صفحة 1
الكتاب: البربر والإسلام لمحمد ناصر بوحجام
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) البربر والإسلام
الطّبعة الأولى
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
المقدّمة
حين تختلط المفهومات، وتتداخل الحقائق، وتؤوّل الواقعات تأويلاً خاطئًا، وتفسّر الوقائع تفسيرًا غير صحيح. وحين توجّه الأحداث توجيهًا مغرضًا، وحين تتبنّى مواقف لتحقيق أعراض غير سليمة، وتكريسها لضرب الأصالة في العمق ... يصبح إعادة تناول مسيرة التّاريخ ضرورة، وإعادة قراءته واجبًا. من هذا المنطلق توجّهنا إلى موضوع " البربر والإسلام " نتناوله من جديد؛ لما اكتنف هذا الموضوع من غموض، وما صاحب تقديمه من تشويه ومغالطات، جاءت نتيجة سياسة التّهميش والإقصاء التي مارسها من لا يروقه أن يرى الحقائق تتلى وتترى، لتفسد عليه مخطّطاته المغرضة
قيل عن البربر وعلاقتهم بالإسلام الكثير: إنّهم لم يقبلوا الإسلام، بل قاوموه كما يقاوم الدّخيل علي مجتمع لا يمتّ إليه بصلة، وناهضوه ونازلوه كما ينازل العدوّ الذي يتبنّى السّيطرة والقهر سياسةً في حركته ونشاطه. كما قيل عنهم: إنّهم لم يكونوا على توافق مع الإسلام حتّى ولو اعتنقوه؛ لأنّهم قبلوه على مضض، وعلى الرّغم منهم. من هنا آن الأوان للتّخلّص منه، كما يتخلّص من أيّ شكل من أشكال الهيمنة، وما فرض بالقوّة ... (1/2)
صفحة 3
قيل عنهم: إنّهم لا علاقة لهم بالعرب والعروبة، في انتمائهم ولغتهم، لذا يجب عدم الاتّصال بهم، ولا التّعامل معهم بدافع توثيق الرّابطة، وصلة الرّحم، إنّ في هذا خروجًا عن الرّوح التي تسود المجتمع البربري ... يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز يردّ على هذه الدّعوى وهذا اللّغط: " إنّ العرب من الأجناس الكريمة، والبربر مثلهم جنس كريم، لا يقلّ عن العرب في فضيلة من الفضائل، التي يكون بها التّقدّم والظّهور. إنّ كرم الجنس البربري هو الذي حقّق امتزاج العرب بالبربر، لمّا فتح المسلمون المغرب، وكان امتزاجًا سريعًا كما يمتزج الماء بالماء، ويختلط الذّهب بالذّهب، فيصير سبيكة واحدة، لا فرق بين أجزائها في التّلألؤ والصّفاء.
إنّ أبناء المغرب اليوم مزيج من هذين الجنسين الكريمين، ليس فيهم بربري خالص، ولا غربي قحّ، إنّهم أبناء البربر والعرب جميعًا .. " (1)
هذا ما نريد إثباته وتثييته في النّفوس، حتّى لا تذهب بها الوساوس والأقاويل مذاهب بعيدة، فتحطّ بها في متاهات وترهّات، تضرّ بها وبمجتمعها.
بمعنى أوضح وأوكد، إنّ الرّجوع في هذا المجال إلى الأصل والحقّ فريضة وفضيلة، فالتخلّي عن هذا الإسلام المرتبط بالعروبة أمر لابدّ منه؛ استنادًا إلى المرجعيّة التّاريخية.
__________
(1) - محمد عليّ دبّوز، تاريخ المغرب الكبير، ج1، ط1، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1384هـ/1964م، ص: 36. (1/3)
صفحة 4
في كلّ الحالات إنّ البربر ظلموا بهذا التّوجّه، والتّاريخ أُجحِف وحيف عليه بهذا التّفسير والنّقل الفاسد، فلابدّ من توضيح الرّؤية، وتصحيح الأخطاء. هذا ما قصدنا إليه في هذا البحث، الذي عرضنا فيه بعض النّقط، التي نرجو أن تسهم في بلوغ الغاية، وتحقيق الأهداف المرسومة والمنشودة في تصحيح التّاريخ، وتوحيد الكلمة ورصّ الصّفوف. بداية من بيان فضل البربر كما سجّلتها السّنة النّبوية، والتّاريخ على لسان بعض عظمائه. ثمّ سرد بعض الخصائص الذّاتية التي تميّز بها البربر، التي كانت من بين أسباب اعتناقهم الإسلام، والبقاء موفّين به، أوفياء له. كما عرضنا لدور البربر في نشر الإسلام في بلدان إفريقيا بخاصّة ...
ملنا إلى استعمال كلمة البربر أكثر من كلمة الأمازيغ؛ للغموض الذي يكتنف هذه الكلمة الأخيرة، ولما أثير حولها من جدال كبير، وعن حقيقتها ومدلولها البربري أو العربي، ولما وجّهه بعض المشكّكين في النّوايا، التي يحملها من يميل إلى التّمسك بكلمة أمازيغ ونسبة القبائل إليها، ومن جهة أخرى اختلاف المصادر حول هذه التّسمية، تاريخيًا ودلالة ... يقول محمد المختار العرباوي، بعد أن عرض لتاريخية كلمة " الأمازيغ " ومناقشة الآراء التي وردت في شأنها: " ونخلص من هذا إلى أنّ كلمة (أمازيغ) لم يقع تعميمها في القديم مثل كلمتي (لوبي وبربر)، ولابدّ من التّنبيه هنا إلى عدم الخلط بين القبائل الأمازيغية التي عرفت في العهد الفينيقي وما بعده، وبين اسم مازيغ، الذي يجعله نسّابة البربر الجدّ الأعلى (1/4)
صفحة 5
لفرع (البرانس) الذي لا نعرف حقيقته، بالإضافة إلى اتّصاله بـ (حام) وشجرة الأنساب القديمة، ذات الطّابع الخرافي الذي لا علاقة له بالوقائع التّاريخية المعروفة.
ومن هنا فإنّ إشاعة اسم (أمازيغ) كما يفعل أصحاب النّزعة البربريّة، وإفهام النّاس بأنّ سكّان المنطقة في القديم كانوا يسمّون (الأمازيغ)، وأنّ اللّغة التي كانوا يتكلّمون بها كانت تسمّى (الأمازبغية)، أمر مخالف للحقيقة، ولا سند له من آثار أو تاريخ." (1)
حتّى ولو كان الأمر غير محسوم بشكل نهائي (2)، إلاّ أنَّ الأدلّة التي قدّمها الأستاذ العرباوي تتّسم بالعلمية والدّقّة، وتستند إلى مرجعية تاريخيّة، وتتميّز بالتّوثيق والإحالة الدّقيقة. وعرضه يتّصف بالعمق
__________
(1) - محمد المختار العرباوي، في مواجهة النّزعة البربرية وأخطارها الانقسامية، نشر اتّحاد الكتّاب العرب، دمشق، 2005م، ص: 19. ينظر مزيد من التّفاصيل ص: 5 – 23.
(2) - مثلاً: قد يفهم من كتابات الشّيخ محمد عليّ دبّوز أنّ الأصل في التّسمية هو " أمازيع " مثل قوله: " إنّ البربر أبناء مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح عليه السّلام ... " ص: 23. وقوله: " إنّ جدّ البربر هو مازيغ بن كنعان بن نوح. والبربر يسمّون أنفسهم (الأمازيع)، ويعتدّون بهذا الاسم. ولا يطلقونه إلاّ على الأقحاح الصّرحاء فيهم، أمّا النّزلاء والدّخلاء الذين يتبربرون كعبيدهم ومواليهم فلا يسمّونهم أمازيغ؛ لأنّهم ليسوا من سلالة مازيغ."، ص: 25. وإنّ كان الشّبخ دبّوز يستعمل الاسمين معًا: البربر والأمازيغ، ويأتي باسم البربر أكثر. ينظر كتابه تاريخ المغرب الكبير، ج1، ط1، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1384هـ/ 1964م. (1/5)
صفحة 6
والتروّي والموضوعية، لذا استأنسنا به واعتمدناه مبدئيًّا في هذا البحث، فركّزنا على كلمة " بربر "، وكنّا نورد كلمة " أمازيغ "– في الغالب – في النّصوص التي وردت فيها عند أصحابِها.
نرجو من الله السّداد والتّوفيق والقبول.
الجزائر يوم الجمعة: 01 من جمادى الأولى 1431هـ
16 من أفريل ... 2010م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
فضل البربر
رويت عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم - أحاديث أو روايات، كما نقلت عن بعض الخلفاء الرّاشدين أقوالٌ، وعن بعض العلماء آثار ... تسجّل فضائل البربر، وتذكر مناقبهم، وبخاصّة أدوارهم في نشر الإسلام، والمحافظة على الدّين. من ذلك ما جاء في كتاب طبقات المشايخ بالمغرب. (1/6)
صفحة 7
" وعن فضائل البربر من العجم، ما بلغني أنّ عائشة رضي الله عنها، دخل عليها ذات مرّة رجل من البربر، وهي جالسة، ومعها نفر من المهاجرين والأنصار، فقامت عائشة عن وسادتها، فطرحتها للبربري دونهم، فانسلّ القوم واجلين بذلك، فلمّا قضى البربري حاجته، أرسلت إليهم عائشة، حتّى اجتمعوا، فقالت لهم: ما الذي أوجب خروجكم في تلك الحال؟ قالوا: لإيثارك علينا وعلى نفسك رجلاً كنّا نزدريه، وننتقص قومه، فقالت: إنّما فعلت ذلك لما قال فيهم رسول الله صلّى الله - صلى الله عليه وسلم -، قالت: أتعرفون فلانًا البربري؟ قالوا: نعم، قالت: كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات مرّة جالسين، إذ دخل علينا ذلك البربري، مصفرّ الوجه، غائر العينين، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما دهاك؟ أمرض؟ فارقتني بالأمس ظاهر الدّم، فجئتني السّاعة كأنّما انتشرت من قبر، فقال: يا رسول الله صلّى الله عليك وسلّم، بتّ في همّ شديد، فقال: وما همّك؟ قال: تردّد بصرك فِيَّ بالأمس، خفت أن يكون نزل فِيَّ قرآنٌ، فقال: لا يحزنك ذلك، فإنّما ترديدي البصر فيك لأنّ جبريل عليه السّلام جاءني، فقال: أوصيك بتقوى الله وبالبربر، قلت: وأيّ البربر؟ قال: قومُ هذا، وأشارَ إليك، فنظرتُ إليك، فقلت لجبريل: ما شأنهم؟ قال: قوم يُحيون دين الله، بعد أن كاد يموت، ويجدّدونه بعد أن يبلى، ثمّ قال جبريل: يا محمّد، دين الله خلق من خلق الله، نشأَ بالحجازِ وأهله بالمدينة، خلقه ضعيفًا، ثمّ ينمّيه وينشئه، حتّى يعلو ويعظم، ويثمر كما تثمر (1/7)
صفحة 8
الشّجرة، ثمّ يقع، وإنّما يقع رأسه بالمغرب. والشّيء إذا وقع لم يرفع من وسطه، ولا من أسفله، إنّما يرفع من عند رأسه." (1)
هذه الرّواية إن صحّت، تبيّن وتسجّل للبربر فضلاً كبيرًا، وتحفظ لهم مكانة مرموقة، وتكشف عن أدوار مهمّة يقوم بها البربر في مسيرة الدّعوة الإسلامية، ممّا يبرّر اهتمام كبار القوم وساسة الأمّة بجنسهم.
كما ورد في المصدر نفسه حديث عن الخليفة الثّاني عمر بن الخطّاب. " وبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، أنّه قدم عليه وفد من البربر، عن لَواتَة، أرسلهم إليه عمرو بن العاص، وهم محلّقو الرّؤوس واللّحا، فقال لهم عمر: من أنتم؟ قالوا: من البربر من لواتة، فقال عمر لجلسائه: هل فيكم من يعرف هذه القبيلة في شيء من قبائل العرب والعجم؟ قال العبّاس بن مرداس السّلمي: عندي منهم علم يا أمير المؤمنين، هؤلاء من ولد بني قيس، وكان لقيس عدّة من الأولاد، أحدهم يسمّى بربر بن قيس، وفي خلقه بعض الرّعونة، فقال: أخرق ذات مرّة فخرج إلى البراري، فكثر نسله ولده. فكانت العرب تقول: تبربروا، أي كثروا، فنظر إليه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فاستحضر ترجمانًا، يترجم كلامهم، فقال لهم: ما لكم محلّقو الرّؤوس واللّحا؟ فقالوا: شعر
__________
(1) - أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، حقّقه وقام بطبعه إبراهيم طلاّي، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، (د. ت)، ص: 16. فصل " فضائل البربر من العجم"، ص: 15 – 19. (1/8)
صفحة 9
نبت في الكفر، فأحببنا أن نبدله بشعر نبت في الإسلام، فقال: هل لكم مدائن تسكنونها؟ فقالوا: لا، قال: فهل لكم حصون تتحصّنون فيها؟ قالوا: لا، فقال: هل لكم أسواق تتبايعون فيها؟ قالوا: لا. قال: فبكى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فقال له جلساؤه: وما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أبكاني حديث، سمعته من رسول - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، حين انهزم المسلمون، فنظر إليّ - صلى الله عليه وسلم - أبكي، فقال: وما يبكيك يا عمر؟ فقلت: أبكاني قلّة هذه العصابة من المسلمين، واجتماع أمم الكفر عليها، فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: لا تبكِ يا عمر، فإنّ الله تعالى سيفتح للإسلام بابًا من المغرب، بقوم، يعزّ بهم الإسلام، ويذلّ بهم الكفر، أهل خشية وبشائر، يموتون على ما أبصروا، وليست لهم مدائن يسكنون فيها، ولا حصون يتحصّنون فيها، ولا أسواق يتبايعون فيها، فلذلك بكيت السّاعة، حين ذكرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ذكر من الفضل عليهم. فردّهم إلى عمرو بن العاص، وأمره أن يجعلهم في مقدّمات العسكر، وأحسن إليهم عمر بن الخطّاب رضي الله عنه وأكرمهم، وأمر عمرو بن العاص أن يحسن إليهم، فكانوا مع عمرو بن العاص حتّى قتل عثمان. فلمّا كان هذا الخبر في عصابة من أهل المغرب عن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رجونا أن يكونوا أئمّتَنا، ومن اقتفى آثارهم، وأن يكونوا أهل تلك الفضيلة." (1)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 17، 18 .. (1/9)
صفحة 10
احتفظ البربر بمكانتهم السّامية عند العارفين الفضل لأهله، واستقطبت سمعتهم الطّيّبة اهتمام ذوي العقول الرّاجحة، وسكنت محبّتهم قلوب المنصفين من الرّجال. من هؤلاء الفاروق الذي أظهر إعجابًا وتقديرًا لهؤلاء البربر الذين أخبر عنهم الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، وبما سيكون لهم من شأن في خدمة الدّعوة الإسلامية. بعد أن ذكر بعض العلامات التي تميّز هؤلاء القوم، فوجدها عمر بن الخطّاب مجسّدة وظاهرة وبارزة فيهم، فشرع يذكرهم بخير، ويوصي بهم خيرًا، وقدّم لهم الخير.
