صفحة 1
الكتاب: الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليَمن والحجاز لسالم السيابي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الحقيقة والمجاز
في
تاريخ الإباضية باليمن والحجاز
تأليف
الفقيه الفاضل الشيخ:
سالم بن حمود بن شامس السيابي
قاضي المحكمة الشرعية بمسقط
1400 هـ / 1980 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الوجود البشري في هذا الكون أعجوبة الدهر، وجعل أعماله الصالحة في ذاتها خالدة الذكر، وجعل ما سوى ذلك من الأفعال عبرة العقل وحيرة الفكر، أحمده حمدا يجب لجلاله، وأردفه بواجب الشكر على نواله وأصلى، وأسلم على نبينا ومحمد وآله، وعلى أصحابه الغر المتوجين بحسن خصاله في كل قطر.
أما بعد فإنه ما زالت نفسي تراودني لتحرير تاريخ الأباضية باليمن وحضرموت، وأباضية الحجاز قياما بحقوق أؤلئك السادة الذين أخذوا بهذا المذهب الصحيح، وضحوا بما عز وهان في خدمته، فصارعوا الباطل وقارعوا أهل الضلال والفساد، وجورة الأمة، ولكن من حيث إن تاريخ القوم كما قيل يذكر ولا يبصر للقصور الذي أصيب به رجاله خصوصاً في القضايا التاريخية، وليتهم وفّوها حقوقها، وأعطوها واجباتها كما أعطوا القضايا الفقهية ما لزم وفوق ما يلزم، فخدموا الفقه في الدين خدمة تكاد أن يعجز عنها بقية أهل المذاهب، ولكن الحقوق التاريخية أضيعت، وقد قال الإمام السالمي رحمه الله في تحفة الأعيان عن هذا المقام ما قال، وتأسف على إضاعة الحقائق التاريخية وذكر رحمه الله أنه يحاول هذا المرام بكل جهده أن وفقه الله، فيجعل تاريخ الصحابة في كتاب خاص، وتاريخ المذهب في الحجاز والعراق وعمان واليمن والمغرب وخراسان وغيرها من عهد الصحابة إلى عصرنا هذا في كتاب خاص، قال: ثم رأيت أن ذلك شيء يطول، فعجلت للناس السيرة العمانية.
قال وإن كان في الجل فسحة جعلت إن شاء الله باقي السيرة على حسب ما ذكرت، فأعجل سيرة الصحابة في جلد مفرد، وسيرة أهل العراق واليمن وخراسان في جلد مفرد، وسيرة أهل المغرب في جلد مفرد. ا. هـ. (1/1)
صفحة 2
وبذلك تبرز الأمة الأباضية المشار إليها في عالم الحياة، كأنها تشاهد عيانا، وتكون أعمالها على فضلها برهانا، فإن التاريخ لسان محدث عن الأمة في أجيالها، وعلى كل حال إن ذكر الإنسان بعد موته هو عمره الثاني الذي أشار إليه المتنبئ حيث يقول:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته::: ما قاته وفضول العيش أشغال
وكان الإمام السالمي - رحمه الله - ممن بذل وسعه في إظهار حقائق أهل المذهب، فإن تحفة الأعيان أبرزت عمان وأهلها للعيان، وجاءت بكل إمام وملك وسلطان، وأعربت عن أعمال أهل الإيمان، وأفعال أهل البغي والطغيان، وإن كانت حديثا خاطفاً فقد أفاد فائدة يحسن أو يستحسن عليها السكوت، فجزاه الله عن أمة الإسلام خيراً.
ومن حيث إن تاريخ القوم أهمله أصحابه، وقضى عليه بكل معنى الكلمة بغي الأرهاط التي حلت مكان الأباضية، فأعدمت كل شيء كان للأباضية في هذه الأصقاع، وإنما بقيت نفحات تهب على العالم من عمان والمغرب، فبقيت روحها تنعش الوجود الأباضي، وأصبح تاريخ هؤلاء كالشيء الخيالي الذي لا حقيقة له.
وبناء على ما قر في ذاكرتي ولم يزل ثابتا في نفسي منذ عهد الصبا من هذا الصدد، وفي هذه الآونة ظل يتحرك النبض في الجسد، وأنا بين حركاته في إقدام وإحجام، يقدمني حب نشره ويبعثني واجب ذكره، ويحجمني غموضه وعدم المصادر التي يصح الأخذ عنها، ولكنه كما قيل: من جد واجتهد في أمر وجد، ولن يضيع حق له مطالب، وأنا الآن المطالب بهذا الحق وأرجو من الله العون عليه مع الصبر على عنائه، متأثرا بقلو من قال: من تهيب أحجم، ومن أحجم لابد يوما أن يندم، لأن الإحجام عن الخير قصور أو تقصير، وكلاهما مذموم، وعلى كل حال فإن الإنسان يجب عليه أن يقوم في عمله حد طاقته ولا يلام بعد ذلك: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). (1/2)
صفحة 3
لا سيما أن نصرة المظلوم واجبة وتاريخ الأباضية مظلوم مهان مهضوم مستهان، وعلى الأقل شبه مظلوم ومغبون، وكلاهما أيضا لا يرتضى إلا عند من لا يعرف للتاريخ شأنا، وهم الكثيرون، وأي أمة حفظت تاريخها فقد حفظت شرفها.
ولنا في هذا المقام كلام نفيس في صدر تاريخنا (عمان عبر التاريخ): ويبدو أن إنتشار المذهب الأباضي في اليمن وحضرموت والحجاز وخراسان في أول القرن الهجري، فإن قيام عبدالله بن يحيى الكندي إماما في العقد الثاني من القرن الثاني، وإذ ذاك فالأباضية بهذه البلاد خصوصا اليمن وحضرموت لهم الأكثرية، وهم غالب أعيان البلاد، إذ هم الذين يشار إليهم من نواحي عديدة، بل من نواحي الزعامات التي تروم السيطرة على اليمانيين، فإن طالب الحق بويع بالإمامة في نظر المؤرخين غير الأباضيين الذين لهم الإعتناء التام بحقائق التاريخ في الإسلام، وحققوا في كتبهم إمامة طالب الحق في هذا العهد الذي أشرنا إليه، وهو سنة 129 هـ أو قبلها، وكان جيشه الذي بلغ ثلاثين ألفا لم يخالطهم في إلا قدر أربعمائة من أباضية البصر الذين جلبهم المختار بن عوف المعروف بأبي حمزة كمساعدة للمذكور.
ولهذا ولأمثاله بذلت الجهد واستعنت بالله على خدمة تاريخ القوم لعلي أكون شريكا لهم فيما تصدروا له من نشر الحق ورد الباطل أيا كان، ولقد حررته بغاية الإيجاز، أعني تاريخ الأباضية في اليمن والحجاز، سميته الحقيقة والمجاز، راجيا من الله عز وجل بتحريره ذكرى أولئك السادة الذين يحق لذكرهم الإعزاز، ويجب أن يجعل لأعمالهم بين الأمم غاية الإمتياز، لأن كل ما حاولوه إظهار الحق والقيام بحقوق الإسلام من كل ما وجب أو جاز، والله أسأله توفيقه ورضاه وعونه الذي لا يتسنى لنا إلا به إلى رحمته مناط الجواز.
التعريف بحضرموت واليمن على جهة الإجمال (1/3)
صفحة 4
اعلم أن التعريف بهذين البلدين على جهة التفصيل غير ممكن لنا في هذا الحال الذي فيه نحن الآن، لضيق وقتنا، فإنا والحال الذي تحيط بنا حيطته، في شاغل تترادف فيه الأعمال، ولكنا سنلقي كلمة في هذه العجالة التي لا يزال صرعها يهددنا فنقول:
لا يخفى أن اليمن من الأقطار العربية الواسعة التي عزت مقاماً، وقد عرف اليمن بقد الشرف جاهلية وإسلاماً، ولا شك أن حضرموت من اليمن ألوية وأعلاماً، وحلا ومقاماً، يستقل به غالباً في العهد الأول من الأباضية ملكاً أو إماماً، فتقدر مساحة اليمن بنحو أربعين ألف ميل مربع، وقيل بخمسة وسبعين ألف ميل مربع، ويقدر سكان اليمن بأربعة ملايين نسمة.
يحتوي اليمن على عدة قبائل عربية وأكثر أهلها قحطانيون، وفيهم عدنانيون، أهم بلدان السمن صنعاء، وهي العاصمة القديمة في الجاهلية، وهي العاصمة الجديدة في الإسلام، ثم تليها الحديدة، ثم تعز، ثم صعدة، ثم بيت الفقيه، ثم اللحية. وهي فرضة على ساحل البحر الأحمر شمال الحديدة، ثم مبدى، ثم الصليف جزيرة على البحر، ثم زبيد جنوب بيت الفقيه، ثم مخا بفتح الميم والخاء المعجمة، وهي ميناء كبير هام، ثم آب، ثم الخوخة، ثم جزيرة الشيخ سعيد، ثم باب المندب وهو مضيق بالبحر بين اليمن والهند.
وفي باب المندب ومخا واقع السادة اليعاربة الدولة البرتغالية كما يقول الشيخ خلف بن سنان الغافري رحمه الله:
ولدى بَابُ مندبٍ كمْ دمٍ:::: طلَّ وكمْ مالٍ أمالهُ الصمامُ
وكذا في مُخا قد امتخ منهم:::: أعظُماً قبلَ رومهِ لا ترامُ
حضرموت
لا يخفى أن حضرموت كان ينبغي أن نتكلم عليها قبل الحديث عن اليمن، لما لها من العلاقة الخاصة بالأباضية، خصوصا في ذلك العهد، ولكن من حيث إن حضرموت من أعمال اليمن غالباً قدمنا ذكر اليمن ذكراً خاطفاً لا نقول إنه ذكر - كما يقول المؤرخون - ولكنه إشارة نفتح بها الباب للحديث فنقول: (1/4)
صفحة 5
تقع حضرموت على ساحل البحر العربي شرقي عدن، وشرقيها سيحوت وبلاد المهرة، وغربيها وادي عرمة فشبوة فالعير، وشماليها الربع الخالي وجنوبيها بحر العرب.
مساحتها
تقدر مساحة حضرموت بعشرين ألف ميل ومائة ألف ميل مربع، وطول ساحلها أربعة آلاف وخمسمائة كيلو متر عند الحدود الشرقية، من أشهر بلاد حضرموت المكلا ونقسم خمسة ألوية، بمعنى إمارة بحسب الإصطلاح، عاصمتها المكلا، وثانيتها الشحر وهي بندر شهير، وميناء كبير، وثالثتها حجر، ورابعتها دَوْعن بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح العين آخرها نون، وخامسها شبام - بفتح الشين فباء فألف فميم - وكل لواء يحتوي على عدة مناطق، ويقدر سكانها بثلاثمائة ألف نسمة أو أكثر.
صفة الأباضية
قال صاحب المعالم: إن الأباضية فرقة من فرق الخوارج الكثيرة المتعددة، قال وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن طاعة علي ومعاوية، وانفردوا برأي عن رأي الجماعة، فسماهم الناس خوارج، قلت قبل كل شيء يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليدع أحدكم اخاه بأحب الأسماء إليه " فأنت يا صاحب المعالم تسمي أهل الحق خوارج تسمية تنبزهم بها إذ خرجوا عن عليّ حين حكّم الرجال في دين الله، وقد حكم القرآن في القضية التي حكم عليّ بن أبي طالب فيها، وهو العلم المعروف الذي تزجى إليه المعضلات، وتساق إليه المشكلات. (1/5)
صفحة 6
وهنا زخرف له المضللون الذين قادتهم الأطماع، وتحكمت عليهم سلطة حب الرئاسة، فقادته إلى ما وقع فيه، أما معاوية فلم يكن الرجل المقارن لعلي بن أبي طالب، إنما هو والي الأمير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي يخشاه أبو سفيان قبل معاوية، وما معاوية إلا على أسلوب أبيه الذي ما زال باقياً على كبريائه حتى مات، فكيف بمعاوية المعروف فيجعل في عداد الخروج عنهم، وإنما هو أحد ولاة الإمام على الشام، وهو الذي خرج على علي محارباً له شاقاً عصى المسلمين، يريد أن يفرق جمعهم ويهدم بناءهم، ويقلب أمورهم ظهراً لبطن، ليسيطر عليهم فيكون ملكاً فيهم وزعيماً عليهم، وعلى الأقل ليشاغل على المسلمين عنه، بل كل مسلم يعلم خروجه على الإمام الحق الذي ثبتت إمامته بإجماع المسلمين، ولم يعب عليه شيء أبداً، فإنه جعل إماماً لينظر في مصالح المسلمين فيولي ويعزل. نظراً للمصالح العامة، وقياما بحقوق الأمة.
ولكن لعلم معاوية ان علياً غير تاركه على ولايته، فظل يلتمس المناط الذي يتعلق به ليبقى على إمارته التي عشقها وعدها من حقه، وإنما الحق للإمام يعزل ويولي، وله النظر في المصلحة العامة التي تؤيد الإسلام، فإنه لذلك جعل إماماً، ومعنى الإمام هو القدوة الصالحة، فخرج معاوية على عليّ وعلى المسلمين، بل خرج على الدين لما كان عليّ بن أبي طالب إمام عامة ثبتت إمامته بإجماع خرج عليه يشق عصا المسلمين ولا يبالي بما يكون من خصام، وما يكون من دماء تسفك على غير حق، بل خرج على الإمام يشق طريق الخصام ولا يبالي بسفك دماء المسلمين، ولم يقل له أحد إنه من الخوارج (1).
ثم ثبت أن الخارجين عن عليّ إنما خرجوا على وجه واضح رأوه خلع إمامته، وتقيد بالشروط التي شرطوها عليه، وكان الواجب أن يحكم فيها ذا الفقار حتى تنتهي، فما وجه نبر أهل الإيمان بما هم بعيدون بُعد الثريا عن الثرى وقوله وانفردوا برأي غير رأي الجماعة. (1/6)
صفحة 7
قلت: هل يلام الذي يرى الحق معه فيقوم به؟ وما وجه لومه على إنفراده، وإنما شرعوا في البيعة قبل كل شيء خوف الفشل وتلاشي الأمر وفساد الرأي، وإن فساد الرأي أن يتردد، ولو سكنوا لدخل الفشل الضار بالدين عليهم، ولو تأخر أبو بكر وعمر عن عقد الخلافة يوم السقيفة في حال موت الرسول عليه الصلاة والسلام، لوقع الخلاف واتسع الخرق على الراقع، وهل يتصور إنسان ذو عقل وله دين وإيمان، أن أبا بكر رضي الله عنه يشتغل عن تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو لم يفارقه في حلو ولا مر، ولا في حضر ولا سفر، ولا في خوف ولا أمن، ويشتغل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذلك لأنه أمير المؤمنين الذي تخشى عصاه وسيفه أما الأباضية فلا. ا هـ.
هنا بحطام الدنيا ورياشها، لا وربك حاشاه. لكنه خاف أن يقع هدم للدين، ورأى أن الحفاظ على بناء أمر الدين ألزم، لأن الفوضى إذا وقعت وقع معها ذهاب الدين أصله، فرحم الله أبا بكر ورضي عنه.
وكذلك كان نظر الذين خرجوا للنهروان، وإذا كانوا كلهم مجتهدين، فعلام يلام فريق ويؤنب ويحترم الآخر ويؤيد بغير موجب؟! أم كان الإجتهاد مخصوصا بأناس دون غيرهم ولا مخصص من العقل ولا من النقل، أم كان مقبولا من أناس غير مقبول من الآخرين؟ إن هذا كله ليس من الحق في شيء أبداً إلا عند من يرى أن المسلمين ليسوا سواء، وأن تلك المساواة التي كانت عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعهد أبي بكر وعمر انتسخت، فالله أعلم بذلك، وهؤلاء تسرعوا في بيعتهم لإمامهم خوف أن يقع ما وقع عهد أبي بكر رحمه الله في السقيفة، ولكل نيته. (1/7)
صفحة 8
وعي بن أبي طالب لا ينبغي أن يحمل على غير الحال الصالح، وإنما غره الأشعث الخبيث الذي كان أول أمره رجل دنيا، والدنيا والآخرة ضرتان، وأهل الدنيا وأهل الدين ضدان، والأشعث يشهد عليه تاريخه قبل أن يكون مع علي بن أبي طالب، وإن كان المرء أيا كان يخطئ ويصيب، ولما انجزم الأمر بإمامة أبي بكر رحمه الله انسد باب الشقاق، وانعجم ثغر الإفتراق، واستقر الأمر على أساس من الثبات، يدعمه الإيمان ويعضده الحق. (1/8)
صفحة 9
والخارجون عن علي أرادوا هذا الذي أراده أبو بكر وعمر، وكان على عليّ أن يؤيدهم، كما قيل إنه كان كذلك يرى حتى أزاله الأشعث، وكان يصدقه ويعتقد بصدقه، فقاد أصحاب الدسائس أمامهم لقتال تلك الفرقة المؤمنة الزاهدة العابدة الفارة بدينها، لتجعل لها إماماً صالحا تختاره لدينها وترضاه لدنياها، إذ ليس الدين خاصا بأحد أو ملكا لأحد من البشر، إنما الدين من صفات المصلحين من المؤمنين، وأولئك القائمون بالنهروان كل واحد منهم أفضل من معاوية بمسافات، ولمن القضاء والقدر سابقان للبشر، قاضيان عليهم، فمن نسب أهل النهروان إلى الضلال في عملهم، تلزمه التوبة إلى الله، وليعد ما وقع عليهم مصيبة في الدين أربعة آلاف مؤمن في ضحوة من النهار بغير موجب، وبهذا انهارت صروح الإسلام، وانتقضت دعائمه، ولم تطل أمام الإسلام الصحيح حتى قام الملك العضوض، ولكن لله أمر هو بالغه، وحكم هو نافذه، وإن رغم أنف الدهر، ولا شك أن قتل رجال الحق الزهاد العباد الذين أكلت الأرض جباههم وجنوبهم وركبهم من كثرة الركوع والسجود، له عاقبة سيئة والعياذ بالله، هل وجدهم قاتلهم يشربون الخمر؟ أم وجدهم في بيوت الدعارة؟ حاشاهم، بل وجدهم يقرءون القرآن متأهبين لصلاة الجمعة، وما كان - فيما أعتقد - أن عليّ بن أبي طالب أراد قتلهم، حاشاه وإنما أراد قتلهم من خافهم على معاوية، وخاف إستفحال أمرهم حيث رأوهم تتهاوى إليهم نجوم الحق من سماء الإسلام، فدسوا عليهم من يتحدث عن أعمالهم الصالحة بالأحاديث الفاسدة، والأقوال الضالة، ولم يعتبر السامع عنهم فيما ينسب إليهم من البغي والظلم، ولم يتفكروا فيهم أنهم فروا عن عليّ بن أبي طالب أكرم رجل في آل النبي، ولم يرضهم موافقته على التحكيم حتى أصبحوا في نظره لصوصاً أو شبه لصوص، أو شراً من اللصوص بغير حق، بل للأفعال التي نسبوها إليهم لإرادة الشر بهم، ولإظهارهم مع الناس بالمظهر السوء، وما كانوا قتلوا عمار بن ياسر رحمه الله، ولا (1/9)
صفحة 10
راعوا فيهم زهدهم وورعهم، ولا كونهم من خيار الصحابة وأعيان أمة الإجابة، ثم ماذا فعلوا لعليّ بن أبي طالب بعد قتل القوم؟ فعلوا رفضه وإلغاء أوامره، وإلقاءه لأكله، فإنه أراد قيامهم فلم يقوموا، ودعاهم للثورة على عدوه فلم يجيبوا دعوته حتى هان أمره، وضعفت قوته، فتجاسر عليه من قام له فقتله، وهذه الأحوال كلها شواهد عل سوء البطانة والله المستعان.
قال صاحب المعالم: وانفردوا برأي غير رأي الجماعة، قلت بل الجماعة انفردوا برأي غير ما رآه هؤلاء المؤمنون، وإذا كانت القضية قضية رأي واجتهاد، كما قلنا سابقاً، فما لهؤلاء القوم يقتلون إخوانهم حيث انفردوا برأي خاص لهم، رأوا الحق فيه واعتمدوه! فكيف يقتلون على رأي غير خارج من دائرة الحق والحال، لا إمام ولا إمامة، فإن الإمام خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه، أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا، فقد اتفقا على خلعه، واختلفا في التولية له، فولى أحدهما معاوية، واحرنجم الثاني فلم يفعل شيئاً، وافترقا على ذلك، ولما (علم) أولئك المؤمنون نهاية الواقع، ما كانوا يرضون معاوية إماماً في الدنيا، فضلا عن أن [يكون] إماماً للدين، فلذلك تسرعوا إلى البيعة لعبدالله بن وهب الراسبي، المعروف بذي الثفنات، فلما وقعت البيعة لزمت وحرم تركها بغير موجب، فإذا فعل هذا الإمام موجب نسخها لزم خلعه منها، وإن أصر عليها وجب على المسلمين قتاله، وذلك كما إذا فسخ إمامته أو جار أو ظلم أو ترك واجباً دينياً، وذلك بعد تتويبه، فإذا تاب قبل منه، أما قتل أهل النهروان بغير موجب فظلم وجور وبغي تضج منه السموات والأرض، ويهتز منه عرش الرحمن حيث يقتل أربعة آلاف مؤمن وقيل أكثر حتى قيل هم عشرون ألفا. (1/10)
صفحة 11
دماء عشرين ألفا وسط جمعتهم بغير حق همت كالوابل المنهمر، في ضحوة من النهار، ولم يفعلوا من معاصي الله واحدة، ولكن أهل الدنيا لا يبالون، وهذا دأبهم وهم وأهل الآخرة خصمان، اختصموا في ربهم وإليه المصير.
قال المصدر المشار إليه: وكانوا فيما يروى على الأقل أربعة آلاف مقاتل، فصمد إليهم عليّ وما زال يقاتلهم إلى أن أفناهم على بكرة أبيهم، قال ولم يفلت منهم سوى تسعة نفر، فقيل ذهب منهم اثنان إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى اليمن، فذلك أصل الخوارج.
قلت ليتك عرفتنا أسماءهم حتى يخلدها التاريخ، فيكون لهم فضل لأنهم أصبحوا عندك أصل الأباضية، وأنك ترمز بهم إلى هذا الجيل الذي تعرفه في عمان وفي سجستان وكرمان، وفي الجزيرة واليمن، فتريد أن تجعل هؤلاء أصلا للخوارج. والمعنى أصلا للأباضية، كما صرحت بذلك في مواضع، حيث علمت أن هذه الأقطار في الصدر هم أباضية، فتجعل الأباضية خوارج، فيكون ذلك مسبة لهم، ولا شك أن هذا التقسيم من المنهج الذي وضع للإفتراق في الأمة، وللدخول به على أهل الحق، فمن هم الاثنان الأولان اللذان جاءا إلى عمان؟ ليتك أخبرتنا لنعرف بهما العالم.
فنضع تراجمهما في التاريخ، وليعرف أمر هذين الرجلين إن كان حقاً أو باطلا، والذي أقوله وأتوخاه وأرجو أنه الحق إن شاء الله، إن هذا إفتراء يساق للقدح في الأباضية المحقة، وأن علي بن أبي طالب كان بيده زمام الأمر، وإنما إلتوى عليه حبله بكيد الأشعث بن قيس الكندي الداهية. الذي فتح دفتي الباب لتتسع شقة الخلاف، ووضع تخطيطه لعلي بن أبي طالب في الظاهر، وهو يريد صالح معاوية الذي بريق الدرهم والدينار لديه له شعاع، وعليّ يحسن الظن ويظنه معه هو عليه. (1/11)
صفحة 12
ولما وافق عليّ على المسير إلى القوم بزعم الإجتماع عليهم، اغتنم القوم الفرصة للمرام الذي خططوه، فلم يشعر علي بن أبي طالب إلا والقوم يجتلدون بالسيوف، ورحى الحرب تدور بين الفئتين، وقد قالوا قبل هذا الوقت: إن القوم فعلوا وقتلوا وبقروا بطن المرأة وأخرجوا جنينها وقتلوا زوجها، وبهذه الصفة أصبحوا في شنائع لم تفعلها أمة بحرمة، فضلا عن أمة تتسمى بالإسلام، وإذ ذاك وعليّ في المأزق الحرج لا يدري ماذا يفعل، وقد قيل والمرء في المحنة عيي وعليّ بشر يعتريه ما يعتري البشر، لا كما تقول الشيعة، وإذا بهم يقولون هذا فعل القوم الذين تقول أنت لنا فيهم كيت وكيت، فما كان من علي الإ السكوت، ولا أظنه أمر بقتلهم ولا أشار إليهم، ورأى السكوت يسعه حيث قال له القائمون بأمره عن القوم ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم، حيث نسبوا إلى أهل الحق ما نسبوا، ليتوصلوا إلى الباطل بما حصلوا، ولا أرى علياً إلا خليا من دماء القوم، ولا ألومه وهو قاصدهم ليتفاهم معهم، ويتفاوض هو وإياهم، فإنه ثبت عنه أنه قال إنكم لأهل الجمل يوم الجمل، وأهل صفين يوم صفين، وفي رواية لأهل الدار يوم الدار، وعليه فيحمل على أن الواقع من معرة الجيش، وبذلك وقع ما وقع، وهو لا يعلم من المعتدي، ويجهل المبتدي، وأصبح الأمر محاطاً بالجهالة، وبذل أصبح إمام المسلمين تنهار صروح إمامته بأعمال هؤلاء، وذلك أنه كلما أراد قيامهم إلى معاوية وإلى الشام ليقلعه، دسوا له ما يصده ونسجوا له حبل الفشل الذي يعرقله عن حركته، وهذه خطبة فيهم يرويها الرواة، مخبرة عن أحوالهم، شاهدة بما هناك من الأمور المضمرة، معرفة عن التحقيق لهذا المقام، وقولهم فر اثنان كذا واثنان كذا ... إلخ، كله لا أصل له إلا زخرفة وسفسطة، وكلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيهم من هو أفضل من معاوية بمسافات يعرفها أهل الحق في الدين. (1/12)
صفحة 13
وقد وضع أعداء النهروان لتبريرهم أوضاعاً مدسوسة ما جاء فيها من سلطان، ولا قالها أحد من أهل الإيمان، لأن الجارم لابد وأن يجعل له مبرراً بحسب الظاهر، قال ويرون - أي الأباضية - أن أهل الكبائر كفار نعمة لا كفاراً بالله، قلت نعم إن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين من التكاليف، ومما أوجبه الله في الدين، لأن رسول الله كان معه من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان يعاملهم معاملة المسلمين كعبدالله بن أبي رأس المنافقين، وكأبي سفيان الذي أسلم إسلاماً مشوباً بالنفاق في أمثالهما، فدل ذلك أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله حكمه حكم المسلمين، حتى تتوجه إليه الأوامر فيأباها تهاوناً بها وتمرداً عليها، وعدم استجابة لها، فهذا هو كافر النعمة وهو الفاسق الضال المنافق، أما المنكر لها فهو الكافر شركاً الذي تحل غنيمة ماله وسبي ذراريه لرده على الله، فهذا الذي لا مقام له مع المسلمين. (1/13)
صفحة 14
قال ويرون دار مخالفيهم دار توحيد قلت كيف لا وقد نطقوا بالشهادتين، وصلوا وصاموا وحجوا البيت الحرام، ودانوا لله بواجباته العملية، قال ولكن دار السلطان دار بغي، قلت ذلك شريطة إذا كان السلطان متمرداً على الله في أوامره ونواهيه، ورآه المسلمون باغياً، وكل المسلمين يراه باغياً، ويقولون إنه باغ إلا من أخذ بمذهب المرجئة وهو مذهب عاطل باطل لا يستقيم معه دين، قال وهم يحتجون على كل من يتهمهم بمخالفة السنة، قلت متى خالفوها، أيوم بايعوا علياً أم يوم خرجوا على الباطل الظاهر؟ أم يوم قاموا لله واجتمعوا ليقيموا لهم إماماً يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأخذ بهم إلى طاعة الله، لا ليسرقوا أو ينهبوا أو يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ومن اتهمهم بمخالفة السنة فليأت بحجته وليدل بما لديه، فإن الحق أحق أن يتبع، وما بعد الحق إلا الضلال، ولكنا لا نرى من يتبع الحق إلا الأباضية، أما من عداهم فيتبعون أهواءهم وأهواء أمراءهم، ويقلدونهم جاروا أم عدلو، بل يرون زعماءهم وملوكهم الحجة في الدين، وأنهم هم أولو الأمر معهم، فلذلك يوجبون طاعتهم حتى في لعن عليّ على المنابر، وفي ملأ من الناس، وأن ذلك لا يعدونه جرماً، بل يقولون رضي الله عنهم، قال ويقولون هم وحدهم الذين لم يحيدوا عن السنة، قلت نعم إنهم على السنة ما زالوا عنها في حل ولا ترحال، ولن يزالوا عليها، وإذا يزال الأباضية عن السنة فعلى الدنيا العفا.
