صفحة 1
ورقة بحثية: الجانب الاجتماعي في سير الشمَّاخي
الباحث: مصطفى بن محمَّد شريفي
[ورقة بحثيَّة مقدَّمة إلى: الندوة الدوليَّة حول كتب السير الإباضيَّة سير المشايخ لبدر الدِّين أبي العبَّاس أحمد بن سعيد الشمَّاخي 16 - 18 محرَّم 1437هـ / 30 - 31 أكتوبر - 1 نوفمبر 2015م تونس العاصمة]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الجانب الاجتماعي في سير الشمَّاخي
إعداد:
د. مصطفى بن محمَّد شريفي
مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربيَّة
جامعة نزوى - سلطنة عُمان
mucherifi@unizwa.edu.om
ورقة بحثيَّة مقدَّمة إلى:
الندوة الدوليَّة حول كتب السير الإباضيَّة
سير المشايخ لبدر الدِّين أبي العبَّاس أحمد بن سعيد الشمَّاخي
16 - 18 محرَّم 1437هـ / 30 - 31 أكتوبر - 1 نوفمبر 2015م
تونس العاصمة (1/1)
صفحة 2
5
المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف المخلوقات، سيِّدنا محمَّد صاحب المكرمات، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستنَّ بسنَّته إلى يوم الدين.
أمَّا بعد ..
فإنَّ المؤرِّخ حين يكتب من صميم الحياة اليومية فهو مرآة صادقة للمجتمع، يعيش آلامها وآمالها، بخلاف ما إذا كان آلة إعلاميَّة مسخَّرة بيد السلطة الظالمة، وأبواقا للملوك الغاشمة، لا يكتب إلاَّ ما يرضيها، أو ما تمليها عليه، فتغيب الموضوعيَّة، وتضيع الحقيقة التاريخيَّة، وتفقد الأجيال القدوة والعبرة، وهما الهدف الأسمى من دراسة التاريخ، وليس مجرَّد معرفة الأحداث والتواريخ، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} (1).
وبما أنَّ كُتَّاب السير الإباضيَّة بصفة عامَّة - وموضوعنا هذه المرَّة عن المغاربة - كانت أهدافهم تربويَّة تزكويَّة، بهدف اقتداء الخلف بمآثر السلف؛ فإنَّ الوقائع التي يعرضونها تكون أصدق تعبيرا عن الواقع الاجتماعيِّ. ومن هؤلاء الكتَّاب المقتدرين: العلاَّمة بدر الدين أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الشمَّاخي (ت: 928هـ)؛ الذي ألَّف كتابه «السير»، جمع فيه ما كتبه السابقون حول سير أعلام الإباضيَّة، بهدف «الوقوف على مناقب الإخوان» (2) كما يقول؛ لذلك كان حضور الجانب الاجتماعيِّ في سيره قويًّا، وتعدُّ في ذلك مصدرًا ثريًّا.
وسأحاول في هذه الورقة البحثيَّة رصد الجوانب الاجتماعيَّة في سير الشمَّاخي، ولا أدَّعي حصرها بالاستقراء التامِّ، ولكن حاولت أن أجمع في هذه العجالة ما في الإمكان. كما أنني لم أهتمَّ بالتحليل أكثر من اهتمامي بالتجميع، وفي كثير من الأحيان أنقل النصوص بحرفيَّتها؛ ذلك أنَّ هدفي أن أقدِّم للباحث مادَّة خامًا، يستغلُّها لتحليلاته واستنتاجاته. كما أنني لم أقم بالمقارنة بينه وبين المصادر الأساسية التي اعتمدها الشمَّاخي (كسير أبي زكرياء، وطبقات الدرجيني، وسير الوسياني، وسير البغطوري) إلاَّ قليلا، بما يسمح به المقام، ولا يطول به الكلام.
وتتضمَّن المدخلة مدخلا حول المؤلِّف وملاحظات عامَّة عن المؤلَّف، ثمَّ بقية المباحث كانت عن الحياة
__________
(1) سورة يوسف: 111.
(2) سير الشمَّاخي، طبعة حجريَّة، ص3. (1/2)
صفحة 3
الاجتماعيَّة من خلال الكتاب، عرضتُ فيها: تركيبة المجتمع الإباضي في المغرب الإسلامي، من حيث الطوائف والفرق والقبائل، ثمَّ الأسرة وقضاياها، ثمَّ المرأة وحضورها في التاريخ والسير، وعرضتُ صورا من التكافل الاجتماعي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الأخير ظواهر اجتماعيَّة ملفتة للانتباه.
نرجو أن يستفيد الباحثون من هذه الورقة البحثيَّة، وأن يكون تاريخنا نبراسا تستضيء الأجيال من إيجابياته، وتستلهم العِبَر من سلبيَّاته.
ونسأل الله العون والتوفيق والقبول.
أوَّلاً) مدخل: حول المؤلِّف والمؤلَّف:
1) نبذة عن المؤلِّف البدر الشمَّاخي (1):
هو بدر الدين أبو العبَّاس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد الشمَّاخي (و: الأربعينيات ق 9هـ / الثلاثينيات ق 15م - ت: 928هـ / 1522م)
أصله من يَفْرَن بجبل نفوسة بليبيا، انتقل للدراسة في تِطَّاوِين و تَلاَلت، بِجَبَل دمَّر في تونس. ومن مشايخه: أبو عفيف صالح بن نوح التندميرتي، والبيدموري، وأبو زكرياء يحيى بن عامر. ومن تلاميذه: أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الهواري.
اهتمَّ بالتأليف وصنَّف في عدَّة علوم، ومن أشهر كتبه:
1 - كتاب السير، الذي جمع فيه سير أبي زكرياء، والمزاتي، والوسياني، والبغطوري، وطبقات الدرجيني، والمعلَّقات، وجواهر البرادي، فكان كتابه هذا جامعا شاملا، بدأه من البعثة المحمَّدية إلى أيَّامه، بالإضافة إلى مؤلِّفات غير إباضية مثل: المسعودي، والرقيق القيرواني، وابن الصغير. طبع أوَّل مرَّة طبعة حجريَّة بالمكتبة البارونيَّة، ثمَّ نُشر في عمان، كما حقَّقه ونشره محمَّد حسن. وللشيخ أبي اليقظان إبراهيم ملحق لسير الشمَّاخي، واصل فيه مسيرة الترجمة منذ عهد الشمَّاخي إلى عصره رحمه الله.
2 - «شرح عقيدة التوحيد» لعمرو بن جميع (مطبوع).
3 - «شرح على متن الديانات» في علم الكلام، حقَّقه كوبرلي ملحقا بأطروحته للدكتوراه، المجلَّد الثالث.
5 - «مختصر العدل والإنصاف» وشرحه في أصول الفقه.
6 - «مشكل إعراب الدعائم» لابن النضر العماني، (مخطوط).
__________
(1) الترجمة مختصرة من معجم أعلام الإباضيَّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 80، ط. دار الغرب الإسلامي، ص44 - 45. (1/3)
صفحة 4
7 - «رسالة الردِّ على صولة الغدامسي» (مخطوط).
توفي بجربة، وقبره بحومة «تِيواجِين».
2) الغرض من تأليف الكتاب:
قال الشمَّاخي: «وإنَّما مقصدنا فيه التعريف بمشايخ المغرب وأئمَّتهم وكراماتهم ومناقبهم» (1)، فالهدف تربويٌّ بالدرجة الأولى بذكر المناقب والكرامات، فلا نجد تواريخ الأعلام، مواليدهم ووفياتهم، إلاَّ قليلا، وإنَّما مواطن العبر من قصصهم، وهذا هو هدي القرآن الكريم، كما قال تعالى: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (2) {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} (3).
ولأجل ذات الهدف حرص بعض العلماء القدامى على تبليغ قصص السابقين في العلم وفي سبل الخير ومآثرهم الرائعة، فقد زار بعض الطلبةِ الشيخَ فلفولَ بنَ يحيى بن محمَّد بن الخير، ونزلوا عنده بوغلانت، وباتوا عنده، وأقبل عليهم تلك الليلة بالمؤانسة وإفادة السير والأخبار حتَّى كاد يطلع الفجر، وحفظوا عنه بعض ما ألقى عليهم (4). وقد تأسَّف هذا الشيخ لضياع كثير من سِيَر أبي عبد الله محمَّد بن بكر إذ قال: «قلت للمشايخ لَمَّا مات أبو عبد الله بن بكر: اقتفوا بنا آثاره ما دامت جديدة، قالوا: مهلاً عليك، فساعدتُهم حتَّى اندرس الأثر، وعَفَت السِّيَر» (5).
3) مصادره:
اعتمد البدر الشمَّاخيُّ في التاريخ القديم للمسلمين، ولاسيما في أحداث الصحابة، على المسعودي وكتاب النهروان. وعلى العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني.
وفيما يخصُّ الفتن فقد تعدَّدت الروايات في تفاصيلها، وتفاوتت قرائح المؤرِّخين وعلماء الكلام في تفسيرها وتحليلها، حسب مشاربهم وقناعاتهم المذهبيَّة؛ لذلك قال الشمَّاخيُّ بعد ذكر جانب من فتن الصحابة، لاسيما وقعة الجمل: «وأكثر حديث الناس في ذلك على قدر شهواتهم» (6)؛ فالموضوعيَّة والحياد التامُّ، أمر بعيد المنال.
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص122.
(2) سورة هود: 120.
(3) سورة يوسف: 111.
(4) ينظر: سير الشمَّاخي، ص429.
(5) المصدر نفسه، ص429.
(6) المصدر نفسه، ص44. (1/4)
صفحة 5
واعتمد في تراجم الإباضيَّة على روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل، ولوَّاب بن سلاَّم، وسير أبي زكرياء الوارجلاني، وطبقات الدرجيني، وسير الوسياني (ويسميه سير المغرب، أو سير المغاربة)، وسير البغطوري، وأحيانا على الرقيق القيرواني في شأن بعض الأحداث التاريخية ...
وفيما يخصُّ روايات أهل جبل نفوسة فقد اعتمد أساسا على سير البغطوري، ويرجِّحه على غيره، فمثلا لَمَّا ذكر قصَّة منزو بنت أبي عثمان ذات الزوج السيِّئ، ذكر مثلها عن مكنا التي تزوجت رجلا سيِّئا من أهل تيري، ورجَّح هذه الرواية لأنها ورادة في سير نفوسة، والقصَّة نفوسيَّة، بينما الأولى ذكرها أبو العبَّاس الدرجيني والوسيانيُّ، وليسا نفوسيَّين (1). وفي وثوقه بقصص سير نفوسة للبغطوري يقول: «كذا في السير وهم أعرف ببلادهم ومشايخهم» (2).
وفي ذكر بعض أقوال العلماء، سواء في الفقه أم علم الكلام أم فضائل الأعمال، فقد اعتمد أساسا على المعلَّقات لمجهول والسؤالات للسوفي.
4) منهجه:
لم يحفل بذكر التواريخ إلاَّ قليلا، ما دام الهدف تربويًّا بالدرجة الأولى. ونظرا لنفس الهدف فقد اهتمَّ بتخصيص جانب من الكتاب لكرامات الأولياء. ونجده كذلك يورد عدة آراء للعلماء قد يبدو منها ما هو شاذٌّ (3)، ومنها ما يتعلَّق بفضائل الأعمال يفتقر إلى الأدلَّة من القرآن والسنَّة (4).
5) الشمَّاخي مؤرخ المجتمع بامتياز:
نفسح المجال للعالم الأديب المؤرِّخ الأريب: الشيخ علي يحيى معمَّر، ليحدِّثنا عن هذا اهتمام الشمَّاخي بالجانب الاجتماعيِّ، إذ يقول: « ... فإنَّ طريقة أبي العبَّاس في كتابه القديم ”السير“ طريقة فريدة ليس لها مثيل فيما عرفناه من كتب التاريخ، فإنَّ المؤلِّفين في التاريخ غالبا ما تتخطَّفهم حوادث السياسة، ويتتبَّعون المظاهر الخادعة من حوادث الانقلابات والمعارك العسكريَّة وسير الملوك والحكام، ويعتقدون أنهم بذلك قد أرَّخوا للشعوب والأمم، والواقع هو أنهم أرَّخوا لعدد قليل من الناس، وثبوا إلى كراسي الحكم، وتصرَّفوا في عباد الله
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص238. والقصة مذكورة في سير الوسياني، فقرة رقم: ث2/ 6. وفي طبقات الدرجيني، 2/ 311 - 312. وفي سير البغطوري، الفقرات رقم: 510 - 513. ونجد عدَّة قصص منقولة عن سير البغطوري، منها توافق القصتين بين سير الشماخي، ص122. وسير البغطوري، فقرة: 526 (مرقون).
(2) سير الشمَّاخي، ص239.
(3) منها قول أحدهم: «إن الأمر والنهي ليس علينا منه شيء اليوم». المصدر نفسه، ص523. ومنها: «أن الميت إذا انفتح فاه وانفتحت عيناه لا يغسل»، ص524 ....
(4) ينظر على سبيل المثال: المصدر نفسه، ص521 - 540 وغيرها ... (1/5)
صفحة 6
وأموال الأمَّة دون حقٍّ، ولن يعطي ذلك صورة صحيحة عن تاريخ أمة من الأمم أبدًا، فان أخبار الجيوش والمعارك وتحرُّكات الأجناد والقواد، وأعمال الحكَّام الظالمين، ثمَّ السيطرة على الناس والتحكُّم فيهم، وتحطيم المدن والمعاقل، وما يتبع ذلك من مظاهر القوَّة والسلطان التي تستعمل في غير أمر الله ليست هي الصورة الصحيحة لتاريخ وحياة أيَّة أمَّة.
وقد أدرك العلامة أبو العبَّاس الشمَّاخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلاَّ بمقدار، وإنَّما قدم لنا الصورة الحقيقة لجانب من الأمة المسلمة، هذه الأمة التي تسكن ما بين ”سرت“ والمغرب الأقصى، وهو يقدم لنا المادة الحقيقة لتاريخ هذه الأمَّة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض، وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن ينزل المطر ليقوم بعمليَّة الحرث، وفي الطفل اليتيم الذكيِّ الذي يستوهب جحشا صغيرا ثمَّ يتحايل على صاحبه فيبيعه له، وفي المجالس العلميَّة التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها على الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة، وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقها، وفي سلوكها عندما يتَّخذ عليها الزوج ضرَّة أو يقسو عليها في الحياة، وفي حديث البنت الساذجة عندما تزفُّ إلى أبيها عن زينتها، وفي نقاش البنت المتعلِّمة لأبيها وإدلالها عليه، وفي كفاح المرأة من أجل العلم، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء والفتاوى والأعمال، وكلُّ المظاهر التي يعيشها الشعب عيشة حقيقيَّة لمجتمع وأسرة وفرد.
لقد قرأت كثيرا من كتب التاريخ، وقرأت كثيرا من كتب الاجتماع، فلم أجد ما يستهويني، كما أجد ذلك في كتابه ”السير“، هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد عشرة قرون [ ... ] والأمَّة الإسلاميَّة في حاجة كبرى إلى كُتَّاب من هذا الطراز، يصوِّرون الواقع كما هو، وكما تشهد به الحياة، وكما يجري به التاريخ الواقعيُّ في فلك الزمان الطويل بعيدا عن توجيه السياسة المغرضة، والأطماع الزائفة، والمؤثرات الخارجية، مقصودة أو غير مقصودة» (1).
وفي هذا الكلام الصادق عن الجانب الاجتماعيِّ في سير الشمَّاخي، للشيخ علي معمَّر، لمؤرِّخ سبر أغوار كتب التاريخ، ما يغني عن التعليق عليه. وسيتبيَّن لنا صدق هذا الكلام بالتفصيل فيما يأتي.
ثانيا) التركيبة الاجتماعيَّة في التجمُّعات الإباضيَّة بالمغرب الإسلامي:
نجد لدى الشمَّاخي إشارات متعدِّدة إلى تركيبة المجتمع في المغرب الإسلامي، لدى الإباضيَّة بصفة خاصَّة، ومن يرتبط بهم من المتساكنين، مسلمين وغير مسلمين. نذكر منها ما يأتي:
__________
(1) علي يحيى معمر: الإباضيَّة في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، الإباضيَّة في ليبيا، ص364 (ترقيم الشاملة). (1/6)
صفحة 7
1) المصاهرة بين الفرس والبربر:
أشار البدر الشمَّاخي إلى المصاهرة بين أسرة الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسية، وبين بني زمور من أهل نفوسة، إذ «إنَّ الفرس تزوَّجوا إماء بني زمور في مدَّة إقامة الإمام بنفوسة» (1)، وبقي أولادهم هناك بأمر من أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني، ومن المحتمل جدًّا أنَّهنَّ قد خلَّفن ذرِّيَّة من بعدهنَّ، قد تكون موجودة إلى اليوم.
ومن النفوسيِّين ذوي الأصل الرستمي (الفارسي) «أبو سهل الفارسي رحمه الله. قال أبو العبَّاس: غلبت عليه هذه العزوة الفارسيَّة وليس بفارسيٍّ، وإنَّما هو نفوسيٌّ، ولا شكَّ أنَّ أمَّه رستميَّة من بيت الإمامة فغلب نسبها عليه واشتهر. وقيل: بل هو رستميٌّ أبا وأمَّا، وإنَّ أباه بعضُ ولدِ ميمون بن عبد الوهَّاب» (2).
2) صلة القرابة بين إباضية المغرب الإسلامي:
نقرأ هذا التمازج وصلة القرابة في تنقُّل شخصيَّات كثيرة إباضيَّة بين بلاد المغرب الإسلاميِّ: جبل نفوسة، جربة، بلاد الجريد، بلاد أريغ، وارجلان، بني مصعب (مزاب)، ومن أبرز هذه الشخصيات: أبو عبد الله محمَّد بن بكر، الذي تُجمع كتب السير والتاريخ على تنقُّله بحلقته، في عدد من تلك المناطق معلِّما ومربِّيا.
ومن الأمثلة على ذلك: سليمان بن علي بن يخلف جدُّ صاحب الطبقات (أحمد بن سعيد بن سليمان الدرجيني) الذي أخذ العلم عن أبي سليمان أيُّوب بن إسماعيل بوارجلان، «فرجع إلى قصطيلية وأقام بكنومة، فبلغه موت عمِّه بوارجلان وليس له وارث غيره فسافر ليأخذ إرثه» (3). فأسرة الدرجينيِّين ببلاد الجريد، وهذا العمُّ كان بوارجلان، وممتلكاته (إرثه) كان هناك أيضا.
ومنها أنَّ أبا موسى عيسى بن سجميمان كان نفوسيَّ النسب وارجلانيَّ المسكن (4).
3) قبائل وفرق مختلفة:
أ- في جبل نفوسة:
كانت في جبل نفوسة في زمن أبي يحيى زكريا بن إبراهيم بن زكريا بن أبي هارون الباروني (ق: 7هـ/ 13م) قبائل مختلفة على فِرَق مختلفة: مستاوة وحسينيَّة وخلفيَّة، قال الشمَّاخي عن دور هذا الشيخ في إقناعها بالوهبيَّة: «وفي أيَّامه رجعت بنو يفرن وككلة وبابل وتاكبال إلى مذهب الوهبيَّة، وكانت قبل ذلك مستاوة
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص180.
(2) المصدر نفسه، ص289. وينظر: طبقات الدرجيني، 2/ 351.
(3) سير الشمَّاخي، ص436.
(4) المصدر نفسه، ص487. (1/7)
صفحة 8
وحسنيَّة وخلفيَّة أتباع خلف بن السمح، أي بعضهم حسنيَّة أتباع أحمد بن الحسين الإباضي، وبعضهم مستاوة أتباع عبد الله بن يزيد الإباضي، وأخذوا في الفقه بقول ابن عبد العزيز وأبي المؤرِّج وحاتم بن منصور وشعيب بن المعرف» (1).
وفي زمن الحاكم على جبل نفوسة أبي يحيى زكرياء الأرجاني (ت قبيل: 325هـ / 936م) «لا يجتمع في سوق جادو أهل زمور وطرميسة بل لهؤلاء يوم ولآخرين يوم ... فقضى الله بينهم بحرب مات فيه كثير من طرميسة وانهزموا لاستخفافهم بحقِّ الله ولاستخفافهم بحقِّ الأشياخ» (2).
وكانت أموال زناتة مشبوهة في بعض الأزمنة، ففي زمن أبي عامر السدراتي وكان عالما ورعا وزاهدا عاملا، وكان «بعض بنيه يخالط أهل زناتة في البيع والشراء فجعل وليمة وأبوه أمر بتجنُّب طعامه» (3).
وأهل تاغرويت (وهي مدينة قريبة من لالت تحتها) كانوا من زناتة وجَلاَ أكثر أهلها إلى وارجلان (4)، وذلك في زمان أبي ويسجميمان (5).
وفي عصر أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750هـ) وقع تحوُّل أهل غربان من المذهب الإباضيِّ إلى الحشويَّة (6). وفي نفس العصر وقعت حرب بين قريتين من قرى يفرن فأصلح بينهما الشيخ أبو ساكن عامر بن عليٍّ الشمَّاخي (ت: 792هـ) (7).
وكان للعلماء دور كبير في حفاظ المجتمع على مبادئه وتماسكه، ومنهم أبو محمَّد عبد الله بن أبي عزيز فإنَّ المخالفين ما دخلوا «بلاد بابل وتاكبال وتكلة إلاَّ بعد موته» (8).
وقريبا من عصر المؤلِّف (أبي العبَّاس الشمَّاخي) كان في يفرن شيخ ورع اسمه: أبو محمَّد عبد الله بن عبد الواحد الشمَّاخي، وآنذاك «أقبل بعض فقهاء المخالفين من تونس مع عامل طرابلس وقصدَا نفوسة مع جند العامل ليردَّ الناس إلى مذهب الحشويَّة (9)، فأتوا المسجد الكبير بيفرن، وهو يومئذ إمامها وكان ذلك باتِّفاق
__________
(1) المصدر نفسه، ص546.
(2) المصدر نفسه، ص243.
(3) المصدر نفسه، ص293.
(4) المصدر نفسه، ص296.
(5) لم يتضح لنا تاريخ هذه الشخصية، ويحتمل أن يكون حوالي القرن 4هـ/10م.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص556.
(7) المصدر نفسه، ص561.
(8) المصدر نفسه، ص574.
(9) هكذا سمَّاهم المؤلِّف، ثمَّ ذكر الإمامَ مالكا فيما بعد، ممَّا يوحي بأنَّه يقصد بالحشويَّة المالكيَّة. ومن المعلوم أنَّ هناك فرقا بينهما. (1/8)
صفحة 9
نفوسة مع العامل - أي الاجتماع بيفرن - فتخلَّفوا، فطلب الفقيهُ المناظرةَ، فناظره عمُّنا عبد الله فأفحمه ولم يحضر للمناظرة في بيته إلاَّ العامل وشيخ يفرن شقرون بن عايد بن عون بن حريز فلمَّا أفحمه عمُّنا عبد الله أراد العامل أن يقهره بالسيف ... فلمَّا أبهره خرجوا وتلقَّاه الناس يسألونه ما فعل مع الشمَّاخي فقال لهم: لم ينحصر الحقُّ في مذهب مالك» (1). وأصرَّ أحد علماء تونس على مناظرة مع الشيخ في إجناون، اعتدادا بنفسه، إلاَّ أنَّه صار بين يدي الشيخ كالتلميذ (2). ولهذا الشيخ أخٌ اسمه سعيد تعلَّم في «تونس وقرأ فيها علم المنطق والبيان والأصول وله مناظرات مع المخالفين» (3). والمناظرات العلميَّة النزيهة مفيدة لتلاقح الأفكار وتناقحها، إذا كانت في جوٍّ علميٍّ لا يحضره إلاَّ المختصُّون، ولكن إذا كانت وسيلة للقهر والفُرقة، واستعراض العضلات الفكريَّة، وحتَّى الماديَّة فإنَّها لا تزيد المجتمع إلاَّ تفرُّقا.
ب- في جربة وبلاد الجريد:
عاشت في المنطقتين عدَّة فِرَق وقبائل:
- أمَّا الفِرَق أو الطوائف والمذاهب فقد ذُكر منها: الإباضيَّة الوهبيَّة، والنُّكَّاريَّة، والخلفيَّة، والنفَّاثيَّة، والحشويَّة.
- وأمَّا القبائل فقد ذُكر منها: مستاوة، وصنهاجة، وبنو خزر، وبنو معقل، وبنو واشية. ومنها بنو يهراسن وهم «من خيار أهل الدعوة» (4). ومن القبائل التي استوطنت بلاد الجريد بنو ويسيان، منهم من يسكن الحامَّة، وكان منهم الشيخ هارون بن أبي عمران موسى بن سدرين (5).
وقد تعايشت هذه الطوائف والقبائل بالتفاهم حينا، وبالصراع حينا، نعرض بعض الأحداث بشأنها - حسب سير الشمَّاخي - في الآتي:
• الإباضيَّة الوهبيَّة والفرق المنتسبة إلى الإباضية:
فمن بني يهراسن أولاد أبي زكريا بن أبي مسور، وقد بقوا ملتزمين بالنهج الإباضيِّ الوهبي وهم الذين تسبَّبوا في إطلاق سراح الشيخ إسماعيل الجيطالي من سجن طرابلس، وتحمَّلوا عنه مالاً، وعندهم توفِّي بالمسجد
__________
(1) المصدر نفسه، ص569.
(2) المصدر نفسه، ص570.
(3) المصدر نفسه، ص572 - 573.
(4) المصدر نفسه، ص477.
(5) في الأصل: «وهو حمامي» (ص472)، ويبدو لي أنَّه خطأ مطبعي، صوابه: «وهو حامِّيٌّ»، نسبة إلى الحامَّة التي قرب توزر، ببلاد الجريد التونسيَّة. (1/9)
صفحة 10
الكبير، «وأولاد أبي زكريا بيت علم قديما وحديثا، ورؤوس الفقهاء بجربة، وإليهم الإشارة ومرجع الأمر» (1).
وكانت مستاوة قبيلة نكَّاريَّة (2)، انتشرت في فترة طويلة في جربة وإفريقيَّة، نجد لها ذكرا حتَّى عهد الإمام أبي طاهر إسماعيل الجيطالي (3).