لم يقف الأمر عند الرّعيل الأوّل، بل تعدّاه إلى من جاء من بعدهم. أورد الدّرجيني الخبر الآتي: " وبلغنا أنّ رجلاً من ذريّة أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه عن بعض الخلفاء أنّه قال: يا أهل مكّة، ويا أهل المدينة أوصيكم بالله وبالبربر خيرًا، فإنّهم سيأتونكم بدين الله من المغرب، بعد أن تضيّعوه، هم الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي الله ُبِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُومِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُوتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ُوَاسِعٌ عَليمٌ} (1) لا ينظرون في حسب امرئ غير طاعة الله." (2)
__________
(1) - سورة محمّد، الآية:
(2) - كتاب طبقات المشائخ، ج1، ص: 18. (1/10)
صفحة 11
قال البكري وهو يرفع الحديث إلى ابن مسعود رضي الله عنه: أن آخر حجّة حججنا قام خطيبًا فقال: يا أهل مكّة، ويا أهل المدينة أوصيكم بتقوى الله وبالبربر، فإنّهم سيأتونكم بدين الله من المغرب، وهم الذين يستبدل الله بكم، إذ يقول: { ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (1) والذي نفس ابن مسعود بيده، لو أدركتهم لكنت لهم أطوع من إمائهم، وأقرب إليهم من دثارهم." (2)
وبلغنا عن عائشة رضي الله عنها أنّها أبصرت صبيًّا له ذؤابتان، ذا جمال وهيئة، فقالت: من أيّ قبيل هذا الصّبيّ الشّقيّ؟ قالوا: من البربر. قالت عائشة: البربر يقرون الضّيف، ويضربون بالسّيف، ويلجمون الملوك لجام الخيل. (3)
هذه الأقوال، وهذه الشّهادات تبيّن مكانة البربر في قلوب النّفوس الكريمة، وتسجّل أدوارهم الكبيرة في مسيرة الدّعوة الإسلامية. وتكشف عن علوّ شخصيتهم وكرامتها وعزّتها. يقول أبو إسحاق إبراهيم طفيش (ت 1965م) عن قبيلة نفوسة مثلا، وهي إحدى قبائل البربر المرموقة:
__________
(1) - سورة محمّد، الآية: 38.
(2) - كتاب طبقات المشائخ، ج1، ص: 18.
(3) - المصدر السّابق، ج1، ص: 19. ما أورده الدّرجيني عن فضائل البربر من العجم نقله حرفيًّا عن أبي زكرياء يحي بن أبي بكر، في كتابه: كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، تحقيق وتعليق إسماعيل العربي، نشر المكتبة الوطنية، الجزائر، 1399هـ/1979م، ص: 33 – 35. (1/11)
صفحة 12
"و (نفوسة) لهم في الإسلام تاريخ حافل بالعظمة الدّينية والعلمية والكرامات، حتّى كانت بلادهم جديرة بأن تسمّى جبال الأولياء والأبدال، وقد اشتهرت بلاد نفوسة بكرامات الأولياء والأخيار وصفوة الصّالحين، أينما ذهب المسلم شاهد تلك المناقب التي تشرق كالأنوار المتألّقة بين مزن السّماء، بل لها إشراق النّجوم والأقمار بما لا يستطيع العاقل جحوده، وإنّما المنكرون للكرامات هم الملاحدة والجهلة بمقام الأولياء" (1)
من جملة ما يثبت أصالة هذه القبيلة، ويكشف عن طيب عنصرها، وما تتمتّع به سرائرها من الصّفاء والطّيبة، وما تحمله نفوسهم من العزّة والكرامة والمروءة والشّهامة ... سرعةُ استجابتها للحقّ، ومسارعتها لاحتضان الحسن والجمال والطيب والخير. يضيف أبو إسحاق" ... وأعود إلى نفوسة، قيل سمّوا نفوسة، لأنّهم أسلموا بأنفسهم، ولم يكن منهم الإسلام كرهًا. فعندما بلغ الفتح الإسلامي طرابلس، وكان أمير الجيش الإسلامي عمرو بن العاص، قدم عليه ستّة نفر من البربر، محلّقين الرّؤوس واللّحى، فقال لهم عمرو: من أنتم وما الذي جاء بكم؟ فقالوا: رغبنا في الإسلام فجئنا له، لأنّ جدودنا قد أوصونا بذلك، فقال لهم عمرو: ما
__________
(1) - أبو زكرياء يحي الجناوني، كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، ط1، تعليق ونشر أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، (د. ت)، ص: 5. (1/12)
صفحة 13
لكم محلّقي الرّؤوس واللّحى؟ فقالوا له: ذلك شعر نبت في الكفر، فأردنا أن ينبت في الإسلام. (1)
إنّ فضائل البربر كثيرة، وما ورد من آثار عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، والصّحابة والسّلف الصّالح يشير إلى مكانة هؤلاء البربر في الحضارة الإسلامية، ولو أنّ آثارهم ستظهر فيما بعد عصر النبوّة والصّحابة والتّابعين. لاشكّ أنّ من خصّهم بالذّكر، ونوّه بهم، وأوصى بهم خيرًا، قد نظر إليهم نظرة المؤمن الذي بنور الله يبصر. وعلم أنّهم لم ينالوا، ولن ينالوا هذه الحظوة وهذا التّشريف والتّقدير، إلاّ لأنّ بهم خصائص ومميّزات ومكرمات ساعدتهم على بلوغ هذه المرتبة. فما هي هذه المميّزات أو الخصائص التي تميّز بها البربر؟
__________
(1) - المرجع السّابق، ص:6. (1/13)
صفحة 14
الخصائص التي تميّز بها البربر (الأمازيغ)
سرد محمّد عليّ دبّوز مجموعة من الخصائص والمميّزات التي عرف بها البربر، فكانت من بين عوامل نجاحهم في حياتهم، رغم ما تعرّضوا له من معيقات بناء حضارة، أو تأسيس مجد، ولكنّهم مع كلّ ذلك قدّموا ما نهضوا به بالحضارة الإنسانية، منها الحضارة الإسلامية، وقد أرجع الأستاذ أسباب نهجهم الخطّ الإسلامي، وتبنّيهم الفكر الإسلامي منهج حياة، في نهاية مطافهم بعد تجريبهم كثيرًا من الأفكار والمناهج والمشروعات الحضارية، التي عرضت عليهم، أو أجبروا على الانتماء إليها وتبنّيها، أرجع سبب الاختيار الذي لم يعدلوا عنه – معظمهم – إلى ما تميّزوا به من هذه الخصائص والمميّزات الأصيلة، التي تهدي إلى الصّواب، وللتي هي أقوم. (1) نشير إلى بعض هذه الخصائص فيما يأتي:
- التّمسّك بالحريّة والتّعلّق بها
__________
(1) - ينظر محمّد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 76 – 91. وكتابُ تاريخ المغرب الكبير بأجزائه الثّلاثة مليء بالحديث عن هذه الخصائص. (1/14)
صفحة 15
تشبّث البربر بالحريّة بقوّة، وحاربوا كلّ أشكال الاستعباد والقهر والتّسلّط، وفرض الأمر الواقع، حين لم يقتنعوا بما قدّم لهم، ولم يتمتّعوا فيه بالحريّة. لقد قاوموا كلّ الدّول التي أرادت استعمارهم واستعبادهم، وفرض أفكارهم بالقوّة عليهم، حتّى الإسلام الذي اعتنقوه في النّهاية، قاوموه في بداية الأمر، ولمّا تأكّدوا من أنّه يختلف عن بقيّة المناهج أو الأفكار الأخرى التي جاءت لتقهرهم، وأنّه جاءهم ليحافظ على حريّتهم، ويوفّر لهم أسباب السّعادة والرّاحة، وأنّه أتاهم ليعينهم على النّهوض حضاريًا وفكريًا ... اعتنقوه وانضووا تحته، وأسهموا في نشره وإغنائه وتطويره. يقول محمد علي دبّوز: " والبربر أمّة مجبولة على حبّ الحريّة، وشعب عجنت طينته بحبّ الاستقلال، لا يطيقون الاستبداد والاستعباد، ولا يخضعون للجبروت والطّغيان، ولا يحنون الهام إلاّ لمن يمتلك قلوبهم بحسن معاملته واحترامه." (1)
يؤكّد الكاتب هذه الحقيقة في كلّ ما سجّله وكتبه عن البربر: " ... أمّا البربر فخلاف ذلك، إنّهم أمّة فتيّة، قد استرجعت حريّتها من الرّوم، ونهضت نهضتها الكبرى لتأسيس الدّول العظمى، وللسّير بكلّ قوّة في طريق التّقدّم والحياة، ثمّ إنّ البربر أبناء حروب وسنان، وفرسان جلاد وطعان، يتّصفون بكلّ ما يتّصف به العرب، من عزّة وإباء، ومن شمم وأنفة، لا يخضعون بالسّيف، ولكن بالإقناع، ولا ينقادون بالعنف، ولكن
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 83. (1/15)
صفحة 16
بالحكمة واللّين، يكرهون من يحتقرهم، ويثورون على من يهينهم. فالاحترام والتّقدير والمجاملة هي التي تفتح قلوبهم، وتجعلهم لك كما تريد ... (1)
التّمتّع بالحريّة المشروعة والأصيلة، هو الذي فتح قلوبهم وعقولهم لينتقوا الصّحيح من الأفكار، والقويّ من المبادئ، والواضح من المناهج، والسّليم من المواقف. " إنّ قلوبهم تفتّحت لكلّ دين يدعو إلى الحريّة والمساواة، ويمجّد العدل والإخاءَ، فلابدّ أن يؤمنوا بالقرآن ويؤثروه، ويتمسّكوا به إذا وجدوه دين العدل والمساواة والحريّة، وأن يحبّوا المسلمين، إذا وجدوهم رسل عدل ومحبّة وإنصاف." (2)
- الثّبات على المبادئ
إنّ الحريّة الأصيلة المؤسّسة على قواعد ثابتة راسخة، تنتج خلق الثّبات والاستقرار الفكري، بعد التّشبّع بهذا الفكر وتبنّيه عن قناعة واقتدار. هذا ما يتّصف به البربر، وهو ما ساعدهم على رسوخ الإسلام فيما بعد في نفوسهم والتّمسّك به، وعدم التّحوّل عنه، بعد الرّحلة الطّويلة، التي قضتها سفينتهم، وهي تجوب الأنهار والبحار والمحيطات؛ بحثًا
__________
(1) - محمّد علي دبّوز، تاريخ المغرب الكبير، ج2، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1382هـ/ 1963م، 52، 53.
(2) - المرجع السّابق، ص: 52. (1/16)
صفحة 17
عن الشّاطئ الأمين والمتين والرّصين الذي ترسو فيه أو عليه، وكانت في النّهاية المنهج الإسلامي.
ذكر محمد علي دبّوز الأسباب التي منعت البربر من الدّخول في الإسلام في بداية اتّصالهم، والتي صعّبت من فتح المسلمين للمغرب: " وسابع الأسباب هو ثبات البربر على مبادئهم، وتمسّكهم بِإِلْفهم. إنّهم أمّة قويّة الشّخصية، معتدّة بنفسها وتقاليدها، لا تقلّد، ولا تسارع إلى نبذ ما ألفته، لا تأخذ بالجديد، حتّى تتيقّن أنّه أحسن من القديم الذي عندها، لذلك لم يسارع البربر إلى الإسلام حتّى تأمّلوه، وعرفوا حقيقته، وتيقّنوا أنّه هو مفتاح السّعادة، وسبب النّجاح، فأقبلوا عليه، ورسخوا فيه رسوخ جبالهم، وثاروا على كلّ الملوك المسلمين، الذين يخرمون أصوله في السّياسة، ويعاملون رعاياهم بغير العدل الذي أمر الله به." (1)
- التّأنّي والتّحفّظ في المصادقة
لا يتعجّلون في مصادقة من لم يسبق لهم به معرفة، حتّى يمتحنوه ويختبروه، ويتعرّفوا عليه جيّدًا، وإذا ما قبلوه صديقًا وامتزجوا به، بقوا أوفياء له. يقول محمّد علي دبّوز: " والبربر ذوو نفوس اجتماعية، يهوون الاختلاط بالأمم، ويصادقون غيرهم، ولكن في تحفّظ وأناة ... هم لا يصادقون غيرهم إلاّ بعد الاختبار والامتحان، وإلاّ بعد زمن طويل، يعجمون فيه عوده، ويدرسون فيه أحواله، وإذا ارتضوا أحدًا وأحبّوه،
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 109، 110. (1/17)
صفحة 18
أخلصوا له، وأزالوا الكلفة معه، وامتزجوا به، وفدوه بالنّفس والنّفيس، وثبتوا على حبّه، ووفوا كلّ الوفاء ... إنّهم ذوو وفاء للأصدقاء. يشهد بذلك تاريخهم، وما نجده إلى الآن من خلّة الوفاء والثّبات على الحبّ في أحفادهم. وهل المغرب إلاّ صورة لأولئك الأجداد؟ وهل دماؤه إلاّ دماؤهم؟ وهل خلاله إلاّ وراثتهم، صقلها الدّين الحنيف، وأيّدتها الدّماء العربيّة التي امتزجت بدمائهم في عروقنا؟ " (1)
هذه الخلّة تساعد كثيرًا على بقاء الإسلام ثابتًا في نفوس البربر، لأنّ التّأنّي الذي يأبى عليهم الاغترار بالمظاهر، ويرفض لهم الانطلاق إلى تبنّي موقف، أو الرّكون إلى مبدأ قبل اختباره، ثمّ البقاء أوفياء لما يعتنقونه أو يتّخذونه منهجًا ... يخدم الإسلام، ويقوّي أنصاره، ويحميه من عامل تخلّي النّاس عنه. وهو ما حصل مع البربر عبر تاريخهم الطّويل، وما يزال، رغم ما يسجّل من تأثير بعض الأسباب، وما طفا على السّطح من بعض المتغيّرات، ولكنّ القاعدة بعامّة لم تنتقض.
