صفحة 1
الكتاب: الحق المبين في براءة الإباضية من الخوارج المارقين لسيف بن سعيد
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الحق المبين في براءة الإباضية من الخوارج المارقين لسيف بن سعيد
بسم الله الرحمن الرحيم
لعل الكثير منكم لاحظ كثرة القيل والقال في أن الإباضية من الخوارج، وأنهم الفرقة الوحيدة التي بقيت من فرق الخوارج، والبعض تجاوز ذلك إلى وصفهم ب " أفراخ الخوارج "، ومنهم من جنح إلى التطرف والغلو في الرأي (نتيجةً للتعصب المذهبي المقيت) حيث قال أحدهم في مقالٍِ له: " ولذلك استحقّوا التسمية النبويّة أنّهم: (كلاب أهل النار ... )!! "، حيث عد كاتب المقال الإباضية فرقة من فرق الخوارج، وأنها الوحيدة الباقية منهم حتى عصرنا هذا – نسأل الله لهم الهداية -، وغيرها من الأقاويل الباهتة التي لا تصدر إلا عن هوى وجهل وتعصب. وفي مقابل هؤلاء وجد هناك بعض المنصفين – على الرغم من إنصافهم وحديثهم بخير عن الإباضية، إلا أن بعضهم وقع في ما وقع فيه غيره من نسبة الإباضية إلى الخوارج، ولكن نلتمس لهم العذر في ذلك، ولا نذكرهم إلا بالخير، والله الهادي إلى الصواب – نذكر من ذلك ما قاله الشيخ عزالدين التنوخي، حيث يقول في تقديمه لشرح الجامع الصحيح بعد كلام: " ... لتطمئن قلوب إخواني أبناء السنة بأن مسند الربيع الذي بني عليه المذهب الإباضي هو صحيح الأحاديث، وأكثرها مما جاء في الصحيحين، وجابر بن زيد ممن روى عنهم البخاري وغيره لكيلا يقع فيما وقع فيه خصوم الإباضية أو من لم يعرف حقيقة مذهبهم وعقيدتهم فيظنهم من الخوارج الغلاة كالأزارقة والنجدية والصفرية المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم. ومن أعلم أهل السنة بالإباضية وأعظم من كتب عن الخوارج الإمام المبرد في كتابه الكامل فقد قال ما نصه: (قول إبن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة) , وقال إبن حزم: (أسوأ الخوارج حالاً الغلاة، وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية) " , ثم يواصل الشيخ التنوخي حديثه حيث يقول: " فالإباضية اليوم بعمان والمغرب من بقايا الخوارج المعتدلين والمتمسكين (1/1)
صفحة 2
بالكتاب والسنة، وقال النور السالمي أيضاً: (ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا ولا الغشم في أمرنا ولا التعدي على من فارقنا ... الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا والسنة طريقتنا وبيت الله الحرام قبلتنا والإسلام ديننا)، ولذلك يحرم على المسلم إتهام أخيه المسلم في دينه بعد مثل هذا الإعتراف، فيكون من المتألين الذين يسارعون في تكفير المسلمين وهم الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ويلٌ للمتألين من أمتي) أي الذين يحكمون على الله بقولهم فلان في الجنة وفلان في النار "، ثم يختم تقديمه للكتاب بقوله: " هذا، وما كان أهل عمان أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة إلا لأن مذهبهم كما أطلعت عليه مبني على السنة وتقديم العمل على الحديث، لا على الفقه والمذهب، عملاً بما جرى عليه إمامهم جابر بن زيد الذي عمل بنصيحة شيخه عبد الله بن عمر الذي روى عنه ". انتهى ما قاله الشيخ عز الدين التنوخي. ومحاولة لإزالة اللبس الذي حصل من نسبة الإباضية إلى الخوارج، وكثرة الأقوال في ذلك اتجهت إلى كتابة هذا الموضوع – وهي فرصة لجميع الأخوة من المذاهب الأخرى للتعرف على الحقيقة، وفرصة كذلك للإباضية ممن لديهم لبس أو شك في الأمر أو ممن يتساهل (من الإباضية) في قبول إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية – نسأل الله أن يوفقنا في إخراج الموضوع بالصورة المناسبة التي لا تدع مجالاً للشك في قطعية براءة الإباضية من الخوارج. داعياً الأخوة من المذاهب المختلفة قراءة الموضوع بإنصاف وتجرد، وترك التعصب المذهبي. وسيكون هذا المبحث البداية لدراسة أوسع. (1/2)
صفحة 3
ورأيت أنه من المناسب أن أبتديء هذا الموضوع بتعريف الخوارج عند الإباضية – فمن حق الآخرين علينا , أن نعرف لهم الخوارج حتى نزيل اللبس الموجود عندهم –، ثم من حقهم علينا كذلك أن نذكر لهم عقيدة الإباضية التي خالفوا فيها الخوارج، أتبعها بعد ذلك بذكر " إشكاليات حول مصطلح الخوارج "، وأختم الموضوع بذكر نصوص بعض علماء الإباضية وغيرهم المصرحة بمخالفتهم للخوارج والبراءة منهم. والله الموفق.
أولاً: التعريف بالخوارج.
