صفحة 1
الكتاب: التجارة بين النظري والتطبيقي
عقود البيع والقرض في القانون الإباضي
تأليف: إرسيليا فرنشيسكا
ترجمة: الأستاذ. الداب عبد الوهاب
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] تمهيد
…لقد تمخض هذا العمل عن رسالة تقدمت بها لنيل الدكتورا المؤسسة الجامعية للدراسات الشرقية بنابولي، والفضل في إنجازه يعود إلى الأساتذة والزملاء والأصدقاء الذين ساعدوني وشجعوني بشتى الوسائل، وإنني لا أجد بدا من تقديم كلمة شكر لهؤلاء جميعا.
تشكراتي الصادقة إلى الأستاذة كليليا سرنلي شركوا (clelia sarnelli cerqua)التي تحملت بصفتها الأستاذ المشرف على هذا البحث أعباء تتبع عملي وتوجيهه وتنقيح نسخته الأولى، وإلى الأستاذ أكوستين تشرلدو (agostion cilardo)الذي راجع هذا العمل في شكله النهائي مع إعطائي نصائح وتوجيهات قيمة.
…أشكر الدكتور ?رنر شورتز (werner Schwartz) عن مكتبة جامعة كونتكن Gottingen الذي وضع رهن إشارتي، وبصدر رحب مجموعته الخاصة من المخطوطات الأباضية والتي استقيت منها بعض فقرات هذا البحث وأغناه بفضل اقتراحاته الصائبة إثر لقاءتنا المتكررة فترة إقامتي بجامعة توبنكن tubingen .
…أشكر الأستاذ جان مريا بتشنلي ( Gian Maria Piccinelli )الذي ساعدني على ضبط المصطلحات القانونية لهذا الموضوع. أشكر أن بلذنتي، Anna baldinetti مونيكا رووكMonica Ruocco وفرنشيسكو لجوFrancesco leggio ، الدين ساعدوني رغم الصعوبات في تصحيح هذا العمل، وكل الأصدقاء، والزملاء الدين ساندوني عن قرب حتى رأى هذا العمل النور. الأخطاء على كل حال هي أخطائي أنا.
…أشكر والدي الذين شجعاني دائما من أجل تحقيق طموحاتي.
أشكر في الأخير مجلس إدارة مؤسسة الدراسات الشرقية ش.أ نلين (C.A. Nallino ) والأستاذ فرنشيسكو كسترو Francesco Castro على تشجيعه المستمر لي وعلى قبوله ضم هذا البحث قائمة سلسلة دراسات ومواد القانون في الإسلام والبلدان الإسلامية التي تشرف على نشرها جامعة تورفركا تابروما Tor vergata. (1/1)
صفحة 2
…إلى الفقيد الأستاذ روبرتو روبنتشي Roberto Rubinacci الذي اقترح علي هذا الموضوع وتابعه في أطواره الأولى، أهدي بكل عرفان ومودة سرمدية هذا العمل.
مقدمة
…في مقال صدر له سنة 1963 تحت عنوان "قدسية، بيوريتانية، علمانية وقومية في شمال افريقيا" وضح. جلنر E.Gelner في تحليله للنسيج الاجتماعي للأقليات الأباضية في المغرب وجود عاملين أساسيين يتحكمان في هذا النسيج : نظرة جدية إلى الحياة، مقرونة بميول قوي نحو الأعمال والتجارة. ولقد دفع به هذا المعطى إلى تعريف الأباضيين بكلـ?انيو الإسلام الذين لا زالوا ينتظرون قدوم ماكس ويبر Max weber خاص بهم.(1)
__________
(1) أرشيف سوسيولوجيا الديانات، XV، 1963، 72، الربط بين البيوريتانية والرأسمالية في تاريخ الاباضة المغربية قام بدراسته أيضا شومبرت chambert "السلوك الاقتصادي للمسلمين استثناء المزاب" في مجلة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، XXXIX . 1961، 330- 351؛ بورديو Bourdieu، "الجزائريون" بوستن 1962، فصل III، المزابط. 45-49 ستون Stone، "الأخلاق الدينية وروح الرأسمالية في تونس" في المجلة العالمية للدراسات شرق أوسطية، V، 1974، 267- 272؛ هو لسنكر Holsinger" الهجرة، التجارة والجماعة: المزاب الجزائر في القرنين الثامن والتاسع عشر" في جريدة تاريخ إفريقيا، XXI، 1980، 61-74 (1/2)
صفحة 3
…وليست التجارة عاملا أساسيا في حياة الجماعات الاباضية المعاصرة فقط، بل كانت الفاعل الأساسي في انتشار الحركة الاباضية في بداياتها(1). فالمداخيل الهامة التي كانت تدرها على التجار استغلت في تمويل النشاط السياسي لهذه الجماعة، ويحكى في "سير الشماخي" أنه في منتصف القرن الثاني الهجري، كان بيت مال الدولة، التي يؤسس لها أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الخفاء، يتوفر على أزيد من 100 ألف درهم حصلت من حملة جبائية قادها حاجب الطائي القائم بإدارة أموال الجماعة، خاصة بين التجار. ويستفاد من هذه السير أيضا أن حاجب الطائي هذا استطاع أن يحصل من التجار الأباضيين على قرض قيمته 250 ألف درهم لدعم الحركة والترويج لها.(2)
__________
(1) انظر فيما يخص دور التجار في المراحل الأولى للحركة الاباضية إلى: لويتشكي Lewicki "أوائل التجار العرب في الصين" في Rocznik orientalistyczny XI، 1935 أيضا "الأباضيون في العربية وأفريقيا" ج الطائفة الاباضية في البصرة في : منشورات التاريخ العالمي، 8 1971، 64-73 ؛ ويلكنسونWilkinson بداية تطور الحركة الاباضية في البصرة في "دراسات حول القرون الأولى للمجتمع الإسلامي"، نشر، ج. ح. أجونيبل GH. Juynboll.) ايلنوا الجنوبية UP كربونديل (carbondale ) 1982، 139
(2) أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي ( 982هـ/ 1522م، كتاب سير، القاهرة 1301/ 1883، 106، 114، 115، حول السير انظر: لويتشكي Lewicki "أخبار اباضة" في مجلة دراسات إسلامية، I، 1934، 59- 78. حول مهام حاجب الطائي لتمويل الحركة الاباضية انظر: أبو العباس أحمد الدرجيني (670هـ / 1271م) طبقات المشاييخ بالمغرب، ج 2 قسطنطينا 1394 – 1974، II، 248- 253- 262، حول أخبار الدرجيني انظر لويتشكي"ملاحظات حول أخبار الاباضيين للدرجيني" في XI Roc- or 1935، 146- 172 (1/3)
صفحة 4
…لم يكن الانحطاط الذي عرفته البصرة، باعتبارها المركز الروحي والسياسي للاباضية ليضع حد الاهتمام أعضاء الحركة بالتجارة، فميناء صحر بعمان، حيث استطاع الاباضيون تأسيس إمامة لهم، أصبح بداية من نصف القرن3هـ/ 9 م إحداهم مراكز التبادل التجاري بين أراضي المسلمين وجنوب شرق آسيا(1)، في حين ازدهرت فيه دولة تاهرت الاباضة بشمال إفريقيا (160- 296هـ/ 777- 909م) بفضل التجارة التي كانت تربطها بغرب السودان عبر الصحراء.
__________
(1) ويلكنسون wilkinson "صحار في ق I للإسلام: الدليل المكتوب في أركيولوجية جنوب آسيا" 1977 الجزء الأول/ نشر م. تدي، المؤسسة الجامعية للشرق نابولي 1979 II، 894- 898 (1/4)
صفحة 5
…ما بين القرن 2هـ/ 8م و 6 هـ/ 12، لعب التجار الاباضيون دورا حيويا في تجارة القوافل التي كانت تصل، انطلاقا من المغرب وتونس، إلى غرب السودان ووسطه وإلى منطقة الكانيم قرب بحيرة تشاد، وقد استطاعوا خلق مراكز تجارية قارة بغانا وأودكست وتدمكا(1) لدعم نشاطهم. ويعود إليهم الفضل في إقحام بعض مظاهر المعمار الإسلامي في المناطق التي يطلق عليها بلاد السودان (كالتدرج في بناء الصوامع) بالإضافة، بكل احتمال، إلى نشر الإسلام بمناطق شاسعة من إفريقيا الغربية.(2)
__________
(1) التجارة عبر الصحراء كانت تقوم أساسا على مواد ترفيهية، الذهب، الملح، الخيول، والعبيد، حول دور الاباضيين فيها، أنظر المقالات الآنية: لويتشكي، Lewicki "خلاصات غير منشورة حول أسفار التجار والمبلغين الاباضيين من شمال إفريقيا في غرب ووسط السودان إبان العصور الوسطى" في فوليا أوريونتليا Folia Orientalia، II، 1960- 1961، 1- 2؛ "دولة تاهرت في شمال إفريقيا وعلاقاتها مع غرب السودان في نهاية القرون VIIIو IX" في دفاتر دراسات إفريقية، II، 1962ن 513- 535: "مقتطفات من تاريخ التجارة عبر الصحراء التجار والميلغين الاباض في غرب ووسط السودان أثناء القرون XIIو VIII، في اتنوغرفيا بولسكاEtnografia Polska ، VIII فرسفيا 1964، 291- 311: أصول وإسلام مدينة (تادمكا) حسب المصادر العربية" في المجلة الفرنسية لتاريخ ما وراء البحار، LX VI 1979، 163- 168
(2) ساشت Schacht "حول انتشار أشكال الهندسة الدينية الإسلامية عبر الصحراء" مقتطفات من أشغال المؤسسة الأبحاث الصحراوية، XI الجزائر 1954، 11-27 لم يساهم الاباضيون في انتشار تجارة القوافل والإسلام فقط بل، حسب الأستاذ مري برتبم Marie Perinbam، يعود لهم الفضل في انتشار بعض أنواع الزراعات المغربية في إفريقيا الغربية (هل كان للمغاربة الاباضيون دور في إنتاج المواد الغذائية لغرب إفريقيا؟ تقييم البرهان" في: المجلة المغربية، XII، 1987، 56- 77 (1/5)
صفحة 6
…وإن تعددت الدراسات والأبحاث التي تسليط الضوء على دور التجار الاباضيين في التجارة البعيدة، فإن هناك نقصا إلى حد الآن في تحليل المؤسسات الشرعية التي كانت تقوم عليها هذه التجارة.
…ويعتبر تحديد ميدان البحث لدراسة هذه المؤسسات أول أشكال تجب مواجهته. فكما هو معروف، لا يوجد في القانون الإسلامي قسم خاص بما نسميه القانون التجاري. لهذا يجب استنباط القوانين التي كانت تقوم عليها العمليات التجارية من بحر المعلومات المتوفرة لدينا. وقد ارتأيت التركيز في هذه الدراسة على عقود البيع والقرض أو المضاربة: المؤسستين اللتين أثرتا بشكل مباشرة على التجارة في العصور الوسطى، وعلى تطور هذه المؤسسات عبر التاريخ.
…إن وجود منظومة تجارية متكاملة في بلاد العرب قبل الإسلام يفترض وجود نظام قانوني تنبني عليه هذه المنظومة التجارية، وبالفعل، فالعديد من نماذج عقود البيع التي صاغها القانون الإسلامي، وحتى عقود القرض، كانت متداولة قبل الإسلام وإن خضعت لبعض التغييرات حتى تتماشى مع تعاليم القرآن. ولم تكن هذه التغييرات وليدة يوم بل امتدت زهاء قرن من الزمن، فترة انتشار الإسلام، لتصبح أساس العقيدة الإسلامية المنظمة للبيوع وأرضية لتسليط الضوء على نشأة القانون الإسلامي. (1/6)
صفحة 7
…وقد استبعد ساشت schacht بشكل كلي في مقاتلة "حول القضاء المحمدي"(1) أن يكون للاباضيين دور في تكوين هذه المنظومة القانونية، فهو يؤكد على أن الخوارج وبالتالي الاباضيين الذين يمثلون الجناح المعتدل من هؤلاء والذين استطاعوا البقاء على قيد الحياة إلى يومنا هذا، يؤكد أنهم استنبطوا قوانينهم من تلك التي أفرزتها المذاهب السنية مضيفين إليها تغييرات طفيفة. غير أن اكتشاف بعض مصادر الفقه الاباضين في السنوات الأخيرة والتي يعود تاريخها إلى القرن الأول وأوائل القرن الثاني من الهجرة والتي لم يشكك بعد في صحتها، يسمح لنا بمراجعة أطروحة ساشت schacht فدراسة هذه المصادر تبين أنه كان للاباضيين مشرعين عند قيام السلطات السنية الأولى يتبادلون الرأي والتعاليم مع رجالات هذه السلطة في علاقة لا يمكن تصنيفها بالتبعية. وعكس ذلك، فإن أوائل الفقهاء الاباضيين كانوا يعطون دائما حلولا أصيلة للمشاكل القانونية المطروحة. وتعتبر الحالات التي أخذتها بالدرس في هذا البحث أمثلة نموذجية على ذلك.
__________
(1) إكسفورد 1950 فصل 8: "قانون الخوارج" 260- 261 (1/7)
صفحة 8
…والهدف من هذه الدراسة هو تحديد مسار التطور التاريخي الذي عرفته عقود البيع والقرض في إطار القانون الاباضي انطلاقا من تعاليم السلطات الاباضية في نهاية القرن الأول وبداية الثاني من الهجرة دون الوقوع في مغالطة عزل هذا التطور عن المحيط العام الذي نشأ فيه القانون الإسلامي. ولهذا أعددنا مجموعة من المصادر السنية لمقارنتها بتلك الاباضية حتى يتسنى لنا إبراز نقط التطابق والاختلاف بين المذهبين، ويبرز من هذه الدراسة المقارنة وجود علاقات بين أوائل المشرعين الاباضيين ونظرائهم في مكة (من خلال علاقة ابن عباس بتلميذه جابر بن زيد) وفي البصرة (من خلال علاقة الحسن البصري بجابر بن زيد وب قتادة بن دعامة الذي كان تلميذا لجابر) وهذه العلاقات يطبعها التوافق أحيانا والاختلاف أحيانا أخرى مع مدرسة الكوفة. وسيساهم توضيح مكانة الاباضيين في ديناميكية المدارس القانونية القديمة، في تسليط الضوء على إشكالية نشأة القانون وعلوم القانون الإسلامي. هذه الإشكالية التي استهوت، انطلاقا من انيازكولدزهر Ignaz Goldziher (1850- 1921) أجيالا من المستشرقين والمشرعين.
…وسيتم من لذننا رصد التطورات التي عرفها الفقه الاباضي من خلال مصادر قانونية وتاريخية (نصوص رجال وطبقات) إلى غاية الوصول إلى أطروحات القرن الخامس الذي أصبح فيها الفقه الاباضي بعد فترة من الركوض إثر الصراعات التي عرفتها الحركة، مذهبا قائما بذاته يتوفر على أصول وفروع كالتي يتوفر عليها المذهب السني شكلا ومضمونا. (1/8)
صفحة 9
…ويعتبر مسند الربيع بن حبيب (توفي حوالي 190هـ) أو الجامع الصحيح وهو مجموعة من الأحاديث النبوية ذات إسناد أباضي، حلقة وصل بين تعاليم الفقه الاباضي القديم والنصوص التي أخذ فيها هذا الفقه شكله النهائي، والمسند الذي نتوفر منه على نسخة أعيد ترتيبها، لا يمكن اعتباره نتاج المراحل الأولى من الفقه الاباضي بل نتاج عملية العقلنة التي عرفها هذا الفقه منذ نهاية القرن الثالث الهجري والتي أعطت أكلها النهائي في أطروحات القرن 5 الهجري.
الفصل الأول
( نظريات حول القانون الاباضي (
…1 ـ دراسات حول القانون الاباضي خلال فترة الاستعمار
…لقد انطلقت الدراسات المتعلقة بالقانون الاباضي خلال فترة الاستعمار الأوروبي لإفريقيا والشرق الأوسط حين بدأ بعض الباحثين الفرنسيين. أمثال إمبرت Imbert(1) مورند Morand(2)، مرسيي Mersier(3)، زيس Zeys(4)، والألمان أمثال ساشو sachau(5)
__________
(1) القانون الاباضي لذا مسلمي زنجبر وإفريقيا الشرقية، الجزائر، 1903
(2) دراسات في القانون الإسلامي الجزائري، الجزائر 1910؛ مشروع قانون مقدم إلى لجنة تدوين القانون الإسلامي الجزائري، الجزائر 1916
(3) دراسة حول الوقف الاباضي وتطبيقه في المزاب، الجزائر 1927
(4) لتشريع المزابي، الجزائر 1886. القانون المزابي، النيل، الجزائر .1891
(5) ترجمة كويدي I.Guidi
القانون الإباضي عند مسلمي زنجبار وإفريقيا الشرقية، في مجلة كلونيال، 1906. (1/9)
صفحة 10
بدءوا بوضع نصب اهتمامهم بعض المؤسسات القضائية للطائفة الاباضية في الجزائر وشرق إفريقيا وزنجبار. وقد شق طريق هذه الدراسات في شمال إفريقيا ر.بسيت R.Bassetالذي أشار في مقاله الصادر سنة 1885(1) إلى وجود جملة من النصوص القانونية الاباضية في مكتبة المزاب بالجزائر، وفي نفس السنة نشر أ.موتلينسكي Motylinski ترجمة قائمة النصوص التي دونها المؤرخ الأباضي أبو القاسم البرادي في ذيل مؤلفه كتاب الجواهر(2) والتي يستفاد منها وجود نصوص قانونية للسلطات الأولى للطائفة الاباضية يعود تاريخها إلى القرن الثاني والثالث من الهجرة.(3)
__________
(1) "مخطوطات عربية في مكتبات زوايا عين مدحي وتمنسين واورجلا وأجادجا" في نشرة المراسلة الافريقية جزء الثاني، الجزائر 1885
(2) أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، كتاب الجواهر، القاهرة 1302/ 5- 1884، حول البرادي ومؤلفه أنظر روبنتشي "كتاب الجواهر للبرادي" في أيون ، ن س،IV نابولي 1952- 10- 95.
(3) "بيبليوغرافيا المزاب" في نشرة المراسلة الإفريقية، III ، 1885، 15- 72 أنظر بالخص النصوص 7-8-10-12-13-15 من اللائحة. بالإضافة إلى باسيت وموتلنسكي، اهتم بالمخطوطات الاباضية في شمال إفريقيا: سموكرزيسكي،Smogorzewski "بحث في الببليوغرافيا الاباضية الوهابية، تقديم" في 1927 Mwow. Roczmik orjentalistyczny؛ روبنتشي، "خبر بعض المخطوطات الاباضية الموجودة في المؤسسة الجامعية الشرقية لنابولي، في إيوان نابولي III، 1949، ساشتSahacht "مكتبات ومخطوطات اباضية" في المجلة الإفريقية، الجزائر 1956. في السنين الأخيرة النامي "وصف مخطوطات إباضية حديثة من شمال إفريقيا" في: جريدة الدراسات السيمائية، XV ، 1970) فان إس Van Ess5e
(unter Suchungen zu enigen ibaditischen Handschriften » in ZDMG –126-1976 ; e Nachtrage, in ZDMG, 127 , 1977, E schwartz Die Anfange der ibaditen in Nord afrika – der Beitrage einer islamischen Minderheit zur Ausb reitung des islams, studien zum Minder heitenproblem im islam, 8 Wiesbaden 1983)
أمدونا بمعلومات إضافية قيمة حول المخطوطات المحتفظ بها في المكتبات الخاصة بالشيوخ الاباضيين في شمال إفريقيا. بالرغم من مجهودات الباحثين فما زال وضع قائمة لكل المخطوطات الاباضية الموجودة في شمال إفريقيا أمرا مستبعدا إن لم يكن مستحيلا بسبب تشتت المكتبات في رقعة واسعة بالإضافة إلى كون المكتبات الخاصة تبقى مقفلة في وجه الباحثين. قد اهتم بالمخطوطات الاباضية المحتفظ بها في المكتبة الوطنية لمسقط (عمان) سميت Smith (مجموعة المخطوطات العمانية في مسقط ـ جزء I ـ وصف عام في دراسات عربية IV ، 1977، 161- 198) ويلكنسون wilkinson "مجموعة المخطوطات العمانية في مسقط" جزء II ـ الأعمال الأولي في الفقه الاباضي، 191- 208) العديد من هذه المخطوطات وضعت أخير رهن إشارة الباحثين من وزارة الثقافة العمانية التي أشرفت على نشرها. (1/10)
صفحة 11
…وقد اعتمدت الدراسات الأولى، الخاصة بقانون الطائفة الاباضية بشمال إفريقيا، على كتاب النيل لعبد العزيز بن الحجاج الازجني المولود حوالي 1110/ 1717(1) وهو مختصر لكتاب الإيضاح لأبي سكين عامر الشماخي (792/ 1389)(2). ويقول زيس Zeys في الدرس الافتتاحي لمدرسة القانون بالجزائر: كمختصر سيدي خليل، يحوي النيل كل القانون الديني، المدني والجنائي للأباضيين ولكن ينقصه الكثير لتكون له القيمة العلمية للمختصر ذ، فموارده متراكمة دون تنظيم ودون تسلسل منطقي، وأسلوبه غامض لا من أجل الإيجاز ولكن لعدم القدرة على بلورة فكرة أو حل في كلمات وجيزة، ولا بد من معرفة معقمة بالموضوع لإعطاء معنى شامل أو ببساطة معقول لأفكار الكاتب. ومن جهة أخرى، وبسبب وضعية الاباضيين وصفوتهم فهم مجبرون على التردد بين المذاهب السنية الأربعة (...) النيل بدون أفكاره دون اختيار وهي في غالبيتها متناقضة ودون الإشارة إلى مبررات اختياراته أو حتى الحجج التي يمكنها الأخذ بيد القارئ وصقل قناعاته (...)(3).
__________
(1) كتاب النيل تم طبعه في القاهرة في 1305هـ (يبتدئ 1887/9/19) أنظر بروكلمان. كال. إضافة 2. 697- 892
(2) مؤلف من ثلاث أجزاء طبع بالقاهرة في 1304 هـ (ابتدأ العمل فيه 1886/ 9/3) أنظر بروكلمان ـ 349 الذي يعطى كعنوان المؤلف: "أصول الديانات"، حول الكاتب انظر: الشماخي كتاب السير 559.
(3) التشريع المزابي، 46- 48، في الفترة التي قدم فيها زيس Zeys درسه الافتتاحي بمدرسة القانون بالجزائر كان رئيس المحكمة العليا بالجزائر قد ترجم إلى الفرنسية بعض فصول كتاب النيل، بعد ذلك ترجم زيس Zeys نفسه الفصول المتعلقة بالزواج والميراث: أنظر زيس Zeys القانون المزابي ـ ك. النيل ذكر (1/11)
صفحة 12
…وهذه المقاربة دفعت زيس Zeys إلى نزع صفة الإبداع عن القانون الاباضي بالمقارنة مع قانون المدارس السنية، والميل إلى القول بأن القانون الاباضي يعتمد على نظيره المالكي.(1)
…وإلى نفس الرأي خلص مورند Morandغير أنه أوضح قائلا: في الحقيقة لا تختلف هذه المبادئ (تلك الواردة في كتاب النيل) في شيء عن تلك التي استحوذت على الفكر السني. ولن يكون الأمر إلا كذلك، فالاباضبون ينهالون من نفس المصدر أي القرآن والسنة فهم يسألون نفس النصوص، لهذا لا يمكن أن تكون الاختلافات بين المذهب الاباضي والسني سوى تلك الناتجة عن اختلاف في القراءة والتفسير والمنهج(2) (...)
__________
(1) التشريع المزابي، 50- 52 le Gislation mozabito
(2) مشروع قانون، 10 (1/12)
صفحة 13
…لقد عارض مرسيي Mercier نظرية زيس Zeys هو الآخر في خضم دراسته للوقف في المنظور الاباضي(1) وإن كان يصرح بتواضع المشرعين الاباضيين فهو يعترف لهم بقوة ودقة الإلمام بالقانون وبعمق معرفة الشريعة الإسلامية. ففي نظره ليست أوجه التشابه بين القانون الاباضي والمالكي (يوضح أيضا التقارب فيما يخص الوقف بين الاباضيين والحنفيين) وليدة علاقة تبعية وإنما جاءت كنتاج لعلاقة هذه المذاهب بأعراف أهل المدينة. هذه العلاقة التي تقوت في شمال إفريقيا بحكم الجوار(2). بالإضافة إلى هذا يؤكد مرسيي Mercier على أن الاباضيين لا يعترفون بكل أحاديث أهل السنة وبأن لهم نظرة خاصة بالوقف تختلف تماما عن نظرة المدارس السنية إلى هذا المؤسسة الدينية. فهذه الأخيرة أي المدارس السنية، تنظر إلى الوقف وتعتبره كهدية في حين يضع الاباضيون في الدرجة الأولى أوجه البر والتقوى التي تميز هذه المؤسسة معتبرين الوقف عملية سلب على الدوام للممتلكات من أجل هدف ديني: " لإظهار أهمية هذه الخاصية الدينية للوقف يمكن القول، بأن الوقف الاباضي هو تكريس شيء ما ووقفه بصفة دائمة لغاية أو أمر هي أحب إلى الله، وبهذا المعنى يكون الوقف نتيجة أو وسيلة لتكريس شيء ما من اجل الله وليس هدفا في حد ذاته، في الطقوس السنية لا ينظر المسلمون إلى الأحباس إلا على وجه الوقف ويعتبرون تكريسها من أجل الله أمرا ثانويا (...)(3) .
__________
(1) دراسة حول الوقف الاباضي وتطبيقه في المزاب، سلف ذكره
(2) نفس المصدر 185
(3) نفس المصدر186- 187 (1/13)
صفحة 14
…في الختام يؤكد مرسيي Mercier على أن الوقف لدى اباضيي المزاب يشكل نموذجا حيا لممارسة دامت آلاف السنين وهي أقرب إلى تلك التي أفرزتها القرون الأولى من الإسلام، وقد حافظ عليها الاباض بغيرة في وجه العادات والتقاليد البربرية ويسجل: "صرح ماسكراي Masqueray بأننا محظوظون بعثورنا في المزاب على قطعة متجدرة في القدم. فهذا الشعب المحافظ للغاية كان بإمكانه أن ينقل إلينا أيضا من منظور قانوني عادات ألفية (...) فلو أن هذا القانون نفسه استفاد في بلورته من نبوغ البرابرة لتحول بشكل كلي في مضمونه على كل حال فالميولات. التقدمية للفقه الإباضي احتكت بتطور الأعراف القبلية، غير أن الإسلام طبع هؤلاء الخوارج في العمق وهم منذ القدم يمثلون قمة التشريع وعلوم القانون التي اكتملت مبادئها في الأصل. (1/14)
صفحة 15
…تقريبا وبموازاة لأبحاث الفرنسيين حول القانون الاباضي في الجزائر(1)، ظهرت أعمال أدوار دساشو Eduard sachau حول قانون الاراثة لذا الأقلية الاباضية في شرق إفريقيا وزنجبار التين كانتا في تلك الفترة تحت الاستعمار الألماني(2). وقد اعتمد ساشو في دراسته لهذا القانون على مختصر أبو الحسن علي ابن محمد البسيوي أو البسياني(3)، الذي عاش في القرن 5هـ/ 12م، وترجم منه الفصول الخاصة بالميراث والوصية مع التقديم لهذه الترجمة بتحليل نقدي وجيز للنص. ويعلن ساشو أنه وجد نفسه أمام مؤلف في مادة القانون دون المستوى: فالمادة المطروحة تحمل في طياتها متناقضات ولا تخلو من التكرار، فالكاتب لم يكلف نفسه عناء تنسيق المصادر التي اعتمدها ولا مراجعة ما كتبه. وبالرغم من ثراء الأمثلة التي يوفرها المختصر فهو تشوبه عدة نواقص ومنها على سبيل المثال: عدم تناوله بالدرس الحالات التي تكون فيها الرابطة الأسرية ضعيفة بين الموروث ومن يحق لهم الإرث، الحالات التي يرفض فيها الوارث الإرث وحالات إنماء هذا الإرث. وفي الفصل الخاص بالوصية يشير بالكاد إلى مشكل الإقرار ( الاعتراف بالحق)(4).
2 ـ أطروحة ساشت Schacht وانتقادات روبنتشي Rubinacci وكولسن Coulson:
__________
(1) نفس المصدر188، امظر مسكري تكوين المدن عند الشعوب المستقرة الإفريقية باريز 1886 قانون المزاب 57
(2) ذكر Mohamedanisches Erberch nach der lehre der ibaditischen araber von zanzibar und ostafrika
(3) بروكلمان Brockelman ، كال II . 539
(4) نفس المصدر، ص، 163- 164 (1/15)
صفحة 16
…يتبين من خلال دراسات القانون الاباضي التي تناولناها بالبحث إلى حد الآن أن الهدف منها خاصة هو تمكين السلطات الاستعمارية من نصوص قوانين الأقليات الدينية الخاضعة لنفوذها. وأول محاولة لبناء نقدي للقانون الاباضي سجلها ساشت Schacht في مقاله "أصول الفقه المحمدي" أو أصول القضاء المحمدي"(1). نص هذا المقال أساسي في دراسة القانون الإسلامي فهو أثار ولا زال يثير ردود فعل متناقضة بين الباحثين، وقد انطلق ساشت من ملاحظة أن المدارس السنية لا تختلف عن مدارس الخوارج والشيعة بقدر ما لا تختلف عن بعضها البعض، ليؤكدان الطوائف الأولى التي كانت تعيش خلال القرون من الإسلام في اتصال مع أهل السنة لم تقم بأكثر من تبني الشريعة التي أفرزتها المدارس السنية مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة عليها ترمي في مجملها إلى تكييفها مع مسلماتها السياسية والعقائدية. ولا يخفي ساشت Schacht شكوكه حول نسب أصول عقائد الخوارج الصفر والاباضيين إلى التابعين: ـ بالتناوب ـ عمران بن حطان وجابر بن زيد اللذين ترد أسماءهما ضمن نقلة الحديث الذين يعترف بهم أهل السنة. ووجودهم هذا في سلسلة الإسناد لا يكفي لنسب عقيدة ما إلى الخوارج.
…وليبرز عدم وجود منظومة عقائدية اباضية جاء ساشت Schacht ببعض الأمثلة منها:
__________
(1) فصل8، قانون الخوارج 260- 261 (1/16)
صفحة 17
بناء على أحد المبادئ السياسية والعقائدية الخارجية والمرتبطة منها بقانون الحرب، يظهران النساء والقاصرين الذين كانوا يرافقون الجيش كان لهم الحق في نصيب من الغنيمة، وقد كان هذا رأي الأوزاعي أيضا في هذه المسألة، وان يكون الخوارج قد تبنوا هذه العقيدة فهو أمر يجد تعليله في ذكر أبو يوسف لسنة موجهة ضد الأوزاعي، يذكر فيها ابن عباس أن قائد الخوارج نجدة بن عامر كان يدعو إلى عقيدة مخالفة لعقيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالعكس من ذلك فالاباضيون يشاطرون المدارس السنية رأيها في كون النساء والقاصرين لا يستحقون إلا مكافئة. ومن هذا المعطى يستنتج ساشت Schacht أن العقائد القديمة للخوارج لم تشكل قط جزءا من المنظومة التي صاغها الاباضيون، فهؤلاء بالفعل اشتقوا قوانينهم من المدارس السنية في وقت دخل فيه رأي الخوارج المرتبط بقانون الحرب قيد النسيان.
تحدد العقيدة الاباضية 5 دراهم كحد أدنى من قيمة الأشياء المسروقة قصد إقامة الحد في السارق وهذا التقييم مستمد من القياس العراقي القديم الذي يعود أصله إلى النصف الأول من القرن الثاني من الهجرة والذي يستند على عدد أصابع اليد التي يجب قطعها للسارق حسب ما جاء في القرآن (سورة المائدة الآية 38)
يتم نسب الاعتراف باجتهاد الرأي إلى بعض الفرق الخارجية، ومنها الفرقة النجدية، والتي عاشت ما بين سنة 60 و70 من القرن الأول للهجرة، غير أن الأزارقة كانوا يرفضون هذا المبدأ ويفضلون التمسك بظاهر القرآن. وكلا الموقفين من هذه المسألة الجوهرية يفترضان قيام عقيدة شرعية وهو الشيء الذي لم يكن قد حدث بعد في القرن الأول من الهجرة. (1/17)
صفحة 18
لم يسلم موقف ساشت Schacht بخصوص قوانين الخوارج من الانتقادات، فروبرتو روبنتشي Rubinacci ، في دراسته " شعائر الطاهرة عند الإباضيين"(1) والتي اعتمد فيها على كتاب الوظائف والفروض للشيخ أبو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني الذي عاش في جبل نفوسا في النصف الأول من 6هـ/ 11م، (2) وإن كان يقبل بنظرية بداية التشريع الإسلامي مع نهاية القرن الأول الهجري، فهو يرفض القبول بقول ساشت Schacht بأن الخوارج لم يقوموا إلا بتبني العقيدة الشرعية التي أفرزتها المدارس السنية، أولا يلاحظ ارتباك ساشت Schacht حول الطريقة والفترة التي تم فيها التبني إذ يصرح في سنة 1950 بأن الخوارج تبنوا القانون الإسلامي
__________
(1) شعائر الطاهرة عند الاباضيين، في أيون. ن س. VI نابولي 1957، ص 1- 41، حول انتقادات أطروحة ساشت أنظر أيضا: تشلردو ." نظريات حول أصول القانون الإسلامي" أيون، روما 1990، 135- 119
(2) قارن: الشماخي، سير، 535 موضوع؛ بروكلمات Brockelman، كال Gal ، ذيل، I، 692. كان روبنتشي قد أشار إلى أهمية كتاب الوضع فيما يخص الشعائر الاباضية في مقال صدر له 1949م في: حوليات المؤسسة الجامعية للدراسات الشرقية بنابولي (خبر بعض المخطوطات الاباضية، ص 437) وتدارس روبتنشي من كتاب الوضع الذي يشكل معالجة مستفيضة لعادات شفوية تعود إلى القرن 2/8 درس منه بالإضَافة إلى الجزء الخاص "بشعائر االطاهرة، الجزء الخاص بالتوحيد" الجهر بالإيمان للجناوني عن ايون ـ ن. س 12، نابولي 1964، ص 553، 595) والجزء الخاص بالأذان (الأذان عند الاباضيين) في فوليا اوريونتليا 12 ، 1970، ص 279، 290) درست جوزبينا اكونتي Guesippina Igonettiالجزء الخاص بالحيض "دم الحيض حسب نص قانوني اباض قديم" في: "الدم وانتروبولوجيا التوراة عند آباء الكنيسة" روما 1981، ص 891- 906/ بينما درست أنا الجزء الخاص بالزكاة (شعائر- الصدقة عند الاباضيين) في دراسات مغربية 19، نابولي 1987، ص 1- 64) (1/18)
صفحة 19
"وهو لا زال في طور الإنجاز من طرف المدارس السنية"(1) في حين يؤكد في سنة 1955م "أنهم تبنوا نظام القانون الإسلامي ذو الأصول السنية بعد إنجازه كلية وذلك في النصف الثاني من القرن الثاني من الإسلام أو حتى أبعد من ذلك"(2)، عكس ما يدعيه ساشت Schacht، يرى روبنتشي Rubinacci: "بأنه كان للخوارج دور أساسي في نشأة القانون الإسلامي وقد حملهم على ذلك نظرتهم الجادة إلى الحياة وتشبثهم الشديد بالدين وليس من المستبعد، كما هو مؤكد في عقيدة المعتزلة التي تشكلت بالبصرة في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، أن تكون استنتاجات الخوارج في ميدان القانون والنقط التي أثاروها في جدالاتهم هي من أعطت الانطلاقة لتكوين المدرسة العراقية"(3). إبان القرن الثاني من الهجرة ولضعف الخوارج سياسيا ودينيا أصبحت مشاركتهم في نسج القانون تعرف بعض التقلص، غير أنه كان هناك تطور عقائدي خوارجي يوازي نظيره السني ويطرح نفس الإشكاليات التي يطرحها هذا الأخير وذلك بحكم بقاء الخوارج ولفترة طويلة خلال القرنين الثاني والثالث على اتصال بالطائفة السنية. ودعما لما تبناه روبنتشي Rubinacci، نجد أنه كان للحركة الاباضية رجالاتها في القانون بالبصرة أيام المدارس القانونية العتيقة كجابر بن زيد، المتوفى حوالي السنة المائة من الهجرة، وأبو عبيدة التميمي تلميذ جابر وخلفه في قيادة الحركة الاباضية وفي تطوير أعماله السياسية والعقائدية. أما فيما يخص علاقة الخوارج بالمدارس القانونية السنية، فروبنتشي Rubinacci يستدل بواقع حال الربيع بن حبيب ـ عاش في القرن الثاني ـ الذي كان يحضر في البصرة دروس علماء الطريقة الاباضية كأبو عبيدة، ودروس نظرائهم السنة كقتادة بن دعامة، أبو عوان، حماد بن سلامة.
__________
(1) الأصول، ص 260.
(2) "ما قبل الإسلام" 34 في كادوري ـ ليبسني Libsmy ـ القانون في الشرق الوسط واشنطن 1955
(3) شعائر الطاهرة عند الاباضيين" ، ص37. (1/19)
صفحة 20
…ولتفنيد الأمثلة التي جاء بها ساشت لإثبات عدم وجود منظومة شرعية لذا الخوارج، استدل روبنتشي Rubinacci بما يلي:
فيما يخص رأي الحركة الاباضية القاضي، وعلى بينة من الحركة النجدية، بعدم
وجوب اقتسام غنائم الحرب مع النساء والقاصرين الذين يتبعون الجيش خلال غزواته، فليس هناك ما يدل على أن الاباضيين الذين تتعدد اختلافاتهم العقائدية مع النجديين لم يكونوا يؤسسون منذ انشقاقهم من هؤلاء لمنظومة مختلفة حتى فيما يخص قانون الحرب.
التطابق الموجود بين المنظومة الاباضية وقياس المدرسة العراقية ـ النصف الأول
من القرن الثاني من الهجرة ـ في تحديد 5 دراهم كحد أدنى لقيمة المسروق من أجل إقامة الحد، يمكن تفسيره بكون المدرستين اكتسبتا نفس معايير التقييم من خلال السلوك المحلي السائد في البصرة وليس بتبعية إحداهما للأخرى.
المفارقة التاريخية التي لاحظها ساشتا Schacht في تصريح الأشعري(1) والقائل بأن بعض الخوارج كانوا يعترفون باجتهاد الرأي، و بمعنى أخر باستعمال العقل، في حين كان فيه بعضهم يرفضونه متشبثين بالمعنى الظاهر للقرآن، هذه المفارقة تقذف بتطور التشريع القانوني إلى الوراء وتعود به إلى القرن الأول من الهجرة وهو الشيء الذي ربما قد تفرزه مغالطة في استعمال المصطلحات. وبالفعل أن لم يكن هناك شك في أن الأشعري ينسب إلى الخوارج المعنى التقني الذي أحاط بكلمة الاجتهاد في فترة لاحقة فهذا لا ينفي في الجوهر استعمال الفرقة النجدية للرأي (المعيار الشخصي) الذي كان يعتمده أوائل الفقهاء السنة أيضا(2).
__________
(1) مقالات الإسلام نشر ريتار Ritter ليبسيا اسطنبول 1929-1930، 1 ، ص 105.
(2) " شعائر الطاهرة عند الاباضيين" 38-39 (1/20)
صفحة 21
فيما يخص مسألة المسح على الخفين أو المسح على الخفين باليد المبللة عوض غسل القدمين أثناء الوضوء والذي يسمح به أهل السنة في حالات معينة والذي يرفضه الاباضيون والشيعة معا، فساشت Schacht يوضح أن الجدل حول المسح نشأ في أوساط أهل السنة بين مؤيدي الحديث، الذين كانوا يقبلون به، ومعارضي مدرسة المدينة العتيقة الذين يرفضونه لكونه لم يذكر في القرآن. بالإضافة إلى هذا يؤكد ساشت Schacht أن الشيعة والخوارج لم يتخذوا موقفا من المسح إلا في بدايات القرن الثالث هـ، وبالفعل فالفقه الأكبر لأبي حنيفة الذي يمثل المرجعية العقائدية للسنة في القرن الثاني لم يشر بأي شكل من الأشكال إلى إشكالية المسح في حين كان يشير إلى بعض أوجه الاختلاف مع الخوارج والشيعة(1). فهي عقيدة يعود تاريخها إلى أوائل القرن الثالث هـ وتجسده وصية أبي حنيفة، أصبح المسح واجبا، القسم الأول من الأقسام الخمسة من الأفعال، مما يذل على أن الاختلاف حول المسح اتسم بالحدة إلى درجة أن يصبح نقطة اختلاف بين السنة من جهة والخوارج والشيعة من جهة أخرى(2). في القرن الخامس، الفقه الأكبر الثاني، تنحى المسح عن صفة الوجوب ليصبح سنة. (القسم الثاني من الأفعال). وفي الأخير وفي القرن السابع هـ اتفق المشرعون على اعتبار المسح جائزا أو مسموحا به(3). وكون موقف الخوارج والشيعة من المسح لم يوثق له قبل القرن الثالث هـ، حمل ساشت Schacht على القول بأن هؤلاء أي الخوارج والشيعة، لم ينسجوا لهم موقفا من هذه الإشكالية إلا في فترة لاحقة(4). ويرى روبنتشي Rubinacci أن استنتاجات ساشت Schacht قابلة للنقاش، وبالفعل "فغياب الإشارة في الفقه الأكبر الأول إلى الاختلاف مع الشيعة والخوارج حول إشكالية المسح يمكن تفسيره بكون السنة، ومع استمرار الاختلاف حولها
__________
(1) وينسنك Wensinck، عقيدة المسلم، كامبردج 1932- 103- 124
(2) نفس المصدر 129- 187
(3) نفس المصدر 192- 246
(4) الأصول 263- 264 (1/21)
صفحة 22
طيلة القرن الثاني هـ، كما يقول ساشت Schacht، لم يتبنوا بعد موقفا صريحا من هذه الإشكالية وحين أصبح المسح أمرا مقبولا لديهم تحول النقاش حوله إلى جدل مع الخوارج والشيعة الذين كانوا يرفضونه. وعلى كل حال وإن كان من غير الممكن مع غياب المصادر لإثبات أن الشيعة والخوارج كان لهم موقف من المسح في فترة سابقة لموقف السنة، فإنه لا شيء ينفي بأنهم قد يكونوا تبنوا موقفهم في تزامن مع موقف أهل السنة: كما لا ينفي وخصوصا اعتناقهم لتيارات فكرية مضادة للفكر السني ولا تقتصر على فريق دون الآخر بل كانت السمة المشتركة لمواقفهم جميعا.(1)
يرى روبنتشي أن النماذج التي جاء بها ساشت Schacht لا تؤكد بالضرورة وجود علاقة تبعية بين المنظومة القانونية الاباضية ونظيرتها السنية، وإن اعتبر فرضا أن الاباضيين اشتقوا بعض تعاليمهم من المدارس السنية، فهذا لا يعني بأنهم تبنوا مجمل تعاليم هذه المدارس، وعلى عكس ساشت Schacht فهو يوضح أن الاباضيين كانوا قد أسسوا منظومة قانونية خاصة بهم باعتبار ان أسس البناء التقني الذي تعتمده مدارس التشريع الأولى ـ اعتمدتها ـ ينبثق من المقتضيات الروحية التي تعج بها التشاريع الإسلامية وخاصة ما تعلق منها ببلورة الطقوس التي استفاض فيها الاباضيون،. ويأتي روبنتشي Rubinacci ببعض الأمثلة تبين نقط الاختلاف بين الاباضيين والسنة فيما يتعلق بالوضوء فقط ومن هذه الأمثلة:
التمييز في الماء بينما هو ملائم للاستنجاء وما هو صالح للوضوء .
وجوب الوضوء عند اعتناق الإسلام
__________
(1) شعائر النظافة عند الاباض 33 (1/22)
صفحة 23
التيمم بالماء في طقوس النظافة الدينية(1)
شرعية النية في غياب الوضوء والتيمم.
الاكتفاء بالمسح على اليد والكوعين في حالة التيمم بالتراب.
إقحام الجانب المعنوي للعمل السيئ ضمن نواقض الوضوء.
كل الأمور الأخرى المتعلقة بالضوء يقع عليها الإجماع مع أهل السنة، تارة مع
__________
(1) يلجأ إلى هذا النوع من الطهارة عند غياب الماء الكافي للوضوء وتكون بعقد نية الوضوء وغسل الأعضاء التي يطالها التيمم أي اليدين والوجه، وذلك بعد إزالة النجاسة، وتسمى هذه العملية بالتيمم لأنه لا يتم فيها غسل جميع الأعضاء التي يجب غسلها في الوضوء وتجد تبريرها في كلام الله الذي يسمح بالتيمم بالوضوء عند غياب الماء. لهذا إذا توفر شيء قليل من الماء وجب استعماله." شعائر الطهارة عند الاباضيين "31 ـ الشماخي، إيضاح I. 254 (1/23)
صفحة 24
هذه المدرسة وتارة مع الأخرى، ويعتبر روبنتشي اختلاف الاباضيبن مع أهل السنة حول الوضوء نابعا من تأمل أصيل وليس مجرد قبول بمبادئ اعتدت من قبل، لكن الدليل الملموس على استقلالية المنظومة القانونية الاباضية عن نظيرتها السنية منذ البداية يبقى حسب روبنتشي Rubinacci، هو ملاحظة أن الاباضيين لو كانوا تبنوا في نهاية القرن الثاني هـ النظام الشرعي الذي أعدته المدارس القانونية السنية لأعادوا كتابته على طريقة كتب السنة المنتمية إلى تلك الفترة. وهذا أمر تستبعده البنية الخاصة لكتاب الوضع الذي يستقدم على الفصل الخاص بمعالجة العبادات الفصل الخاص بالتوحيد. وهذه الخاصية تتردد في الكتاب من خلال الأهمية التي يوليها صاحبه إلى البعد الروحي للطقوس وعلى الخصوص للصلوات المرافقة لكل حركة والتي يقصد بها تعظيم الجزاء والعقاب الإلهي ويظهر لروبنتشي Rubinacci أن الجهد الذي قام به كتاب الوضع لإدماج ما هو قانوني بما هو خلقي قريب من التصور التوحيدي للعقيدة والقانون والأخلاق الذي سعى إليه أوائل علماء المسلمين، ولا يمكن اعتبار كتاب الوضع وليد الفترة التي عاش فيه الجناوني بقدر ما هو تسجيل لتقاليد شفوية عريقة تعود بحلقاتها في سلسلة الدين إلى أبو الزجير إسماعيل بن درار الغدمسي أحد حملة العلم الخمسة الذين تكونوا في البصرة على يد العلامة أبو عبيد التميمي وقدموا إلى المغرب في بداية النصف الأول من القرن الثاني للهجرة(1).
__________
(1) "شعائر الطهارة عند الاباضيين ص. 40-41 حول نقل تعاليم الطائفة الاباضية بالبصرة أنظر كروبي لروزا Crupi larosa " نقلة العقيدة الاباضية" في أيون نابولي 1954، ص: 123، 139 (1/24)
صفحة 25
…تجد الاستنتاجات التي خلص إليها روبنتشي فيما يخص نقاوة الطقوس دعما في دراسة هذا الأخير للأذان عند الاباضيين في شمال إفريقيا(1)، والتي يبين فيها أوجه التقارب بين العقيدة الاباضية ومدارس التشريع السنية بالإضافة إلى بعض أوجه الاختلاف بين هذه وتلك المدارس ويحصرها فيما يلي:
بالنسبة للمدارس السنية الأربعة، يعتبر الآذان الدعوة الأولى إلى الصلاة، الإقامة
الدعوة الثانية، من مبادئ السنة وليسوا فرضا في حين يعتبر الاباضيون من جهة الآذان والإقامة أمرا واجبا على الجماعة والمقصود بالجماعة ليس كل المسلمين وإنما الجماعة المقيمة حدات المسجد، ومن جهة أخرى مبدأ من مبادئ السنة حينما يتعلق الأمر بالأفراد ويمكن مراعاته في قرارة الأنفس(2).
حسب الاباضيين فإن التتويب الذي لا يجوز إلا في صلاة الفجر يكون بإعادة
الدعوات الأربعة الأولى من الأذان بعد أدائه: حي على الصلاة حي على الفلاح، الله أكبر، لا إله إلا الله، أما بالنسبة لأهل السنة فالتتويب قد يكون دعوة إضافية للصلاة يؤديها المؤذن بعد الأذان تقول: الصلاة رحمكم الله، أو بإقحام عبارات "الصلاة خير من النوم" ما بين الدعوة إلى الصلاة "حي على الصلاة" "الله أكبر" عند أذان الفجر(3).
…نظرية روبنتشي Rubinacci حول استقلالية العقيدة الاباضية ستجد دعما إضافيا من خلال دراستي لشعائر الصدقة(4) عند الاباضيين، والتي يظهر منها أن لهؤلاء فيما يخص الزكاة عقيدة متكاملة توحي، وحتى فيما يوحدهم فيها مع السنة، بأنهم أسسوا هذه العقيدة في موازاة مع المدارس السنية ولم يستمدوها منها. بالإضافة إلى هذا هناك اختلافات لا يستهان بها بين المدارس السنية والحركة الاباضية ومنها:
تحديد النصاب في البقر، قياسا على الجمال، في خمسة رؤوس وليس في ثلاثين كما هو متداول بين السنة والشيعة.
__________
(1) "الآذان عند الاباضيين" ذكر 2 .
(2) نفس المصدر 283.
(3) نفس المصدر. 283
(4) شعائر الصدقة عند الاباضية (1/25)
صفحة 26
استبدال ممتلكات خاضعة للزكاة بأخرى خاضعة لها أيضا لا ينفي حق زكاة السنة إن بقي في الأصل ما يعادل في قيمته 3 دراهم، 3 دنانير، 3رؤوس بهائم. ونفس الشيء جائز إن حدث وتعرض المفروض فيه الزكاة إلى خسارة تضعه تحت عتبة النصاب ثم تحولت الخسارة إلى زيادة. فالسنة الضريبية لا تنقطع إن كان المفروض عليه الزكاة يتوفر على الحد الأدنى الخاضع للنصاب، هذه القواعد تجد صدى في تعاليم المدرسة الحنفية غير أن هذه الأخيرة ينقصها الإشارة إلى الحد الأدنى الذي لا يجب تجاوزه لكي لا تنقطع السنة الضريبية.
المستفيد من الزكاة يجب أن يكون من بين الاباضيين وخاضعا للسلطة الدينية للولاية(1) لهذا فمن دفع الزكاة لجاب غير منتمي إلى الطائفة الاباضية فعليه دفعها من جديد إلى الفقراء الاباضيين، بينما يجب على الفرد المقيم في دار الحرب أن يعطي الزكاة إلى أحد أفراد شيعته وإن لم يجده فعليه أن يوصلها إلى إمام اباضي يوزعها بين فقراء الطائفة.(2)
__________
(1) تجب الولاية على الاباضي نحو:1) المؤمنين الحقيقيين عامة أولئك الذين مدحهم القرآن. 2) الإمام الصالح. 3) المتقون، ويقابل واجب الولاية واجب البراءة من: 1) الكفار عامة. 2) أولئك الذين ذمهم القرآن. 3) الإمام الغير الصالح. 4) الأشخاص الذين لا يستحقون وصفهم بالمؤمنين ويجد مبدأ الولاية والبراءة الذي هو نتيجة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يقابله لذا السنة فيما يخص الولاية نحو المؤمنون عامة ومعاداة الكفار شاملة دون غيره الشماخي، إيضاح، 2- ص 69؛ أبو الطاهر الجيطالي، قناطير الخيرات، القاهرة 1307م/ 1889م. ص16- 20. أيضا قواعد الإسلام غرداية، 1976، 2، ص54- 58. قارن أيضا مقالتي "من الذات إلى قوة الجماعة" الخلفيات الاقتصادية لتطبيق للولاية والبراءة عند الاباضيين في أبوان AIUON 14 نابولي 1999، ص70- 71
(2) شعائر الصدقة عند الاباضيين، ص 12، 19. 24، 26، 33، 34 (1/26)
صفحة 27
…وتواجه البنية التاريخية للقانون الإسلامي التي تقدم بها ساشت Schacht، انتقادات إَضافية من ج نويل كولسن Noel J. Coulsonفي مؤلفه "تاريخ القانون الإسلامي"(1) . ففيما يخص موقف ساشت Schacht من عقائد الخوارج والشيعة ينتقد كولسنCoulson، وقبل كل شيء ما يؤكد فيه أن هذه العقائد "لا تختلف عن تلك التي أفرزتها المدارس القانونية السنية بقدر ما لا تختلف عقائد هذه الأخيرة عن بعضها البعض" (الأصول 260) وهذا، يردف كولسن Coulson، يمكن أن يكون جائزا فيما يخص قانون الخوارج بينما ينطوي قانون الشيعة على خاصيات مخالفة تماما لمنظومة السنة والخوارج، بالإضافة إلى أن الخوارج وإن كانوا على بينة من المدارس السنية في بعض الأمور الهامشية فقط ويقبلون على العموم مبادئ هذه المدرسة أو تلك، فهم يتوفرون على منظومة قانونية متناسقة ذات روح وطابع خاص؛ كما لهم بموازاة مع الشيعة مجموعة من التقاليد تختلف عن تقاليد السنة وتتماشى والمعايير التي يدافعون بها عن عقيدتهم. ومن بين أهم هذه المعايير وجود ضمن سلسلة الإسناد لسلطة دينية يعترفون بها(2).
…3 ـ المباحث الجديدة في القانون الاباضي: النامي وويلكنسون Wil kinson
__________
(1) ادنبورغ Edinburgo 1964
(2) تأريخ القانون الإسلامي 109. (1/27)
صفحة 28
…في سنة 1971، تقدم عمر خليفة النامي إلى جامعة كامبردج « Cambridge » ببحث لنيل الدكتوراه تحت عنوان "دراسات إباضية"(1) ويمثل هذا البحث محطة تاريخية ذات أهمية في دراسة المنحنى العقائدي والقانوني الاباضي، ففي الفصل الخاص بالقضاء، ينتقد النامي نظرية ساشت حول اشتقاق القانون الاباضي من قانون المدارس السنية في فترة زمنية متأخرة. ويوضح على العكس من ذلك كيف أن الاباضيين ساهموا في نشأة القانون الإسلامي وطوروا منظومة قانونية تختلف في أشياء كثيرة عن تلك السنية(2). وقد اعتمد النامي في دراسته على البحوث التي قادها بنفسه على المخطوطات الاباضية والتي حملته إلى اكتشاف مؤلفات يعود تاريخها إلى القرون الأولى من الإسلام لم يوفق أي باحث قبله من وضع اليد عليها(3)، فاستطاع بذلك أن يبين أن الاباضيين بدءوا في وضع مؤلفاتهم القانونية بمواراة مع المدارس العتيقة للقانون، وبل كانوا أول من دون سنن التابعين والصحابة حسب ما جاء به المؤرخ الاباضي أبو زكرياء الورجلاني الذي تحدث عن وجود ديوان لجابر بن زيد المتوفى حوالي سنة 100 هجرية.
…يرى النامي أنه يمكن إعادة تأسيس المراحل الأولى من القانون الاباضي انطلاقا من المصادر التالية:
الجامع الصحيح للربيع بن حبيب
المدونة لأبي غانم بشر بن غانم الخرساني.
لديوان المعروض على علماء الاباضية، وهو مجموعة من السنن أوردتها سلطات اباضية وسنية في الكوفة والبصرة والمدينة.
روايات ضمام: مجموعة من السنن تعود إلى جابر أعاد كتابتها أبو صفر عبد الملك بن صفر في بداية القرن الثالث من الهجرة.
فتوى الربيع بن حبيب: مجموعة من آراء وتعاليم الربيع وسلطات علمية اباضية أخرى يعود تاريخها إلى القرن الثاني من الهجرة.
__________
(1) فيتنزوليام كولج « Fitzwilliam College » كامبردج بحث الدكتوراه 7538، نشر، بيروت 1332هـ / 1927- ص 73 .
(2) كتاب 1. ص 136- 200
(3) "مخطوطات إباضية حديثه من شمال إفريقيا"، ذكر (1/28)
صفحة 29
نكاح الشجار لعبد الله بن عبد العزيز.
رسائل الأماميين المؤسسين للحركة الاباضية، جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم.
قد استفاض النامي في تحليل بنيات ومضامين هذه المؤلفات موضحا الدور الذي قامت به السلطات الاباضية في جمع السنن والأعراف فالاباضيون يكتب النامي" ساهموا في ميدان الحديث بتدوين مجموعتهم الخاصة من الأحاديث والحفاظ عليها فكل مؤسسي الحركة وأعلامها كانوا كبار أهل السنة كجابر بن زيد، أبو نوح صالح بن نوح وحيان بن الأعرج(1) (...)"
وكما كان للاباضيين نهجهم الخاص في التفسير كان لهم مؤلفاتهم في جمع السنة التي يعتبر الجامع الصحيح أو مسند الربيع بن حبيب أحد أهمها لهذا يختم النامي قائلا: " لم يعتمد التشريع الاباضي خلال عمره الطويل إلا على مواد اباضية تناقلتها السلطات العلمية الاباضية دون اللجوء في أي وقت من الأوقات إلى مؤلفات أهل السنة في الحديث. في الحقيقة كان أبو يعقوب الورجلاني ـ عاش في القرن السادس ـ أول دارس أباضي من شمال إفريقيا يشير في أبحاثه إلى مصادر أهل السنة من الحديث. فإلى غاية زمان البرادي كان هناك عزوف اباضي عن اللجوء إلى مصادر أهل السنة من الحديث. في رسالته "الحقائق" نبه البرادي الطلبة الاباضيين من قراءة هذه المصادر، وهكذا نشأت المنظومة القانونية الاباضية من الموروث الذي تداولته السلطات العلمية الاباضية فحسب"(2)
__________
(1) دراسات 1، ص 146.
(2) نفس المصدر. ص 152- 153 (1/29)
صفحة 30
…ولا يكتفي النامي بالقول بأن الاباضيين لم يعتمدوا في تأسيس منظومتهم القانونية على تلك التي أفرزتها المدارس السنية، بل يؤكد أنه كان لهم السبق في ذلك. فحين توفي جابر بن زيد، مؤسس الحركة الاباضية، كان عمر آنس بن مالك حوالي ثلاث سنوات في حين كان عمر أبي حنيفة حوالي 12 سنة. وأما أوجه التقارب بين المنظومتين، الاباضة والسنية، فيمكن تفسيرها باعتمادهما نفس المصادر، بينما تعزى أوجه الاختلاف بينهما إلى الاختلاف في تفسير القرآن والسنة النبوية. ومن بين أوجه الاختلاف التي ذكرها النامي بعد هذا الطرح ما يلي:
المسح على الخفين: فعكس ما صرح به ساشت يوضح النامي أن الاباضيين كانوا قد تبنوا موقفهم من هذه المسألة منذ النصف الثاني من القرن الأول، وهناك أعراف تتعلق بموضوع المسح تعود إلى جابر بن زيد نقلها عنه أبو عبيدة التيميمي.
الاكتفاء بقراءة سورة الفاتحة في صلاتي الظهر والعصر.
رفض القنوت (الدعاء ضد الأعداء السياسيين) أثناء الصلوات اليومية.
تحديد المسافة التي توجب التقصير في فرسخين: حوالي ستة أميال مع الترخيص للمسافر إن كان مقيما بالتقصير إلا في حالة اختيار مقر إقامته وطنا له.
الحدث الأكبر إن كان في الصباح، فهو يستدعي وقف الصيام.
النصاب في البقر حدد في خمسة رؤوس.
إعطاء الزكاة لا يجوز في حق من لا تشمله الولاية.
وقوع الجماع قبل النكاح يشكل عائقا أبديا أمام زواج الزانيين.
حرمان السيد من إراثة العبد (1/30)
صفحة 31
إلغاء كل عقوبات الحد إلا ما تعلق منها بالإعدام في حالة الكتمان(1).
تحديد المبلغ الواجب أداؤه كتعويض عن الجروح إن لم تكن خطيرة انطلاقا من طول الجرح.
الوجوب على والي المرأة المقتولة أداء نصف الدم لعائلة المسفوح دمه بالقصاص(2).
__________
(1) ولدت قعيدة الطرق الأربعة للإيمان نتيجة للإضطهاد الذي عرفته الطائفة الاباضية: طريق الكتمان ويكون من غير الممكن الانتصار على أعداء الله وإعلان الإمامة ويقابله طريق الظهور حينما تكون الظروف ملائمة لإعلان الإمامة، كما يوجد طريق الدفاع ويكون حينما يكون خطر كبير محدق بالطائفة فيختار أعضاءها إماما مؤقتا ثم طريق الصراع حين تختار الطائفة القتال حتى الموت.
(2) دراسات، 1. ص 174- 188 (1/31)
صفحة 32
…فيما يخص إشكالية أصول القانون الاباضي نجد أن هناك موقف وسط بين ساشت Schasht والنامي وهو الذي تبناه ويلكنسون wilkinson. فبينما يعترف ويلكنسون wilkinson من جهة بوجود مصادر (بالأخص أثار ربيع من جيب ومدونة بوغانم الخرساني) تحتوي على مواد أصيلة يعود تاريخها إلى السلطات الاباضية في البصرة، ينتقد من جهة أخرى رأي النامي حول مساهمات جابر بن زيد في تأسيس المنظومة القانونية للاباضية(1). وهو ينطلق في ذلك من فرضية أن ليس هناك ما يثبت انتماء جابر بن زيد إلى الحركة الاباضية، فهو لم يكن في نظره ـ أي في نظر ولكنسون wilkinson ـ عضوا فعالا في فرقة الخوارج بقدر ما كان يتعاطف مع أفكارها. لهذا وحتى أن تم القبول فرضا بأن أوائل المشرعين الاباضيين ترعرعوا في مدرسته لا يمكن إرجاع الفضل إليه في تأسيس الشريعة الاباضية. فالدور الذي تنيط به المصادر جابر بن زيد في تأسيس القانون الاباضي ليس سوى نتاج عملية العقلنة التي قنن خلالها الجيل اللاحق من رجال القانون الاباضيين بعض القواعد مع نسبها إلى زيد بن جابر، ودور هذا الأخير مبالغ فيه وبأوجه شتى منها خاصة:
المغالاة في علاقاته بأبي مرداس بلال، قائد الجناح المعتدل من خوارج
البصرة، فقد يكون الرجلان تلقيا عن عائشة رضي الله عنها توبتها إثر الدور الذي لعبته في الصراع ضد علي بن أبي طالب. وقد يكون أبو بلال استشار جابر قبل أن يشعل فتيلة الثورة في البلاد العربية، غير أن جابر كان غائبا فترة اندلاع ثورة مرداس وحتى المصادر التي تناقلت موقفه منها تعمدت الإبهام.
التأكيد على المخاطر التي مر بها جابر أثناء حملات القمع التي قادها زياد
__________
(1) "التطور المبكر للحركة الاباضة في البصرة " ص 133- 136 انظر أيضا آداب دراسات اباضية في صفات الله" في ديانة. "التعلم والعلم في الفترة العباسية". ج بريس Press1990 . ص 33-39 (1/32)
صفحة 33
بن أبيه والحجاج ضد الاباضيين. وهنا يثير ويلكنسون wilkinson الانتباه إلى أن القادة الحقيقيين للحركة الاباضية، أبو عبيدة مسلم وضمام بن الصعيب، كانوا معتقلين في البصرة بينما كان جابر منفيا في عمان، وإن كان نفيه هذا موضوع شك. وبالفعل فحسب شهادة أبو عبيدة كان جابر قد توفي في البصرة في نفس السنة التي توفي فيها أنس بن مالك وذلك سنة 99 هجرية(1) أو سنتين قبل وفاة الحجاج وإطلاق سراح القادة الاباضيين. ولتجاوز هذه المفارقة التاريخية تعمدت المصادر وبشكل تدريجي تحديد تاريخ وفاة جابر في 96- 197 و 100 من الهجرة، ويعد هذا التصرف في تاريخ وفاة جابر وجها من أوجه المغالاة في دوره كأستاذ لأبوا عبيدة خلفه في قيادة الطائفة الاباضية. ويؤكد ويلكنسون wilkinson أن أبو عبيدة تتلمذ على يد جابر في فترة مبكرة من عمره بينما تؤكد المصادر التاريخية الاباضية أن أساتذته الأساسيين هم: ضمام بن الصعيب، جعفر بن السماك وشوهر العابدي(2).
في دراسته الموالية حول الحديث عند الاباضيين والتي عنوانها "الحديث
__________
(1) الجامع الصحيح (مسند الربيع بن جيب) نشر، عبد الله بن حميد السالمي، دمشق 1963 ، ص 193
(2) الشماخي، كتاب السير، ص 79- 81 (1/33)
صفحة 34
الاباضي، بحث في التقويم"(1)، يعود ويلكنسون wilkinson إلى نظريته حول العقلنة من خلال تحليل تطور القانون الاباضي، ويلخص أطوار هذه العقلنة فيما يلي: تكمن عملية عقلنة المدرسة الاباضية في تركيز الاباضيين على العلاقات المكية لجابر بن زيد وإعلانه مؤسسا للحركة، تنصيب أبو عبيدة خلفا له على رأس الطائفة التي يفترض أن يكون جابر هو مؤسسها، جعل الربيع الذي عاصر أبو عبيدة، وقد يكون أصغره سنا بقليل تلميذا له؛ تجواز ما تتلمذه الربيع وأبو عبيدة عن أستاذهما ضمام، بهذه الطريقة ثم تنصيب الربيع حاملا للعلم يدون ما تلقاه من تعاليم عن أستاذه أبو عبيدة الذي تلقاها بدوره عن العلامة الكبير جابر بن زيد على غرار أئمة الطائفة وهكذا ذلك"(2).
…وقد يكون مسند الربيع بن حبيب والذي وصلنا في الترتيب الذي وضعه عليه أبو يعقوب يوسف الأورجلاني (توفي 570هـ-1174م) قد يكون في نظر ولكنسون wilkinson هو ثمرة سياق العقلنة الذي حاول من خلاله الأباضيون مسايرة التطور الذي بلغته المدارس السنية ونتيجة التصرف "بما يرضي أهواءهم" في حلقات الاسناد، ويحتوي المسند في الفصلين الأولين على 742 حديثا، معظمها وارد في مصادر أهل السنة تناقلها بالإسناد وبالتدرج: جابر، أبو عبيدة والربيع بن حبيب(3).
__________
(1) Der Islam 17، 1985، ص 231- 259
(2) نفس المرجع ، ص 235
(3) اهتم ويلكنسون بالقضاء الاباضي أيضا من خلال دراسته لإمامة عمان وقد أبرز فيها دور القاضي في التوفيق بين الادات المحلية وما هو مدون في نصوص التشريع. "عادة إمامة عمان" ج. كامبردج برس، 1987- 199 انظر أيضا لنفس الكاتب " صحار عند بداية الإسلام : البرهان المكتوب"، ص 899- 905 (1/34)
صفحة 35
…يعتبر أجوستين تشلردو Agostino cilardo من منظور زمني آخر من اهتم بالقانون الاباضي في خضم أبحاثه في التطور التاريخي لقانون الإراثة الإسلامي. ويقول بأن هناك في نصوص القانون الاباضي تطابقا مع القائد الموجودة في كتب الحديث والمراجع القانونية السنية ولكن في نفس الوقت يلاحظ استقبال هذه النصوص لقواعد تتطابق وممارسات المحيط الذي عاش فيه المشروعون الاباضيون واشتغلوا فيه وتشكل هذه القواعد نوعا من الحداثة في القانون الإسلامي تعطي الانطباع بالتواجد أمام مرجعية قانونية لممارسات محلية وليس أمام دليل للقانون الإسلامي. ويلاحظ في حالات أخرى أنه على العكس هناك عودة إلى عقيدة المدارس السنية، ومن بين الأمور الحديثة التي جاء بها بعض المشرعين الاباضيين في غياب علاقة الوارث بالموروث فيما يخص العبد وسيده وبحكم هذا الغياب لا يرد السيد ضمن الورثة المحقوقين بإراثة العبد. وتعطى الأهمية في هذا المضمار لهوية العبد، فإن كان العبد الهالك هنديا أو نوبيانيا وفي غياب من يرثه فإن أهل بلده يرثونه(1).
__________
(1) نظرية 211، "وضعية الجد في منظور القانون الألماني وقانون الإراثة الإسلامي الخاص بالأخوة من الأب" في إيوان، جزء 50 إضافة ن ر. 63 نابولي، 1990، ص 21. "إراثة العبد، إعادة الاعتبار" نفس المصدر/ ص 55 " نقل السيادة في القانون الإسلامي". في: "أشغال المؤتمر الخامس عشر الاتحاد الأوروبي لدارسي العربية والإسلام. أوترخت شتنبر 13 إلى 19- 1990، قانون الإراثة الإسلامي في المدارس السنية (الحنفية، المالكية، الشافعية والحنبلية) وفي المدارس القانونية الزيدية، الظاهرية والاباضية: نماذج. روما- نابولي ، 1994 ص 475- 476. (1/35)
صفحة 36
…من خلال ما سلف ذكره، وبعد تجاوز طرح ساشت Schachtحول أصول القانون الاباضي، يظهر أن الحلول المقترحة لحل إشكالية أصول هذا القانون اثنين: الأول هو الذي اقترحه روبنتشي وأقره النامي ونقحه أن الاباضيين قد يكونوا هم من أعطى الانطلاقة لتأسيس القانون الإسلامي وذلك لسبقهم في جمع السنن، والثاني هو الذي تبناه ويلكنسون wilkinson والذي يناقش دور جابر كمؤسس للحركة الاباضية ويحدد بدايات تشريعها في فترة الربيع (أواسط القرن الثاني من الهجرة)، وقد عارض ولكنسون wilkinson إلى جانب النامي القبول دون قيد شرط بصحة المصادر العريقة الاباضية. والسؤال الذي يجب طرحه هو: كيف يمكن اتخاذ موقف من هذه النظريات المتناقضة جزئيا والمبنية على دراسات معمقة لمصادر اباضية يعود تاريخها إلى القرون الأولى من الإسلام؟
…فيما يخص أصول القانون الاباضي يجوز التسليم بأصالة النصوص التي تضم هذا القانون إلى غاية ثبوت عكس ذلك، فمن خلال دراسة مقارنة يتبين جليا تضارب الأحاديث المتعلقة بنفس الموضوع من حيث طبيعتها ومضامينها والفترة الزمنية التي تنتمي إليها. لكن وبمجرد تحديد الفترة الزمنية التي دخلت فيها سنة من السنن لتشكل جزءا من الموروث القانوني الاباضي، يمكن الرجوع إلى المصادر السنية للتمييز بين الحالات التي تمت فيها، وبشكل سلبي، سياقة هذه السنة من هذه المصادر؛ وبين تلك التي تكون فيها أوجه التشابه وليدة أعراف أو نتيجة ارتباط هذه السنة بنفس السلطة العلمية من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. (1/36)
صفحة 37
…دراستنا هذه التي تنطلق من أبحاث رونتشي Rubinacci تقف في الوسط بين موقف النامي وموقف ويلكنسون wilkinson، مع هذا الأخير نتفق حول أن مسند الربيع ليس وليد عقيدة المدرسة الاباضية المتمركزة في بصرة القرن الثاني من الهجرة وأن المواد الأصلية التي خلفها أوائل مشرعي الاباضية يجب البحث عنها في مصادر أخرى، وبالدرجة الأولى في جوابات جابر بن زيد، أقوال قتادة، بن دئامة وأثار وفتاوي الربيع. وسنتناول بالتحليل في غضون الفصل القادم بنيات ومضامين هذه المؤلفات التي لم يطلها النشر بعد، وذلك قصد إيجاد مخرج لإشكالية أصالتها. وسنهتم بالمسند في فصل خاص لما يشوب نسبه إلى الربيع من شكوك.
…في نظرنا يجب رفض أطروحة ويلكنسون wilkinson التي تقلل من أهمية دور جابر في تكوين القانون الاباضي، ففتاوى جابر تضمها مصادر لم يشكك بعد في صحتها. وهذه المصادر نفسها تنسب إلى جابر بعض الأحكام التي لم يتبناها القضاء الاباضي مما ينفي فرضية نسب أحكام تمت بلورتها فيما بعد إلى جابر.
…فالأجيال الأولى من المشرعين الاباضيين تمسكت بتعاليم جابر كما سنلاحظ ذلك ولهذا وحتى إن كان من غير الممكن نسب تأسيس المدرسة الاباضية إليه فمن اليقين أنه هو من حدد رواسي العقيدة الشرعية للطائفة الاباضية بالبصرة.
