صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: الدولة الرستمية 160-296ه/ 777-909م: دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
المؤلف: إبراهيم بكير بحاز
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة
تاريخ النشر: 1414ه/ 1993م
الطبعة: 2 (مزيدة ومنقحة)
الإيداع القانوني: 1994/02/81
الكلمات الدالة: تاريخ الدولة الرستمية، الأوضاع الاقتصادية للدولة الرستمية، الحياة الفكرية في الدولة الرستمية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=266&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/610
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 16 ذو القعدة 1446ه/ 14 - شهر 05 - 2025م. الدَّولة الرستمية
160 - 296 ه/ 777 - 909 م
دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
طبعة مزيدة ومنقحة
بحاز إبراهيم بكير
تراثنا (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الدولة الرستمية 1600 - 296 هـ / 777 - 909
م
دراسة في الاوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية (1/3)
صفحة 4
- الطبعة الأولى 1406 هـ / 1985
- الطبعة الثانية 1414 هـ / 1993
- حقوق الطبع محفوظة
بنشر جمعية القراب - القرارة.
م (1/4)
صفحة 5
الدولة السميّة
160 - 296 هـ. 777 - 909 م
د راحة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
طبعة مزيدة ومنقحة
بخاز ابراهيم بكبير (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
الأهداء
إلى الذين قَضَوَانجَهُمْ فِي الجُهَادِ فَقَارُوا السَّمَادَةِ إلى اخوانهرُ مِنَ الذِينَ يَنْتَظِرُونَ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً إلى والدي العزيزين احسانا وبدا واعترافا إلى هؤلاء أقدِ ثَمَرَة. يُهْدِي. (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
تعال
ذكرى الإمامة الإباضية بالمغرب (*)
نرجع القهقرى معي وراء الف عام لكي نذكر نرى بشمال افريقيا لنا من العدل عهداً كعهد عمر هنالك تاهرت قد خططوا حوالي المروج وظل الشجر وفي عام ستين مع مائة على مارواه صحيح الخبر أقاموا بها مهرجان الزفاف لعرس الإمامة ذات الخفر أشادوا الحضارة طبق الكتاب ونهج الرسول ونور الأثر وأما العلوم فقد حركوا دو اليبها بعموم الأمر أداروا الأمور وسدوا الثغور وردوا الشرور على من غدر وكم ضربوا ذهبا سكة رأينا لها قطعة كأثر
الشاعر الشيخ أبو اليقظان
): أنظر القصيدة كاملة في ديوان أبي اليقظان. ط 1. المطبعة العربية الجزائر. 1350 هـ. ص 71
1. (1/9)
صفحة 10
شكر وتقدير)
أخيراً وبعد أن استقامت هذه الوريقات بحثا مقروءاً، أرى لزاماً علي التصريح بما أجده في نفسي، من عرفان لأهل الفضل والكرم وفاء لحسن صنيعهم، وعرفاناً بجميل فضلهم.
وأحسب أن كلمات الشكر والتبجيل لا توفي حق مشرفي الأستاذ محمد توفيق حسين الذي أفدت من غزير علمه واستهديت بسديد رأيه.
ووافر الشكر وخالص الثناء لكل من قدم لي يد المساعدة، وما أكثرهم، وأخص بالذكر منهم الدكتور محمد ناصر وجمعية التراث لولاية غرداية الذين عملوا على إخراج هذا الكتاب في طبعته الأولى والأخ الكريم يونس بن ابراهيم إمناسن مع جمعية التراث دائما الذين ساهموا في إخراجه
ونشره في طبعته الثانية هذه، جزاهم الله خير الجزاء وأثابهم أجرا عظما
الباحث (1/10)
صفحة 11
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
كنت قد هممت بإعادة طبع هذا الكتاب منذ بضع سنين، لأن الطبعة الأولى نفذت أو كادت، ثم لأنها وزعت ونشرت في ولاية أو ولايتين من الجزائر فقط دون أن نتحدث عن الخارج، فرأيت أن إعادة طبعه اليوم هو أكثر من ضرورية فالطلب عليه يزداد وفراغ المكتبة الجزائرية من مثله يحتم ذلك ثم إن كثيرًا من إخواني الأساتذة والباحثين المختصين في تاريخ المغرب الاسلامي حرضوني على إعادة طبعه وتوفيره في المكتبات
والأسواق. وإنني لما عزمت على طبعه رأيت لزاما علي أن أعيد قراءته وأصحح أخطاءه وأضيف إليه ما ينبغي أن يضاف، وبالفعل فإن هذه الطبعة مصححة ومنقحة ومزيدة وسوف يلاحظ القارئ الكريم ذلك، إلا أنني بالنسبة للإضافات إخترت منهجا جديدا أعتقد أنني لم أسبق إليه وساعدني على وجوده رغبتي الملحة في الاحتفاظ بالكتاب كما هو لأنه رسالة أكاديمية وأطروحة تقدمت بها لجامعة بغداد كلية الآداب ونلت بها درجة الماجستير سنة 1984 م وهكذا وجدتني أحتفظ بالأطروحة كما هي بلا زيادة ولا نقصان. وحيثما شعرت بضرورة الإضافة أو الزيادة في فصل أو مبحث
أو فكرة كتبت في الهامش إحالة مفادها: «أنظر مقدمة الطبعة الثانية وفي هذه المقدمة سأذكر الكتب التي صدرت بعد الطبعة الأولى والتي لها علاقة مباشرة بالدولة الرستمية أو غير مباشرة أو التي توضح أفكارًا وتقدم تفسيرات لإشكاليات طرحت في الكتاب وبالتالي، فإن كل إحالة من الإحالات المذكورة في الهامش والتي تعيدك إلى هذه المقدمة ستجد ضالتك كتابا أو دراسة في صميم الموضوع والمبحث المحال منه:
P (1/11)
صفحة 12
من الكتب والدراسات الحديثة التي اهتمت بالرستميين أو الاباضية أوما يحوم حولهما نذكر خاصة:
1 - إبن الصغير (حي في القرن 3 هـ): أخبار الأئمة الرستميين. تحقيق الدكتور محمد ناصر والأستاذ ابراهيم بجاز. المطبوعات الجميلة. الجزائر 1986 أو طبعة دار الغرب الإسلامي: بيروت 1986 م. مع العلم أننا بعد أن نشرنا هذا التحقيق عثرنا على مخطوطة الكتاب في مكتبة من مكتبات ميزاب ولعلنا نقوم بإعادة تحقيق هذا المصدر المهم تحقيقا علميا مضبوطاً إعتمادًا على المخطوط المكتشف
2 - الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: مسائل نفوسة. ترتيب وتحقيق الأستاذ ابراهيم طلاي. المطبعة العربية الجزائر 1991 م. هذا الكتاب أعتقد أنه هو الآخر من الكتب التي تحتاج الى إعادة تحقيق وهو من المصادر المهمة والمباشرة عن الدولة الرستمية ولا شك فإن مؤلفه إمام من أئمة الرستميين وقد ذكره ابن الصغير في أخباره بل اطلع عليه وقرأه، كما اطلعنا نحن على مخطوطة هذا الكتاب بالاضافة إلى مخطوط آخر معه وهو جوابات الإمام أفلح بن عبد الوهاب وكلاهما موجود في مكتبة الإصلاح بغرداية فضلا عن المكتبتين اللتين ذكرهما الأستاذ المحقق الشيخ ابراهيم طلاي حفظه الله وكان له دائما فضل السبق في نشر مثل هذا التراث المهم. 3 - لواب بن سلام بن عمرو (ق 3 هـ): الاسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، تحقيق ر. ق. شفارتز والشيخ سالم بن يعقوب. دار إقرأ للنشر والتوزيع والطباعة. بيروت 1405 هـ / 1985 م. وقد أعيد نشر هذا الكتاب للمحققين بعنوان آخر المشكلة وقعت لهما 4 - هود بن محكم الهواري: حي في القرن 3 هـ): تفسير كتاب الله العزيز تحقيق الأستاذ بلحاج بن سعيد عدون شريفي. (أربعة أجزاء) دار
الغرب الإسلامي. ط 1 بيروت
1990 (1/12)
صفحة 13
وقد حظي هذا التفسير بتحقيق ممتاز مع فهارس غنية وثرية وطباعة رائعة ولا شك أن الأستاذ الشيخ بلحاج شريفي قد بذل كل ما في جهده لإخراج هذا الكتاب على الصورة المذكورة 5 - جناو بن فتى وعبد القهار بن خلف من علماء القرن 3 هـ): أجوبة علماء فزان. المجموعة الأولى. تحقيق وتقديم د. عمرو خليفة النامي. تكملة التحقيق: أ. ابراهيم طلاي. دار البعث قسنطينة. 1987 م بالاضافة إلى هذه الكتب المصادر التي ألفت في زمن الرستميين، هناك مجموعة من الدراسات الحديثة التي تناولت الرستميين والاباضية، نخص بالذكر منها:
6 - إبراهيم بجاز: ثورات الخوارج بالمغرب الإسلامي (ابتداء من 122 هـ / 739 - 740 م) في المصادر العربية قديما ودراسات المدرسة الغربية حديثا. مجلة الدراسات التاريخية. الجزائر عدد 5 – 1988 م 7 - ابراهيم بجاز: عبد الرحمن بن رستم مؤسس أول دولة إسلامية مستقلة بالجزائر المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. 1990 م. 8 - جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر 1984 م. 9 - جودت عبد الكريم يوسف: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب الأوسط خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين (9 - 10 م) ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر 1992 م. هذان الكتابان الأخيران، هما عبارة عن دراستين أكاديميتين تقدم بها الباحث، جودت، لنيل شهادة الدراسات المعمقة ثم شهادة الماجستير، وقد بذل الباحث فيها جهودًا مضنية وتوصل إلى نتائج كثيرة مهمة، إلا أن بعض تحليلاته ونتائجه، خاصة في كتابه الأول تحتاج إلى إعادة نظر وتقويم، وكأني به في بعضها كان متحاملاً .... (1/13)
صفحة 14
10 - د. محمد عيسى الحريري: الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقاتها الخارجية بالمغرب والأندلس (160 – 296 هـ) دار القلم
،
الكويت. ط 1: 1979، ط 3: 1987. ولم نهتد إلى معرفة تاريخ الطبعة
الثانية، فالمؤلف لم يشر إليها
11 – د. عبد الحميد مقصود باشا: الرستميون صفحة رائعة من التاريخ الجزائري. ط 1. بلا مكان الطبع. 1979 م.
12 - ناصر المرشد البريك: الإباضية في الفكر السياسي الإسلامي وأثرها في قيام الدول. مقال مطول من ص: 103 إلى ص: 148. مجلة الاجتهاد العدد: 13. السنة الرابعة. دار الاجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر بيروت
1991
13 - د. صابر طعيمة: الاباضية عقيدة ومذهبا. دار الجيل. بيروت
-
1986 م / 1406 هـ 14 - عدون جهلان: الفكر السياسي عند الاباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش. نشر جمعية التراث. القرارة. الجزائر
1990 - 1989
15 – الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ، بلا مكان الطبع.
1989
16 - عمر بن الحاج محمد صالح با غمر (با: دراسة في الفكر الاباضي. بلا مكان الطبع. ويشير المؤلف السنغالي في تصديره لدراسته هذه إلى: نيودلهي 19/ 6 / 1981 م.
17 - فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الاباضية (جزءان) رسالة أكاديمية. نشر جمعية التراث .. المطبعة العربية، غرداية. 1991
Von Werner Schwartz : Die Anfange Der Ibaditen in Nordafrika. der
18
Beitrag eimer islamischen Minderheit Zur Ausbreitung des Islams. Wiesbaden.
1983. (1/14)
صفحة 15
هذه أهم الدراسات وبعض الكتب التي رأيت ضرورة ذكرها في هذه المقدمة لهذه الطبعة الثانية ولا شك أنها توضح أفكارا وتحل إشكاليات كنت قد طرحتها في كتابي «الدولة الرستمية» فضلاً عن أنها امتداد لقائمة المصادر والمراجع التي لا يستغني عنها باحث يريد الدراسة أو الكتابة عن الدولة الرستمية أو عن المذهب الإباضي. ولابد أن أشير إلى أنني قد ذكرت في صفحة 100 الهامش 9. بأنني ربما أتناول أئمة الدولة المدرارية بدراسة مستقلة، والحقيقة أن مجموعة من الباحثين سبقتني إلى هذا العمل أذكر منهم خاصة دراسة الأستاذ شنايت العيفة: دولة بني مدرار بسجلماسة ودور تجارة القوافل في ازدهارها الحضاري بين القرنين الثاني والرابع الهجريين. رسالة ماجستير. جامعة الجزائر 1991 وأطروحة بوخالفة نور الهدى: دولة بني واسول في سجلماسة علاقاتها ودورها الحضاري في المغرب الوسيط. جامعة وهران. الجزائر
1976
وأخيرًا أود أن أنبه إلى أنني بصدد كتابة دراسة عن الإدارة الرستمية، جمعت أغلب مادتها الخبرية إلا أن كثرة الأعمال واستحواذ أطروحة الدكتوراه على جل الوقت جعل هذا المشروع يؤجل لعدة مرات ... أرجو الله التوفيق والسداد والله من وراء القصد
من
أ / ابراهيم بكير بجاز.
قسنطينة في ربيع الأول 1414 هـ / سبتمبر 1993 م (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة م (2)
مقدمة الطبعة الأولى (*)
لما كان المغرب العربي في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، مسرحا الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية، تعرض الى تحولات
للعديد من وتغييرات عميقة في شخصيته
فمع طوالع الفتح الاسلامي لبلاد المغرب، وهو فتح لم يكن سهلا بالنسبة للفاتحين، اذ كلف الخلافة الاسلامية كثيرا من النفقات والرجال والوقت وبعد جهود وبلاء حسن قام به العرب المسلمون في هذه البلاد، تم تحرير المغرب وفتحه، ودخل المغاربة في الدين الاسلامي، وحسن اسلامهم بتركهم دياناتهم النصرانية واليهودية وغيرهما. وهذا أول تحول عميق يمس الشخصية المغربية ويؤثر فيها
ولما كان الخوارج (1) في المشرق العربي يتلقون الضربة تلو الأخرى على أيدي ولاة بني أمية خاصة بالعراق أولى وأهم مراكزهم، فكروا في اللجوء
() هذا البحث تقدم به الطالب الى جامعة بغداد لنيل درجة الماجستير في التاريخ الاسلامي ونوقش بتاريخ 5
ديسمبر (1) عن
1983 م.
ابتداء أمر الخوارج أنظر خاصة: الطبري أبو جعفر محمد بن جرير: تاريخ الرسل والملوك، تحقيق أبو الفضل ابراهيم، م 5، ط 2 دار المعارف، مصر 1971، ص 64 وما بعدها، ابن الاثير: عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، م 3، دار صادر، بيروت 1385 هـ/1965 م، ص 326 وما بعدها وانظر كذلك وخاصة:: الشماخي أحمد بن سعيد، كتاب السير، طبعة حجرية، القاهرة، 1301 هـ، ص 48 وما
بعدها.
علي يحي معمر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاولى: نشأة المذهب الاباضي، مكتبة وهبة، دار الكتاب العربي
، مصر 1384 هـ/1964 م، ص 19 - 35، عوض خليفات: نشأة الحركة الاباضية، عمان، الاردن، 1977
ص 44 وما بعدها.
طه حسين: الفتنة الكبرى، جزءان 21، دار المعارف، مصر القاهرة 1956 م. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
'2
-9 - (1/17)
صفحة 18
الى أطراف الدولة العربية الاسلامية الشاسعة، بعيدا عن السلطة، فتشتتوا في البلاد شرقا وغربا. وفي هذه الاثناء، ومع نهاية القرن الأول الهجري وبداية الثاني، قدم رجلان الى المغرب يتعاقبان جملا واحدا، لهما في تغيير أوضاع المغرب، وتحريك عجلته أكبر الأثر وأدومه. والرجلان هما سلمة
ابن سعد (أو سعيد) الذي جاء ليدعو الى الاباضية، وعكرمة مولى الله عبد بن عباس الذي قدم بمذهب الصفرية
منذ هذا التاريخ تقريبا، بدأت حركة الخوارج في المغرب العربي تنمو، وعرفت اقبالا عليها من طرف المغاربة منقطع النظير، بحيث دخلوا، مرة ثانية، في الاسلام أفواجا على مذهب الاباضية والصفرية، فاعتنقوا المذهبين وأخلصوا لهما. وكأنهم بحماسهم لهما، كما سوف نرى، يريدون الرجوع بالاسلام الى بساطته ووضوح مبادئه. وذلك تحول آخر مس الشخصية المغربية مساقويا وعميقا. وهكذا منذ العقد الثاني من القرن الثاني الهجري الى نهاية القرن الثالث منه، يمكن اعتبار هذه الفترة، فترة الهيمنة الاباضية والصفرية في المغرب العربي. رسموا سياسته، وأرسوا معالم اقتصاده، كما ركزوا مبادئ الاسلام في النفوس المغربية، وعمقوا الصلة بالمشرق، ومهدوا لانتشار اللغة العربية التي أخلص لها الخوارج بقدر ما
أخلصوا للاسلام، اذ تلك تعبر عن هذا
وفي هذه الفترة انفصل المغرب عن المشرق، أو كاد، انفصالا سياسيا فاستقل بسياسة شؤونه عن الخلافة الاسلامية في المشرق
وفي هذه الفترة انقسم المغرب الى مقاطعات، ان صح التعبير، أو الى دول مستقلة منفصلة عن بعضها البعض، فظهر الى الوجود ما يعرف بالمغرب الأدنى
،
، وهو ليبيا وتونس حاليا، والمغرب الاوسط، وهو الجزائر
اليوم، والمغرب الأقص أو المملكة المغربية
-10 - (1/18)
صفحة 19
إن هذه الفترة التي شهد المغرب فيها مثل هذه التحولات، لجديرة بالاهتمام من طرف الباحثين، وان كان سبر أغوارها صعبا، والتزام النزاهة العلمية في طرح مواضيعها وأحداثها عسيرا، ذلك لقلة المصادر والمراجع من جهة، ومن جهة أخرى تناقض المعلومات وتداخلها، في كثير من الأحيان في المصادر المتوفرة، ولهذا السبب، على ما يبدو، أطلق الاستاذ الفرنسي جوتييه (Gautier) ، على هذه الفترة تسمية «العصور المظلمة» لأنها من
جهة ثالثة فترة غير معروفة جيدا كما أن الوصول الى معرفتها صعب (2)
وفي هذه الفترة الغنية بالاحداث، العميقة التحولات في بلاد المغرب امتدت الدولة الرستمية كإحدى نتائج تلك التحولات، جنبا الى جنب مع جارتها الشرقية المتمثلة في دولة الاغالبة (3)، وجارتها الغربية المتمثلة في دولة الادارسة (4)، أو دولة بنى مدرار (5) في الجنوب الغربي منها
»
إن الدولة الرستمية التي جاء اسمها من اسم مؤسسها عبد الرحمن بن رستم (6)، «قد نالها» كما يقول الأستاذ أحمد توفيق المدني في التاريخ ظلم فاحش، وغمط حقها بصفة جائرة، اذ تعمد أغلب المؤرخين تناسيها أو الدس عليها ... » (7)
ونفس هذا الشعور نجده لدى الاستاذ الوزير مولود قاسم نايت بلقاسم الاستـ
Gautier E.F: Considérations sur l'histoire du maghreb - Revue Africaine (R.A.) | ct (2) 2 eme trimestre, Alger, 1927.
ص
106
(3) الدولة الأغلبية نسبة الى مؤسسها ابراهيم بن الاغلب الذي استقل بولاية افريقية (تونس حاليا) عن الخلافة العباسية سنة 184 هـ/ 800 م. وعاصمتها القيروان». انظر الخريطة (4) الدولة الادريسية نسبة الى ادريس الأول ابن عبد الله بن الحسن السبط بن الحسين بن أبي طالب (ض) مؤسس هذه الدولة سنة 172 هـ / 788 م. عاصمتها «فاس» انظر الخريطة ? (5) دولة بني مدرار الصفرية أسها أبو القاسم سمكو بن واسول المد. ا ي سنة 140 هـ / 757 م عاصمتها مسجلماسة،
ص
106
106
تافيلالت. أنظر الخريطة (6) عن عبد الرحمن بن رستم. انظر الفصل الثاني من الباب الأول. وانظر مقدمة الطبعة الثانية (7) المدني أحمد توفيق: مدخل لدراسة الدولة الرستمية واسهامها في التطور الفكري والحضاري، محاضرة القيت في الملتقى الحادي عشر للفكر الاسلامي المنعقد بوارجلان، الجمهورية الجزائرية، سنة 1397 هـ/1977 م، ص 1.
-11 - (1/19)
صفحة 20
وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية (سابقا (اذ جاء في كلمته الافتتاحية) للملتقى الحادي عشر للفكر الاسلامي، المنعقد بوارجلان، العاصمة الثانية للدولة الرستمية، في المغرب الأوسط، هذا العنوان: «منسيين لستم يابني رستم (8). وهو عنوان يكفي وحده دلالة على مدى النسيان الذي أصاب تاريخ الرستميين، وهو جزء هام من تاريخ الجزائر) خاصة، وتاريخ
العرب والمسلمين عامة، لهذا نجد الوزير المذكور، من موقع المسؤولية
6
يعلن صراحة ذلك الاهمال الذي انتاب تاريخ الدولة الرستمية، ويخصص النقطة الأولى من نقاط الملتقى المذكور، لتاريخها ويضع لها عنوان مساهمة الرستميين في حضارة الاسلام وفكره
ان ما ذكرناه آنفا من تحولات وتغييرات شهدتها بلاد المغرب، وما ترتب من جراء ذلك من نتائج، كظهور الدولة الرستمية خاصة وما لحق هذه الدولة من نسيان أو اهمال، اضافة الى شغف الباحث في معرفة المذاهب والأديان، كل ذلك يشكل أهم الدوافع التي حفزتني على اختيار موضوع في صميم الفترة المذكورة، وكان عنوانه المختار: «الدولة الرستمية 160 هـ ـ 296 هـ /777 م - 909 م دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية» في المغربين الأوسط والأدنى، وبهذا أكون قد لبيت دافعا ذاتيا أجده في نفسي قويا، ثم لا أشك أنني، ان حالفني التوفيق، أكون قد لبيت تعطش الكثير من الباحثين والقراء الذين يشعرون بفقدان حلقة من حلقات التاريخ الاسلامي الذهبية
هامة
ولقد تعمدت اختيار عنوان «الدولة الرستمية» ليجد مكانه في المكتبة الجزائرية أولا، ثم المغربية والعربية الاسلامية ثانيا. واخترت أهم جانبين
(8) كلمة السيد وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية مولود قاسم في افتتاحه للملتقى الحادي عشر للفكر الاسلامي - وارجلان، الجمهورية الجزائرية مجلة الأصالة، عدد 43/ 42، مطبعة البعث، 1397 هـ/1977 م
ص 123.
(9) الميثاق الوطني، الجمهورية الجزائرية لسنة 1976 م، مصلحة الطباعة للمعهد التربوي الوطني ص 24.
-12 - (1/20)
صفحة 21
برزت فيها الدولة الرستمية: الجانب الاقتصادي، والجانب الفكري، وهما في الحقيقة جانبان عرفا انطلاقة متينة، في الفترة المذكورة، تعبر عن نضج وأصالة كما عرفا بعد الانطلاقة ازدهارا واسعا، شمل جميع البلاد العربية الاسلامية في المشرق والمغرب، فسايرت الدولة الرستمية هذه
الانطلاقة وهذا الازدهار وكانت لذلك جديرة بالدراسة
لقد قسمت دراستي هذه الى تمهيد أو مدخل وثلاثة أبواب وخاتمة بعد مبحث عرضت فيه أهم المصادر والمراجع التي تناولت الدولة الرستمية، مع
تحليل لها، وتقييم لمعلوماتها
أما المدخل فقد أردت أن أمهد به للموضوع وادخل بواسطته الى صلب الدراسة، فتناولت فيه تطورات الاحداث في المشرق والمغرب العربيين وبينت أن ثورات الخوارج كانت أهم ما تتميز به هذه الفترة التي تمهد لموضوع دراستنا، وتحدثت عن سقوط الدولة الأموية سنة 132 هـ، وقد كان لثورات الخوارج وفتنهم دور في تفتيت قوتها، كما تحدثت نشأة عن الدولة العباسية في نفس السنة، وكانت من الاسباب التي دعت الخوارج الى اللجوء الى أطراف البلاد العربية الاسلامية. ومن هنا وجد الاباضية طريقهم نحو المغرب العربي، فقاموا بنشر مذهبهم، وخاضوا عدة ثورات
أهلتهم في الاخير، الى تأسيس دولتهم الرستمية سنة 160 هـ / 777 م.
ولم أتطرق الى تفاصيل هذا التأسيس الا في الفصل الثاني من الباب الأول، اذ خصصت الفصل الأول من نفس هذا الباب للحديث عن المذهب الاباضي ونشأته وبعض عقائده، لتكون لنا فكرة واضحة عن المذهب السائد في الفترة التي نحن بصدد دراستها، تساعدنا على تتبع مراحل وأحداث الدولة الرستمية: السياسية والاقتصادية والثقافية
وفي الفصل الثاني استعرضت تفاصيل بناء العاصمة تيهرت ونشأة الدولة الرستمية، فحاولت أن أقدم تاريخا لتأسيس هذه المدينة بالمغرب الأوسط كما
- 13 - (1/21)
صفحة 22
بينت أهم الاسباب التي دعت الى اختيار موضعها، والظروف التي
بناؤها. وانتقلت بعد ذلك الى شخصية عبد الرحمن بن رستم مؤسس هذه الدولة، فناقشت أهم الآراء التي جاءت حول نسبة الفارسي، وبينت أنه ولد في العراق، ورحل صبيا الى القيروان، فنشأ فيها وتربى، ثم عاد الى العراق وقد استوى رجلا، فتعلم في البصرة سنوات، ثم عاد الى المغرب ليستقر فيه. فجعلت من هذه العوامل الثلاثة دليلا على أنه كان عربي المنشأ والمربى والتفكير.
أما الفصل الثالث، الذي وضعته لحدود الدولة الرستمية، فقد خضت فيه غمار الآراء المختلفة حول هذه الحدود، ووجدتها حدودا متموجة، تمتد أحيانا، وتجزر أخرى اذ فكرة الحدود في تلك الحقب التاريخية مازالت لم تتبلور، بل لم تعرف بعد، لذلك رأيت أن السلطة الروحية هي ما يمكن اعتماده لتحديد الحدود أولا، ثم السلطة العسكرية أن وجدت. وبهذا تبين لي أن سلطة الرستميين تمتد من حدود تلمسان، في غرب الجزائر اليوم، غربا الى سرت، في ليبيا شرقا، وهي مناطق آهلة بالاباضية تعتبر من رعايا الرستميين، اذ تمثل هذه الفترة - القرنين الثاني والثالث الهجريين - فترة الهيمنة الاباضية والصفرية على بلاد المغرب العربي
أما الفصل الرابع، وهو الأخير في هذا الباب السياسي، فقد تتبعت فيه الاوضاع السياسية العامة للدولة الرستمية، إماماً بعد آخر وتحدثت عن الفتن والثورات التي أثيرت، والفرق التي ظهرت، وتتبعت مراحل القوة والضعف في الدولة حتى وصلت الى سقوطها على يد أبي عبد الله الشيعي داعية العبيديين (10) وقائد جيشهم سنة 296 هـ/909 م. وحاولت
(10) العبيديون: هم أتباع عبيد الله المهدي، أختلف القدامى والمحدثون في نسبه، فمنهم من يرده الى فاطمة الزهراء بنت الرسول من فيسمى أتباعه فاطميين. وأنا في هذه الرسالة وفي اعتقادي أن تسميتهم بالعبيديين في الفترة التي حكموها ببلاد المغرب أضبط، كما أن تسميتهم بالفاطميين لما حكوا مصر أوثق وأوكد، وهذا بغض النظر عن نسبهم. عن عبيد الله المهدي والعبيد بين عامة أو الفاطميين أنظر: المقريزي أحمد بن علي: اتعاظ =
- 14 - (1/22)
صفحة 23
أن أضبط لكل امام رستمي مدة حكمه، لذلك فان هذا الفصل يقدم صورة وافية عن الأوضاع السياسية لهذه الدولة منذ نشأتها حتى سقوطها، تساعد
على الدخول في الباب الثاني، الاقتصادي، والباب الثالث، الفكري. في الباب الثاني، الذي خصص للأوضاع الاقتصادية. سبعة فصول بعد تمهيد، تناولت فيه الحديث عن جغرافية الدولة الرستمية وأثرها في ومهدت به للدخول في الفصل الأول الذي تناول الحديث عن
الاقتصاد
الزراعة والرعي وقد رجعت الى اكبر عدد ممكن من الكتب الجغرافية أستقضيها، وانتهيت الى أن الزراعة والرعي عرفا ازدهارا كبيرا يساير.
الازدهار والرخاء الشاملين لجميع البلاد العربية الاسلامية في هذه الفترة أما الفصل الثاني الذي يدور موضوعه حول الصناعة والمهن المختلفة فقد حاولت جهدي أن أتتبع معالم الصناعة في المغرب في عهد الرستميين فوجدت أن معلوماتنا حول هذه النقطة ضئيلة جدا، ولكنها على ضالتها تساعدنا على أن نستنتج أن الصناعة في الدولة الرستمية كانت تساير الزراعة وتعتمد عليها في أغلب الأحيان
أما التجارة التي خصصت لها فصولا ثلاثة، فكانت النشاط الدائم والمستمر الذي كان يقوم به السكان في المغربين الأوسط والأدنى من رعايا الدولة الرستمية، لهذا جعلت الفصل الثالث للتجارة الداخلية، تحدثت فيه عن أهم الأسواق والمراكز التجارية في الدولة، وتطرقت الى البضائع التي كانت تتداول بين تلك الاسواق، كما بينت مدى اهتمام الناس بالتجارة، ثم بعد ذلك الى التعريف بالمكاييل والموازين، قدر المستطاع،
انتقلت
فوجدت أن ذلك متنوع يخضع للعرف أكثر مما يخضع لأي شيء أخر لذلك اختلفت المكاييل والموازين باختلاف المناطق، فضلا عن البلدان
<
الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، دار الفكر العربي 1367 هـ/1948 م، ص 25 وما بعدها - حسن ابراهيم حسن تاريخ الدولة الفاطمية، ط 2، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958، ص 57 وما بعدها
-15 -
-15 - (1/23)
صفحة 24
الا أن السمة العامة التي تتصف بها أسواق الدولة الرستمية، أنها كانت رخيصة البضائع بشكل ملحوظ يشير الى ذلك أغلب الجغرافيين.
وفي هذا المضمار تساءلت عن وجود عملة رستمية أو عدم وجودها فجمعت الآراء المختلفة حول هذه النقطة، وبينت استنادا على نصوص ووثائق احتمال عملة نقدية للرستميين، وان لم يعثر عليها لحد الآن وجود
"
أما الفصل الرابع الذي خصص للتجارة الخارجية مع المغرب والمشرق أي مع البلاد العربية الاسلامية فتناولت الحديث فيه عن المسالك التي تربط تيهرت خاصة بعواصم العالم العربي آنذاك، فحددت مسافاتها وبينت أهمية موقع تيهرت التجاري في المغرب العربي، اذ يتوسط المسالك، كما بينت مرافيء المغرب الأوسط حيث منافذ تيهرت الى الاندلس، التي تربطها بالدولة الرستمية أمتن العلاقات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية. ثم تحدثت عن البضائع المتداولة بين أسواق هذه الدول. وحاولت أن أفرز صادرات الدولة الرستمية عن وارداتها مع هذه الدول، فوجدت أن أصدق صفة يمكن أن توصف بها التجارة في العالم العربي الاسلامي آنذاك
"
هي
صفة التجارة التكاملية
وفي الفصل الخامس، فصلت الحديث عن التجارة الرستمية السودانية تلك التجارة التي هيمنت عليها الاباضية والصفرية بشكل ملحوظ، حتى أطلق عليها بعض الباحثين تسمية التجارة الخوارجية، اذ كانوا المسيطرين على مسالكها ونهايات تلك المسالك، بل لقد كان لبعض الائمة الرستميين علاقات سياسية مع ملوك السودان الغربي، توطيدا للعلاقات الاقتصادية ومحافظة على استمرارها.
وتأتي أهمية التجارة مع السودان الغربي من أهمية البضائع المستوردة من هناك، والمتمثلة خاصة في الذهب والرقيق الأسود.
-16 - (1/24)
صفحة 25
وتناولت مباحث هذا الفصل، التعريف بمالك السودان والمسألك المؤدية اليه، وتحديد مسافاتها، ان امكن، وذكر المصاعب والمخاطر التي
يواجهها التاجر العابر للصحراء الكبرى، وصولا الى السودان الغربي
وفي المبحث الأخير من هذا الفصل تعرضت إلى مظاهر هذه التجارة ومدى مساهمة التجار من رعايا الدولة الرستمية فيها، ومساهمتها في حد ذاتها في رفع مستوى المعيشة بالدولة، وبعث الحيوية والنشاط في أسواقها اذ تشكل أكبر كمية من الذهب والرقيق المستوردين تجارة عبور ترانزيت» على أسواق المغرب الأوبمط، فكانت منها توزع شرقا وشمالا. وبذلك يكون للدولة الرستمية دورها البارز في مساهمتها بهاتين البضاعتين في الاقتصاد العربي الاسلامي انذاك
>>
أما الفصل السادس، الذي وضعت له عنوان «المؤسسة الاقتصادية» بيوت الأموال ودار الزكاة، فقد رأيت لزاما علي أن أتحدث عن هاتين الدارين أو البيتين، رغم قلة المعلومات حولها، وكان الاعتماد الأول على نص صريح لابن الصغير، مؤرخ الدولة الرستمية، ومعاصر أحداثها، وأحد سكان عاصمتها. وقد تبين، حسبما يشير الى ذلك العنوان، أن لأموال الزكاة دارا خاصة بها، ولغيرها من الأموال بيوتا موزعة في مدن وأقاليم الدولة.
وفي الفصل السابع والأخير، أقرنت بين الحسبة ومستوى المعيشة في عن الآخر، فتحدثت عن الحسبة وتعريفها وأول
الدولة، اذ
يعبر أحدهما
من نظمها في الدولة الرستمية، وتطرقت الى بعض مهام المحتسب فيها.
أما عن مستوى المعيشة، الذي لا شك أنه مرتفع، والمعيشة مزدهرة ازدهار الحياة الاقتصادية كلها، فالقصد من التطرق اليه اعطاء خلاصة مستوفية عن الأوضاع الاقتصادية ونتائجها في الدولة الرستمية، فتتبعت مراحل الرخاء والازدهار مرحلة بعد أخرى، وانتهيت الى أن المغرب
-17 - (1/25)
صفحة 26
الاوسط والادنى في عهد الرستميين بلغ درجة راقية في الاقتصاد، بحيث كثرت الاموال في أيدي الناس، حتى استغلت في القضاء على حكم الرستميين والاباضيين عموما، وتلك نتيجة سلبية تردت اليها الأوضاع الاقتصادية، فأودت بالدولة الرستمية وحكامها من الاباضية
أما الباب الثالث، فيبحث في الحياة الفكرية في الدولة الرستمية ولما كانت هذه الحياة غنية ومتنوعة، رأيت تقسيمها الى فصول خمسة بعد تمهيد تناولت فيه الحديث عن دخول البربر افواجا في الاسلام على مذهب الاباضية، وكان هذا قبيل تأسيس الدولة الرستمية واثناءها، ومهدت بهذا للباب الفكري الذي يطغى عليه الطابع الديني، بحيث كان الاهتمام بمسائل الفرق والاختلاف فيا بينها، أبرز مظاهر الحياة الثقافية بالدولة الرستمية.
وفي الفصل الأول، الذي جعلته لدور الحكام في الحياة الفكرية تتبعت
أنه
جهود الرستميين في نشر الثقافة وشغفهم بالعلوم، اذ المشهور عن بيتهم بيت علم، وقد وجدتهم فعلا كذلك، شجعوا المعرفة، وسهلوا تناولها، وانتصبوا لنشرها في المساجد، ولم يكونوا مقلين في التأليف بل ألف بعضهم العديد من الرسائل والكتب تناولت مختلف القضايا المطروحة وقتئذ أغلبها لم تصل إلينا.
وفي الفصل الثاني الذي وضعته للمؤسسات التعليمية والدراسات المتداولة بها، افترضت أن الكتاب هو أهم مؤسسة تعليمية للصغار اذ تعتبر اللبنة الأولى لدور التعليم في المغرب العربي. وتحدثت عن حلقات العلم في المسجد، ولم انس المكتبات وأهم المراجل التعليمية التي يطويها طالب العلم وأهم الدراسات التي يتناولها من الشيوخ أو المؤرخين، على الرغم من أن مصادرنا كانت بخيلة في تزويدنا بمعلومات في هذا الشأن.
وأما الفصل الثالث، فقد بحثت فيه اصناف العلوم وذكرت أهم العلماء وقسمته الى ثلاثة مباحث، تناولت في المبحث الأول العلوم النقلية من
-18 - (1/26)
صفحة 27
تفسير وحديث وفقه، فشرحت مساهمة العلماء في الدولة الرستمية في تلك العلوم وذكرت تراجم لبعضهم، ولم أجد اشارة واضحة الى اهتمام الاباضية في المغرب العربي بالحديث بقدر ما اهتموا بالفقه والفتوى في الحلال والحرام. ويبدو أن هذه الفكرة لم تتبلور عندهم في ذلك الوقت لذلك لم
يصرحوا بها.
أما المبحث الثاني الذي خصص للعلوم العقلية، فتحدثت فيه عن المناظرات الكلامية والفقهية، التي راجت سوقها بتوافد مختلف الفرق الاسلامية إلى تيهرت فتمنت كل فرقة أن تناظر الاخرى، وتغلبها، فبرز في هذا المجال عدد من العلماء المناظرين وقدمت امثلة حية عن تلك المناظرات التي طبعت الحياة الفكرية في الدولة الرستمية بطابعها
الأئمة
وفي هذا المبحث، تحدثت عن العربية والبربرية وكيف شجع الرستميون لغة الاسلام بأن جعلوها لغة بلاطهم، وكيف اهتم المغاربة باكتساب هذه اللغة، وكل هذا كان جنبا إلى جنب مع البربرية التي نظم بها الشعر وألفت بها الكتب، اذ تعتبر هذه الفترة بداية تحول المغاربة الي اللغة العربية، ولا أدل على ذلك من كتابة البربرية بحروف عربية، فتلك خطوة عملاقة نحو التعريب الاكمل الذي سوف يكون على يد القبائل العربية الوافدة على المغرب في القرن الخامس الهجري
وفي هذا المبحث كذلك تطرقت الى اللغة العربية نحوها وآدابها فكشفت عن عدد من المغدورين في علم النحو وترجمت لهم وأثبت كونهم من رعايا الدولة الرستمية، أما الآداب فقد برز فيها الائمة الرستميون خاصة برسائلهم فأثبت نصوصا للامام أفلح، والاعتقاد السائد أن الرستميين لم يكونوا من مشجعي الآداب، أو على الاقل لم تصلنا أخبار الأدباء وتراجمهم لأن أصحاب الطبقات والسير الاباضية لم يكونوا يهتمون الا بالمشائخ والفقهاء، فكانوا بعيدين من أن يذكروا شاعرا أو أديبا. ورغم ذلك وجدنا
-19 - (1/27)
صفحة 28
شاعرا مفلقا وهو بكر بن حماد التيهرتي المتوفى سنة 296 هـ، أثبت بعض
أشعاره، وهو في
حد ذاته يدل على وجود شعراء غيره، على الأقل، أقل
منه جودة في الشعر لم نعثر عليهم.
وتحدثت ضمن العلوم النقلية عن التاريخ، وأشهر المؤرخين واهتمام
الامام أبي بكر بن أفلح بأخبار الماضين
أما المبحث الثالث في الفصل الثالث فقد جعلته للعلوم الدنيوية وأقصد بها الطب والفلك والحساب، وكانت علوما برز فيها الائمة الرستميون دون غيرهم، وأما الطب فقد افترضنا وجوده افتراضا، لأن النصوص لا تشير اليه، ولكن ضرورة المجتمع تقتضيه، والقياس على الحال في مختلف أقطار الاسلام يستوجبه، ولم تساهم الدولة الرستمية في هذه العلوم الا مساهمة ضئيلة
أما الفصل الرابع، فقد خصصته للحديث عن المرأة ودورها في الحياة الفكرية، إذ وجدت من بينهن العالمات، والحاضرات حلقات العلم والشاعرات بالبربرية، فكانت لها بذلك مساهمتها في هذه الحياة.
أما الفصل الخامس والأخير، والذي وضع للعلاقات الثقافية بين الدولة الرستمية وغيرها من دول المغرب والمشرق العربيين، وبينها وبين السودان الغربي، يمكن اعتباره حصيلة الحياة الفكرية في الدولة الرستمية اذ تعتبر العلاقات الثقافية أهم عوامل التأثير و التأثر التي أبرز ما تكون في الدول العربية الاسلامية مشرقها ومغربها، لذلك وجدت عديدين مشارقة ومغاربة وأندلسيين طاب لهم المقام في تيهرت، كما وجدت علماء اباضية أو غيرهم خرجوا لطلب العلم أو الاستفتاء خاصة من علماء البصرة. كما يعتبر الحج من أهم مظاهر العلاقات المشرقية الرستمية، وكان الاباضية من أهل جبل نفوسة من أكثر الناس حجا.
علماء
-20 - (1/28)
صفحة 29
وكانت للعلاقات الرستمية السودانية أكبر الاثر وأدومه، اذ بواسطتها تم
نشر الإسلام في جزء من السودان الغربي، ويقال ان للاباضية وجودا الى يومنا هذا في بعض قرى تلك المناطق. وكان للتجارة الواسعة التي ربطت المغرب بالسودان آثار واضحة في تكوين لغة خليط من العربية والبربرية والسودانية، تعارف عليها التجار العابرون للصحراء لاقتناء الذهب
وفي الخاتمة رسمت معالم حضارة هذه الدولة الاقتصادية والثقافية وقدمت خلاصة ما سبق ذكره في الابواب الثلاثة، وانتهيت الى أن الدولة الرستمية، ساهمت بشكل ملحوظ في تطور الحضارة العربية الاسلامية واثرائها.
وليس بالأمر الغريب أن أذكر أن عدة مشاكل وصعوبات اعترضتني كما تعترض أي باحث مبتدئ مثلي، كان أهمها تشتت مصادر البحث ومراجعه في مختلف المكتبات بمختلف الدول والمدن، لذلك وجدتني أكثر الترحال للتثبت من معلومة، أو بحثا عن أخرى، فزرت في هذا الخصوص اضافة الى الجزائر، فرنسا وتونس، وكانت استفادتي منها ضئيلة جدا، ربما لجدة التجربة، وكنت دائما أشعر بهذا، وكلما أقدمت على حكم، أو تقرير حقيقة أو نفي ما ثبت عندي نفيه، الا وشعرت بمسؤولية الكلمة وثقلها، وجدة تجربتي وابتدائي لطريق لم اكن قد اقتحمت اغواره. وسرعان ما ينجلي هذا الشعور لما أشرك استاذي المشرف محمد توفيق حسين، اذ لم يتم هذا البحث الا تحت رعايته الابوية، وتوجيهاته الصميمة الهادفة، فكنت محظوظا باشرافه ومتشرفا بأستاذيته، أطال الله عمره
ولا يفوتني أن أشكر جامعة بغداد وكلية الآداب، هذه الجامعة الخالدة التي شرفتني بالتخرج فيها، وقد وجدت في احضانها كل رعاية ومساعدة وتسهيل للصعاب
وفي الختام، أود أن أشير إلى أن هذا البحث، الذي أشغل بالي وفكري
-21 - (1/29)
صفحة 30
مدة طويلة، حاولت فيه أن اقترب من الحقيقة، قدر استطاء فاجتهدت في موضع الاجتهاد، وقلدت في موضع التقليد، ولا أبالغ اذا قلت ان هذه الدراسة جديدة في موضوعها، وطرحها، وخطتها، لذلك ان وفقت، فمن الله، وهو مقصدي، وان كان غير ذلك، فحسبي أنني ما أبقيت من جهدي شيئا، وشفيعي النص الذي قاله العماد الاصفهاني، ونقله عنه ياقوت الحموي، بحيث جعله فاتحة كل جزء من الاجزاء الاثنين والعشرين من معجمه ارشاد الأريب، وأنا بدوري أقتبسه منه لأجعله
خاتمة
:
مقدمتي
هذه فأقول:
انى رأيت أنه لا يكتب انسان كتابا في يومه الا قال في غده، لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر
ا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا. والله ولي التوفيق.
بغداد في محرم عام 1404 هـ / نوفمبر عام 1983
-22 - (1/30)
صفحة 31
المصادر والمراجع) عرض وتحليل
لا شك أن دراسة المصادر المعتمدة في هذا البحث، تقدم صورة واضحة للمعلومات الواردة فيها، وتظهر قيمتها، وتبين درجة دقتها
لهذا ارتأينا ابتداء، أن نصنفها الى مصادر اباضية أولية، ومصادر غير اباضية. ومراجع حديثة اباضية وغير اباضية وفرنسية. وهذا التصنيف في حد ذاته، يقرب الفكرة، ويسهل تناولها
1 - المصادر الاباضية:
يتفق الدكتوران محمود اسماعيل وعوض خليفات (1)، على أن الاباضية بخلاف الفرق الخارجية المتطرفة، قد خلفت تراثا ضخما في التاريخ والسير والعقائد لا يزال الجزء الاكبر منه مخطوطا في حوزة الاباضية بمناطق وجودهم بميزاب، الجزائر، أو جزيرة جربة بتونس، أو جبل نفوسة بليبيا أو سلطنة عُمان، اضافة الى بعض المكتبات العامة كدار الكتب المصرية (2). ولعل ما ضاع منها بسبب الفتن (3)، أو التلف نتيجة اخفائها (4) عن
(1) محمود اسماعيل: الخوارج في المغرب الاسلامي - ليبيا تونس - الجزائر - المغرب - موريتانيا، دار العودة - بيروت، 1976، ص 15 - عوض خليفات، نشأة الحركة الاباضية، جامعة عمان، عمان 1978، ص 14 (2) حاولت الذهاب الى مصر في الشهر السادس من عام 1981 م الا انني طردت منها بعد وصولي الى مطار القاهرة. ولم اتمكن بعد ذلك من الذهاب مرة أخرى، وقد حصلت على أهم المصادر الاباضية من مكتبات الاباضية الخاصة بالجزائر على الخصوص.
(3) ان احراق مكتبة المعصومة من طرف أبي عبد الله الشيعي، وكانت تضم عشرات المجلدات، قد ضيع علينا تراثا ضخما كان من الممكن أن يساعدنا في تتبع حضارة هذه الدولة وتاريخ المغرب العربي في تلك الفترة. انظر: أبا زكرياء يحيى بن أبي بكر: كتاب سير الأئمة واخبارهم، تحقيق اسماعيل العربي. اصدارات المكتبة الوطنية، الجزائر 1399 هجري - 1979 م، ص 113، الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد: طبقات المشائخ بالمغرب ج 1، تحقيق ابراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة 1394 هجري، 1975 م، ص 94. (4) النديم أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب اسحق: كتاب الفهرست تحقيق رضا تجدد، بلا مكان الطبع 1391 هـ،
-23 -
1971 م:، ص 233 (1/31)
صفحة 32
الاعين وبالتالي عدم تداولها اكثر مما تبقى، وما هو اليوم مخطوط ولم يطبع سيبقى في خطر، لأنه معرض الى عدة عوامل من التلف والضياع ...
يعتبر كتاب «شرائع الدين» للواب بن سلام بن عمر اللواتي، من الكتب الاباضية التي الفت في زمان الرستميين، وهو كما يقول لويسكي) Lewicki) . أقدم كتب السير في شمال افريقيا (5)
ولا نعرف شيئا كثيرا عن لواب بن سلام مصنف هذا الكتاب. الا أننا نعرف عنه أنه كان يسكن توزر بالجنوب التونسي قبل سنة 240 هـ بقليل (6) ويذكر الشماخي أن لوابا كان ممن أوتي الحكمة وهو صغير (7) وتناول كتاب لواب عدة مواضيع (3)، كانت افادتنا منها خاصة في الباب السياسي اذ تحدث عن توراث الاباضية ابتداء من سنة 140 هـ، كما أننا اعتمدناه في الباب الفكري اذ ذكر اسماء العديد من العلماء الذين كانوا بالقيروان، كما حفظ رسالة للامام عبد الوهاب وجهها الى أهل طرابلس.
وكثيرا ما يذكر لواب مصادره، وأغلبها شفوية، ويتحدث عن نفاث بن نصر النفوسي (9) أحد معاصري الامام أفلح بن عبد الوهاب (208 هـ - 258 هـ) والمنشقين عنه، كما اعتمد على مصادر لم يذكر عناوينها هذا ولا مصنفيها يفهم من الغرض الذي دفعه الى وضع كتابه ذاك حيث يقول «وانما دعانا الى وضعنا كتابنا هذا، جمعنا فيه من دواوين العلم والاثار، تسمية قاداتنا وفقهائنا، (10)، ويبدو لنا من هذا النص أن ما
?
Lewicki Tadeusz : Kitab as-sijar d'Abul-Abbas Ahmed as-sammahi, extrait de la revue (5)
وانظر مقدمة الطبعة الثانية 37. des études islamiques, cahier N' : I, imp. Arrault, Paris 193, p لا يزال هذا الكتاب مخطوطا رغم صغر حجمه، استنسخه الشيخ ناصر المرموري احد مشائخ مدينة القرارة بمنطقة ميزاب بالجزائر، من النسخة الفريدة الموجودة بجزيرة جربة وعلى نسخة القرارة اعتمدنا في هذا البحث
(6) لواب بن سلام: شرائع الدين، (مخطوط) ورقة 44
(7) الشماخي أحمد بن سعيد: كتاب السير، طبعة حجرية، القاهرة 1301 هـ، ص 244 ـ 245 (8) لمزيد من المعلومات أنظر الباب الثالث، الفصل الثالث. مبحث التاريخ من هذا البحث. (9) لواب: شرائع (مخطوط) ورقة 36
(10) المصدر نفسه، ورقة 48
-24 - (1/32)
صفحة 33
وصلنا من كتاب لواب أقل بكثير من أصله، لان جمع ما في دواوين العلم، والاثار التاريخ) يحتمل أن يكون مجلدا ضخما، وليس كتابا في حوالي خمسين صفحة. ورغم ذلك فالكتاب مهم كما سيظهر من الهوامش التي أشرنا فيها اليه.
الأئمة
أما الكتاب «سير سير الأئمة وأخبارهم، لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني (11) المتوفى سنة 471 هـ، فيعتبر أهم كتاب إباضي جمع سير الرستميين وأحداث دولتهم، ويمكن أن نقول، دون مبالغة، أن أبا زكرياء وضع كتابه أساسا لذلك الغرض، فأطنب في الحديث عن الاباضية ابتداء من انتشارها في بلاد المغرب، فثوراتهم ضد بني العباس، ثم تأسيس الدولة الرستمية سنة 160 هـ. وتحدث عن الفتن أو ما يسميه الافتراق في صفوف الاباضية وذكر ثلاثة افتراقات منها حدثت زمان الرستميين: النكارية والخلفية والنفاثية (12).
واستمد أبو زكرياء معلوماته من شيوخ الاباضية الذين التقى بهم وسمع
C
منهم، لذلك فان مصادره شفوية، ولا غرو ان لمسكنه بوارجلان، حيث آخر معاقل الرستميين بعد سقوط دولتهم، الأثر الكبير في تأليف كتابه والتركيز على تاريخ الدولة الرستمية بالذات. ويذكر أبو زكرياء عدة مرات أبا الربيع سليمان بن يخلف، وهو أحد معاصريه وينتمي الى قبيلة مزاتة، يذكره أبو زكرياء كأحد رواته العديدين. ونحن نعلم أن أبا الربيع
(11) طبع هذا الكتاب المهم لاول مرة مترجما الى الفرنسية سنة 1878 م من طرف الاستاذ المستشرق ماسكراي (Masqueray) ، وبقي مخطوطا الى سنة 1979 عندما اخرجه الى النور مطبوعا الاستاذ اسماعيل العربي وزوده بهوامش عديدة مهمة تباعد على فهم الكتاب، رغم وجود بعض الاخطاء وكان بامكانه ان يتحرى اكثر. عن الترجمة الفرنسية أنظر: Masqueray Emile: chronique d'Abu Zakaria le edition, imp. asso
ciation ouvrière. Alger 1878
(12) عن هذه الفرق التي زالت كلها اليوم. انظر عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الاباضية في شمال افريقية في مرحلة الكتمان شركة المطابع النموذجية، عمان الاردن، 1982، ص 103، 114، 115، وأنظر كذلك الباب الاول الفصل الرابع، الباب الثالث، الفصل الثالث المناظرات وعلم الكلام.
3
- 25 - (1/33)
صفحة 34
هذا
مصنف كتاب في السير أيضا، توفي في نفس السنة التي مات فيها هو أبو زكرياء، أي سنة 471 هـ، من هنا يتضح لنا أن أبا الربيع كان من المعاصرين لأبي زكرياء. وإذا كان كتاب سير أبي زكرياء من الأهمية التي ذكرناها، فان سير أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (13)، لا ترقى الى تلك الاهمية فيما يخص تاريخ الدولة الرستمية اذ لم يضعها كأبي زكرياء لذلك الغرض، ويغلب عليها الطابع العقائدي لهذا فان اعتمادنا على سير أبي الربيع ضئيل جدا، بعكس اعتمادنا على سير أبي زكرياء التي لا تخلو هذا البحث من الاشارة اليها. وقد كان كتاب سير أبي زكرياء معتمد لدى كتاب السير والطبقات الاباضيين المتأخرين مثل الوسياني والدرجيني والشماخي، اذ نجد هذين الاخيرين خاصة ينقلان عن أبي زكرياء نصوصا وربما صفحات باكملها دون تغيير فيها الا نادرا
صفحة من
أهم.
ولا شك أن سبق أبي زكرياء غيره من الاباضية في تدوين تاريخهم هو الذي جعله مرجع من جاء بعده. والى هذا يشير الوسياني عندما يقول «له فضل السبق في هذا) أي تدوين تاريخ الاباضية) لم يأل خيرا برأفته و همته وفراسته (14).
" (
والوسياني هو أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان، صاحب كتاب السير الذي يعرف باسمه. فيقال «سير الوسياني»، ولا يزال هذا الكتاب مخطوطا. وتوجد عدة نسخ منه متفرقة (15). أما عن مصنفه
(13) المزاتي: أبو الربيع سليمان بن يخلف: كتاب السير، طبعة حجرية تونس 1341 هـ، وهو ضمن مجموعة من الكتب مثل الرد على الانجليزي للشيخ أطفيش. وجواب الشيخ أبي مهدي عيسى بن اسماعيل، ويبدو ان نسخ هذا الكتاب ضئيلة جدا، لا توجد إلا عند الإباضية.
(14) الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام: سير، (مخطوط) ورقة 2. (15) اعتمد الباحث على النسخة الموجودة في حوزة الشيخ بابانو ببلدة بني يسجن بالجزائر. واشكر هنا الاستاذ ابراهيم طلاي على تسهيله لي الحصول والاطلاع عليها. وتوجد نسخة منها في دار الكتب المصرية واخرى في بولندا بمعهد العلوم الاسلامية في جامعة لوو (Lwow) تحت رقم 277. أنظر Lewicki. t: l'état nord
11 .Africain de Tahert. (C.E.A. p.521. Lewicki. T: études Ibadites nord Africaine. p (سيأتي التعريف بها) وانظر مقدمة الطبعة الثانية
- 26 - (1/34)
صفحة 35
الوسياني فلا نعرف عنه أكثر من أنه من بلاد الجريد، قضى فترة من الزمن بوارجلان، أهم معاقل الاباضية بعد انقراض الدولة الرستمية، ويقول الدكتور محمود اسماعيل بأنه توفي سنة 418 هـ (14)، الا أن هذا على ما يبدو وهم، اذ أن الدرجيني يضعه في الطبقة الثانية عشر (550 - 600 هـ) ويقول عنه هو «الحافظ للسير والأثار، المروي عنه التواريخ والأخبار، لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الأعصار» (17). ونرجح ما قاله الدرجيني لقدمه، فضلا عن أن الدكتور محمود اسماعيل لم يشر الى مصدره الذي استقصى منه تاريخ وفاة الوسياني
وقد ذكر الوسياني سبب تأليفه للكتاب عندما قال: «اني نظرت الى الآثار قد امتحت، والى أخبار أهل دعوتنا قد انطمست، فأحببت أن أؤلف لكم منها كتابا مما بلغني وصح عندي ولما تخالجني فيه الشكوك» (18)، وفي مكان آخر من سيره يقول «وما رأيت من أهل زماننا من قلة المبالاة وكثرة المارات على الحق والمداراة على القول بالصدق وركنوا الى الجهل ... ومالوا الى الدنيا وتسارعوا الى السفلا (كذا)» (19)
وهكذا يتضح لنا من خلال هذين النصين مدى جدية الوسياني ونظرته البعيدة الى التاريخ، تاريخ مذهبه ورجاله بالخصوص، ويظهر
من النص أيضا مدى احتراز الوسياني من الروايات فهو، كما يقول
يثبت في كتابه الا الروايات التي صحت عنده ونم تخالجه فيها الشكوك
،
ويشير الوسياني، من جهة أخرى، الى مشائخه الذين روى عنهم سيره كالشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد العاصمي ثم اللواتي والشيخ أبي محمد ماكسن
(16) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 18
(17) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 513. وأنظر: 11. Lewicki. T: ibid, p
(18) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 2.
(19) نفسه: ورقة 111
-27 - (1/35)
صفحة 36
ابن الخير الجرامي ثم الوسياني والشيخ معبد بن أفلح وغيرهم من أخيار
الاباضية كما يقول (20)
واتبع الوسياني في كتابه طريقة تختلف عن طريقة أبي زكرياء، في بعض الوجوه اذ لم يكرر ماذكره أبو زكرياء، قبله، مثلما فعل الدرجيني أو الشماخي كما سنرى، وانما خصص لكل شيخ من شيوخ الاباضية ترجمة يذكر فيها الروايات التي نسبت للشيخ المترجم له. ثم سلك مسلكا آخر عندما خصص لكل منطقة اباضية عنوانا يذكر تحته الروايات التي تنسب الى تلك المنطقة، فذكر روايات أهل جبل نفوسة ثم روايات جربة وروايات تيهرت وهكذا ... وكان هدفه من وراء ذلك ذكر المسائل الفقهية التي اختلف حولها، أو عرضت على المشائخ، ولا يخفى ما لهذه الروايات من فائدة، أغنت البحث، وزوّدته بأسماء عدة مشائخ لهم في الفقه الاباضي أكبر الاثر وأدومه، اضافة الى بعض النصوص التاريخية والاقتصادية وهي
قليلة جدا ويعتبر كتاب طبقات المشائخ بالمغرب للدرجيني أهم كتاب أعتمد عليه الباحث جنبا الى جنب مع كتاب أبي زكرياء، وربما يفضله في نواح) ستتبين لنا بعد أن نذكر ترجمة المؤلف
(21)
الدرجيني هو أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف
عاش بمنطقة درجين ببلاد الجريد واليها ينسب في القرن السابع الهجري:
اذ توفي حوالي سنة 670 هـ. وكان لعائلته دور فعال في الفكر والاقتصاد
(20) نفه، ص 2.
6
،
(21) رغم أهمية هذا الكتاب، فانه لم ير النور الا في سنة 1974 - حققه الاستاذ ابراهيم طلاي وقام بطبعه ووضع فهارس له أغلبها مضطرب وأكتفى بقليل من الهوامش والتحقيقات. وهو يشعر بهذا النقص يقول الاستاذ الفاضل ه وبودي لو أخرج الكتاب وعليه دراسة علمية وتحقيقات تاريخية لتكون فائدته أكمل وأشمل، ولكن اعتقد ان هذا العمل سيكون خطوة ثانية بعد تحقيقه وطبعه، وعسى أن يجد من أبنائنا الطلبة والرجال المتفرغين للبحث من ينتدب لذلك أن أكون قد قمت بأول خطوة في الموضوع، أنظر مقدمة المحقق: لطبقات
الدرجيني ج 1
وحي
،
-28 - (1/36)
صفحة 37
اذ كان أجداده من الفقهاء البارزين، وجده علي هو الذي أدخل الاسلام الى مالي سنة 575 هـ، عندما هدى ملكها الى الاسلام، وكان جده علي من كبار التجار مع بلاد السودان (22)
هذا
ويذكر البرادي في القرن الثامن الهجري سبب تأليف أبي العباس الدرجيني للطبقات، فيذكر أن أحد مشائخ المغرب زار بلاد عمان - فطلب منه مشائخها قبيل عودته الى المغرب، تزويدهم بكتاب جامع لسير مشائخ المغرب «فنظروا في كتاب الشيخ أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر فوجدوه مخلا ببعض التفصيل، قاصرا دون أمد التحصيل، مع أن لسان البربرية أورد ألفاظه وارد التكليف، وقلة تحفظه على قوانين العربية أدخل ببعض معانيه مجاهل التعسف فاهتموا بتصنيف كتاب يشتمل على سير الدولة الرستمية ومناقب الاسلاف كما طلب ذلك اليهم. فلم يروا أهلا لهذا التصنيف غير أبي العباس» (23)
وهكذا يتبين لنا من خلال هذا النص أهمية كتاب الدرجيني، بحيث ألفه للمشارقة أصحاب اللغة العربية. والحقيقة أن أسلوب الدرجيني قوى جدا بحيث أعاد صياغة كتاب سير أبي زكرياء وسبكه، وخصص الجزء الاول من طبقاته لهذا الغرض، فلم يضف فيه الا قليلا، وانما نقل معلومات أبي زكرياء وضمنها كتابه أما الجزء الثاني من الطبقات، فقد أبدع فيه الدرجيني، ويعتبر انتاجا أصيلا له، اعتمد فيه على سير الوسياني خاضة اذ يقول عن ذلك «ومتى وجدت في هذا الكتاب أو غيره رواية قديمة عن أبي الربيع فهو راويها عن شيوخه الأخبار» (24)
(22) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 513 - 522 وأنظر كذلك باجية صالح: الاباضية بالجريد في العصور الاسلامية الأولى، دار بوسلامة للطباعة والنشر، تونس 1396 هـ / 1976 م، ص 206 - 212. (23) البرادي أبو القاسم محمد بن ابراهيم: الجواهر المنتقاة في اتمام ما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية،
قسنطينة، 1302
(24) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 513.
- 29 - (1/37)
صفحة 38
ومما أبدع فيه الدرجيني فعلا هو تقسيمه الكتاب الثاني الى طبقات كل
طبقة تضم جيلا فجعله اثنتي عشرة طبقة، كل طبقة خمسون سنة. فترك السنوات الخمسين الاولى من الهجرة عن قصد اذ يقول عنها «هم أصحاب رسول الله ... فضيلتهم أشهر، ومزاياهم وأسماؤهم أظهر من أن تحتاج الى تسميتهم .... ما أغنى عن تكلف تصنيف، وانتحال تأليف .... » (25)، ولم يذكر من هذه الطبقة الا الله عبد بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي وانطلق بعد سنة خمسين من الهجرة، يذكر الطبقات الواحدة تلو الاخرى وأهم الاعلام والمشائخ، كل في طبقته
وظاهر، ما لهذا المنهج من فائدة، اذ غالبا ما أهملت كتب الاباضية ذكر السنوات اطلاقا وسنين وفاة المشائخ خاصة، فملأ الدرجيني هذا الفراغ عندما صنف المشائخ الى طبقات، وحدد تواريخ وفاتهم بذلك. وكان لنا مرجعا هاما في هذا الخصوص بالذات، فضلا عن المعلومات التاريخية القيمة التي تضمنها الجزءان من كتاب الطبقات وهي معلومات استمدها من مؤلفات مشرقية ككتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل فيما يخص مشائخ الاباضية بالمشرق، وكثيرا ما ذكر الدرجيني هذا الشخص وغيره من مصادره ورواته
<
ورغم أهمية كتاب الدرجيني، خاصة فيما يخص تاريخ الدولة الرستمية وعلمائها، نجد أحد المتأخرين عنه، وهو البرادي أبو القاسم محمد بن ابراهيم المتوفى في القرن الثامن الهجري (26)، ينتقده، ويضع كتابه الذي يجعل له هذا العنوان «الجواهر المنتقات في اتمام ما أخل به كتاب الطبقات» (27) أي
طبقات الدرجيني.
(25) نفسه، ج 2، ص 201.
(26) أنظر ترجمة البرادي الذي عاش في جزيرة جربة، علي يحيي معمر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة، الاباضية في تونس دار الثقافة، بيروت، 1385 هـ / 1966 م، ص 151 وكذلك الشماخي سير ص 574. (27) طبع الكتاب لاول مرة سنة 1302 هـ بقسنطينة (الجزائر) طبعة حجرية وتوجد نسخة منه مخطوطة بمكتبة
الدراسات العليا، كلية الأداب، جامعة بغداد، تحت رقم 2022، ناقصة
وهي
- 30 - (1/38)
صفحة 39
>>>
والحقيقة أن ما ذكره البرادي من نقص في طبقات الدرجيني لا يهم
البحث كثيرا لانه انتقده على تركه الطبقة الاولى (1 هـ - 50 هـ) حيث لم يذكرها بتفصيل، كما فعل مع الطبقات التالية، وفي هذا يقول البرادي. إني رأيت كتاب الطبقات ضالة عزنا شدوها ومنشدوها ومنهلا عذبا قد أعوز واردوها وموردوها .... وقد كنت كلفت به منذ تراءى لي علمه ونهى إلي علمه (كذا) ... فتصفحت عند ذلك صفحاته وتنشقت نفحاته فوجدته كما تصفه الالسن .... الا أنه أغفل عن ذكر الصدر الاول وأخل بذكر ما عليه المعول ... وزعم أن شهرته مغنية عن الدلالة عليه، فرأيت ذلك وصمة أزرت بكماله وسماجة قصرت عن مدى أمثاله» (28)
وفي فقرة أخرى يقول البرادي «والسبب الذي كتبت به هذا الكتاب أني نظرت الى كتاب الطبقات في ترتيب بيانه وحسن نظامه وتبيينه معالم المذهب واعلامه فرأيته في خلوه عن ذكر الأئمة من الصحابة وبيان الفتنة وأحكامها وكيف نجا من نجا وهوى من هوى عاريا من بعض المقصود تاركا لبعض المعهود» (29).
عنهم
وهكذا يتضح لنا أن ما أتم به البرادي كتاب الدرجيني انما هو مقتصر في ذكر الصحابة، رضي الله، والفتنة الكبرى التي ابتدأت في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ض) (ت 35 هـ) والكتاب مهم من هذه الناحية اذ يوضح وجهة نظر الاباضية في أحداث السنين الأولى
من الهجرة
ويكاد يقتصر اعتمادنا على هذا الكتاب على قائمة كتب الاباضية التي ذكرها للمشارقة والمغاربة، حيث وضع البرادي تقييدا لكتب أهل الدعوة الاباضية في جواهره، ويبدو أنه كررها في رسالة له نشرها الدكتور عمار
(28) البرادي: الجواهر، ص 3.
(29) نفسه، ص 54.
-31 - (1/39)
صفحة 40
طالبي كملحق (30) الأطروحته التي تناولت تحقيق كتاب أبي عمار عبد الكافي الاباضي (ت قبل سنة 570 هـ) الموسوم بالموجز، وهو في عقائد الاباضية الكلامية.
وفي القرن العاشر الهجري أو قبل ذلك بقليل، ألف الشماخي سيره التي تعرف به والشماخي هو أبو العباس بدر الدين أحمد بن أبي عثمان سعد بن عبد الواحد، المتوفى سنة 928 هـ. وهو من أهل جبل نفوسة ينحدر من
أسرة مشهورة بالعلم (37)
وسير الشماخي تعتبر آخر مرحلة استقام فيها التأليف لدى الإباضية في هذا الفن، أي فن السير والطبقات، اذ استطاع الشماخي بما أوتي من ذكاء وحفظ"، أن يجمع سير أبي زكرياء الوارجلاني والمزاتي وسير الوسياني وطبقات الدرجيني وجواهر البرادي فيؤلف كتابا جامعا شاملا، يبدؤه من البعثة النبوية الشريفة الى أيامه. ولم يقتصر الشماخي على تلك الكتب والنقل منها وانما اعتمد كتبا لغير الاباضية كالرقيق القيرواني، وابن الصغير والمبرد والمسعودي ... فضلا عن كتب اباضية مشرقية ومغربية وروايات شفوية
وقد أتبع الشماخي طريقة مغايرة للدرجيني اذ جعل طبقاته فيا يخص علماء وأحداث الدولة الرستمية عبارة عن دولة كل امام فيذكر طبقة الامام عبد الرحمن بن رستم، فطبقة الامام عبد الوهاب، ثم طبقة ابنه أفلح وهكذا والواقع أن فعل الدرجيني أدق واضبط من الشماخي وإن كان الاسلوبان يتكاملان في عدة مناسبات.
(30) أبو عمار عبد الكافي: الموجز - ج 2 - تحقيق عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ / 1978 م،، ص 281 وما بعدها (31) أنظر ترجمة الشماخي: في: علي يحي معمر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، القسم الثاني، مكتبة وهبة، مطبعة الاستقلال الكبرى، مصر، 1384 هـ / 1964 م، ص 125. وأنظر خاصة: Lewicki. T
-32 -
Une chronique Ibadite, opcit, p.65 (1/40)
صفحة 41
وقد اعتمدت على كتاب الشماخي، الى جانب اعتمادي على كتاب أبي زكرياء الوارجلاني والدرجيني، اذ يعيد ماقالاه، وكثيرا ما وجدته يصحح أخطاء سالفيه، أو يوضح الفكرة والنص المبهمين، وكانت سير الشماخي أول معتمد الباحثين والكتاب قبل طبع سير أبي زكرياء وطبقات الدرجيني، لهذا فان الباحث تحول عن هذه القاعدة، ورجع الى الأصل دون اهمال الفرع في غالب الاحيان، وبقدر الامكان.
الى جانب هذه التصانيف التي تشكل العمود الفقري بالنسبة الى هذا البحث، هناك عدة كتب اعتمد عليها الباحث لمؤلفين اباضية ككتاب العدل والانصاف في أصول الفقه والاختلاف (32) وكتاب الدليل لأهل العقول وكلاهما للشيخ أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني المتوفى سنة 570 هـ (33) وهما في عقائد الاباضية وأصول الفقه، اضافة الى كتاب الكشف والبيان للقلهاتي أبي عبد الله محمد بن سعيد الازدي المتوفى في أوائل القرن الرابع الهجري (34). وكتاب كشف الغمة الجامع لاخبار الامة لمؤلفه سرحان بن سعيد الازكوي الذي عاش في القرن الثاني عشر الهجري (35). وهو اباضي غماني ذكر في كتابه المطول تاريخ الدولة الرستمية اقتبسه حرفيا من سير أبي زكرياء وقد أهملنا ذكره في الهوامش لتأخره زمانا ولكونه لم يأت بجديد، اللهم الا في الاعتقادات الاباضية وغيرها، وقد فصلها، وهو يطعن في المذاهب التي لا ينتمي اليها (36) والكتاب على العموم مهم في
(32) لا يزال هذا الكتاب مخطوطا وتوجد نسخة منه في حوزة السيد الحاج سعيد محمد بن أيوب بمدينة غرداية بالجزائر أطلعني عليها مشكورا. (33) أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني: الدليل لأهل العقول ثلاثة أجزاء في مجلد واحد ـ طبع بالمطبعة البارونية - طالون مصر طبعة حجرية، 1306 هـ (34) اعتمدت على المخطوط في البداية ثم عثرت على الكتاب مطبوعا سنة 1980 في عمان فتحولت اليه. القلهاتي: أبو عبد الله محمد بن سعيد: الكشف والبيان، تحقيق د. سيدة اسماعيل كاشف، مطبوعات وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1400 هـ /1980 م ص 7 (35) هذا الكتاب لا يزال مخطوطا اعتمد الباحث على النسخة الموجودة بالمكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 346. تاريخ، وتوجد نسخة أخرى مبتورة في مكتبة الدراسات العليا، كلية الآداب جامعة بغداد تحت رقم 2005 (36) الأزكوي: كشف الغمة (مخطوط) ابتداء من ورقة 318 وما بعدها.
-33 - (1/41)
صفحة 42
تاريخ عمان والمذاهب الاسلامية وهناك كتب أخرى اباضية مثبتة في الهوامش لاداعي الى ذكرها في هذا البحث.
ومجمل القول، ان المصادر الاباضية من الاهمية بحيث لا يمكن لأي باحث يريد الكتابة عن الاباضية كمذهب أو كتاريخ للدولة الرستمية، الاستغناء عنها، فهي التي تمدنا بالمعلومات والنصوص التاريخية الأولية التي سكتت عنها أغلب المصادر غير الاباضية كما سنرى
ومما يدل على القيمة التاريخية لتلك المصادر، وابتعاد مؤلفيها عن الوضع والكذب (37) أن نصوصا منها عديدة نجدها في المصادر السنية أو غيرها كتطابق بعض الاحداث التاريخية المروية من طرف المصادر الاباضية مع رواية ابن الصغير المالكي وهو المعاصر للدولة الرستمية وأئمتها كانت المصادر الاباضية غالبا ما تسكت عندما يكون في المسألة مس بشخصية أحد أئمتها أو علمائها الامر الذي نجد تفاصيله عند ابن الصغير، ومثال ذلك فتنة ابن عرفة وتورط الامام أبي بكر بن أفلح فيها
وان
وكثيرا ما نجد كرامات أو خوارق للعادة منسوبة لهذا الامام أو ذاك الشيخ وهي بطبيعة الحال، تعبر عن العقلية السائدة في زمان كتابة تلك المصادر وهي من جهة أخرى لا تخلو منها كتب التاريخ والطبقات غير الاباضية في العصور الوسطى، وبهذا فان ذلك لا يقلل من اهميتها التاريخية وقيمتها الملموسة
(37) يذكر ابن تيمية أن .... الخوارج مع أنهم مارقون ... ليسوا من يتعمد الكذب بل هم معروفون بالصدق حتى يقال ان حديثهم من أصح الحديث، أنظر ابن تيمية أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم: منهاج السنة النبوية في نقض. كلام الشيعة القدرية، تحقيق محمد رشاد سالم، ج 1 مطبعة المدني مكتبة دار العروبة، القاهرة 1382 هـ /1962 م، ص 43. ولهذا السبب وللقيمة التاريخية التي تحويها هذه المصادر، كان اعتمادنا عليها كبيرا، ولا يمكن الاستغناء عنها مطلقا بل ان المستشرق الفرنسي باسيه (Basset) يرى لزاما على الباحث العودة الى الكتابات الاباضية.
أنظر 424 423. Basset. R: Les sanctuaires du Djebel Nefousa, p وانظر كذلك.506. Moutylinski A de : L'Aquida des Abadhites, p وسيأتي التعريف بالكتابين ضمن هذا المبحث
-34 - (1/42)
صفحة 43
2 - المصادر غير الاباضية:
فعلته
عبد.
لم تتناول المصادر غير الاباضية الحديث عن الدولة الرستمية بالتفصيل كما مع الدولة الاغلبية مثلا، بل ان تلك المصادر قليلا ما تناولت الدول التي جاءت غرب منطقة الزاب، وهنا يمكن أن أوافق الاستاذ الله العروي (38) (Laroui Abdallah) الذي لاحظ أن المؤرخين كانوا يتحركون مع جيوش الخليفة، فلما كان من غير الممكن لتلك الجيوش عبور الزاب في عهد العباسيين كما يذكر ذلك اليعقوبي في بلدانه (39)، فان المؤرخين رأوا أنه من غير المجدي تدوين أحداث تلك المناطق، فكأنهم كانوا يكتبون للخلفاء أو ارضاء لهم
لهذا فان كتب التاريخ العربي الاسلامي الحولية العامة كتاريخ اليعقوبي (ت 284 هـ) أو الطبري (ت 310 هـ) أو ابن الاثير (ت 630 هـ) وغيرهم أظهرت اهتماما خاصا بالاقاليم المركزية، دون الاكتراث كثيرا بمجريات الاحداث السياسية والتقلبات الاجتماعية في الاطراف البعيدة عن الدولة العربية ولا يتحدث المؤرخ العربي عن عمان، كما يقول الدكتور فاروق عمر فوزي (40)، أو الدولة الرستمية مثلا، الا بالقدر الذي تؤثر به على السلطة المركزية، وهنا أيضا لا يتعدى هذا الحديث الا أسطرا أو فقرات مقتضبة، لهذا فان اعتمادنا على كتب الحوليات العامة محدود جدا، لم يكن الا من بعيد، ان صح التعبير. خاصة منها الحوليات المشرقية، أما كتب الحوليات المغربية، فان الباحث اعتمد كثيرا على تاريخ الرقيق القيرواني وابن عذاري وابن خلدون
Laroui Abdallah: l'Histoire du maghreb, un essai de synthèse, imp. corbière, petite (38) collection N° 134, Paris, 1975, p. 102 - 103.
(39) اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب بن واضح: البلدان، ط 3، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف،
1377 هـ/1957 م
، ص 103
(40) فاروق عمر فوزي: ببلوجرافيا في تاريخ عمان - مجلة المورد، م 3، العدد الرابع، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1394 هـ/1974 م، ص 275.
-35 - (1/43)
صفحة 44
ولا بأس من تسبيق الحديث عن هؤلاء، على مؤرخ الدولة الرستمية ابن الصغير الذي يأتي من حيث الفترة الزمنية أسبق الجميع، اذ من عادة الباحث في هذه الرسالة كلها تأخير الأهم والتمهيد له بما هو أقل أهمية هكذا بالتدريج.
أما الرقيق القيرواني أبو اسحاق عمر بن القاسم، فلا نعرف عنه الشيء الكثير، الا كونه قد تولى رئاسة ديوان الرسائل في بلاط بني زيري الصنهاجيين في أوائل القرن الخامس الهجري (41)، ولا شك أن هذه الوظيفة قد اتاحت له الاطلاع على العديد من الوثائق والكتب، التي بها، كتب تاريخه المعروف بتاريخ افريقيا والمغرب (42)
وعلى الرقيق، اعتمد ابن عذاري المراكشي في القرن السابع الهجري في كتابة تاريخه المعروف بالبيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب (43) ويعتبر كتاب ابن عذاري من أكمل المصادر المغربية واشملها وأدقها في تاريخ المغرب أعتمدناه بكثرة خاصة في الباب الأول، جنبا الى جنب مع تاريخ الرقيق، فكان الواحد منهما يكمل الاخر رغم اعتماد ابن عذاري على الرقيق. وقد فصل ابن عذاري ثورات الخوارج، فجاء بتاريخ مضبوط ودقيق، وان كان يخطيء في بعض التسميات والتواريخ، وهو أمر لا يقلل من أهمية الكتاب، كمرجع أساسي لاي باحث يريد الكتابة حول تاريخ
المغرب والاندلس.
أما ابن خلدون عبد الرحمن المتوفى سنة 808 هـ صاحب كتاب «العبر
(41) محمود اسماعيل، الخوارج، ص 807، عوض خليفات، نشأة ص 7 - 8. (42) هذا الكتاب كان في حكم المفقودات وعثر عليه فنشر لاول مرة سنة 1968 من طرف الاستاذ المنجي الكعبي أنظر مقدمة المحقق في هذا الكتاب: الرقيق القيرواني: تاريخ افريقيا والمغرب، تحقيق المنجي الكعبي، مطبعة الوسط، تونس 1387 هـ/1967 م.
(43) ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب في اخبار الأندلس والمغرب متحقيق ج، س، كولان وا ـ ليفي - بروفنصال، دار الثقافة، بيروت 1948
-36 - (1/44)
صفحة 45
وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (4)»، فاننا نجد في كتابه الضخم هذا اشتاتا تتعلق بالدولة الرستمية، فهو لم يضع لها عنوانا في كتابه القيم ذاك، كما فعل مع أغلب دول المغرب العربي، صغيراتها وكبيراتها. لهذا السبب نجد عدة مؤرخين معاصرين انتقدوه على ذلك واعتبروا ذلك في كتابه عورة. ومن أولئك المؤرخين سليمان الباروني صاحب الازهار الرياضية (45) والدكتور فخار ابراهيم الذي يقول إن .... ابن خلدون الذي عدد أخطاء المؤرخين وحدد الأوهام والمغالط ... لم يسلم هو الآخر من هذا الزلل التاريخي وهو يتكلم عن الرستميين ومؤلفات علمائهم التي ضربت بسهم في اجادة التأليف والترتيب ولكنه في كل مرة يعرض فيها للرستميين، يعقب كلامه بالضلالة والخروج عن جادة الصواب مع أنه عندما عرض لتاريخ وأصل الادارسة في المغرب الأقصى بوأهم فرع «الدوحة المحمدية النبوية» (46)، ونفس هذا: النقد نجده لدى الاستاذ أحمد توفيق المدني الذي بعد أن يذكر أهمية تاريخ ابن خلدون، ومقدمته الغنية، وعنايته بتاريخ الدول المغربية كلها، يقول لكننا مقابل ذلك لا نراه يعنى بدولة الرستميين الاباضية الا قليلا، وفي صفحات متباعدة يسيرة ويدعو مذهبها «بدعة» وهي أول دولة منظمة في الاسلام، انتشرت فوق أديم الأرض الجزائرية ... فهل كان يجهل تفاصيل وجودها، ونظام حكمها؟ أو كان .... ؟ كلا ان ذلك الفكر لا يمكن أن ينسى دولة قامت على أرض المغرب الأوسط
.
.
.
العبقري. فما كان منه ذلك الاهمال، وذلك التحقير الذي يوجب علينا اتهامه بسرقة
(44) ابن خلدون عبد الرحمن: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، 1959. (45) الباروني سليمان بن عبد الله النفوسي: الازهار الرياضية في أئمة وملوك الاباضية، مطبعة الأزهار البارونية، مصر، بلا تاريخ الطبع ص 20 هامش رقم 1.
(46) فخار ابراهيم: دور الرستميين في وحدة مغرب الشعوب، مجلة الاصالة، عدد 43/ 42، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر 1977 م، م 36 - 37.
-37 - (1/45)
صفحة 46
دولة مغربية زاهرة الا لتعصب مذهبي وارضاء الخصوم ذلك المذهب، من الملوك والامراء (47).
أن هذا النقد الحاد الذي وجه لابن خلدون، اذا كان أصحابه مصيبين في أكثر الوجوه، فاننا نجد لابن خلدون عذرا، أشار اليه بنفسه عندما تعرض لقبيلة لماية التي يعتبرها مادة الدولة الرستمية، على كاهلها قامت اذ كانت على حلف قديم مع عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية لما كان هذا في المغرب الأدنى قبل أن يلتجيء إلى موضع تيهرت بالمغرب الأوسط حيث مواطن لماية، ويبني عاصمته تيهرت بمساعدة تلك القبيلة (48). ثم يذكر ابن خلدون أن هذه القبيلة قد انقرضت وهلكت بهلاك مصرها، أي تيهرت (49) فلعل هلاك هذه القبيلة وانقراضها، كما يقول، هما الداعيان الى اهمال تاريخ الرستميين ماداموا مرتبطين بقبيلة لماية المنقرضة وهذه مرتبطة بهم. ولا يستبعد هذا، لأن ابن خلدون في عبره، كان يؤرخ للقبائل الواحدة تلو الأخرى، ويذكر ما كان لها من سلطان، وهذا لا يمنع من جهة أخرى اتهامه بما ذكره كل من الباروني والدكتور فخار والاستاذ المدني، إذ كان بامكان المؤرخ العبقري ابن خلدون، وهو الذي اشتغل بالسياسة وتقلب في خدمة الدول، الأمر الذي يساعده على الوصول الى مالا يستطيعه غيره، أن يخصص لهذه الدولة
عنوانا على الاقل في مصنفه
ومع هذا، فكما أشرنا في بداية الحديث عن ابن خلدون، فان الباحث، خاصة في الباب الاول: السياسي، اعتمد عبر ابن خلدون كما اعتمد مقدمته المشهورة في تعريف بعض العلوم في الباب الثالث أي الثقافي
(47) المدني أحمد توفيق: مدخل لدراسة الدولة الرستمية وأسهامها في التطور الفكري والحضاري، محاضرة القيت في الملتقى الفكر الاسلامي وطبعت ضمن مطبوعات ذلك الملتقى المنعقد بوارجلان (الجزائر) ربيع عام 1977 م. (48) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 246 - 249 وسيأتي تفصيل الحديث عن تلك الاحداث كلها (49) نفه، ج 6، ص 249
-38 - (1/46)
صفحة 47
وكتاب ابن خلدون أعلى من أن يهمله دارس لتاريخ المغرب العربي، رغم موقفه العدائي من الرستميين
ونأتي بعد هذا الى ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، كما تسميه الدكتورة وداد القاضي (50). ولا نريد تفصيل الحديث عنه، الا بقدر ما هذا المبحث، لاننا سنتعرض اليه في الباب الثقافي عند حديثنا
هم
عن «التاريخ»
عاصر ابن الصغير أواخر أيام الرستميين، وذكر أنه رأى الامام أبا اليقظان بن أفلح (261 - 281 هـ) وحضر مجلسه (51). كما أنه كان على اتصال بشخص يدعى أحمد بن بشير، يبدو أن أباه بشيراً من خاصة الامام أبي اليقظان (52). وكان ابن الصغير كثيرا ما اعتمد عليه في الرواية الشفوية التي تطغى على كتابه، كما اعتمد على غيره من الاباضية الذين يثق بهم كما يذكر
هذا مرارا.
وتاريخ ابن الصغير، كتاب قيم، فيه اشارات، رغم اختصارها، تدل على أمور عديدة لمن يريد استنطاقها، الامر الذي حاولنا تطبيقه قدر المستطاع وكانت افادتنا من هذا الكتاب مطلقة، تكاد لا تخلو صفحة من هذا البحث دون الاشارة الى ابن الصغير، اذ تناول الفتن التي تعاقبت على تيهرت واختصر الحديث عن كل امام، واشار الى جوانب ثقافية هامة كذكر اسماء بعض العلماء الذين اهملتهم كتب السير والطبقات الاباضية.
44
(50) وداد القاضي: ابن الصعير مؤرخ الدولة الرستمية، مجلة الاصالة عدد 45، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر، 1395 هـ/1975 م. (51) ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين - نشر موتيلنسكي ضمن: Actes du 14 eme Congrés international وانظر مقدمة الطبعة الثانية ص نشر موتيلنسكي كتاب ابن الصغير باللغتين العربية والفرنسية اذ ترجمه هو بنفسه. واعتمد في نشره على المخطوط الذي وجده في احدى مكتبات منطقة ميزاب الاباضية بالجنوب الجزائري - أنظر مقدمة المترجم ص 3. (52) ابن الصغير، تاريخ، ص 45، 48
des orientalistes a Alger 1905. imp. Orientale Paris 1908
- 39 (1/47)
صفحة 48
هذا بالاضافة الى اشارات عميقة تمس الجانب الاقتصادي مسا مباشرا لا
يمكن الاستغناء عنها
وقد اطلقنا كامل الثقة على ما كتبه ابن الصغير، وقدمناه على غيره في كثير من الاحيان، لاسباب: أهمها أنه عاصر الاحداث التي أرخ لها أو على الاقل كان قريبا منها زمانا ومكانا، ثم لأنه في بداية كتابه أوضح منهجه التاريخي، الذي استطاع ان يطبقه بحذافيره فعلا، وبين مقصده، فكان محل ثقة اذ يقول «وكانت له قصص حكوها لا يمكن ذكرها الا على وجه، وأن أتم الصدق فيها ولا أحرفها على معانيها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها اذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات ولا من ذوي الديانات. وان كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين فنحن وان ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيا ولوه، فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم لما نعلمه من براءتهم ممن والاه رسول الله وقال من كنت مولاه فعلي مولاه (53)
وهكذا فان هذا النص يبين لنا ان ابن الصغير كان مؤرخا فعلا موضوعيا نزيها يتحرى الصدق والحق، ويبدي اعجابه وتقديره للأئمة
العادلين من الرستميين رغم عدم قناعته بالمذهب الذي ينتمون اليه (54)
هذه بعض المصادر التاريخية التي اعتمد الباحث عليها، أما غيرها من المصادر، فلا غرابة اذا كان الباب الاقتصادي تطغى عليه المصادر الجغرافية، اذ في هذه الفترة المتقدمة من تاريخ العرب والمسلمين، كان المؤرخون لا يهتمون عادة الا بالامور السياسية، وكانوا بعيدين عن أحداث المجتمع وتطوراته وما يتعلق به من أوضاع اقتصادية، لهذا فان الجغرافيين العرب والرحالة سدوا هذا الفراغ، بما قدموه من ملاحظات ومشاهدات
(53) ابن الصغير، تاريخ، ص 10
(54) عوض خليفات: نشأة، ص 9، وداد القاضي: ابن الصغير، مجلة الاصالة، عدد 45، ص 49 - 53
-40 - (1/48)
صفحة 49
لمختلف البلدان والامصار، والمسالك المؤدية اليها، والأقوام الساكنة فيها وعاداتهم وتقاليدهم، وانشطتهم الزراعية والصناعية والتجارية، وكل هذا خلال وصف المناطق، وصفا دقيقا، نال اعجاب الباحثين المستشرقين
من
فضلا عن العرب
وأول المصادر الجغرافية التي اعتمد الباحث عليها، كتاب البلدان لليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب بن واضح المتوفى سنة 284 هـ. واليعقوبي يتحدث عن أسفاره ورواته فيقول لقد: « .... اتصلت أسفارى ودام تغربي: فكنت متى لقيت رجلا من تلك البلدان سألته عن وطنه ومصره .... وساكنيه من هم من عرب أو عجم ..... ودياناتهم ومقالاتهم .... ثم أثبت كل ما يخبرني به من أثق بصدقه (55)
وكان اعتمادنا عليه كبيرا اذ زار منطقة المغرب العربي، ولا يستبعد أن يكون قد دخل تيهرت عاصمة الرستميين التي يقول أنها تعرف «بعراق المغرب» لكثرة أخلاط الناس بها (56)، على حد تعبير اليعقوبي. وقدم لنا معلومات دقيقة حول طبيعة البلاد الزراعية والعمرانية والسكانية واللغوية والمذهبية، فوصف الانهار والأراضي، والمزروعات، والمدن، والمسالك المؤدية اليها، وحددها بالمراحل أي بالأيام، اذ كل مرحلة تعتبر يوما واحدا.
وقد أفدنا منه خاصة، لمعاصرته الدولة الرستمية، في رسم حدود هذه الدولة، وقد لقينا في هذا عنتا كبيرا، اذ فكرة الحدود في تلك الأزمنة، ما زالت لم تتبلور وربما لم تعرف أساسا، نظرا لسرعة تغير أحوال الدول وانتقال السيادة من دولة الى دولة، ومن قبيلة الى أخرى، وهكذا.
(55) اليعقوبي: البلدان، ص 2.
41 -
-
4.
(56) نفسه: ص 104
1 (1/49)
صفحة 50
وكان من الممكن أن يقتصر البحث على معلومات اليعقوبي الجغرافية في
الباب الاقتصادي خاصة، متعذرا بكون اليعقوبي هو الجغرافي الوحيد الذي زار المنطقة في أيام الرستميين، الا أن الباحث رأى في ذلك تقصيرا من جهة، ومن جهة أخرى فان الصورة التي ينتهي اليها بالاعتماد على مصدر واحد، لا تكون واضحة ولا تفي بالمقصود، لهذا تجاوزنا حدود الزمن فاعتمدنا على ابن حوقل (57) المتوفى سنة 368 هـ، وعلى المقدسي شمس الدين محمد بن أحمد (58) المتوفى سنة 388 هـ وعلى البكري أبي عبيد (59) المتوفى سنة 487 هـ، هذا بالاضافة الى ابن خرداذبة (60) المتوفى حوالي سنة 300 هـ والادريسي (61) المتوفى سنة 548 هـ، وهو مغربي كصاحب (62) الاستبصار في
عجائب الأمصار الذي عاش في القرن السادس الهجري. وياقوت الحموي) المتوفى سنة 626 هـ. ولكن هؤلاء الاخيرين أستأنسنا بنصوص من كتاباتهم أكثر مما اعتبرناها حقائق لا تقبل التغيير، بفعل تأخرهم زمانا عن الفترة المحدودة للبحث وهي القرن الثالث الهجري.
ولا داعي الى تفصيل الحديث عن ابن حوقل والمقدسي، وكلاهما مشرقيان زارا المغرب العربي، خلافا لغيرهما الذين كتبوا عن أوضاع المغرب عن طريق النقل أو السماع. وأما البكري فهو اندلسي، اعتمد أساسا كتابة تأليفه الجغرافي على محمد بن يوسف أبي عبد الله التاريخي الوراق
(57) ابن حوقل: أبو القاسم النصيبي: صورة الارض، ط 2، مطبعة بريل ليدن. 1938 (58) المقدسي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء: أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، ط 2، مطبعة بريل، ليدن 1906 م.
(59) البكري أبو عبيد الله: المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب. وهو جزء من كتاب المسالك والممالك، مطبعة الحكومة، الجزائر، 1857، أعادت طبعه مكتبة المثنى ببغداد بالاوفست.
(60) ابن خرداذبة أبو القاسم عبيد الله عبد الله: المسالك والممالك - بريل، ليدن، 1889 م. (61) الادريسي: الشريف: وصف افريقيا الشمالية والصحراوية مأخوذ من كتاب نزهة المشتاق في اختراق الافاق، تحقيق هنري بيريس الجزائر، 1957
(62) مجهول: الاستبصار في عجائب الامصار، تعليق سعد زغلول عبد الحميد - مطبعة جامعة الاسكندرية،
1958
(63) ياقوت الحموي شهاب الدين ابو عبد
الله
الله بن عبد: معجم البلدان دار صادر،، بيروت 1397 هـ/1977 م.
-42 - (1/50)
صفحة 51
الاندلسي المتوفى سنة 363 هـ. وكتاب الوراق لم يصلنا، ولحسن الحظ احتفظ البكري بجزء كبير منه. وكانت المعلومات التي زودنا بها فريده من نوعها، لم يسبقه اليها أحد، ونقلها عنه كل من صاحب الاستبصار وياقوت الحموي. والوراق كما يذكر الضبي (64) ألف ديوانا ضخما في مسالك افريقية وممالكها وفي أخبار ملوكها وحروبهم والقائمين عليهم كما ألف في أخبار تيهرت ووهران وتنس وسجلماسة وغيرها تواليف حسانا، ولا شك أن نشأته بالقيروان ساعدته في ذلك.
وبديهي أن نقول إن معظم المصادر الجغرافية تتفق على ازدهار المغرب العربي زراعيا وعمرانيا، وكل الجغرافيين معجبون بثروة المغرب وطقسه ومزروعاته الأمر الذي لا تنفرد به بلاد المغرب وحدها، وانما كان عاماً يشمل جميع البلاد العربية الاسلامية في هذه الفترة، التي تعتبر فترة الازدهار والرخاء الاقتصادي، فعلا
اضافة الى ما تقدم من المصادر الاولية المهمة، فقد اعتمدت كتبا في العقائد كملل ونحل ابن حزم (ت 456 هـ) أو الشهرستاني (ت 548 هـ) وكتبا في الاعلام والطبقات كطبقات أبي العرب القيرواني (ت 333 هـ) وجذوة الحميدي (ت 488 هـ) وبغية الضبي (ت 599 هـ) وحلة ابن الأبار (ت 658 هـ) اضافة الى عيون الانباء لابن أبي أصيبعة (ت 668 هـ) وطبقات النحويين للزبيدي (ت 379 هـ) وغيرهم
3 - المراجع الحديثة:
اعتمد الباحث على مراجع حديثة متنوعة، كلها تتناول الدولة الرستمية من قريب وبعيد، ولا أبالغ اذا قلت إنها كلها لا تمس الجانب الاقتصادي
(64) الضي أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، طبع روخس مجريط، 1884 م، ص 131 وأنظر كذلك المقري أحمد بن محمد: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق د. احسان عباس، دار صادر - بيروت، 1388 هـ / 1968 م - أنظر الجزء 3، ص 117.
-43 - (1/51)
صفحة 52
ولا الفكري الا مسا خفيفا، وانما صبت جل عنايتها على الجانب السياسي
حسب
(
فكانت تلك الدراسات، مع كثرتها، عبارة عن تكرارات لا غير، ولا بد أن أشير هنا الى المراجع الحديثة التي تناولت تاريخ الدولة الرستمية، انما تناولته من خلال دراسة التاريخ العام للمغرب العربي، أو التاريخ العام للجزائر واستثنى من هذه الملاحظة الدكتور محمود اسماعيل في كتابه القيم «الخوارج في المغرب الاسلامي (((65) والاستاذ الفرنسي الباحث جيرارد دانجيل في رسالته للماجستير والموسومة: «الامامة الاباضية بتاهرت 761 - 909 م (66). وسأعود الى هذين الكتابين بعد أن أتحدث بشيء من الايجاز عن المراجع المعتمدة الاخرى. أبدؤها بكتب الشيخ أطفيش امحمد بن يوسف (67) امام الاباضية في القرن الماضي، وهي كثيرة جداً، وغزيرة المادة غزارة علم الشيخ وحافظته القوية، الا انها في مجموعها يطغى عليها الطابع الديني، وخلال السطور والفقرات يعثر الباحث على ما يفيد البحث من أفكار جديدة يجدها القارئ مفرقة في صفحات هذه الرسالة
أما الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني واضع كتاب الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الاباضية حيث خصص القسم الثاني منه (68) للحديث عن الدولة الرستمية، ولا شك أن الباروني سليمان، بعامل مركزه الاجتماعي،
(65) رسالة دكتوراة طبعة سنة 1976 بدار العودة ببيروت
Dengel Gerard: l'Imamat ibadite de Tahert (761 - 909) thèse de doctorat 3 eme cycle. (66) Strasbourg - Université des sciences humaines 1977.
(67) من الكتب المعتدكم للشيخ أطفيش قطب الائمة. كما يلقبه الاباضية كتاب ازهاق الباطل بالعلم الهاطل طبعة حجرية سنة 1317، وكتاب الحجة في بيان الحجة في التوحيد بلا تقليد، طبعة حجرية بلا تاريخ الطبع كتاب ازالة الاعتراض عن محقيء ال اباض، طبعة حجرية سنة 1301 - رسالة ان لم تعرف الاباضية يا عقبي يا جزائري طبعة حجرية 1328 - رسالة موسعة في تاريخ وادي ميزاب - طبعة حجرية، سنة 1251 (68) الكتاب في جزأين. أحرق الجزء الأول مع مسودته على ما يبدو لما أصاب حريق مطبعة الأزهار البارونية بالقاهرة سنة 1904 م. ولحسن الحظ بقي الجزء الثاني فقط وهو خاص بتاريخ الدولة الرستمية، (بلا تاريخ الطبع) وألف أبو الربيع سليمان الباروني كتاباً بعنوان: مختصر تاريخ الاباضية، طبع في تونس سنة 1938 م طبعة ثانية وكان يعتقد أن صاحب هذا الكتاب هو صاحب كتاب الأزهار نفسه ولكن ثبت أنه غيره، وكذلك ألف عبد الله الباروني والد صاحب الأزهار الرياضية كتابا بعنوان «سلم العامة والمبتدئين الى معرفة أئمة الدين. طبع في مصر سنة 1324 هـ، وكل هذه الكتب تمس الدولة الرستمية ما بعيدا ومن جانبها السياسي خاصة.
-44 - (1/52)
صفحة 53
اذ
ينتمي
-
-
إلى عائلة اباضية عريقة في ليبيا، وعين في مجلس المبعوثان سنة 1914 - 1919 م، لما كانت ليبيا تابعة للدولة العثمانية. ولا أدل على مرکزه هذا من زيارته لبغداد عام 1348 هـ / 1928 م واستقبال الملك فيصل له، وعين الملك غازي ابنه ابراهيم بن سليمان موظفا له في دائرته الخاصة بالبلاط، مع الاستمرار في نفس الوقت في دراسته كطالب في كلية الحقوق ببغداد (69). إن هذه العوامل كلها مع تتلمذه على الشيخ أطفيش السالف الذكر بمنطقة ميزاب الجزائرية (70)، لا شك أنها ساعدته في اخراج كتابه الذي لا يختلف كثيرا في طرحه عن المصادر القديمة (71)، كما أنه غني بالمادة تناول الدولة الرستمية من بداية نشوئها الى سقوطها، مع ذكر مفصل لعاصمتها تيهرت. وبعض المدن الأخرى، وبعض أعلامها البارزين، كما أشار الى جوانب اقتصادية ذات أهمية واضحة، واعتمد كثيرا على الشماخي وابن الصغير، بل ربط نهاية أزهاره بنهاية كتاب ابن الصغير، واقتبس منه نصوصا طويلة بحرفها الا أنه عندما يستخلص من رواية ابن الصغير أو غيره أفكارا تكون ممزوجة بروايات متعددة، يسبق كلامه بكلمة «ممزوج».
شخصا
والدافع الذي حض الباروني على تأليف كتابه «الأزهار»، الذي لا يستغني عنه باحث يريد الكتابة عن الدولة الرستمية، هو أنه سمع يقول «ان الاباضية شرذمة قليلة لا ذكر لهم ولا شأن .... فهم أحقر الفرق .... لم تقم لهم قائمة ولا نسب اليهم ملك ولا فخر .... وتعجب زائدا .... لما علم بزيارتي (زار الباروني مدينة تيهرت سنة 1316 هـ / 1898 م) الى مكان تيهرت .... فكان ذلك من أكبر الاسباب
(69) أبو اليقظان ابراهيم: سليمان الباروني باشا في أطوار حياته - المطبعة العربية، الجزائر، 1376 هـ/1956 م، المطبعة العربية
ج 1، ص 88 - 109
(70) الباروني: الازهار، ج 2، ص 65 (71) عوض خليفات: نشأة، ص 41
-
-45 - (1/53)
صفحة 54
الداعية لي الى ابراز فضائل هذه المدينة والبحث في صفحات التواريخ
عنها .... (72)
والواقع أن كتاب الباروني، كان من الممكن ادراجه مع المصادر القديمة، وذلك لأسلوب طرحه، وأسلوب كتابته، والمصادر التي اعتمد
عليها خاصة منها الاباضية، ولم يشر إليها، وكانت في متناول يده
وهناك مؤلفات أخرى لمؤلفين اباضية، كمؤلفات الشيخ علي يحيى معمر
التي تندرج تحت عنوان «الاباضية في موكب التاريخ» فقسمه الى حلقات عديدة تناولت نشأة الاباضية (73) في جزء والاباضية في ليبيا (74) في جزأين والاباضية في تونس (75) جزء آخر، والاباضية في الجزائر (76) آخر حلقات كتابه المذكور، وظاهر من العنوان أن معمر يؤرخ للمذهب الاباضي فقسم ذلك الى مراكز وجودهم قديما وحديثا، ورتب أعلام المذهب كل الى البلد اليه، واعتمد كثيرا على الشماخي وغيره من الكتب الاباضية
الذي ينتمي
التي كانت قريبة لديه
ولعل القارئ يعتقد أن كتابه «الاباضية في الجزائر» وضعه للحديث
عن الدولة الرستمية، الامر الذي لم يقصده الشيخ معمر لذلك نجده يقول من أراد أن يقرأ أخبار الدولة الرستمية وتاريخها المفصل فعليه أن يرجع الى ما ألف عنها خصيصا في القديم والحديث .... أما في هذا الكتاب فلست
(72) الباروني: الازهار، ج 2، ص 12، هامش رقم 1. (73) معمر علي يحي: الاباضية في موكب التاريخ الحلقة 1، نشأة المذهب الاباضي، مطبعة دار الكتاب العربي، مكتبة وهبة القاهرة، 1384 هـ / 1964 م. (74) معمر علي يحي: الاباضية في موكب التاريخ الحلقة 2، الاباضية في ليبيا، قسمان، مطبعة الاستقلال الكبرى، مكتبة وهبة، القاهرة 1384 هـ/1964 م. (75) معمر على يحي: الاباضية في موكب التاريخ الحلقة 3، الاباضية في تونس، دار الثقافة، بيروت، 1385 هـ / 1966 م.
(76) معمر علي يحيى: الاباضية في موكب التاريخ الحلقة 4، الاباضية في الجزائر، مطبعة الدعوة الاسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة 1399 هـ/1979 م.
-46 - (1/54)
صفحة 55
أتناولها الا بمقدار ما تكتمل به الصورة التي أريد أن أعرضها على
القارئ .... » (77)
ولهذا فان كتابه لم يتعرض لتاريخ الرستميين بشكل مباشر، اللهم الا في تحليله لحادثة ابن عرفة (78) الذي قتل واتهم الامام أبو بكر بن أفلح (258 هـ ـ 261 هـ) بقتله للتخلص من سلطانه الواسع، وقد حاول الشيخ
معمر، بتوفيق في نظري، رفع التهمة عن أبي بكر وتحديد القاتل
هذا
وكانت افادتنا من كتب معمر محدودة، لا تكاد تتجاوز بعض التراجم أو الافكار التي انتهى اليها خاصة في الباب السياسي والفكري من البحث أما الجانب الاقتصادي فلم يتطرق اليه اطلاقا. وككتبه السابقة الذكر كتابه «الاباضية بين الفرق الاسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث (79) كانت افادتنا منه تقتصر على معتقدات الاباضية، والكتاب من هذه الناحية قيم جدا لا يستغنى عنه في بابه
وألف الشيخ علي دبوز كتابه الضخم «تاريخ المغرب الكبير» وهو في ثلاثة أجزاء، خصص الجزء الثالث (80) لثورات الاباضية في المغرب العربي في شطره الاول، أما الشطر الثاني، فجعله خالصا لتاريخ الدولة الرستمية منذ نشأتها الى سقوطها، فتعرض فيه الى دولة كل امام على حدة والتطورات التي حدثت في عهد كل واحد منهم، ومدى ما بلغته من ازدهار ثقافي واقتصادي، كثيرا ما بالغ فيها، لتغلب العاطفة والبيان عليه اذ اهتم بها أكثر من اهتمامه بالمادة التاريخية الاولية التي تعتبر
، ص
25
(77) معمر: الاباضية في الجزائر، (78) محمد بن عرفة، أحد المقربين من الامام أبي بكر، كان ذا ثروة وجاه وسلطان، صهر للامام أبي بكر بن أفلح وصهره هذا. وشعبيته على ما يبدو هي التي أدت إلى مقتله بحيث كما يقول ابن الصغير كانت الامامة بالاسم لابي بكر وبالفعل لابن عرفة. أنظر تفاصيل هذه الفتنة في ابن الصغير: تاريخ، ص 231 وما بعدها، ومعمر علي يحيى: الاباضية بالجزائر، ص 45 وما بعدها وأنظر كذلك الفصل الرابع من الباب الاول من هذا البحث .. (79) مطبوع في مطابع سجل العرب، نشر مكتبة وهبة، ط 1، 1396 هـ / 1976 م. (80) دبوز محمد علي: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، مطبعة عيسى البابي الحلبي، مصر، 1383 هـ / 1963 م
-47 - (1/55)
صفحة 56
الاساس، فلا غرو أن انقياده وراء هذا التيار هو الذي جعله يصنف الدول الاسلامية في المشرق والمغرب الى دول ملوكية مستبدة واخرى اشتراكية جمهورية، فكانت دولة الاغالبة والعباسيين من الصنف الاول ودولة الرستميين من الصنف الثاني ونفس هذا التيار جره الى استعمال الاساليب البيانية كتشبيه أيام الدولة الرستمية مثلا، بمفاتن المرأة، معللا ذلك بتعليلات واهية (81)، ولهذا السبب، على ما يبدو، تجرأ الشيخ علي يحيى معمر لا تهامه بأنه «كان يفتش عن المرأة .... كما هو شأنه في كثير من أحداث التاريخ» (82)
ان هذا المنهج الذي اتبعه الشيخ محمد علي دبوز - رحمه الله ـ والذي لا يمت بصلة الى منهج القدماء، ولا الى منهج المحدثين، اضافة الى عدم ذكره لمصادره في كثير من الاحيان، جعلنا لا نعتمد على كتابه الذي فصل فيه تاريخ الرستميين تفصيلا، وكان لنا في أزهار الباروني غنية عنه في دقته
فائدة
وحسن عرضه و ايراده مصادره. ورغم هذا كله فالكتاب لا يخلو من ولا سبيل الى تركه كلية لكل من يريد البحث في تاريخ المغرب العربي عامة وتاريخ الدولة الرستمية خاصة.
