صفحة 1
الكتاب: التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
مقدّمة الطّبعة الثّانية
تكرّم الشّيخ طالب بن خلفان بن سالمين الضّامري بطبع كتاب " التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر". انتشر الكتاب، ولقيت الطّبعة الأولى أصداء طيّبة والحمد لله؛ فقد كانت الدّراسة مرجعًا لكثير من الأعمال التي تناولت موضوع العلاقة بين عمان والجزائر، كما كانت مكمّلة لبعض الدّراسات التي تناولت علاقة عمان بالمغرب الإسلامي، أو شمال إفريقية .. لذا رأينا إعادة طبع الكتاب في الجزائر، بعد أن طلب منّي ذلك أخي الفاضل الأستاذ سعيد نواسة المسؤول التّجاري في دار البصائرللنّشر والتّوزيع بالجزائر العاصمة .. التاي تتولّى طبعه، بإشراف وزارة الثّقافة الجزائريّة، في إطار قسنطينة عاصمة الثّقافة العربيّة ..
أقدّم بعض الملاحظات في هذه الطّبعة الثّانيّة:
1 ــ اخترنا للدّراسة عنوان التّواصل بدل العلاقة، وقد ناقشني فيه بعض الإخوة فقلت لهم موضّحًا .. لي أهداف عديدة من هذه الدّراسة .. منها تسجيل نشاط متميّز بين الجناحين المشرقي والمغربي، في إطار العلاقات القويّة بين عمان والجزائر .. فلا أريد أن نبقى في حدود الحكاية عن الماضي واحترار المآثر، بقدر ما نرمي إلى أن تكون هذه الحركة متواصلة، تستمدّ خيوطها من الماضي لتنسج على منواله ما يضمن لها الحضور المستمرّ في المشهد الحضاري .. وفي هذا التّوجّه رسالة موجّهة للأجيال كي تتحمّل مسؤليّتها في المحافظة على الإرث الحضاري، وتضيف إليه من إبداعاتها وإسهامات ما يضمن الاستمراريّة والدّيمومة .. فنكون قد تناولنا التّليد والجديد في العمل الحضاري .. هذا ما تفيده كلمة (تواصل) ولا تدلّ عليه كلمة (علاقة).
2 ــ خصّصنا الدّراسة للجانب الثّقافي بكلّ ما تحمل كلمة ثقافة من دلالات وأبعاد، ولم نعرض للجوانب الأخرى التي لها وزنها ودورها وحضورها الكبير في هذا التّواصل وهذه العلاقة، لكنّها لا ترقى إلى مستوى العلاقة الثّقافيّة وأهمّيتها ودورها وتأثيرها ...
3 ــ كتب في موضوع التّواصل والعلاقات الثّقافيّة بين عمان والمغرب الإسلامي محموعة من الباحثين ... نذكر من بينهم د. رجب محمد عبد الحليم، د. فرحات بن علي الجعبيري، د. إبراهيم القادري بوتشيش، الشّيخ أحمد بن سعود السّيّابي، د. عبد الهادي تازي .. الشّيخ هلال بن سالم بن حمود السّيابي .. كما كتبت بعض الدّراسات والمقالات، نشرت في بعض المجلات، كمجلّة الحياة التي تصدرها جمعيّة التّراث بالقرارة، الجزائر .. وعقدت بعض النّدوات كالملتقى العلمي حول التّواصل الحضاري العماني المغاربي في العصر الحديث، الذي أقيم في جامعة آل البيت بالأردن .... كما كان لنا شرف إلقاء بعض المحاضرات عن هذا التّواصل في بعض مساجد سلطنة عمان ومنتدياتها ..
آخر ما اطّعت عليه في الموضوع كتاب النّمير حكايات وروايات عن الإباضيّة في مصر وليبيا والجزائر وتونس ..... ج8 للباحث محمد بن عبد الله السّيفي النّزوي .. ، الذي صدر سنة 1437هـ/ 2016م. هذا الكتاب مهمّ في موضوع التّواصل بين عمان والمغرب الإسلامي ... فقد تضمّن معلومات وروايات وحقائق، تعدّ مصادر في الموضوع .. فيه أخبار عن الرّسائل المتبادلة والتّعاون في التّأليف، وعن الزّيارات والرّحلات واللّقاءات .. ومختلف أوجه التّواصل التي تناولنا محاورها في هذا الكتاب .. (1/2)
صفحة 3
إنّ عملنا في هذه الدّراسة التي تنشرها في طبعتها الثّانيّة .. يعدّ مكمّلاً لتلك الجهود، وجزءًا منها .. وقد خصّصناه للجزائر فقط؛ لنتمكّن من التّوسع والتّعمّق في الدّراسة .. لأنّ موضوع التّواصل بين المغرب الإسلامي وعمان كبير جدَّا .. يبدو لي أنّ نجزئته بهذه الطّريقة أجدى وأنفع.
4 ــ ألحقنا بالدّراسة ملاحق رأيناها مهمّة، إذ هي مكمّلة للموضوع. وارتأينا أن تكون متنوّعة، بين دراسة وانطباع وتعليق، وبين ما هو من نتاجي وما هو من غيري .. كلّ ذلك يبيّن عمق هذه العلاقة بين عمان والجزائر وأهمّيتها، وفي الوقت نفسه يثّمن هذا التّواصل الثّقافي ويدعو إلى مواصلة السير في دربه، مع تطويره بما ينسجم وبتناغم مع مكانة عمان والجزائر في سيرورة المجال الفكري والثّقافي في مسيرة المشهد الثّقافي الإسلامي والعالمي.
5 ــ قمنا بتصحيح بعض الأخطاء وتعديل في الأسلوب ... وإضافة بعض المعلومات والفقرات والملاحق في هذه الطّبعة ... وحاولنا أن نثبت أو نشير إلى كلّ ما توصّلنا إليه من جديد نزل ميدان النّشر، أو ظفرنا به، ولم نتمكّن أن نتناوله في الطّبعة الأولى .. ونحن نجزم أنّ الموضوع كبير وغنيّ بما سجّل من نشاط علمي وثقافي كبيرين في هذا التّواصل، ومهمّ بما يحمل من رسائل عميقة الدّلالة والأبعاد .. ونعترف أنّنا لم نتمّكن من الإحاطة به، ولم نأتِ على كلّ الأنشطة وكّل الأسماء التي كان لها أثر ودور في هذه الصّلة .. اكتفينا ببعض الإشارات والإحالات في بعض الأحيان .. بمعنى أوضح واصرح: إنّ الموضوع في حاجة إلى مزيد بحث ودراسة .. فما قدّماه هو غيض من فيض، في حاجة إلى مزيد من التّحليل والعرض ..
نشير في ختام هذه الملاحظات أنّ زميلي في التّدريس في كليّة التّربيّة بنزوى الشّاعر العراقي الأستاذ الدّكتور سعيد جاسم الزّبيدي. قدّم عن عملي هذا بحثًا في الملتقى العلمي الثّامن لوحدة الدّراسات العمانيّة: التّواصل الحضاري العماني المغاربي في العصر الحديث"، المنعقد بجامعة آل البيت بالأردن في شهر ذي القعدة 1432هـ/ أكتوبر 2011م.
نرجو أن نكون بهذا العمل قد أسهمنا في التّعريف بجانب من الحضارة الإسلاميّة، في جانبها الحركي التّفاعلي، الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه في تبيين طرق العمل والنّشاط المؤسّسين على قواعد البناء الحضاري. نسأل الله القبول والتّوفيق في بقيّة الدّراسات والأعمال، إنّه ولي التّوفيق، ونعم المولى والنّصير.
الجزائر يوم السّبت: 23 من رجب 1437هـ
30 من أفريل 2016م ... الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رئيس جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر (1/3)
صفحة 4
تمهيد
إنّ التّعاون الثّقافي بين إِباضية المشرق والمغرب كان قائما منذ القديم في كثير من المجالات: في الفتوى والتّعليم والتّأليف والتّراسل والتّزاور ... وما تزال هذه الصّلة الثّقافيّة قائمة إلى اليوم، في المجالات المذكورة وغيرها. قد يعتريها ضعف ووهن في بعض الفترات؛ نتيجة ظروف وعوامل خاصّة، إِلاّ أنّها لم تتقطّع، وهي اليوم تزداد وتتحسّن، وتتوثّق أكثر، يدعم هذا ويؤكِّدهُ ما جاء في جريدة الحياة الجزائريّة بعد اختتام أعمال اللّجنة المشتركة العمانيّة الجزائريّة في مسقط يوم:6. من شعبان 1414هـ الموافق لِـ 19 من جانفي 1993م. جاء في هذه الجريدة: وقد بحثت اللّجنة سبل تطوير علاقات التّعاون بين البلدين في مختلف المجالات: التِّجاريّة والاقتصاديّة والسّياحيّة، وكذا تعزيز التّعاون التّربوي والثّقافي بين البلدين ... كما اتُّفِقَ على إرسال خبراء جزائريّين لسلطنة عمان، واستقبال طلبة عمانيّين في مصالح التّكوين الجزائريّة .. (1)
هذا التّواصل الثّقافي المتين، الذي حصل ويحصل بين إباضية المشرق والمغرب الإسلاميّين في مسيرة المذهب الإباضي الطّويلة، يمكن أن يلحظه الدّارس في الأصول التي تربط الإباضية في المغرب الإسلامي بعمان من حيث النّشأة الثّقافيّة والفكريّة والانتماء الإيماني والمذهبي والارتباط العاطفي، ومن حيث التّدرّج والتّقدّم في التّكوُّن والتّكوين والإعداد. كما يسجّله ويستنتجه الباحث من اعتراف أهل المغرب بفضل عمان في رعايتهم والعناية بهم، ومن ثمّ الاستعانة بهم في إرساء قواعد المذهب وأسسه في المغرب الإسلامي، والتّطلّع دائما إلى استمداد العون والقوّة من عمان لضمان الثّبات والاستمراريّة، وكذا الاستعانة بها في حلّ مشاكلهم السّياسيّة والماديّة والمذهبيّة؛ لكون عمان هي الموطن الأمّ للإباضيّة في العالم الإسلامي. ويلحظ الدّارس التّواصل الثّقافي في استمداد عمان الطّاقة الرّوحيّة والمعنويّة والتّأييديّة من المغرب؛ للنّهوض بالمذهب الإباضي، وخدمة الثّقافة الإسلاميّة.
كلّ ذلك جعل العلاقة الثّقافيّة أو التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر قائمين دائما. وكان لذلك أثره في توثيق الرّوابط وازدياد الصّلات بين الفريقين (إباضية المشرق وإباضية المغرب). وقد تعدّدت هذه العلاقات الثّقافيّة وتنوّعت، فمن رحلات علميّة وتبادل للزّيارات، قام بها علماء هذه البلدان، كلّ إلى بلد الآخر، ومن التقاء لهم على أرض مكّة في موسم الحجّ، حيث يجتمع علماء الإباضيّة من المشرق والمغرب، يتبادلون الرّأي والمشورة. ومن تبادل الكتب والمراجع العلميّة، ومن مناظرات علميّة، وطلب للفتوى فيما يستغلق عليهم فهمه من أمور الفقه والمذهب، إلى غير ذلك من الأمور التي أدّت إلى زيادة الرّوابط الفكريّة والثّقافيّة والعلميّة بين الجانبين. (2)
__________
(1) - ينظر نصّ البيان المشترك الكامل، جريدة الحياة (الجزائر) ع: 192، الأحد 10 من شعبان 1414هـ /23 من جانفي 1993م،: ص:16.
(2) - عبد الحليم، الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 1410هـ /1990 م، ص: 148
- الدّكتور فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال أفريقيّة، ط1، المطابع العالميّة، رويّ، سلطنة عمان، ص: 55، يرى الدّكتور فرحات الجعبيري "ضرورة. إقامة دراسات مقارنة دقيقة بين المشرقيّة والمغربيّة؛ لنتبيّن ما بينهما من تكامل، لأنّها كلّها تقوم على أسس عقديّة واحدة.". المرجع السّابق، ص: 48. (1/4)
صفحة 5
يجب أن نسجّل ونثبت أن هذه العلاقات كما يقول الدّكتور فرحات الجعبيري "انطلقت من منطلق عقدي واحد، ازداد تعمّقا عبر الزّمن" (1). من هذه الحقائق نقول: إنّ هذه العلاقات تعبّر عن الوحدة الفكريّة، التي تحرص الإباضية على المحافظة عليها في كلّ ممارساتها ونشاطها قدر المستطاع.
بما أنّ عمان هي الموطن الأمّ للإباضيّة، فقد كان العمانيُّون يرون أنفسهم أوصياء على إخوانهم في المغرب؛ ولهذا كانوا يتولّون شؤونهم، كما كانوا يعدّون هذه الجهة من العالم الإسلامي جزءا لا يتجزَّأ منهم، وأنّ أمر المغرب أمرهم، وأئمّة المغرب أئمّتهم، ونرى مثلا في باب (ذكر من أخذ عنه أهل عمان دينهم الصّحيح) الذي أورده الإمام السّالمي (2) يقول " ثمّ الجلندي بن مسعود الإمام العماني، وأبي الخطاب وعبد الرّحمن بن رستم الإمامين المغربيّين وأصحابهم، ومن كان في طبقتهم، ثم محبوب بن الرّحيل، وهاشم بن عبد الله الخراساني، وموسى بن أبي جابر" .. (3)
قَرنُ الشّيخ عبد الله السّالمي (ت 1914م) هؤلاء الأئمّة في حديث واحد، وذكرُهم في سياق واحد، وخلع صفة الإمام المعلّم على المشرقي والمغربي على السّواء، يدلّ على هذه اللّحمة القويّة التي تربط تاريخ المغرب بتاريخ عمان، بل إنّ من يدرس أو يقرأ كتاب " السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان " بجزأيه، يقف على هذه الحقيقة، وهي أنّ الإباضيّة عموما يعدّون أنفسهم وأمرهم واحدا: المشرقيّ منه والمغربيّ. ففي سيرة الإمام محبوب بن الرّحيل (عاش في القرن الثّاني الهجري وأوائل الثّالث الهجري) إلى أهل عمان يقول: "وكانت المحكّمة واحدا، لو حكم رجل من المغرب تولاّه من كان منهم بالمشرق، ولو حكم من كان بالمشرق تولاّه من كان بالمغرب." (4)
معاملة الإباضيّة بعضهم بعضا بهذه الطّريقة، ونظرتهم لبعضهم نظرة احترام وتقدير يدلّ على التّلاحم ووثوق الصّلة بينهم. ومن الأمثلة التي تثبت ذلك ما سَجّلتهُ المصادر الإباضيّة من أنَّ الرّسل التي أرسلت حاملة لإعانة ثانيّة للإمام عبد الرّحمان بن رستم (ت171). واعتذاره هو عن قبولها؛ لأنّ أهل بلده ليسوا بحاجة لها، إذ هم يتمتّعون بالرَّخاء والعدل، بينما أهل المشرق (مصدر الإعانة) هم أولى بها. فبعد ردّ عبد الرّحمن بن رستم هذه الإعانة؛ زهدا وورعا ومراعاة لحال إخوانه في المشرق: "اجتمع الإباضيّة وقرّروا أنّ الإمام عبد الرّحمن جدير بأن يكون خلفا لأبي بلال مرداس وطالب الحقّ وأبي حمزة المختار (5) حتّى وإن كان الاعتراف قد حصل بعد رجوع الرّسل من تيهرت إلى البصرة، بعد تسليم عبد الرّحمن الإعانة، إلاّ أنّ "هذا الاعتراف لم يأخذ الشّكل الكامل إلاّ بعد أن أرسلوا له هذه المرّة عشرة أحمال من الأموال مع نفس الرّسل السّابقين". (6)
__________
(1) - ينظر الشّيخ عبد الله بن حميّد السّالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج1، ص: 65، 66.
(3) - الدّكتورة سيّدة اسماعيل كاشف، "إباضيّة عمان ونشر الإسلام في بلاد المغرب"، ينظر كتاب: حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة، المجلّد الثّالث، ط2، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان سنة 1406هـ 1986م، ص: 302.
(4) - كتاب السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان ج1، تحقيق وشرح الدّكتورة سيّدة اسماعيل كاشف. ط2. مطابع دار جريدة عمان للصّحافة والنّشر، رويّ. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان سنة: 1410هـ/ 1989م، ص: 297. ينظر ما يعضد هذه الفكرة، وعدّ التّاريخ المغربي جزءا من التّاريخ العماني، ينظر ذلك كتاب: حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة، مج3. ص: 305، 306.
(5) - حصاد ندوة الدّراسات العمانية مج3، ص293. ينظر هذه الحقيقة ابن الصّغير، أخبار الأئمّة الرّستميّين، تحقيق وتعليق الدّكتور محمد ناصر والأستاذ إبراهيم بحّار. المطبوعات الجميلة، الجزائر، سنة 1986. ص:32،33.
(6) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 137. (1/5)
صفحة 6
هذه الرّواية تسجّل وتبيّن ــ بما لا جدال فيه ــ العلاقة الوطيدة التي تربط المشرق بالمغرب، وتبرز عمق هذا التّواصل الفكري والثّقافي.
إنّ الهيمنة الأبويّة الرّوحيّة التي تسجّل لإباضية المشرق على إباضية المغرب كانت بدافع توثيق الصّلة، والتّمسّك بقوّة بهذا الرّباط الذي يجمع المشرق بالمغرب الإسلاميين، وبنيّة تأصيل الإسلام والعروبة في أبناء المغرب الإسلامي، الذين هم في حاجة إلى من يأخذ بأيديهم من جهة (1) ومن جهة ثانية كان يهدف أهل المشرق بهذه الهيمنة إلى محاولة نصرة إخوانهم في المغرب، الذين فرّ كثير منهم إليه من ظلم الأمويّين والعبّاسيّين، وإلى حمايتهم من ضربات العبيديّين، وممّن يكيد للإباضيّة، ومن جهة ثالثة كانت الهيمنة خوفا من تخلّي النّاس عن مذهبهم، إذا تكرّر الاعتداء عليهم، ولم يجدوا من يحميهم ولو معنويًّا، ويبعث فيهم الثّقة بأنفسهم، ويعينهم على الاستمساك بمذهبهم؛ برعايتهم واحتضانهم والتّكفّل بهم في التّكوّن والتّقّف، وإشعارهم بانتمائهم إليهم، ورعاية مصالحهم ومشاكلهم. وقد سجّلت لنا كتابات المغاربة وكتب الطّبقات المغربيّة مجهودات العمانيّين في صنع التّاريخ المغربي الإسلامي.
هذه الملاحظات تبيّن لنا بوضوح لماذا كان إباضيّة المغرب يهتمّون كثيرا بتاريخ إخوانهم في المشرق بعامّة وعمان بخاصّة، ولماذا كانوا يعنون بأخبارهم وسيرهم ويدوّنونها، وفي هذا تقول سيّدة اسماعيل كاشف: " إنّ تاريخ الإباضيّة في بلاد المغرب يبيّن بوضوح صلة المغرب الإسلامي بالمشرق وبالإباضية العمانيّين، الذين حافظوا على هذه الصّلة، والذي أصبح المغرب الإسلامي بفضلها أصيلا في الإسلام والعروبة، كذلك يجد الباحث جوانب من أخبار المغرب الإسلامي العربي وتاريخ الإباضيّة فيه، وجهودهم في نشر الإسلام، وفي إنشاء الإمامة الإسلاميّة محفوظا في التّاريخ العماني القديم والحديث، ومدوّنا في سيَر الفقهاء والعلماء الإباضيّة العمانيّين" (2).
ممّا ذكرناه وعرضناه تبرز لنا أهمّية العلاقة بين عمان والمغرب الإسلامي، وانعكاساتها الإيجابيّة، التي نتطلّع إلى معرفة نتائجها على مسيرة الفكر الإسلامي بعامّة والإباضي بخاصّة. ودارسة هذه العلاقة ضروريّة، لتعريف الخَلَف بها، ولتوثيق التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب، ولتصحيح بعض المفهومات الخاطئة، وإزالة الشّوائب التي شانت هذه العلاقة أو ألصقت بها، ثمّ العمل على تطويرها، بما يعود على الإسلام بالخير والفائدة.
في الصّفحات الآتية نحاول عرض العلاقة بين عمان والجزائر؛ لأنّها علاقة متجذّرة في التّاريخ، تمتدّ إلى القرون الأولى للهجرة، وما تزال تشهد تطوّرات إيجابيّة كلّ يوم. نريد الكشف عن التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر؛ لأنّه مجهول عند الكثير من الدّارسين، فضلاً عن عامّة النّاس. وقد فسّر عند بعضهم تفسيرًا خاطئًا، أو لم يفهم فهمًا سليمًا ..
نحاول التّعرّض لبعض جوانب هذا التّواصل الثّقافي، من دون تناوله كلّه؛ إذ أنّ هذا غير ممكن في دراسة محتشمة محدودة. وقد أسقطنا مثلا في دراستنا هذه ما يتعلّق بجانب الشّعر، أي تبادل القصائد بين المشرق والمغرب. وهو جانب مهمّ، في حاجة إلى دراسة خاصّة ومركّزة، ونحن لا نملك كمّا هائلا من هذه القصائد التي تسمح لنا بالقيام بهذه الدّراسة. (3)
__________
(1) - ينظر كتاب حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة، مج3، ص: 265.
(2) - م. س. ص:301.
(3) - الأستاذ محمد بن أحمد جهلان، يعدّ أطروحة دكتوراه في الموضوع، خصّصها للتّبادل الأدبي بين أدباء عمان والجزائر. سجّلها في قسم اللّغة العربيّة وآدابها، كليّة الآداب واللّغات، جامعة الحاج لخضر (1)، باتنة، الجزائر. (1/6)
صفحة 7
بهذه المحاولة نرجو أن نسهم مع المسهمين في إنصاف جزء من تاريخنا الإسلامي، وفي الوقت نفسه نحمّل الآباء والقائمين على مراكز التّوجيه والقرار مسؤوليّة التّعريف بهذا التّاريخ، وربط الأجيال به، ونهيب بالنشء والخلف البحث عنه، وتشرُّبَه واستلهامه، والسّير على هديه، ليبقوا أوفياء له ولصانعيه، وليعملوا على الإضافة إليه وإغنائه.
نشير في الختام إلى أنّنا كنّا نتوسّع أحيانا خارج دائرة العلاقة بين عمان والجزائر إلى العلاقة مع المغرب الإسلامي بعامّة، لأنّ الارتباط بين دُوَلِهِ كان قويّا ومتداخلا، يصعب على الدّارس الحديث عن إحداها من دون الإشارة إلى الأخرى أحيانا، وخاصّة إذا كان الأمر يتعلّق بالقرون الأولى.
ننبّه أيضا إلى أنّ هذا البحث ألقي جزء منه في النّادي الثّقافي بالقرم (سلطنة عمان) في شهر ديسمبر من سنة 1984م. أي كان إعداده في هذه الفترة. وبما أنّ نشره تأخّر كثيرا فقد سمحنا لأنفسنا بإضافة بعض المعلومات، وبعض الأعمال التي أنجزت بعد ذلك، خاصّة في الملاحق؛ لأنّنا رأيناها مكمّلة للموضوع والله وليّ التّوفيق.
نزوى يوم الأحد: 27 من صقر 1420هـ
12 من جوان 1999م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
البدايات الأولى للتّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر
مرّ الإباضيّة بظروف صعبة، فقد اضطهدوا وشرِّدوا ولوحقوا وصودرت آراؤهم وأفكارهم، واضطرّوا إلى العمل بسِرِّيّة تامّة، كما حتّم عليهم ما تعرّضوا له من مضايقات إلى السّير في الأرض، (1/7)
صفحة 8
والتّنقّل من مكان إلى مكان، لنشر أفكارهم، والدّعوة لمذهبهم. وقد كان من بين المناطق التي رحل إليها الإباضية المغربُ الإسلامي. وأوّل من قدم إليه داعيا إلى المذهب الإباضي هو سلمة بن سعد الحضرمي، الذي وصل إلى هذه المنطقة في بداية القرن الثّاني الهجري على الأرجح.
بفضل مجهودات هذا الدّاعية ورفاقه أخذ هذا المذهب في الانتشار في المغرب الإسلامي. وهو ما استدعى التّفكير في إعداد رجال يحملون هموم المذهب، ويتحمّلون مسؤوليّة التّعريف به. إنّ هذه المهمّة بدورها تتطلّب التّفرّغ لطلب العلم، والتّفقّه في الدّين، والاجتهاد في الاستعداد الجيِّد، والتّكوّن الصّحيح السّليم، لذا اتّفق أهل المغرب مع مركز القيادة الإباضيّة في البصرة على إرسال مجموعة من الطّلبة إليها لهذا الغرض.
فعلاً رحل إلى البصرة (1) أربعة طلبة من المغرب الإسلامي هم: عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السّدراتي، وأبو داود القبلّي النّفزاوي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، ثم انضمّ إليهم في البصرة أبو الخطاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري اليمني.
قال الشّيخ عليّ يحيى معمّر (1919 ــ 1980م) عن سلمة بن سعد وعن منهجه السّليم في الدّعوة إلى الإسلام: إنّه كان "يتخيّر الشّباب الذين يتوسّم فيهم الصّفاء والذّكاء والنّبوغ، ويدعوهم إلى السّفر إلى المشرق لاستكمال دراستهم على كبار تابعي التّابعين ... وقد استطاع أن يرسل الفوج الأوّل من تلميذ واحد (2) إلى البصرة ثمّ استطاع أن يكوّن بعثة من أربعة طلّاب (3) " وقد مكث هؤلاء الطّلبة في البصرة خمس سنوات (135 ــ 140هـ) يتلقّون العلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت145هـ)، رجعوا بعدها إلى المغرب الإسلامي ليبدؤوا العمل في الدّعوة ونشر العلم، وهم الذين عرفوا بحملة العلم إلى المغرب. تعدُّ هذه الرّحلة هي البداية الحقيقيّة في التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب.
حتّى تكون الانطلاقة حسنة، والبداية قويّة، والعلاقة الثّقافيّة بين عمان والبصرة مع المغرب مؤسّسة على أسس صحيحة، فإنّ أبا عبيدة الزّعيم الرّوحي للإباضيّة بعد الإمام جابر بن زيد (ت 93هـ) قدّم لحملة العلم الخمسة إلى المغرب ــ بعد انتهاء مدّة تعلّمهم عليه ــ وصايا ونصائح، وفيها
__________
(1) - كانت البصرة في تلك الفترة إحدى المراكز العلميّة المهمّة في البلاد الإسلاميّة، كما كانت مقرّا للعلماء الأعلام من أهل عمان، حتّى كادت أن تكون عمانيّة كما تقول الدّكتورة سيّدة كاشف. بل كانت البصرة في عمومها عمانيّة في سكّانها وعلمائها؛ لذا فإنّ الاتّصال بالبصرة معناه الاتّصال بعمان في تلك الحقبة.
(2) - هذا التّلميذ هو أبو عبد الله بن مغطيرالجناوني النّفوسي، الذي كان أوّل من جمع القرآن كلّه في جبل نفوسة وحفظه. وقد كان أوّل مغربي يسافر لطلب العلم. ينظر: كتاب حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة مج3، ص: 274، 275. وعن هذا التّلميذ ينظر أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشّماخي، كتاب السّير ج1، تحقيق أحمد بن. سعود السّيابي، مطابع النّهضة، مسقط، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة1407 هـ/ 1987م، ص: 128.
(3) - علي يحيى معمّر، الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة الرّابعة: الإباضية في الجزائر ط1، مطبعة الدّعوة الإسلاميّة، القاهرة. نشر مكتبة وهبة القاهرة. سنة1399هـ/ 1979م، ص: 23، 24. (1/8)
صفحة 9
مكّن وسَمح لعبد الرّحمن بن رستم بأن يفتي بما سمع منه، وبما لم يسمع، وأمر أبا الخطّاب أن يفتي بما سمع منه فحسب، وأمر أبا درار ألاّ يفتي تماما، لا بما سمع منه ولا بما لم يسمع. (1)
تدلّ هذه الوصيّة القصيرة على هذه العلاقة الرّوحيّة والأستاذيّة، التي ربطت أبا عبيدة البصري بطلبته المغاربة، وحرصه على بقائها ودوامها بين المشرق والمغرب، وعلى إخلاص الشّيخ نحو أبنائه الرّوحيّين، ورغبته وأمله في رؤية طلبته نجوما ساطعة وشموعا مضيئة ورجالا أكفَاء في الميادين التي يتولّونها؛ ولذلك سمح الإمام أبو عبيدة لنفسه أن يمنح لعبد الرّحمن بن رستم الحرّية في الإفتاء، وأن يمنع أبا درار الغدامسي منه، ويقيّد مجال الإفتاء لأبي الخطّاب. لكنه لم يعارض اسماعيل بن درار حينما سأله في أثناء الوداع، بعد انتهاء مدّة التلقّي والتّعليم نحو ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام. وقال له: أردتَ أن تكون قاضيا يا ابن درار، فقال له: أرأيتَ إن ابتُلِيتُ بذلك يا شيخ ... (2)
كان حملة العلم إلى المغرب قد استشاروا شيخهم أبا عبيدة واستأذنوه في أن يؤمّروا عليهم أحدا إن أنسوا من أنفسهم قوّة، وكان في مقدورهم إقامة دولة، وقد أذن لهم بذلك. بل حذّرهم من التّأخّر في هذا الإنجاز، وأشار إلى أبي الخطّاب، وقال لهم: إن أبى فاقتلوه. (3)
هذه الشّذرات تُبِين عن هذه العلاقة الرّوحيّة التي كان لها شأن كبير في تمتين الصّلة بين المشرق والمغرب فيما تلا من الأيّام.
حدث وأن وقع خلاف بين المسلمين (4) (الإباضيّين) في مسألة الحارث بن تليد الحضرمي وعبد الجبّار، اللّذين وجدا مقتولين، وقد دُسَّ من يضع سيف كلِّ واحد منهما في جسم الثّاني أو جثّته؛ ليقال: إنّهما قَتَلَا بعضهما. وكانت الدّسيسة من تدبير والي القيروان عبد الرّحمن بن حبيب (5) الذي خاف من قيام الدّولة الإباضية من جديد: "وأن يبايع الإباضية في أفريقيا والمغرب الأوسط الإمامة في طرابلس، فضلا عن أنّ قيام الدّولة الإباضيّة في طرابلس سيقطع صلته بالمشرق" (6).
هذه الحادثة أثارت الفتنة بين صفوف الإباضيّة وخلافا كبيرا بين من يرى التبرّؤ من الرّجلين، ومن يرى توليتهما، ومن يفضّل الوقوف فيهما، فلمّا اشتدّ الخلاف كان الملجأ والمفزع والموئل هو المشرق وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالذّات، ليُعرَض عليه الأمر ويُسْتَشارَ فيما يجب عمله، وكانت الإجابة واضحة ومقنعة (7). وقد تضمّنت الرّسالة محاور عدّة. من بينها الحضُّ على التّقوى والمحافظة على الأخوّة الإسلاميّة، ونبذ التّنازع والاختلاف، وبسط الحديث عن قضيّة الحارث وعبد الجبّار، وما
__________
(1) - علاقة عمان بشمال افريقيا، ص22.
(2) - ينظر أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، تحقيق وتعليق اسماعيل العربي، نشر المكتبة الوطنيّة، الجزائر سنة 1399 هـ/ 1979 م، ص: 36. وسيرالشّماخي ج1، ص: 127.
(3) - ينظر كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 36. وسير الشّماخي، ج1، ص: 114.
(4) - كلمة المسلمين أو جماعة المسلمين تعني الإباضيّة، فيما كتبه أصحاب هذا المذهب في النّصوص المتقدّمة. إذ أنّ كلمة" الإباضيّة " لم تظهر في كتاباتهم إلاّ متأخّرة في حدود القرن الثّالث الهجري، ينظر مثلا الدّكتور فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضيّة، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، سنة 1408 هـ /1987 م، ص: 56.
(5) - كان الإباضيّة - بعد مقتل زعيمهم في طرابلس سنة 127هـ/745م - قد انتخبوا الحارث بن تليد الحضرمي 131هـ/749م إمام دفاع لهم. واختار الحارث عبد الجبّار بن قيس المرادي ليكون قاضيا ومستشارا له.
(6) - حصاد ندوة الدّراسات العمانيّة مج3، ص282.
(7) - تراجع الرّسالة كاملة، الدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي، أبو عبيدة آثاره وفقهه, رسالة دكتوراه، الحلقة الثّالثة (مخ)، الكليّة الزّيتونيّة للشّريعة وأصول الدّين، الجامعة التّونسيّة، السّنة الدّراسيّة: 1989/ 1990م، الملحق، ص: 674 – 679. (1/9)
صفحة 10
ترتّب عنها من اختلاف النّاس بين الولاية والبراءة والوقوف (1). "وفعلا تصل الرّسالة إلى أهل المغرب ويسدل السّتار على هذه القضيّة، ومعنى ذلك أنّها فعلت فعلها وألّفت بين القلوب". (2)
يبقى حملة العلم ومعهم أهل المغرب على صلة بالإمام أبي عبيدة، يستشيرونه ويفزعون إليه في الملمّات، ويأخذون برأيه فيما يستجدّ من أمور.
لمّا قامت دولة أبي الخطّاب في طرابلس حرص إباضية المغرب على توطيد العلاقة بإمام المذهب الثّاني أبي
عبيدة، فأرسلوا إليه رسالة (3) يخبرونه فيها بقيام الدّولة التي كانوا قد استشاروه فيها قبل مغادرة البصرة، إن هم قدروا على ذلك، كما عرضوا عليه بعض المسائل وطلبوا منه إجابتهم عنها، بصفته شيخهم ومرجعهم في شؤونهم. وقد سُرَّ أبو عبيدة بهذه الرّسالة، وبهذه اللّفتة من تلاميذه ومن أبناء المذهب.
يعدّ هذا التّصرّف خطوة إيجابيّة ومهمّة في مزيد من توطيد العلاقة بين المشرق والمغرب: " أتاني كتابكم، تذكرون فيه ما منّ الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممّن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم. نسأل الله لكم العون والتّوفيق في جميع أموركم، وأن يكفينا وإيّاكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدّائرة عليهم، ويشفي صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ...
فلعمري لقد سرّنِي ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يَخفَ عنّا، غير أنّنا لم نظنّ الذي كتبتم به إليَّ، والله سيتمّ لكم الخير كلّه بعونه وتوفيقه.
أتانا كتابكم بمسائل، فمنها ما رأيت أن أُجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألاّ أحبيكم فيها، من غير هوان ولا تقصير، إلاّ الذي رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم، وأرفق لضعيفكم، وأعطف لقويّكم وأجمع لأموركم، وما توفيقي إلاّ بالله ... وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّه ويرضاه ... " (4)
إنّ هذه الرّسالة تكشف عن مدى العلاقة الرّوحيّة الوطيدة التي تربط المشرق بالمغرب، ومركزَ القيادة في البصرة بِروّاد الدّعوة وقادتها في المغرب الإسلامي. كما تُبيّن حرص أبي عبيدة ومن معه ومن جاء بعده من الزّعماء الرّوحيّين للجماعة الإباضيّة على توفير أسباب الاستقرار والنّجاح للدّولة الخطّابيّة الفتيّة، وللدّول التي تتعاقب بعد ذلك. يبدو ذلك في طريقة الإجابة، والتّمييز بين ما يمكن الإجابة عنه، وما يتعذّر، وما يؤجّل؛ استجابة للظّروف التي تمرّ بها الدَّولة الجديدة في المغرب، وما يعيشه الإباضيّة بعامّة. كما يؤكّد هذه العلاقة الحميمة ائتمارُ أهل المغرب بأوامر مركز القيادة في البصرة وأئمّتهم، واستشارتُهم والاستئناسُ بآرائهم. بل إنّهم يرجعون "بالمشورة إلى أهل المشرق في الكبيرة والصّغيرة، ولا يطمئنّ لهم بال حتّى ترد الرّسل أو الأجوبة من هناك." (5)
__________
(1) - ينظر تعليق على هذه الرّسالة كتاب علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص: 16 – 19.
(2) - م. س، ص: 19
(3) - يذكر فرحات الجعبيري أنّ الرّسالة، وجّهها عن إباضية المغرب، إلى أبي عبيدة الشّيخ اسماعيل بن سليمان المغربي، ويقول: لعلّه أحد عمّال الإمام أبي الخطّاب، ينظر المرجع السّابق، ص: 20.
(4) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، رسالة مسلم بن أبي كريمة في الزّكاة للإمام أبي الخطّاب المعافري، سلسلة "تراثنا" عدد: 34. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1982 م، ص: 3.
(5) - علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص55.: (1/10)
صفحة 11
يبقى سؤال مهمّ، يتعلّق بالبدايات الأولى للعلاقة بين إباضيّة المغرب والمشرق والاتّصالات بينهما. وهي هل يمكن العثور على ما يثبت حصول اتّصالات بين أهل المغرب وإمام المذهب الإباضي جابر بن زيد؟
هذه المسألة أثارها الدّكتور فرحات الجعبيري. (1) فهو يسجّل ــ آسفا ــ أنّ الرّسائل القليلة التي عثر عليها، ممّا ينسب إلى جابر بن زيد، ليس فيها ما يشير إلى حصول أيّ اتّصال بينه وأهل المغرب، والأمر نفسه ينسحب على المصادر والمراجع الإباضيّة وغير الإباضيّة، التي ترجمت لجابر بن زيد، إلاّ أنّ الدّكتور لا يستبعد حصول هذا الاتّصال، سَنَدُهُ في هذا هو ما شهدته العلاقة بين المشرق والمغرب من قفزة نوعيّة وقويّة في المرحلة الأولى من تولّي الإمام الثّاني أبي عبيدة مسؤوليّة الدّعوة في البصرة، إثر خروجه من سجن الحجّاج. فهو يرى أنّ هذه القفزة القويّة لا يمكن، أو يصعب أن نسجّل أنّها حصلت من دون تمهيد سابق، لذا فإنّ أمله كبير أن يجود الزّمن ببعض الوثائق، التي تسجّل حصول هذا الاتّصال.
أمّا نحن فإنّنا نستبعد حصول هذا الاتّصال من وجوه:
1) إنّ جابر بن زيد لم يكن معروفا، لأنّ دعوته كانت تعيش أو تتحرّك في سرّيّة تامّة. إنّها كانت محاصرة حصارا شديدا من الدّولة الأمويّة وعمّالها كزياد ابن أبيه، وابنه عبيد الله والحجّاج ... يكفي أن نذكر أنّ جابر بن زيد قد نفي إلى عمان، كما أنّ المغرب الإسلامي كان بعيدا عن مركز الإباضيّة، وجابر بن زيد في البصرة. فكيف تصل أخباره إلى أهل المغرب وسط هذه الأجواء المحمومة والمكفهرّة.
2) إنّ أوّل داع قدم إلى المغرب يدعو إلى المذهب الإباضي هو سلمة بن سعد، وقد كان ذلك أواخر القرن الأوّل الهجري وأوائل الثّاني (2)، وهي الفترة التي تُوُفّيَ فيها الإمام جابر بن زيد. وسلمة بن سعد كان يدعو الله أن يوفِّقه إلى إظهار المذهب الإباضي ولو يوما واحدا، ثمّ لا يبالِي إن ضربت عنقه بعد ذلك مباشرة: "حدَّث غير واحد من أصحابنا عن الإمام أفلح، وعن أبيه عبد الوهّاب عن جدّه عبد الرّحمن بن رستم أنّه قال: أوّل من جاء يطلب مذهب الإباضيّة بقيروان إفريقيا سلمة بن سعد ... فسمعت سلامة يقول: وددت لو ظهر هذا الأمر، يعني مذهب الإباضيّة يومًا واحدا، من أوّل النّهار إلى آخره، فلا آسَفُ على الحياة بعده." (3)
يدلّ هذا على أنّ المذهب الإباضي كان غير معروف في المغرب إلى حين وفاة جابر بن زيد، فكيف يمكن أن
يحصل اتّصال أهل المغرب ... بإمام المذهب؟
3) إنّ الإمام عبد الرّحمن بن رستم (ت 171هـ) أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب، الذين كان لهم دور كبير في انتشار المذهب الإباضي في المنطقة. هذا الإمام حين يسمع بسلمة بن سعد، يتحمّس لأمر التّعلّم والتّكوّن والتّحصيل. فيُشَار إليه بوجود رجل عالم في البصرة، يمكن له أن يجد فيه رغبته ومطلبه ... فأحد حملة العلم يرغب في التّعلّم، فيحتار إلى أين يتوجّه
__________
(1) - م. س، ص: 13.
(2) - حصاد ندوة الدّراسات العمانية مج3، ص: 271.
(3) - أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني، كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، ج1 تحقيق الأستاذ ابراهيم طلّاي، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر) (من دون تاريخ)، ص: 11، 12. ينظر سير الشّماخي، ج1، ص: 90، 91. (1/11)
صفحة 12
لإشباع نهمه من العلم، حتّى يُدَلَّ على أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (أستاذه بعد ذلك) والإمام الثّاني للمذهب الإباضي. فهو يجهل أبا عبيدة، فكيف له أن يسمع بجابر، فضلا عن أن يعرفه، ويعرف مركز البصرة: " ... فقام عبد الرّحمن مجتهدا في ذلك الأمر، فقال له رجل من أهل الدّعوة: إن كنت تريد العلم بما كلفت به، وعلقت مطلبه بخاطرك، فدونك أرض البصرة، فإنّ بها رجلا عالما يكنّى أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميمي، فإنّك تجد عنده ما تطلب ... (1)
لهذه الأسباب التي ذكرناها فإنّنا نرجّح ونقول إنّ الاتّصال بين جابر بن زيد وأهل المغرب لم يحدث، وإنّما حصل بداية مع تلميذه أبي عبيدة التّميمي. ومن جاء بعده. ما يمكن تسجيله في نقطة البداية في التّواصل الثّقافي، هو أنّ الخلفيّة الفكريّة له - بأوسع ما تحنله الكلمة - تتمثّل في المرجعيّة العلميّة للإمام جابر بن زيد (ت 93هـ) و كما أنّ البداية العلميّة للتّواصل الإباضي بين المشارقة والمغاربة كانت عل عهد الإمام ابي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. (2)
كان لهذه البداية أثرها الكبير في مسيرة أهل المغرب الطّويلة والمثمرة بعد ذلك، ولهذا كان فضل عمان على المغرب الإسلامي كبيرا. هذا ما نشير إليه فيما يأتِي:
فضل عمان على المغرب الإسلامي
أخذت عمانُ مركزَ القيادة بالنّسبة للإباضية، بالنّظر إلى أنّ المذهب الذي ظهر في البصرة، كان إمامه الأوّل جابر بن زيد عمَانيَّ الأصل، كما كان علماؤه الأوائل من أصول عمانية، حتّى انتشاره في البصرة كان بين سكّان عمانيّين، أو ينحدرون من أصول عمانيّة. وكان الذين أسهموا في تثبيت أسس المذهب، ونشر أفكاره وآرائه، والقائمون على التّعليم والتّكوين والإعداد، وإرسال حملة العلم إلى المشرق والمغرب، بعد التّكوّن والتّحصيل ... كان كلّ أولئك عمانيّين.
كما أنّ عمان تبوّأت مكانة مرموقة، وأصبحت مركز الثّقل السّياسي المهيمن على بقيّة المناطق، التي وجد فيها الإباضية: دعوة ودفاعا ونصرة له ... وقد عبّر العمانيّون عن ذلك بقولهم: "باض الدّين بمكّة وفرّخ بالمدينة، وطار إلى البصرة، ونهض إلى عمان." (3)
لهذه المكانة السّامية التي تحتلّها عمان في نفوس الإباضيّة، وجدنا أهل المغرب يتعلّقون كثيرا بإخوانهم في الموطن الأمّ للإباضيّة؛ يستعينون بهم في تكوّنهم وتثقّفهم، ويلجؤُون إليهم في حلّ مشاكلهم، ويرجعون إليهم في الفتوى وفي الاستشارة، وفي دعمِ كيانهم. وقد أوفدوا بعثات علميّة للتّكوّن على أيدي علماء الإباضيّة في عمان والبصرة، وأرسلوا رسائل علميّة إلى إخوانهم هناك. وقاموا بزيارات لهم، واستقبلوا هم رسلا وعلماء، وتلقّوا منهم رسائل، إلى غير ذلك من الوسائل التي اعتمدوها لدعْمِ علاقتهم بالمشرق الإسلامي.
ممّا يثبت تعلّق الإباضيّة المغاربة بالمشارقة في بداية وجودهم بالمغرب، وفي بداية تكوّنهم ونشأتهم ما نقل عن الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم (ت 208هـ) أنّه كان شغوفا بالعلم،
__________
(1) - طبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 12. ينظر أيضا كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 36
(2) - ينظرالشّيخ أحمد بن سعود السّيّابي، التّواصل الإباضي بن عمان والبلاد المغاربيّة، ط1، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، 1435هـ/ 2014م، ص: 12 - 21.
(3) - سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، العقود الفضيّة في الأصول الإباضيّة، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1403هـ /1983م ص: 148. (1/12)
صفحة 13
وحريصا على التّفقّه في الدّين، ولتحقيق غرضه وتلبية رغبته، توجّه وجهة المشرق فأرسل إلى إباضيّة البصرة بألف دينار، ليشتروا له بها كتبا، ابتاعوا له ورقا، ونسخوا له وقرَ أربعين جملا كتبا، فأرسلوها إليه، ولمّا وصلته قرأها كلّها. (1)
يضاف إلى ذلك دعوات زعماء أهل المغرب الملحّة النّاس والطّلبة إلى دراسة كتب إخوانهم المشارقة؛ لأنّهم يرونها الجديرة بأن تكوّنهم وتعلّمهم. من هذه الدّعوات قول الإمام أفلح بن عبد الوهّاب (ت 258هـ) "عليكم بدراسة كتب أهل الدّعوة (أي الإباضيّة) ولا سيّما كتاب أبي سفيان." (2)
تخصيص سيرة أبي سفيان بالدّراسة والعناية، له دلالة في التّعبير عن الرّغبة الملحّة في التّزوّد من المنابع الأولى والمصادر الصّحيحة للمعرفة. إنّ هذه السّيرة كانت لها أهميّة كبيرة عند الإباضيّة بعامّة إذ كانت عمدتهم "في التّعريف بنشأة المذهب وبعلمائه الأُوَّل؛ لأنّه من الرّعيل الذي أخذ عن أبي عبيدة وعن الرّبيع، وإنّا لنرجو أن يسعف الزّمن به ... " (3)
لقد استفاد المغاربة كثيرا من سيرة أبي سفيان في التّعرّف على المذهب الإباضي، في أصوله وتاريخه وعلمائه، كما استفادوا من علمه، من خلال حضورهم حلقاته التي كان يقيمها في مكّة ومنى في موسم الحجّ. هكذا يبدو لنا فضل عمان على أهل المغرب الإسلامي من خلال نشاط علمائها.
من الأمثلة على تعلّق المغاربة بالمشارقة، وحرصهم على التّكوّن على أيديهم وعلى كتبهم، واستئناسهم بتآليفهم وتصانيفهم ما روي عن أبي العبّاس أحمد بن أبي بكر محمّد بن بكر الفرسطائي (ت 504هـ/1111م) أنّه قال: " كنت أقرأ على الشّيخ سعدون، فجازت مسألة ذبيحة الأقلف قال: في أكلها قولان فلم ينسبهما، فدخلت إلى الدّيوان، وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تآليف كثيرة، فلازمت الدّرس أربعة أشهر، لا أنام إلاّ ما بين أذان الصّبح إلى صلاة الفجر، فتأمّلت ما فيه من تآليف أهل المشرق، فإذا هي تقرب من ثلاثة وثلاثين ألف جزء، كلّها لأهل المذهب، فتخيّرت أكثرها فائدة، فقرأته." (4)
هذه الرّواية تدلّ دلالة واضحة وقويّة على اعتماد إباضيّة المغرب في المجال التّكويني على إخوانهم المشارقة. كما تسجّل فضل عمان على أهل المغرب؛ بوجود هذا الكمّ الهائل من الكتب في المنطقة، قرأها أبو العبّاس باحثا عن إجابة مقنعة لمسألته. وفي تنصيص أبي العبّاس على هذه التّآليف إقرار منه بفضل أصحابها على أهل المغرب.
يضيف الأستاذ إبراهيم بحّاز دليلا آخر على تعلّق المغاربة بالمشارقة، ورغبتهم في السّير على سَنَنِهم، وترسّم خطاهم فيقول:" ولا أدلّ على علاقة المغرب بالمشرق من ذلك الرّباط الذي لا ينفصم ولا يزال مستمرّا، ويتجلّى بوضوح في تقليد المغرب للمشرق، فأيّما مشكلة أو مسألة فكريّة نوقشت هناك، إلاّ وتجد أصداءَها في المغرب. ولقد شهد المشرق خلال القرن الثّالث الهجري تطوّرا كبيرا في الفكر العربي الإسلامي. حاول المغرب بما أوتي من قوّة مسايرة ذلك الفكر والوصول إلى مستواه ضمن حدوده
__________
(1) - ينظر طبقات المشائخ في المغرب ج1 ص: 56، 57، وسير الشّماخي ج1، ص: 142.
(2) - أبو القاسم البرّادي، رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا. ينظر الدّكتور عمّار طالبي، آراء الخوارج الكلاميّة، الجزء الثّاني، الشّركة الوطنيّة للّشر والتّوزيع، الجزائر، سنة 1398هـ /1978م. ص: 284.
(3) - علاقة عمان بشمال افريقيا، ص: 28.
(4) - سير الشّماخي، ج2، ص: 90، ينظر أيضا طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 445. (1/13)
صفحة 14
الجغرافيّة والزّمانيّة. ولعلّ في مناظرات المعتزلة لإباضية المغرب أكبر دليل وأوضحه على العلاقة وأوجه الشّبه بين المشرق والمغرب العربيّين ... " (1)
هكذا يتبيّن لنا فضل المشرق بعامّة، وعمان بخاصّة على المغرب الإسلامي من حيث التّكوين والتّثقيف والإعداد، فهناك كتب مشرقيّة رحلت واستقرّت في مكتبات المغرب؛ ليتعلّم منها وعليها المغاربة. وهناك تطلّع إلى كلّ ما يبدو في المشرق من علم، ومن وسيلة للتّزوّد من المعرفة والتّفقّه في الدّين، والتّكوّن في مختلف المجالات، ومحاولة الظّفر به. ويظهر هذا الفضل في تقليد المغاربة للمشارقة في طريقة التّفكير ونوعيّة الموضوعات التي يناظر فيها وتناقش، لفرط تعلّق أهل المغرب بأهل المشرق؛ بما يثبت التّواصل الثّقافي بينهما.
كما يبرز هذا الفضل في مظاهر أخرى، مظاهر الدّعم المعنوي لإباضيّة المغرب، قصد تمكينهم من دّعْمِ كيانهم، وحسن تدبير أمورهم وإقامة شؤونهم، مثلما حدث في دَعْمِ الدّولة الرّستميّة.
الدّعم المعنوي والمادّي للدّولة الرّستميّة
إنّ العلاقة بين إباضيّة المشرق وإباضيّة المغرب كانت تتطوّر وتتمتّن بمرور الزّمن وتَعَاقُب الأيّام. إذْ نَقرأ في المصادر والمراجع الإباضيّة وغيرها عن الدّعم المادّي والمعنوي المشرقي للدّولة الرّستميّة، التي قامت في الجزائر في أعقاب سقوط دولة أبي الخطّاب في طرابلس.
أوّل دعم معنوي لهذه الدّولة هو اعتراف عمانيّ بصريّ بها؛ فقد تردّد على الألسن أنّ مؤسّس الدّولة الإمام عبد الرّحمن بن رستم "سوف يملك المشرق ويملؤه عدلا، فانهضوا إليه بما معكم من هذه الأموال ... " (2)
هذا الشّعور وهذا الأمل اللّذان راودا أهل عمان والبصرة هما تعبير صادق عن الإحساس بالعلاقة الرّوحيّة، التي تربط المشرق بالمغرب ودليل واضح على نيّتهم المخلصة في توثيق العلاقة وإِحكامها بين القطبين.
هذا التّعلُّق بإمامة عبد الرّحمن بن رستم، التي قامت في المغرب تعبير عن أمل المشارقة في إنقاذ الإباضيّة من حالات العسر والضّيق التي يمرّون بها؛ بسبب الهيمنة العبّاسيّة، وتسلّطهم وظلمهم، ومضايقتهم للإباضيّة، فقد مرّ هؤلاء بظروف عصيبة، كادت تعصف بهم، وتقضي عليهم، وكان الضّعف يدبّ إلى نشاطهم؛ ولذا كانوا يستعدّون للانتقال من البصرة إلى عمان. وكانت عمان نفسها ما بين قيام الإمامة الأولى132هـ/750م والإمامة الثّانية 177هـ/793م خاضعة للدّولة العبّاسيّة، وكان
__________
(1) - بحّاز إبراهيم بكير، الدّولة الرّستميّة، دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة، ط1، مطبعة لافوميك، الجزائر، سنة 1985م، ص: 398.
(2) - أخبار الأئمّة الرّستميّين، ص: 28. ينظر أيضا سليمان باشا الباروني، الأزهار الرّياضيّة في أئمّة وملوك الإباضيّة، الجزء الثّاني، تحقيق محمّد عليّ الصّليبي، المطابع العالمية، رويّ، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان سنة 1407هـ /1987م. ص: 133، 134 (1/14)
صفحة 15
أهل عمان يعيشون الأوضاع نفسها التي يعيشها إخوانهم في البصرة من الملاحقة والمضايقة، حتى خشوا أن يقضى على مذهبهم. (1)
إذن إنّ تعلّق إباضيّة المشرق بهذا المولود الجديد (الدّولة الرّستميّة) كان منطقيًّا، فقد وجدوا فيه عاملا نفسيّا يخفّف عنهم وطأة الظُّلم والاضطهاد، ويشجّعهم على التّمسّك بمذهبهم؛ إذ ظفروا بمن يعوّض لهم ما فاتهم من سقوط الإمامة، التي قامت على يد الجلندي بن مسعود سنة 132هـ. وكانوا يعقدون آمالا عريضة على الدّولة الرّستميّة في النّهوض بالمذهب، أو على الأقلّ ضمان بقائه.
تقف الدّولة على قدميها، وتتوطّد العلاقة بينها والمشرق؛ فتجد الدّعم الكامل من الإخوة هناك. وقد كانت مظاهر هذه المساندة كثيرة ومتعدّدة. منها الاعتراف بعبد الرّحمن بن رستم إماما لكلّ الإباضيّة في المشرق والمغرب على السّواء، وذلك بعد اجتماع أهل المشرق، واختبار مدى قوّة شخصيّة الإمام وقدرته على تسيير الدّولة. (2)
يتمّ الدّعم بتقديم العون المادّي للدّولة، وإرسال الأموال اللّازمة لتثبيت أركانها، ثمّ بالرّعاية الكاملة، والعناية الشّاملة؛ بإسداء النّصائح والإرشادات، وإصدار الفتاوى ... بما يساعد الدّولة على حلّ مشاكلها في المجالات المختلفة، وبما يعينها على التّطوّر والتقدّم والازدهار.
كما لقي الإمام عبد الرّحمن بن رستم احترامًا كبيرًا عند المشارقة، ونال حظوة خاصّة؛ لما أظهره من كفاية في إمامة المسلمين، ولما أبداه من زهد وورع، فرغب أهل المشرقفي إمامته، ورأوها فرضًا عليهم. كذلك نال ابنه عبد الوهّاب الشّرف نفسه، فلفد سار على نهج أبيه، وأظهر من الكفاية في سياسة الأمور ما أدهش أهل المشرق، حتّى قال فيه الإمام الرّبيع بن حبيب (ت 170هـ)، إمام الكتمان في البصرة في مجالسه: " عبد الوهّاب إمامنا وثقتنا وإمام المسلمين أجمعين." (3)
يتوالى دعم المشارقة للدّولة الرّستميّة؛ ربطًا للصّلة وتوثيقًا للعلاقة بين المشرق والمغرب، وتتتابع الرّسائل إلى مركز القيادة في البصرة من المغرب، تحمل هموم المغاربة وشكاويهم من مستجدّات الأمور. تطلب هذه الرّسائل حلولا وفتاوى وإجابات مقنعة واستشارات في مسيرة الحركة. فحين حدثت ثورة يزيد بن فندين على الإمام عبد الوهّاب الذي كان يرى نفسه أولى بالحكم من عبد الوهّاب. وكان يتربّص به، ويتحيّن الفرص، ويراقبه في تصرّفاته، ويتسقّط أخطاءه؛ حتّى لاحظ أنّ عبد الوهّاب نقض الشّرط الذي اشترطه عليه المسلمون، وهو عدم إبرام أمر أو الإدلاء برأي في شأن من الشّؤون إلاّ بجماعة معلومة معيّنة من الإباضيّة.