ومن صور التفاهم بين بعض الفرق المنتسبة إلى الإباضيَّة أنَّ ابن زرقون جاز «على ريصو فوجد بها أربع فرق من الإباضيَّة: مستاوة أتباع عبد الله بن يزيد، والخلفيَّة أتباع خلف بن السمح، والنفَّاثيَّة أتباع نفَّاث بن نصر وأهل الدعوة، وذلك في أيَّام أبي الخطَّاب وسيل، فأمر القضاء والأحكام لأبي الخطَّاب، والفتيا للنُّكَّار، وهو مستاوة، وإمامة رمضان للخلفيَّة، والأذان للنفَّاثيَّة» (4).
ومن صور التفاهم بين الوهبيَّة والنفَّاثيَّة وجود التزاوج بينهما، فأيُّوب والد أبي سعيد يخلفتن بن أيُّوب النفوسيِّ نفَّاثيٌّ، وزوجته نفَّاثيَّة، وابنهما يخلفتن كان يتردَّد على حلقتيْ الفرقتين، فيهتمُّ به الوهبيَّة أكثر من الآخرين، فمال إليها، وصار من كبار مؤلِّفي ديوان العزَّابة (5).
كما كانت في جربة خلفيَّة ونكَّار في زمن أبي مسور يسجا بن يوجين اليراسني، وأكثرها صارت وهبيَّة على يديه، وكان النُّكَّار يؤذونه. وقد يكونون من أسرة واحدة، فقد كان عميد النُّكَّار خالاً لأبي مسور، واسمه: خلف بن أحمد، وكان «خلف يقول في مجالسه: أبو مسور ابن أختي إمامنا أجمعين، لحمي لحمه، دمي دمه» (6)، ويظهر من السياق أنَّ احترامه وتقديره لأبي مسور لأجل علمه.
ومن صور سوء التفاهم ما يأتي:
- ذَكَر البدر الشمَّاخيُّ أنَّ أبا القاسم يونس بن أبي زكريا كتب إلى أبي ميدول مصكداسن الزنزفي يحذِّره من جماعة من النُّكَّار، وقال: «فإيَّاكم ثمَّ إيَّاكم أن يَرِدُوا أرضكم ولو للضيافة فإنَّ القوم أخدع الأمَّة» (7).
- وربَّما ظهرت من بعض النُّكَّار اللجاجة في النقاش، ومحاولة إفحام العلماء بالجدل العقيم، ولو بغير علم، وذَكَر نموذجا لذلك بين أبي صالح بكر بن قاسم ونكَّاريٍّ (8). ثمَّ بين نكَّاريٍّ آخر وإسماعيل بن زكريا (9).
__________
(1) المصدر نفسه، ص557.
(2) المصدر نفسه، ص280 - 281. وينظر: ص370.
(3) المصدر نفسه، ص557.
(4) المصدر نفسه، ص281 - 282.
(5) المصدر نفسه، ص280.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص345.
(7) المصدر نفسه، ص409.
(8) المصدر نفسه، ص369.
(9) المصدر نفسه، ص498. (1/10)
صفحة 11
- وللنُّكَّار حضور قويٌّ في تاريخ الإباضيَّة بجربة أو ما جاورها (1). وقد وقعت بعض التعدِّيات منهم على الوهبيَّة، ففي عهد سليمان بن علي بن يخلف بن يخلف جدِّ الدرجيني، وكان فقيهَ الوهبيَّة، أخرجت نكارةُ كنومة وهبيَّتَها بمكيدة كادوهم بها، فطعنوه، «فنجَّاه الله من الموت، وانتهبوا دُور الوهبيَّة فأخذوا مالا جليلا» (2). ويكون ذلك حوالي نهاية القرن السادس الهجري.
- ووقعت حرب بين مستاوة النُّكَّاريَّة، والوهبيَّة، «والتقى الفريقان بفحص توزر وانهزمت مستاوة إلى تقيوس ومات منهم جماعة» (3)، وكان الكرُّ والفرُّ بينهما، انتهى الأمر بانهزام الوهبيَّة، وذلك في أيَّام أبي نوح سعيد بن زنغيل (4).
- وذات مرَّة حدثت فتنة بين بعض الوهبيَّة ذاتهم، إذ «وقعت فتنة بدرجين السفلى الجديدة (5) فأفضت إلى خروج الأوطان وذهاب الأنفس والإخوان، فعظم على أهل المذهب أن أشفى كلا الفريقين على التلاشي، واستصعبوا إصلاح ذات بينهم، فحرَّك الله أبا عبد الله [محمَّد بن علي السوفي] إليهم»، فسعى في إطفائها، بأن جمع من استطاع من كلا الفريقين، فرغَّبهم في العفو، وعقد الصلح بينهم. وقام بتمثيل مشهد إطفاء الفتنة بطريقة عمليَّة، بأن «استدعى بسبع حَصَيَات من أيدي سبعة رجال حُجَّاج استلمت الحجر الأسود، وحفر في الرمل حتَّى غاب عاتقه، فأخذ الحصيات من أيديهم ورمى بها في الحفرة ودفنها، وقال: هذه فتنة أهل درجين قد دُفنت، فمن أثارها جعل الله بأسه برأسه، فأمَّنوا لدعائه، وقطعها الله إلى اليوم [ ... ] ودعوا الله على من يدعو بالقبائل لأنها سبب الفتنة» (6). كيف لا وقد سمَّاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - «دعوى الجاهليَّة»، وقال: «دعوها فإنَّها منتنة»!.
• العلاقة بين الإباضية والفرق الأخرى:
كان بين الحشويَّة والإباضيَّة الوهبيَّة أحيانا تعاون وأحيانا صراع:
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص148، 153، 185، 280 - 282، 289، 345، 347، 356، 358، 359، 360، 367 - 370، 395، 409، 413، 416، 438، 458، 480، 492، 498، 502، 504.
(2) المصدر نفسه، ص458.
(3) المصدر نفسه، ص359.
(4) المصدر نفسه، ص359 - 360.
(5) وهي قرب مدينة نفطة ببلاد الجريد التونسي، حسب وصف الدكتور صالح باجيَّة، لَمَّا متَّعنا رحمه الله بزيارة المنطقة في صائفة 2003.
(6) سير الشمَّاخي، ص448. وينظر: طبقات الدرجيني، 2/ 499 - 501. (1/11)
صفحة 12
- أمَّا صورة التعاون فمنها أن كانت لطوست زوجة أبي عبد الله محمَّد بن تامر الساكن نفزاوة خادمٌ على مذهب الحشويَّة تخدمها، اسمها أمُّ خليفة، ثمَّ تحوَّلت إلى المذهب الإباضيِّ (1).
ومن صور العلاقة الطيِّبة: ما قصَّه أبو عبد الله محمَّد بن سدرين الوسياني، إذ «قال رحمه الله: بينما أمشى في الساحل إذ رأيت الناس بين داخل وخارج في دار، فدخلت فرأيت رجلا يعطي كلَّ من دخل دينارا، فأعطاني دينارًا، فخرجت، فعاتبت نفسي فرجعت فقلت: لستُ على مذهبك، فتبسَّم وزادني دينارا» (2).
ومن صور الهدنة تقيَّةً أنَّ أبا صالح بكر بن قاسم اليراسني كان أوَّل أمره ببادية «بازارن، وكان شديدا على العصاة، حديدا على العتاة، ومع ذلك كان لا يضرب السارق من صنهاجة تقيَّة لا مداهنة» (3).
- أمَّا الصراع بين الوهبيَّة والحشويَّة، فقد كان عنيفا حينا، وفكريًّا حينا آخر:
• ومن الصراع العنيف ما نقله الشمَّاخيُّ عن الدرجيني في سبب انقراض المذهب الإباضيِّ من الحامَّة، واستيلاء الحشويَّة عليها، إذ قال: «إنَّها لم تزل في الإدبار من عهد أبي القاسم وأبي خزر فجاز عليها أبو عمرو [عثمان بن خليفة السوفي] عابر سبيل، وأراد أن يثبِّت مَن بها من بقيَّة المذهب، فوعظ وحذَّر، فعضَّت عليه الحشويَّة الأنامل من الغيظ فتشاوروا في مناظرته، فاتَّفقوا أن لا قوَّة لهم بمناظرته ولكن يحتالون كيف يشنِّعون عليه ويتظلَّمون بما لا ظلم فيه، ووضعوا سؤالا فسألوه عنه وهو: هل يجوز في مذهبكم نكاح نسائنا؟ فأجاب بالحقِّ أنَّ المحصنات من أهل الكتاب يجوز نكاحها فكيف بالمسلمة؟ قالوا: أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى! فقام العامَّة عليه قيام رجل واحد شتما وصفعا وطردا، حتَّى نفوهم من البلاد، وأكرهوا من بقي بالرجوع إلى مذهبهم، وغسلوا المسجد الكبير من مساجد الوهبية، وزعموا أنَّ ذلك تطهير له، فدعا عليهم وأجاب الله دعاءه، فسلط الله عليها الميورقي فقتل تسعمائة أو سبعمائة فسالت الدماء، قال من رأى ذلك: بلغ الدم حيث بلغ الماء!» (4).
وفي نفزاوة أيضا ذكر قصَّة عبدٍ كان «لبني خزر، وهم يومئذ أمراء نفزاوة، قد آذاهم وثقل عليهم، يتسنَّم الحيطان، ويتسوَّر الجدران، ويكسر الأبواب ويدخل بغير إذن» (5)، وكيف تخلَّصوا منه.
ومن العلماء أبو جدروز الواشي «ومن كراماته أنَّ بني معقل من قبائل العرب غاروا على بني واشية فغصبوا بنات الشيخ أبي جدروز فحملوهنَّ إلى نفزاوة وأرادهنَّ رئيسهم بشيء [ ... فلم يستطع، فوصلن
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص473 - 474.
(2) المصدر نفسه، ص475.
(3) المصدر نفسه، ص367.
(4) المصدر نفسه، ص440 - 441.
(5) المصدر نفسه، ص474. (1/12)
صفحة 13
نفزاوة] سالمات الدين، ضمَّهنَّ من بها من أهل الدعوة وآووهنَّ وأكرموهنَّ» (1).
• ومن الصراع الفكريِّ ما وقع في عصر قريب للبدر الشمَّاخي إذ قال: «وكان أبو فارس سلطان إفريقيَّة أرسل إلى أهل جربة ليردَّهم إلى مذهب الحشويَّة وطلب العلماء للمناظرة فتعيَّن الشيخ أبو محمَّد [عبد الله البرادي] لذلك» (2).
ج- في منطقة وادي أريغ ووراجلان:
• الإباضيَّة الوهبيَّة:
ذكر الشمَّاخيُّ ازدهار مدينة تجديت بوادي أريغ، في العصور الذهبيَّة للإباضيَّة في تلك المنطقة، فقال: «وتجديت موضع معلوم بقبلة أريغ، وليست ببعيدة منه، واجتمع فيه من أهل الدعوة والعلماء والطلبة وأهل الصلاح ما لم يوجد في غيرها، وعدَّ فيها مائةَ عالم لا يَرُدُّ أحدهم مسألة إلى الآخر إلاَّ من جهة الأدب والكِبَر. وفيها قبر أبي نوح، و [عدَّ فيها] مائتين يحفظون مائتي كتاب، وثمانين طالبا توأمًا، وسائر الطلبة كثيرة، ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس، وإذا كبَّر تكبيرة الإحرام نفرت المواشي. وهي قريبة من آجلو - في الذي أعتقد - وهذا في زمان واحد» (3).
ومع الأسف، مع هذه الحركيَّة العلميَّة لم تكن الأوضاع مستقرَّة في هذه المنطقة، لاسيما بين القرنين الرابع والسادس الهجريين (حسبما يذكره الشمَّاخي، ولا نتطرَّق إلى غيره)، فقد شهدت المنطقة بعض الصراعات، سواء بين الوهبيَّة أنفسهم أو بينهم وبين غيرهم:
أمَّا فيما بين الوهبية فأوَّل فتنة وقعت بينهم بأريغ، كانت عام واحد وسبعين وأربعمائة (471هـ) «فهرب منها أبو يعقوب بن أبي عبد الله إلى وارجلان، وهرب أبو صالح من واغلانت» (4).
وقد وقع أن هاجر أبو عبد الله محمَّد بن بكر سدراتة وارجلان، نظرًا لسوء تصرُّف بدر منهم تجاه الشيخ، ولم يذكر الشمَّاخي سبب الهجران، وإنَّما اكتفى بقوله: «وقد عملوا له ما عملوا» (5).
وربَّما وقع بعض الفساد بين بني ويليل (حوالي ق 5هـ)، فسعى أبو موسى عيسى بن يرصوكسن على
__________
(1) المصدر نفسه، ص462 - 463.
(2) المصدر نفسه، ص575.
(3) المصدر نفسه، ص488. وينظر: سير الوسياني، فقرتي رقم: ث28/ 7 - ث28/ 8.
(4) سير الشمَّاخي، ص424.
(5) المصدر نفسه، ص466. (1/13)
صفحة 14
إصلاحه (1).
• غير الإباضيَّة:
ذكر الشمَّاخيُّ بعضا من صور ما تعرَّض له الإباضيَّة من مضايقات في منطقة وادي أريغ ووارجلان، نذكر بعضها في الآتي:
- قد تكون القبيلة الواحدة منقسمة إلى وهبيَّة وغيرها، فبنو تكسنيت فرقتان، وقعت بينهما فتنة في القرن الخامس الهجري، زمن أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد اللنتي لَمَّا كان بحلقته في تين زارين «فوقعت فتنة بين بني تكسنيت وهبيَّتهم ومالكيَّتهم فالوهبيَّة بنو يروتن والباقي حشويَّة، والتلاميذ والعزَّابة منها في أمان لا يخافون مكروها ولا يسمعونه، فقضى ربُّنا أن حُصِر بنو يروتن، فأشرف بعض الجهلة على الحاصرين فقال: اسمعوا، فعدَّ جماعة من أئمَّتهم فلعنهم، فلمَّا سمعوا ذلك تركوا القتال وانصرفوا إلى بعض فقهائهم فأخبروه قال: أحرقوا واقتلوا وسبوا!. فبلغ الخبر العزَّابة فخرجوا ليلا وتفرَّقوا إلى اليوم» (2).
- اقتتال بين بني ستيتن وبني ينجاسن: «وقعت مقاتلة بين بني ستيتن وبين وغلانة ويانجاسن مات من ستيتن نحو ثمانين؛ لأنهم غدروا فأرادوا الرجوع إلى مذهب الحشويَّة، لاستقلالهم أنفسهم بعد موت ذلك العدد، فارتحل إليهم ماكسن فوجد فيها أعلام الخلاف ظاهرة، فما زال حتَّى زالت، وأقام بها ثلاثة أعوام ثمَّ ارتحل» (3).
- وكانت الطرق غير آمنة في بداية القرن السابع الهجري بين وارجلان وبلاد أريغ، إذ يروي الشمَّاخيُّ نقلا عن الدرجيني: «قال جدِّي سليمان [بن يخلف ... ] خرجت مع رفقة كبيرة فلمَّا صرنا بين أريغ ووارجلان ومعي مال صالح ومع أصحابي مال جليل فغارت علينا خيل كثيرة قد نسي أحمد من أيِّ العرب هي، فدفنتُ كلَّ ما معي مع عود حربة تركت سِنَّها أستدلُّ به. واستباح الأعراب جميع ما في الرفقة ... » (4).
- بنو تجين وغاراتهم: «قال أبو العبَّاس قال أبو الربيع غارت غارة لبني تجين على رأس وادي أريغ فساقت غنمهم، فخرج في أثرها ماكسن وأبو العبَّاس الويليلي وعيسى بن يرزوكسن وعبد الله الدُّمَّري، فلم يدركوهم إلاَّ عند أهاليهم، فاستردُّوا الغنم. قالت بنو تجين للأشياخ: إن رخَّصتم لنا في ثلاث رجعنا إلى مذهبكم، وهنَّ: أموالنا وأولادنا وأزواجنا كلُّها حرام، فإن أذنتم لنا أن نقيم عليها، قالوا: لا نجد ذلك في مذهبنا، قالوا: نجد من
__________
(1) المصدر نفسه، ص430.
(2) المصدر نفسه، ص440.
(3) المصدر نفسه، ص416.
(4) المصدر نفسه، ص436. (1/14)
صفحة 15
يرخِّص في ذلك أجمع!» (1).
- وقد كثرت الغارات من العرب على أحياء وادي أريغ، لاسيما في القرن الخامس الهجري، فقد أصدر بعض العلماء، ومنهم أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر فتوى بريبة الأغنام والإبل التي بأيدي العرب، وقد اعتادوا على الغارات والغصب، وصاروا لا يأكلون من يصل إليهم من طريقهم (2).
- وعن «أبي حمزة إسحاق بن إبراهيم: أنَّ الشيوخ ينهون عن معاملة ثلاث قبائل من البربر: بني غمرة، وبني ورسفان، وبني ينجاسن؛ لأنَّهم كالأعراب في الغصب والغارة» (3). وإنَّ مجرَّد كراء جمال لحطب المسجد مرفوض؛ ذلك أنَّ تسخين الماء، وإيقاد المصابيح منه، وقراءة القرآن والكتب كلُّ «هذه الأفعال طاعة، ولا يُتوسَّل إليها بالريبة» (4).
- وفي ذات السياق، ونظرًا للريبة التي تكتنف أموال بني ينجاسن فقد قال أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد اللواتي لابنه: «إنَّ غنما لبني ينجاسن دخلت السوق ولا بأس بالإمساك عن الشراء ثلاثة أيَّام» (5).
- وحسب سير الشمَّاخي فإنَّ بني ينجاسن ليسوا سواءً، منهم أهل العلم والصلاح، وذُكر من بينهم «الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن الخير وابنه يحيى بن محمَّد [ ... ] وابن ابنه فلفول بن يحيى وهو من بني ينجاسن وأبوه الخير بن محمَّد وعماه أخو الخير، بالجملة إنَّهم أهل بيت اشتهروا في العلم والصلاح والأمر والنهي» (6).
- وفي عهد أبي عبد الله محمَّد بن بكر وقعت فتنة بين المالكيَّة والوهبيَّة (7)، ويبدو أنَّ ذلك في آجلو حيث مقام أبي عبد الله في أغلب أوقاته.
- غارات عنان بن دليم عام 502هـ: «وذكر أن عنان بن دليم الطرفي نزل بأريغ فحشد عليه أبو العبَّاس [أحمد بن محمَّد بن بكر] مغراوة فردُّوه، ثمَّ نزل ثانية فحشدهم فردُّوه وهزموه، وقد قَتَل [عنان] من بني يطوفت ستين رجلا وحمل رؤوسها، فلمَّا هزمهم استنقذ الرؤوس ودفنها، وأكثر ممَّن معه بنو ورتيزلن، قيل: إنَّهم قرب ألف. وجمع أيضا جمعا عظيما وأراد غدر الشيخ وتبييته، وأخفى سيره، فلم يشعر بهم الشيخ حتَّى قربوا، فوقع إليه الخبر مع جساس، وأسرى ليلا وقصد أبا العبَّاس فلم يجده، وهدم قصره، وجمع عليه أبو العبَّاس
__________
(1) المصدر نفسه، ص417. طبقات الدرجيني: 2/ 433.
(2) ينظر: سير الشمَّاخي، ص484.
(3) المصدر نفسه، ص493. وينظر: سير الوسياني، فقرتي رقم: ث35/ 09 - ث35/ 10.
(4) سير الشمَّاخي، ص493 - 494.
(5) المصدر نفسه، ص438.
(6) المصدر نفسه، ص475.
(7) ينظر: المصدر نفسه، ص470. (1/15)
صفحة 16
بني ورتيزلن وأهل رأس الوادي [ ... ] فطلب عنان رؤية أبي العبَّاس فمنعه الناس أن يخرج إليه [ ... ] وأفسد عنان النخيل وأفسد الغابة، وذلك عام اثنين وخمسمائة [502هـ]، ثمَّ لحقه بعد أن ارتحل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من بني ورتيزلن ومعهم غيرهم، فهزموه» (1). يُظهر النصُّ دور بني ورتيزلن، وبني مغراوة في ردِّ الغارات عن أريغ، وكيف كان بنو يطوفت ضحيَّة المفسدين قطَّاع الطرق، وشراستهم وعُثُوَّهم في الأرض فسادا، والعاقبة للمتَّقين.
- ومن الأسماء المذكورة من المغيرين على وادي أريغ: أبو زغيل الخزري الذي حاصر وغلانت «فسلَّط الله على جنده مطرا وابلا هطَّالا فأوهنهم وأركسهم [ ... ] فجعله الله عليه عذابا ولأهل واغلانت خصبا وأذلَّ الله أعداءه وحيل بينهم وبين ما يشتهون فارتحلوا صاغرين» (2). وكانت وغلانت أيضا ضحيَّة لغدر بني مسافر: وذلك «أنَّ بني مسافر غدروا بأهل واغلانت فقتلوا منهم بشرا عظيما، وكان الشيخ [محمَّد بن إبراهيم الواغلاني] يصلِّي الضحى فلم يشعر بهم حتَّى وقفوا عليه فقتلوه» (3).
د- في منطقة بني مصعب (وادي مزاب):
لم نقف في سير الشمَّاخي على مادَّة علميَّة حول التركيبة الاجتماعيَّة لمنطقة بني مصعب، إلاَّ ما ذكره من أنَّ جماعة من بني غمرت كانت تُغِير على منطقة جبال بني مصعب في زمن أبي عبد الله محمَّد بن بكر (ق 5هـ)، وأغارت على غنمه، فعصمها الله (4).
4) القبليَّة والسياسة:
أ- الدور السياسي للقبيلة:
ممَّا ذكره الشمَّاخي في هذا الشأن ما يأتي:
- محاباة الخليفة عثمان بن عفان لأهل بيته، وتقريبهم من الإمارة والحكم وإغداق الأموال لبعضهم (5)، وفيه إشارة إلى أثر القبيلة في الحياة السياسيَّة. وفي مثل هذا الموضوع الذي تشعَّبت فيه آراء الأمَّة لا بدَّ من التثبُّت من بعض الروايات، ووزنها بميزان العقل ومنطق التاريخ، ومن مصادر متعدِّدة المشارب.
- دور نفوسة ومزاتة في الدولة الرستميَّة، وشهد لهما الإمام عبد الوهَّاب إذ قال: «ما قام هذا الدين إلاَّ
__________
(1) المصدر نفسه، ص425.
(2) المصدر نفسه، ص439.
(3) المصدر نفسه، ص534.
(4) المصدر نفسه، ص390.
(5) المصدر نفسه، ص30 - 39. (1/16)
صفحة 17
بسيوف نفوسة وأموال مزاتة» (1).
ب- أثر القرابة في السياسة والقضاء:
- أمَّا في السياسة، فقد ذكر الشمَّاخيُّ أنَّ أبا قدامة يزيد بن فندين مال «إلى مبايعة عبد الوهَّاب لأنَّ أمَّ عبد الوهَّاب يفرنيَّة وطمع أن يؤثره على من سواه» (2)، إلاَّ أنَّه كان ما كان من ابن فندين وفرقته النُّكَّارية (3)، لَمَّا قدَّم الإمامُ عبد الوهَّاب «الراغبين عن الأمور وأخَّر الراغبين فيها فوقع في نفس ابن فندين» (4). وهنا نلحظ أنَّ القرابة من الإمام الحاكم لم تكن سببا في إيثارهم على من سواهم، على خلاف ما عهدناه من الحكَّام في شتَّى الأزمنة والأمكنة.
- وأمَّا في القضاء فقد تنازع أبو العبَّاس بن الإمام عبد الوهَّاب وصهرٌ لأفلح بن عبد الوهَّاب في أرض، فرفعا قضيَّتهما إلى القاضي محكَّم الهواري، «فسبق أبو العبَّاس فجلس معه في سقيفة الدار وأدنى مجلسه، وحادثه، فخرجت جارية القاضي فاستسقاها، فوصل الخصم ورأى بعضَ ذلك، فوقع في نفسه أنَّ خصمه بجنب القاضي يحادثه ويستسقي وأنا ملقًى على باب الدار لا يلتفت إليَّ، فلاحت من القاضي نظرة فرآه فقال: ما حاجتك؟ قال: جئت خصما لأبي العبَّاس فوجدته جالسا إلى جنبك فجلست هنا، فأغضبه ذلك فقال لأبي العبَّاس: تأتيني خصما وتجلس إلى جنبي وتستقي جاريتي! ياغلام خذ بيد أبي العبَّاس وأجلسه مكان خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه وأجلسه إلى جنبي، وأْمر الجارية فلتسقه، ففعل الغلام ... فاتصل فِعْلُه بوجوه الإباضيَّة فأعجبهم فاستحسنوه» (5). وفي ذلك قال عمر بن الخطَّاب في وصيَّته لأبي موسى الأشعري: « ... وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَقَضَائِكَ حتَّى لاَ يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ وَلاَ يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ» (6).
ج- بين أخوَّة الدم وأخوَّة الدين:
لَمَّا رجع العبَّاس بن أيُّوب، ذهب ليعزِّي أقارب الموتى في معركته ضدَّ خلف بن السمح، الذي شقَّ عصا الطاعة، وحاول الانقلاب على الدولة، فقال لأولياء القتلى من الخلفيِّين: «آجركم الله في مصابكم في إخوانكم، فقالوا: ياعبَّاس ليسوا بإخواننا ولكنَّهم أرحامنا، وإنَّما إخواننا أنتم» (7). وفي القصَّة إشارة إلى قوله
__________
(1) المصدر نفسه، ص205، 267 - 268. وينظر: أبو زكرياء: السيرة وأخبار الأئمَّة، ص360.
(2) سير الشمَّاخي، ص145.
(3) هنالك من يرى أنَّ هذه الفرقة أشبه ما تكون بالمعارضة المطالبة بالديمقراطية، وعدم تركيز كلِّ السلطات في يد الحاكم. وهي وجهة نظر تحتاج إلى دراسة وتأمُّل، وتحليل لأحداث التاريخ واستلهام العبر منها.
(4) المصدر نفسه، ص146.
(5) المصدر نفسه، ص194 - 195.
(6) البيهقي: السنن الكبرى، رقم: 21042، 10/ 150.