والحقيقة أن كتاب الشيخ دبوز، فيما عدا هذا، لا يختلف عن مؤلفات الاستاذ عثمان الكعاك ومحمد مبارك الميلي وعبد الرحمن الجيلالي، وكلهم
كتبوا عن الدولة الرستمية من خلال تأليفهم في تاريخ الجزائر العام.
ويرجع الفضل في هذا المجال الى الاستاذ عثمان الكعاك الذي ألف كتابه «موجز التاريخ العام للجزائر» في الوقت الذي كانت فيه الجزائر ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، ألفه ليستنهض به الهمم، ويكشف عن تاريخ الجزائر المشرق وحضارتها القديمة التي طالما عمل الاستعمار على تشويهها
(81) ان مثل هذه التشبيهات والتصنيفات موزعة بشكل مكثف على صفحات كتابه.
-48 -
86
(82) معمر: الاباضية في الجزائر، ص (1/56)
صفحة 57
وتزويرها وتشويش وجودها في عقول الجزائريين بحيث يشككهم في ماضيهم المجيد حتى لا يطالبون به، وكاد أن يبلغ مرماه، كما يقول الكعاك، وهذا أكبر دافع للكعاك على وضع كتابه (83) الذي أحسن ترتيبه بحيث تناول تاريخ الجزائر منذ عصورها القديمة، عصرا فعصرا، ثم دولة
فدولة.
وفي علمي، يعتبر كتاب الكعاك أول مرجع حديث تناول تاريخ الجزائر عامة وتاريخ الدولة الرستمية ضمنا خاصة، فتطرق فيه الى الناحية السياسية والادارية والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والحدود، كل ذلك بشكل موجز تماشيا مع العنوان. وقد افادنا الكتاب كثيرا في أغلب فصول هذا البحث، وكان اعتمادنا عليه مستمرا مع الرسالة
عنهم
وعلى منوال الاستاذ الكعاك نسج محمد المبارك الميلي كتابه «تاريخ الجزائر في القديم والحديث» (84) وعبد الرحمن الجيلالي كتابه «تاريخ الجزائر العام» (85)، ولا يختلفان عنه كثيرا، كما لا يختلف جميعا الدكتور ابراهيم أحمد العدوي في كتابه «بلاد الجزائر، تكوينها الاسلامي (86)». والدكتور عبد العزيز سالم في كتابه «المغرب الكبير» (87) اذ جميعا اعتمدوا على الكعاك أو نقل المتأخر منهم من المتقدم، دون اضافات جوهرية تذكر.
والعربي (86)
(83) الكماك عثمان: موجز التاريخ العام للجزائر، منذ العصر الحجري الى الاحتلال الفرنسي، مطبعة العرب تونس، 1344 هـ/1925 م أنظر المقدمة.
(84) الميلي محمد مبارك: تاريخ الجزائر القديم والحديث، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر، 1350 هـ - الجزء الثاني خاصة (85) الجيلالي عبد الرحمن: تاريخ الجزائر العام، مكتبة الشركة الجزائرية منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، ط 2، 1384 هـ/1965 الجزء الاول خاصة.
(86) العدوي ابراهيم أحمد: بلاد الجزائر - تكوينها الاسلامي والعربي المطبعة الفنية الحديثة - مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1970 م.
(87) سالم عبد العزيز السيد: المغرب الكبير، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1981 م الجزء الثاني
خاصة.
- 49 - (1/57)
صفحة 58
?
ويختلف عن هؤلاء ما كتبه الدكتور سعد زغلول عبد الحميد في كتابه تاريخ المغرب العربي) (88) والاستاذ رابح بونار في كتابه «المغرب العربي تاريخه وثقافته» (89) اذ اتسمت كتابتها بالدقة العلمية، خاصة الدكتور سعد زغلول عبد الحميد، أما الاستاذ بونار فتركيزه على الجانب الثقافي ميز كتابه عن الكتب الاخرى، لهذا كانت افادتنا منه في الجانب الفكري خاصة، كما ساعدنا معجم اعلام الجزائر لعادل نويهض (90) وكتاب «تاريخ ليبيا» للدكتور احسان (97) عباس في هذا الجانب أيضا
خليفات (92)
ولا يستغني باحث عن كتابي «نشأة الحركة الاباضية» للدكتور عوض و الحركة الاباضية في المشرق العربي» للباحث مهدي هاشم طالب (93) فكلاهما توصل الى نفس النتائج تقريبا فيما يخص نشأة الحركة الاباضية، وامامها جابر بن زيد الأزدي، ومعتقداتها المعتدلة التي تختلف بها اختلافا كبيرا عن فرق الخوارج التي تنسب اليها، ويرفض الاباضية هذه النسبة، ويطلقون على أنفسهم أهل الحق والاستقامة التسمية وهي
التي يفضلونها
،
ويتميز كتاب عوض خليفات بتطرقه الى تاريخ المغرب السياسي، بحيث بحث أسباب تسرب الاباضية الى هذه المنطقة، وكيفية ذلك، وتابع مراحل تأسيس الدولة الرستمية من طرف عبد الرحمن بن رستم، وتوقف
(88) زغلول عبد الحميد سعد: تاريخ المغرب العربي - ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، دار المعارف. 1384 هـ/1964 م.
مصر
(89) بونار رابح: المغرب العربي تاريخه وثقافته - الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط 2، الجزائر، 1981 م. (90) نويهض عادل: معجم أعلام الجزائر: من صدر الاسلام حتى منتصف القرن العشرين - منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، (91) احسان عباس: تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن التاسع الهجري، دار صادر، دار ليبيا،
ط 1، بيروت، 1387 هـ / 1967 م.
، ط 1، 1971 م.
(92) سبق التعريف بمعلومات هذا الكتاب الذي طبع سنة 1978 م.
(93) مهدي هاشم طالب: الحركة الاباضية في المشرق العربي، نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري، رسالة ماجستير في التاريخ الاسلامي - كلية الآداب، جامعة بغداد، 1397 هـ/1977 م.
-50 - (1/58)
صفحة 59
عند تأسيسها وكان في هذا المجال خير مرجع أفدنا منه واعتمدنا عليه جنبا الى جنب مع كتاب الخوارج في المغرب الاسلامي لمحمود اسماعيل
ولعل الدراسات القيمة التي وضعها الدكتور الحبيب الجنحاني في التاريخ الاقتصادي المغربي، تعتبر من أهم الركائز التي قام عليها هذا البحث رغم قلتها وتكرارها بعناوين مختلفة في بعض الاحيان (94)، اذ استطاع أن بدراساته تلك، معالم الاقتصاد الرستمي، فضلا عن دور تيهرت الذي ركز كل اهتماماته عليه من جميع الجوانب
يرسم
أما الدكتور محمود اسماعيل في كتابه الخوارج في المغرب الاسلامي وهو عبارة عن بحث للدكتوراه على ما يبدو، فقد أجاد في طرحه لهذا الموضوع الى أبعد حد، خاصة من الناحية السياسية التي شغلت معظم الكتاب. والجدير بالذكر أن الخوارج في المغرب الاسلامي» لا يشمل الاباضية ودولتها وحدهما، وانما أيضا الصفرية والدولة المدرارية بسجلماسة، وهذا ما يجعل الكتاب لا يخص التاريخ الرستمي وحده، فاذا كان محمود اسماعيل قد تطرق الى تاريخ كل دولة من الدولتين، كل واحدة على حدة، فانه قد قام بهذا في الابواب السياسية لا غير، وهي الأبواب التي تطغى على معظم الكتاب. أما الباب الخامس والاخير الذي خصصه لأثر الخوارج في المجتمع المغربي، فإنه سلك فيه مسلكا آخر، اذ تناول تلك الآثار، التي يقول عنها «ونظرا لما أحدثه الخوارج من آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية فضلا عن آثارهم السياسية في بلاد المغرب، ولما كانت تلك الجوانب تحتاج لدراسة مستفيضة مستقلة فقد آثرنا أن نفرد لها الباب الخامس من
(94) الجنحاني الحبيب: المغرب الاسلامي، الحياة الاقتصادية والاجتماعية (3 - 4 هـ 9 - 10 م) الدار التونسية للنشر، تونس، جوان 1977، من ص 97 - 142
الجنحاني الحبيب: دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الاسلامي، ط 1، دار الطليعة بيروت، 1980 وأنظر كذلك المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية:: تاهرت عاصمة الدولة الرستمية 161 هـ - - 296 هـ / 777 م - 909 م:،، عدد 43/ 40، طبع الشركة التونسية لفنون الرسم، أفريل 1975
-51 - · (1/59)
صفحة 60
الرسالة (95)»، أقول تناولها بايجاز بعكس ما يمكن أن نتصوره من النص الذي ذكرناه، والذي أورده في مقدمة كتابه، من هنا فانه لم يخصص للحديث عن الحياة الاقتصادية والثقافية، الا بضعة عشر صفحة مركزة تشترك فيها الدولتان المدرارية الصفرية والرستمية الأباضية، وهو اختصار بطبيعة الحال مخل بالمقصود، الا ان اعتناءه بالجانب السياسي هو أجود ما يطلب في هذا الكتاب، لذلك تجد الباحث في هذا المضمار، قد اعتمده بكثرة.
أما ما يخص المجلات العربية التي تطرقت لتاريخ الرستميين، فنذكر خاصة مقال الأستاذ محمد بن تاويت بعنوان «دولة الرستميين أصحاب
،
تاهرت» الذي نشره بصحيفة معهد الدراسات الاسلامية في مدريد (96) وقد تناول فيه الحديث عن المراحل السياسية التي مرت بها الدولة الرستمية، مثل الفتن والثورات التي شهدتها تيهرت خاصة، ولم يتطرق للجانب الاقتصادي أو الثقافي
وتعتبر مجلة «الاصالة» الجزائرية أهم مجلة نشرت فيها عدة دراسات ومقالات حول تاريخ الدولة الرستمية، وأغلبها يدور حول الجانب السياسي لهذه الدولة، وكانت أغلب تلك الدراسات والمقالات قبل نشرها في المجلة المذكورة قد القيت محاضرات في ملتقى الفكر الاسلامي (97) الحادي عشر المنعقد في مدينة وارجلان احدى حواضر الدولة الرستمية. وهذا
سنة 1977 م.
(95) محمود اسماعيل، الخوارج، ص 21.
(96) محمد بن تاويت الطانجي: دولة الرستميين أصحاب تاهرت، صحيفة معهد الدراسات الاسلامية في م 5، عدد 1 - 2، مطبعة معهد الدراسات بمدريد، 1377 هـ/1957 م. (97) دأبت وزارة الشؤون الدينية بالجزائر، التي تشرف على الملتقى المذكور على نشر جميع المحاضرات التي تدرج في الملتقى في كتاب واحد يحمل عنوان الملتقى وعدده، فرغم أن الفترة الزمنية لملتقى وارجلان بعيدة ست
سنوات تقريبا، فان هذا الكتاب مازال لم ينشر، ويبدو أنه نشرت محاضرات ملتقى بعده، وترك هو
أحوجنا إلى نشر جميع أعمال الملتقيات أولا بأول، كما التزمت بذلك الوزارة فيما سبق.
"
فا
-52 - (1/60)
صفحة 61
من المحاضرات التي نشرت في مجلة الأصالة «لمحات من دور الدولة الرستمية في ميادين الحضارة والفكر لبعض الباحثين القدامى والمتأخرين»
(99)
للشيخ المهدي البوعبدلي (98)، و «من قضايا التاريخ الرستمي الكبرى مكتبة المعصومة بتاهرت» للدكتور القبال موسى و الفن الرستمي بتاهرت وسدراته «للدكتور رشيد بورويبة (100) و دور الرستميين في وحدة مغرب الشعوب» للدكتور فخار ابراهيم (101) و ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرستمية حتى أواخر القرن السادس الهجري» للدكتور عمرو خليفة النامي (102)، والمحاضرة القيمة للدكتورة وداد القاضي (103) التي تناولت فيها شخصية المؤرخ ابن الصغير وهي بعنوان ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية) ومحاضرة الدكتور احسان عباس (104) المجتمع التاهرتي في عهد الرستميين» و «الرستميون قنطرة صلة بين الجزائر والاندلس من خلال الاباضية» للدكتور المستشرق سلفادور غومت نوغاليس (105)، أما مجلة «سرتا» التي يصدرها معهد العلوم الاجتماعية بجامعة قسنطينة، فقد نشرت مقالا للاستاذ فيلالي عبد العزيز (106) بعنوان
>>>
جوانب من العلاقات التجارية بين الرستميين والأمويين في الأندلس
لقد أفدت من هذه المحاضرات والمقالات وغيرها، كما أفدت مما كتب باللغة الفرنسية من مقالات نوجز الحديث عنها فيما يلي:
التفت المستشرقون الفرنسيون خاصة، الى الدراسات التي تتناول
(98) الأصالة
(99) الأصالة
(100) الأصالة
، عدد 41 عام 1397 هـ /1977 م.
، عدد 41 سنة 1397 هـ/1977 م.
، عدد 41، 1397 هـ/1977 م
(101) الأصالة، عدد
(102)
، عدد 42 - 43، 1397 هـ/1977 م.
الأصالة، عدد 42 - 43، 1397 هـ /1977 م.
(103) الأصالة، عدد 45، 1397 هـ / 1977 م) وطبع على الغلاف خطأ سنة 1975 م).
(104)
الأصالة، عدد 45، 1397 هـ /1977 م.
(105) الأصالة
، عدد 46 - 47، 1397 هـ / 1977 م.
(106) سرتا، عدد 3، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، رجب 1400 هـ / ماي 1980 م.
-53 - (1/61)
صفحة 62
الأباضية من
سير
مختلف نواحيها، في نهاية القرن الماضي، وبالضبط سنة 1878 لما نشر المستشرق ما سكراي أميل (Masqueray Emile) (107) ترجمة لكتاب الأئمة وأخبارهم للشيخ أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني، وأشار في مقدمته الى أهمية دراسة كتب الأباضية (108). وهكذا تناولت الدراسات الاوروبية منذ ذلك التاريخ، دراسة تاريخ المذهب الاباضي وما يتعلق به، فطرق تاريخ الدولة الرستمية من هذه النافذة، كما طرق مع الدراسات التي وضعت لتاريخ المغرب العربي. وأشير هنا إلى أن الباحث اعتمد على ما كتب باللغة الفرنسية حسب، مع وجود دراسات عديدة وقيمة بمختلف اللغات الاوروبية، تناولت دراسة المذهب الاباضي ومناطق وجودهم، الا أن أغلبها لم يتطرق الى الدولة الرستمية
وهكذا ظهرت بالفرنسية عقيدة التوحيد لعمرو بن جميع نشرها المستشرق موتيلنسكي) Moulinski) (19) ، سنة 1905، كما نشر تاريخ ابن الصغير سنة 1909 من المخطوطة الفريدة التي وجدها في منطقة ميزاب نشرها بالعربية مع ترجمة فرنسية لها (110)، وكلا العملين قدمها الأستاذ المذكور الى المؤتمر الرابع عشر للمستشرقين الذي انعقد بالجزائر سنة 1905 م.
كتب لويسكي (Lewicki) عدة مقالات مهمة عن الاباضية نشرها في مختلف الدوريات الاجنبية، كدراسته لكتاب سير الشماخي: قيمته وموارده ومؤلفه (111). وفي سنة 1955 نشر مقالا بعنوان «تسمية شيوخ
(107) سبق التعريف بالكتاب. Masqueray-E : opcit
Basset. R: Les sanctuaires du Djebel Nefousa, extrait du journal Asiatique (J.A.) 9 eme (108) serie, Tome XIII, imp. National, N' Mai-Juin-Juillet-Aout 1899, p. 6. Moutylinski A de C : l'Aquida des Abadhites, Recueil de mémoires et de textes (109) publié en l'honneur du 14 eme Congrès des orientalistes. imp. orientale Alger, 1905.
Moutylinski A de C: Chronique d'Ibn Saghir, opcit. (110)
Lewicki T : Une Chronique Ibadite, opcit. (111
-54 - (1/62)
صفحة 63
>>
جبل نفوسة وقراهم» (112) اقتبس نصه من سير الشماخي. وتحدث في مقال آخر له عن البربرية والاباضية (113)، الا أن أهم عمل له اعتمدناه فعلا هو دولة تاهرت في شمال افريقيا وعلاقاتها بالسودان الغربي» (114). اذ تناول فيها علاقة تيهرت التجارية بالسودان، فتتطرق الى ممالك السودان والمسالك المؤدية اليه ودور التجارة الاباضية في تلك المنطقة، وذلك النشاط
وهناك دراسة تناولت بقايا تيهرت، وضعها الاستاذ مارسيه مع دوسوس لامار) Marçais - et essus) سنة 1941 ونشرها سنة 1946. في المجلة الافريقية (115)، ولمارسيه عدة دراسات قيمة تطرق فيها الى جوانب من تاريخ الدولة الرستمية، ككتابه الموسوم «تاريخ القرون الوسطى» (116) أو كتابه «بلاد البربر في العهد الاسلامي والمشرق في العصر الوسيط» (117) ومقاله «بلاد البربر في القرن التاسع الميلادي كما وصفه اليعقوبي (118)»
«
وقد اعتمد الباحث كثيرا على ما كتبه الاستاذ المستشرق موريس لومبارد خاصة في الباب الاقتصادي، اذ نشر سنة 1947 مقالا بعنوان الدعائم النقدية ذات القوة الاقتصادية: الذهب الاسلامي من القرن
Lewicki T: Etudes Ibadites Nord-Africaines, tasmya suyuh gabal Nafusa wa (112) qurahum Pl, Warazawa, 1955.
Lewicki T: Mélanges berbères ibadites, extrait de la revue des études islamiques. (113) cahier III, Imp. Aerault, Paris 1936.
Lewicki T : l'Etat Nord Africain de Tahert et ses relations avec le soudan occidental (114) à la fin du VIII et au IXe siècle. Cahiers d'Etudes Africaines, Vol. II N° 8, Paris, 1962.
:
Marçais G. et Dessus L.: Tihert-Tagdemt Revue Africaine, TXC, 91 o année, Alger (115) 1946.
Marçais G. Charles Diehl : Histoire du moyen ag?, TIII, les presses universitaires de (116) France, Paris 1936.
Marçais G: La berberie musulmane et i orient au moyen age, Alger, 1946. (117) Marçais G La berberie au IXe siècle d'après El ya'quoûbi Extrait de la revue (118) Africaine, N° 386 - 387, société Historique Algérienne Alger, 1941.
- 55 - (1/63)
صفحة 64
"
الثامن حتى التاسع الميلادي (119). وكانت افادتنا من كتابه المترجم الى العربية بعنوان «الجغرافيا التاريخية للعالم الاسلامي خلال القرون الأربعة الاولى» (120)، كبيرة خاصة في التجارة مع السودان
وللاستاذ أندري نيفر (André Nigre) مقال يمس الجانب السياسي، خاصة ملابسات سقوط الدولة الرستمية، كما يوضح العنوان (121) وأفدنا من كتاب عبد الله العروي الذي وضعه بالفرنسية، وهو في تاريخ المغرب (122) وأهم فكرة لديه أن الدولة الرستمية هي عبارة عن دولة مدينة، اذ هي في نظره لا تتعدى مدينة تيهرت، وهو ما قمنا بالرد عليه معتمدين على النصوص القديمة والدراسات الحديثة
" (
وفي سنة 1957 م. نشر الاستاذ شيخ بكري بالفرنسية مقالا قيما عن الخوارج في بلاد البربر ركز فيه الحديث عن الدولة الرستمية (123)، فتناول في البداية بعض معتقدات الاباضية ثم تطرق الى ادارة الدولة الرستمية فحدودها والحياة الفكرية ثم العلاقات الخارجية، وكل هذا بشكل مختصر جدا ومركز يمكن أن نصفه برسم معالم الحضارة الرستمية التي تألقت
بالعاصمة تيهرت على الخصوص.
ولا يستغنى باحث عن المقال الجيد الذي نشره فاناكر (Vanacker Claudette) حول «الجغرافية الاقتصادية لشمال افريقيا كما وصفها المؤلفون
Maurice lombard : Les bases monetaires d'une suprematie économique, l'or (119) musulman du VIIe au XIe siècle Annales Economies-Sociétés civilisations N° 2 Avril-Juin 1947.
(120) لومبارد، موريس: الجغرافيا التاريخية للعالم الاسلامي خلال القرون الأربعة الأولى، ترجمة عبد الرحمن حميدة. دار الفكر، دمشق 1399 هـ/1979 م.
André Négre La fin de l'état Rustamide revue d'histoire et de civilisation du (121) maghreb, Faculté de lettres d'Alger Alger, Juillet 1969.
Laroui Abdallah : l'Histoire du maghreb, 1975 opcit. (122) Bekri-chikh : Le kharijisme berbère, quelques aspects du royaume Rustamide. (123) Annales de l'institut d'études orientales (A.I.E.O.) TXV, édition Alger, 1957.
- 5.6 - (1/64)
صفحة 65
العرب من القرن التاسع الى منتصف القرن الثاني عشر الميلادي» (124) وخاصة الخرائط العديدة القيمة التي وشح بها الاستاذ دراسته وتناولت مختلف المزروعات والانهار والمسالك والمرافيء والمصانع التي ذكرها الجغرافيون وخصص لكل صنف من هذه الاصناف خريطة وأشار بجانبها الى الجغرافيين الذين اعتمد عليهم في رسم خريطته.
أما أهم دراسة وضعت للاباضية وتاريخ الدولة الرستمية بشكل عام هي ما قام به الاستاذ الباحث جيرارد دانجيل في أطروحته القيمة المستوفية الامامة الاباضية بتاهرت» تناول فيها تاريخ الدولة الرستمية منذ نشأتها الى سقوطها، أحداثها السياسية، والحياة الاجتماعية، والحدود، والمؤسسة الادارية، والحياة الاقتصادية، والحياة الثقافية والفنية والعلاقات الخارجية، فكانت أطروحته بهذا شاملة لجميع الأنشطة التي شهدتها الدولة الرستمية، وقد أفدت منه خاصة في الباب الاقتصادي الذي أحسن ترتيبه ورجع فيه الى مراجع حديثة مهمة متوفرة بين يديه ساعدته على كتابة ذلك الباب أما الباب الفكري، فبقدر ما أبدع في الاقتصاد فانه لم يأت بجديد في الفكر واختصر الحديث عنه، واكتفى ببعض الاشارات الى دور الحكام، وتسمية بعض الاعلام الاباضية دون غيرهم، وتطرق الى تطورات التعريب وحدوده والكتابات البربرية اضافة الى الحياة الفنية
والجدير بالذكر أن دانجيل اقتصر حديثه عن الاباضية فقط، على أساس أن هذا المذهب السائد آنذاك هو وهو المذهب الحاكم، فلم يتطرق الى المذاهب الاخرى الا بقدر تأثيرها في الاباضية أو تأثرها بها، فلم يذكر علماء المالكية مثلا، كما أن دراسته يغلب عليها الطابع السياسي، فقد خصص للسياسة ستة أبواب من بين الأبواب الثمانية لرسالته، وخصص
Vanacker Claudette: Géographie économique de l'Afrique du nord selon les auteurs (124) arabes du IX au milieu du XIIe siècle in annales économies, sociétés, civilisations (A.E.S.C.) 28. année, N° 3 Mai-Juin, Paris, 1973.
5
-57 - (1/65)
صفحة 66
فصلين لغير ذلك من الجوانب: وهما الاقتصادي المستوفى الجيد، والثقافي الناقص. والرسالة على العموم ممتازة استفدت منها كثيرا، خاصة في عرض أو طرح بعض القضايا المهمة في التاريخ الرستمي.
هذه هي أهم المراجع التي اعتمدتها وراجعتها، يضاف اليها بعض مواد. دائرة المعارف الاسلامية التي كتبها مارسيه أو ليفسكي، وأما غيرها من المراجع ذات الأهمية الثانوية وهي كثيرة كثرة المصادر الأولية أيضا، فان الاشارات اليها في الهوامش تكفي لتبيان طبيعة استعمالها، وأهميتها
- 58 -
بالنسبة للبحث (1/66)
صفحة 67
المدخل)
الأوضاع السياسية العامة في المغرب العربي قبل سنة 160 هـ/777 م
إن التحدث عن الأوضاع السياسية العامة في المغرب العربي، قبل سنة 160 هـ، تاريخ تأسيس الدولة الرستمية، يفرض علينا الرجوع شيئا قليلا الى أوضاع المشرق العربي، اذ أن المغرب كان في هذه الفترة مرتبطا ارتباطا مباشرا بالمشرق، وهو في نفس الوقت على أبواب الانفصال عنه، سياسيا، واداريا شيئا فشيئا
ان الملاحظ لأوضاع المشرق العربي، قبل سنة 160 هـ يجدها تتميز فيا تتميز به من خصائص، بميزتين اثنتين هما:
1 - ثورات (*) الخوارج
2 - انهيار الدولة الأموية، لتحل محلها الدولة العباسية سنة 132 هـ وما رافق كل ذلك أحداث من
فالمتدبر في هاتين الميزتين، والعلاقة بينهما، يلاحظ جيدا مدى تأثير إحداهما على الاخرى، اذ ان للخوارج الدوز الاساسي في اسقاط الدولة الأموية، حيث أنها استنزفت قواها، وأرهقت خزينتها بتكاليف محاربتهم دون جدوى، فكلما قضت على ثورة لهم اندلعت أخرى (1).
() أعني بكلمة ثورة هنا، وفي المواضع الأخرى التي ترد فيها من هذه الرسالة: كل قيام مسلح ضد السلطان، أو الدولة القائمة، سواء نجحت الثورة أو فشلت، وسواء كانت نافعة النتيجة أم ضارة. ولم أرد أن أكثر من استعمال الكلمات المتعددة التي قد تصف الثورات بصفات قد تكون أكثر تدقيقا مثل الفتنة والعصيان والتمرد .... التذكير بالقيام ضد الدولة، لا تخصيص نوع هذا القيام وبيان طبيعته
فالقصد
هو
(1) حسن ابراهيم حسن: تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج 1، ط 6، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1961 ص 387 - 388.
-59 - (1/67)
صفحة 68
والحقيقة أن السلطة الأموية، بدورها، كانت قد أضعفت الخوارج
ولاحقتهم في كل مكان، وقتلت من زعمائهم عددا كبيرا، مما دفعهم الى التفكير جديا في مصير حركتهم، وبالتالي ايجاد طرق جديدة لاستمرارها (2).، ومن هنا فكروا في التوجيه نحو الاماكن القصوى بعيدا عن مركز الخلافة، فمنهم من توغل باتجاه المشرق، ومنهم من قصد بلاد المغرب
والواقع، أن الخوارج، لما وصلوا الى المغرب، استطاعوا ان ينشروا أفكارهم، ويتوغلوا بين القبائل البربرية، ويناوئوا عمال بني أمية بسكان المغرب أنفسهم، مما طبع حركاتهم بالطابع المحلي، وبالتالي اقتضت الضرورة تكثيف الجند العربي القادم من المشرق، بإفريقية خاصة، لمواجهة البربر الخوارج.
وفي غمرة الانتصارات الاولى التي حققها الخوارج في المغرب، عرف المشرق تطورا خطيرا قلب الاحداث رأسا على عقب، ذلك هو انهيار الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية 132 هـ كقوة فتية، جديدة، في ريعان شبابها، الأمر الذي أثبت للخوارج حتمية نقل نشاطهم السياسي الى مراكز بعيدة خاصة وأن العباسيين اختاروا موضع بغداد عاصمة لهم، وبالتالي قد أصبحوا بجوار البصرة احدى المراكز الأساسية لحركتهم.
وبديهي،، أن نعرف أن العباسيين في البداية، اهتموا بشؤونهم الخاصة، كتدعيم أركان دولتهم، وتثبيت قواعد ملكهم بالمشرق، وبالتالي فانهم لم يعيروا كبير اعتناء بالشؤون المغربية في هذه الفترة. وما أن تمكنوا من بسط نفوذهم بالمشرق، حتى ظهر اهتمامهم بالمغرب جليا (3) ويعتبر الخليفة المنصور (132 هـ - 158 هـ (أول من اتجه بنظره، من الخلفاء العباسيين
(2) محمود اسماعيل، الخوارج، ص 35 - 36، الجيلالي: تاريخ الجزائر، ج 1، ص 202 (3) عوض خليفات: نشأة، ص 102، دبوز: تاريخ المغرب، ج 3، ص 4 - 5.
-60 - (1/68)
صفحة 69
نحو المغرب، مهتما بشؤونه وأحداثه التي طغت عليها في عهده ثورات الخوارج اذ، تمكن هؤلاء عدة مرات من دخول القيروان، أول مدينة عربية بالمغرب العربي، وقاعدته ومقر حكمه
هذه هي وضعية المشرق باختصار، قبل سنة 160 هـ .. أردت من
ذكرها ربط أحداث المغرب بالمشرق، اذ كان المغرب في تلك الفترة جزءا
من الخلافة الاسلامية المترامية الاطراف
6
أما المغرب العربي، الذي التجأ اليه الخوارج لمواصلة نشاطهم السياسي مهياً لتقبل أفكارهم، إذ أن بعض ولاة بني أمية على المغرب كانوا
فقد وجدوه
يسوسونه بالشدة والظلم والجور (4). ومازال البربر صابرين على ذلك حتى جاءتهم الوفود الاولى من الخوارج الهاربين من العراق (5)، فاعتنقوا مبادئهم التي كانت تدعو الى الثورة والمساواة والعدل. وهي مبادئ تتسق مع صفات المغاربة وطباعهم وعقليتهم (6)
والجدير بالذكر أن من بين فرق الخوارج العديدة، لم تنتقل إلى المغرب إلا فرقتان فقط، هما الاباضية (7) والصفرية (8). وتروي المصادر الاباضية، أن أول داع لمذهبها ببلاد المغرب هو سلمة بن سعيد جاء من البصرة مع
-
33 - 32
(4) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 239 ـ 240، محمود اسماعيل الخوارج، ص وأنظر خاصة ماهم بفعله يزيد بن أبي مسلم، عامل بني أمية، سنة 102 هـ اذ أراد أن يم في يمين الرجل اسمه، وفي يساره كلمة «حرسي، وكذلك أساء عمر بن عبيد الله المرادي، عامل ابن الحبحاب على طنجة وما والاها، ه السيرة وتعدى في الصدقات والقسم وأراد أن يخمس البربر وزعم أنهم فيء للمسلمين وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله الرقيق القيرواني: تاريخ افريقية، ص 99 - 109. والحقيقة أن هذه الذلة والمهانة التي شعر بمرادتها البربر كانت السبب المباشر في ثورتهم الأولى بسنة 122 هـ كما سوف نرى.
(5) ابن الأثير: الكامل، ج 3، ص 92، ابن خلدون: العبر ج 6: ص 220
35
(6) ابن خلدون: نفسه، ج 6، ص 207، محمود اسماعيل: الخوارج ص (7) الاباضية نسبة الى عبد الله بن اباض الذي كان معاصرا لعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي (65 هـ - 86 هـ)
أنظر الفصل الأول من الباب الأول عن نشأة الاباضية وبعض عقائدها
(8) الصفرية هم أتباع عبد الله بن الصفار واليه النسبة. وقيل سموا بذلك لصفرة وجوههم من كثرة العبادة وهو ضعيف. أنظر المبرد أبو العباس: الكامل، باب الخوارج، دار الحكمة، دمشق،
1972.
، ص
105
- 61 - (1/69)
صفحة 70
عكرمة مولى عبد الله بن عباس. وكان عكرمة يدعو الى الصفرية، وسلمة يدعو الى الاباضية، ولشدة حرص هذا الاخير على نشر الاباضية، كان يتمنى أن لو ظهرت ولو يوما واحدا من أول النهار الى آخره، ولا يأسف إن ضربت عنقه بعد ذلك). ويرى الدكتور محمود اسماعيل أن أول بدايات ظهور الخوارج بالمغرب، كان في أواخر القرن الأول، وأوائل الثاني الهجريين (10)، أذ أن عكرمة توفي حوالي سنة 105 هـ كما تشير الى ذلك بعض المصادر (11)، وكما أكده الدكتور عوض خليفات (12)
المغرب
إن الرواية الاباضية المذكورة اذن، تجعل بدايات ظهور مذهبها في، مع نهاية القرن الأول وبداية الثاني، وهذا لا يعني ان الخوارج لم يكونوا بالمغرب قبل ذلك التاريخ، فمن المحتمل أنهم وفدوا عليه واستوطنوه كلما لحقت هزيمة في المشرق العربي، وضاقت عليهم الارض.
إن الاباضية والصفرية، بعد ما جاء داعيتاهما الى المغرب، استطاعا أن يحققا نجاحا باهرا في نشر دعوتيها، اذ اعتنق البربر المذهبين بكثرة وأخلصوا لهما، ووجدوا في مبادئها ما يطابق ميولهم وعقليتهم، اضافة الى أنها جاءا في فترة حساسة جدا، اذ أن البربر قد ضاقوا ذرعاً بحكم الولاة الأمويين وجورهم، وربا استفلوا خصومات العرب المشهورة فيما بينهم من قيسية ويمنية (13). وهكذا تكون الأسباب قد تكاثفت لقيام ثورات البربر أو ثورات الخوارج في المغرب العربي، ابتداء من سنة 122 هـ. وتستمر دون
123
(9) أبو زكرياء: سير، ص 25 - 26، الدرجين: طبقات، ج 1، ص 11 - 12، الشماحي: سير، ص (10) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 36 - 39. (11) ابن سعد محمد: كتاب الطبقات الكبير، م 5، تحقيق ادوارد سخو مطبعة بريل نيدن. 1905. 215 - 216، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، م 7. ط 1، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية.
الهند، الدكن، 1325 هـ/ص 271 ـ 273
(12) خليفات: نشأة الحركة الاباضية، 122 - 124
(13) حسين مؤنس: فجر الأندلس من الفتح الاسلامي الى قيام الدولة الأموية (11" - 750 م) ط ا. الشركة
العربية للطباعة والنشر القاهرة، 1959
، ص 144
-62 - (1/70)
صفحة 71
توقف إلى أن يؤسس الصفريون دولتهم المدرارية بسجلماسة في المغرب الاقصى، ويؤسس الاباضية دولتهم الرستمية في المغربين الأوسط والادنى.
وهكذا، فان أوضاع المغرب العربي قبل سنة 160 هـ تتميز بتلك
الثورات (14) التي قامت على طول البلاد وعرضها، ومن هنا، فقد عرف المغرب عدة ثورات، كان من أهمها الثورة الأولى سنة 122 هـ، وكانت ثورة بربرية صفرية قادها ميسرة المطغرى. وثورة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني الاباضية سنة 140 هـ. وسنقتصر على ذكر هاتين الثورتين فقط، اذ أن الاولى كانت الممهدة لانشاء الدولة الصفرية، بينما الثانية مهدت لانشاء الدولة الاباضية بالمغرب العربي
وقبل أن أتطرق لتينك الثورتين، يجدر بنا أن أشير إلى أن الصفرية اختاروا المغرب الاقصى وتمركزوا فيه، مع انتشار قليل في المغرب الأدنى وافريقية. أما الاباضية، فقد كانوا ينتشرون من المغرب الادنى الى الاوسط
إذ اعتنقت الاباضية قبائل نفوسة وهوارة ولماية وزناتة وسدراتة وزواغة ولواتة (15) لهذا فان ثورات الصفرية، انطلقت من المغرب الاقصى، ثم تأسست دولتهم فيما بعد ذلك. أما ثورات الاباضية، فقد كانت تدور دائما في المغرب الأدنى وافريقية. ولما يئسوا من تلك البلاد ولوا وجوههم شطر المغرب الاوسط وقد استطاعوا في النهاية، أن يؤسسوا دولتهم بعيدا عن القيروان، مركز الجيوش العباسية وهدفها.
(14) ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص 52 - 59، 6 - 79 وراجع ابن خلدون الذي يعلق على ثورة البربر الاولى فيقول «واضطرم المغرب نارا. وانتقض أمره على خلفاء المشرق فلم يراجع طاعتهم بعد. العبر،
ج 6، ص 240
(15) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 246، محمود اسماعيل: الخوارج ص 41 - 44، عوض: نشأة، ص 136 وأنظر كذلك. Masqueray E: opcit, P. LXXIII
-63 - (1/71)
صفحة 72
أولا - ثورة ميسرة المطغري الصفري سنة 122 هـ:
قامت ثورة الخوارج الأولى بالمغرب (1)، في المغرب الأقصى، وبقيت مستمرة حتى استفحل أمرها وعمت ربوع المغرب كله تقريبا، فسميت بذلك ثورة البربر (17). وانما الذي دعا اليها هو ميسرة المطغري الصفري. قاد جموعا من بربر مطفرة قبيلته والقبائل المجاورة لها (18)، وقصد طنجة والسوس، حيث عاملا الله الحبحاب آنذاك فقتلها، ويبدو أن عبيد
بن
البربر الصفرية في المغرب الأقصى، بعد هذا الانتصار، تقاطروا عليه، مما دعاهم الى مبايعته بالخلافة. وما وصلت أخبار هذه الثورة عند الوالي بالقيروان ابن الحبحاب، حتى انفذ اليها جيشين: احدهما بقيادة حبيب بن أبي عبدة (19) وثانيهما يقوده خالد بن أبي حبيب الفهري، فالتقى هذا الأخير بميسرة في مقربة من طنجة، ووقع بين جيشيها قتال شديد، انهزم على اثره ميسرة وولى راجعا الى طنجة، هنالك بايع الخوارج خالد بن حميد الزناتي مكان ميسرة الذي قتلوه بسبب تخاذله. فالتقى الجيشان مرة: ثانية وكانت وقعة عظيمة مات فيها «حماة العرب وفرسانها وكماتها وأبطالها فسميت الغزوة غزوة الأشراف» (20)
(16) ابن عبد الحكم: فتوح افريقية والاندلس، تحقيق أنيس الطباع دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1964 64 وأنظر كذلك الرقيق في تاريخ افريقية ص 109 حيث يقول: «وعظم البلاء وذلك في سنة 122 هـ
وهي أول فتن كانت بافريقية في الاسلام. . (17) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 52. (18) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 49
(19) يخبرنا ابن عذارى أن عبيد الله بن الحبحاب كتب الى حبيب بن أبي عبدة يأمره بالرجوع من صقلية، اذ كان في غزوة لها، وذلك ليتقوى به في مواجهة الخوارج. ومن هنا نلمس مدى خطورة هذه الثورة، كما يظهر لنا جليا أنها كانت سببا مباشرا في عرقلة فتح صقلية فلم تفتح الا تسعين سنة بعد ذلك أي سنة 212 هـ. أنظر البيان، ج 1، ص 52 - 53، 102. ومن بين النتائج العديدة لهذه الثورة، انتقال عدواها الى الاندلس، اذ أن البربر هناك ثاروا على عاملهم فعزلوه وهكذا تعم الثورات جميع بلاد المغرب في العدوتين. ابن عذاري البيان، ج 1، ص 54، ابن خلدون: العبر ج 6، ص (20) الرقيق: تاريخ افريقية والمغرب، ص 110 - 111، ابن عذارى: البيان، ج 1، ص
240
54
- 64 - (1/72)
صفحة 73
ثم توالت الثورات من صفرية وإباضية، حتى كان عام 138 هـ لما
هاجمت قبيلة ورفجومة الصفرية القيروان، بقيادة عاصم بن جميل فأخرجوا منها واليها حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب، الذي التجأ الى جبل الاوراس فلحقه عاصم الى هناك، واقتتلا فانتصر حبيب، وقتل عاصم، وفي غمرة هذا الانتصار قاد حبيب جيوشه وسيرها نحو القيروان لاستردادها من خليفة عاصم عبد الملك بن أبي الجعد. ودارت المعركة بين الجانبين فقتل حبيب سنة 140 هـ عندئذ خلا الجو للصفرية في القيروان، فعاثوا فيها فسادا. ولا تختلف المصادر الاباضية وغيرها (21) في تصوير مناكرهم، بل إن الكتابات الاباضية تعزو قيام ثورة أبي الخطاب عبد الاعلى بن السمح المعافري اليمني الى تلك الاعمال الشنيعة التي قامت بها ورفجومة الصفرية.
ثانيا - ثورة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح الاباضي
سنة 140 هـ (22)
:
السنة
كان أبو الخطاب (23)، قد بويع بالامامة سنة 140 هـ، وفي نفس توجه بأصحابه من الأباضية الى مدينة طرابلس، فدخلها وطرد منها عاملها الذي رجع الى المشرق، حسبما ترويه المصادر الاباضية، ثم ان
(21) أبو زكرياء: سير، ص 38 - 39، الرقيق: نفس
ص 69 - 70، ابن خلدون: العبر: ج 6، ص
232
، ص 141، ابن عذارى: البيان، ج 1،
يخطيء ابن خلدون عندما يقول أن ورفجومة اباضية، والغريب أنه يذكر بعد ذلك مباشرة أن الاباضية أنكروا ذلك عليهم، واجتمعوا الى أبي الخطاب عبد الأعلى لمحاربة ورفجومة. أنظر: العبر، ج 6، 231 - 232 (22) سنفصل أحداث هذه الثورة والتي تليها لأنها تمهد فعلا لموضوع هذه الدراسة.
(23) أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، أحد حملة العلم (الاباضية) الى المغرب من البصرة. التقى. بعبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وأبي داود القبلى النفزاوي واسماعيل بن درار الغدامسي بالبصرة وكلهم من حملة العلم، حيث أخذوه عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة مدة خمس سنوات (135 هـ – 140 هـ) ومنها رجعوا الى المغرب لنشر الاباضية. وكان شيخهم أبو عبيدة قد اقترح عليهم إن أنسوا من أنفسهم قوة وأرادوا اعلان امامة اباضية، أن يعقدوها لأبي الخطاب. وكان كما أراد. أنظر: أبو زكرياء: سير، ص 37، الدرجيني: طبقات - 23، الشماخي: سير ص 123 - 124، علي يحي معمر: الاباضية في موكب التاريخ الحلقة 2،
19
ج 1، ص
القسم 1
، ص
49 - 54، دبوز: المغرب الكبير، ج 3، ص
190 - 189
-65 - (1/73)
صفحة 74
وجوده بطرابلس سهل له الاستيلاء على جزيرة جربة وجبل دمر، وكان هذا كله في عام واحد (2)
ولما قامت القبائل البربرية الصفرية، وعلى رأسها ورفجومة، بأعمالها الشنيعة في القيروان، رأى الأباضية ضرورة الوقوف أمام المعتدي على حرمات الله (25)، وكسر شوكته، فتوجهوا بقيادة امامهم نحو القيروان، وفي طريقهم استطاعوا أن يستولوا على قابس، وبعد أن ترك أبو الخطاب عليها عاملا، ارتحل وحاصر القيروان، ولما قتل زعيم الصفرية بها عبد الملك بن أبي الجعد استطاع أن يدخل المدينة سنة 141 هـ (26) ويستخلصها من يد ورفجومة وينقذ أهلها من مناكرهم.
ويبدو أن أبا الخطاب، لم يقم طويلا بالقيروان حيث خرج لمواجهة جيش محمد بن الاشعث الخزاعي، الذي بعثه الخليفة المنصور الى افريقية
<
سنة 142 هـ لاستردادها، فترك عبد الرحمن بن رستم واليا عليها (27) وتوجه مسرعا نحو طرابلس فالتقى بعمرو بن الأحوص العجلي المبعوث من طرف ابن الاشعث (28)، ويبدو أن أبا الخطاب وجيشه، لم يجدوا كبير عناء في الانتصار على هذا الجيش، ورد قائده مهزوما. ولما وصلت أخبار هذه الهزيمة المنصور، كتب الى ابن الاشعث يأمره بالمسير بنفسه الى
(24) الجربي محمد أبو راس: مؤنس الاحبة في اخبار جربة، تونس 1958 م، ص
45 -
44
مراه
(25) يذكر أبو زكرياء رواية عن السبب المباشر الذي دفع أبا الخطاب للتوجه الى القيروان فيقول إن امرأة قيروانية كتبت بطاقة الى ابي الخطاب تشكو اليه فيها جور ورفجومة وخوفها على شرف ابنتها التي اخفتها في حفرة تحت سريرها. ولما وصلت البطاقة الى أبي الخطاب بكى رحمة عليها ونادي الصلاة جامعة، ثم صعد المنبر ورغب أصحابه في الجهاد وأمر رعيته بالاستعداد للحرب، أبو زكرياء: سير، ص 38 - 39 وأنظر كذلك الرقيق اذ يورد رواية قريبة من الاولى، تاريخ افريقية، ص 142. (26) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 64 - 65، الدرجيني: طبقات ج 1، ص (27) أبو زكرياء: سير، ص 41، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 29 (28) يبدو أن محمد من الاشعث كان يرمي من وراء ارسال ابن الاحوص الى جس النبض، وتلمس مواطن القوى والضعف في افريقية، أو كان خائفا من كثرة الاباضية يقول ابن عذارى «فضاق ذرع ابن الاشعث بلقاء أبي الخطاب لما بلغه كثرة جيوشه، البيان، ج 1، ص 72 وأنظر كذلك، الشماخي: سير، ص 131
29
-66 - (1/74)
صفحة 75
المغرب، فلبي الامر وتوجه بجيش قوامه أربعون ألفا، فوجد أبا الخطاب مستعدا، قد جمع أصحابه في كل ناحية
وتروي المصادر الاباضية التقاء الجيشين، وانهزام أبي الخطاب في المعركة، التي تعرف بمعركة «تاورغا» (29)، وتعزوها الى الحيلة التي اتبعها ابن الاشعث في تشتيت الجيش الاباضي البالغ تعداده حوالي اثني عشر أو أربعة عشر ألف رجل (30) من الاباضية، اذ التجأ قائد جيوش المنصور لما رأى كثرة جنود أبي الخطاب، الى الانسحاب والعودة الى المشرق خدعة فلما رأى رجال أبي الخطاب ذلك، وكان منهم الفلاحون الذين تركوا حقولهم حصاد، تخلوا عن أبي الخطاب، ورجعوا الى مزارعهم وحقولهم، رغم تنبيه قائدهم لهم بأن انسحاب ابن الاشعث انما هو محض خدعة الا أنهم تمادوا في الانسحاب، فتصدع جيش الاباضية، ونقص عدده، وتشتت مما سهل مهمة ابن الاشعث في القضاء على من بقي مع أبي الخطاب فقتلهم جميعا سنة 144 هـ (31)
اذ الموسم موسم
أما ابن عذاري (32)، فيعزو انهزام سبعين ألفا أما أربعين ألفا
، حسب
(29) تاورغا أو تاورغة، المنطقة التي وقعت فيها المعركة المذكورة، وتبعد مسيرة أربعة أيام من مدينة طرابلس شرقا
132 -
130
(20) تذكر المصادر الاباضية أن جيش ابن الاشعث سبعين أو خمسين ألف رجل، بينما يجعله ابن عذارى أربعين ألفا. أنظر لواب بن سلام شرائع الدين (مخطوط) ورقة 42 - 45، الشماخي: سير، ص (31) أبو زكرياء: سير، ص 44 - 46، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 32 ـ 34، الشماخي: سير،
132 131
(32) ابن عذارى: البيان، ج 1، ص 72. والجدير بالذكر أن الدكتور محمود اسماعيل يرجح رواية ابن عذارى على الرواية الاباضية ويرى أن هذه الاخيرة ارادت بروايتها اخفاء الانشقاق داخل المعسكر الاباضي بسبب انسحاب اباضية زناتة، ومما يرجح هذه الرواية خروج الزناتيين فجأة بقيادة زعيهم أبي هريرة الزناتي، على ابن الاشعث بعد انهزام أبي الخطاب، ربما ذلك لشعورهم بانهم السبب في ذلك الانهزام. وقارن بما قاله ابن سلام، وهو أقدم ما وصلنا من المصادر الاباضية، إذ يذكر تخوف رجال أبي الخطاب من مباغتة ابن الاشعث للاباضية. وفي الرواية التي يسوقها لنا ما يوحي بأن ابن الاشعث لم يخادع الاباضية ثم لا يذكر أي شيء عن تصدع جيش أبي الخطاب سواء، بسبب مغادرة الفلاحين الميدان لان الموسم موسم حصاد. أو بسبب تنازع القبائل البربرية واتهام قبيلة زناتة أبي الخطاب بالميل الى هوارة وانما الذي يذكره في هذا الصدد أن القبائل المشاركة في المعركة =
-67 - (1/75)
صفحة 76
روايته، الى انقسام جيش أبي الخطاب، وتنازع القبائل البربرية المشكلة له بأن اتهمت زناتة أبا الخطاب بالميل الى هوارة على حسابها، فانسحبت واستغل ابن الاشعث هذا التصدع، وسُرَّ به، فتوجه مطمئنا نحو
أبي الخطاب ومن بقي معه فاقتتلا قتالا شديدا، وانهزم الجيش الاباضي وقتل قائده سنة 144 هـ. فتقدم ابن الاشعث ظانا ألا بقية للاباضية بعد تلك المعركة، ففاجأه أبو هريرة الزناتي بستة عشر ألفا من رجاله، استطاع ابن الاشعث على ما يبدو أن يقضي عليه ويهزمه بسهولة.
ولما وقعت هذه الهزيمة الشنعاء بالاباضية، تشتتوا في البلاد، والتجأوا الى الجبال يتحصنون بها، لان ابن الاشعث لم يكتف بمعركة تاورغا وما آلت اليه الاباضية من ضعف، وانما تمادى في ملاحقتهم وقتل خلق
كثير منهم
(33)
ولما علم عبد الرحمن بن رستم بانهزام اخوانه ووفاة صاحبه أبي الخطاب
وهو في طريقه من القيروان الى تاورغا (34) لمساعدته وتقديم العون له، ولى
"
راجعا، وتفرق عنه أصحابه بقابس ودخل القيروان خائفا يترقب فوجدها قد تغيرت عليه، بايع أهلها عمر بن عثمان القرشي على أنفسهم، فلم يجد الا اتجاها واحدا أمامه يسلكه لينجو بنفسه، ذلك هو الاتجاه نحو المغرب الأوسط (35)، أولى خطوات تأسيس الدولة الرستمية
بعد هزيمة أبي الخطاب وهروب عبد الرحمن، تداعت القبائل البربرية
154
هي زهانة؟ هوارة، نفوسة، لواتة، مزاتة، وه أن الله يعطي الغلبة لمن شاء، أنظر شرائع الدين (مخطوط) ورقة 41 - 42، محمود اسماعيل الخوارج، ص 255، هامش 235، عوض خليفات: نشأة (33) ابن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 45، ابن عذارى: البيان ج 1، ص 73، الشماخي: سير،
133.132
، ص
(34) يذكر ابن خلدون ان خبر هزيمة أبي الخطاب وصل عبد الرحمن بن رستم وهو بالقيروان وكأنه لم يخرج منها
247
اطلاقا، أنظر العبر، ج 6، ص (35) أبو زكرياء: سير، ص 46، ابن عذارى: البيان، ج 1، ص 72، الدرجيني: طبقات ج 1، ص
35
-68 - (1/76)
صفحة 77
الاباضية الى الهدوء، والكتمان، بعد الثورة والظهور (36)، وبقيت على ذلك ردحا من الزمن حتى أنست من نفسها قوة خاصة في حيز طرابلس، حيث قبيلة نفوسة، المادة العسكرية الاساسية للاباضية في المغرب العربي فاجتمعوا على مبايعة امام للدفاع (37) عنهم، فوقع اختيارهم على أبي حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي، مولى كندة فبايعوه سنة 145 هـ (36)
(
واستطاع أن ينتصر على جيوش الولاة في عدة معارك، ويدخل طرابلس كما أنه تمكن من حصار القيروان زمنا ليس بالقصير، حتى ضاق أهل المدينة بحصاره ذرعا، والتجأ أفراد منهم اليه، فلم تستطع المدينة الصمود أمام قواته، فقتل عمر بن حفص عامل العباسيين على المغرب في احدى المعارك، ودخل أبو حاتم وجنده القيروان، ثم ترك عليها عاملا من قبله وغادرها متوجها نحو طرابلس لمواجهة يزيد بن حاتم القادم من مصر، أرسله أبو جعفر المنصور لما بلغته أحداث المغرب وثوراته، ومقتل عامله عمر بن حفص. وبعد انتصارات لأبي حاتم وجنده عديدة، استطاع يزيد بن حاتم أن يهزم الاباضية، ويقتل امامها سنة 155 هـ بل لم يكتف بذلك، وانما راح يلاحقهم ويقتلهم في كل سهل وجبل (39)
وهكذا يعود الاباضية مرة أخرى الى الكتمان، والعمل بالتقية ولاشك أن انهزامهم مرة ثانية، وتشتتهم في البلاد، أدى بالكثير منهم
(36) عن مصطلحات الكتمان والظهور والدفاع وغيرها أنظر عقائد الاباضية في الفصل الاول من الباب الاول. (37) من هنا يفهم أن الولاة الذين تعاقبوا على حكم افريقية والمغرب منذ محمد بن الاشعث الخزاعي، الذي هزم الاباضية سنة 144 هـ، كانوا يمارسون العنف على الخوارج ويلاحقونهم رغم كونهم في الكتمان، لذلك كان رد الفعل لدى الاباضية حاسما اذ اختاروا امامة الدفاع دون غيرها من أنواع الامامة المعمول بها عند الاباضية وذلك للدفاع عن أنفسهم. (38) تذكر المصادر الاباضية أن تولية أبي حاتم كانت سنة 154 هـ، وهو انهزام أبي الخطاب وملاحقة ابن الاشعث للاباضية وتقتيلهم، وهو ما دفع جماعة الاباضية لرد العنف بالعنف
أنظر شرائع الدين لابن سلام (مخطوط) ورقة 45
-
ج 1، ص 38 وقارن: محمود اسماعيل،، الخوارج، ص
ص
157
(39) الرقيق: تاريخ افريقية
،
ص
143
خطأ والصحيح هو
145 هـ اذ كانت بعد
46، أبو زكرياء سير، ص 49، الدرجيني: طبقات، 256، هامش 250، عوض خليفات:: نشأة،
66
- 148، 159 - 160، ابن عذارى: البيان، ج 1، ص 79.
- 69 - (1/77)
صفحة 78
الى التفكير في التوجه نحو المغرب الاوسط، حيث عبد الرحمن بن رستم أبرز شخصية أباضية بعد مقتل أبي الخطاب وأبي حاتم. وهكذا تتجه الأنظار اليه فيستقطب الأحداث. ولا يخامرنا الشك في أن العديد من أولئك توجهوا فعلا نحو عبد الرحمن، الأمر الذي شجعهم لما كثر عددهم في منطقة معينة محدودة، على بناء مدينة تأويهم، وتحميهم، وتكون حصنا لهم وللامامة التي بدأوا يفكرون في اعلانها، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في الباب الأول، بعد أن نقدم نبذة عن نشأة الاباضية وبعض عقائدها، نراها ضرورية، تسهل علينا تتبع مراحل نشأة هذه الدولة ابتداء من عاصمتها
تيهرت، وتيسر علينا فهم أحداثها.
-70 - (1/78)
صفحة 79
الباب الأول
الأضاح السياسية (1/79)
صفحة 80
[صفحة فارغة] (1/80)
صفحة 81
الفصل الأول)
المذهب الاباضي: نشأته
وبعض
عقائده
>>
عندما وقع الخلاف في الاسلام، وانقسم المسلمون الى فئتين: علي بن أبي طالب (ض) وأتباعه من جهة، ومعاوية بن أبي سفيان (ض) وأنصاره من جهة أخرى، انتهى خلافهما الى معركة صفين سنة 36 هـ. والتي ترتب عنها ما يعرف في التاريخ بحادثة التحكيم (1)، التي أبقت الخلاف في جيش علي وفرقت بينه وبين عناصر منه، ومن أولئك فرقة الخوارج التي اعتزلت عليا وخرجت عنه بعد ما كانت معه، كما بقيت في عدائها لمعاوية واتباعه من الشاميين خاصة
إن الخوارج لما استقلوا برأيهم في قضية التحكيم، والامامة وقالوا لا حكم الا الله» (2) ولوا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي اماما، ثم قتل وعدد كبير من أصحابه في معركة النهروان المشهورة سنة 38 هـ، قضى عليهم علي بن أبي طالب. واستمرت حركتهم هكذا متماسكة وبقيادة واحدة، حتى وقع الخلاف بينهم حول مسألة الخروج لمحاربة السلطة الاموية المناهضة لهم حيث أن فريقا منهم رأى الخروج واجبا، بينما
(1) عن حادثة التحكيم: تفاصيلها وأسبابها ونتائجها، أنظر اضافة الى المصادر الاولية كلها تقريبا، الفتنة الكبرى للدكتور طه حسين، ج 2، دار المعارف، القاهرة، 1956 م، ص 91 - 123 وأنظر كذلك عوض خليفات: نشأة، الباب الاول والثاني.
(2) لذلك سموا في أول الامر بالمحكمة ثم أطلق عليهم الحروريه نسبة الى حروراء، المنطقة التي اجتمعوا فيها بالعراق وسموا كذلك بالشراة أي الذين اشتروا الآخرة بالدنيا، وهذه التسميات كلها كانت قبل أن يعرفوا بالخوارج التي سموا بها لذلك نجد شعراءهم يفتخرون بها، ثم انقلب المدح ذما لما تفرقته كتلة الخوارج الى فرق مختلفة، ولما غالت فرق منها وتطرفت كالازارقة والنجدات مما يجعلنا نعتقد أن صفة الذم التصقت بالفرق المغالية من الخوارج بينما احتفظت غيرها بصفة المدح أو تسمية أخرى هي القعدة، أي القعود عن محاربة المسلمين المخالفين لهم من أتباع معاوية وغيره. أنظر عوض: نشأة، ص 67. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
6
- 73 - (1/81)
صفحة 82
الفريق الاخر التزم القعود واعتبر الخروج لا يحل لان المخالفين لهم بريئون من الشرك (3) وبالتالي لا تجوز مقاتلتهم. وكان عبد الله بن اباض (4) هو صاحب هذا الرأي الأخير الذي ردّ به على تطرف نافع بن الازرق ومن
رأى رأيه.
وابتداء من هذا الاختلاف الذي وقع حوالي سنة 64 هـ، انقسم الخوارج الى متطرفين ومعتدلين، فكان في الجانب الاول الازارقة والنجدية وفي الجانب الثاني الاباضية والصفرية (5). وتذكر المصادر الاباضية أن بن اباض الذي تنسب اليه الفرقة، انما كان يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد (6) شيخه، الذي يعتبر عند الاباضية أصل المذهب
عبد
الله
ص
(3) المبرد أبو العباس: الكامل، باب الخوارج، ص 105 - 119، تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 567، عوض: نشأة، ص 79 (4) يذكر ابن رستة أن عبد الله بن اباض من بني مرة بن عبيد من تميم رهط الاحنف بن قيس. واليه تنسب الاباضية. الاعلاق النفسية، بريل ليدن 1891 م 217 وأنظر القلهاتي أبو عبد الله محمد بن سعيد 1400 هـ/1980 م ص 471 حيث يقول: بأن امام المسلمين (الاباضية) عبد الله بن اباض بن تيم اللات بن ثعلبة رهط الاحنف بن قيس التميمي نشأ في زمان معاوية بن أبي سفيان وعاش الى زمان عبد الملك بن مروان وشيوخه عبد الله بن عباس، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ... وأخذ من أهل النهروان والتابعين من أهل صفين والجمل اضافة الى بعض الصحابة. وأنظر كذلك المبرد: الكامل، ص 105، البغدادي عبد القاهر: الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منها ط 3، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1978 م، ص 72 ابن حزم أبو محمد علي بن سعيد: كتاب الفصل في الملل والاهواء والنحل ج 3، ط. أوفست مكتبة المثنى، بغداد 1377 هـ، ص 191 الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، ج 1، ط. أوفست، دار المعرفة، بيروت 1400 هـ / 1980 م. 134 وما بعدها. أما الشيخ أطفيش المحمد بن يوسف فيقول بان الاباضية بكر الهمزة نسبة الى عبد الله بن اباض. الامكان فيما جاز أن يكون أو كان 113 وأنظر كذلك الدرجيني
ص
طبقات، ج 2، ص 214 (5) عوض خليفات: نشأة، ص 71. .
، ص
(6) أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي. ولد في خلافة عمر بن الخطاب بعمان وربما سنة 21 هـ: وعاش بالبصرة،
وبها تعلم، وله الدور البارز في توجيه حركة الاباضية في طور كتمانها، وبقي هو ممارسا للتقية الى أن توفي سنة 93 هـ. وكان محدثا ثقة ذكره أصحاب الحديث والرجال وأستوثقوه. ويفيضون في ذكر غزارة علمه، مثلهم في ذلك مثل كتب الاباضية، الا أن بعض كتب الرجال تشير الى أن جابراً لم يكن اباضيا ولا زعيما لها معتمدة بعض الزوايات على لسان جابر نفسه. ولا شك أن تلك الروايات، ان صحت لا تمنع كون جابر اباضيا، لأنه لما مثل وأجاب عن مذهبه بأنه غير اباضي، انما أراد من وراء ذلك افشاء وكتمانه، فبدأ التقية والكتمان سره يجيز له ذلك. ثم إنه لا يريد أن يفقد مركزه العلمي والثقة التي وضعها فيه أصحاب الحديث، فهو إن أبدى
شيئا من
عدم
اعتقاداته تكون مطعنا عليه وعورة في علمه، ويكون بذلك مجروحا. أنظر: ابن سعد: الطبقات،
=
- 74 - (1/82)
صفحة 83
الله
وأسه (7). وهو إمامهم الأول، ويأتي عبد بن اباض في الدرجة. الثانية (8). وكان هو الذي يتولى مناظرة المخالفين للاباضية، بل كانت له مراسلات مع الخليفة عبد الملك بن مروان (9)، ولم تتعد أعماله ومسؤولياته الى اكثر من هذا، وانما تولى المناظرة دون غيره من الاباضية، لحماية تميم قبيلته له، ولقدرته على المناظرة والمجادلة. ومن هنا كانت النسبة اليه لظهوره علنا بخلاف جابر بن زيد الذي اختار التقية والكتمان، لمركزه العلمي أولا، ثم لكي لا تصل اليه السلطة الأموية، ولا تمسه بسوء، فيخسره أصحابه، وربما تكون نكبة على الدعوة الاباضية كلها (10)
ومجمل القول، إن الاباضية، الى يومنا هذا، يعتبرون جابرا مذهبهم وشيخ تلميذه وخليفته في الكتمان أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (11)
= م 7.، ص 130
133، ابن تيمية: رفع الملام عن الائمة الاعلام، ط 5، مؤسسة مكة للطباعة والنشر، مكة، 1396 هـ/ص 76، ابن حجر العسقلاني: تذيب التهذيب، ج 2، ص 38، وما بعدها. ابن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 35، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 205، الشماخي: سير ص 70 ـ 77، علي معمر: الاباضية في موكب التاريخ، ج 1، ص 143 - 151، عوض: نشأة ص 95،82، 102، مهدي هاشم طالب: الحركة الاباضية في المشرق، نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن 3 هـ (رسالة ماجستير) جامعة بغداد،
1977 م، ص
77 - 70
(7) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 205، الشماخي: سير، ص 77. (8) يرى الاستاذ أحمد توفيق المدني أن الله بن اباض كان بالنسبة لجابر بن زيد كأبي يوسف بالنسبة لأبي عبد
حنيفة ـ أنظر مدخل لدراسة الدولة الرستمية، محاضرة القيت في الملتقى 11 للفكر الاسلامي بوارجلان: الجزائر، 1977 م، ص 4.
(9) توجد رسالة له في كتاب البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 156 - 167 الأزكوي: كشف الغمة (مخطوط)، 298 - 317 - ونشرها د. عوض خليفات كملحق في كتابه نشأة الحركة الاباضية، ص 172 ـ 180 (10) خليفات: نفسه، ص 80 - 82.
ص
،
(11) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، مولى بني تميم، تولى زعامة الاياضية بعد وفاة جابر حوالي سنة 95 هـ بالبصرة، وبعد أن أفرج عنه من سجن الحجاج الذي توفي سنة 95 هـ، وكان لابي عبيدة الدور البارز في نشر الاياضية بالمغرب العربي. وقد عاصر عهد الامام الرستمى الأول عبد الرحمن بن رستم (160 هـ - 171 هـ) وجزءا
من عهد عبد الوهاب بن عبد الرحمن. ويبدو أنه توفي حوالي سنة 172 هـ. وبذلك يتضح دوره كزعيم للاباضية اذ أغلب الأحداث التي شهدتها اباضية المغرب خاصة فضلا عن اباضية المشرق كانت في عهده (95 هـ ـ 172 هـ) أنظر عوض خليفات: نشأة، ص 103، مهدي هاشم طالب: المرجع السابق ص 77 - 79، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 159، وراجع ابن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 36
-75 - (1/83)
صفحة 84
وهذا بدوره كان شيخ الربيع بن حبيب (12)، واضع مسند الاباضية في
الحديث النبوي
خرج
ولما توفي الامام جابر بن زيد سنة 93 هـ تقريبا، خلفه تلميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي عرفت الحركة الاباضية في عهده الطويل نظاما دقيقا، واستطاع أن يبث الدعاة في المشرق والمغرب. وفي عهده سلمة بن سعد (سعيد) من قبله الى المغرب، يدعو للاباضية، وفي سنة 135 هـ خرجت إلى البصرة البعثة العلمية المغربية المعروفة عند الاباضية بحملة العلم (13)، وتتكون من أربعة أشخاص هم: عبد الرحمان بن رستم وعاصم السدراتي واسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي، وقضوا مع شيخهم أبي عبيدة خمسة أعوام تلقوا فيها علوم المذهب، في كتمان وسرية تامة، ولما هموا بالرجوع الى وطنهم بالمغرب إنضم اليهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، وكان قد قدم الى البصرة في عدد من أهل اليمن حيث التقوا ببعثة أهل المغرب، وتلقوا العلم في فترة واحدة من شيخهم أبي عبيدة
وهكذا يكون حملة العلم الى المغرب العربي خمسة، زودهم شيخهم بالمعلومات الضرورية لظهور مذهبهم، وخروجه من طور الكتمان، ان أنسوا من أنفسهم قوة. وكانت مدرسة أبي عبيدة عبارة عن سرداب سري،
(12) الربيع بن حبيب العماني عاش في القرن الثاني الهجري وتولى أمامة الاباضية بالبصرة بعد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في ظروف غامضة لدينا، ويعتبر مسنده المعتمد الاول لدى الاراضية في الحديث. وقد اعتمد الربيع في وضعه على الأحاديث التي حفظها عن أستاذه أبي عبيدة وهذا بدوره حفظها عن الامام الثقة جابر بن زيد. لذلك فان أحاديث المسند كلها تقريبا تروى عن الربيع عن أبي عبيدة عن جابر عن الصحابة عن رسول الله. أنظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، ترتيب أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني، تحقيق وتصحيح نور الدين السالمي، ط 2 وهو في أربعة أجزاء، المطبعة السلفية، القاهرة، 1349 هـ وأنظر الدرجيني:: ج 2، ص 273 وما بعدها الشماخي: سير، ص 102، المضيربي عبد الله سالم بن حمد العقود الفضية في أصول الاباضية، لبنان، بلا تاريخ الطبع، ص 149، وما بعدها. وراجع ابن سلام: شرائع (مخطوط)
طبقات
زرقة 36
(13) أبو زكرياء: سير، ص 35، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 19، الشماخي: سير، ص 123 - 124 أطفيش: الامكان،، ص 111، علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص
188
-76 - (1/84)
صفحة 85
وكان الشيخ يعرف بالقفاف لتظاهره بصناعة القفاف أثناء القاء دروسه السرية، وتظاهر تلامذته بتعلم الصنعة منه (14). ولما وصلوا الى المغرب سنة 140 هـ، يبدو أنهم وجدوا المذهب الاباضي منتشرا في المغرب الأدنى خاصة، وذلك بجهود سلمة بن سعد، الذي نجهل كل شيء عن نهايته. الامر الذي دفعهم الي مبايعة أبي الخطاب بالامامة في نفس العام، وكانوا من القوة والكثرة بحيث استطاعوا أن يدخلوا طرابلس، ويطردوا منها عاملها سنة 140 هـ (15) كما سبق أن رأينا.
والحقيقة أن الصورة لا تكتمل لدينا اذا توقفنا عند هذا الحد، لهذا
رأينا من الضرورة بمكان ذكر بعض معتقدات الاباضية خاصة منها التي
<
تتعلق بموضوع هذه الدراسة وتزيده وضوحا في بعض جوانبه. والواقع: أن المذهب الاباضي كغيره من المذاهب الاسلامية، لا يوجد كبير اختلاف بينه وبينها (16)، فالمذهب الاباضي أقرب المذاهب الى السنة، اذ قول ابن اباض، كما يقول المبرد (17)، أقرب الأقاويل الى السنة
بعض عقائد الاباضية (18):
1 - الصفات الالهية: هي عين ذات الله، نفيا لتعدد القدماء
2 - رؤية الله لا تتحقق للانسان أبدا، في الاخرة فضلا عن الدنيا.
(14) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 20، الشماخي: سير، ص 83، علي معمر
التاريخ، ج 1، ص 153، دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 193
37. 38 -
الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 22 - 26. .
:
الاباضية في موكب
(15) أبو زكرياء: سير، ص (16) عبد العزيز المجدوب: الصراع المذهبي بافريقية الى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر والتوزيع،
تونس، 1395 هـ/1975 م، ص 110 - 111 (17) المبرد: الكامل، ص
119
(18) من الكتب الكثيرة جدا التي تتحدث عن عقائد الاباضية أنظر: ابن جميع أبو حفص عمر: مقدمة التوحيد، شرح أبي العباس الشماخي وأبي سليمان الثلاثي، ط 2، الجزائر 1392 هـ / 1973 م. أبو عمار عبد الكافي: الموجز (آراء الخوارج الكلامية) تحقيق عمار طالبي جزءان الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ / 1978 م، الباروني أبو الربيع: مختصر تاريخ الاباضية ص 71 - 78، القلهاتي أبو عبدالله محمد بن سعيد الأزدي: الكشف والبيان، جزءان، أنظر الجزء الثاني خاصة، الأزكوي. سرحان بن سعيد: كشف =
-77 - (1/85)
صفحة 86
3 - القرآن مخلوق عند قسم منها المغاربة خاصة، وغير مخلوق عند القسم
الاخر (19). -- الخلود في الجنة والنار أبدي. لا يشقى من سعد في الآخرة أبدا ولا يسعد من شقي في الآخرة أبدا
5 - الانسان حر في اختياره، مكتسب لعمله، ليس مجبرا عليه، ولا
خالقا لفعله.
6 ـ الايمان قول وتصديق وعمل وليس قولا وتصديقا فقط دون عمل 7 - ولاية المطيع والبراءة من العاصي والوقوف عند الضرورة واجب (20) 8 - النفاق منزلة بين الشرك والايمان ولا منزلة بين الايمان والكفر 9 - اذا اطلقت كلمة الكفر على الموحد فالمقصود بها كفر النعمة لا. كفر الشرك. 10 - مصادر التشريع هي القرآن والسنة والرأي وهذا الأخير قد يأتي في بعض الاحيان بمعنى الاجتهاد أو الاجماع أو القياس.
11 ـ الصحابة كلهم عدول وروايتهم مقبولة الا في الاحاديث المتعلقة بالفتن ممن خاض في الفتن، ولا بأس أن يقال «الحق مع فلان الصحابي بدليل كذا وكذا. وان الاولى للصحابي الفلاني الا يفعل كذا بحجة كذا وكذا» (21) ولا يظلم الاباضية صحابيا.
-
الغمة (مخطوط) ورقة 533 - 541، وأنظر كذلك علي يحيى معمر: الاباضية بين الفرق الاسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث مكتبة وهبة، مطابع سجل العرب، القاهرة 1396 هـ/1976 م وهناك رسالة مخطوطة للشيخ علي يحي معمر أيضا أوجز فيها عقائد الاباضية تقع في ست صفحات، بعثها الى احدى الجهات العلمية الشرعية في الوطن العربي، وأنظر كذلك: 545 - 517. Moutylinski A'de C: l'Aquida, opcit, p وهناك دراسة اكادمية حديثة لمستشرق فرنسي تناول فيها عقائد الاباضية بالتفضيل: - Cuperly Pierre: Pro
fessions foi Ibadites, contribution à l'étude de l'Ibadisme de sa théologie, thèse de Doctorat
وانظر مقدمة الطبعة الثانية 1982 d'Etat. Université de Paris IV - Sorbonne
(19) من الذين يقولون بأن القرآن غير مخلوق القلهاتي اذ ينفي فكرة ان القرآن مخلوق نفيا قاطعا، أنظر الكشف 293 - 324، أما الأغلبية فتقول بخلق القرآن
والبيان، ج 1، ص
(20) أنظر تفاصيل المصطلحات: ولاية، براءة، وقوف في: ابن جميع مقدمة التوحيد.
الاباضية في موكب التاريخ ج 1، ص
83 87 -
(21) أطفيش: أزهاق الباطل بالعلم الهاطل
اص
31
ص
: 104.84
-78 - (1/86)
صفحة 87
12 - الامامة فرض، ولا تنحصر في عنصر خاص. وانما شرطها هو
الكفاءة الشرعية
13 - الامامة أربعة أنواع، وتعرف عند الاباضية بمسالك الدين وهي: امامة الظهور والدفاع والشراء والكتمان (22):
أ - امامة الظهور: وهي واجبة عندما تتوفر شروطها لتأسيس دولة اباضية المذهب. وشروطها، هي أن يكون المسلمون من الاباضية أقوى من غيرهم بحيث يستطيعون انتخاب من يحكمهم علنا، وذلك طبقا لكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده. فيقوم امام الظهور بالقطع والجلد والرجم وأخذ الحقوق. وأحسن من يمثل هذا النوع من الامامة التي تعتبر هي الأصل والواجب،
الامامة الرستمية ابتداء من امامها الأول عبد الرحمن بن رستم
ب - امامة الدفاع: وهي مرحلة بين الظهور والكتمان. فاذا كان الاباضية في طور الكتمان، وداهمهم العدو، فيجب عليهم أن يعلنوا حالة الدفاع عن أنفسهم، ويعقدوا امامتها لمن يعرف بالشجاعة والخبرة العسكرية ويطلق عليه اسم امام الدفاع، له كل الصلاحيات التي لامام الظهور الا أن امامته تزول بزوال الخطر الداهم. فاذا كان ذلك بالانتصار تحولت جماعة الاباضية الى اعلان امامة الظهور بمبايعة امام يحمل ذلك الاسم: ولا يشترط أن يكون هو امام الدفاع السابق. أما اذا كانت نتيجة الدفاع سلبية عليهم تحولوا الى التقية والسرية ودخلوا مرحلة الكتمان مرة ثانية. ويعتبر أبو حاتم الملزوزي في المغرب امام الدفاع. جـ ـ امامة الشراء: وهي ان يخرج امام بأربعين رجلا فما فوق
(22) عن هذه الأنواع من الامامة وشروحها أنظر خاصه: أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، 69 ـ 72، علي معمر: الاباضية، ج 1، ص 93 - 96، عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية، ص
113 - 109
-79 - (1/87)
صفحة 88
الله
يبايعونه على الجهاد في سبيل الله. ويسمون شراة لانهم اشتروا الجنة بأرواحهم، والكلمة مستوحاة من قوله تعالى «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله» (23) وقوله كذلك «إن اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله (24). ولا يجوز للشراة بعد أن يخرجوا للجهاد الرجوع الى منازلهم حتى ينقص عددهم عن ثلاثة رجال، كما لا يجوز لهم استعمال التقية ماداموا قد هبوا في سبيل الله. ويعتبر مرداس وعروة ابنا حدير وأمهما أدية من الشراة (25)، ثارا ضد ولاة بني أمية بالمشرق.
د - امامة الكتمان: وتعبر عن مرحلة الضعف التي تردّى اليها الاباضية، بحيث يركنون الى السرية، واستعمال التقية، وينتخبون إماماً عليهم، يكون عادة هو أعلمهم كجابر بن زيد الأزدي وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة اللذين تزعما الاباضية في البصرة في القرنين الاول والثاني للهجرة ويقوم الاباضية في امامة الكتمان بنشر دعوتهم سرا، دون اثارة أو دعوة للثورة اذ يجوز في هذه المرحلة البقاء تحت حكم غيرهم ماداموا عاجزين عن تغيير الوضع لصالحهم 14 - ونختم هذه المعتقدات الاباضية، بما ذكره امام الاباضية في القرن الرابع عشر الهجري قطب الائمة، الشيخ أطفيش حيث يذكر أن الاباضية يقولون إن «الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا، لأن الحق عند الله واحد. ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصدق» (26)
(23) آية رقم 207 سورة البقرة.
(24) آية 111 سورة التوبة
(25) أنظر ترجمتها في طبقات الدرجيني، ج 2، ص 214 - 226، وراجع ابن سلام: شرائع (مخطوط)
ورقة 36.
(26) ألطفيش الحجة في بيان الحجة في التوحيد بلا تقليد، ص 37 ـ 38.
-80 (1/88)
صفحة 89
الفصل الثاني)
بناء العاصمة تيهرت، ونشأة الدولة الرستمية
أ - ممهدات بناء مدينة تيهرت:
عندما غادر أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني القيروان لملاقاة محمد بن الأشعث الخزاعي المرسل من طرف العباسيين، عين عبد الرحمن بن رستم واليا على المدينة. وقام هذا الاخير بتنظيم البلاد وتعيين العمال في بعض الجهات (1). أما أبو الخطاب، فانه رجع الى طرابلس التي اتخذها قاعدة حكمه ربما لكثرة معتنقي الاباضية في تلك النواحي أو لعلمه بحتمية رد فعل الخلافة العباسية على ثورته. فوجوده بطرابلس يساعده على المواجهة السريعة (2) ومهما يكن، فقد بعث الخليفة العباسي المنصور محمد الأشعث الى المغرب سنة 140 هـ، فوجد أبو بن الخطاب نفسه وجها لوجه أمام جيش العباسيين فأرسل الى عبد الرحمن يدعوه القدوم والمساعدة، فلبي الاخير النداء (3).
وفي أثناء الطريق، علم عبد الرحمن باستشهاد صاحبه، وانهزام اخوانه، ولما توجه راجعا الى قابس وجدها قد قامت على عامله بها: فأسرع الخطى نحو القيروان، فوجد حالها مثل حال قابس، عندئذ ولى وجهه شطر المغرب الأوسط مع ابنه عبد الوهاب، وخادمها
(1) الشماخي: سير، ص 130
(2) عوض:: نشأة، ص 151
(3) أبو زكرياء: سير، ص 45، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 44 - 45، الباروني: الأزهار، ج 2،
ص 2
-81 - (1/89)
صفحة 90
وتروى المصادر الاباضية، مأساة عبد الرحمن بن رستم التي واجهها في طريقه، اذ يموت فرسه، فيتعاقب على حمله ابنه وخادمه، وكأن ليس لهم الا مركوبا واحدا. ولا يترك الفرس دون أن يوارى التراب حتى لا يكون. دليلاً لابن الاشعث الملاحق لهم (4). وظلوا سائرين بين القبائل الاباضية سالكين طريقا جنوبيا وعرا، يمر بقسطيلية، جنوب البلاد التونسية فصحراء الجزائر من شرقها الى غربها (5). وكان هدفهم موطن قبيلة لماية بالمغرب الأوسط، فوصلوا اليها وهي بجبل سوفجج (6)
المية
اختار عبد الرحمن بن رستم هذا الجبل المنيع الصعب ليتحصن فيه ويستعد لمواجهة ابن الأشعث. ويبدو أنه وجد أنصارا له في الطريق ساروا معه الى الجبل المذكور. ولا شك أن عددهم كان كبيرا نسبيا بحيث أن محمد بن الأشعث لم يستطع اقتحام الجبل بمن فيه، بل لقد خندق حوله مخافة أن عليه الاباضية بقيادة عبد الرحمن. وبقي ابن الأشعث محاصرا للجبل حتى أيس، وخاف انقلاب الأوضاع عليه، فلما لم يتمكن الى القيروان دون أن يحقق في ملاحقته لابن رستم أي نتيجة تذكر). رجع ثم تسكت المصادر الاباضية، عن ذكر أخبار عبد الرحمن، وما آل اليه أمره بعد سنة 144 هـ، وهي سنة انهزام أبي الخطاب، وهروب عبد الرحمن الى للغرب الأوسط واعتصامه بجبل سوفجج.
والجدير بالذكر أن المصادر غير الاباضية لا تشير الى هذه الملاحقة بل
(4) الحقيقة أن الشك يرقى الى هذه الرواية لان عبد الرحمن انما عاد من قيادة جيش بأكمله، لذلك لا يعقل أن يكون كبير السن مثلما أراده له الباروني حتى يحمله خادمه وابنه، كما لا يعقل أن يكونوا قد هربوا بفرس واحد فقط. أنظر الباروني: الأزهار، ج 2، ص
3.2
:
256
(5) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 35، دبوز تاريخ المغرب، ج 3، ص (6) يقول الباروني أنه لم يتمكن من تعيين هذا الجبل لتبدل الاسماء وطول الزمن أما دبوز فيقول هو الجهل المعروف حاليا بسوفكيك جنوب تيهرت حيث موطن لماية
أنظر الباروني: الأزهار، ج 2، ص 3 - 4، دبوز: تاريخ المغرب، ج 3، ص 257 - 258.
(7) أبو زكرياء: سير، ص 47، الشماخي: سير، ص 133، الباروني: الأزهار، ج 2، ص
3
-82 - (1/90)
صفحة 91
تؤكد (8) أن عبد الرحمن لما خرج من القيروان اتجه الى موضع تيهرت مباشرة حيث قبيلة لماية، فنزل عندهم لقديم حلف بينه وبينهم (9). الا أن البكري يقول ان موضع تيهرت كان «لقوم مستضعفين من مراسة وصنهاجة (10)، عبد الرحمن انما قصد في البداية جبل سوفجج حيث مواطن لماية (11) وأقام هنالك زمنا ليس بالقصير.
وهذا يعني
أن
ويخبرنا الرقيق وابن عذارى (12) أن ابن رستم كان من المشاركين في حصار طبنه قاعدة الزاب سنة 153 هـ بجيش قوامه خمسة عشر ألفا، ولما كان هذا الحصار فاشلا، فقد انهزم عبد الرحمن في تهودا القريبة من طبنة ووصل الى جبل سوفجج مرة ثانية، بعد أن فقد من أصحابه نحو ثلاثمائة
رجل.
وهكذا، وبمقابلة الروايات، يمكن أن نلاحظ أن عبد الرحمن بن رستم لم يقصد موضع تيهرت الا في سنة 153 هـ أو بعد ذلك باعوام، فبعد أن حوصر في جبل سوفجج، حسب الروايات الاباضية وخرج من الحصار منتصرا يبدو أنه بقي هنالك بين القبائل البربرية الاباضية، تصله أخبار
(8) يذكر ابن القوطية ويؤكد اليعقوبي أن جيوش بني العباس لم تتعد حدود طبنة قاعدة الزاب في شرق الجزائر الحالية. ولعل الرواية الاباضية تريد وصف قوة عبد الرحمن وجنده وصبرهم على الشدائد. أنظر تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق أنيس الطباع، دار النشر للجامعيين بيروت، 1957 م، ص 41، اليعقوبي: البلدان،
ص
103
(9) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 247، ينفرد ابن خلدون برواية الحلف بين لماية وعبد الرحمن، ولا نستبعد ذلك لان مواطن لماية بالمغرب الأدنى كثيرة مثل جربة وجنوب قابس، وهي المناطق التي كان يتولاها عبد الرحمن لما كان واليا على القيروان من قبل أبي الخطاب. فلعل لماية المغرب الأدنى شجعت عبد الرحمن للتوجه الى لماية المغرب الأوسط. عن مواطن لماية أنظر العبر، ج 6، ص 246 - 250، دبوز: تاريخ المغرب - 255، فرحات الجعبيري: نظام العزابة عند الاباضية الوهبية في جربة تونس، 1975،
ج 3،، ص
253
ص 43 هامش 3. .
(10) البكري: المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، ص (11) دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 258.
68
(12) الرقيق: تاريخ افريقية، ص 143، ابن عذارى: البيان، ج 1، ص 76 ويبالغ ابن عذارى عندما يجعل عدد قتلى أصحاب عبد الرحمن يصل الى ثلاثة آلاف في هذا الحصار، وهذا يدل من جهة أخرى على كثرة رجال عبد الرحمن كما اعتقدناه سابقا.
-83 - (1/91)
صفحة 92
أصحابه في المغرب الأدنى، وهو ما يفهم من كلام صاحب الأزهار «واقام عبد الرحمن هنالك) أي بجبل سوفجج (حتى اجتمع عليه من أهل الفضل والعلم والصلاح جم غفير، وارتحل الى جهة تاهرت (13). وهكذا، لما وقع
«<
حصار طبنة شارك فيه ابن رستم، ورجع الى نفس الجبل بعد هزيمته في تهودا سنة 153 هـ، اذ لا تشير المصادر الى انه كان اماما قدم من
العاصمة
تيهرت (14) كما لا تشير الى العامل الذي تركه فيها ليتوجه هو الى طبنة.
ومن هنا يمكن القول إن المدينة تيهرت لم تكن قد بنيت سنة 153 هـ، وربما لم تتطرق فكرة بنائها بعد الى الاذهان
ولا شك أن عبد الرحمن بعد هزيمته بتهودا، يئس من ظهور امامة اباضية في المغرب الأدنى والزاب، وهي مناطق تسيطر عليها قوات الخلافة العباسية سيطرة تامة
ولا نعرف بالضبط، متى انتقل عبد الرحمن الى موضع تيهرت، الا أننا نرجح ذلك ما بين سنوات 155 هـ - 160 هـ. وتفسير ذلك أن الاباضية في المغرب الأدنى، لما رأوا ملاحقة ابن الأشعث لهم، بعد مقتل امامهم أبي الخطاب سنة 144 هـ رغم استتار هم وركونهم الى التقية، عقدوا الامامة امامة الدفاع لأبي حاتم الملزوزي سنة 145 هـ، فخاض عدة معارك: وشارك في حصار طبنة سنة 153 هـ. وكان في هذه الاثناء يبعث بما فضل من صدقات الاباضية عنده الى عبد الرحمن بن رستم قبل ظهوره (15). وفي
(13) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 4
(14) الجنحاني: تاهرت عاصمة الرستميين، سبق ذكره، ص 11
(15) أبو زكرياء: سير، ص 48، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
36
"
يذكر رفعت فوزى عبد المطلب، أن امامة أبي حاتم، كانت امامة دفاع فقط، لان الاباصية يعتبرون امامهم هو عبد الرحمن بن رستم ويقول بأن الاول كان نائبا للثاني في منطقة طرابلس. وهو. خطأ ما قال، به أحد. ويبدو أنه وقع فيه، عندما أخطأ فهم نص الدرجيني الذي جاء فيه «كانت ولايته (أبو حاتم) ولاية دفاع وطلب الحق، يرسل ثقاته بما يجتمع من مال الصدقة الى عبد الرحمن قبل ظهوره، طبقات ج 1، ص 36 - 37. فرغم أن النص واضح، اذ يثبت الولاية (الامامة) لأبي حاتم وحده، ويعتبر عبد الرحمن في التقيه، غير ظاهر (امامة الور) أي لا امامة له، فان رفعت فوزى يجعل عبد الرحمن هو الامام، وأنا حاتم هو المأموم، في حين أننا=
-84 - (1/92)
صفحة 93
سنة 155 هـ، انهزم أبو حاتم، وقتل مع جمع غفير من أصحابه، قتلهم يزيد بن حاتم الذي قدم من المشرق بجيش كبير. ولم يكتف بمقتلهم وهزيمتهم، بل ظل يلاحقهم في كل سهل وجبل (16)، فلا شك أن أعدادا التحقت بالمغرب الأوسط، حيث عبد الرحمن بن رستم، أبرز شخصية سياسية بعد وفاة أبي الخطاب وأبي حاتم.
كبيرة منهم
ففي هذه الفترة بالذات، لما كثر الاباضية من المغربين الأدنى والأوسط
وتمركزوا في نقطة واحدة، والتقوا حول شخصية عبد الرحمن بن رستم رأوا ضرورة بناء مدينة يأوون اليها، ويتحصنون بها (17)، ويبدو أن الانطلاقة
الفعلية لبناء هذه المدينة (18)، التي ستصبح عاصمة الدولة الرستمية فيما بعد، كانت في نهاية عام 155 هـ وبداية عام 156 هـ
ب - بناء العاصمة تيهرت:
عندما قرر الاباضية بناء مدينة يتحصنون فيها، خرجت طائفة منهم
52
163
نعلم أن أبا حاتم بويع بالامامة سنة 145 هـ، بينما لم يبايع عليها عبد الرحمن الا في سنة 160 هـ أو 161 هـ كما بسترى. ثم إننا نرى مشاركة عبد الرحمن في حصار طبنة، لا يستبعد ان يكون بامر من أبي حاتم، لانه هو الامام في ذلك الوقت على الاباضية في المغرب. أنظر رفعت فوزى عبد المطلب: الخلافة والخوارج في المغرب العربي (الصراع بينهما حقى قيام دولة الاغالبة (ط 1، بلا مكان الطبع 1393 هـ/1973 م، ص (16) ابن عذارى: البيان، ج 1، ص 79، أبو زكرياء: سير، ص (17) أبو زكرياء: سير، ص 53، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 41، الشماخي: سير، ص 139، وراجع كذلك الباروني حيث يتساءل عن تاريخ اجتماع الاباضية الى عبد الرحمن واقتراحهم عليه بناء المدينة ويرى أن ذلك كان قبل امامة أبي حاتم، اذ يجعلها عام 154 هـ، تقليدا للمصادر الاباضية، وهو خطأ، كما رأينا، لذلك فهو يتساءل عن الفترة التي بين وفاة أبي الخطاب سنة 144 هـ وامامة أبي حاتم سنة 154 هـ وخلوها من نشاط قامت به الاباضية رغم قوتهم كما يقول. ومن هنا يتضح ارتباك الباروني في اعتقاده سنة 154 هـ هي السنة التي تولى فيها أبو حاتم امامة الدفاع، في حين أننا نعلم أن أبا حاتم هذا كان على رأس جيش من الاباضية سنة 153 هـ مشاركا في حصار طبنة. وقد بويع بالامامة سنة 145 هـ وليس 154 هـ وذلك كرد فعل مباشر وحاسم على تمادي ابن الأشعث في ملاحقة الاباضية، وتقتيلهم كما تذكر ذلك الروايات الاباضية. أنظر الباروني: الأزهار، ج 2، ص 5، هامش 1 و 3، وقارن بما قاله د. محمود اسماعيل: الخوارج، ص 256 هامش 250، الدرجيني: 35، الشباخي: سير، ص 132
طبقات، ج 1، ص
34
(18) يذكر عبد الرحمن الجيلالي أن تيهرت شرع في بنائها سنة 148 هـ، ولكنه لا يذكر كيف كان ذلك، ولم
يشر الى مراجعه التي اعتمدها، تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص
220
-85 - (1/93)
صفحة 94
ترتاد مكانا صالحا لهذا المشروع الكبير، فاختارت موضع تيهرت (19) دون غيره اذ يمتاز بجودة الهواء، وكثرة المياه، وخصب الأراضي، وهو قابل للعمارة مأمون من العدو (20) شروط اشترطوها لمدينتهم التي سوف
، وهي
تكون حرزا وحصنا للاسلام، على حد تعبير الشماخي (1)
وتروى المصادر الاباضية، كيفية الابتداء في بناء هذه المدينة بذلك الموضع الذي كان لقوم، اتفقوا معهم على اعطائهم قدرا معلوما من خراجه يأخذونه من غلته. وكان الموضع غياطيل، واشجارا ملتفة كثيفة، ومرتعا لأنواع من السباع والوحوش، بحيث اقتضت الضرورة اقتلاع ذلك كله، وتضيف الرواية نفسها، كرامة اسطورية، فتقول إنه نادى مناد للسباع أن أخرجوا من الغابة، فاننا ننوي عمارتها فشوهدت الحيوانات تخرج من تلك الاحراش حاملة أولادها، وبعد ثلاثة أيام من ذلك، حرقت الغابة، واستوت بالارض كأن لم تكن بالامس. هنالك فكروا بادئ ذي بدء، بتأسيس المسجد الجامع فاقترحوا لذلك بين أربعة امكنة، فشرعوا في بنائه حيث وقعت القرعة. ثم اختطوا المدينة دورا وقصورا وبيوتا (22)
كذلك
(19) تيهرت. هنالك من يكتب تيهرت بالالف مكان الياء «تاهرت، وهو خطأ. وانما، حرفت الكلمة بمرور الزمن، والصحيح هو تيهرت. ويذكرها المغاربة مثل الرقيق القيرواني وابن عذارى وابن سعيد المغربي بذلك يقول أبو الفداء «وفي خط ابن سعيد عوض الالف ياء مثتناة من تحت ونمو الاضح عندي لان ابن سعيد مغربي فاضل. تقويم البلدان تصحيح رينود وآخرين، طبع دار الطباعة السلطانية، باريس 1840 م 138. وأنظر جورج مارسيه وآخر حيث رجحا تيهرت على تاهرت Macais G. et Dessus L. : Thert tagdemt 24.p أما الشيخ أطفيش فيقول: وتيهرت بكسر التاء واسكان الياء بعدها اسكانا مينا، وبفتحها واسكان الياء بعدها حيا والفتح أولى وبفتح الهاء وبعدها راء مهملة ساكنة والتاء محرورة في السطر لا على صورة هاء لانها تاء تأنيث في لغة البربر ... ويقال تاهرت بالالف وهو ضعيف، الرد على العقبي، ص 70، وأنظر كذلك ديزر: تاريخ المغرب ج 3 262. وتقع تيهرت (العاصمة (الرستمية) على بعد 9 كيلو مترات من تيهرت اليوم. وتبتعد عن مدينة وهران في الشمال الغربي الجزائري بحوالي 240 كلم وتفصلها 430 كلم عن الجزائر العاصمة في الشمال الشرقي منها. (20) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 5 ـ 6، الشماخي: سير، ص
139
(21) الشماخي: نفسه، ص 139، الأزكوي: كشف الغمة (مخطوط) ورقة 414. . (22) أبو زكرياء: سير، ص 53، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 41 الشماخي: بير، ص 139. وتشيسه أسطورة بناء العاصمة تيهرت أسطورة بناء القيروان من طرف عقبة بن نافع، أنظر ابن عبد الحكم فتوح افريقيا، ص 54، البلاذرى: البلدان، ص 230، وأنظر كذلك الباروني: الازهار، ج 2، ص 7
والاندلس هامش 1. .
:
-86 - (1/94)
صفحة 95
أما البكري (23)، فقد احتفظ لنا بمعلومات قيمة، استقاها من كتاب
محمد بن يوسف الوراق، المفقود، وبخبرنا أن موضع تيهرت كان عيصة أشبة ملتف الأشجار، اختار عبد الرحمن منه مكاناً لا شعراء فيه. وكان هذا المكان لقوم مستضعفين من مراسة (24) وصنهاجة، اتفق معهم ابن رستم على أن يؤدي اليهم خراجا من الأسواق بعدما امتنعوا من بيعه له، وفي الخين شرعوا في بناء المسجد الجامع
وينفرد البكري برواية دون غيره، اذ يذكر ان الاباضية في أول الامر توجهوا الى تيهرت القديمة أو العليا حسبما يفهم من كلامه، فلما أرادوا بناءها من جديد. أو ربما توسيعها، ووضع سور لها، كانوا كلما بنوا شيئا في الليل وجدوه قد تهدم في الصباح، فعزفوا عن ذلك الموضع، وانتقلوا الى موضع تيهرت، وهي الحديثة، وتقع على خمسة أميال من القديمة غربا (25). وبهذا يكون البكرى، قد أجاب على التساؤلات التي طرحها الاستاذ شيخ بكزي عندما أراد ان يعرف السبب الذي دفع عبد الرحمن وأصحابه الى بناء تيهرت الجديدة بينما على بعد أميال منها فقط، توجد مدينة تيهرت القديمة الرومانية ويقول مستفسرا هل كان عبد الرحمن يطمح فقط الى ربط اسمه بانشاء مدينة مثلما فعل عقبة أو ادريس الاول بالنسبة للقيروان وفاس؟ فبالاضافة الى السبب الذي ذكره صاحب المغرب، ويبدو أن شيخ بكري لم يطلع عليه، يجيب على تساؤله قائلا ان عبد الرحمن لم يكن يطمح الى شيء من ذلك، وانما راعى في اختياره
، ص
31
(23) البكري: المغرب، ص 67 - 68 (24) مراسة يكتبها الباروني مداسة بالدال بدل الراء ولا يذكر ابن خلدون قبيلة بهذين الاسمين، فربما تكون من القبائل التي تلاشت وانقرضت أنظر الأزهار، ج 2 (25) البكري: المغرب، ص 67، وأنظر ابن عذارى حيث يقول إن المدينة كانت قديمة في الزمان الخالي فأحدثها عبد الرحمن مخالفا بذلك جميع الجغرافيين الذين يؤكدون بأن تيهرت مدينتان، البيان، ج 1، ص 196. وأنظر كذلك ياقوت الحموي حيث يقول إن تيهرت القديمة تبعد عن تيهرت الجديدة بمرحلة واحدة وليس خمس مراحل كما يذكر البكري. ياقوت: المشترك وضعا والمفترق صقعا، ليدن، 1846 م ص
80
-87 - (1/95)
صفحة 96
بانبا هاما في الحياة، ذلك هو المياه المتوفرة بكثرة في تيهرت الجديدة ينما تعاني القديمة قلة الماء بشكل حاد جدا (26) وقد أطنب الجغرافيون، في
6
كر محاسنها، خاصة منها الانهار القريبة منها مثل نهر مينة الذي يأتيها من جهة القبلة، ونهر تاتش من شرقها، وهذا الاخير يجتمع من عيون عديدة، ومنه يشرب أهل تيهرت (27)، اذ يدخل أغلب دورهم (28
إن المدينة بهذا الشكل والوصف، هي حقا كما يقول ابن عذاري (29) غيضة بين ثلاثة أنهر. وليس هناك من وصف تيهرت وأبدع مثل المقدسي حيث يقول: «هي اسم القصبة أيضا، هي بلخ المغرب، قد أحدق بها الانهار والتفت بها الاشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها الاعين، وجل بها الاقليم، وانتعش فيها الغريب واستطابها اللبيب، يفضلونها على دمشق واخطؤوا وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا هو بلد كبير، كثير الخير، رحب، رفق، طيب، رشيق الاسواق، غزير الماء، جيد الأهل، قديم الوضع محكم الرصف، عجيب الوصف، غير أنه متى يقاس المغرب بالشام،
وأين مثل دمشق في الاسلام» (30)
هذه
هي
،
ولا شك الاسباب التي دفعت عبد الرحمن وأصحابه الى اختيار
موضع تيهرت عاصمة لدولتهم الناشئة، دون غيرها من المدن في المغرب الأوسط، اضافة الى وفرة المياه، والحلف القائم بين عبد الرحمن وقبيلة
لماية القريبة من تيهرت، هناك أسباب أخرى يمكن أجمالها فيما يلي
(26)
:
:
Bekri Ch: de Kharijisme, opcit, p. 64, Marçais G.: Tihert, opcit, p. 26 - 27.
(38) أبو زكرياء: سير، ص 53، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 42، الأزكوي: كشف الغمة (مخطوط)
ورقة 45
(27) البكري: المغرب، ص 66 - 67
(28) ابن حوقل: صورة الأرض
، ص
(29) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص
86
277
30) المقدسي:: أحسن التقاسيم، ص 228
-88 - (1/96)
صفحة 97
تقليد عبد الرحمن للمدراريين الخوارج الصفرية، الذين بنوا عاصمتهم سجلماسة في جوف الصحراء (31)، واستطاعوا أن يكونوا في مأمن من هجومات القوات العباسية. فلا غرو أن عبد الرحمن لاحظ هذا
C
واختار تيهرت الواقعة على تخوم الصحراء والبعيدة عن القيروان، مركز أعدائه بنحو تسعة عشر مرحلة (32). ويفصلها عن البحر المتوسط
مسيرة ثلاث رحلات (33). وقد اختارها على المدن الشمالية، البحرية منها خاصة، وهي كثيرة في المغرب الأوسط، لانه يعلم أن مثل تلك المناطق يسهل لجند الخلافة الوصول اليها. فتيهرت، كما يقول الجيلالي تهين على بلاد المغرب من جهاتها الأربع فلا هي متطرفة جنوبا ولا
شمالا (34)
«
2 - مركز تيهرت التجاري، اذ يربط تجارة الشمال، بتجارة الجنوب، تماما كما اختارها الامير عبد القادر الجزائري في القرن الماضي اذ يقول في رسالة له ان تيهرت قد اعجبت البدو، يؤمونها، ويجدون فيها
امتيازات كبيرة.
3 - أخيرا اختار عبد الرحمن تيهرت لكي يستطيع أن يتحكم في القبائل الصحراوية البدوية، بحيث لا يمكنها الهروب منه، لانه يقبض عليها من الوسط، كما يقول الامير عبد القادر الجزائري أيضا، شارحا أسباب اختياره هو لتلك المدينة، أثناء ثورته ضد الفرنسيين الغزاة في الثلث
الأول من
القرن الماضي (5
(31) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 83 - 86 (32) ابن حوقل: صورة، ص 84 - 85، وأنظر كذلك الاصطخري حيث يقول إن المسافة بين تيهرت والقيروان تقدر بـ 36 مرحلة، المسالك والممالك، ص (33) اليعقوبي: البلدان، ص 109، البكري يقول تيهرت تبعد عن البحر مسيرة يومين، أنظر المغرب،
ص 69
(34) الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص
220
37
= Bourouiba Rachid : Tagdmet, Majallat et Tarikh Centre National d'Etude (35)
-89 - (1/97)
صفحة 98
وهكذا تكون الأسباب السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، كلها مجتمعة دفعت عبد الرحمن وأصحابه الى اختيار تيهرت عاصمة لدولته المنتظرة.
وقبل أن نختم هذا الجانب، بقي لنا أن نعرف معنى كلمة تيهرت: كلمة بربرية، يرى مستشرقان فرنسيان مختصان في اللسان وهي البربري، أن «تيهرت» كلمة تعني عند أحدهما «محطة» وعند الاخر اقامة (36) ويبدو جليا أن لا فرق كبير بين المعنيين، اذ المحطة للاقامة أو الاقامة بالمحطة فكلاهما جائز. ولا شك أن تيهرت، لعبت هذين الدورين منذ العهد الروماني، فالرستمي، الى يومنا هذا، وهما يشيران بوضوح، الى دور تيهرت التجاري بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب. ما سوف نتطرق اليه في الباب الاقتصادي
وهو
ثم استمرت المدينة، بعد ذلك، في التطور والعمران، وقصدها الاباضية من المغرب العربي كله حتى كان عام 160 هـ (37)، عندما استأنس
= 30. Historiques, Alger, 1977, N 4, p وأنظر كذلك جورج مارسيه: دائرة المعارف الاسلامية، ج 4 مادة «تاهرت». ص 525. والامير عبد القادر هو ابن محي الدين ولد بمدينة المعسكر في الغرب الجزائري، ثار على المستعمر الفرنسي سنة 1832 م بعد أن بايعته القبائل الجزائرية الى سنة 1847 م. ثم سجن في فرنسـ ونفي الى دمشق وتوفي بها. سنة 1883 م.
Canal J: Tiaret (monographie ancienne et moderne) Bulletin de la société de (36) Géographie et d'Archéologie d'Oran (B.S.G.A.O.), Alger, Tome XX 1900, p. 7.
(37) أبو زكرياء: سير، ص 53، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 40 - 41، الشماخي: سير، ص 139، ذكر أبو زكرياء أن عبد الرحمن تولى الامامة سنة 160 هـ أو 162 هـ، وتبعه في ذلك كل من جاء بعده كالدرجيني والشماخي وغيرهما. ويبدو أن سنة 160 هـ هي الصحيحة بتتبع الاحداث، اذ لا يمكن أن تبقى الجماعة الاباضية في مدينة أسوها بأنفسهم، مر عليها ما يقرب من خمس سنوات، دون أن يعلنوا امامة الظهور. فليس هناك داع الى تأجيل تاريخ تأسيس الدولة الرستمية أكثر من سنة 160 هـ خاصة وأن الاباضية قد قضوا خمس سنوات دون امام، أي منذ مقتل أبي حاتم الملزوزي سنة 155 هـ. وهذا التاريخ، أي سنة 160 هـ، يراه أيضا الباروني كما أن موتيلنسكي يقول إن سنة 160 هـ، هي تاريخ مقبول لابتداء الدونة الرستمية. أما ابن عذارى والذين نقلوا عنه خاصة من المحدثين فيجعل ابتداء الامامة الأباضية الرستمية 161 هـ ونراه ضعيفا. ويعترف ابن الصغير بأنه وقف على عدد امارة عبد الرحمن الا أنه نسيه مع مرور الأيام. أنظر الباروني: الأزهار، ج 2، ص 101، ابن عذارى: البيان، ج 1، ص 196، ابن الصغير: سير، ص
16
Moutylinsky: Chronique, opcit, p.5 (préface)
-90 - (1/98)
صفحة 99
الاباضية من أنفسهم قوة، ووجدوا أنهم يملكون كل دوافع اعلان امامة
الظهور مثل العدد والقوة المطلوبة والمكان الحصين، فنظروا الى من يتولى هذا الامر فلم يجدوا أبرز من عبد الرحمن بن رستم، لسابقته، ودينه، وعلمه، حيث أنه أحد حملة العلم من البصرة الى المغرب، وكان عاملا للامام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمنى على القيروان (38) ولا شك أن عبد الرحمن، لما وصل الى المغرب الأوسط، وبنى مدينة تيهرت، وكان أول ما بنى منها المسجد الجامع، كما تخبرنا بذلك جميع المصادر (39)، أقول، لا شك أن عبد الرحمن كان في هذه المرحلة امام صلاة) على الأقل. وهذا يكون من العوامل التي دفعت الاباضية الى تقديمه، دون غيره. والحقيقة أنني أستبعد ما ذهب اليه الدكتور محمود اسماعيل (40)، عندما قال إن عبد الرحمن بويع بالامامة مرتين، الاولى كانت امامة دفاع، والثانية امامة ظهور، اذ ان المصادر الاباضية لم تذكر هذا، ولم تشر اليه، وهي الحريصة، في ذكر أئمتها خاصة منهم الذين بو يعوا لاحدى أنواع الامامة المذكورة سابقا. أما أن المذهب الاباضي يجيز وجود امامين في وقت واحد، فذلك جائز، على ما يبدو، عندما يكونا امامي ظهور، أما امامة الدفاع، فهي بحاجة الى التكاتف والتكتل حول امام واحد، فضلا عن الرقعة الجغرافية التي لا تسمح بوجود امامين
(38) أبو زكرياء: سير، ص 53، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 43، الأزكوي: كشف الغمة (مخطوط)
ورقة 45
(39) أبو زكرياء: ص 53، البكري: المغرب، ص
68
() لا تدخل امامة الصلاة في الأنواع الاربع للامامة عند الاباضية، وقد سبق ذكرها وانما هي مرتبة دينية علمية ولا شك أردت من ذكرها تبيين درجة عبد الرحمن العلمية، اذ أن امامة الصلاة، لا يتقدم اليها، الا من تتوفر فيه شروطا معروفة، لا نشك في توفرها عند عبد الرحمن قبل غيره. ومما يدل على أن لامامة الصلاة، ما حدث في صدر الاسلام من مبايعة أبي بكر الصديق بالخلافة بعد وفاة الرسول، لانه استخلفه على امامة الصلاة عندما أقعد به المرض وكان هذا حجة للذين بايعوه على الذين أنكروا خلافته فيما بعد واعتبروها غصبا.