بدا لابن فندين أنّ الإمام خالف هذا الشّرط. فكان يولّي عمّالا على مدن الدّولة ممّن يرى فيهم حسن السّيرة والكفاية في تولّي المناصب، من دون الرّجوع إلى الجماعة. ولم يكن ابن فندين من هؤلاء العمّال، فثارت ثائرته، وغرّر بِمجموعة استمالهم إليه، فأثارهم ضدّ الإمام ...
لمّا استفحل خطر ابن فندين وتطوّرت الفتنة لم يجد أهل المغرب سوى الرّبيع بن حبيب (زعيم الإباضيّة في البصرة) من يكاتبونه في الموضوع، ويستفتونه فيما حدث، وما يجب عمله، فراسلوه. وقد جاء الجواب منه أنّ ما صنعه الإمام عبد الوهّاب صواب وإمامته صحيحة والشّرط باطل. (1)
__________
(1) - ينظر الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص: 134.
(2) - ينظر أخبار الأئمّة الرّستميّين، ص: 32، 33، 35، والأزهار الرّياضيّة ج2، ص: 133، 134، 138.
(3) - سير الشّماخي، ج1، ص: 134. جاء في طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، ص: 55. عبد الوهّاب إمامنا وتقيّنا وإمام المسلمين. (1/15)
صفحة 16
كما استشار الإمام عبد الوهّاب الرّبيع بن حبيب في الحجّ في وقت وقع فيه اضطراب في الدّولة الرّستميّة، إذ أنّ مغادرته البلاد وهي على هذه الحالة قد يعرّضها للخطر، وقد تنجرّ عنه أحداث لا تحمد عقباها. وقد يتعرّض هو نفسه
يتوالى دعم المشارقة للدّولة الرّستميّة؛ ربطًا للصّلة وتوثيقًا للعلاقة بين المشرق والمغرب، وتتتابع الرّسائل إلى مركز القيادة في البصرة من المغرب، تحمل هموم المغاربة وشكاويهم من مستجدّات الأمور. تطلب هذه الرّسائل حلولا وفتاوى وإجابات مقنعة واستشارات في مسيرة الحركة.
فحين حدثت ثورة يزيد بن فندين على الإمام عبد الوهّاب الذي كان يرى نفسه أولى بالحكم من عبد الوهّاب. وكان يتربّص به، ويتحيّن الفرص، ويراقبه في تصرّفاته، ويتسقّط أخطاءه؛ حتّى لاحظ أنّ عبد الوهّاب نقض الشّرط الذي اشترطه عليه المسلمون، وهو عدم إبرام أمر أو التّصرّف في شأن من الشّؤون إلاّ بجماعة معلومة معيّنة من الإباضيّة. فبدا لابن فندين أنّ الإمام خالف هذا الشّرط. فكان يولّي عمّالا على مدن الدّولة ممّن يرى فيهم حسن السّيرة والكفاية في تولّي المناصب، من دون الرّجوع إلى الجماعة. ولم يكن ابن فندين من هؤلاء العمّال، فثارت ثائرته، وغرّر بِمجموعة استمالهم إليه، فأثارهم ضدّ الإمام ...
لمّا استفحل خطر ابن فندين وتطوّرت الفتنة لم يجد أهل المغرب سوى الرّبيع بن حبيب (زعيم الإباضيّة في البصرة) من يكاتبونه في الموضوع، ويستفتونه فيما حدث، وما يجب عمله، فراسلوه. وقد جاء الجواب منه أنّ ما صنعه الإمام عبد الوهّاب صواب وإمامته صحيحة والشّرط باطل. (1)
كما استشار الإمام عبد الوهّاب الرّبيع بن حبيب في الحجّ، في وقت وقع فيه اضطراب في الدّولة الرّستميّة، إذ أنّ مغادرته البلاد وهي على هذه الحالة قد يعرّضها للخطر، وقد تنجرّ عنه أحداث لا تحمد عقباها. وقد يتعرّض هو نفسه للخطر في الطّريق؛ لذا كان جواب الإمام الرّبيع بن حبيب أن يستأجر من يحجّ عنه. (2)
كما أرسل أهالي طرابلس رسالة إلى أبي سفيان محبوب بن الرّحيل في البصرة، يستفتونه، في خلاف حصل بينهم والإمام عبد الوهّاب في مسألة تولية خلف بن السّمح، من دون علم الإمام، وقد أنكر عليهم ذلك. استفتوه كما استفتوا فقهاء آخرين في مسألتي تعدّد الأئمّة، وحقّ الرّعيّة في اختيار عمّالها.
كان ردّ أبي سفيان بن الرّحيل: " بتخطئة من ولّى خلفا، وإصابة من لم يولّه، وأمرهم باتّباع إمامهم رضي الله عنه. (3)
كما أرسل أبو عيسى إبراهيم بن اسماعيل الخراساني إلى أهل المغرب زمن الإمام أفلح رسالة للغرض نفسه "وإن لم تكن من عمان، إذ هي في نفس النّسق في الدّعوة إلى التآلف، وثبت أحقّية الإمام عبد الوهّاب وابنه أفلح في قضيّة خلف بن السّمح التي انبثق عنها الخلفيّة. (4)
كما كتب من عمان محمّد بن محبوب بن الرّحيل (ت 260هـ/873م) رسالة أو سيرة إلى أهل المغرب، حثّهم فيها على طاعة الأئمّة، وقال لهم فيها من جملة ما قال: "إنّ من أحدث حدثا، فهو
__________
(1) - ينظر جواب الرّبيع بن حبيب، كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 59. وكتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، ص: 59، 60. .
(2) - ينظر طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، ص: 66. وسير الشّمّاخي، ج1، ص: 140.
(3) - كتاب سير الأئمة وأخبارهم، ص: 81، ينظر أيضا كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 70.
(4) - علاقة عمان بشمال افريقيا، ص: 36. تراجع الرّسالة في كتاب الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضيّة لابن سلاّم الإباضي، تحقيق ر. ث. شفارتز وسالم بن يعقوب. ط1، دار اقرأ للنّشر والتّوزيع والطّباعة، سنة 1405هـ/ 1985م. ينظر سير الشّماخي ج1، ص: 162. (1/16)
صفحة 17
مأخوذ به إلاّ أن يكون الإمام أمر به وهو يرى أنّه الحقّ" (1) وقد كان لهذه الرّسالة أثرها في القضاء على فتنة خلف بن السّمح. (2)
يذكر الدّكتور فرحات الجعبيري أنّ هذه السّيرة تقع في ستّ وعشرين صفحة من الحجم المتوسّط. وقد عالجت ثلاثا وخمسين مسألة موجّهة من أهل المغرب إلى الشّيخ محمّد بن محبوب (3) وقد أجاب عنها الشّيخ واحدة واحدة، بعد أن دعا الأمّة، ونصحها بالالتزام بالتّقوى. (4)
من جانب آخر كان أهل المغرب يرسلون بعض الرّسائل إلى أهل المشرق يقدّمون فيها بعض النّصائح والإرشادات فيما يلاحظونه من بعض الأخطاء التي ترتكب في المشرق، أداء للواجب الدّيني، وتوطيدا للعلاقة بين المشرق والمغرب. من أمثلة ذلك السّيرة التي وجّهها بعض فقهاء المسلمين إلى الإمام الصّلت بن مالك (237 ــ 273هـ/ 852 ــ 887م). (5) إنّ السّيرة غفل من التّوقيع، ومن ذكر الجهة المرسِلة لها، إلاّ أنّ الدّكتور فرحات الجعبيري يرجّح أنّها من أهل المغرب "وذلك لدقّة ما جاء فيها من الاحتجاج في قضيّة مخالفة النّكار للإمام عبد الوهّاب. ومهما يكن مصدر الرّسالة، فهي معبّرة عن التّلاحم بين أطراف المحيط الإباضي، ذلك لأنّها جاءت طافحة بالدّعوة إلى الائتلاف؛ لشعور أصحاب الرّسالة أنّ الأمّة على وشك الافتراق. وفي ذلك تحذير من تربّص المتربّصين لهم حيثما كانوا." (6)
هذه المراسلات وهذه الاستشارات التي توالت على المشرق من المغرب، وممّن كان يعيش تحت كنف الدّولة الرّستميّة، وقد صدرت من الأئمّة ومن عامّة النّاس، وممّن كان السّبب في إثارة بعض الفتن وإحداث بعض المشاكل ... هذه اللّفتات تدلّ على هذا التّعلّق الكبير بالمشرق، وحسن الظّن الذي يشعر به المغاربة نحو المشارقة.
كما أنّ إسداء النّصح منهم، وشمول إخوانهم المغاربة بالرّعاية والكفالة وبالرّحمة ... كلّ ذلك يدلّ على شعور هؤلاء بأبوّتهم الرّوحيّة للمغاربة. ومن جهة أخرى فإنّ إذعان هؤلاء لما يأتيهم من إخوانهم في المشرق، وقبولهم لأحكامهم فيهم، ولإشاراتهم ولما يأمرون به ــ إلاّ في النّادر القليل ــ كلّ ذلك يدلّ على رغبة الطّرفين في تمتين العلاقة، وتوثيق الصّلة بينهما، ليستقيم مذهبهم ويقف على عوده، وليعمّ الإسلام والسّلام في ربوع الأرض.
لمزيد من توطيد أواصر العلاقة بين المشرق والمغرب، وتقديم العون والدّعم للدّولة الرّستميّة، فإنّ أهل البصرة وعمان كانوا يرسلون رسلهم إلى المغرب لتفقّد إخوانهم فيه. أخبارُ هذه الزّيارات الخاصّة بهذا الغرض ملأت صفحات المصادر الإباضيّة بخاصّة. من ذلك أنّ رجالا من أهل المشرق قدموا زائرين في فترة إمامة عبد الوهّاب "فوصلوا إلى جبل نفوسة وزاروا أهله من الإباضيّة، وانتهى بهم المطاف إلى الإمام عبد الوهّاب، الذي جمعهم بأحد علماء نفوسة، وكان هذا الإمام يعظّم هذا العالم
__________
(1) - نور الدّين السّالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ط2، ج1، مكتبة الاستقامة، رويّ سلطنة عمان، (د. ت)، ص: 248.
(2) - ينظر إباضيّة مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 142، 143.
(3) - ينظر علاقة عمان بشمال افريقيا، ص: 30.
(4) - تراجع السّيرة في كتاب السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان ج2، ص: 223 - .268
(5) - تراجع السّيرة المصدق في المصدر السّتبق، الجزء الأوّل، ص: 181 – 228.
(6) - علاقة عمان بشمال افريقيا، ص: 35، 36. (1/17)
صفحة 18
ويحترمه لغزارة علمه وفضله، فأخذوا في طرح أسئلتهم عليه لاختبار مدى هذا العلم وذلك الفضل، ولمّا أجابهم على كلّ ما سألوا، قالوا للإمام: لا نعلم أحدا بالمشرق والمغرب مثل هذا العالم." (1)
لاحظت أنّ الرّسائل المتبادلة والخطابات المتداولة، التي سجّلت في السّنوات الأولى من عقد الصّلة وتوثيق الرّوابط وإبرام العلاقة بين المشرق والمغرب، كانت تحرص على معرفة رأي الدّين في بعض الممارسات والمستجدّات في السّاحة. وكانت تتعاون على نبذ الخلافات، وإزالة كلّ أنواع الشّقاق؛ لذا كانت تدعو إلى الائتلاف ورأب الصّدع وتوحيد الصّف. كما كانت تصرّ على الدّعوة إلى إقامة الإمامة العادلة. وكانت تركّز كثيرا على مسألة الولاية والبراءة والوقوف ... إلى غير ذلك من المسائل التي تسعى إلى تركيز الإيمان وتثبيت العقيدة وترسيخ الأخلاق، وكلّ ما يعين على بناء الدّولة، وتكوين الشّخصيّة.
هذه السّيرة أو هذه الخطّة تنبع من الأصول والمبادئ التي يؤمن بها الإباضيّة، ويحرصون على الصّدور عنها في سلوكهم. كما نسجّل شيئا إيجابيَّا في هذا المجال، وهو أنّ المتخاصمين كانوا يحتكمون في خلافاتهم إلى مشائخ المذهب في المشرق، مهما يكن انتماء الخصم ومستواه ومكانته في الدّولة الرّستميّة.
هكذا كان الدّعم المادّي والمعنوي بخاصّة ــ بهذه الاتّصالات المتكرّرة وهذه الرّسائل ــ عاملا كبيرا في دعم الصّلة وتوثيق عرى الرّابطة بين المشرق والدّولة الرّستميّة. وقد كانت له انعكاساته الإيجابيّة على مستقبل العلاقة بين إباضيّة المشرق والمغرب.
كما كان لهذه الاتّصالات دور كبير في تدفّق أعداد كبيرة من المشارقة إلى المغرب، للاشتغال بالتّجارة، أو للتّفرّغ للعلم ونشر المذهب الإباضي، ومنهم من هرب من اضطهاد العبّاسيّين ... وقد أدّى كلّ ذلك إلى ازدهار الدّولة الرّستميّة، وإلى تنامي قوّتها. (2)
نؤكّد هنا ما ذكره الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم أنّ ما قامت به عمان والبصرة من دعم مادّي ومعنويّ وسياسي للدّولة الرّستميّة وتثبيت أركانها، كان الهدف منه مساعدة الدّولة "حتى تزداد قوّتها وتصير علما يلتفّ حوله الإباضيّة في المشرق والمغرب، وحصنًا يلوذون به من عوادي الأيّام وضربات الزّمن." (3)
إنّ ما قدّمه المشارقة للمغاربة من دعم مادّي ومعنويّ شجَّع أهل المغرب على تمتين الرّوابط بإخوانهم في المشرق، وحفّزهم على بذل مزيد من الجهد لإيجاد الوسائل الكفيلة بدَعْمِ هذه الصّلة. كما كان المشارقة أنفسهم يفكِّرون التّفكير نفسه. وفعلا تمكّن الجميع من تحقيق رغباتهم بواسطة اللّقاءات والزّيارات والرّحلات العلميّة وتبادل الكتب والرّسائل والأخبار ...
__________
(1) - إباضيّة مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 143، 144. ينظر أيضا سير الشّماخي ج1، ص: 152. هذا العالم هو مرداس السّدراتي.
(2) - ينظر أيضا أخبار الأئمّة الرّستميّين، ص:31، 32. وكتاب الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 144.
(3) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 144. (1/18)
صفحة 19
اللّقاءات والزّيارات والرّحلات
أ اللّقاءات:
تعدّ اللّقاءات والزّيارات والرّحلات التي كانت تتمّ بين الإباضيّة فيما بينهم من أهمّ الوسائل التي وطّدت العلاقة بين المشرق والمغرب، ونشّطت التّواصل بين القطبين، وسمحت بتبادل الرّأي والمشورة في الأمور المستجدّة، وقد أسهمت هذه اللّقاءات والزّيارات كثيرا في تطوير الفكر الإباضي بخاصّة.
لقد كان موسم الحجّ في مقدّمة المناسبات التي كان الإباضيّة يتّخذونها وسيلة من وسائل اللّقاء. وفعلا قد ساعد الموسم على انتشار المذهب الإباضي؛ وذلك عن طريق إلقاء الدّروس والمواعظ، ثمّ بواسطة المناظرات التي كانت تقوم بين الإباضيّة فيما بينهم، وبينهم وبين علماء المذاهب الأخرى وبواسطة حلقات العلم التي كانت تقام في الحجاز. وقد كان المغاربة من بين من يحضر هذه المجالس، ويشهد هذه المناظرات العلميّة؛ ليعودوا بعد ذلك إلى بلادهم مزوّدين بمعارف وبإجابات عن أسئلتهم، وبأخبار عن إخوانهم المشارقة، وبذلك تتمتّن العلاقة، وتتطوّر من موسم إلى آخر.
في سيرة مقرن البغطوري (ق 6هـ/ 12م) - المعروف بسير نفوسة - معلومات عن علاقة إباضيّة المغرب بإباضيّة المشرق، وكيف كانوا يتزاورون، كلّ يزور الثّاني في بلده: " ... يزور أهل المشرق أهل المغرب ليعرفوا ما هم عليه، ويزور أهل المغرب أهل المشرق ليستفيدوا منهم العلم." (1)
لا يخفي ما في قول مقرن البغطوري من التّأكيد على احتياج أهل المغرب إلى إخوانهم المشارقة في التّعلّم والتّكوّن، فقد سجّل أنّ أهل المشرق يحرصون ــ في زياراتهم ــ على معرفة أحوال إخوانهم المغاربة، بينما أهل المغرب يحرصون على التّزوّد من علم المشارقة.
لقد كان أبو عبيدة وأبو المودود حاجب الطّائي والرّبيع بن حبيب، وأبو نوح صالح الدّهّان وأبو سفيان محبوب بن الرّحيل ومحمّد بن محبوب وغيرهم من علماء الإباضيّة يعقدون حلقات العلم والبحث والمناظرة في الحجاز في أثناء موسم الحجّ وقبله وبعده، يحضرها الإباضيّة وغير الإباضيّة ليُفيدوا أنفسَهم وغيرَهم.
كما أشار مقرن البغطوري إلى لقاءات الإباضيّة في موسم الحجّ كلّ عام. وكان الإباضيّة المغاربة - لحرصهم على الحجّ - كان حجّاجهم إذا رجعوا من البقاع المقدّسة، لا يفترقون حتى يتّفقوا في مكان يسمّى "تَمَصْرُون" متى يكون المسير إلى الحجّ في الموسم القادم. ولمّا سقطت "تاهرت" أصبح حجّاج أفريقيا وطرابلس وجربة يجتمعون في موضع يسمّى "إمَّاسَن"، وكان هذا ديدنهم وسيرتهم؛ إذ كان لهم مكان يلتقون فيه للاتّفاق على المسير إلى الحجّ في الموسم المقبل. يقول البغطوري: " فجعلوا
__________
(1) - مقرن البغطوري، سير نفوسة (مخطوط) ورقة1. (1/19)
صفحة 20
دهرهم بين الجهاد والرّباط والحجّ ... ولقد بلغنا أنّهم يجتمعون في نحو ألف أو أقلّ أو أكثر، لا يكون المجلس بينهم إلاّ بالتّرجمان." (1)
من الأدلّة التي تدلّ على إكثار الإباضيّة من الحجّ؛ أداء لواجب ديني وتقديم قربة إلى الله، وتحقيق بعض الأغراض التي أشرنا إليها آنفا، من الأدلّة على ذلك أنّ لكثير من الإباضيّة نجائب الإبل يحملون عليها غير القادرين من إخوانهم إلى مكّة لأداء فريضة الحجّ أو تكرير أدائها. (2) كما أنّ إمام المذهب جابر بن زيد اشتهر بكثرة حجّه، وقيل: إنّه حجّ أربعا وعشرين مرّة. (3)
كان الأئمّة الرّستميّون يكثرون من الحجّ ويشجّعون النّاس على ذلك. (4) كما كان زعماء الإباضيّة وعلماؤهم يحجّون لجملة من الأغراض؛ منها الحرص على التّعلّم؛ لأنّ اللّقاء في الحجاز هو أحد الوسائل المهمّة لتحصيل العلم. ومن الأمثلة لهذه الظّاهرة ما ذكره الشّماخي أنّ العالم المغربي أبو المنيب محمّد بن يانس النّفوسي، الذي كان معاصرا للإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم. ذكر أنّ هذا العالم: "قسّم عمره بين طلب العلم والزّيارة والحجّ. فعام للحجّ وعام يذهب زائرا إلى تيهرت عند الإمام، وعام يقرأ العلم عند اسماعيل بن درار الغدامسي، وعام يتعبّد فيه في مشاهد الجبل." (5)
إنّ هذه الظاهرة (الإكثار من الحجّ، وحرص بعض النّاس على أن لا يفوتهم الحجّ كلّ سنة أحيانا، والتّحريض على ذلك) تلفت نظر الدّارس ليبحث عن الأسباب الدّاعية إلى ذلك. خاصّة وأنّ المسافة بعيدة بين الحجاز والمغرب. وأنّ الحاج يلاقي صعوبات جمّة في القيام بهذه العبادة أداء، فضلا عن تكريرها كلّ عام.
يبدو لنا أنّ ذلك نابع من حرص المؤمن على أداء واجبه الدّيني، ثمّ الإكثار من النّوافل تقرّبا إلى الله تعالى؛ إذ أنّ المؤمن يجد نفسه أكثر استعدادا لعبادة ربّه ومناجاته حينما يكون في الأماكن المقدّسة. وهناك خصوصيّة ينفرد بها الإباضيّة، وهي رغبتهم في توطيد العلاقة فيما بينهم بواسطة الاتّصالات واللّقاءات لتبادل الأخبار والاستشارات وتلقّي العلم من بعضهم، والتّفقّه في الدّين؛ خاصّة وأنّ الإباضيّة مرّوا بظروف عصيبة: حوربوا في أفكارهم وتاريخهم، وحرموا من نشر مذهبهم ... فكانت هذه الظّروف من الأسباب الكبيرة التي جعلتهم أكثر إصرارا على اللّقاء والتّزاور وتوطيد العلاقة ...
لهذا كان موسم الحجّ أحسن فرصة لتحقيق آمالهم؛ إذ هو مؤتمر عالمي يلتقي فيه المسلمون، الذين يقدمون من كلّ أنحاء العالم؛ فيتعارفون ويتبادلون الأخبار، ويوطّدون علاقاتهم ببعضهم بعضا. وتعدّ هذه الاهتمامات وهذه المآرب من الأهداف المهمّة للحجّ في الإسلام .. فما يزال موسم الحجّ ــ إلى اليوم ــ من أحسن الوسائل التي يغتنمها الإباضيّة لتبادل الأخبار والمؤلّفات والمشاورات ..
بهذه الاعتبارات كان موسم الحجّ من بين الوسائل التي تدخل في دائرة ربط العلاقة والتّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب. وفي هذا يقول الأستاذ إبراهيم بحّاز: "لعلّ الحجّ يعتبر أهمّ وسيلة ربطت المغرب بالمشرق ولا يزال، وقد تجاوب المغاربة مع هذا الرّكن من الدّين وتحمّسوا له، فكانت أمنيّة الواحد منهم منذ أن حسن إسلامهم أن يقوم بهذه الرّحلة الدّينيّة العلميّة، ولا يزال هذا الشّعور فيهم قائما." (6)
__________
(1) - م. س. ورقة3.
(2) - كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 240.
(3) - م. س. ص: 208. والعقود الفضّيّة في الأصول الإباضيّة ص: 99. جاء في المرجع الأخير أنّه حجّ أربعين مرّة.
(4) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 90، 159.
(5) - سير الشّماخي، ج1، ص: 148.
(6) - الدّولة الرستميّة: دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة، ص: 390. (1/20)
صفحة 21
هكذا كان الحجّ بالنّسبة للإباضيّة فرصة للمذاكرة والمدارسة وتلقّي العلم، والاستفسار عمّا أشكل من المسائل في مختلف المجالات، وتفقّد الأحوال. إنّ هذا ما يوطّد العلاقة، ويبقي باب التّواصل الثّقافي مفتوحا. هذا هو التفسير الذي نراه مناسبا لظاهرة إكثار الإباضيّة من الحجّ.
ب- الزّيارات والرّحلات المتبادلة:
شكّلت الزّيارات والرّحلات المتبادلة بين إباضيّة المشرق والمغرب وسيلة أخرى مهمّة من وسائل التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر بخاصّة، والمغرب بعامّة، سواء ما كان منها لمجرّد الزّيارة وتفقّد الأحوال واستطلاع الأخبار، أم ما كان للتّعلّم والتّحصيل، أم للتّعليم والتّدريس ... وقد أفادتنا المصادر والمراجع بكثير من الأخبار عن هذه الرّحلات والزّيارات، وبخاصّة المصادر الإباضيّة منها.
سبقت إشارتنا إلى رحلة بعض علماء إباضيّة البصرة إلى جبل نفوسة، ثمّ تاهرت في الجزائر في عهد الإمام عبد الوهّاب؛ لتفقّد أحوال الدّولة الرّستميّة، ثمّ لمعرفة مدى انتشار المذهب الإباضي في المنطقة، ومدى تعمّق أهل الدَّعوة والاستقامة في معرفة أصول مذهبهم، ومدى علم المغاربة وفقههم. (1)
من بين العلماء المشارقة الذين خرجوا من البصرة قاصدًا تاهرت، مارّا بجبل نفوسة في عهد الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن رستم أبو غانم الخراساني (ق2هـ/8م) وقيل عاش في القرن الثّاني والثّالث الهجريّين، صاحب المدوّنة الصّغرى والكبرى. فقبل أن يصل إلى تاهرت ترك مدوّنته عند عالم جبل نفوسة عمروس بن فتح النّفوسي (ت 280هـ/853م) حيث نسخها، وقد كان لهذه المدوِّنة أثر وشأن كبيران في بلاد المغرب الإسلامي. إنّ ما قام به عمروس بن فتح ثمرة إيجابيّة من هذه الزّيارة، وخطوة مهمّة في العلاقة والتّواصل الثّقافيَيْن. وفي هذا يقول الدّرجيني: "وهو (أي عمروس) الذي لولاه لاندثر معلم المذهب وانطمس، وعفر أثره واندرس، لتمسّكه ببقيّة الحوائج العظائم، وتصحيحه ما قيّد عن الخراساني أبي غانم." (2)
أمّا الشّماخي فيقول: "ولمّا وفد أبو غانم بشر بن غانم الخراساني على الإمام عبد الوهّاب ومعه مدوّنته المشهورة في الفقه، التي رواها عن تلامذة أبي عبيدة، وجاز على جبل نفوسة، واستودع عمروسا نسخة منها، وأخذ في نسخها، وأخته تملي عليه، ويلازم الموضع حتى تدركه الشّمس، فينتقل حرصا في إحياء العلم، فما رجع بشر إلاّ وقد استكمل نسخها، وهو في اثني عشر جزءا، فوجد نقطة حبر على بعض الكراريس فقال: سرقت هذا، قال سمّاني سارق العلم. فلمّا وقع ما وقع بتيهرت وأحرقت كتبها، بقيت نسخة عمروس، ينتفع بها الإباضيّة، ولولاها لبقي أهل المذهب من غير ديوان بالمغرب، يعتمدون عليه، وذلك ببركة عمروس وحسن نيّته." (3)
رواية الشّماخي وتعليقه يبيّنان أهمّيّة هذه المدوّنة في الفكر الإباضي بعامّة، وفقهه بخاصّة، وهو ما يبرّر حرص عمروس بن فتح على نسخها واقتنائها، ويفسّر الجهد الذي بذله، والمشقّة التي تحمّلها في سبيل الحصول عليها، ويبيّن مدى اعتزازه بوصف أبي غانم له سارق العلم.
__________
(1) - ينظر كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 293. وكتاب سير الشّماخي ج1، ص: 155.
(2) - طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 320.
(3) - سير الشّماخي ج1، ص: 194، 195. (1/21)
صفحة 22
إنّ أهمّيّة هذه المدوّنة تكمن كما يقول الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي: إنّها تحتوي على كثير من الأحاديث المسندة إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وعلى كثير من فتاوى أقطاب العلم، وأئمّة المذهب الإباضي أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والرّبيع بن حبيب وغيرهم. (1)
إذن إنّ رحلة أبي غانم إلى تيهرت كانت لها آثارها الكبيرة في المرحلة المبكّرة لبدء انتشار المذهب الإباضي في المغرب، وهي تعدّ من اللّبنات الأولى في بناء صرح العلاقات الثّقافيّة بين المشرق والمغرب.
استمرّ توافد علماء الإباضيّة المشارقة إلى بلاد المغرب الإسلامي منذ العهد الرّستمي، وعلى مرّ القرون. روت المصادر أنّ عالما مشرقيّا كبيرا هو ابن الجمع وهو من علماء المشرق وتجّارها الأغنياء، انتقل إلى المغرب مارّا بمصر ــ وذلك في القرن الرّابع الهجري، العاشر الميلادي ــ وقد التقى بمدينة توزر بالبلاد التّونسيّة بعالم
الإباضيّة أبي الرّبيع سليمان بن زرقون النّفوسي (2). وفي المغربين الأدنى والأوسط أخذ ابن الجمع ينشر علمه وفقهه، ووصل في رحلته إلى المغرب الأقصى بنيّة التّعليم ونشر الدّعوة مع العمل في التّجارة. (3)
في القرن التّاسع الهجري الخامس عشر للميلاد، انتقل الفقيه العماني الحاج محمّد بن عبد الله السّمائلي إلى المغرب مرورا بمصر. وقد وصله قبل عام (894هـ/ 1488م) (4) وقد كان من بين من صحبهُ ورافقه في أثناء إقامته في المغرب أحمد بن سعيد الشّماخي، وذهب معه إلى زيارة أبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى. ويذكر الشّماخي أنّ مناظرة مهمّة دارت بين الفقيه العماني وأبي يوسف يعقوب في علم الطّب. (5)
وفي القرن العشرين تنشط حركة التّنقّل والرّحلة ــ من جديد من عمان إلى الجزائر بعد فتور نسبي ــ ممّا دفع بالتّواصل الثّقافي إلى أن يتقوّى أكثر فأكثر ... نذكر على سبيل المثال قدوم بعثة عمانيّة ضمّت عشرات الطّلبة سنة 1964م للدّراسة في مدرسة الحياة ومعهد الحياة بالقرارة (الجزائر) منهم من قصرت مدّة إقامته، ومنهم من امتدّت به سنوات عديدة. وآخر طالب من هذه البعثة غادر الجزائر ومعهد الحياة هو الأستاذ خلفان بن محمّد بن خلفان المنذري الذي تحصّل على درجة الماجستير من كلّيّة دار العلوم بالقاهرة سنة 1992م والدّكتوراه من الكلّيّة نفسها 1999م (6) هو الآن مدرّس في جامعة السّلطان قابوس بسلطنة عمان. وقد غادر الجزائر سنة 1975م.
__________
(1) - م. س. ص: 194، هامش رقم: 1.
(2) - قد كان شابّا يطمح في طلب العلم، فوجد من ابن الجمع خير معلّم، فقرأ عليه وتتلمذ حتّى أصبح من العلماء الأفذاذ - يراجع عليّ يحيى معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الثّانية، القسم الأوّل، ص: 162 - 164.
(3) - ينظر كتاب سير الأئمّة وأخبارهم ص: 128. وكتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 109، 110. وقد ذكره الدّرجيني باسم" ابن الجمعي " وقد كان ابن الجمع يتظاهر بالتّجارة رغم غزارة علمه. وهذه نهاية في التّستّر وشدّة الحذر من الأعداء المتربّصين بالمذهب الإباضي.
(4) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 152.
(5) - ينظر كتاب سير الشّماخي ج2، ص: 203.
(6) - موضوع أطروحته في الماجستير هو (أحاديث جامع أبي الحسن البسيوي: دراسة وتخريج)، وموضوع رسالته في الدّكتوراه هو: (مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي). موضوع أطروحته في الماجستير هو (أحاديث جامع أبي الحسن البسيوي: دراسة وتخريج)، وموضوع رسالته في الدّكتوراه هو: (مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي). (1/22)
صفحة 23
أمّا آخر عماني يغادر الجزائر، ممّن قدم من مصر (1) مع البعثة التي نزلت بأرض الجزائر سنة 1964م فهو الأستاذ النّاصر بن محمّد بن راشد الزّيدي، فقد درس في معهد الحياة، ودرّس في مدرسة الهداية بالجزائر العاصمة، واشتغل في السّفارة العمانيّة بالجزائر،. دامت إقامته في الجزائر ثلاثة وعشرين عاما (1964 - 1987م). وقد تزوّج فيها. هذه المصاهرة هي من ثمرات الصّلة بين الجزائر وعمان ..
هؤلاء الطّلبة وفدوا إلى الجزائر في ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى ترأّسها الأستاذ النّاصر بن محمد الزّيدي، الثّانيّة ترأّسها الشّيخ يحي بن سفيان الرّاشدي، الثّالثة ترأّسها الشّيخ محمد بن النّاصر بن راشد الرّيامي .. بلغ عدد الطّلبة الإجمالي حوالي خمسة وثلاثين طالبًا (2)
نريد أن نسجّل هنا مكرمة للشّيخ محمد بن النّاصر الرّيّامي خاصّة، وهي أنّه كان دائم التّواصل، مع الإخوة الميزابيّين، ودائب الخدمة لهم ... فمجلسه في بيته كان دائمًا مفتوحًا لهم ولغيرهم .. وكنت أقول له: كلّ ميزابيّ زار عمانأ ولم يزر الشّيخ محمد الرّيّامي في بيته، فزيارته باطلة ..
في سنة 1989م انتقل الطّالبان العمانيّان: عيسى بن صالح بن سعيد البوسعيدي، وصالح بن أحمد بن سيف البوسعيدي، والتحقا بداخليّة الحياة بالقرارة بنيّة استظهار القرآن الكريم. وفعلا تمّ لهما ذلك، الأوّل استظهر القرآن يوم: 7/ 07/1989م. والثّاني يوم: 14/ 12/1989م. وللغرض نفسه قدم في صيف 1990م طالبان آخران هما عبد الله بن عليّ بن سالم الرّويشدي، وعليّ بن محمّد الغيثي. الطّالب عبد الله الرّويشدي استظهر القرآن يوم: 9 من محرّم الحرام سنة 1411هـ. أمّا عليّ الغيثي فلم يتمكّن من ذلك، لكنّه حفظ نصيبا كبيرا منه؛ بسبب الوضع المتدهور في الخليج، بعد اجتياح العراق للكويت يوم: 2 أغسطس سنة 1990م. والطّلبة الأربعة قدموا من معهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد برويّ، سلطنة عمان. (3)
بداية من سنة 1430هـ/ 2010م إلى هذه السّنة التحق بمعهد الحياة مجموعة من الطّلبة الهمانيّين للدّراسة فيه. (4) كما كان بعض الطّلبة ياتون في ااعطلة الصّيفيّة للتّفرّغ لحفظ القرآن الكريم. ز وإن كان هذا يحصل قليلاً ...
__________
(1) - كان المشرف على البعثة الطّالبيّة العمانيّة في مصر أستاذَنا الشّيخ النّاصر بن محمّد المرموري (ت 1432هـ/ 2011م)، أستاذ الشّريعة في معهد الحياة بالقرارة (الجزائر) وكانت مدّة الإشراف سنتين وأشهرًا. جاء في كتاب النّمير .. ج8، ص: 264،أنّ المدّة كانت ما بين 1 من سبتمر 1962 و 1 من جوان 1965م. يندرج هذا الإشراف ضمن حركة التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب. ينظر بحثنا عن البعثات العلميّة العمانيّة إلى معهد الحياة بالقرارة، الجزائر، ودور الشّيخ النّاصر المرموري فيها، أعمال ندوة التّواصل الحضاري العماني المغاربي في العصر الحديث، الذي نظّمته وحدة الدّراسات العمانيّة بجامعة آل البيت، الأردن، يومَي: 13، 14 من ذي القعدة 1432هـ/ 11، 12 من اكتوبر 2011م ..
(2) - كثيرمن الحقائق والمعلومات والتّفصيلات عن إقامة هؤلاء الطّلبة العمانيّين ودراستهم وانطباعاتهم، وأثر هذه الإقامة على تحصيلهم العلمي ومستقبل حياتهم، وما زرعته هذه الرّحلة إلى وادي ميزاب بخاصّة والجزائر بعامّة .. من بذور طيّبة، أينعت وأثمرت علاقات طيّبة بين البلدين ... سجّلته في لقاءات مع مجموعة من هؤلاء الطّلبة، في إحدى زياراتي إلى سلطنة عمان (مايو2011). هي موجودة عندي في أوراق، بعد أن أفرغتها من الأقراص .. عسى أن يمنّ الله علينا بتحريرها وطبعها .. فهي مصادر مهمّة في العلاقة بين عمان والجزائر في مجال التّحصيل العلمي والعلاقات الاجتماعيّة .. ينظر بعض التّفصيلات عن رحلة هؤلاء العلميّة .. في الحوار الذي أجراه الأستاذ محمد بن عبد الله بن سعيد السّيفي مع الشّيخ محمد بن النّاصر الرّيامي، وهو بعنوان:" الحوارات الرّيّاميّة عن السّؤالات الميزابيّة"،كتاب النّمير، حكايات وروايات (الإباضيّة في مصر وليبيا والجزائر وتونس وما يتبعها من الأقاليم المغربيّة)، مكتبة وتسجيلات غاية المراد، نزوى، سلطنة عمان، 1437هـ/ 2016م، ص: 489 – 505.
(3) - معلومات أفادني بها الأستاذ صالح بن أحمد حدبون رئيس داخليّة الحياة أو دار البعثات البيّوضيّة كما تسمّى.
(4) - ينظر الملحق رقم: (19) (1/23)
صفحة 24
في مستوى التّعليم العالي ناقش كلّ من السّفير العماني في الجزائر الأستاذ علي بن عبد الله العلوي، والمستشار في السّفارة العمانيّة بالجزائر الأستاذ صالح بن عامر الخروضي، والأستاذ عبد العزيز بن ... الخروصي. أطروحات دكتوراة في الجامعة الجزائريّة ...
كما التحق في السّنوات الأخيرة مجموعة من الطّلبة العمانيّين (في مجموعات، في سنوات مختلفة) في معهد عمّي سعيد بمدبنة غرداية .. وكان لهذه الدّراسة آثار طيّبة في مستقبلهم وفي نشاطهم في عمان ..
كما كانت لبعض الشّخصيّات العلميّة زيارات متكرّرة إلى الجزائر للمشاركة في بعض الملتقيات والنّدوات، ولأغراض علميّة أخرى، أمثال سماحة المفتي العام لسلطنة عمان الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي والشّيخ سالم بن حمد الحارثي، والشّاعر عبد الله بن عليّ الخليلي، والشّيخ أحمد بن سعود السّيابي، والدّكتور صالح بن أحمد الصّوافي، والشّيخ سليمان بن محمّد السّالمي، والشّيخ يحيى بن سفيان الرّاشدي، والدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي، والشّيخ أفلح بن حمد الرّواحي، والشّيخ زيّاد بن طالب المعولي، والدّكتور عبد الله بن راشد السّيابي، والدّكتور أحمد بن يحي الكندي، الدّكتور حمد بن بن محمد الضّوياني رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنيّة العمانية، والدّكتور علي بن هلال بن محمد العبري، والشّيخ كهلان الخروصي، مساعد المفتي العام للسّلطنة، والشّيخ أفلح بن حمد الرّواحي، والشّاعر هلال الشّيادي .. وغيرهم ..
زارنا في الجزائر الأستاذ محمد بن عبد الله بن سعيد السّيفي لجمع المادة العلميّة للجزء التّاسع (النّمير)، الذي يخصّصه لروايات وحكايات لإباضيّة المغرب الإسلامي. كانت الزّيارة ما بين (8 – 18 أفريل 2016م). زار الجزائر العاصمة، وقرى وادي ميزاب وورجلان .. كانت له جلسات مع المشائخ ولقاءات مع بعض الشّخصيّات وجولات في بعض الأماكن السّياحيّة والأثريّة. (1)
قمّة هذه الزّيارات التي تكشف عن عمق العلاقات بين الجزائر وعمان، وتبيّن عن نيّة البلدين الصّادقة في تنشيط التّواصل الثّقافي بينهما. قمّة هذه الزّيارات، هي الزّيارة التي قامت بها سلطنة عمان إلى الجزائر بتراثها وتاريخها وثقافتها بواسطة المعرض الذي أقامته في قصر الثّقافة (مفدي زكريّاء) في الجزائر تحت عنوان "الأيّام الثّقافيّة العمانيّة في الجزائر" وذلك ما بين 10 - 31 جانفي 1989م. يعدّ هذا المعرض الثّاني من نوعه، بعد الذي أقامته السّلطنة في المملكة الأردنيّة الهاشميّة. وقد كتبت الصّحافة الجزائريّة عن هذه الأيّام وعدّتها لبنة أخرى تضاف إلى صرح العلاقات التي تربط بين السّلطنة والجزائر. هذه العلاقة التي ترجع إلى أيّام الدّولة الرّستميّة، والتي تزداد كلّ يوم متانة ورسوخا، بفضل إرادة المسؤولين في البلدين لإعطاء دفع جديد للتّبادل الثّقافي القائم بينهما. وكانت الأيّام تهدف إلى تعريف الجمهور الجزائري بالتّاريخ والتّراث الثّقافي العماني بمختلف أنواعه وأشكاله. وقد اشتملت الأيّام الثّقافيّة على معرض ومحاضرة ألقاها الدّكتور عليّ الشّنفرِي، مدير الآثار بوزارة التّراث القومي والثّقافة العمانيّة (آنذاك)، وقد ضمّ المعرض خمسة أقسام: 1) الملاحة البحريّة، 2) القلاع والحصون، 3) الصّناعات التّقليديّة، 4) الحياة البرّيّة في عمان، 5) الكتب المطبوعة في عمان.
تركت هذه الأيّام انطباعات حسنة عند الجزائريّين، وقد سجّلوا بكلّ فخر واعتزاز هذا التّلاحم والتّرابط اللّذين طبعا علاقة عمان بالجزائر في الجانب الثّقافي منذ القديم. تمثّل ذلك على الخصوص في تكفّل وزارة التّراث القومي والثّقافة بسلطنة عمان بطبع كتب لشخصيّات جزائريّة أمثال أبي
__________
(1) - كان برفقنخ ابن عمّه مُنير، والأخ محمد النّاعبي. وقد تشرّغنا بلقائه في منزلنا بالحميز (الجزائر العاصمة) .. (1/24)
صفحة 25
يعقوب الوارجلاني والشّيخ عبد العزيز الثّميني والحاج امحمّد اطفيّش ... كما ذكرت ذلك وسجّلته التّلفزة الجزائريّة التي خصّصت ركنا في برنامجها (عالم الثّقافة) في حلقتين للتّعليق على المعرض. (1)
أقامت سلطنة عمان أسبوعًا ثقافيًا في الجزائر في ربيع 2007م، في إطار الجزائر عاصمة الثّقافة العربيّة.
من مظاهر التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر المشاركة السّنويّة للسّلطنة في معرض الجزائر الدّولي للكتاب .. بدأت المشاركة منذ سنوات .. الجهات المشاركة هي: وزارة التّراث ومكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، كانت مشاركتهما متواصلة من دون انقطاع من عدّة سنوات .. ثمّ مكتبة مسقط ومكتبة الجيل الواعد ووزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة، ومكتبة بيت الغشّام ..
نشطت في المدّة الأخيرة حركة طباعة كتب لمؤلّفين جزائريّين، أمثال الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، الشّيخ النّاصر بن محمد مرموري، الشّيخ بكير بن محمد رشوم، د. محمد بن صالح ناصر، د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الأستاذ بكير بن سعيد أعوشت، د. مصطفى بن صالح باجو، الأستاذ نور الدّين بن احمد خير النّاس، الأستاذ إبراهيم بن علي بولرواح، الأستاذ سليمان بن إبراهيم بابزيز. وغيرهم ..
الجهات التي نشطت في طبع الكتب لمؤلّفين جزائريّين هي وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة، ووزارة التّراث والثّقافة، ومكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، ومكتبة مسقط ..
كان لسلطنة عمان حضور آخر في الجزائر، بأسبوع ثقافيّ، وذلك في ربيع سنة 2007م، في إطار الجزائر عاصمة الثّقافة العربيّة ... إلى جانب هذه الزّيارات ذات الطّابع العلمي والثّقافي، كانت هناك زيارات إخوانيّة وسياحيّة، وهي كلّها تدخل في إطار دعم العلاقات بين المشرق والمغرب. (2) زارني في بيتي برفقة الأخ موسى بن محمد طفيش الإخوة: إبراهيم بن سليمان بن سعيد الصّقري. سعيد بن عبد الله بن أحمد الصّقري. يوسف بن محمد بن سعيد الصّقري. علي بن سعيد بن سليمان الصّقري. يعقوب بن سعيد بن يحي البرواني.
كانت لي معهم جلسة مهمّة، تناولت العلاقة بين الجزائر وعمان، ومسائل تاريخيّة، تخصّ عمان، منها ما يتعلّق بتدوين تاريخ عمان، والتّعليق على زيارة الإمام غالب بن علي الهنائي (آخر أئمّة عمان)، والنّتائج التي أعقبتها .. منها قدوم أوّل بعثة طالبيّة عمانيّة للدّراسة في معهد الحياة بالجزائر .. ثمّ كانت منهم أسئلة حول المجتمع الميزابي وعاداته والحياة اليوميّة .. وأحاديث متنوّعة شيّقة .. كان طابعها تفهيل التّواصل الثّقافي بي عمان
__________
(1) - مقتطفات من مقال لمحمّد ناصر بوحجّام عنوانه:" العلاقات الثّقافيّة والفكريّة بين الجزائر والسّلطنة" مجلّة النّهضة (سلطنة عمان) ع: 424، 15فبراير 1989. ص: 16، 17.
(2) - أصدر الشّاعر عبد الله بن راشد السّيابي كتابًا بعنوان رحلتي إلى وادي ميزاب وجبل نفوسة، بعد أن زار هذه المناطق، في ربيع سنة 2009م. كما دوّن د. علي بن هلال العبري رحلته إلى الجزائر في مدوّنة، نرجو أن ترى النّور بطباعتها .. هي بعنوان: " مآثر الأصحاب انطباعات من زيارة الجزائر ووادي ميزاب". تمّت الزّيارة ما بين 14 و 24 من ربيع الثّاني 1429هـ/ 20 و30 من افريل 2008م. (1/25)
صفحة 26
والجزائر (1/26)
صفحة 27
كتب الأخ يعقوب البرواني في دفتر لي خاصٍّ كلمات، هي مثبتة في الرّسالة الآتية: (1)
__________
(1) - اللّقاء كان يوم: 19 من رجب 1437هـ/ 26 من أفريل 2016م بمزلنا في منطقة الحميز بالجزائر .. (1/27)
صفحة 28
م راجع
يظهر في الصّور الإخوةُ المذكورون في الرّسالة التي كتبها – بالنّيابة عنهم – الفاضل يعقوب بن سعيد البرواني .. ومعهم مرافقهم الأستاذ محمد بن الحاج عمر خيّاط والأستاذ موسى بن محمد اطفيش، ومعهم حفيدتي سهيلة بنت عيسى. هؤلاء الأفاضل هم آخر من التقيت من العمانيّين .. زاروني في منزلي (الحميز، الجزائر العاصمة) وأنا أراجع كتابي "التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر" لإعادة طبعه، في إطار قسنطينة عاصمة الثّقافة العربيّة.
كما كانت للمغاربة أيضا زيارات إلى عمان والبصرة، وكان أغلبها للتزوّد من العلم والتّفقّه في الدّين. وقد تكون الرّحلة بسبب خلاف يحدث لشخص ما فيلتجئ إلى المشرق، وإلى مركز القيادة الإباضيّة في البصرة أو عمان للبحث عن حلّ لمعضلته ومشكلته، أو للظّفر بمبرّر وسند يدعم به آراءه ومواقفه من بعض العلماء والأئمّة في المغرب. إنّ هذه الرّحلة وهذا السّلوك يعدّ في حدّ ذاته تعبيرا عن العلاقة التي تربط المشرق بالمغرب. (1/29)
صفحة 29
من هذه الرّحلات رحلة النّفّاث بن نصر النّفوسي إلى بغداد، (1) وقد كان عالما مرموقا. ونظرا لكونه محبّا للزّعامة ولم يظفر بها - كما تصوّره المصادر القديمة - فقد خالف أستاذه وإمامه أفلح بن عبد الوهّاب وألّب عليه النّاس بآرائه في الإمامة، كما انتقده في مسائل، وقدح في سيرته. وبعد تهديد الإمام أفلح له، سافر إلى بغداد، وهناك نسخ ديوان جابر بن زيد، وجاء به إلى المغرب، ودفنه في التّراب حسدا وبغيا، في قصّة معروفة. (2)
إذن إنّ هذه الرّحلة كانت ثقافيّة، رغم ما فيها، ورغم عدم الحصول على نتيجة ملموسة في مسيرة الفكر الإباضي. فهي تدلّ على هذا التّواصل مع المشرق، لأنّ نفّاثا كان يطمح في الحصول من المشرق على ما يحاجج به الإمام أفلح بن عبد الوهّاب.
من هذه الرّحلات - أيضا - رحلة "عبد العزيز بن الأوز" الفقيه الإباضي ــ البارع الذي تتبرّأ منه الإباضيّة ــ إلى المشرق (3) من أجل طلب العلم، (4) وإن كان ابن الصّغير مصدر الخبر لم يذكر الجهة التي رحل إليها عبد العزيز، إلاّ أنّ الأستاذ إبراهيم بحّاز يرى أنّ المدينة التي زارها هي البصرة أو بغداد. (5) أمّا الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم فيرى أنّ "المقصود بالشّرق هنا إمّا البصرة أو عمان، أو الاثنين معا ... " (6)
رَأْيَا الأستاذين لهما ما يبرّرهما، وما يسندهما، وذلك أنّ الإباضيّة المغاربة كانوا كثيري التردّد على هذه المراكز المذكورة، التي يعبّر عنها بالمشرق والشّرق، سواء من كان منهم موافقا للجماعة هنا في المغرب أم مخالفا لهما. فكلّ واحد منهم يقصد المشرق للتّزوّد بما يرغب فيه من معارف، أو ما يدعم به رأيه، أو يوضّح موقفه، أو يصحّح مفهوماته من المنابع والمصادر، ومن مراكز القيادة والتّكوين، التي يراها المغاربة ويستأنس ويطمئنّ إليها ... في البصرة وعمان بخاصّة.
من بين الرّحلات التي سجّلت للمغاربة إلى عمان ما ذكره الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم من أنّ الطّلبة المغاربة كانوا يقصدون حلقة أبي محمّد بن عبد الله بن محمّد بن بركة البهلوي السّليمي، صاحب كتاب جامع ابن بركة (عاش في القرن الرّابع الهجري) كانوا يقصدونه للتّعلّم والتّفقّه "حتّى قيل إنّ الطّلبة المغاربة لا يفقدون من مقامه، فلمع اسمه وشاع ذكره." (7)
يؤكّد الدّكتور فرحات الجعبيري هذا الخبر بما رواه له الشّيخ النّاصر بن محمّد المرموري؛ نقلا عن الشّيخ أبي إسحاق اطفيّش (ت 1386هـ/1965م) الذي ذكر "أنّه تكوّنت بعثة من الطّلبة المغاربة من سبعين طالبا، يدرسون على الشّيخ أبي محمّد عبد الله محمّد بن بركة ... ولذلك كانوا يسمّونه بشيخ
__________
(1) - حتّى وإن لم تكن الرّحلة إلى البصرة أو عمان، إلاّ أنّها كانت لغرض الحصول على أثر إباضي مشرقي عمانيّ هو ديوان جابر بن زيد. تنظر قصّته في كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 92 وما بعدها. وكتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 78 وما بعدها، وكتاب الأزهار الرّياضيّة في أئمّة وملوك الإباضيّة ج2، ص: 251 - 267.
(2) - تنظر قصّته كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، ص: 96. وطبقات المشائخ بالمغرب ج1، ص: 82. وكتاب الأزهار الرّياضيّة ... ج2، ص: 266 ...
(3) - ينظر كتاب أخبار الأئمّة الرّستميّين، ص: 86.
(4) - الدّولة الرّستميّة: دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة، ص: 394.
(5) - م، س، ن.
(6) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 155.
(7) - م. س. ص: 155، 156. ينظر كتاب الاستقامة ج1، تحقيق محمّد أبو الحسن. وزارة التّراث القومي والثّقافة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 1985م، ص: 5. (1/30)
صفحة 30
المغاربة، وقد كان هؤلاء الطّلبة من جهات المغرب، سوى وادي ميزاب، لأنّها لا تزال على منهج الاعتزال آنذاك." (1)
ومن بين علماء الإباضيّة الجزائريّين الذين سافروا إلى عمان واستقرّ بها مدّة، وتتلمذ على كبار علمائها الشّيخ الحاج محمّد بن عيسى آزبار (2) (توفّي في العقد الأوّل من القرن الرّابع عشر الهجري) وقد ترك خزانة كتب كبيرة، ممْلوءة بالنَّفائس المخطوطة، منها كتاب بيان الشّرع في سبعين جزءا، وكتاب الضّياء، وقد أهدي إليه من عمان وقر بعير من نفائس الكتب. (3)
كما رحل إلى عمان العالم الجزائري الشّيخ الحاج إبراهيم بن يوسف اطفيّش (ت 1310هـ) أخو قطب الأئمّة الحاج محمّد اطفيّش وشيخه (ت 1332هـ/ 1914م) "رحل إلى عمان فأقام فيها مدّة، يتخصّص في الشريعة واللّغة العربيّة على علمائها الأجلاّء." (4)
وقد استمرّت هذ الزّيارات إلى عمان من دون انقطاع، وإن اعتراها فتور أحيانا لأسباب وعوامل مرّ بها البلَدان: عمان والجزائر. وقد كان من بين الوافدين إلى عمان من وادي ميزاب، والمتردّدين عليها كثيرا أحمد بن الحاج أحمد بن عمر النّوري الإباضي، الذي كان ــ في العديد من المرّات ــ الواسطة بين أهل عمان وقطب الأئمّة بخاصّة. فقد حمل عدّة رسائل وكتب من وإلى عمان ووادي ميزاب. وكان يلقّب أو يعرف بصاحب عمان؛ لكثرة اتّصالاته بأهل عمان، ولكثرة ما حمل إليهم من رسائل وكُتُبٍ، وحمل منهم أخرى إلى وادي ميزاب. (5)
ذكر لي الشّيخ صالح بزَّملال (ت 1420هـ/2000م) (قيّم مكتبة الاستقامة في بني يسجن بوادي ميزاب) أسماء بعض الميزابيّين الذين زاروا عمان في القرن العشرين. من هؤلاء الحاج داود لعلي الذي سافر إلى عمان فارًّا من وادي ميزاب، من دون أن يشير إلى سبب هروبه، وقد تزوّج فيها وخلّف أولادا، وقد توفّي هناك في عمان. وذرّيته تسكن اليوم مدينة الحاجر بولاية العامرات. (6)
وفي الثّلاثينيّات زار عمان السّيّد بزّحوال محمّد بن سليمان، وقد توفّي فيها أيضا سنة 1934م. كما كانت للشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بن نوح (ت 1922م)، وهو عالم في الفرائض، كانت له رحلة إلى عمان للتّدريس هناك. (7)
نقل محمد بن عبد السّيفي كتابة وجدها على شاهد قبر بالدّيّار الرّستاقيّة العمانيّة: " تاريخ وفاة الشّيخ إبراهيم بن محمد باعُرْوَة الإباضي المغربي، السّاكن قرية قرارة، من أرض مصعب، زوال نهار 27 من شهر ربيع الآخر سن 1274هـ." (8) وأذكر بالمناسبة أيضا الجزائري أحمد بن إبراهيم
__________
(1) - علاقة عمان بشمال أفريقيا، ص: 34، 35. جاء في كتاب التّواصل الإباضي بين عمان والبلاد المغاربيّة أنّ عددهم ثمانين طالبًا، ص: 44، 45.
(2) - محمّد عليّ دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة ج1، ط1، المطبعة التّعاونيّة، سنة 1385هـ / 1965م، ص: 283. ذكر لي الشّيخ صالح بزّملال (ت1420هـ / 1999م) أنّ الذي سافر إلى عمان هو ابنه عيسى، وليس الحاج محمّد. وكان ذلك سنة 1890م. وكان يبعث من هنالك بقصائد إلى وادي ميزاب وكان شعره شعر فقهاء.
(3) - نهضة الجزائر الحديثة ... ج1، ص: 284.
(4) - م. س. ص: 285.
(5) -
(6) - وقد تغيّر اسم الأسرة إلى (الهادي)، وقد التقيت بأحد أفراد هذه الأسرة بحضور الأستاذ مصطفى بن حمّو رشّوم المدرّس بمدرسة الشّيخ سعيد بن النّاصر الكندي الإعداديّة بالحاجر (سابقا). حاليّا هو في مدرسة الإمام أحمد بن سعيد الثّانويّة بالعامرات.
(7) - كلّ هذه المعلومات أفادني بها الشّيخ صالح بزّملال، في لقائي معه في بني يسجن يوم: 16/ 01/1994م.