الفصل الثاني:
( بدايات التشريع الاباضي في البصرة (
…1 ـ جابر بن زيد (1/37)
صفحة 38
…وجدت الثقافة الإسلامية عند نشأتها في بصرة القرن الأول من الهجرة أحد مراكزها الحيوية. فالمدينة تتميز ببنية اجتماعية مركبة ساكنتها يطبعها تواجد عرقيات مختلفة (خاصة الموالي م أصل إيراني) هذه العرقيات التي صهرت ثقافتها بالثقافة العربية وإن لم يتم ذلك دوما بطرق سلمية ودون أحقاد، فأعطت لهذه الأخيرة نشاطا وحيوية جديدين. ففي البصرة بدأ العلماء والفقهاء يتبادلون الرأي حول إشكاليات الإيمان والعقيدة. وقد ساهم الاباضيون، الجناح المعتدل من الخوارج الذين وجدت عقيدتهم المبنية على المساواة أرضية خصبة في استياء الموالي(1)، ساهموا في هذه النقاشات التي تشكلت منها النواة الأولى لعلوم الدين وعلم الكلام والتشريع والتصوف الإسلامي.
…وقد استمدت الطائفة الاباضية اسمها من عبد الله بن أباض الذي يحتفظ له برسالتين وجههما إلى الخليفة عبد الملك بن مروان في نهاية القرن الأول من الهجرة، ويوضح له فيهما مبادئ العقيدة الاباضية(2)
__________
(1) ويلكنسون wilkinson "بداية تطور الحركة الاباضية في البصرة" ص 137؛ –Savage- البقاء عبر الأحلاف تأسيس الاباضية " في : المذكرة الإنجليزية للدراسات الشرق أوسطية 1 NR 1990، مقال 8. (ووء) كتب الكثير عن بصرة القرون الأولى من الإسلام وعن دورها كمركز لهذه العقيدة الجديدة نذكر منها بالأخص بلات pellat، "الوسط البصري وتكون جابر" باريس 1952، صالح أحمد العلي، التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري، بغداد 1953.
(2) يحتفظ برسائل ابن اباض في كشف الغمة الذي يحتمل أن يكون مؤلفه سرحان بن سعيد بن سرحان، اباضي من عمان، كان ساشوة Sachau أول من أورد خبر هذه المراسلة وقدم تلخيصا لها
Uberdie religiose Anschaugen der ibadischen Muhammed amer in Oman und Ostafrika « in mit. Sem. Orient Sprach, II 1899, Ab, 2; 52.
وترد الرسالة الأولى في كتاب الجواهر للبرادي (155) ووء، وقد ترجم هذه الرسالة وقدم لها روبنتشي "الخليفة عبد الملك بن مروان والاباضيين"، ابون، ن س، 5 نابولي 1954، شكك كوك COOK في صحة رسائل ابن اباض (خاصة الثانية منها في: العقيدة الإسلامية في بداياتها، كمبردج نشر الجامعة 1981، ص 51-67، توجد حجج ضد رأي كوك في أعمال روبنتشي التي سبقت الإشارة إليها وساشو و?ـان ايس:
( Van Ess, « Das Kitab al Irga – Des Hassan B. Muhammad Bi. Alhanafiyya (Nachtrage in Arabica XXII, 1975, 50 وأيضا" Zuischen Hadit and teologie. P Supp Ader Islam V.P, Anfange Maslimischen) (1/38)
صفحة 39
. ووضع أسسها أبو الشعتاء جابر بن زيد (ولد في 18 أو 21ه/ 639م أو 641م وتوفي حوالي السنة المائة من الهجرة) خليفة ابن اباض وهو أحد أعضاء قبيلة بنو يحمد(1)" شنوءازد". وقد يكون وبكل احتمال،أحد الموالي.
__________
(1) ابن سعد: كتاب الطبقات الكبير نشر ساشو ليدا بريل (sachau, leida,Brille) 1904 ج 7 ص 130- 132 أبو نعيم، حلية الأولياء، نشر القاهرة 1933 mr 213 ، الذهبي تذكرة الحفاظ، نشر عبد الرحمن بن يحيى اليمني حير باد 1968 67، ابن هجر الاستقلابي: تهذيب التهديب، نشر بيروت 1968، ن ر، 61: الدرجيني طبقات: ص 210- 211: الشماخي: سيرة ص 76- 77، أنظر إضافة إلى الببليوغرافيا التي قدمها روبنتشي/ جابر بن زيد في الموسوعة الإسلامية EI، ص 36. نضيف إليها: النامي: دراسات في الاباضية، عمان 1978 ص 86- 102، خليفات عواد: نشأة الحركة الاباضية، عمان 1978، ص 86- 102؛ سعيد بن خلف الهروشي: في "الفقه الإسلامي"، عمان 1988، أيضا "فقد الإمام جابر بن زيد"، عمان 1984؛ يحيى محمد بكوش: مدرسة جابر بن زيد وأثارها في الفقه الإسلامي، عمان 1988، أيضا فقه الإمام جابر بن زيد جزء 2، غرداية 1988؛ درويش أحمد "حياة من أجل العلم"، القاهرة 1991؛ و?ـان ايس:
Vau Ess ; theologie und Gesellschat im, 2 und 3 Jahrhundert der hidschra, 6 voll Berlin Newyork 1991-1995, 2, 190 (1/39)
صفحة 40
…وتعترض بعض المصادر السنية انتماء جابر إلى الحركة الاباضية.(1) ويجد هذا الاعتراض تفسيره في كون الطائفة الاباضية لم تكن عند ولادتها منفصلة لا إيديولوجيا ولا ماديا عن الطائفة السنية. ولم يحدث هذا الانفصال إلا بعد جيل جابر بسبب تفاقم الاختلافات العقائدية بين الطائفتين وتحول مراكز القرار إلى ضواحي الإمبراطورية الإسلامية. فأوائل الاباضيين (ويستحسن الحديث عن بروتو اباضيين) عاشوا في المناطق التي عرف فيها القانون الإسلامي نشأته: البصرة الكوفة والحجاز أيضا. وكان ذلك يحدث في اتصال وثيق مع حملة العلم في تلك الفترة وتبادلوا معهم الرأي والتعاليم. فالحسن البصري وابن عباس كانوا أساتذة لجابر إن لم نقل أصدقاء له، بينما كان لجابر تلامذة سنيين أمثال قتادة بن دعامة السادوسي، عمر بن دينار، عمر بن حريم وأيوب السحتياني(2)، وبعكس احترام وتقدير هؤلاء لجابر السمعة الطيبة التي كان يتمتع بها الرجل: فحسب عمر بن دينار كان جابر يمثل أعلى سلطة في إصدار الفتاوى(3)، أما ابن عباس فقد سأله رجل من البصرة في مسألة شرعية فقال له: "لماذا تسألونني وبين ظهرانيكم جابر بن زيد"(4) وهكذا علق قتادة على وفاة أستاذه "اليوم تم دفن من كان يحمل العلم فوق وجه الأرض"(5)، وإن كان هذا هو سيط فقه جابر فلا غرابة أن يكون أهل السنة
__________
(1) ابن سعد طبقات، 7 ، ص 132؛ أبو نعيم، حلية، 3، ص 89
(2) الذهبي، تذكرة 1. س ر 67؛ ابن هجر، تهذيب، 1، ص، 61؛ أبو نعيم، حلية. ص 3، ن ر 213؛ سالم الحارثي، العقود الفضية في أصول الاباضية، مسقط 1983، ص 103
(3) الذهبي، تذكرة، 1 ص 172؛ أبو نعيم، حلية، 3 ، ص 86.
(4) أيضا تنسب مقولة بنفس الصيغة أيضا لجابر بن عبد الله الأنصري.
(5) الذهبي، "تذكرة 1. ص 72. نفس الموقف نقلته مصادر اباضية فحسب الحارثي (عقود ص 103) قد يكون قتادة قال: "اليوم مات أكبر العلماء العرب" في سير الشماخي هذه المقولة تنسب إلى أن بن مالك (70). (1/40)
صفحة 41
والاباضيون يعترفون معا بسلطته. وفضلا عن ذلك يعتمد انتقاد انتماء جابر إلى الإباضية على تصريح ينسب إليه وإن يشكك ابن هجر الاسقلاني في صحته. ففي كتاب الطبقات لابن أسعد يستفاد أن عزة الكوفي قال: زرت جابر بن زيد وقلت له إن الاباضيين يؤكدون أنك منهم، فأجابني:"حد الله ما بيني وبينهم"(1) وكما يوضح النامي، وبإسهاب فإن هذا التصريح وأمثاله مما ينفي فيه جابر أن يكون أباضيا يجب التعامل معه على أساس أنه وليد اجتهادات سنية لاحقة لنزع صفة الكفر عن جابر وضم الموروث المنقول تحت سلطته إلى دائرة السنة(2).
…ويطرح ويلكنسون فرضية تفخيم دور جابر في تأسيس العقيدة الاباضية من طرف الأجيال اللاحقة التي قد تكون وثقت بعض الإحكام واسندتها إليه متبعة في ذلك منهج "الرجوع إلى الوراء" الذي تلاحظ آثاره في كل التشريعات الإسلامية.(3) ويبقى رأي ويلكنسون متناقضا ولو في جزء منه بسبب عدم تبني العقيدة التي أفرزتها المدرسة الاباضية في فترة لاحقة لبعض الآراء والأحكام الشرعية التي تنسبها مصادر إباضية إلى جابر(4)، وكمثال على ذلك:
1 ـ منع الزواج قبل البلوغ وبين البالغ ومن هو غير بالغ سواء كان ذكرا أو أنثى.
2 ـ الخلع(5) يفسخ عقدة الزواج دون وجوب النطق بالطلاق(6).
__________
(1) ابن سعد، طبقات، 7، ص 132؛ ابن هجر، تهذيب، 1، ص 38.
(2) دراسات. 1. ص 56- 68
(3) الحركة الاباضية، ص 135- 136
(4) الحارثي: عقود 102
(5) هكذا يطلق على الطلاق الذي تستفيد منه الزوجة مقابل تعويض مادي
(6) هكذا يعلل جابر(...) فبمجرد أن يأخذ الزوج المال ويقبله، فهو يتخلى عن سلطته على زوجته (فقد اختلع من أمرها) ولا يبقى له عليها سلطان" جوابات جابر بن زيد. رسالة لعبد الملك بن المهلب: 89 أنظر أيضا نفس المصدر 89 ب 19، في غضون هذا الفصل سنشير إلى الجوابات بحرف ج . (1/41)
صفحة 42
3 ـ الزواج من ابنة عم الزوجة حرام(1).
4 ـ وجوب أداء الزكاة على غلة الزيتون.
5 ـ الجارية أم الولد لا تباع.
6 ـ يمكن للعبد ترك وصيته إن وافقه سيده على ذلك.(2)
…من المصادر الرئيسية في آراء جابر ورواياته نجد:
1 ـ جوابات جابر بن زيد وهي عبارة عن مجموعة من الرسائل بعث بها جابر إلى أصدقاءه واتباعه يوضح فيها رأيه الشرعي بخصوص إشكالات مختلفة، وهي تشكل أقدم نص شرعي اباضي.
2 ـ أثار الربيع بن حبيب.
3 ـ فتاوى الربيع بن حبيب
4 ـ مسند الربيع وهو متوفر في نسخة رتبها أبو يعقوب الورجلاني (مات 570هـ/ 1174م).
5 ـ الروايات التي نقلها عمر بن دينار وعمر بن حريم والتي يحويها الجزء الخامس والسادس من أقوال قتادة بن دعامة.
6 ـ كتاب الصلاة رواه حبيب بن الجرمي عن عمر بن حريم عن جابر ويضمه الجزء الأخير من أقوال قتادة.
__________
(1) أقوال قتادة بن دعامة، 16 92، في غضون هذا الفصل سنشير إلى هذا المصدر بحرف ق .
(2) أقوال قتادة، ق 1236 نفس الفتوى لجابر نجدها مذكورة في فتوى الربيع بن حبيب. 6210 لاحقا سنشير إلى هذا المصدر بحرف ف حق العبد في ترك الوصية جاء نتيجة اعتراف المشرعين الأوائل الاباضيين له بقصور شبه كلي في حيازة الممتلكات. (1/42)
صفحة 43
7 ـ كتاب النكاح الذي جمعت فيه أراء جابر في موضوع الزواج. من أورد هذا الكتاب غير معروف ولكن وبما أنه يوجد في مخطوط كتاب نكاح الشجار لعبد الله بن عبد العزيز فمن الأرجح أن يكون هذا الأخير هو من نقله.(1)
__________
(1) الأعمال المشار إليها أعلاه، باستثناء مسند الربيع وجوابات جابر بن زيد، تشكل جزءا من مجموعة مخطوطات اباضية معروفة ب: الديوان المورود على علماء الاباضية ويشير النامي إلى أنها من بين المصادر الأساسية التي يمكن اعتمادها في استقاء المعلومات حول الفقه الاباضي في القرون الأولى من الإسلام، وقد تمت الإشارة إلى ثلاثة نسخ من هذه المجموعة: إثنتان يحتفظ بهما في الخزانة البارونية بجربا (تونس) والثالثة في دار الكتب يحتمل أن تكون جزءا من وكالة الجاموس: الوقف الذي تم إحداثه من أجل الاباضيين الدين كانوا يلتحقون بالأزهر من أجل الدراسة، (مصر القاهرة) يجهل من جمع مواد ديوان المورود ويرى النمي أن الأمر قد يتعلق بأبي غانم الخرساني الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني من الهجرة، وذلك لكونه منقول عن نفس سلطات المدونة، العمل الرئيسي لأبي غانم، دراسات، 1، موضوع 159، حيث يقدم النامي جردا للمخطوطات مرفوقة بمعلومات حول مضامينها، وقد قدم النامي وصفا جيدا لهذه المخطوطات سنة 1970 في: "وصف مخطوطات اباضية جديدة من شمال إفريقيا". اهتم بالمخطوطات الاباضية أيضا و?ـان ايس:
Unter suchungen Zu einigen Ibaditischen Hand schriften e.Nacht nage
وولكنسون: الحديث الاباضي، "درس في التطبيع " والذي اقتصر في دراسته على آثار الربيع بن ح. (1/43)
صفحة 44
…يتحدث المؤرخون الاباضيون عن ديوان لجابر وهو عبارة عن مجموعة من الفتاوى والأجوبة قد يكون جابر نسخها بنفسه، وكان يحتفظ بنسخة منها في مكتبة الخليفة العباسي هارون الرشيد (786- 809)(1). وحسب رواية الوسياني فإن أبو عبيدة وضع يده على هذا الديوان بعد وفاة جابر وخلفه للربيع الذي خلفه بدوره لأبي سفيان هذا الذي خلفه بدوره لأبيه محمد(2) وقد تم طبع نسخة منه في مكة، غير أنها مفقودة، في بدايات القرن الثالث الهجري. حمل نفاط فرج بن نصر (الذي تستمد منه الطائفة النفاطية اسمها) ديوان جابر إلى جبل نفوسة لنسخه غير أنه فضل إتلافه حتى لا يقع بين أيدي ولات جبل نفوسة والأئمة الرستوميين الذين كان على خلاف معهم(3)، ويؤكد مصدر سني أيضا وجود ديوان جابر؛ فمؤلف كتاب كشف الظنون أشار إليه وإن لم يشر إلى المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة(4). وهذا قد يؤكد ما ترويه كتب التاريخ الاباضية وإن كان منسوجا بعناصر خرافية.(5)
__________
(1) أبو زكرياء الورجلاني، سير ترجمة ر. لوتورنو le tourneau في المجلة الإفريقية 14. 1960 . 326: الدرجيني طبقات 1. ص 80-82" خليفة نشأة، ص 88-89
(2) أيضا . 89
(3) أبو الربيع الوسياني، سير سموكر زوسكي Smogorzewski– كركوفيا 277 00K 148؛ الدرجيني طبقات، 1. ص 80- 82: خليفة نشأة، 89.
(4) حاجي خليفة (مات 1067هـ/ 1607م)، كشف الظنون، اسطانبول 1310 ، 1، ص 507 (ش ف بروكلمات كال ج. 427 . 2. 635)
(5) تحيط الأسطورة بمصير ديوان جابر وبوصوله إلى جبل نفوسة وحتى بحجمه في المصادر الاباضية. فالأمر قد يتعلق بعمل موسوعي ينقسم إلى عشرة أجزاء يقتضي حمله عشرة بعير، خليفة نشأة في 88- 89 السيابي: إزالة الرعطاء عن أتباع أبي الشعتاء، عمان القاهرة 1997. ص16. يقترح النامي أن مؤلفات جابر، كتاب الصلاة وكتاب النكاح التي يضمها اليوم الديوان المعروض كانت في الأصل جزءا من ديوان جابر بن زيد، دراسات،1.ص146-147 (1/44)
صفحة 45
…إذن وباستثناء الجوابات فإن فتاوى جابر وأجوبته وصلتنا بالصيغة التي رواها بها تلامذته عبر قناة إسناد اباضية (ذمام بن الصعيب، أبو عبيدة، أبو نوح صالح، حيان الأعرج، وآخرون) وأخرى سنية (قتادة، عمر بن دينار، عمر بن حريم) تعتبر أراء جابر الشرعية ثمرة مزاولته لمهام المفتى هذه المهنة التي أكسبته سيطا عظيما. يروي حيان الأعرج أنه سمع ابن عباس يقول: "جابر بن زيد أكثر الرجال علما فيما يخص الطلاق"(1). وقد كان، وإن كان ذلك لأمد وجيز إذ أضافت المصادر أسماء أخرى إلى جانب اسمه، كان الوحيد الذي كانت له صلاحية إصدار الفتاوي في البصرة، وكما يروي إياس بن معاوية: "كان جابر بن زيد المفتي الوحيد في البصرة"(2)
__________
(1) الشماخي: سير ، ص 70.
(2) ابن سعد، طبقات، 7. ص 131. (1/45)
صفحة 46
…للإعراب عن رأيه الشرعي كان جابر يعتمد على القرآن والسنة، فلا يأخذ بالرأي إلا إذا كان مبنيا على روايات صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمكن استنباط معلومات شتى حول الطريقة التي يتبعها جابر في صياغة آراءه من الجوابات. هذه التي تشير فيها كلمة السنة إلى الأعراف المحلية(1)، وتتردد بمعنى ممارسة مقبولة عموما لدى الجماعة. "كل ما يخالف السنة فهو غير مقبول" يكتب جابر بخصوص وجوب إعادة الصلاة على المؤمن في حالة كان من تأممها لم يحترم القواعد"(2) (ج 70أ28).
…في سلم الأصول يتبع الرأي السنة وهذا ما يوضحه جابر في رسالته إلى عنيفة: ليس هناك (في نسج الآراء الشرعية) إلا ما يتناقله الرجال بعضهم عن بعض. فيما يخص رأيي الشخصي فلا أهمية له بيننا" (ج (69ب 23).
__________
(1) جابر (ج 73 ب 17) سئل من طرف مالك بن أسيد، أباض من عمان، حول قبول إعطاء أشجار النخيل كمهر، فأجاب بأنه جائز إذا تم تحديد ثمن كل نخلة حسب الأعراف المحلية (على سنة أرضكم)
(2) خلال القرن الأول والثاني، لم يكن الوعي الديني الإسلامي يطفي على كلمة السنة دلالة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل المعنى العام لعرف أو ممارسة يومية، في كتاب: الأرجاء لحسن بن محمد بن الحنفية تتردد كلمة سنة بمعنى "ممارسة صالحة متعارف عليها" ضدها البدعة (تحديدا وأحسن ما يخالف القاعدة" والرسول يشار إليه دائما إلى جانب الخليفتين الأولين (?ـان ايس في ارابيكا، 11، 1974، ص 21- 25) في رسالة أبو حنيفة إلى عثمان البتي (مات حوالي 143/ 760) تردد كلمة سنة بمعنى "الممارسة الاعتيادية للجماعة" ولا فصل بين الرسول وصحابته: "فاعلم ان هذا القول بدعة وخلاف للنبي والصحابة" نشر الرسالة إلى جانب العالم والمتعلم م.ز الكوثري، القاهرة 1368/ 1948، حول كلمة سنة قارن: 36 ووء (1/46)
صفحة 47
…فمساهمة المشرع الواحد بآرائه واجتهاداته في بلورة الأحكام الشرعية تعرف حدودها عند آراء من سبقوه خاصة الصحابة منهم. فبحكم معرفتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم يرى فيهم جابر الحملة الحقيقيين للعقيدة. فهو يكتب لعبد الملك بن المهلب: "يستحسن رأي السابقين فالتابع لا يجب أن يتوقف عن الاعتراف بأفضلية من سبقه. ويستحق هذا الاعتراف أكثر غيرهم المهاجرون والتابعون لهم بإحسان بحكم أنهم عاينوا عن كتب حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقوا عنه العلوم. فمن واجبنا إتباع خطواتهم واقتفاء أثارهم (ج 89 ب13) وعن نفسه يقول جابر: "لست إلا متعلما يتبع أثار من سبقوه، ليست لدي لا الثقة ولا الدلالة (في صياغة الآراء الشرعية) سوى ما يروى والذي يمكن أن نختلف بصدده" (ج 89 أ 7) من خلال تصريحاته يطهر أن جابر لا يفرق بين الاجتهادات الشرعية للصحابة وبين ما تلقوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم معبرا عن كلا المفهومين بالمعنى العام لكلمة السنة(1). أما السلطات العلمية التي يعتمد ليها جابر في صياغة آراءه فهي في الغالب " غير معروفة" وغير محددة. بدأ مفهوم إسناد عقيدة ما إلى سلطة علمية يعرف تطوره عند نهاية القرن الأول من الهجرة فالعلماء يذكرون الصحابة الذين
__________
(1) تلاحظ لورا ?ـيتشا ?ـليير Laura Veccia Vaglieri في رسالة ابن اباض إلى عبد الملك بن مروان 76هـ استعمال كلمة "سنة" للدلالة على ما أعتاده الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه أبو بكر وعمر، بينما يشير المؤرخون فيما بعد إلى عادات الخليفتين بكلمة سيرة أو فعل وهذا يعكس التطور الذي لحق استعمال الكلمة في فقرة لاحقة: "حول أصول تسمية السنيين" في دراسات شرفية أكرما لفي دلا فيدا Levi della vida، روما 1956، 2، ص 579- 385، بخصوص التطور السيمائي لمصطلح السنة أنظر تشلردو، نظرية ص 84- 66 جينبول Juynboll " أفكار حديثة حول تطور السنة كمصطلح تقني عند بداية الإسلام " في، ج س أي – 10. 1987 (1/47)
صفحة 48
عرفوهم شخصيا أو أولئك الذين تعترف بهم الذاكرة القانونية للمنطقة كسلطة(1)، فجابر يستشهد بابن عباس الذي كان صديقه وأستاذه وفي بعض الأحيان بابن عمر وعكرمة مولى ابن عباس، وتجدر الإشارة إلى كيف أن جابر يعترف بسلطة ابن عباس حتى في الأمور التي كان يختلف معه فيها. ففي ما يخص المرأة المطلقة وزوجها في حالة مرضية خطيرة ولم يدخل بها، فهذا الأخير أي ابن عباس يرى أنه من الواجب عليها انتظار شفاء طليقها لتتوصل بمحقوقات زواجها وإرثها وإن هي تزوجت قبل ذلك تفقد هذه الحقوق. ويقول جابر بعد أن نقل رأي أستاذه: "لولا ما قاله ابن عباس بخصوص هذا الأمر لفضلت أن تحتفظ المرأة بحقوقها وإن تزوجت وطليقها في حالة خطيرة إلا في حالة إن كان نصيبها من الإرث قد تعرض للتلاف لكن اجتهادات من سبقونا تبقى مفضلة على اجتهاداتنا" (ج 89 ب8).
…كما وضح النامي ذلك(2). فإن جابر أعطى الانطلاقة لمدرسة قانونية تأثرت كثيرا بعادات صحابة النبي صلى الله عليه وسلم(3)، وهذا المنحنى لن يتغير مع الجيل اللاحق من المشرعين: أبو نوح، صالح، ضمام، حيان الأعرج، أبو عبيدة وآخرون ممن تلقوا العلم عن جابر.
…2 ـ أبو عبيدة:
__________
(1) و?ـان ايس - Van Ess Anfange ص 122
(2) دراسات، 1، ص 83- 84، 148
(3) يظهر فحص النصوص الاباضية القديمة اعتراف للاباضيين على عكس المعتزلة، بدور السنن، ولا تظهر لنا اتهامات كوك COOK لهم بالتزام النصوص المكتوبة أمرا صائبا" عنان والإسلام أصول
The origins Karaite scripturalismus في JSAI ، 9. 1987، ص 169- 172 (1/48)
صفحة 49
…ينظر أبو عبيدة(1)، خليفة جابر على رأس الطائفة الاباضية، بنفس إجلال أستاذه إلى سنن الصحابة: "كل صاحب حديث ليس له مرشده فهو في ضلالة، فلولا أن أنعم الله علينا بجابر لكنا نحن أيضا في ضلالة" وليس فقط "فمن ليس له أستاذ من بين الصحابة فهو ليس على علم بشيء من الدين، الله أكرمنا بعبد الله بن عباس بن المطلب، ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلامة الراسخين في العلم، فعلينا إتباع خطواتهم، الامتثال لقولهم، "وضع الثقة في سلوكهم وتقليد طريقتهم".(2)
__________
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، مولى من قبيلة التميميين كان قائد سياسي للحركة الاباضية وتقلد هذا المنصب حتى وفاته أيام خلافة المنصور (136هـ/ 754م- 158هـ/ 775) للمزيد من المعلومات حول سيرة أبو عبيدة أنظر الدرجني طبقات 2، ص 238- 248؛ الشماخي، سير، ص 83- 86؛ الجاهز، البيان والتبيان، نشر فوزي عطوي الذي يطلق عليه اسم كورين أو كرزين ، بيروت 1968، ص 512؛ كتاب الأغاني ، نشر القاهرة 1929، 20- 97 حيث يشار إليه ب كودين.
(2) أبو عبيدة: مسائل، في النامي، دراسات، 1 ص 98 (1/49)
صفحة 50
…عند بداية القرن الثاني الهجري، أصبح جابر بين الاباضيين أعلى سلطة شرعية محتلا بذلك مكانة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحكي أبو سفيان أن أبو عبيدة لم يكن يعترف للقاصر والغائب بحق الشفعة لكنه حين سمع بوجود سنة لجابر تثبت هذا الحق أمر بامتثالها. وكثيرا ما كانت الخلافات الشرعية في أوساط الطائفة الاباضية تتعلق بمن بتذكر وبصدق أراء جابر؛ ويروي أبو سفيان أن الزواج في رأي أبو عبيدة يصبح حراما (إن اجتمع الرجل بالمرأة في الزنا) إذا كان الرجل قبل النكاح، وضد رغبة المرأة، ادخل يده تحت ثوبها ولامس فرجها. وينتقد أبو نوح رأي أبو عبيدة قائل: "أخبرني حيان الأعرج أن جابر قال: يمكن للرجل أن يتزوج المرأة إن كان قد أدخل يده تحت ثوبها بالرغم عنها"(1)
__________
(1) الدرجيني طبقات، 2، ص 239- 328؛ الشماخي، سير ص 89-90 المسألة ذات أهمية بالغة بالفعل فارتكاب الزنا حسب الاباضيين إضافة إلى ما يترتب عنه من عقوبات بينة، يشكل حاجز أبديا أمام زواج الزانيين، وهذا المعتقد يختص به الاباضيون (فالسنة يقبلون بزواج" إصلاح ما فسد" بعضهم دون قيد شرط وبعضهم يشترط إعلان المذنبين لتوبتهما) ويرتكز على رأي جابر: نقل عمر بن حريم: "سئل" جابر بن زيد ان كان يحل للمسلم الزواج من امرأة بعد أن زنى بها فأجاب: " لا " ( ق 948 ) وأيضا على : سئل قتادة عن رجل ينوي الزواج من إمرأة بعد أن زنى بها فأجاب:
يروى أن جابر بن زيد قال: لا يمكنه في حال من الأحوال الزواج منها" (ق 1111 ) فحسب جابر يصلح الزواج ما أوتي من حرام في الحالة التي يكون فيها الرجل والمرأة أقبلا على الزنا قبل اعتناق الإسلام، ويعتمد في رأيه هذا على قول مأثور عن ابن عباس "أوله سفاه وأخره نكاح" (ق 946) قارن أيضا ج 67 ب 21 19) قول ابن عباس يرد في مصنف عبد الرزاق بإسناد لعطاء، نشر حبيب الرحماني الاعزمي جزء 2، كراشي 1970- 72/ 7 رقم 12782 لم يأخذ الإمام الروستومي أفلح (208هـ/ 835م- 258هـ/ 872م) برأي جابر فسمح بزواج المسلمين الزانيين مسند الربيع بن حبيب، نشر دمشق 1963، رقم 904، للمزيد من الإيضاحات حول إثم الزنا في نظر المدرسة الاباضية أنظر: أبو يعقوب يوسف بن خلفون، أجوبة، نشر النامي، بيروت 1974، ص 35 النامي دراسات، 1- ص 186 (1/50)
صفحة 51
…كان أبو عبيدة كرجل دين وقانون، متشددا لدور السنة ومعارضا لاستعمال الرأي حين قيل له، أن الاباضيين في عمان يعتمدون الرأي في نسج أرائهم الشرعية علق على ذلك قائلا: "لن يكونوا قط على يقين فيما يخص القصاص في الذم والزواج"(1). غير أن الرأي إذا كان شخصيا يمكن انتقاده، ويعترف بقيمة فطنة اختيار المشرعين (واجتهدوا رأيهم فيه) فهم يطبقون في إصدار أحكامهم على الاختيار الفطن (واجتهدوا رأيهم فيه) معتمدين على ما أمر به الله في توزيع (العشر) على الدين أمر لهم الله بها "(2). وإلى أبو عبيدة يمكن أيضا نسب أول الخطوات في التنظير حول دور الإجماع الذي يكون موجبا إن كان ثمرة رأي الجماعة بعد اجتهاداتها(3).
__________
(1) أبو المؤطر، سيرة، في النامي، دراسات، 1- ص 99
(2) أبو عبيدة، رسالة أبي كريمة للإمام أبي الخطاب المعافري (140-144) نشر سالم بن محمد الحارثي، عمان 1982، 4 قارن أيضا : 17-24 . حسب النامي الرسالة موجهة إلى سليمان المغربي ابن إسماعيل ،" وصف مخطوطات اباضية حديثة". ص 67- 68
(3) نفس المصدر ص 24 (1/51)
صفحة 52
…كان أبو عبيدة المفكر السياسي الأول والمنظم الحقيقي للحركة الاباضية. فهو من أرسى قواعد لنشر تعاليم الطائفة الاباضية في مناطق متفرقة. هذه القواعد التي يعود لها الفضل، بكل احتمال، في بقاء الطائفة على قيد الحياة إلى يومنا هذا. فهو كان ينظم حملات العلم التي تنطلق من البصرة في اتجاه ضواحي الإمبراطورية الإسلامية وكان الهدف منها إنشاء مراكز اباضية ونشر الدعوة. وكانت حركة التبليغ هذه تمر تحت ستارة التجارة مستغلة قدرة أصحابها، أي التجار، على تنظيم تحركات كبرى ومعرفتهم بالطرقات وحريتهم في التنقل في فترة كانت فيها التنقلات الجماعية موضع رقابة السلطات. في البصرة كانت أنشطة الطائفة تدور في مجالس تقام سرا في بيوت أعضاءها وتتحدث المصادر عن ثلاثة أنواع من المجالس، مجالس مفتوحة في وجه عموم أعضاء الطائفة وكان يناقش فيها أمور العقيدة والشريعة، مجالس خاص بالشيوخ كان الهدف منها تنظيم الدعوة وأخرى خاصة بتكوين المبلغين(1).
__________
(1) خليفة نشأت، ص 110- 116؛ النامي، دراسات، 1 ص 104- 109 (1/52)
صفحة 53
…خلال إمامة أبو عبيدة، وبعد الفشل النهائي لمحاولات المصالحة مع السلطات السنية، أصبحت الحركة تسير بشكل تدريجي نحو التطرف، فلم تعد تقتصر على اتخاذ مواقف من الأمور العقائدية التي وضعت للناقش في تلك الفترة (بالخصوص القدر وإشكالية الخلق في القرآن) بل بدأت بتطوير عقائق في الإيمان ستكون طابعها فيما بعد(1). ومساهمة أبو عبيدة في تنظيم الحياة السياسية والفكرية للحركة وفي تكوين عقيدتها بالغة الأهمية عكس ذلك فإسهاماته في تطوير الفقه تبقى ضعيفة: فهو لم يكن يشغل منصب مفتي الحركة. ويبدوا أن هذا المنصب شغله قبله في الأول ضمام بن الصعيب ثم الربيع، أحد أصغر تلامذة أبو عبيدة وخلفه. ويحكي أبو سفيان أن ابي الحر، طلب من أبو عبيدة أن يجيب على تساؤلات الاتباع فأحاله على ضمام قائلا: "علمه يتسع لكل الأسئلة" عندها تقدم ذمام إلى السائلين فأجاب عن أسئلتهم قائلا: "سألت جابر ـ أو سئل جابر ـ أو سمعت جابر ـ أو قال جابر ـ أو يروي عن جابر"(2)
…في مناسبة أخرى عين أبو عبيدة الربيع الذي يصفه بـ "رجل صالح منا موثوق به وأهل ثقة"(3) عينه نائبا عنه فقال له: "قل ما تعلمه وأعطي الناس ما يحق بهم"(4)
…أن يكون الربيع قد بلغ في عجالة مستوى معرفيا بأمور الشرع يتجاوز مستوى أستاذه، هذا ما يثبته الحادث الذي ساقه إلينا أبو سفيان:" زار رجل من الازد واسمه أبو محمد النزار، زار أبو عبيدة ليسأله في شأن فأجابه لكن ساوره الشك حول صحة جوابه فقال له: اذهب إلى الربيع"(5)
__________
(1) ملحوظة 4.
(2) الشماخي: سير ، ص 88.
(3) نفس المصدر، .103
(4) الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 245
(5) أيضا 2، ص 243، الشماخي، سير، ص 103- 104 (1/53)
صفحة 54
…تبقى سنن الربيع وجابر محفوظة في مسند الربيع، وبشكل أقل في أثار الربيع(1) ويشير النامي إلى وجود مجموعة من الجوابات أيضا يطلق عليها "مسائل"(2)، وينسب إلى أبو عبيدة أيضا نص حول الزكاة ـ أشرنا إليه سابقا ـ يشكل جزءا من الديوان المعروض.
…3 ـ الربيع بن حبيب:
…كان الربيع متمسكا في إصدار أرائه بسنن أساتذته(3)
__________
(1) أبو عبيدة الذي عرف جابر في سن مبكرة لم يتعلم منه أكثر مما تعلمه من جعفر ابن السماك (الدرجيني طبقات، ص 232) كان ضمام وأبو نوح صالح من التلامذة هذه المواضبين على مجالس جابر وقد نقلت جل فتاويه تحت سلطتهم.
(2) دراسات، 1، 196 ملحوظة 89، ذكر
(3) الدرجيني طبقات، 2، ص 273- 277؛ الشماخي، سير، ص 102- 105، يحدد بروكلمان Brockelmanتاريخ وفاة الربيع حوالي 170هـ/ 784م (Gal Supp , 2, 823) ويتفق معه حول هذا التاريخ كوك ِCook "عقيدة المسلمين" الأولى 56، ويلكنسون Wilkinson "حديث إباضي" موضوع 233. ويعتمد هذا الأخير في استنتاج هذا التاريخ على المصادر العمانية التي تشير إلى وجود الربيع في عمان قبيل الثورة الاباضية التي أطاحت بنظام جولندا ـ بما أن ليس هناك إشارة إلى مساهمته في هذه الثروة التي انفجرت في رمضان 177هـ/ دجنبر 795م وبينما في البصرة كانت قيادة الطائفة الاباضية في يد وائل بن أيوب "فإن ويلكنسون يستنتج أن الربيع كان ميتا وقتها" « The Julanda » عمان في جريدة: دراسات عمانية، 1، 1975، ص 97- 108. ينتقد ?ـان اس رأي بروكلمان وويلكنسون محددا تاريخ وفاة الربيع بين 180هـ/ 798م و 190هـ/ 806م :
Untersuchungen, 32,33 ; Theologie und Gesllschaft, 2, 199
ويعتمد في هذا على بعض الأحداث الواردة في أخبار أبو زكرياء (توفي 471م) خلال انشقاق النكار (من فروع الخوارج الاباضية في تونس والجزائر) (أنظر لويتشكي في الموسوعة الإسلامية EI2 سان) الذي جاء بعد انتخاب في عبد الوهاب بن رستم إمام على تاهرت (168هـ/ 784م) هذا الأخير الذي أرسل مبعوثين إلى الربيع الذي كان يقيم بمكة لاستفساره حول هذا الانشقاق. أبو زكرياء، سير، نشر، الجزائر 1979، ص 59 ودائما وحسب أبو زكرياء فإن الربيع كان ما زال حيا حوالي 190هـ حين أراد عبد الوهاب الذي كان يهيئ في جبل نفوسة لحصار طرابلس معرفة رأيه في قدومه إلى مكة قصد الحج، أبو زكرياء، ص 76) تروي المصادر الاباضية أن عبد الوهاب أرسل عشرة ألاف درهم إلى الربيع عند نهاية القرن الثاني هـ لشراء الكتب، كتاب ابن سلام.
نشر شوارتز - Eine Ibaditisch – magribinische Ges chichk des islam aus dem 3/9 Jahrhundert, ed, w schawartz – salim b- ya’qub, Biblivtheca islamica 33, F steiner Verlag, Wiesbaden 1986-110. نور الدين السالمي، اللمعة المردية في الشيعة الاباضية، مسقط 1983، ص 17. (1/54)
صفحة 55
، ويحكى في طبقات الدرجيني أنه "حينما كان يسأل الربيع بعد أن يدلي برأيه في مسألة ما" يا أبى عمر ممن تعلمت هذا الجواب؟ كان يقول: "تعلمت الفقه من ثلاثة أشخاص: أبو عبيدة، أبو نوح وضمام، وهذا رأي أحدهم"، فلم يكن هناك احتمال أن يغفل عما قاله أحد أساتذته وكان يقول إذا لم يكن على يقين من أرائهم" "ليست لدي الأدلة الكافية في هذا المبحث"(1).
…ويعود الفضل في المحيط الاباضي إلى الربيع في إجراء أول المحاولات لجمع الحديث. في عمان، التي زارها قبل وفاته، أمر ابن المبندر بشير المنذر النزواني الذي كان أحد أعضاء بعثات حملة العلم. أمره بنشر سننه.(2)
…توجد أجوبة وفتاوي الربيع بالإضافة إلى أخرى لغيره من السلطات العلمية الاباضية من القرن الثاني، في أثار وفتوى الربيع (المشهور أيضا بكتاب أبي صفر تسمية عن أبي صفر عبد الملك بن صفر الذي قد يكون جمعها عند بداية القرن الثالث الهجري) كما توجد أيضا في أقوال قتادة بن دعامة (الجزء 2، 3 و4) وينسب إلى الربيع أيضا مسند مشهور بالجامع الصحيح، وصل إلينا هذا المسند في ترتيب أبو يعقوب إبراهيم الورجلاني (توفي 570هـ/ 1174م)(3)
__________
(1) طبقات الدرجيني، ج 2، 276، نفسه في سير الشماخ، ص 104
(2) ?ـان أس Theologie und Gesellschaft , II , 199 ; Id , Untersuchungen, 39, 21 لوينشكي فيEl2 " (الموسوعة الإسلامية) س ف، الاباضية، 651A 652A
(3) أنظر الفصل 4. (1/55)
صفحة 56
…في عصر الربيع تم تسجيل أول الخلافات بين المشرعين الاباضيين حول منهجية تحليل المصادر. فعبد الله بن عبد العزيز وصاحبه أبو المؤرج وآخرون دخلوا في صدام مع الربيع من أجل اعتماد، وبحرية أكبر، معايير العقل (الرأي والقياس)(1)
…وتسجل الطائفة الاباضية في حيرة من أمرها هذا العنصر الجديد في طريقة التشريع، يحكى أن عبد الله بن عبد العزيز وصالح بن كثير زار أم صحاب. وهي امرأة صالحة اباضية، فوجهت لهم سؤالا؛ فأجاب عنه صالح بن كثير؛ وسألتهم المرأة عمن أخذوا تلك العقيدة، أجابها صالح: هذا رأيي" فأطبقت قائلة: اضرب برأيك عرض الحائط لأني لا أدري ما أنا فاعلة به"(2)
بالرغم من معارضة الربيع فإن الطائفة كانت تأخذ بالآراء الشرعية لعبد الله بن عبد العزيز ويكتب الوسياني: "أقوال الربيع أكثر توازننا وحكمة ومع ذلك تجد أراء ابن عبد العزيز إقبالا من عموم الناس"(3)
__________
(1) ?ـان أس Theologie und Gesellschaft , II , 208-209 ; Id , Untersuchungen, 39, 41 كان الصراع يشمل أيضا إشكاليات عقائدية، أنظر الشماخي، سير، ص 104- 119- 120، كوبورلي Cuprely )) "مقدمة لدراسة الاباضية وعلومها الدينية"، الجزائر 1984 27 ملاحظة 63- 315. حول العلاقة بين أصحاب السنة وأصحاب الرأي في الوسط السني أنظر ملشرت Melchert " تكوين المدارس القانونية السنية": القرن 9 و 10 س. أ. بريل 1997 ص 1- 13.
(2) الشماخي، سير، ص 120- 121
(3) سير 69ب. (1/56)
صفحة 57
…نقل أبو غانم الخرساني فتاوي عبد الله وأبو المؤرج في مدونته كما جاءت في الآثار وفي فتوى الربيع. ويحتفظ لعبد الله إلى جانب فتاويه بكتاب نكاح الشجار الذي يطرح الإشكاليات القانونية المتعلقة بالزواج والطلاق(1).
…ظلت البصرة طيلة القرن الثاني المركز الروحي للحركة الاباضية بالمشرق(2)، لكنه خلال الأعوام الأخيرة من حياة الربيع بدأ دورها القيادي يتلاشى أمام ظهور إمامة عمان حيث كان للطائفة الحظ الأوفر في البقاء(3)
__________
(1) الكتاب في أربعة أجزاء ويشكل جزءا من الديوان المعروض، في مخطوط القاهرة وفي مخطوط المكتبة البارونية بجربة يوجد متبوعا بكتاب النكاح لجابر الذي قد يكون عبد الله ابن عبد العزيز من جمع سنته، فالكتابين يوفران نظرة عن العقيدة الاباضية قديما فيما يخص الزواج النامي "مخطوطات اباضية حديثة" ص 66، أيضا دراسات، 1، ص 161- 164 و 165؛ ?ـان أس Van Ess Theologie und Gesellschaft , II , 208 ;, .
(2) ليست المدينة ـ أي البصرة ـ المركز الوحيد للاباضية، فالمصادر تنقل خبر وجود جماعات اباضية في شبه الجزيرة العربية. خرسان، الكوفة، الموصل. الشماخي، سير، ص 121.
(3) تستفاد معلومات كثيرة عن ميلاد إمامة عمان وتاريخها من أخبار تاريخية محلية: "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة"، الذي يوجد في نسختين ناقصتين. كلين Klein, Kapitel 33 der Anonymen arabischen chronick-
"كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، هامبورغ/ 1938؛ أحمد عبيدلي: "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لمصنف مجهول"، نكوزيا، قبرص 1985 فصل 33. أنظر أيضا روس Ross"حوليات عمان إلى 1728" في جريدة الشركة الأسيوية للبنغال 1874 (طبع مؤخرا: نشر اوليندرolender، كامبردج نبوبورك 1984) بادجر Badger "تاريخ أئمة وسادات عمان"، لندن 1871؛ نور الدين السالمي تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان، القاهرة 1930، ج2، ذكر، فيتشا فلييري Veccia vaglieri" الإمامة الاباضية بعمان" في ايون. ن. س. 3، نابولي 1949؛ لويتشكي Lewicki الاباضيون في جنوب شبه الجزيرة العربية في العصور الوسطي" في فوليا أورينتاليا (أوراق شرقية)، 1، 1959. نظر، ويلكنسون الإمامة الاباضية" في نشرة Soas 34، 1976. أيضا الأرضية التاريخية لازمة الإمامة الاباضية في عمان" دراسات عربية 31. 3. 1976 أيضا "عادة الإمامة في عمان"، ذكر. (1/57)
صفحة 58
، وقد قرر أبو سفيان خلف الربيع الرحيل وبصفة نهائية إلى عمان فانطلقا من بداية القرن الثالث هـ انتهى دور البصرة في تطوير العقيدة الاباضية. ومنذ ذلك الحين أصبحت المراكز الروحية والسياسية للاباضيين هي عمان وشمال إفريقيا (جيل نفوسة والمزاب)(1) .
…في الفصل القادم سنأخذ بالدرس المراحل الأولى من نشأة التشريع الاباضي في البصرة وذلك من خلال عقود البيع والشركة.
الفصل الثالث
( عقود البيع والقرص حسب النصوص الاباضية القديمة (
…1 ـ المصادر:
…تم التركيز في هذه الدراسة على خمسة مصادر رئيسية: جوابات جابر بن زيد، أثار الربيع بن جيب، فتوى الربيع، أقوال قتادة بن دعامة ومدونة أبو غانم الخرساني، مجمل هذه المؤلفات باستثناء مدونة الخرساني لم تعرف بعد طريقها إلى النشر لهذا نرى من المناسب تقديم تحليل وجيز لبنياتها ومضامينها.
__________
(1) فيما يتعلق بتاريخ الاباضية في شمال إفريقيا يجب الرجوع إلى الببليوغرافيا التي قدمها لويتشكي Lewicki في الموسوعة الإسلامية EI2 الاباضية 653 ب وإليها نود إضافة مؤلفتين جديدين أساسيين في معرفة الاباضية المغربية: ريبستوك Rebstok ـ الاباضيون بالمغرب (8/2-4/ 10 JH).
Die Ibaditen im Magreb (2/8- 4/10. JH) Die Geschichte einer Berberbewegung im Geswand des Islams, Berlin 1983 ; Schwartzn Die Anfange der Ibaditen in Nordafrika Der Beitrag einer Islamischen Menderheit zur ausbrei tung des islams. (1/58)
صفحة 59
تحدث النامي في مقاله "وصف مخطوطات اباضية جديدة من شمال افريقيا" عن عثوره في مكتبة الشيخ يوسف محمد البروني من جربة على مخطوط عنوانه "جوابات جابر بن زيد" يحتوي على 18 رسالة كتبها جابر إلى أتباعه وأًصدقائه(1). والمخطوط الذي نعتمد عليه في هده الدراسة كان قد عثر عليه شوارتز –Schwartz- في نفس المكتبة.(2) وبالإمعان في الوصف الذي قدمه النامي لهذا المخطوط يتضح أن في حوزتنا نسخة مختلفة. ففي خاتمة المخطوط يقرأ تم ما وجد والحمد لله من جوابات أبي الشعتاء جابر بن زيد" يتبع هذه الخاتمة مباشرة مجموعة من مراسلات الجناو بن فتى واباضيين آخرين من فزان Fezzan . هذا الأمر يحيلنا على فرضية الوقوف على جزء من كتاب "جوابات الأئمة لإسماعيل بن موسى الجيطلي (توفي 750هـ/ 1349)(3) ومؤخرا أعلن أحمد درويش خبر وجود نسخة من رسائل جابر في مكتبة مسقط(4). والرسائل التي تضمها هذه النسخة موجهة إلى الأشخاص الآتية أسماؤهم:
رشيد بن خيثم
طريف بن خليد
غتريف بن عبد الرحمان(5)
الحارث بن عمر
عنيفة
نافع بن عبد الله
يزيد بن يسار(6)
__________
(1) جردية الدراسات السامية: 15، 1970، ص 65- 66
(2) يتعلق الأمر بمخطوط في صيانة لا بأس بها، يتكون من 56 ورقة، في كل واحدة منها 23- 25 سطر كتبت مخط مغربي يصعب في بعض الأحيان قرائتها بسبب تدرهورها بعامل الزمن والرطوبة. جوابات جابر تدخل ضمن مجموعة مراسلات أئمة اباضيين، ينقص في المخطط معلومات حول ناسخه والتاريخ الذي أنجزت فيه هذه النسخة.
(3) الشماخي، سير، ص 557- 557
(4) حياة من أجل العلم، ص 145- 158 .
(5) النامي يقرأ "عبد السلام" مخطوطات اباضية حديثة"، ص 56.
(6) من بين أصحاب الرسائل الذين ذكرهم درويش نجد أحدهم باسم غصان بن يسار (حياة من أجل العلم ص 149) (1/59)
صفحة 60
عبد العزيز بن سعد(1)
سالم بن ذكوان
نعمان بن سلامة
مالك بن أسيد
عثمان بن يسار
عبد الملك ابن المهلب
خيرة بنت ضمرة(2)
ليس بالأمر الهين تحديد هوية الأشخاص الذين راسلهم جابر فلا أثر لمعظمهم في
كتب التاريخ أو في كتب التكفير السنية ـ eresiografia ـ ولا حتى في المصادر التاريخية الاباضية التي كانت تنقل فيما يتعلق بالمراحل التأسيسية للحركة أخبار أعضائها في البصرة خصوصا، والحال هذا يوحي بأننا أمام أشخاص كانت لهم أدوار ثانوية (برتو اباضيين أو خوارج) عاشوا في مناطق حدودية بعيدة (في حالة أحدهم نستنتج من جوابات جابر أنه كان يعيش في خرسان وفي ثلاثة حالات أخرى أن المرسل إليهم من عمان) ولا تذكرهم المصادر بشيء. في بعض الحالات يكون تحديد هوية هذه الشخصيات موضعا للشك سواء بسبب تشابه في الأسماء أو بسبب قلة المعلومات عن الشخصيات المرسل إليها، الشيء الذي لا يسمح بالجزم فيها. في ثلاثة حالات على الأقل يمكن وبيقين تحديد هوية المرسل إليهم:
__________
(1) النامي (مخطوطات اباضية 65) وفان إس (untersushungen 29) Van Ess يذكرون "عبد الله بن سعد الذي قد يكون اسمه، في اعتقاد فان اس، متجانسا مع اسم أحد السنيين والوارد في الذهبي، "ميزان الاعتدال"، نشر على بن محمد البجاوي، القاهرة 1382هـ/ 1963م رقم 4348 و 4349
(2) في مقالة "مخطوطات اباضية حديثة" (رقم 69، 14) يذكر النامي حبرة بنت ضمرة ثم صحح بعد ذلك القراءة بـ خيرة (دراسات، 1، ص 75) (1/60)
صفحة 61
1 ـ عبد الملك بن المهلب (رسالة 17) أخ الشهير يزيد بن المهلب الذي عارض حاكم العراق القوي الحجاج، تقلد منصب حاكم خرسان ثم العراق. شارك في الصراعات التي تزعمتها أسرته حول الحكم في العراق فلجأ إلى خرسان حيث لقي حتفه هو وبعض أفراد عائلته (102هـ/ 721م)(1) تورط.
__________
(1) الطبري، حوليات، نشر Goeje- leida 1879- 1901-، 2- 1100، 1141 ج 118 وغيرها، والبلادوري فتوح البلدان، القاهرة، 1956، ص 540؛ بـ كرون P. crone "عبيد فوق الخيلة تطور المراكز الإسلامية"، كامبردج 1980. ص 133؛ حسب Cookكوك فإن الرسالة الأولى إلى الخليفة عبد الملك بن مروان والمنسوبة إلى ابن أباض ـ قد ذكرـ في الحقيقة قد كتبت من طرف جابر بن زيد ولكن لعبد الملك بن المهلب وليس إلى الخليفة الأموي (بداية العقيدة الإسلامية ص 62- 67). (1/61)
صفحة 62
…2 ـ خيرة بنت ضمرة القشيرية (رسالة 18)، زوجة المهلب بن أبي صفر (توفي 81- 82هـ/ 701- 702م)(1) التي كانت تتمتع في البصرة وبفضل ثروتها أيضا بوضع اجتماعي مميز خول لها من بين أمور أخرى عقد نكاح عبدها برد (أبو الشاعر المشهور بشار بن برد) بامرأة حرة في اختراق لقانون الكفاءة (التوازن في المستوى الاجتماعي)(2). ليس إذن من المدهش أن تكون لخيرة استقلالية مكنتها من الاتصال مباشرة بجابر ودون وساطة زوجها. وتروي المصادر الاباضية عن حالات أخرى من العلاقات المباشرة بين ممثلي الحركة الاباضية ونساء من عائلة المهليين؛ كحالة حلبية التي عاشت في مكة حوالي النصف الأول من القرن الثاني هـ حيث اعتنقت الاباضية وساندت ثورة أبو حمزة بتقديم الزاد والمعونة للثوار.(3) وجاء عن أبي نوح أن عتيقة بنت أبي صفر أخت يزيد بن المهلب، اعتنقت الاباضية هي أيضا، كانت تستفتي جابر بن زيد في أمور الإيمان والعقيدة(4). وتؤكد العديد من المصادر الدعم الذي لقيه الاباضيون من أسرة المهلبيين القوية. هذا الدعم الذي يسرته روابطهما المشتركة بقبيلة الأزد(5). ووجود عضوين من هذه العائلة من بين مراسلي جابر يشكل دليلا على صحة هذه الرسائل.
__________
(1) الطبري: حوليات. ج2، 1034؛ البلادوري، فتوح، ص 454.
(2) كتاب الأغاني، ج3. ص 136
(3) الشماخي، سير ص 88- 117
(4) الدرجيني طبقات II ص 25، الشماخي، سير، ص 88- 89
(5) لويتشكي « LEWICKI » "الاباضيون في شبه الجزيرة العربية وإفريقيا "جزء 1"، "الطائفة الاباضية بالبصرة" ويلكنسون الحركة الإباضية" ص 141-142 - Savage – "البقاء عبر الأحلاف"، ص 5- 15 الذي يسلط الضوء على الاهتمام المشترك بالتجارة كداع من بين دواعي التحالف بين الأسرة المهليية والاباضية. (1/62)
صفحة 63
…3ـ الرسالة رقم 9 من الجوابات موجهة إلى سالم بن ذكوان. من خلال المعلومات الشحيحة التي يوفرها لنا عنه المؤرخ الشماخي نستنتج أنه كان ينتمي إلى نفس جيل أبو عبيدة (كان إذن أصغر سنا من جابر وربما كان أحد تلامذته) وأنه كان يبادل جابر الرسائل، وإن لم يحدد الشماخي إن كان قد أطلع على الجوابات لإعطاء هذه المعلومات عنه أم لا(1). ولسالم رسالة يؤرخ لها كوك ما بين 70- 76 هجرية يمكن استنتاج بعض عناصر العقيدة الاباضية الأولى منها(2)
في حالات أخرى يكون تحديد هوية مراسلي جابر أمرا غير مؤكد.
1. الحارث بن عمر يعرفه النامي بأنه أحد اباضيي الكوفة. توفي خلال خلافة يزيد بن معاوية (60- 64هـ/ 680- 683م). وصية جابر له في آخر الرسالة"(...) أنت في بلد لا أريد أن يذكر فيه اسمي لهذا لا تطلع أحدا بما أكتبه لك" (ج 68ب 22) دفعت النامي بالقول أن الرسالة كتبت في فترة حكم زياد بن أبيه الذي توفي في الكوفة سنة 56- 57هـ(3). غير أن جابر قد لن يكون وصل إلى البصرة إلا بعد وفاة أبو بلال مرداس سنة 60- 61هـ/ 680- 681م ما دام انه ليست هناك دلائل على مشاركته في الثورة التي قادها هذا الأخير(4) إضافة إلى أنه لن يكون تقلد منصب قائد الطائفة الاباضية إلا عند نهاية القرن السابع الميلادي كما تثبت ذلك مراسلة ابن اباض، بصفته قائد الطائفة للخليفة عبد الملك بن مروان حوالي 695- 696 ميلادية. هذه العناصر مجتمعة تستبعد الفرضية التي تقدم بها النامي، واقرب منه إلى الواقع يبقى اقتراح ?ـان اس الذي يرى أن الرسالة كانت موجهة إلى الحارث بن عمر الطاعي الذي عينه عمر الثاني (99- 101هـ/ 717- 720م) وليا على بلقاء (بلاد الأردن) والذي قاتل في ارمينيا سنة 107هـ/ 725- 726م(5).
__________
(1) سير. 119
(2) العقيدة الأولى للمسلمين “the early Muslim dogma” فصل 1 و 10 .
(3) دراسات، 1، ص 77- 78.
(4) الشماخي، سير، ص 67، 72.
(5) Untersuchungen ، 29 (1/63)
صفحة 64
2. نافع بن عبد الله الذي وجهت له الرسالة رقم 6، قد يكون هو السني نافع بن عبد الله بن كثير الحجازي الذي نقل عنه من بين أهل المدينة أبو ذمر أنس بن عياد (104هـ/ 722م- 200هـ/ 815م)(1)
…تبعا لنموذج الرسالة في القرون الأولى من الإسلام(2)
__________
(1) الذهبي: ميزان رقم 8993؛ ابن هجر تهذيب، 10، رقم 730، عن أبو ضمزة قارن نفس المصدر رقم 689، ابن سعد طبقات، 5،ص 323
(2) جان : Jahn - Vom Fruhislamischen Briefwesen, In archiv Orientalni, IXn 1973-153.
اهتم كوك بالرسائل التي يعود تاريخها إلى القرن 1 في العقيدة الأولى للمسلمين. . (1/64)
صفحة 65
تضم رسائل جابر الإجابة على استفسارات مراسليه بين المقدمة وعبارات التحية الختامية، فهي تبدأ بذكر باعثها ومتلقيها: "من جابر بن زيد إلى (...) سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأوصيك بتقوى الله(...)" والوصية بتقوى الله (تكمن في عبارات أوصيك بتقوى الله) من العناصر المميزة للرسائل في القرون الأولى من الإسلام. فقد جاءت مذكورة في رسالتي عبد الله بن اباض إلى الخليفة عبد الملك، في كتاب الأرجاء لحسن بن محمد الحنفي (توفي حوالي 100 هجرية)، في رسالة إلى عثمان البتي لأبي حنيفة (توفي 150هـ) وفي كتاب الصفوة لزيد بن علي(1). الوصية بالتقوى حاضرة أيضا في خطبة الاباضي أبو حمزة في أهل المدينة(2). بعد البسملة وطقوس السلام يردف جابر بالحث على امتثال أوامر الدين وما جاء به القرآن. كثيرا ما يستعمل معاني القرآن وإن لم يكن يذكر النص بحذافره(3)
__________
(1) نفس المصدر موضوع 6
(2) الدرجيني طبقات 2 ص 267 ، اندلعت الثورة التي احتل بها بالإباضيون ولوقت وجيز مكة والمدينة في 129هـ . كتاب ابن سلام، ص 113، الويسياني، سير، ص 241
(3) في الصفحة 68 نقرأ: "فإن الله موفي الصابرين حسابهم بغير حساب" التي يقابلها في القرآن السورة 10 الأية 39 "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" إضافة: صفحة 68 أ11 : الذي بلغك الله من الفقه في الدين "قارن بالقرآن سورة التوبة الآية 122 "ليتفقهوا في الدين". صفحة 72 بـ 24 "فإن الله لا يعني عليك شيء من ذلك" قارن قرآن سورة يوسف الآية 66 " وما أغني عنكم من الله من شيء إن" (قارن أيضا قران السورة يوسف الآية 68)؛ صفحة 87 ب3" إلا أن تتطوع بخير فإن الله شاكر عليم" قارن قران سورة البقرة أية 158 "ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم". صفحة 90 ب11 "ولا قوة إلا بالله" التي يقابلها في القرآن سورة. يوسف أية 39 بالإضافة يستعمل جابر باستمرار المصطلحات الواردة في القرآن صالحون، سالمون، منافقون، تقوى إلى آخره، فيما يخص تردد صيغ القرآن في رسالة جابر إلى الحارث بن عمر قارن مونا نجار ( Fatwa?von Gabir an Al harit b’ Amr ) رسالة لنيل الإجازة غير منشورة لودويكسبورغ دجنبر 1991، ص 34- 37. (1/65)
صفحة 66
ويغيب عن هذه الرسائل عبارات المدح في حق الاباضية أو قذف لمعارضيها. فجابر وفي لاعتداله، يكتفي بالتأكيد على الحذر والكتمان. ففي الرسالة التي وجهها إلى عبد الملك بن المهلب وربما في إشارة إلى الحجاج، يشكر الله على حفظه لعبد الملك من أعدائه ويرجو منه أن يحفظه على الدوام وأن يريه الطريق إلى نصر بين على أعدائهما(1) (ج89 أ6-3).
…ويكون الرد على الاستفسارات بتقديم عبارات: "وأما الذي ذكرت من" يتبعها موجز عن السؤال ثم يدلي جابر برأيه الشرعي ويكون هذا الرأي؛ مبنيا على القرآن أو السنة في مفهومها الأصلي أي ممارسة جماعية وقع عليها الإجماع ولا يمكن إلغاءها.
ـ الرسالة رقم 1(2) (موجهة إلى رشيد بن خيثم) صفحة 64- 65 أ
يجيب جابر عن تسع أسئلة تتعلق بالعبيد، الزواج، الزنا، القذف بالزنا، وبمنع الأب من
الاتصال جنسيا بالجارية التي تكون على علاقة بالإبن.
ـ الرسالة رقم 2 (موجهة إلى طريف بن خليد) صفحة 65أ- 67 ب.
تتضمن أجوبة إحدى عشر سؤالا تتعلق بالإراثة، البيع، صفاوة الشعائر والصلاة.
ـ الرسالة رقم 3 (موجهة إلى غطريف بن عبد الرحمان) صفحات 67 أ- 67ب
عبارة عن أجوبة لأربعة أسئلة تتعلق بالسلف، صلاة الجمعة، إشكالية الزواج بين مرتكبي الخطيئة قبل اعتناق الإسلام والحج(3).
…ـ الرسالة رقم 4 (موجهة إلى الحارث بن عمر) صفحات 67 ب 69أ
تجيب على تسعة أسئلة ترتبط بصفاوة الشعائر، الصلاة والسلف(4)
…ـ الرسالة رقم 5 (موجهة إلى عنيفة) صفحات 69أ – 70ب
__________
(1) في نهاية الرسالة يدعو جابر مراسله إلى كثمان محتواها. نفس الدعوة يوجهها للرشيد بن خيثم (رسالة رقم 1) للحارث بن عمر (رسالة رقم4) ولطريف بن خليد (رسالة رقم 15)
(2) ترقيم الرسائل من وضعنا
(3) نشر الرسالة أحمد درويش: حياة من أجل العلم، ص 183- 185
(4) نشرت الرسالة وترجمتها منى النجار "فتوى من جابر إلى الحارث بن عمر" (1/66)
صفحة 67
تنطوي على أجوية عشر أسئلة تتعلق بالزنا، آداب المعاشرة (الخيمة تعتبر كالبيت لذلك تجب التحية والاستئذان قبل الدخول)، الطلاق مع شرط إرضاع المرأة لابنها مدة سنتين، إشكالية ميثاق الزواج المبرم في فترة العدة، التعويض عن الجروح، الصلاة، الزكاة، الجارية أم الولد الزانية والجارية المملوكة لرجلين. من أحد هذه الاستفسارات يمكن استنتاج بعض المعلومات التي تمكننا ولو بشكل تقريبي من تحديد تاريخ هذه الرسالة والأمر يتعلق بامرأة من خرسان زارت بلدا يقود فيه المسلمون (أهل القبلة) الحرب فأقبلت فيه على الزواج من جديد (ربما يتعلق الأمر بالدعارة المشرعة زواج المتعة) وإن كانت متزوجة حسب طقوس عقيدتها. ثم عادت إلى خرسان بعد وفاة زوجها الأول. فهل يمكن للمسلم الزواج منها إن هي تابت إلى الله؟ جواب جابر على هذا السؤال يعكس خيبة العالم المتقي لاستدعائه من أجل البث في موضوع حساس: "يحرم على المسلم (الزواج من هذه المرأة) ولا يعجبني أن تكتبي لي لطرح أسئلة من هذا القبيل"(ج 70 أ97) عند نهاية القرن الأول من الهجرة، كانت بلاد خرسان والمناطق المجاورة لها دائما مسرحا للحرب في أحيان كثيرة. ما بين 87هـ/ 705م و96هـ/ 715م وأثر أربعة حملات متتالية، فتح قتيبة بن مسلم بشارى موطدا بذلك الحكم العربي على وادي اوكسس oxus وحتى على سوكدياناSogdiana. وفيما قبل كان المهلب بن أبي صفر، حاكم خرسان، قد قاد حملة ضد كيش (80هـ/ 699م) واتخذها مقرا عاما لقواته تنطلق منها ولمدة سنتين حملات أقل أهمية في كل الاتجاهات.(1) بعدها اندلعت حروب ضاربة نتيجة الصراعات الداخلية ترتب عنها سقوط الأسرة المهلبية يمكننا إذن وضع رسالة جابر إلى عنيفة في إطارها التاريخي بربطها بهذه السنين
__________
(1) الطبري، حوليات 2، 1040، 1041، ح أ رجب H. A.R Gibb فتوحات المسلمين في أسيا الوسطى « Muslim conquests in central Asia » لندن، 1923 ص 31، ?ان اس « Untersuchungen » و 29- 30 (1/67)
صفحة 68
الأخيرة من القرن الأول الهجري.
…بالإضافة يثير استفسار في الرسالة موضوع الدعارة والمشاكل التي قد تنجم عنها بسبب اختلاط الديانات في المناطق الحدودية، فعنيفة يسأل جابر إن كانت المرأة التي تمارس القودة تستحق أن يقام فيها الحد بمعية الزانيين وفي حالة ما إذا ندمت وتابت هل يجوز للمسلم الزواج بها؟ فيجيبه جابر: "الثلاثة يستحقون العقاب إذا ما ثبت أنهم أقدموا على هذا الفعل. فيا يخص الزواج (بالقوادة) فأنا اعتبره مذموما بالنسبة لكل مسلم" (ج 69ب23- 70أ3).
…ـ الرسالة رقم 7 (موجهة إلى يزيد بن يسار) صفحات 71أ – 71ب
تتضمن أجوبة أربعة أسئلة تخص اكتراء الأراضي، عقد الشركة بين شخصين أحدهما يساهم بالأرض والآخر بعمله والسلف.
…لابد أن يكون يزيد بن يسار يشغل منصبا ما في عمان، فجابر يمدح نزاهته في مقدمة رسالته (ج 71 ب14-6) .
…ـ رسالة رقم 8 (موجهة إلى عبد العزيز بن سعد) صفحات 72أ – 71ب.
تحتوي على جواب واحد يخص عدم الترخيص للمسلمين لبيع الأحرار على أنهم عبيد.
…ـ رسالة رقم 9 (موجهة إلى سالم بن دكوان) صفحات 72ـ 72ب
أجوبة جابر في هذه الرسالة تتعلق بمنع الزواج من الأختين ولو بالرضاعة، أو التمتع بهما في آن واحد، وبمنع السيد من ربط علاقات جنسية مع الجارية التي كانت على علاقة بوالده.
…ـ رسالة رقم 10 و11 (موجهتان إلى نعمان بن سلامة) صفحات 72ب11،26- 72ب26- 73 أ19. (1/68)
صفحة 69
الرسالتان معا تطرحان إشكالية تحصيل ضريبة الخرج والجزية من الشعوب الخاضعة لنفود المسلمين. فنعمان بن سلامة الذي يفترض أن يكون يشغل منصبا إداريا في الأقاليم الشرقية، ربما خسران كما توحي عبارة دحاقين الأرض بذلك والتي استعملت الاشارة إلى ملاكي الأرض، كان قد طلب من جابر أن يدله على كيفية تحصيل الضرائب دون خرق تعاليم الإسلام. وجواب جابر جاء كحل وسط بين رأفة العالم والإحساس بالواجب السياسي لذا القائد، فهو يدعو إلى عدم استعمال القوة إلا في الحالات الضرورية والتحصيل بالقسط والامتناع عن الجور(1).
…ـ رسالة رقم 12 (موجهة إلى مالك بن اسيد) صفحات 74ـ - 75أ
تتضمن جوابين لجابر(السؤال الثالث غير كامل) بخصوص أداء المهر.
…ـ رسالة رقم 13 (بدون عنوان) صفحات 74أ – 75أ.
المرسل إليه ربما يكون من عمان كما توحي إشارة وجيزة من جابر إلى ذلك، يتلقى جواب جابر فيما يخص عقود البيع والاكتراء.
…ـ رسالة رقم 14 (موجهة إلى عثمان بن يسار)
لا نتوفر من هذه الرسالة إلا على المقدمة فقط (ص 75أ) فالصفحة الموالية تحمل عبارات "هذا الوجه باطل" بعد ذلك (ص 76أ) نجد رسالة بدون عنوان قد لا تكون لجابر ثم رسالة للإمام المغربي جناو بن فتى المديوني.
…في الصفحة 86أ11 تعود مراسلات جابر بالرسالة 15 الموجهة إلى طريف بن خليد (أنظر الرسالة رقم 2)
…الأجوبة تتعلق بالسلف، البيع، الحالة التي يكون فيها السيد تسبب في إجهاض الجارية، وصفاوة الشعائر. في واحد من الاستفسارات يسأل طريف (الذي يفترض أن يشغل منصبا إداريا) جابر إن كان يحل له أخد الهدايا. فيدعوه جابر أن يحذر من تلك الهدايا التي يقصد منها ارتشائه وأن يقبل تلك التي ليس من ورائها هدف (تلك التي تكون بالمعروف).
__________
(1) لا بد أن تكون الشعوب الخاضعة متقاعسة في أداء الضرائب فهكذا يصف جابر الجابي في الرسالة الأولى "ولكنك كراكب الأسد" (ج 72ب23). (1/69)
صفحة 70
…ـ رسالة رقم 16(موجهة إلى مالك بن أسيد) صفحات 86ب – 87ب.
الرسالة (وهي الثانية التي يوجهها جابر إلى مالك بن أسيد) توفر لنا دلائل قيمة حول العلاقات القائمة بين أعضاء الطائفة الاباضية. فمالك كاتب جابر من قبل واقترح عليه أن يشتري له ناقة من عمان فسمح له بذلك. ويكتب له جابر بأنه أصبح الآن هرما والناقة ستساعده على التنقل وطلب منه أن يرسلها إليه مع شخص موضع ثقة مرفوقة بكتاب يحمل الثمن المؤدى عنها.( ج87أ15-11) ويستفاد من إجابة جابر عن استفسار لمالك حول الحج أن هذا الأخير كان من بين أغنياء الطائفة الاباضية بعمان فهو يكتب: "لا اعتبر أنه من الواجب عليك العطاء من أجل الحج إلا أن تقوم بعمل صالح طواعية"(ج 87ب4-3) وكان ساريا بين أعضاء الطائفة الاباضية لما لذلك من أجر عظيم، تكفل الأغنياء بحج الفقراء. وتوفر لنا المصادر نماذج عديدة عن هذا السلوك: أبو سالم، أحد الاباضيين الذين سجنهم الحجاج رفقة أبو عبيدة، وضع إبله رهن إشارة شيوخ الطائفة للحج عليها، أبو الحر بن الحسين، أحد أغنياء تجار البصرة، كان قد وصل إلى مكة ومعه سبيكة من الذهب فأعطى منها النصف للفقراء والربع للمسلمين الاباضيين الذين كان ينوي مساعدتهم واحتفظ لنفسه بالربع فقط. أما النزار بن مأمون، تاجر هو أيضا، فقد أعطى أربعين دينارا للربيع حتى يساعد بها علماء الطائفة المحتاجين قصد الحج.(1)
…تهتم الأجوبة الأخرى التي تضمها الرسالة بطريقة أداء الزكاة عن المحاصيل الزراعية في قرى متفرقة، الصلاة، الصوم في حالة السفر، مقايضة الإبل بالثيران والدية عن الجروح المفضية إلى الموت.
…ـ رسالة رقم 17 (موجهة إلى عبد الملك بن المهلب) صفحات 87ب- 90أ)
__________
(1) الشماخي: سير ص 96- 101- 102- 103 (1/70)
صفحة 71
احتراما لمقام عبد الملك يعنون جابر رسالته بدءا باسم مراسله قبل اسمه: "إلى عبد الملك بن المهلب من جابر بن زيد". الفتاوي التي أصدرها جابر ردا على استفسارات عبد الملك تتطرق بالأساس إلى إشكاليات الطلاق والعبيد (غياب آسرة الاراثة بين السيد والعبد(1) وعقود العتق من العبودية).
…ـ رسالة رقم 18 (موجهة إلى خيرة بنت ضمر) صفحات 90-91
أجوبة جابر تتعلق بشعائر النظافة عند المرأة، الجواري وشروط العدول عن الطلاق بعد القسم بالإمساك عن المعاشرة.