دورا
(40) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 112، واتبع الدكتور عوض خليفات نفس الفكرة عندما قال بأن عبد الرحمن كان من قبل إمام دفاع فقط، ووضع الجملة بين قوسين على غير عادته دون أن نعرف المقصود من ذلك.
D
أنظر نشأة الحركة الاباضية ص
168
-91 - (1/99)
صفحة 100
في وقت واحد، لذلك أرى أن عبد الرحمن بن رستم، لم يبايع بامامة الدفاع، إنما كان على أكبر تقدير، اماما للصلاة لاغير.
ومن الأسباب التي رشحت عبد الرحمن الى منصب الامامة، كونه غريبا، ليست له قبيلة تحميه إن غيّر أو بدل، على حد تعبير المصادر الاياضية اذ أن القوم لما نظروا فيمن يولونه هذا المنصب الخطير، وجدوا على كل قبيلة منهم رأسا أو رأسين أو أكثر، كلهم مؤهلون للامامة، فخافوا من النزاع القبلي أو حماية القبلية لابنها المرشح (41) اذا ما انحرف عن تعاليم المذهب والدين عندئذ اجتمع رأيهم على تقديم عبد الرحمن، فبايعوه بالامامة على كتاب الله وسنة رسوله، وآثار الخلفاء الراشدين (42)، سنة 160 هـ / 777 م.
ج الامام عبد الرحمن بن رستم، حياته ونسبه:
لا تختلف المصادر التي بين أيدينا (43) على انتماء عبد الرحمن بن رستم الى الفرس، حتى القديمة منها (44)، مثل اليعقوبي المعاصر للدولة والزائر لها اذ يقول متحدثا عن تيهرت: «تغلب عليها قوم من الفرس يقال لهم بنو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي» (45). الا
(41) ابن الصغير: سيرة، ص 9.
(42) أبو زكرياء: سير، ص 53، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 42. (43) محمد بن تاويت: دولة الرستميين أصحاب تاهرت، صحيفة معهد الدراسات الاسلامية في مدريد، م 5، 1377 هـ / 1957 م، ص 105 - 106 وانظر مقدمة الطبعة الثانية (44) ابن الصغير: لا يذكر صراحة أن عبد الرحمن فارسي، وأنما يقول إنه «لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة تحميه، أنظر سيرة، ص 9 - ويذكر المسعودي في مروج الذهب أن سلالة عبد الرحمن بن رستم التي حكمت المغرب وعمرت الديار، من الأشبان الذين تنوزع في نسبهم فمنهم من يقول إنهم من أهل أصبهان من ملوث فارس الاولى، ومنهم من يرى أنهم من ملوك الاندلس اللذارقة، وأحدهم لدريق والمسعودي مع هذا الرأي الاخير، ويستشف من كلامه أنه لا يجعل الرسميين من الفرس أنظر: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، ط 4، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت، 1401 هـ / 1981 م، ص 186، 357 - 358
-92 -
104
(45) اليعقوبي: البلدان
، ص (1/100)
صفحة 101
أن الخلاف، بين تلك المصادر الأولية، قائم حول أبيه فابن خلدون (46)
يجعله ابن رستم قائد الفرس بالقادسية، وهذا مستبعد جدا لأن رستم القادسية قتل سنة 14 هـ أو 15 هـ (47)، بينما توفي عبد الرحمن سنة 171 هـ (48)، وبذلك يكون قد عمر أكثر من قرن ونصف، وهو أمر مستبعد فضلا، عن أن المصادر الاباضية أن المصادر الاباضية، خاصة لم تذكر مثل هذا العمر الطويل لعبد الرحمن، وهي الحريصة المهتمة بحياة أئمتها وتراجمهم، بل تنسب تلك المصادر عبد الرحمن الى «رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسي
(49)
ويذكر ابن حزم الاندلسي (50)، في جمهرته لانساب العرب، قطعة من نسب الفرس فيقول «بنو رستم، ملوك تيهرت، من ولد جاماسب» والملك جاماسب هو ابن فيروز بن يزد جرد بن بهرام جور، وبذلك يوافق
ابن حزم الروايات الاباضية في جعله بني رستم من سلالة الملك الفارسي.
أما البكري (51) وابن عذارى (52)، فيخبراننا أن بهرام، جد عبد الرحمن، كان مولى للخليفة عثمان بن عفان. وبهذا يمكن أن نلاحظ أن عبد الرحمن عاش حياة عربية، اذ كان جده مع عثمان، فلا يشك في أن أباه تربى في بيئة عربية، وربما بالحجاز حيث الخليفة المذكور. واذا
(46) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 225
(47) الطبري: تاريخ، ج 3، ص 564، وأنظر كذلك المسعودي: مروج الذهب، ج 2، ص 319 ـ 320. (48) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 100 - 101 (49) أبو زكرياء:، سير، ص 35، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 19، وأنظر كذلك الشماخي يقول «عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي،، سيه،، سير، ص (50) ابن حزم علي بن سعيد: جمهرة انساب العرب، تحقيق ليفي بروفنصال، دار المعارف، مصر،، القاهرة 1948 م، ض 511
138
(51) البكري: المغرب، ص 67، ويخطيء عندما يجعل عبد الرحمن ابنا لعبد الوهاب اذ يقول «عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم بن بهرام وبهرام هذا مولى أمير المؤمنين عثمان (ض) وهو بهرام بن ذو شرار بن سابور بن بابكن بن سابور ذي الاكتاف الملك الفارسي».
(52) ابن عذارى: البيان، ج 1، ص 196.
-93 - (1/101)
صفحة 102
سايرنا الكتابات الاباضية في أن عبد الرحمن أصله من العراق (53) أو أنه ولد بالعراق (54)، فلا تكون عائلته انتقلت من الحجاز الى العراق، الا بعد مقتل عثمان بن عفان سنة 35 هـ، على أكبر تقدير. وفي هذه الفترة يكون
6
رستم والد عبد الرحمن قد تزوج بأم عبد الرحمن التي ستلد له هذا الصبي: ويحملانه صغيرا معهما الى الحجاز، بنية الحج، حيث يتوفى الأب في موسم الحج تاركا يتيما وأرملة.
وتقول المصادر الاباضية، بأن رستم، له علم مسبق في أن ذريته ستلي أرض المغرب، فخرج من العراق، في اتجاه المغرب، لهذا الغرض الا أن منيته اخترمته بالحجاز (55)
ولا شك أن هذا «العلم المسبق» لا يعدو أن يكون قصة أسطورية لا غير، لذلك لا نجد الشماخي يذكرها، بل يقول إن رستم خرج من العراق الى مكة حاجا فتوفي هناك (56). وتتفق المصادر الاباضية كلها، في أن أم عبد الرحمن، لما توفي زوجها، تزوجت حاجا مغربيا من القيروان (57)، فأخذ الأم وابنها الى مدينته بالمغرب العربي (58)
هنالك، نشأ عبد الرحمن، وترعرع وأخذ نصيبا من العلم، فتربيته ونشأته الاولى، اذن، كانت بالقيروان، المدينة العربية الأولى بالمغرب ولا شك أن عبد الرحمن، وصل الى هذه المنطقة في أواخر القرن الأول الهجري وبداية الثاني (59)، اذ يروي الدرجيني اتصال ابن رستم، وهو حدث،
(53) أبو زكرياء: سير: سير، ص 35، يقول الشيخ أطفيش: ان عبد الرحمن: أصله من عراق العرب» رسالة
موسعة ص
100
(54) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 19.
(55) أبو زكرياء: سير، ص 35، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 19 ـ 20.
(56) الشماخي: سير، ص
123
(57) الغريب أن تلك المصادر لا تشير الى اسم أم عبد الرحمن أو اسم الرجل المغربي الذي تزوجها .. (58) أبو زكرياء: سير، ص 35، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 19 - 20، الشماخي: سير، ص 123. . (59) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 108.
-94 - (1/102)
صفحة 103
شاب بسلمة بن سعيد: الداعية الاباضي، وتعلقه بتعاليمه ويقول: «عن الامام أفلح عن أبيه عبد الوهاب عن جده عبد الرحمن أنه قال: أول من جاء يطلب مذهب الاباضية ونحن بقيروان افريقية سلامة بن سعد قال قدم علينا من أرض البصرة ... فسمعت سلامة يقول وددت أن لو ظهر هذا الأمر ... يوما واحدا من أول النهار الى آخره، فلا أسف على الحياة بعده. فقام عبد الرحمن مجتهدا في ذلك الأمر (60) وهكذا يكون عبد الرحمن في القيروان عندما قدم اليها سلمة بن سعيد في أواخر القرن الأول، وبداية الثاني الهجريين
«<
ولما كان عام 135 هـ، انتقل عبد الرحمن، كما سبق أن رأينا، الى
البصرة حيث أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، يدرس الفقه الاباضي وتعاليمه في كتمان تام، وقضى هناك خمس سنوات (61)، كانت أساس علمه وفقهه الذي سيرشح بسببها إلى منصب الامامة
بالعراق
هكذا، نلاحظ أن عبد الرحمن، وإن اتفقت كثير من المصادر على أنه من أصل فارسي، كان عربي المولد والمنشأ والمربي والثقافة واللغة: ولد، وتربى بالقيروان، ثم عاد الى العراق فتعلم بالبصرة. فلا شك أن هذه العوامل كلها قد أثرت في حياته، فعاش عيشة عربية، ولد بالأرض العربية، وتعلم فيها، كما أنه نشأ بأول مدينة عربية بنيت في المغرب العربي.
"
والجدير بالذكر، أن المستشرق زامباور، في معجمه للانساب والاسرات الحاكمة في الاسلام، علق على نسب الرستميين الفارسي وقال بأنه «نسب خرافي» (62) كما أن الدكتور فخار ابراهيم، يرى أنه من الخطأ يرى
(60) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 11 ـ 12. (61) دبوز: تاريخ، ج 3، ص 189 ـ 194
(62) زامباور:
معجم
الانساب والاسرات الحاكمة في التاريخ الاسلامي، ج 1، ترجمة زكي محمد حسن بك. =
- 95 - (1/103)
صفحة 104
الفادح مسايرة من يدعي أن عبد الرحمن فارسي، فيقول إني أبادر
.»
الى القول بأنه من الخطورة بمكان، ان نساير هذا الاتجاه الذي يجعل أرومة بني رستم في الساسانيين. ومالم يثبت لدينا بالادلة القطعية بأن عبد الرحمن ابن رستم من أصل فارسي، فلا يمكن قبول هذه الدعوى، ولو قبلناها على علاتها فمؤسس الدولة الرستمية (قد) نشأ نشأة عربية وظهر في العراق مع والديه قبل رحيله الى المغرب مع زوج أمه التي تزوجت حاجا مغربيا في موسم الحج (63)
وهكذا يكون عبد الرحمن بن رستم، بعد مبايعته بالامامة من طرف اخوانه في المذهب أول امام، لاول دولة اسلامية في المغرب الاوسط (الجزائر (عرفت في التاريخ بالدولة الرستمية (64). وكانت دولة اباضية تستظل بها جميع القبائل المعتنقة لهذا المذهب من المغربين الأدنى والأوسط، اضافة الى غيرها من المذاهب الداخلة ضمن حدودها. وتعتبر الدولة الرستمية أيضا، ثمرة جهود علماء المذهب الاباضي في المشرق والمغرب وتتويجا لثورات الأباضية ضد الولاة الأمويين والعباسيين في المغرب العربي.
واستمرت الدولة في التطور والعمران، انطلاقا من عاصمتها تيهرت حيث «شرعوا) سكانها (في العمارة والبناء واحياء وغرس البساتين واجراء الأنهر واتخاذ الرحاء والمستغلات وغير ذلك، واتسعوا في البلد وتفسحوا فيه وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار» (65)
100
= وأخرون. مطبعة جامعة فؤاد الأول، القاهرة، 1370 هـ/1951 م، ص ويقول ابن تاويت الطانجي بأن صحة هذا النسب لاتهم بقدر ما يهم ان عبد الرحمن هذا اعتقد أو اعتقد الناس
على عهده أنه فارسي أنظر دولة الرستميين، صحيفة معهد الدراسات الاسلامية، م 5، عدد 1، 2، ص 106
(63) فخار ابراهيم: دور الرستميين، سبق ذكرها في مجلة الاصالة عدد 42 - 43، ص 39
(64) الكعاك: موجز، ص 81 - 83
(65) ابن الصغير: سيرة، ص 12 ـ 13.
-96 - (1/104)
صفحة 105
وهكذا تنطلق الدولة الرستمية، انطلاقة قوية، تعبر عن متانة في أركانها، وقوة في تأسيسها، وتستمر في الشموخ والرقي الحضاري ردحا من
الزمن، ثم تتداعى الى الخمول والضعف فالسقوط. وكانت حياتها السياسية
،
غنية بالاحداث، ثرية بالوقائع، وهو ما سنعالجه في الفصول القادمة بعد أن نحدد امتداد هذه الدولة، ونضبط حدودها بقدر المستطاع، وبقدر ما توفر لدينا من نصوص.
-97 - (1/105)
صفحة 106
الفصل الثالث)
حدود الدولة الرستمية
لم تعرف الدولة الرستمية حدودا ثابتة، ظاهرة المعالم خلال كل تاريخها الطويل، مثلمها في ذلك مثل سائر الدول والدويلات الاسلامية المعاصرة لها، اذ أن فكرة الحدود بمعناها الحالي، لم تكن معروفة في تلك العصور، لذلك فان محاولة وضع حدود لهذه الدولة، انما تكون من باب التقريب حتى تتضح الرقعة الجغرافية التي جرت فيها الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية لهذه الدولة
وفي البداية، لابد من الاشاره الى أن الباحثين الذين تطرقوا إلى هذه النقطة، خرجوا بآراء متضاربة، مختلفة اختلافا شديدا. فبينما يرى الأستاذ عبد الله العروي (1) Laroui Abdallah حدود هذه الدولة لا تتعدى مدينة تيهرت، وبالتالي فهو يعتبرها «دولة مدينة»، بل ويوظف هذا المصطلح في كتاب «تاريخ المغرب» ينظر اليها الاستاذ شيخ بكري (2) Bekri Chikh) بأنها تضم تيهرت وبعض المناطق القريبة منها، ويقول بأن هذه الدولة مغلقة حدودها من جميع الجهات، الا الجهة الصحراوية فمفتوحة، ويستبعد أن تكون سلطة الرستميين قد بلغت جبل نفوسة باقليم طرابلس الغرب، في حين أن الباحث الفرنسي جيرارد دانجيل (3) Gerard) Dengel ، لا ينفي دخول ذلك الجبل البعيد (4) عن مركز الامامة الرستمية تحت سلطة الرستميين، في فترة من الفترات:
Laraoui Abdallah : opcit, p. 104 - 109,116 (1)
Bekri Chikh : opcit, p. 77, 81 (2) Gerard Dengel: opcit, p. 71, 100 (3)
(4) يبتعد جبل نفوسة، الواقع بالقرب من طرابلس الغرب بليبيا، عن تيهرت بحوالي 56 مرحلة. أنظر
الاصطخرى: المالك والممالك
37
-98 - (1/106)
صفحة 107
الى جانب هذه الاراء الثلاثة، هنالك رأي رابع يراه أغلب الباحثين والمؤرخين (5)، مفاده أن الدولة الرستمية تضم المغرب الأوسط كله، ما عدا تلمسان التابعة للادارسة غربا، ومنطقة الزاب (6) التي يسيطر عليها الأغالبة شرقا، ويدخل ضمن الحدود الرستمية أيضا، جبل نفوسة، وكل المناطق جنوب طرابلس، وجزيرة جربة، اضافة الى الجنوب التونسي أي بلاد الجزيد. وهكذا فان هذه الدولة تكون قد تربعت على رقعة شاسعة من المغرب العربي تحيط بالدولة الاغلبية من الغرب والشرق والجنوب (7) - ويبدو أن هذا الرأي الأخير أقرب الى الصواب، لأسباب عديدة تتضح لنا عند مناقشتنا للآراء الثلاثة الاولى واستقرائنا للنصوص القديمة التي وصلتنا
ففي البداية، لا يمكن تقبل فكرة «دولة المدينة الرستمية، لأنها متناقضة مع ما بلغته هذه الدولة من اتساع في الرقعة، ورقي في الاقتصاد والثقافة، وهي من جهة أخرى لا تساير الاحداث القائمة، آنذاك في المغرب العربي (8) الذي تشهد ساحاته، اعتناق البربر للمذهب الاباضي والصفري وبشكل واسع كما رأينا ذلك
(5) د. الحبيب الجنحاني: العلاقات السياسية والاقتصادية بين افريقية والمغرب الأوسط فيا بين القرن الثاني والخامس للهجرة، محاضرة رقم 46، الملتقى الحادي عشر للفكر الاسلامي، باتنة، الجزائر 1978 م، ص 5، محمود اسماعيل: الخوارج، ص 141، فخار ابراهيم: دور الرسميين، الاصالة عدد 42 - 43، ص 41، موريس لومبارد: الجغرافيا التاريخية، سبق ذكره، ص 87، 283، الكعاك عثمان: موجز، ص 189 وأنظر كذلك:
Lewicki: l'Etat Nord Africain, opcit, p. 514
Basset R.: les Sanctuaires, opcit, p. 423–424.
(6) الزاب: اقليم في بلاد الجزائر اليوم، وأطلق على المنطقة التي حول مدينة بسكرة، جنوب مقاطعة قسنطينة بالشرق الجزائري. ومن مدنة قديما، طبنة، طولقة، تهودة وغيرها «ومن المعلوم أن هذه التسمية نفسها نجدها في العراق «الزاب» في شمال العراق، ونحن في هذا البحث تقصد زاب المغرب لاغير. عن الزاب أنظر: دائرة المعارف الاسلامية - مادة «الزاب»، ج 10، ص
321 - 318
(7) الجنحاني: العلاقات السياسية، المحاضرة السالفة الذكر، ص 5.
(8) يذكر ابن القوطية واليعقوبي أن طاعة بني العباسي) بما في ذلك الاغالبة) لم تتجاوز طبنة، قاعدة الزاب وما حولها. أنظر تاريخ افتتاح، أنيس الطباع، دار النشر للجامعيين، بيروت، 1957 م ص 41، اليعقوبي: 103، ومما يدل على أن الدولة الرستمية لم تكن دولة مدينة، وانما تهين ايضا حق على القبائل -
البلدان
، ص
-99 - (1/107)
صفحة 108
وقد ردّ الدكتور الجنحاني (9) على ذلك الرأي واعتبر استعماله لمفهوم
دولة المدينة» غير دقيق.
والحقيقة، أنه يمكن اختصار الأراء الأربعة السابقة الذكر الى رأيين فقط: الذين يرون أن حدود الرستميين لا تتعدى مدينة تيهرت أو تيهرت وأحوازها من جهة، ومن جهة أخرى الذين يوسعون سلطة الرستميين بحيث تضم ما بين تلمسان غربا وطرابلس شرقا مع مد وجزر بطبيعة الحال.
سلطة روحية
وهكذا يكون رأي شيخ بكري مثل رأي سابقه عبد الله العروي، مع شيء من الاختلاف طفيف (10)، اذ أن بكري يرى سلطة الرستميين على جبل نفوسة، وعلى اباضية المغرب العربي كله، انما لاغير، الدافع اليها وحدة المذهب ويبرر هذا بقوله، ان سلطة الرستميين، اذا كانت قد بلغت جبل نفوسة، فلماذا لم تصل الى بعض الزعامات القبلية
هي
البدوية الضاربة في الصحراء والشرق، ما قاله ابن الصغير من «أن - قبائل مزاتة وسدراتة وغيرهم كانوا ينتجعون من أوطانهم التي هم بها من المغرب وغيرها في أشهر الربيع الى مدينة تاهرت واحوازها، ثم يضيف بأن مقدمي تلك القبائل دخلوا مرة على الامام عبد الوهاب وسألوه تغيير بعض موظفيه. ابن الصغير: سيرة،
ص
18.17
أن هذا النص وحده يمكن أن نستنتج منه أن سلطة الرستميين كانت واسعة جدا بحيث أنه لا يمكن أن تدخل تلك القبائل على الامام وتسأله تغيير بعض موظفيه اذا لم تكن هي داخلة في طاعته ومبايعته له بالامامة هذا في عهد قوة الدولة وازدهارها اما في عهد الامام أبي حاتم حيث أن الدولة بدأت تدخل عصر شيخوختها، فاننا رغم ذلك نلاحظ أن تيهرت اكتظت بالسكان لمبايعة أبي حاتم بالامامة، وبعد ذلك يقول ابن الصغير «ثم أرسلوا الى القبائل فبايعته، اذن هناك قبائل خارج تيهرت تابعة للامام الرستمي، وهي بعيدة عن العاصمة تيهرت. ابن الصغير: سيرة، ص 50 (9) الجنحاني الحبيب: تاهرت عاصمة الرستميين، المجلة التونسية عدد 40 - 43، ص 9 هامش 15، ويقع العروي في تناقض عندما يقول: إن إمراء سجلماسة لم يكونوا يحملون لقب امام، وتساءل قائلا هل هذا يعني أن الامام الحقيقي والوحيد هو الذي يوجد في تيهرت؟ مع العلم أن مدرار بن اليسع هو زوج أروى بنت عبد: 103. Laroui A. pcit, p وهذا الاحتمال وارد، فلعل الباحث سوف يتناوله
الرحمن بن رستم. أنظر بالبحث والتدقيق في دراسة أخرى مستقلة، ان شاء الله. وانظر مقدمة الطبعة الثانية (10) يقول بكري بأن الرستميين اذا بلغوا فعلا الى طرابلس (جبل نفوسة) فلا يكون ذلك الا في عهد الامام الثالث عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 هـ - 208 هـ) أنظر: 7881 - 77. Bekri Chikh: opcit, p
!
-100 - (1/108)
صفحة 109
لرابضة بجوار تيهرت؟ ويعزو هذا الى غياب الجيش المنظم في الدولة. لرستمية (11).
والسؤال المطروح هنا هو هل ينبغي للدولة أن يكون لها جيش منظم ولا بد، منتشر في مناطق مختلفة، حتى يثبت أن هذه المنطقة أو تلك تابعة لهذه الدولة أو تلك؟ وهل اذا كان رعايا دولة يعترفون بسلطة امام تلك الدولة، وسلطته روحية وليست عسكرية، لا يعتبرون تحت نفوذ ذلك الامام ولا يدخلون ضمن حدود دولته؟ أو بتعبير آخر بسيط: هل أن بالسلطة العسكرية وحدها فقط تتحدد الحدود، وغيرها غير معتبرة؟ أظن أن الجواب على هذا السؤال نجده في أحداث الدولة وتاريخها وفي اعتقاد الاباضية وآرائهم حول مسألة الامامة والمأمومين (12) ان عبد الرحمن بن رستم، لما أراد أن يؤسس دولته سنة 160 هـ / 777 م ويعلن امامة الظهور في المغرب، لم يقدم على هذا العمل الخطير الا بعد أن
(11) Bekri chikh idid,
p. 77 - 81.
ينبغي
لأمير
(12) يقول العالم الاباضي أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني (500 هـ ـ 570 هـ) في باب ما المؤمنين أن يفعله في أهل الخلاف: «والذي ينبغي لأمير المؤمنين أن يستعمله بينه وبين أهل الخلاف أن يدعوهم الى ترك ما به ضلوا، فان أجابوا اهتدوا وصاروا اخواننا ولهم مالنا وعليهم ما علينا .... وان امتنعوا من ذلك، دعوناهم الى أن نجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق والخضوع لواجب الاحكام. فان أطاعوا بذلك تركناهم على ما هم عليه ووجب لهم من الحقوق والاحكام ما يجب لنا ... ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب ... ومن امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدبناه بما يقمعه ونرده الى سواء السبيل وان جاوز ذلك سفكنا دمه واستحللنا قتاله. وان اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببلادهم. وأجروا فيها احكامهم تركناهم .... ونستقضي عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم ... ونأخذ منهم كل ما يجب ... من الحقوق ونردها في فقرائهم وذوي الحاجة منهم، وان حاربناهم ... وهزمناهم فانا لا تتبع مديرا ولا نجهز على جريح. وأموالهم مردودة عليهم الا ما كان لبيت المال فانا نجوزه على وجوهه ... . أنظر الدليل لأهل العقول، ج 3، ص 53 ـ 54. ويروي لنا الشماخي عن رجل أنه قال لقبيلة زواغة لما هرب اليها ابن خلف بن السمح المنشق عن الامامة الرستمية في جبل نفوسة وأراد أن يستقل عن تيهرت اقتداء بأبيه وهذا في أواخر أيام الدولة الرستمية، قال الرجل: هل لكم أن تتركوا ريموا وتتحصنوا بجزيرة جربة أو ترسلوا الى الامام بتيهرت يخرجكم من عمالة نفوسة ويفرد لكم عاملا أو تدفعوا صاحبكم الى نفوسة، سير الشماخي، ص 224. ومن هذا النص نستشف أن جزيرة جربة مازالت للرستميين وان سياسة الرستميين مع مخالفيهم أو المنشقين عنهم هي يعينوا لهم عاملا ويتركوهم شبه مستقلين. وهذا ما كان موجودا في المغرب الأوسط على أكبر تقدير في
عهد الرستميين.
أن
- 101 (1/109)
صفحة 110
تيقن من قوته، وقوة أتباعه (13)، وذلك حتى لا يورطهم في حرب قد. تقضي عليهم وتكون عواقبها عليهم وخيمة (14). ثم ان شيخ بكري يقر للدولة الرستمية باشعاعها الروحي وسلطتها المذهبية، وعدل أئمتها الذين بهروا اخوانهم في المذهب، وغيرهم، بسلوكهم وسيرتهم الحسنة (15). ويبدو لي أن هذه السلطة، وفي تلك الأزمنة بالذات أقوى من سلطة السيف والجيش (16)، اذ الولاء المذهبي أو الديني بصفة عامة للامام يكون في مأمن، ولا يحتاج الى قوة عسكرية تدعمه، خاصة اذا علمنا أن الائمة الرستميين لم يكونوا يستسيغون اتباع السلطة العسكرية، بل كانوا لا يلجأون اليها الا عند الضرورة القصوى، عندما يداهمهم الخطر (17) والسلطة الروحية التي كان الرستميون يهيمنون بها على جميع اخوانهم في المذهب المنتشر في أغلب ارجاء المغرب العربي، هي سلطة ينظر اليها الاباضية بعين الاعتبار، ومن خرج عن حماية الرستميين، لا يكون الا خارجا عن المذهب نفسه (18)، في حين أن المعلومات المتوفرة لدينا تؤكد
(13) ابن الصغير: سيرة، ص 9، أبو زكرياء: سيرة، ص 132 (14) ربما هذا يفتر تأخير اعلان امامة الظهور بتيهرت الى سنة 160 هـ، رغم أن المدينة قد بنيت منذ خمس
سنوات على الأقل.
(16) من
(15) Bekri Chikh : ibid, p. 76 - 77.
الأدلة على قوة الرستميين ونفوذهم الروحي. والمادي أن فوندر هيدن يعزو اتباع الاغالبة و السياسة البحرية والاتجاه الى فتح صقلية ثم ايطالية الى أن الاغالبة لم يستطيعوا التقدم شرقا أو غربا أي أنهم لم يستطيعوا السيطرة على برقة ومصر وبقية المغرب: د. تقي الدين عارف الدورى: صقلية علاقاتها بدول البحر المتوسط الاسلامية من الفتح العربي حتى الغزو النورمندي، ص 34 وأنظر أيضا شارل أندري جوليان: تاريخ افريقيا الشمالية، ترجمة محمد مزالي وآخر، الدار التونسية للنشر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، تونس، الجزائر
1978/ 1398
، ص 41
(17) كمثال لذلك فتنة خلف بن السمح الذي أراد أن يتولى شؤون نفوسة بغير اذن الامام، فأمهلوه طويلا، ولما ظهر أنه لا يريد الا ركوب رأسه حاربوه.
، ص
236
وكذلك الحال بالنسبة لمدينة العباسية التي بناها الامير الأغلبي على مقربة من تيهرت، هدمها أفلح فجأة وبقوة. أنظر أبو زكرياء: سير، ص 83 - 89، البلاذري: فتوح البلدان (18) ابن سلام: شرائع (مخطوط) في ورقة 29 يذكر رسالة للامام عبد الوهاب بعثها إلى أهل طرابلس يحثهم فيها على اتباع الامام ويسوق لهم حديثا نبويا أيما امام ولي بعدي ولم يطع فقد برئت ذمة الله وذمة رسوله ممن عصاه .. وأنظر كذلك رسالة لنفس الامام يعظ فيها النفوسيين فتنة خلف بن السمح الذي تذكره المصادر الاباضية باسم الخبيث ابن الطيب تبرأ منه. الدرجيني: طبقات ج 1، ص 69، الشماخي: سير،
- 102 -
181 - 180
ص (1/110)
صفحة 111
انتشار المذهب الخارجي في المغرب كله (19). لهذا يكون الاباضية كلهم تابعين بصورة أو بأخرى للدولة الرستمية، ويكونون من رعاياها، لأنه ليس في وسعهم أن يصوغوا حياتهم وحدهم في تلك الظروف (20) واذا سرنا مع اليعقوبي (ت (284 هـ) الذي زار المنطقة في أواخر أيام
الدولة الرستمية، نتلمس مناطق الاباضية، والقبائل الخاضعة لتيهرت نجده يقول أن قبيلة مزاتة في سرت، شرقي طرابلس كلها اباضية، وهم الغالبون عليها «ووراء ذلك بلد زويلة، مما يلي القبلة، وهم قوم مسلمون اباضية كلهم» (21) ثم نتوجه غربا لنصل «أرض نفوسة وهم قوم عجم الالسن، اباضية كلهم، لهم رئيس يقال له الياس، لا يخرجون عن أمره ..... لا يؤدون خراجا الى سلطان ولا يعطون طاعة الا الى رئيس لهم بتاهرت وهو رئيس الاباضية يقال له عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن (22). ثم نواصل المسير في الجنوب التونسي، الذي لا يذكر اليعقوبي موضوعنا، الا أن ابن حوقل (ت 367 هـ) يفيدنا في هذا الخصوص، ويقول «فأما أهل قسطيلية وقفصة ونقطة والحامة وساطة وبشرى وأهل جبل نفوسة فشراة إما اباضية .... أو وهبية (23). وهكذا تكون هذه المنطقة امتدادا طبيعيا، يضمن الصلة بين نفوسة وتيهرت (24).
رستم
عنه شيئا
يهم
(19) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 243. ولم تحكم الدولة الرستمية القبائل الاباضية فحسب وانما أيضا غيرها حيث يثبت لنا نما للبكري أن الامام الرستمي كان رأس الأباضية وامامهم وامام الصفرية والواصلية وكان يسلم عليه بالاخلافة. المغرب. ص 7 - ويذكر الوسياني أن الامام عبد الوهاب جعل على أهل قنطرازة بالجنوب التونسي صلاة الجمعة، ولم يجعل عليهم القطع في الرقة لانهم ليسوا أباضية بينما جعل ذلك على نفوسة
الوسياني، ورقة
38
43 41
(20) د. فخار ابراهيم: دور الرستميين. مجلة الاصالة. عدد 42
(21) اليعقوبي: البلدان، ص 97 - 98
(22) نفسه، ص 99، يتفق اليعقوبي مع المصادر الاباضية في تسمية العامل الرستمي على جبل نفوسة. وهو أبو
ص
48
-
294 هـ).
منصور الياس تولى شؤون الجبل منذ عهد الامام أفلح، وتوفي في عهد الامام أبي حاتم (281 هـ. أنظر أبو زكرياء: سير، ص 99، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 84، الباروني: مختصر. (23) ابن حوقل: صورة، ص 96، والوهبية التي يذكرها أباضية لا غير أنظر ابن الصغير: سيرة. ص 16.
الرقيق: تاريخ، ص 173. عوض خليفات: النظم الاجتماعية، ص 117 - 118 (24) باجية صالح: الاباضية بالجريد في العصور الاسلامية الاولى، دار بوسلامة، تونس 1972
ص
ص 80 (1/111)
صفحة 112
واذا تجاوزنا بلاد الزاب، اقليم قسنطينة في شرق الجزائر حاليا التابع
للاغالبة، صرنا «الى قوم يقال لهم بنو برزال، وهم فخذ من بني دمر من زناتة وهم شراة كلهم
(25)
ثم ندخل المغرب الأوسط، بعد ذلك، والذي يصوره لنا اليعقوبي وكأنه منقسم الى زعامات قبلية ومذهبية مختلفة (26). فاذا وصلنا مدينة تيهرت رأيناه يقول «والمدينة العظمى مدينة تاهرت جليلة المقدار، عظمة الأمر تسمى (عراق) المغرب) ... تغلب عليها قوم من الفرس يقال لهم بنو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب ..... فهم رؤساء اباضية المغرب. ويتصل
بمدينة تاهرت بلد عظيم ينسب الى تاهرت في طاعة محمد بن أفلح» (27)
هكذا، اذا أخذنا، بعين الاعتبار، الفترة الزمنية التي كتب فيها اليعقوبي كتابه، أي في أواخر أيام الدولة الرستمية، حيث كثرت الفتن،
(25) اليعقوبي: البلدان، ص 102 - 103
(26) يبدو أن تلك الزعامات القبلية والمذهبية خاصة وان الاكثرية منها علوية إنما هي في طاعة الامام الرستمي بشكل أو بآخر. فكونها علوية النسب لا يعني أنها منفصلة عن تيهرت وحكامها، بل العكس أصح، اذ روي لنا ابن الصغير التيهرتي، وهو المعاصر للدولة الرسمية أن خطب الاباضية في تيهرت هي خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ثم إن ابن الصغير الذي سجل معظم الفتن السياسية التي مرت بها تيهرت، لم يذكر اطلاقا حركة انفصالية للعلويين ويرى الشيخ محمد علي دبوز أن أولئك العلويين انما اوتهم الدولة الرستمية عندما جد العباسيون في مطاردتهم، وقتل زعمائهم، اكراما واعترافا لهم بمقامهم الرفيع. لهذا فانني أرجح أن تكون تلك المناصب. والزعامات في طاعة الامام الرستمي بتيهرت. وانما يجعل عليها عاملا من أنفسهم يتولى حكهم من قبله، أنظر ابن الصغير: سير، ص 59، اليعقوبي: البلدان، ص 104 ـ 107، دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، - 337، الكماك: موجز، ص 173 - 175. وقارن بما نقلناه عن أبي يعقوب يوسف الوارجلاني،
ص
336
هامش رقم 12، ص 101 من هذا الفصل.
(27) اليعقوبي: البلدان، ص 104 - 105، وأنظر المقدسي الذي جعل تيهرت من الامصار الكبيرة، وذكر عدة مدن تنسب اليها مثل وهران، تنس، شلف الخضراء، سوق ابراهيم، منداس، الغدير، وغيرها كثير. أنظر. أحسن التقاسيم، ص 218 - 219. وأنظر الكعاك: موجز، ص 172. هذا من الجهة الغربية أما من الجهة الشرقية، فيذكر الدكتور محمود اسماعيل أن بعض الجغرافيين اختلط عليهم الامر فنسبوا بعض البلدان والكور الرستمية كغدامس في صحراء ليبيا، اليوم، وتهودة في حدود الزاب، وودان الى دولة الأغالبة أنظر الخوارج في المغرب الاسلامي، ص
141
- 104 - (1/112)
صفحة 113
"
لاحظنا أن جبل نفوسة (28)، رغم بعده عن مركز الدولة، مازال مطيعا للرستميين في حين أن الجنوب التونسي اقتطعه الاغالبة في تلك الفترة (29) رغم بقاء أغلب سكانه أباضية (30). وبعد اقليم الزاب الذي لم تتجاوزه المسودة على حد تعبير اليعقوبي (31)، يكون المجال مفتوحا للرستميين
والاباضية
هذه
الحدود الشرقية، للدولة الرستمية بالتقريب، أما الحدود هي الغربية، فيثبت لنا نص لابن الصغير التيهرتي، تلك الحدود في عهد الامام الثاني عبد الوهاب فيقول «حكى لي جماعة من الناس أنه قد بلغت سمته الى
أن حاصر طرابلس وملأ المغرب بأسره الى مدينة يقال لها تلمسان» (32)
المغرب
ان هذا النص لمعاصر الدولة، وساكن عاصمتها، لا يترك مجالا للشك في أن الائمة الأوائل، على الاقل، كانوا يسيطرون على أكبر المناطق في، وهو من جهة أخرى يفسر قول اليعقوبي المذكور «فهم رؤساء اباضية المغرب» (33)، بل ويفسر قول البكري بأن الامام الرستمي كان رأس الاباضية وامامهم، وامام الصفرية والواصلية» (34) وهي الأكثر انتشارا آنذاك في المغرب العربي.
المذاهب
(28) مما يؤكد أن جبل نفوسة يدخل ضمن الدولة الرستمية طواعية، رغم بعده الشاسع عن تيهرت، ما ذكره ابن الصغير عن الامام أبي اليقظان (261 هـ. 281 هـ)، وقد عاصره، اذ قال إنه كانت تأتيه ليولي عليهم أميرا من أنفسهم. أنظر ابن الصغير ص 47
(29) يذكر ليفسكي (Lewicki (المختص في تاريخ الاباضية، أن الاغالبة تغلبوا على نفزاوة، وبلاد، وبلاد الجريد. في الجنوب التونسي، وأكتحوا المنطقتين حوالي سنة 284 هـ / 897 م. نقلا عن محقق كتاب أبي راس الجربي: مؤنس الاحبة، ص 56 (30) يذكر الدرجيني أن مدينة الحامة ببلاد الجريد، انقرضت منها الاباضية في عهد أبي عمرو عثمان بن خليفة الذي وضعه ضمن الطبقة الحادية عشر (500 هـ - 550 هـ) وذلك بسبب حادثة ذكرها. أنظر طبقات ج 2،
ص 483 - 484
(31) اليعقوبي: البلدان
(32) ابن الصغير: ص 27
، ص
(33) اليعقوبي: البلدان، ص
103
105
(34) البكري: المغرب، ص 64
- 105 - (1/113)
صفحة 114
- 106.
ال
مارات
ودان
الدول المستقلة ببلاد المغرب في القرن الثالث الهجري ومنها تتضح حدود الدولة الرستمية
سط
مرضى الوضاح
الاندلس
الدولة الأموية
زواغة
جيل دمر
الرس
جل نفوسة تروس
وارجلان
اضحة
مرو ليلي
المحيط الأطلسي
الدولة الإدريسية
تغللت و سجلماسة.
لا دولة بني مدراب
الصحراء الكبرى
:
نقلا عن كتاب الخوارج في المغرب الاسلامي للدكتور محمود اسماعيل من 369
ديلة (1/114)
صفحة 115
سلمة
ونستفيد من المصادر الاباضية، أسماء بعض العمال في الجهة الشرقية للدولة، مثل «سلام بن عمرو اللواتي عامل الامام عبد الوهاب على سرت ونواحيها، ومنهم ميال بن يوسف عامل الامام أفلح على نفزاوة ... ومنهم بن قطفة عامل الامام عبد الوهاب على قابس ونواحيها» (35) ومنهم سعد بن أبي يونس عامل الامام عبد الوهاب على قنطرار ... ومنهم أبو ذر أبان بن وسيم الويغوى ... وكان عاملا على جبل نفوسة» (36) وقيل هذا يذكر الشماخي أن عبد الوهاب بن عبد الرحمن عندما غادر جبل نفوسة راجعا الى تيهرت، أرسل «قطعان بن سلمة الزواغي في جيش الى قابس، فحاصرها وكان خارج قابس مطماطة وزنزفة ودمر (*) وزواغة وغيرها تحت ولايته، وكذا جربة» (37) وفي مكان آخر يذكر الشماخي (38) أبا جمال المدوني عاملا على وارجلان وأريغ.
وهكذا، اذا اعتمدنا على الرواية الاباضية، رأينا أن سلطة الدولة الرستمية وصلت الى سرت، أقصى نقطة شرقية في المغرب العربي، والى جربة في البحر المتوسط، فوار جلان في الصحراء. والجدير بالذكر هنا، أن أبا جمال المدوني المذكور يضعه الدرجيني (39) في الطبقة السابعة (300 هـ/350 هـ) فرغم أنه جاء بعد سقوط الرستميين، الا أنه يوحي أن للائمة بتيهرت عاملا لهم على وارجلان، وهو أمر غير مستبعد تماما، خاصة اذا علمنا أن يعقوب بن أفلح بن عبد الوهاب قد هرب الى تلك المدينة،
(35) الشماخي: سير، ص 203، وأنظر الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 111 (36) الشماخي: نفسه، ص
الاباضية)،، ص
144 - 68
214
- 215، وأنظر أطفيش محمد بن يوسف رسالة الرد على العقبي (ان لم تعرف
() هذه كلها أسماء قبائل، ودمر إضافة إلى ذلك، جبل يتصل بجبل نفوسة شرقا، ويجبل الاوراس في الجزائر غربا. ويذكر الدكتور عبد العزيز سالم أنه كان تابعا للدولة الرستمية. أنظر المغرب الكبير العصر الاسلامي، ج 2، دار النهضة العربية، بيروت، 1981، ص (37) الشماخي: نفسه، ص 161، وأنظر الباروني:: الأزهار،:، ج 2،
(38) نفسه، ص 591 - 592
(39) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 345.
555
، ص
165 - 164
- 107 - (1/115)
صفحة 116
لما هاجم أبو عبد الله الشيعي تيهرت سنة 296 هـ، واستقبله
أهلها
، استقبالا مناسبا لمقامه الرفيع عندهم (40)
وختاما، يمكن القول. ان الدولة الرستمية، عرفت حدودا متموجة تمتد أحيانا، وتتقلص أخرى. وهذا أمر مفهوم في مثل العصر الذي قامت فيه هذه الدولة، والبقعة التي قامت عليها، وطبيعة التنظيم الاجتماعي للسكان وهم في غالبيتهم من القبائل البدوية. وأما أقصى مد لها فهو ما بلغته خاصة في عهد الائمة الثلاثة الأول (160 هـ - 258 هـ) اذ كانت الدولة يحدها شرقا سرت، والدولة الاغلبية، وغربا تلمسان ونهر الملوية، فما ذلك من الصحراء والمغرب الأوسط، فهو داخل ضمن حدودها. واما فترة الجزر فكانت حدودها تضم الجزء الأكبر من المغرب الأوسط، اضافة الى جبل نفوسة الذي بقي دوما مخلصا في ولائه للأئمة الرستميين بتيهرت.
سوي
والواقع أن الرستميين، كما يقول الدكتور ابراهيم فخار، كانوا يحكمون من سرت الى زويلة، الى جبل نفوسة، إلى شط الجريد فالمغرب الأوسط بكامله تقريبا بواسطة عمال لهم لا يمثلون الحكام بتيهرت، وانما يمثلون رعيتهم أمام أولئك الحكام. اذ أن تلك الرعية لم يكن في وسعها أن تصوغ وحدها تاريخها «انما كانت .... في أشد الحاجة الى من يفجر طاقاتها:
ويوحد سلوكها .... ومشاعرها، ويحدد وجهتها فتلك، اذن هي المسؤولية التاريخية الخطيرة التي وقعت على كاهل الرستميين في القديم (1)
،
ولعل مما يدعم رأينا، وهو رأي أغلب المؤرخين، في أن سلطة الرستميين كانت تمتد من المغرب الأدنى الى الاوسط، باستثناء، اقليم طرابلس، وافريقية الاغلبية، والزاب، وتلمسان، هو أن معظم
(40) أبو زكرياء: سير، ص 124، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 105، وأنظر لوفيسكي حيث يؤكد أن سلطة الرستميين وصلت حق وارجلان: 32. Lewicki : l'Etat Nord Africain, opcit, p
41
، ص
43/ 42
- 108 -
(41) فخار ابراهيم: دور الرسميين، الأصالة
عدد (1/116)
صفحة 117
المؤرخين (42) القدامى، ان لم نقل كلهم، والذين أرخوا لسقوط دول المغرب على يد أبي عبد الله الشيعي، لا يذكرون سقوط أي ملك أو امارة في المغرب الأوسط خاصة من تلك الامارات التي انفرد اليعقوبي (43) بذكرها، كلها تتفق في ذكر سقوط الأغالبة بالقيروان ورقادة، والرستميين
وانما هي
بتيهرت، والادارسة بفاس، والمدراريين بسجلماسة لاغير.
هكذا، يظهر جليا امتداد الدولة الرستمية على رقعة شاسعة، بحيث. كان الأئمة يهيمنون روحيا وسياسيا على رعاياهم من الاباضية خاصة. وعلى تلك الرقعة الجغرفية الشاسعة، جرت الأحداث السياسية التي نتحدث عنها
في الفصل التالي.
،
(42) أبو زكرياء: سير، ص 109 - 114، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 93 - 94، ابن عذارى: البيان ج 1، ص 149 - 153، ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص 40 - 49، المقريزي: تقي الدين أحمد بن علي: اتعاظ الحنفا بأخبار الائمة الفاطميين الخلفاء، سبق ذكره، ص 81 - 92، وأنظر ابن خلدون: العبر، ج 4،
ص 70 - 76
-
(43) اليعقوبي: البلدان، ص 104 - 107
- 109 - (1/117)
صفحة 118
الفصل الرابع)
الأوضاع السياسية العامة للدولة الرستمية
160 هـ - 296 هـ
تميزت الأوضاع السياسية، للدولة الرستمية، بالنشاط والحيوية والاستقرار والاضطراب في آن واحد. ويرجع الفضل في معرفة أوضاع، هذه الدولة، السياسية الى المؤرخ التيهرتي ابن الصغير، فضلا عن المصادر الاباضية، حيث أن القاري لكتابه، يتبادر الى ذهنه لأول وهلة، أن صاحبه ألفه لذكر الاحداث والاضطرابات التي مرت بها الدولة الرستمية
عامة ومدينة تيهرت خاصة.
إن عبد الرحمن بن رستم، لما بني وبويع بالامامة سنة العاصمة، 160 هـ، قضى بذلك على الفوضى الضاربة أطنابها في المغرب الأوسط والأدنى، وأنقذ البلاد من الثورات المتعاقبة (1)، ثم إنه لم يدخر جهدا في اظهار دولته بمظهر القوة والسلطان، وانكب بذلك على تثبيت أركان هذه الدولة، ووضع دعائمها، حتى يضمن لها البقاء والاستمرار. وهذا لا يتحقق الا ببعض الاحتياطات التي اتخذها عبد الرحمن وأصحابه، عندما بنوا عاصمتهم، اذ جعلوا لها سورا (2)، يقيهم هجمات أعدائهم، وينطلقون منها لحكم البلاد شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. ولا شك أن الاهتمام بالعاصمة، اهتمام بباقي أقاليم الدولة
(1) توفيق المدني: مدخل، مطبوعات الملتقى 11 للفكر الاسلامي، ص 1.
(2) المكري: المغرب، ص 66، ويذكر الباروني أنه شاهد جزءا من هذا الور ينم عن متانة ومنعة وقوة،
الأزهار، ج 12، ص 8 هامش 1، ص
303
- 110 - (1/118)
صفحة 119
واستمرت الدولة في التطور والظهور، في ظل امامها الأول عبد الرحمن
الذي يقول عنه ابن الصغير: «لما ولي عبد الرحمن بن رستم ما ولي من أمور الناس شمر مئزره، وأحسن سيرته، وجلس في مسجده للارملة والضعيف ولا يخاف في الله لومة لائم. فطار ذلك في أطراف الارض مشارقها ومغاربها حتى اتصل ذلك (من) اخوانهم من أهل البصرة وغيرها. من البلدان .... وقال بعضهم لبعض قد ظهر بالمغرب امام ملاه عدلا وسوف يملك المشرق ويملأه عدلا (3) وهكذا تكون سيرة عبد الرحمن عاملا
"
أساسيا في تعاطف اباضية المشرق معه ومساعدته على تخطي الصعاب التي غالبا ما تحدث بعد تأسيس الدول مباشرة. لذلك نجد أباضية البصرة وغيرها من البلدان، يرسلون للدولة أموالا تقدر بثلاثة أحمال، اتفق عبد الرحمن ورعيته على تقسيمها وجعل ثلث منها في الكراع وثلث يوزع على الفقراء والضعفاء من الناس (4). ويخبرنا ابن الصغير، أن هذه الاموال لما وزعت حسب الاتفاق «قوى الضعيف، وانتعش الفقير (و) حسنت أحوالهم وخافهم جميع من اتصل به خبرهم، وأمنوا ممن كان يغزوهم من عدوهم ورأوا أنهم قادرون على غيرهم ومن كان يخافون أن يغزوهم (5)
هكذا، يوضح لنا ابن الصغير جانبا هاما من حياة الدولة الرستمية وهو جانب التأسيس والانطلاقة الاولى للدولة التي كثيرا ما تكون شاقة ومحفوفة بالمخاطر. ولا شك أن اباضية المشرق، قد اطلعوا على هذا الجانب فأسرعوا في تقديم مساعداتهم لاخوانهم في المذهب (6)، وبذلك ساهموا في
(3) ابن الصغير: ص 10.
12
(4) نفسه، ص، أبو زكرياء: سير (5) ابن الصغير: ص 12
54
(6) يرى الدكتور محمود اسماعيل أن عبد الرحمن هو الذي طلب المساعدة من اباضية المشرق ليتقوى بها، خلافا لما يذكره ابن الصغير وهو مستبعد لأن أموالا أخرى جاءت الى تيهرت من المشرق رفضها عبد الرحمن وأصحابه.
أنظر محمود اسماعيل:: الخوارج
، ص
113
-111 - (1/119)
صفحة 120
انتقال الدولة من طور النشوء والتأسيس والخوف، الى طور النضج والقوة
والأمن والثقة بالنفس
ان الدولة الرستمية، لما انتصب عودها، انضوت تحت لوائها جميع القبائل البربرية الضاربة داخل حدودها «في شكل إئتلاف شمل البربر وما عداهم من العناصر الأخرى» (7). ولا شك أن هذه الفترة، عرفت اعتناق الكثيرين للمذهب الاباضي، واعترافهم بالدولة الرستمية، ومبايعتهم لامامها بتيهرت، خاصة وأنها فترة هدوء الدولة واستقرارها وقوتها واستكمال بنائها الاداري والعمراني، على حد سواء (8). ثم إنها فترة ازدهار حقيقية، اذ لم يمر على الدولة اكثر من ثلاث سنوات، حتى جاءتها عشرة أحمال من الأموال أرسلها اليها اباضية المشرق أيضا لتدعيها والمساهمة في بنائها (9)، وكان اباضية المشرق ينظرون الى عبد الرحمن وعدله في المغرب بأنه «سوف يملك المشرق ويملأه عدلا (10) وينظرون الى دولتهم المتطلعة للمستقبل، نظرة اكبار واعجاب، وكانوا يترقبون اليوم الذي يقتحم فيه امام المغرب حدود المشرق ليعلن الخلافة الاسلامية الحقيقية. بالمنظور الاباضي (1) (11)، فيلاً بذلك المشرق والمغرب عدلا، الا أن عبد الرحمن ورعيته اعتذروا هذه المرة أخذ تلك الاموال (12) تعففا، ورأوا أنه لا يجوز لهم ورأوا أنه لا يجوز لهم أخذها، لأن أهلها في المشرق هم أحوج منهم اليها، حتى يقاوموا بها الفقر وجور الولاة. واعتمد عبد الرحمن في رد الاموال الى أصحابها، على اكتفائه، واقتناع رعيته بما توصل اليه من مستوى معيشي راق حيث أن المال كثر عند
من
(7) محمود اسماعيل:: الخوارج، ص
113
«<
(8) ابن الصغير، ص
16 - 13
(9) أبن الصغير، ص 13، أبو زكرياء: سير، ص 54
(10) ابن الصغير، ص 10
(11) الكماك: موجز، ص
189
(12) ابن الصغير: ص 14 - 15
- 112 - (1/120)
صفحة 121
الرعايا، فبنوا القصور، وغرسوا البساتين، وظهرت علامات الترف
على وجوههم. والحقيقة، أن رد عبد الرحمن لتلك الاموال، أكسبته ثقة لدى أباضية المشرق وازدادوا تعظيما له، ووصل بهم الامر الى الرغبة «في امامته ورأوا أنها فرض عليهم» (13)
واذا كانت سياسة عبد الرحمن الداخلية هكذا، فان سياسته الخارجية، اتسمت بالحكمة، والتسامح، اذ وادع صاحب افريقية «روح بن حاتم (171 هـ - 174 هـ) سنة 171 هـ فوادعه (14)، وامن شره، واتجه ببصره نحو دولة بني مدرار الصفرية فربطها اليه بعقد المصاهرة، اذ قدم ابنته أروى (*) لمدرار ابن الامام الصفري اليسع بن أبي القاسم سمكو بن واسول (15) وهكذا يكون عبد الرحمن، قد هيا لدولته كل أسباب الاستقرار والديمومة
(?)
نظم ادارتها، ورتب أجهزتها (16)، وأمن شر جيرانه الغربي والشرقي وبذلك لم يأت تاريخ وفاته سنة 171 هـ حتى كان قد ترك دولة ثابتة الأركان، قوية الجانب، بامكانها أن تواصل الحياة باطمئنان
(17)
(
ويشبه علي يحيى معمر، عبد الرحمن الرستمي بعبد الرحمن الداخل الأموي في كثير من الجوانب، منها أن كليهما ينحدران من أسرة الملك في، فأسسا دولتين لهما في المغرب، وتوفي عبد الرحمن بن رستم سنة
المشرق
(13) ابن الصغير، ص 15
(14) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 228
(15) نفسه، ج 6، ص
268
(16) لمزيد من المعلومات حول الادارة الرستمية أنظر الكعاك: موجز ص 180 - 185. وكذلك أنظر: Bekri
Chikh : opcit, p. 66 - 74. Dengel G. : opcit, p. 104 - 133.
() يذكر ابن الخطيب خطأ اسم ابنة عبد الرحمن بن رستم فيقول إن أسمها «هنو» ولم يقل بذلك غيره ممن ذكرها. أنظر ابن الخطيب لسان الدين: اعمال الاعلام) تاريخ المغرب العربي الوسيط) تحقيق أحمد مختار العبادي، محمد ابراهيم الكتاني دار الكتاب، الدار البيضاء، 1964 (17) علي يحيى معمر: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة
، ص
، ص
143
137 - 134
- 113 - (1/121)
صفحة 122
171 هـ بينما توفي عبد الرحمن الداخل بعد ذلك بسنة فقط، بعد أن تزك كل واحد منهما دولته قوية عظيمة. ويرى معمر، أن الفرق الوحيد بين الأموي والرستمي هو أن الاول احتفل به الكتاب ورسموا حوله هالة من المجد والعظمة والفخار، في حين أن الثاني أهمله التاريخ وحقد
عليه المؤرخون.
ومجمل القول، إن عبد الرحمن بن رستم، استطاع ان يؤسس دولة تضم اخوانه في المذهب، يستظلون بها، ويحتمون بحدودها، ولما مات سنة
171 هـ « ... . لم لم ينقم عليه أحد في حكومة ولا في خصومة، ولم يكن على
يديه افتراق الاباضية (18)
وتذكر المصادر الاباضية، أن عبد الرحمن لما حضرته الوفاة، جعل الامامة «شورى في سبعة نفر صنيع عمر بن الخطاب (19)، بينما لا يذكر ابن الصغير شيئا من ذلك، بل يقول «وكان قد نشأ له (لعبد الرحمن) في أيامه ولد يعرف بعبد الوهاب، وكان محمود الأفعال، وكان قادرا للقيام بعده، فلما انقضت أيامه صيرت الاباضية الامر اليه بعده» (20) الا أن الباروني ينقل لنا نفس هذا النص حرفيا في أزهاره من ابن الصغير ولكن بصيغة أخرى علما بأنه اعتمد على مخطوط لديه، والنص هو: «وكان قد نشأ له في أيامه ولد يعرف بعبد الوهاب وكان محمود الافعال، وكان قد رشحه للقيام بعده فلما انقضت ايامه صيرت الاباضية اليه الامر بعده» (21)
(18) أبو زكرياء: سير، ص 54، ابن الصغير: ص 16، الأزكوي: كشف الغمة (مخطوط) ورقة 45 (19) أبو زكرياء: سير، ص 54، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 46. ويساير الدكتور عبد الحميد حاجيات الرواية المذكورة. أنظر: مبدأ الشورى في نظام الحكم بالمغرب العربي خلال العصر الوسيط - مجلة التاريخ،
عدد 12، المركز الوطني للدراسات التاريخية، الجزائر، 1982
ص
92
(20) ابن الصغير، ص 16
(21) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 98
- 114. (1/122)
صفحة 123
فالرواية الاباضية التي تقول بأن عبد الرحمن عين سبعة نفر، وهم
مسعود الاندلسي وأبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني، وعمران بن مروان الأندلسي، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأبو الموفق سعدوس بن عطية وشكر بن صالح الكتامي، ومصعب بن سدمان (22)، اقتداء بعمر بن. الخطاب يبدو أن فيها شيئا من المبالغة لان عمر بن الخطاب (ض)، عندما عين النفر الستة، جعل ابنه مستشارا لا غير، يحضر مجلس المرشحين، ويبدي رأيه ولا يتولى من الأمْرِ شيئا (23). لذلك، فان صدقنا الرواية الاباضية وسايرناها في تعيين عبد الرحمن لمجلس السبعة من بينهم ابنه عبد
الوهاب، فاننا لا نصدقها في دعواها أن ذلك اقتداء الخطاب (ض)، بل يتبادر الى الذهن أن ذلك المجلس، وكأنه مجلس الحل والعقد، كان لتعيين عبد الوهاب وتأمين وصوله الى الامامة، بعد أن رشحه (أبوه) للقيام بعده (24)، وبالتالي، فان الشك يرقى أيضا الى قصة الاختيار (25).
(22) أبو زكرياء: سير، ص 54 - 55، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 46، الشماخي: سير، ص 154، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 99، ونشير الى أنه يوجد اختلاف بينها في العدد وضبط بعض الأسماء المذكورة. (23) يذكر ابن قتيبة عن عمر بن الخطاب أنه قال «ويحضر ابني عبد الله مستشارا وليس له من الأمر شيء ... ثم قال يا عبد الله اياك ثم اياك لا تتلبس بها، أنظر الامامة والسياسة وهو المعروف بتاريخ الخلفاء ط 2، ج 1، مطبعة الحلبي، مصر، 1377 هـ / 1957 م، ص 24، ويروي اليعقوبي رواية أخرى عن عمر الذي قال: أخرجت سعيد بن زيد لقرابته منى فقيل في ابنه عبد الله بن عمر قال حسب آل الخطاب ما تحملوا منها، تاريخ اليعقوبي، ج 3، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت 1379 هـ/1960 م، ص 160، اذن ليس ما فعله عبد الرحمن بن رستم يشبه تماما وفي كل تفاصيله ما فعله عمر بن الخطاب. ويذكر لواب بن سلام، إبعاد الخليفة عمر لابنه وأهل بيته من الولاية ولكنه ينسب ذلك خطأ الى أبي بكر الصديق (ض) فيعيد بعد صفحة واحدة فينسبه الى عمر (ض). أنظر شرائع الدين (مخطوط) ورقة 31 - 33
(24) ابن الصغير: بالصيغة التي أوردها الباروني في أزهاره، ج 2، ص 98 (25) تقول قصة الاختيار أن العامة لما عرض عليها الاشخاص السبعة، مالت الى اثنين منهم فقط، وهما عبد الوهاب بن عبد الرحمن ومسعود الأندلسي. وفاز هذا الاخير بالأكثرية. ولما هبوا لمبايعته، هرب واختفى تاركا مكانه للذي يليه مباشرة في ميل الناس اليه وهو عبد الوهاب الذي قبل البيعة، وتولى الامامة. وكان مسعود أول مبايع له، ثم بايعته العامة بعد ذلك بيعة عامة. أنظر أبو زكرياء: سير، ص 56، الدرجيني: طبقا -. .
ج 1، ص
46. 47.
- 115 - (1/123)
صفحة 124
وان مما يؤيد هذا الشك، حدوث فتنة ابن فندين، بعد تولية عبد
الوهاب مباشرة: وهي الفتنة التي طعنت في امامة عبد الوهاب، وسمي أنصارها نكارية (26)، لانكارهم تلك الامامة، مما يخيل الينا أنها كانت ضد نظام الوراثة في الحكم (27)، وهو النظام الذي رفضه الخوارج عامة، والاباضية خاصة. فالمبدأ المقرر عندهم أن الامامة شورى بين المسلمين يتولاها أصلح المسلمين لها. ويبدو أن ابن فندين وأصحابه، عرفوا أن لتولية عبد الوهاب الامامة عواقب وخيمة أخطرها الاستمرار في وراثة الحكم وبالفعل لقد تولى امامة الدولة الرستمية، منذ نشأتها الى سقوطها، أبناء عبد الرحمن وحفدته ولا يمكن أن تتفق مع بعض الكتابات (28) الحديثة التي تريد أن تجعل نظام الحكم في الدولة الرستمية شوريا، لا يختلف عن عهد الخلفاء الراشدين، رغم أن الذين تولوا الحكم في الدولة كلهم أبناء أسرة واحدة، ومن الذين يرون هذا الرأي ويتعصبون له، الشيخ علي معمر الذي يقول «يبدو أن أئمة الاباضية في المغرب الاسلامي جميعا، ما عدا اليقظان الذي تبرأ منه الاباضية ولم يعتبروه اماما، قد وصلوا الى الحكم بالاسلوب الذي وصل به الخلفاء الراشدون الى الحكم ... ولم يكن لولاية العهد أي اعتبار أو نظر بل لم يكن لهم فيها أي تفكير ولا عنها أي حديث ... (29) ويتناقض الشيخ في مكان آخر، عندما يتحدث عن الامام أبي اليقظان ويقول «وعندما حان أجله، كان أكبر أولاده اليقظان في الديار المقدسة .... وكان ولده يوسف على رئاسة جيش يحرس قافلة تجارية
(26) أبو زكرياء: سير، ص 58 - 66 (27) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 117 - 118
(28) من الذين يرون أن الدولة الرسمية كانت شورية في امامتها، الاستاذ محمد علي دبوز، اذ يفسر سبب كون أئمة الدولة كلهم من عائلة واحدة وهي الاسرة الرستمية، تفسيرا بعيدا عن الموضوعية، أقل ما يقال عنه أنه، يناقضه الواقع، والنصوص الصريحة الاولية التي وصلتنا، ويطلق دبوز على حكام الدولة الرستمية، لقب الجمهوريين، بينما يطلق على سواهم لقب الملكيين. والمصطلحان موزعان في جميع صفحات الكتاب تقريبا. أنظر دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3: 527 ـ 530، وراجع الكماك: موجز، ص 180، الجيلالي: تاريخ
الجزائر العام ج 1، ص 221.
، ص
(29) علي يحيى معمر: المرجع السابق، الحلقة الرابعة، ص 56
-116 - (1/124)
صفحة 125
a
كبرى ... فتوفي الامام وأكبر أولاده غائبان (30). فلماذا يبحث الشيخ عن أولاد الامام، اذا كان الحكم غير وراثي؟ انما هو بحث عن الوريث الشرعي للامامة لا غير. فلم يكن الحكم في الدولة الرستمية شوريا، بل لقد خالف الرستميون أهم ركن من مبادئهم الشورية، ألا وهو شورية الامامة
وجعلوا هذه الاخيرة وراثية (31). كما يؤكد ذلك الاستاذ محمد الثميني.
مجمل القول حول هذه النقطة، أن نظام الحكم في الدولة الرستمية نظام وراثي، كنظام الأموين والعباسيين بالمشرق، أو الأغالبة والادارسة بالمغرب. ويبقى العدل والاحسان، وما التزم به الائمة الرستميون من مباديء الاباضية السمحة، وما تميزوا به من صفات التقوى سائدة خلال كل تاريخ الرستميين، باتفاق المؤرخين كلهم تقريبا، «فلو وجد لهم غيرها لذكروه) (32) كما يقول الباروني. إن ابن فندين وأصحابه، أو النكار، كما يعرفون في التاريخ الاباضي، تحدوا الامام عبد الوهاب، وخاضوا معركة ضده فقضى عليهم قضاء مبرما، ومحقهم، فانزووا في كديتهم (*) المعروفة
(30) نفسه، ج 4، ص 77.
(31) محمد الثميني: مفهوم الشورى والديمقراطية في التاريخ العربي لدى الرستميين والجماعات المحلية بوادي ميزاب بالجنوب الجزائري اعمال المؤتمر البرلماني العربي الثاني، الجزائر من 8 الى 12 آذار 1981 م، ص 8. المدني أحمد توفيق: مدخل لدراسة، المحاضرة السابقة الذكر، ص 21. ويبدوا أن ابن عذارى قد اعتمد على رواية نكاري أو أراد التهكم اذ لا يذكر عبد الوهاب الا باسم عبد الوارث ربما لوارثته حكم أبيه. البيان، ج 1، ص 197 وغيرها. وأنظر كذلك محمود اسماعيل: الخوارج، ص 202. عبد الحميد سعد زغلول: المغرب العربي، سبق ذكره، ص 104، عوض خليفات: نشأة، ص 55. وأنظر كذلك:. Marçais G.: La Berberie, opcit, p الأدلة القاطعة على أن الاباضية في تيهرت كانوا يولون الأئمة دون الرجوع الى مبدأ الشورى ما حكاه ابن الصغير عن أحد علماء الاباضية الذي نادى «بأعلى صوته، الله سائلكم معاشر نفوسة اذا مات واحد جعلتم مکانه آخر، ولم تجعلوا الامر للمسلمين، وتردوه اليهم فيختارون من هو أتقى وأرضى، علما بأن ابن الصغير يتحدث هنا عن امامة أبي بكر بن أفلح القريب العهد منها. أنظر ابن الصغير سير، ص 31.
106 ومن
(32) الباروني:
، ص 250:: الأزهار، ج 2، (الكدية هي الأرض المرتفعة، أو الارتفاع من الأرض. وهي أيضا صلابة تكون في الأرض، لعل المقصود بها ههنا المكان المرتفع في المدينة أنظر إبن منظور: لسان العرب المحيط، ج 3، اعداد يوسف خياط ونديم مرعشلي، دار لسان العرب، بيروت، 1980،
232
-117 - (1/125)
صفحة 126
باسمهم (33). ولم نسمع لهم ذكرا بعد ذلك (34)
والحقيقة أن عبد الوهاب .... كان ملكا ضخما، وسلطانا قاهرا ... قد اجتمع له من أمر الاباضية وغيرهم مالم يجتمع للاباضية قبله، ودان له مالم يدن لغيره واجتمع له من الجيوش والحقدة مالم يجتمع لاحد قبله (35) واستطاع بذلك أن يقضي على الواصلية (36)، الذين تكالبوا على الدولة، في حرب ضروس، ولم يفلت منهم الا اليسير (7)
(37)
وتروي المصادر الاباضية، انتقال عبد الوهاب الى جبل نفوسة واقامته به سبع سنوات. وانما توجه الى تلك المنطقة، بقصد أداء فريضة الحج، فأبى عليه أهل نفوسة، وخافوا على امامهم من العباسيين، واحتياظا لوقوعه في قبضتهم. فبقى معهم تلك المدة الطويلة يلقي عليهم الدروس والمواعظ وفي اثنائها حاصر طرابلس، ولكن لم يستطع دخولها (38)، فعقد صلحا مع أبي العباس عبد الله بن ابراهيم بن الأغلب، على أن تكون المدينة والبحر للاغالبة، وماكان خارجا عنها للامام (39). وكان قد رغب
(33) ابن الصغير: ص 20
(34) أبو زكرياء: سير، ص 58 - 65، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 48 - 56، ويذكر ابن الصغير قصة النكار بخلاف ما يذكرها الكتاب الاباضية، فربما هي حادثتان اختلطتا على ابن الصغير، ولكن من المؤكد أن الرواية الاباضية هي الأصح، أنظر ابن الصغير،
(35) ابن الصغير: ص 16 - 17
، ص
20. 17
(36) الواصلية: من فرقُ المعتزلة رئيسها واصل بن عطاء (80) - (171 هـ) يقول البكري بأن للواصلية مجمعا قريبا من تيهرت. كان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيوت الأعراب يحملونها. أنظر المغرب، ص 67.
(37) أبو زكرياء: سير، ص 67 - 73، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 57 - 62، لا يذكر ابن الصغير حادثة الواصلية، التي سوف نرجع اليها بشيء من التفصيل في الباب الفكري، اذ أنه جرت بين الجانبين مناظرات كلامية قبل أن تحدث المعركة. وانما يذكر ابن الصغير فتنة أخرى مرت بها الدولة الرستمية، سببها التنافس على فتاة من قبيلة لواتة أراد رئيس هوارة التزوج بها فخاف عبد الوهاب المصاهرة بين القبيلتين الكبيرتين في المغرب هوارة ولواتة، فأسرع وسبق الهوارى وتزوج بالفتاة، فثارت ثائرة الزعيم الهوارى وقبيلته، واستعد للقتال ووقعت الحرب، فكانت الدائرة فيها على هوارة. أنظر ابن الصغير ص 20 - 23
(38) أبو زكرياء: سير، ص 76 - 77، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 67.
(39) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 287 - الشماخي: سير، ص
?
162
-118 - (1/126)
صفحة 127
في موادعته روح بن حاتم صاحب افريقية (40)، وهذا دليل على القوة والسلطان اللذين وصلتها الدولة الرستمية في شخص امامها عبد الوهاب. ولا شك أن ابن الصغير انما أراد أن يعبر عن هذه القوة عندما قال «ثم أشتد أمر عبد الوهاب وقوي عليه وانتقل من حال الامامة الى
حال الملك» (41)
ان المدة الطويلة التي قضاها عبد الوهاب، في جبل نفوسة، تتركنا نتساءل عمن قام مقامه بتيهرت؟
إن أول ما يتبادر الى الذهن، أن أبنه أفلح كان خليفته، وولي عهده. ومما يؤيد هذا ما يخبرنا به ابن الصغير من أن الإمام عبد الوهاب في احدى معاركه السالفة الذكر، كان قد رشح ابنه للامامة، وعقدها له، لما أظهر في تلك الحرب من بلاء حسن (42). ويتهيأ لنا أن الامام عبد. الوهاب لم يغادر العاصمة تيهرت نحو جبل نفوسة، أقصى نقطة شرقية في دولته، الا بعد أن عين ابنه خليفة له، بل يؤكد علي يحيى معمر معمر (43) أن الامام فعلا أناب عنه ابنه أفلح في رعاية الدولة لما قصد الشرق بنية الحج.
بعد
وهكذا يكون عبد الوهاب، قد دعم نفوذ دولته الداخلي والخارجي اذ أن قضى على مناوئيه، ونصب ابنه خليفة له، راح مطمئنا من تيهرت بإتجاه الشرق، فقضى تلك المدة الطويلة في جبل نفوسة، ركز فيها ارتباط الجانب الشرقي من الدولة بتيهرت، حيث أنه بعد الصلح الذي مع الأغالبة حول طرابلس وضواحيها، عين ولاة له على الجبل
عقده
(40) القيرواني الرقيق: تاريخ افريقية، 173، ابن خلدون: العبر، ج 4، ص 415 (41) ابن الصغير: سيرة، ص 20. (42) ابن الصغير: ص 22. وهذه القصة أيضا من الادلة على أن الدولة الرستمية، كانت لا تتبع طريقة الشورى
في الحكم، بعكس ما تدعيه بعض الكتابات الحديثة. وأنظر كذلك: الباروني اذ يقول بعد أن أنتهت المعركة
أقبل على ابنه أفلح وقربه اليه ورشحه للامامة - الأزهار، ج 2، ص 135
(43) علي يحي معمر: الاباضية، الحلقة الرابعة، ص 59
-119 - (1/127)
صفحة 128
وسرت والجنوب التونسي. وجزيرة جربة (44)، ثم قفل راجعا نحو المغرب، الأوسط حيث عاصمة دولته لكي يقضي فيها باقي أيامه مطمئنا، الا أنه في أواخر أيامه تلك، أصيب شرق البلاد بفتنة خلف بن السمح (45) الذي أراد أن يتولى ولاية نفوسة بعد وفاة أبيه، معتمدا في ذلك على نسبه، دون استشارة الامام أو قبوله. لما علم عبد الوهاب بما حدث أرسل اليه والى من شايعه ينصحهم ويأمرهم ويأمرهم بالتعقل وعين من قبله أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني خلفاً للسمح الهالك. الا أن خلفا تمادي في عصيانه للامام وأراد أن يقتطع الجزء الشرقي من البلاد ليكون إماماً ظاهرا، مستقلا عنه، وادعى في ذلك عدة ادعاءات (46) حاول عبد الوهاب أن يستدرجه بالحكمة والموعظة، فتارة بالرسائل وطورا بواسطة عامله الجديد، الى أن أدركته منيته سنة 208 هـ (47)، فتولى الامامة بعده ابنه أفلح
P
(44) الشماخي: سير، ص 161
(45) يطلق عليه الإباضية الخبيث ابن الطيب، اذ أن والده هو السمح عامل الامام عبد الوهاب على نفوسة، وهذا بدوره ابن أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، أول امام ظهور بالمغرب العربي الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 70 وغيره.
(46) أبو زكرياء: سير، ص 79 - 81. من ادعاءاته التي ترويها المصادر الاباضية: الامامة لنفسه جوزها ووجد لنفسه اعذارا - ولا نوافق الدكتور محمود اسماعيل في تقديره أن تعاليم الاباضية ترجح رأي خلف وأصحابه لان من عقائد الاباضية ألا يجتمع سلطانان في سيرة واحدة، ومن فعل ذلك فقد خرق الاجماع، أنظر ابن جميع: مقدمة التوحيد، ص 153 - 154، وقارن بما قاله محمود اسماعيل: الخوارج، ص 281 هامش 395 ـ أما عن ص
الخلفية فأنظر عوض خليفات: النظم الاجتماعية، ص 103
122
(47) لا يتفق المؤرخون على سنة واحدة لوفاة عبد الوهاب، ويبدو أن ابن عذارى مخطيء في تقديره اذ يجعلها سنة 188 هـ. وكذلك الباروني الذي يرى أنها سنة 190 هـ بينما يبدو أن التاريخ الصحيح هو ما قاله جورج مارسيه وزامباور، اذ جعلاه سنة 208 هـ وذلك لأن عبد الوهاب أوفد أبناءه الى الأندلس سنة 207 هـ، كما يرويه بروفنسال نقلا عن ابن حيان، وعندما عادوا وجدوا أباهم قد هلك ومما يدعم هذا التاريخ (208 هـ) حدوث الحرب بين خلف وأتباع الامام أفلح في جبل نفوسة سنة 211 هـ علما بأن فتنة خلف بدأت في أواخر أيام عبد الوهاب، وقضى عليها أفلح بعد ترو وصبر دام سنوات كما يفهم من أحداث الروايات. لذلك فلا يستبعد أن يكون أفلح قد أنتظر خلفا وأشياعه ثلاث سنين، يعظهم ويحثهم على الطاعة. فلما تبين له غيهم وتماديهم في الترد، حاربهم بعامله أبي عبيدة سنة 211 هـ. وبذلك يكون عبد الوهاب قد عمر في الامامة 37 سنة تقريبا وهذا ليس بمستبعد اذا علمنا أن الشيخ ألطفيش يجعل امامة عبد الوهاب 60 سنة: أنظر ابن عذارى: البيان، ج 2، ص 197، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 163 وأنظر: Provengal E. Levi : Histoire de .244 - 245 .l'Espagne Musulmane T.1, Leiden, Briel, 1905, p وراجع كذلك: ابن تاويت: -
-120 - (1/128)
صفحة 129
لقد اتبع الامام الثالث، أفلح، سياسة أبيه القوية والحكيمة مع
مناوئيه وخاصة منهم خلف. فلما تبين له أنه متماد في عصيانه، حاربه بالسيف، وقطع شأفته، وشتت شمله، وعاد من كان مغترا، على حد تعبير المصادر الاباضية باتباعه الى أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني تائبا، فلم تقم له قائمة بعد ذلك الى أن قضى نحبه. إلا أن ابنه ثار في عهد الامام أبي حاتم (281 هـ - 294 هـ) سائراً على مبادئ أبيه، فقبض عليه، وسجن، ويقال إنه تاب بعد ذلك وعاد الى جماعة الاباضية الوهبية (48)
ثم أن أفلح، واجه في عهده حركة نفاث بن نصر النفوسي، ولم تكن هذه الحركة عسكرية، ولا سياسية، بقدر ما هي سلمية ثقافية اذ تصور لنا المصادر الاباضية حب نفاث للزعامة التي لم يحظ بها، لذلك أراد أن يؤلب الناس على الامام أفلح بآرائه في الامامة، ولم يحدث نفاث أكثر من
ذلك شيئا (49)
ويعتبر عصر أفلح بن عبد الوهاب، عصر قوة وعزة وفترة ازدهار الدولة وشبابها. وهي في الحقيقة استمرار حتمي لما كانت عليه في عهد أبيه وجده وانما قام أفلح بتدعيم أركان الدولة، وبث نفوذه السياسي بالحكمة والحيلة تارة، وبالقوة والشدة طورا. ومن أعماله التي سجلها ابن الصغير ميله الى بعض القبائل دون الأخرى، ودس بذور الخلاف والفرقة بينها مخافة اجتماعها عليه (50)، ويقول الكعاك أن تلك الخطة عين التوازن
هي
88
دولة الرستميين، الصحيفة المذكورة، م 5، عدد 21، ص 116، هامش 3، أبوزكرياء: سير، ص أطفيش: رسالة موسعة، ص 106. جورج مارسيه: دائرة المعارف الاسلامية، مادة «بنو رستم، ج 10، 93. 42. Marcais G. : La Berberie au IXe siècle, opcit, p زامباور: معجم الانساب والاسرات
ص
الحاكمة
101 - 100
279 - 277
(48) أبو زكرياء: سير، ص 88 - 89، 100 - 101، الباروني: الأزهار، ج 2، ص (49) حركة نفاث، تعتبر حركة فكرية أكثر منها سياسية، لذلك سنتناولها في الباب الفكري.
(50) الحقيقة أن ابن الصغير يروي هذه القصة عن أفلح بنوع من الشك ظاهر في حديثه، أنظر ابن الصغير:
-121 -
45 - 27 (1/129)
صفحة 130
الذي به تتكافأ السياسة البربرية (51). فأمن شرها واستلقى على ظهره، كما يقول ابن الصغير، مطمئنا لا شيء يكدر له صفو حياته، وأقام في امامته خمسين عاما (52) حتى «شمخ في ملكه، وابتنى القصور واتخذ بابا من حديد، وبنى الجفان وأطعم فيها» (53). والحقيقة أن الرعية كلها، بما في
ذلك القبائل البدوية نالها الترف والرخاء، وعظم أمرها وأمر أمامها
ومما يدل على عنصر القوة والشباب في عهد الامام أفلح أنه لما بني الاغالبة مدينة لهم بالقرب من تيهرت سنة 239 هـ، وأطلقوا عليها اسم العباسية»، دمرها أفلح تدميرا كاملا، وأخبر بذلك أمراء بني أمية بالأندلس، فما كان من هؤلاء، الا أن أرسلوا اليه هدية ثمينة تقدر بمائة ألف درهم (54)، تقديرا لعمله.
ولما توفي أفلح سنة 258 هـ، ترك الدولة لابنه أبي بكر، قوية بقوته وهي بحاجة الى من يواصل تلك السياسة. الا أن نظام الوراثة في الدولة الاباضية، أهلكها، وقضى على قوتها، وأورثها من بعد،
وحسن سياسته
عزها ضعفا
ويعتبر عهد الامام أبي بكر، البداية الاولى لذلك الضعف، لأنه لم يستطع أن يسوس القبائل المختلفة، ويتحكم فيها بقوة، مثلما كان أبوه أو جده. وأبرز ما يميز عهد أبي بكر، فتنة ابن عرفة (55)، التي يروي ابن
(51) الكماك: موجز، ص 190
وهي
320
(52) يذكر أبو زكرياء والوسياني وغيرهما أن امامة أفلح كانت ستين سنة. أما الدرجيني فيجعلها تسعة وأربعين محتملة جدا خاصة وأنها قريبة من رواية ابن الصغير. أنظر ابن الصغير: ص 26، أبو زكرياء: سير، ص 96، الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 39. الدرجيني: طبقات، ج 2، ص (53) ابن الصغير، ص 26 (54) البلاذري: فتوح البلدان، ص 236، ابن خلدون: العبر، ج 4، (55) لا تذكر المصادر الاباضية القديمة، عهد الامام أبي بكر مثل باقي الأئمة. بل لقد ترك الشماخي في سيره بياضا يشمل ثلثي الصفحة عندما أراد التحدث عن هذا الامام وربما السبب في ذلك هو ضعفه السياسي وقلة حنكته. أنظر الشماخي: سير، ص 220، الباروني عبد الله: سلم العامة والمبتدئين: سبق ذكره، ص 14
429
- 122 - (1/130)
صفحة 131
الصغير تفاصيلها، ويذكر أن محمد بن عرفة كان رجلا ذا نفوذ واسع، وثروة طائلة وكانت زوجة الامام أبي بكر بنتا أو أختا لابن عرفة، كما أن أخت الامام، كانت زوجة لابن عرفة مما زادت هذه المصاهرة في نفوذه
أباب
فكان «اذا ركب من داره يريد أبا بكر، مشى بين يديه ومن خلفه ومن يمينه ومن يساره أمم من الأمم» (56) واستمر في هذه الشعبية حتى «كانت الامارة بالاسم لأبي بكر وبالحقيقة لمحمد بن عرفة (57). ولما عاد أبو اليقظان بن أفلح من المشرق (58) المشرق (58)، ووجد أخاه اماما، كلفه هذا الاخير بمهام في تيهرت وأحوازها، فقام بها أحسن قيام ولم «يدع امارة ولا نازع
فيها أخاه (59)
ويصور لنا ابن الصغير، غفلة الامام أبي بكر عما يدور حوله، خاصة من جانب صهره، ونُفُوذَهُ الذي يزداد كل يوم بشيء من السذاجة، ويقول بأن الامام نبه الى هذا نبهته حاشيته، ففتح ثقبا في قصره يراقب منه مجيء ابن عرفة وذهابه، وكأنه لا يكفيه سماع ضجيج الجمهور. ولما تأكد من نفوذه الواسع أوجس في نفسه منه خيفة، وحرضه أخوه أبو اليقظان خاصة وبطانته عامة على قتل الرجل، وإنهاء أبهته وكبريائه،
(56) ابن الصغير: ص 31 - 32.
(57) نفسه، ص 31 - 32
(58) سجن
أبو اليقظان في بغداد، اذ قبض عليه العباسيون في الحج ووافق سجنه أخا للخليفة، لا تذكر المصادر اسمه، يبدو أنه المعتمد، اذ يروى السيوطي في تاريخ الخلفاء أن المعتمد كان محبوسا عندما قتل المهتدى سنة 256 هـ. وأخرج من سجنه، وبويع بالخلافة، لهذا فان المعتمد أطلق سراح أبي اليقظان بعد أن كسب صحبته في سجنها. ربما كان ذلك في سنوات 257 - 258 هـ اذ لم يصل أبو اليقظان الى تيهرت الا في الوقت الذي وجد فيه أباه قد توفي (توفي أفلح سنة 258 هـ) وأخاه أبا بكر أماما. أنظر ابن الصغير: ص 28، الدرجيني: طبقات، ج 1 ص 83، السيوطي جلال الدين: تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محي الدين الحميد ط 2، مطبعة السعادة، مصر، 1959 م، ص
363
(59) الحقيقة أن هذا الكلام الذي يورده ابن الصغير، متناقض مع ما سيذكره فيا بعد من تحريض أبي اليقظان لاخيه أبي بكر، لقتل ابن عرفة وان كان ابن الصغير يذكر ذلك بشيء من الشك، كأنه غير مقتنع به مما يوحي عدم ثقته في الرواية والرواة الذين أخبروه بالحادث، وليس كما يقول الدكتور محمود اسماعيل ان ابن الصغير: ه يؤكد أن أبا اليقظان الحادث، أنظر ابن الصغير: ص 32 - 33، محمود اسماعيل: الخوارج، ص 129.
دبر
- 123 (1/131)
صفحة 132
ليصفو الجو لأصحابه من الرستميين وأخذ أبو بكر برأيهم، فأمر بقتل ابن عرفة بحضوره سرا، دون علم العامة (60). ولما علم أتباعه بذلك، وتيقنوا من القاتل، أعلنوا التمرد والعصيان، وطالبوا بالثأر، وأنقسمت العاصمة
والبلاد الى كتل اجتماعية متنافرة، كل واحدة تريد الوصول الى الحكم.
«<
ولما رأى أبو بكر ما آلت اليه البلاد من فوضى، واتهامه بالقتل، اعتزل السلطة، وخرج من تيهرت كما خرج أبو اليقظان معتزلا الفتنة ومن اشتبه في أمره بمن فيهم أخوه أبو بكر. وخرج كثير من التيهرتيين، فبقيت العاصمة بيد القبائل والطوائف المختلفة، لم يستقر لها قرار، اذ أفسدت فيها، وقامت بينها حروب. خاصة بين هوارة ولواتة، «وحميت فيما بينهم حمية الجاهلية وجرت بينهم الحرب سمعة ورياء (61). ولما قوى الرستميون، وأشمأز الناس من تلك الفتنة، ورأوا ضرورة الرجوع الى الحكام السابقين، استقدموا أبا اليقظان وبايعوه بالامامة سنة 261 هـ (62)، الا أن الاحوال، لم تستقم له، الا بعد سبع سنوات، قضاها في محاربة ابن مسالة، أحد الاطراف البارزين في الفتنة. وفي عام 268 هـ، استطاع أبو اليقظان أن يدخل تيهرت بمساعدة النفوسيين الذين استنجد بهم، فأعلن العفو العام عما سلف، وعقد صلحا مع القبائل كلها (63). وشمر عن ساق الجد ليواصل مسيرة أبيه وأجداده، وينقذ البلاد من الفوضى، ويعيد لها
هناءها وازدهارها
(60) ابن الصغير: ص 35، يبدو أن أبا بكر بالصفات التي وصفها به ابن الصغير نفسه: كان سمحا جوادا لين العريكة يسامح أهل المرؤات،، لا يقوى على تدبير مؤامرة القتل، فضلا عن القيام بها بنفسه؛ لهذا أرجح ما ذهب اليه علي يحيى معمر في أن القاتل الحقيقي لابن عرفة، ليس هو أبا بكر ولا أخاه أبا اليقظان، وانما طائفة من الطوائف التيهرتية التي أرادت أن تبيت خير الاباضية، كما يذكر ذلك ابن الصغير في كثير من المناسبات وقد استطاع علي يحي معمر، في نظري أن يحلل أحداث هذه الفتنة تحليلا منطقيا مقبولا. أنظر: الاباضية ج 4، ص 45 وما بعدها. ابن الصغير ص 51، الدرجيني طبقات، ج 1، ص
(61) ابن الصغير: ص
39
83
(62) نفسه، ص 40، الباروني: الأزهلر، ج 2، 237، محمود اسماعيل: الخوارج، ص 130
(63) ابن الصغير: ص 40 - 41.
-124 - (1/132)
صفحة 133
أما الامام المعزول أبو بكر، فقد قضى بقية أيامه في تيهرت، في ظل امامة أخيه أبي اليقظان (64)، الذي عمل على تهدئة الخواطر، واستتباب الأمن. ولا شك أن سجنه ببغداد، قد أكسبه تجربة في الملك، وسياسة الرعية، وكانت أيامه لا تشبه الا بأيام جده عبد الرحمن بن رستم، اذ كان مثله في الاتفاق على إمامته (65)
ولما كانت تيهرت تمر بآخر مرحلة من مراحل فتنة ابن عرفة، كان الجانب الشرقي من الدولة الرستمية يمر بنوع من التهديد، اذ في سنة 267 هـ خرج العباس بن أحمد بن طولون، ولد صاحب مصر، عاقا لوالده يريد غزو القيروان، والاستقلال بحكمها عن أبيه وعن الخلافة العباسية فاستولى من خزانة مصر على كثير من الاموال، واستقل بأعداد غفيرة من
الجند وأراد أن يحقق بها طموحه، الا أن الأغالبة واجهوه، قبل أن يصل الى طرابلس، ولما لم يتمكنوا منه، اعتصموا بالمدينة، وحاصرهم ابن طولون فيها أكثر من أربعين يوما. وكان بعض جنوده في تلك الاثناء يعتدون على. أهل البوادي من أتباع الدولة الرستمية (66)، مما حدا بهؤلاء، وبسكان طرابلس للاستعانة بوالي نفوسة آنذاك أبي منصور الياس، بل لقد قيل ان ابن طولون بعث الى العامل الرستمي يستفزه ويأمره بالقدوم اليه بالسمع والطاعة، مما دفع أبا منصور ونفوسة، الى التوجه نحو طرابلس، وفك حصارها، وقتل الكثيرين من الجنود المصريين وهزمهم (67)، وبذلك أثبتوا
197
240
(64) ابن عذارى: البيان، ج 1، ص (65) أبو زكرياء: سير، ص 98، الباروني: الأزهار، ج 2، ص (66) أنظر الصلح الذي اصطلح عليه الامام عبد الوهاب مع الاغالبة أثناء حصاره لطرابلس، اذ يجعل مدينة طرابلس للاغالبة، وما سواها من الصحراء لعبد الوهاب. وبذلك يكون أهل البوادي من رعايا الدولة الرستمية. ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 287، الشماخي ص (67) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 118 - 119، ابن الخطيب أعمال الاعلام، ص 28، الشماخي: سير، 225، الباروني:: الأزهار،، ج 2، ص - 257، ويذكر ابن عذاري أن النفوسيين لما تمكنوا من ابن، وهزموه، انتهب أهل طرابلس جميع عملكره بينما لم تتلبس النفوسيون منه بشيء، بل تورعوا عنه.
ص
طولون
255
162
وهذا يدل على استغناء الاباضية عن أموال مخالفيهم من المسيلمين وتعففهم عن المال الحرام، وبالتالي يدل على عدل
الأئمة
وعمالهم ورعيتهم والتزامهم الحرفي لتعاليم مذهبهم وعقائده. أنظر البيان المغرب، ج 1، ص 119
- 125 - (1/133)
صفحة 134
قوتهم وشجاعتهم، وقدم أبو منصور للأغالبة مساعدة لا تعوض. ثم إن أبا اليقظان، استمر في حكمه عشرين عاما كانت من أزهى أيام الدولة، اذ عادت الى نشاطها الثقافي والاقتصادي وان كان بشكل أقل من عهد الائمة
الثلاثة السابقين
ولما توفي أبو اليقظان سنة 281 هـ (68)، خلفه ابنه أبو حاتم، والحقيقة أن الدولة الرستمية بعد عهد أبي اليقظان المتسامح، دخلت مرحلة الشيخوخة، برزت جرثومة النظام الوراثي المتمثلة في التنافس على الملك أو الامامة. وهكذا بدأت مفاسد البلاط الرستمي تظهر للعيان لتقضي على الدولة نهائيا، فلم يقض أبو حاتم اثنى عشر عاما (69) من امامته، الا في تنافس وصراع بينه وبين عمه يعقوب، وبين الطوائف المختلفة في تيهرت، اذ توجد عدة مذاهب اسلامية مثل المالكية والمعتزلة والصفرية والشيعة: اضافة الى المذهب الاباضي الحاكم المنشق الى عدة فرق وزعامات مثل النكار أتباع يزيد بن فندين والوهبية المعادية للنكار، والخلفية أتباع خلف بن السمح الذين نَشِطُوا في هذه الفترة، بزعامة ابن لخلف بجبل نفوسة، وضواحيها، اضافة الى السمحيين، أنصار الامامة الاباضية، وقد ظهروا کرد فعل للخلفيين، ولم تكن هذه الفرق وحدها هي المكونة لمجتمع تيهرت، وانما هناك طوائف أخرى مثل الكوفيين والعجم، والجند العرب القادم من افريقية، فضلا عن البربر.
أن أبا حاتم واجه صعوبات جمة في امامته، رغم أنه حمل على الأعناق والاكتاف عندما بويع بالامامة، حيث اجتمعت كلمة القبائل في توليته (70)
197
(68) ابن الصغير: ص 29، ابن عذاري: البيان، ج 1، ص (69) أبو زكرياء: سير، ص 99، ربما الصحيح هو 14 سنة لأننا نعلم أن أبا حاتم قتل سنة 294 هـ، وبالتالي تكون مدة حكمه أربعة عشر سنة ابتداء من سنة 281 هـ وبدون طرح المدة التي حكمها عمه يعقوب، وهو ما ذكره
الشماخي وأكده. أنظر سير الشماخي، ص 262، وأنظر ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 197
(70) ابن الصغير: ص 50
-126 - (1/134)
صفحة 135
ولم ينقم عليه أحد من رعيته (71)، الا أن الاوضاع الاجتماعية في البلاد، قد بلغت الذروة في الفساد، فطمع بعضهم «أن يبيتوا خبر الاباضية ويطفوهم» (72)، واستطاعوا ذلك فعلا، اذ أرغموا أبا حاتم على مغادرة عاصمته، بعد سنة واحدة فقط من حكمه (73). ولم يبق هذا الاخير خاملا،
وانما راح فحاصر تيهرت، واستطاع أن يهزم أعداءه، الا أن هؤلاء استقدموا منافسه في الحكم عمه، يعقوب بن أفلح، الذي كان منعزلا في ضواحي طرابلس، عند قبيلة زواغة الخلفية، فحكم البلاد أربع سنوات، وقامت بينه وبين ابن أخيه الحروب المتواصلة، حتى توسط في توقيفها أبو يعقوب المزاتي، أحد أصحاب الأموال والمصلحين، فوضعت الفتنة أوزارها، وعاد أبو حاتم الى امامته سنة 286 هـ فقضى ثماني سنوات أخرى، أعاد فيها النظام للدولة، وطهرها من الفساد الذي طغى على المجتمع، الا أنه لم يستطع أن يقضي ويجتث جذور فساد الأسرة الرستمية، التي كانت السبب في انتهاء أيامه، وذلك عندما قضى عليه قتلا، أحد أبناء أخيه اليقظان بن أبي اليقظان سنة 294 هـ (74)، وتولى هذا الاخير المنصب فقاطعته الاباضية، واعتبروا حكمه غصبا، فلم ينصروه ولم يقفوا الى جانبه. وبلغت الأوضاع في الدولة من التدنى والتدهور مبلغا عظيما، اذ تعرف بعد ذلك صحوة، ويبدو أن اليقظان بن أبي اليقظان لم تستقم له الأمور، ولم يعرف للراحة معنى، وقضى عامين في خوف وقلق مستمرين الخوف من أبناء أخيه المقتول من طرف أبنائه، والقلق من بقائه وحيدا: ومن الشيعة التي بدأ يستفحل أمرها، وبدأ داعيتها أبو الله عبد الشيعي
(71) أبو زكرياء: سير، ص 99
(72) ابن الصغير: ص 54. (73) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص
197
لم
"
(74) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 197، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 291. وأنظر كذلك محمود اسماعيل: الخوارج، ص 133، الكعاك: موجز، ص 201، لا يعترف الاباضية بامامة اليقظان بن أبي اليقظان ولا امامة يعقوب بن أفلح لذلك فهم يتوقفون عند الامام أبي حاتم ومنهم من يتوقف عند أبي بكر أيضا، أنظر
معمر
: الاباضية ج 4،
، ص 83
- 127 - (1/135)
صفحة 136
يغزو البلاد، ويقتحم المدن الواحدة تلو الأخرى (75). وجاء دور تيهرت
التي قصدها الداعية الشيعي في شوال سنة 296 هـ / 909 م)
(76)
وقبل دخول أبي عبد الله الشيعي الى تيهرت، بعث الى اليقظان يأمره واسرته بالقدوم اليه، فلما جاءه ومثل أمامه، سخر من ضعفه وسذاجته وقتله وقتل أبناءه (77)، ودخل تيهرت بجيوشه، فأفسد فيها، وأهلك. الحرث والنسل، ولم ينج من الأسرة الرستمية، الا من هرب ملتجأ نحو وارجلان (78). وتروي المصادر الأباضية فظائع أبي عبد الله الشيعي، وحرقه لمكتبة المعصومة بعد أن اختار منها ما ينفعه في دنياه من الكتب الرياضية والصناعية والفنية (79). وبعد أن ترك عاملا من قبله على تيهرت، توجه نحو سجلماسة بفرقة من جيشه وأرسل فرقة أخرى الى وارجلان حاصرت أهلها في كدية كريمة على بعد ستة أميال من المدينة، واستطاع المحصورون أن ينجوا من القتل بالحيلة، اذ فشل الحصار، ورجعت تلك القوات الى افريقية خائبة (80)
بعد
وهكذا تسقط الدولة الرستمية بكل سهولة في يد أبي عبد الله الشيعي أن عاشت مائة وستة وثلاثين سنة (260 هـ - 296 هـ) كانت تنبض بالحياة والحركة، واستقرار الأمن، ومن حين لاخر تتخللها ثورات وحروب وفتن، شأن معظم الدول في تلك العصور.
(75) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 291 (76) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 197، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 293، الغريب أن الدكتور محمود اسماعيل يجعل سقوط تيهرت سنة 297 هـ بينا تتفق جميع المصادر على أن سقوط تيهرت كان سنة 296 هـ في شهر
شوال. أنظر: الخوارج، ص
176 175 André Négre : opcit, p. 19 (77)
105
(78) هرب يعقوب بن أفلح، وهو الذي نافس أبا حاتم في الحكم، الى وارجلان، واستقبل هناك مع من كان معه استقبالا كبيراً. وعرضت عليه الامامة من جديد (امامة الدفاع) فرفضها قائلا ه لا يستتر الجمل بالغنم، أنظر أبو زكرياء: سير، ص 124، الدرجين: طبقات، ج 1، ص (79) أبو زكرياء: سير، ص 113، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 94 - 95، الباروني: مختصر، ص 49. (80) أبو زكرياء: سير، ص 113، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
96 - 95
- 128 - (1/136)
صفحة 137
وفي الاخير أدى التنافس على الحكم من طرف الأسرة الحاكمة الى ضعف شوكة الأسرة وهيبتها، وبالتالي ضعف أتباعهم من الأباضية خاصة وتشتتت آراؤهم.
ولابد في ختام هذا الفصل، أن نتساءل عن الاسباب المياشرة في سقوط الدولة بتلك السهولة. وأول ما يتبادر الى الذهن هنا، اضافة الى ما قلناه سابقا من أن الاباضية، عندما استولى اليقظان بن أبي اليقظان
على الحكم تبرؤوا منه واعتزلوه، ولم يعتبروه اماما من امتهم (81)، لذلك فان الله الداعية الشيعي عندما هم باقتحام تيهرت، لم يخرج ضده أحد
أبا
عبد
<
بل ان المصادر الاباضية تذكر أن ابنة الامام المقتول أبي حاتم «دوسرا» واخاها هما اللذان استدعيا أبا عبد الله، وحرضاه على قتل اليقظان انتقاما لأبيهما (82)
ثم ان من الاسباب في سقوط الامامة بتيهرت، تحطم نفوسة في موقعة مانو (83) سنة 283 هـ. ويعتبر النفوسيون الدرع الواقي للدولة، والمادة العسكرية الأساسية (84) التي كانت وراء كل انتصار، أحرزته الدولة الرستمية ففي موقعة مانو «فل حد سيوف نفوسة، وفنيت فيها أبطالهم» (85) اذ انهزم برجاله أمام الاغالبة، وأريقت دماؤهم في البحر حتى غلبت حمرة الدم على الماء كما يذكر ذلك الشماخي نقلا عن الرقيق (86)
(81) وكانوا يبرؤون ممن دخل تحت طاعته ورضي بحكمه واعترف بامارته، أنظر علي
?
63
معمر: الاباضية، ج 4.
(82) أبو زكرياء: سير، ص 122، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 292 (83) مانو: قصر قديم بين قابس وطرابلس تقريبا كما يفهم من كلام المؤرخين. أنظر الباروني: سلم العامة
والمبتدئين
، ص 17 هامش. 1.
(84) قال الامام عبد الوهاب. انما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة»، أبو زكرياء: سير، ص 103
André Négre: ibid, p. 20 - 21
(85) الباروني: الأزهار، ج 2، ص
280
(86) الشماخي: سير، ص 268، ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 129 - 130
-129 - (1/137)
صفحة 138
ومن أسباب هذه الهزيمة الشنعاء، اختلاف نفوسة في رأيها، وعدم طاعتها لعامل تيهرت عليها عندما نصحهم بعدم اعتراض الجيش الأغلبي المتوجه الى مصر لمحاربة ابن طولون، فأبوا الا رأيهم، فتورطوا في معركة قضت على عزهم وقوتهم (87). ثم إن الفترة التي وقعت فيها هذه المعركة كانت فيها تيهرت مضطربة، تعيش في فوضى التنافس على السلطة بين الامام أبي حاتم بن أبي اليقظان وعمه يعقوب بن أفلح والطوائف المكونة للمجتمع الرستمي بتيهرت، وهي الحوادث التي ذكرناها سابقا، وبالتالي، لم تقم تيهرت بأي عمل لمساعدة النفوسيين
اذن، لقد تكاتفت الأسباب في سقوط الدولة الرستمية، حيث أنها هرمت وشاخت وأضعفتها الفتن الداخلية خاصة، كما أن شوكة الاباضية تكسرت فلم يهتموا باليقظان، ولا بأسرته، لذلك تكالبت القبائل والطوائف، وقررت «تبييت أمر الاباضية» فكان لهم ما أرادوه: ثم يضاف الى هذا كله عامل فقدان الجيش المنظم، اذ أن الرستميين أهملوا هذا الجانب رغم الفتن والثورات والحروب التي مرت بهم، وبقوا طول عهدهم يعتمدون على المتطوعين (88) الذين يكونون غالبا من الاباضية .. وبالتالي عندما ضعف هؤلاء وتقلص عددهم بمرور الأيام، بلغت الدولة الشيخوخة واستسلمت بكل سهولة لأول غاز لها سنة 296 هـ/909 م. وهكذا تعود
(87) تذكر المصادر الاباضية أن المتوكل العباسي، هو الذي بعث الجيوش وجعل عليها ابراهيم بن أحمد الأغلبي قائدا لاسقاط الدولة الرستمية الا أن هذه الرواية ضعيفة أمام الرواية التي ساقها الشماخي نقلا عن الرقيق، ثم أن معركة مانوا كانت 283 هـ أي في عهد المعتضد (279 - 289 هـ) وليس المتوكل (232 - 247 هـ) أنظر أبو زكرياء: سير، ص 103، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 87 (88) علي يحيي معمر: الاباضية، ج 4 (الاباضية بالجزائر)، ص 50 - 51. يقول معمر:. فالدولة الرستمية الدولة الوحيدة في ذلك الحين، التي ليس لها جند قابع في الثكنات ينتظر التعليمات، ويحلم بالمكاسب والغنائم من وراء الحرب والغارات. ويعتقد يشيخ بكري أن الرستميين لم يكن لهم جيش منظم في البداية ولكن ابتداء من الامام الثاني أصبحوا يملكونه، وان كان صغيرا، ثم أن جيشهم لم يكن له دور بارز .. أنظر: Bekri 130 - 132 .Chikh e Kharijisme. opcit. p. 73 - 75. Dengel G.: opcit. p وأنظر كذلك: شارل أندري جوليان: تاريخ افريقية الشمالية، ص 47، د. احسان عباس: المجتمع التاهرتي، الاصالة، عدد 45، ص
هي
34
- 130 - (1/138)
صفحة 139
الاباضية الى الكتمان من جديد بعد أن سادت ردحا من الزمن في
المغرب العربي.
ويبدو
ولا يفوتني هنا، أن أشير إلى بعض ملاحظات المؤرخين الذين يرون أن تاريخ الدولة الرستمية سلسلة من الفتن والثورات، وأنها لم تعرف الاستقرار (89) فلا أكون مبالغا اذا قلت إن أولئك قد غالوا في مقالاتهم، أن الدافع لهم الى ذلك اعتمادهم الكلي على ابن الصغير الذي كتب خصيصا في تفصيل الفتن أسبابها ونتائجها، مما أظهر وكأن الدولة الرستمية عاشت كل تاريخها في الفتن رغم أن ابن الصغير يشير وبكل وضوح من حين لآخر الى فترات الهدوء والاستقرار والازدهار ويبدي اعجابه البالغ كلما اقتضت الضرورة ذلك
ثم ان تلك الفتن، اذا وجدت فعلا، فانها متقطعة شأنها شأن باقي الدول (90)، وكانت نتيجة منطقية لما بلغته تيهرت خاصة من ازدهار ثقافي واقتصادي ومستوى معيشي راق، مس كل القبائل حتى البدوية منها، وبالتالي تضاربت مصالح طبقات المجتمع وفئاته المختلفة، وتجاوزت في بعض الاحيان قدرة الحاكم، وكان للأغنياء دور بارز في كل مراحل ذلك الصراع. وفي النهاية حكموا على المجتمع بالشتات، وعلى «العمران بالخراب، وأهدروا الأموال في الباطل وقضوا على النشاط العلمي بالتراجع» (91). واذا كان للاغنياء هذا الدور الخطير في حياة الدولة الرستمية، فان للعلماء، وزعماء المذاهب، دورا أخطر، اذ يمثلون أقطاب
(89) اين تاويت: دولة الرستميين، الصحيفة المذكورة، م 5، عدد 21 136، الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 72.
-
115
،
ص 115، محمود اسماعيل: الخوارج (90) يذكر الدكتور عبد العزيز سالم أن المغرب الأوسط في عهد عبد الرحمن بن رستم شهد شيئا من الهدوء والأمن
ص
لم يعرفها من قبل، بينما كان المغرب الأدنى (أفريقية) يضطرم بنار الفتن والثورات أنظر المغرب الكبير، العصر
الاسلامي، ج 2، ص
550
(91) احسان عباس: المجتمع التاهرتي، الاصالة عدد 45، ص
34
- 131 - (1/139)
صفحة 140
الفئات والمذاهب في الدولة، وبالتالي فهم محركو الرعية، اذ أن هذه لا تتحرك الا بأولئك
لا
ثم انه لما كانت الدولة الرستمية، بربرية في شعبها حيث أنهم يشكلون أغلب السكان، فان حكم هؤلاء، كما يقول الدكتور عبد الحليم عويس الا بأسلوبين على طرفي نقيض «فإما بالقسوة البالغة والاستبداد .... وهذا هو الأسلوب الذي حكم به البربر أنفسهم في معظم الأحايين» وإما بـ «التسامح والعدل» (92).