(8) - محمد بن عبد الله السّيفي، النّمير روايات وحكايات، الإباضية في مصر وليبيا والجزائر وتونس وما يتبعها من االأقاليم المغربيّة، ج8،، ص: 29. ينظر للمؤلّف نفسه، التّاريح المحفور على شواهد القبور (مرقون). (1/31)
صفحة 31
حمدي عيسى، المعروف بالباشا، الذي تُوُفّيَ في عين الكسفة بالرّستاق العمانيّة يوم 30 من أكتوبر 1974م ... (1)
تكثّفت الزّيارات من الجزائر إلى عمان في المدّة الأخيرة لأجل الزّيارة ولأغراض علميّة، كالمشاركة في بعض المؤتمرات والنّدوات، أو التّدريس أو القيام بأعمال ثقافيّة ... نذكر من بين هؤلاء الذين تكرّرت زياراتهم لعمان فضيلة أستاذنا النّاصر محمّد المرموري، تلميذ فضيلة شيخنا المرحوم إبراهيم عمر بيّوض (1899 ــ 1981م) كان همزة الوصل بين إباضيّة عمان وإباضيّة الجزائر. كما زار عمان أيضا أستاذنا الشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشّيخ عدّون) والشّيخ محمّد بن بابة الشّيخ بالحاج، والشّيخ عبد الحميد بن أحمد أبو القاسم، والشّيخ حمو بن عمر فخّار، والشّيخ بكير بن محمد الشّيخ بالحاج (باش عدل)، والشّيخ بكير بن محمّد رشّوم، والشّيخ بالحاج بن سعيد شريفي، والدّكتور محمد بن سعيد شريفي، الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي، الدّكتور باحمد بن محمد ارفيس، والأستاذ يحيى بن محمّد بكّوش، والدّكتور إبراهيم بن بكير بحّاز، والدّكتور مصطفى بن صالح باجو، والأستاذ صالح سالم (عمل في المحكمة العليا بمسقط)، والأستاذ عيسى بن محمّد الشّيخ بالحاج، والأستاذ الحاج أحمد بن حمّو كرّوم، والأستاذ صالح بن أحمد حدبون، والأستاذ محمد بن أحمد جهلان، والأخ محمّد بن أحمد إمنّاسن، والأستاذ عبد المجيد شيخي (مدير المركز الوطني الجزائري للأرشيف) وغيرهم كثير، وهم بالعشرات في السّنوات الأخيرة ..
كان لنا شرف زيارة عمان عدّة مرّات وقد شاركنا في بعض الأنشطة هناك، وفي بعض النّدوات والملتقيات، والتّأليف، وإلقاء دروس في المساجد، ومحاضرات في بعض المنتديات، ونشرنا مقالات في الصّحافة، وألقينا أحاديث في الإذاعة والتّلفزيون ... والتحقت بكليّة التّربيّة للمعلّمين بولاية نزوى، بداية من يوم 17 سبتمبر 1997م إلى شهر جوان 2004م .. بقيت صلتنا بعمان قائمة إلى اليوم .. في زيارات سنويّة؛ لمآرب مختلفة ...
كما يوجد الآن في عمان بعض الأساتذة الجزائريّين، يدرّسون في جامعة السّلطان قابوس (درّس فيها الدّكتور محمّد الصّالح ألجون، والدّكتور حوّاس برّي حوّاس، والدّكتور حوّاس مسعودي، ومجوعة من الدّكاترة)، حاليًّا يوجد فيها الدّكتور بوعلام بلقاسم .. وغيره .. وفي جامعة نزوى يوجد الدّكاترة عمر بن حمو لقمان ومصطفى بن محمد شريفي وغيرهما ... وفي الكليّة التّقنيّة بسقط يوجد الدّكتور عيسى بن النذاصر كريزو .. وفي كلّيات التّربية ومعاهد السّلطنة ومدارسها درّس ويدرّس بعض الأساتذة ..
كما يوجد بعض الجزائريّين يشتغلون أئمّة في المساجد بعد أن تخرّجوا في معهد القضاء الشّرعي ومعهد العلوم الشّرعيّة، وبعضه قدم من الجزائر رأسًا ليؤمّوا المصلّين في بعض المساجد .. ويوجد موظّفون في المحاكم، كالأستاذ صالح سالم، وفي المستشفيات كالأخ سليمان بن محمد العايب، وفي مجال الرّياضة والإعلام، كالأخ عبد الله بن أحمد حمدي عيسى .. وفي ميدان الطّيران، وفي مجال البترول، والميدان التّجاري ... وبعض الإخوة يشاركون في التّأليف وتحقيق الكتب والمشاركة في بعض الملتقيات والنّدوات .. كـ: إبراهيم بن علي بولرواح، وإبراهيم بن محمد لعساكر، وسليمان بن إبراهيم بابزيز، ونور الدّين بن احمد خير النّاس، إدريس بن بابه باحامد، وجابر بن ... فخّار، وداود بن ... بابزيز، ومحمد النّاصر بن بومعقل ...
__________
(1) - ينظربعض التّفاصيل عن وفاة الحاج أحمد الياشا، كتاب النّمير .. زج8، ص: 100، 101. نقلها الأستاذ محمد السّيفي رواية عن كاتب الشّاهد الشّيخ سعيد بن محمد بن صقر الرّمحي العيني الرّستاقي .. (1/32)
صفحة 32
من أوائل من رحل إلى عمان للتّدريس فيها ــ بعد انقطاع دام سنوات ــ الأستاذان سليمان بن النّاصر حميد أوجانه (1977 ــ 1979م) وعمر بن بابة بيّوض (1977 ــ 1978م). ثمّ الأستاذان أحسن بن إبراهيم أوجانة وأحمد بن محمّد بوقرينات، اللّذان التحقا بعمان في شهر أكتوبر 1987م. وبذلك يسهمون في إحياء سيرة السّلف في الرّحلة والتّنقّل؛ لإحياء إحدى وسائل توطيد العلاقة مع الإخوة في عمان.
كما التحق بمعهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد بسلطنة عمان للتّدريس ــ أيضا ــ الدّكتور محمّد بن صالح ناصر (من جامعة الجزائر) الذي ما يفتأ يسهم بجدّيّة في تنشيط حركة التّأليف هناك وفي وضع المناهج الدّراسيّة والمشاركة في النّدوات والملتقيات، والصّحافة العمانيّة وإذاعتها. وفي كلّ ما يساعد ويسهم في تطوير التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر. وله في هذا المجال نشاط ملموس. وقد التحق بمعهد القضاء في شهر نوفمبر 1991م، وبقي فيه إلى جوان 1998م. ثمّ كان يزوره أستاذا زائرا في الفصل الأوّل من كلّ سنة دراسيّة، إلى سنة 2004م.
بالمعهد نفسه درّس الأستاذ عمر بن حمّو لقمان (سليمان بوعصبانه) الذي انضمّ إلى أسرة التّعليم في شهر أكتوبر 1993م إلى غاية شهر جوان 1998م. وبوجد فيه (اي كليّة العلوم الشّرعيّة كما تسمّى الآن، بداية العام الأكاديمي 2014/ 2015م. الدّكتور صالح بن ... بوشغلام، خرّيج معهد العلوم الشّرعيّة ...
نسجّل أيضا بعث نظام البعثات العلميّة ــ من جديد ــ من الجزائر إلى عمان؛ إذ أصبح معهد الحياة الثّانوي بالقرارة يرسل كلّ عام تقريبا طلبة للدّراسة في معهد القضاء الشّرعي (معهد العلوم الشّرعيّة حاليا)، وذلك بداية من خريف سنة 1987م. وأوّل طالب التحق بهذا المعهد هو مسعود بن عيسى السّماوي. هو الآن إمام في أحد مساجد ولاية العامرات.
كما التحق بجامعة نزوى طلبة مبتعثين من كليّة المنار للدّراسات الإنسانيّة. أوّل دفعة سافرت في شهر جانفي 2013م. وكانت متكوّنة من ثلاثة طلبة، هم عمر بن أحمد بن بابه الشّيخ بالحاج، ومحمد بن عبد العزيز بن الحاج إبراهيم خيّاط، وحسن بن أحمد بن محمد فرصوص .. حملت المجموعة الأولى صفة حملة العلم، تيمّنًا بما حصل عليه حملة العلم من البصرة إلى المغرب الإسلامي في القرن الثّاني للهجرة، وهم طلبة أبيي عبيدة.
أعقبتها ثلاث بعثات أخرى .. آخرها بعثة متكوّنة من طالبة .. نرجو تتواصل هذه البعثات في الاتّجاهين ..
هكذا نسجّل كثرة الرّحلات والزّيارات التي قام بها الإباضيّة إلى المشرق والمغرب، وتنوّعها؛ بين رحلات لتفقّد الأحوال، والقيام بواجب الزّيارة الأخويّة، وتنقّلات لطلب العلم والتّفقّه في الدّين، والاشتغال بالتّدريس، إلى غير ذلك؛ ممّا أعان على الإبقاء على باب التّواصل الثّقافي مفتوحا على مصراعيه منذ القرون الأولى لنشأة المذهب الإباضي إلى اليوم.
في إطار الجهود المتواصلة لتطوير الصّلة بين الجزائر وعمان. قامت وزارة الثّقافة الجزائريّة بإعداد بإعداد برنامج ثقافي متنوّع، شمل محاضرات ولقاءات شعريّة، وإقامة معرض كتاب وآخر في الفنّ التّشكيلي .. وعرض سينمائي، وإحياء سهرات فنيّة .. زيادة على زيارة بعض الأماكن التّاريخيّة والتذعرّف على الآثار العمرانيّة العمانيّة، وعقد لقاءات بين الالوفد الجزائري والإخوة العمانيّين للتّحاور في المشهد الثّقافي والعلاقة التّارخيّة بين البلدين والتّفكير في تطوير الصّلات بينها بإعداد برامج ومشروعات حضاريّة ... أقيم هذا الأسبوع الثّقافي الأوّل للجزائر في سلطنة عمان في إطار (1/33)
صفحة 33
مسقط عاصمة الثّقافة العربيذة. وذلك ما بين 12 – 17 شوّال 1427هـ / 04 – 09نوفمبر 2006م. فعاليّات هذا الأسبوع الثّقافي رسمت المشهد الثّقافي المتنوّع للجزائر. (1)
دأبت جمعيّة التّراث بالقرارة في المشاركة في معرض مسقط الدّولي للكتاب، من سنة 2007م هذه السّنة (2016م). أحيانًا تكون وحدها التي تمثّل الجزائر في المعرض .. وقبل أو أربع سنوات بدات مشاركة المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة. كما شاركت المكتبة الخضراء مرّة. ومكتبة الهدى
__________
(1) - ينظر بعض التّفاصيل عن هذه الأيّام الثّقافيّة، محمد بن قاسم ناصر بوحجام " قراءة في أوّل أسبوع ثقافي جزائري بالسّلطنة"، جريدة الشّبيبة، مسقط، سلطنة عمان، ملحق أسبوعي، ع: 4290، الأربعاء: 21 من ذي القعدة 1427هـ/ 12 من ديسمبر 2006م. (1/34)
صفحة 34
مرّة، والمؤسّسة الوطنيّة للنذشر والتّوزيع مرّة .. تبقى مشاركة الجزائر في هذا المعرض ضعيفة، من حيث عدد الدّور والهئئات الر سميّة ...
جمعيّة أبي إسحاق اطفيش لخدمة التّراث تعاون مع سلطنة عمان، ومشاركة في بعض أنشطتها .. من ذلك مثلا إقامة معرض للوثائق بالتّسيق مع هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنيّة العمانيّة ..
على الباحث أن يتأمّل في هذا النّشاط الثّقافي ليقرأ تاريخ الإباضيّة، ويتعرّف على مجهودات أبناء المذهب في العمل على المحافظة على كيانهم، وحماية شخصيّتهم ممّا ينالها من أذى، ويلحقها من أضرار، ثمّ يسأل ويبحث عن الأسباب التي دفعت أو أعانت على القيام بهذا النّشاط المكثّف المضني، ويقف على آثاره؛ ليأخذ من هذا التّاريخ الطّويل عبرا، ويستخلص دروسا تعين على خدمة الثّقافة الإسلاميّة؛ انطلاقا من معرفة التّاريخ الإسلامي، الذي يعدّ هذا النّشاط الثّقافي، وهذه الرّحلات جزءًا منه. ومن خلال هذا التّأمّل والقراءة المتأنّية الفاحصة النّاقدة يقف الدَّارس أيضا على تطوّر مسيرة الفكر الإباضي، ومن ثمّ يعرف دوره في الإسهام في حركة الفكر الإسلامي بعامّة. ومن ثمّ يعرف دوره في الإسهام في حركة الفكر الإسلامي بعامّة.
تبادل الكتب
كان من بين ما وطّد العلاقة بين المشرق والمغرب، وكشف عن الرّباط المتين، الذي يربط بينهما هذه التّآليفُ التي كانت تنتقل بين المشرق والمغرب، فالمصادر والمراجع مليئة بالأخبار والرّوايات عن هذا الجانب من التّواصل الثّقافي بين الجهتين.
مرّ معنا حديث عن الأحمال التي بعث بها أهل المشرق إلى الإمام عبد الوهّاب، حين طلب منهم ذلك. وكذلك قصّة أبي العبّاس أحمد بن بكر الفرسطّائي الذي بحث مسألة في الفقه بين حوالي ثلاثة وثلاثين ألف جزء، كلّها من تآليف أهل المشرق.
لقد تزوّدت مكتبة المعصومة بكتب مشرقيّة كثيرة، كان لها دور كبير في نشر الثّقافة الإسلاميّة بعامّة والفكر الإباضي بخاصّة في المغرب الإسلامي. سبق وأن أشرنا إلى سيرة أبي سفيان محبوب بن الرّحيل (عاش في النّصف الثّاني من القرن الثّاني الهجري) وأهمّيتها بالنّسبة للمغاربة. يكفي أنّ كتّاب السّيرة والطبقات الإباضيّة كالوسياني والدّرجيني والشّماخي اعتمدوها كثيرا في كتابة السّير: (1/35)
صفحة 35
"وقد اعتمد إباضيّة المغرب فيما ألّفوه من كتب عن المذهب وسيرة مؤسّسيه وتاريخه على ما ورد إليهم من كتب من عمان والبصرة، فقد اعتمد الدّرجيني في تأليفه لكتابه المعروف باسم الطّبقات على السّيرة التي كتبها أبو سفيان محبوب بن الرّحيل، آخر أئمّة الكتمان في البصرة ... وبذلك انتقل علم محبوب بن الرّحيل إلى بلاد المغرب، وكان الطّلاّب والعلماء يتعهّدونه بالدّراسة والمذاكرة، ويفضّلونه، ويفضّلون كتب المشارقة في المذهب على غيرهم من النّاس، وكان الآباء يقومون بتلقين أبنائهم أصول المذهب من هذه الكتب ... " (1)
يستدلّ الأستاذ إبراهيم بحّاز على كثرة كتب المشرق في الدّولة الرّستميّة بقول الإمام أفلح بن عبد الوهّاب يحثّ رعيّته: "عليكم بدراسة كتب أهل الدّعوة، ولا سيّما كتاب أبي سفيان." (2)
نذكر هنا ــ كما أشرنا سابقا ــ مدوّنة أبي غانم الخراساني، وما تركته من آثار كبيرة في الأوساط الإباضيّة في المغرب الإسلامي.
يقول صاحب كتاب "عمان تاريخا وعلماء": إنّه في إمامة عمان بزعامة ناصر بن مرشد اليعربي في سنة 1624م، وفي إمامة عزّان بن قيس سنة 1868م تمّت عملّيات تبادل الكتب من أهل المشرق وأهل المغرب. (3)
كان المغاربة أكثر رواية عن كتب المشارقة، وأكثر إفادة ممّا ورد في تآليفهم وكتاباتهم. ففي الفقه اعتمدوا كثيرا على مدوّنة أبي غانم الخراساني، وفي الحديث اعتمدوا على كتاب الرّبيع بن حبيب الأزدي العماني: "وقد ظلّت آثار الرّبيع تدرّس في بلاد المغرب، وظلّ طلبة العلم الإباضيّة الذين عرفوا منذ القرن الخامس للهجرة باسم العزّابة يعقدون مجالس العلم في المساجد، ويقرؤون آثار الرّبيع." (4)
كما نجد أبا الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي الذي جعله الدّرجيني في الطبقة العاشرة (450 ــ 500هـ) يروي عن ابن بركة العماني صاحب كتاب الجامع (عاش في القرن الرّابع الهجري).
يعلّق الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم على هذه الرّوايات وهذا النّقل بقوله: "وهذا النّقل وتلك الرّواية، لا تأتي إلاّ إذا وصلت كتب المشارقة من عمان والبصرة إلى المغاربة في مصر وبلاد المغرب." (5)
في مجموعة من الرّسائل المتبادلة بين أهل وادي ميزاب وأهل عمان، وقفنا على إشارات كثيرة، يطلب فيها أصحابها كتبا من المشرق والمغرب على السّواء، أو يخبرون عن وصول كتب من هنا أو هناك. فهذا الشّيخ عبد العزيز الثّميني الميزابي الجزائري (1130 ــ 1223هـ) يرسل إلى جربة وعمان وأنحاء المغرب الإسلامي، ويطلب من يشتري له الكتب النّفيسة في الفنون المختلفة، وفعلا ينال مراده، وتأتيه هذه الكتب. (6)
__________
(1) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 170.
(2) - الدّولة الرّستميّة دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة ص: 398. ينظر البرّادي، ملحق بكتاب آراء الخوارج الكلاميّة ج2، ص: 284.
(3) - عمان تاريخا وعلماء، ترجمة محمّد أمين عبد الله. سلسلة (تراثنا) ع: 10، ط2. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1980م، ص: 46، 47.
(4) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 169.
(5) - م. س. ص: 168
(6) - نهضة الجزائر الحديثة. ج1، ص: 267. (1/36)
صفحة 36
في رسالة أرسلت إلى قطب الأئمّة الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش (ت 1332هـ/1914م) ذكر فيها صاحبها أنّه أرسل له كتاب بيان الشّرع في تسعين مجلّدا (1): "على يد الولد العزيز محمّد بن عمر بن سعيد، وهو وقف على يدكم أنت محمّد بن يوسف، ومحمّد بن عيسى (2)، وسعيد بن يوسف (3) ومحمّد بن يحيى، ومحمّد بن عمر بن سعيد، وكافّة العلماء والمسلمين، ولا تمنع الطّلبة (كذا) العلم، قد وقفتها هذه الكتب وقفا مؤبّدا، حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين."
نثبت هنا نصّ رسالة من الرّسائل التي تحمل رغبة الحصول على كتب من الجزائر: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد! فسلام على شيخنا المعمور بالمعارف الرّبّانيّة، المغمور بالمعارف الرّحمانيّة: الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش، حرسه الله تعالى، وزاده إكراما وإجلالا وأبّهة وجمالا. من راقمه العبد الضّعيف خادم طلبة العلم من أهل المذهب الوهبِيّ الإباضي الشّريف الحاج راشد بن عزيز بن بخيت الخصيبي الإباضي العماني السّمائلي. يا شيخ المذهب، قد أرسلت إليك كتابا منّي بيد الحاج الوافد إلى زيارتنا أحمد بن أحمد ابن عمر النّوري الإباضي المصعبي. كشفت لك فيه شدّة اضطراري إلى الحصول على مؤلفاتك المباركة لأكتسب منها العلوم، راغبا إلى الاقتباس من أنوارها كلّ الرّغبة، كشرح النّيل وشرح المعالم وغيرها، وقيمتها أو أجرة نسخها عليّ. وعدتك بإرسالها، ولك من الله الثّواب العظيم، فإنّ العلوم في عمان وطالبيها على شفا، ومن النّدرة بمكان. وكلّ الكتب التي أرسلتها إلى الشّيخ سعيد الصّفري رحمه الله، وإلى ولده من بعده، نقلها ولده إلى زنجبار، وما جاءني منك جواب، إلاّ أنّه وصلني كتاب ترتيب المعلّقات وكتاب أجور الشّهور مع الحجّاج من أصحابنا العمانيّين، قائلين إنّهما من مصعب، ولعلّهما منك، وذانك الكتابان موجودان معنا منذ زمان، وإنّما الحاجة كلّ الحاجة على غيرهما ممّا ذكرته. فأسألك بالله العظيم أن لا تخيّب عنائي فيك، وأن تحقّق ظنّي فيك، حقّق الله ظنّك فيه، وبلّغك منه كلّ ما أملته من فضله ... " (4)
هذا نموذج من الرّسائل التي كانت تصل إلى الجزائر من عمان، وهو يدلّ على استمرار التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب، رغم بعد المسافة، وصعوبة الاتّصال ومشقّته، فالرّسالة تبرز حرص العمانيّين في الحصول على كتب من المغرب الإسلامي، خاصّة مؤلّفات القطب الذي ذاع صيته، كما تبيّن الرّسالة القيمة أو المكانة التي يحتلّها القطب في نفوس العمانيّين، وتحتلّه مصنّفاته ومؤلّفاته، كما تكشف عن فترة مظلمة أو عصيبة كانت تمرّ بها عمان، تمثّلت في نقص العلماء، أو على الأقلّ ضآلة جدواهم، وقلّة نفعهم؛ لأسباب نجهلها. ولهذا احتاجت إلى المدد من الجزائر.
في رسالة أخرى أرسلها إلى القطب المسمّى عبد العزيز بن سعيد جاء فيها: "فلا يخفى على جنابك عن مصرنا هذا، فقد خلا من المرشدين، فقد ذهب العلم وأهله، وكثر الجهل وحزبه، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم." (5)
في رسالة أخرى أرسلها إلى القطب عبد الله بن راشد الهاشمي، أخبره فيها بوصول كتابه "جامع الشّمل في حديث خاتم الرّسل". بعد الشّكر والتّقدير والاعتذار عن عدم التّمكّن من زيارته؛ بسبب بعد المسافة، إلاّ أنّ الكتابة تبقى نوعا من المواصلة قال: "ومهما أردت كتابا من كتبنا المتداولة المشهورة
__________
(1) - في حدود علمي، كتاب بيان الشّرع يقع في سبعين أو اثنين وسبعين مجلّدا.
(2) - محمّد بن عيسى آزبار.
(3) - سعيد بن يوسف وينتن.
(4) - الكتاب السّادس، ضمن مجموعة 44 كتابا من أهل عمان إلى الحاج امحمّد ابن يوسف اطفيّش. تكرّم بها عليّ الدّكتور فرحات الجعبيري. هذا الكتاب مؤرّخ بمنتصف جمادى الأخيرة عام 1304هـ.
(5) - الكتاب الثّاني والعشرون من مجموعة 44 كتابا. (1/37)
صفحة 37
الموجودة، فعرّفنا عنها، لنرسلها لك، ومهما زهب شيء من التّصانيف الجديدة، فنريد أن تجعل لنا نصيبا لنستفيد منها علوما وتبرّكا، حتّى يكون الدّعاء ممتدّا، ونحن ندعو لك ولكافّة المسلمين بالنّصرة على الكافرين ودخول الجنّة مع الأبرار." (1)
من الكتب المهمّة التي ورد لها ذكر كبير في هذه الرّسائل كتاب "قاموس الشّريعة" الذي وصل القطب في فترات متقطّعة وأجزاء متفرّقة، وقد سجّل فيه مؤلّفه وكتب: من مؤلّفه وقف للطّلبة المغاربة على يد الشّيخ امحمّد بن يوسف اطفيّش. (2)
نسجّل هنا أنّه لا تكاد تخلو رسالة من الرّسائل الأربع والأربعين التي اطّلعت عليها، لا تخلو من طلب كتاب أو تأليف من مؤلّفات القطب، أو الدّعاء بالخير والبركة ... أو وصول كتاب إلى عمان، أو إرسال آخر إلى وادي ميزاب، أو الشّكوى من الفقر إلى العلم والعلماء، أو طلب التّأليف والتّصنيف في موضوع معيّن، أو شرح أو تعليق، أو بيان مكانة القطب في نفوس العمانيّين، وتقدير علمه وجهاده في سبيل نصرة المذهب الإباضي، والتّعريف به، أو استنجاد عمان بالمغرب الإسلامي لينقذه من الجهل، أو الشّكوى من نضوب العلم وقلّة العلماء والمرشدين ...
في رسالة أرسلها الشّيخ سعيد بن زهران بن سالم الرّويشدي النّخَلي العماني إلى الحاج صالح بن عمر بن داود لعلي المغربي (ت 1928م) تلميذ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش. جاء فيها بعد السّلام والتّحيّة: " ... وقد تقدّم منّا لك بيان يقتضي إرسالك إلينا دراهم وكاغد حتّى تُتَمّ لك النُّسَخُ التي أردتها على أيدينا، فلم يأتنا منك جواب، وقصدنا إرسال الزّاهب إليك من النُّسخ في هذه السّنة، لكنّ بعضها غير مصحّح، وبعضها لم يكمل نسخها، وأنّ النّاسخ الذي ينسخ لنا قصد سفر الحجّ، وما علمت به إلاّ وهو مسافر، ثمّ منعني حالا عن إرسال المنسوخ والمصحّح بأن قدّر الله حربا بين أهل البلدان التي نحن قاطنون بها، فامتنعت الطّرق من شدّة المخاوف والسّعي فيها، وإرسال الكتب إلى بندر مسقط على يد الشّيخ سعيد بن ناصر، فخفت عليها أن تضيع، لكن إن شاء الله لنغتنم الفرصة ولنرسل جميع الذي كافت (كذا) له الدّراهم." (3)
المهمّ إنّ كتبا كثيرة كانت ترحل بين المشرق والمغرب في إطار التّواصل الثّقافي. وممّا يثبت رحيل كثير من الكتب المغربيّة إلى المشرق وإفادة المشارقة منها في كتاباتهم وتآليفهم ما ذكره الدّكتور رجب محمد عبد الحليم أنّ الشّيخ جميل بن خميس السّعدي، كان كثيرا ما يشير في كتابه قاموس الشّريعة أنّه كان يقتبس من كتب مغربيّة، أو ينقل عن شيوخ أفريقيا أو "سيرة أصحابنا من أهل المغرب". وأحيانا يذكر الكتاب الذي أخذ عنه. وأخرى يشير إلى مؤلّف الكتاب. إذن إنّ الشّيخ قد اقتبس من كتب مغربيّة "لاشكّ أنّها كانت موجودة في عمان قبل عصره بزمن طويل، واستطاع أن يحصل عليها وأن يستفيد منها في تأليفه لهذا الكتاب الذي بلغ عدد أجزائه اثنين وتسعين جزءا." (4)
هكذا نتبيّن حاجة المغرب إلى المشرق وحاجة المشرق إلى المغرب، فزمانا كان المغرب يتطلّع إلى المشرق، وفي هذه الفترة كان المشرق هو الذي يشرئبّ إلى المغرب. وهذا هو التّواصل، وهذا هو التّفاعل، وهذه هي العلاقة الثّقافيّة الحقيقيّة.
__________
(1) - الكتاب الخامس عشر من مجموعة 44 كتابا. حرّر الكتاب يوم 14 من ذي الحجّة 1305هـ.
(2) - طبع هذا لكتاب في المدّة الأخيرة، بعد أن قام بإعداده للطّبع فريق من الباحثين، فيهم عدد كبير من الجزائريّين، وكان العمل تحت إشراف الأستاذ إبراهيم بن محمد لعساكر ..
(3) - الرّسالة مؤرّخة بتاريخ 9 من شوّال سنة 1328هـ، وهي موجودة في مكتبة الشّيخ الحاج صالح بن عمر لعلي في بني يسجن (الجزائر).
(4) - الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 173. (1/38)
صفحة 38
لا بأس أن نختم سلسلة هذه النّصوص، التي أردنا من خلالها بيان أنّ تبادل الكتب بين المشرق والمغرب كان نشيطا بإيراد نصّين وردا من عمان، يثبتان وصول الصّحافة اليقظانيّة (1) إليها، يعدّ هذا في حدّ ذاته نوعا من تبادل النّشرات، ففي رسالة أرسلها المشايخ عيسى ومحمّد ابنا صالح الطّائيّين ويحيى بن عبد الله المشرفيّ، مؤرّخة بيوم 12 رجب 1345هـ إلى أبي اليقظان بعد إصداره جريدته الأولى "وادي ميزاب"، ووصول أعداد منها إلى عمان. أرسلوا إليه رسالة هنّؤُوه فيها بهذا العمل العظيم، وبما يقوم به في سبيل النّهوض بالشّعب الجزائري. جاء في الرّسالة بعد السّلام والتّحيّة: " ... وقد سرّنا جدّا ما قمتم به من إنهاض الشّعب الميزابيّ وخدمته مادّيّا وأدبيّا، ونضالكم عنه في كلّ معترك حيويّ بإنشاء جريدتكم الغرّاء (وادي ميزاب) التي هي كلسان حاله ومفهوم حاله، فالحمد لله الذي وفّقكم لهذه الخطّة، وأوقفكم في هذا المشروع الجليل، ولعمري هي مرتبة يختصّ بها الأنبياء عليهم السّلام، ومن يقوم مقامهم في الأمم فطوبى لك ثمّ طوبى لك وشكرا لك، ولا شكّ أنّ قلوب الإخوان هناك توّاقة إلى أخبار إخوانهم هنا، والاطّلاع على أخبار البطل، صاحب الدّولة الوزير الأفخم الباروني أيّده الله وأعانه، وكيف سير الأحوال لديه." (2)
عن جريدة الأمّة لأبي اليقظان أيضا، وردت إلى الجريدة رسالة من عمان، تبارك أعمال الشّيخ أبي اليقظان، وتؤازر نشاط المصلحين في وادي ميزاب، وترجو النّجاح والازدهار للجريدة: "أمّا جريدة الأمّة الغرّاء، فهي لا تزال تصلنا بالبريد، وشوقنا إليها عظيم، ويعلم الله كم يحدث لنا من السرّور بورودها، حيث تكشف لنا عن خالص الودّ والعواطف القلبيّة، تطلعنا على ما يهمّنا الاطّلاع عليه من الثّقافة والرّقيّ، فزدنا من حديثك يا سعد، بارك الله نهضتكم، وحفظكم من كيد الكائدين. ولئن كان الجمود ضاربا أطنابه بهذه البلاد، وكان للجامدين لحدّ الآن الكلمة المسموعة في أغلب مظاهر الحياة هنا، إلاّ أنّنا نحن النّزر اليسير من المفكّرين نقدّر جهودكم، ونرى أنّ السّير ــ ولا شكّ ــ في هذا الزّمن بمقتضيات العصر من الضّروري لمن أراد الحياة في عزّ وسعادة، والله تعالى يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) والقوّة شاملة لكلّ ما دفع ضرًّا وجلب نفعًا، ولا يسعنا إلاّ أن نسأل الله الكريم لجريدة الأمّة الغرّاء بطول العمر والبقاء." (3)
هذان النّصّان يعبّران أصدق تعبير عن العلاقة العاطفيّة الحميمية، التي تربط أهل عمان وأهل ميزاب. في النّصّين تشوّق لمعرفة الأخبار والأحوال، وتبادل التّهاني، ومباركة النّشاط، ونصرة الإصلاح، والدّعوة إلى مضاعفة الجهود للوقوف في وجوه المعرقلين والجامدين. والنّصّان أثبتا تشابه الأوضاع في الجهتين، وأكّدا على وحدة المشاعر، وعلى النّيّة والرّغبة في تنسيق الجهود، وتوحيد الكلمة، وعلى التّعاون على بعث التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب ...
من خلال ما ذكرناه، ومن الأمثلة القليلة التي عرضناها، يتأكّد لدينا حرص الإباضيّة في المشرق والمغرب على نشر كتبهم في المنطقتين معا، وعلى متابعة كلّ ما يصدر هنا أو هناك من جديد. بل إنّ
__________
(1) - نسبة إلى الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان (1888 - 1973م) صحفي وشاعر وفقيه ومؤرّخ جزائري، أنشأ ثماني جرائد ما بين 1926 و1938م. هي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النّور، البستان، النّبراس، الأمّة، الفرقان. لمزيد من التّفاصيل ينظر الدّكتور محمّد ناصر وكتابه: أبو اليقظان وجهاد الكلمة.
(2) - "وادي ميزاب في عمان"، جريدة وادي ميزاب، ع: 28، 19 شوّال 1345هـ/ 22 أفريل 1927م.
(3) - "ماذا في عمان: جريدة الأمّة بعمان"، جريذة الأمّة ع: 168، يوم 24 ربيع الأنور 1357هـ/ 24 ماي 1938م، إمضاء مكاتبكم، مسقط. (1/39)
صفحة 39
الإباضيّة كان يستعين بعضهم ببعض في تنشيط الجهة التي ينتشر فيها الجهل، وينضب العلم، ويقلّ المرشدون والمعلّمون، وذلك بتزويدها بالكتب والنّشرات. كانوا يقومون بذلك؛ دعما للصّلة، وتمتينا للعلاقة، وضمانا للتّواصل الثّقافي. وما يزال هذا التّواصل قائما إلى اليوم.
لقد كان لكلّ ذلك أثره الكبير في تزويد المكتبة الإسلاميّة بمؤلّفات أغنت الفكر الإسلامي، وقرّبت المسافة بين المشرق والمغرب وضيّقت الشّقّة بين أبناء الإسلام.
نشير في النّهاية إلى أنّ هناك مخطوطات مشرقيّة كثيرة انتقلت إلى المغرب. يمكن تصفّح "دليل مخطوطات وادي ميزاب" وبخاصّة مخطوطات مكتبة آل يدّر ببني يسجن (1) للوقوف على هذه الحقيقة.
إلى جانب تبادل الكتب والمؤلّفات والنّشرات فقد كان هناك مجال آخر للتّواصل الثّقافي، حاول الإباضيّة بواسطته خدمة الثّقافة الإسلاميّة بعامّة، والفكر الإباضي بخاصّة، هو مجال التّعاون في التّأليف.
التّعاون في التّأليف
من بين أكبر المجالات التي يبرز فيها التّواصل الثّقافي، والتّلاحم الفكري بين إباضيّة المشرق والمغرب، مجال التّعاون في التّأليف، الذي نقرأ فيه التّكاتف على إبراز الفكر الإباضي، وحمايته من حملات الهجوم والتّشويه، والعمل بجدّيّة للتّعريف بهذا الفكر. وقد كان لذلك أثره الإيجابي في حفظ هذه العلاقة وضمان التّواصل الثّقافي، رغم الهزّات التي مرّ بها الإباضيّة في حياتهم مشرقا و مغربا.
كان هذا التّعاون يتمّ بطرق كثيرة، بشرح بعض الآثار، أو اختصارها أو تحشيتها، أو نظم المنثور، أو نثر المنظوم، أو التّعليق، أو تشطير القصائد و تخميسها، ويكون أحيانا بطلب جهة أخرى التّأليف في موضوع معيّن أو الرّدّ على آخر ...
نحاول فيما يأتي ضرب أمثلة على هذا التّعاون مع الإحالة إلى المصادر والمراجع:
__________
(1) - نشر جمعيّة التّراث بالقرارة (الجزائر)، رمضان 1414هـ/فيفري 1994م. هو دليل يتضمّن التّعريف بستّمائة (600) عنوان أو مخطوط إباضي وغير إباضي، مشرقي ومغربي. نشير هنا إلى أنّ جمعيّة التّراث قامت بفهرست مجموعة من المكتبات بوادي ميزاب، التي تشتمل على مخطوطات، وهي تنوي نشر أدلّة عليها. وفيها نلاحظ كثرة الكتب والمخطوطات التي انتقلت من المشرق إلى المغرب. وفي المقابل نقف في عمان على عناوين مغربيّة كثيرة انتقلت إليها. ينظر على سبيل المثال وزارة التّراث القومي والثّقافة، ومكتبة الشّيخ السّالمي ببديه، ومكتبة الشّيخ سالم بن حمد الحارثي بالمضيرب، ومكتبة السّيّد محمّد بن أحمد آل سعيد بالسيّب وغيرها. (1/40)
صفحة 40
• مسند الإمام الرّبيع بن حبيب البصري العماني، المتوفّى عام 170هـ/ 786م بصحار في عمان، جُمِعَ هذا المسند في النّصف الثّاني من القرن الثّاني الهجري، رتّبه على الأبواب الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني الجزائري (ت 570هـ). كما نجد للشّيخ عبد العزيز الثّميني تأليفا على المسند سمّاه "مختصر حواشي التّرتيب لمسند الرّبيع بن حبيب". (1) وقد حشّى على مسند الرّبيع الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش (ت 1332هـ/ 1914م).
قدّم الشّيخ النّاصر بن محمد المرموري بعض الأعمال حول مسند الرّبيع بن حبيب .. منها مشاركته في ملتقى في مدينة تلمسان الجزائريّة ببحث حوله. وفي سلطنة عمان ألقى محاضرة في ندوة كانت مخصّصة للرّبيع بن حبيب. ثمّ درّس الكتاب في الجامع الكبير بالقرارةالكتاب لعامّة المسلمين في عدة سنوات .. يقوم الآن فريق من الباحثين من تلامذة الشّيخ في إخراجه في أجزاء، بطريقة منهجيّة وعلميّة .. وتقوم جمعيّة التّراث بنشره .. وقد صدر من هذه الكتاب أربعة أجزاء .. وهو حسب التّقدير الأوّلي ستتجاوز عتبة العشرين كتابًا. الكتاب صدر بالعنوان الآتي: " في رحاب السّنّة شرح الجامع الصّحيح للإمام الرّبيع بن حبيب"، لفضيلة الشّيخ النّاصر بن محمد المرموري رحمه الله، تحرير وتخريج ثلّة من طلبة الشّيخ. صدر الجزء الرّابع في ذي الحجة 1436هـ/ 2015م.
من البحوث الجادة والجديدة في الموضوع كتاب " مسند الرّبيع بن حبيب وكتاب الجامع لابن بركة (دراسة مقارنة) ". للباحث لإبراهيم بن علي بن عمر بولرواح. الذي صدر عن دار الكوكب رياض الرّيس، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مارس 2013م,. (2)
إنّ مسند الإمام الرّبيع المعروف عند الإباضيّة بالجامع الصّحيح، سلسلة ثلاثيّة، وهو جزءان، أمّا الثّالث منه ففيه احتجاجات الرّبيع على مخالفيه، والرّابع هو من روايات أبي سفيان تلميذ الرّبيع. وقد احتوى المسند على معظم أبوب الفقه الإسلامي. (3)
إنّ أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني هو الذي ضمّ الآثار التي احتجّ بها الرّبيع على مخالفيه، وما رواه عن ضمام عن جابر، وكوّن منها الجزء الثّالث من الكتاب، ثمّ أضاف روايات أبي سفيان محبوب بن الرّحيل عن الرّبيع، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهّاب عن أبي غانم الخراساني، ومراسيل الإمام جابر بن زيد، وكوّن من ذلك الجزء الرّابع للكتاب، وعرف بعد ذلك بعنوان "ترتيب المسند". (4)
وضع أبو يعقوب رسالة للتّعريف برجال مسند الرّبيع وشيوخهم وتلامذتهم، لكنّها في عداد آثاره المفقودة. (5)
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة ... ج1، ص:275.
(2) - هذه الدّراسة قدّمت رسالة للحصول على درجة الماجشتيربإحدى الجامعات السّودانيّة .. يقول صاحب الكتاب: إنّ العنوان الحقيقي هو غير هو المثبت في الغلاف، غيّر من دون استشارته ..
(3) - الدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي،" نشأة التّدوين للفقه واستمراره عبر العصور"، ينظر كتاب ندوة الفقه الإسلامي، المنعقدة بجامعة
السّلطان قابوس، في الفترة من 22 – 26 من شعبان 1408هت/ 9 – 13 أفريل 1988م، ط1، نشر وزارة العدل والأوقاف والشّؤون
الإسلاميّة، سلطنة عمان، سنة 1410هـ/ 1990م، ص: 186، 187.
(4) - ينظر الشّيخ عبد الله بن حميّد السّالمي، شرح الجامع الصّحيح مسند الرّبيع ابن حبيب، ج1، ط1. (ب. ط) ص: 3. ومصطفى بن صالح باجو،" أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي" رسالة ماجستير (مخطوط)، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة، معهد الشّريعة، قسنطينة (الجزائر) السّنة الدّراسيّة: 1412 - 1413هـ/ 1992 - 1993م، ص: 106. (طبعة الرّسالة في سلطنة عمان)
(5) - أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي ... ص: 106. (1/41)
صفحة 41
للشّيخ محمّد بن إبراهيم بن سليمان الكندي المتوفّى في 12 رمضان 508هـ، صاحب كتاب بيان الشّرع (72 جزءا)، لهذا الشّيخ "قصيدة العبيريّة في وصف الجنّة"، طلب العمانيّون من الشّيخ اطفيّش الحاج امحمّد شرحها، في رسالة مؤرّخة بيوم 29 من شوّال سنة 1301هـ، وقد أرسلوها له بواسطة محمّد الصّالح الكاباريتي المكّي، مطوّف بني مصعب، طلبوا منه شرحها شرحا يفهمها حتّى العامّة (1) وكانوا متوكّفين لوصول الشّرح إليهم، حتّى ظفروا بمبتغاهم، فأرسلوا إليه شاكرين: "وقد وصلنا منك شرح متن العبيريّة كاملا، وأربع كراريس من شرح متن اللاّمية، فيا له من شرح بلغ الغاية في الموافقة ودلائل المطابقة، فلك في ذلك السّابقة، والمعجزة التي للعوائد خارقة، وواصلك الآن الشّرح الأوّل، الذي أردته للمعلّق على متن العبيريّة، أرسلناه إليك بصحبة الحجّاج، الفئة العمانيّة، ليرسلوه لك بصحبة الفئة المغربيّة، فأين البون ما بين الشّرحين، فإن يكن الأوّل كوكبا مائيّا فهذا هو البحر، أو كوكبا سماويّا فهذا هو البدر، فأنعم على أهل مذهبك بإتمام شرح اللاّميّة مع شرح الدّعائم، فإنّهم ولهون لشرحها ... " (2)
• من الكتب العمانيّة المهمّة التي وصلت المغرب الإسلامي، وكانت لها مكانة خاصّة في نفوس أهله كتاب "الدّعائم" لأحمد بن النّظر العماني، وهو من علماء القرن السّادس، والكتاب عبارة عن قصائد في العقيدة والأحكام الشّرعيّة. وقد وصل الكتاب إلى أهل المغرب من دون شرح أوّلاً، ثمّ بشرح أحمد أو محمّد بن وصّاف العماني، المسمّى "الدّيوان"، وصل الشّرح مع أبي موسى عيسى بن زكريّا "وكان هذا الكتاب محلّ دراسة وتقدير، حتّى الإباضيّة هناك كانوا يعتبرون ما خالفه، هو مخالف للسّنّة. "شرح الكتاب من الجزائريّين الحاج امحمّد اطفيّش، في جزأين، وعقّب على عمل الشّيخ اطفيّش الشّيخ محمّد بن راشد بن عزيز الخصيبي العماني (ت 1409هـ/1990م) وذلك بأن جمع الآراء التي استخرجها القطب من شرحه للدّعائم، في كتاب سمّاه "نور السّعادة في الحاصل والزّيادة" ذكر لنا ذلك في أثناء زيارتنا له في مستشفى مدينة سمائل في أغسطس سنة 1984م. (3)
كما شرح كتاب الدّعائم الشّيخ أبو يعقوب يوسف بن عدّون، ولد سنة 1158هـ وتوفّي في النّصف الأوّل من القرن الثّالث عشر الهجري، أحد أعضاد الشّيخ عبد العزيز الثّميني، وأحد تلامذته بالزّمالة. (4)
بينما نجد الشّيخ عبد العزيز الثّميني (ت 1223هـ) يشرح لاميّة ابن النّظر، وسمّى كتابه الذي تضمّن الشّرح "الأسرار النّورانيّة على المنظومة الرّائيّة"، يقول الشّيخ محمّد عليّ دبّور (1919 ــ 1981م) "لقد كانت المدارس الثّانويّة في ميزاب في صدر النّهضة الحديثة تحفظ هذه المنظومة وتدرّسها، لأنّ الصّلاة عماد الدّين، إنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي سبب صلاح المجتمع وطهر النّفوس، فخصّها علماء المسلمين من بين أبواب الفقه بالتّأليف" (5)
__________
(1) - الكتاب الثّاني والثّلاثون من مجموعة 44 كتابا. وقد وجدتُ عدّة رسائل من عمان إلى القطب، تطلب منه شرح قصيدة: "العبيريّة ".
(2) - الكتاب الأربعون من مجموعة 44 كتابا. الكتاب مؤرّخ بيوم 2 من ذي الحجّة، سنة: 1303 هـ.
(3) - كنت بصحبة زميليّ في زيارتنا الولى إلى سلطنة عمان الأستاذين: المرحوم إبراهيم بن محمد اأحمد تعموت (توفي يوم 16 أوت 2005م) وعمر بن حمو شريفي، الذي خلف الشّبخ أحمد بن عاشور الحاج عشور (توفي يوم 28 أوت 2015م) في وظيفة مؤذّن في المسجد الكبير بالقرارة. وكان رفيقنا والموجّه والقائد في رحلتنا إلى داخليّة عمان ومنطقة الظّاهرة الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي (حاليًّا هو أمين مكتب الإفتاء في وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة العمانيّة).
(4) - نهضة الجزائر الحديثة .. ج1، ص: 282.
(5) - م. س. ص: 274. (1/42)
صفحة 42
الشّيخ نفسه أي الشّيخ عبد العزيز الثّميني يختصر كتاب "منهج الطّالبين وبلاغ الرّاغبين" وهو يقع في اثنين وعشرين جزءا للشّيخ خميس بن سعيد الشّقصي الرّستاقي العماني، توفّي حوالي (1060هـ) اختصره في سبعة مجلّدات (1) وسمّاه "التّاج المنظوم في درر المنهاج المعلوم" طبعته وزارة التّراث القومي والثّقافة العمانيّة سنة 1421هـ/ 2000م، بعد أن ضبط نصّه الأستاذان: محمّد بن موسى باباعمّي ومصطفى بن محمّد شريفي.
في مقابل أعمال المغاربة التي عقّبوا بها على مؤلّفات المشارقة، نجد لأهل المشرق التفاته إلى تصانيف أهل المغرب، فقد أولوها عناية كبيرة، فعقّبوا عليها بدورهم. فمن بين علماء القرن الرّابع عشر الهجري، الشّيخ سيف بن حمد الأغبري الذي يمكن أن نستشهد بعمله في هذا المجال، إذ له كتاب "فتح الأكمام عن الورد البسّام" وهو نظم لكتاب " الورد البسّام في رياض الأحكام " للشّيخ عبد العزيز الثّميني الجزائري، وقد أضاف إليه الشّيخ سيف إضافات مهمّة. (2)
كما نظم الشّيخ خلفان بن جميّل السّيابي (ت 1391هـ/ 1971م) كتاب "النّيل وشفاء العليل" للشّيخ عبد العزيز الثّميني وشرحِه في أرجوزة تبلغ اثنين وثلاثين ألف بيت. سمّى هذا العمل "سلك الدّرر الحاوي غرر الأثر". والكتاب مطبوع في مجلّدين، وهو غزير المّادّة، يشمل أبواب الفقه مع الأخلاق والتّاريخ المحلّي والسّير، وقد أضاف الشّيخ السّيابي على النّيل وشرحِه وصحّح وضعّف. (3)
للشّيخ أبي مالك بن خميس المالكي العماني (ت 1346هـ) كتاب عنوانه "موارد الألطاف نظم كتاب العدل والإنصاف" (4) وهو نظم لكتاب "العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف" لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني الجزائري (500 ــ 570هـ).
قأورد الأستاذ مصطفى بن صالح باجو هذا الكتاب بعنوان آخر وهو: "موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف". أي إنّ الشّيخ عامر بن خميس المالكي قد نظم كتاب "شرح مختصر العدل والإنصاف" (5) للشّيخ أبي العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشّماخي (ت 928هـ) وليس كتاب الوارجلاني.
يذكر الدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي أنّ محمّد بن شامس البطّاشي (ت 1420هـ/ 2000م) قاضي المحكمة الشّرعيّة بمسقط، وصاحب كتاب "سلاسل الذّهب" قد استعار كثيرًا ممّا ورد في كتاب "النّيل وشفاء العليل" وشرحه. (6)
قام الشّيخ محمد بن خميس بن محمد السّيفي بترتيب كتاب " الذّهب الخالص المنوّه القالص " للشّيخ الحاج امحمد اطفيش: " يروى أنّ الشّيخ العلاّّمة الشّيخ محمد بن خميس بن محمد السّيفي لما اطّلع على كتاب (الذّهب الخالص المنوّه بالعلم القالص)، ووجده غير مرتّب، اعتنى بترتيبه وتبويبه؛ ليكون أقرب للمطالعة. وفد أشار الشّيخ عامر بن صالح بن سعيد العبّادي لذلك في قوله: (هذا كتاب يشتمل على سبعة أركان، وفيهنّ أبواب وفصول وجمل، وجدناه غير مرتّب، فاعتنى بترتيبه الشّيخ محمد بن
__________
(1) - مبارك بن عبد الله الرّاشدي، ينظر كتاب ندوة الفقه الإسلامي ... ص:206،بينما يذكر الشّيخ محمّد عليّ دبّوز أنّه يقع في عشرة مجلّدات، ينظر نهضة الجزائر الحديثة ... ج1، ص: 274.
(2) - ندوة الفقه الإسلامي ... ص: 198.
(3) - م، س، ن.
(4) - م. س، ص: 209.
(5) - أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي ... ، ص: 149.
(6) - ندوة الفقه الإسلامي .. ص: 212. (1/43)
صفحة 43
خميس بن محمد السّيفي؛ ليكون أقرب إلى المطالعة).وقال: (أيّها الواقف على هذا الكتاب، إنّ كلّ ما كان مكتوبًا فوق الحواشي بالحمرة – زيادة في ترتيب الأبواب والفصول – فليس عن المؤلّف، وإنّما هو عن المعتني بترتيبه، كما ذكرناه أوّل التّرتيب) ". (1)
أمّا الأستاذ هلال بن علي بن هلال الحوسني فقام بنشر قصيدة متن القصيدة الرّستميّة للإمام أفلح بن عبد الوهّاب الرّستمي ... سمّى عمله: " المِنَحُ السّنيّة في إعراب القصيدة الرّستميّة". قال في المقدّمة: " ... فبعد أن ذكرتُ شيئًا من سيرته (صاحب المتن) وأخباره، وعرّفتُ بقصيدته، ذكرت القصيدة كاملة؛ حتّى يسهل حفظها، والرّجوع إليها للنّظر فيها.
ثمّ عرّجتُ على مفردات ألفاظها، فبيّنتُ مُبهمَها، وأوضحتُ مُشكلها، وبعدها تناولتُ البيتَ كاملاً، فأعربْتُ كلماتِه وجملَه، وسمّيتُ هذا العمل المِنح السَّنيَّة في إعراب القصيدة الرّستميّة." (2)
هذه نماذج من التّعاون في التّأليف بين المشارقة والمغاربة. منها يتبيّن لنا كيف كان يتتبّع بعضهم بعضا في تآليفهم بمختلف أوجه التتبّع، وطرق التّعقّب والتّعقّيب. إنّ هذا لا يدلّ إلاّ على شيء واحد، وهو التّلاحم الفكري والصّلة الرّوحيّة، التي ما تفتأ تنمو بينهم، وتتعزّز بمرور الزّمن.
نجد في سياق هذا العمل التّعاوني في التّأليف طلبات ودعوات من المشرق والمغرب إلى التّأليف والكتابة. نكتفي بإيراد مثالين ممّا ورد على الشّيخ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش من طلبات ملحّة من عمان على التّأليف في موضوعات معيّنة. هذه الظّاهرة التي تكرّرت كثيرا مع الشّيخ اطفيّش تحتاج إلى تفسير، ليس هنا مقام تناول ذلك.
في رسالة بعث بها العمانيّون إلى الشّيخ اطفيّش، يطلبون فيها شرح قصيدة العبيريّة ثمّ لاميّة ابن النظر قالوا له: "فأمّا شرح اللاّميّة فنريد تفصيله على ثلاثة وجوه غير مشتركة، بل تجعلها بحوثا، الأوّل في إعرابه وما يلحق به من علم المعاني والبيان والمنطق، والثّاني في غريب لغته، والثّالث في معناه الظّاهر وخبره الشّاهر، يفهمه البادي والحاضر، وبيّن لنا في أوّلها مع ذكرٍ لأئمّة الدّين، ومن خالف سبل المهتدين شروط الولاية والبراءة ... (3)
في رسالة أخرى بعث بها الشّيخ اطفيّش إلى العمانيّين، مستفسرا فيها عن طلبهم له تأليف كتاب، وكيف يكون: "أيّها الشّيخ سالم بن سلطان بن قاسم، وعلى جميع الإخوان من طلبة ومشيخة عمان، من كاتبه امحمّد بن يوسف اطفيّش، ومن الطّلبة كلّهم المزابيّين والجربيّين والنّفوسيّين، وبعد فإنّي وجدت في كتابكم أنّكم تطلبون كتابا مختصرا للمبتدئ، فكيف تطلبونه وعندكم كتاب الشّيخ درويش وأبي إسحاق الحضرمي من مشارقتنا، وكتاب الوضع من مغاربتنا. فإن كان ولابدّ فأخبروني على أيّ وجه يكون، أفي الأحكام أو في الدّيات أو في النّوعين جميعا ... (4)
__________
(1) - النّمير ... ج8، ص: 366. ينظر المخطوط في مكتبة السّيّد محمد بن أحمد البوسعيدي، السّيب، سلطنة عمان.
(2) - هلال بن علي بن هلال الحوسني، المنح السّنيّة في إعراب القصيدة الرّستميّة، ط1، منشورات موقع البصيرة الإلكتروني، مسقط، سلطنة عمان، 1436هـ/ 2015م، ص: 7، 8.
(3) - رسالة موجودة في مكتبتي.
(4) - ممّا يلفت نظر الباحث، وهو يدرس العلاقة الثّقافيّة بين إباضيّة المشرق وإباضيّة المغرب، هذا العمل الكبير الذي قاموا به في نقل الكتب بين المشرق والمغرب، المتمثّل في نسخ الكتب، التي يؤلّفها علماء الجهتين، وأحيانا ينصّ فيها: إنّها هدايا أو وقف في سبيل الله للطّلبة أو لمن ينتفع بها. وهذه الكتب كلّها مخطوطة. يمكن الرّجوع إلى الأدلّة التي أعدّتها جمعيّة التّراث بالقرارة (الجزائر) للوقوف على الجهد الكبير الذي بذل في هذا المجال، مجال النّسخ؛ رغم ضعف الوسائل والإمكانات، إلاّ أنّ الرّغبة في نشر الفكر والعلم، والمثابرة في سبيل التّكوّن والإبقاء على التّواصل الثّقافي وتطويره كانت تتحدّى هذه الصّعوبات والظّروف .. (1/44)
صفحة 44
من خلال ما قدّمناه من أمثلة ونماذج في مجال التّأليف وتبادل الكتب، واستنساخ المخطوطات، وإهداء الكتب، وحبس بعضها في سبيل الله، وإعادة طبع أخرى من الجهتين، وهو ما نشط في الوقت الحاضر أكثر، إذ إنّه ما يظهر كتاب في المغرب أو المشرق إلاّ ويعاد طبعه في الجهة الثّانية، وأهل المشرق أنشط في هذا المجال من أهل المغرب، من خلال كلّ ذلك تتأكّد لنا هذه العلاقة، أو هذا التّواصل الثّقافي والفكري بين إباضيّة المشرق والمغرب. هذا التّعاون كان من بين العوامل التي حافظت على الوجود الإباضي، وأعانت على تصحيح كثير من المفهومات، وإزالة الكثير من العقبات، للتّقرّب من الفكر الإباضي، الذي ظلّ مجهولا عند كثير من النّاس، وقد لفت هذا التّعاون في إبراز الفكر الإباضي أنظار النّاس إليه، وشجّع الباحثين، ورغّبهم في التّعرّف عليه؛ لكونه جزءا من التّراث والفكر الإسلاميّين.
إنّ هذه نتيجة إيجابيّة ومهمّة في هذا العمل التّعاوني والتّآزري. من هذه الزّاوية وهذا المنطلق يجب أن يفهم ويفسّر هذا التّوجّه وهذ السّلوك، بعيدا عن أيّ تأويل آخر.
إذن إنَّ هذا الوجه في التّواصل الثّقافي، هو عمل يندرج ضمن مسار خدمة الفكر الإسلامي بعامّة، والفكر الإباضي بخاصّة ..
تبادل الرّسائل
أهمّ وسيلة من وسائل التّواصل الثّقافي، التي كانت سائدة منذ البدايات الأولى لنشأة المذهب الإباضي وانتشاره ــ وما تزال ــ كانت المراسلةَ، وكان يُلجَأ إليها حين يتعذّر التّنقّل والارتحال.
لقد حفظت لنا كتب السّير والطّبقات والتّاريخ والفقه والأدب وغيرهما مجموعة من هذه الرّسائل، كمدوّنة أبي غانم، وسير نفوسة، وسير أبي زكريّا، وطبقات الدّرجيني، وسير الشّماخي وبيان الشّرع، وقاموس الشّريعة، وتحفة الأعيان، وأجوبة أبي خليل، وكشف الكرب، وشرائع الدّين، والأزهار الرّياضيّة ... زيادة على وجود رسائل مخطوطة في مجموعات، أو متناثرة هنا وهناك ... (1/45)
صفحة 45
يدلّ وجود هذه الرّسائل في هذه الكتب، وفي هذه المجموعات، - مختلفة المحتوى والمضمون - يدلّ على تنوّع موضوعات هذه الرّسائل. وأغلبها كان ذا طابع علمي، فيه استفتاء واستشارة، وطلب كتب أو تأليف أخرى، واستغاثة وتقديم نصائح، وتعليم مسائل، وفضّ نزاعات، وإزالة سوء تفاهم، وحثّ على الوحدة والائتلاف ...