إن الأباضية تبع السنة النبوية في الحلو والمر، ومن عنده انتقاد عليهم فليأت به لأحياه الله ولا بياه إن لم يأت. (1/14)
صفحة 15
قال ويزعمون هم وحدهم الفرقة الناجية من أصل الثلاث والسبعين فرقة، قلت ليس في هذا امتراء، ومن أراد أن يعرف صحة ذلك فليحضر ليسمع، وليس في فرق الإسلام من ثبت على الحق غير الأباضية، فإنهم اجتنبوا ما نهى الله عنه، وفعلوا ما أمر الله به، وسلكوا سبيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحلو والمر، وجاهدوا في الله حق جهاده، وسوف ترى لهم في هذا الكتاب المتواضع، الهيّن البيّن من أعمالهم ما تعلم منه أنهم على الحق ما لم تغالط نفسك فيه، أو يتولاك الشيطان.
قال وهم لا يذكرون من الخلفاء إلا أبا بكر وعمر، أما عثمان وعليّ فلا يعجبانهم، إذ قد خالفا نهج رسول الله عليه الصلاة والسلام، قلت هذا كذب محض، فإن الأباضية يتولون أبا بكر وعمر لأنهما عاشا وماتا على الحق، وأما عثمان فقد قام عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعابوا عليه أشياء قاموا من أجلها وحصروه في بيته، وهم محاربوه، فإن كان عثمان على حق فالخارجون عليه المحاربون له ضالون بذلك تجب منهم البراءة، فمالكم تقولون رضي الله عنهم وهم خارجون على إمام الحق، وإن كان عثمان ظالما وخرجوا عليه لظلمه فمن الواجب القيام على الظالم حتى يرجع عن ظلمه، وأين الأباضية من عثمان، فما بال هذه الدعايات الفارغات والمقالات الخاسرة، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، وما لهذه الإفتراءات المضلة التي لا يراعي أهلها للدين حرمة، أم كون عثمان أمير المؤمنين وكل ما يفعله أمير المؤمنين من الحق والباطل مقبول عند الله، وهو لذلك يجب أن يحترم، وإذا كان كذلك فما بال مائة ألف سيف في المدينة بأيدي المهاجرين والأنصار، الذين وصفهم الله عز وجل بالإستقامة في الدين، لا تدافع عن الإمام الحق، فما لهؤلاء القوم لا يأتون بالحق الذي يجب على كل مسلم أن يكون عليه. (1/15)
صفحة 16
أما عليّ بن أبي طالب فهو إمام بالإجماع، بايعه المسلمون عن رضاً به واختيار له من بين أقرانه، لما يرون فيه من المناسبة لمنصب الإمامة فإنها زعامة روحية يراد لها الرجل الفاضل زهداً وورعاً وتقوى وعلماً وشجاعة، هذه هي الخصال المطلوبة في الإمكان، وإلا فما دونها يكتفي كالعلم والورع والشجاعة، فبالعلم يعرف ما يأتي وما يذر، وبالورع يحمي نفسه عما لا يحل له ولا يليق به، وبالشجاعة يستطيع تنفيذ ما أوجب الله من الحدود، وهكذا كان عليّ بن أبي طالب جمع هذه الخصال التي تراد في الإمام، وزاد على أقرانه الستة بكونه من بيت النبوة، فهو العالم العابد الزاهد الأمين الثقة التقي الذي سلم من الأهواء والتحيزات العنصرية، متجرداً لله، قائما بحقوق الله، ثابتا على سلطان الله، يتساوى معه البعيد والقريب في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وهذه هي صفة عليّ بن أبي طالب وهو لم يزل كذلك حتى دخل عليه داخل في سياسته ليضله عن طريقه، وهو يعتقد فيه أنه يريد الحق ويدعو إليه، وهو بطانة سوء لعليّ بن أبي طالب، فلذلك أثر عليه.
وبديهيا أن الرجل إذا كان يعتقد في صديقه الصفاء والإخلاص، لا يقبل فيه شيئاً ينسب مما يخالف الموضوع، وهذا عام في البشر لا يختص به عليّ بن أبي طالب، فكم وقع مثل [هذا] من بطانة سوء، بل كم قتل ناس من طريق بطانة يختصونها ويستصفونها. ولا يعلم الغيب إلا الله، ولا نعتقد في عليّ ما تعتقده فيه الشيعة، بل هو عبد من عباد الله، وهو هكذا يقول وبسبب بطانته السيئة وقع ما وقع. (1/16)
صفحة 17
ومع ذلك كله فالأباضية لا يهجرون اسْمَيْ عثمان وعلي، وهذه آثار الأباضية، ومشاهير كتبهم مشحونة بالنقل عن الصحابة عامة، وعن بقية المذاهب الأخرى التي تباين مذهب الأباضية، فما معنى هذا القول الذي يقوله هؤلاء المفرقون والمغرضون، والله على لسان كل ناطق، ولو كان الأمر إلى الأباضية لالتحمت صفوف الإسلام قبل أن تغيب الشمس، ولما تظلم أحد من أحد مهما كان، ولكن كل شيء بيد الله فإن الملك والكون له يفعل فيه ما يشاء، ويحكم ما يريد سبحانه وتعالى.
قال ويقولون، أي الأباضية: بوجوب نصب الإمام بين المسلمين إذا توفرت فيه الأسباب، وهي القوة والعلم، قلت نعم لأدلة الكتاب والسنة، ومن المعقول بسطناها في (إرشاد الأنام) والقوة والعلم من ضروريات صفات الإمام الذي يصلح أن يكون قائد أمة، أو زعيم عامة، فإنه إذا كان ضعيفاً فإن ضعفه يؤخره عن القيام بالواجبات التي تناط به، فإنه لا شك تطلب فيه القوة التي يصارع بها أهل الباطل، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، الحديث، والعلم هو الأساس الذي يجب على المسلم أن يمشي عليه ما عاش، فإنه لا حياة بغير علم لكل، ولهذا أوجب الله عز وجل طلبه، وكلف العباد به لقوله عليه الصلاة والسلام: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) في أحاديث، ولا حياة بغير علم، وبالأخص أهل المناصب، إذ تتوجه إلى الإمام حدود، وولاية وبراءة وما إليهما من جباية الزكاة وبيوت الأموال، والقيام بمصالح الأمة إلى أشياء عديدة فينظر بالعلم من يقدم على العمل ومن يؤخر، فإن بالعلم يقوم الدين، ولهذا أوجب الأباضية العلم في الإمامة، فإذا كان قائد الأمة جاهلا كان كما يقول القائل:
إذا كان الغراب دليل قوم:::: يمر بهم على جيف الكلاب (1/17)
صفحة 18
والله يتولى من عباد الصالحين، ولا يكون الصلاح ولا يتأتى إلا بالعلم، ووجوب نصب الإمام في الأمة معروف من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ألا ترى أن الصحابة اشتغلوا بعلاج قضية الإمامة عندما تحققوا موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما يرون من لزوم أمرها، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يدفن بعد، وهم في أمر الإمامة، فإن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يتشاورون في أمر الإمام حتى هموا أن يبايعوا أحدهم، وعلى الأقل أن يكون منا أمير ومن المهاجرين أمير، نظراً إلى أن المهاجرين لابد وأن يقوموا بأمر الأمير.
وعلم أبو بكر وعمر فقاما مسرعين في تدارك الأمر قبل شق عصا المسلمين بالخلاف، وينهار صرح الإيمان الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفعلا ارتد كثير من العرب، وهم الذين لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، ولم تتحقق لهم الحقائق الشرعية التي [أراد] الله هداية الأمة بها إلى آخر الدهر، فكان التوفيق حليف المسلمين، فبايعوا أبا بكر رضوان الله عليه، فقام بالأمر خير قيام، ولم يعب عليه في خلافته حتى توفاه الله والمسلمون عنه راضون.
ثم اتفقت خبرتهم على عمر بن الخطاب، فبايعه الأنصار والمهاجرون، وأصلح الله به الأمة، وقد علمت أن الصحابة اهتموا بأمر الإمامة قبل أن يدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نظراً منهم رضي الله عنهم لأهمية الأمر، وما برحوا في أخذ ورد، وما فرغ المسلمون من تغسيل الرسول عليه الصلاة والسلام إلا وقد فرغوا من تقرير الإمام. (1/18)
صفحة 19
وفي القرآن الأمر بالحدود في الزنى والخمر والقذف والسرقة وقتل القاتل وقطاع الطرق وغير ذلك، والمخاطب بذلك الإمام ومن في معناه من سلطان وأمير وإمام، فإن هذه ألقاب لا معول عليها، بل المعول على العدل ولا يخفى أن الإنسان لا يحكم على نفسه وليس له أن ينفذ حدا على غيره فضلا عن نفسه ما لم يكن إماماً أو سلطاناً عادلا، فإن السلطان العادل ظل الله في أرضه، سواء كان إماماً أو أميراً أو خليفة أو سلطاناً بحسب الإصطلاح.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحدود والجمعاة والفيء والصدقات إلى الأئمة) والمراد من هؤلاء كلهم العادل، قال عز وجال لنبيه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) وهذا الخطاب يدخل فيه بعده من يقوم مقامه، ذلك لأنه يعلم أنه سيموت، فإذا مات هل يقوم بها كل فرد في الأمة؟ فمن يكون إذن الآخذ ومن المعطي.
ففهم من ذلك أن الزكاة فرض على كل ذي مال، ولا شك في وجوب الأخذ من ذي المال، فلزم أن يكون من إليه سلطة الأمة، وبيدها أمرها إليها حلها وعقدها، وإجماع الصحابة من قولهم وعملهم على وجوب الإمامة، وهو الذي حملهم على مبايعة أبي بكر رحمه الله حالا حتى لا يمضي وقت إلا والأمة تحت راية إمامة.
وكذلك الأمر في تعجيل إمامة عمر رضي الله عنه، لولا وجوبها لكان لقائل أن يقول: ما الحاجة [إلى] الإمامة وليترك الناس على ما هم عليه ولكنهم لم يتركوهم، بل بايعوا بعد عمر عثمان بن عفان، ثم بايعوا بعد عثمان عليّ بن أبي طالب، وهكذا وبذلك أجمعت الأمة على وجوب الإمامة. (1/19)
صفحة 20
والأباضية عملوا بذلك الواجب كما شرعه الله عز وعلا، قال: وإن القرشية عندهم ليست بشرط في الخلافة، قلت: نعم إن وجد المستقيم في قريش حسنت بيعته، وإذا بويع وجبت طاعته لا من حيث إنه قرشي، بل من حيث إنه صالح، فإن المطلوب في الأمة الصلاح، وهل لقريش مزيد فضل بدون صلاح، فإن الله عز وجل أمر بالصلاح ودعا، وحديث: (الأئمة من قريش)، وحديث: (قدموا قريشاً ولا تتقدموها)، للعلماء فيهما أقوال.
والواقع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يول قريشاً فقط، وإنما ولى من عدة قبائل في العرب، وصحة الإمامة أصل لصحة الولاية،
فإنها فرع عليها، وما جاز في الأصل جاز في الفرع، ولم يجعل الله عز وعلا الأمر في خاصة أو في قبيلة خاصة، أو في بلد خاصة.
ويقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فحينئذ جعل الله عز شأنه أكرم عباده عنده أهل التقوى، وقال عليه السلام: " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى " فحينئذ المطلوب للإمامة المعروف بالتقوى على سواه، وصاحب العلم مقدم على سواه، وهذا الذي يؤيده العقل والصالح مع العلم مقدم أيضاً على غيره، ممن لم يكن مثله.
ولا شك أن العقل قاض بتقديم العالم على الجاهل، وبتقديم الصالح والأصلح على من دونهما، وهذا في إمامة الصلاة، فكيف به في الإمامة العظمى التي تناط بها المهام الكبرى كالحدود وسائر الأحكام التي لا تصح إلا من الإمام الأعظم أو من ينوب عنه بأمره، وكالولاية والبراءة ممن تجب في حقهما، فإن الدين مفروض على أصول.
ويقول الله عز وجل لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) في آيات أخرى. (1/20)
صفحة 21
قال المصدر المشار إليه حاكيا عن الإباضية قولهم: بل يكفي أن يكون الخليفة متصفاً بالفضيلة سائرا بموجب الكتاب والسنة لتصح خلافته، فإن انحرف عنهما وجب خلعه. قلت نعم هذا هو الحق، ولا شك أن من كان سائراً بمقتضى الكتاب والسنة فقد أخذ حظه من العلم، وصحت خلافته، وليس بعد الكتاب والسنة من سبيل للمؤمنين، بل كلف الله بهما عباده وألزمهما إتباع أوامرهما واجتناب نواهيهما، وأهلا ومرحباً بمن كان كذلك، فإنه من رجال الله الذي ينظر الله إليهم في أدوار حياتهم وبهم يرحم الله عباده، ولله در الأباضية حيث كانوا على هذه الحال من أول يوم وُجدوا فيه.
نسأل الله أن نعيش على سيرة أهل الفضل فينا، وأن نموت على سيرتهم.
وقوله: فإن انحرف عنهما أي الكتاب والسنة وجب خلعه. قلت نعم إذا انحرف الأمير عن مقتضى الكتاب والسنة فقد تهور في أعماله، ورجع القهقرى، ولابد أن يكون تعلق بالهوى وخلع ربقة التقوى، فلا يصح أن يبقى على هذا الحال إماماً، فإن الأمة تتبعه في تهوره وتنهار في دينها تبعاً له، فإن الأمة على دين ملوكها، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والله ولي كل شيء، وليس من الحق أن نترك المنحرف عن واجب الكتاب والسنة لا عقلا ولا نقلا فيما علمنا، ولو أطلنا البحث لنأى بالقارئ فنكتفي بهذا المقال على كلام صاحب المعالم. (1/21)
صفحة 22
قال ويقولن - أي الأباضية - إن القرآن هو كلام الله تعالى وهو كقول المأمون العباسي خلقه الله تعالى، قلت الأباضية يقولون إن الله خالق كل شيء والقرآن شيء من الأشياء، وقال تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) والقرآن كما قلنا شيء من الأشياء، وهو كلام الله خلقه وقدره بحسب الحوادث التي ستكون من العباد كما اقتضاها قضاؤه وقدره، فإن دلائل الحدوث في نفسه ظاهرة، وهي شاهدة بخلقه، ولو كان غير مخلوق لكان قديماً، ولو كان قديماً لكان مشاركاً لله في صفة القدم، ولو شاركه في صفة القدم لتعددت القدماء، ولو تعددت القدماء انتفى قدمه الخاص به الذي اتصف به، فإنه صار له فيه شركاء وهذا ظاهر الفساد ساقط الإعتبار، ولو كان متكلماً كخلقه لزم له ما يلزم لخلقه من اللسان التي هي آلة الكلام، ولزم له أشداق وفم يخرج منه الكلام، وهذا باطل عقلا.
ثم وصفه الله بأنه حادث في قوله عز وجل: (مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) ووصفه بأنه منزل من اللوح، وكان حالا فيه والتنزيل صفة الحدوث، وكونه حالا في اللوح، فاللوح حادث ولا يحل في الحادث إلا حادث عقلا وبديهة وهذه الصفات كلها تعطي منتهى الحدوث.
ووصفه بأنه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وصدورهم حادثة، والحال في الحادث حادث قطعاً، لأن القديم منزه عن الحوادث، فالله عز وجل لا يطرقه معنى الحدوث ولا يليق به تعالى وإلا لم تصح الصفات الكمالية له تعالى، وكلام الله ليس على وتيرة كلام الخلق، وإن كان الكلام المعروف هو ما على المنهج المألوف تتألف كلماته من الحروف، فإن الله جل جلاله خالق الحروف والأصوات والآلات التي بها تكون، والله منزه عن هذا كله قطعاً.
ولنا قصيدة نونية في خلق القرآن جامعة لجميع صفات القرآن وحاوية لجميع صفاته ومعربة عن قواعد مبانيه كفيلة بكل ما يلزم فيه من أراد الإطلاع عليها فمن الممكن. (1/22)
صفحة 23
قال المصدر اليماني الذي نتحدث عنه وأنه تعالى لا يرى بالأبصار في الجنة، أي قول الأباضية ذلك، قلت نعم إن الله لا يرى في الجنة ولا في غيرها، ولا يصح أن يرى ولو صح أن يرى لكان غير إله، فإنه إذا كان يرى كان مظروفا محاطاً متبعضاً متلوناً متميزاً في جهة من الجهات، وهل يرى لكل أهل الجنة أم لبعضهم؟ فإذا كان يرى فهل في كل وقت أم في أوقات مخصوصة، ويكون في غيرها محجوباً فالكل لا يليق به تعالى، فإنه إن كان يرى فقد شبه المخلوقات والله يتعالى عن ذلك، وما أظن هذي إلا من دسائس اليهود أعداء الله الذين قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: أرنا الله جهرة، فزجرتهم الزواجر فلم ينزجروا، وأرسلت الآيات فلم يتفكروا، وابتلاهم الله تعالى بعدة أشياء فلم يمتثلوا، وتأولوا القرآن ليضلوا به أهل العقول وحرفوه، ووضعوا لإضلال الأمة أوضاعاً دسوها على ضعفاء المسلمين.
قال المصدر اليماني حاكياً عن الأباضية: قالوا وإن الثواب والعقاب أبديان. قلت: نعم إن ثواب الله لعباده المؤمنين الجنة، وإن عقاب الله لأعدائه النار، وإن الجنة والنار لا يفنيان، ومن اعتقد فناءهما كفر شركاً، لأن الله قال في الجنة: (خالدين فيها). وكذلك قال في النار والعياذ بالله منها في مئات الآيات، وصرح جل وعز بذلك. فالثواب والعقاب أبديان، وكذلك ثبت في السنة النبوية، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جيء بالموت فيذبح بين الجنة والنار، وينادي مناد يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ". وعلى هذا عقيدة الأباضية متابعة القرآن وسنة المصطفى من آل عدنان
صلى الله عليه وآله وسلم، ومن خالف هذه العقيدة متأولا فهو فاسق ضال منافق كافر نعمة، ومن خالفها بغير تأويل فهو كافر شركا، قال ويقولون إن الله يغفر الصغائر ولكنه لا يغفر الكبائر إلا بالتوبة، قلت نعم العقيدة التي يسندها القرآن ويدل عليها البرهان. (1/23)
صفحة 24
قال عز وجل: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء)، (يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) الآية، وثبت في الصحيح أن الصغيرة معفوة بإجتناب الكبيرة إلا إذا أصر عليها صاحبها، فإن نفس الإصرار يجعلها كبيرة ولا يكتب الملك على العبد الصغيرة ما دام لا يقارف الكبائر، فضلا من الله ومنة.
وذلك لأن الصغائر من الأمور التي تعم البلوى، فعفا الله عز وجل منها عباده عندما يجتنبون الكبائر، فإنها هي التي يعصى بها الإنسان ويستحق بها العذاب عنده، ومن تاب من ذنبه سواء كان الذنب كبائر شرك أو غيرها، فإن الله يغفر له ذنبه ويعفيه مما اقترف، فهو الذي فتح باب التوبة لعباده الذين رجعوا إليه ناكصين عما اقترفوا راجعين بالإعتراف لحقه، وبفضله عز وعلا جعل باب التوبة مفتوحا لعباده حتى تطلع الشمس من مغربها، ومقبولة من العبد ما لم يغرغر بالموت فضلا منه تعالى ومنة.
وهنا ينسد عنه باب التوب وليس هناك باب بحسب ما هو في نص الحديث، وإنما هو كناية عن قبول التوبة وردها، كما قال عز وعلا: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) فإنما هو كناية عن قبوله، ولا يخفى أن المقبول أيا كان مرفوع الرتبة معنوياً لا حسياً، والحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وهذا من أعظم منن الله على عباده، وكم رغب عز وعلا في التوبة ودعا إليها في القرآن، وكم حض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنته، وكم دعا أمته إليها.
قال المصدر المذكور: وهم يرجعون إلى الكتاب والسنة فقط، ولا يعملون بالإجماع والقياس. قلت في هذه الجملة حق وباطل: (1/24)
صفحة 25
أما الحق فهو قوله يرجعون إلى الكتاب والسنة، وأقول نعم المرجع إليه كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهما اللتان قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي " في أحاديث أوردها أهل العلم في هذا المقام.
وأما الباطل فهو قوله: ولا يعملون بالإجماع والقياس، وهذا افتراء عليهم أو جهل بمذهبهم، أو غباوة عما عليه القوم أو تعام عما هم عليه، أو لا يعرف الإجماع والقياس، وكان عليه أن يطلع على عقيدة القوم وعلى آثارهم حتى يتكلم إن شاء عن خبرة، وأراه أخذ هذا الكلام عن شكيب المعلق على كتاب حاضر العالم الإسلامي، فيتوجه النقد عليهما، لأن الجهل من الرجلين والقصور والتقصير منهما معا ذلك أعني الأول بجهله، والثاني بعدم التحقق عن الموضوع الذي يروم نشره، فإن بكل واد بني سعد وإن الناقد بصير، فما الداعي على أن ينسب القوم أمراً لا أصل له، والقضية دينية شرعية فقهية، فما باله يقول ما لا يعلم، فإن الله سائله عما قال و (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فلعل الأباضية يقومون عليه بين يدي الله، ويقولون يا ربنا نسب هذا إلينا ما لسنا منه من قبيل ولا دبير، وإذا عجز عن الجواب كان مدينا بما قال.
ثم قال أيضاً: إن الأباضية يقولون: إن كل مسلم مكلف أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قلت نعم إن القرآن يقول بذلك، قال الله عز وجل: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) فوصفهم بهذين الوصفين عموما، ولم يخص أحداً من أحد ولا نوعاً من نوع، وكذلك بقية الآيات تقول، بل حتى النساء دخلن في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله عز وجل: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ). (1/25)
صفحة 26
وهذا واضح يؤيده العقل، وقد وردت به أيضاً أحاديث عديدة صحيحة أوردها العلماء في مؤلفاتهم: لا نطيل بها فنعم يقولون بما يقول ربهم، ويعملون بما أمرهم أن يعملوا به، وكل هذا يشهد لهم بصدق عقيدتهم.
قال نفس المصدر المتكلم عنهم في معالمه: وإن على كل مسلم واجبات مفروضة نحو أخيه المسلم، فمن لم يقم بما فرض عليه من هذا التضامن الديني خسر حقه في حنو إخوته عليه، قلت نعم هذا هو الصحيح الذي جاءت به الشريعة الإسلامية في نصوصها المضيئة إضاءة الشمس يقول الله عز وجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ .... ) ويقول: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، وكونوا عباد الله إخوانا وعلى الخير أعوانا، ومعنى كونوا إخواناً أي كل واحد منكم يجب عليه أن يكون للمسلم كالأخ لأخيه في حنوه عليه وشفقته ورعايته، والإهتمام بشأنه لا سيما إن نزل به كارثة أو قع في مأزق أن يكون له عونا في كل أحواله، وأن ينصحه إذا استدعى الحال إلى النصيحة، وأن ينصح له أيضاً، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يخطب على خطبته، ولا يساوم على سومه، ولا يؤذيه حتى بقتار ريح الطعام، وكل ما يدخل عليه الشر من نحو الطُّرف التي يراها أولاده وأهله وذووه اللذين هم بجواره، لأن الإسلام جاء ليلحم بين المسلمين فيجعلهم كشيء واحد، وبذلك يستحكم أمرهم.
ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المسلمين من الأنصار والمهاجرين حتى آخا بين المهاجرين بعضهم مع بعض، وكذلك الأنصار لقصد أن يكونوا يداً واحدة ولساناً واحداً وعقيدة لحمة وسداة، ومن لم يكن كذلك فليس منهم في شيء. (1/26)
صفحة 27
قال المصدر المشار إليه: ووجبت معاملته نظير عدو إلى أن يتوب وينيب، أي يرجع عما هو عليه، ثم قال هذا ما ذكره الأمير شكيب أرسلان في حاضر العالم الإسلامي، ومثله في الملل والنحل للشهرستاني، قلت نعم وإن كان خلطا فيما قالا فإنما هما كما يقول القائل:
وإذا أراد الله نشر فضيلة:::: طويت أتاح لها لسان حسود
وكم طويت فضائل الأباضية بيد الحسد، وكم معالمهم في أدوار شتى من العالم الحيوي الذي ما زال الأباضية يظهرون فيه ظهور الشمس في رابعة النهار، ولكن أين المنصف الذي يعرف لكل فضل فضله، ويعطي كل أمة حقها.
نسبة الأباضية:
قال المصدر اليماني الذي نأخذ عنه روايتنا في هذا الصدد: وهم - أي الأباضية - ينتسبون إلى عبدالله بن إباض بكسرة الهمزة وقد تلفظ بفتحها، فلذلك سمو إباضية، قال: وهو المذهب الغالب في بلاد عمان، قال ومنها امتد إلى زنجبار، وقد ظهر هذا المذهب في شمال أفريقية في أواسط القرن الثاني للهجرة، وانتشر كثيراً بين البربر، قلت لقد ذكرنا هذا الذي قاله المذكور في كتبنا " العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة " و " إزالة الوعثا عن أتباع أبي الشعثا " وفي " أصدق المناهج " وبينّا كل ما يلزم وما ينبغي في بعض بإيجاز، وفي بعضها ببسط، وكذلك أيضا جاء في كتابنا " المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي " ولكنا لم نذكر شيئاً عن أحاديث أوردها صاحب المعالم فاستعرضناها هنا لنبين الوجه فيها حتى يعلم الناس عن هذا المذهب مورده ومصدره، وليعلموا أن الحق لم ينأ عنه قيد شعرة. (1/27)
صفحة 28
قال كان نظر الخوارج يعني الأباضية بدليل قوله في آخر كلامه، ولعل هذا القدر كفاية في التعريف بالأباضية تمهيداً للحديث عن أباضية حضرموت، فإن هؤلاء - أي أباضية حضرموت -فرع من أولئك، أي أن أباضية حضرموت فرع من جمهور الأباضية، لا فرق بينهم. قال كان نظرهم إلى خلفاء بني العباس كنظرهم إلى خلفاء بني أمية كلهم لا يصلح للخلافة فيهم أحد، فإن المسلمين خرجوا عن عمر بن عبدالعزيز غير راضين عنه وهو أفضل رجل في بني أمية حتى أطلق عليه العبد الصالح.
ذلك إنه لما تولى الخلافة دخل عليه الأباضية وطلبوا منه رد أحداث بني أمية
، فقال لهم: اتركوني أحيي كل يوم سنة وأميت كل يوم بدعة، وذكر لهم رأيه في ذلك. فقالوا له: الإمام العدل لا تسعه التقية لازم تقوم حالا برد أعمالهم المخالفة لأوامر الشرع، فقال أمهلوني للغد، وهو يريد اجتماع الناس للصلاة فلم يقبلوا منه، وقال به ابنه عبدالملك: يا أبتي ومن لك أن تعيش إلى الغد وأنت الآن قادر، وكان أراد استعمال السياسة في الأمور ويراها أولى في ذلك الحال، وهؤلاء لا يرون ما رآه فخرجوا عنه مغاضبين له، فلامهم العلماء الذين لهم البصائر الواعية على ذلك، لأن رد تلك الأحداث التي يشيرون إليها ليس بالهوينا، وربما ثارت من أجلها فتن وهكذا كان الحال. ويرون كما يقول في ضحى الإسلام لم يختر اختياراً صريحا، ولم يستوف الشروط التي يجب توافرها في الإمام، وكلهم يجب الخروج عليه ومقاتلته وعزله إن أمكن وقتله إن أمكن. (1/28)
صفحة 29
والمعنى أن الإمام يجب أن يكون عن رضا أهل الحل والعقد، وإذا قام وانحرف عن الجادة المشروع سلوكها يجب أن يعزل، وإن لم يعتزل يقتل كما قتل المسلمون عثمان بن عفان بعدما بايعوه على وتيرة من قبله، وعدل فيهم ست سنين لم يقولوا فيها شيئاً، بل كلهم راضون عنه .... خاضعون لأمره، حتى دخل عليه أهل الأغراض الدنيوية وأدخلوا على أفكاره أشياء ما كان يظن تبلغ ما بلغت حتى انتهى أمره بقتله فقتلوه، ولم يبالوا به لأنهم رأوا أنهم يقتلونه دينا.
