صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التاريخ والتراجم - إسلاميات
------------------------------------------
العنوان: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات
المؤلف: أبو القاسم بن إبراهيم البرادي
صححه وقدم له وعلق عليه: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: دار الحكمة
مكان النشر: لندن
تاريخ النشر: 2014م
الطبعة: 1
ردمك: 978-1-908918-68-0
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=358&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/119
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 16 صفر 1447ه/ 11 - شهر 08 - 2025م. الجواهر المنتقاة
تأليف:
العلامة أبي القاسم بن إبراهيم البرادي الله رحمه
صححه وقدّم له وعلّق عليه أحمد بن سعود السيابي
دار الحكمة
لندن (1/1)
صفحة 2
الجواهر المنتقاة
تأليف: العلامة أبي القاسم بن إبراهيم البرادي
صححه وقدم له وعلّق عليه أحمد بن سعود السيابي
الطبعة: الأولى 2014
الناشر: دار الحكمة - لندن
الاخراج الفني شركة MBG (INT) Ltd - لندن
ISBN: 978 190891868 0
حقوق الطبع محفوظة
•
•
DAR ALHIKMA
Publishing and Distribution
88 Chalton Street, London NW 1 1 HJ Tel: 44 (0) 20 7383 4037 Fax: 44 (0) 20 7383 0116
E-Mail: hikma_uk@yahoo.co.uk Website: www.hikma.co.uk (1/2)
صفحة 3
تقديم
الحديث عن أبي القاسم البرّادي هو حديث عن عائلة كريمة، كان أبو
القاسم مؤسسها علمياً، وعمادها أسرياً.
البرادي: مولداً ونسباً
فهو الإمام العالم العلامة أبو الفضل، أبو القاسم بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن أبي عمران البرادي الدمري ينتمي إلى قبيلة دمر المنحدرة من قبيلة زناتة التي هي إحدى فروع نفزاوة، القبيلة الأمازيغية والظاهر أن أبا القاسم اسم له وليس كنية، وإنما كنيته أبو الفضل، ولعل أبا القاسم أصله بابا القاسم، وبابا يعني سيدنا ثم اختصر إلى با القاسم، ثم إلى أبي القاسم على طريقة الأمازيغ الذين يكنون عظماءهم بأسمائهم كما يقول العلامة المحقق أبو اسحاق إبراهيم اطفيش في ترجمته لأبي داود سليمان الثلاثي لشرحه على مقدمة التوحيد.
ولد أبو القاسم البرادي سنة 720 هـ في منطقة جبل دمر بالجنوب التونسي، وسمي جبل دمر نسبة إلى ساكنيه من قبيلة دمر ويطلق على المنطقة حالياً بني خداش». (1/3)
صفحة 4
البرادي: تعلماً وتعليماً
كان جبل دمر معموراً بالعلم والعلماء في ذلك العهد الذي ولد فيه البرادي، وهنالك درس أبو القاسم علومه في فنون العربية وعلوم الشريعة. وكانت جزيرة جربة التونسية مملوأة هي الأخرى بكبار العلماء ومزدهرة بانتشار العلم، لذلك راق له الانتقال اليها لكي يتلقى العلم على أساطين العلماء فيها وفي مقدمتهم الشيخ العلامة الكبير يعيش الزواغي المتربع للتدريس بمنطقة وادي الزبيب وكذلك الشيخ ابو البر صالح بن نجم المغراوي
في صدغيان.
وبما أن جبل نفوسة (1) له في الوسط العلمي الاباضي منازل، فقد شدّ أبو القاسم الرحال إليه ليلتحق بمدرسة الإمام العلامة العلم أبي ساكن عامر بن علي الشماخي صاحب كتاب الإيضاح الكتاب المسدد، والمصنف المعتمد، كما التحق بمدرسة الشيخ أبي موسى الطرميسي الذي هو شيخ
الشماخي. إن الدراسة في جبل نفوسة والجلوس إلى مشايخ العلم فيه، يعتبر إجازة علمية عالية لمن يحظى بذلك ويوفق إليه.
وهكذا اغترف أبو القاسم العلم من مناهل العلم، ويعزو الشيخ الولي الصالح سالم بن يعقوب الجربي جرأة البرادي العلمية وقوة شخصيته واستقلاله الفكري إلى دراسته في جبل نفوسة الذي يعتبر العاصمة الإيمانية للوجود الإباضي في بلاد المغرب الإسلامي. وبعد أن انتهت مرحلة الأخذ العلمي والتلقي المعرفي بالنسبة إلى حياة البرادي، فقد حان أوان الاعطاء العلمي والنشر المعرفي منه، وهناك رجع إلى
1) يقع في غرب ليبيا، ونسأل الله أن ترجع إليه مكانته العلمية والدينية بعد أن انتهى الطاغية القذافي، وزال عهده إلى غير رجعة.
? 4? (1/4)
صفحة 5
وكونه
موطنه جبل دمر كرد للجميل إلى أبناء بلده الذي أنجبه انساناً، عالماً أولاً، وذلك لكي يحارب الجهل، ويكافح الجاهلين، ولكي يدافع عن مذهبه، ويدفع عنه خصومه. ولكن الظاهر أن جربة، تلك الجزيرة الوادعة الجميلة تركت في نفس البرادي أثراً لم: يمحه الزمان ولا المكان فشدّه الحنين اليها، ليحمله إلى العودة اليها وبالتحديد إلى منطقة وادي الزبيب ذلك الوادي الذي يشكل لوحة طبيعية خضراء وواحة ظليلة من أشجار الزيتون المباركة (1)، حيث كان تلقى تعليمه في مرحلة ما، من حياته التعليمية.
البرادي: عالماً ومرجعاً
أخذ البرادي يتدرج في سلم القيادة الدينية والمرجعية العلمية للمجتمع في جربة حتى آلت إليه القيادة الدينية والمرجعية العلمية فيها، وأصبح رئيس عزابتها ورئيس مجلس علمائها بعد وفاة الشيخ سعيد بن علي يامون، ونظراً لما كان يتمتع به مؤلفنا من همة لم تفتر ونشاط لم ينقطع، فقد زار بعض مواطن المذهب في بلاد المغرب الإسلامي للتعرف على أصحابه، وللبحث عن كنوزه العلمية التي حصل على قدر لا بأس به منها، الأمر الذي جعل له منها وافداً علمياً، وزاداً معرفياً، استزاد بهما علماً ومكناة في التأليف
والتصنيف.
وكان له فرصة اللقاء بأهل عمان في مكة المكرمة، عندما ذهب لأداء مناسك الحج ولعله اقتنى منهم كتب المذهب المشرقية، وربما أنه صارت
1) زرت جربة للمرة الأولى في شهر فبراير سنة 1998 م وكانت زيارة قصيرة ليوم واحد، وزرتها للمرة الثانية لحضور الملتقى العلمي لعمي سعيد الخيري الجربي في الفترة من 25 - 27 ديسمبر،2012 م وقد أعجبني المنظر البهيج لوادي
الزبيب.
_0_ (1/5)
صفحة 6
له اتصالات مستمرة عبر الحجاج المشارقة والمغاربة، لأن موسم الحج فرصة اللقاء بين الجانبين، ومكان التبادل العلمي بينهم، حيث كان الكتاب المغاربي يصل إلى المشرق بواسطة الحجاج المغاربة والكتاب المشرقي يصل إلى المغرب بواسطة الحجاج المشارقة. كما أن الزيارات المتبادلة التي كان يقوم المشارقة والمغاربة لها دور كبير في إيصال الكتب فيما بينهم.
مؤلفاته:
ألف الإمام أبو القاسم البرادي عدداً من المؤلفات هي:
الجواهر المنتقاة الذي هو بين أ أيدينا الآن.
البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق وأسرار كتاب العدل
والانصاف، وكتاب العدل والإنصاف
في أصول الفقه لعلّامة هو
المنقول والمعقول الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني
من. علماء القرن السادس الهجري.
اطروحة المفيد في الحقائق والاعتقاد والتوحيد.
رسالة في تقييد كتب الاباضية.
• شفاء الحائم شرح لبعض كتاب الدعائم وكتاب الدعائم هو كتاب في العقيدة والفقه بنظم شعري للإمام أحمد بن النظر السمائلي
العماني من علماء القرن السادس الهجري.
له فتاوى يقول الشيخ سالم بن يعقوب الجربي انها كثيرة وتدل على
أنه قد بلغ درجة كبيرة في الاجتهاد. (1/6)
صفحة 7
تلاميذه:
حمل العلم عنه كثيرون منهم: ابنه عبد الله بن أبي القاسم البرادي
ابنه محمد بن أبي القاسم البرادي. سعيد بن أحمد السدويكشي
أبو زكريا بن أفلح الصدغياني
كتاب الجواهر
العباس أحمد بن
ألف أبو القاسم البرادي كتابه (الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات وكتاب الطبقات هو كتاب طبقات المشايخ تأليف العلامة أبي سعيد الدرجيني وهو الآخر ينحدر من أسرة علمية عرفت بالعلم والفضل والصلاح والاصلاح وهو كتاب يمتاز بجمال اسلوبه الأدبي الرائع، وهو من أجل كتب المذهب في تاريخ الدولة الرستمية وتراجم علماء المذهب، غير أنه لم يتطرق إلى أحداث الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وهي التي تعرف بأحداث الفتنة أو تاريخ الفتنة، أو الفتنة الكبرى، ورأى البرادي أن ذلك مخل بكتاب الطبقات على اعتبار أن تلك الأحداث هي الأساس الذي افترقت عليه الأمة إلى فرق ومذاهب، لذلك فهو استدراك على كتاب الطبقات بذكر أحداث الفتنة الكبرى، حيث أن تلك الأحداث تشكل الجانب الأكبر والمهم من كتاب الجواهر، وقد ساق المؤلف بعض أحداث السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم بصورة موجزة، وأيضاً ساق تاريخاً موجزاً عن الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، كمدخل إلى ذكر أحداث الفتنة الكبرى بصورة مفصلة.
ولكن يا ترى هل هذا هو السبب في تأليف أبي القاسم البرادي لكتاب
_ V_ (1/7)
صفحة 8
الجواهر المنتقاة هذا؟ أم هناك سبب آخر دفعه إلى تأليفه؟
ما كانت في رأيي أن هناك سبباً آخر دفعه إلى التأليف، ذلك السبب هو. تعيشه تلك الفترة من تعصب مذهبي حاد كما يقول الشيخ علي يحيى معمر في كتابه (الإباضية في تونس في معرض حديثه عن الشيخ أبي القاسم البرادي حيث قال (والذي يبدو من دراسة التاريخ أن الفترة التي كان فيها أبو الفضل كانت من أحرج الفترات التي مرت على جبل دمر والجنوب التونسي كله فقد كانت العصبية المذهبية بلغت حداً كبيراً على أن كتاب الجواهر المنتقاة على أهميته للباحثين باعتباره أفضل كتاب يناقش أحداث الفتنة الكبرى على عهد الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب بشكل
سنة
واسع، لم يطبع سوى طبعة واحدة حجرية من مكتبة الباروني بمصر. 1302 هـ وهي طبعة مملوأة بالأخطاء الإملائية والمطبعية، وقد اجتهدت في تصحيح هذه الطبعة في ضبط الكلمات والأسماء والمعلومات مستعيناً بالمصادر الأخرى ذات الصلة بالموضوع.
وإنها لمبادرة ايجابية وطيبة من أخينا الأستاذ الكريم حازم السامرائي صاحب مكتبة دار الحكمة بلندن لطبع هذا الكتاب القيم ليكون من منشورات مكتبته العامرة عمرها الله بالعلم النافع والعمل الصالح والأدب
الرفيع.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله. وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
_ A_
أحمد بن سعود السيابي (1/8)
صفحة 9
بسم
مقدمة الكتاب
الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
قال الشيخ أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ولجميع المسلمين والمسلمات * آمين.
الله رحمه وغفر له
الحمد لله الذي خلق الإنسان وفضله على كثير من خلقه تفضيلا
سكنا
وسخر له اللسان وعلمه القرآن الذي فضل به على كل شيء تفضيلا وشرفه بالغريزة العقلية وهي أفضل الأشياء المخاطبة من الله عز وجل بالإقبال والإدبار والأخذ والإعطاء أول الأشياء المتردد بسببها العالم الآدمي المكلف أعلى عليين وأسفل سافلين حتى صار من غلب بين عقله هواه سما وعلا ومن غلب هواه عقله دنى فتدلى وجعل لهم إلفاً من جنسهم وبعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. أحمده حمداً كثيراً إذ كان أهلاً للحمد لكرمه وحلمه وأصلي على صفوة الحق من جميع الخلق نبينا محمد عدد ما في علمه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى سائر المؤمنين والمؤمنات أجمعين (أما بعد فاني رأيت كتابة الطبقات ضالة عزّ شدوها ومنشدوها ومنهلاً عذباً قد أعوز واردوها ومورودها مع أنه فيما
اشتمل عليه من غرائب الأخبار وعجائب مناقب السلف الأخيار قد صار
-9. (1/9)
صفحة 10
كالوسطى في العقد وفيما أودع من الخطب البريعة والنكتة الحسنة الرفيعة كالروضة الزهرا التي قد أمرعت تلالها ومجانيها وكالحديقة الخضراء التي أينعت قطوفها ومجانيها، وقد كنت كلفت به منذ تراء لي عمله ونهى التي علمه فما وقفت فيه على أم إلا على نسخة ترمد العين وتورث القلب الخطأ والغين، حتى يسر الله نسخة أخرى أشبه قليلاً من الأولى، فتصفحت عند ذلك صفحاته، وتنشقت نفحاته، فوجدته كما تصفه الألسن وفيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، إلا أنه أغفل عن ذكر الصدر الأول، وأخل بذكر ما عليه المعوّل، وإنما له حظ الخملة، واستغنى به عن التفصيل بالجملة، وأشار بالحديثين من بعيد إليه، موذنا وزعم أن شهرته مغنية عن الدلالة عليه، فرأيت ذلك وصمة ازرت بكماله وسماجة قصرت به عن مدا أمثاله، قال الشاعر:
ما سلم الظبي على حسنه
كلا ولا البدر الذي يوصف
فالظبي فيه غنج بين
البدر فيه كلف يعرف
من
ثم إنه قد استبان لي بعين البصيرة في الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد رضي الله عنه أمر قد قام في ذلك عذره، وناجتني مروءتي ببعض أحواله، حتى انكشف لي سره، وهو كونه بين ظهراني المنتقدين الحاقدين من المخالفين (1)، وتحفظه من بغي الحاسدين والحاضرين المؤتلفين، فمن
1) أي مخالفي الاباضية، وهو اصطلاح متبع لدى أصحاب جميع المذاهب في وصف مخالفيهم. ويتسم العهد الذي عاش فيه أبو العباس الدرجيني صاحب كتاب الطبقات بالتعصب المذهبي، علماً بأن ذلك التعصب ليس مقتصراً على مذهب
دون مذهب.
- 10 - (1/10)
صفحة 11
ذلك أغفل والله أعلم عن ذكر الفتن وعدا عن تلك المحن، فجمع في ذلك من آثار أصحابنا وغيرهم كتابا سميته بـ «جواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات) وذكرت فيه من الأخبار ما جرى مجرى
الطرفة وخرج من. حد الكلفة، وذكرت فيه نكتاً عجيبة في صفة رسول الله عليه وسلم وشيئاً من أخباره وأخبار الخلفاء وأخبار الفتن
الله
صلي
الأربع. وذكرت من سماه الشيخ أبو عمار في الطبقة الأولى، وجوابات الأئمة كجواب ابن إباض، وجواب محمد بن أفلح، وختمته بخاتمة في
ذكر الموت.
ومع
هذا فكأني أنظر إلى قنا المنتقدين أشرعت، ورشقت، وسهام المعترضين نصلت، وفوقت وكلهم مشمر عن ساعد الاجتهاد، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة، حداد وقصدي واعتقادي أن يكون لي هذا الكتاب عند النظر في كتاب الطبقات تبصرة، ومع الغفلة عنه تذكرة، ولا علي فيمن عاب أو غاب أو جاب الصخر في الوضع والتعييب أو حاب، فالله يتولى السرائر ويطلع من عباده على الضمائر. هذا وإلى الله أشكو من جور النساخ المساخ المصحفين المحرفين المعطلين المبطلين الذين أحالوا الدواوين وحولوها وأورثوها المحال وبدلوها، وفساد الزمان وكثر العدوان وهيجان الفتن وكثرة الزلازل واستضعاف الحق وانتصار الباطل وانقراض العلماء وذهاب العلم ودروسه وعموم الجهل وكثرة الغدر وقلة الطمأنينة وارتفاع الأمانة وقلة الثقة. ولقد جاوزنا العصر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا الساعة تقوم حتى يمر الرجل بقبر رجل فيقول: يا ليتني كنت مكانه»، وما ذلك من كثرة صلاة ولا صيام ولكن من شدة ما يرى من الفتن والله الكتاب من خطأ أو زلل
أرغب إليه في العصمة والسلامة، وما كان
في
-11 - (1/11)
صفحة 12
الحي
فمني ومن الشيطان، وأنا استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو القيوم غفار الذنوب جميعاً، وأسأله التوبة من الزلل كله في القول والفعل وأسأله العفو ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
- 12 - (1/12)
صفحة 13
تفسير مقدمة كتاب الطبقات
قال الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله الحمد لله، الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، الحمد معناه الثناء بالحسن الكامل، وهو من المساعي الظاهرة وهو على وجهين مطلق ومقيد، فالمقيد منه فرض والمطلق، واجب، فالمقيد منه قولنا الحمد لله الذي هدانا وما أشبهه والمطلق الحمد لله الذي خلق الخلائق، وما
،
أشبهه، واختلف الناس في الحمد والشكر، فقال قوم الحمد هو الشكر والشكر هو الحمد، وقال قوم: الحمد هو الثناء يقابل اللوم، والشكر عرفاً يقابل الكفر وهو الصحيح إن شاء الله، فالحمد باللسان خاصة والشكر باللسان والقلب والجوارح، واختلفوا فيهما أيهما أعم وأيهما أخص، فقال قوم: الحمد أعم والشكر أخص ووجه هذا القول إن الحمد يكون ولو في غير النعمة، فتقول حمدت شجاعة فلان وسخاءه وحسبه، وإن لم يُسْدِ إليك يداً والشكر على النعمة خاصة. وقال آخرون: الشكر أعم لأن الشكر يكون باللسان والجوارح والقلب والحمد باللسان خاصة، وقوله الحمد لله الذي خلق السموات والأرض خبر بمعنى الأمر، أي أخلصوا الحمد لله وإنما خصص أبو العباس خطبة كتابه بأول هذه السورة لما علمه من فضلها وبركتها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الانعام نزلت ومعها موكب من الملائكة وقد ملأت الخافقين لهم
- 13 (1/13)
صفحة 14
الله
صلي
الله عليه وسلم
زجل بالتسبيح والأرض لهم ترتج»، ورسول يقول سبحانه ربي العظيم ثلاث مرات ونزلت جملة واحدة ليلاً وقال
ابن عباس: شيعها سبعون ألف ملك الذي خلق السموات والأرض اللذين هما فيما اشتملا عليه أعظم الآيات الدالة على الله، ثم قال وجعل الظلمات والنور يعني ظلام الليل وضياء النهار، وقال بعضهم خلق الله الظلمة قبل النور والليل قبل النهار والجنة قبل النار، وقال بعض الظلمة الكفر والنور الإيمان، نظير لا يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور يعلم ما تسرون في قلوبكم وما تعلنون الله أي يعلم أعمالكم كلها فيحفظها عليكم حتى يجازيكم بها والله عليم بذات الصدور أي بما كان مستتراً فيها، والصدور هنا إشارة إلى القلوب خلق الإنسان اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو آدم عليه السلام نظيره هل أتى على الإنسان وعلمه البيان) قالوا علمه أسماء كل شيء وتكلم بجميع اللغات وقالوا تكلم بسبعمائة ألف لغة أحسنها العربية، وقال بعضهم الإنسان جميع الناس لأنه اسم الجنس، والبيان بيان الحلال والحرام والخير والشر وما يأتي وما يذر، وقال بعضهم البيان النظر الحسن والتمييز، وقال بعضهم البيان الكتابة بالقلم والخط، نظيره علم بالقلم الآية وكل شيء عنده بمقدار وحسبان) المقدار مفعال من القدرة أي كل شيء بحد محدود لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه، والحسبان الحساب (جعل له عينين ولساناً وشفتين) الجعل إذا كان الله الخلق، ومن الخلائق الوصف، وهداه النجدين)، بين له
في
صفة
الطريقين طريق الخير وطريق الشر وقيل هداه إلى الثديين، والهدى على وجهين، وجه خص به المسلمون وهو العصمة والتوفيق، وهو الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من
معنى قول الله عزل وجل فهدى
-18_ (1/14)
صفحة 15
فبهداهم
الحق، أي وفقهم، وقوله تعالى «اولئك الذين هدى الله اقتده» والثاني استوى فيه المؤمن والكافر وهو معنى البيان، قال الله
عز
وجل، «وأما ثمود فهديناهم» (فسعيد (يسّره لليسرى (أو شقّي) يسره
عندما
للعسرى، والكلام في هاتين المسألتين في آخر الكتاب أن شاء الله. نختمه بخاتمة في ذكر الموت (هو الذي خلقكم وما تعملون) أي الله
تعالى خلقكم وخلق أعمالكم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلق الله تعالى كلّ صانع وصنعته وقد أبطل الله بهذه الآية مذاهب القدرية، إذ بين الله عز وجل أنه خلقها مع كونها مكتسبة للعباد، فأركد كيد المعتزلة وبين أنها عملها العباد مع أنه خلقها، فزهق باطل المجبرة (لا يسئل عما يفعل) لأنه رب ومالك وله التصريف في المربوب (وهم يسألون) لأنهم عبيد مملوكون وعليهم الطاعة والامتثال، وحقيقة هذا في الخاتمة بياناً، (أحمده) حمد من عرف جلاله وكبرياءه أي أخلص الحمد والثناء الحسن، له لأن من عرف جلاله وكبرياءه لا أحداً
:
يحمد
سواه، والجلال العظمة التي لا تنبغي الا لله، وكذلك الكبرياء (واقدس من دون التشبيه صفاته وأسماءه أصل التقديس التطهير، وقيل التعظيم، قال الله عز وجل: ونقدس لك، أي نظهر أنفسنا لك، وقيل نعظمك ونمجدك) والصلاة على سيدنا محمد) والصلاة من الله عز وجل الرحمة، ومن الملائكة عليهم السلام الاستغفار، ثم قال ونسخ بشريعته كل شريعة ودين نسخ أزال وأذهب من قولهم نسخت الريح الأثر، ونسخت الشمس الظل، ثم ذكر فضيلة العلم وشرفه، فقال: (وإن العلم خير دليل يقتدى به ولا دليل إلا العلم الذي يقود إلى السعادة الأبدية ورضاء الله سبحانه، ولا ينال خير الدنيا والآخرة إلا بالعلم، والآيات والأحاديث والآثار في فضل العلم أكثر، وحسبك، «يرفع الله الذين آمنوا
-10 - (1/15)
صفحة 16
منكم والذين أوتوا العلم درجات وقوله تعالى «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم فبدأ بنفسه وثنّى بملائكته وثلث بالعلماء،
الله
فناهيك بهذا شرفاً وفضلاً، وقال صلى الله عليه وسلم «الإيمان عريان لباسه التقوى وزينته الحياء وسترته العلم». وقال رسول صلى الله عليه وسلم (أقرب الناس من درجة النبوة العلماء والشهداء»، أما العلماء فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل وأما المجاهدون فجاهدوا، على ما جاءت به أنبياء الله. وقال صلى الله عليه وسلم: «يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وقال صلى الله عليه وسلم: بين العالم والعابد مائة درجة ما بين الدرجتين حصر الجواد المضمر سنة، قال ابن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يرفع، والذي نفس ابن مسعود بيده ليود رجال قتلوا في سبيل الله أن يبعثهم الله علماء، وذلك لما يرون من كرامات العلماء، ثم قال (والتقوى أرشد هاد يهتدى به والتقوى اسم جامع لكل خصلة محمودة من خصال الخير كلها، ثم استشهد فقال (إنما يخشى) الله من عباده العلماء) فلا خشية لغير عالم ولا عالم إلا بخشية. وفي الحديث (أعلم الناس بالله أشدهم خشية الله»، وقيل: «العالم من خشي الله دون غيره، وفي الخبر كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وقيل في أبي بكر خواف حتى عرف ذلك منه فكلمه رسول
سبعين
الله
صلي
الله
من عباده
الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {إنما يخشى العلماء. ووجدت في الثعالبي في تفسير هذه الآية أنه قرأها بعضهم:
إنما يخشى الله بالرفع من عباده العلماء بالنصب على معنى يختار فتأمله
-17. (1/16)
صفحة 17
فإنه غريب جداً ثم قال: (العلماء ورثة الأنبياء).
هذا حديث مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لا
رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة، ثم قال:
(ففي الآية والخبر دليل على أن العلم
من
هو
ما صحبه العمل ولا علم الا
صلي
بعمل، علم بلا عمل قوس بلا، وتر، علم بلا عمل سحاب بلا مطر، علم بلا عمل شجرة بلا ثمرة ثم قال رسول ا الله الله عليه وسلم: «لن تكونوا بالعلم عالمين حتى تعملوا به، ويقال «قليل العلم مع العمل نافع، وكثير العلم مع التضييع ضار» إذ لا فرق بين العلماء الذين قال فيهم رسول الله عليه وسلم «يجمع الله يوم القيامة العلماء في بقيع ثم يقول لهم: «لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم وبين العلماء الذين قال فيهم: (أنا من غير الدجال أخوف عليكم الدجال»، قيل: ومن هو يا رسول الله؟»، قال: «علماء السوء إلا العمل بالعلم لا غير وإلا فهم كلهم علماء) (والوجل) الخوف وها هنا يجب النظر في العلم الذي أورد فيه هذه الفضائل ما هو، قال الغزالي في إحياء علوم الدين: اختلف الناس في العلم الذي قال فيه رسول الله صلى عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم أو كل محتلم» في رواية أخرى، وقوله صلى الله عليه وسلم: اطلبوا العلم ولو بالصين»، وتحزبوا فيه أكثر من عشرين فرقة وتعلق به أصحاب الفنون كلها کاصحاب الكلام وأصحاب الفقه والمحدثين والمفسرين والمتصوفين وغيرهم، والمحصول من اختلافهم ما ذكر الشيخ أبو سهل الورجلاني أستاذ الشيخ أبي العباس مؤلف كتابنا في هذا العلم في العقيدة قال: فاما العلم الذي طلبه فرض فقد أكثروا القول فيه وتحصره القسمة في ثلاثة أقسام: علم التوحيد، وعلم السر رسوم القلب وما يتعلق به، وعلم
الله
- IV_ (1/17)
صفحة 18
الشريعة الحنيفية السمحة السهلة.
هذه الثلاثة مفروض طلبها ثم تقديم الأهم فالأهم والعلم الجهل في جميع الأشياء، ثم قال: (فإن من خشي الله تعالى فيما لديه كان سعيداً فيما يقدم بين يديه نظيره قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية إلى قوله، «ذلك لمن خشي ربه، وإلى قوله: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم .. » الآية. وإلى قوله: (يخافون ربهم من فوقهم وإلى قوله «والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون».
ثم قال: (وهل لمن عَرى من الخشية فوز بعمل الحسنات أو استحقاق وراثة لتلك الدرجات) وقد اعتبر ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال فيؤمر بهم إلى النار الحديث، ومن قوله: (وائل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، الآية، ومن قوله: (فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون)،
ثم
قال: (نزع) مال يقال نزعت الناقة إلى الفصيل إذا حنت إليه ونزع
فلان إلى وطنه، أي مال اشتياقاً إليه، قال ذو الرمة:
ظللت كأني واقف عند رأسها
فحاجة مقصود له القيد نازع
والنزع والاشتياق بمعنى (والمناقب) الفضائل، قال أبو تمام: إذا افتخرت يوماً تميم نفوسها
وزادت على ما وطرت من مناقب
يقال نشرت فضائله واشتهرت مناقبه والهوى) مقصور هوى النفس وجمعه، أهواء، وأهل الأهواء هم أهل البدع المضلة (والهاوين) الهالكين، ويكون أيضاً الواقعين ومن هوت الدلو في البئر، والهوى
- 18 - (1/18)
صفحة 19
جمع هوة وهي الحفرة (اقمنُ أحق يقال أقمن واجدر وأحق وأولى وأحرى. يقال: قفوت أثر فلان وقفيته و تأسيت به واقتديت به وأتممت
به واتسمت بسيماه وتخلقت بأخلاقه كلها بمعنى ينقذنا بالذال المعجمة يخلصنا ثم قال (وقد سال من وجبت طاعته) ذكر لي بعض العزابة أن سبب تأليف أبي العباس هذا الكتاب لما وصل الحاج عيسى بن زكريا من بلاد عمان بما معه من الكتب التي ورد بها أرض المغرب كحل ابن وصاف وجامع الشيخ أبي الحسن وجامع ابن جعفر وغيره، فكان مما رغب إليه فيه إخوانه أن قالوا له وجهوا لنا كتاباً يتضمن سير أوائلنا ومناقب أسلافنا من أهل المغرب من لدن وقع فيه مذهبنا إلى هلم جرا فإنه قد عميت علينا أنباؤهم وغابت عنا آثارهم. من بعد الشقة وعظم المشقة، فشاور من بجربة يومئذ من العزابة والفقهاء ومن يشار بالبنان الحذاق والنبهاء وقرر طلبة اخوانهم إليهم ووصف لهم الكتاب
إليه من
فوجدوه مخلاً
المشروط عليهم فنظروا في كتاب الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر، ببعض التفصيل قاصرا دون أمد التحصيل، مع أن لسان البربرية أورد ألفاظه موارد التكليف وقلة تحفظه على قوانين العربية أدخل ببعض معانيه مجاهل التعسف فاهتموا بتصنيف كتاب يشتمل الدولة الرستمية ومناقب الأسلاف كما طلب ذلك إليهم، فلم
على سير
يروا
أهلاً لهذا التصنيف غير أبي العباس، فعنده طلبه الحاج المذكور وهو السائل الذي وجبت طاعته والله أعلم إن وصل الكتاب عمان أم لا (انتقيه) اختاره من جملتها (السؤال) فعال من المسائل اشارة إلى تأكيد الرغبة (استعفا) طلب أن يترك (استقال) طلب الإقالة (النكير) المنكر المحظور (المحظور) الممنوع (التهذيب) تخليصه من العيب (الحصر) كلالة اللسان وكذلك الفهامة يقال فلان حصر اللسان وما فوه
- 19 - (1/19)
صفحة 20
السماجة،
اللسان (وهو رجل به فضاء وبه فهاهة الأعضاء) كناية عن ثم قال: (متيقن أن الماء يطيب بطيب مورده وإن كان أجاجا) أغمض على مراده بهذا المثل وقد يلوح لي فيه شيء والله أعلم بمراده وعندي أنه ضرب هذا مثلا لكتابه وكتاب الشيخ أبي زكريا، فجعل كتاب الشيخ في خشونة ألفاظه وخلوه من مستغربات الاستعارة ومستغربات الكناية وطلاوة البيان ورونق اللسان كالملح المقر وكتابه فيما اشتمل عليه من الخطب المحبّرة العجيبة والفوائد الأنيقة كالعذب الثجاج، وجعل الشيخ أبا زكريا في ورعه وفضله وسعة فنونه وغزارة عيونه مورداً طيباً، وجعل نفسه. في قلة الاتساع موردا، دنيا، وفضل كتاب الشيخ بفضيلة الشيخ لا بفضيلة الكتاب وحقر كتابه بحقارته لا بحقارة الكتاب، وهذا ألطف ما يكون من الاشارة والله أعلم (والأجاج) الملح (والمقر) المر (والثجاج) الصباب قوله (لا غرو أي لا عجب قوله: (السكيت والمجلى) * السابق الأول المنسلخ من الجلبة، والثاني بعده المصلي والثالث المسلى، والرابع التالي والخامس المرتاح، والسادس العاطف،
والسابع المحطى، والثامن المؤمل والتاسع اللطيم، والعاشر السكيت فانظر الآن ما بين المجلي والسكيت، والشاو الطلق. ثم قال: (لا يتطفل عليكم)، المتطفل الداخل على الشرب بغير إذن (والوابل) المطر الغزير والطل) الرش، ثم ذكر مسالك الدين وبين ثلاثة وأغفل الرابع وهو الشراء، ومعناه البيع، لأن الشراة باعوا أنفسهم لله بجنته، يقال: شريت الشيء واشتريته ابتعته، ولا يصح لهم الخروج إلا بأربعين فما فوق، ولا يجوز لهم الرجوع إلا أن يظهر دين! الله أو ينتقصوا عن ثلاثة رجال
فحينئذ يجوز لهم الرجوع، وقوله أن يدهمهم يعني يفاجأ. (1/20)
صفحة 21
(الطبقة الأولى)
صفة النبي صلى الله عليه وسلم
نصدرها هنا جملة من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقول والله المستعان أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير
صلي
كان رسول الله المتطامن، ليس بالأمهق ولا بالآدم، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط،
بعثه
الله
على رأس أربعين سنة من عمره فأقام عشر سنين بمكة وعشر
سنين بالمدينة، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في وجهه ورأسه
عشرون شعرة بيضاء (الغريب) القصير المتطامن من أقصر ما يكون والأمهق الشديد البياض وفي رواية أخرى من غير كتب أصحابنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيماً قسيماً فخماً مفخماً عظيم الهامة رجل الشعر أقنا العرنين له نور يعلوه كان تلألؤ نوره تلألؤ القمر ليلة البدر، أبلج أزج الحاجبين أتلع الجيد قليل لحم الناظرين ريان الوجه، كان عنقه إبريق فضة أو جيد دمية في صفاء الفضة معتدل الخلق عريض الصدر بعيداً ما بين المنكبين وكث اللحية سهل الخدين سبغ الفم مفلج الاسنان دقيق المسربة شتن الكفين والقدمين عالي التندوتين لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفيه
- 21 - (1/21)
صفحة 22
وإذا ضحك تبسم وإذا دخل منزله جزء دخوله ثلاثة أجزاء، جزء لله وجزء لأهله وجزء لنفسه، ثم يقسم جزءه بينه وبين الناس، يساوي بين العامة والخاصة ولا يدخر عنهم شيئاً ينظر في حوائجهم ويحدثهم بما يصلحهم ويرشدهم، ثم يقول ليبلغ الشاهد الغائب يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، يكرم كريم كل قوم ويؤلف بين الناس ولا ينفرهم، مجلسه مجلس علم وحلم وهدى وأمانة وصبر وحياء لا ترفع فيه الأصوات ولا توبق فيه الحرم ولا يثني فلتاته يوقر فيه الكبير ويرحم فيه الصغير لا يتنازعون فيه الحديث، إذا تكلم أطرقوا كأن على رؤوسهم الطير وإذا سكت تكلموا، وكان صلى الله عليه وسلم سهل الخلق دائم البشر ليس بفظ ولا غليظ ولا فحاش ولا عيّاب ولاصحاب ولا مزاح، ترك نفسه من ثلاثة المراء وما لا يعنيه والاكثار، وترك الناس من ثلاثة لا يذم أحداً ولا يعيره ولا يطلب عورته، لا يتكلم إلا في ما يرجو ثوابه، يصبر للغريب على جفوته وللاعرابي على لفظه وجزافته، وكان يقول إذا رأيتم صاحب الحاجة فأرشدوه وأردفوه فإن صاحب الحاجة مبهوت لا يكاد يرشد، وكان يأخذ الحسن ليقتدي به ويترك البذا والخنا لينتهي عنه الناس، إذا حدث أعاد وإذا وعظ جد يعظم النعمة وإن دقت لا يذم أحداً وإذا أُوذي أعرض وأشاح وإذا رأى ما يسره تهلل واستبشر وغض طرفيه يفتر عن مثل حب الغمام صلوات الله الطيبات ورحمته وبركاته عليه وعلى آله، (الغريب) الوسامة والقسامة الحسن في الوجه والضياء تقول العرب وسيم بين الوسامة والقسامة ظاهر الحسن والجمال والبهاء فخماً مفخماً ممتلئ المفاصل في غير انتفاخ أقنا العرنين، طويل الأنف البدر الهلال، ليلة ثلاثة عشر وأربعة عشر وفي سواها هلال وقمر والأبلج الخالي ما بين الحاجبين من الشعر، والعرب تمدح ذلك وتحمده وتذم
- 22 - (1/22)
صفحة 23
الأقرن، قال أبو طالب يمدح رسول الله.
صلي
الله عليه وسلم:
وابلج يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة الأرامل
الأنف،
الاسنان شتن
والأزج المقوس الرقيق الحاجبين، والأتلع الجيد الطويل العنق والناظران عرقان في العينين يسقيان الأنف يعني رقيق جانبي والدمية الغزالة كث اللحية خصيبها والفلج خلل بين الكفين والقدمين غليظهما، وهو ممدوح في الرجال ومذموم في النساء، والتندوة للرجال موضع الثدي ثدي للمرأة وتندوة للرجال، يخزن لسانه، يطيل الصمت .. البشر السرور والصخاب الكثير الكلام المبهوت الذاهل الذاهش اعرض وأشاح ذهب مولياً معرضاً وحب الغمام البرد الصغير ويفتر تنشق شفتاه. (1/23)
صفحة 24
بدء الوحي
رضي
عائشة كيف بدئ النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي وعن. الله عنها أنها قالت أول ما بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب الله إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد، أي يتعبد فيه تريد شهر رمضان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء حتى جاءه الحق وهو فيه فجاءه الملك فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذني فغطني، يعني خنقني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ثم قال: اقرأ .. فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني الثانية فغطني ثم أرسلني ثم قال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ .. ثم اخذني الثالثة فغطني ثم أرسلني، ثم قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم). قال، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على خديجة يرجف فؤاده وهو يقول زملوني، يعني لفوني ودثروني حتى ذهب عنه الروع، فأعلم خديجة وأخبرها بالخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي فقالت كلا والله لا يخزيك الله، وقد كنت تصل الرحم وتحمل الكل يعني تعين الضعيف وتكسي المعدم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر قال: فلبست خديجة ثيابها وأتت به
- 24 - (1/24)
صفحة 25
ورقة بن نوفل وكان خالها وقد تنصر في الجاهلية ويكتب العبراني وكان
شيخاً كبيراً وقد عمى
فأخبره رسول
الله
صلي
الله عليه وسلم الخبر،
فقال: هذا الناموس الذي ينزل على موسى ابن عمران، يعني جبريل عليه
السلام وتمثل يقول شعراً:
ياليتني فيها جدع
اخب فيهـ
ع
تمنى أن لو أدرك نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاباً فيعينه
ويؤيده بما قدر وأما الرؤيا فإنه روي عن بعض المفسرين قال رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي، واستدل بقوله تعالى «يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك .. الآية، وقوله: فلق الصبح وفرقه ضياؤه وبياضه، الله عنها أنها قالت: سأل الحارث بن هشام رسول الله الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: احياناً يأ اً يأتيني
وعن
صلي
عاشئة
رضي
مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ فينفصم عني وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول قالت عائشة وقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وان جبينه لينصب عرقاً (قوله مثل صلصلة الجرس)، يريد أن صوته متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يقرع سمعه حتى يتبينه ويفهمه بعد ذلك (وينفصم عنه) فيتجلا عنه ما يصيبه منه، والمعنى أن الوحي إذا ورد عليه تصعده مشقة ويغشاه کرب لثقل ما يلقى إليه بيانه «ولو تقول علينا بعض الأقاويل» وقوله: «إنا
سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرحضاء يعني البهر وإنما ذلك ليبلو صبره، ويحسن تأديبه، ويرتاض
لحمل أعباء النبوة وعن عبد الله
بن عباس أن رسول الله
صلي
الله
عليه
- 25 - (1/25)
صفحة 26
وسلم كتب إلى هرقل (1).
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى .. أما بعد فاني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم اليريسيين «يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلى قوله مسلمون، فوافاه كتابه وعنده ركب من تجار قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فأحضرهم هرقل بين يديه ودعا بترجمانه وقال له: قل لهم أيكم أقرب نسباً بهذا
اني
سائله
:
الرجل الذي يزعم أنه نبي، فقال أبو سفيان أنا، فقال لترجمانه: قل لهم عن أشياء، فإن كذبني فكذبوه، فقال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن ياثروا علي كذباً لكذبته، فكان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: ذو نسب. فقال لترجمانه: قل له وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله فقلت: لا، قال لترجمانه: قل له لو قال هذا القول أحد منكم قبله لقلت رجل يتأسى بقول قائل قبله فقال هل كان من آبائه ملك قلت لا، فقال لترجمانه قل له لو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب الملك، قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلـ قلت: بل ضعفاؤهم، فقال: قل له هم أتباع الرسل فقال: يزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. فقال: للترجمان: قل له وكذلك الإيمان يزيد حتى يكمل. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطاً لدينه بعد أن دخل فيه؟ قلت: لا .. فقال للترجمان: قل له وكذلك أمر الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب .. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب؟ فقلت: لا. فقال للترجمان: قل له ما كان
القصد من ايراد المؤلف خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل. حوار هرقل مع أبي سفيان حول صفات النبي عليه الصلاة والسلام.
- 26 - (1/26)
صفحة 27
ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. قال فهل يغدر؟ قلت: لا. فقال للترجمان: قل له وكذلك الرسل عليهم السلام لا تغدر، ثم قال: بماذا يأمركم؟ قلت: يقول أعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ويأمر بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة وينهي عن عباده الأوثان. فقال للترجمان: قل له إن كان ما تقوله حقاً فسيملك ما تحت قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم ولو أعلم أني أصل إليه لتكلفت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت الأذى عن قدميه ثم أذن لعظماء الروم فدخلوا عليه، فقال لهم هل لكم في الفلاح وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فصاحوا صيحة حمر الوحش. فخرجوا قال أبو سفيان: فخرجت وأنا
در
أقول: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة يخافه ملك بني الأصفر ها هنا، فلله هرقل ما أعقله من رجل لو ساعد معقوله مقدوره (الغريب) اليريسيين الأكارين معناه فإن عليك إثم من اتبعك من الزراعين والفلاحين الذين أنت ملكهم وإمامهم ودعاية الإسلام من دعا مثل شكاية من شكا، وقوله أمر أمر ابن أبي كبشة معناه كثر وأبو كبشة رجل من خزاعة خالف قريشاً في عبادة الأوثان فعبد الشعر العبود فنسبوا إليه رسول الله صلى الله
عليه وسلم وشبهوه به لمخالفته إياهم وبنو الاصفر الروم.
- 27 - (1/27)
صفحة 28
ابتداء التاريخ
الله رتب أبو عمار رضي عنه الطبقات على سنين الهجرة والتاريخ الذي بينه وبين هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ في ذكر المشايخ من عند أبي بكر والواجب عليه أن يذكر ابتداء التاريخ من أوله لكنه قصد الاختصار وتلاه أبو العباس فأقول والله أعلم إن أول من كتب التاريخ على ما وجدت في كتب بعض المخالفين (1) عمر بن الخطاب الله رضي: عنه، وذلك أن رجلاً أتاه يوماً فقال له: أرخوا، فقال له عمر:
وما أرخوا؟ قال: شيء تفعله الأعاجم تكتب أمرا في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا، فقال عمر: حسن والله فأرخوا.
وقد كانت العرب قبل ذلك لا تؤرخ على أصل معلوم وإنما يؤرخون بالقحط والعام يكون عليهم، فشاور عمر رضي الله عنه بعض أصحاب
رسول
الله
صلي
الله عليه وسلم في التاريخ؟ ومن متى يؤرخون؟ فقال
بعضهم أكتبوه من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم من مهاجرته، وقال بعضهم بل اكتبوه من المحرم فإنه منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فاتفقوا على المحرم فقدموه في التاريخ من قبل الهجرة بشهرين واثنتي عشرة ليلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه
1) أي مخالفي الاباضية، وهو اصطلاح متبع لدى أصحاب جميع المذاهب في وصف
مخالفيهم.
- 28 - (1/28)
صفحة 29
الثلاثاء
ببني
رسول
وسلم هاجر في ربيع الأول وقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول وولد يوم الاثنين ومات يوم الاثنين، كلاهما لاثنتي. عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فنزل بقباء فأقام بها يوم الاثنين ويوم ويوم الأربعاء ويوم الخميس ورحل من قباء يوم الجمعة، فجمع سلمة وهي أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الله صلى الله عليه وسلم، يمر بدور الأنصار داراً داراً يدعونه إلى النزول فيقول خيراً ويقول أتركوا ناقتي فإنها مأمورة حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم فبركت ناقته عنده وكان المسلمون يومئذ قد بنوا فيه مسجداً يصلون فيه فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد فتعلقت به الأنصار، فقال المرء مع رحله. وكان أبو أيوب قد أخذ رحله قبل ذلك فنزل على أبي أيوب، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
معه
يصلي ركعتين، ركعتين كذا فرضت عليه بمكة والناس يصلون كذلك، ثم قال يوماً: أيها الناس أقبلوا فريضة ربكم فاتمت الصلاة أربعا للمقيم وركعتبين للمسافر وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر بعد مقدمه بشهر، ولم يختلف الناس في ذلك في ما قال صاحب الكتاب. وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود
قال
هذه السنة (1) وفي
يصومون يوم عاشوراء فقال: وما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح اغرق الله
فيه فرعون ونجا فيه موسى فصامه وأمر الناس بصيامه، وفي مسندنا
الصحيح (2) أبو عبيدة عن جابر عن عاشئة
رضي
الله
عنها قالت:
: كان
يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية فلما قدم رسول الله صلى
الله
عليه وسلم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو
1) أي السنة الأولى للهجرة.
أي مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي.
- 29 - (1/29)
صفحة 30
الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه وفي صيامه ثواب
وأجر عظيم.
قال: وفي
الله
السنة الثانية من الهجرة فيها تزوج علي بفاطمة رضي عنها، وفيها كانت فريضة رمضان في شهر شعبان، وذلك أن رسول الله
صلي
الله عليه وسلم زار أمّ بشر في بني سلمة فصنعت له ولأصحابه طعاماً فتغدوا وحضرت صلاة الظهر فصلى بأصحابه إلى القبلتين ركعتين إلى الشام وركعتين إلى مكة ثم أمر في الصلاة باستقبال الكعبة فاستدار واستدار الناس خلفه ثم صلى الركعتين الباقيتين فسمّى ذلك المسجد مسجد القبلتين.
وفي
هذه السنة كانت وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة لتسع مضين من رمضان وقاتلت الملائكة. يومئذ ولم تقاتل في يوم غيره، وإنما كانوا يحضرون، وعن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت اتبعت يوم بدر رجلاً من المشركين أريد قتله. سقط رأسه وما
رأيت أحداً ضربه.
عمر
حتى
قال السنة الثالثة من الهجرة فيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمر قبل تزويج حفصة خطب عليها عثمان وعرضها عليه فقال له عثمان سأنظر في ذلك فمكث ليالي فعرضها على أبي بكر وطلبه أن يتزوجها فسكت أبو بكر ولم يرد عليه شيئاً فقال عمر فكنت على أبي بكر أوجد مني على عثمان، ثم مكثت ليالي فخطبها مني رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت في نفسك؟ فقلت: نعم، فقال: ما منعني أن أجاوبك فيها شيء إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا عمر يعرض ابنته (1/30)
صفحة 31
على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختار لها الأزواج نظراً منه لها فزوجها الله خيراً من الذين عرضها عليهم. قال: وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة أم المساكين بعد حفصة في شهر رمضان ودخل بها فيه وأصدقها اثنتي عشرة أوقية فضة، قال: قلت ولم زينب أم المساكين؟ قال: لكثرة صدقتها لم يكن في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أكثر منها صدقة. قال وقد اجتمعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده يوماً فقلنا يا رسول الله أيتنا أسرع لحاقاً بك؟ قال: أطولكن يداً .. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا بعده في بيت أخذنا نمد أيدينا في الجدار نتطاول بمد الأيادي وكانت زينب الله فا امرأة صناعة اليد تدبغ وتخرق وتغزل وتتصدق به في سبيل فلم تزل تفعل ذلك حتى توفيت قبلنا، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا يداً فعلمنا أنها كانت أطولنا يداً في الخير والمعروف والصدقة.
قال: ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة فيها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي واليهودية على الزنا، ومن المسند أبو عبيدة قال: بلغني عن ابن عمر قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قالوا: نفضحهما ويجلدان، فقال ابن سلام كذبتم إن فيها للرجم آية فاتوا بالتوراة فاتلوها أن كنتم صادقين فأتوا بها فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال ابن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم تتلألأ فقالوا صدقت يا محمد أن فيها للرجم آية فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال ابن عمر فرأيت الرجل يحنو على المرأة يقيها الحجارة. قال وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت
- 31 - (1/31)
صفحة 32
النساء
أبي أمية أبي في شوال ودخل بها فيه وكان عدد من تزوج من سبع عشرة امرأة أحصن منهن ثلاث عشرة وفارق الأربع قبل الابتناء بهن
فاللاتي احصن ست من قريش وثلاث من قيس وواحدة خزاعية وواحدة أسدية واثنتان من نساء بني اسرائيل فالقريشيات خديجة بنت خويلد الأسدية تزوجها بمكة قبل النبوة فولد له منها الطيب والطاهر والقاسم وزينب وأم كلثوم ورقية، وفاطمة وعاشئة بنت أبي بكر تزوجها أيضاً بمكة وذلك بعدما توفيت خديجة وهي يومئذ بنت ست سنين تزوجها قبل أن يهاجر.
ومن المسند قال الربيع بن حبيب قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال كانت عائشة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ابنة ست وابتنى بها وهي ابنة تسع وما تزوج في نسائه بكرا إلا هي وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة وعاشت بعده ثماني وأربعين سنة وتوفيت في ولاية معاوية وذلك في رمضان سنة ثمان وخمسين وصلى عليها أبو هريرة ودفنت في البقيع قال وسودة بنت زمعة العامرية وأم سلمة بنت أبي أمية المخزومية وحفصة بنت عمر بن الخطاب وجويرية أم حبيبة بنت أبي سفيان الأموية والقيسيات ميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت خزيمة أم المساكين المذكورة وفاطمة بنت الضحاك بن الكلابية، والاسدية زينب بنت جحش والخزاعية جويرة بنت الحارث
والاسرائيليات صفية بنت
حيي
سفيان
وريحانة بنت زيد والأربع التي لم يبتن
بهن مليكة بنت داود الليثية وأسماء الكندية أعاذنا الله.
منه
حين
دخلتا
عليه ففارقهما وامرأة من بني كلاب رأى فيها بياضاً ففارقها، وليلى بنت
حطيم الأنصارية كانت غيراء فاستقالته فاقالها.
قال ثم دخلت السنة الخامسة من الهجرة فيها كانت غزوة ذات الرقاع،
- NY_ (1/32)
صفحة 33
قال الجبل يقال له الرقاع لأن فيه سواداً وبياضاً وحمرة فسمي الجبل بها فسميت الغزوة بذلك الجبل كما سُميت غزوة بدر به، وإنما كان في ذلك الموضع بئر لرجل يُسمى بدر ويومئذ صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
ومن المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: حدثني جملة من
أصحاب رسول الله صلي الله
عليه وسلم أنهم صلوا معه صلاة الخوف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة واجهت العدو وصلى بالذين خلفه ركعة ثم ثبت
ذات الرقاع أو في غيرها فقامت طائفة
يوم
قائماً
منهم
وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم فانصرفوا وواجهوا العدو وجاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعة ثم ثبت جالساً وأتموا الركعة الثانية لأنفسهم وسلم وقالت طائفة أخرى صلى بالذين خلفه اولاً ركعة ثم قائماً فانصرفوا وواجهوا العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة الثانية فسلم وانصرف فسلموا وانصرفوا جميعاً.
ثبت
قال الربيع قال أبو عبيدة على هذا القول الأخير العمل عندنا وهو قول
ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة.
قال
وفي
هذه السنة خسف القمر في جمادى الأخرى وكان أول ما
خسف به في الإسلام، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وأطال القراءة والناس خلفه قد شمروا الأزر وتحزموا الاردية وما يظنون إلا أنها الساعة واجتمع اليهود فأوقدوا النيران وضربوا الطسوس، وصابوا
سحر القوم وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين. قال: وفيها
الله عليه وسلم زينب بنت جحش، وكان سبب
رسول تزوج رس
الله صلي
تزويج رس
رسول
الله صلي الله عليه وسلم إياها أنها كانت تحت زيد بن
حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء رسول الله إلى بيت
- 33 - (1/33)
صفحة 34
زيد يطلبه فاعجل امرأته عن أن تلبس خمارها حين قيل لها رسول الله عليه وسلم بالباب ولم يكن يومئذ للبيوت أبواب، فقامت
الله صلي ا
عجلة فضلى معناه في ثوب واحد فقالت: ليس هو هنا فادخل بابي أنت وأمي يا رسول الله فأبى أن يدخل فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فكانت كما قال الشاعر:
يرجمها الناظرون من حسنها
والحسن ضوء منه مرجوم
فتولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهمهم بكلام لا يكاد يفهم إلا أنه أعلن سبحان الله العظيم سبحان مقلب القلوب، فجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله، فقال لها: ألا قلت له أدخل؟ فقالت: قد عرضت عليه الدخول فأبى. فقال: اسمعتيه يقول شيئاً؟ قالت: سمعته يقول حيناً ويتكلم بكلام لا أفهمه إلا أنه قال سبحان الله العظيم، سبحان مقلب القلوب، فخرج زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: هل لا دخلت بأبي أنت وأمي حين أتيت منزلي ولعل زينب أعجبتك فأنزل لك عنها وأفارقها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله فما استطاع اليها زيد بعد ذلك اليوم سبيلا، فكان زيد بعد ذلك اليوم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا رسول الله أفارق زينب فإنها تؤذيني ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ذلك يقول: أمسك عليك زوجك واتق الله، ففارقها زيد فاعتزلها (1)، فبينما رسول الله صلى
(1
هذه غفلة تاريخية من المسلمين تجاه نبيهم عليه الصلاة والسلام عندما وصفوه بالعشق والغرام من زينب بنت جحش، وكأنه صلى الله عليه وسلم لم يرها قبل تلك اللحظة، وهذا غير صحيح، فهو صلى الله عليه وسلم كان يعرفها وتعرفه منذ صغرهما وصباهما لأنها قريبته فهي ابنة عمته وهو الذي أمرها وأمر مولاه زيد بن
- 34 - (1/34)
صفحة 35
الله عليه وسلم في بيت عائشة وهي معه تحدثه ويحدثها إذ أخذته غمة الوحي فسرى عنه وهو يتبسم ويقول من يذهب إلى زينب ويبشرها بأن الله قد زوجنيها من السماء، وتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «وإذ
تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله). قالت عائشة فأخذني ما قرب وما بعد لما كان يبلغني من جمالها، وآخراً الله أعظم الأمور وأشرفها وما صنع عز وجل بها إذ زوجها من السماء وخفنا أن تفتخر علينا قالت عائشة: فخرجت سلمى خادم النبي صلى
الله عليه وسلم فبشرتها فأعطتها أوضاحاً لها يعني أسورة. قال وفي هذه السنة غزى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق من خزاعة ففتح الله له وسبى وكانت في ذلك السبي جويرية بنت الحارث بن ضرار فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن الشماس، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد نزل بنا من
البلاء ما رأيت وقد صرت في سهم ثابت ابن قيس فكاتبني على تسعة أواق فضة فرجوتك أن تقضيها عني. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أو خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: أؤديها عنك وأتزوجك. قالت: افعل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت فأعلمه فقال: هي لك وقد وضعت عنها ما كان عليها. قال: فلما ملكها نفسها خطبها إلى ابيها فتزوجها وأصدقها أربعين أسيراً من قومها.
حارثة بالزواج من بعضهما البعض فلو كان راغباً فيها لتزوجها ابتداء، على أن السياق القرآني في آية سورة الأحزاب لا يعطي مفهوم تلك القصة العشقية الغرامية، وإنما القضية كلها قضية تشريعية قائمة على نسخ التبني وعلى عدم جواز التبني في الإسلام، وداعية إلى جواز نكاح المطلقات من الأدعياء المتبنين، وكان على المسلمين أن يحوطوا نبيهم عليه الصلاة والسلام بالصيانة التامة والنزاهة الكاملة لمنزلته النبوية والرسالية المحوطة بالعصمة الإلهية.
- 35 - (1/35)
صفحة 36
ومن المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا فاشتهينا النساء واشتدت عليها العزبة فأردنا أن نعزل فقلنا نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ولا نسأله عن ذلك فسألناه، فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا فما من نسمة كائنة إلا وهي كائنة إلى يوم القيامة، قال: وفي هذه السنة نزلت آية الحجاب «وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب»، وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأكل حيسا يعني سويقا ملتوتا في سمن في قعب يعني قدحاً هو وعائشة، فدعاه ليأكل معهما فأصابت أصبعه أصبع عائشة، وقال: لو اطاعني فيكن ما رأتكن عين، فقالت له عائشة: وانك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا فأنزل الله
تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب. قال: وفي هذه السنة سقط عقد عائشة، قال عمار بن ياسر فأقمنا على التماسه حتى أصبحنا ولسنا على ماء وليس معنا ماء فنزلت آية التيمم، فقلنا: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ثم انبعث البعير الذي كانت
تركبه فإذا العقد تحته.
ومن المسند الصحيح أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها، الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالبيداء
قالت: سافرنا مع رسول الله
صلي
انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا: ما صنعت ابنتك بالناس أقامتهم على غير ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير ماء والناس لا ماء معهم،
ألا ترى
-36 - (1/36)
صفحة 37
صلي
الله عليه وسلم
قالت: فعاتبني وقال: ما شاء الله أن يقول فجعل يطعن بيده في خاصرتي فمنعت نفسي من التحرك لمكان رأس رسول الله فأنزل الله آية التيمم، فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته، قال وفي هذه السنة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد يوم الثلاثاء فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء، فعرفنا
الاثنين ويوم.
الإجابة في وجهه، قال بعضهم فما نزل بي هم الا جربت تلك الساعة من
ذلك اليوم فنعرف الإجابة.
