صفحة 1
بحث: التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الباحث: مصطفى بن محمد ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) التواصل المعرفي للمعارضة الإباضية في المشرق والمغرب
خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى
ابن ادريسو مصطفى
جامعة ادرار
كان علماء الإباضية يسيرون على هدي الإمامين الأوَّلين للحركة الإباضية الجديدة، ويحتكمون إليهما في الأمور المختلف حولها، لكن باتساع رقعة التنظيم، وانعدام دولة راعية لها، برزت اختلافات فكرية بين تلاميذ الحركة سرعان ما تطورت إلى مواقف سياسية، وسنحاول أن نسلط الضوء على هذه الاختلافات الواقعة في صفوف الإباضية الأوائل، ونحاول أن نرصد الخط المشترك بين هؤلاء المختلفين على أيمتهم، وندرس إنتاجاتهم المعرفية.
1 - التواصل المعرفي لتلاميذ الإمامين جابر بن زيد وأبي عبيدة:
نبدأ أولا بتبيان التواصل الحاصل في بداية تكوين الحركة الإباضية بين الأيمة وتلاميذهم المنتشرين مشرقا ومغربا، قبل ظهور النزعات الاختلافية، لنؤكد على متابعة الأيمة لتحركات تلاميذهم ورعايتها.
أ- تواصل تلاميذ الإمام جابر مع إمامهم
من المتعارف عليه عند المؤرخين الإباضية أن أبا بلال مرداس بن حدير كان يسير وفق تخطيط جابر بن زيد، وفي هذا يقول الرقيشي: «أن أبا بلال وغيره من أيمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إِلاَّ بأمر إمامهم في دينهم، جابر بن زيد –رحمه الله- ومشورته» (1)، وكان يلتزم بتعاليم شيخه، ويعارض بني أمية مخاطبا الموالين له: «أبلغوا مَن لقيتم أنَّنا لم نخرج لنُفسد في الأرض ولا لنُروِّع أحدًا ولكن هربًا من الظلم، ولسنا نقاتل إِلاَّ من يقاتِلنا، ولا نأخذ من الفَيء إِلاَّ أعطيتَنا» (2).
فعلى أوامر مؤسس المذهب الإمام جابر بن زيد التزم الإباضية بالنظرة الواقعية في تغيير الواقع السياسي، وذلك بتعيين أتباع يتحملون مناصب إدارية مهمة في الدولة الأموية (3)، وإرسال وفد إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز (4)، ونشر العلم الشرعي عن طريق تثبيت الدعاة والفقهاء في عمان وخراسان.
__________
(1) الرقيشي: مصباح الظلام: 32 (مخ)؛ سامي صقر: الإمام جابر وأثره في الحياة الفكرية: 42.
(2) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 219، 220؛ انظر: الشماخي: السير: 64؛ د/ناصر: منهج الدعوة عند الإِبَاضِيَّة: 89.
(3) انظر: رسائل الإمام جابر بن زيد، المخطوط الرابع ضمن مجموعة في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، رقم: م82 كلها.
(4) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 232. (1/1)
صفحة 2
ب- تواصل تلاميذ الإمام أبي عبيدة مع إمامهم
وبوفاة مؤسس المذهب حمل المشعل بعده تلميذُه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بعد خروجه من السجن وموت الحجاج عام 95هـ (1)، فتعهد أتباعه بالرعاية في المغرب واليمن وعمان، وكانت له معهم مراسلات وتوجيهات هذه أهمها:
1 - أرسل أبو عبيدة رسالة رفقة صديقه حاجب الطائي (2) إلى أهل المغرب يدعوهم إلى الكفِّ عن إصدار الحكم في حادثة مقتل الحارث وعبد الجبار الواقعة بين عام 131هـ و132هـ (3). وبرزت رعايته أيضا من خلال تكوينه لتلاميذ صاروا أيمة حاكمين، وحملة للعلم إلى المغرب؛ كأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وعبد الرحمن بن رستم.
2 - وفي اليمن فإن عبد الله الكندي حينما رأى «جورا ظاهرا وعسفا شديدا وسيرة في الناس قبيحة» (4)، كاتب أبا عبيدة مسلم في البصرة، فأجابه قائلا: «إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، ولله خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه، ويختص بالشهادة منهم من يشاء» (5).
وتوجه أبو عبيدة برسالة أخرى إلى طالب الحق عبد الله الكندي حول تزكية القلب (6)، وبعث برسائل أخرى إلى اليمن، يقول عنها الراشدي: «أغلب الظن أَنَّه لم يبق منها شيء» (7).
3 - وأما في عمان فإنه كان هناك قوم ممن استحل الشراة دمهم مروا على منطقة إبرى بعد أن أعطاهم أبو صالح الوضاح (8) الأمان حَتَّى يصلوا إلى الإمام الحاكم الجلندى بن مسعود (حكم بين 132 - 134هـ)، لكن الإمام الجلندى رفض أمانهم فوجه إليهم من قتلهم ببهلى (9)، فرفع الشراة الشكاية إلى الإمامين أبي عبيدة
__________
(1) عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة: 38،39.
(2) حاجب الطائي أبو مودود: (عاش بين 100 - 150هـ) أصله من عمان تلميذ أبي عبيدة، أشرف على الشؤون المالية والعسكرية للدعوة الإِبَاضِيَّة خارج البصرة، انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 2/ 238، 239.
(3) الشماخي: المصدر نفسه: 126. رسالة أبي عبيدة مسلم وحاجب الطائي إلى أهل المغرب، أوردها الراشدي في كتابه: الإمام أبو عبيدة وفقهه: 583 - 597، وقد جاء في جامع ابن جعفر نص مقتبس معنون بـ "ومن سيرة لعلها من أبي عبيدة وحاجب-رحمهما الله- إلى أهل المغرب" لكن لا تتوافق مع الرسالة الأولى. انظر: جامع ابن جعفر: 1/ 94.
(4) الأصفهاني: الأغاني: 23/ 223.
(5) الأصفهاني: الأغاني: 23/ 223.
(6) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 279.
(7) الراشدي: الإمام أبو عبيدة وفقهه: 192.
(8) لم أجد ترجمته في معجم أعلام الإِبَاضِيَّة (المغرب)؛ ولا في معجم أعلام الإِبَاضِيَّة في المشرق.
(9) السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 77. (1/2)
صفحة 3
مسلم وأبي مودود حاجب الطائي، فقال: لهم حاجب الطائي: «لا أمان للإمام ولا أمان دون الإمام» (1). فأعطى الحق في ذلك للإمام الجلندى وأقر له باجتهاده.
هذه مجموعة من المراسلات تبين وجود تواصل معرفي بين أيمة الإباضية وتلاميذهم، وانقياد هؤلاء التلاميذ إلى توجيهات أيمتهم، لكن والسؤال الذي يطرح نفسه، هل دام انقياد التلاميذ إلى سلطة الأيمة؟ ومن هم المختلفون مع الأيمة؟ وهل كان بينهم تبادل للمعلومات وتواصل معرفي؟ وما هي مؤلفاتهم؟ هذا ما نرغب البحث فيه.
__________
(1) السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 77. (1/3)
صفحة 4
2 - الاختلاف الحاصل بين هارون بن اليمان ومحبوب بن الرحيل:
كان أبو سفيان محبوب بن الرحيل من تلاميذ الإمام أبي عبيدة وممن انتهت إليه الرئاسة العلمية في عمان (1)، وفي عهده ظهرت شخصية منافسة له تدعى هارون بن اليمان الذي عارضه في مسائل علمية، سجلت في رسائل ضمن كتاب السير والجوابات (2). فلمحبوب رسالتان؛ الأولى إلى أهل عمان، والثانية إلى أهل حضرموت الذين يبدو أنهم قد تأثروا بآرائه، كما أن لهارون بن اليمان رسالة إلى الإمام الحاكم مهنا بن جيفر (حكم 226 - 237هـ)، نستعرضها بالتفصيل، ثم نحكم على قيمة هذه الرسائل وصحة نسبتها بعد تتبع كل تفاصيلها مع صعوبة الألفاظ، وجفاف الأسلوب.
أ) مجمل نصوص الرسائل
سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان:
السيرة رد من محبوب على آراء هارون حول ثلاث مسائل: الشك في حكم المعصية التي ليس لها حد في الدنيا أو عقاب في الآخرة، والتي يُمثل لها غالبا بالمرأة التي عبث بها الرجال. وحول عدم وجوب الجمعة مع أيمة الجور. والحكم على المخالفين في الصفات بالشرك.
سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان:
كانت تكرارا في الغالب لما ورد في السيرة الأولى، مع اختلاف في ترتيب الأفكار.
سيرة هارون بن اليمان إلى الإمام المهنا بن جيفر في شأن محبوب بن الرحيل:
دافع هارون عن رأيه حول المسائل الثلاثة المختلف فيها بين علماء الإِبَاضِيَّة، ورد على احتجاجات محبوب وأدلته، ووجه رسالته إلى الإمام الحاكم مهنا بن جيفر.
ب) تفصيل نصوص رسالة محبوب في أمر هارون بن اليمان (3):
المسألة الأولى: المعصية غير المنصوص على عقوبتها
بين محبوب بن الرحيل خطأ هارون بن اليمان في عدم اعتبار الذنب غير المنصوص عليه بحد ولا بعقاب أخروي معصيةً باسم الشرع، فقال عن مخالفه: "لا يبرِّئ ولا يكفر إلا من ركب معصية توجب عليه حدا في الدنيا، وعذابا في الآخرة"، واستدل على مخالفة هارون للصواب بما يأتي:
__________
(1) محبوب بن الرحيل، أبو سفيان (ت: 260هـ) من حملة العلم إلى عمان، صار إمام الإِبَاضِيَّة بعد الربيع بن حبيب في البصرة في حوالي: 175هـ، انظر: مجموعة من الأساتذة والباحثين: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة في المشرق (تحت الطبع): 4/ 17.
(2) السير والجوابات: تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان: 1986).
(3) السير والجوابات: 1/ 276 - 325. (1/4)
صفحة 5
1 - أن الإباضية "كانوا يتبرؤون من الواقعين في المعصية اشتهاء، ولو لم تكن من المعصية التي لها حد في الدنيا".
2 - ألزمه بالوقوع في تناقض معرفي، لأن هارون إذا لم يحكم على الشباب العابث مع المرأة بأنهم عصاة (كفار كفر نعمة) يعاقبهم الله إن لم يتوبوا؛ فإنه سيثبت لهم صفة التقوى، وهذا ما يتعارض مع ما أقره هارون بأن صفة التقوى تثبت للموفين بحقوق الله، والمستسلمين الطاعة لله، وتنفى عن المضيعين للطاعة، فيقول محبوب:
- إما أن هارون "يزعم أن القوم لم يخرجوا من اسم التقوى بما ضيعوا من الطاعة، وما ركبوا من المعصية، فهم إذا متقون"، وهذا عيب في رأيه حسب محبوب.
- وإما أن يزعم "أنه متحير لا يدري لعل اسم التقوى لهم ثابت، فإنهم متقون عند الله، فهذا هو الشك والعمى".
- وإما أنهم "مضيعون للطاعة خارجون من اسم التقوى". وهذا هو قول المسلمين.
3 - اعترض محبوب على استدلال هارون في الوقوف على المعصية غير المنصوصة بموقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من زوجته عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، وبين له أن وقوفه - صلى الله عليه وسلم - ليس وقوفا عن الحكم في المعصية، ولا وقوفا عن تولي زوجته البريئة أو البراءة منها، وإنما يُعتبر وقوفه - صلى الله عليه وسلم - أثناء حادثة الإفك وقوفَ انتظار للوحي، ومن ثم لا تصح المقارنة بين انتظار النبي - صلى الله عليه وسلم - للحكم الإلهي، ووقوف العالم عن الحكم في معصية تلحق بالكبيرة ولم يرد فيها حد ولا نص.