(7) سير الشمَّاخي، ص197. (1/17)
صفحة 18
تعالى لسيِّدنا نوح عليه السلام: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} (1).
5) العرب في المغرب الإسلامي:
لَمَّا كان أبو يعقوب الوارجلاني (ت: 570هـ) وأبو عمَّار بمكَّة، سأله أبو يعقوب «عن أموال العرب يتنزَّهون عنها في بلاد المغرب ويشترونها بمكَّة، وقد عاينَّاهم يفعلون بالحجاز من غَصْبِ أموال الناس ما يفعلونه ببلاد المغرب بل أقبح وأذمَّ. قال أبو عمَّار: هذه جزيرتهم، والأصل ما بأيديهم لهم، والمغرب بلاد البربر وما دخلوها إلاَّ على وجه الغصب والغارة» (2). هذا ينبغي أن نضعه في إطاره التاريخيِّ زمانا ومكانا، لَمَّا كانت أريغ ووارجلان تتلقَّى الضربات الموجعة من قِبل بعض الأعراب، بسبب الغارات المتكرِّرة على الأموال والأنفس والثمرات.
6) اليهود في المغرب الإسلامي:
كان اليهود مستوطنين في بلاد نفوسة، ويعيشون مكرَّمين جنبا إلى جنب مع المسلمين، فقد كان أبو مهاصر موسى الإفطماني، يخصِّص نصيبا ليهوديٍّ ممَّا يجلبه (3).
وذكَر البدر الشمَّاخيُّ أنَّ يهوديًّا دخل على أبان بن وسيم وهو غضبان، فقدَّم له نصيحة وقال: «مثلك لا يغضب على أمر الدنيا، فوطِّن نفسك على أن لا ترى فيها ما يسرُّك، وكن كمن قدَّم بضاعته إلى بلد يريد اللحوق بها» (4). وفي ذلك حكمة، وهي ضالَّة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها، ولو جاءته من عدوِّه.
ومن صور التسامح مع اليهود، أنَّ أبا يحيى زكرياء الأرجاني «القاضي العادل العالم الكامل الإمام الفاضل جمع علما وعملا وورعا» قدَّمه نفوسة حاكما أو إماما مدافعا، جمع اليهود له أربعين دينارا هديَّة له بمناسبة ميلاد ابن له، «فقال: لو قدرت أن أصونكم لأخذت الجزية، فأبى أن يقبلها، وأطعمهم عنبا وانصرفوا. قالوا: ما رأينا مثل هذا البلاد! لا يطمع سلطانها في أموال الناس، فأخذوا في اشتراء الربع» (5). وكان منهم تجَّار مترفون (6). وربَّما وقعت مع بعضهم بعض الخصومات العادية التي تقع بين التجَّار المتعاملين في شتَّى المجتمعات (7).
ومن العلماء من عمل على صرف المضرَّة عن اليهود، فقد روى المؤلِّف عن البغطوريِّ أنَّ ابن فلاوسن أحد الشطَّار كان يدخل في الفنادق من فسحة غير مبنيَّة، ويأخذ أولاد اليهود ولا يردُّهم حتَّى يُفْدُوهم، فبنى تلك الفتحة أبو داود سليمان بن أبي يحيى الدرفي عملاً بفتيا الشيخ أبي يوسف وجدليش بن في، دفعا للضرر (8).
7) النصارى في المغرب الإسلامي:
تدلُّ الروايات على التعايش والانسجام بين النصارى والمجتمع الإسلاميِّ، وقد كانت لبعض المشايخ حوائج يقضيها لهم نصارى، ومنهم أبو يحيى الأزدالي، الذي تطوَّرت العلاقة بينه وبين نصرانيٍّ إلى أن يتزوَّج إحدى بناته، وأدخلها الإسلام، وهي أمُّ الخطَّاب، فلمَّا أصبحت من ليلة زفافها «أتتها أمُّها فقالت: مرادي بقاؤك على دينك، وإذا تركته فكوني أفضل أهل دينك. فأخذت بقول أمِّها، فشمَّرت عن ساق الاجتهاد، فآثرت ما ينجِّيها يوم المعاد، ووافقت الشيخ» (9).
وأبو يحيى تكسنيت أمُّه نصرانيَّة، وذكر من كراماته أنَّه يأبى من الرضاع من أمِّه إذا شربت خمرا (10).
ثالثا) الأسرة في سير الشمَّاخي:
1) بيت النبوَّة المثالي:
أشار البدر الشمَّاخيُّ إلى روح الدعابة بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجاته رغم معاناة المرض، إذ ابتدأ الوجع بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في أواخر أيَّامه، «ووجد عائشة تقول: ”وارأساه“! لوجع في رأسها فقال: ”بل أنا والله يا عائشة وارأساه“!. ثمَّ قال: ”وما يضرُّك لو متِّ قبلي فقمت عليك وكفَّنتك وصلَّيت عليك ودفنتك“؟ قلت: ”والله فكأنِّي بك لو فعلتَ ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك“! فتبسَّم عليه السلام» (11). هذه صورة رائعة للمودَّة، وروح الدعابة بين الزوجين، وكلاهما يشكو صداعا. وفي ذلك عبرة للمسلم الراضي بقضاء الله، المبادلِ زوجَهُ مودَّة ورحمة، كما قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (12).
__________
(1) سورة هود: 46.
(2) سير الشمَّاخي، ص442 - 443.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص199.
(4) المصدر نفسه، ص217.
(5) المصدر نفسه، ص243.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص243.
(7) ينظر: المصدر نفسه، ص321، 323.
(8) ينظر: المصدر نفسه، ص339 - 340. وإن كانت هذه الفتوى قد نقضها عالمان آخران هما: أبو سليمان البطريسي وأبو سهل البشر بن محمَّد، إذ أمرا بهدم ما تمَّ بناؤه، فتمَّ لهما ذلك.
(9) المصدر نفسه، ص257.
(10) ينظر: المصدر نفسه، ص245.
(11) المصدر نفسه، ص11 - 12.
(12) سورة الروم: 21. (1/18)
صفحة 19
ومن العلاقة الأسريَّة المذكورة في سير الشمَّاخي استئذانه - صلى الله عليه وسلم - أن يمرَّض في بيت عائشة (1)، وهو من كرم أخلاقه، وعدله بين نسائه.
ومنها إيراده للَّحظات الأخيرة من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «فاضطجع في حجر عائشة فرأى سواكا أخضر في يد بعض آل أبي بكر فنظر إليه في يده نظرة عرفت أنه يريده، قالت: فأخذته فمضغته حتَّى لينته ثمَّ أعطيته إيَّاه فاستنَّ كأشدِّ ما رأيته استنَّ بسواك قطُّ، ثمَّ وضعه فنقل في حجري، فنظرت في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول: ”الرفيق الأعلى من الجنَّة“، قلت: خُيِّرتَ فاخترتَ والذي بعثك بالحقِّ» (2) الزوجة الصالحة الفطنة اللبيبة دقيقة الملاحظة، تفهم إشارات زوجها، وتقوم بإصلاح شؤونه ولو لم يأمرها.
2) إسلام عمر وتأثُّره بالعاطفة الأخويَّة:
كان خباب بن الأرتِّ يختلف إلى أخت عمر وزوجها ليعلِّمهما، «فلمَّا دنا عمر سمع القراءة، فلمَّا أحسُّوا به، توارى خباب، وجعلت فاطمة لوحا يعلِّمهما فيه خبَّاب تحت فخذها، فسألهما عمَّا سمع، فأنكرا، فآل أمرهم إلى أن بطش بهما وشجَّ أخته، فرقَّ لها وندم لَمَّا رأى الدم، وقال لأخته: أعطيني الصحيفة؛ وكان قارئا، فخافته عليها، فحلف أن يردَّها إذا قرأها. وقالت: أنت نجس على شركك، ولا يمسُّها إلاَّ الطاهر، فاغتسل، فلمَّا قرأ صدرًا منها قال: ما أحسن هذا!» (3). في القصَّة عبر، منها: أنَّ خشونة الرجل (عمر) لا تتعارض مع عاطفته الجيَّاشة تجاه أهل بيته، ورحمته بهم، ويظهر ذلك من ندمه على ضرب أخته، وشجِّه إيَّاها. والعبرة الثانية في أمر فاطمة إيَّاه بالاغتسال، وبصرف النظر عن الحكم الشرعيِّ في المسألة، فإنَّ الوضوء - فقط- يطفئ نار الغضب، فكيف بالاغتسال، فضلا عن الاستعداد النفسيِّ الذي يهيِّئه للإقبال على كلام الله، وقبوله، والتأثُّر به. ولنتصوَّر الهواجس التي تنتابه وهو يقوم بهذا العمل، ويسير في هذا الدرب الجديد، فإنَّ في إزالة الدَّرن والأوساخ من الجسد، إشارة إلى إزالة الأوثان والشرك من المعتقَد.
3) اهتمام عمر برعاية الأُسَر:
قصَّة عمر مع الصِّبية الجوعى وقد أوهمتهم أمُّهم بطبخ الطعام. وفي قيامه رضي الله عنه بجلب المؤونة، وطبخه إيَّاها عِبرة لأولي الألباب، فقد كان رؤوفا رحيما بأمَّته. ومع ذلك تحمَّل ما تنزغ به المرأة فيه إذ «قام وهي تقول: جزاك الله خيرا، كنتَ أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين»، واكتفى بقوله: «قولي خيرا، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله» (4).
__________
(1) ينظر: سير الشمَّاخي، ص12.
(2) المصدر نفسه، ص13 - 14.
(3) المصدر نفسه، ص20.
(4) المصدر نفسه، ص22. (1/19)
صفحة 20
ومن مناقب عمر السعي في تحرير الإماء: «ومنها أنَّه اعتق أمهات الأولاد عن أربابها. بعدما اجتمعت الأمَّة أنَّهنَّ إماء على عهد النبيِّ عليه السلام وأبي بكر وعمر، ثمَّ بدا له رأي منه أن يعتقهنَّ على مواليهنَّ، فعوتب فقال: ما أردت إلاَّ خيرا، ألحقت حرمة بحرمة، أي: منع بيعها لا غير مدَّة حياة مولاها، ويجري عليها أحكام الإماء في غير ذلك» (1).
4) المحبَّة بين الزوجين، ومراعاة حقوق بعضهما:
من ذلك محبَّة الإمام جابر بن زيد لأسرته، فقد «خرج ابنٌ لجابر وهو قاعد على باب داره فقبَّله ومسح رأسه» (2)، ومع ذلك روي عنه أنَّه قال: «وما من نازل ينزل به أحبُّ إليَّ من الموت ينزل به وبإخوته ثمَّ ينزل بي ثمَّ بآمنة»، وقد يبدو لبادي الرأي تذمُّره منهم، إلاَّ أنَّ المدقِّق يفهم منها أنَّه لا يريد أن يبقى أولاده من بعده يقاسون ألم اليُتم. وتشير الرواية إلى حبِّه لامرأته آمنة، وأنَّه يتمنى أن يموت قبلها حتَّى لا يبقى يوما في الدنيا أعزب، وكان ما تمنى (3).
كان دأب أبي محمَّد التغرميني وزوجه أن لا ينزلا «عن فراشهما قطُّ إلاَّ وتحاللا لئلاَّ يبقى على أحدهما من حقوق الزوجيَّة شيء» (4). وهذه صورة رائعة من الورع ومراعاة حقوق الزوجين لبعضهما، ولا شكَّ أنَّ التحالل يقتضي الحوار، وربَّما حدَّة المناقشة أحيانا؛ وهذا ما تفتقده أجيال اليوم، إذ اتَّخذت الأجهزة الإلكترونيَّة (لاسيما النقال) بديلا عن الحوار الأسريِّ، بما أشدُّ على الزوجين من الضرائر!.
ومن شدَّة ورع أبي موسى الأتلجامي وكثرة تحفُّظه أنَّه «إذا أراد أن يحرث الأصل استأذن زوجه لكونه أصدقها بعضه ولم تقبضه بعدُ، وتقول: ياشيخ أولم أجعلك في حلٍّ بعد؟. ويقول لها: جزت اليوم على كرمتنا يافلانة محمرَّة بالتين وتقول: إلى متى يا شيخ؟ وقد جعلتك في حلٍّ؟ فيقول: خشيت تغيُّر قلبك» (5). وهذا الورع لا يكاد يقارن بما يقع بين الزوجين من هضم حقوق بعضهما، كأكل أموال بعضهما: ميراثا، أو شركة، أو صداقا، أو إقراضا ... والطرف الأضعف هو الضحيَّة غالبا.
وذكر أنَّ طوست زوجة أبي عبد الله محمَّد بن تامر (6) أوصت ابنتها حين جهَّزتها أن تقتدي بها فقالت: « ... ولم يرني والدك عابسة قطُّ، ولم تصدر منِّي كذبة قطُّ، إلاَّ مرَّة واحدة وهي أن قلت لأبيك وقد سألني:
__________
(1) المصدر نفسه، ص26.
(2) المصدر نفسه، ص76.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص76.
(4) المصدر نفسه، ص250.
(5) المصدر نفسه، ص331 - 332.
(6) قال الشمَّاخي عن تامر: «روى بعضهم بامر بالباء الموحَّدة من أسفل أو بالتاء المثنَّاة من فوق التناوتي يسكن نفزاوة»، ص473. (1/21)
صفحة 21
أعلفت البغلة؟ وقد تعب وهو صائم ولا يفطر حتَّى تعلف مطيَّته، وقدَّمت له فطوره قلت: نعم» (1).
5) تعدُّد الزوجات والعلاقة بين الضرائر:
في السير صورٌ من العلاقة الطيِّبة بين الضرائر، منها ما يأتي:
- كانت لأبي عامر التصراري زوجتان، ثانيتهما تسمَّى: أمَة الواحد، وكانت كلٌّ منهما تساعد الأخرى، منذ أوَّل ليلة من زواج الثانية. وكانتا تتعاونان على حضور مجالس الذكر، فقد نقل الشمَّاخيُّ عن سير البغطوري (2) «أنَّه اجتمع المشايخ في تنين ان دركل (موضع) فقالت لأبي عامر: احضرْ أنتَ وزوجك المجلس وأنا أكفيكما مؤنة الصبيِّ ابن الضرَّة، والبقرة، ثمَّ أرسلت إليهما: اِجتهدا فيما أنتما فيه من الخير. وقال أبو عامر للمشايخ: إن لم تكن الضرائر مثل ما عندي فقد غُبنتم!» (3).
- ويبدو الإيثار لدى زورغ الأرجانية وانسجامها مع ضرَّتها (4).
- وكان أبو يوسف حجَّاج الويغوي رجلا صالحا، وله امرأتان، تكلَّف تمام العدل بينهما، وفي البلد بئران أحدهما أطيب وأقلُّ ماء، «فإن وجد فيها ما يكفيهما أخذ منها وإلاَّ أخذ من الأخرى» (5). ويذكر أنَّه من شدَّة ورعه «عزل نفسه في بيتٍ خشية الميل، وقال لامرأتيه: من أحبَّ منكما أن تأتيني فلتفعل في نوبتها» (6).
- بل إنَّ الضرَّة قد تختارها المرأة الأولى، ومن ذلك أنَّه لَمَّا وقع القحط في طرابلس سنة 430هـ، نزل رجل من ورغمة بقلعة درجين في جوار الشيخ أبي الخطَّاب عبد السلام بن منظور بن وزجون المزاتي، فاستحسنتْ زوجتُه زينبُ بنت أبي الحسن «صورة ابنة الورغميِّ، فخطبتها على بعلها، فتزوَّجها، وسكن معه في داره، وطلع معه إلى إفريقيَّة» (7).
وفي المقابل قد نجد العلاقة سيِّئة بين الضرائر، مثال ذلك أبو محمَّد عبيدة بن زارور التغرميني (8) له ضرَّتان إحداهما سيِّئة، والأخرى صالحة عالمة اسمها: أمُّ زعرور، وذكر الشمَّاخي صورة من تحمُّل أذاها (9).
__________
(1) المصدر نفسه، ص473.
(2) ينظر: سير البغطوري، فقرتي رقم: 346 - 347.
(3) سير الشمَّاخي، ص210 - 211.
(4) المصدر نفسه، ص241.
(5) المصدر نفسه، ص218 - 219.
(6) المصدر نفسه، ص219.
(7) المصدر نفسه، ص400.
(8) قال عنه: إنه مشهور في العلم والعمل والورع وإجابة الدعاء. المصدر نفسه، ص248.
(9) ينظر: المصدر نفسه، ص249. (1/22)
صفحة 22
6) عزوف بعض العلماء عن الزواج:
ذُكرت في السير أسماء بعض العلماء الذين لم يتزوَّجوا، وتفرَّغوا للعلم، ومنهم: «أبو موسى عيسى بن عيسى [ت: 722هـ ... ] اشتهر بالورع والعلم والتعليم ولم يتزوَّج قطُّ لاشتغاله بالعلم [ ... ] وحبس ما خلَّف من الكتب على طلبة نفوسة وفقهائها. وكان بعض الأعراب يقول: زوِّجوه، طمعا أن يترك ما يشبهه» (1).
ومنهم أبو النجاة يونس التملوشايتي، وكان عالما ورعا متفرِّغا لحلقة علم يطوف بها في بلدان جبل نفوسة، وقد يبقى أعواما لا يرجع إلى بلده، قال عنه الشمَّاخي: «ولم أحفظ أنَّه تزوَّج قطُّ» (2). وكذلك أبو يوسف يعقوب بن عمر (حوالي ق9هـ) (3).
ومنهم من لم يتزوَّج إلاَّ بعد إلحاح من أصحابه، مثل أبي عبيدة عبد الله بن القاسم، ثمَّ طابت نفسه بذلك الزواج (4).
ولا شكَّ أنَّ هذه المواقف من الزواج حالات شاذَّة لا يقاس عليها، وإنَّما ذكرها الرواة لغرابتها، ولا أدلَّ على ذلك ممَّا ذكرناه آنفا من العلاقة بين الزوجين، والضرائر.
7) الاهتمام بتربية الأبناء والبنات:
قصَّة أبي مسور يصلتين النفوسي الإدوناطي تعطينا نموذجا للأب المتحمِّل لمسؤوليته في تنشئة المرأة الصالحة المتعلِّمة الحكيمة، ويظهر ذلك من الحوارات الدائرة بينهما، فهذه تسأل عن دقائق أمور دينها وما يتعلَّق بطهارتها، وهذا يجيبها، ولهما كلام حكيم في تنقية النفس من أدرانها، وفي الحقوق الزوجيَّة (5).
ولَمَّا علم أبو محمَّد الدرفي بأنَّ ابنه أبا يحيى لا يصلِّي، جعل في عنقه حبلا، وقاده إلى السجن، فخيَّره بين السجن أو النفي من البلد أو الصلاة، فاختار الصلاة، فتحسَّنت حاله، وقد يمرُّ على أترابه، وهو ذاهب إلى المسجد فيستهزئون به، ثمَّ صاروا يستحيون منه ويهابونه وقد ألبسه الله ثوب الوقار (6). وصار بارًّا بوالده، ومن ذلك أنَّه إذا استطعمه لحما لذيذا بادر بنفسه فيذبح شاة ويسلخها ويهيِّئها له (7).
__________
(1) المصدر نفسه، ص553.
(2) المصدر نفسه، ص556.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص574.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص94.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص230 - 232.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص286.
(7) ينظر: المصدر نفسه، ص287. (1/23)
صفحة 23
وفي القصَّة الموالية ما يؤكِّد رعاية الأسرة لابنهم رغم شدَّة الحصار، وخلاصتها أنَّ حمَّاد بن بلغين (ت: 419هـ) نزل على كدية مغراوة بجنود كثيرة، وحاصر المدينة مدَّة شهر، قال راوي القصَّة، وهو أبو عبد الله محمَّد بن الخير: «وكنت يومئذ صغيرا، وكانت محضرة الصبيان خارج القصر نخرج إليها ونتعلَّم ونرجع ولا يتعرَّض لنا أحد بسوء، وليس معنا من التمر إلاَّ زنبيل، فخاطه أبي ولم يترك فيه إلاَّ مدخل يدي، وكنت آخذ منه وحدي» (1)؛ نلاحظ أنَّ هذه الأسرة رغم قساوة الظرف أبت إلاَّ أن تخصَّ ابنهم بهذا التمر لوحده، أملاً في أن يعيش ويحيي أمر الدين. وفي خياطة هذا الزنبيل إلاَّ موضع يد الطفل الصغير تعليم له على الاقتصاد، وتدريب له على أن يأكل ما يجد، بلا تخيير أو تضييع.
رابعا) حضور المرأة في سير الشمَّاخي:
سير الشمَّاخي نموذج لحضور المرأة القويِّ في المشاهد التاريخيَّة الإباضيَّة، لا لإثارة الغرائز الشهوانيَّة، ولا لعرض العلاقات الدنيئة، كما نجده مبثوثا في عدَّة كتب من التاريخ الإسلامي، والأدب العربي، لاسيما في قصور ملوك بني أميَّة وبني العبَّاس، ومن سار في ركابهم، سواء في المشرق أم في الأندلس، وإنَّما يورد الشمَّاخي - كغيره من كُتَّاب التاريخ الإباضيِّ - مواقف مشرقة مشرِّفة بطوليَّة، سياسيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، غالبا، ومثال ذلك في الآتي:
هذا أبو عبيدة عبد الله بن القاسم أقام «بمكَّة وليست له امرأة، فقال له أصحابه: لو تزوَّجت! قال: ما أريد ذلك، فما زالوا به حتَّى أجاب، وهناك امرأة من المسلمين موسرة، وقالوا: لا تكلِّفك مؤونة، فقال: إذا أبيتم إلاَّ ذاك فابْلُغوا بمهرها مهر مثلها ولا تنقصوها شيئا، ففعلوا، فلمَّا تزوَّجها ودخل بها طابت له نفسا عن الصداق» (2). فالرجل أبى إلاَّ أن يعطى تلك المرأةَ ذاتَ الشأن مهرَ أمثالها، ويظهر أنَّه أغلى ممَّن دونها من النساء، وهذا من تمام ورعه، وحسن كرمه في أداء حقوق النساء، وإنزالهنَّ المنزلة المناسبة لهنَّ. وفي ذلك مراعاة حقوق المرأة التي يتشدَّق بها الغرب، ويفتري على الإسلام والمسلمين بأنَّه هضم حقوقها. وقد كانت تلك المرأة أيضا من نفس الطينة إذ تنازلت لزوجها عن مهرها.
وفي كلِّ ذلك قدوة وعبرة، في دورها الاجتماعيِّ.
ومن النساء المذكورات، آمنة زوج الإمام جابر، ووراء كلِّ رجل عظيم امرأة عظيمة، ففي المشاهد نلحظ المودَّة التي بينهما، وخدمتهما لبعضهما (3).
__________
(1) المصدر نفسه، ص476.
(2) المصدر نفسه، ص94.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص71، 73، 76. (1/24)
صفحة 24
1) بساطة العلاقة بين المرأة والرجل:
نلاحظ هذه البساطة في تخصيص بعض العلماء من بيوتهم مجالس يحضرها النسوة للذكر والتعلُّم، وفي اتِّخاذ بيوت بعض النساء العالمات أو الورعات لذات الغرض. وربَّما وثق بعض الرجال برأي بعضهنَّ فيستشيرونهنَّ، سواء في أمور الدين أو الدنيا، والعكس كذلك. وفي الكتاب قصص عدَّة من هذا القبيل.
وكانت الزيارات متبادلة بين المشايخ والعالمات والورعات، ومن ذلك زيارة أبي عمران موسى بن زكريا بصحبة أبي جعفر أحمد بن خيران لزوجة الشيخ أبي القاسم يزيد بن مخلد، اسمها الغاية، بقصطالية (1). وتبدو هذه البساطة من بعض الحوارات المتعلقة بخصوصيات أُسريَّة، كما في حوار أمِّ سحنون اللالوتيَّة وماطوس بن ماطوس (2).
ويؤكِّد هذا ما قدَّمَته أمُّ زيد من نصيحة لأمِّ زعرور إذ قالت من جملة حِكَمها: «ولا ينبغي للمسلم أن يبقى بغير صديق يفشي إليه سرَّه، ويشترك معه همومه، فإن لم يجده من الرجال اتَّخذه من النساء؛ والعكس للنساء» (3).
2) المرأة والعلم:
أ- مكانة المرأة العالمة:
ارتقت المرأة مكانا عليًّا في بعض الأحيان، أكثر من الرجال أولي الشان، فقد أورد الشمَّاخيُّ قصَّة تولية أبي عبيدة عبد الحميد الجناونيِّ لَمَّا مات السمح بن أبي الخطَّاب عبد الأعلى المعافري عامل الإمام عبد الوهَّاب على نفوسة، واختيار أهل الحلِّ والعقد أبا عبيدة، ورغم تكليفه من قِبل الإمام، إلاَّ أنَّه «قال: أمهلوني حتَّى أستشير، فأتى عجوزا معروفة بالعلم والورع والدين، تسكن بموضع يقال له: ”أرجي أزمار“ فيما يقول أبو محمَّد، فقال لها: إن أمير المؤمنين بعث إليَّ بالوِلاية فأشيري عليَّ، فقالت: إن علمتَ في نفوسة أفضل منك فتقدَّمت فستكون خشبة في جهنَّم، فقال: أمَّا في أمور الرجال فلا أعلم فيهم مثلي. فرجع إلى المشايخ فقبل الدخول في أمورهم» (4).
وهذه المرأة التي تمكَّنت ممَّا لم يتمكَّن منه الرجال، اسمها: ”نانَّا مارن“ (5)، وعلَّق الشيخ علي يحيى معمَّر على هذه الحادثة بقوله: «إنَّ العالمة العجوز لم ترد أن تبسط له في الرجاء، وأن تسند طلب المشايخ والإمام،
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص401.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص298 - 299.
(3) المصدر نفسه، ص254.
(4) المصدر نفسه، ص182 - 183.