__________
(1) قادم، ص 142- 143 . (1/71)
صفحة 72
…تبدأ أثار الربيع بن حبيب بالرواية التالية: "حدثنا أبو صفر عبد الملك بن صفر قائلا: حدثنا الهيثم عن الربيع بن حبيب عن ضمام بن الصعيب عن جابر بن زيد الأزدي الذي طرح عليه السؤال الآتي: [ما الذي يحدث] في الحالة التي يقذف فيها الزوج ظلما زوجته بالزنا فيتوفى أحدهما دون أن يتلاعنا أو يلجآن إلى القضاء أو يسحبا اتهاماتهما؟ فأجاب: "الآخر يرث "(1)
__________
(1) دراستنا تعتمد على المخطوط الذي عثر عليه شوارتز في المكتبة البارونية بجربة، ففيه نجد الآثار منقولة مباشرة بعد أقوال قتادة بن دعامة. النامي. (مخطوطات اباضية حديثة) يعلن عن وجود مخطوط أسماه "روايات ضمام" يشبه أثار وفتوى الربيع التي تشير إليها المصادر الاباضية أيضا بكتاب ضمام أو كتاب أبي صفر. هناك إشارة في لائحة النصوص الاباضية الموجودة في ذيل كتاب الجواهر للبرادي إلى كتاب الحجة على الخلق الذي نقله، أبو صفر بإسناد إلى الربيع وضمام، وإلى كتاب مشهور بكتاب "في الفروع" نقله شخص اسمه الهيثم أو أبو الهيثم وربما يكون الهيثم. الذي نعرفه عن الربيع وعن سلطات أخرى وقد يكون هذا الكتاب مماثلا لمخطوطنا (موتلنسكي Motylinski " ببليوغرافيا"، رقم 17 رقم 8-9) فوات سجين Fuat Sezgin(93، 1، GAS ) تشير إلى وجود مخطوط عنوانه "كتاب الآثار"، في دار الكتب بالقاهرة، يضم فتوى الربيع بنقل أبي صفر، ويجد تصريح سجينSezgin بأن أبو يعقوب الورجلاني قد نسخ مسند الربيع معتمدا في ذلك على الآثار، يجد ما ينتقده في الاختلافات الملموسة بين المؤلفين في ألأسلوب والمضامين والسنن وسلسلة الاسناد، وهذا ما فطن إليه المؤرخون الاباضيون فأشاروا إلى هذه المؤلفات كلا على حدة (?ـان اس »untersuchungen » Van Ess) ص 36- 37، ينقسم المخطوط الذي نعتمده في دراستنا إلى جزئين ويتألف من 49 صفحة تحمل كل واحدة منها 23 سطرا مكتوبا بخط مغربي واضح ويحمل عنوان "هذا الجزء الأول من أثار الربيع عن ضمام عن جابر بن زيد". ينتهي الجزء الأول في الصفحة 32 ("تم بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه") بالإشارة إلى اسم الناسخ (صالح بن سليم بن سليمان السدريني) وبتاريخ انتهاء النسخ 23 شوال 1191هـ/ 25 نونبر 1777م . يتبعه الجزء الثاني بعنوان: "الجزء الثاني من فتوى الربيع بن حبيب" يختتم في الصفحة 49 بيد نفس الناسخ وذلك في 29 شوال 1191هـ/ 1 دجنبر 1777م, (1/72)
صفحة 73
.
…لا تروي المصادر الاباضية الشيء الكثير عن أبي صفر(1). له رسالة يحتفظ بها في بيان الشرع للكندي كتبها من العراق إلى أبو عبد الله محمد وأبو سفيان (أبناء أبو سفيان محبوب بن الرحيل) بخصوص الخلاف القائم حول خلق القرآن بين أبو عبد الله (توفي 260هـ/ 873م) وعلماء عمان فترة إمامة محنى بن جعفر (226ه/840م- 237هـ/851م)(2) ويشير في هذه الرسالة إلى سوء فهم لمزاعم أبو علي موسى بن علي (177- 230هـ) حول خلق القرآن ويقول بأنه زار بغداد وناقش هذا الأشكال مع بعض الاباضيين المقيمين بها. من بينهم جعفر بن يحيى بن الربيع (ربما حفيد الربيع بن حبيب). يرى ويلكنسون أن أبي صفر قد يكون كتب هذه الرسالة ليس قبل 230هـ وليس بعد 237هـ (تاريخ وفاة محنى بن جعفر) كما يمكن استنتاج ذلك من بعض عناصر الرسالة: في المقام الأول يشير أبي صفر إلى علاقته باباضيين عاشوا جيلين بعد الربيع إضافة إلى عدم الإشارة إلى محبوب بن الرحيل الذي كان لا يزال يقود الطائفة الاباضية في البصرة حين تولى محنى إمامة عمان (226هـ) وحديثه بصيغة الماضي عن أبو علي (توفي 230هـ) ليس لهذه الأسباب فالرسالة يجب أن تكون كتبت ليس إلا بعد وفاة هؤلاء ويحدد ويلكنسون تاريخ كتابة الآثار(3) أيضا في حوالي 235هـ.
__________
(1) ذكر على أساس أنه من نقل أثار الربيع وليس أكثر في طبقات الدرجيني (1- 416) وفي سير الشماخي (119) ويرجح الشماخي أن يكون هو من نقل كتاب الربيع أيضا المعروف بالمسند في ترتيب أبو يعقوب يوسف الورجلاني.
(2) محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، عمان 1982، ج. 1، ص: 152- 154، 182- 185.
(3) حديث اباضي « Ibadi Hadith » ص 243- 244. (1/73)
صفحة 74
…في نظري لابد أن يكون أبو صفر ألف الآثار قبل ذلك أو على الأرجح عند نهاية القرن الثاني الهجري قبيل (أو مباشرة بعد) رحيل الطائفة الاباضية وبصفة نهائية إلى عمان. فأبو صفر ينتمي إلى الجيل الأخير من العلماء الذين عاشوا في البصرة قبل أن تصبح عمان المركز الروحي للحركة، فربما يكون الدافع وراء كتابته للآثار هو وعيه بالخطر الذي يشكله هذا الانتقال على تعاليم المدرسة البصرية. وتجد هذه الفرضية دعما في كون فتاوي جابر نقلت عن سلطات علمية اباضية عاشت في النصف الثاني من القرن 2 هـ... ولابد أن يكون أبو صفر قد كان على اتصال مباشر بأبي سفيان محبوب بن الرحيل، على الأرجح في سن مبكرة، وبالربيع بن حبيب (توفي ما بين 180هو 190هـ) كما يوحي بذلك نقله عنهم فتاويهم بعبارات "وسألت" ويبقى أبو سفيان علي(1)، الذي وردت آراءه في الآثار إضافة إلى أبو علي بن موسى بن علي، العالم الوحيد الذي كان على قيد الحياة عند بداية القرن الثالث الهجري. ورد اسم أبو علي مرتين في نص "الروايات" ويشكل رأيه على خلاف الرأي المنسوب إلى جابر المنحى الجديد للتشريع الاباضي في عمان، والذي
__________
(1) أبو علي موسى بن علي، من قبيلة بنو سام، كان قاضي الإمامة واحد أكبر علماء عمان حتى وفاته في ربيع الأول 230هـ. يحدد تاريخ ولادته في 10 أو 13 جمادى الثاني 177هـ. فرضية السالمي (تحفة، 1، 12414 ) التي تقول بأن أبو علي قد يكون لقي حتفه في سنة 231هـ عن سن تناهز الثلاثين تجد ما يفندها في إشارة كشف الغمة إلى اسمه خلال إمامة غسان بن عبد الله (189/804م- 208ه/824م)، قارن كلين :Klein فصل 33 موضوع 21ـ هو حفيد موسى بن أبي جابر (-96هـ/ 181م) الذي كان عضوا في بعثة حملات العلم التي أرسلها أبو عبيدة إلى عمان والتي بفضلها تم تنظيم الثورة التي أطاحت بجولندا السالمي لمعة ص 13؛ السيابي طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي عمان 1400هـ/ 1980م 47 وإزالة 45 Izalat (1/74)
صفحة 75
يتخذ مسارا غير مسار العقيدة التي حددت ملامحها في البصرة.(1)
…لا يوجد أي أثر للهيثم، الذي يأتي في الحلقة الثانية في سلسلة الإسناد في المصادر الاباضية(2)
__________
(1) في الرواية الأولى ينسب إلى جابر الرأي القائل بأن ليس للمرأة الحق في أخذ مهرها إذا مات زوجها قبل أن يسلمها إياه وإن كان من حقها إن ترثه وتدخل في العدة لوفاته، حسب أبو علي وبناء على ما نقل عن ابن مسعود وبإجماع الفقهاء فإن للمرأة مهرا الحق في مهر معادل (أ1) الرواية الثانية تتحدث عن الثمن الذي يجب على المرأة دفعه مقابل تسريح زوجها لها. وحسب جابر لا يجب على الرجل أن يطلب أكثر مما قدمه لها كمهر، وحسب أبو علي يمكن للرجل أن يطلب أكثر من ذلك: "وقال أبو علي: لا بأس أن يأخذ أكثر مما أعطاها إذا كان ذلك بطيب من نفسها والبصريون يقولون: لا يأخذ أكثر مما أعطاها (أ111) ولإشارة أبو علي هذه إلى البصريين معنى عميق في التفرقة، ليست الجغرافية ف(قط. التي تسود أوساط الطائفة الاباضية.
(2) ويلكنسون "أحاديث أباضية" يعرفه بالهيثم بن عدي، مؤرخ وسني ربما من الخوارج، ولد في الكوفة سنة 120هـ/ 738م وتوفي حوالي 206هـ/ 821م (بلاذوري نشر Ahlwardt 93) يعود له الفضل في نقل الخطبة التي ألقاها أبو حمزة المختار في أهل مكة 129هـ (كوك cook، عقيدة المسلمين الأولى، « The Eatly Muslim dogme 8، ص78) يعتبره الجاحظ سنيا غير موثوق به (البيان ج2، ص 124) مؤخرا قام بدراسة وتحليل دور الهيثم في نقل مواد تاريخية ستيفان ليدر ( Stefan leder) das Corpus Alhaitam B’Adi (St 207/822) Herkunft, Uberlieferung, Gestalt fruher Texte der Ahbar literatur
حيث لا يشير إلى نقل الهيثم لسنن شرعية اباضية، Fracoforte 1991 على الأرجح قد يتعلق الأمر برجل الدين الخوارجي الهيثم بن الهيثم الناجي الذي ينسب إليه ابن النديم مؤلفين: كتاب الإمامة وكتاب الرد على الملحدين، Fihrist Flugol ، لبسيا 1871- 1872، فصل 5-6. (1/75)
صفحة 76
.
…بعد الفتوى الأولى لجابر يأتي الإسناد: أبو صفر، الهيثم، الربيع، ضمام، جابر خاليا من أسماء الشاهدين الأولين. فبالتناوب، أو إلى جانب اسم ضمام(1)، يظهر اسم أبو نوح صالح الدهان.(2) وبهذا الإسناد تم نقل ما يزيد عن مائتي فتوى لجابر تتعلق معظمها بإشكاليات شرعية تخص العبادات، الزواج، الطلاق، والعبيد،وتتوقف عند الصفحة 137 لفسح المجال لأجوبة أبو سفيان محبوب بن الرحيل(3)
__________
(1) ضمام بن السائب النبدي المنتمي إلى الطبقة الثانية من العلماء الاباضيين، أصله من نبد في عمان، عاش في البصرة حيث كان تلميذا لجابر ثم أستاذا لأبي عبيدة الذي دخل معه السجن وخرج منه بعد وفاة الحجاج. الشماخي، سير 87- 88، 96؛ الدرجيني: طبقات،1، ص 248- 247؛ الشيباني طبقات، ص 30.
(2) أبو نوح صالح بن إبراهيم الباهلي الدهان. عاش في البصرة حيث درس مع جابر بن زيد وساعد أبو عبيدة في تلقين تعاليم الاباضية، قال عنه الربيع: "تعلمت الفقه عن ثلاثة أشخاص، أبو عبيدة، ضمام وأبو نوح" السنن المنقولة تحت سلطة أبو نوح مجتمعة في كتاب نكاح الشجار لعبد الله بن عبد العزيز. الشماخي سير، 88. 104؛ الدرجيني، طبقات، 1، ص 254- 255 و276
(3) أبو سفيان محبوب بن الرحيل، عاش في النصف الثاني من القرن الثاني هـ، تتلمذ على يد أبو عبيدة والربيع، عنه نقل أبو غانم في المدونة. خلف أبو أيوب وائل في قيادة الطائفة الاباضية في البصرة وكان من قرر رحيلها النهائي إلى عمان، دخل في جدال مباشر مع هارون بن اليمن، أحد أكبر ممثلي المدرسة الشعبية، الذي كان يدعم أطروحة الجبرية. الاشعري: مقالات نشر م. عبد الحميد، القاهرة 1969، 1، ص 178. بلغت دعوة هارون بن اليمن في البلاد العربية ذروتها خلال إمامة محنى بن جعفر (226هـ/841م/ 237ه/851م) فأسفرت عن انفصال اباضيي اليمن عن إخوانهم في عمان وحضر موت. السالمي، تحفة، ج 1، ص 129- 130؛ الكندي بيان، فصل 15، ص 30. ينسب إلى أبي سفيان رسالة في الفقه، علوم الدين والعقيدة مشهورة ب كتاب أبو سفيان الذي أخذ عنه الشماخي بعض مواد السير. الوسياني، سير، ص 187؛ موتلنسكي Motylinski ببليوغرافيا، 17 رقم 10. (1/76)
صفحة 77
التي تأتي مقدمة بعبارة "وقال محبوب بن الرحيل" ويليها أجوبة أخرى يتقدمها "وسألته" والإشارة هنا غير واضحة هل لأبي سفيان أو للربيع. في الصفحة 15 يعود الإسناد "الربيع عن ضمام عن جابر" ويحل بعد ذلك مكان ضمام في الإسناد سلطات أباضية أخرى ويقصد المؤلف من هذا التغيير جمع كل فتاوي جابر التي لم يطلها النسيان. ويظهر اسم أبو عبيدة كناقل مباشر عن جابر في عدد قليل من سلسلات الإسناد التي كثيرا ما يرد فيها أسماء عمر بن حيان(1)، تميم بن خويز(2)، عباس بن الحارث(3) وآخرون. وانطلاقا من الصفحة 18 يفقد الربيع دوره كمصدر وحيد لفتاوي جابر فيأتي اسمه في تناوب مع أسماء مشرعين اباضيين ينتمون إلى النصف الثاني من القرن الثاني هـ، أمثال حازم بن عمر (ينقل عن جابر بإسناد إلى تميم بن خويز)، عمر بن حبيب (ينقل بإسناد لأبيه أو ضمام بن السائب) عمر أو عمر (الذي ينقل عن حيان الأعرج أو أبو نوح). جميل الخوارزمي(4). وتحت السلطة العلمية لهذا الأخير وبإسناد إلى الربيع عن أبو عبيدة عن جابر تم نقل فتوتين لابن عباس.(5)
__________
(1) يقول عنه الشماخي أنه كان يتيما، عاش في كنف جابر واعتاد أن يرافقه في أسفاره (سير ص 95-96) يؤكد الذهبي أن عمار بن حيان نقل عن جابر ميزان، 1 رقم 6022.
(2) أبو المنذر تميم ين حويز الازدي الأحوري، ينقل عن ابن عباس وأبو زيد الأنصاري وعنه ينقل شعبة ونوح بن قيس، في النصوص الاباضية ينقل تميم عن جابر وحيان الأعرج، وعنه نقل حازم بن عمر، في الآثار للربيع يأتي ك ابن خويز أو حويض. الذهبي: تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام، نشر القاهرة 67- 1369، 5، ص 50؛ ابن خلفون أجوبة 115 رقم 20
(3) يظهر اسمه في سير الشماخي في لائحة السلطات التي نقل عنها الربيع بن حبيب
(4) قد يتعلق الأمر ب: جميل بن إسحاق الخوارزمي الذي نقل عنه أبو سفيان محبوب بن الرحيل، مسند الربيع بن حبيب، رقم 901.
(5) قليلة هي في الآثار وفي فتوى الربيع الفتاوي التي تعود إلى الصحابة، َإضافة إلى ابن عباس يشار إلى أنس بن مالك، ابن عمر والحسن البصري. (1/77)
صفحة 78
وفي هذا الجزء تبقى المواضيع المتناولة هي العبادات الزواج، الطلاق، العبيد البيوع، الإرث والعقوبات. عند الصفحة 24 نجد فتاوي وأجوبة الربيع أو أبو سفيان مجموعة في فصول متفاوتة الحجم وفي الترتيب التالي:
باب غسل الجنابة.
باب صلاة الخوف.
باب صلاة الفطر والأضحى.
مسائل في الحيض.
باب صلاة المسافر
باب الطلاق.
ينقسم الجزء الثاني من المخطوط (فتوى الربيع بن حبيب ـ صفحات 32- 49)
إلى خمسة وعشرون فصلا يضم الواحد منها في بعض الأحيان جوابا أ و اثنين: ترتيب هذه الفصول يبقى مطابقا لذلك الذي جاء به النامي في مقاله: "وصف مخطوطات اباضية حديثة من شمال إفريقيا" (ص 69- 68) تتناول الفتاوي نفس مواضيع "الآثار" وإن في أسلوب مغاير: الفتاوي أكبر طولا وجواب المشرع ينبثق من أجوبته على أسئلة محاوره، وتستهل الاستفسارات ب "وسألت" أو "قلت ل" وترفع، بالإضافة إلى الربيع، إلى عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج(1).(2)
__________
(1) هو أبو المؤرج عمر السدوسي كوفي من قبيلة قتادة بن دعامة، ساند ابن عبد العزيز في خلافه مع أبي عبيدة فاضطر بعد ذلك إلى الرحيل إلى بلاد فارس، نقل عنه أبو غانم في المدونة. الشماخي، سير ص 121؛ السالمي: حاشية الجامع الصحيح، القاهرة 1908م، ج1، ص 5؛ ?ان اس Van Ess Theologic and Gesellschaft ، 2، ص 209
(2) هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن قتادة السودسي، ولد حوالي 60هـ/ 680م (من الخلف) وتوفي حسب الاعتقاد في 117ه/ 735م في واصيت، اشتهر بذاكرته القوية وخبرته في الأنساب والمعاجم، وبقراءته وتفسيره للقرآن والحديث، من أصل بدوي قضى معظم عمره في البصرة التي وصل إليها كا يقال دون مرشد وإن كان أعمىـ بصيراـ منذ ولادته، كان تلميذ للحسن البصري وابن سرين، نقل أيضا "صحيفة" جابر بن عبد الله". كان يؤمن بحرية الاختيار ضد القدرية ـ غير أنه تخلى عن هذا الإيمان في أواخر حياته. كان أيضا من أجاء باسم المعتزلة. تعاليمه في تفسير القرآن حملها إلينا سعيد بن البشير. توفي 168/ 784 الموسوعة الإسلامية Vitestam "قتادة بن دعامة السدوسي وعلوم الحديث" في: مراسيم المؤتمر العالمي لدارسي العربية والإسلام" بروكسيل 1970 (1/78)
صفحة 79
…قد أشار النامي في سنة 1971(1) وبعده "?ـان اس" في مقال ظهر في: (Zeitschrift der Deutschen Morgenladischen Geselschaft 1976 (2)
إلى وجود مخطوط معروف ب "أقوال قتادة بن دعامة"، والمخطوط الذي نعتمد عليه في دراستنا هذه هو الذي عثر عليه" شوارتر" في المكتبة البارونية بجربا (تونس).(3) ليس من المعلوم من جمع المواد التي يضمها هذا المخطوط وربما يتعلق الأمر بأبي غانم الخرساني الذي ينسب إليه النامي تأليف "الديوان المعروض" وهو عبارة عن مختارات من النصوص الاباضية العريقة تنظم إليها أقوال قتادة. ينقسم المخطوط إلى سبعة أجزاء ويبقى توزيع مواضعيه بدائيا:
…الجزء الأول: صفحات 1- 27: يحتوي على فتاوي وأجوبة قتادة فيما يخص الطهارة عند المرأة والصلاة.
…الجزء الثاني: صفحات 27- 46 يحمل عنوان: "الجزء الثاني من قول قتادة في الزكوات وقسمة الغنيمة" ويبدأ بسنن تحصيل الزكاة وتوزيع الغنيمة، ثم يطرح موضوع الصوم (باب الصيام) والنذر (باب النذر) والتكفير عن قطع اليمين (باب كفارة اليمين) وتحريم الخمر (باب الأشربة) يليها مجموعة من أجوبة قتادة حول العبيد. في الصفحة 4419 نقرأ: "باب الخيار مما سئل عنه الربيع من باب الطلاق" لتقديم أجوبة الاباضي أبو عمر الربيع بن حبيب بخصوص الحالات التي يحق فيها للمرأة فسخ عقد الزواج. عند نهاية هذا الجزء نجد أجوبة أخرى لقتادة حول كفارة اليمين والطلاق.
__________
(1) دراسات Studies 1 ص 160- 161
(2) « Untersuchungen « « Nachtrage in ZDMG,127,1977,31,36
(3) المخطوط في حالة جيدة، يتكون من 140 صفحة تحمل كل منها 29 سطرا بخط مغربي، النسخة من أداء صالح بن سالم السدريني اختتمها في 15 شوال 1191هـ/ 17 نونبر 1777، تأتي مباشرة بعد أقوال قتادة الربيع بن حبيب. (1/79)
صفحة 80
…الجزء الثالث، صفحات 46- 67: يضم أجوبة قتادة حول الزواج، الطلاق، النبذ (باب الظهار) الصرف، البيع، السلف، الشركة، يليها (ص 5624) "ما سئل عنه أبو عمر الربيع" حيث يدلي الربيع برأيه الشرعي فيما يخص الصلاة، الطهارة، النذر، الصيد. ويتبع ذلك أجوبة قتادة عن الدية، عقوبة الحد والإرث.
…الجزء الرابع: صفحات 67- 87 تتطرق الفتاوي في نصفه الأول إلى إشكاليات تتعلق بالأخلاق والسلوك، وتتحدث أيضا عن تحريم المشروبات الكحولية، الهدي والصيد (بخصوص الصيد يشار مرتين إلى آراء جابر، أبو عبيدة والربيع) بعدها تأتي أجوبة تخص الشهادة العقوبات (ما تعلق منها خاصة بالسرقة، الخيانة الزوجية والزنا) الإراثة، الوصية (باب الميراث والوصية) عقود العتق (باب الكتابة) الزواج والطلاق. (1/80)
صفحة 81
…الجزء الخامس: صفحات 88- 105: يضم أجوبة لجابر مأثورة عن عمر بن حريم موضوعها الزواج والطلاق وتحصيل الزكاة (ص 102- 105)(1)
__________
(1) في الصفحة 10222 بنقل عمر بن حريم عن محمد بن عبد الرحمان الأنصاري أن الخليفة عمر بن عبد العزيز أمر بالبحث في المدينة عن كتابين قديمين يخصان الزكاة، أحدهما للرسول صلى الله عليه وسلم والثاني لعمر بن الخطاب بالفعل تم العثور عليهما الأول كانت تحتفظ به عائلة عمر بن حازم والثاني تحتفظ به عائلة عمر بن الخطاب، هذه الكتب لا تختلف في مضامينها وتختزل قواعد تحصيل الزكاة (ق 10222- 1048) في الصفحة10325 يقرأ: هم قالوا (الرسول صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه) تؤخذ عن البقر نفس الصدقة التي تؤخذ عن الإبل بمعنى أنه عن كل خمسة رؤوس بقر تؤخذ شاة إلى غاية 24 رأس، من 25 إلى 35 تؤخذ ناقة (بقرة مضى من عمرها حول وهلم جرا. وجود كتابي الرسول صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب والسنن حول زكاة البقر يجد تأكيدا في كتاب الأموال ل: أبو عبيدة القاسم (223خـ/ 837م). حدثنا يزيد بن حبيب بن أبي حبيب عن عمر بن حريم عن محمد بن عبد الرحمان أن في كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب يقرأ "عن البقر يؤخذ عن ما يؤخذ عن الإبل" نشر القاهرة 1968، 497 و 524 رقم 998، يشير الزهري إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد من خلال هذه التعاليم إلغاء سابقاتها التي كانت تحدد 30 رأسا من البقر كحد أدنى قابل للزكاة وذلك مراعاة لمصالح أهل اليمن. القرضاوي، فقه الزكاة بيروت 1981، 1، ص 198 199. في حالة أحاديث محمد بن عبد الرحمان والزهري فإننا أمام سنن ضعيفة اعتنقتها المدرسة الاباضية بينما المدارس السنية والشيعية تعترف بالسنن التي تحدد النصاب في البقر في 30 رأس. قارن ما كتبته "شعائر الصدقة عند الاباضيين" ص 12- 13- 19 (1/81)
صفحة 82
…الجزء السادس: صفحات 105- 125: يبدأ هكذا "باب بيع الولاء وهبته عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح أن عمر" (حول تحريم بيع أو هبة الولاء) (علاقة العبد بسيده) والاستفسارات الواردة في هذا الجزء تهتم أيضا بإشكالية عتق العبيد (خاصة العتق بعد الموت) والوضع القانوني لأم الولد، ثم يتبعه في الصفحة 10616 "باب الخيار مما سئل عنه الربيع من باب الطلاق" حيث يتم إعادة أجوبة الربيع الواردة في الجزء الثاني وتحت نفس العنوان. انطلاقا من الصفحة 1082 نجد أجوبة أخرى عن الزواج والطلاق تستهل ب "سئل" وليس واضحا من المقصود هنا هل قتادة أم الربيع؛ ثم تليها أجوبة عن تحريم الربا. وعن القروض، البيع، الرهن، الصلاة، الحج، السلف والطلاق. بعدها تأتي أجوبة لجابر بن زيد نقلها عنه عمر بن دينار (ص 1218) تتعلق بالحج، السلف، الطلاق، دم الحيض وتنتهي في الصفحة 12223: "انتهت مسائل عمر بن دينار" ومباشرة بعدها يقرأ: "عن عمر بن حريم قال: سئل جابر بن زيد" التي يتم بها تقديم فتاوي جابر حول الإرث الوصية والصلاة.
…الجزء السابع: صفحات 131- 140: يضم أجوبة حول الصلاة وشعائر الطهارة، حسب الناسخ قد يتعلق الأمر بكتاب الصلاة لجابر الذي نقله حبيب بن أبي حبيب الجرمي البصري(1) بإسناد إلى عمر بن حريم: "انتهى وغالب النساخ يضمون إليه كتاب جابر بن زيد عن حبيب بن أبي حبيب، في الصلاة ويقولون: انتهى الجزء السابع من قول قتادة" (ص 1406)(2)
__________
(1) أنظر فيما يخصه: الذهبي، ميزان رقم 1695.
(2) تصريح الناسخ مشكوك فيه حسب النامي "مخطوطات اباضية حديثة" ص 67 (1/82)
صفحة 83
…السؤال الذي يتبادر إلى الدهن هنا هو: لماذا جاءت أجوبة وفتاوي قتادة بن دعامة السدوسي (توفي 117هـ/ 735م) لتشكل جزءا من السنن الاباضية ولماذا تم ضم فتاوي جابر التي نقلها عنه عمر بن حريم وعمر بن دينار إلى هذه السنن؟(1)، نحن نعلم أنه خلال القرن الأول من الهجرة كانت الطائفة الاباضية تعيش في اتصال وثيق مع الطائفة السنية في البصرة، وكان قتادة تلميذا لجابر كما كان يجمعه به علاقتهما بأستاذهما الحسن البصري، وبمقتض هذه العلاقة فإن المشرعين الاباضيين من الأجيال الأولى كانوا يعتبرون قتادة حاملا أمينا لعقيدة جابر وكانوا أيضا وبسبب ندرة المواد التي يعود أصلها إلى جابر مستعدين للقبول بما كان ينقله عنه. فيما بعد، دفع التطرف التدريجي الذي عرفته الحركة والانفصال عن الطائفة السنية المشرعين الاباضيين إلى تفضيل سنن جابر التي يكون إسنادها اباضيا ففي مسند الربيع تجدر نزعة النقل عن جابر من خلال إسناد الذين خلفوه في قيادة الحركة الاباضية أي أو عبيدة والربيع.
__________
(1) سلسلة الإسناد "قتادة/ عمر بن حريم/ عمر بن دينار جابر" تجدما يؤكدها في المصادر السنية. أبو نعيم "حلية"، 3، ص 85؛ الذهبي، تذكرة، 1، ص 67؛ ابن هجر: تهذيب ج1، ص 38 ج8، ص 68، 113- 351، المصادر الاباضية تتجاهل قتادة لكنها تذكر عمر بن حريم وعمر بن دينار من بين الذين نقلوا عن جابر. الشماخي: سير ص 121. (1/83)
صفحة 84
…كان لابد أن تكون الآراء الشرعية لقتادة مطابقة لآراء السلطات العلمية الاباضية الأولى، وهذا ما يفسر ضمها إلى مخطوط اباضي من طرف واضع أقوال قتادة (أبو غانم إن أخذنا بالفرضية التي قدمها النامي) هذا التجانس ـ الذي شجعه حكم الانتماء المشترك إلى مدرسة البصرة العريقة ـ تثبته الملاحظات الوجيزة التي ديلت بها أقوال وفتاوي قتادة والتي يشير فيها المؤلف إلى أن رأي قتادة مطابق لرأي السلطات الاباضية (الربيع أبو عبيدة، جابر) ولعل أبرز مثال على ما قيل: هو الفتوى التي يوضح فيها قتادة كيفية أداء الصلاة أثناء محاربة الكفار (صلاة الخوف) والتي تنتهي هكذا:
…(...) هذه هي صلاة الخوف وهذا قول الربيع عن أبي عبيد وهو قول جابر بن زيد وضمام (ق 1023)(1)
…قد يكون أبو غانم تلقى "الأقوال" عن الربيع بن جيب كما توحي كلمات "وحدثني بهذا الربيع" التي نقرأ ما بين الفينة والأخرى في نهاية أجوبة قتادة، وهذا قد يفسر وجود بعض الأجوبة المنسوبة إلى الربيع في المخطوط (أجزاء 2 – 3 – 4) كما يفسر وجود بعض سنن الربيع فيه عن أبي عبيدة عن جابر ممزوجة بسنن قتادة (خصوصا في الأجزاء 1-2 ، في الفصول التي تتعلق بالصلاة، الصوم والنذر)
…من خلال فحص المخطوطات الثلاثة قيد الدرس، يظهر أننا أمام مواد يعود تاريخها إلى القرنين الأول والثاني من الهجرة، ومع أن الحذر يكون مناسبا حين التعامل مع مؤلفات الحديث الذي شكل دائما أرضية خصبة للتزييف فإن حجج أصالة مواد هذه المخطوطات تبدو لنا أوفر على عكسها، ويمكن إيجازها في النقط التالية:
__________
(1) زعم المؤلف يدعمه جواب للربيع جاء في : "أثار الربيع" وهو يعطي نفس الوصف لصلاة المحاربين (أ 2225) (1/84)
صفحة 85
فيما يخص جوابات جابر، تبقى فرضية الفبركة مستبعدة بسبب وجو شخصيات د ضمن قائمة المرسل إليهم معروفة بعض الشيء أو غير معروفة على الإطلاق، والتي يعطينا عنها جابر من خلال رسائله معلومات شتى، تكون أحيانا دقيقة إلى حد يوفر صورة حية عنها وعن علاقاته بها. والمحرف قد يفضل إعطاء المصداقية للرسائل بتوجيهها إلى أهل السنة الكثيرين الذين كانوا على علاقة بجابر ما دام الأمر يتعلق بأجوبة عن أسئلة شرعية. والحجة القاطعة ضد التحريف في نصوص رسائل جابر كمصدر لأجوبته تكمن في أن هذه الأجوبة لا وقع لها في ميدان التشريع الاباضي، لأنها ظلت ولأمد طويل غير معروفة لذا المشرعين الاباضيين.
بالنسبة لأقوال قتادة وأثار وفتوى الربيع فإن البنية البدائية التي تميزها تدفعنا
إلى الاعتقاد بصحتها. فهذه المؤلفات ينقصها توزيع حقيقي للمواد (الفهرسة ناقصة وغير واضحة). في الآثار فقط يمكن تحديد محاولة بدائية لجمع السنن حسب نقلتها. لا يتم التمييز في أي من هذه المخطوطات الثلاثة بين الفتاوي والأجوبة بينما لا تتميز السنة النبوية عن سنن الصحابة والتابعين. ولا تعطى أهمية للإسناد في المخطوطات المنسوبة إلى الربيع؛ لا يذكر الحديث النبوي إلا في خمس حالات فقط وبإسناد ضعيف: "الربيع عن عثمان أن النبي سئل عن..." (ص 3626) أو بأبسط منه: "يقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم..." فيما يخص أقوال قتادة يمكن إضافة اعتبار أخر إلى هذه الحجج، وهو أن لو كان في نية مشرع أباضي فبركة سنن جابر لما ضمها إلى مؤلف منسوب إلى سلطة سنية ولما شهد على صحتها بواسطة إسناد سني. (1/85)
صفحة 86
…تعكس المواضيع المتناولة في المخطوطات الجدال الشرعي القائم في القرنين الأولين من عمر الإسلام، والحل الذي يقترحه العلماء الاباضيون في المنازعات القانونية يكون في غالب الأحيان بدائيا كما يتضح ذلك من خلال فحص عقود البيع ونماذج أخرى سندرجها في غضون هذا البحث. وهذا الحل يعكس اتجاهين متناقضين يمكن تفسيرهما بالعودة إلى الفترة التأسيسية للقانون الإسلامي فمن جهة هناك استمرارية للأعراف القانونية المحلية المنبثقة عن قواعد عربية عريقة وعن تأثيرات القوانين الأجنبية، ومن جهة أخرى هناك اجتهاد المشرعين الأوائل لإعطاء حلول إسلامية للمشاكل المطروحة. فبالإمعان في أجوبة جابر وفتاويه التي جاءت في المخطوطات التي نقوم بفحصها يتبين التوازن القائم فيها بين الاتجاهين. وهو الشيء الذي يؤكد صحتها. وتبدو فرضية تحريف هذه الأجوبة والفتاوي أبعد من الواقع لأن المؤلفات التي تضم هذه السنن لم يتم وضعها من طرف الشخص الواحد أما جوابات وأقوال قتادة فهي جزء من مجموعة مخطوطات أخرى(1)
__________
(1) تقدم لنا الحالة التي نظر فيها جابر في الجواب 72 ب 2 . نموذجا دو مغزى عن التوازن بين العريق والحديث (إضافة إلى تلك التي سندرجها ضمن هذا العمل) وعن قدم الإشكاليات المطروحة ـ المعروضة للتعاش ـ (قارن أ 65 أ3 حيث قدم جابر فتوى شبيهة): "فيما يخص ما تقوله: عن ذلك الشخص الذي ضاجع نفس الجارية التي ضاجعها والده دون أن يكون بعلم بذلك فعليه أن يبيعها بما أن لا يباح له أن يكون على علاقة جنسية بها". في أقوال قتادة (9224) نقرأ: قال عمر بن حريم:" سئل جابر إذا كان مباحا للإبن أن تكون له علاقة جنسية بالجارية التي أهداها إياه والده إن كان هذا الأخير لمس أو رأى فرجها فأجاب: لا" (توجد فتوى شبيهة لهذه في ص 113 وليس واضحا إن كانت تنسب إلى قتادة أ الربيع) حسب جابر لا تكون حليلة الأب محرمة على الابن فحسب (والعكس صحيح) ولكن من اجتمع بجارية غيره دون شرع لا يمكن له إن اشتراها أن يبقي عليها كخليلة (ق 1112) حسب "موتسكي" فإن إدانة المشرعين القدماء للإختلاط الجنسي بالجواري يعكس إرادتهم (تبقى نظرية في فقط في بعض الحيان) في التصدي لممارسة شائعة بشكل كبير في القرن الأول الهجري (Anfange 232) وقد خلص إلى هذا الاستنتاج بعد تحليله لفتوى عطاء آلاتية: "ابن جريح قال: "حدثني عطاء فيما يتعلق بمسألة سماح شخص لآخر بمضاجعة جاريته) وهذه كانت (في وقت مضى) ممارسة عامة، فالرجل كان يتنازل عن جاريته الخاصة لعبده ولابنه ولأخيه ولأبيه والمرأة (تسمح لجاريتها بممارسة الجنس مع زوجها). أنا لا أوافق على فعل كل هذا ولم يبلغ آذاني أي سلطة تبيحه. وقد بلغني على كل حال أنه يمكن التنازل عن الجارية الخاصة للضيف" ابن عبد الرزاق: مصنف ج 7، رقم 12850؛ يورد نفس المصدر فتاوي ابن طاووس وعمر بن عبد العزيز التي تبيح عادة تنازل الأب عن جاريته لابنه، رقم 12851- 12855.
فقدت إشكالية الاختلاط الجنسي بالجاريات أهميتها بمجرد أن حددت المدارس الشرعية قوانين التسر فانطلاقا من القرن 3 لم يعد هذا الإشكال يطرح للنقاش في النصوص الشرعية سواء السنية منها أو الاباضية. (1/86)
صفحة 87
.
…كانت العقيدة الاباضية قد وصلت إلى المناطق الشرقية من الإمبراطورية الإسلامية مند نشأتها وخلال القرن الثاني الهجري، فأصبحت خرسان أحد أهم مراكزها السياسية والروحية، وتتحدث المصادر عن مجموعة من العلماء يعترف بسلطتها بالإجماع ويتبين من نسبها الإنتماء بالولادة أو بالسكن إلى خرسان أو المناطق الحدودية أمثال: حاتم بن منصور الخرساني، أبو يزيد الخوارزمي الذي تذكره المصادر كخبير بعلم الإجرام (الدماء)،(1) أبو عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخرساني(2) الذي اتخذ موقفا مساندا للإمامة الرستمية إثر عملية الانفصال التي قادها خلف بن السمح (حوالي 168هـ/ 784م)(3). وخاصة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني. إلى هذا الأخير تنسب دراسة معروفة بالمدونة(4)
__________
(1) حسب بعض المصادر فإن صخر العبدي أستاذ أبو عبيدة، كان من أصل خرساني. النامي، دراسات 1، ص 194 ملاحظة 56
(2) كتاب ابن سلام ص 114.
(3) نفس المصدر ص 135- 141
(4) أبو غانم (عاش ما بين القرن الثاني والعشر الأولى من القرن الثالث) درس في البصرة على يد تلامذة أبو عبيدة، وضع مؤلفه ـ مدونة ـ عند نهاية القرن الثاني، خلال زيارة له للمغرب أعطى للإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمان (168هـ/ 784م- 208هـ/ 824م) نسخة من مدونته لإثراء مكتبته المشهورة بالمكتبة المعصومة والتي أضرمت فيها النيران سنة 296هـ/ 908م عندما غزا الإمام الفاطمي أبو عبد الله الشيعي تاهرت. وكان أبو حفص عمروس بن فتح قد استنسخ المدونة فيما قبل بعد ترخيص أبو غانم له بذلك (إلى هذا الترخيص ـ يشير سواء الدرجيني في طبقات، ج2، ص 323، والشماخي: سيرة، ص 228) خبر النسخ هذا الذي ينفيه الوسياني في ملحوظة وجيزة على هامش سيره (ص3) يشكل مفارقة تاريخية، بالفعل فعمروس قد يكون مات 283هـ/ 896م في معركة مانو ضد الأغلب بعد خمسة وسبعين سنة من وفاة الإمام عبد الوهاب. إذا أردنا التشبث بفرضية ترخيص أبو غانم له بنسخ مدونته فعلينا تحديد تاريخ زيارة أبو غانم المغرب في منتصف القرن 3 وربما في الفترة التي كان فيها عمروس قاضيا بجبل نفوسة قبل الإطاحة به حوالي 281/ 894 ?ان اس Van Ess:
Untersuchungen, 38, Theologie und Gesellschaft, II, 603, Rebstock Ibaditen, 174-175. (1/87)
صفحة 88
وهي عبارة عن خلاصة للعقيدة الشرعية التي وضعتها الطائفة الاباضية خلال القرن الثاني الهجري وتضم أربعة عشرة كتابا هي:
…1 ـ كتاب الصلاة الذي يضم أيضا قواعد الوضوء.
…2 ـ كتاب الزكاة.
…3 ـ كتاب الصوم الذي تليه بضعة أسطر تتحدث عن الحج.
…4 ـ كتاب النكاح.
…5 ـ كتاب الطلاق
…6 ـ كتاب البيوع
…7 ـ كتاب الهبة والنحلة
…8 ـ كتاب العتق
…9 ـ كتاب الوصية
…10 ـ كتاب الشهادات
…11 ـ كتاب الأحكام والأقضية
…12 ـ كتاب الأشربة والحدود
…13 ـ كتاب الحدود
…14 ـ كتاب الديات
…تنبني هذه الكتب على المحاورات ولا تختلف في هذا الشأن عن الآثار وفتوى الربيع، فالإشكاليات الشرعية تستهل بصيغ مثل: "سألت أبي المؤرج عن (يتبعها طرح وجيز للإشكاليةًَ) قال: سألت عن ذلك أبي عبيدة فقال: {...}" وفي الحالة التي تكون فيها الإشكالية موضوع أراء متناقضة نجد فيما بعد وكان الربيع يقول: {...}. أحيانا أخرى تستهل الأحكام بإسناد وجيز: "الربيع عن أبي عبيدة". تكاد الأحاديث النبوية تنعدم في المخطوط الأصلي (هي من وضع المحرر في المدونة الكبرى)(1) وتتم الإشارة إليها بإسناد بدائي:" حدثني رجل من خرسان رفع الحديث إلى أنس بن مالك" أو بكل بساطة: جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم".
__________
(1) يذكر البرادي المؤلف لديوان أبي غانم (موتلنسكي Motylinski Bibliographie n12) وهو ـ أي المؤلف ـ معروف أيضا بغانميات (لويتشكي في الموسوعة الإسلامية أبو غانم ـ Lewicki, in E12 S.V . Abu Ghanim) توجد المدونة اليوم في نسختين: المدونة الصغرى (مسقط 1984ج) والمدونة الكبرى(مسقط 1984 في 2ج) وهما معا من ترتيب محمد بن يوسف اطفياش (توفي 1332ه/ 1914). بمقارنة النسختين يتبين أن المحرر لم يدخل تغييرات على بنية ومضامين النص الأصلي مكتفيا بإضافة بعض الهوامش يسهل التعرف عليها إذ تأتي مقدمة بصيغة "قال المرتب". دراستنا تعتمد على نص المدونة الكبرى. (1/88)
صفحة 89
…نقل أبو غانم في المدونة عقيدة أبو عبيدة (وبوثيرة أقل عقائد بعض الاباضيين من نفس جيله مثل أبو نوح صالح الدحان) وذلك بإسنادها إلى مشرعين كانوا تلامذة له – أي أبي عبيدة وهم:
الربيع بن جيب
أبو المعرج عمر السدوسي
أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز
أبو غسان مخلد بن العمرد(1)
أبو المهاجر هاشم بن المهاجر(2)
أبو أيوب وائل الحضرمي(3)
حاتم بن المنصور(4)
أبو سفيان محبوب الرحيل(5)
لم يكن لأبي غانم اتصال مباشر مع كل هؤلاء المشرعين، ففي بعض الحالات
__________
(1) عاصر أبو غانم، أخد ?ان اس بقراءة اسمه هكذا من كتاب ابن سلام، 115 (Theologie und Gesellschaft II 602 ) فيما قبل كان قرأ اسمه كابن المعرد" Untersuchungen "41 وهكذا يقرأه أيضا شوارتزSchwartz في Die Anfange، ص 60
(2) من نفس طبقة أبو عبيدة وأبو نوح، انتقل من حضرموت إلى الكوفة. كتاب ابن سلام 114، لويتشكي في الموسوعة الإسلامية س. ف الاباضة ، 651 أ.
(3) من جنوب الجزيرة العربية كما يدل نسبه على ذلك، كان من بين تلامذة أبو عبيدة والربيع الذي خلفه على قيادة الطائفة الاباضية في البصرة حين انتقل في أواخر أيامه إلى عمان. الدرجيني: طبقات، 2، ص 278؛ الشماخي، سير، ص 105-106
(4) أنظر بخصوصه ما هو آت 136 ملحوظة 8
(5) أنظر بخصوصه ص 70 ملحوظة 42 (1/89)
صفحة 90
نقل عنهم سننهم بإسنادها إلى سلطات علمية غيره.(1) وفي حالات أخرى باستخراجها من نصوص مكتوبة، كما يوحي بذلك كلمة "قال" التي يستهل بها خاصة سنن الربيع؛ وقد جمع في المدونة معظم أجوبة وفتاوي المنشقين أبو المؤرج عمر السدوسي وأبو السعيد عبد الله بن عبد العزيز الذين طردا من مجلس الحركة إبان إمامة الربيع بسبب مواقفهما المعادية للتوجهات العقائدية للطائفة، ولكونهما كانا يساندان استعمال المعايير العقلانية ـ القياس والرأي، في ميدان التشريع. جمعت عقيدتهما التي كان لها الأثر ـ وإن كان من غير الواضح كيف ذلك ـ، في انفصال النقار(2) بالمغرب، وضمت إلى عقيدة الطائفة الاباضية في المدونة.
…2 ـ نماذج La Casistica
__________
(1) يضيف أبو غانم الهامش الآتي بعد لائحة السلطات التي قد يكون توجه إليها بالسؤال: "سألت بعضهم مباشرة وبلغني حديث بعضهم عن طريق من سألهم مباشرة "?ان اس " Untersuchungen ص 41 .
(2) ربستوك الاباضيين ص 173 – 174 ( Rebstock Ibaditen) (1/90)
صفحة 91
…من بين المشاكل التي تطرحها دراسة المؤسسات التجارية في القانون الإسلامي نجد الشرخ القائم بين الممارسة المثالية التي تنظر لها النصوص القانونية وواقع التجارة الذي كثيرا ما تحكمه العادات المحلية وليس الشريعة. الشيء الذي دفع بدارسين مرموقين للإسلام إلى التشكيك في وجود علاقة بين القانون والتجارة في العصور الوسطى الإسلامية(1)
__________
(1) كولدزهر : Golziher : Muhammedanisches Recht in Theorie und Wirklicheit » In Zeitschrift fur Vergleichende Rechtswisren Schaft, VIII, 1889, 423, ib, Vorlesungen Uber Den Islam, Heidelberg 1910, Cap II. ) الطبعة الإيطالية من انجاز أ. تشلردو "دروس عن الإسلام" مع إقحام ملحوظات تكميلية وإضافية من تقديم برنارد لويس - Bernard lewis-منشورات علمية إيطالية نابولي 2000. أدوفيتش Udovitch- "التقنيات التجارية في تجارة العصور الوسطى الإسلامية الأولى في الإسلام وتجارة أسيا "
Early Medieval Islamic Trade » « Commercial thecniques in نشر D.S Richards ريتشارد أوكسفورد ـ 1970 ص 99. من جهة أخرى بالرغم من ذلك تبين دراسات أجريت على عقود البيع كيف أن هذه العقود تعكس في الجوهر قواعد القانون الإسلامي، أنظر على سبيل المثال: د. إيمليا D’Emilia"شهادات صقلية عن البيع في القرن السابع هـ ومقارنتها بوثائق مصرية من القرن الثالث هـ "في ، كتابات على شرف لورا فتشا فليير Laura Veccia نشر أيون، ن، س، 14 نابولي 1946 ج1 ص 83-109 أعيد نشره في "كتابات في القانون الإسلامي ـScritti di diritto Islamico جمعها ف. كسترو F. Castroـ روما 1976. ص 385- 412، كرونكي Gronke
Arabische und persische Privaturkinden des 12 und 13, Jahrhunderts Aus Ardabil (Aserbeidschan) K. Sechwartz Verlag, Berlin, 1982-19-47. (1/91)
صفحة 92
. تمدنا النصوص الاباضية القديمة التي تضم أراء المشرعين حول قضايا حقيقية، وفي ظل غياب التوضيحات النظرية، بمعلومات موثوق بها حول العقود والاتفاقيات الجاري بها العمل في القرنين الأول والثاني من الهجرة. وتكون الأجوبة في هذه النصوص وجيزة فالسلطة العلمية المتدخلة تدلي وبإيجار برأيها مكتفية بالتعبير عن تأييدها (لا بأس) أو عن اعتراضها (يكره، لا يصلح وما شابه ذلك) لما فعل السائل أو ينوي فعله. في الفتاوي يتم باقتضاب نقل الحكم الصادر عن السلطة المتدخلة بخصوص إشكالية مادون تقديم أي توضيحات نظرية، ومن أجل المقارنة في هذا الصدد مع أهل السنة سنعتمد مصنف عبد الرزاق(1) (توفي 211هـ) ومؤلف أبي شيبا الذي يحمل نفس الاسم(2)
__________
(1) عبد الرزاق بن حمان الصنعاني (291، 99، 1، Sezgin, Gas) اعتمد موتسكي على المصنف لدراسة أًصول وتطور المدرسة المكية إلى غاية النصف من القرن الثاني. (Anfange)
(2) أبو بكر علي بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبا الكوفي (Sezgin GAS 1. 108) نشر المصنف في حيدرأباد ما بين 1966و 1983م (15 جزءا) منذ ظهورهما سواء مصنف عبد الزراق أو مصنف ابن أبي شيبا، والمصنفين يعتمدان في دراسة المراحل التأسيسية للقانون الإسلامي. بالإضافة إلى كتاب موتسكي المشار إليه نذكر: ?ان اس- Zwischen hadit and theologie ـ ذكر؛ كوك Cook عقيدة المسلم الأولى ـ ذكرـ مورنفي
Moranyi : Ein Altes Fragment medinescher Jurisprudenz aus Qairawan stoccarda, 1985.
كرون Crone “Roman Provincial and Islam Law” "القوانين الرومانية والبروفانسية والإسلامية": كامبردج 1987؛ تشلردو، نظريات حول أًصول القانون الإسلامي، ذكر (1/92)
صفحة 93
(توفي 235) ويتعلق الأمر هنا بأقدم المؤلفات المتوفرة في الحديث اليوم والتي تضم سنن الصحابة والتابعين (وبشكل أقل سنن النبي صلى الله عليه وسلم)، والتي وصلت إلى المؤلفين عن طريق أساتذتهم. إلى جانب المصنفين سنضيف مؤلفات أخرى يمكن استخراج عقيدة المدارس القانونية العريقة منها، خاصة موطأ مالك (توفي 149هـ) في روايتي يحيى بن يحيى (توفي 234هـ) والشيباني (توفي 189)(1)، كتاب الآثار لأبي يوسف (توفي 182هـ)(2) وكتاب الشيباني، كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى لأبي يوسف(3)، كتاب الأصل(4)، كتاب الحجة على أهل المدينة(5) والجامعين للشيباني(6). بخلاف الموطأ الذي يضم سنن مالك، ومؤلفات أبو يوسف والشيباني التي تنطوي على سنن أبي حنيفة، فمصنفي عبد الرزاق وابن شيبا لا يرتبطان بتعاليم مدرسة معينة بل يضمان سنن أهل العراق، مكة والمدينة.
موضوع عقد البيع :
المواد التي تكون موضوع عقد البيع والتي تشير إليها مصادرنا هي منتوجات
__________
(1) سنشير إلى موطأ يحيى (نشر محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة 1370هـ/ 1951م) بموطأ ـ ي ـ وإلى موطأ الشيباني (نشرعبد الوهاب عبد اللطيف، القاهرة 1967م) بموطأ ـ ش ـ كتاب البيوع في الموطأ برواية يحيى تم ترجمته والتعليق عليه من طرف لولكر Lohlker (Derhandel im malitkitischen )برلين 1991م ص 34- 121
(2) نشر القاهرة 1355م- 1936م
(3) نشر القاهرة1357هـ / 1938م
(4) الجزء الأول: كتاب البيوع والسلع، القاهرة 1954
(5) نشر حيدرا باد 1389هـ/ 1969م
(6) الجامع الكبير نشر: بيروت 1356هـ/ 1937م والجامع الصغير في هامش كتاب الخرج لأبو يوسف، القاهرة 1302هـ/ 1884م ج 2، كتاب البيوع في الجامع الصغير ترجمه وعلق عليه د. ديميتروف Dimtroff :
Mittei lungen des seminars fur orientalische sprachen an der Koniglichen Universitat zu Berlin 1908.XI. (1/93)
صفحة 94
الأرض (الحبوب، الفواكه، وبشكل عام المنتوجات الفلاحية) الأثواب، البهائم والعبيد(1).
__________
(1) هناك مواد لا يمكن أن تكون موضوع عقد بيع باعتبارها خارج المدار التجاري سواء لانها مرادفة للدنس (وهذا حال وحوش الغاب كما سنرى) أو لأن قداسة طبيعتها تمنعها من أن تكون موضوع المضاربات التجارية وهذا هو حال نماذج المصحف التي يقول عنها جابر أنها تشترى ولا تباع: الربيع عن ضمام عن جابر الذي قال: من المكروه بيع وليس شراء نماذج من القرآن" (أ 413) وحكم جابر هذا الذي ربما يرتكز على سنة شبيهة لابن عباس لا يشاطره بعض المشرعين الذين كان منهم من لا يدينون سواء بيع أو شراء هذه النماذج. ـ كابن سيرينأ (توفي 110هـ) ومنهم من يقبلون على العكس من ذلك بكلتا العمليتين كالشعبي (توفي 110هـ) عبد الرزاق، مصنف ج8، رقم 21- 14523؛ ابن أبي شيب، مصنف ج، 8 رقم 248 – 273. الرأي الذي عبر عنه جابر يرتبط بسنن بعض صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تمنع جني الربح من بيع القرآن. في إحدى هذه السنن يروي مسلم بن صبيح: "رأيت رجلا في البصرة يبيع نموذجا من القرآن وكنت عندئذ في زيارة لمسروق بن الاجدع، عبد الله بن يزيد الأنصاري وشريح واستفسرتهم عن ذلك فقالو: يسوءنا أن يؤخذ ثمن عن كتاب الله "ابن أبي شيب، ج6، رقم 248" (1/94)
صفحة 95
…تدخل المنتوجات الفلاحية ضمن قائمة المواد التي تباع بالكيل والميزان وتخضع لمجموعة من القيود يقصد منها منع الربا(1). ويعتبر جابر وقتادة مقايضة بعض المواد يعيرها مع التأخير في الأداء غير مباح. وهذا ما يكتبه جابر إلى غطريف بن عبد الرحمان: فيما يتعلق بقولك من بيع الحبوب مقابل فواكه يتم تسليمها بعد مهلة (نسيئة) فهو لا يصلح"(ج 67ب13)
…يعتبر قتادة مقايضة التمور بفواكه أخرى أمرا مكروها إذا لم تتم المقايضة يدا بيد In Ipso congressu (ق. 545)(2)
__________
(1) تعتبر الربا منفعة يستفيد منها أحد الأطراف دون مقابل وتكون بمقايضة مواد بآخري شبيهة لها بنسيئة، أو بالزيادة في الكيل والوزن، وليست الربا محرمة في كل العقود ولكن فقط في تلك التي يكون موضوعها المنتوجات الغذائية (الحبوب، الشعير، الثمور، الملح) والمعادن النفيسة (الذهب والفضة) سانتلان "مؤسسات" التشريع الإسلامي المالكية مع مراعاة المنظومة الشافعية" ج. 4، روما 1926و 1938م ص 63-65 بالرغم من ذلك ففي القرن الأول ظل لذا المشرعين العديد من الشكوك حول تطبيق منع الربا والغرر، إلى حد أنه يمكن العثور في المصادر على نماذج قديمة من العقود ستعتبرها الشريعة فيما بعد محرمة. فقتادة على سبيل المثال يبيح بيع منتوجات غذائية دون تحديد ثمنها (ق 52)
(2) اشتقت الكلمة من القرآن: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالو على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} (سورة المطففين: الآية 1-3) ترجمة أ بو سني A. Bausaniفلورنسا 1978 (1/95)
صفحة 96
…حاولت الشريعة الإسلامية منذ البداية الحيلولة دون وقوع الغش في البيوع، وقد انصبت المجهودات فيما يخص المواد المستهلكة حول تأمين الكيل والميزان القسط. ففي فتوى الربيع نجد منقولا: حدثني الربيع أن أخاه قال: "قلت لعطاء بن أبي رباح أن أصحاب جابر بن زيد تعودوا أن يقولوا: المطففون سيخسرون الآخرة، فقال: إن أنت تجنبت الغش فالله قال: {وما جزاء الإحسان إلا الإحسان} (ق 348)(1)
…يرى قتادة أنه من الواجب على المشتري أن يكيل بيده المواد الغذائية التي يقتنيها وإن كان حضر شخصيا عملية الكيل التي أجراها البائع.
…ـ سئل (قتادة) عن رجل يطلب من أحدهم نوعا محددا من الطعام. فأمده به بعد وزنه أمامه فهل يأخذ الرجل الطعام اعتمادا على عملية الوزن التي قام بها البائع فأجاب: "لابد من وزنين" (ق 1252)(2)
…للمزيد من اليقين يجب التأكد لاحقا إن كان يعاد بيع الطعام اعتمادا على أداة كيل مختلفة وإن كانت الحبوب المشتراة غير مغربلة تباع بعد غربلتها (ق 529) أنظر أيضا القول (5414).
…سئل قتادة عن رجل يشتري أقفزة من الطعام من أحدهم فاشترط عليه أن يغربلها. فهل يجوز أن يأخذ نفس كمية الطعام المغربل؟ فأجاب: "هذا مكروه" (ق 5217)
…يجوز إعادة بيع المواد الغذائية دون إعادة كيلها في الحالة التي يتم فيها بيعها بالجملة ودون غيرها (ق 5215).
…يشاطر المشرعون الاباضيون قتادة في انشغاله بالتصدي لعملية اقتناء مواد استهلاكية دون تحديد كميتها بالتدقيق، ففي مدونة أبو غانم يقرأ:
__________
(1) قرآن سورة المطففين أية 60.
(2) قارنه ابن أبي شبب: مصنف، ج 7، رقم 2320؛ أبو غانم، مدونة، 2، ص 116- 117 (1/96)
صفحة 97
…سألت عن أحدهم اشترى مأكولات كان صاحبها قد [اكتالها] من قبل {وزنها} دون أن أطلب منه إعادة وزنها مع إعفاءه من كل مسؤولية [عن أي خصاص في الميزان] فقال: "لا يمكنك اقتناء [الطعام] [المأكولات] دون وزنها ولا يمكنك إعفاء [البائع] من مسؤولياته، إذهب إلى صديقك بائع المأكولات وقل له هذا البيع غير مباح لي ولك وأنا مسؤول بالمناصفة على هذه المأكولات إلى أن أزنها [بيدي](1)
…تشترط ازدواجية الكيل أو الميزان في المواد الحيوانية أيضا.(2)
__________
(1) مدونة، 2 ، ص 116.
(2) بيع مواد حيوانية مغشوشة (كخلط الماء بالحليب) قارن (ق5222) أو مواد ذات جودة رفيعة مخلوطةبأخرى أقل منها قيمة (كخلط الشعير بالقمح قارن أبو غانم مدونة ، 2، ص 117) أمر محرم. يذكر الربيع من بين المواد الحيوانية (ص 386) المسك الذي كان العرب يستوردونه من آسيا الوسطى (بلات Pellat كتاب التبصر بالتجارة المنسوب إلى الجاحظ، في أربيكا، 1، 1954، ص 157). تتعلق فتاوي وأجوبة المشرعين الاباضيين الأوائل بعقود بيع موضوعها الحيوانات الأليفة التي كانوا يعتبرونها خالص (حول مفهوم الخلاصة والدنس في الحيوانات أنظر الموسوعة الإسلامية س ف "غذاء وحيوان"، كراف Gr?f :
(Jagbeute und Schlachttier im islamischen Recht, Bonn 1949 129, Sgg e passim)
يعتبر الكلب حيوان دنسا لكونه من بين الثديات المفترسة (سباع) قارن البخاري، كتاب الذبح، سنن 28- 29؛ ، 57؛ مسلم، كتاب الدبح، سنن 11-16) يمكن شراءه وليس بيعه كما جاء في فتوى الربيع (ص 42) ويشاطر موقف الربيع هذا أغلب المشرعين المسلمين القدماء، ويستثنى منه كلب الصيد الذي يجوز بيعه كما جاء في فتوى أبو الزبير، أبو هريرة، إبراهيم النفعي، عطأ وآخرون (ق553) تحريم ثمن الكلب، الذي فسره المشرعون بتحريم بيعه وجد في حديث يروي: "الرسول صلى الله عليه وسلم حرم ثمن الكلب و مهر البغي" (البخاري كتاب البيوع ، سنة 113؛ أبو داود، كتاب البيوع ، سنة 63؛ الترميذ كتاب البيوع، سنة 46، مسند الربيع بن حبيب رقم 633) ربما لهذا الحديث علاقة بفقرة مما أنزل في بني إسرائيل في التوراة ـ ثورات العهد القديم (Deut. XXIII19 ) والتي تحرم ما تعطى الباغية وثمن الكلب" أصل الكلمة في التوراة ك-ا-ب- (يجدر التذكير بأن العربية والعبرية يشتركان في الكتابة المنغمة) قد يتطابق مع الكلب في السنة النبوية، وحسب بعض الدارسين فثورات العهد القديم تشير في الحقيقة إلى بغاء الذكران وبالفعل فالكلمة المستعملة في العكاظية للدلالة على من لا رجولة له كانت أسيوم ـ assium ـ والتي تعني كلبة وباعتبار أن الحواريين ـ I Settanta ـ يترجمون ك-ل- ب KUWV وبما أن هناك آيتين من ثورات العهد الجديد حيث الكلمة اليونانية مترجمة ب "كلب" فإنه قد يكون مغريا القول بأن الأمر يتعلق بالبغاء ـ بطبيعة الحال المقدس ـ عند المتنكرين بلباس الجنس الآخر، قد يكون الإسلام آخذ بهذا التحريم فيما بعد ـ أي ثمن الكلب ـ دون فهم معناه الحقيقي: "أقوال وأفعال رسول الإسلام' التي جمعها البخاري" للبخاري تحت اشراف ?. ?كا ـ V. Vacca ـ س. نويا ـ S. Noga ـ و م. فلارو ـ M.Vallaro ـ Torinoـ 1982، ص 272 ملحوظة 7. (1/97)
صفحة 98
…كانت هذه الأحكام تجد ما يبررها، زيادة على حماسة المشرعين، في حالة الفوضى التي تعم العالم العربي فيما يخص القيم التي يجب إعطاءها للكيل والميزان. فحتى السنة تعطي بالنسبة لهذا الأمر إشارات متناقضة، فهناك حديث يروي: المكاييل للمدينة والأوزان لمكة"(1) بينما يؤكد حديث آخر العكس: "الأوزان لأهل المدينة والمكاييل لأهل مكة"(2).
…إذا كان موضوع عقد البيع هو الأشجار فإن الأرض تدخل ضمنيا في العقد (ج 74 ب10)
…تنصب العديد من الفتاوي والأجوبة في النصوص الاباضية القديمة على بيع العبيد لما لهذه التجارة من أهمية في النشاط الاقتصادي الاباضي، فبيع العبيد الذين يتمتعون بوضع خاص (أم الولد(3)، المكاتب(4)، والمدبر(5) ليس موضع قوانين موحدة إذ لا يمكن بيع أم الولد ولكن لا يمكن بيع المدبر بينما بيع المكاتب أمر اعتبره جابر (أبو الشعتاء) في الوهلة الأولى مباحا ثم استنكره فيما بعد.
__________
(1) أبو داود، XXII 8.
(2) أيضا نفس المصدر؛ النسائي XXIII 44، XIIV ،54.
(3) الجاري، أم الولد (نصا: أم الولد) ويطلق هذا الاسم على الجارية التي تلد من سيدها فيخول لها ذلك العتق من العبودية بعد وفاة هذا الأخير، سانتلان ـ Santillana ـ مؤسسات، 1، ص 155- 156
(4) كان المكاتب هو العبد الذي يبرم عقد عتق مع سيده يمكنه من استرداد حريته بعد دفع مبلغ مالي لهذا الأخير عند نهاية المهلة المحددة أو على شكل أقساط، نفس المصدر، ص 150- 154
(5) يطلق المدبر على العبد الذي ينعتق بعد وفاة سيده، وضعيته مشابهة بوضعية المكاتب، طالما بقي سيده على قيد الحياة فهو عبد له ويمكنه إرغامه على العمل، عند وفاة سيده يسترد تلقائيا حريته إلا في حالة ما إذا كانت ديون السيد لا تسمح بذلك، المدبر، نفس المصدر ص 155- 156 (1/98)
صفحة 99
…الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال "بيع وشراء وعتق أم الولد مباح" (أ106)(1)
…قلت [للربيع] "هل يمكن بيع أم الولد التي في إيمانك؟ فأجاب
…بالطبع إن كنت ترغب في ذلك مرادا"(ص 2343)(2)
الربيع ن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال: "لا يمكن بيع المدبر وإن كان سيده في ضائقة"(أ 618)(3)
…الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال: "لا يمكن بيع المدبر لتسديد دين"(أ 619)
…الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال: "بيع وشراء المكاتب مباح وكذلك هبته"(أ 716)
__________
(1) حرم مشرعو المدرسة الاباضية فيما بعد بيع أم الولد الذي كان يقبل به نظرائهم في القرن الثاني هـ. وهذا التحريم يقع عليه الاجماع في الشريعة الإسلامية إلا عند الشيعة، فيما يخص عقيدة الشيعة في هذا الموضوع أنظر: مسند زيد بن علي، بيروت 1966، ص 276- 277؛ أبو حنيفة النعمان بن محمد: دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، الاستبصار نشر النجف 75- 1376هـ/ 56- 1957م، 3 (الجزء 2) ص 11- 12 رقم 34- 36.
(2) حسب الربيع كان بإمكان السيد التنازل عن أم الولد للتكفير عن عدم احترام قسم الظهار (كفارة الظهار) أو للتكفير عن القتل (كفارة القتل) (أ 314). من جهة أخرى كان المشرعون الاباضيون القدماء يعترفون لأم الولد بحق التحرر حتى في الحالة التي لم تنجب فيها إلا بعد وفاة مالكها:" الربيع ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال في أحدهم توفي تاركا جاريته حبلى ولم يكن له منها أبناء آخرون: يجب عتقها [والعتق] يطال كل ما يملكه الهالك" (أ 45)
(3) نجد أيضا في أقوال قتادة فتوى من هذا القبيل: "سئل قتادة إن كان يجوز للسيد عند الحاجة بيع المدبر فأجاب: لا نعتبر بيع المدبر مباحا" (1065) 2، ص 193- 194. (1/99)
صفحة 100
…الربيع عن ضمام عن أبو نوح صالح أن أبي الشعثاء قال: "المكاتب لا يمكن عتقه بعد وفاة سيده ولا بيعه ولا إعادته إلى العبودية ولا بيعه عند الحاجة"(أ 923).
جاء في مدونة أبي غانم بنقل عن ابن عبد العزيز والمؤرج أن الربيع كان يمنع بيع العبد المدبر ويعتبر عقد بيعه باطلا إذا تم إبرامه. نفس المصدر يؤكد إمكانية بيع أم الولد باعتبارها في كل الأحوال عبدة، ويحرم بيع المكاتب.(1) يعكس تواجد فتوتين متناقضتين في أثار الربيع حول أحقية السيد في بيع العبد وإن كان يتوفر على عقد عتق التطور الفكري عند جابر. فالفتوى الثانية التي تعتمد القياس على المدبر وليدة تفكير أكثر تعقيدا، فربط منع بيع المكاتب بمنع إبطال عقد العتق(بتغييره إلى العتق بعد الموت ـ أو إلغائه كليا) ذليل على أن وضع المكاتب كنوع من التحرر ـ Status liberـ كان قد تم تحديده وبشكل نهائي عند المشرعين الاباضيين.(2)
…وهذا ما يظهر من سنة أخرى لجابر:
…الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال: "إذا عجزت المكاتبة [ولم تدفع بعد كل ما بدمتها] ولها ولد فليس بإمكان مواليها بيع الابن عند تمام مكاتبتها وفي [حالة ما إذا باعوه] فلها الحق في استرداده" قال علماء الكوفة" "إذا بلغت من العمر عتيا سواء [العبدة] أو الابن يمكن بيعهم" (أ 613).
__________
(1) 2، ص 193- 194
(2) مما يؤكد أن جابر يعتبر أنه لا رجعة في عقد الكتابة فتوى نقلها عنه البيع بإسناد إلى ضمام يصرح فيها بأن المكاتب لا يمكنه العودة إلى الرق وإن كانت تلك رغبته هو (أ87). (1/100)
صفحة 101
…تتعلق الفتوى المنسوبة إلى جابر بمسألة الأمة المكاتبة التي لم تؤدي داخل الأجل الأقساط التي عليها، فهل تفقد لهذا السبب الحق في التحرر وتعود إلى العبودية، في هذه الحالة يمكن لمواليها بيع الابن الذي ولد لها بعد المكاتبة باعتباره من بين المنافع التي يشملها عقد المكاتبة(1)؛ ويشاطر هذا الرأي قدماء المشرعين من أهل الكوفة (حماد، إبراهيم النخعي، شريح)(2) الذين تشير إليهم سنة جابر ويبدو أن تفكير المشرعين الاباضيين على العكس من ذلك يميل إلى العتق، فبرفضهم بيع ابن المكاتبة إن كانت على وشك أداء الأقساط التي عليها، يعترفون لها بحق الاحتفاظ بوضعها الأصلي وإن كانت لم تستجب لشروط العقد.
…يبدو أن حق المولى، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنين بعد وفاته، في أبعاد عبيده ممن معهم عقد عتق (سواء تعلق الأمر بالكتابة أو التدبير) وإيمائه اللواتي أنجبن له الولد وكأنه لا يخضع لأي قيد أو شرط.
__________
(1) بالنسبة للقواعد التي تنظم عقد العتق في القوانين الإسلامية أنظر: سانتلان، مؤسسات، 1، 1، ص 15؛ الشافعي، أم، نشر القاهرة 1407هأ/ 1987م، 3، ص 16، 17
(2) هذا ما يستفاد من العديد من الفتاوي والأجوبة التي يحويها كتاب الأصل للشيباني، ج3، نشر محمد عبد المجيد حيدراباد 1391هـ/ 1971م ص 319، 478، 490 وفي ابن أبي شيب، 6، رقم 1454 - 1460 (1/101)
صفحة 102
…نقل عطاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه اشترى عبدا مدبرا من إبراهيم بن نعيم الذي عجز بسبب الحاجة عن احترام عقد العتق الذي يربطه بعبده(1). ويحكى في حديث أخر، نقل بإسناد وكيئ ـ هشام بن عروى ـ عروى أن عائشة اشترت أمة مكاتبة(2). وما زلنا نجد خلال القرن الأول الهجري مشرعين كانوا يقلون ببيع المكاتب (يشير الزهري، من أهل المدينة، إلى أن الأمر يتعلق بممارسة مقبولة عند الجميع ماعدا عند ابن عمر)(3) إلى جانب آخرين كانوا يعتبرون هذا البيع مكروها (ابن مسعود)(4)، كما كانت هناك مواقف وسط: فحسب عطاء (الذي ينطلق من رأي عبر عنه ابن عباس) يمكن مقايضة العبد المكاتب ببعض البضائع ولا يمكن بيعه مقابل النقود؛(5) بينما يرى حماد (الذي ينقل عن إبراهيم) أنه يمكن بيع المكاتب إذا كان ثمن البيع يعادل ما في ذمته لسيده ويشترط على الشاري أن يحترم بنود عقد العتق المبرم بين العبد ومولاه الأصلي (في الواقع نحن أمام تحول في ملكية الكتابة)(6)
__________
(1) أبو يوسف، أثار، رقم 870.
(2) ابن أبي شيب، 6، رقم 2651
(3) عبد الرزاق، 7 رقم 15801 .
(4) أيضا رقم 15798؛ ابن أبي شيب، 6، رقم 2649
(5) عبد الرزاق 7، رقم 15798، 15802
(6) ابن ابي شيب، 6، رقم 2650 (1/102)
صفحة 103
…نفس التردد نلمسه عند المشرعين فيما يخص بيع أم الولد، فقد كانت المدارس العتيقة بالكوفة والمدينة واعتمادا على سنة منسوبة إلى الخليفة عمر تحرم بيع أم الولد بما أنه يجب عتقها بوفاة سيدها.(1) بينما وعلى العكس منذ ذلك، تؤكد المدرسة المكية على البيع معتمدة في ذلك على قول جابر بن عبد الله: "كنا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم نبيع خلائلنا اللائي أنجبن الولد ولم نكن نجد في ذلك عيبا"(2) ويشير أبو إسحاق الحمداني إلى أن بيع أم الولد كان أمرا مقبولا خلال خلافة أبي بكر وعمر ثم قال هذا الأخير "كيف يمكن بيعها وابنها حرا فمنع البيع"(3).