يتم
ويبدو
(94)
أن الرستميين اختاروا الاسلوب الثاني فلم يفلحوا، خاصة في النصف الثاني من حكمهم، اذ نجدهم يهتمون بالسياسة الداخلية ويعالجون أدواء في وضعية البربر صعبة العلاج (93). ولا أعزو هذا الى تمرد البربر (4) ومناهضتهم لأي سلطة امتثالا وانقيادا لأي داعية أو ثائر يحيى فيهم حب الاستقلالية والثورة وعدم الخضوع للسلطة (95) المنظمة فحسب، انما ترجع روح التمرد هذه في رأيي، الى بداوتهم، وطبيعتهم المحبة للاستقلال
والواقع أن الرستميين استطاعوا، وبجدارة أن يسوسوا دولة تسكنها مختلف الاجناس والقبائل والأديان والمذاهب والطبقات، وفيما بينها كلها عداوة أو تنافس أو كبرياء، استطاعوا ذلك مع وجودهم بين جارين قويين تختلف معها في المذهب، ولا شك أن لها دورا في تلك الفتن التي
(92) عبد الحليم نويس: دولة بني حماد، صفحة رائعة من التاريخ الجزائري، ط 1، دار الشروق، بيروت، 1400 هـ /1980 م، ص 29 (93) الكعاك: موجز، ص
193
(94) كمثال على ذلك قبائل مزاتة وسدراتة وغيرها والتي غربها بعض سكان الحضر المناهضين للدولة الرستمية، الاتصال بالامام عبد الوهاب، ومطالبته بعزل بعض موظفيه، فلما سألهم عن السبب لم يجيبوا لانهم
فطلبوا منهم
لا يعرفون. وبالتالي رفض الامام مطالبهم، واعتبروا ذلك اهانة لهم، فثاروا وأثاروا الفتنة. أنظر التفاصيل في
20
ابن الصغير ص 17 - (95) شارل أندري جوليان: تاريخ افريقية الشمالية، ص 42، ويذكر ابن خلدون أن البربر يتصفون بمشاقة الدول، أنظر العبر، ج 6، ص 207
- 132 - (1/140)
صفحة 141
لحقت بالدولة. ومجمل القول، إن الدولة الرستمية، رغم ذلك كله، استطاعت أن تعيش قرنا وأكثر من ثلث قرن، غنية بالاحداث، بلغت
فيها قمة الازدهار والرخاء قبل أن تتردى الى حضيض الضعف والفوضى.
والحقيقة أن تيهرت، لم تر بعد الرستميين أي ازدهار، ولم تعرف أي استقرار فعاشت في ثورات وحروب متتالية (96)، قضت على عمرانها الرستمي ولم تبق منه الا على جزء بسيط من سورها المشهور (97). وفي هذا التدمير يقول شاعر (98) كأن لم تكن تيهرت دَارًا لِمَعْشرِ * فَدَمَرَهَا الْمِقْدَارُ فِيمَنْ تَدَمْرَا
ولا بأس أن نختم هذا الباب بذكر ما أدلى به الاستاذ أ. نيفر (André Negre) (99) بشأن سقوط تيهرت، اذ يرى أن أبا الله الشيعي قد عبد
سارع بالتوجه الى تيهرت قبل سجلماسة هدفه الأول، حيث كان سيده العبيدي مسجونا، وذلك طمعا في الاستفادة من مركزها التجاري وفي تموين جيوشه بالغلال التيهرتية، اذ أن عاصمة الرستميين مشهورة بخصوبة أراضيها وكثرة حبوبها، الأمر الذي أغرى الداعية الشيعي فيها فقصدها
متمونا ومخربا في آن واحد.
Canal J: Tiaret in (B.S.G.A.O.) T. XX, opcit, p. 27 (96)
(97) عن بقايا مدينة تيهرت، أنظر: Marçais G. et Lamarre D: Tihert in (R.A . C opi .42 - 57.p وأنظر د. رشيد بوروبية: الفن الرستمي، الاصالة، عدد 41، ص 180 وما بعدها.
(98) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص
199
- 133.
André Négre : opcit, p. 16. (99) (1/141)
صفحة 142
[صفحة فارغة] (1/142)
صفحة 143
الباب الثاني -
الأوضاع الاقتصادية (1/143)
صفحة 144
[صفحة فارغة] (1/144)
صفحة 145
تمهيد
جغرافية الدولة وأثرها في الاقتصاد
تمتاز جغرافية (1) ذلك القسم من المغرب الأوسط والأدنى الذي قامت فيه الدولة الرستمية بالتنوع في طبيعتها والاختلاف في مناخها اذ تشكل سلاسل الجبال حواجز طبيعية، قسمت بلاد المغرب الى ثلاثة أقسام متباينة: القسم الأول: ويمكن أن نطلق عليه القسم الشمالي، وهو يضم البلاد المحاذية للبحر المتوسط شمالا، ويحدها من الجنوب سلسلة جبال الأطلس التلي التي تسمى درن بالمغرب الأقصى، وتسمى بتيهرت جزول، وأما بالزاب في المغرب الأوسط فتعرف باسم جبال الأوراس (2)، وبالمغرب الأدنى فهي جبال نفوسة (3) وكلها سلسلة واحدة متصلة من المغرب الأقصى الى طرابلس و ليس جبل مثله الا القليل في السمو وكثرة الخصب» (4) كما يقول الادريسي.
ويضم هذا القسم الشمالي، الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، خاصة
(1) عن جغرافية المغرب الأوسط والأدنى حيث قامت الدولة الرستمية أنظر ابن خلدون: العبر، ج 6،
ص
193
- 204 وأنظر كذلك الكماك عثمان: موجز، ص 170 - 171، المدني أحمد توفيق: كتاب الجزائر،
-
245
المطبعة العربية، الجزائر، 1350 هـ، ص 159 وما بعدها. دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص الجيلاني عبد الرحمن: تاريخ الجزائر، ج 1، ص 34 - 35، د. سالم عبد العزيز: المغرب الكبير، ج 2،
ص 127 - 131. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
-
(2) اليعقوبي: البلدان
، ص
109
163
(3) مجهول: الاستبصار في عجائب الامصار، ص (4) الادريسي: وصف افريقيا الشمالية والصحراوية، ص 40
،
10
- 137 - (1/145)
صفحة 146
زراعة الحبوب والفواكه المختلفة منطقة كثيرة الأمطار. ومن جهة
وهي
أخرى فهي تضم المنافذ الأساسية، للدولة، التي تطل بها على البحر المتوسط للاتصال بالأندلس الذي تربطهما علاقات اقتصادية كبيرة كما سوف نرى.
القسم الثاني: أو القسم الأوسط، فيقع بين الأطلس التلي شمالا وسلسلة جبال الأطلس الصحراوي جنوبا، وتقع تيهرت خلال سلسلة جبال الأطلس التلي، وتعتبر هذه المنطقة رعوية بالدرجة الأولى، اذ يشتغل سكانها بالرعي والتنقل وراء الكلاً، اضافة الى كونها زراعية في بعض المناطق التي تكثر فيها الأمطار أو تحيط بها الأنهار مثل منطقة تيهرت وغيرها
أما القسم الثالث: فهو القسم الجنوبي الواقع، جنوب الأطلس الصحراوي، وهو الصحراء الكبرى. وتشكل الجزء الأكبر من البلاد الرستمية خاصة في أقصى شرق الدولة. والصحراء لا يختلف مناخها عن مناخ باقي صحاري العالم وقد يتخلل هذه الصحراء الشاسعة واحات استقرت فيها القبائل البربرية، ومن تلك الواحات واحة وارجلان وبلاد سوف وأريغ والجريد. وأهم دور لعبته الصحراء في التاريخ الاقتصادي، هو التجارة، وقد أطلق عليها التجارة العابرة للصحراء، اذ كانت تنطلق من تيهرت وبعض المراكز الاقتصادية التجارية الأخرى، نحو بلاد السودان. الغربي حيث الذهب والرقيق أهم بضاعتين في تلك التجارة.
ومما يميز جغرافية الدولة الرستمية، وجود بعض الانهار التي لاشك أن لها دورا في ازدهار الزراعة خاصة منها الانهار المحيطة بتيهرت،، ومنها وادي شلف الذي «يفيض كما يفيض نيل مصر» (5)، وقد رآه اليعقوبي
(5) اليعقوبي: البلدان، ص 109.
- 138 - (1/146)
صفحة 147
وقدم تلك الشهادة. بل لقد جرت القوارب في قسمه الأسفل، لغزارة مياهه كما يقول صاحب الأزهار (6). ويعتبر وادي شلف أهم نهر يتفرع منه وادي مينة الذي يمر بقبلة تيهرت (7)
ومن الأنهار الأخرى في الدولة، وادي عين سوفجج وينبع من الجبل المعروف بهذا الاسم، ويأخذ اتجاها شرقيا فيلتقي بوادي الفرعة ثم بوادي الوحش ويتكون من ذلك كله واد واحد يمر جنوبي مدينة شلالة. أما من جهة الشمال فان نهر قسني يلتقي بوادي سوفجج ويتحدان. وتنتهي كل هذه الوديان والانهار في البحر بعد أن تقطع أراضي شاسعة. فلا شك أن لها الأثر الاكبر في زراعة البلاد وتكوين السهول الخصبة في المغرب الأوسط وهي سهول أسرسو في جنوب تاهرت وسهول وادي شلف الغنية وسهول الساحل» (8)
>>>
وقبل أن ننطلق في تفاصيل الأوضاع الاقتصادية في عهد الدولة
الرستمية لابد من الاشارة الى نقطتين لهما علاقة وثيقة بالموضوع
1 - إن جميع الكتب تشير الى ازدهار المغرب الاقتصادي في القرون الهجرية، وهو ازدهار عام شمل المغرب العربي بأسره بل لقد كان العالم
الاولى
الاسلامي آنذاك كله يمر بفترة رخاء اقتصادي
2 ـ ان هذا الازدهار الاقتصادي، نعرفه جملة ونجهله تفصيلا، خاصة منه اقتصاد الدولة الرستمية، الذي بخلت علينا المصادر القديمة حتى الاباضية منها بتزويدنا بالمعلومات الاقتصادية الضرورية على الأقل أما المصادر التاريخية غير الاباضية فهي لا تتعرض للدولة الرستمية أساسا الا بالقدر الذي تشكله من خطورة على هذه الدولة أو تلك، هذا من
(6) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 57.
(7) ابن الصغير: سيرة، ص 40، البكري: المغرب، ص 66.
(8) سالم عبد العزيز: المغرب الكبير، ج 2، ص
576
- 139 - . (1/147)
صفحة 148
الناحية السياسية فضلا عن الناحية الاقتصادية أو الثقافية. والمصادر الاباضية بقدر ما أغرقت في ذكر أئمتها وعلمائها ومشائخها، بقدر ما أهملت الناحية الاقتصادية ولم تعره أي اهتمام، اللهم الا بعض الفلتات التي يوردها صاحب السير أو الطبقات لا يقصد بها الجانب الاقتصادي مباشرة وانما جاءت في كتابه عرضا، وكثيرا ما تكون هامة لو أن المؤلف أهتم بها والتفت اليها ومن هنا نستخلص أن كتب الاباضية لم تهتم بشكل مباشر وواضح بالجوانب الاقتصادية للدولة الرستمية وهي الكتب التي احتفظت لنا بالشطر الأعظم من تاريخ الدولة الرستمية عموما، وبالتالي فان التاريخ الاقتصادي للدولة الرستمية سيظل ناقصا وربما غامضا في بعض جوانبه مالم تكتشف مخطوطات أو بقايا توضح معالم الاقتصاد الرستمي وتجلي الغموض عنه.
لأخذ
وأهم مصدر في هذا الباب هو الكتب الجغرافية، فمن حسن الحظ أن العرب المسلمين أهتموا بهذا الجانب وألفوا فيه منذ وقت مبكر، لهذا فان بلدان اليعقوبي، ومسالك ابن خرداذبة. والبكري، وصورة ابن حوقل ووصف الادريسي، هي مصادرنا الأساسية في هذه الدراسة رغم أنها لا تعطينا كل شيء عن الأوضاع الاقتصادية للبلاد كما أنها لوحدها لا تكفي صورة كاملة عن اقتصاد الدولة. ولكنها ذلك تقدم لنا معالم هامة في اقتصاد المغربين الأوسط والأدنى أو الاقتصاد الرستمي. وهناك مصدر آخر ذو أهمية، وهو النقود الرستمية التي عثر عليها الا أنها تحتاج هي في حد ذاتها الى دراسة أثرية، واكتشافات لها في مناطق أخرى إن أمكن، اذ من المعلوم أن وجود نقود لدولة ما في بلد يعني وجود علاقات اقتصادية، وربما سياسية أيضا بين الدولتين. ومثل هذه الدراسة تفتقر اليها لحد الآن النقود الرستمية (9)
(9) الجنحاني الحبيب: تاهرت عاصمة الدولة الرستمية، المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، عدد 43/ 40، طبع الشركة التونسية لفنون الرسم، أفريل 1975، ص 38.
-140 - (1/148)
صفحة 149
لقد حاولنا في هذا الباب تبيان أهم مظاهر الاقتصاد في المغربين الأوسط والأدنى في عهد الرستميين، وذلك بالقدر الذي جادت به تلك المصادر التي وصلتنا والتي أطلعنا عليها
- 141 - (1/149)
صفحة 150
أ - الزراعة:
الفصل الأول)
الزراعة والرعي
عرف المغرب العربي منذ القرن الرابع الميلادي، فترة اضطراب طويلة اذ كثرت الفتن والازمات، وانعدم الاستقرار، وتدهورت بالتالي أحوال البلاد الاجتماعية والاقتصادية، مما حدا بأحد المستشرقين وهو بيروني (Peyronnet) الى القول بأن «القرن الرابع الميلادي) الذي سقطت فيه حكومة رومة والقرن الخامس الذي استولى فيه الوندال، والقرن السادس الذي مكن فيه البيزنطيون نفوذهم بافريقية. هذه القرون كانت قرون أهوال وحروب مبيدة ... وقد كانت هذه القرون علة في مرض افريقية مرضا اجتماعيا واقتصاديا ذهبت الفنون الجميلة وعطلت الأراضي الفلاحية، وتنوسيت الأساليب العلمية وتكاثرت اللصوصية حتى صار الناس يفزعون الى الغابات ويختفون بالشعاب وتعطلت التجارة وخشي الناس المجاعة» (1). والحقيقة أن هذه الفترة المتردية من أوضاع المغرب، استمرت مع الفتوح العربية الاسلامية لهذه البلاد، وكانت هذه الاخيرة فريدة من نوعها، استغرقت فترة زمنية طويلة شهدت فيها ساحات المغرب ثورات عديدة استنزفت طاقاته وموارده (2). ولا أدل على ذلك بما فعلته الكاهنة زعيمة البربر آنذاك من حرق للغابات، وتخريب للبلاد ظناً منها أن
277
(1) نقلا عن الميلي محمد المبارك: تاريخ الجزائر، ج 1، ص (2) لاقي العرب المسلمون في فتح شمال افريقيا من المصاعب ما لم يلاقوه في فتح مصر أو غيرها من البلدان، اذ لم يتوان المغاربة عن مقاتلة العرب المسلمين. أنظر ابن خلدون: البر، ج 6، ص 212 - 220، لوبون غوستاف: حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، ط 3، دار احياء التراث العربي، بيروت 1399 هـ/1979 م، ص
312
- 142 -
107
دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص (1/150)
صفحة 151
الفاتحين العرب سيزهدون بذلك في المغرب ويعودون من حيث قدموا (1) ولم تعرف الكاهنة أن الفاتحين العرب، انما جاؤوا لنشر عقيدة وبث فكر حضاري يحمل كل أسباب الرقي، ولم يأتوا من أجل أرض أو مال ثم استمرت فترة الركود الاقتصادي متواصلة أثناء ثورات الاباضية والصفرية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، حيث ارهقت خزائن الولاة والخلفاء على حد سواء برواتب الجند وأعطياتهم وتنظيماتهم) وقلت موارد الخزينة.
هكذا نلاحظ أن المغرب لم يهدأ اطلاقا، اذ توالت عليه الغزوات والفتوحات قرونا عديدة، فعاش في اضطراب مستمر ومتواصل. وما أن كللت ثورات الاباضية والصفرية بتأسيس دولتيهما، حتى هدأت الأوضاع السياسية في البلاد، ومال الناس الى الاستقرار والطمأنينة، وعرف المغرب نتيجة لذلك نهوضا اقتصاديا سريعا وتطورا ملموسا، رأينا معالمه في كتب الجغرافيين الذين أطنبوا في ذكر محاسن المغرب ومزارعه الغنية وأنهاره العديدة، وقد حظيت أقاليم الدولة الرستمية باهتمام أولئك الجغرافيين وكانوا أحسن عون لنا في هذا الباب، بما قدموه من نصوص ناطقة لا
نجدها عند غيرهم
لقد عرفت الدولية الرستمية بجغرافيتها المتنوعة، زراعة متطورة ومزدهرة شملت مختلف أقاليها: ففي منطقة تيهرت المرتفعة حيث الجو البارد وكثرة الأنداء والضباب والأمطار (5)، يذكر ابن الصغير أن تيهرت لما
(3) الرقيق: تاريخ إفريقية، ص 67 وأنظر ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 36. يذكر ابن عذاري أن المغرب كان كله ظلا واحدا من طرابلس الى طنجة وقرى متصلة فخربت الكاهنة ذلك كله حق عمد كثير من سكان المغرب الى الهروب الى الأندلس والجزر مستغيثين مما نزل بهم من الكاهنة
55.54
204 -
(4) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة: ج 2، ص 21 - 22، محمود اسماعيل: المرجع السابق، ص 202. دبوز: المرجع السابق، ج 3، ص (5) لقد علق الكثيرون على طقس تيهرت البارد وربما ذلك لندرة مثيل له في البلاد الإسلامية وهكذا فان -
- 143 - (1/151)
صفحة 152
-
استقبلت الأحمال الثلاثة الأولى من المشرق في عهد الامام عبد الرحمن بن رستم ووزعت على الفقراء والكراع والسلاح، بعثت هذه نشاطا في المدينة فشرع الناس في «احياء الموات وغرس البساتين واجراء الأنهر واتخاذ الرحاء والمستغلات (6) وقد ساعدت الأنهار المحيطة بالعاصمة في بعث النشاط الزراعي والاشتغال به مما دفع الفلاحين الى احياء الموات وعدم الاكتفاء فقط بالاراضي الزراعية المهياة وشهدت بذلك منطقة العاصمة الرستمية نشاطا زراعيا مكثفا يتفق كل الجغرافيين تقريبا على تصويره، اذ لم يجدب زرع البلد قط الا في حالات الريح أو البرد الشديدين (7). ويذكر الاصطخري أن كورة تيهرت «خصبة واسعة البرية والزروع والمياه (8)»
ويشير ابن حوقل الى أشجار وبساتين تيهرت ويقول بأنها تنتج ضروبا من الغلات (9) دون أن يجددها، أما المقدسي فيقول بأن تيهرت «بلخ المغرب قد أحدق بها الأنهار والتفت بها الأشجار وغابت في البساتين ونبعت
بكر بن حماد الشاعر التيهرتي (ت (296 هـ) يصور لنا برد مدينته ويقول شعرا: منا أخشن البرد وريعانه وأطرف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم اذا ما بدت ـــــــــا تنشر من تخت
كانه
ــة تجري بنا الريح على السمت
فنحن في بحر بلا لج تفرح بالشمس اذا ما بدت كفرحة الذمي بالسبت ويذكر البكري، أن رجلا من أهل تيهرت نظر الى توقد الشمس بالحجاز فقال: احرقي ما شئت فوالله إنك بتاهرت لذليلة. أنظر البكري: المغرب، ص 67 وه قيل لبعض الظرفاء من أهلها، كم الشتاء عندكم من شهر في السنة؟ قال ثلاثة عشر شهرا، ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 198. ومما قاله ياقوت الحموي في هذا الخصوص «إن الشمس بهاقل أن ترى ودخلها أعرابي من أهل الين يقال له أبو هلال ثم خرج الى أرض السودان فأتى عليه يوم له وهج وحر شديد وسموم في تلك الرمال فنظر الى الشمس منحية راكدة على قسم الرؤوس، وقد صهرت الناس فقال مشيرا الى الشمس: أما والله لئن عززت في هذا المكان لطالما رأيتك ذليلة بتاهرت وأنشد:
ا خلق الرحمن من طرفة أشهى من الشمس بتاهرت
أنظر الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 7 - 8.
(6) ابن الصغير: سيرة، ص
(7) اليعقوبي: البلدان، ص
12
109
(8) الاصطخري: المسالك والممالك، ص 34.
(9) ابن حوقل: صورة الأرض، ص 87، الأدريسي: وصف افريقيا الشمالية الصحراوية، ص
60
-144 - (1/152)
صفحة 153
حولها الأعين (10). ولعل البكري هو أحسن من وصف زراعة تيهرت
معني
لهذه
- وأحوازها اذ يقول إن بها «جميع الثمار وسفرجلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما ومشما وسفرجلها يسمى بالفارس» (11). والحقيقة أن منطقة تيهرت لم تكن فقط مقتصرة على زراعة البساتين وما تحتويه من الأشجار المختلفة، وانما هي منطقة زراعة الحبوب خاصة، لكثرة مياهها وبرودة مناخها ووقوعها قرب التلول الصالحة لزراعة تلك الغلة (12). فهذا ابن الصغير (13) يذكر أن على ضفاف نهر مينة أرحاء تيهرت العديدة. بل إن. من بين أبواب تيهرت باب يعرف باسم باب المطاحن (14)، فلا المطاحن والارحاء الا وجود زراعة نشيطة للحبوب، وليس أدل على ذلك من الرواية التي يسوقها لنا الوسياني عن أبي مرداس مهاصر، أحد مشائخ جبل نفوسة، الذي كان قد تعود الذهاب الى تيهرت في فصل الحصاد. وكانت عادته فيها أنه «اذا حصد الناس زروعهم ولقط اللقاطون السنابل ورعوا مواشيهم، عقبهم فيلقط نفقة سنة لان ذلك متروك (15). فهل يمكن أن نفهم من هذا النص الا كثرة زراعة الحبوب في منطقة تيهرت الى درجة أن الحصادين واللقاطين والرعاة بمواشيهم بعد جوازهم على تلك المزارع يتركون ما يكفي نفقة انسان لمدة سنة كاملة فلا معنى لهذه الرواية الا كثرة تلك الحقول، المزروعة بالحبوب، خاصة منها القمح، أساس معيشة السكان، وكان في تيهرت أيضا، وعلى بعد أميال منها يزرع النخيل، اذ يذكر ابن الصغير (16) أن أحد سكان تيهرت الأغنياء، كان يملك على مقربة من المدينة حقلا جمع فيه الأشجار والأنهار والمزارع والنخيل والقصور
228
(10) المقدسي: أحسن التقاسيم، ص (11) البكري: المغرب، ص 67، الاستبصار: ص
، ص
37
178
(12) الجنحاني: تاهرت، المجلة السابقة (13) ابن الصغير: سيرة، ص 12 - 40
(14) البكري: المغرب، ص
66
(15) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 13، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص
(16) ابن الصغير: سيرة، ص 51
- 145 -
293 (1/153)
صفحة 154
وهكذا تبدو حاضرة الرستميين وضواحيها مزارع وحقولا لمختلف الثمار والحبوب، وهي تجمع بين المزروعات التلية والصحراوية. ولا شك أن موقعها الجغرافي اذ تقع في منطقة مرتفعة وبين الجبال، وعلى محاذاة الصحراء في آن واحد، هذا التداخل في موقعها أتاح لها أن تكون أرضا زراعية خصبة، ومنطقة مطيرة صالحة لزراعة الحبوب والبستنة، كما أنها صالحة لزراعة النخيل شجرة الصحراء الاساسية. ولا غرابة في ذلك فان منطقة تيهرت لا تجمع هذه المتناقضات فحسب، بل هي أيضا منطقة
رعوية من الطراز الأول وهو ما سوف نراه عند تطرقنا للرعي والماشية
أما الجانب الغربي من الدولة الرستمية وشمالها، حيث الأراضي الخصبة والمياه المتدفقة والامطار الغزيرة، فهي تعتبر من المناطق الأساسية في زراعة الحبوب (17). وهي مع اتساعها تشبه منطقة تيهرت في غلاتها وبساتينها حيث نجد على وادي شلف، الذي يفيض كما يفيض نيل مصر، عمارات وقرى ومزارع يزرع فيها «العصفر والكتان والسمسم وغير ذلك من الحبوب» (18) من القرى والمدن التي تشرف على هذا الوادي مدينة شلف، وغزة وسوق ابراهيم، وتاجنة وبنو واريفن، ومليانة التي لها أرحة على نهرها، وسوق كران. فكل هذه المدن والقرى كانت تحيط بها فروع وادي شلف، الذي يسقي جنانها ومزارعها المنتجة لمختلف الثمار والاشجار والفواكه كالتين والكروم والسوان الكثيرة وفي ضواحي مدينة الخضراء فواكه وسوان وبها السفرجل المعنق الفراسي .... ولها ناحية خصبة» وهي تقع على مقربة من تنس «على نهر خرار عليه الارحاء واذا حمل
(19)
Vanacker Claudette: Géographie Economique, in Annales (E.S.C.) opcit, p. 675. (17)
(18) اليعقوبي:
109
(19) ابن حوقل: صورة، ص 90، الأدريني: وصف، ص 58، وأنظر كذلك اليعقوبي: البلدان
-.146 -
104 (1/154)
صفحة 155
دخل المدينة، وحولها بساتين كثيرة ((20) وانما سميت بالخضراء لكثرة اخضرارها بكثرة بساتينها وحقولها (21). وأما منطقة مدينتي تنس ووهران والمسافة بينهما تقدر بحوالي مائتي ميل وهما مدينتان على البحر تجري على مقربة منها الانهار وبها فواكه وخصب ومزارع وجنات وبتنس «الحنطة ممكنة جدا وسائر الحبوب موجودة .... وبها من الفواكه كل طريفة ومن السفرجل الطيب المعنق ما يفوق الوصف في صفته وكبره وحسنه» (22) مدينة يلل وأحوازها، مزارع وقرى وعمارات وأشجار. وأما متيجة المشهورة الى يومنا هذا بخصب أراضيها ووفرة زروعها، فهي منطقة واسعة تضم مدنا وحصونا وهو بلد زرع وعمارة» (23) وهي أكثر تلك النواحي کتانا ومنها يحمل» (24) تجارة الى مختلف الاسواق
هذه
هي
>>
وفي
المنطقة الغربية والشمالية من الدولة الرستمية حاولنا قدر
الامكان التعرف على حقولها ومزروعاتها وهي تتميز بأنهارها وبساتينها، وكثرة أشجارها، ووفرة حبوبها، الى درجة أن الدولة كثيرا ما تصدر الفائض منها الى بلاد الأندلس، كما سوف نرى عند حديثنا عن التجارة الخارجية
أما الجانب الشرقي من الدولة، وهو بلاد نفوسة وما كان خارجا عن
،
مدينة طرابلس، فان الزراعة هناك لا تقل عما هي في غرب الدولة ومنازل نفوسة «في ضياع وقرى ومزارع وعمارات كثيرة» (25). والماء متوفر اذ يذكر المستشرق ديبوا (Despois) أن جبل نفوسة كان كثير
(20) البكري:: المغرب، ص 61، 75
(21) الاستبصار: ص 171
(22) الأدريسي: ص
(23) اليعقوبي: ص
(24) البكري:.
ص
(25) اليعقوبي:
ص
57
104
، ص 107
65، ياقوت الحموي: ج 5، ص 53
99
- 147 - (1/155)
صفحة 156
الآبار والاحواض المائية ربما أكثر بكثير من يومنا هذا (26). ومما يلاحظ أن كتب الاباضية التي اهتمت أكثر ما اهتمت بجبل نفوسة وقراه ومشائخه، انها كثيرا ما تذكر الجسور والسدود ومستنقعات المياه، ولعل ما يخبرنا به الدرجيني عن مهدي النفوسي أحد المشائخ، وسدود أرضه يعطينا صورة عن ذلك، حيث يذكر أن لهذا الشيخ أرضا «لها سد فوق سد قد انهدمت سدودها وخربت جسورها .... ولا يستطيع اصلاحها العدد القليل من الناس) (27) ونجد لهذه الرواية جانباً اجتماعيا هاما شديد الارتباط بالجانب الاقتصادي، ونقصد به مشاركة المرأة في النشاط الزراعي. اذ تذكر الرواية أن مهديا لما دعته نفسه الى اصلاح شيء من فسادها، راح وتزوج بامرأة لتساعده عليها، وقد رغبت هي نفسها فيه لما علمت أنها سوف تحمل التراب على رأسها لاصلاح تلك الجسور (28). هكذا تساهم المرأة الى جانب الرجل في اقتصاد البلاد. ولا شك أن زوجة مهدي هي
فقط
واحدة
من بين كثير من النساء الممارسات للزراعة وأنشطتها في ذلك الوقت
واشتهرت نفوسة عند ابن حوقل، بمدينة «شروس في وسط الجبل
وفيها مياه جارية وكروم وأعناب طيبة وتين وأكثر زروعهم الشعير واياه يأكلون واذا خبز كان أطيب طعمها من خبز الحنطة والشعيرهم لذة ليس لخبز من أخباز الأرض لانه ينفرد بلذة ليست في خبز» (29) ويذكر البكرى) والشماخي أن شروس، أم قرى جبل نفوسة، كبيرة آهلة جليلة فيها النخيل والزيتون الكثير والفواكه (30). وكان زيتون تيغرمين بجبل نفوسة مشهورا بحيث كان الناس يتمنون رؤيته (31) إما لكثرته أو جماله أو
Despois J.: Le Djebel Nafousa, Larose, Paris 1935, p. 288. (26)
(27) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 65، وأنظر كذلك من 77، أبو زكرياء: سير، ص 92.
(28) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 65 (29) ابن حوقل: ص 94، الأدريسي: ص (30) البكري: ص 9، الشماخي: سير، ص (31) الشماخي: سير، ص 260
76
273
- 148 - (1/156)
صفحة 157
مذاقه. وأما اجناون التي بها عين ماء فقد قيل إنها «تدور على اثنى عشر ألف زيتونة» (32).
والحقيقة أن القارئ لطبقات الدرجيني أو سير الشماخي (33)، يلاحظ جليا أثناء ترجمتها لرجال نفوسة والقرى المجاورة لها ورود كلمة البساتين بكثرة حتى ليخيل للقارئ أن أغلب المترجمين لهم كانوا أصحاب ضيعات وأراض، حيث تزرع أشجار التين والزيتون والفواكه المختلفة والحبوب بأنواعها.
وهناك اشارات في كتب الاباضية تدل على اهتمام أهل الجبل بزراعة الحبوب خاصة منها الشعير، ولا ننسى أن من أسباب انهزام أبي الخطاب أمام ابن الاشعث الخزاعي سنة 144 هـ رغم كثرة عدد جيشه، الذي قدر ألف بتسعين رجل، انسحاب الكثيرين منهم الى حقولهم اذ المعركة المنتظرة كانت في وقت الحصاد كما تذكر ذلك المصادر الاباضية (34). من هنا نلاحظ أن أغلب سكان جبل نفوسة على الأقل، كانوا من المزارعين والفلاحين المرتبطين بالأرض فمنها معاشهم وأقواتهم. ومما يدل على زراعة الحبوب في هذه المنطقة بشكل واسع مارواه الشماخي عن أحد مشائخ الجبل وأتقيائهم أبي أيوب الذي بسط الله له الرزق والدنيا على حد تعبير الشماخي «وقيل اذا جمع زرعه للدرس رأه من يجربة وأطلق يده للنفقة للوارد والصادر» (35) وكانت له مطامير يساعد بقمحها أهل الفاقة ويرفع المجاعة (36). وكان أبو عثمان المزاتي مثل سابقه له غرفة
بها.
(32) نفسه، ص
189
(33) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 309 وما قبلها، الشماخي: سير، ص 265 وما قبلها (34) أبو زكرياء: سير، ص 45، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 33، الشماخي.: سير، ص
(35) الشماخي سير،
(36) نفسه
، ص 283
283
131
284، ويذكر الدرجيني كرامة لأبي منصور الياس عامل الامام أبي حاتم على نفوسة
مفادها أنه لم ينقطع من بيته وذريته زراعة القمح. أنظر طبقات، ج 2، ص 329 - 330، وأنظر كذلك:
:
Lewicki T: Etudes Ibadites, Partie I, opcit, p.58
- 149 - (1/157)
صفحة 158
موسوقة (*) شعيرا، تصدق بها كلها في مجاعة وقعت بجبل نفوسة وكان له حقل وافر الظلال كثير الأشجار (37)
ومما يدل على اهتمام الناس بالأرض، وتنافسهم على زراعتها في هذه المنطقة الشرقية من الدولة الرستمية، ما يرويه الوسياني عن أبي محمد ملي الذي «حرث أرضا فلما حصد زرعه ودرسه وجعله في التلاليس اذا برجل وقف على الشيخ وولده فقال: تعلم يارب ما أذنا لمن حرث، ولا أعطينا، ولا بعنا، ولا وهبنا، وانما هي مالنا» (38) فترك أبو محمد ذلك كله لصاحب الأرض الشرعي وانصرف (39). ويبدو أن الشيخ، كان يظن أن الأرض من الموات لا أهل لها، فأراد احياءها. والرواية صريحة في اهتمام الناس بالزراعة شيوخا وأحداثا وربما ضيق المناطق الزراعية في ذلك الجبل، أدى بأبي محمد الى حرث أرض ليست له.
وتزودنا المصادر الاباضية بشيء بسيط عن تنظيم الزراعة في جربة وتذكر أن حقول الأشجار فيها كانت محفوفة «بأعواد أثبتوها في حفر ووصلوا ما بينها بالحبال لترد عنها الوحش لئلا يفسدها» (40). وكان أكثر تلك الأرض على هذه الصفة الى درجة أنها ردت فلولا من أتباع ولد ابن خلف المنشقين عن عامل الامام الرستمي أبي منصور إلياس، لما أرادوا الهروب فكانت سببا في انهزامهم وتقتيلهم (41)
() موسوقة من وسق وهو حمل بعير ويقال وسقت الحنطة توسيقا أي جعلتها وسقا وسقا، وحاصل المعنى مليئة بالشعير. أنظر ابن منظور: لسان العرب المحيط، ج 3، ص
927
-926
205
(37) الوسياني: سير (مخطوط)، ورقة 116، الشماخي: سير، ص
(38) الوسياني: سير (مخطوط)، ورقة 11، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 334.
(39) طبعا المقصود المباشر من هذه الرواية هو المغزى الخلقي، اذ لم تؤلف الطبقات الاباضية الا لهذا الغرض، لذلك نلاحظ ترك أبي محمد للارض وغلتها تعففا واحتياطا، والرواية من جهة أخرى تشير بوضوح إلى مدى تعلق
الناس بالأرض، واحياء ميتها، لذلك لها مغزى اقتصادي غير مقصود.
(40) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 85
- 150 -
86 - 85
(41) نفسه: ص (1/158)
صفحة 159
ويذكر الجغرافيون (42) زراعة جزيرة جربة وضواحيها ويقولون بأن
فيها بساتين كثيرة، تنتج الزيتون والنخل والكروم بكثرة، ويؤكدون
اباضية سكانها وهي الغالبة فيهم
ولا شك أن النفوسيين، نتيجة اهتمامهم البالغ بالأرض قد استصلحوا العديد من الأراضي، وحولوا جبلهم الى جنات خضراء، كما أن ضواحي طرابلس التابعة للرستميين كانت كثيرة الضياع، «وبها من الفواكه الطيبة اللذيذة الجيدة كالخوخ الفرسك (*) والكمثري اللذين لا شبه لها بمكان (43) ويذكر الأدريسي أن ضواحي مدينة طرابلس قبل عهده (ت 548 هـ) كانت «كثيرة شجر التين والزيتون وبها فواكه جمة ونخل (44). هكذا يكون شرق الدولة الرستمية كغربه من حيث الزراعة وتطورها ونشاطاتها والحقيقة أن هذه الصفة كانت عامة في بلاد المغرب العربي كله. أما جنوب البلاد الرستمية المتمثلة في الصحراء الواسعة، فمن المعروف أن الزراعة فيها منعدمة أو تكاد ولا وجود للحياة فيها الا في بعض الواحات المتناثرة هنا وهناك، حيث الابار الكثيرة والمياه المتدفقة. فالمقيمون بتلك الواحات يعتمدون على زراعة النخيل خاصة، وهي الشجرة التي تقاوم مناخ الصحراء الشديد صيفا وشتاء. ولعل من المستحسن أن نعرف أن النخيل يعتبر «شجرة العراق الأدنى المطل على الخليج العربي، وهو موطنها واقليها المفضل» (45)، وانتقلت من هناك الى بلاد الشام ومصر والجنوب التونسي قبل الفتح الاسلامي ثم توسعت رقعته بعد ذلك (46)
(42) البكري: المغرب، ص 19، الأدريسي: وصف، ص 95. () الخوخ الفرسك: نوع من الخوخ أجود أملس أحمر جيد النوعية. أنظر ابن منظور: لسان العرب المحيط،
ج 2، ص 1074، كلمة «فرسك».
(43) ابن حوقل: ص 69، المقدسي: أحسن التقاسيم، ص 224.
(44) الأدريسي: وصف، ص 90
(45) موريس لومبارد: الجغرافيا التاريخية،، ص
218
(46) نفسه، ص 218
-151 - (1/159)
صفحة 160
ومن الواحات التي كانت تابعة للدولة الرستمية في تلك الصحراء الكبرى
وارجلان، وبلاد الجريد وتسطيلية في الجنوب التونسي وواحات وادي ريغ وسوف وغيرها في شرق البلاد، وهي تشكل شريطا عموديا في الصحراء الكبرى الشرقية، على الحدود الجزائرية الليبية التونسية حاليا، مع انقطاع فيا بينها بسيط اذ لم تكن سلسلة متواصلة
أما وارجلان فهو «بلد خصيب كثير النخل والبساتين ... وهي بلاد كثيرة الزرع والضرع ... كثيرة المياه (47) يزرعون من الحبوب الحنطة خاصة وتتخلل تلك الزروع أشجار النخيل وهي الطريقة المستعملة في أغلب الواحات وقد علم سكانها من الاباضية قساوة الطبيعة الصحراوية فحولوا تلك البقعة الى جنات وغابات متواصلة من النخيل وبنوا العديد من القرى (48) يذكر صاحب الاستبصار (49) أنها سبعة محصنة قريبة من بعضها البعض، وقد أجرى أهلها خلالها المياه بحفر الابار العديدة رغم صعوبة ذلك وتكاليفه
أما بلاد الجريد، وتضم العديد من المدن والقرى مثل قسطيلية ونفطة والحامة وتوزر ونفزاوة فانها كانت ولا تزال بلاد النخيل وانما سميت بالجريد لكثرة نخيلها، وهي كما يقول ابن حوقل «مغوثة افريقية بتمورها (50) كما هي نظيرة البصرة في الدنيا (51). وتتفق جميع المصادر الجغرافية على وفرة المياه بها وان كانت غير صالحة للشرب. كما أنها لا تنتج التمور فقط، وانما هي أيضا منطقة بساتين، يزرع فيها الشعير وقليل من
(47) الاستبصار: ص، 224، وأنظر الحميري عبد المنعم: الروض المعطار في خبر الأقطار تحقيق احسان عباس،
مؤسة ناصر للثقافة، ط 2، 1980
، ص
600
- 152 -
Dengel G.: L'imamat, opcit, p. 207. (48)
230
ص
(49) الاستبصار: ص
224
(50) ابن حوقل: ص 94
(51) المقدسي
: أحسن التقاسيم، (1/160)
صفحة 161
الحنطة وشيء من الزيتون والفواكه (52). ويبدو أن غير هذه المنتجات الزراعية يجلب اليها من المدن المجاورة لها خاصة الطعام (*)، أو الحنطة، أساس معيشة المغاربة، لذلك فان سعره بها غال في أغلب الأوقات مثلما يذكر ذلك ابن حوقل والادريسي (53)
ويزودنا صاحب الاستبصار بالكيفية التي تتم بها تسميد الأرض حتى تعطي مردودا أكبر خاصة في توزر ويقول بأن أهلها كانوا يحتفظون بزبل مراحضهم يجففونه «لتدمين أرضهم لأنها في غاية الجفوف لقربها من الصحراء، (54) وهذا يدل على الاهتمام المتزايد بالأرض واستصلاحها، ويدل من جهة أخرى على اعتماد الناس الزراعة أساس الحياة
??
أما بلاد سوف وريغ) (55) وواحاته فلا تذكر المصادر الموجودة بين أيدينا خاصة الجغرافية منها شيئا عنها لعدم اقتحامهم تلك القفار، بل إن البكري يذكر أنه «لا يعرف وراء قسطيلية عمران ولا حيوان .... وانما هي رمال
وأرضون سواخة ()، (56) ونجد اشارة الى بلد سوف في الاستبصار (57) اذ
(52) اليعقوبي: ص 102، ابن حوقل: ص 94 وأنظر كذلك المقدسي: ص 230، البكري، ص
الأدريي: ص 75
(الطعام: ربما يقصد به السميد أو الكسكسي «أساس معيشة المغاربة وعملية يدوية بسيطة يحول السميد الى ما
يسمى بـ «الككي».
(53) ابن حوقل: ص 94، الأدريسي: ص 75
(54) الاستبصار: ص 156 وأنظر أيضا: الحميري: الروض المعطار
، ص
145
،
(55) ينفرد ابن سعيد المغربي (ت 685 هـ) في نهاية القرن السابع الهجري، في ظني، بذكر بلاد ريغ ويجعلها خطأ شرق وارجلان اذ يقول «وفي شرقها (أي وارجلان) بلاد ريغ ... وهي بلاد نخل ومضات ومياه تنتج على وجه الأرض فيصعد الماء كالسهوم الى أمد طويل ويسيح في المزارع ... » أنظر كتاب الجغرافية، تحقيق اسماعيل العربي، ط 2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1982، ص 126، أما ابن خلدون فيذكر أن بلاد ريغة، قاعدتها تقرت وهذه المدينة الأخيرة لا تزال قائمة الى يومنا هذا في شرق صحرله الجزائر جنوب مدينة بسكرة وشمال مدينة وارجلان، أنظر ابن خلدون العبر، ج 6، ص () أرضون سواخة أي طينا، من توخ الأقدام في الأرض اذا دخلت فيها. أنظر ابن منظور: المرجع السابق،
ج 2، ص 233، كلمة «سوخ»
(56) البكري: ص 49
791
(57) الاستبصار: ص وينقل عنه صاحب الروض المعطار نفس الملاحظة ص
333
11
- 153 - (1/161)
صفحة 162
يذكر أن آخر بلاد الجريد مدينة درجين وبالقرب منها بلد سوف ولا يضيف شيئا أكثر من هذا. ويلوح لنا أن الاباضية في العهد الرستمي وبعده هم الذين أحيوا تلك الأراضي الصحراوية وبعثوا فيها الحياة ومارسوا زراعة النخيل خاصة بعد ما حفروا الآبار وأجروا المياه. ونجد اشارة واضحة لهذا في سير الوسياني حيث أنه في معرض حديثه عن بلاد سوف وأريغ (58) يذكر أن الامام عبد الوهاب كتب الى نفوسة الراحلين من الجبل خارجين عنه كتابا، وكانوا ألف رجل خاف مما يمكن أن يعتريهم من التغيير والتشتيت وأقطع لهم أرضا كثيرة وقال لهم أغرسوا فيه بأمرنا وأحرثوا فيه باذننا (59) فنزلوا بها وقطنوا فيها وهم أبرك خلق الله وأزكى وأطيب. ويتحدث الدرجيني (60) عن أريغ بما يوحى أنه بلد مكتمل العمران مثله مثل وارجلان في العهد الرستمي يقصده المشائخ منذ أواخر أيام الدولة الرستمية وهذا دليل على وجوده قبل ذلك. والكتب الاباضية حافلة بذكر بلاد سوف وأريغ (61)، تذكر مشائخها ونشاطاتهم الدينية بما يوحي أنها كانت منطقة وموطنا للاباضية خاصة، ومستقرا لهم أحيوها وجعلوا منها منطقة اتصال ما بين بلاد الجريد شمالا ووارجلان جنوبا وجبل نفوسة وما والاها شرقا هكذا يبدو لنا جلياء أن بلاد سوف وأريغ كانت من المناطق التي أحياها الرستميون بواسطة أتباعهم من الأباضية، فغرسوا فيها النخيل واهتموا بالتمور وأجروا المياه، وهي الى يومنا هذا من أكبر مناطق الجزائر انتاجا للتمور وأجودها ومجمل القول حول مزروعات الدولة الرستمية أنها كانت متنوعة وجيدة.
(58) من الملاحظ أن الكتب الاباضية غالبا ما تذكر بلد ريغ هكذا أريغ. أنظر أبو زكرياء: سير، ص 175 وغيرها، الدرجيني: طبقات، ج 2، 285، 454 وغيرها.
(59) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 47
(60) الدرجيني: ج 2، ص
331
143
(61) لا داعي إلى ذكر الصفحات فهي موزعة بشكل كبير في سير أبي زكرياء والوسياني والشماخي وطبقات الدرجيني، فانظرها هناك.
- 154 - (1/162)
صفحة 163
والواقع أن القارئ لكتب الجغرافية في فترة حكم الرستميين أو بعدهم يلاحظ لأول وهلة اعجاب الجغرافيين باقليم المغرب وثرواته الزراعية ونحن وان كنا قد تحدثنا عن بعض المدن والقرى في غرب الدولة وشرقها وجنوبها فهي ولا شك نتف من كثير، وانما اقتصرنا على الأهم مخافة التكرار ولأن المقصود هو تقديم صورة تقديم صورة عامة عن الزراعة والأراضي الزراعية ومنتجاتها في
الدولة الرستمية.
ولابد أن نشير هنا، وقبل أن نختم هذه الصفحة الزاهرة من حياة الدولة الرستمية الزراعية، أن مصادرنا لا تعطينا معلومات عن نظام ملكية الأرض ولا عن نوعية الممتلكات الزراعية التي عرفتها هذه الدولة (62) ولكن الذي يتبادر الى الذهن في هذا الخصوص أن الملكية الخاصة أو العائلية كانت هي السائدة اذ لا نجد اشارات الى تعاون جماعي على زراعة قطعة من الأرض، ثم إن طبيعة جغرافية المغرب الوعرة لا تسمح بذلك التجمع، فالأرض الصالحة للزراعة كثيرا ما تكون ضيقة محدودة، خاصة وأننا نجدها على محاذاة الوديان والأنهار الجارية. اضافة الى هذا، فان المصادر الاباضية لا يمكن أن تغفل جانبا اجتماعيا من الأهمية كهذا الجانب في التعاون والتآزر والتكامل لو كان موجودا.
ومما تجدر الاشارة اليه أن العبيد كانوا يتخذون في خدمة الأرض. ولم تكن استعمالاتهم مقتصرة فقط على القصور والمنازل وانما يمكن أن نتصور أن أغلبيتهم كانوا من العاملين في المزارع والبساتين والأرحاء (63) خاصة وأن الدولة الرستمية كانت من الدول الكبرى التي أهتمت بجلبهم من بلاد السودان الغربي جنبا الى جنب مع الذهب وبشكل واسع جدا وهو الأمر الذي سوف
تتناوله بالتفصيل عند تطرقنا الى التجارة الخارجية
(62) الجنحاني: تاهرت، المجلة السابقة الذكر، عدد 43/ 40، ص 36.
(63) احسان عباس: المجتمع التاهرتي، مجلة الأصالة، عدد 45
، ص
27
- 155 - (1/163)
صفحة 164
ومما
باستعمال العبيد في المزارع، بعض الاشارات التي نجدها عند يوحي
ابن الصغير (64) والدرجيني (65) خاصة.
بالاضافة الى مامر بنا في ثنايا هذا الفصل من تشجيع الأئمة الرستميين للزراعة، بشكل أو بآخر لابد من الاشارة في هذا المجال الى أن هؤلاء كانوا ملاك الأرض. حيث أن ابن الصغير (66) يخبرنا أن ليعقوب بن أفلح أرضا زراعية جعل عليها وكيلا كان يأتيه بغلاتها، وأغلب الظن أن أكثرية العبيد المستوردين كانوا يعملون في مزارع الحكام الرستميين:
من
وأقام الحكام في تيهرت خزانات للماء وأحواضا كبيرة اكتشفها الأثريون (67) وكانت محكمة التصميم والهندسة، بحيث تحافظ على المياه في أيام الصيف البخيلة بالامطار، أو أثناء الجفاف، أو ربما حتى توصل المياه الى المناطق المرتفعة في أحواز تيهرت وهي موجودة بكثرة، ولم تتوقف جهود الرستميين الزراعية هنا، وانما أيضا شقوا القنوات وأوصلوها بالدور والبساتين وربما وضعوا أنابيب لذلك الغرض (68) حتى يتحكموا فعلا في المياه وقد استغلوا الأنهار المحيطة بتيهرت أحسن استغلال واستفادوا منها في زراعتهم. ولا شك أن ابن الصغير انما يتحدث عن هذه القنوات عندما يقول «ثم شرعوا في ... اجراء الأنهر» (69) أي توجيه مياه الأنهار حسب الحاجة الى المناطق الزراعية والبيوت وبساتينها.
ومما لابد من ذكره أن أوضاع الزراعة في المغرب العربي عامة والدولة
(64) ابن الصغير: ص 14.
(65) الدرجيني: ج 1، ص
77
54
(66) ابن الصغير: ص
Marçais et Lamare D: Tihert, opcit, p.32 - 33. (67)
(68) وأنظر كذلك بورويبة رشيد: الفن الرستمي بتاهرت وسدراتة. مجلة الأصالة، عدد 41، مطبعة البعث،
ص
184
قسنطينة 1397 هـ/1977 م الباروني: الأزهار، ج 2، ص 19 هامش رقم 1، ص 44 - 45، محمود اسماعيل: الخوارج، ص
206 - 205
- 156 -
(69) ابن الصغير: ص 12، 26 (1/164)
صفحة 165
الرستمية خاصة كانت مستقرة الى حد كبير، وذلك نتيجة الاستقرار السياسي العام الذي شمل المغرب آنذاك. ونظرا لانعدام الاضطرابات السياسية الخطيرة داخل الدولة الرستمية (70)، حتى الفتن التي سبق أن أشرنا اليها في الباب الأول من هذا البحث كانت محدودة المكان والزمان والخطورة، فلم تكن تهدد الزراعة أو تؤثر فيها بالشكل الذي يمكن أن يتصوره ذهن، اللهم الا الفتنة الأخيرة التي اشتعلت بالتنافس على السلطة بين أفراد الأسرة الرستمية الواحدة، فتكونت الكتل السياسية وتعددت الأغراض والاتجاهات وعم الفساد و «قطعت السبل وفرغ من أيدي الناس الحرث والنهل (*)» (71)
ومن المحتمل جدا أن بعض القبائل البربرية البترية تحولت خلال الحكم الرستمي للبلاد الى قبائل شبه مستقرة، مرتبطة بالأرض، تسكن المدن أو أحوازها، وتمارس الزراعة الى جانب الرعي، وقد يكون النشاط الرعوي محدودا بحيث لا يؤدي الى التنقل من مكان الى آخر، وانما هو رعي مقيد بمكان، أو بعبارة أخرى تربية الماشية في نطاق محدود. ومما يؤيد هذا الاتجاه ازدهار المدن وأحوازها بالماشية الى جانب الزراعة: والاستقرار العام الذي ساد البلاد الرستمية وهو في حد ذاته يدعو الى الاستقرار الاجتماعي: استقرار القبائل وركونها الى التمدن خاصة وأن البربر مشهور عنهم على الماشية أو الثروة السهلة الانتقال والحركة اذ يأوون بها الى قمم الجبال سلطة الحاكم أثناء الفتن والثورات الكبيرة وهو الأمر الذي لم
الاعتماد
بعيدا عن يحدث على ما يبدو، في عهد الرستميين وهناك اشارات، في الكتب الاباضية خاصة، الى بعض المجاعات (72)
Dengel G.: opcit. p. 207. (70)
() النهل: ربما هي النهل وهي الابل العطاش لهذا على ما يبدو ترجمها موتلنسكي الى ما شية (Troupeaux) أو ربما المقصود منها الماء من نهل ومنهل. أنظر ابن منظور: لسان، ج 3، ص 732. ابن الصغير: ص 121.
55
(71) ابن الصغير: ص (72) الشماخي: سير، ص
283. 205
- 157 - (1/165)
صفحة 166
وقلة الامطار والحرب (73)، في الطرف الشرقي من الدولة، وهو الطرف الذي اهتمت به تلك المصادر بشكل ملحوظ أكثر من غيره. ويذكر ابن عذاري (74)، مجاعة عامة شملت المشرق والمغرب سنة 260 هـ. واذا استثنينا هذه المجاعات المتقطعة في بلاد المغرب، وهي بدون شك محدودة، فانه بامكاننا تصور مستوى الزراعة في الدولة الرستمية والقول بأنها كانت مزدهرة نشيطة ومتنوعة، وكانت تلبي حاجات البلد بل كثيرا ما عرفت الحبوب طريقها الى بلاد الأندلس حيث الأمويون الذين تربطهم بالرستميين علاقات تجارية وطيدة (75)
وهكذا يعيد التاريخ نفسه، فالمقولة الرومانية المشهورة من أن المغرب خزينة روما من القمح (Romae Greniarum)» (76) أحييت في العهد الرستمي ليعبر قمح المغرب الفائض، هذه المرة لا الى روما وانما الى الأندلس العربية المسلمة، تجارة وتبادلا، وعونا، وليس كالقديم استنزافا واستغلالا وهيمنة، ويستفيد منه سكان الأندلس المسلمون، خاصة أثناء
أزماتهم الاقتصادية.
ب - الرعي.
كانت تربية الماشية في بلاد المغرب تقوم جنبا الى جنب مع الزراعة فلا
184 - 183
(73) أبو زكرياء: سير، ص 85 وأنظر الدرجيني: حيث يذكر أن شيخا استسقى في سنة فخط واستجيبت دعوته، طبقات، ج 2، ص 209، الشماخي: سير، ص 206. أنظر كذلك (74) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 116، يذكر عبد الرحمن الجيلالي أن مجاعة ووباء عما المغرب والأندلس سنة 253 الى 265 هـ. ويذكر أيضا وباء أودى بالعديد من الناس سنة 285 هـ تاريخ الجزائر العام،
ابتداء من
ج 1، 227
(75)
Provençal E. Levi: Histoire de l'Espagne Musulmane, opcit, TI, p.245. Provençal : La vie Economique de l'Espagne Musulmane au Xa siècle - Extrait de la Revue Historique, T CLXVII, imp. gouverneur 1931, p.4.
(76) الجيلالي: المرجع الشابق، ج 1، ص 103، وأنظر كذلك: , Gautier E. F. : Considérations, opcit
p.55
Gsell S. et Marçais G.: Histoire de l'Algérie opcit, p. 31 - 40.
- 158 - (1/166)
صفحة 167
داعي الى القول إن المناطق الزراعية التي جئنا بذكرها قبل قليل كانت مناطق رعوية اضافة الى كونها زراعية. فالمزارع غالبا ما يعتمد على المحصول الزراعي مقرونا بالمنتوج الحيواني أو الماشية اذ يعتبر ذلك كله من الزراعة وأنشطتها ومن اهتمامات المزارع
تشير الدراسات (77) أن الجزائر كانت في فترة من فترات تاريخها القديم مرتعا ومرعى لمختلف الحيوانات، خاصة الغنم والحمير والخيل. والواقع أن طبيعة البلاد الغابية تشجع وتوفر الماشية وكثرتها، ففي العهد الرستمي يتفق جميع الجغرافيين على أن البلاد كانت زراعية، رعوية، يؤكد ذلك اليعقوبي مرارا بترديده جملة يصف بها بعض المناطق ويقول «هو بلد زرع وضرع» (78). ولا داعي الى اعادة أقوال الجغرافيين الذين سبق أن مررنا عند حديثنا عن الزراعة، ولكن لابد من ذكر ما قاله ابن حوقل بهم حول الماشية في تيهرت وأحوازها حيث يؤكد قائلا: «وهي أحد معادن الدواب والماشية والغنم والبغال والبراذين الفراهية (*) ويكثر عندهم العسل والسمن» (79)، ولا تزال هذه الصفة الرعوية قائمة في زمن الأدريسي الذي. يذكر أن بتيهرت «من نتاج البراذين والخيل كل حسن. وأما البقر والغنم فكثيرة بها جدا وكذلك العسل والسمن» (80) فلا غرابة أن تتبوأ تيهرت هذا الدور في النشاط الرعوي الى جانب دورها الزراعي، فوجودها بمحاذاة منطقة الاستبس الرعوية (81) وقريبا من الصحراء مجال القبائل البدوية المتنقلة وراء ماشيتها، خولا لها أن تكون أرضها زراعية تتخللها مراع، كثيرا ما يقصدها البربر الرحل في فصول معينة من السنة. فابن الصغير
Gsell S. et Marçaid G, : ibid, p. 39 - 40 (77)
(78) اليعقوبي: البلدان، ص 104 - 108
(79) ابن حوقل: ص
86
(80) الأدريسي: ص 60، وأنظر ابن الصغير: ص 14، 22.
Marçais G. et Diehl Ch. : Histoire du moyen age T. 3, opcit, p. 421. (81)
() البرذون الفاره هو النشيط السيور الجاد القوي يقال للفرس جواد وللبرذون فاره أنظر ابن منظور لسان:
ج 3، ص
190 كلمة «فره».
- 159 - (1/167)
صفحة 168
يخبرنا «أن قبائل مزاتة وسدراتة وغيرهم كانوا ينتجعون من أوطانهم التي هم بها من المغرب وغيرها في أشهر الربيع إلى مدينة تاهرت وأحوازها لما حولها من الشلا (*) وغيره (82). ولا شك أن هذه الصفة الرعوية لتيهرت لم تكن جديدة لها ولم يستحدثها الرستميون ببناء عاصمتهم هناك وانما الجديد في الأمر أن ذلك ازداد نشاطاً بتوفر العوامل والأسباب من احياء للأراضي وازدهار عمراني وتجاري، الامر الذي يدفع الرعاة الى ارتياد تيهرت لتبديل بضاعتهم من السمن والصوف والجلود والماشية ببضاعات أخرى لا يجدونها الا في تيهرت
ومما يمكن ملاحظته في نصي ابن حوقل والإدريسي السالفي الذكر هو توفر العسل بالعاصمة الرستمية، وهذا يقتضي توفر أنواع من الزهور والورود مادة النحل الأولية لتكوين عسلها، وليست تيهرت وحدها ملجا للنحل وانما تشاركها فيها مدن أخرى منها وهران التي يقول عنها الأدريسي «وأهلها في خصب والعسل بها موجود وكذلك السمن والزبد والبقر والغنم بها رخيصة بالثمن اليسير (83)
" "
لقد كان المغرب العربي في نظر موريس لومبارد (84) هو «بلاد الغنم» اذ تصدر مناطق انتاج الصوف بلا منازع، ابتداء من القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي. وتشكل الهضاب العليا والمناطق الرطبة في التل الجزائري خصوصا وشمال افريقيا واسبانيا عموما، مراعي للأبقار والأغنام ذات الصوف الفائق الجودة. ولعل أبا الربيع المزاتي يشير الى هذه الكثرة في سيره عندما يقول «كسب المسلم الحرث والحصاد وكسب الغنم فكسب
(*) الشلا - لم أجدها في المعاجم ربما هي الكلأ وهو الصحيح عندي.
(82) ابن الصغير: ص 17
(83) الأدريسي: ص
57
(84) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 224 - 225
-160 - (1/168)
صفحة 169
الغنم قد زال في زماننا هذا بالقحط وكثرة الغارات» (85) علما بأن المزاتي توفي سنة 471 هـ، فلا ريب أنه كان يقصد الرستميين لاغير، اذ تزودنا المصادر الاباضية بعدة اشارات الى وفرة الأغنام في تلك الفترة، من ذلك ما أخبرنا به الشماخي عن يبيب بن زلغين أحد ملاك الماشية فقد كان له «ثلاثون ألف ناقة وثلاثمائة ألف شاة واثنا عشر ألف حمار (86) وكان رعاة غنمه كلهم من عبيده - ومما يدل على وجود مثل هذه الثروة الحيوانية أو قريبا منها عند هذا الرجل قول الامام عبد الوهاب «لولا أنا ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين: أنا بالذهب ومحمد بن جرني بالحرث وابن زلغين بالأنعام، (87)، لقد كان ابن زلغين بماشيته اذن أحد الدعائم الأساسية في موارد بيت المال الرستمي، ويشارك يبيبا في اكتساب الأغنام أبو منصور الياس الذي كانت غنمه كثيرة التناسل لم يتبدل ذلك منه منذ أن غادر النصرانية الى الاسلام (8). وكان أبو منصور عاملا لتيهرت على جبل نفوسة حيث كان الرعي هو الحرفة السائدة بين سكانه (89) رغم استقرارهم في قرى وضياع ذلك الجبل ولعل ممارستهم الكبيرة للرعي هي التي أوحت لابن خلدون (90) تصنيفهم ضمن القبائل البربرية
-
البترية (البدوية).
إن تربية الماشية لم تكن محتكرة اذن في القبائل المتنقلة فحسب، وانما تعدتها الى غيرها بحكم وفرتها من جهة، وبحكم وفرة المراعي الصالحة لانتاجها في البلاد من جهة أخرى، ولا أدل على توفر الماشية واهتمام الرستميين بها من أن بعض الأئمة أنفسهم كانوا من ملاكيها كأبي اليقظان وأبي
(85) المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف: كتاب السير، المطبعة الحجرية بتونس 1321 هـ، ص 85 - 86.
(86) الشماخي: سير ص
204
(87) نفسه، ص 205 - أطفيش امحمد بن يوسف: رسالة الرد على العقبي، ص
(88) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 330، وأنظر كذلك
(89) محمود اسماعيل: المرجع السابق، ص 206
ص
297
73
- 161 -
296
(90) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص (1/169)
صفحة 170
حاتم، وكان رعاتهم من العبيد (91). وأما يعقوب بن أفلح فقد «كانت له بقرات يأمر بجلبها بين يديه في اناء جديد» (92) كما يذكر ذلك ابن
الصغير.
ولما كان الجغرافيون كلهم تقريبا لم يقتحموا الصحراء وأعماقها لذلك فهم. لم يزودونا بمعلومات وافية حول ماشيتها التي لا نشك في كثرتها، الأمر الذي يدعونا الى التخمين في أن الجمل (93) كان أهم حيوان في تلك الربوع الشاسعة الى جانب الأغنام وكان الجمل هو الوسيلة الأولى في نقل الذهب ووراءه كانت تهرول قوافل الزنوج المسترق القادمة من السودان الغربي في اتجاه تيهرت وغيرها من العواصم التجارية في المغرب العربي. ولا ريب أن هذه الجمال كانت وافرة العدد، وقد ذكر ابن حوقل أن للمغرب من الجمال في براريه وعند سكان صحاريه مالا تدانيها في الكثرة ابل العرب (94) بذلك تساير ضخامة النشاط التجاري الذي ربط الدولة الرستمية بما وراء الصحراء الكبرى، وهو ما سوف نتناوله بالتفصيل في التجارة مع السودان.
وهي
ولا شك أن الرعي كان النشاط الأساسي لسكان الصحراء، وهو موردهم الأساسي والوحيد ورأسمالهم. وكانت قطعان الغنم والجمال كثيرة ينتقل وراءها البدو صيفا نحو الشمال ويرجعون الى الصحراء في فصل الشتاء عندما تكثر الامطار والثلوج التي تؤثر سلبا في الحيوان (95)، خاصة منها الحديثة الميلاد.
(91) ابن الصغير: ص 48، 52.
(92) نفسه، ص
54
(93) يذكر موريس لومبارد أن الجمل دخل شمال افريقيا من المشرق في حوالي القرن الثاني الميلادي أنظر:
Maurice Lombard : Les bases monétaires ... L'or musulman, in Annales (E.S.C.) opcit p. 150
(94) ابن حوقل: ص 98.
Vanacker Claudette: Géographie, opcit, p. 647 (95)
- 162 - (1/170)
صفحة 171
وقبل أن نطوي صفحة هذا الجانب الهام من اقتصاد الدولة الرستمية لابد أن نشير الى أن المغرب الأوسط بأسره، وهو مجال الرستميين، كانت منه «تجلب الأغنام الى بلاد المغرب وبلاد الأندلس لرخصها وطيب لحومها» (96) وكانت المراكب الأندلسية تختلف الى مرسى وهران (97) لنقل الفائض من الانتاج الحيواني الرستمي، اضافة الى ما تحتاجه الدولة الأموية في الأندلس، من حبوب، خاصة في أزماتها الاقتصادية.
ومجمل القول إن الدولة الرستمية عرفت نشاطا واسعا في الزراعة والرعي على حد سواء، وقد ساعدها على ذلك اتساع رقعتها الجغرافية، فكانت المنتوجات الزراعية متنوعة ومن الجودة بحيث أشاد بها الجغرافيون، وقد
شجع الرستميون الزراعة، كما اهتموا بالماشية، وكانوا من ملاك الصنفين. ومما يدل على اهتمام الناس بالماشية امتلاك أفراد المئات من رؤوس الأغنام والابل، وكان لهذا النشاط الزراعي والرعوي أثره البارز في
منهم
الصناعة الرستمية
(96) الاستبصار:
ص
(97) ابن حوقل:
ص
179
77، الأدريسي: ص 57
-163 - (1/171)
صفحة 172
الفصل الثاني)
الصناعة والمهن المختلفة
لا تزودنا المصادر المتوفرة لدينا بشيء ذي أهمية عن الصناعة في الدولة الرستمية، الا ماورد عن غير قصد من الاشارات الى الجانب الصناعي أو الحرفي لذلك فان المجال ههنا يبقى ضيقا، ولابد من اعمال الفكر في هذه الاشارات القليلة للوصول الى بعض النتائج العامة التي قد لا تخلو من التخمين
ولم ينج حتى ابن الصغير نفسه، من هذا النقص وهو الذي اهتم بأمور دقيقة في تيهرت وعرف بقوة ملاحظته. ولكن الذي لا يرقى اليه الشك على كل حال، أن تيهرت كانت تضم أنواعا من الحرف وعددا من الحرفيين ربما كان كبيرا بحيث استطاعوا أن يعينوا مع العوام أبا حاتم اماما سنة 281 هـ بلا مشورة أحد. فأهل الحرف (1) هؤلاء، الذين يذكرهم ابن، دون أن يحدد نوعية حرفهم، يدعونا الى القول، بأن عاصمة الرستميين كانت لا تقل في النشاط الحرفي عن العواصم المغربية الأخرى كالقيروان مثلا أو فاس أو غيرهما.
الصغير
فلا يستبعد أن يكون بتيهرت أعداد من النجارين والحدادين والخياطين والطحانين والدباغين وغيرها من الحرف والصنائع المشهورة آنذاك خاصة وأن العاصمة الرستمية، كا يذكر ابن الصغير، قصدتها «الوفود
(1) ابن الصغير: ص 49، يذكر ابن الصغير كلمة أهل الحرف بأهل الحروف ويترجمها موتلننكي (Moutylinski) الى أهل الحرف (Artisans) أنظر النص المترجم ص 114
- 164 - (1/172)
صفحة 173
والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ... ليس أحد ينزل بهم من الغرباء الا استوطن وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة .. معهم
امامه ... وأمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا الا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي ... » (2). اضافة الى هؤلاء لقد سكن تيهرت الأندلسيون والعجم (3) وغيرهم من من أرباب
الصناعات والحرف.
ويذكر ابن القوطية (4)، أن أندلسيا كان في تيهرت له دكان خياطة فلا يستبعد أن يكون هذا واحدا من بين الكثيرين من الأندلسيين الذين
أشتغلوا في العاصمة الرستمية، وأستفادت الدولة من خبرتهم الصناعية.
ولعل أبرز نشاط صناعي عرفته الدولة الرستمية، كان مرتبطا بشكل مباشر بالزراعة والماشية، وهما جانبان، كما رأينا، شهدت فيها الدولة نشاطا ملحوظا، مما يدعونا الى القول بأن صناعة وسائل الزراعة كانت متقدمة وتتمثل هذه الصناعة أو الحرفة في صناعة المحاريث والمناجل والفؤوس وغيرها من الالات الزراعية البسيطة
ومما تخبرنا به المراجع (5)، وجود صناعة زراعية تتمثل في معاصر الزيتون، اذ كانت هذه الشجرة متوفرة في بلاد المغرب، لهذا فمن المحتمل، وجود هذه الصناعة في تيهرت، وفي جبل نفوسة بالذات وبه مثل قرية اجناون التي تدور المياه بها على اثني عشر ألف زيتونة (6). هذا اضافة
جدا
(2) ابن الصغير: ص 12 - 13
(3) يذكر ابن الصغير أن بتيهرت دربا أغلب سكانه العجم. أنظر: سيرة، ص 38، ويبدو أن المقصود بالعجم عند ابن الصغير كل من هم ليسوا عربا ولا بريرا. .
(4) ابن القوطية القرطبي: تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، دار للجامعيين، 1957،
ص
109
Gautier E.F.: opcit, p. 57 - 58
(5) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 216، (6) الشماخي: سير، ص 189 وأنظر البكري: المغرب، ص 9.
- 165 - (1/173)
صفحة 174
الى جزيرة جربة التي اشتهرت بمعاصرها منذ القديم (7). ويبدو (7). ويبدو أن المشتغلين في هذه المعاصر كان معظمهم من العبيد المجلوب من السودان، كما يبدو أنهم كانوا يشتغلون في مطاحن القمح الموزعة على الأنهار (8) العديدة
بالدولة الرستمية.
ولقد رأينا أن لتيهرت، بابا يعرف باسم باب المطاحن (9). فكثرة هذه المطاحن تدعونا إلى التساؤل عن طبيعتها وكيفية صنعها واشتغالها؟ وأول ما يتبادر الى الذهن، أنها كانت من الحجر (10)، ربما بسيطة المكنكة أو الهندسة، يقوم بصنعها متخصصون في حرفتها يعرفون دقائقها، ولاشك أنها تعتمد الطاقة الحركية للماء في اشتغالها، وهذا ما يفسر وجودها على الأنهار فقط. ويذكر الاستاذ الكعاك (11)، أن هذه الأرحاء المائية من المستنبطات العربية ومن الاختراعات الاسلامية، انتقلات من المغرب الى الأندلس، ولم يشر الاستاذ الكعاك الى مصدر رأيه هذا.
وهي
ومن الصناعات المرتبطة بالماشية وتوفرها، صناعة الجلود أو الدباغة صناعة كان يمارسها البربر منذ عصورهم القديمة (12). ولما كانت تيهرت. إحدى معادن الدواب والماشية والبراذين الفراهية (13)، فلا يستبعد أن تكون هذه الصناعة فيها وفي ضواحيها نشيطة جدا، فضلا عن المناطق الأخرى
(7) الجربي أبوراس محمد: مؤنس الأحبة، ص
162
(8) ابن الصغير: ص 12، 14، 40، أنظر أيضا احسان عباس: المجتمع التاهرتي، المجلة السابقة، ص 27
(9) البكري:
ص
66
(10) يذكر ابن حوقل أن بمدينة مجانة بافريقية الأغلبية الحجارة المجلوبة للمطاحن بجميع المغرب، صورة،
ص
84
(11) الكماك: موجز، ص 177، ويذكر الاستاذ الشيخ أبو اليقظان رائد الصحافة الجزائرية أن الرسميين هم الذين اخترعوا تلك الرحوات قائلا شعرا:
هُمُ اخْتَرَعُوا الرَّحوَاتِ لَهُم بِحَفْةٍ «ميناء فَحَازُوا الظُّفَرُ.
ويبدو أن أبا اليقظان بعيد عن الصواب كل البعد لأن الرحى قديمة جدا، أنظر ديوان أبي اليقظان، ص 71. (12) صفر أحمد: مدينة المغرب العربي في التاريخ، دار النشر بوسلامة تونس، 1959، ص 152.
- 166 -
(13) ابن حوقل: ص 86 (1/174)
صفحة 175
مثل بلد زويلة في شرق البلاد الذي منه «الجلود الزويلية (14) المشهورة
«
فالدباغة صناعة ضرورية تحويلية، حيث أنها تعتمد جلود الماشية، وبطرق خاصة يعرفها أهل الحرفة، يحول الجلد الى قطعة صالحة لصناعة مختلف الضروريات، كالنعال مثلا أو السروج والأغطية، وأدوات حفظ المواد السائلة كالحليب والماء والسمن، أو حفظ التمور وغيرها. ومن الجلود تصنع الأفرشة أيضا، فهذا ابن الصغير يخبرنا أن عبد الرحمن بن رستم كان يجلس على «حصير فوقه جلد) (15). وبذكر الحصير يمكن أن نتصور أنها كانت تصنع في الدولة الرستمية من الحلفاء، أو الجريد سعف النخيل، وكلتا المادتين متوفرتين في الدولة: الأولى في منطقة الاستبس بين جبال الأطلس الشمالي والأطلس الجنوبي، والثانية في الصحراء حيث الواحات
أما أهم صناعة كانت بالدولة الرستمية، فهي صناعة النسيج المعتمدة أساسا على الصوف والكتان، وربما الحرير أيضا (16). تعتبر الهضاب العليا في المغرب العربي، أكبر منتج للصوف الفائق الجودة، والوفير الناعم الأجعد (17) هنا يمكن أن نتصور النوعية الجيدة لصناعة النسيج في
من
الدولة الرستمية. وكانت هذه الصناعة تنتج أنواعا من الملابس. وتخبرنا المصادر الاباضية عن الغزل في جبل نفوسة، ولاشك أنها منتشرة في جميع ربوع الدولة عند البدو والحضر، وكانت المرأة خاصة (18)، هي التي تقوم بها في منزلها أو خيمتها وتوظف لها الجواري، مثلما فعلت أم الخطاب، التي كانت ثلاثة عشر جارية ينسجن لها (19). وهناك اشارات متناثرة في سير
(14) اليعقوبي: ص 98
(15) ابن الصغير: ص 11
(16) الكعاك: موجز، ص 178، سالم عبد العزيز: المغرب الكبير ج 2، ص 577، محمود اسماعيل: الخوارج،
ص
206، وأنظر كذلك 208. Dengel G. : opcit, p
(17) موريس لومبارد: الجغرافيا، ص
224
(18) الوسياني: سير (مخطوط)، ص 9، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 303، الشماخي: سير، ص 241
(19) الشماخي: نير، ص 247.
- 167 - (1/175)
صفحة 176
الشماخي تؤكد اهتمام المرأة في الدولة الرستمية بصناعة الصوف (20). وكان البربر منذ القديم قد برعوا في هذه الصناعة التقليدية، التي كانت قوام لباسهم وفرشهم وأغطيتهم وخيامهم (21). ومما يدل على توفر هذه المنسوجات في تيهرت خاصة ما أخبرنا به ابن الصغير من أن الامام كان يشتري من مال الصدقة «أكسية صوفا وجبابا صوفا وفراء (22) ويوزع كل ذلك على الفقراء والمحتاجين.
ولم تكن المنسوجات الرستمية بلون واحد، بطبيعة الحال، وانما كانت مختلفة الاشكال والألوان، وكان اليهود هم الذين يتولون صناعة الأصباغ ويبدو أن هذه الحرفة قديمة لديهم. وقد وردت الاشارة الى اختصاص اليهود بصناعة الأصباغ في جبل نفوسة، في الكتب الاباضية عندما ترجمت ذر ابان بن وسيم، أحد عمال الدولة الرستمية بالجبل، فقد كانت كلما لمسن أصباغ اليهود، لأنه نجس، فرخص لهن قائلا «أيما امرأة مست أصباغ اليهود، ليس عليها الا غسل يديها
لأبي
النساء يعدن وصوءهن
وكفيها» (23) ومما يؤكد شهرة النسيج الرستمي والنفوسي منه بوجه خاص
"
وألوانه المختلفة ما احتفظ لنا به ابن حوقل عندما ذكر جودة ذلك قائلا: وطيقان الأكسية الفاخرة الزرق والكحل النفوسية والسود والبيض الثمينة (24) ولا تقل قسطيلية في بلاد الجريد، أهمية عن نفوسة في صناعة الصوف، اذ بها «جهاز الصوف في جميع جهاته من الشقة والكسى والحنبل
(20) نفسه، ص 241، 277
(21) صفر أحمد: المرجع السابق، ص 150، دبوز علي: المغرب الكبير ج 1، ص 47 - 48. مازالت النساء الاباضيات وغيرهن الى يومنا هذا يمارسن صناعة الغزل في منطقة ميزاب المشهورة بزربيتها (سجاد مغربي) المزركشة الجميلة التي يتنافس السياح على اقتنائها ويقام في ربيع كل سنة عيد في مدينة غرداية بمنطقة ميزاب يسمى عيد الزربية، وهو عبارة عن معرض كبير لمختلف الزرابي والأنسجة الصوفية المختلفة
(22) ابن الصغير: ص 15.
(23) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 9، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 303.
-168 -
69
(24) ابن حوقل: صورة، ص (1/176)
صفحة 177
الى سائر ما يعمل منه يحمل منها الى جميع الأقطار (25). فلم تكن هذه المدينة اذن، تكتفي ذاتيا فحسب، وانما تصدر الفائض من انتاجها النسيجي الصوفي الى الأقطار المجاورة لها.
ان هذا النشاط الصناعي النسيجي أو الغزلي، لاشك أنه يعتمد على أدوات خاصة مثل المناسج والمغازل والأنوال وغيرها من آلات الغزل التي كان الحرفيون يصنعونها، ويوفرونها لأصحابها.
ومن
الصناعات المرتبطة بطبيعة البلاد، صناعة الخشب، اذ تتميز الدولة الرستمية بثروتها الغابية، ولقد مر بنا أن تيهرت، بنيت في وسط غابة كثيفة الأشجار، الأمر الذي يدعو الى وجود صناعة الخشب أو
النجارة، فقد كان النجارون، كما يتوقع الباحث الفرنسي دانجيل (26) يصنعون مختلف الآلات والأدوات المستعملة آنذاك، مثل الصناديق الخشبية، والأسرة، والخزائن البسيطة والأبواب وغيرها، كما كانوا يهذبون الخشب لاستعماله في بناء البيوت والقصور، وكانت هذه الأخيرة كثيرة في تيهرت وضواحيها، وقد أكثر ابن الصغير بذكرها (27).
ولعل من الصناعات الخشبية الموجودة بالدولة الرستمية صناعة السفن أو
بالأجرى بعض القوارب الصغيرة الضرورية للملاحة البحرية والنهرية فوفرة الخشب اضافة الى الصناع الأندلسيين، الذين كانوا يؤمون مرافيء المغرب الأوسط باستمرار، بل لقد كانوا من مؤسسيها فعلا (28)، يدعو الى الاعتقاد أن مرفأي تنس ووهران خاصة لاهميتهما، كان بها ترسانة لصناعة القوارب وليس بمستبعد أن تكون صناعة القوارب متوفرة في جربة لكونها
(25) نفسه، ص 94
Dengel G. : ibid, p. 208. (26)
(27) ابن الصغير: ص 13، 26 - 27، 33، 51
(28) البكري: ص
70.62 - 61
- 169 -
12 (1/177)
صفحة 178
جزيرة في البحر المتوسط منقطعة بأميال معدودات عن ساحل مدينة قابس، فلا بد أن يحتاج سكانها الى الانتقال الى الشاطيء الأخر لقضاء حاجاتهم.
وتبقى المصادر المتوفرة لدينا صامتة لا تذكر أي شيء عن صناعة التعدين في الدولة الرستمية، رغم أن ستيفان قزال (. Gsell S) يؤكد بأن هذه الصناعة لم تشهد تطورها الهائل في بلاد المغرب الا في العهد الاسلامي أو العصور الوسطى، وليس قبل ذلك اطلاقا (24). ولكن ذلك الباحث نفسه، يذكر أن المغرب الأوسط وهو مجال الرستميين، كان يفتقر للمعادن تلك الفترة بالذات (30). لكن هذا لا يمنع أن تكون الدولة الرستمية قد استوردت المادة المعدنية الأولية مثل الذهب والفضة وغيرهما وضربتها دراهم و دنانير للتعامل النقدي، وحليا للزينة كما يذكر ذلك الباروني (31)، خاصة وأن تقنيات معالجة المعادن قد عرفت تقدما في هذه الفترة، وذلك باستعمال زئبق الأندلس، الذي كان يصدر الى الذي كان يصدر الى جميع الأقطار المنتجة
للذهب في العالم الاسلامي، ومنها ممالك المغرب العربي بصفة خاصة (32)
ولا نستبعد وجود حدادين يعتمدون مادة الحديد في صناعاتهم. ومن المحتمل جدا أنهم كانوا يصنعون مختلف الأسلحة البسيطة كالسهام والسيوف والخناجر والدروع (33) وغيرها، والآلات الحديدية الضرورية ذات الاستعمال اليومي. ولعل الباب الحديدي الذي اتخذه الامام أفلح بن عبد الوهاب (34) كان من صنع حدادي تيهرت
(29) محمود اسماعيل: المرجع السابق، ص 206، وأنظر: 114. Laroui Abdellah : opcit, p
Dengel G.: opcit, p. 208 (30)
(31) الباروني: مختصر تاريخ الاباضية، ص 42
(32) موريس لومبارد: المرجع السابق
، ص
147
(33) يتحدث ابن الصغير عن اتخاذ الدروع في الحرب. أنظر ابن الصغير: ص 36
- 170 -
(34) ابن الصغير: ص 26 (1/178)
صفحة 179
وتذكر المراجع الحديثة (35)، أن بني رستم استفادوا من العناصر المتحضرة
التي قصدت عاصمتهم كالعرب والعجم، وأخذوا منهم خبرتهم فاشتهرت تيهرت بالمنسوجات الحريرية، والقوارير الزجاجية، والتحف المعدنية والعطور، والأثاث من الخشب المنحوت والمخطوط والمموه والمرصع بالعاج أو الصدف.
ولعل أبرز ما خلفته الصناعة في العهد الرستمي، هو الأواني الفخارية أو الخزفية التي عثر عليها جورج مارسيه ودوسوس لامار (36) (. Marçais G .et Lamarre D) في خرائب تيهرت سنة 1941 م، وانتهيا في تنقيبها الى نتيجة حاسمة، هي أن تيهرت كانت تضم أفرانا لشي الفخار، ومعامل لصناعته اذ اكتشفا قطعا متلاصقة بعضها ببعض اعتبراها من بقايا الفرن المهملة.
لقد كان للعاصمة الرستمية اذن، أفران ومعامل لصناعة الفخار. وقد اكتشف الأثريان المذكوران أجزاء من جرة كبيرة، وقلل وصحون وكؤوس وغطاء برادة Gargoulette) مزين بقفل مزخرفة، كما عثرا على مصابيح طويلة المصب، وغيرها من الأواني الأخرى المختلفة (37) التي كان الناس بحاجة اليها. والجدير بالذكر أن هذه المكتشفات الفخارية والخزفية، كانت قليلة الزركشة وبألوان محدودة، كالاخضر والأصفر والخوخي أو البنّي. وتشير الباحثة الفرنسية آن ماري (Anne Married (i) أن خزف تيهرت كان بسيطا بحيث لا يرقى الى جودة خزف القيروان أو
(35) الكعاك: موجز، ص 178، سالم عبد العزيز: المرجع السابق ج 2، ص 577، الميلي: تاريخ الجزائر. 67، محمود اسماعيل: الخوارج، ص 206.
ج 2، ص
"
Marçais G. : opcit, p. 24 - 57. (36) Marçais G. : ibid, p. 56 - 57 (37)
Reichlon Anne-Marie : Contribution à l'étude de la vie sociale et économique de la (38) communauté ibadite du M'Zab Algérie (la poterie comme expression technique et cultu- relle) Doctorat 3 eme sycle en sociologie, Parie, 1980, p.29.
وأنظر كذلك رشيد بورويبة: الفن الرستمي بتاهرت وسدراتة، مجلة الأصالة، عدد 41، ص 184 ـ 187
-171 - (1/179)
صفحة 180
الرحمن
فاس الغني بالألوان والزخرفة وتعزو الباحثة تلك البساطة في الخزف الرستمي الى زهد الأئمة الرستميين، واعتبار الاباضيين البذخ حراما أو نوعا من الحرام. والحقيقة أن في هذا الحكم شيئا من المبالغة لان الامام عبد، اذا كان زاهدا فعلا، فان الأئمة بعده كانوا أصحاب قصور وحاشية وأموال، لهذا فاننا نرى أن السبب الحقيقي في بساطة هذا الخزف، راجع بالدرجة الأولى، الى عدم اهتمام الصناع بجمال الانتاج بقدر ما كان همهم كثرته وبيعه بأبخس الأثمان دون اضاعة للوقت في الزخرفة والتلوين، وهو أمر يتماشى وطبيعة البربر البتر خاصة وأنهم الأكثرية في الدولة الرستمية ولعل هذا يعود من جهة أخرى الى قلة مهارة، أولئك الصناع وبساطتهم. ورغم هذا فقد عثر على قطع من الخزف المطلي الجميل الرائع، بعد اكتشافات مارسيه ولامار، تدل على أن تيهرت عرفت الأنواع المختلفة في هذه الصناعة اليدوية (39)، ولم تعرف النوع الساذج البسيط فقط، وهذا معقول جدا اذا نظرنا الى كثرة الأغنياء والقصور في الدولة الرستمية، الأمر الذي يتطلب حياة مترفة باذخة.
هي
ولم تكن أفران تيهرت الفخارية هي الوحيدة في الدولة، وانما تذكر المصادر (40)، أن جزيرة جربة كانت أيضا مشهورة بهذه الصناعة منذ القديم، لتوفر المادة الفخارية فيها. وهي أواني تستعمل بالدرجة الأولى لحفظ الطعام والتمور، وادخار الحبوب والسوائل، ومازالوا يمارسون هذه الصناعة الى وقتنا هذا.
ومما يراه الباروني (41)، وله جانب من الصواب في نظرنا، أن المياه التي كانت تدخل أكثر دور سكان تيهرت، حسبما وصف ذلك ابن
(39) 2 Dengel G. : opcit, p. 208 note ولا يزال موضع تيهرت الرستمية يحتاج الى تنقيب شامل وجدي، فهلا قامت الجهات المعنية بالجزائر بهذا العمل التاريخي الهام.
(40) الجربي محمد أبو راس: المرجع السابق، ص 156 ـ 157
(41) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 19 هامش رقم 1، وأنظر ص 44 - 45
-172 - (1/180)
صفحة 181
حوقل (42)، لم تكن تجري هكذا مكشوفة في الشوارع، وانما لا يستبعد أن يكون الرستميون وهم المتضلعون في العلوم الرياضية، قد اخترعوا قنوات فخارية ناقلة للمياه خاصة وأن منطقة تيهرت مرتفعة نوعا ما، وليست على مستوى واحد، الأمر الذي يزيد في صعوبة نقل المياه بالمجاري العادية، ولعل وجود أفران الفخار وتوفر المادة الأولية، ساعدوا على صناعة هذه القنوات أو الأنابيب الفخارية المطلية، وتصميم هندسة توزيع المياه على بيوت السكان في العاصمة الرستمية وكان مثل هذا التصرف في المياه موجودا لدى الجماعة الاباضية في قرى وادي ميزاب بالواحات الجزائرية، كما أنها وجدت في زواغة المدينة النفوسية في العهد الرستمي، وقد تركت آثارا تدل على ذلك حسبما يؤكد الباروني.
ومجمل القول، إن الصناعة في العهد الرستمي رغم بساطتها أحيانا وبداوتها حينا (43) فانها كانت متماشية مع الزراعة والماشية مرتبطة بها في أغلب الأحيان، تلبي حاجات السكان في كثير من جوانبها. فلم يكن الأزدهار الصناعي اذن، بأقل من الانتعاش الزراعي (44). . والحقيقة أن الصمت الذي التزمته المصادر المتوفرة لدينا كلها تقريبا، عن هذا الجانب الحيوي في الاقتصاد، لم يساعدنا على تلمس جميع معالم تلك الصناعة، بل لقد أخفى علينا الكثير، فلم نتمكن الا من اجلاء القليل وبطريقة لا تخلو من الاستنتاج والتخمين مادمنا نفتقر الى النصوص الصريحة (45). ولعل
(42) ابن حوقل: ص 86.
(43) يذكر الاستاذ توفيق المدني أن الصناعة الرستمية بلغت شأوا بعيدا في الاتقان. أنظر كتاب الجزائر،
ص 21.
الثانية
36
(44) فيلالي عبد العزيز: جوانب من العلاقات التجارية بين الرستميين والأمويين في الأندلس مجلة سرتا، السنة، عدد 3، مطبعة البعث، قسنطينة، 1400 هـ /1980 م، ص (45) لعل ما يذكر ابن خلدون عن المصانع التي اختطها اليسع بن أبي القاسم المدراري (174 هـ ـ 208 هـ) بسجلماسة، والتي لم يحدد نوعيتها، توجد مثيلاتها بتيهرت، وهو أمر غير مستبعد، بل ربما أكثر اذ ما بلغته الدولة الرستمية من حضارة أكبر بكثير مما بلغته دولة بني مدرار بجلماسة. أنظر ابن خلدون: العبر، ج 6،
ص 268
- 173 - (1/181)
صفحة 182
البحوث والاكتشافات المستقبلية ستنفض الغبار عن جوانب هامة أخرى في الصناعة، برز فيها الرستميون، أو كانت لهم فيها مساهمتهم الفعالة.
-174 - (1/182)
صفحة 183
الفصل الثالث)
التجارة الداخلية
أ - أسواقها، بضائعها، نشاطها:
من البديهي القول، إن لكل مدينة وقرية سوقا أو أسواقا، فيه تعقد
العمليات التجارية من كيل ووزن وخزن وبيع وشراء نقدا ومقايضة، ولا يستبعد أن تكون المقايضة غالبة رغم وفرة السيولة النقدية المعتقدة، بوفرة الذهب والمعادن الأخرى في المغرب العربي، وانما الدافع اليها، في اعتقادنا تقدم الفترة الزمنية من جهة، والطبيعة البدوية لسكان الدولة الرستمية من جهة أخرى.
ان دراسة سريعة لكتب الجغرافية، وهي أهم المصادر الاقتصادية في التاريخ الاسلامي، تعطينا فكرة شاملة عن أسواق المدن والقرى، ولكن الغريب في الأمر، أن اليعقوبي وهو الذي زار المنطقة في العهد الرستمي لا يذكر للمدن أسواقا فضلا عن القرى، ولم يهتم بهذا الجانب الحيوي، ربما لبداهة وضرورة وجود الأسواق في كل مكان. ففي تيهرت يذكر البكري عن الوراق أن بها أسواقا عامرة (1) بمختلف البضائع. وقد تحولت بعض الأسواق في الدولة الرستمية الى مدن بارزة، لذلك نجدها تعرف بالأسواق كمدينة سوق ابراهيم أو مدينة كرام (2)، فلا شك أنها كانت أسواقا في بداية أمرها، ثم تحولت شيئا فشيئا بفعل الاستقرار بها الى مدن معروفة مع
الاحتفاظ بطابعها التجاري
وكانت التجارة من أهم النشاطات الاقتصادية في الدولة الرستمية لذلك
(1) البكري:
ص
68
(2) اليعقوبي: ص 104، البكري: ص 60 - 61.
- 175 - (1/183)
صفحة 184
فلا غرابة اذا تحولت الأسواق الى مدن، ربما كان من أنظمتها أنها تعقد بشكل مستمر ومتواصل، بعكس الأسواق الأخرى التي تتبع النظام المؤقت أو الدوري (3)، فتعقد في أيام معينة من الأسبوع، أو في يوم واحد منه، الطريقة المتبعة الى يومنا هذا في المغرب العربي
وهي
إن المعلومات القليلة التي يزودنا بها ابن الصغير في هذا الخصوص تعطينا فكرة ولو مختصرة عن التجارة الداخلية في تيهرت، فلا شك أن العنصر الغريب في العاصمة الرستمية، زاد النشاط التجاري الداخلي حيوية، اذ أن الكثيرين منهم اتخذوا تيهرت مستقرا لهم، ولم يقصدوها عابرين أو سائحين وانما «ليس أحد ينزل بهم من الغرباء الا استوطن معهم وابتني بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة امامه ... وامانه على نفسه وماله» (4) فانتقل اليها أهل الأموال من العراق والتجار من مصر وافريقية والمغرب ونفقت فيها السلع مع كونها كثيرة الخصب فعظمت بها الأموال كما يقول الشماخي (5)
إن الاستقرار السياسي، والامان على النفس والمال، وحسن سيرة الحاكم، في أي دولة تعتبر من أهم العوامل التي يطلبها كل تاجر يريد لتجارته الربح، ولنفسه الاطمئنان، وهي عوامل وفرها الرستميون لجميع من يؤم دولتهم، فلا شك أن تيهرت هي صورة واضحة لما يمكن أن تكون عليه المدن والقرى التجارية الأخرى في البلاد، مثل تنس ووهران و وارجلان، ومدن جبل نفوسة، وقراه، خاصة منها مدينة جادو ذات الأسواق الكثيرة، والجالية اليهودية (6). ويبدو أن تجارة الأغنام في جادو
(3) الكعاك: موجز: ص
177
(4) ابن الصغير: ص 15، 26
(5) الشماخي: سير، ص
158
- 176 -
9
(6) البكري: ص (1/184)
صفحة 185
كانت نافقة، تقصدها القرى المجاورة لها (7). واذا قصد تجار نفوسة العاصمة الرستمية تيهرت، كان عليهم أن يقطعوا تسع مراحل، وذلك مرورا بالقيروان (8)، ومن هذه الأخيرة الى تيهرت مسيرة شهر على الابل (9)، ومن المحتمل أن تكون التجارة بين جبل نفوسة وتيهرت كثيفة كثافة العلاقات السياسية بينهما (10).
ومن الادلة البارزة على نشاط التجارة في الدولة الرستمية، امتلاك شخص بمفرده لسوق. فابن وردة، مقدم العجم، ابتنى سوقا يعرف باسمه وكان صاحب الشرطة لا يدخله ولا يتخلله هيبة منه (11) كما أن المؤرخ ابن الصغير نفسه، كان من التجار يملك دكانا في الرهادنة يبيع فيه ويشتري (12). وإن دل هذا على شيء فانما يدل على اهتمام الناس بالتجارة، ليس العوام منهم فحسب بل حتى بعض مثقفيهم ومكفوفيهم اذ نجد أحد العميان من أهل نفوسة، رغم آفته، يشتغل بالتجارة (13). ولا شك أن هذا
الاهتمام راجع الى الأرباح التي تدره التجارة لوفرة البضائع وكثرة الانتاج ولعل من أبرز البضائع التي كانت تتبادل بين المدن وأسواقها في الدولة الرستمية، بضائع الشمال ببضائع الجنوب والعكس صحيح. ويقوم بهذا الدور، الرعاة والبدو من قبائل مزاتة وسدراتة وزناتة ولواتة وهوارة وغيرها من القبائل البربرية البترية التي تنتجع من أوطانها في شهور الربيع الى مدينة تيهرت وأحوازها (14)، كما أنها، وبدون شك تقصد أسواق المدن
(7) الشماخي: سير، ص 334
(8) اليعقوبي:: البلدان
، ص
100 - 99
(9) ابن خرداذبة: المسالك، ص 88، ابن الفقيه: مختصر كتاب البلدان، ص
79
Despois J. : opcit, p. 289. (10)
27
(11) ابن الصغير: ص
(12) نفسه، ص 46
(13) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 328، الشماخي: سير، ص
264
(14) ابن الصغير: ص 17 وأنظر احسان عباس: المجتمع التاهرتي المجلة السابقة ص 25 يذكر الاصطخري أن زناتة
كانت تستوطن ناحية تيهرت أنظر: المسالك والممالك
، ص 36
-177 - (1/185)
صفحة 186
الشمالية الاخرى خاصة منها المحاذية للصحراء أو الواقعة في منطقة
الاستبس، وهي
منطقة رعوية كما سبق أن رأينا. فتقع هنالك العمليات
التجارة من بيع وشراء أو مقايضة
ويستبدل البدو بضاعاتهم من الغنم والصوف والجلود والشحم والسمن والألبان المجففة والتمور المجلوبة من أسواق الواحات، ببضائع العاصمة أو التل وتتمثل خاصة في الحبوب من قمح وشعير اضافة الى بعض المواد الضرورية ذات الاستعمال اليومي كالملح والسكر والزيت وغيرها. أو الاستعمال الموسمي كالعسل وبعض الفواكه، أو ذات الاستعمال الضروري كالالبسة والأفرشة وبعض الأواني كما أنها تستفيد من البضائع المجلوبة من بلاد الأندلس والسودان أو مدن المغرب العربي والمشرق (15).
ولا ريب أن هذه الحركة التجارية التي يقوم بها الرعاة في فصول معينة من السنة كانت تعود بنتائج هامة على الاقتصاد كما أن هذه القبائل كانت تبعث شيئا من الحيوية والنشاط في الأسواق حتى اذا انتهى موسم الرعي بدخول فصل الطقس البارد عادت تلك القبائل الى أوطانها (16) مثقلة ببضائع الشمال لتستعد من جديد لاعادة حركتها أو رحلتها السنوية. وتبقى المدن الشمالية تستفيد من بضائع الرعاة ربما عاما بأكمله أي الى حين عودتهم بعودة الربيع.
فاذا كانت تيهرت مقصد القبائل البدوية في فصول الربيع، فانها بدون شك، مقصد التجار من كل مدن المغربين الأوسط والأدنى لمركزها المتميز ولاستقطابها الحركة التجارية في البلاد، وذلك بحكم كونها عاصمة للبلاد. فمن أسواقها يتزود بمختلف البضائع لنقلها سلعا الى أسواق المدن الأخرى
:
Marçais et Lamarre: Tihert, opcit, p. 30. (15)
(16) احسان عباس: المجتمع التاهرتي المجلة السابقة، ص 25.
- 178 - (1/186)
صفحة 187
ويذكر الشيخ علي دبوز، أن أسواق تيهرت كانت تعرف الاختصاص
في البضائع، فهناك سوق النحاس، وسوق الأسلحة، وسوق الصاغة، وسوق الأقمشة وغيرها (17)، وهذا غير مستبعد قياسا على عادة الصناع والتجار في معظم المدن العربية والاسلامية
لقد كانت التجارة الداخلية في الدولة الرستمية نشيطة بنشاط الزراعة من جهة، ومن جهة أخرى بنشاط التجارة الخارجية الواسعة التي سوف نراها. فما أنواع المكاييل والموازين التي كانت تستعمل في هذه التجارة؟ وهل كان للرستميين عملتهم؟
ب - المكاييل والنقود (العملة):
لا نجد اهتماما لهذا الجانب الحيوي من الاقتصاد المغربي عامة والرستمي خاصة عند الجغرافيين مراجعنا الاساسية في الدراسة الاقتصادية لقد أهمله الجغرافيون جملة وتغافلوا عنه، فلا نجد الا اشارات بسيطة كالتي ذكرها المقدسي عرضا أو البكري عندما يتطرق من حين لاخر الى مكاييل هذه المنطقة أو تلك، وهي حالات نادرة جدا في كتابه كثيرا ما اعتمد فيها على معلومات محمد بن يوسف الوراق، في كتابه المفقود، ان لم تقل كلها.
1 - المكاييل:
أشار المقدسي الى مكاييل وموازين أهل المغرب، فذكر أن أرطاله بغدادية (18) ربما يقصد من ذلك تسميتها، لأن البكري، عندما يتحدث عن مكاييل وأوزان تيهرت، يذكر أن المد الذي يكتالون به القمح وغيره من الحبوب خسمة أقفزة ونصف قرطبية. أما قنطار الزيت وغيره فهو
(17) علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 283 - -
- 179.
(18) المقدسي: أحسن التقاسيم، ص 240 (1/187)
صفحة 188
عندهم قنطاران غير ثلث، بالوزن العادي، أما رطل اللحم فهو بمثابة خمسة أرطال (19) بالمقارنة مع مكاييل قرطبة ..
إن هذه المواد الضرورية ذات الاستعمال اليومي، والتي تنتج أساسا في تيهرت وضواحيها، يلاحظ أنها بخسة الثمن لوفرتها، فهي لاتباع بالمكيال العادي وإنما بالزيادة أضعافا، أما المواد الغذائية المستوردة أو المجلوبة بتعبير البكري (20) كالفلفل والبهارات والملح (21) وغيرها فانها تكتال بالمكيال العادي، وهو قنطار عدل لا أكثر ولا أقل لأن المادة عزيزة ومطلوبة ولعلها لا تكون موجودة باستمرار في المدينة فكيلها يبقى ثابتا مثل المشرق لأنها أساسا جلبت من هناك، خاصة منها التوابل.
جماعة
وهي
ويزودنا البكري (22) أيضا بمكاييل تنس، المدينة البحرية التي أسستها من الأندلسيين في العهد الرستمي، واتخذوها مرفاً لانطلاق سفنهم التجارية الى بلادهم في العدوة، فيذكر أن كيلهم كان يعرف باسم الصحفة ثمانية وأربعون قادوساً، والقادوس ثلاثة أمداد بعد النبي. وبتعبير آخر يمكن أن نقول إن الصحفة الواحدة في مدينة تنس،، تحتوي صلى الله مائة وأربعة وأربعين (144) مدا بعد النبي. ولما كان اللحم بالمدينة متوفرا أصبح الرطل منه بوزن سبع وستين أوقية في حين أن رطل سائر الأشياء الأخرى لا يتعدى الأثنين والعشرين أوقية.
أنها
ولا نعرف شيئا عن مكاييل شرق الدولة، وان كنا لا نعتقد تختلف كثيرا على المناطق الأخرى، اذ المكاييل والأوزان من الأمور
المتعارف عليها
(19) البكري: المغرب، ص 69، وأنظر كذلك: 12. Canal J. : Tiaret (B.S.G ... cit, p
(20) البكري: ص
69
-180 -
Canal J. : ibid, p. 12 (21)
62
(22) البكري:
ص (1/188)
صفحة 189
هناك اشارة الى مكيال أو وزن في جبل نفوسة، ذكره الدرجيني عرضا عندما تحدث عن أبي معروف الضرير، الذي كان له دكان اشتغل فيه بالبيع والشراء حينا من الدهر رغم آفة العمى لديه، فهو اذا «وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة واذا أراد أن يأخذ لنفسه من أحد نقص خروبة» (23) احتياطا ومخافة اكل اموال الناس بالباطل. ان هذه. «الخروبة» لا ريب أنها أدنى وزن يستعمل في تلك المنطقة، ولا يستبعد أن يكون متداولا في باقي أجزاء البلاد
ولعل من البديهي القول، إن اختلاف المكاييل والموازين فيما بين المدن الرستمية، وهو اختلاف في الكم والعدد، وليس الاسماء حسب الظاهر على الأقل، انما راجع الى حرية التجارة، وعدم تدخل السلطة لفرض تعامل معين مادامت كل منطقة لها نوع من الحكم الذاتي، أو ما يشبه هذا القبيل. ثم ليس من الغريب أن تكون هذه البضاعة المتوفرة في هذا المكان تكال أو توزن باضعاف ما تكال به أو توزن في مكان آخر لا تتوفر فيه، بل تستوردها استيرادا.
ولعل هذه الوضعية شجعت التجارة في الدولة الرستمية، فعرفت بذلك نشاطها الاقتصادي الكبير ولم تكن المكاييل والموازين وحدها مختلفة مدينة لأخرى في الدولة وانما نجد أيضا حتى العملة المتداولة آنذاك لم تعرف
نوعا واحدا في جميع البلاد
2 - النقود (العملة):
قليلة هي الاشارات التي نعرفها عن العملة في الدولة الرستمية خاصة
من
تيهرت، اذ لا تشير المصادر الى عملتها صراحة وانما يذكر ابن الصغير عدة
(23) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 328، الشماخي: سير، ص 264
-181 - (1/189)
صفحة 190
«
الهمة
مرات الدينار والدرهم (*)، مما يجعلنا نعتقد أنها العملتان الرئيسيتان في الدولة. ويقول متحدثا عن الامام يعقوب بن أفلح بأنه كان «بعيد نزيه النفس ماجس بيده دينارا ولا درهما (24). والحقيقة أن هاتين العملتين متداولتان في جميع أنحاء العالم الاسلامي آنذاك، فلم يشذ الرستميون عن هذه القاعدة العامة، فضربوا الذهب عملة وفي هذا الخصوص يقول الشاعر أبو اليقظان (25) في قصيدته «ذكرى الامامة الاباضية بالمغرب (**)
*
وَكَمْ ضَرَبُوا ذَهَبا سكة رَأَيْنَا لَهَا قطعَةٌ كَأثَر
ويؤكد وجود العملة الرستمية الاستاذ عبد الرحمن الجيلالي (26) حيث يذكر أنهم ضربوها باسمهم، ولكنه لا يضيف شيئا أكثر من ذلك بعكس أبي اليقظان (27) الذي أشار في هامش ديوانه الى مكان وجودها، وقال بأنه رأها في متحف الخلدونية بتونس.
ويذكر الدكتور الحبيب الجنحاني المهتم بالقضايا الاقتصادية في بلاد، وجود تقود رستمية عثر عليها (28)، الا أنه لا يشير الى مكان العثور
المغرب
(*) حدد عمر بن الخطاب (ض) وزن الدرهم الاسلامي وجعله 14 قيراطا أما الدينار الاسلامي فقد كان يساوي الدينار البيزنطي الا قليلا والبزنطي كان يساوي 4,25 غراما ذهبا أو بتعبير آخر الدينار الواحد يعادل عشرين درهما. أنظر موريس لومبارد: المرجع السابق، ص (24) ابن الصغير: ص 54، وأنظر ص 49 وأنظر الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 4، الدرجيني: ج 1،
من 86.
152 154 -
71
(25) أبو اليقظان ابراهيم: ديوان أبي اليقظان، ط 1، الطبعة العربية الجزائر، 1350 هـ، ص (*) نظم الشاعر، وهو من القرارة، احدى قرى وادي ميزاب الآهلة بالاباضية في الجزائر، قصيدته بمناسبة سنة 1348 هـ/1929 م الى تيهرت وزيارته لمعالم الامامة الرسمية هناك.
رحلته في ربيع.
(26) الجيلالي: المرجع السابق، ج 1، ص 221. (27) أبو اليقظان ابراهيم: المرجع السابق، ص 71، هامش 3.
(28) الجنحاني الحبيب: المغرب الاسلامي: الحياة الاقتصادية والاجتماعية 3 - 4 هـ/9 ـ 10 م ـ الدار التونسية
للنشر - تونس، جوان 1977، ص
135
- 182 - (1/190)
صفحة 191
ولا الى تفاصيل ذلك، بل يقول إن تلك النقود بحاجة الى اجراء دراسة عليها.