(5) علي معمَّر: الإباضيَّة في موكب، ح2، ق2، 250. (1/25)
صفحة 25
وإنَّما وضعت المشكلة أمام حساب الضمير، وضعتها أمام المحاسبة النفسيَّة التي لا يستطيع الإنسان أن يتملَّص منها، إنَّك تستطيع أن تتملَّص من جميع الناس بالحقِّ أو بالباطل، ولكنَّك لا تستطيع أن تهرب من ضميرك؛ ولذلك فقد قالت له: ”إن تقدَّمت فأنت في النار، وإن تأخَّرت فأنت في النار“. وأوضحت له مقصدها فقالت: إن تقدَّمت وأنت تعرف أنَّ في المسلمين من هو أكفأ منك، فأنت في النار، وإن تأخَّرت وأنت تعلم أنَّك أكفأ المسلمين، فأنت في النار» (1).
ومن النساء ذوات الشأن في التراث الإباضيِّ أخت عمروس بن فتح، التي كانت تُملي على أخيها مدوَّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني حين مرَّ على جبل نفوسة واستودع عمروسا نسخة منها (2). ومن بركة هذه المرأة أن بقيت المدوَّنة محفوظة إلى اليوم.
ويذكر عن هذه المرأة أنَّها كانت «عالمة وحضرت وقعت مانو، فأُخذت أسيرة في عدَّة نساء، فخافت عليهنَّ الفساد من الفسَّاق، فأمرت أن تستخلف كلُّ واحدة على نفسها من يزوِّجها لمن أرادها بسوء» (3). وفي ذلك مراعاة لمقاصد الشرع، ومن باب ارتكاب أخفِّ الضررين.
«وكانت العجوز تبركانت جدَّة الشيوخ من عباد الله الصالحين، وإليها هربت البنت الصالحة البصيرة [أي الكفيفة البصر] حين ظهر حملها ... » (4).
«وكانت أم سحنون اللالوتية من أفضل عجوز بالجبل وسار المشايخ لزيارتها ... » (5).
وفي السير: أمُّ يحيى، التي تزوَّجت أبا ميمون، هذا الرجل العالم، والذي وصفه أبوه بأنَّه «قائم بأمر آخرته كسلان لأمر دنياه». وقد عملت على تسديد دَيْنِه بعرق جبينها. وأنَّها «كانت حزيمة لأمور الآخرة وأمور الدنيا ... » وذكر «من كثرة حفظها أنَّها سمعت رجلا في طريق الحجِّ يُنشد قصيدة ثمانين بيتا فحفظتها كلَّها» (6). بل حفظت كتابا بكامله، ودعت الناس إلى استنساخه منها غيبًا (7).
لَمَّا ذهب عليُّ بن يعقوب إلى جبل نفوسة «مرَّ بقرية من قراها فيها عجوز يجتمع الناس إليها يسألونها عن
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) سير الشمَّاخي، ص228.
(3) المصدر نفسه، ص229.
(4) المصدر نفسه، ص295. وقصَّتها ذكرناها أدناه.
(5) المصدر نفسه، ص298.
(6) المصدر نفسه، ص233.
(7) ينظر: المصدر نفسه، ص235. (1/26)
صفحة 26
دينهم، ولها مصلًّى تصلِّي فيه» (1).
ب- المرأة معلِّمةً:
في دور المرأة العلميِّ، ذكر البدر الشمَّاخيُّ المعلِّمة الأولى: عائشة أمَّ المؤمنين، التي كان الإمام جابر يسألها.
وذكَرَ بيوت بعض النساء التي كانت مجالس للعلم، ومن ذلك أنَّ عبد الملك الطويل «كان شيخا فاضلا وعالما متقنا استفاد وأفاد وكان له مجلس» في بيت إحدى العجائز، وكانوا إذ ذاك يأتون المجالس في هيئة النساء لئلاَّ يفطن ويفتك بهم طغاة بني أميَّة، وذات مرَّة «في عهد زياد وابنه، أتاهم الخبر بأنَّ الخيل تريدهم فخرجوا مسرعين وتركوا نعالهم، فجاءت الشرطة فنظروا إلى نعالهم فقالوا للعجوز التي لها البيت: ما هذه النعال؟ قالت: مكاتب لنا يطلب الناس فيعطوه النعال وغيرها، فقال بعضهم: قد ذَكَرت ما ذكرت فلا تُعرِّضوا العجوز للبلاء، فلعلَّها صادقة!» (2).
ومن تلك المجالس مجلس العلم عند بهلولة، المرأة الصالحة الفقيهة، والذي كان يحضره أبان بن وسيم الويغوي، ثمَّ تزوَّجها فيما بعد «وكانت زوجته بهلولة ممَّن وافقه وطابقه علما وعملا وحسن عشرة» (3).
ومن تلك النساء امرأة اسمها سعيدة، زوج عبد الله بن الربيع خال المهدي، اتَّخذت «للمسلمين سربا في دارها يجتمعون فيه الليل» (4).
ومنهنَّ أمُّ يحيى زوج أبي ميمون، «فلمَّا استشهد بقيت بعده كهفا للإسلام ومأوى للأخيار، فكان عزَّابة أمسين يجتمعون عندها في ليلة الجمعة يتذاكرون ويحيون ليلتهم في العبادة» (5)، وكانت حازمة حريصة على حضورهم وعدم غيابهم (6). «وكانت شاكرة الزعرارية من أهل إنر تقرأ على أمِّ يحيى» (7).
ومنهنَّ إحدى النسوة الثلاث اللاتي تمنَّت كلٌّ منهنَّ أمنية، وتمنَّت الثالثة أن لو وقعت بين قوم جهَّال تذكِّرهم وتعلِّمهم أمر دينهم لعلَّ الله أن يرحمها، فأعطيت ما تمنَّت (8).
__________
(1) المصدر نفسه، ص385.
(2) المصدر نفسه، ص107 - 108.
(3) المصدر نفسه، ص217 - 218.
(4) المصدر نفسه، ص108.
(5) المصدر نفسه، ص234.
(6) المصدر نفسه، ص234.
(7) المصدر نفسه، ص234.
(8) ينظر: المصدر نفسه، ص208. سير الوسياني، فقرة رقم: ث2/ 5. (1/27)
صفحة 27
ج- المرأة في مجالس التعلُّم والذكر:
كان لأبي سفيان قنبر مجلس يتكلَّم فيه بالقرآن عن الجنَّة والنار، وللنساء بيت خاصٌّ بهنَّ، وكان شديدا في الحقِّ. «وكانت امرأة من المسلمين من بني كلاب يقال لها أمُّ يحيى ... كانت عظيمة الشأن، فبلغها أن مجلسا فيه قنبر، فأقبلت فدخلت البيت التي تكون فيه النساء، فاشتمَّ رائحة أنكرها، فحوَّل وجهه نحو النساء ثمَّ قال: تأتي إحداكنَّ إلى مجلس الذكر والقرآن والتخويف بهذا! فمن أراد منكن التطيُّب والزينة والفخر والحليَّ ففي غير مجالس المسلمين!!» (1)، فخرجت وسط النهار مع شدَّة الحرِّ، ولم تنتظر حتَّى تبرد الشمس، خجلا من الموقف.
وقال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: «كنت أصلِّي بجماعة النساء في منزلنا وأنا إذ ذاك شابٌّ فجاءنا الربيع [بن حبيب] يوما من الأيَّام وجاء معه أبو طاهر فيمن جاء فقال لي أبو طاهر: يا محبوب إنَّك تحبس النساء وتطوِّل عليهنَّ .. » (2).
«ومن عادة نفوسة أن يجعلوا سترة على الصف الآخِر من المسجد، وذلك في جميع مساجدهم، يدخله النساء لسماع العلم وللصلاة، ليكون بينهنَّ وبين الرجال حجابا» (3).
«وكان [أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي] كثيرا ما يمكث عند أم الربيع الوريورية، وكانت سخية مأوى للأخيار وربَّما أقام زمانا من الدهر ويجعل للناس المجلس عندها» (4).
وكانت النسوة في جبل نفوسة يحرصن على حضور مجالس الذكر والعلم من مسافات بعيدة، فقد كان لأبي مسور يصلتين النفوسي الأدوناطي مجلس تحضره النساء من بعيد (5). وقيل: إنَّ نساء من أهل تدينت يحضرن مجلس أبي الشعثاء السنتوتي (6) «ليلا ومعهنَّ أولادهنَّ، فإذا تفرَّق المجلس رجعن إلى منازلهنَّ. وهذه كرامة له ولهنَّ لأنَّ المسافة أزيد من أربعة وعشرين ميلا» (7).
ومن طرائف مجالس الذكر التي يحضرها النسوة ما يأتي:
- أمُّ ماطوس منذ أن كانت بكرا، ورغم منع أخيها كانت تذهب إلى مجلس أبي محمَّد خصيب في جنح الظلام، وتأخذ مزراقا على هيئة الرجل. ولم تنقطع عن المجلس في تندوزيغ بعد زواجها في أميتون، وبينهما نحو عشرة أميال، بل حتَّى وهي مثقلة بالحمل، فقد ذهبت يومًا لحضور المجلس، «فولدت هناك بنتا [تحت شجرة التين] (8)، فإذا أثقلت عليها قالت: ألستِ ولدتِ في المجلس؟ فتترك ذلك» (9).
- ومنها أنَّ النساء في مجلس أبي حسان خيران بن ملال الفرسطائي، كنَّ «يحملن الصوف ويعملنها، فنهاهن [عن] عمل شغل الدنيا في مجالس العلم، فتأخَّرن، فرخَّص لهنَّ رغبة في إتيانهنَّ» (10). ويبدو في هذا حرصهنَّ على استغلال أوقاتهنَّ فيما يفيدهنَّ ويفيد أُسرهنَّ، والجمع بين التعلُّم وبين المحافظة على حقوق أزواجهنَّ وأسرهنَّ.
- ومن طرائف تلك المجالس أيضا أنَّ عائشة بنت معاذ، «التي هي أحسن نساء آجلو، أخذت العلم عن الشيخ تبغورين بن عيسى، وكانت إذا قعد المجلس جاءت بحصير وتدوِّره على نفسها تستتر به، وتقعد في المجلس. وقالت: رأيت كثيرا من العلماءِ وأهلِ الخير، ولولا الشيخ أحمد بن أبي عبد الله لمت بالجهل» (11). وقد تجادل العلماء وتردُّ عليهم، وممَّا ذُكر عنها ما سَمَّوه: «مسائل الكليفة» (12).
د- انتشار العلم لدى الرستميَّات والنفوسيَّات:
أمَّا الرستميَّات فقد قال المؤلِّف: «وبيت الرستميِّين احتوى على علوم كثيرة، من فقه وإعراب ولغة وفصاحة وعلم نجوم. وعن بعضهم أنَّه قال: معاذ الله أن تكون عندنا أَمَة لا تعلم أين بات القمر. وقيل: إن عبد الوهَّاب بات مع أخت له يتعلَّمان مسائل الفرائض فلم يطلع عليهما الفجر إلاَّ وهما قد تعلَّماها جميعا» (13).
ومن ذلك ما نقله الشمَّاخي عن أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر أنَّ الإمام أفلح بلغ «في علم الغبار والنجامة مبلغا عظيما، وقعد ليلة مع أخته فتذاكرا ما أوَّل ما يُذبح غدًا في السوق إن شاء الله، فقال أفلح: بقرة صفراء في بطنها عجل أغرُّ، قالت الأخت: ذلك البياض في طرف ذنبه، وكان الأمر كما قالا. والله اعلم» (14). وبصرف النظر عن صحَّة هذا العلم، أو القصَّة في حدِّ ذاتها، والتي أعقبها الشمَّاخي بقوله: «والله اعلم»، فإنَّها
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص93.
(2) المصدر نفسه، ص118.
(3) المصدر نفسه، ص536.
(4) المصدر نفسه، ص310.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص232.
(6) وصفه بأنه: «المعدود في المستجابين الدعاء الجامع بين العلم والعمل والورع». المصدر نفسه، ص246.
(7) المصدر نفسه، ص247.
(8) إضافة من سير البغطوري، فقرة: 231.
(9) سير الشمَّاخي، ص317. وينظر: سير البغطوري، الفقرات: 229 - 232.
(10) سير الشمَّاخي، ص309.
(11) المصدر نفسه، ص422.
(12) المصدر نفسه، ص423. وينظر: سير الوسياني، فقرة رقم: ث20/ 4.
(13) سير الشمَّاخي، ص162.
(14) المصدر نفسه، ص193. (1/28)
صفحة 28
تدلُّ على المكانة المرموقة التي بلغها العلم في عهد الدولة الرستميَّة، سواء عند الرجال أم النساء، على حدٍّ سواء.
وأمَّا عن النفوسيَّات فقد كنَّ حريصات على التعلُّم، ولم يمنعهنَّ حياؤهنَّ، ومن ذلك: ابنة أبي مسور يصلتين النفوسي الأدوناطي تسأل أباها عن أمور دينها المتعلِّقة بالحيض فـ «قال: ألا تستحيين؟ قالت: أخشى إن استحييت منك أن يمقتني الله يوم القيامة، فانتبه الشيخ فقال: لا يمقتك الله يا بنيَّتي» (1).
وعن انتشار العلم في جبل نفوسة قال: «وذكر أنَّ بعض الأزمنة لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا إلاَّ إجناون وويغو وتندميرة لا تحتاج دار إلى دار. وقالوا: اجتمع في إجناون سبعون عالما في أيَّام أبي عبيدة عبد الحميد من أهل ولايته. وذكر أن إماء نفوسة في تلك الأعصار إذا وردن أو خرجن إلى الحطب لا يرجعن حتَّى يتذاكرن جميع مسائل كتاب ماطوس» (2). ولا يخفى ما في بعض هذه الأخبار من بعض المبالغة، فمن المستبعد أن يكون دأب هذه الإماء مع مسائل كتاب ماطوس كدأب المهَرَة بالقرآن مع كتاب ربِّ العالمين، وهو الكتاب الوحيد الذي لا يخلق على كثرة الردِّ. والله أعلم.
3) المرأة والمال:
كانت لـ «جانا» في تنزغت وهو صاحب اللواء في وقعة مانو (3) «بناتٌ مشهورات في طرق الخير، حتَّى قيل فيهن بنات جانا في الإسلام في جبل نفوسة كالغرابيب البيض ... وتقدَّم (4) أن المشايخ حين دخلوا على أبي القاسم زائرين قالت لهم إحدى بنات جانا ما قالت، وجمعوا ما جمعوا وجعلوه بيدها تنفقه على عمها [أبي القاسم سدرات بن الحسن البغطوري النفوسي] (5) سرًّا لعلمهم بأنها غاية في ذلك» (6).
«وكان [أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي] كثيرا ما يمكث عند أم الربيع الوريورية، وكانت سخيَّة مأوى للأخيار، وربَّما أقام زمانا من الدهر، ويجعل للناس المجلس عندها. وأظلَّه عيد الأضحى مرَّة وهو عندها، وأرسلت إلى بيته بشاةٍ، وجمعت جميع ما يحتاج إليه في العيد فأرسلت به إلى بيته مع الشاة، وقد عوَّل أن يضحِّي عندها، وما عنده ما يذهب إليه، فقالت: بادر أهلك وولدك وكُلْ عندهم العيد، ولا علم عنده، فلمَّا
__________
(1) المصدر نفسه، ص231.
(2) المصدر نفسه، ص545.
(3) ذكر في ص269 أن صاحب البند هو: شيبة الدجي.
(4) تقدَّم في المصدر نفسه، ص236.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص235.
(6) المصدر نفسه، ص267. (1/29)
صفحة 29
وصل وجد كلَّ شيء يُحتاج إليه قد هُيِّئ له» (1).
4) المرأة وسبل الخير:
أمُّ سعيدة هلبيَّة المهلبيَّة من خيار المسلمات وفاضلاتهنَّ، ذُكر أنَّها صنعت لأبي حمزة المختار بن عوف ولمن معه من العسكر طعاما في منًى (2). وكانت تؤوي الأفاضل وأولي العلم (3). ومثلها أمُّ شهاب أيضا (4). ومنهنَّ أمُّ ميمون التي وكَّلت ولدها في المهد صبيًّا بتنفيذ وصيَّتها (5).
ومنهنَّ: عاتكة بنت المهلَّب التي أرسلت بجزور إلى جابر بن زيد ليفرِّقها على الجيران (6).
ومنهنَّ أمُّ الخطَّاب التي أكرمت الشيخين: أبا زكريا التوكيتي وأبا مهاصر بشاة ذبحتها لهما، وذلك عندما همَّا بالخروج مع عسكر العبَّاس بن أيُّوب بن العبَّاس إلى حرب بني يفرن (7).
ومنهنَّ إحدى النسوة الثلاث اللاتي تمنَّين أمنيات، تحقَّق لكلِّ منهنَّ مرادها، فهذه تمنَّت أن يأوي إليها ملأ من المسلمين في ليلة مطر وبرد وقد بلَّهم القطر، وتمكَّن منهم البرد، وضربهم الجوع، فتعالج لهم ما تزيل به عنهم ما بهم لعلَّ الله يرحمنها، فكان ما تمنَّت (8).
ومنهنَّ عقيلة زوجة يخلف الفرسطائي التي نفعت زوجها وطلبته ببيدها ومالها بسخاء، «فكانت تصنع كلَّ عام اثني عشر كساء، وكلُّ ما عنده من الدنيا أصله من عمل يديها» (9).
5) المرأة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
في دور المرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثرها السياسيِّ، ذكر الشمَّاخيُّ جرأة البلجاء الخزاميَّة في مواجهة طغيان بني أميَّة، وصدعها بالحقِّ واستشهادها في سبيل ذلك على يد الطاغية عبيد الله بن زياد (10).
«وكانت زيديت بنت عبد الله الملوشائيَّة قاعدة مع النساء، وقد اجتمعن لعمل الصوف وأخذن يغنِّين
__________
(1) المصدر نفسه، ص310.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص100، 117.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص120.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص120.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص122. والقصة المذكورة ذاتها موجودة في سير البغطوري، فقرة: 526 (مرقون).
(6) ينظر: سير الشمَّاخي، ص95.
(7) ينظر: المصدر نفسه، ص178 - 179، 198.
(8) ينظر: المصدر نفسه، ص208 سير الوسياني، فقرة رقم: ث2/ 5.
(9) سير الشمَّاخي، ص550.
(10) ينظر: المصدر نفسه، ص63 - 64. (1/31)
صفحة 30
فوعظتهنَّ وزجرتهنَّ وذكَّرتهنَّ أمر المعاد والحساب والقبر والموت بكلام بالبربريَّة له وزن وحلاوة» (1).
وكان رجل اسمه وهبلي، و «كان أوَّل عمره لا يبالي في أخذ الأموال خفية. فاستعانت امرأته بنساء يغزلن معها، فأتاهنَّ بتين، فلمَّا أبصرت زوجته التين ولم تعرفه تين أشجاره وطئت برجليها القفَّة عجنا، فرمت بها خارجا فانكسرت نفسه، وبادر من حينه» إلى التوبة والإنابة، وردِّ المظالم (2).
ونجد الحرص على الأمر والنهي لدى عجوزين كانتا «تلتقيان بموضع بين بلديهما، تتذاكران وتذْكُران الله ثمَّ تفترقان، فلمَّا عجزتا أوصت إحداهما إلى الأخرى: لا تتركي نصيبك وحظَّك من الأمر والنهي ... إحداهما من أكراين والأخرى من توغرست» (3).
6) المرأة وشدَّة الورع:
من هذا الصنف امرأة اسمها: زورغ الأرجانيَّة في إجلازن أو قريبا منه، كانت شديدة الورع، كثيرة العبادة، قويَّة في الأمر والنهي، وذكر عنها نماذج في خدمة المحتاجين (4)، رغم قلَّة إتقانها للقراءة (5)، بحكم لسانها البربريِّ بطبيعة الحال. ومنهنَّ أمُّ جلدين، وهي الصابرة على أذى بناتها (6). والعالمة أمُّ زعرور.
وبعد أن ذكر الشمَّاخيُّ جملة من قصص النساء الصالحات، وكراماتهنَّ قال: «وللعجائز بالجبل وغيره شأن عظيم!» (7).
7) أخبار متفرِّقة عن دور المرأة في الحياة الاجتماعيَّة:
نماذج من حضور المرأة في السير، نسردها على شكل نقاط:
- استغاثة امرأة من القيروان بسبب ظلم ورفجومة، والتي كانت سببا في توجُّه أبي الخطَّاب المعافري لتخليص القيروان من ظلم تلك القبيلة (8).
- تجويزُ جابر بن زيد تزويج امرأة بغير إباضيٍّ، إذا رغبت فيه، ومنْعُه أباها من أن يرغمها على تزوُّج
__________
(1) المصدر نفسه، ص317.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص322 - 323.
(3) المصدر نفسه، ص301.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص240.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص241.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص259 - 260.
(7) المصدر نفسه، ص260.
(8) ينظر: المصدر نفسه، ص127. (1/32)
صفحة 31
إباضيٍّ من خيار المسلمين اسمه: الحسن بن عبد الرحمن، رغم ما عُرف عنه من الفضل (1). وفي هذا الموقف ما يؤكِّد الانفتاح والاعتدال في الموقف من الآخر، واهتمام جابر بما يصلح أمر الأسرة؛ إذ لا خير في أسرة يكون فيها الزوجان غير متراضيين!.
- إباء المرأة الصنديدة من زوجها أن يدخل بيتها لَمَّا ساند خلفَ بن السمح، المثير لفتنة محاولة الانقلاب ضدَّ أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني الوالي على جبل نفوسة، وضدَّ الإمام عبد الوهَّاب؛ إذ قالت له: «إليك يا بائع دينه!» (2)، وكان موقفها القويُّ سببا في توبته، قال الشيخ امعمَّر: «وصَدمت كلمة الحقِّ سمع الرجل، فوقف في مكانه لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، يوازن بين الموقفين، ويقارن بين المصيرين، وأطال الوقوف حتَّى تبيَّن له الحقُّ، وأدرك فداحة الجرم الذي كان مُقْدما عليه، وعرف صدق النصيحة في هذه الزوجة الوفيَّة التي تحبُّه وتحبُّ له الخير ولنفسها ولأولادها؛ وللأمَّة من ورائهم، فأعلن إذعانه للحقِّ، وتوبته إلى الله، ورجوعه إلى صفوف المسلمين» (3).
- نفس الحيلة (حلُّ خلاف أسريٍّ) تتكرَّر بين تولية أبي الخطَّاب وتولية أبي حاتم الملزوزي، ففي الأوَّل: أظهروا «أنَّ اجتماعهم بسبب أرض أرادوا قسمتها، وقيل: بسبب رجل وامرأته اختصما» (4) وفي الثاني: «امرأة صالحة اسمها مسلمة أساء إليها زوجها» (5).
- من النساء المذكورات في السِّيَر: أمُّ الربيع، و «كانت مأوى للأخيار وكهفا للأبرار» (6). «وكانت أمُّ داود عالمة ورعة خاشية لله خاشعة» (7). ومنهنَّ عائشة بنت معاذ، ذكر عنها أنَّها «خير نساء آجلو» (8).
- غارة العرب على إماء وارجلان وسعي ماكسن في فكاكهنَّ (9).
- مراودة امرأة للشابِّ الوسيم (شيخ المستقبل) أبي الربيع سليمان بن موسى بن عامر الشمَّاخي، إذ هجمت عليه «وقد تزيَّنت وراودته، وكان عازبا، فامتنع كلَّ الامتناع فقالت: لئن لم تفعل لآتين جدَّكَ وأُخبره
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص113.
(2) المصدر نفسه، ص187. وينظر: علي معمَّر: الإباضيَّة في موكب التاريخ، ح2، ق2، ص451 (ترقيم الشاملة).
(3) معمَّر: المصدر نفسه.
(4) سير الشمَّاخي، ص125.
(5) المصدر نفسه، ص134. كما أنَّ نفس الحرص من الإمامين على تفقُّد القتلى، والتشديد المعهود في أموال الموحِّدين، ولو كان عدوًّا معتديا. ينظر: ص129، 134.
(6) المصدر نفسه، ص300.
(7) المصدر نفسه، ص303.
(8) المصدر نفسه، ص421 - 422.
(9) ينظر: المصدر نفسه، ص415 - 416. (1/33)
صفحة 32
أنَّك تعرَّضتني، وكانت هيبته في القلوب عظيمة، أعني هيبة عمِّنا عامر، فقال لها: انصرفي وقولي ما شئت، ففضيحة الدنيا أهون من فضيحة يوم القيامة!» (1). ونعم الاقتداء بسيِّدنا يوسف عليه السلام، وصدق الله العظيم إذ قال في أوائل سورة يوسف: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءَايَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} (2)، وفي آخرها: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} (3).
- وفيما يخصُّ النساء غير الإباضيات نجد: أمَّ المعزِّ بن باديس، فقد جاءتها أمُّ ماكسن بن الخير، وقد أصيب ببصره، وهو صغير، فأشارت أمُّ المعزِّ عليها بأن تدخله الكُتَّاب «لِمَا رأته من حدَّة فكره وحضور ذهنه وفهمه وذكائه» (4). ومنهنَّ أمُّ يوسف زوجة المعزِّ سلطان إفريقيَّة، التي تصدَّقت بستِّين ألف كفن عام الوباء (5).
خامسا) التكافل الاجتماعي:
1) مساعدة الفقراء والمساكين وابن السبيل:
كان من المسلمين (الإباضيَّة) رجلان أحدهما: يحيى بن نجيح والآخر ديال بن يزيد، من أوائل القرن الثاني الهجري، يجمعان من الأغنياء للفقراء. أمَّا «يحيى فيخرج بجراب فيطوف على أغنياء المسلمين فمن حضر عنده الخبز أو التمر أو الرمَّان أو الدراهم وما حضر [ ... ] ثمَّ يطوف بما جمع على الفقراء يفرِّق عليهم. ومات مع الجلندى بن مسعود بعُمان. وأمَّا ديال بن يزيد فيفعل مثل ذلك بعده، وربَّما أستأجر الأكسية في البرد الشديد والطنافس والقطف بألف درهم أو أقلَّ أو أكثر وليس عنده منها شيء، وإنَّما يتَّكل على الله ثمَّ على المسلمين، ثمَّ يفرق تلك الأكسية والقطف والطنافس على الفقراء، ثمَّ يخرج فيجمع ذلك على الأغنياء فيقضي أهل الثياب حقوقهم. وكان المسلمون يكثرون الصدقات ويفرحون لأبواب البرِّ» (6). وهو أشبه بما تقوم به الجمعيات الخيريَّة في عصرنا، ويكفي هؤلاء شرفا فضل السبق إلى أعمال البرِّ، ومن سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
ومن صور التكافل في القرنين الهجريين الأوَّلَين ما رواه أبو سفيان محبوب بن الرحيل إذ قال: «سمعت بعض مشايخ من أدركت يقولون إنَّا لنذكر إذا دخل شعبان إن كان الفقراء من المسلمين لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر ما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون مَن بعث بها، يأتي الرجل بالجمال حتَّى يقف به على
__________
(1) المصدر نفسه، ص562.