…مراعاة منه لعلاقة الأم بابنها، حرم القانون الإسلامي عقود البيع التي تفرق بينهما ـ أي العبدة وابنها ـ وقد جاء هذا المبدأ في النصوص الاباضية القديمة من خلال جواب لقتادة أضاف إليه واضع الأقوال هامشا يوضح فيه أن الربيع كان يشمل بهذه الرعاية الأخوين أيضا.
…سئل [قتادة] عن بيع جميع عبيد العائلة الواحدة فأجاب:
…من المكروه فصل الأم عن ابنها" حسب الربيع كان مكروها {أيضا}
…الفصل بين الأخوين (ق 5518)
…تنطبق بعض القواعد على بيع الجواري ويقصد بها التأكد من الأبوة واجتناب الاختلاط الجنسي.
يجب أن تخضع الأمة للحراسة خلال مدة زمنية (الاستبراء) قبل أن تنتقل إلى
مالكها الجديد وذلك للتأكد من أنها حابل أم لا ـ وإذا لم يتم مراعاة فترة الاستبراء واتضح أنها حابل فالابن ينسب إلى مالكها الأول.
__________
(1) أبو يوسف، أثار رقم 872، موطأ شيبا، ص 282 رقم 799، ساشت أصول ص 264-265،
(2) عبد الرزاق، 7، 13211، موتسكي ص 188 Motzki ; Anfànge
(3) عبد الرزاق، 7، 13210، لابد أن يكون هذا الإجراء اعتياديا عند بداية الخلافة الأموية ـ بالفعل ـ يحكى في كتاب الأغاني (9 ص 36) أن مروان بن حكم أعطى لعتيق له جاريته أم الولد وطفلها ليشكره على الخدمة التي قدمها له، ساشت: أصول 164 Schacht . Origins . (1/103)
صفحة 104
سأل رجل [الربيع] في حضوري عمن يعرض جاريته للبيع بعد أن ضاجعها وأمر مشتريها أن يخضعها لفترة مراقبة، غير أن هذا الأخير لم يحترم الأمر فاجتمع بها ثم باعها رجلا آخرا فضاجعها هو أيضا دون إخضاعها لفترة المراقبة. فاكتشفت الجارية بعد ذلك أنها حامل وإنها ضاجعت أسيادها في نفس الفترة الزمنية بين حياض وآخر، فأجاب: الابن يكون للمالك الأول بما أنه نكحها حلالا بينما نكحها الآخرون في الحرام، الابن يعود له وإن كان من غير المعروف من ضاجع الجارية في الحرام"(ص 445)
إذا كانت الأمة متزوجة فإنه لا يمكن لسيدها أن يتخذها خليلة له إلا إذا نطق زوجها بالطلاق.
الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال عن من يشتري أمة لها زوج: "لا
يقربها حتى يطلقها زوجها" (أ 512)(1).
حسب القانون الإسلامي لا يمكن للمسلم أن يبيع نفسه كعبد ولا أن يبيعه من له عليه دين كما كان يحدث عد عرب الجاهلية. فالذي يبيع رجلا حرا على أساس أنه عبد يستحق نفس عقوبة القتل عمدا (عليه دفع ثمن الدم). ولا يجوز للآباء بيع الأبناء(2)
__________
(1) قارن موطأ يحيى 617 موطأ أبو شيب. 281، في هذه الحالة تكون حقوق السيد في المتعة في صراع مع حقوق الزوج. حسب الشبياني من يشتري أمة متزوجة دون أن يعرف ذلك فله الحق في إبطال العقد لأنه "يحرم عليه مضاجعة ما دام العبد زوجها هو من ينفق عليها" (أصل 184 رقم 13) تعتبر النفقة المقابل الذي يدفعه الرجل للزوجة للتمتع شرعا بها.
(2) سانتلان: مؤسسات، 1، ص 142- 143، شنايدر ـ Schneider خاصة الفصل الثالث :
(Kinderferkauf und schuldknecht untersuchung Zur Fruher Phase des Islamischen Recht Stocarda 1999, 279- 350 ..) (1/104)
صفحة 105
. غير أن تأكيد المشرعين الأوائل على منع بيع الأحرار يثير الشكوك حول أن هذا السلوك الجاهلي استمر بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم.(1) ففي نظر قدماء المشرعين الاباضيين كان يجوز اشتراء أبناء أهل الحرب كعبيد إذا كانوا يعرضونهم للبيع من جراء عدم القدرة على إطعامهم. والعكس فأبناء أهل الذمة الذين باعهم آباءهم يجب عتقهم. هذا ما قد يكون قرره مجلس الطائفة بخصوص نازلة وقعت أيام إمامة أبي عبيدة التميمي (النصف الأول من القرن الثاني هـ)
__________
(1) في مصنف ابن أبي شيب تتعدد الأجوبة التي تؤكدان بيع الأحرار لاغ (7، رقم 2879- 2881- 3045- 3391- 3396) في إحداها ينسب إلى عمر بن عبد العزيز كتاب يمنع فيه بيع المدنيين العاجزين عن الدفع لإرضاء الدائنين، وهذا يدل على أنه هذه الممارسة لم تكن اختفت نهائيا عند بداية الخلافة الأموية. (رقم 3046) (1/105)
صفحة 106
……جاء في رواية أبو سفيان(1) عن أبي عبيدة فيما يخص أهل الدمة: "حكى رجل مسلم (المقصود بمسلم اباضي) واسمه مغلس أبو روح أنه اشترى ابنة رجل من أهل الدمة [كان أبوها عرضها للبيع] بسبب الجوع الذي كانوا يعانونه فأنجب منها فيما بعد أبناء، وبينما كان أبو روح جالسا إلى جانب أبو عبيدة تقدم منه رجل فسأله نفس السؤال الذي كان يشغل باله. فقال أبو عبيدة "المرأة غير مباحة" ولما جاء دور أبو نوح سأله أبو عبيدة: "ماذا تملك يمينك." فأجابه "أم روح وروح ابني(2)، وقصتهما كذا وكذا" فقال أبو عبيدة "اجمع أصحابك" فجمع شيوخ الطائفة الذين كانوا حاضرين يومها. ولما اجتمعوا روى لهم أبو عبيدة ما قد سمع ثم سألهم "ماذا تنظرون؟ فقال بعضهم: "الآن عليك عتقها يا أبى روح والزواج منها" لم ينطق أبو عبيدة بكلمة واحدة ولما تبين له أنهم اجمعوا على رأيهم قال: "إن كنت استمتعت يا أبى روح بالمرأة في الحلال فيكفيك ما أخذته منها إلى حد الآن، إن كنت استمتعت بها في الحرام فلا تزيدن، انفصل عنها بدلا من ذلك واتركها حرة"(3)
__________
(1) أبو سفيان محبوب بن الرحيل، مشرع ومؤرخ أباضي من القرن الثاني هـ أنظر أعلاه ملحوظة 44- 42- 70
(2) ربما يكون قد باع أبناءه الآخرين من إنجاب المرأة.
(3) الشماخي، إيضاح، 3، ص 80- 81. توضح لنا واقعة شبيهة، أشار إليها المشرع الشيعي محمد الطوسي (الاستبصار، 3، ج 2، ص 83) كيف أن إشكالية بيع الرجال الأحرار ظلت موضوعا يناقش حتى نهاية القرن 2 هـ. ويروي الطوسي أن أبو الحسن علي الرضى (توفي 203هـ/ 818م، ثامن الأئمة الشيعة Duodecimani ) سأله زكراء بن آدم عن رجل من اهل الذمة كان عرض ابنه للبيع فأجابه بما يلي: " الحر لا يمكن بيعه، وهذا غير مباح حتى وإن تعلق الأمر بأحد من اهل الذمة" أنظر بخصوص زكريا بن أدم بن عبد الله القمي، أحد أشهر السلطات العلمية الشيعة خلال النصف الثاني من القرن 2هـ، أنظر: أبو القاسم الموساوي: معجم رجال الحديث، بيروت 1403/ 1983م، 8، ص 271- 274؛ محسن الأمين: أعيان الشيعة، بيروت 1375هـ/ 1956م، 7، ص 62-64؛ محمد بن عمر الكشي: كتاب رجال الكشي، قربلة حوالي 1960م، 496. (1/106)
صفحة 107
…لا بد أنه لم يكن هناك في زمان أبو عبيدة إجماع على عقيدة واحدة فيما يخص الحالات التي يبيع فيها الآباء أبناءهم والدليل على ذلك هو أنه لم يكن ليعطي جوابا لأبي روح دون عرض النازلة على مجلس الطائفة. وليس بالأمر الناذر في القرن 1و 2 بيع الأحرار كما يتضح ذلك أيضا من خلال أجوبة جابر بن زيد والربيع. ففي الرسالة الموجهة إلى عبد العزيز بن سعد يكتب جابر:
فيما يتعلقا بقولك عن شراء رجال أحرار وبثمن بخس فإن الشاري والبائع في نفس المرتبة، وهذا حرام على المؤمنين" (ج 72 أ4)(1).
في فتوى الربيع يتم فحص واقعة شبيهة بهذه:
سئل الربيع عن رجل مسلم اشترى في السوق رجلا بعد أن سأله عن وضعه فأصر هذا على أنه عبد وتبين له فيما بعد أنه حر، غير أنه لم يجد من باعه إياه فأجاب:
لا يمكن للشاري امتلاك الحر لكن له الحق، إن لم يستطع استرداد نقوده، أن يفرض عليه العمل لأداء فديته ما دام أنه صرح بعبوديته بالرغم من أنه رجل حر" (ص 448).
__________
(1) في الجوابات يجيب جابر عن مسألة تتعلق برجل تم خدعه بخصوص الوضع الحقيقي لإحدى جواريه ولم يعلم أنها امراة حرة إلا من بعدما أنجب منها أطفال وحسب رأيه فالأبناء أحرار والمرأة لا بد أن تنفصل عن الرجل وليس لها الحق لا في المهر ولا في هبة كتعويض.( ج64ب11) (1/107)
صفحة 108
…يتضمن جواب الربيع بعض العناصر القديمة و هي عبارة عن بقايا ممارسات قانونية محلية: في الدرجة الأولى يطغى على حكمه إعلان الرجل أنه عبد وهنا أمر ليس له قيمة قانونية عند المشرعين(1) إضافة إلى أن العقيدة السائدة تقضي بتحرير دون قيد شرط الحر إذا تم بيعه كعبد ولو كان ساذجا، وتنسب بعض الأجوبة في هذا الاتجاه إلى حماد، عطاء، الشعبي، الحسن البصري.(2) ويعلن الشيباني في آخر المطاف أن عقد البيع الذي يكون موضوعه رجل حر يعتبر لاغ:
إذا اشترى أحدهم عبدين بعقد واحد وتبين أن أحدهما حر فالبيع فاسد ولا يجوز حتى بالنسبة للعبد ما دام أن الأمر يتعلق بعقد واحد. ألا تعتقد أن بيع العبد مع الخنزير أو الميتة(3) باطل جملة وتفصيلا؟ هكذا الأمر بالنسبة للحر فبيعه غير مباح.(4)
… يبقى الحكم الصادر عن جابر حالة خاصة حتى في محيط التشريع الاباضي القديم
إذ يعتبر أبو المؤرج، ابن عبد العزيز، أبو غسان، وائل أيوب ومحبوب بن الرحيل، يعتبرون الساذج حرا في نفس اللحظة التي يباع فيها على أساس أنه عبد وينسبون هذا الرأي إلى أبي عبيدة وإلى الربيع نفسه.
__________
(1) بالرغم من هذا وحسب رأي منسوب إلى علي، يمكن الآخذ بتصريح العبد بوضعه. ابن أبي شيب، 7، 2879- 2881
(2) ابن أبي شيب، 7، رقم 3391- 3396
(3) تذل كلمة الميتة على الحيوان الميت دون ذبحه ولحومه محرمة على المسلم(القرآن سورة البقرة آية 168، سورة النحل، آية 116 ، سورة المائدة آيات 4ن5 ، سورة الأنعام آيات 140-146) تحولت من بعد ذلك لتشمل كل أجزاء الحيوان التي لا يمكن أكله سواء لأنه لم يذبح على الطريقة الإسلامية، أو لأنه يعتبر عموما نجسا. (50.الموسوعة الإسلامية)
(4) أصل، 86، رقم 4 (1/108)
صفحة 109
قال [أبو المؤرج] [الحر المبيوع كعبد] يجب عتقه على نفقة بائعه. فسألته: "متى يجب عتقه" فقال: "حين بيعه" قلت: "كيف يجب عليه عتقه عند بيعه وملكيته فقد تحولت إلى الشاري؟ هل يمكنه عتق ما ليس في ملكه؟" فأجاب: "هكذا سمعنا: هو حر فور بيعه" قال عبد الله بن عبد العزيز: هو حر في نفس اللحظة التي يباع فيها [في نفس البيع]." هكذا قال أيضا أبو عبيدة الذي يشاطر أبو المؤرج الرأي بخصوص هذين السؤالين. هكذا قال أيضا أبو غسان ونفس الرأي بلغني من وائل ومحبوب عن الربيع.(1)
…من الأرجح أن تكون فتوى الربيع حين تلقاها أبو غانم عن وائل ومحبوب، تعرضت للتنقيح فتم تخليصها من العناصر التي لا تتماشى والعقيدة الإسلامية كإلزام الحر بدفع ثمن عتقه.(2) الجواب الذي جاء في فتوى الربيع يشبه بشكل كبير فتوى أخرى يلزم فيها العبد، إذا كان موضوع ملكية مشتركة فحرره أحد أسياده، بالعمل إلى أن يؤدي للمالك الآخر ثمن عتقه. والعقيدة المعمول بها، والمقبولة أيضا لذا بعض المشرعين الاباضيين ممن عاصروا الربيع، تقول بأن العبد حر فور عتقه من طرف أحد ملاكيه، بينما يجب على محرره دفع تعويض لشريكه على ملكيته.(3) يطابق حكم الربيع خذا جوابا لقتادة:
__________
(1) أبو غانم، مدونة، 2، ص 198- 199
(2) عامر الشماخي، مشرع اباضي من القرن الثامن هـ، يقرر في الحالة التي لا يجد فيها الشاري من باعه خدعة رجلا حرا أنه بإمكان الشاري أن يطمح إلى استرداد الثمن الذي دفعه من لدن من يطالب بتحرير العبد. (إيضاح، 3، ص 75- 76) في نفس المصدر (3، ص 75). العقود التي يكون موضوعها رجال أحرار تعتبر باطلة مثلما العقود الربوية وتلك التي تخص مواد لا يتاجر فيها (الخمر، الخنزير إلى آخره)
(3) أبو غانم: مدونة: 2، ص 199. (1/109)
صفحة 110
سئل [قتادة] عن عبد يشترك ثلاثة أشخاص في ملكيته، فأعتقه أحدهم وكاتبه الآخر بينما احتفظ الثالث بملكيته: فقال: "عبء العتق يقع على ممتلكات محرره إن كان يتوفر على الأسباب [الكافية] إما إذا لم يكن يتوفر عليها، فيجب على العبد أن يعمل لمكاتبه ولمن احتفظ [بملكيته لكي يدفع واجب عتقه] وحق الولاية يعود لمن حرره (ق 1069).
تحريم الريا:
…تعني كلمة الريا في الاصطلاح الزيادة، الإضافة، وتدل على فوائد رأس المال التي يؤديها المدين للدائن بصفتها مكافأة.(1)
__________
(1) تتحدث المصادر عن فوائد المائة بالمائة (دينار في دينار) والقرآن يتحدث عن الربا التي تضاعف مرات رأس المال (أضعاف مضاعفة)، لمنس ـ Lammensـ "جمهورية مكة التجارية
(République Marchande de la Mecque») في بل Inst – Bul l، 4، 1910، ص 37 وآخر؛ سانتلان: "مؤسسات ص 60- 66 . (1/110)
صفحة 111
لكنها تدل أيضا على: اختلاف في النوعية (إذا تم مبادلة مواد بأخرى أحسن منها)، على الخدمات التي كان من واجب المدين تقديمها للدائن علاوة على رأس المال الذي في ذمته(1) وعلى الخصم في الفوائد إذا ما أدى المدين الدين قبل الوقت المحدد لذلك(2) إضافة إلى هذه العمليات المنتشرة قبل الإسلام بشكل كبير، كان هناك ما يعرف بالمزيد للتأجيل ويكون بتمديد فترة التسديد مقابل تعويض للدائن، وقد سئل قتادة عن أحدهم اشترى جملا بالدين فلما بلغ الدين أجله قال [لدائنه] أمهلني فأزيدك" فأجابه: "الكل يتفق على أن هذا ربا [هذا الربا الذي لا خلاف فيه]" (ق 1250)(3)
__________
(1) من بين الخدمات التي كان بإمكان الدائن أن يطمع فيها هي: استغلال ضيافة المدين له: فقد جاء في أقوال قتادة عن صاحبه عن حماد [بن أبي سليمان] الذي كان يقول: "للربا ثمانون بابا، أسهلها أن يأكل الرجل في بيت من له عنده دين" قال: "كان أصحابنا يعتبرون أمرا مكروها أن يأكل الرجل في بيت مدينه إلا إذا خصم {مأكله} من الدين" (4921) إلى هذه السنة يشير مصدر عماني من القرن الرابع هـ: كتاب الاستقامة لمحمد بن سعيد الكدمي (نشر عمان 1985،3 ، ص 231). تظهر ـ أي السنة ـ مع بعض التغييرات على شكل حديث نبوي في "جامع الشمل في حديث خاتم الرسل" للاباضي محمد أطفياش (توفي 1914) نشر بيروت 1987، 2، رقم 3284.
(2) توصف عملية من هذا القبيل في أقول قتادة: "سئل عن أحدهم كان له دين عند رجل يجب أن يدفعه له في أجل محددة: قال [المدين] "سأدفع لك مسبقا قبل أن يبلغ الدين أجله إن أنت تنازلت عن بعضه أجاب: "الربيع يعتبر هذا مذموما"(ق 5018)
(3) يصف زيد بن اسلم في موطأ مالك عقدا شبيها يتم العمل به في أيام الجاهلية (الزرقاني، 5، ص -81) يعتبر بعض المشرعين النسيئة بمثابة بيع بالدين: الدائن يبيع لمدينه ما عليه بواسطة إلتزام دفع مبلغ أكبر. سانتلان ـ Santillana ـ مؤسسات 2، ص 61 . (1/111)
صفحة 112
…ليست أوجه الربا التي ذكرناها محرمة في كل العمليات التجارية، ولكن فقط في تلك التي تخص عقود التبادل والتي يكون موضوعها بعض مواد الاستهلاك ـ المأكولات ـ والمعادن النفيسة (كالذهب والفضة). ففي هذه العقود يشترط أن يكون هناك توازن تام بين الأطراف فإذا حصل أحد المتعاقدين على امتياز فيما يخص الكمية أو وقت التسليم فإن العملية تعتبر لاغية لما يشوبها من الربا.
…في الفترة التأسيسية للشريعة الإسلامية كان منع الربا أمرا متعارفا عليه غير أنه كثيرا ما يتم تجاهله في الواقع. فالمدرسة الملكية أبدت، وتحت تأثير المعاملات التجارة لما قبل الإسلام والتي كانت تضاعف بشتى الوسائل الفوائد على رأس المال، مقاومة أكثر من غيرها أمام تطبيق تحريم القرآن للربا جملة مدعية أنه ليس هناك ربا في عمليات التبادل التي تتم يدا بيد. لذلك كان ممكنا استبدال درهم بإثنين أو دينار باثنين إذا كان ذلك يدا بيد ا [In Ipso congressu] . وقد نسب المكيون هذه العقيدة إلى ابن عباس وأتباعه وتم الترويج لمثيلاتها في العراق مع نسبها إلى ابن مسعود، وفي المدينة حيث كانت تنسب إلى ابن مسيب وعروة بن الزبير(1). غير أنها باءت بالفشل. بالرغم من التحفظات التي أبداها حول صحة نسبة هذه القعيدة فان ساشت Schacht يعترف أن الأمر يتعلق بعقيدة قديمة أفرزتها المدرسة المكية لكن سرعان ما احتجبت وراء تصلب منع الربا. في المصادر الاباضية تطرح إشكالية الربا في إحدى فتاوي قتادة.
__________
(1) ساشت أصول ص 251 (1/112)
صفحة 113
قتادة ـ مسلم بن يسار ـ شعن الصنعاني(1) ـ عبادة عن الصامت [...] تقدم خطيب في الشام القوم وقال: " أيها الناس أحدثتم في البيوع ونحن لا نعلم سواء أنه [يجب استبدال] الذهب بالذهب، تبرا كان أو مضروبا، الوزن مقابل الوزن وهكذا أيضا الفضة بالفضة (معدنا كانت أو مضروبة، ليس هناك مانع إذا استبدلنا الذهب بالفضة يدا بيد وإن كان وزن الفضة أوفر بكثير، لكن لا يجوز هذا أن يحدث بنسيئة [إعطاء مهلة] يستبدل [يقايض] القمح بالقمح، وزن مقابل وزن، والشعير بالشعير، وزن مقابل وزن من يزيد أو يضاعف فهو يمارس الربا"(2)
__________
(1) يتعلق الأمر بخطأ كتابي في اسم أبو الأشعث الصنعاني. من سلطات سوريا توفي في دمشق خلال خلافة معاوية. ابن سعد الطبقات، 5، ص 391؛ ابن هجر تهذيب، 4، رقم 548. يظهر أبو الأشعث في إسناد الحديث الذي نقله أبو داوود، 22، 12
(2) يظهر الحديث على شاكلة قول الرسول صلى الله عليه وسلم في أبو داوود كتاب البيوع سنة 12.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْىٌ بِمُدْىٍ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ولاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ - وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا - يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ " . قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ بِإِسْنَادِهِ . (1/113)
صفحة 114
قال [قتادة]: "حديث عبيدة بن الصامت صحيح. بلغني أن جابر [بن زيد] كان يروي عن ابن عباس أنه كان يقول "أحل الله البيع وحرم الربا"(1) لا مانع في اشتراء الفضة المكسورة بالكيل مقابل الدرهم.
يروى عن ابن عباس أن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم زارا وادي القرى فاشتريا منه ذهبا وفضة وإن قل وزنهما(2)مقابل كمية أكبر من تبر رفيع(3) من بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجد أنس ما يقوله ضدهم في ذلك فذهب أسامة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله عن الأمر: قال رسول الله [المبادلة] تمت دون نسيئة؟ فأجابه: "نعم" فقال رسول الله: "إذن لا مانع في ذلك"(4) أخذ ابن عباس بهذه السنة حسب ما بلغنا ورفضها من لا يشاطر هذا الرأي ولم يجد زيد بن أرقم والبراء بن عازب مانعا على هذه المقايضة" (ق 11628- 11711).
__________
(1) القرآن سورة البقرة الآية 275.
(2) "التبر منه المنكسر" ش. ف.م أولمان CF.M Ullman حيث يتم ترجمة رمل مكسر ب Feiner Sand :
Worterbuch der klassichen Arabischen sprache, O Harrassowitz, Wiesbaden 1970, vol 1800 )
(3) في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم تأكدت في المدينة عادة مقايضة الذهب الفضة على شكل سبائك أو مكسرا بزيادة بعض القطع من نفس المعدن لتغطية مصاريف للسك، ساشت. أصول. 67
(4) نقل بشكل مغاير في البخاري باب البيوع السنة 79؛ أبو يوسف القسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ج 5، نشر بلاق 1276، 4، ص 65 (1/114)
صفحة 115
بنى الاباضيون على حديث ابن عباس نظريتهم التي تقول بأن لا ربا هناك إذا تمت المقايضة يدا بيد وإن اختلفت كميات المعدن نفسه والتي كما سنرى ظلت صلدة في تعاليم المدرسة الاباضية إلى غاية القرن 7هو 18م. إلا أن وجود سنن تختلف مضامينها وروايات متناقضة بصدد هذا الحديث وضع المشرعين الاباضيين أمام إشكالية قبول أو رفض شرعيته. ويظهر هذا جليا في مقطع من مدونة أبو غانم الخرساني حيث يتم نقل حوار لأبي غانم نفسه مع عبد الله بن عبد العزيز:
…سألت ابن عبد العزيز عن [مقايضة] درهم باثنين بدون نسيئة وعن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي يرويها بعضهم والتي [توجب مقايضة] الدرهم بالدرهم دون زيادة. هل هذه السنة صحيحة أم لا ؟ قال: لا أعترض فيما يستدل دون نسيئة ولو بزيادة. بلغنا أن البراء بن عازب الذي كان اشترى ذهبا بدل فضة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا "يا رسول الله، نحن اعتدنا شراء التبر مع طلب كمية أكبر [بالمقارنة مع ما نعطيه كبديل] فأجاب رسول الله " يد بيد أما نسيئة فلا لا ربا إلا في النسيئة "(1) غير أنه [يروى] أن أبو سعيد الخدري التقى ابن عباس وقال له "ماذا ينقل عنك الناس بخصوص المقايضة" قال ابن عباس: "حدثني أسامة بن زيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لابأس في ذلك أي مقايضة الذهب والفضة اثنين بواحد لأن لا ربا إلا في النسيئة"
__________
(1) جاء في: ابن أبي شيب، 7، رقم 2551، الفتاوى التي تسمح بمقايضة الذهب بالفضة والعكس مع زيادة كمية صغيرة، تنسب إلى مجاهد والحسن بينما يروى أن ابن سيرين كان يعتبر هذه العملية مكروهة (نفس المصدر رقم 2299- 2301) (1/115)
صفحة 116
…قال ابن عبد العزيز: "السنن التي تتعلق بهذا الأمر عديدة لدينا ولذا الآخرين" قلت: يؤكد بعضهم وينقلون أن ابن عباس تخلى عن عقيدته هذه وقال: الفضة بالفضة، الذهب بالذهب بنفس الكمية دون زيادة أو نقصان" قال: أنت لديك حجج صادقة على أن ابن عباس أكد هذه العقيدة بينما ليس صحيح ما يدعيه الآخرون بأنه تخلى عنها، ذلك لأن افتراءاتهم لا تعتمد إلا على عدم ثقتهم ورفضهم لهذه العقيدة" (ج 246- 247).
…يؤكد مصدر سني، كتاب المبسوط للسرخسي، نسبة إلى جابر أن قدماء المشرعين الاباضيين أخذوا بعقيدة مقايضة الذهب أو الفضة يدا بيد وبكميات مختلفة. وينقل نفس المصدر رواية مغايرة للحديث بين أبو سعيد الخدري وابن عباس والتي ينبثق منها أن هذا الأخير قد يكون تخلى عن معتقداته الأولى ـ بخصوص المقايضة ـ قد يكون قال: بلغني من أسامة بن زيد أن رسول الله قال "لا ربا إلا في النسيئة" لكن بالله ما بلغني ظل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بقيت على هذا الرأي"(1)
…كانت المخاطرة (البيع المزدوج)(2) وسيلة من وسائل التحايل على الربا ـ هذا النوع من الممارسات كان شائعا أيضا في أوربا العصور الوسطى ـ ولم يكن جابر يجد مانعا في هذه الحيلة كما يظهر من إحدى فتاويه:
__________
(1) المبسوط ـ القاهرة 1324هـ/ 1906م، 12، ص 11- 112
(2) هذه العملية السمات المخاطرة (Mohatra) في اللغة اللاتينية للعصور الوسطى تكمن في بيع من يريد سلفا لإحدى ممتلكاته نقدا تم يبعها إياه الشاري الدائن فورا بثمن أكبر وبنسيئة في الواقع. يتعلق الأمر بسلف مع الفوائد والملك هنا يكون ضمانة. ساشت : "مقدمة للقانون الإسلامي" أوكسفورد 1965، ص 78- 79Schacht : « Introduction to islamic Iaw » (1/116)
صفحة 117
…الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال عن أحدهم باع لآخر بضاعة بالدين: لا مانع في أن يشتري نفس البضاعة بثمن أقل أو أكبر "يقول أهل الكوفة" العقد الثاني غير صحيح لأن الأمر يتعلق بشكل من أشكال الربا" (أ 124).
…يستثنى من محارم الربا في أثار الربيع العقود التي تربط العبد بسيده لأن بإمكان هذا الأخر في كل الأحوال أن يأخذ لنفسه ما في عهدة عبده ما دام أن العبد مجرد من أهلية الملكية:
…الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء الذي قال: لا وجود للربا بين العبد وسيده"(1) (أ428) وعكس ذلك من المكروه أن يغتني السيد على عاتق عبده الذي يربطه به عقد عتق: [يحكى] عن الربيع عن ضمام أن أبو الشعثاء كان يعتبر مذموما دخول الربا في [العمليات التجارية] بين السيد والعبد المكاتب" (أ116)(2)
تحريم الغرر
يصنف القانون الإسلامي من باب الغرر، فهي إذن غير صحيحة، تلك العمليات
التجارية التي لا تكون نتائجها مضمونة بالنسبة لأحد أو كلا المتعاقدين، كما قد يحدث إذا لم تحدد المنفعة التي يضمها العقد بدقة أو إذا كان موضوع العقد منفعة آتية وغير مؤكدة.(3)
…يعلن الربيع في إحدى فتاويه، جاءت في فتوى الربيع، أن بيع الدرنات وهي لا زالت في الأرض أمر مكروه:
__________
(1) في مصنف ابن أبي شيب، ينقل جابر هذه السنة عن إبراهيم عن حماد (قتادة عن جابر بن زيد وهشام ، حماد، إبراهيم)، 6، ص 84. تنسب نفس السنة لعطاء وتعود إلى ابن عباس ، الشعبي والشيباني. ابن أبي شيب، 6، رقم 81- 88؛ عبد الرزاق، 8 رقم 14375- 14878
(2) نفس الرأي منسوب إلى الثوري. عبد الرزاق، 8، رقم 14379.
(3) في أقوال قتادة تحرم عقود الغرر ألآتية: بيع ما لم يتم وضع اليد عليه بعد (5025) 2: بيع حليب الشاة مقدما بثمن معين لمدة شهر (521) 3: بيع محصول غير ناضج (522) 4: بيع شحم البهيمة وهي ما زال على ظهرها وبيع الجنين وهو لا زال في البطن (556، 557). (1/117)
صفحة 118
…سألته عن البصل والجزر حينما لا تزال في التربة فقال : "هذا مكروه"
…قلت "لماذا؟" فأجاب: "لأنه يشترى ما لا يرى ويباع ما لا يرى" قلت: "هل تعتبر هذا غرر" فأجاب: "طبعا" (ص 1034).
…بالرغم من نهي المشرعين عن ذلك، فعقود الغرر كانت تبرم بوثيرة لا يستهان بها. يحكي أبو غانم في المدونة عن نزاع نشأ بين تاجر وأحد زبنائه بخصوص بيع جزء من مواد غذائية كانت محمولة على ظهر سفينة. ويمكن إيجاز وقائع هذا النزاع كما يلي: حل تاجر بواسط وباع أحدهم كمية معينة من مواد غذائية مخزنة على ظهر سفينة، تسلم الثمن وذهب ليحضر البضاعة قصد تسليمها للشاري. عند وصوله إلى حيث ترسو السفينة اكتشف أن بإمكانه بيع الحمولة بثمن أفضل، وهذا ما فعل دون اعتبار التزامه السابق، فقرر في نفسه إعطاء النقود عوض البضاعة للشاري الأول. رفض هذا الأخير ورفع الأمر إلى جابر الذي شجب الغرر المضمر في العقد قائلا: "إن شئت تنازلت عن حقك [لكن ألم تأخذ بعين الاعتبار أن البائع ما كان ليصيبه ضرر لو أن هذه المواد الغذائية غرقت أو أتلفها حريق]؟"(1)
عيوب الشيء:
كانت الأعراف القديمة لأهل المدينة تقر بضمانة البائع لعيوب الشيء(2)
__________
(1) المدونة، 2، ص 117
(2) تعبر من العيوب المبطلة للبيع في الحيوانات الأليفة تلك التي تجعل الحيوان عاجزا غير صالح لأداء المهام المنوطة به، في العبيد: العمى، الأمراض كالجدام ، البرص، الصرع، في العبدة: بعض تشوهات أعضاء الجهاز التناسلي وبعض أمراض النساء (حيض غير منتظم، غياب الحيض، أوجاع الحيض). على عكس القانون الروماني يعد القانون الإسلامي من بين العيوب المبطلة للبيع العيوب الأخلاقية كالجنون، الميول إلى السكر، الانحلال الخلقي، التعود على الهرب. سانتلان مؤسسات ، ص 143- 144؛ وايد نسلر Wiedensohler :
¨(Mangel beim Kauf nach islamischen Recht, Walldorf. Hessen 1960,74.) (1/118)
صفحة 119
في بيع العبيد فقط ولمدة وجيزة، ثلاثة أيام على العموم، شريطة التعبير عنها عند التعاقد. من جهته أكد الإسلام على مبدأ أن ضمانة العيوب المخفية تكون ضمنية في عقد البيع ولا تحتاج إلى بند خاص. وكانت هذه الضمانة تقتصر المنقولات فقط ثم امتدت فيما بعد إلى الأشياء الغير المنقولة، ويسمى هذا النوع من البيع ببيع الإسلام(1).
__________
(1) سانتلان، مؤسسات، 2، ص 140- 141، تركز سانتلان أيضا على تطور القانون الإسلامي فيما يتعلق بضمانة العيوب المخفية بشكل مواز للقانون الروماني بخصوص نفس المادة وكان القانون البدائي الروماني يقر بضمانة البائع في العيوب المخفية عند الحيوانات والعبيد وفي الحال التي يتم التعاقد بشأنها فقط "وأعطى التشريع فيما بعد صلاحيات أكبر لهذه الضمانة واعتمدها أيضا في غياب التصريح بها في العقد لأنها تعتبر ضمنيا من نتائجه، نفس المصدر، ص 142 (1/119)
صفحة 120
…يمكننا إعادة بناء نظريات المشرعين الاباضيين الأوائل فيما يخص فسخ العقود لعيب من خلال أجوبة ابن عبد العزيز والربيع الواردة في مدونة أبو غانم الخرساني، فهي تعكس في خطوطها العامة النقاش الذي كان قائما بين المشرعين العراقيين، خاصة منهم أبو حنيفة وتلميذيه أبو يوسف والشيباني، حول العيوب المبطلة للعقود والذي انبثقت عنه عقيدة أبي حنيفة في هذا الصدد. وكما هو حال جميع النصوص القديمة، نركز مقاطع المدونة على عيوب العبيد. نوردها مترجمة ونأتي عليها بتعليق وجيز. كان ابن عبد العزيز يقول عن رجلين اشتريا أم ثم اكتشفا أن فيها عيبا يقبل به أحدهما بينما يرفضه الآخر: "ليس لذا أي منهم الحق في إعادة نصيبه حتى يتفقا معا على إعادتها إلى بائعها. كان هذا رأي الربيع" وكان ابن عباد [على العكس] يقول(1): لكل منهما الحق في إعادة نصيبه وإن كان الآخر مستعدا لقبول العيب" (2 ، 11911)(2)
__________
(1) محمد بن عباد المصري، عاصر الربيع، درس في البصرة عن أبي عبيدة، كان أكبر المشرعين الاباضيين في مصر. نقل عنه أبو غانم في المدونة، كتاب ابن سلام، 44؛ الشماخي، سير ص 122؛ أبو زكرياء، سير23 أب 28أ؛ أجوبة ابن خلفون، 108 رقم 5؛ شوارتز Anfange، 97 .
(2) حالة شبيهة بتلك التي يبيع فيها أحدهم حصته في ملكية أمة بمجرد أن اشتراها وليس من المحدد إن كان اكتشف فيها عيبا أم لا؟ فحسب الربيع وابن عبد العزيز لا يمكنه أن يطلب بفسخ عقد البيع بالنسبة لحصته فقط من الشركة. حسب ابن عباد على العكس من ذلك يمكن إبطال جزء من العقد. أبو غانم، المدونة 2، ص 120. (1/120)
صفحة 121
…يتفق رأي بن عبد العزيز والربيع مع رأي أبي حنيفة الذي كان يحث على تضامن الشركاء في إبطال البيع بالنسبة للممتلكات التي تم شراءها بعقد واحد. خلاف ذلك كان أبو يوسف والشيباني يعتبران أن لكل شريك حق خيار العيب ويمكنه ممارسة هذا الخيار بمعزل عن الآخرين(1):
…إذا اشترى أحدهم أمة وجامعها فاكتشف فيها عيبا أخفاه عنه البائع، ابن عبد العزيز كان يقول: لا يمكنه إعادتها بعد أن تمتع بها ولكن بإمكانه أن يطمع في أن يعيد له البائع مبلغا يعادل [ثمن الأمة] التي لا عيب فيها مع خصم ثمن الأمة المصابة بالعيب. هكذا بلغنا عن علي بن أبي طالب" (2، 11914).
…سنة علي التي يشير إليها ابن عبد العزيز هي كالتالي: "قال علي بن أبي طالب عن أحدهم اشترى أمة فاكتشف أن فيها عيبا بعد أن ضاجعها: لا يمكنه إعادتها ولكن بإمكانه أن يطلب تعويضا عن انخفاض قيمتها بسبب العيب" وهي السنة التي بنى عليها أبو حنيفة والشيباني أيضا أراءهم.(2)
…يستفاد من فتوى جاءت في أقوال قتادة ان الشاري، حسب أبو عبيدة والربيع، يمكنه إعادة الأمة إذا وافقه البائع على ذلك:
__________
(1) الشيباني، أًصل، 132، رقم 26؛ Wiedensohler, M?ngel ص 61- 79- 80
(2) الشيباني: حجة، 2، ص 518- 521؛ أثار في حجة، 2، ص 519 ملحوظة 3 (1/121)
صفحة 122
…سئل(1) عن أحدهم فطن إلى أن الأمة التي اشتراها فيها عيب بعد إن ضاجعها فأجاب: إذا كان قد ضاجعها فمن رأي أبي عبيدة والربيع أن البيع لم يعد يمكن إبطاله على البائع دفع تعويض للشاري(ارش) على العيب إلا أن يقول لا أعطيك التعويض ولكن استرد الأمة وهذا من حقه"(ق2155).
…هذا الجواب شبيه بجواب صدر عن أبي حنيفة بخصوص الحالة التي يكتشف فيها الشاري عيبا في الأمة قيل أن يضاجعها، ظهر خلال حيازته لها إضافة إلى آخر كان فيها من قبل وأخفاه عنه البائع. حسب أبي حنيفة للشاري الحق في التعويض إلا أن يوافق البائع على فسخ العقد وإعادة المبلغ إلى صاحبه كاملا واسترداد الأمة.(2)
…اشترى أحدهم من أحدهم أمة، ناقة، خرقة ثوب أو أخر، فاكتشف أن فيها عيبا فقال للبائع" العيب كان فيها قبل أن تبيعني إياها [البضاعة] إن أنكر هذا فعلى الشاري وزر البينة(3) حسب ابن عبد العزيز. وفي الحالة التي لا يتوفر فيها على البراهين فعلى البائع الإيمان بأنه لما باع [البضاعة] لم يكن فيها أي عيب"(2، 11919).
__________
(1) ليس من الواضح إلى من ينسب الجواب ربما تعلق الأمر بسلطة اباضية تنتمي إلى نهاية القرن 2هـ كان واضع الأقوال على اتصال بها. لا يمكن نسبه إلى قتادة بن دعامة (توفي 117) لأنه سيكون من غير المنطقي أن يعتمد أحد التابعين عوض سنن الصحابة على رأي أبو عبيدة (المتوفى حول النصف من القرن )، والربيع (المتوفى ما بين 180و 190هـ).
(2) الشيباني: أثار في حجة، 2 ص519 ملحوظة 3 Wiedensohler. M?ngel ص 35- 36
(3) كلمة بينة في المعنى العام تعني حجة، وتشير بالخصوص إلى حجة الشهادة التي يوليها التشريع الإسلامي ثقلا كبيرا. سانتلان: موسسات، 2، ص 594 (1/122)
صفحة 123
…يربط المشروعون المسلمون حق اختيار القبول بالعيب Optio propre defectum بتجلي أمرين: أن يكون العيب في المبيوع قبل تسليمه، وأن يكون الشاري على قدرة لإبراز ذلك ويلتمس في هذين الأمرين ـ الشرطين ـ تأثير القانون الروماني الذي يحمل في هذه الحالات المدعي مسؤولية الإدلاء بالحجج.(1)
…كان ابن عبد العزيز يقول إذا باع أحدهم شخصا أخر بضاعة دون عهدة بعيوبها:(2) "[البيع] مباح والشاري لا حق له في إعادة البضاعة لعيب فيها بعد أن تم البيع بدون عهدة. "كان الربيع يقول: لا يمكنه التنحي عن مسؤوليته إلا إذا أحصى قبل وأظهر العيوب [للأخر]" (2، 11919).
…كان القبول بالبيع دون عهدة ـ ضمانة ـ بالعيوب المخفات موضع اختلاف بين المشرعين المسلمين وكان يقبل به في الأعراف القديمة لأهل المدينة في تجارة العبيد فقط: وقد غير مالك رأيه ثلاث مرات بخصوص هذا الموضوع وانتهى الأمر بمدرسته بإقحام بند في هذا الصدد في كل عقود البيع يشترط فيه أن يرى الشاري بضاعته ويفحصها بنفسه. حسب الإمام الشافعي البيع دون عهدة بالعيوب غير مباح لأنه يدخل عنصرا من عناصر الغرر في العقد. أكثر ليبرالية كانت المدرسة العتيقة العراقية في هذا الشأن إذ كان أبو حنيفة (الذي يشاطره ابن عبد العزيز الرأي) يؤيد بند عدم العهدة على العيوب وحتى إن أخفى البائع تلك التي كان على علم بها.(3)
__________
(1) كولدزهر Goldzihzer, :
Muhammedanische Studien, Halle 1889, II, 75 p Wiedensohler, Mangel, 86 ..
(2) البيع الذي يتم هكذا يسمى بيع البراءة، بيع بدون ضمان على العيوب. على أساس هذا الاتفاق يرفع حكم الإبطال على العيوب المخفية وعلى النقص في الخصال المتعاقد عليها إلا إذا أظهر أن البائع كان على علم بالعيوب لكنه تفادى ذكرها، سانتلان ـ موسسات 2ـ ص 149
(3) سانتلان، موسسات، 2ـ ص 143؛ Wiedensohler. Mângel ص 101؛ أبو يوسف، اختلاف، ص 15. (1/123)
صفحة 124
جاءت نازلة أخرى في المدونة تعرض للحالة التي يظهر فيها العيب بعد التسليم لكن قبل الأداء. حسب ابن عبد العزيز يمكن إلغاء البيع إذا برهن الشاري على أن العيب كان حاضرا في البضاعة قبل إبرام العقد (10120.2 ).
يضيف مشرعو المدينة إلى عهدة البائع على العيوب المخفية ما يعرف بعهدة الثلاث (ثلاثة أيام وليالي) وهي عرف من أعراف أهل المدينة ينطبق على بيع العبيد ويترتب عنه تحمل البائع لأي عيب أو حدث (أيضا الموت الطبيعي للعبد) يظهر داخل أجل ثلاثة أيام من البيع وحتى إن تعلق الأمر بعيب لم يكن حاضرا قبل ذلك مع استثناء الحالات المتفق عليها. وكانت مدرسة المدينة تمدد صلاحية هذه العهدة إلى غاية سنة فيما يخص حالات الجدام، البرص(1)، الجنون، التي يكون أصلها وراثيا أوخلقيا(2).
يقرأ في الموطا، (ي. ص 612).
قال مالك: "في الحالة التي يصاب فيها العبد أو الأمة بمرض داخل أجل ثلاثة أيام بدءا من لحظة شرائهما إلى غاية مرور ثلاثة أيام. على البائع استردادهما، [في حالات] الجنون، الجدام والبرص. فمدة العهدة سنة. إذا مضت السنة فلا تقع على البائع [أي مسؤولية] ناتجة عن العهدة" .
كانت مدرسة الكوفة تنتقد(كان ابن العزيز يتفق معها في ذلك ) عرف أهل المدينة الذي تبناه مالك وأتباعه والذي يحدد ثلاثة أيام كأقصى مدة زمنية تقع فيها المسؤولية على البائع بخصوص العيوب المخفية. ويكتب الشيباني في كتاب الحجة على أهل المدينة:
__________
(1) .المان الطب الإسلامي ايد مبروغ Ullmann ; Islamic Médicine Edimburg 87 IS surveys
(2) الموطا يحيى 12 612، الشيباني حجة، 2، ص 510/، سانتلان، مؤسسات ،2ص 145. (1/124)
صفحة 125
كيف يمكن لأهل المدينة القول بان الجدام والبرص والجنون لم يصب العبد خلال السنة التي تحددها العهدة [بينما العبد] بجوار مشتريه. الا يمكن أن يكون العبد والأمة غير مصاب فيظهر المرض في يوم، في شهر، في عام. ألا يمكن للجنون أن يظهر في ساعة زمنية فقط، كيف يفترض إعادة العبد اعتمادا على هذا هم [أهل المدينة] يقولون: ربما حدث هذا والعبد بجوار مشتريه داخل أجل عام منذ شرائه ولكن لأسباب لا دخل للبائع فيها.(1)
خيار الشرط:
حسب الربيع يمكن تقييد عقد البيع بحق خيار أحد الأطراف للمدة الزمنية المتعاقد عليها: الخيار مباح دائما [ويمكن العمل به ] داخل أجل شهر، عام، أو اعتمادا على المدة التي حددتها الأطراف] " (المدونة، 2، 6121) ويقلص ابن عبد العزيز إلى ثلاثة أيام خيار الشاري في فسخ العقد معتمدا في ذلك على تفسير الحديث الذي يقرر فيه الرسول (ص): " لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ " .(2) (نفس المصدر121)(3)
__________
(1) الشباني حجة،2،ص514، انظر أيضا أصل، ص 123، 124، رقم ـ1-4؛ أبو يوسف، اختلاف، ص 16 -17 .
(2) مكيال دو سعة تقدر ب حوالي 136 أوقية.
(3) البخاري .باب البيوع السنة64-71 ، أبو داوود باب البيوع السنة 46. (1/125)
صفحة 126
طبقا للربيع وابن عبد العزيز اللذين يتفقان في هذا مع أبي حنيفة(1)، فإن البيع الذي يخضع لبند الخيار نافد في كل الأحوال، وإذا حدث أن تعرضت البضاعة للهلاك فعلى الشاري تعويض البائع. وكان ابن عباد، وإن لم يكن رأيه يجد صدى عند المشرعين الاباضيين، يعتبر الشاري متصرفا لحساب ـ Fiduciario ـ البائع لهذا فهو غير مسؤول عن فساد البضاعة. ويتفق معه في هذا الرأي ابن أبي ليلى(2).
-السلف:
__________
(1) الشماخي، حجة، 2، ص 514.
(2) أبو يوسف اختلاف ص 17 كان رأي ابن أبي ليلى وابن عباد يعتمد على اعتبارهما البيع الخاضع للخيار غير تام. ويبدو أن جواب قتادة الأتي ينبني على نفس الرؤية : سئل قتادة عن احدهم اشترى ثوبا بحق الخيار لنصف اليوم. فأتيحت له فرصة بيعه بالربح فأراد ذلك، فأجاب : " إدا كان قد وافق على البيع فالربح من نصيبه وإذا حدث العكس فإنه لا يمكنه بيع الثوب وإذا باعه فالربح يكون لصاحب الثوب الأول (ق5429) شبيه بسابقه حال العبد المشترى بحق خيار لثلاثة أيام فمات قبل انتهائها. ويبقى العنصر الذي يميز المسؤوليات في هذه الحالة هو تحديد أو عدم تحديد الثمن. ويقول قتادة في هذا الصدد: " إذا حدد الطرفان الثمن ومات العبد، فالمسؤول هو من كان بجواره لحظة موته، إن لم يحددا الثمن فالمسؤولية تقع على ممتلكات البائع (ق. 537). (1/126)
صفحة 127
السلف أو السلم(1) نوع من العقود كانت متداولة قبل الإسلام كان الشاري يتعهد بموجبها بدفع الثمن مسبقا على بضاعة يتسلمها في أجل محدد. وعبارة رأس المال المستعملة للدلالة على ثمن الشراء تبين بوضوح الدوافع الاقتصادية لهذا النوع من البيع والتي تكمن في تمويل نشاط الحرفيين والتجار الصغار من قبل الزبناء.(2) وخوفا من أن يكون عقد السلم وسيلة للتستر على بيوع الربا حاول، المشرعون المسلمون تحديد مكوناته. فالمشرع الاباضي أبو سفيان محبوب بن الرحيل يشترط في عقد السلم تحديد الصنف والكيل ناهيك عن أجل وموضع تسليم البضاعة (موضع يقبضه فيه). وغياب أحد هذه العناصر يجعل العقد لاغيا ويجب إبطاله وإعادة رأس المال لصاحبه (أ 713). من بين المواد التي تكون موضوع عقد السلف تذكر المصادر الاباضية: المواد الغذائية (الطعام)، البضائع والحيوانات. ويوافق جابر بوضوح على سلف الحيوانات في إحدى فتاويه: الربيع عن يحيى(3) عن أبو الشعثاء الذي قال: " لا مانع في سلف الحيوانات إذا حدد (أنه سيتم تسليم] حيوان في عامين أو أربعة أو ستة أعوام مع تحديد أجل لذلك "ويرى الكوفيون أن سلف الحيوانات لاغ".(4)
__________
(1) يستعمل المشرعون العراقيون بكثرة المصطلح الأول بينما يفضل مشرعو الحجاز المصطلح الثاني والسلف. مرادف للقرف أيضا. يبدو فعلا أن القرد في بلاد العرب قبل الإسلام لم يكن مميزا شكل واضح عن الشراء مع دفع الثمن مسبقا (سلام) سانتلان، مؤسسات، 2، ص .384.
(2) ساشت ، مقدمة، 153، أود?يتش، Udovitch ـ "أفكار عن مؤسسات القرض والبنك في العصور الوسطى بالشرق اللأدنى Reflections on the Institutions of credits and banking in the medieval near East في دراسات إسلامية 1975 ص 8.
(3) يتعلق الأمر بيحيى بن أبي قر الذي يذكره الشماخي كسلطة نقل عنها الربيع سنن جابر. السير، ص 121 . في الآثار يظهر الربيع كأنه يحيى بن قر.
(4) لا يقبل الربيع وابن عبد العزيز عقد السلم الذي يتوقع تسليم لحوم الحيوان لصعوبة تحديد جودتها مسبقا. أبو غانم، مدونة،2،ص 120. بالعكس تعترف مدرسة الكوفة التي تعتبر سلف الحيوان من الغرر بعقد السلف الذي يكون موضوعه بعض أجزاء الحيوان (الشحم، أرباع الحيوان المذبوح) أو مواد الحيوانات (الحليب)، إذا ما تم تحديد كيمتها مسبقا. الشيباني، أصل، رقم 7 ، ص 26، رقم 8 ص 30ـ 32. (1/127)
صفحة 128
(أ1723 ) والكوفيون الذين يشير إليهم الربيع هم أبو يوسف والشيباني الذين يحرمان، باعتباره يدخل في الغرر، السلف الذي ينص على تسليم الحيوان. هذا الرأي الذي ينسب إلى عبد الله بن مسعود جاء في كتاب الآثار لأبي يوسف بنقل عن حماد وإبراهيم.(1) وعلى العكس من ذلك تتجاهل سنن أهل المدينة تحريم السلم الذي يكون موضوعه الحيوانات(2).
كما هو الشأن بالنسبة للقرض، حاول المشرعون التأكيد على أن أي فائدة أو ربح يجنبه الشاري/ الدائن أو التاجر/ المدين يعتبر ربا لهذا فهو محرم، وقد تكمن هذه المنفعة في تسليم مواد أحسن قيمة أو أقلها من تلك المتفق عليها. في الرسالة التي وجهها إلى غطريف بن عبد الرحمان يكتب جابر:
بخصوص قولك عن الشخص الذي أبرم عقد سلف من أجل برد(3) مقابل ثوبين وسلمه البائع شيئا غير البرد فهذا إذن غير مباح (ج2667ب)
ويعبر جابر على نفس الراي في فتوى نقلها عمر بن دينار: إذا أبرمت عقد سلف من أجل شيء معين فلا تأخذ إلا الشيء المتفق عليه أو رأس مالك (ق 26121) (4)
يستثنى من هذه القاعدة العامة الحالة التي يتم فيها تسبيق المال من أجل مواد غذائية فإذا أعلن التاجر عند حلول أجل التسليم أنه لا يتوفر على البضاعة المتفق عليها فالشاري له الحق في اختيار بضاعة أخرى:
__________
(1) أصل، رقم 5 140، كتاب الآثار رقم 845..
(2) موطأ يحيى ص 681، ساشت أصول 146 رقم 143 . ينسب قتادة إلى ابن عباس وابن عمر رأي يقبل بسلم الحيوانات (ق.5111).
(3) برد، ج برود يتعلق الأمر بعبائة منسوجة بثوب مخطط أصله في اليمن بلات: كتاب التبصر بالتجارة ص 159 رقم 15.
(4) فتوى جابر منقولة من ابن عيين عن ابن دينار في: عبد الرزاق، 8 رقم 114-141 . سفيان بن عيين (توفي 198هـ)من أصل مكي كان أحد أساتذة عبد الرزاق. ابن سعد، طبقات،5، ص 365. (1/128)
صفحة 129
عن عمر بن دينار عن جابر بن زيد حول " ذلك الذي باع لأجل مواد غذائية بدينار أو اثنين وعند بلوغ الأجل قال للشاري، ليست لدى المواد [التي تعاقدنا عليها] قال [جابر]: [ الشاري] بإمكانه أن يأخذ ما يريد بنقوده"
قال الطاووس(1) :" لا يأخذن إلا المواد [التي تم التعاقد عليها] " (ق13122)(2)
الرأي المنسوب إلى جابر في الفتوى التي نقلها عنه عمر بن دينار يطابق الرأي الذي عبر عنه في الجوابات:
فيما يخص ما تقوله عن ذلك الذي باع حبوبا مقابل دراهم تدفع عند أجلها، قفرين [من الحبوب] بدرهم واحد؛ وحين بلغ التسليم أجله قال: "فيما يخصني إن شئت بإمكانك أن تأخذ [عوض نقودك حبوبا أو بضاعة أخرى] على أساس السعر الحالي للسوق، أو أن شئت أبعت أبيع بضاعتي وتأخذ نقودكـ" لا مانع إذن في ذلك" [الدائن] يمكنه أخذ البضاعة التي يريدها بنقوده وان كان الأخر قد باعه خمسة أقفزه أو أكثر من ذلك. فلا بأس في ذلك (ج 66أ14، رسالة إلى غطريف بن خليد).
__________
(1) طووس بن كيسان (توفي 106هـ) من التابعين، تلميذ ابن عباس.
(2) السنة منقولة مع بعض الاختلافات في مصنف عبد الرزاق مرة. بإسناد إلى معمر ابن رشيد، ( توفي 157هـ) تميم بن خويز ـ جابر (رقم 14118 / VIII) ومرة أخرى بإسناد إلى ابن عيين عمر بن دينار ـ جابر (رقم 14123.VIII ) (1/129)
صفحة 130
تحريم الربا في عقود السلم لا يتعلق بالحالة التي يعطي فيها التاجر وبمحض إرادته شيئا أجود مما اتفق عليه، فالإسلام يعتبر محمودا أن يكون المدين حسن القضاء ولا يحرم على الدائن أن يقبل هدية من المدين. ويؤسس المشرعون لهذا المبدأ اقتداء بالرسول (ص) يروى عَنْ أَبِي رَافِعٍ: اسْتَسْلَف رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَقُلْتُ لَمْ أَجِدْ فِي الإِبِلِ إِلاَّ جَمَلاً خِيَارًا رَبَاعِيًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَعْطِهِ إِيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً " . (1).
اخذ جابر بنفس المبدأ في جوابه الذي ضمنه رسالته رقم 15 إلى غطريف بن خليد: فيما يخص ما كتبته لسئولي عن الحالة التي أبرمت فيها عقد سلف للشعير والحبوب شريطة أن تأتي من أرض فلان،(2) لكن تسلمت بضاعة مختلفة عن تلك التي تعاقدت عليها. إذن لك الحق فيما تعاقدت عليه غير أنه لا مانع في أن يسلمك الأخر مواد أحسن من تلك التي تعاقدتم عليها (ج86أ23) وتؤكد فتوى للربيع ما جاءت على لسان جابر:
__________
(1) الموطأ يحيى 680 . ابو داود، باب البيوع السنة 11 ؛ مسند الربيع بن حبيب رقم 581.
(2) هذا البند سوف تحرمه التشريعات التي جاءت فيما بعد لأنه يدخل في باب الغرر. (1/130)
صفحة 131
سألته عن احدهم يبرم عقد سلم من أجل حرير ومواد غذائية [ ستسلم] عند أجل مسمى: قال: "لا مانع في ذلك،" قلت: وإن كان لا يملك لا الحرير ولا المواد الغذائية ؟ فكرر: " وإن كان لا يملك لا الحرير ولا المواد الغذائية". قلت: "ما رأيك إن أعطاني هذا مواد غذائية أحسن من تلك التي كنت سآخذها ومن تلقاء نفسه ؟ " سأل: "كيف يحدث ذلك؟ " أجبت : أبرمت سلما من أجل حبوب سورية فسلمني حبوبا من الموصل أجود منها: قال : لا مانع أن كان ذلك بمحض إرادته"، قلت: أتعتبر إذن أنه لا عيب في أن أخذ حبوب الموصل ذات الجودة العالية أن أعطاني إياها من تلقاء نفسه عوض حبوب سوريا؟ فأجاب" طبعا"، قلت: ما رأيك أن كان جزء من المواد التي أتسلمها من تلك التي تعاقدت عليها ؟ " أجاب إن شئت فأخذها" تدخل احدهم (1) قائلا : لا تأخذ إلا ما تعاقدت عليه كسلف. يقول جابر: "لا تأخذ الشعير بدل القمح ولا القمح بدل الشعير"، في هذه الحالات إذا تغير النوع لا يمكنك أخذ أشياء مختلفة عن تلك المحددة في السلف". قلت: ا يمكنني أن ابرم عقد سلم بإعطاء 1000 دلاعة بدل خيار أتسلمه بعد شهر أو أكثر؟". أجاب الربيع: "هذا لا يجوز" قلت: هل يمكنني أن أبرم عقد سلم من أجل دقيق مع تحديد نوعيته ؟ " أجاب "لا مانع في ذلك،" قلت: "وإن سلمني الأخر دقيقا أجود من تلقاء نفسه؟" أجاب: " من حقك أخذه، إذا كان الأخر". لا يتصرف من تلقاء نفسه اعد إليه حاجته الأكثر جودة ولا عيب لك في ذالك. إذا سلمت أشياء أفضل من تلك التي تعود إليك إن شئت أخذتها". سألت: " هل يمكنني أن أخذ ضمانة على السلف؟" أجاب: "لا" قلت: "أما قبيلا؟" أجاب: "نعم" حينئذ أجاب الرجل: " أوليس القبيل شبيها بالضمانة؟" قال الربيع: " لا اعتبر القبيل شبيها بالضمانة " قال ذلك الرجل: " أعطاني أبو
__________
(1) من خلال المنحى العام للحوار، وإن لم يتم تحديده، يظهر أن الأمر يتعلق بشخص ثالث. ربما نفس الشخص الذي اقتيد رأيه في أخر الفتوى. (1/131)
صفحة 132
الشعثاء جوابا شرعيا لا يمكن بموجبه أخذ الضمانة، فأجاب إن كان أعطاك هذا الجواب فقد راجع نفسه فيما بعد وزعم أنه لا يجد مانعا [في الضمان] (ص463)(1).
من بين الإشكاليات التي عالجتها النصوص الاباضية القديمة تلك التي يضطر فيها البائع إلى تسليم جزء من الحاجات المتفق عليها في عقد السلم وإعادة جزء من رأس المال للشاري. كان جابر يرفض هذا النوع من العقود لما قد يترتب عنها من فوائد لصالح أحد المتعاقدين:
فيما يتعلق بقولك عن أحدهم يبرم سلفا من أجل خمسين كرا من الحبوب ـ أو كمية أكبر أو أقل ـ ثم يأخذ عند التسليم خمسة وعشرون كرا، وبدل المواد الباقية يأخذ جزءا من رأس المال الذي دفعه. فإنني أخبرك إذن أن عكرمة، عبد ابن عباس، قال أنه حسب ابن عباس يجب أخذ المواد الغذائية كاملة أو النقود [المدفوعة]. فيما يخصني أقبل أن يأخذ الشاري عند بلوغ الأجل جزءا من السلع الغذائية ويترك الباقي إذا كان قد أعطى كسلف مبلغا محددا من النقود مقابل كمية من الكرار مع تحديد الثمن بالدرهم لكل كر. في الحقيقة، لا مانع أن يأخذ الرجل جزءا من حاجته ويترك الجزء الأخر والله يجزي الناس حسب نواياهم. من المكروه أخذ جزء من الحبوب وتقييم الجزء الأخر نقدا وأخذه بدل الحبوب. لا مانع في أخذ جزء وترك جزء لكن ليس من المباح أخذ بعض الكرار بثمن الكر الواحد حسب الجملة والله يجزي العباد حسب نواياهم (68ب13) ـ رسالة إلى الحارث بن عمر).
__________
(1) يتفق المشرعون على القبول بإعطاء التاجر / المدين وبمحض إرادته، شيئا أجود من الذي تعاقد عليه موطا يحيى 681 – موطأ الشيباني 293. (1/132)
صفحة 133
لا يجد الرأي المنسوب إلى ابن عباس والقاضي بعدم أخذ الشاري لجزء من السلع المتعاقد عليها في السلف والنقود مقابل الجزء الأخر، لا يجد تأكيدا في مصادر أخرى. مدرسة الكوفة التي لا تمانع على هذا النوع من المعاملات تعتمد في موقفها هذا على سنة لابن عباس.(1) فلابد أن يكون جابر قد تلقى معلومة خاطئة أو على الأرجح أن يكون طبق على هذه الحالة الخاصة فتوى عامة لابن عباس من نقل عكرمة والتي يحرم فيها قبض بضاعة مختلفة عن تلك المحددة في عقد السلم.(2) جواب جابر الذي ورد في الجوابات تؤكده فتوى جاءت في مصنف ابن أبي شيب (6 رقم 49) " اخبرنا أبن عنين عن عمر بن دينار أن جابر بن زيد كان يعتبر مكروها أخذ جزء من رأس المال وجزء من السلع الغذائية".
بقيت المسألة موضع خلاف بين أجيال المشرعين الاباضيين الدين جاءوا من بعد جابر. ففي مقطع من مدونة أبو غانم نستنتج أنه بينما كان ابن عبد العزيز يقبل بتسليم حصة من السلع وحصة من رأس المال معتمدا في ذلك على فتوى ابن عباس التي أخذ بها الكوفيون، كان الربيع يرفض هذا مؤكدا أن اتفاقا من هذا القبيل يبطل السلم (إذا أخذ بعض رأس ماله فقد فسد السلم)(3) غير أنه يقرأ في الفتوى:
سألت الربيع: "ذلك الشخص الذي أبرمت معه عقد سلف من أجل مواد غذائية فسلمني نصفها فقط قائلا: "خذ ثمن الحصة الباقية من السلع بسعرها اليوم: أجاب : " هذا مكروه، إن شئت بإمكانك أن تأخذ نصف السلع ونصف رأس المال الذي دفعته". (ص4616).
__________
(1) ابن أبي شيب.6، رقم 29 – 30 ؛ عبد الرزاق، 8 رقم 14101؛ الشيباني، أصل، 6 رقم 3 ؛ أبو يوسف، أثار، رقم 812؛ أيضا اختلاف، رقم 23. مدرسة المدينة كانت تحرم هذا النوع من العقود. الشيباني، حجة، 2، ص 594.
(2) ابن أبي شيب، 6، رقم 888.
(3) 2. ص 120 هذا المقطع من المدونة جاء في الشماخي إيضا ح. 3 .ص 240. (1/133)
صفحة 134
التناقض بين الرأيين الصادرين عن الربيع سطحي فقط، إذ يبرز من الجواب الثاني أن المنع يتعلق بالحالة التي يأخذ فيها الشاري جزءا من المواد المحددة في عقد السلم وثمن الجزء الباقي من هذه المواد حسب سعرها عند التسليم. والمنع هنا جاء لتفادي الغرر والربا التي قد تترتب عن هذا النوع من العمليات. وعلى العكس تتقلص احتمالات الغرر والربا إذا تم تحديد ثمن كل شيء على حدة عند إبرام العقد أو إذا تم الاتفاق على إمكانية إعادة جزء محدد من رأس المال إلى صاحبه. هذا المبدأ جاء صريحا في فتوى لجابر نقلها عنه الربيع عن أبو عبيدة (أثار 1520): " قال أبو الشعثاء بخصوص من يبرم سلف مواد غذائية: خذ المواد الغذائية أو رأس المال، إلا أن يكون قد حدد النصف من هذا أو النصف من ذاك".(1)
__________
(1) صدرت فتوى مشابهة لهذه عن قتادة: سئل [قتادة] عن أحدهم أبرم سلفا ب 50 درهما عن كر سلع غذائية لما [بلغ اجل القبض] ولم يجد عند البائع سوى نصف كر، هل يمكنه أخذه ب 25 درهما ؟ فأجاب "من المكروه أن لا يأخذ الكر كله أو نقوده إلا إذا كان قد حدد عند إبرام العقد الوزن المقابل لكل درهم" (ق7 50). (1/134)
صفحة 135
كان جابر يعتبر مكروها أن يصر الشاري على اخذ رهن كضمان على السلم لأنه يشكل منفعة له. وعكس ذلك كان يوافق على الضمانة كما يمكننا استنتاج هذا من أحد أجوبة الربيع: [...] سألت " هل اخذ رهان على السلف ؟ " فأجاب: "لا" قلت : "أما قبيلا؟ " أجاب. "نعم" عندئذ أجاب الرجل: "أليس طلب رهان كطلب قبيل؟" قال [الربيع]: لا اعتبر طلب الرهان كطلب القبيل" فال الرجل: وافاني أبو الشعثاء بجواب شرعي يقضي بعدم طلب القبيل" فأجاب: " إن كان قد أعطاك هذا الجواب فقد تراجع عنه فيما بعد وزعم انه لم يكن يجد مانعا بخصوص القبيل". (ص46 13).(1)
يشبه عقد الاستصناع عقد السلم وبه يتسلم الحرفي ثمن صنع بضاعة قبل تسليمها. هذا العقد كان منتشرا بشكل كبير في العصور الوسطى الإسلامية وكان له إضافة إلى الشركة بالعمل ( شركة بالمال_ شركة الأبدان) دور هام في تمويل نشاطات الحرفيين وتشجيع التخصص داخل المجتمع(2)
__________
(1) من بين قدماء المشرعين الذي كانوا يرفضون الرهان كضمان على السلع نجد قتادة (ق4950)، طاووس، مجاهد، شريح. ابن أبي شيب، 6، رقم 75-81؛ عبد الرزاق، 8، رقم 10480-10483. كانت مدرسة الكوفة تقبل القبيل والرهان معا. أبو يوسف، أثار رقم 355؛ الشيباني، أصل 17 رقم 59.
(2) ادوفيتش: علاقات العمل عند بداية القانون الإسلامي" في جريدة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق" 1967.10
Udovitch “labor partnership in Early Islamic law in journal of the Economic and social history of the orient X 1967 (1/135)
صفحة 136
. كان الربيع يقبل بإبرام عقد الاستصناع وذلك مقابل إعطاء الحرفي نسبة على الثمن الذي سيباع به المنتوج، أما ابن المؤرج فكان يرفض هذا النوع من العقود لما فيها من غرر بالنسبة لتعويضات الحرفي معتمدا في ذلك على قياسها بعقود المقاسمة التي لا يمكن إبرامها مقابل نسبة من المحصول الذي سيأتي.(1)
سألت الربيع عن الصانع الذي يحيك مقابل الثلث أو الربع [من ثمن الثوب إذا بيع مستقبلا] وهو يعيش على عاتق صاحب القطن، هل كل هذا جائز؟ أجاب: "بالطبع" ألا تظن أن الثوب إذا سرق من الحائك فعليه تعويضه ؟ فأجاب: "لا" سألت "لماذا: أجاب، " هو لا يعتبر شريكا [لصاحب القطن] بالثلث(2). قلت لأبي المؤرج كيف تسمحون للحائك [بإبرام عقد من هذا القبيل] بينما لا تسمحون للمقاسمين بأخذ الثلث من المحصول [المنتظر] ؟ فأجاب:"فيما يخصنى هذا غير مباح، لكن أصحابنا يسمحون به"(ص3428).
من الواضح أن الأمر يتعلق بعقد غرر كان المشرعون الاباضيون القدماء يسمحون به لأن الأعراف المحلية كانت تؤكده.
القرض ـ المقارضة أو المضارية : Commenda
__________
(1) ص 3428 : كان جابر يعتبر مكروهة عقود المقاسمة التي يتعاقد فيها على أن يأخذ الفلاح نسبة من المحصول المنتظر (ج7114 و 7116).
(2) يؤكد الربيع على غياب مسؤولية الحرفي في الخسائر التي يغيب فيها العمد (ص352). (1/136)
صفحة 137
سنأخذ بالفحص في خضم هذه الدراسة شكلا من أشكال ضم الثروات المالية إلى الثروات البشرية التي نظرت فيها الشريعة الإسلامية ألا وهو القرض أو المضاربة (1)
__________
(1) يشير المشرعون المسلمون إلى هذا النوع من المعاملات بثلاثة مصطلحات: القرض ـ المقارضة ـ المضاربة واستعمال مصطلح دون الأخر يعود إلى عوامل جغرافية؛ أد يبدو أن مصطلحات قرض ومقارضة متجدرة في شبه الجزيرة العربية بينما مصطلح مضاربة من أصل عراقي. القرض والمقارضة يجدان أصلهما اللغوي في ق-ر-ض (قطع) وبالفعل ففي ها العقد ينقل صاحب رأس المال (بتعبير مجازي يقطع عن نفسه) إلى المضارب صلاحية التصرف في مبلغ مالي هو ملك له. المضاربة تشتق من عبارة الضرب في الأرض ويسمى العقد كذلك لأن المضارب كان يأخذ قسطا من الأرباح جزاءا على العمل الذي قام به وعلى الأسفار التي واجهها من أجل تحقيق الربح. ولمصطلح المضاربة صدى قرآني ففي السورة LXXIII آية 20 يشار إلى أولئك الذين يسافرون من أجل التجارة بكلمات يضربون في الأرض بحثا عن رضوان الله، واستعمال مصطلحات مختلفة للدلالة على نفس العقد يجد ما يبرره في عادات مدارس التشريع: فعلا المالكيون والشافعيون يستعملون كلمة قرض وبشكل أقل مقارضة بينما يقع إجماع الحنفيين على مصطلح مضاربة. الاباضيون يستعملون دون خلفيات سواء القرض أو المضاربة. السرخسي، المبسوط، القاهر 1324هـ/1906م، 22 ،ص 18،؛ سانتلان، مؤسسات، 2 ص 323؛ ادو?يتش: علاقات وأرباح في إسلام العصور الوسطى : نشر جامعة برنستون 1970، ص 174-175
(Udovitch ; Partnership and profit in Medieval islam, Princeton univ press ) (1/137)
صفحة 138
الذي تناولته كتب الفقه في باب خاص بمعزل عن باب الشركة أو الشركة. على أساس عقد القرض فإن مستثمرا ـ واحد أو أكثر من ذلك ـ يعهد إلى مضارب برأس مال يستثمره في عمليات تجارية. وعند نهاية العقد يسترد المستثمر رأس ماله إضافة إلى نسبة من الأرباح بينما تعود باقي الأرباح للمضارب جزاءا عن العمل الذي قام به. أما الخسائر المحتملة فكانت تقع على رأس المال. ساهم القرض في تطور تجارة العصور الوسطى سواء في الشرق أو الغرب. وربما كان متداولا بين التجار العرب قبل الإسلام. حسب دراسة ل،م،ج كيستر ـ M.J.Kister(1)
__________
(1) "مكة وتميم في": جريدة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق، 8، 1965 ص 113-165 .