وما مثار معاوية في طلبه هذا إلا حيلة أراد بها شق العصا لعليّ، لعلمه أن عليا يعزله فإن دمه إلى أولاده وأولاده تحت راية الإمام العادل، وهو علي بن أبي طالب، بل علي أحفى بالإنتصاف من المجرمين، وأي جريمة أكبر من قتل إمام المسلمين بين ظهراني المسلمين، وهم قادرون على الإنتصاف من القاتل لو كانوا رأوا أن قتله كان حراما وهم خيار المسلمين بقية الأنصار والمهاجرين، وكيف وقد بايعوا عليا ليقوم بواجب الدين، ولذلك لم يقم على عليّ أحد من المسلمين في شأن قتل عثمان، حتى إنه لم يشيعه عند دفنه من أخيار المسلمين، بل ولا من أشرارهم، ولم يتركوهم أن يدفنوه في البقيع حيث يدفن المسلمون موتاهم، بل دفنوه في حش كوكب شرقي البقيع، فجاء معاوية أيام خلافته حين صارت السلطة إليه فأمر بإدخال حش كوكب في البقيع.
فالأباضية لشدتهم في الدين ومراقبتهم لأوامر رب العالمين يشتدون نظراً لتلك السيرة التي سار عليها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وسارها عثمان في ستته الأولى.
أدب الأباضية في نظر أحمد أمين (1/29)
صفحة 30
لقد تكلم أحمد أمين في الجزء الثالث منه الذي الذي سماه ضحى الإسلام، قال: كان فيهم كل العناصر التي تكون الآدب عقيدة راسخة لا تزعزعها الأحداث وتحمس شديد لها، تصون بها الأرواح والأموال، وصراحة في القول والعمل لا تخشى بأساً ولا ترهب أحداً، وديمقراطية حقة لا ترى الأمير ولا العظيم إلا خادمهم، ورسم الطريق عندهم الذي ينبغي أن يسلكوه رسماً مستقيما واضحا لا عوج فيه ولا غموض يجب أن يعدل الخليفة والأمراء، وإلا يقاتلوا ليحل محلهم مسلمون مخلصون طاهرون، ويجب أن يسير المسلمون حسب نصوص الكتاب والسنة من غير أن ينحرفوا عنها قيد شعرة. (قلت هذا هو الصحيح وهذا المنهج الذي نهجه الأباضية في كل الأجيال، ومن ظن غير ذلك فليقرأ تواريخهم، ومهما وجد هفوة واحدة لم تشملها النصوص الصحيحة فيعلنها للملأ في كل مقام)، وإذا انحرف الأئمة عن واجب الكتاب والسنة يقام عليهم ليرجعوا إلى الكتاب والسنة، وألا يقاتلوا فإنهم لم ينصبوا للهوى أو لإتباع ما تهوى الأنفس، بل أقيموا للناس ليحملوهم على نهج الشريعة الإسلامية لا غير، وإلا عم الفساد، وانتشر الضلال. ويجب أن يسلك المسلمون السبيل الصحيح من غير مجاملة ولا مواربة، ويجب أن يقابل الواقع كما هو ويشخص كما هو ويعالج كما هو على طريقة عمر ابن الخطاب لا على طريقة عمرو بن العاص.
(قلت: لو قال لا على طريقة معاوية بن أبي سفيان). قال ووراء ذلك كله نفوس بدوية يعنى معها الصراحة، قال غالباً فيها الإستعداد للقول وفصاحة اللسان، وفيها كل ما تعهده في البدوة من قدرة على البيان، أي في الحجاج وسرعة البديهة وأداء المعنى، بأوجز عبارة يصفهم بالصفا وحضور الأذهان وإقامة الحجج الناصعة والبلاغة الصحيحة والفصاحة الصريحة. (1/30)
صفحة 31
قال مصدرنا اليماني: نرى من هذا كله العاطفة القوية والأداة الصالحة للتعبير عنها، قال وهذا الذي ذكرناه جعل لأدبهم لونا خاصاً، فأدبهم أدب القوة أدب الإستماتة على طلب الحق ونشره وأدب التضحية، فلا تستحق الحياة البقاء إلا بجانب العقيدة أدب التعبير البدوي الذي لا يتفلسف ولا يشتق المعاني ويولدها، يغضبون للعقيدة وللإسلام عامة، بقطع النظر عن الأشخاص، وإن نظروا للأشخاص، ففي ضوء العقيدة لا كما يفعل غيرهم، بل يرثون ويبكون، ولكنهم حتى في رثائهم وبكائهم أقوياء يذرفون الدمع ليسفكوا الدم، ويبكون الميت ليتشجع الحي، ويندبون المفقود ليرسموا المثل الأعلى للموجود لا يعرفون هزلا في الحياة، ولا يعرفون هزلا في الأدب ولا يعرفون خمراً ولا مجونا، بل لا تجد الخمر والمجون في أدبهم، إنما يعرفون الجهاد والقتال والتربية المتزمتة القاسية التي تخرج رجالا أقوياء لا يحرصون على الحياة فكذلك ادبهم، انتهى ما قاله في ضحى الإسلام بشأنهم.
صوت طالب الحق يبدأ ظهوره
لكل شيء مبدأ ينبلج منه وعهد يقوم فيه وعهد طالب الحق يعرف مبدأه بهذه الآونة. (1/31)
صفحة 32
قال في الأغاني: أخبرني الحسن بن علي الخفاف، قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن محمد بن أبي محمد الخزامي، وخلاد بن زيد وعبدالله بن مصعب وعمرو بن هشام وعبدالله ابن محمد الثقفي ويعقوب بن داؤود الثقفي وحريم بن أبي يحيى: أن عبدالله بن يحيى الكندي أحد بني عمرو بن معاوية كان من حضرموت، وكان مجتهدا عابداً، وكان يقول قبل أن يخرج: لقيني رجل فأطال النظر اليّ، وقال ممن أنت؟ قلت من كندة، فقال من أيهم؟ فقلت: من بني شيطان، فقال: والله لتملكن ولتبلغن خيلك وادي القرى، وذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك، فقد ذهبت وأنا أتخوف ما قال لي وأستجير بالله، أي من ذلك الكلام الذي قال لي ذلك الرجل، وما يترتب عليه، قال: فرأى باليمن جوراً ظاهراً وعسفاً شديداً، وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: ما يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا الصبر عليه، وكتب إلى أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة مولى بني تميم، وكان ينزل في الأزد وإلى غيره من الأباضية: أي كتب عبدالله إلى أبي عبيده وغيره من الأباضية بالبصرة يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه إن استطعت ان لا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، ولله خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصرة دينه ويختص بالشهادة منهم من يشاء.
قال وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي أحد بني سليمة وبلج بن عقبة بن الهيصم الأسدي في رجال من الأباضية قدموا عليه حضرموت، فحثوه على الخروج وأتوا بكتب أصحابه يقولون له: إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تغدروا واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم فقد علمتم أن الذين أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم. فدعا أصحابه فبايعوه وقصدوا دار الإمارة وعلى حضرموت إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي فأخذوه فحبسوه يوماً ثم أطلقوه فأتى صنعاء.
ظهور الأباضية (1/32)
صفحة 33
قال المصدر الذي أورد أحوال الأباضية: وكلما نعرفه عن الأباضية حتى الآن ظهورهم في حضرموت كقوة سياسية ذات شأن بدأ سنة 129 هـ، والمعنى كانوا قبل هذا الوقت من جمة أهالي حضرموت تشملهم الإمارة الأموية، ولكن عندما أعلن عبدالله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق ثورته على آخر خليفة أموي كما سبق، أي عندما قامت إمامته قام معلنا الثورة، قال: واستقل بالأمر في حضرموت واحتل اليمن والحجاز. قال وتتلخص دعوته في هذا الجزء من خطبته التي ألقاها في جامع صنعاء عقب احتلالها، فقد قال: أي إن عبدالله بن يحيى رحمه الله لما احتل صنعاء، وتم له الأمر فيها، خطب أهل صنعاء خطبة أبان لهم فيها ما يدعو إليه وما يأمر به وما ينهى عنه. فقال رحمه الله:
"إننا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وإجابة من دعا إليهما، الإسلام ديننا ومحمد عليه الصلاة والسلام نبينا، والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالاً لا نبغي به بديلا، ولا نشتري به ثمناً قليلا، وحرمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا، ندعوكم إلى فرائض واجبات بينات وآيات محكمات وآثار نقتدي بها، وأشهد أن الله صادق فيما وعد وفيما توعد، عدل فيما حكم، ندعو إلى توحيد الرب واليقين بالوعد وأداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية لأهل الله والعداوة لأعداء الله ".
هذه خطبة الإمام الرضي طالب الحق رحمه الله، فهل سمعتم أيها المسلمون من يدعو إلى طاعة الله وطاعة رسول الله، وطاعة أهل الحق من المسلمين فيمن سبق من أمراء غير الأباضية رحمهم الله.
ثم ذكر المصدر المشار إليه بعد هذا طرفاً من خطبة أبي حمزة الشاري رحمه الله لمجرد التنظير، حيث يقول فيها: (1/33)
صفحة 34
" إنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشراً ولا بطراً ولا عبثاً ولا غدراً، ولكنا لما رأينا مصابيح الهدى والحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، ومن لم يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، أقبلنا من قبائل شتى كل جماعة منا يتعاقبون على بعير واحد عليه زادهم، أي فقط لحمل الزاد لا لركوب لأنا فقراء لسنا ملوكاً ولا نريد ما يريد الملوك، وأمثالهم من الأمراء، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره فأصبحنا بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد، - أي الموضع الذي وقعت فيه الوقعة - قد اعترضونا ليصدونا عما له خرجنا، قال فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم آل مروان، فشتان لعمر الله ما بين الرشد والغي، قال وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين ".
هذا الذي أورده المصدر اليماني في المعالم، فأنظر إيها العاقل بين الدعوتين واعتبر ما يدعو إليه أبو حمزة وما يدعو إليه المراونة الطغاة وأمثالهم، تجد
الفرق وتفهم القصد وتعلم الحقائق.
ثم أخذ في الحديث عن إبن عطية وسيده وخليفته، ثم ذكر الذين تعرضوا لقتله في الطريق هو ومن معه بمن قتل من رجال الأباضية، ولما قعد قاتله على صدره طلب الغفو منه ودس له الحيلة ليعفيه. فقال له: يا عدو الله أترى أن الله كان يمهلك أو تطمع في الحياة وقد قتلت طالب الحق وأبا حمزة الشاري وبلجاً وأبرهة، أي هؤلاء هم سادة رجال الأباضية. قال فقتله وبعث برأسه إلى شبام، ثم ذكر ثورة ابن أخيه على حضرموت وما كان منه فيها بجيش كثيف من طغام اليمن الذي سيطر عليهم، وفعل الشنائع في أباضية حضرموت، إذ قتلوا الرجال والنساء والصبيان، وهم أن يعدم حضرموت من الأباضية حتى الأطفال. (1/34)
صفحة 35
وهذه أفعال هؤلاء الناس وتلك أفعال الأباضية الذين لا يعتدون حدود الله ولا يرضون بغير ما حكم الله، ولا يرضون بتخريب الديار التي يدخلونها فاتحين، ولا يرضون أن يكدروا صفو أحد من المسلمين لم يخرج لمحاربتهم، وهؤلاء خربوا دور هينن وقعوضة والمخينيق وحورة وكثيراً من دور شبام، والحقيقة أخبرنا القرآن عنهم إذ قال: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ). أي وهذا دأبهم.
ثم أخذ المصدر في الكلام عن العباسيين فقال: وجاء العهد العباسي فلم يكن الحال في حضرموت بأحسن من الحال في العهد الأموي، قال فسرعان ما قتلت الأباضية عاملهم أي الوالي عليهم في تريم في عهد المنصور. قال وكان هذا العامل فاسقاً ظالماً. قال وانتقضت البلاد كلها على معن ابن زائدة والي المنصور على اليمن، وفعل هذا المعن من الفظائع ما شوه به تاريخه وأبقى بعده أحدوثة سيئة، وترك في حضرموت ابنه والياً على البلاد، وهذا أظلم وأطغى، ثم عاد إلى صنعاء قال ولم يفلت معن من نقمة الأباضية، فقد تبعه رجلان منهم وهو في طريقه راجعاً إلى سلطانه يريده لحرب خراسان، فقتلاه في الطريق حيث لم يظن أنهم يصلونه، ثم غمض تاريخ البلاد بعد هذا الحادث.
قال فإننا نجد في التاريخ أن الأباضية هم المسيطرون على شئون حضرموت عندما قدم المهاجر أحمد بن عيسى العلوي من البصرة في أول دولة آل زياد أول القرن الرابع الهجري، وكان هذا قدم على اليمن والياً وهو من أهالي البصرة. (1/35)
صفحة 36
قال المصدر المذكور فقد ذكر أحد المؤرخين من الحضارم: أن الأباضيين تألبوا على المهاجر وحاولوا زحزحته من حضرموت، وأن أهل السنة والشيعة بحضرموت حاولوا نصرته فاجتمعت كلمتهم عليه، ولعل القصد لعداء الأباضية لأن أهل الجور والظلم لا ترضى الحق، وإذا بالمهاجر هاجر من البصرة إلى حضرموت واليمن لقتل الأباضية، وأن الإمدادات للمهاجر تأتي من البصرة من أمواله يجهزها له ولده، للأباضية تأتي من عمان وغيرها والبصرة ذلك من أمواله، إذ كان تاجراً وله أموال، والأباضية تأتيهم معونات من أصحابهم من عمان وغيرها، والملاقاة في حضرموت واليمن.
قال فوقعت وقائع بين الطرفين هامة تشيب لها الأطفال، وآخر وقعة وقعت
بينهم ببحران من الهجرين انكسرت فيها شوكة الأباضية، وانتقل المهاجر من المهجرين على أثر هذه الوقعة، ونزل قادة بني جشير خوفا من هجوم الأباضية عليه، وهذه الحرب كلها أثارها الخلاف المذهبي، لأن السياسة اقتضت هذا الحال، فإن للعقيدة اتقاداً قد لا يطفأ لهبه بين الأباضية، والمهاجر المذكور، وإن الأباضية يقاتلون من أجل العقيدة في أغلب حروبهم، ولذلك لم يستطع المهاجر أن يسكن المدن الكبرى في حضرموت كشبام وتريم. (1/36)
صفحة 37
قال المصدر الرافع للقضايا: إن عواصم حضرموت كانت تزخر بعلماء الأباضية وذوي الرأي والقوة منهم، فكان يختار القرى [التي] يمكن أن يجد له فيها أنصاراً من السنيين والشيعة. قلت إن هذه العبارة تدل بمنطوقها ومفهومها على قوة الأباضية في حضرموت حسية ومعنوية، فإن قوله: كانت تزخر بعلماء الأباضية وذوي الرأي والقوة منهم، وهذا الناقل هو سني المذهب، لكنه جاء بالحق الواقع، وكان الوالي المسمى المهاجر يخاف سطوة الأباضية وأنهم لو هلكوا جميعاً لا يبالون في سبيل نصرة دينهم، لا سيما الطبيعة اليمانية حارة فوق الحد، والحق هو الذي يوقد نار الأباضية كما وصفهم أحمد أمين في ضحى الإسلام. فكان المهاجر من الجبيل إلى دوعن (1) وإلى الهجرين (2) يتردد على هذه القرى.
قال ولما وجد الأباضية الفرصة السانحة للإنتقاض والثورة في عهد محمد بن جعفر الحوالي الذي كان في وقته كملك مستقل في صنعاء في سنة 263 هجرية، وإن كان يدين بالطاعة للمعتمد العباسي بن المتوكل. وفي هذا التاريخ كان نفوذ آل زياد قد تقلص من صنعاء وما حواليها، وانحصر في تهامة، فعمل اليعافرة لإخضاع ثورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من بلاد حضرموت مشهورة.
(2) الهجرين كذلك من بلاد حضرموت. أ هـ.
الحضارم، وأقاموا الهزيلي الحضرمي حاكم شبام نائباً، قلت هذا الكلام المشروط بقوله: ولما وجد الأباضيون الفرصة سانحة للإنتقاض والثورة في عهد محمد بن يعفر الحوالي، ولم يتبين ماذا فعل الأباضية لما وجدوا الفرصة سانحة إلخ. كأن التاريخ تلاشى والنسبة غموض أعرب عن آل زياد الذين لم يسبق لهم ذكر في هذا المقام، وذكر تقلص ظلهم من صنعاء وما حواليها، وانحصر في تهامة، وأشار إلى عمل اليعافرة لإخضاع ثورة الحضارم لم أدر هل المراد بهؤلاء الحضارم الأباضية أم غيرهم. (1/37)
صفحة 38
وسار المؤرخ المشار إليه في غموضه حتى تبين له وميض يدل على عدم وجود المصدر الذي يأخذ عنه حيث قال: ونسأل المصادر التي بين أيدينا عمان كان يتزعم الحركة الأباضية، ويتولى شئونها بعد قتل عبدالله ابن يحيى الكندي إلى أواخر القرن الرابع الهجري، فتعتصم بالصمت، أي لا تجيب فإن التاريخ قد خانها.
قال كما أنها لم تشر من قريب ولا بعيد إلى مراكز الثورة على الخلفاء والملوك اليمنيين من اليعافرة وآل زياد، وكيف كانت الحالة الثقافية والإجتماعية في هذه الفترة، لقد ضاعت إذن أو فقدت مصادر تاريخ هذه الفترة، ولكن لماذا لا أرى؟ غير أني وجدت السيد علوي بن طاهر الحداد في كتابه جني الشماريخ يقول:
بسبب ذهاب تواريخ حضرموت القديمة وانطماسها أن الأخلاف رأوا في سيرة الأسلاف ما ينكرونه منهم اليوم، فعمدوا إلى إخفائها وإفنائها.
قال ثم لا يذكر السيد علوي عن هؤلاء الأخلاف المدهشين ماذا كانوا ينكرونه
على الأسلاف. قلت الذي في نفسي أنهم وجدوهم أباضية، وقال لهم العدو هؤلاء خوارج، وأنهم على خير حق لقصد سياسي، ولا أظن شيئا غيرا هذا، وإن قال سعيد عوض باوزير وبصرف النظر عن صحة هذه الرواية أو عدم صحتها، قلت بل صحتها عندي من باب الظن أن الناشئة لا تريد تكون خوارج، والخوارج كفار وقد ملئت الكتب بإسم الخوارج فكانوا يطلقون على الأباضية إلا خوارج، وعميت الأعين والقلوب التي في الصدور عن الخوارج، فلم يصفوهم باسم الخوارج في الكون إلا الأباضية.
الصراع بين الحق والباطل: (1/38)
صفحة 39
ويقول القاضي اليماني عبدالله بن عبدالوهاب المجاهد الشماخي: بلغ النشاط الفارسي والشعوبي نهايته ضد العرب والإسلام أيام مروان بن محمد الأموي، وقد كانت الدعاية القوية للدولة الأموية هم العشائر اليمنية، ولذلك توجه الفارسيون والهاشميون معاً بدعاياتهم إلى فصل تلك العشائر اليمنية عن الأموية، وساعدهم ضعف الخلفاء بعد هشام. قال ويأتي مروان بن محمد بكماله. قال واتسع الخرق على الراقع، فإذا بالوضع يتزلزل وبالعقد ينحل فيتفجر بثورة طالب الحق أيام مروان بن محمد، اندلعت تلك الثورة عام 129 هـ من حضرموت، فالتهمت اليمن والحجاز وتناولت الحرمين مكة والمدينة، وأصبحت الجزيرة العربية مشمولة بنفوذ طالب الحق مما اهتز لها عرش مروان بدمشق هزة ثمل لها الفارسيون ورقص لها الهاشميون، وذعر لها مروان بن محمد الخليفة مما حمله إلى المبادرة لإخماد ثورة طالب الحق من غير تفكير بالعواقب، فإذا بمروان يقذف معظم جيوشه وفيهم اليمانيون بقيادة عبدالملك بن عطية إلى ساحة المعركة التي كانت من أشد المعارك ضراوة وحرارة.
وقد تمكن عبدالملك بن عطية في التغلب على طالب الحق وأبي حمزة، ومن تتبع الأباضية في حضرموت الذي أوسعها عسفاً وتخريباً مما أثار عليه فلول الأباضية، فقد تعقبوه عند منقلبه من حضرموت إلى مكة فقتلوه مع من كان معه، أي قتلوهم كلهم.
قال وبلغ مصرعه إلى أخيه عبدالرحمن بن زيد بن عطية وهو بصنعاء، (1/39)
صفحة 40
فأستصرخ همدان وقبائل الشمال وأغار بهم بقيادة شعيب البارقي الهمداني على حضرموت، فأسرف فيهم قتلاً ونهباً وتخريباً. قلت هذه كانت أعمالهم فهل وجدت أيها القارئ الكريم خربوا بلداً دخلوه أو مكاناً احتلوه طيلة خصامهم مع أي القبائل المعادية لهم، قد لا تجد ذلك من أعمالهم حتى مع اليهود والنصارى. قال وقد كانت هذه الحرب المشؤمة أعظم سبب لإضعاف العرب وانتهاء الدولة العربية الأموية، فقد التهمت جيوش مروان المدربة وعظم قواده، كما طحنت فرسان اليمن ومغاويره ونشرت الخراب في أنحاء الجزيرة العربية، قال وقد استمر الأباضية في سيطرتهم على حضرموت من بعد طالب الحق عدة قرون يناضلون الغزاة، وظلت اليمن في غليان ارتفعت درجة حرارته في العهد العباسي ا هـ.
فأفاد هذا أن يدل الأباضيين لم تزل من حديد ولم تزل الروح الأباضية خالدة في أرجاء اليمن عدة قرون، ولعل الفضل يعود إلى العالم العملاق أبو عبيدة إمام الأباضية في البصرة رحمه الله، فإنه كان الشمس المضيئة في العالم الإسلامي. قال ولم يكن العهد العباسي أحسن حالا مما كان عليه العهد الأموي، فقد كان مشئوما على العروبة والإسلام معاً، ونكبة عميقة المبضع على اليمن. (1/40)
صفحة 41
ففي عام 140 هجرية قدم اليمن بعهد المنصور الطاغية معن بن زائدة ونصب أحد قرابته نائبا عنه بحضرموت، وكان هذا النائب حِلمْسَ فسوقٍ واستهتار وعنوان ظلم سافر، فجاوز الحد ولم يسمع للحضرميين، أي استغاثة فلم يبق إلا أن قتلوه بقيادة زعماء الأباضية. قال وانتقضت البلاد على معن فأقبل معن من شمال اليمن بجيوش ارتكبت من الفظائع ما تشيب له الولدان، فقتل نحو خمسة عشر ألفاً من اليمانيين وسد عيون المياه بالرصاص، وأجبر الناس على لبس السواد. قال ثم عاد إلى صنعاء مخلفا وراءه المآسي ومستنيباً ابنه على حضرموت. قال ولكنه لم يفلت من نقمة الأباضية، فقد تعقبه منهم رجلان وهو في طريقه إلى خراسان فقتلاه أخذا منهما بثأر الأبرار حماة العدالة والدار، فسماهم حماة العدالة والدار، ولم يذكر عنهم فسقاً أو فساداً أو تخريباً رحمهم الله، وأعلى مقامهم عنده هذا وسوف ترى عنهم في هذا التاريخ ما تبتهج به سروراً، ولم تجد لهم سوءة واحدة، وهذا شأنهم، ولو أراد الله لهذه البلاد خيراً لأبقى بها أمة الأباضية، ولكن سنة الله في عباده أن من المحال دوام الحال. وقد خلف الأباضية في هذه البلاد حسن الأحدوثة والذكر الحسن الجميل:
وإنما المرء حديثاً بعده:: فكن حديثاً حسنا لمن وعى
ذلك لأن الإيمان يدعو إلى طاعة الله لا إلى طاعة مروان كما قال أبو حمزة البطل رحمه الله ورضي عنه، ولكل درجات مما عملوا والله يتولى عباده الصالحين.
الحق حليف الأباضية
كل العداوة قد ترجى إزالتها:: إلا عداوة من عاداك من حسد (1/41)
صفحة 42
والحمد لله لا يضر من سموهم خوارج إذ كانوا مع الله على حق، وليس هذا بعجيب من قوم يقومون على إمام المسلمين يقاتلونه فيقتلون خيار المسلمين بغير ما ذنب يوازن جناح بعوضة، ويقتلون عمار بن ياسر وأمثاله آلافا من المؤمنين ويشقون عصا المسلمين، ويقال لأحدهم رضي الله عنه ويلعنون إمام المسلمين على رءوس الملأ بالقهر والأُجرة ونحوها من سائر الأحوال، والذي لا يلعن الإمام يطرد ويقال له رضي الله عنه، ويقال للأباضية خوارج سبحان من وسع بحلمه عباده.
قال المصدر الذي نعتمد عليه: قد مرت بحضرموت محن عصيبة ونشبت فيها حروب وفتن كثيرة، وتعرضت لنكبات من الداخل والخارج، فلا يبعد أن تفقد كثير من المصادر التاريخية في أثناء هذا العراك الدموي الذي أناخ بكلكله على حضرموت قرونا طويلة. وقال في موضع [ثاني] نقلا عن ابن شهاب إلا أن الأباضية كانت المذهب الغالب في حضرموت في القرن الرابع الهجري، وانظر كلام بعض أعداء الأباضية يقول:
ومن عجائب ما يراه الناظر في تاريخ حضرموت أن الأباضية قد جلبوا على حضرموت المصائب والبلايا والحروب والقتل ما يطول شرحه، عهدتك تقول: إن الأباضية هم علماء حضرموت، وهم أهلها من أول ما عرف الدين فما بالك تقول إنهم جلبوا لحضرموت من المصائب .. إلخ. ثم قال ولكنه لم يؤثر ذلك في خراب حضرموت خرابا يماثل ما وقع في الزمن الأخير، فإنهم بإحتلالهم حضرموت واستغوائهم أهلها ورميهم بهم في تلك النحلة قد جعلوا العالم الإسلامي إلباً، جعل هذا الجبان الذي يفزع الحرب ولا يعرف معنى الجهاد ما هو، وأظن أنه لم تحدثه نفسه به خلافا لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما حين قالا " والله لو لم نجد من يقاتلهم معنا إلا الذر لأستعنت به عليهم، وما قاله أبو بكر حرب أهل الردة وما قاله عمر بن الخطاب لأبي سفيان إذا جاء يطلب تمديد هدنة الحديبية:
خلق الله للحروب رجالا:: ورجالا لقصعة من ثريد (1/42)
صفحة 43
بل كل ما عند الفرق التي تتسم بالإسلام بغض الأباضية، ولا بغض اليهود والنصارى، ولكن نقول كما يقول المثل: حب الجبان الراحة ولو أصبح إمراة، ولولا ذلك لما تمزق الإسلام خموراً وزموراً وخلاعة وإضاعة، وأصبح معاهد للرقص والأغاني، فأصبحت شهامة الرجال تطوى من قلوبهم وتوضع مكانها الأحوال التي حاربها القرآن، وعلى كل حال لما كان الإسلام معروف الأصول معلوم القواعد مدروس المعارف، كانت حضرموت وغالب اليمن أباضية، ولما تصرمت تلك القرون التي شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها خير القرون، وجاءت القرون التي شهد عليه الصلاة والسلام بشرها. خلت هذه الأماكن من الأباضية وحل محلها من أشار إليهم الإمام السالمي رحمه الله حيث قال:
كان لنا عصر العلوم مشرقا:: وبأفوله بدا من فسقا
وسار هذا المؤرخ يقول: ونحن لا نعرف حتى الآن من هم زعماء الأباضية
ورؤساءها السياسيون بعد عبدالله بن يحيى الذي سار سنة 129 هـ سوى الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الهمداني الذي أظهر أمره بحضرموت في أوائل القرن الخامس الهجري، وحارب القرامطة والصليحيين. قلت استرحت من نصب الأباضية ولو كانوا حاربوا القرامطة عن بلادك، وحاربوا الصليحيين وتلقوا بصدورهم رماح البغي وسهام العدو وسيوف الجيوش الغازية، فبدل أن تشكروهم وتقدروا أعمالهم تنبزونهم بالإغواء ونحوه وتنسبون إليهم ما هم برآء لو لعنت الذين أخذوا من الأباضية دينهم من آبائك وقومك لكان أولى من إرسال سهام القدح في أمة أثنى عليها وعلى علمائها ابن عباس وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم، وجملة أهل العلم.