(2) سورة يوسف: 7.
(3) سورة يوسف: 111.
(4) سير الشمَّاخي، ص414 - 415.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص415.
(6) المصدر نفسه، ص113 - 114. (1/34)
صفحة 33
باب الدار فيقول: ادخل، فيكتب في خرقة: كلوا وأطعموا. وكانوا يحملون المشايخ إلى الحجِّ، ويكون لأحدهم عدة نجائب أعدَّها لذلك» (1).
وذَكر الشمَّاخي من أغنياء الدولة الرستميَّة وكرمائها: يبيب بن زلغين، الذي قيل: إنَّه كان يملك ثلاثين ألف ناقة، وثلاثمائة ألف شاة، واثني عشر ألف حمار، «وإذا جاءه العامل وقت الصدقة قال للرعاة: اختاروا خيار الإبل فغيِّبوها. فيأمر العامل بأخذها» (2)، وذكرت له صور عدَّة من مساعدة الفقراء والضعفاء والمحتاجين، ظهرت فيه آثار دعواتهم. وقد شهد بفضله الإمام عبد الوهَّاب وقال: «لولا أنا ومحمَّد بن جرني ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين؛ أنا بالذهب، ومحمَّد بن جرني بالحرث، وابن زلغين بالأنعام» (3).
ومن الأسخياء على المشايخ «مصلوكن التائب من أهل إمرساون، كان سخيَّ الكفِّ قد قلَّ من لم يأكل طعامه من فقهاء الجبل وأشياخهم» (4).
ومنهم أبو موسى عيسى بن زرعة النفوسي الملوشائي كان سخيَّ الكفِّ، تعلَّم العلم في داره لكثرة من يغشاه من المشايخ ويمكثون عنده، وحين أقعده المرض زمانا طويلا «فتح كوَّة من بيته تقابل موضع قعوده ونومه يعطي منها الفقراء» (5).
وكان التواصي بالبذل والعطاء، وتربية أهل البيت على ذلك، فقد قال أبو مهاصر موسى بن جعفر الإفطماني لابن خالته يحيى بن موليت، يوصيه بعدم عتاب الزوجة على العطاء مهما كان مقداره كبيرا: «يا يحيى، إيَّاك أن تعاتب ”سارت“ إذا أعطت شيئا، فإنِّي لا أعاتب تلولا ولو أعطت جملا بحمله» (6).
كان رجل من بني يهراسن سخيًّا كثير الصدقات، فشكاه أولاده إلى أبي صالح بكر بن قاسم، «قالوا: أَتلَفَ المالَ وتَرَكَنَا فقراء، فقال: مالكَ ولبنيكَ يَشْكُونَكَ؟ قال: يريدون أن أكون مثل الذي نزلت فيه آية الكنز {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... } الآية (7)؟!، فاستحسن الجواب من العامِّيِّ» (8).
وكان أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي «كثيرا ما يغشاه الأضياف، وله أربع زوجات في أربع خيمات، فإذا
__________
(1) المصدر نفسه، ص114.
(2) المصدر نفسه، ص204.
(3) المصدر نفسه، ص205.
(4) المصدر نفسه، ص239 - 240.
(5) المصدر نفسه، ص316.
(6) المصدر نفسه، ص202.
(7) سورة التوبة: 34.
(8) سير الشمَّاخي، ص370. (1/35)
صفحة 34
نظرت لكلِّ خيمة رأيت كثرة جلود الشياه منشورة، وعليها لفائف القطن، من كثرة ما يذبح للأضياف» (1).
«ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران الوسياني [ ... ] وعادته تأخير العَشاء إلى أن يصلِّي العتمة، فينادي في المسجد: لا يبيت ضيف دون عشاء، ثمَّ يفتِّش أركان المسجد وزواياه، فإن وجد طارقا وابن سبيل حمله وإلاَّ انصرف» (2). وذُكرت مثل هذه القصَّة عن سعيد بن يخلف المادغسني (3).
وفي عهد قريب من البدر الشمَّاخي كان الشيخ أبو زكريا الفرسطائي (4) «مأوى للمساكين وذوي الحاجات [ ... ] لا يأتيه أحد ويصرف دون حاجة، وكان متواضعا، يغشاه الزائرون وذوو الحاجات والطلبة، فلا تراه أبدا إلاَّ منبسطا معهم، وقد اشتهر بذلك» (5).
ولم يكن التكافل محصورا على المسلمين فيما بينهم فحسب، بل كان يعمُّ غيرهم من المتساكنين، فقد ذكر الشمَّاخيُّ أنَّ أهل نفوسة كانوا يذهبون إلى البادية لجلب ما فيها ممَّا ليس في الحاضرة، وكان منهم أبو مهاصر موسى بن جعفر الإفطماني، الذي يقوم بقسمة ما يجلبه على الأقارب والجيران والفقراء والصبيان، ومن تجب صلته، وخصَّص نصيبا ليهوديٍّ (6).
2) الجود بالموجود وقت الشدَّة:
كانت عادة أبي مرداس مهاصر السدراتي الساكن بتبرست أن ينفق ماله على الضعفاء، «وكان يقعد على طريق رجوع الخدم ورواحهنَّ من الاحتطاب، فيعطيهنَّ قبضة قبضة من دقيق مبلول بماء يسمَّى الصميت، ويسمَّى أيضا بعرف بعض البلاد البسيسة حتَّى نفد ما عنده. ثمَّ صار إذا اشتدَّ الجدب وعظم البلاء أن يجمع حشائش الأرض ويطبخها ويرسل بها إلى من احتجب من النساء. فلمَّا يبست صار ينزل إلى ”تيج“ فيحمل القطف من السباخ، فلمَّا يبس بالقحط صار يحفر عروقه ويطبخها فينفقها» (7). فهذه الروح التي لدى الشيخ العالم أبي مهاصر ومن على شاكلته من أولئك العظماء، تنبئنا عن الدور الاجتماعي الذي يتميَّز به هؤلاء العلماء، فلم يكونوا من فقهاء الدعة والراحة والرخاء، ولا العكوف على الدفتر والقرطاس، ونسيان أوضاع الفقراء من الناس.
وممَّا رواه الشمَّاخيُّ أيضا عن البغطوريِّ أنَّ أبا مهاصر المذكور ذهب ليحرث على بقرة له، فمرَّ على أهل ”أكرين“ ورأى ما يعانيه الناس من القحط الشديد، فتصدَّق عليهم بالزريعة، وذبح بقرته فقسمها بينهم، وقسم الجلد فأخذ نصيبه بينهم، فلمَّا رجع قالت له زوجه: أين البقرة؟ وأين حَرثتَ؟ فقال: «حرثت حرثا استغنى عن المطر ولا تصيبه آفة!» (8). فهو يضع نصب عينه قوله تعالى: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (9).
3) صور من السخاء:
«ومنهم أبو يعقوب البغطوري، وفي السير (10): كان ورعا سخيَّ الكف. وفيها: أبدل باب داره ليتمكَّن من إدخال مزارق الأضياف لكثرتها» (11). وذكر نماذج من كرمه.
ومنهم سليمان بن علي بن يخلف بن يخلف جدُّ أبي العبَّاس الدرجيني، «قال أبو العبَّاس: كان ذا سخاءٍ ونزاهةِ نفسٍ وورعٍ [ ... ] أمَّا سخاوته فما حدَّثني به والدي قال: كان أبي كثير المال بكنومة من عقار وناض، فلم يزل مبسوط اليد فيه حتَّى أنفده، ولم يُبقِ إلاَّ دويرة وبساتين، وكان في أثناء ذلك لا يعدم ناصحا يقول: أَبْقِ لأولادك بقيَّة، وجوابه: المتَّقي منهم لا يضيعه الله، والعاصي أنا أحقُّ بمالي منه» (12). وواصل في عادته من إكرام أضيافه وأضياف المسجد، رغم أنَّ حالته المادِّيَّة بدأت تنقص (13).
ومنهم ”الشيخ“ (14) بن أبي عبد الله محمَّد بن الشيخ بن إبراهيم بن أبي يحيى (ت: 833هـ) قال عنه الشمَّاخي: «كان مشهورا في الخير، وباسط اليد، وله في ذلك أخبار مشهورة مذكورة، وله مسجد بناه في داخل داره، يجلس فيها ويغشاه الزائرون، واتَّخذ جفنة فملأها بالبسيس، فإذا نفد ملأها ثانيا، كذلك دأبه، فكلُّ من دخل عليه أَمَرَهُ أن يأكل، فمُكثرٌ ومُقِلٌّ وصائمٌ، واشتهر عنه ذلك، فكان الأعراب يغشونه جماعات لكثرة طمعهم وقوَّة شرههم. وتمادى بنوه على ذلك فهي إلى يومنا هذا» (15). والقائم بالدار والإطعام في أيَّام أبي العبَّاس الشمَّاخي هو حفيد المذكور: أبو حفص عمرو بن أبي محمَّد عبد الله بن الشيخ (16). وهكذا هي
__________
(1) المصدر نفسه، ص374.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص398.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص467 - 468. سير الوسياني، فقرة رقم: ث18/ 1.
(4) الفرسطائي من إضافتنا حسب ما سبق ذكره.
(5) سير الشمَّاخي، ص573.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص199.
(7) المصدر نفسه، ص172 - 173.
(8) المصدر نفسه، ص175.
(9) سورة الشورى: 36.
(10) يقصد سير البغطوري، ينظر: الفقرات رقم: 441 - 443.
(11) سير الشمَّاخي، ص330.
(12) المصدر نفسه، ص458.
(13) المصدر نفسه، ص458.
(14) اسمه الشخصي: «الشيخ»، فهو عَلَم وليس صفة.
(15) المصدر نفسه، ص568.
(16) ينظر: المصدر نفسه. (1/36)
صفحة 35
الذُّرِّيَّة الطيِّبة، بعضها من بعض. و «من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
ونقل البدر الشمَّاخيُّ قصَّة واقعيَّة من شاهد عيان بطَلُها الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن عبد الواحد الشمَّاخي، قال: «وحدَّثتني أخته قالت: وقعت شدَّة عظيمة، وأنا طفلة، فإذا سجى الليل وسكن الماشي، حمَّلني شيئا من الطعام، فيسبق أمامي إلى بعض الأرامل أو بعض القرَّاء، فيضرب على الباب وينصرف، ويوصيني أن لا أخبر من أكون. وأخباره كثيرة رحمة الله تركتها اختصارا» (1).
4) صور من مراعاة الظروف الاجتماعية وحقوق العباد:
لَمَّا برز أبو الخطَّاب عبد الأعلى بجنوده لتخليص القيروان من ظلم ورفجومة، «نادى مناديه من له أبوان كبيران أو واحدٌ، أو عروس جديدة فليرجع بليل» (2)؛ وذلك أسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر، وقوله لأحد الصحابة لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ»؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (3). وفي الواقعة أيضا مراعاة حقوق الزوجين الحديثي الزواج؛ نظرا لِمَا يمكن أن يتركه فقدان الزوج من أثر عميق في نفس زوجه.
وفي نفس الوقعة مراعاة لحقوق العباد، إذ قال أبو الخطَّاب في خطبته: «أطمع لمن مات في هذه الغزوة الجنَّة، إلاَّ من فيه إحدى ثلاث خصال: قاتل نفس ظلما، وقاعد على فراش حرام، ومن في يده أرض مغصوبة» (4)، وهو في ذلك مؤتسٍ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى الإمام الربيع بن حبيب أنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فلمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فنُودِيَ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ»؟ فَأَعَادَ قَوْلَهُ، فَقَالَ: «نَعَمْ، إلاَّ الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ» (5). ونحو هذه الخطبة وردت عن أبي مهاصر مرداس، عندما صحب أيُّوب بنَ العبَّاس لقتال خلف بن السمح (6).
ومن ذلك ما ذكر عن أبي مهاصر موسى بن جعفر الإفطماني، أنَّه فطن بامرأة حملت من دون زوج، وأنَّها أوت إلى خربة لتضع مولودها، وربَّما لتتخلَّص منه، فما كان منه إلاَّ أن هيَّأ لها ما تحتاج إليه النفساء وأنقذ
__________
(1) المصدر نفسه، ص572.
(2) المصدر نفسه، ص127.
(3) البخاري: كتاب الجهاد والسير، بَاب الْجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ، رقم: 2842، 3/ 1094.
(4) سير الشمَّاخي، ص128.
(5) الربيع: كِتَاب الْجِهَادِ، بَابٌ فِي فَضْل الشَّهَادَةِ، حديث رقم: 457، ص185. ورواه مسلم في كتاب الإمارة، بَاب مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إلاَّ الدَّيْنَ، رقم: 1885، 3/ 1501.
(6) ينظر: سير الشمَّاخي، ص173 - 174، 186، 197. (1/37)
صفحة 36
الصبيَّ (1). وذُكر مثل ذلك عن أبي يحيى يوسف بن أبي محمَّد ملي الإيدرفي (2). ومثلها عن بنت عمياء من أهل تاغرويت غُلبت على نفسها فحملت وخافت من أخيها فهربت حتَّى أتت العجوز الصالحة جدَّة الشيوخ ”تبركانت السدراتيَّة“ فولدت عندها غلاما، وانتهت قصَّتها نهاية مأساويَّة على يد أخيها (3). وفي هذه القصص عِبَر، فليس التديُّن تعدِّيا على روح بريئة بجريرة ما فعل الأبوان، ولا إقصاءً لمن زلَّت قدمه في زمن من الأزمان، وليست الدعوة أن نكون عونا للشيطان على أخيك الإنسان.
ومن الروايات التي ساقها الشمَّاخيُّ قصَّة النسوة الثلاث اللائي سألن الله أمنيات حقَّقها الله (4)، ومنهنَّ منزو بنت أبي عثمان الدجي المزاتي، التي تمنَّت أن يرزقها الله رجلا شرس الطباع، لتنال أجر الصابرين، فاستجاب الله دعاءها. وذكر المؤرِّخ صورا من طغيان هذا الزوج، وكيف كانت تصبر على هذا البلاء، حتَّى أتى الفرج من الله تعالى، بأن انتقم من الطاغية شرَّ انتقام (5). وبصرف النظر عن دقَّة تفاصيل هذه القصص، فإنَّ فيها عبرًا للمعتبرين، ومضرب أمثال للتفريج عن الصابرين، وعاقبة الطغاة المتجبِّرين، الهاضمين حقوق الآخَرين. وذكر المؤلِّف مثلها عن مكنا التي تزوَّجت رجلا سيِّئا من أهل تيري (6).
5) بذل المال لنصرة الدين:
كان أبو مودود حاجب الطائي في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم يتولَّى جمع الأموال من الأغنياء، لإعانة أبي حمزة الشاري، وعبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، كما قال البدر: «وكانوا يجمعون الأموال يبعثون بها إلى المغرب والمشرق من اليمن وتيهرت لإقامة دين الله، وكان الذي يتولَّى ذلك في أيَّام أبي عبيدة حاجبا» (7).
وكان حاجب هو الذي يعيِّن المقدار الذي يتبرَّع به المحسنون بحسب ما يراه من حالهم من اليسار، فلم يعترض عليه أحد، «ودعا أبا طاهر - وكان شيخا فاضلا - وقال له: عليك بالنساء وأوساط الناس فإنَّا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون، فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين، فلم يأتوا امرأة ولا رجلا إلاَّ وجدوه مسارعا فيما سألوه. وكان رجل من المسلمين لم يُرَ أنَّه صاحب مال، فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، فقال له أبو طاهر: أي أخي، العيال! قال: الله لهم، والله ما رأيت مذ كنت وجها مثل هذا أنفق فيه فإذْ وجدته أفأدعه؟ والله لا يرجع إليَّ منها درهم، ولكن عهد الله لا تخبرْ باسمي ما بقيتُ، ففعلوا فلم يُمْسِ الليلُ حتَّى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم. فأخبروا حاجبا فسُرَّ بذلك فقال: إن في الناس لبقيَّة!» (8).
ونقل الشمَّاخيُّ عن الدرجيني، متحدِّثا عن أبي نوح سعيد بن يخلف المزاتي أنَّه «أكثر من اقتناء الخيل لِمَا يأمله من الخير في نصرة الدين ومدافعة المعتدين» (9). فأمله أن يستردَّ الكنز المفقود، من الإمامة في سالف العهود.
ونفس العزيمة والنيَّة - الإعداد لإمامة الظهور - كانت عند أبي باديس أبحت بن باديس، في زمن المعزِّ بن باديس، صاحب إفريقيَّة، فقد كان له «مال كثير، وعنده رعايل خيل فيها تسعون فرسا قد أعدَّها للظهور» (10).
6) بذل المال والنفس في سبل العلم، في الرخاء والشدَّة:
طوبى لمن جمع الله له بين العلم والمال، فينفع العباد من فضليْه: الفكريِّ والمادِّيِّ.
ومنهم أبو يعقوب من أهل أتِلجَام كان عالما غنيًّا، يمكث عنده أبو عبيدة جلدين البغطوري شهرا في بعض الأوقات هو وأصحابه (11).
ونحو هذه الرواية ذُكرت عن «أبي محمَّد عبيدة بن أفلح اليجلاني، وكان عالما سخيًّا، قيل: تعلَّم العلم في بيته لكثرة من يغشاه من المشايخ ويقيمون عنده، وربَّما مكث عنده بعضهم أربعة أشهر أو ستَّة، وكان يكثر الإقامة عنده أبو عبد الله بن جلداسن اللالوتي، وكان يطعمهم من خالص ماله» (12).
وذُكر نحوها أيضا عن الشيخ التقيِّ العالم السخيِّ الفاضل أبي عليٍّ النفوسيِّ من فساطو، «وكان كهفا للأبرار، ومأوى للأخيار، وربَّما مكثت عنده المشايخ زمانا من الدهر، خصوصا أبا الخير الزواغي. وفي السير: يذبح كلَّ يوم شاة للأضياف، فكلَّمه المشايخ أن يترك ذلك فشاور أبا الخير فقال له: زد الخير يا أبا علي، فصار يذبح شاتين كلَّ يوم (13). ومن غيره: وقعت شدَّة فنزل بعض المشايخ على الشيخ أبي عليٍّ وكان كثير
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص201.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص287.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص295.
(4) نلاحظ أنَّ كلَّ تلك الأماني كانت متعلِّقة بصلاح الآخرة، وبما يرفع الدرجات فيها، ولو على حساب الدعة والراحة في هذه الدنيا الفانية.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص206 - 208. سير الوسياني، فقرة: ث2/ 6.
(6) ينظر: سير الشمَّاخي، ص238.
(7) المصدر نفسه، ص114.
(8) المصدر نفسه، ص114 - 115. وهذا يجرُّنا إلى ذكر نفس الطريقة التي اتبعها فضيلة الشيخ عدُّون (سعيد شريفي) في جمع التبرعات للمشاريع الخيرية، ولجمعية الحياة بالقرارة - على ما ذُكر لنا - بأن كان يحدِّد للمتبرِّع ما يراه، وفي الغالب يجد الاستجابة الطواعية والزيادة.
(9) سير الشمَّاخي، ص374. الدرجيني: طبقات، 2/ 367.
(10) سير الشمَّاخي، ص383.
(11) المصدر نفسه، ص331.
(12) المصدر نفسه، ص335. وينظر: سير البغطوري، فقرة رقم: 612.
(13) سير البغطوري، فقرة رقم: 615. (1/39)
صفحة 37
المال من الحيوان وغيره، فكان يجعل لهم على القصعة شاة للغداء وشاة للعشاء، فلبثوا كذلك ما شاء الله، فقالوا للشيخ أبي الخير: كلِّم صاحبك أن يترك اللحم عن أحد النوبتين، فكلَّمه فقال أبو عليٍّ: إيش ترى؟ قال: زد في الخير، فصار يجعل على القصعة شاتين للغداء ومثلها للعشاء، فقال المشايخ أرسلناك لتنقص نوبة فأمرت بالزيادة؟! قال: استشارني فنصحته. وقال لأبي الخير: أقاسمك مالي فخذ نصفه، قال: ما أريد بمالك يا أبا عليٍّ؟!» (1).
ونحو هذه القصَّة وهذا السخاء ذُكر عن فتًى مزاتيِّ ضيَّف العزَّابة، فكان يقدِّم لهم عشرين قصعة طعام يوميًّا، وعلى كلٍّ منها شاة، فتحيَّروا لاسيما في وقت الشدَّة والقحط، فقال لهم: «لا تتحيَّروا ما تأكلون من عِوَز، ولا ذبحت مُذْ نزلتم إلاَّ توأم غنمي. فلبثوا شهرين عنده على خير ونعمة» (2).
«ومنهم أبو سهل البشر بن محمَّد التندميرتي (3) [ ... ] وفي السير: كان عالما، وكانت عنده حلقة وكان لا يأخذ الزكاة، وكان تاجرا [ ... ] وإذا دخل رمضان أعطى طلبته وعزَّابته تمر جرمة يفطرون عليها، وكان يعطيهم صرر الدراهم من زكاته» (4).
«ومنهم أبو محمَّد عبد الله بن مطكود وكان عالما زاهدا ورعا عاملا [ ... ] ترك للعزَّابة والطلبة مفتاح مخزنه من احتاج منهم إلى شيء أخذه» (5).
وكان أبو القاسم يزيد بن مخلَّد الوسياني غنيًّا ذا مال واسع، ينفق على من يقرأ، وقالوا لأبيه: ابنك مجنون يعلِّم ويطعم ويعطي!. «وكان له عشرون جملا محلاة بالخلاخل يسافر بها إلى القيروان. وكان مشهورا بالعلم والأدب عظيم المنزلة شديد الورع وأهل القيروان يعرفونه بذلك، وإذا دخلها اضطربت المدينة يسألونه عن المشكلات ويستفتونه، بل يدَّخرونها لوروده من موافق ومخالف» (6).
ومن المعلوم «أنَّ أمر الحلقة شديد وحقوقها كثيرة» (7)؛ حتَّى إنَّ أهل وارجلان اعتذروا في فترة من
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص335 - 336.
(2) المصدر نفسه، ص481.
(3) قال عنه: «أخذ العلم عن أبي يوسف بن زيد الدرفي ومن أبي نصر زار بن يوسف التفستي وجازت عليه نسبة الدين، وأخذ عنه بشر كثير. قال البغطوري: روى لي ثقة أنَّه أخذ عنه شيخ ممَّن فاق في العلوم وتفقه وذلك من بركته وحسن نيته». المصدر نفسه، ص334.
(4) المصدر نفسه، ص334 - 335.
(5) المصدر نفسه، ص344 - 345.
(6) المصدر نفسه، ص346 - 348.
(7) المصدر نفسه، ص472. (1/40)
صفحة 38
الفترات أن يعقدوا حلقة لطلبة العلم في عهد أبي عبد الله محمَّد بن بكر (1)، نظرا لمؤونتها المكلِّفة في الجانبين: المادِّيِّ والبشريِّ. وقد يقع الإعلان والتحريض في المسجد للتكفُّل بالطلبة، كما فعل الشيخ أيُّوب الجطالي لَمَّا جاءه طلبة غرباء، فنادى في المسجد: من يخدمهم؟ فقال بعض الأغنياء: أنا أخدم واحدا، فما زال يستزيد حتَّى بلغ عددُ الذين تكفَّل بهم سبعة طلبة، بالإضافة إلى من عنده من يتامى يربِّيهم ويقريهم (2).
وكان أبو زكريا فصيل بن أبي مسور اليهراسني يوصي أهله وحشمه بالاهتمام التامِّ بمصالح الطلبة، وعلى كلِّ من جاورهم أن لا يهتمَّ بحوائج غيرهم، ويوضِّح لهم ذلك بمثال محسوس، إذ يقول: «موضع التلاميذ كشجرة الخروب [ ... ] كما أنَّ شجرة الخروب لا ينبت حولها إلاَّ ما قلَّ من الأشجار [ ... ] وكان يجعل الدراهم في القراطيس والصرر ثمَّ يعلقها في ألواح التلاميذ، وربَّما جعلها في أوعية دفاتيرهم، وبينهم وبين ثيابهم رغبة في كتمان الصدقة، فلمَّا مات فقدوا ذلك» (3).
«ومنهم الشيخ الفاضل السخيُّ العالم العلامة أبو عبيدة وشق، قال أبو نوح: إنَّ بالبادية بإفريقيَّة اثنين وثلاثين عالما من شيوخ أهل الدعوة تكفَّلوا بنوائب الحلقة وبحوائج الطلبة، فيه الشيخ وشق، فمن مات منهم قام الباقون مقامه، حتَّى لم يبق إلاَّ الشيخ وشق، يكنَّى أبا عبيدة، فقام بنوائبها من الكسوة والطعام والإقراء والتعليم، فدارت سنة قحط وشدَّة وجدب، فافترق الناس يطلبون الخصب، فأرادت التلاميذ ذلك فمَنَعَهم»، واستمرَّ في تعليمهم وإطعامهم حتَّى نفد كلُّ ما عنده، إلى يوم وفاته (4).
ومنهم أبو باديس أبحت بن زيدان (أو ابن باديس) اليكشني، وكان غنيًّا، زاره العزَّابة «فقام بهم وأحسن إنزالهم فدفع لهم ثلاثمائة بقرة طروقة الفحل كلها» (5).