من الرّسائل الأولى التي أرسلها أهل المشرق إلى أهل المغرب - وكان لها أثرها الكبير في نشاط المذهب الإباضي، وتأصيله في المغرب الإسلامي - رسائل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (145هـ/762م) والرّبيع بن حبيب (170هـ/786م) وأبي سفيان محبوب بن الرّحيل (عاش في القرن الثّالث الهجري)، ومحمّد بن محبوب بن الرّحيل (ت 260هـ/ 873م) ... وقد مرّت الإشارة إلى هذه الرّسائل في أثناء البحث.
نشير هنا إلى جواب الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل (1) إلى أهل المغرب، وهو المعروف بـ "سيرة الشّيخ الفقيه محمّد بن محبوب" (2) وقد سأله المغاربة أسئلة دينيّة كثيرة. بدأ هذه السّيرة بقوله: "إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب، من أخيهم محمّد بن محبوب، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو حمدا كثيرا، وهو لذلك أهل، وأسأله الصّلاة على محمّد صلّى الله عليه وسلّم تسليما، أوصيكم بتقوى الله وذكره كثيرا، وذكر ما أنتم إليه صائرون، وعليه موقوفون، وعنه مسؤولون، وأحثّكم على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظتم عليه من أمانته، وافترض عليكم من عبادته بإتيان ما به أمر، والانتهاء عمّا عنه زجر، فيما أخذ عليكم من الميثاق، ورضي لكم به من أخلاق، من ترك المحارم، والكفّ عن المظالم، واجتناب الكبائر، والعمل على البصائر، في آناء اللّيل والنّهار، والعلانية والإسرار، فإنّ ذلك أحقّ ما كنتم له طالبون، وفيه راغبون، وعليه مواظبون، قبل انقطاع آمالكم وحلول آجالكم، وما توفيقنا وإيّاكم إلاّ بالله، أمّا بعد ... " (3)
أهمّ ما ورد في الرّسالة أو السّيرة حديث عن الإمامة، وموضوع الزّكاة، ومسألة تولية العمّال والقضاء، وإقامة الحدود، وقضيّة الارتداد والتّقيّة، كما تناولت السّيرة أيضا موضوعات أخرى كالغزو والجهاد ...
من خلال عرض بعض موضوعات الرّسالة التي كانت طويلة (45 صفحة) نقف على الرّغبة الصّادقة في الانطلاقة الحسنة التي أرادها أهل المغرب في مسيرتهم، إذ كانوا يسألون عن أمور مطلوبة في مجال التّكوين والإعداد والبدء في الحركة والنّشاط، حتّى تكون الانطلاقة على أساس سليم، تصدر عن وجهة نظر الدّين الإسلامي. وكانوا قد استشاروا مجتهد الأمّة وعالم الإباضيّة فيما أشكل عليهم واستجدّ في السّاحة، الذي فرضه الواقع المعيش، والنّشاط الذي بدأوا يقومون به. إنّ هذا يدلّ على العلاقة الفكريّة والثّقافيّة التي تربط المشرق بالمغرب. إنّ هذا هو التّلاحم الشّعوري والعاطفي القويّ. (4)
__________
(1) - الفقيه محمّد بن محبوب (أبو عبد الله) شارك هو وأسرته في الحركة العلميّة في عمان. وفي الأحداث السّياسية فيها. وهو رأس علماء عمان في عهده، وقد بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وإذا قيل في الأثر المشرقي قال "أبو عبد الله فهو المقصود).
(2) - تنظر هذه السّيرة كتاب "السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان" ج2 تحقيق، وشرح الأستاذة الدّكتورة سيّدة اسماعيل كاشف. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان سنة 1406هـ/ 1986م ص: 223 - 268
(3) - م. س، ص: 223، 224.
(4) - هذه الملاحظات تنطبق على الرّسائل الأخرى، التي بعثها إلى أهل المغرب من كان قبل محمّد بن محبوب، أمثال أبي عبيدة والرّبيع بن حبيب وأبي سفيان. ومن جاء بعد محمّد بن محبوب ... (1/46)
صفحة 46
يعلّق الدّكتور فرحات الجعبيري على المسائل التي وردت في سيرة محمّد بن محبوب إلى أهل المغرب قائلا: "إنّ التّحليل الحضاري لهذه المسائل يثبت أنّ البيئة الإباضيّة في المشرق والمغرب، عرفت من التّعقيد الحضاري الشّيء الكثير، ذلك أنّه دبّ فيها الخلاف الدّاخلي، وهو من أكبر عوامل الوهن، إلى جانب ما كانت تواجهه على الجبهة الخارجيّة من ضغط الدّولة العبّاسيّة ... ومثل هذا المحيط من الصّراع الدّاخلي من شأنه هو الآخر أن يثير عديدا من القضايا الدّقيقة في شأن أولي الأمر، خاصّة وأنّ الفكر الإباضي اتّسم من يومه الأوّل بالتّحرّي الكبير في شأن هؤلاء، وكانت ثورتهم حيثما قامت ثورة على الظّلم والظّالمين، مهما قلّت نسبة هذا الظّلم." (1)
من هذا المنظور كانت سيرة محمّد بن محبوب إلى أهل المغرب، -أو جوابه إليهم - ذات أهمّيّة؛ لأنّها أجابت عن أسئلة، سببها خلافات وقعت في المغرب، ومضمونها إجابات علميّة معتمدة على الحجّة والدّليل، وصادرة من فقيه وعالم مجتهد. والرّسالة صدرت في المراحل الأولى من بدء انتشار المذهب الإباضي في المغرب الإسلامي بخاصّة. وهي بذلك تكشف عن مستوى التّفكير عند هذه الطّائفة من المسلمين، وتبرز هذه العلاقة المبكّرة بين المشرق والمغرب.
كذا رسالة فقهاء بعض المسلمين (2) إلى الإمام الصّلت بن مالك (236 ــ 273هـ/ 852 ــ 887م) التي يرجّح الدّكتور فرحات الجعبيري أنّها من أهل المغرب. (3) هذه الرّسالة لا تخرج عن المسار والدّائرة التي دارت فيها رسالة محمّد بن محبوب في الرّوح التي تحملها، والأفكار التي تناولتها، والموضوعات التي عرضت لها، والأسباب الدّاعية إلى كتابتها. فقد كتبت في موضوع الاختلاف والشّقاق والتّنازع والتّشاجر والفتنة ثمّ الدّعوة إلى الائتلاف والاتّحاد. كما تطرّقت إلى موضوع الإمامة وشروطها وما يتعلّق بها، وأحكام الولاية والبراءة والوقوف ...
جاء في افتتاحيّة السّيرة: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، إلى الإمام الصّلت بن مالك المبتلى بأمور أهل عمان، ومن وصل إليه كتابنا هذا، من المسلمين من أهل عمان، من أهل النّصيحة لهم والشّفقة عليهم، من إخوانهم وأهل دعوتهم من أهل السّتر في أمكنتهم، سلام عليكم، فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، عالم الغيب والشّهادة، وإليه المصير، ونوصيكم وأنفسنا بتقوى الله والعكوف على طاعته وإصلاح ذات بينكم، وبذل النّصائح فيما بيننا وبينكم، بصدور سالمة وحجور حليمة، وحجّة قائمة وأنفس غانمة، وقلوب صادقة وأعمال موافقة، وكلمة جامعة وعصمة مانعة، وتعاون على عظم الإسلام وعقد مواثيقه، واستكمال فرائضه باتّفاق الكلمة والوقوف على الشّبهة، وترك طلب المعايب وسلوك أبواب المعاطب، والفشل والتّنازع والفرقة بعد اتّفاق الكلمة والجماعة. فإنّ التّنازع والفرقة أعظم المعصية وأشدّ الفتنة، فاحذروا التّنازع والفتنة والتّدابر والاختلاف والتّشاجر في أمر قد كفيتم مؤونته وعرفتم عاقبته، فعاتبوا أنفسكم في خلواتكم وأرسوها واعزلوها وذمّوها، فاعترفوا بذنوبكم، وتوبوا منها إلى ربّكم، وارجعوا إلى معالم دينكم، الذي أعزّ به الله نصركم، وقوّى فيه أمركم، وأعلى به كلمتكم وجمع به ألفتكم، بمثل الذي كنتم عليه وأفضل من المحبّة والمعونة والمؤازرة وترك قيل وقال، ومسالك سبيل الضّلال، وأخلاق الجهّال، وما التّوفيق إلاّ بالله، أمّا بعد ... " (4)
__________
(1) - علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص: 33.
(2) - السّيرة مثبتة في كتاب السّير والجوابات ... ج1، ص: 181 - 228، ينظر أيضا الأزهار الرّياضيّة ... ج2، ص: 211 وما بعدها.
(3) - ينظر كتاب علاقة عمان بشمال أفريقيا، ص: 35
(4) - السّير والجوابات ... ج1، ص: 181، 182. (1/47)
صفحة 47
على العموم جاءت الرّسالة مفعمة بالمحبّة وحبّ الخير، وطافحة بالشّعور بالتّلاحم والتّرابط، الذي يربط المشرق بالمغرب، وكانت في كلّ ما عالجته، وما أثارته من مسائل. واللّهجة التي كتبت بها ــ التي كانت ليّنة أحيانا، وشديدة أخرى ــ كانت في كلّ ذلك تدعو إلى الائتلاف؛ لأنّ أصحابها كانوا يشعرون أنّ الأمّة على وشك الافتراق. وكانوا يقدّرون عاقبة ذلك على مستقبل الإباضيّة. خاصّة وأنّ المذهب الإباضي ما يزال في بدايته في التّقعيد والتّأصيل والانتشار. فهو في حاجة إلى أمثال هذه النّصائح والتّنبيهات والتّحذيرات، وإلى الرّعاية والعناية كما جاءت في هذه السّيرة.
في القرن العاشر الهجري، نلتقي مع رسالة علميّة محضة لأبي مهدي عيسى بن إسماعيل (1) (ت 971هـ/ 1564م) أجاب فيها عن أسئلة في الأصول والفروع، جاءته من أهل عمان. في الرّسالة إجابات عن مسائل، منها ما يتعلّق بالولاية والبراءة والشّفاعة، وخلق القرآن وقضيّة رؤية الباري ... والرّسالة تقع في ثلاث وثلاثين صفحة من الحجم المتوسّط. (2)
في القرن الثّالث عشر الهجري، التّاسع عشر الميلادي، نلتقي مع رسالة للشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، يخبر فيها أهل المغرب بتنصيب الإمام عزّان بن قيس بن عزّان بن قيس بن الإمام (1868 ــ 1871م) وذلك جريا على عادة إباضيّة عمان وتقليدهم الذي يحرص على إبلاغ إخوانهم في المغرب بما يجري في عمان؛ بصفتها المركز الأوّل والأمّ للإباضيّة، كذلك يفعل المغاربة ذلك، أي هم بدورهم يبادلون المشارقة العمليّة نفسها. هذا يدلّ على العلاقة الحسنة وعلى التّواصل الموجود بين الجهتين.
ممّا ورد في الرّسالة (3): " ... فهو الآن القائم بعمان، يأئمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويظهر السّنن، ويميت البدع، ويغيث الملهوف، ويرشد الضّال، ويفيض الخير، ويقبض على يد كلّ جبّار عنيد وفاسق مريد، فينفّذ فيهم حكم الله، ولا يتجاوز بهم إلى ما لم يأذن الله به من الوعيد.
ولمّا كانت هذه من أكمل النّعم الدّينيّة والمعارف الإلهيّة لظهور ما كان درس من الأحكام الشّرعيّة، وجب أن نعرّفكم بها؛ لأنّكم شركاء في كلّ ما كان من الأمور الدّينيّة المحمّديّة، هذا ما لزم بيانه، والسّلام عليكم من كافّة إخوانكم أهل عمان. (4)
للشّيخ سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أيضا رسالة تضمّنت إجابة عن ثلاثين مسألة، أرسلها إليه السّيّد عمر بن يوسف بن عدّون المصعبي اليسجني، وقد اشتملت على مسائل في الموضوعات الآتية: الخطبة، الزّواج، الطّلاق، الطّهارات، الغسل، الوضوء، التّيمّم، الصّلاة، العلاقة مع أهل الكتاب والمشركين، مسائل في البيوع، وموضوعات مختلفة، وسرد بعض البدع والعادات المنتشرة في وادي ميزاب ...
__________
(1) - هو العلاّمة الورع الشّيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي. هو من عرش أولاد نائل، تمذهب بالمذهب الإباضي، بعد أن كان مالكيّ المذهب. أخذ العلم عن الشّيخ عمّي سعيد بن عليّ الجربي، وأخذ عنه الشّيخ الرّحالة الشّيخ محمّد بن زكريّا الباروني (ت 997هـ/1589م) وداود بن إبراهيم التلاتي (ت967هـ/ 1560م) وإليه تنسب المقبرة المعروفة بـ (مقبرة الشّيخ سيدي عيسى) بمدينة مليكة بوادي ميزاب. وكانت روضة هذا الشّيخ مقرّ العزّابة عند انعقاد مجلسهم الرّسمي للقصور الميزابيّة السبع حديثا. ينظر الشّيخ عليّ يحيى معمّر، وكتابه الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الرّابعة، الإباضيّة في الجزائر، ط1 - مطبعة الدّعوة الإسلاميّة - القاهرة - نشر مكتبة وهبة - القاهرة سنة 1399هـ /1979م، ص: 242 - 244.
(2) - ينظر كتاب البعد الحضاري للعقيدة الإباضيّة، ص: 168، 169.
(3) - هي مؤرّخة بيوم 12 من ذي القعدة سنة 1285 هـ. تراجع في كتاب تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج2، ص: 200.
(4) - أحمد عبيدلي، الإمام عزّان بن قيس، ط1، دار الحداثة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، سنة 1983، ص: 96. (1/48)
صفحة 48
هذه الرّسالة كشفت عن كثرة البدع، التي كانت منتشرة في وادي ميزاب، وفي الوقت نفسه أبرزت الجهل الضّارب أطنابه في أوساط الوادي، رغم مجهودات العلماء في محاربته، ونشر العلم بين النّاس.
نشير هنا إلى أنّ كثيرا من المسائل التي أثارها عمر بن يوسف بن عدّون، وراسل فيها الشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، قد تعقّب أجوبتها الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش. وقد كانت بين إجابات الشّيخين بعض الاختلافات والمناقشات. (1) إنّ هذا يعدّ في حدّ ذاته نوعا من أنواع التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب.
إرسال هذه الرّسالة المتضمّنة هذه المسائل إلى عمان في هذه الفترة (القرن التّاسع عشر)، والعلم قد بدأ ينتشر في وادي ميزاب، ورأس الإباضيّة ومجتهد الأمّة الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش موجود بين النّاس بعلمه وفقهه، وتلاميذه كانوا منتشرين في قرى الوادي ــ بل إنّ العمانيّين أنفسهم كانوا يبعثون بأسئلتهم إلى الشّيخ اطفيّش، ويطلبون منه إجابات دقيقة ومقنعة ــ في هذا الوقت نجد من يتخطّى الحدود، ويتحمّل المشاق، ويبعث رسائل إلى مكان بعيد، إلى عمان ليسأل عن دينه.
إرسال أمثال هذه الرّسائل تثير أكثر من سؤال! هل إنّ زامر الحيّ لا يطرب؟ لكون النّاس كثيرا ما يحتقرون ذوي قرباهم، ولا يعيرون اهتماما لعلمائهم، ولمن يعيش بين ظهرانيهم؟ أم هو تعبير عن عدم اطمئنان بعض النّاس إلى علماء المنطقة. وخاصّة وأنّ الجهة شهدت صراعا كبيرا بين العامّة والعلماء. وقد كان بعضهم يصف العلماء بالمبتدعين، كما صنعوا مع الشّيخ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش نفسه، وهو الذي كان يشتكي من هذا التّصرّف.
في هذه الرّسالة يشتكي صاحبها من انتشار الجهل، وقلّة العلم وكثرة الابتداع ... والشّكوى نفسها نقرأها في بعض الرّسائل التي أرسلها أهل عمان إلى الشّيخ اطفيّش في وادي ميزاب. والرّوح نفسها الموجودة في رسالة عمر بن يوسف إلى الشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، - من الرّغبة في معرفة رأي الدّين في بعض المسائل المعروضة، - نجدها في الكتابات الموجّهة إلى الشّيخ اطفيّش ... هل يمكن اعتماد التّأويل الذي قدّمناه آنفا؟ أم أنّ أهل كلّ جهة لم يقتنعوا بما كان يمليه عليهم علماؤهم، ومن ثمّ لم يطمئنّوا إلى فقه علمائهم وعلمهم، فغرقوا في البدع والخرافات.
تردّدت كثيرا عبارة " أهل زماننا يفعلون كذا " في رسالة عمر بن يوسف إلى الشّيخ سعيد الخليلي؛ ما يجغلنا نفهم: إنّه لم تُجْدِ مجهودات العلماء في التّوعية والتّنبيه إلى الأخطاء، والإرشاد إلى الصّواب: بسبب ذلك كان بعض النّاس يستعينون بعلماء الجهة الثّانية، سواء في المشرق أم المغرب. هل يمكن تبنّي هذا التّفسير والتّأويل؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يثيرها هذا التّصرّف.
مهما تكن التّفسيرات المقدّمة عن هذه الظّاهرة، فإنّها تلتقي في نقطة واحدة، وهي استمرار التّواصل الثّقافي والفكري بين المشرق والمغرب، والحرص على توثيقها وتنميتها، مهما تكن الظّروف والأحوال.
من أجوبة الإمام محمّد بن عبد الله الخليلي (ت 1373هـ/ 1953م)، الذي كانت له مراسلات كثيرة مع أهل وادي ميزاب، وبخاصّة مع قطب الأئمّة وتلاميذه، نأخذ نموذجا واحدا، وهو رسالة أرسلها إلى بعض الإخوان في ميزاب ردّا على رسالة، يبدو أنّها شكوى من بعض الخلافات، ومن
__________
(1) - ينظر العلاّمة محمّد بن يوسف اطفيّش، كشف الكرب، ج1. نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1405هـ/ 1985م، ص:. 220، والجزء الثّاني، طبع سنة 1406هـ/ 1986م، ص: 71، 75، 143،147، 165، 187، 213، 247، 347، 361. (1/49)
صفحة 49
بعض الاجتهادات التي قام بها المصلحون في وادي ميزاب، رآها خصومهم بدعا وانحرافا عن الدّين، وعن المذهب الإباضي. وقد كان ردّ الشّيخ الخليلي رائعًا وحكيمًا ومتّزنًا .. كلّه دعوة إلى نبذ الشّقاق والخلاف، وإلى الاستمساك بالوحدة والائتلاف.
جاء في الرّسالة بعد التّحيّة والسّلام (1): " ... وبعد، فإنّ الوالد سيف سعيد الحاج المعولي، وصل معنا سالما، وتناولنا من يده كتبكم الحاملة لمزيد من التّحيّات، ورسائلكم الحافلة بالأبحاث في المسائل التي اختلفتم فيها، ولابدّ أن ينظر إخوانكم العمانيّون فيها، ويطبّقون المسألة على أثر السّلف الصّالح، المستخرج من الكتاب العزيز والسّنّة المطهّرة، مع أنّي إجمالا: أوصيكم بالتّثبّت في الأمور، وأن لا تعجّلوا على إخوانكم بقطع العذر والبراءة، واحتملوا للمسلمين فيما كان فيه محتمل، ومن دين المسلمين أن لا ينصِّبوا الرّأي ديناً، فإنّ الله عزّ وجلّ جعل هذا الدّين يسرا، وفتح للعلماء باب الاجتهاد، وألزم كلاّ بما أدّاه إليه اجتهاده، فيما لم يكن نصّا عن الله تعالى بكتاب صادق، أو إجماع الأمّة، لثبوت العصمة لهم، فلا يجتمعون على ضلالة، وما كان وراء ذلك فهو محلّ اجتهاد وبحث، لا محلّ قطع العذر وتخطئات، فانظروا رحمكم الله بعين البصيرة، واعتمدوا على الحقّ، فهو السّيرة التي أثرها الأسلاف، وقد رأيت في غضون تلك الورقات، ما لو برهن بالبرهان لتبيّن أيّ بيان أنّه من مسائل الاجتهاد، وأنّ للرّأي فيه مجالا، وللعلماء فيه مقالا، فلا يفضي بها إلى التّخطئات وقطع الأعذار، واعلموا أنّ النّصوص تتناهى والحوادث لا تتناهى، فاقتضت حكمة العليم الخبير الرّؤوف الرّحمن الرّحيم أن جعل للعلماء النّظر والاجتهاد، وأن يحكموا على الحوادث بما أدّاه إليه اجتهادهم في الاستنباط والوزن، والعيار لذلك جاء (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْء) فالله الله فيما يجمع الكلمة والتّآلف، ويبعد الشّحناء والتّخالف. قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) فما عني الإسلام بشيء أعظم وأطمّ من التّخالف المؤدّي إلى الفشل المنتج لانحلال القوى، وذهاب الدّول. هذا فإنّ إخوانكم أهل عمان حريصون على اجتماعكم، ونظام جماعتكم، ويسوؤهم جدّا ما يبلغهم عنكم من التّفرّق، جمعكم الله على الهدى، وسلّكنا وإيّاكم نهج سلفنا رضوان الله عليهم، فالسّلام عليكم جميعا." (2)
من بين العلماء الجزائريّين، الذين كانت لهم مراسلات مع العمانيّين الشّيخ الحاج إبراهيم بن نوح متياز (ت 1981م)، وبخاصّة مع الشّيخ سالم بن محمّد بن سالم الرّواحي العماني، سواء لمّا كان في زنجبار أم في عمان. وقد كان بينهما تبادل رسائل وقصائد، وذلك في العشرينيّات والثّلاثينيّات من هذا القرن، وكان السّؤال دائما عن أخبار الأمّة والمشايخ، وعن أنباء العلم والعلماء والكتب، وعن بعض التّفصيلات ممّا يتعلّق بأحوالهم الخاصّة. (3)
في رسالة مؤرّخة بيوم 12 من جمادى الأولى 1344هـ، يخبر ويشكر فيها الشّيخ سالم بن محمّد الرّواحي الشّيخ الحاج إبراهيم متياز على وصول هديّة من عنده، تمثّلت في كتاب التّحفة والتّوأم لقطب الأئمّة من زنجبار. وفي رسالة أخرى مؤرّخة بيوم 25 من صفر 1348هـ، أرسلها إليه الشّيخ سالم أيضا بواسطة الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1899 ــ 1981م) في أثناء اللّقاء في موسم الحجّ،
__________
(1) - الرّسالة مرسلة إلى المشائخ صالح بن عليّ، وصالح بن يحيى، وسعيد بن عليّ الميزابيّين، وهي مؤرّخة بيوم 20 من جمادى الأولى، سنة 1373هـ.
(2) - الشّيخ محمّد بن عبد الله الخليلي، الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، طبع بإشراف عزّالدّين التّنوخي ... ــ المطبعة العموميّة بدمشق ــ سنة 1385 هـ / 1965م، ص: 51، 52.
(3) - اطّلعت على مجموعة من هذه الرّسائل في مكتبة الحاج إبراهيم متياز في بني يسجن (الجزائر) يوم: 16 من جانفي 1994 م. (1/50)
صفحة 50
يخبره فيها بإرسال نسختين من كتاب "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان"ج2 للإمام الشّيخ السّالمي (ت 1332هـ / 1914م).
أمّا أهمّ شخصيّة جزائريّة كانت لها مراسلات مكثّفة وكبيرة الجدوى ومتنوّعة الموضوعات ومع مختلف فئات المجتمع العماني: علماء ومشائخ وأئمّة وحكّاما وطلبة وعامّة النّاس ... فهي الشّيخ الحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش، التي تحتاج مراسلاته إلى بحث مستقلّ؛ لإبراز جانب من العلاقة الثّقافيّة والتّواصل الفكري بين المشرق والمغرب. ومن ثمّ إلقاء مزيد من الأضواء على مسيرة الفكر الإباضي، والوقوف على طبيعة البيئة التي ترعرع فيها هذا الفكر في إحدى مراحله، ومعرفة الجوّ الذي كان يتحرّك فيه العالم المجتهد، والفقيه الذي يسعى إلى خدمة أبناء الإسلام وثقافته بعامّة، ووعي الواجبات التي على العالم القيام بها نحو أمّته ومجتمعه، والتي لا تعفيه منها الظّروف التي يستمسك بها بعض النّاس ويتذرّع بها؛ فيتخلّوا عن هذه الواجبات. إنّهم في الحقيقة يفتقرون إلى الإرادة والعزيمة والقدرة على تخطّي العراقيل النّفسيّة والاجتماعيّة والماديّة. (1)
لقد كانت مراسلاته مع العمانيّين كثيرة جدّا، حتى ليتصوّر الباحث أن ليس للحاج امحمّد بن يوسف اطفيّش من عمل سوى مراسلة العمانيّين. لقد أحصيت ــ فيما اطّلعت عليه ــ في سنة 1304هـ وحدها حوالي أربعين رسالة له من عمان، وهذه الرّسائل عبارة عن أسئلة تحتاج إلى إجابات علميّة ضافيّة، أو ردود لا تقبل الانتظار و التّأجيل، زيادة إلى ما تضمّنه الكتاب الذي جمعت فيه رسائله إلى عمان المسمّى "كتاب الكرب" وهو في جزأين، ويقع في أكثر من 500 صفحة. (2)
في افتتاحيّة إحدى رسائله ما يثبت ما قلناه؛ إذ يقول: "بسم الله الرّحمن الرّحيم، سلام على الشّيخ العالم العارف، والمحبّ، جزاه الله على حبّه ما لا يوصف، عيسى بن صالح الحارثي، من كاتبه محمّد بن يوسف الذي لم تنقطع كتابته عن أهل عمان، إلاّ أنّها لا تصل لبعد المسافة واختلاف الاصطلاحات، فإمّا أن ترسلوا إليّ كتبكم وقماطر فارغة معنونا عليها بالخطّ العجميّ من طريق مسقط، وإمّا أن أرسل إليكم الأجوبة من جهة زنجبار في قماطر نحو الشّيخ سالم بن محمّد فقط. وإن ظهرت لكم طريقة أخرى صرت إليها، فهي أحرى وكذا الأجوبة عن سؤالات الشّيخ عبد الله بن حميّد، وقصدي ما يسرّكم ويفيد وبعد ... " (3)
إنّ الرّسائل التي كان يراسل بها الشّيخ اطفيّش إخوانه في عمان تضمّنت مسائل في العقيدة والقرآن، والقراءات والحديث، وفي الفقه وأصوله، ومسائل في الحلال والحرام والعبادات والأخلاق والمعاملات والعلاقات، ومسائل في اللّغة والنّحو ... إلاّ أنّ التّركيز كان كبيرا على جانب العقيدة؛ لأنّها الأصل في تثبيت الإيمان. وقد تناول مسائل العقيدة: تأصيلا لها، وتصحيحا لبعض المفهومات، وردّ
__________
(1) - بدأت تظهر بعض الدّراسات الجادّة في الموضوع. ينظر مثلاً دراسة الدّكتور مصطفى بن محمد شريفي، الموسومة بـ: " قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان"، التي نشرها في ثلاث حلقات، في مجلة الحياة، (جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر) الحلقة الأولى: العدد الرّابع عشر، رمضان 1431هـ/ سبتمبر 2010م، ص: 22 – 50. الحلقة الثّانية، العدد الخامس عشر رمضان 1432هـ/ أوت 2011م، ص: 246 – 265. الحلقة الثّالثة، العدد السّادس عشر، رمضان 1433هـ/ أوت 2012م، ص: 183 – 201. ينظر أيضًا: أعمال الملتقى العلمي الأوّل حول تراث سلطنة عمان الشّقيقة قديمَا وحديثَا، جامعة آل البيت، المفرق، المملكة الهاشميّة الأردنيّة، سنة 2001م. بحث الدّكتور يحي صالح بوتردين: نموذج للعلاقات العلميّة بين الجزائر وعمان (من خلال مراسلات القطب اطفيش) ". و الدّكتور محمد بن قاسم ناصربوحجام: العلاقات الثّقافيّة بين عمان والجزائر (تبادل الرّسائل نموذجًا)." ...
(2) - مع العلم أنّ للشّيخ مراسلات مع جهات أخرى من العالم الإسلامي، غير عمان، ومع تلاميذه وعلماء وادي ميزاب، وبعض الشّخصيّات الأخرى ... إلى جانب تآليفه التي تعدّت المائة مؤلّف ..
(3) - كشف الكرب ج2، ص: 17. (1/51)
صفحة 51
بعض الشبهات، وتوضيحا لرأي الإباضيّة في هذا الجانب الأساسي في الدّين، وبيانا لجانب تفرّد الإباضيّة ببعض النّظرات والآراء، التي أساء بعض النّاس فهمها؛ ولذا رَموهم بعبارات الكفر والمروق والتّطرّف والابتداع ...
إلى جانب كلّ ذلك نجد في هذه الرّسائل عناصر أخرى كالحديث عن تبادل الكتب بين عمان والجزائر، وطلب الانتفاع بها، ثمّ إرجاعها من حيث أرسلت، وكتسجيل طلبات النّسخ والاستنساخ، ومناقشة مسائل، وتداول الأسئلة والأجوبة، والسّؤال عن الأحوال الشّخصيّة وتبادل بعض المنافع الدّنيويّة، وطلب التّأليف في بعض الموضوعات ...
لفت نظري كثرة الأسئلة التي وردت على القطب من عمان، للسّؤال والاستفتاء في الدّين، أسئلة من المشائخ والطّلبة وعامّة النّاس. وقد سجّلنا في هذه الرّسائل الاعتماد الكبير على الشّيخ اطفيّش في التأليف وحلّ المسائل، وفي التّعلّم، والحرص على اقتناء مؤلّفاته، وكأنّه كان الوحيد في الميدان.
كما قلنا سابقا كان الذين راسلهم الشّيخ اطفيّش كثيرين جدّا، أذكر بعضا منهم هنا: السّلطان فيصل بن تركي بن سعيد، السّلطان برغش بن سعيد، الشّيخ سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي، الشّيخ راشد بن عزيز بن بخيت الخصيبي، الشّيخ عبد الله بن حميّد السّالمي، والشّاعر محمّد بن شيخان السّالمي، الشّيخ عيسى بن صالح بن عليّ الحارثي المحبوبي، الشّيخ عليّ بن خميس بن راشد القصّاب، الشّيخ عامر بن خميس بن مسعود، الرّئيس المعتمد بن سالمين سعيد بن محمّد، الشّيخ سالم بن محمّد بن سالم الرّواحي، الشّيخ عبد الله بن راشد بن صالح، الشّيخ يحيى بن خلفان بن أبي نبهان الخروصي، الشّيخ ناصر بن سالم بن عديّم الرّواحي، الشّيخ سعيد بن علي الصّقري، الشّيخ محمّد بن سعيد بن عليّ الصّقري، الشّيخ محمّد بن عبد الله الخليلي، محمّد بن سعيد بن حمد بن سعيد المعولي، محمّد بن عليّ بن سالم بن عمر الهلالي المقرشي، سليمان بن ناصر بن سليمان اللّمكي، عبد الله بن راشد بن صالح الهاشمي، فيصل بن حمّود بن عزّان، محمّد بن سعيد بن عبيد المطيوعي، عبد الله بن عليّ بن محمّد المنذري، محمّد بن سليمان بن سالم الغاربي، محمّد بن سلطان بن قاسم ...
على الباحث أن يتصوّر الجهد الكبير الذي كان يبذله الشّيخ اطفيّش في المراسلة، من خلال تصفّح قائمة الذين كان يراسلهم، ويتأمّل النّفَس الطّويل الذي كان يملكه للإجابة عن الرّسائل، التي كانت تصله من عمان. وعلى الدّارس أن يقف على العلم الغزير والفوائد الجمّة التي تحويها هذه الرّسائل؛ ليعرف لماذا ذاع صيت الشّيخ، ولماذا تعلّق به العمانيّون كثيرا.
من كلّ ذلك يقدّر شخصيّة الحاج امحمّد اطفيّش العلميّة، ودوره في الرّبط بين إباضيّة المشرق والمغرب. وأخيرا يأخذ الدّارس من هذا دروسا وعبرا لكيفيّة تسخير العالم علمَه في خدمة أمّته، ودينه، وتعميم ذلك لأبناء الإسلام قاطبة.
نماذج من الرّسائل القطب:
كان الشّيخ اطفيّش يجيب السّلطان فيصل بن تركي عن أسئلة لغويّة ونحويّة ودينيّة. نثبّت هذه الرّسالة مثلا على ذلك: "بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم، أمّا بعد، فسلام من كاتبه عبد ربّه امحمّد بن يوسف على السّلطان المحترم المشهور، والبرهان المكرّم المنصور، فيصل بن تركي بن سعيد أبقاه الله وو ... للعدل، ووقاه الله وخلقه للسّبل، سبل الخير والرّأفة، سألتني عن إعراب قوله: مستبيحٌ سيف عينيه المحارم ... وسألتني عن سعيد عند الله يقبر في مقبرة المشركين لأنّه مشرك في الظاهر .. وسألتني عمّن أخذ عنه أصل بالشّفعة وقد استغلّ منه ... " (1)
__________
(1) - ينظر كشف الكرب ج1، ص: 223، 254. وإن كنت قد اعتمدت النّسخة المخطوطة في نقل هذا النّص. (1/52)
صفحة 52
"بسم الله الرّحمن الرّحيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم، أمّا بعد: فسلام من كاتبه امحمّد بن يوسف اطفيّش على أصحابنا من أهل عمان العلماء والتّلاميذ والرّؤساء والعباد، وخصوصا الشّيخ عبد الله بن حميّد والشّيخ عيسى بن صالح، قائلا: جاءتني أسئلة منكم، وأردت إجابتها على شرط أن لا تكون بينكم فتنة، فعاملوني بما لا تكون فيه ... " (1)
"بسم الله الرّحمن الرّحيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما، أمّا بعد! فسلام على الشّيخ محمّد بن عبد الله بن سعيد الخليلي وأبيه الأجلّ الشّيخ أحمد بن سعيد، والأخ عليّ بن يوسف، قائلا: وأفادني سؤالك في حال اضطراب أهل البلد عليّ، وعدم الانقياد للحقّ، أعانني الله عليهم وعلى أهل الشّرك."
"بسم الله الرّحمن الرّحيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم. أمّا بعد! فسلام من كاتبه لتسع مضين من رمضان عام 1325هـ، امحمّد بن الحاج يوسف وسائر تلاميذه وإخوانه في الدّين على العالم العامل عبد الله بن حميّد، أعانه الله على مراده، قائلا: اعلم أنّي قد نشرت تآليفك كلّها، وأمرت بمطالعتها والعمل بما فيها، ولا يشكل شيء إلاّ بيّنته لهم، حتّى يفهموه بفضل الله وينقادوا، ويدركوه على قصدك من الوجه الحقّ، وسلام على تلاميذك كلّهم، ومنّي لك، وأخصّ أكبر تلاميذك، وإنّي مريد لنفعكم ــ لو كان لي مال ــ بمالي وبكتبي في كلّ فنّ، إلاّ أنّ النّسخ هنا بأجرة غالية، ومثل شرحك للقصيدة، أو مثل الشّيخ درويش بن جمعة المحروقي أو النّيل ستّ عشرة ريالا كبيرة فواتح في كلّ واحدة، والنّاس لا يعينونني في ذلك، ولا في مثله في إيقاف الكتب، وإنّي أعالج ما تيسّر لي في الإرسال. يأتيكم إن شاء الله مختصر القواعد والحاشية بزيادات مفيدة كبيرة جدّاً على الذي عندك ــ رحمك الله - عز وجل - ــ في الفقه وشرح شرح أبي سليمان داود في النّحو وغير ذلك، شيئا فشيئا إن شاء الله - عز وجل -. أما الجواب فلو وجدت سؤالك كل يوم لأجبتك لتزداد علما إلى علمك، واقول: (ربِّ زدني علمًا)، ولا أظنّ أنّي يثقل عليَّ شيء من نفعك، وإن كان منكم سؤال ولم يأتكم جوابه، فلنسياني لكثرة الأشغال والأعداد، وقد عزمت على أنّه إن جاءني سؤالكم أعجّل بجوابه، وأيضًا أظنّ أنّ الجواب يضيع في الطّريق، وقد عطّل البعد كثيرًا من الأشياء، ولكم الدّعاء الصّالح منّي، ولعلّه يظهر لك ثمرته، وآمرك وإيّاي بالإخلاص لله - عز وجل - والتّوبة ... " (2)
"بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم، حيّا الله الرّحمن الشّيخ محمّد بن شيخان الكاتب الشّاعر، منهل الفقه للوارد والصّادر، من كاتبه امحمّد بن الحاج يوسف اطفيّش، قائلا: بلغني كتابك المؤرّخ شعبان 1317هـ في أواخر ربيع الثّاني سنة 1318هـ، فليس تأخير الجواب تفريطا منّي، ومع ذلك يا أخي لو علمت ما بي من الأشغال وفتن الأعداء لعذرتني، ولمّا وصلني همّني ما ذكرت جدّا، وأختار لك أن تتمهّل، وآمرك بالصّبر ولو قلّ صبري، فإنّ عاقبته محمودة، ولأن يسمع الإنسانُ الإنسانَ أسلم له من أن يقول، ومن علم معاني الحروف ومصادر الأفعال وموازين الأسماء والنّحو واللّغة، ومارس الفقه بالتّعلّم، جاز له الإفتاء، بما في الكتاب بترجيح، وإن لم يقدر على التّرجيح رجّح له قادر عليه، وجاز له الإفتاء للإنسان مطلقا بما حفظه من ثقة ... " (3)
__________
(1) - م. س. ص: 53، 54.
(2) - م. س. ص: 5، 6.
(3) - م. س. ص: 86. (1/53)
صفحة 53
من هذه النّماذج التي تعمّدنا الإطالة فيها يمكن للقارئ أن يقف على الملاحظات التي تتميّز بها رسائل الشّيخ اطفيّش إلى أهل عمان، والتي أشرنا إليها آنفا. وهي الملاحظات التي تجعل دراستها ذات أهمّيّة كبيرة من النّاحيةالعلميّة والتّاريخيّة والفكريّة، وفي جانب دراسة شخصيّة الشّيخ اطفيّش، عسى الله أن يقيّض من يقوم بهذه المهمّة.
نشير في ختام الحديث عن موضوع تبادل الرّسائل بين المشرق والمغرب إلى بعض ما لفت نظرنا في هذا العمل الكبير، الذي يجب أن يقدّر حقّ قدره، وهو هذا التّآزر والتّعاون في حلّ المسائل، ونشر العلم، والتّثقّف والتّثقيف، وفي الاستشارة والاستئناس في مسائل العلم بما يملكه الآخرون من معارف، والحرص على ذلك؛ رغم التّبحّر في العلم، والتّفوّق فيه ... وب رغم بعد المسافة، وصعوبة الاتّصال، ثمّ الرّغبة في التّواصل وربط صلة المحبّة بين المشرق والمغرب، رغم الحوائل والعقبات والمعيقات. إلى جانب الإلحاح الكبير على اقتناء الكتب، والتّزوّد من العلم، ومحاولة توحيد الرّؤية في المسائل المستجدّة وتأصيلها، والرّجوع إلى الأصول في الإفتاء، وتقرير الأحكام، والعمل على تجنّب الاختلاف، واحتواء النّشء بالرّعاية والتّعليم والتّلقين والتّعريف بالمذهب الإباضي؛ حتّى يُضْمَنَ السّيرُ في طريق السّلف، وهذا جانب تربويّ مهمّ يجب التّنبّه له.
صحافة أبي اليقظان وعمان
من بين ما يبرز التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر ما نقرأه في صفحات جرائد الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان: نقرأ فيها أنباء وشذرات عن عمان في الجوانب المتعدّدة: السّياسيّة (1/54)
صفحة 54
والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة والعلميّة. إلى جانب أخبار عن التّولية والعزل والتّهاني والتّعازي، والوفاة والإصابات وأخبار الفتن والاضطرابات، والمعارضات وما حلّ بعمان من نكبات ومصائب ...
تضمّنت هذه الصّحافة – أيضًا - شذرات عن تصحيح بعض المفهومات والرّدود، وأخبار العلماء: راحتهم ومرضهم، تنقّلاتهم واتّصالاتهم وجلساتهم. حتّى أنباء الأمطار والسّيول، وما كان يطرأ على بلاد عمان من طوارئ، كان لها حضور في هذه الصّحافة. وكانت تهتمّ بأخبار السّلطنة والإمامة على السّواء.
ممّا يدلّ على احتفاء الصّحافة اليقظانيّة ببلاد عمان كثرة ما نشرت عنها من مقالات في مختلف المجالات. فمن خلال بعض العناوين التي سنذكرها تتكشّف لنا الرّوح التي يحملها الإخوان في الجزائر نحو عمان. مثلا نقرأ في جريدة وادي ميزاب العناوين الآتية: "تحت هذا العنوان: أحد البلاد العربيّة التي لا يعرفها المصريّون" كتبت الجريدة تقول: نشر "البلاغ الأسبوعي" بحثا مصوّرا، فأخذنا بتلاوته بشوق ولهفة، فلمّا أتينا عليه أسفنا أسفا شديدا. (1) وفي عدد آخر نجد مقالا تضمّن أخبارا عن فرح أهل عمان بنزول الأمطار، وتدفّق السّيول عنوانه "استقاء إمام عمان بعد طلوع الشّمس وسيل الأودية بعد غروبها"، نقلا عن جريدة الشّورى المصريّة. (2)
كما نشرت جريدة النّور مقالات عن عمان، منها: "حديث طريف عن بلاد مسقط، الحركة التّجاريّة، النّهضة العلميّة والاقتصاديّة" (3) و "عمان، أنباء طريفة عن بلاد عمان لشاهد عيان" (4) و "ماذا في الخليج" (5).
نشر العمانيّون – أيضًا - في صحافة أبي اليقظان. نشير إلى بعض القصائد والمقالات فيما يأتي: "تهنئة صاحب الدّولة الشّيخ الباروني "قصيدة للشّيخ عيسى بن صالح الطّائي قاضي قضاة مسقط" (6)، "تهنئة أخرى لسعادة الباروني باشا" للشّاعر سالم سليمان (7)، "ربّ أيّد إمامنا العدل وانصر" للشّيخ أبي سلام الكندي (8)، "قصيدة وطنيّة عن فلسطين" للشّاعر محمّد بن راشد بن غسّان المعولي العماني (9).
إنّ كلّ ذلك لا يدلّ إلاّ على شيء واحد، هو الرّغبة في توطيد العلاقة الرّوحيّة بين أبناء المغربين أو المشرقين. والإلحاح على الاستمرار في التّواصل الثّقافي مهما تكن الظّروف والأحوال.
__________
(1) - جريدة وادي ميزاب (أبو اليقظان)، ع: 22، (14 مارس 1927 م).
(2) - "سليمان باشا الباروني رئيس وزراء عمان"، جريدة وادي ميزاب. ع: 32، (20/ 5 / 1927م). ينظر أيضا ع: 58، (25/ 11 / 1927 م).
(3) - جريدة النّور (أبو اليقظان)، ع: 37، (14/ 6 / 1932 م).
(4) - م. س: ع: 38، (21/ 6 / 1932 م).
(5) - م. س. ع: 73، (21/ 3 / 1933 م).
(6) - جريدة وادي ميزاب، ع: 9، (26/ 11 / 1926 م).
(7) - م. س. ع: 11، (10/ 12 / 1926 م).
(8) - م. س. ع: 19، (11/ 2 / 1927 م).
(9) - جريدة الأمّة، ع: 141، (26/ 10 / 1937 م). (1/55)
صفحة 55
نذكر هنا أنّ الصّحافة اليقظانيّة كانت تنقل كثيرا من أخبارها عن الصّحافة المشرقيّة، أمثال: الشّورى، الفتح، الشّباب، لسان الشّعب، المنهاج، الفلق الزّنجباريّة ... كما كان لها مكاتبون في مسقط بخاصّة، يفيدونها ببعض هذه الأنباء (1)
أ ــ أخبار السّلطنة والإمامة في الصّحافة اليقظانيّة
حفلت الصّحافة اليقظانيّة بأخبار كثيرة عن السّلطنة والإمامة بشكل لافت للنّظر، ومن خلال ذلك يمكن للباحث أن يلحظ التّطوّر الحاصل في الحياة العامّة في بلاد عمان. ومن الفقرات المنشورة في هذه الصّفحات ننقل ما يأتي: "الأمير حمد بن فيصل والي صحار يزور دبي" (2). دبي في جمادى الثّانية لمراسل الشّورى الخاصّ: "أَنَبْتُ لكم عن قدوم سموّ الأمير حمد بن فيصل والي صحار وأخي السّلطان تيمور، سلطان مسقط مُجْمَلًا، وهنا أقول: تشرّفت دبي بقدوم الأمير المذكور صبيحة يوم الخميس (19 خلت من الماضي) فقوبل بالحفاوة اللّائقة بسموّه من إطلاق المدافع وعرضات الخيل والإبل ... وكان مع الضّيف الكريم أخوه مالك بن فيصل وابن عمّه السّيد سيف بن يعرب البوسعيدي وابنه قحطان، وما ينوف عن 170 رجلا حاشية وجندًا وغيرهم ... " بقيّة المقال كان وصفا للأيّام السّبعة التي قضاها الأمير في دبي مكرّما معزّزا.
في العدد نفسه تنقل الجريدة عن مجلّة المنهاج لأبي إسحاق اطفيّش قصيدة للشّاعر الشّيخ أبي سلام الكندي تحت عنوان "ربّ أيّد إمامنا العدل وانصر" جاء في الدّيباجة "لمّا طرق سمع شاعر عمان الشّيخ أبي سلام الكندي، وهو في قرية بشر (كذا) خبر تقليد إمام المسلمين المعظّم بعمان (محمّد بن عبد الله الخليلي) أعزّه الله رئاسة الحكومة لحضرة الهمام الغيور (الشّيخ سليمان باشا الباروني) تحرّكت قريحته الوقّادة، وارتجل هذه القصيدة. قال:
قم سليمان في صلاح البلاد
لا تبال بقول أهل الفساد
إنّما أنت عالم كيف أضحت
أمم الغرب تزدري بالعباد
هي بالعجز أم بجهل بنيها
6ى نالت المجد أم سمت بالرّقاد
لا ولكنّها تدكّ بعلم
كلّ صرح بدا بغير عماد
فابذل النّفس والنّفيس وشمّر
واصرف الجهد من صميم الفؤاد
ربّ أيّد إمامنا العدل وانصر
وأجره من كيد كلّ معاد
ذاك قطب الهدى الخليليّ من قد
__________
(1) - تعمّدنا في توضيح علاقة الصّحافة اليقظانيّة بعمان إيراد نصوص كثيرة، والإطالة في بعضها الآخر؛ لتزويد القارئ وإطلاعه على مجموعة كثيرة من هذه النّصوص، لتعذّر كثير من القرّاء من الحصول عليها، وللكشف عن طبيعة التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر، ونوعيّة العلاقة التي تربط بينهما.
(2) - جريدة وادي ميزاب، ع: 19، (11/ 2 / 1927 م). (1/56)
صفحة 56
نشر العدل والهنا في العباد (1)
من أنباء عمان التي نقلها ابو اليقظان (2) "بلغنا من بعض المصادر الوثيقة أنّه وقعت معارضة من بعض رجال الدّين على حركة الإصلاح، التي قام بها المصلحون الأحرار من العمانيّين، وعلى رأسهم عظمة الإمام الخليلي، ووزيره الأكبر الشّيخ سليمان باشا الباروني، إلى أن كادت تذهب زوابعها بأعمال أولئك الأحرار المفكّرين أدراج الرّياح، ولكن قد توفّق أخيرا لتوحيد جهود المصلحين بعض المفكّرين منهم إلى تأليف حزب قويّ، باسم حزب الإصلاح والتّقدّم، وقد انضوى تحت لوائه سائر عظماء عمان المصلحين ...
أمّا الأمن العام في عمان، فهو ضارب أطنابه؛ بفضل التّدابير التي اتّخذها عظمة الإمام الخليلي وجلالة السّلطان. أمّا عن مسألة الطّيران وقد ذكرنا سابقا أنّ حكومة مسقط قد وافقت الإنكليز على جعل محطّات الطيّارات بسواحلها، ولكن في داخل حدودها فقط، إذ لا محيد لها من المحافظة على الصّداقة بينها وبين الدّولة الإنكليزيّة ... "
في عدد آخر خبر سفر وليّ العهد إلى العراق (3) "توجّه وليّ العهد صاحب السّموّ السّيّد سعيد بن تيمور إلى العراق للدّخول في كلّيتها بعد أن كان ملازما لمدارس الهند، وهي خطوة تدلّ على تيقّظ ونجاح إن شاء الله.
أمّا عظمة السّلطان تيمور، فلا يزال في ولاية ظفار المجاورة لحضرموت، واقفا بنفسه على ما عزم على إجرائه فيها من العمران، ويمكن أن يعود في شهر رجب."
في عدد آخر (4) خبر عن بعض المشاغبات التي حدثت مع بعض المعارضين، وعن إخماد الحكّام لنار الفتنة وحركة المناوئين: "إنّ الحالة بدواخل عمان طيّبة، وسعادة الشّيخ سليمان الباروني جار بنشاط فيما هو بصدده ... أمّا حركة المعارضين فقد خفّت وطأتها، واتّسع الفضاء لإجراء الإصلاحات اللاّزمة للبلاد.
أمّا حكومة جلالة السّلطان فهي في راحة وسكون، غير أنّه ثارت في أطراف صحار بعض القبائل، وشقّت عصا الطّاعة، وقصدها بذلك إرغام الحكومة إلى إعادة عوائدهم السّابقة لهم، وقد قطعت مؤخّرا وإلى الآن لم تنته مسألتهم.
كما ورد في العدد نفسه خبر عزم الحكومة إنشاء مدرسة لترشيح المعلّمين بالعاصمة مسقط. وفيه نبأ عن مرض نصير الإصلاح والتّقدّم الشّيخ سعيد بن ناصر الكندي، وتمام شفائه، وقد توفّي سنة 1355 هـ. وفي العدد أخبار أخرى عن عمان.
من تمام اهتمام الصّحافة اليقظانيّة بحياة السّلطان تيمور بن فيصل، فإنّنا نجدها في عدد من أعدادها (5) تذكر بعض الجزئيّات في حياته: ــ سلطان مسقط (السّلطان في الغوّاصة) ــ حديث سلطان مسقط عن بلاد الشّرق ــ إشارة إلى مقالة لسلطان مسقط عنوانها "زوجاتنا وزوجاتكم" نشرها في جريدة صنداي اكسبرس الإنكليزيّة.
__________
(1) - تراجع القصيدة كاملة في ديوان الشّاعر " نشر الخزام " (مخطوط)، ص: 29، 30.
(2) - م. س، ع: 55، (3/ 11 / 1927 م).
(3) - م. س، ع: 58، (25/ 11 / 1927 م).
(4) - م. س، ع: 64، (6/ 1 / 1928 م).
(5) - م. س، ع: 105، (19/ 10 / 1928 م). (1/57)
صفحة 57
إنّ الصّحافة اليقظانيّة تتابع باهتمام التّطوّرات التي تحدث في عمان، وبخاصّة أنباء الإصلاحات التي تقوم بها السّلطنة والإمامة، وتنشر الكثير منها في صفحاتها لإطلاع القرّاء في المغرب الإسلامي عليها.
جاء في أحد أعداد جريدة وادي ميزاب تحت عنوان: النّهضة العمانيّة الحديثة (1): "هبّ الشّعب العماني في جملة الشّعوب العربيّة الشّقيقة في هذه السّنوات الأخيرة إلى الإصلاح والنّهوض، وإدخال النّظم العصريّة الجديدة، التي لا تخرج عن دائرة الإسلام إلى داخل البلاد، وقد أنبأنا في وقته عمّا قامت به وتقوم به حكومة عظمة الإمام الخليلي من الإصلاحات العامّة بتدابير وزيرها الأكبر الشّيخ سليمان الباروني، ولا ننسى ما أزمعت عليه حكومة مسقط من إدخال كثير من الإصلاحات في بلادها. فقد أنبأت بعض جرائد الشّرق الحرّة فيما أنبأت أنّ لجلالة السّلطان اهتماما خاصّا بتنوير بلاده بشموس العلوم والمعارف، فأرسل نجله ووليّ عهده الأمير سعيد إلى العراق، لاغتراف مناهل العلم من مدارس بغداد".
كما تحدّث المراسل عن الحفلة التي أقيمت بمناسبة افتتاح المدرسة السّلطانيّة وخطبة جلالة السّلطان، وخطبة الشّيخ عيسى بن صالح الطّائي، تضمّنت المراسلة أيضا أنباء أخرى عن السّلطان، وخبرا عن وفاة الشّيخ عامر بن خميس المالكي، التي كانت يوم الخميس من رمضان 1346 هـ.
أمّا جريدة النّور فأوردت تفاصيل عن تنازل سلطان مسقط عن العرش واعتلاء وليّ العهد له (2) في 6 من رجب 1350هـ. "أمضى عظمة السّلطان تيمور بن فيصل سلطان مسقط وعمان صكّ تنازله عن السّلطنة لولده، وليّ العهد صاحب السّموّ الأمير سعيد. الأمر الذي كان يسعى عظمة السّلطان لتحقيقه من عدّة سنوات خلت، بسبب اعتلال صحّته، ومثل هذا الحادث يجري لأوّل مرّة في تاريخ البلاد العمانيّة، إذ لم يسبق أن تنازل سلطان عن السّلطنة لأحد في حياته بهذا الهدوء والطّمأنينة، وهذا ما يجعلنا نتفاءل بعصر سعيد لهذه البلاد في زمن عظمة السّلطان الجديد".
ثمّ تحدّثت الجريدة عن مراسيم الاحتفال، وعن صكّ التّنازل واعتلاء الأريكة. وختمت المراسلة بذكر صفة السّلطان سعيد: "وصاحب العظمة السّلطان سعيد الثّاني بن تيمور، لا يتعدّى الثّالثة والعشرين من عمره المبارك، وهو مع ذلك له حنكة الشّيوخ، ودراية المجرّبين، وقد تلقّى عظمته علومه في الهند والعراق، وهو يتقن زيادة على لغته العربيّة، اللّغة الإنكليزيّة والأورديّة، ولعظمته ولع كبير بتنظيم شؤون الدّولة والاهتمام بكلّ صغيرة، والعناية بتقدّم البلاد، منذ كان رئيسا للوزراء، وإنّنا لنرجو أن يكون عصر عظمته هو العصر الذّهبي."
متابعة لتطوّر النّهضة في عمان كتبت جريدة الأمّة تحت عنوان "ماذا بعمان؟ بعثة علميّة ترسلها حكومة مسقط للدّراسة في العراق" (3) "وصلت إلى بغداد في الشّهر الجاري بعثة حكومة مسقط للدّراسة، وهي مؤلّفة من خمسة طلاّب: الأمير فهر بن تيمور والأمير ثويني بن شهاب، وأحمد محمّد الجمالي، وعبد الله محمّد الصّالح الطّيواني ومغيط (كذا)، وقد صحبها من مسقط الأستاذ إسماعيل حقّي الرّصاصي، رئيس المحكمة العدليّة، والشّيخ أحمد بن سعيد الكندي وحبّذا لو اقتدى الإمام الخليلي بحكومة مسقط في هذا العمل النّبيل ... " وفي العدد أخبار عن مسقط وعمان.
__________
(1) - م. س، ع: 79، (20/ 4 / 1928 م). هذه الأنباء كانت تصل من مكاتبي وادي ميزاب.
(2) - جريدة النّور (أبو اليقظان)، ع: 27، (29/ 3 / 1932 م).
(3) - جريدة الأمّة (أبو اليقظان)، ع: 148، (28/ 12 / 1937 م). نقلا عن جريدة الفلق الزّنجباريّة. (1/58)
صفحة 58
في عدد آخر من جريدة الأمّة وتحت عنوان "ماذا في عمان؟ (1) " تستمرّ الجريدة في الحديث عن تطوّرات الأحداث والحياة في عمان.
"أمّا حكومة جلالة السّلطان فهي تأخذ تدريجيّا بأهداب المدنيّة العصريّة، ويوجد لها دوائر للماليّة وللشّرعيّة وللعدليّة، وتوجد في العاصمة مدرسة على الطّراز الحديث. وقد أخذت الحكومة تشقّ الطّرق وتعبّدها لتسيير السّيّارات، إلاّ أنّ بعض رؤوس الجمود، اعترضوا ذلك وأبوا أن يروا مثل هذا النّوع من المواصلات العصريّة السّريعة تجوس خلال ديارهم، واختاروا عنها ظهور الإبل، فأقنعتهم الحكومة باللّغة التي يفهمونها بها، بوجوب العدول عن هذا الهوس، فأخلدوا للسّكون.