قال: وفي هذه السنة مات سعد معاذ فقال رسول
بن
الله
صلى الله
عليه وسلم «نزل لحضور جنازته سبعون ألف ملك، ما هبطوا إلى الأرض قبلها»، فلما انتهوا به إلى قبره، ووضعوه في لحده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، فقال: «لو نجا من ضمة القبر أحد لنجا منه سعد ابن معاذ، لقد تضايق قبره عنه وضمه ضمة ثم فرج الله عليه فلما. سوي عليه التراب عزّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه على القبر، قال: فأخذ رجل من تراب قبر سعد فنظر إليه فوجده نده مسكاً، قال:
ثم دخلت سنة ست من الهجرة في هذه السنة كان من أمر أهبان بن أويس مع الذيب ما كان، وذلك أنه كان في غنم له، فشد الذئب على شاة فاحتملها فهجمه أهبان وقاتله حتى انتزعها منه، فاقعى الذئب وهو يقول: ويحك لم ترغب وهي رزق رزقنيه الله فصفق الأسلمي يديه، وقال: يا عجباه الذئب يتكلم، فقال الذئب: أتعجب مني أن أتكلم والله أنطقني وأعجب مني محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يدعو الناس إلى أشياء كانت وإلى أشياء تكون ويقول للناس قولوا لا إله إلا الله فيكذبونه، فأتى الأسلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأعجب رسول الله الله عليه وسلم فقال: لا تقوم الساعة
صلي
- rv_ (1/37)
صفحة 38
حتى يخرج الرجل من أهله فيأتي فتخبره نعله وسوطه بما يتحدث به
أهله.
قال: وفي
هذه السنة كسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم صلاة الكسف.
عائشة رضي
الله عنها
وفي المسند الصحيح أبو عبيدة عن جابر عن. قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ولده إبراهيم عليه السلام فصلي بالناس فقام قياماً طويلاً فقرأ نحواً من سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلاً ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس. قالت عائشة: فلما انصرف من. خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فأذكروا الله وأرغبوا إليه وكبروه وتصدقوا». ثم قال: «يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. قالت عائشة وأمرهم أن يتعوذوا
صلاته
من عذاب القبر، قال الربيع وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر. قال وفي هذه السنة جدبت الأرض جدبا شديداً فاستقى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فصلى بالناس ركعتين جهر فيهما بالقراءة، ثم خطب الناس مقبلاً عليهم بوجهه، ثم استقبل القبلة وحول رداءه وجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن ودعا صلى الله عليه وسلم ودعا الناس ثم انصرف، فجاء أعرابي يوم الجمعة فقال: يا رسول الله انقطعت السبل فادع الله فدعا، فانجاب السحاب عن المدينة.
- 38 - (1/38)
صفحة 39
وفي
المسند أبو عبيدة عن جابر عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطع السبيل؛ فادع الله أن يأتينا برحمة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أنس: فمطرنا من الجمعة فدام علينا أياماً فجاء رجل فقال:
يا رسول الله انهدمت البيوت وهلكت المواشي وانقطعت السبل فدعا
رسول
الله
صلي
الله
عليه وسلم فقال: في دعائه «اللهم على رؤوس الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر»، قال أنس بن مالك:
فانجابت السحابة على المدينة كانجياب الثوب.
قال: ثم دخلت سنة
سبع
من الهجرة، فيها غزوة خيبر وكانت بعض
الله
صلي
الله عليه
يهود خيبر قد تحصنوا في حصن فحصبوا رسول
وسلم يعني رموه بحصيات فساخ الحصن حتى أخذ أهله أخذ اليد،
حيي
لنفسه فاعتقها،
فاصطفي رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت. ثم تزوجها، فأعرس بها هناك، فلما أراد أن يحملها على البعير نصب لها فخذه، وكانت صفية هذه قبل أن تسبى عند كنانة بن أبي الحقيق اليهودي، فرأت في منامها كأن قمرا أقبل من المدينة حتى وقع في حجرها فقصت رؤياها على زوجها اليهودي فلطمها لطمة شديدة، فقال لها: لعلك طمعت في هذا الرجل الصابي الذي يدعو الناس بالمدينة فصدق رؤياها، ولم تزل تلك اللطمة في خدها حتى سألها رسول الله
صلي
الله
عليه وسلم فأخبرته الخبر. ومن المسند أبو عبيدة قال: سمعت عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فأتاها ليلاً فكان إذا أتى قوماً ليلاً لا يغير حتى يصبح فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: محمد والله والخميس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الله
- 39 - (1/39)
صفحة 40
أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح ا رين قال: وفي هذه السنة أهدت زينب بنت الحارث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
الله
شاة مسمومة، فلما قدمت بين يديه ومعه نفر من أصحابه تكلمت الشاة فقالت: يا رسول لا تأكلني؛ فإني مسمومة، فدعا زينب فاعترفت فعفا عنها وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها فقتلت. قال: ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة فيها طلق رسول الله صلى الله
عليه وسلم سودة بنت زمعة وكانت قد أسنت فلم يستكثر منها فقعدت
فوالله ما بي
الله
له على طريقه بين المغرب والعشاء فقالت له: يا رسول راجعني حب للرجال، ولكني أريد أن أحشر في جملة أزواجك وهبت يومي لعائشة طيبة بذلك نفسي، فراجعها رسول الله صلى الله
عليه وسلم. قال: وفي هذه السنة غلا السعر، فقالوا: يا رسول الله لنا فقال: سعر إن غلاء السعر ورخصه بيد الله وإني لأرجو أن أخرج من الدنيا ولم أقطع على مسلم في ماله، ولكن لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا ولا يسوم الرجل على سوم أخيه ولا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم
من بعض.
قال: ثم دخلت سنة تسع من الهجرة فيها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فعطش رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى كادوا يهلكون، وكان مع رسول الله الله عليه وسلم أدوات فيها شيء من الماء، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصب في إناء، فمضمض فاه ثم رده في الإناء، ووضع فيه يده، قال أنس فرأيت الماء
صلي
ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فاض وشرب العسكر، وسقوا دوابهم وهم ثلاثون والإبل اثنا عشر ألفاً والخيل
الفا
- 40 (1/40)
صفحة 41
عشرة آلاف، والماء يسيل على وجه الأرض.
قال: وفي وسلم، فصلى عليها رسول الله وجلس على قبرها وعيناه تذرفان.
هذه السنة ماتت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه
ومن المسند أبو عبيد عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: جاء وقت الصلاة فالتمس الناس وضوءاً، فلم يجدوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع فيه يده فأمر الناس أن يتوضأوا، قال أنس فرأيت الماء ينبع من تحت أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توضأ الناس عن آخرهم، قال الربيع: الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به، والوضوء بالضم الفعل، قال أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي في مشكله في شرح هذه الرواية هذه من كبار معجزاته في النبوة، وهي أبلغ من تفجير الماء لموسى عليه السلام؛ لأن من طبع الحجران يخرج منه الماء وليس ذلك في طبع أعضاء بني آدم، وكذلك كلام الذئب معجزة وكذلك كلام الشاة المسمومة كلها معجزات خارقات للعادة.
عظيمة،
صلى الله
الله قال: ثم دخلت سنة عشرة من الهجرة فيها حج
رسول
عليه وسلم حجة الوداع وحج. معه نساؤه كلهن، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم هذه ثم ظهور الحصر يعني الزمن قاع البيت.
وفي هذه السفرة مرض سعد فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم
في الوصية، فقال الثلث والثلث كثير.
قال وكانت مغازي رسول
الله
صلي
الله عليه وسلم سبعاً وعشرين
غزوة، وبعوثه ثلاثاً وعشرين بعثا، قال: وفي بعض هذه البعوث أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص فغنم وأسرع الرجعة فقال عمرو: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امتلا سروراً فرجوت أن أكون احب الناس إليه، فقلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ فقال:
- 41 - (1/41)
صفحة 42
عن
عائشة، فقلت: لست اسألك النساء، وإنما اسألك الرجال.
فقال: أبوها.
من
الله
صلي
قال ثم دخلت سنة احدى عشرة من الهجرة فيها مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر وتوفي لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول في يوم الاثنين حين زاغت الشمس، وكان مقامه بالمدينة عشر سنين، ويومئذ خير بين خزائن الأرض والخلود فيها لقاء ربه والجنة فاختار لقاء ربه والجنة. وبين ووجدت في الثعالبي أن المسلمين كانوا يرون أن رسول الله عليه وسلم مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة، وذلك أن أم بشر بن معرور دخلت عليه في موضعه فقال لها يا أم بشر لم تزل أكلة خيبر التي اكلت مع ولدك تعاهدني هذا أوان قطع أبهري، وذلك أن بشرا حضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُهديت إليه الشاة المسمومة بخيبر فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذراع، وتناول بشر منه؛ رغبة في فضلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسغ ولاك بشر وأساغ، ومات من تلك الأكلة (1)، ويومئذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس، قال الله عبد بن زمعة: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه أعوده، فقال لي: يا عبد الله، مر الناس أن يصلوا، قال: فخرجت فلقيت رجالاً لم اكلمهم فلقيت عمر فقلت له: صل بالناس، فلما كبر سمع صلى الله عليه وسلم تكبيره، فأخرج رأسه من الحجرة وصاح
رسول
الله
كالمغضب:: لا لا لا ليصل بالناس ابن أبي قحافة، فانصرف عمر عن صلاته وانتقلت الصفوف، وكان أبو بكر رضي الله عنه غائباً فما برحنا حتى جاء وصلى بالناس فلما انصرف عمرة قال لعبد الله. بن زمعة يا بن
(1
هذا يتعارض مع قول الله تعالى: (والله يعصمك من الناس).
- 42 - (1/42)
صفحة 43
أخي هل أمرك رسول الله أن تأمرني؟ فقال: لا إنما قال مر الناس، فلما رأيتك كلمتك، فقال عمر والله ما كنت ظننت ذلك إلا بأمر رسول الله
صلي ا
الله.
عليه وسلم ولولا ذلك ما تقدمت.
فصلي أبو بكر بالناس أربعة عشر يوماً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يمرض خطب الناس فقال: أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحات قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم إياه تسعدوا، وأكثروا الصدقة في السر والعلانية تنصروا وتؤجروا وترزقوا. واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة فريضة مفترضة مكتوبة عليكم في عامي هذا في شهري هذا في يومي هذا في ساعتي هذه فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي جحوداً لها واستخفافاً بحقها مع إمام عدل أو جائر، فلا الله له شملاً، ولا جمع بارك الله له في أمره ألا لا صلاة له ألا لا زكاة له ألا لا حج له ألا لا صيام
له ألا لا صدقة له ألا لا ير له، فمن تاب تاب الله عليه). قال صاحب الكتاب المخالف (1): الجمعة فريضة على كل مسلم إلا على ثمانية: المرأة والصبي والكبير الفاني والأعمى الذي لا قائد له والمجنون والمحبوس والمسافر والمملوك، قال في كتابه، قال رسول
الله
صلي
الله
النفاق»،
عليه وسلم، من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر طبع الله على قلبه، وقال في حديث آخر «فهو منافق بين قال في كتابه، قال عبد الملك بن حبيب فتارك الجمعة أقبح حالا تارك الصلاة؛ لأن تارك الصلاة المكتوبة إذا تاب يقضيها بمثلها وتارك الجمعة إذا تاب لا يقضيها بمثلها.
من
قلت: النظر في الجمعة في ثلاثة أشياء في فرضها وعلى من فرضت
1) أي من كتب غير الأباضية.
- 43 - (1/43)
صفحة 44
وأين فرضت أما فرضها مع الامام العادل فمتفق عليه وتاركها معه ثلاث مرات هالك، كذا هو في آثار أصحابنا وغيرهم. قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله له، ومن السنة الحديث المتقدم الذي رواه صاحب الكتاب وهو حديث صحيح وقفت عليه في كتب أصحابنا، ورووه من طريق جابر بن عبد الله واحتجوا به على تقدير فرض الجمعة، وقال أبو محمد بن بركة، فرضها مع الامام العادل باتفاق الأمة وهي فرض عين.
والنظر الثاني على من فرضت وهو من وجدت فيه خمسة أوصاف البلوغ والعقل والحرية والذكورية والاقامة، احترازاً من السفر والأنوثية والعبودية وعدم العقل والطفولية، فمن وجدت فيه الأوصاف الخمسة فهو مخاطب بقوله: «فاسعوا إلى ذكر الله».
الله
النظر الثالث أين فرضت اما مع الإمام العادل، ففي كل مكان حيث ما أقامها فهي فريضة معه، وأما مع أئمة الجور فإن المذهب عند أصحابنا انها واجبة خلفهم خلافاً للنكار (1) الذين قالوا: لا جمعة خلف الجبابرة، وقد صلاها خلف الجبابرة الأئمة الراشدون الهادون المهتدون عمار بن ياسر وعبد بن مسعود بالكوفة خلف الوليد بن عقبة، وأبو الشعثاء خلف الحجاج، وأبو عبيدة يقاد اليها بعدما كف بصره ميلين، فإذا كان الأمر هكذا فما وجه ترك أصحابنا إياها في مساجدهم (2)؟ وهي من الأسباب التي أوغرت صدور المخالفين حتى صار القائم منهم والقاعد والهابط والصاعد يرشق بألسنة الطعن ويعلن بالقدح واللعن. أما نحن
1) فرقة انشقت عن الإباضية، وذلك بإنكارهم إمامة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي. 2) لم يعد ذلك الخلاف موجوداً حول مشروعية إقامة صلاة الجمعة، فقد أقامها الإباضية الآن في كل مكان بشروطها والحمد لله على ذلك.
- 44 (1/44)
صفحة 45
بها من
قول
الله
عنهم
أهل الجبل (1) فقد خفف الله فيها علينا إذ لا سلطان جائر ولا عادل ولا أمير قاسط ولا مقسط. وأما أهل الجزيرة (2) فوجه تركهم لها مع قيام من الفجار في وقتها اعتمادهم على أنه لا جمعة خلف الجبابرة إلا في الأمصار السبعة التي مصرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو قول أبي الحواري، وكذلك ذكر في كتاب الصلاة للأشياخ رضي والأشبه والأولى عندي أن من كان في موضع يسمع فيه التأذين بها فعليه الإجابة والسعي اليها سواء كانت خلف الجبابرة أو غيرهم، لعموم الله: عز وجل «إذا نُودي للصلاة في يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله»، فوجوبها بأمر الله لا لأمر الجائر أو العادل ولا فجور أعظم من فجور الوليد بن عقبة الفاسق، الذي شرب الخمر، وصلى بالناس سكراناً صلاة الصبح ثلاث ركعات، فقال: كفاكم أم أزيدكم، فقال ابن مسعود: حسبنا من الثلاث ركعتان متقبلتان فشغر رجله وبال في المحراب، فصلى ابن مسعود وعمار الجمعة خلفه والحجاج بن يوسف يؤخرها عن وقتها حتى كادت الشمس تغيب فصلي أبو الشعثاء بالإيماء فقال الحجاج وقد فطن له اليوم عرفنا من يصلي ومن لا يصلي». وقد قال صلى الله عليه وسلم: إنكم ستدركون بعدي أئمة يؤخرون الصلاة عن وقتها، فاجعلوا صلاتكم معهم سبحة أي نافلة، وكان علي بن أبي طالب حين وجه رسله إلى معاوية بالشام، فقال لهم اجعلوا صلاتكم
معهم سبحة.
رضي
الله عنها قالت:
ومن المسند أبو عبيدة عن جابر عن عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت
1) لعله يقصد جبل دمّر (بني خداش (حاليا بتونس، أو يقصد جبل نفوسة في ليبيا. 2) أي جزيرة جربة بتونس.
- 45 - (1/45)
صفحة 46
عائشة: فقلت يا رسول الله إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس البكاء، فمر عمر فليصل بالناس قالت: فقال مروا أبا بكر فليصل،
من
قالت عائشة فقلت لحفصة قولي لرسول الله مثل ما قلت له ففعلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكن صواحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة: فقالت لي حفصة ما كنت لأصيب منك خيراً، قال في كتابه فلما كان اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبا بكر في صلاة الصبح بالناس وصلى بهم ركعة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الركعة الثانية، فجلس إلى جنبه، فلما سلم أبو بكر قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة التي فاتته. وتوفي من يومه ذلك يوم الاثنين، وصلى الناس عليه فرقاً فرقاً وحداناً بغير إمام تصلي فرقة، ثم تخرج، ثم تدخل أخرى، وغسله العباس وعلي والفضل وشقران، ونزلوا في قبره، وتولوا كفنه ودفنه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل، وتوفي وهو ابن ستين سنة وقيل ثلاث وستين سنة. (1/46)
صفحة 47
خلافة أبي بكر
فلما توفي اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فجاء الخبر إلى أبي بكر فخرج ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا الأنصار فكلموهم فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فلما سمع عمر ذلك ضرب بيده على يد أبي بكر فبايعه وبايعه أبو عبيدة ابن الجراح ثم أسيد بن الحصين ثم رجع الناس إلى المسجد، وصلى أبو بكر بالناس الظهر، وتخلف على بيعة أبي بكر علي بن أبي طالب فمكث أبو بكر ثلاثة أشهر وعلي لا يبايعه وبايعه الزبير بن العوام.
أن
يلي
قال: وبعد هذا تكلم علي بكلام فقال: أرضيتم يا بني عبد مناف هذا الأمر عليكم رجل من بني تيم فبلغ عمر كلامه إلى أبي بكر، فلم يحقد عليه أبو بكر، ثم مرّ بأبي بكر يوماً وهو في داره فقال له: أتحب أن أبايعك يا أبا بكر؟ فقال له أحب أن تدخل فيما دخل فيه المسلمون، فجاء بعد الظهر وبايعه، وكان أبو بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعدما ما بويع له قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الذي رأيتم مني لم يكن حرصاً على ولايتكم، ولكني خفت الفتنة عليكم والافتراق فيما بينكم، فدخلت فيها لهذا، ع الأمر إلى أحسن ذلك وهذا أمركم اليوم قد رددته إليكم فولوا
وقد رجع الا على أنفسكم من شئتم وأنا أحدكم فأجابه الناس جميعاً رضيناك حظاً
- 47 - (1/47)
صفحة 48
وقسماً، فأنت المرتضى. وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاتنا وهو حي، رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا واختارك، ورضيناك لدنيانا وآخرتنا، وأحدثوا بيعة
أخرى.
قال وفي هذه السنة توفيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الثلاثاء لثلاث ليال خلون من شهر رمضان بعد وفاة رسول الله صلى
الله عليه وسلم بستة أشهر وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة. وفي هذه السنة ارتد من ارتد من العرب فمنهم من ارتد عن الإسلام إلى عبادة الأوثان، ومنهم من قال: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا نجعل في أموالنا شركاء، ففيهم يقول أبو بكر لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوا مني عقالا وفي رواية عناقاً مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه حتى الحق بالله أو يعطوا ما منعوا فقاتلهم أبو بكر حتى قوم أودهم وأعانه
الله
على
أولاه، فلم يرفع عنهم السيف حتى دخلوا فيما خرجوا منه. قال أبو القاسم وجب تبيين هذه الردة وكيف استحل أبو بكر دماءهم وقد رمز الأشياخ فيها رمزا أجملوه وتركوه أعني قولهم في صدر الجزء الأول من كتاب الزكاة، ولم يكن لأبي بكر أن يهرق دماءهم إلا على أمر يحل به قتلهم وكيف استحل دماءهم وهم قد قالوا لا إله إلا الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله فإذا قالوها فقد حصنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، ومع أن القوم قد تأولوا في منع الزكاة قول الله عز وجل «خذ من أموالهم صدقة» وقالوا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فأخذها
منهم حتى
مات فأين
ذكر أبي بكر، فإن قال أن القوم بغاة ليسوا بمرتدين قيل فما بال
سبي
_ EA_ (1/48)
صفحة 49
الذراري وقد سبى أبو بكر بني حنيفة، وسبى علي منهم جارية فولد له
منها ولده محمد
بن الحنفية، وقد طعن في هذه الرواية.
فمن هنا بدا طعن الرافضة في أبي بكر، وقد تعلق به ابن الأزرق وأصحابه في السبى والغنيمة.
فأقول الواجب أن تعلم أن الذين لزمهم اسم الردة من العرب صنفان، صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم أصحاب
مسيلمة
الكذاب نحا
ومن نحوهم والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين
الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وانكروا فرض، الزكاة، فأما الصنف الأول فلا نظر فيه إلا في السبي وأما الصنف الثاني فالنظر فيه في القتل والسبي والغنيمة، فأما القتل فقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم في احاديث منها حديث ابن عباس عنه عليه السلام مانع الزكاة يُقتل»، وحديث ابن عمر عنه عليه السلام) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها، وحسابهم على الله» وفي حديث أنس، قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب فهم أبو بكر بقتال العرب فقال له عمر: أتريد أن تقاتلهم؟ فقال أبو بكر: «إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا رسول الله، ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم»، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأضعها في فقرائكم، فوجب بهذا الحديث أن الزكاة حق واجب لفقرائنا في أموال أغنيائنا، فيكون قتالهم على هذا من جهة منع الحق ومانع الحق يقتل باتفاق. فقد نطقت الأخبار المتقدمة أن منع الزكاة في الأصل شرط في حقن
الله
وان
- E 9_ (1/49)
صفحة 50
الدماء والأموال، واما السبي والغنيمة فإنما كان بالرأي من المسلمين والنظر منهم، وإنما انعقد الاجماع على أن المرتد يُقتل ولا يُسبى ولا يُغنم ماله بعد ذلك، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، ووجه ذلك أن الناس يومئذ حديثو عهد بالكفر ولم يستبصروا في الإسلام فلما أبصروا الإسلام غرة، وهم كانوا على الكفر رجعوا إلى ما هم عليه كأنهم لم يدخلوا فيه وتعاضدوا عليه، وتظاهروا مع أن الإسلام يومئذ لم يبزل ولم يكن لأكثر العرب فيه بصيرة، فلما تبزل الإسلام وتوالد الناس على الفطرة أجمعوا على أن المرتد يُقتل ولا يُسبى ولا يُغنم. وقال الشيخ أبو يعقوب في العدل والإنصاف هو من متروك السنن يعني السبي والغنيمة. وقال فيه وآخرا إنه امتنع قبول الإسلام منهم بعدما قتلهم وفتحهم حتى اشترط عليهم شروطاً، وذلك حين قدم عليه وفدهم يطلبون الإسلام. قال محمد بن اسحاق: جاء وفد خزاعة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح فخيرهم أبو بكر بين الحرب المجلية والسلم المخزية، فقالوا هذه الحرب المجلية قد عرفناها وما السلم المخزية؟ قال: تنزع منكم الحلقة والكراع وترون قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتتركون أقواماً يتبعون اذناب البقر حتى يُرى الله فيكم خليفة رسوله والمؤمنين أمراً يعذرونكم به وما غنمنا منكم كان لنا وما غنمتم منا رددتموه الينا، ثم عرض أبو بكر قوله وقولهم على الناس فقال عمر: أما ما رأيت من نزع الحلقة والكراع ويتركون أقواماً يتبعون اذناب البقر فنعم ما رأيت وكذلك ما غنموا منا وما غنمنا فنعما منهم رأيت وأما قتلانا وقتلاهم
فإن قتلانا قتلوا على أمر الله، فأجرهم على الله لا دية لهم فتتابع الناس
على قول عمر.
قال أبو يعقوب، وفي هذه الشروط كلها على من أراد الإسلام إنما هي
_ O._ (1/50)
صفحة 51
من الرأي والسنة والقائمة لا شرط ولا كلفة على من أراد الإسلام. قال: ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ففيها أوتي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأشعث وهو من أهل الردة وكذلك عيينة بن حصن أتى به أبو بكر أسيراً فاطلقهما ولم يسترقهما. أما الأشعث فقد بعث به إليه زياد ابن لبيد فكتب إليه زياداً إنما أنزلناه على حكمك وقد بعثنا به إليك وبأهله وما له فرأى فيه رأيك، فجعل أبو بكر يعد عليه غدراته ويقول: فعلت وفعلت وهو أمامه في الحديد مغلولة يداه إلى عنقه. فقال له الأشعث: استبقني لحربك وزوجني أختك، ففعل أبو بكر ما سأل. وفي المسند الصحيح أبو عبيدة عن جابر عن عائشة الله قالت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أراد نساءه أن يبعثن
عثمان بن
رضي
عنها
الله عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن من رسول صلى الله عليه وسلم فقلت لهن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن معاشر
الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة.
صلي
الله عليه
أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وسلم: «ما يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً ما تركت بيد نفقة نسائي ومؤنة عاملي صدقة»، قال الخطابي في المشكل في شرح هذا الحديث سفيان بن عينية قال إن أزواج رسول الله صلى بلغني عن. الله عليه وسلم بمنزلة المعتمدات، ولا يحل لهن أن ينكحن أبداً أفلذلك جرت لهن
النفقة وترك لهن حجرهن.
الله
واما قوله مؤنة عاملي العامل هنا الخليفة، وذلك أن الله. رسول صلي وسلم كان يأخذ من الصفايا التي كانت له وهي التي قال الله عز
عليه
وجل «فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب كأموال بني النضير وفدك من خيبر نفقته ونفقة نسائه وأهله، وكان غالب ذلك من فدك، ويصرف
_01_ (1/51)
صفحة 52
الباقي منها في أموال المسلمين، فوليها أبو بكر بعد ذلك على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عمر كذلك فلما صار الأمر إلى عثمان اقتطعها أقاربه، فلم تزل كائنة في أيدي بني مروان حتى ردها عمر بن عبد العزيز الى ما كانت عليه على عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
رضي
ومن تبعهما بإحسان. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة من الهجرة قال كان فيها وفاة أبي بكر الله عنه مرض في يوم الاثنين لسبع ليال بقين من جمادى الأولى وكان مرضه خمس عشرة ليلة وكان بدء علته أنه اغتسل في يوم بارد فحم فكان يثقل كل يوم لا يقدر على الخروج إلى الصلاة فكان يأمر عمر فيصلي بالناس ويدخلون عليه في بيته يعودونه، فدخلت عليه عائشة ليلة من الليالي، فقالت له: إنك إن تعهد إلى الناس وتبين من الوالي بعدك خير من أن تدعهم. فقال نستخير الله تعالى ثم ننظر في
ذلك.
فقالت له إن أولى الناس بهذا الأمر بعدك، عمر، فقال أبو بكر نعم الولي عمر وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد ونعم الرجل هذا الخارج يعني عثمان. فقال له ولده عبد الرحمن بن أبي بكر، أن قريشاً لتحب ولاية عثمان وتكره ولاية عمر، فقال أبو بكر ولم يا بني؟ فقال لغلظته عليهم ومجانبته إياهم، فقال أبو بكر اما أنه لا يقوى عليهم غيره، يا بني إن عمر ذو لين وشدة ولو كان والياً لكان ألين وأشد، فلما أصبح أبو بكر دعا نفراً من المهاجرين فاستشارهم واحداً واحداً في عمر ثم دعا عثمان فقال له: أخبرني عن عمر، فقال: اللهم إن سريرته خير من علانيته وليس فينا مثله، فقال له أبو بكر: لو تركته ما عدوتك والخير لمن لا يلي أمركم، والله لوددت أني خلو من أمركم يا عثمان لا تذكر ما قلت لك لأحد
_ or_ (1/52)
صفحة 53
فخرج عثمان فدعا عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أبا محمد أخبرني عن عمر. فقال: يا خليفة رسول الله هو والله الأفضل وفيه غلظة، فقال أبو بكر ذلك لأنه خلو من الإمارة، ولو أفضت إليه الأمور لترك كثيراً مما هو عليه وقد رمقته إذ اغضبت على رجل في شيء أراني الرضى عنه وإذا لنت أراني الشدة عليه، ولا تذكر يا أبا محمد شيئاً مما قلت لك، ثم دعا سعد بن أبي وقاص فقال له مثل قول صاحبيه، ثم دعا من الأنصار أسيد بن الحصين ولم يكن أبو بكر يقدم من الأنصار أحداً عليه، فقال له: يا أبا بحر إني سمعت رسول الله الله عليه وسلم يقول: «المستشار أمين فما تقول في عمر؟ فقال هو ما علمت يرضى الرضى ويسخط السخط والذي يسر من الخير أكثر من الذي يعلن ولا يلي هذا الأمر أحد
صلي
أقوى عليه منه فقال له: لا تذكر ما قلت لك لأحد.
بسم
الله
قال، ثم خرج فسمع بعض أصحاب النبي عليه السلام بدخول هذا النفر على أبي بكر فدخل عليه رجل فقال: يا أبا بكر ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر؟ فقال أبو بكر أجلسوني، أبالله تخوفوني، خاب من تزود من أمركم ظلماً، قال أقول اللهم قد استخلفت عليهم خيرهم، فقال الرجل أما والله اني لرسول من ورائي، قال: فأبلغهم عني ما قلت لك، ثم اضطجع فدعا ابوبكر عثمان، فقال: اكتب الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر عند آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر ويتقي الفاجر ويُصدق الكاذب، اني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن عدل واتقى فذلك ظني وعلمي فيه ورجائي، وأملي وإن بدل أو غير فالخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ثم بعث بها مع عثمان ورجل معه فجمعا الناس وقالا: هذا عهد أبي بكر،
،
_ or_ (1/53)
صفحة 54
فإن تقروا به وإلا رددناه فقال طلحة وقد نعلم أن فيه عمر.
فقال علي إقر وإن كان فيه عمر وأوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء س، وكُفن في ثلاثة أثواب منها ثوب يلبسه، وصلى عليه عمر بنت عميس، ونزل في قبره عمر وعثمان وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن ابنه ودفن
ليلاً.
وروى الشعبي عن علي أنه قال: كنت جالساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فأقبل أبو بكر وعمر فلما رأهما قال: «هذان سيدا كهول أهل الجنة والأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين ولا تخبرهما». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت إني دخلت الجنة فإذا أكثر أهلها الضعفاء والمساكين وأطفال المؤمنين واطلعت على النار فإذا أكثر أهلها الاغنياء والنساء»، قال: وإذا بميزان على باب الجنة ووضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة أخرى فرجحت بهم، ثم أتى بأبي بكر ووضع في كفة ووضعت أمتي في كفة أخرى فرجح بهم، ثم أوتي بعمر ووضع في كفة ووضعت أمتي في كفة أخرى فرجح بهم، ثم رفع الميزان فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر واسمه عبد أبي قحافة إلا أنه يقال له عتيق العتاقة في وجهه وحسنه ولبث في خلافته الله عليه وسلم سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال،
بعد رسول الله
صلي
الله بن
ثم قبض بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو يومئذ سن رسول الله عليه السلام.
- 54 - (1/54)
صفحة 55
ثم.
خلافة عمر بن الخطاب
الله
رضي
عنه ثم إن عمر
خلف من بعد أبي بكر عمر بن ا الخطاب ولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة فافتح في تلك السنة دمشق وكورها إلى
مص.
قال: وفي هذه السنة أمر عمر بالقيام في شهر رمضان وذلك أنه نظر إليهم في المسجد أوزاعا متفرقين يصلي كل واحد منهم وحده، فقال: لو اجتمعتم على قارئ واحد لكان أحسن، ففعلوا فكان بعد ذلك ينظر إليهم ويقول: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
قال وفي هذه السنة ضرب ابنه الحد في ريح مسكر وجد منه واسمه عبدالرحمن فضربه الحد وهو مريض فقال: له يا أبت ما أنت قائل لربك إن قتلتني؟ قال: أقول له يا رب قتلته فيك، والله لئن تموت تحت السياط أحب إلي أن تموت والحد في عنقي، فمات في ذلك وبعدها كانت وقعة اليرموك وهي الوقعة التي هزم الله فيها الروم ورحل فيها هرقل عن انطاكية إلى القسطنطينية ولم تكن في الروم وقعة تشبهها ..
قال وفي هذه السنة كانت وقعة القادسية على يد سعد بن أبي وقاص وفيها افتتح عمر بنفسه مدينة بيت المقدس بصلح وعهد، وكتب لهم كتاباً. وذكر أن عمر رضي الله عنه لما قدم بيت المقدس خرج رجل من (1/55)
صفحة 56
أصحابه ليستسقي من جب سليمان عليه السلام وهو جب في رحاب المسجد فهوت دلوه، فنزل فيها ليخرجها، فأتاه في الجب ملكان فأخذا بعاتقه فسارا به حتى أدخلاه الجنة فسارا به فيها، فكان كل ما مرا به تحت شجرة، فيمد يده فيؤخره الملكان حتى مرا به تحت شجرة ذات أفنان فمد يده فأخذ ورقة واحدة فقال له الملكان: لو ملكت يدك لسرنا بك إلى يوم القيامة فيها فانطلقا به إلى الجب، فخرج عند صلاة الظهر فأتى عمر فأخبره بالذي كان وبسط يده على الورقة فقال له: أضمم يدك ثم بعث إلى كعب الأحبار فقال له يا أبا إسحاق هل تجد في علمك أن رجلاً من أمة محمد يدخل الجنة في الدنيا ثم يخرج منها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هل تسميه؟ قال: هو شريك النميري، قال: فانظر هل تراه؟ قال فنظر كعب ملياً فقال هو هذا .. فقيل لكعب صف لنا الورقة. فقال: نعم كانت مثل الكف العظيم، أشبه شيئاً بورق الزرافق ـ يعني الخوخ، قال: ففي بيت المقدس اثنا عشر جبا ليس فيها جب اعذب ولا أبرد ماء من هذا الجب ويسمونه جب الورقة.
ومن هنا اهمل سنة الرابعة عشر والخامسة عشر (1). قال وفي سنة ست عشرة رجم عمر امرأة بالجابية اعترفت على نفسها
بالزنا فرجمها.
معه
قال: وفي سنة سبع عشرة شهد أبو بكرة ورجلان.، على المغيرة بن شعبة أنه أتى أم جميل امرأة من بني هلال وقد هلك زوجها وكان المغيرة يدخل عليها فبلغ ذلك أهل البصرة فاستعظموه فدخل عليها يوماً وقد وضعوا عليه الرصد فانطلق القوم الذين شهدوا جميعاً، فكشفوا الستر فرأوه قد واقعها فولى عمر أبا موسى الأشعري البصرة، وأمره أن يشخص 1) إي أتجاوز ذكر أحداثهما.
-07 - (1/56)
صفحة 57
إليه المغيرة وأبا بكرة وأصحابه، فلما قدم أبو بكرة قال له عمر: أبا بكرة، قال: نعم، قال: لقد جئت بشر قال: إنما أتى به المغيرة، ثم قدم المغيرة
عبيد
على عمر وقد تزوج امرأة من بني مرة فقال له عمر: انك لفارغ القلب، فدعا بالشهود فشهد أبو بكرة ومعبد بن شبيل الجهني ونافع بن انهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة، وكان الشاهد الرابع زيادا فقال لا أحقق مثل الذي حققوا ولكني رأيت مجلسا قبيحاً، فجلد عمر الشهود الثلاثة، فقال لأبي بكرة إن تبت قبلنا شهادتك وفي هذه السنة اتخذ عمر دار الدقيق والسويق والتمر والزبيب لما يحتاج إليه من انقطع به في سفره، وللضيف إذا نزل.
عمر
وفي هذه السنة كتب عمر بمواقيت الصلاة إلى البلدان، وفيها رجم
ر ساحراً حفر له إلى عنقه ثم رجمه حتى مات.
قال وفي سنة ثماني عشرة استسقى عمر للناس، وكان قبل ذلك أمر الناس أن يصبحوا صياماً، فخرج متواضعاً متذللاً عليه برود لا تبلغ ركبتيه، رافعاً صوته بالاستغفار، وعيناه تذرفان بالدموع على خديه، فصلي رکعتين جهر فيهما بالقراءة ثم قام خطيباً، قال: فلم أرَ يوماً أكثر باكياً منه. منه واخذ بيد العباس فأوقفه إلى جنبه، فقال: اللهم اني استشفع إليك بعم رسولك فلم يزل يدعو ويبكي حتى كان قريباً من نصف النهار فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى سقوا.
قال: وفي هذه السنة وقع طاعون عمواس وهي على عشر مراحل من بيت المقدس مات يومئذ ستة وعشرون ألفاً وفيه مات أبو عبيدة بن الجراح والحارث بن هشام وسهيل ويزيد ومعاذ بن جبل، وبهذه القرية مات بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفن فيها، فلما كثر الموت أحدث الناس كيف أصبحت وكيف أمسيت قال وقد وقع الطاعون في سنة أربع وتسعين بالبصرة في شوال فمات يومئذ في ثلاثة أيام سبعون ألفاً،
ووقع
_ ov_ (1/57)
صفحة 58
بها أيضاً طاعون آخر سنة ست وتسعين، قلت وهذا الطاعون الآخر هو الذي يذكره أبو سفيان محبوب بن الرحيل ويسميه في كتابه الطاعون الجارف. قال في كتابه: رجل رأى في منامه في أيام الطاعون أنه يخرج من داره اثنا عشر ميتاً وهو وعياله اثنا عشر، فمات من عياله أحد عشر، فبقي وحده، فخرج فقال في نفسه. ثاني عشر فإذا كان الغد دخل الدار
هو
من
فإذا بلص قد دخل يسرق فأصابه الطاعون فمات فكان هو الثاني عشر فبقي وحده، قال: وفي حديث مرفوع قال: الطاعون أنا الحق بالشام، فقال الخير والرخاء إنا معك، وقال الجوع والشقاء والعراء والبلاء نحن نلحق بالبادية فقالت الصحة وأنا معكم.
عمار
قال وفي سنة تسع عشرة احتكر الناس طعاماً بالمدينة فنهى عمر عن ذلك فأمر بالطعام أن يخرج إلى السوق حين غلا السعر، وفيها زاد عمر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها قدم على عمر رجل من أشجع من ناحية خيبر فأخبره أن نارا خرجت هنالك فسارت في الأرض حتى فزع الناس وتحولوا من مكان قريب منها، فخطب عمر للناس فقال: أيها الناس تأهبوا للقتال، ثم رأى الناس غير ذلك، ثم قال: تصدقوا فإن الصدقة تطفئها، فتصدقوا فطفئت وفيها افتتح عمر مصر والإسكندرية، وفيها وجفت المدينة، وفيها ولى عمر ياسر على الصلاة بالكوفة، وعبد الله بن مسعود على بيت المال، فشكي أهل المدينة عماراً وقالوا: لا يعرف شيئاً فاستعفاه عمار فدعا عمر جبير بن مطعم خاليا فولاه الكوفة، فقال لا تذكره لأحد فبلغ المغيرة أن عمر خلا بجبير فحرز لها فأتى عمر فقال: بارك الله لك فيمن وليته فإنه وانه، فقال عمر ومن وليت؟ قال. جبير فقال على ذلك أي الرجلين أحب إليك أن أوليه: رجل صحيح الدين ضعيف العقل أم رجل فاجر عاقل قوي؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما الصحيح الدين الضعيف العقل فإن صحة دينه
بن
-01 - (1/58)
صفحة 59
له وضعف عقله على الرغية، وأما العاقل الفاجر فإن فجوره عليه وعقله للرعية، فقال عمر والله لا أدري ما أصنع إن وليت تقيهم كان ضعيف العقل وإن وليت قويهم كان فاجراً، ثم التفت إلى المغيرة، فقال: إنت القوي الفاجر، فولاه الكوفة، فلم يزل فيها حتى مات عمر. قال وفي هذه السنة نهى عمر الناس أن يتخذوا الدواب بمكة. وقال: ليست بأرض
دواب تغلي السعر على الناس. وأهمل أيضاً إلى ثلاثة وعشرين (1).
الله عنه فاستأذنه نساء قال: وفي سنة ثلاث وعشرين حج عمر رضي الله عليه وسلم في الحج معه فأذن لهن فخرجن في
رسول الله
صلي
الهوادج عليهن الطيالسة وكان أمامهن عبدالرحمن بن عوف ووراؤهن عفان فكانا لا يدعان أحداً يدنو منهن. قال: وكان عمر إذا أراد
عثمان بن: الحج يكتب إلى أمراء الأجناد أن يقدموا عليه فيخرجون معه إذا خرج، متجردين للإحرام فنظر إلى معاوية كأن جلده جلد عذراء وكان من أبيض الناس وأجملهم، فوضع اصبعه في عضديه ثم رفعها عن مثل الشراب حمرة قد اتبع الدم أثر إصبعه من تحت الجلد، فقال له عمر: بخ بخ يا معاوية نحن والله إذا خيّر الناس إن كان لنا خير الدنيا ونعيم الآخرة ففطن معاوية لما يريد، فقال: يا أمير المؤمنين أنا بأرض الأرياف والحمامات، فلذلك ترق جلودنا فقال له عمر لا والله ولكن سدة الحجاب وغلاق الباب والطافك بنفسك بطيب الطعام والشراب وبصبحتك إلى طلوع الشمس يعني نوم الصباح، وقلة النظر في حوائج المسلمين، ويحك يا معاوية، وضرب منكبيه وقال إنه من ولّى من أمر المسلمين شيئاً ثم
حجب عنهم
الله. عنه احتجب
يوم القيامة.
1) أي أتجاوز ذكر أحداث بعض السنين.
_09_ (1/59)
صفحة 60
وفاة عمر بن الخطاب
قال: فلما انصرف عمر من حجه أتاه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال له: كلم مولاي يضع عني من خراجي، قال: وكم خراجك؟ قال: دينار كل يوم، قال له: وما عملك؟ قال: أعمل الأرحاء. قال: فبكم تبيع الرحاء؟ قال: بكذا وكذا. قال: ما أرى أن أكلمه، وما هو بكثير، ثم قال ألا تعمل لي رحاء؟ قال: بلى لأعملن لك رحاء يتحدث بها فلما كان السحر اختفى له أبو لؤلؤة فطعنه في المسجد، فلما طعنه صاح: يا
عمر
:
الله ويا للمؤمنين. وعن عمر بن ميمون قال شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن وما منعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته وكان مهيباً فكنت في الصف الثاني وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف الأول بوجهه فإن رأى رجلاً متقدماً أو متأخراً ضربه بالدرة فأقبل فأعرض له أبو لؤلؤة فناجي عمر غير بعيد ثم طعنه ثلاث طعنات، وصاح الناس فأقبلوا فجرح بعده ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم ستة فشد عليه رجل فاحتضنه من فقال قائل الصلاة رحمكم الله طلعت الشمس فتقدم عبد الرحمن بن عوف فصلى بأقصر سورتين من القرآن إنا أعطيناك، وإذا جاء نصر الله،
خلفه،
فحمل عمر رضي ا فقلنا أن كان شيء ينبهه فالصلاة، فقلنا له الصلاة فقال بعدما فتح عينيه
الله عنه إلى منزله فأغمي عليه، فجعلنا ننبهه فلا ينتبه
- 60 - (1/60)
صفحة 61
لاحظ
في الإسلام لاحد ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دماً ثم قال: ادعوا علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فلم يكلم منهم غير علي وعثمان فقال: يا علي لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أتاك ربك من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه ثم دعا عثمان فقال له: لعل هؤلاء القوم يعرفون لك سنك وصهرك وشرفك فإن وليت هذا الأمر فاتق الله، ولا تحمل رقاب بني معيط على رقاب المسلمين. ثم دعا صهيبا فقال: صل بالناس ثلاثاً، وفي رواية إنه ناوله السيف وقال
بهم
الطريق يعني.
أن لم يتفقوا على رجل منهم فاضرب أعناقهم، فلما تولى القوم قال عمر: إن وليها الاجلح. سلك علياً والجلح انحسار الشعر عن مقدم الرأس، فقال له ابنه فما يمنعك أن توليه؟ فقال: أكره أن أحملها حياً وميتاً، ثم قال لابنه: ادع لي طبيباً، فدعاه له، فقال: اسقيه اللبن، فسقوه، فخرج اللبن من الجرح، فقال الطبيب لا أرى أن تمسي فما كنت صانعاً فاصنع، فقال الله أكبر وأيقن بالموت، فجعل من حوله يثنون عليه، فنظر إليهم فقال المغرور والله من غررتموه، ثم قيل استخلف
فقال كيف استخلف؟ وقد رأيت من حرصكم على الدنيا. قال: ولما خلا عمر بعلي وعثمان قال لولده عبد الله: أخرج، فقال له المغيرة لم يخرج وإنه لها والله أهل، فقال عمر أقعدوني فوالله ما أردت بها عبد يحسن أن يطلق امرأته فكيف يحسن القيام بأمر
الله
وجه الله، ليت الرعية، ثم قال والله لوددت اني خرجت منها كما دخلت، والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع، وكان رأسه في حجر عبد الله، فقال له ضع رأسي في الأرض، فجعل يمسح خده بالتراب ويقول: الويل لعمر ولأم عمر إن لم يغفر الله لعمر.
- 61 - (1/61)
صفحة 62
طعن
يوم
وقد لبث عمر في خلافته عشر سنين وثلاثة أشهر، ثم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة أربعة وعشرين من الهجرة، فلبث
سن رسول الله.
صلي
في طعنته ثلاثة أيام يصلي في ثيابه التي طعن فيها فتوفي وهو يومئذ الله عليه وسلم، وكان الشيطان يهاب عمر أن يأمره بمعصية ومن كتاب سالم بن الحطية (1) الهلالي رضي الله عنه قال: بعث أبو بكر رضي الله عنه حذيفة الغلفاني على صدقة عمان، فبعث عماله
إلى قرية من قرى عُمان يقال له دبا (2) فتشاجر المصدق مع إمرأة فضربها بسوط، فصاحت يا آل فلان فاجتمع اليها من اجتمع من أهلها
بني
وغيرهم من أهل القرية فاقتتلوا بينهم فظهر عليهم العامل فسباهم وساق السبايا إلى المدينة في أيام عمر بعد وفاة أبي بكر (رضي الله عنه) فأخبر عمر خبر القوم، والذي كان من أمرهم، فسبه عمر وقال: والذي نفسي بيده لو أعلم أنك سَبَيْتهم بدين لقطعتك طوائف، فرد هو السبايا وأنفق عليهم حتى ردهم قال سالم في كتابه: فزعمت هذه الخوارج الملعونة انهم إنما عرفوا السبي من أهل القبلة من، قبل دبا وبني ناجية
فعمدوا إلى زلة المسلمين فاتخذوها ديناً. وذكر سالم في كتابه إنه لما طعن عمر أحدق به الناس يبكون، فقال ما يبكيكم فقالوا نخاف من بعدك. فقال لهم دينكم واحد وكتابكم واحد وقد أثر الأول للآخر فمن أعطاكم الحق فاسمعوا له وأطيعوه، وإن أبى فأضربوا أنفه بالسيف، ألا وإنني تركت الإمامة بعدي على مثل المحجة الا أن يتركها تارك، قال له وذكر أيضاً أنه أقبل المقداد بن الأسود فارس
1) الصحيح هو سالم بن ذكوان الهلالي. (2) مدينة عريقة في شمال عمان، كانت من أسواق العرب في الجاهلية قبل الإسلام، الآن تتبع محافظة مسندم في سلطنة عمان.
وهي
- 62 - (1/62)
صفحة 63
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للنفر الستة الذين جعل فيهم عمر الشورى انشدكم الله لا تولوا أمركم رجلاً لم يشهد يوم بدر وفر يوم بن عفان، ثم إن القوم ولوا أمرهم عبد الرحمن بن
أحد،
يعني
عثمان
يرجو
عوف، فاختاره عبد الرحمن لسنّه ولتقدمه في الإسلام، ولما كان فيه من الخير فولاه أمر أمة محمد لما سبق في علم الله من وقوع الفتنة
التي
حذرهم
الله إياها ولم يجرهم منها، فقال لأصحاب محمد واتقوا
فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة.
وقال «هل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم ا الله فأصمهم وأعمى أبصارهم».
- 63 - (1/63)
صفحة 64
خلافة عثمان بن عفان وأحداثه (1)
ثم
خلف من بعد عمر عثمان
عفان، قال صاحب الكتاب بن
المخالف: بويع عثمان عفان في غرة المحرم سنة خمس وعشرين بن من الهجرة، قال في كتابه: عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله سعد
فكان بدء الشر، قال ثم زاد عثمان في بن أبي سرح بن
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسعه وابتاع من قوم وابي آخرون، هذا فعضبهم فصاحوا به فسيرهم إلى الحبس وقال: قد فعل بكم عمر ولم تصيحوا به وغزا أفريقية وفتحها على يد عبد وجماعة من المسلمين وكان عمر كره فتوحها، وقال: لا تحتمل والياً
مقسطاً،
الله
بن أبي سرح
وصالح عبد الله أهلها على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف
بن
أحداث
1) يستطرد المؤلف في ذكر أحداث الخليقة الثالث عثمان: عفان وهي اتفق المسلمون على وقوعها أو على وقوع معظمها منه، ولكنهم اختلفوا في الحكم عليه وعليها، فبعض عذره بحجة الصحبة والمصاهرة، وبعضهم لم يعذره بحجة أن الصحبة ليست عصمة والمصاهرة قرابة نسب، وما كنا نتمنى أن تحدث تلك الأحداث من الخليفة الثالث عثمان، ولا تلك النهاية المأساوية التي انتهت به أو انتهى اليها، ولعل ضعف شخصيته وكبر سنه هما اللذان جعلاه رهين تصرفات أقاربه من بني أمية الذين كانوا غير أمينين على المسؤولية التي أوكلها إليهم بدلاً الله كبار الصحابة الكرام رضي. من كانت النتيجة ما حدث له، والله عنهم، حتى
الأمر من قبل ومن بعد.
- 64 - (1/64)
صفحة 65
ديناراً. قال وفي هذه السنة افتتحت مدينة قبرص. قال جبير بن بصير:
:
أذل |
الله
نظرت إلى أبي الدرداء يبكي فقلت له: ما يبكيك، وهذا يوم فيه الشرك وأهله وأعز الله فيه الإسلام وأهله، فقال لي: ثكلتك أمك ما أهون الخلق على الله إذ تركوا أمر الله، قال في كتابه: في سنة ثلاثين من الهجرة سقط خاتم النبي صلى ا الله عليه وسلم من يد عثمان في بئر أريس على ميلين من المدينة وهذه البئر جلس عثمان على حافتها هو وبعض أصحابه، وكانت في جنان له فجعل يحول الخاتم في يده من اليمني إلى اليسرى ومن اليسرى إلى اليمنى فسقط الخاتم في البئر، وكان نقشه محمد رسول الله، وكانت البئر من أقل الآبار ماء، فما أدرك لها قعر من يومئذ، فبات عليها ثلاث ليال يماح ماءها الليل والنهار فما يزداد الا كثرة، وكان قبل أن يقع الخاتم في البئر قد مات رجل من الخزرج فلما وضع موضع الجنائز وقد تقدم الإمام ليصلي عليه تكلم في أكفانه كلاماً مفهوماً، وقال صدّق صدق أبو بكر الصديق اللين في نفسه القوي في أمر الله، صدق صدق عمر الفاروق القوي في بدنه، القوي في أمر الله، صدق صدق عثمان بن. عفان ببئر أريس فلم يدر الناس ما خبر بئر أريس، حتى سقط فيه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واريس هو رجل من اليهود نسبت إليه هذه البئر وعرفت به فيومئذ نقم الناس من عثمان
وأخذوا عليه.
-70_ (1/65)
صفحة 66
نجا
ذكر الفتنة واختلاف الناس فيها وبيان مذهب أصحابنا (1)
والسبب الذي كتبت به هذا الكتاب أني نظرت إلى كتاب الطبقات في ترتيب بيانه وحسن نظامه وتبيينه معالم المذهب وأعلامه، فرأيته في خلوه عن ذكر الأئمة من الصحابة وبيان الفتنة وأحكامها، وكيف عارياً، من بعض المقصود، تاركاً لبعض من نجا، وهوى من هوى المعهود، فكأنه في تمامه كالناقص، وفي إقباله كالناكص؛ لأنه من هناك المنبع والأصل، ومنه الافتراق والفصل، قال الله عز وجل «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن تعالى (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون». وقال تعالى: فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم ا الله فاصمهم وأعمى أبصارهم، وقال سبحانه و فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه
الله
شديد العقاب». وقال
هي
1 يسقط المؤلف هنا على عثمان بن عفان وأحداثه رؤية القائلين بخطأ عثمان في تلك الأحداث، الذين يرون أن الصحبة النبوية ليست عصمة وإنما فضل، كما يرون أن المصاهرة النبوية هي قرابة نسب لا تمنح عصمة دينية من الحكم بالتخطئة والإثم لأن الله تعالى خاطب نبيه نوحاً عليه السلام في ولده بقوله «يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمرهم واحد في أصول العقائد وفي أصول الاخلاق، وفي أصول الشرائع.
-77. (1/66)
صفحة 67
الله فسيؤتيه اجرا عظيما، وقال سبحانه وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من
الله
قبلهم .. إلى قوله فمن كفر بعد ذلك فأولئك هم الخاسرون). وذكر في المسند الصحيح في رواية أبي سفيان، قال لما نزلت هذه الآية واتقوا فتنة (الآية) وعند النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر عنهما وعلي وعثمان فقال أبو بكر: أين أنا يومئذ يا رسول الله؟ فقال: تحت الثرى، فقال عمر أين أنا يومئذ يا رسول الله؟ قال: تحت الثرى. فقال عثمان: أين أنا يومئذ يا رسول الله؟ فقال: بك تفتح وبك تنشب. ثم قام علي فقال: أين أنا يومئذ يا رسول الله؟ فقال: إنت
رضي
إمامها وزمامها وقائدها تمشي فيها مشي البعير في القيد. وقال صلى الله عليه وسلم لفتنة بعضكم على أمتي أضر عليها من فتنة وعنه عليه السلام لضرس بعض الجلساء في نار جهنم أعظم من
الدجال،
جبل أحد. وقال صلى الله عليه وسلم: «يثور دخانها تحت قدمي رجل
يزعم أنه مني وليس مني، الا أن أولياء الله المتقون». وقوله عليه السلام:
بين
مالهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، عمار جلدة ما عيني، مهما اصيب المرء هناك لم يستبق، وقال لعمار (تقتلك الفئة الباغية يا عمار»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
شاء
وأول الفتنة عثمان بن عفان وذلك أن عثمان مكث في الخلافة ما الله يعمل بكتاب الله وسنّة نبيه والخليفتين أبي بكر وعمر، فطال عليه الأمر، فأحدث وبدّل وكان أول ما نقم عليه المسلمون أنهم كلموه في إنفاذ وصية عمر بن الخطاب في ابنه عبيد الله، وذلك أن. الله عبيد طعن أبو لؤلؤة أباه فقيل إنه رأى مع جفينة والهرمزان في السوق ومعه
لما
- TV_ (1/67)
صفحة 68
خنجر فوثب عليهما فقتلهما وكانا دهقانيين أ ا في زمان عمر وحسن إسلامهما، فأوصى عمر الستة النفر الذين جعل لهم الشورى ايكم ولي هذا الأمر ليكلف عبيد الله البينة عادلة على أن جفينة والهرمزان أمرا أبا لؤلؤة بقتلي، فإن أتى بها خلي سبيله، وإن لم يأت بها فليقده بهما، فإنه قتل رجلين من المسلمين، فطلبه المسلمون أن يكلفه البينة كما أوصى أمير المؤمنين عمر فجعل عثمان يعتل في أمره يعلل ويؤخره، وجعل عبيد الله يدعى بينة غائبة، وقام إليه علي بن أبي طالب يوماً، فقال: ما رأيت مثل هذا الفاسق عمد إلى رجلين من المسلمين فقتلهما من غير بينة، فوثب إليه عبيد الله فقال له انك هناك فلطمه لطمة، فعلاه عثمان بالقضيب وضرب به رأسه يعني رأس عبيد الله، فأتى به إلى علي ليقتص منه فأبى، ثم عمد عثمان إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من منبره فجلس عليه، وكان أبو بكر لما استخلف جلس دون مقام رسول الله برتبة، ثم توفي رحمه الله، واستخلف عمر فقام دون مقام
أبي بكر برتبة، ثم استخلف عثمان فصعد المنبر حتى
رسول
قتلا
الله
صلي
قعد
مقعد في الله عليه وسلم، فقال سلمان الفارسي: اليوم ولدت
الفتنة .. ثم ألح عليه المسلمون في أمر جفينة والهرمزان، فقال لهم: لا قرابة لهما في الإسلام وأمرهما اليّ، وإني قد عفوت عن قاتلهما، فقال له علي ليس من الأمر فيهما إلا ما قضى رجل من المسلمين، وها قد في إمارة غيرك وحكم الإمام في قاتلهما، ولو قتلا في إمارتك ليس لك أن تعفو عن قاتلهما، فلما رأى أن المسلمين قد أبوا إلا قتل عبيد أرحله إلى الكوفة وأقطعه بها دارا وأرضا فعظم ذلك على الناس وأكثروا فيه الكلام، وذكر بعضهم أن جفينة كان نصرانياً من أهل الذمة، وأما الهرمزان فقد أجمع الناس على أنه مسلم من خيار من
الله
قد أسلم
-71 - (1/68)
صفحة 69
ذلك الزمان من الأعاجم، ثم في كان من حدثه أنه أدخل الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه للمدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيّره من المدينة إلى جزيرة في البحر تسمى دهكل، مما يلي، اليمن، وذلك أنه هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً من الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اني لا أحسن الشعر فالعنه بكل بيت لعنة، فلم يزل طريداً عن حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر وكلمه
المدينة
عثمان وأناس من بني أمية في إدخاله المدينة، فقال أبو بكر: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، فلما مات أبو بكر وتولى عمر كلموه في إدخاله فأبى، وأغلظ عليهم من إغلاظ أبي بكر، فلما استخلف عثمان ادخله المدينة وأعطاه مائة ألف درهم من فيء المسلمين، فاعظم الناس ذلك وأكبروه وأوحشهم خلاف نبي الله والإمامين بعده، فدخل علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف فكلموه في طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يضركم مكانه أن بالمدينة من هو أشر منه، وقد كنت كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطمعني في الاذن له، وقد علمتم قرابتي له ومنزلته منّي، وليس مكانه بالمدينة بضاركم شيئاً، فقال علي: ليس والله بالمدينة أشر من طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيم الله لئن بقيت لتركبن ما هو أعظم، وأعطى مروان ابن الحكم خمس افريقية وأعطى أخاه الحارث بن الحكم مائة ألف درهم من صدقة البحرين، وأعطى عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص ستمائة ألف درهم من صدقة البصرة كتب له بها إلى عبد الله بن عامر وهو عامل على البصرة، وأرسل إليه أبو موسى الأشعري بمال عظيم من صدقة البصرة، فجعل يقسمه بين ولده وأهله بالصحاف،
-79 - (1/69)
صفحة 70
وكان زياد بن عباد مولى الحارث الثقفي حاضراً وهو الذي أتى بالمال من البصرة فبكى وفاضت عيناه بالدموع، فقال عثمان: ما يبكيك لا أم لك؟ فقال: ذكرت عمر وصنيعه في مال أتيته به من البصرة وكان زياد أتى عمر قبل ذلك بمال من البصرة وبين يديه ابنة له صغيرة، فأخذت درهماً وجعلته في فيها، وذهبت فصاح بها عمر لترجع فسعت، فسعى
في إثرها فأخذها وادخل سبابته في فيها فأخرج الدرهم ورده في المال فبكت الصبية وردها إلى صدره، فقال أسكتي بنتي فوالله لأنت تبكين أيام الدنيا كلها أحبّ اليّ من أن يبكي عمر يوم القيامة. قال، فقال: له عثمان الله أبوك عمر منع أهله وقرابته رجاء ما عند الله، وأنا أعطيت اهلي وقرابتي رجاء ما عند الله فخرج زياد وهو يقول ما رأيت كاليوم ولياً أصرف عن حق ولا أسقط في حجة منك يا عثمان. وحمى مواطن المطر من أرض البادية وأرعا فيها أهله وخاصته ومنعه الناس، فكلمه المسلمون في ذلك فقالوا له: يا عثمان أتحرم ما أنزل الله من الرزق على الناس وتحله لنفسك والله يقول (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) فاسمع يا عثمان قبل أن لا تسمع وابصر يا عثمان قبل أن لا ينفعك البصر، قال عبد الرحمن بن حنبل في أحداث عثمان:
أقسم بالله. جهد اليمين
ماخلق
الله شيئاً سُدا
ولكن جعلت لهم فتنة
لكي يبتلوا ولكي نبتلا
دعيت اللعين فادنيته
خلافاً لسنة من قد مضى
_ V .. (1/70)
صفحة 71
وأعطيت مروان خمس العباد
ظلماً لهم وحميت الحمى
ومالا أتاك به الأشعري
من الفيء أعطيته من دنا
فاف لفعلك من فاعل
وتباً لرأيك من ذي نهى
ركبت من الجور غير الرشاد
فهيهات سعيك ممن سعى
رويداً رويدك إن الأمور
تصير إلى منزل للبلى
فإن الإمامين قد بينا
منار الطريق عليه الضيا
فلم يأخذا درهما غيلة
ولا جعلا درهما في هوى
وقد كنت لو شئت في فسحة
وأمر جلي به يقتدى
فلما بلغت هذه الأبيات من قول عبد الرحمن عثمان سود وجهه
وطوفه على حمار في الأسواق، وعمد عثمان إلى عمال عمر بن الخطاب
رضي
الله
عنه فعزلهم عن أعمالهم من غير علة ولا حدث، فعزل الفقهاء
من السابقين الأولين واستعمل السفهاء من قرابته وأهل بيته، واستبدل بالصالح الطالح وبالعالم الجاهل، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخاه لأمه على الكوفة فقال له عبد الله بن مسعود ما جاء بك؟ قال: جئت عاملاً. قال له ابن مسعود: صلحت إذن بعدي أم فسد الناس؟ فقال:
- VI- (1/71)
صفحة 72
طاعته ونصرته.