«ومنهم أبو عبد الله محمَّد بن سليمان النفوسي رحمه الله كان ممَّن وسَّع الله عليه في كثرة العلم والمال والتقى وسماحة النفس وسخاوة القلب كانت عنده كثرة التلاميذ يعلِّمهم ويطعمهم ويكسيهم من خالص ماله؛ فإذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء، وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخفُّ وادَّخر الأخرى،
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص472. ذكر الشماخي أنَّه مرَّ بأبي صالح جنون بن يمريان، ولكن يبدو أن مروره كان بعد وفاة أبي صالح جنون، فإنَّ أبا عبد الله محمَّد بن بكر أنشأ حلقة العزَّابة سنة 409هـ، وأمَّا أبو صالح جنون فقد عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، وبين التاريخين بُعدٌ. ورجَّحنا عهد أبي عبد الله، نظرا لأن ترتيبات أبي عبد الله لإطعام الحلقة وإيوائها كانت على عاتق أهل البلد، بالإضافة إلى المراسلات التي كانت بينه وبين أبي موسى هارون بن أبي عمران موسى بن سدرين.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص563. يمكن أن نقرأ: «ويقرئهم» (بالهمزة) أي: يدرِّسهم. أو «يقريهم» (بالياء) من القِرى، أي: يكرم ضيافتهم.
(3) المصدر نفسه، ص371 - 372.
(4) المصدر نفسه، ص381 - 382.
(5) المصدر نفسه، ص382. (1/42)
صفحة 39
وربَّما باعها بالثمن الذي اشتراها به» (1).
ومنهم أبو يحيى زكريا بن إبراهيم بن زكريا بن أبي هارون الباروني، كان له ما يقرب من ثمانين طالبا، ينفق عليهم من ماله الخاصِّ، حتَّى حلَّت بهم سنة شديدة بسبب جدب وبلاء، فأراد طلبته أن يفترقوا، فلمَّا بلغه ما اجتمعوا عليه أطْلَع بعضهم على ما عنده من مال كثير جمعه لمثل هذه الشدائد، وقال لهم: «لم أجمعه إلاَّ لأنفقه عليكم في المسغبة، ولا آذن لأحد أن ينصرف إلاَّ لحاجة، فأقاموا، فأخذ ينفق عليهم حتَّى زال القحط» (2).
«ومنهم أبو سليمان أيُّوب بن إسماعيل [ ... ] كان كثير الإبرار لتلاميذه وكان له داران بوارجلان بينهما طريق فوقها ساباط، اتَّخذ إحداهما لسكناه والأخرى لتلاميذه، وتُغلَق إذا لم يُحتج إليها [ ... ] فكلَّما أراد أن يكرم به التلاميذ أو الأضياف أوتي به من أعلى الساباط» (3).
«ومنهم أبو محمَّد عبد الله بن يحيى بن عيسى العبَّاسي، كان عالما سخيًّا ممَّن يؤثر على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة»، فقد كان يعطي أضيافه لاسيما من العزَّابة أفضل التمر والطعام، بينما هو يأكل الحشف والماء، فلمَّا سئل «قال: من أكل خيار ماله أكل دم وجهه، وذلك مُدَّخَر لأمثالكم، والذي بين يديَّ مع العافية لخير كثير، يعني الحشف والماء» (4).
وغرس بنو ورتيزلن خمسمائة فسيلة لأبي عبد الله محمَّد بن بكر في تين يسلي، فصلحت كلُّها، وأثمرت غلالا وافرة (5). ومن المعلوم أنَّ أبا عبد الله كان مشتغلا بالحلقة والتلاميذ، وهيكلتها، وإدارتها، وتنظيمها، فكان المجتمع يقابل هذه المبرة بمرَّات الإنفاق وبذل المال والجهد المادِّيِّ والمعنويِّ لأجل هذه المهمَّة النبويَّة النبيلة.
7) تفاوت الوضع الاجتماعي والغاية واحدة:
نلاحظ تفاوت الوضع الاجتماعي لدى أهل نفوسة - في بعض الأزمنة - والكلُّ غايته الآخرة، فهذا مهدي النفوسي زاهد، يرى أنَّ ابن خالته فرجًا شغلته الدنيا حتَّى كاد يهلك آخرته، بينما هذا يرى أنَّ مهديًّا اشتغل بآخرته فضاعت دنياه فيُخشى عليه ضياع آخرته. فلمَّا قدِمَ الإمام عبد الوهَّاب بوفده إلى جبل نفوسة فضَّل أن ينزل عند فرج، إذ وجد لديه ما لم يجده لدى مهدي، «وتعجَّب الناس من كثرة الكوانين لأنَّ الثياب
__________
(1) المصدر نفسه، ص406 - 407.
(2) المصدر نفسه، ص547.
(3) المصدر نفسه، ص435.
(4) المصدر نفسه، ص451. طبقات الدرجيني، 2/ 507.
(5) ينظر: سير الشمَّاخي، ص422. (1/43)
صفحة 40
والأطعمة ممَّا يُدَّخر للتجارة وأمَّا الكوانين فليس لدخرها» (1).
وهذا أبو الخطَّاب وسيل بن سنتين الزواغي وصنوه أبو أيُّوب «أبصرا ليلة القدر، فاجتهد أبو الخطَّاب في الدعاء لأمر آخرته وأبو أيُّوب يدعو أن يصيب دنيا سببا للجنَّة»، فأغناه الله، وبسط يده للوارد والصادر (2).
«وقيل لَمَّا كان [أبو نوح سعيد بن زنغيل] بوارجلان علموا أنَّه قام على رغد العيش ولينه وطعام الملوك، فالتمسوا طبَّاخا يصلح لطعامه، فلم يجدوا إلاَّ امرأة من بني أمِّ جعفر فكان الشيخ يدعو لها بالبركة، فظهر ذلك فيها وفي ذريتها» (3). وقد شوهد أبو نوح وهو يمتطي جوادا بسرج محلًّى بالذهب، «وكان له عشرون جملا محلاَّة بالخلاخل يسافر بها إلى القيروان» (4). وفي ذلك إظهار لعزَّة المسلم التقيِّ، الذي جعل الدنيا في خدمة الدين، لا العكس.
8) الإدلال بين المتحابِّين:
«وذكر أنَّ أبا القاسم يونس بن أبي زكريا [فصيل بن أبي مسور] وأبا نوح صالح التجمي قدما على أبي محمَّد عبد الله بن مانوج زائرين، فلمَّا أدَّيا حقَّ الزيارة وانفصلا راجعين مرَّا بشجرة تفَّاح لأبي محمَّد قال أبو نوح: ألم تراها يايونس حمراء؟ فنزل أبو القاسم ونزع ما في رجله، وأظهر أثره خشية أن يظنَّ غيرَه، ثمَّ اجتنى على وجه الدالة ما فيه كفاية، وأعطى لأبي نوح فردَّ بعضه. وجاء أبو محمَّد فعرف الأثر وسُرَّ بما فعل» (5).
ومن صور التعامل بالمحبَّة والإدلال، وبروح الأبوَّة الحانية والبنوَّة البارَّة بين التلميذ وأستاذه، هذه الصورة بين أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني وتلاميذه، فقد «كان من عادته إذا أتى المسجد وأراد الوضوء انصرف كلُّ مَن حولَ المتوضَّأ، فيضع الكتابَ والمفتاحَ والعمامةَ والكساءَ حتَّى لا يبقى إلاَّ في ثوب واحد، فيأخذ كلُّ الطلبة حاجَةً [ ... ] فإذا أتمَّ وضوءه وخرج من المطهرة قال: رُدُّوا عليَّ أعلاقي، فيسأل كلُّ واحد عن مسألته فيردُّ ما أخذ بعد أن يجيبه، فهكذا فعله حتَّى لقي ربَّه» (6). هذه صورة رائعة تنمُّ عن بساطة التعامل بين الشيخ وتلاميذه، وعن روح الدعابة، والتي تجعل من طلب العلم متعة.
__________
(1) المصدر نفسه، ص171.
(2) المصدر نفسه، ص283 - 284.
(3) المصدر نفسه، ص360 - 361.
(4) المصدر نفسه، ص347 - 348.
(5) المصدر نفسه، ص394.
(6) المصدر نفسه، ص443. وينظر: طبقات الدرجيني، 2/ 492. (1/44)
صفحة 41
سادسا) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء:
إنَّ خيريَّة المجتمع نتيجةٌ للاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحكمة بالغة قدَّم الله تعالى هذه الصفة في حقِّ الأمَّة على صفة الإيمان بالله فقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (1). وسنعرض فيما يأتي صورا رائعة من أعمال أعلام سبَّلوا أنفسهم لهذه المهمَّة العظيمة لأجل إصلاح المجتمع، سواء أكانوا متطوِّعين أم مكلَّفين من جهات ”رسميَّة“.
1) الحسبة التطوُّعية:
كان أبو صالح بكر بن قاسم اليراسني (ت: 431هـ) يقوم بدور المحتسب، ومن شدَّته على العصاة والعُتاة أن كانت له «خشبة عظيمة فيها حِلَقٌ وسلاسل، يجعل الجاني في حلقة منها ثمَّ يقلبها على ظهره لئلاَّ يهرب، فكانوا يصيحون بالليل صياح التيوس من شدَّة الحرِّ أو البرد، ثمَّ انتقل إلى جربة حين كثرت الزلازل واضطربت نيران الفتنة، وعمد إلى الخشبة وآلاتها فرمى بها في بئر [ ... ] وإنَّما اتَّخذ ذلك ليصرفه في الوجه الذي أراده، فإن تخلَّى من ذلك فلا ينبغي أن ينتفع به في غيره» (2).
وكانت السلطة الروحيَّة لمشايخ جربة - ومنهم أبو صالح اليراسني المذكور - ممتدَّة إلى جبل دمَّر، وبمجرَّد توقُّفهم عن هذا الدور بسبب الشدَّة والقحط استولى النُّكَّار من مستاوة «على جبل دمَّر بحلقة وجماعة يطوفون، فخرج [أبو صالح] من جربة وكابد صعود الجبال وكان [ابنه] أبو محمَّد يردفه من خلفه كلَّما أراد الصعود، فلمَّا بلغ إلى رئيسهم زيري بن كملين فلامه على ما سمع وعاتبه قال: إنَّ عذرنا بيِّنٌ: المرأة إذا لم يغْشَها زوجها ابتغت السفاح! وأنتم إذا لم تأتونا أتتنا مستاوة» (3).
وكان من عادة أبي حسان خيران بن ملال الفرسطائي «التنقُّل في المنازل لإحياء الدين، وتقوية الضعفاء، وتعليم الجهَّال، وتنبيه الغفَّال، وربَّما مكث في ذلك زمانا لا يرجع إلى أهله .... وكان كثيرا ما يمكث عند أمِّ الربيع الوريوريَّة، وكانت سخيةَّ، مأوى للأخيار، وربَّما أقام زمانا من الدهر، ويجعل للناس المجلس عندها» (4).
ومثله أبو النجاة يونس التملوشايتي، وكان عالما ورعا له حلقة، «يطوف بطلبته في جبل نفوسة غاديا ورائحا يذكِّر ويعظ، ويأمر وينهى»، وقد يبقى عدَّة أعوام خارج بلده، وكان الناس - شريفهم ووضيعهم -
__________
(1) سورة آل عمران: 110.
(2) سير الشمَّاخي، ص367.
(3) المصدر نفسه، ص368.
(4) المصدر نفسه، ص309 - 310. (1/45)
صفحة 42
يرجعون إليه لفصل الخصومات، فيعطي لذي الحقِّ حقَّه، ولو على حساب القويِّ (1).
ولأبي عبد الله محمَّد بن بكر نشاط كبير في بلاد أريغ، إلاَّ أنَّه لَمَّا طغى بنو ورماز وأكثروا من الفساد وقطع الطرق، اجتمع بجماعة أهل أريغ فوعظهم وذكَّرهم على عادته في مجالسه، ثمَّ ذَكَر لهم ضرر بني ورماز بالسالكين والمستضعفين، فأجاب قائلهم بأن لا طاقة لنا، فارتحل عنهم الشيخ بأهله، ونزل بفران من قرى وارجلان، فأقام بها عاما، فضاعت أحوال أريغ لفقدانهم من يُصلح أحوالهم وفسادهم، فاجتمعوا وألحُّوا عليه في الرجوع، فقال: «أَصِرْتُ فيكم كالفريسة يعتادها السباع من كلِّ مكان، يقصدني العزَّابة من الأفق من طرابلس وإفريقيَّة والزاب وقصطالية وغيرها فيُقتَلون بنواحي أريغ؟! وعدَّ عليهم أشياء قبيحة، وأيسوا من رجوعه فرجعوا واجتهدوا في وجوه الصلاح، وتعاونوا على البرِّ والتقوى، وتجنبوا الإثم والعدوان، وقمعوا الطغاة، فأتوه ثانيا ورغبوه في الرجوع فرجع» (2). وفي هذا النصِّ ما يدلُّ على حرص أبي عبد الله على أمن وسلامة التلامذة الذين يأتونه من الآفاق البعيدة المتعدِّدة. وفيه حرصه على أن يؤدِّب أهل أريغ على تفريطهم في حلقة أبي عبد الله، وأن يعلِّمهم كيف يعتمدون على أنفسهم في إصلاح ما بأنفسهم، وردِّ المعتدين والمفسدين.
ومن الأدوار التي كان يقوم بها من يتطوَّع للاحتساب: مراقبة الأسواق، وكان «منهم أبو يوسف وجدليش بن في، كان عالما وعاملا وآمرا وناهيا شديد الشكيمة في حق الله ليِّن العريكة في حقِّ نفسه [ ... ] وكان أمر سوق جادو إليه، يأذن لمن يشاء أن يبيع، ويمنع من في ماله شبهة وفي عسرة، أحدثوا ذلك لدخول الريبة وطن طرابلس» (3).
واضطلع بهذا الدور الشيخ أبو طاهر إسماعيل الجيطالي، «وكان يكثر على الناس التذكير والأمر والنهي، حتَّى يأتي الأسواق ويوعظ، وطعن الحاسدون فيه وقالوا: عَلَّمَ السُّوقَة مسائل الغشِّ، يعنون أنَّه ينهاهم عنها فتعلَّموها» (4).
ومن أعمالهم: إصلاح ذات البين، وقد مرَّ سابقا عمل أبي عبد الله محمَّد بن علي السوفي في إطفاء فتنة درجين السفلى (5).
ومنهم زكريا بن أبي نوح بن يوسف من ذرِّيَّة أبي عبد الله محمَّد بن بكر، رحمه الله اقتدى بأبيه في جميع أحواله [ ... ] انتقل من تين يسلى إلى أوغلانت فعظَّموه وأكرموه ووهبوا له أنواع المواهب من مركوب
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص555 - 556.
(2) المصدر نفسه، ص388 - 389.
(3) المصدر نفسه، ص333 - 334.
(4) المصدر نفسه، ص558.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص447 - 448. طبقات الدرجيني، 2/ 499 - 501. (1/46)
صفحة 43
ومكسوب وجنَّات وعيون، وكان فيها بحلقة وطلبة، وكان من عادته إذا سمع في أريغ بفعلة شنيعة تحوَّل إليها بحلقته وطلبته، فيصلح ما فسد، وإن استحقَّت جيشا سار به، أو عسكرا قويًّا أو ضعيفا، ومن استحقَّ السجن سجنه، أو القتل قتله، أو الأدب والنكال أدَّبه» (1).
وكان بإجناون عالم فاجر ولولا أن ”الشيخ“ بن إبراهيم بن أبي يحيى «قمعه لأفسد كثيرا من أحكام الناس» (2).
ومنهم يوسف بن ونمو، ومن شجاعته أن «صادف يوما أعوان السلطان أخذوا امرأة فقال: في أيِّ شيء أخذتموها؟ قالوا: في كذا وكذا، قال: خذوه وأطلِقوها! فأبوا، فصاحت: يا للمسلمين! فأخذ سلاحه فحال بينهم وبينها، فقال أصحابه: بئس ما فعلت بنا!. ولم يكن إلاَّ هنيهة فإذا بأصحاب السلطان مقبلون قالوا: أجب السلطان! فلمَّا بلغه قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال صاحت: يا للمسلمين! وقد طلبْتُهُم أن يأخذوا ما مُسِكَت فيه فأبوا، وقصَّ عليه القصَّة، فكفَّ الله عنه شرَّه، فقال للعبيد: انصرفوا ما قامت السماوات إلاَّ بمثل هذا» (3).
وبقي الشيخ إسماعيل الجيطالي في فرسطاء تسعة أعوام، ولم يتوان عن الأمر والنهي، وذات مرَّة سمع بوجود الخمر عند بعضهم، فلمَّا أن أراد أن يغيِّر هذا المنكر قام إليه بعض الأعراب بإيعاز من ذلك المتهوم، فمنعوه، فأراد الشيخ إسماعيل الارتحال من هذه المدينة «فتعلَّق به الناس، فقال: لا أقيم ببلد لا أقيمُ فيه الحقَّ ولا آمرُ ولا أَنهى» (4).
وقد منح الله هؤلاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر هيبة وإن لم تكن لهم سلطة سياسيَّة تساندهم، فقد كان الشيخ عليُّ بن عامر الشمَّاخيُّ (والد الشيخ عامر صاحب الإيضاح) مشهورا بالصلاح «يهابه كلُّ مخالف وموافق، وكان يعدِّي القوافل من اللصوص والمحاربين، وإذا أبصروه مع عير رجعوا هيبةً» (5). رحمهم الله ورضي عنهم.
والملاحظ في هؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أمران:
- أنهم لم يكونوا في عصور الإمامة، ولا تابعين لحُكمٍ أو حاكم، أو معيَّنين من قِبل دولة من الدول، بل كانوا متطوِّعين، محتسبين الأجرَ من الله، ولا يخافون فيه لومة لائم.
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص452 - 453. وينظر: طبقات الدرجيني، 2/ 510.
(2) سير الشمَّاخي، ص555.
(3) المصدر نفسه، ص465.
(4) المصدر نفسه، ص558.
(5) المصدر نفسه، ص561. (1/47)
صفحة 44
- أنَّهم قد يتعرَّضون إلى الأذى، وقد يصل الأمر إلى قتلهم، فقد «قُتل عبد الحميد (1)، ورُجم ماكسن لأمره بالمعروف» (2). وقد عُصم بعض الشيوخ من أذى بعض المعتدين بسبب أداء واجب الأمر والنهي في سبيل الله (3).
2) القاضي الصغير:
من حسن تدبير أهل وغلانت أن قدَّموا قاضيا صغير السنِّ اسمه: أبو محمَّد عبد الله بن يعقوب بن هارون الواغلاني، ولَمَّا زارهم مشايخ طرابلس عاتبوهم على تقليدهم لهذا الفتى هذه المسؤولية العظيمة، فـ «ـقال لهم مشايخ وغلانت: آجركم الله في نظركم للإسلام وأهله، وتفقُّدِكُم لِمَا يُصلِحه، ونُصحِكم لإخوانكم، ولكنَّ عذرنا أنَّا تفرَّسنا الخير في هذا الفتى، ورأينا الأمور سترجع إليه فقدَّمناه في حياتنا، لنهذِّبه ونقوِّمه ونعلِّمه كيف يرتق وحيث يرفق، ونبصِّره تصاريف الأمور ومفاصلها، ونوطِّنه على احتمال الأذى والصبر والحِلْم، فصدق تفرُّسهم فيه، وكان حازما عالما، فلم يؤخذ عليه شيء، ولم يُنقم عليه حكم، حتَّى ترك الأمور كِبَرًا وهرما وضعفا، وانعقدت الألسن عليه بالثناء الجميل» (4). وفي هذا عبرة جليلة في اهتمام الكبار بجيل الشباب، وتحميلهم أعظم المسؤوليات، والاستفادة ممَّا لديهم من طاقات، وتوجيهها ورعايتها، بدل الدخول معهم في صراع الأجيال، ممَّا يعود على المجتمع بالوبال.
3) القاضي الحاكم النزيه:
كان الشيخ (5) بن إبراهيم بن أبي يحيى (ت: 722هـ) «حاكما عدلا وقامعا للجورة بَسِلاً» في نفوسة، وكان مرَّة في تمزدا فأتاه رجل من أهل تميجار بمزود قمح فأعطاه الشيخَ، فأخذ المزودَ وأدخله بيته «ثمَّ خرج فقال التميجاري: واعَدْتُ فلانا الجيطالي لتحكم بيننا [عند] صلاة الظهر، فقام ودخل وأخرج له مزوده ورماه له وأغلق الدار، فقال التميجاري: تبت إلى الله، وتركت حقِّي لفلان، وأمسك المزود ولم يجبه بشيء، ورفع مزوده وانصرف» (6). وضيَّفه مرَّة عبد العزيز بن فرحون في إيجناون، فلمَّا أكلوا قال عبد العزيز: واعدت أولاد أبي الخير لنتحاكم عندك صلاة الظهر في مسجد إيجناون، فسأل الشيخ رفيقه: كم ثمن الطعام واللحم؟ قال: درهمان، فجعل على الطبق أربعة دراهم، فخرج ولم يَدْعُ، ومن عادتهم رحمهم الله الدعاء بعد
__________
(1) لم يتضح من هو عبد الحميد هذا، وحسب السياق يبدو أنَّه من أريغ.
(2) المصدر نفسه، ص427.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص508.
(4) سير الشمَّاخي، ص471 - 472. وينظر: سير الوسياني، فقرة رقم: ر2/ 9.
(5) «الشيخ» اسم عَلَم وليس صفة.
(6) سير الشمَّاخي، ص554. (1/48)
صفحة 45
الطعام» (1).
وتُحكى قصص شبيهة عن أبي محمَّد ملي الدرفي (2) وأبي الشعثاء الزنتوتي (3). وفي مثل هذه الروايات الرائعة أسوة حسنة لمن يلي أمور الناس، حتَّى لا تُشترى ذممهم وآخرتهم بمتاع من الدنيا زائل قليل.
4) صلاح الرعيَّة بصلاح الراعي:
لَمَّا اجتمعت الكلمة بعد اختلافها على الإمام محمَّد بن أفلح بن عبد الوهَّاب لِمَا امتاز به من علم وورع، «كان أوَّل شيء نظر فيه التماس قاض عدل يَصلُح لأنْ يُقلَّد أمور الإسلام، فأشاروا عليه بتقديم الشيخ التقيِّ العالم النقيِّ محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ، وكان وقَّافا شديدا في دين الله، حازما لقمع المظالم والمناهي، آمرا بالمعروف. ثمَّ عَزَل نفسَه لمنكر بَلَغَه بعد أن أحسن السيرةَ، واظهرَ الحقَّ، وتجرَّدت نفوسةُ الجبلِ لإصلاح الأسواق، وقمع الفسَّاق؛ لأن نفاقهم نجم مدَّة الفتنة، وظهر فسادهم، وعظم ضررهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون منار الحقِّ، فأصلح الله الفساد على أيديهمِّ، حتَّى عاقبوا القصَّاب على نفخ الشاة، ومنعوا الحمَّال على دابته أن يحمل عليها فوق طاقتها، وانقطعت مادَّة الفتنة، وعمرت المساجد» (4).
«قال ابن الصغير: لَمَّا دخل أبو حاتم مدينة تيهرت جمع مشايخ البلد واستشارهم فيمن يولِّيه القضاء، فأشاروا بأن يولِّي عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن الشيخ، وكان أبوه قاضيا، وتقدَّم التعريف به وبعدله وبإتقانه الأمور. قالوا: وما عبد الله دون محمَّد في العلم والورع والدين، قال: أشرتم وأحسنتم، فولاَّه القضاء، وولَّى بيت المال عبد الرحمن بن صواب النفوسي، وولَّى الشرطة زكار لأنَّه ذو نصيحة وهيبة، وإبراهيم بن مسكين لأنَّه ذو صلابة في الحقِّ.
وقد كانت حروب فسدت بها البلد، وفسد أهلها وأظهروا المنكر، وكثر الفسق والزنا وشرب الخمر جهارا، فلمَّا تولَّى الرجلان الشرطة قَطَعَا ذلك في أسرع وقت وأقرب زمان، فكسروا الخوابي في كلِّ دار عَظُم قَدْرها أو صَغُر، وفرَّ المفسدون إلى الجبال، وشرد الأشرون إلى الأطراف والأودية، ونَفَيَا قطَّاع الطرق، ورَدَعَا السرَّاق ردعا شديدا، وحَمَلاَ الناس على العدل والسبيل» (5).
وبالأمر بالمعروف والنهي تستقيم الأوضاع، فهذا الحاكم أبو عمر ميمون بن محمَّد الشديد في الأمر والنهي، «سمع بمجلس الخمر في الفحص، على ستة أميال من شروس - وشروس أمُّ قرى نفوسة وجادو
__________
(1) المصدر نفسه، ص555.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص284 - 285.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص246.
(4) المصدر نفسه، ص221.
(5) المصدر نفسه، ص262 - 263. (1/49)
صفحة 46
مدينتهم - فكسر آنيتهم وأراق شرابهم» (1). لَمَّا تولَّى أبو الفضل سهل عرف النفوسيُّون العزَّة والقوَّة أمام زناتة والمسودة والعرب، بل كان سعيه في الإصلاح يمتدُّ حتَّى خارج نفوسة، فإنَّه لَمَّا سمع بفساد بمدينة غدامس ذهب لإصلاحه، فنصره الله عليهم (2).
وبالقضاء العدل يسود الأمن، ويرتفع الظلم، وتصلح أحوال الناس، «ومنهم أبو عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس التندنميرتي وابنه أبو زكرياء، وكلاهما حَكَمٌ عدلٌ، وفيصلٌ في القضاء فحلٌ. أمَّا أبو عبد الله فَلَمَّ الشعث، وكَشَفَ اللبث، ورَتَقَ الفتوق، ورَقَّعَ الخروق [ ... ] وأمَّا أبو زكريا فاستصلح الفاسد، وردَّ الشارد، وقمع المعاند، وجبر الكسير، وأعان الفقير، وسد الثغور، وأبرم الأمور. وفي السير: تولَّى أمور نفوسة ستِّين وقيل سبعين سنة، ولا ينام كلَّ ليلة حتَّى يميِّز نفوسة كلَّها: من يستحقُّ الأدب أو المواساة، ومن له الحقُّ أو عليه، خوفَ التقصير وخشية العيا في الجواب يوم الحساب، إذ كلُّ راع مسؤول عن رعيته. ولم تَرَ معه نفوسةُ نكبة» (3).
