صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التاريخ والتراجم
------------------------------------------
العنوان: الحراك العُماني في الشرقين الأفريقي والآسيوي
البيانات الأساسية:
المؤلف: السيابي، أحمد بن سعود
بيانات النشر: مسقط، سلطنة عمان: ذاكرة عمان، 2020م
التصنيف الموضوعي: الجغرافيا والتاريخ والسير | الجغرافيا العامة والرحلات
سلطنة عمان - علاقات دولية - أفريقيا
رقم الطبعة: 1
بيانات متقدمة (Metadata):
المؤلف
الاسم كما ورد بالكتاب: أحمد بن سعود السيابي
الاسم الاستنادي: السيابي، أحمد بن سعود
الجنسية: عماني
بيانات النشر
مكان النشر - الولاية: مسقط
مكان النشر - الدولة: سلطنة عمان
اسم الناشر: ذاكرة عمان
تاريخ النشر: 2020م
التصنيف الموضوعي: الجغرافيا والتاريخ والسير -- الجغرافيا العامة والرحلات
الموضوع - اسم جغرافي
الاسم الجغرافي: سلطنة عمان
التقسيم الفرعي العام: علاقات دولية
التقسيم الفرعي الجغرافي: أفريقيا
الشكل (الصيغة): رقمي
الوصف المادي
عدد الصفحات: 161
الطبعة: 1
المصدر
بيانات أخرى: المكتبة السعيدية
بيانات أخرى: https://alsaidia.com/
اللغة الأصلية للمادة: العربية
البيانات نقلا عن موقع المقصورة:
https://maqsurah.com/home/item_detail/73634
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/376
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 شعبان 1446ه/ 01 - شهر 02 - 2025م. الحراك العماني
في الشَّرِّقَيْنِ الإِفْرِيقي وَالآسيوي
بقلم الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/1)
صفحة 2
المح الى العماني
في الشَّرْقَيْنِ الإِفْرِيقي وَالآسيوي (1/2)
صفحة 3
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
أحمد بن سعود السيابي
جميع
الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى: 1441 هـ / 2020 م
مسقط. - سلطنة عُمان
هاتف: 92211011 (00968)
البريد الإلكتروني thakeratoman@gmail.com
الموقع www.thaoman.com
التنفيذ الطباعي: مجموعة مسقط للأعمال التجارية
رقم الإيداع الدولي: -1 - 473 - 29 - 9933 - 978 ISBN (1/3)
صفحة 4
مقدمة
ب الله الله الرحمن الرحي
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله
وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن الوجود العُماني في شرق إفريقيا وشرق آسيا ضارب بجذوره في عمق التاريخ البشري، ونظرًا لما شكله من حراك في المنطقتين المذكورتين؛ فإنه كان له تأثير فيهما، وفي مقدمة ذلكم التأثير: نشر الإسلام.
على أن نشر الإسلام هنالك لم يكن بالقوة وبالحروب وإنما كان بالسلوك العربي الإسلامي، حيث كان ذلكم السلوك يمثل القدوة الحسنة بين النازل والآهل، فاعتنق الأهلون الإسلام عن اقتناع ورغبة وطيب خاطر، فإذا بالإسلام ينتشر هنالك مُشَكّلًا ظاهرة اجتماعية، فأنشئت من أجل ذلك المعالم الحضارية من مساجد ومدارس ومنازل وواكب كل ذلك حراك حضاري في كل مجالات الحياة من تجارة وصناعة وزراعة، وترسخت معالم الدولة، وقامت هياكلها الإدارية على ذلك.
ويأتي هذا الكتاب الذي جعلنا عنوانه: الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي، وهو يتكون من العناوين التالية: (1/5)
صفحة 5
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
الأول: الدور العُماني في شرق إفريقيا.
الثاني: تبوره .. المحطة الأولى للعُمانيين في البر الإفريقي.
الثالث: الإسلام في أوغندا.
الرابع: الإسلام في البحيرات العظمى.
الخامس: سقطرى في الذاكرة العُمانية.
السادس: الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره.
السابع: دور العُمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا.
الثامن: عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ).
وأسال الله أن ينفع به، وأن يجعله دليلا تعريفيًا على الحراك العُماني في المنطقتين المذكورتين لمن أراد أن يتعرف على الوجود العُماني وتاريخه هنالك وما أحدثه من تأثير إسلامي وعلمي وحضاري واجتماعي.
والحمد لله رب العالمين.
أحمد بن سعود السيابي (1/6)
صفحة 6
الدور العُماني في شرق إفريقيا
بحث قُدّم إلى ندوة صالون الفراهيدي بالقاهرة في: 19 رمضان 1418 هـ - 7 يناير 1998 م (1/7)
صفحة 7
تمهيد
تقع
عُمان
في الجزء الجنوبي الشرقي من شبه جزيرة العرب، كما إنها يكون موقعها على هذا في أقصى الشرق والجنوب للوطن العربي العظيم، ويحدها شمالا دولة الإمارات العربية المتحدة، وشرقا: بحر العرب وخليج عُمان الممتد من بحر العرب الذي هو امتداد للمحيط الهندي، وغربا تحدها: المملكة العربية السعودية ومن الجنوب وبالتحديد الجنوب الغربي تحدها:
اليمن.
وعلى هذا فإن سلطنة عُمان تحتل آخر ذرة تراب من الجهة الشرقية لجزيرة العرب، وللوطن العربي، وذلك في منطقة رأس الحد، ولا شك أن هذا الموقع الذي تحتله عُمان هو الذي هيأ لأهلها التحرك إلى شرق إفريقيا وإلى شرق آسيا وبالتحديد إلى جنوب شرق آسيا.
ولا نبتعد عن الحقيقة إذا تصورنا عُمان في تأثيره التاريخي والحضاري
مقبلا.
مثل كائن حي شرق إفريقيا، ويسر
بوجهه إلى جهة الجنوب له ذراعان ممتدان: يمناهما إلى
مراهما إلى جنوب شرق آسيا، حيث يبدو واضحا التأثير
العربي والإسلامي، وما يحمله ذلك التأثير من مدلولات حضارية في هاتين
المنطقتين العظيمتين من العالم. (1/9)
صفحة 8
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
ومن المعلوم أن ذلك الدور التأثيري قام به العرب العُمانيون ومعهم إخوانهم العرب اليمنيون.
على أننا هنا بصدد الحديث عن الدور العُماني في شرق إفريقيا، ويهمنا مخطط لهذه الحديث عن الدور الحضاري العُماني في شرق إفريقيا، كما هو
الندوة القيمة المباركة.
ومنطقة الشرق الإفريقي التي نحن بصدد الحديث عنها، هي التي تمتد من الصومال، شمالا، وحتى موزمبيق جنوبا، ويتعمق الدور الحضاري العُماني
غربا حتى
منطقة البحيرات الوسطى.
لذلك يقول الشاعر العربي:
رقص الناسُ في البحيرات رقضا إنْ تَعالى المزمار في زنجبار
وهذا البيت يتضمن دلالة عما وصل إليه النفوذ العربي العُماني في منطقة
شرق إفريقيا في عهد السيد سعيد بن سلطان. (1/10)
صفحة 9
الدور العُماني في شرق إفريقيا
التواصل العُماني الإفريقي
يرجع المؤرخين اتصال العُمانيين بشرق إفريقيا، بأنه اتصال قديم قبل الإسلام، وربما أنه يعود إلى القرون الأولى لولادة المسيح، والظاهر أن الأمر كذلك، والشواهد التاريخية تؤيد ذلك، وذلك أن الزعيمين العُمانيين سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندى الذين كان لهما الملك على عُمان عندما قررا الفرار من عُمان نتيجة حروب الحجاج بن يوسف وحملاته المتكررة على عُمان، إلى شرق إفريقيا، لم يكن اتخاذ ذلك القرار اعتباطا، وأنه لا بد أن يكون نتيجة دراسة للأمر الواقع، إذ ليس من المألوف إن لم يكن من المعقول أن يخرجا بذراريهما مغامرة إلى شرق إفريقيا، وإنما كان لجوؤهما إلى هنالك بناء على وجود عربي عُماني سابق.
عُمان وشرق إفريقيا
على أنه يكاد أغلب المؤرخين الذين عنوا بتاريخ يكادون يتفقون على حدوث هجرة الزعيمين العُمانيين سليمان وسعيد الجلندانيين، ولعل ذلك كان في بداية الربع الأخير من القرن الهجري الأول،
أي: أنه في أواخر السبعينيات، أي في عهد الخليفة الأموي عبد ا
مروان (65 - 86 هـ).
بيد
الملك
بن
أن هناك اختلافًا حول تحديد المكان الذي نزلا فيه: هل كان نزولهما في زنجبار، أو في كلوه، أو في لامو، أو في ماليندي؟ (1/11)
صفحة 10
12
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسيوي
هنالك روايات مختلفة، وقد سمعت أنه في السنوات القليلة الأخيرة قد عثر على آثار في أدغال بمبا، التي أطلق عليها العرب: الجزيرة الخضراء، ترجع إلى الربع الأخير من القرن الأول للهجرة، وهي آثار إسلامية تتكون من مسجد وقبور وبعض البناء، فإن صح ذلك فإنه يعطينا دليلا قويا على المكان الذي نزل فيه أولئكم الزعيمان العُمانيان، ومعنى ذلك أن بمبا أو
الجزيرة الخضراء
هي
محط هجرتهما وموئل انتقالهما.
وبعد هجرة سليمان وسعيد ومن معهما من ذراريهما وأتباعهما توالت الهجرات العُمانية إلى شرق إفريقيا.
كما هاجر أحد الأمراء النباهنة إلى بته، وهي جزيرة من أعمال كينيا حاليا، ويدعى سليمان، في سنة 600 هـ، والنباهنة قوم من أزد العتيك استولوا بداية القرن السادس للهجرة (1). مع
على السلطة
في عُمان
والظاهر أن الأمير المذكور قد فرَّ من عُمان إلى شرق إفريقيا نازلا جزيرة بته؛ نتيجة خلاف مع أسرته الحاكمة على عُمان آنذاك، وصار حاكمًا وسلطانا على تلك الجزيرة، وتخلط المصادر بينه وبين السلطان سليمان بن سليمان النبهاني المشهور، والأمر ليس كذلك، فالسلطان سليمان بن سليمان في القرن التاسع الهجري ولم يذهب إلى شرق إفريقيا، ومن الجدير بالذكر أن قبيلة النباهنة لا تزال موجودة في جزيرة بته حتى هذا اليوم.
وقد انتشر العُمانيون نتيجة الهجرات المتوالية إلى شرق إفريقيا على طول شمالا وحتى جزر القمر جنوبا، مكونين إمارات
الساحل الإفريقي من مقديشو عربية إسلامية على الساحل المذكور.
يقول الأمير شكيب أرسلان في تعليقاته على كتاب حاضر العالم
(1) لي رأي آخر حول بداية حكم النباهنة في عُمان، ذكرته في كتابي الوسيط. (1/12)
صفحة 11
الدور العُماني في شرق إفريقيا
13
الإسلامي: «إن العرب العُمانيين قد أحرزوا الجزر والسواحل في شرق إفريقيا، وجاء البرتغاليون فانتزعوها من أيديهم عام 1503 م، ثم استردها العرب العُمانيون من البرتغاليين أيام الإمام سيف بن سلطان اليعربي في سنة 1694 م، وما كان القرن السابع عشر الميلادي ينتهي حتى تمكن الإمام العُماني سيف بن سلطان من طرد البرتغاليين من كل من: ممباسا وكلوة وبمبا، ومن إرساء أول حكم عُماني في إفريقية الشرقية».
وقد تعرضت منطقة شرق إفريقيا إلى الاحتلال البرتغالي مع مطلع القرن السادس عشر الميلادي عندما عبر ا القائد والملاح البرتغالي فاسكودي جاما
رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا قاصدا بلاد الهند والبلاد العربية. وقد نال الأفارقة وسكان تلك المناطق ما نالهم من الأذى والبطش والقهر والتعذيب من البرتغاليين، الأمر الذي دعاهم إلى الاستنجاد بالأئمة اليعاربة العُمانيين، بعد ما أن سمعوا عن الانتصارات التي أحرزها العُمانيون على البرتغاليين في منطقة الخليج وعلى الساحل الهندي.
وقد لبى الإمام سلطان بن سيف اليعربي نداءهم واستجاب لنصرتهم، مما يدل على وجود علاقات مستمرة بين عُمان وشرق إفريقيا، وأخذ الإمام سلطان في إرسال الحملات البحرية بصورة مستمرة لطرد البرتغاليين من المدن الساحلية لشرق إفريقيا.
ثم واصل ولده الإمام سيف بن سلطان الواجب الجهادي المقدس ضد الوجود البرتغالي في تلك المنطقة.
قلعة وكان البرتغاليون قد أنشأوا قلعة في ممباسا، أطلقوا عليها اسم: يسوع، وهي من أعظم القلاع في العالم لضخامتها وقوة بنائها وإحكام موقعها، فهي من أعاجيب الدنيا. (1/13)
صفحة 12
14
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وقد أرسل إليها الإمام سيف بن سلطان قوة بحرية لإخراج البرتغاليين منها ووضع. حد للوجود البرتغالي هنالك.
فأطبق عليها العُمانيون الحصار برا وبحرًا حتى سقطت في أيديهم في 14 ديسمبر 1698 م بعد حصار دام ثلاثة وثلاثين شهرًا، ويعلق كوبلانز على هذا الحدث قائلا إنه «بسقوط ذلك الحصن المنيع؛ وضعت دولة اليعاربة نهاية لتفوق البرتغاليين في شرق إفريقيا».
وهنا أخذ الوضع أنماطا أخرى للوجود العُماني، فقد عيَّن الأئمة اليعاربة ولاة من قبلهم على المدن الرئيسية في الشرق الإفريقي، وصارت تبعيتها للدولة العُمانية، وظلت على هذا الحال حتى انتهت دولة اليعاربة وقامت محلها دولة البوسعيد التي على رأسها مؤسسها الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، فقد بقيت تلك المدن على ولائها للدولة البوسعيدية في عُمان، التبعية
ما عدا ولاة ممباسا المزاريع، فقد أعلنوا استقلالهم على ممباسا عن للدولة البوسعيدية في عُمان.
وعندما استولى السيد سعيد بن سلطان على سدة الحكم أولى كبير اهتمام إلى منطقة شرق إفريقيا، واستطاع أن يأخذ ممباسا من أيدي المزاريع تلك المناطق تحت سلطته، وكان اتخاذه من زنجبار عاصمة
ويخضع جميع ثانية لدولته تعميقا وتكريسا للوجود العُماني حيث اتخذ زنجبار عاصمة لممالكه الإفريقية عام 1832 م بينما بقيت مسقط عاصمة لممالكه الآسيوية، وبذلك استطاع السيد سعيد بن سلطان إنشاء إمبراطورية عربية إسلامية آسيوية إفريقية، ونتيجة لذلك اتخذ الوجود العربي العُماني بُعْدًا أوسع، وذلك بالتعمق إلى داخلية القارة الإفريقية، أو ما يسمى بمناطق البر الإفريقي، حتى وصل العُمانيون إلى منطقة البحيرات الوسطى التي تفصل غرب القارة عن
شرقها. (1/14)
صفحة 13
الدور العُماني في شرق إفريقيا
15
منطلقة
وأخذت القوافل التجارية العُمانية تشق طرقها في أدغال القارة السوداء من باغمويو وباغاني إلى تبوره التي تقع في وسط تنجنيقا، ومن بتوره اتجهوا غربا وجنوبًا إلى الوجيجي وكيجوما ثم إلى الكونغو، وشمالا اتجهوا إلى موانزا، ثم عبروا بحيرة فكتوريا التي كانت تعرف ببحيرة نيانزا ـ سابقا ـ إلى بوكوبا وانجاره، ثم توغلوا إلى رواندا وبروندي
وأوغندا.
وهكذا أنشئ العُمانيون شبكة طرق في أدغال القارة الإفريقية لقوافلهم التجارية، حتى أن الدول المستعمرة التي جاءت بعدهم اعتمدوا تلك الطرق وخطوط السير، عندما أنشأوا سكك الحديد وطرق المواصلات
الأخرى.
ويجدر بنا ونحن نتحدث عن التعمق العُماني في شرق إفريقيا ووسطها أن نذكر رحلة أو حملة القائد العُماني حميد بن محمد المرجبي إلى الكونغو، فقد خرج من زنجبار ونزل في تبوره حاضرة بر المويزي ومقر سلطان قبائل المويزي، ومنها انطلق إلى الكونغو عن طريق الوجيجي عبر بحيرة تنجنيقا حتى وصل إلى أراضي الكونغو، وقاتل زعماءها حتى استطاع أن يستولي على ممتلكاتهم، وكون هنالك إمارة، بل مملكة عربية، قوام جيشها حوالي مائة ألف جندي، وصارت له بعد ذلك صولات وجولات مع المستعمرين لا سيما. مع البلجيك، وكان ذلك في عهد السلطان برغش بن سعيد (1870 - 1888 م) الذي كان يدعمه ماديا ومعنويا.
وبمثل تلك الجهود تعمق العُمانيون وانتشروا في أجزاء واسعة من القارة الإفريقية شرقها ووسطها بل وجنوبها، واندمجوا مع الأهالي الأفارقة وتساهروا معهم، وكان لهم دور بارز وملموس في بناء الحياة والحضارة في
تلك المناطق. (1/15)
صفحة 14
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
ويتجلى ذلك الدور في الأشياء التالية:
1 - نشر الإسلام
كان
من نتيجة الوجود العُماني واختلاطهم مع الأفارقة في إفريقيا الشرقية أن انتشر الإسلام بين الأفارقة، واعتنق الأفارقة الدين الإسلامي، وأصبحوا رصيدا جيدًا للإسلام، وسندا قويا للمسلمين.
المعاملة
على أن انتشار الإسلام بين أولئكم الأفارقة يرجع إلى عاملين اثنين: أحدهما: القدوة، فقد عامل العُمانيون الأفارقة بمنتهى الإنسانية وحسن ووجد الإفريقي في العُماني الصدق والأمانة والمراعاة، وعدم الاستعلاء، وبما أن العُمانيين جميعهم اشتغلوا بالتجارة فإنهم أينما حلوا بدؤوا بإنشاء المساجد، ثم يخططون وضع الأسواق أو المحلات التجارية متوزعة حول المسجد.
والزائر الذي يزور تلك المناطق ويتجول في أسواقها يشاهد المسجد قائما في وسط السوق والمحلات من حوله، ترتفع منه كلمة التوحيد وشعار الإسلام. إن ذلك السلوك الإسلامي المتمثل في حسن المعاملة والصدق والأمانة وأداء شعائر الدين والتزام العبادة، هو الذي دفع الأفارقة إلى اعتناق الإسلام
والانخراط فيه.
وثانيهما: الدعوة إلى الإسلام، فقد قام بعض التجار العُمانيين بالدعوة إلى الإسلام وتوضيح معالمه وتبيين مبادئه للناس.
ومن بين أولئكم التجار الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري، الذي وفقه الله إلى دعوة الملك الكباكبا سونا، ملك أوغندا إلى الإسلام، وله في ذلك قصة ظريفة وعجيبة وذلك أن الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري كان يتردد (1/16)
صفحة 15
الدور العُماني في شرق إفريقيا
17
عن
على داخلية البر الإفريقي، أوغندا وما جاورها، يحمل البضائع من زنجبار، وقد شاء الله أن يكون في وقت من الأوقات في ضيافة الملك الأوغندي سونا، الذي يطلق عليه الكباكا، وبينما كان الشيخ العُماني جالسا الملك مع شاهد مجموعة من الفتيان الشباب قد أحضروا بطريقة غير عادية، فسأل. ذلك، فقال له الملك: إن هؤلاء قد أحضروا لذبحهم وفقا لطقوس دينية وثنية عندهم، عند ذلك لم يتمالك الشيخ العربي المسلم من إنكار ذلك الفعل المنكر الشنيع، وتجرأ على المالك قائلا له: إن هذا الفعل مجانب ومناف للإنسانية ولا يجوز عند الله، وذكّره بالله تعالى، وبأن لهؤلاء ربا معبودا هو الله جلالة.
سائدة
هنالك أخذ الملك يسأل عن الإله الله، فأخذ الشيخ يخبره عن الله وما
يجب له من التوحيد، إلى غير ذلك مما توجبه الدعوة إلى الله. فما كان من الملك إلا أن رق قلبه وخضعت نفسه وخشعت جوارحه، واعتنق الإسلام وأمر أهله وحاشيته بالدخول في الإسلام.
وهكذا أخذ الإسلام ينتشر في داخلية البر الإفريقي، وأخذت القبائل الإفريقية هنالك تعتنق الإسلام، ولا تزال أسرة الملك الأوغندي الكباكبا سونا حتى اليوم تمثل بيت الزعامة بالنسبة للمسلمين في أوغندا.
وقد التقى أمين باشا المصري الذي كان واليا على السودان بالشيخ
أحمد بن إبراهيم العامري وأخبره بهذه القصة ودونها في مذكراته. على أن هنالك أشخاصًا آخرين كان لهم دور أيضا في الدعوة إلى الله الإسلام، نذكر منهم عبد ا بن حمود، وخميس بن سالم، اللذين كانا مندوبين للسلطان برغش بن سعيد في أوغندا، فقد كانت لهما جهود موفقة ومشكورة في نشر الإسلام، وصاحب ذلك انتشار بناء المساجد. (1/17)
صفحة 16
18
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
- الحكم والإدارة:
من المعلوم أن الأفارقة لم يتعودوا الحكم والإدارة وأنظمتها، وإنما كانوا عبارة عن تجمعات قبلية يحكمهم زعماء أو سلاطين حكمًا قبليا قائما على التعارف والعادات، ونتيجة للهجرات العُمانية إلى إفريقيا الشرقية فقد صار لهم وجود هنالك، وبالتالي: نتج عنه وجود أطر للحكم والإدارة، وقد مر نظام الحكم بثلاثة أنماط:
تكوين إمارات عربية إسلامية على المدن الساحلية الكبيرة والرئيسية، كل إمارة لها استقلالها عن الأخرى، وعلى رأس كل إمارة أمير يحكمها، وأحيانًا يطلق عليها ملك، وهذا النمط في الحكم كان سائدا قبل وصول
البرتغاليين.
منهم
المدن
- تعيين الولاة وتبيعتهم للدولة اليعربية في عُمان، وهذا النمط اتخذ بعد أن أخرج العُمانيون البرتغاليين من شرق إفريقيا، وأخذوا والمواقع التي كان البرتغاليون استولوا عليها، حيث عين الأئمة اليعاربة ولاة من قبلهم على العديد من مدن الساحل الإفريقي، وهكذا كان الأمر في بداية عهد دولة البوسعيد حتى عهد السيد سعيد بن
سلطان.
الحكم المباشر من قبل السلاطين البوسعيد، منذ عهد السيد سعيد بن سلطان (1806 - 1856 م)، الذي أعطى اهتمامًا كبيرًا لمنطقة إفريقيا الشرقية، وتوج ذلك الاهتمام بأن اتخذ من زنجبار عاصمة لممالكه الإفريقية، وصارت زنجبار العاصمة الثانية للإمبراطورية الآسيوية الإفريقية بجانب مسقط العاصمة الأولى لتلك الإمبراطورية وتشرف على الممالك الآسيوية.
وبعد وفاته تقاسم أولاده تلك الإمبراطورية، وصارت عُمان وما يتبعها (1/18)
صفحة 17
الدور العُماني في شرق إفريقيا
19
للسلطان ثويني بن سعيد وعاصمتها مسقط، كما صارت زنجبار وما يتبعها من
الممالك الإفريقية للسلطان ماجد بن سعيد وعاصمتها زنجبار.
واستمر أبناء وأحفاد السيد سعيد بن سلطان في حكم زنجبار حتى: الانقلاب الشيوعي سنة 1384 هـ ـ 1964 م.
كان
وفي هذه الفترة، أي فترة عهد دولة البوسعيد في إفريقيا الشرقية؛ تطور نظام الحكم والإدارة، حيث صدرت العديد من المراسيم والقوانين واللوائح التنظيمية التي تنظم شؤون الدولة وأمور الرعايا.
ولعل من أهمها ذلك المنشور الذي أصدره السلطان ماجد بن سعيد (1856 - 1670 م)، وهو بمثابة الدستور أو النظام الأساسي، فقد حدد ذلك المنشور علاقة الحاكم بالمحكوم، وما يجب على المحكوم، كما تطرق إلى وضع شرائح المجتمع من حيث أعراقهم ودياناتهم، حيث كفل لهم ذلك المنشور حرياتهم الدينية والاجتماعية.
وظهرت هيكلة الدولة، فهناك الوزراء والمستشارون وأمناء السر في التخصصات المدنية والعسكرية.
كما شهدت هذه الفترة وجود العديد من سفراء وقناصل الدول، لا سيما الدول الأوربية.
وظهرت المباني الحديثة مزودة بالخدمات اللازمة التي خصصت کمفردات للأنظمة المدنية والعسكرية والسياسية التي لا تزال موجودة ومستعملة حتى اليوم.
ويقف بيت العجائب بفخامته وبهائه في زنجبار الذي بناه السلطان برغش بن سعيد شاهدًا حيا على الازدهار الحضاري لذلك العهد العربي المجيد، وقد استعمل كمقر للحكومة. (1/19)
صفحة 18
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسيوي
- الثقافة:
صاحَبَ الوجود العُماني في إفريقيا الشرقية حركة ثقافية نشطة تمثلت في:
أ ـ التعليم: قام العرب العُمانيون بنشر العلم عبر الوسائل المختلفة، ومن أهمها: التعليم، ونتيجة لوجود عدد كبير من العلماء الذين انتقلوا من عُمان إلى شرق إفريقيا؛ فقد انتشرت حلقات العلم في المنازل وفي المساجد، كما أنشأت المدارس التي أخذت تُعنى بنشر العلم والتعليم، وهناك المعهد الإسلامي في زنجبار الذي تخرج منه عدد غير قليل، ولا يزال خريجوه يتبوؤون مناصب في إفريقيا الشرقية تنزانيا وكينيا وجزر القمر وكذلك في سلطنة عُمان، وهناك أيضا مدرسة الشيخ سعيد بن علي المغيري في منطقة ويته في الجزيرة
الخضراء بمبا.
ب ـ التأليف:
شهدت زنجبار والجزيرة الخضراء بمبا حركة نشطة في التأليف، فقد ألفت العديد من المؤلفات في مختلف فنون العلم، قام بتأليفها علماء أجلاء، لهم أقدام راسخة في فنون العلم واللغة والأدب، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، والشيخ أبا مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي، والشيخ سيف بن ناصر الخروصي، والشيخ محمد بن علي المنذري والشيخ علي بن محمد المنذري، وغيرهم. كما صاحب حركة التأليف حركة أخرى هي: نسخ الكتب، فالكثير من الكتب العربية تم نسخها في شرق إفريقيا، حيث كان يوجد عدد من النساخ ذوي الخطوط الجيدة الممتازة. (1/20)
صفحة 19
الدور العُماني في شرق إفريقيا
21
وكان للشعر العربي وجوده وحضوره على الساحة الاجتماعية في إفريقيا الشرقية، فهناك شاعر العرب أبو مسلم البهلاني، وسيف بن ناصر الخروصي، وعبد الرحمن بن ناصر الريامي، وسليمان بن علي الريامي، وهلال بن سعيد بني عرابة، وغيرهم.
د - الطباعة:
جـ
وجدت في زنجبار مطبعة عربية في عهد السلطان برغش بن سعيد، أي: منذ ما يزيد على مائة عام، في حين أن كثيرًا من الدول العربية والإسلامية لم تشهد وجود مطبعة في ذلك الوقت، وكان لوجود تلك المطبعة أثر جيد في نشر الثقافة العربية الإسلامية، فقد طبعت العديد من الكتب والمجلات والصحف وترسخت بذلك الثقافة العربية الإسلامية في ربوع الشرق الإفريقي، بل وصل أثرها الطيب إلى عُمان، حيث استفاد خلق كثير من قراءة تلك المطبوعات من الكتب والمجلات والصحف.