يردّ محمد علي دبّوز على من يروّجون أنّ ثورات البربر على الأمويّين، تصنّف في خانة خلّة عدم الوفاء لأولياء الأمور، ويُرجِعُ ذلك – بالعكس – إلى طبعهم الصّافي، وقوّة نفوسهم، التي لا ترضى بالهوان والذّلة والصّغار: " وما ثوراتهم على الأمويّين، وما ينوون من الثّورة عليه
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 85. ينظر الشّهادة نفسها ابن خلدون، كتاب العبر ... ، ج6، ط بولاق بمصر، ص: 104. (1/18)
صفحة 19
من عدم الوفاء، ولكنّ ما يدعوهم إليه إباؤهم وطبعهم الكريم، وما يندبهم إليه الدّين الحنيف، الذي يأمر بإزالة الظّلم وقمع الظّلم." (1)
- رفض الظّلم والضّيم
عرف عن البربر رفض الظّلم، ومحاربة الضّيم، ومقاومة كلّ من تسوّل له نفسه قهر غيره، والنّيل منه، لذا ثاروا على كلّ سياسة جائرة، وناهضوا كلّ حكم مستبدّ، وقارعوا كلّ قوّة تبغي الهيمنة والسّيطرة، وقاوموا كلّ عتوّ وعلوّ، يتّخذ رقاب النّاس سبيلا إلى ذلك. يقول محمّد علي دبوز: " إنّ ثورة المغرب ثورة طلاّب العدل والإنصاف والمساواة، واتّباع الدّين الحنيف في السّياسة ضدّ الظّلم والجبروت والعصبيّة والعنصرية، ومخالفة الدّين. فهي ثورة إسلامية، هدفها إحياء الإمامة العادلة، والقضاء على الملوكية الظّالمة. قام بها البربر، فانضمّ إلى صفوفها، وأيّدها وباركها كلّ الأتقياء النّزهاء، الذين ينظرون بدين الله في المشرق والمغرب." (2)
__________
(1) -تاريخ المغرب الكبير، ج1،، ص: 87. لمزيد من التّفاصيل في الموضوع ينظر محمد المختار العرباوي كتابه: في مواجهة النّزعة البربرية وأخطارها الانقسامية، نشر اتّحاد الكتّاب العرب، دمشق، 2005م، ص: 144 وما بعدها، فيها ردّ ساطع وتفنيد قاطع لدعوى أن ثورات البربر وانتفاضاتهم كانت لأسباب قوميّة، وصراعً بين جنسين مختلفين ...
(2) - تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص: 263. (1/19)
صفحة 20
ردّ الكاتب على من وصف ثورات البربر بأنّها ترمي إلى إشاعة الفوضى والاضطراب، وأنّ طبعهم الذي يكره النّظام، ويمقت الانضباط، هو الذي دفعهم إلى القيام بما قاموا. إنّهم بهذا قوم لا يصلحون لإقامة حضارة، ولا يُعْتَمَدون في تأسيس مجتمع، نسي هؤلاء: " أنّهم لو أعملوا عقولهم في تاريخ البربر، وحقيقة البربر لعلموا أنّ ثوراتهم قبل الإسلام ثورات وطنيّة رشيدة، وثوراتهم في عهود الإسلام إنّما كانت على الظّلم والجبروت، وعلى التّمرّد على الدّين الحنيف في سياسة الشّعوب، وأنّها ثورات إسلامية قد وفّقوا فيها، ودعاهم إليها الدّين الحنيف، الذي يتمسّكون به، ويغارون عليه." (1)
لقد ثار البربر – كما يشير الكاتب – على الدّول الباغية المتغطرسة، وناهضوا الفئات الجاهلة بالسّياسة، وحاربوا الدّول التي لا تحسن معاملتهم بالقيم الإنسانية، وقاوموا الزّمر التي تعاكس أمزجتهم، ولا تقدرهم قدرهم، بِما يتنافى مع الفطرة، ويجانب الصّواب في مجال الحقوق المشروعة.
إنّ هذه السّمة وهذه الخليقة هي التي دفعت بهم إلى اعتناق الإسلام، ثمّ التّمسّك به، ثمّ احتضانه، والتّحصّن به، والدّفاع عنه؛ لأنّهم وجدوا فيه ما ينسجم مع طبعهم، وألفوا فيه ما يتناغم مع نفوسهم، ورأوا فيه ما يحقّق أهدافهم وطموحهم.
__________
(1) تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 84. (1/20)
صفحة 21
- عدم الخضوع بالقوّة
القسوة والقوّة والقهر لا تنفع في استمالة البربر إلى من يريدهم أن يكونوا معه، في صفّه وخطّه. إنّ خلق الإباء والشّمم، لا يقبل لهم أن يكونوا تابعين ولا منقادين بعوامل أو دوافع التّسلّط والإذلال، إنّهم يرون ذلك معاول تهدم شخصياتهم، وتنقض كيانهم. إنّ هذه الشّيمة هي معلم من معالم الإسلام، و مغنم له في الوقت نفسه. فقد وجد فيها البربر معلمًا من شخصيتهم، فانجذبوا إليه، واعتنقوا الإسلام، ووجد فيها الإسلام مغنمًا؛ لأنّها من الأسباب التي توفّر بقاء من يختاره منهجًا في حياته مرتبطًا به، لا يتخلّى عنه. قال محمّد عليّ دبوز: " إنّ ما يجعل جبال أوراس تخضع لحسّان هو إسلامهم. إنّ الإسلام فقط هو الذي يجعلهم لحسّان ماءً سلسًا يروِي، وإلاّ فإنّ البربر لا يخضعون بالقوّة، ولا يسكنون بالعنف، وإذا سكنوا على العنف فسكون مؤقّت، سكون المتحيّن للفرصة، المتطلّب للغرّة. هذا ما عرفه حسّان العظيم، فأخذ من أوراس زبدته من فتيانهم الأذكياء، وشجعانهم النّبهاء؛ لينفخ فيهم ما يشاء." (1)
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص: 103. (1/21)
صفحة 22
هذه بعض الخصائص التي تميّز بها البربر، وهي التي ساعدت على:" الاستقرار الطّبيعي لدى البربر، باعتناق كلّ دعوة حقّ، ولو بعد فترة مقاومة تلقائية لها أو رمزية." (1)
إنّ هذه الخصائص التي تميّز بها البربر كانت من العوامل التي ساعدت على اعتناق أهل المغرب الإسلام، وبشكل قويّ وصادق، بل إنّ دخول البربر الإسلام أسهم في انتشاره بسرعة في المغرب، وفي إفريقيا بعد ذلك. يقول محمد علي دبّوز: " ولولا إسلام البربر ما استطاع المسلمون دخول جبالهم، والاستقرار فيها، وما انقادت تلك الجبال للقيروان، فصارت جزءًا من الدّولة الإسلامية." (2) وقال في موضع آخر عن موسى بن نصير وعلاقته بالبربر وإسلامهم: " إنّ إسلام أغلب بلاد البربر جعلها متّصلة بالدّين، فلذلك لم يجد موسى كلّ المغرب متنمّرًا عليه كما وجده من قبله ... " (3)
ابن خلدون يلخصّ لنا حقيقة البربر، وما يتميّزون به: " وأمّا تخلّق البربر بالفضائل الإنسانية، وتنافسهم في الخلال الحميدة، وما جبلوا عليه
__________
(1) - الدّكتور المنجي الكعبي، " من أسباب توطيد الإسلام بإفريقيا والمغرب ": مجلّة الثّقافة، وزارة الثّقافة والسّياحة، الجزائر، عدد: 84، سنة: 14، صفر- ربيع الأوّل 1405هـ/ نوفمبر- ديسمبر 1984م، ص: 59.
(2) - تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص: 109.
(3) - المرجع السّابق، ص: 131. (1/22)
صفحة 23
من الخلق الكريم، مرقاة الشّرف والرّفعة بين الأمم، وسبب المدح والثّناء من الخلق، من عزّ الجوار، وحماية النّزيل، ورعي الذّمم، والوفاء بالقول والعهد، والصّبر على المكارم (1) والثّبات في الشّدائد وحسن الملكة، والإغضاء عن العيوب، والتّجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين، وبرّ الكبير، وتوقير أهل العلم، وحمل الكلّ، وكسب المعدوم، وقرى الضّيف، والإعانة على النّوائب، وعلوّ الهمّة، وإباية الضّيم، ومشاقة الدّول، ومقارعة الخطوب، وغلاب الملوك، وبيع النّفوس لله في نصر دينه، فلهم في ذلك آثارٌ نقلها الخلف عن السّلف، لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتّبعيه من الأمم، وحسبك ما اكتسبوه من حميدها، واتّصفوا به من شريفها، أن قادتهم إلى مراقي العزّ، وأوفت بهم على ثنايا الملك، حتّى علت على الأيدي أيديهم، ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم ... " (2)
إنّ هذه الإشارات التي أثبتها الشّيخ محمّد علي دبّوز، وهذه الشّهادة التي سجّلها ابن خلدون، مهمّة في الإفادة من الخصائص الذّاتية، والعوامل النّفسية في تبنّي الأفكار، واحتضان المناهج، ومفيدة في استثمارها في
__________
(1) - هكذا ورد في الأصل، يبدو أنّه خطأ مطبعي، ما يناسب السّياق هو لفظة (المكاره).
(2) - تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 90. ينظر ابن خلدون، كتاب العبر، ج6، ط بولاق، مصر، ص: 106. (1/23)
صفحة 24
التّربية والتّوجيه، وطريقة التّعامل مع النّفوس والأمزجة، وقيّمة في توضيح الرّؤى في مسألة انتماء البربر وهويّتهم، وطبيعة تحرّكهم، وحقيقة نشاطهم، ومعينة على ردّ الشّبهات، والتّصدّي للتّشويهات، ودفع التّضليلات، ونبذ الادّعاءات، ونقض المفارقات، وفضح المغالطات ...
المهمّ: " ... وتفتّحت أوراس تفتّح الذّراعين للحبيب، وشمّر حسّان وأبناء الكاهنة الثّلاث لنشر الإسلام في البربر، فانتشر دين الله في المغرب انتشار الزّهر في البرتقالة، إذا عانقها الرّبيع، والنّضارة في الوجه، إذا داخلته المسرّات، وأقبل البربر على دين القرآن، ولغة القرآن، يتعلّمونها، ويتحدّثون بها ... " (1)
إقبال البربر على الإسلام
توالى إقبال البربر على الدّخول في الإسلام، وتشرّب مبادئه، وتبنّي أصوله، وردّ ما سواها، والتّنصّل ممّا أخذوه، ونشؤوا عليه. واختلطوا بالعرب الفاتحين، الذين قدموا لنشر الإسلام:" فرأوا فيهم جمال الإسلام، وعظمته، ورحمته وعدله، وديمقراطيته الصّحيحة، فتفتّحت له قلوبهم كما يتفتّح زهر الأقاح لنور الصّباح، فآمن الأمازيغ قاطبة بمحمّد عليه السّلام، وأصبح القرآن دستورهم، والعربية لغتهم الأثيرة المقدّسة، فسادوا وسعدوا، وأنضرت أيكة المغرب لمّا شعشعت فيها شمس الإسلام، واختلط العرب
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص: 104. (1/24)
صفحة 25
بالبربر، فكوّنوا جنسًا واحدًا، هو مزيج من العرب والبربر، وكان من هذا الجنس الكريم العربي المسلم أجدادنا الميامين، نحن معشر أبناء المغرب اليوم. ولبس المغرب حلّته العربية الزّاهية العظيمة، فصار في تفكيره وعاداته، ولسانه وحضارته عربيًا، ينتسب إلى حضارة الإسلام وأرومته الكبري، وتآخى مع الأمّة الإسلامية، فصار جزءًا منها." (1)
إنّ البربر - كما قلنا سابقًا – يتميّزون بخاصيّة التّروّي في اعتناق الأفكار الجديدة، وعدم التّسرّع في التّخلّي عن معتقداتهم، إلاّ بعد أن يظهر لهم الخلل فيها، وإذا اقتنعوا بالمتغيّر الحادث أقلبوا عليه؛ بما يجدّد في حياتهم، ويغيّر مسارها نحو الأحسن، ويبدّل منهجهم في التّحرّك والعمل والنّشاط. في هذا يقول الأستاذان عبد الله شريّط ومحمد الميلي عن أبناء الجزائر وهم بربر: " ... لكنّ اعتناقهم الإسلام وإقبالهم عليه، بعد اعتناقهم بعدالة مبادئه أدخل تغييرًا جذريًّا على مفهوم الثّورة عندهم؛ لأنّ تداخل السّلطة السّياسية مع سلطان الدّين يجعل كلّ ثورة تنجم عرضة لأن تؤوّل بأنّها خروج عن الدّين، رغم أنّها قد تكون في أساسها شرعية، عندما يكون ممثّل السّلطة ظالمًا، لأنّه حينذاك يكون قد ظهر في مظهر من حرّف الدّين وشوّهه. " (2)
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 453.