بل صلحت واستعمل عبد الله بن عامر على البصرة وكان ابن خاله، واستعمل عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر وكان أخاه من الرضاعة واستعمل يعلا بن أمية على اليمن وهو الذي يقال له يعلا بن منية وكان حليف بني أمية واستخلف أسيد بن الأخنس بن شريف الثقفي حليف بني زهرة وكان ابن عمة عثمان، فلم يدع أحداً من أهل الصلاح ممن كان يلي أمور الناس إلا عزله، واستعمل غيره ممن يرجو حدثنا علي بن أبي زيد الجزعاني قال: بعث عمر رضي الله عنه عماراً على الكوفة أميرا وعلى الصلاة والقضاء وبعث عبد الله بن مسعود على بيت مال الكوفة، وأعطى أهلها وأمره أن يؤازر عمار بن ياسر، وبعث عثمان بن حبيب على سواد الكوفة وعلى خراجها ومساحة أرضها وأمره أن يدفع ما جنى من مال إلى عبد الله بن مسعود وفرض لهم كل يوم الله شاة، شطرها وبطنها لعمار، والشطر الباقي بين. عبد بن مسعود وبين عثمان بن حبيب، ثم قال ألا وإني أنزلتكم ونفسي في مال الله منزلة مال اليتيم من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، فلما قتل عمر رحمه الله مكث عثمان ما شاء الله ثم استعمل الوليد بن عقبة على الكوفة، وعزل هؤلاء النفر الثلاثة وأمر أن يرفعوا إليه. وصلى عثمان بمنى بالناس أربع ركعات، وإنما صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين وكذلك أبو بكر وعمر صليا بها ركعتين، وصلى بها عثمان كذلك، وبدا له الخلاف فصلى بها أربعاً، فأرسل إلى علي ذات أن يصلي بالناس، فأرسل إليه علي أن صليت بهم صليت ركعتين ثم أرسل إليه صل بهم أربعاً فقال له علي: لم أكن لأدع سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ولا لغيرك، وعن ابن مسعود رحمه ال
يوم
الله،، قال: لما بلغني أن عثمان صلى بمنى أربعاً، فقال: صليت خلف رسول الله صلى
- vr_ (1/72)
صفحة 73
الله عليه وسلم ركعتين وخلف أبي بكر وعمر ركعتين، فليت حظى من أربعكم ركعتان متقبلتان. وحرق عثمان المصاحف وحرم قراءة ابن مسعود وقراءة ابي بن كعب وأمر الناس أن يقرأوا على حرف واحد، وأمر خالف ذلك الحرف يمثل به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف وهو كقولك هلم وأقبل واذهب وانطلق، وقال صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يقرأ القرآن غضاً
بمن
كيوم أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد».
حدثنا هارون بن سعد بن أبي عبيدة الذهلي قال: لما سمع أبو ذر أن عثمان حرق المصاحف فقال له يا عثمان لا تكن أول من حرق كتاب الله فيحرق الله دمك، وقال الحجاج بن عمرو الأنصاري:
أتيت بتحريق القرآن عظيمة
تعرضت فيها للردى والمهالك
أتحرقه من بعدما قد أتى به
من الوحي جبرائيل خير الملائك
واستسلف من مال الله مالا عظيماً فأتاه عبد الله بن أرقم أمين المسلمين وكان يلى الخمس والغنائم في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي المال في أيام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فأتاه يتقاضى منه، فجعل عثمان يماطله ويمنّيه، فلما طال ذلك على عبد الله ناشده الله إلا أدى ما قبله من في الله، فقال عثمان: مالك ولهذا المال فوالله ما أودّي منه شيئاً أبداً، فلما منه ذلك انطلق إلى المفاتيح فأخذها ثم أتى عثمان والناس عنده، فقال: يا معشر المسلمين، هذه مفاتيحكم وبيت مالكم، ثم قال لعثمان: لا ألي! لك شيئاً أبداً، ثم إن الوليد بن عقبة أحدث أحداثاً عظيمة منها أنه يلعب بالسحرة بين يديه، فإن الرجل منهم يُري الناس
سمع
- 73 - (1/73)
صفحة 74
أنه يقتل نفساً ثم يحييها، فجاء جندب بن زهير العامري (1) ومعه سيف فضرب به الساحر فقتله، فقال أحي ما قتلت أحي نفسك الآن إن كنت صادقاً فهم الوليد بقتله، فقال جندب أنا أقيم البينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رأى ساحراً يسحر فليقتله، فأمر به الوليد إلى السجن فكان على السجن رجل يقال له دينار فقال: دينار: يا جندب انطلق فإني أخاف أن يقتلك، فأكون شريكاً في دمك إذا حبستك، فانطلق جندب حتى أتى المدينة، ودعا الوليد بن عقبة بدينار فقتله لتركه جندبا، فكلم المسلمون عثمان أن يقيد الوليد بدينار، فأبى، وقال رجل من الأزد في
ذلك:
أبضربة لساحر حبس جندب
وتقتل أصحاب النبي الأوائل
وتمشي ثقيف حوله برجالها
تقول أرحنا بالذي أنت فاعل
وقال سراقة الطائي في ذلك:
ولا جندب إن صال بالسيف عدوة
على ساحر في حافة السوق لاعب
وشرب الوليد بن عقبة الخمر صرفاً، وخرج إلى الصلاة، فصلى بهم وهو سكران صلاة الصبح ثلاث ركعات، وقال: حسبكم أم أزيدكم؟ شهدت بذلك الشهود عند عثمان فلم يقم عليه حداً ولا عزله حتى طرده أهل الكوفة منها، فخرج حتى قدم المدينة على عثمان قال الحطيئة: شهد الحطيئة عند خالقه
1) في المصادر الأخرى، الأزدي.
أن الوليد لأخو الغدر
_ VE_ (1/74)
صفحة 75
نادا وقد تمت صلاتهم
أأزيدكم ضل وما يدري
زادهم خمساً ولو قبلوا
زادت صلاتهم على العشر
فأبواله فيها ولو سكتوا
لفرقت بين الشفع والوتر
قصروا عنانك إذ هممت ولو
خلوا عنانك فيها لم تزل تجري
وأراك تفرى ما خلقت له
وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
وأجمع المهاجرون والأنصار على عثمان في أمر الوليد بن عقبة ليقيم عليه الحد ويقيده بدينار فقالوا له: نقسم بالله عليك لتقيمن عليه الحد أو لنركبن عليك ما تكره، فلما اشتد عليه القوم، قال لهم: أما دينار فأنا أولى الناس به، ولا قرابة له في الإسلام وأنا ولي أمر المسلمين، وقد عفوت عنه في قتل دينار، وأما الحد فدونكم فاضربوه فإني أرق له ولا أطيق ضربه، فضربه علي بن أبي طالب بيده، فقال له الزبير والله لتقيدن بدينار أو لتقتلن دنانير كثيرة. وعن عامر الشعبي قال: شهد عليه أناس كثيرة من أهل الكوفة انهم رأوه يشرب الخمر فدعا عثمان بسوط له وأدخله بيتاً فألبسه جبة ثم قال لرجل من قريش: قم إليه فاضربه أربعين سوطاً، فلما دخل عليه ثم قال له الوليد: أعيذك بالله أن تقطع رحمي وان يغضب عليك أمير المؤمنين، فجاء بالسوط إلى عثمان، فألقاه إليه ثم قال ليليه رجل غيري فأمر آخر فقام إليه، فقال له مثل ما قال للأول، فرجع بالسوط، قال الشعبي فلما رأى علي الحد معطلاً قال لعثمان: أقم
- Vo_ (1/75)
صفحة 76
إليه، قال: إن شئت فقم، فلما دخل عليه قال له: اعيذك بالله أن تقطع رحمي، وان يغضب عليك أمير المؤمنين، فقال له علي ما أنا اذاً بمسلم فجلده علي أربعين جلدة، ثم استخلف على الكوفة بعد الوليد سعيد بن العاص ابن أمية فعمل فيها مثل عمل الوليد إلا أنه لم يظهر شرب الخمر مثله فخرج إليه الناس من خيار الكوفة وفيهم مالك الأشتر النخعي فكلموه فيه فعزله وكان مما نقموا عليه منعه الأعراب الجهاد ليسقط بذلك سهامهم من الفيء، وقد كان دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، ودعاهم أبو بكر وعمر فجاهدوا مع المسلمين، مع أمور كثيرة عمل فيها هو وعامله، فكلمه المسلمون ومشوا إليه فيه، وعاتبوه عليه، فأبى أن ينزعه، وقد كان أول من كلمه في ذلك علي بن أبي طالب كلمه في مسجد رسول الله والناس مجتمعون فأغلظ كل واحد منهما على صاحبه وأغضب كل واحد منهما الآخر، ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا أمراً فقالوا: ما يسعنا الكف عن هذا الرجل فاجتمع أمرهم على استتابته أو خلعه، فاجتمعوا في منزل الزبير بن العوام، فقام عبد الرحمن بن عوف، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر وعمر وسيرتهما، ثم ذكر عثمان وأحداثه وجوره ثم قال: أيها الناس أنا أول خالع له إذ كنت أول مبايع له، أشهدكم أني قد خلعته خلع نعلي هذه ثم خلع نعليه من رجليه فرفعهما بيده، ثم قام الزبير بن العوام فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان وشتمه ووصف أحداثه وعابه، ثم قال: يا أبا الحسن ما يمنعك أن تقوم وتتكلم؟ قال علي ما قلتما إلا حقاً ولو قمت لم أقل الا مثل قولكما، ثم اجتمع القوم على أن يكتبوا إليه كتاباً، فكتبوه ووصفوا أحداثه واستتابوه، ثم بعثوا به عمار بن ياسر وانطلق به عمار في نفر معه حتى كانوا بالباب، وأقام
- 76 - (1/76)
صفحة 77
أصحابه بالباب ودخل عليه عمار بالكتاب، فلما دفعه إليه وقرأه ثم قال له يا ابن سمية ما اجتراً عليّ غيرك فقال له وما يمنعني من ذلك؟ فقال عثمان: يا أخذع أنت قريب القوم، فقال له عمار بالقتل تعيرني
فأمر غلاماً له فوطئه حتى فتق بطنه، ثم أخرج يسحب حتى رمي به من وراء الباب وكانت اذن عمار قطعت
مع رسول
الله
صلي
الله
عليه
وسلم وبلغ عثمان الذي كان من اجتماع الناس في منزل الزبير بن العوام فشتمهم، وقال: أعداء الله قد نافقوا، واشترى عثمان العبيد من النوبة والفرس والسودان فأمرهم بضرب من يكلمه فكان الرجل إذا كلمه بادروا إليه بالضرب حتى يرفع من بين يديه.
حدثنا سليمان الأعمش عن عبيد الله بن حارثة، قال: سمعت علياً يقول: دعاني عثمان فقال: يا علي أعنّي نفسك ولك عير أولها بالشام وآخرها بالمدينة، ولك عير أولها بالمدينة وآخرها بالعراق ولك عير أولها بالمدينة وآخرها باليمن، فقلت له: بخ بخ، لقد أكثرت ولو كان من مالك فقال: من إذا فقال علي من مال قوم جلدوا عليه بأسيافهم فقال: وإنك لهناك تذهب، ثم قام فضربني حتى حجزه عني الزبير وأنا أقول: لو شئت لانتصرت فقالت له امرأته نائلة بنت الفرافصة أبأبي الحسن تصنع مثل نائلة هذا؟ وحديث نائلة هذه من غير الفن هي بنت الفرافصة الكليبية وهي من السماوة وكانت على النصرانية فلما تزوجها عثمان سنة ثمان وعشرين من الهجرة أسلمت قبل البناء بها، فلما دخلت عليه قال لها عثمانقال: إنا شيخ كبير فلا تذكرين ذلك. فقالت: إني من نسوة أحب الأزواج إليهن الكهل السيد مثلك، فقال لها: أفتقومين إلينا أم نقوم إليك؟ فقالت: ما قطعت إليك أمر عرض السماوة وأنا أريد أن تتعنا (1)
1) أي تجرنا، تعه أي جرّه وسحبه.
W. (1/77)
صفحة 78
إلى عرض البيت، فقال لها ضعي رداءك فوضعته ثم قال لها اخلعي
درعك فخلعته، فقال لها: حلي مئزرك فقالت لهقال: إنت وذلك. وحدثنا سليمان الأعمش عن أبي صالح عن صهيب مولى العباس أن عثمان أراد أن يخطب ويسمع بعلي وأصحابه فأتاه فلما رآه عثمان، فقال له: أفلح الوجه أبا الفضل، فقال له العباس: ووجهك أن علياً أخوك في دينك وصاحبك مع نبيك وابن خالك وقد سمعت انك تريد أن تسمع به وبأصحابه فلا تفعل فقال له عثمان: إن أول ما أجللتك به فقد شفعتك فيه ثم إن علياً لو شاء كان الشعار دون الدثار ولكنه أبي.
،
قال صهيب فأرسلني العباس إلى علي فقال: أدعه، فدعوته، فقال: إنه بلغني عن عثمان أنه أراد أن يسمع بك وبأصحابك فكلمته فشفعني، وقالقال: إن علياً لو شاء لكان الشعار دون الدثار، ولكنه أبي، فقال علي:
والله لو أمرني أن أخرج من داري لخرجت، ولكن أمرني أن لا أقيم كتاب الله فلن افعل. وحدثنا سليمان الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت بن عبد الله، قال: قلنا لعلي مالكم ولعثمان ما تريدون؟ فقام فنفض ثوبه، فقال: «والذين
جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين».
الله
بن شيبان
وحدثنا سلميان الأعمش عن ميمون بن مهران عن عبد السلمي، قال: قلنا لأبي ذر مالكم ولعثمان ما نقمتم منه، فقال والله لو أمرني أن أخرج من داري لخرجت ولكنه أبى أن يقيم كتاب الله، حدثنا سليمان الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن شيخ من أهل مكة، قال: قلنا لأبي ذر فكيف منزلة عثمان فيكم؟ فقال: ويلك أما لكم حمار تستقون عليه من الماء، فقلت: إني والله قد تركته في الدار. فقال: والله لعثمان أشر من ذلك الحمار، وأظهر أبو ذر عيب عثمان وفراقه وأغلظ له
_ VA_ (1/78)
صفحة 79
حتى
شتمه على رؤوس الناس فسيره إلى الشام، حدثنا
الله
وهب بن عبد
الأزدي عن ابن اخي أبي ذر قال: لما. أبو ذر من المدينة إلى الشام
سير
قد كنت معه وقليلاً ما كنت أفارقه، فلما قدم الشام قام خطيباً قريباً من سرادق معاوية فقال: أيها الناس إن هذا المال مال الله وفئ المسلمين وهو بينكم سواء وإن رغم أنف صاحب السرادق فكب الناس عليه فكان الأمر أمره والقول قوله: وجعل يبين للناس عيب عثمان وجوره وأحداثه فلما رأى معاوية منزلته عند الناس أرسل إليه فأدخل عليه، فقال له: ما هذه الأحاديث التي تحدث بها الناس؟ فقال: ما أحدث إلا عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له معاوية: كذبت، ألست تزعم أن الطير والوحش تحشر يوم القيامة؟ قال: نعم. قال فأت على ذلك ببرهان من كتاب الله. قال: قال الله عز وجل وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون، فقال له معاوية: انطلق فلا تعودن إلى شيء مما كنت تحدث به فلم يقطع الحديث ولم يمسك عن عيب وجوره فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر أفسد عليك قلوب أهل الشام وبغضك إليهم فلا يستفتون غيره ولا يقضي بينهم إلا هو، فكتب عثمان إلى معاوية إذا أتاك كتابي هذا فأحمله على ناقة صعب وقتب خشن وابعث معه من ينخس الحمولة نخساً حتى يقدم به عليّ، فأرسل معاوية إلى أبي ذر يدخل عليه وأنا معه فقال: ألم أنهك عن هذه الأحاديث عما تقول، فقال أبو ذر: وما أحدث إلا بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال معاوية: كذبت على نبينا وطعنت في ديننا وخالفت رأينا وضغنت قلوب المسلمين علينا، فقال أبو ذر: ما كذبت على رسول الله ولا حدثت إلا عنه وعن كتاب الله، فعلام تنازع الله أثوابه يا أ
عثمان
- V 9_ (1/79)
صفحة 80
ابن أم معاوية أو ليس هذا من كذبك؟ قال معاوية أو الله أثواب؟ فقال إي والله إن تاجه الملك، ورداءه العز، وقميصه المجد، فقال معاوية انك
شيخ قد خرفت وذهب عقلك، فقال أبو ذر أما أنا فقد بقي من عقلي ما أشهد به على الصادق المصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال
،
أن إحدنا يموت يوم يموت وهو كافر أما أنا وأما أنت يا معاوية، فوجم لها معاوية ونكس طويلاً ثم رفع رأسه فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وقد أمرنا أن نبعث بك إليه فأوتي بناقة صعبة عليها قتب خشن، فحمل عليها وما على القتب شيء، فبعث معه من يسيره سيراً عنيفاً، وخرج معه ابن أخيه فما لبث الشيخ إلا يسيراً حتى سقط ما يلي القتب من لحم فخذيه، فكنت إذا كان الليل أخذت ملأة لي فألقيتها عليه، وإذا كان السحر أخذتها مخافة أن يشعر بي فيمنعني حتى بلغنا المدينة، وبلغ عثمان ما لقى أبو ذر من الجوع والشر، فحجبه حتى مضت عشرون ليلة وأفاق أبو ذر، ثم أرسل إليه وادخل إليه وهو معتمد على عصاء، فاستوى قاعدا فلما دنا أبو ذر منه فقال عثمان متمثلاً:
لا أنعم الله لعمرو عينا
تحية السخط إذا التقينا
فقال أبو ذر والله ما سماني الله عمروا ولا سماني أبي عمروا، وإني لعلى العهد الذي فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما غيرت ولا نكثت فقال عثمان كذبت .. لقد كذبت على نبينا وطعنت في ديننا وأضغنت قلوب المسلمين علينا. ادعوا لي قريشاً فيكذبوه فوالله ما لبثنا إلا قليلاً حتى امتلأ البيت من رجال قريش، فقال عثمان: أنا بعثت إليكم في هذا الشيخ الكذاب الذي كذب على نبينا، وطعن في ديننا، وخالف أمرنا، وضغن قلوب المسلمين علينا، وإني قد رأيت أن أقتله أو أصلبه
- 80 - (1/80)
صفحة 81
أو أنفيه من الأرض، فقال بعضهم: رأينا لرأيك تبع، وقال بعضهم إنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وله حرمة وحق، قال: فبينما هم كذلك إذ دخل علي بن أبي طالب متوكأ على عصاة له سمراء، فسلم، فلم ير مقعداً، فاعتمد على عصاة له قائماً، فقال فيم أرسلتم إلينا؟ فقال عثمان: أرسلنا في أمر قد فرق لنا فيه فاجتمع رأينا ورأي المسلمين عليه، فقال علي فلله الحمد فلو استشرتمونا لم نألكم نصيحة، فقال عثمان لكم في هذا الشيخ الكذاب الذي كذب على نبينا، وطعن في ديننا، وقد ظهر لنا فيه أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه، فقال علي: ألا أدلكم على خير من ذلك وأقرب رشدا أنزلوه منزلة مؤمن آل فرعون «إن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب»، فقال عثمان بفيك الحجر، فقال له علي بفيك التراب، وستكون فيه، فقال له عثمان: قم يا علي فقد أخذك رسول الله سارقاً وما. منعه أن يقطع يدك إلا قرابتك منه، فقال له علي كذبت على الله وعلى رسوله وخرج غضباناً رداءه، فاستقبله المقداد، فقال: يجر هلم يدك للبيعة فو الله لئن صارت في أكفنا لنضربنهم على تأويله كما ضربناهم على تنزيله وقال: شكى إلى بني العاص قول أبي ذر، فقالوا ائتنا به فنكذبه، ونرد عليه مقالته فجمعهم عثمان وبعث إلى أبي ذر فدخل عليه حتى وضع يده على متكأت عثمان فقال له: عثمان إنك صاحب الكلام، فتكلم بين يدي هؤلاء حتى يكذبوك ويردوا عليك، فقال: إني سائلهم فإن صدقوني تكلمت وإن كذبوني کففت فقال: أسألكم بالله الضار النافع المحيي المميت، الباعث الوارث هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق ذي لهجة من أبي ذر؟ فقالوا: اللهم نعم، فأهوى يده
عنهم،
- 81 - (1/81)
صفحة 82
ودينه
الله
عليه
القيامة،
إلى أذنيه، فقال: صمتاً ثم صمتاً لقد سمعت رسول الله صلى وسلم يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولا، دغلا وعباده، خولا، فأمر عثمان بالناس أن يخرجوا من منزله، وأمر منادياً فنادى في الناس أن لا تقربوا أبا ذر ولا تكلموه، ولا تجالسوه، ثم سيره إلى الربذة، فأردت الخروج معه وكنت أريد أن لا أفارقه ما حيي أو يهلك. فقال لي ابن أخي ارجع فكن مع الناس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أنهم لن يسلطوا عليّ ولن يفتنوني عن ديني وأخبرني أني أسلمت فريداً، وأموت فريداً، وأبعث فريداً يوم حدثنا سليمان الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: التقى أبو ذر ومعاوية فتعاتبا، فقال أبو ذر أما أنا فأشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أحدنا فرعون هذه الأمة إما أنا وإما أنت، فقال معاوية أما أنا فلا فقال أبو ذر أنت فرعون هذه الأمة حدثنا عمرو بن صبيح الكندي عن الأحنف بن قيس قال: بينما نحن جلوس مع أبي هريرة إذ جاء أبو ذر فقال: يا أبا هريرة هل افتقر الله منذ استغنى؟ فقال أبو هريرة: لم يزل الله غنياً حميداً، ونحن الفقراء إليه، فقال: يا أبا هريرة مال هذا يجمع بعضه على بعض فوالله لقد منعوه أهله اليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم انطلق فقلنا لأبي هريرة ما منعكم أن تكونوا مثل هذا الرجل؟ فقال: هذا الرجل وهب نفسه على أن يذبح فيه، وقال أبو هريرة: أما أنا فأشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق ذي لهجة من أبي ذر، وإذا أردتم أن تنظروا لأشبه الناس بعيسى ابن مريم زهداً ونسكاً فانظروا إلى أبي ذر. وحدثنا إبان بن أبي عيسى عن الأحوض بن حكم العبسي عن. خالد قال: لما بلغ أبا الدرداء أن أبا ذر مسيره إلى الربذة، قال: أو فعلوها
المال
معدان بن
- AY- (1/82)
صفحة 83
ارتقبهم واصطبر، والذي نفسي بيده لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضرا ذا لهجة أصدق من أبي ذر، فمن سره أن ينظر إلى المسيح ابن مريم في صدقه وبره وزهده في الدنيا ورغبته في الآخرة فلينظر إلى أبي ذر عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم قال: زرت أبا الدرداء وهو بحمص، فأقمت عنده ليال، فلما أردت الخروج قال أبو الدرداء قال ما أراني الا مشيعك، فخرجا يسيران، فلقيا رجلاً قد شهد الجمعة بالجابية، فأخبرنا بخبر الناس ثم قال: وخبر آخر لم أخبركموه أراكما تكرهانه. قال أبو الدرداء لعل أبا ذر توفي، فقال: نعم، فاسترجع أبو الدرداء، واسترجعت عشر مرات ثم قال: ارتقبهم واصطبر كما قيل لأصحاب الناقة، اللهم قد كذبوا أبا ذر وأنا لا أكذبه، وإن اتهموه فاني لا أتهمه وإن استغشوه فإني لا أستغشاه، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتمنه ولا يأتمن أحداً، ويسر إليه ولا يسر لأحد، أما والذي نفسي بيده لو أن أبا ذر قطع يميني الحديث. وأظهر عبد الله بن مسعود أحداث وعيبه وفراقه وبصر الناس جوره فتابعه أهل الكوفة على ذلك، عن أبي وائل سفيان. مسلمة قال، قال عبد الله بن مسعود وددت أنا
عثمان
يعين
بن
وعثمان برمل عالج يحثي علي وأحثي عليه حتى يموت الأعجل منا. وزاد فيها في كتاب العدل والإنصاف فقالوا له: إذا يغلبك. فقال: لا الله كافراً على مؤمن، وقال: سمعت عبد الله بن مسعود قد ذكر عنده، عثمان فقال: ما يوزن له يوم القيامة ذباب، فقال الرجل ذباب. فقال عبد الله ولا جناح ذباب، قال أنتم أصحاب محمد قاتلوا فنقاتل معكم، وكان عبد الله بن مسعود يقوم كل عشية خميس يخطب الناس يعضهم، ويذكرهم، ويذكر عثمان وجوره وأحداثه. وعن سفيان بن
- AM- (1/83)
صفحة 84
سلمة قال: دخل عبد الله بن مسعود ذات عشية مسجد الكوفة حين أحدث الوليد بن عقبة والناس فيه حلّق حلّق فقال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلط الله عليكم أشراركم، يسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو أخياركم فلا يستجاب لهم، فلما كان الغداة أتاه رجل فقال له: يا أبا عبد الرحمن هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فقال: بل هلك من لم يعرف المعروف ولم ينكر المنكر بقلبه. وحدثنا مسلم الضبي عن خثيمة بن عبد الرحمن عن عبد مسعود، قال: بينما نحن في بيت، ونحن اثنا عشر رجلاً نتذاكر أمر الدجال وفتنته، حتى دخل علينا نبي الله فقال: والذي نفسي بيده أن في البيت من هو أضر على أمتي من فتنة الدجال، فقد مضى من في البيت يومئذ غيري وعثمان والذي نفسي بيده لوددت أني أنا وعثمان برمل عالج يحثى علي وأحثى عليه حتى يموت الأعجل منا، وحدثنا الأخلج
الله
بن
بن عبد الله عن محمد بن عبد الرحمن النخعي قال: بينما أنا أقود بعبد الله بن مسعود بين أخشبى مكة فقال: ما أنا إذ يطردني المشركون بين
اخشبى مكة باخوف مني اليوم وما يخيفني اليوم إلا من كان يومئذ. وحدثنا سليمان الأعمش عن يزيد بن وهب الجهني قال: أرسل عثمان خالد بن عرفطة إلى عبد الله بن مسعود، فقال له: قل له إما أن تدع هذه الكلمات أو تظعن عن مصرنا .. فقال: بل أظعن. فلما أن خرج أتاه الناس فقالوا له: لا تأتيه فإنّا لا نأمنه عليك، وأقم فوالله لا يصل إليك أبداً فعزم عليهم فرجعوا.
وحدثنا سليمان الأعمش، قال: ورفع الحديث إلى بعض الكبراء لما سير ابن عفان عبد الله بن مسعود من الكوفة إلى المدينة قدمها ليلاً وهي الليلة التي قدمها أبو ذر مسيراً من الشام، ونزل على سعد بن أبي وقاص،
_ AE_ (1/84)
صفحة 85
فبلغ عثمان قدومه حين أصبح ولم يدر أين نزل، فجعل يسأل عثمان: أين نزل؟ فلقي سعداً فقال: أين ابن أم عبد؟ فقال أوقدم، فقال: نعم، أما والله لاشفينك فيه. وكان بين سعد وابن مسعود قديم يظن عثمان أن يعجب سعداً، فقال سعد: والله لا يعجبني أن تتعدى عليه، فلما أعياه أين نزل خطب في الناس يوم جمعة، فقال: أيها الناس طرقتكم دويبة من يمشي على طعامه يقي ويسلح فاحذروها أيها الناس. وراح ابن مسعود إلى المسجد، فلما سمع قول عثمان قام فقال: لست أنا ذلك، ولكني صاحب رسول الله الله عليه وسلم يوم بدر وأحد وبيعة الرضوان، فقال له عثمان: إنك لهناك؟ فأمر به مولى له يقال له ابن زمعة مشداً طويلاً فأخذه أخذا عنيفا، فضرب به الأرض، فدق أضلاعه، فنادت عائشة أم المؤمنين وفتحت الباب وقالت: والله لئن لم تخل عنه أبعبد عبد الله بن مسعود يصنع هذا؟ فناداها عثمان
لكشفت عن وجهي
صلي
الله
فقال: يا حميرا اسكتي وإلا أملأنها عليك سودانا، فاستخرج عبد بن مسعود وهو يقول: أمر بي الكافر ابن زمعة فدق أضلاعي، فأمر به عثمان، فأخرج من المدينة وألقي ناحية منها، فخرجن أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وضربن بيوتهن حوله، ثم إن عثمان لم يزل يستشفع بعائشة عند عبد الله ليأذن له فيدخل عليه فدخل عليه، فقال: أقعدوني فقعدوه، فقال له عثمان: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن، فقال له عبد الله فإن كنت كما أقول فما ينفعك وإن كنت كما تقول فما يضرك إن لم أستغفر لك. وكان عثمان حبس عطاياه خمس سنين، وكان عطاؤه كل سنة خمسة آلاف درهم، فاجتمع له خمسة وعشرون ألفاً، فقال له عثمان: أبعث إليك عطاياك، فخذها فقد اجتمع لك عندنا مال، فقال عبد الله:: لا والله لا آخذ منها شيئاً حتى ألقى محمداً، فقام عثمان
_ AO_ (1/85)
صفحة 86
فقال للزبير بن العوام: لا تسبقني بجنازته، فلما مات عجل القوم دفنه، فبلغ عثمان موته فركب فأتاهم فوجدهم قد فرغوا من دفنه، فقال لهم: يا زبير رفعتم والله أيديكم عن خير من على الأرض، ولم تعلموني، فقال الزبير متمثلاً:
لأعرفنك بعد الموت تندبني
محمد
وفي حياتي ما زودتني زاداً
حدثني علي بن بن جذعان القرشي قال: بعث عثمان إلى الوليد بن عقبة أن أخرج عبد الله بن مسعود من الكوفة. فجعل عثمان يسأل عن كل راكب جاء من الكوفة: هل لقيت عبد هذيل؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: من تعني بعبد هذيل؟ فقال ابن أم عبد؟ فقال له أتقول هذا لصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفيه وخليله؟ فقال له عثمان: دعنا منك، فلما بلغ عثمان قدومه وذلك ليلة الجمعة، فقال في خطبته: أيها الناس طرقتكم دويبة من يمشي على طعامها يقي ويسلح فاحذروها، فطلع عبد ا الله بن مسعود من باب المسجد، فقال له عثمان: أخرج أقسم عليك الا خرجت، فأبى، فأمر عثمان غلاماً له أسود طويلاً مشرباً يقال له ابن زمعة فاحتمله فكأني أنظر إلى رجلي ابن أم عبد عند إست الرجل، حتى أخرجه، فألقاه خارجاً فدق أضلاعه، فمرض من ذلك عبد الله مرضاً شديداً، فجاءه عثمان يعوده، فاستأذن وسلم ثلاثاً كل ذلك لا يأذن له، عنده بعض أمهات المؤمنين، قال عثمان لأم المؤمنين تأذني لي عليه؟ فكلمته فأذن لها أن تأذن له، فلما دخل عليه، قال: استغفر لي يا أبا عبد الرحمن، فسكت فقالها ثلاثاً، فقال: أيستغفر مؤمن لكافر أم كافر لمؤمن؟
حدثنا
جبير بن سعيد عن الحسن بن أبي الحسن، قال اني لشاهد
-17. (1/86)
صفحة 87
يوم
الجمعة إذ دخل عبد
الله
بن مسعود فامر به عثمان غلاماً أسود
ليأخذه وإني لقريب المجلس منه فادخل يده تحت مأبطي رجليه، ثم احتمله وجمع ركبتيه إلى صدره، فكأني أنظر إلى تحريك رجليه وعبد الله يقول: أنشدك الله أن لا تخرجني من مسجد خليلي، فأتى به إلى المسجد واستقبل به، الجدار فجعل يضرب الجدار بعجزه حتى كسر عصعصه وفرق أنثثيه ودق أضلاعه.
حدثنا
جبير بن
سعد عن
الضحاك بن مزاحم، قال: لما ثقل عبد الله بن مسعود أتته أمهات المؤمنين فضيئت بيوتهن حوله وحلن بينه وبين الناس، وأناس كانوا عنده من المهاجرين والأنصار. فلما بلغ عثمان ثقله أتاه فاستأذن عليه، فأبى أن يأذن له فاستشفع بأمهات المؤمنين وبرهط من المهاجرين والأنصار فأذن له، فقال لعمار بن ياسر: أدع لي ثيابي، فدعا له ثيابه، فلبسها وقال لعمار: أسندني إلى صدرك وأقبل بوجهي إلى الجدار، وقد كان رسول الله آخا بينه وبين عمار بن ياسر، فدخل عثمان مسلماً عليه فأبى أن يرد عليه، فقال: أقبل بوجهك يرحمك الله،
فلم يزالوا به حتى أقبل بوجهه فقال له عثمان: ما تشتكي يا أبا عبد الرحمن، قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟؟ قال المغفرة. قال ألا ندعو لك الطبيب ليداويك؟ قال: فعل هذا بي. فقال: ألا نأمر لك بعطائك؟ قال: حبستها عني إذ أنا لها محتاج وتعرضها علي إذ أنا عنها غني، قال أرى في بناتك عيلة. قال: لا أخاف عليهن عيلة ماصلين الغداة، ثم قال عبد الله: يا أمهات المؤمنين، ويا أصحاب محمد، أناشدكم الله أن صدقت لما صدقتموني، وإن كذبت لما كذبتموني، أتعلمون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مواطن يوم كذا وكذا لعدد مناقب له فقالوا اللهم نعم، ثم قال: وتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في مواطن
- AV_ (1/87)
صفحة 88
من
ثلاثة اللهم إني قد رضيت لأمتي من رضي لها ابن أم عبد، وسخطت سخط لها؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال عبد الله: اللهم إني لا أرضى لأمة خليلي عثمان بن عفان نادى بذلك مراراً، فقال عثمان: مهلاً مهلاً، غفر الله لك، استغفر لي غفر الله لك، ثم قال ابن مسعود: اللهم لا تغفر لعثمان حتى ترضني منه يوم القيامة، فخرج عثمان وأقعد غلاماً له عنده، وأمره إذا مات عبد الله الله أن يعلمه، فضرب على أذنيه فنام، ومات عبد الله ليلاً وقد أوصاهم أن يعجلوا، دفنه، وقد حفر له قبل موته فبلغ عثمان موته فركب برذونا، له وجاء يركض فوجدهم قد فرغوا منه، فقال لعمار ابن ياسر: يا بن السوداء أخرجتموه ولم تعلموني؟ فقال له عمار قال: إن أكن ابن السوداء فأنت ابن الهاوية. فنزل إليه، وجعل يضربه ويطأه، ثم قال: والله لانبشنه، فقال عمار لا والله حتى تكون بارقة قبل ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف: أتريد يا عثمان أن تجعلها سنة للجبابرة بعدك كلما أرادوا أن ينبشوا ميتاً؟ لا والله لا يكون ذلك حتى تحول السيوف بين أذني وعاتقي، ثم أقبل عثمان يثني على عبد الله ويستغفر له، فقال له رجل من القوم: أتدري ما مثلك مثل القائل:
لأعرفنك بعد الموت تندبني
وفي حياتي ما زودتني زادا
وكثر الكلام في أمر عثمان وأظهروا عيوبه ونادوا به في وجهه وأخبروه
أنهم غير مقاريه عليها.
وحدثنا جبير بن سعد قال: أتى أناس أبي بن كعب وهو جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا المنذر إن عثمان
كتب إلى بعض بني المعيط بصك إلى بيت مال المسلمين ليأخذ منه ما من المال، قال: أوقد كان هذا قالوا: نعم. قال لو أعلم ما تقولون
شاء
- M_ (1/88)
صفحة 89
حقاً لدخلت عليه فاسمعته ما يكره فقام إلى عثمان، فقال له: أنت الذي تصك إلى بيت مال المسلمين يا بن الهاوية، يا بن النار الحامية، هلكت وأهلكت قال له عثمان: لولا أنك شيخ وليس فيك موضع للعقوبة لعاقبتك.
حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مجاهد بن أبي الحجاج المكي أنه قال: قام رجل فأثنى على عثمان، فقام المقداد الأسود فأخذ تراباً فحثاه بن في وجهه، فقال له الرجل: ما أنت بمنته يا مقداد، فقال: ما أنتهي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب»، فقال أبو أيوب خالد بن زيد صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما المقداد فقد قضى ما عليه.
الله عليه
وحدثنا عن عمرة أنه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى وسلم، وإذا بكف مرتفعة وصاحب الكف يقول: أيها الناس، إن العهد قريب، هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقميصه لم تبل وبليت سنته، إن فيكم فرعون أو مثله وإذا هي عائشة تعنى عثمان وهو يقول: اسكتي إنما هذه امرأة ورأيها رأي امرأة، وعقلها عقل امرأة. وحدثنا الأخلج بن عبد عن الحسن بن سعيد عن أبيه، قال: أخذت عائشة ورقات من المصحف على عود ورفعتها من وراء حجابها
،
الله
وعثمان على المنبر يخطب فقالت: يا غادرا اقرأ ما فى في
تصاحب تصاحب غادرا، وإن تفارق تفارق عن قلى.
کتاب
الله: إن
قال لها تسكتين أولا دخلن عليكم حمر الرجال وسودها؟ فقالت عائشة: أما والله لئن فعلت لقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مات وما استغفر لك.
وحدثنا أبو الحسن بن عطاء عن أبي الهيثم الهمداني عن حميم بن
-19 - (1/89)
صفحة 90
عن
أبي مصعب قال: اني غلام قصير، أنظر إذ أخرجت عائشة قميصا فرفعته في جريدة فقالت: يا لعين هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل حتى غيرت سنته. وحدثنا الليث بن أبي سليم عن ثابت الأنصاري أبي عامر مولى ثابت قال: كنت في المسجد فمر عثمان فنادته عائشة: يا فاجر يا غادر خنت أمانتك وأضعت رعيتك، لولا الصلوات الخمس لمشى إليك رجال يذبحونك ذبح الشاة، فقال عثمان: وامرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما، فقال رجل جالس، كذبت فلما كان بالغداة جاء عثمان فقال: يا امة هذه يدي، فما تطلبين. وأنزل عثمان حذيفة بن اليماني المداين وكان من أشد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وأشدهم له تعييباً، وحدثنا سليمان الأعمش
الله
،
عن سليمان بن ميسرة عن حذيفة بن اليماني قال: تذاكرنا عند رسول صلى الله عليه وسلم فتنة الدجال فقال: فتنة بعضكم أخوف عليكم فتنة الدجال، الدجال لا يضر مسلماً، الدجال مكتوب بين عينيه
من
كافر يقرؤه كل مسلم. حدثنا سليمان الأعمش عن الحارث بن سويد، قال: كنا عند حذيفة فذكرنا عثمان فقال حذيفة، والله ما يعدو أن يكون فاجرا في دينه، أخرق في معيشته وحدثنا أنه أتى رهط من بني سلول، حذيفة يستشفعون لعثمان، فقال: اليكم عني فقالوا: لم؟ فقال:
إنكم تكلموني في رجل أود أن ما في كنانتي من سهم في بطنه. فلما تتابعت الألسن على عيب عثمان وأسمعوه ذلك في وجهه وأظهروه له من بعده، صعد المنبر فقال: أيها الناس ما هذه الأقاويل التي اجترأتم عليها؟ والله لقد همت أن لا تكون عقوبة سفيهكم إلا بالسيف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر بني هاشم ويخصهم وأبو
-9 - (1/90)
صفحة 91
من
بكر يؤثر بني تيم ويخصهم، وعمر يفعل ذلك لبني عدي بن كعب، أعلى بني أمية تلوموني؟ والله لأخصنهم ولأكرمنهم على رغم الأنوف ولو أن بيدي مفاتيح الجنة لأدخلتهم قبل الناس، ولكن سأعطيهم من هذا المال على رغم أنف من رغم. فقال عمار بن ياسر فأنفي والله يرغم ذلك فقال: رغم الله أنفك، فقال عمار وأنف أبي بكر وعمر يرغمان من ذلك، فقال: وانك لهناك يا ابن سمية فنزل إليه فوطئه، فاستخرج من تحته، فغشي عليه، ففتقه، فأرسل بعد ذلك عثمان إلى طلحة والزبير، فقال لهما: ائتيا هذا الرجل من أصحاب محمد فخيراه: إما أن يعفو، وإما أن يأخذ إرشا فإنا قد ظلمناه، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له ولأبيه ولامه وقد مر بهم بمكة والمشركون يعذبونه، ويقول نبي الله: صبراً صبراً يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. فأتياه فعرضا ذلك عليه، فأبى فقال لا والله حتى ألقى محمدا فأخبره بالذي لقيته بعده، فقال عثمان: يا بني أمية يا فراش النار وذباب الطمع سمعتم بي الناس والبتم علي أصحاب محمد.
وكان عبد الرحمن بن حنبل من أشد الناس على عثمان يعيره ويذكره جوره ويطعن عليه، ويبرأ منه ويصف، مساوئه، فلما بلغ ذلك عثمان ضربه مائة سوط وحمله على بعير، وطاف به المدينة، ثم حبسه موثقاً بالحديد فلم يزل علي بن أبي طالب في عثمان، يكلمه في عبد الرحمن حتى خلى سبيله على أن لا يشاركه في المدينة، فسيره إلى خيبر، فأنزله بها في قرية تسمى الهموض، فلم يزل بها حتى نهض إليه المسلمون، وساروا إليه من كل وجه فقال: لولا علي وان الله أنقذني على يديه من الاغلال والصفد لما نجوت، وقد شدوا بجامعة يمني يدي غيانا الغوث من أحد:
-91 - (1/91)
صفحة 92
نفسي
فداء علي حين خلصني
من كافر بعد أغلاظ
من
الصفد
وجاء رجل إلى أبي بن كعب وهو في مجلسه من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا أبا المنذر، ما تقول في عثمان؟ فسكت، فقال الرجل: جزاكم الله خيراً يا أصحاب محمد شهدتم الوحي فغبنا عنه ونسألكم التفقه في الدين فلا تعلمونا فقال أبي أوّاه: هلك أصحاب الفقه ورب الكعبة، أما والله لئن أبقاني الله إلى يوم الجمعة لأقومن مقاماً أتكلم فيه بما أعلم، ثم لا أبالي قتلت أم استحييت، فمات
يوم الخميس.
وبين
رحمه
الله
قال له عثمان حتى
وكثر الكلام بين عبد الرحمن بن عوف عبد الرحمن: والله لئن بقيت لأخرجنك من الأمر كما أدخلتك فيه، وما عزمي إلا بالله، فلم يلبث عبد الرحمن إلا يسيراً حتى مات، وأوصى أهله وولده أن يدفنوه سراً من لئلا يعلم به كراهة أن يصلي عليه، فلما بلغ عثمان أنه مات وقد دفن شتم ولد عبد الرحمن، وقال: ما أراني إلا أنبشه وأصلي عليه، فقال أكبر ولد عبد الرحمن: إن أبانا نهانا أن تصلي عليه فشتمه عثمان وأراد ضربه.
الله وحدثنا هارون بن سعيد بن العلي بن. عبد العنبري قال: اجتمع اناس من المسلمين فتذاكروا افعال عثمان فاتفق رأيهم أن يبعثوا إليه رجلاً يكلمه ويصف له أحداثه فبعثوا إليه عامر بن عبد
منهم
الله
التميمي
العنبري، فدخل إليه فقال: إن أناساً من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أمرك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً، فاتق الله، وتب إليه، وانزع عن أفعالك الدنيئة. فقال عثمان: انظروا إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه من البهائم، فأتاني يكلمني في المحقرات، والله لا يدري أين الله، فقال عامر
- 92 - (1/92)
صفحة 93
الله
بلغه عنهم
هذا،
والله لقد علمت أن الله لك بالمرصاد، فأرسل عثمان إلى معاوية وإلى عبد بن عامر بن كريز وإلى عبد الله بن سرح وإلى سعيد بن العاص وعمرو بن العاص فجمعهم، ليشاورهم في أمرهم، وما طلب الناس إليه وما فلما اجتمعوا عنده قال: إن لكل ملك وزراء ونصحاء، وأنتم وزرائي ونصحائي، وقد أكثر الناس، القول، وطلبوا أن أعزل عمالي وأنزع عن جميع ما يكرهون، وأرجع إلى ما يحبون، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي، فقال له عبد الله بن عامر أرى لك أن تأمرهم بالجهاد وتشغلهم في المغازي حتى تذلهم بذلك عنك، فيشتغل كل واحد منهم بديرة فرسه ونفقة عياله، ثم أقبل على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لكل قوم قادة متى تهلك يفترقون، لا يجتمع لهم رأي أبداً، فقال عثمان إن هذا الرأي لولا ما فيه، ثم أقبل على معاوية، فقال له: ما رأيك؟ فقال له يا أمير المؤمنين أرى أن تدفع لهم من فتعطف قلوبهم عليك، فإن الناس أهل طمع، ثم أقبل على عمرو بن العاص، فقال له: ما رأيك؟ فقال: أراك قد ركبت ما يكرهون، فاعدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعزم عزماً وامض قدماً، فلما افترق الناس عنه قال عمرو والله يا أمير المؤمنين انك لأعزّ علي من جميع الناس، ولكني قد علمت أن بالباب أقواماً، وقد علموا أنك أرسلت إلينا وجمعتنا، وعلمت أنهم يبلغهم قول كل رجل فأردت أن يبلغهم عني ما يطمئنون به إلي، فأقود إليك خيرا وأدفع عنك شراً، فرد عثمان عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وعزم على منع أعطياتهم، ليحتاجوا إليه. ورد سعيد بن العاص أميراً على الكوفة، فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح فطردوه حتى ردوه على عثمان فقالوا له: والله ما تلى علينا تحكما ما حملنا سيوفنا، وذكروا أنه وفد الأشتر مالك النخعي على عثمان فشكاه
-- (1/93)
صفحة 94
جور سعيد بن العاص وسأله أن يعزله فعزله.
وفي رواية عمير بن سعيد النخعي أنه قال: (كأني انظر إلى الأشتر
مالك
بن
الحارث النخعي على وجهه الغبار
متقلداً سيفاً وهو يقول:
سعيد العاص بذلك بن
والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا،
يعني
يوم الجزعة، والجزعة مكان مشرف قرب القادسية. وهنالك تلقاه أهل الكوفة فلما طرد سعيد بن العاص ولّى عثمان أبا موسى الأشعري أميراً
على الكوفة وأقروه عليها.
_98_ (1/94)
صفحة 95
الثورة على عثمان
فلما رأى المسلمون جور عثمان وعتوّه عن الحق واستئثاره بالفيء، وضربه الأخيار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذه الأموال ومنعه أصحاب محمد الأعطية وتعطيله الحدود واستحلاله الحرام واستذلاله الناس، وما عمهم به من البلاء، وما ركبهم من الظلم، فساروا إليه من كل أفق ليستتيبوه أو ليعزلوه أو يقتلوه، فلما نزل أوائلهم الذين أقبلوا من مصر وكانوا من أ أشد الناس عليه أرسل إلى المهاجرين والأنصار، اني أتوب إلى الله مما فعلته فلا تعجلوا علي، وردوا الناس عني فاني لكم على عهد الله وميثاقه لأردن المظالم إلى أهلها، ولأقيمن الحدود التي عطلتها ولأعزلن عمالي الذين كرهتموهم ولأستعملن
الله
عليكم ما أحببتم، فلما أرسل بذلك إليهم تواثقوا منه وأخذوا عهد وميثاقه على الوفاء لهم بما قبله وكان الذي ولي ذلك منه علي بن أبي طالب فلقي الناس وصرفهم عنه وانصرفوا إلى أمصارهم ورجا الناس أن يوفي لهم بما أعطاهم، فلم يفعل ولا رد ظلامة ولا أقام حداً ولا عزل عاملاً.
حدثنا محمد بن اسحاق بن ياسر المدني عن محمد بن عبد الرحمن، قال: لما رأى الناس ما صنع كتبوا إلى أصحاب محمد بالمغازي والثغور
وقالوا لهم إنكم قد نفرتم تطلبون دين محمد ودين محمد ها هنا قد ترك
-90 - (1/95)
صفحة 96
وضيع، فهلموا فأقيموا دين محمد، فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه، وقد الله كان عثمان قد كتب إلى عبد بن سعد عامله على مصر حيث تراجع الناس عنه فزعم أنه تائب في الذين شخصوا إليه من مصر، وكانوا من أشد الأمصار عليه. أما بعد فانظر إذا قدم عليك فلان وفلان فاضرب رقابهما، وانظر فلانا وفلانا فعاقبهما بكذا وكذا، ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم قوم من التابعين بإحسان، وكان في ذلك رسوله أبو الأعور السلمي حمله عثمان على جمل له ثم أمره بالجد والاجتهاد حتى يدخل مصر قبل القوم، فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق فسألوه: أين تريد؟ فقال: أريد مصر ومعه رجل من أهل الشام من خولان، فقالوا هل معك كتاب وعرفوا جمل عثمان قال: لا ففتشوه فوجدوا معه كتاباً فنظروه فإذا فيه قتل بعضهم وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم ورجعوا بالكتاب إلى المدينة، فبلغ الناس رجوعهم والذي كان، فتراجع الناس من الآفاق كلها وثار عليه أهل المدينة فلما جاؤوه قالوا له: أليس هذا
غلامك؟ قال: انطلق بغير إذني قالوا: أوليس هذا جملك؟ قال: سرق
6
من داري بغير علمي وأمري قالوا أوليس هذا كتابك؟ قال: قد يشبه الخط الخط، قالوا: أوليس هذا طابع خاتمك؟ قال: نقش عليه فلما رأى عثمان ما نزل به وما قد انبعث من الناس عليه كتب إلى معاوية بالشام: أما بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وخلعوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث الي بمن قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول فلما قرأ معاوية الكتاب تربص وكره إظهاره وخاف من مخالفة أصحاب محمد، وقد علم اجتماعهم على أمر عثمان فلما أبطأ عليه أمره كتب عثمان إلى أهل الشام يستنفرهم ويستعجلهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله من طاعتهم ومناصحتهم ووعدهم أن يتخذهم بطانة وجنداً دون الناس،
به
-97 - (1/96)
صفحة 97
الله فحمد
وذكرهم بلاءه وصنيعه فإن كان عليكم غياثاً، فالعجل العجل فإن القوم أعجلونا، فلما قرئ كتابه عندهم، قام اسد بن كريز البجلي وأثنى عليه، وذكر عثمان وما هو فيه وحضهم على نصرته وأمرهم بالسير
فتابعه أناس كثيرة وساروا معه حتى كانوا بواد القرى فبلغهم قتل عثمان، الله بن
فرجعوا وقد كان عثمان كتب نسخة كتابه إليهم فوجهها إلى عبد عامر بن كريز أن يندب أهل البصرة إلى نصرته فأجمعهم عبد الله وقرأ
الله
عليهم كتابه، فقام فيهم مجاشع بن مسعود السلمي وكان أول من تكلم وهو يومئذ سيد قريش فحثهم على نصرته، وقام قيس بن الهيثم فخطب وحث الناس على نصرة عثمان، فتسارع الناس إلى ذلك، فاستعمل عبد بن عامر مجاشع بن مسعود السلمي فسار بهم حتى نزلوا الربذة، و نزلت مقدمته صدار وهو مسيرة أيام من المدينة، فأتاهم قتل عثمان. حدثنا أبو الأشعث السعدي عن الحسن بن الحسن البصري، قال: كان الذين ساروا لنصرة عثمان من البصرة ستمائة، رجل، فكتب أهل الكوفة يومئذ إلى أهل البصرة أنه والله لا يخرج منكم رجل لنصرة عثمان إلا خرج منا رجلان، ولا يخرج منكم مائة إلا خرج منا مائتان، وبعث عثمان، عبد الرحمن بن أبي بكر إلى أهل البصرة يستنفرهم إليه، فلما بلغها تزوج أختاً لعبد الله بن عامر تسمى رافعة بنت عامر، فأقام فبلغ ذلك عثمان وأصحابه فسموه عزاب نوح وأرسل عثمان عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في أناس من بني مخزوم إلى عمار بن ياسر حين رأى ما صنع الناس يسومونه الصلح ويدعونه إلى نصرته ويعطيه رضاه، فقال عمار عند ذلك
أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين». لقد
يسومني
عثمان بيعة خاسرة وتجارة تدعو إلى عذاب
أليم، يعرض علي عثمان أتباع الضلال ومهاجرة أهل الحق بما اختاره من
- 9 V- (1/97)
صفحة 98
أموالهم، فأكون عليهم ظهيرا، لقد خسرت إذا خسراناً مبينا، وأهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة ألوية، ورؤساؤهم أربعة مع كل رجل من الأربعة مائة وخمسون رجلاً، وكان جماع امرهم إلى عمر بن نزيل بن ورقا الخزاعي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى عبد الرحمن التنوخي وكتب أهل مصر إلى عثمان بكتاب وهم بذي خُشُب فوجهوه إليه مع رجل منهم فدخل عليه فقراً الكتاب فإذا فيه، اما بعد فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله الله ثم الله الله، فإن احتويت على الدنيا فاستتم معها الآخرة ولا تنس الآخرة، فإن الدنيا لا تسوغ لك، وأعلم أنا في
نصيبك
من
الله
نغضب
وفي الله نرضى وأنا لا نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجهلة فهذه مقالتنا إليك، وقضيتنا إليك، والله عذيرنا
منك والسلام. فكتب أهل المدينة إلى عثمان كتاباً يدعونه إلى التوبة ويحتجون عليه ويقسمون بالله له ما يتولون عنه حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله فيه وما في يديه، فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته في أمره، وقال: فما المخرج؟ فأشاروا له أن يرسل إلى علي ابن أبي طالب فيردهم عليه ويعطيهم ما يرضيهم منك، وتطاولهم حتى يأتيك أمراؤك، فقال لهم: إن القوم لن يقبلوا مني، التطويل وقد كان مني في قدومهم الأول ما كان، فمتى أعطيتهم شيئاً سألوني الوفاء به، فقال له مروان بن الحكم كايدهم يا أمير المؤمنين وأعطهم مما سألوك وطاولهم ما طاولوك واعزم على الغدر؛ فانهم قوم بغوا عليك ولا عهد لهم، فأرسل إلى علي بن أبي طالب فأتاه، فقال: يا أبا الحسن أنه كان من القوم ما رأيت وهم قد عزموا على قتلي، وقد كان مني إليهم ما قد علمت فارددهم عني،
-91 - (1/98)
صفحة 99
?
فإن لهم عهداً لأعطين لهم ما يحبون، ولأرجعن لهم عما يكرهون، ولأعطين لهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي. فقال له علي الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك واني لأراهم قوماً يرضون الا بالرضا وقد كنت أعطيتني وأعطيتهم منك عهداً فلم تف لي ولا لهم، فلا تغرني من هذه المرة فاني معطيهم منك الحق، فقال: نعم فاعطهم فوالله لأوفين لهم. فخرج علي إلى الناس فقال: أيها الناس إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه إن عثمان قد عزم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما كرهتم إلى ما تحبون، فأقبلوا منه، فقالوا: قد رضينا، فاستوثق لنا منه فانا والله لا نأمن منه ولا نرضى منه بقول دون فعل، فقال علي لكم ذلك، ثم دخل علي فأخبره، فقال: اضرب بيني وبينهم أجلا تكون لي فيه مهلة فاني لا أقدر على رد ما يكرهوا في يوم واحد، فقال علي: أما ما حضر فلا أجل له، واما ما غاب فأجله وصول امرك إليه، فقال: نعم، ولكني أجلني فيما كان بالمدينة ثلاثة أيام، فقال: نعم، فخرج على الناس وأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجله ثلاثة أيام على أن يرد كل مظلمة بالمدينة ويعزل
كل عامل كرهوه.
ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله
اتخذ
من
على
من
أحد خلقه
من
الثلاثة
وهو
عهد وميثاق واشهد عليه أناساً من وجوه المهاجرين والأنصار، فكف عنه المسلمون وجعل عثمان يستعد للقتال ويهيئ السلاح وقد كان رقيق الحبشان جنداً عظيماً، فلما مضت الأيام على حاله لم يرد مظلمة ولم يقم حداً ولم يعزل عاملاً، بارزه المسلمون وخرج عمر بن حزم الأنصاري إلى أهل مصر وهم بذي خشب فأخبرهم الخبر وسار معهم حتى قدم المدينة فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك
-99_ (1/99)
صفحة 100
على أنك تائب من أ أحداثك وراجع عن جميع ما كرهنا، وأعطيتنا عهد
الله وميثاقه، وكان من على ذلك. فقالوا: وأين الحد الذي أقمت والظلامة التي رددت، وأين العامل الذي عزلت ولا نعجل عليك بعد وان كنا قد اتهمناك، إعزل عنا عمالك الفساق واستعمل علينا من نتهمه في دمائنا وأموالنا، فقال عثمان: ما أراني اذا على شيء إن كنت اعزل من كرهتم وأولي من أحببتم؟ الأمر إذا اليكم، فقالوا والله لتفعلن أو لتعزلن أو لتقتلن، فانظر لنفسك أو فدع فأبى عليهم، وقال: والله ما كنت اخلع سربالا سربلنيه الله، فحاصروه أربعين ليلة، فحضر الحج، وتجهزت عائشة أم المؤمنين إلى الحج، فأرسل اليها عثمان مروان بن الحكم، وقال لها: يا أم المؤمنين، أنشدك الله لما أقمت؛ عسى الله أن يحقن دمي بك، فقالت: لا أستطيع المقام وقد عبيت متاعي وقربت إبلي، فقام مروان متمثلا: أحرق قيس على البلاد
كلامنا وكلامك كيت وكيت؟ قال: نعم، وأنا
حتى إذا اشتعلت أحجما
فقالت عائشة هلم الي أيها المتمثل الشعر، وددت والله أن صاحبك هذا الطاغية مشدودا في غرارتي حتى انتهى به إلى اليم فأقذفه فيه، وارتحلت متوجهة إلى مكة. وبعث المسلمون عبد الله بن عباس، على الموسم فلحقها في الطريق فقالت له: يا بن عباس، إن الله قد أتاك حكماً وعلماً، ولكن أذكرك الله والإسلام أن لا تخذل الناس عن قتال هذا الرجل غداً، فإنه قد بدل سنّة نبي الله وحكم بغير ما أنزل الله.
وكانت عائشة أشد نساء رسول الله على عثمان، وكانت كل جمعة ترفع سربال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: هذا سربال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل حتى أبلى عثمان دينه، فلما قضت عائشة
- 100 - (1/100)
صفحة 101
نسكها وحج الناس جاءها قتل عثمان فقالت: أبعده الله بما جنت يداه
الحمد
الله. على قتله.
حدثنا محمد
بن اسحاق المدني. عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، قال: بعث إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان فأتيته فأقبل يسألني ويقول: حدثني يا أبا جعفر وإذا رجل قد لقي أهل العلم وليس في يده شيء من أمر عثمان إلا أنه يقول: خرجت عائشة تطلب بدمه، فقالت له أي رجل كان فيكم مروان بن الحكم؟ قال ذلك سيدنا وافضلنا، فقلت أشهد على علي بن الحسين إنه حدثني عن مروان بن الحكم أنه قال: انطلقت أنا وعبد الرحمن إلى عائشة وهي تريد الحج، فقلت أن هذا الرجل قد حصر، فلو أقمت وأصلحت الأمر ونظرت في شأنه فقالت قد عالت غرائري وأدنيت ركاني وفرضت الحج على نفسي ولست بالتي تقيم، فاجتهدنا عليها فأبت فقمت عندها وأنا أقول متمثلا: أحرق قيس على البلاد
حتى إذا اشتعلت أحجما
فقالت عائشة: أيها المتمثل إرجع فقالت لعلك إنما قلت الذي قلت شكا في صاحبك، فوالله لوددت أنه مخيط عليه في بعض غرائري هذه فأكون أنا الذي اقذفه في اليم، ثم ارتحلت حتى أنزلت ماء يقال له الصفا، وبعث الناس عبد الله بن العباس فمر بها على ذلك الماء، فقيل لها: هذا ابن عباس قد بعث إلى الموسم فأرسلت إليه، فقالت: يا بن عباس إن الله قد أتاك لساناً وعلماً فأنشدك الله أن لا تخذل على قتل هذا الطاغية غداً، فلما قضت نسكها وانقضى الموسم أخبرت بقتل عثمان، وقيل لها بويع طلحة. بن عبيد الله، فقالت: أبت هذه الأصبع، فلما أبلغها أن علياً بويع، قالت: وددت أن هذه، وقعت على هذه قال أبو جعفر:
- 101 - (1/101)
صفحة 102
فما خرجت من البيت حتى ترك سعيد بن عبد الملك ما كان في يده من أمر عثمان.
حدثنا سليمان الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد أنه قال: بينما أنا والزبير قاعدان إذ قيل له: يا أبا عبد الله قد حيل بين أهل الدار وبين الماء فنظر إليهم، فقال: حيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل باشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب، فلم يزل عثمان محصوراً وطلحة بن عبيد الله يصلي بالناس بالمدينة حتى قتل فلما كان
يوم الغد صلى بهم أبو الحسن علي ثم لم يصل بهم بعد حتى قتل. حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صلى علي بالناس يوم النحر، وعثمان محصورا فقيل له ما كان ليصلي بالناس وعثمان محصور وهو يرى له حرمة، فقال: أجل والله ما كان يرى له حرمة ولقد رضي قتله وكان عليه وقيل لسعيد بن عبد الرحمن بن عوف: كيف لم تمنع أصحاب محمد عثمان، فقال سعيد: إنما قتله أصحاب محمد فلما مضت أيام التشريق طاف المسلمون جدار عثمان فأبى إلا التمادي في أمره، وأرسل إلى حشمه وحاميته ومن يرجو نصرته فألبسهم السلاح واستعد للقتال والمسلمون يطوفون، فقام رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من خير بني تميم، يقال له دينار بن عياض وهو شيخ كبير فنادى يا عثمان فأشرف عليه فناشده وذكره بالله لم اعتزلت لهم، فبينما هو يراجعه إذ رماه رجل من أصحاب فقتله، زعموا أن الذي قتله كثير بن الصلت الكندي،
عثمان
بسهم
فقال المسلمون عند ذلك لعثمان: ادفع الينا قاتل دينار بن عياض فنقتله به، قال لم أكن أقتل رجلاً نصرني، وأنتم تريدون قتلي، فلما رأى ذلك المسلمون بادروا إلى بابه فأحرقوه فخرج عليهم مروان بن الحكم من دار
- 102 - (1/102)
صفحة 103
عثمان في عصابة، وخرج سعيد بن العاص في عصابة وخرج المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي في عصابة، وخرج عبد الله بن الزبير في عصابة، فاقتتلوا قتالاً شديداً وكان الذي حمل عثمان وأصحابه على القتال أنه قد بلغهم أن مددهم من البصرة قد نزلوا صدار وان أهل الشام قد توجهوا مقبلين، فقاتل المسلمون قتالاً شديداً على باب الدار فجعل المغيرة بن الأخنس بن شريق يحمل على المسلمين ويقول مرتجزا:
قد علمت جارية عطبول
لها وشاح ولها حجول
أحمي وأرمي أول الرعيل
بصارم ليس بذي فلول
فحمل عليه عبد الله بن بديل بن ورقا الخزاعي وهو يقول:
إن كنت بالسيف كما تقول
فاثبت لقرن ماجد يطول
وسيفه شحده مصقول
وحمل رفاعة بن رافع الأنصاري الزريقي على مروان بن الحكم فضربه الله فصرعه فنزع عنه وهو يرى أنه قتله. وخرج عبد بن الزبير بجراحات فانهزم القوم حتى لجوا إلى القصر واعتصموا ببابه واقتتلوا عليه قتالاً شديداً، فقتل في المعركة زياد بن نعيم الفهري في أناس من أصحاب عثمان، وعلي بن أبي طالب جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه السلاح يحض الناس، وطلحة بن عبيد الله في جماعة من الناس عند باب القصر يحض الناس ويأمرهم بالدخول.
وحدثنا محمد بن إسحاق المدني عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن مولى عائشة، قال: رأيت رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان
- 103 - (1/103)
صفحة 104
الأنصاري وكان بدريا وكان أبوه نقيباً من النقباء ومعه فأس وغلام يحمل حطباً، فقلت: أين تريد؟ فقال: إلى دار عثمان أهدم وأحرق.
وحدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: أتيت
المدينة يوم حصر.
عثمان عفان بن
في الدار، فإذا أنا بطلحة بن عبيد
الله
في مثل الحرة السوداء من الرجال والسلاح مطيف بدار عثمان حتى قتل. وعن سعيد بن المسيب، قال: انطلقت بأبي أقوده إلى المسجد، فلما دخلنا سمعنا لغط الناس وأصواتهم، فقال أبي ما هذا؟ فقلت الناس محدقون بدار عثمان فقال لي من تراه من الناس فقلت طلحة. بن الله، فقال: أدن بي منه، فدنوت منه فقال: يا أبا محمد ألا تنهى عن قتل هذا الرجل؟ فقال: يا أبا سعيد انطلق إلى المسجد فأجلس فيه
فإن نعثلا لم يخف هذا اليوم.
عبيد
الناس
وعن إبراهيم النخعي عن. علقمة بن قيس قال: أرسلت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب أن يأمن أهلي وأرحامي من أهل الدار فقال: أأمن الناس كلهم إلا نعثلا والشقي ابن العاص يعني عثمان وسعيد بن العاص.
وحدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي، قال: رأيت الأشتر النخعي أقبل بأم حبيبة بنت أبي سفيان حتى أدخلها المسجد، وعلي بن أبي طالب جالس، فقالت: يا علي أن لنا في الدار حاجة، فأمن أهلها الا نعثلا والشقي يعني عثمان وسعيد بن العاص، فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمر و بن حزم الأنصاري باب داره وكانت إلى جانب دار عثمان، فقال: يا معشر المسلمين هلم فادخلوا عليهم من داري، فأقبلوا فدخلوا عليهم من داره وقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا وخلى لهم عن باب الدار فخرجوا هاربين في سكك المدينة، فبقي مع عثمان ناس من أهله
- 104 - (1/104)
صفحة 105
فقتلوا معه وقتل عثمان.
قلت: وقفت في كتاب العقد على أن الأحوص بن محمد الأنصاري الشاعر شخص إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان فامتدحه وأنشد:
لا ترثين لحزم راية أبدا
ولو قذف الحزمي في النار
الناجشين لمروان بذي خشب
بني
والدالين على عثمان في الدار
فقال الوليد: لقد ذكرتنا شيئاً نحن غفلنا عنه، فدعا كاتبه فقال: أكتب بعزل آل حزم وقبض أموالهم وأكتب عليهم ألا يأخذوا لأموي عطاء أبداً! وكان الذين ولوا قتل عثمان وضربه نفر من المسلمين منهم رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري ثم أحد بني زريق، وجبلة بن عمر الأنصاري ثم أحد ساعدة، وعمر بن حزم الأنصاري ثم أحد بني سلمة بن عوف بن محمد ومحمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الله ومحمد بن بديل بن ورقا الخزاعي، ومحمد بن حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعبد الرحمن بن عديس التنوخي، وقد ضرب عثمان يوم قتل أكثر من عشر ضربات، وأمسك المسلمون عن أصحابه حين قتل، وقال محمد سلمة الأنصاري يوم قتل عثمان: ما رأيت يوماً قط أقر للعيون ولا
بن
أشبه من يوم بدر مثل هذا اليوم. وقتل عثمان صبيحة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
عثمان أسماء من قتل مع من قريش ثم من بني أسد بن عبد العزى بن وهب بن ربيعة، وأمية بن شيبة بن ربيعة، الذي كان قتله
عبد الله
حمزة رضي
الله
عنه قتله
يوم بدر مشركاً، وزمعة بن الأسود، وشيبة
_1.0_ (1/105)
صفحة 106
بن عبد شمس بن عبد مناف، الله وعبد بن عبد الرحمن بن العوام بن خويل، ومن بني عبد الدار ابن قصي عبد الله بن هبيرة، ومن بني زهرة وحلفائهم، المغيرة بن الأخنس الثقفي، وقتل معه زياد بن نعيم القرشي، ثم أحد بني فهر وقتل معه عبدان اسودان، فهؤلاء من نسب لنا ممن قتل معه، وكان ابن أبي حذيفة بن عتبة ابن ربيعة مع المسلمين.
قال محمد بن حنيفة يذكر عثمان وأفعاله:
لقيت رجالا أنكروا الجور حسبة
وقالوا كتاب الله غيرت بدعة
إليك إله الخلق ما أنت صانع
وهذا كتاب الله والنور ساطع
وسنته مهدية مستسنة
فرائضه فيها وفيها الشرائع
فعطلتها كفرا وسرت بغيرها
اشارت بها طرا إليك الأصابع
وأضحوا إليك واستتابوا وأقبلوا
وقالوا يا عثمان ماذا البدائع
ألست ترى الإسلام والعدل والهدى
وتعلم أن الله
راء وسامع
وأن له فضلا عليك ونعمة
وأنك مقبوض إليه وراجع
وأنك لاقيه ولاقي حسابه
يقينا وفان كل ما أنت جامع
-1.7. (1/106)
صفحة 107
فما حال عن جور ولا خاف ربه
عتوا ومن لا الله يتق
ضائع (1)
ووجدت في بعض كتب أهل الخلاف أن عثمان حصر تسعة وأربعين يوماً، وكان الذي حصره من مصر ستمائة رجل، وقدم من الكوفة مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وعدي بن حاتم الطائي، وقدم أكثم بن جبلة العبدي من البصرة في نحو مائة رجل، ولبث في خلافته اثنتي عشرة سنة ومات ابن ثلاثة وثمانين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بين المغرب
في
والعشاء، وخفي قبره وقتله خارجة مصر وخارجة الكوفة. ولما قتل عثمان اجتمعت الناس إلى حذيفة اليماني فدخلوا عليه حتى ملؤوا عليه البيت فسألوه عن عثمان، فقال ما فيه شك وإنما الشك قاتله هل مؤمن قتل كافراً أو كافر قتل كافراً؟ فقال الرجل: ما أراك جعلت مخرجا فقال: بل ما جعل الله له مخرجاً ولا مولجا، وسب رجل في حلقة فيها حذيفة فقال حذيفة: لئن قلت ذلك فقد دخل حفرته وهو ظالم لنفسه، فقال رجل يا أبا عبد الله كلنا يظلم نفسه، فقال كلا والله دخلها وهو كافر.
عثمان
وعن جندب بن عبد الله الأزدي قال: كنا مع حذيفة بن اليماني في المسجد فقال رجل لأصحابه يسمع حذيفة: لقد قتل عثمان مظلوماً، وقال الآخر، بل ظالماً، فقال حذيفة اذكروا قاتل عثمان ما هو إلا كافر
:
قتل كافراً أو مؤمن قتل كافراً، فقيل له ما جعلت له مخرجا. فقال: ما جعل الله له مخرجا.
عفان على
ومن كتاب العدل والانصاف: اختلف الناس في عثمان بن. أربعة اقوال أحدها قول عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر رحمهم
1) استقامة الأبيات. عندنا.
من
- 107 - (1/107)
صفحة 108
الله قالو اقال: إن الخليفة عثمان. عفان بعد عمر بن الخطاب، فأحدث بن أحداثاً، خالف فيها سبيل صاحبيه، وإنهم طلبوه أن يعدل أو يعتزل فأبى وبغى وظلم واستعتبوه ست سنين فلم يعتبهم، وإن دمه حلال لهم لبغيه وظلمه لقول الله عز وجل (فإن بغت إحداها على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله) .. فسموه جائراً جباراً وكافراً وفاسقاً وظالماً، كفر النعمة لقول الله عز وجل «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم لا أمنا يعبدونني يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون»، وحكم عليه ابن مسعود بالكفر في قوله وددت أنا وعثمان برمل عالج يحثى علي وأحثي عليه حتى يموت الأعجل، قالوا إذا يغلبك. قال: لا يعين الله الكافر على مؤمن، وقول عمار بن ياسر للذي استغفر لعثمان فحثاه بالتراب، فقال: اتستغفر له يا كافر وإن جميع من قام بطلب فهو مثله، ضال فاسق كافر أهل للعداوة بدليل قولهم: يا عدو الله،،، وهم أهل براءة، وسموا جميع الناس ممن انتصر لعثمان فهو مثله عند جميع من ذكرنا حلت دماؤهم وقتلهم ببغيهم.
قاتله
دم
عثمان
وقال بعضهم إن الخليفة عثمان بعد صاحبيه كما قلنا على الأولين وإنه على الحق وإن جميع ما فعله قسط و عدل والذي نقموا عليه باطل، وإن وجميع من عضدهم ومن خرج عليه ظالم وإنه مظلوم، وقتيل الظلم والعدوان وهو من أهل الجنة غدا فهؤلاء أهل الشام معاوية وعمرو بن العاص ومن معهم من الناس.
وقال قوم: إن عثمان قد فعل جميع ما قاله الأولون من الجور والظلم ولكنهم استتابوه فقتلوه بعد التوبة فهذا مذهب أهل الجمل وعائشة أم
- 108 - (1/108)
صفحة 109
المؤمنين رضي)
الله عنها.
ووقفت الفرقة الرابعة، وقالوا: إن جميع ما ذكرتم عن عثمان قد أتاه، ولكنا لا ندري ما بلغ بما فعل فنحن نقف فيه وفي جميع الفريقين الذين اقتتلا عليه ناصراً له وخاذلاً، وأظهروا الشك فيما شجر بين الناس وهم عمر وسعد بن مالك ومحمد بن. مسلمة.
بن
الله عبد فالأولون المحققون وهم طائفة عمار بن ياسر وابن مسعود وأبي ذر وعبد الرحمن بن عوف، والفرقتان المتوسطان هالكتان، والرابعة يسعها
ما لم تقع البلوى.
-1.9_ (1/109)
صفحة 110
خلافة علي بن أبي طالب
ثم اجتمع المسلمون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوا علي بن أبي طالب، وذلك في سنة خمس وثلاثين من الهجرة على كتاب الله وسنّة نبيه فقام وصعد المنبر وعمار بن ياسر عليه السلام قائم على يمينه ومحمد بن أبي بكر عن يساره، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، واستعان ربه على ما أولاه من أمر المسلمين، ودعا لنفسه بالعون وأمر الناس بتقوى الله والاجتماع على الله والمعاونة على أمر الله، ثم قال في آخر كلامه ألا وإن كل قطيعة اقتطعها عثمان أو مال أعطاه من مال الله فهو مردود على المسلمين في بيت مالهم، فإن الحق قديم والحق لا يبطله شيء، والله لو وجدته تفرق في البلدان لرددته فإن العدل، سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق، ثم أمر بكل سلاح كان في دار عثمان أو مال تقوى به
طاعة
من
على قتال المسلمين فقبض، ثم أمر بجنائب كان عثمان اتخذها إبل الصدقة فقبضت، وقبض سيف عثمان، و درعه، ونظر فيما لم يقاتل به المسلمين ولم يتقو به عليهم فتركه ميراثاً بين ورثته، وقبض ما كان عثمان قبضه من الفيء لنفسه ولأهل بيته وقبض من رجال أموالاً عظاماً مما كان أجازهم عثمان بها من بيت مال المسلمين، قال الوليد بن عقبة يذكر قبض سلاح عثمان ونجائبه ويذكر أنه سيطلب بدمه بني هاشم:
- 110 - (1/110)
صفحة 111
بني هاشم ردوا سلاح ابن اختكم
بني هاشم
ولا تهبوه لا تحل مواهبه
تعجلون فاننا
سواء علينا قاتلوه وسالبه
فانا وإياكم وما كان بيننا
كصدع الصفا لا قرب الله ساعده
فقد يجبر العظم الكسير وينبري
لذي الحق يوماً حقه فيطالبه
بني هاشم كيف التهادن بيننا
وعند علي درعه ونجائبه
والا تكونوا قاتليه فاننا
فأجابه عبد الله بن أ
بكت عين من يبكي ابن عفان بعد ما
سواء علينا ممسكاه وضاربه
بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
تنكب عن قصد المحجة جانبه
وآثر بالمال الكثير أقاربه
سعى جاهدا في نقض سنة أحمد
فلا تسألونا عن سلاح ابن اختنا
ولكن سلوا عنه الوليد وصاحبه
فلا تسألونا سيفكم أن سيفكم
أضيع
فالفاه لدى الباب صاحبه
وحدثنا عبد الملك بن أبي سليمان الفزاري عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن علي بن أبي طالب، أنه قال: كنت مع أبي حين قُتل
- 111 - (1/111)
صفحة 112
عثمان، فقام فدخل منزله فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد لهذا الأمر اليوم أحق منك، ولا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تفعلوا فإني لأن أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله وما نحن بفاعلين ولا بارحين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد إذا،
فإن بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلا عن رضا من المسلمين. قال سالم بن أبي الجعد، قال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه أحد وأبى هو إلا المسجد، وبايعوه وبايع المهاجرون والأنصار ثم تتابع الناس.
حدثنا أبو ميمونة عن أبي بشير قال: كنت بالمدينة أيام قتل عثمان، فأتى الناس المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم وأنا معكم، فقد رضيت بمن اخترتم، فاستخيروا الله واختاروا لأنفسكم، فقالوا ما نختار غيرك، واختلفوا إليه بعدما قتل عثمان، ثم أتوه في آخر ذلك فقالوا: لا يصلح هذا الأمر إلا بك، وقد طال هذا الأمر، فقال لهم علي إنكم قد اختلفتم إلي مراراً وأبيتم أن تنصرفوا عني، فإني قائل لكم قولاً، فإن قبلتموه قبلت وإلا لا حاجة لي فيكم، فقالوا: ما قلت من شيء قبلناه إن شاء الله، فجاء حتى صعد المنبر واجتمع الناس، وقال: قد كنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم أميراً، وأنه ليس لي أمر دونكم إلا أن مفاتيح بيت أموالكم معي، ألا وإن ليس لي فيه حق دونكم. قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد عليهم.
قال: ولا لي أعطي أحدا دون أحد أرضيتم؟ قالوا: نعم. قال: الله أشهد عليهم فبايعهم على ذلك، قال أبو بشير وأنا يومئذ عند منبر
- 112 - (1/112)
صفحة 113
فلما
رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمع ما يقول، ونبذت جيفة عثمان ثلاثة أيام لا يدفن، ثم إن حكيم بن حزام القرشي وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل كلما عليا في دفنه فاذن لهم على أن لا يدفن مع الناس في مقابرهم، سمع الناس ذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة وخرج بها الناس يسيرون مع أهله يحملونها وهم يريدون به.، حائطاً يقال له حبر (1) کوکب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم فلما خرجوا به على الناس رجموا سريره وهموا بطرحه فبلغ ذلك علياً وأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفن ففعلوا، فانطلقوا به حتى دفن في حبر كوكب، فلما كان الأمر إلى معاوية هدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل قبره قبور المسلمين. حدثنا المخالف عن يسار بن أبي كرب، وكان أبو كرب والياً بيت مال المسلمين أيام عثمان، قال: دفن عثمان بين المغرب والعشاء ولم يشهد جنازته الأمروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة، فقالت ابنته تندبه ورفعت صوتها فأخذ الناس الحجارة وقالوا: نعثل نعثل وكادوا أن يرجموها، وقالوا: الحائط الحائط، فدفن خارجاً ليس مع قبور المسلمين، ووقفت في بعض كتب المخالفين أن الأشتر النخعي فساقه أتى إلى علي من بيته يوم بويع له، وانه لجالس في بيته فاجتمع الناس طلحة والزبير وغيرهما، فقام الأشتر فقال: قم يا طلحة ويا زبير فبايعا فقاما وبايعا ثم خرجا من عند علي وهما يقولان: بايعناه بأيدينا ولم تبايعه قلوبنا، وكانت السيوف المصقولة على رؤوسنا، فبايع الناس وتخلف عن بيعته سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وصهيب وزيد بن ثابت ومحمد. مسلمة وأسامة بن زيد ولم يتخلف أحد من الأنصار. بن
1) في بعض المصادر، حش كوكب.
•
- 113 - (1/113)
صفحة 114
وقال سليمان الأنصاري: بايعت علياً فرآني أبو بكرة متقلداً سيفاً فقال: ما هذا؟ قلت: بايعت علياً، فقال: لا تفعل يا بني فإن القوم يقتتلون على الدنيا. وعن الأعمش أن علياً قال حين أخذت السيوف مأخذها الرجال من قال علي: وددت أني ميت قبل هذا بعشرين عاماً. قال: وفي هذه السنة سار قسطنطين من عند هرقل يريد المسلمين في ألف مركب فسلط الله عليه قاصفاً من الريح فأغرقه ونجا قسطنطين حتى وصل صقلية فصنعوا له حماماً فقتلوه فيه.
وفي سنة ست وثلاثين خرج طلحة
بن عبيد الله والزبير بن العوام إلى مكة وعائشة يومئذ بها فقالا: يا أم المؤمنين إن هذا الرجل المقتول، عثمان، قتل مظلوماً، وقد استتابوه وقتلوه بعد التوبة، وإن علياً أخذ هذا الأمر لنفسه من غير مشورة ولا رضا من المسلمين، فهل لك
يعني
في المسير معنا إلى البصرة لننظر في أمر هذه الأمة وأمر هذا الرجل المقتول؟ ففتناها وسارا بها، فلما وصلوا البصرة وأظهروا أن عثمان قتل بعد التوبة وأظهروا الطلب بدمه ودعوا الناس إلى القتال، وقالوا لغوغاء الناس وجهالهم ومن لا بصيرة، له هذه أم المؤمنين وحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا وبين أيدينا، وقد خرجت من المدينة وتركت حجرتها التي كان الوحي ينزل فيها، وجوار قبر رسول الله. صلي الله عليه وسلم، رغبة في نصرة قتيل الظلم وإنكار البيعة، قد كان ذلك من غير رضا ولا مشورة من المسلمين فاستزلوهم وأضلوهم، إلا فريقاً من المؤمنين ممن بالبصرة يومئذ فقد أنكروا عليهم فرقة من المسلمين وغيرهم وحذروهم وذكروهم بالله وبحرمة الإسلام، ونهوهم عن شق العصا ومفارقة الجماعة فأبوا، فدعوهم ليلاً ونهاراً فجعلوا أصابعهم في
-118_ (1/114)
صفحة 115
فقتله
آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكاراً فقاتلوهم، عنه، فلما سمع علي
منهم
طائفة فيهم حكيم بن جبلة العبدي رضي
الله.
بن أبي طالب والمسلمون بالمدينة ببغي طلحة والزبير على المسلمين
طائفة وقتلهم المدينة في ستمائة رجل من طي، وستمائة من غيرهم، فمضى علي ومن معه إلى البصرة فسمعا به طلحة والزبير فخرجا في أهل البصرة وأم المؤمنين فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى قتل طلحة والزبير، وظهر علي وعقر بأم المؤمنين بعيرها، واختلفت الأسنة في هودجها فلولا ألقيت عليها الأدرع والأتراس لقتلت، ويومئذ قال لها عمار رضي ا الله عنه، وقد قال له علي: يا عمار، أدخل أنت وفلان إلى هذه وكلماها وقولا لها تتوب وتستغفر. فقال لها عمار: (والله إنا لنعلم أنك زوج نبينا في الجنة، ولكن لا ندع الله يعصى بين أظهرنا، فتابت واستغفرت، وقالت لعلي: قد ملكت فاسجح، فرجعت عائشة رضي الله عنها إلى المدينة وسار علي إلى البصرة، وقام بها خمسة عشر يوما ثم سار إلى الكوفة، فكتب إلى البلدان بما فتح الله عليه ورغب إليهم في ملازمة الجماعة والطاعة وأقام علي بالكوفة حتى رحل منها إلى صفين. وفي كتاب سالم بن الحطية (1) الهلالي رضي الله عنه، قال: ثم إن المسلمين بعد قتل عثمان بايعوا علي بن أبي طالب على كتاب الله وسنّة نبيه، فأعطاهم علي على ذلك العهد والميثاق فسمعوا له وأطاعوه، فبعث عماله إلى الأمصار فأثبت معاوية على الشام وأقره واستقام أمر وسوء صنيعه وعن مشورة جميع من شهد من
من المؤمنين وشق العصا ونكثهم البيعة، خرج إليهم من
عثمان الناس وعرفوا جور. المسلمين كان قتله، فإن زعم أهل الشام أنهم لم يشهدوا ولم يرضوا
1) سالم بن ذكوان.
-110_ (1/115)
صفحة 116
وإنما قتله محمد بن أبي بكر في عصابة وعامة المسلمين كارهون، فكيف يسع المسلمين أن يقتل خليفة الله بين ظهرانيهم ولا يمنعونه ولا يؤازرونه ولا ينصرونه أم كيف يجعلون علي بن أبي طالب لم يشهد ذلك ولم يرض به لعمري اجتمع رأي المسلمين على قتله وخذله، والصحابة يومئذ بين قاتل وخاذل.
وفي بعض كتب المخالين، كتب عثمان إلى علي أيام الحصار كتاباً وفيه قال: فإن أكُ مقتولاً فكن خير قاتلي وإن أك منصوراً فكن خير من ناصر فيه فأنت أملي، وأما علي فكتب إليه علي أن لم أكن عليك لم أكن
لك وقد خدعتني.
-117 - (1/116)
صفحة 117
معركة الجمل
الله
قال سالم في كتابه: فلما استقام الناس على علي، انطلق الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله باغيين، مشاقين وفتنا عائشة أم المؤمنين واستنزلاها عن بصيرتها في عثمان، وكانت تخرج المصحف من خدرها وتقول: أشهد بالله أن عثمان قد كفر بما في هذا المصحف فما زالا بها حتى أخرجاها من بيتها، وقد أمرها الله عز وجل أن تقر في بيتها وقالا لها فيما بلغنا أن علياً آثر الأمر هذا لنفسه من غير مشورة من المسلمين عامة، فأردنا أن يرد الأمر إلى عامة المسلمين فيختاروا لأنفسهم من شاؤوا، وأردنا أن تسيري معنا إلى العراق وتصلحي بين الناس ويكف بعضهم عن بعض فيصلح أمر هذه الأمة على يديك، ويوليك الله أجر ذلك، فسارا بها إلى البصرة يطلبون الملك والدنيا، وقد شهدا قتل عثمان، ودخلا فيما دخل فيه المسلمون، فلما قدما البصرة تبعهم غوغاء الناس وجهالهم والسواد الأعظم، وهم أسرع الناس إلى الاختلاف والفتنة لقلة فهمهم في الدين وسوء نظرهم في الأمور وشدة حرصهم في الدنيا، فلما قدما البصرة عرف من بها من أهل البصائر من المسلمين انهما قد قدما مخالفين للمسلمين فقاتلوهم حتى قتلت منهم. طائفة فيها حكيم ل بن جبلة العبدي، وعرفوا أن منزلتهما قبل ذلك عند نبي الله لم تغن عنهما شيئاً، فلما بلغ علي بن أبي طالب ومن معه بالمدينة ساروا إليهم
- 117 - (1/117)
صفحة 118
وسار إليهم من شاء من أهل الكوفة ومن تبعهم من الناس حتى قدموا البصرة، فزحف الزبير وطلحة ومن معهما وبرزا بأم المؤمنين على جمل، فحمل عليهم المسلمون فهزموهم وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير فاراً بوادي السباع قريباً من البصرة، وقد قتله عمر بن جرموز التميمي، ثم السعدي وعقر بأم المؤمنين جملها عقره أعين بن حكيم المجاشعي فناد مناد ألا من أغلق بابه فهو آمن واستتاب الناس من ولاية عثمان وطلحة والزبير ولم يثرب على الناس شين ولم تسب ذرية ولم يغنم مال، الله الا أن ضعفاء من الناس نفروا بسلاح أصابوه في المعركة فلما عدوهم واستقام الناس ردوا عليهم ما عندهم من السلاح.
هزم
وبلغنا أن علياً. حين ظهر على البصرة بعث خيلاً عليها رجل من بني
تميم ثم من بني يربوع يدعون الناس إلى طاعة علي ويسكنونهم، فبلغ أناساً. من بني ناجية بالأسياف، فامتنعوا منه ونصبوا الحرب، فقاتلهم صاحب الخيل وظهر عليهم فسبى، ذراريهم وفي الخيل رجل من بني بكر بن وائل ثم من بني شيبان يقال له مصقلة بن هبيرة وهو رجل فقيه أعلم من صاحب الخيل فكره السبي ونهى صاحب الخيل وذكر له أنه لا يحل له، وان علياً لم يستحل. سبي أهل البصرة يوم الجمل ولا يوم قتل عثمان فأبى عليه صاحب الخيل وهو رجل ضعيف قليل العقل غير أنه شديد البأس، فلما أن رأى ذلك منه مصقلة وانه أبى، فقال له: هل لك أن تبيعني هذا السبي بمائة ألف درهم، أو تكتب إلى علي كتاباً، فإن السبي ابرأتني من المقابلة، وان أبى أديت فلم يزل به حتى فعل وباعهم منه بمائة ألف وكتب عليه كتاباً، ثم كتب إلى علي، فأنكر علي ذلك، وعابه ورد السبي إلى أهله وأبرأ مصقلة من الحمالة وأظهر الكراهة لما كان من ذلك، وغضب علي على صاحب الخيل ولو أن السبي والغنيمة في
هورد
- 118 - (1/118)
صفحة 119
الموحدين كما زعم أهل الغلو حلال لم يسع المسلمين ترك ذلك يوم قتل عثمان ويوم الجمل وفي رد سبايا بني ناجية، وهاتان الخصلتان سبايا بني ناجية وأهل دبا قبلهم من أوثق ما تحتج له الخوارج، فإن كان السبا حلالاً فقد هلكت الخوارج بولايتهم المسلمين إذ لم يعتمدوا ولم يروا فيه رأيهم، وان كان حراما، فقد ضلوا بخلافهم المسلمين وباستحلالهم
ما حرم الله.
الله
وأصيب يوم الجمل زيد بن صوحان رحمة الله عليه، وكان نبي يقول: «تقطع يده في سبيل ثم يتبعها آخر جسده»، فاستشهد
الله
يومئذ ورجعت عائشة إلى بيتها تائبة مما كان منها وعرفت انها لم يكن لها أن تخرج من بيتها.
وقال أبو سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله: دخل جابر بن زيد وأبو بلال مرداس رحمهما الله ورضي عنهما على عائشة وعاتباها على ما كان
منها يوم الجمل فاستغفرت وتابت مما دخلت فيه.
ودخل أهل البصرة في طاعة علي واجتمع الناس عليه خرج عليه
معاوية.
-119. (1/119)
صفحة 120
معركة صفين
ثم أقبل بعد ذلك معاوية من الشام وهي الفتنة الثالثة بعد فتنة الدار وفتنة الجمل، وذلك أن معاوية أقبل من الشام يطلب الملك والخلافة، يطمع فيها كما طمع فيها غيره ويظهر لأتباعه أن عثمان قتل مظلوماً وانه يطلب قتلته أو دية دمه، وقد يعلم ذوو الألباب أن معاوية لم يكن ليطلب الدين، وكان عدو الله فاسقاً لعيناً هو وأبوه على لسان نبي الله يوم أقبل كما بلغنا أن أبا سفيان راكب على جمل ومعاوية يقوده ويسوق به غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراكب والقائد والسائق»، وبلغنا أن نبي الله بعث إلى معاوية ليكتب له فوجده يأكل، وكان يعجبه كتابه فوجده الرسول يأكل ثم عاد الرسول ثانية فوجده يأكل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تشبع بطنه»، فكانت تعرف تلك النهمة في بطن معاوية وفي بعض كتب المخالفين: خرج معاوية من الشام إلى صفين وجاء علي من العراق وكان معاوية قد سبقه إلى الماء فاقتتلوا عليه حتى صار الماء بينهم، فكان هذا كل أول قتال كان بينهم ثم خرج عمرو بن العاص من مصر في أربعة آلاف. وخرج محمد بن أبي بكر من المدينة فاقتتلوا، فانهزم محمد فاختفى عند جبلة بن مسروق فدخل عليه عمرو فخرج، فقاتل حتى قتل فأمر به فأحرق في جوف حمار.
- 120 - (1/120)
صفحة 121
وبلغنا أن معاوية لما قصد إلى قتال أهل العراق بصفين عبأ جيوشه ورتب قواده وجعل على الميمنة قائداً وعلى الميسرة قائداً وعلى القلب قائداً وعلى المقدمة قائداً، فاستعمل عبيد الله بن عمر بن الخطاب على كان معه من أهل المدينة من شيعة عثمان، وضم إليه أربعة آلاف من
من
أهل الشام.
واستعمل حبيب بن ميسرة الفهري وكان أحد العرب مع معاوية في الطلب لدم عثمان، واستعمل أبا الأعور السلمي على مقدمته واستعمل ذا الكلاع الحميري على الميمنة وقال معاوية لعمرو بن العاص: من ترى علياً معيناً لميمنته؟ قال: أراه معيناً لها ربيعة وكان كذلك جعل ربيعة على ميسرة أصحابه فتقدم ذو الكلاع وقومه حمير لقتال ربيعة فتقدم الأشتر النخعي وهو يقول: يا معشر المسلمين قد حمي الوطيس والتحمت الحرب فأصبروا واثبتوا فوالله لئن صبرتم ساعة ليفتح لكم
فحمل وهو يقول:
أهلي فداكم قاتلوا عن دينكم
إن المضي في الوغى يزينكم
والجبن في أعرابكم يهينكم
فاحموا حماكم وامنعوا قطينكم
فطعن برمحه حتى كسر، فقال رجل من لخم، أي رجل هذا أريد أن أعاتبه؟ فقال له سهل بن حنيف: الله درابيك تريد أن تعاتبه بعدما ترى، قال: أخاف أن يكون يحاول الملك. قال خوفك لا يلزمه فأحسن به
الظن ثم تقدم أبو الهيثم بن النبهان وقال:
أحمد ربي وهو الحميد
ذاك الذي يفعل ما يريد
- 121 - (1/121)
صفحة 122
ذاك الذي عذابه شديد ..... إلى آخر القصيدة، ثم تقدم خالد أخو
خالدة وهو يقول:
هذا علي والهدى يقوده
يبين فيه حزمه وجوده
وكل من يقرن به يسوده
فطعن ملياً ثم انصرف ثم تقدم خالدة أخوه وكان من عباد الأنصار
وكان فاضلاً فحمل وهو يقول:
هذا علي والهدى أمامه
هذا لوا نبينا قدامه
لا نائبة تخشى ولا ندامة فمضى وتبعه أخوه خالد الذي ذكر قبله فقاتلا حتى أصيبا رحمهما الله، ثم تقدم جندب بن زهير الأسدي (1)
وهو يقول:
هذا على والهدى حقاً معه
يا رب فاحفظه ولا تضيعه
فإنه يخشاك رب فارفعه
فاستقبله رجل من لخم فطعنه فمشى إليه جندب في الرمح فقتله فماتا جميعاً، ثم تقدم سهيل بن حنيف وهو يقول:
اللهم رب الحل والحرام
والحجر الأسود والمقام
لا تجعل الملك لأهل الشام
1) لعله الأزدي قاتل الساحر.
واليوم يوم ليس كالأيام
- 122 - (1/122)
صفحة 123
والعام عام ليس كالأعوام
والناس مرمـي منهم ورام
فيها اختلاء ادرع وحام
فلم يزل يطعن برمحه حتى أصيب، ثم تقدم عبد الله بن بديل بن ورقا
الخزاعي فحمل وهو يقول:
لا تحبطن يا الهي أجري
وعجلن ربي لابن صخر
ناراً ولا تشركه في ذا الأمر
إن ينج منه لم يصبه ظفر
فيا لها من غصة في صدري
فلم يزل يقاتل حتى أصيب، فلما رأى الأشتر ما رأى بكي، فقال والله ما حجبت عني الشهادة إلا لذنب، وما أعلم لي ذنباً أكثر من تركي أصحابي، فحمل وأكثر القتال والجراح في أهل الشام فقال في ذلك همام بن الاعقل: قد قرت العين من ا
الفساق
إذ ظفرت كتائب العراق
ومن رؤوس الكفر والنفاق
نحن قتلنا صاحب الشقاق
وقائد البغات والمراق
عثمان يوم الدار والإحراق
لما التقينا ساقهم بالساق
بالضرب والطعن مع
الأعناق
وذكر أنه لما اشتد الأمر على معاوية دعا عمرو بن العاص وبشر بن
ارطاة وعبد الرحمن بن. خالد
بن
الله الوليد وعبيد بن عمر بن الخطاب،
- 123 - (1/123)
صفحة 124
فقال لهم: قد غمني رجال من أصحاب علي سعد بن قيس في همدان والمرقال والأشتر في قومه وعدي ابن حاتم في طي وقيس بن سعد في الأنصار، قالوا له يتكفل كل واحد منا بواحد منهم، فلما أصبح معاوية لم يدع فارساً إلا حشده، ده، قاصداً لهمدان فتقدم معاوية الخيل وكان أسد
قريش وهو يقول:
لاضربن ضرباً تخاف الهام
من أرحب في ساكن وهام
قوم هم قد غدروا أهل الشام
بين قتيل وجريح دام
لم تمنع الحرمة بعد العام
فاعرض الخيل ملياً، ثم إن همدان تنادت بأشعارها، واشتد القتال، فحمل سعد بن قيس على معاوية فقاتله معاوية أيضاً، فقال سعد:
يا لهف نفسي فاتني معاوية
عن ظهر ساط كالعقاب الهاوية
إلى آخر القصيدة فانصرف معاوية ولم يصنع
شيئاً، فلما أصبح اليوم
الثاني غدا عمرو وأصحابه في جماعة الخيل إلى المرقال ومع المرقال لواء
علي
الاعظم فحمل عمرو وهو يقول:
لا عيش إن لم ألق يومي هاشماً
ذاك الذي إحشمني المجاشم
ذاك الذي أقام لي المآثم
ذاك الذي يشتم عرضي ظالم
سالما ذاك الذي إن ينج مني
يکن شجاعة الممات لازما
- 124 - (1/124)
صفحة 125
فطعن في أعراض الخيل وحمل عليه المرقال وهو يقول:
لا عيش إن لم ألق يومي عمرا
ذاك الذي أحدث فينا الغدرا
أو يحدث الله لأمر أمرا
لا تجزعن يا نفسي صبرا صبرا
صبرا هداك الله طعنا شررا
فطعن المرقال في أعراض الخيل، وطعن عمرو فردعه فلم يصنع شيئا، فلما أصبح اليوم الثالث غدا بشر بن أرطاة فلقي قيس بن سعد في حماة الأنصار واشتد القتال بينهم وحمل سعد بن قيس كأنه المنجنيق وهو
يقول:
أنا ابن سعد زانه العباده
والخزرجيون رجال ساده
ليس فراري في الوغا بعاده
إن الفرار للفتى قلاده
حتى متى تثنى لنا الوساده
فطعن في أصحاب بشر فبرز له بشر بعد ملي من النهار وهو يقول:
أنا ابن أرطاة عظيم القدرى
مردد في غالب بن فهرى
ليس الفرار من طباع بشر
إن أرجع اليوم بغير وترى
فقد قضيت في العدو نذري
يا ليت شعري ما بقي من عمري
وطعن قيس وضربه قيس بالسيف ورده على عقبيه، فانصرف القوم
- 125 - (1/125)
صفحة 126
ولقيس الفضل ا أصبح اليوم الرابع غدا عبيد الله بن عمر بن الخطاب فلم يترك شيئاً الا حشد ما استطاع، وقال له معاوية: انك ستلقى أفاعي العراق فارفق وخرج الأشتر أمام الخيل مزبداً، وكان إذا رأى القتال ازبد فحمل وهو يقول:
في كل يوم هامتي موفره
للموت ألقي منية مؤخره
انصرف
إلى آخر القصيدة، فحمل الأشتر وطعن في الخيل حتى الناس، والفضل للاشتر، فلما أصبح اليوم الخامس غدا عبد الرحمن بن بن الوليد وكان أرجى القوم عند معاوية أن يبلغ به مراده، فقواه بالخيل والسلاح، وكان يعده ولدا فتلقاه عدي بن حاتم في حماة فدحج
خالد
وقضاعة فبرز عبد الرحمن أمام الخيل ثم نادى:
قل لعدي ذهب الوعيد
أنا ابن سيف الله لا
ذاك الذي هو فيكم الوحيد
مزيد
قد ذقتم الحرب فزيد زيد
ما أن لنا ولكم محيد
ثم حمل عدي وهو يقول:
أرجو الهي وأخاف ذنبي
فليس لي كمثل عفو
إن الوحيد بغضكم في قلبي
أعظم من أحد وركن هضب
وذاك باق لكم في عقبي
اخس إن الكلب ابن الكلب
- 126 - (1/126)
صفحة 127
وحمل عدي بن حاتم في حماة الخيل حتى توارى في العجاج،
وفضح القوم، ورجع عبد الرحمن إلى معاوية وانكسر، وقال: ليت أني لم أعبئكم للقوم، فقالوا: عرضتنا للقتال ووقيت أهل اليمن، وأظهر معاوية الشماتة لعمرو بن العاص، وقال: كيف بك إذا لقيت سعد بن قيس في همدان، فغضب عمرو، فقال: أما والله لو كان علياً ما اقتمحت عليه، وقال عمرو في ذلك شعراً:
تشير إلى ابن ذي يزن سعيد
وتترك في
العجاجة
دعاكا
من
فهل لك في أبي حسن علي
لعل الله يمكنه قفاكا
دعاك إلى البراز فلم تجبه
ولو بارزته برت يداكا
وكنت أصم إذ ناداكا عنها
وكان سكوته عنه مناكا
فما أنصفت صحبك يا بن هند
اتفرقه وتغضب من
كفاكا
ثم اشتد القتال بصفين وقتل عمار بن ياسر وهاشم بن عيينة وغيرهم مثل خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين من المسلمين»، وخرج أبو الهيثم بن النبهان والأشتر وغيرهما، فحمل المسلمون على أصحاب معاوية فأكثروا فيهم القتل، وهزموهم حتى دخلوا ناحية عسكره، وانهزم معاوية، وهرب على فرس له.
- 127 - (1/127)
صفحة 128
قضية التحكيم"
وانحاز عمرو بن العاص في ناحية العسكر، ثم انصرف معاوية، فقال له عمرو: هل لك أن تدعو القوم دعوة أن اعطوها افترقوا، وان منعوها منا افترقوا، ولا تزيدنا إلا اجتماعا، ولا تزيدهم إلا فرقة وشتاتا؟ فقال معاوية:
وما هي؟
قال: إني عارف بأهل العراق ارفعوا لهم المصاحف على الرماح 1) كان رفع المصاحف وتحكيم الحكمين خديعة من معاوية بن أبي سفيان ومستشاره عمرو بن العاص انخدع بها الخليفة علي بن أبي طالب، وقد حذره أصحابه الذين عرفوا فيما بعد بالمحكمة من مغبة ذلك، ولكن الجناح الآخر والأقوى من أصحابه زينوا له صحة ذلك التحكيم، وفي مقدمتهم الأشعث بن قيس الكندي، لأن معاوية تواصل معهم ومناهم ووعدهم بالمال والمناصب، وكان ما كان من أمر التحكيم وفقد بسببه الخليفة الشرعي منصبه الشرعي، وفقد اتباعه ثم فقد حياته، على أن هناك بعض المذاهب الإسلامية لا يرضى القول بتخطئة علي بن أبي طالب بقبول التحكيم بحجة أنه صحابي وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته، وهكذا نجد تغلب العاطفة على العقل والنص، و الخطاب الإسلامي توجيهاً عاطفياً، وكان الإسلام جاء طبقياً ومن المعلوم أن مراعاة الطبقية منافية للمساواة التي هي روح الإسلام، ومنافية للعدالة التي هي! لب الإسلام. والتحكيم لا يخرج عن كونه حقاً أو باطلاً، فإن كان حقاً فقد اسقط الخليفة حقه بقبوله التحكيم ونتيجته، فلماذا يعود إلى التمسك بالخلافة ويذهب إلى سفك الدماء من أجلها؟ وإذا كان باطلاً، فقد وقع في الخطأ. على أن هناك بعض المذاهب يضفي عليه العصمة مع أنها لا تكون إلا للأنبياء والرسل، لأنها مرتبطة بالوحي الذي انقطع بموت النبي عليه الصلاة والسلام.
ووجه
- 128 - (1/128)
صفحة 129
وادعوهم إلى ما فيها، فقال له معاوية: افعل فأمر معاوية أن ترفع لهم المصاحف على الرماح ثم خرج غاديا، وقال: بيننا وبينكم كتاب الله،
فلما
ذلك
سمع منهم أهل الوهن مثل الأشعث بن قيس وغيره من جبناء أهل العراق، قاموا إليه فقالوا يا أمير المؤمنين أنصفك القوم، وخرجت طائفة من أصحاب علي، فقالوا لا حكم الا لله، والله ما كتاب الله يريدون، وتقلدوا سيوفهم واعتقلوا رماحهم وقالوا لعلي: قد مضى الحكم في معاوية وأصحابه وهم كفار حتى يرجعوا إلى كتاب الله، فجاء الأشعث يسير في الأحياء يعرض عليهم فمر برايات حنظلة فحمل عليه عروة أدية أخو أبي بلال فضرب عجز بغلته بالسيف، وقال: أين قتلانا يا أشعث لا حكم الا الله (1)، قلت: وهذا معنى قولهم أول سيف سلّ
بن
للحكومة سيف عروة بن أدية.
عن خالد بن سعيد أن بعض القوم دعوا إلى القتال حين رفعت المصاحف على الرماح منهم الأشتر النخعي وشبيب بن ربيعة ويزيد بن قيس، وغيرهم وكان يأبأ من القبيلة الرجل والرجلان وكان أكثر من ياباً من الناس همدان لما دخل الناس في الكراهية للحكومة حتى رجعوا وأجابوا اليها.
وعن النخعي قال سمعت الأشتر يقول حين دعوا إلى الحكومة يا أهل العراق، يا أهل الذلة والهوان، علوتم للقوم ظهوراً وظنوا أنكم لهم قاهرون، فرفعوا لكم المصاحف على الرماح ودعوكم إلى ما فيها، أمهلوني فواقا فقد أحسست بالفتح، فقالوا: والله لا نفعل .. فقال: ويلكم، أمهلوني
1) إن قول عروة بن أدية للأشعث بن قيس ما هذه الدنية يا أشعث، لا حكم إلا لله دليل واضح على أن أهل النهروان كانوا من المصرين على رفض التحكيم منذ أن بدأت بوادره تلوح في الأفق، وأنه ليس من الصواب في شيء القول بأنهم أكرهوا علياً على قبول التحكيم بادئ الأمر، وإنما كان المروج له الأشعث بن قيس.
- 129 - (1/129)
صفحة 130
غدوة الفرس فإني قد أحس ن بالنصر، قالوا: اذا والله لا ندخل معك في
خطيئتك.
قال حدثوني عنكم .. قد قُتل أمثالكم وبقي أرذالكم، متى كنتم محقين حين كنتم تقاتلون وخياركم يُقتلون، فأنتم الآن إذ أمسكتم على القتال محقون أم أنتم الآن، مبطلون فقتلاكم الذين خير منكم ولا تنكرون فضلهم إذا في النار وهم لها مستحقون، فقالوا له: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله، وندع قتالهم في الله، إنَّا لسنا مطيعيك ولا أصحابك، قال: خدعتم فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السوداء كنا نظن أن فراركم من الدنيا وصلاتكم وصيامكم زهداً وشوقاً إلى الآخرة فلا فراركم إلا من الموت إلى الدنيا، فقبحاً لكم يا شياه الذيب الجلالة، فأنتم ما أنتم إلا مزارين بعد هذا اليوم وغدا إلى يوم القيامة، أبعدوا كما بعد القوم الظالمون، فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته وكرّ عليهم فضرب وجه دوابهم حتى قام إليه أحدهم فأخذ بلجام دابته، فقال: دَعْ هؤلاء فحسبهم ما بهم، وحال بينهم وبينه. وقال علي للناس يوم صفين: لقد فعلت اليوم فعلة ضعضعت قوة، واسقطت نية وأورثت وهناً وذلة لما كنتم الأعلون وخاف عدوكم الاحتياج واستمر فيهم القتل ووجدوا ألم الجراح، نشروا لكم المصاحف ودعوكم إلى ما فيها ليفتروكم عنهم وتقطع الحرب بيننا وبينهم ويتربصون بكم ريب المنون، خديعة ومكيدة، فبم أتيتم أن منعتموهم ما أحبوا واعطيتموهم ما سألوا، وقد اعلمتكم ما يقولون وما يعبرون، فأبيتم إلا أن تداهنوا وتجوروا، وأيم الله ما أظنكم بعدها مصيبين رشداً ولا موافقين باب حزم، وقد سمع علي في ثلاثة مواطن يوم الدار ويوم الجمل ويوم صفين يوصي الناس بهذه الكلمات يقول: عباد الله اتقوا الله
- 130 - (1/130)
صفحة 131
وغضوا الأبصار واحفظوا الأصوات وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على المنايا والمجاولة والمبارزة والمناضلة والمجادلة والمعانقة والمكابدة واثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الأجر. وبلغنا عن محمد بن الحنفية، قال: لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح، قال بعض المسلمين للناس: والله ما الكتاب يريدون أيها الناس أناشدكم الله أن تعطوا في دينكم الدنية، قالوا: دعونا إلى ما كنا ندعوكم إليه. وحدثنا مسعود بن حصن السلمي عن أبي وائل شقيق بن سلمة الاسدي قال: قلنا يا أبا سلمة أخبرنا عن صفين؟ قال: بئس الصفون كانت والله ما مات القوم حتى شكوا في
دينهم فاتهموهم على دينهم ثم أرسل علي إلى أهل الشام: أن قد قبلنا بيننا وبينكم كتاب الله، فأرسل إليه أهل الشام أنه لا نستطيع النظر في كتاب الله بجماعتنا وجماعتكم، ولا كنا نبعث حكماً منا وحكماً منكم ثم نرضى بالذي يحكمان به فقال من أراد الحكومة من أصحاب أنصفك القوم، فابعث إليهم أن يبعثوا رجلاً ففعلوا، فأرسلوا إليه
علي إنا سنبعث عمرو بن العاص فابعث أنت رجلا، قال: فإني ابعث ابن عباس، فقالوا له أصحابه نناشدك الله أن تبعث رجلاً شهد قتل عثمان وألب عليه ولكن ابعث أبا موسى الأشعري فإنه غير متهم عندهم، فمتى ما قضى شيئاً رضينا به في دم عثمان، ونقطع عنا مقاتلتهم مع دلالة أن الحجة في دم عثمان أعظم وأظهر وأوضح من أن تخفى على أحد، ومثل هذا لا يسقط فيه أبو موسى فقال علي إن كنت الامام المطاع فلا أرضى بأبي موسى وهو صاحبكم بالأمس، وهو يقول احذروا الفتنة البكماء الصماء، التي القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من
- 131 - (1/131)
صفحة 132
مرهب
الماشي، والماشي خير من الساعي فاكسروا قسيكم واقطعوا أوتاركم واضربوا سيوفكم الحجارة، فقالوا: إنه قد تاب وعرف ضلالة عثمان وسار معك إلى قتل عدوك، فقال الأحنف بن قيس: لا تبعث يمانياً القلب ضعيف القوة، ولكن ابعث قريشياً يعطفه عليك الرحم والحق، فيقوم لك بالحجة، وينفي عنك الأباطيل فأبوا الا أبا موسى وقالوا: أمرك أبين من أن تدخل فيه شبهة .. فقال الأحنف قال: إن أبا موسى رجل كليل الشفرة قريب القعر، وقد حلبت أشطره فإن أبيت يا علي إلا أن تبعثه فابعث معه رجلاً مضريا واجعلني ذلك الرجل أو فأجعله أبا الأسود الدؤلي فإنه لا يعقد لك عمرو بن العاص عقدة إلا حلها وعقد لك مكانها، أخرى، فلا تفترش مهاد العجز، فقد رميت بحجر أهل الأرض ومن حارب الله ورسوله في الجاهلية والإسلام، وإنما صاحبه من دني منه فابعثني يا علي مع الشيخ الضعيف. فقال علي: أما إنه رأيي مثل رأيك ولكن الله يفعل ما يشاء، أنا متبع أمرهم فأرسل إليه أهل الشام لأنت على ما أعطيت ووقفت؛ لا نستطيع النظر في كتاب الله في ثلاثة أيام، ولكنا نطلب منكم أن تنصرفوا إلى العراق وننصرف إلى الشام، ثم ينظر الرجلان في أمرهما إلى الموسم، فإن اتفق رأيهما على شيء فمن الله والا فنحن وأنتم على ما كنا عليه من الحرب لعبا بعلي وخديعة له، فقال أصحاب علي ما نكره من طول المدة، وليس فيها علينا مضرة، نرجع إلى بلادنا ونلجم دوابنا، فلعل الله أن يهدينا ويخرجنا من ضلالتنا. فقال رجل من القوم: اناشدكم الله ألا تفعلوا، فإن رجوعكم أول البلاء وسبب، فأبوا عليه وتابعهم علي وكتبوا الكتاب بينهم. وحدثني عتاب بن زكريا عن حبيب بن يسار عن سويد بن
الفتنة،
عقبة،
قال: والله إني لأسير مع أبي موسى على شاطئ الفرات، فذكرنا بني
- 132 - (1/132)
صفحة 133
اسرائيل فأخبر عنهم، فلم يزل أمرهم حتى بعثوا حكمين ضالين مضلين وإنكم أيها الأمة لا تنفكوا حتى يبعث فيكم حكمان ضالان مضلان، قال عبد الله بن علقمة:: فرأيته والله أحدهما فما زالوا حتى كتبوا بينهم كتاباً، فأراد علي أن يكتب أمير المؤمنين، فقال معاوية: لو أقررنا لك بها لم نقاتلك وأنا إذاً لظلمت، لا، حتى تكتب باسمك واسم أبيك، ونكتب مثل ذلك حتى يحكم الحكمان، فلما بلغ على قول معاوية، قال على يدي يدار هذا الأمر، أنا كتبت الكتاب يوم الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، فكتب محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: لو شهدنا انك رسول الله لم نقاتلك. فقال له الأحنف: إنك رجل أهوج لا علم لك، إنه ما كان لكم ما كان لرسول الله صلى الله عليه
وسلم، ولا كرامة.