د ـ الصحافة:
من معالم الحركة الثقافية في شرق إفريقيا: وجود الصحافة العربية في زنجبار، فالوجود العربي العُماني في إفريقيا الشرقية استطاع أن يواكب بلدان العالم المتنوّرة، فقد أصدر أصحاب الفكر والأدب والعلم عددًا مثل: صحيفة النجاح، التي أنشأها شاعر العلماء وعالم الشعراء أبو مسلم
البهلاني، كما صدرت هنالك صحيفة الفلق، وصحيفة النهضة.
4 - الزراعة:
من
الصحف،
أدخل العُمانيون التحسين الزراعي في شرق إفريقيا، حيث أنشأوا البساتين وغرسوا الأشجار والخضروات وجلبوا إليها أنواعًا من ذلك من أماكن شتى بعضها من عُمان، وأخرى من الهند، ومن جزر المحيط الهندي. (1/21)
صفحة 20
22
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
الأهمية بمكان أن نشير إلى شجرة القرنفل تلك الشجرة المباركة ومن التي أصبحت مصدر الدخل القومي ليست في زنجبار وبمبا فحسب وإنما في الشرق الإفريقي كله. وشجرة القرنفل تم إحضارها وغرسها في عهد السلطان سلطان، فقد أمر بإحضارها وجلبها من إحدى جزر المحيط الهندي، وصارت في زنجبار والجزيرة الخضراء أفضل ما تكون، وفاقت نظيرتها في الأماكن الأخرى في مناطق المحيط الهند.
سعيد بن
وهكذا قام العُمانيون باستصلاح الأراضي وهيؤوها للزراعة، فتحولت تلك الغابات المخيفة الموحشة إلى واحات غناء وبساتين زاهية يرتاح النظر إليها، وتبتهج النفوس لرؤيتها، فهي حدائق ذات بهجة، حيث نقلوا أنواعًا من أشجار الأمبا (المانجو) من الهند إلى مناطق الشرق الإفريقي، كما نقلوا إليها فسائل النخيل من عُمان، وقد رأيت في منطقة تبوره في البر الإفريقي تلك
الواحات الجميلة من النخيل والمانجو يمتد إليها البصر مسافات شاسعة. وعرف الأفارقة بفضل جهود العُمانيين فنون الزراعة، وزراعة الفواكه والخضار والحبوب، وعرفوا حرث الأرض واستصلاحها وفلاحتها، وما ذلك إلا بفضل الجهود الجبارة والعظيمة التي قام بها أولئك العرب.
5 - التجارة
اهتم العُمانيون بالتجارة اهتماما كبيرًا، وهم الذين أنشأوا شبكة من الطرق التجارية بين الداخل والساحل، وكانت القوافل التجارية تسلكها جيئة وذهابا من المدن والمواني الساحلية إلى داخلية المناطق في البر الإفريقي، وصارت تلك الطرق معروفة للتجار، وازدهرت بذلك الحركة التجارية بين مناطق شرق إفريقيا وبينها وبين مناطق العالم استيرادا وتصديرا، وعَمَّ الرخاء غدت نعومة العيش السمة السائدة هناك آنذاك،
السكان،
حتى
والرفاهية جميع وأصبحت نضارة الحياة واضحة مشاهدة. (1/22)
صفحة 21
الدور العُماني في شرق إفريقيا
23
وعمل السكان الأفارقة مع العُمانيين في التجارة، حيث استعملهم العُمانيون في تجارتهم، واكتسب الأفارقة بذلك خبرة ودراية في مجال التعامل التجاري بعد أن كانوا لا يعرفون شيئًا. ذلك.
6 - العادات والتقاليد
من
وأخيرا؛ فإن الوجود العُماني في إفريقيا الشرقية كان له دور في الحياة الاجتماعية والسلوك الاجتماعي، من حيث العادات والتقاليد في اللباس والمأكل، وبقية مظاهر الحياة الاجتماعية الأخرى، مثل: الأفراح والأعياد
والأعراس.
لذلك يجد المرء تشابها واضحًا في العادات والتقاليد والسلوك بين أهل عُمان وأهل إفريقيا، من الصومال شمالا وحتى جزر القمر جنوبا، ولقد قال لي فخامة الرئيس سيد محمد جوهر، رئيس جمهورية جزر القمر الاتحادية الإسلامية الأسبق، أثناء مقابلته لنا، في شهر أغسطس 1992 م: «لا تتعجبوا إذا رأيتم اللباس هنا في جزر القمر لباسًا عُمانيا، فإن هذا دليل على العلاقة التاريخية التي تربط عُمان وهذا البلد».
وعلى العموم؛ فإن التأثير الحضاري العُماني في إفريقيا الشرقية واضح
المعالم بين الأثر، ودور العُمانيين في تهيئة ظروف الحياة لا يُنكر. (1/23)
صفحة 22
تبوره
المحطة الأولى للعُمانيين في البر الإفريقي
فبراير 1994 م (1/25)
صفحة 23
تبوره المحطة الأولى للعُمانيين في البر الإفريقي
27
عندما
ل إلى تبوره بجمهورية تنزانيا تقابلك واحات النخيل الباسقات بطلعها النضيد، وغابات الأمبا المانجو)، بثمارها المتدلية. لقد كانت تبورة الواقعة في بر المويزي هي المحطة الأولى التي نزلها العُمانيون عند ذهابهم إلى البر الإفريقي كما كانت البوابة التي توغلوا من خلالها إلى أعماق القارة الإفريقية.
هنالك
وكانت كويهاره في تبوره هي المنطقة التي حطوا فيها الرحال بادئ ذي بدء. ويقف في وسط هذه المنطقة تل تكسوه الأشجار الخضراء، وكان نزولهم بجوار سلطان قبائل المويزي، وبالرغم من كون وجود العُمانيين في الشرق الإفريقي قديما، إلا أن بداية توغلهم في البر الإفريقي يرجع إلى عهد السيد سعيد بن سلطان، أما قبل هذا العهد فقد كان وجودهم في المدن مقديشو شمالا. من وإلى جزر القمر جنوبا، ومنذ أن وطد السيد سعيد بن سلطان نفوذه في شرق إفريقيا، أخذ العُمانيون في الرحيل إلى تلك البقاع جماعات ووحدانًا، ووجدوا من طيب المناخ وخصوبة الأرض ورحابة المكان ما يطيب معه المقام، وبدأت القوافل التجارية العُمانية تشق طريقها من باغمويو وباغاني إلى تبوره التي هي حاضرة بر المويزي حيث
الساحلية فقط
منطلقة
كانت مقر سلطان قبائل المويزي.
وما إن وصل العُمانيون إليها، حتى اتخذوها مقرا لهم لطيب هوائها، واعتدال مناخها وخصوبة أرضها ووفرة مياهها، بالإضافة إلى موقعها (1/27)
صفحة 24
28
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
المناسب، فهي تقع في وسط تنجنيقا)؛ الأمر الذي هيأ لهم الانطلاق منها إلى أعماق القارة الإفريقية. فمنها اتجهوا غربا وجنوبا إلى الوجيجي وكيجوما ثم إلى زايئر التي كانت تعرف بـ «الكونغو» ومنها توجهوا شمالا إلى انزيجه وشنيبانجا وموانزا، ثم عبروا بحيرة فكتوريا التي كانت تعرف ببحيرة نيانزا
سابقا إلى بوكوبا وانجاره ثم توغلوا إلى رواندا وبروندي وأوغندا.
ومن تبوره كانت انطلاقة القائد العربي العُماني الشيخ حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو الملقب «تب تب» فقد توجه من تبوره إلى الوجيجي وعبر بحيرة تنجنيقا حتى وصل إلى أراضي الكونغو، وقاتل زعماءها حتى استطاع أن يستولي على ممتلكاتهم وأن يكون هنالك إمارة بل مملكة عربية قوام جيشها حوالي مائة ألف جندي، ثم صارت له جولات وصولات مع الاستعمار البلجيكي.
وقد أدخل العُمانيون إلى تبوره وسائر تلك المناطق الإفريقية مظاهر الحضارة من فكر وعمران، فأدخلوا إليها الإسلام، هذا الرصيد الإلهي الثمين، كما عملوا فيها الأعمال العمرانية من بناء وزراعة وتجارة وصناعة، فأقيمت المساجد وبنيت العمارات والمنازل وأسست المزارع، وأنشئت الأسواق، عُمان وغرسوا فيها كثيرًا من النخل حملوها معهم من موطن النخل في الجزيرة العربية، فالنخلة رفيقة العربي يحملها معه حيث يحل ويرتحل لا يرتاح نظره إلا إلى منظرها البهيج وهي التي أثارت أشجان صقر قريش عبد الرحمن
الداخل في الأندلس عندما رآها شامخة في بستان الرصافة بقرطبة فقال: تبدت لنا وسط الرصافة نخلة تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرب والنوى وطول ابتعادي عن بني وعن أهلي
(1) هو الاسم المستعمل قبل توحيد تنجنيقا وزنجبار، فصار الاسم تنزانيا. (1/28)
صفحة 25
تبوره المحطة الأولى للعُمانيين في البر الإفريقي
29
كما غرسوا فيها أيضًا شجر الأمبا (المانجو) حملوها من زنجبار والمدن الساحلية في الشرق الإفريقي.
وأصبحت تبوره متميزة بكثرة النخيل وأشجار الأمبا (المانجو) ويوجد في تبوره بيت أثري بناه الشيخ سعيد بن سالم الجابري في عام 1857 م في بداية تولي السيد ماجد بن سعيد بن سلطان مقاليد الأمور في شرق إفريقيا، ويتكون البيت من ليوان خارجي و به باب عُماني كبير الشكل والزخرفة، ويوجد بداخله مجلسان داخلي وخارجي وغرفتان للنوم مع دورات مياه وسائر المرافق الأخرى اللازمة من غرف للخدم والحشم والطبخ.
ويستعمل البيت حاليا كمتحف يحكي تاريخ المنطقة ويبرز تراث الماضي، بيد أنه مما يؤسف عليه، أن ذلك المتحف يضم كتابات وصورًا مرسوم فيها تشويه وسوء سمعة للوجود العُماني.
وأصبح ذلك البيت الذي كان مأوى الضيف ومكان الجود والكرم يقال عنه بأنه مكان لاحتجاز العبيد، وأصبحت مجالسه التي كانت يكرم فيها الضيف يقال عنها بأنها محبس للعبيد، وقيل عن غرفه التي كانت مسكنا لكريمات العرب بأنها مكان لنوم العبيد.
وهذه المغالطات والافتراءات والأكاذيب دونها ليفنجستون وستانلي وسبايك وبرتون وغيرهم من الرحالة الأروبيين الذين كانوا طلائع الاستعمار الغربي إلى تلك المناطق، مع أن أولئك الرحالة ما كانوا يستطيعون أن يطؤوا بأقدامهم تلك المناطق لولا مساعدة العرب العُمانيين وضيافتهم لهم لحسن
ظنهم بهم. ويبدو الكلام متناقضا من لسان المرشد السياحي الذي لقن تلك المعلومات تلقينا وعبَّئها تعبئة؛ فهو تارة يجعل مجالس البيت وغرفه (1/29)
صفحة 26
30
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
ومرافقه أماكن لحجز العبيد وحبسهم، وتارة يجعلها للفنجستون ومرافقه
الهندي.
وقد أساء أولئك الرحالة إلى العرب أيما إساءة وشوهوا الوجود العُماني الحضاري والإنساني أيما تشويه فقالوا عن العرب بأنهم استعبدوا الأفارقة وعذبوهم وجوعوهم وباعوهم في أسواق النخاسة وأنهم كانوا يقتلون الضعيف. وهم ـ والله ـ في ذلك لكاذبون؛ فالعرب لم يستعبدوا الأفارقة، بل أكرموهم بالإسلام، ولم يعذبوهم، وإنما علموهم وحضروهم، ولم يجوعوهم وإنما أطعموهم وشجعوهم على العمل، ولم يقتلوا ضعيفهم وإنما أحسنوا إليهم، وفوق هذا وذاك فقد تصاهروا معهم، ويعترف بذلك الأفارقة أنفسهم،
من
الذين أكرمهم الله بالإسلام ولم يتأثروا بالدعاية الاستعمارية الغربية. وما أثير من ضجة وزوبعة حول بيع الرقيق وتجارة الرقيق ما هو إلا محض اختلاق وإساءة إلى العرب والهدف منها سياسي استعماري؛ إذ ليس من المعقول أن يقوم قلة من العرب باحتجاز مجموعات الأفارقة، وللأفارقة أنظمة قبلية صارمة وروابط قبلية ولهم سلاطين وزعماء وكانوا يخوضون حروبًا ضاربة مع بعضهم البعض. ولكن الذي كان يحدث هو أن أولئك الزعماء والسلاطين يقومون ببيع رعاياهم إلى بعض العرب الذين بدورهم يبيعونهم إلى تجار النخاسة الغربيين في المدن الساحلية فالقضية مشتركة بين الأفارقة والعرب والغربيين. فكيف يرمى بها العرب وحدهم؟ وينسب ذلك الفعل إليهم وحدهم
فقط؟ في حين يبرأ منها الآخرون. إنها مأساة التاريخ عندما يكتب التاريخ بأقلام أولئك الحاقدين المغرضين. (1/30)
صفحة 27
الإسلام في أوغندا
بحث مُقَدَّم إلى ندوة:
تاريخ الحضارة الإسلامية في إفريقيا الشرقية
في الفترة: 2 - 2013/ 9/4 م (1/31)
صفحة 28
مقدمة
33
والاه:
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن
أما
بعد: فهذا بحث بعنوان: الإسلام في أوغندا، أعددته لندوة: تاريخ الحضارة الإسلامية في إفريقيا الشرقية، التي ستقيمها الهيئة العامة للوثائق والمحفوظات بسلطنة عُمان في زنجبار درة الشرق الإفريقي وعاصمته الإيمانية والثقافية في الفترة من 2 - 2013/ 9/4 م، بدعوة من أخينا سعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني رئيس الهيئة.
وسبب اختياري الموضوع المذكور أعلاه هو أنني زرت جمهورية أوغندا لحضور الندوة العالمية للحضارة والتاريخ الإسلامي في إفريقيا الشرقية التي أقامها مركز الحضارة والتاريخ الإسلامي في اسطنبول بتركيا التابع التعاون الإسلامي في الفترة من 15 ـ 17 ديسمبر 2003 م.
لمنظمة
وعندما كانت لي مداخلة على بعض الأوراق في بعض الجلسات، وذكرت الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري وإسلام الملك الكباكبا سونا أقبل إلي الكثير من الحاضرين في جلسة الاستراحة يسألونني عن والمعلومات، وهو دليل واضح أنهم أصبحوا لا يعرفون شيئًا عن.
ذلك.
القصة (1/33)
صفحة 29
34
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والأسيوي
وعرفت أنهم لا يعرفون شيئًا عن دخول الإسلام إلى أوغندا، فهم لا يعرفون أحمد بن إبراهيم العامري ولا يعرفون خميس بن جمعة، بل إنهم لا يعرفون مطلقا الدور العُماني الحضاري والتاريخي في أوغندا. بلدان وأصبحوا يسندون هذا الدور العظيم إلى أشخاص آخرين من أخرى؛ لأن أبناء تلك البلدان كتبوا في ذلك ونسبوا ذلك العمل الجليل والشريف إلى آبائهم وأجدادهم، وأهملوا هنا الدور العُماني، وغمطوا بذلك العُمانيين حقهم التاريخي والحضاري؛ لأن العُمانيين لم يكتبوا تاريخهم، وما كتبه الشيخ الجليل سعيد بن علي المغيري في كتابه القيم والمفيد لم يغط منطقة الشرق الإفريقي كلها، وإنما ركّز على تنزانيا، المؤلفة من تنجنيقا وزنجبار، وشيئا عن المدن الساحلية الكينية، وحتى بالنسبة إلى تنزانيا، فهو لم يستوعب جميع مفاصل الحراك العُماني الديني والاجتماعي والتاريخي والحضاري للعُمانيين في تنجنيقا وزنجبار. لكنه جزاه الله خيرا، قدم عملا جليلا بكتابه ذلك لم يسبق إليه، ولولاه لضاع التاريخ العُماني في إفريقيا الشرقية، ولم يعرف عن الوجود العُماني هنالك شيء، ولغابت عنا أخبار العُمانيين في إفريقيا الشرقية. على أن الشيخ المغيري نفسه أبدى تأسفًا وتحشرًا على إهمال العُمانيين لتاريخهم حيث قال: ومن سواقط الهمة والإهمال وقلة الاعتناء العرب العمانيين الذين سادوا هذه القارة الإفريقية، واستعمروها وأوجدوا فيها المآثر والسلطات منذ قرون عديدة لم يدونوا في أيامهم الأخبار الواقعة والكائنة في عصرهم إلا ما ذكرته بعض التواريخ العُمانية في بعض الغزوات والوقائع التي بين عرب عمان والبرتغال في عهد دولة الأئمة اليعاربة، وها أنا ذا أبينها في هذا التاريخ، والأسف ملء جوانحي، حيث أعتمد على نقل مآثر العرب ومفاخرهم، وقوة ظهورهم وسلطانهم في هذه الإفريقية مما دونته التواريخ
من (1/34)
صفحة 30
الإسلام في أوغندا
35
الأوروبية، ونحن معشر العرب نشكر الأروبيين الذين بذلوا مجهوداتهم في إظهار مفاخر العرب ومآثرهم التي كونوها وأوجدوها في هذه
اهتماما
القارة، ونعترف لهم أنها لولا همتهم لكانت في خبر كان.
لذلك؛ رأيت اختيار الكتابة في موضوع وصول الإسلام إلى أوغندا، وذلك لكي يعود الحق إلى أهله، ويرجع الفرع إلى أصله، ويعتمد العود على
نصابه.
وقد جعلته في محاور خمسة:
الأول: التعريف بأوغندا مكانًا وسُكّانًا.
الثاني: انتشار الإسلام في شرق إفريقيا.
الثالث: الهجرات العُمانية إلى شرق إفريقيا.
الرابع: وصول الإسلام إلى أوغندا، وهو صلب الموضوع ولحمته وسداه. الخامس: الوجود العُماني في أوغندا.
ولا يفوتني أن أقدم الشكر إلى الهيئة العامة للوثائق والمحفوظات وعلى رأسها الدكتور حمد الضوياني على الاهتمام الكبير بالحضارة والتاريخ الإسلامي في إفريقيا الشرقية اللذين كان للعُمانيين النصيب الوافر فيهما.
والله ولي التوفيق.
(1) جهينة الأخبار، صه. (1/35)
صفحة 31
36
أولا: المكان
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والأسبوز
أوغندا المكان والسكان
- الموقع: تقع جمهورية أوغندا في الجهة الشرقية الوسطى من القارة الإفريقية وهي تطل على القسم الشمالي الغربي لبحيرة فكتوريا التي هي أحد منبعي نهر النيل العظيم.
الحدود: يحدها من الشمال دولة جنوب السودان، ومن الشرق كينيا،
ومن الجنوب تنزانيا ورواندا ومن الغرب الكونغو.
كانت أوغندا تتكون من مقاطعات أو ممالك، وأشهرها مملكة بوغندا
التي تقع فيها العاصمة الحالية، كمبالا.
يعرف الموقع التي تحتله أوغندا، بأنه سقف إفريقيا نظرا لارتفاعه، ووقوعه على هضبة عالية، وهذا الموقع جعل أوغندا تقع على مسطحات مائية كبيرة، تتكون من بحيرات عدة تحيط بأوغندا).
(1) العزيزي، هاني عبد الرحيم، موسوعة دول العالم، ص 44 دار النبراس والتوزيع، عمان، وانظر: الحداد، أحمد محمد مشهور، حقائق تاريخية عن العرب والإسلام في إفريقيا
الشرقية، ص 75، دار الفتح. (1/36)
صفحة 32
الإسلام في أوغندا
ثانيا: السكان
37
يبلغ عدد سكان جمهورية أوغندا حوالي 35 مليون نسمة، المكون
الإسلامي منهم يحتل نسبة %12% حسب الإحصاء الرسمي.
1962 م.
وقد خضعت أوغندا للاستعمار البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية على شرق إفريقيا التي استمرت 72 عاما، وقد نالت استقلالها بتاريخ 9 أكتوبر
(1) موقع جمهورية أوغندا على الشبكة المعلوماتية. (2) موسوعة دول العالم، ص 44. (1/37)
صفحة 33
38
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والأسبوي
انتشار الإسلام في إفريقيا الشرقية
الله
الإسلام دين الله الخالد القويم، بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة: به وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةُ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ: 28] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] فقام الله بما أمره به ربه خير قيام، فهو قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وغطى الإسلام جزيرة العرب، ومن بينها، عُمان باعتبارها مكوّنا من المكونات الجغرافية للجزيرة
العربية.
وقد اعتنق العُمانيون الإسلام على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عبر مرحلتين:
الأولى: كانت مبادرة عُمانية من الصحابي الجليل مازن بن غضوبة فهو الذي ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل في الإسلام، وبعد عودته أخذ يدعو الناس إلى الدخول في دين الإسلام، ودخل بعض أهل عُمان في الإسلام بسبب
ذلك.
الثانية: مجيء الصحابي عمرو بن العاص، مبعوثا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملكي عُمان جيفر وعبد ابني الجلندى، ودخل الملكان في الإسلام ودخل معهما قومهما من أهل عُمان في الإسلام، ونتيجة لذلك، أصبح الإسلام يشكل
ظاهرة اجتماعية في عُمان، حيث دخل العُمانيون كافة في الإسلام. (1/38)
صفحة 34
الإسلام في أوغندا
39
وحملوا الإسلام بقوة وصدق إلى خارج عُمان، حيث شاركوا من أول الأمر في الفتوحات أو التحريرات الإسلامية، بدءًا من عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق.
وظل العُمانيون أوفياء لدينهم ولدولة الخلافة الراشدة حتى تغير نظام الحكم في الإسلام، وتحول من خلافة راشدة إلى ملك عضوض بدءًا من
معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية بفرعيها السفياني والمرواني. هنالك رأى العُمانيون أن الاستقلال عن الدولة الأموية هو الأنسب
والأصلح لهم، لذلك أعلنوا الاستقلال العُماني عن التبعية للدولة الأموية. وعلى عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (65 - 86 هـ) رأى واليه على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي أنه لا بد من إخضاع عُمان لسلطة الدولة الأموية، فأخذ يشن عليها الحروب حربًا بعد حرب، ويسير الجيوش جيشا بعد جيش، وكان ذلك على عهد الملكين سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندى على عُمان، وبعد سلسلة من الحروب استشعر الملكان العُمانيان العجز فقررا التوجه إلى شرق إفريقيا بمن معها من أقارب وحاشية".
ويحدد الشيخ سعيد بن علي المغيري ذلك بأنه كان سنة 64 هجرية)، وهو تصحيف تاريخي ولعله قصد سنة 74 هـ؛ فإن الحجاج صار واليا على العراق في عهد عبد الملك بن مروان الذي ابتدأ ملكه سنة 65 هـ.
على أن هناك تساؤلا يدور في خلدي، ألا وهو: هل توجه سليمان وسعيد ومن معهما من أهل وأقارب وحاشية كان يمثل سابقة عهد للعمانيين بإفريقيا الشرقية، أم أن هناك وجودًا عمانيا كان قد سبقهم؟
(1) السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان، ج 1، ص 74.
(2) جهينة الأخبار، ص 96. (1/39)
صفحة 35
40
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسبوي
في رأيي أن قدوم المذكورين إلى شرق إفريقيا لم يكن هو الوجود العُماني الأول، وإنما كان هنالك وجود عُماني سابق؛ إذ من غير المعقول أن يغامروا بالذهاب إلى شرق إفريقيا، دون وجود عُماني سابق، وإذا ما ثبت أن هناك وجودًا عُمانيًا سابقا، فهناك يثور تساؤل آخر، ألا وهو: هل كان العُمانيون الموجودون في الشرق الإفريقي على الإسلام؟ في رأيي أنهم كانوا على الإسلام؛ لأنهم ربما كانوا قد هاجروا إليها أو هاجر إليها بعضهم بعد دخول أهل عُمان في الإسلام، كما أنه من الطبيعي أن التواصل بين وبين شرق إفريقيا عبرهم لم ينقطع. إذن: نستطيع أن نقرر أن الإسلام وصل إلى شرق إفريقيا، بعد وصوله إلى عمان بوقت ليس بالطويل، ولعلنا لا نبعد النجعة إذا قلنا: إن الإسلام كان قد وصل إلى شرق إفريقيا في النصف الأول من القرن الأول للهجرة على وجه التقريب على أيدي العُمانيين.
عُمان (1/40)
صفحة 36
41
الإسلام في أوغندا
الهجرات العُمانية إلى شرق إفريقيا
1
1
توالت الهجرات العُمانية إلى شرق إفريقيا بعد مجيء سليمان وسعيد الجلندانيين إليها، وتكونت بعد ذلك الإمارات العربية الإسلامية على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا، من الصومال شمالا وحتى جزر القمر جنوبا، وعندما وصل البرتغاليون إلى شرق إفريقيا وجدوا تلك الإمارات العربية الإسلامية ممتدة على طول الساحل، يقول الأمير شكيب أرسلان: «إن الجزر والسواحل في شرق إفريقيا كان يسيطر عليها العُمانيون، فجاء البرتغاليون فأخذوها من أيديهم في نحو سنة 1503 م، فكان استردادها على يد سيف بن سلطان سنة 1694 م (1).
وعندما قامت دولة الإمامة اليعربية في عُمان (1034 ـ 1157 هـ / 162 ـ (1744 م صار هنالك امتداد سياسي لعُمان، فقد استنجد المسلمون الأفارقة بالأئمة اليعاربة لتخليصهم من نير الاستعمار البرتغالي، فأنجد العُمانيون إخوانهم الأفارقة، وخضعت مناطق الساحل للدولة العُمانية، غير أن ذلك الوجود السياسي العُماني، بل والوجود الإسلامي كانا منحصرين في
(1) حاضر العالم الاسلامي، ج 4، ص 336، دار الفكر / بيروت، وأصل الكتاب للمؤلف الأمريكي لوثوروب ستورداد، وعمل عليه شكيب أرسلان تعليقات فاقت حجم الكتاب
الأصلي. (1/41)
صفحة 37
42
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والأسبون
مناطق الساحل فقط دون مناطق الداخل الإفريقي، أو ما يعرف بمناطق البر
الإفريقي.
وعندما قامت دولة آل
عُمان منذ عام 1157 هـ /1744 م توسع سعيد في بو الامتداد السياسي العُماني إلى مناطق الداخل الإفريقي لا سيما على عهد السلطان سعيد بن سلطان (1806 - 1856 م) وعهد ولديه السلطانين ماجد وبرغش وأخذت القوافل التجارية العُمانية تتوغل في داخل القارة الإفريقية حتى بلغت البحيرات الوسطى، يعبر عن ذلك التوسع العُماني البيت الشعري
القائل:
إن تعالى المزمار في زنجبار رقص الناس في البحيرات رقصا وكان بعض تجار تلك القوافل لديهم الغيرة الإسلامية، ويحملون هم الدعوة إلى الإسلام فقاموا بالدعوة الإسلامية حتى دخل بسبب ذلك الكثير من الأفارقة الإسلام، وأخذ الإسلام ينتشر في مناطق الداخل الإفريقي في تنجنيقا وأوغندا، ورواندا، وبروندي والكونغو وزامبيا وزمبابوي وغيرها.
وهو
على أننا في هذا البحث نخص بالذكر أوغندا ووصول الإسلام إليها،
ما سنتناوله في الفقرات التالية. (1/42)
صفحة 38
الإسلام في أوغندا
وصول الإسلام إلى أوغندا
43
أولا: إقليم بوغندا
إقليم بوغندا أحد مكونات جمهورية أوغندا المعاصرة، وكان مملكة
تحت حكم الكباكبا سونا.
والظاهر أن مملكة بوغندا، هي أول مكان يصله الإسلام، قبل غيره من الممالك والأقاليم الأوغندية.
والسبب في ذلك أنه كان هنالك رجل تاجر يقوم بالتجارة بين زنجبار وممالك وإقليم أوغندا، ذلك التاجر هو الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري العُماني، والعامري نسبة إلى قبيلة العوامر، إحدى القبائل العُمانية الكبيرة والعريقة، وهي قبيلة قيسية نزارية عدنانية.