ويذكر كل من الدكتور محمود اسماعيل، والباحث الفرنسي دانجيل أن الرستميين لم تعرف نقودهم، ولم تكتشف، فالأول يقول: «نفتقر إلى وجود عملات رستمية كتلك التي خلفها بنو مدرار (29) في حين أن الثاني يذكر أنه ليس هناك أي اشارة تدعو الى الاعتقاد بأن الرستميين ضربوا الذهب (30) فبالاضافة الى ما سبق أن ذكرناه عن ضرب العملة من طرف الرستميين هناك أدلة على وجود عملة رستمية لا يستبعد أن تكون دنانير ذهبية أو
6
دراهم فضية فالاثريان الفرنسيان، اللذان نقبا عن مخلفات الرستميين في منطقة عاصمتهم مارسيه ولامار (31) أكدا أن هناك مجموعة (. Collection) من النقود الرستمية وجدت في موضع تيهرت، وهي بحوزة الميسيو بيريز الابن (M. Perez fils) الذي ربما يكون هو الذي عثر عليها هناك
ولا أستبعد أن يكون الرستميون قد ضربوا سكتهم الأولى منذ عهد الامام الأول عبد الرحمن بن رستم حيث يذكر الاستاذ حسن حسني عبد الوهاب عبد الرحمن بن رستم سبق أن ضرب نقودا في القيروان عندما كان عاملا عليها (140 هـ ـ 144 هـ) من قبل الامام أبي الخطاب عبد الأعلى بن
أن
السمح المعافري اليمني.
ويذكر أن هذه النقود محفوظة، وهي عبارة عن فلوس من النحاس مكتوبة على وجه منها «ضرب هذا الفلس بافريقيا (كذا)» وعلى الوجه سنة اثنين وأربعين ومائة» (32). واستمر ضرب هذه الفلوس الى سنة
الأخر
»
(29) محمود اسماعيل: المرجع السابق، ص 206 - 207
Dengel G.: opcit, p. 231, Note 4. (30)
Marçais G. Lamarre D. : opcit, p. 35, Note 29. (31)
(32) حسن حسني عبد الوهاب: ورقات عن الحضارة العربية بافريقية التونسية، القسم الاول، مكتبة المنار،
- 183 -
426 -
425
ثونس، 1924
، ص (1/191)
صفحة 192
144 هـ أي الى قدوم القائد العباسي محمد بن الأشعث الخزاعي الذي قضى على ثورة أبي الخطاب (أنظر الرسم).
فلوس إباضية
القائم عبد الرحمن بن رستم
عدد 17
142 هـ - 759 م) (ح)
االعيد
الوجه أ: ضرب هذا الفلس بافريقية الوجه ب: سنة ثنين وأربعين ومائة
العملة من النحاس قطرها: 21 ملم
المرجع: من منشورات البنك المركزي التونسي، النقود العربية في
تونس ـ طبع وحفر الشركة التونسية لفنون الرسم، تونس
1968
م، ص 52 «علما بأن الصورة كبرت»
-184 - (1/192)
صفحة 193
والواقع أن المتدبر في تدفق الذهب السوداني على العاصمة الرستمية وهو ما سوف نشاهده، يستبعد أن يكون الرستميون لم يصربوا تقودهم من الدنانير الذهبية (33)، فضلا عن الدراهم الفضية، مع ما كان لهم من سابقة في هذا المجال: سابقة ضرب الفلوس النحاسية بالقيروان ... وليس أدل على من الرخاء الاقتصادي والتجاري خاصة في تيهرت وباقي
هذا
المدن الرستمية
ويذكر موريس لومبارد (34) أن ذهب السودان كان يتكدس في الحواضر الكبرى حيث كانت تضرب النقود الذهبية والفضية والنحاسية. وكان لتيهرت دورها البارز في تلك العمليات التجارية أيام الرستميين.
ان كل الدلائل تشير الى وجود مسبكة في تيهرت لضرب عملة اباضية وان لم نجد ذكرا صريحا لها في الكتب المتوفرة لدينا على الأقل، بعكس مسبكة وارجلان في عهد الأدريسي الذي يخبرنا بأن اباضية تلك المدينة يضربون الذهب المجلوب من السودان باسم بلدهم (35). فالذي يتبادر الى الذهن أن مسبكة وارجلان، انما هي رد فعل وتعويض عن الخسارة التي مني بها الاباضية بسقوط تيهرت، واضمحلال عملة الرستميين الاباضية بعد ردح من الزمن، ربما بصهرها من طرف العبيديين، الذين تغلبوا على معظم بلاد المغرب العربي ابتداء من سنة 296 هـ، واعادة ضربها عملة باسمهم والسياسة المالية للعبيديين في المغرب كانت شديدة على السكان، دقيقة في جهازها، بحيث لا يستبعد عنهم مثل هذا الاجراء، لأنهم لم يغادروا المغرب العربي الا وهم مثقلون بذهبه وأمواله التي تمكنوا من جمعها
Ben Romdhane Khaled: Les monnaies Almohades aspects idéologiques et écono- (33) miques these de Doctorat 3 eme cycle université de Paris. VII, 1978, p.139.
156
(34) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص (35) الأدريسي: ص 89.
13
- 185 - (1/193)
صفحة 194
بمختلف الوسائل (36)، واستطاعوا بها السيطرة على مصر وبناء عاصمتهم القاهرة. ولعل سبب الارتباك الذي نجده عند الباحثين والمؤرخين حول وجود عملة رستمية أو عدم وجودها، راجع بالأساس الى اختفائها وانقراضها بالعملية المذكورة وبالتالي لم يبق منها الا قطع معدودات لا زالت بحاجة الى دراسة الى وقتنا هذا فلا شك أن وجودها في حوزات خاصة، زادها غموضا واختفاء وهو ما يفسر بقاءها دون دراسة لحد الآن
ومن المحتمل جدا أن تكون هذه العملة المضروبة بتيهرت، هي أساس التعامل في جميع أقاليم الدولة، وإن كان لدينا بعض المعلومات المقتضبة حول العملة المتداولة في مدينة تنس في زمان البكري (37)، اذ يخبرنا أن العملة الجارية عند أهلها القيراط وربع الدرهم والصقل والحبتان ويقول بأنها مضروبة كلها، علما بأن درهمهم يقدر بأثني عشر صقلية عددا، ووزن قيراطهم ثلث درهم عادي بوزن قرطبة
هي
إن انخفاض سعر عملة تنس يدل على رخاء المدينة، وانخفاض أسعار بضائعها خاصة للغريب من أهل الأندلس أو غيره من البلاد التي تكون عملتها مرتفعة، فهو يجد، بدون شك، المدينة رخيصة. لهذا السبب على يبدو يذكر صاحب الاستبصار (38) رخاء أسعار مدينة تنس ويعجب بذلك مما يؤكد ماذهبنا اليه
ما
ومن المعلومات المتوفرة عن العملة في الدولة الرستمية، تطالعنا كتب الاباضية بعملة تعرف عند أهل جزيرة جربة بالحندوس أو الحندس، لأن
70 - 68
(36) الجنحاني: دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الاسلامي، ط 1، دار الطليعة، بيروت، كانون الثاني 1980، ص (37) البكري: ص 62، لقبال موسى: الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي (نشأتها وتطورها) ط 1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر، 1971، ص 75.
(38) الاستبصار، ص 133
- 186 - (1/194)
صفحة 195
هؤلاء، كما تضيف نفس المصادر، لم يعرفوا التعامل والتبايع بالذهب ربما لعدم انتشاره بينهم. وما زال الحندوس هو المعمول به في زمن الوسياني، في القرن السادس الهجري، حيث يقول بأن هذه العملة تعتبر عند الجربيين بمثابة الدراهم لا غير، لأن الدراهم في أوزان الفضة، وأما القيراط فهو في أوزان الذهب (39) وبالتالي فان الحمدوس لا يكون الا عملة فضية إن لم نقل نحاسية لاقتراب اللفظين من بعضها.
ان مجرد ذكر هذه المعلومات في الكتب الاباضية لا تدل الا على وفرة الذهب في غير جربة، واتخاذه عملة الى جانب الفضة في العمليات التجارية، وربما كانت العملة الرستمية الذهبية هي المتداولة في جبل نفوسة والمنطقة الشرقية من الدولة. وأما جربة فتضرب حندوسها.
ولعل الدراسات الأثرية سوف تزودنا بمعلومات أخرى وافية عن العملة
الرستمية: نوعها، وزنها، تاريخها ومكان ضربها بالتفصيل
(39) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 23 وأنظر كذلك الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 354 ـ 355
-187 - (1/195)
صفحة 196
الفصل الرابع)
التجارة الخارجية مع المغرب والمشرق العربيين
أ - المسالك التجارية بين تيهرت وغيرها من العواصم العربية في المغرب والمشرق.
إن من نافلة القول، الاشارة الى أن الجغرافيين العرب اهتموا أول ما اهتموا بالمسالك أو الطرق الرابطة لمختلف المدن والقرى والعواصم والأقاليم في البلاد الاسلامية المترامية الأطراف. ولا أدل على ذلك من وضع بعض أولئك الجغرافيين عبارة «المسالك والممالك» عنوانا لمؤلفاتهم (1)
والواقع أن أغلبهم كانوا يهدفون من وراء وضع كتبهم تلك الى انارة السبيل للحاج والسائح والتاجر. ومن هنا جاءت أهمية الكتب الجغرافية في دراسة المسالك، وهي أهم وسيلة للاتصال بين الشرق والغرب،
والشمال والجنوب.
يربط تيهرت بالقيروان، عاصمة الأغالبة، وأهم مركز تجاري في المغرب العربي (2)، طريق يستغرق المسير فيه شهرا على الابل (3)، ويذكر الاصطخري (4)، أن المسافة بين تيهرت والقيروان تقدر بستة وثلاثين
(1) المسالك والممالك هو عنوان كتاب ابن خرداذبة المتوفي حوالي سنة 300 هـ. وهو عنوان كتاب الاصطخري المتوفي في النصف الأول من القرن الرابع الهجري وهو أيضا عنوان كتاب أبي عبيد البكري المتوفي سنة 487 هـ
Vanacker Claudette: opcit, p. 660|(2)
(3) ابن خرداذبة: المسالك، ص 88، ابن الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد الهمداني: مختصر كتاب البلدان، طبع
بريل، ليدن، 1302 هـ، ص
(4) الاصطخري: المسالك
، ص
79
37، المرحلة هي يوم واحد.
-188 - (1/196)
صفحة 197
مرحلة مرورا بمدينة سطيف التي تعتبر واسطة بين العاصمتين. ويؤكغ المقدسي (5) الذي زار المنطقة ما سبقه اليه كل من ابن الفقيه وابن خرداذبة، ويقول بأن المسافة بين العاصمتين ثلاثون مرحلة (ثلاثون يوما): عشرون الى سطيف ومن هذه الى القيروان عشر مراحل (6). وهنالك طريق آخر عبر الرمال والقرى يحدد المقدسي مسافته تارة بالايام واخرى بالمراحل، وهو من تيهرت إلى قسطيلية، إحدى مدن بلاد الجريد، خمسة عشر يوما ومنها الى قفصة ثلاث مراحل ومن هذه الى القيروان سبع مراحل وبالتالي فان المسافة الاجمالية في هذا المسلك بين تيهرت والقيروان لا تتعدى خمسة وعشرين يوما أو مرحلة. ويذكر المقدسي (7) مسلكا ثالثا يبدو أنه اشتهر في القرن الرابع الهجري بحكم استعماله قبل ذلك، يربط العاصمة الرستمية بالقيروان: وهو من تيهرت الى أشير الى المسيلة ثمانية أيام، ومن هذه الى مجانة فالقيروان ستة أيام وهو أقصر طريق اذ لا تتعدى مسافته أربعة عشر يوما
ويصف اليعقوبي (8) الذي قطع المسافة من القيروان الى تيهرت مسلكا من المسالك التي سبق أن ذكرناها، دون، دون أن يحدد مسافته، ويبدو حسب وصفه أن به كثيرا من القرى والمنازل والضياع وكانت كلها عامرة
أما الطريق التي تربط تيهرت بعاصمة الادارسة فاس فانها تقدر بخمسة وعشرين يوما الى مدينة تلمسان ومن هذه الى مدينة فاس أربعة وعشرون ليلة (9)، وهي بالتالي حوالي خمسين يوما وهو ما أكده كل من الاصطخري
(5) المقدسي: ص 246
(6) يوافق البكري المقدسي في المسافة بين سطيف والقيروان ولكنه يجعل المسافة بين تيهرت والقيروان 19 مرحلة بدلا من عشرين. أنظر البكري: المغرب، ص 76 - 78.
(7) المقدسي: ص 247
(8) اليعقوبي: البلدان، ص 102 ـ 104.
(9) ابن خرداذبة: ص 88 89، ابن الفقيه: مختصر كتاب البلدان
ص
80
-189 - (1/197)
صفحة 198
والمقدسي (10). الا أن هذا الأخير، لا تتعدى عنده المسافة من تيهرت الى تلمسان سبعة أيام، فهى من العاصمة الرستمية الى فكان خمس مراحل ومن هذه المدينة الى تلمسان مرحلتان (11) والطريق في غاية العمارة والزروع (12)
وترتبط تيهرت بالعاصمة الصفرية سجلماسة، بطريق يسلك بين القبلة والغرب نحو مدينة تعرف بأوزكا، على بعد ثلاث مراحل من تيهرت ومن أوزكا مغربا نحو سجلماسة سبع مراحل أو نحوها حسب مراحل أو نحوها حسب الجد والتقصير في المسير فتلك اذن عشرة أيام تقريبا تسلك في قرى غير آهلة، وبين أراض صحراوية قفراء (13). الا أن الفرق الشاسع جدا بين ماذكره اليعقوبي، وما أثبته الاصطخري جملة دون تفصيل عندما قال «ومن تاهرت الى سجلماسة نحو خمسين مرحلة» (14)، يبدو أنه يقصد هنا الطريق التي تعبر من خلال مدينة نكور، في أقصى شمال المغرب الأقصى، ومنها نزولا نحو سجلماسة، وهذا هو الطريق الذي ذكره المقدسي (15) ويستغرق المسير فيه نحو خمسة وأربعين يوما مقسمة الى ثلاثين مرحلة تربط نكور بتيهرت، ثم خمسة عشر مرحلة أخرى تربط سجلماسة بنكور. ويبدو أن التاجر التيهرتي لم يكن ليتخذ هذا المسلك الثاني لطوله الممل، تاركا الطريق الأقرب، خاصة اذا كان يقصد سجلماسة مباشرة دون غيرها من المدن.
إن المتدبر في هذه المسالك التي تربط العواصم المغربية ببعضها يتضح له جلياً أنها في الحقيقة مسلك واحد ينطلق من الشرق الى الغرب أو العكس مرورا بتيهرت. ومن هنا يبدو واضحا موقع تيهرت الهام باعتبارها واسطة
(10) الاصطخري: ص 37، المقدسي: 246.
(11) المقدسي: ص
247
(12) اليعقوبي: ص 107 - 108، ابن خرداذبة: ص 88، ابن الفقيه: المرججع السابق، ص
80
(13) اليعقوبي: ص
109
37
(14) الاصطخري: ص
(15) أحسن التقاسيم، ص 247
- 190 - (1/198)
صفحة 199
مهم
جعله
العقد، تستفيد من القوافل التجارية المتوجهة من القيروان نحو فاس أو من هذه الاخيرة نحو القيروان فالمشرق العربي، حتى ولو لم تكن تلك القوافل. تقصدها بشكل مباشر، فانه يتحتم عليها اتخاذ فترة من الراحة بتيهرت والاستقرار بها، في منازلها العديدة، ولا ننسى أن لها بابا يعرف بباب المنازل (16) ينزل به المسافرون من التجار والسياح على حد سواء أما اتصال تيهرت بالأندلس، فيتم ذلك بركوب البحر، وقد مر بنا أن تيهرت تنفذ الى البحر من ميناء تنس (17) وهو ميناء، اليعقوبي في الأهمية بعد ميناء تونس بالمغرب الأدنى، بل إن السفن التي تخرج من ذلك الميناء (تونس) تسير عشرة أيام مسحلة، غير موغلة في البحر، فاذا وصلت موضع ميناء تنس، انطلقت منه الى الأندلس في يوم وليلة للوصول الى مدينة تدمير، وهي أقرب المدن على الساحل الأندلسي (18). وهكذا نلاحظ أن هذا الميناء الرئيسي في المغرب الأوسط يقوم بدورين رئيسيين في وقت واحد، يستفيد منه كل من الرستميين والأغالبة. ولا شك أن السفن القادمة من افريقية أو المغرب الأدنى، تتخذ منه آخر مرحلة لها بعد عشرة أيام من المسير على الساحل، تتزود منه، وتستعد للتوغل بعد ذلك في لحج البحر لمدة ويبدو أن هذا وليلة يوم الدور، قد لاحظه الاستاذ كلوديت فاناكر (19) فجعل مرسى تنس أهم وأكبر ميناء في المغرب العربي في عصر الرستميين للاتصال بالأندلس. وتبعد تيهرت عن هذا الميناء بحوالي أربعة أيام يربطها به مسلك يتخلل
الحقول والأنهار
(16) البكري: ص
66
(17) تنس مدينة بناها البحريون من أهل الأندلس منهم الكركدني وأبو عائشة والصقر وصهيب وغيرهم وذلك سنة 262 هـ ويسكنها منهم أهل البيرة وأهل تدمير وهذه المدينة أقرب المرافيء الأندلية الى تنس، البكري
ص
61
(18) اليعقوبي: ص
105
(19) أنظر خارطة رقم 6695. Vanacker Claudette : Géographie, opcit, p
(20) اليعقوبي: ص 105
- 191 - (1/199)
صفحة 200
نفسه
مع
هو
ويذكر اليعقوبي ميناء آخر ترسو به «مراكب تاهرت يقال له مرسى فروخ) (21) ولكنه لا يحدد موضعه. ومما زاد الأمر غموضا أن هذا المرسى لا تجد له ذكرا عند الجغرافيين الآخرين، اللهم الا اذا اعتبرنا مرسى عين فروج الذي يتحدث عنه البكري (22) أو مرسى فروج عند الادريسي تغيير الاسم عبر الزمان، وهو في الحقيقة تحريف بسيط لا يؤثر كثيرا حتى في التسمية ومما يجعلنا نعتقد أن مرسى فروج هو فروخ عند اليعقوبي، وجوده في منطقة (24) يمكن لتيهرت أن تستفيد منه، لقربه من، ومن جهة أخرى لأنه مرسى كما يقول البكري (25) كما يقول البكري (25) شتوي مأمون، في حين أن مرسى تنس صيفي. وبها معا يستطيع التجار في المغرب الأوسط الاتصال بنظرائهم من تجار الأندلس صيفا وشتاء.
جهة
وهناك مرسى تنس، وهو مرسى مدينة وهران. ولا شك أنه قد لعب دورا بارزا في ربط المغرب الأوسط بالأندلس، مما دفع أولئك الأندلسيين الى تعمير المنطقة ببناء المدينة والاستقرار بها استقرارا كليا مثلها في ذلك مثل مدينة تنس ومرساها تماما. ان بناء مدينتي تنس ووهران البحريتين من طرف الأندلسيين في تلك الفترة بالذات، لا يدل الا على النشاط الكبير الذي
ثالث بنى الأندلسيون (26) مدينته كما بنوا من قبل مدينة
عرفته التجارة بين الدولة الرستمية في المغرب والدولة الأموية في الأندلس
(21) اليعقوبي: 105 ويذكر هذا المرسى بهذا الاسم عماد الدين اسماعيل (صاحب حماة): في كتابه تقويم البلدان، تصحيح رينود وآخر، طبع دار الطباعة السلطانية، باريس، 1840، ص
81
(22) البكري: ص (23) الأدريسي: ص 72.
124
(24) يذكر الاستاذ فيلالي عبد العزيز أن مرسى فروخ يقع في منطقة وهران ما بين مدينتي مستغانم وأرزيو مرسى الدجاج، أنظر مجلة سيرتا، العدد 3، نص 35، هامش رقم 2 وأنظر كذلك:. Marçais G
حاليا. ويسمي
La berberie, opcit, p. 57, note 70.
(25) البكري: المغرب، ص 81.
(26) بني الأندلسيون مدينة وهران سنة 290 هـ ومن الذين بنوها محمد بن أبي عون، ومحمد بن عبدون وغيرهما
وذلك باتفاق مع بربر المنطقة أنظر البكري، ص)
70
- 192 - (1/200)
صفحة 201
ويخبرنا ابن حوقل أن مرسى وهران في غاية السلامة والصون من كل ريح ويعتبر من أهم مراسي بلاد المغرب العربي (27) يقلع منه الى الأندلس في يوم وليلة (28). ويقع الى الغرب من مرسى فروخ بنحو أربعين ميلا في البر كما أن هذا الأخير يبتعد عن مرسى تنس الواقع الى الشرق بأكثر من حمسة وثلاثين ميلا (29). ويقابل تنس بعدوة الأندلس شنت بول وتدمير. أما مرسي فروخ فيقابله مرسى مدينة لورقة، ومرفأ أشكو برش ببر الأندلس يقابل مرسى وهران (30)
مرسي
ولا يستبعد أن يكون الجزيرة جربة دورها البحري. وان كانت معلوماتنا عن هذا الدور تكاد تكون منعدمة، اللهم الا ما احتفظ لنا به البكري (31) عندما ذكر أن سفن جزيرة جربة تخرج الى الأندلسيين ويقول بأن في الجزيرة ذهبا كثيرا ربما استغل في عهد ما بعد الرستميين لأن المصادر لا تشير الى هذا الذهب اطلاقا. بل إن المورد الأساسي والوحيد للذهب في عهد الدولة الرستمية هو المجلوب من السودان الغربي وراء الصحراء الكبرى كما سوف نرى في الصفحات القادمة.
أما اتصال الدولة الرستمية بالمشرق العربي، فانه يكون ابتداء من الحدود الشرقية للدولة. فالقوافل التي تأتي من بغداد أو البصرة أو غيرهما الى بلاد المغرب تمر بالانبار، وهيت والرقة وحران والرها وتل موزن وحلب ودمشق وطبرية والرملة والفسطاط والاسكندرية ومنها الى برقة (32)، فحدود الدولة الرستمية. وربما تقصد القيروان عن طريق طرابلس، وتمر عليها قبل أن تفد على أسواق تيهرت سالكة طريق
(27) ابن حوقل، ص 77 - 78.
(28) المقدسي: ص
229 (29) البكري: ص 81، الادريسي: ص 72.
(30) البكري: ص
(31) البكري: ص
61 81.
85
(32) ابن خرداذبة: ص 72 - 85 وأنظر محمود اسماعيل: المرجع السابق ص 207.
- 193 - (1/201)
صفحة 202
القيروان - تيهرت السالف الذكر خاصة اذا كانت لا تقصد سوقا بعينه، وانما تستفيد من كل الأسواق التي تمر عليها في طريقها، هدفها الربح المستمر، فما دام هذا مغريا بقيت القافلة تنتقل من سوق لآخر.
والجدير بالذكر أن المسافة من بغداد الى القيروان تقدر بمائة وأربعين بعد ثلاثة آلاف ميل (33). ومن القيروان عاصمة الأغالبة الى تيهرت ثلاثون يوما كما سبق أن ذكرنا
القادمة
إن الموقع المتميز لتيهرت جعلها نقطة وصل وملتقى للقوافل التجارية من مختلف الافاق، فهي لا تقل شهرة عن المدن التجارية المغربية الكبرى، وربما تفوقها في بعض الاحيان فموقعها المتوسط في بلاد المغرب العربي، يسمح لها ربط القيروان بفاس، وأن تتصل بسجلماسة في الجنوب وتقيم علاقات وطيدة سياسية وتجارية مع الأندلس، كما أنها عرفت الاتصال المباشر، وغير المباشر بواسطة القيروان، بالمشرق العربي عامة.
وقد كان للرستميين دورهم البارز في انعاش التجارة والمساهمة فيها مساهمة فعالة، اذ يخبرنا ابن الصغير عن اهتمام الأئمة بالمسالك فيقول واستعملت السبل .... الى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة
ولم
وضروب الأمتعة .... والناس والتجار من كل الأقطار تاجرون» (34) يتوقف الأمر هنا في مساهمة الرستميين في النشاط التجاري، وانما كانت لهم قوافلهم الخاصة المتوجهة الى بلاد المشرق، أو القادمة منها كالقافلة التي استتر فيها أبو اليقظان عندما أراد التوجه الى مكة بنية الحج (35). أو القوافل التي قدمت من المشرق سنة 281 هـ، وكان في استقبالها ومراقبتها
(33) من بغداد اى مصر 1710 أميال. ومن الفسطاط الى القيروان 1430 ميلا. أنظر ابن خردادبة:
87 - 84
(34) ابن الصغير: سيرة، ص
13
ص
83
- 194 -
27
(35) أبن الصغير: ص (1/202)
صفحة 203
أبو حاتم بن أبي اليقظان، أرسله أبوه الامام، قبيل وفاته في هذه المهمة، يقول ابن الصغير: «قد كان أبو حاتم) أخرجه أبوه في جيش مع وجوه زناتة ليجوروا (*) قوافل قد أقبلت من المشرق وفيها أموال لا تحصى» (36)
الا أن ابن الصغير لم يساعدنا في تحديد المكان الذي قدمت منه، ويكتفي بأنها قوافل وفدت من المشرق
ويذكر الشماخي أن الامام عبد الوهاب كان «كثير المال ممن اتسعت
عليه الدنيا. وسببه أنه كان في أيام أبيه ... تاجرا ... حاذقا بالتجارة» (37) لقد كان للأئمة الرستميين اذن، دورهم البارز في انعاش إقتصاد المغرب الأوسط عامة والتجارة خاصة، وهو ما سوف يمر علينا باستمرار في
هذه الفصول
"
وقبل أن نتطرق الى البضائع التي كانت متداولة في هذه التجارة الخارجية الواسعة النطاق، لابد أن نشير الى طبيعة تلك المسالك التي سبق ذكرها. فالمقدسي يشير الى أن بلاد المغرب «بعيد الأطراف كثير المفاوز المسالك كثير المهالك (((38) ولكن هذا لا أراه عاما على جميع صعب بلاد المغرب، اذ أن منها ما يكون كثير القرى والمنازل، عامرا ليس بخال
سبل
مثل طريق القيروان - تيهرت - فاس (39). وكانت القوافل تمشي في السهول، وسفوح الجبال، وعلى محاذاة الأنهار، اضافة الى الصحاري في حالة ما اذا كانت تقصد سجلماسة. والحقيقة أن بلاد المغرب كان بلد زرع وضرع وقرى ومياه، من المحتمل جدا أن تتخذ القوافل بعضا منها، وفي مسافات محدودة معينة، تتخذها نزلا أو منازل للراحة والاستعداد لطي
() ربما الصحيح هو يجيروا قوافل أي يؤمنوا قوافل، لأن كلمة «يجوروا، من الجور لا تتسق مع معنى الكلام.
(36) نفسه، ص
50
(37) الشماخي: سير، ص 158
216
(38) المقدسي: ص (39) اليعقوبي: ص 102 - 108
-195 - (1/203)
صفحة 204
المراحل المتبقية، ويرى الباحث الفرنسي دانجيل (40). ان تلك المنازل لا يمكن أن تتعدى المسافة بين الواحدة والأخرى ثلاثين أو أربعين كيلو مترا بل ينبغي أن تكون أقل من هذا في المناطق الجبلية الوعرة. والجدير بالذكر أن تيهرت بموقعها المتوسط في بلاد المغرب، جعلها منزلا يأوى اليها المسافرون والتجار، لذلك خصصت بابا من أبوابها باسم باب المنازل (41) ولا شك أن ذلك كان لكثرة الذين يقصدونه أو يدخلون تيهرت منه
ومن المعلوم أن تلك المسالك لم تكن دائما مأمونة، اذ لا يستبعد وجود قطاع الطرق خاصة في فترة الأزمات السياسية والفتن (42).
وقد مرّ بنا أن أبا حاتم أخرجه والده الامام مع وجوه زناتة ليجيروا قوافل محملة بأموال لا تحصى «خافوا عليها) من قبائل زناتة» (43) فكانت الضرورة تقتضي أن يحرسها ابن الامام حتى تدخل أسوار المدينة بأمان وكذلك كان الحال أثناء فتنة التنافس على الحكم بين الامام أبي حاتم وعمه يعقوب، الامر الذي دعا الاول عندما انتصر، ورأى أن البلد قد فسد وفسد أهله، الى تشريد السراق، كما يقول ابن الصغير، وقطاع الطرق وقطع شأفتهم فأمنت بذلك السبل وارتاح الناس (44).
ويرى دانجيل، أن المسالك التي سبق أن ذكرناها ووصفنا بعضها توافق في معظمها تلك التي كانت في العهد الروماني (45)، الأمر الذي
"
Dengel G. : opcit, p. 211 - 212 (40)
66
(41) البكري: ص
(42) يتحدث الدرجيني عن جماعة قطاع أغاروا على رفقة (قافلة) فاستباحوها جميعا وأخذوا منها رحلها وكان هذا في عهد أبي المنصور عامل تيهرت على جبل نفوسة في أواخر أيام حكم الرستميين واستطاع العامل أن يقبض على قطاع الطرق ويحبسهم. أنظر الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 321 - 322.
(43) ابن الصغير: ص
50
(44) ابن الصغير: ص 57
Dengel: Ibid, p. 212 (45)
- 196 - (1/204)
صفحة 205
لانشاطره فيه الرأي لسبب بسيط هو أن المدن التي تربطها تلك المسالك
لم
تكن موجودة في ذلك العهد وانما استحدثها المسلمون كالقيروان وسجلماسة وتيهرت وفاس وغيرها. وبالتالي فان المسالك هي الأخرى تكون في أغلبها مستحدثة. ثم إن الرومان في المغرب لم يكونوا يتحركون كثيرا وأغلب تحركاتهم كانت للقضاء على ثورات البربر، لهذا فهم لم يهتموا بالمسالك ولا برسمها الا بالقدر الذي يؤمن لهم البقاء في البلاد لفترة أطول. فان كانوا قد رسموا مسالك فعلا في الشمال الافريقي، فلا تتعدى أن تكون سبلا تربط أهم مستوطناتهم التي استحدثوها لتأمين وجودهم العسكري بالدرجة الأولى في البلاد. فالعرب المسلمون اذا كانوا قد استفادوا من المسالك التي خلفها الرومان، فان ذلك لم يكن بالشكل الذي يتصوره دانجيل وأمثاله من المستشرقين الفرنسيين الذين يريدون أن يمنوا بالحضارة الرومانية على بلدان المغرب العربي، وينفوا أي حضارة غيرها عرفتها البلاد، بل إن الحقيقة والصواب، هو أن المغرب كله لم يعرف نشاطاً تجاريا مكثفا وحركة دائمة مستمرة تستدعي استحداث السبل وتحسينها في عصر من العصور، مثلما عرفه في العهد الاسلامي الأول وبعده
هذه
هي
المسالك التي كانت تربط الدولة الرستمية بغيرها من الدول في المغرب والمشرق والأندلس، وكانت بمثابة شرايين حية لنقل بضائع المغرب الأوسط خاصة الى مختلف الافاق، ونقل مختلف بضائع تلك الافاق الى الدولة الرستمية ومراكزها الاقتصادية. فما مظاهر تلك التجارة؟ وما نوع بضاعتها؟
ب - الصادرات والواردات:
لا نشك في أن الحركة التجارية في الدولة الرستمية كانت كبيرة جدا وأن التبادل كان ضخما، بحيث أن بضائع تيهرت المتنوعة تتجه نحو مختلف الآفاق. وبضائع المغرب والمشرق تفد باستمرار على أسواق البلاد.
– 197 – (1/205)
صفحة 206
ويشير ابن الصغير، وهو التاجر المهتم بالحركة التجارية في بلاده الى تنوع البضائع ونشاط التجارة فيقول بأنه وفدت على البلاد «الرفاق والوفود من كل الامصار والآفاق بأنواع التجارات (46)، الا أنه لم يحدد أسماء تلك التجارات أو السلع، كما أنه لم يساعدنا في معرفة مصادر تلك البضائع وتركها عامة على كل الامصار والآفاق المعروفة في زمانه طبعا،
وهي بالدرجة الأولى العالم الاسلامي المتمثل في المغرب والمشرق العربيين.
أما بضائع المغرب، التي يتم بها التبادل التجاري بين دول المغرب العربي آنذاك، فان عدم تمكننا من فرز بضائع هذه الدولة عن تلك في المغرب العربي، جعلنا نحتمل وبتحفظ، أن تكون بضائع الدولة الرستمية هي البضائع المغربية بصفة عامة مع شيء من الاختلاف. لقد مر بنا أن بلاد الدولة الرستمية اشتهرت بحبوبها وماشيتها، اذ كثيرا ما عرفت هاتان البضاعتان طريقهما الى الأندلس خاصة، وبعض المدن المغربية، فالاغنام كانت تجلب منها «الى بلاد المغرب وبلاد الأندلس لرخصها وطيب لحومها» (47). كما كانت الحبوب تنفذ من مرافيء المغرب الأوسط الى المدن الأندلسية باستمرار، الأمر الذي دفع الاستاذ بروفنصال الى القول إن الخليفة الأموي عبد الرحمن الثاني دعم علاقات الصداقة بينه وبين
>>>
تاهرت، رغم الاختلاف المذهبي، لضمان تموين رعاياه» (48) بالحبوب
أمة
وكانت البضائع المغربية بصفة عامة تتمثل عند الاصطخري في «اللبود المغربية والبغال للسرج والمرجان والعنبر والذهب والعسل والزيت والسفن والحرير والسمور» (49) ويضيف ابن حوقل الى بضائع الاصطخرى بضائع
(46) ابن الصغير: ص
(47) الاستبصار: ص
26
179
(48) الجنحاني الحبيب: تاهرت عاصمة الدولة الرستمية بنفس المجلة المذكورة والعدد، ص 38 وأنظر كذلك
Provençal E. Levi : Histoire de l'espagne, T. III, opcit, p. 271 - 272
- 198 -
37
(49) الاصطخري: (1/206)
صفحة 207
»
أخرى مثل يعمل منه الانطاع والحديد والرصاص والزئبق ... و .... الخيل النفيسة من البراذين والبغال الفره والابل والغنم .... من ماشية البقر وجميع الحيوان الرخيص ... و ... الاطعمة والأغذية والاشربة واللحمان والأدهان و ... جيد الفواكه والتمور والأرطاب ... و ... الجمال الكثيرة (50).
الأكسية الصوف الرفيعة والدنيئة الى جباب الصوف وما
ومن البضائع التي يذكرها المقدسي لافريقية «الفستق والزعفران واللوز والبرقوق والمزاود والانطاع والقرب (51)
?
إن هذه القوائم من البضائع المغربية، كانت تتبادل بين العواصم في المغرب العربي، يستورد منها تجار الدولة الرستمية ما تفتقر اليه أسواقهم ويصدرون منها ما يفيض على حاجة السكان. فكان التكامل الاقتصادي السائد بين دول المغرب (52). والتجار يقومون بهذا الدور النشيط بين مدن المغرب راكبين «أحمرة مصرية وبغالا (53) لا شك أنهم جلبوها من
هو
مصر
مادامت منسوبة اليها.
«
ومادمت قد اقتحمت التبادل التجاري في العهد الرستمي مع المشرق انطلاقا من مصر، نشير الى أن تجارة البلاد في عهد الرستميين مع المشرق كانت منذ البداية نشيطة، فلا ريب أن القوافل التي بعثها أباضية البصرة الى تيهرت كمساعدات منهم للامامة الرستمية (54) في مواجهة صعاب أوضاع التأسيس الأولى، كانت حافزا للقوافل التجارية المشرقية المختلفة فيما بعد، لذلك نجد المشارقة من بصريين وكوفيين يسكنون العاصمة الرستمية. وانتقل
(50) ابن حوقل: ص 97 - 98
(51) المقدسي: ص
239
(52) الجنحاني الحبيب: العلاقات السياسية والاقتصادية بين افريقية والمغرب الأوسط فيما بين القرن الثاني والخامس للهجرة. محاضرة رقم 46 من محاضرات الملتقى 12 للفكر الاسلامي بباتنة، الجزائر ص 9
239
(53) المقدسي: ص (54) ابن الصغير: ص 10 - 13
- 199 - (1/207)
صفحة 208
-
اليها أهل الأموال والتجار من مصر أيضا (55). ولا يستبعد أن يكون هؤلاء المشارقة في اتصال مستمر بالمشرق، لجلب البضائع التي يرون ازدياد الطلب عليها في الدولة، أو إرسال قوافل محملة ببضائع البلاد الى المشرق
ومن وسائل الاتصال بالمشرق العربي، موسم الحج، الذي كان المغاربة من أكثر المسلمين تدفقا على الحجاز لأداء الفريضة، وكانوا يتحركون نحو تلك البلاد في قوافل (56) يستغرق ذهابها وايابها شهورا عديدة. وليس ا. بخاف على أحد، الدور التجاري الكبير الذي يلعبه موسم الحج، فهو. اضافة الى دوره الديني، يقوم فيه الحجاج بالتبادل التجاري، اذ يجدون هناك مختلف البضائع، جلبتها معهم مختلف اجناس الحجاج، كل من موطنه وكانت الاحجار الثمينة رائجة هناك (57)، فموسم الحج يعتبر معرضا
ضخما يقوم كل عام مرة، يربط أجزاء الوطن الاسلامي ببعضه البعض
ولا أدل على اتساع التعامل التجاري بين الدولة الرستمية والمشرق من تلك القوافل التي «أقبلت من المشرق وفيها أموال لا تحصى» (58) اقتضت الضرورة لأهميتها أن يستقبلها ابن الامام على مسيرة يومين من العاصمة ويحرسها من قطاع الطرق، ولكن ابن الصغير الذي ذكر هذه الرواية لم يساعدنا كعادته في معرفة بضائع تلك القوافل المحملة بالأموال التي لا تحصى مما فتح لنا مجالا للتخمين اذ نعتقد أنها كانت بضائع ثمينة غالية مثل التوابل وبعض العطور والمجوهرات وغيرها من المواد التي تزهو بها أسواق بغداد والبصرة ودمشق والفسطاط، وهي في الغالب بضائع كمالية خفيفة الوزن
غالية الثمن
(55) الشماخي: سير، ص 158.
(56) ابن الصغير: ص
27
(57) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 281
(58) ابن الصغير: ص 50
-200 - (1/208)
صفحة 209
،
ومن مظاهر التبادل التجاري بين الرستميين والمشارقة اباضية البصرة، ما كان بين أئمة الاباضية أنفسهم، حيث يروي لنا ابن سلام أن الامام عبد الوهاب بعث الى الامام الربيع بن حبيب باثني عشر ألف درهم أو دينار اشترى بها الربيع جهازا من البصرة وبعث بها الى أخيه في تيهرت فجمع عبد الوهاب تجار العاصمة فقال لهم «اشتروا جهاز هذا المشرقي واشتروا له (به) حوائجه عندنا بالعجلة وأخرجوه عنا لكي لا يعلم منا تقصيرا في أمورنا فاشتروا منه وقضوا حوائجه في ثمانية أيام وأنصرف» (59).
إن هذه الرواية التي تساهم بها المصادر الاباضية في كشف الغطاء عن مظاهر النشاط الاقتصادي للدولة الرستمية، تشرح بوضوح مدى اهتمام أئمة الاباضية بالتجارة والتجار، ومدى الارتباط المتين بالمشرق رغم بعد المسافة وصعوبة المسالك، كما أنها تشير الى كثرة التجار بتيهرت ودورهم في الحياة الاقتصادية، الا أن هذه الرواية كغيرها لم تحدد ماهية الجهاز أو نوعية السلعة.
ولعل أبرز بضاعة كانت الدولة الرستمية تستوردها من المشرق، هي الكتب لكثرة قرائها وعلمائها، فالمصادر الاباضية تروي عن الامام عبد الوهاب أنه «بعث ألف دينار الى اخوانه من أهل المشرق بالبصرة ... ليشتروا له بها الكتب. فلما وصلهم الالف، اجتمعوا واتفقوا أن يشتروا بها رقا ويدفعون من أنفسهم اجبر والأقلام وعولة الكتاب فأخذوا في النسخ فنسخوا له أربعين حملا من كتب، فبعثوا بها اليه ((60). إن هذه الرواية رغم طابعها الفكري المتميز نلاحظ منها جانبها الاقتصادي البارز، ومدى
والمبتدئين
، ص
(59) ابن سلام: شرائع الدين (مخطوط) ورقة 36 وأنظر الشماخي: سير ص 161 الباروني عبد الله: سلم العامة 30 هامش رقم 2، يذكر هذا الاخير بدل الجهاز السلعة دون أن يحدد نوعيتها (60) أبو زكرياء: سير، ص 65 وأنظر: الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 56 - 57 حيث يقول بأنهم اشتروا له بالالف ورقا وتطوعوا بالمداد واجرة النساخ ... ولعل الورق أضبط من الرق لأن بغداد في هذه الفترة (بداية القرن الثالث الهجري) كانت تنتج كمية ضخمة منه وكذلك الأندلس على أكبر تقدير.
14
-201 - (1/209)
صفحة 210
العلاقة التجارية والفكرية القوية بالمشرق عامة وبالبصرة خاصة، وهي علاقة بقيت دائما مستمرة نظرا لارتباط الاباضية أصلا بالبصرة ولا دامتهم هذا الارتباط روحيا وفكريا ومن ثم اقتصاديا.
ومن مظاهر النشاط التجاري في الدولة الرستمية، مشاركة مختلف الاجناس فيه حيث أن ابن خرداذبة يخبرنا عن حركة اليهود الراذانية (*) التجارية الطويلة المدى، مع العلم أن بتيهرت درب يعرف بالرهادنة ذكره ابن الصغير (61) الذي كان له به دکان، فالراذانية «يسافرون من المشرق الى المغرب ومن المغرب الى المشرق برا وبحرا يجلبون من المغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف يركبون من فرنجة في البحر الغربي ... ويحملون تجارتهم على الظهور» (62) فمازالوا ينتقلون بها من سوق لاخر في الشرق والغرب والشمال والجنوب حتى يرجعوا الى المغرب اذا اقتضت فائدة التجارة ذلك
ولم يكن هؤلاء الراذانية من الاجانب المساهمين في التجارة الخارجية للدولة الرستمية وحدهم وانما هناك تجار الروس (*) الذين يخرجون من الأندلس أو بلاد الفرنجة فيعبرون الى السوس الأقصى ثم ينتقلون الى افريقية بعد أن يدخلوا تيهرت لوجودها عبر المسلك الرئيسي الرابط أقصى المغرب بأدناه، ثم من افريقية يتوجهون نحو المشرق ابتداء من بوابة مصر فالرملة ثم دمشق ثم الكوفة فبغداد. ومن العاصمة العباسية يتوجهون الى البصرة مركز اباضية المشرق، ومنها الى الشرق الأقصى (63). وهكذا
(2) الراذانية هم اليهود الذين يتكلمون العربية والفارسية والرومية والافرنجية والاندلسية والصقلية ولا شك أن اللفظ رادانية له علاقة بالرهادنة إن لم يكن هو نفسه لان كليها يهود. أما الروس فجنس من الصقالبة يتخذون الخدم ترجمانا لهم. أنظر ابن خرداذبة: ص 153 ـ 154
(61) ابن الصغير: سير، ص 46
(62) ابن خرداذبة: المسالك، 153 - 154
(63) ابن خرداذبة: ص
155 - 154
-202 - (1/210)
صفحة 211
يكررون مسلكهم وحركتهم باستمرار مثلهم في ذلك مثل سابقيهم من اليهود الراذانية جريا وراء الربح والإتجار.
إن وجود تجار أغنياء من أصل مشرقي أو يهودي أو مسيحي في تيهرت لا يدل الا على العلاقة التجارية الواسعة للمغرب الأوسط في عهد الرستميين مع المشرق من جهة، ومع الأندلس من جهة أخرى (64)، بل جهة أخرى (64)، بل مع جزء من أوروبا المسيحية كبلاد الفرنجة التي يذكرها ابن خرداذبة في النص السالف الذكر وليس كما يعتقد الباحث دانجيل من أن العلاقات الرستمية الأوروبية باستثناء الأندلس في نظره، منعدمة (65)، وإن كان الذي يقوم بها غير اباضيين بعكس ما يشترطه دانجيل الذي نشاطره الرأي من جهة أخرى فيما ذهب اليه من أن التجار الاباضية لم يقتحموا ميدان أوروبا وانما تركوه لاغالبة القيروان على حد تعبيره
لقد كانت المبادلات التجارية بين الرستميين والأمويين في الأندلس واسعة جدا لاحتياج كل دولة للأخرى، اذ اضافة الى ما سبق أن أشرنا اليه فقد كانت الدولة الرستمية بمثابة جسر يوصل حكام قرطبة وتجارها بالمشرق لا سيما في الوقت الذي أغلقت أمامهم الطرق المؤدية الى كل من
إفريقية شرقا والمغرب الأقصى غربا بقيام دولة الأغالبة الموالية للعباسيين ودولة الأدارسة العلوية المعادية للأمويين. لهذا فقد توثقت العلاقة
"
التجارية جنبا الى جنب مع العلاقة السياسية المتينة بين قرطبة وتيهرت، وتمكنا من دفع العدو المشترك ومحاربته والصمود أمامه (66) هذا، وبسبب فقد لعبت تيهرت ومرافئها دور الوسيط (ترانزيت) بين الأندلس من جهة، ودول المغرب العربي من جهة ثانية، لا شك أن الرستميين استفادوا
Laroui Abd. : opcit, p. 104 (64)
Dengel G. : opcit, p. 213 - 214 (65)
(66) فيلالي عبد العزيز: مجلة سرتا، عدد 3، ص 35.
-203 - (1/211)
صفحة 212
من
ذلك فائدة عظمى، الى درجة أن بابا من أبواب تيهرت كان يعرف باسم باب الأندلس ويقع على ما يبدو في الجهة الشمالية للمدينة (67) بحيث يستقبل القوافل التجارية القادمة من الأندلس، أو المتجهة اليه.
سبق
ومن مظاهر الترابط التجاري القوي بين المغرب الأوسط والأندلس ما أن رأيناه من مساهمة الأندلسيين في بناء بعض المرافيء (68) على طول
ساحل المغرب الأوسط، والاستقرار بها خدمة للتبادل بين البلدين.
ولاشك أن الرستميين كانوا يستوردون من الأندلس دون غيره من البلاد بحكم العلاقة الحسنة، ما يحتاجون اليه لتوفره هناك (69) خاصة المواد الزراعية الصناعية، اذ لا يستبعد أن تكون تيهرت تجلب من الأندلس قصب السكر الذي كان يزرع بكميات كبيرة، والكتان والقطن الجيد وربما حتى الزيوت التي تملك منها الأندلس فائضا كبيرا غالبا ما تصدره الى الخارج. ولما كانت الدولة الأموية مشهورة بصناعتها النسيجية والحريرية فلا يستبعد أن يكون التجار في الدولة الرستمية يستوردون منها ما يحتاجون اليه من كل تلك البضائع، اضافة الى مصنوعات الركن الجنوبي الشرقي من الأندلس، أكثر الجهات تقدما في الصناعة، واهم مدنه مدينة المرية التي تعتبر من أنشط الموانيء الأندلسية في الحركة التجارية مع العالم الاسلامي بشطرية الشرقي والغربي (70)
(67) البكري: ص 66 وأنظر 32. Marçais et Lamare : opcit, p (68) من الواضح أن مرافيء المغرب الأوسط كان لها الدور الأكبر في التجارة مع الأندلس على الاطلاق وكانت تيهرت وقرطبة في اتصال مستمر لتبادل البضائع، يستشف هذا من بلدان اليعقوبي الذي زار المنطقة وسلك مسالكها حيث يلاحظ أنه لما تحدث عن تيهرت قطع حديثه عن المغرب وتحدث عن مرسى فروخ التيهرتي ثم انطلق في ذكر بلاد الأندلس ولما انتهى منها، عاد مرة ثانية الى وصف تيهرت وباقي بلاد المغرب الأقصى منه خاصة، وهذا يدل على أن الأندلس كان أشد ارتباطا بالمغرب بواسطة مرافيء تيهرت، هذا على الأقل في عهد
الرسميين أنظر البلدان، ص
107.104
(69) الكماك: موجز، ص 178
(70) فيلالي عبد العزيز: مجلة سرتا، عدد 3، ص 38 وأنظر: Provençal E. Levi : La vie économie
-204 -
que, opcit p. 5 - 13 (1/212)
صفحة 213
ولما كانت الحياة الفكرية في الدولة الرستمية مزدهرة، كما سوف نرى وكان فيها العلماء والمؤلفون والنساخ، فالمفروض أن يكون الورق متوفرا في الدولة لغرض الكتابة، الأمر الذي يجعلنا نحتمل أن التجار التيهرتيين وغيرهم كانوا يستوردون هذه المادة من مدينة شاطبة التي تصنع الجيد منه (71)، ونقول هذا من باب التخمين لأن مصادرنا لا تذكر شيئا عن الورق في الدولة الرستمية، ونستبعد بالتالي وجود صناعة له في تيهرت أو غيرها من المدن الرستمية البارزة.
وكان الناس يستخدمون العبيد الصقالبة كما يشير الى ذلك ابن
الصغير (72) والشماخي (73) مما يحتمل أن يكونوا قد جلبوا من الأندلس ويبدو أن هذا النوع من الرقيق لا يستقر في أسواق تيهرت وانما يعبر منها
الى المشرق
ان هذه القائمة الطويلة من البضائع الأندلسية المستوردة تعوضها قائمة من البضائع الرستمية، منها الحبوب والماشية أهم مادتين تنتجها البلاد (74) اضافة الى بضاعتين لعبت بتجارتها الدولة الرستمية دورا بارزا، هما الذهب والعبيد السودانيين. وقد استطاعت تيهرت أن تستورد بالذهب وحده كل ما هي بحاجة اليه من منتجات الشرق والغرب (75)، لذلك اشتهرت بصفتها التجارية، ورواج أسواقها في الآفاق
ولقد استفاد الأندلسيون من هذه التجارة، اضافة الى باقي الدول الاسلامية في المغرب والمشرق، فما مسالكها الى السودان؟ وما دور
الرستميين فيها؟ وما مظاهرها؟
-205
Provençal E. Levi : Ibid, p. 15 (71)
(72) ابن الصغير:: تاريخ، ص
(73) الشماخي: سير، ص
43
242
Vanacker Claudette: opcit, p. 670 (74)
(75) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 160 (1/213)
صفحة 214
الفصل الخامس)
التجارة الخارجية مع السودان الغربي
أ - ممالك السودان:
كان العرب أول من أطلق كلمة «السودان» على الشعوب السوداء التي تسكن وراء الصحراء الكبرى. وأطلقوا على تلك البلاد اسم «بلاد
السودان» (1)، والراجح أن الكلمة مستوحاة من لون بشرة تلك الأقوام
والسودان في الواقع تسمية عامة، لذلك اصطلح على تقسيمه الى ثلاث
مناطق بثلاثة أسماء:
1
السودان الشرقي: وهو يشمل مناطق النيل وروافده، جنوب بلاد النوبة وربما أطلق عليه في فترة متأخرة بلاد الزنج، ولكن
كلمة السودان كانت تلازمه
2 - السودان الأوسط: ويشمل المناطق المحيطة ببحيرة تشاد
3 ـ السودان الغربي: ويشمل كل ماعدا ذلك غربا الى المحيط الأطلسي مثل النيجر الأوسط وفولتا العليا وغمبيا وحوض
السنغال (2)
347 334. 327
(1) كل الكتب الجغرافية القديمة تستخدم هذه الكلمة، أنظر اليعقوبي ص 111، الاصطخري: ص 34 وغيرهما وأنظر دائرة المعارف الاسلامية: مادة «السودان، م 12، ص (2) زبادية عبد القادر: مملكة سنغاي في عهد الأسيقيين الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1971،
ص 15.
-206 - (1/214)
صفحة 215
والذي يهمنا في بحثنا هذا، هو السودان الأوسط والغربي، اللذان يشكلان معا منطقة موازية لبلاد المغرب بأقسامه الثلاثة: الأدنى والأوسط والأقصى، وتفصل بينها الصحراء الكبرى
إن اقتحام السودان بعبور الصحراء، يرجع تاريخه الى وقت سابق لحكم الرستميين، اذ يزودنا ابن عبد الحكم بمعلومات قيمة عن حبيب بن أبي عبيدة الفهري، أحد قواد عبيد الله بن الحبحاب (116 هـ - 123 هـ) الذي نظم غارة على السودان سنة 116 هـ، استطاع أن يظفر «بهم ظفرا لم ير مثله وأصاب ماشاء من ذهب) (2). ويعزو البكري (4) بناء بئر على بعد مرحلة
من تامدلت على الطريق المؤدية الى مدينة أو دغست، جنوب سجلماسة لعبد الرحمن بن حبيب أمير افريقية (127 هـ - 137 هـ) وقبل هذا في:
سنة 46 هـ، كان عقبة بن نافع الفهري قد اقتحم الصحراء ووصل الى فزان ومنها الى كوار القريبة من كانم في بلاد السودان، ورجع منتصرا الى القيروان بعد أن غنم عددا كبيرا من العبيد السودانيين (5) ويفهم من هنا أن ذهب وعبيد السودان كان معروفا (6) قبل تأسيس الدولة الرستمية سنة 160 هـ، وان كان رواج تجارتها لم يتحقق الا بعد أن استقرت أوضاع المغرب العربي بتأسيس دوله المستقلة
وفي عهد الرستميين كانت تقوم في بلاد السودان الغربي والأوسط أكثر من دولة: منها دولة غانة وورام في السودان الغربي، ونخلة في السودان
157 - 156
108
(3) ابن عبد الحكم: المرجع السابق، ص 94، وأنظر القيرواني الرقيق تاريخ افريقية والمغرب، ص (4) البكري: ص (5) ابن عبد الحكم: المرجع السابق، ص 51 - 53، البكري: ص 12 - 14، وأنظر بوفيل ـ أي دبليو: الممالك الاسلامية في غرب افريقيا وأثرها في تجارة الذهب عبر الصحراء الكبرى، ترجمة .. زاهر رياض المطبعة
الحديثة، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1968، ص
د.
79
Lewicki T.: l'Etat Nord Africain ... opcit, p. 535 (6) Vanacker Claudette: Géographie opcit, p. 665 - 667
-207 - (1/215)
صفحة 216
الأوسط ذكرها المسعودي عن الفزاري صاحب كتاب «الزيج والقصيدة في هيئة النجوم والفلك»، وهو كتاب لم يصلنا (7). وكان الفزاري معاصر لادريس الأول (172 هـ - 177 هـ) ملك الأدارسة مما يضفي أهمية كبرى
على معلوماته حول السودان، لمعاصرتها تاريخ الدولة الرستمية وكانت غانة امبراطورية كبيرة تتوسط دولة ورام في الغرب منها ودولة نخلة الى الشرق.) أنظر الخريطة). ويبدو أن ابن الصغير (8) عندما يتحدث عن استعمال السبل الى بلد السودان، انما يقصد بذلك دولة غانا في السودان الغربي لأهميتها، ثم لانه ذكر هذا في عهد الامام الأول عبد الرحمن بن رستم مما يؤكد اهتمام الرستميين بالتجارة مع السودان منذ وقت مبكر جدا.
والحقيقة أن الممالك التي ذكرها الفزاري في نهاية القرن الثاني الهجري لم يعد ذكرها اليعقوبي في نهاية القرن الثالث الهجري، مما يوحي بوقوع تغير في بلاد السودان. فالى جانب مملكة غانة التي ذكرها الفزاري والتي يعتبرها اليعقوبي أيضا عظيمة وبها معدن الذهب كما يقول، يذكر مملكة أخرى باسم مملكة الكوكو ويقول عنها بأنها «أعظم ممالك السودان وأجلها قدرا وأعظمها أمرا» (9)، والحقيقة أن «كوكو» نجد ذكرها في المصادر الجغرافية المعتمدة كلها (10) بالاضافة الى المصادر الاباضية (11) التي تذكر الكلمة
(7) المسعودي أبو الحسن علي بن الحسن بن علي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 2، ط 4، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت 1401 هـ/1981 م، ص 222 ـ 223. ويطلق على غانة بلاد الذهب. (8) ابن الصغير: ص 13 (9) اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب: تاريخ اليعقوبي، ج 1، دار صادر ودار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1379 هـ/1960 م، ص 193 - 194. ويذكر، كورنيفا) R. Comevin (أن معلومات اليعقوبي المتوفرة عن بلاد السودان رغم عدم اقتحامه لتلك البلاد تعزى الى زيارته لتيهرت اذ أن تجارها أفادوه من هذه الناحية. أنظر: 3 Dengel G. : opcit, p. 216 note (10) ابن حوقل: ص 92، البكري: ص 183، الادريسي: ص 11، الاستبصار: ص 225، ابن بطوطة: أبو عبد الله محمد بن ابراهيم رحلة ابن بطوطة، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت 1384 هـ/1964 م، (11) الوسياني: سير (مخطوط)، ورقة 39، الدرجيني: ج 2، ص 320، ويذكر هذه البلاد أيضا العالم الاباضي الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم (500 هـ - 570 هـ) وكان من التجار في زمانه مع بلاد السودان. أنظر كتابه: الدليل والبرهان لأهل العقول ج 3، سبق ذكره، ص.
-
216
، ص
680
-208 - (1/216)
صفحة 217
نقلا عن كتاب موريس لومبارد: الجغرافيا التاريخية للعالم الاسلامى خلال القرون الأربعة الأولى ترجمة: عبد الرحمن حميدة، ص 285 بتصرف طفيف».
الأغالبة
الأندلس
الحمد المين
قرآن ن
يل فون
خوار جلان
جلماسة
يا
بصحراء الكبر
الكبرى و
كوادو
بحيرة تشاد
تاد مكة هر كاوكاو
توغل تجارة الخوارج نحو الصحراء الكبرى والسودان توغل تجارة الخوارج نحو الساحل
-209 -
ا و داغستان
السنغال (1/217)
صفحة 218
باسم «جوجو»، وقد حاول المستشرق البولندي لويسكي أن يجد توافقا بين هاتين الكلمتين وكلمة جاوو (20) وهي أقدم مركز سياسي لقبيلة سنغاي السودانية على نهر النيجر، وتوصل في النهاية الى أنها هي
لا غير (12)
الممالك
وكان ملك كوكو في العهد الرستمي قويا، بحيث هين على جميع المجاورة لمدينته، ويذكر اليعقوبي (13) منها ثمانية تابعة بالاسم الملك غانا من الصعب تحديد مواقعها بالضبط
لقد كانت اذن في السودان الغربي مملكتان كبيرتان معاصرتان للرستميين هما مملكة غانا ومملكة كوكو أو جوجو. أما في السودان الأوسط فتنتصب مملكة نخلة جنوب بحيرة تشاد، والتي لا نعرف عنها شيئا ذا أهمية كل ما نعرفه أن في شمالها تقع بلاد كانم القريبة من مدينة كوار التي تربطها ببلاد المغرب طريق شرقي يعتبر أقصر طريق الى بلاد السودان كما سوف نرى في الصفحات الآتية
ب - مسالك التجارة مع السودان:
ترتبط الدولة الرستمية بالممالك السودانية المذكورة، بواسطة مسالك أربعة. نقطة انطلاق اثنين منها العاصمة تيهرت، أما الاثنان الآخران من جبل نفوسة في شرق الدولة، الا أن المسلكين الأولين
فينطلقان
هما الأساسيان.
والحقيقة أن ماترويه المصادر الأباضية من ارادة أفلح بن عبد الوهاب قبل أن يتولى الامامة الذهاب الى السودان بقصد التجارة ومنع أبيه له (14) وقد ترتبت عنه نتيجة سلبية، وهي أنه كان من الممكن أن نعرف احدى
aj
222
Lewicki T.: l'Etat Nord Africain, opcit, p. 518 - 524. (12)
194
(13) اليعقوبي: تاريخ، ج 1، ص
(14) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 39، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 320، الشماخي: سير، ص
-210 - (1/218)
صفحة 219
تلك المسالك الأربعة معرفة تفصيلية في مراحلها ومخاطرها في مراحلها ومخاطرها وعدد افرادها وظروفها اذ لا يمكن أن تغفل المصادر الاباضية جانبا على هذا القدر من
الأهمية لأمير رستمي بل امام اباضي يعتبر من أبرز أئمة الدولة الرستمية.
وسنحاول مع ذلك، بقدر المستطاع، تتبع مسار تلك السبل، الواحدة تلو الأخرى معتمدين خاصة على الكتب الجغرافية المتوفرة.
المسلك الأول: تيهرت - سجلماسة ـ أودغست ـ غانا
ينطلق هذا المسلك من تيهرت الى سجلماسة أولى مراحله، وقد سبق أن ذكرناه وقلنا أن المسير فيه يستغرق عشرة أيام تعتبر مدينة أوزكا (15) مرحلة متوسطة بين العاصمتين المغربيتين. وتعتبر سجلماسة نقطة انطلاق حقيقية لعدد كبير من القوافل عبر الصحراء الى بلاد السودان. لذلك يعتبرها البكري مدخلا لبلاد غانا (16). ولأهمية الدور الذي لعبته سجلماسة في هذه التجارة، يبدو أن عبد الرحمن بن رستم، مراعاة لهذا الجانب، وطد علاقته بأمراء بني مدرار الصفرية، رغم الاختلاف المذهبي بينها، وقدم ابنته أروى زوجة لمدرار بن اليسع (17)، حتى يقترب من الأسرة الحاكمة أكثر ماداموا يسيطرون على نقطة هامة في مسلك هام من مسالك التجارة مع السودان. فعلاقة المصاهرة بين الأسرتين الحاكمتين، بأمكانها أن تسهل للرستميين دخول سجلماسة احدى المداخل الضرورية في الطريق نحو غانا أو كوكو.
وعندما تغادر القافلة التجارية سجلماسة، نحو الجنوب، تتوغل في الصحراء مقدار خمسين يوما لتصل الى قوم يقال لهم أنبية وهم بربر من
(15) اليعقوبي: البلدان، ص 109، أوزكا هي أزتي أو أزكى عند الجغرافيين الذين جاؤوا بعد اليعقوبي، أنظر مثلا: الادريسي: وصف، ص 37، وغيره.
(16) البكري: ص
149
(17) البكري: ص 150، ابن خلدون: العبر، ج 6، ص
268
-211 - (1/219)
صفحة 220
وغانا (19)
قبيلة صنهاجة الملثمين (18) يذكر الفزاري دولة عظيمة لهم تتوسط سجلماسة وبعد اجتياز بلاد أنبية تصل القافلة الى بلد يقال له «غسط» وهو واد عامر فيه المنازل، وفيه ملك ... لا دين له ولا شريعة، يغزو بلاد السودان وممالكهم كثيرة» (20). وغسط التي يتحدث عنها اليعقوبي في القرن الثالث الهجري انما أو دغست عند الجغرافيين الآخرين المتأخرين عن
هي
اليعقوبي وكانت مملكة بربرية معروفة، زعيمها رجل من صنهاجة، يذكر البكري أنه دان له أزيد من عشرين ملكا من ملوك السودان، كلهم يؤدون اليه الجزية. وقد لعبت أو دغست دور المركز التجاري الهام الذي يبعد مسيرة خمسة عشر يوما عن مدينة غانة (21). وكان ملك أودغست يخالط ملك غانة «أيسر من على وجه الأرض ... بما لديه من الأموال والمدخرة من البشر» (22). ولا يزودنا اليعقوبي بالمسافة التي تفصل أودغست عن بلد أنبية، الشيء الذي نجده عند ابن حوقل الذي يقدر المسافة بين سجلماسة وأودغست بمسيرة شهرين (23) وبالتالي فان ما يفصل أنبية عن أودغست لا يتجاوز عشرة أيام، مادامت مسيرة خمسين يوما تفصل سجلماسة عن أنبية (24)، على حد قول اليعقوبي السالف الذكر. ولما كانت أودغست من أقرب البلاد الى غانا، ظهر في سكانها الغنى، حتى أن ابن حوقل يذكر، باعجاب كبير، صكا رآه بها قيمته تقدر باثنين وأربعين ألف دينار، وكان حقا لبعضهم على رجل من تجار أودعست، أصله من
(18) اليعقوبي: البلدان، ص 111.
(19) المسعودي: ج 2، ص
(20) اليعقوبي: البلدان، ص
(21) البكري:
ص
223
111
168
"
159
(22) ابن حوقل: ص 101.
(23) ابن حوقل: ص
: 92
(24) يذكر البكري الطريق بين سجلماسة وأودغست ويقدره باحدى وخمسين مرحلة (يوما) الا أنه يذكر مدينة تا مدلت التي تبعد عن سجلماسة مسيرة احدى عشر يوما ولا يرد لأنبية ذكرا عنده،، ويذكر ماء باسم تندفس على بعد تسعة أيام من سجلماسة ربما هي، كما يقول ذانجيل تندوف أقصى مدينة في وسط غرب صحراء الجزائر اليوم. أنظر البكري: ص 156 ـ 159
-212 - (1/220)
صفحة 221
سجلماسة ومن فرط اعجابه بهذا الصك الثمين، الذي يقول بأنه لم ير ولم يسمع شبيها له بالمشرق، حكى مارآه لأهل العراق وفارس وخراسان فاستظر فوه (25)
واذا كان هذا الرجل من أهل سجلماسة، فلا يستبعد أن يكون لتيهرت من التجار نظيره، خاصة اذا علمنا أن كثيرا من الاباضية، كانوا يقصدونها، اذ يذكر البكري سكان أو دغست فيقول «وسكانها أهل افريقية وبرقجانة ونفوسة ولواتة وزناتة ونفزاوة. هؤلاء أكثرهم وبها نبذ من سائر الأمصار» (26)، علما بأن أغلب هذه القبائل كانت اباضية في العهد الرستمي كما يقول الباحث الجزائري الشيخ المهدي البوعبدلي (27) مما يوحي أن أو دغست كانت مركزا تجاريا هاما يؤمه الرستميون وتجارهم من
الاباضية بكثرة.
ولما كانت غانة، هي مصدر الذهب خصها البكزي بالوصف، فقال إنها كانت مدينتين سهليتين، احداهما يسكنها المسلمون وهي كبيرة، فيها اثنا عشر مسجدا، والأخرى مدينة الملك على بعد ستة أميال من الأولى وتسمى الغابة، وبينها عمارات متصلة. وبعد أن وصف أهلها وبعض عاداتهم تطرق الى الملك وقصره، وكثرة الذهب في بلاده حيث أنه «اذا وجد في جميع معادن بلاده الندرة من الذهب استصفاها الملك وانما يترك منها للناس هذا التبر الدقيق ولولا ذلك لكثر الذهب بأيدي الناس حتى يهون، والندرة تكون من أوقية الى رطل» (28)
Gerard D.: opcit, p. 219 99: Jigs jul (25)
(26) البكري: المغرب، ص 158
(27) البوعبدلي المهدي: لمحات من دور الدولة الرستمية في ميادين الحضارة والفكر لبعض الباحثين القدامى والمتأخرين، مجلة الأصالة عدد 41، مطبعة البعث، قسنطينة 1397 هـ/1977 م، ص 204. ويتحدث البكري عن تاجر باسم «أبي رستم النفوسي» من تجار أودغست: المغرب، ص 159 (28) للبكري: ص 174 - 177. وذكر ياقوت الحموي أن غانة مدينة كبيرة جنوب بلاد المغرب يجتمع التجار ومنها يدخل في المفازات الى بلاد التبر ولولاها لتعذر ذلك. الحموي: معجم البلدان، ج 4، ص 184
اليها
-213. (1/221)
صفحة 222
واذا أرادت القوافل التوجه الى كوكو (جوجو)، انطلاقا غانة من سارت مشرقة في طريق معمورة بالسودان. وبعد أربعة أيام من المسير
تصل الى موقع يقال له رأس الماء، بالقرب من تمبكتو حاليا، ومنها بعد ستة أيام على النيل، وهو نهر النيجر، مدينة تيرقي التي تبدو هامة، اذ يجتمع في سوقها تجار غانة وتادمكة. ويصل تجار تادمكة من الطريق الثاني الذي سنصف مراحله. وبعد ثلاثة أيام أخرى من المسير على نهر النيجر، تدخل القافلة بلاد سغمارة، وهم قبيل من البربر، يحاذيهم من الشط الثاني مدينة كوكو (29)، بحيث ينبغي على من يريد دخول المدينة ركوب النهر، وهو ماقام به ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري (30) ويبدو أن تجار المغرب الأقصى وخاصة منهم السجلماسيون هم أكثر الذين يتخذون هذا الطريق القريب منهم للوصول الى بلاد كوكو. أما التجار الرستميون، فانهم اذا كانوا لا يستغنون عن هذا الطريق الغربي الذي جئنا بوصفه قبل قليل، فانما ذلك، على ما يبدو، للوصول الى غانة الهدف الأخير، لا الى مدينة كوكو التي لها مسلك ينطلق من العاصمة تيهرت عبر مواطن القبائل الاباضية الى مدينة وارجلان ثم السودان
المسلك الثاني: تيهرت - وارجلان - تادمكة - كوكو:
ينطلق هذا المسلك مثل الأول من تيهرت الى وارجلان. والواقع أننا
أن
لا نعرف المراحل المختلفة التي تربط تيهرت بوارجلان، لكننا لا نستبعد يكون هذا المسلك يمر بواحة وادي ريغ) تفرت حاليا (الآهلة بالاباضية، والتي كثيرا ما يرد ذكرها في المصادر الاباضية، كما سبق أن أشرنا. ولا تذكر عنها الكتب الجغرافية شيئا. ولا شك أن شهرة وادي ريغ عند الاباضية، اكتسبها من توسطه المسافة بين العاصمة تيهرت ووراجلان. فهو
(29) البكري: ص 180 - 181 وأنظر: 530. Lewicki T. : l'Etat Nord Africain, opcit, p (30) ابن بطوطة: رحلة، ث 694 - 695.
-214 - (1/222)
صفحة 223
من
بذلك يعتبر مركزا من مراكز التجارة مع السودان، ومرحلة من مراحلها الاساسية كما يعتقد المستشرق لويسكي (31)، اذ لا يمكن أن تنطلق القوافل العاصمة عبر الصحاري دون أن يكون لها فترة راحة قبل الوصول الى وراجلان، لان المسلك طويل وشاق جدا. ويبدو أن الخارج من تيهرت يتوجه نحو موطن بنى برزال الأباضية (32) وهو الموضع الذي بني فيه العبيديون عاصمتهم «المسيلة» فيا بعد، ربما لأهميته، ودوره في تجارة الذهب والعبيد مع السودان، خاصة اذا علمنا أن العبيديين استغلوا هذه التجارة أيما استغلال وغادروا المغرب الى مصر مثقلين بالذهب (33)
أما المسافة التي تفصل تيهرت عن المسيلة فيقدرها ابن حوقل (34) بستة أيام، أما الادريسي، فيذكر أن مسيرة اثني عشر يوما تفصل مدينة المسيلة عن وارجلان (35)، مرورا بوادي ريغ على أكبر تقدير.
واذا كان التيهرتيون يأخذون هذا المسلك القريب منهم للوصول الى وارجلان ثم كوكو، فان تجارة المنطقة الشرقية للدولة، اضافة الى أهل القيروان، يلتقون في بلاد الجريد، حيث مدينة قسطيلية بالجنوب التونسي والمسافة بين جبل نفوسة وقسطيلية ستة أيام في حين أن سبعة أيام تفصل بلاد الجريد عن القيروان (36). ومن قسطيلية الى وارجلان مسيرة أربعة عشر يوما (37). ونشير هنا أن خطا يربط وارجلان بسجلماسة بوابة الصحراء على المسلك الغربي، الا أننا لا نعرف عنه سوى
أن
الله عبيد
الشيعي قد سلكه في نهاية القرن الثالث الهجري، عندما
Lewicki T.: Ibid, p. 532, Dengel G.: opcit, p. 221 (31)
111
(32) اليعقوبي: البلدان، ص 103، ابن خلدون: العبر، ص (33) الجنحاني الحبيب: دراسات مغربية، سبق ذكره، ص 68.
(34) ابن حوقل: ص 86
(35) الادريسي: ص 90
(36) البكري: ص 182، الاستبصار: ص 224 (37) البكري: ص 182، الاستبصار: ص 224
-215 - (1/223)
صفحة 224
توجه الى سجلماسة. والحقيقة أن هذا المسلك ذكرته المصادر الاباضية (38)
عند تطرقها الى ظهور الشيعة بالمغرب العربي.
إن مدينة وارجلان المركز الرئيسي في المسلك الثاني، للتوجه الى السودان حيث بلاد كوكو، تعتبر كسجلماسة تماما على الطريق الغربي، بوابة ضرورية لاقتحام الصحراء .. وقد احتفظت وارجلان بهذا الدور البارز الى القرن التاسع الهجري في عهد ابن خلدون الذي يقول عنها وهذا البلد لهذا العهد باب لولوج السفر ... الى المفازة الصحراوية المفضية الى بلاد السودان، يسلكها التجار الداخلون اليها بالبضائع» (39) ومنها يتوغل في الصحراء نحو مدينة تادمكة ومن هذه الى كوكو.
ولأهمية مركز وارجلان في التجارة العابرة للصحراء، يصف لنا الادريسي المدينة ويقول بأن فيها «قبائل مياسير وتجار أغنياء يتجولون بلاد السودان الى بلاد غانة وبلاد ونقارة فيخرجون منها التبر ويضربونه في بلادهم باسم بلدهم وهم وهبية اباضية» (40)
لقد كان هذا في القرن السادس الهجري، في زمان الادريسي ولا شك أن المدينة اكتسبت هذا الدور الاقتصادي منذ العهد الرستمي، الذي يعتبر أزهى عصور المغرب الأوسط في التجارة مع السودان. ولا يستبعد أن يكون دورها هذا هو الذي أغرى العبيديين، فحاصروها عندما لجأ اليها آخر الأئمة الرستميين يعقوب بن أفلح، بعد سقوط دولتهم. وقد فشل الحصار كما نعلم (41)، وبقيت الاباضية بوارجلان، يمارسون نشاطهم التجاري مع السودان دون انقطاع
(38) أبو زكرياء: سير، ص 109 الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 92
(39) ابن خلدون: العبر، ج 7، ص 107 وأنظر كذلك ابن سعيد المغربي، كتاب الجغرافيا)، ص
(40) الادريسي: وصف، ص 89
(41) أبو زكرياء: سير، ص 113، المرجيني:: طبقات، ج 1، ص 95 - 96 -
4
. 126
-216 - (1/224)
صفحة 225
ومن مدينة وارجلان تنطلق القوافل موغلة في القفار والمفازات، عبر الصحراء الكبرى، تسير خمسين يوما الى مدينة تادمكة، وموقعها اليوم كما يقول لويسكي في منطقة تعرف باسم خرائب السوق (42). ويصف لنا البكري هذه المدينة ويقول «وتادمكة أشبه بلاد الدنيا بمكة ومعنى تادمكة هيأة مكة وهي مدينة كبيرة بين جبال وشعاب وهي أحسن بناء من مدينة غانة ومدينة كوكو وأهل تادمكة بربر مسلمون، وهم يتنقبون كما يتنقب بربر الصحراء، وعيشهم من اللحم واللبن ... ودنانير هم تسمى الصلع لأنها ذهب محض غير مختومة) (43). وعند مغادرة تادمكة جنوبا، وبعد مسيرة تسعة أيام، تدخل القوافل التيهرتية وغيرها مدينة كوكو (44)، بعد أن تكون قد مرت بوارجلان أهم مركز تجاري اباضي في الصحراء. وقد وصف ياقوت الحموي مدينة كوكو معتمدا على المهلبي الذي قال: «كوكو من الاقليم الأول ... وملكهم يظاهر رعيته بالاسلام وأكثرهم يظاهر به وله مدينة على النيل (نهر النيجر (اسمها سرناة بها أسواق ومتاجر والسفر اليها من كل بلد متصل ... وله في مدينته قصر .... ومملكته أعمر مملكة من زغاوة ... وبيوت أموال الملك واسعة وأكثرها الملح» (45)، لأن الملح بضاعة أساسية به يجلب الذهب من السودان
وهكذا نلاحظ، بعد أن تتبعنا مراحل مسلكين أساسيين الى بلاد السودان، وصفنا بعض المراكز الهامة فيهما، أن المسلك الأول يستغرق فترة أطول، بحيث يدوم المسير فيه خمسة وثمانين يوما، بينما المسلك الثاني لا
(42) البكري: ص 182، الاستبصار: ص 224. وأنظر كذلك: 3 - 33. Lewicki T.: opcit, p وتوهم الباحث دانجيل أن المسافة بين القيروان وتادمكة خمسين يوما اذ فهم نص البكري خطأ عندما طرح من الخمين عشرين يوما وهي المسافة بين القيروان ووارجلان. وانتهى توهما الى أن المسافة بين وارجلان وتادمكة هي ثلاثون يوما فقط. والصواب ما ذكرناه. أنظر: 222. Dengel G.: opcit, p .
(43) البكري: ص 181
(44) نفسه: ص
183
(45) الحموي: معجم البلدان، ج 4، ص 495
15
-217 - (1/225)
صفحة 226
يتعدى شهرين وأسبوعا واحدا، من المحتمل أن يكون هو المسلك الذي كان
يتخذه التجار التيهرتيون بكثرة
وتتصل المناطق الشرقية من الدولة الرستمية ببلاد السودان، بواسطة مسلكين يربطها أولهما ببلاد كوكو في السودان الغربي، وينتهي ثانيها الى
الكانم في السودان الأوسط
المسلك الثالث: جبل نفوسة - غدامس - تادمكة - كوكو.
ينطلق هذا المسلك من مدينة شروس عاصمة جبل نفوسة، في اتجاه مدينة غدامس، ويبدو أن هذا الطريق لم يندثر، واليه أشار الاستاذ ج. ديسبوا). Despolis J) في كتابه جبل نفوسة، وذكر أنه يعرف الى يومنا هذا باسم «طريق السودان» (46)، لا شك أن التسمية ترقى في جذورها الى وقت أقدم بكثير - ومسافة سبعة أيام في الصحراء تفصل جبل نفوسة عن غدامس، وهي مدينة لطيفة كثيرة النخل والمياه (47)، تطرق الى ذكرها ابن خلدون وقال بأن موقعها جعلها «محطا لركاب الحاج من السودان وقفل التجار الى مصر والاسكندرية عند اراحتهم من قطع المفازة ذات الرمال المعترضة أمام طريقهم دون الأرياف والتلول، وبابا لولوج تلك المفازة والحاج والتجر في مرجعهم (48) وانطلاقا من غدامس مغربا يتصل هذا المسلك بالطريق الثاني الذي سبق أن ذكرناه - تيهرت كوكو أو جوجو في مرحلة من المراحل ما بين وارجلان وتادمكة ويواصل جنوبا في المسلك وتفصل مسافة أربعين يوما مدينة غدامس عن تادمكة. ومن هذه الى كوكو بلاد السودان تسعة أيام كما نعلم. ويذكر البكري طريقا
نفس
Despois J.: opcit, p. 289 - 290 (46)
182
(47) البكري: ص
(48) ابن خلدون: العبر، ج 7، ص 122
-218 - (1/226)
صفحة 227
آخر من غدامس الى تادمكة ولكنه غير واضح وغير دقيق المراحل (49). ولا ·
يستبعد
أن يكون أهل جبل نفوسة الذين ذكرهم البكري (50) في مدينة أودغست، قد أخذوا هذا الطريق الى كوكو ومنه الى غانة، بعد عبور نهر النيجر، ومنها صعدا نحو أودغست
إن هذا الطريق الذي يستغرق المسير فيه أقل من شهرين للوصول الى بلاد السودان انطلاقا من جبل نفوسة، حاضرة شرق الدولة الرستمية يوازيه مسلك أقصر ولكنه ينتهي الى منطقة الكاتم إحدى مناطق السودان الأوسط
المسلك الرابع: جبل نفوسة - زويلة - كوار بالكانم
ان القوافل التجارية التي تخرج من جادو، إحدى المدن الأساسية في جبل نفوسة، تتجه جنوبا نحو زويلة، أول حد بلاد السودان في ثلاثة عشر يوما (51)، وأهلها «قوم مسلمون أباضية كلهم ... يخرجون الرقيق السودان ... وهم يسبونهم» أو يشترونهم من ملوك السودان من غير شيء ولا حرب كما يذكر ذلك اليعقوبي (52). ويبدو حسب وصف البكري لهذا، أنه شاق يمر خلال الجبال والصحاري التي قد لا يوجد فيها مياه
الطريق
لأيام معدودات (53). ومن مدينة زويلة التي يقصدها مختلف التجار من
أهل خراسان والبصرة والكوفة، الى مدينة كوار مسيرة خمسة عشر يوما
وتقع كوار في اقليم كانم من بلاد السودان شمال بحيرة تشاد، يسكنها «قوم من المسلمين من سائر الأحياء، أكثر هم بربر يأتون بالسودان (54). وهكذا
(49) البكري: ص 182 - 183
(50) نفسه: ص
158
(51) البكري: ص
(52) اليعقوبي:
ص
10
98
10
(53) البكري:
ص
(54) اليعقوبي: البلدان، ص 98 يذكر البكري أن المسافة بين زويلة وبلد كانم تقدر بأربعين يوما ويفهم من
هذا أن مسافة خمسة وعشرين يوما تفصل مدينة كوار، عن كانم، أنظر البكري: ص 11
-219 - (1/227)
صفحة 228
يتضح لنا ان هذا الطريق هو أقرب المسالك الى بلاد السودان، لا يستغرق المسير فيه أكثر من شهر واحد. ولكن يبدو أنه خاص بتجارة العبيد دون الذهب. فلا شك أنه كان المصدر الأساسي للعبيد السودانيين المجلوبين الى المناطق الشرقية من الدولة الرستمية اضافة الى القيروان، ومن هذه المناطق يؤخذ الى مصر فالمشرق العربي كله (55)
هذه هي اذن المسالك الأربعة، التي تربط بلاد المغرب العربي بالسودان الغربي والأوسط، حاولنا، قدر المستطاع تبسيطها حتى تسهل على الفهم، اعتمدنا في ذكرها المصادر الجغرافية المتوفرة، وان كان جزء مهم منها ألف بعد زوال الرستميين الا أن هذا لا يؤثر كثيرا في الموضوع، اذ المسالك ليست من الأمور التي تتغير بسرعة، وبقي لنا أن نعرف أحوال السفر فيها ومصاعبه ثم نتطرق بعد ذلك الى البضائع المختلفة التي هي أساس هذه التجارة العابرة للصحراء.
جـ - مصاعب التجارة العابرة للصحراء وظروفها:
يذكر الاصطخري، أن المسلك عبر الصحراء صعب، والاستعداد له شاق جدا (56)، فبالاضافة الى الصعوبات التي سبق أن أشرنا اليها بين ثنايا مبحث المسالك، فان منها ما يرجع خاصة الى طبيعة الصحراء القاسية، وقلة وفرة الماء فيها (57)، الا أن هذه الصعوبة يمكن تجاوزها بقطع تلك القفار في فصل الشتاء أو الخريف، وهو ما أشار اليه كل من ابن حوقل والادريسي (58)، اذ البرودة والرطوبة من شأنها تلطيف قساوة تلك المفاوز والصحاري، عندئذ فقدان الماء أقل خطورة، خاصة اذا كانت يصبح
(55) الاستبصار:: ص 146
(56) الاصطخري: ص 34، المقدسي: أحسن التقاسيم، ص 243
(57) لقد هم عقبة بن نافع الفهري وجنوده بالهلاك عطشا عندما توغلوا في الصحراء ووصلوا الى كوار لولا وجودهم
لمنبع ماء أغاثهم. أنظر ابن عبد الحكم: فتوح، ص 52 - 53، البكري: المغرب، ص 14
(58) ابن حوقل: ص 103، الادريسي: ص.18.
-220 - (1/228)
صفحة 229
السنة مطيرة، الأمر الذي يبعث الكلاً ويكون المستنقعات. ولتجنب خطورة فقدان الماء، ربما يلجأ المسافرون التجار، الى حفر آبار لا يتعدى عمقها نصف قامة في بعض المناطق التي تكون فيها المياه الجوفية قريبة من السطح. والحقيقة أن سر هذه المعرفة، تحتفظ بها بعض القبائل دون غيرها (59)، كما أن لقبيلة مسوفة مثلا «المعرفة بأوضاع البر وأشكاله والهداية فيه والدلالة على مياهه بالصفة والمذاكرة (60)
6
وهكذا يبدو واضحا خطورة قطع الصحراء، وبالتالي فان التجار جندوا كل شيء لضمان نجاح رحلاتهم، وأكتسبت بعض القبائل من ذلك
خبرة خاصة.
ومن الاحتياطات التي كان التجار يتخذونها لعبور الصحراء الكبرى ما يرويه لنا الادريسي عندما يقول «وصفة السير بها أنهم يوقرون أحمالهم السحر الأخير، ويمشون الى أن تطلع الشمس ويكثر نورها في الجو ويشتد الحر على الأرض فيحطون أحمالهم ويقيدون أجمالهم ... ويخيمون على أنفسهم ظلالا تكنهم من حر الهجير وسموم القائلة ويقيمون كذلك الى أول وقت العصر وحين تأخذ الشمس في الميل والانحطاط في جهة المغرب يرحلون من هناك ويمشون بقية يومهم ويصلون المشي إلى وقت العتمة ويعرسون أي وصلوا ويبيتون بقية ليلهم الى وقت الفجر الأخير ثم يرحلون وهكذا سفر
التجار الداخلين الى بلاد السودان على هذا الترتيب لا يفارقونه: (61): ان هذا الوصف الدقيق الذي أفادنا به الادريسي مهم جدا في معرفة الخطوات التي كانت القوافل تتخذها، وهو وصف يبين بشكل واضح ما
(59) الادريسي: ص 11.
(60) ابن حوقل: ص 101، ويذكر ابن بطوطة أنه اكترى دليلا من مسوفة ليسافر معه الى مالي بالسودان أنظر رحلته
، ص 678
(61) الادريسي: ص 18. وهناك وصف آخر قريب من هذا لمشاق عبور الصحراء ذكره ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 12.
-221 - (1/229)
صفحة 230
يلاقيه التاجر مع السودان من تعب ونصب في قطع الصحراء الكبرى، وهو أمر ليس بالهين. والنص واضح في تقسيم فترات الحركة والمسير عن فترات الراحة والتوقف.
بالاضافة الى ما قيل في هذا الجانب، فان على التاجر أن يكون حذرا من هوام الأرض ودوابه وهي كثيرة (62). وان يحترس من الأعداء وقطاع الطرق. ولعل أخطر عدو للقوافل المتوجهة الى السودان، تلك الرياح العاصفة التي تشتت شمل التجار وقافلتهم، وتنفر الجمال، وتمحي آثار المسالك فيقع الكثيرون منهم ضحية لها ضائعين تائهين (63). والحقيقة أن تلك الصحراء شاق ومهول، ومشاقها أكثر من أن تحصى ولعل أحسن عبور تاجر اباضي مع السودان، وصف متاعب ذلك السفر ومشاقه، هو العالم الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم (64)، المتوفي سنة 570 هـ وهو الذي
قال شعرا:
جزى اللهُ وَارَجلان خَيْرَ مَا جَزَى بِهِ بَلدًا عَنْ طَالِبِ الْخَيْرِ سَائِرِ هُوَ جَنَّةُ الدُّنْيَا وَأَبْوَابُ مَكةَ وَمَعْدِنُ تِبْرِ غَانَةَ وَالدَّنَانِرِ فَمَن كَانَ يَبْغِي الْحَجِّ فَلْيَأْتِ وَارَجُلَانَ يَجِدُ سُبُلَهَا رَحْبا وَخَفْرَةً خَافِر فلا وُجودَ في الدُّنْيَا لِمَنْ قُلْ مَالُه وَلا مَالَ الَّا مَا أَتَى بِالْمَتَاجِرِ وَيَفْتَخِرُ الجَهالُ بالمَالِ وَالنّدَا وَقَدْ سَرَقُوهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَخَاطِرِ وَلَنْ يَكْسِبَ المالَ الْحَلالَ سَوَى امْرِءٍ يَجُوبُ الْهَوَامِي نَحْوَ غَانَةً صَابِرِ وَلَيْسَ يَهَابُ الجَرْ وَالقَرَّ والشَّوَا وَلا الشَّمسَ وَالظُّلُمَاء ذَاتِ الدِّيَاجِرِ
(62) الادريسي: ص 18
(63) ابن حوقل: ص
61
(64) أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني: القصيدة الحجازية، مخطوط في حوزة السيد محمد بن أيوب الحاج سعيد بغرداية. وتقع القصيدة في 375 بيتا دون فيها رحلته الى الحج وعودته سالما الى موطنه وارجلان، الذي
يراه جنة الدنيا. أما مطلع قصيدته فهو: ذيري عذيري من ذوات المعـ
ذوات العيون النجل بيض المحاجر
أنظر: ورقة 15 - 16
-222 - (1/230)
صفحة 231
وَيَسْتَصْفِرُ الأهوَالَ مِنْ حَيْثُ أَقبلت ولو أنهَا أَمْثَالَ وَخْز الخنازي والحقيقة أن ما وصف به أبو يعقوب وارجلان، والمسالك نحو السودان لا شك، أنه كان قائما على أيام الرستميين، وانما اكتسبت وارجلان دورها ذاك منذ عهد الدولة الرستمية في القرن الثالث الهجري.
ولعل ما ذكره ابن خلدون (65)، عن عدد جمال قافلة تجارية واحدة ما بين فزان وبلاد السودان، والذي يبلغ تعدادها اثنتي عشر ألف راحلة ليس بالأمر المستبعد (66)، خاصة اذا علمنا أن ابن حوقل يذكر كثرة الجمال في بلاد المغرب وصحاريه، ويقول بأنها لا تدانيها في الكثرة ابل العرب» (67) والواقع أن تلك الكثرة تتماشى مع نشاط التجارة العابرة للصحراء، والتي كان فيها الجمل هو السر الحقيقي في نجاحها، وقد أدى فيها مالم تؤده السفن في التجارة البحرية. ورب تاجر لوحده يتخذ ثلاثين جملا الى بلاد السودان وبمجرد وصوله يبيعها كلها، ولا يستبقي منها الا ثلاثة أو اثنين: واحد لمركبه وآخر يحمل عليه ماءه. ومبلغ الجمال المباعة. يأخذه ذهبا على بغير ثالث (68) .. وإذا كان هذا التاجر قد أخذ الجمال الى السودان بضاعة، فما البضائع الاخرى التي يمكن أن تصدرها الدولة الرستمية الى تلك البلاد؟
هي
د - صادرات الدولة الى بلاد السودان:
في الحقيقة لا تذكر المصادر المتوفرة بين أيدينا بضاعة رستمية بعينها وانما كل ما في الأمر، أنها تشير الى بعض البضائع التي يحتاج اليها السودان وتلقي فيه سوقا رائجة، من الممكن جدا أن يكون التجار الاباضيون أو
(65) ابن خلدون: العبر، ج 7، ص 108
(66) يذكر البكري أن ألف بعير محملة تمرا تخرج يوميا تقريبا من قسطيلية ص
48
-223 -
98
(67) ابن حوقل: ص
Dengel G.: opcit, p. 225, note 4 (68) (1/231)
صفحة 232
الرستميون بصفة عامة يستعملونها في تجاراتهم، ويستبدلونها ببضائع. السودان .. وتأتي الحبوب والتمور في مقدمة ما يمكن للتجار المغاربة نقله الى السودان، ويخبرنا الأدريسي (69)، أن تلك البلاد لا يوجد بها القمح كثيرا مما يحتمل أن يكون مجلوبا لها من المغرب (70). أما التمر فان أهل وارجلان يتاجرون به مع السودان، كما أن بلاد قسطيلية بالجنوب التونسي كان يخرج منها في أكثر الأيام ألف بعير محملة بالتمر (7)، لا شك أن للسودان نصيبا منها ولما كان السودانيون يلبسون الجلود، فلا يستبعد أن تكون الجلود الزويلية والغدامسية (72) من بين البضائع التي تصدرها الدولة الرستمية الى تلك المناطق، بالاضافة الى ما تنتجه من فواكه يمكن تجفيفها كالزبيب والتين أو ما تصنعه من أواني فخارية، خاصة وأن الاكتشافات التي أجريت على مدينة أودغست، أثبتت وجود مثل هذه الأواني، التي حملت اليها من بلاد المغرب (73). وربما كان التجار الاباضيون يأخذون بعض الألبسة الصوفية الكثيرة الاستعمال في السودان، والألبسة الكتانية والقطنية والحريرية، كما أنهم يحملون الى بلاد السودان بعض البضائع المشرقية أو الألبسة، مثل الأواني الزجاجية والأفاوية والعطور، وربما آلات حديدية وتحف معدنية (74)
والواقع أن المصادر لا تذكر شيئا مفصلا عن هذا الجانب الهام من التجارة المغربية السودانية، ولكن الشك لا يتطرق الى كثرة وتنوع
(69) الأدريسي: ص 5 ـ 6، 13، 99 (70) يذكر صاحب الاستبصار أن السودان يستورد السميد من فاس فلعل قمح تيهرت الوافر الذي تطحنه الارحية العديدة يأخذه التجار الى بلاد السودان وينفعهم أيضا في طريقهم معاشا لهم. أنظر الاستبصار ص 181.
(71) البكري: المغرب
، ص
48
(72) اليعقوبي: البلدان، ص 98، الاستبصار: ص 145
Dengel G.: Ibid, p. 226, note 9 (73)
(74) ياقوت الحموي: البلدان
معجم
، ج 2، ص 12. أنظر كذلك علي دبوز: المرجع السابق، ج 3، ص 347،
العدوي ابراهيم أحمد الجزائر تكوينها الاسلامي والعربي، المطبعة الفنية الحديثة، الأنجلو المصرية، القاهرة،
-224 -
1970، ص 200 (1/232)
صفحة 233
البضائع المصدرة الى بلاد السودان، وهو ما عبر عنه الادريسي جملة عندما قال «والخيرات مجلوبة اليهم من أطراف الأرض وأقاصيها (75). ويعتبر الملح، أهم بضاعة، على الاطلاق، في التجارة مع السودان وهو مادة يفتقر اليها أهل السودان كثيرا، وكان ملح أوليل في الطريق الغربي (76)، وملح توتك في الطريق الأوسط (77)، يتخذ عملية وتقدا للتبادل التجاري أو المقايضة بتعبير أصح، ولم يكن الملح بضاعة مغربية بحته، وانما كان التجار التيهرتيون وغيرهم، يستبدلون بعض بضائعهم بالملح في أوليل أو توتك، ويأخذونه الى غانة أو كوكو، حيث يكثر طلبه وبإلحاح، خاصة وأن أهل السودان كما يقول الادريسي (78) يملحون به من السمك والحيتان التي يصطادونها من (النيل) نهر النيجر، وهي قوام معيشتهم في السنة كلها
ضروبا
والجدير بالذكر، أن البضائع التي كان التجار في المغرب يتعاملون بها مع السودان، لم تكن ذات أهمية كبيرة في معظمها، بالنظر الى ما يجلبونه من بضائع نفيسة كالذهب مثلا، وتكتسب بضائع المغرب قيمتها من طول السفر ومشاقه بقطع الصحراء. وخلاصة القول أن تجار المغرب الأوسط والأدنى، كانوا يصدرون الى السودان حاصلات بلادهم الزراعية ومصنوعاتهم اضافة الى ما كانت تردهم من منتوجات ومصنوعات البلاد الأخرى، التي كانوا يتاجرون معها كالمشرق والأندلس
هـ - واردات الدولة من بلاد السودان:
بالمقابل مع البضائع التي كان التجار من الاباضية يحملونها الى بلاد
(75) الادريسي: ص 9.
(76) البكري: ص 171، عن أوليل وأهمية اللح فيها أنظر خاصة ابن حوقل: ص 92، الادريسي: ص 3.
(77) البكري: ص
،
173
عن الملح وأهميته في التجارة العابرة للصحراء أنظر: بوفيل أي دبليو: المالك
الاسلامية، سبق ذكره، ص 112 وأنظر موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 248 - 249.
(78) الادريسي: ص
6:
-225 - (1/233)
صفحة 234
السودان، فانهم كانوا يجلبون من هناك بعض الاحجار الثمينة والشب والعنبر وريش النعام، وغيرها (79) من البضائع التي لا يستبعد أن تكون في ركب التكرور (80)، الذي يذكره الشماخي (81)، والذي قدم من بلاد السودان الى شروس أم قرى جبل نفوسة. ويقول الشماخي بأن حاكم الجبل أمر باغلاق الأسواق والبروز الى الركب من أجل الانتفاع بالبيع والشراء.
هكذا يبين لنا الشماخي جانبا مهما في تجارة جبل نفوسة مع السودان فبالاضافة الى ما توحي به هذه الرواية من تنوع بضائع ركب التكرور، نما دعا الامر الى اغلاق الأسواق والاستفادة من تلك البضائع، فان الرواية واضحة في اهتمام العامل، وأهل جبل نفوسة، بقوافل السودان واحترامهم لتجارها خاصة اذا كان من أهل تكرور السودانيين كصاحب هذا الركب وهو دليل على مشاركة السودانيين أنفسهم في التجارة العابرة للصحراء ولم يكن الاباضية وغيرهم من أهل المغرب لوحدهم يقومون بهذه التجارة المغربية - السودانية.
،
لم يكن التجار، ليغامروا في الصحاري الكبرى للوصول الى السودان من أجل جلب تلك البضائع فقط، لولا وجود مادتين نفيستين يزيد الطلب عليها كل يوم، ونقصد بها الذهب والرقيق، فكيف كانت تجارتها؟ وكيف تجري المبادلة لجلبها؟ وما مدى مساهمتها في اقتصاد المغرب في عهد الدولة الرستمية
ص
183، ويذكر الادريسي أن شب كوار بالكانم بالغ الجودة يتجهز منه الى سائر البلاد أنظر: ص 26، الاستبصار: ص 216.، علي دبوز: المرجع السابق، ج 3، من 347، عبد العزيز سالم،
:
:
(79) البكري
الأدريسي
ج 2، المرجع السابق
، ص
-573
577 -
(80) التكرور مملكة تقع الى الغرب من غانا ولا يعرف عنها الا القليل. وقد أطلقت هذه التسمية على كل
السودان الغربي وعلى سكانها في مرحلة من المراحل، أنظر: بوفيل أي دبليو: المرجع السابق، ص 111 - 112 (81) الشماخي: سير؛ ص 273 - 274، هذه الرواية تلل، كما لاحظ الدكتور محمود اسماعيل، على ترحيب أئمة
بني رستم وعمالهم بتجار السودان وذلك بفتحهم لهم أسواقهم، ومعاملتهم بالحسنى وتقديم التسهيلات التجارية لهم باعفاء بضائعهم وسلعهم من الضرائب والرسوم أنظر محمود اسماعيل: الخوارج، ص
209
-226 - (1/234)
صفحة 235
تجارة الذهب والرقيق:
ليس هناك شك في أن التجار الذين غامروا بقطع الصحراء، ومقارعة الموت، كان هدفهم الثروة الطائلة التي تكتسب بسرعة. فكانت تجارة الذهب والرقيق أهم بضاعتين، كان يخرج من أجلها التاجر الاباضي وغيره والحقيقة أن المادتين كلتيها ثمينتين لشدة الطلب عليها
ولقد كانت هاتان البضاعتان، محتكر تجارتها من طرف الخوارج الصفرية في الطريق الغربي خاصة حيث سجلماسة عاصمتهم، والاباضية في المسالك كلها (82). ولقد رأينا انتشار الاباضية في تلك الطرق وبعض المراكز المؤدية الى السودان. والحقيقة أن التسامح الذي أظهرته كل من الدولتين الرستمية والمدرارية، كان سببا في انعاش تلك التجارة بشكل أو بآخر فشارك فيها الأندلسيون والمشارقة (83)، كما ساهم فيها اليهود، وبقيت مسالك تلك التجارة تهيمن عليها القبائل البربرية الاباضية والصفرية بشكل دائم، وخاصة منها قبيلة زناتة (84) التي كان لها نشاط واسع في التجارة العابرة للصحراء ولم يستطع العبيديون بعد اسقاطهم للرستميين، القضاء على هينتها تلك لعظم بطونها، وانتشارها في أغلب ربوع بلاد المغرب العربي خاصة المغرب الأوسط الذي هو في الأغلب ديار زناتة كما يقول ابن خلدون (85). ولم يقو العبيديون أيضا على السيطرة على الطريق الأوسط الذي يهين عليه اباضية وارجلان (86) رغم محاولاتهم المتكررة كما سبق أن
أشرنا اليه
6
(82) 150. Lombard Maurice : l'Or Musulman Annales (Eco-Soc-Civi) n 2 opcit, p وأنظر
كذلك
موريس لومبارد: المرجع السابق، ص
(83) فيلالي عبد العزيز: المجلة السابقة
، ص
283
36
(84) الجنحاني الحبيب: العلاقات السياسية والاقتصادية، المحاضرة المذكورة، ص 9، وأنظر موريس لومبارد:
المرجع السابق، ص 87، 283، وأنظر بوفيل أي دبليو: المرجع السابق، ص 75 - 76.
(85) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 203.
(86) الجنحاني الحبيب: دراسات مغربية، ص
68
-227 - (1/235)
صفحة 236
وكان الرقيق يجلبون من الاحراش، في أدغال افريقيا، يجلبهم ملوك
غانا وكوكو وجنودهم من القبائل البدائية، أكلة لحوم البشر، في بلاد الملم. يغيرون عليهم ويسبونهم بضروب من الحيل ويجلبونهم الى بلادهم فيشتريهم التجار المسلمون (87) لينقلوهم بدورهم بضاعة عبر الصحراء، الى أسواق المغرب العربي. وكانت أعداد كبيرة منهم ترد بلاد المغرب، كما كانت كثرتهم ظاهرة في الدولة الرستمية، اذ كان السكان غالبا ما يتخذونهم خدما (88) فالقاريء للكتب الاباضية، يلاحظ كثرة استعمالهم من طرف العلماء المترجم لهم في تلك المصادر، فضلا عن الاغنياء وعامة الناس الذين لم يهتم أصحاب تلك الكتب، وكان العبيد بهذا يشكلون جزءا ظاهرا من سكان الدولة الرستمية (89). وكانت أعداد منهم تباع في أسواق تيهرت ووراجلان وجبل نفوسة ووهران وتنس أهم المراكز الاقتصادية في البلاد المرتبطة بتجارة الذهب والعبيد، ومن تلك الاسواق تخرج اما الى القيروان أو الى المشرق العربي (90)، أو الى بلاد الأندلس ليتخذ خدما في الدور والمزارع.
M
ويحتمل أن يكون التجار التيهرتيون وغيرهم، في بلاد المغرب، قد قاموا بدور كبير في توزيع هذه البضاعة المطلوبة، حيث أن الاصطخري يذكر أن «الخدم السود الذين يباعون في بلدان الاسلام منهم، وليس هم بنوبة ولا بزنج ولا بحبشة ولا من البجة، الا أنهم جنس على حدة أشد سوادا من الجميع وأصفى» (91)
(87) الادريسي: ص 5، 7 وأنظر بوفيل أي دبليو: المرجع السابق، ص 111
(88) ابن الصغير:
ص
52. 48
(89) لعل في اهتمام ابن الصغير بمخارج كلمة سودانية قيلت لابن عرفة سفير الامام أفلح الى ملك السودان ما يدل على انتشار العبيد السوداني في تيهرت خاصة، وبالتالي انتشار لغتهم بحيث أصبحت معروفة والا فما تفسير ذلك
الاهتمام؟ أنظر ابن الصغير: ص
(90) ابن حوقل: ص
97
(91) الاصطخري: المسالك
31
، موريس لومبارد: المرجع السابق، ص
، ص
35.34
266
-228 - (1/236)
صفحة 237
ان رواج تجارة العبيد، قد بعث بدون شك، نشاطا كبيرا في اقتصاد المغرب الأوسط خاصة والمغرب العربي عامة، اذ بالاضافة الى فوائدهم التجارية كبضاعة فانهم كانوا يستعملون في بعض الصناعات (92) ويتخذ
خدما عند العائلات (93). ويقوم بالاعمال الفلاحية كالحرث والاستقاء من أعمال العبيد في تلك القرون. الآبار وفي المزارع وهي
وفي خط متواز مع تجارة العبيد، كانت تجارة الذهب الخالص أو التبر تلقى رواجا منقطع النظير في القرن الثاني الهجري وبعده وربما كان الالحاح على الذهب أكبر، والطلب أكثر لمنافسة الدول على اقتنائه، والافتخار بتكديسه في الخزائن. وقد لعبت الدولة الرستمية بأسواقها الواقعة في نهايات المسالك التجارية، كوارجلان وتيهرت وجبل نفوسة، وبهيمنتها على المسالك كلها تقريبا وذلك بتربعها على أغلب بلاد المغرب (94)، لعبت دور الوسيط في تلك التجارة الرابحة. فكانت العاصمة الرستمية بمثابة همزة وصل، بين النشاط الاقتصادي في الاندلس والمغرب الأقصى، وبين افريقية التي تصلها بأسواق المشرق العربي، وبين بلاد السودان حيث معدن الذهب فكيف كان يجمع هذا الذهب؟ وكيف يتم بيعه في السودان؟ وما مدى مساهمته في الاقتصاد الرستمي؟
الدولة
في الحقيقة، لا نعرف الكثير عن كيفية جمع الذهب من مصادره الأصلية الا مارواه الادريسي، ولا نراه يختلف عما كان في عهد الرستمية ومفاده أن على بعد ثمانية أيام من مدينة غانة تقع جزيرة ونقارة حيث معدن التبر المشهور بالطيب والكثرة. وكان النيل) نهر النيجر يحيط بها من كل جهاتها ويغشاها في شهر من شهور السنة التي يفيض فيها،
247
(92) الشماخي: يذكر أن امرأة نفوسية كان لها ثلاث عشرة أمة أو جارية ينسجن لها. سير، ص (93) يذكر صاحب الاستبصار أن نوعا من السودانيات اللائي يجلبن من أودغست ماهرات في الطبخ يحسن عمل الاطعمة ولا سيما أصناف الحلاوات. فلا يوجد أحذق بسنعتها منهن. الاستبصار: ص
216
-229 -
Lombard Maurice : Ibid, p. 150 (94) (1/237)
صفحة 238
يغطيها كلها أو أكثرها وبعد مدة يأخذ في التراجع والجزر فيأتي أهل السودان للبحث طول أيام الجزر عن التبر «فيجد كل انسان منهم في بحثه هناك ما أعطاه الله سبحانه كثيرا أو قليلا من التبر وما يخيب
منهم
أحداً» (95)
«
ويضيف الادريسي أن أهل ونقارة هؤلاء، أغنياء والتبر عندهم
وبأيديهم كثير، يبيعون أكثره لأهل وارجلان وأهل المغرب الأقصى
الى جانب هذه الرواية التي تبرز مختلف الجوانب في التجارة السودانية المغربية، كحقول الذهب وكيفية جمعه ومكان وجوده، يذكر ياقوت الحموى (96) أن أقواماً من السودانيين العراة كانوا يختفون عند قدوم تجار الذهب في مكامن وأسراب تحت الأرض، يرى بوفيل (97) أنها هي مناجم معدن التبر ويضيف الحموي أن طريقة بيعه في السودان كانت تتم بالمقايضة على نهر النيجر فعندما يصل التجار الى تلك المناطق، يضربون الطبول إيذاناً بمجيئهم فيختفي العراة في مخابئهم بالارض، ويعرض التجار بضائعهم على شكل أكوام على ضفاف نهر النيجر، ثم يتراجعون بعيدا عن الانظار، ليخرج الزنوج العراة فيضعون بدورهم أكواماً من الذهب الى جانب كل كومة من البضاعة فينسحبون الى مغاراتهم من جديد، ثم يعود التجار لأخذ تلك الأكوام من الذهب ان رضوا بها. وتختتم صفقات هذا السوق البدائي بقرع الطبول مرة ثانية (98)
(95) الادريسي: وصف، ص 8 - 9، وأنظر زبادية عبد القادر الذي أكد هذا وقال بأن النهر يمر على مكان
وجود فلزات الذهب وعند جزره تظهر الفلزات لامعة في العراء بفعل تنقية النهر لها وغسلها من الاتربة العالقة يها وهكذا يسهل على الاهالي التقاطها. أنظر مملكة سنغاي في عهد الأسيقيين، ص 188
110
(96) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 12 - 13 (97) بوفيل أي دبليو: المرجع السابق، ص (98) هناك رواية لابن الفقيه عن جلب الذهب من مصادره، مفادها أن هذا المعدن الثمين ينبت في رمل السودان نباتا كما ينبت الجزر ويقطف عند بزوغ الشمس. وظاهر على الرواية صفتها الاسطورية، أنظر مختضر
-230 -
87
كتاب البلدان، ص (1/238)
صفحة 239
ان هذه التجارة الصامتة، بأسلوبها البدائي تعتبر أول مراحل اقتناء
الذهب من مصادره، وهي مرحلة كان يقوم بعملياتها المذكورة السودانيون أنفسهم (99): العراة أصحاب موطن الذهب، والتجار من أهل غانة أو كوكو، وبهذين المركزين من مراكز السودان، يتصل تجار المغرب بتجار السودان، فيقع التبادل التجاري بالبضائع التي سبق أن ذكرناها، ويرجع التجار المغاربة الى الشمال بالذهب، يأخذونه الى دور السك في المدن الرئيسية الواقعة في نهايات مسالك التجارة كتيهرت، وسجلماسة: و وارجلان في فترة من الفترات حيث يضرب دنانير، الا أن الجزء الاكبر منه مثله مثل الرقيق ينقل بضاعة الى القيروان، ومنها الى المشرق، كما يجهز الى الأندلس (100) خاصة من مرافيء تنس وفروخ ووهران
و - مظاهر التجارة العابرة للصحراء:
كان للرستميين دورهم البارز والرسمي في تجارة الذهب والعبيد فلقد بنا أن الامام أفلح قبل توليه الامامة، طلب من أبيه عبد الوهاب التوجه الى بلاد كوكو (جوجو)، فأبى هذا منه ذلك، لخطا واحد صدر منه في مسألة فقهية في البيوع عندما امتحنه (101). ولم يتردد أفلح في طلب مثل هذا، ولم يخف اقتحام الصحراء وبلاد أكلة لحوم البشر، لأنه يعلم جيدا رواج تجارة الذهب مع السودان، والربح المغري التي تدره على المساهمين فيها وعلى اقتصاد الدولة وهما جانبان تمثلا بشكل واضح في شخصية أبيه الامام عبد الوهاب الذي قال عن نفسه: «لولا أنا ومحمد بن جرني. ويبيب بن زلغين، لخرب بيت مال المسلمين: أنا بالذهب .... » (102)
(99) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 146.