4 - أنكر عليه توظيفه القياس في مسائل عقدية، والتوقف في حق من تولى العاصي أو تبرأ منه بمعصية شبيهة بالكبيرة استنادا إلى سكوت الشرع عن بيان حكم مقترف المعصية، فبين محبوب أن هذا القياس لا يصح استعماله أمام توفر كتاب الله وسنة نبيئه - صلى الله عليه وسلم - وآثار المسلمين، وأن عليه الحكم على صاحب المعصية ولو بدون وجود نص صريح لمرتكبها، ثم استدل محبوب على نكرانه للقياس بقول أبي عبيدة: "من ذهب في القياس ذهب في الدمار" (1).
5 - وأنكر محبوب أيضا استدلال هارون بعدم استتابة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المغيرة بن شعبة، والمرأة التي اتُّهمت معه والشاهد الرابع الذي ارتبك في شهادته، وذكر أن عدم إقامة الحد على المتَّهمين بالفاحشة لا يعني براءتَهما من المعصية، وإنما "الحد لا يقام إلا بشهادة أربعة"، وبالتالي فيفترض حسب محبوب بن الرحيل أن حادثة المرأة التي عبثت مع الرجال لو وقعت في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "ما شك فيها، ولا وقف عنها، وما [كان] ليتركها حتى يؤدبها بالضرب والحبس، ويستتيبها بما صنعت".
لكن لم يبين لنا محبوب موضع الفرق بين الحكم على المرأة المتهمة مع المغيرة، والمرأة العابثة مع الرجال، حيث
__________
(1) السير والجوابات: 1/ 305. (1/5)
صفحة 6
حكم عمر بن الخطاب ببراءة المتهمة مع المغيرة، وحكم محبوب بكفر المرأة العابثة مع الرجال.
6 - وضح محبوب أن الإباضية كانوا يتبرؤون من أهل المعاصي غير المنصوصة التي ليس لها حد في الدنيا، وليس لها عقوبة مسماة، وكانوا يعلمون "أن ما أشبه الكبير أو قاربه فالكبير أولى به، وأنزلوه بمنزلته"، مستدلين بقوله تعالى: "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ" (سورة المطففين: 1)، ولأن "من لزمه الويل لم يلزمه إلا بكفر"، ثم يستطرد محبوب فيقول عمن ارتكب الحرام تشهيا، وهو يدرك حرمته: "وما ركب هؤلاء الذين وصفت أعظم من التطفيف"، فثبت بذلك لهم الويل كما ثبت لأهل التطفيف.
7 - يقر محبوب أن الإباضية يعتقدون أن من رفع صوته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - سيُحبط عمله ويعتبر كافرا، ومن باب أولى لمن ارتكب محرما أعظم جرما، كأكل لحم الخنزيز، وهدم الكعبة، فرغم أن هذه المعاصي لا عقوبة عليها، لكن "قد سماهم الله بالكفر، ولم يوجب عليهم حدا في الدنيا، وصيرهم منافقين".
هذه أهم ردود محبوب على هارون بن اليمان حول المسألة الأولى.
المسألة الثانية: أنواع الذنوب
جاء في الرسالة بأن "ذكر هارون في كتابه إليكم: أن الذنوب عنده ثلاثة:
1 - ذنب يكفر به من ركبه.
2 - ذنب لا يدري أيكفر به أم لا، فيقف عن أهله فيه، ويقف عمن برئ من أهله.
3 - ذنب يعفو الله عنه".
بعد سرد هذه الأنواع شرع محبوب في بيان الصحيح من هذه الأنواع، واعترض على هارون فيما يرى أنه مخطئ فيه، وهذا ملخص الرد:
1 - وافقه في النوع الأول، ولم يعترض عليه.
2 - اعترض عليه في النوع الثاني، لأن هارون توقف في إعلان الكفر (كفر نعمة، وفسق) على من وقع في الذنب، وألزم محبوب هارونَ بأنه سيكون ممن لا يتولى من لم يقف مثل وقوفه على مذنب بذنب لم يرد فيه حكم، وهو بهذا يشير إلى إلزام هارون نفسه بالوقوف حيال كل إباضي لا يرى الوقوف فيمن عصى بمعصية لم يرد فيها نص ولا حكم، وهذا ما استفدناه من قول محبوب: "فأراه قد نصب الوقوف، حيث زعم أنه لا يتولى إلا من وقف مثل وقوفه، وقال مثل قوله في أهل ذلك الذنب الذي لا يدري ما بلغ بأهله".
3 - واعترض عليه في النوع الثالث واحتمل له الوقوع في الكذب؛ إن كان قصده أن الله سيعفو عن المذنب ولو بدون توبة نظرا لصغر المعصية، فقال: "وإن قال مغفور بلا توبة فقد كذب، لأن الله تعالى يقول: "وَتُوبُواْ إِلىَ اللَّهِ جَمِيعًا اَيُّهَا الْمُومِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (سورة النور: 31) ". أما إن كان مقصده أن هذا الذنب لا يرتفع إثمه (1/6)
صفحة 7
عن مقترفه إلا بتوبة، فهذا ما أقره الإباضية حسبما يراه محبوب، ووضح فكرته بقوله: "فمن دين المسلمين أنه لا كبيرة مع توبة، ولا صغيرة لمن أقام من الناس على صغيرة، فهو هالك".
اختتم محبوب رده بعرض أنواع الذنوب حسبما يعتقده، فقسمها إلى قسمين فقط، فقال: "والذنب على منزلتين":
1 - ذنب يهلك به صاحبه عند الوقوع، حيث قال: "ذنب يهلك به صاحبه عند المباشرة والوقوع". وهو ما يتناسب مع النوع الأول عند هارون.
2 - ذنب يهلك به صاحبه بترك التوبة، فقال: "وذنب يهلك به صاحبه بترك التوبة منه، والمقام عليه".
فنفى بذلك محبوب النوعين اللذين أقرهما هارون؛ وهو أنه يوجد ذنب يُتوقف في الحكم على صاحبه، وذنب صغير معفو عنه ولو بدون توبة ولا يحاسب عليه العبد.
وبالتالي فيبدو أن محبوبا كان متشددا في إلزامية التوبة من أي ذنب؛ سواء كان صغيرا أو كبيرا، لأنه يعتقد أن الذنب الصغير لا يعفو الله عنه دون توبة (1)، والكبير يهلك حسنات العبد إن لقي العبد الله دون توبة من جرمه، وذلك بإحباط عمله الصالح.
المسألة الثالثة: التنزه عن صلاة الجمعة مع غير الإباضية، وعن أخذ العطاء منهم
يقول محبوب عن هارون: "وإني أروي عليه أن الجمعة حرام عند أيمة قومنا والعطاء، ولست أروي عليه أنه حرمها"، ويواصل فيقول عنه أيضا: "وإني أزعم أنه قد جمع المسلمون خلف أيمة الجور ولم يختلفوا فيها، فزعم أنه يجوز لهم ما فعلوا، وقد أدوا فريضة، وأن الرجل [إذا] لم يجمع وتنزه فهو أفضل".
فهارون لم يحرم صلاة الجمعة مع غير الإباضية، لأنه قد صلى أيمة الإباضية مع غيرهم، وإنما عد صلاة الجمعة معهم جائزة، وليست واجبة مثلما كان يؤكد عليها الإمام جابر بن زيد، سواء صلاها مع إمام إباضي أو إمام جائر من غير مذهبه، بينما يختار هارون عدم الصلاة مع مخالفيه على صلاتها معهم، ويعتبر ذلك أولى.
ثم يطبق هارون نفس الحكم في جواز أخذ العطاء من أيمة الجور، لكن يفضل التنزه عن ذلك.
وبعد عرض محبوب لأقوال هارون، ينبري للرد عليها، فيقول:
1 - إن حكم هارون مخالف لقول المسلمين وسلفهم، ويقصد أيمة الإباضية.
__________
(1) للعلم فإن لمحبوب نصوصا أخرى تبين شروط الحالة التي يعفو فيها الله عن الذنب الصغير ولو من دون توبة، وهذا فيما يخص من ارتكب ذنبا صغيرا من غير إصرار، وبدون الإقامة على الذنب، أو بدون العزم على ترك التوبة. وباستصحاب هذه النصوص يظهر أن محبوبا قد قيد رأي هارون فيما يتعلق بالنوع الثالث: "ذنب يعفو الله عنه". انظر: الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 279، 281، وبحثنا حول الفكر العقدي عند الإباضية: 439، 440. (1/7)
صفحة 8
2 - إن الإمام جابر بن زيد يفتي بأن الجمعة خلف أيمة قومنا فريضة، وتؤتى من رأس فرسخين، ولو بدون سماع النداء.
3 - ساق محبوب عدة صور عن حرص الأيمة الإباضية على صلاتها، كأبي عبيدة، وضمام بن السائب، وأبي نوح صالح الدهان، وقرة بن عمر الأزرق، وحاجب بن مسلم.
ليؤكد بهذا وجوب الجمعة ولو مع غير الإباضية، ووجوب أخذ العطاء من دولة لا يحكمها أيمة إباضية.
المسألة الرابعة: الحكم بالشرك على من أخطأ في تأويل صفات الله
في هذه المسألة يحاجج محبوب هارون بأن تقسيمه لغير الإباضية إلى قسمين: موحدين، ومشركين سيفضي إلى لصق تهمة الشرك على من أخطأ في التأويل العقدي.
من هذه المحاججة -في نظرنا- وقع اتهام محبوب لهارون، بالرغم من أن هارون لم يصرح بشرك أهل القبلة كما حكى ذلك محبوب عنه، "فزعم أني رويت عليه أنه شرَّك أهل القبلة، وأنه لا يشرك أهل القبلة"، وإنما القول بأن هارون يحكم على المخالفين بالشرك من إلزامات الخصم، ذلك أن هارون سيضع مخطئَ التأويل غير الإباضي في خانة المشركين وليس ضمن الموحدين.
وقد برز هذا الإلزام النظري واقعيا في حكم هارون بالشرك على من وصف الله بالتجلي للجبل، وعلى من نسب إلى الله نفسا غير ما عنى الله وعناه المسلمون؛ فأقر هارون بأنه "لم نتوهم في ذلك شيئا أنهم ليسوا بمشركين". وعليه فإن محبوب يلزم هارون بأنه يعتبر متأولي الصفات مشركين، مبررا ادعاءه بتصريح هارون أن المتأولين: "كذبوا في صفتهم التي وصفوا [الله] بها، وقصدوا بعبادتهم إلى الذين يزعمون". أي أنهم قصدوا إلها غير الإله الأحد.
ويتجلى لنا هذا الإلزام في قول هارون: "إنما أشرك القوم لأنهم قصدوا بعبادتهم إلى الله الذي وصفوا، لأنهم كذبوا في صفتهم، وكذلك ينبغي أن يكون من وصف الله بغير صفته، وكذب في صفته، وقصد بعبادته إلى الذي وصف أن يكون".
وبهذا الرأي يكون هارون مخالفا لإمامه أبي عبيدة الذي لم يحكم على مقاتل بن سليمان بالشرك الذي روي عنه أنه قال: "خلق الله آدم على صورته"، وإنما قال عنه أبو عبيدة: "كذب مقاتل" (1)، ولم يسمه بالشرك ولا نسبه إليه. ويكون هارون أيضا مخالفا لمحبوب الذي يذهب إلى أن "المتأول في الله أعظم جرما، وهذا الواصف عدو لله، قد أقر بجملة ما أقر به المؤمنون، ثم تأول القرآن، فقال: إني أجد في القرآن أنه: "وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا
__________
(1) السير والجوابات: 1/ 302. (1/8)
صفحة 9
صَفًّا" (سورة الفجر: 22)، "إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى" (سورة طه: 46) ... وتأول ذلك عليه غير تأويل المسلمين، غير أنه مقر لا شبيه له ولا نظير ... فهو مقر عندنا، حكمنا فيه حكم المقرين".
بهذا يكون هارون حسب محبوب مقرا بشرك المتأول في الصفات.