وقد وصل الشيخ أحمد العامري إلى بلاط الملك الكباكبا سونا سنة 1260 هـ / 1843 م في عهد السلطان سعيد بن سلطان، سلطان عُمان وشرق
إفريقيا.
وكان الملك سونا وقومه على الديانة الوثنية، أو الديانة اللادينية وكانت
لهم طقوسات يمارسونها على أساس ديني وفق ديانتهم. (1/43)
صفحة 39
??
سو
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسبوز
ومن ذلك، القيام بذبح البشر كقرابين يتقربون بهم إلى معبودهم، وذات يوم من الأيام، وبينما كان الشيخ أحمد العامري في بلاط الملك الكباكبا رنا، شاهد مجموعة من البشر، قد أحضروا ليقدموا للذبح، فلم يتمالك نفسه أمام ذلك المنظر الوحشي الذي هو قائم على إلغاء القيم الإنسانية من الحياة، وعلى إهدار كرامة الإنسان، وعلى نزع الرحمة من القلوب ووقف قائلًا ومخاطبا الملك: الشيخ أحمد: مولاي الملك، ما الذي تريد أن تفعله بهؤلاء؟
الملك: أريد ذبحهم وتقريبهم قرابين للآلهة.
الشيخ
أحمد: لا
يحق لك ذلك أيها الملك.
الملك: هم رعيتي، وهذا ديننا، ومن حقي أن أفعل بهم
هذا.
الشيخ أحمد: مولاي إن هؤلاء الرعايا الذين تسفك دماءهم كل يوم بغير حق، إنما هم مخلوقات الله الله الله الذي خلقك، وأنعم عليك بهذه المملكة.
هذه الملكة. الملك: آلهتي هي التي منحتني
الشيخ أحمد: هنالك إله واحد هو الله الواحد الأحد.
الملك: ومن هو الإله الذي تتحدث عنه؟
الشيخ أحمد.
هو
الله خالق السماوات والأرض وخالق كل شيء وخالقك
ورازقك أنت أيها الملك.
الحاضرون: يتساءلون ـ وهم في دهشة من الأمر ـ ما الذي يحصل
ويدور بين الملك والتاجر العربي.
هو
الملك ـ مطرق يفكر، وهو في حيرة من أمره -: من هذا الإله؟ ومن
الله خالق الكون؟ (1/44)
صفحة 40
الإسلام في أوغندا
45
الشيخ أحمد مولاي الملك أرجو أن تؤمن بالله الواحد الأحد،.
لك ولقومك.
الملك: كيف لي أن أؤمن بذلك؟
الشيخ أحمد: تشهد أن لا إله الا الله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله.
هو
خير
هنالك أخذ قلب الملك وعقله ينفتحان على ما قاله الشيخ أحمد وأعلن إسلامه أمام قومه ودهشتهم وهذا هو الملك يدخل في الإسلام، وينطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، مسلما، وطلب من الشيخ أحمد أن يعلمه الدين الذي لا مكان فيه للشرك والوثنية وتقديس الأفراد، وعبادة الأفراد والأصنام.
ويصبح بعد ذلك
كما طلب الملك من الشيخ أحمد أن يمكث ويقيم عندهم في بلاط الملك لكي يعلمه وقومه دين الإسلام.
ووجدها
الشيخ أحمد فرصه سانحة للبقاء هنالك لتعليم الملك وقومه
وحاشيته الدين الإسلامي الحنيف ودخل الملك الكباكا سونا الإسلام ودخل معه الإسلام أهله وأقاربه وحاشيته ورعيته).
وقد أخذ الشيخ العامري يعلم الملك مبادئ الإسلام في العقيدة والعبادات وأمور الإسلام، واستطاع الملك بتوفيق الله أن يتعلم القرآن الكريم وأن يحفظ أربعة أجزاء من القرآن.
ص
(1) مجموعة من المؤلفين، عُمان في التاريخ، 500 إصدار: وزارة الاعلام/ سلطنة عُمان. إبراهيم زين صغيرون، الإسهام العُماني في المجالات الثقافية والفكرية والكشف عن مجاهل القارة الإفريقية في العهد البوسعيدي، بحث قدمه الباحث في ندوة: العُمانيون ودورهم الحضاري والريادي في شرق إفريقيا، التي أقامها المنتدى الأدبي في سلطنة عُمان
28 - 1992/ 9/29 م. (1/45)
صفحة 41
46
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسباب
وقد توفي الكباكبا سونا سنة 1273 هـ /1856 م في نفس السنة التي توفي
فيها السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي سلطان عُمان وشرق إفريقيا. وخلفه على الحكم ابنه موتيسا الذي أظهر حماسا شديدا وقويا للإسلام ونشره والدعوة إليه في الأقاليم الأوغندية، وذلك بدعوة سلاطينها وملوكها إلى الدخول في الإسلام".
كما قام بالتواصل مع حكام مصر وإقامة علاقات صداقة وتعاون معهم وبعث إليهم بالهدايا وطلب منهم إرسال علماء لكي يعلموا البوغنديين الدين الإسلامي ويشرحوا لهم معالم الإسلام التي يحتاجها المسلمون في
بوغندا.
فما كان من حاكم مصر آنذاك إلا أن لبَّى طلب الملك موتيسا وأجابه بالخطاب التالي: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، حمدا لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم أنبيائه، نخصكم بمزيد السلام والتحية، إنه عرضت لدينا مكاتبكم وعلمنا الهدية التي أرسلتموها وحصلت عندنا المسرورية حيث شرح الله صدوركم للإسلام، وجعلكم أمة سيدنا محمد خير الأنام، واجب علينا إسعافكم في إبعاث العلماء الذين طلبتموهم لتعليم الديانة، وبعد
تاريخه يرسلوا لطرفكم زادكم الله توفيقا ورشادًا وهداية. والسلام» (3). ونظرا لالتزام الملك موتيسا بالإسلام، فقد أمر باعتماد التقويم الهجري مملكته، كما أمر بالالتزام بأحكام وآداب الإسلام في المعاملات اليومية
في
وأمر بالأخلاق الإسلامية في المعاملات الإجتماعية.
وقد توفي سنة 1302 هـ / 1884 م.
(1) عمان في التاريخ، ص 501.
(2) الحداد، مصدر سابق، ص.
79 (1/46)
صفحة 42
الإسلام في أوغندا
47
73
وفي هذا الوقت كان نفوذ الاستعمار البريطاني أخذ يشتد على شرق إفريقيا، لذلك اشترطوا على من يريد أن يتولى الحكم أن يكون مسيحيا، الأمر الذي رفضه الأمير نوح بن موتيسا، بينما وافق أخوه على التحول من الإسلام إلى المسيحية، وبناء على ذلك مكنه الانجليز من تولي الحكم خلفا
عن والده.
السلطان
أما الأمير نوح فقد توجه إلى زنجبار للإقامة بها بجوار سلاطينها، برغش ومن بعده من السلاطين وقضى في زنجبار بقية حياته حتى توفي بها، وعاد ابنه الأمير بدر بن نوح إلى أوغندا بعد وفاة والده، وبنى منزله (الفيلا) على ربوة مرتفعة في كمبالا العاصمة الأوغندية، مستوحى من طراز بيوت زنجبار، حسب ما قال لنا حفيده الأمير قاسم بن بدر الذي لا يزال يسكن نفس المنزل (الفيلا).
كما بنى مسجدا جامعا قريبًا منه، وبنى أيضا مدرسة ثانوية، وقد قام بعد عودته إلى أوغندا بالمطالبة باستقلال بلاده عن بريطانيا، وأخذ يكافح في سبيل الله على ما يقول الشيخ سعيد بن علي المغيري الذي سماه الكباكبا"، واعتبره زعيم الثورة في أوغندا، والظاهر أن كلمة «الكباكبا» لقب ملكي لهذه
العائلة المالكة.
وكنت قد زرت الأمير قاسم بن بدر في منزله الأنيق ذلك، بعد انتهاء أعمال الندوة العالمية للحضارة والتاريخ الإسلامي وكانت الزيارة بتاريخ
2013/ 12/18 م
الساعة التاسعة صباحًا.
وهو الذي أخبرني بالمعلومات الآنفة الذكر عند مقابلتي إياه، بعدما
سألته عن آبائه وأجداده وقصة إسلامهم.
(1) جهينة الأخبار، ص 519. (1/47)
صفحة 43
48
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسبوز
وهو الآن يعتبر الزعيم للمسلمين في أوغندا، يعترف له المسلمون هنالك
بالقيادة الدينية والاجتماعية (1).
ثانيا: مملكة بانيورو
مملكة بانيورو، أو إقليم بانيورو إحدى المكونات لجمهورية أوغندا المعاصرة، وكان يحكمها الملك كباريجا، الذي كان يرتبط بصداقة حميمة مع السلطان برغش بن، سعيد سلطان شرق إفريقيا.
وقد كان للتاجر العُماني المسلم خميس بن جمعة دور بارز ومؤثر في دخول الملك كباريجا الإسلام، ومنذ ذلك وصل الإسلام إلى مملكة بانيورو، حيث أسلم الملك ومن معه من حاشيته وأقاربه وقومه، ولعل كان بعض الأفراد في هذه المملكة اعتنقوا الإسلام قبل ذلك، لكن الإسلام لم يكن يشكل ظاهرة إلا بعد دخول الملك في الإسلام.
ونظرًا للعلاقة الطيبة التي تربطه بالسلطان برغش فقد اتخذ له مستشارين من التجار العُمانين، أبرزهم خميس بن جمعة، وعبد الرحمن بن عبيد بن حمود، ولعل هناك أشخاصا غيرهم لم ترد أسماؤهم.
كما أقام علاقات قوية مع حكام مصر، إلى حد أن رفع علم الحكومة المصرية، فوق أرض مملكته (2)، مما يدل على حبه للإسلام والمسلمين. ومنذ ذلك العهد عهد الملك الكباكبا سونا وعهد الملك كباريجا،
أصبح الإسلام راسخ القدم، قوي الجذور في أوغندا.
(1) وله أخ اسمه خلفان بن بدر، وقد التقيت به أثناء أعمال الندوة المذكورة، حيث كان من
المشاركين في أعمالها.
(2) الحداد، مصدر سابق، ص 79 (1/48)
صفحة 44
الإسلام في أوغندا
49
وأصبحت هاتان العائلتان المالكتان تحملان الإسلام بحماسة وصدق، ويكافح أفرادها من أجله، كما كانت لهم جهود صادقة في مواجهة الاستعمار البريطاني، كما شهدت أوغندا ظهور قيادات إسلامية من أبنائها كان لهم دورهم أيضا في ترسيخ قيم الإسلام، وتثبيت معالمه، ومقاومة
(1)
المستعمر).
(1) الحداد، مصدر سابق، ص 91 (1/49)
صفحة 45
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
الوجود العُماني في أوغندا
بعد وصول الإسلام إلى أوغندا، شهدت أوغندا هجرات عُمانية، بوصول عدد من العُمانيين إليها، حيث استقروا في أماكن مختلفة ومناطق عديدة منها. وكان هلال. أحمد السناوي الحارثي الذي أخذنا في زيارة بعد انتهاء بن أعمال الندوة العالمية للحضارة والتاريخ الإسلامي إلى بعض الأماكن التي يوجد بها عدد. بو جيري ومنطقة ايجنجا الآن، مثل منطقة العُمانيين حتى من وغيرها من المناطق أخبرنا عن عدد من المناطق التي كانت يسكنها العُمانيون سابقا، وأسماء قبائلهم العُمانية، ولكن معظمهم أو أغلبهم عادوا إلى عُمان، ولقد كان للعُمانيين تاريخيًا دور مشرّف وبارز في مقاومة المستعمرين ومقاومة الحركات التبشيرية التنصيرية عندما نشطت البعثات التنصيرية والكنائس المسيحية في الدعوة إلى الديانة النصرانية في أوغندا، لا سيما بين أوساط أبناء المسلمين، وقد وردت في وثائق الكنيسة أسماء كل من: الشيخ سليمان بن زاهر الجابري الذي كان يترأس الجالية العُمانية في أوغندا، ومسعود بن عبيد وسعيد بن سيف، وصالح بن سالم، وكان لهم. قيادي في رعاية وتوحيد صفوف المسلمين الأوغنديين في مجابهة الخطر الصليبي المتمثل في نشاط الجمعيات والإرساليات النصرانية الأوروبية).
(1) ابراهيم زين صغيرون، البحث السابق.
دور (1/50)
صفحة 46
الإسلام في أوغندا
01
ولعل هذه المقاومة الصلبة والموفقة من قبل هؤلاء الرجال الأبطال الشرفاء الغيورين على إسلامهم هي التي حملت الأسقف الكسندر ماكاي الذي أوكلت إليه مهمة التنصير في أوغندا من قبل الجمعية الإرسالية الكنسية في بريطانيا، إلى توجيه نداء إلى الجمعية المذكورة للعمل على أهل عُمان. تنصير
وجاء ذلك النداء تحت عنوان مسقط زنجبار ووسط إفريقيا، وجاء فيه: «فإنه من واجب كنيسة المسيح الواضح والحتمي أن تستغل فرصتها لنشر رسالة الإنجيل إليهم وفي كل التوقعات سيكون لقوة الروح القدس في أوقات الرب السعيدة علامة واضحة بانتصار المسيحية في هذه الأراضي». وقال: «إن مسقط، ولأكثر من اعتبار هي المفتاح لوسط إفريقيا، فمنذ قرن مضى دفع إمام. مسقط بفتوحاته على طول ساحل شرق إفريقيا، واستنقذ زنجبار من أيدي القوة البرتغالية المتقهقرة، وببصيرة نادرة تمسك الإمام بالجزيرة العطرة معتبرا إياها بوابة إلى وسط إفريقيا، وخلال الثلاثين سنة الماضية أو أكثر كانت زنجبار مستقلة، لكنني نادرا ما أقابل عربيا لا ينظر إلى مسقط على أنها الوطن، إن الفضل أساسًا يعود إلى عرب مسقط، الذين تغلغلوا من زنجبار إلى داخل الأرض ببضائع مصانع مانشستر وأقاموا علاقات سلمية من القبائل المحلية».
وقال: «إن العرب المحتشدين في وسط إفريقيا ينحدرون عموما من مسقط أو المدن الأخرى التي تحت السيادة العُمانية، عدا القليل من البلوش وأهل شحر، وحضرموت، وأن عدد الهجناء المولودين في زنجبار وبونيا
نيمبي يزيد الآن عما كان عليه في الماضي، ولكن كقاعدة فإن العربي القح ينتمي إلى عمان». (1/51)
صفحة 47
52
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وقال: «إنني كثيرًا ما أسمع العرب في محاولاتهم إقناع السلطات الأوغندية بالعدول عن التسامح مع تعاليمنا يؤكدون لا نجرؤ على إدخال ديننا في بلدهم عمان، وكثيرًا ما يوبخني الزنوج قائلين: لماذا تأتون إلينا تطالبون الناس بتغيير عادات آبائهم في حين أنكم تهملون العرب وغيرهم ممن هم أقرب إليكم، إن هذه الرؤية يجب أن تزال.
إن إرساليتنا في نيانزا تدين بالكثير لعرب مسقط، ابتداء من السيد برغش آخر أمراء زنجبار وإلى أقل تاجر في الداخل، لقد ساعدونا مرارا وأعاقونا على السوءا، لذلك فنحن مدينون لهم بالضعف، ولا أرى طريقًا أكثر أثرا لرد هذا الدين من إنشاء فوري لإرسالية قوية في قلب مركز قيادتهم مسقط نفسها، وإذا كان أكثر المحمديين تزمنا وتحفظا قد استطاعوا بالترحال توسيع أفكارهم، وكما نشاهد بأعيننا، يصبحون يوميًا أكثر تنورًا وتسامحا، وإذا كان البعض منهم يوافق على تغيير معتقده إلى السحر فمن ذا الذي يجزم بأنهم سيعيرون أذنا صماء لوحي رحمة الرب، إنني لا أنكر أن المهمة شاقة، وأن الرجال المختارين للعمل في مسقط يجب أن يكونوا قد وهبوا قدرًا ليس بقليل من روح عيسى، إلى جانب امتلاكهم للقدرة اللغوية حتى يتمكنوا من الوصول ليس إلى أسماع الرجال فحسب بل إلى صميم قلوبهم».
إلى أن جاء في آخر النداء: إن هذا النداء لا يُعنى بأهل الهند من المحمديين فمؤيدوهم كثر، بل يُعنى بالتاجر العربي في إفريقيا الذي بيته إما في مسقط أو في زنجبار، عسى أن يقال قريبا، لقد جاء هذا اليوم الخلاص إلى هذا البيت لأنه هو أيضا ابن لإبراهيم»).
على أنه لا يزال هنالك وجود عُماني في أوغندا حتى
الآن، وإن كان
(1) الحسيني، سليمان بن سالم الحملات التنصيرية إلى عُمان، ص 50 - 60، دار الحكمة لندن. (1/52)
صفحة 48
الإسلام في أوغندا
53
عددهم غير كثير، وهم في السنوات الأخيرة أنشأوا لهم جمعية الاستقامة الخيرية، وهي مؤسسة خيرية دينية اجتماعية، تعنى بأمورهم، ومقرها منطقة بوجيري الواقعة في شرق أوغندا.
ومن
الملاحظ أن العُمانيين طول فترة وجودهم في أوغندا لم يكن لهم
6 (1)
وجود في العاصمة التجارية كمبالا، ولا في العاصمة السياسية عنتيبي " وإنما كانوا متفرقين في أنحاء أخرى متفرقة ومتعددة، غير أنهم في السنوات الأخيرة استقر بعض منهم في العاصمة كمبالا، وهم يمارسون الأعمال التجارية، وعندما زرت أوغندا عام 2003 م وجدتهم يؤسسون مسجدا هنالك، ولعله الآن قد اكتمل بناؤه وتم افتتاحه.
والله ولي التوفيق.
(1) العاصمتان كمبالا وعنتيبي قريبتان من بعض، بل هما متلاصقتان في الوقت الحاضر. (1/53)
صفحة 49
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
بحث قدّم إلى ندوة الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العُماني في دول البحيرات العظمى الإفريقية في جمهورية بوروندي (1/55)
صفحة 50
مقدمة
ين الله الله الرحمن الرحي
هذا البحث هو بعنوان: الإسلام في البحيرات العظمى، ويعني بالإسلام وصول الإسلام إلى مناطق البحيرات الإفريقية العظمى أو الوسطى، ولا يعني واقع الإسلام المعاصر، فإن الواقع المعاصر للإسلام صار يشكل العرب ذوو الأصول العُمانية وجودًا قليلا؛ نظرًا إلى وصول أجناس أخرى من مناطق أخرى كالهند وباكستان وبنجلاديش وأندونيسيا، إضافة إلى وجود عرب من اليمن، كما أن عددًا من الأفارقة دخلوا في الإسلام، فأصبح المجتمع الإسلامي في دول شرق ووسط إفريقيا مكونا من أجناس متعددة، وأيضا فإن عددًا من ذوي الأصول العُمانية عادوا إلى وطنهم الأصلي عُمان.
بيد أن البحث يبين الوصول الأول للإسلام إلى المناطق المذكورة؛ باعتباره أول عهد إسلامي هنالك، ولعلها أول مرة تتصل الأرض بالسماء الأذان للصلوات، معلنا الشهادة بالوحدانية الله تعالى والإقرار عبر بالعبودية لله وحده، وأنه لا معبود بحق سواه، والشهادة المحمد السوء
الحقة. (1/57)
صفحة 51
58
وقد جعلته تحت العناوين التالية:
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
أولا: البحيرات الإفريقية العظمى.
ثانيا: مناطق البحيرات العظمى.
ثالثًا: اكتشاف العُمانيين لمناطق البحيرات.
رابعا: طرق القوافل التجارية.
خامسًا: الاستقرار العُماني في مناطق البحيرات. (1/58)
صفحة 52
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
البحيرات الإفريقية العظمى
19
البحيرات العظمى أو البحيرات الوسطى هي مجموعة من البحيرات تتوسط القارة الإفريقية، وهي عبارة عن أحواض مائية ومسطحات مائية، ووصفها بالوسطى؛ لأنها تتوسط القارة الإفريقية فاصلة غربها عن شرقها، وهي وإن كانت تنحاز إلى الجانب الشرقي من القارة إلا أنها تقع في وسط القارة السوداء)، وهي سبع بحيرات وهي شبكة مائية معقدة تتداخل فيما بينها أو يتداخل الكثير منها بعضها مع البعض، وتمهد لبحثنا بالحديث عنها حديثا مختصرًا؛ لإعطاء فكرة سريعة عنها مبتدئين بذكرها من الشرق إلى الغرب، وهي كما يلي:
بحيرة فكتوريا
وهي
أكبر بحيرة مائية عذبة على مستوى العالم، وأكبر بحيرة على الإطلاق في إفريقيا، وتطل عليها ثلاث دول هي: تنزانيا وأوغندا وكينيا، على أن بحيرة فكتوريا هي منبع النيل الأبيض أحد رافدي نهر النيل العظيم بجانب النيل الأزرق الذي هو الرافد الثاني لنهر النيل الذي يأتي من أثيوبيا،
(1) لعل تسمية القارة الإفريقية بالقارة السوداء؛ لكثرة، اخضرارها وليس لسواد سكانها، كما أطلق العرب على القسم الشرقي للعراق العزيز أرض السواد؛ لكثرة اخضراره. (1/59)
صفحة 53
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وهو الذي عليه النزاع أو الاختلاف حاليا بين مصر وأثيوبيا، وكانت هذه البحيرة تسمى في السابق بحيرة نيانزا، ولكن الرحالة المبشر البريطاني سبيك الذي يعتبر أول رحالة أوربي يصل إلى البحيرة ـ هو الذي سماها بحيرة فكتوريا؛ نسبة إلى الملكة البريطانية كهدية منه لها.
بحيرة تنجنيقا
وهي ثاني بحيرة في إفريقيا بعد بحيرة فكتوريا مساحة وعذوبة، ولكنها الأكثر عمقا من بين البحيرات العظمى، وهي تقع بين أربع دول هي: تنزانيا
وبروندي وزامبيا والكونغو الديمقراطية.
بحيرة النطرون
وهي بحيرة ضحلة وليست عميقة، وتغلب عليها الملوحة، وهي تقع في شمال جمهورية تنزانيا بالقرب من الحدود الكينية.
بحيرة كيوغا
وهي تقع في وسط أوغندا، وهي بحيرة صغيرة مقارنة مع البحيرات الأخرى ولكنها عُدَّت من البحيرات العظمى في إفريقيا.
بحيرة ادوارد
وهي تقع بين أوغندا والكونغو الديمقراطية، بيد أن معظمها يقع في جانب الكونغو الديمقراطية، وكانت في السابق تسمى بحيرة ألبرت، ولكن المكتشف البريطاني الذي وصل إلى هناك في آخر القرن التاسع عشر الميلادي هو الذي أطلق عليها بحيرة ادوارد، ويعني: ادوارد السابع ملك
بريطانيا. (1/60)
صفحة 54
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
61
بحيرة مالاوي
وهي تقع بين ثلاث دول هي: تنزانيا ومالاوي وموزمبيق، ويميل موقعها إلى جهة الجنوب من القارة الإفريقية، كما يأخذ الجهة الشرقية منها، وكانت قديما تسمى بحيرة نياسا، فغير اسمها إلى بحيرة مالاوي، وهي تتميز بوفرة ثروتها السمكية، حيث إن فيها حوالي ألف نوع من الأسماك، كما يقال.
بحيرة ألبرت
وهي تقع بين الكونغو الديمقراطية وأوغندا في مركز القارة الإفريقية، وأكثرها يقع في الكونغو، وهي آخر البحيرات شمالا من سلسلة البحيرات العظمى، وكانت قد سميت بحيرة موبوتو سيسي سيكو؛ نسبة إلى رئيس الكونغو آنذاك، وقد أعيد اسمها إلى بحيرة ألبرت، وتغذيها بحيرة فكتوريا وبحيرة ادوارد، ويخرج منها نهر نحو السودان، وهناك يصبح ا
الجبل.
بحيرة نياسا
اسمه
بحر
تقع بحيرة نياسا في الجنوب الإفريقي، وتعد من البحيرات العظمى، وهي آخر البحيرات جنوبا، حيث تقع في جمهورية مالاوي، ولعل الاسم السابق لمالاوي وهو نياسا لاند؛ نسبة إلى هذه البحيرة، وهي تتكون من حوض مائي واحد).
وبعد أن ذكرنا طرفًا مختصرًا عن البحيرات العظمى الوسطى بإفريقية؛ ننتقل بالحديث إلى الدول المطلة على تلك البحيرات.
(1) هذه المعلومات عن البحيرات العظمى الإفريقية مأخوذة من شبكة المعلومات الإنترنت، إضافة إلى معلومات شخصية تجمعت لدي نتيجة زياراتي لبعض مناطق البحيرات. (1/61)
صفحة 55
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
دول البحيرات العظمى
تقع على ضفاف وجوانب مجموعة البحيرات العظمى عدد من الدول الإفريقية، وهذه نبذة بسيطة ومختصرة عن كل دولة من دول المنطقة،
تنزانيا
الموقع: تقع جمهورية تنزانيا في شرق إفريقيا، وتطل من جهتها الشرقية على الضفة الغربية للمحيط الهندي، وتحدها من الشمال: كينيا وأوغندا، ومن الغرب رواندا وبروندي والكونغو الديمقراطية من الغرب، وموزمبيق ومالاوي من الجنوب، ومن الشرق المحيط الهندي.
المساحة: تبلغ مساحة جمهورية تنزانيا الاتحادية (945050) كيلومتر مربع.
عدد السكان: يقدر عدد سكان جمهورية تنزانيا بأكثر من (44) مليونًا.
وتتكون جمهورية تنزانيا من اتحاد يَضُمُّ تنجنيقا وزنجبار، وقد اتحدتا
?
في 26 إبريل 1964 م، وكانت تنجنيقا قد استقلت عن بريطانيا في 9 ديسمبر 1961 م، بينما استقلت زنجبار عن بريطانيا في 10 ديسمبر 1963 م. (1/62)
صفحة 56
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
أوغندا
63
الموقع: تقع جمهورية أوغندا في شرق إفريقيا، ويميل موقعها إلى وسط القارة الإفريقية، حيث تحدها السودان من الشمال وكينيا من الشرق، وتنزانيا ورواند من الجنوب، والكونغو الديمقراطية - زانير سابقا - م. من الغرب، وهي واقعة على أحواض ومسطحات مائية تعتبر من شبكة البحيرات العظمى، وتحتوي جمهورية أوغندا على حدائق وغابات رائعة الجمال والمنظر، أهما:
غابة أو حديقة أمبيرا فورست التي تقع شرق العاصمة كمبالا في الطريق إلى مناطق شرق أوغندا.
المساحة تبلغ مساحة جمهورية أوغندا (236,860) كيلومتر مربع. السكان: يبلغ عدد سكان جمهورية أوغندا بحوالي (33) مليونا، ويشكل
المسلمون ما نسبته حوالي 12,1?.
الاستقلال: استقلت أوغندا عن بريطانيا في 9 أكتوبر 1962 م.
رواندا
الموقع: تقع جمهورية رواندا في وسط القارة الإفريقية، ويميل موقعها إلى الجانب الشرقي للقارة، وتحدها أوغندا من الشمال، وتنزانيا من الشرق والجنوب، وبروندي من الجنوب، والكونغو الديمقراطية - زانير سابقا - من الغرب لبحيرة تنجنيقا.
المساحة تبلغ مساحة جمهورية رواندا (26,338) كيلومتر مربع.
السكان: يبلغ عدد السكان في جمهورية رواندا (8,200000) مليون شخص، ويشكل المسلمون منهم ما نسبته %4,6% حسب الإحصاء الرسمي الحكومي، ويقدر المسلمون عددهم بما نسبته 30?، والله أعلم.