وكان الحسن يقول الله در أبي بحر. ما وزن رأيه برأي إلا رجح به. قال الأحنف بن قيس: قلت لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين لا تخلع اسماً بايعت عليه الناس وإني أخاف إن نزعته ألا يرجع إليك أبداً. وعن عمارة بن ربيعة الجرمي قال: دعا علي الأشتر النخعي إلى كتاب القضية، فقيل له: اكتب اسمك فقال لا صحبني يميني ولا نفعني شمالي إن خط لي في هذا الكتاب باسم على صلح أو مواعدة فإذا لست على بينة من ديني ويقين من خلال عدوي أولست قد رأيت الظفر أن تجتمعوا على الجور؟ فقال الأشعث: انك والله، ما رأيت ظفرا ولا جورا، هلم بك إلى كتابنا هذا فإنه لا رغبة بك عنا، فقال الأشتر: بلى والله إن لي لرغبة في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة، ولقد سفك الله بسيفي هذا دم رجال، لست بخير منهم عندي ولا أحرم علي دما، فقال الجرمي عمارة بن ربيعة: فوالله لكأنما وضع على أنف الأشعث الجمرة، فقال له علي:
- 133 - (1/133)
صفحة 134
بسم
مهلاً مهلاً يا اشتر لا تفرق على الناس فكتب الكتاب بينه وبين معاوية: الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان واتباعهما فيما تراضوا به من الحكم، قاضي علي أهل العراق ومن كان معه من شاهد أو غائب، وقاضى معاوية على أهل الشام، ومن كان معه من شاهد وغائب والناس آمنون على الأموال
،
بين
والأنفس إلى أن ينقضي هذا الاجل والسلاح موضوع والسبيل مخلى، والشاهد والغائب من الفريقين سواء والحكمان ينزلان منزلاً عدلاً. الشام والعراق لا يحضرهما فيه إلا من أحبا. وأجل القضية بين الناس من شهر رمضان إلى انقضاء الموسم. كتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من سنة تسع وعشرين من وفاة النبي صلى الله عليه
وسلم. وحدثني عبد الله بن يزيد الفزاري أنه بلغه أن معاوية انصرف بعد ذلك حيث حكم الحكمان وأهل الشام إلى الشام، وانصرف علي وأهل العراق إلى العراق، والتحكيم فاش في العسكر، وكانوا إذا ارتحلوا زاحم بعضهم بعضاً، وتدافعوا على الماء، فإذا اجتمعوا قال من أنكر الحكومة لمن رضيها يا أعداء الله عصيتم الله، وحكمتم في أمر الله، وشككتم الله في دين وخالفتم كتاب الله، فلم يزالوا كذلك حتى انتهى القوم إلى الكوفة، ثم سار الذين كرهوا الحكومة بصفين، وخالفوا علياً على تحكيمه الحكمين، وحكموا الله في أنفسهم إلى من كان من اخوانهم مع علي فناظروهم ودعوهم إلى تحكيم الله وخلع ما سواه، فقالوا لهم: أتعلمون أنكم عملتم عملاً وكلتم فيه إلى رأي علي، وقد سمعتم إنكار عمار وهاشم بن عيينة وأصحابه الذين مضوا على أمر الله لذلك وناهيهم ه، وقول عمار جروا الخطام ما انجر، وقوله: لنضر بنهم والله حتى يرتاب
عنه،
- 134 - (1/134)
صفحة 135
المبطلون. وقوله: هل من رائح إلى الجنة قبل حكم الحكمين، فعرفوا من ذلك ما عرفوهم فقالوا: إنا قد زللنا زلة نتوب منها إلى الله ونستغفره فرجعوا إليهم ونزلوا حرورا، وخرجوا معهم فنزل علي على نفر ممن أنكر الحكومة فدخلوا عليه وعاتبوه، وسألوه أن ينقض ذلك وكلمه رجل يقال له عتاب يقال إنه من تغلب فما رأيت رجلاً قط كان أحفظ لتأويل القرآن منه، فأبى أن يطيعهم في نقض القضية، وخرجوا حتى نزلوا حرورا وهم اثنا عشر ألفاً، وقيل أربعة وعشرون ألفاً، فنادا مناديهم: أمير القتال شيث بن رفاعة والأمر من بعد الفتح شورى البيعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيهم أبو الهيثم بن النبهان وفروة بن نوفل الأشجعي وسارية بن لجام السعدي وحرقوس بن زهير السعدي ويزيد بن قيس الأزدي وجعفر بن مالك السعدي وبشر بن جبلة العامري وشريك بن الحكم الأزدي ومرداس أبو بلال وأخوه حيان والسورد بن علامة والأشعث بن بشر العبدي وميسرة بن خالد الفهري وهو أبو الصهباء وعبد الله بن وهب الراسبي وحمزة بن سنان وزيد بن حصن الطائي وعباد بن الحرشاء الطائي والحويرث بن وداع الاسدي وعمير بن الحارث الأنصاري ويزيد بن عاصم وأربعة إخوة معه ممن بايعوا تحت الشجرة، وشجرة بن الحارث السلمي الله بن شجرة بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة
وعبد
وأربعة إخوة له وثلاثة بني أخت له والمسيب بن ضمرة الاسدي وعبد الله بن عفيف وأخوه سفيان الخزاعيان وأبو عمر بن نوفل مولى له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونافع مولى ترمله وترمله، صاحب رسول صلى الله عليه وسلم في نفر من بني حنظلة وهرم بن عمرو الأنصاري من بني واقف وأبو قدامة بن لبيد من بني قيس وعينية بن معمر الأنصاري من بني وائل من الذين نزلوا وأعينهم تفيض من الدمع وزياد بن شرحبيل
الله
- 135 - (1/135)
صفحة 136
العجلي والأشهب بن بشر الكوفي وشجرة بن أوفا السلمي بدري ومالك
بن النبهان وزرعة وحكيم بن عبد الرحمن الكناني.
وبلغنا أن الشيعة لما فارق المسلمون علياً عاتبوهم، فقال لهم المسلمون: استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، أما أهل الشام فبايعوا معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وأما أنتم فبايعتم علياً على
عبد
أنكم أولياء من والاه وأعداء من عاداه، فنزلوا حروراً، فأرسل إليهم علي الله بن العباس، فلما أتاهم عبد الله بن العباس فقالوا له: مرحباً بك يا بن العباس ما سرنا أن غيرك أتانا فقال لهم: ما نقمتم يا معشر المسلمين عن أمير المؤمنين .. قالوا له: نناشدك الله يا ابن عباس ألا
C
دم
طلحة
أخبرتنا عن الأمر الذي كنا عليه نحن، وعلي أهدى كان أم ضلالة؟ قال اللهم بل كان هدى قالوا له: فنناشدك الله هل سفكنا عثمان على أحداثه التي أحدث وامتناعه من الله؟ کتاب قال: اللهم نعم فقالوا: الله أكبر فقالوا له: اننا نناشدك الله ألست تعلم أنا إنما سفكنا دم. والزبير يوم الجمل وأصحابهما ببغيهما بكتاب الله وسنة نبيه؟ قال: اللهم نعم، فكبر القوم، فقالوا له: نناشدك الله ألست تعلم إنَّا إنما فارقنا معاوية وعمرو بن العاص وأشياعهما واستحللنا قتلاهما وسفكنا دماءهم على بغيهم وتعديتهم كتاب الله وسنّة نبيه؟ قال ابن عباس: اللهم نعم، فقالوا له: يا ابن عباس هل نزل على صاحبك أمر من السماء بتحريم الأمر الذي كنا نحن وإياه عليه؟ فقال: اللهم لا فقالوا قد وجب على صاحبك
القضية.
قال ابن عباس قد علمتم أن الله أمر بتحكيم الحكمين في رجل وامرأة إن هما تشاقا وفي طير يقتله محرم فكيف بأمر أمة محمد؟ فقالوا: أما كل أمر جاء فيه فصل من الله فليس للناس أن يحكموا فيه الرجال، وأما
- 136 - (1/136)
صفحة 137
الله
كل حكم جعله الله إلى الناس فهو إليهم، أرأيت يا ابن عباس لو أن سارقاً سرق وزانياً زنا أو قاذفاً قذف فطلب إمام المسلمين أن يقيم حكم فيهم فامتنعوا من ذلك، فقالوا: نبعث حكمين، حكماً منا وحكماً منكم يحكمان رأيهما فما حكما به رضينا به .. هل للناس أن يحكموا في هذا الأمر أحداً، قال: اللهم لا فقالوا يا ابن عباس فما حكم الله في الفئة الباغية؟ أليس الله قال فقاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله، قال: اللهم نعم فقالوا له: أفلا تعلم أن معاوية وعمرو وأشياعهما
بين
فئة باغية؟ أفلا ترى أن صاحبك يريد أن يبعث حكمين إلى من قد الله الحكم فيه؟ فقالوا له: يا ابن عباس أليس الحكم في طير يقتله محرم، والحكم في المرأة وزوجها كالحكم في الحرب ودماء المسلمين ودينهم لأنه ليس شيء من الحكم في الحرب جعل الله فيه الحكم إلى الناس كما جعل الحكم إليهم فيما بين المرأة وزوجها إذا تشاقا أو في طير يقتله محرم وذلك أن الله قد فرغ حكمه في كتابه وبينه لخلقه؛ لأن الله قال في كتابه وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله، وقال: فقاتلوا التي تبغى حتى تفى إلى أمر الله الله فنناشدك الله يا ابن عباس هل تعلم أن معاوية فاء إلى أمر الله، قال: اللهم لا، قالوا: فأخبرنا عن هذه الآية التي نزعت بيننا وبينك كيف يكون الحكمان فيها عدلين أو غير عدلين، فقال: بل عدلين فقالوا: كيف كان عمرو عدلاً وهو بالأمس أهل حربنا يقاتلنا ويسفك دماءنا، فإن كان عدلاً فلسنا اذاً بعدول ونحن أهل حربه فقد حكمتموه في أمر الله وقد أمضى الله حكمه في معاوية وحزبه بأن يقاتلوا حتى يفيئوا ويرجعوا إلى أمر الله، وقال: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله وقد حكمتم عمرو بن العاص الله عليه وسلم، وفيه نزل إن شانئك
وهو شانئ رسول الله
صلي
هو
- 137 - (1/137)
صفحة 138
الابترك وقد هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً من الشعر،
کتاب
فقال صلى ا الله لعنة، فما نحن في شبهة من أمرهم، وأنت تعلم إنا قد دعوناهم قبل ذلك إلى كتاب الله ومعنا خيارنا وصلحاؤنا، عمار بن ياسر وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وابنا بديل الخزاعيان وهاشم بن عينية وزيد بن ورقا، فأبوا الله، وقاتل المسلمون عليه حتى مضوا أفتأمرنا يا ابن عباس بأن نحكم أبا موسى وعمر وبن العاص وأن ندخل في دين معاوية ونشهد أنه هدى بعد إذ كنا نشهد أنه ضلال؟ أترضى بذلك، ونسلم لحكمهم ونشهد أن قتلانا عمارا وأصحابه قتلوا على باطل؟ وأنهم في النار وأنهم أهل ضلالة وقد قتلوا على الحق؟ ونشهد أن قتلاهم قتلوا على الحق بعد إذ كنا عرفنا أنهم قتلوا على الباطل والجور والبغي وكتبتم بينكم وبينهم كتاباً جعلتم فيه المواعدة ووضع الحرب والسلاح فيما بينكم، وقد قطع الله المواعدة بين المسلمين وبين أهل حربهم، قد نزلت براءة إلا من أقر بالجزية ولم يضع الحرب والسلاح والأمر في أهل الحرب أن يفيئوا إلى أمر الله.
عليه وسلم: اللهم إني لا أحسن الشعر، فألعنه بكل بيت
الله وحدثني عبد بن يزيد الفزاري أن بعضهم قال: يا ابن عباس ما الحكم في محرم قتل جرادة؟ قال: حكومة ذوي عدل. قالوا: يا بن عباس فالمسلم أعظم حرمة أم الجرادة؟ قال: بل المسلم. قال: أفعدل عمرو بن العاص وقد وليتموه أن يحكم في دماء المسلمين.
فنناشدك الله يا ابن عباس لما رجعت إلى صاحبك فأخبرته بذلك وألا يكن لنا حرباً كحرب معاوية. وقد لزمته الحجة وإنا نكره أن نعجل إليه حتى تلزمه حجة الكتاب فنكون قد اعتذرنا بينا وبين ربنا.
- 138 - (1/138)
صفحة 139
فانصرف ابن عباس وهو مخصوم (1) قد عرف حجة القوم ولم يصنع شيئاً، فلما رجع إلى علي قال: ما صنعت؟ قال: قد خصمك القوم يا علي وقد لقوني بالحجة التي كنت أخاصم بها الناس فخصموني، فضرب علي على ظهر ابن عباس بالدرة، وقال له: ما صنعت شيئاً، فلم يقيموا بعد ذلك حتى خرج إليهم، فلما رأوه أقبلوا إليه وأكثروا القول، فقال: إن الكلام من جماعتكم لا يستطاع لا تفهمون ما أقول لكم، ولا أفقه ما تقولون لي، أخرجوا الي منكم مائة فأخرجوهم، ثم قال للمائة أخرجوا التي منكم عشرة، فأخرجوهم فقالوا له: لقد رجعت عن دينك وبلغني أنهم قالوا له: أكفرت بعد إيمانك؟ فقام وهو متكئ على قوسه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال في آخر خطبته: ما الذي نقمتم علي يا معشر المسلمين؟ فقام خطيبهم ومكلمهم فحمد الله وأثنى عليه، فقال: نقمنا عليك رجوعك عن دينك الذي دعوتنا إليه فأجبناك وسفكنا دماءنا عليه وقطعنا أرحامنا، ثم شككت فيه، وحكمت أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص وكتبت بينك وبين معاوية كتاباً وأمنته هو وأصحابه، وهم أهل حربك بغير رضا منهم بدينك ولا توبة عن ذنوبهم وبغيهم الذي قاتلوك عليه وقاتلوا عليه عمار بن ياسر وأصحابه من المهاجرين الله والأنصار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين رضي أليس معاوية وأصحابه مظهرين لك ولاية عدوك وعدو المسلمين ومظهرين لك عداوة وليك وولي المسلمين؟ وأنت تزعم أنك بمنزلة المسلمين فيمن حاربهم أو عاداهم؟ وخلعت اسماً سماك به المؤمنون حتى قتلوا
عنهم،
1) هذه الرواية تثبت أن أهل النهروان (المُحكمة قد أقنعوا ابن عباس بصواب موقفهم، ولم يكن من ابن عباس إلا أن سلّم لهم الأمر، فعاد إلى علي بن أبي طالب وقد أبلغه أن القوم لديهم من الحجة في رفض التحكيم ما لا يمكن دحضه، وهذا بخلاف الرواية التي تقول إن ابن عباس أقنع آلافاً منهم فرجعوا إلى علي.
- 139 - (1/139)
صفحة 140
عليه ورضيت بذلك وقررت به على نفسك وحكمت في دينك أولياء يطلبونك بدمه ولم تر ذلك حقاً واجباً علينا وعليك يوم وهم
عثمان
الجمل وقد طلبه الينا طلحة والزبير كما طلبه الينا معاوية اليوم فأبيت أن تجيبهم إلى ذلك وهم يدعونك إليه، فرأيت أنه لا ينبغي لك إجابتهما حتى يقرا بحكم القرآن، ولم تر إجابتهما حقاً عليك، فمن أين لمعاوية عليك حق دونهم وهم يطلبون دم عثمان كما يطلبه معاوية؟ ويقولون لك بيننا وبينك كتاب الله ورأيت أن قتالهم حقاً واجباً عليك، وهذا منك حكم بغير ما أنزل الله وتعد في أمر الله وقد قال الله تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله، وقال: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله، فلما فعلت ذلك لم يسعنا أن ندخل معك في ذلك ولا أن نجامعك عليه، ووجبت علينا مفارقتك والبراءة منك حتى ترجع إلى الأمر الذي كنا عليه نحن وأنت وتستغفر الله وتتوب إليه من خطيئتك هذه.
قال لهم علي: إن القوم دعوني إلى كتاب الله والله تعالى يقول له ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم من
بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون الله وإنما احتج عليهم بهذه الآية لأن الأشعث بن قيس احتج عليهم بها يوم صفين، قال خطيب المسلمين: يا علي إنما أنزلت هذه الآية في كفر أهل الكتاب تولوا عما في كتاب الله وأعرضوا عنه إذ يدعون إليه فعيرهم الله بذلك، فإن كنت يا علي أنزلت نفسك ومن معك منزلة أهل الكتاب حين تولوا عن كتاب وأنزلت معاوية ومن معه بمنزلة المؤمنين حين دعوا إلى كتاب الله، فقد أوجبت على نفسك وعلى أصحابك الضلالة، وأوجبت لمعاوية
الله
وأصحابه الهدى.
- 140 - (1/140)
صفحة 141
فلما
سمع ذلك علي مخاصمتهم أقبل على قوم كانوا ممن ولى أمر معاوية بصفين فاستنقذهم الله بإخوانهم من المسلمين بعد ما قدموا الكوفة، فقال لهم علي: ألستم تعلمون أن القوم دعونا إلى كتاب الله فأتيتموني فقلتم لا نقاتل قوماً دعونا إلى كتاب الله، فقلت لكم أن هذا من القوم خديعة، فقعدتم في رحالكم، فقلت لكم دعوني ابعث لا تعقد رجلاً مني علي. عقدة الا حلها فقلتم لا، فأتيتموني بأبي موسى الأشعري وقلت لكم كيف تثقون هذا الرجل وعهدنا وعهدكم به بالأمس وهو يقول احذروا الفتنة الصماء البكماء التي القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فاكسروا قسيكم واقطعوا أوتاركم يا معشر المسلمين.
فقد خرجت بيعته من
فلما سمعوا ذلك منه وما أعطاهم من نفسه كبروا بأجمعهم وكبر الناس بتكبيرهم واتصل التكبير إلى الكوفة حتى انتهى إلى المسجد الأعظم، فكبر أهله بتكبيرهم، ثم نظر القوم في امرهم، فقالوا: أما علي حدثه، فانظروا رجلاً تولوه أعناقنا للذي من أمركم، فلما سمع علي ذلك من قولهم، قال لهم: أناشدكم الله يا معشر المسلمين أن تسلموني إلى أحد. وحدث عبد الله بن يزيد الفزاري عن عبد السلام بن عبد القدوس، قال: قال لهم علي على أشد ما أخذ الله على النبيين من عهد وميثاق أن أنقض ما وليت الأشعري، ولا أبعث إلى دومة الجندل أحداً من الناس، ولا أسير اليها وان أقاتل معاوية لكم على بذلك عهد الله، قال عبد السلام فأعطاهم من العهد والميثاق ما لو أعطاه الطير اطمأنت وسكنت، فقالوا: ما نبالي أن نقبل هذه منك فإن تك صادقاً ووفيت فهو المراد، وإن تك مبطلاً ونقضت وغدرت كانت حجة بعد حجة، ثم انصرفوا من حروراء
- 141 - (1/141)
صفحة 142
إلى الكوفة مع علي فقال لهم علي نسمن الكراع ونسير إلى عدونا فإن شئتم على شاطئ الفرات، أو سرت أنا على شاطئه، ثم قام علي خطيباً فقال: أيها الناس إنَّا نظرنا في أمر الحكمين فوجدناه ضلالاً، وإنَّا برئنا إلى
الله منهما ومن رضي بأمرهما، ثم قال في آخر خطبته زللت زلة فلست أعتذر فسوف أكيس بعدها واشتمر وأجمع الأمر الشتيت المستمر، ولم يزل يقولها في آخر كل خطبة، فلما بلغ الأشعث بن قيس ما فعل علي وما تحدث الناس به من توبته دخل عليه فقال: ما صنعت، ما بالكوفة أمة على ظهرها جرة إلا وهي تحدث بأنك تبت إلى القوم، أما والله ليوشكن أن يقتلوك كما قتلوا ابن عفان فانهم استتابوه في عام وقتلوه من قابل وما تنكر من الحكومة. أتخاف أن يعدل الناس بينك وبين معاوية فوالله لأنت أكرم منه حسباً وأعظم شرفاً وأقدم هجرة وأسبق إيماناً.
بن
عفان،
فلما بلغ معاوية خبر علي ورجوعه عن الأمر الذي كان بينهما بصفين كتب إلى الأشعث وإلى وجوه أهل العراق يعدهم ويمنيهم ويقول: يا معشر أهل العراق، أنه لا يضركم أي أمير قرشي غلب فقد علمتم أنه لم يعطكم الحق من نفسه، فليس هو بأكرم عليكم من عثمان فلما وصل كتابه إلى اشراف أهل العراق نهضوا إلى علي نهضة رجل واحد، فقالوا له أنت تريد أن نكفر باجمعنا في غداة واحدة فاخبرنا عنك حين رضيت حكومة الحكمين ما كنت؟ فإن كنت كافراً برئنا منك بالكفر ولم نشهد على أنفسنا بالكفر، وقيل لما بلغ معاوية تلكؤ علي ورجوعه عن التحكيم بعث إلى العراق عبد الله بن مسعود الفزاري فأتى العراق، فقال: يا أهل العراق أنسيتم أن لقيتمونا بصفين فلما مسكم السيف أتيتم الحكومة أعطيتمونا عهدكم ومواثيقكم بالوفاء، فلما
حر
- 142 - (1/142)
صفحة 143
رجعتم اضطجعتم ولامستم النساء وشربتم ألبان البخت وأكلتم الغيئ فجبنتم، اما والله إن السيوف التي لقيناكم بها يوم صفين لفي أعناقنا قد
صقلت.
يوم
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: أتى عليا الأشعث وكان جباناً فقال: نقضت عهدك وكفرت بربك وفتحت عليك باباً لا يغلق عنك إلى القيامة، وإن أكثر الناس وجوههم معك، وان كره التحكيم شرذمة قليلة فاوف للقوم بعهدك، فإنه لا شك في تأميرك، فإن أبوا عليك كفيناك شأنهم، فلما سمع ذلك علي من قوله صعد المنبر وخطب الناس، وقال: يا أيها الناس إنا نظرنا في أمر الحكمين فوجدناه هدى وصواباً فمن أنكر علينا ذلك فليبدلنا صفحته ونادى مناديه بذلك، وقال: لا أوتين برجل
ينكر علينا أمر الحكومة أو يطعن علينا في ذلك إلا عاقبناه.
فلما
سمع
ذلك أهل العراق تواثبوا من نواحي المسجد
ومن
تحت
المنبر وقالوا: لا حكم إلا لله ولو كره الصادون، فقال علي: الله أكبر، إن سكتوا عصمناهم، وإن خرجوا، قاتلناهم، فقام زيد بن عاصم النجاري، فقال: الحمد الله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه، اللهم إنا نعوذ بك أن
اعطاء
ندخل في دينك فنعطى الدنية فإن الذليل يعطى ما سئل مع الدنية في الدين ادهان في أمر الله وذلّ راجع بأهله إلى سخط الله يا علي أبالقتال تخوفنا وبالموت، تعرفنا أما والله اني لأرجو أن اضربكم بها عما قليل ثم لتعلم أينا أولى بها صلياً، ثم خرج من المسجد وأربعة إخوة له وهو يقول لا حكم الا لله ولو كره الصادون، فاصيبوا مع المسلمين بالنهروان وأُصيب أحدهم بالنخيلة.
ثم أجمع علي على المسير إلى أبي موسى وعمرو فأمر بجمل له أن يشد الساعة فبينما الجمل يشد عليه إذ مال فمات فتطير علي من
- 143 - (1/143)
صفحة 144
سببه ثم أقام وبعث إلى أبي موسى اربعمائة عليهم شريح بن هاني الحارثي فكان في شرطهما أن يوافي كل واحد منهما في أربعمائة، فإن قام أحدهما بعث رجلاً مكانه فلما بلغ المسلمين توجيهه إلى أبي موسى مشى إليه نفر منهم فقالوا يا علي أين العهد الذي أعطيتنا ألا تبعث أحداً إلى أبي موسى الأشعري ولا تفي لهم بقضية؟ فقال لهم:
شككتمونا فاهلكتمونا.
وقال له هلال الأعور: يا علي أما نحن فنطلب بقتالك الله وأما أنت فمن تطلب بقتالنا؟ وبلغني أنه دخل عليه حرقوص بن زهير السعدي وزرعة الطائي فيما حدثني عبد الله بن يزيد، فقال له: يا علي تب من خطيئتك وقضيتك واخرج بنا إلى عدونا وعدوك، فقال له علي: قد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً وشرطنا فيه شرطاً وأخذوا عهودنا ومواثيقنا وقد قال الله عز وجل وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، قال حرقوس إن ذلك ذنباً ينبغي لك أن تتوب منه فقال: ما هو ذنب، ولكنه عجز من الرأي وضعف من العقل، فقال له زرعة الطائي: يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك الله ورضوانه، فقال له علي: بؤساً لك كأنك
وجه
قتيل، يسفي عليك الريح فقال: وددت أن قد كان ذلك فخرجا من
عنده وهما يحكمان.
- 144 - (1/144)
صفحة 145
مبايعة عبد الله بن وهب الراس ومعركة النهروان
وحدثني عبد الله بن يزيد الفزاري أن علياً لما بعث إلى أبي موسى لانفاذ الحكومة تراجع المسلمون بعضهم إلى بعض فاجتمعوا، فكان اجتماعهم يومئذ في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، قال: فحمد الله ابن وهب وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد .. فوالله لا ينبغي لقوم يؤمنون بالله الرحمن وينتصبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا في الركون إليها والإشار لها آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي
يوم
عن المنكر والقول بالحق، فإنه من وطن نفسه أن يوذي أو يضر في الدنيا، فإن ثوابه على الله القيامة، فاخرجوا بنا إخواننا من القرية الظالم أهلها إلى جنب هذه السواد وإلى المدائن، منكرين لهذا البدع المضلة والأهواء المزلة والأحكام الجائرة تجدوا غب ذلك عند الله
والقوة بالله واستغفره لي ولكم.
صلي
الله
غدا،
عليه
فقام حرقوص بن زهير السعدي صاحب رسول الله وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال أن متاع هذه الدنيا قليل، وان الفراق لها وشيك، فلا تدعوكم زينتها إلى المقام بها ولا تلهكم عن طلب الحق وانكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
-180_ (1/145)
صفحة 146
فقام حمزة بن سنان فقال: الرأي ما رأيتم والحق ما قلتم، وقد أجبنا إلى الذي دعوتم إليه فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من مسند وعماد ومن راية تجمعون بها وترجعون اليها.
وبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي وقد كان عمر بن الخطاب أمره على اقامة كل حد في قومه أن يقيمه دون السلطان بالكوفة وكان من افاضلهم وخيارهم فعرضوها عليه فأبا وقبل ذلك عرضوها على حرقوص فأبا وعرضوها عليه ثانية فأبى، وعرضوها على المسيب بن ضمرة فأبى، ثم عرضوها على الاسدي فأبى، فعرضوها على شريح بن أوفا العبسي فأبى، فعرضوها على عبد الله بن وهب بعدما تباخلوا وتقاذفوها، فقال: هاتوها فوالله ما أخذتها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقاً من الموت، فبايعوا عبد الله بن وهب ذا الثفنات.
الله
وحدثني عبد الله بن يزيد الفزاري عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال: خطب عبد الله بن وهب الراسبي فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، ثم قال بعد هذا الكلام بكلام، ثم إن عليا وأصحابه قد حكموا في دين ا الله عبد بن قيس وعمرو بن العاص بعد قول عمار هل من رائح إلى الجنة قبل تحكيم الحكمين، وبعد قول عبد الله بن بديل بن ورقا ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون الا له الحكم وهو أسرع الحاسبين، فافترقوا من ذلك المجلس، ثم اجتمعوا في مجلس شريح بن أوفا السلمي وهو ممن بايع تحت الشجرة، فحمد الله وأثنى عليه عبد الله بن وهب، ثم قال: أما بعد فإن هؤلاء القوم قد خرجوا لإمضاء حكمهم حكم الضلالة والجور فاشخصوا بنا رحكم الله إلى بلدة نتواعد فيها الاجتماع من. مكاننا هذا، فانكم أصبحتم بنعمة ربكم وأنكم أهل الحق من بين أهل الأرض إذ قلتم
- 146 - (1/146)
صفحة 147
بالحق وصبرتم للعدل، ثم سكت بعد كلام طويل.
ثم تكلم شريح بن أوفا فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أخرجوا بنا إلى المدائن فنقيم بها فنبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا، فقال زيد بن حصن: انكم إن خرجتم جماعة تُبعتم، ولكن أخرجوا وحداناً مستخفيين وسيروا حتى ترتفعوا عن المدائن وتنزلوا جسر النهروان فقالوا هذا الرأي فاجتمعوا على ذلك فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله بن وهب وزيد بن حصن وشريح بن أوفا وحرقوص بن زهير ومن قبلهم من المسلمين إلى من بلغه كتابنا هذا من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فإِنَّا نحمد اليكم الله الذي لا إله إلا هو الذي أحبّ عباده إليه أمرهم بتقواه وأعلمهم بكتابه وأصبرهم عند حكم القرآن وأن أهل دعوتنا قد حكموا الرجال بعد حكم الله عز وجل في كتابه ورضوا حكم القاسطين على عباد الله، فخالفناهم ونابذناهم وبليناهم، نريد بذلك الوسيلة إلى الله ليرضى وقد أتينا جسر النهروان نريد إعلامكم بذلك، لتأخذوا من ذلك حظكم من الأجر والفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد بعثنا اليكم هذا الكتاب مع امن مسلم ذوي رأي وأمانة فاسألوه عما أحببتم علمه واكتبوا الينا برأيكم والسلام عليكم ورحمة الله .. فبعثوا عبد الله بن سعيد العبسي ودفعوا إليه الكتاب، وقالوا له: امض حتى تقدم على إخواننا بالبصرة فأخرج إليهم من دور بني عبس، فخرج حتى أتى البصرة، فدفع إليهم الكتاب فكتبوا: الله الرحمن الرحيم .. أما بعد فقد بلغنا كتابكم وفهمنا ما فيه فهنيئاً لكم الرأي الذي جمعكم الله عليه من إنكار القوم والجور وإخلاص العمل والحكم
بسم
147 - (1/147)
صفحة 148
الله، فالله يجمع شملكم على الحق والهدى، فإن عامل الله لا يخيب وقد اجتمع رأي إخوانكم على المسير إليكم عاجلاً فأرشد الله أمركم وجعل
إلى رحمته وجنته مروركم ومردكم والسلام عليكم ورحمة الله. فقدم بالكتاب وقد خرج جل أصحابه إلى النهر فتبعهم حتى أصيب معهم هنالك. وحدثني عبد الله بن يزيد الفزاري أنهم حين أرادوا الخروج إلى النهروان اجتمعوا في منزل زيد بن حصن الطائي ثم إن زيداً حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وقال: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب له، وقال: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الظالمون والفاسقون واشهد على أهل دعوتنا وقبلتنا (1) أن قد اتبعوا الهوى وبدلوا حكم الكتاب وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين وأقسم بالذي تعنى له الوجوه وتخشع له الأبصار لو لم أجد على قتال القاسطين أحداً مساعدا لقاتلتهم فردا فيعلم أني قد أنكرت المنكر بلساني وبيدي، الله فبكى عبد الله بن شجرة السلمي وقال: يا إخوتاه لا تقاروا من عصى على المعاصي، اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن تبعوا أو يطاع الله كما أردتم أتاكم الله ثواب المطيعين له العاملين بأمره وإن قتلتم فأي شيء أعظم من رضوان الله وجنته، ثم
هم
وحيداً
حتى
ألقى الله
1) إن ذلك النص دليل بين واضح عند من ألقى السمع وهو شهيد أن أهل النهروان لم يحكموا عل مخالفهم بالشرك، بل اعتبروا مخالفهم من أهل قبلتهم ودعوتهم، وإنما المؤرخون وكتاب الفرق والمقالات عمدوا إلى تشويه المحكمة أهل النهروان) رغبة في صرف الناس عنهم وممالاة منهم لبني أمية.
- 148 - (1/148)
صفحة 149
اجتمعوا ليلة أخرى في منزل حرقوص بن زهير وهي ليلة الخميس فقالوا: متى أنتم خارجون؟ فقال عبد الله بن وهب: أخرجوا الليلة القابلة ليلة الجمعة. فقال حرقوص: أقيموا ليلة الجمعة فتعبدوا فيها ربكم وأوصوا
له
الله
فيها بوصاياكم وأخرجوا ليلة السبت فاجتمع رأيهم على ذلك. وحدثني عبد بن يزيد الفزاري أنه بلغنا أن أويس القرني لما بلغه خروج المسلمين دخل على علي وقال: لا ترض بما كره القوم. فقال علي:: إنك يماني ضعيف الرأي، فخرج من عنده حتى قدم على المسلمين، فلم يزل معهم حتى قتل رحمه الله، ثم انطلق شريح بن أوفا إلى منزله فدعا بفرسه للخروج، فجاء بنو عمه ليحبسوه فانتضي سيفه، وقال: والله لئن عارضني منكم عارض لأضربنه بسيفي هذا، فقالوا له: والله إنما اشفقنا عليك واحببنا بقاءك فإذا أبيت فأنت أنظر، فلحق بالقوم. وحدثني عبد الله بن يزيد أن زيد بن حصن خرج من داره بعد العتمة راكباً على بغلة وهو قائد فرسه ويتلو هذه الآية، فخرج منها خائفاً يترقب،
ربي
أن
يهديني
قال: رب نجني من القوم الظالمين. ولما توجه تلقاء مدين قال: عسى سواء السبيل، ثم خرج عنترة بن عبيدة بن خالد فأتاه عمه فقال: يا بن أخي اتق الله، فقال: لا أنا منكم ولا أنتم مني، لا حكم إلا لله، فاستعان عليه بقومه فقال: يا ابن أخي إرجع أو أُردك، فقال إذاً والله تقتلني أو أقتلك لا أضع يدي بأيديكم حتى تقتلني أو أقتل منكم من قدرت على قتله، فقال لهم عمه ارجعوا عنه يا بني أخي فوالله ما نحب أن نقتله وإنما أردنا بقاءه فانصرفوا عنه، ولحق بالقوم.
ثم التقى الحكمان وحضر معاوية بنفسه وأرسلوا إلى رهط من قريش فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير وابن الجهم بن الله حذيفة العدوى والمغيرة بن شعبة الثقفي وعبد بن يغوث الزهري
- 189_ (1/149)
صفحة 150
الله
:
وعبد الرحمن بن الحارث وهاشم المخزومي وشعبة الثقفي وقد كان تنحى وينتقل في الأحياء من الشام إلى مكة إلى الطائف إلى المدينة لا يتقلد سيفاً فلما حضر الناس التحكيم شهد معهم، فلما التقى عبد بن قيس وعمرو بن العاص كانا كلما جلسا بدا عمرو بالجلوس وإذا حضرت الصلاة قدمه فكانا إذا تذاكرا ذكر عمر وبن العاص معاوية وشرفه في قريش وتقدمه في الجاهلية، فقال له أبو موسى: إن هذا لا يكون بحسب التقدم في الجاهلية وإنما يكون بالسبق والتقديم في الإسلام، وذكر الناس عبد الله بن عمر فقالوا هو أحق بها وهو ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك معاوية فأقبل على جمل له حتى وقف على عبد الله بن عمر والناس جلوس فقال: من هؤلاء الذين يزعمون أنهم أحق بالخلافة مني في كلام تكلم به، قال عبد الله بن عمر فما رغبت في الدنيا قبل ذلك اليوم فأردت أن أقول أنا أحق بها منك إذ أسلمت أنا طوع نفسي، وأبيت أنت وأبوك على الإسلام حتى دخلتموه كرهاً ثم تكلم عمرو فذكر ما كان الناس عليه من الأجر والجهاد فضرب هؤلاء إلى الفتنة بأيديهم وسفك الدماء، أما اني والله لست لمعاوية بحامد ولا لعلي بحامد. فقال عمرو لأبي موسى: أخبرني عن عثمان. ما قولك فيه؟ أقتل مظلوماً؟ قال: نعم. قال للكاتب اكتب ما قال أبو موسى. قال: فكتب قال: ما تقول فيمن قتله أيُقتل به؟ قال: نعم. قال للكاتب اكتب قال عمر فمن يقتله؟ قال: اولياؤه قال عمرو: يا أبا موسى الست تعلم أن علياً وأصحابه قتلوا عثمان وأووا قتلته، وأن معاوية وأصحابه الطالبون لدمه؟ وقال الله تعالى ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا، فأقر أبو موسى، ثم أن الرجلين اتفق رأيهما على أن يخلع أبو موسى علياً ويخلع عمرو معاوية،
هم
-10 - (1/150)
صفحة 151
ويجعل الأمر لعبد الله بن عمر بن الخطاب، وبلغنا أن عمرو بن العاص قال لأبي موسى: نبايع رجلاً له صحبة ولا نسميه وهو عبد الله
بن عمر
فحمد
الله
فإنك إن سميته قال قائل ولم يجتمع الناس؟ فقام أبو موسى وأثنى عليه وخلع علياً ثم قال: إنا قد اجتمعنا أن نولي أمر هذه الأمة رجلاً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع رسول الله ابوه ثم قام عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد خلع عليا وأنا قد اتفقنا على أن نولي أمر هذه الأمة معاوية وقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع رسول الله أبوه، فقال له أبو موسى: كذبت إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث، فقال عمرو: إنما مثلك مثل الحمار يحمل اسفاراً ولا يدري ما حمل عليه، ثم تلاعنا وتقاذفا فخرج أبو موسى فقال لشريح الأمر ما أتمر، والملك ما أخذ بالسيف، أما أنا فلا يراني علي أبداً ثم ارتحل وأحرم إلى مكة، ثم خرج هارباً من علي، وانصرف معاوية إلى الشام بعدما وقف على أبي موسى، وقال: قد علمت اني قد وافيت وان علياً لم يواف، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اختصم إليه رجلان وتخلف أحدهما قضى للذي لم يتخلف، فقال له أبو موسى: إنما كان رسول الله يقضي في البعير والشاة وهذا أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: فما ترى لي؟ قال: أرى الله، لك أن تأمن على من يأتيك من الناس وتتقي،، فقال له معاوية نعم ماً
أمرتني به. ولما بلغ علياً ما حكم به الحكمان وما مكر بأبي موسى الأشعري فصعد المنبر وخلعهما وبرئ منهما، وقال: ليس على المسلمين منهما حكم، فانفروا إلى عدوكم وجاهدوهم وأعطى الناس العطاء ثم سار إلى معاوية حتى انتهى إلى الأنبار، فقال له الأشعث: أتسير إلى الشام ومعاوية
- 101 - (1/151)
صفحة 152
وتترك أهل النهر وراءك؟ فقال إليهم: أريد فبعث إليهم الحسن في خيل فلما جاءهم فقالوا له: لِمَ جئتنا يا حسن نذكرك الله في دمائنا (1) على ما تقاتلنا على أن سمينا أباك أمير المؤمنين وخلع نفسه، وأبينا أن نخلعه ودعوناه أن يمضي إلى قتال عدو الله وعدونا فأبى وشك وثبتنا نحن على ذلك فانصرف الحسن، ولم يقاتلهم حتى انتهى إلى علي فقال له: الأشعث يا علي ناجز القوم فانهم إن كلموا الناس أفسد وهم عليك ثم قدم صعصعة بن صفوان العبسي فأتاهم فخطب عليهم، فقالوا له: يا صعصعة قد أعطيت بضعة تقلبها في فيك فنناشدك الله لو كان نحن الذين دعونا إلى تحكيم الحكمين وركنا إلى ذلك وكان علي هو الذي أنكر علينا ذلك أمعنا كان الحق أم مع علي؟ فلم يحاور جواباً فانصرف حتى أتى علياً فأخبره الخبر، فبعث إليهم قيس بن سعيد، فلما أتاهم فقال لهم: إناشدكم الله يا معشر المسلمين في دمائنا ودمائكم ما الذي تريدون؟ قالوا: قتال معاوية حتى يحكم الله ويعمل بكتاب الله، فقال قيس: هذا أمير المؤمنين يعمل فيكم بكتاب الله. قالوا: ومن أمير المؤمنين؟ قال: علي. قالوا: أوليس خلع نفسه ونبذها وخلعها من عنقه وولاها أبا موسى فخلعه كما يخلع نعليه؟ فما ترى علياً كيف صنع الله به؟ ألم يسلبه دينه وسلطانه وأنه لم يغضب لربه، وإنما غضب لنفسه حين لم يُحكم له وحكم لغيره. قال قيس: فكيف ذلك؟ قالوا: أليس قد حكم أبا موسى وعمرو بن العاص فخلعاه وترك حكم القرآن، قال الله عز وجل ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فأبلغه ذلك عنا فانصرف عنهم 1) إن قول المحكمة للحسن نذكرك دمائنا فيه دليل على أن المحكمة لم يستعدوا لقتال، ولم يريقوا سفك دم من خالفهم، وإنما اعتزلوا الأمر عندما رأوا إصرار علي على إمضاء التحكيم، ومما يدل أيضاً على ذلك ما أسفرت عنه المواجهة بينهم وبين علي من مقتلة عظيمة في صفوفهم، فلو كانوا تأهبوا لقتاله لربما تغير واقع المعركة.
الله في
- 152 - (1/152)
صفحة 153
فأبلغه ذلك، فقال علي إرجع إليهم وأبلغهم اني قد أتيتهم تائباً، وقل لهم اني أخاف أن أتيتكم تائباً أن تقتلوني كما قتلتم ابن عفان. فقالوا له: وكيف نقتلك أن أتيتنا تائباً وأنت قتلت عثمان، وعن أمرك قتلناه؟ فرد إليهم على قيساً ثالثاً فقال: إني أتيتكم تائباً ففرحوا بذلك وأسرحوا خيولهم وكان مكيدة من علي فأقبل بجميع من معه لما رأى غرتهم وقلتهم أشار إلى أمراء خيوله أن احملوا عليهم فاعظمهم ذلك، فقالوا لسنا بفاعلين حتى تبدأهم أنت فرمى علي بسهمه فانعطفت عليهم الخيول فتنادوا واجتمعوا إلى عبد الله بن وهب ذي الثفنات فتنادوا اكسروا الجفون، فارموا بها ثم تنادوا هل من رائح إلى الجنة نادوا علياً وقالوا: كيف ترى صنع ا الله بك ألم تول الأشعري أمرك فخلعك وأعطيت من نفسك العهد لنا والميثاق فنقضت واعطيت معاوية وأصحابه العهد فأوفيت، ووفى معاوية فبويع وتركت فسلبت سلطانك ونقضت بيعتك. وبلغني أن عبد الله بن وهب يومئذ خطب المسلمين، فقال: الحمد الله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، ولا إله إلا الله وكذب المشركون وأشهد أن لا إله إلا الله محمداً عبده ورسوله، ثم إنكم ستقاتلون والله يعلم ما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين أو لا ترون أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام: اتبع ما يوحى إليك وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .. وإنكم تعلمون انهم قد حكموا في دين الله الرجال بعد قول الله عز وجل ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون.
وان
وبعد قول الله تعالى وقاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله، وبعد قوله: فقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله، وبعد قول عمار بن ياسر وعبد الله بن يزيد والطفيل ويزيد وغيرهم من
- 153 - (1/153)
صفحة 154
المهاجرين والأنصار والتابعين باحسان رضي الله عنهم وما من هؤلاء أحد إلا وهو أفضل من الحكمين فماذا تنتظرون ثم نادوا هل من رات رائح إلى الجنة؟ وبلغنا أن عبد الله بن وهب لما فرغ من خطبته نادى: يا معشر المسلمين، جردوا السيوف واكسروا الجفون واحملوا حملة بينكم وبين عدوكم، وبلغني أن رجلاً من أهل النهروان يُقال له زيد بن
يفتح
حدام يقاتل يومئذ في المضيق وكانت همدان تجاهد وهو يقول: اضربهم ولا أرى أبا الحسن
ذاك الذي كان إلى الدنيا ركن
كفى بهذا حزناً من الحزن
الله
وبلغني أنه قتل من أصحاب علي نحو من مائة رجل، وبلغني أن عبد
الله بن وهب الراسي كان يقول:
اضربهم ولا أرى علياً
البسهم البيض مشرفياً
كفى بهذا حزناً عليا
فلما قتل منهم ابن حدام مائة قال علي: إنا لله أفنيت همدان فشد عليه بعضهم من آخر النهار فضرب رجله فقطعها فجعل يتكئ على الرمح وهو يقول:
الفحل يحمي سوله معقولا
فما زالوا كذلك يقتلون وعلي واقف ومعه رجل من أصحابه يُقال له ذو العقيصة فسمع علياً وهو يقول والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وأصحاب صفين يوم صفين وأصحاب القرآن إذا تُلي القرآن، فقال صاحبه: ففيم نحن اذل فلحق بهم وقاتل معهم حتى قتل فلم يزالوا كذلك حتى أصيب أهل النهر رحمهم الله.
- 108_ (1/154)
صفحة 155
وبلغني أن أصحاب علي هزموا يومئذ مراراً فكثرهم الناس وشد رجل
طعنه فمشي
من أصحاب علي على زيد بن حصن الطائي بالرمح حتى إليه زيد في الرمح وهو يقول: يآل حم، فقال له الرجل يا زيد بؤ بالنار،
فقال له زيد ستعلم اينا أولى بها صلياً فأرسل الرمح من يده وخر صريعاً
الله، رحمه
وقال عبد الله بن وهب يومئذ:
هيهات لم نرض بحكم الابتر
لا حكم إلا للإله الأكبر
هو السبيل يا خليل فاصبر
قد غير القوم فلا تغير
وقامر القوم عمار الميسر
بدينهم والدين في تهور
وقال عبد الله بن وهب رضي الله عنه: أبى الله للدين إلا القنا
إلا السيوف الحداد المرهفات
إلا الجياد بارسانها
رباطاً تعد لها المقرنات
وإن علياً لقي مالقى
كما لقي المرء عند الهتات
مضى ذاك فعترما في الهوى
وهذا اغترام الجموع العتات
وعن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال: حدثني
قنبر مولى علي قال: لما قتل علي أهل النهر توجهت أنا وإياه إلى النهر ليغتسل فقال: فبينما نحن هناك إذ أكبّ علي يبكي طويلاً فقلت ما
- 100 - (1/155)
صفحة 156
يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك يا قنبر تدري من صرعنا هاهنا صرعنا خيار هذه الأمة وقراءها قال: قلت يا أمير المؤمنين أي والله فابك، فقال: ويحك يا قنبر جذعت أنفي وشفيت غيظي، فانكب يبكي طويلاً وأظهر الندامة على قتله إياهم، وعرف ذلك من حاله، وبلغني أن أصحاب علي حين فرغ من قتل أهل النهر كانوا يطوفون في القتلى ليدفنوهم فيمر الرجل منهم بأخيه فيقول: هذا أخي فلان فيأخذ التراب فيجعله على رأسه ويخرج هارباً من عسكر علي، وبلغنا أنه خرج من عسكره اثنا عشر ألفاً في يوم واحد هاربين فرفع الناس قتلاهم فدفنوهم وهربوا عن علي وتفرقوا عنه.
وحدثنا عثمان بن بسطام الضبي أن رجلاً أقبل رافعاً صوته وهو يقول في عسكر علي بحديث يسمعه علي، من حمل على بغلة شهبا يوم قتلنا المشركين فقال علي: عليّ بالرجل فقال له: ويحك إنهم ليسوا بمشركين من الشرك، فروا، قال: فمنافقون يا أمير المؤمنين، قال: ويحك أن المنافقين لا يذكرون الله الا قليلا، وهم يذكرون الله كثيراً، قال: فمن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً، قال: ويحك ذلك أهل التوراة والإنجيل. قال: ما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: هم إخواننا بغوا علينا. قال: فقام إليه رجل من أصحابه، قال: يا علي، ليسوا بمشركين ولا منافقين فعلام قتلناهم؟ فخرج عليه، وبلغني أنه قام إليه رجل من أصحابه فقال له يا علي والله ما بين الطريقين طريق إن كان أمر الحكمين هدى لقد ضللت بنقضك عهدك وبراءتك منهما وما اهتديت ولا اهتدينا إذ استحللت دماءهما واجتهدت في طلبهما لتقتلهما حتى فر أبو موسى إلى مكة وعمرو إلى الشام، وإن كان أمرهما ضلالاً لقد ضللت بقتلك أهل النهر إذ نهوك عن الضلال وأعتديت عدواناً
-107 - (1/156)
صفحة 157
مبيناً. وبلغني أن أويس القرني رضي الله عنه قتل معهم فعرفه رجل من أهل اليمن ساكناً بالمدينة، وكان عالماً بما قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، من وصية النبي صلى الله عليه وسلم إياهما إلى أويس القرني
بالسلام، فقال الرجل: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، لما رآه صريعاً مقتولاً يا
رسول
صلي
الله
عليه وسلم يرسل إليه السلام، ونحن نطعنه
،
الله علي، رس بالرماح، فقال له علي: ليس هذا هو فقال الرجل: لا والذي لا إله إلا هو أنه لأويس وكأنه ينطق الي كما انك يا علي إنسان، فقال له علي: اسكت وإلا لقيت ما تكره فسكت الرجل حتى أمسى فخرج هارباً، وبلغني أنه قدم على أصحاب النخيلة فبشرهم فاستبشروا ثم لم يزل معهم حتى قتل. وحدثني عبد الله بن يزيد الفزاري أن علياً لما فرغ من قتل أهل النهر قال له عدي بن حاتم الطائي: تركتنا يا علي لا ندري أين نسكع. قتلت من دعا إلى القضية ورضيها وقتلت من أباها ونهى عنها، أما عبد الله بن وهب وأصحابه فكرهوها وأما الخريت بن راشد وأصحابه فرضوها والله ما بين هؤلاء موضع قدم ياسر أن كان انكارها حقاً من الله لقد ظلمت الله وأصحابه، وإن كان باطلاً لقد ظلمت الخريت وأصحابه، فقال علي: يا عدي إنك أعرابي تتوضأ ببولك. فقال: والله ما أتوضأ ببولي، ولقد صحبت محمدا صلى الله عليه وسلم، ولكنك تركتنا لا ندري أين
عبد
:
نسكع. وحدثني عبد الله بن يزيد عن عوانة قال كان الخريت بن راشد رجلاً من بني ناجية من أصحاب علي فلما حكم الحكمان فحكما بخلع علي أتى الخريت علياً فقال: إنكما حكمتما هذين الرجلين وحكما بخلعك، واختلفا في معاوية فانت ليس لك من الأمر شيء، ثم خرج فأتى الأسياف أسياف بحر فارس يدعو إلى خلع علي فتابعه الناس على
- lov_ (1/157)
صفحة 158
ذلك فبعث إليهم معقل بن قيس الرياحي فلقي الخريت وأصحابه فقاتلهم
فقتلهم.
الندامة
عليه
وبلغنا عن جابر بن زيد أن علياً لما رأى الناس وما نزل بهم من ا وقيل له قتلت قوماً ثم صرت تعذرهم وتمدحهم وتزين أمرهم لتخلعن أو لتقتلن، فلما أصبح قال لهم ابتغوا في القتلى شيطاناً فوجدوا رجلاً من المسلمين كان قد الفحل تندوته فقال لهم علي هذا فقال له هو ابنه الحسن أليس هذا نافع مولى ترملة صاحب رسول الله صلى! الله وسلم، وكان الرجل نافع له صحبة مع رسول الله وجهاد فقال: أسكت يا بني فإن الحرب خدعة. حدثنا عتاب بن المخالد قال: قال الشعبي أن علياً لما فرغ من قتال أهل النهر ايس أن يستقيم له الأمر فقال لبنيه لا تكرهوا بيعة معاوية فوالله لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تبذر من كواهلها كأنها رؤوس الجراد، قال: فلما قدم علي الكوفة بعد قتل أهل النهر، قال له ابنه الحسن: يا أبت هل قتلت القوم؟ قال: نعم. قال: لا رأى قاتلهم الجنة، قال: ليت أني أدخلها ولو حبوا، قال: فبينما علي بالكوفة إذا افتقد تلك الأصوات الذي كان يسمعها بالليل كأنها دوي النحل قال: أين اسد النهار ورهبان الليل قالوا قتلناهم يوم النهر، قال: هم قراؤنا ومجتهدونا. وروى عن ابن عباس رضي الله عنه، قال للحسن بن علي: كنتم لأهل بيت في العرب أحق أن تتيهوا كما تاهت بنو اسرائيل فقمتم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وجاهدتم بها في الله عدوكم وجعلتم حكماً على كتاب الله وقد استبان لكم حكم الله في عدوكم ثم عمدتم إلى فقهاء الناس وخيارهم وقد أفنوا اللحم والمخ وأجهدوا الجلد والعظم في العبادة الله وبذلوا بعد ذلك أنفسهم وأموالهم الله والله لو كان الحكمان
10 A_ (1/158)
صفحة 159
من
المسلمين ما حل لكم أن تقتلوا المسلمين أن لم يرضوا برأيهما
فكيف وهم عدوكم، وقد قتلوا أولياءكم.
الله وحدثني مسعود بن عبد بن شداد أنه قدم المدينة فأرسلت إليه عائشة أم المؤمنين فقالت له: يا عبد الله تخبرني أنت على ما أسألك عنه؟ قال: ولم لا أخبرك يا أم المؤمنين؟ قالت: أخبرني عن علي لم قتل أصحابه؟ فحدثها حديث صفين وحرورا حتى انتهى إلى النهر. فقالت: قد ظلمتم إنا لله وإنا إليه راجعون، هل تسمي لي أحداً ممن قتل هنالك؟ قال: نعم حرقوص بن زهير السعدي فقالت: إِنَّا لله وإنا إليه راجعون أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في منزلي فقال: يا عائشة أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة، فقلت في نفسي أبو بكر،،عمر، فلان، فلان فبينما أنا كذلك إذا أقبل حرقوص بن زهير وقد توضأ وان لحيته لتقطر ماء، ثم قال ذلك في اليوم الثاني فدخل حرقوص. ثم قال ذلك في اليوم الثالث، فدخل حرقوص، ثم قالت: هل تسمي لي أحداً غيره ممن قتل؟ قال: زيد بن حصن الطائي. قالت: إنَّا لله وإنا إليه راجعون. قالت: وكيف قتل؟ قال: حمل عليه رجل فوجاه فمشى إليه وهو يقول: يآل الحديث فبكت عائشة
حم
حتى
كادت
الأشعري
نفسها تخرج، وفي كتاب سالم بن ذكوان الهلالي إن أبا موسى سأل عن حرقوص بن زهير فقيل له: قتل يوم النهر. فقال: والذي نفسي بيده لو اجتمع أهل المشرق والمغرب على الرمح الذي طعن به حرقوص لدخلوا به النار جميعاً، وبلغنا أن نبي! الله كان يقول: حكمان يبعثان في أهل الصلاة ضالان يضلان ويضل من اتبعهما. وقال أبو.
موسي
لما ذكر
هذا الحديث لأهل البصرة فلا تتبعهما وان كنت أحدهما. وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه لما ذكر له أمر الحكمين وأمر أبي
-109_ (1/159)
صفحة 160
موسي
فقال: يا أبا موسى اذكرك بالله هل سمعت نبي الله يقول: من كان ذا وجهين وذا لسانين في الدنيا جعل له وجهان ولسانان في النار. فقال أبو موسى: اللهم نعم. فقال: عمار فاني سمعت نبي الله يقول تكون فتنة يكون فيها أبو موسى ذا وجهين وذا لسانين. وبلغنا أن سماعة لما بلغه ما فعل الحكمان تلقاه فقال له: يا أبا موسى الله، ألم
أن كنت كاذباً فعليك لعنة الله وان كنت صادقاً فعليك غضب اسمعك تقول: حكمان ضالان، مضلان يضلان ويضل من اتبعهما. وقد اختلفت أصحابنا في آثارهم متى قتل علي أهل النهروان ففي بعض الآثار قبل افتراق الحكمين وبعد اجتماعهما بدومة الجندل وفي بعض الآثار بعد افتراق الحكمين وبعد خلعهما إياه، وقتل من أهل النهر أربعة آلاف فيهم سبعون من أهل بدر وأربعمائة يقال لهم أهل السواري، لا يبرحون من المسجد من شدة اجتهادهم، وقد ندم على قتلهم وجعل يأتي القتلى ويستغفر لهم ويقول: ما صنعنا قتلنا خيارنا وفقهاءنا واختلف الناس في هذه الفتن الأربعة فتنة الدار وفتنة الجمل وفتنة الصفين وفتنة النهروان.
فقال بعضهم: إنها مسألة اجتهاد المصيب فيها غانم والمخطئ سالم، وقال بعضهم كل مجتهد مصيب، وهو قول علي بن أبي طالب وقوله في عثمان واهل الدار وأهل الجمل وصفين والنهروان، وقد ترحم على طلحة والزبير بعد نكثهم الصفقة وترحم على عثمان واستغفر لأهل النهر وقال: أهل الحق إنها مشكلة ديانية المحق فيها محق والمخطئ هالك، وليس فيها اجتهاد وقد تولى الله عز وجل النص عليها، وقال: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، وقال: فقاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله، وقال: افحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله
- 160 - (1/160)
صفحة 161
حكماً لقوم يوقنون كم. وقال أفغير الله أبتغى حكماً، وتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيان لها. وقال «يثور دخانها تحت قدمي رجل يزعم أنه منا
معهم
وجب العمل
وليس منا»، الحديث في أمثالها من الأحاديث فأي اجتهاد فيها. وفي كتاب الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه وندين بتصويب أهل النهر في إنكارهم الحكومة يوم صفين بين علي ومعاوية وذلك أنهما حكما الحكمين في أمر الدماء التي تولى الله الحكم فيها فحكما رجلين غير مرضيين ولا مأمونين فما حكما به به على الفريقين فأنكر ذلك علي على من كان معه من أهل البصائر والفضل والعلم واحتجوا عليه بما كان من الكتاب والسنة وآثار من تقدم قبل ذلك من الأخيار على إنكار الحكومة وقد كان فضل المنكرين للحكومة مشهور وصلاحهم، معروف، منهم عمار بن ياسر وأبناء يزيد الخزاعيان والأشتر النخعي وأمثالهم من أهل البصائر من المهاجرين والأنصار وغيرهم من خيار المسلمين قالوا لعلي بن أبي طالب: لا يجوز لك أن تحكم الرجال فيما تولى الله الحكم فيه، ولم يرده إلى أحد خلقه بعد قول الله عز وجل قاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله، وقد علمت يا علي أن معاوية ومن تبعه بغاة عليك وعلى المهاجرين والأنصار فلا يسعك إلا قتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، وعلى ذلك قاتلهم عمار بن ياسر ومن معه من المهاجرين والأنصار وخيار هذه الأمة فكن يا علي على سبيلهم، وأتركنا أن نموت عليه أو يظهر الحق على أيدينا أو يموت الباطل فأبى عليهم علي ألا التحكيم ففارقوه وفارقهم وبرؤوا منه وتبرأ منهم، وقاتلهم (1) على حجة الله واتباع
1) أي قاتلهم علي وهم على حجة الله، أي أن الحق كان عندهم.