المسألة الخامسة: إقرار بعدم تشريك هارون لأهل القبلة في تأويل الصفات
وفي الأخير ينبغي أن نشير أننا وجدنا في ذات الرسالة كلاما لمحبوب يفيد صراحة أن هارون لا يقر بتشريك أهل القبلة بتأويل، فيقول هارون: "ومن قصر في إقراره، وركب محارم الله، وتأول القرآن على غير تأويله، وحرفه على غير مواضعه صار بذلك منافقا كافرا بريئا من الإيمان وثوابه، وبريئا من الشرك وأحكامه .. يعني لا إلى المؤمنين في الاسم والثواب، ولا إلى المشركين في الاسم والحكم، خرجوا من الشرك بالإقرار، ولم يثبت لهم الإيمان بترك الوفاء بالطاعة" (1).
وعثرنا على نص ثان لمحبوب ورد فيه نفس الحكم السابق: "قد أقر هارون في كتابه أنه ليس من دين المسلمين تشريك أهل القبلة، وأنه لا شرك في أهل قبلتنا، وأنهم موحدون غير خارجين من التوحيد" (2).
ومع هذا الآراء الصائبة نجد أيضا أن هارون يستثني مقترفي المعاصي من الحكم بالشرك، فيقول إن: "أهل الكبائر من قومنا ضلال منافقون براء من الشرك، يحكم فيهم بحكم أهل القبلة".
وبهذه الآراء الأخيرة نسجل تذبذب ما نسب إلى هارون في نفس رسالة محبوب بن الرحيل.
ج) تفصيل نصوص رسالة هارون في أمر محبوب بن الرحيل (3).
المسألة الأولى: إطلاق التوحيد على من شبه الله بخلقه.
يتهم هارون مخالفه محبوب في هذه الرسالة بإطلاق اسم الموحد على من شبه الله وأشرك به، فقال عنه: "وكان أعظم ما ابتدع محبوب وخالف المسلمين فيه، أنه زعم أنه من شبه الله بخلقه فزعم أنه في صورة البشر، وقصد بعبادته إلى تلك الصورة التي هي مبعَّضة في مثل البشر ... فزعم أن هذا موحد عارف لله، غير منكر له، وأنه يلزمه من التسمية ما يلزم من أتى كبيرة من الكبائر مما دون الشرك، يسمى بالكفر والنفاق، وأن توحيده وتوحيد الموحدين واحد".
ثم بين أن محبوب يسوي بين حال مشبه الله بخلقه وحال أهل الكبائر في كفرهم وتسميتهم بالتوحيد، بخلاف هارون الذي يقر أنه يجعل من يصف الله بغير صفته، ويشبهه بخلقه، ويحُدُّه في مكان فهو خارج من
__________
(1) السير والجوابات: 1/ 294، 295.
(2) السير والجوابات: 1/ 303.
(3) السير والجوابات: 1/ 325 - 337. (1/9)
صفحة 10
التوحيد، ولا يتوافق معبودُه مع معبود الموحدين، لأنه وصف ربه بهيئة ما يكون من البشر.
ووضح هارون موقفه أكثر حينما ذكر مذهبه حيال المثبتين للصفات حسبما وردت في كتاب الله، كقوله تعالى: "لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" (سورة ص: 75)، وقوله: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" (سورة طه: 5) .. فقال عنهم: "لم نعده يتأول فيه خلاف الحق .. وهو موحد غير خارج من التوحيد".
ويبدو لي أن هناك توافقا مطلقا بين رأي محبوب وهارون من خلال الرسالتين، وأن كليهما ينسبان الشرك للمشبه، ويقران بتوحيد المتأول لصفات الله خطأ، مع احتمال أن تؤخذ بعض أقوال هارون على أنه يتحفظ في حق المخطئ في التأويل، لأنه صار في نظره يعبد غير الله الموصوف بصفات الكمال.
المسألة الثانية: تشريك من آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونفى تعيينه بأنه محمد القرَشي
يستغرب هارون على محبوب الذي يحكم بالشرك على من "زعم أن محمدا الرسول حق، ولكنه غير الذي يعني ليس برسول، أنه مشرك"، ثم لا يحكم بالشرك على من شبه الله بخلقه.
بخلاف هارون الذي يقول: "كل يكون به عندنا مشرك: المتأول المخطئ في تأويله على الله، والمخطئ في تأويله على محمد". لأن من ادعى الإيمان بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم نفى أن يكون هو المعروف في السيرة والمتواتر عند المسلمين، فهذا إنكار للنبوة، وكذلك من شبه الله بخلقه فهو منكر لله، فكلاهما مشرك، والثاني أولى.
فهارون يعترض على محبوب في كونه لا يحكم على المشبه بالشرك، وهذا ما لم نفهمه، لأننا وجدنا محبوبا في رسالته إلى أهل عمان يقول صراحة: من قال: "له شبيه أو مثل أو نظير فهو بهذا مشرك" (1). وعليه فالعالمان حسب علمنا لهما رأيان متوافقان في تشريك من شبه الله، أو أنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأي صيغة من صيغ الإنكار.
المسألة الثالثة: حكم المعصية غير المنصوص عليها.
أكد هارون أنه لا يتولى المرأة العابثة مع الرجال متهما خصمه بأنه نسب إليه ما لم يصرح به، فقال: "وأما ما ذكر من قولنا في المرأة التي يؤتى منها ما دون الفرج أنا نتولاها، فقد قال علينا في ذلك خلاف الحق، وليست هذه المرأة في وَلاية" (2).
ثم بين أنها في الوقوف فقال: "ولكنه أمر أشكل علينا وعلى من سبقنا من المسلمين ممن ذكر له أمرها، فلم نجدها بلغت حدا يجب عليها بفعلها كفرا وضلالا، فوقفنا عنها"، وقال أيضا: "ومما لم يجئ فيه وعيد من الله في كتابه، ولا حد في الدنيا ولا سنة من النبي ... وقفنا فيه".
__________
(1) السير والجوابات: 1/ 301.
(2) السير والجوابات: 1/ 332. (1/10)
صفحة 11
ثم أخذ يشرح موقفه من الوقوف في مثل هذه المعصية، وعدم الحكم عليها بولاية أو براءة، فصرح بما يأتي:
- إن تكن بلغت بذلك كفرا، لم نتولها.
- إن لم يكن بلغ بها ذلك كفرا، لم نهلك بالبراءة منها.
فهارون أوضح أنه يتبرأ ممن ارتكب كبيرة تبلغ به كفرا -كفر نعمة- فلا يتولاه، أما من أتى ذنبا شبيها بالكبيرة فإنه يقف فيه ولا يتبرأ منه، لأنه يعتقد أن الحكم بالكفر والبراءة عند المسلمين –الإباضية- يصح فيمن "أتى كبيرة أوجب الله عليها النار، ومن أتى شيئا مما يجب به عليه حد في الدنيا مما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحدود" (1).
وبعد توضيح هارون لرأيه يفتح باب الرد على محبوب الذي يعتقد أن هذه المرأة كافرة عنده، معتمدا على قوله تعالى: "وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا" (سورة الجن: 23)، ويحاججه هارون بقوله: أكلُّ معصية كفر؟ ثم يعقب بأن الله قد أخبرنا بأمرين:
1 - أن للمؤمنين ذنوبا فقال: "اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مَّدْخَلاً كَرِيمًا: (سورة النساء: 31).
2 - وأن للمؤمنين سيئات وهي معاص.
فهارون استنتج أن الله جعل للمؤمنين ذنوبا يعفو الله عنها باجتناب الكبائر، وسيئات تُحتم على مرتكبها التوبة، ثم وضح موقفه ببيان الأقسام الثلاثة للمعاصي:
1 - كبيرة مكفرة لأهلها، لما جاء فيها من الوعيد.
2 - كبيرة مشبَّهة بالكبيرة، لم يأت فيها حكم معلوم، فوقفنا.
3 - معصية صغيرة مغفورة، "اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ" فقال: للمؤمنين صغائر من ذنوبهم معفو عنها ما لم يصروا عليها.
وبالتالي فإن الوقوف عن المعاصي التي لا نص فيها ضرورة شرعية، ومسألة عقدية لا مناص منها حتى لا يَكفُر من كان مؤمنا على حد قول هارون: "من أكفر مؤمنا فهو أولى بالكفر منه"، ولأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يستتب المرأة المتهمة مع المغيرة بن شعبة ولا الشاهد الرابع لهما لأن المعصية لم تثبت لهم، فدل بذلك على عدم الحكم عليهم بالكفر ولا بالبراءة، وهذا بخلاف الشهود الثلاثة الآخرين فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استتابهم وأقام عليهم الحد، وفعل نفس الشيء مع السارق.
ومن هذه الاستدلالات بين لنا هارون مستنده الشرعي في الوقوف عن حكم المعصية غير المنصوص عليها، وعدم الجزم بولاية مقترفها ولا ببراءته، وكذا عدم جره إلى الاستتابة من فعله، على خلاف تصريح محبوب بن
__________
(1) السير والجوابات: 1/ 333. (1/11)
صفحة 12
الرحيل الذي يعتبر فعل المرأة مكفرا، وأن الإباضية "كانوا يتبرؤون من الواقعين في المعصية اشتهاء، ولو لم تكن من المعصية التي لها حد في الدنيا"، وأن حادثة المرأة التي عبثت مع الرجال لو وقعت في عهد عمر بن الخطاب "ما شك فيها، ولاوقف لعنها، وما [كان] ليتركها حتى يؤدبها بالضرب والحبس، ويستتيبها بما صنعت".
فالرأيان واضحان ومختلفان إزاء مسألة الحكم على المعصية التي لا نص فيها، فمحبوب يقر بالبراءة من المذنب، أما هارون فيدعو إلى الوقوف في حاله.
د) صحة نسبة الرسائل إلى أصحابها
باطلاعنا على الرسائل الثلاثة بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان يحق لنا أن نبدي رأينا حولها بعد سرد مجموعة من الملاحظات المركزة التي تعيننا في الحكم على صحة نسبة الرسائل إلى أصحابها، وهذا مجمل ما رصدناه:
1 - قرأنا الرسائل من كتاب السير والجوابات للمحققة سيدة إسماعيل كاشف، وهو كتاب يفتقر كثيرا إلى مواصفات التحقيق العلمي الرصين؛ حيث لم تشر المحققة إلى النسخ المعتمدة، ولا إلى مواصفاتها، ولم تقدم قراءة لها، ولا تبيانا لمعنى السير، ولا توضيحا للمشترك والمختلف بين هذه السير، فكان التحقيق عاريا من كل ما يعطي قيمة للكتاب بهيئة يرتضيها مؤلفه أو مؤلفوه.
2 - استنتجت المحققة في مقدمتها المقتضبة أن المخطوطة المعتمدة هي جمع لعدة أعمال فقالت عن ذلك: "وظاهر من المخطوطة أن السير جمعت"، واستدلت على استنتاجها بما وجدته في فهرس المخطوطة، "معرفة عدد ما جمع في هذا الكتاب من السير والجوابات عن العلماء والأيمة رحمهم الله".
ويبدو لنا أن المحققة تجزم بأن السير جمعها جامع لم تدر اسمه، عندما أسندت الأمر إلى الجامع في موضعين من كلامها، فقالت: "ثم يقول من جمعها: أول ذلك كتاب الأحداث والصفات"، وذكرت أيضا: "نرى جامع هذه السير، أو غيره، يكتب عنوانا آخر لهذه السير ... ".
ونحتمل من خلال هذه النقول للمحققة في مقدمتها أن السير كانت مبثوثة ومنتشرة، فانبرى لها جامع ووضعها بين دفتين.
3 - بتصفحنا للرسائل الثلاثة لمحبوب وهارون ظهر لنا توافق بين هذه الرسائل، فيما يأتي:
- تتميز الرسائل بوحدة موضوعية متقاربة، وبأسلوب متشابه.
- تبتدئ كل رسالة بديباجة دعوية تتضمن الحمدله، ودعوى إلى التقوى، وحرص على تتبع سيرة أوائل المسلمين.
- ثبت لنا توافق رأي هارون ومحبوب في الرسالة الثالثة (رسالة هارون) بالخصوص حيال نسبة الشرك إلى المشبه، والحكم على المؤول لصفات الله بالخطأ، فلم ندر موطن الخلاف بعد جمع النصوص من الرسائل الثلاثة، (1/12)
صفحة 13
ولماذا اعتبرت المسألة مما خالف فيها هارون قول المسلمين؟
- تقاربت الرسائل الثلاثة في بيان سبب تأليفها؛ فالرسالة الأولى كتبت استجابة لطلب أهلها، فجاء فيها: "ذكرتم أنه وصل إليكم كتاب من هارون ذكر أشياء يزعم أنه فرق بها ... وإنكم أحببتم مني في ذلك بيانا وقوة".