أمّا جلالة السّلطان فلا يزال في لندرة ــ كما علمتم ذلك من إذاعة الرّاديوـ وهو في صدد إبرام معاهدة تجاريّة اقتصاديّة بينه وبين بريطانيا العظمى.
أمّا عظمة الإمام الخليلي فهو بنزوى، قلب الدّاخليّة ينعم بالصّحّة، ويرفل في ثوب النّصر، ويتمتّع بالعزّة والهناء بعد أن اضطراب حبل الأمن قليلا في الدّاخليّة بهذه الأيّام. وذلك أنّه ثار عليه رئيس قبيلة العبريّين العالم الشّيخ إبراهيم العبري، لا لسبب مبرّر ولا موجب للخلاف، ولكن نزوعا للفتنة، وميلا لمطامع نفسانيّة ومقاصد شيطانيّة، واعتزاز بسواد قبيلته ... أعزّ الله الإمام وأيّده على نصرة الحقّ، وإخماد أنفاس الباطل وتحطيم أصنام الجمود. "وفي العدد خبر عن حالة الجفاف والمحل اللّذين أصابا عمان. وآخر عن وصول جريدة الأمّة باستمرار إلى البلاد العمانيّة، ثمّ تعريض بالجمود الذي ضرب أطنابه في عمان.
إنّ ما سردناه من نصوص، وما عرضناه من الشّذرات التي نقلناها من صحافة أبي اليقظان عن أخبار السّلطنة والإمامة على السّواء، تكشف عن الرّباط المتين القويّ، الذي يربط الجزائر بعمان، وفي الوقت نفسه تدلّ على الرّؤية الوحدويّة، التي كانت تنظر بها الصّحافة اليقظانيّة إلى ما يحدث في عمان، وما يعتمل بداخلها؛ إذ أنّها كانت ترجو أن يكون عمان وحدة متماسكة، وبخاصّة على مستوى العلماء والحكّام، الذين هم قدوة الأمّة وقادتها.
إنّ تعامل الصّحافة اليقظانيّة إعلاميّا مع أبناء عمان بهذه الطّريقة له دلالته العميقة، ومغازيه الكبيرة، وكانت له انعكاساته الإيجابيّة في نفوس أبناء المغرب الإسلامي، الذين كانوا يقرأون هذه الصّحافة، أو يتعاملون معها بالمستوى، أو بالنّظرة التي تخدم الوحدة والتّآلف.
في غياب هذا التّعامل مع الخبر الإعلامي، وانعدام هذه الرّؤية إلى الأحداث، قد تكون النّظرة إلى عمان غير التي نشهدها اليوم، وقد كان يمكن أن تثمر العلاقة مع عمان ثمارا، لا تخدم الأهداف المرجوّة، ولا تساعد على هذا التّواصل الثّقافي الذي لا يفتأ يتطوّر ويتدعّم مع مرّ الأيّام.
كما أنّ النّصوص التي سردناها تعدّ وثائق تاريخيّة، أو على الأقلّ إشارات إلى تاريخ عمان بتفاعلاته وتطوّراته الإيجابيّة والسّلبيّة، وقد كانت هذه النّصوص التي تنقلها الصّحافة اليقظانيّة من الجرائد المشرقيّة، أو ما يفيدها به مكاتبوها ... النّافذة التي يطلّ بها قرّاؤُها على عمان، الذين يتطلّعون دائما لمعرفة ما يدور فيها ويحدث.
ب ـــ أخبار سليمان الباروني الوزير في الصّحافة اليقظانيّة
اهتمّت الصّحافة اليقظانيّة بأخبار الشّيخ سليمان الباروني باشا (ت 1359هـ/ 1940م)، الذي قلّد منصب وزير الدّولة في حكومة الإمام محمّد بن عبد الله الخليلي. تابعت الأنباء الواردة عنه، ونشرت بعض التّهاني التي تلقّاها ــ شعرا ونثرا ــ بمناسبة تقليده الوزارة، نقلت بعض أنشطته في عمان، وبعض إنجازاته هناك. (2)
كتبت جريدة وادي ميزاب تحت عنوان: "سليمان باشا الباروني يعيّن وزيرا لمملكة عمان، تطوّر عظيم بعمان" (3) جاء في آخر المقال: "وبلسان القطر الجزائري عموما ووادي ميزاب خصوصا، يرفع (وادي ميزاب) على كاهل التّبجيل والاحترام إلى عظمة الإمام وعطوفة الشّيخ الباروني وبلاد عمان مراسم التّهاني الفائقة بهذا التّطوّر العظيم، ويرجو لهم من الله تعالى التّوفيق والتّسديد إلى أن يبلغوا بالعرب والبلاد العربيّة قمّة المجد والفخار، حتّى ترفل في حلل الجلال والكمال." (4)
كما نظم الشّيخ عيسى بن صالح الطّائي قاضي قضاة مسقط قصيدة هنّأ فيها سليمان الباروني بتقليده وزارة مملكة عمان، من بين ما ورد فيها:
أقومي إنّ للعليا رجالا ... لهم في نيلها رأى وفكر
لها نحروا الكرى بنصال عزم ... وفي وثباتها قصد - وكرّ
إذا ليل الغباوة مدّ سجفا ... جلاه منهم علم وخبر
فكم ظلمات جهل قد محوها ... كما يمحى من الأسفار سطر
سليمان أقم للدّين صرحا ... لقد أودى به طمع مضرّ
وجدّد عهد من سلفوا ملوكا ... أئمّتنا، لهم شأن وذكر
تخيّرك الإمام العدل فاخدم ... رضاه، واثْبُتَنْ فلأنت بدر
ولا تحجم إذا استعصى جهول ... تساوى عنده زيف وتبر
فطعم الماء في الأفواه عذب ... وفي فم من به الأسقام مرّ
فهذا القطر قم فيه عزيزا ... يحفّك من إله العرش نصر (5)
في عددي 19 و57 من جريدة وادي ميزاب أخبار عن أعمال الشّيخ الباروني باشا ونشاطه، وعن حالته الصّحيّة، وما أصيب به من الفالج "حتّى تُدورِك بالعلاج المعروف عندهم لهذا الدّاء، ولازم محلاّ واحدا في الحصن محفوظا عن الهواء إلى أن شفي شفاء تامّا، بعد نحو عشرين يوما. (6)
من بين النّصوص التي نشرت في الصّحافة اليقظانيّة "سعادة الباروني باشا في جرائد مصر" (7) "وفي شرق بلاد العرب وزارة سليمان باشا الباروني في عمان" (8) و"كبير شعراء عمان يهنّئ سعادة الشّيخ الباروني للشّاعر أحمد بن سلطان آل سليم" (9).
__________
(1) - م. س، ع: 168، (24/ 5 / 1938 م). أرسل بهذه الأخبار مراسل الأمّة بمسقط
(2) - عن بعض تفصيلات في هذا الموضوع، ينظر الشّيخ عيسى بن صالخ الطّائي العماني، القصائد العمانيّة في الرّحلة البارونيّة، راجعه وصحّحه سلطان بن حبارك بن حمد الشّيباني، ط1، نشر ذاكرة عمان، مسقط، سلطنة عمان، 1434هـ/ 2013م.
(3) - جريدة وادي ميزاب، ع: 4، (22/ 10 / 1926 م).
(4) - م، س، ن.
(5) - م. س، ع: 9، (26/ 11 / 1926 م). القصيدة مؤرّخة بيوم 3 من صفر 1345 هـ.
(6) - م. س، ع: 57، (17/ 11 /1927 م).
(7) - م. س، ع: 13، (25/ 12 / 1926 م). نقلته جريدة وادي ميزاب عن مجلّة الشّورى في عددها: 108.
(8) - م. س، ع: 18، (28/ 1 / 1927 م). نقلته جريدة وادي ميزاب عن مجلّة المنهاج لأبي إسحق اطفيّش.
(9) - م. س، ع: 24، (18/ 3 / 1927 م). (1/59)
صفحة 59
كما نشرت جريدة النّور مقالا تحت عنوان "الباشا الباروني والإشاعة الكاذبة" ردّا على ما راج من أخبار اعتزال الباروني للوزارة العمانيّة (1) إلى غير ذلك من النّصوص والأخبار، التي تناولت شخصيّة الباروني باشا الوزير في حكومة عظمة الإمام الخليلي.
متابعة أخبار تقليد الباروني باشا الوزارة العمانيّة، ونشر أنباء نشاطه بهذه الكثافة وهذا التّفصيل يندرجان ضمن العلاقة الوطيدة التي تربط المشرق والمغرب. ويؤكّدان في الوقت نفسه على الرّغبة في تغذية هذه العلاقة وتنميتها.
كانت مناسبة تولّي الشّيخ سليمان باشا مهمّة الوزارة، وهو مغربيّ من ليبيا فرصة للتّعبير عن الاعتزاز بهذه العلاقة الرّاسخة بين عمان والمغرب الإسلامي، ومناسبة لمدّ جسر التّواصل بين الجهتين؛ فسليمان الباروني بطل، وشخصيّته تستحقّ هذا التّكريم وهذا التّشريف، إلى جانب ذلك فهو تلميذ قطب الأئمّة الشّيخ اطفيّش، الذي يكنّ له العمانيّون كلّ التّقدير والاحترام ... فاختياره للوزارة يدلّ ــ من جملة ما يدلّ عليه ــ على الحرص في تعزيز العلاقة بين عمان والمغرب الإسلامي، والاعتراف بفضل المغرب على عمان. (2) ولهذا كانت عناية الصّحافة اليقظانيّة بسليمان باشا الوزير المغربي عناية لها دلالتها، والحديث عنه حديث عن المشرق والمغرب على السّواء.
هكذا نلاحظ الدّور الكبير الذي قامت به الصّحافة اليقظانيّة في ربط العلاقة الثّقافيّة بين عمان والجزائر. والتّحفيز على التّواصل الثّقافي؛ بنشر الأخبار عن عمان في المجالات المختلفة، حتّى إنّها كانت تنقل بعض النّصوص والشّذرات من الصّحف المشرقيّة؛ حرصا منها على عدم الانقطاع عن عمان، وإشباع رغبة قرّائها في الاتّصال بالشّرق، وهي في الوقت نفسه توجّه دعوة ضمنيّة لدعم التّواصل بين الجهتين.
خاتمة
__________
(1) - جريدة النّور، ع: 21، (19/ 2 / 1932 م.). نقلت جريدة النّور المقال عن جريدة الفلق الزّنجباريّة.
(2) - ممّا يبيّن شدّة العلاقة ومتانتها بين المشرق والمغرب، ويؤكّد حقيقة اعتراف عمان بفضل المغرب الإسلامي. ما يثبت ذلك تعيين الشّيخ أبي إسحاق الجزائري (1886 - 1965 م) في الخمسينيّات ممثّلا لعرض قضيّة عمان في الأمم المتّحدة. (1/60)
صفحة 60
إنّ التّواصل الثّقافي بين عمان والمغرب الإسلامي بعامّة والجزائر بخاصّة كان ذا أهمّيّة كبيرة في مسيرة الفكر الإباضي على الخصوص. وقد ساعد ذلك على بروز هذا الفكر، وإثبات وجوده ضمن حركة الفكر الإسلامي بعامّة؛ رغم ما لقيه من مضايقات ومحاولات طمسه. وقد كشفت المظاهر التي تمّ بها هذا التّعاون الثّقافي الظّروف النّفسيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، التي عاشها الإباضيّة في المشرق والمغرب:
1) لقد كان هذا التّواصل الثّقافي نتيجة التّعاون الجاد والقويّ، الذي حصل بين عمان والمغرب الإسلامي. ومظاهر هذا التّعاون تمثّلت في الزّيارات المتبادلة، واللّقاءات التي تتمّ بين أهل المشرق وأهل المغرب، وفي موسم الحجّ بخاصّة. وفي تبادل الكتب والمراسلات، وفي الاستفتاء والاستشاررات، والتّعاون في التّأليف، وفي حسن الرّعاية والعناية التي تتلقّاها الجهة التي يدبّ فيها الضّعف والوهن، أو تشعر بالعجز عن القيام بنفسها وشؤونها؛ فتستمدّ الطّاقة الماديّة من الجهة الثّانية، كما تسترفد منها الطّاقة الرّوحيّة، التي تمكّنها من الثّبات والصّمود في الميدان أمام الزّوابع والزّعازع ..
2) كلّ ذلك أثمر وحدة في المشاعر، ووحدة في التّصوّر، ووحدة في الفكر بين الإباضيّة: المشارقة والمغاربة ــ إلاّ ما شذّ وندر ــ وقد كانت لذلك نتائجه المهمّة في المحافظة على كيان المذهب الإباضي وبلورة آرائه.
3) حمل هذا التّواصل الثّقافي عصارة أفكار أئمّة هذه الجماعة وعلمائها، ونقل سجلّ آلامها وآمالها، التي هي من جملة هموم الأمّة الإسلاميّة واهتماماتها في إقامة الدّين، والتّمكين للإسلام في الأرض ومحاربة كلّ ما يمسّ وينال الإسلام. كما أسهم هذا التّواصل في إيجاد أرضيّة ملائمة تتحرّك عليها جماعة من المسلمين؛ لتعمل في سبيل خدمة الثّقافة الإسلاميّة، بإبراز جانب من إسهامات الفكر الإسلامي، الذي كان قد يخسر جزءا منه، لو قدّر للفكر الإباضي أن لا ينتشر؛ إذ أنّ الذي أعان على استمرار عطاء الإباضيّة والإنتاج هو هذا التّعاون والتّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب.
4) إنّ العلاقات الثّقافيّة بين إباضيّة المشرق والمغرب لم تنقطع أبدا، قد تضعف أحيانا، بسبب الظّروف القاسية التي مرّ بها الإباضيّة، لكن ما تفتأ أن تعود من جديد، وقد يبدو للدّارس أنّ هناك انقطاعا في هذه العلاقات الثّقافيّة، وذلك بسبب سكوت المصادر والمراجع عن ذكر هذه الصّلات الثّقافيّة. وهو من جملة ما أوجد ثغرات كثيرة في تاريخ الإباضيّة بعامّة.
5) توسّع هذا التّواصل خارج دائرة الفكر الإباضي، خاصّة في السّنوات الأخيرة، ليشمل مجالات متعدّدة، وجهات رسميّة وغير رسميّة، وشخصيات متنوّعة التّخصّصات والاهتمامات، وبخاصّة في الميدان الثّقافي .. هذه هي الدّلالة التي يحملها عنوان الدّراسة، والهدف من القيام بها، وهو السّير بالعلاقة إلى التّواصل والاستمراريّة والتّطوير ... بدل البقاء بها في حدود الحكاية والرّواية للماضي، بما تدلّ عليه كلمة علاقة ..
6) إنّ فضل عمان على المغرب الإسلامي كان كبيرا، وبخاصّة في مرحلة النّشأة؛ وقد ظلّ أهل المغرب في صلة تامّة مع أهل المشرق: استفتاء واستشارة في الكبيرة والصّغيرة، وتعلّما وتكوّنا ... وكان أهل عمان قد تحمّلوا مسؤوليّة رعاية الدّولة الرّستميّة ماديّا ومعنويّا، وتمكّنت بفضل ذلك من الوقوف على قدميها وبناء كيانها، والإسهام بدورها في النّشاط الثّقافي والفكري. وقد استمرّت هذه الرّعاية حتّى بعد سقوها، وكان من نتائج ذلك ردّ أهل المغرب بعض الجميل. فقد كان لهم بعض الفضل على عمان في بعض الفترات، خاصّة في العهد الأخير. هذا هو التّواصل الثّقافي. (1/62)
صفحة 61
باتنة يوم: 5 ... من ... جمادى الأولى 1415 هـ
10 من أكتوبر ... 1994 م
الملاحق
أثبتنا مجموعة من الملاحق، استكمالا لموضوع التّواصل. وقد نوّعنا في هذه الملاحق، بين هو لنا شخصيًّا، وما هو لغيرنا. وما هو لعمانيّين وماهو لجزائريّين .. وما هو للمشائخ والأساتذة وما هو للشّباب .. بين ما هو نثر وما هو شعر .. حتّى الموضوعات كانت متنوّعة .. وكلّها كانت كتابات حديثة .. حتى ولو كان بعضها تناول موضوعات قديمة ..
هذا التّنوّع – حسب نظرنا واجتهادنا – يبرز عمق التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر، ويثبت أنّه متواصل ومستمرّ، ويكشف عن النّيّة والرّغبة في تطويره؛ ليسير في طريق التّعاون على خدمة الفكر الأصيل، الذي يسهم في العمل الحضاري في المسيرة الإنسانيّة بعامّة، ومسيرة الفكر الإسلامي بخاصّة ...
الملحق رقم (1) رسالة إلى سماحة الشّيخ أحمد الخليلي (1/63)
صفحة 62
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سماحة مفتي سلطنة عمان، فضيلة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي المحترم. حفظكم الله ورعاكم. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وبعد ..
أرجو أن يجدكم خطابي هذا ممتّعين بالصّحّة والهناء، موفّقين في أعمالكم ومهامّكم، معزّزين مكرّمين ..
فضيلة الشّيخ! هذه أوّل مرّة أرفع فيها قلمي لأخطّ لكم هذه السّطور، بعد أن تعرّفت عليكم في لقاءات، جمعتنا هنا في القرارة، وفي الجزائر العاصمة، وعن طريق المجلاّت والجرائد العمانيّة، التي تفضّل الشّيخ ناصر الزّيدي بتقديمها لنا، حيث كنّا نطالع ما كنتم تنشرون فيها من مقالات وفتاوى، وما بدأتم تنشرونه من تفسير لكتاب الله العزيز، وعن طريق ما يصل أسماعنا من أخباركم، بواسطة المشايخ والحجّاج. قلت: بعد كلّ ذلك، وما تكوّن لدينا من صورة عن شخصيّكم، ومدى ما تتمتّعون به من سمعة طيّبة، هنا في وادي ميزاب على الخصوص والعالم الإسلامي على العموم .. رغبت في مراسلتكم، وأرجو أن تكون هذه الرّسالة فاتحة عهد جديد بيننا، وأنا أعرف مسبقًا أنّ وقتكم أضيق من أعمالكم، وأنّكم لن تجدوا وقتًا لمراسلتي، وأنّ طلبي هذا سيثقل كاهلكم ويحرجكم، ولكن مع ذلك فأنا أطلب وأرجو الله أن أكون من المحظوظين برسائلكم ومكاتباتكم، فنحن في بداية الطّريق، نبحث عمّن ينير لنا الطّريق، ويوجّهنا الوجهة الحسنة. مشائخنا وأساتذتنا يوصوننا بمراسلة من يزيد في ثقافتنا، ويضيف إلى تجاربنا، ويحسّن من سلوكنا .. فكلّ ذلك نجده عندكم. وسأكون - جدًّا - محظوظًا وسعيدًا لو لقي طلبي هذا القبول من طرف سماحتكم، وأنا على يقين من أنّكم ستلبّونه ..
سماحة الشّيخ الخليلي! لي رغبة صادقة وطموح كبير في الوصول إلى عمان؛ لما له علينا من فضل كبير، ولما له من علاقة متينة تربطنا به، خاصّة ونحن ننتمي إلى نفس المذهب الذي ينتمي إليه إخواننا سكّان عمان، إذ يجمعنا مشرب ومنبت واحد وتاريخ واحد ومصير واحد، وتشدّنا أهداف واحدة. ونظرًا لما تصل أسماعنا من أخبار مسرّة، وما تمكّنا من رؤيته من المطبوعات، التي ما لبثت وزارة التّرث القومي والثّقافة العمانيّة تطبعها وتنشرها، خاصّة ما يتعلّق بكتب التّراث التي كنّا نطّلع على بعضها بواسطة الصّديق الحميم ناصر بن محمد الزّيدي، ولكوني أشتغل بإعداد دراسة عن شيخنا فضيلة الإمام الحاج محمد بن يوسف طفيش – رحمه الله – ونظرًا للعلاقة التي كانت تربط الشّيخ بعمان – خاصّة بالشّيخ الإمام نور الدّين السّالمي وبقيّة العلماء - رحمهم الله – ونظرًا لكون وزارة التّراث القومي والثّقافة العمانيّة شرعت في طبع بعض مؤلّفات القطب؛ كهميان الزّاد وتيسير التّفسير وغيرهما .. فإنّي أرغب في الحصول على قائمة الكتب الموجودة في خزائن عمان الخاصّة والعامّة (المخطوطة والمطبوعة).والاطّلاع على الرّسائل التي كان يبعث بها قطب الأئمّة إلى العلماء هناك .. وبالجملة معرفة كل ّ ما يمكن معرفته عن الشّيخ طفيش؛ بما نعثر عليه في عمان ..
ورغبة منّا في تمتين الصّلة بيننا وإخواننا العمانيّين، نرجو من سماحتكم إرشادنا إلى الطّريقة التي بها نتحصّل على رخصة لزيارة عمان، ونرجو مساعدتنا في ذلك، إن كان ذلك في الإمكان. ولكم منّا جزيل الشّكر سلفًا.
فضيلة الشّيخ! اسمحوا لي إن لم أقدّم لكم نفسي. فأن اسمي: محمد ناصر بوحجام، أستاذ اللّغة والأدب العربي بمعهد الحياة. – طبعًا – أنتم لا تعرفونني، ولكنّني أعرفكم جيّدًا .. (1/64)
صفحة 63
سماحة المفتي! أرغب في زيارة عمان، أنا وزميلاي: الأستاذ أحمد تعموت إبراهيم، أستاذ اللّغة والأدب العربي بمعهد الحياة. والأستاذ شريفي عمر، أستاذ التأريخ والجغرافية بمعهد الحياة .. ولهما نفس الشّعور والطّموح والرّغبة، التي أبديتها في ثنايا الرّسالة ..
أمّا الفترة التي نرغب فيها زيارة عمان، فهي بعد رمضان المعظّم مباشرة، على أن تتمّ – إن يسّر الله الأمور – الإجراءات قبل شهر رمضان ..
فضيلة الشّيخ! نرجو أن نكون من الموفّقين في زيارة عمان .. وقبل أن ننهي كتابة هذه السّطور نستودعكم الله، ونرجو لكم كلّ التّوفيق والنّجاح في أعمالكم وفي أبحاثكم، وتقبّلوا منّا في الختام تقديرنا واحترامنا وتحيّاتنا، والسّلام عليكم.
الفرارة يوم: 02 أفريل 1984م
ابنكم: محمد ناصر بوحجام
معهد الحياة الثّانوي، القرارة، ولاية غرداية
الجمهوريّة الجزائريّة
الملحق رقم: (2)
ملاحظات على كتاب
بسم الله الرّحمن الرّحيم ... والصّلاة والسّلام على رسول الله
أخي الكريم الفاضل: سعيد بن مالك بن إبراهيم الكندي، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .. حفظكم الله ورعاكم وسدّد خطاكم، ووفّقكم في أعمالكم .. أرجو أن يصلكم خطابي وأنتم في صحّة جيّدة، وكلّ أفراد أسرتكم ..
مضت مدّة طويلة ولم نلتقِ ولو برسالة، بعد اللّقاء الذي تمّ في منزلكم العامر – إن شاء الله – نرجو أن لا يتكرّر هذا في المستقبل ..
أخي الكريم! طلبتم منّي قراءة تقويميّة لبحثكم:" الفكر السّياسي الإباضي". قرأت الكتاب قراءة سريعة، وسجّلت بعض الملاحظات الأوّليّة، التي أثبتها في هذه الرّسالة.
البحث - إجمالاً – مهمّ، وقد ظهر فيه جهدكم الكبير، كما تناول أفكارًا خطيرة ومفيدة. وقد تمكّنتم من إثارة مسائل كثيرة، جديرة بالبحث والمناقشة، ومزيد إلقاء الضّوء عليها. فشكرًا لكم، وإلى الأمام، وفّقكم الله وأخذ بيدكم نحو النّجاح والفلاح ..
أخي الفاضل! بحثكم – باعتباره بحث التّخرّج (الإجازة) – معظم ما ورد فيه والأسلوب الذي كتب به كان مقبولاً. ولكن بما أنّكم تريدون تطويره وتقديمه وثيقة بين أيدي الباحثين التخصّصين، فلابدّ من تعديله؛ بما يستجيب لمقاييس البحث العلمي ..
أعترف – في البداية – أنّني لم أتمكّن من تقديم كلّ الملاحظات التي سجّلتها عن البحث .. فالكثير منها يتطلّب لقاء مباشرًا معكم لعرضه ومناقشته، عسى أن يتيح الله لنا ذلك: (1/65)
صفحة 64
1 ــ خطّة البحث في حاجة إلى إعادة نظر، والمنهجيّة – بعامّة – في حاجة إلى مناقشة. فلتناقش معكم مباشرة. مثلا ما كتبته في ص: 36 في أعلى الصّفحة: " ومن هنا فسوف ... عند الإباضيّة". مكانه المقدّمة .. وقد تكرّر هذا كثيرًا في بحثك.
2 ــ غلب على بحثك العرض التّاريخي، والسّرد التّاريخي، على حساب إبراز الجانب الفكري، وهو الغاية من الدّراسة؛ حسب العنوان.
3 ــ بحثك كان عن الإباضيّة – بعامّة – وفي مختلف جوانبها، ولم تلتزم بالعنوان.
4 ــ اعتمدت على غيرك كثيرًا. حاول إبراز شخصيّتك؛ بالتّحليل والمناقشة والنّقد ...
5 ــ ما الفرق بين ما أوردته في الفرع الثّالث، ص: 55، وما بعدها:" الفكر عند الإباضيّة " وص: 35: الجاتب السّياسي والفكر عند الإباضيّة ".
6 ــ عن نشأة الإباضيّة وأصولهم وتاريخهم، في أصولهم في العقيدة، ص: 43 وما بعدها، اعتمدت على بكير أعوشت وعوض خليفات – أساسًا - مع أنّهما غير متخصّصين في الموضوع. بل ما كتبته في العقيدة غير مقنع، وغير مفيد للقارئ غير الإباضي؛ لأنّه كان مختصرًا اختصارًا مخلاًّ .. هو في حاجة إلى عرض أوفر وتحليل أكثر ..
7 ــ تعتمد – أحيانًا – على مرجعين أو ثلاثة فقط في بعض الموضوعات .. ففي فتنة التّحكيم مثلا اعتمدت – أساسًا – على " إسلاميّات " لطه حسين و" الاتّجاهات الحزبيّة في الإسلام " لفاطمة جمعة. فهناك مراجع أكثر دقّة وثقة، وأقدم من هذين الكتابين.
كما انّك اعتمدت على كتب غير إباضيّة – أساسًا – في كثير من المسائل. هذا خطأ منهجي. فلكي تفهم حقيقة آراء الإباضيّة لابدّ من الرّجوع إلى كتبهم ومصادرهم ..
8 ــ ص: 55، أشرت في أعلى الصّفحة إلى كثرة مؤلّفات الإباضيّة. لكنّك لم ترجع إليها في بحثك ..
9 ــ ترتيب المصادر والمراجع في ص: 119 وما بعدها في حاجة إلى إعادة نظر ..
10 ــ المقدَمات طويلة جدًّا، إلاّ أن تكون هناك نيّة في التّوسّع في الموضوع؛ ليكون هناك انسجام في مباحث الكتاب ..
11 ــ ينقص – أحيانًا – الرّبط بين عناصر البحث.
12 ــ لا تُتِمّ - أحيانًا - الفكرة أو المسألة في الشّرح والتّحليل ... انظر مثلا، ص: 69، الفقرة الأولى ..
13 ــ كثير من المعلومات التي أوردتها في حاجة إلى مراجعة أو مناقشة ..
14 ــ التّهميش والإحالة غير دقيقين، ولايتبعان طريقة موحّدة .. مثلا أين الإحالة في الصّفحات الآتية: 31، 41، 47، 65. أي ما قاله أبو إسحاق، انظر الإحالة ص: 117 (الآية)، ص: 45 ...
15 ــ ارتكبت أخطاء نحويّة كثيرة ..
16ــ أسلوبك في حاجة إلى تهذيب ..
17 ــ انتبه إلى الاستعمال الجيّد للمصطلحات، كالديمقراطيّة والجمهوريّة ..
18 ــ انتبه إلى بعض الأخطاء الماديّة. مثلا ص: 106،" على أن لا يدخل إلى بلادهم، وأن لا تتدخّل في شيء من شؤونهم. وقد بقيت اتّفاقيّة الحماية بينهم قائمة إلى قيام الثّورة الجزائريّة العامّة .. " هذا غير صحيح.
هذه مجموعة من الملاحظات التي عنّت لنا، فهي لا تنقص من قيمة البحث، بقدر ما تثريه. أرجو أن تكون مفهومة .. وإن كنت أرجو أن يجمعنا بكم لقاء مباشر؛ حتّى نتمكّن من إثراء الموضوع أكثر. (1/66)
صفحة 65
الملاحظات كلّها مُؤَشَّرٌ عليها في النّسخة التي هي بحوزتي. في انتظار ردّكم عليّ، تقبّلوا تحيّاتي واحترامي وسلامي إليكم. وإلى كافّة أسرتكم، وإلى الأخ الكريم محمد ناصر بومعقل.
دمتم في رعاية الله وحفظه ..
القرارة يوم: 31 أغسطس 1995م
أخوكم: محمد ناصر بوحجام
04 نهج الفدائيين، باتنة 05000
الجزائر ALGERIA
الهاتف: 002134855660
الملحق رقم: (3)
الشّيخ عبد العزيز الثّميني وصلته بعمان (1)
• تمهيد
الشّيخ عبد العزيز الثّميني (1130هـ ــ 1223 م) رحمه الله؛ أحد العلماء الأعلام، الذين كان لهم فضل التّجديد الفكري في إطار المذهب الإباضي، وقد تعدّت جهوده إلى الفكر الإسلامي، بصفة الفكر الإباضي أحد الرّوافد لهذا الفكر.
للشّيخ عبد العزيز باع كبير في العلم، وبخاصّة في العلوم الشّرعيّة، نبغ في العلم وهو صغير "أتاح له شيخه أبو يحيى المجال لكي يحلّ محلّه، ويقوم بالدّور الكبير، لأنّه رأى فيه النّجابة، وشاهد فيه الذّكاء، وتوضّحت له عبقريّته وألمعيّته. لذلك لابدّ أن تكون له علاقات، وإن كانت غير مباشرة بجميع مناطق المذهب الإباضي" (2) من هذه المناطق بلاد عمان، التي كانت العلاقة بينها وبين المغرب الإسلامي قد بدأت مبكّرة، منذ القرن الثّاني الهجري، وما تزال متّصلة: " .. وقد تعدّدت هذه العلاقات الثّقافيّة وتنوّعت، فمن رحلات علميّة، وتبادل للزّيارات، قام بها علماء هذه البلدان، كلٌّ إلى بلد الآخر، ومن التقاء لهم على أرض مكّة في موسم الحجّ، حيث يجتمع علماء الإباضيّة من المشرق والمغرب، يتبادلون الرّأي والمشورة، ومن تبادل الكتب والمراجع العلميّة، ومن مناظرات علميّة،
__________
(1) - شاركت بهذا العمل في النّدوة الفكريّة الوطنيّة حول الشّيخ عبد العزيز الثّميني، بني يسجن (الجزائر)، ماي 1999م.
(2) - الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي، مقابلة شخصيّة معه في منزله، رويّ (سلطنة عمان)، يوم 2 من صفر 1420 هـ / 18 من ماي 1999 م. (1/67)
صفحة 66
وطلب للفتوى فيما يستغلق عليهم فهمه من أمور الفقه والمذهب، إلى غير ذلك من الأمور التي أدّت إلى زيادة الرّوابط الفكريّة والثّقافيّة والعلميّة بين الجانبين." (1)
ولكون عمان هي الموطن الأوّل للمذهب الإباضي، وقاعدته الأولى التي انطلق منها؛ فلا شكّ أنّ كلّ نتاج فكري إباضي يصل إليها، ويهتمّ به علماؤها، كما أنّ نتاج علماء عمان يصل إلى المناطق الأخرى.
من جملة هذا النّتاج ما أبدعته قريحة الشّيخ عبد العزيز الثّميني، فيكون البحث في علاقة عبد العزيز بعمان مهمًّا؛ لمعرفة إحدى حلقات التّواصل الثّقافي بين المشرق والمغرب، ولربط حلقات النّشاط الثّقافي والإبداع الفكري والنّتاج العلمي بين إباضيّة المشرق والمغرب، وللإجابة عن كثير من الأسئلة، التي تعين على الوقوف على خصوصيّة هذا الفكر، وتأصيله وإنصافه .. بعد معرفة نوعيّة النّشاط الذي قام به الأسلاف ...
لهذا لمّا وصلتني دعوة كريمة من الجمعيّة الثّقافيّة القطبيّة ببني يسجن (الجزائر) للمشاركة بمحاضرة في الأيّام الدّراسيّة حول فكر الشّيخ عبد العزيز الثّميني، فرحت وتأسّفت! فرحت لأنّ هذه الدّعوة ستكون لي دافعا آخر، يحثّني على الاستمرار في بحثي الذي شرعت فيه منذ سنوات وهو: "التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر"، وتأسّفت لأنّني أعرف أنّني لن أتمكّن من تقديم شيء جديد في الموضوع، أو إعداد ما يشفي الغليل، لأنّ البحث في موضوع: "علاقة الشّيخ عبد العزيز الثّميني بعمان" ليس سهلا. الشّروع فيه مغامرة، تشبه مخاطرة السّائر في مفازة، المعالم فيها غير واضحة، يُخاف عليه التّيه، وقد يضطرّ إلى التّراجع عن المسير لجهله كيف يكون المصير، وهو يعلم أنّه مهما يقلّب بصره فقد ينقلب إليه خاسئا وهو حسير.
مع ذلك استعنت بالله، وسألته العون والتّوفيق، وقلت لابدّ من بذل جهد لتقديم شيء أو عمل ولو كان يسيرا في هذا المجال، يكون نبراسا للأجيال.
قمت فأعددت الأسئلة الآتية، وعرضتها على مجموعة من المشائخ والأساتذة (2):
1 - كيف كانت علاقة الشّيخ عبد العزيز الثّميني بعمان؟
2 - كيف كانت مراسلاته إلى عمان؟
3 - أين توجد هذه الرّسائل؟
4 - من عاصر من العلماء العمانيّين؟
5 - كيف وصلت مؤلّفاته إلى عمان؟
6 - ما هي مؤلّفاته التي اعتنى بها العمانيّون: نظما وشرحا واختصارا وتعليقا وتحشية؟
7 - ما هي المؤلّفات العمانيّة التي اعتنى بها الشّيخ عبد العزيز الثّميني: شرحا وتعليقا ونظما ... ؟
8 - هل التقى بشخصيّة عمانيّة؟
9 - ما هي المراجع العمانيّة التي تناولت حياة الشّيخ عبد العزيز الثّميني؟
__________
(1) - الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم، الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 1410 هـ / 1990 م. ص: 148.
(2) - المشايخ والأساتذة هم: سماحة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي، الشّيخ سعيد بن حمد الحارثي، الشّيخ سالم بن حمد الحارثي، الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي، الدّكتور إبراهيم بن أحمد الكندي، الدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي، وآخرون ... (1/68)
صفحة 67
10 - كيف ينظر العمانيّون إلى شخصيّته؟
11 - ما هو تقويمكم لمؤلّفاته وشخصيّته؟
كانت ردود أفعال المشايخ مختلفة: منهم من اعتذر ــ بتواضع كبير وبأدب جمّ ــ وقال إنّه لا يعرف إجابة واحدة عن هذه الأسئلة. ومنهم من قال: اعطني مهلة كافية للبحث في الموضوع. ومنهم من أرشدني إلى بعض المصادر والمراجع، وقدّم لي الخطوط العريضة لتناول الموضوع، ومنهم من قدّم إليّ إجابات مستفيضة عن بعض الأسئلة، واعتذر عن الأخرى، وأفادني ببعض الاستنتاجات والتّأويلات، وعرض بعض الإشكالات ...
المهمّ إنّ الموضوع ــ قبل ذلك وبعده ــ يحتاج لإنجازه إلى جهد جهيد، وعزم شديد، وصبر من حديد، ووقت مديد، وفكر سديد، ونظر بعيد. عسى أن تسمح الظّروف لتقديم شيء جديد، وتسخو الأيّام بما يشفي الغليل، لإنصاف صاحب كتاب النّيل وشفاء العليل.
أحاول ــ في الصّفحات الآتية ــ تناول هذا الموضوع بما يسمح لي به الوقت، وما توفّر لي من معلومات. وأشير إلى أنّ ما أقدّمه لا يتعدّى كونه تقريرا أولّيا، يضع الخطوط العريضة لهذه العلاقة، ويقدّم إشكالات، ويسجّل ملاحظات عامّة، تفتح المجال لبحث صلة الشّيخ عبد العزيز الثّميني بعمان. وسيُتْبَع ذلك ... ــ إن شاء الله ــ بعمل أكثر شموليّة واستقصاء.
• ملاحظات عامّة
1 ــ عاش الشّيخ عبد العزيز الثّميني عهدا، كان التّعصّب المذهبي قد بلغ ذروته، وكانت الانحيازات الفكريّة واضحة، وأصبحت الحواجز المذهبيّة عوائق أمام انتقال الأفكار بين المذاهب الإسلاميّة. هذا ما ينتج نتيجة خطيرة وهي: أنّ العالم يبقى مسموعا في محيط مذهبه، وفي مناطق متعدّدة، حيث يوجد ذلك المذهب.
المدرسة الإباضيّة عاشت هذه الوضعيّة. فقد تعرّضت للتّهميش، ومورس ضدّها التّحيّز .. ، فكان من ردود الأفعال المتوّلدة عن ذلك بحث أتباعه عن أيّ عالم أو مفكّر منجد، يعرّفهم بمذهبهم وأفكاره، ليتمسّكوا به، أي يسألون عن المرجعيّة العلميّة والفكريّة التي تكون الملجأ والملاذ. هل كان الشّيخ عبد العزيز الثّميني ممثّلا لهذه المرجعيّة؟
2 ــ عاش الشّيخ عبد العزيز وعايش ــ في موطنه وادي ميزاب ــ عصر التّحجّر الفكري، وفترة الفتن، ومظاهر الجهل. وعاش ــ جرّاء ذلك ــ مغمورا، مهضوم الحقّ، بل مظلوما .. ، وظلّ مهمّشا، أو على الأقلّ مضطهدا في فكره.
3 ــ عاصر الشّيخ عبد العزيز عصر الفتن في عمان، فترة نهاية دولة اليعاربة، وانتقال الحكم إلى دولة البوسعيديّين. والفتن التي حصلت أتلفت الكثير من الوثائق والرّسائل، التي يمكن أن نجد فيها ما يكشف عن علاقة الشّيخ الثّميني بعمان. وقد تُبينُ عن العطاء الفكري، والغناء التّراثي. مثلا أتلفت مكتبة أبي نبهان، التي كانت تضمّ حوالي ثمانية آلاف كتاب. (1)
4 ــ الشّيخ عبد العزيز، نتيجة تعمّقه في مختلف المعارف، اشتهر بقوّة شخصيّته، وبمؤلّفاته القيّمة. "فقد أمسك بزمام علوم الآلة، وبخاصّة علوم العربيّة، فلذلك جاءت كتبه في صيغة متون مركّزة وقويّة، قويّة العبارة وجزلة ... " (2)
__________
(1) - الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي، مقابلة شخصيّة معه في مكتبه بجامع السّلطان قابوس، رويّ (سلطنة عمان) يوم: 1 من صفر 1420 هـ / 17 ماي 1999 م.
(2) - الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي، مقابلة شخصيّة في منزله يوم: 16 ماي 1999 م. (1/69)
صفحة 68
5 ــ عاصر الشّيخ عبد العزيز بعض علماء عمان، منهم أبو نبهان الشّيخ الرّئيس، جاعد بن خميس الخروصي (1147هـ ــ 1237م). وابنه ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي (1192هـ ــ 1798م/1262هـ ــ1847م)، والشّيخ سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي (ت 1207هـ ــ 1792م) صاحب كتاب التّفسير الميسّر للقرآن الكريم (1)، وأستاذ الشّيخ جاعد بن خميس الخروصي، والشّيخ سعيد بن بشير الصّبحي، والشّيخ سالم بن سعيد بن عليّ الصّائغي المَنَحِي (عاش في ق: 13هـ) والشّيخ مهنَّا بن خلف أو خلفان بن محمّد البوسعيدي (عاش في ق: 13 هـ) صاحب كتاب: لباب الآثار، وغيرهم ...
6 ــ يعدّ العمانيّون الشّيخ عبد العزيز الثّميني عالما من علماء المذهب الكبار، الذين يرجع إليهم فضل التّجديد (في المذهب الإباضي) من ناحية المنهجيّة والأسلوب في الكتابة، وفي تناول القضايا. وله فضل تأصيل الفكر الإباضي، ويرونه من خيرة "من هضم التّراث الإباضي العقدي منه والفقهي، وصهره في بوتقة، بأسلوب رائق جميل، بمنهجيّة المتن، فلذلك أقبلوا على كتبه من باب الحفظ، وهم طبعا يجلّونها، ويعتبرونها مصادر ومراجع في الفكر الإباضي. وهم يجعلونه في مصافّ العلماء الكبار والأئمّة المجدّدين" (2) "يحترمه العمانيّون، ويعدّونه مجدّدا للدّين." (3)
هذه الملاحظات تبيّن قوّة شخصيّة الشّيخ عبد العزيز الثّميني، وقدرته الفكريّة، وتؤكّد على مكانته ومنزلته العلميّة بين أهل الإنصاف والتّقدير. وتكشف عن دوره البارز في خدمة الفقه الإباضي ونشر فكره، وتظهر عمله الكبير في تجديد هذا الفكر. كان لابدّ إذن لرجل بهذه المواصفات وهذه المكانة، أن تكون له علاقة كبيرة بإخوانه في المذهب، الموجودين في مناطق أخرى، وبخاصّة في عمان.
لكن ممّا يؤسف له أنّ هذه العلاقة غير معروفة إلاّ بقدر يسير، ممّا سنذكره فيما يأتي. لست أدري ما هو السّبب؟ هل إنَّ هذه العلاقة غير موجودة أصلًا؛ بسبب حالة الظّلام التي كانت سائدة في عمان وفي وادي ميزاب: ظلام الجهل والفتن، كما قال الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي عن هذه الفترة: "كان الاتّصال بين المشرق والمغرب ضعيفا، كان النّاس في حاجة إلى إحياء العلم" (4). أم إنّ الفتن التي حدثت منعت الاتّصال بين الجناحين؟ أو على الأقلّ صعّبت هذه الاتّصالات؟ أم لم تتح فرص ليتعرّف كلّ جناح على ما في الجناح الثّاني من علم وفضل وخير؟ أم إنّ هذه الاتّصالات كانت موجودة: سواء عن طريق اللّقاءات أم الرّسائل .. ، لكنّ آثارها غابت، والوثائق التي سجّلت ذلك ضاعت؛ بسبب الفوضى التي كانت، والفتن التي سادت، وبخاصّة في عمان في نهاية دولة اليعاربة؟ هذه المسألة في حاجة إلى بحث وتعليل وتفسير.
وجّهنا أسئلة إلى المشايخ حول بداية علاقة الشّيخ عبد العزيز الثّميني بعمان، وكان الجواب لا ندري بالتّحديد متى بدأت، وكيف تعرّف العمانيّون على شخصيّته.
لم يُعرف ما إذا كان الشّيخ عبد العزيز الثّميني قد التقى بشخصيّة عمانيّة أم لا؟ إلاّ أنّ الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي يقول: يمكن أن يكون قد حصل ذلك، وربّما عن طريق الحجّ. فطالما تعوّد الإباضيّة على الالتقاء في الحجّ. وطالما يكون الشّيخ عبد العزيز قد حجّ، فلابدّ أن يكون الشّيخ قد التقى بشخصيّات عمانيّة.
__________
(1) - يقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، حقّقه الأستاذان: مصطفى بن محمّد شريفي، ومحمّد بن موسى بابا عمّي.
(2) - الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي، مقابلة شخصيّة.
(3) - الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي، مقابلة شخصيّة.
(4) - مقابلة شخصيّة. (1/70)
صفحة 69
هكذا كانت إجابته عامّة غير محدّدة. كما سألناه عن مراسلاته مع العمانيّين، وكان الجواب: ليست لنا معلومات دقيقة في الموضوع. ويبدو أنّه لم تكن هناك مراسلات بين الشّيخ عبد العزيز والعمانيّين. (1) إلاّ أنّ الشّيخ أحمد الخليلي لا يستبعد أن تكون بين الشّيخ عبد العزيز والشّيخ جاعد بن خميس الخروصي اتّصالات. بل أكّد لي أنّه كانت هناك اتّصالات بين أبي نبهان ثمّ ابنه ناصر وأهل المغرب. وهناك سبعة عشر سؤالا وجّه من بني يسجن إلى أبي نبهان ثمّ ابنه ناصر. ذكر ذلك صاحب قاموس الشّريعة في الجزء الثّالث عشر. وذكر لي أنّ هناك من زار أبا نبهان من أهل المغرب. يبدو أنّه كان من بينهم ابن إدريسو أو إبراهيم بن يوسف اطفيّش. (2) ألا يمكن أن يكون الشّيخ عبد العزيز ضمن من اشترك في هذه المراسلات والاتّصالات، وهو شيخ الحلقة والعالم، ومرجع الفتوى والعلم في وادي ميزاب؟
في نظري إنّ الموضوع في حاجة إلى بحث واستقصاء. ربّما كانت إشارات أو إيماءات عن ذلك في ثنايا الكتب التي تذكر الشّيخ عبد العزيز، سواء تلك التي تناولت آثاره أم التي تحيل إلى آرائه، أم في مؤلّفاته ذاتها ...
لماذا تكون المراسلات مستمرّة عبر المراحل والعصور، وتنقطع في عهد الشّيخ عبد العزيز؟ ومعه هو بالذّات؟
أنا شخصيّا أستبعد انقطاعها؛ بدليل وجود رسالة أرسلها الشّيخ عبد العزيز إلى عمان وجربة وأنحاء المغرب الإسلامي؛ طلب فيها شراء كتب نفيسة في الفنون المختلفة. (3) في المسألة غموض كبير، وسرّ محيّر، لابدّ من الكشف عنه!
يذكر الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي: أنّ الشّيخ عبد العزيز الثّميني عرف بكتابه "النّيل وشفاء العليل"، لكن هذا الكتاب لم يعرف ولم يشتهر عند العمانيّين إلاّ عن طريق شرح النّيل: "والنّيل كتب له الانتشار، ولكنّه كان سفيره الشّرح" (4)، أي لمّا ألّفَ الشّيخ الحاج محمّد بن يوسف اطفيّش (ت: 1914م) شرح النّيل انتشر كتاب النّيل.
هناك مسألة أخرى هي: لماذا لم يتأثّر بمؤلّفات الشّيخ عبد العزيز أحد من معاصريه؟ إنّما حصل التّأثّر بها ممّن عاشوا بعده، بينما الوضع يختلف عند الشّيخ اطفيّش. هذا السّؤال يفرض نفسه، ويثير الدّهشة إذا استحضرنا الخصائص التي تتميّز بها مؤلّفات الشّيخ عبد العزيز، التي جعلت العمانيّين يقبلون عليها بشغف، كما ذكرنا سابقا.
بل إنّ مؤلّفات الشّيخ لم تصل إلى عمان إلاّ متأخّرة، فلماذا هذا التّأخّر في الوصول إلى الأرض التي كان الإعجاب فيها كبيرا بنتاج أحد أعلام المغاربة؟ وقد كان اللّقاء يتمّ في الحجّ سنويّا، وفيه تُتَنَاقَل أخبار العلم والعلماء، ألم يكن من المفروض ومن الواجب أن يُنقل ما يؤلّف الشّيخ عبد العزيز؟
__________
(1) - الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي، مقابلة شخصيّة، والشّيخ سالم بن حمد الحارثي. ذكر لي ذلك في رسالة مؤرّخة بيوم: 25 من محرّم 1420 هـ. .
(2) - مقابلة شخصيّة.
(3) - محمّد عليّ دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج1، ط1، المطبعة التّعاونيّة، سنة 1385 هـ / 1965 م، ص: 267.
(4) - مقابلة شخصيّة. (1/71)
صفحة 70
أو يذكر اسمه على الأقلّ: عالما، فقيها، مفكّرا، فيتعرّف عليه أهل المشرق مبكّرا؟ هذه مسألة أخرى في حاجة إلى نظر وتحليل عميقين.
هناك مجموعة كبيرة من الأسئلة، تحتاج إلى إجابات مقنعة لمعرفة حقيقة ما حدث في حياة الشّيخ عبد العزيز الثّميني. ومن خلال الأجوبة التي نظفر بها يمكن لنا أن نقوِّم شخصيّة الشّيخ، ونُحِلَّه المحلّ اللّائق به.
• تعقيب الشّيخ عبد العزيز الثّميني على مؤلّفات عمانيّة:
1 ــ ألّف كتابا سمّاه: "مختصر حواشي التّرتيب لمسند الرّبيع ابن حبيب".
2 ــ شرح لاميّة ابن النّظر، سمّى الشّرح: "الأسرار النّورانيّة على المنظومة الرّائيّة
3 ــ اختصر كتاب "منهج الطّالبين وبلاغ الرّاغبين" للشّيخ خميس بن سعيد الشّقصي (توفي حوالي: 1660هـ)، اختصره في سبعة مجلّدات، سمّاه "التّاج المنظوم في درر المنهاج المعلوم". والشّيخ الشّقصي من أبرز علماء الدّولة اليعربيّة، وهو الذي قامت عليه إمامة اليعاربة، بداية من الإمام ناصر بن مرشد (1004هـ /1595م ــ 1050هـ /1640م) وهو أحد طلبة الشّيخ الشّقصي.
• تعقيبات العمانيّين على مؤلّفات الشّيخ عبد العزيز:
1 ــ الشّيخ سيف بن حمد الأغبري (ت 1380هـ /1960م) نظّم كتاب "الورد البسّام في رياض الأحكام"، سمّاه: "فتح الأكمام عن الورد البسّام"، يقول الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي: "كذلك من الكتب التي صارت مرجعا في الأحكام القضائيّة "الورد البسّام". إنّ هذا الكتاب ربّما انتشر في المشرق أكثر من المغرب، وأصبح مرجع القضاة .. لأنّ القضاء في سلطنة عمان صار واسعا، وفيها قضاة متعدّدون، فأقبلوا على كتاب الورد البسّام، يأخذون منه آليّة تنفيذ الأحكام، حتّى إنّ الشّيخ سيف بن حمد الأغبري فهو من القضاة الكبار، نظمه في كتاب سمّاه: فتح الأكمام، هذا دليل على اعتبارهم له، وتأثّرهم به، ورجوعهم إليه." (1)
2 ــ نظم الشّيخ خلفان بن جميّل السّيابي (1308هـ / 1890م ــ 1392هـ / 1972م) كتاب النّيل وشفاء العليل وشرح النّيل في أرجوزة بلغت اثنين وثلاثين ألف بيت، سمّى هذا العمل "سلك الدّرر الحاوي غرر الأثر"، "والكتاب مطبوع في مجلّدين، وهو غزير المادة، يشمل أبواب الفقه، مع الأخلاق والتّاريخ المحلّي والسّيرة، وقد أضاف الشّيخ السّيابي على النّيل وشرحه، وصحّح وضعّف (2)
يذكر الدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي أنّ الشّيخ محمّد بن شامس البطّاشي (ت 1420هـ /2000م) صاحب كتاب "سلاسل الذّهب" استعار كثيرا ممّا ورد في كتاب النّيل وشرحه. (3)
ذكر لي الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي أنّ في كتاب النّيل اقتباسات كثيرة، وتأثّرا كبيرا بالتّراث العماني (4)، طبعا إلى جانب استفادة الكتّاب من كتب المغاربة.
كما أنّ الشّيخ سعيد بن حمد الرّاشدي (1292هـ /1875م ــ 1314هـ /1897م) وهو أحد تلاميذ الشّيخ السّالمي (ت: 1914م) نظم أحكام الجهاد، متأثّرا بما ورد من أحكام في كتاب النّيل (5) والمنظومة تسمّى " الدّفاع والجهاد " (6) ".
الشّيخ عبد الله بن حميّد السّالمي في كتابه مشارق الأنوار، تأثّر كثيرا بكتاب النّيل.
ممّن تأثّر بكتاب النّيل وشرحه، الشّيخ سفيان الرّاشدي في كتابه في فنّ الفرائض "كشف الغوامض .. "، وكذلك الشّيخ عليّ بن محمّد المنذري (عاش في ق:13هـ) قاضي زنجبار في كتابه "مختصر الأديان" تأثّر تأثّرا كبيرا بمؤلّفات الشّيخ عبد العزيز الثّميني. (7)
معظم من ألّف في الفترة المتأخّرة كان متأثّرا بكتاب النّيل وشرحه، حسبما يرى ذلك الشّيخ أحمد السّيابي.
3 ــ كتاب "معالم الدّين" من أهمّ مؤلّفات الشّيخ عبد العزيز الثّميني التي أقبل عليها العمانيّون؛ لكونه في العقيدة، في أصول الدّين. يذكر أحمد بن سعود السّيابي أنّ نسخة منه وصلت عمان في عهد الشّيخ سعيد الخليلي (1226هـ / 1811م ــ1287هـ / 1870م)، ويقول: "أتوقّع أن يكون قد وصل قبل هذا التّاريخ. ويضيف: أستبعد أن يكون الشّيخ جاعد بن خميس الخروصي قد حصل على نسخة منه أو ابنه ناصر." (8) ويقول الشّيخ أحمد الخليلي: "إنّ الكتاب وصل قبل قرن ونصف من الآن." (9)
ممّن تأثّر بكتاب المعالم الشّيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي في كتابه: "الحقّ المبين" (10) وهو في العقيدة. يمكن بعد إلقاء نظرة على كتابَيْ: معالم الدّين والحقّ المبين أن نقف على ما نقله الشّيخ ناصر بن أبي نبهان عن الشّيخ عبد العزيز الثّميني.
ممّن تأثّر بكتاب معالم الدّينن – أيضًا - الشّيخ عبد الله بن حميّد السّالمي في كتابه مشارق أنوار العقول. (11)
كما أنّ الشّيخ عبد العزيز تأثّر كثيرا في كتابه المعالم بكتاب "كشف الغمّة" للشّيخ السّرحني (عاش في ق: 12هـ /18م) وقد أشار الشّيخ عبد العزيز إلى ذلك كما ذكر لي الشّيخ أحمد الخليلي. (12)
يضيف الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي: "يمكن ذلك؛ لأنّه ورد في آخر كتاب كشف الغمّة شيء عن العقيدة والفرق الإسلاميّة والمذاهب. وهذه الموضوعات تناولها الشّيخ عبد العزيز في كتاب المعالم. إلاّ أنّني أرى أنّ الشّيخ الثّميني كان متأثّرا بكتاب "الكشف والبيان" للقلهاتي لأنّ الكتاب كان أكثر انتشارا في المغرب من كتاب كشف الغمّة. (13)
في الحقيقة إنّ رأي أحمد السّيابي له وجاهته؛ لأنّ الكتابين يتطابقان من حيث الموضوعات المتناولة فيهما.
__________
(1) - مقابلة شخصيّة.
(2) - الدّكتور مبارك بن عبد الله الرّاشدي، "نشأة التّدوين للفقه واستمراره عبر العصور"، ينظر كتاب ندوة الفقه الإسلامي، ط1، نشر وزارة العدل والأوقاف الإسلاميّة، سلطنة عمان، سنة:1410هـ /1990م، ص: 198.
(3) - ندوة الفقه الإسلامي .... ، ص: 212.
(4) - مقابلة شخصيّة مع الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي والشّيخ أحمد بن سعود السّيابي.
(5) - الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي، مقابلة شخصيّة.
(6) - ينظر دليل أعلام عمان، جامعة السّلطان قابوس، طبع مكتبة لبنان (د. ت)، ص: 79.
(7) - مقابلة شخصيّة مع الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي والشّيخ أحمد بن سعود السّيابي.
(8) - مقابلة شخصيّة. ما قاله الشّيخ في حاجة إلى مناقشة.
(9) - مقابلة شخصيّة.
(10) - ذُكِرَ للشّيخ ناصر بن جاعد الخروصي كتاب آخر اسمه "الحقّ واليقين" لست أدري أهو كتاب "الحقّ المبين" نفسه أم غيره. ينظر دليل أعلام عمان، ص: 159. وكتاب الحقّ المبين مخطوط غير مكتمل الأجزاء، لأنّ الشّيخ ناصر لم يتمّ تأليفه.