سابعا) ظواهر اجتماعية:
1) خروج جماعي إلى الحصاد:
من الظواهر الاجتماعية المذكورة في الكتاب عن النفوسيِّين، وبالتحديد عن أهل تبرست، خلوُّ البلد بسبب خروجهم جميعا إلى مزارعهم، فقد نقل البدرُ الشمَّاخيُّ ما رواه البغطوريُّ من ورع أبي مهاصر مرداس «أنَّه طلع على منزله وهو تبرست، فرأى بنيانا كثيرا قد حدث في البلد فقال: متى حدث هذا البناء؟! وذلك من قلَّة التفاته إذا مشى، وإنَّما نظر ذلك اليوم لأن الناس خرجوا إلى الخصوص (4) وليس في المنزل أحد» (5)، وقد يكون ذلك في مواسم الحرث أو الجذاذ، ونتصوَّر أنهم كانوا يخرجون جميعا، رجالا ونساء وأطفالا، وقد لا يبقى غير العجزة ومن حبسه العذر؛ وهذا يشير إلى التعاون على مصاعب الحياة، وتربية الناشئة على الكدِّ والجدِّ والعمل. كما يوحي بالوضع الآمن المستقرِّ في عهد الإمام عبد الوهَّاب، حتَّى إنَّ البلدة تخلو من أهلها. وفي مواضع أخرى من السير يذكر بأنَّ خروج الناس يكون في فصل الربيع، وسواء في جبل نفوسة أم وادي أريغ (6).
وفي بعض الروايات أنَّ عدد النازحين يعدُّ بالآلاف: «وكان أبو القاسم [يزيد بن مخلد] يخرج أيَّام الربيع إلى أحياء مزاتة، وكانت عدَّتهم وعددهم في قوَّة وكثرة، قيل: اثني عشر ألف فارس، والرَّجْلُ لا يعدُّ كثرة» (7). ومن هؤلاء المرتحلين إلى بادية بني مصعب (بني مزاب) أيَّام الربيع أبو العبَّاس أحمد الويليلي (8) وأبو عمَّار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي (9) وأبو عبد الله محمَّد بن بكر.
وذكر مثل ذلك عن موسم الحصاد، حتَّى إنَّ أبا القاسم البغطوري رأى أن لا يؤذِّن للصلاة «خشية أن يهلك الناس» فأبى عليه أبو محمَّد عبد الله بن الخير (10).
2) جلب إماء من السودان وإسلامهنَّ:
ومن الظواهر الاجتماعيَّة جلب الإماء من السودان، ودخولهنَّ الإسلام، وقد أورد المؤلِّف قصَّة الأمَة «غزالة» التي كانت قبل إسلامها مهتمَّة بسماع القراءة، وكان «مشتريها إذا جعلها قبل أن تسلم في سلسلة مع العبيد خشية الإباق (11)، فإذا سمعت القراءة قعدت على نفسها وبركت على ركبتيها واستمعت، وأسلمت، فاشتراها رجل من أهل ويغو فكان دأبها أن تخدم مولاها بالنهار فإذا نام ونام عياله انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمَّد عبد الله بن الخير في تنورزيرف» (12)، وبين الموضعين مسافة طويلة.
وقد تكون الإماء من السود، وقد يكنَّ من البيض، كما تُصرِّح بعض الروايات (13). وقد يمتلك البعض إماء كثيرات، فهذه أمُّ الخطَّاب «وكانت صالحة، فدخلت الدار وجدت الجواري ينسجن فقالت: إنَّكنَّ معتقات، فقمن من الفرح فلم تزد واحدة منهنَّ خيطا، وهنَّ ثلاثة عشر جارية» (14). ونقل عن الرقيق القيرواني من فظائع إبراهيم بن أحمد الأغلبي أن «قتل غلمانه الصقالبة ثمَّ اشترى العبيد السودان مكانهم، فبلغت عدتهم
__________
(1) المصدر نفسه، ص273.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص275.
(3) المصدر نفسه، ص318.
(4) «الخُصُّ: بَيْتٌ من شجر أَو قَصَبٍ، وقيل: الخُصُّ البيت الذي يُسَقَّفُ عليه بخشبة على هيئة الأَزَجِ، والجمع أَخْصَاصٌ وخِصَاص، وقيل في جمعه: خُصُوص، سمّي بذلك لأَنه يُرَى ما فيه من خَصاصةٍ أَي فُرْجةٍ». ابن منظور: لسان العرب، 7/ 26، مادة: «خصص».
(5) سير الشمَّاخي، ص174. وينظر: سير البغطوري، فقرة رقم: 190 (مرقون).
(6) ينظر: سير الشمَّاخي، ص177، 198، 260، 273، 299، 421، 451، 492، 514.
(7) المصدر نفسه، ص348 - 349.
(8) ينظر: المصدر نفسه، ص426.
(9) ينظر: المصدر نفسه، ص442.
(10) ينظر: المصدر نفسه، ص238.
(11) هذا التصرُّف يبدو غريبا عن تعاليم الإسلام، وإكرامه للإنسان، أحرارًا وعبيدًا. كيف يقيَّد بالسلاسل من لا يستحقُّ ذلك لمجرَّد احتمال الإباق؟.
(12) المصدر نفسه، ص218.
(13) ينظر: المصدر نفسه، ص242.
(14) المصدر نفسه، ص247. (1/50)
صفحة 47
مائة ألف» (1).
ومن الإماء من أنجبن أعلاما، فأبو محمَّد عبد الله بن الأمير اللمائي «كانت أمُّه من أَمَة سوداء، وكان ذلك غالبا على لونه» (2).
3) كثرة حجَّاج نفوسة:
ومنها ظاهرة كثرة الحجَّاج من جبل نفوسة، فقد نقل عن الوسياني أنَّ «أهل جبل نفوسة أكثر الناس حجًّا، وأزكاهم نهجا، وأنَّهم يحجُّون بالنساء والذرِّيَّة، وذكر أنَّه ولد في ركب واحد ثلاثمائة صبيٍّ ذكورا؛ ولهذا قالوا: من حجَّ من غير متولِّيه فهو هالك» (3). وبصرف النظر عن دقَّة الأرقام، إلاَّ أنَّه يعطينا تصوُّرًا عن شغفهم بالحجِّ، رغم بُعد الشقَّة بين نفوسة والحرمين.
4) كثرة التزاور بين أهل الدعوة عموما، وأهل نفوسة خصوصا:
ومنها أنَّ «من عادة أهل الجبل الاجتماع والتزاور في الله، خصوصا أهل ولون، وكان اجتماعهم على ما يصلح الإسلام وأموره، يُخرجون الحقَّ ممَّن كان عليه، حتَّى إذا نزع أحد بقلة الشاش من أصلها أدَّبوه. وفي يوم جمعة يتزاورون يختلفون في الطرق بين سائر وراجع مثل النمل، وتبيضُّ الجبال من كثرتهم» (4).
قال أبو صالح تبركِتْ الياجراني «مرَّة لأصحابه: سيروا بنا إلى زيارة الأخيار، فساروا إلى أريغ. فقال: سيروا بنا إلى زيارة الأخيار، فلمَّا بلغ جربة ولقي أبا زكريا [فصيل بن أبي مسور] وأبا صالح [اليهراسني] ونحوهما قال: هل رأيتم الأخيار؟!. وسمعته أمُّه وهي تمشي خلفه وهو يقول: ما أحسن رجالا رأيت! وأي رجال رأيت! قالت له: من هم؟ قال: أهل جربة. وكان يقول لنوح: زر الأخيار، الذي لا يزور الأخيار كالجرو الذي لا يفتح عينيه» (5).
وفي ذلك عبرة لأجيال هذا العصر، بحيث يكون البعض معًا في اجتماع واحد، ولكنَّ كلاًّ منهم بعيد عن صاحبه، يعيش في عالمه الخاصِّ، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، والتي هي في الحقيقة وسائل التفاصل الاجتماعي، والتفكُّك الأُسَري.
__________
(1) المصدر نفسه، ص272.
(2) المصدر نفسه، ص404.
(3) المصدر نفسه، ص228.
(4) المصدر نفسه، ص301.
(5) المصدر نفسه، ص464. (1/51)
صفحة 48
5) هجرات جماعية لأسباب مختلفة:
ذُكرت في كتاب السير عدَّة هجرات جماعيَّة، ولأسباب متعدِّدة، إمَّا قحط، أو ظلم وقهر.
أمَّا بسبب القحط، فمن نماذجه: أبو محمَّد القنطراري لَمَّا «وقعت شدَّة وقحط فخرج أهل منزله إلى إفريقيَّة، فخرج ببناته معهم، فسار ما شاء الله، فنظر إلى ضعفه وضعف بناته وبُعد السفر، فرجع وقال: أتَّكل على الله وأرُدُّ الحاجة إليه، وهو المطعِم في موضعي وغيره -وهو كلام بالبربرية- فما بقي إلاَّ يسيرا حتَّى أغاثه الله بالمطر»، وجاء الخصب ونما الزرع، وحصد من أرضه خيرا كثيرا، وحصد أيضا «لأهل بلده مزارعهم، وخَزَنَهُ لهم فسمعوا بالخصب ورجعوا، فأعطى لكلِّ واحد منهم متاعه، فكان منه بذرهم وطعامهم» (1).
ووقع بطرابلس قحط عظيم وتفرَّق أهلها في سنة ثلاثين وأربعمائة (430هـ) وتسمى فرورا (2).
وأمَّا نزوح السكَّان بسبب الطغيان من بعض الحكَّام، ولجوءًا إلى بعض الكرام، فمن ذلك الشيخ طاهر بن يوسف، كان يسكن في سواحل المهديَّة، وهو من هروغة، وكان في أيَّام المعز بن باديس، ففرض عليهم ضرائب باهظة على محاصيل الزيتون، فأراد الانتقال منها لكثرة الريبة بإفريقيَّة، فقصد جبل نفوسة، فحمل ما معه من الحليِّ والنضِّ، فجاز على بحر جربة، ثمَّ إلى يفرن، وكانوا إذ ذاك غير وهبية، إمَّا خلفيَّة أو حسنية أو مستاوة من فرق الإباضيَّة، فجمعوا له ثلاثمائة مدي شعيرا، فاستراب أموالهم، فنزل من تاغما وطلع إلى تارديت وخلَّصه الله من ريباتهم. «ونزل على الشيخ أبي موسى عيسى بن محرز، فمرَّ به إلى سوق جادو، فبات ليلة الجمعة فلمَّا أصبح وفرغ من المجلس تكلَّم الشيخ عيسى فقال: هذا شيخ من أشياخ أهل الدعوة، خرج من بلده بما عَلِمْتُم وبَلَغَكُم، فاجعلوا له صِلَةً، فأعطى كلُّ واحد ما سهل عليه، فجمعوا ستَّة وخمسين دينارا، فرفعها التارديتيُّ، ونزل به إلى إجناون فجمعوا أربعين قفيزا زيتا، ومرَّ به إلى شروس، وذلك في أيَّام أبي عمرو ميمون بن محمَّد، فجمعوا له أربعين دينارا، فسكن في أشفي، وهو منزل الطرف» (3).
ومن ذلك أيضا فرار بعض الأتقياء بدينهم خوف الفتنة، فـ «لَمَّا تغيرت لواتة الساكنون بطرة ورجعوا حشويَّة خرجت امرأتان أختان مهاجرتان بدينهما إلى تجديت» (4).
وصدق الشافعيُّ في قوله:
سافر تجد عوضًا عمَّن تفارقهُ *** وَانْصبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
__________
(1) المصدر نفسه، ص256.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص400.
(3) المصدر نفسه، ص342 - 343.
(4) المصدر نفسه، ص522. (1/53)
صفحة 49
والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَىً في أَمَاكِنِهِ *** والعودُ في أرضه نوعً من الحطب
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ *** وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ (1).
6) هجرة الأدمغة:
ذكر الشمَّاخي نقلا عن الوسياني قصَّة أبي موسى هارون بن أبي عمران موسى بن سدرين، الذي رغَّبه أبو عبد الله محمَّد بن بكر في البقاء بين ظهراني أهل الدعوة ليستفيد الناس من علمه، لاسيما في وادي أريغ ووارجلان، إلاَّ أن أبا موسى فضَّل السفر إلى غانة، وهي بلاد التجارة والرفاه المادِّي، بعد أن لم يجد من أهل وارجلان استجابة لعقد حلقة للتعليم، واعتذر لأبي عبد الله بقول عروة بن الورد:
فَسِرْ في بلاد الله والتمس الغنا *** تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه *** شكا الفقر ولام الصديق فأكثرا
وصار على الأدنين كَلاًّ وأوشكت *** صِلاتُ ذوي القربى له أن تنكرا
وهكذا فضَّل الجانب المادِّيَّ، فسار إلى بعض بلدان السودان الغربيِّ، إلاَّ أنَّه وجد الناس عراة، فلازم بيته حتَّى مات، ولم يستفد المجتمع من علمه، إلاَّ بكتاب واحد تركه في الألواح عجَّل به قبل السفر، وفيه ما يحتاج إلى مراجعة (2). وفي هذه القصَّة تجسيد لقرار صعب بين خيارين: بين أن يبقى العالم تحت رحمة أهل البلد، وربَّما أحسَّ بالفقر أو بالذلَّة والاتِّكال على الغير، وبين أن يعتمد على نفسه ويغترب ويعيش في عزَّة، فاختار الثاني؛ إلاَّ أن مجتمعه خسر طاقةً هامَّة، ولم يستفد من علمه. وكم في عصرنا هذا من مثل هذه الصور!!.
ومن صور هذا النوع من الهجرة ما فعله الشيخ نوح بن حازم بن حجَّاج المرساوني (ت: 806هـ) فقد حاول أحد المحسنين إليه أن يضغط عليه ليفتي له بغير القول المشهور، ويحكم له على غريمه، فرفض، فعزم الشيخ على الرحيل من فساطو خفية، ففطن البعض بعزمه وحاولوا منعه، فقال لهم: «من أراد سكنى بلدكم لا يغفل ولا يسهى! يعنى أنهم يكثرون المعروف فيسرقون دينه إذا غفل أو سها» (3). ومثل هذه الصور في المجتمع كثيرة في شتَّى الأزمنة والأمكنة، يظنُّ بعض الأغنياء أنهم يستطيعون شراء فتاوى على الهوى من العلماء، وهيهات أن يبلغوا مرادهم مع المخلصين الربَّانيِّين!.
7) أهل وارجلان في القرنين الرابع والخامس:
في القرن الرابع رجع أبو نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان بعد موت أبي صالح جنون بن يمريان فوجدها تغيَّرت، «فجمع وجوهَ أصحابها فقال: ظهر فيكم نكاح السِّرِّ، فلا يُنكر الزنا على أحد إلاَّ قال تزوَّجت سرًّا، وتطلقون عبيدكم في أموال الناس فيأخذون الجريد والليف والكرانيف فتكادون أن تسرقوا، وأظهرتم الفُرقة فقائل: مسجدنا ومسجدكم، ويهوديُّنا ويهوديُّكم، فلم يجيبوه بشيء» (4).
وفي القرن الخامس في زمن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر قال عن وارجلان حين زارها: «ذهب بصري فلم أر أحدا، وأمَّا وارجلان فقد خلت فما بها أحد، وقد قال له أهل وارجلان: أقم عندنا نأنس بك، قال لهم: قولوا أقم يمت قلبك، وذلك لِمَا اطَّلع عليه من رداءة أحوالهم» (5).
ورغم ما في وارجلان من عمارة المساجد والقراءة، إلاَّ أنَّ المعاملات قد تُظهر حقيقة بواطن بعض الناس، فقد زار أبو يعقوب يوسف بن زرار النفوسي «وارجلان فتعجَّب من ظهور صلاحهم وتعميرهم مساجدهم، وشدَّة تحفُّظهم على العبادات، وكثرة القراءة فقال: كيف نجت من الشيطان، فأقام بها وخالط أهلها وعلم أمورهم وقال: هنا استوطن الشيطان، وأطلق في الأرض عمَّاله!» (6). وهذه النظرة التي تبدو متشائمة، ولكن ينبغي أن نضعها في سياقها التاريخيِّ والمكانيِّ، ونأخذ في الحسبان أنَّ وارجلان بوَّابة الصحراء والتجارة إلى بلاد السودان؛ وبالتالي فإنَّ المعاملات فيها تكون أكثر حركيَّة، وأكثر تعقيدا من جبل نفوسة؛ وبالتالي فقد تبدو للنفوسيِّ الذي جاء من بيئة منعزلة بسيطة هادئة أنَّ أهل وارجلان تغيَّروا. والحقيقة أنَّ هذه ضريبة الحضارة، وهو الشعور ذاته الذي ينتاب من ينتقل في عصرنا من بيئة ريفيَّة إلى إحدى العواصم التجاريَّة أو السياسيَّة.
8) التسرُّع إلى الخطَّة والهجران:
الخطَّة أو الهجران نوع من البراءة الاجتماعيَّة، وهما وإن كانتا رادعتين لمن تلبَّس بمعصية محقَّقة، لاسيما إذا جاهر بها وآذى الناس، غير أنَّ الملاحظ هو تسرُّع بعض المشايخ في القرنين الخامس والسادس إلى إعلانها، مع نقص التحرِّي والتثبُّت أحيانا، فقد طبَّقوها في حقِّ أبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، وهو العالم الكبير، والمحقِّق في المسائل، كما قال الشمَّاخي نقلا عن الدرجيني: «كان غاية في علم الفروع والأصول، له تعليقات عجيبة، وأجوبة مقنعة مصيبة» (7)، بدعوى أنَّه يقرأ كتب أهل الخلاف، «ونسبوه إلى تعجيز العزَّابة وذمِّ
__________
(1) ينظر: ديوان الإمام الشافعي.
(2) ينظر: سير الشمَّاخي، ص472 - 473. سير الوسياني، فقرات رقم: ث14/ 2 - ث14/ 5.
(3) سير الشمَّاخي، ص567. والعجيب في القصة أن يقوم بعض أولئك الكبراء من القوم باقتسام ما خلَّفه الشيخ، وهو يريده لطلبة العلم. فمن تورَّع بارك الله في ماله، ومن اقتحم «دمره الله إمَّا استئصالا وإمَّا فقرا». المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه، ص361.
(5) المصدر نفسه، ص427. وينظر: الدرجيني طبقات، 2/ 448 - 449.
(6) سير الشمَّاخي، ص487.
(7) المصدر نفسه، ص445. وينظر: الدرجيني: طبقات، 2/ 495. (1/54)
صفحة 50
تآليفهم والبحث عن معايبهم» (1). ويدلُّ على تسرُّعهم ورود «حكاية تدلُّ على براءته ممَّا قُذف به» (2)؛ لذلك قال الدرجيني: «إلاَّ أنَّه كان مع محافظته وكثرة حفظه يعجب من ضعف بخته مع الإخوان، وقلَّة حظِّه، فإنَّهم لم يقيلوه في العثرة إنصافا، ولم يهبوه من أنفسهم إسعافا، بل قد أذاقوه من العقوق أصنافا، وجرَّعوه منه مُرًّا زعافا» (3).
ورُئِيَ عبد الله بن عيسى يوسف يقرأ في جزء من كتاب الإشراف على مسائل الخلاف، فاجتمع أشياخ تونين، وبعثوا إليه بالهجران، فسارع إلى التوبة (4).
ومنها أن الشيوخ عام الزيارة (508هـ) «مرُّوا على الشيخ يعلو، وهو شيخ كبير، فعاتبوه عن أشياء ذكرت عنه، فجعل يتوب ويقول: لا أعود، ولم أفعل ما بلغكم، وإنَّما بي ضعف ومرض، ولا شيء ممَّا تكرهون، فقبلوا منه. [ ... ] وفيها نقموا على تبغورين بن عيسى فبلغهم بتينوال، فتاب فقبلوا منه. وأوقفوا إسماعيل بن أبي العبَّاس فتاب وقبلوا، ولم يبق شيخ بأريغ إلاَّ عاتبوه، وأخرجوا شيوخ تينوال إلى الخطَّة» (5).
وقد تدوم هذه الخطَّة لسنوات، فهذا سليمان بن عبد الله بن بكر أخرجه الأشياخ إلى الخطَّة، بسبب فتوى أصدرها (6)، وأبقوه على ذلك مدَّة اثني عشر عاما، رغم إلحاحه في التوبة لبعض مشايخ عصره (7).
ومن الشيوخ الذين طالهم هذا الهجران: أبو طاهر إسماعيل بن أبي زكريا، فقد سمع الشيوخُ «أنَّه أكل طعام النُّكَّار، فأرسلوا إليه بالهجران، فلمَّا أتاه الخبر، وكان شيخا كبيرا، قال لابنه أيُّوب: اِرحل لي على الناقة، ومسكنه بوارجلان، ولكنَّه خرج إلى الربيع (8)، فركب وقاد به ابنه أيُّوب حتَّى أناخ على مسجد تاماست، ولم يكلِّم ابنَه إلاَّ أن قال: الطريق يمنة أو يسرة خشية كسر هجرانهم، ووقف على باب المسجد يتوب ويتضرَّع ويسألهم القبول عنه، ولا يزيد على التوبة، وهم يعاتبونه ويلومونه، ويقول: تبت ولا أعود، آجركم الله، فقبلوا عنه ورضوا عنه، ثمَّ قال لهم بعد أن قبلوا: يا مشيختي لم أفعل شيئا ممَّا بلغكم!!» (9)، وعقَّب الشمَّاخي بقوله: «وكفاك فضلا وتقى في شيخ لم يجدوا له عيبا يعاب به إلاَّ أن نسبوا إليه أنَّه أكل طعام مخالف! وهو أعظم
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص445.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص446.
(3) الدرجيني: طبقات، 2/ 494 - 495. وينظر: سير الشمَّاخي، ص445.
(4) ينظر: سير الشمَّاخي، ص437.
(5) المصدر نفسه، ص485.
(6) قال الشمَّاخي: إنها متعلِّقة بالثنيا. ولم يوضِّح صيغتها.
(7) ينظر: المصدر نفسه، ص490 - 490.
(8) خروج أهل أريغ وقت الربيع أحيانا إلى بادية بني مصعب، وهي على بعد نحو 300 كلم!.
(9) المصدر نفسه، ص492. (1/55)
صفحة 51
مباح!» (1)، وفي هذا الكلام تعريض بانتقاد هذا الموقف المتسرِّع من أولئك الشيوخ.
ومن الخطَّة التي نالت قبيلة بأكملها ما ذكره الشمَّاخي نقلا عن الوسياني أنَّ المشايخ (ومنهم أبو العبَّاس بن أبي عبد الله، وعبد السلام بن وزجون، ويحيى بن ويجمن، ويونس بن أبي الحسن) أَخرَجوا إلى الخطة مغراوةَ بأسرها بمن فيهم مشايخها (2)، فقدَّموا الشيخ سَمْدَاسَنْ بن يخلف ليتحدَّث باسمهم، «فأمرهم بإيفاء الكيل، وتقديم أولي العلم والفضل، وترك جميع المناكر، ففعلوا وتابوا وقبلوا عنهم» (3).
وهذه الوقائع وإن دلَّت على أن لا أحد يعلو أمام الحقِّ وقبوله والإذعان إليه، ويتساوى في الردع الكبير والصغير، والرفيع والوضيع، إلاَّ أنَّ الخِطَّة بدل أن تكون وسيلة لإصلاح المجتمع فقد تصبح - أحيانا - وسيلة للشكوك والريبة في حقِّ مشايخ كبار. كما تدلُّ على التواضع الجمِّ لأولئك الأبرياء من التهم الموجَّهة إليهم، وحرصهم على المحافظة على قيمة الخطة والهجران، وأهمِّيَّة الإذعان إلى السلطة الروحية التي يمثِّلها المشايخ. فضلا عمَّا في ذلك من المحافظة على قيمة عالية من قيم المجتمع، وهي النصيحة، كما صرَّح بذلك أبو الحسن علي بن خزر الوسياني النفوسي (4).
9) الحرص على حضور مجالس الذكر من بعيد:
هذه الظاهرة ذكرناها آنفا في خصوص المرأة، والواقع أنَّها عامَّة، فقد كان الشيخ معاذ بن أبي علي «يسكن بقصر بني ويليل من بلاد قفلة أريغ، وكان من حزمه وطلبه رضا ربِّه [أن] لا يبيت ليلة الجمعة إلاَّ في آجلو، يحيي مع التلامذة ليلته، ثمَّ يشهد مجلس يوم الجمعة، فإذا صلَّى العصر انصرف إلى أهله» (5). ويبدو أن هذه المجالس عموما - كما هو في أغلب قرى وادي مزاب إلى اليوم - يكون فيها تلاوة القرآن، وتفريقه على الحاضرين، وختمه، وتوزيع الصدقات (المعروف).
10) تحضُّر العزَّابة ومحافظتهم على البيئة:
صورة بسيطة ولكنَّها رائعة للقيم الحضاريَّة التي يتربَّى عليها العزَّابة (أي التلاميذ)، ذكرها الشمَّاخي في سياق حديثه عن وادي أريغ، فقال: «ودخل عامل لصنهاجة ورأى كثرة العزَّابة وكثرة الحِلَق وضيق الموضع،
__________
(1) المصدر نفسه. وعقَّب على مسألة كلاميَّة أخرى بأنها مسألة خلافية، ومع ذلك كانت سببا في وضع أحد الشيوخ في الخطة. ينظر: ص496.
(2) ذكر الوسياني من الذين شملتهم الخطة والهجران: الشيخ إسماعيل بن أبي زكرياء، ومحمَّد بن الخير، وسمداسن بن يخلف. ينظر: سير الوسياني، فقرة رقم: ر2/ 18.
(3) سير الشمَّاخي، ص503 - 504.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص533.
(5) المصدر نفسه، ص421. (1/57)
صفحة 52
فاعتقد أنهم يدنِّسون وجه الأرض بالخلاء والسماد، فدار فيها وحواليها فلم يظفر بشيء ممَّا تكرهه عينه وتعابه نفسه، فقال وقد مدَّ يده بسيفه: ما يخاف الناسُ إلاَّ من هذا أو من الله، فهذا يعني السيف ليس هذا موضعه، وما منعهم من ذلك إلاَّ خوف الله. وكانوا يحفرون ويدفنون حاجاتهم ومن أدبهم التبعُّد والحفر والدفن» (1). وإذا كان بعض الدعاة يركِّزون على قيم النظافة والآداب التي يُنشَّأ عليها الطالب في اليابان - مثلا - فلنا في تاريخنا ما نرفع به رؤوسنا عاليا من القيم التربويَّة النابعة من ديننا الحنيف، وتعدُّ المحافظة على البيئة من أبسطها.
