيث قال: ".. وكذلك عبيد الله بن زياد وأشياعهم ففارقهم المسلمون وأنكروا جورهم وخطئوا من دان بطاعتهم أو تولاهم أو تولى لهم، فلما كثر الجور واستخفوا الإسلام خرج عليهم المرداس بن حدير فيمن اتبعه فأظهر دين المسلمين ودعا إلى طاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجاهد الجبابرة على ذلك حتى قتل.. وعلى ذلك تتابعت الخوارج من أهل الحق، فلما خرج نافع ابن الأزرق انتحل الهجرة وسبى أهل القبلة واستحل استعراضهم بالقتل وسماهم بالشرك. وتتابعت خوارج الجور على سبي أهل القبلة وتسميتهم بالشرك. ففارقهم عبد الله بن إباض وأنكر عليهم وبين ضلالهم، والمسلمون معه ممن كان في عصره ومشهور فضلهم وخطئوا الخوارج وبينوا ضلالتهم ولم يرضوا لأنفسهم بالسكوت، وأنكروا عليهم وعلى جميع الجبابرة ومن شايعهم ودان بطاعتهم.."( انظر السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج2/ص84-85)
4) ... وفي هذا العصر فسر الشيخ محمد الغزالي كلمة "الخوارج" في الصحابة رضوان الله عليهم حيث قال: " فقد كان المسلمون بعد تسعة عشر عاماً من بدء الدعوة يُعَدُّون خوارج على القانون! كان المشركون يشمئزون من عقيدة التوحيد، ويبطشون بجميع دعاتها لو استطاعوا !." (انظر السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 196)
5) ... وفي هذا العصر أيضاً وصف الأستاذ الشيخ محمد قطب الصحابة بـ " الخارجين " حيث قال:
? ... ".. وكان حديث الملأ في ندواتهم حين يتداولون الحديث في شأن هذه الفئة الخارجة عليهم، التي لا تستجيب لتهديد، ولا يثني عزمها إيذاء.."( انظر كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 72)
? ... ".. ستكون الصورة أنها معركة داخلية بين بعض الأفراد الخارجين على النظام، الخارجين على أهليهم وذويهم وأولي الأمر فيهم، وبين السلطة الشرعية التي تقوم بتأديبهم لتستتب الأمور على الوضع الذي كانت عليه قبل ظهور أولئك المشاغبين الناشزين الذين خرجوا على كل عرف مألوف.." ( انظر كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 79)
6) ... والأستاذ سيد قطب وصف أصحاب الكهف والصحابة بـ " الخارجين " حيث قال:
? ... ".. وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم ويعرف مخبؤهم، فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجماً -بوصفهم خارجين على الدين لأنهم يعبدون إلهاً واحداً في المدينة المشركة!- أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب." ( انظر في ظلال القرآن، ج4/ص2264)
? ... ".. في حين وقف المجتمع الجاهلي يدفع عن وجوده الذاتي خطر هذا التجمع الجديد الخارج عليه قبل اللقاء في المعركة الحربية.." ( انظر في ظلال القرآن، ج3/ص1558)
7) ... وهناك الكثير من الكتاب الذين أعطوا كلمة " الخوارج " معنىً آخر، فمثلاً ابن خلدون اعتبر الصراع لأجل السيطرة والحكم هو صراع بين دولة قائمة وخوارج منازعين لها. وهذا التعريف ينطبق على كل الدول التي تمكنت من الحكم بعد منازعة الدول السابقة لها. وخير مثال على ذلك هو دولة بني العباس التي قامت على أنقاض دولة بني أمية بعد معارك وحروب بدأت من خراسان حيث منبت الدعوة العباسية وانتهت في صعيد مصر حيث مقتل آخر ملوك بني أمية.
فقد قال ابن خلدون ".. فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف ويبادر الخوارج على الدولة من الأعياص وغيرهم.. ولا يزال ذلك يتدرج ونطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة.."( انظر المقدمة، ص364. وانظر كذلك نحو هذا القول في المقدمة ص 229، 232،334،350، 376)
8) ... ويربط ابن خلدون حركة ظهور الخوارج بحركة الكواكب والنجوم، فقد قال: ".. وهذا القران الذي هو قران العلويين ينقسم إلى كبير وصغير ووسط.. والصغير هو اقتران العلويين في درجة برج وبعد عشرين سنة يقترنان في برج آخر على تثليثه الأيمن في مثل درجه أو دقائقه.. والصغير [ يدل ] على ظهور الخوارج والدعاة وخراب المدن.. وبرج السرطان هو طالع العالم وفيه وبال زحل وهبوط المريخ فتعظم دلالة هذا القران في الفتن والحروب وسفك الدماء وظهور الخوارج وحركة العساكر وعصيان الجند.." ( انظر المقدمة، ص417 )
إنه لمن المفيد للقارئ أن يقرأ ما كتبه الشيخ الدكتور فرحات الجعبيري حول معنى كلمة الخوارج وعن الأسماء التي تسمى بها أتباع أهل النهروان وعن الأسباب التي جعلت الإباضية يرفضون المعنى الاصطلاحى لكلمة " الخوارج " في هذا العصر. ( انظر البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 48، 52، 54، 56، 57، 60، 82، 88.. ) (1/145)
صفحة 146
ونحن ندعوهم يومئذ القراء (1)
__________
(1) قال ابن خلدون في شرحه لمعنى لكلمة القراء:
".. ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم. وإنما كان ذلك مختصاً بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته بما تلقوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم. وكانوا يسموّن لذلك القراء أي الذين يقرأون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أمية. فاختص من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ. وبقي الأمر كذلك صدر الملة.. وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلماً فبُدِّلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء.."( انظر المقدمة، ص563-564).
وقال في موضع آخر: " والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ولا دُفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة. وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله إلى القراء أي الذين يقرأون الكتاب وليسوا أميين لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عرباً فقيل لحملة القرآن يؤمئذ قرّاءٌ إشارة إلى هذا. فهم قرّاءٌ لكتاب الله والسنة المأثورة عن [رسول] الله لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح " ( انظر المقدمة، ص 747 ).
وقول ابن خلدون هذا له شواهد كثيرة من كتب السنة نذكر منها مثالاً واحداً من صحيح الإمام مسلم:
"حدثني محمد بن حاتم حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك قال جاء ناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء فبعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا قال وأتى رجل حراما، خال أنس، من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام فزت ورب الكعبة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا " ( المنهاج- شرح صحيح مسلم بن الحجاج- الرواية :4894، م7،ج13/ص49) (1/146)
صفحة 147
وسيوفهم على عواتقهم فقالوا يا أمير المؤمنين ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم فتكلم سهل بن حنيف فقال يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على باطل أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني أبدا قال فرجع وهو متغيظ فلم يصبر حتى أتى أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم فقال يا ابن الخطاب إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولن يضيعه الله أبدا قال فنزلت سورة الفتح قال فأرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر فأقرأها إياه قال يا رسول الله وفتح هو قال نعم"
هذه الرواية الصحيحة تنسف كل الأخبار (1) التي سطرت في كتب المقالات وتجعلها هباءً منثوراً، فالعجب كل العجب من أولئك الناس الذين يدعون اتباع الإمام أحمد وهم لا يأخذون بما صح من روايات مسنده، بل نجدهم يلهثون خلف أولئك الذين أسقط عدالتهم الإمام أحمد وغيره من علماء الجرح والتعديل.
من هذه الرواية يتضح لنا:
__________
(1) قال الدكتور حسين عبيد غانم غباش بعد أن ذكر رواية القلهاتي ( العالم الإباضي ) والتي يتفق معناها مع معنى رواية الإمام أحمد هذه : " هذه الرواية للوقائع تعيد وضع مجموعة من كتابات مؤرخين مسلمين غير إباضيين، وعلى الأخص ما يدعيّ منها أن الخوارج شجعوا علياً على قبول مبدأ التحكيم، موضع المساءلة ، بل ويدحضها. " ( انظر عمان الديمقراطية الإسلامية، ص 53 ) (1/147)
صفحة 148
1- أن الواقع الصادق الذي كان عليه أهل النهروان هو التضحية بالأرواح في سبيل الخلافة العظمى لكي تبقى مصونة الجانب في يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
2- وكذلك قبول الإمام علي -كرم الله وجهه- للحكومة في مسألة من يكون خليفة المستقبل هو أمر أقدم عليه الإمام علي -كرم الله وجهه- من غير أن يجبره عليه أحد.
3- أن أساس الحكومة وشرطها لم يضمن بقاء خاتم الخلافة في أصبع الإمام علي.
4- لم يكن من شروط الصلح أن يذعن معاوية لأمر الخليفة علي -كرم الله وجهه- ويظهر الطاعة والاستسلام.
وجاء عند ابن أبي شيبة وأبي يعلى زيادة على رواية الإمام أحمد والنسائي السابقة: (1/148)
صفحة 149
".. ثم إنهم خرجوا بحوراء أولئك العصابة من الخوارج بضعة عشر ألفا فأرسل إليهم علي ينشدهم الله فأبوا عليه فأتاهم صعصعة بن صوحان فأنشدهم وقال علام تقاتلون خليفتكم قالوا مخافة الفتنة قال فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة عام قابل فرجعوا وقالوا نسير على ما جئنا فإن قبل علي القضية قاتلنا على ما قاتلنا يوم صفين وإن نقضها قاتلنا معه فساروا حتى بلغوا النهروان فافترقت منهم فرقة فجعلوا يهدون الناس قتلاً (1) قال أصحابهم ويلكم ما على هذا فارقنا عليا فبلغ عليا أمرهم فقام فخطب الناس فقال ما ترون أنسير إلى أهل الشام أم نرجع إلى هؤلاء الذين خلفوا إلى ذراريكم قالوا بل نرجع إليهم فذكر أمرهم فحدث عنهم بما قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن فرقة تخرج عند اختلاف من الناس يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق علامتهم رجل منهم يده كثدي المرأة فساروا حتى التقوا بالنهروان فاقتتلوا قتالا شديدا فجعلت خيل علي لا تقوم لهم فقام علي فقال يا أيها الناس إن كنتم إنما تقاتلون لي فوالله ما عندي ما أجزيكم وإن كنتم إنما تقاتلون لله فلا يكون هذا فعالكم فحمل الناس حملة واحدة فانجلت الخيل عنهم وهم مكبون على وجوههم فقال علي اطلبوا الرجل فيهم فطلب الناس الرجل فلم يجدوه حتى قال بعضهم غرنا ابن أبي طالب من إخواننا حتى قتلناهم قال فدمعت عين علي فدعا بدابته فركبها فانطلق حتى أتى وهدة فيها قتلى بعضهم على بعض فجعل يجر بأرجلهم حتى وجد الرجل تحتهم فأخبروه فقال علي الله أكبر وفرح وفرح الناس ورجعوا وقال علي لا أغزو العام ورجع إلى الكوفة وقتل رحمه الله واستخلف حسن وسار سيرة أبيه ثم بعث بالبيعة إلى معاوية "
من هذه الزيادة التي جاءت عند ابن أبي شيبة وأبي يعلى يتضح لنا الآتي:
__________
(1) جاء عند أبي يعلى: " ليلاً " وقد اعتمدنا على رواية ابن أبي شيبة في إثبات كلمة "قتلاً " (1/149)
صفحة 150
1- أن عدد الذين انفصلوا من جيش الإمام علي -كرم الله وجهه- يفوق العشرة آلاف من القراء الفقهاء الدارسين للكتاب العزيز والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.
2- الأسباب التي بدأت بها حرب صفين - وهي اخضاع أهل الشام لأمر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- لم تزل قائمة وقت قبول التحكيم من قِبَل الإمام علي كرم الله وجهه لهذا رفض أهل النهروان الحكومة من أساسها، وهذا يظهر من قولهم: ".. فرجعوا وقالوا نسير على ما جئنا فإن قبل علي القضية قاتلنا على ما قاتلنا يوم صفين وإن نقضها قاتلنا معه فساروا حتى بلغوا النهروان.."
3- بعد نهاية حرب النهروان ظهر الحزن على أصحاب الإمام علي -كرم الله وجهه- وذرفت عينه دموعاً على اتهامهم له بإغراره لهم من إخوانهم، ويتضح ذلك من قول الراوي: ".. قال بعضهم غرنا ابن أبي طالب من إخواننا حتى قتلناهم قال فدمعت عين علي.. "
4- أن هناك فرقة انفصلت عن أهل النهروان فأخذت تهدّ الناس قتلاً، فما كان من أهل النهر إلا أن نابذوهم ودعوا عليهم بالويل. ويتضح ذلك من قول الراوي : ".. فافترقت منهم فرقة فجعلوا يهدون الناس قتلاً قال لهم أصحابهم ويلكم ما على هذا فارقنا علياً فبلغ علياً أمرهم فقام فخطب الناس فقال ما ترون أنسير إلى أهل الشام أم نرجع إلى هؤلاء الذين خلفوا إلى ذراريكم قالوا بل نرجع إليهم.."
شخصية ذي الثدية (1/150)
صفحة 151
قال الإمام مسلم: " وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا ابن علية وحماد بن زيد ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب -واللفظ لهما- قالا حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد عن عبيدة عن علي قال ذكر الخوارج فقال فيهم رجل مخدج اليد أو مودن اليد أو مثدون اليد لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - قال قلت آنت سمعته من محمد - صلى الله عليه وسلم - قال إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة".
طرق رواية الإمام مسلم هذه في كتب الحديث (1) منها الصحيح ومنها المطعون في رجال أسانيدها. ومما تعارف عليه علماء الحديث هو أن صحة الإسناد ليس وحده المرجح للرواية والداعي لقبولها، بل لا بد من النظر في المتن، وعرض الرواية على ما ثبت من الأدلة. فقد قال ابن تيمية: " كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان، فرب زيادة لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك، ومن مارس هذا الفن لم يكن يخفى عليه مواقع ذلك، ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب تدخل وطرق تسلك ومسالك تطرق" (2) .
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث: 2462 و2463، م4 ج7 / ص170.
- سنن أبي داود، الحديث :4763، ج5/ ص120 - 121
-السنن الكبرى للبيهقي، الحديث : 16699، ج8 / ص295، دار الكتب العلمية.
-دلائل النبوة للبيهقي، ج6 / ص 431( أخرج البيهقي ثلاث روايات في نفس الجزء والصفحة )
-سنن ابن ماجة، الحديث : 167، ج1 / ص59
-مسند الإمام أحمد، الرواية :592،697،861،935،936،941، 1161، 1261
- مسند أبي داود الطيالسي، الرواية : 166، ص 24
-مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18657، ج10 / ص 150 -151
- مصنف ابن أبي شيبة، الرواية : 19744، ج15/ص311-312
(2) علم الحديث لابن تيمية، ص 39 (1/151)
صفحة 152
وقال ابن كثير : " والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً " (1)
رواية الإمام مسلم جعلت من شخص المخدج آية وعلامة يستحق بسببها أهل النهروان القتل، وهذا قول يعارضه الفكر الإسلامي؛ فليس هناك ذنب على أناس وجد في صفوفهم كائن خلقه الله على ما أراد وصوره على ما تقتضيه حكمته جل وعلا. والناظر في روح الإسلام يجد أن ميزان التقرب إلى الله تعالى هو الإيمان الصادق والعمل الصالح. وجاءت العقيدة الإسلامية لتعمق في قلوب الناس أن " كل خلق الله حسن " (2) ، وأن الله تعالى لا ينظر إلى الأشكال والألوان ولكنه ينظر إلى الأعمال الصالحة والقلوب الطاهرة.
وجاء عند أبي داود الطيالسي رواية صحيحة تعمق هذا الفكر في عقول المسلمين وتستأصل الشعور بالفوارق الجسدية التي تظهر على أفراد جنس البشر.
__________
(1) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص 37
(2) هذا جزء من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (الرواية:7240 و 7241، ج7/ص 315- 316 ) والحميدي في المسند ( ج2/ص354 ) (1/152)
صفحة 153
قال الطيالسي (1) :" حدثنا شعبة (2) عن أبي عمران (3) سمع عبد الله بن الصامت (4) عن أبي ذر قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي مخدج الأطراف "
فالرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - حسب رواية الطيالسي لم يحذر أبا ذر - رضي الله عنه - من مخدج الأطراف بل أمره بالسمع والطاعة له في حدود شرع الله، وهذه النصيحة النبوية كان لها الأثر العميق في حياة ذلك الجيل الطاهر الزكي الذي شرفه الله تعالى بأن جعله قدوة حسنة لأجيال المسلمين المتعاقبة إلى يوم الدين.
فوجود مخدج الأطراف من بين بعض الناس ليس فيه دليل على فساد مسلكهم، لأن هذا مخالف تمام المخالفة لروح الإسلام ومعارض لما أرشدت إليه رواية الطيالسي الصحيحة السابقة.
وجاءت رواية عند الحاكم تذكر أن ذا الثدية قد قتله عمرو بن العاص في مصر (5) .
__________
(1) مسند أبي داود الطيالسي، الرواية:452، ص 61
(2) " شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري ثقة حافظ متقن كان الثوري يقول هو أمير المؤمنين في الحديث وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدا من السابعة " ( تقريب التهذيب،ت:2798، ج1/ص418)
(3) " عبد الملك بن حبيب أبو عمران الجوني.. عن يحيى بن معين أنه قال: أبو عمران الجوني ثقة نا عبد الرحمن قال سألت أبى عن أبي عمران الجوني فقال: صالح" ( الجرح والتعديل،ت:1636، ج5/ص346)
(4) "عبد الله بن الصامت الغفاري البصري ثقة من الثالثة " ( تقريب التهذيب، ت:3402،ج1/ص502)
(5) نص الرواية هو كالآتي:
"أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى ومحمد بن محمد بن يعقوب الحافظ قالا ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق قال قالت لي عائشة رضي الله تعالى عنها: إني رأيتني على تل وحولي بقر تنحر. فقلت لها: لئن صدقت رؤياك لتكونن حولك ملحمة قالت أعوذ بالله من شرك، بئس ما قلت. فقلت لها: فلعله إن كان أمراً سيسوءك فقالت: والله لئن أخر من السماء أحب إلي من أن أفعل ذلك، فلما كان بعد ذكر عندها أن عليا رضي الله تعالى عنه قتل ذا الثدية فقالت لي: إذا أنت قدمت الكوفة فاكتب لي ناسا ممن شهد ذلك ممن تعرف من أهل البلد، فلما قدمت وجدت الناس أشياعا فكتبت لها من كل شيع عشرة ممن شهد ذلك. قال: فأتيتها بشهادتهم فقالت: لعن الله عمرو بن العاص فإنه زعم لي أنه قتله بمصر. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (المستدرك على الصحيحين،الرواية:6744، ج4/ص14،مراجعة مصطفى عبد القادر عطا) (1/153)
صفحة 154
فقد قال الحاكم: " أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى (1) ومحمد بن محمد بن يعقوب الحافظ (2)
__________
(1) إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد الله أبو إسحاق المزكى النيسابوري سمع محمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن إسحاق السراج.... وكان ثقة ثبتا مكثرا مواصلا للحج انتخب عليه ببغداد أبو الحسن الدارقطني وكتب عنه الناس بانتخابه علما كثيرا وروى ببغداد مصنفات أبي العباس السراج مثل كتاب التاريخ وكتاب الأخوة والأخوات وغيرهما من كتبه وروى أيضا تاريخ البخاري الكبير وعدة من كتب مسلم بن الحجاج.... وكان من العباد المجتهدين الحجاجين المنفقين على العلماء " ( تاريخ بغداد، ت:3219، ج6/ص168)
(2) محمد بن محمد بن يعقوب بن إسماعيل بن الحجاج بن الجراح أبو الحسين النيسابوري المعروف بالحجاجى كان أحد قراء القرآن قرأ على أبى بكر بن مجاهد وسمع أبا بكر بن خزيمة ومحمد بن إسحاق السراج ... وكان عابدا صالحا ثبتا حافظا صنف العلل والشيوخ والأبواب وحدث ببغداد.. وقال أبو نعيم سمعت أبا علي الحافظ غير مرة يقول ما في أصحابنا أفهم ولا اثبت من أبى الحسين وأنا ألقبه بعفان لثقته..." ( تاريخ بغداد،ت:1284، ج3/ص223) (1/154)
صفحة 155
قالا ثنا محمد بن إسحاق الثقفي (1) ثنا قتيبة بن سعيد (2) ثنا جرير (3) عن الأعمش (4) عن أبي وائل (5) عن مسروق (6) قال: قالت لي عائشة -رضي الله تعالى عنها-: .... لعن الله عمرو بن العاص فإنه زعم لي أنه قتله بمصر"
__________
(1) السراج الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفى مولاهم النيسابوري صاحب المسند والتاريخ ولد سنة ست عشرة ومائتين ورأى يحيى بن يحيى التميمي وسمع قتيبة بن سعيد ... " ( تذكرة الحفاظ، ت: 735، ج2/ص731)
(2) " قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني يقال اسمه يحيى وقيل علي ثقة ثبت من العاشرة " ( تقريب التهذيب،ت:5539، ج2/ص27)
(3) جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه ( تقريب التهذيب، ت:918، ج1/ص158)
(4) الأعمش (أبو محمد سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي)
قال الذهبي: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال " عن " تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم : كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان؛ فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال. ( ميزان الاعتدال، ت: 3517، ج2/ص224) وانظر ص254 من هذا البحث.
(5) أبو وائل هو شقيق بن سلمة الأسدي انظر الهامش 412 ص180
(6) مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي ثقة فقيه عابد مخضرم من الثانية مات سنة اثنتين ويقال سنة ثلاث وستين ( تقريب التهذيب، ت:6622، ج2/ص175) (1/155)
صفحة 156
وهناك روايات كثيرة لم تخل من مطعن تذكر اسم هذا المخدج ووصفه وجنسه: فقد جاء أنه كان يجالس الناس في المسجد ويشهد طعام الإمام علي -كرم الله وجهه- وكان يسمى نافعاً أو حرقوساً (1) ( بالسين )، وأنه كان حبشياً عليه قريطق له إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعيرات مثل الشعيرات التي تكون على ذنب اليربوع (2) ، وأنه كان أكبر ثلاثة أخوة من الجن (3) وهو شيطان الردهة (4) .
لعلك تدرك أخي القارئ الكريم مما ذكرناه هنا أن الروايات الصحيحة السند ليس فيها متعلق لأحد على أهل النهروان وذلك بسبب تعارض مدلولها مع الفكر الإسلامي، وتعارض بعضها مع بعض في بيان الوقائع التاريخية.
نظرة حول قضية التحكيم وموقعة النهروان
__________
(1) سنن أبي داود، الحديث : 4770، ج5/ص127
(2) المصدر السابق، الحديث : 4769، ج5/ص126- 127
(3) مسند الإمام أحمد، الرواية: 1135
(4) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية : 19767، ج15 / ص 322 -323. ودلائل النبوة، ج6 / ص433 -434. وكشف الأستار عن زوائد البزار، الرواية : 1854، ج2/ص361. ومسند الإمام أحمد، الرواية:1469 (1/156)
صفحة 157
إن الذي لمسناه من أخبار تلك الأحداث هو أن الحرب التي جرت بين الإمام علي -كرم الله وجهه- وأهل الجمل وأهل الشام كان أساسها ومبدؤها ترسيخ قوائم الخلافة في أرض الخلافة، لهذا وجد أهل النهروان أنفسهم ملزمين بالوفاء للخليفة فباعوا نفوسهم الغالية لما هو أبقى وأغلى منها. ولكنهم حينما رأوا الخليفة يتنازل عن مكانه السامق الذي قدموا لأجله أرواحهم الزكية ودماءهم العطرة ما كان منهم إلا أن يطالبوا الإمام علياً بالاستمرار على ما كان عليه كما وضحت ذلك رواية الإمام أحمد السابقة. فلو كان أحد أركان الصلح هو استسلام معاوية لأمر الإمام علي -كرم الله وجهه- لكان أهل النهروان أول الناس قبولاً ورضاءً ولكان ذلك مرغوباً فيه من قِبَلهم. ولكنهم عرفوا أن محاولة معاوية وعمرو بن العاص في إيقاف الحرب ليس معناه الاستسلام للإمام علي -كرم الله وجهه- وتفويض الأمر إليه، بل كانت تلك المحاولة هي لأجل الخروج من المأزق الذي آل إليه جيش معاوية حين ظهرت علامات الهزيمة تدب في صفوف أهل الشام.
فمنذ أن قُبلت شروط الحكومة من قِبَل الإمام علي -كرم الله وجهه- ومعاوية، لم يكن هناك خليفة (1) بالمعنى الشرعي على كافة المسلمين، إذ أصبح الإمام علي -كرم الله وجهه- ومعاوية في منزلة واحدة في محكمة عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري،وصار مصير الخلافة مرهوناً بلباقة وذكاء واختيار وشروط أحد الحكمين.
فقد أورد البلاذري (2) :
__________
(1) قال الشيخ السالمي - رحمه الله - " فاعتزلوه بعد أن خلع نفسه بتحكيم الرجال في إمامته وهو يظن أن الأمر باق في يده وهيهات.. فقد أعطى العهود والمواثيق على قبول حكم الرجلين.. " ( انظر تحفة الأعيان ج1/ص80 )
(2) انظر أنساب الأشراف، ج3/ص119-120) (1/157)
صفحة 158
" وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي (1) ، حدثني أبو خثيمة (2) ، حدثنا وهب بن جرير (3) ، حدثنا أبي (4) قال: سمعت يعلى بن حكيم (5) يحدث عن نافع (6) قال: لما اجتمعوا بدومة الجندل قال عمرو لابن عمر: إنا قد رأينا أن نبايعك فهل لك أن نعطيك مالاً وتدعها لمن هو أحرص عليها؟ فوثب ابن عمر مغضباً ، فأخذ ابن الزبير بثوبه فجلس وقال: ويحك يا عمرو بعت آخرتك بدنياك، إني والله لا أعطي عليها مالاً، ولا أقبل عليها مالاً، ولا أقبلها إلا عن رضى جميع الناس".
وأورد البلاذري ايضاً : " حدثني أبو خيثمة ، حدثنا وهب، عن جويرية بن أسماء، عن نافع ، أن ابن عمر شهد مجتمعهم بأذرح للحكومة وأن عمراً قال له: ما تجعل لي إن صرفتها إليك؟ قال: لا أجعل لك والله شيئاً ولا أقبلها حتى لا يختلف عليَ فيها اثنان".
هنالك وبعد أن أصبح منصب الإمامة شاغراً، وقبل اجتماع الحكمين أعاد أهل النهروان ما فقدوه؛ فقاموا بنصب إمامٍ يستظلون تحت رايته.
ونتيجة لتلك الأحداث أصبح في الساحة ثلاثة معسكرات :
الأول:- معسكر الإمام علي -كرم الله وجهه- الذي فقد بسبب قبوله للتحكيم كل صلاحيات الخليفة الشرعي، إذ أصبح يمثل منصب الأمير على الفئة التي أيدته في قبول التحكيم.
الثاني:-معسكر معاوية بن أبي سفيان الذي فرض نفسه على الأمة بقوة السلاح.