والثانية كتبت توجيها لاتِّباع ما مضى عليه الأوائل، حيث ورد فيها: "أما بعد: فإنا نخبركم ونشكو إليكم، ونستعين بالله لنا ولكم على قوم أحدثوا في الإسلام .. ".
أما الثالثة فسببها تقديم هارون النصيحة إلى الإمام مهنا بن جيفر، فقال له: "فبدأتك بأمر كنت أحقُّ أن تبتدئني به أنت، لأنك إمام، وقد ألزمك الله من حقوق الرعية ما لم يلزم أحدا غيرك، فالأمر منا تطوع، والأمر عليك فريضة". ثم ذكر له بأنه تحفز لكتابة الرسالة بعد أن بلغه إرسال محبوب بن الرحيل بكتاب إليه "يخبرك فيه بأمر يجمع أهل الآفاق من المسلمين". ثم أعلمه مرة ثانية بأنه "كاتبٌ إليك في أسفل كتابي هذا بالحجة والبيان فيما ذكر لي أنه قد أفتى به [محبوب] عندك".
4 - يلاحظ عدم وضوح الردود على المسائل المثارة، وخلط جلي داخل الرسالة الواحدة بين ما يعتبر استدلالا لمحبوب وما هو من ردود هارون، ولهذا أمثلة لا تخلو منها أي صفحة، حتى صرنا نتحايل في أخذ بعض النصوص وترك بعضها، لأنها تبدو مخالفة لما ورد أولا من قول أحدهما، وسنستشهد بأنموذج أو اثنين خشية أن نعيد كتابة فقرات متعددة من الرسائل.
- ورد في الرسالة الأولى: قول لهارون من كتابه، يقول فيه: "لو أن رجلا من المسلمين برئ من هذه المرأة وسعه ذلك، وجاز له" (1). في حين أن هارون يناضل في رسالته (الثالثة) بعدم إلحاق البراءة لهذه المرأة.
- ومع الرسالة الأولى أيضا وردت آراء لهارون في مسألة تشريك أهل القبلة في صفات الله، وفي ذات الرسالة وجدنا نصوصا تثبت أن هارون لا يقول بشرك أهل القبلة في التأويل، وهذا عين التناقض، ولم نجد حلا للجمع بين هذه الآراء لذلك أوردناها نحن تحت مسمى المسألة الرابعة والخامسة حسب ما مر.
5 - في الأخير بعد ملاحظتنا لتقارب طرح الرسائل الثلاثة وتشابه أسلوبها، وبعد استنتاجنا وجود خلط فظيع في نسبة القول إلى صاحبه، نستطيع أن نحتمل احتمالا يَقرُب إلى الجزم بأن الرسائل الثلاثة تحتوي على آراء العالمين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان لكن من خلال شرح واستطراد أحد الشراح المتأخرين، ويؤيد نتيجتنا هذه ما يأتي:
- غياب طبيعة أسلوب الكتابة المنتمية للقرون الأولى والمتميزة عادة بالاقتضاب في الأفكار، وسبك العبارات، وقلة الاستطراد في المعلومات.
__________
(1) السير والجوابات: 1/ 285. (1/13)
صفحة 14
- اكتشاف مخطوطة ضخمة بها عدة سير للأيمة الإباضية [عثر عليها مؤخرا في عمان]، وهي غير الكتاب الذي بين أيدينا، مما يدل على أن عدد السير أكبر بكثير مما جمعته المحققة في هذا الكتاب.
- تحتوي الموسوعات العمانية على عدد غير قليل من هذه السير، بعضها بنفس التسمية مع اختلاف مضمونها مما ورد في الكتاب المحقق، وبعضها جديد على سير الكتاب.
فهذا وغيره (1) يثير لدى الباحث رغبة ملحة لإعادة قراءة موحدة لكل هذا الموروث، ووضعه في إطاره الصحيح، مع استصحاب فرضيتنا بأن هذه السير ما هي إلا "شرح لمقولات علماء الإباضية الأوائل"، ومحاولة إثبات ذلك أو نفيه.
هـ) الامتداد الواقعي للمسائل الثلاثة المختلف حولها
لم يكن النقاش المثار بين العالمين هارون ومحبوب من فضول الكلام، وإنما كانت له إرهاصات واقعية فعَّلت الحوار في تلك المسائل المتعلقة بالحياة اليومية للإباضية في عمان، وهذا بيان لجانب من الامتداد الواقعي لهذه المواضيع في زمن أهلها بعمان، وفي عصرنا الحالي في مناطق وجود الإباضية.
1 - إن مسألة المعصية غير المنصوص على عقوبتها مثار جدل بين الإباضية، من حيث الحكم على صاحبها بالبراءة أو الوقوف، ومن حيث طبيعة المعصية أهي صغيرة أم كبيرة.
فالذين اعتبروها من الكبائر كمحبوب بن الرحيل وغيره من أهل عمان رأوا مقصد ردع مرتكبها، ومن ثم حكموا عليه بالبراءة والكفر الذي هو كفر النعمة. أما هارون بن اليمان فإنه حكم بالوقوف فيها، وبعدم البراءة من صاحبها ولا بتوليته لعدم ورود حد لهذه المعصية.
ويبقى مجال البحث مفتوحا في السبب المباشر لحدة الخلاف بين العالمين في هذه المسألة، أهو استحداث هارون بن اليمان لمصطلح جديد في العقيدة يتعلق بالوقوف في الحكم على العاصي بالبراءة والولاية؟ أم هو عدم قبول فكرة الاعتراض على آراء من انتهت إليه الرئاسة العلمية في عمان، وهو محبوب بن الرحيل؟
2 - ذكرَ هارون بن اليمان في أنواع الذنوب ذنبا يعفو الله عنه دون التوبة، واعترض عليه محبوب بأن هذا سيوقعه في الكذب، خشية منه أن يقع الناس في المعاصي ولا يتسارعون إلى التوبة باعتبار أن لهم أعمالا صالحة ستمحو السيئات، لأن محبوب يعتقد ضرورة التوبة من كل ذنب اقترفه صاحبه وأقام عليه.
ولنا أن نتساءل ما هو معتقد محبوب في المذنب المتهاون في التوبة؟ وجوابه -حسب النصوص التي استعنا بها
__________
(1) لقد سبق وأن قمنا بتحليل جزء مما نسبته المحققة إلى سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي في الجزء الثاني من الكتاب، فأثبتنا أن هذا النص خارج عن السيرة لعدة أسباب، انظر: الفكر العقدي عند الإباضية: 218، 219. (1/14)
صفحة 15
من خارج السير والجوابات- أن محبوبا لا يعد ذلك إصرارا، وبالتالي فإننا نرى أنه يعتقد أن الله سيعفو عن الذنب ولو بدون توبة إذا لم يستخف العبد بالذنب الصغير، وهي الحالة التي يتفق فيها مع هارون. ولو أن المتتبع للردود في السير والجوابات يلاحظ كأنه لا وجود لأي وفاق بين الطرفين.
وهذه المسألة بالذات طورت نقاشا خاصا بعمان، وذلك في عهد العالم هاشم بن غيلان بمدينة صحار، حتى دعا هاشم المختلفين في الموضوع إلى السكوت عن هذه المسألة (1)، نظرا لدقتها، وصعوبة نتائجها الواقعية (2).
3 - تساهلَ محبوب في صلاة الجمعة وراء أيمة غير إباضية ولو كانوا جبابرة، بينما تحفظ هارون من أدائها، وفي نظرنا أن هذه القضية هي نفسها التي أثيرت عند إباضية مزاب بعد استقلال الجزائر من الاستعمار الفرنسي، إذ ناقشوا وجوب أداء صلاة الجمعة وصحة صلاتها بعد استقلال الجزائر، لكون الحاكم الجزائري مسلما، مما شكل تيارين في مزاب بالخصوص؛ فأما التيار الإصلاحي فشرع في صلاتها على رأي محبوب، أما التيار المحافظ فلم يكن يرى ضرورة صلاتها سابقا، وهو نفس مذهب هارون بن اليمان. وقد كان لهذه المسألة صدى في عمان المعاصرة؛ بين من لم يقر بصلاة الجمعة لسقوط الإمامة الإباضية في عمان (من مناصري هذه الفكرة الشيخ الحارثي قبل وفاته)، وبين من أوجبها لإسلام السلطان الحاكم (المرجعيات العلمية المعاصرة).
4 - أما مسألة تشريك أهل القبلة في الصفات فلا نعلم بوقوع امتداد معاصر لها بعد نقاشها في العصر الأول، لاتفاق العلماء الإباضية على عدم الوقوع في خطأ الأزارقة الذين يحكمون على العصاة بالشرك، وإنما الإباضية كانوا ينفردون بإطلاق مسمى الكفر على المخطئ في العقيدة، باعتباره كافرا كفر نعمة كما هو مشهور في تحليل علماء التراث الإباضي قديما وحديثا. وكانوا أيضا يتحدون على عدم المهادنة في تسمية مشبه الله بخلقه بأنه مشرك باتفاق علماء المسلمين، وقواطع القرآن الكريم والسنة النبوية. وبالتالي فإن آراء هارون بن اليمان (إن صحت له) لم يعد لها امتداد واقعي بعد إثارتها في عهدها الأول.
3 - الاختلاف الحاصل بين تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم:
إلى جانب العلماء المنقادين إلى سلطة الإمام أبي عبيدة وأوامره في البصرة، برز ثلة من تلاميذه استقلوا بأفكارهم في حياته، ثم ما لبثوا أن نشروا آراءهم بعد وفاة إمامهم وتوئلي الربيع بن حبيب إمامة الإباضية، وهؤلاء المنشقين هم: شعيب بن المعرَّف، وأبو المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز.
__________
(1) خميس الرستاقي: منهج الطالبين: 2/ 194؛ السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 112.
(2) ولعل من الامتدادات الواقعية للمسألة في عصرنا الحاضر، ما أثاره بعض الشباب في مزاب الجزائر بداية هذا القرن، حيث دعوا إلى فكرة تسمى "الإحباط"، ثم تطورت بعد ذلك الدعوة إلى حلقات قرآنية لإثبات وترسيخ هذا المعتقد عند المتربصين، علما أن هؤلاء يتواصلون مع بعض المرجعيات العلمية في عمان لأجل تصحيح معتقد المزابيين في هذه القضية. (1/15)
صفحة 16
أ) المسائل الثلاثة المشهورة بين تلاميذ الإمام أبي عبيدة، ومصادرهم
أثار تلاميذ أبي عبيدة: شعيب بن المعرَّف، وأبو المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز في عهد شيخهم ثلاث مسائل مشهورة انتشرت بحدة في عهد الإمام الربيع بن حبيب، وهذه القضايا هي:
- الدعوة إلى عدم صلاة الجمعة وراء أيمة الجور.
- عدم تكفير المرأة التي تلاعبت مع الرجال.
- تشريك المخالفين من أهل القبلة في مسألة صفات الله.
ويلاحظ أنها نفس القضايا التي عالجها الإمامان محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان، مما يعبر عن تواصل أكيد بين المعارضين للإيمة الإباضية، وعن عمق هذه المسائل في الفكر الإباضي، وعن حدوث تداعيات مستقبلية لهذه المسائل في الأجيال اللاحقة، رغم بساطة أمثلتها حسبما وردت في المصادر، ونسجل أن أهم مصدر عالج هذه المسائل هي رسالة أطلق عليها محققها رسالة الحجة (1).