الاستقلال: كان استقلالها عن بلجيكا في 1 يوليو 1962 م. (1/63)
صفحة 57
64
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
بوروندي
الموقع: تقع جمهورية بروندي في وسط القارة الإفريقية، ضمن هضبة البحيرات العظمى، وهي دولة داخلية لا ساحل بحري لها، وتقع على الضفة الشرقية لبحيرة تنجنيقا فهي تتمدد على مساحة طويلة على ضفة البحيرة المذكورة، الأمر الذي يعطيها جمالا ومنظرًا جذابًا، وتحدها من الشرق والجنوب تنزانيا، ومن الغرب زائير ومن الشمال رواندا.
المساحة تبلغ مساحة جمهورية بروندي (27,800) کيلومتر مربع. عدد السكان: يبلغ عدد السكان لجمهورية بروندي حوالي (5,153,000) نسمة، ويشكل المسلمون منهم نسبة 1%، حيث يقدر عددهم بحوالي (1300)
نسمة.
الاستقلال عن بلجيكا في 1 يوليو 1962 م.
زامبيا
الموقع: تقع جمهورية زامبيا في الوسط الجنوبي للقارة الإفريقية، حيث يحدها تنزانيا والكونغو من الشمال ومالاوي وموزمبيق من الشرق، وزيمباوي وناميبيا من الجنوب، وأنجولا من الغرب، وكانت تسمى أثناء الحماية البريطانية عليها: روديسيا الشمالية، وكانت آنذاك تشكل جزءا من مع روديسيا الجنوبية - زمبابوي حاليا ـ، وبعد الاستقلال أصبح اسمها زامبيا؛ نسبة إلى نهر الزامبيزي.
الاتحاد
المساحة: تبلغ
مساحة جمهورية زامبيا (752,620) كيلومتر مربع.
السكان يبلغ عدد السكان في جمهورية زامبيا (12,935,000) نسمة، ويشكل المسلمون منهم نسبة 5%، حيث يقدر عددهم بحوالي (189000) نسمة. الاستقلال: كان استقلالها عن بريطانيا في 24 أكتوبر 1964 م. (1/64)
صفحة 58
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
مالاوي
ر
65
الموقع: تقع جمهورية مالاوي في الشرق الجنوبي للقارة الإفريقية، ويحدها زامبيا من الشمال الغربي، وتنزانيا من الشمال الشرقي، وموزمبيق من الشرق والجنوب والغرب، وتفصلها عن تنزانيا وموزمبيق بحيرة مالاوي، وكان اسمها السابق نياسا، لاند، ويطلق عليها لقب: القلب الدافئ لإفريقيا.
المساحة تبلغ مساحة جمهورية مالاوي (118,485) كيلومتر مربع. السكان: يبلغ عدد السكان في مالاوي حوالي (15) مليون نسمة.
الاستقلال: استقلت عن بريطانيا في 6 يوليو 1964 م.
الكونغو الديمقراطية
الموقع: تقع جمهورية الكونغو الديمقراطية في وسط إفريقيا، وحدودها: إفريقيا الوسطى وجنوب السودان من الشمال، وأوغندا ورواندا و بروندي وتنزانيا من الشرق، وزامبيا من الجنوب، وأنغولا من الجنوب الغربي.
كانت قد سميت زائير في وقت من الأوقات، ويطلق عليها الكونغو کنشاسا؛ نسبة إلى عاصمتها كنشاسا وتفرقة بينها وبين الكونغو الشعبية التي يطلق عليها الكونغو برازفيل؛ نسبة إلى عاصمتها برازفيل أيضا.
المساحة تبلغ مساحة الكونغو الديمقراطية (2,350,000) كيلومتر مربع. السكان يبلغ عدد السكان في الكونغو حوالي (68) مليون نسمة.
الاستقلال: كان استقلالها عن بلجيكا في 30 يونيو 1960 م. (1/65)
صفحة 59
66
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وبعد أن ذكرنا طرفًا مختصرًا عن الدول المطلة على البحيرات العظمي الوسطى الإفريقية؛ ننتقل بالحديث عن اكتشاف العُمانيين لمناطق البحيرات
العظمى.
(1) هذه المعلومات عن الدول المطلة على البحيرات العظمى الإفريقية مأخوذة من شبكة المعلومات الإنترنت، ومن موسوعة دول العالم؛ للعزيزي هاني عبد الرحيم، بالإضافة إلى معلومات شخصية لدى الباحث؛ نتيجة زياراته لبعض تلك الدول. (1/66)
صفحة 60
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
اكتشاف العُمانيين لمناطق البحيرات العظمى
67
من
من المعلوم بحثًا وقراءة واستقراء؛ أن التواصل العُماني مع شرق إفريقيا كان ضاربًا في القدم بجذوره منذ ما قبل الإسلام بقرون وعهود، وقد ازداد ذلك التواصل كثرة وكثافة في العهد الإسلامي حاملا معها الإسلام دينا وثقافة وسلوكا، ثم شكل ذلكم التواصل وجودًا واستقرارًا، مكونا بذلك إمارات عربية إسلامية على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا، بدءًا من مقديشو وبراوة الشمال، وإلى موزمبيق وجزر القمر في الجنوب، مرورًا بيتة وماليندي وممباسا، وكلوة، بيد أن ذلك الوجود أو ذلك الاستقرار كانا قاصرين على مدن الساحل فقط، ولما كان عهد الدولة البوسعيدية في إفريقيا، وبالتحديد بدءا من عهد السلطان المجيد سعيد بن سلطان؛ أخذ الوجود العُماني في التوسع والانتشار داخل القارة الإفريقية وصولاً إلى مناطق البحيرات العظمى مقتحما ضفافها الغربية إلى مناطق الكونغو، وكان وصول العُمانيين إلى هنالك إما على شكل رحلات تجارية ذهابًا وإيابًا من وإلى مدن الساحل، أو على شكل استيطان استقراري، جوارًا وخلطة واندماجا مع الأهالي الأصليين، مكونين في بعض الأحيان والأماكن ما يشبه الإمارات العربية ومترئسين القبائل الإفريقية هنالك ()، ولكنها تابعة للدولة السلطانية البوسعيدية في زنجبار.
(1) صلاح العقاد، جمال زكريا قاسم، زنجبار ص 78 مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة. (1/67)
صفحة 61
68
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسيوي
ومن هنالك يحق لنا أن نقرّر ونؤكد أن العُمانيين هم أول من اكتشف وسط القارة الإفريقية أو مناطق البحيرات.
وعندما وصل الرحالة الأوربيون مثل لويس كريف وبروتون وسبيك وليفنجستون وستاتلي وغيرهم الذين ادعوا أنهم مكتشفو مجاهل القارة الإفريقية؛ وجدوا العرب العُمانيين مستقرين هنالك سكنا وإقامة، وهم يعترفون بذلك في مذكراتهم وكتاباتهم التي سجلوا فيها مشاهداتهم وملاحظاتهم"، الأمر الذي يؤخذ على العُمانيين أنهم لم يكتبوا عن وصولهم إلى تلك المناطق واكتشافهم لها واستقرارهم فيها، وهو ما جعل الشيخ المغيري يبدي أسفه ويظهر حسرته لإهمال العُمانيين لتاريخهم في شرق إفريقيا (3)، وحول المقارنة بين جهود العُمانيين والرحالة الأوربيين الإستكشافية، يقول الشيخ المغيري السواحون الأوربيون لا يعرفون إلا شواطئ هذه الإفريقية فقط، وبقية قارتها مجهولة حتى اكتشفها العرب العُمانيون في أيام السيد سعيد بن سلطان، وذلك ما بين 1250 هـ إلى سنة 1270 هـ، والعرب العُمانيون هم أول من جاس خلال هذه القارة الإفريقية إلى داخلية أقاصيها، وأفادوا بمعلوماتهم السواح من الأوربيين» (3).
ولعل الأمر بالنسبة إلى ادعاء الرحالة الأوربيين بالاكتشاف هو كما يقول الدكتور جمال زكريا قاسم عن استعانة أولئكم الرحالة بالتجار والأدلاء العرب في عمليات كشف إفريقيا، أنها في حقيقتها لم تكن كشفًا، وإنما كانت مجرد تسجيل لحقائق كانت معروفة لدى العرب من قبل).
(1) جمال زكريا قاسم، الدولة العُمانية في شرقي إفريقيا، حصاد ندوة الدراسات العُمانية، ص 88.
(2) جهينة الأخبار، ص 5.
(3) جهينة الأخبار، ص 214.
(4) قاسم، المصدر السابق، ص 88. (1/68)
صفحة 62
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
74
ولعله من الغريب ومن العجيب أيضا أن أولئك الرحالة ما كانوا يستطيعون الوصول إلى الداخل الإفريقي لولا توصيات السلاطين في زنجبار
بهم، وتسهيلات العرب العُمانيين المستقرين هناك لهم ذلك.
حتى أنه في كثير من الأحيان يرسل السلاطين مع أولئك الرحالة حراسة لحمايتهم من الأخطار التي ربما تتهددهم في طريقهم لتنفيذ عملياتهم
الاستكشافية التنصيرية).
وعندما وقع ليفنجستون في قبضة إحدى القبائل الإفريقية أنقذه العُمانيون على يد القائد المرجبي. على أنه من الواجب أن نعترف فنقول: إن تلك كانت غفلة تاريخية عُمانية السلاطين في زنجبار ومن العرب المقيمين؛ لأن أولئك الرحالة ما كانوا دعاة خير وصلاح وسلام - كما كانوا يدعون، وإنما كانوا مبشرين بالديانة النصرانية، كما كانوا طلائع للاستعمار الأوربي بعد ذلك.
من
ولكننا أيضا بالمقابل لعلنا نعذرهم إذا ما عرفنا أن التصور الإسلامي المعاصر في موقفه من التبشير والاستعمار ما كان موجودًا، وإنما وجد هذا التصور بعد ذلك؛ من جرَّاء ممارسة الحملات التنصيرية وعدائها للإسلام والمسلمين، ومن أهداف الاستعمار الأوربي وسيطرته الاستعلائية وإذلاله للشعوب، فتكون التصور الإسلامي المعاصر نتيجة تلك الممارسات التبشيرية والاستعمارية، أما قبل ذلك فلم تكن الرؤية واضحة، ولم تكن الصورة جلية أمام العرب العُمانيين - حكامًا ومحكومين، لا سيما وأن أولئك الرحالة المبشرين أوهموهم بأنهم يدعون إلى الله" مستهدفين بذلك القبائل الوثنية
(1) رأفت غنيمي دور عمان في بناء حضارة شرقي إفريقيا، حصاد ندوة الدراسات العمانية، من 184. (2) جمال زکريا قاسم، دولة البوسعيد في عمان وشرق إفريقيا، من 234. (1/69)
صفحة 63
V.
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
فقط، ولكن الأمر على العكس من ذلك، فقد عملوا على إقصاء النفوذ العُماني، وعملوا على تقليص ثم إنهاء الحكم العُماني، بل شوهوا التاريخ العُماني، قائلين: إن العرب ما جاؤوا إلا ليتخذوا الأفارقة عبيدا ليستعبدوهم وليبيعوهم، حتى اعتبر ديفيد ليفنجستون قلة السكان في شرق إفريقيا بسبب تصدير الرقيق إلى العالم الخارجي من قبل العرب).
ومن الجميل والمناسب أن نذكر بعض المكتشفين العُمانيين، وهم:
أحمد بن إبراهيم العامري
وهو الذي خرج بتجارته من زنجبار، ووصل إلى مملكة بوغندا، التي هي إحدى مقاطعات جمهورية أوغندا حاليا، وذلك في عهد السلطان سعيد بن
سلطان
في سنة 1260 هـ.
وهناك استطاع الوصول إلى بلاط الكباكا سونا ملك بوغندا، وكان جريئًا في إنكاره على الملك ممارسته الطقوسية في دينهم التي كانت يذبح فيها الرجال الفتيان، مذكرًا إياه بالإله الخالق، حتى أسلم الملك وحاشيته، وأخذ بعد ذلك الإسلام ينتشر شيئًا فشيئًا، وقد نقل هذه القصة أمين باشا الذي كان يعمل مسئولا إداريا من قبل الحكومة المصرية على عهد الخديوي، وكان قد التقى العامري هناك (2)، كما التقى العامري أيضا الرحالة ستانلي في منطقة كاراجوي في وسط إفريقيا سنة 1293 هـ - 1876 م، ووصفه بقوله: «هو رجل ممتاز، يبدو مظهره حسنًا، يستقبل الأصدقاء بصورة ودية، متحرر مع عبيده، عطوف على نسائه، وقد بقي ثمانية عشر عامًا في وسط إفريقيا، ولقد تعرف بسنا ملك بوغندا وابنه موتيسا وقد سافر مرارًا إلى بوغندا (3).
(1) العقاد، وقاسم، زنجبار، ص 140.
(2) عمان في التاريخ، مجموعة مؤلفين، ص 500، وزارة الإعلام، سلطنة عُمان. (3) السديس عبد الرحمن بن علي العُمانيون والجهاد الإسلامي في إفريقيا الشرقية، رسالة دكتوراه، ص 455 هامش. (1/70)
صفحة 64
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
71
وقد أوردنا قصة أحمد بن إبراهيم العامري وإسلام الكباكا سونا بتوسع في بحث سابق لنا وهو بعنوان: الإسلام في أوغندا، الذي قدمناه إلى ندوة: تاريخ الحضارة الإسلامية في إفريقيا الشرقية، التي أقيمت في زنجبار في الفترة من 2 - 4 سبتمبر 2013 م.
خميس بن جمعة:
وهو تاجر عُماني، وقد وصل إلى مملكة بانيورو التي هي إحدى مقاطعات جمهورية أوغندا حاليا، وذلك في عهد السلطان برغش بن سعيد بن سلطان، وقد استطاع التاجر خميس إقناع الملك كباريجا بالدخول في الإسلام، فأسلم هو وأقاربه، وكان الملك كباريجا تربطه علاقة صداقة قوية السلطان، برغش ولعله الأمر الذي سهل مهمة التاجر خميس التجارية مع
والدينية (1).
عبد الرحمن بن عبيد بن حمود:
وهو تاجر عُماني، اتخذه الملك كباريجا ملك مملكة بانيورو مستشارًا له، وذلك على عهد السلطان برغش (2).
سنان بن عامر
وهو الذي كوّن له إمارة ممتدة من تابوره إلى كمبالا العاصمة الأوغندية
حاليا (3).
(1) عمان
ص 501. في التاريخ، ص
(2) نفس | المصدر، ص 501.
(3) رأفت غنيمي حصاد ندوة الدراسات العُمانية، ص 176. (1/71)
صفحة 65
72
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسيوي
حميد بن محمد المرجبي
: (1)
المعروف بـ (تيبوتب)، وهو الذي استطاع تكوين مملكة الكونغو، وكان قوام جيشه حوالي مائة ألف شخص، وكانت له حروب وصولات وجولات
مع الاستعمار البلجيكي على عهد ليوبولد الثاني ملك البلجيك). وقد أخبرنا حفيده مسعود بن سعيد المرجبي الذي التقينا به في تابوره 1994 م بأن جده حميدًا تزوج من ابنة سلطان قبائل المويزي وأنه كان له ولد منها، ولعل ذلك كان من أسباب تمكنه ونفوذه في تلك المناطق.
سنة
محمد بن خلفان البرواني
المعروف بـ (مليزا)، وقد كان له شأن لا يقل خطرًا وأهمية عن المرجبي تيبوتب، فإنه كما يقول المغيري: «ولهذين الرجلين العظيمين: محمد بن خلفان البرواني وحميد بن محمد المرجبي؛ القدح المعلّى في السلطنة، والقوة والنفوذ في فتح المنيمة من أقصاها إلى أدناها، ولهذين الزعيمين شأن عظيم في مقاومة البلجيك في الحرب التي قاما بها ضد حكومة البلجيك ذات العدة والعدد مما كتبه لهما في التاريخ (3)».
فكان
وكان البرواني هو الذراع الضاربة في اشتراكه م مع المرجبي، المرجبي يستعين به إذا استعصى عليه أمر أو وقف في طريقه عائق، ولكن الشهرة كانت للمرجبي أكثر منها عن البرواني، وفي رأيي أن ذلك يعود إلى ما كتبه ناصر بن سليمان بن ناصر اللمكي، وهو حفيد المرجبي من ابنته عن
(1) ضبط أخونا الدكتور محمد بن ناصر المحروقي في كتابه مغامر عُماني في أدغال إفريقيا بأن اسمه حمد؛ بناء على وثيقة عثر عليها بخط يد المرجبي نفسه.
(2) غنيم نفس المصدر، ص 178
(3) نفس المصدر، ص 224. (1/72)
صفحة 66
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
73
جده، ونشره جورجي زيدان في كتابه مشاهير الشرق؛ فإنه من هناك اشتهر المرجبي، وانتشر اسمه بانتشار الكتاب وشهرته.
ويورد المغيري الذي كان له الفضل في تسجيل مآثر العرب العُمانيين وتاريخهم في إفريقيا الشرقية، أسماء عدد من المكتشفين العُمانيين، وهم: سعيد بن محمد العيسري وحبيب بن سالم العفيفي، وناصر بن سيف المعمري، وعيسى بن عبد الله الخروصي، وعبيد الله بن سالم الخضوري، وجمعة بن سالم البكري، وعامر بن سالم الحارثي، ومحمد بن سعيد المرجبي، وحبيب بن سليم الضنكي وسالم بن محمد الهديلي، وحميد بن راشد المرجبي، وسعيد بن سلطان وسالم بن سلطان الغيثيان، وخلفان بن زاهر الريامي، وعلي بن سالم الحراصي، وسعيد بن سالم وعلي بن جمعة الكتاني، ومع بعض المذكورين خدم يساعدونهم في التغلب على الصعوبات التي تواجههم).
ويذكر المغيري مغامرة جرئية جدا قام بها خمسة من هؤلاء المذكورين، وهم: سعيد بن محمد العيسري، وحبيب بن سالم العفيفي، وناصر بن سيف المعمري، وعيسى بن عبد الله الخروصي، وعبيد الله بن سالم الخضوري، وبصحبتهم بعض الخدم، فقد قام أولئك النفر بالتوغل في العمق الإفريقي، راكبين الأنهار، بواسطة القوارب الخشبية، حتى وصلوا إلى أرض مجهولة إلا على سكانها، آكلي لحوم البشر، ووجدوا هنالك العاج ملقى بكثرة على الأرض، لا قيمة له في نظر السكان، وأخذوا في القيام بجمعه، وأثناء ذلك استراب منهم السكان؛ لأنهم لم يشاهدوا في حياتهم بشرًا بمثل تلك الهيئات والصور، وتوجس كل فريق من الثاني خيفة، وجرت هنالك قصة ظريفة أظهر فيها أولئك المغامرون فيها رباطة جأش وعرَّفوا أولئك السكان قوة السلاح
(1) المصدر السابق، ص 218 (1/73)
صفحة 67
??
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
الذي يملكونه، الأمر الذي جعل السكان أن هابوهم وخافوا منهم، وتمكن أولئك النفر من جمع كميات كبيرة من العاج كانت على شكل تلال، لكل واحد منهم تل من العاج.
?
محيص
منهم
أن وفاتهم
وقد طالت غيبتهم عن أهاليهم وذويهم في زنجبار ودار السلام وعُمان، حيث استغرقت تلك المغامرة الجريئة أربع سنوات، الأمر الذي جعل أهالي البعض منهم يقيمون لهم العزاء في زنجبار وعُمان ظنا عنها؛ نظرًا إلى خطورة المكان الذي ذهبوا إليه ووحشته ووحشيته، أن يصنعوا لهم قوارب، لكل واحد منهم قارب يحمل وقد سمت بهم همتهم عليه ما جمعه من العاج وقفلوا عائدين إلى مدن الساحل الشرقي لإفريقيا، إلى زنجبار ودار السلام وباغمويو، وهناك باعوا بضاعتهم الثمينة التي كونت لهم ثراء وجعلتهم أغنياء).
فما علينا إلا أن نتذكر أولئكم النفر ومغامرتهم الجريئة، مطلقين لخيالاتنا أعنتها لنتصور تلك المغامرة الجريئة بين الأنهار المفزعة والأدغال الموحشة، وكيف جرت وكيف انتهت ونتساءل هل بقي لنا معشر العُمانيين مثل تلك الهمم، أم أن الحاجة أم الاختراع؟!
وهو
وبما أن الغريب عندما تنتابه لوعة الفراق ووحشة الغربة دائما ما يلجأ إلى ما يُرَوّح به عن نفسه كغناء يتغنى به، أو طيف ذكرى يمر على ذاكرته، ما حدث في تلك الرحلة أو الغربة، فقد صعد ذات ليلة واحد منهم، هو بن سالم الخضوري، إلى ذلك التل من العاج الذي جمعه، وقد سجى الليل ودجى الظلام، وهم لا يعرفون أي سماء تظلهم، ولا أي أرض الخضوري يتغنى بكلمات أو بأبيات شعرية رافعا عقيرته بذلك
عبيد
تقلهم،
فأخذ
(1) المصدر نفسه، ص 2018 (1/74)
صفحة 68
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
Vo
الغناء، الأمر الذي حدى ببعض أصحابه أن يقول له: أتغني ونحن لا نعرف أنفسنا الآن في أي أرض؟ فما كان من الخضوري إلا أن أجابه قائلا: أتذكر أيامي في طيوي وصور).
دعني
وبعد حديثنا عن الاكتشافات العُمانية والمكتشفين العُمانيين لوسط إفريقيا حيث البحيرات العظمى؛ سنتحدث في العنوان التالي عن طرق
الرحلات التجارية العُمانية إلى تلك المناطق.
(1) لتعريف القارئ غير العُماني، نقول: طيوي قرية على البحر بين مدينة قريات ومدينة صور، فهي مدينة مشهورة واقعة في الجزء الشرقي الجنوبي من السلطنة، وتقع في نهاية
أما صور
بحر
عُمان في الجزء الشرقي الجنوبي منه، وبداية بحر العرب في الجزء الشمالي الغربي منه، وقد اشتهر أهلها بركوب البحر سفينا، وهي الآن مقر محافظة جنوب الشرقية من
السلطنة. (1/75)
صفحة 69
76
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
طرق القوافل التجارية
بعد أن استكشف العُمانيون مناطق الداخل الإفريقي، أو ما يعرف بالبر الإفريقي إلى مناطق البحيرات العظمى، وأوجدوا هنالك مناطق استقرار لهم، وأنشؤوا مراكز تجارية؛ كان لا بد من تحديد خطوط السير لقوافلهم التجارية من مدن الساحل الشرقي الإفريقي.
والظاهر أنهم حددوا نقاط الانطلاق لتلك الرحلات، حيث جعلوها في البداية خمسة أماكن، هي: ممباسة في الشمال، وتانغا وبنغاني وباغمويو في الوسط، وكلوة في الجنوب، ثم لَمَّا عمرت دار السلام جعلوها نقطة انطلاق
سادسة.
فكانت خطوط السير تلك كما يلي:
المسار الشمالي:
وينطلق من ممباسا بكينيا، ويتجه إلى الغرب الشمالي حتى يصل إلى
المناطق الشرقية لأوغندا، بعد أن بمحاذاة
يمر
نيروبي
العاصمة الحالية
لجمهورية كينيا.
المسار الوسط:
وينطلق
من
تانغا
وبنغاني وباغمويو، وهذه الأماكن مقابلة لزنجبار من (1/76)
صفحة 70
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
VY
الجهة الغربية، لا سيما باغمويو إلى، تابوره مرورًا بدودوما العاصمة السياسية الحالية لجمهورية تنزانيا وبسنجيدا.
المسار الجنوبي
وينطلق من كلوة الإمارة الإسلامية العريقة إلى أمبيا وسيمبا ورانجا.
وهذه الطرق أو هذه المسارات تتداخل بعد ذلك في المناطق الداخلية لإفريقيا، ثم تتوزع إلى مناطق البحيرات العظمى، من أوغندا شمالا، وإلى الوجيجي جنوبا، وبينهما رواندا وبروندي، وإلى الغرب يكون الوصول إلى الكونغو).
وخطوط السير هذه هي التي اعتمدتها الدول الأوربية المستعمرة في إنشاء سكك الحديد للقطارات.
على أن الطريق الوسط هو الأكثر حيوية وحركة ونشاطا؛ لأن أماكن الانطلاق فيه قريبة من زنجبار عاصمة الدولة البوسعيدية في شرق إفريقيا، والكثير من البضائع كانت تأتي من زنجبار؛ بوصفها الميناء الرئيسي للشرق الإفريقي كله، إلى تابوره المحطة الأولى للوجود العُماني، وكانت محطة الالتقاء وفيها تنصب القوافل القادمة. من مدن الساحل.
وبما أن تابوره هي كانت المحطة الأولى للوجود العُماني في الداخل الإفريقي، ومنها كان الانطلاق إلى مناطق البحيرات العظمي شرقها وغربها، وشمالها وجنوبها؛ فإنها من المناسب أن نخصها بالذكر حديثا، بناء على زيارتي لها ومشاهدتي لطبيعتها ومعالمها وموقعها.
فإن تابوره تقع في الوسط الغربي من جمهورية تنزانيا الاتحادية، وهي
(1) عمان في التاريخ، ص 494. (1/77)
صفحة 71
78
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
منطقة سهلية فسيحة ومنبسطة تكسوها الخضرة الداكنة، وهي حاضرة بر المويزي، وكنت قد زرتها سنة 1994 م، وقد اتخذها العُمانيون محطة نزولهم واستقرارهم، ومنها انطلقوا إلى مناطق الداخل الإفريقي، فقد كانت البوابة التي توغلوا من خلالها إلى أعماق القارة الإفريقية، فمنها اتجهوا غربا وجنوبًا إلى الوجيجي وكيجوما وإلى الكونغو، ومنها توجهوا شمالا إلى انزيجة وشنيانجا وموانزا، ثم العبور على بحيرة فكتوريا التي كانت تعرف ببحيرة نيانزا، إلى بوكوبا وانجاره، ثم التوغل إلى رواندا وبروندي وأوغندا، وبالإضافة إلى موقعها الاستيراتيجي الهام فهي تتميز بطيب هوائها واعتدال مناخها وخصوبة أرضها ووفرة مياهها، وهناك مكان يدعى كويهاره، ويعلوه تل تكسوه الأشجار الخضراء، يقال: إنه مكان السلطان لقبائل المويزي، وفي ذلك المكان كان أول نزول للعُمانيين في تابوره، بجوار السلطان. وتتميز تابوره بكثرة النخيل وشجر الأمبا (المانجو) التي حملها العُمانيون معهم وغرسوها هنالك.
وصارت تلك النخيل والأشجار تُشكّل واحات واسعة ظليلة وجميلة تجلب النظر وتروق للبصر فهي حدائق ذات بهجة، ومن الغريب أن أشجار النخيل والأمبا تثمر في السنة مرتين وهذه الخاصية للنخلة لا توجد إلا في تابوره؛ لأنها في الجزيرة العربية ومنها عُمان حيث الموطن الأصلي للنخلة لا تؤتي أكلها إلا مرة واحدة في السنة.
وفي تابوره يوجد بيت أثري عربي يقف شامخا إلى اليوم، بناه سعيد بن سالم الجابري سنة 1857 م، أي: في عهد السلطان ماجد بن سعيد بن سلطان، بل في أول عهده.
ويتكون ذلك البيت من ليوان خارجي، وبه باب عُماني كبير جميل الشكل والزخرفة، ويوجد بداخله مجلسان داخلي وخارجي، وغرفتان للنوم (1/78)
صفحة 72
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
79
مع دورات مياه وسائر المرافق الأخرى من غرف للخدم والحشم والطبخ، ويستعمل البيت حاليا متحفًا يحكي تاريخ ا المنطقة، ويضم كتابات وصور مرسومة، إلا أنه مما يؤسف له أن فيه الكثير من تشويه تاريخ الوجود العُماني، وكل ذلك حقد من. الأوربيين مبشرين ومستعمرين.
(1)
ونتيجة للرحلات العُمانية - تجارية واستكشافية ـ؛ كان الاستقرار العُماني في مناطق الداخل الإفريقي بما فيها مناطق البحيرات العظمى، وهو
ما سنتحدث عنه في العنوان التالي.