تعريف الخوارج (كما جاء في كتاب أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج) – وقد رأيت أن أنقله بنصه، فهو تعريف جامع مفصل القول، والله الموفق -: (1/3)
صفحة 4
" الخوارج في الأصل جمع خارجة، وهي طوائف تخرج في الإسلام ضالة ومحقة (محقة أي هالكة). وفي عرف الفقهاء فرق من فرق الإسلام رأسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر وعبد الله الصفار. وأتباعهم خرجوا على أهل الحق في زمن التابعين وتابعيهم. وحكموا على مرتكب الكبير من الذنوب بالشرك. وفرعوا عليه حلية ماله فيُغنم، ودمه فيسفك. ورأوا أن ذلك هو الحق. وإشتدوا على الناس , وثقلت وطأتهم على من تسلطوا عليه. وإشتدت شوكتهم , وعظمت محنتهم على الأمة الإسلامية إبتلاءاً من الله لها بمثل هؤلاء. وتعلقوا بتأويلات خالفوا فيها غيرهم من سائر الأمم الإسلامية. ولم يصغوا على قول غيرهم من أهل الحق، فإستعرضوا الناس بالسيف، وقتلوا من لم يحل قتله , ونهبوا الأموال، وإستعبدوا النساء والرجال لإنهم في نظرهم مشركون. فكان لهم خطب جسيم في الإسلام , وإستحلوا ما حرم الله بالمعصية متأولين قوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) الأنعام 121. وكان معنى الآية: وإن أطعتم المشركين في القول بتحليل الميتة فأنتم مشركون مثلهم. ولكن هؤلاء تأولوها على غير وجهها , فكان معناها معهم وإن أطعتموهم في أكل الميتة , فأخطأوا بذلك في تأويل الآية وجه الحق. ولا يخفى أن استحلال ما حرم الله رد على الله عز وجل , وهو شرك محض لا يرتاب فيه من له تمييز بين الحق والباطل. (1/4)
صفحة 5
ولما كان ما كان من تأويلهم هذا , ومشوا به في الأمة مشية إشمأز منها المسلمون، وأنكرها عليهم أهل الحق , فزادهم في عنادهم، وتمردهم في منهجهم. ولم يقتصروا بذلك بل تجاوزوه إلى الفعل , فعلموا بمقتضى تأويلهم , وعمموا تشريك مرتكبي (كبائر الذنوب). فحلت لهم دماء أمة محمد عليه الصلاة والسلام , ورأوا أنها تقربهم من الله زلفى , فإستحلوا الأموال غنيمة سائغة فقتلوا من تمكنوا من قتله ممن لا يقول بقولهم هذا، وسبوا من شاءوا بذلك , والواضح أنهم على الباطل الذي لا مرية فيه. ولذلك قال فيهم أئمة المسلمين كالربيع بن حبيب , صاحب الصحيح , وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب، وأمثالهم: نرى ما داموا على قولهم هذا فخطأهم محمول عليهم، فإذا تجاوزوه إلى الفعل حكمنا بكفرهم. أي يصح تركهم وتأويلهم ما لم يفعلوا بمقتضاه، فإذا فعلوا فلا يسع إلا تكفيرهم والقيام في وجوههم لرد ضلالتهم وبدعتهم، وزجرهم وقتلهم حتى يرجعوا إلى الحق. فإن المسلمين كلهم لم يقولوا بذلك أبدا , وبذلك طردهم المسلمون من مجالسهم وأقصوهم منهم معلنين منهم البراءة مباعدين لهم. وبذلك أيضاً أعلنوا كفرهم لإن من أحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله , فلا شك بكفره بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولما عظم خطب الخوارج، وتكاتف فلهم (الفل يعني الجماعة تجمع على فلول وفلال) , أثار الله لهم القائد الكبير: المهلب بن أبي صفرة سارف بن ظالم بن صبح بن كندة بن عمرو ابن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عامر ماء السماء الأزدي العماني المشهور، فأضرم بينهم نيران الحرب والدهاء، حتى دقهم دق العصف وأبادهم حتى عرفت البصرة به فقالو (بصرة المهلب) , وقد بسط القضية العوتبي في الأنساب موضحة غاية الإيضاح." إنتهى تعريف الشيخ سالم بن حمود السيابي للخوارج كما جاء في كتابه في صفحة 21 حتى 23.
يقول الشيخ السالمي – واصفاً الخوارج: (1/5)
صفحة 6
خوارجٌ غلت وصارت مارقه **** من دينها صفريةٌ أزارقه
فحكموا بحكم المشركينا **** جهلاً على بغاة المسلمينا
فعرضوا للناس بالسيف كما **** قد إستحلوا المال منهم مغنما
وأمة المختار فارقتهم **** وضللتهم وفسقتهم
ووردت فيهم عن المختار **** جملة أخبار مع الآثار
وفيهمُ المروق يُعرفنا **** ومنهمُ لا شك نبرأنا
ثانياً: بيان عقيدة الإباضية المخالفة لعقيدة الخوارج.
قال الشيخ السالمي في صفحة 81 (تحفة الاعيان) عند الحديث عن عقيدة أهل عمان:
" ونؤدي الامانة الى من استأمننا عليها من قومنا او غيرهم ونوفي بعهود قومنا واهل الذمة وغيرهم ونجير من استجارنا من قومنا وغيرهم ويأمن عندنا منهم الكاف عن القتال المعتزل بنفسه من غير أن نشك في ضلالته , وندعو الى كتاب الله ومعرفة الحق وموالاة اهله ومفارقة الباطل ومعاداة اهله فمن عرف منهم الحق واقر به وتولانا عليه توليناه وحرمنا دمه , ومن انكر حق الله منهم واستحب العمى على الهدى وفارق المسلمين وعاندهم فارقناه وقاتلناه حتى يفيء الى امر الله او يهلك في ضلالته من غير أن ننزلهم منازل عبدة الاوثان فلا نستحل سباهم ولا قتل ذراريهم ولا غنيمة اموالهم ولا قطع الميراث منهم "
جاء في تعليق الشيخ أبو إسحاق على كلام السالمي أعلاه:
" هذا رد لقول الخوارج الصفرية والأزارقة والنجدية المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم. وكذلك ما يأتي بعده من أمر الفتك فهو رد لما ذهبوا إليه من جواز الفتك بمن يخالفهم واغتياله كما اجازوا قذفه بالزنا والله اعلم."