كما تميز المخالفون الثلاثة للإمام أبي عبيدة والربيع بمنهج فقهي خاص، تجلت آثارهم من خلال أقوالهم الفقهية المبثوثة في مجموعة من المصادر المخطوطة، والمتميزة في الغالب بعرض الأقوال دون الأدلة، وبجمع عدة موضوعات مختلفة داخل الكتاب الواحد، وبصعوبة تحديد صاحب القول ونهاية كلامه، وأهم المصادر التي أوردت فقه هؤلاء الثلاثة هي:
الديوان المعروض، وكتاب بكار بن فزان، ومسائل مما سئل عنه الربيع، ومسندات أبي الشعثاء (2)، ومسائل نفوسة، ومدونة أبي غانم، وكلها مخطوطة سوى العنوان الأخير فإنه مطبوع.
ومن الأكيد أن هذه المصادر المذكورة ومعها رسالة الربيع وصاحبيه في حاجة إلى إعادة قراءة من جديد، باعتبار تشابه طريقة عرضها للمعلومات، سواء أكانت فقهية أم تاريخية، وهو ما يوحي لنا باحتمال أنها من تأليف المتأخرين مع توظيف مسائل الأوائل، وبخاصة المنشقين عن التيار العام الإباضي، شأنها شأن السير العمانية حسبما مر، والله أعلم.
ب) مسألة القدر عند تلاميذ الإمام أبي عبيدة
اختلف في البصرة ثلاثة تلاميذ مع إمامهم أبي عبيدة وزميله أبي مودود حاجب الطائي –خلاف شعيب، وأبي المرؤج، وعبد الله- في مسألة عقدية تتعلق بالقدر، وهؤلاء الثلاثة هم: حمزة الكوفي، وعطية
__________
(1) سميت هذه الرسالة بـ: رسالة الحجة"، من قبل محققها سليمان بن إبراهيم بابزيز: إشراف: محَمَّد بن موسى بابا عمي، رسالة التخرج في قسم التخصص –شريعة- بمعهد الحياة، القرارة، الجزائر: 1996م، (بحث مرقون).
(2) وهذه المصادر قد كانت لنا معها قراءة مقتضبة في بحثنا. انظر: الفكر العقدي عند الإباضية: 175 - 177. (1/16)
صفحة 17
الخراساني، والحارث (1)، ولقد سجلت لنا الروايات التاريخة مناقشة حمزة الكوفي مع أبي عبيدة وحاجب الطائي، بينما لم يؤثر شيء عن بقية المختلفين، وخلاصة النقاش أنه دار حول نفي القدر وإثبات الفعل إلى العبد، كأنما هو تأثر بالمعتزلة الداعين إلى حرية الفعل الإنساني.
ذكر حمزة الكوفي لإمامه أبي عبيدة بأن الحب والرضى الإنسانيين أفعال صادرة منه، فرد عليه أبو عبيدة بأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد تكون صحيحة مع اعتبار إثبات القدر، لأن فعل العبد لاحقٌ بعلم الله (2).
واستشهد حمزة الكوفي لحاجب الطائي بآيتين من القرآن (3)، يقول الله فيهما: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} (سورة النساء: 79)، وقوله أيضا: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (سورة البقرة: 286)، وهو استدلال يعبِّر عن اعتبار السيئة صادرة من نفس العبد، فرد عليه حاجبُ الطائي بأن استدلاله بهاتين الآيتين دليل على رأيه المعهود في القدر، والمتمثل في تهوين القدر احترازا من الجبر، فقال له: «أَمَّا مِن غيرك فمقبول منه هذه الجملة، وَأَمَّا منك فأنا أعرف مذهبك فيه أولا» (4).
ومن جراء هذا الاختلاف في القدر أصدر أبو عبيدة قرارا بهجران حمزة الكوفي، وبخاصة لما بدأ ينشر رأيه في النساء والضعفاء (5)، أَمَّا حاجب الطائي فقد دعا إلى الرفق بحمزة حينما سئل عنه، إذ قال: «أرفقوا بحمزة ولا تقولوا فيه إِلاَّ خيرا» (6).
__________
(1) الشماخي: السير: 105، 120؛ وقد أبعدهم الإِبَاضِيَّة عنهم وتبرؤوا منهم، انظر: علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة دراسة مركزة: 72.
(2) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 241.
(3) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 244.
(4) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 244. وتفسر السيئة في الآية بأنها المصائب والنقم لا الطاعات والمعاصي.
(5) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 241.
(6) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 244. (1/17)
صفحة 18
ج) الامتداد الواقعي لمسألة القدر
لا يختلف اثنان في أثر هذه المسألة في التاريخ الإسلامي وما تركته من انشقاقات داخل المذهب الواحد، وكيف كانت السياسة تستغل الخلاف لصالحها وتشيع هذه الفكرة، فتمكنت المعتزلة في القرون الثلاثة الهجرية الأولى من الانتشار في عمان وإثارة مسألة القدر بالخصوص، مما حمل علماء الإباضية العمانيين للتصدي لهم، ووقف تسويق فكرة القدر، وهذه أهم الوقائع:
- اضطر هاشم بن غيلان إلى بعث رسالة إلى الإمام الحاكم في عمان عبد الملك بن حميد (حكم بين 207 - 226هـ) يدعوه إلى الضغط على القدرية الذين أظهروا رأيهم في "توام" وغيرها من مدن عمان (1).
- استدعى الإمام الحاكم غسان في عمان (حكم بين 192 - 207هـ) رجلا معتزليا يسمى "بقيَّة" فأجَّله أربعة أشهر على أن يخرج من عمان، لأَنَّهُ كان يُظهر الاعتزال (2).
- وضع وائل بن أيوب الحضرمي القدرية في مرتبة من ينازع الله في سلطانه (3).
وهذه المواقف المتشددة من التيار العام الإباضي تثبت احتمال تأثر بعض أعلام عمان بالمعتزلة، وتبرر سبب ضغط الحكام والعلماء على هذا التيار الجديد خشية استفحاله، وتواصل المتأثرين العمانيين مع بقية الإباضية القائلين بالقدر في البصرة والمغرب، وهو ما سنعالجه في العنصر الموالي.
__________
(1) سيرة هاشم بن غيلان إلى الإمام عبد الملك بن حميد (ضمن السير والجوابات): 2/ 38؛ السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 113.
(2) السالمي: تحفة الأعيان: 1/ 106. وهذا الاحتكاك بالمعتزلة هو ما يفسر انتشار الاختلاف في صحار، سواء ما ظهر بين محبوب وهارون، أو اختلاف أشياخ صحار مع الشراة، أو الهرج والمرج حول كيفية الصلاة، وهو ما تتطلب من الإمام الحاكم مهنا بن جيفر إرجاع عاصمته إلى نزوى في 11 رجب سنة 206هـ، بعد أن تحولت سابقا من نزوى إلى صحار بأمر من الإمام الحاكم غسان في 25 جمادى الثانية سنة 201هـ.
(3) وائل بن أيوب: سيرة وائل (ضمن السير والجوابات): 2/ 51. (1/18)
صفحة 19
4 - الاختلاف الحاصل مع النكار:
يتسرع مؤرخو المغاربة في إطلاق تسمية الفرقة على كل من خالف الإمام الإباضي في العلم أو الحكم، حتى عدوا الخلاف السياسي لـ"خلَف بن السمح" تنشئة لفرقة الخلَفية، واستقلال "نفاث بن النصر" ببعض الفتاوى تكوينا للنفاثية، وهي مسميات أثقل من أصحابها، وتحمل دلالات لا تتناسب مع أصحابها ولا مؤازريهم. بينما كان مؤرخو المشارقة أكثر توازنا في أحكامهم، فلا يسمون الفرقة على كل خلاف، مثلما لم تسم أي فرقة من الخلاف الحاصل بين هارون بن اليمان ومحبوب بن الرحيل، وإنما كانوا يطلقون لفظة الفرقة على من تبنى آراء فكرية خاصة، وأتبعها بمواقف سياسية، ثم بمشادات عسكرية، ولم تتوفر هذه الضوابط حسب علمنا في غير الخلاف على إمامة الصلت بن مالك الخروصي عند كبره، فتشكلت إثر ذلك فرقتان؛ إحداهما مؤيدة، والأخرى معارضة، سميتا بالتبع، الرستاقية والنزوانية. وبهذا المنطلق فإننا نجزم بأنه لا فرقة فعلية في المغرب غير من سموا بالنكار، الذين كانت لهم مرجعية فقهية تمثلت في التلاميذ الثلاثة المعارضين لإمامهم أبي عبيدة في المسائل الثلاثة المشهورة، ومرجعية عقدية تبلورت مع العالم عبد الله بن يزيد الفزاري، ومواقف سياسية تطورت إلى مناوشات عسكرية بقيادة يزيد بن فندين، وسنفصل في نشأة هذه الفرقة المعارضة للإباضية، ونحدد تواصلهم مع علماء المشرق، ثم نناقش صحة نسبة مؤلفاتهم إلى أصحابها.
أ) الامتداد السياسي للنكار
استغل بعض المغاربة شهرة المختلفين الثلاثة مع الإمام الربيع بن حبيب، وهم: شعيب بن المعرَّف، وأبو المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز، فأرادوا أن يستغلوا هذا الخلاف لصالحهم إثر معارضتهم للإمام الإباضي الحاكم في الدولة الرستمية عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (حكم بين 171 - 208هـ)، بعد أن أخذ زمام الحكم خلفا لوالده، حيث قامت ضده معارضة بقيادة يزيد بن فندين، الذي أعلن للناس عن عدم صلاح بيعة الإمام عبد الوهاب، إلا إذا التزم بأن «لا يقضي أمرا دون جماعة معلومة» (1)، ثم استقر رأي كثير من المغاربة؛ المعارضين للإمام أو المؤيدين له على مراسلة علماء المشرق المتمثلين في الإمام الربيع بن حبيب، ومخلد بن العمرد، ووائل بن أيوب الحضرمي والاحتكام إلى اجتهادهم، وحسب تحليل الروايات التاريخية فإن الرسولين الحاملين لنص الرسالة التقيا في مصر بالعالم شعيب بن المعرف التلميذ المعارض للإمامين أبي عبيدة والربيع (2)، فأطلعاه على الخلاف في
__________
(1) أبو زكرياء: سير الأيمة: 1/ 90؛ انظر: الشماخي: السير: 148؛ الباروني: مختصر الإِبَاضِيَّة: 39.
(2) أبو زكرياء: سير الأيمة: 1/ 93. (1/19)
صفحة 20
تيهرت، فتوجه إليها وأعلن مناصرته ليزيد بن فندين معارض الإمام الرستمي الحاكم، لكن بعد نشوب مناوشات وحروب بين أنصار الإمام الحاكم عبد الوهاب، وأتباع يزيد بن فندين انهزم أتباع ابن فندين، وهرب شعيب بن المعرف إلى طرابلس، فصار يطلق على هؤلاء المعارضين "النكار"، وهي تسمية فيها تجريح لهم لإنكارهم إمامة عبد الوهاب (1)، وقيل نسبوا إلى الكدية التي نزلوا بها في تيهرت (2).
وبالتالي فإن أثر هؤلاء المعارضين الثلاثة للإمامين أبي عبيدة والربيع في البصرة امتد إلى الواقع، واستُغل لإثارة المعارضين للإمام الرستمي في تيهرت، مما يؤكد تواصل المعارضين فيما بينهم، ومحاولتهم صنع مجد يوازي السلطة الإباضية العامة.
ب) الامتداد العقدي للنكار
امتدت الأفكار العقدية للمعارضين للأيمة الإباضية في البصرة إلى المغرب من خلال كتب العالم عبد الله بن يزيد الفزاري، الذي نشأ في المشرق، وروجت أفكاره ومعتقداته في صفوف النكار المعارضين للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ومن خلال الزخم الكبير للمؤلفات المكتشفة حديثا للفزاري (3) وأبي زيد عبد الرحمن بن سليمان الزواري الولولي (4) ظهرت لنا منظومة عقدية متكاملة للنكار، فيها ما يتوافق مع الفكر العقدي الإباضي، وفيها ما يخالفه، وسأركز على أهم قضايا الخلاف، لأفتح الشهية للباحثين في عقد دراسة جادة للفكر العقدي عند من أطلق عليهم النكار، وهذه أهم آرائهم (5):
- يكتفي النكار -فيما يسع جهله إلى قيام الحجة- بالعمل فقط، دون اشتراط العلم بوجوب تلك المسألة، بخلاف الإباضية فيلزمون اجتماع العلم بوجوب تلك المسألة والعمل على إتيانها.