(2) - الدّكتور عبد الله شريّط ومحمد الميلي، مختصر تاريخ الجزائر السّياسي والثّقافي والاجتماعي، ط2، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985م، ص: 79. (1/25)
صفحة 26
يقول ابن باديس: " فلمّا جاء العرب، وفتحوا الجزائر فتحًا إسلاميًا لنشر الهداية، لا لبسط السّيادة، دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام، وتعلّموا لغة الإسلام العربية طائعين، فوجدوا أبواب التّقدّم في الحياة كلّها مفتّحةً في وجوههم، فامتزجوا بالمصاهرة، وثافنوهم في العلم، وشاطروهم سياسة الملك، وقيادة الجيوش، وقاسموهم كلّ مرافق الحياة، فأقام الجميع صرح الحضارة الإسلامية، يعربون عنها وينشرون لواءها بلغة واحدة، هي اللّغة العربية. فاتّحدوا في العقيدة والنّحلة كما اتّحدوا في الأدب واللّغة، فأصبحوا شعبًا واحدًا، عربيًا متّحدًا غاية الاتّحاد، ممتزجًا غاية الامتزاج. وأيّ افتراق يبقى بعد أن اتّحد الفؤاد، واتّحد اللّسان. " (1)
إذن دخل البربر في الإسلام، وامتزجوا بالعرب الذين قدموا من الجزيرة العربية، وكوّنوا معهم لحمة واحدة، فنهضوا بالدّين الجديد الذي اعتنقوه: " فأدرك البربر بذكائهم وطموحهم عظمة الإسلام في العرب، ففتحوا لهم نفوسهم، وامتزجوا بهم، واصطبغوا بصبغتهم، فصار مغربنا والحمد لله شعبًا واحدًا، هو مزيج من الدّماء البربرية والعربية، قد اكتسب البربر من العرب الأمجاد كلّ خصائصهم الحسنة، فضاعفت خصائصهم الجميلة، فصار مغربنا بتلك المزايا الكثيرة كلّها، وبوراثة
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 134. (1/26)
صفحة 27
الأجداد العظماء الذين كانوا لنا من بني سام وبني حام، وبالدّماء الزّكية، التي تعانق فيها روح مازيغ وقحطان، وامتزجا امتزاج الأنفاس الحرّى في قبلات الودّ والهيام، وصار البربر بعد الفتح الإسلامي بالدّين الواحد يشبهون العرب في كلّ شيء، كالعين والعين في وجه الحسناء الجميلة. " (1)
هذه الحقيقة، سجّلها أكثر من دارس، وابتهج بها غير واحد من النّاس الأحرار الأطهار الأخيار. فهذا الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان، يبدي انتشاءه وسروره بهذه الأخوّة التي وحّدت الأمازيغ والعرب، وهم يلتقون في نادي التّرقّي بعاصمة الجزائر، المنتدى الذي يجمع العلماء والمفكّرين والعاملين في حقل الدّعوة والإصلاح والنهضة ... قال سنة 1934م:
كيف لا تزهو الجزائر ... بالحميا البابليه
__________
(1) - محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج3، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1383هـ/ 1963م، ص: 416. ينظر أيضًا المرجع نفسه، ص: 86 – 89. ردّ الشّيخ محمد علي دبوز على الشّيخ عبد الرّحمن الجلالي، الذي قال عن البربر: " سأل سليمان بن عبد الملك موسى بن نصير عن البربر، فقال: يا أمير المؤمنين هم أشبه النّاس بالعرب لقاء ونجدة، وفروسية وسماحة وبادية، غير أنّهم أغدر النّاس، لا وفاء لهم. ". (1/27)
صفحة 28
وبنو (مازيغ) مع أبناء ... (قحطان) الفتيه
أصبحوا في ردهة ... النّادي، على أحسن نيّه
في حمى النّادي تصافت ... أنفسٌ الشّعب الزّكيه
في حمى النّادي تراءت ... لِلوَلاَ آيٌ خفيه
في حمى النّادي تلاشت ... هَمزات العنصريه (1/28)
صفحة 29
في حمى النّادي تعالت ... صرخة الشّعب الدّويه (1)
نشير هنا إلى أنّ البربر أنفسهم أسهموا في نشر الإسلام فيما بينهم؛ لأنّهم ارتضوه منهج حياة، ومصدر فكر. يبيّن لنا هذا مدى قناعتهم بما تبنّوه، بعد بحث طويل عن الحقيقة، ويبرز مدي إخلاصهم لما اعتقدوه واعتنقوه. يقول أبو إسحاق عن نفوسة مثلا: " فلنفوسة الفضل في رسوخ الإسلام في العنصر البربري، وذلك أنّ نفوسة نقلت العلوم من البصرة إلى بلادها، حتّى نبغ فيها أئمّة جهابذة، وظهر فيهم أساطين العلماء، الذين أبرزوا من ذخائر العلوم ما فاقوا به، كعلماء المشرق: عمان والبصرة والكوفة، واستفرغوا الجهد لاستنباط الأحكام في كثير من القضايا الفقهية، فعرفت نفوسة بآرائها في شتّى المسائل ... " (2)
استقرّت نفوس البربر واطمأنّت، بعد رحلة طويلة من المعاناة النّفسيّة؛ بحثًا عن الطّريق الصّحيح والسّليم، الذي يستجيب لميولهم وطبيعتهم، فكان الإسلام هو هذا المطلب وهذا السّبيل. يسجّل ابن باديس هذه الحقيقة فيقول:" ما من نكير أنّ الأمّة الجزائرية كانت مازيغية
__________
(1) - أبو اليقظان إبراهيم، ديوانه ج2، ط1، نشر جمعية التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 34، 35. نشرت القصيدة في مجلّة الشّهاب، (جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين)، الجزائر، ج9 م10، 1934م.
(2) - كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، ص: 11. (1/29)
صفحة 30
من قديم عهدها، ولم يحدث أنّ أمّة من الأمم استطاعت أن تقلبها عن كيانها، ولا أن تخرج بها عن مازيغيتها، أو تدمجها في عنصرها، بل كانت هي التي تبتلع الفاتحين، فينقلبون إليها ويصبحون كسائر أبنائها، فلمّا جاء العرب وفتحوا الجزائر فتحًا إسلاميًا لنشر الهداية - لا لبسط السّيادة – وإقامة العدل الحقيقي بين جميع النّاس، لا فرق بين العرب الفاتحين والأمازيغ أبناء الوطن الأصليّين، دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام، وتعلّموا لغة الإسلام العربية طائعين، ووجدوا أبواب التّقدّم في الحياة كلّها مفتوحة في وجوههم فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة، ونافسوهم في مجال العلم، وشاطروهم سياسة الملك، وقيادة الجيوش، وقاسموهم كلّ مرافق الحياة." (1)
يضيف الشّيخ عبد الحميد بن باديس قائلاً: " لبس أبناء الجزائر العروبة، وامتزجت بأرواحهم، وتغلغلت في قلوبهم، وأشرقت شمس معارفها في آفاق أفكارهم، وجرت ينابيع بيانها على أسلات ألسنتهم، فأصبحوا ومنهم فيها علماء وخطباء وشعراء، ولهم منها جنود وقوّاد وأمراء، وحسبك من كثرتهم القائد الفاتح، والخطيب المصقع طارق بن زياد، ثمّ ما قامت مملكة من أبناء الوطن إلاّ وهي عربيّة في كلّ شيءٍ، مثل سائر الممالك العربية في المشرق، بل فوق بعضها." (2)
كلّ الدّارسين الذين تمكّنوا من رصد هذه الحقيقة، وتتبّعها في المصادر التي تناولت حركة البربر الثّقافيّة، وحرصهم على الإفادة من الفكر الإسلامي، واستيعابهم له، أجمعوا على تمكّن هذا الفكر في نفوسهم، وإسهامهم في خدمته، وبروزهم فيه بشكل قويّ: " فعصر بني حمّاد كان عصر إنشاء وترقية وازدهار للعلوم الإسلامية والفنون الأدبية، ويضارعه في ذلك عصر المرابطين الذي رافقه في السّير الزّمني. وأمّا عصر الموحّدين فإنّه كان عصر نضج للعلوم التي ازدهرت في العصور السّابقة.
وأكبر ما أعان على ذلك النّضج هو ظاهرتان هامّتان وهما:
1 – استعراب قسم كبير من البربر، بفضل تشجيع الحمّاديّين للحركة العقلية مدّة عهدهم.
2 – احتكاك البيئة الثّقافية بالجزائر بثقافة الأندلس والمشرق .. " (3)
ما إن تمكّن العرب الفاتحون من أرض المغرب، وكسب قلوب البربر، والظّفر بثقتهم بهم حتّى سارعوا إلى تعليمهم وتثقيفهم، وتلقينهم مبادئ الإسلام. والبربر أنفسهم أقبلوا على الدّين الجديد يتزّودون منه
__________
(1) - الدّكتور أحمد بن نعمان، كيف صارت الجزائر مسلمة عربية، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1401هـ/ 1981م، ص: 47. ينظر مجلّة الشّهاب، عدد فبراير 1938م.
(2) - في رحاب المغرب العربي، ص: 137.
(3) - مختصر تاريخ الجزائر السّياسي والثّقافي والاجتماعي، ص: 105م. (1/30)
صفحة 31
بقوّة: " وكان حسّان حريصًا على تعليم البر بر دينهم ولغة دينهم، فأنشأ المساجد في المدن والقرى، وأقام فيها الفقهاءَ للصّلاة والوعظ والإرشاد، وللفتوى في مسائل الدّين، وتنوير بصائر البربر بدروسهم المتوالية، وخطبهم في الجمع والأعياد، وبأحاديثهم في مجالس الذّكر والوعظ التي يعقدها فقهاء المسلمين بين الصّلوات، وكانت المساجد لتعليم الكبار أمور دينهم، وموالاتهم دائمًا بالغذاء الرّوحي الذي ينعش الدّين في صدورهم، ويوجّههم في كلّ الأعمال إلى ربّهم.
وأقام المدارس الابتدائية بجانب كلّ مسجد لتُعلِّمَ أبناء المسلمين دينهم، وتُحفِّظَهم القرآن، وتطبعَ ألسنتهم بلغته، وترهفَ أذواقهم ببلاغته، وتربِّيَهم تربية إسلامية صحيحة، تجعل منهم ذلك الجيل الإسلامي الصّحيح الذي أقام الدّول الإسلامية الكبرى في المغرب، وصار منبعًا للهداية والعلم في العالم." (1)
حرص الموجّهون على وضع اللّبنات الأولى والقواعد الرّئيسة في بناء النّفوس، وتكوين الرّجال، وتشييد المجتمع الجديد، فاتّجهوا إلى بناء المساجد وتأسيس المدارس، وتهيئة الرّجال الذين يقومون على العمل الدّعوي والتّعليمي، وكوّنوا حلق الذّكر والعلم والوعظ والإرشاد، واهتمّوا باللّغة العربية، لحاجة البربر إليها في بداية اتّصالهم بالقرآن
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج2: ص: 111، 112. (1/31)
صفحة 32
والشّريعة الإسلامية، وبداية تغلغلهم في أعماقِ فكرٍ، وعاؤُه اللّغة العربية، وسبيلُ استيعابه اللّغةُ العربية.
والبربر بدورهم أقبلوا على اللّغة العربيّة يتعلّمونها، ويجتهدون في إتقانها؛ لأنّها أصبحت جزءًا من ثقافتهم، ومقوّما أساسًا من مقوّمات شخصيتهم الجديدة، وعليها وعلى مقوّمات أخرى يتشكّل مستقبلهم. يقول الدّكتور أحمد بن نعمان: " لقد كانت العملية الموازية للفتح الإسلامي واعتناق البربر الجماعي للدّين الجديد ... إقبالهم على تعلّم العربية لفهم الدّين وتبليغه بلغته للمجتمعات الأخرى التي أسلمت على يدهم.
وأصدق مثال على السّرعة التي تمّ بها تعريب البربر تلك الخطبة البليغة التي ارتجلها طارق بن زياد باللّغة العربية في الفاتحين عند مداخل الأندلس، والتي وجّهها إلى جند غالبيتهم من البربر الذين تطوّعوا في جيش الفاتحين للجهاد في سبيل نشر الدّين الإسلامي. وهذا يدلّ على أنّ هؤلاء البربر كانوا على معرفة باللّغة العربية." (1)
__________
(1) - كيف صارت الجزائر مسلمة عربية، ص: 51، 52. عن القوّة الجديدة التي تكوّنت للدّولة الإسلامية من البربر، ودورها في فتح الأندلس ونشر الإسلام فيها، ينظر تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص: 149 وما بعدها. ينظر أيضًا الدّكتور محمد عيسى الحريري، كتابه: الدّولة الرّستميّة بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية بالمغرب والأندلس، ط3، دار القلم للنّشر والتّوزيع، الصّفاة، الكويت، 1408هـ/ 1987م، ص: 213. عن امتزاج العرب بالبربر، وعن كون مناطق البربر معاقل العربيّة والإسلام ينظر تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 88، 89. (1/33)
صفحة 33
يثبت ابن باديس أنّ اللّغة العربية أصبحت لغة الكتابة والخطابة والتّعليم والتّخاطب؛ لأنّ اللّغة العربية وآدابها أخذت ميسم لسان الأمّة الجزائرية. ويعطي مثالا على هذا الانصهار في الآداب العربية بما كان يعيشه في جامعه الذي يدرّس فيه: " ولو رأيت (الجامع الأخضر) في قسنطينة، لرأيت أبناء الجزائر من جميع جهاتها، وفيهم من يتقنون المازيغية، يتزاحمون على مناهل العربية العذبة، ويتسابقون إلى الفوز في ميادين بيانها الفسيحة، ويتعاونون على بناء صرحها، ورفع منارها، ويستعذبون في سبيل المحافظة على تراثهم منها كلّ مرٍّ، ويستسهلون في تبليغه لغيرهم كلّ صعبٍ. لو رأيت هذا لعرفت كيف كانت هذه الأمّة الجزائرية أمّة عربية واحدةً، فحكمت بالجهل المطبق، أو الكيد المحقّق على كلّ من يقول فيها غير ذلك." (1)
إنّ العروبة بمفهومها العام، التي تتضمّن الإسلام ومقوّماته، من دين ولغة عربية وتاريخ وحضارة ... لم تفرض على الأمازيغ فرضًا، ولم يقهروا عليها، إنّما نبعت من قلوبهم، وفجّرها إسلامهم، الذي اعتنقوه طوعًا، بعد اقتناعهم به وبما جاء به من مبادئ وتعاليم سامية، تنسجم مع نفوسهم وشخصيتهم.