قال ويبدو لنا أنه لولا تعرض كتاب التاريخ الإسلامي من غير الحضارم بعبدالله بن يحيى وإبراهيم بن قيس لم يصل إلينا الكثير من أخبارهما. قلت نعم هذا صحيح:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا:: ويأتيك بالأخبار من تزود
الجنود الظالمة (1/43)
صفحة 44
قال وواضح أن الإستاذ ابن شهاب يعني بهجمات جنود الإسلام على حضرموت الحملات التي أرسلها مروان بن محمد، ثم والي المنصور العباسي على اليمن وغيرهما من ملوك آل زياد واليعافرة لإخضاع ثورات الإباضية المتعددة. قلت نعم ما كان بحضرموت مهم يخافه هؤلاء إلا الأباضية، فإنهم ما يرضون ما يرضى به غيرهم، ولا يقولن أيضاً مقال المرجئة الذين هدموا الدين من أصله، ويتجلى ذلك من المذهب الأشعري الذي لا يرضى أطفال الأباضية أن يقولوا بمقالته.
قال وفي رسالة للسيد عبدالرحمن بن عبدالله ما نصه: إن المهاجر ورد حضرموت وهي تغلي غليان المرجل بالأباضيين والخوارج والأمويين نسباً العابسيين دولة، فما زال هو وأولاده يقارعونهم بالحجج حتى أضرعوا خدود الأباضية وأخفتوا أصواتهم - قلت نعم إن المقصودين بالذات الأباضية لا من ذكر بعدهم ولا شك أن للسيف حكما ليس (1) ..... وإذا خفتت أصوات الأباضية حين يرون الأمة بقضها وقضيضها عليهم، وليست لهم قوة يدفعون بها عدوهم، لا غروا إذا خضعوا يتحينون النصر من الله والدنيا صراع، وحكم التقية نصه القرآن: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا).
قال وقد ذكرت في البضائع أن مجاهرة افمام بنسبة بين أولئك الطوائف أقوى دليل على شهامته وصحة نسبه وما مجاهرته بالمذاهب إلا دون مجاهرته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بياض في الأصل (1/44)
صفحة 45
بالنسب. قلت لا أعرف ما يريد بمجاهرة من سماه الإمام بنسبه، أيريد أنه شيعي أم غيره؟ وأن مجاهرته بنسبه لعله يعني أنه علوي، وإذا كان علويا فهل الدين علوي؟ إنما يقول الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، فأنذرهم إنذاراً صريحاً علناً يسمعه كل أحد، فما معنى مفاد النسب هنا؟ ولما قال إبراهيم الخليل عليه السلام: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ)، (قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ولا شك أن أبا لهب أقرب لرسول الله نسباً من غيره، إذ هو عم النبي عليه الصلاة والسلام فلم تنفعه قرابته شيئاً، وأقرب منه عمه أبو طالب الذي حمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وناضل عنه، وأقرب منه فاطمة الزهراء رضي الله عنها وفيها يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها).
قال وجاء في أوائل العقد لشيخنا الأستاذ الأبر عن مواضع المشرع أن المهاجر أضعف شوكة الأباضية بما أورده عليهم من صحيح الإستدلال. قال ثم تلاه الإمام العالم سالم بن بصرى فأنزل البدعة في أسفل مرتبتها. قال عززهما الأُستاذ الأعظم الفقيه المقدم، انتهى. (1/45)
صفحة 46
قال ويذكر عبيدالله في هذه الرسالة أن الأباضية بقيت على جانب من القوة إلى عهد الفقيه المقدم المتوفى سنة 653 هـ، قال وإن تأخر إستيطان العلويين بمدائن حضرموت، إنما كان بسبب اختلاف المذاهب، وأنه ما زالت المجاذبة بين العلويين وعلماء المدن الحضرمية الكبرى حتى كانت الغاية الكبرى الإتفاق على منتصف الطريق، قال فإن الذين تديروا تريما من العلويين وافقوا المشايخ في الأخذ بمذهب الشافعي وبعض الآراء الأشعرية، وأكثر المشايخ بتريم وافقوا العلويين على القول بالقبطانية، وهو المذهب الإمامي بنفسه. قال فإن لم يكن فإنه إخوة فكل من الفريقين أخذ وأعطى إما بقصد وإما بطبيعة الإختلاط والإحتكاك، فلا غالب ولا مغلوب، ا هـ.
فانظروا عباد الله هذا التلاعب الذي وقع في [دين] الله من هؤلاء الناس الذين جعلوا دينهم ألعوبة بينهم، وهم يدعون الدعايات الخصيصة أنها من المصائب التي تؤسف رسول الله عليه الصلاة والسلام في دينه، قال هذا هو رأي ابن عبدالله أوردته ليكون من بين العلامات التي تتعرف بها الرأي الصحيح والحقيقة الناصعة في موضوعنا عن الأباضية. قلت وما للأباضية في هذا وهم أعداء والكل عليهم، ولعل القوم أرادوا بذلك الوفاق ليكونوا ضد الأباضية بذلك، إن هذا الشمل المجتمع على هذا الرأي أنه من الآراء التي تعرف للشيخ النجدي (1) حمى الله منه الأباضية وصانهم. (1/46)
صفحة 47
قال صاحب معالم الجزيرة العربية: وفي أيام مروان ثار عبدالله ابن يحيى الكندي الحضرمي مطالبا بسقوط مروان المذكور سنة 129 هـ، وأجلى عامل حضرموت بعدما حبسه يوماً واحتل اليمن بأجمعه بعد قتال شديد، وأنفذا جيشه إلى الحجاز واحتله، هذا كلامه ولم يفصل شيئاً من الحوادث، بل أجمل ذلك في قوله: فأحتل اليمن كله بعد قتال شديد ولم يذكره في أي موضع ولم يذكر القائد الذي قاتله وهو القاسم بن محمد، ثم اندفع إلى العهد العباسي ومن بعده، فذكر الملوك والأمراء الذي سادوا اليمن إلى القرامطة، ومن بعدهم ولم يذكر عن الأباضية شيئاً إلا ما كان من أمر حضرموت كما سوف تراه، فإنه ذكر مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
قال فقد كان عامله في صنعاء القاسم بن محمد، وفي حضرموت إبراهيم بن جبلة الكندي. قال: وفي هذا ثار عبدالله بن يحيى الكندي زعيم الأباضية في حضرموت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ النجدي: هو إبليس لعنه الله وأخزاه.
،. وهذا يدل أن للأباضية زعامة في حضرموت في هذا التاريخ المبكر، أي في أول القرن الثاني. قال وأجلى عامل مروان بحضرموت بعدما حبسه يوما واحدا ثم احتل اليمن بعد قتال شديد واحتل صنعاء ودخلها دخول الفاتحين. قال ثم سير عامله أبا حمزة المختار بجيشه إلى مكة، ثم إلى المدينة فأستولى عليهما، فأرسل مروان جيشاً عقد لواءه لعبدالملك بن عطية. قلت عبدالملك بن محمد بن عطية لكنه نسبه إلى جده ولم يذكر الحرب التي لاقاها المختار والتي خاضها عبدالملك المذكور، فقاتل أبا حمزة فهزمه في وادي القرى فالتجأ إلى مكة فجد في أثره وما زال يقاتله حتى قبض عليه وقتله.
قال ثم سار ابن عطية لقتال عبدالله بن يحيى فظفر به بعد معارك شديدة، وقتله واستولى على صنعاء، ثم حضرموت في حوادث يطول تفصيلها، قلت ليتك فصلتها وأفدتنا عن تفصيلها ليعلم الأواخر أعمال الأوائل، وهي أكبر فوائد التاريخ. (1/47)
صفحة 48
قال وطويت الصفحة لهذه الدولة الأموية بقتل مروان، أي أن مروان سلط الله عليه من قتله، كما أن الأباضية قتلت ابن عطية في طريق مكة كما سوف تراه، وتولت الأمر الدولة العباسية بأول ملك منها، وهو أبو العباس السفاح القائم في سنة 132 هـ (754 م) وصار أمر حضرموت في هذه الآونة إلى السفاح المذكور، ولم نقف على سلسلة أعمال العباسيين في هذه الناحية إلا ما كان من عمل المنصور أخ السفاح الذي ولى معن ابن زائدة الشيباني على اليمن، وهذا أرسل أخاه عاملا من قبله على حضرموت، فأقام بتريم.
قال صاحب المعالم: وكان فاسقاً ظالماً سفاكاً فقتله أهل تريم وخلعت حضرموت كلها طاعة معن. قال فغزاهم وأثخن فيهم قتلا حتى بلغ عدد القتلى خمسة عشر ألفا. قال وسد العيون بالرصاص وأجبر الناس على لبس السواد الذي هو شعار العباسيين، ثم عاد إلى صنعاء بعد هذه الأعمال الشنيعة، وأبقى ابنه زائدة والياً على البلاد، وهذه الأحوال ليست من أعمال المسلمين فما لعمال أهل بيت النبوة يفعلون ما لا يرضاه الله.
قال صاحب المعالم: ولما استدعى المنصور معناً لقتال الخوارج يعني الأباضية في خراسان، فإنهم إذ ذاك هم الحجة فيها وما يقتضيه الدين لا يرضاه أباضي أبداً مهما كان، واختار معناً لحربهم ليفعل فيهم مثل ما فعل بحضرموت، فتوجه مجيباً لسيده، فلحقه الأباضية في الطريق فقتلوه أخذاً بثأر من قتل من رجالهم، وكان معن معروفاً بالحلم وصلاح النفس، وهذه أعماله في رضا سلطانه، أما رضا الله عز وجل فغير مسئول عنه والنفس أمارة بالسوء أو الكبرياء الفاضحة تغلب على النفوس الخبيثة. (1/48)
صفحة 49
قال صاحب المعالم: وتعاقب ولاة بني العباس على اليمن وحضرموت حتى انتهت الخلافة إلى المأمون، وظهرت الشيعة دعاة العلويين وانتشرت الفتن وقامت الحروب عهد المأمون، فولى المأمون محمد بن زياد على اليمن سنة 203 هـ فأخضع اليمن جميعها لحكمه، ودخلت في طاعته حضرموت والشحر، فكان أول من أسس الدولة الزيادة باليمن والمعنى استقل باليمن ومشت الدولة العباسية القهقرى حتى انتهت.
بدء انتشار المذهب الأباضي
قال صاحب نشأة حركة الأباضية، وهو يذكر أبا عبيدة مسلم وقيامه بدعوة الأباضية وماله من اهتمام حد النشاط الحي وما لديه من عوامل رجالا ومالا وسياسة بالغة الأهمية يقول: بالإضافة إلى هذه فقد خلق أبو عبيدة من أتباعه مجتمعاً تسوده المحبة والإخاء في العقيدة وتسيطر عليه روح الجماعة، وكان يحثهم على التآلف والتعاون، قلت التآلف والتعاون قوة راجحة وحجة ناجحة، وبذلك يأمر الإسلام وإليه يدعو كل الأنام:
وتعاونوا على البر والتقوى، وكونوا عباد الله إخوانا وعلى الخير أعواناً، فإن أبا عبيدة من رجال الله الذين يهمهم أمر الأمر ولذلك كان يحث القوم على التآلف والتعاون فيما بينهم. قال كما طلب من الأغنياء أن يكونوا عوناً للفقراء وسنداً لهم حتى لا يضطر الفقير من جماعته لإحتياج إلى أحد المخالفين. قال وقد لبى الأثرياء منهم هذا الطلب بحماس منقطع النظير. (1/49)
صفحة 50
قال وتورد المصادر الأباضية أمثلة كثيرة تشير فيها إلى تنافس الأغنياء منهم في سد حاجة الفقراء وأعطياتهم. قال يقول أبو سفيان يعني محبوب ابن الرحيل رحمهما الله مدللاً على ذلك: سمعت بعض مشايخ من أدركت يقولون إنا لنذكر إذا دخل شعبان إن كان الفقراء من المسلمين الأباضية لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر وما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها يأتي الرجل بالجمال حتى يقف به على باب الدار، فيقول ادخل فيكتب في خرقة كلوا وأطعموا. قال ويروى أن شخصاً من الأباضية يدعى ديال ابن يزيد كان يستأجر الأكسية [للبرد] الشديد بألف درهم أو أقل أو اكثر، وليس عنده منها شيء، وإنما يتكل على الله ثم على المسلمين الأباضية، ثم يفرقها بين الفقراء ويجمع ثمنها بعد ذلك من الأغنياء الأباضية وكرمائهم. قال وكان الداعية أبو الحر موسراً جداً وتأتيه غلته سنوياً فيقسمها نصفين فيفرق في فقراء المسلمين الأباضية وفي معاونهم، ليس هذا فحسب، بل إن الأغنياء كانوا يتسابقون في دفع الديون المتبقية على من يموت من أصحابهم الأباضية.
يقول أبو سفيان: مات حاجب، أي أبو مودود أحد علماء الأباضية، وعليه دين مائتان وخمسون ألفاً أو أكثر دراهم، لكنها في ذلك الوقت عظيمة، قال فدخل ابن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه، فقال لهم قرة: يا قوم ما تقولون في دين هذا الرجل؟ فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه، ودخل الفضل بن جندب، وكان من خيار المسلمين الأباضية، وكان موسراً، فأخبروه فقال لهم الفضل: دينه عليَّ دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال. قلت هذا يدل على كرم نفوسهم وحس عواطفهم ورعاية واجبات إخوانهم رحمهم الله، وبذلك تقوم قناة المسلمين ويلتئم شملهم ويهابهم عدوهم، فلله أولئك الرجال رضي الله عنهم. (1/50)
صفحة 51
قال صاحب نشأة حركة الأباضية: ولم يغفل أبو عبيدة ومشايخ الأباضية في البصرة عن أتباعهم في الأمصار الأخرى وخاصة أنهم يحتاجون بشكل دائم إلى المساعدات المالية والمعنوية حتى يستطيعوا الصمود، ولكي يستعدوا بشكل فعال للوقوف في وجه أي خطر يتهددهم، أضف إلى ذلك فإن جماعات الأباضية خارج البصرة كانت في بعض الأحيان تواجه بعض المشاكل
الطارئة، ولابد لحل هذه المشاكل من الرجوع إلى أئمة البصرة ومشايخها، ومن هنا فقد برزت الحاجة لإيجاد نوع من التنظيم يتولى الإشراف على كل هذه الأمور ويضمن للدعوة استمرارها وتطورها، ويهيئ لها بالتالي سبيل النجاح والنصر.
قال: لتحقيق ذلك أنشأ أبو عبيده في البصرة ما يمكن أن نسميه الثورية السرية، وكان هو زعيمها، أي كان أبو عبيدة هو الذي يدير الأمور إدارة تشبه أن تكون كما يقولون شبه رسمية، ذلك لأن أبا عبيدة كان المطاع الوحيد طاعة تنبثق من صميم الإيمان، لا من قوة الجند. قال وهو زعيمها أي أبو عبيدة رحمه الله وهو زعيم الحركة ورأسها، قال وله الكلمة العليا في الشئون الدينية من فتوى وقضاء وتدريب الدعاة وحملة العلم الذين يرسلون إلى الأمصار.
أبو عبيدة ينشئ بيت مال
وأنشأ أبو عبيدة، بيت مال خاص بجماعة المسلمين الأباضية في البصرة، ووكل إلى جانب حاجب الطائي أي إبن مودود مهمة الإشراف على الشئون المالية والعسكرية وشئون الدعوة. (1/51)
صفحة 52
قال: وقد كان أبو عبيدة في الربط بين الناحيتين المالية والعسكرية ووضعهما في يد رجل واحد قدير، وذلك لأن موارد بيت المال كانت تستخدم لمساعدة الدعاة والثوار الأباضية في المناطق البعيدة، قال: وكانت موارد بيت المال تأتي من مصدرين: الأول عبارة عن ضريبة فرضها الإمام على أتباعه في البصرة ولا تذكر المصادر متى كانت تدفع ولا مقدارها، ولكن من الثابت أنها لم تكن تفرض بالتساوي، بل تتفاوت بحسب ثراء المكلف ودخله. قلت: هذا من الحق الذي تحمد عقباه وتتفاوت فيه الرجال، فإن الله لم يجعل الناس في الغنى والفقر سواء.
قال ولا تذكر المصادر أن أحداً من الأباضية تخلف عن دفعها. قلت: وهذا من يمن طالعهم وما كان إخراجه لله فإنه يهون على أهل الإيمان به. قال: لأنها تعتبر في نظرهم جزءاً من واجبات دينهم التي ستساعد على إنتصار دعوتهم التي تمثل في اعتقادهم الإسلام الحق كما كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفي عهد الخليفتين أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: ويبدو أن هذه الضريبة كانت تجمع عند الحاجة.
يقول أبو سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله: وهو عند الإطلاق في نظر
المشارقة لما خرج الإمام عبدالله بن يحيى طالب الحق ووجه أبا حمزة المختار بن عوف لقتال الأمويين قام حاجب فجمع له أموالا كثيرة ليعينه بها، فكتب على كل موسر قدر ما يرى، فما امتنع عليه أحد هكذا ينقل هذا عن الشيخ الدرجيني. (1/52)
صفحة 53
قال: أما المورد الثاني أي من موارد بيت المال فكان يأتي من التبرعات السخية التي يدفعها أثرياء الأباضية، قال: ويبدو أن التجار منها كانوا يتحملون النصيب الأكبر في هذا الشأن فيرحم الله أولئك الرجال الأبرار الذين يجعلون بيت مال من أموالهم لنصر الحق وإقامة أعمدة العدالة، إذ لم يكن لهم بيت مال بالمعنى المعروف، إذ لم يكن لهم سلطان يستغلون به المشروع في الدين، ولكن كانوا يجمعون من أموالهم ما يتطلبه الحال وما يلزم لهذه الأمور، وهذا دليل واضح على رغبتهم في الحق وتفانيهم فيه، فإن غيرهم يعطون الأموال الطائلة على القيام وهم في كبد غالب ونكد جامد على عدم الرغبة.
ولما كان الأباضية في ذلك العهد كذلك أيدهم الله وأعانهم ونصرهم، فأقاموا الدول ورفعوا منار العدل ونشروا الإسلام في عدة أصقاع هامة، قال هذا الصقر الجاد الدكتور عوض الذي أفادنا عن القوم المعلومات الخلية وجاء بالأنوار الأباضية يضيء بها كتابه، قال الدكتور: ومعروف أن عددا من التجار الأباضية كانوا من الأغنياء المعدودين، وكانت تجارتهم تتجاوز البصرة وما جاورها، وتصل إلى الصين والشرق الأقصى.
قال: ومن هؤلاء التجار نذكر على سبيل المثال النظر بن ميمون وأبو عبيدة بن القاسم أي المعروف بأبي عبيدة الصغير والفضل بن جندب وغيرهم من خيار المسلمين الأباضية رحمهم الله ورضي عنهم. قال: ولم تقتصر هذه التبرعات على الأغنياء من الأباضية بل تعدتهم إلى بقية الناس من أهل الدعوة رجالا وتساء. قال: وتخبرنا الروايات أن حاجباً دعا أحد أصحابه ويسمى أبا طاهر وطلب منه أن يجمع الصدقات من النساء وأوساط الناس، لأنه لا يريد أن يكتب عليهم ضريبة. (1/53)
صفحة 54
قال: فأنطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلا إلا وجدوه مسرعاً فيما سألوه، والمعنى أنهم يبذلون له المال عن رغبة ناشطة من غير تبرم أو تضجر، قال وكان رجل من المسلمين لم يكن يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، قال ونتيجة هذا التنظيم وتتويجاً لنشاط حملة العلم المتحمسين في الأمصار، فقد شهدت الدعوة الأباضية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري بعض الإنتصارات، وأسست إمامات خاصة بها، والمعنى أن الأباضية أقاموا في هذا التاريخ إمامات لا إمامة واحدة خاصة بها في جنوب الجزيرة العربية وشمال أفريقيا.
وقال: ويبدو أن أئمة الأباضية قد استغلوا الظروف التي تمر بها الدولة الإسلامية إبان حكم مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية، وأوعزوا إلى أتباعهم في تلك الفترة في الأمصار لإعلان الثورة ضد الحكم القائم، فقد مرت الدولة الأموية في تلك الفترة بمرحلة عصيبة وشغلت بقمع ثورات مختلفة في أنحاء متعددة من الدولة ومن ضمنها بلاد الشام التي كانت قبل ذلك تكوّن العمود الفقري للسلطة الأموية. قلت: إذا انحرفت الأمة عن نهج الحق واستمرت على انحرافها حرك الله عليها من يثير من بيئتها هواجس تقلقل وعي المسؤول وتبلبل أفكاره، فإما أن يتراجع ويستقيم وإما أن يستمر على هواه فتنهار صروحه ويتزعزع عرشه فتقضي عليه الحوادث، وهذا أمر معروف مستفيض من الأمة شبه مجرب عبَّر عنه التاريخ في جميع الأجيال كيف كانت، بل هو مشاهد يعرفه الإنسان فيما بينه وخاصته، ثم يقوم له شيوع محسوس حتى يسري إلى حد بعيد ويشير إلى ذلك قوله عز وجل: (لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، والله أكرم من أن يسلط على أهل الحق أعداءه إلا ريثما يتمحص الحق ويتحقق الأمر. (1/54)
صفحة 55
قال المؤرخ: الذي نأخذ عنه النقل هنا لإنصافه غالبا في نقله: والحق يقال وقد ساعد انقسام البيت الأموي على نفسه في قيام مثل هذه الحركات، وشجع أحزاب المعارضة. قلت: إن البيت الأموي من أول الأمر وضع حجر الإنهيار حين قام على عليّ بين أبي طالب الإمام المحقق، ولكن الله يمهل ولا يهمل حتى تقوم الحجة وتتضح المحجة وتشهد الحواس على أفعال الناس، ثم أطال الكاتب المؤرخ.
ثم قال: وأعلن العباسيون ثورتهم في المشرق واضطر الخليفة لتوجيه قواته للوقوف في وجه هذا الخطر الرامي لتقويض حكم الأسرة الأموية، قلت: بسبب إنحراف هؤلاء عن نهج الحق وتغلبهم على الأمة بغير ما أمر الله تحرك الدم الهاشمي الذي هو شقيق الدم الأموي.
قال وكان من بين هذه المناطق حضرموت واليمن حيث كان الدعاة الأباضية يقومون بنشاط واسع هناك منذ وقت مبكر، وهذا يدل أن الأباضية سبق أن تحركوا للقيام قبل قيام الهاشميين، فكانوا يتهيؤون لمصادمة الفساد الذي يرونه ضرب بجرانه في بلاد الإسلام. قال وقد ساعد تذمر السكان في تلك المنطقة من سياسة الولاة هناك على انتشار الدعوة الأباضية بشكل واسع وسريع، والمعنى أن السكان والولاة تعاونوا على تأييد ثورة الأباضية بأسرع ما يمكن، وعلى قوة واسعة وقد خضعت اليمن وحضرموت لحكم قيسي مستمر منذ أيام عبدالملك بن مروان، وكان والي اليمن عند قيام ثورة الأباضية هو القاسم بن عمر الثقفي.
قال وقد اتبع الولاة الثقفيون سياسة مالية جائرة ضد السكان اليمنيين وأثقلوا كواهلهم بالضرائب الإضافية، أي أنهم وضعوا على الأمة الضرائب المالية التي لم تكن من الحق في شيء، وهذا شأنهم. (1/55)
صفحة 56
وأنا أقول لك أيها القارئ الكريم هذه أعمال هؤلاء التي يذكرها التاريخ فاحتفظ بها مع أخواتها وحاسب بها التاريخ الأباضي، وانظر الحال الفارق بين الفئتين وأعط كل أمة حقها إنصافاً، ثم كن مع المحق منهما وإلا فقد قامت عليك حجة الله والحق غير متروك أمام الباطل، فإن الله هو الحق، وما كان من الحق فالله يرعاه في كل جيل، قال وقد ألغى عمر بن عبدالعزيز هذه الضرائب الإضافية، قلت لأن عمر (1) كان أباضياً بإتفاق علماء الأباضية، وإن كان أمويا وكذلك ابنه عبدالملك وتاريخهما غير خاف وأباضيتهما غير مستورة، وإن كان عمر حاول أن يعمل بالسياسة، قال ولم يلبث أن أعيد فرضها بعد وفاته، قلت وهذا مصداق لما قلنا عن الأباضية وأعمالهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله لأن عمر كان أباضيا: معناه كان موافقا لمبادئ الأباضية وأصولهم ويرى رأيهم، ا هـ.
ثم راح المؤرخ المذكر يرسم مراسم الخوارج على الدولة الأموية المشار إليها إلى أن قال: ..... اختار الأباضية الشراء على القعود، أي لم يروا السكوت عن أداء الواجب، إذ تداس أحكام الله عز وجل.
قال وجدير بالذكر أن الأباضية في مرحلة الكتمان كانوا يجيزون الشراء إذا اتفقت طائفة منهم، لا يقل عددها عن أربعين رجلا على إعلان الثورة شريطة أن يختاروا لأنفسهم إماما من بينهم يدعى إمام الشراء، يقودهم في عصيان مسلح ضد الباطل، أي يحملون السلاح على الباطل بقيادة إمامهم المشار إليه، قال كما فعل مرداس بن أدية، وأصحابه الذين ثاروا على الشراء عام واحد وستين هجرية وقتلوا جميعا رحمهم الله وفازوا بالشهادة مع الله عز وجل، وهي إحدى الحسنيين التي ينشدونها، وبقيت الأحدوثة الحسنة بعدهم تضرب بها الأمثال. (1/56)
صفحة 57
قال الدكتور المذكور الذي نأخذ عنه نقل هذه الحوادث، وقد كفانا فيها ذكر مصادرها فلا نطيل بها المقال في هذه الظروف: كان الدعاة الأباضية يجوبون المنطقة يدعون إلى مذهبهم ويؤلبون السكان ضد الحكم الأموي، قال وتولى الدعوة في حضرموت واليمن بعض الأشخاص المشهورين بالعلم من أهل البلاد الذين يتمتعون بالعصبية القوية والكلمة النافذة وعلى رأسهم عبدالله بن يحيى المشهور بطالب الحق والذي ينتمي إلى قبيلة كندة الحضرمية القوية ووائل الحضرمي وهو من مشاهير علماء [الأباضية] البارزين.
ومن تلاميذ أبي عبيدة النجبا قلت وكيف لا يكون كذلك وأبو عبيدة البطل رأس الكل، وهو الذي يمثل الدين ويصنعهم لله وفي الله، وأنت خبير أن التلميذ يأخذ أخلاق شيخه مهما كانت، وهذا الشيخ هو السند الصحيح، وهو البطل المخلص لله على الوتيرة التي تعرف لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكيف لا يكون طالب الحق ووائل الحضرمي وأبو مودود وإخوانهم كذلك وهم ثمر السيد العامل لله المخلص له في السر والعلانية أبي عبيدة الضرير رحمه الله.
قال الدكتور المذكور الذي نأخذ عنه بالحرف الواحد: ولا تسعفنا المصادر المتوافرة في تحديد الوقت الذي وصلت إليه الدعوة الأباضية إلى تلك المناطق، قال ومن المحتمل أنها تسربت إلى تلك البقعة في وقت مبكر.