(1) من المناسب أن تقوم هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالسلطنة بإرسال وفد إلى تابوره لتوثيق معالمها وتاريخها فإن الأمر يستحق ذلك. (1/79)
صفحة 73
80
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
الاستقرار العُماني في مناطق البحيرات
في البداية لا بد من القول إن محتوى هذا العنوان لا توجد له مصادر مكتوبة سوى كتيب صغير أعدته الباحثة الفرنسية جراند ميزون، وطبعته وزارة التراث والثقافة عام 1984 م، وقد ركزت فيه على الوجود العُماني في رواندا وبروندي، والكتيب عبارة عن دراسة ميدانية قامت بها الباحثة المذكورة التي ذكرت في كتيبها ذلك أنه لا توجد مراجع تتحدث عن الأقليات العربية في أواسط القارة الإفريقية).
وهذا الذي أذكره هنا هو عبارة عن معلومات تجمعت لدي من خلال زياراتي لعدد من الأماكن في مناطق الداخل الإفريقي التي تعرف بأواسط إفريقيا، وهي مناطق البحيرات العظمى؛ لأن العُمانيين لم يكتبوا عن وجودهم شيئًا، وهو ما أشار إليه الشيخ سعيد بن علي المغيري في كتابه القيم جهينة الأخبار، كما أشارت إليه الباحثة المذكورة، وإنما جاءت بعض المعلومات ذلك الوجود وذلك الاستقرار في كتابات الأوربيين من رحالة ومبشرين ومستعمرين، وهي كتابات فيها شيء من الحقائق وشيء من التشويه، فلو كتب العُمانيون عن ذلك، لجاءنا تاريخ كبير وعلم غزير، ولكن ما الحيلة،
عن
وقد مضى ذلك وانقضى.
(1) ص 4. (1/80)
صفحة 74
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
??
على أن هذا هو شأن العُمانيين ودأبهم، فهم لم يكتبوا التاريخ العُماني ضاعت حلقاته وانطمست فتراته فلا غرو إن لم يكتبوا عن
المجيد، حتى وجودهم واستقرارهم وحراكهم في شرق إفريقيا ووسطها شيئًا.
والذي توصلت إليه من خلال زياراتي ومشاهداتي أنه نتيجة اكتشاف العُمانيين لتك المناطق؛ فقد كوَّنوا لهم مواطن استقرار متجاورين ومتداخلين مع السكان الأصليين الأفارقة، وإن المرء ليعجب من ترحيب الأفارقة بهم ترحيبًا وديًا خالصًا يقلُّ نظيره، بل يعدم له نظير، إلى الحد بأن سلم الأهالي للعمانيين المسؤولية الاجتماعية والسياسية في كثير من الأماكن، وكان التآلف بين الجانبين كبيرا، الأمر الذي جعل العُمانيين يطيب لهم العيش هناك، على مدى ما يقرب من قرنين من الزمان إذا ما عرفنا تحديد أن ذلك الحراك سلطان.
الاكتشافي بدأ منذ عهد السلطان عالي الهمة سعيد بن.
وإذا ما نظرنا إلى ذلك المنزل الجميل والكبير الذي شيده أحد العُمانيين، ألا وهو سعيد بن سالم الجابري سنة 1857 م في تابوره؛ عرفنا العمق التاريخي لذلك الاستقرار وبُعْدَه الحضاري، والذي ولا شك أن وجود ذلك المنزل بذلك الحجم، وفي ذلك الوقت لهو مؤشر إلى وجود استقرار عُماني كان قد سبق ذلك بفترة كافية كان فيها التوطن والشعور بالأمن حياة
وجوارًا وتجارة.
وقد تمثل الاستقرار العُماني في أواسط إفريقيا في الأشياء التالية:
أولا: التخطيط العمراني
من المشاهد والملاحظ أن الإنسان عندما يزور منطقة ما من مناطق الداخل أو الوسط الإفريقي، لا سيما المدن الكبرى؛ يجد التخطيط العمراني الراقي الذي يشبه إلى حد كبير تخطيط العواصم والحواضر الإسلامية، فعلى (1/81)
صفحة 75
82
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
سبيل المثال في تابوره وموانزا في تنزانيا وبوجمبورا عاصمة بروندي، وغيرها من المدن؛ يجد أن التخطيط العمراني قائم وفق الأسس التالية:
المرفق الإسلامي
ويتكون من المسجد وتلحق به مدرسة للقرآن الكريم، ومجلس يجتمع فيه الناس بعد الصلوات، كما تلحق به غرف للضيافة لنزول الغريب الذي يأتي من الأرياف، ويكون المرفق الإسلامي في وسط التخطيط العمراني. ومن جميل الأمر أن المرافق الإسلامية تلك، تنشأ لها جمعيات لإدارتها يطلق عليها الجمعيات العربية، كما يطلق على مساجد العُمانيين وهي. إباضية المذهب: مساجد العرب، حتى ولو كان هناك عرب من بلدان أخرى،
لا تنسب مساجدهم إلى العرب.
الأسواق، أو المحلات التجارية
مساجد
وتتفرع شوارعها من المرفق الإسلامي، أي أن المحلات التجارية تحيط بالمرفق الإسلامي، وهو يكون كالمحور لها.
المساكن
وهي تأتي في المخطط خلف المحلات التجارية، كامتداد للمرفق الإسلامي وللمحلات التجارية.
ويلاحظ المرء ذلك التخطيط الجميل مرتبا ومنسقا، وهو نفس تخطيط العواصم والحواضر الإسلامية، حيث يكون المسجد ومقر الحاكم في الوسط، وتتفرع عنه الأسواق والمساكن ليكون المسجد هو محور الحياة في
الإسلام، بحيث إنه إذا أذن للصلاة فإن الجميع بإمكانهم حضورها. (1/82)
صفحة 76
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
هذا
83
في المدن الكبيرة، أما في الأرياف؛ فإن المحل التجاري يكون في
الغالب ضمن المنزل وله باب واسع من الخارج لاستقبال الزبائن، وباب صغير يفضي إلى داخل البيت لاستعمال صاحبه.
ثانيا: الإصلاح الزراعي:
قام العُمانيون عند استقرارهم بإصلاح الأراضي لتكون صالحة للزراعة، وساعدهم على ذلك الطقس الاستوائي الممطر والغابات الخضراء، والأنهار الجارية والبحيرات العذبة، فزرعوا الأشجار والخضار والبقوليات وسائر أصناف المزروعات، كما غرسوا النخل التي حملوها. معهم من وأصبحت باسقات ذات طلع نضيد وغرسوا شجر الأمبا (المانجو) نقلوها من زنجبار، وصارت النخلة عنوان وجود العُماني في مناطق البر الإفريقي، فعندما يشاهد الإنسان نخلة أو نخلات يعرف أن هناك بيتا أو بيوتا
لعُمانيين.
عُمان
فعندما كُنَّا نتنقل في طريقنا بين موانزا وشنيانجا وأنزيجه وتابوره، نشاهد النخيل في بعض الأماكن، ويقال: إن هناك بيتا لعُماني، أو بيوتا لعُمانيين كانوا أو لا يزالون.
وما كان الأفارقة في ذلك الزمان يعرفون زراعة مثل هذه الأصناف من الأشجار والمزروعات الأخرى، وإنما أخذوها من إخوانهم العُمانيين، فأصبحوا يزرعونها، مستعملين الأساليب الزراعية التي تعلموها منهم آنذاك، أما وإنه في هذا العصر قد حدث تطـ ور في وسائل وأساليب الزراعة؛ فإن العُمانيين والأفارقة لا بد لهم من تطوير وسائلهم وأساليبهم في
الزراعة. (1/83)
صفحة 77
??
ثالثا:
ا التجارة والصناعة
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
كان الهدف الأساسي من وصول العُمانيين إلى أواسط إفريقيا هو ا التجارة، وهناك أنشؤوا المراكز التجارية على طرق القوافل التجارية، ثم فتحوا المحلات التجارية في الأماكن التي استقروا فيها، وقد استفاد منهم إخوانهم الأفارقة، كمشترين، أولا، وكعمال مساعدين ثانيًا، وكمقلدين لهم في التجارة ثم صاروا يقيمون متاجرهم في بلدانهم، وقد أخذوا الخبرة من العُمانيين في جلب البضائع وتصنيفها وتصفيفها وبيعها.
ثالثا،
وفي المجال الصناعي، فقد أنشأ العُمانيون المصانع لإنتاج الزيوت، والألبان، والمناجر للصناعات الخشبية والمصافي لتكرير النفط، وغير ذلك من الصناعات، وقد زرت بعض مصانع إنتاج الزيوت في موانزا الواقعة على ضفة بحيرة فكتوريا، وقال لي صاحب المصنع ذو الأصل العُماني: بأن المصنع ينتج كل يوم أكثر من مائة طن، وكلها تتسوق في نفس اليوم، علما بأن في موانزا مصانع أخرى لإنتاج الزيوت، وهكذا دواليك في معظم مناطق وسط إفريقيا، ويشارك الأفارقة إخوانهم العرب في تسيير أعمال تلك المصانع على مختلف وظائفها، واكتسب الكثير منهم خبرة في ذلك، حتى أنشؤوا لهم مصانع تابعة لهم، وخاصة بهم، وذلك كله بفضل تعايشهم مع إخوانهم العُمانيين.
رابعا: الثقافة الإسلامية
وتتمثل الثقافة الإسلامية - أولا وقبل أي شيء ـ في اعتناق الإسلام من قبل عدد من الأفارقة، ولا سيما بعض زعمائهم الذين دخلوا في الإسلام على يد عدد من العُمانيين الذين كانوا تجارًا ودعاة في نفس الوقت، وكانت الدعوة سلوك أولئك التجار الراقي وتعاملهم بالحسنى مع الأفارقة حكامًا ومحكومين، فلم يفرض العُمانيون الإسلام بالقوة. (1/84)
صفحة 78
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية
الحق وهو
85
وقد كان وصول العُمانيين إلى أواسط إفريقيا بداية العهد هنالك بوصول الإسلام، حيث لم يسبق العُمانيين سابق إلى هنالك، وبعيد وصولهم واستقرارهم أخذوا في بناء المساجد، وتكوين مدارس القرآن، وارتفع نداء الأذان للصلاة، وأخذ الأفارقة يسألون عن الإسلام حتى عرفوه، واحترموا أهله، وحتى اللغات الإفريقية المحلية تأثرت باللغة العربية، حيث أصبحت تلك اللغات تضم بعض الكلمات العربية، وقد أخبرني الأستاذ كامل الشريف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأردني الأسبق بأنه زار زامبيا، ووجدهم يطلقون على الصديق كلمة جانبو، وعندما سألهم عن أصلها قالوا له: إن هذه الكلمة وغيرها من الكلمات العربية وصلت إليهم في عهد السلطان برغش سلطان، زنجبار، وقال له بعض المسلمين هنالك إنها مأخوذة من قول الله تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ) [النساء: 36]، على أن معظم الأفارقة إن لم نقل جميعهم يعرفون السلطان برغشا أكثر من غيره من السلاطين؛ وذلك لأن التوسع العُماني كان في عهده أكثر انتشارا، ولعل الشاعر اليمني أبا بكر عبد الرحمن العلوي لم يخطئ حين قال: أو كالإمام العدل برغش الذي بسناه صقع الزنج ضاء وأسفرا) وعلى العموم؛ فإن وصول العُمانيين إلى أواسط إفريقيا واستقرارهم بها، كان ذلك بداية انتشار الثقافة الإسلامية، حتى أصبح الإسلام اليوم موجودًا في كل بلد إفريقي.
وبما أن جمهورية بروندي الصديقة هي الدولة المضيفة للمؤتمر؛ فإنه من
(1) من قصيدة مطلعها:
حي الربوع وقف بها مستخبرا وزر التي فتنت محاسنها الورى
والثم ثرى تلك الربوع فأنت
في
وهذه القصيدة كانت من محفوظات الكثير من
تحية غيده لثم الثرى حي
العُمانيين. (1/85)
صفحة 79
17
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
المناسب أن نذكر بأن العُمانيين استقروا فيها منذ زمن بعيد، ويتركز وجودهم بشكل أكبر في العاصمة بوجمبورا، وكذلك لهم وجود أو تجمع في رومينجا، وفي كتيجا، ولهم أيضا وجود متوزع في أماكن أخرى من الجمهورية، ولكن الأماكن الثلاثة المذكورة هي أكبر حاضن لهم، ويحسب لهم أنهم ابتعدوا عن الدخول في الصراعات التي دارت هناك، ونأوا بأنفسهم، واعتبروا أنفسهم مع الجميع، وليسوا ضد أحد، واحترمهم البورونديون على ذلك الموقف، فلذلك لم يصابوا بأذى، والحمد الله أولا وأخيرًا.
مسقط العامرة 3 شعبان 1435 هـ / 1 يونيو 2014 م (1/86)
صفحة 80
سقطرى
في الذاكرة العُمانية
بحث قدّم إلى المؤتمر الدولي الخامس: علاقات عُمان بدول القرن الإفريقي
في الفترة 6 - 8 ديسمبر 2016 م
في جمهورية القمر المتحدة (1/87)
صفحة 81
مقدمة
89
بسم الله الرحمن الرحي
الحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تقع جزيرة سقطرى في بحر العرب جنوب المهرة من أرض اليمن، وتشتهر بالصبر وسقوط العنبر ودم الأخوين، وهو شيء سائل، لذلك يقال له الصبر القاطر.
ولأهمية جزيرة سقطرى ومنتجها المذكور؛ أشار الفيلسوف اليوناني أرسطاطاليس على الاسكندر المقدوني باحتلالها، وهو الأمر الذي قام به الاسكندر، فقد استولى عليها وأسكن بها مجموعة من اليونانيين الذين اعتنقوا الديانة النصرانية فيما بعد.
ثم زحفت إليها القبائل العربية من مهرة وغيرها فسكنتها وغلبت عليها. وبما أن عُمان ما قبل الإسلام وما بعده كانت تتمدد على مساحة واسعة من الأرض، تبدأ جنوبًا من جزيرة سقط ـرى وشمالا إلى أرض اليمامة، فمن هنالك كانت سقطرى واقعة ضمن المساحة الجغرافية العُمانية
آنذاك. (1/89)
صفحة 82
الحراك العماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
ولعل السؤال الذي يدور لدى محرّك البحث في الإنسان أنه: بداية تبعية الجزيرة لعُمان؟.
كانت متي
في رأيي إن ذلك كان قد تزامن مع حكم آل الجلندى، ولعله كان إيَّان حكم الجلندى بن المستكبر؛ لأنه هو الذي أنشأ الأسطول البحري العُماني في عهد ما قبل الإسلام ونتيجة لذلك فإنه ربما وسع من نفوذه البحري فاستولى عليها.
ولذلك عندما وصل الإسلام إلى عُمان، ودخل أهلها فيه، وفي مقدمتهم وعلى رأسهم الملك جيفر بن الجلندى وأخوه عبد؛ أخذ جيفر يبعث رسله إلى كل أنحاء عُمان يخبرهم بالإسلام ويأمرهم بالدخول فيما دخل فيه، ولا شك أن مهرة وسقطرى شملتهما تلك الدعوة.
واستمرارًا على ذلك؛ فإن الإمام الجلندى بن مسعود الذي هو أول إمام
بعمان، قام بأخذ الجزية من نصارى سقطرى.
إلى أن حدث ما حدث من بعض النصارى فيها من انقلاب على والي الإمام الصلت بن مالك الخروصي في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، وقتل الوالي وعدد من أصحابه العُمانيين، الأمر الذي حمل الإمام على تجهيز أسطول مكون من أكثر من مائة سفينة على وجه السرعة، فتمكن استعادة السيطرة عليها وإخضاعها للدولة العُمانية من جديد.
من (1/90)
صفحة 83
سقطرى في الذاكرة العمانية
سقطرى: المكان
91
تقع سقطرى وهي جزيرة في بحر العرب حيث تقابل إقليم المهرة من الجهة الجنوبية، فهي تبعد عن إقليم المهرة بمسافة: 380 كيلو مترا، واقعة شمال خط الاستواء، وتقع على مسافة جغرافية طولها: 135 كيلو مترا، وعرضها: 42 كيلو مترًا، فإجمالي مساحتها: 3650 كيلو مترا مربعا.
وحددت المصادر القديمة مساحتها بأنها 300 فرسخ طولا (3). وتكتب وتنطق سقطرى بالألف المقصورة، كما أنها تكتب وتنطق بالألف الممدودة: سقطراء (3).
وينطقها أهلها سقطرى بإمالة الراء إلى الياء (4).
ولها العديد من أشكال الكتابة والنطق، لكن أشهرها ما ذكرناه آنفًا. ولعل التسمية تعني: سوق القطر، أو سوق القاطر، والقاطر هو «دم الأخوين» الذي تشتهر الجزيرة بإنتاجه بكميات كبيرة ولا يوجد في غيرها).
(1) الأنبالي، أحمد بن سعيد، تاريخ جزيرة سقطرى، ص 22.
(2) العوتبي، سلمة بن مسلم، الأنساب، ج 1، ص 268، تحقيق إحسان النص.
(3) الحموي ياقوت، معجم البلدان، حرف السين.
(4) الأنبالي، المصدر السابق، ص 17.
(5) الحموي، ن، م، ن، ص. (1/91)
صفحة 84
92
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
سقطرى: السكان
لم يعرف بالتحديد والضبط من من الأمم سكنت جزيرة سقطرى في أول الأزمان، وقبل مجيء الاسكندر المقدوني باليونان، بيد أنه بالنظر إلى قربها إلى بر العرب، ومجاورتها لجزيرة العرب؛ فلا يبعد أن يكون العرب من قوم عاد هم أول من استوطنها وهم العرب البائدة.
ولعل الهنود جاؤوا إليها بعد العرب فساكنوهم فيها، والظاهر أنهم هم الذين سماهم العوتبي: «البياسرة»، حيث قال: «وكان سكانها البياسرة» (2)؛ لأن البياسرة أصلهم من الهند.
وبعد أن استولى عليها القائد اليوناني الاسكندر المقدوني، بعد استيلائه على الهند وقتل ملكها «قور» نقل إليها قوما من اليونانيين من مدينة «اسطاغرا»؛ بناء على أمر معلمه وأستاذه الفيلسوف أرطاطاليس؛ وذلك لأجل وجود شجرة الصبر بها، وقام اليونانيون بطرد الهنود، فخرج الهنود ناقلين صنمهم من سقطرى إلى الهند والظاهر أن ذلك كان بعد موت الاسكندر مسموما (3).
(1) الأنبالي، المصدر السابق، ص 56.
(2) العوتبي، المصدر السابق، ص 268.
(3) الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق، ج 1، ص 51 عالم الكتب، بيروت، والحموي، معجم البلدان، حرف السين، والأنبالي تاريخ جزيرة سقطرى. (1/92)
صفحة 85
سقطرى في الذاكرة العُمانية
93
وبعد ظهور النبي عيسى، وانتشار الديانة النصرانية؛ اعتنق يونانيو سقطرى الديانة النصرانية فأصبحوا نصارى، ولعل أولئك اليونانيين هم الذين أطلق عليهم العوتبي: «الروم»، وأن كسرى هو الذي طرحهم. بها قائلًا: «وذلك أنهم يذكرون أن قوما من بلد الروم طرحهم كسرى بها فعمروها حتى عبرت إليهم مهرة، فغلبت عليهم وعلى الجزيرة».
وقيل: إنه لم يبق من أولئك الروم سوى رهبان على دين النصرانية"). ويشير العوتبي إلى أن عرب المهرة من قبيلة القمر اعتنقوا الديانة النصرانية؛ لأن أولاد الروم دخلوا فيهم
(3)
ولعل الروم الذين طرحهم كسرى كانوا بعد تغلبه ـ أي: تغلب الفرس على الروم ـ، وذلك بعد مجيء اليونانيين.
لغة
كانت
واللغة السقطرية متفرعة عن اللغة العربية الجنوبية القديمة التي هي: حمير، غير أنها ليس لها خط تكتب به والظاهر أنها كانت تكتب بخط المسند وحروفه، وهو الخط الذي كان تكتب به لغة حمير، وقد أصبحت اللغة السقطرية تكتب بحروف اللغة العربية الفصحى لغة مضر، التي هي! قريش، وهي التي نزل بها القرآن الكريم، ونظم بها شعراء الجاهلية شعرهم ومعلقاتهم فطغت على لغة الجنوب وغطّت عليها.
،
لغة
على أن اللغة السقطرية تلتقي مع اللغة المهرية والجبالية الظفارية). ويرى الأنبالي أن اللغة السقطرية تلتقي مع العربية الفصحى بالاشتقاق،
(1) الأنساب، ج 1، ص 268.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) الأنبالي، تاريخ جزيرة سقطرى، ص 226. (1/93)
صفحة 86
94
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وقد أورد كلمات كثيرة من اللغتين العربية والسقطرية كأمثلة على ذلك، حيث قال: «كثيرة رة هي تلك الكلمات السقطرية التي تشتق من اللغة العربية الفصيحة، ولكن يبقى النطق السقطري المتوارث منذ الحضارة العربية الجنوبية القديمة حائل بينها وبين فهم تلك الكلمات، وإن كان أصلها عربيًا فصيحا إلا أن اللهجة السقطرية أثرت فيها تأثيرًا كبيرًا، ونسجت عليها من
لحنها العجيب»).
(1) المصدر نفسه، ص 245. (1/94)
صفحة 87
سقطرى في الذاكرة العمانية
سقطرى: الإنتاج
وصف الشريف الإدريسي جزيرة سقطرى بقوله: «هي جزيرة واسعة القطر جليلة القدر بهيَّة الأرض، نامية الشجر، وأكثر نباتها شجر الصبر ولا صبر يفوق صبرها في الطيب» (1).
وقد أعجب الاسكندر بجمالها، وفي طيب ثراها واعتدال مناخها (2)؛ ولذلك فإن جزيرة سقطرى بها الكثير من المنتوجات البرية والبحرية والحيوانية والمزروعات فهي بها نخل كثير وبها العنبر، والصبر، ودم
الأخوين (3)، ومن المناسب أن نبين وصفًا وشرحًا لهذه المنتوجات:
النخل:
وهو نخل التمر، والظاهر أن منتوج الجزيرة من التمر جيد.
الصبر:
وهو بفتح الصاد وكسر الباء، ولعل الناس ينطقونه بسكون الباء، والصحيح بكسرها، وهو فائق الجودة ولا صبر يفوق صبرها)، وقد
(1) نزهة المشتاق، ج 1، ص 51.
(2) المصدر نفسه.
(3) العوتبي، مصدر سابق، ص 268.
(4) الإدريسي، مصدر سابق.
95 (1/95)
صفحة 88
96
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
أوصى أرطاطاليس الاسكندر بحفظ شجرة الصبر وحياطتها؛ لما في ذلك من جمل المنافع الطيبة، ولأنه في ذاته دواء جليل كثير المنافع، وهو عصارة شجر مُرّ، وأفضله السفري الصافي يسهل الصفراء والبلغم وينقي جميع البدن وخصوصًا علل المعدة والكبد ويذهب اليرقان ويقتل الدود والحيات (2)، وأوراق شجر الصبر تجمع في شهر يوليو، ويُصدر إلى المشرق والمغرب (3).
دم الأخوين:
وهو صمغ أحمر اللون، يقطع الدم الجاري من الجراحات الطرية، ويدملها ضمادًا، ويقطع الدم من أي مكان كان، شربا)، وهو شديد الاحمرار، يوجد شيء أشد منه حمرة (2)، وقيل إنه هو العندم".
لا
العنبر:
هو قطع شمعية في بحر الهند، تقذف إليه من جبال عالية، بها عسل كثير، يرعى نحله الأزهار الطيبة، فيكثر ويسيل إلى البحر، ثم يطفو فوق الماء ما فيه من الأجسام الشمعية، ثم تنضج وتلطف على مرور الأيام وأجوده الأشهب الزكي الرائحة، وهناك العنبر الأسود وهو الذي يوجد في جوف
(V)
دواب البحر)
(1) نزهة المشتاق، ص 51
(2) الأزدي، محمد بن عبد الله، كتاب الماء، ج 2، ص 380.
(3) نزهة المشتاق، ص 51
(4) كتاب الماء، ج 2، ص 88. (5) معجم البلدان، حرف السين. (6) الأزدي، المصدر السابق، ج 3، ص (7) الأزدي، المصدر السابق، ص 72.
ص
73 (1/96)
صفحة 89
سقطرى في الذاكرة العمانية
97
المنتوجات الحيوانية
وأهمها: السمن السقطري، وتُصدر منه كميئات، وسمعت السيد محمد بن أحمد البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، وقد توفي من سنوات قليلة، أنه في السابق كان يستورد إلى
مسقط (1/97)
صفحة 90
98
الحراك العُماني في الشرقين الافريقي والآسيوي
سقطرى: التاريخ القديم
تقدم في محور السكان ذكر الأمم التي سكنت سقطرى وتعاقبت على سكناها، ويبدو لي أن أول من سكنها الهنود، حتى جاء اليونانيون في عهد الاسكندر المقدوني فأجلوهم عنها بأمر الحاكم الفيلسوف اليوناني أرسطاطاليس، فخرج منها الهنود متوجهين إلى الهند حاملين معهم صنمهم الذي كانوا يعبدونه.
ثم نزلت إليها العرب من قبيلة القمر من المهرة، فاختلطوا بالسكان اليونانين، ودخلوا في الديانة النصرانية التي كان يونانيو سقطرى قد اعتنقوها الة وانتشار الديانة النصرانية.
عيسي
بعد ظهور نبي | الله ولعل العرب البائدة من قوم عاد قد سكنوها ولكنهم اختفوا منها، أو قحطان سكنها قوم من بني بن هود، ولكنهم انسحبوا منها، والله أعلم. فلا توجد نصوص في ذلك، وإنما هو استنتاج وهو إلى التخمين أقرب. (1/98)
صفحة 91
سقطرى في الذاكرة العمانية
سقطرى: الارتباط العُماني
99
أولا: قبل الإسلام
ارتبطت جزيرة سقطرى بعُمان سيادة وسياسة، غير أننا لا: ندري منذ متى كان هذا الارتباط، يقول أحمد بن سعيد الأنبالي: «فقد حازتها عُمان منذ الجاهلية قبل الإسلام»)، وفي رأيي: إن ذلك كان قبل الإسلام، ولا يبعد أن يكون على عهد الملك الجلندى بن المستكبر والد جيفر وعبد اللذين خاطبهما النبي محمد بالدعوة إلى الدخول في الإسلام؛ وذلك للأسباب
التالية:
الأول: إن الجلندى بن المستكبر هو أول حاكم عُماني ينشئ أسطولا قويا". الثاني: إن مهرة والشحر كانتا تحت السيادة العُمانية على عهد ولديه جيفر وعبد، وقد بعث إليهم جيفر رسوله يدعوهم إلى الدخول في الإسلام، فأسلموا (3)، والظاهر أن جيفر بن الجلندى قد ورث السيادة على مهرة والشحر من والده، حيث لم يتبين لنا أنه استولى عليهما في عهده.
(1) الحلل السندسية، ص 46.
(2) محمد السالمي وناجي عساف عُمان تاريخ يتكلم، ص 98.
(3) الأنساب، ج 2، ص)
0765 (1/99)
صفحة 92
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
الثالث: قرب جزيرة سقطرى من بلاد مهرة والشحر، وهما أقرب مكان
إليها، الأمر الذي يُسهل السيطرة عليها، لجعلها قاعدة بحرية للأسطول. الرابع: الوجود العربي بها المنحدر من قبائل مهرة؛ لأن قبائل مهرة ـ كما قدمنا - نزلت إليها قبل الإسلام، حتى أنهم أو كثيرًا منهم اعتنقوا الديانة النصرانية؛ نتيجة اختلاطهم بالنصارى اليونانيين والروم.
لهذه الأسباب أرجح أن الجزيرة خضعت للسيادة العُمانية على عهد الملك الجلندى بن المستكبر.
ثانيا: في عهد الإمام الجلندى بن مسعود
الإمام الجلندى بن مسعود هو أول إمام بعُمان، فقد تم نصبه سنة 132 هـ بعيد قيام دولة بني العباس والظاهر أنه حدث تمرد من نصارى سقطرى، الأمر الذي جعل الإمام الجلندى يوجه إليها جيشًا من الشراة.