- 171_ (1/161)
صفحة 162
كتاب الله وسنة نبيه وآثار من كان قبلهم من المهاجرين والأنصار، وأهل البصائر في الدين رحمهم الله وغفر لهم ومن علينا بالتمسك بآثارهم
والسلوك على مهاجمتهم.
- 162 - (1/162)
صفحة 163
قتل علي بن أبي طالب
ذكر قتل علي بن أبي طالب في سنة أربعين من الهجرة قتل علي بن أبي طالب ليلة الجمعة لاحدى عشر ليلة بقيت من رمضان بالكوفة وكانت امارته أربع سنين وثمانية أشهر وتسعة عشر يوماً وكان الذي قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي وقد سم له سيفاً من نحاس فلما ضربه، قال علي نجوت ورب الكعبة، فقال له عبد الرحمن: ويلك كيف النجاة وهذا سيف اشتريته بألف.
وعملته بألف وفي كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل رضي الله عنه وسألت أبا سفيان عن قول المسلمين في عبد الرحمن بن ملجم قال: ما سمعت أحداً يمدحه ولا يذمه وما بلغني فيه شيء، فقلت ولعل ذلك من قبل الغيلة قال: لا، وقد وقفت على سيرة تنسب إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسيوي يذكر فيها أئمة المسلمين ومشايخهم كان ومن من أهل الولاية والبراءة فصرح فيها بالبراءة من علي بن أبي طالب وولاية عبد الرحمن بن ملجم والرضى عنه والترحم عليه، وكذلك وقفت في كتاب بجبل نفوسة بخط الحاج اسماعيل بن موسى الجيطالي على أربعة أبيات لعمران بن حطان الشيباني في عبد الرحمن بن ملجم المرادي والكتاب المذكور أحسبه لبعض المخالفين نصها:
- 163 - (1/163)
صفحة 164
يا ضربة من منيب أراد بها
الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
اني لأذكره يوما فأحسبه
الله
أوفى البرية عند الله ميزانا
المرادي الذي سفكت در
كفاه مهجة شر الخلق إنسانا
أمسى عشية غشاه بضربته
فما جناه من الآثام عريانا (1)
وأما أهل النخيلة فإن الذي نعرفه ولا نشك فيه من سير المسلمين
فانهم بقايا أهل النهروان والذي أعجلهم عن الاجتماع إلى إخوانهم علي، فلما قتل أهل النهروان اجتمعوا بالنخيلة وولوا أمرهم فروة بن نوفل الأشجعي وقيل حوثرة بن وداع الأزدي من أهل الكوفة، فلما قتل علي بعث معاوية إلى الحسن بن علي باوقار البغال من الذهب والفضة فجزعه حتى جعل الأمر إليه، ثم كتب إليه أن يقدم الكوفة. فسار معاوية حتى قدم النخيلة قابله فروة بن نوفل فيمن معه وهم ألفان فقاتلهم معاوية
(1
تلك فتنة، والفتن دائماً يختلط فيها الحابل بالنابل، والصحيح بالضعيف، وإلا فإن عبد الرحمن بن ملجم ليس من المحكمة على الصحيح وإنما هو من اليمن من أتباع الأشعث بن قيس، وقد ثبت أن ليلة مقتل علي كان عبد الرحمن بن ملجم عند الأشعث، فسمعه أخوه عفيف بن قيس يقول لابن ملجم قم لقد فضحك الصبح، أما الأبيات الشعرية المذكورة فلا أحسبها إلا موضوعة على عمران بن حطان، وعلى فرض صحة أنها له فربما كانت قبل انتقاله إلى الأباضية حيث كان قبل ذلك صفرياً خارجياً، ولعله قالها من باب عدو عدوي صديقي، وعلى العموم فإن قول أبي سفيان محبوب بن الرحيل رضي الله عنه دليل على أن ابن ملجم ليس من صفوف المحكمة ولا ينتمي إليهم، والظاهر أن العملية كانت معاويوية بامتياز والله أعلم.
- 164 - (1/164)
صفحة 165
ومن
وهو يظن أنهم جند الحسن، فلما ضيقوا عليه وخاف على نفسه معه فقال ونادى غدرا يا أهل الكوفة، فلما سمع ذلك الحسن سار
إليهم بجنده وإنما كان بايعهم على أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم فسارعوناً لمعاوية على أهل النخيلة فالتقى عليهم الحسن وجنده ومعاوية وجنده حتى أتوا على جماعتهم رحمهم الله وغفر لهم وفيهم
يقول المحرق:
إنا ندين بما دان الشراة به
يوم النخيلة عند الجوشن الخرب
قوم إذا ذكروا بالله أو ذكروا
خروا من الخوف للاذقان والركب
-170 - (1/165)
صفحة 166
فضائل بعض الصحابة والتابعين
الله عنهما
صدر أبو عمار في الطبقات الشيخين أبا بكر وعمر رضي الخليفتين المباركين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وقال صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأعدل أمتي في أمتي عمر.
ا.
وقيل لأبي ربيعة بن أبي عبد الرحمن صف لنا أبا بكر وعمر وأوجز فقال: سبقا والله من كان معهما وأتعبا من بعدهما.
معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال فيه صلى الله عليه وسلم: أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا استبق العلماء يوم القيامة سبقهم بربوة يعني أعلاهم بدرجة. وقال صلى الله عليه وسلم: (معاذ بن جبل يحشر يوم القيامة إمام العلماء». وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حين بعثه إلى اليمن. عاملاً
بم
تقضي بينهم يا معاذ؟ قال: أقضي بينهم بكتاب الله. قال: فإن لم تجد ذلك في كتاب الله؟ قال: أقضي بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد ذلك قال أجتهد رائي قال رسول الله عليه وسلم الحمد لله الذي وفق رسول رسوله»، ومات معاذ بن جبل سنة
ثمانية عشر رضي
الله عنه.
صلي
الله
الله. أبو عبيدة بن الجراح رضي عنه، قال صلى الله عليه وسلم «أمين
-177. (1/166)
صفحة 167
،
أمتي أبو عبيدة بن الجراح وفي المسند أبو عبيدة عن جابر بن زيد الله عليه وسلم
قال: بلغني عن جابر بن عبد الله بعث رسول الله
صلي
بعثا وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهو في ثلثمائة رجل أنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فقل الزاد فأمر أبو عبيدة بازواد الجيش
فجمعت
وكانت مزودي تمرا، ثم قال وكان يقوتنا قليلاً قليلاً حتى أن
فينا من لم يصب إلا تمرة واحدة ولقد وجدنا فقدها حين نفدت، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا بحوت مثل الظرب فأكل منها ذلك الجيش ثمانية عشر ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعها فنصبتا فأمر براحلته فرحلت ثم مر تحتهما فلم يصبهما. قال الربيع الظرب الجبل، ومات أبو عبيدة في السنة التي مات فيها معاذ بن جبل رضي ا الله عنه سنة
ثمانية عشر.
الله عبد الرحمن بن عوف رضي عنه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أثر صفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بك؟ قال: تزوجت امرأة من الأنصار قال كم سقت اليها؟ قال: نواة من ذهب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولم ولو بشاة والنواة خمسة دراهم وليس ثم ذهب كما يسمى العشرون درهما نشا والأوقية أربعون
درهما، وله فيما مضى من الكتاب كلام مع عثمان فاطلبه هناك. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو ابن أم عبد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أوتي ابن مسعود علماً، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد وسخطت لها ما سخط، وقد مضى في كتابنا من أخباره ومناقبه ما أغنى عن الزيادة. عمار بن ياسر رضي عنه، قال رسول الله الله عليه وسلم يوم
الله
صلي
- 167 - (1/167)
صفحة 168
مر بعمار والمشركون يعذبونه فقال له أبشر يا بن ياسر بالجنة، وقال صلى الله عليه وسلم: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، عمار جلدة ما بين عيني مهما أصيب المرء هناك لم يستبق، وقال صلى الله عليه وسلم عمار تقتله الفئة الباغية، وقال حذيفة بن اليماني
الله.
بم
سمعه
لرجل يتعلم منه كيف بك يا فلان إذا اقتتل الشيطان والقرآن فقال: تأمرني به جعلت فداك. فقال اتبع القرآن فقال حذيفة: ثم كيف بك إذا اقتتل أهل القرآن قال: بم تأمرني جعلت فداك فقال حذيفة اتبع ابن سمية فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ملأ الله. وقلبه وبصره إيماناً فلا يعرض له حق الا أخذه ولا باطل الا تركه»، وقال له صلى الله عليه وسلم آخر عهدك بالدنيا شربة لبن من لقاح»، وقال عمار لعلي: يا علي إذا قال لك القوم بيننا وبينكم كتاب الله فقل بترككم كتاب الله قاتلناكم فإن قالوا لك نجعل بيننا وبينك حكمين فقل ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون، فإن قالوا لك نجعل هدنة فقل قال عز وجل فقاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله، وكان عمار حين بني رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد والمسلمون ينقلون حجراً حجراً وعمار ينقل حجرين حجرين فخر صريعاً من بقية وجع كان به، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: بخ بخ ابن سمية تقتله الفئة الباغية قاتله وسالبه في النار، فلما كان اليوم الذي قتل فيه وقد شرب الشربة التي وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه وقد بعثه علي ليقسم على ربه وكان ذلك يوم الجمل، فهزمهم الله فقال لعلي: ويحك يا علي الحق بالله قبل تحكيم الحكمين اليوم تزينت الحور العين يا قوم ردوا الماء قبل الظمأ فإن الجنة تحت الأبارق، لنضربنهم ضرباً يرتاب
-17 A- (1/168)
صفحة 169
منه المبطلون لنضر بنهم على تأويله كما ضربناهم على تنزيله، والله لو ضربونا إلى الغاف من عمان لعلمنا إنا على هدى وإنهم على ضلالة، وإنا على حق وانهم على باطل هل من رائح إلى الجنة، فقاتل حتى استشهد رحمة الله عليه، وفي بعض الروايات عن بعض أصحابنا لا تكون وهبياً صريحاً حتى تتولى الشيخين وتتبرأ من الصهرين وتنكر حكومة
الحكمين قال:
خلعنا علياً وابن عفان قبله
ولم نغل لما أن غلا ابن أزرق (1)
ودنا بدين الهاشمي محمد
ودين أبي بكر وصاحبه التقي
و دين ابن مسعود و دين ابن ياسر
ودين ابن وهب راسبي موفق
الله
حذيفة بن اليماني رضي) عنه صاحب السر، جابر بن زيد قال: قدم حذيفة على عمر بن الخطاب فصادف جنازة فلم يشهدها حذيفة، فقال عمر يا حذيفة يموت رجل من المسلمين ومن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا تشهد جنازته؟ فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر الي سراً فقال: عمر أنشدك
أنشدك الله
أمنهم
كنت قال:
الله أمنهم كان. قال: نعم، ثم قال عمر: اللهم لا، والله لا ائتمن بها أحداً، ومضى من أخباره في الكتاب ما كفى. الله أبو ذر الغفاري رضي عنه قال صلى الله عليه وسلم «ما اقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لصحبة من أبي ذر، فمن سره أن ينظر إلى المسيح ابن مريم في صدقه وبره وزهده في الدنيا ورغبته في الآخرة
1) نافع بن الأزرق واستقامة وزن البيت من عندنا.
- 179 - (1/169)
صفحة 170
فلينظر إلى أبي ذر وأبو ذر هو الذي يقول: أيها الناس أن من أراد سفرا من أسفار الدنيا لا يرتحل إلا بزاد فكيف من أراد سفراً من أسفار الآخرة، فقيل: وما زادنا منها يا أبا ذر؟ فقال: ركعتان بالليل لوحشة القبور وصوم يوم شديد الحر لعطش يوم النشور وصدقة على مسكين فلعلك تنجو من حر السعير واجعل الكلام كلمتين كلمة لطلب دنياك وكلمة لطلب آخرتك والثالث يضر ولا ينفع واجعل المال درهمين، درهماً أنفقته على عيالك ودرهماً تصدقت به لآخرتك والثالث يضر ولا ينفع، واجعل الدنيا مجلسين، مجلساً لطلب دنياك ومجلساً لطلب آخرتك والثالث
يضر ولا ينفع، ثم قال: اواه قتلني هم لا ادركه قيل وما ذلك؟ قال: الا
أن املي قد جاوز اجلي.
عبد
الله. الله بن العباس رضي عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ه اللهم فقه ابن عباس وعلمه التأويل وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم باذنه وهو ابن سبع سنين وما قاربها وكانوا يسمونه بحر العلم.
:
وقال جابر بن زيد أدركت سبعين من الصحابة فحويت ما عندهم من العلم الا البحر الزاخر، فلم أقدر منه على شيء وكان عطاء يقول: ما رأيت قط مجلساً أكرم من مجلس ابن عباس أهل الفقه عنده يسألونه وأهل الحديث عنده يسألونه وأصحاب التفسير عنده يسألونه كلا
:
يجيب ويذهب معه في بحر واسع. وقال محمد بن سيرين ما رأيت مثل بيت ابن عباس أكثر حديثاً وفهماً ولا أكثر خبزاً ولحماً، وقال مجاهد أجلس إلى ابن عباس يوماً وإلى ابن عمر يوماً فكان ابن عباس يجيب في كل ما يُسأل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر ما يُسأل عنه، وقال أبو عبيدة مسلم: بلغنا أن ابن عباس مات بالطائف وهو ابن اثنين وسبعين. عاماً و ا وذلك في زمان عبد الملك بن مروان.
- 170 - (1/170)
صفحة 171
قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قال عمرو بن العاص: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال عائشة.
قلت: ولست على النساء أسألك، وإنما أسألك على الرجال، قال: أبوها،
وكانت عائشة الله رضي
اليها عمر
عنها وصي أبيها في بناته وتزويجهن فخطب
أم كلثوم بنت أبي بكر فأطمعته فقالت: أين المذهب بها
عنك يا أمير المؤمنين؟ فلما خرج عمر قالت الجارية: تزوجيني من عمر وقد علمت رته وفظاظته وخشونة عيشه والله لئن فعلت لأخرجن غيرته من إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيح بأبي وأبكي عنده، قالت: إنما أريد والله فتى من قريش يصب عليّ الدنيا صباً، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فقال: اكفيك إياه فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين لو ضممت إليك امرأة فقال عمر: كأنك قد رأيت ذلك أيامك هذه. قال: ومن ذكر أمير المؤمنين؟ قال: أم كلثوم بنت الرجل الصالح، فقال: يا أمير المؤمنين مالك ولجارية عزيزة تنعى أباها بكرة وعشيا، فأي عيش يطيب لك معها؟ فنظر إليه عمر فقال: كأنك لقيت عائشة، فقال: نعم. فتركها عمر فتزوجها طلحة وصب عليها الدنيا صباً، الله بن عبيد وكانت عائشة رضي ا الله عنها تروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تروي عشرة آلاف بيت من الشعر، وماتت عائشة رضي الله عنها ليلة الثلاثا لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان (1) وأمرت أن تُدفن من ليلتها فاجتمع الناس وحضروا ولم تر ليلة اجتمع الناس فيها بالجرائد الملففة بالخروق والزيت كأنها ليلة عيد الا تلك الليلة وصلى عليها أبو هريرة في البقيع ونزل في قبرها عبد الله بن الزبير وطلحة بن الزبير والقاسم
بن أبي بكر ..
1) سنة 58 هـ.
- 171 - (1/171)
صفحة 172
عبد
الله بن وهب الراسبي وزيد ابن حصن الطائي وحرقوص بن زهير السعدي رضي الله عنهم لا مزيد لهم على ما تقدم في الكتاب من الاثر
والمناقب، وكذلك في كتاب الطبقات حسبنا من فضائلهم ما فيه. أويس القرني رضي الله عنه قد مضى في كتابنا أنه قتل مع أهل النهروان وانه نهى علياً عن القضية، وقال له: لا ترض بما كره القوم، فقال له انك
صلي
الله
يماني ضعيف الرأي، فلو لم تكن له مزية ولا فضيلة إلا قول رسول الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر أن ادركتماه فسلما عليه لكفى وشفياً واويس هو الذي يقول لهرم بن حيان توسد الموت إذا نمت واجعله أمامك إذا قمت يا هرم لا تنظر صغر ذنبك وانظر عظمة من عصيت. عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه تقدم قوله لعلي في كتابنا تركتنا لا ندري أين نسكع الحديث وفيه أنزل الله عز وجل يسألونك ماذا احل لهم الآية. ولما أنزل الله عز وجل وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الاسود، أخذ عدي بن حاتم خيطين من أبيض واسود فلم يتبين له شيء فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فضحك رسول الله عليه وسلم فقال: إنما أراد بياض النهار من سواد الليل، ألم يقل من الفجر وكذلك ابنه قتل مع المسلمين يوم النهر فأخذه عدي ودفنه، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي أبلاني فيك خير البلاء على حين. حاجتي إليك.
يزيد بن صوحان رضي | الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تسبقه يمينه إلى الجنة بحين ثم يتبعها بقية جسده وقطعت يده يوم اليرموك ومات يوم الجمل مع علي بن أبي طالب وقفت على تفسير أحسبه لأبي جعفر النحاس في قوله تعالى يعلمون الناس السحر
على هذا الحديث.
- 172 - (1/172)
صفحة 173
قال: وحدثنا اسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا الحجاج بن المنهل
قال، حدثنا حماد بن
سلمة عن سعيد بن أبي العلا أن النبي صلى الله
عليه وسلم خرج ذات ليلة يرتجز ويقول:
جندب وم
جندب
وإلا قطع الحين الحين
فلما أصبح قال أصحابه ما رأينا يا رسول الله رجزاً أحسن منك الليلة فما جندب، والأقطع فقال: أما جندب فرجل من أمتي يضرب ضربة يبعث بها أمة وحده يوم القيامة، وأما الاقطع فرجل يقطع يده ثم تدخل الجنة قبل جسده بمدة من الزمان فكانوا يرون الاقطع يزيد بن صوحان
هذا
قطعت يده يوم اليرموك ومات يوم الجمل مع علي بن أبي طالب. واما جندب فهو الذي قتل الساحر حدثنا اسماعيل، قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا أبو عمران أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج منها فرآه جندب فذهب فالتفع على سيفه برداء فجاء، فلما دخل الساحر جوف البقرة ضربها وقال: افتأتون السحر وأنتم تبصرون فقلته فاندرع الناس وتفرقوا فحبسه الوليد فكان له بالليل ويذهب إلى أهله، فكانوا يرون جندب السجان يفتح صاحب القربة والا قطع بن صوحان وقد مضى في كتابنا ذكره والله أعلم بالتفسير المذكور أن كان لأبي جعفر النحاس أو لغيره أن نظن الا ظناً وما نحن بمستيقنين، فهؤلاء من سمّى أبو عمار رحمة الله عليه وذكرهم في الطبقة الأولى ولم يذكرهم أبو العباس، ومن أجل ذلك ذكرتهم وذكرت أخبارهم ما يجري مجرى الطرفة رضي الطبقة الثانية جابر بن زيد رضي الله عنه ولد سنة ثمانية عشر ومات
الله
عنهم وغفر لهم.
هو
سنة ثلاث وتسعين من التاريخ قوله: قامت عليه آطامه الأطام الكدا
- 173 - (1/173)
صفحة 174
والاطام أيضاً البيت المسطح ومنه ولا أطما إلا مشيدا بجندل قوله وضربت بجرانها الأرض يعني عنقها على الأرض من شدة الوجع والجران ما وقع على الأرض من عنق البعير والملاءة الملحفة.
عبد
عبد الله بن اباض رضي الله عنه النسبة إليه أباضي بفتح الهمزة القريب، رأس العقد إمام القوم الذي كانه استحق أن يعقد التاج على رأسه، قوله: قعد على اللحاق فاشتراه من غير انكار، وذلك أن المسلمين بعد قتل أبي بلال اجتمعوا بجامع البصرة وعزموا على الخروج وفيهم عبد الله بن اباض ونافع بن الأزرق ووجوه المسلمين فلما جن الليل سمع. الله دوي القرا وترنين المؤذنين وحنين المسبحين، فقال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم فرجع وكتم أمره واختفى وإلى هذا كانت إشارته والله أعلم والخمول اخفاء الذكر، قال بعض أئمة الصفرية أربعة: نافع بن الأزرق وأبو بهمس ونجدة بن عامر وعبد الله بن الصفار، عدل مال ثم قال عدولاً بها عن اسم الولد إلى اسم الوالد (1) وذلك في النسبة إلى اباض يعني الإباضية إمامهم عبد الله ونسبوا إلى ابيه اباض، لأنه أعرف من عبد الله وأشهر منه كما نسبت الصفرية إلى الصفار والازارقة إلى الأزرق ومن آثار عبد الله بن اباض كتابه إلى عبد الملك. بن مروان نصه:
1) هذا تفسير لكلمات قالها صاحب كتاب الطبقات في وصف جابر بن زيد وعبد الله
بن اباض.
_ IVE_ (1/174)
صفحة 175
بسم
كتاب عبد الله بن إباض) إلى عبد الملك بن مروان
الله الرحمن الرحيم
من عبد
كتابك
الله بن اباض إلى عبد الملك بن مروان .. أما بعد سلام عليك
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك بتقوى الله فإن العاقبة للتقوى والمرد إلى الله، وأعلم أنه إنما يتقبل الله من المتقين. وقد جاءني سنان مع بن عاصم، وإنك كتبت الي أن أكتب إليك بكتاب فكتبته إليك فمنه ما تعرف ومنه ما تنكر، ولكن الذي تنكره ليس عند الله بمنكر، وأما ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأمة، الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه الذي أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون والفاسقون والكافرون، ثم إني لم أكن أذكر لك من شأن عثمان شيئاً إلا والله تعلم أنه حق، وسأنزع لك من ذلك البينة من كتاب الله، وسأخبرك خبر عثمان الذي طعنا عليه فيه وأبين شأنه وأمره، لقد كان عثمان كما ذكرت من قدمه في الإسلام ولكن الله لم يجز العباد
فإن
علماء
1) تعتبر رسالة عبد الله بن إباض أول وثيقة سياسية فقهية من قبل عالم من. المسلمين تنتقد أنظمة الحكم، وتشخيص الأدواء، بعيداً عن المجاملة والمحاباة، وهي تمثل أنموذجاً سياسياً للمعارضة التي تنتقد النظام ليس لمجرد النقد وإنما رغبة في الإصلاح السياسي والديني والاجتماعي والاقتصادي.
- IVO _ (1/175)
صفحة 176
وحرم
الفتنة وذلك أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه من الكتاب وبين فيه كل أمر وفصل فيه كل حكم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وجعله هدى ورحمة لقوم يؤمنون، فأحل فيه حلالاً فيه حراماً وحكم أحكاماً وفرض فرائض وحدوداً، فقال لتلك حدود الله فلا تقربوها، وقال لتلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)، ثم أمر نبيه باتباع كتابه وقال: واتبع ما أوحي إليك من ربك. وقال فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)) فعمل محمد صلي الله عليه وسلم بأمر ربه ومعه ومن من أصحابه، لا يرونه أحداً ولا يبدل حكماً، ولا يستحل حراماً ولا يحرم حلالاً، ولا
يتعهد
عند
عثمان
شاء الله
المسلمين
يبدل فريضة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم فعمر صلي الله عليه وسلم ما شاء الله تابعاً لما جاء به من - الله مبلغاً لما ائتمنه الله عليه معلماً للمؤمنين، مبصراً لهم حتى توفاه الله صلى الله عليه وسلم، ثم اورث الله عز وجل المسلمين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو كتابه الذي يهتدي من اهتدى باتباعه، ولا يضل من ضل إلا بتركه ثم قام من بعده أبو بكر على الناس فأخذ كتاب الله وعمل بسنة نبيه فلم يفارقه أحد من ولم يعيبوا عليه في حكم حكمه ولا قسم قسمه .. حتى فارق الدنيا وأهل الإسلام عنه راضون وله مجامعون، ثم قام من بعده عمر فكان قوياً على الأمر شديداً على أهل النفاق، يهتدي بمن كان قبله من المؤمنين ويعمل بكتاب الله وابتلاه الله بفتوح من الدنيا بما لم يبل به صاحبيه، وفارق الدنيا والدين ظاهر وكلمة الإسلام جامعة وشهادة المؤمنين له بالوفاء قائمة والمؤمنون شهداء الله في الأرض.
قال الله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسط لتكونوا شهداء على
- 176 - (1/176)
صفحة 177
الله
عليه
الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، ثم استشار المؤمنين فتركها فيهم، فولوا عثمان ففعل ما شاء الله بما يعرف الإسلام حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض، وأحدث أموراً لم يعمل بها صاحباه قبله وعهد الناس يومئذ قريب منهم، فلما رأى المؤمنون ما أحدث، أتوه وكلّموه، وذكروه بكتاب الله وسنّة من كان قبله، فشق عليه أن ذكروه بآيات الله، وأخذ بالجبرية وضرب من شاء منهم، وسجن ونفاهم في أطراف الأرض من أجل أن ذكروه بكتاب الله وسنّة نبيه صلى وسلم وآثار من كان قبله من المؤمنين، ومن اظلم ممن ذكر بآيات ربه فاعرض عنها ونسي ما قدمت يداه، ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم اعرض عنها إنَّا من المجرمين منتقمون له وأنا أبين لك يا عبد الملك بن مروان ما أنكر المسلمون على عثمان وفارقوه عليه عسى أن تكون غافلاً، فأذكرك أو جاهلاً فأعرفك، فلا يحملنك هواء عثمان يا عبد الملك أن تكذب بآيات الله وتعرض عنها، فإنه لا يغني عنك من الله شيء، يا عبد الملك قبل التناوش من. مكان بعيد وقبل أن تكون لزاماً، وانه كان مما طعن عليه المسلمون وفارقوه وفارقناه عليه قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وكان عثمان أول من منع مساجد الله أن يقص فيها كتاب الله، ومما نقمنا عليه وفارقناه أن الله عز وجل قال: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالميين .. فكان خيار هذه الأمة قد طردهم ونفاهم، فكان ممن نفى من أهل المدينة
فالله الله
177 - (1/177)
صفحة 178
أبا ذر الغفاري ومسلم الجهني ونافع بن الحطام ونفى من أهل الكوفة كعب وجندب بن زهير قاتل الساحر، ونفى عمر بن زرارة ويزيد بن صحوان وأسود بن دويج ويزيد بن قيس الهمداني وكردوس بن الحضرمي الله في أناس كثير من أهل الكوفة، ونفى من أهل البصرة عامر بن عبد ومدعور العنبري ومن لا يستطاع عددهم من المؤمنين، ومما نقمنا عليه أنه أمر أخاه الوليد بن عقبة على الناس فكان يلعب بالسحر، ويصلي بالناس سكران فاسق في دين ا الله، وإنما أمره من أجل قرابته، ومما نقمنا عليه جعل المال دولة بين الأغنياء، وقد قال الله عز وجل كي لا يكون دولة بين الأغنياء له فبدل فيه كلام الله واتبع هواه، ومما نقمنا عليه أنه منع مواضع القطر وحماها لنفسه ولأهله ومنع الرزق الذي أنزله الله لعباده متاعاً لهم ولأنعامهم، وقد قال الله عز وجل قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون، ومما نقمنا عليه أنه أول من تعدى في الصدقات، وقد قال الله: الصدقات للفقراء والمساكين، إلى قوله و فريضة من الله والله عليم
إنما
حکيم نے وقال: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، والذي أحدث عثمان منعه فرائض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن عنه، وأنقص أهل بدر من عطاياهم ألف ألف، وكنز
الخطاب
رضي
الله
الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله، وقال الله عز وجل والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم
وظهورهم .. الآية.
- 178 - (1/178)
صفحة 179
ومما نقمنا عليه كان يضم كل ضالة إلى إبله ولا يردها، ولا يعرفها.
وكان يأخذها من الإبل والغنم إذا وجدها عند أحد وإن كانوا قد أسلموا عليها وكان لهم في حكم الله ما أسلموا عليه، وقد قال الله عز وجل ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، وقال ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض
منكم لا
ومما نقمنا عليه أنه أخذ خمس الله لنفسه وأعطى منه أقاربه؛ وكان ذلك تبديلاً لحكم الله وفرض الله الخمس الله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل إلى قوله والله على كل شيء قدير، ومما نقمنا عليه منع أهل البحرين وأهل عمان أن يبيعوا شيئاً طعامهم حتى يُباع طعام الإمارة؛ وذلك تحريم لما أحل الله، وأحل الله البيع وحرم الربا وكان من عمل عثمان أنه يحكم بغير ما أنزل خالف سبيل الله وسبيل صاحبيه، وقال الله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا.
من
الله
وقد
وقال: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون والكافرون والفاسقون، وقال: ألا لعنة الله على الظالمين، وقال: {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا، وقال: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وقال: وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا انهم لا يؤمنون، وكل هذه الآيات تشهد على عثمان، وإنما شهدنا عليه بما شهدت عليه هذه الآيات الله والله يشهد بما أنزل إليكم أنزله بعلمه والملئكة يشهدون وكفى بالله شهيداً، فلما رأى المسلمون الذي أتى به عثمان من معصية الله والمؤمنون شهداء الله في الأرض ناظرون
- 179 - (1/179)
صفحة 180
عملكم
في أعمال الناس. وقال الله عز وجل وقل اعملوا فسيرى الله ورسوله والمؤمنون وترك خصومة الخصمين في الحق والباطل ووقع من الفتن، وقد قال الله. الله
ما
وعد
عز وجل: ألم أحسب الناس أن
يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين، وعلم المسلمون أن طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى عثمان من أطراف الأرض واجتمعوا إليه في ملاء من المهاجرين والأنصار وعامة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوه فذكروه بالله، وأخبروه بالذي أتى من معاصي الله، فزعم أنه يعرف الذي يقولون وأنه يتوب إلى الله عز وجل منه ويرجع إلى الحق، فقبلوا الذي أتاهم به من الاعتراف بالذنب، والتوبة إلى الله عز وجل ومراجعة الحق، وكان حقاً على أهل الإسلام إذا التقوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق فلما تفرقوا عنه نكث الذي عاهدهم عليه وعاد إلى أعظم. الذي تاب منه، فكتب إلى عماله في أدبارهم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فلما ظهر المؤمنون على كتابه ونكثه العهود رجعوا إليه وقتلوه بحكم الله، وقد قال الله عز وجل وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ائمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون كم وقد عمل بكتاب الله
من
وجامع المسلمين زماناً، ثم ارتد على عقبيه، وقد قال الله عز وجل إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعدما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم، فهذا وأمثاله من خبر عثمان هو الذي فارقه عليه المؤمنون وفارقناه وطعنوا عليه فيه وطعنا نحن اليوم فيه، وذكرت كونه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلته معه، فقد كان علي بن أبي طالب أقرب قرابة إلى رسول الله واعظم خلة، وأقدم هجرة وأسبق إسلاماً،
- 180 - (1/180)
صفحة 181
وانت تشهد له بذلك وأنا بعد ذلك، فكيف كانت قرابته وخلته هل كانت نجاة، إذا ترك الحق أم هلاكاً، واعلم أن علامة كفر هذه الأمة إذا تركوا الحكم بما أنزل الله، وحكموا بغير ما أنزل الله فمن أصدق من الله حكماً لقوم يوقنون، وقال فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون) فلا يغرنك يا عبد الملك بن مروان عز نفسك ولا تسند دينك إلى الرجال؛ فإنهم يستدرجون من حيث لا يعلمون، فإن املك الأعمال خواتمها وكتاب الله جديد أبداً لا ينطق الا بالحق، اجارنا الله باتباعه أن نبغي أو نضل، فاعتصم بحبل الله يا عبد الملك واعتصم بالله يهدك إلى صراط مستقيم، قال الله عز وجل ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم له وكتاب الله هو حبل الله المتين الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به، فقال: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا فانشدك الله أن تدبر معاني القرآن وتكون مهتدياً به مخاصماً به، قال الله عز وجل أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها، وأما قولك في معاوية أن الله قام معه وعجل نصره وبلج حجته وأظهره على عدوه بالطلب لدم عثمان، فإن كنت تعتبر الدين من قبل الدولة والغلبة في الدنيا فانا لا نعتبره من قبل ذلك فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون، وظهر المشركون على المؤمنين ليبلي المؤمنين ويملي للكافرين. وقال: وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وانظر ما أصاب المؤمنين من المشركين يوم أحد، وانظر كيف ظهر قتلة ابن عفان عليه وعلى شيعته يوم الدار،
وظهر علي على أهل البصرة وهم شيعة عثمان وظهر المختار على زيد وأصحابه وهم شيعتهم وظهر مصعب على المختار وظهر أهل الشام
- 181 - (1/181)
صفحة 182
الدين
الله
على أهل المدينة وظهر الزبير على أهل الشام بمكة فلا تعتبر ا من قبل الدولة فقد يظهر الناس بعضهم على بعض، فقد أعطى فرعون ملكاً وظهر في الأرض، وأعطى الذي حاج إبراهيم في ربه ملكاً،
حرمه
ثم إن معاوية إنما اشترى الإمارة من الحسن بن علي ولم يَفِ له بما اشترطه عليه وعاهد الله العظيم ليوفين له، وقد قال الله عز وجل ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها .. الآية. فلا تسأل عن معاوية وعن صناعته غيري، لأني قد أدركته ورأيت عمله وسيرته ولا أعلم من الناس أحداً أترك للقسمة التي قسمها الله ولا لحكم حكمه الله، ولا أسفك دم الله منه، فلو لم يصب من البلاء إلا دم ابن سمية لكان فيه ما يكفره، ثم استخلف ابنه يزيد فاسقاً لعيناً كافراً شارباً للخمر، فيكفيه من الشر، فلا يخفي عمل معاوية ويزيد على كل عاقل، فاتق الله يا عبد الملك ولا تخادع نفسك في معاوية، فقد أدركنا أهل بيتكم يطعنون في معاوية ويزيد ويعيبون عليهما كثيراً فيما يصنعون، فمن يتول ومن معه فاني اشهد الله وملائكته اني منهم بريء، أعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا نعيش على ذلك ونموت عليه، إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، ونحاسب بذلك عند الله، وكتبت إلي تحذرني الغلو في الدين، أعود بالله من الغلو، وسأبين لك ما الغلو في الدين إذا جهلته والغلو في الدين أن يقال على الله غير الحق، ويعمل بغير كتاب الله الذي بين وسنة نبيه التي سنّ، وقال الله يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق، وقال يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، كما غلا عثمان والأئمة بعده وأنت بعد على سبيلهم وطاعتهم تجامعهم على مصية الله وتتبعهم، وقد اتبعوا أهواءهم واتبعتهم أنت عليها، وقال الله عز وجل ولا تتبعوا أهواء قوم
عثمان
- 182 - (1/182)
صفحة 183
قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، فهؤلاء أهل
الله
الغلو في الدين؛ فليس من غضب الله حين عصي، ورضي بحكم ودعا إلى كتاب الله وإلى سنّة نبيه وسنّة المؤمنين بعده بغال في الدين،
وكتبت الي تعرض بالخوارج (1) وتزعم أنهم يغلون في دين الله ويتبعون غير سبيل المؤمنين ويفارقون أهل الإسلام وأنا أبين لك سبيلهم هم أصحاب عثمان الذين أنكروا عليه ما أحدث من بدعة، وفارقوه حين ترك حكم الله، وهم أصحاب الزبير وطلحة حين نكثا، وأصحاب معاوية حين بغي، وأصحاب علي حين بدل كتاب الله وحكم عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، فهم فارقوا هؤلاء كلهم وأبوا أن يفرقوا بحكم البشر دون حكم الله، فهم لمن بعدهم أشد عداوة وأشد مفارقة، كانوا يتولون في دينهم وسنّة نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويدعون إلى سبيلهم ويرضون على ذلك، كانوا يخرجون، وإليه يدعون وعليه يفارقون، وقد علم من عرفهم وعرف حالهم أنهم كانوا أحسن عملا وأشد قتالاً في سبيل الله، هذا خبر الخوارج، شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم اعداء ولمن والاهم اولياء بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه عند ربنا، إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه واتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد اسلامه، فنبراً إلى الله منهم، وأنت كتبت إلي أن أكتب إليك بجواب كتابك وأجتهد لك في النصيحة، وذكرتني بالله وافضل ما ذكرتني به أن قلت إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب الآية، وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه
1) هذا دليل على أن تسمية المحكمة خوارج هي من صنع الأمويين.
- 183 - (1/183)
صفحة 184
للناس ولا تكتمونه، فقد بينت لك وأخبرتك خبر الأئمة وكان حقاً علي أن انصح لك، فإن الله لم يتخذني عبداً لأكفر به، ولا أن أخادع الناس بشيء ليس في نفسي، وأخالف إلى ما أنهى عنه، ادعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم لتحل وتحرم الحرام ولا تظلموا الناس شيئاً، وان يكون كتاب الله حكماً بيني وبينكم فيما اختلفنا فيه، وأن نتولى من تولى الله، وأن نبرأ ممن تبرأ الله منه، وان نطيع من أمر الله بطاعته، ونعصي من أمر الله بمعصيته في كتابه، فهذا الذي أدركنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الأمة لم تسفك دماً إلا حين تُرك كتاب الله وسنّة نبيه، وقد قال الله عز وجل وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب، والقرآن هو السبيل الواضح الذي هدى الله كان قبلنا محمداً وأصحابه
به من
الخليفتين الصالحين، ولا يضل من اتبعه ولا يهتدي من تركه، وقال وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، فاحذر أن تتفرق بك السبل وتتبع هواك، فإن الناس إنما يتبعون في الدنيا والآخرة إمامين إمام هدى وإمام ضلالة، فإمام الهدى الذي يتبع كتاب الله ويقسم بقسمة الله ويحكم بحكم الله،، وهو الذي قال الله عز وجل وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا له وهؤلاء الذين أمر الله بطاعتهم ونهى عن معصيتهم، وأما أئمة الضلالة فهم
ء هم الأئمة
الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ويقسمون بغير قسمة الله ويتبعون أهواءهم بغير سنة الله، اء الذين قال الله فهؤلاء من عز وجل فيهم وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا يُنصرون .. وفيهم قال ولا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً .. وقال ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ك وهذا كتابنا ينطق عليكم بالحق
184 - (1/184)
صفحة 185
فماذا بعد الحق إلا الضلال، فلا تضربن عنك الذكر صفحاً، ولا تشكن
في كتاب
الله، وقد كتبت إليك بمرجوع كتابك، فانشدك الله لما قرأته
وأنت مشغول حتى تتفرغ له وتدبر معانيه وتنظر فيه بعين البصيرة، واكتب الي جواب كتابي إن استطعت وانزع لي الشواهد من کتاب الله والبينة منه فأصدق بذلك قولك ولا تعرض لي بالدنيا فإنه لا رغبة لي
بيننا
في الدنيا، وليست من حاجتي. ولكن لتكون نصيحتك لي من الدين، ولما بعد الموت فإن ذلك أفضل النصيحة، والله قدير أن يجمع وبينك على الطاعة، فإنه لا خير فيمن لم يكن على طاعة الله، وبالله التوفيق، وفيه الرضا والسلام عليك. أبو بلال مرداس وعروة أبناء أديّة رضي الله عنهما، خرجا بالعراق في أيام يزيد بن معاوية، على عبيد الله. بن زياد، وإنما كانت إمامته على من خرج معه، فلما قتل أبو بلال، ومات يزيد بالشام، هرب عبيد الله بن زياد من العراق خوفاً على نفسه. ووقفت في بعض الآثار على أنه أول حكم وضعه ابليس في الأرض، أخذ الولي بالولي، والجار بالجار والصحيح بالسقيم، وذكر في حديث بلال مع زياد كما ذكره إلا أنه زاد فيه قال فقال له زياد نعم يأبا بلال إنك لن تدرك حقاً حتى تخوض باطلاً كثيراً.
عمران بن حطان الشيباني رضي الله عنه، قال لما عفا الحجاج عن حطان، قال له قطرب عاود قتال عدو الله، فقال له هيهات،
عمران بن
وذكر المثل، غل يداً مطلقها، واسترق رقبة معتقها، ثم قال:
أأقاتل الحجاج في سلطانه
بيد تقر بأنها مولاته
- 110_ (1/185)
صفحة 186
إني إذن لأخو الدناءة والذي
عفت على حسناته جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت ازاءه
في الحرب واحتجت له فعلاته
وأقول جار علي في ذا إنه
لا حق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعا
غرست فحنظلة بها غلاته
هذا وما ظني بخير أنتمي
فيكم لمطرق مشهدا وعلاته (1)
تفسير الكلمات
والفتك القتل على غير ثأر والفتك أيضاً قتل المطمئن سراً، وقوله: مر بأعرابي يهنا بعيراً، أي يصليه بالهناء، وهو القطران، ومنه كما شغب
6
المهنوت الرجل الطالي مرج، نفر يقال مرج البعير إذا نفر بغير خطام، ننتبه نعتزل، وقوله زيد بن حصن ومالكا هو الطائي صاحب يآل حميم، ومالك هو الأشتر النخعي رضي الله عنهما، والكلمة القصيدة، الجرد الخيل المنسلخة من الخيل عند الجري وقيل القصيرة الشعر، والعتاق الحسان المسومة، قيل المعلمة، أو من العلامة، السمة وهي وقيل المرسلة في المرعى من السائمة، ومنه الحديث: نهى عن السوم قبل طلوع الشمس، لأن ذلك يعقب داء يجتلدون يضرب بعضهم بعضاً بالسيوف والجلاد بالسيوف فوادعونا، أي صالحونا، والموادعة 1) استقامة بعض الأبيات من. عندنا.
- 186 - (1/186)
صفحة 187
المهادنة والمصالحة وكذلك المسالمة، وقوله شالت ارتفعت، والجذوع الخشب التي نصبت عليها رؤوسهم، وصلبوا عليها، ودمر بعضهم جسر وشجع، وقوله حكم، قال: لا حكم إلا الله، ونجا هرب وأسرع، السرب الغار، وقد انجرع فيه عروة خوفاً، وصحفه عدو الله إلى الشرب الذي الجماعة الشاربون، تحريفاً منه وتبديلاً، ليري الناس إنما صنع به اقامة للحدود، حفزة عجلة، ومنه الحفّاز، ضنينا بخيلا، جمة
هو
ما صنع كثيرة الوشح الرمح الطويل، وشيكا سريعا، الشهامة الشجاعة، قال الرنقا الكدر العجاف الضعاف قوله الخفر في القطعة الثالثة الحيا، وقوله يعتصر أي يلازم عصرا بعد عصر قوله هيهات غل يدا مطلقها، واسترق رقبة معتقها، وقفت في كتاب أبي تمام في شرح القصيدة التي أولها: شهدت لقد أقوت مغانيكم بعد
ومحتكم محت وشايع من يدري
وقوله ينجم أي يطلع، ومنه نجم القرن القريب الأنفة، التكبر، وقف حبس، ومنه قوله عز وجل وقفوهم إنهم مسؤولون له أي أحبسوهم، والاطناب والإسهاب التطويل في الكلام، والفلجاء بالفاء من الفلج، وهو عليه وسلم حين
ومنه حديث رسول
الله صلي
الله
الأسنان، خلل بين ذكر الملعونات حتى قال والمتفلجات للحسن، وإن كانت البلجاء
:
بالباء فهو من انبلج وهو خلو ما بين الحاجبين من الشعر، وقد مضى في الكتاب، وقوله يعنت إنساناً يحمل على المشقة ومنه، عزيز عليه ما عنتم والعنت المشقة والإدراج سيره آخر الليل (1).
1) في الكلام على أبي بلال وعروة وعمران بن. حطان، وتفسير) الكلمات الواردة في كلامهم، حدث تصحيف وتحريف وسقط في الأصل الذي هو الطبعة الحجرية، فكان هذا الترتيب والتنسيق من عندنا، ومن أراد المزيد فعليه بالرجوع إلى كتاب
طبقات المشايخ لأبي العباس الدرجيني الذي هو الأصل لكتاب الجواهر.
- 187 - (1/187)
صفحة 188
الله الله عنه، هو الذي دخل على عائشة الأحنف بن قيس رضي ا
رضي
عنها، فقال: يا أماه أتاب عثمان بعد ما قتل؟ فقالت: نعم، فخرج فقيل لها كيف قولك؟ فقالت يجر قيس سفهة أعزه والله إن قيل حليم وأرسل إليه معاوية يوماً فقال: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ فقال: ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا نحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، إن طلبوا فأعطوهم وإن سخطوا فارضوهم، يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم ولا تك عليهم فظا فيملوا حياتك ويحبوا وفاتك. إياس بن معاوية المزني رضي الله عنه، قال أبو تمام في قصيدة له: أبليت هذا المجد بعدك غاية
فيه واكرم شيمة ونحاس
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء اياس
ما في وقوفك ساعة من بأس
تقضي ذمام الأربع الأدراس
وعمرو هو ابن معدي كرب فارس العرب وحاتم بن عبد
الله
الطائي
والأحنف بن قيس وإياس بن معاوية.
الإمام عبد الله بن يحيى وأصحابه الشراة له قصائد كثيرة وأشعار مشهورة في مدح الشراة والتحريض على الجهاد وهو الذي يقول:
كوى بالأسى قلبي وأبكي نواظري
بكاء اليتامى وابتسام الجبابر
وكلفني حمل القواضب والقنا
وسفك الدما إسراف أهل الكبائر
والحور النقصان والكور الزيادة والسلم الصلح وفيه لغتان، فتح السين
- 188 - (1/188)
صفحة 189
و کسرها ربوا بأنفسهم طمحوا بأبصارهم وارتفعوا به معهم، والنبذ الشيء القليل، قوله خصمنا الرجل أي غلبنا بالحجة، ويقال مرّ فلان قدماً وسعى قدماً إذا مر ولم ينشئ مسألة.
الحارث وعبد الجبار ثارا بطرابلس قبل أبي الخطاب وكانا مشتركين في الملك، غزاهما عبد الرحمن بن حبيب من المغرب بجيش من العرب والبربر فلقيهم الحارث وعبد الجبار بأن فروا وكانت الكثرة من البربر هوارة فقتل الله بهما أهل الخلاف قتلاً ذريعاً، ثم غزاهم ثانية فالتقيا بموضع يقال له جطيسة، فقتل الله بهما أهل الخلاف، ثم قتل كل واحد صاحبه (1) فوجد سيف هذا قبل هذا وسيف هذا قبل هذا فلم يعلم المحق منهم من المبطل وقد ثار قبلهما بعمان غسان ثم ثار قبل غسان بعمان أيضاً الوارث، حتى قتل (2) هو وأصحابه في أيام بني هاشم، ثم ثار قبل
الوارث أيضاً الكلند بن الجلند فاستولى على اليمن حتى استشهد رحمه الله الله، وقبله قام عبد بن يحيى وأبو حمزة الشاري، وقبل عبد الله بن يحيى بزمان خروج خوارج الجور نجدة بن عامر وأصحابه باليمامة، ونافع ابن الأزرق وأصحابه بالعراق، وقبلهم خروج المرداس رضي الله
عنه
1) الظاهر أنها كانت مكيدة من قبل عبد الرحمن بن حبيب الفهري والي العباسيين على القيروان لكي يبث الفرقة بين الأباضية لأنهم كانوا ينصبون الأئمة إماما بعد
إمام.
والظاهر أن الامام أبا عبيدة مسلم أدرك بعبقريته الفذة ذلك، فلذلك أفتى بابقائهما على الولاية وقطع بذلك الطريق عن الفرقة والاختلاف، على أن المكيدة واضحة إذ كيف يمكن لكل واحد منهما أن يجعل سيفه فوق الآخر أن لو صح أن كل واحد منهما قتل الآخر وحاشاهما عن ذلك. 2) الصحيح أن الإمام الوارث لم يقتل من قبل العباسيين وإنما حمله الوادي عندما ذهب إلى إطلاق المساجين خوفا عليهم من الفيضان. الصحيح أنه الجلندى بن مسعود، ولم يستول على اليمن.
- 189 - (1/189)
صفحة 190
كان
من
الفقه
قال أبو العباس: قلت إن الخلاف في المسألة قديماً وحديثاً أن أهل الولاية المعينة هل ينتقل إلى الوقوف أم لا ينتقل الا أن انتقل بحكم متيقن البراءة، وهذه المسألة مبينة في العقائد وفي في اليقين هل يرفعه الشك أم لا؟ فعند أصحابنا أن اليقين يرفع الشك ولا يرفع الشك اليقين، فالولاية لا تنتقل إلى الوقوف، وقد أوجب اليزيدية أنها تنتقل ولهم فيها إشكالات يأتي بيانها وذلك أن الحارث وعبد الجبار كانا رجلين من أصحابنا موصوفين بالصلاح وهما من أهل الولاية فوجدا في موضع واحد مقتولين وسيف هذا في جثة هذا وسيف هذا في جثة هذا فوقع الخلاف، فقال قائل بأن كل واحد منهما مثل الآخر فيجب أن نبرأ منهما جميعاً.
وقال قائل بأن كل واحد منهما قتل الآخر ولكن لا ندري من الباغي منهما على صاحبه فنبرأ منه ولا المبغى عليه فنتولاه، ولكنا نتوقف عن كليهما وهذا قول أصحاب عبد الله بن يزيد وقال قائل إن صلاحهما متيقن وبغيهما غير متيقن فهما باقيان على ولايتهما، إذ من الاحتمال العارض بينهما أن يكون قاتلهما قد بغى عليهما فجعل سيف هذا في جثة هذا ا وسيف هذا في جثة هذا فهذا قول أصحابنا، واليزيدية عارضت هاهنا بمسألتين إحداهما أن يقع اللعان بين الزوجين وهما من أهل الولاية (1) فلا يدري أن تكون المرأة زانية، ويكون الزوج قاذفاً الفاحشتين كبيرة إلا أنا لا ندري من ارتكبها فعلينا الوقوف عن الولاية
وكلتا
يُقصد منه
1) يولي الإباضيون مسألة الولاية والبراءة والوقوف عناية بالغة، فلا يكاد يخلو كتاب عقدي أو فقهي إلا ويتعرض لها بأدق تفاصيلها، إذ هي نظام ديني الإصلاح الاجتماعي، ويُراد. منه تعميق صلة المسلمين بدينهم، وحملهم على الالتزام الحرفي بشرعة الإسلام ومحاصرة الفساد، وهو يساهم مساهمة فعالة في تخليص مجتمعات المسلمين من أدواء المعاصي.
- 190 - (1/190)
صفحة 191
والبراءة، والثانية أن نتولى عن بعد رجلين من أهل الولاية وقد جرد كل واحد منهما سيفه وضرب الآخر حتى قتله ولست تدري الباغي من المبغى عليه، قلت هذه كلها احتمالات ولنا في رسول الله أسوة حَسَنة، حيث أنزل الله عز وجل وممن حولكم من الأعراب منافقون له، إلى قوله لا تعلمهم نحن نعلمهم ولم يبلغنا أنه توقف عن مواصلة أحد ممن يظهر الإيمان من أهل المدينة ولا من الاعراب ولا تجنب ملاقات أحد منهم، بل أبقاهم على الولاية المتقدمة حتى فضحتهم الآيات اللاتي في براءة، ومنهم ومنهم ومنهم، فأطلب ذلك في مواضعه وبلغنا عن بعض أصحابنا المشارقة، بل وقفت على ذلك في قولهم انهم قد رجحوا اقوال أصحابنا في القتيلين والمقتتلين ورجحوا قول اليزيدية في المتلاعنين،
فتعلق هداك الله بالقرآن وتمسك به فهذا هو ا الخلاف في المسألة. الله. أبو عمرو الربيع بن حبيب رضي عنه الطود الجبل والاشم المرتفع والعلم الجبل أيضاً يوم يقصد، والمسند هو الكتاب المعروف بحديث الربيع أعني غير المرتب الذي اشتمل على ثلاثة اجزاء، وأما المرتب فإنما رتبه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم وزاد فيه جزءاً رابعاً باين محاضريه هو اشارة إلى مفارقته أبا المورج السدوسي وعبد الله بن عبد العزيز وشعيب. ووائل بن أيوب الحضرمي رضي الله عنهما الصنوان النخلتان
المفترقتان من أصل واحد ومنه قوله تعالى صنوان وغير صنوان كل واحدة من النخلتين صنو والتلو التابع في الأثر، شبه الربيع ووائل في حفظهما وروايتهما عن أبي عبيدة بصنوان من النخل فكأنهما نخلتان جمعهما أصل واحد، وشبه الربيع في فضيلته وشهرته في الخير بالسابق ووائل بالتالي واللبان الاديبات والرفات العظام البالية. أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي الهواري إمام الدفاع وقفت في
C
- 191 - (1/191)
صفحة 192
بعض كتب أهل الخلاف على سيرته وأيامه فمن أغرب ما رأيته فيها أن قال: اجتمع لأبي حاتم بافريقية جيش لم يجتمع لخارجي قبله ولا بعده عدد عسكره ثلثمائة ألف وخمسون ألفاً منها خمسة وثمانون الفاً عنان والباقي رجال ولاقوا طوالع ثلثمائة وخمسة وسبعين لقية، ومات في الأخيرة منها الله، رحمه وقائد العسكر الذي قتل أبا حاتم،
انتهى،
كان بقيادة يزيد بن حاتم الطائي (1).
1) الصحيح أنه يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي.
- 192 - (1/192)
صفحة 193
ذكر الدولة الرسمية
الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن وأبوه عبد الرحمن رضي
الله
الله
عنهم، قال الشيخ أبو العباس رحمه وقفت في كتاب المسالك والممالك في بناء تاهرت على ما هو أقنع وأزيد فائدة فرأيت أن أتيته هنا وإن كان فيه بعض المخالفة لما صححناه عن الأشياخ، ذكر أبو عبيدة البكري أن تاهرت مسورة لها أربعة أبواب باب الصفا وباب الأندلس وباب المطاحن وباب المنازل ولها قصبة مشرفة على السوق تسمى المعصومة، وهي على نهر يأتيها من جهة القبلة ونهر آخر يجتمع من
عيون يسمى
نافسا،
ومنه تسقى بساتينها وجميع الثمار وهي شديدة
البرد كثيرة الغيوم والثلج، قال بكر بن حماد (1):
ما أخشن البرد وريعانه
وأطرف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم متى إذا ما بدت
كانه تنشر من تخت
فنحن في بحر بلا لجة
تجري بنا الريح على سمت
نفرح بالشمس إذا ما بدت
1) لعله الشيعي.
كفرح الذمي بالسبت
- 193 - (1/193)
صفحة 194
وهذه تاهرت الجديدة، وأما تاهرت القديمة فهي من الجديدة على خمسة أميال من جهة الشرق للجديدة وكان صاحب تاهرت ميمون بن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام وهو دواس بن سابور بن بابك ذي الاكتاف الملك الفارسي وأقام ملك بني رستم بتاهرت مائة وثلاثين عاماً، ولما نزل عبد الرحمن وأصحابه موضع تاهرت، قالت البربر: نزلنا تكرامت تفسيرها الدف، وواقف نزولهم صلاة يوم الجمعة فصلاها بهم عبد الرحمن فثارت صيحة شديدة على أسد ظهر من الشعراء فأتى إلى الموضع الذي صلوا فيه فقتلوه هناك، فنظر عبد الرحمن نظرة في النجوم، فقال هذا موضع لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبداً، وفي کتاب ابن الصغير، قال على يد عبد الوهاب افترقت الاباضية وتسمى قوم بالنكار وقوم بالوهبية وهذا اسم لست اعرفه وقد سمعت من يقول إنما سموا به لأتباعهم عبد الوهاب هذا قلت وقفت في كتاب الذي ذكرته بجبل نفوسة بخط الشيخ اسماعيل الجيطالي الذي فيه قطعة الشعر لعمران بن حطان في ذكر عبد الرحمن بن ملجم أن الوهبية سموا بذلك لاتباعهم الله بن وهب الراسبي وكذلك هو عندنا فلو نسبت إلى عبد الوهاب
عبد
لكانت الوهابية فإن قيل فالالف في الوهاب زائدة والحروف الزوائد تسقط عند النسب من الاسم، قلنا ولو كان ذلك فأين التضعيف الذي في الهاء فإذا الاسم منه الوهبيّة بالتشديد وهذا فساد وإنما هو
قال الشاعر:
مالي أرى مذهب الوهبي منقرضا
الوهبية،
-198 - (1/194)
صفحة 195
الإمام أفلح وابنه أبو اليقظان
وهو محمد بن أفلح وابنه أبو حاتم يوسف بن محمد الله رضي
عنهم،
قال ابن الصغير في كتابه لما ولى أفلح أخذ في الحزم والعزم، ونشأ له
من البنين ما لم يكن لغيره ممن كان قبله، وأتته نفوسة الجبل يسألونه أن يقدم عليهم من رآه ولم تكن الشراة تطعن عليه في شيء من أحكامه ولا في صدقاته واعشاره وكان أول ما امتحنوه به الشراة أن قاضياً قضاة أبيه قد مات في أيامه فاجتمعت إليه وسألوه أن يولي القضاء من
من
يستحق ذلك فقال لهم اجمعوا جمعكم وقدموا أخياركم ثم أعلموني به حتى أجبره لكم واعضده على ما يكون فيه الصلاح فقلبوا أمرهم فلم يرتضوا أحداً، واجتمع رأيهم على محكم الهواري الساكن بجبل أوراس فأتوا إلى الإمام أفلح فقالوا له قد رضينا جميعاً محكم الهواري لخاصتنا وعامتنا وديننا ودنيانا، فقال أفلح: قد دعوتم إلى رجل هو كما قلتم في ورعه ودينه ولكنه رجل نشأ في بادية لا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الفضل فضله وان كان ليس أحد منكم يحب أن يظلم ولا يُظلم بلا نقص لأعراضكم، فقالوا: لا نرضى لقضائنا غيره، وكان أشد الناس على أفلح في ولاية الهواري اخوه أبو العباس، فقال الامام: أما إذا أبيتم غيره فابعثوا إليه رسولكم على بركة الله، قال: فخرج الرسول بكتاب من الامام وكتاب من الشراة وفيه بسم الله ال له الرحمن الرحيم .. أما بعد فإنه قد
-190 - (1/195)
صفحة 196
نزل بالمسلمين أمر لا غناء به عن حضورك وهم ينتظرون قدومك ولا يسعك التخلف فيما بينك وبين ربك عن اللحوق بهم والاجتماع معهم ليجتمع رأيك معهم على ما فيه صلاح المسلمين، فلما ورد كتاب القوم ورسولهم على محكم الهواري ركب دابته وأخذ كساه وعصاه ثم توجه إلى القوم وقصد المسجد الجامع ونزله وابتدر إليه أصحابه وقالوا له: فلاناً القاضي توفى واجتماع رأي المسلمين والإمام عليك واعلم أنه مهما تخلفت عما دعوناك إليه كنت المسؤول عن كل دم يُراق بغير حق وعن كل فرج يؤتى من غير حله، فاتق الله ولا تخالف الإمام والمسلمين فانك إن خالفتنا أجبرناك فقال لهم إن الحق مرّ أمر من شرب الدواء ولا يشرب الدواء إلا كرهاً وأنتم متربعون أبناء نعم، وغيري أحب الي مني وقد نصحت لكم فأقبلوا نصيحتي، فقال لهم: أما إذا أبيتم الا هذا فارجعوا إلى إمامكم فاعلموه بما أعلمتكم به وشاوروه في أموركم، فقالوا: قد فعلنا، فقال: على بركة الله فأنزلوه في الدار المعروفة بدار القضاة واشتروا له خادماً صفرا واجروا عليه من بيت المال قوته، فسار فيهم السيرة التي أملوها فيه ورجوها عنده، فبينما هو على ذلك من أمره إذ تخاصم أبو العباس المذكور أخو الإمام وصهر الإمام أفلح في أرض فارتفعا إلى محكم فجاء أبو العباس محكماً فوجده خالياً في سقيفة داره افي. معه أحد فأجلسه إلى جانبه وأقبل إليه يحدثه فبينما هو كذلك إذ أقبل الخصم فلما رآه أبو العباس نادى باسم جارية محكم فخرجت فاستسقاها ماء ليرى خصمه دلالته على القاضي، ليردعه بذلك، فلما صار القدح إلى الجارية قال الخصم في نفسه إلى من أحكم وخصمي جالس إلى جنب القاضي وأنا ملقى على باب الدار لا يلتفت الي فجاءت من القاضي لفتة إليه فقال: ما بالك يا هذا؟ وما قضيتك؟ فقال: أتيت
وليس
-197 - (1/196)
صفحة 197
خصماً لأبي العباس فوجدته جالساً معك، فجلست هنا فغضب القاضي على أبي العباس، وقال: تأتيني خصماً وتجلس معي وتستقي جاريتي يا غلام خذ بيد أبي العباس وأقعده مقعد خصمه ولا يبرح وخذ بيد خصمه وأجلسه اليّ، وأمر الجارية فلتسقه ماء ففعل الغلام ما أمره به فخرج أبو العباس مغضباً حتى أتى أخاه أفلح فقال له: ما بالك؟ فقال هذا الجافي الجلف الهواري المنتن ما لم ينزل بأحد،
بي من.