والمعنى أنها جاءت في أول الوقت، ولا يخفى أن مدرسة أبي الشعثاء وأبي عبيدة أنتجت إنتاجا عاليا سريعا وجاداً في طلب الحق، وفي نشره وفي نفخ روح الإيمان والعدالة في قلوب المسلمين، فإن قلوبهم صالحة لغراس الإيمان ونشر دعوته وبث ما يدعو إليه، فإن العهد جديد وللحق ذوق يروق في نهى أهل الإيمان ورجال الأباضية الوراثة في الإمامة جارت أم عدلت، بل يرون الحق من أين جاء وممن جاء به ما لحق أحق أن يتبع. (1/57)
صفحة 58
قال شيخنا المذكور: وخاصة أن أئمة الأباضية في البصرة وقد أعاروا المناطق النائية الواقعة على أطراف الإمبراطورية الإسلامية عناية خاصة، والمعنى أن رجال الأباضية يرون الدولة التي يقدسها هؤلاء بإسم الدولة الأموية دولة جائرة حائدة عن الحق هم منها في تألم زائد، وفي بغض متزايد بحيث حادوا بنهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصراط السوي إلى المنهج الذي هم عليه من البطر بالنعمة والجور على الأمة والحياد عن مقتضى القرآن، فهم يتألمون من هؤلاء أكثر من تألمهم من المشركين، ذلك لأن المشركين لم يغيروا من أمر الدين الإسلامي لأنهم كانوا من أول أمرهم على الشرك، أما الذين أسلموا والذين هم أبناء الإسلام يرجوهم الإسلام ليرفعوا شعاره ويعلوا مناره ويؤيدوا قضاياه، كما أمكنهم وبكل ما لديهم وما أوتوا من قوة، فلذلك تراهم يبذلون النفس والنفيس في إقامة شعاره.
طالب الحق يتزعم الدعوة في حضرموت
كان طالب الحق رحمه الله ورضي عنه كما هو زعيم قوم أضاف إلى زعامته تزعمه دعوة الأباضية في حضرموت، إذ كان لهم من قومه سد يحيط به وسند يعتمد عليه ومؤيدون له على الحق، وكان نور الإيمان قد أخذ منه مأخذه وضياء الحق أشرف على ذاكرت:
وإذا حلت الهداية قلبا::: نشطت في العبادة الأعضاء
كانت كندة لطالب الحق يدا ولسانا وسيفا وسناناً، ولذلك أصبح السيد الوحيد تؤيده الأباضية بكل معاني التأييد، وكذلك أصبحت للدعوة الأباضية في تلك المنطقة صولة وطولة، وأضف إلى ذلك ما يشكوه الأهالي من جور العمال الذين تسلطوا عليهم، إذ كانوا يظلمون الناس، ولهذا نقول إن داعية الظلم أكبر مثير للأمة إلى مناصرة المعادي، لأن الظلم لا تقبله النفوس ما وجدت لها منقذاً منه، ولما كان الأهالي يتبرمون ويتألمون من ولاتهم كان ذلك الحال معيناً للأباضية على قهر الأيدي الأثيمة التي لا ترى لها رادعا ولا زاجرا. (1/58)
صفحة 59
والأباضيون بطبيعة الحال لا يرضون بظلم أحد مهما كان، فأعانت الأباضية القوى الآهلة [في] البلاد من سنيين وشيعة، إذ كانت رغبتهم في التخلص من ظلم أولئك المشار إليهم وكانوا قبضوا على نواصي الأمة بيد من حديد غير مبالين بأحد.
شروط الإمامة عند الأباضية
لا يخفى أن الأباضية لم يكونوا ليعينوا أحداً للإمامة بغير نظر المشايخ رجال العمل وأعمدة الدين، وفقهاء الأمة الأباضية في البصرة الوطن الأصلي للمذهب، فإذا أراد الأباضية تعيين إمام أو رئيس أو زعيم محصوه ودققوا النظر فيه وتحققوا كل ما لديه من الخصال الحميدة، والمراضي الشرعية، وتدريب دقيق واستكشاف بالغ الأهمية حتى إذا لم يروا ما يرتابون منه، ولم يجدوا فيه هوادة في دين الله، ولم يعلموا فيه شيئاً يعاب به، فعند ذلك يبايعونه على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى العمل بالكتاب والسنة واتباع آثار المسلمين، وله اختيار الرجال على الأعمال سواء كان إمام دفاع أو إماماً شارياً اعتماداً على النصوص الواردة في القرآن.
ولا يقبلون الذي يقول للقرآن بعدما يرمي به هذا فراق بيني وبينك، ولما بايعوا عبدالله بن يحيى طالب الحق، فمن قائل إنه كتب للإمام أبي عبيدة أن يمده بأبي حمزة المختار بن عوف رحمه الله، ومن قائل إن أبا عبيدة كان هيأ المختار عوناً لطالب الحق عندما تحقق إمامته فجاءه المختار وأنعم بالمختار الذي يعطي اسمه عنوان الإختيار، فهو المختار حساً وعقلاً ولله دره من بطل، وأين أمثال أبي حمزة في الأمة الإسلامية كلها دين وإيمان وجهاد وإخلاص، وقيام بواجب الحق واجتهاد فيه.
أبو عبيدة يرسل أبا حمزة مدداً لطالب الحق (1/59)
صفحة 60
كان الأمر تقرر في وقت مبكر أن طالب الحق إذا تحققت إمامته فالأباضية يمدونه من البصرة بالمال والرجال ليؤيد بهم دعوته ويقوّم بهم دولته، ولما صحت إمامته ثار السيد الهمام أبو عبيدة الذي أخذ العلم للعمل واجتهد في مصالح الأمة لله عز وجل. قال الدكتور: إن المصادر الأباضية وبعض المصادر الأخرى تجمع على أن المختار بن عوف الأزدي ومن قدم معه من إباضية البصرة قد أرسلوا إلى حضرموت من قبل أبي عبيدة لمساعدة طالب الحق الذي كان إذ ذاك أباضياً، ويدعو للمذهب في حضرموت قبل وصول أبي حمزة ومن معه من الرجال المحملين بالسلاح والمال، ولم يصل أبو حمزة حضرموت إلا بعد أن أشار طالب الحق على أبي عبيدة بأن الوقت قد حان لإعلان الثورة، فسمح له أبو عبيدة بذلك، ثم أرسل إليه المعونة البشرية والمادية، يعني الرجال والمال من البصرة، لأن البصرة إذ ذاك تموج بنشاط الأباضية وعلى رأس الرجال أبو حمزة الشاري.
هكذا ذكر الشيخ الدرجيني والمشايخ الأزكوي والبلاذري في الأنساب في الجزء الثاني صحيفة 373. (1/60)
صفحة 61
قال الدكتور: لقد جرت عادة الأباضية منذ وقت مبكر أن لا يبايعوا لأحد بالإمامة إلا إذا أشار عليهم بذلك رؤساؤهم في البصرة، قلت ذلك لأن الإمامة قضية علمية يراد منها أن تُخلِف رسول الله في أمته، وأن تعمل بأحكام شريعته، وهذه هي شئون أهل العلم فتكون الإمامة في الأمة كون أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لا كون معاوية ويزيد، وهذه هي ميزة الأباضية بين أمم الإسلام والحمد لله، قال أو بموافقة سنة أهل العلم من خصوص علماء الأباضية المعروفين بالعلم الغزير والفهم الكبير، تقليداً لما فعله عمر ابن الخطاب عندما عيّن ستة من كبار الصحابة لإختيار واحد منهم، أي أن عمر عهد بأمر الإمامة إلى ستة رجال من أجلة الرجال الذين رجا فيهم القيام بواجب الأمة على أن يبايعوا واحداً منهم، ونعم الرأي ونعم النظر ونعم الإختيار، فإن عمر رحمة الله عليه أكبر حجة في الدين، وأبصر بأمور المسلمين.
وهذا أيضا من مزايا الأباضية حيث يأخذون في الإمامة برأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلله القوم ولله مأخذهم حيث صار قدوتهم فيه ثاني الخليفتين المرضيين، ولم يأخذوا برأي أهل الأهواء، ولم يرضوا في دينهم إلا بمرتضى ابن الخطاب وزير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووزير خليفته الأول أبي بكر والذي ارتضته الأمة للخلافة، فكان المثال الذي أعجز من جاء بعده من أئمة المسلمين ومشورة من هم حجة واجبة في مثل هذا العمل الهام.
طالب الحق يدعو الناس لإتباع الحق قبل إمامته (1/61)
صفحة 62
كان طالب الحق (1) أباضياً خالصاً علماً وعملاً، وكان قبل إعلان إمامته يدعو إلى المذهب الأباضي، إذ عرف نزاهته وعرف مقاصده وما يميل إليه، وأن لا حياة للحق إلا معه، ولا دافع للظلم إلا هو، فإن الأمة التي ترضى أن يحكمها الظلمة لا ترى خيراً ولا تسعى في خير ولا تدعو إلى خير ولا يكون لقيامها في الأمة خير، ولذلك كان الأباضية الدعاة إلى الخير والرعاة للخير في الوقت الذي أشار إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأنه من عهود الخير إذ قال: " خير القرون قرني ثم الذي يليه " الحديث ومفهومه أن العهود التي تأتي بعده أي بعد القرن الثالث لا خير فيها، ولذلك تقلص المذهب الأباضي فيها ولله الأمر من قبل ومن بعد والخير فيما يختاره الله تبارك وتعالى.
وكان طالب الحق لما أراد الرجوع إلى وطنه زوده الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله: كان طالب الحق أباضيا: معناه أن طالب الحق رأى في اليمن الظلم والفساد وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان رحمه الله هاجر في طلب العلم من أبي عبيدة وجمعته الأيام بأهل الفضل والعلم والعمل من خيار أمة الإجابة كأبي الشعثاء والربيع وضمام وتلمذ [على] يد أبي عبيدة خمس سنين، ولما خرج إلى وطنه ومعه جلندى بن مسعود رحمهما الله رأى الحال في اليمن على أشده فشاور إخوانه وراسل شيخه الضرير فأمره بالقيام على الباطل، أ هـ.
أبو عبيدة بأوامره فعمل بها وقام بواجبها حتى قامت إمامته تدفع عقيرة الإيمان وتزيل البغي والطغيان، وتقوم بأوامر سيد ولد عدنان صلى الله عليه وآله وسلم. قال مؤرخو قضايا القوم لقد جرت عادة الأباضية منذ وقت مبكر أن لا يبايعوا لأحد بالإمامة إلا إذا أشار عليهم بذلك رؤساؤهم في البصرة أو بموافقة ستة من علماء الأباضية المعروفين كما تقدم الحديث عنهم.
الوقت المناسب للثورة (1/62)
صفحة 63
لا يخفى أن الأمور لها أوقات تكون سبباً مناسبا لإقامتها، وعندما تدق الساعة لا ينبغي أن تضاع تلك الفرصة، فإن الأمور مرتهنة بأوقاتها.
قال صاحبنا الذي نأخذ عنه نقل هذه القضايا: كما أنه اجتهد في إخراجها من مظانها الخصيصة بها يبدو أن إمامة طالب الحق [جاءت] في الوقت المناسب، والدولة الأموية، كانت في طريق انهيارها في أواخر العقد الثالث من القرن الثاني الهجري، ولذا فإن أبا عبيدة قد أمر صاحبه في حضرموت بالتحرك في أسرع وقت ممكن، وكتب إليه يقول: إن استطعت أن لا تقيم يوماً واحدا ً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، قلت نعم يشهد لذلك فعل أبي بكر وعمر يوم السقيفة، ولو تأخرا لوقع في المسلمين التلاشي والإضطراب، ولما حَزَمَا الأمر وربطاه أمِنَا شر الشقاق والخلاف، وتعجيل ما يخشى انهياره أولى، فإن تداعي البناء صعب إيقافه إلا ما شاء الله.
ولذلك يقول أبو عبيدة رضي الله عنه لطالب الحق في كتابه: وإنك لا تدري متى يبلغ أجلك ولله خيرة في عباده يبعثهم إذ شاء لنصر دينه، ويخصهم بالشهادة إكراماً لهم، هكذا جاء عدة مصادر، ونعم ما أوصى به أبو عبيدة رضي الله عنه ونعم ما دعا إليه، فإنه لم يدع إلى ما دعا إليه معاوية ولده يزيد غذ قال له من قال بوجه كذا فقل له بسيفك كذا، أي إقطع رأسه والحمد لله الذي جعل العلماء هداة الأمة ونصحاءها.
وصية أبي عبيدة رحمه الله (1/63)
صفحة 64
لا شك أن أهل الحق وأهل الإيمان هم الدعاة إلى الخير وهم المرشدون للأمة وهم نصحاؤها، ولما تحقق الإمام أبو عبيدة أن طالب الحق لابد قائم إلى ما دعاه إليه المسلمون ولا سيما إذ شجعه أبو عبيدة وحرضه، وأرسل إليه المدد أوصاه كما هي عادة أهل الإيمان. يقول الدكتور: وأوصاه أيضاً بالسيرة الحسنة والسلوك الطيب، وقال إذا خرجتم فلا تغلوا، أي إن الغلول عار وشنار يوم القيامة يقول الله عز وجل: (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، قال ولا تعتدوا أي إن الإعتداء على عباد الله حرام بنص القرآن إذ يقول: وَلاَ تَعْتَدُواْ، وتَعَاوَنُواْ، فنهى عن الإعتداء وأمر بالتعاون، قال واقتدوا بأسلافكم الصالحين.
ولا شك أن الإقتداء بالسلف الصالح من دواعي النصر، ومن اقتدى بالسلف الصالح إذا لم يرزق النصر رزق الشهادة التي هي أعظم من النصر، فإن الجهاد في الأصل شرع لدخول الجنة ومن دخلها شهيداً كان من علية الداخلين، بخلاف من دخلها ببقية الأعمال فإن الأنبياء (1) ......... .؟ الشهداء يوم القيامة ويودون شهداء بل يودون لو يقتلون عدة مرات فيحيون، ويقتلون لما يرون من منازل الشهداء في الجنة، ولما وصاهم أبو عبيدة رحمه الله تعالى بإتباع سنة أسلافهم، قال واستنوا بسنتهم، أي اسلكوا طريقتهم، قال فقد علمتم إنما أخرجهم على السلاطين العيب لأعمالهم هكذا في نقل البلاذري، في أنسابه والشيخ أحمد بن عبدالله الرقيشي في مصباح الظلام، وكذا قال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بياض في الأصل ....... ولعله (يغبطون).
أبو فرج الأصبهاني. قلت: وإذا كانوا على السلاطين لجورهم فالجارم هم السلاطين لا الذين أنكروا عليهم جورهم وظلمهم لعباد الله، فإن الجور على عباد الله يسخط الله منه، وكذا أيضا في نقل الشيخ سرحان الأزكوي، ولله قوم يشهد لهم مثل هؤلاء العلماء في مثل هذه الأعمال العالية. (1/64)
صفحة 65
قال ثم بعث أبو عبيدة ومشايخ الأباضية في البصرة بالمال والسلاح معونة لطالب الحق رحمه الله، كما سار إليه بعض أباضية البصرة لمساعدته، وعلى رأسهم أبو حمزة الشاري المختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عقبة الأزدي أيضاً وغيرهم.
قال ولا تشير المصادر إلى عدد الأباضية الذين قدموا من البصرة لمساعدة طالب الحق، ويبدو من الروايات أن عددهم لم يكن قليلا، قال أما المدائني فيذكر أن المختار بن عوف وبلج بن عقبة قدموا لمساعدة إخوانهم في رجال من الأباضية لنصرة إخوانهم في العقيدة، أي الذين يعتقدون معتقد الأباضية، قال أما رواية الأزدي فتعتبر أكثر وضوحاً في إشارتها إلى كثرة عدد الأباضية القادمين من البصرة، قال وقد بالغ خليفة بن خياط عندما أورد رواية ذكر فيها أن عامة جيش طالب الحق كان من أهل البصرة.
قال: وأيا كان الصحيح في هذه الروايات فإنها كلها تؤكد على أن مجموعة من أباضية البصرة يقودهم أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي قد هبوا لمساعدة إخوانهم في حضرموت.
إمامة طالب الحق والإستيلاء على حضرموت
لما قر أمر إمامة طالب الحق ورأى الفرصة مواتية له بدأ بثورته على حضرموت في عام 129 مائة وتسعة وعشرين هـ الموافق 746 م للإستيلاء عليها كمقدمة لفتح القطر اليمني، وقد عرفت حضرموت ومحلها من القطر اليمني، ولم يقاومه أحد فيها، ذلك لأن الأهالي كلهم يؤيدون عبدالله ابن يحيى وما يذهب إليه من الحق، فإن الحق محبوب مطلوب مرغوب فيه بطبيعة الحال، وقبض على واليها إبراهيم بن جبلة [بن] مخرمة الكندي، وزج به في السجن مدة يسيرة، ثم أطلق حيث رآه لا تابع له ولا محذور منه، وما كان سجنه إلا تأديباً من معاملته السيئة لأهالي حضرموت، وكونه عوناً لأهل الضلال، ومن أعوان الظلمة. (1/65)
صفحة 66
قال الدكتور: ولم يلبث إلا إن أطلق سراحه ولحق بسيده القاسم بن عمر الثقفي في صنعاء، قال ويبدو أن الأباضية أطلقوا سراحه ليظهروا للناس مدى تسامحهم وعدم تعطشهم لسفك الدماء وتعذيب الناس، قلت هذا هو الصحيح وهذا طبع الأباضية وهذه سيرتهم التي يعولون عليها إذ هم رحمة الله للناس، كما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام رحمة للناس، فإن لهم في رسول الله أسوة حسنة، قال والأهم من ذلك أن الأباضية أرادوا كسب ود قبيلة كندة التي ينتمي إليها الوالي المذكور، قال وكان معظم أنصار طالب الحق في البداية من بين رجال هذه القبيلة الحضرمية بعد الإستيلاء على حضرموت وطرد واليها، قام الأباضية بدعاية نشطة لحركتهم بين القبائل العربية. قلت كل هذا الذي يشير إليه من المحتمل أيضاً،
ومن واجب أولي الأمر حيث لا تضر بالدين، ولا تهضم جانب المسلمين ولا تتعدى الحق، أما إذا كانت على خلاف ذلك فالأباضية أبعد من ذلك، قال وانضم إليهم عدد من غيرهم كبير من الناس وجمع كثير ذكر ذلك البلاذري في أنسابه في الجزء الثاني منه صحيفة 373، قلت ذلك لأن الحق محبوب من ناحية أهل الإيمان، قال ولعل مبايعته بالإمامة قد جرت في تلك الفترة ولقبه أصحابه بطالب الحق.
الزحف على العاصمة صنعاء (1/66)
صفحة 67
بعد ما تم الأمر لطالب الحق في حضرموت قرر الزحف على صنعاء، مع علمه أن واليها من قبل الدولة الأموية قد تهيأ لمصادمة طالب الحق وجيشه، وكتب إلى الأباضية الذين بها يستنهض هممهم، وهذا يدل أن الأباضية بذلك العهد موجودون بصنعاء كما هم موجودون في حضرموت، وأنهم ذوو أهمية فيها إذ استدعى الحال إعلامهم، ولأن يكونوا متأهبين عندما يرون جيش المسلمين يزحف على صنعاء، قال ويطلب منهم الإستعداد واليقظة التامة، قلت وهذا يؤكد ما قلناه، قال ويخبرهم أنه قادم إليهم كذا في الأغاني في الجزء الثاني أيضاً صحيفة 97 منه، وحكاه أيضاً البلاذري في أنسابه في الجزء الثاني أيضاً صحيفة 373، وكان عندما عزم على الزحف على اليمن ولى على حضرموت عبدالله بن سعيد الحضرمي، وسار على رأس ألفين من أصحابه، أي الأباضية خاصة لم يخالطهم غيرهم وتوجه إلى صنعاء.
والي صنعاء يحشد الحشود لمصادمة طالب الحق
لما تحقق والي صنعاء زحف طالب الحق عليه جمع من أبطال اليمن جيشاً ضخماً لا يبين معه جيش طالب الحق، إلا أن النصر لم يكن بالكثرة، فـ (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ) قال المؤرخ الدكتور: ولما علم الوالي الثقفي بأنباء سير الأباضية إليه أخذ يستعد للقائهم وجمع جيشاً ضخما يصفه البلاذري بأنه كان ذا عدد كبير وعدة ظاهرة، بينما تذكر المصادر الأخرى أن عدد هذا الجيش بلغ ثلاثين ألف رجل إلى أن قال: وبالتأكيد كان أكثر عدد وعدة من الجيش الأباضي، وقد قرر القاسم الثقفي ملاقاة الجيش الأباضي خارج صنعاء، إذ رأى جيشاً هذا عدده ويلحق به جيش عدوه لا تكفي له صنعاء مسرحاً للمعركة التي سوف تدور. (1/67)
صفحة 68
قال الدكتور: ويبدو أنه، أي الوالي المذكور، كان معتدا بقوته وعسكره الكثير، ولا شك أن تحقيق جيش عدوه قد علمه تماماً من ألسن أعداء الأباضية في حضرموت قال فهزم، أي الوالي، وتراجع إلى صنعاء حيث لحق به طالب الحق وهزمه مرة أخرى هزيمة نكراء لم يقر له بعدها قرار، بل فر إلى الشام مع بعض جنده واستولى الجيش الأباضي على صنعاء، أوردت ذلك المصادر العديدة متفقة كلها على ذلك قال بعضهم: استولى الأباضية على المدينة.
قال وتشير المصادر سنية وأباضية وشيعية إلى أن طالب الحق وأعوانه الأباضية قد عاملوا السكان معاملة حسنة، قلت وهذا يدل مما يؤيد مقالنا فيهم وفي نزاهة أعمالهم رحمهم الله، قال ولم يتعرضوا لأحد بأذى، قلت وهذه الأخرى من مكارم الأباضية التي عرفوا بها من أيام دولهم ووقت سلطتهم، قال وتورد بعض المصادر الخطبة التي ألقاها طالب الحق في أهل صنعاء والتي تبين بوضوح بعض آراء الأباضية في تلك الفترة المبكر وقد خيّر الناس فيها بين ثلاث خصال أيها شاءوا فليأخذوا بها: الأولى أن يتبنوا الأفكار والآراء الأباضية ويجاهدوا مع أتباعها، وفي هذه الحالة يتساوون في الحقوق والواجبات مع إخوانهم الذين سبقوهم إلى هذا الأمر، ويكون لهم من الأجر ما لأفضلهم، ومن قسمة الفيء ما لبعضهم، الثانية من قال بقولهم ولم يجاهد معهم، فعليه أن يدعو إلى هذا الرأي بقلبه ولسانه.
قال ولم تذكر الخطبة حقوقاً معينة لمثل هؤلاء الأتباع، والثالثة أن يلزم من لا يقبل هذين الشرطين الحياد على الرغم من معارضته للمبادئ الأباضية، وفي هذه الحالة لا يتعرض له أحد بأذى، وهذا ما عبر عنه طالب الحق بقوله: ومن كرهنا فليخرج بأمان إلى ماله وأهله ويكف عنا يده ولسانه، فإن ظفرنا لم يكن عرض نفسه لوم يحملنا على سفك دمه، وقد سبق لنا أن شرحنا هذه الجمل التي ألقاها الإمام طالب الحق رحمه الله وأوضحنا جوهرها الصحيح على ضوء المذهب الأباضي. (1/68)
صفحة 69
الإمام طالب الحق يبتعد من حصائد المجرمين
قبض الإمام طالب الحق بصنعاء وتولى أمرها، فوجد في خزائن صنعاء الدولية أموالا طائلة تحرج أخذها وإنفاقها على رجال دولته، بل رأى الإبتعاد منها أولى لأنها جبيت على غير النهج المشروع والجباة ظلمة غير موثوق بجبايتهم، ولم يمكن الإمام المرضي طالب الحق جنده من شيء منها ورأى إنفاقها في فقراء أهل صنعاء، لأن مجهول الأرباب سبيله فقراء المسلمين، ولذلك فرقها ولم يأخذ شيئا منها، ولو أخذها لكان له في أخذها وجه صحيح، لأن حكم ما في يد المسلم الحل حتى يصح تحريمه ولولا ذلك لم تحل شربة ماء من أحد لإحتمال أن تكون من حرام، ولم تحل ضيافة أحد للإحتمال المذكور، ولكن رحمه الله احتاط لدينه ولإخوانه بإتقاء الشبهات والإحتياط للدين مطلوب.
قال محرر القضية ووزع ما استولى عليه من خزائن وأموال بين الناس في صنعاء وخاصة الفقراء منهم. قال وبقي في صنعاء عدة أشهر يسوس الناس بالعدل ويدعو إلى آرائه ومبادئه بالمعروف والموعظة الحسنة، حتى كثر جمعه وأتاه الناس من كل وجه. قلت غير مرة إن أئمة الأباضية لا يقومون إلا لنشر العدل وإعادة العمرَّية في المسلمين، فكيف لا يكون العدل أنشودتهم والأمر بالمعروف دعوتهم، وإصلاح شأن الأمة بغيتهم، وهم ما قاموا إلا لما فقدوا ذلك في الأمة، ولا تجردوا لركوب الأخطار إلا لمراضي الجبار، والحق هو دين المسلم، والعمل بالحق هو عمل المسلم، وإلا لم يكن مسلما
قطعاً، ألا تسمع الله يقول في كتابه العزيز: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) فهذه الأوامر كلها من العدل، وهي من الحق، ولا شك أنها من الإحسان، والإحسان مما فرض على الإنسان كما نهى عز وجل عن الفحشاء والمنكر والبغي، فالفحشاء من المنكر، والمنكر من البغي، والبغي كذلك، ولا محيص من ذلك والله المستعان.
الإمام طالب الحق يوجه قائده أبا حمزة لفتح الحجاز (1/69)
صفحة 70
لا يخفى أن المسلمين في جميع المعمورة يرون الحجاز موطن الإسلام عموماً ومحط رجال المسلمين كافة، وأن المسلمين كلهم يغارون عليه ويتألمون ممن يعيث فيه فساداً، ولما كان الفساد ظهر في البر والبحر، وكان المتولون للأمر فيه هم المفسدون، رأى الإمام أن أحق بقعة يجب أن تطهر من فساد أهل الإجرام هو الحجاز، لذلك جهز جيشه لتطهير ما بالحجاز من سوء، وجعل قائده ذلك البطل الحر اليقظ أبا حمزة الشاري الذي لا تأخذه لومة لائم، حتى أطلق عليه اسم الشاري، وعرف به مع أن شراة المسلمين كثيرون، وعضده ببلج بن عقبة البطل الثاني الذي لا يحتاج أن نعرف به، والثالث أبرهة بن الصباح الحميري على رأس قوة عسكرية، فتوجه الجيش إلى مكة للإستيلاء عليها، وإزالة أعمدة البغي منها، ثم أصدر أمره على بلج بن عقبة أن يتوجه إلى الشام بعد فراغ من عمل الحجاز، كما يقول الدكتور لمحاربة مروان الثاني وإسقاط الخلافة الأموية لتحل محلها الإمامة الأباضية.
وكان الوالي على الحجاز إذ ذاك عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك، فوافى أبو حمزة مكة في موسم الحج، ولما وصلها انضم إليه أهل الإيمان بالله وأهل التقوى لله، وعلى رأسهم العلامة الجليل التقي أبو الحر علي بن الحصين من علماء مكة الذي كان أكبر داعية للأباضية في الحجاز كله، قال أهل التاريخ: كان علي بن الحصين يدعو للأباضية سراً في الحجاز، ويعقد مجالسه الخاصة لهذا الغرض يومي الأثنين والخميس من كل أسبوع.
قالوا ويقدر عدد الذين اتبعوه وانضموا إلى جيش أبي حمزة الشاري نحو أربعمائة رجل من خيار المسلمين، حكى ذلك المشايخ الدرجيني والشماخي من الأصحاب غير الأجانب. (1/70)
صفحة 71
يقول بعضهم: فوجئ والي الحجاز عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك بظهور الأباضية على جبل عرفات في الوقت الذي كان الحجيج يؤدون فيه مناسكهم على نفس الجبل، قال ولم يجد عبدالواحد بداً من التفاوض معهم وخاصة أنه لم يكن مستعداً من الناحية العسكرية لمثل هذا الحدث في تلك الظروف، واتفق الطرفان بعد تبادل الوفود، والمعنى أن القائد أبا حمزة الشاري والوالي عبدالواحد تفاهما بالواسطة بينهما، انتهت المفاهمة على أن يتجنب الفريقان الصدام أيام الحج، وأن يترك عبدالواحد مكة ويخليها لأبي حمزة الشاري فور الإنتهاء من عمل الحج وأداء المناسك، وفعلا وفى عبدالواحد بشريطة الإتفاق فخرج من مكة في العاشر من ذي الحجة عام 129 هـ ودخل الأباضية مكة بدون قتال هكذا يقول المؤرخون عامتهم.