(11) - الشيخ احمد سعود السيابي، مقابلة شخصية.
(12) - مقابلة شخصيّة.
(13) - مقابلة شخصيّة (1/72)
صفحة 71
خاتمة
بعد النّظرة العجلى والبحث المتعثّر في موضوع صلة الشّيخ عبد العزيز الثّميني بعمان تبيّن لي ما يأتي:
1 ــ صلة الشّيخ عبد العزيز بعمان كانت قويّة ومهمّة ومؤثّرة، وبخاصّة فكره. وتأثيره في حركة التّأليف في عمان كان بارزا، وتأثّره هو بمؤلّفات العمانيّين كان واضحا.
2 ــ أزعم أنّ هذه الصّلة جاءت متأخّرة عن عهده (1) وبخاصّة وصول آثاره إلى عمان، وانتشار مؤلّفاته فيها. وإذا ثبت ذلك وتأكّد فإنّنا نتساءل: لماذا كان هذا التّأخّر؟
3 ــ يبدو أنّ للظّروف العصيبة أو السّيّئة التي عاشها الإباضيّة في عمان ووادي ميزاب أثرًا في عدم بروز شخصيّة الشّيخ عبد العزيز: عالما متميّزا متبحّرا في العلوم، ومفكّرا مجدّدا في الفقه والفكر، فيتعرّف عليه أبناء المذهب الإباضي، وبخاصّة في عمان؛ حيث كان أبناؤه حريصين على معرفة كلّ صغيرة وكبيرة عن أيّة منطقة ومكان، يكون فيهما الإباضيّة. وخصوصا إذا كان الأمر يتعلّق بعالم يحيي القلوب، وينعش النّفوس، وينشر العلوم.
4 ــ صلة الشّيخ عبد العزيز بعمان تظلّ غامضة، وغير واضحة المعالم، وبخاصّة البدايات، وهو ما يفرض مجموعة من الأسئلة، نذكر من بينها ما يأتي:
أ ــ متى بدأ الاهتمام بكتب الشّيخ عبد العزيز وبفكره، تعقيبا وتأليفا عليها؟ وإذا جاء الاهتمام متأخّرا فما هو سبب ذلك؟
ب ــ هل صحيح أنّ كتاب النّيل وشفاء العليل لم ينتشر، ولم يشتهر في عمان إلاّ بعدما عرف العمانيّون كتاب شرح النّيل؟
ج ــ هل شهرة الشّيخ عبد العزيز جاءت بعد أن اشتهر الشّيخ الحاج امحمّد اطفيّش؟ إذا كان ذلك صحيحا فلماذا حصل هذا؟
5 ــ لابدّ من دراسة حياة الشّيخ عبد العزيز دراسة معمّقة، ومعرفة التّفصيلات عنها، للإجابة عن كثير من الأسئلة التي بقيت من دون تفسير.
6 ــ يجب قراءة مجموعة من مؤلّفات الشّيخ عبد العزيز ومؤلّفات عمانيّة، للوقوف على حقيقة الصّلة بينه وبين عمان، وعلى مدى تأثّره بالعمانيّين وتأثيره فيهم. مثلا:
أ ــ يقارن بين كتاب النّيل وشفاء العليل، وكتاب مشارق أنوار العقول للشّيخ نور الدّين السّالمي، ومنظومة الشّيخ سعيد بن حمد الرّاشدي في أحكام الجهاد، وكتاب كشف الغوامض للشّيخ سفيان الرّاشدي، وكتاب مختصر الأديان للشّيخ عليّ بن محمّد المنذري، وكتاب سلك الدّرر للشّيخ خلفان بن جميّل السّيابي، وكتاب سلاسل الذّهب للشّيخ محمّد بن شامس البطّاشي.
ب ــ يقارن بين كتاب معالم الدّين وكتاب كشف البيان للقلهاتي، (عاش في النّصف الأوّل من القرن السّابع الهجري)، وكتاب كشف الغمّة للسّرحني، وكتاب مشارق أنوار العقول للسّالمي، وكتاب الحقّ المبين لناصر بن أبي نبهان، وكتاب قاموس الشّريعة لخميس السّعدي (توفّي حوالي سنة 1280هـ، حسب رواية الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي)، وبعض مؤلّفات الشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وبخاصّة كتابه "تمهيد قواعد الإيمان، وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان".
ج ــ يقارن بين كتاب التّاج وكتاب منهج الطّالبين للشّيخ خميس الشّقصي.
__________
(1) - هذا. الحكم مبدئيّ، (أو أوّلي) لغياب الدّلائل والوثائق التي تنفي أو تثبت هذا الزّعم. (1/73)
صفحة 72
د ــ يقارن بين كتاب الورد البسّام وكتاب فتح الأكمام للشّيخ سيف الأغبري ...
7 ــ بعض ما أوردتُه من أقوال وآراء وتأويلات واستنتاجات وتفريظات .. في حاجة إلى مناقشة ونقد وتمحيص وتوثيق؛ لأنّها تمثّل وجهات نظر خاصّة، ولأنّني لم أرجع إلى المصادر التي سجّلت شتات الموضوع. بمعنى: إنّني قدّمت الشّيخ عبد العزيز برؤى خاصّة، ممّن اعتمدت عليه في هذا التّقرير، ومن خلال وصف خارجي لشخصيّته. إلاّ أنّ هذه الرؤى ساعدتني على تصوّر الخطوط العامّة والمعالم الرّئيسة في شخصيّة الشّيخ عبد العزيز، وصلته بعمان.
8 ــ ما جمعته في هذا التّقرير ونقلته وأثبتّه يعدّ مفاتيح لدراسة شخصيّة الشّيخ عبد العزيز الثّميني، عسى أن يكون ذلك بداية لدراسة جادّة ومعمّقة، وأكثر دقّة وشموليّة ومنصفة لشخصيّته وفكره وأعماله. والله وليّ التّوفيق.
نزوى يوم الأحد: 27 ... من ... صفر 1420 هـ
12 ... من جوان 1999 م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق رقم (4)
علاقة الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل بالمغرب الإسلامي*
بسم الله الرّحمن الرّحيم
إنّ العلاقة الثّقافيّة الفعليّة بين عمان والمغرب الإسلامي قد بدأت في بداية القرن الثّاني الهجري، وما تزال متواصلة ــ والحمد لله ــ إلى اليوم. وقد تمّت على شكل: عقد لقاءات وتبادل زيارات، وكتابة رسائل وتعاون في التّأليف، وإرسال بعثات علميّة وطلب كتب، واستفتاء واستشارات، وتقديم الدّعم المعنوي والمادّي للجهة التي يدبّ فيها الضّعف ... وغيرها من أوجه التّواصل والتّعاون. (1)
من الأسر العمانيّة الكبيرة التي كان لها دور عظيم في هذه العلاقة وهذا التّواصل أسرة آل الرّحيل. لقد كان لها دور ريادي في الحركة العلميّة والنّشاط السّياسي في عمان؛ وذلك من خلال ما نشره أفرادها من علم، وما ألّفوه من كتب، ومن خلال ما أصّلوه من مسائل، وما بيّنوا من قواعد في كثير من أصول العلم وفروع المعرفة ... وقد كانت أعمالهم العلميّة وآراؤهم الفكريّة تحمل صفة المرجعيّة لمن جاء بعدهم من المشارقة والمغاربة؛ إذ لا يكاد يخلو كتاب من كتب الأصحاب من آراء أسرة آل الرّحيل. خاصّة أفكار أبي سفيان محبوب بن الرّحيل وابنه أبي عبد الله محمّد بن محبوب. (2)
سيرة ابن الرّحيل تعدّ أهمّ المصادر الإباضيّة في التّعريف بنشأة المذهب وأصوله وعلمائه الأوائل. (3) وعن أهمّيتها قال الإمام أفلح بن عبد الوهّاب الرّستمي (ت 258): "عليكم بدراسة كتب المشارقة، ولا سيّما كتاب أبي سفيان." (4) قال عنه أبو العبّاس أحمد الدّرجيني (ت 670هـ): " ... أحد الأخيار الأنجار، وممّن سبق إلى تخليد سير السّلف الأخيار، واللّف ممّا يحصل عنده عنهم من الآثار، وجمع (1/75)
صفحة 73
ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب الأخبار، وذكر مناقب المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصاره، ونبذه على مثالب من بدا منه إقصار ... " (5) وقال عنه الشّماخي (ت 928هـ /1522م): "إنّه المقيّد غرائب الفقه وعجائب الأخبار، ساد الفضلاء علما وحفظ الآثار ... " (6) وقال الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي: " ... بأنّه واسطة العقد بين علماء أهل المشرق وعلماء أهل المغرب." (7)
لقد تسلسل هذا الدّور في أبنائه وأحفاده، وظهر جليّا في تلاميذهم، وفي الكتب المؤلّفة. وبرز في كثير من الأصعدة والمجالات المعرفيّة والعلميّة. وامتدّ في من جاء بعدهم من العلماء عبر العصور، وانتقل إلى كثير من الأنحاء والبقاع في العالم، منها المغرب الإسلامي، الذي نحاول أن نبيّن فيما يأتي بعض هذا الدّور من خلال علاقة أحد أفراد هذه الأسرة المتميّزين الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل (ت 260هـ / 873م) بهذا الجناح الغربي من العالم الإسلامي.
أبو عبد الله محمّد بن محبوب بن الرّحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي (8) عالم وفقيه، بل هو شيخ زمانه، ومرجع الفتوى في عصره، أخذ العلم عن شيخه وصهره الشّيخ موسى بن عليّ (ت 230هـ/845م). كان هو والبشير بن المنذر (عاش في القرنين الثّاني والثّالث الهجريّين) ممّن قام بالبيعة للإمام الصّلت بن مالك (ت 273هـ/887م) عام: (237هـ/852م) (9)، تقلّد في عهده القضاء على مدينة صحار وتوابعها سنة: 251هـ. كان له دور كبير في إرساء دعائم الإمامة الثّانية في عمان (10) كما كان لأفكاره تأثير كبير في مجريات الأحداث الفكريّة والسّياسيّة في عمان. وهو يتميّز بالصّلابة في المبادئ والمرونة في التّعامل والتّحرّك (11) وكان يميل إلى التّيسير على النّاس والأخذ بأرفق الأوجه، مع الاحتياط في الدّين. هذا من تمام قوّة شخصيّته وغزارة علمه، وثقته بنفسه، وهو ما أهّله كي يحوز على إمامة المسلمين العلميّة.
لوجوده في صحار يمّم كثير من أبناء عمان وجوههم شطر هذه المدينة لينهلوا من علمه، وقد تخرّج في مدرسته الكثير من العلماء الذين أسهموا في الحركة العلميّة في عمان وغيرها. (12) بل كان له سبق في مجال التّأليف كما يشير إلى ذلك الدّكتور مصطفى بن صالح باجو: "يوجد في المكتبات المغربيّة مخطوط نفيس لابن محبوب، لم أعثر على ذكره لدى المشارقة ــ ولا أدَّعي الاستقصاء ــ وهو بعنوان (أبواب مختصرة من السّنّة) ويعتبر هذا المخطوط مصدرا ثمينا لكونه يمثّل بواكير التّأليف الأصولي عند الإباضيّة، بل لا نعدو الحقيقة إن قلنا إنّه نموذج ناضج لمؤلّفاتهم في علم الأصول. فقد تضمّن تفصيل مصطلح السّنّة، ومدى التّوسّع في استعمالها، والاحتجاج به في مختلف أبواب الفقه. والطّريف أنّه توسّع في دلالة المصطلح، فاعتبر كلّ ما جاء الشّرع بحكمه أنّه من السّنّة، سواء ورد به الكتاب أم الحديث أم كان عن رأي واجتهاد، ما دام الكلّ مشروعا بسنّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الموحى إليه. ويذكر أحيانا مسائل ثبتت بالسّنّة، ويؤيّدها الإجماع أو القياس." (13)
إنّ شهرة هذا العالم لم تقتصر على عمان بل تعدّتها إلى غيرها كمنطقة المغرب الإسلامي، بل إنّ شهرته العلميّة "لا تقلّ عنها في عمان، ولهذا رجع إليه المغاربة في الكثير من المسائل التي تعنّ لهم، رغم ما اشتهرت به الدّولة الرّستميّة من وجود العلماء فيها." (14) وقد تجلّت هذه الشّهرة في هذه العلاقة، التي كانت تربط الشّيخ بالمغاربة، وفي هذا التّعلّق الذي أبدوه نحوه. من مظاهره اللّقاء العلمي والتّاريخي الذي حصل في مكّة بين الشّيخ محمّد بن محبوب والشّيخ أبي حفص عمروس بن فتح المغربي (ت 283هـ/896م). هذا اللّقاء الذي ما فتئت المصادر الإباضيّة تنوّه بقيمته العلميّة حيث "ذكروا أنّ عمروسا وأصحابه توجّهوا إلى بلاد المشرق حجّاجا، فلمّا نزلوا مكّة وجدوا بها محمّد بن (1/76)
صفحة 74
محبوب رحمه الله، فدخلوا عليه في مجلس فوجدوه مع أصحابه، فسلّموا عليه، فهشّ بهم وقرّبهم إجلالا بالجنس، دون معرفة الأشخاص. فلمّا تبوّؤوا مقاعد المذاكرة، سأل عمروس أبا عبد الله عن مسألة، فقال ابن محبوب إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السّؤال إلاّ عنه، ولا يرد إلاّ منه. فقالوا له: إنّه هو السّائل، فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لمّا عرفه، وزاد دنوّه من مجلسه، ثمّ جعل عمروس يسأل في مسائل الدّماء عن مسألة بعد مسألة، حتّى قال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم، لا يعلن به في قوم جهّال. فعند ذلك قال عمروس لأصحابه احفظوا السّؤال وأحفظ لكم الجواب، حتّى نقدم على إخواننا. فنخبرهم بما حفظنا، ففعلوا، فلمّا قدموا بلادهم قال لهم عمروس: هلمّ ما تكفّلتم به، فقالوا لم نحفظ شيئا سوى قولك احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا. ثمّ إنّ عمروسا أعادها مسألة فمسألة عن آخرها." (15)
هذا اللّقاء الذي تمّ بهذه الكيفيّة، ودار فيه هذا الحوار العلمي كشف عن العلاقة الثّقافيّة المتميّزة بين الجناحين المشرقي والمغربي. وأبان عن غزارة علم الشّيخ محمّد بن محبوب، وأبرز مكانته في مسيرة الفكر الإسلامي. ذلك أنّ عالما كبيرا كعمروس بن فتح يتعلّم ويستفسر عن مسائل علميّة في مجلس الشّيخ ابن محبوب. ودلّ اللّقاء على تعلّق المغاربة بإخوانهم المشارقة ... لهذا كما قال الأستاذ محمّد بن ناصر المنذري "رجع إليه المغاربة في الكثير من المسائل التي تعنّ لهم، رغم ما اشتهرت به الدّولة الرّستميّة من وجود العلماء بها." (16)
علاقة الشّيخ ابن محبوب بالمغرب الإسلامي تبدو في هذا الإعجاب الذي أبداه المغاربة بآثاره الفكريّة. فجامعه الذي يتألّف من سبعين جزءا كان محلّ تقدير العلماء المغاربة. يروى أنّ أبا محمّد "ويسلان" المغربي كان يقرأ على أبيه أبي صالح "أبي بكر بن قاسم الهيراسني" مختصر ابن محبوب، وكان أبو صالح يقول: كلام محقّق فقيه أصولي (17)
كما تبدو العلاقة بين الشّيخ ابن محبوب والمغاربة ــ أيضا ــ في السّيرة التي أرسلها إليهم. (18) وقد عالجت السّيرة أكثر من خمسين مسألة: في العقيدة والفقه والأخلاق والسّياسة الشّرعيّة والحدود، وتناولت موضوعات أخرى كالارتداد والتّقيّة والغزو والجهاد ... وقد دعا فيها الشّيخ إلى الالتزام بمسالك التّقوى، وإلى طاعة الأئمّة. كما كان لهذه السّيرة أثرها في القضاء على فتنة خلف بن السّمح. (19)
زخرت السّيرة بفقه غزير، وأحكام شرعيّة مهمّة، كشفت عن قدرة صاحبها العلميّة، وتميّزه الفكري، وسجّلت ريادته في تقرير بعض الحقائق، وتأصيل بعض المسائل، وأبرزت استقلاله النّظري ... لهذا حاز الشّيخ الإعجاب والتّقدير، واتّخذ قدوة وإماما.
إنّ السّيرة في حاجة إلى دراسة تحليليّة معمّقة؛ لما تضمّنته من علم كبير، وما عرضته من قضايا سياسيّة ومسائل فقهيّة، وما أثارته من أسئلة مهمّة ... افتتح الشّيخ محمّد بن محبوب السّيرة بقوله: "إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب، من أخيهم محمّد بن محبوب، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو حمدا كثيرا، وهو لذلك أهل، وأسأله الصّلاة على محمّد صلّى الله عليه وسلّم تسليما، أوصيكم بتقوى الله وذكره كثيرا، وذكر ما أنتم إليه صائرون، وعليه موقوفون، وعنه مسؤولون، وأحثّكم على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم عليه من أمانته، وافترض عليكم من عبادته؛ بإتيان ما به أمر، والانتهاء عمّا عنه زجر، فيما أخذ عليكم من الميثاق، ورضي لكم به من أخلاق، من ترك المحارم، والكفّ عن المظالم، واجتناب الكبائر، والعمل على البصائر، في آناء اللّيل (1/77)
صفحة 75
والنّهار، والعلانيّة والإسرار، فإنّ ذلك أحقّ ما كنتم له طالبون، وفيه راغبون، وعليه مواظبون، قبل انقطاع آمالكم وحلول آجالكم، وما توفيقي وإيّاكم إلاّ بالله، أمّا بعد ... " (20)
بالتّأمّل في موضوعات الرّسالة نقرأ الرّغبة الصّادقة في الانطلاقة الحسنة والثّابتة التي أرادها المغاربة في مسيرتهم، فهم كانوا يسألون عن أمور وأساسيّات مطلوبة في مجال التّكوين والإعداد، والبدء في الحركة والنّشاط، حتّى تكون الانطلاقة على أساس سليم، تصدر عن وجهة نظر الدّين الإسلامي.
"إنّهم استشاروا مجتهد الأمّة وعالم الإباضيّة فيما أشكل عليهم واستجدّ في السّاحة، الذي فرضه الواقع المعيش، والنّشاط الذي بدأوا يقومون به." (21)
يعلّق الدّكتور فرحات الجعبيري على المسائل التي وردت في سيرة محمّد بن محبوب: "إنّ التّحليل الحضاري لهذه المسائل يثبت أنّ البيئة الإباضيّة في المشرق والمغرب عرفت من التّعقيد الحضاري الشيء الكثير، ذلك أنّها دبّ فيها الخلاف الدّاخلي، وهو من أكبر عوامل الوهن، إلى جانب ما تواجهه على الجبهة الخارجيّة من ضغط الدّولة العبّاسيّة ... ومثل هذا المحيط من الصّراع الدّاخلي من شأنه هو الآخر أن يثير عديدا من القضايا الدّقيقة في شأن أولي الأمر، خاصّة وأنّ الفكر الإباضي اتّسم من يومه الأوّل بالتّحرّي الكبير في شأن هؤلاء، وكانت ثورتهم حيثما قامت ثورة على الظّلم والظّالمين، مهما قلّت نسبة هذا الظّلم." (22)
ما يثبت ذلك الرّسالة التي أرسلها بعض فقهاء المسلمين بالمغرب إلى الإمام الصّلت بن مالك. (23) وقد تزامنت مع رسالة الشّيخ ابن محبوب. وهي "لا تخرج عن المسار والدّائرة التي دارت فيها رسالة محمّد بن محبوب في الرّوح التي تحملها، والأفكار التي تناولتها، والموضوعات التي عرضت لها، والأسباب الدّاعية إلى كتابتها. فقد كتبت في موضوع الاختلاف والشّقاق والتّنازع والتّشاجر والفتنة، ثمّ الدّعوة إلى الائتلاف والاتّحاد. وقد تطرّقت إلى موضوع الإمامة وشروطها، وما يتعلّق بها، وأحكام الولاية والبراءة .. " (24)
على العموم إنّ سيرة الشّيخ أبي عبد الله تثير مجموعة من الأسئلة، في حاجة إلى إجابات مقنعة وصريحة ومسؤولة. منها:
أ ــ لماذا سمّيت بالسّيرة وهي تتضمّن آراء وأحكاما شرعيّة، وهي لا تحمل صبغة السّير التي تعبّر عن وجهة النّظر الشّخصيّة في الأحداث؟
ب ــ من الذي أرسل هذه الأسئلة إلى الشّيخ محمّد بن محبوب؟ ما صفته؟ ما هو الدّافع إلى ذلك؟ هل أرسلت رأسا إلى أبي عبد الله كما ذكر أحمد العبيدلي: "ضمّت الرّسالة الأصليّة التي بعث بها بعض إباضيّة المغرب مسائل لمعرفة آراء إباضيّة المشرق، وهو تقليد درجوا عليه" (25) هل كتبها الشّيخ ابن محبوب على لسان الإمام الصّلت بن مالك كما ذكر ذلك الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم: " ... يستفاد ذلك ممّا رواه لنا أبو عبد الله في كتابه بيان الشّرع أنّ محمّد بن محبوب بن الرّحيل كتب لأهل المغرب كتبا على لسان الإمام الصّلت بن مالك." (26)
جـ ــ لماذا لم يشر الإمام أفلح الرّستمي إلى هذه السّيرة، وقد كتبت في عهده أو في عهد أبيه، بينما أشاد بسيرة أبيه: أبي سفيان محبوب بن الرّحيل؟
د ــ لماذا لم ترد هذه السّيرة في المصادر المغربيّة؟
هـ ــ يقول الأستاذ أحمد العبيدلي: "فمن بين أبرز مواقف محمّد بن محبوب كونه يبرأ من الإمام المهنّا، ربّما بسبب الأحداث التي جرت حين حادثة مواجهة بقايا أسرة آل الجلندي، والفظائع التي (1/78)
صفحة 76
ارتكبها بعض الجنود من قوّات الإمام، وبسبب تشدّد الإمام إزاء المخالفين على الدّولة، بل إنّ أبا عبد الله أراد أن يكتب هو وعلماء آخرون كتابا فيه إظهار البراءة من المهنّا، إلاّ أنّ أبا المؤثر تمكّن من ثنيهم عن ذلك؛ بسبب التّخوّف أن يؤدّي ذلك إلى انقسام كبير في الدّولة. ويجد المرء مثالا من ذلك في سيرة محمّد بن محبوب إلى المغاربة ... وما يرد هنا في السّيرة ربّما يكون انعكاسا لما كان يعتمل في صدره حينئذ، أو بعد تلك الأحداث، أو ربّما كان الأساس النّظري الذي انطلق منه للحكم على تلك الأمور؟ " (27)
هل يمكن قبول هذا الرّأي؟ وهل تعدّ هذه السّيرة ــ فعلا ــ إسقاطات نفسيّة لما لم يتمكّن الشّيخ محمّد بن محبوب من البوح به مباشرة؛ حفاظا على الوحدة، واتّقاء للفتنة؟ فلمّا جاءت الفرصة للتّعبير عن رأيه فيما سئل عنه، ممّا جاءه من إخوانه في المغرب، اغتنمها، فأدلى بما أراد الإدلاء به. وبذلك شملت السّيرة الإجابة عمّا دار في الجناحين المشرقي والمغربي، فيكون في ذلك تعويض عمّا لم يستطع الإعلان عنه مباشرة؟ وهل يمكن عدّ هذه السّيرة إجابات عن أسئلة افترضها هو؟ إذ أنّنا نشعر أحيانا أنّ الشّيخ يفتعل الحوار، ويجعله مفتوحا بينه ومن يسأله وهو حاضر معه في المجلس؟ المهمّ، إنّ ما أدلى به الأستاذ أحمد العبيدلي، وما أهملت المصادر المغربيّة إثباته يفتحان مجالا لتساؤلات عديدة، عسى الدّراسات اللّاحقة تسعفنا بالإجابة الشّافية عنها.
هناك أسئلة عديدة تثيرها هذه السّيرة، وهناك مجال كبير تفتحه للدّراسة والتّأمّل والمقارنة. وهناك آفاق واسعة تنتظر الباحث الجادّ الرّاغب في الاستقصاء والتّحرّي والكشف عن المكنون من الأسرار في حياة الشّيخ أبي عبد الله، وفي شخصيّته العلميّة والفكريّة والسّياسيّة ...
كما أنّ أثر الشّيخ في المغاربة يحتاج إلى مزيد من البحث والدّراسة؛ لأنّه ما يزال غير واضح. ومواقفه ــ أيضا ــ في حاجة إلى دراسة وتحليل؛ لما تمتاز به من صلابة في المبادئ ومرونة في التّحرّك واستشراف المستقبل ...
إنّنا نعدّ هذه النّدوة المنعقدة حول شخصيّة الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل ودوره في تطوّر العلوم الفقهيّة في عمان، نعدّها قاعدة انطلاق لدراسات مستقبليّة، أكثر عمقا وتحليلا ونقدا لإبراز جهد الرّجل ودوره في الحركة العلميّة والحياة السّياسيّة في عمان وغيرها.
الهوامش:
- شاركت بهذا البحث في النّدوة التي أقامتها وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة (سلطنة عمان) عن الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل، في جامع السّلطان الأكبر (مسقط) أيّام: 30 من شوّال حتّى 02 من ذي القعدة 1422هـ/ 14، 15، 16 من يناير 2002م. وعنوان النّدوة (تطوّر العلوم الفقهيّة في عمان خلال القرن الثّالث الهجري، الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل نموذجا.
(1) ينظر الشّيخ فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقية، ط1، المطابع العالميّة، رويّ، سلطنة عمان. و"الإباضيّة في شمال إفريقية وعلاقتهم بعمان" كتاب عمان في التّاريخ، دار أميل للنّشر، لندن، سنة 1995 م، ص: 213 وما بعدها. وبحثنا التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر. ومحمّد بن ناصر المنذري، صحار وتاريخها السّياسي والحضاري منذ ظهور الإسلام حتّى نهاية القرن الرّابع الهجري. رسالة ماجستير (مخ) جامعة القاهرة، كليّة دار العلوم، قسم التّاريخ والحضارة والإسلاميّة، سنة 1421هـ/2000م، ص: 378 وما بعدها ... (1/79)
صفحة 77
(2) لمزيد من التّفاصيل عن هذا الدّور وهذا الفضل ينظر، صحار وتاريخها السّياسي والحضاري، ص: 309 وما بعدها.
(3) ينظر عمان في التّاريخ، ص: 222.
(4) أبو القاسم البرّادي، رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا. ينظر الدّكتور عمّار طالبي، آراء الخوارج الكلاميّة، الجزء الثّاني، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، سنة 1398هـ/1978م، ص: 284.
(5) الشّيخ أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، الجزء الثّاني، حقّقه وقام بطبعه إبراهيم طلّاي، (من دون ذكر مكان الطّبع وتاريخه)، ص: 278، 279.
(6) أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشّماخي، السّير، الجزء الأوّل، تحقيق أحمد بن سعود السّيابي، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1407هـ/1987م، ص: 108.
(7) صحار وتاريخها السّياسي والحضاري، ص: 310. ينظر أيضا عمان في التّاريخ، ص: 223.
(8) سيف بن حمود بن حامد البطّاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، الجزء الأوّل، ط1، مطابع النّهضة، مسقط (سلطنة عمان) سنة 1992م، ص: 191.
(9) الشّيخ نور الدّين عبد الله بن حميّد السّالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الجزء الأوّل، النّاشر مكتبة الإمام نور الدّين السّالمي، مسقط (سلطنة عمان)، سنة 1995م، ص: 162.
(10) صحار وتاريخها السّياسي والحضاري، ص: 313، 312.
(11) ينظر إشارات إلى ذلك، المرجع السّابق، ص: 312.
(12) ينظر إتحاف الأعيان ج1، ص: 192، 193.
(13) مراسلة خاصّة، قسنطينة (الجزائر)، يوم: 12 من يناير (جانفي) 2002م.
(14) صحار وتاريخها السّياسي والحضاري، ص: 313. (يرجع إلى المراجع المذكورة).
(15) كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 32. ينظر أيضا كتاب السّير للشّماخي ج1، ص: 193، 194.
(16) صحار وتاريخها السّياسي والحضاري، ص: 313.
(17) ينظر كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2، ص: 357، 358.
(18) تراجع السّيرة في كتاب السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان ج2، تحقيق الدّكتورة سيّدة إسماعيل كاشف، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1406هـ / 1986م، ص: 223 - 268.
(19) الدّكتور رجب محمّد عبد الحليم، الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، مكتبة العلوم، مسقط (سلطنة عمان) سنة 1990م، ص: 143. ينظر أيضا أبو زكريّا يحيى بن أبي بكر، كتاب سير الأئمّة وأخبارهم، المعروف بتاريخ أبي زكريّا، تحقيق إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، سنة 1985م، ص: 128 - 197.
(20) السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان ج2، ص:223، 224.
(21) محمّد ناصر بوحجّام، التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر (مخ)، ص: 44.
(22) علاقة عمان بشمال إفريقية، ص: 33.
(23) ينظر كتاب السّير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان ج1، ص: 181، 228. (1/80)
صفحة 78
(24) التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر، ص: 45.
(25) أحمد العبيدلي، "السّير العمانيّة كمصدر لتاريخ عمان: سيرة محمّد بن محبوب"، مجلّة نزوى، العدد الثّاني، مارس 1995م، ص:30.
(26) الإباضيّة في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضيّة عمان والبصرة، ص: 143. ينظر محمّد بن إبراهيم الكندي، بيان الشّرع، ج28، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1408هـ / 1988م، ص: 195.
(27) مجلّة نزوى، العدد الثّاني، ص: 31، 32.
نزوى يوم: ... 28 ... من ... شوّال 1422هـ
12 ... من ... يناير ... 2002م
الدّكتور محمّد بن قاسم ناصر بوحجّام
الملحق رقم (5):
حفل التّكريم والوداع
بسم الله الرّحمن الرّحيم
بعون الله وتوفيقه، وبمبادرة طيّبة، ولفتة كريمة من زملائي أساتذة قسم اللّغة العربيّة وآدابها بكليّة التّربية بنزوى (سلطنة عمان) أقيم لنا حفل تكريم ووداع، في قاعة اجتماع مجلس الكليّة. حضره إلى جانب أساتذة القسم وعميد الكليّة (الدّكتور محمود بن مباك السّليمي) رؤساء الأقسام الأكاديمية، ورئيس الشّؤون الإدارية والمالية، ورئيس دائرة القبول والتّسجيل، وبعض الأساتذة المدعوّين من الكليّة. هذا تقليد دأبت عليه الأقسام، فهي تقيم في كلّ آخر سنة حفلا كهذا للأساتذة المغادرين. وكام معي من المودّعين المغادرين الدّكتور محمد بن التّاقي (من المغرب الأقصى)
ابتدأ الحفل قي حدود السّاعة الثّانية عشرة والنّصف بتعليق من الأستاذ الدّكتور علاّل الصّدّيق الغازي (من المغرب الأقصى) (ت ديسمبر 2006م) وبيّن الغرض من هذا اللّقاء. ثمّ تلته كلمة العميد، فقصيدة الدّكتور راشد بن حمد الحسيني (من سلطنة عمان) عنوانها " تحيّة توديع)، مطلعها:
يا طائر السّعد ... غرّد في المحبّينا ... وانشرحناحيك تستهوِ ... المشوقينا
غرّد على عذبات ... البشر ... أغنية ... وهزّ أوتار ... شحرور المؤاخينا
وَقَعْ على قصر أصحابي وقل لهم ... غريمكم بات يستوحي النّهى فينا
ومن جملة ما ورد في القصيدة:
حيّيت منّي أبا حجّام إنّ (1/81)
صفحة 79
لكم ... مكانة في ضميري بل ... مآقينا
هذي زمالتكم ردحا أهيم بها ... وصار أنسي بها صاف ... يصافينا
ويا محمّد التّاقي اتّقيتُ بكم ... عواديَ ... الدّهر ما باتت ... تدانينا
ستتركون ... فراغا في ضمائرنا ... نقاشكم في ... بنات ... الفكر يشجينا
إنّي قرأت الصّفا في ذا الوداع لكم ... زبوره صار مكتوبا بأيدينا
فإن تقاصر شعري عن مكانتكم ... فالعذر منكم وذكر الشّكر يشفينا
جاء دور شاعر الكليّة الأستاذ الدّكتور سعيد بن جاسم الزّبيدي (من العراق) فألقى قصيدتين: الأولى موجّهة للدّكتور محمد التّاقي، عنوانها " يا صورة المغرب " مطلعها:
من ثغر " مسقط " حنّى خدّ تطوانا ... جسر من الشّوق للنّائي بما عانَى
ومن ... قلوب ... أخلاّء ... توانسها ... ذكرى ستبقى على ... الأيّام عنوانا
ذكرى سنحفظها، إمّا ... جرت سُبُلٌ ... وفرّقتنا خطى: مٍصْرًا ... وبُغدانا
يظلّ يحملها بين الضّلوع هوى ... أحبّة ... كشعاع الطّيف ألوانا
من جملة ما قال:
أخي محمّد، لو ترقى مشاعرنا ... بلفظة ... لكتبنا ... فيك ... ديوانا
لكنّها احتشدت معنى وعاطفة ... فاقرأ تجد في عيون الصّحب برهانا
أخي محمد، بلّغ من تحيّتنا ... أهلي هناك بما ... ضجّت حنايانا
وقل لهم: ربّما الأيّام تجمعنا ... ونستعيد بنزوى شوق تطوانا
القصيدة الثّانية خصّصها لشخصنا الضّعيف، عنوانها " كن حيث ما ترى " مطلعها:
أبا حسن ما للفراق وما ... ليا ... أهذا جزائي أن أرى الدّهر باكيا
وألاّ أرى يوما من العمر راحة ... فأصفو به، أو أن أبثّ الأغانيا
لقيتك ... حتّى قلت: الحمد، إنّ (1/82)
صفحة 80
ذا ... كما قيل: مرآة، أرى فيك حاليا
وأهرب من دنيا، ... أخسّ طباعها ... نفاق تفشّى، كان يعدو ورائيا
من جملة ما قال:
ثلاثة ... أعوام خلون ... كأنّها ... ثلاث ... ليال، لو أطلت ... التّناجيا
ولو كنت ... أدري أنّهنّ رواحل ... عجالى، لأتبعت اللّيالي ... لياليا
ولو كنت أدري لاستعرت من الذي ... شكا ليله المرخي هموما دواهيا
أطيل ... به ليلا أشدُّ ... نجومه ... بنزوى ... وأرواس ... مدى متراميا
وإلاّ ... سأدعو ليلة ... نابغيّة ... لتبطئ من أجلي ... بنزوى الثّوانيا
ختم القصيدة بهذه الأبيات:
أبا حسن يا عالم ... الصّبر كلّه ... وحسبك بالإيمان عونا وشافيا
فأنت بوجداني، فكم حيث ما ترى ... بكم عن جميع النّاس أصبحت غانيا
لأنّك كلّ النّاس خيرا وطيبة ... ومسكة دين، كالأوائل ... شاريا
وآخر دعوانا رحيل موفّق ... يؤرّخ أنّا قد حفظنا التّدانيا
كانت الكلمات التي ألقيت، والقصائد التي تليت، قد ركّزت على صعوبة الفراق، بعد طول التّلاق، وبيّنت بعض الجوانب الإيجابيّة في المحتفى بهما، والمودّعين، التي نرجو أن نكون ممّن يتّصف بها فعلا، وأن نكون لها أهلا. لقد شعرنا - ونحن نسمع ما قيل فينا – بالخجل والحرج، حتّى تردّد في صدري قول المتنبّي:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
إنّنا نظنّ أنّ المتكلّمين بالغوا كثيرا فيما نطقوا به وما تلفّظوا، لكّنّنا عذرناهم؛ إذ حسبنا أنّ المشاعر لا يمكن التّحكّم فيها، والأحاسيس لا يمكن السّيطرة عليها. فإخواننا شعروا بألم النّوى، وأحسّوا بلوعة البين، وأدركوا أنّ العشرة الطّيّبة لا تعوّض، والانسجام والوئام لا يحصلان بسهولة ... فقالوا واشتطّوا في القول، وأنفقوا وأغدقوا في النّول، فقالوا مثل ما قال الشّاعر البحتري:
كلّفتمونا حدود منطقكم ... والشّعر يغني عن صدقه كذبه (1/83)
صفحة 81
ما قيل في الحفل، وما جاء فيه من مشاعر وخواطر، وما دبّج فيه من عبارات بليغة، وما حبّر من جمل أنيقة، وما حرّر من فقرات ... يخرس المتكلّم أن يضيف شيئا، وتسكت المتحدّث أن يزيد قولا؛ حتّى قلت لمّا تناولت الكلمة مرتجلا:
نطق السّعيد، فما ... يقال قصيد ... وسما البيان، متى يفوه العميد
لا كلام بعد العميد (محمود السّليمي)، ولا قصيد بعد سعيد (سعيد الزّبيدي)، ولا نظم بعد رشيد، ولا تعليق بعد علاّل النّقيد، ولا حديث بعد هذا الجمع العديد. لولا أنّ ردّ التّحية ما عنها من محيد، لما كان بعد هذا الذي سمعناه من مزيد.
ثمّ قلت تحيّة تقدير واحترام، واعتراف بالجميل أقدّمها إلى زملائي الأساتذة، وإلى كلّ من أسهم في إقامة هذا الحفل، وإلى كلّ من ربطتني به صلة ودّ وزمالة، وإلى كلّ من جمعني به لقاء على العمل والتّعاون. كما قدّمت اعتذاري على كلّ كلمة قدّمها الزّملاء تقديرا، في حقّنا، وإعلاء من شأننا ... التي رأينا فيها المبالغة والشّطط، فردّدت قول من رجح إيمانه على إيمان الأمّة كلّها، سيّدنا أبي بكر الصّدّيق: اللّهم اجعلني فوق ما يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخني بما يقولون ... وقلت إنّ الذي يشكرك هو في الحقيقة يحمّلك المسؤولية؛ لأنّه إذ يقول فيك هذا الكلام، هو يطلب منك أن لا تنزل عن مكانة الثّقة التي وضعها فيك، بل بالعكس هو يرجو أن تزيد أكثر، ونخن لسنا في المكانة التي وضعتمونا فيها، إلاّ أن نرتقي إليها إن شاء الله.
ثمّ رجوت إخواني وزملائي الأساتذة أن يغفروا لنا زلاّتنا نحوهم، وأن يعفوا عمّا صدر منّا إزاءهم، وأن يعذرونا عن التّقصير في التّعاون معهم في القيام بأعباء القسم. أمّا عن القصور فلسنا ملامين عليه. ورجونا كما رجوا – أيضا - أن يستمرّ التّواصل بينا، ولا ينقطع بالافتراق. وقلت اعذروني إذا خانني الدّليل في الإبانة عمّا في جناني، حتّى ولو قال الشّاعر:
إنّ الكلام لفي الفؤاد، وإنّما ... جعل اللّسان ... على الفؤاد ... دليلا
لا ... يعجبنّك ... من ... خطيب قوله ... حتّى يكون مع البيان ... أصيلا
ثمّ ختمت كلمتي بقصيدة. قدّمت لها بقولي أنا لست بشاعر، وقد حاولت أن أفول الشّعر، لكتّه استعصى عليّ، ولم يرضَ أن يطاوعني، ويأبى دائما إلاّ أن يقاطعني. حتّى أنّي شكوته مرّة، وحاكمته إليه بقصيدة، فكان الخصم والحكم، قلت في بدايتها:
ما لي وللشّعر أدعوه بلا وهن ... أرجوه بَوْحًا بما في القلب من شجن
طورا ... أغازله، ... حينا ... أنازله ... دوما أناشده عونا، فلم ... يلن
وقلت في نهاية قصيدة أخرى:
لست يشاعر، سوى ... أنّ لِي ... حسُّ غيورٍ، ترجَمَهُ قصيدُ (1/84)
صفحة 82
ليس لي من الشّعر إلاّ المشاعر، ولا من النّظم إلاّ الخواطر. فأنا أحلّق في غير سربي، وأسلك سبيلا غير دربي. اسمعوا كلمات مرصوفة، وأنصتوا إلى عبارات مرصوصة. قلت في بدايتها:
زممتُ حقائبي، إذ حان عود ... إلى ... بلدي، ... فنعم هو المردّ
ففي وطني معانٍ، كنتُ أسر ... حُ فيها، ... وأباري ... الطّير، ... أشدُو
خمائل، كنتُ أمرح بينها معْ ... صحابي، أقطف زهرا، ... وأعدو
مراتع، ... كنت ... أعصر نبتها، دا ... نَ جَنْيًا مُصفّى، هو ... شهدُ
منازل، كنت أدرُج وسطها، كا ... نتِ المنبتَ، ... ما عنها أُصَدُّ
من جملة ما قلت فيها:
فهذا هو ربعي ومهادي ... له في القلب حبٌّ لا يُحدُّ
تركتُ ربوعه صوبَ عُمان ... إليها الرّحلة الكبرى تُشَدُّ
أهاليها لهم بالمغرب ... العـ ... ربِيّ ... وشائجٌ، أمدا ... وعهدُ
رحلتُ ... إلى مزون، ... فنالني مُْز ... نُها متتابعا، والعَْيشُ وِردُ
وقلت:
أقمتُ بها السّنين السّبعَ، ... كانت ... سِنِي مصرَ؛ خصوبة، يَا لَحمدُ
بصحبة ... ثلّة مختارة، ما ... بمثل ... فعالهم ... زَمنٌ ... يمدُّ
بِمعشرِ ... رُفقةٍ مُمتازة خُـ ... ـلُقًا ... وكياسة، دَأَبَتْ تَجِدُّ
ختمت القصيدة بما يأني:
أقمتُ مَدًى حيالهمُ، فلم ألْـ ... ــقَ غيرَ جَميل إحسانٍ يَجِدُّ
جزاؤهمُ ... منَ الله ... العلِيّ ... عظيمٌ، ... في غَدٍ، ... ليس يُجَدُّ
وداعا ... أيّها الإخوانُ!! ... قد قَـ ... ــرُبَ الوعدُ وَجَا بالأمر عودُ
خصّصت في الختام زميلي الدّكتور محمود بن ميارك السّليمي عميد الكليّة بتحيّة خاصّة، وشكر أخصّ؛ لمعرفتي الحاصّة به، والتي ترجع إلى صيف سنة 1990م، وتعرّفي عليه في أرض الأردن، في رحلة علميّة، في أثتاء تحضيري لرسالة الدّكتوراء، ولتميّزه في إدارة الكليّة وتسييرها بكلّ كفاية (1/85)
صفحة 83
ودراية، كان فيها يتحرّك بصفته أستاذا قبل أن يكون إداريّا، ولمرونته ومعاملته الحسنة معنا. جزاه الله عنّا خير الجزاء، وأثاب الجميع والسّلام عليكم. انتهى الحفل في حدود السّاعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة.
كان الحفل قد أقيم يوم السّبت: 02 من ربيع الثّاني 1425هـ الموافق ل 22 من مايو 2004م.
نزوى يوم الأحد: 03 من ربيع الثّاني 1425هـ
23 من ... مايو ... 2004م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق رقم: (6)
حفل تكريم بين أحضان حديقة العامرات (1/86)
صفحة 84
بسم الله الرّحمن الرّحيم
بين أحضان الطّبيعة الجميلة، وبين نسمات الرّيح العليلة، ووسط أجواء الأخوّة الظّليلة، في ليلة مقمرة زاهية، ولحظات أنس باهية، ولمسات قلوب غير متناهية. تقاطر الجمع إلى حديقة العامرات بمحافظة مسقط العامرة. ليلاً في السّاعة العاشرة، جاء الجمع أو الحشد رجالا وأولادا وأهلا. جاؤوا ونفوسهم ممتلئة طيبا وشذى عبقا، قدموا وصدورهم مختزنة حبّا ووفاء غدقا، يحدوهم الصّدق والإخلاص، يجزيهم الودّ والإحسان ...
المناسبة كانت توديع أحد إخوانهم الذي توسّموا فيه الصّلاح، وظنّوا فيه الخير، ورأوا فيه – حسب نظرهم – بعض أعمال البّرّ والإحسان ... أخوهم الذي قرّر أن يؤوب إلى بلده، بعد سبع سنين قضاها في أرض عمان الطّيّبة الزّكيّة، واجتهد في الإسهام بما يملك من قوّة وطاقة وإمكانات في تقديم بعض الأعمال لهذا البلد، ويجاهد على توطيد العلاقة بين وطنه الجزائر وموطن إقامته عمان. هكذا اعتقد هؤلاء؛ فقدموا من كلّ حدب وصوب، وهو ما يرجو أن يكون عليه المحتفى به، حقيقة لا ظنّا أو تخيّلا وتهيّؤا. المحتفل به في هذه السّهرة هو محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الذى عزم على مغادرة عمان راجعا إلى الجزائر، تكون عودته ميمونة مباركة إن شاء الله، كما يرجو أن تكون إقامته مباركة ومنتجة بإذن الله.
كان معه في هذا الحفل الفاضل إسماعيل بن عمر كاسي وصالح، الذي قرّر أيضا العودة إلى بلده الجزائر، بعد أن قضى في عمان حوالى اثنتي عشرة سنة، أربعا منها طالبا في معهد القضاء الشّرعي، والباقية إماما في مسجد الشّيخ السّالمي بالخوير. الأخ إسماعيل رجل لا كالرّجال، هو من تحطّ عنده الرّحال، وتسند إليه الأعباء الثّقال، خدم إخوانه خدمة كبيرة، وساعد الطّلبة مساعدة عظيمة، قام بحقّ المشايخ أحسن قيام، أعان الزّوّار والقادمين إلى عمان إعانة لا تنسى ... فمثلما جاهد في عمان في أعمال البّرّ، سيقوم بأضعاف ذلك وهو في وطنه. فهو كالغيث أين وقع نفع.
من بين من نضّد عقد هذا اللّقاء الطّالبان: بيّوض بن صالح حدبون، صالح بن بكير سِيوْسِيوْ، اللّذين تخرّجا هذه السّنة من معهد العلوم الشّرعية بشهادة اللّيسانس في العلوم الشّرعية، بعد أربع سنوات من الدّراسة.
نشّط الحفل الدّكتور مصطفى بن صالح باجو، المدرّس بكليّة الشّريعة والقانون بمسقط. التّلميذ الوفيّ، والصّديق الأريحيّ، والأستاذ الذّكيّ، والعنصر الزّكيّ ... قدّم كلمة ذكر فبها الغرض من عذا اللّقاء، وأشار إلى بعض المحطّات الني تميّزت بها حياة المجتفى به، وعدّ هذه الجلسة لحظات اعتبار وتذكّر وأخذ عهد، ومدّ يد، والوقوف في العمل النّدّ للنّدّ. وليست لحظات وداع. ثمّ أوصى بالعمل خيرا، وبالاحتهاد في إكمال المسيرة والتّكاثف، ومزيدا من التّآلف.
ثمّ تفضّل الدّكتور إبراهيم بن بكير بحّاز، المدرّس بكليّة التّربية بالرّستاق، الخلّ الودود، والرّجل المجاهد، والأستاذ المكابد، ألقى كلمة شكر فيها المحتفى به على قراره الشّجاع: العودة إلى أرض الوطن، بعد أن أفادت منه عمان مدّة سبع سنوات، فآن أن تفيد منه الجزائر أيضا، كما كان ذلك في السّابق. وألحّ على ضرورة المحافظة على التّواصل بين عمان والجزائر، وعدم قطع الطّريق عنه، ففائدتنا كبيرة في ذلك. وقال إنّ الأجدر بالحديث عن التّواصل هو صاحب كتاب التّواصل الثّقافي نفسه، الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام. أفاض في الحديث عن هذه النّقطة المهمّة في مسيرة الشّرق والغرب. (1/87)
صفحة 85
جاء دور الدّكتور عيسى بن النّاصر كريزو، المدرّس بالكليّة التّقنية العليا بمسقط، الأخ الأنيس، والرّجل الغالي النّفيس، والأستاذ الكبير .. ركّز على ضرورة استشعار كلّ واحد من الإخوة المغتربين بواجب العمل على تقديم المساعدات إلى إخوانهم في أرض الوطن، حلم المئات أو الآلاف من هؤلاء أن يحظى بزيارة عمان، فضلا عن الإقامة فيها، فلم يحظَ بذلك، بينما نحن سعدنا بذلك، فلنقدّر هذه النّعمة حقّ قدرها ولنشكرها، وشكرها هي تقديم يد العون والمساعدة لمن يحتاجها من إخواننا ...
كلّ من تكلّم من الأساتذة أشاد بمسيرة بقيّة الإخوة الذين كرّموا وودّعوا في هذه الجلسة المباركة.
تقدّم الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، فردّ التّحيّة بكلمة معبّرة، ابتدأها بقصيدة كان قد ألقاها في كليّة التّربية بنزوى، في حفل تكريم أقيم له، ولصديقه الدّكتور محمد بن امحمد التّاقي (من المغرب الأقصى الشّقيق) المستقيل من كليّة التّربية بنزوى) عنوانها (جاء بالأمر عود) مطلعها:
زممت حقائبي إذ حان عود ... إلى بلدي، فنعم هو المردّ
آخر أبياتها:
وداعا أيّها الإخوان، قد قـ ... رب الوعد، وجا بالأمر عود
ثمّ قدّم شكره لكلّ الحاضرين والمتكلمّين، وعدّ ما قيل مبالغة وشططا في القول، دعاهم إليه حبّهم لأخيهم الذي يغادرهم، وحسبه تحميلا للمسؤولية، وأخذ العهد على البقاء في الدّرب. ثمّ ذكّر الحاضرين بمسؤوليتهم؛ أشخاصا لهم رسالة نحو مجتمعهم؛ تاكيدا لما ذكره الدّكتور عيسى بن النّاصر كريزو. وأوصى الإخوة خيرا بوحدة الجماعة، واتّحاد الكلمة، والتّضامن والتّآلف والتّآزر، والأخذ بيد كلّ واحد من الجماعة، والعمل على ردّ الشّارد إلى الحوض، وإرجاع الهارب إلى الحظيرة، وضمّ الفرد إلى الجماعة. فقوّتنا في تضامننا، وبأسنا في اتّحادنا، وقدرنا في تلاحمنا ...
ثمّ لا ننسى وقد انتقلنا إلى هذه الأرض الطّيّبة الزّكيّة أنّ لنا عادات، لا يجوز التّنكّر لها، وأنّ لنا ذكريات سجّلناها في أرضنا ما كان ينبغي أن نجحدها، وأنّ لنا مشايخ وآباء علّمونا وكوّنونا، وتعبوا من أجلنا، ولولاهم وتربيتهم لما وُجِدنا في هذه التّربة، ولولا جهودهم لما تمتّعنا بهذه النّعم، فنكران الجميل عاقبته وخيمة، وتغيير المسيرة بسرعة غير محمودة العواقب.
ونَعَى على من ينقل السّلبياّت، ولا يعتبر بالإيجابيّات، وقال حرام على أحد أن يكشف سوءات النّاس، ويبرز عوراتهم، إلاّ في مجالس خاصّة؛ بغية الإصلاح والتّغيير، إنّ هذا خلق بذيء، وسلوك رديء، ينبئ عن دغل في النّفس، وأفن في العقل، وخطل في الرّأي، وخطأ في السّير ...
أعطيت الكلمة بعد ذلك لبقية الإخوة: إسماعيل بن عمر كاسي وصالح، بيّوض بن صالح حدبون، صالح بن بكير سِيوسِيو. كلّ واحد عبّر عن مشاعره، وقدّم خواطر بما سمح به المقام.
ثمّ قدّمت هدايا رمزيّة هادفة للمودّعين والمكرّمين: كتبا وإطارات جميلة، تضمّنت صورة كلّ واحد من المغادرين الثّلاثة: محمد واسماعيل وصالح وكلمات معبّرة، كانت من تصميم الفنّان الموهوب: إسماعيل بن امحمد عبّود، خرّيج معهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد، وإمام مسجد التّقوى بالحِيل الجنوبيّة بمحافظة مسقط. أخذت في نهاية الحفل صور تذكاريّة، بعد أن وزّعت الحلوى والشّاي والفواكه، فكان ذلك مسك الختام لهذه الجلسة الجميلة الرّائعة. اتفضّ الجمع في حدود السّاعة الثّانية عشرة ودقائق في رعاية الله وحفظه. (1/88)
صفحة 86
نجيّي في إخواننا هذه المبادرة الطّيّبة، وهذه اللّفتة الكريمة، التي توحي بالنّضامن والرّوح الاجتماعيّة التي يتمتّع بها الميزابي الذي نُشّئَ على الوفاء، وعلى التّكافل، وعلى الرّوح الاجتماعيّة، وعلى الاحترام والتّقدير. هنيئا لأخواننا هذه الأخلاق، وهنيئا لنا هذه الحظوة وهذا التّكريم.
هكذا نسجّل الجالية الميزابية في عمان مكرمة أخرى، وتضيف إلى سجّلها صفحة بيضاء مشرقة في تاريخ وجودها في أرض عمان. فالله العليّ القدير نسأل أن يحفظها في الظّعن والإقامة، وأن يكلّل مساعيها بالنّجاح والتّوفيق، وأن يعينها على مزيد من الإنجازات والأعمال الخيرّية والعلميّة؛ حتّى تثمِّن وجودها أو بقاءها في هذا البلد، وحتّى تحقّق آمال أبائها وأجدادها، ونقفو خطاهم في التّواصل في العطاء، والتّواصل في توطيد العلاقات بين الشّرق والغرب. وفّقها الله إلى ما فيه صلاحها في الدّنيا والآخرة.
عقد اللّقاء يوم الخميس 14 من ربيع الثّاني 1425هـ / 03 من يونيو 2004م.
نزوى يوم الثّلاثاء: 19 من ربيع الثّاني ... 1425هـ
08 من ... يونيو ... 2004م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملجق رقم (7)
بسم الله الرّحمن الرّحيم ... والصّلاة والسّلام على رسول الله
رسالة إلى أهل نزوى
الأفاضل أهل نزوى المحترمين، مشايخ وأساتذة، شيوخا وشبابا، كبارا وصغارا، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هداكم الله، وسدّد خطاكم، وطيّب ممشاكم، وجعل الجنّة مثواكم.
أقمت بينكم سنوات سبعا، كانت خيرا وبركة عليّ، وكانت أيّاما طيّبة، لقيت فيها حسن الاستقبال، وكرم الضّيافة، وطيب العشرة، وجميل المعروف ... لم أشعر بالغربة، ولا بما ينكّد عليّ حياتي، لم ينقصني شيء، سوى ما يقتضيه الحنين إلى الوطن، لأنّ حبّه من الإيمان، والارتباط به فطريّ في الإنسان.
لقد كان لي موقع خاصّ في نفوسكم، وموطن أخصّ في قلوبكم، كنت في نزوى أعيش بين أهلي وخلاّني، بين قومي وجيراني، وأدرج في بيئتي الحقيقيّة، وأسير في دروب موطني، ولقد كنت موفقّا في اختيار موقع عملي في سلطنة عمان؛ حين طلبت من لجنة التّعاقد تعييني في كليّة التّربية بنزوى، لما أكنّه لهذه البلدة الطّيّبة من حبّ وصدق مودّة، وأحمله لأهلها من تقدير واحترام ومحبّة، وقد كنت أعرف الكثير عن هذه المدينة التّاريخيّة، التي تعدّ من أهمّ المدن في عمان. التي قال فيها حسّان عمان، أبو مسلم البهلاني الرّواحي: (1/89)
صفحة 87
أرض مقدّسة، قد بوركت وزكت ... تنصب فيها من الأوار معنان
ما طار طائرها لله ... محتسبا ... له جناحان ... إيقان وعرفان
إلاّ وقام يمين الله ساعده ... والفتح والنّصر والتّأييد ... أعوان
ميمونة بركات الله ... تنفحها ... واليمن يثمره علم ... وإيمان
هذا ما شجّعني على مضاعفة الاحتكاك بأهلها، كبارا وصغارا، علماء وطلبة، شيبا وشبّانا ... ودفع بي إلى المشاركة الواسعة في أنشطتها، والإدلاء بآرائي في كثير من القضايا التي تهمّ المدينة، وكان الجميع يستمع إليّ ويطلبني في كثير من المناسبات. وقد عددت نفسي أحد أبنائها. وهو ما حسبته مفخرة لي، أن ارتبط بالبلد الطيّب، الذي يخرج نباته بإذن ربّه، وأن أندفع إلى مصاحبة الرّجال الكرام، ومجالسة النّاس العظام، الذين يحسنون صنعا، ويكثرون نفعا. لقد أحسست أنّ نزوى أصبحت جزءا منّي، وقد أكّد لي ذلك علامات الحزن والأسى، وأمارات الأسف والحسرة، التي أبدتها مختلف شرائح المجتمع النّزوى؛ حين قرّرت العودة إلى بلدي، والأوبة إلى مهدي. وقد نطقت هذه الفئات بكلمات رقيقة، ونبست بعبارات لطيفة، وهمست بأحاديث مؤثّرة، كلّها ثناء وشكر ورجاء أن أعدل عن قرار الرّحيل عنهم، فكادت هذه المواقف وهذه العواطف أن تؤثّر فيما عزمت عليه، لولا تذكّري قول الشّاعر:
إذاإذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإنّ فساد الرّأي أن تتردّدا
قرّرنا الأوبة إلى البلد، فلم يكن هناك مجال للتردّد. إنّ التّذبذب في اتّخاد القرار ليس من شيمة الرّجال الأحرار، بخاصّة في المواقف المصيريّة، وفي المواطن الحسّاسة. وقد أثّر فيّ كلّ ذلك، وقلت في نفسي من أنا حتّى أعامل بهذه المعاملة، ومن أكون حتّى أحظى بهذه المكانة. وقلت: أيضا هذه رسالة موجهّة إليك لتواصل المسيرة في السّبيل الذي أنت بادئه، وتبقى على النّهج الذي أنت سالكه، ولا تتأخّر عن الرّكب. فسّرته بتعلّق أهل عمان بإخوانهم المغاربة، الذين تربطهم بهم أواصر القربى والمودّة والمصالح، فكانوا يرون في الشّخص أو الفرد المغربي الذي يزورهم، أو يعيش بين ظهرانيهم سفيرا يحمل إليهم رسالة من أهل المغرب، ويحمل منهم أخرى إليهم، رحيله عنهم يعطّل القيام بهذه الرّسالة. فحمدنا الله أنّنا من هذا الصّنف. نرجو أن نكون قد قمنا ببعض هذا الواجب، نطلب الله القبول والتّوفيق في إكمال المسيرة.