__________
(1) أحمد بن إبراهيم الدورقي انظر الهامش 251 ص 117
(2) " زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة، ثبت.." ( تقريب التهذيب، ت:2047، ج1/315)
(3) وهب بن جرير بن حازم ، انظر الهامش 554 ص 224
(4) جرير بن حازم ، انظر الهامش 555 ص 225
(5) "يعلى بن حكيم، الثقفي مولاهم، المكي، نزيل البصرة، ثقة .." ( تقريب التهذيب، ت:7870،ج2/340)
(6) نافع أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه، ..." ( تقريب التهذيب، ت:7112، ج2/ص239) (1/158)
صفحة 159
فقد قال الإمام البخاري في صحيحه: "حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. قال: وأخبرني ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي من الأمر شيء قالت: الحق فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه، ومن أبيه قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله:
فحللت حبوتي وهممت أن أقول أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان قال حبيب: حفظت وعصمت" (1) .
قال ابن حجر في شرحه لهذه الرواية:
"( قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء ): مراده بذلك ما وقع بين علي ومعاوية من القتال في صفين يوم اجتماع الناس على الحكومة بينهم فيما اختلفوا فيه .. ..
(
__________
(1) فتح الباري، الرواية: 4108، ج8/ص161. وجاء نحو هذه الرواية عند عبد الرزاق ( انظر مصنف عبدالرزاق، ج5/ص465-466)، وكذلك عند الزهري ( انظر المغازي النبوية، ص160) (1/159)
صفحة 160
فلما تفرق الناس ): أي بعد أن اختلف الحكمان، وهما أبو موسى الأشعري وكان من قبل علي وعمرو بن العاص وكان من قبل معاوية. ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر في هذا الحديث ( فلما تفرق الحكمان) وهو يفسر المراد ويعين أن القصة كانت بصفين، وجوز بعضهم أن يكون المراد الاجتماع الأخير الذي كان بين معاوية والحسن بن علي ورواية عبد الرزاق ترده، وعلى هذا تقدير الكلام، .... وأبعد من ذلك قول ابن الجوزي في (كشف المشكل) أشار بذلك إلى جعل عمر الخلافة شورى في ستة ولم يجعل له من الأمر شيئاً فأمرته باللحاق، قال: وهذا حكاية الحال التي جرت قبل، وأما قوله فلما تفرق الناس خطب معاوية، كان هذا في زمن معاوية لما أراد أن يجعل ابنه يزيد ولي عهده، كذا قال ولم يأت له بمستند، والمعتمد ما صرح به في رواية عبد الرزاق. ثم وجدت في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال: ( لما كان في اليوم الذي اجتمع فيه معاوية بدومة الجندل قالت حفصة: إنه لا يجمل بك أن تتخلف عن صلح يصلح الله به بين أمة محمد، وأنت صهر رسول الله وابن عمر بن الخطاب، قال فأقبل معاوية يومئذ على بختي عظيم فقال: من يطمع في هذا الأمر أو يرجوه أو يمد إليه عنقه) الحديث أخرجه الطبراني.. " (1) .
فقبل قبول التحكيم كان لزاماً شرعياً على معاوية وأهل الشام الطاعة والانصياع للخليفة علي –كرم الله وجهه- وكان هذا الواجب هو السبب الذي به دارت حرب صفين. وبعد قبول الحكومة أصبحت الخلافة -التي لأجلها تقدم النفوس- خارجة من يد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وأصبح معاوية ينازع الإمام علي -كرم الله وجهه- على إمرة الحج والسيادة على مصر والحجاز واليمن والبصرة.
__________
(1) فتح الباري، ج8/ص162 (1/160)
صفحة 161
ليس من عناصر هذا البحث تتبع الأحداث التي جرت بين الإمام علي -كرم الله وجهه- ومعاوية بن أبي سفيان بعد اجتماع الحكمين. والذي يرغب في معرفة ما جرى من أحداث في تلك الفترة عليه مراجعة كتب التاريخ والسير مع الالتزام التام بضوابط الإسلام في قبول أو رفض الأخبار الواردة.
الثالث:- معسكر الإمام عبد الله بن وهب الراسبي الذي جاءته البيعة بشروطها التي حددها الشرع. لهذا كان لزاماً عليه القيام بوظيفته كإمام منتخب، وكان على الذين بايعوه الطاعة وتقديم النفوس والأموال لمناصرته.
وبعد اجتماع الحكمين أخذ الإمام علي -كرم الله وجهه- في محاولة استرجاع خلافته بالقوة بعد أن سلمها إلى الحكمين طوعاً. فنظر إلى أهل الشام فوجد أن شوكتهم قد قويت وأن الوصول إليهم يستدعي عدة وعتاداً وهذا يتطلب منه جهداً عظيماً. ونظر إلى أهل النهروان وأخذ يطالبهم بالرجوع إليه والانضمام إلى صفه حتى يتمكن من الوصول إلى أهل الشام. ولكن أهل النهروان رأوا أن في أعناقهم بيعة صحيحة لا يصح لهم الرجوع عنها، وبالمقابل طلبوا من الإمام علي - كرم الله وجهه - الانضمام في صفوفهم ومبايعة إمامهم الجديد (1) . لم يرض الطرفان بهذا، وأصرا على رأييهما، ولهذا وقعت واقعة النهروان التي كان من نتائجها قتل الإمام عبد الله بن وهب الراسبي وتفرق من سلم من جنده في الأمصار.
__________
(1) نقل القلهاتي ( العالم الإباضي ) عن أهل النهروان ما نصه : ".. فلسنا نرد عليك توبتك فإن كنت صادقاً فادخل فيما دخل فيه المسلمون في طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة إمام المسلمين عبد الله بن وهب الراسبي، فقد بايعناه بعد خلعنا إياك لاستحقاقك منا أن نخلعك ولا يسعنا إلا ذلك والسلام" (انظرالكشف والبيان، ج2/ص241 ) (1/161)
صفحة 162
جاء في رواية ابن أبي شيبة وأبي يعلى السابقة : ".. قال بعضهم غرنا ابن أبي طالب من إخواننا حتى قتلناهم قال فدمعت عين علي.." ، فلو كان حرب الإمام علي -كرم الله وجهه- لأهل النهروان بسبب ما تدعيه الروايات التاريخية الضعيفة (1) لما كان هناك من مسوغ لذرف الدموع ولا لاتهام الإمام علي -كرم الله وجهه- بالإغرار.
ونحن نرفع من شأن الإمام علي -كرم الله وجهه- ومن شأن أهل النهروان من أن يبدءوا حرباً من غير التثبت من مبرراتها. فقد رأى الإمام علي -كرم الله وجهه- إقدام أهل النهروان على مبايعة أحدهم خروجاً على طاعته، لهذا رأى إخضاعهم بالقوة مستخدماً نفس الرأي الذي قاتل به معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام. وأما أهل النهروان فقد رأوا أن الخلافة قد خرجت من يد الإمام علي -كرم الله وجهه- بعد أن تعهد بالوفاء بكل ما تسفر (2) عنه الحكومة من أحكام، فما كان منهم إلا الدفاع عن خليفتهم الذي بايعوه.
وحقيقة الأمر أن سبب واقعة النهروان هو الخلاف في مسألة من هو الإمام لتلك الفترة وليس بسبب المخالفات الشرعية التي نسبت إلى أهل النهروان ظلماً وزوراً. وما نسب إليهم من قتلهم لعبد الله بن خباب واتهامهم للإمام علي -كرم الله وجهه- بالكفر والشرك لم يستند إلى رواية صحيحة يجوز الاحتجاج بها، وسنأتي على تلك الروايات بعد قليل إن شاء الله تعالى.
__________
(1) انظر القسم الثاني والثالث من هذا الفصل
(2) أورد البلاذري ما نصه : " وحدثني أبو زكريا يحيى بن معين، حدثنا عبد الله بن نمير، أنبأنا الأعمش، أنبأنا أبو صالح قال : قال علي : يا أبا موسى احكم ولو في حزّ عنقي " ( أنساب الأشراف، ج3/ص107 ) (1/162)
صفحة 163
وإذا كان لا بد لنا من استخلاص العبر من تلك الأحداث من غير النيل من أولئك الرجال العظام، فإننا نجد أن الذي ذهب إليه أهل النهروان من رفض الحكومة (1) هو الرأي الذي أدركه الإمام علي -كرم الله وجهه- واعترف بسلامته (2)
__________
(1) أورد البلاذري ما نصه : " حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا الأسود بن شيبان قال سمعت الحسن يقول -وذكر الفتنة- إن القوم نعسوا نعسة في دينهم." ( أنساب الأشراف، ج3/ص112-113)
(2) أخرج البلاذري ما نصه:
" حدثني يحيى بن معين، حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، أنبأنا شعبة بن الحجاج، أنبأنا محمد بن عبيد الله الثقفي قال: سمعت أبا صالح يقول: شهدت علياً ووضع المصحف على رأسه حتى سمعت تقعقع الورق فقال: اللهم إني سألتهم ما فيه فمنعوني ذلك، اللهم إني قد مللتهم وملوني.. " ( أنساب الأشراف، ج3/ص156) (1/163)
صفحة 164
بعد اجتماع الحكمين. وهذا الرأي أسس عليه الإباضية (1) مبادئهم في الخليفة والخلافة؛ إذ لا يصح للخليفة المنتخب من قِبَل الأمة أن ينزل عن كرسي الخلافة تحت أي ظرف من الظروف ما دام هو قائماً بكل واجبات الخلافة (2) . وهذا الرأي أخذ به بنو أمية وبنو العباس في توطيد ملكهم إذ لم يسمحوا للمعارضين لهم بالبقاء، فقد جعلوا من منصب الملك مبرراً لاستئصال كل من تسول له نفسه بالوقوف أمام الحكام الظلمة.
القسم الثاني : تهمة التشريك والتكفير
نسب إلى أهل النهروان أقوال هم بريئون منها ولم يأت دليل ثابت على صحة نسبتها إليهم. فقد أكثرت كتب التاريخ والأدب والمقالات وبعض كتب الحديث من نقل روايات تتهم أهل النهروان بتكفير وتشريك الإمام علي - كرم الله وجهه- والنيل من قدره والانتقاص من منزلته التي يتبؤها في قلوب المسلمين.
__________
(1) قال الدكتور نايف عيد جابر : " ومن الواضح أن عصر الفتنة الكبرى، إبان خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، قد شهد خليطاً من الأوضاع ومزيجاً من الأحداث جعلت الأمور أمام الفرق المختلفة غير واضحة المعالم ولا بينة التفاصيل، الأمر الذي انعكس بشدة على التصورات الفكرية والعقائدية للفرق الإسلامية بعد ذلك، إلا أن الإباضية في كل مؤلفاتهم تقريباً، كانوا أكثر هذه الفرق تعقلاً في إبداء آرائهم فعلى الرغم من شدة هجومهم على الدولة الأموية ( وهذا ليس بمستغرب على نشأة الفرقة ودواعي مقاصدهم وشدة هجوم الأمويين عليهم ) إلا أنهم كانوا شديدي التعقل في آرائهم في ولاة الأمر.." ( انظر الإباضية في الخليج العربي، ص 19 )
(2) لمزيد من الإيضاح والبيان اقرأ كتاب " عمان الديمقراطية الإسلامية " من ص67 إلى ص77.
وذكر الشيخ علي يحيى معمر - رحمه الله - المواضيع التي دار حولها البحث في شأن الإمامة وواجبات الإمام وحقوقه كنتيجة لما أعقب التحكيم من أحداث ( انظر الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج2/ص173 ) (1/164)
صفحة 165
وفي هذا القسم أعرض عليك أخي القارئ الكريم الروايات التي يعتمد عليها الكتاب في إلحاق هذه التهم بأهل النهروان، ثم أتبعها بروايات أحسن منها حالاً تنسب الطعن في شخص الإمام علي -كرم الله وجهه- إلى غير أهل النهروان.
وأحب أن أُعيد هنا ما قلته سابقاً من أن هذه الروايات -الضعيفة والصحيحة- لا تنقص من واجباتنا شيئاً ولا تضيف علينا مسئولية فوق ما نتحمله من واجبات العبودية. فعلى الكتاب الذين لا يرضون إلا بإثارة أخبار تلك الفتن في أوساط الأجيال المسلمة أن يفهموا مسئولياتهم ويتحققوا من صحة الأخبار التي يبنون عليها أحكامهم.
أقوال منسوبة إلى أهل النهروان
الرواية الأولى
نقل الطبري:
" (1) .. أن حكيم بن عبد الرحمن بن سعيد البكائي كان يرى رأيَ الخوارج، فأتى علياً ذات يوم وهو يخطب، فقال : { ولقد أُوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } (2) فقال علي : { فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } (3) .. " (4)
هذه الرواية باطلة لورودها من قبل أبي مخنف المتروك
الرواية الثانية
أخرج ابن الجعد في مسنده (5) نحو هذه الرواية:
"حدثنا علي أنا شريك عن عمران بن ظبيان عن أبي يحيى قال :.." ثم أورد الرواية.
__________
(1) سند هذه الرواية هو: " قال أبو مخنف: وحدثنا عن القاسم بن الوليد،.."
(2) سورة الزمر : 65
(3) سورة الروم : 60
(4) تاريخ الطبري ج3 / ص114. وجاءت هذه الرواية عند البلاذري : " حدثنا أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن الصلت بن بهرام.. " ( أنساب الأشراف، ج3/ص128). هذا الطريق منقطع الإسناد لأن الصلت بن بهرام لم يشاهد تلك الأحداث فهو " يروى عن جماعة من التابعين.. "( انظر لسان الميزان،ت: 107/4253، ج3/ص236 )،لهذا فهو يعد من تابعي التابعين.
(5) مسند ابن الجعد، الرواية : 2462، ج2 / ص877 (1/165)
صفحة 166
جاءت هذه الرواية من طريق شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الذي لم يسلم من التجريح فقد ".. قال الجوزجاني : شريك سيء الحفظ، مضطرب الحديث، مائل. وقال ابن أبي حاتم : قلت لأبي زرعة : شريك يحتج بحديثه؟ قال : كان كثير الخطأ، صاحب حديث وهو يغلط أحياناً. وقال[ ابن سعد ] : كان ثقة مأموناً، كثير الحديث، وكان يغلط. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري : أخطأ في أربعمائة حديث.. وقال محمد بن يحيى بن سعيد عن أبيه : رأيت في أصول شريك تخليطاً. وقال العجلي بعد ما ذكر أنه ثقة إلى آخره : وكان صحيح القضاء، ومن سمع منه قديماً فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد ما ولي القضاء ففي سماعه بعض الاختلاط.. وقال النسائي : ليس بالقوي.وكذا قال الدارقطني. وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالمتين.." (1)
وشريك يروي هذه الرواية عن عمران بن ظبيان الذي هو الآخر لم يسلم من التجريح فقد " قال البخاري فيه نظر.. وقال ابن حبان في الضعفاء أيضاً فحش خطؤه حتى بطل الاحتجاج به، وذكره العقيلي وابن عدي في الضعفاء " (2)
الرواية الثالثة
أخرج عبد الرزاق (3) في مصنفه
"عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني عبد الكريم قال: خرجت الحروراء فتنازعوا علياً، وفارقوه، وشهدوا عليه بالشرك، فلم يَهِجْهم، ثم خرجوا إلى حروراء، فأتي فأخبر أنهم يتجهزون من الكوفة، فقال : دعوهم، ثم خرجوا فنزلوا بنهروان، فمكثوا شهراً، فقيل له : اغزهم الآن، فقال : لا حتى يهريقوا الدماء، ويقطعوا السبيل، ويخيفوا الأمن، فلم يهجهم حتى قتلوا، فغزاهم فقُتلوا.. "
__________
(1) تهذيب التهذيب ت: 2883، ج4 / ص 306- 307 وكذلك انظر كتاب الضعفاء والمتروكين ت : 1623، ج2 / ص39
(2) تهذيب التهذيب، ت : 5372، ج8 / ص 112-113 . وانظر كتاب الضعفاء والمتروكين، ت : 2531، ج2/ص221
(3) مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18573، ج10/ص117 (1/166)
صفحة 167
هذه الرواية لا تقوم بها دعوى لأنها منقطعة الإسناد، فعبد الكريم الجزري يعد من أفراد الطبقة السادسة (1) الذين لم يدركوا الأحداث التي جرت في أيام الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-.
الرواية الرابعة
نقل الطبري في تاريخه (2)
"أبو كريب (3) قال حدثنا ابن إدريس (4) قال : سمعت إسماعيل بن سميع الحنفي (5) ، عن أبي رزين (6) ، قال: لما وقع التحكيم ورجع علي من صفين رجعوا مباينين له، فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل علي في الناس الكوفة، ونزلوا بحَرُوراء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئاً، فخرج إليهم علي فكلّمهم حتى وقع الرِّضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال : إنّ الناس قد تحدّثوا أنك رجعتَ لهم عن كفرك. فخطب الناسَ في صلاة الظهر، فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون : لا حكم إلا لله. واستقبله رجل منهم واضع إصبعيه في أذنيه، فقال : { ولقد أُوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عمُلك ولتكونن من الخاسرين ? } (7)
فقال علي : { فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } (8) "
نناقش هذه الرواية من جانب المتن:
يتضح لنا من متن هذه الرواية الآتي :
__________
(1) تقريب التهذيب، ت: 4168، ج1/ص611
(2) تاريخ الطبري ج3 / ص114 - 115
(3) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي، ثقة، حافظ ( تقريب التهذيب ت: 6224، ج2 / ص121)
(4) عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، ثقة فقيه عابد ( تقريب التهذيب ت: 3218 ، ج1/ ص477)
(5) إسماعيل بن سميع الحنفي، أبو محمد الكوفي صدوق ( تقريب التهذيب، ت:453،ج1/ص95)
(6) مسعود بن مالك، أبو رزين الأسدي الكوفي، ثقة فاضل( تقريب التهذيب، ت:6633 ، ج2 / ص176)
(7) سورة الزمر : 65
(8) سورة الروم : 60 (1/167)
صفحة 168
1) أنها لم تذكر لنا الشخص الذي قال للإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملُك ولتكونن من الخاسرين } (1) والروايات السابقة اللاتي حددن القائلين ضعيفة لكونها جاءت من طريق أبي مخنف التالف.
2 ) في هذه الرواية ما نصه:
" فأتاه رجل فقال : إن الناس قد تحدثوا أنك رجعتَ لهم عن كفرك "
وجاء أيضاً : ".. فوثبوا من نواحي المسجد يقولون :لا حكم إلا لله. واستقبله رجل منهم ووضع إصبعيه في أُذنيه.. "
من هو هذا الرجل الذي أخبر الإمام علي -كرم الله وجهه- بما أخبر؟
ومن هم هؤلاء الذين وثبوا من نواحي المسجد؟
فليس هناك من دليل في هذه الرواية، ولا في غيرها على أن القائلين للإمام علي - كرم الله وجه- تلك المقولة والواثبين من نواحي المسجد هم أهل النهروان.
3) وإذا قلنا بصحة هذه الرواية فإننا نجد أنها تشير إلى أن هناك " طابوراً خامساً " وضع في صف الإمام علي كرم الله وجهه ووكِّل إليه مهمة تمزيق جيشه.
فقد روى ابن أبي شيبة (2) : " يحيى بن آدم قال حدثنا ابن إدريس عن إسماعيل بن سميع الحنفي عن أبي رزين ... " ثم أورد هذه الرواية مع التصريح بأن القائل " إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن كفرك " هو الأشعث بن قيس الذي يعد من الذين باعوا قلوبهم لبني أمية.
وهناك رواية أخرى صحيحة السند ذكرها البلاذري (3) :
__________
(1) سورة الزمر : 65
(2) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية :19746، ج 15 / ص 312
(3) أنساب الأشراف، ج3/ص130-131 (1/168)
صفحة 169
"حدثني الحسين بن علي بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن فراس، عن الشعبي قال: لما حاج علي أهل حروراء دخلوا جميعاً الكوفة ... . ولما دخلوا الكوفة جعل الناس يقولون: تاب أمير المؤمنين وزعم أن الحكومة كفر وضلال. وإنما ننتظر أن يسمن الكراع ثم نشخص إلى الشام. فبلغ ذلك علياً فقال: كذب من قال: إني رجعت عن القضية وقلت إن الحكومة ضلال. وكانت الحرورية قد سكنت فعادت بعد إلى التحكيم "
الذي يهمنا من رواية البلاذري هذه هو قول الراوي ".. جعل الناس يقولون : تاب أمير المؤمنين.. ". والأسئلة التي عرضناها في الرواية السابقة نعرضها هنا.
والجواب على هذه الأسئلة هو أنه ليس هناك من دليل قاطع يثبت أن القائلين لهذه العبارة هم أهل النهروان.
الرواية الخامسة
أخرج البلاذري (1)
" وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان: أن علياً لما كتب كتاب القضية نفروا من ذلك، فحكم من حكم منهم، ثم افترقوا ثلاث فرق: فرجعت فرقة منهم إلى أمصارهم ومنازلهم الأولى فأقاموا بها، فكان ممن رجع الأحنف، وشبث بن ربعي، وأبو بلال مرداس بن أدية، وابن الكواء، بعد أن ناشدهم علي وقال: اصبروا على هذه القضية فإن رأيتموني قابلاً الدنية فعند ذلك ففارقوني فرجعوا إلى العراق إلى منازلهم، وأقامت الفرقة الثانية وقالوا: لا نعجل حتى ننظر إلى ما يصير شأنه، ومضت الفرقة التي شهدت على علي وأصحابه بالشرك؛ وهم أهل النهروان الذين قاتلوه".
هذه الرواية باطلة ساقطة وذلك بسبب ابن جعدبة
__________
(1) المصدر السابق، ج3/ص114-115 (1/169)
صفحة 170
ابن جعدبة: هو يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي أبو الحكم المدني "..قال عبد الحميد بن الوليد المصري عن ابن القاسم: سألت مالكاً عن ابن سمعان فقال كذاب. قلت فيزيد بن عياض قال أكذب وأكذب. وقال الدوري عن ابن معين ليس بشيء وقال أحمد بن صالح المصري أظنه كان يضع للناس، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ضعيف الحديث منكر الحديث، وعن أبي زرعة ضعيف الحديث وأمر أن يضرب على حديثه، وقال البخاري ومسلم منكر الحديث وقال أبو داود ترك حديثه ابن عيينة... وقال النسائي متروك الحديث وقال في موضع آخر كذاب وقال مرة ليس بثقة ولا يكتب حديثه وقال ابن عدي عامة ما يرويه غير محفوظة.
قلت [ ابن حجر ]: وقال العجلي وعلي بن المديني والدارقطني ضعيف. وقال يزيد ابن الهيثم عن ابن معين كان يكذب.. وقال الفلاس ضعيف الحديث جدا وقال الأزدي متروك الحديث وقال الساجي منكر الحديث.." (1)
أقوال منسوبة إلى غير أهل النهروان
الرواية الأولى
قال الحاكم (2) :
__________
(1) تهذيب التهذيب، ت: 8082، ج11/ص306-307
(2) المستدرك على الصحيحين،الرواية:1419، ج1/ص541، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية. (1/170)
صفحة 171
"حدثنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان (1) ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية (2) ثنا رجاء بن محمد العذري (3) ثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين (4) ثنا شعبة (5) عن مسعر (6) عن زياد بن علاقة (7) عن عمه (8)
__________
(1) "محمد بن داود بن سليمان الحافظ الزاهد الحجة شيخ الصوفية أبو بكر النيسابوري.. قال الدارقطني ثقة فاضل.. وقال الخليلي معروف بالحفظ بين حفظه وعلمه في فوائد أملاها.. " (تذكرة الحفاظ، ت: 868، ج3/ ص901 -902 )
(2) "عبد الله بن محمد بن ناجية بن نجبة البربري ثم البغدادي.. كان ثقة ثبتا عارفا بهذا الشأن له مسند كبير قاله الخطيب.. " (تذكرة الحفاظ،ت: 717، ج2/ص696 -697)
(3) " رجاء بن محمد بن رجاء العذري أبو الحسن البصري السقطي ثقة من الحادية عشرة " (تقريب التهذيب، ت: 1932، ج1/ص299)
(4) "عمرو بن محمد بن أبي رزين الخزاعي.. قال أحمد بن سعيد الدارمي دلنا عليه أبو داود الطيالسي. له عنده حديث زيد بن أرقم في الطب. وذكره بن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ سمع منه إبراهيم بن المستمر سنة ست ومائتين قلت وفيها أرخ ابن قانع وفاته وقال بصري صالح وقال الحاكم صدوق " (تهذيب التهذيب ت:5313، ج8/ص81-82 )
(5) "شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي انظر الهامش 422 ص 189
(6) "مسعر بن كدام.. بن ظهير الهلالي أبو سلمة الكوفي ثقة ثبت فاضل " ( انظر تقريب التهذيب، ت:6626 ،ج2/ص176 )
(7) "زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي أبو مالك الكوفي ابن أخي قطبة روى عن عمه.. قال ابن معين والنسائي ثقة وقال أبو حاتم صدوق الحديث وذكره ابن حبان في الثقات.. وقال العجلي كان ثقة وهو في عداد الشيوخ وقال يعقوب بن سفيان كوفي ثقة.." ( انظر تهذيب التهذيب، ت: 2180، ج3/ ص332-333 )
(8) " قطبة بن مالك الثعلبي...صحابي سكن الكوفة " (انظر تقريب التهذيب، ت: 5569، ج2/ص30 ) (1/171)
صفحة 172
أن المغيرة بن شعبة سب علي بن أبي طالب فقام إليه زيد بن أرقم فقال يا مغيرة ألم تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن سب الأموات فلم تسب عليا وقد مات.. "
الرواية الثانية
قال الإمام مسلم
"حدثنا قتيبة بن سعيد (1) حدثنا عبد العزيز (2) -يعنى ابن أبي حازم- عن أبي حازم (3) عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا قال فأبى سهل فقال له: أما إذا أبيت فقل لعن الله أبا التراب فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب وإن كان ليفرح إذا دعي بها.. "
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (4) والبيهقي (5) والحاكم (6)
الرواية الثالثة
قال الترمذي
"حدثنا قتيبة (7) حدثنا حاتم بن إسماعيل (8) عن بكير بن مسمار (9)
__________
(1) " قتيبة بن سعيد بن جميل.. بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني انظر الهامش 429 ص 191
(2) عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني صدوق فقيه من الثامنة ( تقريب التهذيب، ت: 4102، ج1/ص602 )
(3) سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاص مولى الأسود بن سفيان ثقة عابد من الخامسة ( تقريب التهذيب،ت: 2496، ج1/ص376 )
(4) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث : 6179، م8 ج15 /ص176-177
(5) سنن البيهقي الكبرى،الرواية:4137، ج2/ص446، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز
(6) معرفة علوم الحديث، ص210
(7) " قتيبة بن سعيد بن جميل.. بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني.. انظر هامش 429 ص 191
(8) حاتم بن إسماعيل المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاهم أصله من الكوفة صحيح الكتاب صدوق يهم من الثامنة " ( تقريب التهذيب، ت: 997،ج1/ ص170 )
(9) بكير بن مسمار الزهري أبو محمد المدني أخو مهاجر
جاء في تقريب التهذيب " صدوق من الرابعة " ( تقريب التهذيب،ت:768، ج1/ص138 )
وجاء في تهذيب التهذيب ".. قال البخاري فيه نظر وقال العجلي ثقة وقال النسائي ليس به بأس وقال ابن عدي مستقيم الحديث.. وقال الحاكم استشهد به مسلم في موضعين وقال ابن حبان في الثقات وليس هذا ببكير بن مسمار الذي يروي عن الزهري ذاك ضعيف وقال في الضعفاء في ترجمة الذي يروي عن الزهري وقد قيل إنه بكير الدامغاني قال وليس هذا أخا مهاجر ذاك ثقة. قلت[ ابن حجر]: وأما البخاري فجمع بينهما في التاريخ لكنه ما قال فيه نظر إلا عند ما ذكر روايته عن الزهري ورواية أبي بكر الحنفي عنه " ( تهذيب التهذيب، ت: 820، ج1/ص453-454 ) (1/172)
صفحة 173
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص (1) عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا، فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ قال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلن، أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لعلي وخلفه في بعض مغازيه...."