ثم يكمل الشيخ السالمي: (1/6)
صفحة 7
" ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وان كانوا ضلالا , لان الله لم يامر به في كتابه ولم يفعله احد من المسلمين ممن كان بمكة باحد من المشركين , فكيف نفعله بأهل القبلة؟ وقد امر الله نبيه أن ينبذ الى من خاف منه خيانة فقال: (وأما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء أن الله لا يحب الخائنين) ونرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا , لان المسلمين قد كانوا يناكحون المنافقين ويوارثونهم ويظهر من المنافقين من المعاصي اكثر مما يظهر اليوم من كثير قومنا , ولا نرى أن نقذف احدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم انه فعله خلافا للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون انه بريء من الزنا من قومهم وهم بذلك مضلون ونبرأ ممن زعم أن الزنا في دينه حلال , ولا نرى استعراض قومنا بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة , ولا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا غيرهم."
جاء في تعليق الشيخ ابو اسحاق على الفقرةالاخيرة:
" لان حكم الاطفال انهم من أهل الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: (سألت الله في اللاهين فأعطانيهم خدما لأهل الجنة) وهذا رد لقول الخوارج أن الأطفال تبع لآبائهم مستدلين على زعمهم بقوله تعالى في قوم نوح (ولا يلدوا الا فاجرا كفارا) حملا للآية على قاعدتهم."
أكتفي في هذا الجانب بذكر ما قاله الشيخ السالمي، لإن المقام لا يتسع لذكر ما قاله بقية علماء الإباضية في هذا الجانب، ولكن لا بأس هنا من إحالة القاريء – ممن يرغب في التوسع في الإطلاع والبحث – إلى كتاب (أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج) – للشيخ سالم بن حمود السيابي ففيه ذكر الخبر بتفاصيله، وهو من الكتب القيمة في هذا الجانب، والله الموفق.
ثالثاً: إشكاليات حول مصطلح الخوارج. (1/7)
صفحة 8
تقرر هذه الإشكاليات الأستاذة الدكتورة " سيدة إسماعيل كاشف " (والدكتورة سيدة إسماعيل هي أستاذة التاريخ الأسلامي بكلية البنات في جامعة عين شمس بالقاهرة) , تقول في تقديمها لكتاب (أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج) – للشيخ سالم بن حمود السيابي – ما نصه:
" لكن الدارس للمصادر والمراجع الإباضية يرى الإباضيين ينكرون نسبتهم إلى الخوارج كما يتبرءون من الفرق الغالية. فالخوارج في نظر جل المؤرخين وكتاب الفرق والعقائد والفلاسفة والأدباء , هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب حين قبل التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان سنة 37 هـ. أما إباضية عُمان وزنجبار وشرقي أفريقية , وشمال أفريقية في جبل نفوسة في ليبيا , وجزيرة جربة في تونس , ووادي ميزاب في الجزائر , وغير ذلك من الأماكن , فيتبرءون من نسبتهم إلى الخوارج , والخوارج في نظرهم معناها الخروج على الإسلام ".
فكما هو واضح من كلام الدكتورة سيدة أن المؤرخين وكتاب الفرق والعقائد والفلاسفة والأدباء – وجميع هؤلاء من غير الإباضية نذكر منهم على سبيل المثال: أبو حنيفة الدينوري وإبن الأثير والمبرد والبلاذري والشهرستاني وغيرهم – يعرفون الخوارج بمن خرج على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حادثة التحكيم. في حين أن الإباضية يرون أن الخوارج هم من خرجوا على الإسلام وتعاليمه السمحة، بإستحلال دماء المسلمين ونهب أموالهم وتكفير مذنبيهم. (1/8)
صفحة 9
إذاً هناك كما نلاحظ تعريفان للخوارج، أولها يتعلق ب (خروج سياسي) وهو ما ذهب إليه المؤرخون – من غير الإباضية - من نسبته إلى من خرجوا على الأمام علي رضي الله عنه، وثانيها (خروج ديني عقائدي) أي خروج على تعاليم الإسلام، وهو المروق من الدين، وهذا ما ذهب إليه علماء المذهب الإباضي. – لا يفوتنا هنا أن نذكر أن علماء جميع المذاهب الإسلامية ينطلقون عند حديثهم عن الخوارج من الأعمال التي قاموا بها وخالفوا بها الأمة (خروج ديني)، وغير الإباضية يضيفون على ذلك الخروج على الأمام علي رضي الله عنه (الخروج السياسي). وقبل الخوض في تفصيل الحديث عن التعريفان (الخروج السياسي، والخروج الديني العقائدي) والإشكاليات التي وقع فيها المؤرخون ورواة التاريخ والعقائد، لا بد من ذكر بعض الإشكاليات الأخرى نذكر منها ما يلي:
أولاً: أن المتتبع لكتب التاريخ والسير سيجد أن جميع من أطلق لفط الخوارج على أهل النهروان ثم على الإباضية هم من مخالفي الإباضية من المذاهب الأخرى، وسنبين موقف علماء الإباضية من الخوارج لاحقاً. فلا يمكن قبول حكمهم دون الرجوع إلى الإباضية أنفسهم والإستماع لقولهم ورأيهم في الأمر كون الأمر يمسهم بالدرجة الأولى. وهذه أبسط القواعد الشرعية بموجب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقرر ذلك الشيخ سعيد القنوبي في قوله:" ومن الجدير بالذكر أن المتقرر عند أرباب الجدل والمناظرة أن المرء لا يدان إلا بكلامه , أو فعله , ولا يحتج عليه بمجرد دعوى خصمه، وهذه أبسط القواعد الشرعية في الحكم كما يدل على ذلك الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: (لو يعطى الناس بدعواهم، لإدعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه جماعة كبيرة من أئمة الحديث. (1/9)
صفحة 10
ولفظ البيهقي: (لو يعطى الناس بدعواهم لإدعى رجال أموال قوم ودماءهم , ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر). " إنتهى. راجع الطوفان الجارف , صفحة 11.