(Mecca and Tamim in jounal of the economic and social history of the orient)
في دراسة له حول أصول عقود القرض المتداولة في إيطاليا خلال القرنين 10 و 11 م، خلص ادو?ـيتش إلى أنه في هذه المرحلة من البحث يمكن وبكل صواب الميل إلى القول بأن أصل هذه العقود عربي وإن كان للقرض الايطالي أوجه تشابه مع "العسقة " التامودية ومع الكريوكونونيا ـ chreokoinonia ـ البزنطية وهذه الأخيرة تشير إلى نوع من القرض البحري ظهر في فترة لاحقة لمؤسسة القرض العربي". العسقة" العبرية على العكس من ذلك، يتم تعريفها كاتفاق يعهد على أساسه صاحب المال إلى الوسيط بقدر مالي أو بضاعة ليتأجر فيها لحسابه. في أصول القرض الغربي الإسلامي الاسرائلي والبزنطي : (
At the origins of the western commenda: islam, israel Byzantium In Speculum 1962, 197-198- 207.
حول عقود القرض قارن: رس لوبيز، ج رايموندة تجارة العصور الوسطى في العالم المتوسطى: نيويورك، 1955، م 174؛
(R.S lopez – J-W.Raymond. Medieval trade in the Mediterranean world, New york ).
س دكوتين" المجتمع المتوسطي الطوائف اليهودية في العالم العربي كما وردت في وثائق جينيزا القاهرة، ج1 الأسس الاقتصادية، بركلي ـ لوسا انجلس1967، موضوع 169؛
S.D Goitein A Mediterranean society the jewish communities of the arab world as portrayed in the documents of Ca?ro Geniza vol –1 Economic Foundations Berkley los Angelos 1967 Sgg -169.
بتشلني : شركات الأشخاص في البلدان العربية نماذج تطور وميولات. روما، إبو 1990 ، ص 108-229. (1/138)
صفحة 139
فإن المعاهدة التي تمت بين تجار قريش (إيلاف قريش) وبدو قبائل شبه الجزيرة العربية للسماح للبضائع المتجهة إلى سوريا بالمرور، كانت في حقيقتها شكلا قديما من أشكال القرض، وهذا القرض لم يكن بالفعل يفترض واجب الحماية المتبادلة والحلف ولم يكن يوجب على قريش الأداء من اجل حماية القوافل التجارية لكن كان قوامه استفادة قادات القبائل من الأرباح التي تدرها التجارة وتشيغل رجالاتها لحراسة القوافل. باختصار إيلاف قريش الذي يجسد الاعتراف بالصفوة لأهل مكة وباحتكارهم للتجارة كان ينظم التعاون بين القبائل والتجار على أساس الصالح العام.
لم يذكر القرآن القرض لكن العديد من الأحاديث تشير إلى عقود القرض التي ابرمها الرسول (ص) وصحابته، ويحكى في بعضها أن عمر وعثمان كانا يستثمران بواسطة القرض أموال اليتامى التي كانت في عهدتهم. وتنسب هذه الممارسة التجارية في أحاديث أخرى إلى عائشة وأبن مسعود.(1) في القرون الأولى من الإسلام كان القرض أحد أهم سبل تمويل التجارة البحرية وتجارة والقوافل، وقد خصه الفقهاء حيزا كبيرا في دراساتهم كما بدل المشرعون جهدهم لتحديد جزئياته بدقة لتفادي الوقوع في الغرر أو الربا. وتبرز من خلال العناصر النادرة التي يمكن استخراجها من النصوص الإباضية القديمة، تبرز قاعدة للقرض لا تختلف عن تلك التي جاءت بها المصادر السنية. وقد ناقش المشرعون الاباضيون بخصوص القرض مسألتين أساسيتين سنتوقف عندهما، ألا وهما: تحريم دفع البضاعة إلى المضارب كرأس مال القرض وتحديد مسؤوليات هذا الأخير.
اعتراض المشرعين على استثمار البضائع في القرض ينحدر من مسلمتين للقانون الإسلامي تخصان العقود:
__________
(1) أبو يوسف اختلاف، ص 21ـ133 السرخسي المبسوط، 12،ص 18، أو دوقيتش: شركات وأرباح 179. يشير سانتلات إلى أن استثمار أموال اليتامى في القرض كان يوصى به أيضا في القوانين العامة للمدن الايطالية. مؤسسات، 2، ص 234. (1/139)
صفحة 140
ـ يجب أن يكون موضوع العقد معلوما.
ـ لا يجب أن تكون هناك منفعة غير مبررة لصالح أحد الطرفين المتعاقدين والبضائع لا تستجيب لأي من هاذين الشرطين لأنه من جهة، لا يمكن أن يكون تقييمها إلا تقريبيا، ومن جهة أخرى لان ثمنها رهين بتحولات السوق مما يصعب معه التكهن مسبقا بأن الطرفين سيجنيان من العقد نفس الربح. ضرورة تجاوز هذا المأزق تطغى على المدرسة المالكية وقد جاء الحوار التالي في مدونة سحنون بين المؤلف وعبد الرحمان ابن القاسم:
لماذا تشجبون كل هذا؟ أجاب: "لأنه إذا أخذ الوسيط الحبوب أو الشعير كرأسمال وكانت قيمتها آنذاك100 درهم وحين أعادها بعد أن تاجر بها ارتفعت قيمتها إلى 1000 درهم، فكل ربحه مفقود والعكس فهو يأخذ ربحا ليس له حين يعيد البضاعة وقد انخفضت قيمتها إلى 50 درهم"(1)
لم يكن تحريم استثمار البضائع في عقود القرض الذي اجمع عليه المشرعون باستثناء أبي ليلى، يستجيب للمتطلبات الحقيقية للتجارة، بالفعل كما يلاحظ ادو?ـيتش كان من صالح التجار أن تصل بضائعهم إلى حيث كان الطلب أكبر. والقرض كان يشكل اتفاقا مربحا لمن لم يكن يستطيع أن يتدبر شخصيا نقل بضاعته. وربما وتحت ضغط ضروريات السوق لجأ المشرعون المالكيون والحنفيون إلى وسيلة بسيطة لتفادي هذا المنع إذ أقروا أنه بإمكان صاحب رأس المال أن يسلم المضارب بضاعة ويأمره ببيعها واستثمار حصيلتها في عقد قرض تحدد فيه نسبة الأرباح لكل الطرفين.(2) ليس بالوارد في مصادرنا إن كان الاباضيون هم أيضا قد طبقوا هذه الحيلة. وتحريم استثمار البضائع في القرض جاء في هذه المصادر بأسلوب عام في جواب تضمه أقوال قتادة وبشكل أدق في مدونة أبي غانم الخرساني:
__________
(1) سحنون : مدونة، نشر القاهرة، 1323هـ/1905م، 12، ص 87.
(2) ادو?يتش الشركة والربح ص 182-183 Udovitch Partnership and profit (1/140)
صفحة 141
سئل عن(1) أحدهم كان قد سلم أحدهم بضاعة [على أساس عقد] مضاربة. أجاب: "الربيع وأبو عبيدة كانا يكرهان المضاربة التي لا يكون رأس مالها ذهبا أو فضة وكانا يعتبران مذموما تسليم البضاعة كرأسمال (ق4822) سألت ابن المؤرج عن القرض فقال:" لا قرض إلا باستثمار الذهب أو الفضة. استثمار البضاعة لا يجوز " (المدونة،2، ص137).
ومن خلال مقارنة الأجوبة الثلاثة يمكن استنتاج تشدد تدريجي للشريعة أمام تلك التي قد تكون ممارسة مألوفة كما يبين ذلك تحريم أبو عبيدة في الجواب الأخير لهذا النوع من القرض. على أي لم يكن كل قدماء المشرعين الاباضيين يتفقون على تحريم استثمار البضائع في القرض. فهذا عامر الشماخي ينسب لابن عباد الرأي الذي يقول بأنه يمكن للمقرض تسليم المضارب بضاعة يتم تحديد قيمتها حسب سعر السوق يوم التسليم وذلك لتحديد رأس مال القرض ونسبة الأرباح.(2) وتشير المدونة أيضا إلى أن ابن عباد كان يقبل بنوع من العقود شبيه في الجوهر بالمضاربة برأس مال أساسه البضاعة تكمن في تكليف وسيط ببيع حاجيات معينة مقابل حصة %50 من الأرباح. هذه العقود كان يعتبرها الربيع وابن عبد العزيز فاسدة(3) .
يفترض عقد المضاربة أن يكون للمضارب حرية الدخول في العمليات التجارية التي يعتبرها مربحة ويمكن لصاحب رأس المال تقييد هذه الحرية نوعا ما على وجه الخصوص يمكنه تحديد المحيط الذي يمكن للمضارب أن يتاجر فيه، أو الحد من تنقلاته حتى يتسنى له وضع اليد وبسهولة على ماله. هذا ما يكتبه جابر لعبد الملك بن المهلب:
__________
(1) لا يمكن أن يتعلق الأمر بجواب لقتادة (توفي 117هـ) لآن السلطة المتدخلة أجابت مشيرة إلى الربيع بن حبيب (توفي حوالي 190هـ) وأبو عبيدة (توفي حوالي النصف من القرن الثاني الهجري).
(2) الإيضاح، 3، ص 399.
(3) أبو غانم المدونة، 2، ص 134، يشير أبو يوسف إلى اختلاف شبيه بهذا في الرأي بين أبو حنيفة وابن أبي ليلي (اختلاف، ص 30). (1/141)
صفحة 142
فيما يخص السؤال إن كان في [عقد المضاربة] مباحا لصاحب المال أن يضع شروطا على [المضارب] فإن ابن عباس كان يحرم كل هذا. [صاحب المال] يمكنه فقط أن يقول [للمضارب] ألا يقوم بأسفار طويلة وألا يركب البحر معرضا رأس المال للخطر. لكن لا يمكنه أن يفرض عليه شراء بضائع معينة أو عدم شراء أخرى (ج90أ20)(1)
إذا لم يحترم المضارب أوامر صاحب المال فهو يصبح المسؤول عن الخسائر المحتملة:
سئل عن أحدهم سلم أ حدهم مالا [بموجب عقد] مضاربة حاثا إياه ألا يغادر [المنطقة الفلانية] لكن هذا غادرها. قال الربيع عن أبو عبيدة، "المضارب هو الضامن إذا سلمه [صاحب المال] المال وقال له أن لا يغادر [المنطقة الفلانية] فغادرها عكس ذلك (ق4910).
بمجرد ما يتم تحديد مبدأ مسؤولية المضارب على الخسائر المحتملة والناتجة عن عدم احترامه لتعليمات صاحب المال تبقى مسألة توزيع الأرباح عالقة في الحالة التي لم تحدث فيها الخسارة. في مدونة أبو غانم، يقرر ابن عبد العزيز تخصيص المضارب بالربح معتمدا على الحكمة القائلة: "الخراج بالضمان" (2). وقياس ابن عبد العزيز هذا لا يعبر إلا على رأيه الشخصي وليس على عموم عقيدة المدرسة الاباضية التي لم تكن بعد في تلك الفترة قد توصلت إلى حل لهذه الإشكالية والدليل على ذلك هو أن ابن المؤرج الذي اعتاد أن يشاطر ابن عبد العزيز الرأي، لما سئل عن هذا الأمر امتنع عن الإدلاء برأيه:
__________
(1) ما قرره جابر يجوز أيضا عند المشرعين السنيين غير أن الشيباني يقبل أن يعطي صاحب المال تعليماته أيضا بخصوص البضائع التي يجب شرائها. أصل مضاربة، في ادو?ـيتش، الشركة والربح ص 212-213.
(2) " Ejus est Lucrum, Cujus est periculum" أو ثمرة الشيء لمن تحمل مخاطره والحكمة ظهرت على شكل قول نبوي في فترة أبو يوسف، في نصوص عراقية ومدنية. ساشت، "أصول، ص 270،181،123، سانتلان مؤسسات. (1/142)
صفحة 143
قال ابن عبد العزيز: "في الحالة التي لا يتكبد فيها [المال المستثمر] خسارة
يقول بعضهم أن الربح يوزع بين الاثنين [صاحب المال والمضارب]
وبعضهم يقول انه يعود لمن تحمل المخاطر ويعتبر آخرون أنه ليس لا من نصيب هذا ولا ذاك وإنه يستحسن إعطاءه كصدقة، قال ابن عبد العزيز: "هذا رأي إبراهيم ولكني لا أشاطره واعتقد أن الأرباح من نصيب من تحمل مخاطر رأس المال فإذا قررت أن الخسارة تعود على المضارب الذي لم يحترم الأوامر فمن الواجب علي أن أخصه بالأرباح(1).
سألت أبو المؤرج عن رأيه بخصوص أحدهم عهد لأخر بمال [على أساس عقد] مضاربة واشترط عليه عدم الطلاق بالدين، عدم ركوب البحر، وعدم مغادرة منطقة معينة لكن المضارب لم يأبه لهذه النواهي. قال: "هو مسؤول" "قلت: في هذه الحالة لمن تعود الأرباح ؟ "فلم يجب أبو المؤرج. قال ابن عبد العزيز على العكس: "الأرباح تعود لمن تحمل المخاطر وهذا في نظري خير من إعطاءها صدقة".(2)
إن العنصر المميز للقرض عن الشركة هو كون المتعاقدين لا يعتبران أنفسهما شريكين في رأس مال واحد، وفضلا عن أن هذا أي ـ رأس المال ـ يعود لصاحبه فليس الوسيط الحق في التمتع به، وخير دليل على هذا الحالة التي أثيرت في مدونة أبو غانم: أبرم شخصان عقد مضاربة تسلم المضارب على أثره 1000 درهم، فاستثمرها في شراء أمة فضاجعها ماذا يحدث إذا حملت منه الأمة ؟ حسب ابن عبد العزيز الأمة وابنها يكونان من نصيب المضارب وعليه أن يعيد لصاحب المال قيمة الأمة مع خصم نصيبه من الأرباح ولا يعترف للابن بحق العتق لان والده استمتع بشيء لم يكن ملكا له . وهنا تبقى مسألة تطبيق حد الزنى في المضارب عالقة: ابن عبد العزيز يقرر إعفاء المضارب من العقوبة بمقتضى حقه كشريك في الإرباح كما يحدد عقد المضاربة ذلك:
__________
(1) المدونة،2،ص 136، قارن قبيل هذه التعليلات في الشيباني الامالي، نشر حيدراباد الدكن 1360، ص 43..
(2) المدونة، 2،ص137. (1/143)
صفحة 144
قلت لابن عبد العزيز" أليست هذه الحالة شبيهة بحالة الذي يربط علاقة جنسية مع أمه هو شريك في ملكيتها إلى جانب شخص أخر؟" أجاب: كلاهما مذنبين. قلت: "أليس حقيقا أن بعض الفقهاء يقيمون فيه الحد؟ أجاب: "المشرعون يختلفون بشأن هذا الأمر. بعضهم يعتبر أنه يستحق العقوبة وبعضهم يصفح عنه إذا أتى ذلك بجهالة (دون علم بوجود المانع) وهذا الرأي الأخير، في نطري مفضل"(1).
ترد حالة شبيهة بهذه في جوابات جابر بن زيد؛ يتعلق الأمر بالرسالة 5 حيث يسأل عنيفة جابر عن أمة ملك لشخصين فأغواها أحدهما، فأجابه أن على الغاوي تعويض شريكه نصيبه في الأمة مع زيادة 50 % من قيمة المولود للأمة. يعطي جابر حلا مغايرا لحل ابن عبد العزيز بخصوص إقامة حد الزنى في الشريك المذنب إذ يقضى برجمه (70 ب7.12).
__________
(1) نفس المصدر2، ص 135-136. (1/144)
صفحة 145
فيما يخص الذي جامع الأمة [التي يشترك في ملكيتها] فإنه قد أتى الزنى وإذا كان محصنا(1) وجب رجمه. قيمة الأمة [مع احتمال ارتفاعها بسبب المولود المنتظر] تبقى قيمتها يوم غرر بها، ويؤخذ نصف ثمنها من ممتلكات الزاني بها. وإذا أنجبت الولد تحدد قيمته ويسلم منها الشريك النصف. (ج70ب9).(2)
العلاقات التجارية مع دار الحرب:
__________
(1) يقال عن الرجل الذي تربطه علاقة زوجية مع بامرأة، لين المعجم العربي الانجليزي، إديمبوزغ 1877 س. ? (lane Arabish English lexicon, Edinburgo 1877. S.V
(2) قام موتزكي Motzki بتحليل حالة شبيهة بهذه :"ابن جريج عن عطاء وداوود بن أبي عاصم : ماتت امرأة في سوريا وتركت أمة في ملك زوجها وورثة آخرين. وبالرغم من أنه لا يملك فيها إلا 4/1 الربع فإنه ضاجع الأمة. رفعت النازلة إلى القاضي السوري ابن بحدل الذي قال: " إرجموه" وبلغت مسامع ابن غنم الذي قال" يجب معاقبته بن ¾ الجلدات التي يقتضيها الحد" لم يأمر هذا برجمه باعتبار أنه يملك نسبة في الأمة. عبد الرزاق، المصنف،7، رقم 13453؛ في Angfange ص 153-154 . حسب موتزكي، فإننا أمام نازلة حقيقية (الدليل على ذلك هو كون ابن جريح يعتمد على رأي قاض) وقعت قبل وفاة عبد الرحمان بن غانم(توفي 78هـ) وكون حكم القاضي تمت الإشارة إليه دون تعليق وملحوظة عطاء على جواب ابن غنم لدليل على أن الرجم كان يطبق كعقوبة على العلاقات الغير الشرعية ابتداء من القرن1 هـ وهذا ما سيؤكده جواب جابر في فترة لاحقة بهذا الشكل تنهار أطروحة برتون ـ Berton " أصل عقوبة الزنى" القائلة بأن الرجم على الزنى لم يتم اعتماده إلا في القرن الثاني من الهجرة بمقتصى تأويل قراني.
(The origin of penality for adultry in transaction of thr Glasgow Uni – Oriental Society 1978,26,2316) (1/145)
صفحة 146
ينظر فصل من فصول فتوى الربيع في التجارة خارج الأراضي الخاضعة لنفوذ الدولة الإسلامية أو ما يطلق عليه دار الحرب. ولا يتعلق المر هنا بأشكال نظري فقط، فالتجار الاباضيون خلال القرنين 8 و9 هـ كانوا يديرون جزءا هاما من المبادلات التجارية مع الشرق وصل بهم إلى بلاد الصين. بينما كانت مواني عمان الواقعة على طول خط الملاحة عبر الخليج الفارسي وموانئ البصرة والكوفة، كانت تشكل حلقة ذات أهمية بالغة في التجارة العالمية ونقطة تواصل بين شعوب على اختلاف ديني وثقافي. كان على التاجر الاباضي الذي يزاول مهامه في دار الحرب أن يحترم تعاليم الإسلام خاصة تلك التي تتعلق منها بالربا:
سألت [الربيع] عن المسلم الذي يتاجر في دار الحرب فأجاب : "لا مانع في ذلك إذا لم يكرهوه على ترك دينه"، قلت: "هل يمكنه أن يتاجر في أرضهم ويوهمهم بإجهار دينهم بينما هو في الحقيقة يتبع دينه؟ قال: "وليربهم كفرهم الذي يمهل في بيع العشرة بالعشرين : قال تعالي: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"، (ص47)(1)
كان نفس الإشكال مطروحا بالنسبة لعقود الشركة المبرمة بين المسلمين وأناس من ديانات أخرى وهذا ما يكتبه جابر إلى عبد الملك بن المهلب بهذا الخصوص:
فيما يخص قولك عن الشركة مع الإقطاعيين الفرس (الدهاقين) من أجل امتلاك أرضهم فإنه لا يجوز للمسلم أن يشارك المشرك بالله من أهل الكتاب أو من ذمة أخرى لأن هؤلاء يحللون ما هو على المسلمين محرم" (2) (ج50أو23)
وبناء على أدلة تشبه هذه حرم الربيع تكوين شركة مع المسلم الفاسق:
__________
(1) القرآن سورة النحل الآية 106.
(2) يبدو موقف قتادة أقل تصلبا بخصوص هذه المسألة فهو يقرر أنه بإمكان المسلم تأسيس شركة مع غير المسلم إذا ما اهتم هو شخصيا بمسألة البيع : "سئل [قتادة ] عن المسلم الذي يكون شركة مع يهودي أو مسيحي فأجاب :" : " هذا مكروه إلا أن يكون المسلم هو من يقود عمليات البيع في هذه الحالة لا مانع في ذلك :" (ق5313). (1/146)
صفحة 147
سألته أن كان يجوز لي تأسيس شركة مع فاسق نقوم فيها معا بشراء البضائع بينما يتكلف هو ببيعها، وعن الحالة التي أخشى فيها، وإن لست على يقين، أن يقوم بعمليات تجارية مربية أو مكروهة. أجاب: "لا تدخل في شركة مثل هذه." قلت: وإن كنت لا أعلم أنه يفعل كل هذا؟" أجاب :"إذا كونت شركة مع هذا وأنت على علم [بأنه يقود عمليات مربية أو مكروهة] فإنك مسؤول مثله، الأحرى بك أن تتجنب عقدا قد تخشى أن يكون مكروها، . (ص474).
كان يجوز شراء السبي من أهل الحرب غير أنه كان من واجب التاجر الاباضي التأكد من أن الأمر لا يتعلق بأسير أخذ بالقوة من بين شعوب عاهدها المسلمون على الأمان ويمكنه الأخذ في هذا بتصريح البائع (ص4715-4727)(1)
سألته: "أيجب علي أن أسأل التجار إذا عادوا من أرض الحرب؛ ما هو حال أسيركم؟ أهو أسير [أخذ تموه عنتا من أرض] عاهدتم أهلها بالأمان أم هو أسير أطلقتم سراحه؟ أجاب" إسألهم عن الأمر". سألت: وإن سألت الأسرى"؟ قال: "اسألهم إلا أنه إذا أكد لك أحدهم أنه كان فوق أرضه إلى جانب زوجته حين أقدمت السلطات على سلب متاعه وأخذ قطيعه سواء الذي كان في البيت أو في المرعى وحارسيه، أو حتى إذا قالوا لك: " لقد اختطفنا" هذا كله لا يعتبر بسرقة ولا أجد مانعا في شراء هؤلاء. على العكس، من المكروه شراء من تم أسره في أرض تم التعاقد مع أهلها بالأمان والسلطات [آسرتهم] متصرفة بغير عدل تجاههم. من شراء هؤلاء. (4727).
تأتينا معلومات أخرى قيمة عن علاقات التجار الاباضيين بنضرائهم الأجانب من القوانين التي تخضع رؤوس أموال هؤلاء للضريبة. فحسب الشريعة الإسلامية يجب على المسلم أن يدفع الزكاة نقدا أي ما يعادل 2.5 من قيمة البضائع وبالشروط التالية :
أن يكون ثمن شراء البضائع أو قيمتها خاضعة للنصاب الذي حدد في 20 دينارا و 200 درهما بالنسبة للذهب والفضة:
أن تكون البضائع في حوزته سنة كاملة.
__________
(1) قارن، الشماخي: إيضاح،3، ص 81. (1/147)
صفحة 148
أن يكون اشتراها بنية إعادة بيعها أو بنية استخراج غلة منها قبل بيعها. وقد قرر قدماء المشرعين الاباضيين فرض الضريبة على رؤوس أموال التجار الغير مسلمين وتأتي معاير تحصيل هذه الضريبة من خلال جوابين وجيزين في فتوى الربيع أحدهما لابو يزيد الخوارزمي والأخر للربيع:
قال أبو يزيد الخوارزمي تؤخذ العشر من أموال تجار دار الحرب سنويا أن هم بلغوا بلاد المسلمين(1) ومعهم تلك الأموال ولم يعودوا إلى أرضهم. قال الربيع: "هكذا تسير الأمور فبمجرد أن يحل تجار دار الحرب بأرض المسلمين تؤخذ العشر من أموالهم ولا يعدون ذلك (ص:1839).
يطابق رأي الربيع وأبو زيد الخوارزمي بشكل كبير عقيدة مدرسة الكوفة العتيقة فتحصيل الزكاة على أموال التجار من أهل الذمة يتم تحديده في فتوى منسوبة إلى إبراهيم النفعي وردت في كتاب الأموال لأبي عبيدة القاسم (م 224):.
حدثنا أبو بكر بن عباس عن مغيرة عن إبراهيم النفعي قائلا: تجب الزكاة على التاجر عن أهل الكتاب" قال أبو عبيدة" هذا يعني أنه تجب عليه الزكاة في البضائع فقط، هذا في نظري تفسير للحديث التالي وهو يروى عن ابن عباس: يحكى عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه أن إبراهيم بن سعد سأل ابن عباس: "ماذا يأخذ من ممتلكات أهل الذمة؟"
أجاب: "الفائض"(2).
__________
(1) يقرأ في المخطوط: وقال : أن تجار أهل الحرب إذا (يتبعها فراغ ثم يردف) أموالهم، أموالهم ثم (يتبع فراغ ثم يردف) يعودوا إلى أرضهم فإن في أموالهم العشر على كل سنة (ص39-18-19).
(2) كتاب الأموال، 132 رقم 252-253. (1/148)
صفحة 149
كان النقاش حول معايير تحصيل الضرائب على أموال التجار غير المسلمين بدأ في البصرة بين المشرعين الأباضيين، وقد أعد علماء عمان هذه المعايير خلال الفترة التي قضاها الإمام غسان بن عبد الله في صحار (201-206هـ) وتمت المصادقة عليها بشكل نهائي إبان إمامة الصلت بن مالك (237م-273هـ) حينما عين أبو عبد الله محمد ابن أبو سفيان ـ أخر أئمة البصرة ـ قاضيا على صحار. (243 هـ)، هذا المنصب الذي شغله إلى أن توفي 260هـ/873م (1)
__________
(1) ويلكنسون، صحار عند بداية الإسلام البرهان المكتوب
Sohar in the early Islamic period the. Written Evidence (1/149)
صفحة 150
إذ أن حجم المبادلات التجارية التي كانت تشهدها مدينة صحار والتي أصبحت في القرن 3 هـ أهم ميناء في عمان وحلقة وصل في تجارة المحيط الهندي، كان يجعل من تحصيل الضرائب من التجار الأجانب أمرا مربحا جدا. وقد تم ضم هذه المعايير إلى الكتاب الجامع لابن جعفر الذي عاش ففي النصف الثاني من القرن الثالث،(1) وإلى أعمال مشرعين عمانيين آخرين نذكر منها: بيان الشرح لمحمد إبراهيم الكندي.(2) ويمكن تلخيص المبادئ التي كانت تنظم عملية تحصيل الضرائب على أموال التجار في مواني عمان في النقط التالية(3).
__________
(1) هو أبو جعفر محمد بن جعفر الأزكوي، ساند موسى بن موسى في خلع الإمام الصلت بن مالك (273هـ/886م) والذي نتج عنه انقسام علماء عمان إلى طائفتين متعارضتين طائفة النزوة التي تؤيد الإمام المخلوع وطائفة الرستاق التي انضم إليها أيضا أبو جعفر والتي كانت تؤبد الإمام الجديد وبالرغم من قلة شعبية هذه الطائفة الأخيرة فإن ابن جعفر بقي يستمتع بسمعة طيبة كمشرع وكان كتابه الجامع يعتبر أحد اهم مؤلفات الفقه. الحارثي: عقود، ص، 255؛ كشف الغمة، نشر عبيد لي، ص 292؛ ويلكنسون" المرجعية البيو ببليوغرافية Biobilioghaphical background ص 150، موتلنسكي" ببليوغرافيا المزاب" رقم 15؛ شاست مكتبات ومخطوطات إباضية رقم 17. بلغنا الكتاب الجامع في ترتيب محنى بن خلفان البوسعيدي (ق12هـ،18م) ويتوفر اليوم في طبعة غير كاملة من 3 إجراء (مسقط 1981م) وهي الطبعة التي اعتمدتها في هذا البحث.
(2) جزء 17، فصل 13.
(3) ويلكنسون Wilkinsonـ صحار عند بداية الإسلام
Sohar in the early Islamic period the. Written Evidence 901-905. (1/150)
صفحة 151
1 ـ كان التجار من أهل الكتاب يؤدون ضريبة نسبتها 5% إن كانوا يتوفرون على النصاب وكانوا مقيمين لمدة ثلاثة أشهر على الأقل بأحد موانئ عمان. كان اليهود يستثنون من هذا النظام ويخضعون لنظام خاص بهم لم يفصح ابن جعفر عن فحواه(1).
2 ـ كان التجار الذين ينتمون إلى شعوب غير مسلمة تم عقد صلح معها يؤدون بناء على ما تم الاتفاق عليه شريطة أن يكونوا يتوفرون على النصاب. وكان من الواجب عليهم الدفع عند نهاية السنة من الحيازة إن لم يكونوا قد باعوا بضائعهم؛ وعلى العكس إن كانوا استبدلوا بضائعهم بأخرى عند وصولهم إلى أحد مواني عمان فالدفع يكون فوريا.
3 ـ لم تكن المواد العابرة (تلك التي كانت تبقى أقل من عام في أحد المواني العمانية) تخضع لنظام ضرائبي إذا كانت متجهة إلى بلد مسلم (خاصة الفرس والعراق) وعكس ذلك فالمواد العابرة من وإلى بلد غير مسلم كانت تخضع للضرائب (المكوس) بغض النظر عن مدة بقائها في الميناء العماني .
4 ـ كان يجب على التاجر الأباضي الذي يزاول مهامه في دار الحرب أن يدفع الزكاة عند عودته أيضا عن السنين التي قضاها خارج بلده. فيما يخص التاجر الأباضي الذي يتاجر في دار الإسلام فيمكن التمييز بين حالتين: إن كان يتواجد في أرض خاضعة للسلطة الإباضية (في القرن 3 كانت عدن خاضعة لهذه السلطة) فعليه دفع الزكاة في عين المكان. أما إذا كان يتواجد في أرض خاضعة لنظام أخر (السلطنة) فهو يعتبر مدينا بالسنوات التي قضاها بالخارج بمجرد عودته إلى عمان.(2)
__________
(1) ابن جعفر، الجامع، 3، ص 133، ؛ الكندي؛ البيان، 18،ص 132 -133.
(2) ابن جعفر الجامع ص 131-133 / ص 134ـ 137. (1/151)
صفحة 152
باستثناء التغييرات التي أدخلها عليها المشرعون العمانيون قصد تكييفها مع وضع محلي خاص، فإن المعايير الإباضية في فرض الضرائب على رؤوس أموال التجار من أهل الذمة وأهل الحرب لا تختلف في جوهرها عن تلك التي وضعها المشرعون السنيون(1)، إلا أنه ورغم ذلك يمكن ملاحظة بعض الفوارق ومنها :
حسب أبو يوسف يؤدي التاجر من أهل الحرب الزكاة عند انتهاء سنة الحيازة إلا أنه يجب عليه أدائها من جديد إذا عاد خلال السنة إلى بلده ثم رجع إلى دار الإسلام.
لا يشترط النصاب في فرض الضريبة على أموال أهل الحرب وحسب مالك حتى على أموال أهل الذمة.
حسب الحنفيين، وهم في ذلك يعتمدون على رأي عبر عنه أبو يوسف الثوري، يجب فرض الضريبة على المواد الغير القابلة للفساد والتي تكون في ملكية أهل الذمة ويقصد بها التجارة. إلاباضيون كالمالكيون يفرضون أداء الضرائب على كل أنواع البضائع.
الفصل الرابع
( مسند ا لربيع بن حبيب أو الجامع الصحيح(
1 ـ البنية العامة للمؤلف:
__________
(1) أبو يوسف، كتاب الخراج، القاهرة 1352هـ/1956م ص 132-133، ابن شمس الضريبة في الإسلام ـ ليدا ـ لندن 1965 في 56-57 . A.BEN Shemesh. Taxation in islam leida London (1/152)
صفحة 153
ينقسم مسند الربيع الذي بلغنا في ترتيب أبو يعقوب الورجلاني (توفي 570هـ/1174م) إلى أربعة أجزاء(1)، الجزئيين الأولين، وبعد تمهيد خصص لمسائل تتعلق بأركان الدين والعقيدة، يتطرقان للعبادات، الزواج، الطلاق، البيوعات، الإحكام، الذبيحة، الطعام والشراب الحرام، ثمن الدم، الإراثة، الوصية وعتق العبيد. ويضم هذين الجزئيين 742 حديثا نقلت بإسناد: أبو عبيدة ـ جابر بن زيد ـ صحابي الرسول وتبدو مساهمة الربيع في هذا النقل خجولة لقلة ظهور اسمه في سلسلة الإسناد(2)
__________
(1) الوجود الفعلي لمؤلف مشهور بمسند الربيع والذي أعطاه الناشر عنوان الجامع الصحيح (بروكلمان كال، ص ـ ا/ص 692 (Brockelmann Gal ) يدل عليه كون البرادي أشار إليه في كتابه الجواهر (روبنتشي؛ كتاب الجواهر للبرادي) ويشير إلى وجوده إلى جانب الترتيب في لائحة النصوص الإباضية في ديل الكتاب (موتلنسكي ببليوغرافيا رقم 74 ). ويوجد المسند في عدة طبعات نشير هنا إلى طبعة دمشق 1963. قدم الاديب الاباضي عبد الله بن سعيد السالمي للمسند بتعليق في ثلاثة أجزاء عنوانه: حاشية الجامع الصحيح (Brockelmann ; Gal , S,I, 692 – S, II 828) طبع لأول مرة في القاهرة عام 1326 /1908م وأعيد طبعه مؤخرا تحت عنوان شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع من حبيب الفراهيدي، عمان دمشق 1963م.
(2) عند نهاية الجزء الثاني، بعد الحديث رقم 742 يعطي الربيع بنفسه التفاصيل الآتية : الأحاديث المنقولة عن عائشة 68، عن أنس بن مالك 40، عن ابن عباس 150، عن أبي سعيد الخدري 60، عن أبي هريرة 72 . الأحاديث المرسلة المنقولة عن جابر 184 وعن أبو عبيدة 88. أضاف الناشر أنه حسب الربيع يوجد في الجزئيين الأولين ما مجموعه 54 حديثا اختيرت من بين 4000 سنة للنبي (ص) وللصحابة. تخص 900 منها الأصول والباقي الآداب. هذه المعلومات استقاها الربيع عن أبي أيوب عن عبادة بن الصامت وأبو مسعود (المقصود عبد الله بن مسعود) إلا أنه لا أحد قام فعلا بإحصاء الأحاديث كما تدل عبارة الله أعلم عند نهاية الجملة، ومع ذلك فجل المعلومات التي جاء بها الربيع تؤكدها النسب التي استمدها ويلكنسون من مقدمة الجزء الثالث من تعليق الساليمي (شرح الجامع الصحيح). ابن عباس نقل %55 من الأحاديث عائشة وأبو سعيد الخذري 13% انس بن مالك وأبو هريرة 3% (المجموع 78%) ويلكنسون "الحركة الإباضية، 245 ملحوظة 30. (1/153)
صفحة 154
.
يضم الجزء الثالث من المسند (الأحاديث رقم 743-882) سننا تهتم بالصفات والأفعال الإلهية أغلبها منقطعة (1) وهي إما للربيع أو لجابر، ويشيران فيها إلى قول الرسول (ص) أو تفسيرات الصحابة (ض). الأحاديث هنا منظمة في فصول تحيل على مسائل عقائدية تمت مناقشتها خلال القرنين الأولين من الإسلام أصبح بعضها يميز عقيدة الطائفة الإباضية كمسألة العلاقة بين الذين والعمل (رقم 768-775)، تحريم اضطهاد المشركين (رقم 791-792)، التقية (كثمان العقيدة) (رقم 794-795)، القدر (رقم 796-811)،(2) العديد من الأحاديث موجهة ضد علي وعثمان خصوصا منها تلك الموجودة في الفصلين 9 و 10" باب ما روي عن على بن أبي طالب في التعظيم لله
__________
(1) الحديث الذي ينقطع إسناده لغياب شاهد أو اثنين، عكس ذلك يسمى بالمرسل الحديث الذي ينقل فيه احد التابعين قولا للرسول (ص) دون ذكر الشاهد الذي نقل عنه ما جاء به. حسب بعضهم قد يكون المرسل مرادفا للمنقطع.
(2) اشتد الناقش في الأوساط الإباضية حول مسألة القدر أيام ابو عبيدة وذلك بسبب الجدل الذي كان قائما بين هذا الأخير وعبد الله بن يزيد الفزاري الذي كان يؤكد أن العصمة والعون الالاهيين رهينين بدرجة قوة الإيمان، وبسبب إقصاء حمزة الكوفي من الطائفة لاتهامهما باعتناق مواقف القدري السوري غيلان الدمشقي، وبعد طرد هذين المنشقين أعطى أبو عبيدة توجها للطائفة ضد القدرية رافضا المساس بمفهوم القدرة الإلهية ونسب أعمال خبيثة إليها. من خلال ملحوظة وجيزة للدرجيني والتي تجد تأكيدا في المسند يستفادان أبو عبيدة كان له مفهوم خاص بالقدر كعلم إلاهي بالغيب ـ لا يوجد شيء لا يعلمه الله لكن علمه لا يحدد أعمال البشر والنظر إلى القدر على أنه شيء محدد من قبل ليس إلا رأيا أحدثه البشر. طبقات، 2، ص 233؛ الشماخي، السير : ص 84-85، حول تطور العقيدة الإباضية قارن : كوبرلي، مقدمة ـ Coperly introduction روبنتشي: الجهر بالإيمان للجناوني. (1/154)
صفحة 155
و"باب خطبة علي"(1).
__________
(1) يوجد أكثر هذه الأحاديث وضوحا في الجزء الرابع (رقم 901) فكلمة فتنة الواردة في الحديث إشارة واضحة إلى مقتل عثمان وما ترتب عنه من حرب أهلية ويحكى أنه لما نزلت الآية " واتقوا فتنة لا تصيبنا..." (سورة الأنفال أية 25) كان الخلفاء الأربعة إلى جانب الرسول (ص) فاستفسره أبو بكر وعمر عن زمن تلك الفتنة فطمأنهما بأنها سيكوناني تحت الثرى فأراد عثمان أيضا أن يعرف أن كان سيكون له دخل فيها فأجابه الرسول (ص) بأنها ستبدأ وتنتشر على يده، أما قول النبي لعلي فكان أكثر حدة إذا اخبره أنه سيكون قائد هذه الفتنة ومن يتحكم فيها ثم يصبح بعد ذلك تابعا يساق كالجمل من مقوده. (1/155)
صفحة 156
ينهمك القسم الأخير من الجزء الثالث على تفسير تلك الآيات القرآنية التي قد تبرز إسقاط الصفات البشرية على الذات الأهلية، ففي خضم البحث في هذه الصفات وفي الوجود الإلهي دافع الاباضيون مند البداية وبصرامة على فكرة التنزيه التي تنزع صفات البشر عن الله. ولا يجاد حل لإشكالية الصفات الإلهية، البشرية الواردة في القرآن ولتفسير بعض الأمور المبهمة التي تحيط بالآخرة والفناء لجئوا إلى اعتماد التأويل أي التفسير المجازي. ففي المسند ينسب إلى ابن عباس والحسن البصري التفسير المجازي للآيات التي تشير إلى أعضاء الذات الإلهية والتي تفترض النظر في وجهه سبحانه وتعالى في الآخرة وختاما تلك التي تصف الله بالجلوس على العرش السماوي(1). (قرآن سورة الأعراف الآية 54؛ سورة
__________
(1) يعتمد الاباضيون في تفسيرهم المجازي للقرآن على حديث نبوي فحواه أن الجمل كلها مبهمة ويجب إعطاء الكلمة معناها الأصدق، في المسند تعتبر يد الله واستواءه على العرش رموزا للقدرة والعظمة الإلهية (اليد هي أيضا الجزاء الهداية ـ فصول 22 – 25 – 28 32)، عين الله تعتبر رمزا لعلمه (فصل 30)، النور الإلهي (نور السموات والأرض قرآن سورة النور الآية 35 ) يرمز إلى عدل الله في الكون. الآية "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك دو الجلال والإكرام (قران سورة الرحمان) تفسر على أنه لن يبقى إلا الله (فصل 29) التأويل عنصر مميز لتفسير القرآن عند الخوارج والإباضيين منذ البداية كما يسطر ابن رشد على ذلك (مناهج الأدلة في عقائد الملة) نشر محمود قامس القاهرة (1969م، ص 183). في فترة أبو عبيدة تم طرد بعض الأباضيين من الطائفة من بينهم عبد الله بن عبد العزيز، أبو المؤرج وشعيب وذلك لأنهم كانوا ضد توجهات الطائفة والتي كان من بينها الحكم بالشرك على من كان يخوض في تأويل الآيات المبهمات. سير، 104. كوبرلي، مقدمة 27، ص 169-170-108 موضوع 315( 315-599،188،170،169،27، Cuperly, introduction ) (1/156)
صفحة 157
الرعد الآية 2 ).
يتشكل الجزء الرابع من المسند، وهو عبارة عن زيادة، من خليط من السنن المنقولة عن سلطات إباضية جاءت بعد الربيع. ويفتتح بمجموعة من فتاوي الربيع نقلها عنه أبو سفيان (رقم 886-901) تتبعها تلك التي نقلها أحد معاصري أبو سفيان ألا وهو الإمام الرستمي افلح بن عبد الوهاب (208 هـ/823م ـ 258هـ/872م) (رقم 902-922)، ويبدو انه استنسخها من كتب بعض ممثلي الطائفة (كتب أصحابنا) التي يرجح أنها كانت من بين محتويات مكتبة والده الشهيرة: المكتبة المعصومة. وهو أي الإمام أفلح بذكر على الخصوص دراسة بيوغرافية (سير) لأبي يزيد الخوازمي توصل بها عبر أبي غانم الخرساني (صاحب المدونة) الذي التقى به خلال زيارة هذا الأخيرة لتاهرت.(1) جل السنن الواردة في هذا الفصل تم نقلها تحت سلطة أبو غانم بإسناد إلى أبي يزيد أو سلطة أخرى من خرسان ثم حاتم بن منصور الخرساني(2)
__________
(1) لا تؤكد مصادر إباضية أخرى وجود مؤلف لأبي يزيد فضلا عن المسند. حسب ويلكنسون، يمكن أن يكون المؤلف ضم فيما بعد إلى كتاب أبو سفيان (حديث إباضي 251). كان أبو يزيد أحد أهم العلماء الإباضيين من جيل أبو عبيدة، أنضم إلى جانب هاشم بن عبد الله الخرساني، إلى بعثة حملة العلم التي توجهت إلى خرسان ويرجح أنه التقى فيها بابي غانم وسلمه مؤلفه. وقد داع صيته كعالم في المغرب أيضا، يذكر ابن سلام (ق 3هـ/9م) أن أبو يزيد الشرق وعبد الرحمان بن رستم في المغرب (160هـ/777م – 168م/784م) كانا أعلى سلطة يمكنها إصدار الفتاوي في الدماء. السالمي، لمعة 13؛ كتاب ابن سلام، 114، الدرجيني، طبقات،2، ص 258؛ السير، ص 95.
(2) كان تلميذا لأبي عبيدة ثم أستاذا لأبي غانم. أجوبة ابن خلفون، ص 111؛ ريبستوك
(Rebstok, Die Ibaditen, 179, 181, Van Ess, Theolgie und Gesellschaft II, 601.)
يمكن إيجاد تفسير سهل لعلاقة الدولة الرسمية ببلاد فارس من خلال اأصول الفارسية لمؤسسها ابن رستم (توفي 168هـ/784م)، كدليل إضافي على هذه العلاقة الرسالة التي دافع بها عيسى الحرساني عن الرستميين خلال انفصال خلق بن السمح الذي جاء بعد وفاة عبد الرحمان بن رستم، كتاب ابن سلام، ص 135 – 141، من جهة أخرى لم يكن لاباضيين المغرب سلطاتهم في تلك الفترة لذلك فهم كانوا يتبعون من وجهة نظر ايديولوجية وشرعية للطائفة الشرقية، العديد من الكتب، من بينها المدونة وكتاب أبي سفيان، كتبت أوصلت إلى شمال إفريقيا بطلب من أوائل الأئمة الروستميون وانتهى بها المطاق في المكتبة الشهيرة. (1/157)
صفحة 158
.
السلطات الأخرى المذكورة في الإسناد تكون إما عراقية أو من الطائفة الإباضية المصرية التي قد يكون أبو غانم دون شهاداتها خلال زيارته لتاهرت (قارن الحديث 910) من بين النقلة العراقيين يبرز اسمان احدهما للحسن البصري والأخر لمحمد بن حسن (رقم 908و909) (رقم 904-917) وربما يتعلق الأمر هنا بالشيباني.(1)
بنتهي الجزء الرابع من المسند بمجموعة من السنن المنقطعة بنقل من جابر تهتم في مضامينها بصفات الله وبأفعاله.
2 ـ إشكالية أصالة المسند:
ليس بالهين إيجاد حل لإشكالية التأريخ للمواد التي يحويها المسند والتي اهتم بها مؤخرا ج ?ان اس ـVan Ess (2) محمد التالبي(3) وج.س ويلكنسون(4)J.S wilkinson ومن قبلهم ل. ماسنيون... L. Massignon(5) وذلك بسبب اختلافات المواضيع وسلسلات الإسناد في الأجزاء الأربعة التي يتكون منها المؤلف. وهو الشيء الذي يوحي بوضع مواد تنتمي إلى حقب تاريخية مختلفة جنبا إلى جنب وربما يكون المؤلف الورجلاني، هو نفسه من أقدم على ذلك.
__________
(1) ?ان اس. [Untersuchungen].
(2) Untersuchungen, 36,.58 theologie II 134.
(3) دراسة التاريخ الإفريقي والحضارة الإسلامية في العصور الوسطى. تونس 1982، موضوع.
(4) الحركة الإباضية 245 ملحوظة 230 "الحديث الإباضي" موضوع 231.
(5) مجلة الدراسات الإسلامية، 5، 1938، ص 410. (1/158)
صفحة 159
لهذه الاعتبارات يجب التعامل مع المسند بنفس الحيطة التي يجب تبنيها حيال أي مجموعة من الأحاديث ولا يبدو لنا أن هناك ما يدعو إلى الشك في أصالة السنن الواردة في الجزأين الأخيرين الجزء الثالث يعكس خاصة النقاش الديني والسياسي الذي كان يدور في الأوساط الاباضية أيام أبو عبيدة(1) والذي تمخضت عنه العقيدة التي نشرها دعاة الطائفة بين برابرة إفريقيا الشمالية(2)
__________
(1) الأحاديث عن الإمامة التي تؤكد، حسب التالبي تسلل بعض المواد الغير إباضية إلى المسند إنما هي في الحقيقة تمثل المراحل اللاحقة في تطور الفكر الاباضي بهذا الخصوص. دراسات التاريخ الإفريقي، 37 ملحوظة 2. الحديث الذي يدعو فيه الرسول (ص) إلى طاعة الأئمة الظالمين، إلا أن يمنعوكم من أداء الصلوات الخمس "(رقم 780) والذي تم نفيه بالأحاديث اللاحقة، خاصة الحديث رقم 786، يمكن اعتباره من بقايا سياسية المهادنة التي قادها جابر تجاه الخلافة، ومن تجليات اعتدال الإباضيين الأوائل مشاركتهم في صلاة الجمعة. ينقل جابر في المسند قول الرسول بأنه تجوز الصلاة وراء الإمام الصالح كما تجوز وراء الفاسق (رقم 776) وهذا يجد تأكيدا في سنتين وردتا في الأثار يحكى فيهما أن جابر اعتاد أن يصلي وتلامذته الذين كان من بينهم والد الربيع صلاة الجمعة وراء الحجاج وإن كان يبغضه. الآثار 16-5 و 20 -27. كان أداء الصلاة هذا اعتياديا بين أوائل الاباضيين أما مسألة عدم شرعية صلاة الجمعة مع غير الاباضيين فهي لم تبرز إلا في فترة ابن عبد العزيز والمؤرخ الشماخي : السير 104. شكلت هذه المسألة سبب الخلاف بين أبو سفيان وهارون بن اليمان (الرسالة التي بعث بها أبو سفيان إلى إباضيي حضرموت والتي يحتفظ بها في الكتاب الجامع لمحمد بن جعفر،2، 401).
(2) الفترة التي انتشرت فيها العقائد الدينية والسياسية المعبر عنها في المسند في المغرب يمكن تحديدها من خلال مقارنة المسند بكتاب ابن سلام (أقدم مؤلف في تاريخ الأباضيين المغاربة ق هـ3/9م) وبالرغم من أنه ليست هناك أية علاقة تبعية بين المؤلفين فإننا نلاحظ تقاربا كبيرا في مضامين الفصول 2و3 (التي تبرز أسس العقيدة الإباضية)، الفصل 16 (حول فتنة وخيانة أهل قريش) من كتاب ابن سلام وفصول المسند التي تتطرق لنفس المواضيع، غير أن المسند يعكس عقيدة الطائفة البصرية ويمكن تأكيد هذا من خلال غياب الأحاديث فيه عن المروءة البربرية والتي نجدها مذكورة في كتاب أبي سلام كثمرة الترويج للحركة الإباضية في المغرب (121-125-131)، بالعكس نجد في المسند حديثا (رقم899) عن عظمة أناس عمان والذي ربما يكون نتيجة تأليف الكتاب بعد انتقال الطائفة إلى عمان. (1/159)
صفحة 160
.
تسمح لنا ملاحظة أخرى من استبعاد فرضية التصرف في مواد الجزئين الأخيرين. فبنية المسند (نذكر هنا بأن الأمر يتعلق في الغالب بسنن منقطعة أو مرسلة) تعكس التطور الغير الناضج بعد لعلوم الحديث في القرن الثاني من الهجرة، ويجب اعتبار أيضا، حسب ?ان اس، ظهور سلطات اصغر سنا من الربيع في سلسلة الإسناد بالجزء الثالث ثمرة لعدم النضج هذا. وهو يلاحظ، أي ?ان اس أن الربيع في حربه الكلامية ضد التشبيه يرجع إلى بشر المريسي (توفي 218/833) (الحديث رقم 844) الذي يذكر بدوره الحنفي الكوفي محمد بن يعلي.(1) وقد دفع هذا الحضور للنقلة الحنفيين الذين يؤيدون على غرار الخوارج فكرة خلق القرآن، وخاصة منهم بشر المريسي، ماسينيونMassignon، إلى تحديد تاريخ جمع مواد المسند ما بين 218هـ/234هـ وهي الفترة التي اعتنق فيها أغالبة القيروان فكرة الخلق هذه. وفي رأي ماسينيون قد يكون الإمام أفلح حاول أن يعطي صبغة أصيلة للعقيدة الإباضية وذلك بإقحام سلطات حنفية في الإسناد.(2) نظرية ماسنيون هذه ينتقدها التالبي على أساس ثلاثة ملاحظات:
لا يعقل أن يكون الإباضيون المغاربة قد أخذوا بفكرة خلق القرآن من الأغالبة الذين لم تجمعهم بهم قط علاقة طيبة.
__________
(1) Untersuchugen ، 35، و يشير كوك Cook- إلى وجود أسماء، في حلقات إسناد الجزء الثالث لسلطات أقل سنا من الربيع 5 مما دفعه إلى وضع مجموعة السنن هذه تاريخيا جيلا بعد الربيع. ويذكر: فضيل بن إياد (توفي 187هـ) عمار حفيد بن سفيان الثوري (توفي 182)، واكع ابن جراح –(توفي 196هـ). اسبط بن محمد (توفي 200هـ). وابن علي (توفي 194هـ). عقيدة المسلم الأولى56. في الحقيقة إذا حددنا تاريخ وفاة الربيع ما بين 180هـ/و190 (عوض حوالي 170 كما يريد كوك ويلكنسون ذلك) فلن يظهر أي تناقض بسبب السلطات المشار إليها أعلاه.
(2) مجلة الدراسات الإسلامية 410. Revue d’Etudes islamiques . (1/160)
صفحة 161
فكرة خلق القرآن، في الواقع،جاءت بكثير قبل التاريخ الذي حدده ماسينيون ويمكن رد النقاش حولها إلى جهم ابن صفوان (توفي 122هـ/746م) .
يجب اعتبار القول بأن عقيدة الخلق كانت سائد بشكل رسمي بين الأغالبة في الفترة الممتدة ما بين 218هـ و234هـ، يجب اعتباره أمرا غير صحيح(1).
يستحق الجزئين الأولين من المسند حديثا خاصا لما يحويانه من مواد شرعية قيمة مرتبطة عن كتب بموضوع دراستنا هذه ويبدو هنا أن الإسناد المتكرر: الربيع ـ أبو عبيدة ـ جابرـ صحابي ـ الرسول (ص) قد خضع للتصرف في مرحلة لاحقة. وإذا كان المقصود من نقل القواعد الدينية والشرعية عن جابر بواسطة أبو عبيدة والربيع، هو التأكيد على مبدأ أولوية النقل عن قادة الطائفة فهذا لا يجد إثباتا في مصادر أخرى. في الأثار، وكما رأينا سابقا، ينقل الربيع فتاوي جابر بالأساس عن أبو نوح صالح وضمام. فمن بين 500 فتوى وجواب التي يتكون منها المؤلف17 منها فقط تم نقلها عن أبي عبيدة وفي 10 حالات فقط تم النقل عن جابر. وتضم مدونة أبو غانم سننا وأراء شرعية لتلاميذة أبو عبيدة (خاصة عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج) تتم الإشارة إليها بواسطة صيغ مثل " قال أبو المؤرج أن أبي عبيدة اعتاد أن يقول" أو" سأل أبو المؤرج أبي عبيدة".
__________
(1) التالبي، دراسات تاريخية إفريقية، 37 ملحوظة 2 والإمارة الغالبية L’Emirat Aghlabideباريز 1966 الفهرس، س. ? القران (س.? : تحت كلمة أصل.) (1/161)
صفحة 162
لم تأخذ الشريعة الإباضية إلا بعد النصف من القرن 3 هـ بالمبدأ الذي جاء الشافعي والقاضي بإلغاء كل البراهين أمام السنن التي يمكن إسنادها إلى الرسول (ص). في الإثار وفي فتوى الربيع، التي يعود تاريخ تأليفها إلى العقود الأولى من القرن الثالث هـ، خمس سنن فقط يعود إسنادها إلى الرسول (ص). ونفس الشيء ينطبق على فتاوي الربيع التي جاءت في أقوال قتادة، وعلى الرسالة في الزكاة التي كتبها أبو عبيدة إلى إباضيي المغرب فترة أبو الحطاب (140-144هـ). ففي هذه يعود أبو عبيدة إلى سنن الصحابة أبو بكر، عمر، علي، عائشة، ابن عباس وجابر بن عبد الله.(1) ولا يظهر الرسول كسلطة أرفع شأنا عن سلطات أخرى حتى في مدونة أبو غانم. فأحاديث النبي تظهر إلى جانب فتاوي سلطات إباضية في تفسير هود بن محكم (عاش حوالي النصف من القرن 3هـ و9م) وفي تفسير أبو الحواري محمد بن الحواري (نهاية القرن 3/9 وبداية القرن4هـ/10م) مثلما هو حالها في الكتاب الجامع لابن جعفر الذي عاصر هذا الأخير. غير أنه في هذه المصادر لا تعطى أهمية خاصة لسلسلات الإسناد. فأقوال الرسول ترد فيها مستهلة بصيغ مثل: "عن الرسول (ص)" نقل عن الرسول"، "عن ابن عباس عن الرسول" إلى أخره. والإحالة على السلطات الإباضية تكون بعبارات عامة (قال أصحابنا" أو بشكل أبسط" من الأثار" من العلم) أو بإشارة واضحة إلى مشرع ما (في تفسير أبو الحواري وفي الكتاب الجامع يتردد اسم محمد بن محبوب، ابن أبي سفيان عالم عماني معروف عاش في النصف من القرن3هـ/9م).
__________
(1) رسالة في الزكاة، ص ـ6 – 7 – 10 – 24. (1/162)
صفحة 163
نستمد بعض العناصر لتحديد تاريخ السنن الواردة في الجزئين الأولين من المسند من خلال مقارنة هذه الأخيرة بفتاوي وأجوبة السلطات الإباضية الأولى التي جاءت في مصادر أخرى. ويبرز التنافر الأول بين هذه وتلك على مستوى الشكل. فالطبع الديدسكالي لأحاديث المسند، بقواعده التي يتم التعبير عنها غالبا في شكل حكم شرعية، بعيد كل البعد على التدقيق في التفاصيل الذي كان يطبع النصوص الإباضية القديمة. ويبدو لنا أن ثلاثة أمثلة كفيلة لتوضيح كيف أن القواعد الواردة في المسند ليست وليدة فترة جابر. وهذه الأمثلة تتعلق بإشكالية المسح على الخفين، تحريم الوصية لفائدة الورثة الشرعيين ووراثة السيد للعبد . (1/163)
صفحة 164
1 ـ نجد في المسند الأحاديث (رقم 121-125) التي ترفض قطعا مسألة المسح على الخفين أو المسح بأيدي مبللة على الخفين عوض غسل الأرجل.(1) وجاء في أشد هذه الأحاديث على لسان عائشة بنقل أبو عبيدة عن جابر: "أفضل أن اجرح قدمي بموسى عوض أن أمسح على حذائي". (رقم 125) إلا أنه حسب بعض الروايات يمكن القول بأن موقف الطائفة إلى غاية النصف من القرن الثاني كان أكثر مرونة مما هو عليه في المسند. في إحدى هذه الروايات وردا على سؤال تميم بن خويص بخصوص المسح يقر جابر بشرعية المسح، إذا كان العبد المؤمن لا يستطيع نزع حدائه بسبب الثلج.(2) وفي رواية أخرى يناقش ما إذا كان من الممكن اعتبار المسح باطلا حسب ما توحي به الآية السادسة من سورة المائدة. (3)
__________
(1) هذه الممارسة التي يقبل بها السنة في حالات معينة يرفضها الإباضيون والشيعة. وربنتشي شعائر الطهارة ص 32؛ تشلردو نظريات، 123.
(2) أ199 فتوى جابر مذكورة في أجوبة ابن خلفون، 80 وأبو بكر الكندي، المصنف، عمان، 1979،ج9 ، ص89. يذكر أبو نوح أن عتيقة بنت أبي صفر أخت يزيد بن المهلب وجهت سؤالا شبيها بهذا لجابر فتلقت نفس الرأي الشرعي. الدرحيني، طبقات، 28 ص 225؛ الشماخي، السير، ص 88-89.
(3) ص 4014 لازال وقع النقاش حول إشكالية إبطال المسح حاضرا في مدونة أبو غانم (1,24). السنن التي تضمها الآثار وفتوى الربيع وطبقات الدرحيني والمدونة تبين أن النقاش حول المسح كان قد أبتدأ بين الأباضيين نحو نهاية القرن 1 هـ واستمر أيضا خلال القرن 2 هـ. وغياب ما يوثق لموقف الخوارج والشيعة حتى القرن 3 هـ، إضافة إلى أن الفقه الأكبر 1 لأبي حنيفة لم يشر إلى المسح على الخفين بينما يشير إلى جميع الاختلافات مع الشيعة والخوارج، دفع ساشت إلى القول بأنهم لم يكونوا بعد تبنوا موقفا حيال مسألة المسح قبل النصف من القرن 2 هـ. "أصول "، ص 263-264 أطروحة ساشت كان قد انتقدها روبنتشي قائل : إن الغياب في الفقه الأكبر لآي إشارة اختلاف مع الشيعة والخوارج حول مسألة المسح يمكن تفسيره وببساطة بكون أهل السنة ومع استمرار الخلاف حول المسح طيلة القرن 2هـ، لم يكونوا بعد اتخذوا موقفا محددا. لهذا وفقط وبعد غلبة الرأي القابل بالمسح بين أهل السنة، انتقل النقاش تجاه الشيعة الذين كانوا ينفون هذه الممارسة: " شعائر الطهارة" ، 33، انظر أيضا ما كتبته "صناعة الإسناد في المدرسة الإباضية: مسند الربيع بن حبيب في: "أعمال الملتقى الثامن نشر لUEAI لقنيو lavanio ,، 1998، ص 41- 42. (1/164)
صفحة 165
2 ـ ينقل جابر في المسند المقولة النبوية: الوارث لاحق له في الوصية (1)(رقم667و676) ويبدو أن الحكم القاضي بعدم إعطاء الورثة الشرعيين من التركة سوى الحصة التي حددها القرآن، يبدو أنه لم يتجذر بعد بين الاباضيين عند نهاية القرن الأول هـ. فهذا جابر نفسه يؤكد في فتوى نقلها عمر بن دينار أنه في الحالة التي لا يترك فيها الهالك الوصية وقد كان في إمكانه ذلك، يمكن هبة الربع أو الخمس من التركة لفائدة الأقارب دون تحديد ما إذا كان أهل الفريضة من بين هؤلاء الأقارب أم لا.(2) في عصر أبو عبيدة وإن كان من المسلم أن آيات الإرث قد أبطلت آيات الوصية، فإن عبد الله بن عبد العزيز كان لا يزال، وإن كان يعتبر ذلك مكروها، يقبل بالوصية لصالح الوارث(3).
__________
(1) تشلردو : نظريات، ص 163-164-، 179-182، 187-188.
(2) قول 12312
(3) أبو غانم، المدونة، 2، ص 209. (1/165)
صفحة 166
3 ـ في باب الوصية ينقل جابر أيضا: علاقة الولاء تعادل علاقة الدم (النسب) (رقم 166)(1) نتج عن معادلة السيادة بالرابطة الأسرية حق السيد في أن يرث المولى في حالة غياب الورثة ذكور من سلالته.(2) وقد نفى جابر نفسه هذا الأمر في جوابين على ضوء ما ينقل عن عبد الله بن عمر الذي انفق ما ورثه من أحد مواليه توفي دون أن يترك وريثا في شراء عبيد ثم اعتقهم. ويبقى السبيل الوحيد أمام السيد لكي لا يقصى من وراثة أحد مواليه هو الوصية لفائدته وإن كانت تغطي مجموع تركة العبد الهالك.
__________
(1) تؤكد السنة رقم 675 أن علاقة الولاية لا يمكن أن تباع ولا أن تعطى مادام أنها كرابطة دم" .
(2) في إدعان لقاعدة الوراثة من جهة الأقارب الذكور تقر المدارس السنية بالأولوية للسيد على دوي الرحم (الوثة من الإناث) وحسب عقيدة لا تلقى إجماعا كبير فذوو الرحم لهم الأسبقية في الميراث على السيد، وقد يكون من النتائج المنطقية لتشبيه رابطة الولاء برابطة الدم حق المولى في وراثة سيده غير أن المدارس السنية ترفض هذا الطرح. تشلردو، نظريات، ص 209-210. (1/166)
صفحة 167
قال عمر بن دينار: "سئل جابر عن أحدهم اعتق عبدا فمات هذا دون أن يترك أبناء ولا دوي رحم للحلول مكانه هل يرثه من اعتقه؟ أجاب: "لا، هذا يجوز إذا كان المولى أوصى له بتركته وإن كلها، إلا أنه إذا مات المولى دون ترك ورثة ودون الوصية لسيده أو لأحد أخر بتركته، فموروثه يعطى إحسانا. يؤكد بعضهم بالفعل أنه لما مات مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب تاركا 10.000 درهم سأل هذا إن كان لعبده أبناء أو أقارب يخلفونه أو مسلم من بين أسرته إلا أنه لم يجد له وريثا، لا بالدم ولا بالمصاهرة، ولا أحد يطالب بتركته، آنذاك اشترى عبد الله بن عمر الذي يعتبر مكروها وراثة المولى، بما توصل به عبيدا ثم اعتقهم"(1) .
__________
(1) قول : 12314، في الجوابات (90أ2) يعطي جابر جوابا شبيها بهذا، وهنا نثير الانتباه دون الخوض في هذه المسألة إن الولاء الذي يتحدث عنه جابر هو ذلك الذي ينجم عن العتق و تشكل النموذج الأسمى بالنسبة للمشرعين المسلمين. (1/167)
صفحة 168
مقولة: "رابطة الولاء تعادل رابطة الدم" تظهر متناقضة ليس فقط بالنسبة لجوابات جابر ولكن أيضا بالنسبة للعقيدة التي وضعتها المدرسة الاباضية في فترة لاحقة. بالفعل وعلى عكس أهل السنة، فالاباضيون لا يحصون السيد ضمن الورثة الشرعيين ويقرون في غياب هؤلاء حق إراثة الموالي بعضهم لبعض على أساس المواطنة. وفي حالة غياب الورثة بالمواطنة أيضا تعطى تركة المولى إحسانا.(1)
__________
(1) البسياني، المختصر، ونشر زنجبر 1886، ص 157؛ اطفياش شرح كتاب النيل، بيروت 1392هـ/1972م ، 8، موضوع 392؛ ساشو ـ Muhammedanisches Erbrecht sachau 181. قد تكون هذه حسب تشلردو حداثة أدخلها بعض المشرعين الاباضيين الذين قد يكونوا قننوا عرفا محليا في استثناء للقواعد الإسلامية. نظريات ص 211. قارن أيضا كرون Crone القانون الروماني البرو?انسي والإسلامي، ص، 36-37، في نظرنا يتعلق الأمر باستمرار داخل المدرسة الإباضية لعقيدة قديمة لجابر والتي تجد تفسيرها في الحالة الاجتماعية لأوائل الاباضيين الذين كانوا في معظمهم موالي وكان همهم هو تفادي انتهاء موروث معتنقي الإباضية بين ابدي الأسياد الذين لم تكن تربطهم أي صلة بالطائفة. (1/168)
صفحة 169
لابد من اعتبار المسند، ولو في جزئيه الأولين، كثمرة عملية العقلنة التي خضعت لها التشريعات الإباضية مند نهاية القرن الثالث وذلك قصد حماية المدرسة من التأثيرات الخارجية ووضعها في نفس مرتبة غريماتها.(1)في إطار هذه العملية تولى المسند مهمة تزويد الإباضيين بمجموعة من الأحاديث المستقلة يمكن للمشرعين الاباضيين الرجوع إليها وهي تشبه في جملتها من حيث الإسناد والمضامين المجموعات السنية القديمة. ولا يعكس المسند العقيدة التي ناقشها المشرعون الاباضيون الأوائل في البصرة والتي تضمها مصادر أخرى كأقوال قتادة وأثار وفتوى الربيع. هذه التي تولت حسب تصريحات الإباضين أنفسهم أمر المحافظة على التعاليم الأولى للمدرسة.(2)
3 ـ كتاب البيوع في المسند:
يتكون كتاب البيوع في المسند من 32 حديثا (رقم 556-587) تنقسم إلى ثلاثة فصول: باب ما ينهى عنه من البيوع، باب بيع الخيار وبيع الشرط وباب في الربا والانفساق والغش.
__________
(1) حسب ويلكنسون يبقى الدافع وراء الجهد الذي بدلته المدرسة الإباضية لبلوغ نفس مستوى التطور الذي بلغته المدارس السنية في ميدان التشريع هو انهيار الإمامة الإباضية في عمان عند نهاية القرن 3 هـ الشيء الذي يعني ويندر بفقدان الطائفة لهويتها" أحاديث إباضية" ص 255. ويظهر أن هذه العملية كانت قد بدأت بالمغرب عقودا قبل. ففي المؤلف القانوني عمروس الفتح (توفي 283/896م) يتم الأعتراف مبدئيا إن العلم يعتمد على التنزيل، السنة والرأي. الدرجيني، طبقات، 2، 321.
(2) ويلكنسون : " أحاديث إباضية 254. تجدر الإشارة إلى أن الكتاب الجامع لابن جعفر يعرف كتاب الآثار على انه كتاب حفظ. (1/169)
صفحة 170
يتعلق الأمر بأحاديث معلومة في أعراف التشريعات الإسلامية يتم النهي فيها مرة أخرى عن عقود الربا والغرر التي كانت سائدة قبل الإسلام.(1) فالأمر المتكرر في القران من أجل إقامة الموازين القسط والحث على التقوى والوعيد ضد المرابين كلها دلالات على إرادة هذا الدين الجديد قطع الطريق أمام ممارسة مألوفة سورة البقرة آية 6، 279، سورة أل عمران آية 25، ؛ سورة النساء الآية 33-159؛ سورة الروم الآية38 ) غير أن عملية إخضاع الممارسات الجاهلية للتعاليم الإسلامية لم تعطي الثمار المتوخاة منها في الحين. كما لم تكن عملية وضع التشريعات خالية من التناقضات والترجيحات لهذا لم يتم التوصل إلا في القرن الثاني الهجري إلى اتفاق نهائي حول العقود التي يجب اعتبارها فاسدة بسب الغرر أو لأنها تقر بمنفعة غير مبررة لاحد المتعاقدين. وبشكل عام، حول المبادئ الأخلاقية التي يجب أن تبنى علي أساسها العقود. في غالب الأحيان، كانت الآراء الشرعية تصاغ على شكل حكمة أو مقولة ثم تنسب إلى الرسول (ص). فمعظم الأحاديث الواردة في كتاب البيوع والتي تطابق في كنهها تلك الواردة في المصادر السنية، لا يمكن اعتبارها نتاج المرحلة
__________
(1) يبدو الإسناد الاباضيي في حلقتيه الأخيرتين قليل المصداقية، فهو يتبع الشاكلة التي اشرنا إليها من قبل: أبو عبيدة ـ جابر صحابي ـ الرسول ، من بين 32 حديث حول البيوع تم نقل 11 عن ابن عباس [ في رقم521 ينقل ابن عباس قول الرسول (ص) عن أبي رفيع احد موالي النبي)، 7 عن أبي سعيد الخدري، 3 عن أبي هريرة و2 عن انس بن مالك. في الحديث رقم 576 ينقل جابر بشكل غير مباشر: " بلغني عن طلحة بن عبيد الله". الأحاديث (563-564-573) جاءت مرسلة عن جابر. الأحاديث (رقم 577و584) جاءت منقطعة عن الربيع عن عبادة بن الصامت، وتتشكل المساهمة الوحيدة للربيع بشكل مباشر في النقل. في حالات أخرى ينسب إليه تعليقا تقني حول نص السنة (رقم 558-561-567-568). (1/170)
صفحة 171
التأسيسية للشريعة الإسلامية، بل نتاج مرحلة لاحقة من تطور هذه الشريعة. وسنأخذ هنا بالفحص أهم هذه الأحاديث مع مقارنتها بالآراء التي عبر عنها المشرعون السنيون والأباضيون الأوائل.
تتعلق بعض أحاديث كتاب البيوع بنهي أهل الحواضر من استغلال سداجة البدو وذلك باشتراء بضائعهم ،بثمن أقل من المعمول به، قبل وفودهم على الأسواق أو بيع هذه البضائع بدلا عنهم وقد تم التعبير عن هذا النهي في الحكم التالية:
لا تتلقوا السوالع" (رقم 556). (1)
لا يبيع حاضرلباد (رقم 562).(2)
ظهرت مقولة: "لا يبيع"،(3)
__________
(1) البخاري، كتاب البيوع، سنن 14- 71 ؛ مسلم كتاب البيوع، سنن 12؛ أبو داوود كتاب البيوع، سنن 47.
(2) البخاري، كتاب البيوع سنن 64، مسلم 12- 11 , كتاب البيوع سنن 11-12 .
(3) درس جونبيل Juynbollـ أصل هذه المقولة (وأخرى تتعلق بها) في : "ملحوظات عن إسلام أوائل الفقهاء كما وردت في آداب الحديث".
Some notes on islam’s first fuqaha distilled from early hadit literature
في أريكا، 39، 1992 ص 302 – 314، نحن هنا نقدم خلاصات هذه الدراسة. (1/171)
صفحة 172
في النصف الأول من القرن 1هـ وربما في السنوات الأخيرة من عمر الرسول (ص)، وكان الغرض منها حماية البدو الذين يفدون على المدينة للتحالف مع النبي(1)(ص) من مضاربات التجار. ويبدو أن هذا النهي فقد ما يبرر وجوده عند نهاية القرن 1 هـ بعد الفتوحات الأولى كما تؤكد ذلك الآراء المنسوبة إلى عطاء بن أبي رباح (مكي توفي 109 هـ/732م)، مجاهد بن جبر ( مكي توفي 104هـ /727م) وإلى الشعبي (كوفي، توفي 110هـ/728م). ويقول هذا الأخير بالحرف: "كان المهاجرون يشجبون هذا أي أن يبيع الحاضر عوض البدوي، لكننا في الحقيقة كنا نفعل ذلك"(2) .
نفس الشيء ينطبق على نهي التلقي للقوافل الذي يعتبره الحسن البصري وعطاء غير ناجع. يروي أبو حرة: "لم يكن الحسن يجد مانعا في الشراء من البدو وقد سئل "هل كان يشتري منهم المهاجرون؟ فأجاب .لا""(3).
في المصادر الإباضية مع استثناء المسند، تمت الإشارة إلى هاتين الحكمتين أول مرة في الكتاب الجامع لابن بركة (ق5هـ/11م) ويعقب صاحبه عليها بالإشارة إلى رأي الشافعي الذي يقضي للبدوي بحق الاختيار إن كان باع بضائعه إلى من تلقى قافلته بثمن منخفض جدا عن سعر السوق(4).