أخرج هذه الرواية الترمذي (2) والإمام مسلم (3) والنسائي (4)
الرواية الرابعة
جاء في العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (5) :
"حدثني أبي قال حدثنا إسماعيل (6) قال حدثنا ابن عون (7) عن عمير بن إسحاق (8) قال: كان مروان أميرا علينا ست سنين فكان يسب عليا كل جمعة ثم عزل ثم استعمل سعيد بن العاص سنتين فكان لا يسبه ثم أعيد مروان فكان يسبه"
إن الشبهات التي يثيرها الضعفاء من الرواة حول أهل النهروان وأتباعهم لا يمكن لها أن تستهوي الباحثين عن الصدق أو تختلب المتسلحين بمنهج الحق. ومهما كثرت الشبهات وحجبت العمش عن رؤية الحق فلن يكون لها وجود أمام من أشرق كيانه بنور الإسلام الهادي إلى سواء السبيل.
__________
(1) عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة من الثالثة ( تقريب التهذيب، ت:3100، ج1/ص460)
(2) سنن الترمذي، الرواية: 3724، ج5/ص638
(3) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث : 6170، م8 ج15 /ص171
(4) السنن الكبرى، الرواية:8399، ج5/ص107-108
(5) العلل ومعرفة الرجال، الرواية:4781، ج3/ص176
(6) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، ثقة حافظ من الثامنة ( تقريب التهذيب، ت:417، ج1/ص90)
(7) عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة ( تقريب التهذيب، ت:3530، ج1/ص520 )
(8) عمير بن إسحاق، أبو محمد، مولى بني هاشم، مقبول من الثالثة ( تقريب التهذيب، ت:5195، ج1/ص754) (1/173)
صفحة 174
ولك أخي القارئ الكريم أن تسأل الذين يقذفون أهل النهروان بالشبهات والأباطيل عن مصادر أخبارهم. ولك أن تسألهم عن السبب الذي يجعلهم يعتمدون على الأخبار الباطلة ويرفضون الروايات السابقة التي ذكرها الإمام أحمد والإمام مسلم والنسائي والترمذي والحاكم.
القسم الثالث: تهمة استعراض الناس وقتل الأبرياء
لقد طفحت كتب التاريخ والمقالات وبعض كتب الحديث بروايات ضعيفة تنسب لأهل النهروان استحلالهم لدماء الأبرياء وأموال المسلمين. وبسبب تلك الروايات الضعيفة ومع عدم وجود التحقيق ترسبت في أذهان الناس صورة شائنة عن أهل النهروان مما جعل التاريخ يظلمهم وينال من حقوقهم. وفي المقابل نجد روايات أحسن منها حالاً تنسب قتل الأبرياء إلى غير أهل النهروان ولكن لعدم تكررها على ألسنة الناس وعدم تناقل الكتاب لها جعل التاريخ من أولئك القتلة عظماء وأبطالا.
من رواية ابن أبي شيبة وأبي يعلى (1) يظهر لنا أن هناك فرقة انفصلت عن أهل النهروان فأخذت تهدّ الناس قتلاً، فما كان من أهل النهر إلا أن نابذوهم ودعوا عليهم بالويل (2) . ويتضح ذلك من قول الراوي : ".. فافترقت منهم فرقة فجعلوا يهدون الناس قتلاً قال لهم أصحابهم ويلكم ما على هذا فارقنا علياً.. "
__________
(1) انظر القسم الأول من هذا الفصل
(2) قال الدكتور محمد عليان بعد أن ذكر نفي الإباضية استعراض أهل النهروان للناس: " ومن الملاحظ أن الشماخي، وهو مؤرخ إباضي توفي في القرن العاشر الهجري، لم يذكر المصدر الذي نقل عنه أن أهل النهروان تبرءوا من مسعر بن فدكي. أما ما نقله عما أسماه بكتاب النهروان فهو هراء لا يقبله أي عقل.."(نشأة الإباضية في البصرة، ص233).
ونحن نقول لهذا الدكتور:لا خير في عقل يعتبر القول الصحيح المؤيد بالأدلة الثابتة هراء في وقت يعتبر فيه أقوال أعداء الله من النصارى والكذابين حجج يركن إليها عند النقاش. (1/174)
صفحة 175
وهذه الفرقة هي التي يقصدها الإمام علي -كرم الله وجهه- بقوله : ".. ما ترون أنسير إلى أهل الشام أم نرجع إلى هؤلاء الذين خلفوا إلى ذراريكم قالوا بل نرجع إليهم.. ".
من هذا يتضح لنا أن هناك قضيتان متباينتان ظهرتا للإمام علي من قِبَل الذين انفصلوا عن جيشه :
1- قضية رفض الحكومة ومبايعة إمام غير الإمام علي كرم الله وجهه، وقد ذكرنا هذه القضية في القسم الأول من هذا الفصل.
2- قضية المخالفات الشرعية التي قامت بها فرقة مطرودة من صفوف أهل النهروان.
فلو وقف الكتاب عند حدود هذه الرواية لتبين لهم الواقع الذي كان عليه أهل النهروان، ولكنهم اعتمدوا على روايات لا تقوم بها حجة فنالوا من أهل النهروان الذين لم يكن من مبادئهم إخافة الآمن ولا قتل البرىء. وفي هذا القسم نعرض الروايات التي اعتمد عليها الكتاب الذين اتهموا أهل النهروان بقتل الأبرياء ثم نذكر روايات تنسب سفك دماء المسلمين إلى غيرهم.
أفعال منسوبة إلى أهل النهروان
الرواية الأولى
قال الإمام الطبري
"حدثني يعقوب، قال حدثني إسماعيل، قال :أخبرنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال : دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ذَعِراً يجرّ رداءه، فقالوا : لَمْ تُرَعْ؟ فقال : والله لقد ذعرتموني ! قالوا : أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: نعم، قالوا : فهل سمعتَ من أبيك حديثاً يحدِّث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر فتنةً، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال : فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول - قال أيوب : ولا أعلمه إلا قال: ( ولا تكن يا عبدالله القاتل ) - قال : نعم، قال : فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها." (1/175)
صفحة 176
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري (1) والإمام أحمد (2) والطبراني (3) والبخاري (4) وأبو يعلى (5) وابن سعد (6) وابن أبي عاصم الشيباني (7) وابن أبي شيبة (8) والبلاذري (9) من طريق حميد بن هلال عن رجل مجهول من عبد القيس، وهي ضعيفة لوجود هذه الجهالة بسندها.
الرواية الثانية
ونقل الإمام الطبري من طريق أبي مخنف التالف الضعيف.
" (10) .. وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم أبا الأسود الدّؤلي، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه، وأقبل يعترض (11) الناس وعلى مقدِّمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حتى لحق بعبدالله بن وهب بالنهر.
وكتبوا [ يقصد أهل النهروان ] إليه: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، إنما غضبتَ لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواءٍ إن الله لا يحب الخائنين. فلما قرأ كتابهم آيس منهم، فرأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام حتى يلقاهم فيناجزهم." (12)
__________
(1) تاريخ الطبري ج3 / ص118 - 119. وانظر كذلك " مقالات الإسلاميين" ص 129
(2) مسند الإمام أحمد، الرواية: 20154
(3) المعجم الكبير، الرواية:3629 و3630، ج4/ص59 -60
(4) التاريخ الصغير ( الأوسط ) ج1/ص78
(5) مسند أبي يعلى، الرواية:7215، ج13/ص176
(6) الطبقات الكبرى، ت:783، ج5/ص190
(7) الآحاد والمثاني ج1/ص215
(8) مصنف ابن أبي شيبة ، الرواية : 19742، ج15 /ص310
(9) أنساب الأشراف، ج3/ص143
(10) جاءت هذه الرواية بهذا السند: " قال أبو مخنف عن عبد الملك بن أبي حرة: .."
(11) اعتمد على هذه الرواية الواهية الأشعري ( انظر مقالات الإسلاميين ص129)
(12) تاريخ الطبري ج3 / ص116-117 (1/176)
صفحة 177
" (1) إن الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر، فخرجت عصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهددوه وأفزعوه، وقالوا له : مَن أنت؟ قال : أنا عبدالله بن خباب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض – وكان سقط عنه لما أفزعوه – فقالوا له : أفزعناك؟ قال : نعم ؛ قالوا له : لا رَوْع عليك فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لعل الله ينفعنا به ! قال : حدثني أبي، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أن فتنة تكون، يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً ويصبح فيها كافراً، ويصبح فيها كافراً ويمسي فيها مؤمناً )، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيراً، قالوا : ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقاً في أولها وفي آخرها ؛ قالوا : فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال : إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقياً على دينه، وأنفذ بصيرة.
__________
(1) سند هذه الحكاية هو : " قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حميد بن هلال:.." (1/177)
صفحة 178
فقالوا : إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً، فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى مُتِمٌّ حتى نزلوا تحت نخل مواقر فسقطت منه رطبة، فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم : بغير حِلِّها، وبغير ثمن ! فلفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ بيمينه، فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه، فقالوا : هذا فسادٌ في الأرض، فأتى صاحبَ الخنزير فأرضاه في خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال : لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليَّ منكم بأس، إني لَمُسلم ؛ ما أحدثتُ في الإسلام حدثاً، ولقد أمنتموني، قلتم : لا روع عليك ! فجاؤوا به فأضجعوه فذبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة، فقالت : إني إنما أنا امرأة، ألا تتقون الله ! فبقروا بطنها، ! وقتلوا ثلاث نسوة من طيّئ ، وقتلوا أمَّ سنان الصيداوية، فبلغ ذلك علياً ومن معه من المسلمين مِن قتلهم عبدالله بن خباب، واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتب به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم، فخرج القوم اليه فقتلوه، وأتى الخبرُ أمير المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا : يا أمير المؤمنين، عَلام تدَع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ! سِرْ بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام.. (1/178)
صفحة 179
".. وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة.. فلقيه في مسيره ذلك منجم، أشار عليه [أن] يسير وقتا من النهار، وقال له : إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضراً شديداً. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال : لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون : سار في الساعة التي أمره بها المنجم فظفر." (1)
نقل هذه الرواية الإمام الطبري من طريق أبي مخنف التالف.
هذه الرواية التالفة الفاسدة الساقطة تراقص حولها وتغنى بها كثير من الكتاب لو عملوا بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } (2) لَمَا حكموا بتلك الأحكام الجائرة في حق أهل النهروان. ولكن أنى يكون الرشاد والاستقامة على طريق الحق لمن جعل الكذب مطيته والكذابين قادته؟. فحسبنا الله ونعم الوكيل.
الرواية الثالثة
قال ابن أبي شيبة:
__________
(1) المصدر السابق، ج3 / ص119-120
(2) سورة الحجرات : 6 (1/179)
صفحة 180
" حدثنا يزيد بن هارون الواسطي قال حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز قال: نهى علي أصحابه أن يسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثاً، فمروا بعبد الله بن خباب فأخذوه، فمر بعضهم على تمرة ساقطة من نخلة فاخذها فألقاها في فيه ؛ فقال بعضهم : تمرة معاهد، فبم استحللتها؟ فألقاها من فيه، ثم مروا على خنزير فنفحه بعضهم بسيفه فقال بعضهم : خنزير معاهد فبم استحللته؟ فقال عبدالله : ألا أدلكم على ما هو أعظم عليكم حرمة من هذا؟ قالوا : نعم، قال أنا، فقدموه فضربوا عنقه، فأرسل إليهم علي أن أقيدونا بعبد الله بن خباب، فأرسلوا إليه : وكيف نقيدك وكلنا قتله (1) ، قال أوكلكم قتله؟ قالوا نعم، فقال الله أكبر ثم أمر أصحابه أن يسطوا عليهم، قال : والله لا يقتل منكم عشرة ولا يفلت منهم عشرة، قال : فقتلوهم فقال : اطلبوا فيهم ذا الثدية فطلبوه فأتي به، فقال : من يعرفه، فلم يجدوا أحدا يعرفه إلا رجلاً، قال : أنا رأيته بالحيوة، فقلت له أين تريد؟ قال : هذه، وأشار إلى الكوفة، ومالي بها معرفة، قال: فقال علي : صدق هو من الجان. "
__________
(1) وجاء في تاريخ الطبري من طريق أبي مخنف التالف : ".. وبعث [ يقصد الإمام علياً ] إلى أهل النهر : ادفعوا إلينا قَتَلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكافٌّ عنكم ... . فبعثوا إليه، فقالوا : كلنا قتلتهم، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم. " ( انظر تاريخ الطبري ج3/ص120) (1/180)
صفحة 181
أخرج هذه الرواية ابن أبي شيبة (1) والدارقطني (2) والبيهقي (3) والبلاذري (4) من طريق سليمان التيمي عن أبي مجلز.
هذه الرواية من مراسيل أبي مجلز، فليس فيها حجة لأحد على أهل النهروان. فقد جاء في علل الدارقطني " وسئل عن حديث قيس بن عباد عن علي في قصة أهل النهروان وقتلهم لعبد الله بن خباب فقال: حدث به عمر بن شبة عن يحيى القطان عن التيمي عن أبي مجلز مرسلا " (5) .
الرواية الرابعة
وذكر الدارقطني (6) والخطيب البغدادي (7) نحو هذه الرواية بسند آخر:
" نا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي نا أحمد بن محمد بن رشدين نا زكريا ابن يحيى الحميري نا الحكم بن عبدة عن أيوب السختياني عن حميد بن هلال العدوى عن أبي الأحوص قال.. "
في سند هذه الرواية أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين " قال بن عدي كذبوه وأنكرت عليه أشياء " (8)
__________
(1) مصنف ابن أبي شيبة، الرواية : 19739، ج15 / ص 308 -309. وقد أورد ابن أبي شيبة رواية أخرى شبيهة بهذه الرواية " ابن علية عن التيمي عن أبي مجلز.. " ثم نقل الرواية السابقة إلى قوله : ".. قالوا : كيف نقيدك به وكلنا قد شرك في دمه، فاستحل قتالهم " ( انظر مصنف ابن أبي شيبة، الرواية : 19769، ج 15 / ص 323 -324 )
(2) سنن الدارقطني، الرواية: 156، ج3/ص131 -132
(3) سنن البيهقي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، الرواية:16544، ج8 /ص184
(4) أنساب الأشراف، ج3/ص141
(5) العلل الواردة في الأحاديث النبوية، ج4/ص101
(6) سنن الدارقطني، الرواية:157،ج3/132
(7) تاريخ بغداد، ج12/ص290 وكذلك انظر ج1/ص205 حيث جاءت رواية أخرى من طريق الحكم بن عبدة.
(8) الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، ص58. الكامل في ضعفاء الرجال، ت:42، ج1/ص326. الجرح والتعديل، ت:153، ج2/ص75. لسان الميزان، ت: 805، ج1/ص280. (1/181)
صفحة 182
وكذلك الحكم بن عبدة الشيباني البصري فقد قال ابن حجر عنه في التهذيب ".. قال الآجري عن أبي داود.. ما عندي من علمه شيء وقال أبو فتح الأزدي ضعيف." (1)
وقال عنه في التقريب "مستور" (2) .
الرواية الخامسة
وفي مصنف عبد الرزاق (3)
" عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي قال : لم يستحل علي قتال الحروراء حتى قتلوا ابن خباب "
هذه الرواية منقطعة الإسناد حيث أن حميد بن هلال لم يشهد تلك الأحداث، ومع هذا فإن معمراً لم يسلم من التجريح. فقد ".. قال ابن سعد.. كان معمر رجلاً له قدر ونبل في نفسه ولما خرج إلى اليمن شيعه أيوب.. وقال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى ابن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وما عمل في حديث الأعمش شيئاً. قال يحيى وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام " (4)
وشيخ معمر في هذه الرواية هو أيوب بن أبي تميمة من أهل البصرة (5) ، فعلى قول ابن معين فلا يؤخذ بهذه الرواية ويجب مخالفتها.
الرواية السادسة
قال الإمام البخاري (6)
__________
(1) تهذيب التهذيب، ت : 1527، ج2/ص388
(2) تقريب التهذيب، ت : 1457، ج1/ ص 232
(3) مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18577، ج10/ص118. وجاء نحو هذه الرواية عند عبد الرزاق في عدة مواضع وهي واهية ضعيفة:
? ... " عبد الرزاق عن معمر قال أخبرني غير واحد من عبد القيس عن حميد بن هلال عن أبيه.. " (مصنف عبد الرزاق الرواية : 18578،ج10/ص118-119)
? ... " عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: سأله رجل أحسبه قال: أتينا الحرورية زمان كذا وكذا، لا يسألونا عن شيء، غير أنهم يقتلون من لقوا.. " ( مصنف عبد الرزاق، الرواية: 18579، ج10/ص119)
(4) تهذيب التهذيب ت: 7126، ج 10 / ص221
(5) انظر تهذيب التهذيب ت : 654 ج 1 / ص 361
(6) التاريخ الصغير( الأوسط)، ج1/ص89 (1/182)
صفحة 183
"حدثني إسحاق الواسطي ثنا خالد عن داود عن عامر أتى الخوارج عبد الله بن خباب في قرية له فضربوا عنقه"
عامر الشعبي راوي هذه الحادثة لم يشاهد وقائع جريمة القتل التي تحدثت عنها هذه الرواية. ومع هذا فإن كلمة الخوارج كان لها في عهد الصحابة -رضي الله عنهم - معنى يختلف كل الاختلاف عن المعنى الذي تعارف عليه الناس في هذا العصر.
فقد روى الحاكم (1) ما نصه:
__________
(1) المستدرك على الصحيحين،الرواية:2653، ج2/ص162، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا. (1/183)
صفحة 184
" حدثنا أبو أحمد الحسين بن علي التميمي (1) حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي (2) حدثنا أبو كامل الجحدري (3) حدثنا عبد العزيز بن المختار (4) حدثنا خالد الحذاء (5) عن عكرمة (6)
__________
(1) الحافظ الإمام النبيل أبو أحمد الحسين بن علي بن محمد بن يحيى التميمي النيسابوري.. من كبار أهل خراسان.. قال الخطيب كان ثقة حجة وقال الحاكم الغالب على سماعه الصدق.. فما رأيته ترك قيام الليل من نحو ثلاثين سنة.." (تذكرة الحفاظ، ت:909، ج3/ص 968)
(2) "البغوي الحافظ الثقة الكبير مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي.. قال ابن أبي حاتم: أبو القاسم البغوي يدخل في الصحيح..قلت [ الذهبي ] وقد احتج به عامة من خرج الصحيح كالإسماعيلي والدارقطني والبرقاني.. قال الخطيب أبو بكر: كان ثقة ثبتا فهما عارفا. وقال السلمي سألت الدارقطني عن البغوي فقال: ثقة جبل إمام أقل المشايخ خطأ وقال أبو يعلى الخليلي: البغوي.. حافظ عارف صنف مسند عمه.. "(تذكرة الحفاظ،ت: 738، ج2/ص737-740)
(3) " فضيل بن حسين بن طلحة الجحدري أبو كامل ثقة حافظ من العاشرة.." ( تقريب التهذيب، ت:5443، ج2/14 )
(4) "عبد العزيز بن المختار الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين ثقة من السابعة " ( تقريب التهذيب، ت:4134، ج1/ص607 )
(5) " خالد بن مهران الحذاء أبو المنازل البصري.. قال الأثرم عن أحمد ثبت وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين ثقة وكذا قال النسائي.. وقال فهد بن حيان.. كان خالد ثقة مهيبا كثير الحديث.. وذكره ابن حبان في الثقات.. وقال العجلي بصري ثقة.. "(تهذيب التهذيب، ت:1756، ج3/ص110-111 )
(6) عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة من الثالثة..." ( تقريب التهذيب،ت:4689، ج1/ص685 ) (1/184)
صفحة 185
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال له ولابنه علي انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا منه حديثه في شأن الخوارج فانطلقا فإذا هو في حائط له يصلح فلما رآنا أخذ رداءه ثم احتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى علا ذكره في المسجد فقال كنا نحمل لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل ينفض التراب عن رأسه ويقول يا عمار ألا تحمل لبنة لبنة كما يحمل أصحابك قال إني أريد الأجر عند الله قال فجعل ينفض ويقول ويح عمار تقتله الفئة الباغية قال ويقول عمار أعوذ بالله من الفتن هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه بهذه السياقة "
من هذه الرواية تدرك أيها القارئ أن أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - فسر "الخوارج" بالفئة الباغية صاحبة الفتنة والتي قتلت الصحابي الجليل عمار بن ياسر. ومن المعلوم أن عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- قتل في حرب صفين.
فلسنا هنا نشير بأصبع الاتهام على أحد في قتل عبد الله بن خباب لأن ذلك ليس من وظائفنا وخارج عن مجال بحثنا، والذي نريد أن نبينه هنا هو أنه ليس في رواية الإمام البخاري هذه ولا في غيرها دليل على أن قتلة عبد الله بن خباب هم أهل النهروان.
الرواية السابعة
ونقل الطبري (1) من طريق أبي مخنف التالف
__________
(1) تاريخ الطبري ج3 / ص139 (1/185)
صفحة 186
" (1) إن رجلاً من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له، زاذان فرّوخ، أقبل من قِبَل أخواله بناحية نِفّر، فعرضوا له، فقالوا : أمسلم أنت أم كافر؟ فقال : بل أنا مسلم، قالوا فما قولك في علي؟ قال أقول فيه خيراً، أقول : إنه أمير المؤمنين، وسيد البَشر، فقالوا له : كفرت يا عدو الله ! ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه، ووجدوا معه رجلاً من أهل الذمّة، فقالوا ما أنت؟ قال : رجل من أهل الذمة، قالوا: أما هذا فلا سبيل عليه، فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر ... "
كم وكم تناقل هذه الرواية من الكتاب، وياليتهم علموا مصدرها قبل أن يثيروها حرباً عاصفة على الأبرياء البررة. فأنت ترى يا أخي القارئ الكريم أن هذه الرواية أخبر بها ذمي ما آمن برسالة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ونقلها ذلك الراوي الكذاب التالف. فهل يَقبل من هذين الشخصين طالب حق ومتبع هدى؟
روايات تنسب القتل إلى غير أهل النهروان
الرواية الأولى
نقل الطبري (2)
__________
(1) سند هذه الحكاية هو: " قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت الأعور التيمي، عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل التيمي، قال.."
(2) المصدر السابق، ج 3 / ص 240 (1/186)
صفحة 187
"حدثني عمر (1) ، قال حدثني موسى بن إسماعيل (2) ، قال حدثني سليمان بن مسلم العجلي (3) قال سمعت أبي (4) يقول : مررت بالمسجد، فجاء رجل إلى سمرة (5)
__________
(1) عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد بن رائطة النميري " قال ابن أبي حاتم كتبت عنه مع أبي وهو صدوق صاحب عربية وأدب قال الدارقطني ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال مستقيم الحديث وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بأيام الناس وقال الخطيب كان ثقة عالما بالسير وأيام الناس وله تصانيف كثيرة.. قلت[ ابن حجر]: وقال المرزباني في معجم الشعراء عمر بن شبة أديب فقيه واسع الرواية صدوق ثقة وقال مسلمة ثقة أنبأ عنه المهرواني وقال محمد بن سهل راويته كان أكثر الناس حديثا وخبرا وكان صدوقا ذكيا نزل بغداد عند خراب البصرة.."( انظر تهذيب التهذيب، ت:5103، ج7 /ص389-390)
(2) " موسى بن إسماعيل المنقري..أبو سلمة التبوذكي.. ثقة ثبت.." ( انظر تقريب التهذيب، ت:6969، ج2/ص220 )
(3) سليمان بن مسلم أبو المعلى العجلي ذكره البخاري في التاريخ الكبير ( ج4/ص37) وابن حبان في الثقات (ج6/ص393) يروى عن الشعبي وأبيه روى عنه التبوذكي
(4) مسلم العجلي ذكره البخاري في التاريخ الكبير ( ج7/ص269 ) وابن حبان في الثقات (ج5/ص398) يروى عن سمرة بن جندب روى عنه ابنه سليمان بن مسلم
(5) سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة بن حزن بن عمرو بن جابر بن خشين بن لأي بن عصيم ابن شمخ بن فزارة صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغزا معه وله حلف في الأنصار، وكانت أمه عند مري بن سنان عم أبي سعيد الخدري فيرون أن سمرة فيمن شهد أحدا ونزل البصرة بعد ذلك فاختط بها ثم أتى الكوفة فأشترى بها دورا في بني أسد بالكناسة فبناها فنزلها ومات بها، وله بقية وعقب، وروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة وكان زياد يستعمله على البصرة إذا خرج إلى الكوفة.
...
لما مرض سمرة بن جندب مرضه الذي مات فيه أصابه برد شديد فأوقدت له نار فجعل كانونا بين يديه وكانونا خلفه وكانونا عن يمينه وكانونا عن يساره ... فجعل لا ينتفع بذلك ويقول كيف أصنع بما في جوفي فلم يزل كذلك حتى مات " ( انظر الطبقات الكبرى، ت: 2887، ج7/ص35 ) (1/187)
صفحة 188
فأدى زكاة ماله، ثم دخل فجعل يصلي في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقه، فإذا رأسه في المسجد، وبدنه ناحية، فمر أبو بكرة، فقال: يقول الله سبحانه { قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى } قال أبي : فشهدت ذاك، فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير، فمات شر ميتة، قال : وشهدته وأُتيَ بناسٍ كثير وأَناس بين يديه فيقول للرجل : ما دينك؟ فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله وأني بريء من الحرورية، فيقدم فيضرب عنقه حتى مرّ بضعة وعشرون"
الرواية الثانية
ونقل الطبري (1)
__________
(1) تاريخ الطبري، ج3 / ص 208 (1/188)
صفحة 189
"حدثني عمر قال: حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا نوح بن قيس (1) ، عن أشعث الحداني (2) ، عن أبي سوار العدوي (3) ، قال : قتل سمرة من قومي في غداةٍ سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن."