ولما تم لأبي حمزة فتح مكة وتولى أمرها توجه إلى الطائف، لأنها ابنة مكة لقربها منها واتصالها بها، واستسلمت له بدون عناء، بل فتحها له حب الحق وميل النفوس إليه، لما عَرَفَ الناس من حسن أعمال الأباضية.
قال الدكتور نقلا عن البلاذري في الأنساب، وخليفة بن خياط وغيره من المؤرخين قال: وأمن الناس على حياتهم وأموالهم ولم يعرف لهم في هذين البلدين العظيمين سوءة واحدة، قال وأعلن أنه لن يتعرض لأحد بالأذى إلا إذا
بدأهم بالعدوان، ولما تخلى الوالي عبدالواحد عن مكة واحتل أبو حمزة الطائف تبعاً لمكة كتب عبدالواحد لمروان الذي يسمونه الخليفة مروان الثاني يخبره بالغزو الأباضي للحجاز، ويعتذر له عن خروجه من مكة، قال فغضب الخليفة وعزله عن الولاية وعين بدلا منه عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، وأمره أن يعد العدة ويحزم أمره لاسترجاع مكة من أيدي الأباضية. (1/71)
صفحة 72
قال وامتثل عبدالعزيز بن عمر لأمر الخليفة وجهز جيشاً قوامه ثمانية آلاف رجل جلهم من قريش والأنصار وبعض التجار الذين لا علم لهم ولا دراية لهم بالحرب وفنونها، قلت هذا الكلام أراد أن يمهد به طريقاً لما كان من القائد عبدالعزيز لما وقع عليه من الهزيمة، والحقيقة أن الحرب سجال، ومن كتب أجله في ثمان لا يبقى إلى العشر، ومن جعل أجله في عشر لا يموت في ثمان وهكذا مثلا.
ولا يخفى أن شجعاناً في البشر يعدون عن المئات بل عن الآلاف ولا يزالون كلما دخلوا معركة خرجوا منها ظافرين كأنهم لم يدخلوا الحرب، فإذا حان حينهم قضى عليهم القدر على يد أضعف المخلوقات، قال وجعل قيادة هذا الجيش إلى عبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، قال وبذلك لم يكن موفقاً في اختيار عناصر الجند ولا في اختيار القائد الذي ينتمي إلى عثمان بن عفان، والذي يعتبره الأباضية ظالماً مخالفاً تجب البراءة منه، قلت هذا الكلام يشف عن دسائس نفسية، فإن الذي قتل عثمان هم الذين اعتبروه خائناً ظالماً ومخالفا تجب البراءة منه، ومن هم هؤلاء؟ هم أكابر الصحابة وأعيانهم، فإنه قتل بعد حصار دام أكثر من شهر علم به الخاص والعام وأعيان المسلمين كلهم في المدينة وفيهم علي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين والمهاجرون والأنصار أكثر من مائة ألف سيف في إمكانها ترد عنه جيش الروم وجيش كسرى، وما كان واحد من الأباضية معهم ولا صدرت كلمة واحدة من الأباضية في قتل عثمان، إذ لم تكن الأباضية في أيام عثمان موجودة، فإن كان الذين في المدينة يرون عثمان غير مستحق للقتل فقد قصروا حيث لم يدفعوا العادي عنه، وهم المسئولون أمام الله عن قتله حيث جعلوه إمامهم وبايعوه، ولما أحاط بهم العدو لم يقوموا معه. وإن كانوا يرونه مستحقاً للقتل فقد صار معهم ظالماً جارماً مخالفاً تجب البراءة منه، فلذلك أسلموه للقتل. (1/72)
صفحة 73
ولم يكن الأباضية حاضرين معهم، فما بال الطعن والغمز على الأباضية بغير حق، إن الله على لسان كل ناطق والعهدة على القائل .... .
وكذلك قتل علي بن أبي طالب لا يرى له الناس قاتلا إلا الأباضية ولا خوارج في العالم منذ خلق الله الدنيا إلى الآن إلا الأباضية، أهكذا يقول الحق صدق الله الذي يقول في كتابه العزيز: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). فالآن كل الأمة لا ترى عدواً في الإسلام إلا الأباضية؛ فلذلك تقف لهم الدنيا على كل مرصد وبكل مكان عداوة سافرة لا مبرر لها إلا كون القوم أباضية أو كونهم على الحق، فإن الخوارج معروفة لم يكن الأباضية منها في قبيل ولا دبير، وأول خارج على عثمان معروفون ولم نجد فيهم أباضياً واحداً، وكذلك الخارجون على عليّ بن أبي طالب من جنود الشام لم نجد بعد طول العناء والتفتيش أباضياً واحداً، ولا وجدنا في قاتليه أباضياً. فما لهؤلاء القوم يتعامون عن الواقع ثم يقذفون به قوماً أبرياء، وحتى قضية النهروان لم نجد فيها أباضياً، بل وجدنا فيها صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله على لسان كل ناطق.
قال المؤرخ لهذه القضايا: التقى الأباضية مع الجيش في قديد على طريق خيبر، يريد الجيش الشامي وذلك في شهر صفر سنة 130 هـ، بعدما أقام بالمدينة ما أقام آمراً ناهيا مسدداً مصلحاً داعياً إلى الله آمراً أن تتبع أوامره وأن تجتنب نواهيه وأن تقام حدوده وأن ترفع بنوده ويعلى مناره ويظهر شعاره، فدارت المعركة بين الطرفين فقضى الله عز وجل بنصرة الأباضية وانهزم الجيش الأموي شر هزيمة، وانهزم معه أهل المدينة بعدما فقدوا الكثير من رجالهم، جاء هذا للبلاذري في الجزء الثاني من أنسابه. (1/73)
صفحة 74
ووقع في أسر الأباضية الكثير من الجيش الأموي ومن أهل المدينة، قال الناقل: وعلى غير عادة الأباضية فقد قام أبو حمزة الشاري بقتل الأسرى القرشيين، بينما أطلق سراح الآخرين من الأنصار والقبائل الأخرى، قلت وهذه دسيسة على أبي حمزة رفعها البلاذري من عنده ولم يذكرها بقية المؤرخين، قال ولعل سبب ذلك يعود إلى التنافس القبلي الذي ظهر منذ فترة مبكرة بين القبائل العربية وقريش التي احتكرت السلطة لنفسها منذ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال وهذا يخالف مبدأ الأباضية في الإمامة الذي لا يعير اهتماما لنسب الخليفة العرقي أو القبلي، أي أن من عادة الأباضية الاعتماد على التقوى خاصة في الإمامة، لا يعولون على الأنساب عملا بما جاء في الكتاب، إذ يقول الله لنبيه إبراهيم الخليل: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، أي لا منزلة عندي للظالم مهما كان ومن كان، فإن الخلق خلقي خلقتهم لعبادتي وكلهم ينتمون إلى عنصر واحد، فمن استقام منهم بحسب أوامري مثلك يا إبراهيم فله عندي ما للمحقين من أمتي، ومن لم يستقم منهم فإنه جارم عليّ إذ خالف أمري، فكان في ذريته عليه السلام الأنبياء والعلماء والزهاد والعباد والجبابرة والظلمة والفساق وأهل الباطل، ولكل فريق مع الله ما نحا إليه بنفسه واختاره عملا من أعماله.
وشاعت أخبار دخول الأباضية المدينة وهزيمة الجيش الأموي بها وانتصار الأباضية عليه، وهزت هذه الهزيمة دعائم الدولة الأموية، فثارت بقضها وقضيضها للإنتقام من الأباضية الغزاة، وكيف يكون للأباضية صوت عال على رءوس الحرمين الشريفين وتصبح المدينة المنورة في يد الأباضية الذين يمنعونها من أعمال البيت النبوي الأموي!. (1/74)
صفحة 75
قال الرواة للقضايا: وصلت أنباء معركة قديد ودخول الأباضية المدينة المنورة إلى أسماع الخليفة مروان الثاني، الذي قرر أن يضع حداً لإنتصارات الأباضية بإنفاذ جيش شامي لقتالهم، قال فجمع أربعة آلاف من أشجع رجاله، وأعطى لكل منهم فرسل وبغلا لحمل ثقله ومائة دينار زيادة على عطائه، وكان معظم الجيوش يتكون من القبائل القيسية، قال وأراد بذلك مروان أن يضرب الأباضية ومعظمهم من القبائل اليمانية برجال من القبائل القيسية الموالين لبني مروان، حكى ذلك البلاذري والطبري ومن أخذ عنهم، وكان قائد الجيش من بني سعد بن بكر بن هوازن، ولم أدر معنى ما يقوله المؤرخ المشار إليه إن معظم الجيش الأموي من الرجال القيسية.
وفي الأغاني قالوا: وأقام عبدالله بن يحيى بصنعاء أشهراً يحسن السيرة فيهم ويلين جانبه لهم، ويكف عن الناس فكثر جمعه وأتته الشراة من كل جانب، فلما كان وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج ابن عقبة وأبرهة بن الصباح إلى مكة في تسعمائة، وقيل بل في ألف ومائة وأمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس ويوجه بلجا إلى الشام، وأقبل المختار إلى مكة فقدمها يوم التروية وعليها عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك وأمه بنت عبدالله بن خالد بن أسيد فكره قتالهم.
وحدثنا من هذا الموضع بخبر أبي حمزة محمد بن جرير الطبري: قال حدثنا العباس بن عيسى العقيلي، قال حدثنا هارون بن موسى القروي، قال حدثنا موسى بن كثير مولى الساعديين السليمي، قال كان أول أمر أبي حمزة وهو المختار بن عوف الأزدي ثم السليمي من أهل البصرة، أنه كان يوافي في كل سنة يدعو إلى خلاف مروان بن محمد وآل مروان، فلم يزل يختلف كل سنة حتى وافى عبدالله بن يحيى في آخر سنة وذلك سنة ثمان وعشرين ومائة، فقال له يا رجل إني أسمع كلاماً حسناً وأراك تدعو إلى حق فأنطلق معي فإني رجل مطاع في قومي، فخرج به حتى ورد حضرموت فبايعه أبو حمزة على الخلافة. (1/75)
صفحة 76
قال وقد كان مر أبو حمزة بمعدن بني سليم وكثير بن عبدالله عامل على المعدن فسمع بعض كلامه، فأمر به فجلد أربعين سوطاً، فلما ظهر أبو حمزة بمكة تغيب كثير حتى كان من أمره ما كان، ثو رجع إلى موضعه، قال فلما كان في العام المقبل تمام سنة تسع وعشرين لم يعلم الناس بعرفة إلا وقد طلعت أعلام عمائم سود خرمية في رءوس الرماح، وهم سبعمائة هكذا قال، هذا وذكر المدائني أنهم كانوا تسعمائة أو ألفا ومائة ففزع الناس منهم حين رأوهم، وقالوا لهم مالكم وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرؤ منهم، فراسلهم عبدالواحد بن سليمان وهو يومئذ على المدينة ومكة والموسم ودعاهم إلى الهدنة، فقالوا نحن بحجنا أضن وعليه أشح، فصالحهم على أنهم جميعاً آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير، وأصبحوا من غد فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع عبدالواحد بالناس. (1/76)
صفحة 77
فلما كانوا بمنى قالوا لعبدالواحد إنك قد أخطأت فيهم ولو حملت عليهم الحاج ما كانوا إلا أكلة رأس. فنزل أبو حمزة بقرن الثعالب من منى ونزل عبدالواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلي أبي حمزة عبدالله بن حسن ابن حسن بن علي عليهم السلام، ومحمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، وعبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن أبي عبدالرحمن في رجال من أمثالهم، فلما دنوا من قرن الثعالب لقيتهم مسالح أبي حمزة فأخذوهم فدخل بهم على أبي حمزة فوجدوه جالساً وعليه إزار قطري قد ربطه بِحَوْره في قفاه، فلما دنوا تقدم إليه عبدالله بن حسن ومحمد بن عبدالله بن عمرو فنسبهما، فلما انتسبا له عبس في وجهيهما وبسر وأظهر الكراهة لهما، ثم تقدم إليه بعدهما البكري والعمري فنسبهما فلما انتسبا له هش إليهما وتبسم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما، فقال له عبدالله بن حسن والله ما جئناك لتفاضل بين آبائنا ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة وهذا ربيعة يخبركها.
فلما ذكر ربيعة نقض العهد قال بلج وأبرهة وكانا قائدين له الساعة الساعة أقبل وقال معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به، والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن تنقضي هذه الهدنة بيننا وبينكم، فلما أبى عليهم خرجوا فأبلغوا عبدالواحد، فلما كان النفر الأول نفر عبدالواحد وخلى مكة لأبي حمزة فدخلها بغير قتال.
قال هارون وأنشدني يعقوب بن طلحة الليثي أبياتاً هُجي بها عبدالواحد لشاعر لم يحفل باسمه:
زار الحجيج عصابة قد حالفوا:::: دين الإله ففر عبدالواحد
ترك الإمارة والحلائل هارباً:::: ومضى يخبّط كالبعير الشارد
لو كان والده تخير أمه:::: لصفت خلائقه بعرق الوالد
قال ثم مضى عبدالواحد حتى دخل المدينة فدعا بالديوان وضرب على الناس البعث وزادهم في العطا عشرة عشرة. (1/77)
صفحة 78
قال العباس: قال هارون أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض قال: كنت فيمن اكتتب، قال ثم محوت اسمي، قال العباس قال هارون: وحدثني غير واحد من أصحابنا أن عبدالواحد استعمل عبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان على الناس فخرجوا، فلما خرجوا وكانوا بالحرة لقيتهم جزر منحورة فمضوا، فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح وتشاءم الناس بالخروج، ثم ساروا حتى نزلوا قديداً فنزلوها ليلا.
وكانت قديد من ناحية القصر المبني اليوم وكانت الحياض هناك، فنزل قوم مغترون وليسوا بأصحاب حرب فلم يرعهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من القصل، فزعم بعض الناس أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم وأدخلوهم عليهم فقتلوهم، وكانت المقتلة على قريش وهم كانوا أكثر الناس، وفيهم كانت الشوكة، فأصيب منهم عدد كثير.
قال العباس: قال هارون فأخبرني بعض أصحابنا أن رجلا من قريش نظر إلى رجل من أهل اليمن يقول: الحمد لله الذي أقر عيني بمقتل قريش، فقال له ابنه الحمد لله الذي أذلهم بأيدينا، فما كانت قريش تظن أن من نزل عمان من الأزد عربي، قال وكان هذان الرجلان من أهل المدينة، فقال القرشي لابنه يا بني هلم نبدأ بهذين الرجلين، قال نعم يا أبت، فحملا عليهما فقتلاهما، ثم قال لإبنه أي بني تقدم فقاتلا حتى قتلا، وقال المدائني القرشي كان عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، والمتكلم بالكلام مع ابنه رجل من الأنصار.
قال ثم ورد فلال الجيش المدينة وبكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح فلا تزال المرأة يأتيها الخبر بمقتل حميمها فتنصرف حتى ما يبقى عندها امرأة فأنشدني أبو ضمرة هذه الأبيات في قتلى قديد الذين أصيبوا من قومه لبعض أصحابهم:
يا لهف نفسي ولهف غير نافعة:: على فوارس بالبطحاء أنجاد
عمرو وعمرو وعبدالله بينهما:: وابناهما خامس والحارث السادي (1/78)
صفحة 79
قال المدائني في خبره: كتب عبدالواحد بن سليمان إلى مروان يعتذر من إخراجه عن مكة، فكتب مروان إلى عبدالعزيز وهو عامله على المدينة يأمره بتوجيه الجيش إلى مكة، فوجد ثمانية آلاف رجل، والتجار أغمار لا علم لهم بالحرب، فخرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو، لا يظنون أن للخوارج شوكة ولا يشكون أنهم في أيديهم، وقال رجل من قريش: لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء، ولكنهم داهنوا في أمر الله تعالى، والله إن ظفرنا لنسيرن إلى أهل الطائف فلنسبينهم، ثم قال من يشتري مني سبي أهل الطائف؟. فما انهزم الناس رجع ذلك الرجل القائل من يشتري مني سبي أهل الطائف في أول المنهزمين، فدخل منزله وأراد أن يقول لجاريته أغلقي الباب، فقال لها غاق باق دهشاً، ولم تفهم الجارية قوله حتى أومأ إليها بيده فأغلقت الباب، فلقبه أهل المدينة بعد ذلك غاق باق.
قال وكان عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز يعرض الجيش بذي الحليفة، فمر به أمية بن عنبسة بن سعيد بن العاصي، فرحب به وضحك إليه، ومر به عمارة بن حمزة بن مصعب فلم يكلمه ولم يلتفت إليه، فقال له عمران بن عبدالله بن مطيع، وكان ابن خالته أمَّاهما ابنتا عبدالله بن خالد بن أسيد: سبحان الله مر بك شيخ من شيوخ قريش فلم تنظر إليه ولم تكلمه، ومر بك غلام من بني أمية فضحكت له ولاطفته، أما والله لو قد التقى الجمعان لعلمت أيهما أصبر.
قال فكان أمية بن عنبسة أول من انهزم ونكب فرسه ومضى، وقال لغلامه: يا مجيب أما والله لئن أحرزت نفسي هذه الأكلب من الشراة إني لعاجز، وقاتل يومئذ عمارة بن حمزة بن مصعب حتى قتل، وتمثل بقول القائل:
وإني إذا ضن الأمير بإذنه:::: على الإذن من نفسي إذا شئت قادر (1/79)
صفحة 80
والشعر للأغر بن حماد اليشكري، قال ولما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه استخلف على مكة أبرهة بن الصباح. وشخص إليهم وعلى مقدمته بلج بن عقبة، فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها وأهل المدينة نزول بقديد قال لأصحابه: إنكم لاقوا قومكم غداً وأميرهم فيما بلغني ابن عثمان أول من خالف سيرة الخلفاء وبدل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وضح الصبح لذي عينين فأكثروا ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، ووطنوا أنفسكم على الصبر. وصبحهم غداة الخميس لتسع أو لسبع من شهر صفر سنة ثلاثين ومائة، فقال عبدالعزيز لغلامه أبغنا علفاً، قال هو غال، قال ويحك! البواكي علينا غداً أغلى.
وأرسل إليهم أبو حمزة بلج بن عقبة ليدعوهم فأتاهم في ثلاثين راكباً فذكرهم الله تعالى وسألهم أن يكفوا عنهم، وقال لهم خلوا لنا سبيلنا إلى الشام لنسير إلى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم، ولا تجعلوا حَدَّنا بكم فإنا لا نريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة، وقالوا يا أعداء الله أنحن نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض. فقالت الخوارج يا أعداء الله أنحن نفسد في الأرض، إنما خرجنا لنكف أهل الفساد ونقاتل من قتلنا واستأثر
بالفيء، انظروا لأنفسكم واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة فإنه لا طاعة لمن عصى الله، وادخلوا في السلم وعاونوا أهل الحق. فقال له عبدالعزيز ما تقول في عثمان؟ قال قد برئ المسلمون منه قبلي وأنا متبع آثارهم ومقتد بهم، قال فأرجع إلى أصحابك فليس بيننا وبينهم إلا السيف. فرجع إلى أبي حمزة فأخبره. فقال كفوا عنهم ولا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم بالقتال فواقفوهم ولم يقاتلوهم.
القائد الأموي يزحف على قتال الأباضية (1/80)
صفحة 81
لقد قلنا غير مرة إن مهمة الجيش الأباضي وقواده إقامة منار العدل، أما مهمة غيره فهي الملك العضوض الذي قام به أول قائد أموي الذي قاتل إمام العدل عليّ بن أبي طالب، ولما انتصر عليه أمر بلعنه جهاراً على المنابر وعلى رءوس الخلائق، وهؤلاء يقولون فيه رضي الله عنه ومن أراد الحق من الأباضية فحقه أعظم من اللعن، سبحان من يعلم من أعمال عباده ما يوجب الإنتقام، ثم لا يعجل عليهم ويرى أعمال أهل الحق:
إلى ديان يوم الدين نمضي:::: وعند الله تجتمع الخصوم
وهذا القائد للجيش الأموي هذه المرة هو عبدالملك بن محمد بن عطية، فتوجه إلى الحجاز. ولما علم الأباضية بذلك أرسل أبو حمزة الشاري قائده بلج بن عقبة لملاقاة الشاميين، وكان اللقاء بينهما في وادي القرى، ودارت رحى الحرب بين الطرفين، فأنهزم الأباضية شر هزيمة، ذلك لأنهم كانوا قليلين وكان أهل المدينة عليهم مع الجيش الأموي، وقتل أكثرهم في هذه الوقعة، وقتل بلج بن عقبة الذي كان وحده يمثل جيشاً، وبذلك وجد أبو حمزة الشاري أن لا قبل له بملاقاة الجيش الأموي الذي احتوى على آلاف الرجال الذين جاء بهم.
والتف حوله أهل المدينة نصرة لآل مروان، ومكافحة لأهل الإيمان الذين لم
يعرف لهم في حرب مَّا شيء يخالف منهاج القرآن أبداً، بعد هذه الهزيمة التي أصابت جنده قرر ترك المدينة، لأن الجيش الذي جاء به من اليمن كله
أربعمائة رجل، وقد أخذت الحرب أعيانهم وصناديدهم في قديد. وبقى معه القليل من الرجال، وأين اليمن عنه وأين عمان وأين البصرة أيضاً، وبذلك قرر العودة إلى مكة. (1/81)
صفحة 82
وذلك لأن أهل المدينة كانوا أكثر عداء له لما أصابهم من القتل في قديد، وهنا أرادوا أن يتشفوا وينتصفوا كما يقولون. والحقيقة هم العادون عليه، فإنه سألهم عن أعمال ولاتهم فأجابوه بما يسوء فطلب منهم أن يكونوا معه فأبوا عليه، ثم قال لهم لا تمالئوهم ولا تكونوا معهم فلم يلتفتوا، فلذلك رأى قتلهم لأنهم واجهوه بالعداء السافر الذي لا مبرر له مع أنه سألهم: فذكروا له سيء أعمالهم، ولكن الجهل تحكم عليهم. (وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
ولا شك أن أبا حمزة كان رجلا عاقلا دينا يغار على حرم الله إذا رآها تهتك، وسنته توطأ بالأقدام، وكل مؤمن يتأثر من مثل هذا الحال مهما كان، فأحتل الجيش الشامي المدينة، وقتل من بها من الأباضية قتل عاد وإرم، وكان زعيم الأباضية بالمدينة المفضل.
قال الناقل ذو المصدر الصحيح: وقد تعاون أهل المدينة والجند الشامي على الفتك بهم بعدما أنقذهم من الظلم الذي نزل بهم، والذي الذي أحاط بهم، ولما انتصر ابن عطية بالمدينة وبلغه أن أبا حمزة عجز عن مصادمته وراح إلى مكة ملتجئاً بها، توجه إلى مكة للحاق به، وذلك من طبيعة المنتصر، ألا ترى أن أبا حمزة لما انتصر في اليمن وفي مكة وفي الطائف، فإن عدم مقاومته في هاتين المرحلتين نشط للمدينة، ولما هزم عدوه في قديد لحرب الشام، وهنا انعكس الحال وأصبح أبو حمزة في مكة خائفا يترقب. (1/82)
صفحة 83
ولما وصل الجيش الأموي المنتصر مكة في عام 130 هـ الموافق 747 م في التاريخ المذكور، وكان انجرف مع عبدالملك قائد الجيش الأموي غالب أهل المدينة، ولم يقدر أهل مكة أن يلتفتوا مع أبي حمزة خوفا من الجيش القادم المنتصر ذلك ليقضي الله أمراً كان مفعولا ولا معقب لحكم الله، فإنه نافذ لا محالة، فدارت بين الفريقين معركة ضارية انتهت بمقتل أبي حمزة وأكثر رجاله الباقين معه وأعيان الأباضية الذين في مكة وعلى رأسهم أبو الحر علي بن الحصين من أكبر علماء الأباضية في مكة، وأسر من الأباضية قدر أربعمائة رجل أمر القائد المذكور بقتلهم جميعاً، فقتلوا عن آخرهم تشفيا بمن قتلوا في المدينة، وقد عرفت الفرق بين الطائفتين في مقاصدهم، وكل القوم الذين قتلوا في المعركة والذين قتلوا بعد أسرهم أباضية لم يخالطهم غيرهم، قال وفر من تبقى من الأباضية، وأنا أقول لم يتبق من الأباضية أحد هنا، قال ولحقوا بالإمام طالب الحق الذي كان آنذاك يتأهب للمسير للقاء أهل الشام لما بلغه خروجهم على أبي حمزة وأصحابه، لكن المنية قد حامت على أرواح هؤلاء الرجال فقضت عليهم.
وفي الأغاني قال: فرمى رجل من أهل المدينة في عسكر أبي حمزة بسهم فجرح رجلا، فقال أبو حمزة شأنكم الآن بهم فقد حل قتالهم، فحملوا عليهم وثبت بعضهم لبعض، وراية قريش مع إبراهيم بن عبدالله إبن مطيع، ثم انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم، وكان على مجّنبَهم صخر بن الجهم بن حذيفة العدوي، فكر وكر الناس معه، فقاتلوا قليلا ثم انهزموا فلم يبعدوا حتى كروا ثالثة، وقاتلهم أبو حمزة فهزمهم هزيمة لم تبق منهم باقية. (1/83)
صفحة 84
فقال له علي بن الحصين: اتبع القوم أو دعني أتبعهم فأقتل المدبر وأذفف على الجريح، فإن هؤلاء شر علينا من أهل الشام، فلو قد جاءوك غداً لرأيت من هؤلاء ما تكره، فقال لا أفعل ولا أخالف سيرة أسلافنا، وأخذ جماعة منهم أسرى، فأراد إطلاقهم فمنعه علي بن الحصين، وقال له: إن لأهل كل زمان سيرة وإن هؤلاء لم يؤسروا وهم هراب، وإنما أسروا وهم يقاتلون ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم، وكذلك الآن قتلهم حلال، فدعا بهم فكان إذا رأى من قريش رجلا قتله وإذا رأى رجلا من الأنصار أطلقه فأتِيَ بمحمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فنسبه فقال أنا رجل من الأنصار، فسأل الأنصار عنه فشهدوا له فأطلقه فلما ولى، قال: والله إني لأعلم أنه قرشي وما حذوة هذا حذوة أنصاري، ولكن قد أطلقته.
قال وقد بلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلا منهم من قريش أربعمائة وخمسون رجلا، ومن الأنصار ثمانون، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة، قال وكان في قتلى قريش من بني أسد بن عبدالعزى أربعون رجلا، وقتل يومئذ أمية بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، خرج يومئذ مقنعاً فما كلم أحداً وقاتل حتى قتل، وقتل يومئذ سُمى مولى أبي بكر رضي الله عنه الذي يروي عنه أنس بن مالك، ودخل بلج المدينة بغير حرب فدخلوا في
طاعته وكف، ورجع أبو حمزة إلى مكة وكان على شرطته أبو بكر بن عبدالله بن عمرو من آل سراقة من بني عدي.