__________
(1) - في رحاب المغرب العربي، ص: 135. (1/34)
صفحة 34
إلاّ أنّ البربرية التي يتحدّث بها هؤلاء البربر، والتي نشؤوا عليها، لم تنسحب من حياتهم، بل بقيت متداولة في حياتهم العامّة، وقد احتاجوا إليها لتعلّم دينهم- وبخاصّة - وهم حديثو عهد بالإسلام والعربية. سجّل الدّارسون هذه الملاحظة، وعدّوها خطوة مهمّة وضرورية في مسيرة الدّعوة الإسلامية، ونشر الإسلام في الأوساط البربرية. يقول الدّكتور إبراهيم بحّاز:" ومن المجالات التي كانت تستعمل فيها البربرية، إلى جانب العربية حلقات الوعظ في المساجد، وذلك تسهيلاً للبربر على تناول الإسلام." (1)
يقول الشّيخ أبو إسحاق اطفيش: " وقد ألّف علماء (نفوسة) كثيرًا من الكتب بالبربرية، منها ما وصل إلينا، ومنها ما لم يصل إلينا ... وقد وقفت على شعر بالبربرية: قصائد ومقطوعات، تدلّ على عناية الأدباء بالنّظم البربري إلى ما بعد الدّولة الرّستمية بقرون. وأمّا النّثر والنّقل من العربية إلى البربرية فكثير، ولقد رأيت نسخة من مدوّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني (المدوّنة الكبرى) مترجمة إلى البربرية. " (2)
__________
(1) الدّكتور بحّاز إبراهيم بن بكير، الدّولة الرّستمية، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، ط1، 1985م، مطبعة لافوميك، الجزائر، ص:347. ينظر عثمان الكعّاك، موجز، التّاريخ العام للجزائر منذ العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي، مطبعة العرب، تونس، 1344هـ/ 1925م، ص: 218. محاضرات في مراكز الثّقافة في المغرب، المطبعة الكمالية، مصر، 1958م، ص: 119.
(2) - كتاب الوضع، ص: 10، 11. (1/35)
صفحة 35
يذكر الدّكتور إبراهيم بحّاز أنّ العنصر العربي في الدّولة الرّستميّة لم يكن كبيرًا خارج تيهرت، لهذا كانت اللّغة السّائدة فيها هي اللّغة البربرية، والعربيّة كانت ضعيفة في بداية نشأة الدّولة، ثمّ تحسّن أداؤها وإتقانها بمرور الزّمن، ولهذا احتاج النّاس إلى اللّغة البربرية في بداية الأمر للتّثقّف والتّكوّن في الفكر الجديد، يقول الدّكتور: " إنّ الدّولة الرّستمية، وهذه وضعيتها الاجتماعية واللّغوية، في بدْء أمرها في القرن الثّاني الهجري، لم تكن لتبقى كذلك في القرن الثّالث منه، رغم وجود نشاط ثقافي بالبربرية نراه محدودًا جدًّا، وإنّما دفع السّكّان إليه دفعًا لظروفهم اللّغوية. ويمكن تلخيص معالمه في بعض الكتابات النّثرية والشّعرية، وهي ليست كثيرة، ومن ذلك كتاب مهدي النّفوسي، أحد مشائخ نفوسة في النّصف الأوّل من القرن الثّالث الهجري، وهو كتاب للرّدّ على نفّاث بن نصر، الذي طعن في الإمام أفلح بن عبد الوهّاب، واعتقد عقائد، اعتبرت عند الإباضية بدعًا. ويعتبر كتاب مهدي أوّل كتاب إباضي بالبربرية ألّف نثرًا. " (1)
__________
(1) - الدّولة الرّستمية، ص: 343. أوضح الدّرجيني سبب تأليف مهدي هذا الكتاب أو هذه الرّسالة باللّسان البربري:" إنّما وضعها واضعها باللّسان البربري ليتناقلها البربر، فكالهم بصاعهم، لم يطفف ولم يبخس، ولم يعد من الألفاظ ما يفهمونه، ولا أعرب ولا أغرب بحيث يتوهمونه." كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج2، ص: 314. (1/36)
صفحة 36
" ... وإنّ ميل الإباضية خاصّة إلى التّأليف بالبربرية كما يقول الشّيخ اطفيش أبو إسحاق منذ ظهروا بين البربر في أوائل القرن الثّاني الهجري، كان ذلك من أسباب تمكين البربر في الإسلام (1) فإذا تمكّن فعلاً أصبحت معرفة اللّغة العربية ضرورية، ومن الواجبات التي على المسلم. وهو ما شعر به البربر بعد ذلك في القرون التي تلت عهد الدّولة الرّستمية، ولا يزالون." (2)
يفهم ممّا ذكره الدّكتور إبراهيم بحّاز أنّ استعمال البربرية في تعليم البربر الدّين الإسلامي، كانت عونًا لهم للتّعرف على أمور دينهم الجديد، وكانت خطوة سابقة ومُعِدَّة لتمكين البربر من تعلّم العربية، التي هم مطالبون شرعًا بإتقانها، وهو ما حصل بعد ذلك فعلاً. يسجّل الباحث هذه الحقيقة: " والتّآليف البربرية، وكلّها تقريبًا تحوم حول المسائل الدّينية، إنّما وضعها واضعوها حرصًا على إيصال عقائد الإسلام وعباداته إلى العامّة، إذ لم يكن البربر يحسنون جميعهم العربية في ذلك الزّمان المبكّر." (3)
__________
(1) - دائرة المعارف الإسلامية، ج3، ص: 518، 519. مادة (بربر)، هامش للشّيخ اطفيش أبي إسحاق، رقم: 1.
(2) - بحّاز، الدّولة الرّستمية، ص: 347.
(3) - المرجع نفسه. (يراجع الوسياني) ذهب إلى هذا الرّأي الشّيخ مبارك الميلي، ينظر كتابه: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ج2، ص: 68. وأحمد مختار عمر، ينظر كتابه: النّشاط الثّقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتّى بداية العصر التّركي، ص: 7. كما ذكر ذلك الدّكتور بحّاز. (1/37)
صفحة 37
هذه منهجية مهمّة وسليمة دعويًا وتربويًا واستراتيجيًا، لنشر الدّعوة بين البربر. وهذا الأسلوب أو المنهج رَاقَ البربر، واستحسنوه فارتقوا به؛ لأنّه سايرهم في إمكاناتهم، وسهّل لهم مهمّة التّأقلم مع المتغيّرات في حياتهم، وتدرّج معهم في الاندماج في الفكر الجديد. فلا ينبغي أن يفهم من هذا المنهج أو الطّريقة أكثر من هذا، ولا يجوز أو لا يسوغ أن يُتَمسَّك بهذه الخطّة، فيتذرّع بها لسلوك مسالك ومتاهات ومضايق، تضرّ بالبربر وبالدّعوة الإسلامية. وقد أكّد ذلك إبراهيم بحّاز، وحدّد الهدف المرسوم لهذا التّصرّف، ممّا قام به الرّستميون: " ... وإنّما استعمال البربرية، إلى جانب العربية لإيصال الإسلام إلى البربر المنقطعين في رؤوس الجبال والبوادي، ولا وجود لترقية البربرية أيّ إشارة تذكر." (1)
بيّن الدّكتور بالأدلّة القاطعة، ومن خلال الممارسات العمليّة التي سجّلها للمسؤولين في الدّولة الرّستمية، ومن الوثائق التي تثبت صحّة ما ذكره، ومن أقوال الدّارسين لهذه الظّاهرة، أنّ التّعامل بالبربرية للتّعلّم كان بشكلٍ مؤقّت، وبقدر الحاجة، وكانت مرحلة سابقة ومهيّئة لتكوين قاعدة قويّة في اللّغة العربية. ولم تكن البربرية في صراع مع العربيّة، أو حتّى منافسة لها، كما يروّج بعض مرضى القلوب، ومعتلّيي الأهواء
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 348. (1/38)
صفحة 38
وقليلي الدّراية بالواقع، أو السّذّج والبسطاء، الذين يردّدون ما يملى عليهم، من دون تمحيص، أو معرفة بحقيقة النّوايا والأغراض. بل كانت البربرية وسيلة وأداة مساعدة للّغة العربية في إبلاغ البربر دينهم ... (1)
لماذا تستغلّ بعض المواقف التّاريخية لتبرير بعض التّصرّفات الآنية؟ لماذا تؤوّل بعض التّصرفات بدافع الهوى لتمرير بعض المناورات المغرضة؟ لماذا توجّه الأحداث للتّغرير بالشّباب؟ لماذا تسرد بعض الواقعات لضرب بعض الفئات والجهات؟؟؟ إنّ ما أقدم عليه البربر من استعمال البربرية في الوعظ والإرشاد والتّأليف، لم يكن إلاّ لِخدمة اللّغة العربية ومساعدتها في أداء مهمّتها، بحسب ما يراه بحّاز إبراهيم: " إنّ البربرية كانت في نظرنا منذ أن اعتنق البربر الإسلامَ وحسن، في عهد الحكومات الإباضية والصّفرية وسيلة أو أداة مساعدة للّغة العربية في إبلاغ البربر دينهم، ولم يقف البربر أمام العربية، كما لم تكن البربرية في صراع مع العربية، أو منافسة لها في يوم من الأيّام. " (2)
هذه الصّفات الحسنة التي اتّصف بها البربر، وهذه المكارم التي تميّزوا بها، وهذه المنهجية التي تبنّوها في فهم الفكر الصّحيح، واستيعاب مضامينه، وتشرّب مبادئه، ووعي روحه ... مكّنتهم من تقبّل الإسلام،
__________
(1) - ينظر مبحث: " بين البربرية والعربية " المرجع السّابق، ص: 342 – 351.
(2) - المرجع السّابق، ص: 349. ينظر ص: 350. (ينظر الميلي ج2، ص: 68. الوسياني ورقة: 67. الشّماخي ص: 402. الدّرجيني، ج2، ص: 411. (1/39)
صفحة 39
وإقامة صرحه، ثمّ نشره بعد ذلك. قال ابن خلدون: " وأمّا إقامتهم لمراسم الشّريعة، وأخذهم بأحكام الملّة، ونصرهم لدين الله، فقد نُقِلَ عنهم من اتّخاذ المعلّمين كتاب الله لصبيانهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم، واقتفاء الأئمّة في الصّلوات ببواديهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، وإصغائهم لأهل الخير والدّين من أهل مصرهم للبركة في آثارهم، وغشائهم البحر أفضل المرابطة والجهاد، وبيعهم النّفوس لله في سبيله، وجهاد عدوّه، ما يدلّ على رسوخ إيمانهم، وصّحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم التي كانت ملاكًا لعزّهم، ومقادًا إلى سلطانهم وملكهم." (1)
يسجّل الباحثان الدّكتور عبد الله شريط والأستاذ محمد الميلي تقديرهما للبربر، ودهشتهما للسّرعة التي أقبلوا بها على اعتناق الإسلام. فلم يكن ذلك إلاّ لوضوحه في أذهانهم، ومسّه شغاف قلوبهم، وتناغمه مع ما يحملونه من روح عالية، تتبنّى المعاني السّامية، وتحمل المشاعر النّبيلة ... : " لكنّ أبناء نوميديا أدركوا حقيقة الغاية التي جاء بها العرب. وهذا ما يفسّر السّرعة التي أقبل بها أبناء نوميديا على الإسلام بسرعة، وبقاءهم عليه، ووفاءهم له، إنّ هذا الإقبال على الإسلام بهذه السّرعة قد أدهش كلّ المؤرّخين الغَربيّين الذين لاحظوا أنّ الإسلام والعربية قد قضيا
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج1، ص: 90، 91. ينظر ابن خلدون، كتاب العبر، ج6، ط بولاق، مصر، ص: 104، 105. (1/40)
صفحة 40
بسهولة على المحاولات التي بذلتها اللاّتينية والمسيحية خلال قرون طويلة لربط مصير المغرب العربي بالمغرب الأوروبي، ولسنا في حاجة إلى الإلحاح على أنّ وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها، بالإضافة إلى العوامل السّابقة دفعت البربر إلى الإقبال على الإسلام واعتناقه، ولذلك لم يتردّد البربر في الثّورة عام 102هـ/ 720م على الوليّ يزيد بن أبي مسلم، عندما أراد أن يفرض عليهم الجزية وهم مسلمون؛ لأنّ ذلك يتنافى مع ما ألفوه من وضوح في تعاليم الإسلام، ومن بُعْدٍ عن الأطماع المادية ... " (1)
المهمّ إنّ البربر هم أنفسهم أسهموا في نشر الإسلام فيما بينهم، وفي أوساطهم، بكلّ الوسائل التي تمكّنوا من توفيرها، فقد كان من بين السّبل إلى ذلك نقل العلوم من المشرق إلى المغرب، وإذاعتها بين النّاس من البربر وغيرهم. ونشر هذا الدّين خارج منطقتهم، وخارج حدود الدّول التي ينتمون إليها وتحكمهم.
__________
(1) - مختصر تاريخ الجزائر السّياسي والثّقافي والاجتماعي، ص: 75. (1/41)
صفحة 41
الدّولة الرّستمية ونشر الإسلام
بدأ الإسلام يتمكّن من قلوب البربر، ويتجذّر في حياتهم، وبدأت آثاره تظهر في سلوكهم. وأصبح يشغل تفكيرهم، وأضحى يستحوذ على اهتمامهم، فشمّروا على نشره، في أوساطهم، وخارج أحوازهم. وكانت كلّ الدّول الإسلامية التي تعاقبت على المغرب الإسلامي قد أسهمت بالدّعوة إلى الإسلام في المناطق التي تمكّنت من الوصول إليها. وكان البربر ممّن له دور كبير في هذا النّشاط؛ بصفة البربر يشكّلون أغلبية سكّان المغرب.
نأخذ نموذجًا من هذا النّشاط الذي يسجّل للبربر (إلى جانب بقية إخوانهم من العناصر الأخرى) من الدّولة الرّستمية، التي تعدّ أوّل دولة إسلامية مستقلّة، تنشأ في المغرب الإسلامي. وقد انضوى تحت لوائها البربر، واندمجوا فيها اندماجًا كبيرًا بل عدّوا أنفسهم عنصرًا أساسًا ومهمًّا في هذه الدّولة الفتية. يقول محمّد علي دبّوز: " كان البربر وهم جمهور الدّولة الرّستمية وأغلب سكّان المغرب في ذلك الزّمان، يرون العائلة (1/42)
صفحة 42
الرّستمية جزءًا أصيلاً منهم؛ لِما قرّرنا في الوراثة والدّماء، وللدّين الإسلامي، الذي تتمسّك به الدّولة الرّستمية كلّ التّمسّك." (1)
بصفة البربر يشكّلون السّواد الأعظم من المنضوين تحتها، فإنّ ما قامت به من جهود في خدمة الدّعوة الإسلامية، يسجّل للبربر مشاركة كبيرة فيه. يقول الدّكتور إبراهيم بحّاز: " من المعلوم أنّ البربر في الدّولة الرّستمية، أو في غيرها من دول المغرب العربي آنذاك، يشكّلون السّواد الأعظم من السّكان، ولعلّ العنصر العربي في شمال إفريقيا كان يتمركز بالخصوص في مدينة القيروان، أو بصفة عامّة في إفريقيا الأغلبية. وهذا لا يعني أنّ العرب لا يتواجدون في غير إفريقيا، وإنّما الواقع أنّ العواصم المغربية كانت تضمّ منهم الكثير. " (2)
في الحقيقة إنّ القائمين على شؤون الدّولة قاموا بجهود كبيرة في تعليم البربر، وتلقينهم أمور الدّين الإسلامي، الذي اعتنقوه حديثًا، وسهروا على توفير الأجواء التي تساعد على الإقبال على الإسلام، والانجذاب إليه؛ بتحرّي الالتزام بروح الإسلام في الدّعوة والسّلوك، وتوخّي المرونة في بيان حقيقته وتوضيح معالمه للنّاس، وهو ما دفع بالبربر إلى الدّخول في الإسلام، ثمّ اعتناق المذهب الإباضي، الذي هو مذهب الدّولة الرّسمي. " ... في حين أنّ الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فاعتناق
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص: 538.