الرواية الثالثة
قال ابن سعد (4)
__________
(1) نوح بن قيس الحداني الطاحى وهو ابن قيس بن رباح روى عن تميم بن حويص وأشعث الحداني.. نا عبد الرحمن أنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلي قال قال أبي : نوح بن قيس ثقة ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين انه قال نوح بن قيس صالح. نا عبد الرحمن أنا يعقوب بن إسحاق فيما كتب إلي قال نا عثمان بن سعيد قال سألت يحيى بن معين عن نوح بن قيس فقال: ثقة (الجرح والتعديل، ت: 2209، ج8/ص483)
(2) " أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني.. أنا بن أبي خيثمة فيما كتب إلي قال سمعت يحيى بن معين يقول: أشعث بن جابر الحداني ثقة بصير. حدثنا عبد الرحمن أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال أبي: أشعث بن جابر الحداني لا بأس به. سألت أبي عن أشعث الحداني فقال شيخ " ( الجرح والتعديل، ت: 984، ج2/ص273-274 ). وقال ابن حجر صدوق ( تقريب التهذيب، ت:528، ج1/ص105-106)
(3) " أبو السوار العدوي البصري قيل اسمه حسان بن حريث وقيل حريث بن حسان.. قال محمد بن سعد أبو السوار العدوي من بني عدي بن زيد مناة بن طابخة بن إلياس بن مضر وكان ثقة وقال أبو عبيد الآجري سئل أبو داود عن أبي السوار العدوي فقال من ثقات الناس روى له البخاري ومسلم والنسائي " ( تهذيب الكمال،ت:7419، ج33/ص392 )
(4) الطبقات الكبرى، ج6/ص274-275. وأيضاً تاريخ الطبري ج4/ص24 (1/189)
صفحة 190
" أخبرنا وهب بن جرير بن حازم (1) قال حدثني أبي (2) قال سمعت الفضل بن سويد (3) يحدث وكان في حجر الحجاج وكان أبوه أوصى إلى الحجاج قال بعثني الحجاج في حاجة فقيل قد جيء بسعيد بن جبير فرجعت لأنظر ما يصنع به فقمت على رأس الحجاج فقال له الحجاج يا سعيد ألم أستعملك ألم أشركك في أمانتي قال بلى قال حتى ظننا أنه سيخلي سبيله قال فما حملك على أن خرجت علي قال عزم علي قال فطار الحجاج شقتين غضبا قال هيه أفرأيت لعزيمة عدو الرحمن عليك حقا ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين عليك حقا اضربا عنقه فضربت عنقه"
بعد عرضنا لهذه الأقسام من هذا الفصل، نريد أن نقف أمام الدكتور أحمد محمد جلي الذي ناقض ما دعا إليه من اتباع المنهج العلمي السليم في دراسة التاريخ (4) .
__________
(1) وهب بن جرير بن حازم بن زيد أبو عبد الله الأزدي البصري ثقة من التاسعة مات سنة ست ومائتين ( تقريب التهذيب،ت:7499، ج2 /ص291 )
(2) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري والد وهب ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه وهو من السادسة مات سنة سبعين بعد ما اختلط لكن لم يحدث في حال اختلاطه ( تقريب التهذيب، ت:913، ج1 /ص158 ). ونقل ابن حجر في التهذيب: " .. عن ابن مهدي: جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما أحسُّوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئاً " (تهذيب التهذيب، ت:965، ج2/ص64)
(3) " الفضل بن سويد روى عن سعيد بن جبير.. قال أبو حاتم ليس بالمشهور ولا أرى بحديثه بأسا وذكره ابن حبان في كتاب الثقات روى له أبو داود في كتاب القدر حديثا واحدا " ( تهذيب الكمال، ت:4735، ج23/ص226)
(4) انظر ص 94 (1/190)
صفحة 191
فقد قال بعد أن ذكر نفي الإباضية نسبة استعراض أهل النهروان للناس : " وهذه لا شك صورة عن المحكمة مخالفة تماماً لكل ما ورد في كتب التاريخ عنهم، ولما ذكره كتاب الفرق عن مبادئهم. ولا أعتقد أن الإباضية الآن يستطيعون أن ينفوا أن المحكمة، خرجوا على علي، واتهمته طائفة منهم على الأقل بالكفر، وأنهم قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، أو حموا قاتليه، وأنهم قتلوا رسول علي إليهم إبان هذه الحادثة، وأنهم حكموا بالكفر على عثمان، وأصحاب الجمل.. وإذا كان الأمر كذلك فسيكون من الصعب على الإباضية إثبات أن المحكمة لا صلة لهم بالخوارج، أو أنهم حركة منفصلة عنهم، وسيكون من الصعب أيضاً أن ينفوا انتماء الإباضية إلى الخوارج، في الوقت الذي يثبتون فيه أن المحكمة الأولى أصل لهم " (1)
__________
(1) دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين، ص 87 (1/191)
صفحة 192
بعد قراءتك للأقسام الماضية من هذا الفصل تدرك أن الذي يدعيه الدكتور أحمد جلي إنما هو ضرب من الهذيان الذي لا ينطق به إلا من لم يفق من نشوة سكره وثورة عنجهيته. فقد اعتقد هذا المسكين المضطرب نفسياً (1) والمتناقض منهجياً (2) أن ما سُطر في كتب التاريخ وما قاله كتاب الفرق حق ثابت يصعب على الإباضية نفيه!!!.
فها هم الإباضية -و لله الحمد- وبكل سهولة يثبتون فساد المنهج الذي يتبعه الدكتور أحمد في الكتابة عن أهل النهروان، ويثبتون ضعف تلك الروايات التي استقى منها هذا الدكتور معلوماته عن أهل النهروان.
__________
(1) إن الاضطراب النفسي الذي يعيشه هذا الدكتور وأمثاله لا يحتاج إلى تشخيص من قبل طبيب ماهر، فقد جاءت عباراته التي وصف بها بعض الصحابة بـ " فساد المعتقد وقلة الدين وإيثار العاجلة على الآجلة " وبـ " طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن " خير دليل على عدم وجود قاعدة قوية يبني عليها أفكاره ويؤسس عليها أحكامه. فقد استسلم هذا الدكتور للأقوال الضعيفة حتى أصبح لا يعتقد سواها ولو قامت الحجة على بطلانها.
(2) من عجائب هذا الدكتور أنه لم يلتفت إلى ما اشترطه على نفسه حين قال: " وحاولت جاهداً أن يسود الحوار الهادي في التناول على العاطفة، سعياً إلى تأكيد الهدف الأساسي من هذا الكتاب في أن يكون لبنة في مسيرة توحيد الأمة الإسلامية، مع الالتزام التام بقواعد المنهج العلمي والتقيد بها في العرض والنقد.."، فنجده عند الحديث عن أهل النهروان لم يلزم نفسه هذا المنهج السوي في العرض والنقد بل نجده يقبل على روايات كتب التاريخ وأقوال كتاب الفرق وهو مغمض العينين لا لشيء إلا لأنه يعتقد أن الإباضية لا يستطيعون دحضها والرد عليها. فأين المنهج العلمي من هذا المسلك المتناقض؟. (1/192)
صفحة 193
ولقد ثبت -ولله الحمد-بطلان استعراض أهل النهروان للناس، فهل يستطيع هذا الدكتور أن يثبت لنا بالدليل الواضح الذي لا يحتمل التأويل صحة نسبة قتل عبد الله ابن خباب وقتل رسل الإمام علي -كرم الله وجهه- إلى القادة الذين التفوا حول الإمام عبد الله بن وهب الراسبي؟. وهل يستطيع هذا الدكتور أن يثبت حماية أهل النهروان لقاتل عبد الله بن خباب؟.
وقد ثبت-ولله الحمد- بطلان دعوى تكفير أهل النهروان للإمام علي كرم الله وجهه، فهل يستطيع هذا الدكتور أن يثبت لنا نسبة تكفير الإمام علي -كرم الله وجهه- إلى أهل النهروان؟.
إن مثل الإباضية –في دفاعهم عن أهل النهروان- كمثل المدافع عن بريء في محكمة الظلم والجور، فمهما قويت الأدلة على بطلان دعوى الظلمة والجورة، فإن القضاة الظالمين لن يكون منهم إلا إلصاق التهم الزائفة وإصدار الأحكام الجائرة على المتهم والمدافعين عنه، فحسبنا الله ونعم والكيل.
القسم الرابع : قصة قتل الإمام علي كرم الله وجهه.
نسبة قتل الإمام علي -كرم الله وجهه- إلى أتباع أهل النهروان لم تعتمد على رواية صحيحة. فالروايات التي تحدثت عن مؤامرة القتل فاسدة باطلة يرفضها الفكر الإسلامي ولا يقبلها العقل السليم. وكما قلت سابقاً ليس من وظائفنا البحث والتحقيق في أحداث وقعت قبلنا بقرون، ولكن من وظائفنا تفويض أمور تلك الأحداث إلى الله تعالى، فهو وحده سيحكم بين القاتل والمقتول بعدله في يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه.
وإليك أخي القارئ هذه القصة مع بيان مصادر ضعفها:
الرواية الأولى
قال الإمام الطبري (1/193)
صفحة 194
" حدثني موسى بن عثمان بن عبد الرحمن المسروقي، قال حدثنا عبد الرحمن الحراني أبو عبد الرحمن (1) ، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد قال: كان من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على وُلاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئاً..
__________
(1) هنا وقع سقط، والصحيح هو " عثمان بن عبد الرحمن الحراني أبو عبد الرحمن " بدليل ما نقله الطبري نفسه في سند بعض الروايات التي تحدثت عن أحداث عام 40 للهجرة ( انظر تاريخ الطبري، ج3 / ص165 وص166 ). وجاءت هذه الرواية عند الطبراني " حدثنا أحمد بن علي الأبار ثنا أبو أمية عمرو بن هشام الحراني ثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي ثنا إسماعيل بن راشد.. " (1/194)
صفحة 195
فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا ! فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم علي بن أبي طالب - وكان من أهل مصر - وقال البرك بن عبد الله : أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو بن بكر : أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا يَنكُص رجل منا عن صاحبه الذي توجّه إليه حتى يقتله أو يموت دونه. فأخذوا أسيافهم، فسمُّوها، واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان.. فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة، وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئاً من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحاباً من تيم الرباب - وكان عليٌّ قتل منهم يوم النهر عشرة - فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها : قطام ابنة الشِّجْنة - وقد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال - فلما رآها التبستْ بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها ؛ ثم خطبها فقالت : لا أتزوجك حتى تشفي لي. قال : وما يشفيك؟ قالت : ثلاثة آلاف وعبد وقينه وقتل علي، قال : هو مهر لك.. قال: فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتلُ علي بن أبي طالب، فلك ما سألت.. وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له : هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال : وما ذاك؟ قال : قتل علي بن أبي طالب؛ قال: ثكلتك أمَّك ! لقد جئتَ شيئاً إدَّا، كيف تقدر على علي ! قال : أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قُتِلنا فما عند الله خيرٌ من الدنيا وما فيها. قال: ويحك.. (1/195)
صفحة 196
ثم عاد إليها [ أي إلى قطام ] ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي سنة أربعين.. فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطّاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف.. ونجا شبيب في غُمار الناس، فشدوا على ابن ملجم فأخذوه..
ثم قال علي : عليّ بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال : أي عدو الله، ألم أحسن إليك ! قال: بلى، قال : فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحاً، وسألتُ الله أن يقتل به شر خلقه، فقال عليه السلام : لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا من شر خلقه.. "
أخرج هذه القصة الطبري (1) والطبراني (2)
هذه القصة الساقطة المتهافتة النتنة والتي تراقص على مسرحها ابن ملجم صاحب السيف المسموم، وقطام صاحبة الجمال الأخَّاذ، تناقل أحداثها العدد الكثير من الكتاب والمؤرخين الذين لم يقفوا لحظة عند سندها. وفساد هذه القصة إنما هو آتٍ من قِبَل عثمان بن عبد الرحمن الحراني أبو عبد الرحمن.
عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الحراني الخزاعي أبو عبد الرحمن
" قال البخاري : يروي عن قوم ضعاف ...
وقال أبو عروبة : قال لي محمد بن يحيى : لين ..
وقال الساجي : عنده مناكير..
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه لا أجيزه
وقال الأزدي: متروك
وقال ابن نمير: كذاب
وقال ابن حبان: يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلسها لا يجوز الاحتجاج به.. " (3)
أخي القارئ، هل تُقبل روايات مَن كان هذا حاله وهذه منزلته عند علماء الجرح والتعديل؟
الرواية الثانية
قال ابن الأثير (4) :
__________
(1) تاريخ الطبري ج3/ ص155 - 157.
(2) المعجم الكبير، الرواية: 168، ج1/ص97
(3) تهذيب التهذيب ت: 4656 ، ج7 / ص119 - 120
(4) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ج4 / ص119 (1/196)
صفحة 197
" أنبأنا عبد الوهاب بن هبة الله بن عبد الوهاب إذناً، أخبرنا أبو بكر الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا أبو عمر بن حيوية، أنبأنا أحمد بن معروف، أنبأنا الحسين بن فهم (1) ، أنبأنا محمد بن سعد قال ": ... ... ثم ذكر القصة
هذا السند - كما يظهر لك أخي القارئ الكريم - منقطع. فبين مقتل الإمام علي -كرم الله وجهه - ومولد محمد بن سعد مائة وثماني وعشرون سنة، حيث كان مولد محمد بن سعد في عام 168 للهجرة (2) . ومحمد بن سعد لم يعز هذه القصة في " الطبقات الكبرى " إلى أحد، ولكنه صدرها بقوله : " قالوا : .. " (3) ثم ذكر هذه القصة ، وفي هذا ما يكفي في رد هذه القصة على قائليها وناقليها والمحتجين بها على أهل النهروان.
الرواية الثالثة
وأخرج الحاكم (4) :
" فحدثني أبو سعيد أحمد بن محمد النخعي ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثني أبي ثنا عمرو بن طلحة القناد ثنا أسباط بن نصر قال سمعت إسماعيل بن عبد الرحمن السدي يقول كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج من تيم الرباب يقال لها قطام فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل علي رضي الله تعالى عنه.. "
هذه الرواية ليس فيها حجة لأحد على أهل النهروان، وهي ضعيفة ساقطة وذلك بسبب إسماعيل بن عبد الرحمن السدي.
- إسماعيل بن عبد الرحمن السدي لم يشهد مقتل الإمام علي -كرم الله وجهه- لأنه يعد من الطبقة الرابعة (5) . ومع هذا الانقطاع في السند فإن إسماعيل هذا لم يسلم من التضعيف.
__________
(1) قال الحاكم : الحسين بن فهم ليس بالقوي وكذلك قال الدارقطني ( لسان الميزان، ت:27/2788، ج2 / ص376 )
(2) الطبقات الكبرى ج1/ص 5
(3) المصدر السابق، ج3/ص25
(4) المستدرك على الصحيحين،الرواية: 4690، ج3/ص154، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا.
(5) تقريب التهذيب، ت:464، ج1/ص97 (1/197)
صفحة 198
فقد قال " محمد بن عيسى قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو بكر بن خلاد قال سمعت المعتمر بن سليمان يقول أن بالكوفة كذابين الكلبي والسدي. حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال سمعت الشعبي وقيل له إن إسماعيل السدي قد أعطي حظا من العلم بالقرآن فقال إن إسماعيل قد أعطي حظا من الجهل بالقرآن. حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قلت ليحيى بن معين إبراهيم بن المهاجر والسدي متقاربان في الضعف. حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا عمرو بن علي قال سمعت يحيى بن معين وذكر إبراهيم ابن المهاجر والسدي فقال كانا ضعيفين مهينين. حدثنا محمد قال حدثنا عباس قال سمعت يحيى يقول إبراهيم بن مهاجر وأبو يحيى القتات والسدي في حديثهم ضعف.." (1)
الرواية الرابعة
أخرج البلاذري (2) قصة مقتل الإمام علي -كرم الله وجهه- بسند آخر:
" المدائني عن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال حج ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين.. " ثم ذكر القصة
هذه القصة من هذا الطريق منقطعة الإسناد لأن الشعبي لم يحضر اجتماع ابن ملجم وأصحابه وقت تخطيطهم لهذه المؤامرة.
ومع هذا الانقطاع وهذا الضعف في سند جميع روايات هذه القصة فليس هناك من دليل على أن ابن ملجم تصرف ذلك التصرف الشائن منطلقاً من تعاليم وإرشادات أهل النهروان، خاصة وأن قادة أهل النهروان قد ماتوا قبل مقتل الإمام علي -كرم الله وجهه- بسنتين. وعلى القائلين بعكس هذا القول أن يأتوا لنا بالدليل القاطع الثابت.
القسم الخامس : قصة اجتماع المحكمة (3)
__________
(1) ضعفاء العقيلي، ت:101، ج1/ص87
(2) أنساب الأشراف، ج3/ص249
(3) لقد مر بك في هامش ص 181 بعض المعاني التي استخدمت لها كلمة "الخوارج".
الذي يقول به الإباضية أن جميع من شارك من المحكمة في الدفاع عن مكة المكرمة تحت راية عبد الله ابن الزبير كانوا على رأي أهل النهروان الرافض لكل صور الإرهاب المتمثل في القتل والنهب والسلب. وبعد رجوع الجيش الأموي عن مكة المكرمة رجع المحكمة إلى البصرة وهناك قابلهم إرهاب الأمويين على يد عبيدالله بن زياد مما جعل نافع بن الأزرق ينتحل مبادئ تخالف ما كان عليه أهل النهروان. وحينما رأى الإباضية مسلك نافع الجديد طردوه وشاركوا الأمة الإسلامية في حروبها ضد الأزارقة. (1/198)
صفحة 199
بابن الزبير
إن الأكاذيب والافتراءات والأقوال الزائفة عملت عملها السيئ في جسم هذه الأمة. فأصبح أبناء العقيدة الواحدة تمزق صفوفهم أقوال الكذابين وافتراءات الدجالين.
ويا لهول الفاجعة حين ترك المسلمون قول الحق الذي ألف الله به قلوب قبائل العرب المتناحرة. ويا للحسرة حين أخذ المسلمون بحكايات الكذابين واتخذوا منها سيوفاً لتقطيع جسم أمتهم، ومعاول لتهديم أركان أمجادهم.
وهذه القصة التي سنذكرها هنا هي واحدة من الأكاذيب التي نسج خيوطها الكذابون وتغطى بها أذنابهم الجهلة الحمقى لأجل النيل من أهل النهروان وأتباعهم. ولكن -ولله الحمد- يظهر الحق ولو قل أتباعه، ويندحر الباطل ولو كثر أشياعه.
الرواية التي اعتمد عليها الكتاب
أخرج الإمام الطبري (1) من طريق أبي مخنف التالف
" (2) .. واجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزبير بمكة، وسار إليه أهلُ الشام، فتذاكروا ما أتى إليهم، فقال لهم نافع بن الأزرق: .. فاخرجوا بنا نأتِ البيت ونلق هذا الرجل فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدوّ، وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا. فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير فسُرّ بمقدمهم، ونبّأهم أنه على رأيهم، وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش ..
__________
(1) تاريخ الطبري ج3 / ص397 - 398
(2) سند هذه الرواية هو: " حُدثت عن هشام بن محمد الكلبي، عن أبي مخنف لوط بن يحيى قال: حدثني أبو المخارق الراسبي، قال:.."، وكذلك جاءت هذه الرواية بسند آخر: " قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو علقمة الخثعمي، عن قبيصة بن عبد الرحمن القحافي، من خثعم، قال:.." (1/199)
صفحة 200
ثم إن القوم لقيّ بعضهم بعضاً، فقالوا : إنّ هذا الذي صنعتم أمس بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعلّه ليس على رأيكم، إنما كان أمسِ يقاتلكم هو وأبوه ينادي : يالَ ثارات عثمان ! فأتوه وسَلُوه عن عثمان، فإن برئ منه كان وليَّكم، وإن أبى كان عدوَّكم. فمشوا نحوه فقالوا له : أيها الإنسان،إنا قد قاتلنا معك، ولم نُفتِّشك عن رأيك حتى نعلم أمنّا أنت أم من عدوّنا ! خبرنا ما مقالتك في عثمان؟ فنظر فإذا مَن حوله من أصحابه قليل، فقال لهم: إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردت القيام، ولكن روحوا إليّ العشيّة حتى أعلمكم من ذلك الذي تريدون. فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فقال : البسوا السلاح، واحضروني بأجمعكم العشيّة، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وقد أقام أصحابه حولَه سِمَاطَينْ عليهم السلاح، وقامت جماعة منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه : خشيَ الرجل غائلتكم، وقد أزمع بخلافكم واستعد لكم؛ ما ترون؟.
فدنا منه ابن الأزرق، قال له: يا ابن الزبير، اتّق الله ربك، وأبغض الخائن المستأثر، وعاد أوّل من سن الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالف حُكمَ الكتاب، فإنك إن تفعل ذلك تُرضِ ربك، وتَنْج من العذاب الأليم نفسُك، وإن تركت ذلك فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم ، وأذهبوا في الحياة الدنيا طيباتهم..
.. فنحن.. من ابن عفان وأوليائه بُرآء، فما تقول أنت يا ابن الزبير؟ قال: فحمد الله ابن الزبير وأثنى عليه ثم قال :.. وأنا أشهدكم ومن حضر أني وليٌّ لابن عفان في الدنيا والآخرة، وولي أوليائه، وعدوّ أعدائه، قالوا : فبرئ الله منك يا عدو الله ؛ قال: فبرئ الله منكم يا أعداء الله.
وتفرق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبدالله بن صفار..، وعبدالله بن إباض .. حتى أتوا البصرة.. "
هذه الرواية باطلة ساقطة وهي مع ضعفها تعارض رواية أخرى جاءت عند الإمامين البخاري والبيهقي.
روايتان تجاهلهما الكُتاب (1/200)
صفحة 201
الرواية الأولى
قال الإمام البخاري (1) : "حدثني عبدان (2) أنا عبد الله (3) أنا المنذر بن ثعلبة (4) حدثني سعيد بن حرب العبدي (5) قال كنت جليسا لعبد الله بن عمر في المسجد الحرام زمن عبد الله بن الزبير وفي طاعة ابن الزبير رءوس الخوارج نافع بن الأزرق وعطية ونجدة قال ابن عمر ما كنت لأعطى بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة"
من رواية الإمام البخاري يتبين لنا الآتي:
- أن تلك الفئة من الناس والتي تسمى الخوارج كانوا في طاعة عبد الله بن الزبير عند قدومهم للدفاع عن الكعبة المشرفة من شر الجيش الأموي.
- أن من الصحابة من لم يبايع عبد الله بن الزبير.
وهذا القول فيه الكفاية لدحض تلك المهاترات التي ذكرتها رواية أبي مخنف الضعيف التالف.
__________
(1) التاريخ الصغير ( الأوسط )، ج1/ص164. وجاءت هذه الرواية أيضاً عند البيهقي ".. سعيد بن حرب العبدي قال كنت جليسا لعبد الله بن عمر في المسجد الحرام زمن ابن الزبير وفي طاعة ابن الزبير رؤوس الخوارج نافع بن الأزرق وعطية بن الأسود ونجدة فبعثوا أو بعضهم شابا إلى عبد الله بن عمر ما يمنعك أن تبايع لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين.." ( سنن البيهقي الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز،الرواية:16586، ج8/ص193)
(2) عبد الله بن عثمان بن جبلة.. أبو عبد الرحمن المروزي الملقب عبدان ثقة حافظ ( تقريب التهذيب، ت:3476، ج1/ص513 )
(3) عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير ( تقريب التهذيب، ت: 3581،ج1/ 527 )
(4) المنذر بن ثعلبة الطائي أو السعدي أبو النضر البصري ثقة ( تقريب التهذيب، ت: 6909،ج2/ص212 )
(5) ذكره ابن حبان في الثقات ( الثقات، ج4/ص284 ) (1/201)
صفحة 202
وأما نسبة تكفير ابن الزبير إلى المحكمة فباطل ولم يأت من طريق صحيح يعتد به. والذي وجدناه أن هناك روايات أحسن حالاً من روايات أبي مخنف التالف تنسب اتهام ابن الزبير بالإلحاد والعصيان إلى جنود بني أمية وقادتهم.
الرواية الثانية
قال الحاكم
" فحدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني (1) ثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي (2) ثنا روح بن عبادة (3) ثنا عوف (4) ثنا أبو الصديق (5)
__________
(1) أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني .. روى عنه أبو بكر بن إسحاق الصبغي وحسان ابن محمد الفقيه وأبو عبد الله الحاكم.. وكان من أئمة هذا الشأن. قال الحاكم: كان صدر أهل الحديث ببلدنا بعد ابن الشرقي يحفظ ويفهم، صنف مستخرجا على الصحيحين، وصنف المسند الكبير.. كان ابن خزيمة يقدم أبا عبد الله بن يعقوب على كافة أقرانه ويعتمد قوله فيما نرد عليه وإذا شك في شيء عرضه عليه.. " ( تذكرة الحفاظ،ت:836، ج3/ص864 -865 )
(2) إبراهيم بن عبد الله السعدي النيسابوري صدوق..وذكره بن حبان في الثقات ( انظر لسان الميزان، ت: 198،ج1/ص68)
(3) روح بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري ثقة فاضل له تصانيف من التاسعة ( انظر تقريب التهذيب،ت:1967، ج1/ص304 )
(4) عوف بن أبي جميلة.. الأعرابي العبدي البصري ثقة رمي بالقدر وبالتشيع من السادسة ( تقريب التهذيب،ت:5231، ج1/ص759)
(5) بكر بن عمرو وقيل ابن قيس أبو الصديق الناجي...ثقة من الثالثة ( انظر تقريب التهذيب، ت:749، ج1/ص136 ) (1/202)
صفحة 203
قال: لما ظفر الحجاج على ابن الزبير فقتله ومثل به ثم دخل على أم عبد الله وهي أسماء بنت أبي بكر فقالت كيف تستأذن علي وقد قتلت ابني فقال إن ابنك ألحد في حرم الله فقتلته ملحدا عاصيا حتى أذاقه الله عذابا أليما وفعل به وفعل فقالت كذبت يا عدو الله وعدو المسلمين والله لقد قتلته صواما قواما برا بوالديه حافظا لهذا الدين ولئن أفسدت عليه دنياه لقد أفسد عليك آخرتك ولقد حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما أشر من الأول وهو المبير وما هو إلا أنت يا حجاج”
أخرج هذه الرواية الحاكم (1) وابن سعد (2)
فرواية أبي مخنف التالف وجدت لها طريقاً ممهداً إلى عقول كثير من الذين لا يميزون الحق من الباطل ولا يعرفون الصدق من الكذب، لهذا جاءت كتاباتهم علامة على جهلهم بالتاريخ الصادق، وبياناً واضحاً لما تحمله قلوبهم من كره للمخلصين من أبناء هذه الأمة وحب للمجرمين والسفاكين للدماء.
فقد وجدنا ناصر بن عبد الله السعوي يسترشد بأقوال أبي مخنف التالف المتروك وهو يعلن تضليله للفئة (3) التي جاءت لتدفع عن بيت الله الآمن شر الجيش الأموي.