222
82
(100) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص
(101) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 39، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 320، الشماخي:
(102) الشماخي: سير، ص 205
-231 - (1/239)
صفحة 240
لقد كان الامام عبد الوهاب اذن، من التجار الكبار بالذهب الى درجة أنه اعتبر نفسه احدى الموارد الاساسية لبيت المال. فلا شك أن هذه التجارة التي كان يقوم بها هذا الامام حتى يكتسب تلك الثروة الذهبية التي يتحدث عنها بنفسه، كانت رسمية، على الأقل مع بلاد الأندلس التي كانت العلاقات جد وطيدة بين أمرائها الأمويين والأئمة الرستميين، لذلك اكتسب، ما هو جدير بأن يفتخر به.
ولا يستبعد أن تكون ثروة عبد الوهاب، هي التي حرضت ابنه أفلح للتوجه الى بلاد كوكو، تلك الزيارة التي لم تتحقق لأفلح، ولكن الفكرة أو الرغبة بقيت كامنة في نفسه بحيث أن ابن الصغير (103) ـ يخبرنا ـ عن سفارة له في عهد امامته (208 - 258 هـ (الى ملك السودان، سفارة كان على رأسها محمد بن عرفة، الرجل الوسيم الجميل الجواد. اختاره أفلح فأوفده بهدية الى ملك السودان، الذي أعجب بجماله وأدبه. ولا نعرف بالضبط المملكة السودانية التي توجهت اليها السفارة، ولكن الذي يهمنا أن الأئمة أنفسهم كانوا من المشاركين في تجارة الذهب مع السودان، ومن المهتمين بأرباحها، فضلا عن بقية الرعايا، أو المغامرين الذين يأتون من مختلف البقاع طمعاً في الربح السريع.
إن لهيمنة الخوارج بصفة عامة والدولة الرستمية بصفة خاصة، على نهايات المسالك العابرة للصحراء، الأثر الفعال في اقتصاد الرستميين اذ لا. . يخفى ما تدره مثل هذه التجارات من أرباح على المساهمين فيها وعلى الأسواق عامة، الأمر الذي يمكن أن يرفع مستوى المعيشة الى حد أقصى الا نفتقر الى معلومات حول ما اذا كانت الدولة تجبي رسوماً على هذه التجارة الرابحة، خاصة وأن أسواقها لا تلعب الا دور الوسيط في تلك التجارة، حيث أن الذهب والعبيد كليهما لا تستفيد منها الدولة الرستمية
أننا
(103) ابن الصغير: سيرة، ص 31.
-232 - (1/240)
صفحة 241
وحدها، وانما يؤخذان الى خارج حدودها، فاذا كانت الخزينة الرستمية تستفيد من الدور الوسيط الذي تلعبه في هذه التجارة، فهل كانت تفرض رسوما على القوافل الخارجة من حدودها؟ وهل كانت تستفيد من التجار الذين لا يستقرون في مدنها، على الأقل من زكواتهم التي لاشك أن تكون كبيرة بكبر حجم التجارة العابرة للصحراء؟
لا أثر يدل على ثبوت شيء من هذا، الا أننا لا ننفي اطلاقا مساهمة هذه التجارة في رفع المستوى الاقتصادي للدولة، على الأقل بفعل عبور مثل تلك الأموال الذهبية الضخمة على أسواقها، وهو ما يترك حيوية ونشاطا دائبين في تلك الأسواق. ولعل أهم فائدة جنتها الدولة الرستمية تلك القوافل الذهبية، ما دخل دور سكها ليحول الى عملة متداولة أو من حليا يقتنى ويبدو أن استفادة الرستميين من تجارة الذهب كانت بقدر مساهمتهم فيها، فلما كانت هذه ضخمة، أنعكس عنها ازدهار ورخاء في الاقتصاد، ورقي في المستوى المعيشي، وتطور في المجتمع الذي يلوح لنا أنه انتقلت طائفة منه من طور البداوة الى طور الحضارة والاستقرار، وذلك بالمساهمة في تلك التجارة الصحراوية. ومن مظاهر النمو الاقتصادي، والاستفادة من ذهب السودان، وجود الصيارفة في تيهرت، فابن الصغير (104) يحدثنا عن تاجر ثري يدعى أبا محمد الصيرفي، له ضلع بماله الواسع في الفتن التي نشبت في أواخر أيام الدولة الرستمية. فمهنة الصرف أو الصيرفة (105) إن دلت على شيء فانما تدل على وفرة السائل النقدي، وتنوعه الامر الذي يتطلب صيارفة لاستبدال العملات ببعضها، أو لتقييم أوزان بعضها الآخر، وفرز المغشوش منها عن صحيحها، وهذا يمثل أرقى
مظاهر النشاط التجاري والتقدم الاقتصادي.
(104) ابن الصغير: ص 38 - 39، وأنظر الترجمة الفرنسية لموتلنسكي ص 101
(105) عن الصرف والصيرفي: أنظر ابن منظور: لسان العرب المحيط، م 2، دار لبنان العرب، بيروت،
16
-233 -
كلمة «صرف» (1/241)
صفحة 242
واذا كان الرستميون قد استفادوا اقتصاديا واجتماعيا، من تجارتهم مع
السودان، فانهم من جهة أخرى أفادوا العالم الاسلامي، وساهموا في تزويده بالمعدن الثمين، وهو بضاعة لا شك أن المراكز الاساسية بالمشرق كثيرة الالحاح في طلبه فضلا عن القيروان التي يعبر خلالها (106). أما الأندلس الذي كان الأمويون فيه، الى القرن الثالث يضربون غير الذهب عملة، فانهم مع بداية القرن الرابع سكوا أول عملة ذهبية لهم، وذلك في غمرة الاضطراب السياسي الذي كان يعيشه المغرب العربي بدخول العبيديين، الذين حاولوا السيطرة على جميع مسالك الذهب، واحتكار التجارة فيها، الأمر الذي يترتب عنه، ولا شك تذبذب وعرقلة في وصول الذهب الى المغرب فضلا عن الأندلس ولا ننسى أن العبيديين كانوا في صراع مع الأمويين وتنافس حاد
معهم
(107)
إن هذه الأسباب كلها، جعلتني أعتقد جزما، أن ضرب أمويي الاندلس لأول عملة ذهبية لهم، في تلك الظروف بالذات، لم يكن ليتحقق لولا الاحتياطي الكبير الذي مولهم به الرستميون من قبل واستطاعوا توفيره فقد كانت أسواق الرستميين ومرافئهم معابر للذهب المشحون إلى الأندلس ولا أستبعد أن يكون السبب في تحطيم الامام أفلح للعباسية، المدينة التي بناها الأغالية على مقربة من تيهرت (108)، هو وقوعها في نهاية مسلك رئيسي لتجارة الذهب مع السودان، وهو المسلك الأوسط، أو المسلك الرستمي البحث إن صح التعبير، وكان على ما يبدو هو المسلك الرئيسي الذي يربط بلاد السودان بالأندلس عبورا على تيهرت، وبالتالي فان بناء مدينة مثل العباسية على مقربة من تيهرت، من شأنها أن تعرقل حركة
(106) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 83، 155، 156، 182، 296، وأنظر الجنحاني الحبيب: العلاقات السياسية المحاضرة المذكورة ص 9.
(107) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 157، الجنحاني الحبيب: دراسات مغربية، ص 68، 89 - 90 (108) البلاذري: فتوح البلدان، ص 236، ابن خلدون: العبر، ج 4، ص
429
- 234 - * (1/242)
صفحة 243
سيلان الذهب في ذلك المسلك بالذات، فضلا عن وجودها في أراض رستمية، وعلى مقربة من العاصمة (109). ولهذا السبب، حسبما يظهر، أخبر أفلح حكام الأندلس بفعله، وللسبب نفسه ولأهمية الحدث عندهم ودوره في اقتصادهم، بعثوا اليه بهدية ثمينة تقدر بمائة ألف درهم (110)
لقد كان الرستميون، اذن، أهم ممول للأندلس بمعدن الذهب وذلك جنبا الى جنب مع القمح والماشية والرقيق، وقد لعبت مرافيء المغرب الأوسط في هذه التجارة دورا بارزا، اذ كان معدن الذهب بمثابة عملة رستمية أساسية، بها كانت تجلب البضائع التي هي في حاجة اليها وخاصة منها. البضائع الأندلسية التي يتراى لنا أنها مهمة جدا وضخمة، وذلك بحكم العلاقة الوطيدة (111) التي كانت تربط الاسرتين الحاكمتين في المغرب والأندلس
لقد استمرت تجارة المغرب مع السودان قرونا متواصلة (112)، الا أن سقوط الرستميين على يد العبيديين سنة 296 هـ، حد من نشاط التجار الاباضية، وأصبحوا لا يهينون الا على المسلك الأوسط، الذي جعلوا مدينتهم وارجلان حدا نهائيا له، يضربون الذهب به، باسم بلدهم وارجلان، وقد لاحظ ذلك الادريسي
ويبدو أن نشاط تجارة المغرب الأوسط مع السودان، لم يتوقف بانتهاء حكم الرستميين، ولكن قبل ذلك باعوام، خاصة في السنوات الأخيرة من حكمهم، تلك السنين التي كثرت فيها الفتن، فأصبحت السبل غير آمنة
186
429
(109) الباروني: الأزهار، ج 2، ص (110) البلاذري: فتوح، ص 236، ابن خلدون: العبر، ج 4، ص (111) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 153 - 157، فيلالي عبد العزيز العلاقات السياسية
وأنظر 283 - 280. Dengel G: opcit. p (112) بوفيل أي دبليو: المرجع السابق، ص
(113) الادريسي: ص 9، 89
174
ص
109 - 96
-235 - (1/243)
صفحة 244
عينا
وكثرت اللصوص وقطاع الطرق، كما يخبرنا بذلك ابن الصغير المعاصر للأحداث (114) عوامل من شأنها أن تؤثر سلبا في نشاط التجارة، وهي الرستمية - السودانية، ثم إن الحكام في هذه الفترة لم يشاركوا في تلك التجارة مثلما كانوا سابقا في عهد الامامين عبد الوهاب وأفلح، لذلك نجد تركة الامام أبي اليقظان بن أفلح عندما عدت لا تتعدى سبعة عشر دينارا، وهو الذي زوده الخليفة العباسي بالأموال، قبل مغادرته بغداد، كما أن زهد يعقوب بن أفلح، جعله لا يجس بيده دينارا ولا درهما (115)، فهل هذا الا انصراف عن الحياة التجارية، الى حياة الزهد، وعزوف عن التجارة التي كان أبوهما وجدهما من أبرز المساهمين فيها، كما لا يستبعد أن تكون الفتن هي التي شغلتهما عن النشاط التجاري، ولعلها شغلت، أوردت العديد من التجار الراغبين في المساهمة في ذلك النشاط الحيوي من الاقتصاد الرستمي ولعل هذا الاضطراب السياسي الذي استمر الى أواخر أيام الحكم الرستمي أدى الى اضطراب تدفق الذهب على العاصمة تيهرت، وبالتالي تقلصت الفوائد التي كانت الدولة تجنيها من تلك التجارة، فلم تقو نعلي مواجهة الفتن لقلة وفرة المال. وهذه النتيجة نفسها، أدت الى تقلص جلب البضائع التي تحتاجها. وبذلك ضعف الكيان، وتمادى العدو، والثائر، والمتمرد في عصيانهم. فاجتمعت بذلك العوامل كلها للتمهيد لسقوط الرستميين في يد العبيديين دون مقاومة تذكر. تاركين نشاط التجارة العابرة للصحراء وفوائدها الجمة لهم، ليستغلوها بمختلف الوسائل وأوسعها اطلاقا (116)
(114) ابن الصغير: ص 57، وأنظر الدرجيني الذي يتحدث عن قطاع طريق تعرضوا لقافلة في عهد العامل
الرستمي الاخير على جبل نفوسة أبي منصور الياس، طبقات: ج 2، ص 321 - 322.
(115) ابن الصغير: ص 30، 40، 49، 54
(116) الجنحاني: دراسات مغربية، ص 45 ـ 67
-236 - (1/244)
صفحة 245
الفصل السادس)
المؤسسة المالية: بيوت الأموال ودار الزكاة
كان في الدولة الرستمية، كغيرها من الدول العربية الاسلامية آنذاك
6
بيوت أموال محلية عديدة، وبيت مال مركزي مقره العاصمة تيهرت ويقوم عمال الدولة بجمع الزكاة وصرفها في وجوهها كل في مقر ولايته (1). ويشير ابن الصغير، الى تعدد بيوت الأموال في عهد الامام الأول عبد الرحمن بن رستم فيقول «وبيوت أمواله ممتلاة» (2)
إن المعلومات التي نعرفها عن بيوت الأموال المحلية في مختلف المدن والولايات قليلة، كما أننا لا نعرف كيفية جمع الأموال، ولا كميتها. وتشير بعض المصادر الى هروب السكان من دفع الزكاة، وهو ما يفهم مما كان يفعله أبو يونس وسيم عامل الامام عبد الوهاب على قنطرارة، اذ كان يصعد الى «أشرف موضع حيث يسمعه الأقصى والأدنى فينادي بأعلى صوته لافرار من الصدقة والفار من الصدقة يؤذي ويكرر ذلك» (3)
(1) أعزام ابراهيم: غصن البان في تاريخ وارجلان (مخطوط) ورقة 30، علي يحيى معمر: الاباضية بالجزائر
ص
212 211
كان نظام تعدد بيوت الأموال سائدا في صدر الاسلام حيث أن للزكاة ديوانا خاصا بها في مركز الخلافة يتبعه فروع في سائر الولايات والبلدان. أنظر صبحي الصالح: النظم الاسلامية نشأتها وتطورتها ط 1، دار العلم
للملايين
359
، بيروت 1385 هـ/1965 م، ص (2) ابن الصغير: ص 15، وأنظر كذلك الشماخي: سير، ص 192، 221. (3) الشماخي: بير، ص 195، وتذكر المصادر الاباضية أن حفيداً للامام عبد الوهاب قصد النكار جابيا فقالوا له ابن المهدور دمه حيث أن أباه كان قد وجد مقتولا دون أن يعرف القاتل اثر فتنة النكار ويبدو أن هؤلاء أبوا من دفع ما عليهم من حقوق لذلك حاربهم الامام عبد الوهاب، وان انت تلك المصادر تعزو سبب القتال الى معرفة أن القاتل من النكار وذلك من كلمة. يابن المهدور دمه، وهو الأمر الذي لم يتقبله الشماخي. أنظر: -
=
-237 - (1/245)
صفحة 246
ومادامت معلوماتنا حول هذه البيوت قليلة جدا، فلا نرى أنها تكون مختلفة عن بيت مال العاصمة التي لنا عنها بعض المعلومات، احتفظ لنا بها ابن الصغير في كتابه القيم.
لم يكن في تيهرت بيت للمال (4) فحسب، وانما كان الى جانبها دار يعرف بدار الزكاة (5). وقد حاول الاستاذ الكعاك تفسير وجود هاتين المؤسستين الماليتين، ودور كل منهما فأتى بمبهم عندما قال «وغاية العلم أنه كان يوجد ديوان يعرف ببيت المال لقبض الأموال الداخلة ودار الزكاة. لدخول المال وخروجه» (6)، والحقيقة أن ابن الصغير لم يذكر دار الزكاة الا مرة واحدة يمكن أن يتبادر الى الذهن لأول وهلة أنها تسمية ثانية لبيت المال لاغير، الا ان المتدبر في نص آخر لابن الصغير نفسه، يلاحظ وجود فرق بين الأموال التي تجمع من الزكاة، والأموال التي تجبى من غيرها: فرق يتجلى في توزيعها وأماكن انفاقها ولأهمية النص ننقله كاملا:
يقول ابن الصغير: «وأهل الصدقة على صدقاتهم يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم في هلال كل ( .... ) (*) من أهل الشاة والبعير يقبضون ما يجب على أهل الصدقات لا يظلمون ولا يظلمون فاذا حضر ذلك صرف (عبد الرحمن بن رستم (الطعام الى الفقراء وبيعت الشات (كذا) والبعير فاذا صارت أموالا دفع منها الى العمال بقدر ما يستحقون على عملهم ثم نظر في باقي سائر المال فاذا عرف مبلغه أمر باحصاء من في البلد وفيما حول البلد ثم أمر باحصاء الفقراء والمساكين فاذا علم عددهم أمر
جميع
=
أبو زكرياء: سير، ص 64، الدرجيني: طبقات، ج 1 ص 56، الشماخي: سير، ص 153. أنظر كذلك الباروني: الأزهار، ج 2، ص 114، يذكر أن حفيد الامام أخذ الحقوق الشرعية ولم يمنعها ولكن النكار قالوا له: يابن المهدور دمه فحاربهم الامام اذ علم أن القاتل منهم لاغير.
(4) ابن الصغير: ص 18، 19، 41، 48، 49، 56، 75
(5) نفسه، ص
43
(6) الكعاك: موجز، ص
184
(1) بياض في الأصل.
-238 - (1/246)
صفحة 247
باحصاء ما في الأهراء من الطعام ثم أمر بجميع ما بقي من مال الصدقة فاشترى منه أكسية صوفا وجبابا صوفا وفراء وزيتا ثم دفع في كل أهل بيت بقدر ذلك ويأثر بأكثر ذلك أهل الفاقة من مذهبه، ثم ينظر الى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين وما أشبه ذلك فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم ثم إن فضل فضل صرفه في مصالح المسلمين (7)
لقد كان هذا في عهد عبد الرحمن بن رستم، ولا شك أن هاتين المؤسستين استمرتا الدولة الرستمية الى آخر عهدها. وتشير المصادر (8) الى أن رجال نفوسة كانوا هم الذين يتولون مسؤولية بيت المال في تيهرت، ولما كان النص مهما في ذكر موارد دار الزكاة وبيت المال ونفقات كل منهما، فبالامكان أن نشرح ذلك بشيء من التفصيل:
أ - دار الزكاة موارده ونفقاته:
لا يتغذى دار الزكاة الا من مورد واحد هو الزكاة لذلك، على ما يبدو، ينسب اليها. وليست لدينا معلومات عن كمية الزكاة وأرقامها، الا أنه بالامكان أن نقدرها جملة ونقول بأنها كانت كبيرة كبر الدار نفسها التي وصفها لنا ابن الصغير، عندما تعرض لذكر قصة القاضي الذي خرج ليلا باحثا عن ابن لأبي اليقظان، أتى بمنكر قيل إنه اختفى بدار الزكاة: وهكذا يفتش القاضي الدار كلها وتبدو لنا متكونة من أكثر من طابقين: وعدة غرف (9) ولا شك أن ازدهار الزراعة والتجارة، وتداول الذهب المجلوب من السودان، ورخاء البلد عامة، من الأمور التي تجعل كمية الزكاة
(7) ابن الصغير: ص 15 - 16 (8) ابن الصغير: ص 27، وأنظر كذلك الشماخي: سير، ص 192، 221، ويذكر ابن الصغير أن صاحب بيت المال في عهد الامام أبي حاتم يدعي عبد الرحمن بن صواب النفوسي، أنظر ص 56، وأنظر كذلك الشماخي:
سير، ض 263
(9) ابن الصغير: ص 43
"
-.239. (1/247)
صفحة 248
كبيرة. ولا أدل على ذلك مما ذكرناه عدة مرات في هذا الباب من قول الامام عبد الوهاب «لولا أنا ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين: أنا بالذهب ومحمد بن جرني بالحرث وابن زلغين بالأنعام» (10). وهذه المقولة واضحة في أهمية الزكاة كمورد وحيد لتلك الدار، وان كان نص الشماخي وهو متأخر جدا عن الفترة التي يؤرخ لها، يوظف لفظة بيت المال بدلا من دار الزكاة ولا نشك أن عبد الوهاب، انما ذكر ما ذكر لعظم ثروته الذهبية، وعظم ثروة ابن جرني وابن زلغين حتى وكأن دار الزكاة لا يمولها الا هؤلاء الثلاثة.
ومما يدل على كثرة ما يدخل دار الزكاة، فبالاضافة الى ما كان يدفعه التجار والفلاحون وأصحاب الماشية، فان النساء كن أيضا من المساهمات في تلك الدار بما فرض الله عليهن من زكاة حليهن (11) وهو مذهب اذباضية. ونظرا لتوفر الذهب بالقدر الذي سبق أن شرحناه. فمن الممكن أن نتصور كثرة زكاة الحلي، ومدى مساهمتها في تغذية الدار، فضلا عن الثروة الذهبية النقدية السائلة. وكان اباضية سجلماسة، كما يقول ابن الصغير يبعثون بزكاة أموالهم الى تيهرت لينتفع بها اخوانهم هناك (12) بذلك وهي تشكل موردا آخر لدار الزكاة خارجا عن حدود الدولة الرستمية.
أما نفقات هذه الدار، فقد كان النص صريحا في تفصيلها
،
وهي
تنطبق تماما مع ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالي: «انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (13)»
(10) الشماخي: سير، ص 204، يذكر الشيخ اطفيش أن ابن زلفين كان يملك مائة ألف من الابل والغنم واثنا عشر ألف حمار، وأما ابن جرني فكانت زكاته في السنة آلاف حمل من البر والشعير. أنظر الرد على العقبي: ص 68 - 73، وأنظر عن كثرة الغنم، وكسب الناس لها المزاتي: سير، ص 85 - 86
(11) الشماخي: سير، ص
239
(12) ابن الصغير: ص 46
(13) سورة التوبة: آية 6
-240 -
! (1/248)
صفحة 249
وهكذا نلاحظ أن أموال الزكاة انما تصرف أو تنفق في وجوهها المحددة في النص القرآني. ولهذا السبب ما ذكر من وجود دارين، دار للزكاة ودار لبيت المال، موارده من الأموال الأخرى.
واذا أردنا أن نعدد الوجوه التي تصرف فيها الزكاة، معتمدين على نص ابن الصغير، وجدناها تتلخص في الفقراء والمساكين والعمال. ولما كان الوجهان الأولان معروفين، بقي أن نشرح الوجه الثالث وهو العمال والقصد به هو الجباة وهو ما يوافق الآية الكريمة «والعاملين عليها» وهكذا فان الأموال العينية تحول الى نقد، خاصة منها الشياه والبعير. أما. الطعام والقصد به على ما يبدو، القمح أو السميد (14) فيوزع عينا على الفقراء لاحتياجهم اليه، ثم تصرف أجور الجباة. وبعد ذلك تجمع الزكاة، ويحصى الفقراء والمساكين في مدينة تيهرت وما حولها فتوزع عليهم أكسية وجبابا من الصوف وفراء وزيتا. ويبدو أن هذه العمليات تتم في بداية فصل الخريف، لذلك تعطى للفقراء حقوقهم أكسية شتوية من الصوف لاستقبال فصول البرد والمطر.
كلها
واذا كان ابن الصغير، يشير الى أن عبد الرحمن كان يؤثر بأكثر أموال الزكاة أهل الفاقة من مذهبه، فلا شك أن ذلك راجع الى أن أغلب السكان من الاباضية من جهة، ومن جهة أخرى لان دافعي الزكاة يكون أغلبهم من الاباضية، وبالتالي فان زكواتهم تعود الى أهل مذهبهم، كما أن زكاة غير الاباضية ترد الى فقراء غير الاباضية. أما أن يمنعوها كلها فهذا مالم تشر اليه المصادر، بل تثبت العكس تماما (15)
(14) ربما يقصد هنا بالطعام الميد أو الككي، وهي الأكلة الأكثر انتشارا في بلاد المغرب الى يومنا هذا (15) عن حق غير الاباضية في الزكاة في الدولة الاباضية: الدليل والبرهان لأهل العقول لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني، ج 3، ص 53 - 54. الجيطالي اسماعيل: قواعد الاسلام، تحقيق عبد الرحمن بكلي، المكتبة العربية، الجزائر، 1976، ج 1، ص 104
-241 - (1/249)
صفحة 250
لقد كانت الزكاة، اذن، تجبى في أوقات الحصاد بدون ظلم أحد وكانت. توزع في وجوهها المشروعة، كما سبق أن رأينا، فكيف كانت بيت المال
ومم
تتغذى؟ وفيم تنفق أمواله؟
ب - بيت المال موارده ونفقاته
كان بيت المال يتغذى المال يتغذى من الأموال التي تجبى جزية (16)، أو خراجا للأرضين (17)، وهو ما ذكر ابن الصغير صراحة في نصه الذي نقلناه عنه، يضاف اليها بعض الضرائب والرسوم التي، ولا شك كانت تؤخذ من أرباب التجارات والحرف والقوافل التجارية وغيرها (18). وهو ما أشار اليه ابن الصغير اشارة دون تصريح، بعد أن ذكر مال الجزية وخراج الأرضين بقوله «وما أشبه ذلك (19)
"
والحقيقة أننا لا نعرف شيئا عن كمية أموال هذه الأنواع من الجبايات ولم يزودنا اليعقوبي الذي زار المنطقة بأرقام ما كان يدخل بيت مال الرستميين وهو الأمر الذي التزم به، وكان دأبه في بلاد المشرق، وأكتفى في
(16) لا نعرف شيئا عن عدد الذميين في تيهرت فضلا عن المدن الأخرى ويبدو أنهم كانوا عديدين بحيث أن للنصارى كنيستهم: ولا شك أن اليهود كانوا هم أيضا بعدد وافر بحكم الازدهار التجاري الذي عرفته الدولة .. وكان لهم درب يعرف بالرهادنة: أنظر ابن الصغير: ص 36، 46، 55، 57 (17) لا نعرف شيئا عن الأراضي الخراجية في المغرب العربي، فكل الجغرافيين الذين ألفوا حول المغرب لم يهتموا بهذا الجانب علما بأن المغرب فتح أكثره عنوة، الا أن ابن عبد الحكم يذكر أن حسان بن النعمان، أحد ولاة بني أمية على المغرب (73 هـ - 78 هـ) بعد أن استقامت له الأمور في المغرب وضع الخراج على عجم افريقيا وعلى من أقام معهم على النصرانية من البربر ... أنظر فتوح افريقية والأندلس، ص 64 65. وهذا النص يشير بوضوح الى أن أراضي البربر الذين أسلموا لم يعتبرها حسان خراجية، والمعلوم أن معظم البربر دخلوا في الدين الاسلامي، وبالتالي فان معظم الأراضي ببلاد المغرب لا تعتبر خراجية. ولعل هذا الوضع استمر كذلك في عهد الدولة الرستمية. أنظر كذلك محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 114 (18) لا يستبعد الاستاذ دانجيل أن تكون رسوم تؤخذ على العمليات التجارية، خاصة منها التجارة البعيدة. أنظر: 121. Dengel G. : Ibid, p (19) ابن الصغير: ص 15 وهذا ينفي ما ذهب اليه كل من الاستاذ أحمد توفيق المدني والشيخ علي يحيى معبر من أن الرستميين كانوا لا يجبون غير الزكاة. أنظر: المدني: كتاب الجزائر، ص 21، معمر علي يحيى: الاباضية
بالجزائر
، ص 29، 53، 211
-242 - (1/250)
صفحة 251
بلاد المغرب بذكر الخارطة السياسية والجغرافية (20). ويخبرنا اليعقوبي من جهة أخرى أن أهل جبل نفوسة: «لا يؤدون خراجا الى سلطان، ولا يعطون طاعة الا الى رئيس لهم بتاهرت (21). فلعل أموال الخراج والجزية وغيرهما لا تبقى بهذا في مواطنها التي حبيت منها، وانما تنقل الى تيهرت لبيت مال المسلمين حيث أنها تعتبر أهم ممول لدفع أجور الموظفين في الدولة من حشم وقضاة وشرطة وقائمين بأمور الدولة عامة، اضافة الى أجرة الامام نفسه (22). تدفع هذه الأموال على ما يبدو مرة واحدة في السنة بما يكفي تلك السنة كلها
ويبدو أن الأموال التي تجبى من الخراج والجزية وغيرها من الضرائب والرسوم، من الكثرة بحيث لا تكفي أجور الموظفين حسب، وانما ربما بقي منها شيء يصرف في مصالح المسلمين العامة كبناء المساجد والطرقات والأسواق. ويقدر الدكتور احسان عباس أن تكون تلك الأموال، التي يراها كبيرة جدا بحكم الثراء الذي بلغته الدولة الرستمية، تصرف في انشاء (مستشفيات) وبيوت للضيافة والانفاق على طلبة العلم، ويقدر هذا تقديرا لأن المصادر القليلة سكتت عن تلك الجوانب، في حين أنها كانت ا صريحة في التحدث عن استغلال تلك الثروات الطائلة في الصراع بين فئات
المجتمع (23) وهي الفتن التي تميزت بها السنوات الأخيرة من حكم الرستميين
ولقد كان بامكان الحكام أن يعوضوا تلك الخسائر بالأموال التي يغنموها في تلك الفتن، ولكنهم تنزهوا عنها جميعا، كما تورعوا عن أخذ المغانم التي نثرها ابن طولون سنة 267 هـ، عندما انهزم أمام النفوسيين ورجع عن
(20) أنظر: 41. Marçais G. : La Berberie au IXe Siècle, opcit, p .
(21) اليعقوبي: البلدان
(22) ابن الصغير: ص
، ص
99
25. 16
(23) احسان عباس: المجتمع التاهرتي، المجلة المذكورة، ص 31
-243 - (1/251)
صفحة 252
هدفه في غزو افريقية (24). لقد كانوا يرون تحريم غنيمة المسلمين. فلم يكن الرستميون من المهتمين اذن بملأ الخزائن، وجباية أنواع متعددة من الضرائب، وانما اكتفوا بالحقوق الشرعية دون غيرها مع بعض الرسوم الواجبه والتزموا بصرفها في وجوهها الشرعية أيضا، دون أن يأخذوا منها شيئا ليس من حقهم. ومثال ذلك ما يرويه لنا ابن الصغير عن خادم الامام أبي اليقظان الذي استسهل أخذ علف فرس الامام من بيت المال، وذلك لما وجد دكان العلف مغلقا، فزجره الامام عندما عرف ذلك، وأقسم في ليلته تلك ألا ينام حتى يرد العلف الى بيت مال المسلمين، ولم يهدأ حتى تيقن من رجوع الأموال الى مواضعها (25). فلم يكن الأئمة الرستميون ممن يؤثرون أنفسهم بالأموال، أو يطلقون لأنفسهم الحرية في التصرف فيها، بل لقد كان الامام يعقوب بن أقلح من الزهد بحيث ماجس بيده دينارا ولا درهما. وكان الأئمة يراقبهم المشائخ من الاباضية الذين يعرفون بالشراة (26). لا يخافون في ذكر مساوئ الامام وهفواته، لومة
لائم، بل لعل الأئمة كانوا هم الذين يراقبون أنفسهم مخافة سخط الشراة واذا كان الرستميون قد انتعشوا بالأموال التي بعثها اباضية المشرق (27) في السنوات الأولى من حكمهم، ودعمت بيت مالهم، كمورد مؤقت غير مستمر، فانهم لم يجدوا هذه المساعدة في السنوات الأخيرة من حكمهم، عندما كثرت الفتن والمنازعات، التي لاشك أنها أرهقت بيت المال ودار الزكاة على حد
سواء، وهو ما عبر عنه ابن الصغير بقوله: «وذهبت الأموال» (28)
(24) ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 119
(25) ابن الصغير: ص 48 - 49 (26) نفسه، ص 23، 54
"
(27) ابن الصغير: ص 11 - 12، وتذكر المصادر الاباضية أحد مشائخها النفوسيين ويدعى أبا مرداس كان اذا أراد الزيارة للأئمة بتيهرت أخذ أموالا من أهل جبل نفوسة فيرفعها الى العاصمة لنفع بيت مال المسلمين. ويعتبر هذا أحد الموارد غير المستقرة أو الدائمة لبيت المال في تيهرت. أنظر: الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 12 - 13،
177
الشماخي: سير، ص (28) ابن الصغير: ص 40.
-244 - (1/252)
صفحة 253
وذلك بفعل ما يمكن أن تنتهي اليه تلك المنازعات والفتن من عرقلة للتجارة، وتحطيم للزراعة، وهو الأمر الذي يؤثر سلبا على موارد كل من بيوت الأموال ودار الزكاة.
هذه هي أهم النفقات التي كانت تنفق من بيت المال، وربما يضاف اليها نفقات الجيش وتجهيزه في عهد عبد الوهاب بن عبد الرحمن خاصة اذ كان حكمه شبه عسكري، وكان قد «اجتمع له من الجيوش والحفدة مالم يجتمع لأحد قبله» (29)
وقد مرّ بنا أن الأموال المشرقية قسمت ثلاثا: كان ثلثان منها في التجهيز العسكري، مما أن عبد الرحمن بن رستم، كان قد ترك عدة يوحي
حربية لا بأس بها، استطاع ابنه من بعده أن يوظف لها الجيوش، ويملاً المغرب بأسره من مدينة طرابلس الى تلمسان، فلا شك أن هذه العمليات العسكرية تتطلب أموالا طائلة، الا أن هذه الوضعية الحربية للدولة لم تستمر طويلا، اذ تلاشت بوفاة الامام عبد الوهاب، لذلك فان نفقات بيت المال في هذا المجال كانت محدودة بحياة ذلك الامام.
من
ومجمل القول، إن الازدهار الاقتصادي الذي عرفته الدولة الرستمية كان شأنه أن يغذي كلا من دار الزكاة وبيوت الأموال في الدولة. ولم تكن النفقات كبيرة أو بحجم الموارد لذلك فان جزءا منها يصرف في الصالح العام وهذا ما يفسر الرخاء الذي شهدته الدولة، والازدهار الذي واكبها خلال كل مراحل حكمها. وكانت كل من دار الزكاة وبيوت الأموال، مواردها ونفقاتها مصبوغة بصبغة دينية بحتة.
(29) ابن الصغير: سيرة، ص 17، وأنظر كذلك احسان عباس: المجتمع التاهرتي، المجلة المذكورة، ص 24.
-245 - (1/253)
صفحة 254
الفصل السابع)
الحسبة ومستوى المعيشة في الدولة
أ ـ الحسبة:
الحسبة كما يعرفها ابن خلدون هي وظيفة دينية، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يوظف لها القائم بأمور المسلمين من يراه أهلا لها، فيحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل المنع من المضايقة في الطرقات، ومنع الحمالين من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وازالة ما يتوقع من ضررها على السابلة، وردع
من يقوم بالغش والتدليس في المعايش وفي المكاييل والموازين وغيرها (1)
ان الحسبة بهذا التعريف الجامع، رقابة هدفها الصالح العام وتوفير سبل الراحة والاطمئنان للرعية، وتأمينها من أي خطر قد يهدد حياتها أو يؤذيها في مالها
لقد عرفت الدولة الرستمية هذا النظام الرقابي، لكننا لا نعرف بالضبط متى ظهر فيها. ويبدو أنه كان موجودا منذ وقت مبكر لعهد الامام أبي اليقظان بن أفلح (261 - 281 هـ) الذي جعله الكعاك (2) مؤسس نظام الحسبة في الدولة الرستمية، وسايره على ذلك الاستاذ لقبال
(1) ابن خلدون عبد الرحمن: المقدمة، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، ط 2، بيروت 1961، 398 - 399 عن الحسبة أنظر: المارودي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب: الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ط 1، مصطفى البابي الحلبي: مصر 1380 هـ /1960 م،، ص 240 وما بعدها.
(2) الكعاك: موجز، ص 182
-246 - (1/254)
صفحة 255
موسى
(3). ومما يدل على وجود هذا النظام في تيهرت منذ وقت مبكر لعهد الامام أبي اليقظان، ما ذكره ابن الصغير عن الامام أبي بكر بن أفلح (258 - 261 هـ) الذي صرف النظر في مدينة تيهرت وأحوازها الى أخيه أبي اليقظان، وذلك بعد عودته من بغداد، ووجود أخيه أبي بكر اماما (4). ومن هنا يتضح لنا أن الحسبة معروفة عند الأئمة السابقين لأبي بكر، وكان يتولى القيام بها الامام نفسه تماما مثلما كان يفعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ض) في صدر الاسلام (5).
وقام أبو اليقظان بهذه المهمة أحسن قيام فكان يركب دابته ويطوف في المدينة حتى أقصاها، ويحكم في الأمر الضروري دون أن تأخذه في الله لومة لائم. وكانت له جولتان، واحدة اثناء النهار، والاخرى في الليل ويتصل بأخيه الامام مرتين في اليوم والليلة ليطلعه على أحداث المدينة ان حدث حادث، أو يخبره ان المدينة أصبحت هادئة وأمست هادئة. فكان بهذا أبو اليقظان كما يقول ابن الصغير، قد أظهر القيام لأخيه «والحسبة بين يديه ((6). وبهذا يكون أبو اليقظان أول محتسب تذكره المصادر باسمه في الدولة الرستمية، ليس من الأئمة كما كان سابقا، اذ تولى هذه المهمة في عهد أخيه، ويبدو أن العادة جرت بعد ذلك على أن يتولى الحسبة غير الامام وهو ما برز بشكل واضح في عهد الامام أبي اليقظان
لقد ظهرت معالم نظام الحسبة جلية في عهد الامام المذكور، ويتحدث
(3) موسى لقبال: الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي) نشأتها وتطورها (الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،
الجزائر، ط 1، 1971
(4) ابن الصغير: ص
، ص 16
32
(5) أنظر عن الحسبة في عهد عمر بن الخطاب، حسن ابراهيم حسن علي ابراهيم حسن: النظم الاسلامية، ط 2،
، ص
270
الصالح، المرجع السابق صبحي
، ص
329
"
- مكتبة النهضة المصرية القاهرة، 1959 (6) ابن الصغير: ص 32 - 33 يذكر الدكتور موسى لقبال أن الحسبة في الدولة الرستمية لم تكن معروفة بهذا الاسم وانما كانت تعرف باسم صاحبها الذي أطلق عليه «المشرف على السوق، ويعزو هذه الكلمة لابن الصغير ويقول بأنها كثيرا ما ترد في تاريخه. والحقيقة أننا لم نجد لها ذكرا بعكس كلمتي الحسبة والاحتساب اللتين وردتا في هذا المضمون. أنظر موسى لقبال: المرجع السابق، ص
33
-247 - (1/255)
صفحة 256
عنه ابن الصغير فيقول بأنه أمر «قوما من نفوسة يمشون في الاسواق، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قالوا فان رأوا قصابا ينفخ في شاة عاقبوه وان رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها وان رأوا قذرا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يکنسه (7).
ولا شك، أن فساد البلد بفتنة ابن عرفة، التي سبقت حكم أبي اليقظان مباشرة، هو الذي أوحى للامام بتعيين جماعة وليس شخصا واحدا للحسبة. وهذا يدل على تفاقم الفساد واستشرائه، كما يدل من جهة أخرى على كبر المدينة وكثرة أسواقها بحيث لا يكفي محتسب واحد فقط لمراقبتها ومراقبة الشوارع والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة ـة في
تلك الظروف.
ان نفخ الشاة الهزيلة حتى تبدو سمينة، يعتبر من الغش الذي يعاقب عليه مقترفه. ولا يشير ابن الصغير الى نوعية العقاب أهو جسماني أم مالي ولعله يغرم أو تصادر الشاة التي نفخها، كما أن النظافة في تيهرت مشروطة فلا بد لكل صاحب دكان أو منزل أن يحافظ على نظافة ماحوله.
ولا يخبرنا النص في ما اذا كان المحتسب من مهامه مراقبة التجار في معاملاتهم التجارية من كيل ووزن وعملة، الا أن المتبادر الى الذهن أنه مادامت مهنته هي المشي في الأسواق وتغيير المنكر، فلا يستبعد أن يكون كل ما يجري في السوق داخل في مهمة المحتسب
وكان النفوسيون هم الذين يتولون هذه الخطة، يرشحهم لها الامام كما أنهم كانوا يتولون بيوت الأموال، وبطانة الامام وحاشيته، وعقد تقديم
(7) ابن الصغير: ص 41 - 42
-248 -
} (1/256)
صفحة 257
دور بارز القضاة (8). فكان لهم بذلك كله بارز في الحياة اليومية والاقتصادية بتيهرت.
ولا نملك معلومات عن الحسبة في المدن الأخرى غير العاصمة، اللهم الا ما ذكره الشماخي (9) عن نفوسي يدعى أبا يوسف وجدليش بن في، الذي كان أمر سوق مدينة جادو في جبل نفوسة اليه فكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأذن لمن يشاء بالبيع في السوق، ويمنع عنه من في ماله شبهة، ولا شك أن مثل هذا موجود في جميع مدن الدولة الرستمية وأسواقها وقد لاحظ الدكتور القبال موسى (10) أن مجتمعا محافظا مثل مجتمع الاباضية آنذاك لابد أن يحرص أفراده على قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة العادات السيئة، وبالتالي مراقبة الأسواق والمعاملات التجارية القائمة فيها.
ب ـ مستوى المعيشة:
إن الازدهار الاقتصادي الذي عرفته الدولة الرستمية خلال تاريخها الطويل، رغم بعض الفتن التي هزت بعض المناطق منها، كمنطقة العاصمة تيهرت، في فترات معينة محدودة بسبب اختلافات فقهية، أو تنافس اجتماعي سياسي، كان لذلك الإزدهار أبرز الأثر وأوضحه على المجتمع الرستمي كافة والتيهرتي خاصة. وكان للمال الدور الأساسي في تكوين شخصية الدولة الرستمية ورسم تاريخها كما تقول الدكتورة وداد القاضي (11)
فلا شك أن النشاط الزراعي والتجاري، ووفرة أسباب الحضارة والرقي
(8) ابن الصغير: ص 27، الشماخي: سير، ص 192، 221
(9) الشماخي: ص
333. 334 -
(10) لقبال موسى: المرجع السابق، ص 16
(11) وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، مجلة الاصالة عدد 45، مطبعة البعث، قسنطينة
17
-249 -
50
1395 هـ/1975 م،
ص (1/257)
صفحة 258
من شأنها أن ترفع مستوى المعيشة في الدولة، الأمر الذي تترتب عنه تحولات جذرية في المجتمع ونسيجه، كظهور الطبقية من أغنياء وفقراء وعبيد، وتحول أعداد من البدو الى المدن. وسكناهم بها ودخولهم شريحة الحضريين
، وهي
الفترة
ففي عهد الامام الأول عبد الرحمن بن رستم، تطورت تيهرت واتسعت اتساعا فجائيا نكاد لا نصدقه، اذ استغرق ثلاث سنوات فقط التي تفصل ما بين المساعدة المشرقية الأولى، التي انتعش بها الفقير وحسنت أحوال الناس في البلاد فشرعوا في العمارة والبناء وغرس البساتين (12)، وبين المساعدة الثانية التي رفضها المجتمع لبلوغه مستوى معيشيا مقبولا يشهد عليه ما وجدته رسل المشرق من تطورات وتغييرات لم يشاهدوها في زيارتهم الأولى، اذ «نظروا الى قصور قد بنيت، والى بساتين قد غرست والى ارحاء قد نصبت، والى خيول قد ركبت، والى حفدة قد اتخذت السور (*)، والعبيد والخدام قد كثرت (13).
وإذا كانت الرسل قد وجدت في الزيارة الأولى عبد الرحمن بن رستم يطين بنفسه شقوقا في جدار بيته المتواضع، الذي لا يضم شيئا سوى وسادة ينام عليها، وسيفا ورمحا وحصيرا فوقه جلد، فانهم في زيارتهم الثانية قصدوه الى قصر له وهم مرتابون من سيرته شاكون في صلاحه، لما هالهم من حضارة البلد وعمرانه، الأمر الذي ظنوا فيه فساد النفوس والاخلاق. ثم إن الغرباء من أهل المشرق والمغرب لا يقصد الواحد منهم.
(12) يذكر ابن الصغير: جنانا في تيهرت يعرف بجنان الأمير يقضي فيه الامام وغيره بعض أوقاتهم للنزهة. ويبدو أن جمال تيهرت وكثرة بساتينها وجناتها هي التي أوحت للمقدسي بأن يصفها بالطيبة النزيهة. أنظر سيرة ابن الصغير، ص 34 - 35، المقدسي: أحسن التقاسيم ص 215
(*) لعل المقصود باتخاذ السور هو اتخاذ الابنية اذ البور هي كل منزلة من البناء، أنظر لسان العرب، م 2،
237 مادة «سور»
(13) ابن الصغير: ص 14.
-250 - (1/258)
صفحة 259
العاصمة الرستمية الا ابتنى فيها واستوطنها كما يقول ابن الصغير (14)، أو يستطيبها وينتعش فيها كما يقول المقدسي (15). وذلك لما يجد فيها من رخاء وأمن ورقي وحسن سياسة
وكانت سياسة عبد الرحمن سياسة داخلية ترمي الى الرقي الاقتصادي والاجتماعي، واقامة دعائم دولة قوية ثابتة (16). وقد نجح في ذلك الى أقصى حد حتى أن ابنه عبد الوهاب عندما تولى الحكم بعده وجد الدولة على أقوى ما تكون الدول في سياستها الداخلية، فحول نظره الى السياسة الخارجية من مركز القوة، يريد التوسع وتوفير الأمن لجميع زعاياه من الاباضية في المغرب العربي. ومما يدل على رخاء البلد في عهده، وسعة الرزق الذي شمل جميع البلاد، أنه لما انتقل الى جبل نفوسة يريد الحج استقر في دار أحد النفوسيين فوجدها، كما تقول المصادر الاباضية، دار ذي نعمة وبسطة وسعة رزق، فخلع صاحبها على الامام والوفد المرافق له ثياباً جديدة، وفرش لهم فرشا وثيرة، وأحضر لهم أطعمة حفيلة، وأظهر لهم من صنوف البر ما استحسنه الامام غاية الاستحسان (17).
ان هذه الرواية التي تصور لنا المستوى المعيشي الذي بلغه أهل جبل نفوسة، وهم المشهود لهم بالزهد في الدنيا، والتخلي عن نعيمها لا تدل الا على وجود مثل ذلك في جميع البلاد، حتى وان كانت مصادرنا لا تزودنا بشيء في هذا الخصوص عن باقي المدن الرستمية
ولعل أزهى عصور الدولة الرستمية، وأوفرها أسبابا للرقي والحضارة هو عصر الامام الثالث أفلح بن عبد الوهاب، الذي ورث دولة، اهتم بسياستها الداخلية جده عبد الرحمن، وبسياستها الخارجية أبوه عبد
(14) ابن الصغير: ص 11 - 15، الشماخي: سير، ص 140
(15) المقدسي: أحسن التقاسيم، ص
(16) الكعاك: موجز، ص
189
228
(17) أبو زكرياء: ـ: سير، ص 73، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 64
-251 - (1/259)
صفحة 260
الوهاب، فلا غرابة، اذن، أن تزهو أيامه، وتكثر النعم وتعم جميع طبقات الشعب وشرائحه وتبلغ الدولة ذروة ازدهارها انطلاقا من عاصمتها تيهرت ففي مدة حكم أفلح الطويلة التي امتدت خمسين عاما، حسب رواية ابن الصغير، انتقلت الدولة الرستمية الى دور التضخم العمراني في كل النواحي فهي مركز زراعي هام، وملتقى تجاري ذو شأن، وذات وزن. سياسي في تصاعد مستمر (18). انعكس عن هذا كله تطور في الحياة الاجتماعية، حيث كثرت الأموال بأيدي الناس، فتنافسوا في البنيان واجراء الأنهار في البساتين فبنت نفوسة بتيهرت قصورها، وبنى الجند القادمون من افريقية المدينة العامرة تيهرت، كما بني العجم الدور والضياع (19). وكان الثراء في هذه الفئة الأخيرة أوضح منه عند غيره، لذلك تميزوا ببناء القصور، فابتني أبان وحموية قصرين معروفين لها واتخذا من العبيد والخدم، كما كان لمقدم العجم ويدعى ابن وردة، سوق يعرف باسمه، كان صاحب شرطة أفلح لا يدخله هيبة منه (20)
أعدادا
والحقيقة ان هذا الثراء كان عاما، شمل جميع القبائل حتى البدوية منها المنتشرة حول مدينة تيهرت اذ «اكتسبت الأموال واتخذت العبيد والخيول ... (و) نالها من الكبر ما نال أهل المدينة» (21) الى درجة أن الامام أفلح نفسه خاف من اجتماع الايدي عليه بعد اجتماع الثروة عند تلك القبائل.
ومن مظاهر الرخاء الاجتماعي والاقتصادي في عهد أفلح وارتفاع مستوى المعيشة في الدولة، أن الامام أحدث نظاما لاطعام الفقراء في أيام
(18) احسان عباس: المجتمع التاهرتي، نفس المجلة المذكورة،، ص (19) ابن الصغير: ص 26 - 27
(20) نفسه: 27، احسان عباس، المجلة السابقة، ص 30.
24
-252 -
27
(21) نفسه: ص (1/260)
صفحة 261
معلومات كانت تعرف بأيام الجفان، فبنى جفانا وأطعم فيها (22). فلا شك أن لهذا النوع من الاطعام أكبر الأثر على المجتمع خاصة الفقراء منه والمحتاجين. والواقع أن الفقر، كما يقول الدكتور احسان عباس (23)، بمعناه العام، لم يكن داء يهدد المجتمع الرستمي في يوم من الأيام، أو يتعذر فيه علاجه لأن الحكام الرستميين منذ الامام الأول، كانوا يسلكون سياسة اسلامية راشدة كفيلة بأن تنعش جميع فئات المجتمع. وقد سار على منواله الأئمة لتمسكهم بطرق الشريعة تطبيقا دقيقا ولسيرهم الفاضلة في خاص حياتهم، ثم لوجود الشراة الذين لم ينفكوا قائمين بالأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر في كل مراحل الحكم الرستمي.
جميع
لقد عرف المجتمع الرستمي كل أسباب الازدهار، وهي نتيجة حتمية لازدهار الزراعة والصناعة والتجارة. ولا أدل على ذلك من مسايرة الامام أفلح نفسه لذلك الذوق العام الموجود بالمجتمع، حيث ابتنى لنفسه قصورا واتخذ حجابا وحشما واحتاط لنفسه باتخاذه يابا من حديد (24). ولم يتوقف ههنا وهو الامام القدوة الجماعة الاباضية، وانما راح يقلد الملوك في سيرهم، حتى أصبح ذلك مطعنا فيه بيد أحد تلامذته الذين أخذوا عنه الفقه والعلوم، وهو نفاث بن نصر النفوسي الذي قال لقومه فيه بأنه «أضاع أمور المسلمين ويزيد في الخلقة اذا مشى ويلبس الطرطور، ويخرج الى الصيد، ويصلي بالأشبور (*)» (25)
(22) ابن الصغير: ص 26، بعد أن يتحدث ابن الصغير عن بناء الجفان وأيام الجفان يضيف قائلاه وقد تقدم ذكرها، وهو في الحقيقة لم يذكرها قبل ذلك فلعل كتابه غير كامل أو توهم أنه قد ذكرها سابقا وقد فاتتنا بهذا معلومات لا شك أنها تكون قيمة عن أيام الجفان ومعنى بني الجفان بدلا من صنع الجفان ان كانت خشبية أو خزفية ولكن الراجح أنها من الفخار الا أنها من الكبر بحيث بنيت بناء مستقرة في مكانها لا تتحرك. والجفن كما يقول ابن منظور هو أعظم ما يكون من القصاع، أنظر لسان العرب، ج 1، ص 474 (23) احسان عباس: المجتمع التاهرتي، نفس المجلة، ص 28 - 29.
(24) ابن الصغير: سيرة، ص
26
() الطرطور والأشبور كلمتان لم أتمكن من معرفة معنيها بالضبط، وظاهر من النص أنها نوع من اللباس
الفاخر، ولم يذكرهما صاحب لسان العرب. (25) أبو زكرياء: سير، ص 92، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 78
-253 - (1/261)
صفحة 262
والواقع أن نفاث بطعنه في الامام أفلح، لم يكن يساير مراحل تطور المجتمع الذي يعيش فيه، ولم يستطع أن يهضم ما يراه من تغييرات جذرية وسريعة في بلده، وانقلاب حقيقي غيّر المجتمع الذي كان يعيش فقيرا بدويا الى مجتمع ثري تمكنت فيه الحضارة، فلا بد للامام أن يظهر أمام رعيته بالمظهر الذي يتماشى وذوق تلك الرعية، وكان الذوق العام السائد في المجتمع الرستمي، آنذاك كما، آنذاك كما يصوره لنا ابن الصغير وهو أحد الأفراد فيه قائلا لقد عمرت مع أفلح الدنيا وكثرت الأموال والمستغلات «حتى أطفت أهل
الحواجر (*) والبوادي
(26) «
لقد كان لخوف أفلح من توفر الأموال في أيدي القبائل البدوية اذن وجه من الصواب، إذ أصبحت كما توقع فعلا تتكبر وتريد منافسته في ملكه وازالته منه. والواقع أن ابن الصغير يشير هنا الى أمر خطير وهو بداية تفاقم الرخاء الاقتصادي وتحوله الى ضده. فاذا كان الفقر لم يهدد المجتمع الرستمي في يوم من الأيام، كما قلناه سابقا، فان الثراء ووفرة الأموال، بالعكس من ذلك، كانا أهم سلاح بيد أعداء الرستميين الذين أرادوا أن يبيتوا خبر الأباضية ويطفوهم خاصة بعاصمتهم تيهرت حيث التجارة الرائجة والأموال النافقة
أما
في جبل نفوسة حيث المشائخ والشراة من الاباضية فانه هو الآخر قد أصابته النعم في ظل الرستميين، واشتغل سكانه بالدنيا التي أقبلت عليهم رغم تحفظهم الشديد، ويصور لنا أحد المشائخ في ذلك الجبل مجتمعه بأسف شديد. ويقول «قد أدركنا الناس الذين هم الناس محادثتهم ذكر الله تعالى وزيارتهم في الله تعالى، ومعانقتهم في الله تعالى ومحبتهم في الله تعالى،
() أهل الحواجر ربما أهل الحجر وهم سكان البادية في مواضع الاحجار والرمال. أنظر ابن منظور: لسان،
1
مادة
حجره ص
571
(26) ابن الصغير: سيرة، ص 26 - 27
-254 - (1/262)
صفحة 263
وبقينا حتى أدركنا ناسا محادثتهم ذكر الدنيا وزيارتهم لتقاضي الحوائج
ومعانقتهم نطاح» (27)
لقد غزت الحضارة الجبل، فاهتم الناس بالتجارة والاكتساب، وهو التيار السائد في العهد الرستمي، وأراد المشائخ الوقوف أمامه لكنهم لم يستطيعوا لان أسبابه موجودة، وكل العوامل تؤدي اليه. فاذا كان الشيخ النفوسي في القرن الثالث الهجري يستغيث من اقتحام الحضارة والرخاء ديار نفوسة، ويرى في ذلك ابتعادا عن الدين أو تقصيرا فيه، فان الشيخ أبا يعقوب يوسف الوارجلاني في القرن السادس الهجري - نستأنس بكلامه في هذا المقام ـ يفتخر بما وصله بلده وارجلان، بتداول الذهب فيه وعبور القوافل عبر أراضيه، وينظر بعين الرضى الى الرخاء الاقتصادي والاجتماعي فيقول في قصيدته الحجازية (28)
حَلَلْنَا بِوَادِ الْخَيْرِ وَاللحم والقِرَى بِهَاتاً وَهَاتا فِي الصَّحَارِي المَنَاكِرِ جَزَى اللهُ عَنا وَارَجُلَانَ خَيْرَ مَا جَزَى بِهِ بَلَدًا عَنْ طَالِبِ الْخَيْرِ سَائِرِ هُوَ الجَنَّةُ الدُّنْيَا وَأبواب مَكة وأبواب تبر غانة والدنانر
إن هذه الجنة التي يتحدث عنها الوارجلاني، والتي عاشها المجتمع في وارجلان في القرن السادس الهجري، ليست وليدة ذلك القرن، وانما هي بدون شك تعود في جذورها الى العهد الرستمي. وقد لاحظ الادريسي غنى سكان وارجلان، في القرن الخامس الهجري، فقال عن البلد «ه هي فيها قبائل مياسير وتجار أغنياء» (29)
215
مدينة
(27) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 305، الشماخي: سير، ص (28) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف: القصيدة الحجازية (مخطوط) ورقة 14 - 15 وأنظر كذلك عمرو خليفة النامي: ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرستمية حتى أواخر القرن السادس الهجري، مجلة الاصالة، عدد 42 - 43 مطبعة البعث قسنطينة، 1397 هـ/1977 م، ص 31 (29) الادريسي: وصف، ص 89
-255 - (1/263)
صفحة 264
واذا كانت وارجلان، انما ورثت هذا الازدهار منذ العهد الرستمي
فكانت بذلك المستوى المعاشي الذي يوجب الافتخار بسبب التجارة مع السودان، فلا شك أن مدنا مثل تنس ووهران وغيرها قد عرفت مجتمعاتها حياة الرخاء بفعل التجارة البحرية مع الأندلس، أو بسبب وفرة الماشية والمنتوج الزراعي، وقد بلغت الدولة فيها نشاطا واسعا.
لقد كان للازدهار الاقتصادي، وتوفر الأموال بيد الناس، نتيجتان إحداهما ايجابية، والأخرى سلبية: أما النتيجة الأولى فارتفاع مستوى المعيشة بسبب السياسة الحكيمة التي اتبعها الأئمة الأوائل من الحكام الرستميين فعمت الحضارة والرقي الاجتماعي جميع شرائح السكان في الدولة واتسعت اسباب الاكتساب والارتزاق بفعل المركز الجغرافي المتوسط الذي تحتله الدولة الرستمية في المغرب العربي ووجودها كنقطة اتصال أساسية بين المغرب الأقصى من جهة والمغرب الأدنى المتصل بالمشرق من جهة أخرى وبين بلاد الأندلس من جهة وبلاد السودان من جهة ثانية، هذا مع ازدهار الزراعة وتنوعها والتمكن في العديد من الصناعات التي سبق أن ذكرناها
لقد انعكس عن هذا الثراء والحضارة الراقبة التي غمرت المجتمع الرستمي نتيجة سلبية على المجتمع نفسه أولا، وعلى الوجود الرستمي ثانيا اذ استغل البعض ذلك الثراء لخدمة مصالحهم الضيقة، وضرب السلطة التي بسياستها اللينة، وسوقها المفتوحة، تمكنوا من اكتناز تلك الأموال، فكانت أيام. الأئمة الأواخر أيام نزاع مستمر بين السلطة الحاكمة وبين الأغنياء الذين تفاقم غناهم وتجاوز قدرة الحاكم السياسية. وربما لضعف شخصية هذا الأخير أي الحاكم، جانب من المسؤولية في ذلك الصراع الذي استمر في نخر جسم الدولة. الرستمية شيئا فشيئا. ولما تمكنت الحضارة من المجتمع، مع غياب الرقابة بفعل الفتن والمنازعات الأخيرة، التي شهدتها البلاد، فسد أهل تيهرت،
-256 - (1/264)
صفحة 265
فانغمسوا في حياة اللهو والمجون (30). واستباحوا المحرمات فاتخذوا المسكر أسواقا والغلمان أخدانا (31). وكما تطرق الفساد الى أهل العاصمة فكذلك
أصاب أهل شروس، أم قرى جبل نفوسة، الذين تعاطوا شرب الخمر (2) وكلما قويت السلطة الحاكمة واسترجعت قواها، ضربت بيد قوية على الفساد، كذلك كان الحال بالنسبة لعهد الامام أبي اليقظان وأبي حاتم. ولكن سرعان ما تعود الامور الى رداءتها لتفاقم جرثومة الفساد وتمكنها من جسم الدولة والمجتمع.
والحقيقة أن المستوى المعاشي الراقي الذي بلغته الدولة الرستمية في عهد فيض حضارتها، وفي الوقت الذي لم يكد فيه مجتمعها يخرج من بداوته بفعل السرعة التي استغرقته عملية التغيير والحضارة، قد حكم على المجتمع بالشتات وعلى العمران بالخراب، فأهدرت الأموال بالباطل وقضى على حضارة قامت مزدهرة في المغرب الأوسط والأدنى مدة قرن وأكثر من ثلث قرن فكان رخاء البلاد وهناؤه أهم عاملين جلبا للدولة كما يقول الاستاذ کنال (. Canal J) (33) الحسود الذين أرادوها بسوء، انطلاقا من ج. عاصمتها تيهرت ودرعها الواقي جبل نفوسة
ولعل ابن حوقل هو أحسن من وصف العاصمة الرستمية وحياة سكانها الفقيرة بعد زوال الحكم الرستمي عنها باكثر من نصف قرن، مع الاشارة الى ما كانت عليه من رخاء، اذ يقول «وقد تغيرت تاهرت عما كانت عليه وأهلها وجميع من قاربها من البربر في وقتنا هذا فقراء بتواتر الفتن عليهم ودوام القحط وكثرة القتلى والموت (34)
«<
(30) ابن تاوت محمد: دولة الرسميين أصحاب تاهرت، المجلة المذكورة ص 122.
(31) ابن الصغير: ص
56
(32) الشماخي: سير، من 273
-257 -
Canal J. : Tiaret, opcit, p. 12 (33)
(34) ابن حوقل: صورة، ص 96. (1/265)
صفحة 266
واذا كانت المصادر لا تشير الى مدى مساهمة الثروة والازدهار الاقتصادي في الحياة الفكرية فلعل كثرة المساجد بتيهرت (35) وانفاق الأغنياء على طلبة العلم ومدرسيهم (36)، وجلب الكتب من المشرق، خاصة من البصرة التي تعتبر المركز الام للاباضية (37)، تشكل أهم المعالم في مساهمة الرخاء الاقتصادي في الحياة الفكرية واحيائها. ولعل دار الضيافة التي استقبل فيها علماء نفوسة في عهد الامام عبد الوهاب، وأجريت لهم فيها نفقاتهم (38)، كانت مقر الشعراء والأدباء وأصحاب أخبار الماضين الذين عني بهم الامام أبو بكر بن أفلح وهو الوحيد، من بين الأئمة الرستميين الذين تذكرهم المصادر كلها، له شغف وحب بالاداب والاشعار والتواريخ. وكان. على ما يبدو، يقدم الهدايا لهؤلاء، ويجود عليهم وهو ما يمكن أن نستشفه من كلام ابن الصغير، الذي احتفظ لنا وحده بتلك الشهادة، عندما يقول فلما ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان قبله آبائه ولكن كان سمحا جوادا لين العريكة يسامح أهل المروءات ويشايعهم على مرواتهم ويحب الاداب والاشعار وأخبار الماضين» (39). فلا شك أن المصادر الاباضية التي التزمت الصمت ازاء هذا الامام، ولم تدرجه سلك مشائخها كان بسبب عدم شدته في الدين كسابقيه، وميله الى علوم لم تهتم بها كثيرا لأنها ألفت لغرض ذكر مناقب الأئمة والمشائخ والفقهاء
>>>
من
هذا حظ الثقافة من الرخاء الاقتصادي، الظاهر منه على الأقل ولعل جوانب أخرى ستكشف لنا في الباب الثالث من هذا البحث
(35) ابن الصغير: ص 57. (36) المزاتي أبو الربيع: سير، ص 86 - 87.
57.56
(37) أبو زكرياء: سير، ص 65، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص (38) أبو زكرياء: سير، ص 69، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 59
(39) ابن الصغير: سير، ص 31
-258 - (1/266)
صفحة 267
الباب الثالث.
الحياة الفكرية. (1/267)
صفحة 268
[صفحة فارغة] (1/268)
صفحة 269
تمهيد)
يعتبر القرنان الثاني والثالث للهجرة، انطلاقة حقيقية في ميادين الفكر والثقافة والعلوم المختلفة بالبلاد العربية الاسلامية، مشرقها ومغربها (1) اذ في هذين القرنين، برز العلماء في العلوم النقلية من تفسير وحديث وفقه وعلوم عقلية بدأت تتطور وتنمو كلما تقدمت الأيام، وأخذت الحياة الفكرية في البلاد العربية الاسلامية تتبلور، لتأخذ شكلها التام، في القرنين الثالث والرابع الهجريين ولما كانت الدولة الرستمية قد نشأت، من حيث الزمان في تلك القرون الأولى من تاريخ العرب والمسلمين الفكري (2) ومن حيث المكان في المغرب العربي، اذ هي من الدول الأولى التي انفصلت عن المشرق في ذلك التاريخ المبكر، انفصالا سياسيا، فان كل ما قدمه أبناء المغربين الأوسط والأدنى تحت ظل هذه الدولة في الميدان الفكري، يعتبر جديدا في المغرب العربي. لقد كان للرستميين دور بارز في الحياة الفكرية بالمغرب الأوسط خاصة ولا نبالغ اذا قلنا بالمغرب العربي. فلقد حملت هذه الدولة، كما يقول الأستاذ ابن تاويت الطانجي، «مشعلا عظيما للحضارة والعلم في الشمال الافريقي فكانت تلي القيروان في ذلك» (3). وما كان لفاس، عاصمة
(1) أحمد أمين: ضحى الاسلام، ج 2، 5، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، 1956 م، ص 8، 11، وما
بعدها وأنظر كذلك: 0.82 , Bekri Chikh: Kharijisme berbere, opcit
(2) الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص
67
(3) ابن تاويت المانجي: دولة الرستميين أصحاب تاهرت، صحيفة معهد الدراسات، مدريد، م 5، ع 1 - 2،
-261 -
126
ص (1/269)
صفحة 270
الأدارسة أن تبلغ مبلغ تيهرت الرستمية في الحياة الفكرية، الدينية منها خاصة، بل لقد كانت تيهرت في رأي الاستاذ بكري (4)، من الناحية الثقافية، بارزة جنبا الى جنب مع القيروان وقرطبة، أكبر عاصمتين مغربيتين في تلك الفترة، تحاكيها وتنافسها.
والحقيقة أن الرستميين، بحكم ثقافتهم الواسعة، شجعوا الحركة الفكرية، فنشطت تيهرت في هذا الميدان، كما نشطت في الميادين الأخرى وطار صيتها في الآفاق مباشرة بعد تعميرها حتى دعيت «عراق المغرب وبلخ المغرب، الحاقا بها في المعارف والعمران والحضارة» (5)، واذا كانت تيهرت، قد برزت كمركز ثقافي مشهور في المغرب العربي، خلال القرن الثالث الهجري (6)، فان ذلك راجع الى كونها عاصمة دولة مستقلة، عرفت نشاطا باهرا في مختلف الميادين، اضافة الى بعض المراكز الثقافية التابعة لها، وكان أبرزها جبل نفوسة وقراه، ويعتبر كهف العلماء ومقصدهم ويشكل جزءاً كبيراً من التاريخ الثقافي في المغرب. ولا أراه يحوز على هذه المرتبة العليا، الا لأن علماءه احتفظوا بتاريخهم، وكان في بعض الأحيان على حساب العاصمة تيهرت نفسها، فضلا عن المراكز الأخرى كوار جلان وبلاد الجريد وبلاد سوف وأريغ، وفي فترة متأخرة مدينتي تنس
ووهران وغيرهما.
ولعل من أبرز الحياة الثقافية في الدولة الرستمية، ما قامت به هذه الدولة من تعميق لجذور الاسلام في نفوس المغاربة، يتجلى ذلك، كما
Bekri Chikh: Ibid, p. 95 (4)
(5) الميلي: المرجع السابق، ج 2، ص 76، الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 231 (6) الجنحاني: تاهرت، المجلة التونسية، عدد 40 - 43، ص 40 أحمد أمين: ظهر الاسلام، ج 1، مطبعة خلف، القاهرة، 1377 هـ/1958 م، ص 294، 296. محمود اسماعيل: الخوارج ص 222 - 223. وأنظر الفردبل: الفرق الاسلامية في الشمال الافريقي من الفتح العربي حقى اليوم، ترجمة عبد الرحمن بدوي، للنشر والتوزيع، بنغازي 1969، ص
149
، دار ليبيا
-262 -
1 (1/270)
صفحة 271
هلال
سوف نرى، في اهتمام الناس بهذا الدين دراسة وعبادة وسلوكا. فاذا كان المؤرخون يتفقون على أن المغرب العربي، تعرب بفعل هجرات قبائل بني وبني سليم وغيرهما، أو كاد في القرن الخامس الهجري (7)، فان كثيرا من المغاربة دخل الاسلام أفواجا، على مذهب الخوارج الاباضية والصفرية اذ رأوا فيها الاسلام الحقيقي كما يقول شيخ بكري (8). فليس من المبالغة اذن ان نقول مع ألفرد بل إن دعاة الخوارج «كانوا خير رسل للاسلام في بلاد المغرب منذ بداية القرن الثاني للهجرة (9). وكان للاباضية الدور البارز في ذلك، بعكس دورهم الذي لا يكاد يظهر في المشرق العربي. فمن خلال الدولة الرستمية، تركت الاباضية النفوذ الأكثر بقاء ودواما تضاهي في ذلك ما تركته الصفرية.
ولقد آثرنا تفصيل الكلام حول اسلام البربر في هذا التمهيد لانه يشكل فعلا تمهيدا للحياة الفكرية في الدولة الرستمية، التي نشطت فيها العلوم الدينية وازدهرت أكثر من اية علوم أخرى
فما مظاهر الحياة الفكرية في هذه الدولة؟ وما مدى تأثيرها وتأثرها؟ ومن أبرز العلماء فيها؟ هذه الأسئلة وغيرها من التساؤلات الأخرى، سوف نتطرق اليها في فصول الباب ومباحثه.
(7) الكعاك: موجز، ص 287 - 288، الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 218، الجيلالي: تاريخ، ج 1، 386، بونار رابح: المغرب العربي تاريخه وثقافته، ط 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1971 م، ص - 283، الفريد بل: المرجع السابق، ص 214 - 215.
ص
200
Bekri Chikh : Ibid, p. 106 (8)
(9) الفريد بل: المرجع السابق، ص
147
-263 - (1/271)
صفحة 272
الفصل الأول)
دور الحكام في الحياة الفكرية
لا شك أن للحكام، أي حاكم، دورا بارزا، اما بالسلب أو بالايجاب في توجيه وتشجيع مختلف الميادين والأنشطة في دولته. من هنا برز دور الأئمة الرستميين، في الاهتمام بالثقافة والعناية بالفكر، كأوضح ما يجب أن يكون وهذا أمر اذا علمنا أن الأئمة كانوا من العلماء البارزين
بديهي
(
الذين لهم نصيب وافر من العلم (1)، ساهموا به في انعاش الحياة الفكرية، وبعث العلم والثقافة في المجتمعات الاباضية التي كانت تحت حكمهم، خاصة في المغربين الأوسط والأدنى، وفي غير الاباضية بالمغرب الأوسط.
والواقع، أن دور الحكام الرستميين في الحياة الفكرية كبير، يثبت هذا ما قاموا به من جهود في نشر العلم (2)، وبناء المساجد، وجلب الكتب من المشرق. ولا ننسى أن من شروط تولي الامامة عند الاباضية، أن يكون الامام المبايع عالماً محيطا. وهذا مالمسناه فعلا في الأسرة الرستمية، وأخذ بعين الاعتبار في تولية كل من الامام الأول عبد الرحمن بن رستم وابنه عبد الوهاب من بعده (3). وكان عبد الرحمن، قد أخذ العلم من المشرق ويعتبر من حملته الى المغرب عند الاباضية. قضى مع شيخه أبي عبيدة مسلم ابن أبي
574
193
(1) أبو زكرياء: سير، ص 65، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 56 - 57، الشماخي: سير، ص (2) سالم عبد العزيز: المغرب الكبير، ج 2، ص (3) أبو زكرياء: سير، ص 53، 56، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 42، 46، وأنظر شرائع الدين للواب ابن سلام (مخطوط) يتحدث الامام عبد الوهاب في رسالة له عن الامام والشروط التي ينبغي أن تتوفر فيه
كالصلاح والورع والفقه والفهم والعقل. ورقة 28
-264 - (1/272)
صفحة 273
كريمة في مدرسة البصرة خمسة أعوام (4)، تروي المصادر الاباضية أنه وحملة العلم الآخرين، عندما هموا بتوديع شيخهم أبي عبيدة لمغادرة المشرق نحو المغرب، أجاز أبو عبيدة لعبد الرحمن مالم يجز للآخرين وقال له «افت بما سمعت (مني) ومالم تسمع (5) ذلك لأنه رأى عنده ادراكا قويا، ووعيا صالحا، وذهنا حادا يميز بين الأمور بقوة مطبوعة (6)، فاجاز له الاجتهاد بكل ما في الكلمة من معنى.
ويبدو أن عبد الرحمن، كان من العلم الغزير، بحيث قال عنه أحد معاصريه «لا أعلم من يخرج مسائل دماء أهل القبلة في زماننا هذا الا عبد الرحمن بن رستم بالمغرب (7) وهدا على الفقه الاباضي، فكان سمحا غير متشدد في الدين، بل يعتبر، في رأي أبي يعقوب الوراجلاني من العلماء الذين أطلقوا الخناق وأوسعوا الرباق (8)، فأوسع للأمة في دينها وهو الامام المسؤول، والمجاز من طرف شيخه بالبصرة. الا أن مصادرنا لا تشير الى نوعية تلك التوسعة.
واذا كان ابن الصغير (9)، يذكر أنه لم يكن لعبد الرحمن بن رستم كتاب معروف من تأليفه، فان المصادر الاباضية تنسب كتابين على الأقل لهذا الامام، أحدهما في التفسير، تنافس الاباضية الوهبية والنكارية على اقتنائه لاشك أن ذلك لان الكتاب لاول امام رستمي لم يقع الاختلاف عليه وتتولاه الطائفتان معا. وتذكر الرواية الاباضية أن أحد شيوخها لما سمع
(4) أبو زكرياء: سين، ص 26، 36، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 20، الشماخي: سير،
124
(5) الشماخي: سير، ص 144
123
(6) السمائلي سالم بن حمود: ازالة الوعثاء عن اتباع أبي الشعثاء تحقيق سيدة اسماعيل كاشف، منشورات وزارة
التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1979،
39
(7) نواب بن سلام: شرائع الدين (مخطوط) ورقة 38.
(8) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل لأهل العقول، ج 2، ص 18.
(9) ابن الصغير: سيرة، ص 17
18
-265 (1/273)
صفحة 274
بهذا التفسير يباع في أسواق قلعة بني حماد، شد الرحال اليها، ولما وصلها وجد نكاريا فيها فقال له «اطمئن يا عبد الله فقد بيع الكتاب ووقع في يد لا يخرج منها ولا يمكن أن تراه فابحث ان شئت عن غيره (10)
وأما الكتاب الثاني لعبد الرحمن بن رستم، فقد ذكره أبو يعقوب الوارجلاني وقال بأنه وقف على خطبة للامام كان خطب بها يوم جمعة في كتاب ذكر فيها خطبه رضي الله عنه (11). أي أن هذا الكتاب، كتاب خطب الامام.
من ناحية أخرى، نفهم من هذا النص أن الأئمة الرستميين كغيرهم كانوا يتولون خطبة الجمعة بأنفسهم، فينشرون الدين والفقه والثقافة من خلالها ولعل خطبة الامام يوم الجمعة، كانت تلقى في المسجد الجامع. واما المساجد الأخرى، اباضية وغيرها، فكان الخطباء فيها متنوعين،، وهذا ما يفسر قول ابن الصغير وهو يتحدث عن عهد أبي حاتم ويقول «حضرت لهم خطباء كثيرة (كذا) أولهم ابن أبي ادريس والثاني أحمد التيه والثالث أبو العباس بن فتحون والرابع عثمان بن الصفار والخامس أحمد ابن منصور» (12)
ولا أرى أن الامام الرستمي كان يقتصر فقط على خطبة يلقيها من على المنبر يوم الجمعة، وانما كان دائم الاتصال برعيته، يفقهها في دينها ويحثها على العلم. وكان عبد الوهاب بن عبد الرحمن قد قضى في عهده سبعة أعوام
ص
(10) الوسياني: سير، (مخطوط) ورقة 72 - 73. الدرجيني: طبقات ج 2، ص 471، البرادي، ملحق كتب الاباضية، بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، ج 2، ص 289، معمر علي يحيى: الاباضية بالجزائر، 209، يذكر الشيخ علي يحيى معمر أن أبا يعقوب الوارجلاني ذكر أنه رأى هذا التفسير، في ق 6، بالاضافة الى رسائل متعددة وجوابات كثيرة مفيدة في فنون من العلم بعضها موجود وبعضها مفقود. ولم يشر الشيخ معمر الى مصادره، أنظر الاباضية بالجزائر، ص 64، ويذكر البرادي، أن تفسير عبد الرحمن يذكرونه ولم ير. أنظر أبا عمار عبد الكافي: الموجز، ج 2، ملحق، ص (11) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل لأهل العقول، ج 2، ص 13 - 14، ج 3، ص 117 - 118
(12) ابن الصغير: ص 59.
289
-266 - (1/274)
صفحة 275
بجبل نفوسة، قضاها في تلقين نفوسة مسائل الصلاة، وانقضت الأعوام السبعة، وبقيت له بعض الأبواب لم يلق دروسها (13)، لتعمقه في كل مسألة، ولأهمية ركن الصلاة في الاسلام. ولاشك أن عبد الوهاب لم يستحدث هذه الدروس عندما كان في الجبل، وانما كان ذلك دأبه في تيهرت، وكان دأب أبيه عبد الرحمن وهو المتخرج من مدرسة البصرة، حيث دروس ومواعظ أبي عبيدة. واستمرت هذه الظاهرة عند الأئمة كما سوف نرى، وهي تعبر فعلا عن اهتمام الرستميين بتعليم المغاربة دينهم وايصال الثقافة اليهم.
ولم يقتصر عبد الوهاب بتلك الدروس التي القاها في مساجد جبل نفوسة، وانما الف كتابا يعرف عند ابن الصغير بمسائل نفوسة الجبل، وهو عبارة عن اجوبة لمسائل اشكلت على نفوسة. ويقول ابن الصغير أن هذا الكتاب كان «في أيدي الاباضية مشهورا عندهم معلوما يتداولونه قرنا عن قرن الى أن لحق الفصل ((كذا) فأخذته عن بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه (14) وسكوت ابن الصغير المالكي عن نقده، دليل على اعجابه بالكتاب.
وقد ذكرت المصادر الاباضية (15) هذا الكتاب بعناوين مختلفة يذكره الاستاذ محمد علي دبوز باسم «نوارل (*) نفوسة» ويقول بأنه لا يزال موجودا في مدن ميزاب (16)، وجبل نفوسة وجربة. ويبدو أنه في عهد
(13) أبو زكرياء: ص 76، الدرجيني: ج 1، ص 66 - 67
(14) ابن الصغير: ص 17
(15) البرادي: الجواهر، ص 219، البرادي: كتب الاباضية، ملحق ضمن كتاب الموجز، ج 2، لأبي عمار عبد 289، الوارجلاني: أبو يعقوب: العدل والانصاف (مخطوط) ورقة 58، وأنظر أيضا دبوز محمد
الكافي
، ص
علي: المغرب الكبير، ج 3، ص 272 - 273
i
(*) يقول الوارجلاني شارحا معنى النوازل بأنها التي تنزل على العباد مما ليس لهم عهد من كتاب الله ولا سنة رسوا الله مع فيسوغ لهم الاجتهاد بين مخطيء ومصيب والكل محمول عنهم. أنظر: الدليل لأهل العقول، ج 1، ص 34 وأنظر تفسيرًا آخرًا عند الكعاك: البربر (16) لقد رأيت كتابا بهذا العنوان في مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة. تصفحته كله وهو يحتاج الى تحقيق نسبته.
ص
113
-267 - (1/275)
صفحة 276
البرادي كان مجلدا ضخما لا يحتوي جوابات الامام عبد الوهاب حسب، وانما أيضا فتاوي وجوابات الامام أفلح بن عبد الوهاب، وابنه أبي اليقظان محمد. ويقول بأنه سفر تام (17). وكان الإمام عبد الوهاب كثير القراءة والمطالعة، عالما، أخذ العلم عن حملة العلم من البصرة، وخاصة منهم والده (18). ودفعه شغفه للاستزادة من العلم والمعرفة بعد وفاة حملة العلم، الى ارسال ألف دينار لاخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا، فاقتضى نظر هؤلاء أن يشتروها ورقا، وتطوعوا بالمداد وأجرة النساخ حتى أكملوا له ديوانا عظيما، فبعثوه اليه فاجتهد في قراءته. ولما انتهى منه قال «الحمد لله، اذ ليس فيه مسألة غربت عني الا مسألتان ولو سئلت عنها لأجبت قياسا على نظائرهما ووافقت الصواب (19) وهذه الرواية، تدل بوضوح، على مدى اتساع معرفة هذا الامام وعلمه وولعه الزائد بالكتب والمطالعة (20)، حتى أن الشماخي يذكر. أنه كان من عادته اذا فرغ من صلاة العشاء، أخذ كتابا ينظر فيه (21)، بل إن أبا زكرياء، يروي أنه بلغه أن الامام عبد الوهاب «سمر ذات ليلة هو وأخوه يتعلمان مسائل الفرائض، فلم يصبح عليهما الصباح الا وهما يورثان أهل المشرق وأهل المغرب - وكان في سمرهما يقدان مصباحا يجعل له عبد الوهاب الفتائل من عمامته حتى أتى عليها» (22)
والحقيقة أن الرواية رغم خللها اللغوي، توحي بوضوح مدى اهتمام هذا
للامام عبد الوهاب، وقد قام الشيخ أحمد بن يوسف الطفيش بترتيبه. ويحتوي هذا المخطوط على أبواب عديدة في مختلف مسائل الفقه كالصلاة والزكاة والطهارات والولاية والبراءة والخلافة ... وسمعت مؤخرا أن الدكتور عمرو
خليفة النامي يقوم بتحقيقه. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
(17) البرادي: الجواهر 219. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
، ص
(18) علي دبوز معمر: الاباضية بالجزائر، ص 66
(19) أبو زكرياء: سير، ص 65، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 56 - 57
(20) الكماك: موجز، ص
(21) الشماخي: ص 149
215
(22) أبو زكرياء: سير، ص 65
-268 - (1/276)
صفحة 277
الامام بالعلم والتحصيل وأسلوب كسبها اذ كان ذلك بالدراسة مع أخيه تحت نور الفتائل. وفي صنع تلك الفتائل من عمامة عبد الوهاب، دليل قاطع على شغف هذا الامام بالعلم وحبه البالغ له. وليس عجبا هذا عن عبد الوهاب وهو الذي واجه في عهده مختلف الاتجاهات والأفكار والمذاهب، وانفصلت الاباضية الى وهبية ونكارية وخلفية. وناظر المعتزلة، وهم المعروفون بالجدل العقلي والفكر المتحرر. وسوف نعود الى هذه الفرق واحداثها بالتفصيل عندما نتطرق الى المناظرات ..
ولعل عهد أفلح بن عبد الوهاب، يعتبر من أزهى عصور الدولة الرستمية ثقافة وفكرا، بالاضافة الى الرخاء الاقتصادي (23). وكان أفلح قبل أن يتولى الامامة سنة 208 هـ، قد قعد بين يديه ثلاث حلق يتعلمون منه فنون العلم (24) يذكر الوسياني انها علم الفقه والكلام واللغة (25). وكان قد أخذ العلم عن أبيه وجده، ومن عاصرهما من كبار العلماء، حتى بلغ درجتهم وتفوق على بعضهم، وأصبح من الأئمة المعدودين، والعلماء المشهورين وانفرد بأقوال في علم الكلام واعتبر من أجلها اماما (26). وقد ترك أفلح العديد من الرسائل (27) وله جوابات ونوازل (28)، كما أن له اهتماماً بالحديث وروايته اذ لقد ضم الوارجلاني الى مسند الربيع بن حبيب، معتمد الاباضية في الحديث، روايات الامام أفلح بن عبد الوهاب (29)، وهذا لقدره في علم الحديث وابتعاده عن الوضع، والكذب مما
جعله موضع الثقة عندهم
: الاباضية بالجزائر، ص 71 -
89
72.
77
، ج 2، ص 320
(23) معمر (24) أبو زكرياء: سير، ص، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص (25) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 39، الشماخي: سير، ص 193، 222
(26) معمر: الاباضية بالجزائر
، ص
70
(27) أثبتها الباروني في ازهاره. أنظر الجزء الثاني منه، ص 187 - 188، 200 - 205، 214 - 219. ولعلنا
سنأخذ عند حديثنا عن الأدب عينة منها.
289
(28) البرادي: ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار، ج 2، ص (29) الوارجلاني: العدل والانصاف (مخطوط) ج 2 بدون ترقيم للصفحات وأنظر كذلك الربيع بن حبيب بن
-269 - - (1/277)
صفحة 278
ويذكر أبو زكرياء، أن الامام أفلح، بلغ في حساب الغبار والنجامة مبلغا عظيما (30)، وكان بالاضافة الى هذا، شاعرا مجيدا له قصيدة رائية (31) يحث فيها على طلب العلم واكتسابه، ويبجل فيها العلم والعلماء بقدر ما يحط فيها من قية الجهل والجهلة ويقول فيها وهي طويلة:
العلم أبْقَى لأهْلِ الْعِلْمِ آنَارًا يُرِيكَ أَشْخَاصُهُم رُوحاً وَابْكَارًا حَيَّ وَإِنْ مَاتَ ذُو عِلْمٍ وَذُو وَرَعٍ مَامَات عَبْدٌ قَضَى مِنْ ذَاكَ أَوْ طَارًا وَذُو حَيَاةٍ عَلَى جَهْلٍ وَمَنَقَصَةٍ كَمَيّتٍ قَدْ ثَوَى فِي الرِّمْسِ أَعْصَارًا
ولاهتمام أفلح بالثقافة والتعليم، يذكر الوسياني، أن هذا الامام حث على دراسة الكتب وقال «عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل) (32) وهو في تاريخ وآثار الحركة الاباضية ورجالها بالمشرق
وفي عهد أفلح بن عبد الوهاب، قامت حركة نفاث بن نصر النفوسي تلميذ أفلح، اذ درس عليه في تيهرت (33)، وانتقد استاذه وشيخه في عدة
عمر الأزدي: الجامع الصحيح على ترتيب أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني، تصحيح الشيخ نور الدين
، ط 2، المطبعة السلفية، القاهرة، 1349 هـ، ج 1، ص 3 مقدمة المصحح، وأنظر كذلك ج 4، ص
193
6
السالمي. وما بعدها. وراجع أيضا دجال صالح بكير: معتمد الاباضية في الحديث مسند الربيع بن حبيب،، محاضرة الملتقى السادس عشر للفكر الاسلامي بتلمسان الجزائر 1402 هـ/1982 م، ص 12 ـ 13 (30) أبو زكرياء: سير، ص 89، الشماخي: سير، ص (31) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 189 - 190 نشرها مع تشطير الأديب الشاعر الشيخ علي بن أحمد العماني لها. وأنظرها بدون تشطير في كتاب الدعائم لابن النظر، ص 133 ـ 136. ويذكر الكماك أن القصيدة هي من ديوان لأفلح مفقود لم تسلم منه الا تلك الابيات. موجز التاريخ العام، ص 215 (32) الوسياني: سير، (مخطوط) ورقة 108، محبوب بن الرحيل أبو سفيان من الأوائل الذين كتبوا في سير الاباضية والتابعين. وقد اعتمد الدرجيني على كتابه وترجم له في طبقاته. ووضعه في الطبقة الرابعة من علماء الاباضية (150 هـ - 200) وأورد له نما كبيرا سماه بالعهد جمع فيه المواعظ والحكم والادب. وهو عهد الى طالب الحق صاحب الثورة في الحجاز أنظر الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 278 - 289، عوض خليفات: نشأة الحركة الاباضية، ص 116 - 126، وكتابه يشتمل على الاخبار والفقه والكلام والعقائد. أنظر البرادي ملحق
بكتاب الموجز لابي عمار، ج 2، ص
247
--270 -
214
(33) الشماخي: سير، ص: (1/278)
صفحة 279
مسائل نعود اليها، عند حديثنا عن المناظرات التي انبثقت عن الاباضية
كالنكارية والخلفية والنفاثية
عهده
ولا تتحدث المصادر الاباضية عن الامام أبي بكر، الذي يبدو أن كان عهد الشعر والأدب، حيث يخبرنا ابن الصغير، أنه كان «يحب الآداب والأشعار وأخبار الماضين .... وكان .... يحب اللذات ويميل الى الشهوات» (34)، وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد أن بلاطه كان منزل الأدباء والشعراء يشجعهم باهتمامه بانتاجاتهم، ويرعاهم بصلاته. ويستأنس كذلك بالتاريخ ورواة أخباره، فلا شك أن هذا الاهتمام بالأدب والشعر والتاريخ الذي نسب للامام أبي بكر وحده دون غيره من الأئمة، قد أدى الى نشاط هذه الفنون في عهده، وان كان ابن الصغير لا يذكر الشعراء أو الأدباء الذين كانوا يتسامرون مع أبي بكر ويرتاح اليهم.
ولعلنا لا نخطيء اذا قلنا إن عهد الامام أبي بكر وحده، يمكن وصف ثقافته بانها ليست دينية بحتة. هذا ما نستطيع أن ننتهي اليه، على الأقل في هذه الفترة التي سكنت فيها المصادر الاباضية عنه وعن أيامه، في حين أن ابن الصغير يشير الى اهتمامه بالآداب دون غيرها من العلوم الأخرى الدينية منها خاصة. ويصور لنا عهده عهد فتنة ابن عرفة (35)
ولم يستمر الاهتمام بالآداب والشعر بعد أبي بكر، اذ نجد الامام أبا اليقظان يعود، بعد انتهاء اضطراب أوضاع العاصمة، ألى زهد (36) جده عبد الرحمن، لذلك كانت أيامه لا يعدلها أهل نفوسة الا بأيام عبد الرحمن ذلك لأنهم اتخذوا مجلسه كالمسجد، طائفة يصلون، وطائفة يقراون القرآن وطائفة يتذاكرون في فنون العلم (37). ويذكر ابن الصغير أنه لحق
32 - 31
(34) ابن الصغير ص (35) ابن الصغير: تاريخ، ص 31 - 41
222
(36) الشماخي: سير، ص (37) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 83، الشماخي
222
:
-271 - (1/279)
صفحة 280
بعض أيامه وامارته ويقول: «حضرت مجلسه وقد جلس للناس خارج المسجد الجامع مما يلي الجدار الغربي. ورأيته ثانيا في مصلى الجنائز» (38) واذا سايرنا ما تقوله المصادر الاباضية في عدد تأليف أبي اليقظان وجدناه من المكثرين في ذلك، اذ ينسب اليه تأليف في الاستطاعة قيل إنه في أربعين كتابا (39). وبلغ في العلم مبلغا عظيما. ويبدو أن قوة المذاهب المختلفة في تيهرت، ونشاطها المستمر خاصة بعد الفتنة التي رأتها الدولة الرستمية في عهد سلفه أبي بكر، دفعته الى التأليف في الرد على المخالفين كتبا كثيرة، يصفها أبو زكرياء بأنها «بليغة شافية، و .... أنها قومت فبلغت قيمتها سبعة عشر دينارا (40) وأما الدرجيني فيقول بأنها «لا يشق فيها غباره ولا تياره (1). ولعل أبا زكرياء والدرجيني، يقصدان هنا رسالته في مسألة خلق القرآن، التي أعطى فيها أبو اليقظان رأيه، وحاول أن يثبت بطرق واضحة اعتقاد الاباضية في المغرب خاصة بأن القرآن مخلوق. وهذه الرسالة تدل على مقدرة في الجدل (42)
?
وللامام أبي اليقظان رسائل عديدة، وجوابات مختلفة (43). وفي احدى رسائله نلاحظ مدى اهتمام هذا الامام بالعلم. ويقول مستنهضا للهمم إعلموا رحمكم الله أن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا وقلت
الخلوف (*) منهم، فرحم الله امرءا مسلما احتسب نفسه وأرصد الله لله في طلب العلم» (44)
(38) ابن الصغير: تاريخ، ص
44
(39) الوسياني: سير، (مخطوط) ورقة 39، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 319، الشماخي: سير، ص 222
(40) أبو زكرياء: سير، ص 98
(41) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 84
Dengel Gerard : l'Imamat Ibadite de Tahert, opcit. p. 240 (42)
(43) البرادي: ملحق كتب الاباضية ضمن كتاب الموجز لأبي عمار، ج 2، ص 289 وأنظر نموذجا من رسالة في الأزهار الرياضية للباروني: ج 2، ص 241 - 242
(44) البرادي: الجواهر، ص 182.
() الخلوف: جمع خلف ويقال أيضا الاخلاف. اين منظور: لسان، م 1 ص 883 مادة «خلف»
-272 - (1/280)
صفحة 281
إن هذه الاستغاثة التي يوجهها الامام الى رعيته، تبين، بوضوح المرحلة التي تعيشها الدولة الرستمية. وتوحي بقلة العلماء الاباضية منهم خاصة وتدعو المسلمين الى أن يبذلوا جهودهم في طلب العلم ويعتنوا به طلبا لمرضاة الله
لا نعلم الكثير عن الأئمة الأخرين، ومساهماتهم في الحياة الفكرية بالدولة الرستمية (45)، ولكننا لا نشك في أن حلقات الدرس، كانت متواصلة لم تنقطع، وأن اهتمامهم بالتعليم استمر الى نهاية الدولة، لأن البيت الرستمي كان بيت علم في مختلف الفنون «من الأصول والفقه والتفاسير وفنون الدين والرد على المخالفين وعلم اللغة والنجوم والاعراب والفصاحة» (46)، ولا أدل على هذا من قول يعقوب بن أفلح، آخر الأئمة الرستميين الذي نجا من قبضة أبي عبد الله الشيعي بالهروب الى وارجلان، حيث سأله أهلها عما اذا كان يحفظ القرآن كله فأجاب قائلا «معاذ الله أن ينزل على موسى وعيسى مالم أحفظه وأعرف معناه، فكيف بكتاب أنزله الله على نبينا محمد ال؟ (47)
"
ويصور لنا الشماخي مدى الغاية التي بلغتها الأسرة الرستمية في العلم والتي لا يتطرق الجهل الى أفرادها بما في ذلك الاماء، فيقول بأن أحد الرستميين قال: «معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعرف منزلة يبيت فيها القمر» (48)
والواقع أن كل المصادر تشير الى علو كعب هذه الأسرة في العلم ومساهمتها الكبيرة في نشره بين الناس، ولعل العلوم الدينية كانت تحظى
Dengel Gerard : ibid, p. 240 (45)
193
(46) الشماخي:
ص
(47) أبو زكرياء: ص 124، الدرجيني: ج 2، ص 105
-273 -
193
(48) الشماخي: ص (1/281)
صفحة 282
باهتمام أكبر، لذلك فقد صبغت الحياة الفكرية في الدولة الرستمية بها، واهتم الأئمة أكثر بالفقه الاباضي وآرائه الكلامية، ونقضه للمذاهب التي تعيش معه، لذلك كانت الحياة الفكرية في هذه الدولة تنبض بالنشاط والحيوية
-274 - (1/282)
صفحة 283
الفصل الثاني)
المؤسسات التعليمية والدراسات المتداولة فيها
أولا
- المؤسسات التعليمية:
لا شك أن المسجد كان أهم مؤسسة تعليمية في الدولة الرستمية، كما كان في سائر الدول الاسلامية آنذاك. ولا يزال المسجد في بعض المجتمعات يؤدي دوره التثقيفي والتعليمي، اضافة الى دوره في اقامة الشعائر الدينية الى
يومنا هذا
ولقد رأينا أن عبد الرحمن بن رستم، بدأ ببناء المسجد الجامع عندما
شرع في بناء مدينة تأويه وتأوي الاباضية الذين تقاطروا عليه.
يصف البكري (1) هذا المسجد الذي لا يزال قائما في عهده، في القرن الخامس ويقول بأنه بني بخشب الأحراش التي تحيط بموضع تيهرت، وهو من أربع بلاطات (2).
ويبدو أن التعليم في المسجد كان يتم بأسلوبين يحددهما مستوى ذلك
، ص
126
(1) البكري: المغرب، ص 68، الحميري: الروض المعطار. (2) لعل هذه البلاطات الأربع يقصد بها أنه ينقسم المسجد الى أربعة أقسام أو غرف يمكن أن يكون قسم للصلاة وآخر للنساء وثالث لتعليم الصبيان، وأما الرابع فيتخذ للأغراض الأخرى المرتبطة بالمسجد. تقول هذا من باب التخمين لأن مصادرنا لا تزودنا بأي شيء في هذا الخصوص، غير أن الشيخ سليمان داود بن يوسف يذكر، دون أن يشير الى مصادره، أن الرستميين جعلوا بجوار كل مسجد كبير أو صغير (مدرسة) للصغار، وتخصص ناحية للنساء. وأمام كل مسجد بيت لضيوف المسجد وأكثرهم من الحجاج، يقوم رواد المسجد بما يجب لاعالتهم. أنظر: سليمان داود بن يوسف: مجهودات الدولة الرستمية في نشر الحضارة الاسلامية وتركيزها، مجلة الاصالة، عدد 49 - 50 مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1397 هـ/1977 م، ص 95
-275 - (1/283)
صفحة 284
التعليم. أما الاسلوب الأول فيمكن أن نطلق عليه ما يعرف باسم الكتاب
وأما الأسلوب الثاني فهو حلقات العلم في المسجد
أ - الكتاب:
في الواقع لم أجد ما يؤكد لي أن التعليم كان يؤخذ في أماكن خاصة ومعينة له. ولكن الذي أراه، أن التعليم كان يجري في مختلف الاماكن وهذا الفراغ الذي نشعر به في هذا المجال (3)، مع شهرة الدولة الرستمية بمتعلميها وعلمائها، دفعنا الى الاعتقاد أن الكتاب (4) كان من أهم المؤسسات التي بثت المعرفة في أوساط البربر، مادامت هذه المؤسسة هي اللبنة الأولى لدور التعليم في المغرب العربي، كما تؤكد الدكتورة نجاح القابسي (5). وهي أيضا من أشهر أنواع التعليم الابتدائي (6): فيها كان الصبيان يلقنون. مباديء اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، بطريقة التكرار، والترديد وراء الشيخ حسبما يبدو
ولعل انفصال الكتاب عن المسجد، وقيامه في نفس الوقت الى جانبه (7)، لغرضين، أولهما أن الكتاب كان لتعليم الصبيان الذين مازالوا لم يبلغوا بسن الرشد بحيث يحترزوا من النجاسة (8) اذا دخلوا المسجد الذي
1
126
118
تحدث
(3) حسن حسني عبد الوهاب: ورقات، ص (4) توجد أشارة طفيفة في سير أبي زكرياء الى الكتاب كمكان للتعليم ربما في القرن الرابع الهجربي عندما عن أحد الاباضية الذين انشقوا عن المذهب ويعرف باسم الشكاس. وقال بأنه أدخله أبوه في الكتاب فقرأ وحفظ. وهذا يدل على اتخاذ الاباضية لهذه التسمية وبالتالي لهذا المكان للتعليم، وان كان الدرجيني بدل كلمة لكتاب بالمؤدب. أنظر أبو زكرياء: سير، ص 154، الدرجيي: طبقات، ج 1، ص (5) د. نجاح القابي المعاهد والمؤسسات منيميه في العالم الاسلامي. بجدة المؤرخ العربي، العدد 19، السنة 1981، بغداد، ص 177 (6) عويس عبد الحليم: دولة بني حماد، ط 1. دار الشروق: بيروت 1400 هـ/1980 م، ص (7) يقول حسن حسني عبد الوهاب في ورقاته إن الكتاتيب تعتبر ملحقات للمساجد وتوابع لها، أنظر ورقات،
94
253
(8) القابي أبو الحسن علي: الرسالة المفصلة لاحوال المتعلمين واحكام المعلمين والمتعلمين، تحقيق أحمد فؤاد الأهداني، ط 2، دار احياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1955، ص
322
-276 (1/284)
صفحة 285
يشترط فيه الطهارة. أما الغرض الثاني، وهو تفسير لارتباط الكتاب بالمسجد فان ذلك راجع ولا شك الى طبيعة العلوم التي كانت تدرس في دينية بحته أو مرتبطة به ارتباطا وثيقا كاللغة العربية وهي الوسيلة الوحيدة لقراءة القرآن وحفظه
الكتاتيب
ويبدو أن التلميذ في الكتاب كان يكتب دروسه على لوح من خشب ربما لندرة الورق في ذلك الحين، اذ الفترة الزمنية جد متقدمة بالنسبة للمغرب العربي خاصة (9). وتذكر المصادر الاباضية أن أول من علم القرآن بجبل نفوسة رجل يدعى عمر بن يمكتن (10). وقد تعلمه هو في طريق مغمداس يتلقى فيها العرب القادمين من المشرق، في زمان قلت فيه نسخ الكتاب الكريم، واشتد فيه حرص البربر على التعلم وتلقي الدين الجديد (11)، فكان «يكتب عنهم لوحه من القرآن وينصرف فاذا ما درس كتب وتعلم عاد الى المحجة فيكتب من المارة ... لوحه (12). فلا شك أن هذا المعلم الأول بجبل نفوسة لكتاب الله، كان يسلك مع تلامذته نفس الطريقة في الكتابة على الألواح (13)، ومحوها كلما حفظ الصبي ما عليها، ولا نستبعد أن تكون هذه هي الطريقة أو الوسيلة المتبعة في جميع كتاتيب الدولة الرستمية، التي نراها كثيرة كثرة المساجد اذ لا تخلو قرية أو مدينة من مسجد واحد على الأقل وقد اعتنى الرستميون ببناء المساجد، فلم ينسوا
(9) كانت طريقة الكتابة على الألواح في المغرب العربي سارية في القرون الأولى اذ يروى أبو العرب في طبقات علماء افريقية ان اسماعيل بن رباح الجزري أحد الفقهاء وتوفي سنة 212 هـ كان في طفولته يحضر المكتب (ربما هو الكتاب) ومعه لوحه فاذا حفظ ما عليه غسله بالماء في اناء معد لذلك. أنظر أبو يعقوب: طبقات، ص 150، وأنظة: حسني عبد الوهاب: ورقات، ص (10) عمر بن يمكنن من رجال القرن الثاني الهجري توفي مع أبي الخطاب عبد الأعلى بن المح المعافري
سنة 144 هـ. أنظر الشماخي: ص 143.
81
(11) حسن حسني عبد الوهاب: ورقات، ص 81
(12) لواب بن سلام: شرائع الدين (مخطوط) ورقة 44
(13) لا تزال هذه الوسيلة مستعملة الى يومنا هذا في بعض مدارس وادي ميزاب واقتصرت فقط على كتابة القرآن
الكريم وربما بعض الكلمات والحروف.
-277 - (1/285)
صفحة 286
حتى الاقاليم البعيدة جدا مثل جزيرة جربة حيث بنوا فيه مسجدا يعرف بجامع تاجديت» يقول عنه أبو راس الجربي «هي لفظة أصلها الجامع الجديد بني في أول المائة الثالثة أمر ببنائه أمير مدينة تيهرت على يد عامله بجربة» (14)
واذا كانت المساجد في تيهرت عديدة ومتنوعة بتنوع المذاهب والفرق الاسلامية فيها (15)، كما كانت كثيرة جدا في قرى ومدن جبل نفوسة وتؤكد ذلك جميع المصادر الاباضية، فلا غرو أن لها ملحقاتها ككتاتيب لتعليم الصبيان، لهذا فاننا نشاطر الشيخ سليمان داود رأيه في أن الرستميين لم تقتصر عنايتهم بالتعليم في ناحية دون أخرى، بل كانت لهم (مدارس) في جميع مملكتهم وبالاخص في المدن الشهيرة مثل وارجلان وبلد أريغ وسوف والحامة وقنطرار وقسطيلية وجبل دمر وغدامس وزويلة وجربة فضلا عن جبل نفوسة (16) وتيهرت
هي
واذا كانت الكتاتيب منتشرة بهذا الشكل في الدولة الرستمية، فلا ارى أنها وحدها تقوم بدور المدرسة الابتدائية، اذ أن هناك عدة اشارات الى أمكنة أخرى غير الكتاب، اتخذت محلا للتدريس والتلقين فمن ذلك مثلا «المنازل، حيث أن الرواية الاباضية التي تذكر عمر بن يمكتن تخبرنا أنه كان يعلم القرآن في «منزل يقال له ايفا طمان» (17) يعتبر أول مدرسة (18) اباضية في المغرب العربي، لتعليم الصبيان كتاب الله الكريم،
(14) الجربي أبو راس محمد: مؤنس الاحبة في اخبار جربة، ص 97 (15) ابن الصغير: 13، 57، يذكر ابن الصغير أن تيهرت لما بنيت قصدتها مختلف المذاهب بحيث بنوا فيها مساجدهم كمسجد الكوفيين أتباع أبي حنيفة ومسجد القرويين أتباع مالك بن أنس ومسجد البصريين وكانت البصرة تعج في هذه الفترة بالمذاهب كالخوارج والمعتزلة وغيرها. أنظر ص 13
95
(16) سليمان داود بن يوسف: المقالة السابقة، مجلة الأصالة، عدد 49، ص (17) الشماخي: سير، ص 142. ايفا طمان قرية بجبل نفوسة لم يبق منها اليوم الا آثارها. أنظر معمر: الاباضية، ج 2، ق 1، ص 40. (18) أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الاسلامي حتى بداية العصر التركي، ط 1 دار -
-278 - (1/286)
صفحة 287
وتحفيظهم اياه، الا أن المعلومات تنقصنا لمعرفة نوعية هذا المنزل. هل هو مخصص لغرض التعليم؟ أم هو منزل ومسكن عمر بن يمكتن، خصص فيه
جناحا لتعليم الصبيان ما كان قد أخذه من السابلة في طريق مغمداس؟
ومما يؤكد ما ابتدأنا به المبحث، من أن أي مكان يمكن أن يتخذ محلا لتعليم الصغار، ما رواه لنا ابن الأثير ونقله عنه المقريزي عن أبي يزيد بن كيداد (19) الذي اشترى ضيعة في تقيوس ببلاد الجريد وأقام فيها يعلم الصبيان، وكان قبل هذا قد علم أيضا في تيهرت بأحد مساجدها (20)
مخلد
قبل سقوط الدولة الرستمية على يد أبي عبد الله الشيعي سنة 296 هـ.