في المسند تأتي مقولة "لا يبيع" في ارتباط مع مثيلات لها تضعها في محيط الأخلاقيات التي ترتكز عليها العقود(5):
__________
(1) هذا ما يمكن استنتاجه من كلمات إبراهيم النخعي : " كونهم يستفيدون من سداجة البدو مؤكد في "قول لا يبيع حاضر لباد". عبد الرزاق، 8، رقم 14874؛ ابن شيب، 6، رقم 398.
(2) عبد الرزاق، 8، رقم 14876؛ ابن أبي شيب، 6،رقم 941.
(3) ابن أبي شيب،6، رقم 936و944.
(4) أبو محمد عبد الله ابن بركة، كتاب الجامع، نشر عيسى يحيى الباروني مسقط، 1983، ج2 ص 3 – 23 .
(5) يوضع جوينبول (Juynboll) أن المقولة تظهر في المصادر السنية اللاحقة بإسناد محكم وفي ارتباط مع مقولات تسير في نفس اتجاهها. " أوائل فقهاء الإسلام" موضوع (Islam’s first Fuqaha’sgg : 311). (1/172)
صفحة 173
1 ـ لا يساوم أحدكم على سوم أخيه "(رقم 559) أو بمعنى أنه لا يجب التدخل في مساومة يقوم بها شخص أخر، ويتم تفسير هذا النهي عموما بعدم الاقتراب من بائع يساومه أحدهم بنية اقتناء البضاعة بثمن أعلى(1) هذا النوع من التصرفات يعتبره قتادة، بكل بساطة مكروها (2).
__________
(1) البخاري كتاب البيوع سنة 58؛ مسلم كتاب البيوع سنة9. المقولة التي تظهر في غالب الأحيان برواية: "لا يبيع أحدكم على بيع أخيه" مرتبطة بالأخرى التي تقول :"لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" أي انه لا يجب الاقتراب من المرأة المخطوبة لأحدكم قصد الزواج منها بدفع مهر أكبر .
(2) ق. 5223 ابن بركة (الجامع ح1، 322) يفسر المقولة على أنها تحريم مطلق بينما يعترف الشماخي (إيضاح 3، 53). أنه حسب بعض المشرعين الأباضين ليس من المحرم التدخل في المساومة في بعض الحالات. (1/173)
صفحة 174
2 ـ لا تناجشوا (رقم 561 و562)(1) لا تمارسوا النجش، كان هذا شكل من أشكال التدابير الاحتيالية يكون ضحيته الشاري بإيعاز من البائع وطرف ثالث يذكر محاسن البضاعة ويدفع ثمنا مقابلها للدفع بالشاري إلى اقتناءها بسعر اكبر من سعرها الحقيقي(2).
__________
(1) البخاري كتاب البيوع سنن 60، مسلم كتاب البيوع سنن11، 13 ، مالك، كتاب البيوع سنة 79- 96 ؛ النجش" يعني إخراج الطريدة من حجرها والدفع بها جهة القناصين ومن يقوم ببيع النجش كأنما يخرج من الحجر الطريدة التي هي الشاري ليقع في حبال البائع، لهذا سميا هذا النوع من البيع الاحتيالي ببيع النجش. سانتلان، مؤسسات، 2، ص 44.
(2) بالرغم من أن العديد من الأحاديث ترجع إلى الرسول (ص) النهي عن النجش، فإن هذه الممارسة استمرت حتى بعد وفاته. يحكى في مصنف عبد الرزاق أن عمر بن عبد العزيز أرسل خادما له إلى السوق قصد بيع عبيد له ولما عاد الخادم من السوق سأله عن حال البيوع فأجابه الخادم: " سقيمة لا نني لم أرفع من ثمن الشراء ولم أشهر البضاعة بما فيه الكفاية " سأل عمر: أتعني أن من عادتك رفع الثمن دون نية الاقتناء لنفسك [وتحتال بذلك على التجار الآخرين الذين يسقطون في خديعتك] كان الجواب: "نعم" حينئذ صاح عمر قائلا: "لكن هذا نجش وليس بجائز، ابعث أحد [إلى السوق] ولينادي بأن البيوع قد ألغيت مادام أن النجش لا يجوز. ج8، رقم 14882، ثم الأخذ هنا بالتعديلات التي اقترحها الناشر. (1/174)
صفحة 175
السنن التي تنهى عن النجش، حسب ساشت، نشرها سنيو المدينة بهدف جعل هذه الممارسة غير شرعية، وبالتالي إبطال الصفقات التي يثبت فيها هذا النوع من الغش. إلا أن هذه السنن لم تؤثر بشكل كبير على عقيدة مدرسة المدينة (ولا على عقيدة المدرسة العراقية) مادام أن المشرعين قللوا من أهميتها بواسطة التفسير(1). وتسكت المصادر الإباضية القديمة عن النجش بينما يميز ابن بركة بين أمرين: إن كان هناك اتفاق بين البائع ومن يرفع الثمن فالشاري له حق الخيار. أما إذا كان من يرفع الثمن يتصرف من تلقاء نفسه فالصفقة تعتبر جائزة في كل الأحوال.(2)
3 ـ " لا تصروا الإبل والغنم (رقم 562)(3) هكذا يفسر الربيع هذه القولة:" لا تفرقوا بين الشاة وابنها وتتغاضوا عن حلبها حتى ينتفخ ثديها من الحليب فيتوهم الشاري إن ذلك فيها طبيعي".
في نظر المشرعين السنيين يمكن في هذه الحالة إلغاء الصفقة داخل أجل ثلاثة أيام وإعادة الشاة مع تعويض رمزي عن الحليب الذي تم استهلاكه(4). ويوافق الاباضي عامر الشماخي على هذا الحل غير أنه يشير إلى أن مشرعي المدرسة الإباضية (أصحابنا) وإن كانوا يعتبرون الغش ذنبا فهم لا يعتبرون البيع باطلا".(5)
__________
(1) المقدمة 351، العقود التي تشوبها خدعة شفوية (النجش) تصنف على العموم مكروهة سانتلان مؤسسات، 2، 445، لولكر، هندل (Lohlker, Handel 120) …… .
(2) الجامع، ص 2، ص 325.
(3) البخاري، كتاب البيوع، سنن 46، 71، مسلم، كتاب البيوع، سنن 11، 12 ، النسائي: كتاب البيوع، سنن 12-13-15؛ مالك ، كتاب البيوع، سنن 96.
(4) الشيباني: أصل، ج 1، فصل 6 ، رقم 1.
(5) الإيضاح ، ج3، ص 61. قول الرسول الذي ينهى عن هذا النوع من الغش ينقله أيضا ابن بركة غير أنه لا يشير إلى إمكانية الخيار كحق للشلري . الجامع، ج 2، ص 325. (1/175)
صفحة 176
4 ـ تحريم الاحتكار (رقم 563)(1).
تحريم ادخار بعض المواد قصد تكوين احتياطي منها إلى حين ارتفاع سعرها والذي جاء في المسند بشكل عام، خص به أبو غانم المأكولات (الطعام). وليس فعل ادخار الأطعمة هو أساس التحريم لكن إعادة بيعها بثمن أعلى(2). في كتاب الإيضاح يعطى للقولة تفسير أضيق مما أعطاها أبو غانم :
1 ـ يشمل تحريم الادخار، حسب بعض المشرعين، تلك المواد التي تؤدى زكاتها فقط (القمح الشعير، الذرة، السلت، الثمور والزبيب)(3)وحسب آخرين القمح والشعير فقط..
2 ـ تحريم ادخار المأكولات أو الطعام يسري على التجار الذي سيعيدون بيعها في عين المكان وليس على الدين ينتقلون من بلد إلى أخر.(4)
__________
(1) يقتصر تحريم الاحتكار في المجموعات الأحاديث الصحيحة على الطعام، مسلم، ، كتاب البيوع سنن 129 – 130؛ ابن ماجة، كتاب البيوع، سنة 6؛ أبو داود، كتاب البيوع، سنة 47.
(2) المدونة، ج2،ص 117-118.
(3) أنظر للكاتب: شعائر الصدقة: 8. السلت، هو الشعير أو ضرب منه لا قشر له.
(4) الإيضاح، ج 3، ص58-59. (1/176)
صفحة 177
يحرم الحديث رقم 557 أشكالا من عقود الغرر إذ ينقل فيه عن ابن عباس أن الرسول (ص) قد حرم بيع الملامسة والمنابذة (1) وبيع حبل الحبالى والملاقيح والمضامين (2) قال الربيع: "المقصود بالملامسة هو أن يلمس الشاري بأصابعه هدب ثوب دون ثنيه حتى لا يتسنى له معرفة طبيعته الداخلية"، وهذا النوع من البيوع جائز بالنسبة له ـ أي الربيع ـ والمقصود المنابذة أن يطرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل، قبل أن يقلبه، أو ينظر إليه. حبل الحبالى هو الجنين الذي يكون في رحم الناقة.(3) الملاقيح ما يوجد على ظهور الجمال، والمضامين هي ما يوجد في أرحام الإناث.
هذه النماذج من عقود الغرر لا يشار إليها في المصادر الإباضية العراقية للقرنين 1 و2 هـ ولا حتى في مدونة أبو غانم وهذا دليل على أنها لم تكن مألوفة في الأوساط الاباضية، أما بيع الجنين فيصنفه قتادة مكروها (يكره).(4)
__________
(1) بخصوص تحريم هذه الصفقات بين أهل السنة قارن البخاري كتاب البيوع، سنن 62ـ63ـ 93، مسلم كتاب البيوع، سنن 1 – 3 . لولكر Lohlker. handel 100 سانتلان : مؤسسات ج2 ص 121. حسب ساشت تعود القولة التي تحرم عقود الغرر " المنابذة والملامسة" في أصلها إلى المدينة، نهاية القرن 1 وبداية القرن 2 هـ ، وقد أخذت من فتوى لربيعة بن أبي عبد الرحمان. فيما بعد تم نسب تفسير تفني لمصطلحاتها إلى مالك وإن كان متميزا عن نص السنة. ثم ضم هذا التفسير إلى هذه السنة. البخاري ومسلم : أصول، ص 144.
(2) البخاري كتاب البيوع، سنن 61، 75، 82، 83، 91 ؛ مسلم كتاب البيوع، سنن 4-6؛ النسائي كتاب البيوع، سنن 26، 38، 59 ، 66.
(3) مالك الموطأ ش. 275، (Lohlker Handel, 88) حسب تفسير أخر يشار بهذه العبارات إلى الحيوان الذي ستنجبه الأنثى الجنين بعد ولادتها لين، معجم عربي انجليزي س.?.
(4) القول 557. (1/177)
صفحة 178
يدخل عنصر الارتياب في التقاعد أيضا حينما يتم إبرام عقدين يرتبط كل منهما بالأخر (ما يطلق عليه العرب" بيعتان في بيعه "عقدان مرتبطان في عقد واحد")(1).
__________
(1) تعتبر عموما من مرادفات" بيعتان في بيعة " (هكذا تسمى الصفقة التي يبيع فيها احدهم بيتا شريطة أن يبيع الشاري بيته للبائع) عبارات "صفقتان في صفقة" و" شرطان في بيع " ويقصد بهذه الأخيرة على التحديد الصفقة التي يتعاقد فيها على بيع بضاعة نقدا بثمن وبنسيئة بثمن أعلى منه. هذا هو التفسير الذي جاء به الشيباني في الآثار الحجة 2، ص 531، ملحوظة 5. أبو يوسف، أثار 182، ملحوظة 1. لا يتفق مالك على هذا التفسير ويعرف هذه الصفقة ببيعتان في بيعة " (97-96 Lohlker Handel) عموما يظهر أن المشرعين لا يولون أهمية إلى اأصول هذه العبارات معرفين بشكل أو أخر عقود الغرر المشار إليها. من بين الأباضيين يطلق عامر الشماخي" شرطان في بيع" على الصفقة الأولى التي تم وصفها هنا و"بيعتان في بيعة " على الصفقة الثانية، إيضاح،3، ص 43-45. بالنسبة لاطفياش للعبارتان معنى واحد الشرح، 8، ص 128-132. (1/178)
صفحة 179
وهذا العقد المزدوج يتم تحريمه إضافة إلى طبيعته التي تدخل في الغرر، لأنه يشكل وسيلة سهلة للتستر على الربا ينقل ابن عباس: " حرم الرسول (ص) شرطين في بيع واحد، و المقصود به أن يبيع أحدهم لأحدهم عبدا بثمن معين شريطة أن يبيعه هذا عبده ثمن محدد أو يتم تحديده (رقم 569)(1) في الجزء الرابع يتم ربط هذا النهي بنهي إشكال أخرى من عقود الغرر، ينقل الربيع عن يحيى بن عامر أنه حينما بعث الرسول (ص) عتاب بن أسيد إلى مكة أمره أن يتأكد من أن الناس يرقبون الأمور التالية الامتناع عن بيع ما ليس لديهم، جني الربح مما ليسوا عليه مسؤولين، إبرام عقد بشطرين وإبرام بيع وقرض في آن واحد.(2) (رقم 894)(3).
__________
(1) تضم مجموعات الأحاديث الصحيحة العديد من السنن التي تحرم هذا النوع من الغرر أبو داود، كتاب البيوع، سنن 53، الترمذي، كتاب البيوع، سنن -19،18، 68؛ النسائي كتاب البيوع، سنن 59ـ 70 ـ72؛ الدرمي كتاب البيوع، سنة ، 26؛ ابن حنيل I ، 393 ، 398.
(2) أبو عبد الرحمان أو أبو محمد عتاب بن أسيد المكي، عينه الرسول (ص) واليا على مكة في السنة التي تم غزوها، مات في نفس السنة التي مات فيها أبو بكر الصديق، حسب آخرين عاش إلى غاية 22هـ ابن هجر، تهذيب،7ص 90.
(3) يأتي نموذج لهذا النوع من العقود في اقوال قتادة : سألته: قلت لأحدهم كنت أقرضته دراهما: خدها سلما مقابل سمن فأجاب قتادة: لا يمكنك فعل ذلك قبل أن يسدد دينه" (ق12017) وتحريم التستر على قرض ريباوي ببيع (بيع وسلف) يعبر عنه أيضا في حديث مرسل عن جابر (رقم 564) متبوع بإيضاح تقني لعباراته. حديث عتاب بن أسيد منقول في الشيباني، حجة، ج2، ص 650؛ أبو يوسف أثار، رقم 228؛ مسند زيد بن علي 259 (مع بعض الاختلافات). (1/179)
صفحة 180
يتبع الشيباني في كتابه الآثار هذا الحديث بملحوظة يوضح فيها الصفقات التي تدخل ضمن ما جاء بتحريمه: "يقصد بعبارات" عقد بيع وقرض" أن يقول أحدهم لأخر أبيعك عبدي هذا بالثمن الفلاني شريطة إن تمنحني قرضا، أو ـ امنحني قرضا شريطة أن أبيعك شيئا ما، ويقصد بعبارات "شرطين في بيع " أن يخضع أحدهم البيع للشرط الأتي: أن يكون ثمن البضاعة 1000 درهم [إذا تم الدفع فورا]، و2000 درهم [إذا كان الدفع] بعد شهر وهذا غير مباح. ويقصد بعبارات جني الربح من شيء دون مسؤولية عنه: شراء أحدهم لبضاعة وبيعها قبل وضع اليد عليها جانيا من ذلك ربحا"(1).
__________
(1) في الشيباني، حجة ،21،ص،531 ملحوظة5 ؛ أبو يوسف، أثار، 182 ملحوظة1. (1/180)
صفحة 181
يعلن تعليق الشيباني عن الظرف الذي تم فيه وبشكل نهائي تحريم هذا النوع من العقود ولم يكن الأمر كذلك جيلين قبله، إذا لازلنا نجد فتاوي لبعض الصحابة أو بعض التابعين يقبل فيها بيوع اعتبرت فيما بعد غررا. في مصنف ابن أبي شيب، ينقل عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "لا بأس أن يقال عن بضاعة تكلف هذا القدر نقدا أو هذا القدر قرضا. إلا أنه لا يجب أن يفترق المتعاقدين قبل أن يتوصلا إلى اتفاق" ونفس الرأي ينسب إلى عطاء وشعبة (ابن الحجاج، البصرة واسط)(1). كان الأباضي أبو عبيدة أيضا يعترف بصلاحية هذا النوع من البيع: "قد سئل عن التعاقد [في الحالة التي يقال فيها] بالدرهم الأبيض، تكلف هذا وبالدرهم الأسود تكلف ذاك(2) نقدا تكلف هذا وقرضا تكلف ذاك قال: "كان أبو عبيدة يقول: عند الأداء نقدا أو قرضا يجوز أقصر الأجلين وأعلى الثمنين(3) ولم يعلن الربيع وابن عبد العزيز هذا النوع من البيع فاسدا إلا في أواسط القرن الثاني هـ مع العلم أن ابن عبد العزيز تراجع عن موقفه وعاد للقبول بصلاحيته. ونفس الرأي كان لمحمد بن محبوب أيضا (أواسط القرن3هـ) ويختلف عن رأي أبو عبيدة فقط في حالة النزاع إذ يعتبر محبوب أنه من الواجب إعطاء الشاري "أطول الأجلين واخفض الثمنين"(4).
__________
(1) I VI رقم 494- 500- 504.
(2) وزن ما يسمى بالدرهم الأسود "أو الدرهم من الفضة ذو العيار الضعيف"، حدده معاوية في ستة دوانيق ناقص حبة أو حبتين، وقد قرر والي الكوفة زياد ابن أبيه ((670-673) (601-680)) أن عشرة دراهم سوداء في الكوفة والبصرة تعادل سبعة مثقال دهب. ويزن الدرهم الأبيض من الفضة الخالصة ستة دوانيق. لهذا فعشرة دراهم تعادل ستة مثقال دهب، كروهمان Grohmann:(Chrestomathie Zur arabischen papyrkunde Praga 1955-203-204)
(3) قول : 533
(4) ابن بركة : الجامع،2،ص 321؛ الشماخي، إيضاح، 3،ص 44،45. (1/181)
صفحة 182
لم تصبح أيضا القاعدة التي تحرم بيع البضائع قبل قبضها أمرا واقعا إلا بعد عمل تشريعي بطيء. وتنحصر هذه القاعدة في السنن ذات الإسناد العراقي أو المكي على البضائع التي يمكن وزنها أو كيلها.(1) وقد تم فيما بعد تعميمها لتشمل كل البضائع في سنن أهل المدينة. وقد انطلقت هذه السنن من سنة منقطعة لنافع، أصبحت فيما بعد حديثا نبويا، يأمر فيها عمر حكيم بن حزام بعدم إعادة بيع البضائع قبل قبضها. وقد تجدر هذا النهي في جيل المشرعين الذين جاءوا قبل مالك. بالفعل فعثمان البتي (توفي 143هـ) كان لا يزال يسمح بإعادة بيع البضائع قبل قبضها، ومالك نفسه لم يكن متشددا في تطبيق هذا المبدأ وخص به الحالات التي يكون فيها احتمال الوقوع في الربا وأرادا.(2) ويبدو أن نفس المعيار استلهم قتادة حين سئل عن شيء هو موضوع عقدي سلف فقال: "من المكروه [أن يبيع الشاري للبائع حاجته] قبل أن يتسلمها وعلى كل حال لا بأس في أن يرى الحاجة ويلعن رضاه عنها ثم يناولها لصاحبها".(3)
يتضح من جواب للربيع بن حبيب أيضا أن بيع ما لم يتم وضع اليد عليه ممارسة مألوفة: " كنت أجالسه لما سأله رجل عن قولة: لا تبع ما ليس لديك: " فأجاب [الربيع]، " يحدث هذا في الحالة التي يريد فيها شخص أن يشتري شيئا فيقول: بعني البضاعة الفلانية [وسلمها لي] لأجل بالثمن الفلاني، أنت تقبل البيع ولكنك لا تملك تلك البضاعة إذن تشتريها وتسلمها له. يقال أنهم بعثوا [رسالة أ و مرا سيلا ] إلى أبي الشعثاء لاستفساره في الأمر بعد أن أقدم رجلان على إبرام هذه الصفقة فقال: "هذا مكروه"(4).
__________
(1) ابن أبي شيب، 7،رقم 2517، 2523؛ ابن عبد الرزاق، 7، رقم 43. الربيع أيضا خص بنهي بيع البضاعة قبل قبضها تلك المواد التي يمكن وزنها وكيلها. الشماخي، إيضاح، 3، ص24.
(2) ساشت ، أصول، 108 موضوع 200.
(3) قول 5024.
(4) صفحة 4629 ، نفس الشيء صفحة 4620. (1/182)
صفحة 183
التأكيد على تحريم الغرر نزع الشرعية عن بعض العقود المتداولة قبل الإسلام والتي كان موضوعها مواد فلاحية وقد تم بالخصوص تحريم بيع محصول لم ينضح بعد(1).
__________
(1) ما ينهي عنه هو بيع محصول منتظر، ويجوز بيع محصول لم يطب بعد أو فاكهة مازالت لم تزهى إذا كان المشتري يود الاستفادة منها فورا (مثلا باستعمالها كعلف لبهائمه) لأن ذلك لا يشكل أي نوع من الغرر. سانتلان، مؤسسات، 2، ص120. وهذا أيضا هو الرأي الذي عبر عنه المشرع الاباضي عبد العزيز الشماخي: إيضاح،3، ص38. (1/183)
صفحة 184
جاء في المسند حديث معلوم ينقل فيه أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي . فقيل له يا رسول الله وما تزهي فقال " حين تحمر " . (رقم 558). في نفس السنة يشير محمد (ص) إلى الحيثية الشرعية لهذا التحريم: "وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه " وهذا يعني أنه في الحالة التي يتعرض فيها المحصول قبل نضجه للتلف لسبب طارئ فإن البائع الذي قبض سيجني ربحا بينما ستقع الخسارة كلها على عاتق الشاري. وينقل أبو سعيد الخدري في حديث أخر أن الرسول (ص) حرم بيع الثمر حتى يطيب والتحريم ينطبق سواء على البائع أو الشاري (رقم 560).(1) هذه النواهي وليدة حالة خاصة؛ بالفعل ينقل عن ابن عباس أن الرسول (ص) لما قدم المدينة وجد الناس يسلفون في الثمر العام أو العامين ـ قال عامين أو ثلاثة ـ فقال عندها : "من سلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (أو بإبرام عقد سلم)(2) استمرت عادة شراء المحاصيل مسبقا عقوا بعد وفاة الرسول (ص). يروي سعيد أحد موالي الخليفة عمر بن الخطاب أن الخليفة باع مسبقا ولعامين المحاصيل التي ستجني من أراضي أحدهم اسمه أسيد بن حيضر قصد تسديد الديون العالقة لهذا الأخير بعد وفاته.(3) ويروى عن عمر دائما أنه سلف ولثلاثة أعوام محاصيل أرض في ملك قاصر كان تحت وصايته(4).
__________
(1) البخاري كتاب البيوع، سنن 83، 75،82،39، ، 8/ مسلم كتاب البيوع، سنن 15- 17 ؛ أبو داود كتاب البيوع، سنة 22 ، الترميدي، كتاب البيوع، سنة 15؛ النسائي ، كتاب البيوع، سنن 28-34-39؛ ابن ماجة كتاب البيوع، سنة 32 ؛ لولكر Handel, lohlker sg 47
(2) البخاري، باب السلم، سنة1.
(3) ابن أبي شيب،7،رقم 3311.
(4) نفس المصدر، رقم 3309؛ عبد الرزاق،7، رقم86. (1/184)
صفحة 185
لابد أن التحريم لم يؤكد بشكل نهائي حتى عند نهاية القرن الأول الهجري، فقد سئل قتادة فعلا إن كان يجوز سلف مواد فلاحية لعامين أو أكثر(1).
في ارتباط، وإن بشكل جزئي، مع أشكال البيع المسبق الذي طرحناه تدخل الحالة التي تكون فيها موضع صفقة البيع أشجار مثمرة فلمن تعود الثمار العالقة في الشجرة وإن لم تنضج كلية؟ يريد المشرع أن تكون هذه الثمار من حق البائع لأنها سائرة في النضج وتقصى من الصفقة إلا أن يقع التراضي على عكس ذلك، وتستفاد هذه القاعدة من الحديث الذي نقله أبو سعيد الخدري: قال رسول الله (ص): "مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ "(رقم 572)(2). يأتي هذا الحديث مركبا من جزء أخر في الكتب الصحيحة ويقول: "وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ(3). هذا المبدأ الذي اعتنقته الشريعة الإسلامية وتلك الإباضية أيضا(4)، إنما هو نتيجة منطقية لعدم الاعتراف للعبد في شريعة لا تخلو من العيوب بحق الملكية. ولم يكن الأمر كذلك عند أوائل الأباضيين. في الأثار ينقل الربيع عن ضمام: " لم يكن جابر يمانع أن تكون للعبد غلة يضيفها إلى ماله المكتسب". (5)
__________
(1) قول، 152.
(2) البخاري كتاب البخاري، سنن 90؛ 92؛ مسلم كتاب البيوع، سنن 77 – 80 ؛ أبو داوود؛ كتاب البيوع، سنة 42؛ الترمذي ، كتاب البيوع، سنة 25 ؛ النسائي، كتاب البيوع، سنن 74؛ ابن ماجة، باب التجارة ، سنن 31 مالك، كتاب البيوه سنة،9. بخصوص التعليق على هذه الأحاديث انظر سانتلان ـ مؤسسات 2، ص 134، Santillana Istaitazicni .
(3) نفس المصادر، إضافة إلى ابن أبي شيب،7، 2561 – 2568.
(4) ابن بركة، الجامع،2،،327.
(5) قدرة العبد على التصرف في ماله محددة فهو لا يمكنه التبرع به (مثل أن يترك وصيته أو يوصي بماله دون موافقة سيده، ولهذا الأخير حق معرفة ما بحوزة عبده (صفحة 143) وباعتبار أن حاجة العبد من حاجة السيد ولا يمكن فرزهما كما توحي فتوى جابر بذلك: لا ربا بين العبد السيد (أ134). (1/185)
صفحة 186
إذا بيع العبد فإنه يأخذ معه كل ممتلكاته. ويرد أيضا في الفتوى سألت الربيع بخصوص بيع العبد الذي له مال إذا لم يستثنيه البائع من عقد البيع فأجاب: "العبد وماله للشاري" (1) ونفس الشيء يسري في حالة العتق: "سألت [الربيع] بخصوص عتق عبد له مال لم يفصح سيده عن إقصائه من عقد العتق، أجاب: "المال يكون للمعتوق "وكان عبد الله (ابن عبد العزيز يقول: "العبد حر لكن ماله لسيده وإن لم يقصيه هذا بوضوح في عقد العتق""(2).
يشكل رأي عبد الله بن عبد العزيز أول اعتراض على الطرح الذي كان يزكيه الربيع (وربما أيضا جابر ). وهذا يمكننا من تحديد أواسط القرن 2 هـ/8م كتاريخ لدخول القاعدة القائلة بعدم ضم مال العبد في عقد البيع [بالقياس في حالة العتق فهو يعود للسيد] ضمن التشريعات الإباضية. ولا بد أن يكون مبدأ إقصاء الثمور التي بدأت تطيب من عقد بيع أشجار النخيل قد تجدر في نفس الفترة. ينسب مصدر إباضي، كتاب الإيضاح، هذا الطرح إلى ابن عبد العزيز ويذكر أن الربيع على عكس ذلك كان يقول بأن الثمور تعود إلى من اشترى الأشجار مادام أنها لا تعتبر شيئا مستقلا عنها بذاته.(3)
__________
(1) الصفحة، 43-2.
(2) نفس المصدر 433. تم تأكيده في القول 1061، " سئل [قتادة] عن أحدهم اعتق عبدا له وكان للعبد مال، فأجاب: المال للعبد إلا إذا وقع التراضي على رجوعه إلى السيد" وقد جاء التأكيد على هذا في سنتين منقطعتنين نقلهما عبد الزراق في المصنف، 1 ـ عن الثوري عن مغيرة (أو إبراهيم أو الشيباني أو إسماعيل) عن الشعبي الذي قال: " إذا بيع عبد له مال فماله يتبعه ( 8 رقم 14616 ) 2 ـ عن وكيع عن شعبة عن مغيرة عن إبراهيم الذي قال : " إذا اعتق العبد فماله له وإذا بيع فماله من حق مشتريه (نفس المصدر. رقم 14816).
(3) الشماخي إيضاح،3، ص 97-98. (1/186)
صفحة 187
تم منذ العهود الأولى للإسلام وضع مقايضة المواد الغذائية رهن مجموعة من العقود يتوخى منها التصدي لعقود الغرر أو لأي منفعة على مستوى الكمية أو النوعية أو النسيئة لصالح احد المتعاقدين.
جاء في المسند عن أبي عبيدة عن جابر عن أبي سعيد الخدري الذي قال: نهى الرسول(ص) عن المزابنة والمحاقلة. المزابنة هي اشتراء الثمر بالثمر في رؤوس النخل. والمحاقلة هي أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم (رقم ذ566 أنظر أيضا رقم 565)(1).
يتم توضيح معنى كراء الأرض في مدونة أبو غانم حيث يقرأ: المحاقلة هي تفويت أرض [بعقد] شبيه بعقد الكراء أو مقابل نصف المحصول المرتقب"(2).
__________
(1) البخاري كتاب البيوع، سنن 74 – 82 – 91 -93 ؛ مسلم كتاب البيوع، سنن 57-59 -67 – 70- 72 - 76 - 81 – 85 ؛ أبو داوود كتاب البيوع، سنن 18 – 19 – 31 ؛ الترمدي كتاب البيوع، سنن 14- 55 – 63 – 64 – 72 ؛ النسائي كتاب البيوع، سنن 27- 31 – 32 ؛ ابن ماجة باب التجارة ، سنة 54 ؛ مالك باب البيوع، سنن 23- 26؛ مسند زيد بن على نشر بيروت 1966، 267.
(2) 2، 119 يقصد في الفقه بالمحاقلة البيع وبشكل أدق مبادلة محصول من القمح أو الشعير لا زال لم يطب بأخر تم حصده سانتلان، مؤسسات ، 2 ، 183؛ الشيباني، حجة، 2،ص 548. هذا التفسير الذي تمت الإشارة إليه في المدونة أبي غانم (2،190) اعتنقه ابن بركة، الجامع 2، ص 326. في الموطأ يتم تعريف هذا العقد كالتالي المحاقلة هي مبادلة زرع بحبوب أو كراء أرض مقابل حبوب. موطأ الشيباني، 276. (1/187)
صفحة 188
الغرر الذي يجعل العقد باطلا يكمن في غياب اليقين حول السومة الكرائية. كان عقد فلاحي شبيه بهذا الذي ذكرناه متداولا في فترة جابر إذ يكتب عنه إجابة على سؤال ليزيد بن يسار: فيما يخص ما تقوله عن ذلك الشخص الذي أعطيت أرضا قصد استصلاحها وذلك بغرس أشجار نخيل بها مقابل الربع أو الثلث من المحصول المرتقب فإن هذا مكروه. حري عليك أن تستأجر شخصا بأجر معلوم قصد فلح أرضك ونخلك"(1).
__________
(1) ج 71ب 14 الجواب الموالي يهتم بنفس الموضوع يصف فيه جابر مكروها العقد الذي يعطي فيه المالك الأرض والبذور لعامل مقابل الثلث أو ألربع من المحصول المرتقب (71ب16) . (1/188)
صفحة 189
يعزو ساشت تحريم عقود المزابنة والمحاقلة التي كانت لا تزال متداولة عند مجي الإسلام إلى اجتهادات لبعض المشرعين، هذه الاجتهادات حولتها العقيدة فيما بعد إلى سنن نبوية. ويشكل بيع كمية قليلة من الثمور مقابل رطب في النخل يتم تقييمها بالعين [ بيع العريا]، يشكل استثناء لهذا التحريم. أخذ الترخيص بهذا النوع من البيع والذي يراد منه سد حاجيات الفقراء شكل قول نبوي. وقد ألف مالك والشافعي بين هاتين السنتين(1). ويرد في المسند تحت سلطة أبو سعيد الخدري أن رسول الله (ص) رخص لصاحب العرايا(2) ببيع الرطب في النخل بالثمر كيلا وذلك بخرصها أي تقييمها بالعين، وقال الربيع: " العرايا نخلة يهب صاحبها ثمارها غيره ثم يقول له: لا تقصدني بعدها، لهذا رخص رسول الله (ص) ببيع الرطب قي النخل بالثمور كيلا وذلك بخرصها" (رقم 580) (3).
__________
(1) شاست، مقدمة، ص40؛ أصول ، ص 153.
(2) عرية (ج عرايا) تشير إلى النخلة التي كانت تعطي للفقير لكي يأكل من ثمارها مدة سنة في بعض الأحيان تكون هذه الهبة مزعجة لصاحب النخلة بسبب تكرر زيارات المستفيد منها للعناية بها ولجمع المحصول لذلك يمكنه بيع الرطب في رؤوس النخل مقابل ثمور كيلا وقد أرادت التشريعات إقصاء ما يمكن إقصاءه من طابع الغرر الذي يميز هذه العملية بالتأكيد على تقييم الرطب فوق النخل وإعطاء مقابلها كمية تعادلها من الثمور . ولا يجوز أن تتجاوز على الكمية المباعة خمسة أوسق (خمس حمولات جمل). سانتلان، مؤسسات، 2،ص183،184.
(3) البخاري كتاب البيوع سنة، 83، مسلم كتاب البيوع سنة، 61. النسائي كتاب البيوع ، ينقل ابن حنبل سننا تنهى عن بيع العرايا (3- 183) بينما يعتبره الشيعة مكروها. مسند زيد بن علي . 281. (1/189)
صفحة 190
بيع الذهب والفضة التي يعادلها بيع بعض المواد الغذائية ( القمح، الشعير، الثمور والملح هي تشكل ما يطلق عليه " مواد الربا أي أنها خاضعة لتشريعات الربا) هو موضع قاعدتين: بيعها بأشياء من نفس نوعها (الذهب بالذهب) يجب أن يكون يدا بيد ومثلا بمثل"(1). جاء في المسند أن رسول الله (ص) قال: ( الذهب بالذهب و الفضة بالفضة والقمح بالقمح والشعير بالشعير و الملح بالملح مثلا بمثل ويدا بيد) ( رقم 577)(2).
__________
(1) إذ تعلق الأمر ببيع أنواع مختلفة (الشعير بالقمح، الذهب بالفضة) فلا بأس في اختلاق كميتها ولكن يدا بيد ينقل ابن عباس وعباد بن الصامت إن رسول الله (ص) قال:" فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (رقم 571-578) قارن أبي شيب، 7، رقم 2534 وابن حنبل، 12، 7171، حيث يحدد الجزء الثاني من الحديث" إذا كان ذلك يدا بيد" وليس المطلوب هو توازن الكميات ولكن المبادلة يجب أن تتم دون نسيئة إذا تعلق الأمر بمقايضة العبيد بالعبيد والبهائم بأخرى المسند رقم 571،578 ابن بركة الجامع، 2،ص 932، لا يتفق الشماخي على هذا الراي إذ يعتبر بيع الحيوانات ـ البهائم ـ غير خاضع لأي قيد أو شرط. الإيضاح، 5، ص، 20. نحن في هذه الحالة أمام تشدد قواعد تحريم الربا ولا بد أن رأي المشرعين الأباضيين الأوائل كان أكثر تحررا وهذا يتجلى بالفعل في إحدى أجوبة قتادة والذي يسمح فيه ودون يدا بيد ببيع شاة باثنتين إذا كان هناك اختلاف في طبيعتها خصوصياتها، (القول 5110).
(2) قارن أيضا رقم 574 ـ 576، 579، البخاري كتاب البيوع ، سنن 8، 45، 72، 78، كتاب السلم، سنة 4؛ مسلم، كتاب البيوع ، سنن، 75 ـ 101، 103؛ أبو داود ،كتاب البيوع ، سنن 12-13 ؛ الترمدي ، كتاب البيوع، سنن 23،24، النسائي، كتاب البيوع، سنن 40- 50، ابن ماجة، باب التجارة، سنن 48 ، 50، 53. (1/190)
صفحة 191
هذه القواعد تشكل تشددا في تحريم الربا بالمقارنة مع الإجراءات الأصلية. في كتاب اختلاف مالك والشافعي تحدث هذا الأخير عن العادة المعمول بها في المدينة والتي تكمن في بيع الذهب والفضة، سبائكا كان أو تبرا، بقطع نقدية من نفس المعدن أقل قيمة بقليل وذلك لتغطية مصاريف الضرب (أو السك). يتعلق الأمر هناك باختراق صارخ لقواعد الربا ينسبه بعض المشرعين المالكيين إلى مالك وإلى أبن القاسم الذي كان يسمح بهده العمليات التجارية إن لم يكن هناك سبيل لتفاديها. في الحقيقة لسنا هنا أمام استثناء عن المبدأ العام للتحريم بل أمام العقيدة الأصلية لأهل المدينة والتي تم تجاوزها فيما بعد بسبب صرامة قواعد النهي عن الربا. هذه الصرامة التي كانت حاضرة من قبل في سنن الموطأ لم تكتسب ثقلها إلا بعد وفاة مالك(1) .
…لابد أن التعاليم حول تحريم الربا لم تكن بعد تجدرت في أوساط المشرعين الأباضيين في فترة ابن عبد العزيز مادام أن أبو غانم لازال يحس بضرورة سؤاله حول إباحية صرف الدرهم باثنين ويدا بيد وحول صحة السنة النبوية التي تحرم اختلاف الموازين في بيع نفس المعادن.(2)
جاء في الحديث رقم 568 ممن المسند أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن الرسول (ص) الذي قال:
__________
(1) ساشت، أصول، 67. كان من المكن التحايل على تحريم الربا وذلك بصرف قطع نقدية بكمية تعادلها من نفس المعدن الغير المضروب مع أخذ ضريبة على الضرب. حول المسوك المتعلقة بالضرب في فترة الأمويين انظر أيضا: البلاد وري، فتوح البلدان، ص 575.
(2) أعلاه 100-101. (1/191)
صفحة 192
" ما لم يفترقا فلكل واحد منهما الخيار "(1) على أساس هذه السنة وأخريات تشبهها، تقوم العقيدة المعروفة بخيار المجلس" وفحواها أنه لا يكفي الإدلاء بالموافقة لكي تكون الصفقة كاملة لهذا فالمساومة تبقى مفتوحة طالما أن المتعاقدين يحضران في نفس المجلس لأنه لازال بإمكان كل منهما تغيير مقترحاته أو الاسترسال في مناقشة مقترحات الأخر. ويصبح الاتفاق نهائيا بمجرد افتراق الطرفين واتحاد كل منهما وجهة مختلفة عن وجهة الأخر. أو حسب عقيدة أكثر تقييدا، حينما يؤكد الطرفان الاتفاق الحاصل ولو في نفس المجلس.(2) الحديث في المسند متبوعا بتعليق لأبي عبيدة نقله عنه الربيع: "يقصد بالافتراق إبرام الصفقة أو أن يبيع أحدهما شيء ويشتريه الأخر وليس الافتراق الجسدي [للمتعاقدين] كما يظن من هم على اختلاف معنا ألا ترى أنه إذا لم يفترق المتعاقدين ليومين، ثلاثة أيام أو أكثر أن البيع لا يصلح لأي منهما؟".
__________
(1) أنظر البخاري كتاب البيوع، سنة 19، مسلم كتاب البيوع، سنة 43-47؛ أبو داوود كتاب البيوع، سنة 51؛ الترمدي كتاب البيوع، سنة 2 النسائي ، كتاب البيوع، سنن 4 ،8،10؛ ابن ماجة؛ باب التجارة، سنة 17؛ مالك كتاب البيوع ، سنة 79.
(2) الرأي الأول ينسب إلى مالك الذي يعلق هكذا على الحديث :" في اعتقادنا ليس هناك أي "تحديد للوقت الذي يجب أن يتخذه العقد" ليصبح نهائيا] ولا لإجراءات تخص هذه الحالة "لوركر Handel106، أنظر أيضا موطأ الشيباني، 277. حسب ساشت خيار المجلس في الأصل ممارسة مكية، لا علم لأهل المدينة. والعراق بها، تم الأخذ بها فيما بعد من طرف السنيين ا واطفوا عليها الشرعية كحديث نبوي وقد أخد بها الإمام الشافعي. أصول، 160 موضوع 167،256، 284. خيار المجلس يدخل في عقيدة الشافعين والحنبليين أما بالنسبة للحنفيين والمالكيين فالعقد لا رجعة فيه بمجرد حصول الاتفاق المتبادل. سأنتلان، مؤسسات، 2 ، موضوع 23.". (1/192)
صفحة 193
خيار المجلس على العكس مما قد يفهم من كلام أبو عبيدة، لم يكن مشهورا عند أوائل المشرعين الاباضيين، وكما جاء في اعرق مصادر الطائفة، فحق احد الطرفين في إلغاء العقد لابد أن يشار إليه بوضوح عند التعاقد وليس الاتفاق بين الأطراف موضع أي قيد أو شرط. ينسب للربيع رأي في المدونة يختلف عن ذلك المعبر عنه في المسند : " حق الخيار مباح دائما سواء [أمكن ممارسته داخل] شهر أو عام أو على أساس ما اتفقت عليه الأطراف".(1)
طبق المشرعون الأباضيون من عمان إبان القرنين4 و5 هـ حق خيار المجلس على عقود البيع بينما لم يطبقه المشرعون المغاربة وإن كانوا يقبلون بالسنن النبوية بخصوصه(2).
الفصل الخامس
النظرية والتطبيق : تحريم الربا في تفاسير هود بن محكم الهواري وأبو الحواري العماني.
1 ـ تحريم الربا في القرآن
يرد أصل الكلمة رـ ب ـ و في القرآن بالمعاني الآتية:
1 ـ نبث:
"وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج "……………………… (سورة الحج أية 5)
2 ـ زاد وازدهر وانتشر:
"يمحو الله الربا ويربي الصدقات"
(سورة البقرة أية 276)
3 ـ ربوة:
" واوينا هما إلى ربوة …………
( سورة المومنون أية 50)
"كمثل جنة بربوة"
(سورة البقرة ىية 265)
4 ـ أزيد (زيد)
"فاحتمل السيل زبدا رابيا"
(سورة الرعد، أية 17)
5 ـ إنبات تربية طفل:
" قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا"
(سورة الإسراء، أية 24)
" ألم نربيك فينا وليدا"
(سورة الشعراء، أية 18)
__________
(1) أو غانم، المدونة، 2،121.
(2) ابن بركة، الجامع، 2،ص 320؛ اطفياش، الشرح، 9،ص 248. (1/193)
صفحة 194
تحول الأصل " ر ـ ب ـ و سميائيا من معناه العام ـ أنبث ـ زاد ـ ربى للدلالة أيضا على الربا التي يندرج ضمنها في نظر المشرعين المسلمين كل أنواع القرض بفائدة (1). وقد ظهرت كلمة الربا أول مرة في سورة الروم أية 39.
"وما أتيتم من ربا لتربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله وما
أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون".
__________
(1) حول الربا في القرآن أنظر، أ، قرشي " الإسلام ونظرية الفائدة"، لهور (باكستان) 1946؛ ف. رحمان "الربا والفائدة" في دراسات إسلامية"، 3، 1984 ص 818، ز. أحمد النظرية القرآنية في الربا" في :
Islamic Quaterly 20-22, 1978 , 314 .
E.Cohn, Der wucher (Riba) in Qur’an, chadith und Fiqh–Ein Beitrag zur Ensthungsgeschichte des muhammedanischen Rechtes Berlin 1903,
أنظر أيضا مقالات بيع ربا تجارة في الموسوعة الإسلامية و ببيلوغرافيا بيتشنيلي "بنوك إسلامية في محيط غير إسلامي" مواد وأدوات شرعية في إبو، روما، 1966، ص 312- 599. (1/194)
صفحة 195
تنتمي سورة الروم إلى الفترة المكية الثالثة.(1) وهي قد تكون نزلت في السنوات الأولى (السنة 4-5هـ) من الرسالة النبوية وذلك لأن الآيات 2-4- تشير إلى هزيمة بزنطة التي جاء بعدها فتح الفرس لبلاد سوريا، فلسطين في 613-614م وإلى النبوءة بانتصار الروم من جديد. وهو الشيء الذي تحقق بانهزام الدولة الساسانية أمام اراكليو ـ Eraclioـ (624)(2). يبدو أن هذه السورة تقتصر على التحذير بشدة ضد الربا إلا أن كون الربا وردت فيها في تعارض مع الزكاة يعكس إرادة الأمة الإسلامية للظهور مند البداية كأسرة كبيرة يسودها نظام يقوم على فكرة علاقات أبويه وجماعية يطبعها نوع من الشيوعية المبهمة، يتكلف فيه الأشقاء الأغنياء بتلبية حاجيات إخوانهم الفقراء.
في المدينة، وبعد اكتساح الإسلام لها سياسيا، أصبحت الربا محرمة بشكل واضح "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون".
(سورة أل عمران آية 130)(3).
هذا النحريم أصبح نهائيا في سورة البقرة آية 275.
__________
(1) يتفق على هذا التاريخ نولدكي ( T.N oldeke – F. Schwally. Geschichte des Qorans , Lipsia 1909, I, 149-150) ) ومعظم المفسرين الغربيين، حسب ريبل، R bell القرآن ـ ترجمة وترتيب نقدي للسورة جزء 2 ، ادمبورغ 1939 – 2، موضوع 392 تتضمن السورة أيضا آيات مدنية. حول سورة الروم أنظر إلى تحليل. أ بيك. E,BECK Die sure ar-Rum, in orientalia, XIII, 1944, 334,355 ; XIV .1945.118.142)
(2) بوزاني Bausani ، القرآن ملحوظات حول سورة الروم ، ص 618.
(3) كون الربا حرمت بوضوح في الآيات المدنية فقط، وكون اليهود اتهموا باختراق هذا التحريم حمل ساشت على استنتاج أن هذا المبدأ القرآني جاء لقطع الطريق أمام ممارسة يهودية في المدينة وليس أمام ممارسات تجار مكة. الربا في الموسوعة الإسلامية2 . (1/195)
صفحة 196
"الدين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا. فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"(1).
تشير سورة النساء ـ في تلميح إلى اليهود ـ إلى العقوبات الإلهية في حق المرابين:
"وأخذهم الربا" وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما" …………………… ( سورة النساء أية 161).
بالاعتماد على الرأي القائل بأن تفسير القرآن ممكن انطلاقا من معطيات واردة في النص القرآني، خلص المفسرون بخصوص الربا إلى ما يلي:
1 ـ في الجاهلية كانت الربا تكمن في مضاعفة مبلغ الدين (أضعاف مضاعفة).
2 ـ بسبب عملية المضاعفة هذه رفض القرآن اعتبار الربا ممارسة تجارية عادية.
3 ـ يشجع القرآن المؤمنين على التعاون ويستحسن الربح المكتسب من التجارة التي لا تقوم على نية الغش أو إثقال كاهل الآخرين.
هذه الخلاصات تجد دعما لها في المعطيات التاريخية؛ في موطأ مالك يصف زيد بن أسلم العقد الآتي ويعود تاريخه إلى الجاهلية (الزرقاني، 5،ص81). (2)
__________
(1) ما جاء في سورة البقرة عن الربا هو الأهم. وقد أثير حوله نقاش عقائدي بخصوص العقوبة الأبدية التي سيلقاها المؤمنون الذين يمارسون الربا. هذا والإسلام يقر بأن عقوبة من ولد في الإيمان ستكون مؤقتة وإنما المرتد هو الذي سيخلد في النار. بوزاني القرآن ، ملحوظات عن سورة البقرة، ص517.
(2) أنظر على سبيل المثال : رحمان ـ Rahmanـ الربا والفائدة ." (1/196)
صفحة 197
كانت الربا في الجاهلية على هذه الشاكلة إذا كان لرجل دين على أحدهم يسأله عند انتهاء اجل الذين، أتريد أن تؤدي أم تريد أن تربي؟ إذا كان سيؤدي فالدائن يسترد المبلغ [الذي أعاره إياه] وإلا يزيد في الدين باعتبار أنه أعطى نسيئة. ما حاول القرآن تفاديه هو أن يضطر المدين الذي لا يستطيع الأداء إلى قبول فوائد مفرطة لمجرد الحصول على نسيئة. ويروي الطبري(1) عن قبائل برمتها (مثل بنو مغيرة) تعاقدت بواسطة هذا الأجراء على ديون هائلة فيما بينها ورفضت أداءها بعد اعتناقها للإسلام: "[...] ودورا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين "
(سورة المائدة أية 278).
بموازاة مع تحريم الربا يدعو الإسلام المؤمنين إلى الصدق في ممارساتهم التجارية لمرات عديدة:
"[...] فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"
(سورة الأعراف أية85)
"وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (2)"
(سورة الإسراء أية 38)
ويحذرهم من العقوبات التي تنظرهم إذا خالفوا أمر الله:
"وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان".
(سورة الرحمان، أية8-9)
"ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم آو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون".……
…(سورة المطففين ، أية 1-3)
يدعو القرآن أيضا إلى عدم استغلال أموال الغير بغير حق خاصة أموال الضعفاء: "واتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا".……………… …… (سورة النساء أية 2)
__________
(1) تفسير القاهرة 1373هـ/1954م،6، ص 22، 24.
(2) وردت الدعوة إلى الكيل القسطاس في السور الآتية الأنعام أية 152؛ الأعراف أية 85، هود، آيات ، 85-86، الشعراء، آيات 181 – 182. (1/197)
صفحة 198
"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا(1) "………………… …( سورة النساء أية 10)
يميل الإسلام إلى تحريم كل العمليات التجارية التي لا تعكس مبادئ مجتمع مثالي أساسه التضامن والأخوة، وعكس ذلك فهو يشجع التجارة المبنية على الصدق إلى درجة السماح بالمتاجرة أثناء أداء مناسك الحج.
"ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [..](2)
(سورة البقرة آية 198)
2 ـ تحريم الربا في التفاسير الإباضية:
__________
(1) قارن أيضا في القرآن سورة الأنعام أية 152.
(2) تعترف هذه الآية ضمنيا بالدور السوسيو اقتصادي للتجارة قبل الإسلام حين كان حج مكة مرادفا للاحتفالات التي تقام بها والتي كانت تشكل مناسبة للالتقاء والتبادل التجاري بين عرب الجاهلية. ولهوسن، Wellhausen
Reste arabischen Heidentums ، بريلن، 1887م، ص 84-91. وتوضح دراسة ذات أهمية بالغة التحولات السميائية لمصطلحات تجارية إلى مصطلحات دينية (مثل حساب، ميزان، كسب شراء ) توري Torrey
The Commercial theological terms in The koran. Leida 82. (1/198)
صفحة 199
بالرغم من أن اهتمام الاباضيين بتفسير القرآن قديم قدم الإسلام ويعود إلى مؤسس المدرسة الإباضية جابر بن زيد الذي ترد له تعاليق على بعض الآيات القرآنية سواء في المصادر الاباضية أو السنية(1)، فإن أقدم تفسيرا باضي نتوفر عليه(2) هو ذلك الذي أعده هود بن محكم الهواري (توفي ف280هـ)(3) في أواسط القرن الثالث هـ والذي جاء بعقود قبل تفسير الخمس مائة أية ذات محتوى شرعي الذي أعاد نسخه أبو الحواري محمد بن الحواري العماني(4). وتعتمد دراستنا هذه على هذين التفسيرين الذين يتقدمان زمنيا تفسير الطبري؛ كما تستعين بتيسير التفسير للقرآن الكريم للعلامة المغربي محمد بن يوسف اطفايش(5) (1820-1914). (6)
__________
(1) كان لجابر علاقات بأولى السلط في ميدان التفسير خاصة الحسن البصري، قتادة بن دعامة ومجاهد (توفي 104هـ) حسب ـ (GASI.586) Sezgin قد يكون جابر ألف تفسيرا للقرآن. تعاليق جابر على بعض الآيات نقلها أبو نعيم، حلية، ج3، 85 ـ 91 ، كما جاءت في مسند الربيع حبيب.
(2) أول تفسير إباضي تتحدث عنه المصادر ـ وهو مفقود ـ قد يكون ألفه عبد الرحمان بن رستم (توفي 168/784) مؤسس إمامة تاهرت والذي درس بالبصرة على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. الوسياني، سير 44/؛ الشماخي، سير، 139 موتلنسكي ، ببيليوغرافيا، رقم 23 ص 50 قد تم تخصيص الفصول 2 ـ 8 ،14 من كتاب ابن سلام المؤرخ المغربي ابن سلام الإباضي للتعليق على بعض الآيات القرآنية. النامي (دراسات،1، 1418) يشير إلى وجود تفسير لأبي يعقوب الورجلاني .
(3) تفسير كتاب الله العزيز نشر بلحاج بن سعيد شريفي 4 أجزاء بيروت 1990.
(4) الدراية وكنز الغناية في منتهي الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمس مائة أية من تفسير القرآن الكريم. ثم نشر نسخة بالطباعة الخشبية لهذا المخطوط في بيروت 1394 هـ تحت إشراف سالم بن حميد بن سليمان بن حميد الحارثي.
(5) 3 أجزاء عمان 1981.
(6) يعود نسبه إلى قبيلة هوارة البربرية حول دور هذه القبيلة في تاريخ الإباضية المغاربية انظر شوارتز (Schwartz) Anfange 123-131- 133- 134 ؛ ريبستوك (Rebstock) Die lbaditen ص 20-21. (1/199)
صفحة 200
يشار إلى وجود تفسير هود بن محكم الهواري في سير الشماخي وفي لائحة النصوص الإباضية التي ذيل بها كتاب الجواهر لأبي القاسم البرادي(1)ولا يمدنا المؤرخون الأباضيون الذين اشتهر عندهم الهواري بتفسيره (وهو صاحب التفسير المعروف) إلا بمعلومات هزيلة عن حياته(2): فقد ولد في العقود الأولى من القرن الثالث في جبل أورس حيث قضى مستهل عمره ينتهل من علم أبيه، محكم بن هود الهواري الذي كان قاضيا على تلك المنطقة خلال إمامة أفلح بن عبد الوهاب (208/823-258/871).(3) درس في تاهرت والقيروان حيث اتصل بعلماء سنيين وإباضيين؛ توفي حوالي 280هـ. أهم مصدر أخذ عنه هود في تفسيره هو تفسير يحيى ابن سلام البصري(4) المتوفي سنة200هـ والذي قد يكون تلقاه عن حفيد هذا، يحيى بن محمد بن يحيى ابن سلام (توفي 280هـ983م) خلال إقامته بالقيروان(5).
__________
(1) السير، ص 381، موتلنسكي Motylinski ـ ببليوغرافيا، رقم 23، ص 49 قارن أيضا 41. GAS : Sezgin ؛ ساشت مكتبات ومخطوطات اباضية 379.
(2) بلحاج بن سعيد شريف، مقدمة تفسير كتاب الله العزيز لهود الهواري، ص 13-18؛ الدرجيني، طبقات،2، ،395-399.
(3) ابن الصغير (نهاية القرن 3/9) أخبار الأئمة الرستمية، نشر محمد ناصر وإبراهيم بحاز، بيروت 1406هـ ، ص 57-60.
(4) أبو زكرياء يحيى ابن سلام التيمي البصري، تلميذ مالك بن أنس عاش في إفريقيا ومات في مكة سنة 200هـ/ 815م بلغنا تفسيره في نسخة ابنه محمد بن يحيى بن سلام (توفي 262ه/875م) الذي كان أيضا من المقربين من سحنون. حول الكاتب ومؤلفه انظر بروكلمان gal 332 ; Brockelman حمادي صمود " مفسر شرقي في إفريقيا، يحيى ابن سلام" (Un exegete oriental en Ifriqiya, Yahia ibn sallam ) في ابلا IBLA عام 33 رقم 1،ص 227-242.
(5) بلحاج بن سعيد شريفي، مقدمة، ص 33. (1/200)
صفحة 201
جاء تفسر أبو الحواري الذي يعلق فيه على الخمس مائة أية ذات المحتوى التشريعي عقدين بعد تفسير هود الهواري"(1). وهو لمحمد بن الحواري بن عثمان القري(2) (نسبة إلى القرية بضواحي بهلا) عاصر أبو جابر محمد ابن جعفر الأزكوي (مؤلف الكتاب الجامع). يعتبر من أكبر علماء ومشرعي عمان في النصف الثاني من القرن 3هـ. يذكر له على الخصوص فطنته في أحكام ما هو مباح وما هو محرم (الإيباح والتحريم)ـ لم يكن يريد أن يتخذ موقفا ـ اختار الوقوف ـ(3) من الصراع الذي نشب اثر الإطاحة بإمامة الصلت بن مالك والذي نتج عنه انقسام علماء عمان إلى فرقتين متعارضين، فرقة النزوة التي تؤيد الإمام المخلوع وفرقة الرستق (انضم إليها ابن جعفر أيضا ) التي تدعم الإمام الجديد راشد بن النزار. وقد تبنى فيما بعد البراءة تجاه موسى بن موسى وأتباعه ممن يدعمون الإمام الجديد. ويذكر في كشف الغمة انه بسبب هذا الموقف أرسل إليه موسى مجموعة من المسلحين لقتله غير أنهم وجدوه في المسجد منعطفا على تلاوة القرآن فلم يجرؤوا على تنفيذ ما عزموا عليه الأمر(4)
__________
(1) ويلكنسون Ibadi Theological Literature، أيضا Ibadi hadit ص 238،256 يحتفظ لأبي الحواري بدراسة قانونية معروفة بالكتاب الجامع وبمجموعة من الرسائل. ويلكنسون Omani Manuscript collection جزء 2 ص196، اعتمادا على لائحة المصادر التي جاء بها البرادي ينسب النامي هذا التفسير إلى الإمام الصلت بن مالك. هذه الفرضية انتقدها إضافة إلى ويلكنسون وشوارتز سالم بن حميد الحارثي في مقدمته للتفسير.
(2) السالمي، تحفة ،1، ص، 342.
(3) كلاين. ; 3-14- XXXIII, Kap , Klein محمد بن سعيد الكدمي كتاب الاستقامة، 1،ص 221، ?ان اس Theology und Gesell
(4) 37-36 Klein, Kap, XXXIII. (1/201)
صفحة 202
يعتبر تفسير كتاب الله العزيز لهود الهواري وتفسير خمس مائة آية من تفسير القرآن الكريم لابن الحواري من أقدم الشهادات على اهتمام المسلمين بتفسير القرآن. ويساهم تفسير هود الهواري، الذي ينطوي على فتاوي للحسن البصري، مجاهد وابن عباس، في الرصد لتطور التفسير في القرن الأول الهجري. يقدم التفسيران اختلافات هامة على مستوى الأسلوب تنفي أية علاقة تبعية بينهما. في مؤلف أبي الحواري يتم التعليق على نصوص القرآن، وعلى الكلمات المبهمة أيضا، بالاستشهاد بالقرآن نفسه وتتم الإشارة إلى السنة بشكل ثانوي؛ وتأتي فيه الأحاديث محرومة من الإسناد، ولا تبرز فيها سلطة النبي (ص) على سلطة الصحابة. من بين العلماء الأباضيين يذكر أبو الحواري" المشرع العماني المعروف والذي عاصره محمد بن محبوب. عكس أبو الحواري يعتمد هود الهواري في التعليق على الآيات القرآنية بالأساس على فتاوي الصحابة وبشكل أقل على الأحاديث النبوية التي يتم نقلها أيضا في مؤلفه دون إعطاء أهمية للاسناد إذ تأتي أقوال الرسول (ص) منقولة بعبارات مثل: " ذكر بعضهم أن رسول الله (ص) قال: "أو ذكر عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال..." ويذكر هود من بين السلطات الإباضية خاصة جابر بن زيد وأبو عبيدة.
لا يختلف التفسير الاباضي للآيات التي تتعلق بالربا عن تفسير أهل السنة لها إلا في التأكيد على الخلفيات الدينية والخلقية لهذا المبدأ القرآني. ويشدد المفسرون الأباضيون في الدرجة الأولى على أن الربا من الكبائر وتخالف مبادئ الأخوة والتضامن التي ينص عليها القرآن. وقد أعدت لها عقوبات دنيوية (فقدان الولاية) وأخرى أخروية.
ولننظر إذن إلى كيف تم التعليق في التفاسير الإباضية على أهم الآيات التي تتعلق بالربا. (1/202)
صفحة 203
بناء على الآية 130 من سورة ال عمران:" يا أيها الدين أمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة [...]" يصف التفسير الاباضي، كنظيره السني، كمثال ملموس لعقد الربا ذلك الذي كان سائدا في الجاهلية والذي كان يستفيد على أساسه المدين المعسر من نسيئة مقابل زيادة في فوائد القرض.(1) الربا حسب تفسير اطفياش، تعني الزيادة لهذا فبيع أشياء بأخرى من نفس صنفها وبكمية أكبر سواء كان ذلك يد بيد أو بنسيئة يدخل ضمن الربا كما جاء ذلك في السنة النبوية: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والقمح بالقمح و الشعير بالشعير والثمر بالثمر والملح بالملح مثلا بمثل ويدا بيد، " وكل فائدة في هذه البيوع ربا. إلا "إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".(2)
ولتفادي الوقوع في الربا والغش أمر القرآن بكتابة عقد الدين بحضور شاهدين:
" يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأبى كاتب أن يكتب كما علمه الله، فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا [...] واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكون رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [...] ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة. وأدنى ألا ترتابوا إلا إن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها [...]
(سورة البقرة آية 282)
__________
(1) ألو الحواري، ص 122؛ هود الهواري، 1، ص 314.
(2) تيسير التفسير،1،ص 448، قارنه بتفسير الطبري،4 ، ص 90؛ الجصاص، أحكام القرآن، القاهرة 1947، ص 44؛ أبو الحسن مقاتل بن سليمان، كتاب تفسير خمس مائة آية من القرآن الكريم، نشر إسرائيل 1980، ص 139/ حول الكاتب (توفي سنة 150هـ) وإعماله أنظر 37-36 Sezgin, GASI ، Brockelman Gal, Suppl. I - 332… (1/203)
صفحة 204
الإشارة إلى عقد موضوعه تجارة حاضرة (إلا أن تكون تجارة حاضرة) والتي يجب أن يفهم منها ـ حسب تفسير أبي الحواري ـ ما يتم تداوله في الأسواق، دفع المفسرين إلى استنتاج أن القرآن يلمح سواء إلى القرض أو إلى أنواع البيوع بالقرض (خاصة السلم) التي كانت معروفة في بلاد العرب قبل الإسلام. هذه العقود يشترط فيها أن تكون مدونة مع تحديد المبلغ الواجب أداءه ووقت الأداء لتفادي أي خلل أو غش من جهة أحد المتعاقدين يكون ضحيته الأخر.(1)
بموازاة مع النهي عن الربا والغش،(2)يدعو القرآن إلى الكسب الحلال وبطرق شرعية.
" يا أيها الدين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل تكون تجارة عن تراض منكم [..].
(سورة النساء آية 29).
كلمة بالباطل في الآية: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" تعني حسب هود الهواري، بالظلم. هذا المفهوم سيتضح أكثر في تفسير أبو الحواري: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" يجب فهمها أي الآية على أساس أنها دعوة إلى تسديد الديون. عدم أكل مال اليتيم بالخدعة والتسلط وعدم الإقدام على الربا. ويفسر محمد اطفياش الآية عموما بأنها نهي عن تبذير المال في أشياء حرمها الله كالزنى القمر والسحر.(3)
تحتمل الآية الموالية قراءتين
1 ـ "إلا أن تكون تجارة” عن تراض منكم".
2 ـ "ألا أني تكون تجارةً عن تراض منكم".
__________
(1) هود الهواري، 1، ص 258-259؛ أبو الحواري، ص 212-214 قارن الطبري تفسير،9، ص 116-118؛ يحيى بن سلام التصاريف، تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه" نشر هند شلبي تونس 1980، ص 320.
(2) حول تفسير الآيات المتعلقة بالنهي عن الغش في الكيل قارن هود الهواري ، 2، ص 29-30؛ 243-275؛ 284-419؛ 4، ص 482-483، 261،300، أبو الحواري ص 105-106.
(3) هود الهواري، 1، ص 372؛ أبو الحواري، ص 95؛ محمد اطفياش: تيسير التفسير،2، 308 الطبري يفسر الآية كدعوة عامة إلى اجتناب الربا. تفسير، 5، ص30-31. (1/204)
صفحة 205
القراءة الأولى أخذ بها هود الهواري وقدم عنها التفسير الأتي:(1) إلا أن تكون تجارة حلال لا تدخل فيها الربا.الشراء الثانية والتي أخذ بها محمد اطفياش يكون على أساسها فاعل الجملة مضمرا تقديره الأموال المذكورة في الجملة السابقة ويترتب عنها اختلاف نسبي في المعني إذ يصبح من المباح جني الربح من مال الغير نتيجة عملية تجارية. (2) ويضيف اطفياش أن عبارة "عن تراض" تحيل على القبول بعقد وبشكل نهائي (ثابت)(3).
__________
(1) تفسير ـ الطبري 1، ص 372.
(2) أبو الحواري،95، اطفياش، تيسير التفسير، 3، ص 308-309، قارن الطبري الذي يجمع بين القراءتين ، تفسير، 5 ، ص31-32. يكتفي يحيى بن سلام بالقراءة الثانية (التصاريف، ص 296).
(3) تيسير التفسير،ج3، 309 ، يناقش الطبري مسألة ما إذا كان من الواجب التعبير بقبول العقد في خاتمته أو إذا (بناء على أحاديث خيار المجلس) كان من الواجب اعتباره معلقا إلى حين افتراق المتعاقدين. تفسير،5،ص 32-35. (1/205)
صفحة 206
لا تثير النقاشات حول التداعيات الفعلية لتحريم الربا باهتمام المفسرين الاباضيين الا من بعيد، فهم ينظرون على الخصوص في تداعياتها الخلقية والروحية. يعتبر أبو الحواري الربا معصية لله وذلك لما جاء في قول النبي: لعن الله من يأتي الربا ومن يوصى بها من يشهد عليها ومن يكتب عقودها وقد جاء بالفعل في القرآن "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" فهؤلاء المرابون كفار(1)( لهذا يقصون من الطائفة الاباضية) أعد لهم الله عذاب جهنم(2). في كتب الحديث الصحيحة يتم نقل الحديث النبوي مع اختلاف ذي مغزى: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه"(3) نسب هذه الكلمات في المصادر الإباضية إلى الله سبحانه وتعالى يزيد من حدة عواقب الربا باعتبار أن الاباضيين يعتنقون مبدأ ثبوت الوعد والوعيد عند الله.(4)
ينقل هود الهواري حديثا تعتبر فيه الربا من بين الكبائر التسع بالإضافة إلى الردة والقتل،(5) بينما يوضح اطفياش أن درهما واحد أخذ على أساس فائدة سيعادله عند الله إتيان الربا 36 مرة لأن الربا ذنب أشد ثقلا من زنا المرء بوالدته.(6)
__________
(1) حول تصنيف من يأتي الربا أو يقبل بها بكافر عند أهل السنة، قارن السرخسي، مبسوط، .12،ص 110.
(2) تفسير، 115، جاء الحديث أيضا في كتاب الإيضاح لعامر الشماخي (3،ص12) حسب القصبي يجب اعتبار كافر أيضا من لم يشارك في كتابة عقد الربا ولكنه علم به وقبله.
(3) مسلم، كتاب البيوع، سنن 6،7، أبو داود، كتاب البيوع، سنة 4، ابن ماجة ، باب التجارة، سنة 58 ؛ الترمدي ، كتاب البيوع، سنة 3..
(4) كبرلي، مقدمة ص 34. Cuperly Introduction
(5) تفسير،1، ص 373-374، مسلم، 1، باب بيان الكبائر، ص 89.
(6) تيسير التفسير، 1، ص 451، الحديث الذي يعتبر الربا بمثابة الزنا نقله أيضا ابن ماجة، باب التجارة سنة 58 مع بعض الاختلافات، السرخسي، مبسوط، 12 ، ص 110؛عامر الشماخي، إيضاح، 3، ص 12. (1/206)
صفحة 207
يولي التفسير الاباضي أهمية كبيرة للآيات التي تعد المرابين بعذاب الآخرة، فهم سيبعثون يوم الحساب وكأنهم مجانين كما يتضح ذلك من الآية:" الذين يأكلون الربا لا يقومون الأ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس [..] (سورة البقرة أية 275) (1) وسيصلون نار جهم وهم فيها خالدون" (سورة البقرة أية 275). يفسر أبو الحواري هذه الآية، والتي أثار تفسيرها ضجة كبرى لما يترتب عنها من عذاب خالد لأصحاب الربا، بأن المرابين سيصلون النار لكنهم لن يموتوا فيها (لا يموتون)(2) وذلك في إشارة واضحة إلى سورة الأعلى الآيات 12-13" الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى".
يعترف اطفياش أن هذه الآية تحمل على الاعتقاد بخلود المرابين في العذاب غير أن آيات أخرى تفيد أن المسلمين (أهل التوحيد) وإن كانوا من أصحاب الكبائر سينجون من العذاب (مخلدون، قارن سورة الواقعة أية 17 بسورة الإنسان أية 19).(3)
بموازاة مع الوعيد، يعد الله الذين تابوا بالعفو: " يا أيها الدين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فدنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" (سورة البقرة أية 278-279).
__________
(1) أبو الحواري، ص، 114 هود الهواري،1، 254، قارن الطبري، تفسير، 3، ص 103-104.
(2) تفسير ص 115، لم يعلق هود الهواري على هذه الآية. فيما يخص عقوبات المرابين، قارن أبو الحواري، 96-113. هود الهواري،1،ص 314، 372، 437.
(3) تيسير التفسير، 1، ص 450-451. (1/207)
صفحة 208
يستفاد من هذه الآية أن النهي عن الربا موجه للمسلمين لهذا فمن أتى الربا قبل اعتناق الإسلام فهو ليس مطالبا بإعادة ما جناه منها ولن يحاسب على إثمها. أما المؤمنون، يوضح هود الهواري بناء على فتوى للحسن البصري، فيجب عليهم إعادة ما أخذوه ربا وإذا كان ذلك من غير الممكن فعليهم إعطاءه إحسانا.(1)
يتم التركيز في التفسير الاباضي على أهمية إعادة أموال الربا، وامتثال أوامر القرآن عموما، لأنها تمس أحد أهم أعمدة المعتقد الأباضي ألا وهو أن الأيمان يكون باللسان والقلب كما يكون بالعمل. الإيمان والعمل الصالح، ـ يقول أبو الحواري ـ، هما كالروح والجسد يعيشان إذا اجتمعا ويموتان إذا افترقا(2) هذا المبدأ الذي بلغ نضجه في النصوص الإباضية انطلاقا من القرن 3هـ (أنظر كمثال: كتاب الجامع لابن جعفر) كان قد بدأت مناقشته بين المشرعين الإباضيين البصريين في النصف الأول من القرن 2 هـ وهذا أمر يستنتج من جواب للربيع بن حبيب ورد في فتوى الربيع يعرض لحالة توبة فاسق اباضي أخذ وأهمل واجباته الدينية:(3) " سألت الربيع عن أحد هم من قومنا كان يتصرف كفاسق: ترك الصلاة وأبى أن يدفع الزكاة، اقسم مرات دون أداء كفارة اليمين، ترك صوم رمضان أتى الربا، باع الخمر وأخذ ثمنه واختلس مال غيره، تاب فيما بعد واعترف بالإسلام فماذا عليه أن يفعل للتكفير عما اقترفه حين كان لا يؤمن ولا يعترف بالإسلام؟ فأجاب : "سألت ضمام في هذا الأمر فقال لي: « إذا أسلم فعليه إعادة ما سرقته إلى صاحبه والربا إلى
__________
(1) هود الهواري،1،ص 256،؛ أبو الحواري ص 155، قارن الطبري تفسير،4،ص 90
(2) تفسير الطبري، ص 99؛ محمد اطفياش، تيسير التفسير،1،ص 452.
(3) بينما يعتبر أهل السنة الفاسق، أي من أتى الكبائر، مسلما ومؤمنا في كل الأحوال ينزع عنه الأباضيون صفة الإسلام بدافع نظرتهم الصارمة إلى الحياة وإذا أراد الدخول من جديد والعودة إلى الطائفة فعليه إعلان توبته والتكفير عن ذنوبه. (1/208)
صفحة 209
من أخذها منه، إضافة إلى هذا عليه إعادة ثمن الخمر أداء الصلوات التي أهملها، إعطاء الزكاة المتأخرة وأداء جميع فرائض الله، في حالة ما إذا تاب فعليه أداء كل هذه الواجبات كما يجب عليه الصيام». ذهبت إلى أبي عبيدة وقلت له بأن ضمام يعتقد أنه إذا اعتنق أخذ من قومنا الإسلام وتاب فعليه أداء الصلوات التي أهملها،إعطاء الزكاة [التي تجنبها]، التكفير عن الإيمان التي قطعها وإعادة ما سرقه، أو أخذه بالخدعة إلى أصحابه الشعريين.