فلو كان عقل ناصر السعوي سليماً لما قبل الأكاذيب ولو كان لسانه صادق اللهجة لما قذف الأبرياء بالأباطيل.
__________
(1) المستدرك على الصحيحين، الرواية: 8603، ج4/ص571، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا
(2) الطبقات الكبرى، ج8/ص200، فقد جاءت هذه الرواية عند ابن سعد " حدثنا إسحاق الأزرق عن عوف الأعرابي عن أبي الصديق الناجي أن الحجاج دخل على أسماء ... ". فقد مر بك أعلاه قول ابن حجر في كل من عوف الأعرابي وأبي الصديق، وأما إسحاق الأزرق فقد قال عنه ابن حجر: " ثقة " ( انظر تقريب التهذيب، ت:396، ج1/ص87)
(3) الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم، ص 130-132 (1/203)
صفحة 204
والدكتور صابر طعيمة اعتمد على رواية أبي مخنف المتروك ليبني عليها كتاباته (1) عن لقاء المحكمة بابن الزبير، وبعد عرضه لتلك الرواية وتحليلاته لبعض وقائعها سأل الإباضيةَ هذه الأسئلة : " ونحن هنا نسأل على أي أساس بنى القوم معتقدهم الكريم في عثمان - رضي الله عنه - هل أنكر ابن إباض موقفه الذي كان مع ابن الأزرق، أو أنه تصحيح عقدي انتبه له الأئمة الإباضيون من بعد ابن إباض، خاصة وأننا لم نعثر على ما يفيد في هذا الشأن، لكن الذي نعتقده أن جمهور الإباضية من خلال ما كتب علماؤهم ومؤرخوهم لا يرون في الخليفة عثمان - رضي الله عنه - وبقية أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير ما يرى جمهور المسلمين. بل إن أئمتهم يعنون عناية طيبة بالصحابيين علي وعثمان -رضي الله عنهما- تستحق التقدير، وأبو إسحاق بن أطفيش الإباضي في رسالته ( النقد الجليل في الرد الجميل) سجل ثناءً ودعاءً للخليفة عثمان بن عفان" (2)
هذا الدكتور في حيرة من أمره. فهو يرى أن الحق الذي عليه الإباضية مناقض لكل ما سجلته كتب التاريخ المكذوبة، ومع هذا نجده يصر على أن هناك تصحيح عقدي (3) أقدم عليه أئمة الإباضية مع تطور الزمن. فلو أخذ الدكتور صابر بالأقوال الصادقة لما وجد نفسه في هذه الحيرة التي يبحث لنفسه مخرجاً منها، ولوجد الفكر الإباضي قوي الأساس، ثابت الأركان، لا تتبدل مبادئه، ولا تتغير اتجاهاته مهما اختلفت العصور وتغيرت الأماكن.
وأخيراً أدعو كل من جعل رأسه وكراً لأقوال الكذابين -تبيض فيه وتفرخ- إلى التجرد من الهوى والبحث عن الحق واتباعه والتزام قول الصدق والدعوة إليه.
خاتمة الفصل الخامس
__________
(1) الإباضية عقيدة ومذهباً، ص22-27
(2) المرجع السابق، ص 86-87
(3) مما قاله الدكتور صابر : " .. اختلف المذهب فيما بعد وأصبح يشكل معطيات جديدة ، قد لا تضعه بين أجنحة الغلو في الفكر الخارجي. " ( انظر الإباضية عقيدة ومذهباً ، ص29 ) (1/204)
صفحة 205
إن المنهجية التي يتبعها بعض الباحثين عند الكتابة عن أهل النهروان منهجية باطلة يرفضها الإسلام ولا يقرها الشرع. ولقد رأيتَ أخي القارئ الكريم من خلال قراءتك لأقسام هذا الفصل أن جميع الروايات التي اعتمد عليها المؤرخون وكتاب الفرق روايات ضعيفة الأسانيد أو مضطربة المتون. والذين تجنوا على أهل النهروان والإباضية خاصة لم يكن لديهم رواية صحيحة متصلة الإسناد يبنون عليها أحكامهم. وبعض الذين كتبوا عن أهل النهروان في هذا العصر لم يسلموا من التقليد الأعمى وإن ادعوا الالتزام بمنهج علماء الحديث في تحقيق الروايات التاريخية، حيث نجدهم يعتمدون على روايات باطلة ويتركون روايات أرقى منها سنداً.
وبسبب انتشار الروايات الضعيفة عن أهل النهروان بين أوساط الناس جعل الكتاب يأخذون بتلك الأخبار الواردة في هذه الروايات وكأنها حقائق مسلم بثبوتها، وفي نفس الوقت نجدهم لا يلتفتون إلى الروايات القليلة القوية والتي تنسب المخالفات الشرعية إلى غير أهل النهروان. وحقيقة الأمر أن الذين أساؤوا إلى أهل النهروان والفكر الإباضي يفتقرون إلى المنهجية الصادقة المبنية على تعاليم الإسلام في قول الصدق وإظهاره وترك الباطل ووأده.
الفصل السادس
روايات من كتب الحديث
الناظر في الروايات التي اعتمد عليها في النيل من أهل النهروان يجدها تنقسم إلى قسمين:
1-القسم الأول :روايات لم تحدد قوماً بأعيانهم.
2-القسم الثاني : روايات ذكرت أهل النهروان بالإشارة أو بالنص.
القسم الأول: روايات لم تحدد قوماً بأعيانهم
ليس هناك من متعلق لأحد في الروايات الصحيحة التي لم تذكر أهل النهروان بالنص أو بالإشارة. والروايات التي سأذكرها هنا -الصحيح منها والضعيف- لم تذكر أحداً ولكن بعضها حدد الخصال والأعمال التي بها يكون الإنسان مارقاً وخارجاً عن دين الله تعالى. (1/205)
صفحة 206
والذين يحملون هذه الروايات على أهل النهروان عليهم أن يأتوا لنا بالدليل الصحيح القاطع الذي يخصص هذه الروايات ويجعل معناها في أهل النهروان.
وأنت يا أخي القارئ الكريم إذا أمعنت النظر في هذه الروايات ستجد أن الذين حملوا معناها في أهل النهروان لم يكن لهم من دليل على ذلك إلا روايات تاريخية باطلة أو روايات ضعيفة من كتب الحديث.
الرواية الأولى
قال الإمام البخاري :
"حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق ".
أخرج هذه الرواية الإمام الربيع بن حبيب (1) والإمام البخاري (2) والإمام مسلم (3) وابن حبان (4)
الرواية الثانية
قال الإمام البخاري:
__________
(1) مسند الإمام الربيع، الحديث : 36، ج1/ص15-16
(2) فتح الباري، الحديث : 5058، ج10 / ص122 - 123 والحديث : 6931، ج14 / ص286
(3) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث : 2452، م4 ج7 /ص164-165
(4) صحيح ابن حبان، الحديث : 6737، ج15 /ص 132 (1/206)
صفحة 207
"حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه -وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي نعته".
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (1) والبيهقي في سننه الكبرى (2) من طريق أبي اليمان
- أبو اليمان : هو الحكم بن نافع البهراني مولاهم
" قال الأثرم : سئل أبو عبد الله عن أبي اليمان فقال : أما حديثه عن صفوان وحريز فصحيح، قال وهو يقول : أخبرنا شعيب، واستحل ذلك بشيء عجيب (3) .
__________
(1) فتح الباري، الحديث : 3610، ج7 / ص324
(2) السنن الكبرى، الحديث : 16702، ج8 / ص296، دار الكتب العلمية.
(3) أنت ترى أن أبا اليمان في هذه الرواية يقول " أخبرنا شعيب.. ".
قال أحمد محمد شاكر: " وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله (حدثنا فلان) أو (أخبرنا فلان)! وأنكر ذلك العلماء، ولم يجزه أحد يعتمد عليه، بل هو من الكذب الصريح، والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وترد روايته "( انظر الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، هامش ص 97) (1/207)
صفحة 208
قال أبو عبد الله : كان أمر شعيب في الحديث عسراً جداً، وكان علي بن عياش سمع منه، وذكر قِصَّة لأهل حمص أراها أنهم سألوه أن يأذَنَ لهم أن يرووا عنه، فقال لهم : لا. ثم كلموه، حضر ذلك أبو اليمان فقال لهم: ارووا عني تلك الأحاديث. فقلت لأبي عبد الله : مناولة؟ قال لو كان مناولةً كان لم يعطهم كتباً ولا شيئاً، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول : إنَّ أبا اليمان جاءني فأخذ كُتُبَ شعيب مني بَعْدُ، وهو يقول أخبرنا ...
وقال المفضل بن غسان، عن يحيى بن معين : سألت أبا اليمان عن حديث شعيب ابن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد..
وقال شعيب بن عمرو البردعي، عن أبي زرعة الرازي : لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثاً واحداً والباقي إجازة..
قلت [ ابن حجر ]: وقال الآجري، عن أبي داود : لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا كلمة." (1)
وأخرج البخاري (2) أيضاً هذه الرواية من طريق الوليد بن مسلم القرشي "عن " الأوزاعي
- الوليد بن مسلم القرشي.. أبو العباس الدمشقي
__________
(1) تهذيب التهذيب ت: 1539، ج2 / ص 395 - 397
(2) فتح الباري، الحديث : 6163، ج12/ ص188-189. وكذلك انظر سنن الأوزاعي، الرواية : 2094، ص646 (1/208)
صفحة 209
".. قال المروذي عن أحمد : كان الوليد كثير الخطأ. وقال حنبل عن ابن معين : سمعت أبا مسهر يقول : كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السفر حديث الأوزاعي، وكان أبو السفر كذاباً. وقال مؤمل بن أهاب عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يحدث حديث الأوزاعي عن الكذابين ثم يدلسها عنهم. وقال صالح بن محمد : سمعت الهيثم بن خارجة يقول : قلت للوليد قد أفسدت حديث الأوزاعي. قال : كيف؟ قلت : تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري ويحيى بن سعيد وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة وقرة وغيرهما، فما يحملك على هذا؟. قال أنبل الأوزاعي عن هؤلاء. قلت فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي. قال: ولم يلتفت إلى قولي.
وقال الدارقطني : كان الوليد يرسل يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع وعن عطاء. سألت [ السائل هو الآجري ] أحمد عن الوليد فقال : اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات.. وقال عبد الله بن أحمد سئل عنه أبي فقال : كان رفاعاً." (1)
وقال أبو الفداء عبد الله القاضي محقق "كتاب الضعفاء والمتروكين " لابن الجوزي: ".. والوليد كان ثقة إلا أنه كان كثير التدليس فإذا [قال:] حدثنا أخبرنا، أنبأنا فروايته صحيحة وإذا قال : قال، عن، حدث، أخبر فلا تقبل روايته " (2)
كما لا يخفى عليك أيها القارئ فإن الوليد يعنعن في هذه الرواية عن الأوزاعي.
__________
(1) تهذيب التهذيب ت : 7777 ، ج11 / ص 133 - 136. ميزان الاعتدال ت: 9405 ، ج4 / ص347- 348. كتاب الضعفاء والمتروكين ت: 3671 ، ج3 / ص187
(2) كتاب الضعفاء والمتروكين ت: 3671 ، ج3 / هامش صفحة 187 (1/209)
صفحة 210
وأخرج هذه الرواية الإمام مسلم (1) من طريق يونس بن يزيد بن أبي النجاد عن ابن شهاب وكذلك من طريق حرملة بن يحيى بن عبد الله وأحمد بن عبد الرحمن الفهري
- يونس بن يزيد بن أبي النجاد
" قال الأثرم : قيل لأبي عبد الله فإبراهيم بن سعد فقال : وأي شيء روى إبراهيم عن الزهري إلا أنه في قلة روايته أقل خطأ من يونس. قال ورأيته يحمل على يونس.. وقال لم يكن يعرف الحديث وكان يكتب أرى أول الكلام فينقطع الكلام فيكون أوله عن سعيد وبعضه عن الزهري فيشتبه عليه..
وقال أبو زرعه الدمشقي سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث يونس عن الزهري منكرات..
وقال الميموني سئل أحمد من أثبت في الزهري قال: معمر. قيل فيونس قال : روى أحاديث منكرة.. وقال ابن سعد : كان حلو الحديث كثيره وليس بحجة ربما جاء بالشيء المنكر.. " (2)
- حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة التجيبي، أبو حفص
" قال أبو حاتم : لا يحتج به، وقال ابن عدي : سألت عبد الله بن محمد الفرهاداني أن يملي عليّ شيئاً عن حرملة، فقال : هو ضعيف.." (3)
- أحمد بن عبدالرحمن الفهري.. ابن أخي عبد الله بن وهب:
" أكثر عن عمه، وروى عن : الشافعي.. وعنه : مسلم، وابن خزيمة..
وقال ابن أبي حاتم : عن أبي زرعة : أدركناه ولم نكتب عنه..
وقال ابن عدي: رأيت شيوخ مصر مجمعين على ضعفه، ومن كتب عنه من الغرباء لا يمتنعون من الرواية عنه..
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث : 2453، م4 ج7 / ص165-166
(2) تهذيب التهذيب ت : 8244 ، ج11 /ص 394
(3) ميزان الاعتدال ت: 1783، ج1 / ص472 (1/210)
صفحة 211
وقال ابن عدي: ومن ضعفه أُنكر عليه أحاديث وكثرة روايته عن عمه..وقال أبو سعيد بن يونس : توفي في شهر ربيع الآخر سنة 264، ولا تقوم بحديثه حجة..وقال أحمد بن صالح : بلغني أن حرملة يحدث بكتاب الفتن عن ابن وهب، فقلت له في ذلك، وقلت : لم يسمعه من ابن وهب أحد، ولم يقرأه على أحد، قال : فرجع من عندي على أنه لا يفعل، ثم بلغني أنه حدّث به بعد. وقال : فقيل للبوشنجي إن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدّث به عن ابن وهب قال: فهذا كذَّاب إذاً " (1) .
وقد عده النسائي من الكذابين (2)
وأخرج هذه الرواية الإمام البخاري (3) في موضع آخر وابن حبان (4) والإمام أحمد (5) والبيهقي (6)
هذه الرواية مع ما قيل في بعض طرقها من ضعف ليس فيها من ذكر لأهل النهروان. وأما قول أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : " وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه.. " فليس فيه دليل على أن المقصودين هنا هم أهل النهروان، فقد قاتل الإمام علي -كرم الله وجهه- كثيراً من الناس. فليس هناك من دليل يخصص هذه الرواية ويجعلها في أهل النهروان.
وفي رواية الحاكم (7) عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - توضيح لمعنى رواية الإمام البخاري. فقد فسر أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - " الخوارج " بالفئة الباغية صاحبة الفتنة والتي قتلت الصحابي الجليل عمار بن ياسر.
فلماذا نحمل رواية الإمام البخاري على أهل النهروان، ولا نحملها على غيرهم من الذين وصفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالفئة الباغية؟!.
الرواية الثالثة
قال الإمام مسلم :
__________
(1) تهذيب التهذيب ت : 75، ج1 / ص49 - 51
(2) الضعفاء والمتروكين للنسائي ت: 71 ، المجموع في الضعفاء والمتروكين ص 62
(3) فتح الباري، الحديث : 6933، ج14 / ص295-296
(4) صحيح ابن حبان، الحديث : 6741، ج15 / ص140
(5) مسند الإمام أحمد، الرواية 11195
(6) دلائل النبوة، ج6/ ص427 -428. وكذلك انظر سنن الأوزاعي، الرواية :2095، ص646-647
(7) انظر ص 220 (1/211)
صفحة 212
" حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبض منها يعطي الناس فقال يا محمد اعدل قال ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية".
أخرج الإمام مسلم (1) وابن ماجة (2) هذه الرواية من طريق أبي الزبير "عن" جابر
- أبو الزبير : هو محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم
"... وقال عبدالله بن أحمد : قال أبي : كان أيوب يقول : حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير قلت لأبي يضعفه؟ قال نعم. وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير أي كأنه يضعفه. وقال هشام بن عمار عن سويد بن عبد العزيز قال لي شعبة تأخذ عن أبي الزبير وهو لا يحسن أن يصلي؟ وقال نعيم بن حماد سمعت هشيماً يقول سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزقه.. وقال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء قلت لشعبة ما لك تركت حديث أبي الزبير قال رأيته يزن ويسترجح في الميزان وقال يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول أبو الزبير يحتاج إلى دعامة.. وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق وإلى الضعف ما هو وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير فقال : يكتب حديثه ولا يحتج به وهو أحب إلي من سفيان..
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث : 2446 و2447، م 4 ج7 / ص159 -160
(2) سنن ابن ماجة، الحديث : 172، ج1 / ص61 (1/212)
صفحة 213
قال شعبة لم يكن في الدنيا أحب إليّ من رجل يقدم فاسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فرد عليه فافترى عليه فقال له : يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم، قال : إنه أغضبني قلت : ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويت عنك شيئاً.." (1)
" وأما أبو محمد بن حزم فإنه يرد من حديثه ما يقول فيه : "عن" جابر ونحوه، لأنه عندهم ممن يدلس ؛ فإذا قال: سمعت، وأخبرنا احتج به. ويحتج به ابن حزم إذا قال: " عن" مما رواه عنه الليث بن سعد خاصة.. " (2)
وقال الذهبي : " وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، وهي عن غير طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء" (3)
وأنت ترى أيها القارئ أن أبا الزبير لم يصرح في هذه الرواية بالسماع من جابر بل عنعن فيها عنه وهذا يكفي لإسقاط الاحتجاج بها، كذلك كون هذه الرواية لم تحدد قوماً بذاتهم فمن القول بلا دليل حمل مدلولها على أهل النهروان.
هذا وقد أخرج هذه الرواية البزار (4)
الرواية الرابعة
__________
(1) تهذيب التهذيب ت : 6580، ج9 / ص381 -382
(2) ميزان الاعتدال ت: 8169، ج4 / ص37
(3) المرجع السابق، ج4 / ص39
(4) كشف الأستار عن زوائد البزار، الرواية : 1852، ج2/ص361. وكذلك الروية : 1853 (1/213)
صفحة 214
وفي مصنف عبد الرزاق (1) : " أخبرنا عبد الرزاق عن معمر قال : سمعت يزيد الرقاشي يقول : بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - جالس مع أصحابه فأشرف عليهم رجل فأثنوا عليه خيراً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن في وجهه سفعة شيطان، فجاء فسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أحدثتَ نفسك آنفاً أنه ليس في القوم رجل أفضل منك؟ قال نعم، ثم ولّى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أفيكم رجل يضرب عنقه؟ فقال أبو بكر: أنا، فقام فرجع، فقال : انتهيت إليه فوجدته قد خطّ خطاً وهو يصلي فيه، فلم تشايعني نفسي على قتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أيكم له؟ فقال عمر بن الخطاب: أنا، فقام إليه، ثم رجع فقال : يا رسول الله وجدته ساجداً فلم تشايعني نفسي على قتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أيكم له؟ فقال علي : أنا يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنت له إن أدركته ولا أراك أن تدركه، فقام، ثم رجع، فقال : والذي نفسي بيده لو وجدته لجئتك برأسه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " هذا أول قرن من الشيطان طلع في أمتي - أو أول قرن طلع من أمتي - أما إنكم لو قتلتموه ما اختلف منكم رجلان، إن بني إسرائيل اختلفوا على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وإنكم ستختلفون مثلهم أو أكثر، ليس منها صواب إلا واحدة، قيل : يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال : الجماعة، وآخرها في النار "
هذه الرواية ضعيفة من وجوه:
-معمر بن راشد الأزدي البصري
__________
(1) مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18674، ج10/ص155-156. (1/214)
صفحة 215
".. قال ابن سعد.. كان معمر رجلاً له قدر ونبل في نفسه ولما خرج إلى اليمن شيعه أيوب.. وقال ابن ابي خيثمة سمعت يحيى ابن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وما عمل في حديث الأعمش شيئاً. قال يحيى وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام " (1)
- يزيد بن أبان الرقاشي.. البصري ضعفه علماء الجرح فقد " قال ابن سعد كان ضعيفاً قدرياً... وقال شعبة : لأن أقطع الطريق أحب إلي من أن أروي عن يزيد... وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن يزيد الرقاشي.. وقال أبو داود عن أحمد : لا يكتب حديث يزيد.. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين رجل صالح وليس حديثه بشيء.. وقال النسائي والحاكم أبو أحمد متروك الحديث وقال النسائي أيضاً ليس بثقة .." (2)
وفي مختصر زوائد مسند البزار (3) نحو هذه الرواية
" حدثنا إبراهيم بن عبدالله بن محمد الكوفي، ثنا عبدالرحمن بن شريك، ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - .. " ثم ذكر نحو الرواية السابقة
فالأعمش (سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، أبو محمد) لم يسلم من التضعيف فقد " قال الجوزجاني : قال وهب بن زمعة المروزي : سمعت ابن المبارك يقول : إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش لكم. وقال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول : أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا ؛ كأنه عنى الرواية عمن جاء، وإلا فالأعمش عدل صادق ثبت، صاحب سنة وقرآن، يحسن الظن بمن يحدثه، ويروي عنه..
__________
(1) تهذيب التهذيب ت: 7126، ج 10 / ص221
(2) المرجع السابق، ت : 8005، ج11/ص268-269
(3) مختصر زوائد مسند البزار، الرواية : 1407، ج2/ص53-54 . وكذلك كشف الأستار عن زوائد البزار، الرواية : 1851، ج2/ص360-361. (1/215)
صفحة 216
قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول : منصور أثبت أهل الكوفة ؛ ففي حديث الأعمش اضطراب كثير..
قلت [ الذهبي ] : وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال " عن " تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم : كإبراهيم، وابن أبي وائل (1) ، وأبي صالح السمان ؛ فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال.
قال ابن المديني : الأعمش كان كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء. " (2)
هذا مع العلم بأن الأعمش يعنعن في هذه الرواية عن أبي سفيان طلحة بن نافع، ومع كون الأعمش متهم حتى بتدليس التسوية (3) فليس في هذه الرواية حجة لمن حمل معناها ومدلولها على أهل النهروان.
الرواية الخامسة
قال الإمام البخاري :
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة قال قال علي - رضي الله عنه - إذا حدثتكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة.
__________
(1) هكذا في طبعة ميزان الاعتدال والصحيح هو " وأبي وائل " ( انظر التبيين لأسماء المدلسين ت: 33، ص105)
(2) ميزان الاعتدال ت : 3517، ج2 / ص 224
(3) انظر " أحوال الرجال للجوزجاني " هامش صفحه 127 تعليق المحقق عبد العليم عبد العظيم البستوي (1/216)
صفحة 217
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (1) وابن حبان (2) أبو داود (3) والإمام مسلم (4) والبيهقي (5) وعبد الرزاق (6) والنسائي (7) وابن ماجة (8)
وأخرج أبو داود الطيالسي (9) نحو هذه الرواية من طريق قيس بن الربيع الذي أسهب العلماء في تضعيفه فقد ".. قال حرب عن أحمد : روى أحاديث منكرة. وقال المروذي : سألت أحمد عنه فلينه وقال كان وكيع إذا ذكره قال الله المستعان. وقال البخاري : قال علي كان وكيع يضعفه. وقال الآجري عن أبي داود : سمعت ابن معين يقول قيس ليس بشيء.. وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين ضعيف لا يكتب حديثه .. وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين ليس حديثه بشيء وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين ضعيف الحديث لا يساوى شيئاً. وقال عبدالله بن علي ابن المديني سألت أبي عنه فضعفه جداً.. وقال الجوزجاني ساقط. وقال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عنه فقال فيه لين.. وقال يعقوب بن أبي شيبة هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح ردي الحفظ جداً مضطربه كثير الخطأ ضعيف في روايته. وقال النسائي : ليس بثقة وقال في موضع آخر متروك الحديث.. وقال أبو أحمد الحاكم : ليس حديثه بالقائم. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث.." (10)
__________
(1) فتح الباري، الحديث: 3611، ج7 / ص324 - 325 والحديث: 6930، ج14/ص286
(2) صحيح ابن حبان، الحديث : 6739، ج15/ص 136
(3) سنن أبي داود، الحديث : 4767، ج5/ص124
(4) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث : 2459 و2460 و2461، م4 ج7 / ص168-170
(5) السنن الكبرى، الحديث : 16697 و16698، ج8 / ص294 ،دار الكتب العلمية. ودلائل النبوة، ج6 / ص430
(6) مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18677، ج10/ص157
(7) سنن النسائي، الحديث : 3565، ج2 / ص312
(8) سنن ابن ماجة، الحديث : 168، ج1 / ص59
(9) مسند أبي داود الطيالسي، الرواية : 168، ص24
(10) تهذيب التهذيب، ت : 5792، ج8/ص339-342 (1/217)
صفحة 218
فرواية الإمام البخاري هذه لم تحدد لنا القوم المقصودين بقوله - صلى الله عليه وسلم - " يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام.. "
وهذه العبارة تُفَسر بالأعمال السيئة التي يقدم عليها الإنسان في حياته، ويظهر معناها في الذين يلقون بشرع الله خلف ظهورهم، ويقدمون على اتباع ما تمليه عليهم أحلامهم.