- يعتقدون أن أسماء الله مخلوقة، بينما يراها الإباضية قديمة.
- ينفون عذاب القبر ونعيمه.
- أجاز عبد الله بن يزيد الفزاري إرسال رسول ببينة أو بدونها، بينما اشترط الإباضية ضرورة اقتران الرسالة بالمعجزة حَتَّى تقوم الحجة على الناس.
- يرى الفزاري أن الاستطاعة تكون مع الفعل وتتناسب مع الإرادة. وأنه لا استطاعة على فعلين، إذ لا استطاعة للكفار على الإيمان حسب معتقده، وبالتالي فإن الكفار لا يعذبون من جهة عدم إيمانهم، وَإِنَّمَا من جهة إتيانهم الكفر.
- يؤمن الفزاري بأن الله يرزق الحلال والحرام. ويعتقد أن المقتول مات بأجله المقدور.
ج) صحة نسبة المؤلفات إلى الفزاري
لقد سعينا بجد في متابعة مؤلفات هذا العالم لمعرفة آرائه، علما أننا قد حللنا محتوى بعضها في بحثنا للماجستير من خلال مخطوطات موجودة في مزاب بالجزائر أصلها من تونس، ونريد أن نواصل تحليلنا مستعينين بمجموعة من مخطوطات أخرى مصورة قدمت أيضا من جربة بتونس، وهذه نتيجة قراءتنا لكل المؤلفات المنسوبة إلى الفزاري.
1 - كتاب القدر:
يتوفر الكتاب على نسختين في نفس المخطوطة (6)، وقد شكك صاحب بحث الفزاري "فوزي صخراوي" في أن تكون هاتان النسختان كتاب القدر، بناء على ورود إشارتين وسط الكتاب إلى كتاب القدر، جاء في إحداها: "فافهم هذا الوجه فإنه قد كان في كتاب القدر قد أردت أن لا أجيبك فيه لأنه عندك".
ويبدو لي أن الإشكال مرفوع لعدم وجود ما ينفي صحة النسبة، فضلا عن أني قد عقدت مقارنة بين هذا الكتاب وكتاب أحمد الناصر لدين الله الشيعي "النجاة" (7) الذي يرد فيه على الفزاري، فتبين أن الشيعي لم يعتمده في الغالب (8) ليدل على أن الكتاب المتوفر لدينا في نسختين هو كتاب القدر، ولا
__________
(1) أبو زكرياء: سير الأيمة: 1/ 95.
(2) أبو زكرياء: سير الأيمة:1/ 101.
(3) لقد عالجت مؤلفات الفزاري في بحثنا، انظر: الفكر العقدي عند الإباضية: 255 - 262.
(4) توجد ضمن مجموع مخطوطات ضخمة، عثر عليها الدكتور: فرحات الجعبيري، وسنطلق عليها في هذا البحث "مخطوطات من تونس".
(5) راجع تفصيل معتقداتهم في بحثنا، الفكر العقدي عند الإباضية.
(6) مكتبة الاستقامة ببني يزقن (الجزائر)، تحت رقم: ف3.
(7) أحمد بن يحيى بن الحسين، مقدم في الفقه تسلم الأمر من أخيه المرتضى في 301هـ، اجتهد في الجهاد ضد القرامطة حَتَّى توفي في 315هـ، من مؤلفاته: المفرد، وكتاب الدامغ، والتوحيد، انظر مقدمة محقق كتاب النجاة: اعتناء: قيلفريد ماديلونغ، المطبعة الكاثوليكية، ألمانيا: 1985، النشرات الإسلامية، ج30. ص: 1، 2.
(8) بعد أن تعسر علي مقابلة النصوص ببعضها، لتشابهها وتضاربها أحيانا، فالتجأت إلى البحث عن الآيات الواردة بين الكتابين، وتتبع محتوى توظيفهما، فكانت هذه النتيجة:
- 22 آية وردت في كتاب القدر المخطوط لم ترد في كتاب النجاة المطبوع ().
- 05 آيات اشترك الكتابان في إيرادها مع الاختلاف في موضوع الاستشهاد بها ().
- 03 آيات يَتَّفِقُ موضوع الاستشهاد بها بين المخطوط وكتاب النجاة ()، مع الاختلاف في الصياغة وعرض الأفكار.
ليتبين لنا من خلال هذه المقارنة أن كتاب النجاة لم يعتمد على كتاب القدر لأنه توجد عدة آيات اعتمدها الفزاري ولم يعتمدها أحمد الناصر، فضلا عن أن المتفق عليه كآيات ونصوص لا يعدو ثلاث مواضع، فدل بذلك على أن أحمد الناصر لم يعتمد كتاب القدر، (وهذه النتيجة الأخيرة " أن أحمد الناصر لم يعتمد كتاب القدر" مغايرة لما كتبته في كتابي الفكر العقدي عند الإباضية، بعد اعتمادي على نفس المقارنة السابقة). (1/20)
صفحة 21
يمكن أن يكون غيره، ويؤكد استنتاجنا أن النسختين المخطوطتين في مكتبة الاستقامة أثبتتا العنوان بكتاب القدر (1).
لكن ما لم أفهمه هو كون أحمد الناصر لدين الله يرد على الفزاري لجبريته حسب زعمه، حيث جعل غرضه من تأليف كتاب النجاة إثبات العدل ونفي الجبر، بينما نجد الفزاري في كتاب القدر يرد على القائلين بالجبر، من خلال نفي الجور عن الله، وإثبات أن الإنسان له قوة ترك الفعل، ونذكر من النصوص (2):
- إن القوة هي الاستطاعة، فقال: "القوة هي الاستطاعة، والاستطاعة هي القوة، وإنما هلكوا [أهل المعاصي] بإيثارهم هواهم، وما زين لهم من الضلال".
- تكون الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده (3)، وهي تتناسب مع الإرادة، لذلك لا حجة للعاصي في قوله لم يُعطَ الاستطاعة على الترك (4).
وقال أيضا: "فإن قال أهل القدر: هل كلف الله العباد ما لا يطيقون؟ قيل لهم: إن الله تبارك وتعالى لم يكلف العباد شيئا إلا وهم يطيقون أخذه وتركه" (5).
وهو ما يقتضي مقارنة وتحليلا عميقين لكشف هذا التناقض الظاهري بين كتاب القدر، وتصريحات أحمد الناصر لدين الله الذي ينقل عن كتاب آخر للفزاري، وغير مستبعد أن أحمد الناصر كان يرد على الفزاري من خلال كتابه "الرد على الرافضة" والذي نسبه إليه ابن النديم (6).
2 - كتاب في الرد على ابن عمير (7):
__________
(1) ولا نستبعد أن كتاب القدر هو نفسه كتاب الاستطاعة الذي ذكره ابن النديم في الفهرست، لتقارب موضوعهما، (نقلنا ما ذكره ابن النديم من بحث فوزي صخراوي: آراء عبد الله بن يزيد الفزاري: 26).
(2) المعتمد في الإحالة على النسخة الثانية من مخطوطة مكتبة الاستقامة، رقم: ف3.
(3) الفزاري: كتاب القدر (مخ): 34و، 37و.
(4) الفزاري: كتاب القدر (مخ): 27و، 28ظ.
(5) الفزاري: كتاب القدر (مخ): 16ظ.
(6) ابن النديم: الفهرست: 318، نقلا عن بحث فوزي صخراوي: آراء عبد الله بن يزيد الفزاري: 32.
(7) ولا نستبعد أنه كتاب الرد على المعتزلة الذي ذكره ابن النديم في الفهرست، انظر: فوزي صخراوي: آراء عبد الله بن يزيد الفزاري: 26. (1/21)
صفحة 22
ألف أبو محَمَّد عبد الله بن يزيد الفزاري كتابا (1) خاصا للرد على معاصره عيسى بن عمير، الذي تُنسب إليه الفرقة العمرية القريبة آراؤها من المعتزلة، وجاء الرد عقب كتاب كتبه ابن عمير إلى أتباع الفزاري من النكار ليستميلهم إليه (2).
وفي هذا الرد هجوم عنيف من الفزاري على خصمه ابن عمير حيث اتهمه الفزاري بِأَنَّهُ يرمي آثار الأولين بالبطلان والكذب، وَأَنَّهُ يعتمد في آرائه على المعتزلة والرافضة ثُمَّ ينسبها إلى سلف المسلمين من الإِبَاضِيَّة، ليزين بها مذهبه، وليسكن إليها الناس (3).
ومع هذه النزعة الحادة من الفزاري، نجد في الرد استدلالا مرتبا وقويا، يَدُلُّ على تمكن صاحبه في علم الكلام، وذلك وفق منهجية محددة، معتمدا فيها على الآيات القرآنية وعلى استلزامات توصِل معارضَه إلى طرق مسدودة، وكثيرا ما يأتي كلام الفزاري على شكل أسئلة يصوغها من خلال آراء ابن عمير ليسهل له نقضها.
3 - كتاب دون عنوان (نطلق عليه تسمية العبارات) (4):
ورد في أوله: " أظنه فحل الفحول وإمام الأصول ... إمام مذهبنا أبو محَمَّد عبد الله بن يزيد الفزاري"، ولا توجد تسمية للكتاب، وإنما الكتاب مقسم حسب صفات الله تعالى التي عنونت بـ: "عبارات عن الحلم"، "عبارات عن الكرم" (5)، وبعد هذه العناوين يأتي التقسيم على حسب الأبواب.
والغالب على الظن أن الكتاب به آراء للفزاري، وهو من أحد الشراح المتأخرين لطبيعة أسلوبه، وتفصيلاته لمسائل العقيدة، ويدل على احتمالنا عبارة الكاتب أظنه للفزاري، وهذه الصيغة معتادة في كتب المعارضة الإباضية.
4 - كتاب التوحيد في معرفة الله عزوجل وما يَتَعَلَّق بها من قول الشيخ الفزاري:
ينسب الكتاب (6) إلى الفزاري وورد في عنوانه "كتاب التوحيد في معرفة الله عز وجل، وما يتعلق بها من قول الشيخ أبي محَمَّد عبد الله بن يزيد الفزاري"، وهو يختلف عن الكتاب السابق، ويمكن أن نلاحظ من خلال عنوان المخطوطة الأولى في مكتبة الاستقامة أن الكتاب ليس خاصا بالفزاري، لقوله: كتاب التوحيد، وما يتعلق بها من قول الفزاري، فدل على أن الكتاب من أحد المتأخرين وفيه آراء مبثوثة للفزاري، وهي ظاهرة في التأليف لمسناها بقوة في مؤلفات المنتسبين إلى المعارضة الإباضية.
والكتاب في عمومه يحتوي على صيغ مختلفة في عرض المعلومات؛ فتارة تأتي عبارة "سألت عن الإيمان فقال:"، وتارة أخرى "قلت فما عين (الشرك ... ) " وأخرى "إن سأل سائل" وهي الأكثر انتشارا مِمَّا يوحي أن أصل الكتاب مقتطفات جمعت في مكان واحد، وبه أقوال الفزاري فنسب إليه بقوله، "وما يتعلق بها من قول الشيخ أبي محَمَّد عبد الله بن يزيد الفزاري".
وللكتاب شرح مفصل في نفس المخطوطة، وهو الخامس ضمن المجموع، وهذا الشرح من المتأخرين بكل تأكيد، لأنه اعتمد كتب المتأخرين مثل: شرح العقيدة لأبي زيد عبد الرحمن الزواري الولولي، وكتاب مفتاح الشريعة لأحد العمانيين، وكتاب قواعد الإسلام للجيطالي وغيرها كثير، ومما يثير الانتباه اعتماده على كتاب السؤالات الذي يبدو أن الشارح نسبه إلى الفزاري حينما قال:"سأل الشيخ أبا محمد عبد الله بن يزيد الفزاري رحمه الله، قال في السؤالات" (7).