لذلك تجد عند السنة والشيعة والمعتزلة وغيرهم , من يطلق لفظ " الخوارج " على الإباضية إلى يومنا هذا، ولا غرابة في ذلك طالما أن مصادرهم وسلفهم من العلماء ورد عندهم ذلك، في حين أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة من مصادر الإباضية. لا أقول سوى – هداهم الله وأصلح أمرهم، وأنصحهم بالإنصاف والتجرد في البحث، والله الموفق لكل خير.
ثانياً: مدى مصداقية الأخبار الواردة من كتبة التاريخ والسير والعقائد ورواتها.
• ويقرر هذه الإشكالية الدكتور عوض محمد خليفات في كتابه " الأصول التاريخية للفرقة الإباضية " صفحة 53: " ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل الملاحظات التالية حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش وجدل بين الباحثين والمفكرين.
- أن الإباضيين ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيض. "
فهذه هي الطامة الكبرى التي حدثت ولا زالت تحدث، فالمؤرخين والرواة دسوا وقلبوا الحقائق، ومن جاء بعدهم قلدوهم في ذلك، دون بحث أو تحقيق وتدقيق.
أقول أنه لمن المؤسف تغاضي الكثير من المحققين والدارسين للتاريخ العربي والإسلامي لهذا الجانب , في حين أن هذا الجانب هو من الخطورة مما لا يخفي على اللبيب العاقل , وقد يقلل البعض من أهميته ويظن أني قد بالغت في وصفه بالخطر، لكن المطلع على كتب التاريخ يدرك حقيقة الأمر. فقد حدث هناك تشويه حقائق، وقلب وقائع، ومجانبة صواب. إنتصاراً للنفس وتعصباً للمذهب، ولا يخفى كذلك التعصب السياسي. (1/10)
صفحة 11
وقد يحصل هذا الخلط واللبس ومجانبة الصواب، نتيجة لإجتهاد ذلك العالم أو الراوي، فيخطيء في إجتهاده، وإما إتباعاً منه للظن وكما هو معلوم قول الله تعالى:" وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) ". وأما أن يكون ذلك تعمداً منه على تشويه صورة الحق وتعتيمها للأسباب التي أسلفنا ذكرها من تعصبٍ مذهبي وسياسي.
وهذه الحقيقة لا يمكن التغاضي عنها، وقد صرح بها بعض العلماء، أذكر مثالاً ما قاله الشيخ إبن تيمية في " منهاج السنة " الجزء الرابع , صفحة 543، إذ يقول:
" أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة , أهل البيت وغيرهم , قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة "
أذكر أيضاً ما أورده الشيخ القنوبي (الطوفان , ص 9 " هامش ") من كلام بعض العلماء في هذا الجانب منها:
• ما قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري في " المقالات " ج1 ص33:
" ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين متعمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه، من بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من إختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به، وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين ".
• ما قاله الفخر الرازي كما في " المذاهب " لعبد الحميد عرفان ص39: " هذا الأستاذ (البغدادي) شديد التعصب على المخالفين فلا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه ".
• ما قاله العلامة إبن السبكي الشافعي في " طبقات الشافعية الكبرى " , ج1، ص 90 - 91: (1/11)
صفحة 12
" وهذا إبن حزم رجل جريء بلسانه متسرع إلى النقل بمجرد ظنه، هاجم على أئمة الإسلام بألفاظه. وكتابه هذا " الملل والنحل " من شر الكتب، وما برح المحققون من أصحابنا ينهون عن النظر فيه ". إنتهى ما أورده الشيخ القنوبي.
نضرب مثالاً على ذلك بالشهرستاني في كتابه " الملل والنحل "، إذ يقول الشهرستاني: (وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم، من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده، وأعين حقه من باطله).
فهل إتبع الشهرستاني منهجه كما قال عند حديثه عن الفرق في كتابه " الملل والنحل "؟؟
والجواب على هذا أن الشهرستاني لم يتقيد بمنهجه كما قال، بل خالفه مخالفات صارخة، منها أنه عد الإباضية في عداد الخوارج، ثم وصفهم ب " المارقة "!!!
فسبحان الله الذي لا إله إلا هو، كيف قال الشهرستاني:" وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم "، ثم خالف ذلك الشرط!!
فهل يعقل أن يرد في كتب الإباضية أنهم يسمون أنفسهم بالخوارج، وأنهم يصفون أنفسهم بالمارقة!!؟؟
والحقيقة التي لا مرية فيها، أن الإباضية أعلنوا البرءاة من الخوارج، وكفروهم وخالفوهم في عقائدهم وما جاءوا به من مخالفات لشرائع الإسلام. وسأورد أقوال علماء الإباضية في البراءة من الخوارج لاحقاً.
ثالثاً: هل هو خروج سياسي أم ديني عقائدي؟ (1/12)
صفحة 13
إن المتتبع لكتب التاريخ والسير سيجد تضارب الأقاويل تضارباً صارخاً في هذا الجانب، وسيلاحظ كيف لعب التعصب المذهبي والسياسي – التعصب السياسي نتيجة الموقف الإباضي من الخلافة الأموية كما لا يخفى – دوراً بارزاً عند بعض المؤرخين. وبغض النظر عن تلك الأقاويل ننطلق من الحديث الذي يذكره المؤرخون والرواه عند حديثهم عن الخوارج، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم، يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في النصل فلا ترى شيئا، ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئا، ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوق ". والحديث ورد في الربيع والبخاري ومسلم.
جاء في شرح النووي على مسلم في تعريف الخوارج: " وسموا: خوارج ; لخروجهِم على الْجماعة , وقيل: لخروجهِم عن طريق الْجماعة "، فهذا التعريف يحمل بين ثناياه التعريفان (الخروج السياسي والخروج الديني)، فسياسياً يكون بالخروج على ولي الأمر، ويكون دينياً بالمروق من الدين ومخالفة المسلمين.