ويذكر الحميري صاحب الروض المعطار، أن أبا يزيد انما علم على باب تقيوس القرآن للاطفال (21)، أما صاحب المؤنس فيذكر عند تعرضه لأبي يزيد أمورا جوهرية في الحياة التعليمية بالدولة الرستمية، اذ يشير إلى أن الناس كانوا يتصدقون على أبي يزيد، مقابل تعليمه لأولادهم، وكان يلبس جبة صوف، ويضع على رأسه قلنسوة صوف، وفي عنقه سبحة (22)
وهكذا يشير هذا النص الى مسألة جوهرية، هي تلك الصدقة التي كان
- الكتب، بيروت، 1391 هـ/1971 م، ص 176، وأنظر كذلك: لقبال موسى: المغرب الإسلامي ص 228، معمر علي يحيى: الاباضية في موكب التاريخ، ج 2، ق 1، ص 40، وأنظر ج 2، ق 2، ص 57. . (19) أبو يزيد مخلد بن كيداد النكاري صاحب الثورة على العبيديين سنة 332 هـ ولد بالسودان حيث كان أبوه تاجراً وتعلم بتوزر القرآن وخالط جماعة من النكار فتحول الى مذهبهم بعد أن كان وهيا وتذكر المصادر الاباضية أن تعليمه كان في سجلماسة مع أحد علماء الاباضية البارزين. ولما ظهر العبيديون على الساحة السياسية بالمغرب العربي وسيطروا على أوضاعه استطاع أبو يزيد أن يهدد حركتهم بالزوال حيث قام بثورة عارمة جند فيها النكار من الاباضية اضافة الى أهل السنة الا أنه فشل في الأخير بسبب تهوره. أنظر أبو زكرياء: سير، 116 - 128، ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص 422 وما بعدها، المقريزي اتعاظ 109 وما بعدها.، ص وأنظر سليمان داود بن يوسف: ثورة أبي يزيد جهاد لاعلاء كلمة الله، مطبعة البعث قسنطينة،
ص
1981/ 1402
(20) ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص 422، المقريزي: اتعاظ
(21) الحميري: الروض، ص
140
، ص 109
(22) ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار افريقية وتونس، ط 3، تحقيق محمد شمام، المكتبة العتيقة، تونس
1387 هـ/1967 م، ص
57
-279 - (1/287)
صفحة 288
يأخذها المعلم، ربما هي تعويض عن الأجرة التي قد تكون محرمة (23)،
خاصة اذا اقتصر التعليم على القرآن فقط، وفي تلك الأزمنة بالذات
لهذا يمكن أن ننتهي الى أن التعليم الابتدائي، ونقصد به تعليم الصبيان القرآن والأحاديث النبوية ومباديء اللغة العربية، كان يتم في مختلف الأمكنة، ولا يعرف مكانا بعينه، اللهم الا الكتاتيب التي تعتبر ملحقات للمسجد: هذه المؤسسة الهامة التي قامت بدور بارز في تثقيف الرعية وتعليمهم دينهم. ويقوم مقام الورق في ذلك الحين ما يعرف بالألواح، يكتب عليها وتمحى بالغسيل عندما يحفظ الصبي ما عليها، وكان المعلم على يبدو لا يأخذ أجرة عمله وانما يتصدق عليه أولياء التلاميذ كثيرا أو قليلا، كل حسب ما يمكنه، هذا اذا لم يكن المعلم ذا مال أو حرفة يقتات منها. هذا ما يمكن لنا أن نستوحيه من النصوص المشار اليها سابقا. ولا نرى أنها خاصة تعبر عن منطقة بعينها وانما هي عامة، تفسر سلوك المجتمع المغربي آنذاك بأكمله.
ما
واذا قرأ الطفل في الكتاب، وحفظ مباديء العربية والقرآن، يكون قد بلغ الحلم، بحيث يجوز له دخول المجالس في المساجد، وهذه تعتبر مرحلة عليا، بالنسبة للمرحلة الابتدائية السابقة. ويستشف هذا من نص لأبي زكرياء حول أبد الله الشكاس، أحد المنشقين عن الاباضية، عندما قال «فقرأ وحفظ، فلما اشتد وبلغ الحلم سوّلت له نفسه طلب العلوم (24) فثبت أن هناك مراحل في التعليم لدى الاباضية كغيرهم. فالمرحلة الأولى
"
(23) القابسي: الرسالة المفصلة لاحوال المتعلمين، ص 296، وما بعدها. وأنظر كذلك الدرجيني: حيث يورد رواية لمشائخ من القرن الخامس الهجري اختلفوا في أجرة تعليم القرآن فبينا يجيزها أحدهم دون تقيد،، يرفضها الأخرون ويقول الدرجيني في هذا الخصوص مفندا رأي مجيز أخذ الاجرة على القرآن. وهذا الجواب معروف بالمذهب .... وكان ينبغي أن يقول بما في المذهب من جواز الآجرة على تعليم الأدب والخط وصناعة الكتابة وأدواتها دون أن يكون للقرآن ثمن. والعذر عنه رحمه الله كره أن يقول لا تجوز فيكون ذلك ذريعة الى ترك التعليم فيفضي ذلك بالناس أن يكونوا أميين لا يعلمون الكتاب، طبقات الدرجيني، ج 2، ص 399. (24) أبو زكرياء: سير، ص
134
-280 - (1/288)
صفحة 289
وهي
الثانوية
الابتدائية تنتهي ببلوغ التلميذ الحلم، والمرحلة الثانية، وهي أو العليا بتعبير عصرنا، وهي التي تتم في مجالس العلماء بالمساجد
أو الدور.
ب - حلقات العلم في المسجد:
كانت الدراسات الدينية، من تفسير وحديث وفقه وغيرها من العلوم المختلفة، تلقى في المساجد مواعظ للعامة، ودروسا للخاصة. وقد سبق أن ذكرنا أن الامام عبد الوهاب لما كان بجبل نفوسة، لمدة سبع سنوات، كان يلقي دروسه في مسجده المعروف بميرى احدى مدن جبل نفوسة (25)
وكانت الدراسة تتم في مجالس تعرف بحلقات العلم، يقصدها الناس عامتهم، اضافة الى الطلاب الذين يخصصون جل أوقاتهم لطلب العلم وحضور حلقاته. وكان العلماء يحثون التلاميذ على ذلك، مثلما كان يفعل أبو خليل اليدركلي (26)، الذي قال للتلاميذ لما رآهم خاملين: «سيروا الى الحلقة وأقصدوها حيثما كانت ياكسالى. فان رجلا قد سار من الجبل (نفوسة) الى فزان والى غدامس، وإلى الساحل رغبة في الحلقة وفيما يستفيده (27)
ويلوح لنا أن الاباضية كانوا نشيطين جدا في حلقاتهم (20)، التي نرى
212 - 211
(25) الشماخي: ص 159. لا يزال مسجد الامام عبد الوهاب شامخا الى يومنا هذا رغم اندثار مدينة ميرى التي لم يبق منها الا بعض الأطلال أنظر معمر علي يحيى: الاباضية، الحلقة الثانية، القسم الثاني، ص (26) أبو خليل اليدركلي: عالم من علماء الطبقة الخامسة (200) - 250 هـ) شيخ الجماعة النفوسية وأول من أخذ عن الخمسة الحملة للعلم. أنظر الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 299 ـ 300
(27) الدرجيني: ج 2، ص 301. (28) من المعروف أن الاباضية بعد سقوط الدولة الرستمية ركنوا إلى الكتمان واقاموا نظاما جديدا للحلقات يلبي الظرف الذي يوجدون فيه، وهذا يدل على أهمية الحلقة عندهم. وهذا النظام الجديد هو ما يعرف: بالعزابة: أي الذين أعزبوا عن الدنيا وتفرغوا للآخرة فأقاموا حلقة العزابة الرئيسية التي تتفرع عنها حلقات العلم، وأول من أحدث هذا النظام أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي في القرن الخامس الهجري هو الذي رتب قواعده. وأسس سيرة الحلقة، أنظر أبو زكرياء: سير، ص 173، وما بعدها. الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
a. 5.3
4.9
-281 - (1/289)
صفحة 290
أنها كثيرة، حتى تفي بالمقصود في نشر المذهب، واظهار قوته بكثرة علمائه الذين يتخرجون من تلك الحلقات. وهو ما يمكن فهمه من قول ابن الصغير «وكانت مساجدهم عامرة وجامعهم يجتمعون فيه» (29)
ولعل الحلقات التي كانت تعقد في مساجد العاصمة تيهرت، وهي متنوعة تنوع المذاهب (30) فيها، تعتبر أهم دور التعليم في الدولة الرستمية. وهي التي خرجت فطاحل العلماء الذين تنافسوا في العلم والمعرفة، وعقدت بينهم المناظرات، حتى اصطبغت الحياة الثقافية بتيهرت بصبغة المناظرة (31) الفقهية والكلامية
ولا نرى بأسا في اطلاق لفظة المرحلة الثانوية والعليا، على هذه الحلقات المتخصصة في فنون المعرفة، كالحلق الثلاث التي كان شيخها أفلح ابن عبد الوهاب. وكانت في علم الفقه والكلام واللغة العربية (32). ومثل هذه الحلق العلمية موجودة بكثرة، كما يقول الشيخ علي دبوز، في تيهرت وجبل نفوسة. وكان يرابط في المساجد علماء، فحول يتولون تعليم من استوفى المراحل الابتدائية من التعليم (33) في الكتاب وغيره، وبلغ سن الرشد. ولا شك أن المسجد الجامع بتيهرت كان أهم مركز لتعليم وتلقين الفقه الاباضي (34). وفيه كان الأئمة يعقدون حلقاتهم الدراسية، وينشرون مواعظهم على الرعية: وفيه كانت تعقد الاجتماعات العمومية لأخذ رأي
ج 2، ص 377، وما بعدها، وأنظر كذلك: عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية، ص 20، وما. بعدها. فرحات الجعبيري: نظام العزابة عند الاباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، تونس، 1975 م، ص 33 ـ 45، وارجع كذلك الى: 101 - 97. Lewicki T.: Halka in Encyclopedie de l'Islam
(29) ابن الصغير: ص
57
(30) ابن الصغير: ص 13
(31) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 115 - 116، الجنحاني: تاهرت المجلة التونية، عدد 40 ـ 43،
44. 41
(32) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 39، الشماخي: سير، ص 222.
(33) علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 370 - 371
-
-282 -
(34) الكعاك: المراكز الثقافية، ص 20 (1/290)
صفحة 291
الأمة في الشؤون التي تهمهم بالدرجة الأولى، كما فعل عبد الرحمن بن رستم، عندما جاءته أحمال المساعدة من أباضية البصرة (35). فجامع تيهرت، بهذه الصفات، يشبه تماما جامع عقبة بن نافع بالقيروان عاصمة الأغالبة (36)، ولا يختلفان الا في نقطة واحدة يمكن اعتبارها تكميلية، اذ تخصص جامع عقبة في فقه أهل المدينة، بينما يعتبر جامع تيهرت معهدا للدراسات الاباضية من فقه وتفسير وكلام وحديث. وبهذا يكون كل جامع مكملا للآخر في المغرب العربي، وهما رافدان يصبان معا، فيا يمكن أن نطلق عليه، الفكر العربي الاسلامي، بكل ما في الكلمة من شمولية وعظمة وبهذا تعتبر تيهرت، عاصمة الفكر الاسلامي الاباضي، ساهمت قدر
المستطاع في تطور الفكر العربي ونبوغه
أما المشائخ الذين تصدوا للتعليم في الحلقات اضافة الى الأئمة أنفسهم كان لأبي داود القبلي، أحد حملة العلم من البصرة، نشاط واسع في تثقيف
المغاربة وتعليمهم دينهم
(37)
ويعتبر عاصم السدراتي من المعلمين الذين وقفوا حياتهم لهذه المهمة اذ رسم لنفسه خطة، عمل بحرص على تنفيذها، وهي أنه كان يركب ناقته وينتقل بين الأحياء الضاربة في البيداء، يعلم الناس في مضاربهم، ويبين لهم ما يجهلونه من أحكام الدين، فيشق طريقه بين مدن وقرى جبل نفوسة، ثم يقصد غدامس، ومنها يتجه غربا الى جبال الأوراس حيث مواطن قبيلة سدراتة الاباضية، وعند عودته من نفس الطريق يمر بالاحياء الضاربة في الصحراء. واتخذ في طريقه عدة مساجد صغيرة، تعرف عند الاباضية بالمصليات فكان يقيم فيها أياما يلقي دروس الوعظ
(35) ابن الصغير: ص 12، 14
، ص
108
(36) حسن حسني عبد الوهاب: ورقات (37) معمر علي يحي: الحلقة 3، الاباضية بتونس، ص 23.
-283 - (1/291)
صفحة 292
والأرشاد والتوجيه والتعليم. ويذكر علي يحيي معمر، أن سكان المنطقة الواقعة بين غدامس وطرابلس، من كثرة ورود عاصم عليهم، في أوقات معلومة لديهم، نسجوا حول ناقته الأقاصيص التي لا تزال في بعض تلك المناطق الى يومنا هذا تتناولها الشفاه (38)
ان هذه الطريقة في انتقال المشائخ الى مختلف المساجد القريبة والبعيدة، لا شك أنها أكبر فائدة من انتقال الأفراد الى حلقات العلم في المدن الكبرى والقرى القريبة منها. وهي تبين بوضوح مدى اهتمام علماء الاباضية في الدولة الرستمية، بنشر الاسلام واللغة العربية وعلومها بين البربر وتثقيفهم وتعليم الجميع بما في ذلك سكان المناطق النائية
ويذكر معمر، أن من طلبة عاصم السدراتي، تكونت الطبقة الأولى من كبار العلماء في جبل نفوسة، أمثال أيوب بن العباس وأبي مرداس، وأبي الحسن الابدلاني ومحمد بن يانس وغيرهم كثير (39)، وسوف تعود الينا هذه الاسماء في فصول هذا البحث القادمة.
وكان الطلبة، في بعض الأحيان، يتحركون قوافل حيثما تحرك أستاذهم، قاصدا المساجد المنتشرة، أو مناطق أخرى خارج المدينة، فكان لأبي ميمون (40)، أحد مشائخ الجبل، حلقة من الطلاب تتحرك معه (41) يأخذون عنه العلم والسير «وهم متمادون على دراستهم واجتهادهم، ولم يفتروا في مقام ولا رحيل (42)
ولعل هذه الطريقة هي التي وصفها ابن الصغير عندما ذكر أن الامام
(38) معمر: الأباضية بالجزائر، ص 129
(39) نفسه: ص
:. 129
(40) من مشائخ الطبقة الخامسة (200 - 250 هـ) وعلمائها. أنظر الدرجيني: ج 2، ص 294 - 296
(41) الوسياني: سير (مخطوط)، ورقة 14
(42) الدرجيني: ج 2، ص 295
-284 - (1/292)
صفحة 293
أبا اليقظان بن أفلح، ضرب سرادقة مرة خارج تيهرت، فلما علم الناس بذلك خرج «اليه الفقهاء والقراء وضربوا أبنيتهم حول سرادقه» (43)، هذا حتى يستفيدوا من دروسه ووعظه وعلمه، وهو المعروف عنه كثرة التأليف كما سبق أن ذكرناه.
ويبدو لنا أن حملة العلم الخمسة الى المغرب العربي، وعلى رأسهم مؤسس الدولة الرستمية عبد الرحمن بن رستم، قد نقلوا صفة مدرسة البصرة الاباضية الى المغرب، ونقلوا تنظيماتها ودروسها وحلقاتها أو مجالسها. ولعل الاختلاف البسيط الذي يمكن أن يكون بين مدرسة البصرة، و (مدارس) المغرب في عهد الرستميين، هو أن الأولى كانت سرية وفي سرداب أرض، لأن الامامة في ذلك الزمان والمكان، كانت امامة كتمان، وامامها وشيخها في نفس الوقت أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، بينما (مدارس) المغرب كانت علنية، وحلقاتها مفتوحة لجميع الراغبين في التفقه وطلب العلم، اذ الامامة أعلى مراحل الامامة والقوة عند الاباضية، فلا داعي الى الكتمان في هذه الحالة لهذا يمكن أن يكون ما وصل اليه الدكتور عمرو خليفة النامي صائبا في أنه انتظمت حلقات ذلك النوع من المدارس «ما بين فزان وقابس وبين الجبل وتيهرت» (44) يؤمها الطلبة من مختلف آفاق المغرب، للتفقه في الأصول والفروع، والسير والتوحيد والشريعة، وآراء الفرق الى جانب علوم اللغة العربية. فكانت بمثابة مدارس للعلوم النقلية والعقلية في آن واحد، ومراكز لتعريب البربر ونشر الحضارة العربية (45).
امامة ظهور، وهي
ولم يكن المسجد وحلقاته التي تعقد فيه، أو تعقد بعيدا عنه وعن المدينة، وحدها تقوم بمهمة تدريس مرحلة ما بعد الابتدائي، ان صح
(43) ابن الصغير: ص
45
(44) عمرو خليفة النامي: ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرستمية حتى أواخر
القرن السادس الهجري - مجلة الاصالة، عدد 43/ 42، مطبعة البعث، قسنطينة، 1397 هـ/1977 م، ص
16
-285 -
219
(45) محمود اسماعيل: الخوارج، ص (1/293)
صفحة 294
التعبير وانما كثيرا ما تمر علينا نصوص في الكتابات القديمة تشير الى اتخاذ منازل العلماء دورا للتعليم والتثقيف. ومن ذلك منزل أبي ذر أبان بن وسيم، الذي كانت تقصده النساء (46)، فضلا عن الرجال والطلبة. ومنزل أبي هارون الجلالمي موسى بن يونس النفوسي (47)، الذي قال عنه أحد أقرانه في العلم «لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره کما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة» (48)، ويبدو أن الوهن بدأ يدب في جسم الدولة الرستمية فقل طلاب العلم، وقصدهم العلماء وحلقات العلم، اذ عاش أبو هارون بعد وقعة مانو، التي هلك فيها العديد من خيرة أبناء نفوسة (49) والنص يشير، من جهة أخرى، الى اتخاذ العلماء دور مؤسسات تعليمية جنبا الى جنب مع حلقات المساجد. ويبدو أن ابن الصغير عندما كان يدرس كتابا في الحديث، عند أبي عبيدة الأعرج، أحد علماء تيهرت، كان يقصده في منزله. وهذا ما يفهم من قوله «وقد أتيته يوما أسمع منه كتاب اصلاح الغلط» (50)، فلا شك أن عملية الاتيان التي يقصدها كانت الى المنزل لا غير لهذا فان الاستاذ حسن حسني عبد، مصيب جدا عندما يقول: كان العلماء «يقرئون اما في بيوتهم أو في المساجد .... وهي سنة متبعة في سائر أنحاء العالم العربي وقتئذ، وهذا أمر محقق لا تتطرق اليه الريبة (51)
الوهاب
ولا بد قبل أن أختم هذا المبحث، من الاشارة الى أن الكتابات القديمة
(46) الشماخي: ص 217 - ويذكر لواب بن سلام منزلا يدعى منزل أبي الأزهر الهواري ويوجد قبلة سوسة غربي مدينة القيروان كان العالم الفقيه فضل بن عبد الله المقيم بالقيروان يخرج اليه كل سنة في غلة الزرع ويجتمع اليه اباضية تلك النواحي ويتعلمون منه العلم، ويجمعون له نفقة عام. أنظر: شرائع الدين (مخطوط) ورقة 48 (47) من علماء الطبقة السادسة (250 - 300 هـ) عاش أحداث وقعة مانو سنة 283 هـ،، أنظر الشماخي: سير،
ص
276
(48) الشماخي:
ص
(49) أبو زكرياء:
278
ص 104، الدرجيني: ج 1، ص
(50) ابن الصغير: ص 46
(51) ورقات: ص
126
89
-286 - (1/294)
صفحة 295
الا
كثيرا ما أشارت الى ما يعرف بالنفقة على الطلاب وأساتذتهم (52)، في هذه الفترة التي نحن بصدد دراستها. وهي ان تأكدت، ونحن نراها محتملة جدا، ولا نستبعد أن تكون من تنظيمات مدرسة البصرة، اذ لا يمكن أن يعيش حملة العلم الخمسة وغيرهم من طلاب العلم الذين قصدوا تلك المدرسة من نفقات المسلمين من أهل مذهبهم. لهذا فان الشماخي (53) أو غيره عندما يذكر أن أبا هارون، السالف الذكر، كان ينفق ثلث ماله على تلامذته لا نراه مخطئا، رغم تقدم الفترة الزمنية. فنشاط الاباضية في المغرب العربي آنذاك، لبث العلوم ونشر الثقافة لا يستبعد عنهم مثل ذلك الاجراء، فكان الاباضية يحترمون العلم والعلماء، ويحثون على النفقة في. ويعتبرون ذلك من القربات العليا والفضائل الحسنة (54)
سبيله
من
فاذا كانت النفقة على الطلاب وأساتذتهم موجودة، فان وجودها مرتبط بوجود أماكن خاصة لسكنى الطلاب المغتربين ومشائخهم. وهذه عادة ما تكون بجانب المسجد الذي «لم يكن .... حينذاك مجرد مكان للعبادة والصلاة، وانما كان كذلك مدرسة بكل ما تحمله هذه الكلمة معان، فهو مكان لالقاء المحاضرات، والاستماع الى الدروس وهو مجمع للطلاب والأساتذة، وهو الى جانب ذلك يحوي في العادة، أماكن خاصة لسكنى الاساتذة والطلاب المغتربين» (55)، ونؤيد هذا من باب المقارنة، لأن حملة العلم الذين كانوا في مدرسة البصرة أجريت لهم نفقاتهم، وخصصت لهم مساكن. فاذا كانوا قد نقلوا العلم الى المغرب، فلا نرى مانعا
(52) يذكر لواب بن سلام عن شيخ أنه كانت تجمع له نفقة كل سنة من القمح لعياله وعلف دابته من الشعير وزيت مصباحه وقطن لباسه ولباس عياله وهذا الشيخ هو فضل بن عبد الله من الاباضية كان يتولى تعليم الاباضية بالقيروان، وكان عالما فقيها مفت. أنظر شرائع الدين (مخطوط) ورقة 48
278
(53) الشماخي: سير، ص (54) المزاتي أبو الربيع: سير، ص 86 - 87
(55)
ص 62
د. أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي في ليبيا، ص 105، وأنظر كذلك معمر: الاباضية، ج 2، ق 2،
-287 - (1/295)
صفحة 296
في أنهم قد نقلوا مع ذلك تنظيمات مدرسة البصرة الى المغرب، خاصة وأن أحد حملة العلم هو عبد الرحمن بن رستم أول امام رستمي في المغرب العربي. ج المكتبات:
اشتهر الأئمة الرستميون باقتنائهم الكتب من المشرق، كما اشتهروا بالتأليف في مختلف فنون العلم. وقد سبق أن رأينا مدى مساهمتهم في
الحياة الفكرية. وتبدو لنا واسعة جدا سعة ثقافة تلك الأسرة التي عملت منذ امامها الأول عبد الرحمن بن رستم، على تثبيت الاباضية كمذهب اسلامي وثقافة في أوساط المغاربة وذلك في نطاق حكمهم الممتد من حدود
تلمسان في المغرب الأوسط غربا، الى سرت في المغرب الأدنى شرقا.
ولا شك أن للمكتبات الدور الفعال في تغذية الحركة الفكرية ودفعها الى الأمام أشواطا، فالاهتمام بالكتاب واقتنائه، من أهم مالاحظناه في هذه الدولة حكاما وعلماء (56)، اذ تشير المصادر الاباضية الى أن الامام عبد الوهاب بعث بألف دينار الى اخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا فاجتهدوا في توفير ذلك المال واستغلاله أحسن استغلال فاقتضى نظرهم أن يشتروا به ورقا وتطوعوا في نسخ الكتب والمجلدات الموجودة عندهم «فنسخوا له أربعين حملا من كتب فبعثوا بها اليه (57). ونلاحظ في الرواية مدى اهتمام الاباضية في المشرق والمغرب بالكتاب. ومن الأمثلة أيضا ما قام به عمروس
بن فتح النفوسي (58)، من نسخ مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخرساني 9
"
(59)
(56) مما يدل على اهتمام الاباضية بالكتاب قول أحد علماء القرن الخامس الهجري. من حمل كتابا الى بلد لم يكن فيه ... فكأنما حمل ألف حمل دقيقا تصدق بها على أهل ذلك البلد - الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 411، الشماخي: سير، ص 402
(57) أبو زكرياء: سير، ص 65، وأنظر الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 56 - 57.
-
(58) عروس بن فتح من علماء الطبقة السادسة (250 - 300 هـ) وسيأتي الحديث عنه وعن علمه (59) أبو غانم بشير بن غانم الخرساني أحد علماء الاباضية بالمشرق زار الدولة الرسمية وقصد عاصمتها ولا يزال كتابه موجودا وقد طبع طبعة مستعجلة في جزأين. دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، سوريا لبنان، بلا تاريخ الطبع، وقد قام بنشره الشيخ سالم بن حمد سليمان الحارثي العماني.
-288 - (1/296)
صفحة 297
وهي تقع تقع في اثني عشر جزءا. رغم رفض صاحب المدونة استنساخها، لما طلب منه عمروس ذلك. وتذكر المصادر الاباضية، أن النسخة الباقية نسخة عمروس لان النسخة التي تركها أبو غانم في تيهرت،
اليوم، هي
أحرقت مع الكتب الأخرى أحرقها العبيديون (60) إن جلب الكتب من المشرق، وانتساخ البعض منها، هي التي كونت المكتبة الرستمية ولا شك. فاذا كان أبو زكرياء (61) يذكر أن أهل المشرق بعثوا لعبد الوهاب أربعين حملا، من الكتب، بينما يذكر الدرجيني (62) أنها ديوان عظيم، فان الشماخي يذكر أن «الامام عبد الوهاب أتته خزانة كتب (63)، مما لنا أن هذه الخزانة، كونت النواة الأولى لمكتبة يوحى تيهرت، التي تتحدث عنها المصادر الاباضية، وتذكر أنها صومعة (64) مملوءة كتبا، في مختلف الفنون والمعارف. لهذا يلوح لنا أن ابتداء مكتبة تيهرت كان في عهد الامام عبد الوهاب، لاقبل ذلك. وعرفت هذه المكتبة فيما بعد بمكتبة المعصومة (65). التي تحوي آلافا من المجلدات، يذكر الشيخ علي دبوز، بأنها ثلاثمائة ألف مجلد (66) من بينها ديوان يعرف بديوان تيهرت، لا نعرف عنه شيئا ذكره الدرجيني في طبقاته (67) ولم تكن بالدولة الرستمية في المغرب الأوسط والأدنى سوى هذه المكتبة ولكن بعض الدراسات تشير الى وجود مكتبات في جبل نفوسة، ومنها خزانة نفوسة الجامعة لآلاف من الكتب بمدينة شروس) (68)
(60) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 4، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 323، الشماخي:
65
(61) أبو زكرياء: سير، ص (62) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 56 - 57
(63) الشماخي: سير، ص
222
ير،
228
(64) أبو زكرياء: سير، ص 113، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 94، وعرفت فيها بعد بمكتبة المعصومة. (65) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 293، دبوز: تاريخ المغرب الكبير ج 3، ص 397، الميلي: تاريخ الجزائر
في القديم والحديث، ج 2، ص 68
(66) دبوز: المرجع السابق، ج 3، ص 396، د. أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي، ص
(67) الدرجيي: طبقات، ج 1، ص
(68) الباروني: الأزهار، ج 2، ص
95
209
111
-289 - (1/297)
صفحة 298
لا يتطرق الشك في أن مثل هذه المكتبات كانت ملجأ لطلاب العلم
ومؤسسة اضافية الى جانب المسجد والمنازل وربما العديد منها كانت خاصة وفي حوزة العلماء بمنازلهم، وليس لدينا أي اشارة الى هذا وانما نقوله من باب التخمين والاستقراء، ولعل ما ألف في الدولة الرستمية وحده، من قبل الأئمة والعلماء، يكفي لأن يؤسس المكتبات، وخاصة، منها مكتبة المعصومة التي يرى الشيخ دبوز (69)، أن أغلب كتبها من نتاج علماء الدولة الرستمية ويبرر بذلك سبب حرقها من طرف العبيديين
ولا بد من التوقف برهة في مسألة الحرق، هذه، التي تعرضت له مكتبة المعصومة، والتي تؤكدها جميع المصادر الاباضية (70)، وتذكر أن أبا الله عبد الشيعي، لما دخل تيهرت، واقتحم دار امامتها في المعصومة وجد تلك المكتبة الغنية، فانتقى منها ما يعجبه من كتب الصنائع والحساب وسياسة الملك وأضرم النار في الباقي، وهو يمثل جوهر المكتبة، اذ هو كتب الفقه والفكر الاباضي عامة، ولقد شكك الدكتور لقبال (71)، في مسألة الحرق وأراد أن يستبعدها أو ينفيها عن أبي عبد الله الشيعي، بدعوى أنه مستنير، ورجل فكر، سبق أن كان معلما. وهذه الحجة، في رأيي، باهتة اذ أن كثيراً من الكتب تعرضت للحرق من قبل علماء اجلاء. ومثال ذلك، ما قام به بنو عباد في الأندلس، وهم العلماء الأعلام في زمانهم، من حرق كتب ابن حزم (72) (72)، وكفعل أبي يوسف المنصور الموحدي وهو الفقيه (580 - 595 هـ)، أحرق كتب السنة
موسي
(69) دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 397 (70) أبو زكرياء: سير، ص 113، الدرجيني: طبقات: ج 1، ص 94 - 95، الشماخي الباروني: الأزهار، ج 2، ص 293، دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 617 - 618
228
(71) لقبال موسى: من قضايا التاريخ الرستمي الكبرى، مكتبة «المعصومة، بتاهرت. هل أحرقت؟ أو نقلت عيونها الى سدراتة في جوار بني وارجلان؟ مجلة الأصالة، عدد 41، مطبعة البعث، قسنطينة 1397 هـ /1977 م، ص 51 - 59 ..
(72) ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ج 1، ق 1، ص 171، ياقوت الحموي: معجم الادباء، ج 12، ص 249 - 252، المقري: نفح الطيب، ج 2، ص
82
"
-290 - (1/298)
صفحة 299
والمالكية، وكانت أحمالا كبيرة (73) وانما أحرق هذا وذاك تلك الكتب لعلمها بأنها تحمل متناقضات ما يدعو كل واحد منها اليه، ونرى فعل أبي الله عبد الشيعي بمكتبة المعصومة ينطلق من هذا الاساس.
وأما أن المصادر غير الاباضية، لم تذكر عملية حرق لمكتبات دول المغرب آنذاك، قام بها أبو عبد الله الشيعي، فلعل العداء التقليدي الموجود
بين الاباضية والشيعة، والمجسم في كتبهم هو الذي دفع الداعية الى فعله ونوافق الدكتور لقبال موسى من جهة أخرى، فيا احتمله أن يكون مصيرا لمكتبة المعصومة عندما قال بأنه من الممكن أن يكون بعض أفراد الأسرة الرستمية الذين تمكنوا من الهروب الى وارجلان، قد أخذوا معهم شيئا غير قليل من «هذه النفائس المذهبية والدنيوية الى مهجرهم الجديد (74) واحتمل أن يكون جزءا منها قد ضاع في الطريق لاشتغال الفارين بالدفاع عن أنفسهم وتأمين حياتهم من جنود الداعي كما يضيف. أفلا يمكن في هذه الحالة، أن يكون جند أبي عبد الله قد أحرق ما وجده من كتب في طريقه زهد فيها أصحابها من الاباضية؟
وفي هذه الحالة لا نتعجب اذا ذكرت عملية الحرق المصادر الاباضية وحدها دون غيرها، وخاصة الشيعية العبيدية، لأنه ليس في صالح هذه أن تذكر الحرق، فتؤلب الناس عليها في ذلك الزمان وتسخطهم عليها في
هذا الزمان
(73) المراكشي عبد الواحد: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان، محمد العربي العلمي ط 1، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1368 هـ/1949 م، ص 278 - 280. وقد رأى المراكشي نفسه يومئذ بمدينة فاس يؤتى بالاحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وأنظر كذلك، ص 172 - 173 من نفس الكتاب حيث اشارة
الى أن علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي أحرق كتب أبي حامد الغزالي وهدد من امتلاكها أو قراءتها. (74) لقبال موسى: من قضايا التاريخ الرستمي الكبرى، مجلة الأصالة عدد 41، ص 55. ولعل ما وصل من الكتب الى وارجلان بتلك الطريقة إن صحت كانت أول بذرة المكتبة سلالة الرستميين بوارجلان ومنها مكتبة الشيخ أبي أحمد بن أفلح التي يذكرها الشيخ أعزام في كتابه غصن البان والتي يقول إن كتبها قد ضاعت بسبب الاهمال والجهل والتفريط ... ابراهيم اعزام: غصن البان في تاريخ وارجلان (مخطوط) ورقة 6.
-291 - (1/299)
صفحة 300
الا
ونقول هذا ونحن لا تنفي أن يكون أبو عبد الله الشيعي قد أحرق المكتبة في تيهرت، كما لا ينفيها أغلب المؤرخين المحدثين (75)، لأن الأسرة الرستمية عاملها بقسوة الداعية أبو عبد الله الشيعي، وقتل كل أفرادها من ساعدته الظروف واستطاع أن ينجو بنفسه الى وارجلان، ولقد كان نصيب الأباضية من الاضطهاد من طرف العبيديين، كما يقول المجدوب النصيب الأوفى من التعذيب والسلب والنهب ... » (76). ولقد خرجت تيهرت مراراً عن طاعة العبيديين (77)، وخالفهم أهلها، فكانت سبباً للغزو، وقتل أهل الخلاف فيها (78)، بل لقد أحرق منبر جامعها، لا لسبب الا لأنه خطب عليه لعبد الرحمن بن محمد الناصر (79)، الخليفة الأموي بالأندلس
وفي سنة 311 هـ، دخل العبيديون حصن نفوسة وهدموه وأوقعوا بأهل نفوسة، وقتلوا الرجال وسبوا الذرية (80). والحقيقة أن جميع المصادر تروي مناكر العبيديين في المغرب العربي كله، وليس بتيهرت وحدها، الأمر الذي يدفعنا الى الاعتقاد أنه ليس بمستبعد عن أبي عبدالله الشيعي أو غيره من ولاة العبيديين، احراق المكتبة الأباضية بتيهرت، ماداموا قد احرقوا
(75) د. أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي، ص 111، الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 68، الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 2، ص 232، باجية صالح: الاباضية، ص 57، د. محمود اسماعيل: الخوارج، ص 224، الكماك: موجز، ص 205، المدني أحمد توفيق: كتاب الجزائر، ص 78، وأنظر كذلك:: André Nigre
opcit, p.20
(76) المجدوب عبد العزيز: الصراع المذهبي بافريقية الى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، تونس، 1395 هـ/1975 م
، ص 214.
(77) الجيلالي: المرجع السابق، ج 1، ص 290
97
(78) المقريزي: اتعاظ الحنفاء، ص (79) ابن حماد: أبو عبد الله محمد بن علي: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، مطبعة حول كاربونال، الجزائر، 1346 هـ، ص 36. عبد الرحمن بن محمد الناصر، الخليفة الأموي بالأندلس، وهو كما يقول عنه ابن الابار: أعظم بني أمية بالمغرب سلطانا. ولي بقرطبة سنة 300 هـ وتوفي سنة 350 هـ. وهو أول من اتخذ اللقب من بن أمية وتسمى بالناصر وبخليفة المسلمين. أنظر ابن الآبار أبو عبد الله: الحلة السيراء، ط 1، ج 1، تحقيق حسين مؤنس الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، ص 197 وما بعدها.
-292 -
(80) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 188 (1/300)
صفحة 301
،
المنبر فيها، وقتلوا الرجال والذرية في كل مكان يحلون به (56)، ولم يسلم ذلك جبل نفوسة رغم صعوبته ومراس أهله.
من
والحقيقة أن مكتبة المعصومة كان من الممكن أن تزودنا بالعديد من المعلومات عن تيهرت والدولة الرستمية بالذات لو احتفظت بذخائرها، ولم تعبث بها أيدي القدر، كما عبثت بمكتبات نفوسة ومكتبات الجنوب التونسي وكان من الممكن كما يقول باجية صالح، أن تسهل علينا دراسة المذهب الاباضي (82). وتاريخ دولته في المغرب العربي بصورة علمية شاملة أقرب للانصاف والدقة
ثانيا - الدراسات المتداولة في المؤسسات التعليمية:
كانت أغلب العلوم المتداولة في القرنين الثاني والثالث، مطروقة في الدولة الرستمية. وجدت اهتماما خاصا لدى علمائها، وعرفت العلوم الدينية كالتفسير والحديث والفقه بالخصوص اقبالا منقطع النظير، حتى ليخيل الينا أن أغلب الناس كانوا فقهاء أو لهم حظ لا بأس به من الفقه
لا شيء ينفي أن يكون التلميذ في المرحلة الأولى (83)، يحفظ القرآن وبعض الأحاديث. ولعل ذلك يكون في البداية عن طريق التلقين والتكرار دون الكتابة، لان الصبي في هذه المرحلة الأولى من الكتاب، لا نعتقد أنه قد استوعب الحروف الهجائية أو بامكانه القراءة والكتابة، وانما
(81) لقد حوصرت وهران سنة 297 هـ ومنع عن أهلها الماء وخربت واصرمت فيها النيران وهرب منها مؤسوها الأندلسيون محمد بن أبي العون ومحمد بن عبدون فضلا عن سكانها. أنظر البكري: المغرب، ص 70. (82) باحية صالح: الاباضية بالجريد، ص 57 (83) يذكر الدرجيني أن ثلاثة شيوخ من القرن الخامس الهجري كانوا مشائخ لثلاثة مراحل من التعليم بحيث أن أولهم ه كان مقصدا للمبتدئين ... يعلمهم السير وآداب الصالحين، أما الثاني «فيجرون (عنده) قراءة القرآن ويتعلمون اللغة والاعراب، ثم ينتقلون الى الثالث «فيعلمهم أصول الدين والفقه، طبقات الدرجيني، ج 2، ص 397، يبدو أن كلمة جر القرآن تعني التكرار وراء الشيخ الملقن لحفظه .. كما أن النصوص صريحة في وجود ثلاث مراحل تعليمية، لعلها كانت سائدة في عهد الرستميين.
-293 - (1/301)
صفحة 302
الصحيح أن تحفيظ الصبي القرآن والاحاديث النبوية يسايره تلقينه مبادئ اللغة العربية نطقا وكتابة. فاذا ما أتقن ذلك انتقل الى الألواح الخشبية يكتب عليها بعض الآيات القرآنية والأحاديث التي يكلف بحفظها. وهكذا حتى يأتي على حفظ الكتاب الكريم بأكمله وقدر من أحاديث الرسول.
ولعل الصبي عندما يطوي مرحلة حفظ القرآن يكون قد بلغ سنا
معينا يسمح له بالجلوس في حلقات الدرس، التي تعقد في المساجد فيستفيد من الوعظ الذي يلقى على الناس عامة، ويأخذ نصيبا من الفقه الأولي الذي يطلق عليه الاباضية «ما لا يسع الناس جهله» (84)، فاذا تزود التلميذ بهذه الثروة: القرآن والحديث وجزء من الفقه وتعلم الكتابة والقراءة حق له أن يدخل حلقات الدرس التي تعقد للخاصة من الذين بلغوا مرتبته، سواء اكانت هذه الحلقات في المساجد أو في
أو المكتبات
العلماء
في هذه المرحلة من الدراسة يتلقى طالب العلم مختلف العلوم فيتوغل في الفقه ويتقن العربية ونحوها، ويفهم ما كان قد حفظه في المرحلة السابقة حفظا دون استيعاب.
ولعل جو المناظرة والجدل، الذي لازم الدولة الرستمية خلال كل تاريخها، قد دفع العلماء الى تعلم واتقان أساليب الجواب والرد، أثناء المناظرات، فكانت الدراسة، في نظر شيخ بكري (85)، تهدف الى هذا. وكل الجهود موجهة نحو هذه الغاية، فالدولة دينية ووجود المذاهب المختلفة فيها تدعو الى مثل هذا الهدف، وبالتالي فان على العالم أو طالب العلم أن يتعلم
(84) ابن جميع أبو حفص عمر: مقدمة التوحيد، شرح: أبو العباس الشماخي أبو سليمان الثلاثي، ص 8، 138 - 144، الوارجلاني، أبو يعقوب: الدليل والبرهان، ج 2، ص 14 وما بعدها، ص 24 وما بعدها.
Bekri Chikh : opcit, p. 88 - Dengel G.: opcit, p. 237 - 238 (85)
-294 - (1/302)
صفحة 303
الجدل الكلامي، لأنه هو قاعدة الدراسات في الدولة، ولا يتسنى
له
ذلك الا:
1 - باتقان اللغة العربية ونحوها لأنها لغة القرآن والحديث
هي
2 - فهم القرآن ومعرفة تفسيره وكذا الحديث النبوي
3 - اتقان معرفة الفقه والشرائع الدينية.
4 - استيعاب تاريخ السلف ويضم ذلك بالنسبة للاباضية، سيرة الرسول الله والخلفاء الراشدين والصحابة، وسيرة عبد الرحمن بن رستم وغيره من الأئمة بالمغرب وسيرة علماء الاباضية الأوائل مثل
جابر بن زيد الأزدي وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وعبد الله
اباض ومرداس بن أدية (86) أدية (86) وغيرهم.
بن
شأنه
وهكذا فمن المحتمل، أن يكون الاهتمام بالجدل، واثبات الحجة امام الخصم، قد دفع علماء المغربين الأوسط والأدنى، الى استيعاب العديد من فنون العلم وعدم الاكتفاء بالقليل. فهذا التنافس بين المذاهب من أن يرفع مستوى التعليم، فكل طرف يرغب في الاستزادة من العلم حتى يقوي حجته، ويتمكن من دحض حجج ومقالات الخصوم
ولم يكن العلماء في الدولة الرستمية، بطبيعة الحال، كلهم يهتمون بالجدل، وانما الأغلبية منهم فقهاء كما سوف نرى عندما نتطرق الى هذا بالتفصيل
وهي
ومجمل القول إن الدراسة في الدولة الرستمية تكاد تكون دينية صرفة في الحقيقة ميزة للعصر كله، ولا تقتصر على الدولة الرستمية وحدها
(86) عن مرداس بن أدية أحد زعماء الاباضية بالمشرق أنظر المبرد: الكامل (باب الخوارج) ص 82. وأنظر أيضا. الدرجيني الذي يقول عنه بأنه بلغ في الورع والديانة، والصيانة الأمد الأقصى، وكانت له أيام خرج فيها على زياد بن أبيه وهو من الشراة. طبقات، ج 2، من 214 - 226.
-295 - (1/303)
صفحة 304
والاهتمام بهذا النوع من الدراسة هو الذي دفع المغاربة الى تعلم اللغة العربية
ودراسة النحو حتى يستقيم لها لسانهم.
ولعل الاهتمام بدراسة التاريخ، وخاصة منه تاريخ الرسول والصحابة والأئمة الاباضية في المشرق والمغرب، كان كبيرا يمكن أن يستشف من قول الامام أفلح بن عبد الوهاب حاضاً رعيته «عليكم بدراسة
ذلك
«<
كتب أهل الدعوة لا سيما كتب أبي سفيان (87)، علما بأن أحد تلك الكتب يشمل الاخبار، اعتمد عليه الدرجيني كثيرا في طبقاته (88). وقد تسرب بسرعة الى شمال افريقيا حيث وجد اقبالا كبيرا عليه بترغيب أفلح
على ذلك (89)
ولا أدل على اهتمام الناس والعلماء بدراسة التاريخ من اهتمام أبي بكر نفسه به وشغفه باستماع أخباره (90)
ولعل كتب أبي سفيان التي حض الامام أفلح على دراستها تعتبر واحدة من الكتب المشرقية التي كان الأباضية يتداولونها في دراساتهم (91) خاصة وقد رأينا تدفق المجلدات في عهد الامام عبد الوهاب. والحقيقة أن العلاقة بالمشرق لم تنقطع. واستمر المشرق، مصدرا العلوم المغرب، يزوده منها بما يحتاج اليه
ولا شك أن الكتب التي ألفها الأئمة الرستميون، كانت محل اهتمام وعناية الرعية، يتدارسونها ويتناقلونها في حلقاتهم وهذا ما يفهم من كلام
(87) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 290، البرادي: ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، سبق ذكره.،
ج 2، ص
284
(88) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 278 - 279
Lewicki T.: Kitab as-siyar, opcit, p. 72 (89)
(90) ابن الصغير: ص 32
(91) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 152.
-296 - (1/304)
صفحة 305
ابن الصغير، عندما تحدث عن كتاب مسائل نفوسة الجبل للامام عبد الوهاب فقال «وكان هذا الكتاب في أيدي الاباضية مشهورا عندهم، معلوما يتداولونه قرنا عن قرن (92) وقد استطاع ابن الصغير نفسه، أن يقف عليه ويدرسه.
ومما يدل على اهتمام الاباضية بتأليف الأئمة من الرستميين أو غيرهم ما ذكره ابن خلدون عن أهل جربة من الاباضية الذين «يتدارسون مذاهبهم وبينهم مجلدات تشتمل على تأليف لأئمتهم في قواعد ديانتهم وأصول عقائدهم وفروع مذاهبهم يتناقلونها ويعكفون على دراستها وقراءتها
هذه أهم الدراسات التي نرى أنها كانت متداولة في الكتاتيب وحلقات المساجد أو دور العلماء، ومكتبات تيهرت وجبل نفوسة الخاصة منها والعامة، وغيرها من المؤسسات التعليمية أو بالأحرى والأدق الاماكن الأخرى التي يمكن أن تتخذ موضعا لداسة العلوم. ولعلنا في الفقرات التالية سوف تجلو لنا دراسات أخرى كانت محمل اهتمام الرستميين حكاما وعلماء، ولم نذكرها هنا، ولكننا نعتقد أن أهم الدراسات التي صب عليها
جل الاهتمام، هي التي ذكرناها دون غيرها
20
-297 -
250
17
3:
(92) ابن الصغير
(93) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص (1/305)
صفحة 306
الفصل الثالث) العلوم وأبرز العلماء
أولا: العلوم النقلية:
أ - التفسير:
لما كان القرآن هو المصدر الأول للتشريع، اليه المرجع في اصدار الأحكام، احتاج الناس الى فهم معانيه، وشرح آياته، فكان العرب، وقد نزل القرآن بلغتهم، يرجعون الى الرسول في تفسير بعض الآيات التي الألفاظ أشكلت عليهم، وشيئا فشيئا تفرغ بعضهم لهذا، واهتم بتفسير والكلمات والمعاني والآيات، فعرفوا بالمفسرين لكتاب الله.
واذا كان العرب، قد احتاجوا الى من يفسر لهم القرآن، فان البربر من باب أولى .. لهذا، وعلى ما يبدو، كانت حلقات الوعظ والتدريس ومجالسهما لا تخلو من شرح لألفاظ القرآن وتفسير لآياته، خاصة منها الآيات المتعلقة بالأحكام ذات الممارسة اليومية كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها. وليس بمستبعد وربما هو المؤكد (1)، أن يكون مثل هذا التفسير عبارة عن ترجمة شفوية لألفاظ القرآن وآياته الى البربرية حتى يفهمها السواد الأعظم من الناس في ذلك الوقت.
(1) مازالت بعض المجتمعات التي تتداول فيها البربرية بين عامة الناس يفسرون القرآن في المساجد بالبربرية أقرب لفهم المغاربة. ولا أدل على وجود مثل هذا في القرنين الأول والثاني الهجرين من تفسير لواب بن سلام «ربقة» بالبربرية لما أعياه تفسيرها بالعربية أنظر شرائع الدين (مخطوط) ورقة 15
لكلمة
-298 - (1/306)
صفحة 307
ومثل هؤلاء المفسرين، لا نشك في كثرتهم، وهو ما نفهمه من كلام الامام عبد الوهاب، لما طلب من أهل نفوسة أن يبعثوا له وفدا من علمائهم يضم من كل صنف من العلوم مائة عالم، بما في ذلك التفسير، ليناظروا المعتزلة بتيهرت (2)
ولعل هؤلاء «المفسرين» لا تتجاوز معرفتهم، فهم بعض الأحكام من القرآن والقدرة على تفسيرها وشرح بعض الألفاظ والكلمات منه دون تعمق أو سبر للأغوار، وهو الأمر الذي ما زال لم يطرق في هذه المرحلة من الزمن.
ويبدو أن نفوسة قد علمت مقصد الامام عبد الوهاب، فأرسلت اليه مفسرا واحدا يمكنه لوحده أن يحل مَحَلَّ المائة المطلوبة، أرسلت اليه محمد بن يانس، لا شك أنه أبرز مفسري نفوسة وأعلمهم، لذلك اختير ليبارز المعتزلة وهو الذي يقول عن نفسه «أخذت تفسير القرآن كله من الثقات، وعلمته عنهم الا حرفا واحدا، أو حرفين، فان اضطررت أجد مخرجا» (3). ورغم ما في الرواية من مبالغة ظاهرة، فهي لا تخلو من معنى، اذ تشير الى علو كعب هذا الشيخ في التفسير، كما تشير الى وجود مفسرين غيره، لكنه هو الأبرز فيهم ولا تذكر المصادر الاباضية لهذا العالم
المفسر كتابا، فلعله من الذين كانوا يعتمدون على التفسير الشفوي لاغير
ومما يدل على اهتمام علماء الدولة الرستمية بالتفسير، ما قام به لواب بن سلام في كتابه شرائع الدين، اذ فسر جزءا من سورة الشورى (4)، وتعرض
58 - 57
(2) الشماخي: سير، ص 165 - 166 وأنظر: أبو زكرياء والدرجينى حيث يذكران أن الامام عبد الوهاب انما أرسل إلى جبل نفوسة يستمدهم أن يبعثوا جيشا اليه يكون فيه رجل ذو علم بفنون الرد على المخالفين ورجل عالم يفنون التفسير، ورجل شجاع بطل ... سير. 67، طبقات، ج 1، ص سير، ص (3) المراجع السابقة، نفس الصفحات. (4) فسير قوله تعالى: «شرع لكم من الدين ... . آية رقم 13 وغيرها من الآيات في سور متفرقة، شرائع الدين، ورقة 2 - 8.
-299 - (1/307)
صفحة 308
الى حكم حجاب المرأة في قوله تعالى: «يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك وساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن (5)، وليس في تفسيره أي غموض أو ابهام، وكثيرا ما كان يشير الى الحسن البصري، ولعله اعتمد على تفسيره كما يذكر ابن عباس، مما يدل على شيوع تفسير هذين العالمين في المغرب العربي.
وكان تفسير بعض الآيات يثير مناظرة فقهية - عقائدية، لما بين العلوم الدينية من اتصال، وقد حدث لابن الصغير المالكي أن ناظر أبا الربيع الاباضي، في تفسير قوله تعالى " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم (الى قوله واللائي لم يحضن (((6)، وتدخل اباضي ثان ليناظر ابن الصغير في قوله تعالى «لم يحضن» اذ فسرها بقوله إن المقصود منها النساء المسنات اللائي لم يخلق الله فيهن الحيض، بينما فسرها ابن الصغير بقوله إن «لم» لا تفيد النفي القاطع، وانما المقصود بذلك الفتيات الصغيرات اللائي مازلن لم يبلغن سن الحيض، وأنهن سيحضن في المستقبل. وأساس هذه المناظرة (7) في تفسير آية من القرآن فقهي اذ سأل الاباضي أخاه المالكي عن السبب في منعهم جواز نكاح البكر بخيارها بعد أن تدرك، الأمر الذي اجازوه للأمة بعد أن تعتق، رغم أن معاهما، كما يقول أبو الربيع، واحد.
أما التأليف في التفسير، فتذكر المصادر الاباضية تفسيرا لعبد الرحمن بن رستم، كان متداولا في قلعة بني حماد، تنافس على اقتنائه الاباضية الوهبية والنكارية على حد سواء، وشدت الرحال اليه لجلبه، الا أن النكاري المقيم بالقلعة قال للوهبي «اطمئن يا عبد الله فقد بيع الكتاب ووقع في يد لا
(5) آية رقم 59، سورة الأحزاب، لواب: شرائع (مخطوط) ورقة 20 - 25.
59.57
(6) آية رقم 4، سورة الطلاق، وأنظر ابن الصغير: (7) أنظر عن هذه المناظرة الفقهية التي تدل فعلا، في هذه المرحلة عن عمق في تفهم ألفاظ القرآن العميقة، وقدرة على تفسيرها: ابن الصغير: ص 57 - 59
-300 - (1/308)
صفحة 309
تخرج منها ولا يمكن أن تراه فابحث ان شئت عن غيره (8). ولا تخلو هذه العبارة من اشارة صريحة الى فقدان هذا التفسير واليأس من وجوده، ولهذا السبب، على ما يبدو، يذكر البرادي هذا الكتاب في تقييده لكتب الاباضية ويعقب عليه بقوله «يذكرونه ولم ير» (9)
أما المصنف الثاني في التفسير، فهو لهود بن محكم الهوازي، وكان أبوه قاضيا للامام أفلح (208 - 258 هـ) وتفسير هود يقع في سفرين كبيرين (10). (10)، ويتحدث الشماخي عنها وعن هود فيقول «هو عالم متفنن غائص وهو صاحب التفسير المعروف، وهو كتاب جليل في تفسير كتاب الله، لم يتعرض فيه للنحو والاعراب بل على طريقة المتقدمين» (11)، ومما لاحظناه في هذا التفسير، أنه يروي في بعض الحالات أسباب النزول، ويعتمد على أحاديث نبوية، وكثيرا ما يشير الى مصادره کروايات ابن عياس ومولاه عكرمة، وابن الكلبي ومجاهد وغيرهم. ولم يتبع هود في تفسيره طريقة النقل فقط، بل كثيرا ما كان يسوق الرواية فينفيها نفيا قاطعا، واهتم خاصة باستخراج معاني الآيات وما تضمنته من حكم واحكام (12).
(8) الوسياني: سير، ورقة 72 - 73، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 471 (9) البرادي: ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار، ج 2، ص 289. ويقول الشيخ علي يحي معمر بأن أبا يعقوب يوسف الوارجلاني (ت 570 هـ)، ذكر بأنه رأى هذا التفسير مع رسائل له متعددة وجوابات كثيرة في فنون من العلم. أنظر: الاباضية بالجزائر، ص 64، ومن جهة أخرى لعل ما قاله آخر الأئمة الرستميين يعقوب بن أفلح لما سئل في وارجلان عما اذا كان يحفظ القرآن فقال «معاذ الله أن ينزل على موسى وعيسى مالم أحفظه وأعرف معناه، فكيف بكتاب أنزله الله على نبينا محمد، يدل على قدرة في تفسير القرآن مادام يعرف معناه، أنظر أبو زكرياء: سير، 124، الدرجيني: ج 1، ص 105
?
(10) البرادي: الجواهر، ص 219. لا يزال هذا التغير بفريه موجودا في مكتبات وادي ميزاب وقد رأيتها في مكتبة القطب» ببني يسجن ويذكر الشيخ سليمان داود بن يوسف أن نسخة من هذا التفسير في خزانة جده وأخرى في خزانة الشيخ بلحاج بالقرارة. أنظر: التفسير ومشاهير المفرين، محاضرة ألقيت في الملتقى الفكر الاسلامي بالجزائر العاصمة، أوت 1981
(11)
، ص
11
اية بير، ص 381، وأنظر أيضا معمر: الأباضية بالجزائر، ص 143 - 144
(12) لا يوجد ترقيم على صفحات المخطوط حق نشير اليها
-301 - (1/309)
صفحة 310
الأدلة على قيمة الكتاب وأهميته، ما ترويه المصادر الاباضية (13) ومن من اختصام رجلين عليه، كل يدعي حق ملكيته، حتى كادت عشيرتاهما تقتتلان مما حدا بأبي جمال المدوني، أحد فقهاء الاباضية، الى تقسيمه نصفين فأمر بعد ذلك كل واحد منها بنسخ النصف الآخر
ولعل هذا الاهتمام بهذا التفسير يشير الى أنه كان مرجع الاباضية في فنه، يعتمدون عليه، ويتداولونه بينهم، وربما لهذا السبب يذكر الأستاذ باجية صالح (14)، أن تفسير هود، كان معتمد الاباضية.
واذا كان الشيخ أبو اسحاق ابراهيم اطفيش، يذكر أن تفسير هود بن محكم هو أول تفسير للقرآن بين أيدي المسلمين حتى اليوم (15)، فان الأستاذ اشريفي بلحاج بعد تحقيق وبحث داما سنين عديدة، تبين له أن هذا التفسير المنسوب لهود بن محكم، ليس أصله له، وانما لمؤلف مشرقي الأصل سبقه، فجاء هود، حسبما يذكر اشريفي، «واختصر الكتاب ولم يضف فيه الا شيئا قليلا لا يكاد يذكر» (16)، ورغم كل هذه التأكيدات، يعقب الاستاذ على حديثه فيقول بأن الأمر بعد بحاجة الى مزيد من
البحث والتقصي.
290
(13) الوسياني: سير، ورقة 97، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 345 ـ 346، الشماخي: سير، ص (14) باجية صالح: الاباضية بالجريد، ص 55. (15) أبو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني: كتاب الوضع، تحقيق أبو اسحاق ابراهيم اطفيش، ط 1، مطبعة الفجالة الجديدة، بلا تاريخ ومكان الطبع، أنظر المقدمة، ص 10 - 11. مع العلم أن أبا الحاق أطفيش هو أحد محققي تفسير القرطبي: أحكام القرآن، وأنظر أيضا معمر: الاباضية بالجزائر، ص 144 (16) أشريفي بلحاج: التفسير ومناهجه عند علماء الاباضية، محاضرة القيت في ملتقى الفكر الاسلامي، الجزائر العاصمة، أوت 1981 م ص 10 وفي مقابلة شخصية مع الاستاذ اشريفي أخبرني أن المفسر المشرقي المقصود هو يحي بن سلام بن أبي ثعلبة أبو زكرياء البصري. وفي ترجمة له بكتاب «غاية النهاية في طبقات القراء، يذكر ابن الجزري أن يحيى بن سلام صاحب تفسير «نزل المغرب وسكن افريقية دهرا وسمع الناس بها كتابه في تفسير القرآن. وليس لأحد من التقدمين مثله ... توفي في صفر سنة مائتين، أنظر ابن الجزري شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد: غاية النهاية في طبقات القراء ج 2، تحقيق: ج. برجستر اسر. ط 1، مكتبة الخانجي، مصر 1352 هـ/1933 م، 373. وأنظر أيضا
، ص
وانظر مقدمة الطبعة الثانية
Hamadi Sammoud: un exégéte oriental en Afriquya: : Yahya ibn Sallâm in Ibla, N° 126 Tunis 1970 - 2, p.227.
-302 - (1/310)
صفحة 311
ومجمل القول إن هذا التفسير، الذي ألفه هود بن محكم، أو نسب اليه
ولعل الأمر الثاني أصح، يبين بشكل واضح، وفي كلتا الحالتين اهتمام العلماء والرعية في الدولة الرستمية بالتفسير، فلا شك أن هود بن محكم اذا كان قد نقل هذا الكتاب نقلا ولم يؤلفه، فإنه قد بين بعض آراء الاباضية في مسائل يختلفون فيها مع الفرق الاسلامية الأخرى. وان كانت قليلة وهذا هو الجديد في هذا التفسير الذي يعود الى القرن الثالث الهجري ولا يزال موجودا (17)
بهم
حفظة
ولا بد قبل أن نختم هذا المبحث، من الاشارة الى أن القراء كانوا موجودين في تيهرت خاصة، ولا نعرف اسم واحد منهم، وانما اشار اليهم ابن الصغير عندما تحدث عن الامام أبي اليقظان، وضرب سرادقه خارج تيهرت اذ لما علم الناس بخروجه، «خرج اليه العلماء والقراء وضربوا أبنيتهم حول سرادقه» (18)، ويبدو أن هؤلاء القراء، يقصد القرآن لا غير، وذلك على غرار ما كان متداولا في صدر الاسلام، دون النظر الى اختلاف الحروف وغير ذلك من الأمور في علم القراءات (19)، التي لا يعرفها المغاربة في هذه الفترة على أكبر تقدير. واذا كان شيء من ذلك موجودا، فلا يتعدى بعض الاختلافات في نطق بعض الألفاظ والكلمات، وربما الى هذا يشير ابن الصغير عندما ذكر وبتحفظ، أن خطباء الاباضية ربما حرّفوا اللفظ عن موضعه ليقيموا الأمر الذي يريدونه (20). فهذه التهمة التي أطلقها ابن الصغير، متحرجا، على الاباضية لا يمكن فهم معناها وحملها الا على هذا الوجه. وانها اختلاف في القراءات لا غير، اذ
(17) منذ سنوات والاستاذ اشريفي بلحاج يتولى تحقيق هذا الكتاب وانظر مقدمة الطبعة الثانية
(18) ابن الصغير: ص 45
(19) خليل داود الزرو: الحياة العلمية في الشام في القرنين الأول والثاني للهجرة، ط 1، دار الأفاق الجدية
33
بيروت، 1971، ص (20) ابن الصغير: ص 59.
،
-303 - (1/311)
صفحة 312
الاباضية، حسبما نعرف على الاقل، لم تتهم بتحريف الكلم عن مواضعه في
يوم من الأيام.
ب - الحديث:
لا تذكر المصادر، التي بين أيدينا، عناية الاباضية في المغرب العربي بالحديث وتدوينه، أو رجاله ودرجات الثقة فيهم، كما نعدم مؤلفا اباضيا مغربياً في الحديث. ولا شك أن هذه الظاهرة ترجع في بعض أسبابها الى تخصص المشرق بالدرجة الأولى، في الحديث وعلومه، وفي هذه الفترة
بالذات. لذلك نجد اباضية المشرق قد ألفوا في هذا الفن من العلوم)
(21) أبرز كتاب اباضي في الحديث هو مسند الربيع بن حبيب الأزدي الفراهيدي العماني، من علماء القرن الثاني الهجري، اذ تولى امامة الاباضية بالبصرة بعد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي يحتمل أن يكون قد توفي في سنة 172 هـ. وكان الربيع في اتصال مستمر بعلماء المغرب، عاصر عهد الامام عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم (171 هـ - 208 هـ). ولما كان هذا الكتاب هو معتمد الاباصية في الحديث، فقد أولوه عناية خاصة مشارقة مغاربة. ويعتبر المسند عند الاباضية، أصح الكتب بعد القرآن الكريم ويليه في الرتبة الصحاح من كتب الحديث. ويذكر عز الدين التنوخي، العضو في المجمع العلمي العربي بدمشق، أن أحاديث مسند الربيع من أصح الاحاديث رواية وأعلاها سندا. ورجال سلسلته الثلاثية الحلقات هم أبو عبيدة التميمي وجابر بن زيد الأزدي والبحر عبد الله بن عباس شيخ جابر وغيره من الصحابة وهم بأجمعهم مشهورون بالحفظ والضبط والامانة
بن
والصيانة. وهذا السند لا يختلف في جميع المسند كما يختلف في سائر كتب الثلاثيات. ويقول الشيخ عبد الله حميد السالمي أن للربيع زهاء خمسة وعشرين شيخا. وفي علمي أن أحد الطلبة الليبيين يقوم حاليا بدراسة حول الربيع ومسنده. وأما محتويات المسند والذي ينقسم الى أربعة أجزاء، ففي الجزء الأول 63 بابا تناول فيها أحاديث الوحي، وذكر القرآن والعلم وطلبه والولاية والامارة والطهارات والصلاة والصوم والزكاة ... أما الجزء الثاني فيحتوي 57 بابا جاءت ضمنها أحاديث الحج والجهاد والنكاح والطلاق والبيوع والأحكام ... وفي الجزء الثالث، الأحاديث التي احتج بها الربيع على خصومه مثل حجة تكفير أهل الكبائر كفر نعمة أو حجة أن، الايمان قول وعمل وأن الله لا يرى ... والجزء الرابع يضم روايات محبوب بن الرحيل عن الربيع وروايات الامام أفلح عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، ومراسيل جابر بن زيد. وكل هذا الجزء الأخير، انما أضافة الشيخ أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني في القرن الخامس الهجري الى المسند لما قام بترتيبه. حول مسند الربيع وصاحبه يرجع الى الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، ترتيب أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني وتصحيح نور الدين السالمي، أنظر خاصة مقدمة المصحح في الجزء الأول، ص 2 - 3، وأنظر الطبعة الأخرى لنفس الكتاب وهو بعنوان شرح الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب بن عمرو شرح نور الدين السالمي ات 1332 هـ) تصحيح وتعليق عزالدين التنوخي، المطبعة العمومية، دمشق، 1383 هـ/1963 م، أنظر الجزء الثالث خاصة حيث مقدمة المصحح والمعلق الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 273 - 277، الشماخي: سير .. 102، المضيربي عبد الله سالم بن حمد: العقود الفضية في أصول الاباضية، لبنان بلا تاريخ الطبع، ص وما بعدها، ابن سلام: شرائع الدين (مخطوط) ورقة 36. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
?
149
-304 - (1/312)
صفحة 313
ثقة
أما بالنسبة لاباضية المغرب، فيبدو أن السلسلة التي ذكرها الشماخي
علماء
تحت عنوان «هذه نسبة دين المسلمين (الاباضية) واحد عن واحد، ثقة عن، من زماننا الى نبينا محمد عليه السلام (22) يقصد بها علماء اهتموا بالحديث وروايته كما اهتموا بالفقه الاباضي، ويذكر تلك السلسلة من الدولة الرستمية هؤلاء عن الشيخ أبي القاسم سدرات بن الحسن البغطوري عن أبي ذر ابان بن وسيم عن أبي خليل صال من أهل دركل عن أبي المنيب محمد بن يانس ... عن حملة العلم الخمسة عبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي وعبد الأعلى بن السمح المعافري «اليمني» وداود القبلي «النفزاوي» واسماعيل بن درار الغدامسي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري عن جابر بن زيد الأزدي) (23) وجابر عن الصحابة عن الرسول: وقد قال جابر يتحدث عن نفسه «لقيت سبعين رجلا من الصحابة فحويت ما عندهم الا البحر يعني ابن عباس (24)
إن هذه النسبة أو السلسلة من العلماء يمكن أن تنطبق على الفقهاء كما يمكن أن تعني العلماء الذين أخذوا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم مادامت اليه، اذ لا يؤخذ عن الرسول بالاسناد الا حديثه أو
السلسلة
تنتهي
سنته بصفة عامة
وهناك حادث مهم، وقع في نفوسة في عهد الدولة الرستمية مرتبط أشد الارتباط بعلم الحديث، ذلك هو ورود ديوان جابر بن زيد الأزدي امام الاباضية وأسه الى المغرب، قدم به نفاث بن نصر، أحد مشائخ نفوسة من بغداد، بعد أن استنسخه من النسخة الفريدة الموجودة آنذاك في خزانة الخليفة العباسي، كما تروي ذلك المصادر الاباضية (25).
(22) الشماخي: سير، ص 578
(23) الشماخي: سير، ص
580
(24) الشماخي: سير، ص 580 - 581، وأنظر سلسلة أخرى ص 212، 582. (25) أبو زكرياء: سير، ص 94 - 95، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 81 وغيها.
-305 - (1/313)
صفحة 314
کا
ولما كان جابر من التابعين، والتقى بسبعين صحابيا وحوى ما عندهم أسلفنا، فان ديوانه على ما يبدو في الحديث (26) ويعتبر اليوم في عداد المفقودات (27)، لأن نفاثا لما قدم بالديوان إلى المغرب، تذكر المصادر الاباضية، أنه حفر له حفرة فدفنه فيها، لأنه قبل هذا، انما رحل الى المشرق مخافة الامام أفلح الذي هدده وتوعده لما طعن فيه وفي امامته، وانحرف في نظره عن جادة الحق. ويقول أبو زكرياء بأن نفاثا دفن ديوان جابر «الحسد وبغي وسوء عاقبة (28) في نفس نفاث
»
من
واذا كان ديوان جابر، قد ورد الدولة الرستمية ولم يستفد منه أحد علمائها، فلا نعرف ما اذا كان مسند الربيع بن حبيب معروفا لدى علماء المغرب في هذه الفترة، أم لا. الا أن المتبادر الى الذهن أن هذا الكتاب لم يتسرب الى المغرب بسرعة، رغم كثافة العلاقات بين اباضية المغرب واباضية المشرق. . وبين الربيع نفسه والامام عبد الوهاب، كما سبق أن ذكرناه عدة مرات. ومما يؤيد هذا، ما هم بفعله عمروس بن فتح (29) بحر العلوم الزاخر الضابط الحافظ، المحتاط المحافظ، على حد تعبير الدرجيني عمروس على أن يفرز بين مسائل النص ومسائل السنة ورأي المسلمين) (30) ويضع في ذلك تأليفا لم يسبق في طريقته (31)
فلقد
عزم
(26) أنظر الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 81 هامش رقم 1. (27) لا يزال الاباضية وغيرهم يتوقعون العثور على هذا الديوان المهم وقد ذكره حاجي خليفة (ت 1067 هـ) في كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج 1، ص 781 وقال عنه فقط «ديوان جابر بن زيد، ولم يضف شيئا آخر، ولا نعرف ما اذا كان حاجي خليفة قد ذكره لأنه رآه وهو المطلع، أم ذكره لأنه قرأ عنه وسمع. أنظر كشف الظنون ط 3، المطبعة الاسلامية بطهران، أعادت طبعه بالاوفست مكتبة المثنى بغداد، 1387 هـ / 1947 م. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
(28) أبو زكرياء: سير، ص 96، وأنظر الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 82، الباروني:: الأزهار، ج 2،
ص
209
(29) عمروس بن فتح من علماء الطبقة السادسة (250) - (300 هـ) نفوسي من أعلم أهل زمانه. أنظر الدرجيني:
325.320
طبقات، ج 2، ص (30) أبو زكرياء: سير، ص
99
(31) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص
321
-306 - (1/314)
صفحة 315
إن هذا العزم الذي أراد عمروس تحقيقه، ما هو الافرز للعلوم ومصادر التشريع في الاسلام، بحيث أن عمروسا، لو قدر له وضع كتب في كل وجه من الأوجه الثلاثة المذكورة، لوضع للحديث، وهو ما عبر عنه أبو زكرياء بالسنة وهي أشمل مصنفا، اليه يعود الاباضية، وهذا يدل على أن مسند الربيع حسبما يبدو، لم يكن معروفا لدى المغاربة، ولدى عمروس بالذات في أواخر القرن الثالث الهجري وهو ما يفهم من كلام الدرجيني
ويبدو أن هذا الفراغ في مصنفات الحديث لعلماء أباضية، هو الذي دعا أبا عبيدة الأعرج التيهرتي، العالم بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة (32)، الى دراسة كتب غير الاباضية، بل وتدريسها اذ يروي ابن الصغير، أنه كان يأتي أبا عبيدة ليسمع منه «كتاب اصلاح الغلط الذي الله عبد بن مسلم بن قتيبة على أبي عبيدة» قتيبة على أبي عبيدة» (33) وكتاب اصلاح الغلط، في غريب الحديث كما يذكر ذلك النديم في فهرسته (34)
ألفه
ومجمل القول إن الاباضية، في الدولة الرستمية لم تظهر اهتماماتهم بالحديث جلية، ونعدم وجود مصنفات في ذلك. ولعل عمروس بن فتح وأبا عبيدة الأعرج ممن اهتم بالحديث ورجاله الا أن جهودهما الكاملة في هذا العلم مازالت معلوماتها لدينا ناقصة.
أما العلماء غير الاباضية، فقد وجدنا عددا لابأس به منهم اعتنوا بعلم
(32) ابن الصغير: ص 45 - 46
(33) ابن الصغير: ص
46
(34) يذكر النديم في فهرسته أن ابن قتيبة وهو أبو عبد الله بن مسلم الكوفي بها مولده ويقال له الدينوري لأنه قاضي الدينور، وتوفي ابن قتيبة سنة 270 هـ. يذكر أن له كتاب اصلاح غلط أبي عبيدة في غريب الحديث. وأبو عبيدة المذكور هو معمر بن المثنى التيمي من تيم قريش لاتيم الرباب له كتاب غريب الحديث وتوفي أبو عبيدة سنة 210 هـ وقيل 211 هـ. أنظر فهرست النديم، ص 58 - 59، 85 - 86، 9، وكتاب اصلاح غلط أبي عبيدة في غريب الحديث كتاب نحوي لغوي اضافة الى كونه كتاب حديث يضم العديد منها ويفسرها.
-307 - (1/315)
صفحة 316
الحديث وروايته، وفي هذا يقول الاستاذ أحمد أمين «قد اخرجت تيهرت
" (
»
<<
كثيرا من حفاظ الحديث وثقات المحدثين (35) ويقول أيضا «وقد اشتهر بلاد المغرب بالعناية بالحديث والفقه (36) ولا شك أنه يقصد في هذا علماء المالكية الذين نجد منهم أمثال: سعيد بن عباس السرتي، وهو ممن سكنوا تونس واشتغلوا برواية الحديث. روى عن أبي البختري وهب بن وهب والسرتي اذا كان البعض يوثقه فان آخرين يضعفه لان شيخه البختري المتوفى ببغداد سنة 300 هـ عند أهل التمييز كذاب، كما يقول أبو العرب (37) ولا نعرف عن السرتي أكثر من هذا.
(
أبو عبد عبد الرحمن بكر بن حماد بن سمك (وقيل ابن سهر) بن اسماعيل الزناتي التيهرتي (38). ولد بتيهرت سنة 200 هـ وبها توفي سنة 296 هـ له رحلة الى المشرق، بدأها سنة 217 هـ، سمع فيها الفقهاء. وجابه العلماء وكان بكر بن حماد «عالما بالحديث وتمييز الرجال، ثقة، مأمونا، ثبتا صدوقا، اماما حافظا» (39)
سمع بالقيروان، قبل رحلته الى المشرق، من سحنون بن سعيد (40) وآخرين. وفي البصرة لقي، مسدد بن مسرهد (41)، وعمرو بن مرزوق (42)
(35) أحمد أمين: ظهر الاسلام، ج 1، ص
(36) نفسه، ص
297
296
132
(37) أبو العرب: طبقات، ص 160، أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي ص (38) أبو العرب: طبقات، ص 246، الدباغ: معالم الايمان، ج 2، ص 281، ابن عذاري: البيان، ج 1،
ص
153
282
(39) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 153، الدباغ: معالم، ج 2، ص (40) هو أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي، كان حافظا للعلم، ولي قضاء افريقية سنة 234 هـ وتوفي سنة 240 هـ وهو أول من أظهر فقه مالك ومذهبه بالمغرب، أنظر أبو العرب: طبقات، - 185، الدباغ: معالم، ج 2، ص 101 (41) هو أبو الحسن مسدد بن مسرهد الأسدي المحدث بالبصرة. أورد له صاحب الانساب نسبين ـ توفي مسدد سنة 228 هـ. أنظر المعاني أبو. سعد عبد الكريم: الانساب، ج 1، ط 1، الهند، 1382 هـ / 1962 م،
ص
ص
184
216 - 215
(42) حافظ بصري: توفي سنة 224 هـ
-308 - (1/316)
صفحة 317
وجماعة من العلماء (43): وكتب عن مسدد مسنده ورواه عنه بتيهرت (44) ومما يحكى عن بكر، في الحديث، ما رواه القرطبي في تفسيره (45)، واقتبسه منه المقري في نفحه (46)، اذ ذكر أن بكر بن حماد اختلف مع قاسم بن أصبع (47) في كلمة من حديث نبوي، ولما تحاكما الى شيخ كان موجودا بالجامع الذي وقع فيه الحدث، ظهر خطأ بكر بن حماد واصابة قاسم بن. فأخذ بكر بأنفه، وراح يقول رغم أنفي للحق ... وعلق المقري على هذه الرواية بقوله «هذه الحكاية دالة على عظيم قدر الرجلين رحمهما الله تعالى ... » (48)
أصبع
بن
وأخذ الحديث عن بكر عدد من العلماء، منهم قاسم بن أصبع الذي كتب مسند مسدد بن مسرهد عن بكر (49). ومنهم أبو عبد الله محمد صالح القحطاني المعافري الأندلسي، الذي سمع بالمغرب بكر بن حماد (50) كما أخذ عنه ابنه عبد الرحمن، وقاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي
- أبو زيد عبد الرحمن بن بكر بن حماد، محدث من أهل تيهرت كان يروي عن أبيه وعن أبي زكرياء يحيى بن مالك الأندلسي اذ رحل الى الأندلس وحدّث بقرطبة. وكتب عنه غير واحد من حديث أبيه. وتوفي عبد الرحمن بن بكر بقرطبة. وقيل قتل في الطريق من القيروان الى تيهرت سنة 295 هـ (51)
(43) الدباغ: معالم، ج 2، ص 281 (44) السمعاني: الاناب، ج 3، ص 9.
(45) القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، ج 1، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني
أعادت طبعه بالاوفست دار احياء التراث العربي، بيروت، 1372 هـ/1952 م، ص
49 - 48
(46) المقري: نفح الطيب، ج 2، ص (47) قاسم بن أصبع: فقيه من فقهاء قرطبة البارزين، توفي سنة 240 هـ.
(48) المقري: نفح، ج 2، ص
49
287
(49) المعاني: الانساب، ج 3، ص 9، الدباغ: معالم، ج 2، ص 281، المقري: نفح، ج 2، ص (50) المقري: نفح، ج 2، ص 142، 152
48
(51) الدباغ: معالم الايمان، ج 2، ص 282، المعاني: الانساب ج 2، ص 9، ابن الفرضي: أبو الوليد
-309 - (1/317)
صفحة 318
قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي، كان من جلساء بكر بن حماد وممن أخذ عنه. وهو محدث تيهرتي، رحل الى الأندلس سنة 317 هـ وأقام بقرطبة وبها توفي (52)
أبو سعيد بحيج بن خداش، توزري، من أهل توزر، انتقل الى نفزوة من أعمال القيروان. وبها توفي سنة 296 هـ. روى عن محمد بن سحنون، وروى عنه أبو العرب محمد بن أحمد بن محمد بن تميم (53) صاحب طبقات علماء افريقية.
ويوجد من الأعلام الذين اهتموا بالحديث، روايته ورجاله العديدين الا أن في الدين ذكرناهم غنية عن الباقي، وهم الذين عاصروا الدولة الرستمية ومن رعاياها، ويوجد من وهران ومن تنس وتيهرت الكثيرين، الا أنهم عاشوا في القرن الرابع أو الخامس، وهو بطبيعة الحال يعبر عن استمرار علماء المغرب الأوسط في العناية بالحديث منذ أول دولة شهدها في القرنين الثاني والثالث.
جـ - الفقه:
لما كان الفقه هو معرفة الحلال والحرام، أو بتعبير ابن خلدون «هو معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، بالوجوب والحظر والندب
والكراهية والاباحة، وهي متلقاة من الكتب والسنة وما نصبه الشارع
84
الله. عبد بن محمد: تاريخ علماء الأندلس، ج 1، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1966، ص 268، عادل معجم اعلام الجزائر، ط 1، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، 1971 م، ص (52) ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك: كتاب الصلة، ج 1، مراجعة عزت العطار الحسيني، مكتبة المثنى، بغداد 1374 هـ / 1955 م، ص 86، الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ط 1، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، مطبعة السعادة، القاهرة، 1372 هـ/1952 م، ص بن يحي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، طبع روخس مجريط، 1884
الضي أحمد
436 وأنظر كذلك الباروني: الأزهار، ج 2، ص 76 - 77، نويهض أعلام الجزائر، ص
(53) الحميدي: جذرة، ص 170 - 171، الضبي: بغية
، ص
595
131
، ص
313
188
-310 - (1/318)
صفحة 319
المعرفتها من الأدلة، فاذا استخرجت الاحكام من تلك الأدلة قيل لها فقه (54)، وجدنا علماء الاباضية في الدولة الرستمية، صبوا جل عنايتهم على هذا العلم مما يمكن معه تسميتهم بالفقهاء. فبرز الكثير منهم، ممن جعل شغله استخراج الاحكام من أصولها الشرعية، فظهر فيهم الفقيه المفتي، والفقيه القاضي، والفقيه الضابط بالقلم المدون لهذا العلم.
ومما زاد هذا النشاط اندفاعا، على ما يبدو، بحيث يظهر بتلك الحيوية كون هذه الفترة الممتدة طيلة القرن الثالث الهجري، فترة تنافس حقيقية بين المذاهب الموجودة وقتئذ بالمغرب العربي (55)، كالاباضية من جهة والحنفية والمالكية من جهة أخرى، فضلا عن المذاهب الأخرى كالصفرية والمعتزلة والشيعة
لقد كانت هذه الفترة، البداية الحقيقية للاجتهاد الفقهي في المغرب العربي، خاصة بالنسبة للمذهب الاباضي الذي بدأت معالمه تأخذ شكلها النهائي بتدوين آرائه الفقهية، وهي عملية لا شك أنها انطلقت في زمان الدولة الرستمية.
ولكي تتضح لنا مظاهر النشاط الفقهي في هذه الدولة، وجدنا من الضرورة التعرض لبعض ترجمات الفقهاء، أو المشائخ بتعبير الاباضية ولا نقتصر على هؤلاء وحدهم، وان كانوا هم الذين خدموا الفقه في المغرب الأوسط خاصة، وفي هذه الفترة بالذات (56)، وانما لابد من ذكر غيرهم من المالكية ممن لهم ضلع بارز في نشاط الحياة الفقهية بالدولة الرستمية
فبالاضافة الى الأئمة الرستميين الذين سبق أن ذكرنا علومهم
(54) ابن خلدون: مقدمة، ص 798، وأنظر: 106. Goldziher I. : Matière (FIKHJ) in E.I.T. III p
(55) المجدوب: الصراع المذهبي بافريقية، ص 5 وما بعدها، أحمد أمين ظهر الاسلام، ج 1، ص (56) رابح بونار: المغرب العربي، ص 85
300
- 311 - (1/319)
صفحة 320
وتصانيفهم، وكانوا من الفقهاء، بحيث لم يتولوا منصب الامامة، الا لعلمهم بالفرائض وفقههم الغزير (57)، خاصة منهم الامام عبد الوهاب الذي جاءته أحمال من كتب المشرق، فلما قرأها كلها حمد الله واثنى عليه، على أنه لا يجهل منها الا مسألة أو مسألتين (58)، ورغم هذا العلم الواسع، فقد اتهمه معارضوه من النكار بالجهل (59)، مما يجعلنا نتصور، كما يقول الاستاذ شيخ بكري (60)، ذلك المستوى الرفيع الذي بلغته العلوم الفقهية بتيهرت.
«<
لقد تحدث ابن الصغير في تاريخه عن عدد من الفقهاء نخص بالذكر منهم: أبو عبيدة الأعرج كان «عالما بالفقه والكلام والوثائق .... » (61) وشيخ المؤرخ ابن الصغير الذي يقول عنه بان الاباضية «كلهم مقرون له بالفضل معترفون له بالعلم مسلمون له في الورع. اذا اختلفوا في أمر من الفقه أو من الكلام صدروا عن رأيه .... فما رأيت في سود الرؤوس رجلا أخشع منه (62) ثم يذكر عنه حادثة تدل على قدر أبي عبيدة عند الامام أبي اليقظان وشأنه، اذ كان لا يخاف في الله لومة لائم، يظهر على لسانه ما أسر في قلبه، تاركا للتصنع (63) ومع اعجاب ابن الصغير بهذا الفقيه، وهو انعكاس لاعجاب المغرب كله به اذ كان كما يضيف ابن الصغير المغرب كله مفتونا بهذا الرجل حتى أن من كان من الاباضية بسجلماسة يبعثون اليه بزكاتهم يصرفها حيث شاء (64)، رغم هذه المنزلة التي بلغها أبو عبيدة بعلمه، لا نجد له ترجمة في المصادر الاباضية، الا ما نقله الشماخي
العالم
"
(57) أنظر الفصل الأول من هذا الباب. (58) أبو زكرياء: سير، ص 65، الدرجيني: طبقات، ج 1 (59) أبو زكرياء: سير، ص 58، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
، ص
57.56
48
-312 -
Bekri Chikh : opcit, p. 87 (60)
46
45
46.
45
(61) نفسه، ص
(62) نفسه، ص
(63) نفسه، ص
(64) نفسه، ص 46
| (1/320)
صفحة 321
عن ابن الصغير في سيره (65) ولم يضف عليه شيئا. ولا نعرف عن حياة أبي عبيدة أكثر من هذا، الا أنه كان معاصرا للامام أبي اليقظان (261 هـ - 281 هـ) وربما توفي في عهده.
?
من فقهاء الاباضية بتيهرت، عبد العزيز بن الأوز الذي «كان له فقه بارع وله رحلة نحو المشرق» (66). ويبدو أن لسانه السفيه وخفة عقله، كما وصفه بذلك ابن الصغير، هما السبب في عدم ذكره في المصادر الاباضية. وان كنا نعتقد، أن تلك المصادر أهملت بشكل ملحوظ مشائخها في تيهرت باستثناء الأئمة. وكان الاباضية ينزهون مجالسهم عن حضور ابن الأوز، ويستغنون عنه في معضلات مسائلهم بسبب تينك الصفتين. وروى ابن الصغير حكاية (67) عن هذا الفقيه تدل على قوة ملاحظته، واصابته الحق وقد عاش ابن الأوز مثل سابقه في دولة أبي اليقظان بن أفلح.
وذكر ابن الصغير، وهو مصدرنا الوحيد في هذا المجال، جملة من الفقهاء والخطباء بتيهرت، الا أنه اكتفى بذكر أسمائهم لا غير مثل عيسى
ابن فرناس النفوسي، وابن الصغير الهواري وكان لها شأن في الفقه (68)
وأبو الربيع سليمان من جوه الاباضية من هوارة، جرت بينه وبين ابن بن يحياج من مقدمي
عثمان بن
أحمد
الصغير مناظرة فقهية (69). ومنهم الاباضية الذين كانوا لا يكادون يخالفونه فيما استحسن لهم من خطب وأما الخطباء في عهد الامام أبي حاتم، ولا يخفى ما بين الخطبة والفقه من صلة، بل هما وجهان لشيء واحد اذ لا يخرجان من دائرة الفقه. فمن
(65) الشماخي: سير، ص 223
(66) ابن الصغير:
ص
47
(67) نفه: ص
48
44
47
(68) ابن الصغير: ص
(69) نفه: ص 57 - 58
-313 -
21 (1/321)
صفحة 322
الخطباء الكثيرين ابن أبي دريس وأحمد التيه وأبي العباس بن فتحون وعثمان بن الصفار وأحمد بن منصور (70)
ومع هؤلاء الفقهاء لا تنسى مسعود الأندلسي الذي كان رجلاً فاضلا فقيها، وأبا قدامة يزيد بن فندين اليفرني، وعمران بن مروان الأندلسي وأبا الموفق سعدوس بن عطية (وشكر) بن صالح الكتامي ومصعب بن سدمان (71)، وقد كان هؤلاء جميعهم مع الامام عبد الوهاب في المجلس الذي اختاره الامام عبد الرحمن قبيل وفاته سنة 171 هـ، لتختار الرعية منهم من يتولى الامامة بعده. فلا شك أن هؤلاء، كانوا من أبرز العلماء وفقهائهم في عهد عبد الرحمن، لذلك رشحهم، الا أننا نجهل عنهم كل شيء قبل هذا الترشيح وبعده، باستثناء يزيد بن فندين الذي ترك فكرا معارضا للامامة الاباضية فانقسمت الاباضية بالمغرب ولاول مرة منذ ذلك التاريخ، أي سنة 171 هـ تقريبا الى وهبية وهم اتباع عبد الوهاب بن عبد الرحمن (72) ونكارية وهم أتباع يزيد بن فندين النكاري (73). وانما سموا بالنكار لأنهم أنكروا امامة عبد الوهاب، وقد كان لهم في الحياة الفقهية بتيهرت، وبعض الاقاليم الشرقية من البلاد دور بارز اذ كانوا يناقشون مسألة الامامة. هل تكون مشروطة أو لا يجوز ذلك؟ هل يرجع الامام في كل أموره الى جماعة معينة ولا يقضي أمرا الا بالرجوع اليها؟ هل يجوز تولية من يوجد أعلم منه في جماعة المسلمين؟ فتناجوا بينهم هذه المسائل الفقهية حتى أطلق عليهم لقب النجوية، وسمو بالنكات لأنهم نكثوا ببيعتهم الأولى للأمام عبد الوهاب، الا أن اسمهم المعروف بهم وبقي مستمرا مشهورا
(70) نفسه
، ص 59، الشماخي
: سير، ص 263.
(71) أبو زكرياء: سير، ص 54 - 55، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 46، الشماخي: سير، ص (72) ابن الصغير: ص 16، عوض خليفات: النظم الاجتماعية، ص 117 - 118
145
(73) ابن الصغير: سير، ص 20، أبو زكرياء: سير، ص 58، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 51،
-314 -
146
الشماخي
: سير، ص (1/322)
صفحة 323
،
هو النكار (74). وقد كان ليزيد بن فندين صاحب هذه الأفكار الخلافية دور في استقطاب الناس حوله وميلهم نحوه، حتى أصبحوا جماعة لها وزنها في المدينة، مما اضطر الامام، أمام معاملاتهم الانتقامية والعسكرية الى محاربتهم وقطع شأفتهم، فأنزووا الى كدية بتيهرت عرفت فيما بعد بكدية النكار (75). واذا كان الامام عبد الوهاب قد استطاع أن يضرب النكار
ه لم
ضربة قاضية، بحيث لم نسمع لهم ثورة بعد ذلك في الدولة الرستمية، فانه يستطع أن يجتث آراءهم الفقهية، بل استمرت الى ما بعد تاريخ الرستميين بكثير.
لقد أثرى النكار بأفكارهم التي خالفوا بها الوهبية من الاباضية، تاريخ الفكر الاباضي خاصة، بحيث لا تخلو كتبهم من التعرض اليهم وتفنيد آرائهم وكانت العداوة بينهما مستحكمة حتى قيل «اذا أصبحت ولم تجد ما تتصدق به فالعن النكار» (76)
أما مشائخ نفوسة، والجهات الشرقية من البلاد، فقد أكثر كتاب الطبقات والسير من ذكرهم، وليس ببعيد أن يكون أمثال ما يذكرونه لنفوسة بتيهرت وهي العاصمة. ويذكر أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي كثرة الفقهاء الذين بلغوا درجة الفتيا بجبل نفوسة، قبل زمانه في القرن الخامس الهجري فيقول «مرّ زمان على جبل نفوسة فشى فيهم العلم وكثرة العلماء حتى لم يكن منزل يرد مسألة الى الاخر الا من طريق الأدب ... وأهل زماننا على غير هذا» (77)
فمن مشائخ نفوسة ابن مغطير الجناوني، اخذ العلم عن ابي عبيدة مسلم
(74) ومن التسميات التي أطلقت عليهم «الشغبية، لأنهم أدخلوا بأفكارهم شغبا في الاسلام وسموا «الملحدة، لانهم
الحدوا في أسماء الله أنظر عن النكار: عوض خليفات:
(75) ابن الصغير: ص 20، أبو زكرياء: سير، ص
النظم
64
، ص
116
، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
(76) الشماخي: سير، ص 301، أطفيش: ازالة الاعتراض، ص 47.
(77) ابو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي: سير، ص 56.
55
-315 - (1/323)
صفحة 324
بن أبي كريمة بالبصرة، قبل الخمسة حملة العلم الى المغرب، وكان شيخا فاضلا فقيها مفتيا (78)، امتد به العمر حتى عاصر الامام عبد الوهاب وحضر مجلسه لما قضى سبعة أعوام في جبل نفوسة يعلم ويعظ. وروى له الشماخي (79) حكاية تدل على قدره عند الامام، اذ لم يفت الامام ثلاثة أيام ينتظر قدوم ابن مغطير ليبت في الأمر. وقد تصدى هذا الشيخ للتعليم: قبل وبعد قدوم حملة العلم الى المغرب.
ومن
"
حملة العلم الخمسة الذين كان لهم دور أيام الدولة الرستمية اسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي فكان الأول «أحد الشيوخ المشهورين في العلم والتعليم والعمل والورع أخذ عنه جماعة» (80) وكان لحرصه، لما هم بوداع شيخه أبي عبيدة الى المغرب وهو يعلم أنه سوف لن يلتقي بهذا البحر، سأله ثلاثمائة مسألة من مسائل الاحكام، حتى قال له شيخه أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيا يابن درار؟ فقال له: أرأيت إن ابتليت بذلك ياشيخ. وقد تولى القضاء فعلا. ومن تلامذته أبي المنيب محمد ابن يانس الدركلي (87)، وقد سبق ذكره
أما أبو داود القبلي النفزاوي، فقد كان شيخا مشهورا عالما، أخذ العلم من البصرة، وأخذ عنه العلم بالمغرب، وكان الامام عبد الوهاب مع كثرة علمه اذا جلس بين يديه (ظهر) كالصبي أمام المعلم (82)
ومن مشائخ نفوسة أبو زكرياء التوكيتي، «كان علما لكل الفضائل ومعلما لكل ناهل» (83) قيل إن رجلا من اباضية المشرق، زار الجبل فقصد
143
(78) الشماخي: سير، ص (79) نفسه: ص 143، وأنظر، معمر: الاباضية في موكب التاريخ، ج 2، القسم 1، ص 27 - 30
(80) الشماخي: سير، ص 141 ـ 142
(81) الشماخي: سير، ص
(82) نفسه: ص 144
142
(83) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 291، الشماخي: سير، ص 178
-316 - (1/324)
صفحة 325
تيهرت، فسألوه عن علمائه، فقال لهم «الجبل هو أبو زكرياء، وأبو زكرياء هو الجبل (8). ويكفي دليلا على غزارة علمه أنه اختير من جميع مشائخ نفوسة في وقت امتلأ فيه جبل نفوسة بالعلم والعلماء، كما يقول الشماخي (85) وأبو زكرياء من مشائخ الطبقة الخامسة (200) - 250 هـ).
-
أما أبو مرداس، وهو المعاصر لأبي زكرياء. فهو أبو مرداس مهاصر السدراتي، بلغ في العلوم النهاية وجرى في أمر الصلاح الغاية. وكان شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتبع الامراء يأمرهم وينهاهم ويشدد عليهم، وكان كثير الزيارة لتيهرت، وفي احدى تلك الزيارات سمع رجلا يدعو الى الحق، فلم يستجب له، بل أعرض عنه، فجاء أبو مرداس الى دار الامام فجعل يضرب بابها بالحجارة ويقول «بهلة (*) الله اليوم على من سكن هذه البلدة. فقال رجل للامام كيف نحن وهذه التي يذكر أبو مرداس، فقال نحن في وسطها اذا لم نأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر» (86):
وكان أبو مرداس عالما باحكام الدماء، قيل إن الامام عبد الوهاب قال له يوما سبعون وجها تحل بها دماء الموحدين، فلما ذكر منها ثلاثة أو أقل أوقفه أبو مرداس قائلا من أين؟ منكرا عليه ذلك (87). ورغم هذا التحرج في دماء المسلمين، وتفوقه على الامام عبد الوهاب، فقد كان أبو مرداس يرجع في مسائل الدماء الى عبد الخالق الفزاني يسأله ويستفتيه. وهذا فقيه
(84) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 293 - 294، الشماخي: سير، ص 178
(85) الشماخي: سير، ص 179
() البهلة: اللعنة والطرد.
(86) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 293، الشماخي: سير، ص 172 - 177
(87) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 12، 13، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 292، الشماخي
-317 -
ص 177 (1/325)
صفحة 326
من فزان بالمغرب الأدنى، يرى أبو مرداس أنه أعلم أهل زمانه بالدماء وأحكامها (88)
ومما يدل على عظيم علم أبي مرداس وجلاله، مارواه الشماخي عن جماعة من المشارقة الذين زاروا المغرب، فقالوا لما رأوا تعظيم الامام لأبي مرداس لم يعظم الامام هذا؟ فقال حين سمعهم كيف لا أجل من تجله الملائكة؟ فقالوا للامام أردده علينا لنسأله ونتحدث معه ... فقال له الامام أجبهم فأجابهم وتحدث فلما معهم قام قالوا: لا نعلم أحداً بالمشرق ولا بالمغرب مثل هذا ... وكان مشائخ نفوسة يقبلون على الامام فيجلسون اليه ... فاذا قدم أبو مرداس قام اليه» (89)
6
ومن فقهاء نفوسة أيضا أبو ميمون الجيطالي، كان ذا جد في العلم وكان ممن يعد في الشيوخ، وممن قدمه في العلم ذارسوخ (90). وكانت لأبي ميمون حلقة علم، تتحرك معه في ترحاله، وقيل إن احدى النساء لما رأته لأول مرة استصغرته، فلما رأت تلامذته حلقوا حوله، وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأت حينئذ أبا ميمون أعظمهم وأطولهم رغم
قصر قامته (91)
ومن مشائخ الطبقة الخامسة أيضا أبو محمد بن الخير «شيخ التقى والاخلاص، والمتحري مسالك الخلاص ... وكان عالما كبيرا، فاضلا أثيرا كانت الأمثال تضرب به، فمنها أنهم كانوا يقولون: من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير» (92). ولا شك أن المثل يعبر عن منزلة عبد الله بن الخير العلمية، اذ الكتاب في ذلك الوقت هو أعز ما
(88) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 293 - 327، الشماخي:
190 -
189
(89) الشماخي: سير، ص
175
294
(90) الدرجيني: ج 2، ص (91) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص
295
(92) الدرجيني: ج 2، ص 316، وأنظر الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 11، الشماخي: سير، ص 237
-318 - (1/326)
صفحة 327
يطلب
، وهو زمان ليس من السهل توفير الورق أو المداد لاعادة استنساخ
الكتاب الضائع.
بن وسيم
(
وقد سبق
الله وكان عبد بن الخير قد أخذ العلم عن أبان ذكره، وكان متساهلا في أحكامه. أو ثر عنه أنه كان يقول «العلماء
يقولون اذا النجس يتوجه من تسعة وتسعين وجها، والطهارة من وجه
واحد، غلبت الطهارة، فما جعل الله علينا في الدين من حرج بن الخير هو الوحيد الذي بقي مع أبي القاسم البغطوري، وقد
الله وعبد
سبق ذكره، بعد موقعة مانو سنة 283 هـ، يفتيان في النوازل (94)
وفي هذه الطبقة أيضا الشيخ أبو معروف ويدران بن جواد. يقول عنه الدرجيني «ناهيك بأبي معروف ذي الاثار والمعروف، الموضوع بدراسة العلوم والمطروف، الراقي ذراها البواذخ، المتقن لما أخذ عن أبي خليل وغيره من المشائخ، المنتفع بما تعلم وعلم، .... وله في النوازل والاسئلة المعضلات أجوبة بديهة، كاشفة أشكال المشكلات، وكان متى قصده آمل فاز بالأمل. لأنه جمع ما بين العلم والعمل» (95)
وروى له الدرجيني والشماخي (96) حكاية في أحكام الميراث، أفتى فيها وهو على فراش الموت، تدل على سرعة في تفهم تلك الاحكام العويصة ومقدرة في استيعابها، وقد قيل إن الفرائض (أحكام الميراث) وحدها تشكل
ثلث العلم (97)
وفي وارجلان، يبرز من الفقهاء الشيخ يعقوب بن يوسف بن سهلون
(93) الدرجيني: ج 2، ص 217، الشماخي: سير، ص
(94) الشماخي: سير، ص
238 - 237
237
(95) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 325 - 326، الشماخي: سير، ص 263
(96) الدرجيني: ج 2، ص 325، الشماخي: ص 263 ـ 264.
-319
811
(97) ابن خلدون: مقدمة (1/327)
صفحة 328
السدراتي المعروف بالطرفي «العالم الفقيه، الفطن النبيه، اليقظان الذكي، الورع الزكي، ذو الجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المصلى والدفتر وكانت قراءاته على الأئمة بتاهرت قبل انطفاء تلك المصابح» (98)، يذكر الوسياني أن تعليمه، كان عند عبد الرحمن بن رستم (99)، الا أن الدرجيني يضعه في الطبقة السادسة (250) - 300 هـ) (100). ويبدو أنه هو الصحيح. وقد اشتغل الطرفي بالقضاء في وارجلان، فكان فيها منتهى الفتيا
والى جانب هذا الشيخ، وربما يكون معاصرا له، يأتي أبو صالح جنون بن يمريان، وان كان الدرجيني يضعه في الطبقة السابعة (300 ـ 350 هـ)، الا أننا نعلم عنه أنه كان على رأس المستقبلين للامام يعقوب بن أفلح سنة 296 هـ عندما هرب من قبضة أبي عبد الله الشيعي (101). وكان جنون كما يصفه الدرجيني «ذو الورع والسخاء، وبركات صالح الدعاء وهو أحد الأبدال وأصحاب الكرامات والأحوال، وأحد أقطاب الدين ... » (102) وكان ابنه يقرأ عليه الكتب، يتدارسها، وله نصائح مفيدة
ومن فقهاء وارجلان الشيخ أبو أحمد جمال المدوني، فقيه الاسلاف صاحب الاجتهادات، له في معاملاته أمور سنية، وأحوال مرضية. ومن فتياه واجتهاداته أنه كان يصلي بجماعة فيها كثير من غير الاباضية ممن يرى القنوت في صلاة الصبح، الأمر الذي لا يعتقده الاباضية، ولكي يتخذ أبو
(98) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 377، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 331، الشماخي: سير، ص (99) الوسياني: مخطوط، ورقة 77
288
(100) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 313، 331، وأنظر عمرو خليفة النامي: ملامح عن الحركة العلمية،
الأصالة
، عدد 43/ 42، ص 17 - 18
(101) أبو زكرياء: سير، ص 124، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 105، الشماخي: سير، ص 365 (102) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 341، أن هذه الصفات كالبدل والحول والقطب، تبدو صفات الصوفية خاصة، فهل كان جنون بن يمريان من المتصوفة؟ الحقيقة أن بعض الكرامات والاجتهادات في العبادات التي يتحدث عنها كتاب الطبقات والسير الاباضية تبدو لنا وكأنها ميول ذاتية الى التصوف دون أن تتخذ شكل التصوف الكامل، الأمر الذي يستهجنه الاباضية.
-320 - (1/328)
صفحة 329
أحمد جمال موقفا وسطا مرضيا للجميع، كان يقنت بآي القرآن التي فيها الدعاء في آخر سورة البقرة (103) أو غيرها من الادعية في القرآن، علما منه
(104)
أن ذلك لا ينقض صلاته، وقد رضي بفعله الطرفين الاباضية وغيرهم (4)
ويذكر الشماخي عدة فقهاء اباضية في فزان، يبدو أنهم من الطبقة الخامسة، ومنهم أبو الحسن جناو بن فتى المديوني، «كان من أهل التحقيق ... وإليه المرجع في الحكم الخفي الدقيق (105). وكانت بينه وبين عبد القهار بن خلف الفزاني، أحد المشائخ الاباضية أيضا مراسلات فقهية. ويبدو أن أبا الحسن كان أستاذه، اذ يدعوه الى الأخذ عنه ودراسة كتب أبي عبيدة (106). ويذكر الشماخي (107) أنه اطلع على عدة مسائل في الفقه لعلماء من فزان
لاشك أن لهؤلاء الفقهاء أو المشائخ الاباضية، دورهم في اثراء الفقه الاباضي اذ يعتبرون من الأوائل الذين حملوا المذهب الاباضي في المغرب، فكانت لهم فتاويهم واجتهاداتهم وأحكامهم في العديد من النوازل فمنهم من دونها في تصنيف له؛ ومنهم من تركها شفوية تروى عنه في كتب السير والتراجم، وهو الأغلب، وقد جمع العديد منها الشيخ أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني في القرن السادس (ت 570 هـ)، في كتابه الدليل لأهل العقول (108) خاصة.
(103) هي قوله تعالى: «ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ... فانصرنا على القوم الكافرين، سورة البقرة، آية 286
(104) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 345 ـ 347.
(105) الشماخي: سير، ص 191 (106) لا نعرف هل المقصود بأبي عبيدة هنا هو مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، أو عبد الحميد الجناوني النفوسي، أنظر ترجمته في الدرجين: ج 2، ص 291، الشماخي: ص 179، ولا تعرف لأحدهما تصنيفا. (107) الشماخي: السير، ص 191 - 192. وانظر مقدمة الطبعة الثانية (108) أنظر هذا الكتاب وهو أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: الدليل لأهل العقول، ثلاثة أجزاء في مجلد واحد، طبع بالمطبعة البارونية، مصر 1306 هـ، ولا داعي الى ذكر الصفحبات فهي مشتتة في الأجزاء الثلاث من الكتاب.
-321 - (1/329)
صفحة 330
والى جانب هؤلاء الفقهاء الاباضية وكانوا من الكثرة بحيث اقتصرنا على أهمهم، هناك طائفة من العلماء غير الاباضية، خاصة بالعاصمة تيهرت التي كانت تعج بالفرق، ومما يدل على كثرتهم قول ابن الصغير «وكانت مشائخ البلد من غير الاباضية قد استولوا عليه) (109) وهو يتحدث هنا الامام أبي حاتم بن أبي اليقظان (281 هـ - 294 هـ) تحت تأثير فقهاء غير
عن وقوع
الاباضية ينصت اليهم. وهذا يدل على نفوذ الفقهاء غير الاباضية بتيهرت
ومما يدل على كثرة هؤلاء الفقهاء أيضا ووقوفهم ندا أمام مشائخ الاباضية قول ابن الصغير «ومن بالبلد من فقهاء الاباضية وغيره لم يطالب بعضهم بعضا ولا سعى بعضهم ببعض ... الا أن الفقهاء تناحبت المسائل فيا بينهم وتناظرت واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه» (110)
فمن فقهاء تيهرت الذين تمكنا من ادراك أسمائهم على الأقل أبو مسعود وأبو دنون، كانا فقيهين على مذاهب الكوفيين (111)، وكانا لقوتها ونفوذهما لدى العامة قد طمعا جماعة من أمثالها أن «يبيتوا خبر الأباضية ويطفوهم (112). وقد كان لهذين الفقيهين ضلع بارز في أحداث المنافسات التي وقعت بين الامام أبي حاتم وعمه يعقوب بن أفلح (113)، في سنوات
286 - 282
وهناك فقيه مالكي، على ما يبدو، هو الذي صلى على العالم المحدث الثقة بكر بن حماد سنة 296 هـ. لا نعرف عنه الا اسمه وهو موسى بن
(109) ابن الصغير: سير،، ص
(110) نفسه: ص 57.