من
له: قد نزل فقال: وما ذلك؟ فقص عليه الخبر، فقال أفلح: يا أبا العباس قد اعلمتك من قبل بهذا الأمر ولكن الصواب ما فعل والحق أولى أن يتبع. ولكن لو فعل غير هذا كان مداهنا فاتصل ذلك من خبره بوجوه الإباضية فأعجبهم وسروا به، وكانت نفوسه تلى عقد تقديم القاضي وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق والاحتساب على الفساق. قال ولما ولى أبو اليقظان مدينة تاهرت كان أول شيء نظر فيه أن استصلح لهم قاضياً بعد أن شاور جماعتهم فأشاروا عليه به، وكان اسم القاضي محمد الله بن عبد بن أبي الشيخ، ثم ولّى على بيت ماله ارتضاه جميعهم، ثم ولّى على شرطته من ارتضاه هو، وأمر قوماً من نفوسة يمشون في الأسواق يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن رأوا قصاباً نفخ في شاة عاقبوه وان رأوا حمالاً حمل على دابته فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عليها، وإن رأوا قذراً في الطريق أمروا من حوله بكنسه، ولا يمنعون أحداً من صلاة في مساجدهم ولو رأوه رافعاً يديه ماخلا المسجد الجامع أن رأوا فيه من رفع يديه منعوه، فإن عاد ضربوه فلم يزل القاضي المذكور يحسن السيرة فيهم لا تأخذه في الله لومة لائم إلى أن حدث حدث فأصبح بالغداة إلى أبي اليقظان فرمى إليه بخاتمه وقمطره فقال له: ولّ على قضائك من تريد، فقال
197 (1/197)
صفحة 198
له: ما بالك وما أعراك؟ فقال: ما نقمت عليك شيئاً ولكن نقمت على عالة بنيك. فقال: ما بالهم؟ قال: تركتهم على الناس، فلما انصرف،
قال لمن حوله: اذهبوا إليه واسألوه عن بني فمن ظهر منه مكروه زجرناه وذهبوا إليه وسألوه، فقال: دعوني منه فوالله ما توليت له قضاء أبداً والحديث المذكور، امرأة دقت على القاضي باب داره دقاً عنيفاً وله مولى يسمى سليمان، وهو متولي لمآربه والمتصرف بين يديه، فقال: يا سليمان، قم فاني أخشى أن يكون حادث من قبل السلطان، فقام ففتح الباب فإذا بامرأة منبهرة معها صقلي ومعه سراج، فقال: ما بالك وما جاء بك الساعة؟ قالت: دخل علي الآن خدام من قبل زكريا ابن فأخذوا بنتي من بين يدي فقلت لابني اتبعهما فقال: أخاف أن يقتلوني، فسقط القاضي كالمغشى عليه، ثم أفاق فقال للمرأة: أين تراه يعمد بابنتك؟ قالت: إلى دار الزكاة فقال لي يا سليمان تقلد سيفاً وخذ سراجاً وخُذ عصاة ثم قال: أخرجي أيتها المرأة، فخرجنا حتى أتينا قرب الدار، فقال: يا سليمان غيب السراج فغيبته، فقال دق الباب دقاً خفيفاً، فلما فتح الباب أظهر السراج، فلما رأى أصحاب الدار القاضي ارتاعوا ارتباعاً شديدا، فقالوا: ما بال القاضي أعزه الله؟ وقال: يا سليمان
الأم
مير
والمرأة.
معه
اصعد إلى أعلى الدار وأحذر من ينزل من جوانب الدار ثم أقبل يتخلل بيوت الدار بيتاً بيتاً وموضعاً موضعاً فلم يجد شيئاً ثم صعد أعلى الدار فلم يجد شيئاً، فقال لصاحب الدار: هل لك عهد بزكريا ابن الأمير؟ قال: اصلح الله القاضي أنه كان عندي النهار كله، فلما جنّ عليه الليل أتى بفرسه فركبها فخرج والله لا أعرف له الآن والله موضعاً، فقال للمرأة: هل تعرفين له موضعاً غير هذا؟ فقالت: لا والله فانصرفنا وانصرفت. وقال: لا أقدر على غير هذا فوالله ما نام تلك الليلة حتى
- 198 - (1/198)
صفحة 199
أصبح فقد أبى الخاتم والقمطر وألقاه إلى صاحبه، وكان أبو اليقظان قد
قال
عاش من السنين مائة ونحوها وكان عمره في إمارته أربعين عاماً، ابن الصغير وقد لحقت أنا بعض أيامه وإمارته وحضرت مجلسه، وقد جلس للناس خارج المسجد الجامع مما يلي الجدار الغربي ورأيته يوماً في مصلى الجنائز وقد وضعت له وسادة من جلد ينتظر فراغ دفن رجل قد مات من وجوه الناس، وكان مربع القامة أبيض الرأس واللحية وكان إذا جلس للناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه، وكان زاهداً ورعاً، ناسكاً سكيناً، وكان إذا اجلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من أدم مستقبل الباب البحري وله سارية تعرف به ويجلس اليها وكان يقابله نصب عين رجل من نفوسة يُعرف بعيسى بن فرناس وكان عنده من الورع بمكان وكان أخص الناس
عنه
به رجل من العرب يُعرف بمحمود بن بكر، وكان غالياً فيهم تُذكر. البراءة من علي بن أبي طالب وكان مدارهم الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن مذهبهم ويرد على الفرق في مقالاتهم ويؤلف الكتب في الرد على مخالفيهم، وكان عبد الله بن اللمطي مثله في الرد والتأليف والذب على المذهب والدافعة، وهو الذي يناظر المعتزلة والوأصلية وسائر الفرق بالمغرب ولا يكاد يناظر، ولقد اجتمع جمع بين المعتزلة والاباضية بنهر مينة اجتمعوا فيه للمناظرة فلما ضمهم المكان نادى زعيم المعتزلة: يا عبد الله، قال ابن اللمطي ففطنت له وعلمت أنه اياي يريد، فلم أجبه خوفاً من سؤاله، فقال ابن اللمطي: أريد، فقلت لبيك فقال: هل تستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟ فقلت: لا. قال: فهل تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه إلى
مكان لست فيه؟ فقلت: إذا شئت فعلت فقال خرجت منها يا ابن
-199_ (1/199)
صفحة 200
في
اللمطي، وكان رجل منهم يعرف بأبي عبيدة الأعرج كلهم مقرون له بالفضل، معترفون له بالعلم والحلم فإذا اختلفوا في مسألة في الكلام أو الفقه صدروا عن رأيه، وقد رأيته أنا وجلست إليه فما رأيت في سود الرأس اخشع لله تعالى منه وكان قليل الدخول على أبي اليقظان ولا يجمعه معه إلا المسجد الجامع، وحدثني أحمد بن بشر، قال: ضرب أبو اليقظان سرادقه لأمر أراده وبرز بنفسه وعلم الناس بخروجه فخرج إليه القراء والفقهاء وضربوا ابنيتهم حوله ما خلا أبا عبيدة فلم يخرج، فبينما الناس ذات يوم إذا أقبل أبو عبيدة، فقالوا: هذا أبو عبيدة جاء، إما مسلماً وإما متفقداً فأعلموا بقدومه أبا اليقظان، فلما دخل عليه رحب به وأدناه إلى نفسه وأقبل عليه.
وقال: ما جاء بك متفقداً أو مسلماً؟ فقال: أصلح الله الأمير، ما جئت متفقداً ولا مسلماً ولكن جارة لي كان لها ولد فخرج البارحة في طلب معاش له ولها، فأخذه المحروق صاحب حرسك فحبسه فجاءتني باكية شاكية فأردت إطلاقه، فأمر بإطلاق جميع من حبس تلك الليلة، إجلالاً لأبي عبيدة ثم سلم وانصرف فعجب الناس من صدقه وتركه التصنع واظهاره على لسانه ما أسر في قلبه، وكان أبو عبيدة هذا عالماً باللغة حسن الأدب والمروءة الغلط الذي ألفه عبد الله بن
والفقه والكلام والوثائق والنحو وكان ديانة
وقد أتيته يوما اسمع منه كتاب اصلاح مسلم بن قتيبة على أبي عبيدة، فلما افتتحت قراءته وقلت: لعل ناظراً في كتابنا ينفر من عنوانه ويستوحش ترجمته ويربا بأبي عبيدة عن الزلة، فلم أهمزه ولم أمده، فقال لي ويربا مهموزا وإنما ذكرت هذا الحرف لأدل به على براعته في اللغة فلما قرأت من الكتاب مثل ورقة أو أزيد أتاه قوم فقالوا: يا أبا عبيدة شهادة يأجرك الله عليها فقام معهم وأخذ نعله وعصاه (1/200)
صفحة 201
فأتيت اليوم الثاني، فلما قرأت من الكتاب مثل ورقة أتاه قوم آخرون وقالوا: شهادة يأجرك الله عليها، فقام معهم وقمت معه غير بعيد فقلت: يا سيدي أنا أتيتك وقد كانت لي حانوت في الرهادنة فصرت بطالا لا أنا في مقابلة كتابي ولا أنا في حانوتي، وشغلي فسكت، فلما كان بالغداة أتيته كما كنت آتيه، فلما فتحت الكتاب وقرأت بعض جزئي أتاه قوم وقالوا شهاة ياجرك الله عليها، فقال لهم: اليوم لهذا الفتى فإن آثر على نفسه وأذن لي سرت معكم، فلما رأيت ذلك قلت له: يا سيدي ولاكل هذا فسر إذا شئت أو أقم، وإنما ذكرت هذا لأدل على مروءته وحسن عشرته وكان أهل المغرب كلهم مشغوفون بهذا الرجل حتى أن من كان
منهم بسجلماسة يبعثون إليه بزكاة أموالهم يصرفها حيث شاء. ومما يذكر من ورعه وتقشفه أن أبا سابق خديمه علف ليلة فرسه من بيت المال فاعلمه بذلك فقال: يا أبا سابق والله ما نام محمد ولا أكل ولا
مکانه
شرب ولا برح من. حتى ترد في بيت المال ما أخذته منه، قال أبو سابق فنزعت عن الفرس وأخذت ما بقي وكلته ووفيت ما أكل فرسه من ماله ورددته في بيت المال فجئته فوجدته في مكانه ينتظرني فأعلمته، فقال: الآن أحسنت يا أبا سابق فاجلس.
ولما مات أبو اليقظان فكل ما وُجد في تركته من العين سبعة عشر ديناراً ومات سنة احدى وثمانين سنة ومايتين، وكانت نفوسة الجبل مشغوفة به وقد كانوا إذا ضرب سراديقه وخرج لا ينامون الليل كله إنما شأنهم التكبير والتهليل والقراءة فإذا صلوا معه ضربوا بأنفسهم وناموا. (1/201)
صفحة 202
رسالة الإمام محمد بن أفلح في خلق القرآن
الله
من محمد بن أفلح إلى جميع من بلغه كتابنا هذا من المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله الصلاة على نبي الرحمة وهادي الأمة صلى الله عليه .. أما بعد، فإن أفضل ما يتواصى به العباد وتحاضوا عليه تقوى الله ولزوم طاعته والزجر عن معصيته والترغيب فيما يورث الثواب من القول الطيب والعمل الصالح، وعليكم معاشر المسلمين بالتهيئ للقدوم على والتأهب والإعداد ليوم تشخص فيه الأبصار وتتغير فيه الألوان ويشيب فيه الولدان وتذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى و ما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. واعلموا رحمكم الله أن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا وقلت الخلوف منهم الله امرءاً مسلماً احتسب نفسه وأرصد الله في طلب العلم والنقض حاد الله وعدل عن منهاج رسوله صلى الله عليه وسلم، وضاد
فرحم
على من
هي
المحقين من عباده حتى تكون كلمة الله العليا، والباطل زهوقاً، وعليكم معاشر المسلمين باتباع الماضين من أسلافكم والمتقدمين من أئمتكم الصالحين من أهل دعوتكم فاقتفوا آثارهم واهتدوا بهداهم وأحذروا الزيغ عن طريقهم والميل عن مناهجهم وخالفوا أهل البدع
- 202 - (1/202)
صفحة 203
المضلة والأهواء المزلة ممن أراد أن يبدل دينكم ويلبسكم شيعاً ويلبس عليكم أمركم ممن اتبع هواه واستحوذ عليه الشيطان ونبذ ما جاء به القرآن فألبس على الضعفاء امرهم وزين بدعته في قلوبهم فانخدع من لا بصيرة له ولا علم له بما مضى عليه الائمة الراشدون رحمة الله عليهم والسلف الصالحون من أهل دعوتكم فأضل كثيراً وضل عن سواء السبيل، ونحن ذاكرون لكم ما فيه الكفاية أن شاء الله وبه نستعين وعليه نتوكل وما توفيقنا إلا بالله.
اجتمعت الأمة على أن القرآن كلام الله ولا يخلو هذا الكلام من أن يكون شيئاً أو ليس بشيء فإن كان ليس بشيء فأي اختلف فيه المختلفون إذا وليس بشيء يختلف فيه المختلفون وينازع فيه، ولو صح أنه ليس بشيء لبطل أن تكون رسل الله جاءت بشيء وان الله عز وجل أنزل على انبيائه شيئاً، ولبطل أن يكون ثم توراة أو انجيل أو فرقان فإذا ثبت أن
کلام
الله
شيء لم يخل من أحد ثلاثة أوجه لا يخلو إما أن يكون هو الله، أو أن يكون بعض الله كالجزء من الكل، أو يكون غير الله، ليس ثم وجه رابع يذهب إليه ذاهب أو يقوله قائل إلا من ركب اللجاج وحاد عن طريق الحق والإنصاف لأنه ليس لهم مذهب أكثر من أن يقولوا الله، فإن قالوا هو الله ضاهوا بذلك اليعقوبية من النصارى الزاعمة أن الله، كما زعم أهل هذه المقالة أن الكلام هو ا عيسى هو الله، فيلزمهم في هو المعبود، فيكون هو السميع البصير القادر الخالق
هو
أن الكلام زعمهم الباعث الوارث إله الدنيا والآخرة، فلما بطل هنا أن يكون الكلام هو المرغوب إليه وانه المعبود وانه الذي لم يبق إلا أن يكون الكلام بعض الله فيلحق بالله التجزء والتبعيض تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لأنه عز وجل لا يجري عليه التجزء والتبعيض لأن من وصفه بالتجزء والتبعيض
- 203 - (1/203)
صفحة 204
لا يخلو من أن يكون له مجزئاً جزاه ومبعضاً بعضه، وتوجد فيه أيضاً آثار الصنعة التي هي أداء الحاجة والعجز والحدث تعالى ربنا وتقدس من أن يوصف بهذه الصفات أو تدركه حاسة من الحواس، لأن الكلام عندنا وعندهم مسموع بالآذان، فلما بطل ذا وذلك لم يبق إلا الوجوه الثلاثة، أنه كلام الله وانه غير الله، ثم لا يخلو الكلام من أحد
وجهين
فإن
بعد ثبوته، كونه شيئاً، أما أن يكون شيئاً قديما أو شيئاً محدثاً، كان شيئاً قديماً فكيف كان مع الله قديماً وهو غيره فمن أولى بالربوبية
اذاً أو من أحق بالالوهية منهما، ثم لا يخلو هذا القديم من القديمين
من
أن يجري عليه الفناء والذهاب، اولا فإن قالوا لا يجوز نقضوا وواجهوا برد القرآن، وان قالوا يجوز عليه فكيف يكون قديماً لا أول له وله آخر، ومن لا أول له لا آخر له، ومن لا آخر له فله أول، فلما بطل أن يكون مع الله قديم غيره صح أن الكلام محدث فإن كان محدثاً فلا بلد له و محدث احدثه ضرورة وتولى تدبيره وقد دل على ذلك قوله عز وجل، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، محدث وقال ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث فوصفه عز وجل بالحدث فدل أن المحدث غير القديم وأن القديم هو المعبود، وان المحدث هو المخلوق المحتاج إلى من احدثه وألفه، ووجدت فيه آثار الصنعة ومن آثار الضعة الحاجة والتغاير، وقد وجدنا ذلك في القرآن ومن شأنه حاجة بعضه إلى بعض، فالسين منه غير الباء والباء غير الميم وكل حرف منه غير الآخر، والباء محتاجة إلى السين والسين محتاجة إلى الميم فإذا تألفت صار منها وهذا مشاهد بالأعيان مدرك بالحواس، فلا يحتاج فيه إلى التنازع والاختلاف، فصح بما ذكرنا مع اختلافها وحاجتها أن لها مخالفاً خالف بينها ومحوجاً احوجها، وقد وجدنا أيضاً نص الحروف موجوداً في كلام
بسم،
- 204 - (1/204)
صفحة 205
الناس ولغتهم، فكيف
هي
هنالك قديمة أو حادثة، فإن كانت قديمة
فالقرآن قديم في كلام الناس ولغاتهم، فيكون حينئذ الكلام قبل المتكلم
(
به والخطاب قبل المخاطب به والمخاطب وهذا هو الحال المحال، وإن كانت هذه الحروف محدثة في كلام الناس قديمة في القرآن فكيف تجتمع في الشيء الواحد صفتان صفة قديمة وصفة محدثة فتكون
الباء الموجودة في القرآن غير مخلوقة والباء الموجودة في غيره مخلوقة؟ وكذلك سائر الحروف تكون اذا في القرآن غير مخلوقة وفي غير القرآن مخلوقة، فيكون الحرف الواحد الذي طبعه الله مخالفاً لغيره مميزاً من سواه على نحو ما سلف من كلامنا وهذا هو التناقض والحيرة نعوذ بالله من الحيرة، الا أن هذه الحروف إذا ألفت بضرب من التأليف كانت كلاماً، وإذا ألفت بضرب آخر كانت شعراً، وإذا ألفت بضرب آخر كانت
قرآناً، فدبرها الحكيم الذي وضع الأشياء مواضعها على تغايرها، فكيف يزعم زاعم انها مخلوقة في موضع غير مخلوقة في موضع آخر، فما مقالة من ذهب إلى هذا إلا أنه خروج من المعقول فنعوذ بالله الخذلان من ونسأله العصمة والتابيد بمنه واحسانه واجتمعت الأمة على أن القرآن مجعول لقول الله عز وجل، وإنا جعلناه قرآنا عربياً، في مواضع كثيرة من القرآن، واختلفوا في الجعل ما هو سيأتي بيانه وايضاحه في موضعه أن شاء الله، بعد أن نذكر ما اجتمعوا عليه ونجعله أصلاً لما اختلفوا فيه، واجتمعت الأمة على أن كل فاعل قبل فعله وان الجاعل قبل كل مجعول وان الصانع قبل كل الصنعة، وان الجاعل غير المجعول، فلما ثبت بينهما التغاير والقبل صح انهما شيئان، وأن الأول المتقدم هو الجاعل القديم والثاني المجعول هو الحدث الكائن بعد إذ لم يكن، وان المحدث فعل هذا أحد ومفعول ليس يمتنع من الأمم المختلفة، وإن اختلفت
من
- 205 - (1/205)
صفحة 206
أديانها ومللها فإنها لم تختلف في هذا المعنى مما تقوم به العبارة وعليه جرت مخاطباتهم واستقرت عليه لغاتهم واعتمدوا عليه في معاني جميع كلامهم، واجتمعت الأمة أيضاً ألا يوجد كلام الا وثم متكلم، وان المتكلم قبل الكلام ولو لم يكن المكلم قبل الكلام لم يكن المكلم اولاً بأن يكون مكلماً من الكلام، فيكون الكلام إذا هو المكلم والمكلم هو الكلام والكلام مكلماً مخاطباً والكلام مكلماً مخاطباً فلما لم يجز أن يكون الكلام هو المكلم والمكلم هو الكلام ثبت أن هذا غير هذا وفي وجوب التغاير إثبات العدد وفي وجوب التقادم اثبات أن أحدهما قبل الآخر وفي اثبات أحدهما قبل الآخر ايجاب القدم للأول والحدث للآخر، وفي وجوب الحدوث للثاني اثبات أنه كان بعد إذ لم يكن، وفي هذا ايجاب الخلق وإثبات وحدانية الصانع، واجتمعت الأمة على أن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم كتاباً أبان له فيه كل شيء فقال إنَّا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون، وقال تعالى ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وقال الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، وقال: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها .. الآية. وقال:: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا، وقال أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها انهارا، وقال: وجعل لكم من الجبال اكناناً، وقال: وجعل لكم من أنفسكم أزواجاً، وقال: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون، وقال: وجعل الشمس سراجاً، وقال: وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمعنى جعلنا في هذه المواضع التي ذكرنا خلقنا، وكذلك عند المعارض غير ما ذكرناه في القرآن فإنه زعم أن الجعل فيه غير الخلق، ولو جاز له وساغ ذلك
- 206 - (1/206)
صفحة 207
لجاز لمعارض أن يعارضه ويقول وكذلك قوله في غير القرآن من الجعل الذي اتفقنا وإياكم عليه بمعنى الخلق هو بمعنى آخر غير الخلق، والا فما الفرق بين الجعلين فيكون الله عز وجل خاطب العرب بما لا يعقلونه من كلامهم ولا يعرفونه من لغتهم، وبما يجوز لهم فيه الشك والطعن والارتياب، فيكون جعل في موضع خلق وأحدث ودبر، وفي موضع لمعنى آخر لا نفهمه ولا ندريه وهذا لا يوصف الحكم به، فلما اتفقنا نحن وهم على أن الجعل في قوله: وجعلنا الشمس سراجا، وفي قوله: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها، وفي قوله: وجعل لكم من أنفسكم أزواجا، وفي قوله: وجعل الظلمات والنور، بمعنى الخلق، صار الجعل كله إذا كان الله من عز وجل بمعنى الخلق فيدخل في ذلك القرآن وغيره، والا بطلت المناظرة ولم يصح شاهد، فإن عارضوا الله عز وجل ما جعل الله من بحيرة الآية، فيقال: نعم لم يخلق الله البحيرة، بحيرة كما زعمتم ولا السائبة سائبة كما زعمتم، وإنما نفى عن نفسه ما لم يفعله كما زعم المشركون، فذمهم بابتداعهم، ومعناه ما خلقنا كما وصفتم، وإنما خلقنا على غير ما وصفتم فوقع النفي هنا على نفس الوصف لا على نفس الخلق، وكذلك قوله: اني جاعلك للناس إماماً، أي خالق فيك الصفة التي لم تكن فيك والمعنى الذي لم يوجد فيك ولم أكن فعلته بك قبل ذلك، فمعنى جعل أينما وجد خلق ودبر واحدث وانشأ، وفعل وصنع وكل ذلك بمعنى واحد وإن اختلف ألفاظه. الله الواحد القهار أن يوفقنا لمعالم دينه، وقوله عز وجل
بقول
نسأل
ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث والمحدث في كلام العرب ما لم يكن ثم كان، فإن عارض معارض، فقال أن المحدث ما كان في الدنيا وما يقرأ وهو مخلوق، وهو حكاية لكلام الله عز وجل الكائن فيه
- 207 - (1/207)
صفحة 208
القائم بذاته الذي ليس بمخلوق فلو كان كما قال أن هذه حكاية، من والحكاية مخلوقة، والمحكي ليس بمخلوق فلا تخلق الحكاية من أن تكون مخالفة للمحكي أو موافقة له فإن كانت موافقة له فكيف يكون شيآن متفرقان، واحد مخلوق والآخر غير مخلوق، وقد اجتمعت الأمة على أن ما جاز في الشيء جاز في نظيره وإلا بطل ما اجتمعت عليه الأمة اذاً، وإن قال أن الحكاية غير المحكي وهي خلاف له فهذا أغرب وأبعد ما يكون من الصواب، وذلك خروج من لسان الأمة وجميع الأمم، لأن الحكاية لا تكون حكاية للشيء الا وهي في مثل المحكي معبرة عنه بما هو به ولو أمكن خلاف ما نقول من أن الحكاية غير المحكي لوجب على كل الأخبار الكاذبة أن تكون صادقة وعلى كل الأخبار الصادقة أن تكون كاذبة ويكون الشعر أيضاً حكاية القرآن، والقرآن حكاية الشعر، والمدح حكاية الذم والذم حكاية المدح، ولا ينبغي أن ننكر خبراً ونكذب مخبراً ونرد حكاية أو ننكر مقالة، وإذا أمكن هذا وجاز فمن أين كان الصدق صدقاً والكذب كذباً، ولعمري لأن كانت الحكاية في خلاف المحكى لينبغي أن يكون الصدق هو الكذب والكذب هو الصدق، فلما بطل هذا واتضح أن الحكاية لا تكون خلاف المحكى وأيضاً أخبرونا حيث كانت الحكاية غير المحكي، فما القرآن إلا الحكاية أم المحكي فإن كان القرآن الذي أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ونزل به الروح الأمين إليه وهو هذه الحكاية وهو مخالف، فإنا لم يقع كلامنا معهم الا على القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد وهو الذي قال فيه: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم أن علينا بيانه، وان كان القرآن هو المحكي وهو القائم بذاته عز وجل فهو لم ينزل بعد، ضاهوا بذلك قول ابن صوريا حيث قال لرسول
الله
صلي
- 208 - (1/208)
صفحة 209
الله عليه وسلم: ما أنزل الله على بشر من شيء فأنكر إنزال القرآن كاهل
ومنهم
أن ما
الشرك، وهذا أعجب من العجب، وقد وقع الاجتماع منا في الدنيا وما نقرأ من القرآن هو مثال مما قرأه رسول الله صلى الله عليه
وسلم هي قراءته وقرأناه على الموافقة له ولو كان خلافه كما قال من أن الحكاية غير المحكي لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل عليه السلام وكذلك جبريل فيما أتى به ميكائيل، وكذلك ميكائيل عن اسرافيل، فيكون كل واحد منهم قد أتى بخلاف ما أتى به غيره، وإذا قلت أن الحكاية خلاف المحكي فما تقول فيما نقله محمد عن جبريل هذا هو هذا أم هذا غير هذا فلا بد من. هذا هود هذا، أو هذا مثل هذا فكيف يجوز في الشيء ما لا يجوز في مثله، أم لا يجوز في الشيء ما جاز في مثله، وأي تناقض أعظم وأفحش من هذا نعوذ بالله من العمى والخذلان ونسأله العون والتوفيق، وقد اجتمعت الأمة أيضاً وجميع الأمم أن الكلام لا يكون كلاماً حتى يكون صوتاً مقطعاً، والتقطيع فيه قائم وما كان على غير هذا فليس بكلام، واجتمعوا أيضاً أنه لا تدرك كل حاسة الا ما أعدت له، فحاسة السمع لا تدرك الا صوتاً ولو زيد فيها اضعاف ما فيها، وكذلك حاسة البصر ولو زيد فيها اضعاف ما فيها لم تدرك الا لوناً، وكذلك حاسة الذوق لا تدرك الاطعماً ولو زيد فيها اضعاف، فلما هذا ولم يكن بد من الإقرار به لأن درك ذلك بالحواس لا يرتاب فيه، فصح أن موسى عليه السلام لم يدرك بحاسة السمع الاصوتاً مقطعاً بتقطيع قائم فيه يميزه السامع وما كان خلاف هذا فليس بكلام، وإذا بطل أن يكون كلاماً بطل أن يكون الله كلمه، لأنه لا. يصح أن يقال كلم إلا وثم كلام ومكلم ومكلم، وكذلك ضرب لا بد له من ضارب ومضروباً وشتم من شاتم ومشتوم، وعبد من عابد و معبود وهذا هو المعقول عند
صح
- 209 - (1/209)
صفحة 210
جميع الأمم فلما ثبت أنه لا يكون مكلم إلا وثم كلام ومكلم وثبت أن الله كلم موسى بإجماع من الأمة صح أن ثم كلام هو غير الله وغير موسى، والكلام لا يكون إلا صوتاً مقطعاً والتقطيع قائم فيه وما كان على غير هذه الصفة فليس بكلام، فلما ثبت أن موسى صلى الله عليه وسلم سمع كلاماً من الله تعالى لم يجز أن يكون سامعاً الا لشيء مخلوق، ولا يجوز
أن يكون سمع الخالق، إنما سمع كلام الخالق لأن الخالق جل وعز ليس بمسموع بالآذان، لأنه ليس بصوت ولا بكلام ولا يجوز عليه أن يقال الله كلام ولا صوت مقطع، فلما فسد هذا صح أن الكلام الذي سمع موسى هو الصوت المقطع المفهوم عند سامعه ومما يدل على أن الكلام من الله حدث، وانه غيره أنه جائز أن يقال متى كلم الله موسى ولم كلم موسى؟ فيقال ليفضله بكلامه ويحتج به على خلقه، ولا يجوز أن يُقال لم قدر الله على موسى؟ كما جاز أن يُقال لِمَ كلم الله موسى؟ ولا يجوز أن يقال متى علم الله موسى ولا متى قدر الله على موسى، وجائز أن يُقال لم كلمه ومتى كلمه ولا يجوز أن يُقال لم يزل يكلمه كما يجوز أن يقال لم يزل يعلمه ويقدر عليه وكما يجوز أن يُقال لم رضي الله على نبيه، فيقال لأنه أطاعه، ويُقال لِمَ غضب الله على اعدائه؟ فيقال: لأنهم عصوه، فدخل الكلام في باب الفعل، ومما يؤكد ذلك أن الكلام تدبيره وفعله وليس صفته في ذاته لأنك تقول: ما أحسن كلام الله واحكمه، وكذلك كل ما جرى عليه الخلق تقول ما أحسن خلق الله وأتقنه وأحكمه ولا تقول ما أحسن بقاء الله وما أحسن قدمه واتقن قدرته وأوثق علمه، ولا ما أحسن قوته، ولا يجوز أن يُقال. يحصى علمه وقدرته وبقاؤه، وجائز أن تقول الله أحصى كلامه ولا يخفى عليه عدد كلامه وجائز أن تقول ما أكبر كلام الله وأكبر آيات الله وبرهانه في كلامه ولم يجز أن تقول ما أكبر قدم
هو
الله
- 210 - (1/210)
صفحة 211
ولا ما أكبر قدرته ونحو هذا، وجائز أن تقول قدر الله على أن كلم موسى وليس بجائز أن يُقال قدر الله على أن علم موسى، وفي ذلك بيان على أن القرآن في قدرة الله، وأنه دبره وصنعه وأحدثه، وقد دل على ذلك قوله عز وجل ذلك أمر الله أنزله اليكم وكان أمر الله، وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا،، فسماه نوراً وسماه روحاً وسماه أمراً وسماه كلاماً، فدل بذلك كله على أنه خلق من خلقه وتدبير من تدبيره، وقال سبحانه وكان أمر الله قدرا مقدورا، وقال في عيسى عليه السلام رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فسماه الله روحاً، وسمى جبريل عليه السلام روحاً حيث يقول انزل به الروح الأمين على قلبك،
والروح الأمين جبريل عليه السلام وسماه كلامه وسماه أمراً، وقال جل ثناؤه وأتى أمر الله الله يريد القيامة، فلا تستعجلوه، فلو جاز أن يكون أمراً مخلوقاً وأمراً غير مخلوق وكلمة مخلوقة وكلمة غير مخلوقة وروح مخلوق وروح غير مخلوق، وقد اضاف ذلك جميعاً إلى نفسه، وقال في القرآن وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، وقال في القيامة و أتى
منه
روح
أمر الله، وقال في عيسى عليه السلام وكلمته ألقاها إلى مريم وروح، فكيف تكون كلمة الله الله وأمر الله مخلوقاً ويكون في غير هذا الموضع كلام الله وأمر الله الله غير مخلوق، وقد أضاف ذلك وروح إلى نفسه فأي اختلاف وتناقض وتكاذب أعجب من هذا؟ ولو جاز هذا لجاز لقائل أن يقول سموات الله منها مخلوقة وغير مخلوقة وأرض الله منها مخلوقة وغير مخلوقة فلما بطل هذا وفسد، صح أن ما قال الله فيه روحاً وأمراً وكلمة وكلاماً مخلوق، وان القضاء على واحد منها كالقضاء
على جميعها والدليل على مثل هذا كثير تركناها مخافة التطويل.
- 211 - (1/211)
صفحة 212
:
وقال عز وجل لنبيه عليه السلام ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك، فوصف نفسه بالقدرة عليه إذا شاء ذهب به والمقدور غير القادر والقادر غير المقدور ولو كان المقدور هو القادر لم يستدل به على القادر إذا وهو بمثل ما به المقدور عليه فلا يخلو القرآن من أن يكون مقدوراً عليه أو قادراً فإن كان قادراً فهو المرغوب إليه والمعبود فلما فسد هذا صح الله أن عز وجل هو القادر المعبود وان القرآن هو المقدور عليه، وذلك أن القرآن لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون معمولاً به أو معمولاً له، فإن كان معمولاً له فهو المعبود المتقرب إليه بالطاعة الذي يثيب ويعاقب، فلما بطل هذا أن يكون من نعت القرآن وصفته وأنه من صفة القادر الخالق صح أن القرآن معمول به متقرب به إلى خالقه الذي احدثه ودبره وترجى به الرأفة من عنده، ومنه أيضاً قوله تعالى المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى، فجعله نذارة وحجة لنبيه عليه السلام.
وصح
وقال كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، فلا يعدو القرآن من أن يكون محكماً أو محكماً والمحكم مخلوق أن له محكماً أحكمه وتولى تدبيره قال: ثم فصلت من لدن حکيم خبيركم، فلا يعدو أن يكون القرآن مفصلاً ومفصلاً وكذلك قال عز وجل: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم فلو كان القرآن مفصلاً لكان. هو الفاعل، فلما بطل هذا لقوله عز وجل: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه فاخبر عز وجل أنه هو الذي أتى به، وهو الذي فصله وأحكمه وجعله رحمة، فلما صح أن القرآن مفصل جرى عليه التدبير لمن فصله وأحكمه وأتقنه، ومنه قوله أيضاً ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها، فاخبر أن له مثلاً وأشباها والله عز وجل لا
- 212 - (1/212)
صفحة 213
مثل له ولا ند له وكلما جرى عليه المثل فله نظير وشبه، وانه غير الواحد الذي لا يوصف بالمثل ولا بالنظير، ومنه قول الله عز وجل له قُل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون
مثله
بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وقال الله فليأتوا بعشر سور. مفتريات، ألا ترى أنه أخبر عن عجز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن
فلما فسد هذا
صح
بين يديه
وإن تظاهروا عليه، فترونه أعجزهم بشيء غير موصوف بالقدرة عليه، أن القرآن مقدور عليه، وانه في ملكه وقدرته، وان سلطانه جار عليه ومنه قوله المر، وكتاب أنزلناه إليك، فأخبر عز وجل أنه منزل وان القرآن منزل وقال: (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق)، وقال: حم والكتاب المبين أنا أنزلناه في ليلة مباركة، وقال: إنا أنزلناه في ليلة القدر. وقال: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون، ثم قال: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما وأنزل التورية والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان أفلا ترون أنه عز وجل أخبر أن التوراة والإنجيل قبل الفرقان، وانه أنزل الفرقان بعد التوراة والانجيل وما جرى عليه القبل والبعد فهو مخلوق لأن ما كان له القبل والبعد فهو محدث. وقال أيضاً إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فلا يعدو هذا الذكر وهو القرآن عندنا أن يكون حافظاً أو محفوظاً، فلما وعندهم بطل أن يكون حافظاً. أنه محفوظ، لأن الله عز وجل وصف نفسه
صح
بالحفظ، وأنه دبره وحفظه ومنعه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه فأخبر أن له خلفاً وتجاها وهذه الصفة موجودة في الخلق،
من
فكيف يوصف بصفة الخلق من ليس بمخلوق فلما بطل هذا وصح أن
- 213 - (1/213)
صفحة 214
كل ما جرى عليه صفة الخلق فهو خلق كما لا يجوز أن يوصف بصفة الخالق الا الخالق، فلما وصف الله القرآن أنه منزّل صح أن له من أنزله وهو غيره وهو القادر عليه، لأنه عز وجل قال وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج، وقال: {وأنزلنا من السماء ماء مباركاً وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا، وقال: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، افترون أن المخاطبين بهذا كانوا يشكون أن معنى أنزل في هذا معنى خلق أولا ترون أن الله عز وجل وصف القرآن بصفة لا يجوز أن يوصف بها الخالق، لأنه في القرآن أمر ونهى وان الأمر منه غير النهي، والنهي منه غير الأمر، والأمر منه غير الأمر، والناهي منه غير النهي، وانه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ، وان المحكم غير المتشابه والمتشابه غير المحكم والناسخ غير المنسوخ والموصول غير المقطوع، أفلا ترون أنه قد جرى عليه التغاير وما جرى عليه التغاير جرى عليه العدد، وما جرى عليه العدد فهو غير الواحد القديم الذي لا يجرى عليه التجزء والعدد، لأن من يجرى عليه التجزء والعدد فله من جزأه ودبره وأنشأه وأحدثه بعد أن لم يكن وهذه الصفات عن الله منفية وهي في القرآن موجودة، ومنه قوله تعالى: ونحن نقص عليك أحسن القصص وسماه قصصاً وسماه حديثاً ألا ترون أن هذه الصفات لا تجوز على الله، والقرآن له أول وله آخر ونصف وثلث وربع، وهذه الصفات يتعالى الله عنها، ويقال البقرة غير آل عمران والنساء غير المائدة وكذلك سائر القرآن، ويقال أن هذه السورة غير هذه وكذلك فيما سلف من كلامنا أن التغاير في القرآن موجود وأنه محتمل للتجزء والتبعيض، وإن من شأنه حاجة بعضه إلى بعض، وهذا يدل أن له خالقاً خلقه ومصرفاً، صرفه، وقد ذكرنا لكم من الشواهد ما لا يمتنع من قبوله ونحن ذاكرون لكم ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه
- 214 - (1/214)
صفحة 215
قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ثم أخبر بعدوله، فقال: ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الضالين وانتحال المبطلين»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل قوم في زينة من أمرهم ومفلحون عند أنفسهم يزرون على من سواهم، وقال صلى الله عليه وسلم: «تعلموا البقرة وآل عمران فإن تعلمهما بركة ولا تستطيعهما البطلة، وتعلموا الزهراوين، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو عمايتان يظلان صاحبهما، وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يأتي القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب لونه، فيقول للتالين أتعرفني فيقول لا؟ فيقول له القرآن: أنا القرآن الذي أحييت بي ليلك فيكون قائده إلى الجنة»، وروى أنه قال لأبي بن كعب أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال الله ورسوله أعلم ثم ردد عليه فقال: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال الله ورسوله أعلم، ثم قال أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال أبي آية الكرسي، فقال له رسول الله صلى الله عله وسلم: ليهنك العلم أبا المنذر إن لها لساناً وشفتين تقدس الله تعالى تحت العرش افترونها تقدس غير خالقها؟
وروى عن علي بن أبي طالب أنه قعد ذات يوم في ملاء من المهاجرين والأنصار في خلافة عمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتذاكرون فضائل القرآن، فقال بعضهم: أفضل القرآن خاتم سورة براءة، ولقد جاءكم رسول) الآية، وقال بعضهم آخر سورة بني إسرائيل قل ادعو الله .. الآية، وقال قوم أفضل القرآن يس. وقال بعضهم أفضل القرآن السجدة، وعلي فيهم ساكت، فقال له عمر رحمه الله: مالك يا أبا الحسن ساکت؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير البشر آدم وخير العرب أنا ولا فخر، وخير الفرس سلمان وخير الروم صهيب وخير الحبشة بلال وخير الجبال الطور وخير البقاع مكة وخير
- 215 - (1/215)
صفحة 216
الشجر السدرة وأعظم القرآن البقرة وأعظم البقرة آية الكرسي»، أولا ترون أنه وصف القرآن بتفضيل بعضه على بعض، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منكرين لحديثه، والأحاديث كثيرة في مثل هذا رواها علماء هذه الأمة.
الله
الله
ما خلق الله شمساً ولا قمراً ولا جنة ولا ناراً أعظم من آية الكرسي، والذي يعارضهم من الحجج والنقض أكثر من أن يأتي على آخرها، وفي الذي أوضحنا ولخصنا من واضح البرهان ما فيه كفاية وإرشاد لمن أراد إرشاده وتسديده وتوفيقه إذا لم يقلد قادة جهلة ورؤساء بطلة الذين زينوا الباطل فاستحسنه من لا بصيرة له وهولوا وطولوا للضعفة إفكهم فاستحسنوه، ونهوهم عن البحث فانقادوا لهم ولو كان ما قالوا حقاً ما قال عز وجل لنبيه عليه السلام وجادلهم بالتي هي أحسن الله، ألا ترون أن أنبياء الله احتجت على من أرسلت إليه وأمرهم الله بالاحتجاج عليهم إذ يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال الأبيه وقومه كه إلى قوله وكذلك يفعلون، فحرم هؤلاء الجهلة البحث والطلب فانقادوا لهم واتبعوهم لئلا يتبين لهم الحق فيتبعوه ويرفضوا مقالتهم، فإذا سألوا عن الحق في هذا قالوا الكلام فيه بدعة ولم يتكلم فيه السلف والخوض فيه بدعة، ثم نصبوا مقالة وذكروا حججاً لم يكن فيها قرآن يشهد لهم ولم يأثروا فيها حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق مقالتهم، والله مدحض حجتهم بنور الحق وبرهان الهدى، وقد قال سبحانه: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وقد أتينا بما فيه الكفاية أن شاء الله من النقض على من أنكر خلق القرآن بكتاب الله الناطق بالحق والسنة المأثورة والاجماع المؤكد، وحجج العقل التي لا يمتنع منها أحد في جميع الجهات وبالله
- 216 - (1/216)
صفحة 217
العصمة والتوفيق، فعليكم معاشر المسلمين باتباع الماضين من أئمتكم الصالحين من أهل دعوتكم رحمة الله عليهم، فاسلكوا منهاهجهم فقد كفروا (1) من زعم أن القرآن غير مخلوق، وشهدوا بالضلال ليس بينهم في ذلك تنازع ولا اختلاف، فإن سلكتم غير طريقهم أو قلتم غير مقالتهم كان عندكم من مضى من سلفكم ضالاً، إذ قلتم بقول من يزعم أن القرآن ليس بمخلوق، فأنتم إذا أولى بالضلال إذ ضللتم سلفكم، اعاذنا الله وإياكم ذلك، وان لزمتم طريقتهم وقلتم بقولهم ودنتم بما دانوابه كان ذلك حظكم واستوجبتم ثواب ربكم ولم يزلكم عن دينهم من لا خلاق له ولا ورع يحجزه عن الافتراء على الله فاستوجبوا من الله وأمروا بطاعته وادعوا
من
اليها.
فإذا عرفتم البدعة والتحريف والسنة والتكليف، وأن علم القرآن لا يعرفه إلا من ذاق طعمه فأبصر به عماه وسمع به صمه واستدرك به ما فاته ونال به الرضا من الله واعلموا أن تلاوة القرآن وسيلة إلى الله وتفهم معانيه والتفكر فيه قربة إلى الله عز وجل وفي الحديث «تالي القرآن له بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف واحد ولكن الألف
الله يريد به
حرف واللام حرف والميم حرف فذلك ثلاثون حسنة»، ومن القرآن أنه الله أثابه الله أعظم الزلفة عنده، ومن شك فيه من لا يدري امخلوق هو أم غير مخلوق لم يتقرب بتلاوته إلى الله، فعليكم
ويعلم
1) ينقسم الكفر عند الإباضيين إلى كفرين كفر شرك مخرج من الملة وذلك لمن أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كإنكاره فرضية الصلاة، وكفر نعمة ليس بمخرج الملة كمن وقع في الزنا مع إقراره بحرمته، وهو ما يسمى كفر دون من كفر، ومأخوذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً وقوله (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر فلو جعلناه كفراً واحداً لأخرجنا ملايين
صاحبه
المسلمين من الإسلام، فالحمد الله أن كان للكفر أقسام.
- 217 - (1/217)
صفحة 218
بتقوى الله واطلبوا علم ما أشكل عليكم مما مضى عليه أسلافكم عند أهله من بقايا من قام بما مضى عليه أوائلكم ومن تمسك بقول أئمتكم، ودعوا ما أحدث المضلون من أهل زمانكم فإنه حرام عليكم إتباعهم والاستماع منهم والأخذ عنهم ولا تختلفوا، واعملوا إذا سمعتم الهدى عقل عناية ودراية، ولا تعقلوا عقل رواية (1)، فإن الرواة كثير، واستعينوا بالله وتوكلوا عليه وانيبوا إليه واعتصموا بحبله ولا حول لنا ولكم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم جمع الله امركم وصرف عنا وعنكم عوارض البلى وجمعنا وإياكم في دار البقا ووفقنا وإياكم معاشر المسلمين لما يرضاه من القول النافع والعمل الصالح والسلام عليكم ورحمة ا ـة الله ركاته.
وبر
تقديس
1) لا يخفى ما في هذا الكلام من عمق فكري، فالإمام يدعو إلى عدم الأسانيد والروايات، ذلك أن الحديث تأخر، جمعه أصاب المرويات كثير من الدخل، لذلك أكد الإمام على عبارة (اعقلوا عقل عناية ودراية لا عقل رواية»، فهو يدعو إلى التمحيص مع عدم إغفال العقل والفكر وعدم التنبه للنص القرآني في مقابل تقديم روايات لا يُدرى عنها شيء.
- 218 - (1/218)
صفحة 219
عودة إلى ذكر الدولة الرسمية
قال ابن الصغير لما دخل أبو حاتم مدينة تاهرت جمع مشايخ البلد ووجوهها وغيرهم واستشارهم (1) فيمن يوليه القضاء فقالوا: إن أباك لما دخل كدخولك ولي القضاء محمد الله بن عبد بن أبي الشيخ وهو القاضي الذي قدمنا ذكره، ولمحمد ولد يسمى عبد الله وما هو بدون ابيه في الورع والعلم وأنت عالم بورعه ودينه وعلمه، فقال أشرتم وأحسنتم فولاه القضاء وقال من ترون أن أوليه بيت المال؟ فقالوا: عبد الرحمن بن صواب النفوسي. فقال: أحسنتم وأصبتم. فقال: من ترون أن أوليه الشرطة؟ فقال قوم زكار فإن له نصيحة، وقال غيرهم إبراهيم مسكين فإن له صلابة قوم في الحق، فولاهما جميعاً شرطته، وكان البلد قد فسدت وفسد أهلها في تلك الحروب واتخذوا المسكر أسواقا والغلمان أخدانا، فلما تولى هذان الرجلان الشرطة قطعا ذلك في اسرع وقت، فكسرت الخوابي في كل دار عظم قدرها أو صغر وشردت الغلمان وأخدانهم إلى رؤوس الجبال وبطون الأودية، ونفى قطاع الطريق وردعت 1) مسألة الشورى من المسائل التي يعوّل عليها حالياً في النظم والدساتير في الدول المتقدمة، فهي تدفع استبداد الحاكم، وتقي الأمة عواقب التفرد بالقرار، وأطنب الفقهاء قديماً وحديثاً في مسألة الشورى ورأي الإباضية أنها فريضة ونتائجها ملزمة، فلو كان مجرد إعلام لكانت أشبه بالعبث الذي يبدل فيه عصارة الفكر ثم يتجاهل فلا يؤخذ به.
بن
- 219 - (1/219)
صفحة 220
السراق ردعاً شديداً وحملا الناس على الواضحة، فكان هذا دأب البلد ودأب أهله ولم ينقم على أبي حاتم في إمامته شيء الا أنه ضرب بالسوط على الظنة لا غير وكانت الخطباء منهم ربما حرفوا القول، ليقيموا أصلهم وشهدت لهم خطباء كثيرة أولهم ابن أبي ادريس والثاني أحمد التيه والثالث العباس والرابع عثمان بن الصفار والخامس أحمد بن منصور فسمعت يوماً أحمد التيه يقول على المنبر و طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، حتى قال الرحمن على العرش استوى، وكل من رأيت من خطبائهم على منابرهم فليس يستعملون الا خطب علي بن أبي طالب (1)، خلا خطبة التحكيم فانهم كانوا إذا فرغوا من الخطبة الأولى قاموا إلى الثانية وحكموا.
حي
لا
1) إن استعمال أئمة الدولة الرسمية خطب علي بن أبي طالب في منابرهم فيه دليل و ملموس أن الإباضيين وإن اختلفوا على مسألة التحكيم ودينونتهم بالترحم والترضي على أهل النهروان إلا أنهم لا يهجرون أقوال علي الفقهية، ولا يحملون عليه، ولا يكتمون فضله ولا يبخسون حقه فقولهم أخطأ علي في التحكيم يعني قدحاً وسباً، بل أرسل الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التمي (ت 145 هـ) وفداً من كبار فقهائهم إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز لتهنئته بالخلافة ثم مطالبته بتعجيل الإصلاح، ومنه طلبوا وقف سنة معاوية ومن بعده في لعن علي وآله على المنابر، وفعلا تم لهم ما أرادوا، فاستبدل اللعن بقوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) ولذلك وإلى يومنا هذا فإن الإباضية ينهون خطبهم بهذه الآية الكريمة، تأكيداً وتذكيراً لخلفهم بمساعي سلفهم في احترام أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
- 220 - (1/220)
صفحة 221
خطبة المسلمين يوم
الجمعة
الله عنه في أيام يوسف بن محمد رضي
الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائه وتغمدهم جميعاً بحسن بلائه فوقف كل امرء منهم في صبائه على طلب ما يحتاج إليه من عذائه وسخر له من يكلوه إلى وقت استغنائه ثم احتج على من بلغ منهم بالآيات، وأعذر إليهم بابلائه الذي لم يزل بصفاته وأسمائه، لا يشتمل عليه زمان ولا يحيط به مكان خلق الأماكن والأزمان ثم استوى إلى السماء وهي دخان. فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين، فقدرها أحسن تقدير واخترعها من غير نظير لم يرفعها بأعمدة تدرك بالمعاينة ولم يستعن عليها بأحد استكباراً عن الشركة والمعاونة، وزينها للناظرين وجعل فيها رجوماً للشياطين فتبارك الله الخالقين، تعالى الله أن تطلق في نفسه آراء المتكلفين أو أن تحكم في دينه أهواء المتقلدين، بل جعل القرآن اماماً للمتقين وهدى للمؤمنين، وملجأ للمتنازعين وحكماً بين المتخالفين، ودعا اولياءه المؤمنين إلى أتباع تنزيله، وأمرهم عند التنازع في تأويله بالرجوع إلى قول رسوله، فقال الله. عز وجل يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .. إلى قوله تأويلاً وتعبد نبيه صلى الله عليه وسلم عند رجوع الامة إليه بأن بين لهم معنى ما أنزل عليه فقال له: {وما أنزلنا
أحسن
- 221 - (1/221)
صفحة 222
عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه، ولم يكلهم تعالى إلى القول في دينه فأراهم، ولا أذن لهم في مسامحة أهوائهم فتكون الأحكام
عدداً
مبتدعة والآراء مخترعة والأهواء، مبتدعة، بل احصاها كل شيء وضرب لكل شيء أمدا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة، أحمده حمداً يبلغ رضاه ويحسن آلاه واستعينه على ما استحفظنا من ودائعه وحفظنا ما استودعنا من شرائعه وأؤمن به إيمان من أخلص له عباده واستشعر طاعته، وأتوكل عليه توكل من انقطع إليه، ثقة به ورغبة فيما لديه. واشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، شهادة معترف له بالربوبية والتوحيد، مقراً له بالعظمة والتمجيد، خائفاً من انجاز ما قدم إلي من الوعيد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اصطفاه لنفسه وارتضاه لخلقه نبياً، فأوجده لحفظ ما ضمنه قوياً بأداء ما استودعه ملياً وبدعاء إلى ربه حفياً، ومتوقفاً عند ورود المشكلات ومشمراً عند انجلاء الشبهات، لا يرعوى لمن عذله ولا يلوي على من خذله ولا يطيع غير من أرسله، يصدع بالأمر ويطفئ نار الكفر، لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا ينحرف عنه لزعم زاعم، أرسله على حين فترة من الرسل ودرس من السبل وتضامن من أهل الملل والناس فريقان عالم متكبر وجاهل مستظهر، فالعالم الذي قد سبق له الخذلان ينزعه الشيطان الطغيان، فيستنكف عن الدخول في دين الإسلام، ومنسكع في غيّه متحير في أمره منتظر ما يكون من غيره، فلم يزالا يعكفان على الأزلام،
به ويجمع
ويعتصمان بالأصنام، والرسول عليه السلام يرعاهم رعي السوام ويدعوهم إلى دار السلام فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعظهم بالآيات ويقرعهم بالمعجزات، حتى استقام من أراد الله توفيقه من سائر أهل الديانات، فبلغ المحكمات وأوضح المشكلات وزجر عن القول في الدين بالشهوات،
- 222 - (1/222)
صفحة 223
فختم الله به النبيين وأكمل به الدين وأوجب به الحجة على العالمين،
صلي
الله
عليه وعلى آله الطيبين وإخوانه المرسلين وأوليائه المؤمنين،
ثم جلس، ثم قام وقال: الحمد لله الذي نستعينه ونستغفره ونؤمن به ونستهديه ونستنصره ونبرأ من الحول والقوة إليه، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا
سيئات أعمالنا ومن
من يهد الله، فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، الله ربنا والإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بحلاله حلالاً وبحرامه حراماً لا نبتغي به بدلاً ولا عنه حولاً ولا نشتري به ثمناً، لا حكم إلا لله، اتباعاً لكتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وخلافاً لأهل البدع، لا حكم إلا لله خلعاً ولبداً وفراقاً لجميع أعداء الله، لا حكم إلا لله، ولو كره الصادون الحاكمون بغير ما أنزل الله. وأشهد أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والفاسقون والظالمون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما صليت وباركت ورحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم وصل على الخليفتين المباركتين والمهاجرين والأنصار والتابعين لهم باحسان اللهم وارحم الشراة في سبيلك أهل الفضل في الإسلام اللهم وصل على الخليفتين المباركين بعد نبيك محمد أبي بكر وعمر، بما عملا به من كتابك وآثراه من سنة نبيك، اللهم واصلح الأمير يوسف بن محمد، أصلحه وأصلح على يديه ووفقه للخير وأعنه عليه، وافتح له من عندك أعواناً وأنصاراً على طاعتك. اللهم أعزز به الإسلام وأهله واذلل به الكفر وأهله أنصره نصراً عزيزاً، وافتح له فتحاً يسيراً، وهب له من عندك سلطاناً نصيراً، كفى بك ولياً وكفى بك
- 223 - (1/223)
صفحة 224
نصيراً .. اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم، ثم قرأ قل هو الله أحد،
ثم نزل.
قال بكر بن حماد الشعبي (1) يعتذر إلى الإمام أبي حاتم يوسف بن
محمد رحمه الله ورضي. عنه:
ومؤنسة لي بالعراق تركتها
وغض شبابي في الغصون نضير
فقالت كما قال النواسي قبلها
عزيز علينا أن نراك تسير
فقلت جفاني يوسف بن محمد
أبا حاتم ما كان ما كان بغضة
فطال علي الليل وهو قصير
ولكن أتت بعد الأمور أمور
فداريتهم والدائرات تدور
إذا ما عفا الإنسان وهو قدير
فاكرهني قوم خشيت عقابهم
وأكرم عفو يؤثر الناس امره
وقال أيضاً:
ماذا يدبر ربنا في أمره
سبحانه في أرضه وسمائه
رد الملوك إلى محل قرارهم
(1
لعله الشيعي.
مستبشرين بفضله وعطائه
- 224 - (1/224)
صفحة 225
وتبارك الله اللطيف بصنعه
ما أغفل الثقلين عن نعمائه
رفع السماء بلا عماد بين
والبحر أمسكه على أرجائه
لولاه فاض على العباد بموجه
وعلى الجبال الراسيات بمائه
إن المتوج يوسف بن محمد
تتزين الدنيا بطول بقائه
أخذ البلاد بسيفه فاستسلمت
في أخبار مهدي رحمه الله أن مهدياً أحد
صد
وبعدله وبفضله وسخائه
من
مكائد نفاث ومنع
كثيراً من تلك الأحداث، قلت في هذا الخبر تناقض واضطراب. في كتاب الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر رضي الله عنه، أن مهدياً الله إنما استشهد بمدينة طرابلس في أيام كان الإمام عبد الوهاب محاصراً لها، ونفاث إنما نجم بعد الإمام عبد الوهاب في
رحمه
رضي
الله عنه
الله أيام الإمام أفلح رضي عنه، وعليه قرأ بتاهرت وسعد بن أبي يونس، وخبرهما ظاهر في الكتاب المذكور فكيف كان مهدي صاداً لمكائد نفاث والنفاث إنما نشأ في أيام الامام عبد الوهاب.