قال ابن أبي عاصم (1) :
__________
(1) الآحاد والمثاني، ج2/ص325 (1/218)
صفحة 219
" حدثني سليمان بن عمر بن خالد أبو أيوب الرقي (1) نا محمد بن سلمة (2) حدثنا محمد بن إسحاق (3)
__________
(1) سليمان بن عمر بن خالد ذكره ابن حبان في الثقات ( ج8/ص280)
(2) محمد بن سلمة الإمام المفتى أبو عبد الله الحراني.. قال ابن سعد كان ثقة فاضلا له رواية وفتوى.." ( تذكرة الحفاظ،ت: 296، ج1/ص316)
(3) محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار .. قال المفضل الغلابي سألت ابن معين عنه فقال: كان ثقة وكان حسن الحديث فقلت إنهم يزعمون أنه رأى ابن المسيب فقال إنه لقديم.. وقال على بن المديني مدار حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ستة فذكرهم ثم قال فصار علم الستة عند أثنى عشر فذكر ابن إسحاق فيهم، وقال ابن عيينة: رأيت الزهري قال لمحمد بن إسحاق أين كنت؟ فقال هل يصل إليك أحد؟ قال فدعا حاجبه وقال لا تحجبه إذا جاء. وقال ابن المديني سمعت سفيان قال قال ابن شهاب وسئل عن مغازيه فقال: هذا أعلم الناس بها وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين قال عاصم بن عمر بن قتادة لا يزال في الناس علم ما بقي ابن إسحاق وقال ابن أبي خيثمة عن هارون بن معروف سمعت أبا معاوية يقول: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس فكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثرها فاستودعها ابن إسحاق.. وقال صالح بن أحمد عن على ابن المديني عن ابن عيينة قال: جالست ابن إسحاق منذ بضع وسبعين سنة وما يتهمه أحد من أهل المدينة ولا يقول فيه شيئا.. وقال الأثرم عن أحمد هو حسن الحديث وقال مالك دجال من الدجاجلة. وقال البخاري رأيت علي بن عبد الله يحتج بحديث ابن إسحاق قال وقال علي ما رأيت أحداً يتهم ابن إسحاق قال وقال لي إبراهيم بن المنذر ثنا عمر بن عثمان أن الزهري كان يتلقف المغازي من ابن إسحاق فيما يحدثه عن عاصم بن عمر بن قتادة والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يتبين وكان إسماعيل بن أبي أويس من أتبع من رأينا لمالك أخرج إليّ كتب ابن إسحاق عن أبيه في المغازي وغيرها فانتخبت منها كثيرا..قال وقال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثا في زمانه. قال ولو صح عن مالك تناوله من ابن إسحاق فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء ولا يتهمه في الأمور كلها قال وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح نهاني مالك عن شيخين من قريش وقد أكثر عنهما في الموطأ وهما ممن يحتج بهما. قال ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي وكلام الشعبي في عكرمة ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان وحجة قال وقال عبيد بن يعيش ثنا يونس بن بكير سمعت شعبة يقول ابن إسحاق أمير المؤمنين لحفظه قال وقال لي علي بن عبد الله نظرت في كتب ابن إسحاق فما وجدت عليه إلا في حديثين ويمكن أن يكونا صحيحين.. وقال البخاري أيضا محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها. وقال إبراهيم الحربي حدثني مصعب قال: كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث وقال أبو زرعة الدمشقي وابن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه.. وقال موسى ابن هارون سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول: كان محمد بن إسحاق يرمى بالقدر وكان أبعد الناس منه وقال يعقوب بن شيبه سمعت ابن نمير يقول: إذا حدث عن من سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق وإنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة قال يعقوب وسألت ابن المديني كيف حديث ابن إسحاق عندك؟ قال صحيح قلت له فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه.. وقال أيوب بن إسحاق بن سامري سألت أحمد فقلت له: يا أبا عبد الله إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله؟ قال: لا والله إني رايته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. قال أيوب: وكان علي بن المديني يثني عليه ويقدمه، وقال أبو داود: وسمعت أحمد ذكر محمد ابن إسحاق فقال: كان رجلا يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه.. وقال حنبل بن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول: ابن إسحاق ليس بحجة وقال عبد الله بن أحمد ما رأيت أبي أتقن حديثه قط وكان يتتبعه بالعلو والنزول قيل له يحتج به قال: لم يكن يحتج به في السنن. وقال عباس الدوري عن ابن معين: محمد بن إسحاق ثقة وليس بحجه وقال يعقوب بن شيبة: سألت ابن معين عنه فقلت في نفسك من صدقه شيء؟ قال لا هو صدوق. وقال أبو زرعة الدمشقي قلت لابن معين وذكرت له الحجة محمد ابن إسحاق منهم فقال كان ثقة إنما الحجة مالك وعبيد الله بن عمر وقال ابن أبي خيثمة سمعت ابن معين يقول محمد بن إسحاق ليس به بأس. وقال مرة ليس بذاك ضعيف وقال مرة ليس بالقوي. وقال الميموني عن ابن معين ضعيف وقال النسائي ليس بالقوي وقال العجلي مدني ثقة.. وقال ابن عيينة سمعت شعبة يقول محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث.. وقال ابن سعد كان ثقة ومن الناس من يتكلم فيه..
روى له مسلم في المتابعات وعلق له البخاري. قلت[ ابن حجر]: وذكره النسائي في الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري. وقال ابن المديني ثقة لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب وكذبه سليمان التيمي ويحيى القطان ووهيب بن خالد فأما وهيب والقطان فقلدا فيه هشام بن عروة ومالكا وأما سليمان التيمي فلم يتبين لي لأي شيء تكلم فيه والظاهر أنه لأمر غير الحديث لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل. قال ابن حبان في الثقات: تكلم فيه رجلان هشام ومالك فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة والستر بينهما مسبل وأما مالك فإن ذلك كان منه مرة واحدة ثم عاد له إلى ما يحب ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصه خيبر وغيرها وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن ولما سئل ابن المبارك قال: إنا وجدناه صدوقا ثلاث مرات. قال ابن حبان: ولم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه ولا يوازيه في جمعه وهو من أحسن الناس سياقا للأخبار إلى أن قال وكان يكتب عمن فوقه ومثله ودونه فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النزول فهذا يدلك على صدقه. سمعت محمد بن نصر الفراء يقول سمعت يحيى بن يحيى وذكر عنده محمد بن إسحاق فوثقه وقال الدارقطني: اختلف الأئمة فيه وليس بحجة إنما يعتبر به وقال أبو يعلى الخليلي محمد ابن إسحاق عالم كبير وإنما لم يخرجه البخاري من أجل روايته المطولات وقد استشهد به وأكثر عنه فيما يحكي في أيام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وفي أحواله وفي التواريخ وهو عالم واسع الرواية والعلم ثقة. وقال ابن البرقي لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته وفي حديثه عن نافع بعض الشيء وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه وقال أبو زرعة صدوق وقال الحاكم قال محمد بن يحيى هو حسن الحديث عنده غرائب وروى عن الزهري فأحسن الرواية قال الحاكم وذكر عن البوشنجي أنه قال: هو عندنا ثقة ثقة " ( تهذيب التهذيب،ت:5960، ج9/ص33-38 ) (1/219)
صفحة 220
عن عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز (1) عن الحسن البصري (2) قال قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا أمره معاوية فقدم غلام سفيه حدث السن يسفك الدماء سفكا شديدا وفينا عبد الله بن مغفل المزني رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعلمون أهل البصرة فدخل عليه داره في يوم الجمعة فقال له انته عما أراك تصنع فإن شر الرعاة الحطمة فقال وما أنت إلا من حثالة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهل كانت فيهم حثالة لا أم لك كانوا أهل بيوتات وشرف.. "
وقال الإمام البخاري:
" حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال أخبرني جدي قال: كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ومعنا مروان قال أبو هريرة سمعت الصادق المصدوق يقول: هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا عسى هؤلاء أن يكونوا منهم قلنا أنت أعلم "
__________
(1) عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز مقبول من السادسة ( تقريب التهذيب، ت:4318، ج1/ص633)
(2) "الحسن بن أبي الحسن البصري.. ثقة فقيه فاضل مشهور.. " ( تقريب التهذيب، ت:1231، ج1/ص202) (1/220)
صفحة 221
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (1) والإمام مسلم (2) والحاكم (3) والطبراني (4) وابن حبان (5) والطيالسي (6) وابن راهويه (7) والإمام أحمد (8)
قال ابن حجر في شرحه لهذه الرواية ".. وقد يطلق الصبي والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين ولو كان محتلماً وهو المراد هنا، فإن الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ وكذلك من أمروه على الأعمال، إلا أن يكون المراد بالأغليمة (9) أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم فنسب إليهم، والأولى الحمل على أعم من ذلك." (10)
فبأي دليل تحمل رواية الإمام البخاري على أهل النهروان؟. وما الذي يمنعها من أن تحمل على عبيد الله بن زياد السفيه الحدث السن السفاك للدماء؟.
الرواية السادسة
قال الإمام البخاري :
__________
(1) فتح الباري، الرواية:7058، ج14/ص498. وكذلك الرواية:3605، ج7/ص318.
(2) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج-، الرواية: 7254، م9 ج18/ص248
(3) المستدرك على الصحيحين، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا، الرواية: 8450، ج4/ص516 والرواية: 8606، ج4/ص572. حيث جاء في الرواية ".. إن فساد أمتي على غلمة سفهاء من قريش.."
(4) المعجم الصغير، الرواية:554،ج1/ص334
(5) صحيح ابن حبان الرواية: 6712 و6713، ج15/ص107 و108
(6) مسند أبي داود الطيالسي، الرواية : 2508، ص327
(7) مسند إسحاق بن راهويه، الرواية:362،ج1/ ص358
(8) مسند الإمام أحمد، الرواية: 7532،7633،7690،7997،9902
(9) هكذا في الأصل ولعلها بالأغيلمة
(10) فتح الباري، ج14/ص499 (1/221)
صفحة 222
وقال ابن كثير عن سفيان عن أبيه عن ابن أبي نعم عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال بعث علي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهيبة فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي وعيينة بن بدر الفزاري وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب فغضبت قريش والأنصار قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا قال: إنما أتألفهم فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق فقال: اتق الله يا محمد فقال: من يطع الله إذا عصيت أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني فسأله رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد فمنعه فلما ولَّى قال: إن من ضئضئ هذا أو في عقب هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد.
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري (1) والإمام مسلم (2) والبيهقي (3) وأبو داود (4) والنسائي (5) وعبد الرزاق (6) والطيالسي (7)
__________
(1) فتح الباري، الحديث : 3344، ج7 / ص21 - 22 والحديث : 4667، ج9/ص228 والحديث : 4351، ج8 / ص394 والحديث : 7432، ج15 / ص375 -376
(2) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث : 2448، م4 ج7 / ص161 -162 والحديث: 2449، م4 ج7 / ص162-163 والحديث:2450 ، م4 ج7 / ص163-164 والحديث : 2451، م4 ج7 / ص164
(3) السنن الكبرى، الحديث : 16694، ج8/ص293، دار الكتب العلمية. ودلائل النبوة، ج6/ص
426-427
(4) سنن أبي داود، الحديث : 4764، ج5 / ص121 -122
(5) سنن النسائي، الحديث : 3564، ج2 / ص311-312
(6) مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18676، ج10/ص156
(7) مسند أبي داود الطيالسي، الرواية : 2234، ص296 (1/222)
صفحة 223
ليس هنا من ذكر لأهل النهروان ولا لأحد من الناس، وكل ما في هذه الرواية أنها وصفت الذين يمرقون من الدين بأنهم يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، وقد ذكرنا في الفصل الخامس روايات تنسب مثل هذه الأعمال إلى غير أهل النهروان. وأما الروايات التي اعتمد عليها الكتاب في حمل معنى هذه الرواية وغيرها على أهل النهروان فلا يثبت منها شئ كما تبين وسيتبين لك في القسم الآتي من هذا الفصل إن شاء الله.
الرواية السابعة
قال الإمام مسلم:
وحدثني محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق قال هم شر الخلق أو من أشر الخلق يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق قال فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم مثلا أو قال قولا الرجل يرمي الرمية أو قال الغرض فينظر في النصل فلا يرى بصيرة وينظر في النضي فلا يرى بصيرة وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة قال: قال: أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (1) وابن حبان (2)
هذه الرواية كغيرها لم تحدد القوم الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ولقد مر بك (3) رأي أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في أن المقصود بالخوارج هم قتلة عمار بن ياسر - رضي الله عنه - .
الرواية الثامنة
قال الإمام مسلم:
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث: 2454، م4 ج7 / ص166 -167
(2) صحيح ابن حبان، الحديث : 6740، ج15/ص 138
(3) انظر ص 220 (1/223)
صفحة 224
حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة فقال ابن الصامت فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا فذكرت له هذا الحديث فقال وأنا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (1) وابن حبان (2) والبيهقي (3) وابن ماجة (4)
وأخرج ابن ماجة (5) أيضاً نحو هذه الرواية: " حدثنا هشام بن عمار حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا الأوزاعي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج قرن قطع قال ابن عمر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال "
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب رواية الأوزاعي " عن " نافع
الأوزاعي : هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو.. الشامي أبو عمرو الأوزاعي الفقيه
".. وقال أبو زرعة الدمشقي لا يصح للأوزاعي عن نافع شيء. وكذا قال عباس عن ابن معين لم يسمع من نافع شيئاً .. وقال إبراهيم الحربي سألت أحمد بن حنبل عن الأوزاعي فقال: حديثه ضعيف.. قال البيهقي يريد أحمد بذلك بعض ما يحتج به لأنه أضعف في الرواية والأوزاعي إمام في نفسه ثقة.. " (6)
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث: 2466، م4 ج7 / ص173
(2) صحيح ابن حبان، الحديث : 6738، ج15/ص135
(3) دلائل النبوة، ج6 /ص429
(4) سنن ابن ماجة، الحديث : 170و 171، ج1 /ص60-61
(5) المصدر السابق، الحديث : 174، ج1 /ص61-62
(6) تهذيب التهذيب، ت : 4107، ج 6 / ص 217-218 (1/224)
صفحة 225
وهذه الرواية ليس فيها ذكر لأهل النهروان، فمن القول بلا دليل حمل معناها عليهم.
الرواية التاسعة
قال الترمذي : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأبي ذر، وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي في غير هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث وصف هؤلاء القوم الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية إنما هم الخوارج الحرورية وغيرهم من الخوارج.
أخرج الترمذي (1) هذه الرواية من طريق أبي بكر بن عياش وعاصم بن بهدلة
- أبو بكر بن عياش : هو أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي
".. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه ثقة وربما غلط.. وقال عثمان الدارمي: ...هما [يقصد أبا بكر وأخاه الحسن ] من أهل الصدق والأمانة وليسا بذلك في الحديث.. وسمعت محمد بن عبد الله بن نمير يضعف أبا بكر في الحديث قلت كيف حاله في الأعمش؟ قال: هو ضعيف في الأعمش وغيره.
قلت [ ابن حجر ] :.. كان من العباد الحفاظ المتقنين وكان يحيى القطان وعلي بن المديني يسيئان الرأي فيه وذلك أنه لما كبر ساء حفظه فكان يهم إذا روى..
وقال العجلي : كان ثقة قديماً صاحب سنة وعبادة وكان يخطئ بعض الخطأ... وقال ابن سعد :.. ثقة صدوقاً عارفاً بالحديث والعلم إلا أنه كثير الغلط. وقال أبو عمر :.. يهم في حديثه وفي حفظه شيء. وقال الحاكم أبو أحمد : ليس بالحافظ عندهم.
__________
(1) سنن الترمذي، الحديث : 2188، ج4 / ص481 (1/225)
صفحة 226
وقال مهنأ سألت أحمد أبو بكر بن عياش أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل. قلت : لم؟ قال : لأن أبا بكر كثير الخطأ جدّاً.. وقال يعقوب بن شيبة : شيخ قديم معروف بالصلاح البارع.. وفي حديثه اضطراب. وقال الساجي : صدوق يهم وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد لو كان أبو بكر بن عياش حاضراً ما سألته عن شيء.. وكان يحيى بن سعيد إذا ذكره عنده كلح وجهه.
وقال أبو نعيم : لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطاً منه. وقال البزار : لم يكن بالحافظ.." (1)
- عاصم : هو عاصم بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي
" قال ابن سعد : كان ثقة إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه. وقال يعقوب بن سفيان : في حديثه اضطراب وهو ثقة.. وقال ابن خراش : في حديثه نكرة.وقال العقيلي : لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال الدارقطني : في حفظه شيء " (2)
وأما قول الترمذي "..الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية إنما هم الخوارج الحرورية وغيرهم من الخوارج" يحتاج إلى توضيح مبني على أدلة قاطعة.
وإذا كان يقصد بـ " الخوارج الحرورية " أهل النهروان فإن هذا القول لا يقوم على دليل قوي. وأما إن كان يقصد به كل من عمل أعمالاً حاربها الإسلام فذلك أمر لم يصح نسبته إلى أهل النهروان.
الرواية العاشرة
قال أبو داود
__________
(1) تهذيب التهذيب ت : 8313، ج 12 / ص 31 - 33
(2) المرجع السابق، ت : 3158 ج 5 / ص 37 (1/226)
صفحة 227
حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي حدثنا الوليد ومبشر يعني ابن إسماعيل الحلبي عن أبي عمرو قال يعني الوليد حدثنا أبو عمرو قال حدثني قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقه هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال التحليق
حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر (1) عن قتادة عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه قال سيماهم التحليق والتسبيد فإذا رأيتموهم فأنيموهم قال أبو داود التسبيد استئصال الشعر
جاءت هذه الرواية في سنن أبي داود (2) وسنن الأوزاعي (3) من طريق الوليد بن مسلم القرشي الضعيف (4)
وأخرج هذه الرواية الحاكم (5) والبيهقي (6) وأبو داود (7) وعبد الرزاق (8) وابن ماجة (9) والبزار (10)
هذه الرواية كغيرها لم تحدد قوماً بأعيانهم، ولكنها تصدق في كل من خالف عمله قوله، وقد شهد التاريخ الإسلامي أفراداً من هذا القبيل.
الرواية الحادية عشرة
- قال الإمام مسلم:
__________
(1) انظر ص 253
(2) سنن أبي داود، الحديث :4765، ج5 /ص123
(3) سنن الأوزاعي، الرواية : 2089، ص644
(4) انظر ص 247
(5) المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، الرواية:2648-2650، ج2/ص160-161.
(6) دلائل النبوة، ج6 / ص430 والسنن الكبرى، الحديث : 16703، ج8/ص 297. وكذلك انظر سنن الأوزاعي الرواية : 2090-2093 /ص644-646
(7) سنن أبي داود، الحديث : 4766، ج5 / ص123 -124
(8) مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18669، ج10 / ص154
(9) سنن ابن ماجة، الحديث : 175، ج1 /ص62
(10) كشف الأستار عن زوائد البزار، الرواية : 1858، ج2 /ص363 والرواية : 1859، ج2/ص364 (1/227)
صفحة 228
حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا القاسم وهو ابن الفضل الحداني حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق.
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (1) والبيهقي (2) والإمام أحمد (3) وأبو داود (4) وابن حبان (5) والطيالسي (6)
وفي مصنف عبد الرزاق (7) :
" أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن علي بن زيد عن أبي نضرة قال : سمعت أبا سعيد الخدري.." ثم ذكر نحو هذه الرواية
هذه الرواية من هذا الوجه ضعيفة وذلك بسبب معمر بن راشد وعلي بن زيد. فقد مر بك ما قاله علماء الجرح في معمر بن راشد (8) ، وأما علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة.. البصري ليس ممن يُفرح برواياته فقد ".. قال ابن سعد ولد وهو أعمى وكان كثير الحديث وفيه ضعف ولا يحتج به وقال صالح بن أحمد عن أبيه ليس بالقوي.. وقال حنبل عن أحمد ضعيف الحديث وقال معاوية بن صالح عن يحيى ضعيف وقال عثمان الدارمي عن يحيى ليس بذاك القوي وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى ضعيف في كل شيء وفي رواية عنه ليس بذاك.. وقال الجوزجاني واهي الحديث ضعيف وفيه ميل عن القصد لا يحتج بحديثه وقال أبو زرعة ليس بقوي وقال أبو حاتم ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به.. وقال النسائي ضعيف وقال ابن خزيمة لا أحتج به لسوء حفظه .. " (9)
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث: 2455- 2458، م4 ج7 / ص167-168
(2) السنن الكبرى، الحديث : 16695 و16696، ج8 / ص294، دار الكتب العلمية. ودلائل النبوة، ج6 / ص 424
(3) مسند الإمام أحمد، الروايات : 10767 و10845 و11022 و11326 و11485
(4) سنن أبي داود، الرواية : 4667،ج5/ص50
(5) صحيح ابن حبان، الحديث : 6735، ج15 / ص129
(6) مسند أبي داود الطيالسي، الرواية : 2165، ص287-288
(7) مصنف عبد الرزاق، الرواية :18658، ج10 / ص151. وكذلك الرواية : 18659
(8) انظر ص 253
(9) تهذيب التهذيب، ت : 4905، ج7 / ص 274-275 (1/228)
صفحة 229
وهذه الرواية ليس فيها دليل على أن الفرقة المارقة هنا هم أهل النهروان، إذ إن الرواية نفسها لم تحدد الوقت ولا المكان الذي تخرج فيه هذه الفرقة. ولم تحدد كذلك الأعمال التي تعملها هذه الفرق حتى تستحق أن تكون مارقة.
والروايات التي اعتمد عليها في وصف أهل النهروان بالفرقة المارقة روايات لم تذكرهم بالنص أو روايات ضعيفة.
وجاء عند البزار رواية ضعيفة تخصص هذه الرواية في أهل النهروان.
فقد قال البزار (1)
" حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا حسين بن محمد، ثنا سليمان بن قرم، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة : أنها ذكرت الخوارج، وسألت من قتلهم؟ - يعني أصحاب النهر - فقالوا : علي، فقالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يقتلهم خيار أمتي، وهم شرار أمتي ".
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب عطاء بن السائب وسليمان بن قرم.
- عطاء بن السائب بن مالك
".. وقال أبو قطن عن شعبة ثلاثة في القلب منهم هاجس عطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد ورجل آخر..
وقال أبو طالب عن أحمد من سمع منه قديماً فسماعه صحيح ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء، سمع منه قديماً سفيان وشعبة..
وقال أحمد بن أبي نجيح عن ابن معين.. جميع من سمع من عطاء سمع منه في الاختلاط إلا شعبة والثوري. وقال ابن عدي من سمع منه بعد الاختلاط في أحاديثه بعض النكرة.
وقال أبو حاتم كان محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم الحديث ثم بآخره تغير حفظه. في حفظه تخاليط كثيرة..
وقال الدارقطني في العلل اختلط ولم يحتجوا به في الصحيح ولا يحتج من حديثه إلا بما رواه الأكابر شعبة والثوري ووهيب.. " (2)
- سليمان بن قرم بن معاذ التيمي الضبي
__________
(1) مختصر زوائد مسند البزار ، الرواية : 1411، ج2/ص56. وكذلك كشف الأستار عن زوائد البزار، الرواية : 1857، ج2/ص363
(2) تهذيب التهذيب، ت : 4754، ج7/ص177-180 (1/229)
صفحة 230
" قال ابن معين ضعيف، وقال مرة ليس بشيء. وقال أبو زرعة : ليس بذاك. وقال أبو حاتم : ليس بالمتين. وقال النسائي: ضعيف.. وقال ابن حبان : كان رافضياً غالياً في الرفض ويقلب الأخبار مع ذلك.. " (1)
وهكذا يتبين لك أخي القارئ الكريم أن هذه الروايات التي عرضناها في هذا القسم ليس فيها متعلق لأحد على أهل النهروان.
القسم الثاني: روايات ذكرت أهل النهروان بالإشارة أو بالنص
الروايات التي نذكرها هنا ليس فيها متعلق لأحد وذلك بسبب ضعف أسانيدها.
الرواية الأولى
قال الإمام مسلم
__________
(1) تهذيب التهذيب، ت : 2694، ج4 / ص193-194 (1/230)
صفحة 231
حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان حدثنا سلمة بن كهيل حدثني زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي - رضي الله عنه - الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي - رضي الله عنه - أيها الناس إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لاتكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله قال سلمة بن كهيل فنزلني زيد بن وهب منزلاً منزلاً حتى قال مررنا على قنطرة فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وشجرهم الناس برماحهم قال وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي - رضي الله عنه - التمسوا فيهم المخدج فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي - رضي الله عنه - بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض قال أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر ثم قال صدق الله وبلغ رسوله قال فقام إليه عبيدة السلماني فقال يا أمير المؤمنين ألله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال إي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له. (1/231)
صفحة 232
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم (1) من طريق عبد بن حميد عن عبد الرزاق بن همام
- عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري
".. قال أبو زرعة الدمشقي قلت لأحمد من أثبت في ابن جريج عبد الرزاق أو البرساني قال: عبد الرزاق وقال أيضاً أخبرني أحمد أنا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع.. قال النسائي فيه نظر لمن كتب عنه بآخره، كتب عنه أحاديث مناكير.. وقال العباس العنبري لما قدم من صنعاء: لقد تجشمت إلى عبد الرزاق وإنه لكذاب والواقدي أصدق منه.. عن الفرهياني أنه قال : حدثنا عباس العنبري عن زيد بن المبارك قال: كان عبد الرزاق كذاباً يسرق الحديث. وعن زيد قال : لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من هاهنا إلا وهو مجمع ألا يحدث عنه.. " (2)
" وقال أبو ابن الصلاح: ذكر أحمد بن حنبل أنه عمي في آخر عمره فكان يلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعد ما عمي لا شيء " (3)
ونحن إذا أخذنا بقول الإمام أحمد في شأن عبد الرزاق ندرك أن هذه الرواية لا يصح الاعتماد عليها وذلك لأن الراوي عن عبد الرزاق هو عبد بن حميد بن نصر الذي " رحل على رأس المائتين في شبيبته فسمع يزيد بن هارون ومحمد بن بشر العبدي.. وعبد الرزاق وطبقتهم.." (4)
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث: 2464، م4 ج7 / ص170-172
(2) تهذيب التهذيب ت :4213، ج6 / ص 275 -278
(3) كتاب الضعفاء والمتروكين ت: 1922، ج2 / هامش صفحة 105 تعليق أبي الفداء عبد الله القاضي
(4) كتاب تذكرة الحفاظ ت: 551، ج2 / ص534 (1/232)
صفحة 233
ومما يدل على تغير عبد الرزاق قبل رأس المائتين هو إقدام زيد بن المبارك - الذي قال: كان عبد الرزاق كذاباً يسرق الحديث- على حرق كتبه التي روى فيها عن عبد الرزاق وملازمته بعد ذلك لمحمد بن ثور (1) . هذا مع العلم أن موت محمد بن ثور كان في عام 190هـ تقريباً (2) . فعبد بن حميد أخذ هذه الرواية عن عبد الرزاق بعد أن تغير حاله، لهذا فروايته هذه ضعيفة لا شيء كما حكم عليها الإمام أحمد.
وقال ابن عدي "..ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير، وقد رحل اليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه ولم يروا بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت، ومثالب آخرين مناكير " (3) .
وقال ابن حبان: "..كان ممن يخطىء إذا حدث من حفظه على تشيع فيه" (4)
وأخرج أبو داود (5) نحو هذه الرواية:
" حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل قال أخبرني زيد بن وهب الجهني.."
فقد مر بك أعلاه قول علماء الجرح في روايات عبد الرزاق التي يحدث بها من حفظه. وأما الحسن بن علي بن محمد الخلال الحلواني فقد قال الإمام أحمد: " ما أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه. ولم يحمده، ثم قال : يبلغني عنه شيء أكرهه. وقال مرة : أهل الثغر عنه غير راضين " (6) .
وليس هناك من قول يحدد الوقت الذي سمع فيه الحسن بن علي من عبد الرزاق.
__________
(1) ضعفاء العقيلي،ت:1082، ج3/ ص107
(2) تقريب التهذيب، ت:5793،ج2/ص61
(3) الكامل في ضعفاء الرجال، ت: 495/1463، ج6/ص545
(4) الثقات، ج8/ص412
(5) سنن أبي داود، الحديث : 4768، ج5 /ص125-126
(6) تهذيب التهذيب ت : 1333، ج2 / ص 276 (1/233)
صفحة 234
وأخرج هذه الرواية النسائي (1)
" أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الملك ابن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل قال حدثنا زيد بن وهب.. "
لقد مر بنا أعلاه قول العباس بن عبد العظيم -راوي هذه الرواية عن عبد الرزاق- عند قدومه من صنعاء: ".. لقد تجشمت إلى عبد الرزاق وإنه لكذاب، والواقدي أصدق منه..".