والشراة هم المقاتلون الأشداء من الإباضية، واحدهم شار، والجمع شراة، ولا يطلق هذا اللقب على غير الإباضية والشرى واحد من مسالك الدين الأربعة: الشرى والدفاع والظهور والكتمان وتطبيق كل واحد منها يتم حسب الظروف الزمانية والمكانية.
وفي رأيي هم الذين يعنيهم ياقوت الحموي عندما قال: «وظهرت فيهم دعوة الإسلام، ثم كثر بها الشراة فعدوا على من بها من المسلمين وقتلوهم غير عشرة أناسية»، وكذلك هم الذين يعنيهم العوتبي بقوله: «ثم دخلتها
الشراة من مهرة وحضرموت وعُمان فقتلوا من بها» (2).
(1)
معجم البلدان، حرف السين
(2) المصدر السابق، ص 268. (1/100)
صفحة 93
سقطرى في الذاكرة العُمانية
1.1
على أن عبارة الحموي غير صحيحة للأسباب التالية:
1 - إن قتل الناس - من مسلمين وغيرهم - يتنافى مع القيم الإباضية والمنظومة الفكرية الإباضية والشراة هم صميم الإباضية، فلا يكون القتل إلا في الحرب والمواجهة بعد الدعوة؛ لأن الدعوة ماضية إلى يوم القيامة، كما يقول الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي: «الدعوة غير منقطعة إلى يوم القيامة إلا من فاجأك بالقتال، فلك أن تدفع عن نفسك". 2 ـ إن أهل سقطرى لم يكونوا حينذاك مسلمين، وإنما دخلها الإسلام بدخول الشراة الإباضية.
3 ـ كيف يبقى عشرة من الناس لم يقتلوا، في حين أن. جميع
تم قتلهم.
المسلمين
4 ـ عبارة العوتبي تقول: «فقتلوا من بها»، والظاهر أنه يقصد النصارى، وهي أيضا عبارة فيها مبالغة فلا يمكن قتل جميع السكان؛ بدليل أن الإمام الجلندى صالحهم على مقدار الجزية (2) التي يؤدونها إليه، ويظهر من سياق الأحداث أنهم قاموا بتمرد على سلطة الإمام، فلذلك وجه إليهم الشراة من عُمان ومهرة وحضرموت، فأخضعوهم للسيادة العُمانية دافعين الجزية المعروفة في الشريعة الإسلامية؛ عملا بقول الله تعالى: {قَبْلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحْرَمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغَرُونَ) [التوبة: 29]، على إن إعطاء أهل الكتاب والمجوس ومن في حكمهم الجزية
(1) الجامع الصحيح، الحديث رقم (53) الجزء الثالث. (2) الكندي، محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 69، ص 80 وانظر الكندي، أحمد بن عبد الله، المصنف، ج 11، ص 145. (1/101)
صفحة 94
102
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والأسيوي
ليس فيه إهانة لهم، وإنما هو مقابل حمايتهم، وعدم تعريضهم للقتال، وهل إذا اشتركوا في القتال المسلمين تسقط عنهم الجزية؟ الصحيح أنها
تسقط.
مع
ومن خلال ما تقدم أرى أن دخول الإسلام جزيرة سقطرى كان على عهد الإمام الجلندى بن مسعود في النصف الأول من القرن الثاني الهجري / منتصف القرن الثامن الميلادي بدخول الشراة الإباضية إليها، على أنه لا توجد الأدلة الكافية والقاطعة على صحة ذلك إلا ما استنتجته من سياق الأحداث، وربط بعضها ببعض والعلم عند الله عل.
ثالثًا: في عهد الإمام الصلت بن مالك
ويتجلى الموضوع عبر المحاور التالية:
أ ـ سياق الحدث:
كانت البيعة بالإمامة للصلت بن مالك سنة 237 هـ، وكانت سقطرى آنذاك لا تزال مستمرة في تبعيتها للدولة العُمانية، حيث كان عليها وال من قبل الإمام، اسمه القاسم، ولا نعلم اسمه الكامل ولا نسبه، إلا ما ورد في قصيدة الزهراء من أ أن اسمه القاسم، حيث قالت: إذا غادروا قاسما في فتية لجب عقوى مسامعهم في سبب خرب فقام النصارى بنكث العهد ونقضه مع الإمام الصلت فهجموا على والي الإمام فقتلوه، وقتلوا جملة من أصحابه، معلنين تمرُّدهم على السلطة العُمانية وسيادتها على الجزيرة، وفعلوا الأفعال الشنيعة في العُمانيين، مستعملين العنف قتلا واغتصابًا ونهبا وسلبًا، كما صورت ذلك الشاعرة الزهراء في
قصيدتها. (1/102)
صفحة 95
سقطرى في الذاكرة العُمانية
103
ويظهر أن النصارى آنذاك كانوا هم غالب سكان سقطرى، فأنسوا من أنفسهم قوة، لذلك قاموا بتمردهم، ولعل ذلك كان بدعم أو على الأقل
بتحريض من نصارى الحبشة.
على أن
من يذهب إلى أن المهاجمين كانوا من نصارى الحبشة، ولعل أول من ذهب إلى ذلك الأستاذ محمد علي الزرقاء في كتابه: عُمان، نقل عنه ذلك الشيخ أبو إسحاق اطفيش في تعليقه على كتاب تحفة الأعيان لنور الدين السالمي).
ومن المؤكد أن بها مسلمين من غير العُمانيين، ولكن لا ندري موقفهم من تلك الأحداث، ويبدو أنهم كانوا مع الدولة العُمانية، ولكنهم في موقف
الضعيف.
وهو
وفي رأيي أن المتمردين كانوا من نصارى سقطرى، وليسوا أحباشا، الذي يشير إليه عهد الإمام الصلت بن مالك للحملة العسكرية البحرية وسوف نذكر ذلك عند تحليلنا للعهد.
وعلى العموم فقد حصل التمرد وحصل الهجوم على الحامية العُمانية، وحدثت الأفعال الشنيعة، وهناك بعثت امرأة من سقطرى بقصيدة إلى الإمام
الصلت
مالك.
بن
ب ـ قصيدة الزهراء:
نتيجة الهجوم الدامي من النصارى في سقطرى على الحامية العُمانية، حيث قتل الوالي العُماني وعدد ممن كانوا معه؛ بعثت امرأة من سقطرى
(1) تحفة الأعيان، ج 1. (1/103)
صفحة 96
1.2
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
أحمد
سمت نفسها الزهراء، أو كان اسمها فاطمة، والزهراء لقب لها تيمنا بالسيدة الجليلة فاطمة الزهراء بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الشيخ بن عبد الله الحارثي أن اسمها فاطمة بنت أحمد بن محمد الجهضمية، وأنها من أقارب القاسم بن محمد الجهضمي الذي كان واليا على سقطرى (1).
وقد استنهضت بقصيدتها الإمام الصلت الذي لم يتوان عن النصرة
والنجدة لاسترداد سقطرى إلى الحاضنة العُمانية.
وبتحليلنا للقصيدة تتضح لنا الخطوط العريضة التالية:
1 - استثارة همة الإمام بالثناء عليه وعلى آبائه وأسلافه
فضائله ابن الكرام وابن السادة النجب
قل للإمام الذي ترجى وابن الجحاجحة الشم الذين هم كانوا سناها وكانوا سادة العرب 2 - وصف الحالة التي آلت إليها سقطرى حيث اختفت المظاهر الإسلامية وحلت محلها المظاهر النصرانية. أمست سقطرى من الإسلام مقفرة بعد الشرائع والفرقان والكتب واستبدلت بالهدى كفرًا ومعصية وبالأذان نواقيسا من الخشب
وبالذراري رجالا لا خلاق لهم من اللئام علوا بالقهر والغلب
3 ـ ذكر الهجوم على الوالي وحاشيته. جار النصارى على واليك وانتهبوا من الحريم ولم يألوا من السلب إذ غادروا قاسما في فتية لجب عقوى مسامعهم في سبب خرب
(1) الأنبالي، الحلل السندسية، ص 11، نقلاً عن اليسرى في إنقاذ سقطرى، ولا ندري المصدر الذي اعتمد عليه الشيخ الحارثي. (1/104)
صفحة 97
سقطرى في الذاكرة العمانية
4 ـ استثارة الإمام بما تعرضت له النساء المسلمات:
1.0
وأخرجوا حرم الإسلام قاطبة يهتفن بالويل والأعوال والكرب قل للإمام الذي ترجى فضائله بأن يغيث بنات الدين والحسب ه ـ النفس الأنوثي في القصيدة، مما يدل أن القائل لها امرأة وليس رجلا، كما أن القصيدة تشير إلى ما حلَّ بالنساء المسلمات من اغتصاب من قبل النصارى الناكثين ():
كم من منعمة بكر وثيبة من
تدعوا أباها إذا ما العلج هَمَّ بها
وباشر العلج ما كانت تَضِنُّ
آل
بيت كريم الجد والنسب وقد تلقف منها موضع اللبب
به على الحلال بوافي المهر والقهب وحل كل عراء من ملمتها عن سوأة لم تزل في حوزة العجب وعن فخوذ وسيقان مدملجة وأجعد كعناقيد من العنب قهرا بغير صداق لا ولا خُطبت إلا بضرب العوالي السمر والقضب أقول للعين والأجفان تسعدني) يا عين جودي على الأحباب وانسكبي 6 ـ تكرار الاستغاثة:
(3)
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا وفي سقطرى حريم باد "بالنهب ـ الاستغاثة بجميع المسلمين، مستثيرة فيهم الرجولة، لكي ينتصر
الإسلام ويخمد الكفر:
(1) وهذا يذكرنا بما حل بنساء العرب أثناء الانقلاب الدامي اللعين في زنجبار سنة 1964 م من اغتصاب، وقد سمعت أحد المشايخ العرب في الجزيرة الخضراء (بمبا) يقول: «إن أكثر ما آلمنا أننا كنا نرى نساءنا تغتصب من الأفارقة أمام أعيننا».
(2) هكذا وردت، والأفصح تسعفني.
(3) وردت في النسخ بادها النهب، والصحيح ما أثبتناه. (1/105)
صفحة 98
1.7
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
يا للرجال أغيثوا كل مسلمة ولو حبوتم على الأذقان والركب حتى يعود عماد الدين منتصبًا ويهلك الله أهل الجور والريب - الإفصاح عن اسمها أو لقبها:
وثم يصبح دعا الزهراء صادقة بعد الفسوق وتحيى سنة الكتب - القصيدة بها فصاحة وشاعرية رقيقة، الأمر الذي يدل على أن القائل
لها امرأة عربية.
10 ـ القصيدة تحمل حرقة شديدة من جراء الحدث الواقع الذي تسبب في قتل الوالي وجماعة معه، ولعل هذا يدل على كونها عُمانية، ولعلها قريبة النسب من الوالي أو هي زوجته.
ج - عهد الإمام الصلت:
مالك
بن
ما إن وصلت قصيدة الزهراء من سقطرى إلى الإمام الصلت الخروصي، حتى جهز حملة عسكرية بحرية على أسطول كبير يتكون من أكثر من مائة سفينة، وعيّن لقيادة الحملة رجلين هما:
1 ـ محمد بن عشيرة.
2 - سعيد بن شملال.
فإن حدث بأحدهما حادث من قتل أو أسر أو مرض فالثاني منهما يقوم مقام صاحبه، وإن حدث بكليهما حادث، فإن القيادة تكون لكل من:
1 - حازم بن همام.
2 ـ عبد الوهاب بن يزيد.
3 ـ عمر بن تميم. (1/106)
صفحة 99
سقطرى في الذاكرة العُمانية
(1)
107
وزودهم بعهد أوضح لهم ما يأتون وما يذرون في مسيرهم وسلمهم وحربهم، وهو يُشكل قانونًا إسلاميا للسلم والحرب، وهو أفضل ما كتب من المواثيق والعهود والقوانين الحربية.
قال عنه الطيب محمد بن علي البار مدير مركز البحوث الطبية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة بالمملكة العربية السعودية في مقال له نشره في عدد من المجلات: «وتعتبر وصية الإمام الصلت بن مالك وثيقة من أرقى الوثائق
في الشؤون الدولية، وخاصة في كيفية محاربة الأعداء والإنذار إليهم». على أن العهد هو من إملاء ووضع العلامة المحكم محمد بن محبوب في ذلك الأوان، وقد كان يدعو على نصارى
القضاة
و مرجع
العلماء
قاضي سقطرى في خطبة الجمعة لنكثهم بالعهد مع المسلمين وإمام المسلمين من غير أن يُسَمِّيهم، وإنما كان يقول النصارى الناكثين).
وبنظرة تحليلية للعهد «الوثيقة» يتبين لنا منه
المعالم التالية:
1 ـ الابتداء بتوحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال، والثناء عليه،
والختام بالصلاة والسلام على النبي يا الله.
2 - النصيحة الوعظية وهي تغطي جانبًا كبيرًا من العهد، وتتخلل مفاصل عديدة منه كقوله: «فالزموا تقوى الله في الغيوب، وداووا بها داء العيوب»، وقوله: «فتوبوا إلى الله من سيء ما مضى، وأصلحوا فيما بقي بما عنكم به
يرضى».
3 ـ تنظيم السير: «وشدوا على ربابنة السفن أن لا يتفرقوا ولا يسبق بعضهم بعضا».
(1) السالمي، عبد الله بن حميد تحفة الأعيان، ج 1، ص 166 - 181.
(2) الكندي، أحمد بن عبد الله، المصنف، ج 5، ص 404. (1/107)
صفحة 100
108
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
4 ـ تعبين القيادة: «واعلموا أني وليت عليكم يا معشر الشراة والمدافعة على جميع سقطرى ... محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال»، إلى أن قال: «فإن حدث بأحدهما حدث فالباقي منهما يقوم مقام صاحبه، فإن حدث بهما جميعًا حدث فقد أقمت مقامهما حازم بن همام وعبد الوهاب بن يزيد، وعمر بن تميم».
ه ـ الأثر بالنصيحة للقادة: «فانصحوا لوالييكم ووازروهما وانصروهما ولا تخذلوهما».
6 ـ الأمر بالوحدة: «وتناصحوا فيما بينكم ولا تغاشوا، ولا تباغضوا، ولا تكايدوا، ولا تحاسدوا»، «لا تختلفوا في آرائكم ولا في سلمكم ولا في حربكم، وليكن رضاكم واحدًا وغضبكم واحدا ووليكم واحدًا وعدوكم واحدا.
هم
7 ـ الخارجون على السلطة نصاري سقطري: «وقد بغى هؤلاء النصارى وطغوا ونقضوا عهدهم»، ولتدعوهم إلى الرجعة من نكثهم، والتوبة من حدثهم إلى الدخول في العهد الأول الذي كان بينهم وبين المسلمين».
- وجود مسلمين في الجزيرة، ولعلهم من الإباضية وغير الإباضية: واجعلوا ممن تُوَجِّهون رجلين صالحين ممن يوثق بهم من أهل الصلاة»، وكان في رسلكم رجلان تقيان أو رجل واحد من أهل الصلاة»، «وإن كانت الحجة قد صحت عندكم كما وصفت لكم برجلين ثقتين من أهل الصلاة، أو بواحد من أهل الصلاة».
9 ـ عدم الاعتداء: ولا تعرضوا لأحد ممن جاءكم تائبا مستأمنا مستسلما بسفك دمه ولا انتهاك حرمته ولا. ذريته ولا غنيمة ماله
بي
وليكونوا مثلكم آمنين»، «فلا تبيتوهم ولا تغتالوهم بالقتل، ولا تسبوا سبيا (1/108)
صفحة 101
سقطرى في الذاكرة العُمانية
109
لهم ولا ذرية، ولا تغنموا لهم مالا»، «وإذا التحمت الحرب بينكم وبينهم فلا تقتلوا صبيًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا، امرأة، إلا شيخا أو امرأة أعانوا على القتال، ومن قتلتموه عند المحاربة فلا تُمَثَّلوا به؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة».
10 ـ حمل المسلمين وذراريهم إلى البلاد الإسلامية: «ومن أراد من أهل سقطرى من أهل الصلاة من رجال ونساء أو صبيان أن يخرجوا معكم إلى بلاد المسلمين فاحملوهم في حمولتكم، وأنفقوا عليهم من مال الله»، أما أولاد الشراة وأعوانهم فالنصيحة لهم بإخراجهم: «فإن تلك الدار لا تصلح لهم
بعد تلاحم الحرب بيننا وبينهم».
وهو عهد طويل، ويتضمن الكثير من المعالم الفقهية والفكرية والنصائح
الوعظية والتكتيكات العسكرية، وتحليله يطول، وشرحه يكون أطول. والظاهر أن سقطرى بعد هذا التاريخ انفصلت عن عُمان؛ نظرا لما تعرضت له عُمان من غزو خارجي عباسي سنة 280 هـ أنهى دولة الإمامة الثانية، وضعفت بعد ذلك الدولة في عُمان حيث تعرضت لغزو خارجي متعدد ومتكرر من القرامطة وبني بويه والسلاجقة والفرس، ثم البرتغاليين، فكان ضعف الدولة في عُمان ملاحظا على مدى ثمانية قرون، حتى قيض الله لعُمان الإمام الأرشد ناصر بن مرشد اليعربي سنة 1034 هـ/1624 م، ومن بعده الأئمة اليعاربة، فقويت بهم عُمان دولة ومجتمعا، ثم من بعدهم دولة
من
البوسعيد.
ويظهر أن سقطرى انتقلت تبعيتها إلى حضرموت التي كانت بدورها خاضعة للنفوذ العباسي، كما يقول المقدسي في كتابه البدء والتاريخ.
(1) الأنبالي، مصدر سابق، ص 91. (1/109)
صفحة 102
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وقد انفرد الرحالة البريطاني وليام جيفورد بالجريف بالقول: إن سقطرى كانت تحت النفوذ العُماني في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي)، ولعله كان نفوذا مؤقتا في زمن السلطان سعيد بن سلطان.
(1) الموسوعة العُمانية، ج 5، ص 1804، وزارة التراث والثقافة. (1/110)
صفحة 103
سقطرى في الذاكرة العمانية
الخاتمة
111
مما مر أثناء البحث تبيَّنت لنا الأهمية الكبيرة لجزيرة سقطرى، من حيث موقعها، فهي تقع في بحر العرب بين شبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وسواحل إفريقيا.
ومن حيث وجودها في الذاكرة العُمانية، حيث إنها جزء من التاريخ العُماني
على مدى قرون عدة من الزمن، بل.
هي
أحد معالمه، ومفصل
مفاصله.
مهم
من
والذاكرة العُمانية عامرة بالارتباط السقطري العُماني منذ عهد الجاهلية العربية إلى أواخر القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي؛ نظرا لما شهده ذلكم الارتباط من حراك إيجابي في مجمله، وسلبي في بعضه، حتى أن سقطرى كانت حاضرة في المصادر الفقهية العُمانية؛ لأن تلك المصادر طرحت وناقشت ذلكم الحراك بإيجابياته وسلبياته، وبسلمه وحربه؛ لأن الحراك المذكور كان ناشئًا عن احتكاك بين المسلمين والنصارى، على أساس ديني طائفي، ومبنيا على محاولة انفصال عن السيادة العربية على أساس عرقي. كما أن لسقطرى حضورًا أدبيا متمثلا في القصيدة الزهرائية التي كانت من مخزونات الذهنية العُمانية؛ لفصاحتها وسلاستها، وما تحمله. جياشة، وارتباط بالأمجاد العُمانية.
لهذه المعطيات جاء هذا البحث، والله ولي التوفيق.
من
عاطفة
26 صفر 1438 هـ / 26 نوفمبر 2016 م (1/111)
صفحة 104
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
مقابلة صحفية مع جريدة عُمان
24 ربيع
الأول 1430 هـ / 22 مارس 2009 م
العدد (10155)
• موقع السلطنة سَهَّل حركة الانتقال إلى شرق القارة السمراء وجنوب آسيا.
•
السكان تأثروا بالعُمانيين ودخلوا في الإسلام مبكرا.
• المدارس هناك أنجبت علماء أجلاء ظهرت منهم أسماء عُمانية لامعة. • المسجد في شرق إفريقيا محور الحياة الاجتماعية والاقتصادية. • جمعية الاستقامة الخيرية في دار السلام ندعو إلى دعمها ماديا ومعنويا. (1/113)
صفحة 105
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
أكد سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي، الأمين العام بمكتب المفتي العام للسلطنة، أن موقع السلطنة هو الذي سهل حركة الانتقال للشخص العُماني إلى شرق إفريقيا وإلى جنوب آسيا، وأن وجود العرب فيها كان من قديم الزمان، وأن العُمانيين تأثر بهم سكان شرق إفريقيا.
وقال: إن العُمانيين حملوا حضارة عربية إسلامية إلى أقوام كانت حضارتهم بدائية، وأنهم اشتركوا مع الأفارقة في جميع الأمور التعبدية
والتعلمية، وكان هذا الاشتراك من المؤثرات في الدعوة الإسلامية.
هناك
وأوضح أن المدارس في شرق إفريقيا أنجبت علماء أجلاء، كما ظهرت أسماء علمية عُمانية لامعة، وفي مقدمتهم الشيخ ناصر بن أبي
منهم نبهان الخروصي.
وأشار إلى أن المساجد هي المحور الرئيسي في الحياة الإسلامية، وأن تخطيط وجودها أعطى بعدا دينيًا جيدًا للسكان، وساهم في انتشار الإسلام، والزائر إلى شرق إفريقيا يجد السكن الجميل الذي يُعبر عن أن الحياة تدور حول العبادة والاقتصاد جنبا إلى جنب.
وبَيَّن أن العرب الموجودين في إفريقيا من أصول عُمانية لا يزالون
متمسكين بالعادات العُمانية القديمة. (1/115)
صفحة 106
116
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
أنحاء
وأشار إلى أن معهد الاستقامة في زنجبار يستقبل الطلاب من جميع شرق إفريقيا، وجمعية الاستقامة في دار السلام ندعو إلى دعمها ماديا
ومعنويا.
وبيَّن أن المرأة لها دور في تربية الناشئة والتعليم المبدئي في الإسلام في
إفريقيا.
ومن المقدمة إلى نص الحوار، فحول سبب توجيه العُمانيين دعوتهم إلى شرق إفريقيا وإلى أي مدى وصلوا، يقول السيابي: الكلام عن عُمان وشرق إفريقيا، والعلاقة بينهما قصة تاريخية طويلة، فالموقع الجغرافي أولا له دور في حركة الإنسان وفي اتجاهه في تلك الحركة.
امتداد
فلو جئنا إلى موقع السلطنة؛ نجده يقع في الجزء الشرقي الجنوبي من الجزيرة العربية، وهذا الموقع مطل على بحر العرب، وهذا البحر هو للمحيط الهندي، والمحيط الهندي يقع على ضفته الغربية شرق إفريقيا، وهذا يُسهل الانتقال والحركة؛ لأن الحدود الأخرى هي إما صحاري مقفرة مهلكة کصحراء الربع الخالي مثلا، أو سلاسل كثيفة من الجبال من الجهة الغربية الشمالية، وبالتالي تكون الحركة أسهل إلى الأقطار المطلة على المحيط الهندي، سواء كانت على الضفة الغربية للمحيط، أو على الضفة الشرقية له، وكما أن العُمانيين اتصلوا بإفريقيا في قسمها الشرقي؛ كذلك اتصلوا بجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا؛ لأن الحركة هنالك فيها شيء من السهولة.
ودائما أنا أشبه عُمان بالرجل الواقف المتجه إلى الجنوب ماذا اليد اليمني إلى الغرب واليد اليسرى إلى الشرق، فاليد اليمنى اتصلت بالشرق الإفريقي، واليد اليسرى بالجنوب الآسيوي. (1/116)
صفحة 107
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
117
وهذا الموقع هو الذي سهل حركة الانتقال للشخص العُماني إلى شرق إفريقيا وإلى جنوب شرق آسيا، وفي الحقيقة لا ندري أين كانت العلاقة أولا؛ هل مع الجنوب الآسيوي؟ أو مع الشرق الإفريقي؟ لكن لو تتبعنا هذه العلاقة لوجدناها ضاربة في القدم.
هنالك كتاب اسمه الطواف حول بحر الحبشة، أو الطواف حول البحر الأريتري، يقال أنه ألف في بداية القرن الثاني الميلادي، لمؤلف يوناني، تنقل عنه المصادر، وأنا شخصيا لم أطلع عليه حتى الآن، ويذكر فيه وجود العرب في شرق إفريقيا من قديم الزمان.
ولكن العلاقة التاريخية الحقيقية بين عُمان وشرق إفريقيا والتي أرخت في هجرة الملكين العُمانيين سعيد وسليمان ابني عباد بن عبد بن الجلندى اللذين حاربهما الحجاج وبعد حروب طويلة استشعرا الهزيمة وفرا بذراريهما ومن معهما إلى شرق إفريقيا.
والذهاب إلى شرق إفريقيا من غير وجود عُماني متقدم على هجرتهما ليس من الممكن أن يغامرا بالذهاب إلى شرق إفريقيا دون أن يكون هناك وجود عُماني قد سبقهما؛ لأنهما من الملوك والحكام، ومن الصعب أن يسافرا إلى تلك الديار إلا بوجود عُماني قوي قد سبقهما إلى تلك المنطقة.
الأخير من
وهجرة الملكين العُمانيين الجلندانيين كانت في بداية الربع القرن الأول الهجري والشيخ سعيد المغيري في كتابه: جهينة الأخبار، يحدد أنها كانت في حوالي 76 للهجرة، وكان الخلاف حول وجهة هجرتهما، فبعضهم يقول أنهما هاجرا إلى زنجبار، والبعض يقول إلى الجزيرة الخضراء، وبعضهم يقول إلى كلوة، وبعضهم يقول إلى لامو أو إلى ممباسة، ولكن في (1/117)
صفحة 108
118
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
السنوات الأخيرة الماضية اكتشف بالجزيرة الخضراء ـ التي يطلق عليها بيمبا ـ في داخل أدغالها وجود آثار إسلامية متكونة من مسجد ومقابر وبيوت، وقالوا عنها بأنها تعود إلى القرن الأول للهجرة، ولعل هذا يؤيد أن الملكين العُمانيين استقرا في منطقة الجزيرة الخضراء؛ لأن تلك الآثار هي آثار إسلامية من حيث القبور والمسجد والمنازل بشكلها الإسلامي، وهذا يؤكد استقرارهما بها.
دور بارز
منطقة
وعن الدور الذي قاموا به في نشر الإسلام، وكيف؟ أوضح أن وجود العُمانيين في شرق إفريقيا تأثر به السكان، وبدأ الإسلام يدخل في الشرق الإفريقي؛ لأن تلك الآثار الإسلامية التي اكتشفت كما ذكرت تعود إلى القرن الهجري الأول، ومعنى ذلك أن دخول الإسلام إلى شرق إفريقيا كان مبكرا، فبدأ يتأثر به السكان، فكان الإسلام في جزيرة زنجبار، وأخذ يتمدد إلى منطقة الساحل الإفريقي كله وتكونت هناك حضارة وإمارات إسلامية متناثرة على طول ساحل شرق إفريقيا، ومنها إمارة كلوة وممباسة وماليندي وزنجبار وجزر القمر، هذه كلها كانت إمارات
إسلامية.
ولا شك أن العُمانيين لهم دور بارز في نشر الإسلام بشرق إفريقيا؛ لأن وجودهم كحكام وأمراء في تلك المنطقة، حتى أن تلك الإمارات الإسلامية كما يقول المؤرخون ـ من بداية التاريخ الإسلامي، وكانت أكثرها إمارات عربية ومعظم أولئك العرب هم من أصول عُمانية، وقد ساهم ذلك إلى حد كبير في نشر الإسلام؛ لأن الوجود العربي الإسلامي صاحبه وجود مدارس (1/118)
صفحة 109
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
119
للقرآن الكريم ومدارس دينية ومساجد، فهذه الجوانب كلها عناوين للدعوة
الإسلامية.
كما أن وجود المسلم نفسه بين السكان له تأثيره، ولا سيما إن العُمانيين كانوا يحملون حضارة عربية إسلامية إلى أقوام كانت حياتهم بدائية، فلا شك أن السكان المحليين تأثروا بالعرب العُمانيين المسلمين وإن كان التأثير بطيئًا، إلا أن هناك تأثرا بالإسلام.