(2) - بحّاز إبراهيم، الدّولة الرّستمية، ص: 342. (1/43)
صفحة 43
المذهب الخارجي من طرف الجزائريّين كان في الواقع محاولة جدّية للذّهاب بالإسلام إلى أعماقه، والرّجوع به إلى بساطته ووضوح مبادئه، التي كانت أكبر عامل لانتشاره، بتلك السّهولة وذلك اليسر. ولا شكّ أنّ صرامة المذهب الخارجي ودعوته إلى المساواة المطلقة في ظلّ الإسلام، وإلى أهلية كلّ مسلم لتقلّد منصب الخلافة، إن توفّرت فيه شروطها، وقوله بشرعية الثّورة على الخليفة، عندما يحيد عن كتاب الله وسنّة رسوله، كلّ ذلك قد استهوى بعض القبائل البربرية في الشّمال الإفريقي، وجعلها تسير في تيّار الثّورة مع الخوارج ضدّ الخلافة الرّسمية." (1)
يؤكّد المؤلّفان عبد الله شريَط ومحمد الميلي تأثير الدّولة الرّستمية في البربر بحسن سيرتها وتصرّفها معهم، والعناية بهم، فكان كلّ ذلك من أسباب اتّباع مذهبهم، ومن بَعْدِهِ الإسهام في خدمة الإسلام ونشره في ظلّ هذه الدّولة: " وكانت اللّغة العربية هي لسان الدّولة الرّسمي. ومن الجدير بالتّسجيل أنّ الصّرامة التي اشتهر بها الخوارج لم تكن لها نتائج سلبية داخل الدّولة، فقد أفسحت الدّولة الرّستمية الإباضية المذهب المجالَ للمذاهب الدّينية الأخرى، التي كانت لها مدارسها وعلماؤها. وهذا
__________
(1) - مختصر تاريخ الجزائر، ص: 79، 80. ردّ المؤلّفان بهذه الفقرة على بعض المؤرّخين الغربيّين، الذين أوّلوا " اعتناق المذهب الخارجي بأنه ستار للثّورة على الإسلام، وأرادوا أن يجعلوا انتشار المذهب الخارجي نتيجة لردّ فعل جزائري ضدّ الإسلام والعرب."، المرجع السّابق، ص: 79. (1/44)
صفحة 44
التّسامح الذي اتّسمت به الدّولة الرّستمية يؤكّد الباعث الحقيقي الذي دفع البربر المسلمين إلى اتّباع المذهب الخارجي، وهو البحث عن المساواة الحقّة." (1)
قامت الدّولة الرّستمية بدورها الفعّال في العناية بالبربر، والنّهوض بهم حضاريًا؛ لأنّهم أصبحوا جزءًا منها، ومن رعاياها، بخاصّة وأنّها حملت رسالة التّبليغ والدّعوة. فقد بدأت بتعريب البربر، تمهيدًا لتمكينهم من معرفة شرائع دينهم الجديد، والتّعرّف على ما يجب علمه في هذا الدّين. يقول إبراهيم بحّاز: " إنّ الجهود التي بذلت في عهد الدّولة الرّستمية لتعريب البربر جهود جبّارة (2)، وكانت من أهمّ الخلفيات الثّقافية العربية التي انطلقت منها دولة بني حمّاد في المغرب الأوسط، (حتّى أنّ القرن الرّابع الهجري، لم يكد يبزغ حتّى صار كثير من البرابرة يزاحمون العرب في لغة الضّاد، وأصبح علماء البربر يناظرون فقهاء العرب في قواعد الأصول، وتفاريع الفقه، ومبادئ علم الكلام). (3) وممّا سهّل تعريب المغرب، وأسرع في عمليته كونُ البربرية والعربية تنتميان إلى أصل واحد. وقد تنبّه إلى هذا بعض العلماء، ومنهم يهوذا بن قريش التّيهرتي في القرن الرّابع الهجري، وبرهن على ذلك في كتابه كما يقول الكعّاك." (4)
هناك شبهة يريد بها من يروّج لها النيلَ من الجهود المبذولة في تمكين البربر من تعلّم واجبات دينهم الإسلامي، ترمي إلى النّيل من العمل الذي قِيمَ به في المجال الدّعوي والجهادي، ويقصد به ضرب صفوف المسلمين، هذه الشّبهة تتمثّل في اتّهام الإباضية بأنّهم يؤلّفون بالبربرية، ويعلّمون البربر الدّين بالبربرية؛ احتقارًا للعربية، وإظهارًا للعداء لها ... عرض المستشرق "باسيه Basset " هذه الشّبهات وغيرها، التي قدّمت على شكل تساؤلات ثمّ ردّها وفنّدها؛ اعتمادًا على ما قرأه في حركة الإباضية من إخلاص في تعليم البربر أمور دينهم، وتمكينهم من مقوّمات هذا الدّين، التي منها اللّغة العربية: " يقول باسيه: إنّ هذه التّساؤلات كلّها تبدو غير واردة، لأنّ الخوارج يعتبرون أكثر انقيادًا للغة القرآن ولغة الإسلام من المالكية أنفسهم، فلغة الرّسول لا ينبغي أن تبدو لهم مهانة أو حقيرة. إنّ تأليف الكتب الإباضية بالبربرية ليس له سبب إلاّ حبّ أن يطّلع عليها أغلب النّاس في ذلك الزّمان، وهم البربر الذين لا يتقنون العربية في تلك الفترة المبكّرة ... والدّليل على هذا هو أنّه مجرّد أن أصبحت
__________
(1) - مختصر تاريخ الجزائر، ص: 81.
(2) - ينظر أحمد مختار، النّشاط الثّقافي ... ، ص: 76، 77. الكعّاك، موجز تاريخ العام للجزائر، ص: 282.
(3) - ينظر عويس عبد الحليم، دولة بني حمّاد صفحة رائعة من تاريخ الجزائر، ط1، دار الشّروق، بيروت، 1400هـ/ 1980م، ص: 247.
(4) - بحّاز إبراهيم، الدّولة الرّستمية، ص: 349، 350. ينظر هامش رقم: 239، ص: 350. (1/45)
صفحة 45
العربية أكثر انتشارًا عند معتنقي الإباضية ترجمت تلك المؤلّفات من البربرية إلى العربية، وقد حصل هذا في وقت مبكّر جدًّا، واليوم ورغم أنّ الإباضية بقوا يتحدّثون البربرية، فإنّ كتبهم حوّلت إلى العربية كلّها تقريبًا." (1)
كان التّأليف بالبربرية مرحلة أوّلية لتمكين البربر من معرفة أمور دينهم الجديد، وكان يُلْجَأُ إليها في حالات الضّرورة. والحقيقة والواقع أنّ اللّغة العربية أخذت مكانتها المرموقة والطّبيعية في حياة البربر، بصفتها وعاء الفكر الإسلامي، الذي اختاروه منهجهم وسبيلهم ومسيرهم ومصيرهم ... وقد انصهروا في بوثقته انصهارًا كلّيًا، وكوّنوا مع العرب الوافدين الفاتحين لحمة واحدة متماسكة، وعاشوا في انسجام تام، وانطلقوا معًا في خدمة الدّعوة الإسلامية. يقول ابن باديس: ... " فأقام الجميع (العرب والبربر) صرح الحضارة الإسلامية، يعربون عنها وينشرون لواءها، بلغة واحدة، هي اللّغة العربية الخالدة، فاتّحدوا في العقيدة والنّحلة، كما اتّحدوا في الأدب واللّغة، فأصبحوا شعبًا واحدًا عربيًا،
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 350. ينظر:
Basset Henri, essai sur littérature des Berbére. Imp ,Jules Carbonel , Paris , 1920, p :65 – 69. (1/46)
صفحة 46
متّحدًا غاية الاتّحاد، ممتزجًا غاية الامتزاج. وأيّ افتراق يبقى بعد أن اتّحد الفؤاد واتّحد اللّسان." (1)
يثمّن ابن باديس هذا العمل الذي قام به الفاتحون العرب المسلمون في جذب البربر إليهم، ويسجّل للبربر هذه المكرمة في تقبّل الدّين الجديد، بعد أن اقتنعوا به وبما جاء به، ويثبت سرعة انسجامهم مع هؤلاء العرب الوافدين عليهم بفكر جديد: " إنّ أبناء يعرب وأبناء مازيغ (البربر) قد جمع بينهم في الشّدّة والرّخاء، وتؤلّف بينهم في العسر واليسر، وتوحّدهم في السّرّاء والضّرّاء، حتّى كوّنت منهم خلال أحقاب بعيدة عنصرًا مسلمًا جزائريًا، أمّه الجزائر وأبوه الإسلام." (2)
يقول الفتى الزّواوي (باعزيز بن عمر) وهو بربري، سنة 1936م: " وإنّنا لنشعر من قبل ومن بعد بدم العروبة يجري في عروقنا، وهو صافٍ، لم يمازجه كدرٌ، وإن اختلف المظهر، ونسمع صوتها الحنين يرنّ في آذاننا، فنفتح له الطّريقَ إلى قلوبنا وأعماقنا. فالعروبة حيّة فينا، ونحن أحياء فيها، ما دامت السّماوات والأرض." (3)
__________
(1) - كيف صارت الجزائر مسلمة عربية، ص: 45. ينظر مجلّة الشّهاب، عدد فبراير 1938م.
(2) - المرجع السّابق، ص: 46، 47.
(3) - في رحاب المغرب العربي، ص: 136، 137. (1/48)
صفحة 47
انطلق هؤلاء البربر ينشرون الإسلام في أنحاء المعمورة. من هذه المناطق إفريقيا السّوداء. لقد كان البربر ضمن من سار وساح في الأرض يقوم بالدّعوة في ظلّ الدّولة الرّستمية، يحملون الدّين الإسلامي إلى ربوع بلاد السّودان. يقول محمد علي دبوز: " فالدّولة الرّستمية ودولة بني واسول أوّل من نشر الدّين الإسلامي في السّودان، وحمل الحضارة الإسلامية إليه، وأخرجه من البداوة إلى الحضارة، من ظلام الشّرك والوثنية إلى نور الإسلام والمدنية." (1)
بما أنّ البربر يشكّلون غالبية من هم في كنف الدّولة االرّستمية، فإنّ إسهام البربر في العملية يكون كبيرًا وأساسًا. إنّهم لم يقفوا في سلوكهم في حدود معرفة الدّين الجديد، والتّعرّف على واجباتهم في أداء العبادة والطّاعة لله عزّ وجلّ والرّسول - صلى الله عليه وسلم -، بل تعدّوا ذلك إلى القيام بواجب الدّعوة وتبليغ الرّسالة إلى خلق الله في الأرض.
لقد ارتبط عملهم هذا بالتّجارة، إذ كانوا يجمعون بين العمل التّجاري، أو السّفر للتّجارة والدّعوة إلى الإسلام؛ استغلالا منهم للفرص المتاحة للسّير في الأرض والمشي في مناكبها. إنّ هذا من تمام إيمانهم بضرورة حمل الأمانة، والوفاء بالعهد، والجهاد في سبيل الله، واقتناعهم بواجب الجمع بين العمل للدّنيا والآخرة ... يقول الدّكتور أحمد إلياس حسين: " وكان التّجار إلى جانب أعمالهم التّجارية يقومون بالدّعوة إلى
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص: 345. (1/49)
صفحة 48
الإسلام، وقد ارتبطت التّجارة وانتشار الإسلام في غرب إفريقيا إلى الدّرجة التي أصبح من العسير معها وضع حدّ فاصل بين الدّور الذي قام به التّجار من جهة، وبين دور العلماء ودعاة الإسلام من جهة أخرى، وغالبًا يجتمع الدّوران في نفس الرّجل. ويتّضح ذلك من تتبّع سير الإباضية الذين كانوا يمارسون التّجارة على نطاق واسع في غرب إفريقيا منذ القرن الثّامن الميلادي: " (1)
معنى ذلك أنّ مفهوم التّجارة عندهم لم يكن مقصورًا على تبادل السّلع فقط، بل كان يتعدّاه إلى التّجارة مع الله في نشر دينه، والدّعوة في سبيل الله. إذ كان التّجار من العلماء، أو كانوا يصحبون معهم العلماء الذين يقومون إلى جانبهم بالدّعوة ونشر الإسلام. يقول الدّكتور جودت عبد الكريم يوسف: " ... فذكر لويكي، نقلاً عن أبي الرّبيع الوسياني أنّ الشّيخ عبد الحميد الفزّاني (عالم كبير من علماء أهل الدّعوة، كان في بلاد السّودان (2) في القرن الثّالث الهجري ... وقد أكّد B.G.Martin
__________
(1) -. الدّكتور أحمد إلياس حسين، دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثّالث عشر الميلادي، ص: 15، 16 .. ينظر أيضًا الدّكتور محمد صالح ناصر، منهج الدّعوة عند الإباضية، ط3، ص: 299، 300.