وأخرج هذه الرواية البيهقي (2)
" أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، وأبو محمد عبد الله ابن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، قالا : ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، أنبأ عبد الملك بن أبي سليمان، ثنا سلمة بن كهيل، أخبرني زيد بن وهب الجهني.. "
أخرج البيهقي هذه الرواية من طريق أحمد بن منصور الرمادي عن عبدالرزاق بن همام.
أورد محقق كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي الرجال الذين سمعوا من عبد الرزاق بعد الاختلاط وذكر منهم إبراهيم بن منصور الرمادي وهذا خطأ والصواب أحمد بن منصور الرمادي. ولد أحمد بن منصور الرمادي عام 182هـ ومات عام 265هـ (3) ، أي كان له ثمان سنوات من العمر تقريباً حين ظهور الاختلاط والتغير على عبد الرزاق (انظر ما ذكرناه أعلاه عند الحديث عن رواية عبد بن حميد عن عبد الرزاق )، وهذا يدل على أن رواية أحمد بن منصور عن عبد الرزاق كانت بعد الاختلاط.
الرواية الثانية
أخرج الإمام أحمد (4)
__________
(1) سنن النسائي الكبرى، الرواية:8571، ج5/ص163-164
(2) السنن الكبرى، الحديث : 16700، ج8/ ص295، دار الكتب العلمية. ودلائل النبوة، ج6 / ص432
(3) تذكرة الحفاظ، ت: 589، ج2/ص 565
(4) مسند الإمام أحمد، الحديث : 635 (1/234)
صفحة 235
" حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا إسماعيل بن مسلم العبدي حدثنا أبو كثير مولى الأنصار قال كنت مع سيدي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حيث قتل أهل النهروان فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم فقال علي - رضي الله عنه - يا أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون فيه أبدا حتى يرجع السهم على فوقه وإن آية ذلك أن فيهم رجلا أسود مخدج اليد إحدى يديه كثدي المرأة لها حلمة كحلمة ثدي المرأة حوله سبع هلبات فالتمسوه فإني أراه فيهم فالتمسوه فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى فأخرجوه فكبر علي - رضي الله عنه - فقال الله أكبر صدق الله ورسوله وإنه لمتقلد قوسا له عربية فأخذها بيده فجعل يطعن بها في مخدجته ويقول صدق الله ورسوله وكبر الناس حين رأوه واستبشروا وذهب عنهم ما كانوا يجدون"
- أبو سعيد مولى بني هاشم: هو عبد الرحمن بن عبدالله بن عبيد البصري
".. وحكى العقيلي عن أحمد بن حنبل أنه قال كان كثير الخطأ ونقل القباني أنه جاء عن أحمد أنه كان لا يرضاه " (1)
- أبو كثير مولى الأنصار
" مجهول " (2)
الرواية الثالثة
جاء في مسند الإمام أحمد (3)
__________
(1) تهذيب التهذيب ت: 4058، ج6 / ص190
(2) انظر ترجمة هذا الراوي في موسوعة الحديث الشريف انتاج شركة صخر ، مسند الإمام أحمد، الحديث:635
وقال ابن حجر: ".. ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحا وتبعه أبو أحمد الحاكم وجوز في موضع آخر أنه أبو كثير الراوي عن الحسن بن على رضي الله تعالى عنهما وعنه بدر بن الخليل وهو محتمل وجوز أيضا أنه أبو كثير رفيع روى عن علي روى عنه عمران بن حدير وغيره وليس بجيد لأن شيخ عمران يقال له أبو كثيرة بزيادة هاء في آخره " ( تعجيل المنفعة، ت:1381، ج1/ص516 )
(3) مسند الإمام أحمد، الرواية :668 (1/235)
صفحة 236
"حدثنا عبد الله حدثنا أحمد بن جميل أبو يوسف أخبرنا يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب قال لما خرجت الخوارج بالنهروان قام علي - رضي الله عنه - في أصحابه فقال إن هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس وهم أقرب العدو إليكم وإن تسيروا إلى عدوكم أنا أخاف أن يخلفكم هؤلاء في أعقابكم إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول تخرج خارجة من أمتي ليس صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ولا قراءتكم إلى قراءتهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس لها ذراع عليها مثل حلمة الثدي عليها شعرات بيض لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما لهم على لسان نبيهم لاتكلوا على العمل فسيروا على اسم الله فذكر الحديث بطوله "
هذه الرواية يرويها أبو بكر القطيعي (1) عن عبد الله بن الإمام أحمد، فهي من زوائد المسند (2) .
فأبو بكر القطيعي هو أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك " صدوق في نفسه مقبول، تغير قليلاً..قال أبو عمرو بن الصلاح : اختل في آخر عمره، حتى كان لا يعرف شيئاً مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات..
قال ابن أبي الفوارس : لم يكن في الحديث بذاك. له في بعض مسند أحمد أصول فيها نظر.
وقال البرقاني : غرقت قطعة من كتبه، فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه؛ فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة.. " (3)
الرواية الرابعة
قال الإمام مسلم:
__________
(1) الفتح الرباني، ج1/ص33
(2) المصدر السابق، ج23/ص154
(3) ميزان الاعتدال، ت : 320، ج1/ص87-88 (1/236)
صفحة 237
حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى قالا أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قالوا لا حكم إلا لله قال علي كلمة حق أريد بها باطل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم وأشار إلى حلقه من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي فلما قتلهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه قال عبيد الله وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم زاد يونس في روايته قال بكير وحدثني رجل عن ابن حنين أنه قال رأيت ذلك الأسود
أخرج الإمام مسلم (1) والبيهقي في السنن الكبرى (2) هذه الرواية من طريق عمرو بن الحارث
- عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري
".. قال أبو داود عن أحمد : ليس فيهم مثل الليث لا عمرو ولا غيره وقد كان عمرو عندي، ثم رأيت له مناكير.." (3)
" وقال الأثرم أيضاً، عن أبي عبد الله : إنه حمل على عمرو بن الحارث حملاً شديداً" (4)
وأخرج الطبري (5) نحو هذه الرواية من طريق أبي مخنف الراوي التالف
الرواية الخامسة
قال البيهقي (6)
__________
(1) المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج -، الحديث: 2465، م4 ج7 / ص172
(2) السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، الحديث : 16701، ج8 /ص296
(3) تهذيب التهذيب ت : 5192، ج8 / ص 13-15
(4) ميزان الاعتدال ت : 6348، ج 3 / ص 252
(5) تاريخ الطبري ج3 / ص122 - 123
(6) دلائل النبوة، ج6 / ص434 - 435 (1/237)
صفحة 238
" أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة الكاتب قال : حدثنا عمر بن عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح قال: هذا كتاب جدي: محمد بن أبان فقرأت فيه حدثنا الحسن بن الحر قال: حدثنا الحكم بن عتيبة وعبد الله بن أبي السفر، عن عامر الشعبي، عن مسروق، قال: قالت عائشة: عندك علم من ذي الثدية الذي أصابه علي - رضي الله عنه - في الحرورية؟. قلت: لا، قالت: فاكتب لي بشهادة من شهدهم فرجعتُ إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع فكتبت شهادة عشرة من كل سُبع ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها. قالت: أكل هؤلاء عاينوه؟ قلت : لقد سألتهم فأخبروني أن كلهم قد عاينه. قالت: لعن الله فلاناً (1) فإنه كتب إلي أنه أصابهم بنيل مصر ثم أرخت عينيها فبكت فلما سكتت عبرتها. قالت: رحم الله علياً لقد كان على الحق وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة وأحمائها."
هذه الرواية ضعيفة باطلة وذلك بسبب محمد بن أبان بن صالح. فقد ".. قال أحمد: كان يقول بالإرجاء فترك الناس حديثه. وقال يحيى : ضعيف لا يكتب حديثه، وقال مرة: ليس بشئ. وقال البخاري : ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف" (2)
الرواية السادسة
قال الإمام أحمد:
__________
(1) رواية الحاكم ذكرت أن المقصود هنا هو عمرو بن العاص، انظر الهامش رقم 425 ص 190
(2) كتاب الضعفاء والمتروكين، ت : 2862، ج3 / ص37 وكذلك ميزان الاعتدال، ت : 7128، ج3/ص453 (1/238)
صفحة 239
"حدثنا الوليد بن القاسم بن الوليد الهمداني حدثنا إسرائيل حدثنا إبراهيم يعني ابن عبد الأعلى عن طارق بن زياد قال خرجنا مع علي إلى الخوارج فقتلهم ثم قال انظروا فإن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال إنه سيخرج قوم يتكلمون بالحق لا يجاوز حلوقهم يخرجون من الحق كما يخرج السهم من الرمية سيماهم أن منهم رجلا أسود مخدج اليد في يده شعرات سود إن كان هو فقد قتلتم شر الناس وإن لم يكن هو فقد قتلتم خير الناس فبكينا ثم قال اطلبوا فطلبنا فوجدنا المخدج فخررنا سجودا وخر علي معنا ساجدا غير أنه قال يتكلمون بكلمة الحق"
أخرج هذه الرواية الإمام أحمد (1) والبلاذري (2) من طريق طارق بن زياد
طارق بن زياد:
قال عنه ابن حجر " كوفي مجهول من الثالثة " (3)
الرواية السابعة
أخرج الحاكم (4)
" أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغافري ثنا عبيد الله بن موسى ثنا اسرائيل عن محمد بن قيس قال سمعت مالك بن الحارث يقول شهدت علياً - رضي الله عنه - يوم النهروان طلب المخدج فلم يقدر عليه فجعل جبينه يعرق وأخذه الكرب ثم أنه قدر عليه فخر ساجداً فقال والله ما كذبت ولا كذبت"
هذه الرواية ضعيفة وذلك أن الحاكم أخرجها من طريق عبيد الله بن موسى
عبيدالله بن موسى بن أبي المختار
" قال الميموني ذُكر عند أحمد عبيدالله بن موسى فرأيته كالمنكر له وقال: كان صاحب تخليط وحدث بأحاديث سوء، قيل له: فابن فضيل؟ قال: كان أستر منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية..
__________
(1) مسند الإمام أحمد، الرواية : 807 و أيضاً الرواية: 1190
(2) أنساب الأشراف، ج3/ص150
(3) تقريب التهذيب،ت: 3009، ج1/ص 447
(4) المستدرك على الصحيحين، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا، الرواية:2658، ج2 / ص167 (1/239)
صفحة 240
قال الجوزجاني : وعبيدالله بن موسى أغلى وأسوأ مذهباً وأروى للعجائب. وقال الحاكم : سمعت قاسم بن قاسم السياري، سمعت أبا مسلم البغدادي الحافظ يقول : عبيدالله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد..
قال أحمد : روى مناكير وقد رأيته بمكة فأعرضت عنه وقد سمعت منه قديماً.." (1)
الرواية الثامنة
وفي مسند ابن الجعد (2)
"حدثنا علي أنا شريك عن محمد بن قيس عن أبي موسى مالك بن عبد الله أو عبد الله بن مالك، قال : شهدت علياً حين أتي بالمخدج فلما رآه سجد سجدة الشكر "
هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها وذلك بسبب شريك بن عبد الله النخعي (3) .
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة (4) نحو هذه الرواية من طريق شعيب بن أيوب، فقد قال أبو داود فيه " إني لأخاف الله تعالى في الرواية عنه " (5) وقد قال ابن حبان في " الثقات " : " كان على قضاء واسط يخطئ ويدلس كلما حدَّث جاء في حديثه من المناكير مدلسة" (6)
الرواية التاسعة
قال الإمام أحمد
__________
(1) تهذيب التهذيب ت: 4506، ج7/ ص46 -47
(2) مسند ابن الجعد، الرواية : 2323، ج2/ ص841
(3) انظر ص 201
(4) دلائل النبوة، ج6 / ص433
(5) ميزان الاعتدال، ت : 3708، ج2 / ص275. وتهذيب التهذيب، ت : 2890، ج 4 / ص316.
(6) تهذيب التهذيب، ت : 2890، ج4 / ص 317 (1/240)
صفحة 241
"حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع حدثني يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان ابن خيثم عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة رضي الله عنها ونحن عندها جلوس مرجعه من العراق ليالي قتل علي - رضي الله عنه - فقالت له: يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي - رضي الله عنه - قال: وما لي لا أصدقك قالت: فحدثني عن قصتهم قال: فإن عليا - رضي الله عنه - لما كاتب معاوية وحكم الحكمان خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة وإنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله تعالى واسم سماك الله تعالى به ثم انطلقت فحكمت في دين الله فلا حكم إلا لله تعالى. فلما أن بلغ عليا - رضي الله عنه - ما عتبوا عليه وفارقوه عليه فأمر مؤذنا فأذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق ونحن نتكلم بما روينا منه فماذا تريد قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله يقول: الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } فأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل. (1/241)
صفحة 242
ونقموا علي أن كاتبت معاوية كتب علي بن أبي طالب وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية حين صالح قومه قريشا فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال: كيف نكتب فقال: اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فاكتب محمد رسول الله فقال لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك. فكتب هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشا. يقول الله تعالى في كتابه: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } ? فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - فخرجت معه حتى إذا توسطنا عسكرهم قام ابن الكواء يخطب الناس فقال: يا حملة القرآن إن هذا عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله ما يعرفه به هذا ممن نزل فيه وفي قومه { قوم خصمون } فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله فقام خطباؤهم فقالوا: والله لنواضعنه كتاب الله فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه وإن جاء بباطل لنبكتنه بباطله، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب فيهم ابن الكواء حتى أدخلهم على علي الكوفة فبعث علي - رضي الله عنه - إلى بقيتهم فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما أو تقطعوا سبيلا أو تظلموا ذمة فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء إن الله لا يحب الخائنين. فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا ابن شداد فقد قتلهم فقال: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم واستحلوا أهل الذمة فقالت: أالله. قال: أالله الذي لا إله إلا هو لقد كان. قالت: فما شيء بلغني عن أهل الذمة يتحدثونه يقولون: ذو الثدي وذو الثدي. (1/242)
صفحة 243
قال: قد رأيته وقمت مع علي - رضي الله عنه - عليه في القتلى فدعا الناس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي ورأيته في مسجد بني فلان يصلي ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك. قالت: فما قول علي - رضي الله عنه - حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول صدق الله ورسوله، قالت: هل سمعت منه أنه قال غير ذلك؟ قال اللهم لا. قالت: أجل صدق الله ورسوله يرحم الله عليا - رضي الله عنه - إنه كان من كلامه لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث"
أخرج هذه الرواية الإمام أحمد (1) و الحاكم (2) وأبو يعلى (3) والزيلعي (4) والإمام البخاري (5) والخطيب البغدادي (6) من طريق يحيى بن سليم وعبد الله بن عثمان
- يحيى بن سليم القرشي الطائفي
".. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : يحيى بن سليم كذا وكذا والله إن حديثه يعني فيه شيء وكأنه لم يحمده.. وقال النسائي في " الكنى " ليس بالقوي، وقال العقيلي : قال أحمد بن حنبل : أتيته فكتبت عنه شيئاً فرأيته يخلط في الأحاديث فتركته وفيه شيْ.. وقال الدارقطني سيئ الحفظ.. " (7)
".. نا عبد الرحمن سمعت أبى وسئل عن يحيى بن سليم فقال: شيخ محله الصدق ولم يكن بالحافظ يكتب حديثه ولا يحتج به" (8)
- عبد الله بن عثمان بن خيثم المكي
__________
(1) مسند الإمام أحمد، الرواية : 621
(2) المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، الرواية:2657، ، ج2 / ص165
(3) مسند أبي يعلى، الرواية:474، ج1/ص367.
(4) نصب الراية لأحاديث الهداية، ج3/ص462
(5) خلق أفعال العباد، ص87
(6) تاريخ بغداد، ج9/ص473.
(7) تهذيب التهذيب، ت : 7882، ج11 / ص196 - 197. وانظر الضعفاء والمتروكين للنسائي، ت : 633، ص 243
(8) الجرح والتعديل، ت:647، ج9/ص156 (1/243)
صفحة 244
".. وقال النسائي ثقة وقال مرة ليس بالقوي. وقال عبدالله بن الدورقي عن ابن معين أحاديثه ليست بالقوية.. قال [ علي بن المديني ] : ابن خيثم منكر الحديث" (1) ، "وقال النسائي .. : لين الحديث " (2)
ونحن إذا تجاهلنا ما قيل في سند هذه الرواية، فإن متنها لا يسئ إلى أهل النهروان بشيء وذلك بسبب النقاط الآتية:
1- في نهاية هذه الرواية إقرار من أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن " أهل العراق يكذبون " على الإمام علي " ويزيدون عليه في الحديث". ونحن لا نجد في رجال سند هذه الرواية -من الذين نقلوا عن الإمام علي- كذاباً، والذين تشير إليهم أم المؤمنين هنا هم الذين نقلوا الأخبار المكذوبة إلى الإمام علي كرم الله وجهه. فنسبة سفك الدماء إلى أهل النهروان هي من الأخبار المكذوبة التي سمعها الإمام علي -كرم الله وجهه- وسمعتها الأمة الإسلامية من بعده.
وأما قول الراوي: ".. والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم واستحلوا أهل الذمة.." فهو محمول على تلك الفرقة التي افترقت عن أهل النهروان ودعوا عليهم بالويل (3) .
2- ذكرنا في القسم الأول من الفصل الخامس تضارب الروايات حول شخصية مخدج الأطراف وحول المكان الذي قتل فيه، ونقلنا رواية عن أم المؤمنين عائشة تذكر فيها أن عمرو بن العاص قد قتله في مصر (4) .
ليس في هذه الرواية أي حجة على أهل النهروان وذلك لعدم ثبوت ما نسب إليهم بالدليل القاطع، وكذلك لوجود التعارض بينها وبين رواية أخرى ذكرناها في الفصل الخامس.
الرواية العاشرة
أخرج الطبري (5)
__________
(1) تهذيب التهذيب، ت : 3579، ج 5 / ص 279
(2) ميزان الاعتدال، ت : 4442، ج 2 / ص 460
(3) انظر ص 185 والقسم الثالث من الفصل الخامس.
(4) انظر ص 190
(5) تاريخ الطبري ج3 / ص124 - 125 (1/244)
صفحة 245
"حدثني عمارة الأسدي، قال حدثنا عبيدالله بن موسى، قال أخبرنا نعيم، قال: حدثني أبو مريم أن شبث بن ربعي وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء، فأمر عليٌّ الناس أن يخرجوا بسلاحهم..
وكان عليٌّ يحدثنا قبل ذلك أن قوماً يخرجون من الإسلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد. قال : وسمعت ذلك منه مراراً كثيرة، قال : وسمعه نافع ( المخدج ) أيضاً حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما سمعه..
.. حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر، وسار عليّ إليهم.. حتى إذا كان حذاءَهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسُلُه تختلف إليهم حتى قتلوا رسولَه، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فقال بعضهم : ما نجده، حتى قال بعضهم : لا، ما هو فيهم. ثم إنه جاء رجل فبشره فقال : يا أمير المؤمنين ، قد وجدناه تحت قتيلين في ساقية. فقال : اقطعوا يده المخدجة، وأتوني بها، فلما أُتيِ بها أخذها ثم رفعها، وقال : والله ما كَذَبْتُ ولا كذِّبت. "
هذه رواية واهية ساقطة، وذلك بسبب عبيد الله بن موسى بن أبي المختار الذي ضعف رواياته الإمام أحمد وغيره من رجال الجرح والتعديل (1) .
في هذا الجرح لراوي واحد (2) من رواة هذه القصة الكفاية لردها وعدم الأخذ بها في مجال الاحتجاج على أهل النهروان.
وأخرج أبو داود الطيالسي (3) نحو هذه الرواية من طريق أبي مريم المجهول. ...
الرواية الحادية عشرة
في مصنف عبد الرزاق (4)
__________
(1) انظر ص 282
(2) وكذلك أبو مريم الذي روى هذه الرواية ونقلها عنه نعيم مجهول كما قال الدار قطني.
... انظر تهذيب التهذيب ت : 8701 ، ج12 /ص208-209
(3) مسند أبي داود الطيالسي، الرواية : 165، ص24
(4) مصنف عبد الرزاق، الرواية : 18655، ج10/ص150 (1/245)
صفحة 246
" أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: لما سمع علي المحكمة قال : من هؤلاء؟ قيل له القراء، قال : بل هم الخيابون العيابون، قيل : إنهم يقولون : لا حكم إلا لله، قال : كلمة حق عزي بها باطل، قال : فلما قتلهم ، قال رجل : الحمد لله الذي أبادهم وأراحنا منهم، فقال علي : كلا والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال لم تحمله النساء بعد، وليكونن آخرهم ألصاصاً جرادين."
هذه الرواية ضعيفة من عدة وجوه :
-عبد الرزاق يروي هذه الرواية عن معمر بن راشد الذي ضعف روايته علماء الجرح خاصة حينما ينقلها عن العراقيين.
- قتادة بن قدامة السدوسي البصري المدلس - شيخ معمر - ينقل هذه الرواية عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو لم يعايش (1) تلك الأحداث التي جرت قبل مقتل الإمام علي.
خاتمة الفصل السادس
وهكذا ترى أخي القارئ الكريم من هذين القسمين أن الروايات التي تناقلتها أقلام الكتاب منذ القرون الأولى من تاريخ أمتنا ليس فيها دليل للذين يسيئون الأقوال في أهل النهروان.
وكما أنه وجد الكثير من الروايات الضعيفة التي تسيء إلى أهل النهروان وتصورهم بصور شائنة في أنظار أجيال المسلمين فإن هناك الكثير من الروايات المرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تنال من غيرهم.
فقد أورد البلاذري (2) ما نصه:
" .. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت على غير ملتي، قال: وكنت تركتُ أبي قد وُضِعَ له وضوء، فكنت كحابس البول مخافةَ أن يجيء ، قال: فطلع معاوية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هو هذا "
جاءت هذه الرواية عند البلاذري من طريقين:
__________
(1) ولد قتادة عام 61 هـ ( تهذيب التهذيب، ت : 5734، ج8 / ص 308 ) وقتل الإمام علي كرم الله وجهه كما هو معلوم عام 40 هـ
(2) أنساب الأشراف، ج5/ص134 (1/246)
صفحة 247
الطريق الأول: " حدثني إسحاق وبكر بن الهيثم قالا حدثنا عبد الرزاق بن همام أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو.. "
أقل ما يقال في هذه الرواية -من هذا الطريق- أنها من مناكير عبدالرزاق. قال ابن عدي " ... . قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير " (1) .
الطريق الثاني: " حدثني عبد الله بن صالح حدثني يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو.."
... وهذا الطريق ضعيف وذلك بسبب شريك بن عبد الله النخعي (2) .
من هذا الفصل ندرك أن هناك روايات مرفوعة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو موقوفة على صحابته الكرام قد استغلتها أقلام لتهوين شأن من يخاصمونهم في ميادين الحياة، ولكن مع التطبيق التام لمنهج الإسلام في الأخذ والعطاء سنعلم ما يصح نسبته إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم-، وسنعلم كذلك منازل الرجال في تاريخ الإسلام.
خاتمة البحث
إن تحري الصدق في القول مطلب شرعي ومنهج إيماني جاءت الدعوة إليه والأمر به في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والبحث العلمي في مجال التاريخ أداء للأمانة التي يتحملها كل من يكتب عن تاريخ ومبادئ وقيم أمم من الناس.
والصدق هو المحور الذي انتظمت بسلامته حياة المسلمين وقويت بانتظامه أواصر الأخوة الإيمانية التي تربط بين أبناء الإسلام. ومن الخيانة الكذب وتلقف أخبار الكذابين والضعفاء من الرواة وتدليسها على المسلمين في لباس خداع يغتر به من لا تمكنه معارفه من كشف أباطيلها. ومما مَنّ الله به على هذه الأمة أن هيأ لها من بين أفرادها رجالاً رسموا على منهج الإسلام معالم البحث العلمي الذي يأمر بالصدق ويقبله وينهى عن الكذب ويرفضه.
__________
(1) الكامل في ضعفاء الرجال، ت: 495/1463، ج6/ص545. انظر ما قاله علماء الجرح في روايات عبدالرزاق، ص 273
(2) انظر ص 201 (1/247)
صفحة 248
والمنهج الإسلامي في عرض أحداث التاريخ ودراسة عقائد الأمم منهج سهل واضح المعالم بين المبادئ لا يحيد عنه إلا جاهل متعالم أو عالم متجاهل. والعجب كل العجب من أناس يعتبرون أنفسهم أساتذة للتاريخ الإسلامي وهم يجعلون أخبار النصارى والكذابين والضعفاء عنواناً على الدقة والتثبت التي تطمئن إليها قلوبهم في وقت يعتبرون فيه أقوال المسلمين المعبرة عن حقيقة فكرهم هراء وزعماً وادعاء. والحقيقة التي لا يماري فيها عاقل هي أن الدقة في البحث تكون أصدق ما تكون عند الكتاب حينما يعبرون عن حقيقة فكرهم وما تكنه قلوبهم من عقائد فحسب، وأن الأقوال والأحكام الصادرة من الكتاب على غيرهم من الناس فليست من الدقة في شيء حتى يتبين صدقها من كذبها. وبعض الذين كتبوا عن أهل النهروان والإباضية سلكوا مسلكاً صعباً بعيداً عن المنهج الإسلامي وجعلوا من روايات الكذابين والضعفاء دليلاً ومرشداً للوصول إلى الأحكام الجائرة التي قذفوا بها الأبرياء البررة.
إن الناظر في كتب التاريخ والمقالات والفرق يجد أن الناس الذين تحاملوا على أهل النهروان ووصفوهم بالمروق من الدين هم نفس الأشخاص الذين وسموا بعض الصحابة بفساد المعتقد وقلة الدين. والمصادر التي اعتمد عليها في النيل من أهل النهروان هي بمنزلة الروايات التي وصفت بعض الصحابة بالسفهاء وبأعداء الإسلام. وليس من الغريب أن نجد من أذناب الكذابين في هذا العصر من يكيل السب والشتم لبعض الصحابة لوقوفهم أمام سياسة بني أمية التي حادوا فيها عن منهج الله، وما تصديق أذناب الكذابين بخرافة ابن سبأ إلا دليلاً على سقم أفهامهم التي لوثتها أخبار الكذابين وعكرتها حكايات المفترين. (1/248)
صفحة 249
وقد اتخذ بعض الكتاب من الروايات المكذوبة والضعيفة أسلحة ظناً منهم أنها لا تقاومها حجج وبراهين الإباضية على براءة أهل النهروان من كل ما نسب إليهم من أعمال يحاربها الإسلام. وبعد عرضنا لتلك الروايات التي احتج بها الكتاب على أهل النهروان وجدنا أن ما نسب إليهم من مخالفات هي في حقيقة أمرها أباطيل قُصد من ترويجها تنفير الناس عن أتباعهم الذين تمسكوا بمبادئهم وساروا على نهجهم.