- فلو أخذنا معنى الخروج ب (الخروج السياسي)، وهو الخروج على ولي الأمر، سنجد أن أول خروج على الخليفة لم يحدث في زمن علي، بل حدث قبل ذلك في زمن عثمان وإنتهى بقتله رضي الله عنه. فكما هو معلوم أن أول إفتراق وفتنة وخلاف حدث في أواخر زمن عثمان رضي الله عنه، حين خرج عليه عدد من الصحابة في حادثة الفتنة المشهورة – والتي عُرفت بالفتنة الكبرى – ولذلك قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في محاضرة له بعنوان (فتنة الخوارج): " ابن تيمية رحمه الله تعالى لما ذكر الخوارج قال: إن سبب ظهورهم. (1/13)
صفحة 14
هم ظهروا في أي زمن؟ ظهروا في زمن عثمان رضي الله عنه، هل هناك أنقى في زمن عثمان رضي الله عنه من عثمان؟ هل هناك أنقى من دولة عثمان؟ لكنهم نقموا عليه وخرجوا عليه وقتلوه في بيته وهو ناشر المصحف يقرأ فيه وكان صائما رضي الله عنه وأرضاه.". ثم يقول بعد ذلك: " من ذلك وهو أشهرها وأولها الخوارج، الخوارج خرجوا على الإمام الحق؛ خرجوا على عثمان رضي الله عنه وقتلوه.
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يُقَطِّعُ الليلَ تسبيحا وقرآنا
ثم قتلوا من؟ قتلوا علي بن أبي طالب خير الناس في زمانه، وهؤلاء مبشرين بالجنة.
والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في حق عثمان «ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم» لكنهم أداهم القول بالخروج وأداهم الهوى إلى أن يقتلوا عثمان ويقتلوا عليا، هل كانت حين ذاك كانت لهم معتقدات خاصة؟ لا، خرجوا وقتلوا لأنهم رأوا أن هؤلاء تجاوزوا الشريعة، قبل أن يحكموا على عثمان بالتكفير، عثمان ما حكموا عليه بالكفر، وإنما حكموا عليه بالضلال في باب المال، وفي باب الولايات وقالوا أنت تقسم المال كما تشاء، وتعطي الإقطاعات كما تشاء.
وأجمع أهل العلم على ضلال هؤلاء، وعلى أنهم من كلاب أهل النار.
كذلك قتلوا عليا رضي الله عنه ". إنتهى كلام الشيخ صالح.
ثم حدث بعد ذلك خروج آخر على الخليفة، تمثل في خروج طلحة والزبير على علي بن أبي طالب، وما حدث بعد ذلك من الفتن والتي قادت لحدوث (معركة الجمل).
وبعد ذلك حدث خروج آخر، تمثل في خروج معاوية بن أبي سفيان على خليفة المسلمين علي رضي الله عنه، وخروجه لقتال علي وإلتقاء الطرفان في (صفين).
ثم خرج على علي بعد ذلك أهل النهروان وهم من القراء، عندما رفضوا قبول التحكيم، فحدثت بعد ذلك معركة النهروان والتي أدت إلى قتل عدد كبير منهم. (1/14)
صفحة 15
فهذه الأمثلة الأربعة في الخروج على ولي الأمر إبتداءاً بالفتنة في عهد عثمان وإنتهاءاً إلى حادثة التحكيم، والتي تمثلت في الخروج السياسي، تنفي أن يكون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " يخرج فيكم قوم .... "، منطبقاً على أحد الأمثلة الأربعة أعلاه. إذ أن الذين خرجوا على ولي الأمر في الحالات السالفة الذكر، هم من الصحابة المعروفين، وفيهم القراء وفيهم من وردت فيه الفضائل في كتب الحديث، فكيف يعقل أن ينطبق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية "؟؟!!. وتبعاً لذلك، فإنا نستبعد ونرفض أن يكون لفظ الخوارج ومعه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم دالاُ أو مشيراً إلى خروجٍ سياسي. (1/15)
صفحة 16
- وبعد نفي أن يكون الخروج المتعلق بلفظ الخوارج هو (خروج سياسي)، لا نجد أمامنا سوى التفسير الآخر للخوارج متمثلاً في (الخروج الديني والمروق من الإسلام). وننطلق مرة إخرى من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم، يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في النصل فلا ترى شيئا، ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئا، ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوق "، كون هذا الحديث إرتبط عند الأمة بالخوارج. فكما هو واضح من الحديث: أن الخروج هو خروج من الدين , خروج على تعاليم الإسلام والعبادات وتمثل ذلك في الصلاة والصوم وبقية الأعمال كذلك العقائد. ثم أكد ذلك بقوله: " يمرقون من الدين "، إذاً فالخروج هو (خروج ديني) لا (خروج سياسي). وهذا ما نجده في تعريف الشيخ السيابي حين قال: " وحكموا على مرتكب الكبير من الذنوب بالشرك. وفرعوا عليه حلية ماله فيُغنم، ودمه فيسفك. ورأوا أن ذلك هو الحق "، ثم يقول الشيخ: " فإستعرضوا الناس بالسيف، وقتلوا من لم يحل قتله , ونهبوا الأموال، وإستعبدوا النساء والرجال لإنهم في نظرهم مشركون ".