أهل نزوى فيهم خير كثير، وبهم طيبة كبقيّة الشّعب العماني، الذي سجّل له هذه المكرمة القاصي والدّاني، الحالّ فيهم والمرتحل. المقيم فيهم والمنتقل:
عمان معدن الخير، كمين الـ ... مكارم، طالها أدب ورشد
يتميّز أبناؤها بالرّوح الاجتماعيّة، التي تحفظ المجتمع من التّلاشي، وتعين على العيش في أمن وسعادة، ووئام وانسجام. (1/90)
صفحة 88
تأكيدا لهذه المحبّة التي أكنّها لأهل نزوى، وعملا بمقولة " صديقك من صَدَقَك وليس من صَدَّقك " أريد أن أوجّه رسالة إلى أبناء هذه البلدة الطّاهرة، تحمل طابع الملاحظات والمقترحات، وتصبّ في خانة الحرص على الارتفاع بمكانة نزوى التّاريخيّة، وتهدف إلى العودة بهذه المدينة إلى سالف عهدها التّليد؛ مدينة لها وزنها في عمان بعلمائها وعلمها وحضارتها، وثقلها الأدبي والاجتماعي والاقتصادي ...
اشتهرت نزوى بأنّها مدينة الأئمّة والعلماء، مدينة أسهمت في بناء مجد عمان، مدينة قدّمت جهودا مهمّة في تقدّم الوطن. هذه المكانة بدا عليها الوهن والتّغيّر في الحقب المتأخّرة، لست أدري ما هي الأسباب، إلاّ أنّي أقدّم نظرتي وانطباعي عنها، عسى يكون ذلك محفّزا على النّهوض بهذه المدينة العريقة في نشأتها، وفي إسهاماتها العلميّة والحضاريّة.
لاحظت أنّ النّشاط العلمي والفكري ناقص في نزوى، مقارنة بما كانت عليه في سالف عهدها، وبالنّظر إلى ما يشهده العالم اليوم من تقدّم ونموّ مطّردين، رغم كون شباب نزوى يحاول القيام بما راه فرضا عليه، ويبذل قصارى جهده في تطوير النّشاط؛ بإقامة النّدوات، وإعداد المحاضرات، وإنشاء المكتبات، وتضييف العلماء، وتحريك العمل المسجدي ... إلاّ أنّه كان يتعثّر كثيرا؛ بسبب غياب التّوجيه والإرشاد والأخذ بيده. هذه المهمّة هي من واجب علية القوم، وسراة الأمّة، الذين كان غيابهم عن هذا الميدان واضحا، وابتعادهم عن هذ الدّور بارزا.
توجيه النّشاط وتثمين العمل، وتشجيع المبادرات، وتقويم الحركة، والتّنسيق بين فئات المجتمع، وتوحيد الرّؤى في القضايا المصيريّة، والرّبط بين المبادئ والأهداف؛ لضمان السّير في الطّريق المستقيم ... كلّ ذلك موكول أو منوط بقيادة حكيمة رشيدة، تكون على رأس المجتمع، هذا ما تعلّمناه من دروس الحياة، وما ثقفناه من مسيرة العاملين في ميدان الإصلاح والدّعوة والتّوجيه، وهذا ما أكّد عليه علماء الاجتماع والتّربية. إنّ هذا الدّور غائب في عمل أبناء نزوى، ومفقود في برنامج علية القوم فيها.
المدينة تفتقر إلى المكتبات العامّة، المجهّزة بأحدث وسائل التّثقيف والتّكوين والإعداد، ممّا يكرّس الجهل والأميّة في النّشء، ويجعل من مطلب التّعلّم والتّثقّف والتّنوّر والتّفتّح شيئا غير مرغوب فيه، أو هو منبوذ أصلا. فالمشايخ والأساتذة والدّكاترة والطّلبة الذين يعدّن بالمئات في المدينة، لا يجدون بغيتهم في البحث والدّراسة، ولا يعرفون أين يصرفون أوقاتهم، ولا كيف يتصرّفون حين يطلبون مزيدا من البحث والقراءة، وحين ينشدون جديدا في عالم الكتب والنّشر. حتّى المكتبات التّجاريّة بالمقاييس العلميّة، وبالمواصفات العصريّة، التي تزوّد القارئ بالجديد في عالم المعرفة غير موجودة. فكيف ننتظر من الشّباب أن يتكوّن، فضلا عن أن يتطوّر، أو يشارك في ازدهار البلدة وتقدّمها؟! وكيف نطلب السّير في سواء صراط الفطرة إذا كان هذا هو حال البلدة ومن يقطن فيها؟!
المدينة متعطّشة إلى ملتقيات فكريّة، وندوات علميّة، ولقاءات ثقافيّة، تمسّ مختلف جوانب المعرفة الإنسانيّة، وتخدم عمليّة بناء الإنسان، الذي يتطلّب الشّموليّة في هذا التّشييد، والعمق في هذا التّأسيس. طاقات الشّباب غير مستغلّة كما ينبغي، نهمهم في طلب العلم والثّقافة الأصيلة المطلوبة في الإعداد غير مشبع، رغبتهم في التّوجيه السّليم غير موجود، نشاطهم وحماستهم غير مؤطّرين ...
إنّ المدينة تطلب تحرّكا في الاتّجاه الصّحيح، يبعث على النّهوض، ويوفّر الجوّ للعمل الهادف المؤسّس، ويرفد نشاط الشّباب والمخلصين، ويشجّع المبادرات التي تأتي من هنا وهناك، ويهيّئ البيئة التي يتحرّك فيها من يريد أن يعمل. إنّ ذلك ما يساعد على الارتقاء بالمدينة إلى مكانتها الحقيقّة في (1/91)
صفحة 89
العلم والفضل، ويسهم في إخراجها من دائرة النّسيان والتّهميش، ومن البقاء خارج حلبة العمل والنّشاط والمشاركة الفعليّة والفعّالة في نهضة عمان، وتوجيه مسيرتها الحاضرة، ووضع تصوّر لمستقبلها، كما كانت عليه من قبل.
في الجانب الاقتصادي، كانت نزوى مشهورة أيضا بأنّها مدينة التّجارة، إلاّ أنّ هذا الدّور لا يبدو كبيرا في الوقت الرّاهن، فالمدينة تفتقر إلى الأسواق التّجاريّة الكبيرة – كما هو حال كثير من مدن عمان – وأهلها الأغنياء لا يبدو عليهم الرّغبة في الاستثمار في المجالات المهمّة، ولقد تناقشنا كثيرا مع بعض أبناء هذه المدينة، لإيجاد تفسير لهذه الظّاهرة، وقد كانت الأجوبة غير مقنعة. وما فهمناه من الرّدود أنّ روح المغامرة والمبادرة غير موجودة في أذهان كثير من أصحاب الأموال المكدسّة، وأنّ النّظرة البعيدة والتّخطيط لمستقبل يحدّده قطبان: العلم والمال غير واردين في خاطر كثير من أهل نزوى.
هذان الجانبان استرعيا انتباهي كثيرا، وشغلا فكري طويلا، فحزنت لحال نزوى، وخشيت على مستقبلها، وهو مصير له أثره في كثير من الأمور والأحوال في عمان. فأردت أن أبدي هذه الملاحظات والانطباعات لمن أكنّ له كلّ تقدير واحترام، وأحمل له كلّ آيات المحبّة والودّ والإخلاص، عسى أن يعمل على تدارك الأمر، وتصحيح المسيرة. أو على الأقلّ يفنّد ما ذهبتُ إليه، ويردّ عليّ ملاحظاتي، ويعدّها انطباعات غير صحيحة، يكذّبها الواقع، فيقال لي علمت شيئا وغابت عنك أشياء.
أخيرا أقول هذا غيض من فيض ممّا أردنا الإدلاء به إلى من إحسانهم لا ينسى، وأفضالهم لا تحصى، فعند الله جزاؤهم الأوفى. تقبّلوا في الختام إخواني الكرام تحيّاتي وتقديري، ودعائي لكم بالحفظ في الإقامة والظّعن، والتّوفيق والهداية في كلّ الأحوال. أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
القرارة يوم الأربعاء: 30 من رجب الأصمّ 1425هـ
15 من ... سبتمبر ... 2004م
أخوكم الرّاجي لكم كلّ خير: محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/92)
صفحة 90
الملحق رقم: (8)
رحلة جمعيّة التّراث إلى سلطنة عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
شاركت جمعيّة التّراث (القرارة، ولاية غرداية، الجزائر) في معرض مسقط الدّولي الثاني عشر للكتاب (2007م) المنعقد ما بين 27 فيفري و09 مارس 2007م. هذه هي المشاركة الأولى للجمعيّة خارج الجزائر.
هي خطوة مهمّة ونوعيّة في مضمار التّعريف بإصدارات الجمعيّة وأعمالها. كما أنّها فرصة جيّدة للاحتكاك بدور النشر العالميّة، وعقد صلات وعلاقات بأصحاب الفكر والثّقافة، وهي محكٌّ يختبر به نشاط الجمعيّة، ويقاس مستوى تخطيط أعضائها، ويقوّم الفكر الذي يحمله المنتمون إلى الجمعيّة، وتنقد طريقة نشر الفكر، ونقل المعرفة. المعرض –بعامّة- مناسبة للإفادة من تجارب العارضين والنّاشرين. وقد مثّل الجمعيّة في هذا المعرض الدّكتور محمد بن موسى بابا عمي والدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام.
اختارت الجمعيّة فتح مجال العرض خارج الوطن بسلطنة عمان، للصِّلات التَّاريخية التي تربطها بالجزائر، الضّاربة الجذور في أعماق التّاريخ، وللتّقارب الفكري بين أبناء البلدين الشّقيقين، وللتّقدير الذي يكنّه العُمانيّون للجزائريّين.
صدق حدسنا- والحمد لله- فلقد وجدنا في هذه المشاركة الأولى تعاونًا كبيرًا من سفارة سلطنة عمان في الجزائر، التي سهّلت لنا مهمّتنا، وكانت حلقة وصل متينة بيننا وبين لجنة المعرض في مسقط، نخصّ بالذّكر الأستاذ صالح بن عامر الخروصي، المستشار بالسّفارة، الذي بذل جهودا كبيرة لتهيئة فرصة المشاركة في المعرض.
كما أنّ لجنة المعرض قدّمت لنا كلّ أنواع المساعدة لضمان المشاركة، ثم النّجاح في عملنا، وقد كانت مرنة معنا ومقدّرة لمهمتنا، وواعية لإمكاناتنا ومتفهّمة لمشاكلنا. لم يقلَّ المنظمون والمراقبون في كلّ أيّام المعرض حرضا وحسن تعامل معنا ومع بقيّة العارضين عن غيرهم من السّاهرين والمسؤولين عن المعرض.
إنّ ذلك كان من أسباب نجاح المعرض. هذا ما ينبغي أن يسود المعارض التي تقام هنا وهناك في أنحاء المعمورة؛ حتّى تؤدّي المعارض دورها في نشر الفكر والمعرفة، وتهيئة فرص التّعارف بين الشّعوب، وإيجاد أجواء الاعتراف بين الإخوة الأشقاء. في غياب هذه العناصر والشّروط وهذا الحسّ يتنافر الأصدقاء، ويبتعد الأشقاء، ويحجم النّاشرون عن الالتقاء، كما يحدث في بعض الدّول، التي تغيب القيم في المعارض التي تقيمها، وتنعدم هذه العناصر، ويفتقد فيها الحسّ الحضاري، وينأى فيها الشّعور بالمسؤوليّة، ويفتقر منظموها ومسيّروها والسّاهرون إلى الوعي والثّقافة، اللّذين يوجّهان المعارض نحو أهدافها المسطّرة لها. نرجو أن تتدارك الدُّولة التي – يقوم أبناؤها بهذه التّصرّفات- هذا (1/93)
صفحة 91
الخلل والخطر والخطل؛ حتّى لا تفقد كلّ مرّة دار نشر، بحزم حقائبها، وتحرّم على نفسها العودة إلى عرض منشوراتها في هذا البلد، فيخسر أبناؤها فرضًا للتّثقيف، وتخسر هي سمعتها ومكانتها بين الأمم. إنّ ما وجدناه في السّلطة كان رائعا. فشكرًا لأبنائها الكرماء، وشكرًا لوزارة التّراث والثّقافة في السّلطنة على ما قدّمت فأجادت وأحسنت.
المدير العام لمعهد العلوم الشّرعية بمسقط، لم يألُ جهدا في توفير أجواء الرّاحة والإقامة المريحة لنا، فشكرًا له ولمعاونيه ومساعديه.
إلى جانب أولئك كان لجاليتنا نصيب في هذا الإحسان والقيام بالواجب. لقد أظهروا حسنًا في المعاملة، وقوّة في المشاركة. لقد شرّفنا سعادة سفيرنا في السّلطنة " الطّيب سعدي " باستقبال كبير، وقدّم لنا شكره الجزيل على هذه المشاركة المتميّزة، وأبدى لنا استعداده للتّعاون معنا في هذا المعرض، وفي غيره من الأنشطة الثّقافيّة والفكريّة، التي ترمي إلى نشر الفكر الأصيل، والتّعريف بتراث الجزائر، وتقديم الوجه المشرّف لها في المحافل الدّوليّة. ولا ننسى الرّجل الثّاني في السِّفارة الفاضل " صالح تحكوبيت"، الذي قام - دوره- بما يقوم به الشّاعر بمسؤوليّته، والغيور على وطنه، وقد كان معنا من أوّل يوم وصلنا فيه السّلطنة إلى آخر يوم فيها. وكان دائم السّؤال عن أحوالنا، ودائب الحركة في توفير الأجواء المساعدة على إنجاح مهمتّنا.
إخواننا المقيمون في السّلطة من أيّمة وعاملين وطلبة وغيرهم ... شاركونا بقوة، بمشاعرهم وأعمالهم، بملازمتنا في كلّ لحظة، بخدمتنا بكلّ الوسائل التي يملكونها، بفتح بيوتهم بعد قلوبهم لنا. أعانونا في تسيير الجناح، هيّؤوا لنا أسباب الرّاحة والهدوء وظروف العمل، بما يعجز اللّسان الدّليل على ما في الفؤاد من وصفه، وبما يقف القلم السيّال قاصرا عن التحبير والتعبير عنه ..
هذا ما ينبغي أن يسود أبناء الوطن الواحد، في الغربة بخاصّة، وهذا ما يجب أن يكون عليه الرّجل الأصيل، الذي لا ينسى وطنه وإن جار عليه، ولا يبتعد عن إخوانه وإن ضنّوا عليه، ولا ينأى عن مواطن فعل الخير، ولو بالقليل اليسير. فليحمد الله من نُشِّئَ في بيئة تعلّمه هذه الأخلاق، وتهيّئه للسير في طريق الفضل والإحسان دائما.
تميّز يوم افتتاح المعرض – الذي خصّص للمسؤولين وللمدعوّين- بالإقبال على جناح جمعيّة التراث؛ لاقتناء الكتب، والتّحدّث معنا في مضمون هذه المشاركة الأولى، وفي السّؤال عن الجمعيّة وأنشطتها وإصداراتها، فكانت البداية مشجّعة، وكانت مؤشرًا على إقبال كبير من الجمهور، وكانت عاملا كبيرا في رفع معنويّاتنا في هذه المبادرة النّوعيّة.
مثّلت الجزائر في هذا المعرض بجناح يتيم، هو جناح جمغيّة التراث بالقرارة، مقابل العدد الكبير لدور نشرٍ من دول، عرفت بحضورها القويِّ في المحافل الدّوليّة؛ كمصر ولبنان وسوريا والأردن. فكم كانت حسرتنا كبيرة، ورؤوسنا منكّسة حين مررنا على هذه الدّور، وهي تزهو بما تزخر به أجنحتها من أنواع الكتب المعروضة، وممّا تتوفّر عليه من أنواع المعارف المختلفة التي أنتجها أبناء وطنها، وممّا تتوشّى به من أنواع التّحف التي قدّمت المعرفة والفكر في حلل جميلة، وبأساليب متنوّعة، وكم كان يؤرّقنا ويهزّ كياننا، ويقطع نياط قلوبنا السّؤال المتكرّر: أهذا هو الجناح الوحيد الذي شاركت به الجزائر؟ أين نتاج الجزائريّين؟ كنّا نقرأ في عيون الزّائرين والسّائلين عبارة:" أهذا هو حظّ الجزائر من الثّقافة؟ أهكذا تحتفون بالفكر؟ ". وما أحزننا أنّنا لم نتمكّن من تلبية رغبات الزّائرين، الذين لم يفتؤوا يسألون عن عناوين كتب، تخصّ الجزائر في مختلف الموضوعات: الدّينيّة، الفكريّة، الثّقافيّة، الاجتماعيّة، السّياسيّة، الأدبيّة ... إنّهم يبحثون عن كتب، تتحدّث عن شخصيّات جزائريّة في مختلف المجالات. وكأنّ لسان حالهم كان يقول (1/94)
صفحة 92
قبل افتتاح المعرض: إنّ مشاركة جمعيّة التّراث فرصة لنا كي نتعرّف على الجزائر. ثم أصبحوا يردّدون، بعد الطّواف في المعرض: واخيبتاه! واحسرتاه! أيعقل أن يكون للجزائر ذات الثّقافة الكبيرة المتنوّعة، وصاحبة الحضور القويّ في المحافل السّياسيّة، وفي المنتديات العالميّة ... هذا الكمّ الضّئيل من النّتاج الفكري؟ أيعقل أن تغيب عن ميادين الثّقافة، وتبتعد عن مجالات الفكر، وتتنحّى عن حلبات التّواصل؟؟؟ وربّما قال بعضهم: إنّ الجزائر لا تملك ما تقدّمه للعالم فكرا وثقافة، وإلا لماذا تكون مشاركتها هزيلة؟
نحن- بدورنا- نتساءل لماذا تظلّ مشاركة الجزائر في المعارض العربيّة هزيلة جدًّا، وأحيانا تكون غائبة غيابا كليًّا عن هذه المعارض؟ إنّ القلب ليمتلىء حسرة، وإنّ النّفس لتعتصر كمدًا .. ؛ بسبب حضور الجزائر المحتشم والهزيل – أحيانا- في المحافل الفكريّة الدّوليّة، وبخاصّة العربيّة منها والإسلاميّة.
ثَمَّن العمانيّون إصدارات الجمعيّة، وقدروا جهود القائمين عليها. كما علّقوا على هذه المشاركة، وعلى النّجاح الذي حصل للجمعيّة آمالا عريضة؛ لمواصلة الدّرب في المشاركة في المعارض القادمة؛ قال لي أحد الشّباب: لماذا تأخّرت ّ التّراث في المشاركة إلى هذا اليوم؟ ومهما يكن فإنّي أعدّ مشاركة الجمعيّة في هذا المعرض مهمًا، أتمثّل انتقالها إلى مسقط بمثابة هجرة الصّحابة إلى الحبشة، فقد جاء بعده فتح كبير للإسلام، ونصر عتيد للمسلمين ..
معنى قوله: إنّ هذه الخطوة ستفتح آفاقاً كبيرة وعريضة للتّواصل الفكري والثّقافي بين الجمعيّة – بخاصّة-والجزائر – بعامّة - وسلطنة عمان، وسيلتقي – وبشكل واسع ودائم- الشّعب العماني بالكتاب الجزائري. نرجو أن يتحقّق هذا بإذن الله.
إنّ المعرض كان كبيرًا في عدد الدّول التي شاركت فيه، وفي عدد الدّور التي عرضت إصداراتها. وفي تنوّع العناوين التي قدّمت، وفي الجديد الذي نزل في السّوق، يكفي أن نشير إلى بعض الإصدارات التي أبرزها المعرض، التي صدرت بداية سنة 1428هـ/2007م. مثل ما نشره الدّكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والدّكتور عدنان رضا النّحوي، وكتاب:" لم يُعدم صدّام وعديّ وقصيّ لم يقتلا" وغيرها. وقد عرض في المعرض نحو ثلاثة وثلاثين ألف عنوان.
كما رافق هذا المعرض ندوات أقيمت في خيمة المعرض في كل أيّام المعرض. إلى جانب ندوات أقيمت في التّلفاز كلّ يوم، في برنامج "صدى المعرفة"، من إعداد الأستاذ محمد الحجري. وقد شاركنا في إحداها مع الأستاذ سعيد بن سلطان الهاشمي، من سلطنة عمان، والكاتبة الكويتيّة فاطمة العلي. وكان موضوع النّدوة قد دار حول القراءة، هي أزمة كِتاب أم كُتّاب؟!
كانت لنا لقاءات فكريّة، ومناقشات ثقافيّة مع بعض المثقّفين والعارضين، فتعارفنا وتحاورنا، وتناظرنا، وتشاورنا. وقد كشفت لنا هذه اللّقاءات عن خلل في العلاقات التي بين المثقّفين، وعن الانقطاع في التّحاور الثّقافي، والتّناظر الفكري، والتّشاور النّظري .. ممّا عطّل وسائل الارتقاء بفكرنا، وسبَّب ضعف التّفاهم بيننا، وأنتج سوء تقدير بعضنا بعضا ... كلّ ذلك أورث تعطيلا لطاقاتنا، وأفرز ضعفا في التّعاون فيما بيننا. لقد كان من حسنات هذا المعرض تلافي هذه النّقائص، وإحراز تلكم النّتائج. إلى حدٍّ ما ..
تركت مشاركة جمعيّة التّراث في المعرض انطباعًا حسنا، فقد تمكّنت من نقل جزء من اهتمام الجزائريّين الفكري الثّقافي. وكشفت عن وجه من وجوه الجزائر بعين سوداء، أو عشواء، أو عوراء، أو حولاء، أو، أو ... إنّ تراث الجزائر وثراءه في حاجة إلى تعريف أحسن، وتقديم أوعى، وتثمين أعدل. إنّ المعارض من هذا النّوع والحجم وسيلة مهمّة وجيّدة، ومناسبة للقيام بهذا العمل وأداء هذه الرّسالة. (1/95)
صفحة 93
سمحت لنا هذه المشاركة بتقويم ما عندنا من فكر، وما بحوزتنا من مؤلّفات، وما نعرضه من إصدارات. لقد وجدنا أنفسنا ما نزال متأخّرين كثيراً في كمّية ما تصدره مطابعنا من منشورات، وما نزال بعيدين عن كثير من الجمعيّات والدّور والدّول؛ في تنوّع إصداراتها وقيمتها، وفي مواكبة الأحداث والعصر في النّشر: شكلًا ومضمونًا، وإخراجًا وتنسيقًا. وممّا لفت نظرنا- إلى جانب مجالات كثيرة - تطوّر أدب الاطفال تأليفا وإخراجا.
وجدنا أنفسنا متخلّفين في طريقة نشر فكرنا وثقافتنا بشكل واع ممنهج، وبتخطيط محكم مدروس وموجّه. كما أنّنا سجّلنا تخلّفا عن غيرنا في شمولية تأليفنا لمختلف حقول المعرفة، ومواكبة المشهد الثّقافي والفكري العالمي.
إنّ مبادرة جمعيّة التّراث في المعرض الكبير تستحقّ كلّ تقدير، وتنتظر من المسؤولين كلّ تشجيع ودعم، وتبحث لها عن فضاءات أخرى للبروز، وتطلب جهات جزائريّة أخرى أن تشاركها – كما بادرت غيرها- هذه التّظاهرات وهذه الخرجات. نشير إلى أنّ الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، التي غادرت ورحلت وتركت مكانها للمؤسّسة الوطنيّة للكتاب، قد شاركت سنة 2001م في معرض مسقط الدّولي للكتاب بجناح هزيل جدّا، كما أنّ مكتبة الهدى لمدينة عين مليلة شاركت بدورها سنة 2006م
القرارة يوم: 27 من صفر 1428هـ
17 من مارس 2007م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق رقم (9):
رسالة شكر وتقدير والتزام!!
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أخي الكريم الشّيخ طالب بن خلفان بن سالمين الضّامري، السّلام عليكم، حفظكم الله ورعاكم، وسدّد خطاكم، ووفّقكم في أعمالكم، وأعانكم على تنفيذ مشروعاتكم الخاصّة بنشر الفكر الأصيل، وبعث الحيوية والنّشاط في مسار طبع الكتب، وجمع كلمة الباحثين للنّهوض بواجب العمل المؤسّس الجاد في التّأليف والدّراسة، ونفض غبار الكسل والخمول عن النّفوس الرّخوة المتثاقلة في العمل، وإبعاد خلق الجبن والخوف من التّعريف بالحقائق وإبراز العلم الصّحيح، ونشر المعرفة الحقيقيّة.
أخي الفاضل، الجلسة التي عقدناها – بتفضّل منكم ودعوة من حنابكم – في منزلكم العامر بـ (معبيلة) يوم السّبت الثّاني والعشرين من شهر رجب 1434هـ/ الفاتح من شهر جوان 2013م، التي جمعتم فيها ثلّة من المشايخ والدّكاترة والأساتذة والشّباب. كانت فاتحة خير، وفتحًا مبينًا للفكر الإباضي، جزاكم الله عن الإسلام والمذهب الإباضي كلّ خير.
إلى جانب تناول العشاء الفاخر. عرضتم علينا مشروعًا مهمًّا لخدمة الفكر الإباضي، وحمّلتم مسؤوليّة تجسيده الجميعَ، وبخاصّة الحاضرين في الجلسة من دون استثناء، وركّزتم على ضرورة استثمار الأجواء العالميّة التي تصبّ في صالح الفكر الإباضي، التي وفّرت عوامل وظروفًا تاريخيّة، وسنحت فرصًا كبيرة لنشره، وإقبال النّاس على فهمه، واعتناق بعضهم له. وأكّدتم على واجب السّير (1/96)
صفحة 94
في خطّ السّابقين، الذين كانوا يعملون بقاعدة التّواصل بين المشارقة والمغاربة، وبمنهجيّة التّعاون والتّآزر بين الجهتين، بذلك حقّقوا الكثير من الأعمال، أفادت الجهتين، واستفاد منها جمهور المسلمين في العالم، عبر الحقب المتتابعة، فلماذا لا نفعل مثلما فعلوا، ولا نبني فوق ما بنوا، ونؤسّس للنّشاط والحركة مثلهم وأضعاف ما صنعوا؟؟!! فالفرص المتاحة اليوم قد لا تعود غدًا، وما نفرّط فيه نحاسب عليه، ومن يضيّع الفرص يتجرّع الغصص.
فيا قومُ هُبُّوا، إنَّما العُمر فرصةٌ ... وفي الدّهر طُرْقٌ جمّةٌ ومنافعُ
شكرًا لكم أخانا طالب، يا طالب الحقّ! وطالب العمل والجدّ والمثابرة .. ! على هذه المكرمة، وهذه الخطوة المهمّة، نرجو أن تلقى دعمًا من الحاضرين في الجلسة، ومن المسهمين في النّقاش الذي دار فيها. ومن الغيورين على دين الله، وعلى مذهبهم وفكرهم، والحريصين على العمل الجاد المثمر، والمشفقين على حال المسلمين، الذين هم في حاجة إلى فكر قويّ وأصيل كالفكر الإباضي، ينقذهم من الوهاد التي يقبعون فيها، ويصعدهم إلى النّجاد التي تقيم لهم الحياة الصّحيحة والسّعيدة لهم في دنياهم وأخراهم. فمن بركة هذا اللّقاء التّاريخي ميلاد مشروع قصيدة لشاعر عمان المبدع سالم بن علي الكلباني _ حفظه الله تعالى – التي يخصّصها لتسجيل مآثر المذهب الإباضي، كما طلبتم منه ذلك. والتي تكون موجّهةً للشّباب – بخاصّة -؛ ليتعرّف على فكره ومذهبه.
أخي طالب!! أرجو منكم متابعة ما اقترحتم وبدأتم فيه، وأبديتم له حماستكم المعهودة، وشدّتكم ولومكم العنيف على المتقاعسين ... وتولّي مسؤوليّة تسيير هذا المشروع .. فأوّل ما تفعلونه الآتي:
1 - تنظيم جلسات دوريّة مع من حضر وتعهّد بالعمل.
2 – طلب كلّ واحد منهم تقديمَ مشروعه الذي يمكن له تنفيذه.
3 – هذه المقترحات التي يقدّمها الأساتذة تشكّل مشروعًا عامًّا متكاملا، وَفقه يسير المشروع العام، ومن الجميع تتكوّن الجماعة العلميّة، لتوزيع العمل والتّنسيق والتّعاون والتّكامل .. (1/97)
صفحة 95
4 - التّنسيق مع الجهات التي ترونها فاعلة وملتزمة بالعمل للاستفادة من كلّ الإمكانات الماديّة والمعنويّة، ولاستغلال كلّ الطّاقات، واستثمار كلّ المواهب ..
5 – يكون العمل وفق أهداف محدّدة، وخطط تكون قريبة المدى، ومتوسّطة المدى وبعيدة المدى.
6 – المشروع يكون وفق استراتيجيّة تغطّي كلّ الجوانب التي يحتاجها المذهب الإباضي، وما يخدم كلّ المناطق التي بوجد فيها الإباضيّة، ووفق مايفيد المسلمين في العالم ..
7 – التّحلّي بالهدوء في الحوار، والمنهجيّة في البحث، والرّزانة في التّحرّك، والنّأي عن التّشنّج والتّعصّب، والهجوم على الآخر، والاكتفاء والالتزام بنشر الفكر، والتّعريف بخصوصيّة المذهب الإباضي ...
هذه بعض الملاحظات والانطباعات السّريعة التي استوحيناها من لقاء يوم السّبت المبارك، وهذه بعض المقترحات الأوليّة، أرجو مناقشتها وتحليلها ونقدها والإضافة إليها. نرجو انتّواصل وعدم الانقطاع عن اللّقاءات والمراسلات والاستشارات ... وفّقنا الله إلى ما يحبّه ويرضاه، وجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، ونفع به عامّة المسلمين. إنّه الهادي إلى الصّواب، وهو نعم المولى ونعم النّصير.
الجزائر يوم الإثنين: 01 من شعبان 1434ه
10 من جوان ... 2013م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/98)
صفحة 96
الملحق رقم: (10)
انتداب إلى سلطنة عمان (1977 ـــ 1979م)
انتدبت أنا والأخ بيّوض عمر بن بابه من طرف وزارة التّربية والتّعليم بسلطنة عمان؛ للقيام بوظيفة خبراء في التّربية الإسلاميّة. كان أوّل عمل كلّفنا به هو القيام بجولة استطلاعيّة وتفتيشيّة للجوامع؛ للتّعرّف على الشّيوخ، وعلى طريقة التّعليم، كما كلّفنا بالاطّلاع على الدّراسة بمعهد الوطيّة الإسلامي بمسقط.
بعد هذه الجولات كلّفنا بالتّفكير في طريقة لتطوير التّعليم الدّيني، خاصّة في الجوامع، التي كانت تدرّس حسب الطّرق التّقليديّة، ولا تخوّل للمتخرّجين منها أيّ تكوين، أو أيّ مستقبل.
فشرعنا برسم خطّة، تخوّل لطلبة الجوامع أن يدرسوا القرآن والعلوم الشّرعيّة في الجوامع، ويدرسوا العلوم الأخرى بالمدارس النّظاميّة (على غرار ما عندنا بوادي ميزاب).
بعد هذا يخوّل للطّلبة المتخرّجين من الجوامع الدّخول إلى المعهد الإسلامي بـ "الوَطِيَّة" الثّانوي؛ حيث يتخصّصون في العلوم الإسلاميّة، وبعدها ينتقلون إلى الكلّيات الإسلاميّة.
عندما انتهينا من إعداد الخطّة، عرضناها على الشّيوخ، وكانت الخطّة تشتمل على تقرير لواقع التّدريس بالجوامع، وعلى مشروع لتطوير تلك الدّراسة، وعلى خطّة مرحليّة للتّطبيق العملي للمشروع.
عرضت الخطّة شفاهيّا وكتابيّا على معالي وزير التّربية آنذاك، فحبّذها، لكنّها باءت بالفشل؛ لأنّ الخطّة كانت تحرم بعض الطّلبة من بعض الامتيازات الماديّة مع الأسف.
في ميدان التّأليف كلّفنا بإعداد مجموعة من الدّروس في بعض المواضيع الخاصّة بالحديث والفقه، لصالح قسم التّربية الإسلاميّة.
فيما يخصّ أبناء الإباضيّة الذين يدرسون في المدارس النّظاميّة بمسقط، قمنا بفتح نواة لمدرسة قرآنيّة، تدرّس المواد الشّرعيّة وتوابعها، وذلك بين المغرب والعشاء في مسجد "عبد الرّضا" برويّ (مسقط)؛ حيث درّسنا لهؤلاء التّلاميذ المواد الآتية: القرآن الكريم؛ حفظا وتلاوة (بتعليمهم بعض مبادئ التّجويد) الفقه، التّوحيد، الحديث (حفظا وشرحا). وكان المقصود من هذا هو فتح مدارس قرآنيّة، على غرار ما عندنا بوادي ميزاب.
ونظرا لوجود طلبة يتخرّجون من المدارس النّظاميّة (ومن الجوامع خاصّة) يتأهّلون لتدريس العلوم الشّرعيّة، وهؤلاء يكونون عادة غير مؤهّلين لذلك، طلبت من دائرة المناهج والتّأهيل التّربوي، قسم التّدريب والتّأهيل التّربوي، إعداد دورة صيفيّة مكثّفة لهؤلاء، فشرعنا في تأليف بعض الدّروس الأساسيّة، يتلقّاها المتأهّل شفاهيّا وكتابيّا، ثمّ يمتحن فيها. فشاركنا في التّأليف والتّدريب والامتحان والتّصحيح. هذا كلّه في السّنة الدّراسيّة (1977 ــ 1978م).
أمّا بالنّسبة للسّنة الدّراسيّة (1978 ــ 1979م) فقد عيّنت مديرا للمعهد الإسلامي الثّانوي بالوطيّة (مسقط)، أمّا الأخ عمر بن بابه بيّوض فرجع إلى الجزائر. أعانكم الله.
أخوكم: حميد أوجانه سليمان بن النّاصر (ملاّلي) (1/99)
صفحة 97
الملحق رقم: (11)
تقرير عن مهمّة في عمان
مرّت العلاقة بين عمان والجزائر بفترة فتور، وبخاصّة إبّان الاستعمار الفرنسي للجزائر، لولا بعض المراسلات التي كانت تربط الصّلة بين شيوخ الإباضيّة في البلدين، أو اللّقاءات في موسم الحجّ، أو تبادل الآراء والفتاوى ...
بعد استقلال الجزائر سنة 1962م استؤنف تبادل الزّيارات بين المشائخ بكلا البلدين؛ ممّا نتج عنه إرسال بعثات من الطّلبة العمانيّين إلى مدينة القرارة (الجزائر)، وانضمامهم إلى مدرسة الحياة ومعهد الحياة الثّانوي، والإيواء في دار البعثات البيّوضيّة، لمدّة تزيد عن العقد من الزّمن. وكان هؤلاء الطّلبة خير سفراء لبلادهم؛ من حيث الأخلاق والدّين والانضباط وحبّ العلم، والمثابرة والجدّ. وعند رجوعهم إلى وطنهم كانوا مصدر إشعاع وتنوير وتطوير وتحديث لمجتمعهم العماني، الذي كان يتطلّع إلى الاستفادة من التّجربة الميزابيّة في التّنظيم الاجتماعي والتّربوي والتّعليمي. وقد تبوّأ هؤلاء الطّلبة مراكز اجتماعيّة ومهنيّة ووظيفيّة مهمّة، أثبتوا فيها كفاياتهم.
بعد هذه التّجربة فكّر العمانيّون في تطوير التّعاون باستقدام أساتذة ومشائخ وإطارات من الجزائر إلى عمان؛ للمشاركة في الحياة التّنمويّة التي تعيشها البلاد، في عهد السّلطان قابوس، وللاستفادة ميدانيّا من التّجربة الميزابيّة في جانب الحركة التّعليميّة، وترسيخ المذهب الإباضي، وتنظيم المجتمع. وقد تكفّل بهذه العمليّة كلّ من الشّيخ عدّون (سعيد بن بالحاج شريفي) حفظه الله، والأخ النّاصر بن محمّد الزّيدي، ممثّلا عن العمانيّين، وعلى رأسهم الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي ــ حفظه الله ــ وبعد استشارات واتّصالات ببعض المشايخ والإطارات، وتعذّر ظروف البعض لخوض هذه التّجربة، استتبّ الأمر إلى الأخ حميد أوجانه سليمان بن النّاصر (ملاّلي) والأخ بيّوض عمر بن بابه، (كاتب هذه المذكّرة)، وقد كانا موظّفين في وزارة التّربية الوطنيّة الجزائريّة.
بعد إتمام التّرتيبات الإداريّة مع الوزارة والتّرخيص لهما بالاستفادة من وضعيّة (الاستيداع)، تمكّن المعنيّان من السّفر إلى عمان في بداية شهر ديسمبر من عام 1977م، وقد مكثنا مدّة شهر في فندق الفلج، كفترة استطلاعيّة وتعريفيّة، قمنا فيها بزيارات ميدانيّة عديدة في مسقط، وفي داخل عمان. مكّنتنا ــ في عين المكان ــ من معرفة النّظام الاجتماعي والثّقافي والدّيني والتّعليمي، والنّشاطات (1/100)
صفحة 98
المختلفة للشّعب العماني، وخاصّة الشّباب المتطلّع إلى المشاركة في الحركة التّنمويّة، التي يقودها السّلطان قابوس بن سعيد، بعد تنصيبه على رئاسة الدّولة الحديثة المزدهرة. كما تعرّفنا في هذه الجولات على الكثير من المشايخ العمانيّين ورجالات الأدب والعلم والاقتصاد؛ ممّا زاد الكثير من معارفنا عن عمان وتطلّعاتها.
بعد هذه الفترة التي دامت حوالي ثلاثة أسابيع، تبيّن لنا أنّ في عمان نظامين للتّعليم:
1 ــ تعليم في المساجد غير مقيّد بالسّنّ، على الطّريقة القديمة، أي طريقة الحلقات، ويستفيد هؤلاء الطّلبة بمنح، يستعينون بها على التّعلّم، وعلى الإنفاق على عيالهم. هذا النّظام من التّعليم لا يمكّنهم من الحصول على وظيفة رسميّة في جهاز الدّولة؛ بالرّغم من أنّ وزارة التّربية هي التي تضع البرامج، وتعيّن الأساتذة، وتسدّد مرتّباتهم.
2 ــ تعليم رسمي، كما هو الشّأن في كلّ الدّول. وينقسم إلى ثلاث مراحل: الابتدائي والإعدادي والثّانوي. وهو كذلك متكفّل به من طرف الدّولة، في كلّ متطلّباته. ولكنّ التّعليم الدّيني أقلّ حظّا في البرامج من التّعليم الأوّل. وأهل عمان في تلك الفترة كانوا متشبّثين بالتّعليم الأوّل؛ لما رأوا فيه من كثافة الحصص الدّينيّة وتنوّعها، ومن الدّروس الأخلاقيّة التي لها الأولويّة في تكوين الرّجل العماني الأصيل في نظرهم.
وقد لاحظنا نوعا من القلق في الطّلبة المتخرّجين من المساجد؛ بسبب الصّعوبات التي يتلقّونها في الاندماج في الحياة العمليّة بعمان، وخاصّة في الوظائف الرّسميّة.
من هذا المنطلق كلّفنا (أنا وزميلي) باقتراح عمل يوفّق بين التّعليمين، ويضمن تساوي الفرص أمام المتعلّمين الشّباب، والحصول على الشّهادات المعترف بها، وعلى مناصب العمل، وعلى المنح إلى الخارج.
وقد عكفت (أنا وزميلي) على العمل في هذا الاتّجاه، وبعد الاتّصال بالمشايخ والمتعلّمين والأولياء، تقدّمنا باقتراح مشروع خطّة توفيقيّة بين التّعليمين، يكون تنفيذه على المدى القصير والمتوسّط. وبعد طبعه، وفي جلسة عمل مع وكيل وزارة التّربية الوطنيّة والمعارف، قدّمنا له مشروعنا الذي تصفّحه، واستمع منّا إلى خلاصة منه، عبّر لنا عن إعجابه، وشكرنا على المجهودات المبذولة، ووعدنا بدراسته على مستوى أعلى. لكن بكلّ أسف لم نُراجَع في الموضوع، ولم يظهر للمشروع أثر للتّنفيذ في الفترة التي قضيناها في عمان.
بعد أيّام تمّ تعييننا بصفة خبراء في التّربية الإسلاميّة (أي مفتّشين) للسّنة الدّراسيّة: (1977 ــ 1978م)، وعملنا بهذه الصّفة كموظّفين عاديّين، مثل المتعاقدين الأجانب، وتمّ تعييننا للموسم الدّراسي (1978 ــ 1979م) في إدارة المعهد الإسلامي بِـ (الوطيّة)، ولكن لظروف خاصّة انقطعت، ولم ألتحق بعمان في السّنة الدّراسيّة (1978 ــ 1979م)، وواصل زميلي العمل في عمان، في تلك السّنة كمدير للمعهد الإسلامي، ثمّ انقطع في نهاية الموسم الدّراسي، وكان من أسباب الانقطاع هو الإحباط؛ بسبب عدم تحقيق الهدف الذي كان يصبو إليه المشايخ هناك، وكنّا ذهبنا من أجله.
عمر بن بابه بيّوض (1/101)
صفحة 99
الملحق رقم: (12)
تقرير عن وادي ميزاب
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه بما هو أهل، وأصلّي وأسلّم على أشرف المرسلين، سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد ..
فهذا تقرير مختصر أتحدّث فيه عن مدى استفادتنا من الرّحلة إلى جمهوريّة الجزائر العربيّة الشّقيقة؛ بهدف حفظ القرآن الكريم، وقد أنعم الله عليّ باستظهاره في التّاسع من محرّم الحرام من عام 1411 هـ، يوم الثّلاثاء لثالث مرّة، وهي الأخيرة ... فأقول:
ـــ حفظ القرآن
كلّنا يعرف مكانة القرآن الكريم في قلوب المسلمين، ومن ذا الذي يجهل منزلة هذا الكتاب الرّبّاني الخالد، الذي هو معجزة الحقّ للخلق، والمنزّل على قلب خير البشر، عليه أفضل الصّلاة والسّلام، كما بهرت آياته المعتبرين، وقهرت حججه المعاندين، ولو أنّ الإنس والجنّ اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
إنّ من يتأمّله بعين التّدبّر والتّفهّم، لا يجد فيه اعوجاجا ولا تعسّفا في القول، ولا يصعب عليه فهمه؛ لسلاسة التّعبير فيه، بل يجد نفسه تعيش عالما من الغبطة؛ لما أعدّ الله لعباده المتّقين، وتعيش عالما من الحزن، عندما تتلو آيات توعّد الكافرين، وتعيش مع الأنبياء في سيرتهم العطرة، وتشاهد عظمة الخالق في كلّ ما خلق، وقدرته وحكمته في كلّ ما صنع.
إنّ خصائص القرآن لا يمكن أن يحويها سِفر ولا كتاب، يكفي من خصائصه وصفاته تلك التّراكيب العجيبة في التّنظيم، بحيث لو غيّرت كلمة عن مكانها أو حرفا عن محلّه لانتثر العقد، ولاختلّ النّظم، ولهذا كان هذا الكتاب الخالد أعزّ من كلّ كتاب، وأوّل ما يبدأ الطّفل المسلم بحفظه وحمله بين جوانحه، إذ به يتقوّم اللّسان، كما يستقيم ما في الصّدر والجنان، وكم نجد الاقتباس من كلماته في كثير من كلام فصحاء العرب وخطبائهم، حتّى إنّ الخطبة كانت إذا خلت من آيات القرآن الكريم تسمّى شوهاء، لذلك كان حفظ هذا الكتاب الخالد في صدر المسلم أمنيّة يتمنّاها، وهدفا يسعى إليه، إذ أنّه يعلم أنّ حفظ القرآن الكريم من الوسائل والسّبل الموصلة إلى الفلاح في الدّنيا، ورضوان الله في الآخرة.
وقد يتساءل القارئ: ما الذي جعلني لا أختار بلدا غير بلاد الجزائر، أحفظ فيها القرآن؟! (1/102)
صفحة 100
الجواب: إنّها بلاد عرفنا اهتمام الإباضيّة فيها بتحفيظ القرآن الكريم على طرق سليمة، وأسس مستقيمة، يعيش بينهم حافظ القرآن بيئة القرآن. فربّما تجد في بعض الدّول الإسلاميّة أمكنة لحفظ القرآن مع جماعة من المشائخ والتّلاميذ، إلاّ أنّك لا تعيش معهم ذلك المجتمع، الذي تعيشه في وادي ميزاب، إذ أنّك تعيش في وادي ميزاب وأنت تحفظ القرآن مجتمعَ القرآن، وتجد أناسا كثيرين هم مصاحف، تمشي على الأرض، فكأنّما أنت هناك بين قواعد تحفظها، ثمّ تطبّقها عمليّا، يجعلها أشدّ رسوخا في سلوك النّفس، بعدما رسخت في جوانح الفؤاد. ومع كلّ هذا فقد لاحظنا من سبقنا من الإخوة إلى حفظ القرآن في هذه البلاد، يثني عليها ثناء جميلا، فعقدنا النّيّة على زيارتها، وكان ذلك دافعا إلى محاولة السّفر إليها.
وأمّا عن كيفيّة حفظ القرآن في هذه البلاد وكيفيّة تحفيظه، فقد وجدنا الطّلبة من قرى وادي ميزاب، يتوافدون إلى معهد الحياة في فترة الإجازة الصّيفيّة، فيجتمعون فيه، لهم فيه المسكن والمأكل والمشرب، يجمعهم النّظام والهدف المشترك، وتحد وهم الرّغبة العارمة في استظهار القرآن الكريم. نجدهم يحفظون القرآن في المسجد (المصلّى)، يبدأون من صلاة الفجر إلى قبيل الظّهر، فيقيلون ثمّ يتغذّون (يأكلون الغذاء)، ثمّ يعودون إلى حفظ القرآن حتّى موعد العشاء، ثمّ يتوقّف عملهم في العاشرة ليلا، فيأخذون قسطهم من نوم اللّيل. ويساعدهم بالاستظهار والمراجعة أثناء فترة الحفظ طلبة عرفاء، أي نوّاب عن الشّيخ، الذي يُعرَض عليه العرضة الأخيرة، يحفظون القرآن ويساعدون الطّلبة في الاستذكار والمراجعة والاستظهار. وقد تبرّع أحد هؤلاء العرفاء فأقام معنا في البيت الذي هُيِّئَ لنا؛ كي نحفظ فيه، حتّى نراجع عنده ما نحفطه يوميّا. وعندما ينتهي الطّالب من خمسة وعشرين جزءا أو القرآن كاملا، يبدأ عرضه على الشّيخ في المسجد ثلاث مرّات غالبا. وقد استظهرت أنا عند الشّيخ "كرشوش محمّد" مرّتين، الأولى كانت سبعة أجزاء، بعد صلاة العصر إلى قبيل صلاة المغرب، فاستظهرته في أربعة أيّام. والثّانية كانت سبعة أجزاء، أو ثمانيّة، من بعد صلاة الفجر إلى قرب شروق الشّمس، وكذلك بعد صلاة العصر، فاستظهرته خلال يومين. ثمّ عرضت القرآن العرضة الأخيرة من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظّهر عند الشّيخ "الحاج داود احْجوجَه"، من هيئة العزّابة. وكثير من الطّلبة ينتهون من استظهاره في السّاعة العاشرة والنّصف صباحا. أمّا أنا فقد استطعت أن أصل إلى سورة الشّورى من الجزء الخامس والعشرين، ثمّ أذّن المؤذّن لصلاة الظّهر، فأكملت ما تبقّى بعد صلاة العصر. وبذلك صرت حافظا عندهم وعند نفسي. ذلك أنّ الطّالب يحسّ بمقدار تمكّنه في الحفظ، عندما يعرضه المرّة تلو المرّة على شيخه. وإذا قال له الشّيخ: حفظك جيّد، فكأنّما السّموات والأرض على رحابتها لا تسع فرحته. وكان بودّي ــ والله ــ لو تركني الشّيخ، ولولا شدّة حيائي أن أقوم فأقبّل رأسه، عقب فترة الاستظهار، وكم تكون فرحة مدارس القرآن بأكملها عندما ينتهي الطّالب من حفظ القرآن، فنجد أنّ الطّلبة الذين يستظهرون القرآن يحضرون أكثر من حفل لتكريمهم، ويُلبسون لباسا خاصّا بهم، ويُسمح لهم في دخول حلقة "إيروان" لحفظة القرآن الكريم.
ممّا لاحظنا سرعتهم في قراءة القرآن، سرعة لامثيل لها، خاصّة الطّلبة الذين يحاولون حفظ القرآن، ربّما ليكسبوا الوقت، أو ليكون حفظهم أكثر تركيزا. وهذا في حدّ ذاته صحيح إذ أنّ الطّالب بتلك السّرعة يستطيع عند المراجعة أن يسترجع سبعة أجزاء وأكثر في اليوم. ولقد كان من نصائح المشائخ للطّلبة، بعد حفظهم القرآن أن يراجعوا منه سبعة أجزاء كلّ يوم على الأقلّ، فلو كان الطّالب بطيئا في قراءته لربّما داخل نفسه الوهن وعدم المقدرة.
ـــ التّعرّف على المجتمع الميزابي (1/103)
صفحة 101
يقع وادي ميزاب في الجنوب الشّرقي من الجزائر، يتخلّل هذا الوادي خمس قرى متجاورة: غرداية (مقرّ الولاية)، بني يسجن، العطف، بنورة، مليكة. وعلى مقربة منها في جهة الشّمال تقع قرية (برّيّان)، تتلوها القرية التي أقمنا فيها قرابة شهرين وثلاثة أسابيع (القرارة). أمّا باقي القرى فقد تجوّلنا فيها الأسبوع الأخير، ما عدا برّيّان.
بيوت القرى الميزابيّة متّصلة بعضها ببعض، تبنى من الجصّ غالبا، وهي في أكثرها لا تتعدّى الطّابق الواحد. ويكون أسفلها دهليز، ينفع للإقامة فيه صيفا وشتاء، وتتخلّل البيوت طرق وسكك، تؤدّي جميعها إلى الجامع، فلا ترتفع بك حتّى توصلك إلى المسجد، الذي يتوسّط كلّ قرية. وفي الغالب تبنى هذه القرى على تلّ مرتفع، يعلو ذروته المسجد، ثمّ تهبط من جوانبه سلسلة البيوت المتّصلة من حوله، ويحيط بالقرية سور له أربعة أبراج للحراسة والمراقبة.
مصادر الدّخل من التّجارة والزّراعة والصّناعة، وكثير من الشّباب في المؤسّسات الحكوميّة وإقبالهم هذا على الوظائف أثّر على عائدات الجانب الزّراعي؛ لانشغالهم عنه. ومن الميزابيّين من هو متخصّص في العلوم الحديثة وعلى مستوى راق فيها.
والميزابيّون قليلون في العدد، لكنّهم كثيرون في الأعمال، ولهذا يستكثرهم من يجهل حالهم؛ لأنّهم يوجدون في كلّ عمل، وفي كلّ مكان، حتّى إنّ البعض يقول عنهم: لو ذهبنا إلى القمر لوجدنا الميزابيّين وقد بنوا مسجدا ومقبرة!! وهم لا يتجاوزون المائتين والخمسين ألف نسمة تقريبا.
يعيش النّاس متآلفين متحابّين، يتعاونون فيما بينهم، متكافلين بشكل يحفظ المجتمع من مظاهر البؤس والشّقاء، أخلاقهم حسنة، وخلالهم حميدة، يعطف الكبير على الصّغير، ويوقّر الصّغير الكبير، بسطاء في مظاهرهم، لا تكاد تميّز ذا الثّراء من ذي المسكنة، ويقف النّاس جميعا بين يدي خالقهم خمس مرّات، محافظون على الجماعة في مساجدهم، يكبّرون تكبيرة واحدة، بصوت مسموع، تهتزّ له أركان المسجد ...
والحقّ إنّي لم أحسّ بوجود أمّيّة بينهم، على ما رأيتهم من كثرة اجتماعاتهم ونشاط المشائخ منهم في التّوعية والتّوجيه، في جميع شؤون الحياة. ومن حدّثناه منهم، سواء الغنيّ و الفقير، وجدنا عنده قدرا لا يستهان به من الثّقافة، واستفدنا من الحديث معهم كثيرًا، فالفلاّح ماهر في الحديث عن فلاحته حديثًا يبيّن معرفته بأصول الفلاحة الحديثة. ومثله التّاجر والبنّاء والكهربائي، والكلّ في مستوى من الثّقافة، وعلى اطّلاع بمجريات الأمور وأحداث العالم، بما هو كاف وزيادة لمن كان في عملهم.
نظام العزّابة
مرّ على هذا النّظام ألف عام تقريبًا، منذ أن أسّسه الشّيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الفرسطّائي النّفوسي.
عزّابة الحلقة في العرف الجاري بوادي ميزاب عبارة عن جماعة مؤلّفة من اثني عشر عضوًا، وربّما بلغ عددهم أربعة عشر، ولكلّ عضو خليقة.
1 ـ شيخ الحلقة.
2 ـ الإمام – إمام الصّلاة -.
3 ـ المؤذّن.
(وهؤلاء عليهم الحلّ والعقد، وهم كالقطب لا يتحرّكون من موضعهم إلى الموت، وعند موت واحد منهم يتحوّل أقدم الجماعة لمنصبه).
4 ـ ثلاثة يقرئون الصّغار في المحاضر. (1/104)
صفحة 102
5 ـ أربعة أو خمسة يغسلون الموتى، وكذلك من النّساء.
6 ــ وكيلاَ المسجد.
7 ــ قاضي البلد.
يختار أعضاء هذه الحلقة زاوية في المسجد يقيمون بها لأجل العبادة وقراءة العلم ودراسته، ولهم دار خاصّة بجانب المسجد، يعقدون فيها جميع اجتماعاتهم، لا يدخلها أحد غيرهم.
وهذا النّظام في كلّ قرية من قرى وادي ميزاب، ولكن قد تقع بعض المشاكل التي تحتاج في حلّها أن تتعاون جميع جهود مشائخ القرى الميزابيّة؛ لذلك رأى أهل هذه القرى أن يكوّنوا مجلسا أعلى، ينعقد في أماكن معيّنة ولأسباب معيّنة. يقول عنه الشّيخ أبو اليقظان: "هو مجلس أعلى يتألّف من كبار عزّابة قصور ميزاب وعلمائه، تنعقد جلساته الدّوريّة في أوقات، تختلف حسب مقتضيات الحال، في ما بين خمسة عشر يوما، وما بين ثلاثة أشهر في أماكن ثلاثة:
1 ــ روضة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل بمليكة.
2 ــ روضة أبي عبد الرّحمن الكرثي بمليكة.
3 ــ روضة عمّي سعيد بن عليّ الخيري الجربي في غرداية.
ويُنسب المجلس لكلّ مكان ينعقد فيه. وهو مجلس واحد، لا متعدّد، له نظامه الخاصّ. ولكثرة اجتماع أعضائه في روضة عمّي سعيد الجربي، غلب على هذا المجلس اسم مجلس عمّي سعيد."