وبسبب تحري الإباضية للصدق في كل شؤون حياتهم فقد سلمت عقولهم من أن تختلبها الأقاويل الزائفة والأباطيل المصطنعة المفضوحة، وصفت سرائرهم من نتائج الشبهات الكثيرة التي يثيرها الكذابون والضعفاء حول أهل النهروان. فهم ينظرون إلى الناس بمنظار الحق ويحكمون عليهم بما يستحقونه من أحكام اعتمادا على أدلة صادقة وبراهين قاطعة من غير التفات إلى جاه أو نسب أو مال. وهذه النظرة التي تحلى بها الإباضيون عبر التاريخ قلما نجدها عند غيرهم، فقد وجدنا كثيراً من غير الإباضية ينسبون قتل المسلمين ونهب أموالهم إلى أناس يعدونهم أئمة!! وخلفاء!! وأمراء للمؤمنين!! وجنوداً للخلافة!!.
وجاء في كتب الحديث روايات ضعيفة استغلتها أقلامٌ وأفواه لتسعير معمعة النزاع والفرقة بين المسلمين الذين أمرهم الله جل وعلا بالوحدة وحذرهم من دواعي الشقاق والتباغض. فعلى الأمة الإسلامية اليوم نبذ كل ما يضعف من قوتها والأخذ بكل ما يقوي عضدها أمام تيارات الأعداء الذين لا يسرهم إلا أن يروا المسلمين أحزاباً متنافرة. فما أحوج أفراد هذه الأمة وجماعاتها إلى السعي الحثيث الدؤوب نحو التمسك بأسباب العزة التي وعدها الله تعالى كل من طبق الإسلام في حياته الظاهرة والباطنة. (1/249)
صفحة 250
وأدعو الله تعالى أن يمن علينا بالوحدة كما من علينا بتوحيده وعبادته، وأن يعين أفراد هذه الأمة على التقيد بجميع أوامره واتباع سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والإقتداء بالسلف الصالح من الصحابة -رضوان الله عليهم- وتابعيهم باحسان إلى يوم الدين إنه تعالى على ذلك قدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المصادر والمراجع
1.
الإباضية بين الفرق الإسلامية ( الشيخ الأستاذ علي يحيى معمر )، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406هـ -1986م
2. الإباضية عقيدة ومذهباً ( الدكتور صابر طعيمة )، دار الجيل، بيروت،1406هـ-1986م
3. الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين ( الدكتور نايف عيد جابر السهيل)، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط2، 1418هـ -1998م،
4. الإباضية في موكب التاريخ ( الشيخ الأستاذ علي يحيى معمر )، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان - السيب، ط2، 1993م.
5. أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ ( الدكتور إبراهيم شعوط )، دار الشروق، جدة، ط7، 1409هـ- 1989م
6. الآحاد والمثاني (أبو بكر أحمد بن عمرو الضحاك ابن أبي عاصم الشيباني)، مراجعة: باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الراية، الرياض،1411هـ-1991م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
7. اسعاف المبطأ برجال الموطأ،( أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1389هـ-1969م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
8. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ( أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي)، تحقيق : الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ-1995م. (1/250)
صفحة 251
9. أسد الغابة في معرفة الصحابة ( عز الدين بن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري ) تحقيق محمد إبراهيم البنا ومحمد أحمد عاشور ومحمود عبد الوهاب فايد، دار الشعب
10. الإصابة في تمييز الصحابة (أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني المعروف بابن حجر)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
11. الأعلام، ( خير الدين الزركلي )، دار العلم للملايين، ط8، يوليو 1989.
12. إعلام الموقعين عن رب العالمين ( ابن قيم الجوزية )، مراجعة طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل،بيروت، لبنان
13. الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية -دراسة تاريخية-( سامي صقر عيد أبو داود)، رسالة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي في كلية الآداب والعلوم في جامعة آل البيت.30/7/1997.
14. أنساب الأشراف ( أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري )، حققه الأستاذ الدكتور سهيل زكار والدكتور رياض زركلي، دار الفكر، ط1، 1417هـ-1996م.
15. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير( أحمد محمد شاكر )، مؤسسة الكتب الثقافية، ط3،1408هـ.
16. البداية والنهاية،( أبو الفداء الحافظ ابن كثير )، تحقيق: الدكتور أحمد أبو ملحم والدكتور علي نجيب عطوي والأستاذ فؤاد السيد والأستاذ علي عبد الساتر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
17. البعد الحضاري للعقيدة الإباضية( الدكتور فرحات الجعبيري )، 1408هـ -1987م
18. تاريخ ابن معين ( أبو زكريا يحيى بن معين – رواية الدارمي- )، مراجعة: د.أحمد محمد نور سيف، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، 1399هـ- 1979م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
19. تاريخ ابن خلدون - ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر- ( عبد الرحمن بن خلدون )، تحقيق الأستاذ خليل شحادة وسهيل زكار، دار الفكر، ط2، 1408هـ –1988م (1/251)
صفحة 252
20. التاريخ الصغير ( الأوسط )، ( أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل البخاري الجعفي)،مراجعة: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي ومكتبة دار التراث، حلب والقاهرة. 1397هـ-1977م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
21. تاريخ الطبري -تاريخ الأمم والملوك-،( أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1407هـ -1987م
22. التاريخ الكبير ( أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل البخاري الجعفي)،مراجعة: السيد هاشم الندوي، دار الفكر، 1986م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
23. تاريخ المدينة المنورة، ( أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري )، تحقيق: فهيم محمد شلتوت.
24. تاريخ بغداد ( أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي )، دار الكتب العلمية، بيروت. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
25. تاريخ خليفة خياط،( خليفة بن خياط العصفري البصري)، تحقيق الأستاذ الدكتور سهيل زكار، دار الفكر، 1414هـ-1993م.
26. التبيين لأسماء المدلسين،( أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن سبط ابن العجمي الحلبي الطرابلسي)، مراجعة: محمد إبراهيم داود الموصلي، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1412هـ-1994م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
27. تحفة الأعيان : ( العلامة المحقق الشيخ نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي ) مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
28. تذكرة الحفاظ، ( أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي )، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان
29. تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة ( أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ) مراجعة: الدكتور إكرام الله إمداد حق، دار الكتاب العربي، بيروت. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه. (1/252)
صفحة 253
30. تقريب التهذيب (أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ) ،دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2 ، 1415هـ-1995م.
31. تهذيب التهذيب: (أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العليمة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1415هـ - 1994م.
32. تهذيب الكمال: ( جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي )، مراجعة الدكتور بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400هـ -1980م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
33. تيسير التفسير للقرآن الكريم (قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش)، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1408هـ -1988م.
34. ثقات ابن حبان، ( محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي )، مراجعة: السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، 1395هـ-1975م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
35. الجامع لأحكام القرآن ( الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1413هـ-1993م
36. الحق الدامغ ( سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان)، 1409هـ
37. خلق أفعال العباد( الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن إسماعيل البخاري الجعفي)، مراجعة:د. عبد الرحمن عميرة، دار المعارف السعودية، الرياض، 1398هـ-1978م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
38. الخليج العربي في العصور الإسلامية منذ فجر الإسلام حتى مطلع العصور الحديثة ( الدكتور محمد أرشيد العقيلي )، دار الفكر العربي، بيروت، 1993م
39. الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام (الدكتور ناصر عبد الكريم العقل)، دار الوطن - الرياض -، الطبعة الأولى 1416هـ. (1/253)
صفحة 254
40. الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم ( ناصر بن عبد الله السعوي)، دار المعراج الدولية للنشر، الطبعة الأولى 1417هـ-1996م
41. دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين "الخوارج والشيعة"( الدكتور أحمد محمد أحمد جلي)، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الطبعة الثانية 1408هـ -1988م
42. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة ( أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي )، تحقيق الدكتور عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
43. السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث( محمد الغزالي)،دار الشروق، ط 7، 1990م
44. سنن أبي داود ( الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث )، اشرف عليه ورقمه واعد فهارسه الدكتور بدر الدين جتين ار، موسوعة السنة - الكتب الستة وشروحها، دار سحنون، تونس، ط2، 1413هـ -1992م
45. سنن ابن ماجة، ( الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد )، تحقيق محمد عبد الباقي، موسوعة السنة - الكتب الستة وشروحها، دار سحنون، تونس، ط2، 1413هـ -1992م
46. سنن الأوزاعي ( الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي )، تصنيف الشيخ مروان محمد الشعار، دار النفائس
47. سنن البيهقي الكبرى ( أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي )، تحقيق محمد عبد القادر عطا
1- دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
2- مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ-1994م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
48. سنن الترمذي، ( أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة )، موسوعة السنة - الكتب الستة وشروحها، دار سحنون، تونس، ط2، 1413هـ –1992م.
49. سنن الدارقطني ( الشيخ علي بن عمر الدارقطني )، عالم الكتب،ط4، 1406هـ -1986م
50. السنن الكبرى ( الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي)، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت،لبنان، ط1،1411هـ-1991م (1/254)
صفحة 255
51. السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، تحقيق وشرح الأستاذة الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ-1986م.
52. السيف الحاد (الشيخ العلامة سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي)،الطبعة الثالثة،1418هـ
53. الشجرة في أحوال الرجال وامارات النبوة، ( أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني)، دراسة وتحقيق الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي، الناشر حديث أكادمي -فيصل أباد- ودار الطحاوي - الرياض-،ط1، 1411هـ-1990م
54. الشعر والشعراء ( أبو محمد عبد الله بن مسلم، ابن قتيبة )، مراجعة محمد عبد المنعم العريان، دار إحياء العلوم، بيروت، ط4، 1412هـ - 1991م.
55. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ( أبو حاتم بن حبان بن أحمد التميمي البستي )، مراجعة: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ-1993م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
56. ضعفاء العقيلي ( أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي )، مراجعة: الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي،دار الكتب العلمية، بيروت، 1404هـ-1984م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
57. الطبقات الكبرى( محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري )، تحقيق محمد عبد القادر عطاء، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط1، 1410هـ -1990م
58. طبقات المدلسين ( أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني)، مراجعة:د. عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار، عَمان، 1403هـ- 1983م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
59. عبد الله بن سبأ دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة، ( الدكتور عبد العزيز صالح الهلابي)، حوليات كلية الآداب، جامعة الكويت، الرسالة الخامسة والأربعون، 1407هـ-1987م (1/255)
صفحة 256
60. عقيدة أهل السنة والجماعة، ( محمد الصالح العثيمين )، دار الأرقم للنشر والتوزيع، الكويت، ط2، 1405هـ-1984م
61. العقيدة في الله ( الدكتور عمر سليمان الأشقر )،مكتبة الفلاح، الكويت،ط5، يونيو1984م
62. العلل الواردة في الأحاديث النبوية ( أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني البغدادي)، مراجعة: الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السلفي، دار طيبة، الرياض، 1405هـ - 1985م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
63. العلل ومعرفة الرجال ( الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني)، مراجعة: وصي الله بن محمد عباس، المكتب الإسلامي ودار الخاني، بيروت والرياض، 1408هـ-1988م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
64. علم الحديث (تقي الدين ابن تيمية )، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1،1405هـ- 1985م
65. عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث 1500-1970 ( الدكتور حسين عبيد غانم غباش)، نقل النص إلى العربية الدكتور أنطوان حمصي، دار الجديد، ط1، 1997م
66. العواصم من القواصم -النص الكامل -، (للإمام القاضي أبي بكر بن العربي المالكي)، تحقيق عمار طالبي، دار الثقافة، الدوحة، ط1،1413هـ-1992.
67. العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، (للإمام القاضي أبي بكر بن العربي المالكي)، تحقيق محب الدين الخطيب، دارالجيل، بيروت، ط2، 1407هـ- 1987م
68. فتح الباري بشرح صحيح البخاري،( الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني)، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفكر،ط1، 1414هـ -1993م
69. الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ( أحمد عبد الرحمن البنا)، دار الشهاب، القاهرة. (1/256)
صفحة 257
70. الفرق بين الفرق ( الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الاسفرائيني التميمي )، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، 1411هـ-1990م.
71. الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ( الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم). مكتبة السلام العلمية
72. في ظلال القرآن، (سيد قطب)، دار الشروق، ط10، 1402هـ-1982م
73. قناطر الخيرات، ( الشيخ أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي )، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط2 ، 1409هـ -1989م
74. الكامل في التاريخ، ( أبو الحسن عز الدين علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير)، دار صادر، بيروت، 1402هـ-1982م.
75. الكامل في ضعفاء الرجال، ( أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني )، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجد والشيخ علي محمد معوض والأستاذ الدكتور عبد الفتاح أبو سنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ- 1997م
76. كتاب الجرح والتعديل ( الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم التميمي الحنظلي الرازي)، مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الهند،ط1، 1373هـ-1953م.
77. كتاب الضعفاء والمتروكين ( جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي )، تحقيق أبي عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان.
78. كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين،( الإمام محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي)، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة، بيروت،لبنان، 1412هـ-1992م.
79. كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة( علي بن أبي بكر الهيثمي)، تحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي،مؤسسة الرسالة . (1/257)
صفحة 258
80. الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث ( أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن سبط ابن العجمي الحلبي الطرابلسي) مراجعة: صبحي السمرائي، دار عالم الكتب ومكتبة النهضة، بيروت، 1407هـ-1987م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
81. الكشف والبيان ( الشيخ أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي)، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1400هـ-1980م
82. كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ( محمد قطب )، دار الوطن للنشر، الرياض، رجب 1412هـ
83. لسان العرب( ابن منظور)، نسقه وعلق عليه ووضع فهارسه علي شيري، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1408هـ-1988م.
84. لسان الميزان،( أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني )، دار الفكر، ط1،جمادى الأولى 1407هـ- كانون الثاني 1987م.
85. مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الجزء الثالث، ( جمع وترتيب فهد بن ناصر السليمان )، دار الوطن للنشر، الرياض، 1412هـ.
86. مجموع فتاوي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، جمع وترتيب عبد الله بن محمد بن قاسم العاصمي وابنه محمد، الطبعة الأولى، 1398هـ.
87. المجموع في الضعفاء والمتروكين يحتوي على الضعفاء والمتروكين للنسائي والضعفاء والمتروكين للدارقطني وكتاب الضعفاء الصغير للبخاري، دراسة وتحقيق الشيخ عبد العزيز عز الدين السيروان، دار القلم، بيروت، ط1، 1405هـ-1985م.
88. مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد ( شهاب الدين أبو الفضل بن حجر العسقلاني )، تحقيق صبري بن عبد الخالق أبو ذر، مؤسسة الكتب الثقافية.
89. المراجعات ( شرف الدين الموسوي )، دار العالم الإسلامي، بيروت، 1400هـ-1980م
90. مروج الذهب ومعادن الجوهر ( أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي )، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، لبنان (1/258)
صفحة 259
91. مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري ( يحيى بن إبراهيم بن علي اليحيى)، دار العاصمة، الرياض، النشرة الأولى، 1410هـ.
92. المستدرك على الصحيحين،( أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ) ، مراجعة:مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان،1411هـ- 1990م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
93. مسند أبي داود الطيالسي، ( أبو داود سليمان بن داود الفارسي البصري )، دار المعرفة، بيروت. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
94. مسند أبي يعلى، ( أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي التميمي )، مراجعة: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، 1404هـ-1984م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
95. مسند ابن الجعد، ( أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري )، تحقيق: الدكتور عبد المهدي بن عبد القادر بن عبد الهادي، مكتبة الفلاح، الكويت، ط1، 1405هـ-1985م.
96. مسند الإمام أحمد، ضمن اصدارات موسوعة الحديث الشريف، انتاج شركة صخر لبرنامج الحاسب، الإصدار الأول 1,2
97. مسند الحميدي ( أبو بكر بن الزبير الحميدي)، مراجعة: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية،بيروت، 1381هـ. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
98. مسند إسحاق بن راهويه( إسحاق بن إبراهيم من مخلد بن راهويه الحنظلي)، مراجعة: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، 1412هـ-1991م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
99. مسند الإمام الربيع - الجامع الصحيح- ( الإمام الربيع بن حبيب الأزدي البصري)،مكتبة مسقط، سلطنة عمان، ط1،صفر 1415هـ - يوليو 1994م.
100. مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه، ( الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف )، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1396هـ-1976م. (1/259)
صفحة 260
101. مصنف ابن أبي شيبة، ( أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة العبسي )، منشورات دار القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي،باكستان.
102. مصنف عبد الرزاق ( أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني )، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات المجلس العلمي
103. المعجم الصغير، ( أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني )، محمد شكور محمود الحاج أمرير، المكتب الإسلامي ودار عمار، بيروت وعمان، 1405هـ-1985م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
104. المعجم الكبير، ( أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني )، مراجعة: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، 1404هـ-1983م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
105. المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين، مكتبة بريل، مدينة ليدن، 1936.
106. معرفة علوم الحديث ( أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري)، مراجعة: السيد معظم حسين، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، 1397هـ-1977م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
107. المغازي النبوية ( الإمام محمد بن مسلم بن عبيد الله ابن شهاب الزهري)، تحقيق وتقديم الدكتور سهيل زكار، دار الفكر، دمشق، 1401هـ - 1981م
108. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ( الإمام أو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري)، تصحيح هلموت ريتر، ط 3، 1400هـ -1980م
109. الملل والنحل ( أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم الشهرستاني)،مطبوع بهامش الفِصَل في الملل والأهواء والنحل للإمام ابن حزم، مكتبة السلام العالمية.
110. المنهاج - شرح صحيح مسلم بن الحجاج - ( محيي الدين النووي )، تحقيق : الشيخ خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، ط3، 1417هـ-1996م. (1/260)
صفحة 261
111. منهج كتابة التاريخ الإسلامي ( محمد بن صامل العلياني السلمي )، دار طيبة للنشر التوزيع، الرياض، 1406هـ - 1986م.
112. الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه، مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي، عَمان، الأردن، المرحلة الأولى - الإصدار الأول، 1418هـ - 1997م.
113. ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ( أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي )، تحقيق: علي بن محمد البجاوي، دار الفكر.
114. نشأة الحركة الإباضية ( الدكتور عوض خليفات )، 1982م
115. نشأة الحركة الإباضية في البصرة ومناقشة دعوى تأسيس جابر بن زيد لها وعلاقتها بالخوارج ( أ.د محمد عبد الفتاح عليان)، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 1415هـ - 1994م.
116. نصب الراية لأحايث الهداية،( أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي) مراجعة: محمد يوسف البنوري، دار الحديث، مصر، 1357هـ. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
117. النهاية في غريب الأثر( أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير الجزري)، مراجعة: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطباخي، بيروت، 1399هـ-1979م. ضمن اصدارات الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه.
الفهرس
الموضوع ... ... ... ... ... ... ... ... الصفحة
الإهداء ... 7
شكر وتقدير ... 9
تقديم بقلم سعادة الشيخ الأستاذ/ أحمد بن سعود السيابي ... 11
تقديم بقلم فضيلة الشيخ الأستاذ/ ناصر بن سليمان السابعي ... 15
مقدمة البحث ... 19
الفصل الأول: أسس وقواعد البحث العلمي في التاريخ ... 27
القسم الأول:- منهجية البحث عند ابن خلدون ... 30
القسم الثاني:- منهجية البحث عند محب الدين الخطيب ... 33
القسم الثالث :- منهجية البحث عند محمد صامل العلياني السلمي ... 36
القسم الرابع :- منهجية البحث عند الأستاذ سيد قطب ... 37
القسم الخامس :- منهجية البحث عند الأستاذ الشيخ محمد قطب ... 41
خاتمة الفصل الأول ... 42 (1/261)
صفحة 262
الفصل الثاني: كتب الفرق والتاريخ في الميزان ... 45
القسم الأول : صوَر من تحريف المنهج السليم ... 48
الدكتور محمد عبد الفتاح عليان وكتابة التاريخ ... 50
منهجية البحث عند الدكتور صابر طعيمة ... 62
القسم الثاني : مصادر كتب الفرق والتاريخ ... 67
1- عند أبي الحسن الأشعري ... 67
2- عند عبد القاهر البغدادي ... 68
3- عند ابن حزم ... 69
4- عند الشهرستاني ... 69
5- عند ابن خلدون ... 70
6- عند ابن تيمية ... 71
7- كتب الحديث وشروحها ... 71
القسم الثالث : أقوال علماء الجرح والتعديل في بعض كتاب التاريخ والسير ... 73
1 - سيف بن عمر التميمي السدي ... 73
2 - محمد بن قدامة الأنصاري الجوهري ... 74
3 - محمد بن عمر الواقدي ... 74
4 - الهيثم بن عدي الطائي ... 75
5 - أبو مخنف لوط بن يحيى ... 75
القسم الرابع : آراء العلماء في كتب التاريخ والمقالات ... 76
1 - قول للإمام الطبري ... 76
2 – قول للإمام ابن الأثير ... 77
3 - أقوال لابن العربي ... 78
4 – أقوال للدكتورة سيدة إسماعيل كاشف ... 80
5 - قول للدكتور محمد جميل غازي ... 81
6-قول للدكتور عوض خليفات ... 82
7- قول للدكتور عبد العزيز الهلابي ... 82
القسم الخامس : روايات يرفضها واقع المكتوب عنهم ... 84
أولاً : من " تفسير القرطبي " ... 84
ثانياً : من " تاريخ الطبري " ... 85
خاتمة الفصل الثاني ... 89
الفصل الثالث: فتنة يوم الدار ... 91
القسم الأول : روايات اعتمد عليها كتاب الفرق ... 99
القسم الثاني : روايات تجاهلها كتاب الفرق ... 108
الرواية الأولى ... 109
الرواية الثانية ... 111
الرواية الثالثة ... 112
الرواية الرابعة ... 112
الرواية الخامسة ... 114
الرواية السادسة ... 114
الرواية السابعة ... 115
الرواية الثامنة ... 116
الرواية التاسعة ... 116
الرواية العاشرة ... 117
الرواية الحادية عشرة ... 118
الرواية الثانية عشرة ... 119
الرواية الثالثة عشرة ... 119
الرواية الرابعة عشرة ... 119
الرواية الخامسة عشرة ... 120
القسم الثالث: تراجم لبعض من الذين سموا بـ"السبئيين" ... 122
1- الأشتر النخعي ... 122
2- ثابت بن قيس ... 123
3- جندب بن زهير الغامدي ... 123 (1/262)
صفحة 263
4- جندب بن كعب الأزدي ... 124
5- حكيم بن جبلة العبدي ... 124
6- حمران بن أبان ... 126
7-زيد بن صوحان العبدي ... 127
8- صعصعة بن صوحان ... 129
9- عبد الرحمن بن عديس البلوي ... 130
10- عدي بن حاتم ... 131
11- عروة بن الجعد ... 131
12- علباء بن الهيثم ... 132
13- عمار بن ياسر ... 132
14- عمرو بن الحمق الخزاعي ... 134
15- كميل بن زياد ... 135
16- محمد بن أبي بكر الصديق ... 136
17- محمد بن أبي حذيفة ... 137
18- يزيد بن قيس ... 138
خاتمة الفصل الثالث ... 143
الفصل الرابع: أين تقع الدقة والتثبت في كتابات أصحاب المقالات؟ ... 145
المثال الأول : مسألة حديث الآحاد ... 148
1- نقلاً عن الشيخ القنوبي حفظه الله تعالى ... 148
2- نقلاً عن الأستاذ سيد قطب ... 152
3- نقلاً عن الشيخ محمد الغزالي ... 152
4- نقلاً عن عبد القاهر البغدادي ... 153
المثال الثاني :مسألة الاستواء على العرش ... 154
1- نقلاً عن الشيخ القنوبي حفظه الله تعالى ... 155
2- نقلاً عن الأستاذ سيد قطب ... 160
3-نقلاً عن الشهرستاني ... 161
4- نقلاً عن البغدادي ... 162
5- نقلاً عن ابن حزم ... 165
6- نقلاً عن ابن العربي ... 167
خاتمة الفصل الرابع ... 170
الفصل الخامس: أحداث تاريخية ... 173
القسم الأول: قضية التحكيم ومعركة النهروان ... 176
روايات اعتمد عليها كتاب التاريخ والفرق ... 176
رواية تجاهلها كتاب التاريخ والفرق ... 179
شخصية ذي الثدية ... 187
نظرة حول قضية التحكيم وموقعة النهروان ... 192
القسم الثاني : تهمة التشريك والتكفير ... 199
أقوال منسوبة إلى أهل النهروان ... 200
الرواية الأولى ... 200
الرواية الثانية ... 201
الرواية الثالثة ... 202
الرواية الرابعة ... 202
الرواية الخامسة ... 205
أقوال منسوبة إلى غير أهل النهروان ... 206
الرواية الأولى ... 206
الرواية الثانية ... 208
الرواية الثالثة ... 208
الرواية الرابعة ... 209
القسم الثالث: تهمة استعراض الناس وقتل الأبرياء ... 210
أفعال منسوبة إلى أهل النهروان ... 212
الرواية الأولى ... 212
الرواية الثانية ... 213
الرواية الثالثة ... 216
الرواية الرابعة ... 217
الرواية الخامسة ... 218 (1/263)
صفحة 264
الرواية السادسة ... 219
الرواية السابعة ... 221
روايات تنسب القتل إلى غير أهل النهروان ... 222
الرواية الأولى ... 222
الرواية الثانية ... 223
الرواية الثالثة ... 224
القسم الرابع : قصة قتل الإمام علي كرم الله وجهه. ... 227
الرواية الأولى ... 228
الرواية الثانية ... 230
الرواية الثالثة ... 231
الرواية الرابعة ... 232
القسم الخامس : قصة اجتماع المحكمة بابن الزبير ... 233
الرواية التي اعتمد عليها الكتاب ... 234
روايتان تجاهلهما الكُتاب ... 235
الرواية الأولى ... 235
الرواية الثانية ... 237
خاتمة الفصل الخامس ... 239
الفصل السادس: روايات من كتب الحديث ... 241
القسم الأول: روايات لم تحدد قوماً بأعيانهم ... 244
الرواية الأولى ... 244
الرواية الثانية ... 245
الرواية الثالثة ... 250
الرواية الرابعة ... 252
الرواية الخامسة ... 255
الرواية السادسة ... 261
الرواية السابعة ... 263
الرواية الثامنة ... 264
الرواية التاسعة ... 265
الرواية العاشرة ... 267
الرواية الحادية عشرة ... 268
القسم الثاني: روايات ذكرت أهل النهروان بالإشارة أو بالنص ... 272
الرواية الأولى ... 272
الرواية الثانية ... 276
الرواية الثالثة ... 277
الرواية الرابعة ... 279
الرواية الخامسة ... 280
الرواية السادسة ... 281
الرواية السابعة ... 282
الرواية الثامنة ... 282
الرواية التاسعة ... 283
الرواية العاشرة ... 283
الرواية الحادية عشرة ... 287
الرواية الثانية عشرة ... 289
خاتمة الفصل السادس ... 289
خاتمة البحث ... 293
المصادر والمراجع ... 299
الفهرس ... 319 (1/264)