أجاب أبو عبيدة : «صدق ضمام».
قلت للربيع:" إذن إذا باع الخمر واحد الربا أو باع بالربا وأخذ الثمن ثم تاب، فعليه إعادة كل هذا؟.
أجاب :" طبعا"
قلت :"لماذا"
أجاب : "بما أنه من بين الذين يعرفون الإسلام (أهل الإقرار ) ويقبلون بتحريم هذه الأشياء ووجوب أخرى. وهذه ليست فرضا على المشركين إن هم تابوا لأنهم لا يعرفون أنها محرمة عليهم، وهذا رأي عبد الله أيضا" .
قلت: "أذن، إذا قتل رجل أخر ظلما لا تقبل توبته حتى يسلم نفسه [لإقامة الحد فيه].
أجاب :"طبعا: (ص، 3528/3612).
الفصل السادس
( التشريع الإباضي: مرحلة النضج (
1 ـ المصادر: (1/209)
صفحة 210
لقد سجل القرنين 5 و6 في عمان مرحلة جديدة في تطور التشريع الإباضي جاءت نتيجة عودة الإمامة إليها بعد سقوطها عند نهاية القرن الثالث. إذ استكمل الفقه الإباضي شكله كمذهب له أصوله وفروعه يتم فيه عرض عقيدة الطائفة في هيكلة تقتفي أثار نصوص المدارس السنية في بنياتها وفي المواضيع المثارة للنقاش. ويظهر التطور الذي بلغه التشريع الإباضي بوضوح في مؤلف محمد بن سعيد الكدمي (عاش ما بين نهاية القرن 4هـ وبداية القرن 5هـ) الذي عنونه بالمعتبر وهو عبارة عن دراسة نقدية لكتاب الجامع لابن جعفر (القرن 3 هـ)(1) جاءت لوضع حد للفوضى التي تم بها تناول إشكاليات تحليل أصول الفقه والعبادات عند ابن جعفر.(2) سنوات بعد دراسة الكدمي جاء الكتاب الجامع لعبد الله بن محمد بن بركة البهلوي(3)
__________
(1) أنظر أعلاه 131 ملحوظة 202.
(2) عمان 1405هـ/84/1985م، 4 أجزاء، أبو سعيد الكدمي (أو الكدمي، يعود نسبه إلى قرية تقع بين حمري وبهلي في عمان) كان أحد أعضاء مدرسة تزوى: اكتسب كتابه "استقامة " ـ دراسة في علوم الدين والشريعة ـ شهرة واسعة إلى حد أن السالمي كتب عنه: " رغم طوله فكل كلمة منه تنطوي على قيم" يحتفظ أيضا للكدمي بمجموعتين من الفتاوي : الجامع المفيد من جوابات أبي سعيد، عمان 1405، والجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، عمان 1406. عنه وعن أعماله قارن السلمي، تحفة1، ص 164؛ كشف الغمة نشر عبيدلي ص284، 291،304، موتلنسكي بيبلوغرافيا رقم 21؛ ويلكنسونBibliographical Background ص147، سميت ويلكنسون "مجموعة المخطوطات العمانية " رقم 172 ص 123 و 124و196 رقم39.
(3) ذكر. عن الكاتب وأعماله أنظر موتلنسكي ـ ببيلوغرافيا، رقم 19 ص 19 و 20؛ لوتشكي Lewicki ـ في الموسوعة الإسلامية 2 ؛ ابن بركة، ويلكنسون Bibliographical Backgroundـ ص 151-152 ؛ سميت ويلكنسون "مجموعة المخطوطات العمانية" ص 169 رقم 110، ص 95 رقم 10. يؤكد لويتشكي في مقاله أن ابن بركة وهو من بلهى في عمان، قد كان تلميذا ومشيعا للإمام سعيد بن عبد الله محبوب الرحيلي الذي اغتيل سنة 328هـ هذا التأكيد الذي يقوم على تأريخ ابن مداد ينفيه ويلكنسون ويعزوه إلى الخلط بين ابن بركة وأبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، حفيد أبي المؤثر الذي ساند الإمام الرحيلي. أما أبو محمد بن بركة فقد يكون عاش حوالي النصف من القرن 5 هـ وكان من بين أهم أعضاء فرقة رستاق (يحتفظ له بخطاب شديد اللهجة عنوانه كتاب الموازنة ضد معارضي الفرقة) وتلميذا لأبي مالك بن غسان بن محمد بن الحضر السلامي المنتمي إلى الجيل الثاني من علماء رستاق" (Bio- Bibliographical Background ) ذكر". (1/210)
صفحة 211
(أواسط القرن 5هـ/11م) الذي أصبح مرجعا هاما لمؤلفي الموسوعات الإباضية عند نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس، خاصة منها كتاب الضياء لسلامة بن مسلم العوتبي، بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي (مات 508هـ/1115م)، كتاب الكفاية (لم يبق منه إلى أجزاء متناثرة) لمحمد بن موسى ومصنف أبو بكر أحمد بن موسى الكندي (توفي 557هـ/1162م) (1)
إلى نفس الحقبة الزمنية للكتاب الجامع ينتمي مختصر الخصال لأبي إسحاق إبراهيم ابن قيس الحضرمي،(2) أخر أئمة حضرموت؛ ومختصر أبو الحسن علي بن محمد البسياني (أو البسيوي)، تلميذ ابن بركة.(3)
__________
(1) ويلكنسون : Ibadi theological literature" ص 37
(2) طبع مختصر الخصال على الحجارة لأول مرة في القاهرة (المطبعة البارونية) في 1310هـ/1893م. يوجد مختصر شعري للمؤلف من نظم نور الدين السالمي، عنوانه" مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال"، عمان 1403هـ عن أبي إسحاق بن قيس وعن الأحداث التي أدت إلى انهيار إمامة حضرموت أنظر: الحارثي عقود، موضوع 229؛ سالم السيابي، "الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز"، عمان 1400/1980 موضوع 135؛ ويلكنسون " الحركة الإباضية في البصرة"، ص 126 ، 241 ملحوظة 2 ؛ أيضا (Bio- Bibliographical Background) ص 152 ؛ أيضا الإمامة الإباضية: ص 548 رقم 10. أنظر أيضا ساشت Schacht " مكتبات ومخطوطات إباضية: "ص 383 رقم 23؛ بروكلمان ـ II Suppl - GAL ـ.249 الذي يؤكد فيه أن المؤلف عاش قبل القرن الثامن هـ 14م، و 692 , Nachtrage al Suppl, II الذي يعطي تاريخ وفاته 520هـ/1126م، وينسب بروكلمان إلى ابن قيس مختصرا للشريعة الإباضية عنوانه " ما لا يسع جهله" وديوان شعر.
(3) ينتسب إلى قرية بسيى في منطقة الجوف (عمان) حيث قبره إلى يومنا هذا. يذكره المؤرخ الإباضي المغربي أبو القاسم البرادي (موتلنسكي، ببليوغرافيا رقم22) بالبنساوي بينما تشير إليه المصادر العمانية بالبسياني. ورغم عدم توفر أخبار عن تاريخ وفاته فنحن نعلم أنه كان مازال حيا حوالي النصف من القرن 5هـ/11م، إبان إمامة حفص بن راشد السالمي، تحفة، 1 ،269) عرفت عقيدة فرقة رستاق قمتها في كتاباته التي أصبحت المعتقد الرسمي للإمامة انطلاقا من أواسط القرن 5هـ (أنظر رسالة الإمام راشد بن سعيد اليحمدي التي ذكرها السالمي في تحفة 1، ص 264-265). عن البسياني وأعماله قارن ساشت Schacht" مكتبات ومخطوطات إباضية " 984 رقم 29؛ ويلكنسون "الإمامة الإباضية ص 584 ملحوظة 19؛ سميت ويلكنسون، "مجموعة مخطوطات عمانية" 169 رقم 105 -106 و 145؛ 194 رقم 8 . تم نشر المختصر، أهم أعمال البسياني، في زنجار سنة 1886 ومؤخرا في عمان (1397/1977) في هذه الدراسة نستعين بالطبعة الأولى. (1/211)
صفحة 212
في شمال إفريقيا وبعد انهيار الإمامة الرستمية على يد الفاطميين سنة 358هـ/68-869م، اضطرت الطائفة الإباضية إلى اللجوء إلى الواحات البعيدة في المزاب الجزائري وجزيرة جربا وجبل نفوسا حيث استطاعت البقاء في حالة الكثمان تحت رعاية شيوخها (1) بعد انهيار السياسي للحركة وبعد فترة من الركوض عرف التشريع الإباضي نوعا من الازدهار يوازي ذلك الذي عرفه في عمان .
__________
(1) بالرغم من أنه لم يتم مند القرن 3 هـ تعيين قاض إباضي في المغرب وما يحمله ذلك من غياب رسمي للحركة، فإن الإباضيين استمروا لحقبة زمنية في عرض أفكارهم في مسجد القيروان حتى تم إجلاءهم على يد سحنون الذي عين قاضيا سنة 234هـ. فيما بعد نظموا طائفتهم بشكل يضمن استمرار عقيدتهم داخليا أمام العقيدة الرستمية. محمد تلبى،Etude d’histoire ifriqiyenne 246. M. Talbi (1/212)
صفحة 213
في النصف الأول من القرن 6هـ؛ أنهى يوسف الورجلاني(1) نسخ (الترتيب) مجموعة من الأحاديث تنسب إلى الربيع بن حبيب يتم فيها نقل سنن نبوية بإسنادها إلى الأئمة الثلاثة الأوائل للطائفة. خلال النصف الثاني من نفس القرن أدخل أبو يعقوب يوسف بن خلفون تغييرا جذريا على مناهج التشريع مؤكدا رغم معارضة مجالس الشيوخ له أنه لا يمكن في خضم العرض لقواعد الشريعة الإباضية تجاوز تلك التي بلورتها المدارس السنية. وبالرغم من أنه يعتمد على هذا المعيار للدلالة على أصالة الأطروحات الإباضية فإنه ضمنيا يعترف وبشكل صريح بمصداقية الشريعة السنية. (2) هذا المنهج الذي نجده أيضا في بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي، تم تبنيه فيما بعد في كتابة أهم الأعمال حول الشعائر والشريعة الإباضية في المغرب: قواعد الإسلام لأبي طاهر إسماعيل الغيتالي (توفي 750هـ) وكتاب الإيضاح لأبي ساكن عامر الشماخي (توفي 792هـ).
__________
(1) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني. درس في قرطبة وكان معروفا بخبرته في علم الحديث وتفسير القرآن. نتوفر له أيضا على كتاب الدليل والبرهان الذي يعرض فيه للعقيدة الإباضية من خلال انتقاد عقائد معارضيها والذي نستنتج منه الموقف العقائدي الذي تبنته المدرسة في أواسط القرن، 5هـ. كتاب الدليل في المغرب يوازيه في عمان كتاب الكشف والبيان لأبي عبد الله محمد بن سعيد القلهتي.
(2) الشماخي ، سير، موضوع 445؛ النامي، دراسات، 2، ص 21-32. يحتفظ لابن خلفون بمجموعة من الفتاوي نشرت مؤخرا تحت إشراف النامي. (1/213)
صفحة 214
تعتمد دراستي لعقود البيع والقرض في المصادر الإباضية الحديثة على كتب التشريع التي قدمت لها بإيجاز. وسأعتمد بشكل خاص كتاب الإيضاح لعامر الشماخي(1) لشساعة المساحة التي تحتلها هذه المادة فيه ووفرة نماذج هذه العقود فيه مما يجعله سيساعدنا أكثر من غيره في تحديد النحو الذي تم به تبني القواعد التي ناقشها المشرعون الأباضيون الأوائل في البصرة من طرف مشرعي الطائفة الذين جاءوا من بعدهم. يوجد تعليق على مؤلف الشماخي أعاد نشره الشيخ محمد أبو ست القصبي (توفي 1088هـ /1677م)(2) ومختصر، كتاب النيل، ألفه عبد العزيز بن الحج الأزجني المصعبي (ولد حوالي 1130هـ/1717)(3) يوجد تعليق هائل ـ 17 جزءاـ عن هذا المختصر وعنوانه شرح كتاب النيل لمحمد بن يوسف اطفياش المزابي المغربي (توفي 1342هـ/1914).(4)
2 ـ العناصر الأساسية في عقد البيع:
العناصر الأساسية في عقد البيع هي :
1 ـ المتعاقدان
__________
(1) هو من قبيلة الشممخة. معروف في المزاب بشيخ عامر (الشماخي، سير، ص 559 . مسكراي Masqueray " "أخبار أبو زكرياء، الجزائر 1978، ص 141. القواعد المطروحة في كتاب الإيضاح إلى جانب إجراءات المجالس تكون عصارة الفكر الإباضي في شمال إفريقيا. ظهر الكتاب لروبينتشي من نفس طينة كتاب الوضع لـ الجناوني فهما معا معالجة مكتوبة لعادات شفوية تعود إلى مشايخ شيخ عامر مرورا بأبي موسى عيسى بن عيسى الشماخي وأبي العزيز بن إبراهيم بن أبي يحيى للوقوف عند أبو الزجير إسماعيل بن درار الغدمسي وهو أحد حملة العلم الخمسة المشهورين الذين أرسلهم أبو عبيدة إلى المغرب قصد نشر الإباضية. كربي لروزا Crupi larosa " النقلة ص 136، 131 " .
(2) في هامش الطبعة المنجوزة في القاهرة سنة 1304 هـ . حول القصبي قارن روبينتشي " خبر 432- 434" "شعائر الطهارة "
(3) طبع القاهرة 1305 هـ /1887م.
(4) ذكر عن الكاتب وأعماله أنظر : Brok lemsun, Gal Supy 11,892,893. (1/214)
صفحة 215
2 ـ المعقود عليه أي موضوع البيع والثمن
3 ـ الصيغة أو موافقة الأطراف.
يمكن أن يبيع ويشتري من لديه القوة الكاملة للتعاقد، أي البائع العاقل الغير المحجوز عليه كما هو حال السفيه أو المريض، ويجب أن يكون، إضافة إلى هذا، المالك الشرعي لما هو معروض للبيع أو وكيلا عن صاحبه الفعلي. وهناك مؤاخدات على العقد الذي يبرمه سواء القاصر بتوكيل من ولي أمره أو العبد بتوكيل من سيده. حسب الشماخي يستحسن أن يقتصر هذا النوع من العقود على المواد التي يمكن بيعها بالكيل أو الميزان وأن يكون ثمنها مرفوقا. إذا كان موضوع العقد أشياء قد تجر وراءها مخاطر فلا يجوز للقاصر إقتنائها بينما يمكن للبعد ذلك لكن شريطة اطلاع سيده عليها. كما أن هناك اختلاف بين المشرعين الأباضين بخصوص البيع الذي يبرمه المريض. حسب بعضهم لا يجوز إلا إذا تم بثمن مرتفع لأنه لن يعود بالضرر لا على المريض ولا على موروثه. ويرى بعضهم في الحالة التي يتعافى فيها المريض أن العقد موجب بينما يعتبره البعض الأخر ضعيفا ويمكن للمريض إلغاءه عندها(1).
__________
(1) البسياني، مختصر ص 119 – 122 ؛ الشماخي، إيضاح، 3، ص 64-131. للمقارنة مع العقيدة السنية: عبد الرحمان الجزيري، كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، القاهرة 1983 جزء 4،2، ص 155-168 سانتلان ، مؤسسات، 2 ،ص 113- 125. (1/215)
صفحة 216
باعتبار أن موضوع العقد يدخل فيه الشيء المتعاقد عليه وثمنه، يقرر المشرعون الأباضيون أنه يمكن بيع (أو شراء) شرعا كل الأشياء المنقولة أو غير المنقولة ذات قيمة وراثية وقابلة للبيع والشراء (ليس إذن الأشياء الغير النافعة النجسة أو المحرمة) سواء تعلق الأمر بجزء منها أو برمتها (على سبيل المثال نسبة من ملكية مشتركة) أو بمنفعة لها (مثل استغلال مياه عين). ولتفادي الوقوع في الغرر ينهى عن بيع ما هو ات مستقبلا أو متوقع (ما في أرحام الحيوانات محصول غير ناضج، عبد هارب) أو أشياء لم تحدد خصائصها (مثلا بيع حيوان دون تحديد عمره أو فصيلته).
إذا كان البيع يخص شيئا غير منقول (مثل أرض) فالتوابع أو المنافع (أشجار، مياه) تعتبر ضمنيا جزءا من العقد. الفاكهة الناضجة تشكل شيئا مستقلا بذاته يبقى، باستثناء الحالات التي يتم فيها الاتفاق على العكس، للبائع ونفس الشيء يسري على مال العبد عكس ما كان قد قرره أوائل المشرعين الأباضيين.
يمكن أن يكون ثمن الشيء المباع نقدا أو أشياء أخرى، (1) إلا أنه يجب تحديده لأن كل ما يثير الشكوك حوله يضفى نوعا من الغرر على العقد. إذا كان الأداء بالعملة، فالقطع النقدية يجب أن تكون من نفس عيار النقود المتداولة و لا يمكن تقييمها حسب وزنها. ويجب أن يتم البيع بعملة واحدة، وإذا كان الثمن مركبا من الأعشار (دينار + ½ دينار) فيجب تحديد العملة التي تؤدي بها الأعشار.
__________
(1) حين يكون ثمن الأداء شيئا أخر غير النقود يجب الحديث عن المعاوضة أو المبادلة غير أن في الإصلاح العادي للمشرعين تدل كلمة البيع سواء على البيع الفعلي أو المبادلة، سانتلان، مؤسسات، 2،ض 121. (1/216)
صفحة 217
يمكن الأداء بالحبوب شريطة أن لا تكون المنفعة التي يقدمها الطرف الأخر عبارة عن أشياء لا يمكن تحديد كميتها إلا بالوزن (الذهب، الفضة، الحديد) لأن في هذه الحالة قد لا يتوفر اليقين بخصوص الثمن. الأشياء التي لا يمكن مبادلتها (الحيوانات، العبيد، الخشب، الصوف) تشكل وسيلة جائزة للأداء إلا أنه يشترط فيها أن تكون حاضرة عند إبرام العقد حتى يتسنى للطرف الأخر معاينتها عن كتب.
لكي يكون عقد البيع صحيحا شرعا يجب على الأطراف إبداء موافقتهما عليه، ولا يحتاج التصريح بهذه الموافقة إلى كلمات وقورة غير انه يجب أن يكون واضحا؛ ويمكن أن يكون بتلك الحركات التي يفهم منها عموما الموافقة (مثل تبادل الأشياء المتفق عليها).
يعتبر عقد البيع تاما بتبادل الموافقة والقبض(1) غير أن الشريعة الإسلامية تنظر في حالات يمكن إبطال هذا العقد فيها.
3 ـ عهدة العيوب:
يتكفل البائع بعيوب الشيء المباع وبعدم استجابته للخاصيات المحددة في العقد. إشكالية إلغاء العقد لعيب مبطل تمت معالجتها بشكل دقيق من طرف عامر الشماخي.(2) وهو يعرف العيب بما ينقص من الطبيعة المادية والشرعية للشيء بشكل يؤثر بوضوح على الثمن وعلى اتفاق الأطراف. وتعتبر من العيوب المبطلة للعقد في الحاجات الغير المنقولة تلك التي تنقص من استغلالها أو تحول دون ذلك. من بين عيوب الأراضي تتم الإشارة إلى ما يلي:
1ـ تواجد مذبحة أو مزبلة بها تلوث المياه.
__________
(1) حسب الشريعة الإسلامية تكون حيازة المنقولات بالتسليم، ويعتبر حيازة قبض الشاري لمفاتيح المحل الذي توجد فيه هذه المنقولات أو عرضها أمامه ليضع اليد عليها أو أي شكل أخر يعتبر في الأعراف المحلية سنة. إذا كان الشيء المباع غير منقول فيقصد بالحيازة أن يرفع البائع يده عن الأرض أو أن يسلم مفاتيح البناية للشاري. نقل الملكية يضم أيضا التوابع. سانتلان مؤسسات،2، ص133.
(2) إيضاح،3،ص 133-175، قارن أيضا البسياني، مختصر ص 217-219. (1/217)
صفحة 218
2 ـ طبيعتها الجيولوجية(كأن تكون كتوما)التي تحول دون استغلالها في الزراعة.
3 ـ غياب العيون بها أو قنوات الري مما يجعلها لا تستقبل إلا فائض أراض أخرى من الماء.
4 ـ غياب قنوات تصريف المياه المطرية بها.
5 ـ كون تلك الأرض لا ينمو فيها إلا نوعية محددة من النباتات .
6 ـ وجود أشجار بها وحشائش طبيعية تحول دون استغلال تربتها.
من العيوب المبطلة لعقود المباني أن تكون هذه في حالة متقدمة من التدهور كوجود تصدعات في حيطانها.
تعتبر من العيوب المبطلة بالنسبة للعبيد بعض النواقص كالعمى والأمراض كالجدام أو الصرع؛ أو التشوهات الجسدية، وإن لم تكن حادة، كتسطح القدمين الذي يكون عائقا على العمل.
في الأمة يشكل عيبا مبطلا أيضا بلوغها سن اليأس. ويؤخذ بعين الاعتبار الانفلاتات الخلقية للعبد ويعد منها عيبا مبطلا؛ اعتياده الفرار، الميول إلى إدمان الخمر، الانحلال الخلقي ناهيك عن بعض التصرفات الغير الطبيعية كالسهاد والامتناع عن الأكل. ويشكل الزواج عيبا مبطلا سواء بالنسبة للعبد أو الأمة.
من العيوب المبطلة لبيوع الحيوانات الأليفة تلك التي تجعلها غير قادرة على انجاز الأعمال التي خلقت لها كالجفول والعناد في الخيل والبعير والنطح والعناد في البقر.
تعد من العيوب المبطلة في الثياب شوائب الحياكة أو الخياطة، الرقع، ووجود الصور عليها.
إلى هذا الحد تتفق العقيدة الإباضية مع نظيرتها السنية غير أن الإباضيين يضيفون إلى العيوب التي تنقص من قيمة الشيء (الثياب، الأواني، المنتوجات الغذائية، وكل البضائع عموما) أن يكون ملوثا بمادة نجسة، وهذا يجوز أيضا بالنسبة للحيوانات إلا أن يكون أصل المادة النجسة هو الحيوان نفسه. (1/218)
صفحة 219
يجب على البائع أن يكون دقيقا في التصريح بعيوب بضاعته ويريها للشاري. بالنسبة لبعض المشرعين ليس من الضروري الإشارة إلى العيوب الخارجية والتي تظهر من الفحص لهذا فإنه ليس من حق الشاري الذي لم يلاحظها المطالبة على أساسها بإبطال العقد. إذا ما تم البيع بناء على الوصف الذي قدم للشاري فلهذا الحق في حل البيع إذا لم يكن الشيء مطابقا لوصفه (خيار الرؤيا). ويعتبر البيع نافذا إذا أخبر الشاري بوجود عيب فقبل به.
كان عرف أهل المدينة والذي تبنته المدرسة المالكية يعرض لحالتين فريدتين من العهدة. عهدة الثلاثة (أيام أو ليالي) التي كانت تطبق في بيع العبيد وعلى أساسها يتكفل البائع بكل العيوب أو الأحداث التي تظهر داخل أجل ثلاثة أيام من بعد البيع. وعهدة السنة التي يضمن بواسطتها البائع حالات الجدام، البرص والجنون. لم يأخذ الأباضيون بهذه العقيدة وتبدو الحجج الواردة في كتاب الإيضاح ذات أهمية لإبراز موقف الإباضية مقارنة مع المدارس الأخرى.
[...] يوجد نوعان من العهدة: عهدة الثلاثة أيام التي تغطي كل العيوب التي قد تظهر في الشيء وهو في حوزة الشاري. وعهدة السنة التي تغطي ثلاثة عيوب: الجنون والجدام والبرص. ويعتبر البائع مسؤولا عليها إذا ظهرت في العبد خلال سنة من بيعه. إذا ظهرت عيوب أخرى فهي تقع على عاتق الشاري. عهدة الثلاثة بالنسبة لمن يقر بها تشبه الخيار، على أساساها يتحمل البائع مسؤولية الأمة ونفقتها خلال فترة الإستبراء. في عهدة السنة، وعكس ذلك، يتحمل الشاري مسؤولية الأمة ونفقتها باستثناء ثلاثة أيام: هذا ما يقال في كتب أهل الخلاف. (1/219)
صفحة 220
مالك هو الوحيد الذي يقبل بعقيدة العهدة على خلاف المشرعين الأنصار الذين يرفضونها باعتبارها مخالفة للمبادئ العامة. فالمسلمون يتفقون على أن الشاري يتحمل مسؤولية ما قد يقع للشيء بعد حيازته وهذا المبدأ يطبق في الحالات الخاصة أيضا وهو يمثل سنة صحيحة وفي نظري العقيدة التي يجب الأخذ بها(1)ا.
موقف الإباضية بخصوص هذين النوعين الخاصين من العهدة يطابق موقف المدرسة الحنفية، وليس واضحا إن كان هذا الأمر راجعا إلى اعتناق متأخر لهذه العقيدة أو إذا ما كانت هذه هي العقيدة نفسها التي عبر عنها أوائل المشرعين الأباضيين. ولا يمكن الحصول في المصادر القديمة على حجج بهذا الخصوص غير أنه يستنتج حسب الشماخي من تعليق القصبي أن الربيع بن حبيب، ابن عبد العزيز وابن عباد كانوا يقرون بعهدة الثلاثة بالنسبة للممتلكات التي يطالب بها بمقتضى حق الشفعة. لكن القصبي يعترف بعدم درايته ما إذا كان المشرعون الثلاثة يطبقون هذه العهدة في هذه الحالة الخاصة فقط أو إذا كانوا يعممونها لتشمل كل العيوب التي تظهر داخل أجل ثلاثة أيام بعد البيع(2).
هناك اختلاف بين المشرعين المسلمين حول المدة الزمنية التي يمكن فيها للشاري ممارسة حقه في فسخ العقد، حسب المالكيين والشافعيين، يجب عليه القيام بذلك فورا. الحنفيون والحبليون لا يحددون أجلا لذلك شريطة (وهذا يجوز بالنسبة لكل المدارس) أن لا يستمتع الشاري بالشيء أو يقوم بإجراءات تدل على موافقته على شرائه.(3) يتفق البسياني مع هذا الرأي الأخير بينما يفرض الشماخي على الشاري المطالبة بحل العقدة داخل ثلاثة أيام بناء الحديث النبوي المعروف والذي يقول بأن من اشترى غنما مصراة فله الحق داخل ثلاثة أيام إن سخطها في إعادتها إلى صاحبها مع صاع من التمر كتعويض عن حلبتها" .(4)
__________
(1) 3 ص 145-146.
(2) التعليق عن كتاب الإيضاح للقصبي، 3،ص 146.
(3) الجزيري، كتاب الفقه، 2، ص 199-200.
(4) مختصر، 219، إيضاح، 3،ص 147. (1/220)
صفحة 221
يسقط حق إبطال العقد لعيب إذا ما استمر الشاري في استعمال الشيء بعد اكتشاف عيوبه (على سبيل المثال أن يستمر في امتطاء الدابة) لفرضية أنه يعتبره ملكا له لهذا يعدل عن القيام بإجراءات الإبطال. ولا يسقط هذا الحق إذا أقدم الشاري على إجراءات عادية لا تضر بالشيء المشترى (مثلا : حلب الحيوان).
استعمال الشيء لسبب قاهر لا يشكل سندا للمطالبة بفسخ العقد لعيب مبطل، لهذا يسقط حق الإبطال عن الشاري الذي يكتشف عيبا في ناقته وهو على سفر فلا يجد ما يبدلها به ولا بديلا عنها لنقل متاعه إلى غاية بلوغ مقصده. لكن بعض الأباضيين وهم في هذا يتفقون مع المالكيين، يرون أن الشاري لا يسقط عنه حق الإبطال في هذه الحالات.(1)
بعد إبطال البيع، يستعيد الشاري الثمن الذي دفعه ويعيد من جهته الشيء الذي اشتراه غير أن له الحق بمقتضى الخرج بالضمان أن يحتفظ لنفسه بالفوائد الطبيعية والمدنية التي تترتب عن الشيء مند شرائه إلى غاية إبطال العقد. وهو رأي المالكيين والشافعيين أيضا بخصوص الإبطال.
تشكل الحالة التي يتم فيها تحديد ثمن واحد لمجموعة من الأشياء ويتم اكتشاف عيب في إحداها، تشكل موضع خلاف، إذ يصعب تحديد ما إذا كان من الواجب على الشاري الذي يعزم على الإبطال إعادة كل الأشياء جملة أو إعادة تلك التي فيها عيب فقط مقابل نسبة من الثمن الإجمالي.(2)
__________
(1) الجزيري، كتاب الفقه، 2،ص 194؛ سانتلان، مؤسسات،2،ص 151.
(2) سحنون، مدونة، 10،ص 165-166؛ النووي، منهج الطالبين نشر LWCفان دن برج Batavia 1982،1 ،ص 380 (1/221)
صفحة 222
ليس للشاري الحق في إعادة ما اشتراه ويمكنه فقط طلب تعويض عن العيب الذي أخفاه عنه البائع إذا لم يكن في استطاعته إعادته كما تسلمه. وقد يحدث هذا إذا خضع الشيء المشترى إلى تحول وهو في حوزة الشاري، كأن تتحول الحبوب إلى دقيق مثلا. ولم يكن هذا هو رأي المشرعين الأباضيين الأوائل. فالقصبي يؤكد فعلا أن البيع يعتبر نافدا حسب الربيع وابن عبد العزيز ولا يمكن للشاري المطالبة ولو بتعويض(1).
تقبل المدرسة المالكية بناء على أحد أعراف أهل المدينة، وإن بصعوبة، بما يطلق عليه بيع البراءة: البيع دون ضمان العيوب، وهو الذي يتعاقد فيه البائع على بيع شيء ما دون عهدة على العيوب التي لا علم له بها. شرعية هذا العقد التي يرفضها الحنفيون بشدة تبقى مصدر خلاف بين المشرعين الإباضيين. بالفعل فبينما تلغي المصادر العمانية هذا البند نجد الشماخي ينقل بخصوصه نصا من مدونة أبو غانم يستفاد منه أن الربيع وابن عبد العزيز كانا على خلاف بشأنه، ويحجم عن الخوض فيه (فصل 3،ص120-121).(2)
4 ـ عهدة الاستحقاق:
يخول المشرع للشاري أن يطالب البائع باستعادة أمواله(3) إذا ما نزعت منه ملكية ما اشتراه من طرف شخص ثالث هو أحق بها منه شرعا.
العهدة بالاستحقاق تفترض نزع الشيء من الشاري لعيب في الحجة التي تملكه إياه كما قد يحدث إذا اشترى شيئا أخذ بالقوة أو سرق من صاحبه الذي يطالب به .
__________
(1) الشماخي إيضاح، 3 ص 167 والتعليق عن كتاب الإيضاح للقصبي. بالنسبة للسنة الدين يشاطرون رأي الشماخي أنظر: سحنون، مدونة، 10ص 132، 139؛ خليل، مختصر، ترجمة كويدي سانتلان Guidi Santillana ـ روما 1919 فصل 10 رقم 116-117 ، 123؛ الشافعي كتاب الأم، 3، ص 59-60.
(2) البساني، مختصر، ص218، الشماخي، إيضاح،3،ص 157-158.
(3) الشماخي، إيضاح،3،ص 188-216؛ البسياني، مختصر ص 218، بخصوص العقيدة السنية في المادة : سانتلان، مؤسسات ـ 2، ص 138-140؛ خليل مختصر 24، رقم 93. (1/222)
صفحة 223
يكتفي الشاري في الحالات التي يطالب فيها طرف ثالث باسترجاع حقه باسترداد المال الذي أنفقه. المنافع تكون للشاري بناء على المبدأ العام القاضي بأنها تكون لمن يتحمل أعباءها.
تبرز حالتين حينما يكون الاستحقاق جزئيا:
1 ـ إذا كان موضوع البيع شيئا محددا فالشاري له الحق إذا كان لا يريد إبطال العقد واسترداد كل المبلغ الذي دفعه، له الحق في خفض في الثمن يعادل النسبة المطالب بها.
2 ـ إذا تعلق الأمر بأشياء قابلة للمقايضة فلا يمكن للشاري المطالبة بخفض في الثمن يعادل النسبة المستحقة ولكن يجب عليه إبطال العقد.(1)
5 ـ بطلان العقد ـ فساد العقد ـ
يقر القانون الإسلامي في حالات معينة بفساد عقد البيع. والعقد الفاسد، على خلاف العقد الباطل الذي لا وجود له شرعا، له صلاحيته وأثاره إلى أن يتم الطعن فيه. تعد المدارس السنية ضمن هذا الصنف عقود الغرر(2) وهي عقود يصفها الشماخي بأنها فاسخة بينما يعتبر فاسدة (هو يستعمل مصطلح فاسدة كمرادف لباطلة) أو باطلة العقود الربوية وتلك التي يكون موضوعها أشياء لا تصلح للتجارة (أشياء نجسة، رجال أحرار، الخنزير إلى أخره) يتم في حالة فساد العقد تطبيق نفس القواعد التي يتطلبها إبطاله لعيب. إذ يجب على المتعاقدين أن يردا ما تم أخذه كما هو. في حالة تعذر ذلك لأنه خضع لتغيرات يتم التميز بين:
__________
(1) يرى المالكيون أنه إذا كان موضوع البيع شيئا محددا يكون للشاري الحق في خفض من الثمن إذا كان الاستحقاق يهم أقل من نصف الشيء المشترى. في حالة كان العكس فالبيع يلغى بقوة القانون أما إذا كان موضوع البيع أشياء قابل للمقايضة فللشاري الحق في فسخ العقد واسترداد ما دفعه أو أن يطلب بخفض يعادل الجزء المستحق ، سانتلان، مؤسسات،، ص 140،138- خليل، مختصر، 10، رقم 140.
(2) الجزيري، كتاب الفقه، 2 ـ ص 224 ـ 225، سانتلان، مؤسسات، 2، ص 49، 54ـ 56. (1/223)
صفحة 224
1 ـ إذا أدخل الشاري تحسينات على ما قبضه فللبائع حق الخيار أن يأخذ الشيء كما هو مع دفع تعويض على التحسينات أو أن يأخذ شيئا أخر شبيه بالذي باعه أو قيمته.
2 ـ إذا وقع العكس أي إذا تدهورت قيمة الشيء، فللبائع الحق في الاختيار بين أخذ الشيء نفسه إضافة إلى تعويض أو طلب استرداد شيء (أو قيمته) شبيه بذلك الذي باعه.
على الشاري بالإضافة إلى إعادة الشيء، إعادة فوائده الطبيعية والمدنية، ويمكنه طلب تعويض عليها ما دام أنه استغل الشيء على أساسا عقد وإن كان فيه عيب ولم يستحوذ عليه بطريقة غير شرعية.
في حالة تلاف الشيء المباع بعقد فاسخ فإنه يتم العمل بالقواعد الآتية:
1 ـ إذا تعلق الأمر بشيء منقول وتمت حيازته من طرف الشاري فهو مسؤول عنه وعليه إعادة قيمته للبائع. والعكس إذا تعلق الأمر بشيء غير منقول فلا تقع أي مسؤولية على الشاري .
2 ـ إذا كان الشاري قد حاز الشيء بواسطة عقد أخر (كراء، هبة لأجل إلى أخره) فهو حسب البعض غير مسؤول باعتبار أن البيع لا أثر له ويثبت العقد الأول وحسب البعض الأخر يعتبرا مسؤولا بمقتضى البيع الذي ألغى العقد الأول.
6 ـ تحريم الربا وقواعد البيع:
كما هو معلوم فالنهي عن الربا الذي عبر عنه القرآن بشكل عام خص به الحديث أنواعا معينة من البضائع: " لا تبعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والقمح بالقمح، و الشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل ويدا بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربا فإذا اختلفت الأصناف فلا بأس أن يتفاضلا إذا كان يدا بيد.
على أساس هذه السنة تقرر الشريعة أن البيع يجب أن يكون يدا بيد إذا كان موضوعه معادن نفيسة أو مواد غذائية، ومثلا بمثل إذا كانت هذه المواد من نفس الصنف، أما إذا كانت هذه المواد مختلفة فيمكن بيعها على اختلاف كمياتها لكن يدا بيد. (1/224)
صفحة 225
كما قد رأينا فالمشرعون الأباضيون الأوائل كانوا يسمحون بمقايضة كميات مختلفة من نفس المادة يدا بيد، هذه العقيدة وإن كانت تشكل خرقا صارخا لقواعد الربا التي تجدرت شيئا فشيئا في التشريعات الإسلامية فقد تم الأخذ بها من طرف المشرعين الأباضيين العمانيين، وهذا ما ورد في كتاب الجامع لابن بركة:
[...] ينقل عن عطاء، من ابن عباس من أسامة بن زيد الذي قال : "قال رسول الله (ص) " لا ربا إلا في النسيئة" وينقل عنه طاووس عن ابن عباس، عن والده عن أسامة بن زيد أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا ربا فيما ما يباع دون نسيئة.
قال بعض أولئك الدين يخالفوننا من أهل العرق وهم مشهورون بمدرستهم القانونية، إن سنة البراء بن عازب وزيد بن أرقم(1) وما ينقلونه عن الرسول (ص) لا يشكل حجة لنا ولا علينا. بالفعل فهذين قالا أنهما سألا الرسول (ص) حول الصرف فأكد لهما أنه لا بأس إذا كان ذلك يدا بيدا أما إذا كان بنسيئة فذلك حرام".
__________
(1) يتعلق الأمر بالسنة التي نقلت تحت سلطة ابن عباس والتي يروى فيها أن البراء بن عازب وزيد بن ارقم اشتريا ذهبا وفضة مقابل عملة وبكمية لا تماثلها من الثبر فأنتقد مالك بشدة هذه الصفقة فذهبا إلى الرسول (ص) واستفسراه في الأمر، في تلك المناسبة نطق الرسول (ص) بالحكم الشهير الذي تكون بمقتضاه عقودا ربوية فقط تلك التي تقوم على نسيئة. هذه هي الرواية الإباضية لهذه الأحداث، أما المصادر السنية فتروي أن الرحلين سالا الرسول حول صرف معادن مختلفة وهو الشيء الذي يغير جوهريا أبعاد قول الرسول (ص) وتروي نفس المصادر أن ابن عباس تراجع عن روايته الأولى لهذه الأحداث. (1/225)
صفحة 226
لنفرض جدلا أنهما لم يسأل الرسول حول التفاضل [ في مقايضة معادن من نفس الصنف] ولكنهما سأله عن المقايضة: في هذه الحالة سنجد أنفسنا أمام سنتين واحدة عامة والأخرى خاصة.(1) والسنة الخاصة تفسر تلك العامة والسنة المفسرة هي مرتين جازمة بالمقارنة مع العامة، إضافة إلى هذا قال بعض أصحابنا: "يمكن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب يد بيد ودون مثل بمثل".(2)
نحن بالطبع أمام بقاء واستمرار عقيدة عريقة في المدرسة الإباضية بقوة نسبها إلى ابن عباس الذي يعتبره الأباضيون سلطة لا يعلى عليها من بين صحابة الرسول (ص) غير أنه في حين يتم قبول هذه العقيد، دون قيد شرط من طرف المشرعين العمانيين، نلاحظ بعض التحفظات بخصوصها عند المشرعين المغاربة. فعامر الشماخي مثلا يجرم من جهة مبادلة درهم كبير بدرهم صغير ومن جهة أخرى يؤكد أن المشرعين الأباضيين (أصحابنا) يقبلون بمبادلة كميات مختلفة من المواد الستة التي جاءت في السنة النبوية وذلك يدا بيد. قد يستفاد من نفس السنة أن تحريم الربا يخص الزيادة عند مقايضة مواد من نفس الصنف سواء كان ذلك يد بيد أو بنسيئة إلا أن الشماخي يكتب: أصحابنا ـ علمائنا ـ يسمحون بالزيادة في [بيع] أشياء من نفس الصنف إذا كان ذلك يدا بيد وهم في ذلك يعتمدون على حديث ابن عباس "لا ربا إلا في النسيئة"(3).
تجاوز محمد اطفياش تعارض العقيدة الإباضية وقواعد الربا التي تأخذ بها المدارس الأخرى معتبرا فتوى ابن عباس لاغية لان هذا الأخير غير رأيه:
__________
(1) السنة الخاصة التي يشير إليها ابن بركة هي تلك التي قد يكون الرسول (ص) أكد فيها : " لا ربا إلا في النسيئة" مشيرا إلى معادن من نفس الصنف السنة العامة ستكون على العكس هي تلك المتنازع بشأنها أي سنة البراء بن عازب وزيد بن أرقم.
(2) 2 – 320 ـ 321 ـ قارن : البسياني، مختصر، ص 119- 120 ؛ ابن قيس، مختصر، الخصال ص 132-133..
(3) الشماخي، إيضاح 3، ص 13-19. (1/226)
صفحة 227
[...] حديث عباد بن الصامت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ [...] يدل على أن هناك ربا في الزيادة عند مبادلة أشياء من نفس الصنف دون نسيئة، وهو أمر يؤكده حديث أخر:
"من زاد أو ازداد فقد أربى"(1).
من المرجح أن حديث عباد بن الصامت يؤكد قول: " من زاد أو ازداد فقد أربى".
بخصوص الحديث: " لا ربا إلا في النسيئة" يقال بأن أصحابنا ربما يعتمدون على كون حديث عباد جاء هو الأول ووجب اعتباره لاغيا بالحديث الذي بادل فيه الرسول جملا باثنين واشترى عبدا بعبدين. [...](2)
__________
(1) أبو داوود، الباب البيوع، سنة 19، الترمدي، باب البيوع ، سنن 42-44-46 الدرامي،باب البيوع، سنة 41.
(2) مسند الربيع بن حبيب، رقم 571،578، ابن بركة، الجامع، 2، ص 332. الشافعيون هم من عبر عن العقيدة التي تنفي تطبيق قواعد الربا في مبادلة الحيوانات والعبيد، فهذين الصنفين لا يستوجبان أن تكون المقايضة يدا بيد ولا مثلا بمثل. الحنفيون يؤكدون أن تحريم الربا يشمل الحيوانات أيضا، المالكيون يقفون في الوسط ويرون أن القاعدة تطبق حين تكون الحيوانات من صنف واحد، أما إذا كانت الحيوانات والعبيد على اختلاف في جودتها، إذن في قيمتها، يرفع حكم القاعدة. سانتلان، مؤسسات، 2 ، ص 180. (1/227)
صفحة 228
يروى أن ابن عباس كان يستنتج من الحديث " لا ربا إلا في النسيئة "أنه لا ربا في صرف النقد يدا بيد بينما يعتبر عموم علماء الطائفة أن الزيادة تشكل ربا سواء تمت المبادلة يدا بيد أو بنسيئة، قال الإمام الماهر أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم : يقع إجماع الطائفة على هذا الأمر إلا ابن عباس الذي يحصر الربا في النسيئة؛ لكن يقال انه لما كان طريح فراش الموت بالطائف غير رأيه به بخصوص هذا الحصر واعتبر الربا هي الزيادة عند المبادلة يدا بيد أو بنسيئة"(1).
من بين المصادر السنية التي تؤكد وجود سنة ابن عباس، كتاب المبسوط للسرخسي حيث يتم تفسيرها بأن قواعد تحريم الربا لا تدخل في عقود المبادلة التي يكون موضوعها مواد من أصناف مختلفة:
يجب تفسير الحديث كما يلي: سئل الرسول (ص) عن مقايضة القمح بالشعير والذهب بالفضة فقال بهذا الخصوص: " لا ربا إلا في النسيئة " (2)'
يثار النقاش في خصوص التشريع الإباضية حول تفسير الحديث الذي تتم فيه الإشارة إلى المواد الخاضعة لقواعد الربا ويتساءل المشرعون عما إذا كان النهي خاصا بالمواد التي جاءت في الحديث أو يجب توسيع نطاقه ليشمل مواد أخرى واعتبار ربوية تلك العقود التي تجتمع فيها العوامل الآتية :
1 ـ مبادلة مواد من نفس الصنف،
2 ـ أن لا يكون ذلك يدا بيد،
3 ـ أن لا تتم المبادلة مثلا بمثل،
يقدم الشماخي موجزا عن مختلف العقائد الخاصة بالربا:
__________
(1) شرح كتاب النيل، 11، ص 38-39.
(2) ..12، ص، 112. (1/228)
صفحة 229
[...] حسب بعضهم لا يجوز البيع بالنسيئة لكل ما هو قوت أو يمكن كنزه، هذا رأي مالك وأصحابه"(1) وهم يؤسسون له انطلاقا من الأصناف الربعة (القمح، الشعير، الثمور والملح) التي ذكرها الرسول (ص) في الحديث عن الربا والتي توحي بأنه، صلى الله عليه وسلم يريد أن يشير إلى استعمالاتها. وبالفعل يتعلق الأمر بالنسبة للحالات الأربعة بأطعمة، ونفس الشيء ينطبق على الكنز، يجب أن يفهم من تحريم الربا أنه لا يليق بنا أن نغش بعضا بعضا كما يجب علينا حماية أموال الآخرين، وهذا يهم المواد الضرورية للعيش أي الأطعمة.
حسب البعض الأخر فالعلة في تحريم الربا تخص كل ما تنتجه الأرض. هذا رأي الشافعي(2)وبعض أصحابنا وهم يعتمدون فيه عما جاء عن الرسول (ص) أنه حرم بيع الطعام بالطعام (3)[...] .
حسب آخرين تخص علة تحريم الربا الميزان والكيل إذ لا يجوز مبادلة بنسيئة أشياء توزن بأخرى توزن وأشياء تكال بأخرى تكال وهم في هذا ينطلقون من أن الرسول (ص) أشار في حديثه عن الربا فقط إلى أشياء يمكن وزنها أو كيلها ولهذا فعلة تحريم الربا تتعلق بالكيل والميزان. هذا هو رأي أبو حنيفة(4) وبعض أصحابنا، لكن أبو حنيفة ينقض رأيه هذا بالسماح بمقايضة فاكهة باثنتين وفلس(5) باثنين وحبة بحبتين (فاكهة بفاكهيتين. فلسا بفلسين) بالرغم من أن هذه الأشياء تدخل ضمن ما يوزن ويكال.
__________
(1) لولكر Lohlker, handelـ ص 79-84
(2) الأم، 3، موضوع 16.
(3) المقصود كميات غير متوازنة قارن مسلم، باب البيوع، سنة93..
(4) أبو حسن أحمد بن محمد القدوري، مختصر ، أسطنبول (المطبعة العثمانية) 1309/1899 ص 42؛ علاء الذين الكساني، كتاب بضائع الصنائع في ترتيب الشرائع، القاهرة 1328/1910م الجزء 5، ص 185-194.
(5) فلس ج فلوس (من اللاتينية) القطعة النقدية من النحاس. (1/229)
صفحة 230
بناء على سنتنا (وفي الآثار)(1) تكمن الحجة بإجماع أصحابنا على مالك وأبو حنيفة في كونهم يسمحون بمقايضة يدا بيد أو بنسيئة الحديد والرصاص والنحاس بالذهب والفضة بكميات مضاعفة (بأضعاف)، فمالك يخرج عن رأيه لأنه يعتبر أن علة تحريم الربا تتعلق بالأشياء التي يمكن كنزها وبالتي يمكن إطعامها، فهي لا يمكن مقايضة بعضها بالبعض بأضعاف. أبو حنيفة يخالف رأيه بخصوص هذه المسألة لأنه يسمح بمقايضة أشياء توزن بأخرى شبيهة لها وبالضعف. ليست هناك حجة على الشافعي بخصوص هذه المسألة لأنه يعتبر أن السبب الشرعي في تحريم الربا يتعلق بالطعام والأشياء المذكورة ليست بطعام، والله أعلم .
يؤكد آخرون أن القمح والشعير يدلان على أن تحريم الربا يتعلق بالطعام من صنف الحبوب وأشباهها؛ التمر يدل على أن التحريم يتعلق بالفاكهة والأشياء الحلوة التي يمكن خلطها بالعسل كالعنب، التفاح، البرقوق، الفستق، الموز، الجوز، وكل فاكهة خريفية. الملح يدل على أن تحريم الربا يتعلق بالتوابل التي يطيب بها الأكل، كل الأطعمة التي تدخل ضمن هذه الأصناف لا يمكن مقايضتها بمثيلاتها إلا يدا بيد والله أعلم.
__________
(1) بهذه العبارة يقصد المشرعون الأباضيون الإحالة على نصوص أخرى لمدرستهم دون الإشارة إلى العنوان أو المؤلف أو إلى أعراف شفوية (1/230)
صفحة 231
يؤكد آخرون أن كل الأطعمة التي يمكن خلطها بالعسل، كالثمور الزبيب، التين، وما شابهها، تشكل صنفا فريدا لذلك لا يجوز بيع بعضها بالبعض بنسيئة، كذلك تشكل صنفا فريدا المواد الزيتية كالزيت، الزبدة، الشحم الحيواني وما شابهها، اللحوم التوابل كالأبزار الهال، الكمون وما شابهها؛ المشروبات الحليب الماء النبيذ(1) وما شابهها(2) [...] في رأيهم لا يجوز بيع المواد التي ذكرناها بأخرى من نفس صنفها بنسيئة حسب آخرين تنتمي الأشياء الأنفة الذكر إلى أصناف مختلفة لهذا يجوز بيعها بنسيئة، هذا الرأي الأخير هو في نظري الأكثر صوابا. ……………(إيضاح،3،ص15-18).
نزولا عند قواعد الربا يقبل صرف الذهب بالفضة أو العكس (سواء تعلق الأمر بالعملة أو المعدن الخام) إذا تم ذلك يدا بيد، وباستثناء هذا القيد تعتبر العملية بيعا عاديا يخضع للمبادئ العامة المعمول بها فيما يخص حرية المتعاقدين في تحديد الثمن. وتحريم الجمع بين عقدين مختلفين (مثل الجمع بين عقد الصرف وعقد حمالة أو حوالة) وفسخ العقد بسبب عيب مبطل وهلم جرا".(3)
__________
(1) مشروب يحصل عليه بتخمر الثمر وفواكه أخرى
(2) يتبعه لائحة دقيقة عن الأشياء التي تخضع لقواعد الربا كالخضروات والحيوانات الأليفة .
(3) الشماخي، إيضاح، 3، ص 216-222 للمقارنة بالعقيدة السنية أنظر الشافعي، الأم 3 ، ص 26-28؛ سحنون مدونة، 8، موضوع 101؛ القدوري، مختصر، ص 44-45. (1/231)
صفحة 232
تتوافق هذه القواعد مع العقيدة السنية غير أنه وبشأن الصرف أيضا نجد أراء متناقضة في الأوساط الإباضية حول تحريم الربا؛ فأبن بركة يسمح في جواب وجيز بصرف الذهب بالفضة دينا (باب بيع الذهب بالدراهم في الذمة) وهو أمر يحرمه سواء أهل السنة أو المشرعون الأباضيون الآخرون(1)، إلا أن الأمر هنا يتعلق برأي أعزل انتقده أبو أيوب وائل بن أيوب أحد أشهر السلطات الإباضية عند نهاية القرن الثاني هـ. وهذا الرأي يقوم على فتوى لأحدهم لم نوفق في تحديد هويته ويطلق عليه عمر سماك بن خرسة:
يختلف أصحابنا حول صرف الذهب بالدرهم في الذمة المضمونة(2) أي دفع دراهم فورا مقابل ذهب بضمان سند، قال أبو أيوب وائل ومن يدعمون رأيه: لا يجوز الصرف إلا في حضور المعدنين معا،وينقل فعلا عن عمر بن الخطاب أن الرسول (ص) حرم صرف الذهب أن لم يكن ذلك يدا بيد (ها وها)(3).
__________
(1) البخاري، باب البيوع، سنة 34-80، القسطلاني، أرشاد، 4، 66،؛ الشافعي، الأم، 3،25؛ سحنون، مدونة، 8 ـ ص 1 /108 .
(2) الذمة تدل على التزام من يتكفل بالأداء وبوقوع مسؤولية القرض على دينه والعقود التي تبرم على أساس سند تسمى عقود الضمان في الذمة سانتلان مؤسسات 1، 12،14،ص-4،277.
(3) ينقل أن طلحة بن عبيد الله أتم عملية صرف وقبض الذهب ولما لم يكن يحمل النقود طلب من صاحب الذهب أن ينتظر حتى يحضرها من صندوق كان له في مكان غير بعيد، فأغضب الأمر عمر الذي كان حاضرا فقال: " بالله عليكما لا تفترقا ما دام بينكما تجارة . سمعت رسول الله يقول : الذهب بالفضة ربا إن لم تكون يد بيد" ورد الحديث في مصادر مختلفة قارن الشافعي أم 3، ص 25 مسند الربيع بن حبيب، 576؛ الشماخي إيضاح، 3، ص 217-218. (1/232)
صفحة 233
قال أخرون: [ الصرف دون يد بيد] مباح والأداء ثابت وإن في غياب أحد المعدنين، حين يلتزم [أحد المتعاقدين] بمسؤولية السند. هم يعارضون سنة عمر سماك بن خرسة، حيث تتعارض سنتان يجب العودة إلى كتاب الله الذي جاء فيه :"إن الله أحل البيع وحرم الربا(1)" إذن فالصرف جائر في حضور أحد المعدنين وغياب الأخر".(2)
قد روج عمار بن موسى السباطي بين مشرعي الإمامة عند نهاية القرن 2 هـ لعقيدة مماثلة تؤيد صرف المعادن النفيسة دون يد بيد وتنسب هذه العقيدة إلى أبي عبد الله جعفر الصادق (سادس الأئمة الشيعة توفي 148هـ/765م) غير أنها انتقدت في محيط المدرسة نفسها بالعديد من السنن التي تختلف عنها مضمونا.(3)
7 ـ السلم:
__________
(1) القرآن آية 275 سورة البقرة.
(2) الجامع، 2، ص 340.
(3) الطوسي / الاستبصار، 3، ج2، ص 94-95 . أبو الفضل عمار بن موسى السباطي الكوفي كان من بين أصحاب موسى الكاظم، سابع الأئمة الشيعة توفي سنة 183 هـ؛ أبو القاسم، معجم، 12، ص 260-284؛ الكشي، رجال، رقم 30 ص 218. (1/233)
صفحة 234
كما رأينا، تقنين السلم (البيع مع تسبيق الثمن ـ بأخذ الثمن مسبقا) وأشكال أخرى من الدين الذي جاءت به الشريعة الاباضية عند ظهورها ينطوي على عناصر متناقضة. فبخصوص عقود السلم وتفادي لاحتمالات الربا والغرر التي قد تدخل في العقد حرم جابر الاتفاق الذي يأخذ على أساسه للشاري جزءا من المواد المحددة في العقد وجزءا من رأس المال المدفوع (هذا البند يقر به بعض مشرعي المدرسة الإباضية انطلاقا من القرن 2هـ). غير أنه من جهة أخرى نجد جابر نفسه يرخص بالبيع في البيع وهو حيلة لا بأس بها شرعا يلجأ إليها للتستر على العمليات الرباوية؛ وتكمن في البيع نقدا من طرف من كان يريد سلفا لشيء في ملكيته ويعيده له الشاري فورا بثمن أكبر يؤدي لأجل معلوم (1) إضافة إلى هذا يرخص جابر في إطار البيوع لأجل أن يقبل الشاري بنوع من الأداء غير ذلك المشار إليه في العقد إذا لم يستطع الطرف الأخر تسليمه المواد المتعاقد عليها في أجلها. ويظهر أن البند الذي يتعهد البائع بمقتضاه بتسليم مواد قابلة للمقايضة مع تحديد مصدرها (مثلا، رض فلان)، في إطار السلم دائما، لم يكن يلاقي تحفظات بين قدماء المشرعين الأباضيين بالرغم من أنه مخالف لمبادئ تحريم الربا.(2)
__________
(1) هذا وأشكال أخرى من العقود الشبيهة به تم منعها فيما بعد في الفقه الإباضي. الشماخي، إيضاح 3، 30-33.
(2) أعلاه 112. (1/234)
صفحة 235
هذه العناصر المتناقضة والتي ربما تعود في الأصل إلى صعوبة التوفيق بين الإجراءات التجارية ومبادئ القانون الإسلامي، خضعت لعملية عقلنة خلال المراحل اللاحقة من تطور الفقه الإباضي.(1) هذا الذي يعتبر من بين العناصر الأساسية في عقد السلم.(2)
موضوع العقد (المسلم فيه).
الثمن (رأس مال السلم).
أجل التسليم.
يمكن لجميع أصناف الأطعمة التي تباع بالميزان أو الكيل (شرط أن لا تكون مواد قابلة للفساد كالخضروات أو الفاكهة الطازجة)ـ الأثواب والمواد القابلة للمقايضة عموما، يمكنها أن تكون موضوع عقد سلم، غير أنه يجب أن لا تكون موادا تدخل في الغرر (كالطرائد، السمك إلى أخره) وأشياء ليست في حيازة البائع بشكل ثابت. كذلك تلك التي تكون خاضعة لرهن. سلم الحيوانات الذي كان يرخص به أوائل المشرعين الإباضيين شرط أن يتم تحديد نوع، خاصيات وعمر الحيوان، حرمه الشماخي معللا ذلك بصعوبة التكهن بالخاصيات النفسية للحيوانات كما هو الشأن بالنسبة للعبيد.(3)
__________
(1) البسياني، مختصر ص 122-123 ؛ ابن قيس، مختصر الخصال، ص 141-142؛ الكدمي، جوابات، 3، ص 159 -210 الشماخي، إيضاح، 3، ص 222 – 247 ؛ أطفياش، شرح كتاب النيل، 8، ص 633-679.
(2) تم استنباط العناصر الأساسية لعقد السلم من حديث نقله ابن عباس يروى أن الرسول حين وقدم المدينة وجد الناس يسلفون الثمر العام والعامين فقال من سلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" حسب ما جاء في سنن أخرى فصلى الله عليه قد يكون أيضا أكد على الأداء فورا "نقدا حاضر" الشماخي إيضاح، 9، ص 223، أطفياش، شرح كتاب النيل، 8ـ ص 6343، البخاري، كتاب السلم، 351،1 مسلم باب البيوع ،سنن 127-128؛ أبو داوود باب البيوع، سنن 22-55.
(3) رأي الشماخي ينطبق مع رأي المدرسة الحنفية. السرخسي، كتاب المبسوط 12، ص 133. المالكيون والشافعيون يقبلون بسلم الحيوانات. لولكر ـ Handel ـ ص 117، 136.؛ النووي منهاج ، 1 ، ص 420 (1/235)
صفحة 236
سلم اللحوم الذي هو موضوع خلاف بين المشرعين السنيين يرفضه عموم الإباضيين باستثناء ابن عباد (ق 2هـ/8م) الذي يعتبره مباحا،
إذا أبرم عقد سلم من أجل تمر أو مواد فلاحية أخرى لا يمكن إقحام بند في العقد يحدد موطنها لأن في حالة تم ذلك لن يتوفر لدينا سند بأشياء حددت بشكل عام (في الذمة) ولكن أشياء معينة والعقد الذي يدخل فيه هذا البند ليس بعقد سلم ولكن بيع شيء معلوم، يسلم في أجل مسمى مقابل ثمن يكون نقدا وهو عملية ربوية لذلك محرم(1)
يستحسن أداء ثمن الشيء الذي بيع بعقد سلم بالعملة، لأن في حديث الرسول (ص) ترد عبارة "نقد حاضر" إلا أنه يقبل الأداء بأشياء منقولة (مال) شرط أن لا تحدد كميتها جزافا(2)، ولا يجوز الأداء بالدرهم والدينار معا لأن المشاكل الناتجة عن اختلاف القيمة المعنوية والقيمة الحقيقية للنقود الفضية لن تضمن فعلا احترام المبادئ الخاصة بالغرر والربا.
يجب دفع رأس مال السلم عند إبرام العقد (يسمح المالكيون بمهلة وجيزة) وإلا ـ هذا يجوز أيضا في الحالة التي يعطى فيها قرض كثمن السلم ـ سوف تكون النتيجة نوعا من الاتفاق الغير المباح والمعلوم ببيع الدين بالدين.(3)
يجب أن تتفق الأطراف لحظة إبرام السلم ـ وإلا اعتبر سلما فاسدا ـ على فترة وموضع التسليم. وإذا حدث ولم تتم الإشارة إلى مكان التسليم فإنه من عموم الرأي التسليم في المكان الذي أبرم فيه العقد.
__________
(1) سانتلان، مؤسسات ـ 2ـ ص 174
(2) هذا يجوز عند الشافعين. سانتلان، مؤسسات، 12 ص 171.
(3) عن هذا النوع من الاتفاق المحرم أنظر حماد، بيع الكالي بالكالي في الفقه الإسلامي، جدة 1406هـ. (1/236)
صفحة 237
إذا انقضى أجل السلم ولم يستطع البائع أداء ما تعاقد عليه فالشاري له حق استرداد رأس ماله ولا يجوز، تفاديا للوقوع في محارم الغرر والربا، أن يأخذ شيئا مختلفا أو جزءا من المواد المحددة في العقد إضافة إلى نسبة من رأس ماله(1).
يبيح المشرعون السنيون في السلم، كما هو الشأن في باقي أشكال القرض أن يكون التعهد بالأداء مرفوقا بضمان سواء تعلق الأمر بعقد شخصي كضمان ـ حمالة ـ يتكفل فيه شخص أخر بالأداء إلى جانب الدائن الأساسي أو بعقد حقيقي كالرهن الذي يضمن الأداء بواسطة شيء يحتفظ به الدائن إلى غاية تسديد الدين.(2)
عكس ذلك يعتبر المشرعون الأباضيون السلم كشكل خاص من أشكال القرض لذلك يقررون بشكل استثنائي أن الرهن كضمان على السلم يشكل ربا يستفيد منها المشتري وتكمن في حق التمتع بالشيء المرهون إلى أن يبلغ العقد اجله. ويبيحون ضمان السلم بواسطة حمالة، وتنسب هذه العقيدة إلى جابر بن زيد.
__________
(1) أطفياش، شرح كتاب النيل،8 ،ص 690-692، الاتفاق الذي يتوقع تسليم جزء من المسلم فيه ونسبة من رأس المال مقبول عند الحنفيين بناء على فتوى لابن عباس بنقل أبي حنيفة وأبو يوسف، اختلاف، ص 33؛ محمد الخوارزمي، جامع مساند الإمام الأعظم حيضراباد، الدقن، 1332 هـ ، 1، ص 21 تسليم شيء غير ذلك المتفق مرفوض عموما، السرخسي كتاب المبسوط، 21، موضوع 43 ؛ سحنون، مدونة 9، ص 33-39.
(2) تم تحديد الرهن كضمان على الدين في القرآن (سورة البقرة أية 283) وهو ينظر إليه كوسيلة للدلالة على الدين وليس طريقة لضمان أداءه. ولا يبتعد الفقه عن هذه النظرة مقارنا الرهن بالشاهد. فالرهن إذن وديعة في صالح الدائن هدفها ضمان ماله في ذمة الأخر. حول عقود الضمان قارن سانتلان مؤسسات، 2، ص 464-494. فيما يخص الرهن كضمان السلم قارن السرخسي كتاب المبسوط، 12، ص ، 151، 171؛ سحنون، مدونة، 9، ص 56-65. (1/237)
صفحة 238
يتوقع ـ (حسب آخرين يفرض) التشريع القرآني (سورة البقرة آيات 284-283) كتابة عقد عند الحصول على دين بهدف الاحتفاظ به للتذكير وتجنب الشكوك مستقبلا والكتابة هنا لها قيمة تذكيرية فقط ونجاعتها في الإثبات تتطلب وجود شاهدين أو أكثر على صحتها.(1) وبالرغم من أن تفسير القرآن يعتبر أن هذه التوصيات تشمل أيضا عقود البيع والقرض(2) فإن الكتابة لم تتجدر في واقع عقود البيع إلا في حالات استثنائية، على العكس كان حضور عدة أشخاص أجراء عمليات تجارية هامة أجراء اعتياديا وليس ملزما. يقصد به الاستدلال بشهادة الحاضرين عند وقوع نزاع قضائي بين الأطراف. (3)
لا يخرج المشرعون الأباضيون عن النهج العام، فهم يعتبرون كتابة عقد السلم أمرا غير ضروري كما ليس بالضروري حضور الشهود عند إبرامه. وليست هناك حاجة للشهود حسب ابن بركة حتى عند التعاقد على دين بالقياس على إمكانية تجاوز النص المكتوب الذي يدعو إليه القرآن إضافة إلى الشهود.(4)
8 ـ حول بعض الأنواع الخاصة من البيوع التولية (البيع بنفس ثمن الشراء) بيع الربح، بيع الخيار:
التولية:
__________
(1) كانت الكتابة كوسيلة للتذكير بالاتفاقيات والمراسيم القضائية معروفة من قبل عند عرب الجاهلية. سانتلان مؤسسات، 2، ص 613، نولدك (Schwally, Geschichle des qorans ,1 , 11, 15 ) كولدزيهر (golldziher ) (Moh, Studien, I 110-99) يشير الحديث (مثلا البحاري 5LIII) وكتب الفقه (سحنون مدونة 12ه 110 ، 13،60،61،124) إلى عقود مكتوبة. في المصادر الإباضية نجد إشارة مبهمة إلى عقود مكتوبة من أجل ديون في جوابات جابر بن زيد ، أ 87-15-11 وفي أقوال قتادة 11712.
(2) أعلاه 170
(3) ادوفيتش (Udovitch) Refections on Credits and banking in the Medieval Nearxv East 5 – 21
. كوتين Goitein, Mediterranean society, I , 196,209.
(4) يؤكد المالكيون على كتابة العقد. سانتلان، مؤسسات، 2، ص 174. (1/238)
صفحة 239
تقصد الشريعة الإسلامية بالتولية عقدا ينقل بواسطته الشاري إلى شخص أخر غير البائع وبنفس الثمن الشيء الذي اشتراه. ويجب أن تكون العناصر الأساسية في هذا العقد (الموضوع، الثمن إلى أخره) مماثلة لتلك الواردة في العقد الأول لأن أي اختلاف فيما بينها سينتج عنه عقد بيع جديد وليس تولية.(1) وتتميز التولية عن الإقالة (العدول عن البيع) التي تكون باتفاق الطرفان بعد إبرام عقد البيع أو عملية أخرى على حل العلاقة التي تربطهما وإلغاء التزاماتها الواحد تجاه الأخر وتظهر الإقالة كعقد نقيض للذي أبرمه الطرفان ويقصد منها العودة بهما إلى الحالة الواقعية والقانونية التي كانا عليها من قبل. فهي تفترض وجود عقد صحيح وتام وعقد نقيض صحيح دون أي اختلاف بينهما وهذا يتضح جليا في صيغة فسخ العقد المالكية التي ينقلها لنا سانتلان:
بعد إتمام البيع بين الطرفين أعلاه وفي الظروف المذكورة أعلاه تقدم إلينا فلان وفلان نحن العدلان الموقعين أسفله وطلبا منا تسجيل فسخهما، بتراض منهما، للبيع أعلاه. وعليه فإن الشيء المباع عاد في ملكية البائع والثمن عاد في حوزة الشاري وعلى صحة هذا نشهد نحن العدلان.
(2) تختلف الشريعة الإباضية في تدبير هذا النوع من العقود عن نظريتها السنية بكون التولية فيها لا تتميز بوضوح عن الإقالة وذلك بافتراض أن الشيء يمكن التنازل عنه بثمن شرائه سواء لطرف أخر أو للبائع نفسه(3).
__________
(1) الجامع، 2،ص 353-354. حسب بعض مشرعي المدرسة يجب حضور الشهود عند الحصول على دين. الشماخي، إيضاح، 3، ص 248 .
(2) محمد البشير التواتي، أو التواتي (توفي 1911،/1894) مجموع الإفادة في علم الصحابة. في مؤسسات، 2، 1990.
(3) الشماخي، إيضاح، 3، 286-299. (1/239)
صفحة 240
إذا قرر الشاري أن يتخذ له شريكا في الصفقة التي تعاقد عليها وذلك ببيعه نسبة مما اشتراه، فالتولية تتخذ شكل إشراك في الأرباح، وتعتبر هذه العملية تنازلا نسبيا عن العقد الذي أبرمه الشاري الأول. ولهذا فهي خاضعة لقواعد التولية. يجب أن تكون المشاركة نقدا وبنفس الثمن ونفس شروط العقد الأول لأنه إذا حدث العكس سيتولد عنها بيع جديد وليس تنازلا من جزاء.(1)
يظهر الاتفاق على الإشراك في الشراء في القانون الإباضي كشركة تجارة لها ملامح توحدها بالقرض (مثل غياب مسوؤلية الشريك المضاف في الخسائر المحتملة) ويفترض هذا الاتفاق توزيع الأرباح التي يدرها بيع المشتريات (إلا إذا تم الاتفاق على غير ذلك) والفوائد الطبيعية والمدنية التي تترتب عنها مناصفة. لا تتأسس شركة بين المتعاقدين بخصوص الشيء المشترى لان حقوق الشريك تقتصر على المساهمة في الأرباح وأعباء أداء جزء من الثمن الشيء المشترى يبقى في ملكية الشاري الأول وله الحق في الاستمتاع به والتخلي عنه؛ ويتحمل لوحده مخاطر العمليات التجارية.
يكمن شكل من التولية، يقبل به المالكيون، في إشراك شخص أخر في عملية الشراء شرط أن يدفع هذا الشخص نصف الثمن ويتحمل بيع الشيء المشترى. وبالرغم من أن هذا العقد يجمع بين بيع وتأجير يد عاملة، وهو بهذا الشكل يخالف المبادئ التي تنظم التزامات الأطراف، فإن مالك يرخص به معللا ذلك بأن الأمر يتعلق ببيع جديد. يبيع فيه الأول أي الشاري الثاني نصف البضاعة شرط أن يبيع هذا لحسابه النصف الأخر. ولا يقبل الشماخي بهذا الاتفاق لأن في الإشراك لا يجوز للشريك التصرف في الشيء المشترى بينما يرفضه من بين المشرعين القدماء قتادة بن دعامة لأنه الآمر يتعلق ببيع بشرط (ق5326).
بيع الربح:
__________
(1) نفس المصدر، ص 302-306. المقارنة مع العقيدة السنية سانتلان، مؤسسات ، 2، ص 156-157؛ النووي، منهج، 1، ص 392؛ الكساني في، كتاب بدائع الصنائع، جزء 5، ص 226-228. (1/240)
صفحة 241
المقصود هو عقد شبيه بالتولية. يتنازل بمقتضاه شخص عن شيء اشتراه بنفس الثمن شرط أن يحصل (وهذا هو العنصر الذي يميزه) على نسبة من الربح على ثمنه، ويحتسب هذا الربح على أساس ثمن الشراء إضافة إلى نفقات الإدارة (على سبيل المثال؛ بخصوص العبيد، نفقات الطعام السكن، بخصوص الحيوانات العلف، بخصوص الثوب : مصاريف الصباغة، الخياطة وما شابه ذلك) ولا تضاف نفقات أخرى يتحملها الشاري (النقل ـ اكتراء المخازن، صر البضائع) إلى الثمن (1) ماذا يحدث إذا تم اكتشاف خطأ في احتساب الربح؟ حسب الشماخي للشاري حق إبطال العقد، وهذا كان رأي ابن عبد العزيز أيضا، أما الربيع بن حبيب فيقدم حلا مختلفا كما يظهر من حالة وردت في كتاب الإيضاح: تنازل أحدهم عن ثوب بعقد مرابحة فباعه الشاري ثم اتضح له أنه أعطى للبائع من الربح أكثر مما عليه. حسب ابن عبد العزيز، يمكنه إبطال العقد إذا اكتشف الخطأ قبل البيع والعكس صحيح، فبعد البيع لاحق له في تدارك الخطأ. وحسب الربيع وعكس ذلك إذا تم اكتشاف الخطأ فيحتسب الربح من جديد(2).
بيع الخيار:
__________
(1) الشماخي، إيضاح، 3، ص 308-312. يقدم سانتلان نموذجا عمليا يوضح طريقة احتساب الربح: اشترى شخص ثوبا ب 100، واتفق 20. باع الثوب بربح 10% . هذه 10% يجب أن تحتسب على أساس الثمن، لهذا يكون له الحق في 110. أما النفقات 20 فبافتراض أن 10% تمثل النفقات الخاصة (النقل وما شابهه) ولا تتعلق بالشيء المشترى، فالشاري لن يدفع على هذه 10 زيادة 10% . النفقات الأخرى 10 هي للصباغة، الغسل إلى أخره، وعلى هذه يجب دفع 10%، أي 1 يضاف إلى 110 التي يجب على الشاري دفعها ليدفع في المجموع 111. مؤسسات 2، ص 158. قارن: النووي، منهج ،1، 393؛ الشيباني، أصل، كتاب البيوع والسلم، ص 156-175؛ الكساني، كتاب بدائع الصنائع، جزء 5 ص 223-225.