11) معاناة المجتمع من بعض الزعماء:
ذكر الشمَّاخيُّ منها «أن قائدا من قواد السلطان مزاتيًّا، وهو من أهل المذهب من مزاتة القيروان، لكنَّه كان جائرا فاسقا توجَّه إلى جربة، وكاتب أبا زكريا [فصيل بن أبي مسور اليهراسني] أن ينضمَّ بأهله وعشيرته إلى المسجد الكبير لئلاَّ يدركهم من ضرره شيء، أو تصيبهم من العسكر معرَّة، ففعل أبو زكريا، فاستباح العامل جربة نهبا وغصبا، حاشا بني يهراسن فإنهم في جانب الشيخ، لم يصبهم ما أصاب أهل جربة ببركته، فلمَّا قضى ابن ويمي إربه وصل إلى أبي زكريا قال له: على م يقدرون؟ قال: يقدرون على دينارين وهم ضعفاء الحال، فأعطاه الدينارين» (2).
- ومنها أنَّ من عادة أهل دمَّر أنَّه إذا قُتل أحد منهم أن يأخذ زعيم القوم ثلث الدية «وزعم أهل دُمَّر أنهم أخذوا هذه السيرة عن الأئمَّة، فأنكر عليهم ذلك أبو صالح [بكر بن صالح] إنكارا تامًّا وغَيَّرَ ذلك عليهم» (3). ولا يخلو مجتمع من مثل هذه الفتاوى التي يروَّج لها على أنَّها قول بعض المشايخ!.
- ومنها أنَّ «أهل تقيوس يعمرون غابتهم وجناتهم على النصف، ثمَّ يدفعون الظلم من النصف، فالنصف للسلطان وما يأخذ من النصف الآخر، فكان الناس معه في ضيق عظيم، فكان كلُّ واحد يحتال كيف يختلس قبل امتداد يد العامل» (4). وذلك في عهد سليمان بن علي بن يخلف، أي حوالي النصف الثاني من القرن السادس الهجري.
- ومنها المجزرة الرهيبة التي ارتكبها المعزُّ بن باديس في درجين، بعد أن حاصرها، واستشهد فيها ألف وخمسمائة شخص، منهم أشياخ أخيار مثل: أبي يعقوب يوسف بن نفَّاث القنطراري، وعبد الله بن أمِّ أبان النفوسيَّين، ومحمَّد بن سدرين (5).
__________
(1) المصدر نفسه، ص488.
(2) المصدر نفسه، ص371.
(3) المصدر نفسه، ص370.
(4) المصدر نفسه، ص459.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص466 - 467. (1/58)
صفحة 53
- ومنها أنَّ المعزَّ بن باديس استعمل قائدا على قابس، محبًّا لغصب البساتين، فكلُّ ما وليه منها غَصَبَه، إلى أن أدرك بستانا لأحد أشياخ أهل الدعوة، واغتصبه منه بالقوَّة، واستهان بدعاء الشيخ المظلوم، ثمَّ نفذت فيه دعوة الشيخ، فقُتل القائد على يد أعوان المعزِّ ذاته (1). ومن أعان ظالما ابتُلي به.
- ومنها أنَّ حمَّاد بن بلغين نزل على كدية مغراوة بجنود كثيرة، فحاصر المدينة مدَّة شهر، ثمَّ اقتحموها وأضرموا النيران في البرج، وقُتل في هذه الوقعة من قُتل، وفرَّ من فرَّ. وتشير الرواية إلى أنَّ الصبيان وقت الحصار كانوا يخرجون للتعلُّم في محضرتهم - وكانت خارج القصر - ويرجعون، ولا يتعرَّض لهم أحد بسوء (2).
- ومنها قيام واغران ابن سبع بنهب بني ويليل (3)، ويبدو أن ذلك كان حوالي القرن السادس الهجري.
- وقد عانت نفوسة من تجبُّر بعض الولاة في طرابلس أو يفرن حتَّى عهد قريب من أبي العبَّاس أحمد الشمَّاخي، وقد يقفون مع أهل الباطل (4). وفي ظلَّ مثل الظروف القاسية احتاج أهل نفوسة أن يداروا به على أنفسهم وأموالهم (5). ولو بأموال الزكاة (6).
12) انقراض أهل تامزوات:
في السير أنَّ أبا بحر الفزاني كان مذاكرا ناصحا وهو من أهل تامزوات. «صلَّى بهم العيد بنحو أربعمائة، ثمَّ صلى العيد المقبل بنحو المائتين أو المائة، فلمَّا قضى التفت فقال: انتقصتم، فربِّي يعلم ما يحلُّ بكم! ثمَّ أخذوا في النقصان، فصلَّى العيد بخمسين، فالتفت فقال لهم كمقالته الأولى، ثمَّ أخذوا يتناقصون، فما بلغ العيد الرابع إلاَّ وصلُّوا بثلاثة، هو وابناه؛ فقال: بادروا بالرحيل، فأخذوا في الرحيل، ففاجأهم العدو فقتلوا ما قتلوا، ومات ابناه ولم يجدوا ما يقتلون فيه من الكبر» (7). ويبدو أنَّ هذا كان مِن ضعف الدين، وقلَّة الاهتمام بصلاة العيد، ويدلُّ على ذلك قوله: «فقتلوا ما قتلوا»، أي: من غير ابنيه، وقول البغطوري: « ... ففاجأهم العدوُّ، فوجدوهم على الرحيل، فدخل ابنَاهُ في القتال فقُتلا، فدخل العدوُّ البلد» (8)، ممَّا يوحي بوجود أناس آخرين في البلد.
__________
(1) المصدر نفسه، ص475.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص476.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص477.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص569 - 571.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص538، 549.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص567.
(7) المصدر نفسه، ص344 - 345. وينظر: سير البغطوري، فقرة رقم: 621.
(8) سير البغطوري، فقرة رقم: 621. (1/59)
صفحة 54
13) الالتجاء إلى الله عند الشدَّة بالدعاء والصدقات:
من عادة «المشايخ إذا نزل بهم ما أهمَّهم من الظَّلَمة اجتمعوا، فينقُّون بلدانهم من المظالم، وأخرجوا الحقَّ ممَّن كان فيه، وعملوا المعروف، وواسوا الضعفاء، فمتى ما فعلوا ذلك كشف الله عنهم ما يحذرون» (1).
ومن نماذج هذه العادة الطيِّبة «أنَّ الوباء وقع في آجلو فأضرَّ بأهلها مضرَّة عظيمة، فاتَّفق رأيهم لَمَّا أعياهم الأمر أن يرغبوا إلى الله، فصاموا الأربعاء والخميس والجمعة، فلمَّا صلَّى بهم أبو القاسم يونس [بن أبي الحسن] العصر خرجوا إلى محراب المقبرة، وهو مشهور بالبركة وإجابة الدعاء، فتطوَّعوا بالمعروف ونزع الظلم، فحضر المغرب فصلَّى بهم أبو القاسم، ودعا الله أن يرفع عنهم الوباء ورغب في الله، فلم يصبح له أثر ولا وجود بقدرة الله العزيز الحكيم» (2).
14) أسطورة جعراف:
قال الشمَّاخيُّ: «واعلم أنَّ جعراف أكثروا فيه القول أين هو ومتى سيكون في آخر الزمان؛ لأنَّ جعراف يسكنه الصالحون وأهل الدعوة في آخر الزمان، وأنَّ ما به حلال صرف محض، فمنهم من قال: هو آجلو، ومنهم من قال غير ذلك» (3). وترد تسميته في بعض المصادر بصيغة: جغراف (بالغين المعجمة) (4). ولا شكَّ أنَّ الكلام في مثل هذه الأمور الغيبية ممَّا لا يستند إلى نصٍّ قطعيٍّ ولا ظنِّيٍّ لا يُلتفت إليه. وتبدو عليه خصوصيَّة الزمان والمكان الضيقيْن. ولا ندري من أين تسربت هذه الأسطورة إلى أذهان الناس، ومنها إلى مصادر التاريخ الإباضيِّ!.
15) ظواهر اجتماعية مختلفة:
- منها عادةٌ لدى أهل نفوسة، وأهل ويغو - تحديدا فيما يبدو - أنَّ «الجائع في ذلك الزمان يغلق بابه ويترك الباقي» (5).
- ومنها عند أهل نفوسة أيضا أنَّه قد يشترط أهل الزوجة أن لا يُخرج الرجل زوجته من منزل أهلها،
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص322. ولا يزال الأمر كذلك في وادي ميزاب إلى اليوم، ولله الحمد والمنة، إذ يقومون بتقسيم تلاوة القرآن على الناس، ثمَّ يجتمعون للختمة وتوزيع الصدقات.
(2) سير الشمَّاخي، ص419.
(3) سير الشمَّاخي، ص468. وينظر: سير الوسياني، فقرة رقم: ث18/ 2. وقد تعدد وروده في سير الشماخي، ينظر الصفحات/، 468، 474، 494، 502.
(4) ينظر: سير الوسياني، الفقرات: ث17/ 3، ث17/ 5، ث17/ 6، ث18/ 2 ... وغيرها كثير. وكذا سير أبي زكرياء في عدة مواضع.
(5) سير الشمَّاخي، ص239. (1/60)
صفحة 55
أي: من الحيِّ الذي تسكن فيه، وقد ذُكر ذلك في قصَّة أبي محمَّد التغرميني الذي خطب جارية من «عمِّها فاجتمع رأي أهل المنزل أن لا تخرج من منزلهم» (1). وذُكر ذلك في قصَّة مكنا التي «تزوَّجت رجلا من أهل تيري واشترطت عليه سكنى منزلها» (2).
- «وكان من عادة مشيخة نفوسة لا يعجِّلون بالجواب مع كثرة علمائها حتَّى يدور السؤال جميع الجبل من لالت إلى تغرمين ثمَّ يرجع إلى الشيخ الذي سئل عنه أوَّلا فيجيبه» (3).
- «وذكر أنَّ من عادة أهل وارجلان إذا مات أحد من فضلائهم بعثوا إلى سائر القرى يحضرون جنازته» (4). وقد دأب أهل ميزاب إلى اليوم على هذا، بخلاف ما نراه عند أهل عمان من التعجيل بدفن الميت، ولو في جنح الظلام، ولو كان من العلماء البارزين، ولا ينتظرون اجتماع الناس للحضور.
- ومنها تشديد بعض المغاربة في الاقتعاط، وهو ترك التلحِّي، أي: أن يلفَّ المرء عمامته على رأسه ولا يمرِّرها على ذقنه؛ فقد ذكر أنَّ عيسى بن يرزوكسن العبَّاسي (5) لقي يوما الشيخ أبا العبَّاس [أحمد] بن أبي عبد الله [محمَّد بن بكر] مقتعطا غير متلحٍّ، فزجره، فقال: يضرُّني في غلصمتي - والغلصمة رأس الحلقوم - قال: ليتها ذبحت! وأخبر أبو العبَّاس بهذا في المجلس، ونظر في العزَّابة فرأى جابر بن حمُّو لم يتلحَّ، فأشار إليه بالسبابة والوسطى أنَّه يستأهل ضرب العنق» (6)، قال الشمَّاخي معقِّبا: «ولهم في الاقتعاط تشديد»، والواقع أنَّه عرف اجتماعيٌّ، يتميَّز به الإباضيَّة في ذلك الزمان عن غيرهم، ويدلُّ على ذلك قول الوسيانيِّ عن الاقتعاط: «ويُكره ذَلِكَ من قِبل زيِّ المخالفين وخصالهم وعلاماتهم التي بانوا بها عن الموافقين» (7). وإن وردت في النهي عن الاقتعاط بعض الآثار عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الله أعلم بصحَّتها (8)، إلاَّ أنَّه لا ينبغي إطلاقا أن يرفع من شأنه إلى هذا الحدِّ العنيف!.
- ومن الظواهر التي يمكن أن نجدها في أيِّ مجتمع من خيبة الظنِّ من غنيٍّ يُعجبك منطقه، فإذا جئته في
__________
(1) المصدر نفسه، ص250.
(2) المصدر نفسه، ص238.
(3) المصدر نفسه، ص535.
(4) المصدر نفسه، ص420. وينظر: ص516.
(5) ذكر الشمَّاخي أنهم «يكتبون يرزوكسن بالصاد في موضع الزاي»، «وأنه من هاشم من ذرية العبَّاس بن عبد المطلب». المصدر نفسه، ص468.
(6) المصدر نفسه، ص469. وينظر: سير الوسياني، الفقرات رقم: ث1/ 1 - 9،
(7) سير الوسياني، فقرة رقم: ث1/ 9.
(8) لم أقف على ذلك في ما بين يديَّ من مصادر متون الحديث. وقد ذكر الزمخشريُّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَحَّى وأَمر بالتَّلَحِّي ونَهَى عن الاقْتِعَاط. ينظر: الفائق في غريب الحديث والأثر، 3/ 310. (1/61)
صفحة 56
حاجة خيَّب آمالك، وردَّك صفر اليدين، وهذا ما حدث لأبي عبد الله محمَّد بن بكار الزواغي، فقد «طالبه بعض غرمائه بدينار فلم يجد عنده ما يقضيه، فبادر صديقا له غنيًّا كان يمنِّيه قبلُ، فصرف ذلك إلى المعاذير، فرجع من عنده صفر الكفِّ متحيِّرا لا يدري ما يصنع، فالتقاه أبو عبد الرحمن في تلك الحال [ ... ] وكان عند أبي عبد الرحمن دينار واحد، فبادر إلى موضعه، فدفعه للشيخ، وفتح الله على أبي عبد الرحمن من هناك» (1).
__________
(1) سير الشمَّاخي، ص497. (1/62)
صفحة 57
الخاتمة
بعد هذه الجولة الممتعة، التي طالت أكثر ممَّا كانت متوقَّعة، في استكشاف الجانب الاجتماعيِّ، من الواقع التاريخيِّ، من سير البدر الشمَّاخيِّ، نخلص إلى جملة من النتائج، نذكر منها ما يأتي:
- كان البدر الشمَّاخيُّ مؤرِّخ المجتمع بامتياز، لاسيما في المغرب الإسلامي، في شدَّته ورخائه، وفي سرائه وضرَّائه، بعيدا عن مؤثِّرات السياسة. وامتاز بتركيزه على الجانب التربوي في عرض سير الأعلام.
- أفادنا الشمَّاخيُّ بمعلومات قيِّمة عن تركيبة المجتمع بالمغرب الإسلامي، سواء من حيث القبائل والطوائف، أم من حيث الفرق والمذاهب.
- عرَضَ المؤلِّف التفاعل بين تلك الطوائف، إمَّا تفاهما ومصاهرات، أو تقاتلا ومصارعات.
- قدَّم كِتاب السير نماذج واقعيَّة عن الأسرة، والعلاقة بين مكوِّناتها: الأب، الأمُّ، الأبناء، البنات، الضرائر، منذ أعظم بيت (بيت النبوَّة) إلى عهد المؤلِّف.
- أبرز الشمَّاخيُّ الدور العظيم الذي لعبته المرأة في التاريخ الإباضيِّ عمومًا، وفي المغرب الإسلاميِّ خصوصًا، وكان دورًا مشرِّفا في أغلب صوره، سواء في المجال السياسيِّ، أم التربويِّ، أم العلميِّ (أخذا وعطاءً)، أم الاجتماعيِّ ...
- أعطى لنا الكتاب نماذج قيِّمة من التكافل الاجتماعيِّ، والتعاون على البرِّ والتقوى، في مختلف التجمُّعات الإباضيَّة بالمغرب الإسلاميِّ، في الرخاء والشدَّة.
- أبرزَ الشيخُ دور العلماء الربَّانيِّين في إصلاح المجتمع، واهتمامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم خوفهم في ذلك لومة لائم.
- تضمَّن الكتاب عدَّة ظواهر اجتماعيَّة، كالخروج الجماعيِّ وقت الحصاد، وجلب الإماء، وكثرة الحجَّاج، والتزاور في الله، والهجرات الجماعيَّة لأسباب مختلفة، وأوضاع المجتمع والعزَّابة وعاداتهما، لاسيما في أريغ ووارجلان.
وما لفت انتباهي في هذا الكتابِ الغيابُ شبه التامِّ للوضعيَّة الاجتماعيَّة لبني مصعب (وادي مزاب)، والفترة طويلة بين تأسيس قرى الوادي ووفاة المؤلِّف: ما يزيد على 500 سنة. ونعزو هذا الغياب إلى غياب المصادر والمراجع بين يدي المؤلِّف، من إنتاج أبناء المنطقة، مثلما أنتج الوارجلانيُّون سير أبي زكرياء، والجريديُّون سير الوسياني وطبقات الدرجيني، والنفوسيُّون سير البغطوري، استغلَّها البدر الشمَّاخي أحسن استغلال، ولا نجد لدى المصعبيِّين من اهتمَّ بتأريخهم خلال الفترة المذكورة. (1/63)
صفحة 58
توصيات:
أودُّ الإشارة في الختام إلى أنَّ ما ذكرته في هذه المداخلة لا يعدو أن يكون محاولة قاصرة ممَّا يمكن أن يستخرج من كتاب سير الشمَّاخي وكُتب السير بعامَّة، من أفكار اجتماعيَّة وتربويَّة، تكون نبراسا للأجيال، في الاقتداء بأولئك الرجال، فيما يصلحهم في الحال وفي المآل. لذلك نقدِّم للباحثين جملة من التوصيات، في ما يخصُّ هذا الموضوع بالذات، أو فيما يخصُّ ما هو آت من مثل هذه الملتقيات:
- إنجاز موسوعة للحياة الاجتماعية الإباضيَّة عموما، أو لدى المغاربة خصوصا، وأبعادها التربويَّة، ويكون فيها التركيز على جانب السلوك الطيِّب والقدوة الحسنة. إمَّا بالترتيب المعجميِّ، أو بالترتيب حسب المناطق (عمان، زنجبار، مصر، جبل نفوسة، جربة وإفريقيَّة، تاهرت وأريغ ووارجلان، ومزاب).
- جمع كلِّ ما ضبطه الشمَّاخيُّ أو غيره من المؤرِّخين - لاسيما القدامى منهم - من أسماء الأعلام، أو أسماء الأماكن والبلدان، ويتأكَّد الأمر إذا كان المؤلِّف من أهل المنطقة.
- الإعلان عن محاور مثل هذه الندوة مسبقا؛ حتَّى يختار الباحث موضوعا يميل إليه، ويناسب تخصُّصه؛ حتَّى يكون أكثر إبداعا، وأعمق طرحا (1).
نسأل الله أن يتقبَّل جهود الجميع - سلفا وخلفا - في خدمة العلم والمجتمع.
__________
(1) في عدَّة مراسلات مع اللجنة العلميَّة للندوة طلبتُ أن تفيدني بمحاور الندوة، ولكن لم أُمكَّن من ذلك. والخير في ذلك، فقد ارتأت اللجنة الموقَّرة إسناد الجانب الاجتماعيِّ إليَّ، وإن لم أكن من أهل الاختصاص فيه، وأراني قد استفدتُ من دراسة هذا الجانب أيَّما استفادة، جازاهم الله خيرا. (1/64)
صفحة 59
المصادر والمراجع
• ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمَّد بن مكرم (711هـ): لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر، دار بيروت للطباعة والنشر، لبنان، 1374هـ/1955م.
• أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني: كتاب السيرة وأخبار الأئمَّة، تحقيق: عبد الرحمن أيُّوب، الدار التونسيَّة للنشر، تونس، 1405هـ/1985م.
• باجيَّة صالح (ت: 2011م): لقاء وزيارة ميدانيَّة لمنطقة نفطة ودرجين، الجريد التونسي، أكتوبر 2002م.
• البخاري أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل الجعفي (256هـ): الجامع الصحيح، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، الطبعة الثالثة، نشر مشترك: موفم للنشر، دار الهدى، الجزائر، 1412هـ/1992م.
• البغطوري مقرين بن محمَّد النفوسي (ق 6هـ / 12م): روايات الأشياخ، أشياخ جبل نفوسة (الشهير بسير البغطوري)، تحقيق: د. عمر بن لقمان حمُّو سليمان بوعصبانة، مرقون.
• البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (458هـ): سنن البيهقي الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مَكَّة المكرَّمة، 1414هـ/1994م.
• جمعِيَّة التُّرَاث (لجنة البحث العلمي - القرارة - غرداية): معجم أعلام الإِبَاضِيَّة من القرن الأَوَّل الهجري إِلىَ العصر الحاضر (قسم المغرب الإِسلاَمِي)، الطبعة الثانية، دار الغرب الإِسلاَمي، 1421هـ/2000م.
• الدرجيني أبو العَبَّاس أحمد بن سعيد (670هـ): طبقات المشايخ بالمغرب، حقَّقه وقام بطبعه: إبراهيم طلاَّي، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، د. ت.
• الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي البصري (170هـ): الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف، الطبعة الأولى، دار الحكمة، بيروت، لبنان، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1415هـ.
• الزمخشري جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي (538هـ): الفائق في غريب الحديث والأثر، تحقيق: علي محمَّد البجاوي ومحمَّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، لبنان، الطبعة الثانية.
• الشافعي أبو عبد الله محمَّد بن إدريس (204هـ): الديوان (نسخة المكتبة الشاملة).
• الشمَّاخي بدر الدين أبو العباس أحمد بن سعيد (928هـ): السير، المطبعة البارونيَّة، القاهرة، مصر، طبعة حجريَّة، 1301هـ.
• مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري (261هـ): صحيح مسلم، تحقيق: محمَّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت.
• معمَّر علي يحيى (1400هـ/1980م): الإباضيَّة في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: الإباضية في ليبيا، (نسخة المكتبة الشاملة الإباضيَّة، إصدار: 4.1). (1/65)
صفحة 60
• الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسَّان (ق6هـ/12م): السير، دراسة وتحقيق: د. عمر بن لقمان حمُّو سليمان بوعصبانة، الطبعة الأولى، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1430هـ/2009م. (1/66)
صفحة 61
المحتويات
المقدمة 2
أوَّلاً) مدخل: حول المؤلِّف والمؤلَّف 3
1) نبذة عن المؤلِّف البدر الشمَّاخي 3
2) الغرض من تأليف الكتاب 4
3) مصادره 4
4) منهجه 5
5) الشمَّاخي مؤرخ المجتمع بامتياز 5
ثانيا) التركيبة الاجتماعيَّة في التجمُّعات الإباضيَّة بالمغرب الإسلامي 6
1) المصاهرة بين الفرس والبربر 7
2) صلة القرابة بين إباضية المغرب الإسلامي 7
3) قبائل وفرق مختلفة 7
أ- في جبل نفوسة 7
ب- في جربة وبلاد الجريد 9
• الإباضيَّة الوهبيَّة والفرق المنتسبة إلى الإباضية 9
• العلاقة بين الإباضية والفرق الأخرى 11
ج- في منطقة وادي أريغ ووراجلان 13
• الإباضيَّة الوهبيَّة 13
• غير الإباضيَّة 14
د- في منطقة بني مصعب (وادي مزاب) 16
4) القبليَّة والسياسة 16
أ- الدور السياسي للقبيلة 16 (1/67)
صفحة 62
ب- أثر القرابة في السياسة والقضاء 17
ج- بين أخوَّة الدم وأخوَّة الدين 17
5) العرب في المغرب الإسلامي 18
6) اليهود في المغرب الإسلامي 18
7) النصارى في المغرب الإسلامي 19
ثالثا) الأسرة في سير الشمَّاخي 19
1) بيت النبوَّة المثالي 19
2) إسلام عمر وتأثُّره بالعاطفة الأخويَّة 20
3) اهتمام عمر برعاية الأُسَر 20
4) المحبَّة بين الزوجين، ومراعاة حقوق بعضهما 21
5) تعدُّد الزوجات والعلاقة بين الضرائر 22
6) عزوف بعض العلماء عن الزواج 23
7) الاهتمام بتربية الأبناء والبنات 23
رابعا) حضور المرأة في سير الشمَّاخي 24
1) بساطة العلاقة بين المرأة والرجل 25
2) المرأة والعلم 25
أ- مكانة المرأة العالمة 25
ب- المرأة معلِّمةً 27
ج- المرأة في مجالس التعلُّم والذكر 28
د- انتشار العلم لدى الرستميَّات والنفوسيَّات 29
3) المرأة والمال 30
4) المرأة وسبل الخير 31
5) المرأة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 31 (1/68)
صفحة 63
6) المرأة وشدَّة الورع 32
7) أخبار متفرِّقة عن دور المرأة في الحياة الاجتماعيَّة 32
خامسا) التكافل الاجتماعي 34
1) مساعدة الفقراء والمساكين وابن السبيل 34
2) الجود بالموجود وقت الشدَّة 36
3) صور من السخاء 37
4) صور من مراعاة الظروف الاجتماعية وحقوق العباد 38
5) بذل المال لنصرة الدين 39
6) بذل المال والنفس في سبل العلم، في الرخاء والشدَّة 40
7) تفاوت الوضع الاجتماعي والغاية واحدة 43
8) الإدلال بين المتحابِّين 44
سادسا) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء 44
1) الحسبة التطوُّعية 45
2) القاضي الصغير 47
3) القاضي الحاكم النزيه 48
4) صلاح الرعيَّة بصلاح الراعي 48
سابعا) ظواهر اجتماعية 50
1) خروج جماعي إلى الحصاد 50
2) جلب إماء من السودان وإسلامهنَّ 51
3) كثرة حجَّاج نفوسة 51
4) كثرة التزاور بين أهل الدعوة عموما، وأهل نفوسة خصوصا 52
5) هجرات جماعية لأسباب مختلفة 52
6) هجرة الأدمغة 53 (1/69)
صفحة 64
7) أهل وارجلان في القرنين الرابع والخامس 54
8) التسرُّع إلى الخطَّة والهجران 55
9) الحرص على حضور مجالس الذكر من بعيد 57
10) تحضُّر العزَّابة ومحافظتهم على البيئة 57
11) معاناة المجتمع من بعض الزعماء 58
12) انقراض أهل تامزوات 59
13) الالتجاء إلى الله عند الشدَّة بالدعاء والصدقات 59
14) أسطورة جعراف 60
15) ظواهر اجتماعية مختلفة 60
الخاتمة 62
توصيات 63
المصادر والمراجع 64
المحتويات 66 (1/70)