(2) - Lewicki, Quelqes extraits inedits aux relatifs aux voyages des commercants ... P: 4. (1/50)
صفحة 49
على أنّ التّاجر كان يحمل إلى جانب سلعه آراءه الدّينية (1) ولمّا كان هؤلاء التّجار من العرب والبربر المسلمين، فقد حملوا معهم الثّقافة الإسلامية، فكانوا مبشّرين لتلك الثّقافة في بلاد السّودان. ويرى دوفيس J. Devisse أنّ هؤلاء التّجار في الغالب من الإباضية والصّفرية (2). وممّا يرجّح هذا جملة من التّجار الإباضيّين ممّن وصل تلك البلاد، كأبي نوح الصّغير وأبي نوح سعيد بن يخلف، وأبي صالح ... وأبي القاسم يونس الفرسطّائي، الذي قتل في موقعة مانو سنة 283هـ/ 896م. وأبي موسى هارون بن أبي عمران الوسياني ... وممّا ساعد على نقل الثّقافة الإسلامية إلى تلك الجهات إقامة بعض التّجار هناك ... نذكر منهم أبا يزيد مخلد بن كيداد. فقد كان مولده ببلد السّودان. وذكر لويكي بدوره رجلاً من بني ويسين، يقال له تملي (عاش في القرن الرّابع الهجري) كان يقيم في تادمكة، ويبعث منها الأموال إلى بلده في القصور. (3)
يصف البكري سكّان أودغست بأنّهم خليط من قبائل بربرية، مثل نفوسة ولواتة ... كما أنّه من الممكن أن يكون بعضهم من تجّار قبائل
__________
(1) - ... B . G. Martin, Kanem. Bornu. And the Fezzan. J. A . H, 1969 XI, P: 17
(2) - R. Denise et J. devisse, Tagdaoust. P: 138
(3) - ... T. lewicki. Quelques ... P: 18. (1/51)
صفحة 50
تاهرت المعروفة، وبذلك يكون من المرجّح أنّ يكون هؤلاء قد أسهموا في مزج الثّقافة الإسلامية في تاهرت بالثّقافة السّودانية. وتركوا آثارًا إسلامية في تلك النّواحي، فقد عثر شاخت J.Schaght على آثار النّشاط الدّيني والثّقافي للجماعات الإباضية. فلاحظ أنّ شكل مدرّج المنارة الواسع الانتشار في السّودان الغربي، أُخِذ من إباضية الجريد، بينما شكل المحراب من إباضية ميزاب، أي إنّهما يرجعان إلى فنّ العمارة الدّينية الإباضية في شمال إفريقيا (1)
إسهام البربر في نشر الإسلام في إفريقيا كان كبيرًا، والمشاركة كانت بالتّنقّل عن طريق التّجارة إلى مناطق إفريقية نائية، لم يصلها الإسلام، فتقدّموا وتحرّكوا مع من تحرّك للقيام بالواجب الدّعوي، وتحمّلوا المشاق والمصاعب لإيصال نور الدّين والقرآن إلى المناطق المحرومة. يقول تاديوش لفيستكي ويؤكّد أنّ: " هؤلاء الإباضية الذين كانوا يسافرون إلى بلاد السّودان، لم يكونوا يتحمّلون مشقّة هذا السّفر المضني من أجل الدّوافع الاقتصادية وحسب، وإنّما كانوا يفعلون ذلك لدوافع دينية تبليغية، تتّصل بالدّعوة إلى الإسلام، ونشر رسالته في هذه
__________
(1) - J. Schacht, sur La diffusion des formes d’architecture relijieuse musulmane a travers le sahara,Travaux de l’Institut de Recherches Sahariennes. T.I.R.S. tome Xl. 1.Semestre, Alger. 1954, P:11. ينظر العلاقات الخارجية للدّولة الرّستمية, ص: 282 – 285. (1/52)
صفحة 51
البلاد النّائية التي لم يصلها الإسلام في هذه العهود المبكّرة، وهذا ما نستنتجه من مكانتهم المرموقة التي نجدها في هذا المجال، على النّحو الذي ترويه لنا كتب السّير عندهم." (1)
توالت قوافل الدّولة الرّستمية تترى في انتظام إلى أقطار السّودان، تقود قوافل التّجارة، وتقوم بالدّعوة، فتوطّدت العلاقة بينها وبين هذه الأقطار، وهو ما ساعد على انتشار الإسلام فيها، حتّى أنّ بعض حكّام هذه المناطق كانوا لا يطيقون فراق العلماء (2) الذين يأتون إليهم، ويقيمون معهم مددًا، تطول وتقصر، لما كانوا يجدون في هؤلاء من أريحية، ويلمسون فيهم من حسن الأخلاق، وبما كانوا يلتمسون فيهم من البركات، بحسب ما كانوا يعتقدون. هذه كلّها من نتائج العمل المخلص لله، ومن ثمرات الدّعوة التي كان يقوم بها سكّان شمال إفريقيا، الذين يمثّل البربر القسم الأكبر منهم. يقول محمد عليّ دبوز عن الدّولة الرّستمية: " وكانت قوافلها التّجارية تترى إلى منطقة (كوكو) في شمال السّودان على شاطئ النّيل. وكان شعب (كوكو) أكثرُهم مسلمين، فتوثّقت علاقات الصّداقة بين الدّولة الرّستمية وبين هذه الدّولة السّودانية الغنيّة القوية بعامل
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 265.
(2) - ينظر كتاب الوضع، ص: 15. وتاريح المغرب الكبير، ج3، ص: 353. (1/53)
صفحة 52
الجوار والتّجارة، وبعامل الإسلام الذي نشرته الدّولة الرّستمية في ذلك القطر، فصار جزءًا من العالم الإسلامي." (1)
لكون الدّولة الرّستمية دولة تجارية كبيرة، فقد كانت لرعاياها رحلات متواصلة إلى أوساط إفريقيا، تحمل إليها البضائع، وتأتي بأخرى منها. وبحكم أنّ هؤلاء التّجار كانوا يقومون معهم بواجبهم الدّعوي في هذه البلدان التي لم يصلها الإسلام، فقد كانوا همزة الوصل بين شمال إفريقيا وغربها بخاصّة. يقول محمّد علي دبوز: ... " كانت الدّولة الرّستمية أكبر دولة تجارية في المغرب، وكانت هي الرّابطة بين دول المغرب، وهي صلة المغرب بالسّودان. تشاركها في ذلك دولة بني واسول بسجلماسة." (2)
" ... وأدّت تلك العلاقات إلى إسهام الإباضية بنصيب كبير في انتشار الإسلام في السّودان، وذلك لأنّ الإسلام صَاحَبَ التّجارة، فقد كان التّجار يمثّلون الطّلائع التي وصلت بالدّين الإسلامي إلى كلّ المناطق الواقعة جنوبي الصّحراء الكبري، إلى جانب ذلك كان الإباضية يعتمدون على مجموعة عرفت تحت اسم أهل الدّعوة. كانت مهمّتها نشر الدّين
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص: 345. ينظر أيضًا كتاب الدّولة الرّستمية بالمغرب الإسلامي ... ، ص: 211، 212.
(2) - المرجع السّابق، ص: 351، 352. (1/54)
صفحة 53
الإسلامي، وكان أهل الدّعوة يصحبون القوافل إلى السّودان لأداء مهمّتهم. " (1)
نذكر من بين العلماء الذين أقاموا في بعض مناطق السّودان، وكان لهم دور في إقامة الدّين الإسلامي فيها، نذكر أبا يحي زكرياء بن أبي القاسم يونس الفرسطائي. يقول عنه الشّيخ علي يحي معمّر: ... " سافر يومًا إلى بعض بلاد السّودان – وكانوا وثنيّين – فلم يزل يدعوهم إلى الإسلام حتّى بلغ أمره إلى ملكهم، فاستدعاه، ولمّا ورد أبو يحي على الملك ألفاه نحيل الجسم، ضعيف القوّة، فسأله أبو يحي عمّا به، فقال الملك: إنّ هذا من خوف الموت، فدعاه أبو يحي إلى الإيمان بالله، وأخبره بالجنّة والنّار، ووصف له أحوال المؤمنين في دار الخلود، وما أعدّ الله لهم من خير، ولكنّ الملك ارتاب في أوّل الأمر، وقال له: لو صحّ عندك ما تقول ما بلغت إلينا في طلب الدّنيا. فلم يزل أبو يحي يذكره بآلاء الله ونعمه، ويذكر له أنّ الله دعا المؤمنين إلى الضّرب في الأرض، والسّير في الآفاق، والنّيل من طيّبات الرّزق، حتّى أسلم وحسن إسلامه." (2)
__________
(1) - الدّكتور أحمد إلياس حسين، الإباضية في المغرب العربي، ص: 43.
(2) - علي يحي معمّر، الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة الثّانية، القسم الثّاني، ص: 82، 83. ينظر الشّماخي، كتاب السّير، ص: 311 – 313. والمارغني السّوفي، تاريخ المغاربة الإباضية (مخطوط). أشار إليه الدّكتور أحمد إلياس حسين: " تاريخ المغاربة الإباضية، اطّلعت على نصّ المخطوط مكتوبًا على الآلة الكاتبة، معدًّا للنّشر منذ سنة 1980م، إلاّ أنّه لم يطبع بعد على ما أعتقد. " ينظر كتابه: دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثّالث عشر الميلادي، ص: 44. (1/55)
صفحة 54
يقول بحاز إبراهيم:" يحتمل أن تكون رعيّته قد أسلمت بإسلامه، مادام النّاس على دين ملوكهم." (1) لويكي نفسه ذكر هذه الرّواية، واعتمدها حقيقة لا تردّ. (2)
ممّن برع في التّجارة في بلاد السّودان، وقد كانت رحلته إلى مملكة مالي العظيمة، وكان ذائع الصّيت، العالم الكبير أبو الحسن عليّ بن يخلف التّيمجاري النّفوسي (عاش في القرن السّادس الهجري) رحل إلى هذه المملكة سنة 575هـ. اشتغل بالتّجارة هناك، وكانت علاقته بملكها (المشرك) جيّدة، بفضل أخلاقه الحسنة، التي قرّبته من هذا الملك، إذ كان يفسح له المجال، ويجلسه بجنبه، لما يكنّ له من مكانة عالية.
حدث أن أمحلت الأرض، وعمّ الجفاف، وضاق العيش على النّاس. رغم أنّهم كانوا يقرّبون لأصنامهم القرابين علّها تغيثهم، فإنّ حالهم كانت تزداد سوءًا، وعيشهم كان يزداد ضيقًا ... فطلب الملك من الوليّ الصّالح علي بن يخلف أن يسأل ربّه أن يغيثهم، ويرفع عنهم هذا الضّيق،
__________
(1) - بحّاز إبراهيم، الدّولة الرّستمية، ص: 388.
(2) - ينظر Lewicki Tadeusz, Etudes Ibadites Nord Africaines, Partie 1.Tasmiya Suyuh Gabal Nafusa. Wa ... Qurahum. Contenue. Dans le `` Siyar Al Masaih`` (V1 _ X11.S). Warszawa. 1955. p: 71 (1/56)
صفحة 55
فأجابه العالم الدّاعية: " لا يجوز أن أسأله لكم وأنتم تعبدون غيره، وطلب منه الملك أن يصف له الإسلام. فما زال به يكشف له عبادة الله ووحدانيته، ويبيّن له الدّلائل حتّى سكن قلبه للإسلام، فآمن بالله وبرسوله، ونطق بكلمة الشّهادة، وعند ذلك خرجا جميعًا إلى كدية قريبة من المدينة، فكان الوليّ الصّالح يصلّي والملك يتبعه، فيتضرّع الشّيخ إلى الله ويبتهل والملك يؤمّن على دعائه، فاستجاب الله لهما، فإذا بالأمطار المنهمرة تعمّ البلاد بصيّبها، فعظمت السّيول فسالت الأودية بقدرها، فحالت بينهم وبين المدينة، فجاءت إليهم المراكب، فنقلتهم إلى المدينة، فدامت الأمطار تسحّ أسبوعًا ليلاً ونهارًا.
فلمّا رأى الملك ذلك البرهان العظيم، رسخ الإيمان في قلبه، ودعا أهله ومن حوله إلى الدّخول في الإسلام، ودعا وزراءَه وأهل المدينة ومن حولها، فأجاب القريبون منها، وامتنع من امتنع. هنالك أصدر أوامره بمنع من امتنع من الإسلام أن يدخل المدينة، ومن قبض عليه من الكفّار داخل المدينة قتل، فامتنع المشركون من دخول المدينة. (1/57)
صفحة 56
فأخذ رحمه الله يعلّمهم فرائض الإسلام من الصّلاة وسائر الشّرائع، ويعلّمهم القرآن، ويفقّههم في الدّين، وقد أقبلوا عليه في أخذ تعاليم الإسلام في رغبة وعناية ... " (1)
هذا يعني أنّ علاقة الإباضية بالسّودان، لم تنقطع بسقوط الدّولة الرّستمية، بل استمرّ العمل على نشر الإسلام والقيام بالتّجارة؛ لأنّ الدّعوة ليس لها مكان ولا زمان محدّدان، ولا ارتباط بظروف معيّنة ...
يقول بحّاز إبراهيم: " إنّ هده الرّوايات المختلفة، لا تدلّ إلاّ على وجود علاقات ثقافية عميقة بين الدّولة الرّستمية وبلاد السّودان. فما وجود الشّيخ عبد الحميد الفزّاني، أو العالم الكبير الذي بعثه عمروس بن فتح قاضي نفوسة إلى السّودان، ما وجود هذين العالمين ببلاد السّودان إلاّ دليل على دخول بعض ممالك السّودان في الإسلام، وبالتالي احتاجت إلى من يفقّهها في دينها، ويسلك بها المراحل الأولى في هذا السّبيل.
" وقد ظهرت في هذه المناطق (السّودان) بعض المؤثّرات الإباضية التي تركها تجّار الإباضية. تمثّلت في بعض من شاهدهم ابن بطّوطة من الإباضية الخوارج في بلاد السّودان، في رحلته المشهورة.