فكان أهل المدينة يقولون لعن الله السراقي، ولعن بلجا العراقي وقالت نائحة من المدينة تبكيهم:
ما للزمان وماليه:: أفنت قديدُ رجاليه
فلأبكين سريرة:: ولأبكين علانيه
ولأبكين إذا خلوت:: مع الكلاب العاويه
ولأثنين على قديد:: بسوء ما أبلانيه
في هذه الأبيات هزج قديم أشبه أن يكون لطويس أو بعض طبقته، وقال عمرو بن الحصين الأباضي الكوفي مولى بني تميم يذكر وقعة قديد وأمر مكة ودخولهم إياها، وأنشدنها الأخفش عن السكري والأحول وثعلب لعمرو هذا وكان يستجيدها: (1/84)
صفحة 85
ما بالُ هَمِّك لَيسَ عَنكَ بِعازِب يَمري سَوابِقَ دَمعِكَ المُتَساكِبِ
وَتَبيتُ تَكتَلئُ النُّجومَ بِمُقلَةٍ عَبرى تسِرُّ بِكُلِّ نَجمٍ دائِبِ
حَذرَ المَنِيَّةِ أَن تَجيءَ بَداهَةً لَم أَقضِ مِن تَبعِ الشّراةِ مَآرِبي
فَأَقودَ فيهِم لِلعدا شنجَ النّسا عَبلَ الشّوى أَشرانَ ضمر الحالِبِ
مُتَحَدِّراً كَالسّيدِ أَخلَصَ لَونهُ ماءُ الحَسيكِ مَعَ الجَلالِ اللّاتِبِ
أَرمي بِهِ مِن جَمعِ قَومي مَعشَراً بوراً أولي جَبرِيَّةٍ وَمَعايِبِ
في فِتيَةٍ صبرٍ أَلُفُّهُمُ بِهِ لَفَّ القِداحِ يَدَ المفيضِ الضارِبِ
فَنَدورُ نَحنُ وَهُم وَفيما بَينَنا كَأسُ المنونِ تَقولُ هَل مِن شارِبِ
لِنَظَلَّ نَسقيهِم وَنَشرَب مِن قَنا سمرٍ وَمُرهَفَةِ النُّصولِ قَواضِبِ
بَينا كَذلِكَ نَحنُ جالَت طَعنَةٌ نَجلاء بَينَ رَهائِب وَتَرائِبِ
جَوفاءُ مُنهَرَةٌ مَرى تامورها ظَبتا سِنانٍ كَالشّهابِ الثاقِبِ
أَهوي لَها شقَّ الشّمالِ كَأَنَّني حفض لَقىً تَحتَ العجاجِ العاصِبِ
يا رَبِّ أَوجِبها وَلا تَتَعَلَّقَن نَفسي المَنون لَدى أَكُفِّ قَرائِبِ
كَم مِن أولي مقةٍ صَحِبتهُمُ شَرَوا فَخَذَلتُهُم وَلَبِئسَ فِعلُ الصاحِبِ
مُتَأَوِّهينَ كَأَنَّ في أَجوافِهِم ناراً تسعّرُها أَكُفُّ حَواطِبِ
تَلقاهُمُ فَتَراهُمُ مِن راكِعٍ أَو ساجِدٍ مُتَضَرِّعٍ أَو ناحِبِ
يَتلو قَوارِعَ تَمتَري عَبراتِهِ فَيَجودُها مَريَ المَرِيِّ الحالِبِ
سبرٍ لِجائِفَةِ الأُمورِ أَطِبَّةٍ لِلصَّدعِ ذي النَبَأ الجَليلِ مَرائِبِ
وَمُبرّئينَ مِنَ المَعايِبِ أَحرَزوا خَصلَ المَكارِمِ أَتقِياءَ أَطايِبِ
عَرَّوا صَوارِمَ لِلجلادِ وَباشَروا حَدَّ الظّباةِ بِآنُفٍ وَحَواجِبِ
ناطوا أُمورَهُمُ بِأَمرِ أَخٍ لَهُم فَرَمى بِهِم قحمَ الطَريقِ اللاحِبِ
مُتَسَربِلي حَلقِ الحَديدِ كَأَنَّهُم أُسدٌ عَلى لَحقِ البُطونِ سَلاهِبِ (1/85)
صفحة 86
قيّدتَ مِن أَعلى حَضرَموتَ فَلَم تَزَل تَنفي عِداها جانِباً عَن جانِبِ
تَحمي أَعنَّتَها وَتَحوي نَهبَها لِلَّهِ أَكرَمُ فِتيَةٍ وَأَشايِبِ
حَتّى وَرَدنَ حِياضَ مَكَّةَ قطّباً يَحكينَ وارِدَةَ اليَمامِ القارِبِ
ما إِن أَتَينَ عَلى أَخي جبرِيَّةٍ إِلّا تَرَكنَهُمُ كَأَمسِ الذاهِبِ
في كُلِّ مُعتَرِكٍ لَها مِن هامهم فَلَقٌ وَأَيدٍ علّقَت بِمَناكِبِ
سائِل بِيَومِ قُدَيدَ عَن وَقعاتِها تُخبِركَ عَن وَقعاتِها بِعَجائِبِ
وقال عمرو بن الحصين أيضاً ويقال الحسين العنبري مولى لهم يرثي عبدالله بن يحيى وأبا حمزة رحمهما الله:
هَبَّت قُبيلَ تَبلّجِ الفَجرِ هِندٌ تَقولُ وَدَمعُها يَجري
إِذ أَبصَرَت عَيني وَأَدمُعُها يَنهَلُّ وَاكِفُها عَلى النَّحرِ
أَنّى اِعتَراكَ وَكُنتَ عَهدِيَ لا سربَ الدُّموع وَكُنتَ ذا صَبرِ
أَقذى بِعَينِكَ ما يُفارِقُها أَم عائِرٌ أَم ما لَها تذري
أَم ذِكرُ إِخوانٍ فجعتَ بِهِم سَلَكوا سَبيلَهُمُ عَلى قَدرِ
فَأَجَبتُها بَل ذكرُ مَصرَعِهِم لا غَيرهُ عَبراتُها يمري
يا رَبِّ أَسلِكني سَبيلَهُمُ ذا العَرشِ وَاِشدُد بِالتُّقى أَزري
في فِتيَةٍ صَبَروا نُفوسَهُمُ لِلمشرَفِيَّةِ وَالقَنا السّمرِ
تَاللَّهِ أَلقى الدَّهرَ مِثلَهُمُ حَتّى أَكونَ رَهينَةَ القَبرِ
أَوفى بِذِمَّتِهِم إِذا عَقَدوا وَأعفّ عِندَ العُسرِ وَاليُسرِ
مُتَأَهِّبونَ لِكُلِّ صالِحَةٍ ناهونَ مَن لاقوا عَنِ النّكرِ
صمتٌ إِذا اِحتَضَروا مَجالِسَهُم وَزنٌ لِقَولِ خَطيبهِم وقرِ
إِلّا تَجيئهُم فَإِنَّهُم رُجُفُ القُلوبِ بِحَضرَةِ الذِكرِ
مُتَأَوِّهونَ كَأَنَّ جَمرَ غَضا لِلمَوتِ بَينَ ضُلوعِهِم يَسري
تَلقاهُم إِلّا كَأَنَّهُمُ لِخُشوعِهِم صَدَروا عَنِ الحَشرِ
فَهُمُ كَأَن بِهِم جَوى مَرَضٍ أَو مَسّهُم طَرفٌ مِنَ السِّحرِ
لا لَيلهُم لَيلٌ فَيلبسهُم فيهِ غَواشي النَومِ بِالسُكرِ (1/86)
صفحة 87
إِلّا كَذا خلساً وَآوِنَةً حَذَرَ العِقابِ فَهُم عَلى ذُعرِ
كَم مِن أَخٍ لَكَ قَد فُجِعتَ بِهِ قَوّامِ لَيلَتِهِ إِلى الفَجرِ
مُتَأَوِّهاً يَتلو قَوارِعَ مِن آيِ الكِتابِ مُفَرَّحَ الصَّدرِ
نصبٌ تَجيشُ بَناتُ مُهجَتِهِ مِ الخَوفِ جيشَ مَشاشَة القَدرِ
ظَمآن وَقدة كُلِّ هاجِرَةٍ تَرّاك لَذَّتِهِ عَلى قَدرِ
تَرّاك ما تَهوى النُّفوسُ إِذا رغبُ النُّفوسِ دَعا إِلى المُزري
وَمُبرأ مِن كُلِّ سيّئَةٍ عَفّ الهَوى ذا مرَّةٍ شزرِ
وَالمُصطَلي بِالحَربِ يسعرُها بِغُبارِها في فِتيَةٍ سعرِ
يَجتاحُها بِأَفَلَّ ذي شطبٍ عَضبِ المَضارِبِ قاطِع البترِ
لا شَيءَ يَلقاهُ أَسَرَّ لَهُ مِن طَعنَةٍ في ثغرَةِ النّحرِ
نَجلاء مُنهرة تَجيشُ بِما كانَت عَواصي جَوفِهِ تَجري
كَخَليلكَ المُختارِ أَزكِ بِهِ مِن مُغتَدٍ في اللَّهِ أَو مسري
خَوّاضِ غَمرة كُلِّ مُتلفةٍ في اللَهِ تَحتَ العَثيرِ الكَدرِ
تَرّاك ذي النَّخواتِ مُختَضِباً بِنَجيعِهِ بِالطَّعنَةِ الشّزرِ
وَاِبنِ الحُصينِ وَهَل لَهُ شَبهٌ في العُرفِ أَنّى كانَ وَالنّكرِ
بِشَهامَةٍ لَم تَحنِ أَضلُعهُ لِذَوي أُخُوَّتِهِ عَلى غَدرِ
طَلقِ اللِّسانِ بِكُلِّ محكَمَةٍ رَآبِ صدعِ العَظمِ ذي الكَسرِ
لَم يَنفَكِك في جَوفِهِ حُزنٌ تَغلي حَرارَتُهُ وَتَستَشري
تَرقى وَآوِنَةً يُخَفِّضُها بِتَنَفُّسِ الصُّعَداءِ وَالزّفرِ
وَمُخالطي بَلج وَخالصَتي سُمُّ العَدُوِّ وَجابِرُ الكَسرِ
نكلُ الخُصومِ إِذا هُمُ شغِبوا وَسَدادُ ثلمَةِ عورَةِ الثّغرِ
وَالخائِضُ الغَمَراتِ يَخطُرُ في وسطِ الأَعادي أَيَّما خَطرِ
بِمُشَطَّبٍ أَو غَيرِ ذي شطبٍ هامَ العدى بِذبابِهِ يَفري
وَأَخيكَ أَبرَهَةَ الهِجانِ أَخي الـ حربِ العَوانِ وَموقدِ الجَمرِ
بِمرشَّةٍ فَرغٍ تَثُجُّ دَماً ثَجَّ الغَوِيِّ سُلافَةَ الخَمرِ
وَالضارِبِ الأخدودِ لَيسَ لَها أَحَدٌ يُنَهنِهُها عَنِ السَحرِ (1/87)
صفحة 88
وَوَلِيُّ حُكمِهِمُ فجعتُ بِهِ عَمرو فَواكَبِدِي عَلى عَمرِو
قَوّال محكَمَةٍ وَذو فهمٍ عَفّ الهَوى مُتَثَبِّتُ الأَمرِ
وَمُسَيّبٍ فَاِذكُر وَصيّتَهُ لا تَنسَ إِمّا كُنتَ ذا ذِكرِ
فَكِلاهُما قَد كانَ مُحتَسِباً لِلَّهِ ذا تَقوى وَذا بِرِّ
في مخبتينَ وَلَم أُسَمِّهِمُ كانوا يَدي وَهم أُولو نَصري
وَهُمُ مَساعِرُ في الوَغى رجحٌ وَخيارُ مَن يَمشي عَلى العفرِ
حَتّى وَفوا لِلَّهِ حَيثُ لَقوا بِعُهودِ لا كذبٍ وَلا غَدرِ
فَتَخالَسوا مهجاتِ أَنفُسهم وَعداتِهِم بِقَواضِبٍ بترِ
وَأَسِنَّةٍ أُثبِتنَ في لُدُنٍ خُطِّيَّةٍ بِأَكُفِّهِم زُهرِ
تَحتَ العجاجِ وَفَوقَهم خَرقٌ يَخفِقنَ مِن سودٍ وَمِن حمرِ
فَتَوقّدَت نيرانُ حَربِهِمُ ما بَينَ أَعلى البَيتِ وَالحجرِ
وَتَفَرَّجَت عَنهُم كَأَنَّهُمُ لَم يُغمِضوا عَيناً عَلى وترِ
صَرعى فَخاوِيَةٌ بُيوتهُمُ وَخَوامِعٌ لحمانَهُم تَفري
مقتل الإمام طالب الحق رحمه الله (1/88)
صفحة 89
خرج الإمام طالب الحق من صنعاء للقاء عبدالملك بن محمد بن عطية القائد الأموي، الذي سار بدوره إلى اليمن للإستيلاء عليه بعد أن أعاد ضم المدن الحجازية إلى الإدارة الأموية كما يقولون، والتقى الطرفان قبل بتبالة وقيل بجرش بين مكة واليمن، وهو أقرب إلى مكة ودارت رحى الحرب بينهم، وكان الطالع في صالح الجيش الأموي، فأنهزم طالب الحق وقتل رحمه الله، وقتل كثير من رجاله وسار ابن عطية حتى أتى صنعاء وأعاد اليمن لسلطة الأمويين، قال ولم يلبث الأباضية أن اجتمعوا حول يحيى بن عبدالله بن عمرو بن السباق الحميري الذي انتخبوه فبايعوه على الدفاع إماماً لهم، فبعث إليهم عبدالملك حملة بقيادة إبن أخيه عبدالرحمن ابن زيد، والتقى مع الأباضية في معركة قاسية، لكن لم يحدد التاريخ مكانها لكنها لم تنته في صالح أحد من الطرفين رغم ما وقع فيها من القتل الفظيع، ورجع المذكور إلى صنعاء، فأستشاط عبدالملك وتحمس على الأباضية واشتد وهَمَّ أن يعدمهم من الوجود إن استطاع.
تقول بعض المصادر: إلتجأ عبدالله بن يحيى وأتباعه الأباضية إلى عدن فساق إليهم عبدالملك أهالي صنعاء ومن الموالين للبيت الأموي ومن أعداء الأباضية إن لم نقل من أعداء الحق، ولو أراد الله بأهل اليمن خيراً بل وبأهل الحجاز لأبقى الزعامة الأباضية فيهما، لكن لله في عباده إرادات، وتلاقى الطرفان في أحد أودية عدن، فدارت الحرب بينهما كأشد ما يكون، فأنهزم الأباضية لكثرة جيش عدوهم وقلتهم هزيمة منكرة، وقتل قائدهم وإمام دفاعهم يحيى بن عبدالله الحميري، ثم قام يحيى بن كرب الحميري فتولى قيادة الأباضية، ولكن لم يطل وقته إذ التقى بعدوه قرب ساحل البحر العربي فأنهزم في معركة حامية. (1/89)
صفحة 90
وبتوالي الهزائم على الأباضية في اليمن اختلت قوتهم والتجأوا بالمناطق الداخلية من حضرموت والناس خصوصاً السواد الأعظم يكون طبعاً عند الغالب، وهنا يرأسهم عبدالله بن سعيد الحضرمي إذ بايعوه إمام دفاع، والتف تحت جناحه القائد يحيى بن كرب الحميري السالف الذكر، فتجهز لهم عبدالملك ليعدمهم من أرض اليمن، ويدمرهم في آخر حصونهم ويستريح من صراعهم، واستعد الأباضية لهذا اللقاء المرتقب كما يقول الدكتور، وتجمعوا من أنحاء مختلفة لعلاج هذا البلاء النازل بأرضهم وخصوصاً من حضرموت، وكان نظرهم آخر أمرهم لحماية أنفسهم من الهجمات التي تتوالى عليهم ببطش الجيش الجبار الذي لا يرى إلا التشفي منهم والقضاء على حياتهم حتى لا تقوم لهم قائمة تخشاها الدولة الأموية.
وتذكر الروايات: أن جماعات من كندة ونهد وهمدان قد احتشدوا والتفوا حول عبدالله بن سعيد إمام الأباضية، واتخذ هذا الإمام شبام قاعدة له.
قال: وملأ الأباضية حصونهم بالمؤن والطعام التي جمعها الأباضية والعتاد الوافر، وجعلوها عدة إذا حوصروا تكون لهم عوناً على حرب عدوهم، ولعلهم يرجعون إذا رأوا غلبة عليهم (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) ثم ساروا للقاء الجيش الأموي الظافر عليهم علماً بأن الحرب سجال، وكما انتصروا سابقاً انتصر عليهم لاحقاً، فإن طالب الحق وأبا حمزة أحرزا انتصاراً قوياً على حصونهم، ثم عادت الكرة عليهم ابتلاء من الله عز وجل، وعند الله تجتمع الخصوم، ثم دارت هنا الحرب خارج حصن شبام حيث خرجوا للقاء الجيش الأموي، وخلفوا حصونهم وراءهم واستمرت المعركة طيلة النهار، وكل أخذ من صاحبه مأخذا، وكأن ميزان هذه الحرب لم يرجح على جانب. (1/90)
صفحة 91
ولما تمكن الليل وهبط الظلام، أرسل عبدالملك من رجاله من يقتحم حصون الأباضية لأخذ الذخيرة التي فيها مما يجمعه الأباضية واستعدوه، فأحتلوا حصون شبام وقبضوا على ما فيها، ولعل ذلك لخيانة بعض من يماكر الأباضية وباطنه عليهم، وسيطروا على الحصون وعلى الذخيرة، ومنعوا من في الحصون من الخروج، وما زال الموقف حرجاً جداً، ولكنه لم يثن من عزائم الأباضية، فإنهم قاتلوا قتالاً شديداً وصبروا صبراً مريراً، نظراً لعقيدتهم الصحيحة، إن من وراء الموت الجنة التي هي المقصودة بالذات، وإن ما يلاقون من مصائب فهين وقد حملوا عقيدة الفرار من الحرب حرام يدخل صاحبه النار، لقوله عز وجل: (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ).
بهذه العقيدة تخرج أرواح الأباضية في الحرب من أجسادها فلا يقاتلون لدنيا يصيبونها أو امرأة يتزوجونها أو رئاسة يريدونها، وفي هذه الحرب الضارية لم يستطع عبدالملك إحراز نصر حاسم عليهم، ثم تراجعت قوتهم والتأم جرحهم واشتدت شكيمتهم، واضطر عبدالملك أن يصالحهم حين
وأي الأباضية تجمع قواها من جديد ويتراجع إليهم بأسهم وترتفع أصواتهم بمواجهة عبدالملك في ميدان القتال واضطروه للإلتجاء إلى أحد المواقع الحصينة، إذا رأى شررهم يتقد جمراً حيث حاصروه أربعة عشر يوماً، دعاه ذلك الحصار إلى أن يتنازل لعقد صلح معهم خصوصاً أباضية حضرموت تعهد لهم فيه أن لا يتولى عليهم إلا رجلا منهم، ومعنى هذا خضوعه لهم ورد أمرهم إليهم ورد عليهم ما انتهب من متاعهم الذي استولى عليه في حصن شبام، ورأى منهم ما لم يكن له في الحسبان، وهب للتملص من سطوتهم فتكون الكرة عليه، وعند ذلك تجهز للخروج إلى مكة ليترأس موسم الحج في ظاهر الحال.
الأباضية يقتلون ابن عطية (1/91)
صفحة 92
لقد أشرنا أن ابن عطية أراد أن يفر عن صراع الأباضية، ولما آن موسم الحج أعلن أنه يريد أن يترأس موسم الحج لأنه أمر اليمن والحجاز، وقد اجتمع له ملك كبير مترامي الأطراف، فترك ابن أخيه أميراً على اليمن وخرج في رهط من رجاله الذين يطمئن بصحبتهم، قيل إن عددهم أربعون فلحقه رجال من الأباضية فهجموه في طريقه أخذاً بثأر من قتلهم من رجالهم هو ومن معه جميعاً. روت هذا مصادر عديدة كالبلاذري وهو أوسع مصدر أشتغل بأمور الأباضية وأعدائهم مع بغضه للأباضية، وكذلك الشيخ الدرجيني والأزكوي والطبري والمسعودي وابن خياط، وجملة من رجال العلم الذين عنوا بالتاريخ الإسلامي، وإن كان كل له أرب في تاريخه ولكل درجات مما عملوا، والله ولي كل شيء والدنيا صراع متواصل واحتكاك لا يزال ما وجدت الحياة الإنسانية فيها.
ولما علم ابن أخيه بقتله وأن الأباضية هم قتلوه، قال الدكتور: بعث شعيباً البارقي على رأس جيش من اليمن معظمه من الرجال القساة الأجلاف الذين جمعهم من جبال اليمن، والمعنى أن عبدالرحمن بن يزيد ابن عطية اختارهم للإنتقام من الأباضية، لأن أهل الحق لا يوافقون على فعل ما لا يحل.
وهذا هو دأب الحروب عند غير الأباضية لا يعتمدون إلا ما يهواه هواهم أو يرونه أشفى لسياستهم، فإن الحق عندهم لا قيمة له ولا يتقيدون بمبادئه مهما
كانت، فثار هؤلاء الأجلاف، كما يقول الدكتور، وهجموا على الأباضية
وأعملوا السيف فيه، وخاصة في الأباضية بحضرموت، وقتلوا عبدالله بن سعيد إمام حضرموت، الحالي في أوائل عام 132 هـ. (1/92)
صفحة 93
قال: وبهذه الموقعة قضي على الإمامة الأباضية هناك وعاد الأباضية إلى مرحلة الكتمان، قال ولكن بعضهم كان يشتد به الحماس أحياناً ويقوم بالثورة، يعني أن القلوب بقيت متوغرة إلى حد بعيد بحيث إذا ذكرت أحوال إخوانهم أهل الفضل والإيمان تثور بهم ثائرة الإيمان، محبذين بذلك الشراء والموت ويرون الحياة بعد أولئك الغر الميامين مرة، فإنهم بايعوا بعد هذا الحادث الإمام الحسن على ما بويع عليه الإمام الذي قبله، وقاموا معه قومة واحدة وذلك عندما صار أمر الدولة إلى العباسيين الذين لم يكونوا خيراً من الأمويين.
قال المصدر المأخوذ عنه: وعلى أية حال فإن الهزائم التي مني بها الأباضية في تلك المنطقة لم تضع حداً للوجود الأباضي فيها، وتشير المصادر إلى أنهم بقوا أغلبية السكان حتى وقت متأخر، والمعنى أن مصائب الهزائم المتوالية على الأباضية لم تثن من عنان الأباضية ولم تكبح من حماسهم، لأنهم يرونها سروراً يتقدمون به إلى الله عز وجل، فإن الناشئة الأباضية تنشأ على الوتيرة التي مضى عليها الآباء والأجداد، فإن الحق هو أنشودة الأباضية والموت على الحق هو غاية الأمل عندهم، وقوله: وبقوا إلى وقت متأخر ولم يحققه ولقد حققه صاحب معالم الجزيرة وهو يماني أيضاً، يقول إلى تمام القرن السابع كما سوف تقف عليه إن شاء الله. (1/93)
صفحة 94
قال المسعودي إن الأباضية كانوا حتى عام 332 هـ هجرية يكونون أكثرية سكان حضرموت، قال ولا فرق بينهم وبين من بعمان من الخوارج أي الأباضية. قلت وابن مسعود رجل يتشيع ولا يضر الأباضية، قوله من الخوارج، لم يقل ابن مسعود للذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب خوارج، وقد قاتلوه وقتلوا المسلمين بين يديه في وقعة الجمل وصفين، قلت ذلك لأن العميا ترى الرمح ولا يضر السحاب عوي الذئاب، فإن الأباضية عاشوا في اليمن وحضرموت مع وجود الشيعة والسنية فيها وحمدوا سيرة الأباضية، وكانوا معهم كما مر عليك، لكن ما أراده الله لابد كائن، وما لم يرده لم يكن، ولسان حال الأباضية يقول: تسيل على هد الظباة نفوسهم إلخ.
والأباضية كل حركاتهم لله، وفي طاعة الله، كما أعرب عن ذلك أبو حمزة رحمه الله ورضي عنه، إذ قال: لم نقم أشراً ولا بطراً ولا لدولة نروم أن نخوض فيها ولا لثأر نيل منا، وإنما قمنا لله حين رأينا الأرض قد أظلمت ومعالم الجور قد ظهرت وكثر الإدعاء في الدين، وعمل بالهوى وعطلت الأحكام وقتل القائم بالقسط، وعنف القائل بالحق، سمعنا منادياً ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فأجبنا داعي الله فأقبلنا من قبائل شتى، أي حملتنا الغيرة لله ورأينا الجهاد واجباً علينا، والله افترض على عباده الجهاد في دينه. (1/94)
صفحة 95
هذا هو الذي يدعو إليه الأباضية للخروج على أهل البغي، ولم يقولوا بمبدأ غيرهم إن عدلوا فأشكروا وإن جاروا فاصبروا، فهذا المبدأ طيب عند العجز عن القيام في طاعة الله عز وعلا، أما إذا كان إمكان فالله يقول في كتابه: (وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)، ويقول: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولا يزال الأباضية مع قول عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ)، ويدخل معنى الآية الذين كفروا نفاقا وهو كفر النعمة، فإنهم يردون المؤمنين إلى ما يهوون من ضلالهم، ويقول الله في كتابه العزيز لعباده المؤمنين: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ثم وصفهم لما كان قرر خيرتهم في الناس: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)، فالذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لم يكونوا من الأمة التي أخرجت للناس وفي آخرها يقول: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ). (1/95)
صفحة 96
وعلى كل حال من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، لم يؤمن بالله، فإن الإيمان يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك قوله جل شأنه: (يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)، بهذه الآيات وأمثالها يتعلق الأباضية ويتشوقون إلى الله فيقومون من قبائل شتى تحدوهم طاعة الله وتسوقهم عناية الله فيتجردون لمعارضة أهل المنكر لينهوهم عنه ويأمروهم بالمعروف ويرغموهم عليه، فإذا قاموا قام أهل الباطل ضدهم فنشبت الحرب، فهذا قاتل وهذا مقتول والله يعلم المقاصد، وإن زخرفها الفساق وقزحها أهل النفاق ومزحها أهل الشقاق، فالبارئ سبحانه لا يحتاج أن يحققها له أحد،
فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف
الخبير، سبحانه يعلم السر وأخفى.
وليس أهل الحق الذين يقاتلون الناس على الدنيا، بل الذين يقاتلون على الدين، لأنه الدين رأس مال المسلم والحفاظ عليه حفاظ رأس المال، ومن أضاع رأس ماله جاء يوم القيامة مفلسا لا موصل له إلى رضوان الله عز وجل. (1/96)
صفحة 97
ويقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ)، ينهانا الله عز وجل في هذه الآية عن اتخاذ بطانة لا يألونا خبال ودوا وأحبوا وأرادوا ما عنتنا ترشح البغضاء والعداوة من أفواههم سافرة لا ساتر لها ولا مغطي، بل يصارحون بها وناهيكم بما تخفي قلوبهم فإنه أعظم، لقد أخبر الله عباده المؤمنين بعداوة الفساق وأهل الدنيا الذين لا يبالون بما يفعلون ما لديهم إلا ما يقضي على الحق وأهله بأي وجه كان، وبذلك يشتعل الإيمان في قلوب المؤمنين فيقومون إلى نصب الأئمة لإقامة منار الأمة، وهداية من سبقت له من الله عناية فيركبون بذلك الأخطار ويصارعون كل عات جبار، إن انتصروا عليه نشروا أعلام الحق، وإن انتصر عليهم فقد أدوا واجبهم. هذه هي سبيل الأباضية في كل الأجيال الماضية والله ولي التوفيق.
ولا شك أن عقيدة الأباضية في حضرموت استمرت لها السيادة، قال صالح بن حامد العلوي في تاريخ حضرموت في الجزء الأول صحيفة 269: وقد بقيت العقيدة الأباضية سائدة في بعض أنحاء حضرموت حتى أخذت تتلاشى تدريجياً بعد استيلاء الصليحي على بلاد حضرموت عام 455 هـ، ا هـ. (1/97)
صفحة 98
والحق أن العقيدة بقيت ثابتة قائمة يؤيدها أئمة أجلاء، ولعل آخرهم الإمام إبراهيم بن قيس بن سليمان رحمهم الله، كما سوف تقف على ذلك أيها القارئ الكريم حتى تعلم أن أيام الحق هي أيام الأباضية، ولما زالت أظلمت هذه الأصقاع وشاع فيها الإبتداع وكثر فيها النزاع، ولم يكن للشقاق إنقطاع، سنة الله التي سنها عزل وجل في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، وتلك الأيام نداولها بين الناس، أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، يقول الإمام السالمي في جوهره:
نقصان أرض الله موت العلما:: وزينة الأرض هم لتعلما
وكانت لعلماء الأباضية في حضرموت واليمن كبكبة باهرة وزحزحة قاهرة حتى تقلص ظل الحق من دنيا السلام والله المستعان.
الإمام أبو إسحاق رحمه الله
كان الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي الهمداني من أهالي حضرموت من عائلة معروفة بالعلم والعمل، مشهورة بالفضل، لا سيما في تلك الأيام العصيبة التي أدبرت فيها أيام الحق بتأخر الأباضية بسبب الغارات التي تتوالى على بلاد حضرموت لسحق الحق ومحق العدل، وجعل البلاد عمياء ذليلة بإنتقال الأمة الصالحة منها إلى الله عز وجل.