ومن الجدير بالذكر ومما لا ينبغي أن يُغفل ذكره أن المؤرخين وقعوا في لبس كبير في ربطهم بين الخوارج وبين الإباضية، وذلك أن بعض زعماء الخوارج كانوا في صف أهل النهروان في رفض التحكيم، ولكن ما غفل عنه المؤرخون أو تجاهلوه، أن أولئك الزعماء كانوا في ذلك الوقت على الإسلام الخالص، ولم يظهروا بعد كتيار تكفيري مارق من الدين مروق السهم من الرمية، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم. (1/16)
صفحة 17
والحق أن الخوارج بكل ما يحملون من إنتهاكات صارخة لتعاليم الإسلام، ظهروا بعد حادثة النهروان بسنين عديدة. إذ أن معركة النهروان حدثت في سنة 38 هجرية، في حين أن ظهور الخوارج حدث بعد إنقسام أهل النهروان أو المحكمة بفترة طويلة. وهذه الحقيقة يقررها الدكتور عوض محمد خليفات (الجامعة الأردنية – عمّان , الأردن)، في كتاب " الأصول التاريخية للفرقة الإباضية " حيث يقول: " وبعد إستشهاد أبي بلال بثلاثة أعوام (64 هـ) حدث إنقسام نهائي بين المحكمة (أهل النهروان) فمال فريق منهم إلى التطرف بينما حبذ فريق آخر الإعتدال وإنتهى هذا الخلاف إلى إنشقاق أبدي برز على أثره جماعة القعدة المعتدلة التي آثرت الهدوء والسير على نهج أبي بلال في عدم إستعراض الناس ومهاجمتهم إلا دفعاً لعدوان. وفي بداية الربع الأخير من القرن الأول الهجري إنقسم القعدة إلى فرقتين: الصفرية والإباضية. "
الجدير بالذكر أن حادثة الإنقسام بين المحكمة، حدثت في الفترة الزمنية التي واكبت خروج كل من: عبد الله بن إباض، ونافع بن الأزرق، ونجدة الحنفي من السجن. (حادثة خروجهم من السجن وردت عند البلاذري، وأوردها كذلك أحمد عبيدلي).
والأدلة على أن أهل النهروان كانوا على الإسلام الحق، وكذلك من كان بينهم ثم إنشقوا عنهم ومرقوا من الخوارج – من صفرية وأزارقة ونجدية – كانوا على الإسلام في حادثة النهروان، ثم ضلوا بعد ذلك، ومرقوا من الدين، كثيرة نذكر منها ما يلي:
1) ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عندما سأل عن أهل النهروان، كما ورد في كتاب منهاج السنة، لإبن تيمية، الجزء الخامس، صفحة 243، قال: " حدثنا إسحاق حدثنا وكيع عن أبي خالدة عن حكيم بن جابر قال: قالوا لعلي حين قتل أهل النهروان، أمشركون هم. قال: من الشرك فروا. قيل: فمنافقون. قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليل. قيل: فما هم. قال: قوم حاربونا فحاربناهم وقاتلونا فقاتلناهم. " (1/17)
صفحة 18
2) ما قاله عبد الله بن إباض، كما جاء في كتاب " كشف الغمة " بتحقيق أحمد عبيدلي، صفحة 172، إذ يقول: " .... إننا نبرأ إلى الله من إبن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا، على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنهم إرتدوا عنه، وكفروا بعد إيمانهم، فنبرأ إلى الله منهم ".
فمن الواضح أن في حادثة التحكيم ومعركة النهروان بعد ذلك، لم يظهر الخوارج بعد، بل كانوا حينها على الإسلام، ثم ضلوا بعد ذلك ومرقوا، كما يقرر إبن أباض.
3) ما ورد في الكتاب المذكور أعلاه بعد ذلك، في الصفحة ذاتها: " .... لم يزالوا على ذلك إلى أن مرق عنهم نافع بن الأزرق فشتت كلمتهم "
فمن الواضح أن الخوارج لم يكن لهم وجود في حادثة النهروان – وإننا حين نقول لم يكن لهم وجود، لا نعني بذلك عدم وجودهم كشخوص، بل كانوا موجودين حينها، وكانوا ممن أنكروا التحيكم، ولكن لم يخرجوا على جماعة المسلمين ويمرقوا من الدين إلا بعد ذلك – ولهذا ذهب علماء الإباضية أن الخوارج لا يجمعهم بالإباضية إلا إنكار التحيكم فقط، وعندما ضل الخوارج ومرقوا، تبرأ منهم الإباضية. نذكر مثالاً ما قاله الشيخ أبو إسحاق: " فالإباضية لا يجمعهم جامع بالصفرية والازارقة ومن نحا نحوهم الا انكار الحكومة بين علي ومعاوية , واما استحلال الدماء والاموال من أهل التوحيد والحكم بكفرهم كفر شرك فقد انفرد به الازارقة والصفرية والنجدية وبه استباحوا حمى المسلمين ولما كان مخالفونا لا يتورعون ولا يكلفون انفسهم مؤنة البحث عن الحق ليقفوا عنده- خلطوا بين الإباضية أهل الحق الذين لايستبيحون قطرة من دم موحد بالتوحيد الذي معه , وبين من استحلوا الدماء بالمعصية الكبيرة حتى قتلوا الاطفال تبعا لآبائهم مع أن الفرق كبير جدا كالفرق بين المستحل والمحرم ".
والحديث في هذا يطول، لذا نكتفي بهذا القدر، والله الموفق. (1/18)
صفحة 19
رابعاً: ذكر نصوص بعض علماء الإباضية وغيرهم في البراءة من الخوارج ومخالفتهم في عقيدتهم، بل قتالهم ومحاربتهم.
والحديث في هذا الجانب يطول كثيراً، وما أذكره هنا هو الشيء اليسير، وإني لأرى نفسي مقصراً في ذكر هذه الأمثلة فقط، ولكن المقام لا يتسع لذكر الكثير، فمن أراد التوسع في ذلك، سيجد تفصيل القول في كتب كثيرة. ولا يفوتني هنا أن أذكر، أن الشيخ أبو إسحاق إبراهيم إطفيش، له رسالة شافية وكافية في هذا الجانب بعنوان " الفرق بين الإباضية والخوارج "، وقد كتبها الشيخ بناءاً على طلب أحد علماء الأزهر وهو الشيخ إبراهيم محمد عبد الباقي. وتم نشر الرسالة في كتاب " الدين والعلم الحديث " للشيخ إبراهيم محمد عبد الباقي. والرساة نشرت في كتب، " الإباضية بين الفرق الإسلامية "، و" عمان تاريخ يتكلم "، كما أنه مطبوع ومتداول في كتيب لمن أراد الإطلاع عليه. والله الموفق.