__________
(1) - كتاب الوضع، ص: 14، 15. ينظر الدّرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج2، ص: 517، 518. الشّماخي، كتاب السّير، ص: 457، 458. اطفيش، إزهاق الباطل، ص: 67. (1/58)
صفحة 57
وصاحب انتشار الإسلام انتشار اللّغة العربية، فكان الكثيرون ممّن يجيدون الحديث باللّغة العربية إلى جانب لغاتهم الخاصّة " (1)
اجتهد التّجار الرّستميّون وجاهدوا في المناطق السّودانية في نشر الفكر الإسلامي، وإنقاذ أهاليها من أغلال الضّلالة، ومن أوحال الجهالة، ومن أوصال الوثنية. وكانت اتّصالاتهم متواصلة بهم، بتكرار الزّيارات، والأسفار التّجارية. " وقد ظهرت آثار الاتّصال بين التّجار الرّستميّين وأهالي هذه البلاد واضحة في سلوكهم وملبسهم وطرق معيشهم ... وكما حمل التّجّار الرّستميّون هذه الألوان الحضارية حملوا معهم الإسلام إلى هذه الجهات، وكثيرًا ما كان يرافق القوافل التّجارية عدد من فقهاء المسلمين الذين خالطوا أهل البلاد، وتركوا فيهم آثارًا بعيدة المدى. وبطبيعة الحال كان الأثر الذي تركه التّجّار المسلمون في نفوس الأهالي أكثر بكثير من الذّهب الذي يحصلون عليه. وتعتبر جهود هؤلاء الفقهاء الأسس التي قامت عليها دولة مالي الإسلامية التي كان غالبية سكّانها مسلمين، لهم مساجدهم وفقهاؤهم." (2)
__________
(1) - الدّولة الرّستمية بالمغرب الإسلامي، ص: 212، 213.
(2) - الدّكتور محمّد عيسى الحريري، الدّولة الرّستمية بالمغرب الإسلامي ... ، ص: 212. ينظر تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص: 345. وصلاح الدّين المنجد، مملكة مالي عند الجغرافيّين المسلمين، دار الكتاب الجديد، بيروت، 1963م، ص: 43 - 45. (1/59)
صفحة 58
إنّ جهود الدّعاة الإباضية في نشر الإسلام لم يقتصر على استغلال التّجارة، أو لم يكن عن طريق التّجارة فحسب، إنّما تعدّد وتعدّى إلى كلّ وسيلة ممكنة. من ذلك إنشاء هياكل ينتظم فيها عملهم. وهو ما يعطي انطباعًا على تطوّر العمل الدّعوي عندهم، إذ أصبح ممنهجًا ومخطّطًا له، كما يبيّن مدى التّجاوب الذي وجدوه عند سكّان الممالك الإفريقية، ومدى ما حصلوا عليه من نجاح، شجّعهم على تطوير أساليب العمل. يقول أحمد إلياس حسين: " ولم ينحصر جهود الإباضية في نشر الإسلام على نشاط التّجارة فقط، بل كانت لهم برامج مخطّطة لأهل الدّعوة، تضمّنها نظام العزّابة. وأهلُ الدّعوة مجموعة من رجال العلم اتّجهت جهودهم لإعلاء كلمة الله وبثّ تعاليم دينه، وتبصير النّاس بأمور دينهم ودنياهم. وقد تركّز جانب كبير من اهتمام أهل الدّعوة على غرب إفريقيا، التي كانت تعتبر (دار دعوة) فأنشؤوا الرّبط منذ مستهلّ القرن الثّامن الميلادي في المنطقة الصّحراوية الواقعة بين ورجلان وسجلماسة." (1)
إنّ تأثير سكّان شمال إفريقا في بلاد السّودان - بعامّة - واضح وكبير ومهمّ، فقد قلبوا حياتهم إلى سعادة وهناء، بفضل الإسلام الذي
__________
(1) - دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي، ص: 17. ينظر الزّهري، أبو عبد الله بن أبي بكر (ت آخر القرن السّادس الهجري)، كتاب الجغرافية، تحقيق محمد حاج صادق، بيروت، 1967، ص: 126. (1/60)
صفحة 59
أوصلوه إليها. وكان أيضًا تأثيرًا حضاريًا، ظهر في مختلف نواحي حياتهم: في الفكر والثّقافة والأخلاق والمميّزات والخصائص، والفنّ المعماري والآثار المادية ... التي جذبوا إليها سكّان هذه المناطق، فقلّدوها وعمروا أراضيهم. كلّ ذلك كان مصبوغًا بالصّبغة الإسلامية. يقول الدّكتور محمّد صالح ناصر: " ... وإنّ هذه الآثار الملموسة الباقية شامخة حتّى اليوم تشهد بما لا يقبل الشّكّ أبدًا على أنّ الإباضية لم ينقلوا هذا الفنّ المعماري المتميّز الأصيل إلى غرب إفريقيا وحسب، بل إنّهم نقلوا إلى جانبه حضارتهم وثقافتهم وفكرهم، وكلّ مميّزاتهم العقدية والأخلاقية، وكانوا الرّوّاد الذين نشروا الإسلام في صورته النّقية الصّافية بين الشّعوب الإفريقية، التي اختلطوا بها فأحيوها اقتصاديًا ودينيًا، ووصلوها روحيًا وماديًا، وعلى الرّغم من الصّراع المذهبي الذي كان وليد العصر الوسيط، وعلى الرّغم من حملات التّشكيك والاستنقاص من قيمة المذهب الإباضي، التي تطالعنا به بعض الأقلام المتخلّفة من حين لآخر، فإنّ حقيقة إنسانية خالدة لن يستطيع الزّمن تغييرها، وهي الحقائق التّاريخية الباقية في البلاد والعباد." (1)
أهمّ ما قدّمه هؤلاء الدّعاة والتّجار إلى سكان المناطق التي قصدوها المعاملة الحسنة، التي كانت سببًا لتجاوبهم مع الأفكار التي أتوا بها. وقد ساعد ذلك على نموّ العلاقات بين شمال إفريقيا وهذه الممالك الإفريقية،
__________
(1) - منهج الدّعوة عند الإباضية، ص:308، 309. (1/61)
صفحة 60
التي أسهمت في تطوّرها وازدهارها. بداية من الدّولة الرّستمية التي كان لها نشاط تجاري كبير إلى هذه المناطق، صاحبه نشر للثّقافة الإسلامية. يقول الدّكتور أحمد إلياس حسين: ... " إنّ تطوّر ممالك غرب إفريقيا ارتبط ارتباطًا وثيقًا بنموّ العلاقات مع شمال إفريقيا عبر الصّحراء، وقد ارتبط تطوّر العلاقات بالتّجارة، وكان لذلك النّشاط التّجاري الكبير دوره في توطيد أركان مملكة السّوننك في مرحلتها الأولى في أودغست في مرحلتها الثّانية، بعد انتقالها جنوبًا إلى كومبي صالح، في منتصف القرن الثّامن الميلادي." (1)
يقول جودت عبد الكريم يوسف: " ... ممّا يعني أنّ تأثّر مسلمي شمال إفريقيا كان أوسعَ من تأثيرهم فيهم، أو أنّه كان هناك فيض حضاري من الشّمال نحو الجنوب. ويؤكّد فاج Fage أنّ النّفوذ الحضاري الذي دخل بلاد السّودان من جهة الشّمال، لم يكن تابعًا لحضارة البحر الأبيض المتوسّط بقدر تبعيّته الحقيقية للبربر. (2) وقد أسند لويكي T. Lewicki هذا النّفوذ إلى التّجار الإباضيّين بشكلٍ
__________
(1) - دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثّالث عشر الميلادي، ص: 8، 9. ينظر أيضًا للمؤلّف نفسه، العلاقات بين مملكة غانة والمغرب العربي بين القرنين الثّامن والحادي عشر الميلاديين، رسالة دكتوراه، معهد الدّراسات الإفريقية، جامعة، القاهرة، ص: 58.
(2) - فاج Fage، موجز تاريخ إفريقيا، ص: 69. (1/62)
صفحة 61
رئيسي." (1) وأكّد قبله ماسكراي Masqueray أنّ الإسلام وصل بلاد غانة بواسطة التّجار الإباضية، من رعايا الدّولة الرّستمية (2)
يؤكّد بحّاز إبراهيم هذه الحقيقة، استنادًا إلى ما سجّله الدّارسون: " لقد كان للتّجار الإباضية من رعايا الدّولة الرّستمية فضل السّبق في نشر الإسلام في جزء من تلك البلاد النّائية، ووضعوا بذلك البذور الأولى لحركة انتشار هذا الدّين في بلاد السّودان. " (3)
" ومن الآثار الثّقافية التي تركتها العلاقة بالسّودان تعريب جزء من تلك المناطق، ولو بشكل محدود، وتكوّنت بفعل الاحتكاك الدّائم والمستمرّ لغات مزيجة، كلغة الآزر، وهي لغة وكالات تجارة الذّهب
__________
(1) - العلاقات الخارجية للدّولة الرّستمية، ص: 286. ينظر بحّاز إبراهيم، الدّولة الرّستمية ... ، ص: 389، هامش رقم: 27.
(2) - ينظر:
Masqueray Emil, Chronique d’ Abou Zakaria. Imp. De l’ association Ouvriére. Alger. 1878 .p: 279
(3) - بحّاز إبراهيم، الدّولة الرّستمية، ص: 389. (1/63)
صفحة 62
والرّقيق في نطاق السّاحل السّوداني، وقد استعارت قوامها من العربية ومن البربرية ومن اللّغات الإفريقية." (1)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 390. ينظر لوبون غوستاف، حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، ط3، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، 1399هـ/ 1979م، ص: 666.
الخاتمة
إنّ البربر قوم لهم مقوّماتهم، ولهم خصائصهم التي تميّزوا بها، والتي حدّدت ملامح شخصيتهم، وبلورت كيانهم، هذا التّميّز فسّره بعض النّاس تفسيرًا خاطئًا، وبنوا عليه أحكامًا مجحفة في حقّهم. من ذلك سوء تقدير علاقتهم بالإسلام، ونعتهم بالمارقين عنه، والمتمرّدين عنه. أسّسوا على هذا رأيًا شاذًّا، فحواه أنّ من حقّ البربر اتّخاذ هذا الموقف؛ مادام يعبّر أو يترجم عن شخصيتهم المتّسمة بالإباء والشّمم والمحافظة على الأصالة، حتّى وقع في روع بعض أحفادهم ونسلهم موقعًا غريبًا، فاقتنع به، فراح يحمل لواء التّمرّد على المجتمع، ويدعو إلى الرّجوع إلى الأصول، والارتباط بالجذور، التي تتنافى مع ما عليه حالهم اليوم: ارتباطًا بالدّين الإسلامي، وانتماء إلى اللّغة العربية وغيرها؛ بدعوات استعمارية هستيرية، وحملات صليبية متوالية، ومؤامرات صهيونية عنصرية.
مع أنّ الحقيقة غير ما يروّج له ويخطّط. بيّنا في هذا البحث كيف كان البربر أصلاء في تفكيرهم، أقوياء في شخصيتهم، لهم فضائل ومكارم اعترف لهم بها السّابق واللاّحق من كرماء النّفوس وعظمائها. كما وضّحنا العلاقة الحميمة التي كانت بينهم والإسلام، وارتباطهم القويّ باللّغة العربية، وأبرزنا إسهامهم الكبير الفعّال في المحافظة على الإسلام نقيًّا من الشّوائب، قويًّا في النّفوس، وكشفنا عن دورهم العظيم في نشره في الأوساط الإفريقية بخاصّة، ونقلنا ما سجّله الدّارسون والكتّاب من خصال وخلال وأفضال للبربر في مسيرة الحركة الدّعوية والنّشاط الفكري الإنساني ... كلّ ذلك يبيّن بما لا مجال للجدال والتّعقيب والجحود والتّفلسف ... فساد نظرات من وصم البربر بالعداء للإسلام، أو عدم التّحمّس له، أو التّقاعس عن القيام بواجب الدّعوة له.
المصادر والمراجع
1 – أبو اليقظان إبراهيم (الشّيخ)
ديوان أبي اليقظان، ج2، ط1، نشر جمعية التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م.
2 – أبو زكريّاء، يحي بن أبي بكر (الشّيخ)
كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، تحقيق وتعليق إسماعيل العربي، نشر المكتبة الوطنية، الجزائر، 1399هـ/1979م.
3 – أبو زكرياء يحي بن أبي الخير الجناوني (الشّيخ)
كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، ط1، نشره وعلّق عليه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مطبعة الفجّالة الجديدة، القاهرة، (د. ت).
4 – أحمد إلياس حسين (دكتور)
دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثّالث عشر الميلادي, مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، (د. ت).
5 – أحمد بن نعمان (دكتور)
كيف صارت الجزائر مسلمة عربيّة، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1401هـ/1981م.
6 – بحّاز، إبراهيم بن بكير (دكتور)
الدّولة الرّستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، مطبعة لافوميك، الجزائر، (د. ت).
7 – الحريري، محمد عيسى (دكتور)
الدّولة الرّستميّة بالمغرب الإسلامي، حضارتها وعلاقتها الخارجيّة بالمغرب والأندلس، ط3، دار القلم للنّشر والتّوزيع، الصّفاة، الكويت، 1408هـ/1987م.
8 – الخرفي، صالح (دكتور)
في رحاب المغرب العربي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م.
9 – دبّوز، محمد عليّ
أ - تاريخ المغرب الكبير، ج1، ط1، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1384هـ /1964م.
ب – تاريخ المغرب الكبير، ج2، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1382هـ، 1963م.
ج – تاريخ المغرب الكبير، ج3، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1383هـ/ 1963م
10 – الدّرجيني، أحمد بن سعيد
طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، ج2، ط1، حقّقه وقام بطبعه إبراهيم طلاّي، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، (د. ت).
11 – شريط، عبد الله (دكتور)، الميلي، محمد
مختصر تاريخ الجزائر السّياسي والثّقافي والاجتماعي، ط2، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985م.
12 – الشّماخي، أحمد بن سعيد (الشّيخ)
كتاب السّير، ج1، ج2، تحقيق أحمد بن سعود السّيّابي، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، 1407هـ/1987م.
13 – العرباوي، محمد المختار
في مواجهة النّزعة البربرية وأخطارها الانقسامية، نشر اتّحاد الكتّاب العرب، دمشق، 2005م.
14 – ناصر، محمد بن صالح (دكتور)
منهج الدّعوة عند الإباضية، ط3، نشر مكتبة الرّيّام، الجزائر، 1428ه/ 2007م.
15 – يوسف، جودت عبد الكريم، العلاقات الخارجية للدّولة الرّستمية، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984م.
16 - مجلّة الثّقافة، وزارة الثّقافة والسّياحة، الجزائر، عدد: 84، سنة: 14، صفر- ربيع الأوّل 1405هـ/ نوفمبر- ديسمبر 1984م.
موضوعات الكتاب
المقدّمة
فضل البربر
الخصائص التي تميّز بها البربر (الأمازيغ)
إقبال البربر على الإسلام
الدّولة الرّستمية ونشر الإسلام
الخاتمة
المصادر والمراجع موضوعات الكتاب (1/64)