وعلى العموم أن منطقة ساحل إفريقيا الآن تكاد تكون مسلمة، وأما بقية المناطق الداخلية التي هي خلف مناطق الساحل كانت قد بقيت على وثنيتها.
السلوك الحسن
وحول أهم الوسائل والأساليب التي اتبعها الدعاة في تبليغ دعوتهم، يقول: إن من أهم الوسائل السلوك الحسن الذي كان يسلكه العربي العُماني المسلم ذلك السلوك الحضاري الراقي في تعامله مع السكان الذي لمسوه حقيقة بالإضافة إلى الأخلاق الفاضلة، ولا سيما أن التجارة صارت في أيدي العرب العُمانيين، وهي عصب الحياة، وأصبح العُمانيون يعاملون السكان معاملة طيبة فيها شيء من الرأفة، ثم إنهم دخلوا معهم بالمصاهرة، فكثير من العُمانيين تزوجوا من الإفريقيات وأنجبوا منهن فتكون جيل يحمل ملامح الإنسان الإفريقي إن صح التعبير، وهذا جعل العرب العُمانيين والسكان المحليين ينسجمون فيما بينهم اجتماعيًا، ويتداخلون بالمصاهرة، ويتواصلون في العبادة، واشتركوا في جميع الأمور، منها: الأمور التعبدية والتعليمية،
فكانت هذه من المؤثرات في الدعوة الإسلامية. (1/119)
صفحة 110
120
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
صعوبة وسائل الاتصال
وعن أهم المعوقات التي واجهتهم وكيف تغلبوا عليها، يقول: لعل المعوقات سابقا كانت ترجع إلى صعوبة وسائل الاتصال، فشرق إفريقيا قارة كبيرة شاسعة ومناطق واسعة، وهي مناطق أدغال وأنهار وبحيرات يصعب التنقل فيها، وهذا يحتاج إلى زمن طويل، كما أن عدد العُمانيين قليل مقارنة بعدد السكان المحليين، بالإضافة إلى أن عدد السكان في منطقة الساحل الإفريقي على غير ديانة، أي: على وثنية.
فهذه هي أهم المعوقات التي واكبت الوجود العُماني الإسلامي هنالك.
اللغة
ثم إن اللغة أيضا من المعوقات لا سيما أن لغة العُمانيين هي ا العربية، وفي الساحل الإفريقي هي اللغة السواحلية، لكن لغة بقية المناطق التي تقع خلف مناطق الساحل الإفريقي لغات عديدة متباينة، كل إقليم له لغته، وهذا يُشكّل معوقا يضاف إلى صعوبة التنقل.
لا تختلف عن الدول الإسلامية
وحول نوع المادة التي كانت تُدَرَّس في المدارس الموجودة هناك، يقول: بالنسبة إلى المناطق الساحلية التي تشكلت فيها إمارات إسلامية منذ القرون الإسلامية الأولى يُدرّس فيها ما يُدَرَّس في البلاد الإسلامية، كتدريس القرآن الكريم، ثم صارت هناك مدارس دينية، بعضها في المساجد، وبعضها مستقلة عنها، يُدرس فيها اللغة العربية، وكتب الشريعة كالفقه والعقيدة وغير ذلك، يُدَرِّس فيها علماء ومشايخ وأنجبت هذه المدارس علماء أجلاء في شرق إفريقيا، لا سيما في زنجبار، كما ظهرت أسماء علمية عُمانية لامعة، ة، وفي مقدمتهم: الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، عندما استقر في زنجبار، في (1/120)
صفحة 111
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
من
121
عهد السيد سعيد بن سلطان، ثم هناك الشيخ سيف بن ناصر الخروصي، وهناك الشيخ أبو مسلم الرواحي، والشيخ هلال بن سعيد بني عرابة، والكثير الأسماء اللامعة في سماء العلم بقيت في زنجبار وفي الجزيرة الخضراء، كما أن هناك الكثير من العلماء في عهد دولة آل بوسعيد في شرق إفريقيا انتقلوا من عُمان إلى شرق إفريقيا، واستقروا في زنجبار والجزيرة الخضراء ودار السلام وفي، ممباسة، وقبل ذلك في كلوة، بجانب علماء آخرين من اليمن، ومن نفس تلك المناطق، مثل: الشيخ محيي الدين القحطاني، وابن سميط، وعبد العزيز الأموي، وغيرهم.
فكان هؤلاء العلماء كانوا بمثابة مدارس، فكل واحد منهم يُمثل مدرسة من المدارس؛ لأنه كان يُدَرِّس إما في منزله وإما في مسجده، فكانوا يُدرّسون في الفقه والعقيدة والنحو والمواد الأخرى، وظهر بعدهم علماء محليون تعلموا على هؤلاء المشايخ، فصار هناك العديد من العلماء، خاصة في زنجبار؛ باعتبارها العاصمة، وفيها مقر الحكم في عهد دولة البو سعيد، وكانت تظم الكثير والكثير من العلماء، حتى أصبح هنالك معهد ديني في زنجبار، كان التدريس فيه بالطرق الحديثة، وقد استوفد له بعض المشايخ من مصر، وبعضهم من زنجبار نفسها، فتخرج العديد من هذا المعهد، وانتقل بعضهم إلى السلطنة، وتسنَّموا مناصب في السلطنة، وبعضهم بقي في شرق إفريقيا أيضًا وتسنّموا مناصب علمية ودينية هنالك.
محور أساسي
وعن الدور الذي قامت به المساجد في تبليغ كلمة الحق وإعداد الدعاة، أكد أن المساجد هي المحور الرئيسي في الحياة الإسلامية، وفي الحقيقة إن (1/121)
صفحة 112
122
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
العُمانيين هناك قاموا بما يحمدون عليه في بناء المساجد، فنجدها منتشرة في جزيرة زنجبار والجزيرة الخضراء وفي الشرق الإفريقي كله، والعُمانيون كانوا
من
ممتازين في بناء المساجد وتكوينها، وعلى سبيل المثال: في كل منطقة. المناطق تجدهم يخططون السوق، وإلى جانبه يقع المسجد، ثم تتفرع منه الطرق إلى المساكن، فالزائر إلى مناطق شرق إفريقيا يجد هذا المخطط السكني الجميل الذي يعبر على أن الحياة تدور حول العبادة والاقتصاد جنبًا إلى جنب، فالمسجد مجاور للسوق، والسوق تتفرع منه الطرق والشوارع إلى
المساكن.
ولا شك أن هذا أعطى بعدا دينيا جيدًا للسكان، وساهم في انتشار الإسلام هنالك، عندما نلاحظ الإفريقي الذي بقي على وثنيته عندما يلاحظ المعاملة الحسنة من التاجر العُماني والنظام الجميل في الحياة، ويجد المسجد والسوق والمعاملة التجارية الراقية بالسوق؛ هذا يدعوه إلى الدخول
في الإسلام.
فالمسجد قام بدور كبير في شرق إفريقيا؛ لأنه كان تقام فيه حلقات التعليم، وفيه يجتمعون للصلاة، ويتلاقون فيه، ويستقبلون الضيوف، حتى إن المساجد في شرق إفريقيا في كل مسجد رئيسي عند السوق بجانبه بيت للضيافة، بحيث إن الضيف ينزل في غرف للضيافة الملاصقة للمسجد، ويكون فيه مقر الجمعية العربية، والجمعية العربية تُعنى بشؤون العرب تستقبل أي ضيف ينزل هنالك، فيكون سكناه بجوار المسجد وجوار السوق، ويجتمع حوله السكان، وينقلونه من مكان إلى مكان، ويكون الاجتماع دائما في المسجد. فالمسجد ـ إذن ـ في شرق إفريقيا يؤدي رسالته كما أراد له الإسلام، (1/122)
صفحة 113
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
123
فأصبح هو محور الحياة الاجتماعية في إفريقيا، وله دور كبير في نشر العادات والقيم العُمانية والأخلاق الإسلامية، والزائر إلى هناك يجد حتى الآن أن العرب الموجودين في إفريقيا من أصول عُمانية لا يزالون متمسكين بالعادات
العُمانية القديمة.
المسجد وملحقاته
وحول كيفية الوضع الديني الآن في شرق إفريقيا، يقول: كما ذكرت هي جمعيات محلية على مستوى المناطق ومحور: تلك الجمعية المسجد وملحقاته كبيت الضيافة والمجالس.
ولكن في الأيام الأخيرة أنشئت جمعية الاستقامة التنزانية الخيرية، وهذه جمعية صار لها نشاطات واسعة، تقوم بالتعليم الإسلامي والمساعدات الخيرية، حتى صار لها العديد من المدارس منها دينية بحتة، ومدارس للتعليم العام، وهناك معهد الاستقامة في زنجبار، وهو معهد كبير الآن، يقوم بأداء رسالته، ويستقبل الطلاب من جميع أنحاء شرق إفريقيا.
وهذه الجمعية مقرها الرئيسي في دار السلام؛ كونها عاصمة الدولة، وفي كل منطقة في شرق إفريقيا يوجد لها فرع، وهذه الفروع تشرف على المدارس القرآنية، أو المدارس الدينية بشكل عام، أو مدارس التعليم العام التي تنشؤها، وعلى رأس تلك المؤسسات التعليمية: معهد الاستقامة في
زنجبار.
مطالب دينية وخير
وعن فكرة تكوين جمعية الاستقامة في تنزانيا، يقول: كما ذكرت من خلال زيارتي لتنزانيا وزيارة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي (1/123)
صفحة 114
124
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
العام للسلطنة في عام 1406 هـ / 1986 م؛ أصبحت هناك مطالب للأمور الدينية والخيرية، ورأينا أنه لا بد من إطار يقوم بهذا الأمر.
السلطنة
وأذكر أنني كنت في زيارة إلى زنجبار والجزيرة في شهر يناير 1992 م، وهناك ذكرت للأستاذ حميد بن سعيد البحري الذي أعتبره أستاذ الجيل في زنجبار، ومنير بن سليمان المسروري الذي كان قد أنهى دراسته في في معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد معهد العلوم الشرعية حاليا، ذكرت لهما ضرورة إنشاء جمعية لتقوم بهذا الدور، وقد تصادف أن قام سماحة الشيخ المفتي العام للسلطنة في تلك السنة نفسها بزيارة خاصة إلى شرق إفريقيا في شهر أغسطس، وطلبت من سماحته أن يحث الإخوة في زنجبار على إنشاء الجمعية، وفعلا كان سماحته مؤيدا لذلك، فقام بِحَثهم على إنشاء الجمعية، وكان من المقرر أن تكون لزنجبار والجزيرة الخضراء (بمبه)، ولكنهم فيما بعد رأوا توسيعها لتشمل جمهورية تنزانيا
الاتحادية.
وفعلا تم الاجتماع في دار السلام عاصمة تنزانيا، وهناك أعلن عن ولادة هذه جمعية الاستقامة التنزانية، بتاريخ 16 مايو 1993 م، ونحن ندعو إلى
دعم
الجمعية ماديا ومعنويا لأنها تقوم بالأمور الدينية والاجتماعية بعيدة عن
التعصب والتطرف، ولا تتدخل إطلاقًا في الأمور السياسية.
تنفيذ مشاريع عديدة
أنه
وحول دور العُمانيين اليوم في شرق إفريقيا في سبيل نشر الدعوة، أوضح في عام 1964 ميلادي حدث انقلاب في زنجبار على نظام الحكم العربي (1) صار حاليا كلية العلوم الشرعية. (1/124)
صفحة 115
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
الكثير من
125
الإسلامي الذي يتمثل في دولة آل بوسعيد في شرق إفريقيا، وكان الانقلاب انقلابًا شيوعيًا، ويمكن أن نصفه بأنه كان انقلابًا دمويا قاسيا مورست فيه الشناعات والبشاعات ضد العرب العُمانيين خاصة؛ باعتبارهم أهل الحكم والوجاهة والحل والعقد والرأي، فاغتصبت أموالهم، وأخذت حقوقهم، وقتل الكثير منهم، ومثل بهم أبشع تمثيل، المهم أن الانقلاب كان
دمويا قاسيا لا. مبرر له إلا الحقد والكراهية واختلاف الأيديولوجيات.
بعد هذا الانقلاب تأثر الوجود العربي هناك، وضويق عليه وحوصر، وكان الضحية لذلك بشكل عام هو الإسلام والعروبة، وقضي على المدارس والمعاهد وعلى الكثير من الأطر الدينية في زنجبار، وخرج العلماء ومنهم من جاء إلى عُمان، ومنهم من اتجه إلى أماكن أخرى.
من
هناك،
وقد كانت الحالة قاتمة من الناحية الدينية ومن الناحية الثقافية، ولكن والحمد لله بعد عقدين من السنين بدأت الأمور تنفرج بظهور قيادات حكيمة في جمهورية تنزانيا ومنها في زنجبار، فأخذوا يمدون يد التواصل إلى البلاد العربية والإسلامية وفي مقدمتهم السلطنة، فأخذت الوفود الرسمية تتبادل
الزيارات.
ثم قامت حكومة السلطنة بتنفيذ العديد من المشاريع في زنجبار وفي الجزيرة الخضراء، ومنها: بناء المساجد، وبعض المرافق الحيوية الأخرى، وبهذا أصبح التواصل يزداد، وحسن العلاقة بين السلطنة وجمهورية تنزانيا توطد،. حتى شملت العلاقة العديد من الدول في شرق إفريقيا.
وأثناء هذا التواصل كان هناك رجوع إلى الدين في شرق إفريقيا، صاحبَه صحوة دينية في تلك المنطقة، وتَمَثَّل ذلك في إقامة عدد من المدارس القرآنية والدينية، وعودة المسجد إلى ما كان عليه من أداء رسالته. (1/125)
صفحة 116
126
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
ومن معالم تلك الصحوة: إقامة صلاة الجمعة عند الإباضية في شرق إفريقيا، فأول جمعة أقيمت في زنجبار كانت في عام 1406 هـ، أي: عام 1986 م. وأذكر أنني قمت بزيارة إلى شرق إفريقيا في شهر رجب من عام 1406 هـ مارس 1986 م، ووجدت الإباضيين مختلفين في إقامتها، فهناك فئة كبار السن وفئة الشباب، فالشباب متحمسون لإقامتها، بينما كبار السن يعارضون ذلك، قائلين: إن أسلافهم الذين كانوا في زنجبار لم يقيموها.
ومن جانبي قمت بالتشجيع لصلاة الجمعة، وألقيت العديد من الدروس والمحاضرات، وكانت هنالك مناقشات ساخنة حول هذا الموضوع، وفي النهاية اقتنع الجميع بضرورة إقامة الجمعة، فاختير المسجد الذي تقام فيه، وهو مسجد المحرمي، والآن أطلق عليه جامع الاستقامة، فأشرت عليهم بإعداد منبر لخطبة الجمعة، وفعلا عملوا ذلك.
وأذكر أن المناسبة كانت مناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، وبخط يدي أعددت لهم الخطبة لكي يخطبوا بها، ثم اتصلت بوزارة الأوقاف، وكانت آنذاك وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية لكي يبعثوا بأعداد من خطب الجمعة؛ لأن خطب الجمعة في السلطنة خطب أسبوعية، لكل جمعة لها خطبتها الخاصة بها، فبعثوا مجموعة من هذه الخطب ليخطبوا بها، ولكون المساجد الأخرى كان يخطب فيها بخطب قديمة، والمسجد الإباضي يخطب فيه بالخطب التي ترسل من السلطنة؛ كان الكثير من المصلين يأتون إلى مسجد الإباضية، لا سيما الوافدون من المصريين والسودانيين؛ لأن الخطب في هذا المسجد حديثة تُرْسَل إليهم من السلطنة، وهذا يُمثل نقلة جيدة في التوعية الدينية. بعد ذلك أقيمت في الجزيرة الخضراء، والآن في زنجبار وحدها تقام في (1/126)
صفحة 117
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره
127
أكثر من مكان، وأصبحت الآن تعم الوجود الإباضي في جميع مناطق الشرق الإفريقي: في دار السلام وفي، ممباسة، وفي ماليندي، وفي موانزا، وفي شنيانجا وفي جميع مناطق شرق إفريقيا تنزانيا، وكينيا، وأوغندا، ورواندا، و بروندي، والكونغو، لكن بداية إقامتها كانت في زنجبار في ذلك التاريخ
الذي ذكرته.
تربوي وتعليمي
وعما إذا كانت للمرأة دور في نشر الدين في هذا الجزء من العلم، أوضح أن المرأة في شرق إفريقيا كالمرأة في عُمان النساء المتعلمات كن قليلات، ولكن. مع هذا لهن دور في تربية الناشئة على الأخلاق الإسلامية الفاضلة والسلوك الحسن، وهناك بعض النساء كن يعلمن القرآن الكريم، التعليم المبدئي في الإسلام الذي هو تعليم القرآن الكريم، فإن تعليم القرآن يقوم به رجال ونساء، كما هو في عُمان، فبعض النساء كان لهن دور كبير في التعليم، ولكن بشكل عام فإنهن بجانب الرجل في الحقل، وفي المتجر، وفي تربية الأولاد، وفي الحياة كلها، وكانت هي محافظة على العادات العربية الإسلامية وعلى الدين والأخلاق.
ل کرکري سلام (1/127)
صفحة 118
دور العُمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا
محاضرة بتاريخ 17 ذو القعدة 1421 هـ
الموافق: 11 فبراير 2001 م (1/129)
صفحة 119
دور العمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا
131
كثر الحديث عن دور العُمانيين في شرق إفريقيا؛ وذلك نظرا للالتقاء التاريخي المتواصل بين عُمان وبين شرق إفريقيا، أما بالنسبة لجنوب شرق آسيا فقَلَّ الحديث عنه سوى بعض الدراسات، أو لنقل: بعض الإشارات، ضمن دراسات عامة تشير إلى بعض الدور العُماني في جنوب شرق آسيا؛ نتيجة انقطاع التواصل وعدم استمرارية الاتصال بين عُمان وبين جنوب شرق
آسيا.
وهذا راجع بالطبع إلى الموقع الجغرافي لكل من الإقليمين: الإقليم العُماني وإقليم جنوب شرق آسيا؛ لكون عُمان تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب أو من شبه الجزيرة العربية، كما أنها أيضا تقع في الجانب الشرقي من الوطن العربي الكبير، فمنطقة رأس الحد بولاية صور تمثل آخر نقطة تراب من الوطن العربي العُماني الذي هو جزء من الوطن العربي، وهو جزء أيضا من شبه الجزيرة العربية.
لا شك أن هذا الموقع أتاح للعُمانيين حرية التحرك البحري إلى جنوب شرق آسيا وإلى جنوب شرق إفريقيا، أو لِنَقُل إلى شرق آسيا وإلى شرق
إفريقيا.
يتصور الإنسان موقع سلطنة عُمان كالرجل المقبل إلى الجنوب وقد مد إحدى يديه غربًا فوصل إلى شرق إفريقيا واليد الثانية شرقا حتى وصل إلى (1/131)
صفحة 120
132
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
جنوب شرق آسيا، فكان التحرك العُماني عبر هذين المسارين نتيجة الموقع الجغرافي الذي تم ذكره.
وفي الحقيقة أنه عندما يعبر المقدسي صاحب كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، والمتوفى في أواخر القرن الرابع الهجري، عندما يقول عن صحار بأنها خزانة الشرق ودهليز الصين؛ هذه العبارة فيها من الدقة ما فيها. فما هو الدهليز في اللغة الدهليز هو منطقة تقع بين باب الدار، أي: الباب الرئيسي للدار وبين داخل الدار، هذا هو الدهليز، وأعتقد بأنه في اللهجة العُمانية المحلية يُعبر عنها بالدروازة، فمعنى ذلك أن لصحار بالنسبة للصين في هذا التعبير مثل هذه الأهمية، ويعني ذلك أن كل البضائع المتجهة إلى الصين كانت تخرج من صحار، إضافة إلى كونها خزانة الشرق بكامله، ولكنها دهليز الصين؛ لأن الذين يصلون الصين الظاهر - كان
معظمهم من أهل عُمان، وينطلقون من ميناء صحار.
أما بالنسبة لجنوب شرق آسيا فهو يضم مناطق عديدة، تبدأ من خليج البنغال غربا وحتى بحر الصين الجنوبي شرقا، هذه المنطقة كلها هي جنوب شرق آسيا، وتضم مناطق عديدة هي أندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، سلطنة بروناي تايلند، فيتنام بورما، وعدة أماكن تضمها هذه المنطقة، ولكن العلاقة العُمانية هي مع الصين ومع أرخبيل الملايو.
أرخبيل الملايو يضم الآن العديد من الدول، منها: ماليزيا، وسنغافورة، وسلطنة بروناي، وشمال أندونيسيا، وجنوب الفلبين، هذا بالنسبة لأرخبيل الملايو وهو عصب الحديث في هذه المحاضرة.
هذا الموقع بين عُمان وجنوب شرق آسيا أتاح للعُمانيين حرية التحرك (1/132)
صفحة 121
دور العمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا
133
حتى وصلوا إلى جنوب شرق آسيا، فكان لهم التأثير الحضاري دينيا وسلوكا اجتماعيا وعادات إسلامية وتقاليد عربية، فالكثير من أهل تلك الشعوب عني بالعادات الإسلامية العربية التي أخذوها من التأثير الحضاري الإسلامي
العُماني.
العلاقة
بين
في
عُمان وجنوب شرق آسيا بل والصين لها عمق تاريخي، في الحقيقة هذا العمق يعود به المؤرخون إلى القرن الأول الميلادي عندما كانت تحكم الصين أسرة هان هاي فتطور الاتصال حتى صارت هنالك منطقة الخليج يطلق عليها عند الصينين: دابانيا، في القرن الرابع الميلادي، كانت تقام سوق تعرض فيه البضائع الصينية، ولا أستبعد هذا الاسم أنه ينطبق على منطقة دبا؛ لأن دبا كانت أيضا سوق من أسواق العرب في الجاهلية، لكن طبعا هذا الاتصال أخذ بُعْدًا كبيرًا ونشط نشاطًا كبيرًا مع ظهور الإسلام، فانطلقت الرحلات التجارية من صحار.
ويذكر المسعودي الذي زار الصين وجنوب شرق آسيا في بداية القرن الرابع الهجري بأنه وجد الموانئ الصينية بها نواخذة من العُمانيين، وفي كل موانئ بحر الصين، وكذلك بحر الزنج، تلك المواني التي زارها المسعودي في تلك الفترة كان معظم النواخذة الذين كانوا فيها من العُمانيين، والمسعودي زار تلك المناطق في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، وهذا دليل على ذلك التواصل الكثيف بين التجار العُمانيين وبين مناطق جنوب شرق آسيا.
التاريخ دوّن لنا رحلة شهيرة لشخص شهير، وهو عالم إسلامي كبير، هو الشيخ أبو عبيدة عبد الله بن القاسم بن سابور البسيوي البهلوي العُماني، هذا من بِسْيًا بعُمان، وتتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم ابن أبي
الرجل
كان (1/133)
صفحة 122
134
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
كريمة، ثم بعد ذلك كانت له، رحلات والظاهر أنه توقف وأقام في عدة مناطق، ولم يكتف بمكان واحد؛ لأن الاهتمام بالتجارة يفتح للإنسان آفاقاً والإقامة في العديد من الأماكن، حتى أن الشيخ الدرجيني في كتابه طبقات المشايخ. عندما عرف به، قال: «ومنهم: أبو عبيدة عبد الله بن القاسم رحمة الله، أحد الفضلاء، من أقام في الأمصار، وفقهاء تلك الأعصار»، وتاريخ حياته يشهد له بأنه نزل البصرة وسكن صحار، ثم أقام فترة طويلة في مكة
المكرمة.
ومن
منهم:
هناك ـ أي من البصرة - خرج مع مجموعة من التجار من زملائه، النضر بن ميمون وغيره، ومرُّوا بصحار، وانطلقوا منها سنة 135 هـ / 752 م، والظاهر أن رحلته كانت بعد سقوط إمامة الإمام الجلندى بن مسعود في عُمان سنة 134 هـ، هذه الرحلة استغرقت عامين: منذ أن خرج من صحار حتى عاد إليها، ثم انتقل إلى البصرة للتجارة، وكان يجلب من الصين وجنوب شرق آسيا الكثير من البضائع منها: الطيب، والعود، وسائر
السلع.
لا شك أن رحلات مثل هؤلاء التجار في تلك الأيام أثرت تأثيرًا إيجابيًا، وانتشرت رسالة الإسلام؛ لأن الإسلام انتشر في مناطق جنوب شرق آسيا حتى الصين عن طريق الدعوة فقط، فقد انتشر عن طريق التجار العُمانيين، وكان أولئكم التجار علماء وفقهاء عارفين بتعاليم الدين الإسلامي، فوجد أهالي تلك الأقاليم من قبل هؤلاء التجار حسن المعاملة والاستقامة، فأخذوا يعتنقون الإسلام، ومعنى ذلك أن الإسلام لم يكن يشمل جميع الشعوب هنالك وإنما كان يعتنقه أفراد وجماعات.
إذن: الإسلام في جنوب شرق آسيا لم ينتشر عن طريق الفتوح، (1/134)
صفحة 123
دور العمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا
135
والفتوحات وصلت إلى شرق آسيا ووصلت إلى التبت وإلى غرب الصين وغيرها من الأقاليم في ذلك الزمان، أما جنوب شرق آسيا فالإسلام انتشر إليها عن طريق الدعوة فقط وعن طريق التجار.
كانت رحلة الإمام أبي عبيدة الصغير - ولقب بالصغير؛ للتفرقة بينه وبين معلمه وأستاذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي هو أبو عبيدة الكبير - كانت رحلته التجارية تلك إلى الصين في عهد أسرة تانج، التي حكمت الصين من القرن السابع حتى القرن التاسع على مدى ثلاثة قرون تقريبا، ووصل في رحلته تلك إلى كانتون وفي القديم تسمى عند الصينين: قوانتشوا، وعند العرب تسمى خانفو، وهي الآن كانتون، وهي التي وصلت إليها السفينة صحار التي تم ابتعاثها من قبل وزارة التراث القومي والثقافة؛ لإحياء رحلة هذا العالم العُماني الذي تجشم مشاق السفر وركب البحار حتى
وصل برحلته التجارية إلى مدينة كانتون في الصين، ورحلته مشهورة. بعد ذلك تواصلت الرحلات التجارية العُمانية، واشتهر هنالك ملاحون عُمانيون، منهم: أبو مروان، وكان تاجرًا كبيرًا، ذكره بزرك في كتابه عجائب الهند، ومنهم: يزيد العُماني، ثم تلاه جعفر بن راشد، والنوخذة المشهور اسماعيلويه بن مرداس والذي كان مشهورًا برحلاته إلى جنوب شرق آسيا والصين وشرق إفريقيا، وروى عنه الرحالة الذين التقوا به في ذلك الوقت أخبار تلك الرحلات.
كان هؤلاء الرحالة يمرون عن طريق جنوب الهند وطريق خليج البنغال وطريق أرخبيل الملايو حتى يصلوا إلى الصين، وكل هذه المحطات كانوا يستريحون فيها، ويكون لهم تأثيرهم الإسلامي، فلذلك أخذ الأهالي هنالك يعتنقون الإسلام شيئًا فشيئًا. (1/135)
صفحة 124
136
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
من أبرز الرحلات
ولكن رحلة أبي عبيدة عبد الله بن القاس باسم كانت التجارية التاريخية التي قام بها العُمانيون إلى الصين، وقد دونت في المصادر العُمانية وفي المصادر الصينية، ولكن نظرًا لصعوبة ضبط الأسماء بين: الشعوب؛ بعض المصادر تُعَبّر عنه بأبي القاسم، وتُعبّر عنه أخرى بأبي
عبد الله.