نذكر من هذه الأمثلة ما يلي:
• فقد ورد في كتاف تحفة الاعيان بسيرة هل عمان للشيخ السالمي رحمه الله صفحة 6 من الجزء الاول: تعليقا للشيخ أبي إسحاق على ما قاله ابن خلدون في حديثه عن عمان: (والخوارج بها كثيرة)
إذ يقول الشيخ أبي إسحاق:
" إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية أهل الحق والاستقامة من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أولا , ثم عن المذهبي ثانيا , لما ظهر غلاة المذاهب , وقد خلطوا بين الإباضية والازارقة والصفرية والنجدية. (1/19)
صفحة 20
فالإباضية لا يجمعهم جامع بالصفرية والازارقة ومن نحا نحوهم الا انكار الحكومة بين علي ومعاوية , واما استحلال الدماء والاموال من أهل التوحيد والحكم بكفرهم كفر شرك فقد انفرد به الازارقة والصفرية والنجدية وبه استباحوا حمى المسلمين ولما كان مخالفونا لا يتورعون ولا يكلفون انفسهم مؤنة البحث عن الحق ليقفوا عنده- خلطوا بين الإباضية أهل الحق الذين لايستبيحون قطرة من دم موحد بالتوحيد الذي معه , وبين من استحلوا الدماء بالمعصية الكبيرة حتى قتلوا الاطفال تبعا لآبائهم مع أن الفرق كبير جدا كالفرق بين المستحل والمحرم " فماذا بعد الحق الا الضلال "
• نضرب مثالاً أخر , في ما ورد في كتاب عمان في التاريخ , صفحة 208:
" وقد كانت قبيلة تميم التي ينتمي إليها عبد الله إبن إباض من أهم قبائل البصرة في صدر الأسلام وأكثرها عدداً , وقد إشترك عبد الله في الدفاع عن الكعبة مع إبن الزبير ضد جيش يزيد بن معاوية , وبعد رجوعه إلى البصرة لم يجار نافع بن الأزرق الخارجي في آرائه المتطرفة والمغالية "
• ثم يكمل:
" ونستدل على ذلك من خلال الرسالة التي بعث بها عبد الله بن اباض إلى عبد الملك بن مروان , إذ نجد زعيم الإباضية يتبرأ صراحة من نافع بن الأزرق مؤسس (الأزارقة).
فيقول في هذه الرسالة: أما زعيم الخوارج – أي أبن الأزرق – فنحن نبرأ منه لغلوه وتشدده وإفراطه في الأحكام حين حكم على المسلمين المذنبين بالكفر , وهذه الفكرة التي تزعمها نافع بن الأزرق تتنافى مع مباديء الأسلام حين حكموا على كل مسلم مذنب بكفر الشرك "
• ثم يذكر الكتاب كيف قاتل العمانيين (بقيادة آل الجلندى) الخوارج (أتباع نجدة بن عامر الحنفي) وطردوهم من عمان , كما جاء في صفحة 123 إلى 124 , ولا يسعنا في هذا المقام ذكر ذلك , فمن أراد الأطلاع عليه فليرجع ألى الكتاب المذكور في الصفحتين المذكورتين (1/20)
صفحة 21
• يورد الكتاب بعد ذلك دور أسرة المهالبة (نسبة إلى المهلب بن أبي صفرة) وهم من أهل مدينة أدم من داخلية عمان
وإليهم يعود نسب آل بوسعيد حيث ينتسبون إلى أبي سعيد المهلب بن أبي صفرة (كما ورد في كتاب " تاريخ المهلب القائد " لسيف بن حمود البطاشي) , يسطر الكتاب بطولات آل المهلب وجيشه الذي يتكون معظمه من أزد عمان في قتالهم للخوارج الأزارقة وملاحقتهم من العراق ثم بلاد فارس وألحقوا بهم الهزائم المتتالية وخلصوا الخلق من شرورهم وكيف عندما أوشكت الأزارقة على النصر والغلبة , فنادى المهلب في شباب الأزد وفتيان اليحمد فقام له من قومه أهل عمان 3000 مقاتل سماهم الطبري ب " سرية عمان " , ويفصل الكتاب في ذكر الأحداث والمعارك التي دارت بين آل المهلب من جهة والأزارقة من جهة إخرى ولا يتسع المقام لذكر ذلك بالتفصيل , فمن أراد أن يتوسع في معرفة التفاصيل فليرجع إلى كتاب (عمان في التاريخ) من صفحة 131 وحتى صفحة 140.
• وقد صرح الشيخ السالمي بالبراءة من الخوارج , كما جاء في جوهر النظام (بتعليق الشيخ أبو إسحاق , طبعة مصر)
في باب الجهاد من الجزء الثالث صفحة 153:
ومال أهل البغي لا يحل **** وإن يكن قومٌ له إستحلوا
خوارجٌ غلت وصارت مارقه **** من دينها صفريةٌ أزارقه
فحكموا بحكم المشركينا **** جهلاً على بغاة المسلمينا
فعرضوا للناس بالسيف كما **** قد إستحلوا المال منهم مغنما
وأمة المختار فارقتهم **** وضللتهم وفسقتهم
ووردت فيهم عن المختار **** جملة أخبار مع الآثار
وفيهم المروق يُعرفنا **** ومنهم لا شك نبرأنا
فالشيخ السالمي يذكر هنا أعمال الخوارج وعقائدهم من تكفير بغاة المسلمين , وإستحلال دمائهم وأموالهم
ويُنهي حديثه عن الخوارج بقوله: (ومنهم لا شك نبرأنا) فالإباضية يتبرأون من الخوارج لجرمهم ولما إقترفوه في حق المسلمين. (1/21)
صفحة 22
• نذكر كذلك حادثة قتال الأمام أبي الخطاب المعافري للخوارج الصفرية , يسرد الحادثة الشيخ الخليلي بقوله:
" وهذا الأمام نفسه (أي الأمام المعافري) عندما بلغه إستصراخ إمرأة من القيروان من جور ورفجومة – وهي قبيلة صفرية خارجية كانت تعيث فساداً في بلاد القيروان – فقد كتبت إليه رسالة تشكو إليه الجور والخوف وعدم الطمأنينة
حتى أنها كانت تخفي إبنتها في حفرة تحفرها خشية أن يسبيها هؤلاء الخوارج الصفرية , عندما وصل كتابها إلى الإمام بكى من لك وقال: (لبيك يا أختاه) وخطب بعد صلاة أقامها وحض الناس على الجهاد , فخرج مجاهداً إلى تلك القبيلة العاتية التي كانت مستولية على القيروان , وعندما وصل إلى القيروان أمر أصحابه ألا ينتهكوا عرضاً , ولا يأخذوا مالاً , فإن أولئك مهما كان بغيهم هم من أهل التوحيد , ولا يباح شيء من أموالهم قط , ولا يباح إلا سفك دمهم بسبب بغيهم حتى يعودوا إلى الحق " إنتهى سرد الشيخ الخليلي للحادثة.