(2) الشماخي، إيضاح، 3،ص 310-311. (1/241)
صفحة 242
تعترف الشريعة الإسلامية للمتعاقدين بحق فسخ العقد داخل أجل مسمى غير أن هذا الحق ليس مفترضا ويجب التعبير عنه عند إبرام العقد. ويحدد المشرعون الأباضيون الأجل الأقصى لدخول حق الاختيار حيز التنفيذ في ثلاثة أيام، وهم في هذا متفقون مع الشافعين. (1) يخضع بيع الخيار لإرادة المتعاقد الذي يخول له حق فسخ العقد. ويكون إلزاميا في الحالات الآتية:
عند انتهاء الأجل المحدد في العقد دون أن يعبر المتعاقد عن إرادته في فسخ العقد.
إذا أكد المتعاقد قبوله للعقد، يسقط عنه حق الخيار فيصبح العقد ساري المفعول. أذا ما أقدم على أشياء تدل على تصرفه في الشيء المتعاقد عليه (مثل استعماله كراءه إلى أخره) .
في حالة وفاة المتعاقد الذي صرح بأنه يريد أن يحتفظ لنفسه بحق الخيار. حسب بعض أعضاء المدرسة الإباضية فإنه بالفعل لا يمكن للورثة تفعيل حق الخيار عوضا عن الفقيد وذلك لأنهم يتسلمون أمواله عطاء وليس بيعا؛ وحسب رأي البعض الأخر فإن حق الخيار ينتقل إلى الورثة(2).
9 ـ القرض أو المضاربة:
__________
(1) النووي، منهج، 1 ، 371-372.
(2) الشماخي، إيضاح،3، ص 292-302. للمقارنة بالعقيدة السنية انظر : سانتلان، مؤسسات، 2،162-166 دإيميليا (D’Enilia)، بيع الخيار في المدونة في "IRSO 1949 ص 45-58 . أيضا، خيار الشرط في الشيباني، أصل، (IRSO -1957 XXXII) ص 633 – 640. أيضا، بيع الخيار حسب بعض مصادر الشريعة الإسلامية المالكية في (Studi et docmenta historiaes et Juris ) 1، 1944، ص 167-183. تطبيق حق الخيار في البيع حسب التقنين التركي للشرع الإسلامي الحنفي، نفس المصدر، 1945، ص 225- 236. تمت إعادة مقالات دايميليا (D’Enitia) في : كتابات في الشريعة الإسلامية : " تحت إشراف كاسترو، أبو، روما، 1976. (1/242)
صفحة 243
كما سبق وقد رأينا فالمضاربة أو القرض عبارة عن شكل عريق من أنواع الشركة بين رأس المال والمهارات البشرية. وقد كانت معروفة لذا عرب الجاهلية، وانتشرت بشكل كبير في الشرق بسبب تحريم الإسلام للربا. فالأموال التي لم يكن من الممكن توظيفها بشكل أخر وجدت لها في المضاربة منفذا مربحا ومباحا(1).
لقد حدد المشرعون منذ القرن الأول من الهجرة المبادئ التي تنظم عقود المضاربة خاصة منها تلك المتعلقة بالنهي عن توظيف البضائع في المضاربة، والمتعلقة بغياب مسؤولية المضارب في الخسارة وبتدخل صاحب المجال في العمليات التي يقوم بها المضارب. وقد عرفت هذه المبادئ إضافات وتعديلات نتيجة التطورات التي شهدتها الشريعة الإسلامية فيما بعد. كما تم تحديد الصفة القانونية لمؤسسة القرض وعناصرها الأساسية.
__________
(1) عرف القرض حظا عظيما في عملية تقنين وتجديد الشريعة التي تعرفها البلدان العربية منذ أكثر من قرن. فانطلاقا من الحملة العثمانية وجدت هذه المؤسسة مكانتها في تشاريع هذه البلدان وحتى في القوانين الحديثة للسودان والإمارات العربية لأنها تعتبر أهم وسيلة في تطبيق المبادئ الشرعية في العمليات التجارية والبنكية الحديثة. بتشنلي (Piccinelli) " شركات الأشخاص في البلدان العربية " تمت الإشارة إليه ، ص 82-106، أيضا: بنوك إسلامية في محيط غير إسلامي" ص 102-120. (1/243)
صفحة 244
حسب الإباضيين، تعتبر المضاربة عقدا يجمع بين اكتراء اليد العاملة والشركة، ويصفه الشماخي بشكل من أشكال اكتراء اليد العاملة، يسلم على أساسه شخص لأخر مالا قصد توظيفه في عمليات تجارية مقابل جزء معين من الأرباح(1).
وتكمن العناصر الأساسية في عقد المضاربة فيما يلي:
1 ـ الأطراف أي صاحب المال (رب المال) والوسيط (المضارب، عامل).
لخلق مضاربة يشترط في رب المال القدرة على تكوين شركة، أي أن يكون قادرا على أن يمنح ويحصل على تفويض. ولا تشترط نفس القدرة في المضارب لذلك يمكنه أن يكون قاصرا أو عبدا، ويعتبر مكروها (وليس محرما) توظيف ذمي في المضاربة لأنه قد يجر بصاحب المال في عمليات ربوية.(2) لا يتقيد ابن بركة بهذا المبدأ فهو يعتبر مباحا توظيف غير المسلم قياسا على شرعية تأسيس شركة بين إباضي ومسلم فاسق(3).
2 ـ الموضوع أو رأس المال الذي يعهد به للمضارب:
__________
(1) إيضاح، 3، ص 397-415؛ البسياني، مختصر، ص 220-222 ؛ ابن قيس، مختصر الخصال، ص 221، الكدمي، أحكام، 4،ص 13-17؛ ابن بركة، الجامع، 2، ص 368-371؛ أطفياش، شرح كتاب النيل، 10، ص 300-388، يتفق المالكيون والشافعيون على هذا التعريف، أما الحنفيون فيعتبرون المضاربة كإشراك: "المضاربة عقد شركة في الأرباح صاحب رأس مال يدفع المال ومتعاقد أخر يساهم بالعمل" سانتلان مؤسسات،2 ، ص 323.
(2) تعتبر عقود الشركة مع غير المسلم مكروهة عند المشرعين السنة والشيعة أيضا، غير أن الأمر يتعلق بتحريم نظري فقط. تبرز من خلال دراسة وثائق (Geniza) القاهرة نماذج عديدة للقرض بين اليهود، المسيح والمسلمين. كوتين (Goitein) (Mediterranean society ) والمجتمع المتوسطي، ص 172- 173. أدو?يتش ( Udovitch) 227-230-Partnership
(3) الجامع، 2 ، ص 368. (1/244)
صفحة 245
هو يتكون حصريا من مبلغ محدد بالعملة (الدينار أو الدرهم) أو التبر في البلدان التي يعتبر فيها هذا عملة. (1) ولا يقبل أن يكون عبارة عن أشياء منقولة أو بضائع وذلك لاستحالة تحديد قيمتها في الزمان والمكان. يوافق المشرعان الإباضيان ابن قيس والشماخي، على غرار الحنفيين والمالكين، على حيلة لتجنب تحريم تكوين رأس مال المضاربة من أشياء منقولة:(2) يبيع رب المال شيئا للمضارب ثم يعيد له الثمن على شكل قرض بهذه الطريقة يكون رأس المال الحقيقي للقرض هو الشيء نفسه غير أن صاحب الحال لا يستعيده عند نهاية عقد القرض(3).
__________
(1) لا ترد الإشارة في النصوص الإباضية إلى إشكالية منح الفلوس (في القرض) والتي أعطتها النصوص السنية أهمية خاصة بسبب عدم توفرها على قيمة جوهرية والتي كانت دائما تحدد بناء اتفاق الأطراف أود?يتش ـ Partnership ـ ص 52-55 و 179.
(2) منح التبر أو المجوهرات في القرض لا يسمح به الشافعيون. النووي، منهج، 2، ص 132.
(3) ابن قيس، مختصر الخصال، ص 221؛ الشماخي، إيضاح، 3، ص 414، اود?يتشPartnership ص 181-183. (1/245)
صفحة 246
لتفادي استغلال المضاربة في التستر على عمليات الربا يمنع أن يكون رأس مالها دينا(1) أو أن يتحول عقد دين أو وديعة إلى قرض. على هذا يتفق الإباضيون والمالكيون أما الحنفيون فهم أكثر مرونة بهذا الخصوص إذ يسمحون بمنح رأس مال يوظف جزء منه في القرض والجزء الأخر يتحول إلى دين أو وديعة. هذا العقد الذي توفر منه وثائق Geniza القاهرة نماذج متعددة يدخل تعديلا على مبدأ مسؤولية المضارب ( يحمي رب المال في حالات الخسارة) إذ يجب بمقتضاه على المضارب، حتى في حالة الخسارة إعادة المال الذي تلقاه على أساس وديعة أو رهن(2).
3 ـ الصيغة:
يعتبر القرض من العقود الرسمية القلائل في التشريع المالكي ولا يطالب الحنفيون بكتابة وثيقة رسمية به. غير أن دراسة النصوص تبين أن الكتابة كانت متداولة بشكل كثيف وهذا أمر ضروري لتفادي المنازعات حول توزيع الأرباح وحول بنود المضاربة الأخرى (3)
__________
(1) بالفعل إذا كان مشروطا على المضارب تحصيل دين لحساب رب المال من طرف ثالث وتوظيفه في المضاربة فإن المستفيد سيكون هو الثاني لأنه يتفادى نفقات التحصيل والعكس إذا كان المدين هو المضارب نفسه وحول دينه إلى قرض فإنه يستحمل لوحده مخاطر العمليات التجارية لذلك فالأرباح ستكون من نصيبه وحده بينما لا تجوز أي فائدة قد يجنيها رب المال من هذه العملية، سانتلان، مؤسسات، 2، ص 326؛ بتشتلي Piccinelli " شركات الأشخاص " ص 97.
(2) إدو?يتش Partnership ، ص 188-189 . يسمح الشيعة أيضا بالاستثمار المختلط الطوسي، الاستبصار، 3 ، جزء 1، ص 127.
(3) سانتلان، مؤسسات، 2، 926؛ أود?يتش ، Partnership، ص 202-196. (1/246)
صفحة 247
لا تظهر دلالات ملموسة في المصادر الإباضية حول استعمال أو عدم استعمال في الأباضيين للكتابة في القرض ويؤكد نص ورد في كتاب الإيضاح انه في حالة المنازعة بين المضارب وصاحب المال حول قيمة رأس مال الشركة يؤخذ بتصريح الأول وعلى صاحب المال البينة التي يقصد بها خاصة الحجة بالشهادة؛ وغياب الإشارة إلى الكتابة قد يحمل على التفكير في اتفاق شفهي (1)
يجب تحديد نسبة المضارب في الأرباح عند إبرام العقد، ويترك المشرعون الإباضيون كامل الصلاحيات للإطراف في تحديد قيمة هذه النسبة (على سبيل المثال: 3/1 و 4/1 إلى أخره) شرط أن لا تكون مبلغا محددا لأن هذا سيحول عقد المضاربة إلى عقد استئجار يد عاملة. بالعكس يمكن تقرير منح كل الأرباح للمضارب(2).
نظرا لطبيعتها الخاصة لا يمكن وضع أمد للمضاربة وفي حالة وقع ذلك فإن العقد سيصبح مجرد تفويض بالشراء يجني منه المضارب أجرا معلوما وليس إشراكا في الأرباح.
كما قد رأينا سابقا حرية المضارب في إدارة المال مبدأ تم التأكيد عليه في المصادر الإباضية منذ القرنين الأول والثاني هـ، وأي تدخل من رب المال ستكون نتيجته فعلا تغيير الطبيعة الشرعية لعقد القرض إلا أن لهذا الحق في تقييد هذه الحرية بتحديد النطاق الجغرافي لعمليات المضاربة (منع المضارب من الخروج من منطقة محددة، ركوب البحر وتعريض المال للخطر) وقد خولت الشريعة الإباضية اللاحقة لرب المال حق تحديد طبيعة المضاربة إذ أصبح بإمكانه أن يفرض على المضارب بيع وشراء نوع من البضائع دون الأخر.
__________
(1) إيضاح، 3، ص 415.
(2) يقبل المالكيون أيضا بهذا البند قياسا على عقود المسافة سحنون، مدونة، 12، ص 89- 90 إذو?يتش ـPertnership ـ ص 131. "عن المستعمرة" أنظر سانتلان، مؤسسات، 2، ص 309-317. (1/247)
صفحة 248
تبرز طبيعة المضاربة الخاصة والتي تلتقي فيها عناصر الشركة باستئجار اليد العاملة وبالتفويض، في العلاقات الشرعية بين رب المال والمضارب. كما في الشركة فالمضارب أمين صاحب المال وبالتالي فهو غير مسؤول عن الخسارة التي يتعرض لها المال أثناء توظيفه ولا يصبح مسؤولا إلا إذا خان الأمانة. والعكس وفي علاقة بالمال، يعتبر المضارب وكيلا عن صاحب المال لذلك لا يمكنه استغلاله في أغراضه الخاصة ولا التبرع به دون أن يرخص له بذلك. وتحريم التصرف في المال يطال أيضا صاحبه كما جاء عن الشماخي:
لا يستطيع صاحب المال الأخذ من رأس مال المضاربة إلا بقوة البيع أو بتقييم ما يأخذه لنفسه، المضارب لا يمكنه الأخذ من هذا المال إلا بمقتضى بيع من طرف صاحب المال.(1)
__________
(1) إيضاح،3،ص 404. (1/248)
صفحة 249
نتيجة لهذه المسلمة لا يمكن خصم المصاريف الشخصية للمقارض (إعالة نفسه وعائلته، الأسفار التي يقوم بها لصالحه) من رأس المال إلا إذا اتفق وصاحب المال على شيء من هذا القبيل عند إبرام العقد(1) والعكس فللمضارب حق تقييد على رأس المال المصاريف التي تحملها في إدارة العمليات التجارية المنوطة به فضلا عن مصاريف الأسفار التي قام بها لصالح صاحب المال. إذا ضاع رأس المال أو لم يكن كافيا لتغطية مصاريف المضاربة فإنه ليس للمضارب الحق في طلب تعويض عما أنفقه. انطلاقا من هذه المبادئ شق مفهوم المضاربة كشيء مستقل بذاته عن الأطراف المؤسسة طريقه إلى المدارس التشريعية ليصبح فيما بعد مرادفا لشركة مساهمة لها وضع قانوني خاص يختلف عن وضع المساهمين فيها.(2)
__________
(1) أدو?يتش ،- Partnership ـ ص 97-98،240؛ سانتلان، مؤسسات، 2،ص 330. 331. مسألة المصاريف الخاصة بلمضارب كانت تخضع للأعراف أكثر منه لنصوص القانون. يظهر من دراسته وثائق Geniza مثلا أن نفقات المضارب الخاصة كانت تقع على رأس المال إضافة إلى نفقات الإدارة إلا أنها كانت توجد أيضا عقود قرض يتعهد فيها المضارب أن يتحمل شخصيا كل النفقات مقابل 3/1 من الأرباح. " كوتين Goitein (Mediterranean society) 1، ص 177؛ ادو?يتش 235-230- Partnership .
(2) مؤسسات،2، ص 331. (1/249)
صفحة 250
تعد من بين الأسباب التي تضع حدا لعقد المضاربة، تلك الطوعية (كانسحاب احد الطرفين) تلك الناتجة عن عدم قدرة أحد الأطراف (سواء كانت حاضرة قبل العقد أو طارئة) وتلك الطبيعية (موت صاحب المال أو المضارب). وفاة صاحب المال تلغي بشكل تلقائي التفويض مما يترتب عنه حل المضاربة. والعكس، فحسب المالكيين والشافعيين، إذا توفي المضارب يمكن لصاحب المال اختيار فض الشركة أو الإبقاء عليها مع ورثة المضارب أو شخص أخر عينه هذا قبل وفاته. الأباضيون، وهم في هذا يتفقون مع الحنفيين، يعتبرون وفاة المضارب حدثا يلغي علاقة الأمانة التي تقوم عليها المضاربة وبالتالي يعتبرون عقدها لاغ .
خاتمة
لقد أعطيت حلول مختلفة، جزئيا متناقضة، لإشكالية أصول الشريعة الإسلامية وعلومها.
الأبحاث التي أجريت في هذا الميدان وكلها مقبولة من وجهة نظر علمية وميتودولوجية، تبين أن هذه الإشكالية يمكن تدارسها من زوايا مختلفة.
يكمن أحد مناهج البحث المتاحة بخصوص هذه الإشكالية في فحص الدور الذي قام به مشرعو جهة معينة أو مدرسة من المدارس القديمة في الفترة التأسيسية للشريعة الإسلامية. بهذه الطريقة سنساهم في إعادة بناء جزء من التطور العام للعقيدة الشرعية خلال القرون الأولى من الإسلام.
على هذا المنهج سار هرلد موتسكي Harold Motzki في دراسته :
Anfange der islamischen Jurisprudenz Ihre Entwicklung in mekka bis zur Mitte des 2/8 Jahrhunderts
التي ظهرت سنة 1991 إذ أخذ بالفحص تكوين المدرسة المكية ورصد تطوراتها حتى أواسط القرن 2هـ، وتقدم بالعديد من المؤاخذات على نظرية ساشت ـ Schacht ـ حول أصول القانون الإسلامي وانتقد منها بشكل خاص مبدأ اعتبار إسهام سلطات القرن الأول في هذا القانون وهميا لأنه نتاج تصرف لاحق في سلسلة الإسناد. (1)
__________
(1) 256-257-261-264. (1/250)
صفحة 251
كما هو معلوم فقد حمل ساشت Schacht إلى أقصى حدودها الاستنتاجات التي خلص إليها إنياز كولدزهر Ignaz Goldziherـ في دراساته؛ فهو يؤكد بأن الإمام الشافعي هو أول مشرع يعرف السنة على أنها عمل كان يقوم به النبي (ص) في حياته وذلك في اختلاف مع من سبقوه والذين لا يعتبرون السنة بالضرورة قي ارتباط في بالرسول (ص) وإنما عرفا متفق عليه بالإجماع.(1) رأى معظم الأحاديث الشرعية المنسوبة إلى الرسول (ص) النور حوالي النصف الثاني من القرن 2هـ على خلفية إيقاع نمو بطيء عرف فيه الإسناد تطورا رجعيا معتمدا على سلطات أكبر سنا إلى غاية الوصول إلى الرسول (ص). وقد خضعت سنن الصحابة والتابعين التي تقابلها هي أيضا لنفس الظروف التي خضعت لها سنن الرسول (ص) في تطورها ولا يمكن اعتبارها في غالب الأحيان صحيحة.
علوم الشريعة الإسلامية، حسب استنتاج ساشت لم تعرف بدايتها إلا في القرن الثاني هـ من خلال الممارسة الشعبية والإدارية الأموية"(2).
__________
(1) حول دور الشافعي قارن : حلاق Hallaq " هل كان الشافعي مؤسس الشريعة الإسلامية ؟" (انظر البيبليوغرافيا)
(2) أثارت نظريات goldziher و Schacht ردودا مختلفة بين الباحثين وتعتبر انتقادات الأزمي أكثرها شدة وهو يقترح نظرية تقليدية يجد فيها التشريع الإسلامي قواعده منذ البداية في القرآن والسنة النبوية. فاستنتاجات ساشت في نظره وليدة استعمال غير صحيح للمصادر وإتباع منهجية غير علمية تكمن في إقحام داخل إطار منطقي مهيء قبليا لأمثلة أجثت من محيطها التاريخي للوصول فيما بعد إلى استنتاجات عامة. انظر بالخصوص
Studieis in Early hadit literature
" دراسات في أدأب الحديث الأولى" : مع نشرة نقدية لبعض النصوص الأولى بيروت، 1968، أعيد نشره في انديانا بولس 1978، وأيضا "حول أصول الشريعة المحمدية في نظرية ساشت"، رياض،1985 "
On Schacht’s Origins of muhammadan juris Prurdence " (1/251)
صفحة 252
نتفق عموما مع ساشت Schacht حول التحريف الذي طال السنن الشرعية المنسوبة إلى النبي(ص) إلا أننا نعتبر أن تعميم استنتاجاته لتشمل سنن الصحابة والتابعين أيضا سيخلف فراغا شرعيا طيلة القرن الأول من الهجرة. وهو أمر ينتقده المنطق ووجود مادة تاريخية وتشريعية غزيرة يجب اعتبارها صحيحة حتى يثبت عكس ذلك. في خضم هذه الدراسة حاولنا المساهمة في مباحث أصول التشريع بواسطة تحيلي تكوين وتطور العقيدة الشرعية التي أفرزتها المدرسة الإباضية.
اكتشاف مصادر جديدة، أبحاث روبنتشي، النامي، ويلكنسون في ميدان التشريع ، وأبحاث ?ان اس في ميدان التأريخ، كلها عوامل مكنتنا من وضع جانبا وبشكل نهائي النظرية القائلة بميلاد الشريعة الإباضية ما بعد القرن الثالث الهجري، بل العكس من ذلك، فإن الاباضيين كانوا هم أول من بدأ في العراق عند نهاية القرن1 هـ في نسج مبادئ الشريعة الإسلامية.
ومن الحجج القاطعة والتي تنفي انشقاق القانون الإباضي عن ذلك الذي بلورته المدارس السنية كونه عرف نموا بطيئا ما بين القرون 1و 3. كما يتضح من دراستنا يمكن تمييز ثلاثة مراحل لهذا النمو:
1 ـ الربع الأخير من القرن الأول الهجري والعقود الأولى من القرن الثاني.
العنصر المؤثر في الفترة التأسيسية للقانون الإباضي هو جابر بن زيد الذي لا يمكن اعتبار دوره في ضوء المصادر الإباضية القديمة وليد تصرف متأخر في الإسناد. في مدرسته تكون علماء الحركة الأوائل، أبو نوح صالح، حيان الأعرج، ضمام بن السائب، جعفر السماك أبو عبيدة التميمي الدين نشروا العقيدة التي لقنها إياهم جابر في المجالس السرية حيث كان أعضاء الطائفة يناقشون مسائل شرعية وعقائدية.
في هذه المرحلة كان المشرعون الإباضيون من البصرة على صلة وثيقة بالطائفة السنية وكانوا يعترفون بسلطاتها التي تتلمذت على يد جابر: قتادة بن دعامة، عمر بن حريم، عمر بن دينار، تميم بن خويص، عمارة بن حيان. (1/252)
صفحة 253
عند نهاية القرن 1 وبداية القرن 2هـ بدا تحديد بعض المعتقدات التي ستصبح قيما بعد مميزة للشريعة الإباضية كتحريم، على وجه الدوام ـ زواج الزانيين(1) تغييب صلة الإراثة بين السيد والعبد في حالة لم يكن لهذا ورثة شرعيون، تحريم الرهن كضمان على السلم والتأكيد على عدم وجود ربا في بيع المعادن النفسية يدا بيد.
وقد تخلت الشريعة الإباضية في صيرورتها على بعض المبادئ التي دافع عنها قدماء المشرعين الأباضيين خصوصا في ما يتعلق بحق السيد في بيع الأمة أم الولد وحرية العبد وإن كانت ضيقة ـ في حيازة ماله والتوصية به، بعد موافقة السيد وتسلمه عند عتقه.
2 ـ العقود الأولى ونهاية القرن 2 هـ.
شهدت هذه المرحلة تطرفا تدريجيا للحركة الإباضية في الميدانين : السياسي والايديولوجي في ميدان الشريعة أصبح الانفصال عن الطائفة السنية واضحا من خلال الرجوع إلى سلطات إباضية ومن خلال بلورة مبادئ يظهر منها تطلع الطائفة الإباضية إلى الاستقلال عن غيرها. هنا نشير إلى تحريم أداء صلاة الجمعة في المسجد إلى جانب مسلمين آخرين لأن ذلك يشكل اعترافا ضمنيا بسلطة إمام فاسق، وخاصة إلى مبدأ الولاية تجاه أفراد الطائفة (وما يقتضيه ذلك من إعطاء الزكاة للإباضيين فقط) وإلى البراءة ممن ليس إباضيا، أو إباضيا فاسقا، والتي بدأت تعرف طريقها إلى العقيدة الإباضية في هذه الفترة الزمنية .
__________
(1) تم التعبير عن هذه العقيدة في مجموعة سنن ظهرت في الكوفة تعارض تعاليم المدرسة الكوفية وكان يقصد بها جعل الزنى حاجزا أبديا أمام الزواج. هذه العقيدة التي أخذ بها الشيعة والأباضيون كانت معروفة في قانون الكنائس الشرقية والتي تبنتها هي أيضا عن القانون الروماني تشلردو (Cilardo) نظريات ، ص 92-93. ساشت Schacht "الزنى كعائق أمام الزواج في القانون الإسلامي والكنسي" : في أرشيف تاريخ القانون الشرفي والمجلة العالمية لقوانين العصور القديمة: بروكسيل، 1952،ص 105-123. (1/253)
صفحة 254
في أواسط القرن 2 هـ تأكد أيضا في الشريعة الإباضية الاستعمال على نطاق واسع لمعايير العقل : القياس والرأي.
3 ـ القرون 3 ـ 5 هجرية:
خضع الفقه الإباضي لعملية عقلنة تدريجية قصد الرقي به إلى المستويات التي بلغتها المدارس السنية، فظهرت مؤلفات في الأصول والفروع يتم فيها بلورة العقيدة الشرعية وشرحها على أساس تصميم يقتفي أثار النصوص السنية. ويبدو نتيجة هذه العملية أن المنظومة الشرعية الإباضية فقدت شيئا من أصالتها، فقد تم بالفعل تقزيم دور الجيل الأول من المشرعين الأباضيين الذين تكونوا في مدرسة جابر وارسوا قواعد الشريعة الاباضية، كما تم التأكيد على أولوية أئمة المدرسة في نقل عقائدها جابر بن زيد أبو عبيد، والربيع بن حبيب. بعد القرن الثالث نزعت الشريعة الإباضية إلى التحجر في تعريف القواعد وشرح مبادئها غير أنها احتفظت بالعديد من المسائل الشرعية التي لا يوجد لها نظير في المذاهب السنية وواكبت تارة هذه المدرسة وتارة أخرى تلك فيما يوحدها مع هذه المذاهب لذلك فهي تظهر كنتاج عملية بلورة موازية لعمل المدارس السنية وليست قبولا طوعيا للمبادئ التي إ فرزتها هذه المدارس.
بيبليوغرافيا
1 ـ أعمال عامة ومجلات:
AIUON/ Annali dell Istituto Universitario Orientale di Napoli
أيون : حوليات المؤسسة الجامعية للدراسات الشرقية نابولي.
Bulletin of SOAS: Bulletin of the School of oriental and Africain studies
مذكرات مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS)
Dozy. R Supplement aux dictionaires arabes leida Parige 1967.
دوزي. ر: ذيل القواميس العربية ليدا باريس 1967.
EI1: Encyclopedia dell 'Islam, 4 Voll + Supp, Leida. lipsia 1913-1937.
الموسوعة الإسلامية 4 أجزاء + ذيل، ليدا ، ليبسيا 190-1937.
EI² : Encyclopedia dell 'Islam: Nuova Edizione, 7voll leida dal 1954. (1/254)
صفحة 255
الموسوعة الإسلامية، الطبعة الجديدة، 7 أجزاء، ليدا منذ 1954.
Gal : Brockelmann, C, Geschichte der Arabischen Litteratur II Edizione, 2 voll, leida 1943-1949; 3 supp, leida- tipo 1937-1942.
GAS : Sezgin, F, Ges chichte des Arabischen schriftentums, 3 voll leida, 1967-1970.
IBLA : Institut des Belle lettres Arabes Tunisi.
مؤسسة الآداب العربية الجميلة تونس.
JSAI : Jerusalem studies in Arabic and islam
أورشليم: دراسات في العربية والإسلام
LANE ; E.W, Arabish–English lexicon, Edimburgo 1877, ripubb, Camb ridge 1984.
لين المعجم العربي الإنجليزي، ادنبورغ 1877.
RSO : Rivista degli studi orientali
ر.س.أ. مجلة الدراسات الشرقية.
ULLMANN, M , W?rterbuch der klassichen arabischen sprache, O. Harrassowitz, Wiesbaden dal 1970.
ZDMG : Zeitschrift der Deutschen Morgenl?ndischen Gesellshaft.
مجامع الحديث الصحيحة.
ـ أحمد ابن حنبل (توفي 241هـ/855م) المسند، 6 أجزاء القاهرة 1408هـ/ 1988.
أبو داوود، (توفي 275هـ/888) السنن، 2 أجزاء، القاهرة 1370/1951.
البخاري (توفي 256/870) الصحيح، 4 أجزاء، نشر ل.كريل (L.Krehl)
ليدا، 62-1968، 15 أجزاء نشر جينبول (W.Juynboll) ليدا 1907-1909
الدارمي (توفي 255/869) المسند أو السنن، 2 أجزاء القاهرة 1399/1978.
ابن ماجة (توفي 273/886) السنن، 2 أجزاء ـ القاهرة 72-1373/52-1953.
النسائي (توفي 303/915) السنن، 2 أجزاء القاهرة 1312هـ/ 1894.
الترمذي (توفي 279/892)، السنن، القاهرة 1384/1964.
المصادر الإباضية:
أبو غانم (بشر بن غانم الخرساني ق 3هـ/ 9م) المدونة الكبرى، جزئيين، مسقط 1984.
المدونة الصغرى، جزئيين مسقط 1984م. (1/255)
صفحة 256
أبو الحواري (محمد بن الحواري العثماني ق 3هـ/9م) الدراية وكنز الغناية في منتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة أية من تفسير القرآن الكريم، نشر سالم بن حميد بن سليمان بن حميد الحارثي، بيروت 1394هـ/1974م).
أبو عبيدة (مسلم بن أبي كريمة التميم، توفي ما بين 136هـ/754م و158هـ /775م).
رسالة ابي كريمة للإمام أبي الخطاب المعافري (140-144) نشر، سالم بن محمد الحارثي، عمان 1982م.
اطفياش (محمد بن يوسف، توفي 1332هـ/1914). جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، جزئيين، بيروت 1407/1987.
شرح كتاب النيل وشفاء العليل، 24 جزءا، بيروت 1392هـ/1972.
تيسير التفسير للقرآن الكريم، 3 أجزاء، نشر، عمان 1991.
بكوش (يحيى محمد)، فقه الإمام جابر بن زيد، جزئيين غرادية 1988
مدرسة جابر بن زيد وأثارها في الفقه الإسلامي، عمان 1988.
البرادي (أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم النصف الثاني من القرن 8هـ/14م/، كتاب الجواهر، القاهرة 1302/1884-1885.
البسياني (أبو الحسن علي بن محمد، النصف من القرن 5هـ/11م) مختصر ونشر زنجبار 1886 أعيد طبعه، عمان 1397هـ/1977م.
الدرجيني (أبو العباس أحمد بن سعيد، توفي حوالي 670هـ/1271م) كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، نشر إبراهيم طلاي، جزئيين، قسطنطينة 1394هـ/ 1974م.
درويش أحمد، حياة من أجل العلم، القاهرة 1991.
جابر بن زيد (توفي حوالي السنة المائة من الهجرة) جوابات م.س. البارونية فقه إباضي، رقم 1، صفحات 64-91.
الغيثلي (أبو طاهر إسماعيل ابن موسى النفوسي، توفي 750هـ/50-1349) قناطير الخيرات، 3 أجزاء، القاهرة 1307/1889م.
قواعد الإسلام، جزئين، غرداية 1976.
الحارثي (سالم بن حميد بن سليمان، في ق 14هـ/20م) العقود الفضية في أصول الإباضية، مسقط 1403م/1983م.
الخروصي (سعيد بن خلف) من جوابات الإمام جابر بن زيد، عمان 1984. (1/256)
صفحة 257
الهواري (هود بن محكم، توفي 280هـ) تفسير كتاب الله العزيز، نشر بلحاج بن سعيد شريفي، 4 أجزاء بيروت 1990.
خليفات (عواد) نشأة الحركة الإباضية، عمان 1978.
ابن بركة (أبو محمد عبد الله بن محمد، أواسط القرن الخامس هـ) كتاب الجامع، نشر أبو القاسم عيسى يحيى الباروني، جزئيين، عمان 1983.
ابن جعفر (أبو جابر محمد الأزكوي، ق 3/9 و 4/10م) الجامع، نشر عبد المنعم عامر، 3 أجزاء، عمان 1981.
ابن خلفون (أبو يعقوب يوسف، النصف الثاني من القرن 6هـ) أجوبة ابن خلفون نشر عمر خليفة النامي، بيروت 1974.
ابن قيس (أبو إسحاق إبراهيم الحضرمي، توفي حوالي 520هـ/1126م) مختصر الخصال، القاهرة (المطبعة البارونية) 1310/1899، أعيد نشره عمان 1403هـ/1983.
ابن سلام (ابن عمر ابن تمطنين اللواتي الإباضي (كتب حوالي 273/8-887م) كتاب ابن سلام
(Eine ibaditisch –magribinische Geschichte des islams aus dem 3/9 JahrHundert) نشر شوارتز.
سالم بن يعقوب، المكتبة الإسلامية 33، ستاينر F.Steiner verlag وايزبادن 1986
الكندي (أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى السمدي النوزي، توفي 557هـ) المصنف، نشر عبد المنعم عامر، 9 أجزاء ، عمان 1979-1983.
الكندي (محمد بن إبراهيم، توفي 508هـ/ 1115م) بيان الشرع، 19 جزءا، عمان 1402/1982-1406/1986.
ح، كلين: H, Klein (Kapilel. XXXLLL der Anonymen arabischen chronick) كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، هامبورغ 1938.
الكدمي (أبو سعيد محمد بن سعيد، ق 4هـ/10م) الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، 5 أجزاء عمان 1406هـ/1986م.
الجامع المفيد من جوابات سعيد، 4 أجزاء عمان 1405/1984-1985،
كتاب الاستقامة، 3 أجزاء، عمان 1405/1985.
كتاب المعتبر 4 أجزاء عمان 1405/1984-1985م.
المصعبي (عبد العزيز بن الحجاج الأزجني، ولد حوالي 1130هـ/1717م، كتاب النيل، القاهرة 1305/1887. (1/257)
صفحة 258
قتادة بن دعامة السدوسي (توفي 117، أو 119هـ/735-736م) أقوال قتادة م البارونية فقه إباضي (غير مرقم) صفحة 1-140، الناسخ صالح السدريني، 15 شوال 1191 - 17 نونبر 1777.
الربيع بن حبيب (توفي حوالي 190هـ) أثار الربيع بن حبيب، المكتبة البارونية، فقه إباضي (غير مرقم) ص 1-32 الناسخ صالح السندريني، 23 شوال 1191/ 25 نونبر 1777.
فتوى الربيع بن حبيب المكتبة البارونية، فقه إباضي (غير مرقم) صفحات 32-49 الناسخ: صالح السدويني، 29 شوال 1191/ فاتح دجنبر 1977.
الجامع الصحيح (مسند الربيع بن حبيب) ترتيب أبي يعقوب بن إبراهيم الورجلاني نشر عبد الله بن حميد السالمي، دمشق 1963.
السالمي (نور الدين بن عبد الله بن حميد، توفي 1392/1914) حاشية الجامع الصحيح 3 أجزاء، القاهرة 1326/1908 أعيد نشره تحت عنوان: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهدي عمان ـ دمشق 1963م.
اللمعة المرضية في الشيعة الإباضية، مسقط 1983.
معارج الأمل على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، 18 جزءا عمان 1403/1983.
مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، القاهرة، مطابع دار الكتاب العربي بمصر (دون تاريخ).
تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، جزئين القاهرة 1350/1930.
السيابي (سالم بن محمود بن شمس، توفي 1327/1909م) الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز، عمان 1400 /1980.
إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء عمان القاهرة 1979.
طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي عمان 1400/1980.
الشماخي (أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد توفي 928/1522) كتاب السير، القاهرة 1301/1883.
الشماخي (أبو ساكن عامر توفي 792هـ/1389م) كتاب الإيضاح، القاهرة، 1304/1886.
عبيدلي (أحمد) كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لمصنف مجهول نكوزيا (قبرص) 1985. (1/258)
صفحة 259
الورجلاني (أبو زكريا يعقوب بن أبي بكر توفي 508هـ/1114م) كتاب سير الأئمة وأخبارهم، نشر إسماعيل العربي، الجزائر 1399/1979. ترجمه مسكري Masqueray "أخبار أبو زكريا"، (la chronique d’Abou Zakaria) الجزائر 1878، ور. تورنوTourneau " أخبار أبو زكريا الورجلاني" (La chronique d’Abou zakariyya , Alwarglani ) في المجلة الإفريقية 1960-1961.
الوسياني (أبو الربيع سالم بن عبد السلام بن حسان بن أحمد، النصف الثاني من قـ6هـ/12م) كتاب السير، زمكور زوسكي Z. Smogorzewski كركو?ـيا 00.277- ص 1-189.
3 ـ مصادر عربية غير أباضية:
عبد الرزاق (بن همام الصنعاني) المصنف، نشر حبيب الرحمان العظمي، 11 جزءا كراشي 1390 -1329/1970-1972.
أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني، القاهرة، 1929.
أبو حنيفة، رسالة لعثمان البتي، نشر مع العالم والمتعلم لمحمود زاهد الكوثري، القاهرة 1368/1948.
أبو نعيم (أحمد بن عبد الله الأصفهاني) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ،10 أجزاء القاهرة 1352/1933.
أبو القاسم (ابن علي الموساوي) معجم رجال الحديث، 33 جزءا، بيروت 1403/1983 .
أبو عبيد (ابن سلام القاسم)، كتاب الأموال، القاهرة 1968.
أبو يوسف (يعقوب بن إبراهيم) كتاب الأثار، القاهرة 1355/1936.
كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلي، القاهرة 1357/1938
كتاب الخرج، القاهرة 1352/1956.
الأشعري (أبو الحسن علي ابن إسماعيل) مقالات الإسلام، نشر ريترلبسيا اسطنبول 1929-1930.
البلاذوري (أحمد بن يحيى بن جابر) فتوح البلدان، القاهرة 1956
الذهبي (شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، نشر علي بن محمد البجاوي، 4 أجزاء، القاهرة، 1382/1963.
تذكرة الحفاظ في نقد الرجال، نشر عبد الرحمان بن يحيى اليمني، جزئين، حيضرباد 1968.
تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والإعلام، 6 أجزاء، القاهرة، 67-1369. (1/259)
صفحة 260
الدينوري (أبو حنيفة أحمد بن داوود) كتاب النبات، نشر، برنهارد لوين. (Bern hard lewin) وايسبادن Wiesbaden 1974.
الجاهز (أبو عثمان عمر بن بحر) البيان والتبيان، نشر فوزي عطوي، بيورت 1968.
الجصاص (أبو بكر أحمد بن عبد الله الرازي) أحكام القرآن، 3 أ جزاء، القاهرة 1347.
الجزيري (عبد الرحمان) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، 4 أجزاء، القاهرة 1983.
حاجي خليفة (مصطفى بن عبد الله كاتب سلبي) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، اسطنبول 1310 هـ.
حماد (نزيه) بيع الكالي بالكالي في الفقه الإسلامي، جدة 1406/1986.
الخوارزمي (محمد بن محمود بن محمد) جامع مساند الإمام الأعظم حيضرباد، الدقن 1332 / 1913.
ابن أبي شيب (أبو بكر علي بن محمد بن إبراهيم الكوفي) المصنف، 15 جزء حيضرباد 1966-1983.
ابن هجر (شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الاسقلاني) تهذيب التهذيب، نشر بيروت 1968.
ابن النديم، فرست Fihrist ، نشر فلوجل Flugel ، لبسيا ـ 1871-1872.
ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد) مناهج الأدلة في عقائد الملة، نشر محمود قامس، القاهرة 1969.
ابن سعد (أبو أحمد محمد البصري الزهري) كتاب الطبقات الكبار، نشر ساشو Sachau 9 أجزاء، ليدا بريل 1904-1928.
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستمية، نشر محمد ناصر وإبراهيم بحاز، بيروت 1406/1986.
ابن سلام (يحيى البصري) التصاريف، تفسير القرآن مما اشتبهت أسماءه وتصرفت معانيه، نشر هند شلبي، تونس 1980.
الكساني (أبو بكر علاء الدين مسعود) كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 6 أجزاء، القاهرة 1328/1910).
الكشي (محمد بن عمر) كتاب رجال الكشي، قربلاء حوالي 1960.
مالك بن انس، الموطأ، نشر محمد فؤاد وعبد الباقي، القاهرة، 1370/1991.
محسن الأمين (ابن عبد الكريم) أعيان الشيعة، 12 جزءا، بيروت 1375/1956. (1/260)
صفحة 261
مقاتل (أبو الحسن بن سليمان بن بشير الأزدي البلخي) كتاب تفسير خمسمائة أية من القرآن الكريم، نشر، ازئيا كولد فيلد Isiahciali Goldfeld جامعة بارايلان، إسرائيل 1980.
النووي (أبو زكرياء يحيى بن شريف) منهج الطالبين، نشر، ?ان دن برغ Van denberg جزئين بتـ?يا 1882.
النعمان (القاضي النعمان، أبو حنيفة بن محمد) دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام عن أهل بيت رسول الله (ص)، جزئين القاهرة 1379/1960.
القرضاوي (يوسف) فقه الزكاة دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة، جزئين، بيروت 1401/1981.
القسطلاني (أبو يوسف أحمد بن محمد) إرشاد الشاري لشرح صحيح البخاري 5 أجزاء ، نشر بولاق 1276هـ.
القدوري (أبو الحسن أحمد بن محمد) المختصر، اسطنبول (المطبعة العثمانية) 1309/1882.
الشافعي، محمد إدريس كتاب الأم، 4 أجزاء القاهرة 1407/1987..
سحنون (عبد السلام بن سعيد بن عبد السلام التنوخي) المدونة الكبرى، 12 جزء القاهرة 1323/1905.
صالح (أحمد العلي) التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري بغداد 1953.
السرخسي (أبو بكر محمد بن أبي سهل) كتاب المبسوط، 16 جزءا، القاهرة 1324/1906.
الشيباني (محمد بن الحسن) الامالي، حيضرباد، الدقن 1360/1941.
الجامع الصغير، في حاشية كتاب الخرج لأبو يوسف القاهرة 1302/1884، جزئين كتاب البيوع ترجمة إ. ديمترو? Dimitroff في
Mittei lungen des seminars fur orientalische sprachen an der Koniglichen universitat zu Berlin 1908.9
الجامع الكبير بيروت 1356/1937.
كتاب الأصل، جزءا 1K كتاب البيوع والسلم، نشر ش ـ شحات القاهرة 1954.
كتاب الأصل الجزء 3، نشر محمد عبد المعيد، حيدراباد 1391/1971
كتاب الحجة على أهل المدين، حيدراباد 1389/1969
موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني، نشر عبد الوهاب عبد اللطيف القاهرة 1387/1967. (1/261)
صفحة 262
الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير) حوليات نشر – de Goeje- 11 جزءا ليدا 1879-1901.
جامع البيان عن تأويل القرآن، 12 جزءا، القاهرة 1373/1954.
الطوسي (أبو جعفر محمد بن الحسن) الاستبصار، 13 جزاءا نجف75-1376/57-1956.
زيد ابن علي، مسند زيد بن علي، نشر بيروت 1966.
الزرقاني (محمد بن عبد الباقي) شرح على موطأ الإمام مالك، 4 أجزاء القاهرة 1373/1954.
……ERSILIA FRANCESCA
مصادر بلغات غربية
4. FONTI IN LINGUE OCCIDENTALI
AHMAD, Z., “The Qur’?nic Theory of Rib?”, in Islamic Quarterly, XX- XXII, 1978.
" النظرية القرآنية في الربا "
AL-AZMI (o al-Azami), M. M., On Schacht‘s Origins of Muhammadan, Jurisprudence, Riyad 1985.
" حول أصول الشريعة المحمدية في نظرية ساشت "
-, Studies in Early Had?t Literature with a Critical Edition of some Early Texts, Beirut 1968; ripubbl. Indianapolis 1978.
"دراسات في آداب الأحاديث الأولي"
BADGER, G. P., History of the Im?ms and Sayyids of ‘Om?n, Londra 1871.
"تاريخ أئمة وأسياد عمان "
BASSET, R., “Les manuscrits arabes des bibliotheques des Zaouias de ‘Ain Madhi et Temancin, de Ouargla et de ‘Adjadja”, in. Bulletin de Correspondance Africaine, Tomo III, Algeri 1885.
" مخطوطات عربية من مكتبات زوايا عين مدحي تامنسين وارجلة وادجاجا في مراسلات افريقية "
BECK, E., “Die S?ra ar-R?m”, in Orientalia, XIII, 1944 e XIV, 1945.,
" سورة الروم "
BELL R., The Qur ‘?n - Traslated, with a Critical Rearrangement of the Surah, Edimburgo 1939.
" ترجمة القرآن مع ترتيب نقدي للسور"
BEN SHEMESH, A., Taxation in Isl?m, Leida-Londra 1965.
" الخرج في الإسلام "
BOURDIEU, P., The Algerians, Boston 1962.
" الجزائريون " "بوستن 1962" (1/262)
صفحة 263
AL-BUH?R?, Detti e fatti del Profeta dell ‘Isl?m raccolti da al-Buh?r?, a cura di V. Vacca, S. Noja e M. Vallaro, Torina 1982.
" أقوال وأفعال رسول الإسلام التي جمعها البخاري "
BURTON, J., “The Origin of Penality for Adultery”, in Transactions of the Glasgow University Oriental Society, 26, 1975-76, pubbl. 1979.
" أصول عقوبة الزنى "
CHAMBERT, A., “Le comportement économique des musulmans. Une exception: les Mozabites”, in Revue d’Histoire Economique et Sociale, XXXIX, 1961.
" السلوك الاقتصادي للمسلمين. استثناء المزابين"
CILARDO, A., Diritto ereditario islamico delle scuole Sunnite (Hanafita, M?likita, ??fi ‘ita e Hanbalita) e delle scuole giuridiche Zaydita, Z?hirita e Ib?dita. Casistica, Roma - Napoli 1994.
" قانون الإراثة في المدارس السنية والمدارس القانونية الزيدية والزهرية والإباضية "
- ‘ “The Position of the Grandfather with Regard to the German or consanguine Brothers in the Islamic Law of Inheritance”, in AIUON,
vol. 50, Suppl. nr. 63, Napoli 1990.
" وضعية الجد في منظور القانون الألماني وقانون الإراثة الإسلامي الخاص بالإخوة من الأب.ذ"
- , “The Slave’s Inheritance. A Riconsideration”, ib.
" إعادة النظر في إراثة العبد "
-, “The Transmission of the Patronate in the Islamic Law” in Proceedings of the XV th Congress of the Union Européenne des Arabisants et Islamisants, Utrecht, September 13-19, 1990.
" انتقال السيادة في القانون الإسلامي "
, Teorie sulle origini del diritto islamico, IPO, Rama 1990.
" نظريات حول أصول القانون الإسلامي "
COHN, E., Der Wucher (Rib?) in Qur’?n, Chadith und Fiqh - Ein Beitrag zur Enstehungsgeschichte des muhammedanischen Rechtes, Berlin 1903. (1/263)
صفحة 264
COOK, M., “‘Anan and Islam: the Origins of Karaite Scripturalismus” in JSAI, IX, 1987.
" عنان والإسلام...:
Early Muslim Dogma, Cambridge Univ. Press, 1981.
" العقيدة الأولى للمسلمين "
CORANO, trad. A. Bausani, Sansoni, Firenze 1978.
" " القرآن " ترجمة بوساني"
COULSON, N. J., A History of lslamic Law, Edimburgo 1964.
"تاريخ القانون الإسلامي "
CRONE, P., Roman, Provincial and Islamic Law, Cambridge 1987.
"القانون الروماني البرو?انسي والإسلامي "
-, Slaves on Horses - the Evolution of Islamic Polity, Cambridge 1980
"عبيد فوق الخيالة "
CRUPI LA ROSA, G., “I trasmettitori della dottrina ib?dita”, in AIUON, V,Napoli 1954.
" نقلة العقيدة الإباضية "
CUPERLY, P., Introduction â l‘Etude de l‘Ibadisme et de sa Théologie Algeri 1984.
"مقدمة في دراسة الإباضية وعلومها الدينية "
D’EMILIA, A., “Diplomi siciliani di compravendita del secolo VII Egira e loro raffronto con documenti egiziani dei secoli III-V Egira », in Scritli in Onore di Laura Veccia Vaglieri, AIUON, N.S., XIV, Napoli 1946, vol. 1; ripubbl. in Scritti di Diritto Islamico – raccolti a coura di F. Castro, IPO, Rama 1976.
"شهادات صقيلية عن البيع في القرن 7 هـ ومقارنتها بوثائق مصرية من القرن 3 هـ "
“Il bay’ al-hiy?r nella Mudawwana”, in RSO, XXIV, 1949; ripubbl, in Scritti di Diritto Islamico.
" بيع الخيار في المدونة "
“Il hiy?r a?-?art nel Asl di ?aib?ni”, in RSO, XXXII, 1957; ripubbl. in Scritti di Diritto Islamico.
" خيار الشرط في الأصل للشيباني" (1/264)
صفحة 265
“Il patto d’opzione applicato alla campravendita secondo la codificazione turca di diritto musulmana hanafita”, in Studi et Documenta Historiae et Iuris, Il, 1945; ripubbl. in Scritti di Diritto Islamico.
" تطبيق خيار الشرط في البيوع حسب التقنين التركي للشريعة الإسلامية الحنفية "
“La compravendita con patto d’opzione seconda alcune fanti del diritta musulmano malikita”, in Studi et Documenta Historiae et Iuris, 1,1944; ripubbl. in Scritti di Diritto Islamico.
" البيع مع خيار الشرط في بعض مصادر الفقه الإسلامي المالكي"
ENNAMI, (‘Amr khalifa an-N?mi), “A Description of New Ibadi Manuscripts from North Africa”, in Journal of Semitic Studies, XV, 1970.
" وصف مخطوطات إباضية حديثة من شمال إفريقيا "
- ,…Studies in Ib?ddism, Fitzwilliam College, Cambnidge, PhD Dissertation 7538; pubbl. Beirut 1392/1972-1973.
" دراسات في الإباضية "
FRANCESCA, E., “From Individualism to the Community’s Power the Economic Implications of the wal?yal bar? ’a Dynamic among the Ib?dis”, in AIUON, LIX, Napoli 1999.
" من الفرد إلى قوة الجماعة "
“L’elemosina rituale secondo gli Ib?diti”, in Studi Magrebini, XIX, Napoli 1987.
" شعائر الصدقة ـ الزكاة - عند الإباضيين "
“La fabbricazione degli isn?d nella scuola ib?dita: il Musnad di ar Rabi’ b. Habib”, in Proceedings of U.E.A.I 18th Congress, Lovanio 1998.
" صناعة الإسناد في المدرسة الإباضية : مسند الربيع بن حبيب "
GELLNER, E., “Sanctity, Puritanism, Secularizatian and Nationalist in North Africa”, in Archives de Sociologie des Religions, XV, 1963.
" قدسية، بيوريتانية، علمانية وقومية في شمال افريقيا"
GIBB, H., Muslim Conquestes in Central Asia, Londra 1923. (1/265)
صفحة 266
" الفتوحات الإسلامية في أسيا الوسطى "
GOITEIN, S. D., A Mediterranean Society: The Jewish Communities of the Arab World as Portrayed in the Documents of the Cairo Geniza, vol. J, Economic Foundations, Berkeley - Los Angeles 1967.
" المجتمع المتوسطى: الطوائف اليهودية في العالم العربي كما وردت في وثائق جنيزة القاهرة "
GOLDZIHER, I., Muhammedanische Studien, 2 voll., Halle 1889.
-“Muhammedanische Recht in Theorie und Wirklicheit”, in Zeitschrift für vergleichende Rechtswissenschaft, VIII, 1889.
- ,Vorlesungen über den Islam, Heidelberg 1910. Ed. italiana a cura di A. Cilardo, Lezioni sull ‘isl?m, con note integrative e aggintive, In-troduzione di Bernard Lewis, Edizioni Scientifiche Italiane Napoli 2000.
" دروس في الإسلام "
GR?F, E., Jagdbeute und Schlachttier im islamischen Recht. Untersuchung zur Entwicklung der islamischen Jurisprudence, Bonn 1949.
GROHMANN, A., Chrestomathie zur arabischen Papyrkunde, Praga 1955.
GRONKE, M., Arabische und persische Privaturkunden des 12. und 13 Jahrhunderts aus Ardab?l (Aserbeidschan), K. Schwarz Verlag, Berlino 1982.
HAL?L (Ibn Ish?q), Il «Muhtasar» o Sommario del Diritto Molichita,
trad. Guidi-Santillana, 2 voll., Milano 1919.
" مختصر الشريعة الإسلامية "
HALLAQ, W. B., “Was al-??fi’? the Master Architect of Islamic jurisprudence?” in International Journal of Middle East Studies, XXV, 1993.
" هل كان الشافعي مؤسس الشريعة الإسلامية؟ "
HAM?D?, S., “Un exégète oriental en Ifriqiya, Yahi? Ibn Sall?m (742-815)”, in IBLA, anno XXXIII, nr. 1.
" مفسر شرقي في إفريقيا : يحيى بن سلام "
HOLSINGER, D. C., “Migration, Commerce and Community: the (1/266)
صفحة 267
M?z?b?s in Eighteenth and Nineteenth Century Algeria’ in journal of African History, XXI, 1980.
" الهجرة، التجارة والجماعة : المزابيين في جزائر القرنين الثامن 18 و 19م.
IGONETTI, G., “Il sangue catameniale seconda un antico testo di diritto ib?dita”, in Sangue e Antropologia biblica nella Patristica, Il Roma 1981.
" دم الحيض حسب نص شرعي إباضي قديم "
IMBERT, A., Le droit abadhite chez les musulmans de Zanzibar et de
l’Afrique orientale, Algeri 1903.
" القانون الإباضي عند مسلمي زنجبار وإفريقيا الشرقية "
JAHN, K., “Vom frühislamischen Briefwesen”, in Archiv Orientàlni, IX, 1937.
JUYNBOLL, G. H. A., “Some New Ideas on the Development of Sunna as a Technical Term in Early Islam”, in JSAI, X, 1987.
" أفكار حديثة حول تطور السنة كمصطلح تقني عند بداية الإسلام "
-, “Some Notes on Islam’s First Fuqah?’ Distilled from Early Had?t Literature”, in Arabica, XXXIX, 1992.
" ملحوظات عن إسلام أوائل الفقهاء كما وردت في آداب الحديث "
KISTER, M. J., “Mecca and Tamim”, in Journal of the Economic and Social History of the Orient, VIII, 1965.
" مكة وتميم "
LAMMENS, H., “République marchande de la Mecque ver l’an 600 de notre ère”, in Bulletin de I‘Institut Egyptien, V sér., IV, 1910
" الجمهورية التجارية لمكة "
LEDER, S., Dos Corpus Haitam b. ‘Adî (st. 207/822). Herkunft, Oberlieferung, Gestalt früher Texte der ahb?r Literatur, Francoforte 1991.
LEWICKI, “L’Etat nord-africain de T?hert et ses relations avec le Soudan occidental à la fin du VIIIe et au IXe siècle”, in Cahiers d’Etudes Africaines, Il, 1962.
"إمامة تاهرت وعلاقاتها بالسودان خلال القرنين الثامن والتاسع هـ" (1/267)
صفحة 268
-,…“Les Ib?dites dans l’Arabie du Sud au Moyen Age”, in Folia Orientalia, I, 1959.
" الإباضيون في جنوب شبه الجزيرة العربية في العصور الوسطى "
-‘ “Les origines et l’islamisation de la ville de T?dmakka d’après les sources arabes”, in Revue Française d’Histoire d’Outre-Mern LXVI, 1979.
" أصول وإسلام مدينة تدمقا حسب المصادر العربية "
-‘ “Les premiers commerçants arabes en Chine”, in Rocznik Orientalistyczny, XI, 1935.
" أوائل تجار العرب في الصين "
-, “Notice sur la chronique ib?dite d’ad-Dar??n?”, in Rocznik Orientalistyczny, XI, 1935.
" ملحوظة حول أخبار الإباضية للدرجيني "
-‘ “Quelques extraits inédits relatifs aux voyages des commerçant et des missionaires ib?dites nord-africains au pays du Saudan Occidental et Central au moyen age”, in Folia Orientalia, Il, 1960-1961
" مقتطفات غير منشورة عن أسفار التجار والمبلغين الإباضيين في غرب السودان ووسطه في العصور الوسطى"
-, “The Ib?dites in Arabia and Africa”, in Cahiers d’Histoire Mondiale, XIII, 1971.
"الإباضيون في بلاد العرب وإفريقيا "
-‘ “Traits d’histoire du commerce transsaharien. Marchands et missionaires ib?dites au Soudan Occidental et Central au cours des VIIIe-XIIe siècles”, in Etnografia Polska, VIII, Varsavia 1994.
"مقتطفات عن تاريخ التجارة عبر الصحراء. التجار والمبلغون الإباضون في غرب ووسط السودان خلال القرون 8 و 10 "
-, “Une Chronique ib?dite, «Kit?b as-Siyar» d’Ab? ‘l-’Abb?s Ahmad a? -?amm?h?”, in Revue des Etudes Islamiques, 1934.
" كتاب السير، أخبار إباضية "
LOHLKER, R., Der Handel im m?likitischen Recht, Berlino 1991. LOPEZ, R. S. - RAYMOND, J. W., Medieval Trade in the Mediterranean World, New York 1955. (1/268)
صفحة 269
" تجارة العصور الوسطى في العالم المتوسطي "
MELCHERT, C., The Formation of the Sunni Schools of Law: 9th 10th Centuries C. E., Brill 1997.
" تأسيس مدارس التشريع السنية "
MASQUERAY, E., Formation des cités chez les populations sedentaires de l’Afrique, Parigi 1886.
" تأسيس المدن عند الشعوب المستقرة في إفريقيا "
MERCIER, M., Etude sur le waqf abadhite et ses applications au Mzab, Algeri 1927.
" دراسة الوقف الاباضي وتطبيقه في المزاب"
MORAND, M., Avant-Projet de Code Présenté à la Commission de Codification du Droit Musulman Algérien, Algeri 1916.
" مشروع قانون مقدم إلى هيئة تدوين القانون الإسلامي الجزائري"
-, Etudes de droit musulman algérien, Algeri 1910.
" دارسة القانون الإسلامي الجزائري"
MOTYLINSKI, A. de C., “Bibliographie du Mzab”, in Bulletin de Cor respondance Africaine, III, 1885.
" بيبليوغرافيا المزاب"
MOTZKI, H., Die Anf?nge der islamischen Jurisprudenz - Ihre Entwick lung in Mekka bis zur Mitte des 2./8. Jahrhunderts, Stoccarda 1991.
MURANYI, M., Ein altes Fragment medinesischer Jurisprudenz aus Qairaw?n, Stoccarda 1985.
NAGGAR, M., Fatw? von ??bir an al-H?rit b. ‘Amr, (Tesi di Laurea non pubblicata), Ludwigsburg, Dic. 1991.
N?LDEKE, T. - SCHWALLY, F., Geschichte des Qor?ns, Lipsia 1909.
PELLAT, Ch., “Kit?b al-tabassur bi-l-tig?ra attribué à ??hiz”, in Arabi ca, 1, 1954.
" كتاب التبصر بالتجارة المنسوب إلى جاهز"
-, Le milieu basrien et la formation de Jahiz, Parigi 1952.
" الوسط البصري وتكون جاهز"
PERINBAM, P. M., “Were the Maghribi Ib?diyya Contributors to West African Food Production? An Evaluation of the Evidence, in The Maghreb Review, XII, 1987, 66-77. (1/269)
صفحة 270
" هل ساهم الإباضيون المغاربة في إنتاج الغذاء في إفريقيا الغربية "
PICCINELLI, G. M., Le societâ di persone nei paesi arabi: modelli, evoluzione, tendenze, IPO, Rama, 1990.
" شراكات الأشخاص في البلدان العربية: نماذج، تطور وميولات"
-,…Banche islamiche in contesto non islamico - Materiali e strumenti giuridici, IPO, Roma, 1996.
" بنوك إسلامية في محيط غير إسلامي: مواد ووسائل شرعية "
QURA??, A. I., Islam and the Theory of Interest, Lahore (Pakistan) 1946.
" الإسلام ونظرية الفائدة "
RAHMAN, F., “Rib? and Interest”, in Islamic Studies, III, 1964.
" الربا والفائدة"
REBSTOCK, U., Die Ib?diten im Ma?reb (2./8.-4./10.Jh): die Geschichte einer Berberbewegung im Gewand des Islams, Berlino 1983.
ROSS, E. C., “Annals of Oman to 1728”, in Journal of the Asiatic Society of Bengal, 1874; ripubbl. Oleander Press, Cambridge-New York 1984.
" حوليات عمان إلى غاية 1728"
RUBINACCI, R.,“Il Califfo ‘Abd al-Malik b. Marw?n e gli Ib?diti”, in AIUON, N.S., V, Napoli 1954.
" الخليفة عبد الملك بن مروان والإباضيين "
-, “Il «Kit?b al-?aw?hir» di al-Barr?di”, in AIUON, N.S., IV, Napoli 1952.
"كتاب الجواهر للبرادي "
-, “L’ad?n pressa g1’Ib?diti”, in Folia Orientalia, XII, 1970.
" الآذان عند الاباضيين "
-, “La professione di fede di a1-?ann?wuni”, in AIUON, N.S., XIV, Napoli 1964.
" الجهر بالإيمان للجناوني"
-, “La purità rituale seconda gli Ib?diti”, in AIUON, N.S., VI, Napoli 1957.
" شعائر الطهارة عند الإباضيين"
-,“Notizia di alcuni manoscritti ib?diti esistenti presso l’Istituto Universitario Orientale di Napoli”, in AIUON, III, Napoli 1949. (1/270)
صفحة 271
" خبر بعض المخطوطات الإباضية الموجودة بالمؤسسة الجامعية للشرق بنابولي"
SACHAU, E., “Mohammedanisches Erbrecht nach der Lehre der lb?ditischen Araber von Zanzibar und Ostafrika”, in Sitzungsberichte der K?niglich Preussischen Akademie der Wissenschaft zu Berlin 15. Feb. 1894, Berlino 1894. Tradotto in italiano da 1. Guidi, “I1 diritto ereditario musulmano seconda la dottrina degli Arabi ibaditi di Zanzibar e dell’ Africa Orientale”, in Rivista Coloniale, 1906.
" قانون الإراثة الإسلامي حسب عقيدة العرب الاباضيينمن زنجبار وافريقية الشرقية"
-, Uber die religi?se Anschaungen der ibaditischen Muhammedaner in Oman und Ostafrika”, in Mit. Sem. Orient. Sprach., Il, 1899, Ab,2.
SANTILLANA, D., Istituzioni di Diritto Musulmano Malichita con riguardo anche al Sistema Sciafiita, 2 voll., Roma 1926 e 1938.
" مؤسسات القانون الإسلامي المالكي مع اخذ بعين الاعتبار المنظومة الشافعية "
SAVAGE, E., “Survival through Alliance: the Establishment of the Ib?diyya”, in Bulletin of British Society for Middle Eastern Studies, XVII nr. 1, 1990.
" البقاء عبر الأحلاف "
SCHACHT, J., “Adultery as an Impediment to Marriage in Islamic and Canon Law”, in Archives d’Histoire du Droit.Oriental et Revue Internationale des Droits de l’Antiquité, tome 1, Bruxelles, 1952
" الزنى كعائق أمام الزواج في القانون الإسلامي والكنسي "
-,“Bibliotheques et manuscrits abadites”, in Revue Africaine, Algeri 1956.…
" مكتبات ومخطوطات إباضية"
-, Introduction to Islamic Law, Oxford 1965.
" مقدمة في القانون الإسلامي"
-, ‘Pre-Islamic Background”, 34, in Khadduri - Liebesny, Law in the Middle East, Washington 1955.
" ما قبل الإسلام " (1/271)
صفحة 272
-, “Sur la diffusion des formes d’architecture religieuse musulmane à travers le Sahara”, estratto da Travaux de l’Institut de Recherches Sahariennes, XI, Algeri 1954.
" حول انتشار الأشكال الهندسية الدينية الإسلامية عبر الصحراء"
-, The Origins of Muhammadan Jurisprudence, Oxford 1950.
" أصول الفقه المحمدي"
SCHNEIDER, I., Kinderferkauf und Schuldknecht. Untersuchung zur früher Phase des islamischen Recht, Stoccarda 1999.
SCHWARTZ, W., Die Anf?nge der Ibaditen in Nordafrika - der Beitrag einer islamischen Minderheit zur Ausbreitung des Islams, in Stu dien zum Minderheitenproblem im Islam, 8, Wiesbaden 1983.
SMITH, G. R., “The Omani Manuscript Collection at Muscat - Part I - A General Description of the MSS”, in Arabian Studies, IV, 1977.
" مجموعة المخطوطات العمانية في مسقط"
SMOGORZEWSKI, Z., “Essai de bio-bibliographie Ib?dite-Wahhabite, Avant-propos”, in Rocznik Orjentalistyczny, V, Lwow 1927.
STONE, R. A., “Religious Ethic and the Spirit of Capitalism in Tunisia”, in International Journal of Middle East Studies, V, 1974.
TALBI, M., Etudes d’Histoire Ifriqiyenne et de Civilisation Musulmane Médiévale, Tunisi 1982.
" دراسات في التاريخ الإفريقي وفي الحضارة الإسلامية للعصور الوسطى"
-, L ‘Emirat Aghlabide, Parigi 1966.
TORREY, C., The Commercial-Theological Terms in the Koran, Leida 1892.
" المصطلحات التجارية الدينية في القرآن"
UDOVITCH, “At the Origins of the Western Commenda: Islam, Israel, Byzantium?”, in Speculum, XXXVII, 1962.
" في أصل القرض الغربي : الإسلام إسرائيل وبزانطة" (1/272)
صفحة 273
“Commercial Techniques in Early Medieval Islamic Trade”, in Islam and the Trade of Asia, ed. D.S. Richards, Oxford 1970.
" التقنيات التجارية في تجارة العصور الوسطى الإسلامي الأولى "
“Labor Partnership in Early Islamic Law”, in Journal of the Eco nomic and Social History of the Orient, X, 1967.
" علاقات العمل عند بداية القانون الإسلامي "
Partnership and Profit la Medieval Islam, Princenton University Press 1970.
"الشركة والفائدة في إسلام العصور الوسطى "
-, “Reflections on the Institutions of Credit and Banking in the Medieval Near East”, in Studio Islamica, XLI, 1975.
" أفكار عن مؤسسات القرض والبنك في العصور الوسطى بالشرق الأدنى "
ULLMANN, M., Islamic Medicine, Edimburgo 1987 - Islamic Surveys 11,1.
" الطب الإسلامي "
VAN…ESS, J., Anf?nge muslimischer Theologie-Zwei antiqadaritische Traktate aus dem ersten Jahrhundert der Hi?ra, Wiesbaden-Beirut 1977.
" كتاب الإرجاء لحسن بن محمد بن الحنفية "
-,“Das Kit?b al-Ir??’ des Hasan b. Muhammad b. al-Hanafiyya”, in Arabica, XXI, 1974; e Nachtr?ge, ib., XXII, 1975.
-, Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert der Hidschra, 6 voll., Berlino - New York 1991-1995.
-, “Untersuchungen zu einigen ib?ditischen Handschriften”, in ZDMG, 126, 1976; e “Nachtr?ge”, ib., 127, 1977.
-‘ “Zwischen Had?t und Theologie - Studien zum Entstehen pr?destina tianischer Uberlieferung”, Suppl. a Der Islam, VII, 1975.
VECCIA VAGLIERI, L., “Sull’ origine della denominazione sunniti”, in Studi Orientalistici in onore di Giorgio Levi della Vida, Roma 1956, vol. Il.
" حول تسمية السنين "
-, “L’Im?mato ib?dita dell”Om?n”, in AIUON, N.S., III, Napoli 1949. (1/273)
صفحة 274
" الإمامة الاباضية العمانية"
VITESTAM, G., “Qat?da b. Di’?ma as-Sad?s? et la Science du Had?t”, in Actes du Ve Congrès International d’Arabisants et d’Islamisants, Brüssel 1970.
" قتادة بن دعامة وعلوم الحديث"
WELLHAUSEN, J., Reste arabischen Heidentums, Berlino 1887.
WENSINCK, A. J., Muslim Creed, Cambridge 1932.
" عقيدة المسلم "
WIEDENSOHLER, G., M?ngel beim Kauf nach islamischen Recht, Walldorf-Hessen 1960.
WILKINSON, J. C., “Bio-bibliographical Background to the Crisis Pe riod in the Ib?d? Im?mate of Oman”, in Arabian Studies, III, 1976.
" بيو ببليوغرافيا "
-,…“Ib?di Hadit: an Essay on Normalization”, in Der Islam, LXII, 1985.
" الحديث الإباضي "
-,…“Ib?d? Theological Literature, in Religion, Learning and Science in the ‘Abbasid Period, Cambridge Univ. Press 1990.
"أذاب علوم الدين الإباضية "
-, “Suhar (Sohar) in the Early Islamic Period: the Written Evidence”, in South Asian Archaeology 1977, ed. M. Taddei, Ist. Univ. Orienta le, Napoli 1979, vol. Il.
" صحار عند بداية الإسلام : البرهان المكتوب "
-, “The Early Development of the Ib?di Movement in Basra, in Studies on the First Century of Islamic Society, ed. G.H.A. Juynboll, Southern Illinois U.P., Carbondale 1982.
" تطور المبكر للحركة الإباضية في البصرة"
-, “The Ib?di Im?ma”, in Bulletin of SOAS, XXXIX, 1976.
" الإمامة الإباضية "
-‘ The Imamate Tradition of Oman, Cambridge University Press 1987.
" عادة الإمامة في عمان"
-, “The Julanda of Oman”, in Jour. of Oman Studies, 1, 1975.
" جولندا عمان"
-, “The Omani Manuscript Collection at Muscat - Part Il - The Early Ib?di Fiqh Works”, in Arabian Studies, IV, 1977. (1/274)
صفحة 275
" مجموعة المخطوطات العمانية في مسقط "
ZEYS, E., Droit mozabite: le N?l, Algeri 1891.
" قانون المزاب"
-, Législation mozabite, Algeri 1886.
"التشريع المزابي"
الفهرس
تمهيد.......................................................................
مقدمة
الفصل الأول
نظرية حول القانون الإباضي
1 ـ دراسات حول القانوني الاباضي خلال فترة الاستعمار....................
2 ـ أطروحة ساشت وانتقادات روبينتشي وكولسون...........................
3 ـ المباحث الجديدة في القانون الإباضي النامي وويلكينسون.................
الفصل الثاني
بدايات التشريع الإباضي في البصرة
1 ـ جابر بن زيد.............................................................
2 ـ أبو عبيدة................................................................
3 ـ الربيع بن حبيب.........................................................
الفصل الثالث
عقود البيع والقرض حسب النصوص الإباضية القديمة
1 ـ المصادر ...............................................................
2 ـ النماذج .................................................................
موضوع عقد البيع.......................................................
تحريم الربا..............................................................
تحريم الغرر ............................................................
عيوب الشيء............................................................
خيار الشرط.............................................................
السلف...................................................................
المضاربة................................................................
العلاقات التجارية مع دار الحرب.........................................
الفصل الرابع (1/275)
صفحة 276
مسند الربيع بن حبيب أو الجامع الصحيح
1 ـ البنية العامة للمؤلف......................................................
2 ـ إشكالية أصالة المسند ...................................................
3 ـ كتاب البيوع في المسند..................................................
الفصل الخامس
النظرية والتطبيق: تحريم الربا في تفاسير هو بن محكم الهواري وأبو الحواري العماني
1 ـ تحريم الربا في القرآن...................................................
2 ـ تحريم الربا في التفاسير الإباضية........................................
الفصل السادس
التشريع الإباضي : مرحلة النضج
1 ـ المصادر ...............................................................
2 ـ العناصر الأساسية في عقد البيع..........................................
3 ـ عهدة العيوب...........................................................
4 ـ عهدة الاستحقاق.........................................................
5 ـ فساد العقد...............................................................
6 ـ تحريم الربا وقواعد البيع ـ المقايضة ـ ................................
7 ـ السلم....................................................................
8 ـ حول بعض الأنواع الخاصة من البيوع التولية، بيع الربع، بيع الخيار.....
9 ـ القرض و المضاربة.....................................................
الخاتمة.......................................................................
البيبليوغرافيا ................................................................ (1/276)