السلطنة
تلك
وأشير بالذكر إلى أنه عندما قامت العلاقات الدبلوماسية بين حكومة وبين حكومة الصين طرح اسم هذا الشخص؛ على اعتبار أنه من أعمدة من دشن العلاقات العُمانية الصينية عبر التاريخ، وقد نشرت حول هذه الرحلة مقالا مستقلا في جريدة الغدير التي كانت تصدر عن نادي المضيرب
هذا
الرياضي في العدد السادس عشر 2 مارس 1979 م، وعرف الناس من هو. التاجر، واستقبل هذا الاسم التاريخي استقبالا جيدا في الفكر التاريخي والفكر الثقافي، ذلك المقال يتحدث عن حياة أبي عبيدة في طفولته وفي صباه وفي نشأته وكيفية دراسته وبذلك اتضح لنا من هو هذا الشخص الذي قام بهذه الرحلة، وتمكنا من ضبط اسمه عن طريق المراجع العُمانية، ومطابقة اسمه على المصادر الأخرى، وأصبح اسمه مدونا في العلاقات العُمانية
الصينية.
إذن: بدأ الإسلام ينتشر في جنوب شرق آسيا حتى الصين منذ القرن الأول الهجري عن طريق الرحالة والتجار العُمانيين، وفي النصف الأول من القرن الثاني الهجري كانت رحلة الإمام أبي عبيدة ومن معه ومن أهل العلم والفضل للملاحة والتجارة، لكن كما ذكرت سابقا بأن الإسلام لم يكن دين تلك الشعوب أو كافة تلك الشعوب، ومن بين تلك الشعوب التي تأثرت بدخول الإسلام شعب الملايو.
جميع (1/136)
صفحة 125
دور العُمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا
137
تلك
وشعب الملايو من الشعوب الكبيرة، ويقطن العديد من الجزر، ومن: الجزر الآن تتكون منها، دول منها ماليزيا وسنغافورة، وسلطنة بروناي، وشمال أندونيسيا، وجنوب الفلبين هذه المنطقة كلها كان يطلق عليها أرخبيل
الملايو.
وشعب الملايو شعب له لغته الحية التي تكتب بالأحرف العربية، شأنها شأن اللغة الفارسية والأوردية، وهذه اللغات ارتبطت بالفكر الإسلامي، ولا شك أن الارتباط بالفكر الإسلامي هو ارتباط بالعرب وباللغة العربية، فكانت هذه اللغات تكتب بالحروف العربية ولا تزال بعض المجلات هناك تصدر باللغة الملاوية ومكتوبة بالحروف العربية، وبعد ما أتى الاستعمار لتلك المناطق وأصبح الغزو الثقافي بجانب الغزو العسكري من الاستعمار الغربي؛ أصبحت اللغة الملاوية معظمها تكتب بالحروف الإنجليزية، وإن كانت هناك بعض الكتب وبعض المجلات لا تزال تصدر باللغة الملاوية وتكتب بالحروف العربية.
وكان أرخبيل الملايو يضم مملكة عاصمتها ملقا، ويطلق عليها حاليا: ملكا، وهي تقع على خليج يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، فكان الرحالة العرب والتجار الذين يذهبون إلى الصين لا بد وأن يمروا من خلال هذا المضيق الذي هو مضيق ملقا حيث أنه كانت مملكة الملايو، تكون الآن إحدى السلطنات، أو الولايات المتكون منها الاتحاد وهي الفدرالي الماليزي وهي تقع في جنوب ماليزيا، وكما ذكرت تشرف على هذا الخليج الحيوي الهام الذي يمثل شريانا تجاريًا عالميا يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي.
وفي بداية القرن الخامس عشر الميلادي وصل إلى ملقا ـ ولعله كان (1/137)
صفحة 126
138
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
راحلا إلى الصين، أو إلى غيرها من تلك البقاع - رجل يطلق عليه: عبد العزيز العُماني، واستطاع الوصول إلى البلاط الملكي، واقترب من الملك، وتمكن
معه
من دعوته إلى الإسلام، وأسلم الملك، وأسلمت معه حاشيته، كما أسلم. أقاربه واعتنق جميعهم الإسلام، وبذلك انتشر الإسلام في أرخبيل الملايو منذ تلك الفترة.
في الحقيقة لا نعرف من هو عبد العزيز العُماني، ولا تتوفر لدينا معلومات عنه في التاريخ العُماني الذي اطلعنا عليه، وإنما هو مذكور في التاريخ الماليزي الملاوي.
وقد بدأنا بالتعرف على هذا الموضوع عندما ذهبنا ضمن وفد إلى ماليزيا؛ لحضور المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية في ماليزيا في شهر يناير 1980 م، كان ذلك المؤتمر أقامته رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع حكومة ماليزيا،
وبعد الانتهاء من المؤتمر رتبت لنا رحلة إلى جنوب ماليزيا التي تبدأ من.
ملقا
التي تقع جنوب العاصمة الماليزية الفدرالية كوالامبور، وعندما وصلنا إليها عمل لنا استقبال، وكان هناك برنامج لقاءات، ومن ضمن الحاضرين كان أحمد، هناك داعية اسلامي ماليزي اسمه الشيخ محمد بن وعندما تحدث في البرلمان المحلي في ولاية ملقا، قال في آخر كلمته: «إني أناشد الوفد العُماني بأن يسعى إلى ترميم أو إعادة بناء أو صيانة مسجد عبد العزيز العُماني الموجود في ملقا»، فسرد قصته، ومدى فضل هذا الرجل في إدخال الإسلام إلى المنطقة، حيث دخل على يديه ملك مملكة الملايو، التي كانت عاصمتها ملقا، وكانت في ذلك الوقت امبراطورية؛ لأنها واسعة الأطراف، وأتى بقصة دخول ذلك الملك الإسلام عن طريق الشيخ عبد العزيز العُماني، الذي بقي هناك فترة من الزمن يعلمهم الإسلام ويقرئهم القرآن وينشر بينهم مبادئ (1/138)
صفحة 127
دور العمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا
139
الدين، وبنى مسجدا سمي باسم مسجد عبد العزيز العُماني، ولا يزال المسجد معروفًا حتى يومنا هذا.
وهذه المعلومة هي مدونة أيضًا في متحف ملقا، وهذا المتحف موجود في القلعة التي بناها البرتغاليون الذين وصلوا إليها بعدما دخل شعب الملايو إلى الإسلام بقرن من السنين، حيث أن البرتغاليين وصلوا في بداية القرن السادس
هي
المكان
عشر الميلادي إلى ملقا، بل إلى جنوب شرق آسيا، والواقع أن ملقا. الوحيد الذي بنى البرتغاليون فيها قلعة حصينة على غرار ما فعلوه في ممباسة في شرق إفريقيا، غير أن قلعة ملقا أصغر حجمًا من: قلعة، ممباسة، لكن هذه المنطقة واقعة على خليج يمثل شرياناً تجاريًا عالميا؛ لأن كل شخص متجه إلى الصين عن طريق البحر لا بد أن يمر عبر هذا المضيق، فبنى البرتغاليون القلعة على ذلك المضيق حتى يمسكوا بزمام التجارة وبزمام الاقتصاد العالمي في ذلك الوقت، هذه القلعة الآن جعلت متحفًا، وهذا المتحف يحكي تاريخ هذه الولاية، ومن بين ما ذُكر فيه: إسلام. ذلك الملك بواسطة العالم عبد العزيز
العُماني في عام 1414 م، هذا هو التاريخ المدون في متحف ولاية ملقا. ولذلك فإن العلاقة بين عُمان وبين أرخبيل الملايو أو بين الشعب العُماني والشعب الملاوي هي علاقة فكر وعلاقة مبدأ وعلاقة دين، فقضية ربط الشعوب بنظام ديني أمر ليس بالسهولة، وهو من الأهمية بمكان، ولكن عدم استمرارية التواصل بين عُمان وبين جنوب شرق آسيا أو الانقطاع التاريخي منذ القرون الوسيطة للإسلام وحتى وقت متأخر من الآن؛ جعلت هذه الحقائق تختفي في كثير من الكتابات، فأصبحت هناك كتابات تسحب البساط من تحت أقدام التاريخ العُماني، وأسند هذا الأمر إلى ناس آخرين. (1/139)
صفحة 128
140
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
لكن هذه الحقائق التي ارتبطت بهما هاتان المنطقتان سلطنة عُمان وجنوب شرق آسيا هي مدونة في قلب ووجدان الشعب الملوي وتعتبر من الوشائج التاريخية، وعندما يناقش الإنسان معهم هذا الأمر ينفتحون له وينشرحون، ولا ينكرون التأثير العُماني في جنوب شرق آسيا، حتى أن الحلوى التي تعمل إبَّان المناسبات في ماليزيا بالذات لا تزال يطلق عليها حلوى مسقط، وهذه الحلوى تعمل في أيام الأعياد والأفراح والمناسبات.
معنى ذلك أن التأثير الحضاري ما زال مستمرًا، ولا بد لنا من إظهار هذه الحقائق ونشر هذه المعلومات والكتابة حولها؛ حتى يتضح الأمر، وتنجلي الحقيقة أمام الباحثين ولكل الناس.
وهو
وأتمنى أن تكون هناك توصية، وهي أن تقوم حكومة السلطنة بإعادة بناء ذلك المسجد؛ بناء للدعوة التي وجهها أحد الدعاة الإسلاميين في ملقا الشيخ محمد بن أحمد، رغم أنه مضى على ذلك الوقت عشرون عاما، والقيام ببنائه يعتبر رمزًا للتواصل الحضاري بين الشعب العُماني والشعب الماليزي؛ حتى يبني الحاضر على أساس قوي من الماضي).
(1) استجابت وزارة التراث والثقافة على الاقتراح بالقيام ببناء المسجد أو ترميمه «مسجد عبد العزيز العُماني في ولاية ملقا، وأوفدتني للاطلاع على المسجد والتواصل مع المسؤولين. وفعلا ذهبت إلى الولاية، وزرت المسجد واطلعت عليه، وذلك سنة 2001 م، وقابلت عددًا من المسؤولين الدينيين في الولاية، ومنهم الشيخ الداعية المفكر محمد بن أحمد الذي ذكرناه، ثم قابلنا فخامة الدكتور محمد علي رستم رئيس وزراء الولاية، وأخبرناه عن مهمتنا وسبب زيارتنا، ولكنه قال لنا: «إن المسجد آنذاك تحت مسؤولية وزارة الثقافة الفيدرالية في كوالامبور، وأنه قد سُجّل ضمن التراث العالمي بمنظمة اليونيسكو، حيث يمنع التصرف فيه»، وإلى هنا انتهى الموضوع، والله الموفق. (1/140)
صفحة 129
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
بحث مقدم للمؤتمر الدولي
عُمان ودول جنوب شرق آسيا والصين
بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا للفترة 5، 6 أكتوبر 2016 م (1/141)
صفحة 130
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
مقدمة
143
بِسْم الله الرحمن الرحيم
كان للموقع الجغرافي لعُمان المطل على بحر العرب والمحيط الهندي دور كبير في التفاعل الحضاري بين العُمانيين وشعوب عديدة، كما أعطاهم هذا الموقع حب السفر والانتقال بين عُمان وجنوب آسيا إلى الصين من جهة، وإلى شرق إفريقيا من الجهة المقابلة، الأمر الذي أتاح لهم التحرك المستمر قيامًا بالتجارة بين عُمان وسيراف والبصرة من جهة وبين المناطق المذكورة من جهة أخرى.
على أنهم حملوا معهم دينهم الإسلامي إلى جانب تجارتهم، وكانوا خير أسوة وخير قدوة بسلوكهم ومعاملاتهم للشعوب الأخرى بالصدق والأمانة والأخلاق العالية، فهم لم يكونوا قوَّالين وإنما كانوا عاملين، ولذلك انتشر الإسلام على أيديهم النظيفة وألسنتهم الصادقة، حيث كان الإسلام يتخلل بضائعهم التجارية.
ومن بين المناطق التي انتشر فيها الإسلام بهذه الصور الجميلة الرائعة، أرخبيل الملايو الواسع المقطون من شعب الملايو الكريم انطلاقا ملقا (ملكا)، حيث سجل لنا التاريخ رجلا اسمه عبد العزيز، استطاع إقناع
من مدينة (1/143)
صفحة 131
144
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
امبراطور (ملك) الملايو باراميسوارا الذي أصبح اسمه بعد الإسلام السلطان
ميغات اسکندر شاه بالدخول في الإسلام وذلك سنة 1414 م.
بيد أن المعلومات حول هذا الحدث العظيم قليلة ونادرة، والمصادر بها شحيحة، ولذلك كان الخلاف حول عبد العزيز نسبًا وجهة هو المتداول والمذكور.
الأمر الذي جعلنا نلجأ إلى اعتماد شهادة واحد من أبناء المنطقة معروف بعلمه وفكره ووثاقته، لذلك جاء هذا البحث بعنوان: عبد العزيز العُماني، شهادة للتاريخ، الذي أعددته للمؤتمر الدولي: عُمان ودول جنوب شرق آسيا والصين، الذي تعقده الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا بالتعاون مع رابطة
الطلبة العُمانيين بالجامعة.
لعله يجسر حلقة ـ إن الإسلام في أرخبيل الملايو.
والله ولي التوفيق،،،
صح التعبير.
-
الحلقات المفقودة في تشكل من (1/144)
صفحة 132
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
المكان
145
إقليم ملقا (ملكا) الذي يقع في الجهة الجنوبية من أرخبيل الملايو، أو
شبه جزيرة الملايو.
وتطل ملقا على مضيق بحري هو خليج أو مضيق ملقا، الذي يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، وكان هذا المضيق تمر به السفن التجارية بين إقليم كانتون جوانشو (حاليا) الواقع في الغرب الجنوبي للصين وبين البلاد العربية، وذلك للتبادل التجاري.
وتسمى المدينة التي هي عاصمة الإقليم ملقا (ملكا)، وقد احتلها البرتغاليون سنة 1511 م؛ نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، ولموقعها المتميز على
خليج ملكا الرابط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي.
وبنوا فيها قلعة مطلة على المضيق وهي القلعة الوحيدة التي بناها البرتغاليون في جنوب شرق آسيا، كما أنشأوا فيها المدينة الحمراء ذات اللون الأحمر، ولا تزال القلعة وحولها المدينة الحمراء باقيتين إلى يومنا هذا، وهما من أهم المعالم السياحية في ملقا ولعلها في عموم ماليزيا في الوقت الحالي، ولذلك تسمى المدينة التاريخية الماليزية. (1/145)
صفحة 133
146
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وتشكل. ملقا في العصر الحاضر إحدى ولايات الاتحاد الفيدرالي لدولة
ماليزيا.
وقد استعمرها البريطانيون في العصر الحديث ضمن استعمارهم لجنوب آسيا وغيرها من المناطق، وقد نالت استقلالها عن بريطانيا مع بقية ولايات ماليزيا سنة 1958 م على يد الأمير عبد الرحمن الحاج أول رئيس وزراء لماليزيا؛ لتكون ضمن الاتحاد الفيدرالي للدولة الماليزية (1) الحديثة المعاصرة التي أصبحت يفتخر بها المسلمون، حيث أصبحت تمثل الدولة الإسلامية المعاصرة تنمية واعتدالا، فكتبت بذلك قصة نجاح مثالية للإسلام
وللمسلمين.
(1) الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، إضافة إلى معلوماتي الشخصية من واقع زياراتي لماليزيا
عامة، ولملكا خاصة. (1/146)
صفحة 134
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
الزمان
147
في شهر يناير من سنة 1980 م، عقد في العاصمة الماليزية كوالالمبور، مؤتمرًا دوليًا بعنوان المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية، وقد وجهت دعوة إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ آنذاك ـ بسلطنة عُمان؛ لإرسال وفد لحضور المؤتمر، وفعلا قامت الوزارة المذكورة بإرسالنا وفدًا، وكُنَّا اثنين. وبعد انتهاء أعمال المؤتمر أُعدّت للوفود رحلات استطلاعية لعدد من الأقاليم الماليزية، وكان من بين الخيارات لتلك الرحلات الوجهة إلى
الجنوب عبر ملكا وجوهور إلى سنغافورة ثم العودة إلى كوالالمبور.
من
وقد كان اختيارنا الوجهة المذكورة مع وفود، آخرين، فانطلقنا. كوالالمبور صباحًا، وكانت أولى محطات الرحلة مدينة ملكا، وقد وصلناها
ضحى ذلك اليوم، وكان قد جرى استقبال الوفود من قبل المسؤولين في الولاية في مقر البرلمان، حيث كان الاستقبال حافلاً و ورائعا، وهناك جرى اللقاء بين الوفود وبين المسؤولين بالولاية وكان من بين المتحدثين الشيخ الداعية محمد أحمد الذي تحدث عن العلاقة التاريخية التي كانت تربط الملايو بالعرب إسلاميا. وقال في حديثه: إنني أناشد الوفد العُماني أن يقوموا بإعادة بناء أو ترميم (1/147)
صفحة 135
148
الحراك الغماني في الشرقين الافريقي والآسيوي
مسجد عبد العزيز العُماني بملكا؛ لأنه مسجد تاريخي، وقد ارتبط اسمه باسم الداعية الإسلامي عبد العزيز العُماني الذي وصل إلى ملكا، التي كانت آنذاك عاصمة أرخبيل الملايو، أو مملكة الملايو، وكان امبراطور الملايو آنذاك على غير الإسلام، وقد استطاع عبد العزيز العُماني إقناعه بالدخول في الإسلام وقبول الإسلام، وفعلا تم ذلك بفضل الله تعالى، فدخل الإمبراطور في الإسلام، ودخل معه في الإسلام أركان دولته وحاشيته، وبعد ذلك أخذ الإسلام ينتشر في الملايو بصورة سريعة، وقد بنى عبد العزيز العُماني له مسجدا في مدينة ملكا، والذي أصبح يعرف بمسجد عبد العزيز العُماني، والظاهر أنه منذ ذلك الحين أصبح الإسلام يشكل الظاهرة الاجتماعية لدى شعب الملايو.
وقد ذكرنا هذا الأمر في تقريرنا الذي أعددناه عن الزيارة، وقدمناه إلى المسؤولين بالوزارة، بيد أنه لم تكن هناك استجابة حينذاك، وفي رأيي أن عدم الاستجابة يعود إلى عدم وجود علاقات دبلوماسية بين سلطنة عُمان ودولة ماليزيا آنذاك.
وفي شهر أكتوبر من عام 1987 م كانت لي زيارة لماليزيا ضمن وفد لحضور مؤتمر، وبعد انتهاء أعمال المؤتمر قمنا بزيارة إلى مدينة ملكا، ودخلنا المتحف الموجود في القلعة، فإذا به ذكر لقصة إسلام امبراطور الملايو باراميسوارا، الذي تسمى بعد إسلامه بالسلطان ميغات اسکندر شاه على يد عبد العزيز، وقد حدد تاريخ ذلك بسنة 1414 م. (1/148)
صفحة 136
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
استجابة عُمانية
149
في
شهر
فبراير 2001 م طلب مني المنتدى الأدبي بس لطنة عُمان إلقاء محاضرة عن دور العُمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا والصين، وفعلا قمت بإلقاء المحاضرة تحت العنوان المذكور بتاريخ 17 ذو القعدة 1421 هـ، الموافق 11 فبراير 2001 م، وذكرت فيها قصة إسلام امبراطور الملايو على يد عبد العزيز العُماني وما قاله الشيخ محمد أحمد الملكاوي، وناشدت فيها وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان باعتبارها المسؤولة عن المنتدى الأدبي أن تعمل على إعادة أو صيانة أو ترميم مسجد عبد العزيز العُماني في ملكا بماليزيا، وفعلا كُلّفت من قبل وزارة المذكورة على لسان وكيل الوزارة للشؤون الثقافية للقيام بزيارة إلى مدينة ملكا؛ للاطلاع على المسجد ومعرفة احتياجاته من إعادة بنائه أو صيانته أو ترميمه.
وبالفعل قمنا بالزيارة سنة 2001 م، وقابلنا الشيخ الداعية محمد أحمد، وأخاه الشيخ النواوي أحمد، وأشياحًا وأشخاصا آخرين، فقد استقبلونا في الجامع الكبير بالمدينة.
ثم ذهبنا إلى مسجد عبد العزيز، وقد وجدناه مسجدا يعكس نمط المساجد القديمة في الملايو، من حيث المسجد ومرافقه كأماكن
الوضوء وغيرها. (1/149)
صفحة 137
150
الحراك الغماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
وبعد ذلك ذهبنا لمقابلة فخامة الدكتور محمد علي رستم رئيس وزراء ملكا، فأخبرناه عن هدف زيارتنا، ولكن المفاجأة كانت أن قال لنا: «إن المسجد انتقلت المسؤولية عليه إلى وزارة الثقافة الفيدرالية؛ لأنه صار مُسَجَّلًا ضمن التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وبالتالي فإنه ليست عنده صلاحية في أمره، وقال: «طالما أنه صار ضمن التراث العالمي فإنه من الصعب إحداث أي شيء فيه». وهناك توقف السعي وقضي الأمر. (1/150)
صفحة 138
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
من هو عبد العزيز؟
أنه
في حفظي أن عبد العزيز لم يذكر في المتحف الآنف الذكر نسبه ولا الجهة التي ينتسب إليها، ولذلك أخذت أطراف عدة تتجاذبه، فمن قائل يمني من حضرموت، ومن قائل إنه حجازي من جدة، ومن قائل إنه عُماني، بَيْد أن الشيخ الداعية محمد أحمد يؤكد بقوة عُمانيته، ولا ندري المصادر التي اعتمد عليها.
وفي رأيي أن كونه من الحجاز أمر مستبعد؛ لأنه كان من غير المألوف قدوم أهل الحجاز إلى جنوب شرق آسيا؛ لأن الذين كانوا يأتون إلى جنوب
شرق آسيا والصين هم العُمانيون واليمنيون، لا سيما الحضارمة منهم.
وذلك المؤرخ السعودي يقول: إنه عندما زار كانتون (جوانشو) بالصين وجد ميناءها وموانئ أخرى في جنوب آسيا تعج بالمراكب العُمانية، على أن المؤرخ السعودي كان قد عاش في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي.
لذا فإن أمره يبقى مترددًا بين كونه عُمانيًا أو يمنيا.
وقد اعتمدت شهادة الداعية الإسلامي محمد أحمد على كون عبد العزيز
(1) مروج الذهب، ج 1، ص 136، دار المعرفة. (1/151)
صفحة 139
152
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
عُمانيا، في هذه الشهادة التاريخية؛ لأن الداعية المذكور هو من أهل المكان، ومن ذوي العلم والمعرفة في ملكا بل في ماليزيا، وربما وصل إليه العلم بكون عبد العزيز عُمانيًا من أهله وأهل بلده، ولعلهم توارثوا نقل المعلومة ابنا عن أب، وكابرا عن كابر؛ وذلك لأنه في بعض الأمور تكون للرواية الشفهية دور في انتقال المعلومة جيلا بعد جيل.
وحسب ملاحظتي ـ إن صحت ـ أن شعوب مناطق جنوب شرق آسيا لم يكونوا يهتمون بتدوين العلوم، ومن بينها قصصهم وأخبارهم وغيرها من المعلومات، وإنما كانوا يكتفون بتناقلها روايات شفهية عبر مراحل تاريخهم، لذلك نجد قلة التدوين عندهم، والله أعلم وأحكم، {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ومَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ) [يوسف: 81]. (1/152)
صفحة 140
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ)
الخاتمة
153
في الختام تبين لنا ما يلي:
أن العلاقة بين العرب والملايو قديمة جدا.
وصل الإسلام إلى الملايو في وقت مبكر من تاريخ الإسلام على يد التجار العرب، غير أن الإسلام كظاهرة اجتماعية لدى شعب الملايو لم يكن إلا منذ القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، وذلك بعد ما قرر امبراطور الملايو الدخول في الإسلام على يد عبد العزيز العُماني. ـ تتجاذب عبد العزيز عدد من الأطراف في نسبته إليها، بين كونه حجازيا أو يمنيًا أو عُمانيا.
رجحنا نسبته العُمانية بشهادة أحد العلماء العارفين من أبناء المنطقة، ألا وهو الداعية الشيخ محمد أحمد الملكاوي، ولأن العُمانيين كان لهم وجود تجاري كبير في المنطقة.
حاولت حكومة سلطنة عُمان ممثلة في وزارة التراث والثقافة إعادة بناء مسجد عبد العزيز أو صيانته أو ترميمه، ولكنه أصبح مُسَجَّلًا ضمن التراث العالمي، الأمر الذي يتعذر معه إحداث أي شيء فيه. (1/153)
صفحة 141
154
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
على أن هذا الأمر يؤكد لنا عمق العلاقة التاريخية بين عُمان وأرخبيل الملايو، وما العلاقة الوطيدة في عصرنا الحالي بين سلطنة عُمان ودولة
ماليزيا إلا ترجمة صادقة، وامتداد طبيعي لتلك العلاقة التاريخية العميقة.
إن العُمانيين إلى جانب كونهم تجارًا فهم دعاة إلى الإسلام، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون سفيرًا لدينه داعيا إليه بالحسنى، لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256]، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل: 125].
والله ولي التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مسقط 21 شعبان 1437 هـ / 28 مايو 2016 م (1/154)
صفحة 142
155
فهرس المحتويات
فهرس المحتويات
مقدمة.
الدور العُماني في شرق إفريقيا ..
تمهيد
التواصل العُماني الإفريقي.
1 - نشر الإسلام.
2 - الحكم والإدارة.
3 - الثقافة.
4 - الزراعة.
ه - التجارة.
6 ـ العادات والتقاليد.
تبوره: المحطة الأولى للعُمانيين في البر الإفريقي.
الإسلام في أوغندا.
مقدمة
المحور الأول: أوغندا المكان والسكان ... (1/155)
صفحة 143
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
أولا المكان ...
ثانيا: السكان.
المحور الثاني: انتشار الإسلام في إفريقيا الشرقية. المحور الثالث: الهجرات العُمانية إلى شرق إفريقيا.
المحور الرابع: وصول الإسلام إلى أوغندا ..
أولا: إقليم بو
غندا
ثانيا مملكة بانيورو
المحور الخامس: الوجود العُماني في أوغندا.
الإسلام في البحيرات العظمى الإفريقية.
مقدمة.
بحيرة فكتوريا ..
البحيرات الإفريقية العظمى.
بحيرة تنجنيقا.
بحيرة النطرون.
بحيرة كيوغا.
بحيرة ادوارد.
بحيرة مالاوي.
بحيرة ألبرت.
بحيرة نياسا.
دول البحيرات العظمى. (1/156)
صفحة 144
157
فهرس المحتويات
تنزانيا.
أوغندا.
رواندا.
بوروندي.
زامبيا.
مالاوي.
الكونغو الديمقراطية ..
اكتشاف العُمانيين لمناطق البحيرات العظمى.
أحمد بن إبراهيم العامري.
خميس بن جمعة.
عبد الرحمن بن عبيد بن حمود
سنان بن عامر ..
حميد بن محمد المرجبي.
محمد بن خلفان البرواني.
طرق القوافل التجارية. المسار الشمالي.
المسار الوسط.
المسار الجنوبي ..
الاستقرار العُماني في مناطق البحيرات. . أولا: التخطيط العمراني. (1/157)
صفحة 145
الحراك العُماني في الشرقين الإفريقي والآسيوي
158
ثانيا: الإصلاح الزراعي.
ثالثًا: التجارة والصناعة.
رابعا: الثقافة الإسلامية.
سقطرى في الذاكرة العُمانية.
مقدمة
سقطرى المكان.
سقطرى السكان.
سقطرى الإنتاج.
سقطرى التاريخ القديم.
سقطرى الارتباط العُماني.
أولا قبل الإسلام ...
ثانيا: في عهد الإمام الجلندى بن مسعود
ثالثًا: في عهد الإمام الصلت بن
الخاتمة
مالك
الوجود العُماني في شرق إفريقيا وأثره.
دور بارز
السلوك الحسن
صعوبة وسائل الاتصال.
لا تختلف عن الدول الإسلامية ...
محور أساسي. (1/158)
صفحة 146
فهرس المحتويات
المسجد وملحقاته ..
مطالب دينية وخير.
تنفيذ مشاريع عديدة.
تربوي وتعليمي.
دور العُمانيين في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا ..
عبد العزيز العُماني (شهادة للتاريخ).
مقدمة
المكان
الزمان.
استجابة عُمانية.
من هو عبد العزيز؟.
الخاتمة.
فهرس المحتويات. (1/159)