يقول المصدر اليماني الذي مشينا معه للأخذ عنه يقول: والمعلومات التي لدينا عن أبي إسحاق تلقي ضوءاً ساطعاً على الحالة في القرن الخامس الهجري، وتخرج بنا من ذلك الصمت البغيض المخيف والغموض الذي شمل القرنين الثالث والرابع. قال فقد ذكروا أن والده قيساً كان عالماً كبيراً وذا ثروة واسعة ومكانة مرموقة، مسموع الكلمة مطاع الأمر والنهي، وقد بذل مجهوداً عظيما في تربية ابنه إبراهيم حتى صار أعلى من أبيه شأناً وأعظم جاهاً وأوسع اطلاعاً، وأثبت جأشاً وأشد إقداماً. (1/98)
صفحة 99
قال وقد تصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ومحاربة المنكرات ومعالجة شئون الإجتماع في أخريات أيام والده، ولم يكد يمضي في غايته بعيداً حتى هجم القرامطة للمرة الثانية، فقد كان هجومهم المرة الأولى، كما ذكر علوي بن طاهر الحداد، في أواخر القرن الرابع فخربوا ودمروا كعادتهم في غزواتهم، وقطعوا النخيل وسلبوا الأموال وعاثوا في البلاد فساداً. قال ولم يجد أبو إسحاق في حضرموت من يناصره في صد غارات القرامطة، فالتجأ إلى الخليل بن شاذان الأباضي إمام عُمان طالباً منه النجدة، وقدم إليه قصيدة جاء فيها:
يا خير خل لم خرّبت أوطاننا:: واستعبد السفهاءُ كل نبيل
يا خير خل لم نطق دفع الأذى:: عن أخذ مكنون وجذ نخيل
يا خير خل أصبحت أسواقنا:: أسواق سحت واعتداء محول
يا خير خل قد غُلبنْا فأنتصر:: وانظر لنا بالرأي عزم أصيل
بهذه القصيدة التي جعلها لسانه رحمه الله معربة عنه حاملة إلى الإمام الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله كل شكوى عن واقع الأمر من أولئك العتاة الأوغاد الذين فسدت ضمائرهم، وحميت نفوسهم على عباد الله، لقصد النهب وسفك الدم وتدمير الإسلام وقهر رجاله.
قصيدته الثانية تحمل إلى الإمام الثناء الحسن الجميل والشكر له بما أسداه رحمه الله يقول فيها حاكياً عن الواقع:
فجدت له بالعذر بسطاً وجاد لي:: بما فيه نصر لا عدته المكارم
فها أنا ذا بالمال والبيض والقنا:: على حضرموت بالسلامة قادم
سلا تخبرا عني إذا سرت نحوها:: وناديت في الإخوان أين اللهامم (1/99)
صفحة 100
قال وعاد أبو إسحاق إلى حضرموت بعد أن أمده الخليل بن شاذان بالمال والسلاح، قال وقد استطاع بهذه المعونة أن يجمع حوله جنوداً وأنصاراً فرق بهم أعداءه حت لم تبق منه بقية سوى طوائف التجأت إلى القرى الواقعة بأطراف البلاد، ثم وجه إلى الإمام الخليل رحمه الله وفداً يخبره عما كان له على أثر تلك المعونة التي خرج بها الإمام أبو إسحاق من عمان يهتز بها ناشطاً على حرب العدو حين وجد من الإمام الخليل بغيته، ونال أمنيته، ورأى أن وراءه ظهراً يستند عليه، ومع الوفد قصيدة عصماء جعلها المحدث الكريم عنه، وعلى كل حال إن لسان المرء ترجمان عقله، وقد انتهت الحرب التي قام بها هذا البطل الأباضي الحضرمي يقول فيها:
سل الوفد عني يا إمام ألم أكن:: تسربلت يوم الروع ثوب العزائم
وهل كان همي غير ما كنت ذاكراً:: وهل نمت عن طرف الجواد وصارمي
حرام حرام إن طمعت بمنزلي:: إلى اليوم طعم النوم بين الكرائم
ولكنني لما نزلت بعقوتي:: نشرت لوائي في الكرام القماقم
وساروا بحمد الله حولي كأنهم:: بدور ولكن في الوغى كالضراغم
فما كان إلا جمعة بعد جمعة:: وأدت إلى العشر أهل الحضارم
يصف هذا الإمام رحمه الله انتصاره على أعدائه بعد جمعة من ثورته التي ثارها عليهم، وجاء من الإمام الخليلي مزوداً بالعدة اللازمة، ولما وصل حضرموت دوخ المعادين، وقضى على المتمردين، فنجح بتوفيق الله عز وجل ثم قال متحدثاً بنعمة الله:
سل الخطبا لما دعوا لك جهرة:: على رغم أهل الجور بعد التصادم
سل عرب البيداء هلا أذقتهم:: عشية خانوا العهد سم الأراقم (1/100)
صفحة 101
يخبر هنا أن الخطباء من منابر حضرموت نادوا بإسم الإمام الخليل ابن شاذان، وأعلنوا عن تأييد الإمام أبو إسحاق، وأنهم مبتهجون بما لاقو. قال رحمه الله: إنه قضى على الخونة من بادية حضرموت الذين كانوا عاهدوه فخانوا العهد، وعندما رأوا السيوف حمراء تسيل الدماء على حدودها خضعوا للحق وأذعنوا للإمام أبي إسحاق، فكان الأمر على خلاف ما يأملون.
قال رحمه الله متحدثاً عن الأحوال هناك:
سوى نفر كانوا عصاة فأصبحوا:: من الخوف في رءوس القرى كالحمائم
يعني أن قلة من رجال العدو كانوا باقين على عصيانهم ففروا من وطئة الحق هاربين. قال:
ولم يبق لي إلا الصليحي قائما:: وها هو أيضاً عزه غير قائم
وفي رواية سعده غير قائم، والمعنى لم يبق من ينازعني الأمر إلا الصليحي، ولكن سعده لا يسعده وعزه لا يعزه وسلطانه لا يساعده، فإن الحق إذا قام انزهق الباطل أمامه وقاده إلى الذل، والمراد بالصليحي أحد حكام اليمن في القرن الخامس الهجري، وقد سبقت الإشارة إليه في الفصل الخاص باليمن، ومؤسس دولة الصليحيين هو أبو الحسن علي بن محمد ابن علي الصليحي الحاشدي الهمداني، كان له أب معروف في اليمن سني المذهب، وكان قاضياً مطاعاً في أهله وعشيرته.
وكان الداعي عامر بن عبدالملك الدواحي يلاطفه ويركب إليه لرئاسته وعلمه واستقامته، وقد أعجب بذكاء ابنه وهو دون البلوغ فقربه منه وأوصى له بكتبه بعد وفاته، عكف أبو الحسن علي بن أحمد الصليحي على الدرس حتى تضلع من المعارف وأصبح فقيهاً في مذهب الإمامية، وله نظر في علم التأويل، وصار يحج بالناس دليلاً على طريق السراة بالطائف خمس عشرة سنة، وكان الناس يقولون سيملك اليمن بأسره ويكون له شأن فيكره ذلك وينكره. (1/101)
صفحة 102
وفي سنة 429 هـ ثار أبو الحسن هذا في رأس مشار هو أعلى ذروة في جبال اليمن، وكان معه ستون رجلا قد حالفهم على الموت بمكة في موسم 428 هـ، وكان هؤلاء في عز ومنعة وعدد من قومهم وعشائرهم، ولما أعلن الثورة في ذلك الجبل المنيع أحاط به فيما يقال عشرون ألف ضارب بالسيف، وحصروه وسفهوا رأيه وقالوا له: إما أن تنزل وإلا قتلناك جوعا، فأقنعهم بأنه لم يكن في ثورته إلا مدافعاً عن حقوقهم وخائفاً أن يملكهم غيرهم، فأنصرفوا عنه.
وأنت تدري أن هذا الرجل كان أبوه سنياً ثم صار هو إمامياً، وأنه كان يتعاطى أشياء لا يقدر على إنجازها، وكان مغتراً بنفسه مخدوعاً في عقله، ولكن لم يبين المصدر الذي أخذ عنه من هؤلاء الذين حالفوه على الموت، ومن الذين أحاطوا به. قال ولم يمض عليه شهر حتى حصن هذا الجبل واستفحل أمره تدريجياً، وكان يدعو للمستنصر الخليفي الفاطمي في مصر سراً، ويعمل الحيل في نفس الوقت لقتل المؤيد نجاح صاحب السلطة في تهامة، وقد استكان له أول أمره، ثم دس إليه السم مع جارية جميلة أهداها إليه فقتله سنة 452 هـ.
وفي سنة 453 هـ كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة، فأذن له فطاف أرجاء اليمن يفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة 455 هـ حتى كان ملكه عم اليمن بأسرها. وفي هذا العام استقر أمره في صنعاء وأخذ إليه أمراء اليمن الذين أزال ملكهم وأسكنهم معه، ولعل ذلك لقصد القهر عليهم وهو ظاهر. (1/102)
صفحة 103
قال وولى غيرهم في مناطق نفوذهم واختط عدة قصور بمدينة صنعاء، وفي سنة 456 هـ دخل عدن ولحج واصطحب معه الأمراء الذين يخافهم، ولما دخل عدن خطب على منبرها في الجامع، وفي سنة 473 هجرية عزم الصليحي على الحج واصطحب معه الأمراء المشار إليهم، ويقال إن عددهم خمسون أميراً وذلك خوفاً من أن يحدثوا شيئاً في غيبته، ومن بينهم صاحب عدن ولحج من بني معن، واستخلف على اليمن ابنه أحمد بن علي وولى على تهامة أسعد بن شهاب أخاً لزوجته أسماء، وخرج في ألفي فارس وكان قد سمع بأن سعيد الأحول بن نجاح صاحب تهامة المقتول بالسم قد خرج هو وأخوه حياش في جماعة من أصحابهما لقتاله، فسير خمسة آلاف رجل للقائهم من الحبشة فاختلفوا في الطريق فظفر الأحول بالصليحي في ضيعة يقال لها الدهيم وبئر أم معبد، فلم يبرح من مكة حتى قتل الصليحي وقتل معه أخوه عبدالله في الثاني عشر من ذي القعدة.
وظفر الأحول بعد ذلك بجيش الصليحي الذي سيره لقتله فقتل منهم وأسر ورجع إلى زبيد ظافراً في 16 من ذي القعدة سنة 473 هـ، وملك بلاد تهامة كلها إلى أت قتل سنة 481 هـ.
وفي هذه الحادثة قبض على أسماء بنت شهاب زوجة الصليحي وحبست في زبيد إلى أن استنقذها ابنها المكرم أحمد بن علي الصليحي زوج السيدة أروى بنت أحمد بن محمد الصليحي التي تولت اليمن بعد أن أصيب المكرم بالفالج.
وكان صاحب عدن ولحج من بني معن فيمن نجا بعد قتل أثناء الطريق، فجاء إلى لحج وأعلن الإستقلال وترك طاعة الصليحيين، وأمتنع من أداء خراج عدن ولحج الذي جعله الصليحي مهراً للسيدة أروى بنت أحمد عندما زوجها من ابنه أحمد. (1/103)
صفحة 104
قال المصدر اليماني المعروف: ولما امتنع من أداء الخراج بنو معن قصدهم المكرم أحمد إلى لحج وعدن وأخرجهم منها وولاها العباس ومسعود ابني مكرم الجشمي اليامي إلى آخر ما أطال من تاريخ القوم، ولأجل المعرفة بالصليحي ودولته ومنافساته لأهل الحق من رجال الأباضية أوردنا تاريخه للتعريف به وبأعماله التي قام بها في حضرموت.
قال المصدر ولما توفي المكرم أحمد بن علي الصليحي قام بدعوته ابن عمه سبأ بن أحمد الصليحي، وجعل قاعدة مملكته حصن الشيخ، وقد عاصر الصليحيين أبو الفتح الديلمي فقتله في نجد الحاج سنة 440 هـ، وكذلك الأمير حمزة بن أبي هاشم، ثم قتله الصليحيون في الملوى من بلاد أرحب.
وهكذا كان الصليحيون في هذا القرن الخامس الهجري.
قال المصدر الذي نعتمد عليه في نقل هذه القضايا: وقف أبو إسحاق حائلا دون تنفيذ مطامع الصليحيين في إحتلال حضرموت وفي ذلك يقول من نفس القصيدة المارة:
يخوفني أن المعز ملاذه:: بمصر وما خوفي لأهل المظالم
إذا وفده ولى إلى مصر رايدا:: مضى وفدنا قصداً لخير المعالم (1)
ليعلم أي الحزب أسبق نصرة:: وأيهما أولى بفعل المكارم
وأراد بهذا المعز الخليفة المستنصر الفاطمي بمصر الذي كان الصليحي يحارب من أجله ويخطب بإسمه، قال واستمرت الحرب بين الصليحي وأبي إسحاق مدة طويلة اضطر أثناءها أن يطلب المدد مرة أخرى من الخليل بن شاذان كما تدل على ذلك قصيدته هذه التي يقول فيها:
من شاء يعلم ما كانت أوائلنا:: فيه فسيرتنا تكفيه برهانا
هذا الخليل إمام المسلمين حكت:: أنوار طلعته في العدل نيرانا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يريد بخير المعالم: عمان وعاصمتها نزوى أ هـ.
يفتخر أبو إسحاق رحمه الله بالخليل بن شاذان رحمه الله ورضي عنه يقول فيه:
يا أيها العلم العدل الذي كملت:: له الخصال مروات وإيمانا
إني أحبك والرحمن يعلمه:: حب احتساب إلى ذي الطول قربانا (1/104)
صفحة 105
إذ صرت مشتهرا بالفضل أنت ولي::قلب يحب بدين الله من دانا
حتى عبرت إليك البحر منتصراً:: أيام عدت بما أوليت جذلانا
ثم يطلب النصرة من الإمام رحمه الله ثانيا كما طلبها أولا فقال:
فأنصر أخاك فإن الحرب قائمة:: والحق يطلب من أهليه أركانا
واعلم بأنك قد أثَّرت مأثرة:: فأرفع لها شرفا فالأمر قد هانا
إن الذي عمرت صنعاء دولته:: بالفسق أصبح من مولاي فزعانا
أضحت مخالفة أرض اليمان له:: لما رأتك لها حصنا ومعوانا
يصف أبو إسحاق فساد الصليحي في صنعاء العاصمة، وأنه لما رأى النصر من الإمام لأبي إسحاق أصبح مرتاعاً خوفاً أن تصبح قوات الإمام محيطة به أو تحل قريبا من داره فتحل عليه النقمة، وأهل الباطل يرتاعون من أهل [الحق] إذ رأوا ثورتهم، فإن الباطل زهوق بنص الكتاب:
فأرفدهم فهم يدعون ربهم:: جهراً لتملكهم سراً وإعلانا
والمعنى هم يتمنون أن تكون أنت إمامهم وحاكمهم، فأمده الخليل رحمه الله فرجع الصليحي خائب الأمل حين رأى قوات الإمام تزحف على اليمن، ولا ريب فإن حضرموت من أول أمرها أباضية، فلذلك كان أبو إسحاق أباضيا هو وآباؤه وإخوانه حتى تدخل في حضرموت الأجانب من بقية المذاهب من سنية وشيعية وزيدية.
والحجة للأباضية كون حضرموت أباضية في العهد القريب من الخلافة الراشدة وما يقرب منها، أما بعد ذلك فقد تلاشى الدين واضطرب حبل الإسلام، وتبدلت الأحوال ووقع التحزب في الدين، وظهرت المذاهب المتعددة، ونهج كل فريق منهجا تصديقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول فيه: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة ناجية)، ويقول أبو إسحاق رحمه الله:
أبا القاسم اسمع لا عدمتك قصتي:: لتعجب من أمري وأنت رشيد
طلبت بوادي حضرموت فلم أجد:: بها أحداً ينكي العدا ويكيد
فسرت عمانا قلت علَّي أرى بها:: شراة تسامي والمكان بعيد
فجادوا ببذل المال دون نفوسهم:: وعدت حميداً والإمام حميد (1/105)
صفحة 106
يقول أبو إسحاق رحمه الله إنه طلب من أهل حضرموت المعين والمناصر فلم يجده، ولعل القوم تخوفوا من مناصرة أبي إسحاق خوف العدو الجاثم في البلاد، فأمده الإمام بالمال دون الرجال، لأن المال قد يكون لا يظهر، أمام الرجال فالحرج يكون بهم أكبر والعداوة تشتد، فلعل أبا إسحق لا ينتصر فيكون أمر العدو على أهالي حضرموت أشد، ولكل وقت سياسة والسياسة هي الجند الفعال.
قال أبو إسحاق رحمه الله:
فلما رأى أهل الضلال شرارتي:: تزيد حياة والضلال يبيد
بدا لهم أن ينكثوا فتسللوا:: لواذاً وغال المسلمين خمود
يقول أبو إسحاق: لما رأى أهل الضلال اتقاد شرارتي والتهاب جمرتي فروا خوفا من العدو، وذلك أنه جاء بلا رجال ولا سلاح، ولما رأوه جاء كذلك قالوا إن الرجل جاء بالخيبة زاد خوفهم واشتد روعهم، وقاموا يتسللون لواذاً مستخفين منه، لذلك قاموا يتسللون هرباً أو أنهم حسدوه على ما جاء به، فإن المال يقوي الرجال ويؤيد العمال ويوطد الأعمال وها هو ذا يقول الآن:
سيعلم دغار بن أحمد والفتى:: سلالة مهدي وكل مخالف
ولعل دغار هو لقب علي بن أحمد، فإنه هو الذي برز الآن في الميدان، وقام يزمجر في حضرموت فلم يوجد لزمجرته راد إلا الإمام أبا إسحاق:
إذا نزل المستنصرون بجحفل:: يهزون بيضا كالبروق الخواطف
والمعنى سيعرف دغار ومن معه إذا نزل المستنصرون بإمام نزوى معهم العدة والمال، ويقول البطل الباروني رحمه الله: إن أبا إسحاق أقام عاملا بحضرموت للخليل بن شاذان مدة حياته، فلما نصب راشد بن سعيد إماماً بعمان بعد الخليل بقي عاملا على حاله، وله مع الإمام راشد قصائد يعترف له فيها بالولاء منها قصيدته التي أرسلها إليه يعرض فيها للإمام راشد يريد النجدة في حربه مع نهد وعقيل حيث يقول:
أباضية زهر كرام أفاضل:: مناقبهم في كل سامي علا تبدو
وأنت لنا من بعدهم صرت قيما:: حمولا لثقل الخطب يورى بك الزند
وسار فيها إلى أن قال: (1/106)
صفحة 107
فإن عدلوا عن بغيهم وتراجعوا:: إلى عسكر الإسلام والحق وارتدوا
فأهلا وسهلا بالعشيرة إنهم:: إليكم بإخلاص لرب السما أدوا
وما بين وادي حضرموت وبينكم:: إذا سركم إتياننا نحوكم بعد
يقول إذا حزّبِكم أمر ودعتكم الحاجة لحضورنا إليكم فلا بعد بيننا وبينكم ثم قال:
متى يأتنا منكم صريخ نؤمكم:: بعسكر جرار يضيق به النجد
كهولا وشباناً صباحاً مساعراً:: وراداً إلى الهيجا إذا استعصب الورد
بكل رديني أصم ومرهف:: كمثل شعاع الشمس تحملنا الجرد
وكانت للأباضية في حضرموت مراكز معروفة ومنازل مألوفة في شبام وميفعة وفي هينن وذي أصبح ووادي حضرموت، كل هذه البلاد كانت غاصة بالأباضية كما ذكرهم أبو إسحاق رحمه الله في قصيدته العينية حيث يقول وهو يتحدث عن لسان حال تخاطبه:
فقلت وما يبكيك يا خود لا بكت:: لك العين ما هبت رياح زعازع
فقالت بكيت الدن إذ رث حبله:: وللعلما لما حوتها البلاقع
فأين الأولى إن خوطبوا عن دقائق:: من العلم أنبوا سائليهم وسارعوا
فقلت لها هم في شبام ومنهم:: بميفعة قوم حوتهم ميافع
وفي هينن منهم أناس ومنهم:: بذي أصبح حيث الرضى والصمادع
ومنهم بوادي حضرموت جماعة:: وأرض عمان سيلهم ثم دافع
ومعنى البيت الأخير أن معظمهم بعمان فهم فيها كالسيل الدافع.
قال المصدر اليماني: وواضح أنه يعني بهؤلاء العلماء رجال العلم من الأباضية، فقد كان يوجد بحضرموت عدد كبير من العلماء قبل ظهور أبي إسحاق وبعده. قال وفي البضائع للسيد عبدالرحمن بن عبدالله أنه كان بحضرموت قبل أن يصل إليها من أجلة الفقهاء من لا يشق غبارهم ولا يخفى منارهم ولا تجهل آثارهم. (1/107)
صفحة 108
وقال ويقول الباروني: إن أبا إسحاق عمر زمناً طويلا ورزق ذرية صالحة وتوفي في حال حياته ولداه محمد وأبو الحسن بعد أن تنورا بأنوار العلوم، وتهذبا بمحاسن الأخلاق والآداب، وبلغا مبلغاً عظيما فيه فعظم عليه فقدهما ورثاهما بقصائد بعضها مثبوت في ديوانه. قال والحديث عن أبي إسحاق هذا هو آخر العهد بالمعلوم لدينا من تاريخ الأباضية في حضرموت، فلا نعلم عنهم أكثر من أن الأباضية بقيت على جانب من القوة والمنعة إلى عهد الفقيه المقدم المتوفى سنة 653 هـ، حيث أخذ ظلها يتقلص بفضل الحملات التي تثار ضدها حتى انمحت تماماً وحل محلها مذهب الأشاعرة السنيين في الأصول، ومذهب الشافعي في الفروع.
والمعنى أن الحال الديني أصبح في اضطراب وأصبح أهل حضرموت في أديان لا في دين، فهم على أصول الأشاعرة وفروع الشافعية وهذا دليل الإضطراب ومحط الخلاف، فإنه صار لدين الله أديان متعددة، فإن الحق واحد لا يتعدد، فإن الفروع تتبع الأصول. فهم من ناحية أشعرية ومن ناحية أخرى شافعية، والأمر لله عز وجل، ولا يخفى أن مذهب الأشاعرة مذهب مرجئ وهو في غاية الإنحطاط في عقيدته، ولولا خوف التطويل لجئت بأصوله وفروعه لا سيما التناقض الذي لا يخفى على البصير.
قال غير أن المتتبع لتاريخ سلاطين آل راشد الذين ظهروا في الميدان السياسي منذ أول القرن السادس الهجري، تجد أن خلافاً واضح الأثر بين بعضهم وبين كبار أنصار السنة من العلويين. فهل كان هؤلاء السلاطين ممن يذهبون مذهب الأباضية؟ اسماع ما يقول الشرع: وكان السلطان في ذلك الزمان من آل قحطان قد أضمر السوء مراراً لعلوي بن محمد صاحب مرباط المتوفى سنة 613 هـ، قال وكان يظهر له الصداقة جهاراً فرقاً من توجه الناس وخوفاً من أن يأمرهم بالخروج عليه، فأعمل فيه مكره وسقاه السم المرة بعد المرة فلم يعمل فيه شيئا ولم يضره. (1/108)
صفحة 109
قال ونقل الشيخ محمد بن عبدالله باسودان أن بعض أئمة ذلك الزمان كلف العلويين بإثبات نسبهم بالطريقة القضائية، وكان الحامل له على تكليفهم من عنده نزغة أباضية، قال فسار الإمام المحدث علي بن محمد بن جديد إلى البصرة وأثبت نسبهم عند قاضيها وأشهد على إثبات القاضي نحو مائة شاهد ممن يريد السفر إلى الحج، ورقب بمكة حجاج حضرموت، قال وقال صاحب البضائع إنه بذلك انتهى الهمس والتقطيب، وانقطعت لسان كل خطيب قال وعلي بن محمد بن جديد هذا في أيام آل راشد وتوفي بالحجاز سنة 620 هـ.
قلت لم أعرف ما يريد هذا الذي أثبت نسبه بالبصرة والمفهوم أنه أثبت نسبه أنه علوي وإذا كان كذلك فبالنسبة إلى الأباضية، فالأباضية لا يعتدون بالأنساب ولا يعولون عليها، إنما يعولون على التقوى امتثالا لقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، اللهم إلا إذا كان إثبات النسب المشار إليه لأجل حق قرابة النبي عليه الصلاة والسلام من الغنيمة الوارد حكمه في قوله تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى) الآية والله أعلم. (1/109)
صفحة 110
وكان سالم بن بصرى من ألد أعداء الأباضية في حضرموت وانه يحارب بدعتهم ولم يبين عن هذه البدعة التي يحارب الأباضية من أجلها ابن بصرى، وأنه كان ينال منها جهراً قال ويذكر صاحب البضائع أن العلامة ابن نصرى قتل يوم الجمعة 23 رجب سنة 604 هـ، قال فمن هذا الذي امتحنه؟ ولماذا ومن ذا الذي دبر الحيلة في مقتله؟ وما هي الظروف التي أحاطت بهذا القتل والإغتيال؟ قلت: لما كان مشهوراً بعداوة الأباضية فلابد أن يكون الأباضية اغتالوه فقتلوه ذلك [لأن] قتل الباغي معهم اغتيالا جائز لا سيما إذا كان لا يمكن قتله جهاراً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل رجال ونساء ممن اشتدت عداوتهم له، وقد صح ذلك عند أهل العلم بالسير قال المؤرخ سعيد عوض باوزير اليماني: ولنترك الأباضية تجود بأنفاسها في نهاية القرن السابع الهجري، ومعنى ذلك أن آخر وجود الأباضية بذلك الطرف تمام القرن السابع، ثم تقلص ظلها وانحل أمرها ولكل شيء نهاية، وبذلك دخلت المذاهب الأخرى بحضرموت واليمن، وهذا خاص بالزعامة في هذه الأمكنة، فإن نظر المؤرخين إلى الزعماء لا إلى أفراد الأمة فإنه من الممكن أن تكون بقية بحضرموت من الأباضية إلى عهد ممتد، وإلا أن النظر إلى الأعيان لا إلى الأفراد وسينتهي أمر الدنيا كلها والله المستعان.
ا هـ يوم 22 صفر سنة 1400 هجرية
بقلم العبد لله محمد بن حسن بن محسن الرمضاني بيده
تاريخ يوم 7 جمادى الأولى سنة 1400 هـ
الموافق 22 إبريل عام 1980 م.
أنتهى من طباعته ضحى يوم الأثنين تاريخ: 19 ربيع الثاني سنة 1433 من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، الموافق:
12 مارس عام 2012 ميلادي.
فهرس الكتاب:
الموضوع رقم الصفحة
المقدمة 3
التعريف بحضرموت واليمن .. إلخ 7
حضرموت - مساحتها 9
صفة الأباضية 11
نسبة الأباضية 35
أدب الأباضية في نظر أحمد بن أمين 39
صوت طالب الحق يبدأ ظهوره 41
ظهور الأباضية 43
الصراع بين الحق والباطل 51
الحق حليف الأباضية 55 (1/110)
صفحة 111
الجنود الظالمة 59
بدأ إنتشار المذهب الإباضي 65
أبو عبيدة ينشئ بيت مال 69
طالب الحق يتزعم الدعوة في حضرموت 77
شروط الإمامة عند الإباضية 79
أبو عبيدة يرسل أبا حمزة مدداً لطالب الحق 81
الموضوع رقم الصفحة
طالب الحق يدعو الناس لإتباع الحق قبل إمامته 83
الوقت المناسب للثورة 85
وصية أبي عبيدة 87
إمامة طالب الحق والإستيلاء على حضرموت 89
الزحف على العاصمة صنعاء 91
والي صنعاء يحشد الحشود لمصادمة طالب الحق 93
الإمام طالب الحق يبتعد من حصائد المجرمين 95
الإمام طالب الحق يوجه قائده أبا حمزة لفتح الحجاز 97
القائد الأموي يزحف على قتال الأباضية 111
مقتل الإمام طالب الحق 125
الأباضية يقتلون ابن عطية 129
الإمام أبو إسحاق 135
إنتهى بحمد الله ومنته العظيمة
اللهم سدد طالب العلم للحق وأرزقه حفظه وغفر الله للمؤمنين والمؤمنات
الأحياء منهم والأموات إن الله قريب مجيب الدعوات
وصلى الله على محمد وآله وسلم.
فإن يكن التاريخ أكبر شاهد:: لقوم فذا تاريخهم للهدى بدر (1/111)