5 - رسالة من عبد الله بن يزيد الفزاري إلى أبي قدامة و أبي خالد:
الباعثان للرسالة هما أبو قدامة وأبو خالد (8) والجواب خاص بالعقيدة فيما يسع جهله، وفي حكم من يشك في ضلال مستحل ما أحل الله، وهذه الرسالة تذكرنا بالنقاش حول الحكم على من عصى الله بمعصية شبيهة بالكفر المثارة عند تلاميذ الإمام أبي عبيدة.
ولا أستطيع الجزم بصحة نسبتها إلى الفزاري، لأنه لا دليل يثبت النسبة غير ما ورد في العنوان، وذلك في نظرنا غير كاف، لوجود كثير من الكتب المتأخرين تنسب إلى المتقدمين تبركا إذا احتوت على بعض أفكار المتقدمين.
6 - كتاب الرد على المرجئة:
استدل الباحث فوزي صخراوي (9) على صحة نسبة الكتاب إلى الفزاري بناء على ما ورد في آخره (10)،
__________
(1) الفزاري: الرد على ابن عمير (مخ): الرابع ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة، رقم: ف03، نسخ في ربيع الثاني 1190هـ. وتوجد نسخة ثانية في مخطوطة بنفس المكتبة، تحت رقم: ف7.
(2) كتاب عيسى بن عمير يعتبر من المفقودات، انظر الملحق الثاني لبحثنا: الفكر العقدي عند الإباضية.
(3) الفزاري: الرد على ابن عمير (مخ): 46و.
(4) ولا نستبعد أنه هو كتاب التوحيد الذي ذكره ابن النديم في الفهرست، انظر: بحث فوزي صخراوي: آراء عبد الله بن يزيد الفزاري: 28.
(5) الفزاري: دون عنوان في التوحيد: مخطوط الأَوَّل ضمن مجموع تحت رقم: ف03 في مكتبة الاستقامة: 4و- 7و.
(6) كتاب التوحيد في معرفة الله: الثاني ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة ببني يزقن، رقم: ف07، نسخ في رجب 1190هـ.
(7) كتاب في التوحيد، الخامس ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة ببني يزقن، رقم: ف07: 78و.
(8) يوجد ضمن "مخطوطات تونس"، ويعتبر فوزي صخراوي أول من اعتمد هذه المخطوطة. ولا نعرف الشخصيتين المرسلة إليهما الرسالة.
(9) فوزي صخراوي: آراء عبد الله بن يزيد الفزاري: 28.
(10) ضمن "مخطوطات تونس"، وهو في ورقتان فقط، ومبتور الأول. (1/23)
صفحة 23
من العبارة المعهودة في هذه المخطوطات: "أظنه لفحل الفحول ... أبو محمد عبد الله بن يزيد الفزاري".
لكني لا أعتبر العبارة دليلا على صحة النسبة، وبخاصة أن الفزاري لم يشتهر عنه أنه رد على المرجئة، كما أنه مخروم لم يبق فيه غير الصفحات الأخيرة، والمخطوطة لم تجزم لنا بصحة نسبته، وإنما ورد "أظنه لفحل الفحول"، مما لا يسمح لنا بالجزم بنسبته إلا الفزراي حسب المعطيات المتوفرة حاليا على الأقل.
7 - باب فيمن رجع عن علمه، وفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على دين:
نسبه الباحث فوزي إلى الفزاري، وهذا خطأ علمي، إذ لا دليل على ذلك، لأن كل المخطوطات الثلاثة للكتاب (1) لا تشير إلى ذلك، وإنما ذكرت في آخرها: "وأظنه لأصحابنا المتقدمين"، فضلا عما ورد في الكتاب من أنه وجد بخط الشيخ أبي زيد عبد الرحمن، مما ينبئ عن جهالة صاحبه، وتعذر كونه للفزاري.
بعد استعراض جملة من المؤلفات يجدر بنا أن نقدم ملاحظاتنا عليها، وهي:
1 - ثبت أن كتاب القدر للفزاري على الأرجح، وهو كتاب يعرض مسألة القدر دون جبر ولا خلق لأفعال العباد.
2 - لعل أحمد الناصر لدين الله قام بالرد على الفزاري من خلال كتاب "الرد على الرافضة" المنسوب إلى الفزاري، والذي يعد من بين المفقودات إلى حد الساعة. ويبدو أن أحمد الناصر يعيب على الفزاري القول بالجبر مع أنه بريئ منه، لأن من ينسب الفعل الأزلي إلى الله في تحليل هذه القضية لا يعني أنه جبري، ومن هنا نفهم أن تحامله عليه كان جراء رده على الشيعة لا لأجل تبنيه الجبرية.
3 - يُستغرب كثيرا أن يقوم الفزاري المعارض للإباضية بالرد على المعارض الإباضي الآخر، والأغرب من ذلك اتهام الفزاري خصمه ابن عمير بتضليل الإباضية بأنه ينتسب إلى سلفهم وهو بريء منهم، في حين أن الفزاري أصلا من المتهمين بالمعارضة الإباضية وبالانشقاق عنهم، والتحالف مع النكار المغاربة الذين حافظوا لنا على مؤلفاته إلى العصر الحالي، أو أحيوا لنا مقولاته من خلال الشراح المتأخرين الذين تناولوها بالمعالجة.
4 - نسبت إلى الفزاري كتب عدة، منها: العبارات، التوحيد، رسالة أبي خالد، الرد على المرجئة، وكلها تتشابه في عدم الوحدة الموضوعية، وتفتقر إلى الاستدلال بالآيات والأحاديث وأقوال الصحابة أو التابعين، ويلاحظ أيضا أنها تعالج قضايا عقدية متطورة جدا عن القرون الأولى، مما يشكك في صحة نسبتها إلى الفزاري، ويؤيد هذا الاحتمال أن النساخ نسبوها إليه بصيغة التمريض، مما يدعم فكرتنا
__________
(1) توجد نسختان في مكتبة الاستقامة، ببني يزقن، تحت رقم (ف3، و7)، والنسخة الثالثة مصورة ضمن "مخطوطات تونس". (1/24)
صفحة 24
السابقة التي تفترض أن كثيرا مما اكتشف من كتب المعارضة الإباضية الأوائل هو من تأليف المتأخرين، يشرحون فيها مقولات الأوائل.
ونسبتعد أن فعلهم ذلك كان لأجل التمويه والدجل على سلفهم، لأنهم كانوا يدركون حقيقة هذه الكتب بينهم، والإشكال في نظري أقمناه نحن الباحثين المعاصرين الذين لم نفقه هذه المنهجية التي كانت متداولة بينهم، فجعلنا ننسب هذه المصادر إلى الفزاري وغيره، في حين أن الشراح في نظري حينما يصرحون في عنوان الكتاب بـ "أظنه" أو "ما تعلق بها من قول الشيخ"، هي دلالات واضحة من أن في الكتاب شرح وتحليل لقضايا أثارها الأقدمون.
5 - من المجزوم به أن الكتاب المعنون بـ: "فيمن رجع عن علمه، وفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على دين" ليس من تأليف الفزاري.
6 - لا نجزم حاليا إلا بنسبة كتابين للفزاري متوفرين، وهما: كتاب القدر، والرد على ابن عمير. (1/26)
صفحة 25
5 - التشابه المعرفي بين المعارضين الإباضية مشرقا ومغربا:
أ- وحدة منبع الخلاف، وتشابه القضايا
بعد استعراض جملة من المحسوبين على المنشقين عن الإباضية تبين لنا أن أغلبهم ممن تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة، ثم اختلف مع شيخه، مما يوحي بالتسامح المعرفي في مجالس التعليم التي كان يعقدها أبو عبيدة، والتألق العلمي لهؤلاء الطلبة الذين أحدثوا حِراكا معرفيا أثناء دراستهم، إلا أن الشيخ أبا عبيدة -وكما يبدو- لم يكن يحسم الخلاف بإقناع علمي صريح، ولم يكن مشتغلا كثيرا بالمناقشة العلمية مع تلاميذه كما كان يفعل شيخُه جابر بن زيد، وإنما ألهته متابعة تأسيس الحركة الإباضية في المشرق والمغرب عن التحاور الفعلي في هذه القضايا الدقيقة، واستعاض عن هذا الحوار بتوظيف الهجران ضد بعض من تعنت في إظهار رأيه، وهذا ما شهدناه مع الثلاثة: حمزة الكوفي، وعطية الخراساني، والحارث الذين دعوا إلى القدر، فأصدر الإمام أبو عبيدة الهجران في حق حمزة حينما نشر رأيه.
وتأكيدا على التواصل المعرفي للمعارضين الإباضية فيما بينهم ما لمسناه من انتشار فكرة القدر في عمان وبخاصة في صحار، وحزم مواجهتهم من قبل هاشم بن غيلان ووائل بن أيوب الحضرمي اللذين عالجا الخلاف قبل استفحاله في عمان، وتصديا له بالضغط على معتنقيه –كما فعل الإمام أبو عبيدة- عن طريق إرسال الرسائل إلى الإمام الحاكم وترجي نفي القائلين بالقدر من المعتزلة وممن تأثر بهم.
وإلى جانب معارضي الإمام أبي عبيدة برز مخالفون أكثر جرأة في عهد الإمام الربيع بن حبيب، بعد أن كانوا يخفون آراءهم في عهد شيخهم أبي عبيدة، إذ صاروا يبثون أفكارهم بكل وضوح، ولعل ذلك يرجع إلى أنهم كانوا يرون أن الربيع بن حبيب مكافئ لهم في المجال المعرفي، وأن لهم نفس الحظوظ لتبني الزعامة الإباضية، ونذكر من هؤلاء: الثلاثة المشهورين بخلافهم مع الربيع: شعيب بن المعرَّف، وأبو المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز، الذين وجدنا آراءهم الفقهية مبثوثة في مدونة أبي غانم، أو في مخطوطات اكتشفت حديثا، وأشهر القضايا التي أثاروها هي:
عدم تكفير المرأة التي تلاعبت مع الرجال.
الدعوة إلى عدم صلاة الجمعة وراء أيمة الجور.
تشريك المخالفين من أهل القبلة في مسألة صفات الله.
وهذه المسائل الثلاثة هي نفسها المسائل التي احتدم حولها النقاش بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان ليتأكد لنا التواصل المعرفي للمعارضين البصريين مع العمانيين ومع المغاربة لاحقا.
فحديث البصريين الثلاثة عن عدم تكفير المرأة التي تلاعبت مع الرجال شبيه بإعلان هارون بن اليمان في عمان الوقوف وعدم الحكم بالبراءة ولا الولاية لمن ارتكب معصية غير منصوص على حدها وغير (1/27)
صفحة 26
مبين مصيرها، معارضا زميله الذي آلت إليه الرئاسة العلمية في عمان محبوب بن الرحيل.
وناقش هارون أيضا مسألة غفران الله الذنب الصغير ولو بدون توبة "ذنب يعفو الله عنه" عند إتيانه الحسنات، وهو ما رفضه محبوب الذي يبدو كان متشددا في إلزامية التوبة من أي ذنب، سواء كان صغيرا أو كبيرا، لأنه يعتقد أن الذنب الصغير لا يعفو الله عنه دون توبة، وهذه القضية لم تثر في غير عمان رغم كونها استمرارا للقضية السالفة، حيث رأينا أنها أحدثت نقاشا حادا في مجلس هاشم بن غيلان فدعا إلى السكوت عنها.
- والتحفظ من الصلاة وراء أيمة الجور من قبل العلماء الثلاثة البصريين هو نفس ما أثاره هارون بن اليمان في عمان، رغم أننا رأيناه سابقا متساهلا في الحكم على العاصي، ولكنه أظهر تشددا في التعامل مع مخالفيه، سواء لعدم إيجاب صلاة الجمعة معهم، أو لعدم قبول أعطيتهم ومكافآتهم، مما يؤكد قوة تأثر المعارضين ببعضهم.