أما ما أمر الأمام المعافري به أصحابه كما سرده الشيخ الخليلي بقوله (ولا يباح إلا سفك دمهم بسبب بغيهم حتى يعودوا إلى الحق) فهو كما جاء في كتاب الله تعالى: " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) ".
• وجاء في كتاب (كشف الغمة) تحقيق أحمد عبيدلي نقلاً من (طبقات المشائخ بالمغرب) للدرجيني , ما قاله الدرجيني عند حديثه عن عبد الله إبن أباض: (أنه قعد عن اللحاق فأشتراه من غير إنكار , وقنع بالخمول من غير قصور ولا إقصار , وقلى ما إعتقده إبن الأزرق في المحمدية). راجع كشف الغمة صفحة 160.
و (قلى) كما جاء في (أساس البلاغة) للزمخشري: يقليه ويقلاه أي يبغضه. (1/22)
صفحة 23
• تقول الأستاذة الدكتورة " سيدة إسماعيل كاشف " (والدكتورة سيدة إسماعيل هي أستاذة التاريخ الأسلامي بكلية البنات في جامعة عين شمس بالقاهرة) , تقول في تقديمها لكتاب (أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج) – للشيخ سالم بن حمود السيابي – ما نصه:
" لكن الدارس للمصادر والمراجع الإباضية يرى الإباضيين ينكرون نسبتهم إلى الخوارج كما يتبرءون من الفرق الغالية.
فالخوارج في نظر جل المؤرخين وكتاب الفرق والعقائد والفلاسفة والأدباء , هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب حين قبل التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان سنة 37 هـ. أما إباضية عُمان وزنجبار وشرقي أفريقية , وشمال أفريقية في جبل نفوسة في ليبيا , وجزيرة جربة في تونس , ووادي ميزاب في الجزائر , وغير ذلك من الأماكن , فيتبرءون من نسبتهم إلى الخوارج , والخوارج في نظرهم معناها الخروج على الإسلام. ونرى فقهاء ومؤرخي الإباضية قديماً وحديثاً يؤكدون أن مذهبهم هو الإسلام القائم على القرآن الكريم وعلى الآحاديث النبوية وعلى السنة الشريفة. وقد إختار الإباضية طوال تاريخهم طريق الإعتدال وجعلوا هدفهم الرئيسي إقامة تعاليم الدين الإسلامي علماً وعملاً , أي أنهم ربطوا بين الإيمان وبين العلم والعمل. فضلاً عن أنهم إجتهدوا طوال العصور والأزمنة التاريخية في نشر الإسلام حيثما حل طلاب العلم , وحيثما وصل التجار العمانيون، وحيثما إلتقى الحجاج في بيت الله الحرام. والإباضية يختلفون عن فرق الخوارج الأزارقة والصفرية والنجدية وغيرها من فرق الخوارج التي ذكر عبد القاهر بن طاهر البغدادي أنها عشرون فرقة، والتي ذكر المقريزي أنها إثنتان وعشرون فرقة. "
• ما قاله الدكتور عوض محمد خليفات في كتابه " الأصول التاريخية للفرقة الإباضية " صفحة 53: " ويمكن للباحث المطلع على هذه المؤلفات أن يسجل الملاحظات التالية حول بعض الأمور التي لا تزال محل نقاش وجدل بين الباحثين والمفكرين. (1/23)
صفحة 24
1) أن الإباضيين ليسوا خوارج كما تزعم بعض كتب المقالات والملل والنحل وكما يدعي بعض الكتاب المحدثين الين قلدوا هذه المؤلفات دون تدقيق وتمحيض. والواقع أن الإباضية لا يجمعهم بالخوارج سوى إنكار التحكيم.
2) أن الإباضية حرموا قتل الموحدين وإستحلال دمائهم وحرموا إستعراض الناس وإمتحانهم كما فعل متطرفوا الخوارج مثل الأزارقة والنجدية. "
• ما قاله الشيخ السيابي في " أصدق المناهج ... ": " ومن الجرائم التي يعدها الإباضية على مخالفيهم تسميتهم إياهم خوارج غمزاً لهم وطعناً في الدين ". ص 23.
• ما قاله الشيخ السيابي في الكاتب نفسه، صفحة 32: " إعلم أن الخوارج في حكم الإباضية مشركون ".
الخاتمة:
وأختم هذا المبحث بما قاله الشيخ سالم بن حمود السيابي، في " أصدق المناهج ... " ـ صفحة 30، إذ يقول: " ولقد أساء مخالفونا معاملتنا، والحال أنا نحسن في معاملتهم كل الإحسان، ولقد حاولوا إلصاق الإتهامات السيئة بالإباضية من كل ناحية، غير مراقبين أوامر الله عز وجل في كتابه، فكم من آية تمنع مثل هذه الأحوال إجمالاً وتفصيلا، وكم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك زواجر ونصائح ومواعظ. "
وصلِّ اللهم وسلم على رسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. (1/24)