- 225 - (1/225)
صفحة 226
ذكر حلقة العزابة
ذكر لمع من سيرة الحلقة وما ينبغي لأهل الطريق والعزابة أن يأتوا
به ويعملوا به مما رتبه أبو عبد الله
الله
محمد بن بكر رضي عنه، أول
ذلك من سمّى من أراد الدخول في طريق المبتديين العزابي، وذلك إذا اعتزل العوائق الدنيوية وأول ما يتخلى عنه حلق الشعر ولا يتركه يطول، والعزابة من شعارهم عدم الشعور ومنها ألا يلبس ثوباً مصبوغا الا البياض، ولا بأس بعلم الطرفين والطراز ما لم يتفاحشا، ثم أن اقتصر على عباءة أو ملحفة لم تشنه، وكان اليق وإن كان ذلك على قميص كان أكمل ولا سبيل إلى اقتصاره على قميص أو قميص دون اشتماله والتحافه وارتدائه، وإن اعتم فالتحى على ما جاء في الأثر، وليس لبس العمامة بضربة لازب، لا بأس باستغنائه عنها، وان اقتصر على العباءة أو اللحاف غطا رأسه، وألقى الطرف الا على من هدب الحاشية من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر لا يلقى الهدب كله من الجانب الأيسر، فإن ذلك مؤد إلى انكشاف العورة، وأهل الحلقة صنفان آمر ومأمور، فالآمر اثنان شيخ الحلقة والعريف والعريف صنفان: منفرد وغير منفرد، فالمنفرد اثنان: عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف الطعام، وغير المنفرد العرفاء من حملة القرآن منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم ويصحونها عليه ويحفظونها، وعريف على أوقات الدراسة يكون واحداً ويكون أكثر إنما
- 226 - (1/226)
صفحة 227
كالعادة
هو على قدر الاحتياج إليه والمأمور ثلاثة طلبة القرآن وطلبة فنون العلم والأدب والعاجزون، ولجميعهم أوقات يختص بها، منها الشيخ يتعلق به الجلوس لطلبة فنون العلم في وقت معلوم ليأخذوا عنه، ومنها الجلوس الاسئلة باثر الختمة للجواب عن في أي فن كان وليذكر تلاميذه فيما حصلوا قبل ذلك ويستفيد من حضر، وتختص. غداة يوم الجمعة بذكر شيء عن التذكير والوعظ ومنها الاستفتاح وهو قيامه في ثلث الليل الآخر أو في ربعه الآخر فيأتي إلى موضع الاستفتاح فيستعيذ ويبسمل ويقرأ فاتحة الكتاب ويبتدئ من حيث انتهى مجلس الاستفتاح من الليلة التي قبله، وينبه كل نائم فمنهم من يقرأ معه في المجلس ومنهم من يخرج فيقرأ وحده فإذا أذن مؤذن الصبح قطعوا القراءة ويدعون من بعد العشاء، ومنها أن يجمعهم يوم الجمعة وكذلك في الاثنين والخميس فيحض ويذكر ويورد أمثالاً حكيمة وحكايات زهديه، ثم يفحص جميع من حضر منهم، ويسأل عن أحوالهم ويقلد العرفاء من حمدت افعاله فاستحسنت ومن عيب عليه شيء من أحواله، فإن كان كبيراً فالى الخطة، وان كان صغيراً فيؤدب، ويختارون زاوية تكون موضع لتأديبهم، ثم يجتهد الشيخ في عدد ما يجلد، ومنها إذا قدم قادم من بلد قريب أو بعيد فلا يخلو أن يكون عابر سبيل أو طالباً للإقامة والدخول في زمرة أهل الحلقة فيشاور الشيخ في كلا النوعين ويستأذن في شأنهما، فإن كان عابر سبيل فله حظ فيما فتح المأكول غير المدخر ولا يخفى عليه ملازمة الأوقات، ولا شيء فيها يدخر من الفتوح، وإن كان يريد الدخول في الحلقة استأذن الشيخ في شأنه ويبحث الشيخ عن أحواله فإن سمع منه نقيصة أو مذمومة فالطرد لا غير وإن لم يسمع إلا الخير فليدخل مع أهل الحلقة له ما لهم وعليه
يوم
من
- 227 -
الله
به من (1/227)
صفحة 228
ما عليهم، فإن تعذر الاطلاع عن أحواله لبعد الدار فليتوقف حتى يتبين أمره ومنها أن إليه تولية عرفاء الاوقات والاذن فيما يشتري أو يباع أو يدخر ومنها الاذن فيما يفتح ا الله من اغتلالات الأوقات بقسمة أو غيرها ومنها أنه الحكم بين المختلفين والمنصف بين المتباغضين فيأخذ من الظالم للمظلوم ومن المسيئ للمحسن، والعريف المتكلف بالختمات والأوقات يتعلق به ترصد حزب الغدو في المجلس الذي يعقبه المذاكرة فإذا أكمل أو كاد، دعا جميع من في المسجد إلى الختمة يؤمنون على دعائه وأهل المجلس فيدعو اسنهم ويدور الدعاء فإن انقضاء الدعاء وتخلف أحد، فالخطة فإذا كان وقت الضحى نادى بنوم الهاجرة فإذا ناموا وتكلم أحد بحيث يؤذى النائمين فالخطة، بل أن أبى أن ينام بغير عذر كان تركه النوم بغير عذر ذريعة إلى ترك القيام بالليل ويحتم عليه بالنوم والا فالخطة وعند غروب الشمس نادى بالختمة فيجتمعون على اكبرهم فيدور معه من يليه في السن والمعرفة ويكون أن قلوا ثلاثة وان كثروا عشرة لا يجاوزنها، والوسط بين التحديدين فإذا استداروا وذكروا الله، ق، قرأ قارئان آية من القرآن، ثم يدورون الدعاء كالعادة ويؤمن من حضر ومن تخلف فالخطة، ثم إذا صلوا صلاة العشاء وقرؤوا ما يسرا الله وحان وقت النوم ولم تكن ليالي الاحياء نادى بالدعاء وهي ختمة ليس بأكيدة في أكثر والمتعارف إن حضورها على الكفاية ويدعون دعاء خفيفاً فإذا دعوا فالمستحب الذي وصفه الشيخ أبو عبد الله أن يكون يبدأ أفضحهم كتاباً في الوعظ فهو الأولى وإلا ففيما فتح الله ويسر، ويقرأ قليلاً بحيث يستمعون وهم مجتمعون، ثم يدعوا وينادى بالنوم فإذا ناموا وتكلم أحد أو تحرك فالخطة، إلا أن يكون في مطالعة كتاب بعيد من النائمين، فما على المحسنين من سبيل والعريف المتكفل بالطعام له حدود يقف
- 228 - (1/228)
صفحة 229
عندها، وذلك أن الطعام لا يخلو أن يكون في موضع مالفهم أو في غيره خارجاً، فما كان خارجاً لا يخلو أن يكون في موضع عزابي أو موضع دنياوي، فإن كان في محل دنياوي حفز عنهم كل الحفز في ملازمة التحفظ وأفراط الحذر، وجعل الشعار بينهم حسان أو حسان بن ثابت، أي أحسن آدابكم وأخلاقكم وهي كلمة يقولونها مهما دخل عليهم غير الصنف تحذيراً أن يطلع على ما يعيبونه عليهم، وان كان في محل عزابي لم يتحفظوا كل التحفظ بل يميلون إلى ضرب من الإدلال وينبسطون بعض الإنبساط ويحسنون الظنون، فلا يتحشمون في اقتراح طيب الطعام وازدياد الادم ونحو ذلك مما يتعلق بالعريف. ومما يتعلق بالعريف في كلا المحلين أن يرتب جلوسهم فإن غاب أحد نهاه وأوصاه فإن عاد فالخطة، فإذا اعتدل جلوسهم دعا بالماء وغسلوا بعد اشتمالهم الشملة المعروفة عند حضور الطعام وهو أن يخرج طرفي ثوبه على صدره بعد أن يدير كل طرف فوق العاتق الذي يليه فيبرز اليدين ولا يكشف شيئاً من البدن ثم يأكلون أكلاً معتدلاً فمن نهم أو كبر عيب عليه في غير ذلك الموضع وحذر أن يعود فإن عاد فالخطة، فإذا طعموا تفقدهم العريف فإن وجد منهم من يده في الطعام انتظره فإذا فرغوا أذن في الإنصات إلى الدعاء ثم يؤذن من حضر فيدعو وإن كان الطعام في موضع مألفهم فلا يخلو أن يكون مما لا بأس بقسمته أو مما ينبغي فيه مشاركة الأيدي في المؤاكلة. ثم لا يخلو أن يكون مما يعالجه وحده أو يحتاج فيه معيناً كان مما كان يحتاج فيه معيناً استعان بمن استحسن فإن أبى من غير عذر فالخطة، لكن ينبغي ألا يخص بذلك من يعلم. كثرة الانقطاع
منه
فإن
إلى الدرس والمطالعة فيضع الشيء في غير موضعه، وإن كان مما لا
- 229 - (1/229)
صفحة 230
بأس بقسمته قسم على العادة المعروفة بذلك القطر، والذي تصلح فيه المؤاكلة إما متكرراً معلوماً، وإما نادراً، فا لنادر يؤكل بلا شريطة وقت والمتكرر كالفاكهة في أيامها والتمر وله شروط منها أن لها وقتين عند الضحى عند استكمال كتابة الالواح وتصحيحها وبعد العصر بمدقار ما يقرأ فيه اللوح مرة أو مرتين فإذا كانوا طوائف فإن من الشرط أن يكون في كل طائفة عريف يكون استهم وأنبههم لا تعدو عرافته ذلك الحال فيبتدئ فيلقي ثلاث مسائل في آي فن كان ثم كذلك ميامنة ثم على اليمين حتى يكمل الدور فإن وقف أحد امسك المبتدئ يده ومنعه الا تأكل، تأكيداً وتأديباً وردعاً وتحريضاً على تحصيل الفوائد فإن نسي قبل منه ولو بعد حين واطلقت يده ومن شأن هذين الوقتين أن يتفقد العريف الألواح فإذا صحح آخر لوح منها دعا إلى الطعام، وبعد العصر بقدر ما ذكرناه فإن أجابه أكل، وان تأخر فلا إثم عليه، وإن كانت نافلة فينبغي للعريف أن يعرف بها لا يستخفى النطق به فقد يكون من الغرابة من له شوق إلى تلك النافلة فإن امتنع بعد لم يتعلق منه بالعريف إثم، حملة القرآن أن يرتبط بكل واحد منهم جماعة من أهل الألواح وطلبة القرآن يملي عليهم ويصحح ألواحهم ويأخذهم بالحفظ، والجماعة التي ترتبط بكل حافظ يكون أكثرهم عشرة وأقلهم اثنين، وهذا بحسب الإختيار في الأمر الأشهر العام، وأما مع الضرورات وعدم الرجال فلا حد لأكثرهم ولا لأقلهم، فإذا كان وقت الضحى وتهيؤوا للكتابة كان لكل جماعة منهم نقيب يحفز على أصحابه ويجمعهم ويستدعي العريف فإذا حضر استأذنه ميامنة في حفظ ما كتب امس ثم يحفظون على اليمين فإذا حفظوا كلهم استأذنوه في الاستملاء اء وأملى عليهم فإذا توقف أحدهم حين الحفظ فإن كان مبتدئا قبل له خمس
والعرفاء من
- 230 - (1/230)
صفحة 231
عثرات فإذا كان فوقه إلا أنه في أول قلم أقبل له ثلاثة، وان كان في الاعادة فعثرة واحدة، فإن زاد فعلى ما يجتهد فيه العريف والمعروف الأشهر أنه إذا كان صغيراً فالزاوية والجلد وان كان كبيراً فالخطة والطرد، فإذا ارتسم بعريف فليس له أن ينتقل إلى غيره الا بإذنه، وإن تخلف أحد بغير عذر حتى يحفظ أصحابه ويكتب سطرا وبعض سطر فالتأديب قد تقدم تفصيله، وإن قبل ذلك ويخه العريف ثم يصفح عنهم فعليه أن يحشرهم احياناً فيما حفظوه، ليعلم كنه أشغالهم ورغبتهم واجتهادهم فإن وجد حفظاً ركيكاً فإن كان ذلك لقلة فهم التلميذ وضيق باعه وعلم أن ذلك أمر سماوي أمره بالإعادة، وإن كان التلميذ ذكياً فهماً وعلم أن ذلك لحب البطالة وترك الدراسة اجتهد في تعذيره، ولذلك يسال الشيخ عن احولهم حين التفحيص يوم الاجتماع فلا له أن يقول من ذلك الا ما علم كل واحد منهم عرفاء أوقات الدراسة فيتفقدون أصحاب الألواح الظهر والعصر، فإن ابطأ أحدهم ابطاء لا يعذر فيه فالخطة، وإن اشتغل
بين
ينبغي
الحضور
بما يلهيه عن قراءة لوحه فالخطة، وبين المغرب والعشاء أن غاب أو أبطأ واشتغل بما يلهيه عن قراءة لوحه فالخطة، وإن قام إلى طعام اختياراً أو نجوا فالخطة، ووقت الاستفتاح إن نام أو تناوم أو اشتغل بغير الدراسة ولم يكن له عذر فالخطة، وبين صلاة الجمعة والعصر إن غاب عن لاجتماع قراءة كتاب المواعظ فالخطة، وقد قلت أن غير الأمر ثلاثة على ما فصلناه، فطلبة القرآن يقرؤون ألواحهم بين الظهر والعصر حتماً بعد العصر استحباباً، وصفة هيآتهم أن يشتملوا، فلا يظهر من أجسادهم شيء ويسندون ألواحهم إلى الأساطين ويقابلونها غير مستندين، وقد أبيح لهم الاستناد في غير هذين الوقتين والأفضل للصغار ترك الاستناد لا يتعرضون لغير شأنهم غير دراسة القرآن إلا ما قد عناهم من العبادات
- 231 - (1/231)
صفحة 232
لسانا
وفرائض الإسلام كالطهارة والصلاة والصيام وما أشبه ذلك، فإن امتدوا إلى غير ذلك كره مشى الغراب مع الحمام على أن من كان ذا فهم ذكي وقلب لوذعي واعطاه الله قدرة على تحصيل هذا وذا فلا بأس بازدياد الخير وطلب العلوم، وأما طلبة الادب فإن اتفق أن يكونوا أصحاب لويحات صغار في السن فينبغي لهم التأسي بطلب القرآن في تركب الاستناد، وأما طلبة أصحاب الكتب فشأنهم الاستناد في أركان المسجد والأبواب والأساطين وحيث استحسنوا، ولهم أن يجتمعوا للبحث والمناظرة ما لم يفض لهم ذلك إلى توغير الصدور ويكون هذا دأبهم ولا بد أن يكون لهم وقت معتاد للحضور على الاساتيذ ثم إذا كانت ختمة القرآن وحضر الشيخ فإن هنالك طرقاً كلها حميدة، وذلك أنهم إما أن يتداولوا وضع السؤال يوماً يوماً فمن لفظت إليه النوبة يسأل وإما أن يسأل أفصحهم وأكثرهم بياناً، وإما أن يسأل أكثرهم احتياجاً لضرورة نزلت أو حاجة وقعت، ثم إذا ألفى السائل فإن كان الجمع بدأ فسأل الشيخ ثم من عن يمينه، ثم يعيده الثاني إلى الشيخ للتخفيف والاختصار، وإن كان الجمع دون الاحتفال ولا سيما إن كانوا أماثل فإنه يريد السؤال ويحيل كل مسؤول على ميامنه حتى يدور السؤال إلى الشيخ، فإن علم أن في المجلس من هو أعلم منه في تلك المسألة أذن له في الكلام، فإن أبى تكلم بما عنده وللسائل أن ينبهه إذا غفل ويذكره إذا نسي، ويفتح له إذا ارتج، ويوضح إذا احتاج إلى زيادة إيضاح أو علم من الحاضرين استزادة کشف ثم يسأل كذلك من شاء ويبحث كيف شاء، ومن أراد القيام فلا يقوم حتى يستأذن من يليه فإن أذن له قام وان لم يأذن له أقام، وإذا حضر غير الصنف فيكره إيراد ما يستبشع من المسائل الشواذ التي تضل العي وتجعله ينسب الرشد إلى الغي، فإذا هم الشيخ القيام ركع وركع أصحابه
232 - (1/232)
صفحة 233
ركعتي الضحى وشيعوه تكرمة له وتأنساً به وإن ثقل عليه ذلك تركوه ولم يشيعوه.
وأما العاجزون فأنواع فالله حسيبهم فيعاقبهم ويثيبهم، فمنهم الطرد والعميان والزمنى والهرمون وذو الافهام القاصرة وربما استعمل فالحق نفسه بهؤلاء وفيه قدرة فهؤلاء شأنهم إصغاء الأسماع ليحصلوا الفوائد والأخلاق الحميدة، ويظهرون التلهف والاشتياق وعليهم حفظ السير والمحافظة على الأوقات وإن اجهدوا أنفسهم وزادوا ظفروا ببعض ما ارادوا وأما الزمني والعميان فقد نطق بعذرهم القرآن، وأما القاصرون الفهوم فمنم القانط التارك الملوم ومنهم من الاياس عنده معلوم، وقال الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد رحمه الله وقد شاهدت فلم أذم لأكثرهم أحوالاً، وذلك أني دخلت حلقة وارجلان حرسها الله تعالى سنة ستة عشرة وستمائة في ربيع الآخر منها في أول ما وجب علي الصوم والبال خالي من الهم وكنت اعجب ممن ينفرد فلا يجتهد ومن يخلو بالمفيد كيف لا يستفيد، وكان لي إذ ذاك فهم ازرى بذلك الآن شغل البال وتغير الأحوال وكنت أزدري بأكثر أولئك، وذلك لحدث وأنا الآن استغفر الله من ذلك، فمنهم رجل يسمى أبادونواس من
سني
منهم
رجالا
بعض قراء نفزاوة سبقني إلى الحلقة بأعوام والغالب على ظني أني وجدت سنة لوحه في سورة الفيل، ومات في عشرة ولم يستكمل سورة أخرى ولم يدع من جهده شيئاً وهل سمعتم بايزمر المصعبي كنت
سبع
سمعت به قبل دخولي وارجلان وما رزق من الاجتهاد مع فهم غير قابل، فوجدته في وارجلان وفي لوحه اوامر بالتقوى يكررها أياماً كثيرة وحينئذ ترسخ في صدره أولا ترسخ فيعيدها وأقمت بوارجلان حولين كاملين وشهرين ثم انصرفت وتركت في لوحه والضحى والليل وهو في أثناء
- 233 - (1/233)
صفحة 234
ذلك لم يألُ جهداً وقد سبقني إلى الحلقة بستة اعوام أو بثمانية
مني، وهل سمعتم فيها بسليمان بن حريز لم يزل يكرر ويعيد سورة الأنبياء مدة إقامتي بوارجلان وخرجت ولوحه فيها، وبلغني أنه لم يزل يكررها منذ ثمانية وعشرين سنة، فأما هذا فغير بعيد أن يذهب إلى التقصير والتضييع، والغرض أن اعلمكم أن من لم يأل جهداً فمأجور وإن لم يحصل وأن المفرط المضيع راض لنفسه بفوت الحزم واكتساب الآثام وسخط العالم، وينبغي أن تكون خدمة الطعام من هؤلاء الذين لم يفتح الله عليهم بشيء ولم يشرح صدروهم للعلم، لكن ينفعهم الله بخدمة أهل الخير ويوفيهم اجورهم، ووقت الراحة والتصرف هو آخر النهار ينصرف فيها إلى المواضع التي لا ينكر التصرف اليها كمواضع المياه ومواضع الأشجار وأمثالها من الأماكن التي تتفسح النفوس فيها وتفرج، فإن في ذلك استجماعا للخواطر وجلاء للنواظر، ولا بأس بذلك ما لم تضاف فيه مرور النساء وأهل الخساسات فلا سبيل حينئذ إلى ذلك، والإكثار من التصرف في الطرقات والأسواق يكره فإن دعت ضرورة فليكن في طريق نافد ووقت لا تظن، ريبة، ووقت أكل معايشهم التي ينفرد بها كل واحد منهم بعد صلاة العتمة، إما كل واحد وحده وإما مع من يرافقه ويشترط التخفيف ولا ينفصل الا بعد الدعاء، ويشترط في إنكار المنكر تقديم الشيخ أو إذنه ووقت إنكاره متى ظهر ولا ينحصر في وقت غير ظهوره، والأوقات المستحب فيها التأهب للصلاة معروفة، وهو أن تكون بمقدار ما يستبرئ ثم يتوضأ، ثم يدرك صلاة الجماعة ويشترط فيه بعد الأثر وإعداد المدر، وأوقات صلاة النوافل ليلاً ونهاراً معروفة وهي خمسة تسليمات بالليل ومثلها بالضحى وهذا هو الأفضل وإن زدت فلك وإن انقصت فلا إثم عليك، ولصلاة الليل شروط من إطالة القراءة واختلف في
- 234 - (1/234)
صفحة 235
إسرارها وإعلانها فقيل الاعلان أفضل إذ فيه ايقاظ للنائمين، وقيل السر أفضل إذ فيه بعد عن الريا للمخلوقين وهذا بحسب الأحوال، والأولى والمستحب إخفاء العبادة والنوافل التي تصحب الفرائض معلومة، وأوقات الصوم المستحب كيوم الجمعة ويوم قبله (1) ويوم عرفة ويوم عاشوراء وأيام البيض الثلاثة، ومن أدب أهل الطريق وأحوالهم ألا يتكبر لمتواضع ولا يتواضع لمتكبر ولا يخالط أهل الدنيا ولا يجلس إليهم إلا أن دعت إليه الضرورة لا يجدون ما يجلسون إليه يستفيدون مصلحة في دينهم، والكبير اعذر في مخالطتهم من الحدث فإن الكبير أهل أن يهديهم والحدث أهل أن يضلوه، ومن نهى عن الإكثار من ذلك فلم ينته
فالخطة.
وينبغي أن تعلم أن المؤاخذة على العثرات وإلزام الذنب في الخطيئات إنما هو بحسب أصحابها، وهم طبقات فالكبير المبتلى أحسن به الظن وأحسن معه العبادة وعيب عليه سماجة زلته بألطف قول وألطف إشارة، ومن دونه فإن كان في الطريق راسخ القدم واخذته على الصغيرة والكبيرة واستعظمه لغيره ونظيره وإن يكن غير ذلك تجافيه عن النقير لا التنفير، وكثيراً ما رأيت المشايخ يشبهون الصنفين بالماء واللبن، ومما ينبغي للشيخ أن يتفقد أحوال التلامذة، فمن كان منهم موسراً نظر له فيمن يتبرع له بالخدمة والاطعام.
ولو استقصينا جميع الحدود وقع السأم دون بلوغ الغاية وفيما ذكرنا إن شاء الله كفاية.
1) عند الإمام أبي عبيدة، لا يشترط الصيام يوم الجمعة صيام يوم قبله.
- 235 - (1/235)
صفحة 236
ذكر بعض الكتب الإباضية
ذكر ما وقفت عليه و سمعت به من تأليف أصحابنا من ذلك تأليف أهل المشرق كتاب الربيع بن حبيب المعروف بالمسند، وحفظ أبي صفرة عبد الملك بن صفرة وهو المعروف عندنا بكتاب ضمام، وكتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وكتاب محمد بن محبوب يذكرون أنه سبعون جزءا، ورأيت أنا منه جزءاً واحداً، وكتاب الدعائم لأحمد بن النضر من التأليف القديمة، ومدونة أبي غانم، وكتاب التقييد لابن بركة يذكرونه ولم أقف عليه، وكتاب مدح العلم وأهله له، وكتاب الجامع وقفت عليه في سفرين، وجامع بن جعفر في سفرين، وكتاب التخصيص لأبي بكر الأزكوي (1) سفر، وحل ابن وصاف في سفرين كبيرين أو في أربعة أسفار، وجامع الشيخ أبي الحسن يذكرون أنه وصل المغرب، ولم أره ولم أر من رآه، ومختصر الشيخ أبي الحسن وهو المعروف بسبوغ النعم في سفر، وكتاب الدلائل والحجج وهو المعروف عندنا بالحضرمي
سفر.
أنه
ويذكرون كتاب النور لأهل المشرق (2) ولم أقف عليه، والضيا يذكرون في النسخة الكبيرة التامة خمسين جزءاً أو سفرا ووقفت على ثلاثة
1) الصحيح النزوي.
(2) لأبي عبد الله عثمان الأصم النزوي.
- 236 - (1/236)
صفحة 237
بن
أسفار منه كل واحد منها ضخم كبير، ويذكرون مقطعات أبي سعيد ولم أرها ولم أقف عليها ويذكرون من تأليف المتأخرين كتاب كشف الغمة في اختلاف الأمة (1)، وكتاب ابن عباد المدني من أصحابنا، وكتاب سالم الحطية (2) الهلالي، وسير الشيخ علي بن محمد بن البسياوي وقفت على ثلاثة منها وكتاب صفة أحداث عثمان ومعاوية سفر، وكتاب تفسير الخمس مائة سفر وكتاب اختلاف الفتيا ومن تأليف أصحابنا أهل جبل نفوسة كتاب عمروس بن فتح واللقط وقفت على أربعة في أربعة أسفار كلها لأهل الجبل والجناوي في سفرين، وكتاب الوضع، ومن تأليف المتأخرين منها الإيضاح للشيخ عامر بن علي في ثلاثة أسفار في الفقه رأيته وقرأته، وللشيخ اسماعيل بن موسى القواعد في سفر، وشرح قصيدة أبي نصر النونية المعروفة بالعقيدة في ثلاثة أسفار ووقفت عليها، ومن تأليف أصحابنا أهل المغرب التفسير الذي لهود بن محكم الهواري في سفرين كبيرين وجوابات الأئمة عبد الوهاب وابنه أفلح وابنه محمد بن أفلح بن عبد الوهاب سفر تام وكتاب الشيخ أبو سليمان داود بن يوسف سفر، وكتاب الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في الكلام مجلدان، الأول، والثاني ولم أقف على الأول وكتاب الشيخ أبي خزر رضي الله عنه في الكلام رأيته، وكتاب الشيخ أبي زكريا بن أبي بكر في السير وهو المعروف بكتاب المشايخ وهما مجلدان، الأول والثاني وقفت على الثاني منهما في بلاد أريغ، ويذكرون كتاب أبي عمران موسى بن أبي زكريا ولم أقف عليه، ولأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر رضي الله عنه تأليف كثيرة منها جامعه المعروف
(1
لعله للقلهاتي، صاحب كتاب الكشف والبيان.
(2) الصحيح سالم بن ذكوان الهلالي.
يحيى
- 237 - (1/237)
صفحة 238
بأبي مسألة ومنها كتاب تبيين أفعال العباد سفر كبير، ومنها كتاب السيرة في الدماء رأيت منه. منه سفراً واحداً، وكتاب الأصول رأيت منه ثلاثة
أسفار، والكتاب الذي ذكرته مبيضا في الألواح، وكتاب الأشياخ أعني الله الديوان يكون في ستة أسفار صغار وثلاثة كبار، ولأبي عمار رضي
عنه كتاب الموجز وكتاب شرح الجهالات سفر آخر له، ولأبي عثمان السؤالات، ولأبي يعقوب يوسف ابن إبراهيم العدل والانصاف والدليل والبرهان وكتاب الترتيب وله في تفسير القرآن كتاب عجيب رأيت منه في بلاد أريغ سفراً كبيراً لم أر ولا رأيت قط سفرا أضخم منه ولا أكبر منه وحزرت أنه يجاوز سبعمائة ورقة أو أقل أو أكثر فيه تفسير الفاتحة والبقرة وآل عمران وحزرت أنه فسر القرآن في ثمانية أسفار مثله فلم أر ولا رأيت أبلغ منه ولا أشفى للصدور في لغة أو اعراب أو حكم مبين أو قراءة ظاهرة أو شاذة أو ناسخ أو منسوخ أو في جميع العلوم فإذا ذكر آية يقول قوله تعالى إلى آخره فأول ما يذكر إعراب الآية ويستقصيه ثم
يقول اللغة فيستقصي جميع تصاريف الفعل من الكلمة ثم الصحيح في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسوق الرواية من كتاب الربيع بن حبيب المعروف بالمسند، ثم يسرد في السند أبو عبيدة عن جابر ويذكر الحديث ولقد استقصى الاختلاف الذي في الامام في قوله: إني جاعلك للناس إماماً، فذكر مقالة الرافضة والغالية وذكر مقالات النكار وغيرهم من جميع الفرق، ولعمري إن فيه لعلوماً جمة ولقد ذاكرت أمره كاملاً
مع بعض الطلبة المميزين هناك فقال لي لو وجدت هذه التأليف لأسترخصته بخمسين ديناراً، ولكن من ضعف بخت أهل هذه المذهب وقلة اكتراثهم بشيء غفلوا عنه حتى أنه لم يعلم به أكثرهم، وكتاب الشيخ تبغورين بن عيسى في الكلام والجهالات، والكتاب المعروف
?
- 238 - (1/238)
صفحة 239
بالمعلقات في أخبار أهل الدعوة لم أعلم مؤلفه، وجوابات الشيخ أبي يعقوب يوسف بن خلفون ورسالته إلى أهل جبل نفوسة، وكتاب الطبقات لأحمد بن سعيد الدرجيني، وكتاب الفرائض لأبي عمار، وكتاب المناسك لأبي زكريا يحيى الأبدلاني.
- 239 - (1/239)
صفحة 240
بد
خاتمة في ذكر الموت
أعلم أن الموت لازم لجميع الاحياء ولجميع من له روح يتنفس ولا ملاقاته والحازم اللبيب يستعد له قبل موافاته، قال الله عز وجل: من كل نفس ذائقة الموت. وقال تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، وقال سبحانه وحتى إذا جاء احدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من بيت في الدنيا من شعر ولا مدر إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم وليلة خمس مرات يعرف عدد أهله ويتصفح وجوههم فإذا وجد الإنسان قد نفد أكله وانقضى أجله ألقى عليه غم الموت فغشيته كرباته وغمرته غلواته فمن أهل بيته الناشرة شعرها والصاكة خدها والصارخة بويلها، فيقول ملك الموت عليه السلام ويلكم مما الفزع وفيما الجزع والله ما أذهبت لواحد منكم رزقاً ولا قربت له أجلاً ولا أتيته حتى أُمرت ولا قبضت روحه حتى استأمرت وان لي فيكم لعودة ثم عودة حتى لا أبقي
(
منكم أحداً، قال النبي عليه السلام: والذي نفس محمد بيده، لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم حتى حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي ويا أولادي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله ومن غير حله، ثم ذهبت عنه وتركته لغيري فالهناءة له والتباعة عليّ، فاحذروا
- 240 - (1/240)
صفحة 241
مثل ما حل بي، قال صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هادم اللذات فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم، فرضيتم فأجرتم وإن ذكرتموه في
غنى بغضه اليكم فجدتم به فاثبتم أن المنايا قاطعات الآمال والليالي مدنيات الآجال».
وقال صلى
الله
عليه وسلم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد
الموت، وأعظم ما وعظ به المرء نفسه وداوي به قلبه ذكر الموت، وقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثواب ذكر الموت، قالت الله عنها: هل يحشر أحد مع الشهداء؟ قال: نعم، من
عائشة رضي يذكر الموت بين اليوم والليلة عشرين مرة، وكيف لا يعظم ذكرها وهو الأعمال وهادم | اللذات وقاطع الشهوات. وقال صلى
قاطع
صلي
الله عليه
الآمال وخاتم الله عليه وسلم: (ما من ميت يموت إلا وله خوار يسمعه كل شيء إلا الإنسان فإنه لا يسمعه ولو سمعه لصعق»، قال الله عز وجل ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، وهذا إخبار لرسول الله وسلم بحال الظالمين عند الموت، أي ولو ترى يا محمد كيف يغمرهم بغمراته ويغشاهم بسكراته وملائكة رب العالمين باسطو أيديهم إليهم بالعذاب المهين يقولون لهم على جهة الوعيد والتهديد أخرجوا أنفسكم، أي خلصوا أنفسكم من العذاب المهين اليوم تجزون عذاب الهون، وذلك أن الملائكة يقبضون روح الكافر ويعدونه النار، ويشددون عليه. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، أي ولقد خرجتم من الدنيا فقراء عراة لا مال معكم وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم أي وجدتموه فيها وتركتموه فيها ولم يصحبكم منها شيء، وقال صلى عليه وسلم: «تركت فيكم واعظين ناطق وصامت فالناطق القرآن والصامت الموت»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لو تعلم البهائم ما
الله
- 241 - (1/241)
صفحة 242
علمتم من الموت ما أكلتم منها سميناً، وقربك من)
الله
ومنزلتك عنده
على قدر حبك الموت وذكرك له فإذا سكن ذكر الموت قلبك واستولى عليه انتج لك ذلك رفض الشهوات البهيمية.
الله قال صلى عليه وسلم:: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه وإذا كره عبدي لقائي كرهت لقائه، انظر كيف ذم الله أقواماً كرهوا الموت، وقال ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة»، وقال سبحانه ذما لليهود: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين اشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وأحسبك لا تفهم من الموت الا امتداد الجسم وانقطاع الحركة وهمود الأعضاء وانقطاع النفس والغسل والكفن والدفن وبكاء الأهل وتحرقهم إلى غير ذلك من الأمور المشاهدة بالحس، فهيهات ما أبعدك من التحصيل واحوجك إلى التفصيل، أعلم أن الموت الذي عظم الشارع ذكره واستعظم المحققون العارفون شأنه وأمره على ثلاثة معان المعنى الأول وهو أيسرها، وأخفها ما يكابده الميت عند خروج روحه من الآلام والأهوال العظام والشدة ومرارة المذاق وتقلقل الروح في الصدور وخروجه وإليه الاشارة بقوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت وبقوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول حين حضرته الوفاة: يا جبريل أشفع لي إلى ربي يهون علي» ويمد يده ويقول أن للموت لسكرات، وقيل الموت أشد من وقوع مائة ضربة بالسيف الكليل، وقيل كمن ادخل في جوف الإنسان شوك الهراس ثم ادير فيه حتى علقت كل شوكة بعرق من عروقه ثم جبذ جبذاً قوياً، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة: يا أبت كثيراً ما اسمعك تقول: إني لأعجب من رجل ينزل به الموت ومعه عقله كيف
- 242 - (1/242)
صفحة 243
منه
لا يصفه؟ فقال: يا بني أن الموت أعظم من أن يوصف وسأصف لك شيئاً، والله لو كان الجبال رصوا على كتفي ولكأن روحي يخرج من سم إبرة ولكان في جوفي الهراس ولكأن السماء انطبقت على الأرض وأنا بينهما، ثم قال: اللهم إنك أمرتني فتركت، ونهيتني فركبت ولا يسعني إلا مغفرتك، ثم قال لولده إذا أنا مت فلا تبكين علي باكية ولا يغالى في اكفاني وشدوا عليّ الأزرار فاني مخاصم ولا تستر بدني بطوب ولا خشب ولا حجارة، فإذا واريتني فأجلس على قبري قليلاً استأنس بك، وأكثر من زيارة قبري واستغفر لي.
المعنى الثاني وهو أعظم من الأول وهو ما أنت جار عليه وصار إليه خاتمتك والخاتمة تابعة للسابقة وعلم
من
الله
سابقتك من السابق نافذ
فيك وأنت ميسر لما خلقت له ومع الموت يأتيك الحق اليقين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّ مسرور مغبون لا يشعر الويل لمن له الويل وهو لا يشعر، يأكل ويشرب ويضحك وهو في الكتاب من وقود النار، وفي حديث عبد الله بن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابان وهو قابض على كفيه، فقال: تدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله. فقال: أما الذي في يميني بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم قبل أن يستقروا في الأرحام إذ هم في الطينة مجندلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمالاً من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، والكتاب الذي في يساري هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذ هم في الطينة مجندلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمالاً من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، فقال عبد الله بن عمر:
- 243 - (1/243)
صفحة 244
ففيم العمل اذا يا رسول الله؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وصاحب النار يختم له بعمل أهل النار وان عمل أي عمل، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا وقعت النطفة في الأرحام أوحى الله إلى ملك الأرحام يقول له اكتب سعيداً أو شقياً بعمله واكتب أجله واثره وعمله»، ويقال
إنه يأخذ من التراب الذي قدر فيه دفنه وتربته فيخلط تلك النطفة
مع
وفي حديث علي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد في جنازة فقعد وقعدنا فنكس رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فجعل ينكث في الأرض. فقال: ما منكم من أحد ولا نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها في الجنة أو في النار فكتبت سعيدة أو شقية فقيل يا رسول الله افنتكل على كتابنا اذا وندع العمل من كان من أهل السعادة فسيصير اليها ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير اليها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة. وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلى هذه الآية فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى. وقال صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم عليه السلام وأخرج ذريته من صلبه كالذر فأخذ مواثيقهم وأمرهم بالسجود فأبت طائفة وأجابت طائفة فمن أجاب يومئذ فهم المؤمنون وهم السعداء ومن أبى فهم الكافرون»، فهذه الأحاديث كلها في ذكر السابقة، ولهذا روى عن بعض الصالحين أنه قال: الناس يبكون على النهاية وأنا أبكي البداءة، فمعنى النهاية الخاتمة ومعنى البداءة السابقة والسابقة قاضية على الخاتمة، فما يؤمنك أن تكون ممن سبق له في علم الله الشقاء فيختم
- 244 - (1/244)
صفحة 245
العلة و موجب
له بعمل أهل النار ويسلب الإيمان عند الموت ولا يظهر لك ذلك إلا مع الموت. قال الله عز وجل أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة .. الآية، وقالوا البشرى في ثلاثة مواضع بالخير أو الشر عند الموت، وفي القبر وعند النشر، فإن قال قائل: فما فائدة العمل إذا لسابقة سبقت والخاتمة بالضرورة تبعت فاعلم أن هنا ثلاث مقدمات يجب عليك تحصيلها بفوائدها ومعانيها هنالك تتضح لك فائدة العمل مع السابقة، أولها الربوبية ومعانيها والثانية العبودية وفوائدها، والثالثة العلة وموجبها، فالرب معناه المالك الآمر الناهي والعبد معناه المسوس المأمور المنهى وفائدة الربوبية التصرف في المربوب بالأمر والنهي والثواب والعقاب وفائدة العبودية الامتثال والطاعة أو المعصية. والترك، فالعلة الموجبة لسعادتك أو لشقاوتك العلم القديم الذي لا يتأتى في العلوم خلافه، هو العمل، فالعلم باطن عندك والعمل ظاهر لك، وتعبدك الله تعالى بالظاهر الميسر لك وخوفك بالباطن المغيب عنك، فانظر هل يقدر المأمور المقهور أن يقول: علم الأمر أني لا أمتثل أمره فلا فائدة في أمري ولا نهيى ألا ترى أن في هذا تعطيل الربوبية ومعانيها والعبودية وفوائدها والأمر والنهي من فوائد الربوبية وبقي علم الله السعيد سعيداً بطاعته وامتثاله أمره أو بشيء آخر وكذلك الشقي علمه شقياً بمعصيته وتركه أو بشيء آخر، أو علم السعيد سعيدا والشقي شقياً بلا طاعة ولا معصية ومحال ذلك، وقد سبق العلم بالطاعة كما سبق العلم بالمطيع وسبق العلم بالمعصية كما سبق العلم بالعاصي، وان طلبت لهذا الشأن نظيراً من العلم فاطلبه في باب الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، وأمر الاجل المضروب في العمر، والأمر بالتطبب، واعلم إن جميع طاعاتك وأعمالك موقوفة على خاتمة عملك وانقطاع أجلك،
- 245 - (1/245)
صفحة 246
:
قال الله عز وجل وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد، أي بخاتمة الأعمال، وقال صلى الله عليه وسلم: صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وصاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ولا يختم عملك إلا مع خروج روحك، فإن ختم لك بعمل صالح فما يضرك ما اسلفت من المعاصي وان ختم لك بسوء العمل والكرة الخاسرة وسلبت الإيمان عند الموت فما ينفعك ما قدمت من العمل الصالح، فتذكر هذا وتدبره واعلم أنه أشبه شيء هو فول رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفكرون في الموت عشرين مرة في اليوم والليلة هذا اشفاق عباد الله المخلصين وأخوف ما خافوا منه سلب الإيمان
ومن
عند الموت يلقى العبد ربه خائباً خاسراً ذلك هو الخسران المبين. وروى عن أبي هريرة أنه بكى عند الموت فقيل له ما يُبكيك؟ فقال: ما أنا باك على دنياكم هذه ولكن إنما أبكي لبعد سفري وقلة زادي وأنا أمسيت في صعود، مهبطه على جنة أو نار ولا أدري إلى أيتها يُؤخذ بي، وروى عن بعضهم أنه بكى عند الموت فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: سمعت الله يقول وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيآت ما عملوا، وهذا وقت يبدو لي فيه عملي فلست أدري ما يبدو
لي منه.
وروى عن جابر بن زيد، لما حضرته الوفاة دخل عليه ثابت البناني، فقال له: أي شيء تشتهي يا أبا الشعثاء؟ قال ملاقاة الحسن البصري والحسن إذ ذاك مستخف من الحجاج فجاءه ثابت فأخبره، فقال الحسن: كيف بالوصول إليه؟ فقال ثابت اركب بغلتي وأردفك من وراء سرجي واغمرك بطيلساني وأرجو ألا يعرض لنا، ففعلا حتى دخلا عليه، فقال له الحسن: يا أبا الشعثا، قل لا إله إلا الله، ثم سكت جابر فقال له الحسن:
- 246 - (1/246)
صفحة 247
يا أبا الشعثا، قل لا إله إلا الله، ثم سكت جابر فقالها الحسن مراراً فقال جابر: يا أبا سعيد أنا من أهلها في الدنيا طال ما قلناها إن قبلت، ولكن نعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، يا أبا سعيد أخبرني عن أية خروج نفس المؤمن، فقال الحسن برد يجده على قلبه ونفس طامعة، فقال جابر: اللهم إني أجد ذلك على قلبي ونفسي طامعة في ثوابك لكرمك اللهم فحقق رجاءها وآمن محذورها وما أفاض بعدها بكلام. المعنى الثالث من معاني الموت وهو ما أنت صائر إليه من بعد خروج روحك وصعود الملائكة بروحك إلى السماء ثم رجوعه بعد ذلك إلى جسدك وهول المطاعم وضعضعة القبر وسؤال الملكين وعذاب القبر، قال الله
عز وجل له حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم يفرطون، فقال: إن لملك الموت اعواناً، والملائكة يقبضون الأرواح بأمره، قيل هو القابض وحده ولكن الملائكة يأخذون الأرواح من بيده بعد القبض ملائكة الرحمة أن كان من أهل الرحمة وملائكة العذاب إن كان من أهل العذاب وقيل جعلت الأرض لملك الموت عليه السلام كالطشت يتناول منها حيث شاء، وقيل الأرض تزوى لملك الموت أي تضم له، وروى عبد الله بن عازب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان العبد في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كالشمس فيفقدون منه شدة البصر فيجيء ملك الموت معهم حتى يقعد عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة أخرجي إلى مغفرة الله ورضوانه، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فإذا وقعت في يده لم يدعها عنده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في كفن من الجنة وحنوط من الجنة فيصعدون به إلى السماء وريحها أطيب من ريح. المسك فتتلقاها ملائكة آخرون من دون السماء
- 247 - (1/247)
صفحة 248
فيقولون ريح طيبة جاءت من قبل الأرض فمن هذا، فيقولون فلان ابن
جاء
فلان كان يعمل كيت وكيت فيذكرون محاسن عمله فيقولون من به وبكم فيقبضون منهم روحه ويصعدون بها من الباب الذي يصعد منه عمله فيشرق نوره في السماء ثم كذلك في الثانية والثالثة إلى السابعة حتى ينتهي إلى العرش وله برهان كبرهان الشمس فيعطيه الله. عز وجل حاجته فيقول الله عز وجل ردوا روح عبدي إلى الأرض فاني قضيت أن أخرجه منها وأرده إليها وأخرجه منها، وإذا كان الكافر في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة أتاه ملك الموت عليه السلام فينزع روحه من جسده كما ينزع الصوف البلول من السفود فتأخذها ملائكة العذاب من يديه فيصعدون بها فيستفتحون لها أبواب السماء فلا تفتح لهم فتتلقاهم ملائكة من دون السماء فيقولون روح خبيثة جاءت من قبل الأرض فمن هذا فيقولون فلان كان يفعل كيت وكيت ويذكرون مساوئ عمله فيقولون لا مرحبا به ردوه، ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في الخياط»، فيؤمر به أن يكتب كتابه في سجين فيؤمر بروحه فتطرح
الا
سم
طرحاً.
قال: ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق). وقيل إذا قبض روح الكافر طردته ملائكة الأرض حتى ينتهي إلى السماء فتطرده ملائكة السماء حتى ينتهي إلى الأرض السابعة السفلى إلى أسفل السافلين، ويقال إن أرواح الكافرين قفي برهوت، بئر أو واد، تحت الأرض أو تحت الأرضين السبع وروى أن إبراهيم عليه السلام أتاه ملك الموت فبشره بالخلة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا ملك الموت أرني
- 248 - (1/248)
صفحة 249
الصورة التي تقبض بها أرواح الكافرين فقال له: يا إبراهيم إنك لا تطيق ذلك، ولا تقدر عليه. فقال له إبراهيم عليه السلام: ولا بد فعرض عليه ملك الموت فإذا هو برجل أسود ينال رأسه السماء يخرج من فيه لهاب النار ليس من شعرة في جسده إلا فيها صوت يخرج منها لهاب النار، ومن فيه لهاب النار فغشى على إبراهيم عليه السلام فأفاق وقد تحول ملك الموت عليه السلام في الصورة الأولى فقال له إبراهيم: يا ملك الموت لو لم يلق الكافر من البلاء إلا صورتك هذه لكفاه، ثم قال فأرني الصورى التي تقبض فيها نفوس المؤمنين فعرض فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض، فقال له إبراهيم: يا ملك الموت لو لم يكن للمؤمن عند ربه من الكرامة الا صورتك هذه لكفي، وقال الحسن إذا احتضر المؤمن نزل لحضور جنازته خمسمائة ملك يقبضون روحه ويعرجون به. وقال ابن عباس: إذا احتضر المؤمن شهدته الملائكة وسلموا عليه وبشروه بالجنة، وشهدوا غسله وكفنه ودفنه ومشوا مع جنازته مع الناس وصلوا عليه وقال بعضهم إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن يقول السلام عليكم يا ولي الله، السلام يقرئك السلام ويبشرك بالجنة.
وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إذا كان ابن آدم يعالج سكرات الموت مد اليمين وعرق الجبين وحضرت ملائكة رب العالمين، فيبعث الله إليه ملكاً يقف عند رأسه ويناديه بثلاثة كلمات: ابن آدم، يا مغرور أين إخوانك وجيرانك ما أوحشك اليوم؟ قال ابن عباس فإذا حملوه على نعشه ناداه بثلاثة أخرى، ابن آدم يا مغرور اليوم سافرت سفراً ما رأيت مثله أبداً، ابن آدم يا مغرور اليوم تزور مزاراً ما زرت مثله، ابن آدم يا مغرور اليوم تدخل مدخلاً ما دخلت مثله، فإذا وضعوه على شفير قبره
- 249 - (1/249)
صفحة 250
ناداه بثلاثة أخرى: ابن آدم يا مغرور أين ما قدمت لوحشة القبور، فطوبى لك ثم طوبي إن كنت أحسنت فأبشر برحمة الله، وإلا فابشر بغضب الله، قال ابن عباس: فإذا وضعوه في لحده يناديه بثلاثة أخرى، ابن آدم يا مغرور، كنت على ظهرها ماشياً، فأنت الآن في بطنها ساكناً، ابن آدم يا مغرور كنت على ظهرها ضاحكاً وأنت الآن في بطنها باكياً، ابن آدم يا مغرور كنت على ظهرها فرحاً، فأنت الآن في بطنها حزيناً.
قال ابن عباس فإذا ردوا عليه التراب ناداه بثلاثة أخرى: ابن آدم يا مغرور، دفنوك وانصرفوا عنك فوالله لو سكنوا معك ما نفعوك، ابن آدم يا مغرور جمعت مالاً وعدداً وورثه بعدك من لا يحمدك، فحسابه عليك وحسناته في ميزان غيرك، ابن آدم يا مغرور كنت على ظهرها تأكل الألوان فصرت في بطنها تأكلك الديدان ابن آدم يا مغرور كنت على ظهرها سكران، فأنت الآن في بطنها حيران ثم ينادي: يا أهل الدنيا
خذوا زادكم، فانكم لا شك عنها راحلون. الله. وروى عن عمر رضي) عنه، أنه قال لعبد الله يوم طعن: ادع لي طبيباً فدعاه، فقال: لا أراه أن يمسي فقال عمر: الله أكبر، وأيقن بالموت، فجعل من حوله يثنون عليه، فقال لهم: المغرور والله من غررتموه، والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع ووحشة القبر، وكان رأسه في حجر عبد الله ولده، فقال له: ضع خدي على الأرض فجعل يمسح خده بالأرض ويقول: الويل لعمر ولأم عمر أن لم يغفر الله له.
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القبر منزل من منازل الآخرة والذي نفسي بيده ما القبر الا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن في قبره في
- 250 - (1/250)
صفحة 251
قط
روضة خضراء ويوسع له قبره أربعين ذراعاً، ويضيئ وجهه حتى يكون كالقمر ليلة البدر»، وقال صلى الله عليه وسلم: «يدخل على الرجل الصالح عمله في قبره ويبعث معه إذا بعث في أحسن صورة ما رأى أحد أصبح وجهاً ولا أطيب ريحاً. منه، فيجلس إلى جنبه فلا يرى الميت هولا ولا مكروهاً إلا قال له مالك ما عليك من هذا فيقول الرجل: الحمد الله الذي خصني بمجالستك فيقول من أنت فيقول أفلا تعرفني؟ فيقول: لا والله فيقول: صحبتك في الدنيا ولا تعرفني؟ أنا عملك الصالح. ثم يقول: تراني حسن الوجه طيب الرائحة فيقول: نعم. فيقول كان والله عملك أطيب وأحسن مني فلا يفارقه حتى يدخله الجنة، وقال صلى الله عليه وسلم: «يدخل على الشقي عمله في قبره ويبعث معه إذا بعث يوم القيامة في أقبح صورة ما رأى أحد اقبح منه وجهاً ولا أنتن ريحاً منه، فيجلس إلى جنبه، ثم يعظم عليه كل هول يراه فيقول له الشقي: ما لي ولك لم خصصت بمجالستك؟ فيقول له: أولا تعرفني وقد صحبتك في الدنيا؟ فيقول: والله ما عرفتك ولا أحب معرفتك. فيقول: إنا عملك قبيحاً منتناً فيقول: نعم، فيقول: والله عملك أقبح وأنتن رائحة
تراني
مني
فلا يفارقه حتى يدخله النار.
وفيما روي عن عائشة رضي الله عنها انها قالت: ويل لأهل القبور من أهل معصية الله يتخلل قبورهم حيات وعقارب كالبغال، ويوكل بالشقي حيتان عند رأسه وحيتان عند رجله يقرضنه حتى يلتقين عند وسطه، فيعاد لهما ويعدن له طول البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، وأن القبر ليظلم ويقول أنا بيت الوحدة أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود أنا بيت الظلمة. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفن ابنته جلس على القبر فتربد وجهه يعني. علته غبرة كغيرة الرماد، ثم سرى فسئل عن ذلك، فقال ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر وشدته فدعوت الله أن يخفف
- 251 - (1/251)
صفحة 252
من
تم
خفف عنها،
الله
عنها، وأيم الله لقد ضمت ضمة وضغضعت ضغضغة وقال صلى الله عليه وسلم: لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد معاذ، وقد ضغطه القبر ضغطة كادت اضلاعه أن تختلف، هذا سعد بن بن معاذ على جلالة قدره وفضله. وقد قال فيه صلى الله عليه وسلم: لقد حکمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة في بني قريظة، وكان صلى عليه وسلم يقول: تعوذوا من عذاب القبر وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة) المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، قوله تعالى يثبت الله اللذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، معناه يحقق إيمانهم بالقول الثابت بشهادة أن لا إله إلا الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة، يعني القبر، قيل إذا دخل المؤمن قبره أدخل الله عليه ملكاً يقال له رومان، ويقول له أنه يأتيك الآن ملكان يسألانك من ربك ومن نبيك وما دنيك فاجبهما بما كنت عليه في الدنيا، ثم يخرج فيدخلان عليه وهما منكر ونكير أسودان أزرقان فظان غليظان أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف مع كل واحد منهما مرزبة من حديد وقيل مطراق قيل لو اجتمع أهل الدنيا عليهما ما طاقوهما فيقعدان ويقولان له من أنت؟ ومن ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فإذا كان مؤمناً يقول: الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي، فيقولان له على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله، فيقولان له انظر عن. شمالك فيفتح له باب في قبره إلى النار فيقولان له هذا منزلك لو عصيت الله، فأما إذ أطعته فانظر عن يمينك فيفتح له باب إلى الجنة فيدخل عليه برد منزله وطيب رائحته فيريد أن ينهض فيقال له: لم يبلغ اوان ذلك، نم سعيداً، نم نومة
- 252 - (1/252)
صفحة 253
العروس، فما شيء أحب إليه من قيام الساعة حتى يصير إلى أهل ومال وجنة نعيم، وأما إذا كان كافراً فإذا اقعداه وقالا له من ربك؟ فيقول آه آه لا أدري، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل المبعوث فيكم؟ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم؟ فيقول كنت أقول كما يقول الناس فيه، فيقولان له لا دريت ولا اهتديت فيضربونه بالمطارق ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها كل شيء الا الثقلين فما سمعه شيء الا لعنه فذلك قوله: ويلعنهم اللاعنون، ثم يقال له على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث أنظر عن يمينك فيفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا منزلك لو اطعت الله فاما إذ عصيته فأنظر عن يسارك، فيفتح له باب إلى منزله من النار فيجد عمله واذاه.
وقال صلى الله عليه وسلم أن احدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى أن كان من أهل الجنة ففي الجنة، وان كان من أهل النار ففي النار، وقال صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: هل تدرون فيما نزلت فإن له معيشة ضنكاً، قالوا الله ورسوله أعلم: قال عقاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً هل تدرون ما التنين تسعة وتسعون حية، لكل حية تسعة رؤوس ينهشونه ويلحسونه وينفخون في جسده إلى يوم يبعثون، وقال صلى الله عليه وسلم كيف بك يا عمر؟ إذا دخلت قبرك ودخل عليك فتايا القبر منكر ونكير؟ فقال عمر: وما منكر ونكير يا رسول الله؟ قال: ملكان اسودان أزرقان فظان غليظان ينحتان الأرض بأنيابهما ويطئان في شعورهما فقال: كيف أنا يومئذ يا رسول الله؟ قال كهيئتك اليوم، فقال إذا أكفيكهما يا رسول الله وقيل أول ما يسيل من جسد الميت عيناه وأول ما ينتشر شعره.
وروى أن ابن عباس رضي الله عنه قال لكعب الأحبار إني سائلك عن
- 253 - (1/253)
صفحة 254
ست آيات من كتاب الله فلا تخبرني إلا بما تجد في کتاب الله
،
المنزل
ما سجين، ماعليون ما سدرة المنتهى ما جنة المأوى، ما أصحاب الرس، ما بال طالوت رغب عنه أصحابه، ما بال إدريس. قال الله عز وجل فيه ورفعناه مكاناً علياً، فقال كعب والذي نفسي بيه لا أخبرك إلا بما وجدت في كتاب الله المنزل، أما سجين فإنه شجرة تحت الأرضين السبع سوداء مظلمة مكتوب فيها اسم كل شيطان فإذا قبض نفس الكافر ويخرج به إلى السماء غلقت عنه أبواب السماء ورمى بها فتهوى إلى فذلك سجين سجين، وأما عليون فإذا قبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء وفتحت لها ابواب السماء حتى تنتهي إلى العرش فيخرج كف من العرش فتكتب له منزله وكرامته فذلك عليون، وأما سدة المنتهى فإنها سدرة عن يمين العرش انتهى اليها علم العلماء فلا يعلم العلماء ما وراء تلك السدرة، وأما جنة المأوى تأوي اليها ارواح المؤمنين، وأما أصحاب الرس فانهم قوم كانوا يعبدون الله في ملك ملك جبار لا يعبد الله فيه غيرهم فخيروا بأن يكفروا أو يقتلهم، فاختاروا القتل على الكفر، فقتلوا ثم رماهم في قليب، فبذلك سموا أصحاب الرس، فأما طالوت فإنه كان من غير السبط الذي فيه الملك، فلذلك رغب عنه أصحابه وأما ادريس فإنه يصعد له من العمل كل يوم مثل عمل أهل الأرض فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه فاذن له فيه الله عز وجل، فلذلك قال فيه سبحانه: ورفعناه مكاناً علياً.
- 254 - (1/254)
صفحة 255
الفهرست
تقديم.
البرادي: مولداً ونسباً
البرادي: تعلماً وتعليماً.
البرادي: عالماً ومرجعاً
مقدمة الكتاب
تفسير مقدمة كتاب الطبقات
الطبقة الأولى: صفة النبي صلى الله عليه وسلم
بدء الوحي
ابتداء التاريخ
خلافة أبي بكر
خلافة عمر بن الخطاب
وفاة عمر بن!
الخطاب
بن
خلافة عثمان عفان وأحداثه.
ذكر الفتنة واختلاف الناس فيها وبيان مذهب أصحابنا
الثورة على عثمان
خلافة علي بن أبي طالب
معركة الجمل
معركة صفين
120
- 255 - (1/255)
صفحة 256
قضية التحكيم.
مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي ومعركة النهروان
قتل علي بن أبي طالب
فضائل بعض الصحابة والتابعين
كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان
تفسير الكلمات
ذكر الدولة الرسمية.
الإمام أفلح وابنه أبو اليقظان
رسالة الإمام محمد بن أفلح في خلق القرآن
عودة إلى ذكر الدولة الرسمية
خطبة المسلمين يوم الجمعة في أيام يوسف بن محمد (رض) .... 221
ذكر حلقة العزابة.
ذكر بعض الكتب الإباضية خاتمة في ذكر الموت. (1/256)