- ودائما مع هارون بن اليمان فقد اتُّهم بأنه يحكم بالشرك على المؤول في الصفات خلاف الحق، وهو حكم لم يسبق من إباض قبله، لكن بعد تصفح رسالته إلى الإمام مهنا تبين أن متهمه محبوب بن الرحيل لم يتعرف جيدا على رأيه، لأننا وجدنا كلام هارون لا يختلف عما قرره المسلمون من أن الحكم بالشرك ينطبق على مشبه الله بخلقه. ولا ندري سبب دعوى محبوب، وهل كان مخطئا فيما نسبه إلى خصمه؟ أم أن الرسائل المتوفرة لدينا لا تعطينا صورة صحيحة عن رأي هارون؟
وما ذكرناه سابقا كان حول التواصل المشرقي المشرقي، أما عن التواصل المشرقي المغربي فقد تجلى مع النكار الذين تبنوا الاجتهادات الفقهية لشعيب بن المعرَّف، وأبي المؤرج السدوسي، وعبد الله بن عبد العزيز، المحفوظة في مدونة أبي غانم، وفي مخطوطات أخرى اكتشفت حديثا، كالديوان المعروض، ومسائل نفوسة وغيرهما، هذا فيما يخص المنظومة الفقهية للفرقة المنشقة عن الإباضية، وهي الجماعة الوحيدة التي يصح تسميتها فرقة، لأن لها أيضا مواقف سياسية تبنوها مع يزيد بن فندين المعارض للإمام الرستمي عبد الوهاب، وآراء عقدية ناقشتها كتب العقيدة في المغرب، إلا أن الجديد هو اكتشافنا لمخطوطات عن الفزاري، وعلى رأسها كتابه القدر، الذي يبدو أنه أصح ما نسب إليه من المؤلفات، وهذا الكتاب يؤكد لنا تواصل المنشقين فيما بينهم، وهذه المرة بين الفزاري وتلاميذ الإمام أبي عبيدة المختلفين معه في القدر، وربما مع من تبناها في عمان، ولا نبالغ إن أثبتنا التواصل حتى مع المنشقين في اليمن ذلك لثبوت قيام الشيعي أحمد الناصر لدين الله اليمني برد على الفزاري في كتاب سماه النجاة.
من خلال مؤلفات الفزاري، وأبي زيد عبد الرحمن بن سليمان الزواري الولولي ظهرت لنا منظومة عقدية متكاملة للنكار، فيها ما يتوافق مع الفكر العقدي الإباضي، وفيها ما يخالفه، وهي في حاجة إلى (1/28)
صفحة 27
تسليط الضوء أكثر بدراسات معمقة لإثبات حجم التواصل المعرفي بين المنشقين أنفسهم، ومع التيار العام الإباضي.
ب- تشابه إشكاليات المصادر
بدا لدينا واضحا وجود إشكاليات متشابهة بين الكتب المنسوبة إلى العلماء المعارضين للإباضية، ولقد تجلى لنا هذا التوافق في الصور التالية:
- تشابهها في الاستطراد المعرفي والتدقيق في المسائل، وتقارب طريقة التأليف بينها؛ فالرسائل العمانية متشابهة بينها من حيث الديباجة وطريقة الاستدلال، وكتب الفزاري لها نفس النمط في التعبير والردود.
- تميزها في الغالب بصعوبة نسبة القول لصاحبه، وبيان قول المعارض؛ سواء كانت رسائل محبوب وهارون، أو كتاب الفزاري ومعارضه ابن عمير، أو الفزاري وأحمد الناصر لدين الله الشيعي.
- لاحظنا خلطا للقضايا المطروحة في مصادر المعارضين، وبينا تضارب النصوص في رسائل محبوب وهارون، وبين كتاب القدر للفزاري ورد الشيعي عليه، مما يستدعي روية كبيرة، وتحري في تصحيح نسبة الأقوال.
- يعد التراث المعارضين الإباضيين في طور الاكتشاف، ولا زالت المكتبات في حاجة إلى مفهرسين أكفاء لنشر الجديد؛ فهذا كتاب السير والجوابات المحقق اكتشف له مجلدين ضخمين لبقية السير. أما كتب النكار فقد عثرنا على مجلدين بمكتبة الاستقامة، وحاليا اكتشف التونسيون مجلدا لأعمال الشيخ الولولي، وأجزاء من مخطوطات مبعثرة منسوبة إلى المتقدمين.
وختاما تأكد لدينا عبر نقاش سابق في بحثنا للماجستير ومن خلال هذه الدراسة أن مصادر المعارضة الإباضية لا يمكن أن نستسيغ نسبتها إلى القرون الأولى، وإنما نفترض أنها من إنتاج المتأخرين يشرحون فيها مقولات المعارضين المتقدمين، وهي فرضية تبقى في نظرنا صحيحة، ما لم يثبت ما ينقضها. (1/29)
صفحة 28
ثبت المصادر والمراجع
أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر (ق5هـ):
1 - كتاب السيرة وأخبار الأيمة: تحقيق عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر: 1985.
أحمد بن يحيى الناصر لدين الله (ق3هـ):
2 - كتاب النجاة: اعتناء: قيلفريد ماديلونغ، المطبعة الكاثوليكية، ألمانيا: 1985، النشرات الإسلامية، ج30.
الأزكوي محَمَّد بن جعفر أبو جابر (ق3هـ):
3 - جامع ابن جعفر: تحقيق: عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان: دت.
الأصفهاني أبو الفرج:
4 - الأغاني: تحقيق: علي السباعي، دار إحياء التراث العربي، بيروت: دت.
الباروني سليمان أبو الربيع:
5 - مختصر تاريخ الإِبَاضِيَّة: دت.
جابر بن زيد (ت: 93هـ):
6 - جوابات أبي الشعثاء جابر بن زيد: (وهو رسائل الإمام جابر بن زيد) المخطوط الرابع ضمن مجموع ق مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، رقم: م82.
جمعية التراث لجنة البحث العلمي:
7 - معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: من القرن1هـ إلى 15هـ قسم المغرب: نشر جمعية التراث، القرارة الجزائر: 1999.
جميل بن خميس السعدي (ق13هـ):
8 - قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة: تحقيق: عبد الحفيظ شبلي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان: 1984.
جهلان عدون:
9 - الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة: من خلال آراء الشيخ محَمَّد بن يوسف بن اطْفِيَّشْ، (1236هـ – 1332هـ/ 1914م): جمعية التراث، القرارة الجزائر.
الدرجيني أحمد بن سعيد أبو العباس (ت: 670هـ):
10 - طبقات المشايخ بالمغرب: تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة البعث: قسنطينة الجزائر، دت.
الراشدي مبارك بن عبد الله بن حامد:
11 - الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه: (45هـ-145هـ)، سلطنة عمان: 1992.
الربيع بن حبيب ومخلد بن العمرد ووائل بن أيوب:
12 - الرسالة الحجة: في أمر الفرقة التي كانت بالمشرق والمغرب حول حكم صلاة الجمعة، وامرأة أتت بشبه زنى، والقول في المتأولين للتشبيه، تحقيق: سليمان بن إبراهيم بابزيز: إشراف: محَمَّد بن موسى بابا عمي، رسالة التخرج في قسم التخصص –شريعة- بمعهد الحياة، القرارة الجزائر: 1996م، (بحث مرقون). (1/30)
صفحة 29
الرقيشي أحمد بن عبد الله الأزكوي:
13 - مصباح الظلام: (القطعة الخامسة من كتاب شرح دعائم الإسلام) مخطوط بمكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، رقم: م154، نسخ في جمادى الأولى 1247هـ.
السالمي عبد الله بن حميد (ت: 1332هـ):
14 - تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان: تصحيح وتعليق: إبراهيم اطْفِيَّشْ أبو إسحاق، مطبعة الشباب، القاهرة: 1250هـ. ط: 2.
سامي صقر عيد أبو داود:
15 - الإمام جابر بن زيد الأزدي (ت: 93هـ) وأثره في الحياة الفكرية والسياسية –دراسة تاريخية: إشراف: د. فاروق عمر فوزي، كلية الآداب والعلوم جامعة آل البيت الاردن، ماجستير التاريخ الإسلامي.
شارح مجهول:
16 - كتاب في التوحيد (شرح لإحدى كتب الفزاري في العقيدة): المخطوط الخامس ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة ببني يزقن، رقم: ف07.
الشماخي أحمد بن سعيد بن عبد الواحد أبو العباس (ت: 928هـ):
17 - كتاب السير: طبعة حجرية، الجزائر، دت.
صخراوي فوزي:
18 - آراء عبد الله بن يزيد الفزاري الكلامية: إشراف: د. محمد شقرون، رسالة الماجستير في الحضارة القديمة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم العربية، تونس، 2008/ 2009.
عبد الله بن يزيد الفزاري (ق3هـ):
19 - دون عنوان في العقيدة (كتاب العبارات): المخطوط الأَوَّل ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة، رقم ف03.
20 - كتاب القدر: المخطوط الثاني ضمن مجموع في مكتبة الاشتقامة، رقم: ف03، نسخ في 25 ذي القعدة 1187هـ.
21 - كتاب القدر: المخطوط الثالث ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة، رقم: ف03، نسخ في 23 ربيع الأَوَّل 1190هـ.
22 - في الرد على ابن عمير: المخطوط الرابع ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة، رقم: ف03، نسخ في ربيع الثاني 1190هـ.
23 - كتاب التوحيد في معرفة الله وما يَتَعَلَّق بها من قول الشيخ الفزاري: المخطوط الثاني ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة ببني يزقن، رقم: ف07، نسخ في رجب 1190هـ.
24 - كتاب الرد على المرجئة: مخطوط ضمن مخطوطات تونس المصورة. (3 أوراق، مخروم الأول والوسط).
25 - رسالة عبد بن يزيد الفزاري إلى أبي خالد: مخطوط ضمن مخطوطات تونس المصورة. (كاملة)
علماء وأئمة عمان: (1/31)
صفحة 30
26 - السير والجوابات: تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان: 1986.
علي يحيى معمر:
27 - الإِبَاضِيَّة: دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم: المطبعة العربية، غرداية: 1985.
مجموعة من الأساتذة والباحثين:
28 - معجم أعلام الإِبَاضِيَّة في المشرق: (مسودة مرقونة).
مجهول:
29 - كتاب فيمن رجع عن علمه وفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على دين: المخطوط الخامس ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة، رقم ف03.
30 - كتاب فيمن رجع عن علمه وفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على دين: المخطوط الثالث ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة، رقم ف07.
31 - كتاب فيمن رجع عن علمه وفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على دين: المخطوط ضمن مخطوطات تونس المصورة. (مخروم الوسط).
محَمَّد صالح ناصر، الدكتور:
32 - منهج الدعوة عند الإِبَاضِيَّة: جمعية التراث، القرارة غرداية: 1999.
مصطفى بن محمد ابن ادريسو
33 - الفكر العقدي عند الإباضية: حتى نهاية القرن الثالث الهجري، جمعية التراث، غرداية، 2003. (1/32)
صفحة 31
قائمة المحتويات
1 - التواصل المعرفي لتلاميذ الإمامين جابر بن زيد وأبي عبيدة:
أ- تواصل تلاميذ الإمام جابر مع إمامهم
ب- تواصل تلاميذ الإمام أبي عبيدة مع إمامهم
2 - الاختلاف الحاصل بين هارون بن اليمان ومحبوب بن الرحيل:
أ) مجمل نصوص الرسائل
ب) تفصيل نصوص رسالة محبوب بن الرحيل في أمر هارون بن اليمان
ج) تفصيل نصوص رسالة هارون بن اليمان في أمر محبوب بن الرحيل
د) صحة نسبة الرسائل إلى أصحابها
هـ) الامتداد الواقعي للمسائل الثلاثة المختلف حولها
3 - الاختلاف الحاصل بين تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم:
أ) المسائل الثلاثة المشهورة بين تلاميذ الإمام أبي عبيدة، ومصادرهم
ب) مسألة القدر عند تلاميذ الإمام أبي عبيدة
ج) الامتداد الواقعي لمسألة القدر
4 - الاختلاف الحاصل مع النكار:
أ) الامتداد السياسي للنكار
ب) الامتداد العقدي للنكار
ج) صحة نسبة المؤلفات إلى الفزاري
5 - التشابه المعرفي بين المعارضين الإباضية مشرقا ومغربا:
أ- وحدة منبع الخلاف، وتشابه القضايا
ب- تشابه إشكاليات المصادر (1/33)