ويقول الأستاذ عبد الرّحمن بكلّي في هذا الشّأن: "كان لمجلس عمّي سعيد مظهران:
1 ــ كان محكمة استئناف، يتركّب أعضاؤها من سبعة علماء، على نسبة عالم من كلّ قرية من قرى ميزاب، تعيّنهم هيئتها الدّينيّة، وتختارهم ممّن انتهت إليهم رئاسة العلم في قراهم، ترفع إليها أحكام قضاة ميزاب، فتصدر فيها حكمها النّهائي.
2 ــ كان مجلسا وطنيّا، يبثّ في قضايا الأمّة، ويصدر اتّفاقيّات، تتناول مناحي الحياة فيها، تشريعيّة كانت أو اجتماعيّة أو زجريّة أو سياسيّة، تعتبر كقوانين نافذة المفعول، تتولّى تنفيذها السّلطة الحاكمة في كلّ قرية من قرى ميزاب."
ولنظام العزّابة اهتمام بالنّاحية الاقتصاديّة في إشرافه على الأسواق ومعاملات النّاس فيما بينهم، ويعيّنون كلّ يوم جماعة من شباب المدينة، يحرسونها بالتّناوب، ولا يعقد زواج إلاّ على يد الإمام من مشائخ العزّابة. وبهذا يكون كلّ زواج تحت إشرافهم، بحيث لا يدخله ما يخالف الشّريعة.
ـــ نشاط الموجّهين فيه
الحقّ إنّ هذا النّظام لم يكن ليبقى لولا عناية الله سبحانه، بتهيئة من يقوم به من المشائخ والعلماء العاملين، ولقد كنّا ونحن هناك نحسّ بمتانة الرّابطة وإخلاص الولاء من قبل جميع النّاس لهذا النّظام، ونرى المكانة التي يتبوّؤُها أعضاؤه في قلوب النّاس، سواء من الكبار أم الصّغار، وذلك لقيام رجاله بالأعباء المناطة بهم على أحسن الوجوه.
إنّ الرّبط المعنوي بين الشّباب والشّيوخ في المجتمع يجعل سلسلة البناء تقوم على أسس متينة وقواعد ثابتة، فيقوم الحاضر على صرح الماضي، دون هدمه، ثمّ محاولة تعميره من جديد، كما هو الحال في كثير من المجتمعات الإسلاميّة في عصرنا الحاضر، بينما نجد الرّباط المعنوي أساس كلّ بناء في مجتمع وادي ميزاب. وشباب الحاضر هم امتداد لحياة المشائخ الذين قاموا بدورهم على أكمل وجه، ثمّ أعطوا ثمرة جهودهم خلفاءَهم من أبناء المستقبل وبناته. (1/105)
صفحة 103
وعلى هذا فلم يهمل المشائخ في وادي ميزاب جانب الشّباب، وهم الجيل الصّاعد، بل ربّوه التّربية الإسلاميّة، ولم يأْلوا جهدا في تخلّلهم بالموعظة كلّما لاحت الفرصة السّانحة، وما أكثر الفرص لو فقهنا وتفطّنّا إليها في كلّ مجتمع، يُراد له أن يعيش تحت ظلّ الإسلام، ولكن ما أقلّ من ينتهزها للصّالح العام!
ونحن رأينا اللّقاءات الكثيرة التي يلتقي فيها الشّباب بالشّيخ، ويفسح المجال فيها لإيراد كلّ ما يدور بخواطر الشّباب، ولا يجدون ما يشفي غليلهم فيه إلاّ حكمة المشائخ الذين جمعوا مع تجارب الحياة حظّا وافرا من العلم، وتلك اللّقاءات منها الدّوريّة، ومنها ما تقام عند مناسبات الزّواج والجنائز والحفلات العامّة.
ـــ الاهتمام بالجانب النّسوي والطّفل
قال لي أحد الميزابيّين: إنّ زوجة الميزابي تكون معه في كلّ محاضرة، يستمع إليها، وفي كلّ مجلس يجلس فيه، ولم أستغرب ذلك، ولم يقع في خلدي أبدا أنّ من كان شأنه تطبيق تعاليم الإسلام ينسى جانب المرأة، وهو جانب حسّاس في المجتمع.
ولقد أشرت فيما سبق أنّ هيئة العزّابة خصّصت للنّساء هيئة نسائيّة تعرف باسم "الغسّالات"، وتكون هذه الهيئة خاضعة لمجلس العزّابة، ويشترط في أفرادها أن يكنّ من الورعات الخيّرات العاملات بأحكام الله، الممتثلات لأوامره المنتهيات عن نواهيه، وكذلك متقدّمات في السّنّ.
وأطلق عليهنّ هذا الاسم لأنّهنّ الرّقيبات على جميع أحوال المرأة من حيث العبادات والتّعامل، وهنّ اللّائي يربطن بين مجلس العزّابة والوسط النّسائي، وعليهنّ أن يراقبن الأعراس ويتتبّعن سير النّساء، فإن لاحظن عصيانا وتنطّعا، يبلّغن الأمر إلى هيئة العزّابة، وهي تتولّى النّظر في الحكم.
ولقد رأينا بيتا تدخله النّساء وتخرج منه مرّات متكرّرة، وهو ملتصق بالمسجد، فتيقّنّا أنّهنّ يدخلن الجانب المخصّص لهنّ في المسجد، لا ذلك البيت، وكذلك أخبرنا.
والنّساء ملتزمات بالزّيّ الإسلامي، الذي لا يظهر من المرأة إلاّ عينها اليسرى. ولباسهنّ البياض، ولهنّ التّعلّم في مدارس حرّة، بناها أهل كلّ قرية بنفقاتهم الخاصّة، حتّى الفصل الأوّل الإعدادي، ثمّ يتزوّجن فينشغلن بأعباء البيت، وتنتهي دراستهنّ غالبا إلاّ حفظ القرآن، إذا لم يكنّ يحفظنه، فمنهنّ من تكمل حفظه بعد الدّراسة.
أمّا فيما يتعلّق بالطّفل فإنّه يلقّن منذ نعومة أظفاره مبادئ الإسلام. وما إن تحمله رجلاه حتّى يعوّد على الذّهاب إلى المحاضر (الكتاتيب) في المسجد مع إخوانه، فنجد الاثنين والثّلاثة والأربعة، يأخذ بعضهم بأيدي بعض، يدخلون المسجد، حتّى إنّنا نزدحم معهم في باب المسجد، بعد صلاة المغرب وهم يدخلون. وما مررنا على صبيّ من صبيانهم إلاّ وحيّانا بتحيّة الإسلام.
ويحفّظ الطّفل القرآن في المسجد كما ذكرنا، وبين جدران البيوت، فيبدأ خلال أربع سنوات مقسّمة. بعد سنّ الخامسة غالبا يبدأ بسورة النّاس إلى سورة البلد في السّنة الأولى تلقينا، ثمّ من سورة البلد إلى سورة القيامة في سنته الثّانية تلقينا أيضا، ثمّ إن استطاع واصل الحفظ بنفسه مع مطالبته بالاستظهار في السّنة الثّالثة والرّابعة، حتّى ينتهي من سورة البقرة، ثمّ يستظهر القرآن رجوعا من سورة البقرة إلى سورة النّاس، وغالبا ما نجد أنّ من كان في الثّامنة أو التّاسعة إلى الثّانية عشر قد استظهروا القرآن.
من أمثلة اهتمامهم بالطّفل أنّهم لا يعطونه شيئا من النّقود مهما قلّت حتّى لا تتعوّد نفسه على الحبّ الأعمى للمال، وحتّى لا يصرف النّقود في غير الأمور النّافعة، وبجانب هذا يعوّدونه على الإعطاء (1/106)
صفحة 104
وحبّ الإنفاق، فقد حضرنا حفلا كبيرا في مدرسة الحياة لتكريم النّاجحين فيها، وتكريم حفظة القرآن الكريم، وتمّ بعد نهاية الحفل جمع تبرّعات المواطنين فكنّا نرى النّساء يسقطن النّقود من فوق سطح المدرسة، ومنهنّ من ترسل أبناءها، يحمل تبرّعاتها، فكنّا نرى الطّفل الصّغير، يمدّ يده للنّقود ليعطيها شيخ المجلس الأعلى، حتّى تكون تربية له منذ سنته الأولى على الإنفاق، ويتعوّد على الإعطاء. وهذا الوعي يكاد يكون شاملا في هذا الجانب عند جميع النّاس؛ إذ أنّهم تعوّدوا على الإنفاق في وجوه الخير، فكيف لا يورّثون ذلك أبناءهم؟!
ـــ مشاركتنا المتواضعة
أذكر أنّنا لمّا دخلنا معهد الحياة قابلنا الشّيخ صالح بن أحمد حدبون وراء طاولة مكتبه، يملأ المكان بصوته المجلجل، ويبهج النّفس بوجهه المتهلّل، قال لنا وهو يدقّ الطّاولة بيده، المكان جاهز، النّقود موجودة، الكلّ جاهز، كلّ شيء تام، ما عليكم إلاّ أن تبدأوا ..
والحقّ إنّهم ما تركوا لنا شيئا نحتاجه إلاّ وجهّزونا به، ولقد كان الشّيخ صالح حدبون يتفقّدنا بنفسه، يسأل عن احتياجاتنا، ويظهر دائما أسفه في التّقصير في إكرامنا، وقد تبرّعوا لنا ببيت تابع لأحد بيوت العشائر الكبيرة نقيم فيه، وفتحوا لنا أبواب بيت العشيرة بأكمله لنحفظ القرآن في أيّ مكان فيه، وسُمح لنا مع ذلك أن ننام على سطحه.
وبيوت العشائر هذه تُبنى بنفقات المحسنين يجتمع فيها النّاس للولائم والعزائم واللّقاءات الثّقافيّة الفكريّة، وهي مكان لإقامة الأعراس، وأغلبها على طابقين، هما قاعتان كبيرتان، يتّصل بهما مطبخ ومخزن، وربّما مكتبة أيضا. وقد حضرنا شيئا من أعراسهم وولائمهم فيها.
أمام ذلك الذي قدّموه لنا؛ تسهيلا لحفظنا، حاولنا أن نساعدهم بما لدينا من نقود؛ كلّما سنحت لنا الفرصة، دون أن يشعروا؛ بشراء ما نحتاجه في غذائنا، وذلك في الحقيقة لا يساوي شيئا أمام فيض جودهم، وبحر عطائهم.
كانت لنا مشاركة في حفلة (إيروان) لتكريم حفظة القرآن الكريم في معهد الحياة؛ حيث ألقى صاحبي قصيدة طويلة لصالح بن أحمد البوسعيدي، أحد الطّالبين اللّذين سبقانا إلى حفظ القرآن في القرارة، في السّنة الماضية، يذكر فيها سلامه الحارّ وتحيّاته الطّيّبة، وشدّة شوقه إلى وادي ميزاب، ثمّ ألقيت في ذلك الحفل الكريم أحد عشر بيتا، وهي بضاعتي المزجاة:
أهاجك ذكر البان أم معهد الصِّبا
وهل بعث الأبياتَ ريحٌ من الصَّبا
وكيف هُدِي التّفكير ينظم ما أبى
من الشّعر، كان الشّعر من قبل أصعبا
لحزن عميق أم لشوق مبرّح
نظمت، وهل شيء أسرّ وأطربا؟
نعم هاجني ثمّ استباني متيّما
حديث له يستمطر الغيث أسحبا
سيجعلني ما بين ذي الأرض والسّما
أطير بإحدى الطّائرات مغرّبا
أزور بني ميزاب أسعى إلى السّما
لأطرق باب العلم والنّور والأبا (1/107)
صفحة 105
إليكم بني ميزاب منّي تحيّة
أنوب بها عمّن نأى وتغيّبا
فقد خلّفت نفسي إليكم أحبّة
بما جان هم أهلون؛ دينا ومذهبا
لحبّكم في أفئدتهم أكنّة
أسرّهم ما قيل عنكم وأعجبا
عليكم سلام الله ما كتب البقا
وما غرّد الأطيار لحنا محبّبا
ودام اجتماع لا يُفَضّ ولا يُرى
أهاليه حسّادا، ولا نوره خبا
وهذا مطلع قصيدة قلتها عن معهد الحياة وطلبته:
لله درّ أحبّة في معهد ... بربى القرارة للهداية جاؤوا
جمعتهم الآمال والأشواق في ... نهج فهم للأنبيا خلفاء
عطشوا فلم ... يجدوا لوِرد أن سوى ... ورد الكتاب لهم وأروى ... الماء
هذا وقد حضرنا عددا من أعراسهم التي يكون العرس الواحد فيها لستّة أو سبعة من العرسان، وربّما عشرة. ويقام العرس في أحد بيوت العشائر التي بنوها بنفقات المحسنين فإذا أراد أحد النّاس أن يزوّج ابنه أخّر حفل زفافه إلى يوم محدّد، حتّى يجتمع معه عدد لا بأس فيه، وتكون نفقة ذلك العرس على أيسرهم حالا.
وممّا رأيناه في أعراسهم أنّهم يتجنّبون آلات اللّهو والغناء والمعازف، ويستعيضون عنها بالأناشيد الإسلاميّة، التي تقوم بتأديتها فرق أعدّوها لجميع الحفلات من الشّباب وصغار السّنّ في مجموعات مختلفة، بأنغام متفاوتة في الحسن والأداء. وكم نال هذا إعجابنا الشّديد، وكم كنّا نتمنّى أن لو استعيض في جميع أعراس المسلمين عمّا يفعلونه الآن بمثل تلك الأناشيد الإسلاميّة التي تؤدّيها الفرق الصّوتيّة بأنغامها الشّادية، ولا أظنّ أنّ ذلك يكلّف كثيرا.
وكانت لنا عدّة لقاءات بالمشائخ في القرارة وبعض قرى وادي ميزاب، وتعرّفنا فيها على عدد من طلبتهم، رأينا فيهم الجدّ والإخلاص، وجرت بيننا وبينهم كثير من المناقشات، تدور أكثرها حول العلاقات بين إباضيّة المشرق وإباضيّة المغرب ووضعها الرّاهن، وعن الأوضاع المتطوّرة في كلّ المجالات، التي تشهدها السّلطنة ودولة الجزائر الشّقيقة. وما أكثر ما يُعلون من شأن السّلطنة ونهضتها الحاليّة، على يد السّلطان قابوس بن سعيد المعظّم، الذي أحيا فيها معاهد العلم، وجمعها بركاب الأمم. وكنّا لقلّة زادنا ومعلوماتنا أكثر ما نكون في موقف السّائل لا المسؤول؛ تطبيقا لمبدأ إذا أردت الدّفاع فابدأ بالهجوم!!!
الخاتمة
الاهتمام بتحفيظ القرآن الكريم وتدريسه واجب، يجب العناية بتطبيقه، وتخريج الشّباب في مجالات العلم، لا في مجال الشّريعة وحده. وهم حفّاظ للقرآن الكريم، عائد نفعه إلى الفرد والمجتمع والأمّة، ومهيّأ للعودة إلى الإسلام عودة حميدة، إن كنّا نريد تطبيق تشريعات وتعاليم هذا الدّين، فما أجدرنا أن نكون حملة لدستوره. وأن نهيّئ لذلك مجتمع القرآن، ونبذل في ذلك ما نستطيع من جهد، (1/108)
صفحة 106
وكفى عارا أن يحفظ القرآن أعداؤه في صدورهم ليثيروا الشّبه ضدّه في أوساط المسلمين وينساه أتباع محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وكأنّما هذا الكتاب لم ينزل عليهم، بل كأنّما يشكّون في نسبته إلى خالقهم.
إنّ ما يكلَّف به الطّالب في المدارس النّظامية العمانيّة ليحفظه من القرآن شيء قليل، إذا ما قيس بما يحفظه ابن الثّامنة أو التّاسعة في وادي ميزاب. والمدارس القرآنيّة في السّلطنة قليلة، ثمّ من يعهد إليهم فيها بتدريس القرآن لا يؤدّون مسؤوليّتهم على أكمل وجه، بل منهم من هو باق على عادة قديمة في تعليم الطّالب قراءة القرآن، ثمّ لا يطالبه بشيء من الحفظ، هذا مع أنّي وجدت الميزابيّين يمدحون الحافظة العمانيّة، ويُعلون من شأنها الشّيء الكثير.
وإنّ من تمام نجاح هذا العمل في المدارس القرآنيّة إقامة المسابقات بين حفّاظ القرآن الكريم؛ تحفيزا لهم وحثّا على استكمال حفظ القرآن.
مجمل القول: إنّ الإمكانات متوفّرة لتحفيظ القرآن الكريم في السّلطنة، ووزارة العدل والأوقاف والشّؤون الإسلاميّة تستطيع بتوليتها الاهتمام المرجوّ في هذا الجانب أن تخرّج أجيال القرآن، وأن تخدم الإسلام والمسلمين خدمة جليلة، كما هو واجبها المناط بها، ولا ينقصها ولا يقف في طريقها عائق مادّي أوغيره.
فلِمَ لا تنشئ المدارس القرآنيّة، وتبعث لها من هم جديرون بثقتها؛ على خطّة هادفة وبرنامج مكتمل؟
الطّالب: عبد الله بن عليّ بن سالم الرّويشدي
معهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد
سلطنة عمان، رويّ في: 22/ 3 / 1411 هـ
12/ 10 / 1990 م
الملحق رقم: (13)
انطباع عام عن وادي ميزاب (1/109)
صفحة 107
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الاسم: صالح بن أحمد بن سيف البوسعيدي.
السّن: 19 سنة. العنوان: سلطنة عمان، ولاية المضيي، بلد الشّريعة.
الحمد لله ربّ العالمين، علّم القرآن، وخلق الإنسان، علّمه البيان، والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين، نور الهدى وسراج الدّجى، محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التّابعين لنهجهم، والمهتدين بهديهم إلى يوم الدّين، وبعد:
فقد كنت وأنا في سلطنة عمان أسمع عن وادي ميزاب، وما فيه من النّهضة العلميّة من الطّلبة الميزابيّين الموجودين بعمان؛ فتاقت نفسي إلى رؤية هذا المجتمع الذي انعدم نظيره، فعقدت العزم على المجيء إلى هنا لاستظهار القرآن الكريم مع أحد الإخوة، وهو الأخ عيسى بن صالح بن سعيد البوسعيدي. وعندما وصلنا إلى هنا وجدنا ما كنّا نسمعه قليلا، بجنب ما رأيناه بأعيننا، فقد وجدنا النّاس مهتمّين بحفظ كتاب الله اهتماما كبيرا. فبينما نجد طلبة المدارس في غير هذا الوادي يجدون العطلة الصّيفيّة فرصة كبيرة للّهو واللّعب والسّفر وغير ذلك من مغريات الحياة، نجد طلبة وادي ميزاب يجدونها فرصة لا تعوّض لاستغلالها في حفظ كتاب الله العزيز، وهذا كان أكبر الحوافز التي شجّعتنا على حفظ كتاب الله، فشحذنا هممنا وعقدنا العزم على حفظ كتاب الله. فكان لنا ما أردنا ولله الحمد والمنّة والفضل أوّلا، وللمسؤولين على البعثة ثانيّا، فقد كان لهم دور كبير في استظهارنا للقرآن الكريم، فقد أحاطونا بعنايتهم منذ أن نزلنا عندهم، وهيأوا لنا الجوّ المناسب للحفظ والمراجعة، ووفّروا لنا من الرّاحة ما تعجز ألسنتنا عن شكره، فجزاهم الله خير الجزاء.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم. سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
04/ 12 / 1409 هـ
07/ 07 / 1989 م
الملحق رقم: (14)
قصيدة شعريّة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قلت هذه القصيدة في حفلة (إيروان) التي أقيمت في بلدة القرارة بوادي ميزاب في يوم 01/ 06/1990 م؛ تكريما لحفظة القرآن الكريم للعام الدّراسي: 1989/ 1990م. وقد أرسلتها مع الطّلبة الميزابيّين الدّارسين بمعهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد؛ لتُلْقَى في تلك الحفلة:
تَذَكُّرُ أيّام أهاج فؤاديّا
فأصبح من فرط التّذكّر باليا
تذكّرت أيّاما تولّت وأدبرت
ولكن شذاها لايزال بباليا
بخير مكان حلّه خير معشر
فيا حبّذا الاثنان حين تلاقيا
أقول لوادٍ بالجزائر ساكنٍ (1/110)
صفحة 108
ألا أيّها الوادي تساميت واديا
دعوتك بالهمز المقرّب فترةً
وبعد رحيلي عنك صار النِّدَا بٍـ"يَا"
جمعت من الأفضال ما لا أعدُّه
وحزت من الخيرات ما لست حاصيا
جمعت رجالا أتقياء جميعهم
يريد بأن يعلو السّمّا كين راقيا
يديمون للرّحمن ذكرا لأنّهم
رأوا كلّ شيء ما خلا الله فانيا
لقد بذلوا في نصرة الله أنفسا
عزيزا عليها أن ترى الدّين واهيا
وذبّوا عن الإسلام بالقول والقنا
فأصبح فيهم منهل الدّين صافيا
بهم صار دين المارقين بذلّة
ومذهب أهل الاستقامة عاليا
أباهي بهم في كلّ ناد ومجلس
ومالي لا أغدو بهم متباهيا
وقد بلغوا شأو المعالي بعزمهم
ونالوا من الأمجاد ما كان نائيا
سلام بني ميزاب منّي إليكم
أتى من عمان المجد للأرض طاويا
سلام محبّ ليس ينسى جميلكم
يمنّي لقاكم لو ينال الأمانيا
وما أنا بالموفي ولا عشر حقّكم
فإن رمت هذا كان صعبا مراميا
وأفرد بالذكر الجميل ثلاثة
عليّ لهم دين له لست قاضيا
هم الشّيخ حدبون ويوسفي مصطفى
وبو معقل، لست الثّلاثة ناسيا
ويا إخوتي في الاحتفال إليكم
أحمّل تبليغ التّهاني القوافيا
فإن لم أكن بينكم متواجدا
فقد ناب عنّي في الحضور كلاميا
هنيئا لكم حفظ الكتاب كرامة
ويا حبّذا صدر غدا النّور حاويا
تفانوا به واسترجعوه فإنّه (1/111)
صفحة 109
لكنز ثمين، يستحقّ التّفانيا
وصلّى إلهي مثل أحرف آية
على المصطفى المبعوث للنّاس هاديا
وأصحابه الغرّ الكرام وآله
ومن لهم في الخير قد جاء تاليا
صالح بن أحمد بن سيف البوسعيدي
مسقط في: 27 من شوّال 1410 هـ
الملحق رقم: (15)
رسالة اعتراف بالجميل
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله علّم الإنسان ما لم يعلم، وأنزل كتابه محكما مفصّلا ميسّرا للذّكر لمن أراد أن يذّكّر، والصّلاة والسّلام على سيّد الأمّة وخيّرها، محمّد صلّى الله عليه وسلّم، دعا إلى حفظ القرآن وتعلّمه، فقال: خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه. أمّا بعد!
فقد أراد القدر أن ييسّر إلى زيارة بلدنا عمان مصابيح النّور والقرآن، من طلبة وادي ميزاب، وهم: مسعود السّماوي ومصطفى فخّار وبكير عبّاس، وهم الذين أثاروا في أنفسنا الرّغبة للمجيء إلى بلدهم، بلد الخير والصّلاح؛ لحفظ كتاب الله.
فما كان منّا إلاّ أن شرعنا في النّهوض في هذه المهمّة، والسّعي لتحقيقها. وقد يسّر الله السّبل، وجازى كلّ من أدلى بدلوه بالخير، وكلّل مساعيه بالنّجاح دنيا وأخرى. ولم يكن في أذهاننا عند قدومنا إلى القرارة حفظ كلّ القرآن، بل كنّا ننوي حفظ البعض، ونتعلّم طريقة الحفظ، وشحذ الهمم، ونكمل المسيرة في بلدنا عمان، ولكن شاء الله وقدر، بتوفيق منه وعون أن ييسّر حفظ جميعه، وإن كنّا قد بدأنا المسيرة في بلدنا. والحمد لله لم تمض إلاّ أيّام قلائل وقد أنهينا حفظ جميعه، وبقيت الأمانة في أعناقنا للمحافظة عليه دوما، ونسأله تعالى أن يدخلنا قبورنا به، إنّه وليّ التّوفيق. (1/112)
صفحة 110
وممّا ساعد في التّذليل لحفظ الكتاب الجليل هو الجهود التي قمتم بها أنتم؛ من تهيئة المسكن والجوّ الملائم، وكلّ ما نعجز عن شكركم فيه. جزاكم المولى خير الجزاء في الدّنيا والآخرة، وكلّل مساعيكم بالتّوفيق والنّجاح، ومدّ الله في مسيرتكم، فَـ:
سبحان من وفّق قومنا للسّخا ... سخاؤهم في شدّة وفي رخا
قدّم هذا: عيسى بن صالح بن سعيد البوسعيدي
من طلبة معهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد
سلطنة عمان، يوم: 04/ 12 / 1409 هـ
الملحق: رقم (16)
رسالة شكر
بسم الله الرّحمن الرّحيم
شيخنا حدبون صالح، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحمد إليكم الله سبحانه وتعالى وأشكره وأثني عليه بما هو له أهل، وأسلّم على أشرف المرسلين، سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأزكى تسليم. لقد اشتقنا إلى رؤية وجوهكم، والتّلذّذ بسماع حديثكم، فما كانت مجالسنا معكم إلاّ مجالس القرآن، ولا أحاديثنا معكم إلاّ أحاديث الذّكر، وما ساعاتنا التي قضيناها معكم إلاّ درجات نرتقي بها درج الكمال.
إنّ أشياء كثيرة تمرّ بالإنسان في حياته الدّنيا يحفظ منها ما يحفظ، وينسى منها ما ينسى، ولكنّ الأشياء التي استفاد بها تجربة نافعة له في حياته تبقى ذكراها نصب عينيه، وملء دماغه وسعادة قلبه أينما حلّ وارتحل. نحن لم نستفد منكم تجربة نافعة لنا في الحياة الدّنيا فقط، إنّها سعادة أبديّة، ومنزلة أخرويّة مع تجربة الحياة.
لقد كتبت في تقرير لي، أعددته لهذه الرّحلة ما يلي، قد يتساءل القارئ: ما الذي جعلني لا أختار بلدا غير الجزائر أحفظ فيها القرآن؟
والجواب: إنّها بلاد عرفنا اهتمام الإباضيّة فيها بتحفيظ القرآن الكريم على طرق سليمة، وأسس مستقيمة، يعيش بينهم الحافظ للقرآن بيئة القرآن، فربّما تجد في بعض الدّول الإسلاميّة أمكنة لحفظ القرآن مع جماعة من المشائخ والتّلاميذ، إلاّ أنّك لا تعيش معهم ذلك المجتمع الذي تعيشه في وادي ميزاب؛ إذ أنّك تعيش في وادي ميزاب ــ وأنت تحفظ القرآن ــ مجتمعَ القرآن، وتجد أناسا كثيرين هم مصاحف تمشي على الأرض، فكأنّما أنت هناك بين قواعد تحفظها، ثمّ تطبّقها عمليّا، يجعلها أشدّ رسوخا في سلوك النّفس، بعدما رسخت في جوانح الفؤاد.
ومع كلّ هذا فقد لاحظنا من سبقنا من الإخوة إلى حفظ القرآن في هذه البلاد يثني عليها ثناء جميلا، فعقدنا النّيّة على زيارتها، وكان ذلك دافعا إلى محاولة السّفر إليها.
الحقّ إنّ ذكركم لم يفارق مخيّلتي منذ أن فارقناكم بالأجساد، وما زلنا نتلقّى الأسئلة بعد الأسئلة عن وادي ميزاب وعن أهل ميزاب، وما زلنا نضرب الأمثلة تلو الأمثلة بوادي ميزاب في تكافل النّاس تحت ظلّ الإسلام، وقدرة الإسلام على أن يكفل للنّاس حياتهم الدّنيا والأخرى، وأنّه جامع للدّين والعلم ...
النّاس يتلقّون أخباركم بشوق كشوق الظّمآن إلى الماء الصّادي. فوجودكم كمجتمع متكامل على نظام جامع موحّد، تطبّقون تعاليم الدّين أصبح حلما في زماننا الحاضر، وأمنيّة يتمنّاها كلّ مسلم، ولكنّكم حقّقتم هذا الحلم، وأبرزتم الأمنيّة إلى ظاهر الوجود. (1/113)
صفحة 111
إن أنسَ لا أنسَ أيّام الجزائر؛ إذ كنت بين ربوعها سائحا وزائرا، لا سيّما ربوع القرى الميزابيّة، وبالأخصّ قرية (القرارة)، وأجدني كثير الشّوق إلى العودة لزيارتها، فأرجو أن يكتب الله لي ذلك، ويحقّق هذه الرّغبة.
إن كنت أجد الموانع والشّواغل عن زيارتكم فأنتم أوفر منّي حظّا في اكتساب أجر الزّيارة، وكم سمعتكم تتلهّفون على ذلك، فاسعوا ــ رحمكم الله ــ لتحقيق تلك النّيّة: "إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار"، وإن كنّا ــ والحال والواقع يصدّق ذلك ــ قد تقاصرنا عن خطى الأسلاف إلاّ من رحم ربّك، وقليل ما هم. الواقع بعيد عن العصر الذي يقول فيه أبو مسلم الرّواحي ــ رحمه الله ــ:
تفضّل بالزّيارة في عمانٍ ... تجدْ أفعالَ أحرار الرّ جالِ
تجدْ ما شئت من عزم ... وفضل ... وأحساب عزيزات المثالِ
تجدْ همم الرّجال مصمّمات ... لأجل الدّين تُرْخِصُ كلَّ غاليِ
تجد ما قسّمته من ... المنايا ... خيولُ الله في حزب الضّلالِ
تشاهدْ كيف حرفُ الضّاد يعلو ... بلا شمس تضيء ولا هلالِ
وتعرف أنّ في العُرب ... البقايا ... وللباقين أخلاق الرّجالِ
بأسياف الغبيراء ... المواضي ... ستخضرّ الأسافل والأعالي
فإن شئت العيان فقم إلينا ... تَرَ الأفعال مصداق المقالِ
ولا تحفل بما يهذون فيه ... فما عين الحقيقة كالخيالِ
في آخر رسالتي هذه أذكر لكم أنّني وأخي عليّ بعافية من الله وفضل، لا ينقصنا إلاّ رؤية وجوهكم، وسماع حديثكم وطيب المسامرة معكم. وعن قريب سيتزوّج الأخ عليّ وسألحقه ــ إن شاء الله ــ في القفص الذّهبي.
أعتذر إليكم عن تقصيري في الاسراع بالمراسلة، اللّوم على عاتقي، ولكنّي أعلم أنّي أعتذر إلى من رحب صدره، ووسع هفوات أبنائه وتقصيرهم.
إنّ جواد البيان ليكبو ويعثر، فها أنا أعصر دماغي لإخراج الكلمات من مظانّها التي استعصمت بها بين حبال التّفكير والصّمت والتّثاؤب!!! لأنّي أحسّ بالكسل. فأدعو المولى القدير أن يكتب لي لقاء بكم في الحياة، وعلى صفحات الأوراق.
من يعرفني من آبائي وإخواني من الميزابيّين، ويسأل عنّي فسلّم عليه، جزاكم الله كلّ خير، وسدّد خطاكم في الخير إلى يوم الدّين. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يبلّغكم السّلام الحارّ شيخنا أبو معقل محمّد النّاصر الوارجلاني، وجميع الإخوة الميزابيّين، وإلى لقاء بإذنه تعالى.
من ابنكم: عبد الله بن عليّ بن سالم الرّويشدي
معهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد
رويّ يوم: ... 20 من جمادى الأولى 1411 هـ
08 من ديسمبر ... 1990م (1/114)
صفحة 112
العنوان: سلطنة عمان: ... ولاية بركاء
الملحق رقم: (17)
أخي في الله
مهداة إلى صديقي الشّاعر الصّديق العزيز، عبد الله بن حمدان الإسماعيلي، وإلى كلّ عماني جعلني أحبّ عمان وأتّخذها وطنا ثانيا.
لو كنت فارقت الدّيار مهاجرا
ما اخترت غيرك للشّدائد والمحن
أو كنت في عمري عشقت سوى الوطن
لاخترت من أرض العقيدة لي سكن
أو كنت من زمن خرجت إلى زمن
للبست من جبل الشّموخ ليَ الكفن
الله يا أرضا هويت، ترابها
أدب مصفّى كالنّسيم سرى فحَن
يسري بنفسي، كالضّياء يلفّني
ويرفّ بِي في الأفق طيرا فِي فنن
عبق الأصالة في محيّا وجهها
نور من النّهر السّخيّ طوى الفتن
عيناك مثل النّسر في أفق العلا
ما اشتاق يوما في الحياة سوى القنن
وحديثك الأسنى من القرآن، أتـ
رجّ، تضوّع بالمثانِي والسّنن
وتألّق يسمو على فتن التّعصْ
صُب، يستقي من حوض أحمد ما افتتن
أنت الذي أدعو: أخي في الله، أس
تقي الكؤوس، بها منى وبها منن
ضمّخ ثراها بالإخاء محمّد
يا عندما نُدعَى إلى يوم العلن
نحيى على سرر الوفاء مخلّديـ
ـــــن، فلا مخاوف، لا هموم، ولا شجن
الوارف السّاجي يُظِلُّ إخاءنا (1/115)
صفحة 113
في الله كم سرّنا على أرض الحزن
والكأس مترعة بسلسال الصّفا
عسلا تصافيه تسابيح المُزن
وملائك حفّت بنا، تلقي السّلام
تقول طبتم في الجِنان لكم سكن
رويّ، سحر يوم الاثنين: 30 من ذي القعدة 1419 هـ
08 من مارس ... 1999 م
الدّكتور محمّد بن صالح ناصر
الملحق: رقم (18)
لقاء التّواصل الحضاري (1)
أَهلاً بِمَن وَرَدَ البِقَاعَ و مَرْحَبَا ... أُردُّنَّ ... زَارَ، يُريدُ رَبْعًا ... طَيِّبَا
لِيُشَارِكَ الإِخوانَ؛ بَحْثًا في المَطا ... وِي، في الزَّوايَا خَيرَ مَا تَرَكَ ... الأَبَا
فِي نَدوَةٍ ٍلِتَعَارُفٍ وَتَوَاصُلٍ ... وتَبَادُلِ الخِبرَاتِ، نِعْمَ المُجتَبَى
جَمَعَ الجَمِيعَ جَلَائِلُ الأَعمَالِ، بَل ... جَمْعُ الخِلالِ وما تَرَاءَى أَعذبَا
وَمعَارِفٌ رَفَعَت رُؤُوسًا للعُلاَ ... أَصحَابُهَ ... نالُوا بِهَا ... المُستَعْذَبَا
وَتَرَاسُلٌ، ... وتَزَاوُرٌ، ... وتَبَادُلٌ ... ِلكُتبِ: تَألِيفًا وَشَرحًا مُسْهِبَا
__________
(1) - ألقيت القصيدة في جلسة الافتتاح، في ندوة التّواصل الحضاري العماني في العصر الحديث" التي أقامتها وحدة الدّراسات العمانيّة، جامعة آل البيت، المفرق، المملكة الهاشميّة الأردنيّة، ترحيبا بالمشاركين، وذلك يومي الثّلاثاء والإربعاء: 13 - 14 من ذي القعدة 1432هـ/11 - 12من أكتوبر2011م (1/116)
صفحة 114
بعَثَاتُ عِلمٍ تَغتَدِي وترُوحُ فِي ... طَلَبِ الفُنُونِ، مَشارِقًا وَمَغارِبَا
هذِي مَجَامِعُ جُهدِ قَومٍ صَابَرُوا ... ليَكونَ رَوضُ نَشَاطِهم مُعشَوشِبَا
كَانَتْ لَهُم جَولَاتُ دَأبٍ في الدُّرو ... بِ، وما يُحِيلُ الفِكرَ حَقْلًا مُخصِبَا
كَانَت لَهُمْ غُنمًا ثَمينًا ... وَاسعًا ... صَنَعُوا بِذَاكِرَةِ الزَّمِانِ ... عَجَائِبَا
فَعَلُوا كَمَا فَعَلَ الكِرَامُ عَزِيمَةً ... فَعَلَوْا بِذَا المَجْدِ الأَثِيلِ ... مَرَاتِبَا
فِي المَشرِقَينِ نَمَت جُهُودٌ، بَيَّضَت ... صَفَحَاتِ تَارِيخٍ، وَزَانَت أَحقُبَا
لَكِنَّهَا بَقِيَت ... حَبِيسَ ... رُفُوفٍ ... وَبِذَا، جَنَى العُلَمَاءِ ظَلّ مُغَيَّبَا
جَاءَ الرِّجَالُ، وَكُلُّهُم عَزمٌ عَلَى ... إِبرَازِهِ؛ ... إِرثًا تَلِيدًا ... أَرْحَبَا
جَمَعَتْهُمُ أَرضُ الشَّهَامَةِ فِي لِقا ... ءٍ مَشرِقِي، ضَمَّتْ إِلَيهِ المَغارِبَا
فَعُمَانُ كَانَت قَد سَعَت فِي الوَصلِ ... وَتَحَرَّكَت، جَاء الصَدَى مُستَغرِبَا
وَبِذَا التَّوَاصُلِ سَادَ أَرضَ المَغرِبَيْـ ... ـنِ تَنَافُسٌ، كَانَ التَّحضُّرُ مَطْلَبَا
فَإلَيكُمُ ... إِخوَانَنَا، ... أَنظَارُنَا ... تَرنُو، عَسَاكُمْ تَكشِفُونَ مُحَجَبَا
لِتَزُولَ عَن تَارِيخِنَا تِلكَ الغِشا ... وَةُ، إِذ رَآهُ القَومُ حينًا غَيهَبَا
فِي الكَشْفِ عَنهُ تَعَارُفٌ، ثُمَّ اعتِرَا ... فٌ، يُنتِجَانِ فَضائِلاً ونَجَائِبَا
وَبِنَاءُ ... مَعرِفَةٍ، تُقَوِّي ... صَفَّنَا ... نَنجُو ... بِهَا ... مِمَّا يُثِيرُ مَعَاطِبَا
تَحيَا بِهِ أُمَمٌ، ... تَعِيشُ بِلاَ وَنًى ... إِن زانَ مَصدَرُهُ، وَساغَ مَشارِبَا
هَذَا رَجاءُ الوِحدَةِ، أَن تَنبَرِي ... أَقلَامُكُم، تَقضُوا لَهَا ذا المأرَبَا
مَا ذَا بَعيدٌ عَنكُمُ، أَنتُم لَهُ ... أَهلٌ، فَأَنتُم مَنْ يُلَبِّي المَطلَبَا (1/117)
صفحة 115
شُكرًا لَكِ يَا مفرقٌ! إِذ كُنتِ عَدْ ... لاً، وَاسِطَ خَيرٍ، جَمَعْتِ حَبَائِبَا
شُكرًا لِآلِ البَيْتِِ، جامعَةً، إِلَيـ ... هَا وِحدَةُ لِلدَّرسِ مَدَّتْ مَنْكِبَا
فَأَتَتْ جُهُودُهُمَا ثِمَارًا يَانِعا ... تٍ فِي لِقَانَا، فَاستُطِيبَت مَكسَبَا
لِعُمَانَ ... بِعَمَّانَ ... وُجدٌ ... سافِرٌ ... عمَّانُ، مَالت بِانفِتَاحٍ، مَا نَبَا
وَعُمَانُ ضَمَّت بِانشِرَاحٍ صَادقٍ ... عَمَّانَ، عَنْهَا حُبُّهَا مَا مَا خَبَا
السِّرُّ فِي فَتحٍ وَضَمٍّ، فَافهَمَنْ ... وَاطلُب وِصَالاً دَائِمَا، لَنْ يَجدِبَا
أَهلاً وَسَهْلاً بِالجميعِ وَمَرْحَبًا ... وَحَبَاكُمُ بِالفَضلِ أَكرَمُ مَن حَبَا
المفرق، الأردن، يوم الثلاثاء: 13 من ذي القعدة 1432هـ
11 من اكتوبر ... 2011م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق: رقم: (19)
طلبة عمانيّون في معهد الحياة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الدكتور الكريم، وأستاذي الجليل: محمد بن قاسم ناصر بوحجام.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
كم أنا جد مسرور أن أقدم لك خدمة في سبيل العلم، وأنا ممتن لك بأفاضل لا يعرف قدرها وقيمتها إلا الله، فهذه قائمتهم كما طلبت، والتي تعدّ من البعثات التي يرقّ خيطها الذّهبي ولا ينقطع إلاّ أحيانا.
الرقم ... الاسم واللقب ... تاريخ الدخول
1. ... الهنائي الحارث (1) بن يحيى بن مداد ... 1430/ 31 ــ 2009/ 10م
2. ... الهنائي محمد (2) بن يحيى بن مداد ... 1430/ 31 ــ 2009/ 10م
3. ... الهنائي الحواري (3) بن يحيى بن مداد ... /31 ــ 2009/ 10م
4. ... الهدابي محمود (4) بن سعيد (5) بن سليمان ... 1433/ 34هـ ــ 2012/ 13م
5. ... الحديدي عثمان بن محمد بن خميس (6) ... 1434هـ/45 ـ 2013/ 14م
6. ... الشيباني عبد الله (7) بن صالح بن ناصر ... 1436/ 37هـ ــ 2015/ 16م
وإن احتجت إلى معلومات أكثر فنحن في خدمتك.
ابنكم الداعي لكم بالخير والتّوفيق رمضان بن محمد بن بالحاج عبد اللاوي
القرارة يوم الثّلاثاء: 19 من رجب 1437هـ
26 من أفريل 2016م
__________
(1) ـ التحق بالسنة الأولى متوسط، ثم انتقل إلى القسم الأعلى.
(2) ـ التحق بالسنة الثّالثة متوسط، ثم انتقل إلى القسم الأعلى.
(3) ـ التحق بالسنة الثّانية ثانوي، ثم انتقل إلى القسم الأعلى، ولم يوفّق لنجاح البكالوريا، فانقطع وانقطع معه إخوته.
(4) ـ درس سنة تحضيري، ثم انتقل إلى السّنة الأولى آداب، ثم انقطع بسبب اشتغاله بغير العلم.
(5) ـ أبوه درس في معهد الحياة، مع الوفد الأوّل عام 1966م. (المجموعة الأولى كانت متكوّنة من ثلاثة أفراد فقط، ليس من بينهم والد الشّبخ سعيد بن سليمان بن سعيد الهدّابي، والد الطّالب محمود. هو جاء مع المجموعة الثّانيّة أو الثّالثة. محمد بوحجام).
(6) ـ درس سنة تحضيرية، ثم انتقل إلى معهد عمي سعيد السنة الأولى ثانوي، لأن معهد الحياة لم يسمح له أن يلتحق بهذا المستوى.
(7) ـ قسم التحضيري، له جنسية عمانية، ولد في الإمارات، ونشأ في زنجبار، ثم تحصل مؤخرا أبوه على جنسية عمانية. (1/118)
صفحة 116
الملحق: رقم (20)
التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر (1)
دراسة تبحث جدور التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر وأثره على الفكر الإسلامي
عرض: أحمد بن عبد الله الحضرمي
إنّ التّعاون الثّقافي بين أهل المشرق والمغرب كان قائما منذ قديم الأزل في مختلف المجالات: الفتوى والتّعليم والتّأليف والتّراسل والتّزاور، ولا تزال هذه الصّلة الثّقافية قائمة إلى اليوم، وفي هذا الإطار يتحدّث الدّكتور الجزائري محمد بن قاسم ناصر بوحجام، المدرّس بكليّة التّربية بنزوى في هذا الكتاب بتفصيل تاريخي، لم يخل من ذكر الدّليل المبني على الحقائق، عن علاقة وطيدة بين الشرق والغرب، كانت ولا تزال تعتبر من العلاقات المهمّة في التّاريخ الإسلامي، من حيث أهدافها وتأثيراتها في مختلف حياة المجتمع الإسلامي شرقا وغربا، الفكريّة والدّينيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، وما تلك النتائج سوى محصّلة للتّواصل الثّقافي بين عُمان والمغرب العربي بشكل عام والجزائر على وجه أخصّ.
تواصل يلحظه الدّارس في الأصول التي تربط الأباضيّة في المغرب الإسلامي بعُمان، من حيث النّشأة الثّقافيّة والفكريّة، كما يقول بوحجام في كتابه، علاوة على الانتماء الإيماني والمذهبي، والارتباط العاطفي، وفق ما استنتجه الباحث من اعتراف أهل المغرب بفضل عُمان في رعايتهم والعناية بهم، ومن ثمّ الاستعانة بهم في توطيد الحكم الإسلامي في المغرب الإسلامي، والتي "انطلقت من منطلق عقدي واحد ازداد تعمّقا عبر الزّمن" كما وصفها الدكتور فرحات بن علي الجعبيري – تونسي- في كتابه (علاقة عُمان بشرق إفريقيا).
جدور وعوامل التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر
يرّكز محمد بوحجام في هذا الكتاب على العلاقة بين عُمان والجزائر كونها علاقة متجذّرة في التّاريخ، تمتدّ إلى القرون الاولى للهجرة، ومن أجل الكشف عنه لأنّه مجهول عند الكثير من الدّارسين،
__________
(1) - جريدة عمان، مسقط، سلطنة عمان، ركن (شرفات)، العدد: 31، الأربعاء: 17 من ربيع الثّاني 1424هـ/ 18 من يونيو (حزيران) 2003م، ص: 13. الطّبعة الأولى كانت في مكتبة الضّامرب للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان، 1423هـ 2003م. (1/119)
صفحة 117
من خلال النّصوص التّاريخيّة الواردة في المخاطبات والكتب والرّسائل وغيرها من المدوّنات التّاريخيّة، إلّا أنّه لم يتعرّض لما يتعلّق بجانب الشعر بسبب قلّتها (1) كما يقول بوحجام.
وتعود البدايات الأولى للتّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر إلى الشّيخ سلمة بن سعد الحضرمي، أحد رجالات المذهب الأباضي الأوائل، الذين وصلوا إلى الجزائر في القرن الثّاني الهجري، حيث قام بنشر الدّين الإسلامي وفق ما تعلّمه من الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وغيرهم الذي أرسل إليها مع مجموعة الطّلبة (حملة العلم) واستطاعوا تكوين الدّولة الإسلاميّة الرّستميّة، على يد عبد الرحمن بن رستم وزملائه (عاصم السّدراتي وأبو الخطاب المعافري وغيرهم). وقد كانت عُمان في تلك الفترة تقدّم الدّعم المادي والمعنوي للدّولة الرّستميّة لتثبيت أركانها.
ويبرز التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر – كما يقول بوحجام في هذا الكتاب- عبر ما يلي:
1 - اللّقاءات: حيث سمحت بتبادل الرأي والمشورة وأسهمت في تطوير الفكر الإسلامي الأباضي بالخصوص، وقد كانت هذه اللّقاءات يتمّ أغلبها في موسم الحجّ، حيث الدّروس وحلقات العلم التي يقوم بها كبار علماء الأباضيّة، من أمثال أبي عبيدة ومحبوب بن الرّحيل، والمواعظ والمناظرات العلميّة؛ ليعود بعد ذلك أهل المغرب (الجزائر)، وأهل المشرق (عُمان) بحصيلة ثقافيّة ومعارف وإجابات لأسئلة عديدة وبأخبار المشرق والمغرب.
2 - الزّيارات والرّحلات المتبادلة: سواء ما كان منها لمجرد الزّيارة وتفقّد الاحوال واستطلاع الأخبار، ام التّعلّم والتّحصيل، أو التّعلّم والتّدريس، حيث زار الكثير من علماء عُمان الجزائر والمغرب من أمثال الشيخ محمد بن عبد الله السّمائلي، الذي دارت بينه – كما ذكر الشّماخي في كتابه (السّير) – مناظرة مهمّة في علوم الطّب مع الطبيب الجزائري يعقوب بن أحمد، كما زارت الجزائر عام 1964م بعثة عمانيّة ضمّت عشرات الطّلبة للدّراسة في معهد الحياة لتلقّي العلم الشرعي، وكذلك مجموعات الطّلبة الجزائريّين، الذين يأتون السّلطنة للدّراسة في معهد العلوم الشّرعية، إضافة إلى الزّيارات المتبادلة بين كبار العلماء في البلدين لحضور النّدوات والملتقيات العلميّة، وعلى سبيل المثال لا الحصر زيارات سماحة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسّلطنة إلى الجزائر، وزيارات الشّيخ ناصر المرموري الجزائري إلى السّلطنة، كما أقيم في عام 1989م معرض ثقافي في قصر الثّقافة بالجزائر تحت عنوان (الأيّام الثّقافيّة العمانيّة في الجزائر).
3 - تبادل الكتب: فقد ذكر أنّ أبا العباس الفرسطائي وهو من علماء الجزائر [ليبيا] بحث عن مسألة فقهيّة بين حوالي ثلاثة وثلاثين ألف كتاب، كلّها من تآليف أهل المشرق (عُمان والبصرة واليمن)، وهذا ما يدلّ على أن تبادل الكتب كان ولا يزال يعتبر وسيلة مهمّة جدًّا في التّواصل الثّقافي. ومن يقرأ في كتب علماء عُمان والجزائر في علوم الشّريعة الإسلاميّة يجد أنّ الكتب المتبادلة كانت مراجع مهمّة في عمليّة التّأليف، فنجد المغاربة يروون في كتبهم عن المشارقة.
4 - التّعاون في التّأليف: حيث نقرأ التّكاتف على إبراز الفكر الإسلامي الصّحيح وحمايته من الهجوم والتّشويه، وكان له الأثر الإيجابي في حفظ العلاقة وضمان التّواصل الثّقافي، وكان يتمّ عبر طرق كثيرة مثل شرح الآثار أو نثر المنظومة ونظم المنثور وأحيانا .... الرّدّ بتأليف
__________
(1) - لم أذكر هذا، ما سجّلته هو: " ... وقد أسقطنا مثلا في دراستنا هذه ما يتعلّق بجانب الشّعر، أي تبادل القصائد بين المشرق والمغرب، وهو جانب مهمّ في حاجة إلى دراسة خاصّة ومركّزة، ونحن لا نملك كمًّا هائلاً من هذه القصائد، التي تسمح لنا بالقيام بهذه الدّراسة." ينظر الكتاب ط1، ص: 10. (1/121)
صفحة 118
كتاب، ومن أمثلة ذلك ترتيب الإمام الورجلاني لمسند الإمام الرّبيع، كما نظم الشّيخ خلفان بن جميّل السّيّابي رحمه الله كتاب (النّيل وشفاء العليل) للشّيخ عبد العزيز الثّميني في كتاب أسماه (سلك الدّرر الحاوي غرر الأثر).
5 - تبادل الرّسائل: كانت وسيلة مهمّة تدلّ على التّعاون والتّآزر في حلّ المسائل ونشر العلم والثّقافة والتّثقيف، وقد حفظت كتب السّير والطبقات والتّاريخ وغيرها مجموعة من هذه الرّسائل، كمدوّنة أي غانم، وسير نفوسة، وسير الشّماخي وغيرها، وكان أهمّها رسالة الإمام أبي عبيدة التّميمي، وجواب الشّيخ محمد بن محبوب إلى أهل المغرب المعروف بِـ (سيرة الفقيه محمد بن محبوب) حيث سأله أهل الجزائر أسئلة مختلفة في علوم الفقه والدّين، وردّ عليهم برسالة طويلة بلغت (45) صفحة، وغيرها الكثير حتّى أنّ السّلطان فيصل بن تركي استعان بالشّيخ اطفيش في النّحو واللّغة والدّين.
6 - صحافة أبي اليقظان وعُمان: من بين ما يبرز التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر ما نقرؤه في صفحات جرائد الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان من أنباء وشذرات عن عمان؛ سياسيّا واجتماعيّا وثقافيّا، وأخبار التّولية والعزل والتّهاني والتّعازي، وعن أخبار عُمان وتاريخها، حتّى أننا نقرأ فيها خبرا عن فرح أهل عُمان بنزول الأمطار، وممّا يدلّ على عمق التّواصل الثّقافي التّركيز على خبر مثل هذا، ونجد في صفحات الجرائد أخبارًا عن السّلطة والإمامة، وعن السّلطان تيمور وأخبار الإمام سليمان الباروني، الذي قلّد منصب وزير الدّولة إبّان إمامة محمد بن عبد الله الخليلي، كلّ هذا يدلّ على الدّور الكبير الذي قامت به الصّحافة اليقظانيّة في ربط العلاقة بين عُمان والجزائر و التّحفيز والتّواصل الثّقافي.
لقد كان التّواصل الثّقافي بناء على ما ذكر في كتاب (التّواصل الثّقافي بين عُمان والجزائر) للشّيخ الدّكتور محمد بن قاسم بوحجام كبيرا جدًّا؛ نتيجة التّعاون الجادّ والقويّ، تمثّل في ما ذكره الباحث في النّقاط الخمس [السّتّ] السّابقة، وأثمر وحدة في المشاعر والتّصوّر والفكر، حمل معه عصارة أفكار وآلام وآمال، وفي ختام هذا البحث القيّم نجد مجموعة من الملاحق التي تبين بالصورة الشّاهدة الحيّة على عمق ذلك التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر، حيث احتوت على مجموعة من البحوث والرسائل المتبادلة بين العمانيّين والجزائر منها:
- الملحق رقم (3) بعنوان (انتداب إلى سلطنة عمان (1977م -1979م) كتبه أحد الجزائريين واسمه حميد أوجانة سليمان بن النّاصر، تناول مقتطفات من نصّ ما قاله في الرّسالة " انتدبت أنا والأخ بيّوض عمر من طرف وزارة التربيّة والتّعليم بسلطنة عمان بوظيفة خبراء في التّربية الإسلاميّة ... كلّفنا بالتّفكير في طريقة لتطوير التّعليم الدّيني ... عرضت الخطّة شفاهيّا وكتابيّا على معالي وزير التربيّة آنذاك فأعجب بها ... عيّنت مديرا للمعهد الإسلامي بالوطية بمسقط ".
- الملحق رقم (6) بعنوان: (انطباع عام عن وادي ميزاب) كتب طالب عماني، كان قد زار وادي ميزاب للدّراسة، واسمه صالح بن أحمد البوسعيدي، وقد ذكر فيه انطباعاته عن وادي ميزاب وأهل الوادي، وكيف رحّبوا بزيارتهم – حيث كان ومجموعة من الطّلبة العمانيّين بمعهد العلوم الشّرعيّة- ومن جملة ما قال " فبينما نجد طلبة المدارس في غير هذا الوادي يجدون العطلة الصّيفيّة للّهو واللّعب ... نجد طلبة وادي ميزاب يجدونها فرصة لا تعوّض لاستغلالها في كتاب الله العزيز ... فقد أحاطونا بعنايتهم منذ أن نزلنا عندهم ... ". (1/122)
صفحة 119
فهرست الموضوعات
مقدّمة الطّبعة الثّانية
تمهيد
البدايات الأولى للتّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر
فضل عمان على المغرب الإسلامي
الدّعم المعنوي والمادي للدّولة الرّستميّة
اللّقاءات والزّيارات والرّحلات
أ ــ اللّقاءات
ب ــ الزّيارات والرّحلات المتبادلة
تبادل الكتب
التّعاون في التّأليف
تبادل الرّسائل
صحافة أبي اليقظان وعمان
خاتمة
الملاحق (1/123)
صفحة 120
الملحق: رقم (1) رسالة إلى سماحة الشّيخ أحمد الخليلي
الملحق: رقم (2) ملاحظات على كتاب ملاحظات على كتاب
الملحق: رقم (3) الملحق: رقم الشّيخ عبد العزيز الثّميني وصلته بعمان
الملحق رقم (4): علاقة الشّيخ محمّد بن محبوب بن الرّحيل بالمغرب
الإسلامي
الملحق: (5) حفل التّكريم والوداع
الملحق: (6) حفل تكريم بين أحضان حديقة العامرات
الملحق: رقم (7) رسالة إلى أهل نزوى
الملحق: رقم (8) رحلة جمعيّة التّراث إلى سلطنة عمان
الملحق: رقم (9) رسالة شكر وتقدير والتزام!!
الملحق: رقم (10) انتداب إلى سلطنة عمان
الملحق: رقم (11) تقرير عن مهمّة في عمان
الملحق رقم (12): تقرير عن وادي ميزاب
الملحق رقم (13): انطباع عن وادي ميزاب
الملحق رقم (14): قصيدة
الملحق رقم (15): رسالة اعتراف بالجميل
الملحق رقم (16): رسالة شكر
الملحق رقم (17): أخي في الله (قصيدة)
الملحق: رقم (18) لقاء التّواصل الحضاري
الملحق: رقم (19) طلبة عمانيّون في معهد الحياة
الملحق: رقم (20) التّواصل الثذقافي بين عمان والجزائر (1/124)