50
(111) ربما يقصد بمذاهب الكوفيين الشيعة، اذ في هذه الفترة كانت الكوفة أهم معقل لهم ولازالت، أو ربما أتباع
أبي حنيفة النعمان أي الحنفية وكلاهما وارد
(112) ابن الصغير: ص 50 - 51
(113) عن
هذه الأحداث: أنظر ابن الصغير: ص 51 - 56، وأنظر كذلك الفصل الرابع من الباب الأول من
هذا البحث.
-322 - (1/330)
صفحة 331
الفارسي أو البادسي الفقيه (114). فتقديمه لكي يؤم صلاة الجنازة على مثل حماد في العلم دليل على رسوخ قدمه هو الأخر في العلم، وان كانت كتب التراجم المالكية لا تضيف شيئا عما ذكرناه.
بكر بن
مما اعتلوا به
ولعل ابن الصغير المالكي يعتبر من الفقهاء البارزين بتيهرت، اضافة الى كونه مؤرخا، وقد خلده كتابه كمؤرخ أكثر من أي اختصاص كما سوف نرى، الا أن ابن الصغير كان فقيها أيضا، يناظر فقهاء الاباضية، في مسائل فقهية بحتة دلت على أن له قدما راسخة في هذا العلم (115)، ويحتمل أن يكون قد وضع كتابا في الفقه، عرض فيه آراء الاباضية، هذا ما يمكن فهمه من قوله «وقد اجتمت مادار من جميع ذلك بيني وبينهم ومما يدخل لهم أو يذكروه» (116). فاذا قرأنا كلمة «اجتمت»، «جمعت»، كما قرأتها الدكتورة وداد القاضي (117) التي ترى أن هذه الجملة يمكن أن تعني تصنيف كتاب من طرف ابن الصغير، جمع فيه مادار بينه وبين الاباضية حول مسألة في النكاح. الا أن هذا الكتاب لم يصلنا، ان كان قد جمع فعلا ولا نعرف من مؤلفات ابن الصغير غير تاريخه.
ومن فقهاء المالكية أبي الفضل العباس بن محمد الصواف الغدامسي اجتمع فيه ما تفرق في غيره من الأوصاف الجميلة، كان متبعا للعلم. ويبدو أن اقامته بمدينة غدامس لم ترقه اذ غادرها سنة 286 هـ الى المنستير بافريقية وذكر عنه أنه قال: «سألت ربي أن ينزع عن قلبي حب غدامس فنزعه» (118) وكان لما توفي سنة 309 هـ قد بلغ من العمر عتيا
124
282
(114) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 155 - 156، الدباغ: معالم الايمان، ج 2، ص (115) ابن الصغير: سير، ص 57 - 59 (116) ابن الصغير: ص 57، وأنظر النص الفرنسي، ص (117) وقد قرأت الدكتورة وداد القاضي كلمة اجتمت» التي ليس لها معنى «جمعت كما أن موتيلنسكي ترجمها لخصت» «Résumé» أنظر: وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، الأصالة عدد 45، ص 40 (118) المالكي: رياض النفوس، ج 1، ص 283، الزاوي:: أعلام ليبيا
، ص
148 - 146
-323 - (1/331)
صفحة 332
ومن سرت أبو حفص عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي المتوفى
سنة 281 هـ، كان فقيها فاضلا ثقة، سمع من سحنون وغيره، وكان صالحا متعبداً. ورغم اتصاله بالأمراء الأغالبة بحيث كان عندهم وجيها، فلا بأس من ادراجه مع فقهاء الدولة الرستمية مادام أصله من سرت. وقد أوثر عنه أنه كان يختم القرآن مرة كل ليلة، وختمه في مسجده ثلاثين ألف ختمة (119)
وربما يظن أحد أن أهل نفوسة كانوا كلهم على المذهب الاباضي فلا شك أن السواد الأعظم منهم كانوا أباضية، وهذا لا يمنع وجود مالكية بينهم، بحيث أن ابن الأثير، يخبرنا في لبابه أن نفوسة القبيلة البربرية في بلاد المغرب اشتهر بالنسبة اليها «أهاب بن مازون النفوسي البربري الفقيه المالكي، سمع الحديث بمصر ... وكان كثير القراءة وتوفي بالمغرب قبل العشرين والثلاثمائة» (120)
إن هؤلاء وغيرهم من الفقهاء، كانوا في المجتمع الرستمي، ولا شك أئمة العلم، كل في حدود مذهبه، يدافع عنه، ويثبت حججه أمام المذهب المنافس. فان كان أغلب من ذكرناهم من الفقهاء مقلين، لم يتركوا لنا تصانيف فلعلهم اكتفوا بترك الخلف من تلامذتهم، ولا يخفى ما لهذه العملية من تأثير في الفقه الاسلامي واثراء له بمختلف الآراء والفتاوي والأحكام، وقد كان ذلك الزمان خصبا في هذه الناحية بالذات
ولا بد من ذكر بعض القضاة الذين وصلتنا أخبارهم، وكلهم من الاباضية بطبيعة الحال، وليس بخاف ما لهذا المنصب من شأن عظيم لا يتولاه الا من بلغ درجة عليا في الفقه والافتاء، اضافة الى بعض الشروط التي يجب أن تتوفر فيه، لخصها الامام عبد الوهاب في رسالته الى أهل
149
(119) أبو العرب تميم: طبقات علماء افريقية، ص 243، وأنظر كذلك الدباغ: معالم الايمان، 185 ـ 192، المالكي: رياض النفوس، ج 1، ص 366 ـ 369، الزاوي:: أعلام ليبيا (120) ابن الأثير: اللباب في تهذيب الانساب، ج 2، مكتبة القدسي القاهرة، 1357 م، ص 234
ص
، ص
-324 - (1/332)
صفحة 333
طرابلس بقوله «ولا ينبغي للقاضي وللمفتي أن يقضي أو يفتي حتى تكون
فيه خمس خصال فان نقصت واحدة منهن كانت وصمة فيه: أن يكون عالما بما مضى من الكتاب والسنة كافا عن أربع يعني لا يرتشي، حليا عن الخصم، يتحلم عن الخصمين ان تصاخيا وتشاحرا بين يديه، مستخفا يعني لا تأخذه في الله لومة لائم مشاورا لذوي الرأي والعقل والعلم. واذا كان القاضي والمفتي كما وصفت لك فهو أهل لأن يكون قاضيا كائنا
باللائمة
من كان» (121)
العاصمة
فمن القضاة الذين كانت تتوفر فيهم تلك الخصال، محكم الهواري والد هود صاحب التفسير المذكور سابقا. كان من العلم بحيث اختير على علماء تيهرت ونفوسة، ونودي عليه من جبل الأوراس البعيد عن وكلف بهذا المنضب رغم رفضه له، وكان شديدا على الحق الى درجة أن الامام أفلح، وهو قاضيه، قال عنه وهو يخاطب الشراة الذين أبوا الا محكما قاضيا «ويحكم دعوتم الى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذى القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه ... ولكن تحسون أن يجري فيكم الحقوق على وجهها بلا نقص لأغراضكم ولا امتهان لأنفسكم» (122) ولقد كان محكم حقا شديدا حتى على الأمراء من الرستميين (123)
وكان أول ما يتفكر فيه الشراة والامام، مباشرة بعد تعيينه، أمر القضاء ومن يتولاه، كذلك كان بالنسبة لأفلح وأبي اليقظان وأبي حاتم. وقد تولى القضاء في عهد هذين الامامين الأخيرين، أب وابنه على
(121) لواب بن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 28، وتشبه هذه احصال الخمس ما اشترطه عمر بن عبد العزيز في القاضي عندما قال: «اذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل: علم بما كان قبله، ونزاهة عن الطمع، وحلم على الخصم، واقتداء بالأئمة، ومشاورة أهل العلم والرأي أنظر ابن عبد ربه أبو عمر أحمد. بن محمد: العقد الفريد، ج 1، ط 3، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1384 هـ/1965 م ص
(122) ابن الصغير: ص
24
(123) نفسه: ص 25 - 26، وأنظر الشماخي: سير، ص 194 ـ 195
84
-325 - (1/333)
صفحة 334
التوالي، فكان محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ وابنه عبد الله قد بلغا في العلم غايته وكانا قد التزما بشروط القضاء في الدين والورع والعلم والعدل (124) أحسن التزام فاختيرا بذلك، لمنصب القضاء في وقت كانت فيه الامامة الرستمية بتيهرت خاصة تمر بأصعب مراحلها، ففي عهد أبي اليقظان، كانت تيهرت قد خرجت من فتنة ابن عرفة (125)، وفي عهد أبي حاتم خرجت من فتنة المنافسة التي كانت بين هذا الامام وعمه يعقوب. وقد كان لهذين القاضيين، ولا شك، الدور البارز في استتباب الأمن واستقراره بعد تلك الفتن
ويشغل عمروس بن فتح النفوسي مكانا بارزا في طبقات الاباضية، اذ كان عالم غاية زمانه (127)، تولى منصب القضاء بجبل نفوسة، في عهد الامام أبي حاتم هذا المنصب الذي لا نعرف من تولاه قبله، ولعل الولاة كانوا قبل عمروس يجمعون بين الولاية والقضاء، وليس بأمر مستبعد بل هو
الشائع في ذلك الوقت
وتحدث الدرجيني عن عمروس في طبقاته ويقول هو «بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر - الضابط الحافظ، المحتاط المحافظ لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد وهو الذي لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس، وعفر أثره واندرس (128)
وقد سبق أن ذكرنا عزمه على وضع تصنيف يفصل فيه بين الأحكام
(124) نفسه: ص 41، 56، وأنظر الشماخي: سير، ص 262 - 263
?
(125) ابن الصغير: ص 33 - 41
(126) نفسه: ص
53 56.
225
225
(127) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 3، الشماخي: سير، ص (128) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 320، الشماخي: سير، ص
-326 - (1/334)
صفحة 335
المستخرجة من الكتاب والتي من السنة ثم التي من الرأي أو الاجماع، الا أنه قتل قبل وضع هذا الكتاب المهم)
لا
يسع
وقد كان لعمروس بن فتح عدة تصانيف في الفقه، منها في الأمور التي الناس جهلها (130)، ومنها في الأصول والفروع (131). ومما يدل على تفوقه أنه بعث اليه بعض المتكلمين من أهل فزان يطلبون منه تأليف كتاب في الأصول فكتب الى أحدهم كتابه المعروف بالعمروسي، وارسله اليه، فلما رآه الفزاني وهو الذي وضع كتابين في أصول الكلام، قال:
النفوسي أقوى مني
(132)
وينسب اليه الشيخ عبد الرحمن بكلي عدة كتب اضافة الى «العمروسي» ككتاب أعلام الملة وكتاب الحكم والمعارف وكتاب الدينونة (133). وكلها لم تصلنا وبقيت عناوينها في بطون الكتب، كما بقيت بعض آراء عمروس
واجتهاداته في الكتب التي ألفت بعده
ولعمروس عدة مواقف قضائية وفقهية تدل على غزارة علمه وعدله (134). ومن ذلك أن أحد المشائخ رأى يوما رجلا يجلد فسأل عن السبب فقيل له بأن كتابا من الوالي جاء في شأنه. فصاح فيهم أبسواد على بياض تهرق الدماء يانفوسة؟ فقالوا لعمروس جاوبه فقال لهم «إذا قيل الحق بطل الجواب) (135)
(129) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 3، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 321، الشماخي: سير،
ص
226 - 225
(130) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل لأهل العقول، ج 2، ص 14، ج 3، ص 112. (131) أبو زكرياء: سير، ص 99، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
(132) الشماخي: سير، ص
229
84
(133) الجيطالي: قواعد الاسلام، ج 1، تحقيق عبد الرحمن بكلي، هامش رقم 1، ص 12
(134) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 321 - 325، الشماخي: سير، ص (135) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 333 - 334
230 - 226
-327 - (1/335)
صفحة 336
ولقد توفي عمروس قتلا من طرف ابراهيم بن أحمد الأغلبي (136) وفي
موقعة مانو سنة 283 هـ
والحقيقة أن أخبار الفقهاء والقضاة في هذه الدولة طويلة، وقد كان الناس يهتمون بالعلم. وكثر في تيهرت وقرى نفوسة العلماء وطلاب العلم وكان القضاء مهنة يتدافعها العلماء اشفاقا من مسؤوليتها. ولما أدبر هذا النشاط العلمي عن تيهرت، وولى ولم يعد لها منذ القرن الخامس الهجري تقريبا، وصف أهلها بالحمق، كما يذكر ذلك القزويني في القرن السابع الهجري، وأحمقهم قاضيهم الذي رفعت اليه جناية، فلما لم يجد لها حكما في كتاب الله، بجهله، جمع الفقهاء والمشائخ وقال لهم ما رأيكم في ضرب المصحف بعضه ببعض وفتحه، فما خرج عملنا به؟ فقالوا له لقد وفقت، ولما فعل خرج قوله تعالى «سنسمه على الخرطوم» فما كان من القاضي الا أن جدع أنف الجاني (137)
ويبدو أن أهل جبل نفوسة كادوا يصلون الى هذا الجهل، بعد موقعة مانو سنة 283 هـ، التي هلك فيها أربعمائة عالم فقيه (138)، فلم يبق فيهم الا أبو القاسم البغطوري وعبد الله بن الخير يفتيان في النوازل، وقد اختلفوا في مسألة قطع رجل السارق، لعله من قطاع الطرق، فلم يجدوا فتوى لها الا عند ولد ابن خلف بن السمح، وكان وقتئذ سجينا في الجبل لتمرده على له أن وحق أن يتعجب منهم ويقول «سجنوني
الامامة (139)
(136) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 3، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 321، الشماخي: سير، - 226. أما عن ابراهيم بن أحمد الأغلبي، فقد تولى أمارة القيروان سنة 261 هـ ومكث فيها 28 سنة
ص
225
116
أنظر ابن عذاري: البيان، ج 1، ص (137) القزويني: زكريا بن محمد بن محمود: آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1380 هـ/1960 م، ص 169 وأنظر كذلك الباروني: الأزهار، ج 2، ص 299
269
(138) أبو زكرياء: سير، ص 104، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 89، وأنظر الشماخي الذي يقول بأنه مات في مانو 400 عالم وحمل ثمانون أسرى قتلوا فيما بعد: سير، ص (139) أنظر عنه الفصل الرابع من الباب الأول.
-328 - (1/336)
صفحة 337
ويسألوني، (140)، وكأن سجنه أخفى عليه ما أصاب علماء نفوسة في مانو
?
وعلى الجملة لقد كانت الحركة الدينية الفقهية في المغرب عامة، حركة قوية نشيطة أكثر ما خدمت فقه الامام مالك (141) من جهة، ومن جهة أخرى فقه الاباضية. وان كنا لم نجد لأغلب العلماء الذين ترجمنا لهم تأليف، فلعلها أحرقت (142) أو أصابها البلى والتلف نتيجة اخفائها عن العيون، وعدم اظهارها لغير الاباضية (143). ولا نشك في أن الاباضية خاصة بدأوا وضع تصانيفهم المذهبية ابتداء من القرن الثالث الهجري أو قبل ذلك بقليل بالمغرب العربي، وكانت من الكثرة والجودة بحيث أن ابن خلدون نفسه في القرن الثامن الهجري، ذكرها قائلا لقد ترامت الينا في هذا العهد من تلك البلاد (نفوسة) دواوين ومجلدات من كلامهم، في فقه الدين وتمهيد عقائده، وفروعه، ضاربة بسهم في اجادة التأليف والترتيب (144)
لقد عرف المغرب العربي في القرن الثالث الهجري نهضة علمية فقهية رائعة، كانت بداية لنهضة شاملة سوف تتبلور في القرون التالية
معالمها بصفة نهائية.
ثانيا: العلوم العقلية:
أ - المناظرات) علم الكلام):
وترسم
لقد سبق أن أشرنا إلى بعض الخلافات والفتن التي شهدتها الدولة
(140) أبو زكرياء: سير، ص 100 - 101، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص (141) أحمد أمين: ظهر الاسلام، ج 1، ص 300.
87 - 86
(142) أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي، ص 285 - 286، دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3،
ص
388 - 387
(143) النديم: فهرست، ص 233.
L
(144) أنظر عنه أبو زكرياء الجناوني: كتاب الوضع، تحقيق أبو اسحاق ابراهيم أطفيش، مقدمة المحقق ص 8 - 9، وأنظر د. ابراهيم فخار: دور الرسميين، الأصالة، عدد 42 - 43، ص
37.36
22
-329 - (1/337)
صفحة 338
الرستمية خلال تاريخها الطويل، كحركة يزيد بن فندين التي عرفت وعرف أتباعها بالنكار، وحركة خلف بن السمح الذي عرف أتباعه بالخلفية، وحركة نفاث بن نصر النفوسي أو النفاثية (145)
والحقيقة أن هذه الخلافات كلها كانت تصدر عن الاباضية ذاتها، بحيث أن تلك الفرق انشقت عن الاباضية الأم التي احتفظت لنفسها باسم الوهبية نسبة الى عبد الوهاب بن عبد الرحمن (146). وقد كانت انشقاقاتها كلها تقريبا لأسباب فقهية في الظاهر، وسياسية اجتماعية في الأساس، وكان العامل المشترك بينهم، والذي كان يشكل محور الجدل والخلاف هو مسألة الامامة (147) إذ رأى يزيد بن فندين النكاري في عبد الوهاب عدم توفر شرط العلم فيه بحيث يوجد في الأمة من هو أعلم منه (148)، كما رأى خلف بن السمح أن نفوسة من حقها أن تعلن امامة مستقلة عن امامة تيهرت، بدعوى بعد المسافة (149). ورأى نفاث بن نصر أن الامام أفلح تنقصه القدرة على تسيير أمور الامامة والدفاع عن رعاياها، وأنه انصرف الى اللهو والصيد، تاركا أمور المسلمين. فهو بذلك لا تحق له الامامة (150)
(145) عن النكار والخلفية والنفائية: أنظر اضافة الى الفصل الرابع من الباب الأول من هذا البحث: عوض خليفات: النظم الاجتماعية، ص 103، 114، 116
496
(146) ابن الصغير: ص 16، الرقيق: تاريخ، ص 173 وأنظر كذلك عوض خليفات: المرجع السابق، ض 117 - 118، الدرجين: طبقات، ج 2، ص (147) لقد اشتغلت مسألة الامامة أو الخلافة في الفكر العربي الاسلامي حيزا كبيرا، وشغلت المسلمين أمدا طويلا، وكانت السبب المباشر في نشأة الفرق الاسلامية المختلفة، وبقدر ما شغل الاغريق قديما بالفضيلة والمدينة الفاضلة والمسيحيون في العصور الوسطى بالبابوية والامبراطورية بقدر ما اشتغل المسلمون بالامامة وشروطها
موسوي
، ص
115
116 -
أنظر لقبال: المغرب الاسلامي 202، الباروني: الأزهار،. ج 2، ص (148) أبو زكرياء: سير، ص 58، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 48 - 49، وأنظر ابن تاويت الطانجي: دولة الرستميين أصحاب تاهرت صحيفة معهد الدراسات الاسلامية: مدريد، م 5، عدد 1 و 2، ص 113، عوض خليفات: المرجع السابق، ص 116 (149) أبو زكرياء: سير، ص 81، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 70، وأنظر عوض: المرجع السابق
من 103.
(150) أبو زكرياء: سير، ص 92، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 78، الشماخي: سير، ص 193 ـ 194، وأنظر عوض: المرجع السابق، ص
114
-330 - (1/338)
صفحة 339
وكانت لهذه الفرق الاباضية وأصحابها، عدة اجتهادات فقهية انحرفوا
فيها عن الاسلام، في رأي مخالفيهم، وكانت الوهبية ترد على ما تعتبره بدعهم وتدحض حججهم، مما صبغ تاريخ المذهب الاباضي، في المغرب بنوع من الجدلية والمناظرة. فقد كان الاباضية دائما في جدال كلامي ومنافسة فقهية لا أدل على حدتها من قول بعض الوهبية «اذا أصبحت ولم تجد ما تتصدق به فالعن النكار (151). وكان عمروس بن فتح النفوسي يرد مكائد نفاث ويدحضها بالحجة البالغة (152)، ولا شك أن مثل هذه الاختلافات قد سودت من أجلها الأوراق والدواوين
وهناك للنكار رأي في أسماء الله، خالفوا به الوهبية من الاباضية واعتبروا بذلك ملاحدة، فكانوا يقولون بأن أسماء الله مخلوقة (153)، وكان نفاث بن نصر يقول بأن الله هو الدهر الدائم، ولما سئل عن ذلك قال هكذا وجدته في الدفتر، وهو يعني كتابا بذلك العنوان (154) لا نعرف
عنه شيئا
إن مثل هذه الأفكار الكلامية، من شأنها أن تولد ردودا عنيفة لدى الطرف الثاني، وقد رأينا ذلك في الكتب العديدة (155)، والتي أرسلها الامام أفلح الى نفاث بن نصر يعظه تارة ويأمره بالتوبة من
اعتقاداته
الباطلة تارة أخرى معنفا اياه
47
(151) الشماخي: سير، ص 301، أطفيش: ازالة الاعتراض، ص (152) حول عمروس ونفاث: أنظر الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 214، وقارن بالبرادي: الجواهر،
170
ص 206 207، والشماخي: سير، ص (153) أبو زكرياء: سير، ص 60، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 51، عوض: المرجع السابق، ص
، ص
195
116
(154) الباروني:: الأزهار، ج 2 (155) عن كتاب أفلح لنفاث والرعية. أنظر الباروني: الأزهار، ج 2، ص 199 - 205، ويذكر الوسياني أن لأفلح كتابا وكذلك لنفاث ردا على كتاب أفلح أنظر: سير الوسياني (مخطوط) ورقة 30 وأنظر كذلك الشماخي:
سير، ص 214 وأنظر: Lewicki T: Mélanges Berberes Ibadites, extrait de la Revue des Etudes
Islamiques (R.E.I.) cahiers 3 imp. Arrault, Paris 1936. p.271
-331 - (1/339)
صفحة 340
لقد شغلت أفكار النكار والخلفية والنفاثية تاريخ الاباضية في القرن الثالث الهجري، ولم يقتصر ذلك على اباضية المغرب حسب، وانما تعدته الى اباضية المشرق الذين كانوا يستفتون في تلك المسائل باستمرار (156)، وكان ما يجتهد به فقهاء المغرب ينطبق دائما مع فتوى المشرق، مما يدل على
رسوخ قدم المغرب في الفقه وبعض النوازل التي أثارت الجدل والنقاش.
ولعل الفرق والمذاهب غير الاباضية، التي تركز وجودها بتيهرت وبعض أحوازها، كانت قد لعبت دورا أكثر أهمية وشمولية من الفرق التي أنبثقت من الاباضية الأم. وكانت التجارة من أهم العوامل التي جذبت مختلف الأجناس والمذاهب الى تيهرت (157)، فوجد فيها الصفرية من الخوارج والواصلية من المعتزلة (158)، والحنفية (159) من أهل العراق المعروفين
94
(156) نواب بن سلام: شرائع الدين (مخطوط) ورقة 49 - 51، أبو زكرياء: سير، ص 59، 81، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 49، 70، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 157 - 159، فيه رسالة أطلع عليها الباروني من اباضية المشرق حول مسألة النكار. وأنظر كذلك دائرة المعارف الاسلامية،. مادة «بنو رستم» ج 10، ص (157) ابن الصغير: ص 12 - 13، الشماخي: سير، ص 158، أحمد مختار العبادي: سياسة الفاطميين في للغرب العربي، صحيفة معهد الدراسات الاسلامية في مدريد، م 5، ع 1 - 2، مدريد، 1377 هـ/1957 م، 202، الفردبل: الفرق الاسلامية، ص (158) الواصلية وهم أتباع واصل بن عطاء (80) - 171 هـ) مشهورون بفكرهم المتحرر، وهم فرقة من فرق المعتزلة
-
، ص
150 - 149
-
التي تشملهم التسمية جميعا، بل لقد قيل إن سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم انما كان لكلمة أطلقها الحسن البصري على تلميذه واصل لما قال بالمنزلة بين المنزلتين. اذ رد عليه الحسن اعتزلنا «واصل» وتتلخص معتقدات الواصلية فيا يلي: (أ) المنزلة بين المنزلتين، (ب) نفي الصفات، (جـ) القدرة، (د) خلق القرآن وغيرها. أنظر الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 60، وأنظر كذلك د. عبد الستار عز الدين الراوي: ثورة العقل، دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1982، ص 49 - 59، ويذكر البكري أن مجمع الواصلية كان قريبا من تيهرت، وكان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيرة كبيوت الأعراب، أنظر المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، ص 67، وأنظر ابن الصغير: ص 44، ويذكر الشيخ أطفيش أن اباضية الجزائر اليوم في وادي ميزاب كانوا معتزلة يسافرون الى تيهرت لقتال الاباضية، وكانوا أقوياء، ولما غلبتهم الاباضية في عهد الرستميين صار أمرهم في ادبار، حتى جاءهم الشيخ محمد بن بكر مؤسس نظام الحلقة الاباضية في القرن الخامس الهجري وردهم الى مذهب الاباضية الذي يعتنقونه الى اليوم. أنظر: الرسالة الشافية، ص 38 (159) الحنفية أو الأحناف أتباع الامام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (80) - 150 هـ) الذي استوطن الكوفة. فال في بداية الأمر الى علم الكلام ثم تبحر في العلوم الشرعية، وبرز بآرائه الاجتهادية حتى عرف أتباعه بأصحاب الرأي والقياس. أنظر: المجدوب عبد العزيز: الصراع المذهبي، ص 61 - 64، ولعل ابن الصغير عندما يتحدث عن الكوفيين والعراقيين انما يقصد بذلك الأحناف، أنظر: ابن الصغير ص 13، 50 - 57
-332 - (1/340)
صفحة 341
بالرأي والقياس والمالكية (160) المؤكدين على السنة والأثر (161). وقد أطلق على العاصمة الرستمية تسمية» عراق المغرب» (162) أو «العراق الصغير» تشبيها لها ببلاد العراق الحافلة بمختلف المذاهب الفكرية والفقهية والكلامية (163) وليس غريبا، والحالة هذه، أن تشتهي، على حد تعبير ابن الصغير، كل فرقة معرفة عقائد الفرقة الأخرى (164)، فانتحل البحث في المذاهب، وعظم الجدال وفشت المناقشة في المسائل الخلافية بين علماء الفرق (165)
ولقد فتح الرستميون المجال واسعا أمام حرية الفكر، فلم يضايقوا أحداً ولا طردوا مخالفا (166)، بل إن «من أتى الى حلق الاباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة وكذلك من أتى من الاباضية الى حلق غيرهم كان سبيله كذلك» (167). وكل واحد يطمع في استدراج الآخر الى مذهبه (168)
والواقع أن هذه الروح الجدالية، والحياة الفكرية ذات طابع المناظرات
(160) المالكية وهم أتباع مالك بن أنس (93) - 179 هـ) نشأ بالمدينة وبها تعلم، وكان مشهورا بتقيده بالقرآن والحديث وابتعاده عن التأويل والاقتصاد في القياس وبعكس أبي حنيفة تماما. أنظر: المجدوب عبد العزيز: المرجع السابق، ص 19، ويتحدث ابن الصغير عن القرويين والحجازيين فلا شك أنه يقصد المالكية بتيهرت. أنظر ابن الصغير: ص 13 - 57.
(161) الميلي: تاريخ، ج 2، ص
(162) اليعقوبي: البلدان، ص
69 - 68
104
(163) أحمد مختار العبادي: سياسة الفاطميين، المرجع السابق، صحيفة م 5، 1 + 2، ص 202. الميلي:
تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ج 2، ص
(164) ابن الصغير: ص 57
69.68
(165) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 115 - 116
(166) بعكس تيهرت وأئمتها الرستميين فان الأغالبة كانوا يضايقون المالكية لاعتناقهم الحنفية تقليدا للخلفاء العباسيين. ولما تولى سحنون بن سعيد القضاء سنة 234 هـ للاغالبة وكان على المذهب المالكي، طرد أو شرد الصفرية والاباضية ومنعهم من التحليق في المسجد الجامع بالقيروان، الذي كانوا يظهرون فيه عقائدهم. أنظر أبو العرب: طبقات، ص 184، الدباغ: معالم، ج 2، ص 77، 87، ابن أبي دينار المؤنس، ص 50، وأنظر كذلك المجدوب عبد العزيز: الصراع المذهبي، ص
(167) ابن الصغير: سير، ص
57
67
71 وما بعدها.
(168) 104 103. Marcais G. et G. sell S. : Histoire d'Algérie, p الفردبل: الفرق الاسلامية،
ص 149، العدوي ابراهيم أحمد: بلاد الجزائر، ص
198
-333 - (1/341)
صفحة 342
بالدرجة الأولى، كانت سمة عامة، وصفة مشتركة لجميع الحواضر العربية الاسلامية الكبرى في المشرق والمغرب آنذاك. فكان ما يحدث في المغرب
العربي، من، من هذا الشأن، ما هو الا انعكاس لواقع معيش في المشرق العربي وهو يدل على العلاقة الوطيدة التي ربطت العالم العربي وقتئذ: مغربه بمشرقه
وقبل أن نتطرق الى المناظرة المشهورة التي وقعت بين الاباضية والمعتزلة، ونحاول معرفة المحاور الاساسية التي كانت تجري حولها المناظرة لابد من الاشارة الى بعض الأسماء التي وصلتنا: فمنهم أبو عبيدة الأعرج الذي كان عالما بالكلام (169)، وقد سبق التعريف به، ومحمود بن بكر العربي الأصل، كان كما يصفه ابن الصغير «مدارهم (الاباضية) الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن دينهم ويرد على الفرق في مقالاتهم ويؤلف الكتب في الرد على مخالفهم (170) وكان محمود هذا من أخص الناس بالأمام
أبي اليقظان.
«<
ويعتبر ابن الصغير، صاحب تاريخ الرستميين، من الشخصيات البارزة في تيهرت، فكان اختلافه مع الاباضية يجعله عرضة للدخول مع علمائها في المناظرات. فكانت معرفة ابن الصغير الفقهية خاصة تظهر في هذه المناظرات، ومقدرته الكلامية برزت في النصوص التي احتفظ لنا بها في كتابه ومنها حكاية مناظرته مع أحد الأباضية، مما يدل على أن المناظرين من الاباضية كانوا يرون له منزلة في العلم بينهم (171)
وتعتبر المناظرة التي جرت بين الاباضية والواصلية أهم مظهر ثقافي في
(169) ابن الصغير:
ص
(170) نفسه:
44
46
(171) نفسه: ص 45، 57، 59، وأنظر: وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، الأصالة، عدد
45، ص
39
-334 - (1/342)
صفحة 343
هذه الدولة، يمكن تشبيهها في بعض ملابساتها بالجدال الذي أثير في بغداد خاصة، والعالم الاسلامي عامة، حول مسألة خلق القرآن التي أثارها
المعتزلة واعتنقها الخليفة العباسي المأمون (198) - 218 هـ) (172)
ولعل روح الجدال الذي أثير في تيهرت بين الاباضية والمعتزلة ترجع جذوره الى تلك المناظرات التي كان أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة يجريها مع واصل بن عطاء (173)، مما يدل على تقليد المغرب للمشرق ومسايرة قضاياه خاصة الفكرية منها. إن المناظرات التي اشار اليها ابن الصغير وقال بأنها كانت تجري بنهر مينة (174)، وجدنا تفاصيلها في المصادر الاباضية التي أطنبت الحديث حولها
ويبدو أن الإمام عبد الوهاب، رغم أفقه العلمي الواسع، لم يقو على رد أفكار الواصلية، التي ولا شك أنها كانت ذات نفوذ في أوساط العامة، بحيث أضحت تهدد الوجود الاباضي أو على الأقل تنافسه، مما دعا الامام عبد الوهاب الى استمداد العون من نفوسة (175)، حيث أبرز الفقهاء والعلماء
الخلفاء
بعض
(172) عن مسألة خلق القرآن وفتنتها أنظر اليعقوبي: تاريخ، ج 3، ص 469 ـ 472، السيوطي: تاريخ، ص 308 وما بعدها، الطبري: تاريخ، ج 8، ص 631 وما بعدها وأنظر كذلك: عبد الستار عز الدين: ثورة العقل، ص 203 - 238 (173) تذكر المصادر الاباضية أن واصل بن عطاء كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول لو قطعته قطعت الاباضية فالتقى به مرة في المسجد الحرام فبادره واصل: أأنت الذي يقول ان الله يعذب على القدر؟ فقال له أبو عبيدة ما هكذا قلت ولكن قلت إن الله يعذب على المقدور. ثم سأله قائلا: أنت الذي يقول ان ا الله بالاستكراه؟ فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء ولامه أصحابه على ذلك قائلين له: كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة فسألته فخرج وسألك فلم تجب فقال لهم واصل: ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم، فلم أقصد ولم أبرح مكاني. أنظر الدرجيني: طبقات، ج 2، ص هامش رقم 1، وأنظر كذلك: محمود اسماعيل: الخوارج، ص 221، الجنحاني الحبيب: تاهرت، المجلة التونسية 43، ص 41. ورغم ما في الرواية، من خلل ظاهر اذ أن أبا عبيدة كان في الكتمان وغير بارز للعيان كزعيم أو امام للاباضية، حتى يكون واصل يعرفه ويناظره ليحطم به الاباضية كلها، رغم هذا فان الرواية لا من اشارة الى وجود جدال بين الاباضية والواصلية في البصرة خاصة وهي مهذ الفرقتين
عدد 40.
تخلو
(174) ابن الصغير: ص
44
246
الله الباروني: سلم العامة والمبتدئين، ص عبد
(175) أبو زكرياء: سير، ص 67، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 57.
6
6
-335 - · (1/343)
صفحة 344
الاباضية وأكثرهم عددا، بحيث يبالغ الباروني (176) عندما يقول بأنهم يعدون بالآلاف مع الفرسان الشجعان.
ولا نعرف تاريخ هذه المناظرة التي كان الاباضية والواصلية قد حددوا لها موعدا، ولكن لاشك أنها كانت قبيل سنة 196 هـ، تاريخ حصار الامام عبد الوهاب لمدينة طرابلس، اذ شارك معه فيه العالم المناظر للواصلية مهدي النفوسي، وفيه لقي مصرعه في تلك السنة (177)
والشيخ مهدي النفوسي هو «المقوم في علم الجدال الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال) (178) وهو «المحتج على امكان الممكن واستحالة المحال،» وعلى الفرق بين الجلال والحرام ... الرادع لقيام أهل البدع والضلال» (179) واختارته نفوسة من بين علمائها ليلبي طلب الامام عبد الوهاب، فقصد تيهرت مع ثلاثة من أصحابه كل واحد اختص في فن من العلم أو المبارزة (180). وتذكر المصادر الاباضية أنه لما وصل تيهرت، كان يغيب لعدة أيام قبل انعقاد المناظرة، فلما سئل عن مكان غيابه، قال «إني
رددت الى مذهب الحق (الاباضية) سبعين عالما من أهل الخلاف» (181).
وأطلعه الامام على المناظرات التي كان يجريها مع المعتزلة قبل قدوم الوفد النفوسي، فلما كان عبد الوهاب يعرض عليه تلك الأحداث، كان مهدي يقول له كلما شعر جيدة في كلام الواصلي هاهنا ذهب لك بالحجة
، ص
-
118
(176) الباروني: الأزهار، ج 2 (177) الشماخي: سير، ص 160، 171، 328 وأنظر كذلك: Lewicki T: Mélanges, opit
170
(178) الشماخي: سير، ص (179) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 313 - 314
p.269 - 270
(180) يذكر أبو زكرياء: أن مهدي النفوسي قال لأصحابه: أما أنا فلا يغلبني مخالف في مناظرة الا أن ركنت في دين الله، وتكفل أمر المناظرة. أما محمد بن يانس فاختص بتفسير القرآن، وأما أبو الحسن الأبدلاني فتكفل القضايا الفقهية. وأيوب بن العباس فتكفل أمر البارزة. أنظر أبو زكرياء: سير، ص 67، الشماخي: سير، ص 155، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 119. (181) أبو زكرياء: سير، ص 69، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 60.
-336 - (1/344)
صفحة 345
وحاد عن المحجة، فوثق الامام عبد الوهاب بظفر مهدي على الفتى المعتزلي المناظر (182) الذي لم يقو عليه هو نفسه
ولما كان موعد اللقاء والمناظرة، تقابل مهدي النفوسني مع مناظره الواصلي، الذي لا تذكر المصادر اسمه، فجرت بينهما وجوه من المناظرة والناس في بداية الامر يعلمون ما يقولان. فلم يفلح أحدهما على الآخر، ثم إنها دخلا في فنون من العلم لم يفقهها أحد من الناس سوى الامام عبد الوهاب، وتعمقت المناظرة الكلامية أكثر، حتى أصبح لا يفهمها الا المتناظران وحدهما، واستوى الامام عبد الوهاب في هذه المرحلة بالعامة من الناس «فما كان بأوشك من أن ظفر به مهدي (183)، فكبر أصحاب مهدي، وانتصر الاباضية على الواصلية (184)
إن هذه المناظرة، التي أوجزنا وصف جوّها العام، لاشك أنها كانت عالية المستوى، اذ أن الامام عبد الوهاب نفسه وبعلمه الواسع، لم يستطع
أن يجاري ماكان يدور من كلام بين مهدي النفوسي والفتى الواصلي.
إن هذا المستوى العالي يجعلنا نتساءل عن الموضوعات الكلامية التي كانت تتداول بين المتناظرين، الأمر الذي لم تتطرق اليه المصادر التي روت تلك الرواية من قريب أو بعيد. ويحتمل الاستاذ شيخ بكري، أن تكون مواضيع المناظرات تدور حول صفات الله، وطبيعة القرآن، والحياة الأخرى (185). ولا يستبعد أن تكون مسألتا الخلود في النار وشفاعة
من
الرسول من المواضيع التي تطرق، اذ الاباضية تنفرد بالقول في أن دخل النار يخلد فيها وان كان موحدا، كما أن من دخل الجنة لا يخرج منها أبدا. أما شفاعة الرسول الله فلا ينالها أصحاب الكبائر (186)
(182) الدرجيني.: طبقات، ج 1، ص 60.
(183) أبو زكرياء: سير، ص 71، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 62 (184) أبو زكرياء: سير، ص 71 - 72، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
Bekri Chikh : Kharijisme, opcit, p. 91 (185)
62
(186) الأزكوي: كشف الغمة، (مخطوط) ورقة 537 وما بعدها. أطفيش ازالة الاعتراض، ص 7.
-337 - (1/345)
صفحة 346
ولعل مسألة خلق القرآن، كانت من أهم القضايا التي جرى الجدل حولها، اذ نجد لها نصا مطولا للامام أبي اليقظان (187)، ناقشها بوضوح ليس فيه أي تعقيد. ولا بأس أن ندرج منه هنا هذه الفقرات:
قال الامام محمد بن أفلح، رضي الله عنهما، اجتمعت الامة على أن القرآن كلام الله. ولا يخلو هذا الكلام أن يكون شيئا أو ليس بشيء. فان كان ليس بشيء، فأنى اختلف فيه المختلفون؟ وليس ثم شيء يختلف فيه مختلف أو ينازع فيه متنازع. ولو صح أنه ليس بشيء، لبطل أن تكون رسل الله جاءت بشيء، أو أن يكون الله عز وجل أنزل على أنبيائه شيئا، ولبطل أن يكون ثُمَّ توارة وانجيل أو فرقان. فاذا ثبت كلام الله شيئا، لم يخل هذا الشيء من أحد ثلاثة أشياء: إما أن يكون هو الله، أو بعض الله كالجزء من الكل أو أن يكون غير الله، ليس ثم وجه رابع يذهب اليه أو يقوله قائل، الا من ركب اللجاج وحاد عن طريق الحق وليس لهم مذهب الا أن يقولوا هو الله، فان قالوا هو الله ضاهوا بذلك. اليعقوبية (188) من النصارى الزاعمة أن عيسى هو الله. فيلزمهم في زعمهم أن يكون الكلام هو المعبود المتكلم، السميع البصير، القادر، الباعث، الوارث الاه الدنيا والآخرة.
ذاهب
ثم لا يخلو هذا الكلام بعد كونه شيئا من أحد وجهين: إما أن يكون شيئا قديما أو شيئا محدوثا، فان كان شيئا قديما، فكيف يكون قديم مع الله سبحانه وهو غيره؟ فمن أولى بالربوبية من القديمين حينئذ؟ ومن أحق بالألوهية منهما وهما قديمان متغايران؟
(187) البرادي: الجواهر، ص 182 وما بعدها، أنظر كذلك: جواب الشيخ أبي مهدي عيسى بن اسماعيل، ضمن مجموعة من الكتب المطبعة الحجرية. تونس 1321 هـ، ص 174 وما بعدها
(188) اليعقوبية هي فرقة من فرق النصارى أصحاب يعقوب، قالوا بأن الالاه هو المسيح وهو الظاهر بجده بل هو هو، وعنهم نزل قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، سورة المائدة آية رقم 72 أنظر الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 225 وما بعدها.
-338 - (1/346)
صفحة 347
ثم
لا يخلو هذا القديم أن يجوز عليه الفناء أولا. فان قالوا لا يجوز عليه الفناء نقضوا وواجهوا برد القرآن (189). وان قالوا يجوز عليه الفناء. فكيف يكون قديما لا أول له، له آخر؟ ومن لا أول له فلا آخر له.
ومن له آخر فله أول. فلما بطل أن يكون القرآن قديما مع الله وهو غيره
محدث»
،
(190)
صح أنه محدث فاذا كان محدثا فلابد له من محدث أحدثه وتولى تدبيره، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى «ما يأتيهم من ذكر من ربهم فوصفه عز وجل بالحدث فصح أن المحدث غير القديم، وان القديم المعبود، والمحدث هو المخلوق المحتاج الى من أحدثه وألفه ...
وغير مستبعد أن تكون مسألة القدرة من المواضيع التي طرقها أصحاب الكلام، وقد طرقها قبلهم أبو عبيدة مع واصل بن عطاء. وكذلك مسألة خلق الأفعال (191)
الانتقال
ومن المواضيع التي جرى الكلام حولها فعلا والتي ذكرها ابن الصغير مسألة المكان، اذ سأل معتزلي عبد الله بن اللمطي الاباضي بن اللمطي الاباضي: «هل تستطيع مكان لست فيه الى مكان لست فيه؟ فقال لا، ثم سأله هل من تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه؟ فقال اذا شئت فقال له المعتزلي: خرجت منها يا ابن اللمطي» وكان هذا الأخير قد خاف في البداية سؤال المعتزلي (192)
ويشير ابن الصغير أيضا الى مسألة الاستواء في قوله تعالى: «الرحمن على العرش استوى» (193) ويتهم الاباضية بنوع من التجسيم ويقول بأن
(189) يقصد هنا قوله تعالى: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا اليك، آية 86، سورة الاسراء.
(190) آية 2 سورة الأنبياء
(191) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 246، عبد الله الباروني: سلم العامة، ص 6، هامش رقم 1، وقارن
بالوسياني: سير (مخطوط) ورقة 61
(192) ابن الصغير: ص 45. (193) الآية رقم 5، سورة طه.
-339 - (1/347)
صفحة 348
خطيبهم الذي حضر خطبتهه تنفضه لما قرأ تلك الآية «حرف المعنى عن موضعه أراد أن يقيم أصله وحفله بابا من الحلول على العرش (كذا)» (194)
وفي الخطبة التي أنهى ابن الصغير بها كتابه القيم، وهي خطبة الجمعة على ما يبدو، عدة اشارات الى مواضيع كلامية كقول الخطيب «الذي لم يزل بصفاته وأسمائه، لا يشتمل عليه زمان، ولا يحيط به مکان، خلق الأماكان والأزمان ثم استوى الى السماء دخان ... تعالى أن تطلق في وهي وصفه آراء المتكلفين أو أن تحكم في دينه أهواء المتقلدين ... ولم يكل لهم (للعباد) تعالى الى القول في دينه بآرائهم، ولا اذن لهم في مسامحة أهوائهم فتكون الأحكام مبتدعة، والآراء مخترعة. والأهواء مبتدعة» (195)
وقد اكتسب الاباضية خاصة مقدرة كلامية من تلك المناظرات، فلم يحلل القرن الرابع الهجري، حتى كان علماء الاباضية في بلاط أبي تميم المعز لدين الله الفاطمي (196) بالمغرب قبل رحيله الى مصر، يلقون الاحترام والتبجيل من المعز (197)، لما أثبتوه من تفوق في الكلام (198)، حتى أن المعز
(194) ابن الصغير: ص 59، لعله يريد الاختلاف في القراءات فبدل أن يقرأ الخطيب «استوى» بألف مقصورة قرأ «استوي» بياء. هذا ما يمكن فهمه على الأقل لأن الاباضية لا يقولون بالحلول ولا يجسمون بل ينتقدون
المجسمة بشدة. (195) ابن الصغير: ص 59 - 60 وأنظر الخطبة كذلك في البرادي: الجواهر، ص 202 - 206، الباروني:
290 - 287
الأزهار، ج 2، ص (196) هو الخليفة الفاطمي أبو تميم المعز لدين الله بن اسماعيل بن القائم بن المهدي ولذ بتونس سنة 319 وبويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه سنة 341 هـ وهو الذي دخل مصر واسقط الاخشيديين وبنى القاهرة سنة 361 هـ، بعد أن غادر المغرب توفي سنة 365 هـ أنظر ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 221 - 229، ابن الأثير: الكامل، - 620، المقريزي: اتعاظ الحنفاء ج 8، ص (197) أبو زكرياء: سير، ص 138، 147، وما بعدها، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
498
اسماعيل:: الخوارج
، ص
221
ص
134
123، محمود
(198) وقع سؤال في حضرة المعز: ما الدليل على أن لهذه الصنعة صانعا؟ فلم يستطع الحضور أن يجيبوا بجواب مقنع رغم محاولاتهم فأشار المعز الى أبي نوح أحد علماء الاباضية بالكلام فقال له الجواب مفهوم من السؤال، لأن. الصنعة بنفسها دليل الصانع ولا صنعة بغير صانع، فأعجب المعز بجوابه. أنظر أبو زكرياء: سير، ص
149
-340 -
353
الشماخي
: سير، ص (1/348)
صفحة 349
أخذ معه الى مصر، كما تروي المصادر الاباضية الشيخ أبا خزر يغلا بن
زلتاف من فرط تعجبه بعلمه (199)
وختاما، يمكن القول إن المسائل الكلامية كانت من المواضيع الفكرية التي شغلت العلماء والعامة على حد سواء، في الدولة الرستمية، فلا شك أن تلك المناظرات والمساجلات بين شيوخ المذاهب قد أثرت الحياة العقلية في بلاد المغرب بوجه عام، وأمدت فكر الخوارج بآراء واجتهادات جديدة (200). وكان لتسامح الأئمة، وفسح المجال للحرية الفكرية، أثره في شحذ عزيمة شيوخ البربر على التعمق في دراسة قضايا الدين ومسائل الخلاف، وتمكنوا بذلك كما يقول الجنحاني «من تأسيس مدرسة لها معالمها الخاصة في تاريخ الفكر الاسلامي» (201). وليس بخاف ما لتلك الحرية الفكرية والتسامح المفتوح الذي أظهره الأئمة، اضافة الى آثاره الايجابية من آثار سلبية على الامامة الاباضية اذ أصبحت في الأخير هي الضحية. فكانت الفرق التي فتحت لها تيهرت الرستمية صدرها مثل الشيعة والواصلية والصفرية وغيرها، على رأس من استقبل أبا عبد الله الشيعي لما كان في طريقه الى تيهرت سنة 296 هـ (202)
C
ولئن ضعفت الامامة الاباضية الرستمية من جراء الفتن المذهبية، كما ضعفت قبلها وبعدها أنظمة سياسية في المشرق والمغرب بنفس السبب، فان الحضارة الاسلامية قد اغتنت بانتاج الفرق المختلفة، في ميادين الأدب والعلوم والشريعة. ودلت التجربة «أن المذهبية في المشرق وفي المغرب
(199) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 138 141 وما بعدها
(200) محمود اسماعيل:: الخوارج:
، ص
222 221
(201) الجنحاني: تاهرت، المجلة التونسية، عدد 43/ 40، ص 41، وأنظر كذلك الفردبل: الفرق الاسلامية في
الشمال الافريقي، ص 149
(202) أبو زكرياء: سير، ص 112، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 94 وأنظر كذلك: Marçais G. et
Ch. Di: Histoire du moyen age. opcit, T.III, p.421
-341 - (1/349)
صفحة 350
دليل على خصوبة نصوص الاسلام، وحيوية المسلمين، واستعدادهم للتطور» (203)
ب - بين البربرية والعربية:
من المعلوم أن البربر في الدولة الرستمية أو في غيرها من دول المغرب العربي آنذاك، يشكلون السواد الأعظم من السكان. ولعل العنصر العربي في شمال افريقيا كان يتمركز بالخصوص في مدينة القيروان أو بصفة عامة في افريقية الأغلبية، وهذا لا يعني أن العرب لا يوجدون في غير افريقية وانما الواقع أن العواصم المغربية كانت تضم منهم
الكثير
،
فتيهرت كان يسكنها العديد من العرب، لهم مساجدهم ونشاطاتهم المختلفة، وفي هذا يقول ابن الصغير «ليس أحد ينزل بهم من الغرباء الا استوطن معهم ... حتى لا ترى دارا الا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي وهذا مسجد القرويين ورحبتهم وهذا مسجد البصريين وهذا مسجد الكوفيين (((204) وهكذا يتبين لنا أن العنصر العربي في العاصمة الرستمية كان هاما جدا، لا شك أن له الدور البارز في تعريب المدينة ومحيطها في ذلك الوقت ولو بشكل محدود كما سوف نرى
فاذا كانت تيهرت بالشكل المذكور، فلا نتصور أن جميع أقاليم الدولة الرستمية كذلك، أو حتى مدنها الضاربة في الصحراء كوارجلان، أو الموجودة في مناطق صعبة كمدن جبل نفوسة وقراه فضلا عن المدن الأخرى ذات الأهمية الثانوية والمنتشرة شرقا وغربا في الدولة ولا نتحدث عن القفار والبوادي فانها لم تعرف العرب الا بعد حملات العرب الهلاليين وغيرهم
في القرن الخامس الهجري (205)
(203) لقبال موسى: المغرب الاسلامي، ص
(204) ابن الصغير:
ص
13
246
(205) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 148، 165، 204، لوبون غوستاف: حضارة العرب، ص 304،
-342 -
317 - 316 (1/350)
صفحة 351
إن الدولة الرستمية، وهذه وضعيتها الاجتماعية واللغوية، في بدء أمرها في القرن الثاني الهجري، لم تكن لتبقى كذلك في القرن الثالث منه رغم وجود نشاط ثقافي بالبربرية نراه محدودا جدا (206)، وانما دفع السكان اليه دفعا لظروفهم اللغوية. ويمكن تلخيص معالمه في بعض الكتابات النثرية والشعرية وهي ليست بكثيرة، ومن ذلك كتاب مهدي النفوسي أحد مشائخ نفوسة في النصف الأول من القرن الثالث الهجري وهو كتاب للرد.
على نفاث بن نصر الذي طعن في الامام أفلح بن عبد الوهاب واعتقد عقائد اعتبرت عند الاباضية بدعا (207). ويعتبر كتاب مهدي أقدم كتاب اباضي بالبربرية ألف نثرا (208)، ويذكر الدرجيني سبب تأليفه بذلك اللسان ويقول «انما وضعها واضعها باللسان البربري ليتناقلها البربر. فكالهم بصاعهم لم يطفف ولم يبخس ولم يعد من الألفاظ ما يفهمونه، ولا أعرب ولا أغرب بحيث يتوهمونه» (209)
ولهذا النص أكثر من قيمة، فبالاضافة الى السياق الذي جئنا به ههنا، يشير النص صراحة الى أن البربر خاصة بجبل نفوسة، مازالوا لم يتقنوا العربية. ولعل هذا راجع الى طبيعة الجبل البعيد والمنعزل عن التأثيرات الخارجية. وربما لهذا السبب وصفه اليعقوبي في نهاية القرن الثالث الهجري الألسن (210) ولا يستبعد أن يكون البربر يقرأون
وقال بأن أهله
>>>
عجم
العربية ولكنهم لا يتقنون فهمها في هذه المرحلة التي يعتبرها الاستاذ
44
(206) الجنحاني: تاهرت، المجلة التونسية، عدد 43/ 40، ص (207) أنظر فصل المناظرات من هذا البحث. هناك ملاحظة لابد من ذكرها وهي أن مهدي النفوسي قتل سنة 196 هـ بينما لم تبدأ حركة نفاث الانفصالية الا في عهد الامام أفلح (208) - 258 هـ) فكيف يرد مهدي على نفاث وهو لم يدركه أو لم يدرك خروجه على الامام على الأقل؟ لهذا ربما يكون المقصود بمهدي النفوسي هنا غير مهدي المقتول سنة 196 هـ أو لعل الكتاب نسب اليه خطأ
Lewicki T: Mélanges opcit, p. 269. Bekri Chikh: Kharijisme, opcit, p. 90 (208)
314,
(209) الدرجيني: ج 2، ص 314.
(210) اليعقوبي: البلدان، ص 99.
-343 - (1/351)
صفحة 352
الكعاك (211) مرحلة استعمال الحروف العربية في الكتابات البربرية مكان الحرف البربري الذي يعرف عند المغاربة بخط تافيناغ (*). ويحتمل الكعاك أن يكون هذا الانقلاب اللغوي قد حدث في عهد حكم الخوارج للمغرب فيقول، ونحن نستصوب رأيه «ويظهر لنا أنه (الخط البربري) تعطل منذ القرن الثاني للهجرة عطله الخوارج وقلبوه الى الخط العربي مع استنباط حروف زائدة في لغة البربر) (212) لاشك أن اللغة العربية التي اقتضت تلك الحروف الزائدة، فطعمت البربرية بها. وهكذا نلاحظ بداية توغل العربية الى اللسان البربري شيئا فشيئا وبتعبير آخر يمكن القول بأن هذه المرحلة تعتبر بداية لتعريب البربرية (213) وهي وجه من وجوه تعريب البربر بعد ذلك
هي
ولعل من الكتابات النثرية التي كتبت بالبربرية، بعض الرسائل التي كان الأئمة يبعثونها الى الرعية في الولايات. ولم تكن تصدر بالبربرية وانما باللغة العربية، يقوم بترجمتها الشيخ أبو سهل النفوسي الى البربرية اذ كان ترجمان جده الامام أفلح وربما أيضا ترجمان الأمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان (214)، وهكذا يكون البلاط الرستمي قد اتخذ العربية لغته الرسمية، بها يصدر رسائله الديوانية، ولما كانت الرعية في معظمها لا تتقن العربية، كان من الواجب ترجمتها حتى تصل أنباؤها للجميع خاصة في
ص
(211) الكماك عثمان: البربر، سلسلة كتاب البعث، الكتاب الخامس، ط 1، فيفري 1956 (بدون مكان الطبع) 109، وأنظر: 268 - 267. Liwicki T: Mélanges, ... p . () لا زال أهل الموقار أو الطوارق الملثمون في أقصى جنوب الجزائر يستعملون الأبجدية البربرية القديمة (تافيناغ) أنظر: باسيه رينيه دائرة المعارف الاسلامية، مادة بربر، ج 3، ص 517، وأنظر كذلك دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 1، ص 62، 68
(212) الكعاك: البربر، ص 109 - 110
(213) توجد العديد من الكلمات العربية في اللهجات البربرية وهي بنسبة الثلث. أنظر غوستاف لوبون: حضارة العرب، ص 305، أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي، ص 93، دبوز: ج 3، ص 414
(214) الدرجيني: ج 2، ص 352، الشماخي: سير، ص 289 وأنظر: 268. Lewicki T: Mélanges. p
-Basset H: Essai sur la litterature des bèrbères imp. ancienne, Paris 1920, p.71 - Bekri Chikh: Kharijisme, p.90
- 344 - (1/352)
صفحة 353
بعض المناطق المنقطعة أو الوعرة كالواحات في الصحراء أو جبال نفوسة والأوراس وهم الى يومنا هذا يتحدثون البربرية.
لقد ألف الاباضية بالبربرية خاصة في موضوعي الدين والجدل، وهو ما تذكره المصادر، ولكن الشيء الذي يجلب الانتباه، هو أن تلك المصادر لا تذكر شيئا عن مؤلفات في السير والتراجم، وهي ما ينبغي أن يكون موجودا ليكون المادة الأساسية لكتاب السير الذين جاؤوا من بعد وألفوا بالعربية (215)
أما الشعر البربري، فان أبا سهل النفوسي، قد نبغ فيه، وله دواوين شعرية اعتبر بها شاعرا. وكان يجيد البربرية ونظم مراثي في الامامة الرستمية بعد سقوطها يتحدث عنه الدرجيني ويقول: «إن الغالب من أحواله، همل الدموع والتلهف على فائت ليس له رجوع، فجعل هجيراه مراثي الدين وأهله والبكاء عليه بوابل الدمع وطله، حتى دونت الدواوين من كلامه وانتشر في الآفاق نظامه ...
حسن
وجميع
ما حفظ ذلك فانما
من
هو بلسان البربر، ... فقف على دواوينه تكن عليه مترجما، ولا ترمها اذ لم تجد لها مترجما (216)، وقد أحرقت معظم تلك الدواوين وأتلف الباقي ولم يبق منها الا أخبارها (217). وقد شبه أحد المشائخ قصائد أبي سهل بقصائد عمران بن حطان الشاعر الخارجي فقال: «من أراد قراءة الشعر فعليه بشعر عمران بن حطان ومن أراد شعر البربر فعليه بشعر أبي سهل الفارسي (218) وكان يمكن أن يستفاد من شعره، في التاريخ رغم لسانه البريري، لأنه قيد فيه كما يقول الدرجيني جملا من تواريخ أهل الدعوة
(215) الكعاك: البربر، ص 63 وأنظر: 269. Lewicki T: Mélanges, p (216) الدرجيني: ج 2، ص 351 - 352 (217) الدرجيني: ج 2، ص 352، معمر علي يحيى: الاباضية بالجزائر، ص 160 - 161 (218) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 68 - 79، وأنظر: 273. Lewicki T: Mélanges, p
23
-345 - (1/353)
صفحة 354
وبكى مصير الامامة الاباضية التي انقرضت حتى ليقول القائل «انطلقوا بنا
الى قبر النادب ذنبه ودينه» (219) من كثرة بكائه
ولم يكن أبو سهل وحده هو الشاعر بالبربرية، وانما نجد الى جانبه نساء يذكرن في المصادر الاباضية بالشاعرية، الا أنه يبدو أن شعرهن لم يكن يدون، وانما هو شعر أو حكم وأمثال تتناقلها الألسن شفاها، وكمثال لذلك زيديت بنت عبد الله الملوشائية، التي ألقت قصيدتها أو غنتها في مجلس نسوي وهي في موضوع الميعاد والحساب والقبر والموت (220). ولمنزو بنت عثمان المزاتي شعر بالبربرية احتفظ الوسياني (221) بشيء قليل منه وكانت كسابقتها تتحدث في الأمور الدينية، وكان أبوها شاعرا أيضا اذ أراد أن يخفف آلامها لما زوّجها لرجل فظ غليظ القلب فقال لها «يابنتي سبق القضاء بأن أنكحتك لا أحبه ولا تحبينه فعاملك بما أرى فلا من تجزعي، ولكن اصبري فاني أرجو الله أن لا تنصرم عشرة أيام الا يموت من يموت ويفرج الله عليك وينقطع عنك النصب، وهذا القول بكلام
بربري موزون» (222)
ونجد مثل هذه المقطوعات بكثرة في كتب الاباضية، وهي تدل على وجود شعر بالبربرية. وربما كان هو غناءهم أو مدائحهم في الأعياد والمناسبات (223) وكان للشعر البربري كما يقول لوفيسكي مجموعات شعرية مشابهة لدواوين الشعراء العرب بالمشرق (224). ومن ذلك دواوين أبي
(219) الدرجيني: ج 2، ص 352، وأنظر كذلك: 71. Basset R: Essai, opcit, p
(220) الشماخي: ص 317، وأنظر: 274. Lewicki T: Mélanges. p . (221) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 120 - 121
(222) الدرجيني: ج 2، ص
311
(223) أنظر قصيدة بالبربرية في دبوز علي: تاريخ المغرب الكبير، ج 1، ص 55 - 61 ومع ترجمتها الى العربيةة وان كانت لشاعر معاصر فهي تدل على اقتراب البربرية من العربية في كثير من الألفاظ. وتنشد القصيدة فيي
الحفلات الدينية والأعراس
-346 -
Lewicki T: Mélanges, p. 273 (224) (1/354)
صفحة 355
سهل، والديوان الذي وضعه أبو يعقوب يوسف بن محمد، قيد فيه أشعار الأشياخ بالبربرية (225) ولا شك أن شعراء البربرية في المغرب العربي، في فترة الرستميين وربما بعدها، لا ترقى الى دواوين الشعر العربي. كما وكيفا، وانما قول لوفيسكي هو تشبيه مجازي مبالغ فيه، لا أدل على المبالغة في " ذلك، من عدم وصول اشعار البربر الينا فضلا عن دواوينهم التي تشبه دواوين شعر العرب
ومن المجالات التي كانت تستعمل فيها البربرية الى جانب العربية حلقات الوعظ في المساجد وذلك تسهيلا للبربر على تناول الاسلام (226) والذي يتبادر الى الذهن أن البربرية في عهد الرستميين كانت كالعامية اليوم الفصحى. فأشعار البربر الجيدة هي نظير ما يسمع اليوم من قصائد
عامية بليغة والتأليف البربرية وكلها تقريبا تحوم حول المسائل الدينية انما وضعها واضعوها حرصا على ايصال عقائد الاسلام وعباداته الى العامة، اذ لم يكن البربر يحسنون جميعهم العربية في ذلك الزمان المبكر (227). وان ميل الاباضية خاصة الى التأليف بالبربرية، كما يقول الشيخ أطفيش أبو اسحاق منذ ظهروا بين البربر في أوائل القرن الثاني الهجري، كان ذلك «من أسباب تمكين البربر في الاسلام» (228). فاذا تمكن فعلا، أصبحت معرفة اللغة العربية ضرورية ومن الواجبات التي على المسلم، وهو ما شعر به البربر بعد ذلك في القرون التي تلت عهد الرستميين ولا يزالون
ان استعمال البربرية في الحياة الفكرية بالدولة الرستمية أو غيرها من دول المغرب العربي آنذاك، يعتبر محدودا جدا (229)، وليس كما يزعم شيخ
(225) الشماخي: سير، ص 498
(226) الكماك: موجز، ص 218، الكعاك: المراكز، ص 119
(227) الميلي: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ج 2، ص 68 وأنظر: أحمد بختار عمر: النشاط الثقافي،
ص
78
(228) دائرة المعارف الاسلامية: ج 3، ص 518 ـ 519، مادة بربر هامش للشيخ أطفيش أبي اسحاق رقم 1.
1
(229) د. الجنحاني: تاهرت المجلة التونسية، عدد 43/ 40
، ص
44
- 347 - (1/355)
صفحة 356
بكري ويتطرف الى حد المبالغة عندما يذكر أن البربرية في هذه المرحلة اكتسبت أكثر مما خسرت (230)، دون أن يعطي تفسيراً لما اكتسبته أو خسرته، كما أنه ليس مثلما الدكتور أحمد مختار عمر عندما يذكر أنه يدعي رغم أن اللغة الرسمية للدولة الرستمية هي العربية «فقد كانت تحتضن اللغة البربرية وتحاول ترقيتها بشتى الوسائل» (231) الامر الذي لم تذكره المصادر اطلاقا، لذلك لم يشر اليها، وانما استعمال البربرية الى جانب العربية لايصال الاسلام الى البربر المنقطعين في رؤوس الجبال والبوادي. ولا وجود لترقية البربرية أي اشارة تذكر.
الفقه من
لقد كان الاباضية في الدولة الرستمية، من المهتمين باللغة العربية واتقانها حتى ليخيل الينا أن الضابط لها والحافظ لرسمها ونطقها يعتبر عندهم عالما .. ولا أدل على هذا من قول أبي عمران موسى بن زكرياء أحد مشائخ الاباضية (232) فيما نقله عنه أحد أحفاد عمال الامام أفلح قوله مرارا وفي مجالس كثيرة: «إن تعلم حرف من العربية كتعلم ثمانين مسألة وتعلم مسألة من الفقه كعبادة ستين سنة» (233) وبالتالي فان تعلم العربية يعتبر عند الاباضية، وهم الحريصون على العبادات أكثر من أي شيء آخر من القربات الى الله. والنص صريح في تحريض الناس على تعلم العربية قبل تعلم الفقه لأنها هي الوسيلة الوحيدة الى اتقان فهم الفقه وعلوم الدين كلها. فَاهْتِمَامُ الاباضية وغيرهم في الدولة الرستمية بالعلوم الدينية وعنايتهم بها أدى الى نتيجة ايجابية حتمية وهي استعمال اللغة العربية، اذ لا لغة
لتلك العلوم غير العربية.
Bekri Chikh : Kharijisme, p. 89 - 90 (230)
78
(231) أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي، ص
(232) هو من الطبقة التاسعة (400) - 450 هـ) أنظر ترجمته في الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 409 ـ 412 (233) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 67، الشماخي: سير، ص 402، وأنظر كذلك: الدرجيني: طبقات،
ج 2، ص 411.
-348 - (1/356)
صفحة 357
بهم
الأمة
وكان لعناية الحكام الرستميين بالعربية وعلومها أن اقتدت البربرية (234)، وحاولت أن تتخلص من تعدد اللهجات، خاصة وأن
الدولة الرستمية تضم عدة قبائل بلهجاتها المختلفة، فربطها للمغربين الأوسط والأدنى من العوامل التي تؤدي الى احتكاك القبائل ببعضها، فلا شك أن اللغة العربية بين هذه القبائل كانت العامل المشترك، أو لغة مشتركة بها يتفاهمون تخلصا من تعدد اللهجات (235). إن البربرية، كانت في نظرنا منذ أن اعتنق البربر الاسلام، وحسن في عهد الحكومات الاباضية والصفرية وسيلة أو أداة مساعدة للغة العربية في ابلاغ البربر دينهم. ولم يقف البربر أمام العربية، كما لم تكن البربرية في صراع (236) العربية أو
منافسة لها في يوم من الأيام.
مع
إن الجهود التي بذلت في عهد الدولة الرستمية لتعريب البربر جهود جبارة (237)، وكانت من أهم الخلفيات الثقافية العربية التي انطلقت منها دولة بني حماد في المغرب الأوسط «حتى أن القرن الرابع الهجري، لم يكد يبزغ، حتى صار كثير من البرابرة يزاحمون العرب في لغة الضاد، وأصبح علماء البربر يناظرون فقهاء العرب في قواعد الأصول وتفاريع الفقه ومباديء علم الكلام» (238)، ومما سهل تعريب المغرب وأسرع في عمليته كون البربرية والعربية تنتميان إلى أصل واحد. وقد تنبه الى هذا بعض
(234) الميلي: المرجع السابق، ج 2، ص
(235) احسان عباس: تاريخ ليبيا، ص
68
94
- (236) من الأساليب التي نراها خاطئة استعمال لفظة الصراع اللغوي أو مراحل صراع اللغة العربية مع البربرية وهي ألفاظ نجدها في كتاب الدكتور أحمد مختار عمر: التاريخ الثقافي في ليبيا، اذ وضع فضلا تحت عنوان الصراع اللغوي في المنطقة، ص 59 - 101 مما يوحي أن هناك صراعا فعلا بين البربرية والعربية وهو مالم يحدث اطلاقا فلم يكن بين البربرية والعربية صراع بما تحمله كلمة «صراع» من معان بقدر ما كان بينها من تعاون وتكامل على من المراحل التي تفضل الدكتور بذكرها وقبله قد ذكرها الأستاذ الكعاك في كتابه البربر ص
وما بعدها.
(237) أحمد مختار: المرجع السابق
(238) عويس عبد الحليم: دولة
، ص
76
77، الكعاك: موجز، ص 282
بني حماد، ص 247
63
-349 - (1/357)
صفحة 358
العلماء
ومنهم يهوذا بن قريش التيهرتي في القرن الرابع الهجري، وبرهن على ذلك في كتابه كما يقول الكعاك (239)
ولعل من المستحسن أن نختم هذا الفصل بالتساؤلات التي طرحها المستشرق باسيه، وتولى الاجابة عليها بنفسه عندما قال: «إن استعمال البربرية عند الاباضية هل يمكن اعتباره احتقارا للعربية واحتجاجا ضدها؟ خاصة وأنها لغة المذهب المالكي السيد في افريقية. هل توجد هنا حركة وطنية بربرية معالمها الانقياد للاباضية من جهة ومن جهة أخرى التمسك بلغة الأجداد؟ يقول باسيه، ان هذه التساؤلات كلها تبدو غير. واردة، لأن الخوارج يعتبرون أكثر انقيادا للغة القرآن ولغة الاسلام من المالكية أنفسهم فلغة الرسول لا ينبغي أن تبدو لهم مهانة أو حقيرة. إن تأليف الكتب الاباضية بالبربرية ليس له سبب الا حب أن يطلع عليها أغلب الناس في ذلك الزمان وهم البربر الذين لا يتقنون العربية في تلك الفترة المبكرة ... والدليل على هذا هو أنه بمجرد أن أصبحت العربية أكثر انتشارا عند معتنقي الاباضية ترجمت تلك المؤلفات من البربرية الى العربية. وقد حصل هذا في وقت مبكر جدا، واليوم ورغم أن الاباضية بقوا يتحدثون البربرية، فان كتبهم حولت الى العربية كلها تقريبا. (210)
ومجمل القول إن اللغة العربية في الدولة الرستمية كانت اللغة الرسمية،
(239) الكماك: موجز، ص 220 - 221، المدني: هذه هي الجزائر ص 56، الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 69 - 70، الجيلالي: تاريخ الجزائر، ج 1، ص 231 - 232. للمزيد من المعلومات أنظر المبحث: اللغة العربية، النحو والآداب، ص 385 وما بعدها من هذا الفصل (240) 65 - 67. Basset H: Essai, opcit, p يتحدث مصطفى نبيل صاحب الاستطلاع في مجلة العربي الكويتية عن المجتمع الاباضي في ميزاب بالجنوب الجزائري ويقول: مجتمع لا تجد فيه أميا واحدا، بل ويندر أن تجد فيه من لا يتحدث العربية بطلاقة الى جانب اللغة البربرية المحلية، أنظر مجلة العربي عدد 286، استطلاع مصطفى نبيل عنوان: عالم مزاب المسحور رحلة الى الصحراء الجزائرية، أيلول 1982، ص 106، وأنظر
-350 -
كذلك صفحات 114، 115 (1/358)
صفحة 359
وعاشت الى جانبها البربرية، عيشة العامية اليوم مع الفصحى. وحدث في هذا الزمان استعمال الحروف العربية للكتابة البربرية، وهي مرحلة جد متقدمة في صالح العربية بالمغرب. ولا شك أن البربرية اذا كان لها دور في الحياة الفكرية الى جانب اللغة العربية، فلا يتعدى الدور الثانوي، اذ أنها في تلك الفترة تستعمل بالمشافهة أكثر منها بالكتابة، لأن هذه الأخيرة بدأت تسيطر عليها اللغة العربية بحروفها وكلماتها. وكان للأئمة الرستميين الفعال في تثبيت العربية في الأوساط البربرية وكانوا من المعتنين بها
دورهم
لغة ووعاء لثقافة وفكر، لا يشك أحد في اعتنائهم بها
جـ - اللغة العربية: النحو والآداب:
بعد أن تطرقنا الى اللغة العربية واهتمام الدولة الرستمية رعاة ورعية باتقانها، وأنها كانت اللغة الرسمية بالبلاد، في حين أن البربرية كانت بمثابة العامية في يومنا هذا. بقي لنا في هذا المبحث أن نعرف مدى مساهمة علماء هذه الدولة في علوم العربية كالنحو خاصة، والأدب بشقيه
النثر والشعر
(1) النحو:
اذا استثنينا الأسرة الرستمية، الأئمة خاصة، الذين برعوا في كثير من العلوم، ومنها علوم العربية كما سبق أن ذكرنا، فاننا لا نجد الا القليل من المؤلفين فيه، وانما كانت لكثير من علماء تيهرت معرفة باللغة العربية وقواعدها. وكان من الممكن أن ينتقل نحو البصرة الى تيهرت مع المذهب الاباضي، اذ كانت البصرة المركز الأم للمذهب واحدى المدارس النحوية البارزة في ذلك الوقت، لو وجد تربة صالحة لنموه واستيعاب دقائقه وخوض غماره فتيهرت في هذه الفترة المتقدمة من الزمن بعيدة عن مسايرة البصرة في هذا الاختصاص كل البعد، بسبب بسيط هو طبيعة سكانها من
-351 - (1/359)
صفحة 360
البربر الذين كانوا في هذا الوقت يحاولون التحدث بالعربية، على أكبر تقدير، دون النظر الى النحو والقواعد
ورغم هذا فلم نعدم بعض الاشارات الى بعض المهتمين بالنحو كأبي عبيدة الأعرج الذي يقول عنه ابن الصغير معجبا ببراعته في اللغة «كان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ... وقد أتيته يوما أسمع منه كتاب اصلاح الغلط الذي ألفه الله عبد بن مسلم بن قتيبة على أبي عبيدة، فلما افتتحت قراءته وقلت لعل ناظرا في كتابنا هذا ينفر من عنوانه ويستفر من ترجمته ويربا بأبي عبيدة عن الزلة فلم أهمزه ولم أمده فقال لي يربأ بأبي عبيدة بهمز الألف وضمه وانما ذكرت هذا الحرف لأدل على براعته في اللغة (241)
ولا نعرف عن أبي عبيدة الأعرج أكثر من هذا، بل نجهل عن غيره من المهتمين بالنحو في تيهرت أو غيرها من المراكز العلمية بالدولة كل شيء اللهم الا بعض النحويين الذين صنفهم الزبيدي صاحب طبقات النحويين مع القرويين، رغم أنهم من رعايا الدولة الرستمية، ومواليد مدنها، كالأخوين ابراهيم المهري وأبو عبد الملك المهري ابني قطن، فكان ابراهيم على مذهب الاباضية، نحويا، الا أنه يسمع منه الا القليل من الناس، بينما كان عبد الملك «شيخ أهل اللغة والعربية والنحو والرواية، ورئيسهم وعميدهم،
لم
والمقدم في عهده وزمانه» (242). ولم يكن شيئا مذكورا في بداية الأمر، ثم اعتكف على التحصيل، فبز أخاه ابراهيم، حتى أصبح يشار اليه بالبنان ويقصد من مختلف البلدان. واذا كنا نعلم تاريخ وفاة عبد الملك النحوي سنة 253 هـ، ومسكنه بالقرب من باب سوق الأحد في افريقية الأغلبية،
(241) ابن الصغير: ص 46. وأنظر كذلك علي يحيى معمر: الاباضية بالجزائر، ص 145 - 146 (242) الزبيدي: أبو بكر محمد بن الحسن: طبقات النحويين واللغويين تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، ط 1، طبعه محمد سامي أمين الخانجي الكتبي، مصر 1373 هـ/1954 م، ص 249 ـ 250
-352 - (1/360)
صفحة 361
فاننا لا نعلم شيئا عن ابراهيم الاباضي النحوي من هذا القبيل الا أنه الزبيدي (243) ضمن الطبقة الثانية من نحوبي القيروان قبل أخيه مباشرة
وضعه
ومن سرت احدى المدن في أقصى شرق الدولة الرستمية، برز أبو محمد عبد الله بن محمد المكفوف النحوي. قال عنه الزبيدي «كان من أعلم خلق الله بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها أدرك المهري وأخذ عنه ... وله كتب كثيرة أملاها في اللغة والعربية والغريب وله كتاب في العروض يفضله أهل العلم على سائر الكتب المؤلفة فيها لما بين فيه وقرب وعليه قرأ الناس المشروحات، واليه كانت الرحلة من جميع افريقية والمغرب (244) وتوفي المكفوف سنة 308 هـ وينسب الى القيروان ولا شك أنه بها تعلم وعلم.
ولا شك أن هؤلاء الذين برزوا في علم النحو حتى أصبحوا مقصد الطلبة والعلماء من أهل المغرب، قد كونتهم القيروان، أول المدن العربية بالمغرب العربي، حيث يكثر العرب الوافدون اليها من المشرق، واشتهرت في ذلك الوقت بعلمائها في مختلف الفنون: وهذا لا يمنع أن يكونوا من: رعايا الدولة الرستمية الذين رحلوا الى القيروان لنهل العظم من .. موارده الأصلية.
ولما كانت تيهرت مركزا لمختلف الأجناس، وفدت اليها من مختلف: البقاع في العالم الاسلامي وغيره، تعددت فيها اللغات واللهجات، حتى اللغة السودانية نرى ابن الصغير يهتم في كتابه بمخارج كلمة منها، قالها
(243) نفسه: ص 249، وأنظر كذلك أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي في ليبيا، ص 253 (244) الزبيدي: طبقات النحويين، ص 257 - 259 وأنظر كذلك القفطي: جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف: أنباه الرواة على أنباه النحاه، ج 2، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 1، 1371 هـ/1952 م، ص 147 - 149، السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنجاة تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، ج 2، ط 1، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة،
1384 هـ/1965 م ص
62
-353 - (1/361)
صفحة 362
ملك السودان لابن عرفة سفير الامام أفلح الى تلك البلاد (245)، فهذا لنا بأن السودانية في تيهرت كانت احدى اللهجات المتداولة الاهتمام يوحي بين العبيد وملاكيهم على الأقل وتشكل بذلك نوعا من العامية المحدودة الاستعمال
إن هذا التنوع في اللغات واللهجات، بالعاصمة الرستمية أنجب شخصية لا تزال مغمورة، رغم مساهمتها الفعالة في مجال اللغات، ذلك هو يهوذا بن قريش التيهرتي الذي عاش في القرن الرابع الهجري، وهو امتداد طبيعي للقرن الثالث عهد الدولة الرستمية. وكان يهوذا بن قريش يحسن عدة لغات كالعربية والأرامية والفارسية والبربرية والعبرية، فكان كما يقول الأستاذ الكعاك، وهو أول من اكتشف هذا العالم وكتب عنه بالعربية تلك اللغات متضلعا فيها (246). فلعله بذلك الاستيعاب للغات، من الراذانيين الذين يقول عنهم ابن خرداذبة بأنهم «الذين يتكلمون بالعربية والفارسية والرومية والأفرنجية والأندلسية والصقلية» (247)
عالما بجميع
وهذا غير مستبعد اذا علمنا أن في تيهرت دربا يعرف بدرب الرهادنة (248)
ولم تتوقف معرفة يهوذا في استيعاب عدة لغات وانما حاول المقاربة والمقابلة بين بعضها البعض بعد التنظير بينها. وترك كتابا في هذا المجال برهن فيه على أن العربية والعبرية والكنعانية والبربرية ذات أصل واحد (249) وبهذا يكون يهوذا التيهرتي هو أول واضع لأساس النحو التنظيري، كما يقول الكعاك وفتح بابا لم يكن ليولج الا عشرة قرون فيما
(245) ابن الصغير. ص 31.
(246) الكماك: موجز، ص 221
(247) ابن خرداذبة: المسالك والممالك، ص 153، الراذانية أو الرادانية طائفة من تجار اليهود، ومع هذا فليس بمستبعد أن يكون يهوذا بن قريش منهم، إستقر به المقام في تيهرت وتفرغ الى مقابلة تلك اللغات ببعضها. 57، يبدو أن الرهادنة بتعبير ابن الصغير هي نفسها راذانية أو رادانية عند
46 "
(248) ابن الصغير: ص ابن خرداذبة ? اختلاف بسيط في النطق. (249) المدني أحمد توفيق: هذه هي الجزائر، ص
56
-354 - (1/362)
صفحة 363
بعد، فالنحو التنظيري لا يرجع فيه الفضل للأفرنج وانما هو ثمرة من ثمرات تمدن المغرب الأوسط (250). ويقول الكعاك بأن هذا الكتاب لا يزال موجودا، باللغة العربية، في مكتبة أكسفورد بانجلترا (251)
(2) الأدب العربي:
تتفق جميع الدراسات الحديثة (252) تقريبا، على أن الدولة الرستمية لم تبرز في الحياة الأدبية الصرفة، بروزها في الحياة الدينية من فقه وحديث ومناظرات. ويعزو بعضهم ذلك الى اهتمام الأئمة البالغ بالحياة الدينية على حساب الحياة الأدبية والعلمية البحثة، هذا باستثناء الامام أبي بكر بن! أفلح الذي كان يحب الآداب والأشعار (253)، فتشجيع الحاكم للادباء والشعراء. ورعايته لهم من الأمور التي تدفع الحياة الأدبية أشواطا، فيجود الأديب بما لديه من عبرقية، وقد صح عند استقراء تاريخ الأدب العربي، كما يؤكد ذلك الدكتور احسان عباس (254)، أن هذا الأدب كان ابن العواصم السياسية، فلما كان الأئمة الرستميون من الفقهاء، لم يلتفتوا كثيراً الى الآداب، فهم، على حد تعبير شيخ بكري، لم يكونوا ينتظرون من الشاعر أن يدافع عنهم أو يشهر أفكارهم بقدر ما كانوا بحاجة الى الشراة والمشائخ المدافعين الطبيعيين عنهم
(250) الكماك: موجز، ص 220
-
(255)
221 وأنظر كذلك الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 69 - 70. الجيلالي:
تاريخ الجزائر، ج 1، ص 231 - 232، ابراهيم أحمد العدوي: بلاد الجزائر
، ص
298 - 297
(251) يشير الكعاك إلى مرجعه في هذا الموضوع ويقول بأنه استقى معلوماته من المجلة الأسيوية الفرنسوية لسستم
1843 Barges Jehida Ben Karisch أنظر الكماك: ص 221 وقد بحثت عن هذه المجلة وحاولت ضبط عنوانها الفرنسي بـ Journal Asiatique وهي مجلة مشهورة في المغرب العربي في العهد الاستعماري ولكنني لم
أتمكن من العثور على المقال الذي يدور حول شخصية يهوذا بن قريش.
(252) الكماك: موجز، ص 206، رابح بونار: المغرب العربي، ص 85، 120، أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي في ليبيا، ص 178، الجنحاني: تاهرت، مجلة العلوم الاجتماعية، تونس، عدد 43/ 40، ص 44.
Bekri Chikh: Kharijisme ... , p.95 - 97
(253) ابن الصغير: ص 31
(254) احسان عباس: تاريخ ليبيا، ص 224.
-355 -
Bekri Chikh: Kharijisme, p. 96 - 97 (255) (1/363)
صفحة 364
وهناك رأي ثالث مفاده أن الحياة الأدبية التي شهدتها تيهرت خاصة،
لم تصل الينا لعدم اهتمام المؤرخين وأصحاب كتب التراجم (256) بتدوينها وأرى أن أولئك، من الاباضية خاصة، قد أهملوا هذا الجانب كليا، وطغى على كتبهم الجانب الفقهي لا غير، ثم إن اهتمامهم بعلماء نفوسة والجهة الشرقية من الدولة الرستمية خاصة، أفلت عنا الكثير من المعلومات تيهرت وأدبائها كعاصمة سياسية مادام الأدب العربي ابنا
علماء عن للعواصم السياسية
ورغم هذا فلم نعدم وجود بعض القطع النثرية والشعرية المتناثرة هنا وهناك في بطون الكتب، ومن ذلك بعض الرسائل التي وجهها الأئمة الرستميون الى رعيتهم أو الخارجين عن طاعتهم، وبعض القصائد الشعرية للشاعر التيهرتي بكر بن حماد الزناتي، وكانت على مستوى رفيع، كما سوف نرى مما يجعلنا نعتقد وجود شعراء غيره، أقل منه شاعرية، لم يحظوا بتخليد أسمائهم كشعراء من طرف المؤرخين، لذلك لم تصلنا
أخبارهم وأشعارهم.
1 - النثر:
يذكر الدكتور أحمد مختار عمر، أن النثر عند الاباضية قد فاق جانب الشعر، وأنه جاء الينا في شكل خطب أو وصايا أو رسائل ديوانية أو أقاصيص تعليمية أو حكم أو أجوبة (257). والحقيقة أنني أشك في وجود غير الرسائل الديوانية والخطب من النثر الاباضي الذي حاول الدكتور أحمد مختار عمر جمعه، لأن غير ذلك، في اعتقادي، انما كان باللسان البربري، عربه كتاب السير والطبقات فيما بعد
ويمكن أن نأخذ نموذجا من الرسائل الديوانية، رسالة الامام عبد
85
(256) رابح بونار: المغرب العربي، ص (257) أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي، ص
178
-356 - (1/364)
صفحة 365
الوهاب الى نفوسة، في مسألة خلف بن السمح الذي قفز الى منصب ولاية
نفوسة بعد وفاة أبيه الذي كان يشغله، بدون اذن من الامام (258)
" بسم
الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أما بعد فاني آمركم بتقوى الله تعالى، والاتباع لما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه، والذي كتبتموني به من وفاة السمح وتولية بعض الناس خلفا، خلفا منهم، ورد أهل الخير ذلك، فان مولي خلفا بغير اذن امامه قد أخطأ سيرة المسلمين أبي توليته فقد أصاب، فاذا أتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله السمح إلى عمله الذي ولي عليه، الا خلف بن السمح، فحتى يأتيه أمري وتوبوا الى ربكم لعلكم تفلحون» (259)
?
وللامام أفلح عدة رسائل الى رعيته وعماله والى نفاث بن نصر (260) الذي خرج عن طاعته وطعن فيه (261)، وقد أطال الحديث في بعضها. واخترنا من بين رسائله تلك، هذه الرسالة التي بعثها الى نفاث يعنفه فيها ويهدده وهي آخر ما كتبه به أفلح اليه. نختصر منها بعض الفقرات، وهي بدون بسملة دليل على الغضب وعدم الرضا.
أما
فالحمد لله بعد
من أفلح بن عبد الوهاب الى نفاث بن نصر، المنعم علينا والمحسن الينا الذي بنعمته تتم الصالحات ولا يهتدي مهتد الا بعونه وتوفيقه فله المنة علينا ولا منة لنا عليه. وهو المحسن الينا اذ هدانا لدينه وجعلنا خلفا بعد أسلافنا الصالحين وأئمتنا المهتدين الذين في اتباعهم
(258). أنظر عن هذه الفتنة، الفصل الرابع من الباب الأول.
(259) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 69، وأنظر صيغة أخرى قريبه،
150.149
ض 80 - 81، الباروني: الأزهار، ج 2، ص (260) عن رسائل الامام أفلح، أنظر الباروني: الأزهار، ج 2، ص 187 189، 199 - 205، 214، رابح
بونار: المغرب العربي، ص 137 - 144 (261) عن نفاث وخروجه عن طاعة الإمام: أنظر سير أبي زكرياء، ص 92، وما بعدها، طبقات الدرجيني
ج 1، ص 77 وما بعدها.
-357 - (1/365)
صفحة 366
نرجو الهدى وفي مخالفتهم نخشى الهلكة. ولن يهتدي من خالف العدل ولن ينجو من ابتدع غير الحق لأن تلك البدعة ضلالة وكل ضلالة كفر وكل كفر في النار.
وقد كتبت اليك غير كتاب أنصح لك فيه وأدعوك الى رشدك وفي كل ذلك لا يبلغني من عمالنا فيك الا ما أكره ولا أرضاه لدين ولا دنيا حتى حررت كتابا منشورا الى عمالنا أمرتهم فيه بخلع كل من خالف سيرة
المسلمين وابتدع غير طريقتهم وسار بغير سيرتهم وبنفيه وهجره واقصائه فكتبت الي كتابا كأنك تسخط ذلك. أترى أني أوازر من ابتدع في ديننا (كلا) ما كنت بالذي يفعل ذلك ولا أوازر من يسعى في خلافنا ماكنا على الهدى
ثم قلت إنا أمرنا في كتابنا بالبراءة منك. فان كنت كما كتب به الينا عمالنا فأنت محقوق بالبراءة ومقصى من جماعتنا ... وان لم تكن كذلك فأظهر الانتفاء من ذلك وكذب عن نفسك ما قيل عنك لتكون عندنا بالحالة التي تستحقها وتستوجبها.
وانما رفع الينا عنك ما رفعه أهل الثقة عندنا فأمرنا عمالنا أن يسيروا في كل من ابتدع بسيرة المسلمين وكتبنا إليهم بذلك. فجعلت تكتب الينا فيما ليس لك به كتاب. فعلام تتجاهل في الأمور؟ فان كانت غايتك انما هي أن نكتب اليك وتجيب وتكتب الينا ونجيب فهذه غاية قصيرة، والسكوت عنك أهنأ وأولى بنا ... وان كانت غايتك التصحيح فائف عن نفسك مارقي عليك وكن من جماعتنا وموافقي أسلافنا ... وإن يكن حقا مارقي عليك وما قيل فيك من مخالفة أصحابنا فأنت وما رضيت به لنفسك. واني غير كاتب اليك كتابا بعد هذا الا ان انتهى الينا منك ما
-358 - (1/366)
صفحة 367
نحبه فننزلك من بالله العلي العظيم (262)
أنفسنا
بحيث تحب والله المستعان ولا حول ولا قوة الا
وهذا جواب لأبي منصور الياس عامل الامام أبي اليقظان على نفوسة بعثه الى العباس بن طولون لما خرج من مصر يريد بلاد المغرب سنة 267 هـ (263) ردا على كتابه الذي يأمره فيه: أن أقبل جمعك وطاعتك والا وطئت بلدك فكتب اليه الياس تحقيرا له «قل لهذا الغلام أما أنك أقرب الكفار مني وأحقهم بمجاهدتي. فقد بلغني من قبيح أفعالك مالا يسعني التخلف معه عن جهادك وأنا على أثر رسالتي اليك (264)»
إن هذه النماذج من النثر في العهد الرستمي، كتبت بأسلوب الرسائل والخطب والمواعظ في صدر الاسلام. وهي تمتاز بايجاز العبارة وصحة الألفاظ، والتسلسل المنطقي، وبساطة الخطب، وترك مالا يدخل في. الموضوع وهي توحي بجمال أسلوب الأئمة وقدرتهم البلاغية، فبالاضافة الى قيمتها التاريخية، نلاحظ ضرب أصحابها على الوتر الديني الذي كان هو المهين في تلك العهود. فبينما نشعر من رسالة الامام عبد الوهاب الى رعيته بنفوسة الدعوة الى الطاعة بالتي هي أحسن ربما لأن الامام في تلك السنين في أواخر أيامه وقد شاخ، نلاحظ على رسالة أفلح التهديد والغلظة والشدة اذ الموقف يتطلب ذلك. أما رد الياس لابن طولون بذلك الموجز، فيذكرنا بما رد به الخليفة العباسي هارون الرشيد الامبراطور البيزنطي نقفور سنة 178 هـ، لما نقض هذا صلحا قد أبرم من قبله، اذ قال الرشيد في رده «الجواب ماتراه دون أن تسمعه» (265) لأن تقفوراً كان قد هدد الخليفة هارون الرشيد بالسيف في رسالته.
(262) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 204
-
205
-
119
(263) أنظر عن هذا الفصل الرابع من الباب الأول، وأنظر ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 118 (264) الباروني: الأزهار، ج 2، ص 258، وأنظر رسالة أخرى للامام أبي اليقظان بن أفلح مهمة في موضوعها
وأسلوبها، نفس المرجع ص
242 - 240
(265) الطبري: تاريخ، ج 8، ص 308، ابن الأثير: الكامل، ج 6، ص 180. أحداث سنة 178 هـ
-359 - (1/367)
صفحة 368
ولعل النصوص التي وجد فيها الدكتور أحمد مختار عمر (266) خللا كبيرا حسب تعبيره، انما هي النصوص التي اعتقد خطأ انها قيلت بالعربية،
وهي في الحقيقة ترجمت عن البربرية فيما بعد، كما ذكرنا هذا سابقا
2 - الشعـ
برز في الشعر في هذه الدولة الامام أفلح بن عبد الوهاب بقصيدة فريدة تقع في أربعة وأربعين بيتا (267)، ولا نملك غيرها لهذا الامام أو لغيره
يقول فيها:
العِلْمُ أبْقَى لأهْلِ الْعِلم آثاراً يُريكَ أَشْخَاصُهُم رُوحاً وَأَبْكَارًا خي وإن مات ذُو عِلم وذو ورع ما مَاتَ عَبْدَ قَضَى مِنْ ذَاكَ أَوْطَارًا
ثم يقول::
العِلْمُ دُرّ لَهُ فَضْلُ وَلا أَحَدٌ فِي النَّاسِ يُدْرِى لِذَاكَ الدَّرِّ مِقْدَارًا للعلم فَضْلَّ عَلَى الأَعْمَالِ قَاطِبَةً عَنِ النَّبِي رَوَيْنَا فِيهِ أَخْبَارًا لِلْعِلْمِ يَقُولُ طالب عِلْمٍ بَات لَيْلَتَهُ فِي العِلْم أَعْظَمُ عِنْدِ اللهِ أَخْطَارًا مِنْ عَابِدِ سَنَةٍ للهِ مُجْتَهِداً صَامَ النَّهَارَ وأَحْيَى اللَّيْلَ أَسْهَارًا ويحث الامام على طلب العلم فيقول: أَشْدَدْ إلَى الْعِلْمِ رَحْلاً فَوْقَ رَاحِلَةٍ وَصِلْ إِلَى الْعِلْمِ فِي الْآفَاقِ أَسْفَارًا وَاصْبِرْ عَلَى دَلجَ الأَغْسَاقِ مُعْتَسِفاً مَهَامَه الأَرْضِ أَحْزَانَا وَأَقْطَارًا حَتَّى تَزُورَ رِجَالاً فِي رِحَالِهِمْ فَضْلاً فَأَكْرِمْ بِأَهْلِ الْعِلْمِ زُوّارا
(266) أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي، ص 178 - 188
(267) وردت هذه القصيدة في كتاب الدعائم لابن النظر
مع.
عدد من
القصائد
?
133
- 136: وأنظر كذلك
الباروني في أزهاره أثبتها مع تشطير لها من طرف أحد علماء عمان الشيخ علي بن أحمد العماني، ج 2، 194، وأنظر كذلك دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج 3، ص 376 - 377، وتوجد في العديد من
-
189
ص
المراجع الحديثة
-360 - (1/368)
صفحة 369
والطَّفْ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ الْعِلْمَ مُقْتَبِسٌ جَدِّدْ لَهُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْكَ أَبْرَارًا
ثم يضيف: وَلَا تَكُنْ جَامِعاً لِلصُّحْفِ تَخْزِنُهَا كَالعِيرِ يَحْمِلُ بَيْنَ الْعِيرِ أَسْفَارًا نعم الفضيلة نعم الذخر تُورثة لِنَفْسِكَ الْيَوْمَ إن أحسنت آثارا
ثم يشير الى أمر خطير قد يلتجيء اليه بعض العلماء فيقول:
وَاجْعَلْهُ اللهِ لا تَجْعَلْهُ مفْخَرَةً وَلا تُرَائي بِهِ بَدْواً وأَحْضَارَا تَعِساً لِكُلِّ مِرَاء غَيْرَ مُقْتَصِدِ وَقَد تقلد آثاما وَأَوْزَارَا يَصْطَادُ بِالْعِلْمِ أَمْوَالَ العِبَادِ كَمَا يَصْطَادُ مُقْتَنِص بِالْبَازِ أَطْيَارًا
..
وَلا تُدَاهِن إِذَا مَا قُلْتَ مَسْأَلَة أَضْرَرْتَ بِالدِّينِ إِنْ دَاهَنْتَ إِضْرَاراً وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ حَظًّا مِنْ مُذَاكَرَةٍ مَعَ الصَّدِيقِ إِذَا اسْتَوْحَشْتَ اسْمَارًا
ويختم قصيدته فيقول:
وَكُنْ بِرَبِّكَ لا بِالنَّاسِ مُعْتَصِاً كَفَى بِرَبِّكَ رَزَاهَا وَغَفَارًا خَيْرُ العِبَادِ عِبَادُ اللهِ إِنَّ لَهُ لُطفاً خَفِياً يَرُدُّ الْعُسْرَ أَيْسَارًا سُبْحَانَهُ صَمَدٌ لا شَيْء يُشْبِهُهُ أَقْرَرْتُ اللهِ بالتوحيد إقْرَارًا
ذلك
يعلق الأستاذ رابح بونار على هذه القصيدة فيقول بأنها «من نوع النظم التعليمي، وفيها تعابير فقهية، وضعف أسلوب، ولكنها مع تعد ثمرة جيدة، ونتاجا مبكرا لانتاج عربي في جو بربري ... وهي تمهيد لنتاج ناضج تجود به عبقرية بكر بن حماد التيهرتي الزناتي» (268)
الشاعر بكر بن حماد:
الشاعر بكر بن حماد بن سمك بن اسماعيل الزناتي التيهرتي، نشأ
214
-361 -
(268) رابح بونار: المغرب العربي، ص 112. (1/369)
صفحة 370
بتيهرت وتوفي فيها سنة 296 هـ، عن عمر ست وتسعين سنة (269). نبغ في الشعر، أيما نبوغ، ونظم في ذلك قصائد جيدة في أغراض مختلفة كالوصف والمديح والهجاء والرثاء والاعتذار والزهد والوعظ (270)، وكل ما أنشده بكر مبعثر بين صفحات الكتب، وفي ثنايا المخطوطات، وقد بذل الأستاذ محمد شاوش جهده لكي يجمع له ما استطاع من مختلف المصادر التي أمكنه الحصول عليها، فما عثر بعد البحث الطويل المستمر، حسبما يذكر ذلك بنفسه، الا على نحو المائة وعشر أبيات من شعره لا غير، ولم يقطع الأمل في اكتشاف غيرها اذ المستقبل كشاف (271)
وجودة شعر بكر بن حماد، كما سوف نرى، لاشك أنه اكتسبها من ترحاله المستمر، اذ رحل الى المشرق سنة 217 هـ وهو شاب في مقتبل العمر وهناك التقى بفطاحل شعراء القرن الثالث الهجري مثل دعبل الخزاعي (272) وأبي تمام حبيب بن أوس الطائي وأبي الحسن علي بن الجهم (273)، فكان لهذه الرحلة المشرقية، التأثير الأكبر على فكره واستعرابه، كما كان تعلمه بالقيروان واقامته بها، فرصة للاختلاط بأناس كانوا عريقين في عروبتهم (274)، واختلط بهم وهو صغير على ما يبدو، مما ترك آثاره الفعالة في شخصيته ولسانه
(269) القيرواني: أبو العرب: طبقات علماء افريقية، ص 246، الدباغ: معالم الايمان، ج 2، 281 - 282 وأنظر كذلك: محمد شاوش: الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد، ص 43
125
(270) الميلي: تاريخ، ج 2، ص 70، رابح بونار: المغرب العربي ص (271) شاوش محمد: الدر الوقاد، ص 73 - 75، لقد قال لي أحد الإخوة من سكان ولاية تيهرت إن امام جامع تيهرت المتوفى قبل سنوات عثر في تركيا على ديوان شعر لبكر بن حماد الزناتي، فلعلنا سوف ترجع الى هذا، ونتحقق منه في عين المكان. (272) هو أبو جعفر الحسن بن علي الخزاعي المتوفى سنة 246 هـ، قضى دعبل أكثر حياته ببغداد وكان مشهورا بهجائه للملوك وتجاسره حق على الخلفاء. أنظر ترجمته: ياقوت: معجم الادباء، ج 11، ص 99 ـ 114، ابن خلكان: وفيات، ج 2، ص 266 - 270 (273) توفي أبو تمام سنة 231 هـ أما ابن الجهم فوفاته سنة 249 هـ وكلاهما شاعر مجيد في كل فن، أنظر ابن خلكان: وفيات، ج 2، ص 11 وما بعدها، ج 3، ص 355 وما بعدها
-362 -
209
(274) الكعاك: موجز، ص (1/370)
صفحة 371
قلة
ويصنف الأستاذ بونار بكر بن حماد في الشعراء المطبوعين، وهم ويقول عنه: «إن هذه الشخصية هي أنبغ شخصية في الشعر الغنائي
بالمغرب العربي عامة، ولا نجد نظيرها في عمق تفكيرها وأصالتها البيانية وامتلاكها لموهبة شعرية محترمة الا في الأندلس ... ويحق لمؤرخ الأدب في هذا العصر أن صرح بأن ظهور بكر بن حماد في القرن الثالث ... هو أكبر مفخرة للأدب العربي المغربي (275)
ولما كان غير مستساغ ادراج جميع أشعاره التي وصلتنا، على قلتها فحسبنا أن نشير الى مصادر وجودها، الأمر الذي أهمله الأستاذ محمد شاوش الذي جمع أشعار بكر في كتابه، ورتبها حسب أغراضها، وهو عمل يشكر عليه (276)
ونختار من قصائد بكر بن حماد بعضاً منها ونبدأ بهذه التي يستعطف فيها الامام أبا حاتم يوسف ويعتذر اليه، وقد قبل الامام اعتذاره وعفا عنه:
يقول الشاعر (277)
ومؤنِسَةٍ لِي بِالعِرَاقِ تَرَكْتُهَا وَغُصْنُ شَبَابِي فِي الغُصُونِ نَضِيرُ فقَالَتْ كَمَا قَالَ النَّوَاسِي قَبْلَهَا عَزيزٌ عَلَيْنَا أَنْ نَرَاكَ تَسِيرُ فَقُلْتُ جَفَانِي يُوسُف بن مُحَمَّدٍ فَطَالَ عَلَيَّ الليل وَهُوَ قَصِيرُ
(275) رابح بونار: المغرب العربي، ص 120 (276) ما استطعنا معرفة مظانه من المصادر لاشعار بكر بن حماد هي: القيرواني أبو العرب: طبقات، 246، البكري: المغرب، ص 10، الدباغ: معالم الايمان، ج 2، ص 282 - 283، المالكي: رياض
ص
النفوس
، ص 409، ابن الآبار: الحلة السيراء، ج 1، ص 172 - 174، السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 288 - 289، البغدادي: خزانة الأدب، ج 2، ص 436 - 437، البرادي: الجواهر
ج 1، ص 206، ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 153 ـ 154، 200 (277) البرادي: الجواهر، ص 206، محمد شاوش: الدر الوقاد، ص
84 - 83
، ص
173
-363 - (1/371)
صفحة 372
أبا حَاتِم مَا كَانَ مَا كَانَ بَغْضَةٌ وَلَكِنْ أَتَتْ بَعْدَ الأُمور أُمُورُ فَأَكْرَهَنِي قَوْمٌ خَشَيْتُ عِقَابَهُمْ فَدَارَيتُهُم وَالدَّائِرَاتُ تَدُورُ وَاكْرَمُ عَفْوِ يُؤثِرُ النَّاسُ أَمْرَهُ إذَا مَا عَفَا الإِنْسَانُ وَهُوَ قَدير
واشتهر بكر بشعر الزهد والتصوف، حتى ليشبهه البعض بأبي العتاهية (278)، اعتقاداً منهم بأنه تأثر به أثناء رحلته الى المشرق (279). وفي هذا الغرض من الشعر يقول بكر بن حماد (280)
:
زُرْنَا مَنَازِلَ قَوْم لا يَزُورُونَا إِنَّا لِفِي غفلة عما يُقَاسُونا لَوْ يَنْطِقُونَ لَقَالُوا: الزّادَ وَيْحَكُمُ جَدَّ الرّحِيلُ فَمَا يَرْجُو المُلاقُونَا؟ المَوْتُ أَصْبَحَ بِالدُّنْيَا يُخَرِّبُهَا وَفِعْلُنَا فِعْلُ قَوْمِ لَا يَمُوتُونَا فَالآنَ فَابْكُوا، فَقَدْ حَقٌّ البُكَاءً لَكُمْ فَالحَامِلُونَ لِعَرْشِ اللهِ بَاكُونَا
وله في أخرى (281)
قف بِالْقُبُورِ فَنَادِ الْهَامِدِينَ بِهَا. مِنْ أَعْظم بِلِيَتْ فِيهَا وَأَجْادِ قَوْمَ تَقَطَّعَتِ الأَسْبَابَ بَيْنَهُمْ مِنَ الوِصَالِ وَصَارُوا تَحْتَ أَطْوَادِ رَاحُوا جَمِيعاً عَلَى الأَقْدَامِ وَابْتَكَرُوا فَلَنْ يَرُوحُوا وَلَنْ يَغْدُو لَهُمْ غَادِي .. وَاللهِ وَاللهِ لَوْ رُدُّوا وَلَوْ نَطَقُوا. إذا لَقَالُوا: التَّقَى مِنْ أَفْضَلِ الزَّادِ وبعد أبيات يقول:
أيْنَ البَقَاءُ وَهَذا المَوْتُ يَطْلُبَنَا هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا بِكْرَ بْنَ حَمَّادِ بَيْنَا تَرَى الْمَرْءِ فِي لَهُرٍ وَفِي لَعَبِ حَتَّى تَرَاهُ عَلَى نَعْشِ وَأَعْوَادِ
(278) هو أبو اسحاق اسماعيل بن القاسم المعروف بأبي العتاهية، نشأ بالكوفة وسكن بغداد واشتهر كشاعر في فلسفة الزهد، توفي سنة 211 هـ، أنظر ابن خلكان: وفيات، ج 1، ص 219 وما بعدها
(279) محمد شاوش: الدر الوقاد، ص 56 - 57، الكماك: موجز، ص 213 - 214، رابح بونار: المغرب العربي
، ص
133
(280) الدباغ: معالم الايمان، ج 2، ص 283، وأنظر محمد شاوش: الدر الوقاد، ص 90. (281) الدباغ: معالم الايمان، ج 2، ص 283، وأنظر شاوش: الدر الوقاد، ص 80 ـ 82
-364 - (1/372)
صفحة 373
ثم يقول: فِي كُلِّ يَوْم نَرَى نَعْشَا نُشَيْعَهُ فَرَائح فارق الأحْبَابَ أَوْ غَادِي المَوْتُ يَهْدِمُ مَا تَبَنْبِهِ مِنْ فَرَح فَمَا انْتِظَارُكَ يَا بِكْرَ بنَ حَمَّادِ؟
وكان الشاعر بكر كثير العلاقة بالملوك والأمراء، يمدحهم ويهجوهم حتى كان ينال منهم ما يرجوه، وقد تجرأ وهجا الخليفة العباسي المعتصم (218) - (227 هـ) رغم أن هذا وصله بصلات جزيلة (282)، كما وصله الأمراء الأغالبة (283)، والأدارسة على حد سواء (284)
ولعل أحسن ما يمكن اثباته من شعر بكر بن حماد قصيدته الهجائية التي رد بها على عمران بن حطان (285)، وعارض بها قصيدته التي يهجو فيها الامام علي بن أبي طالب (ض) ويمدح قاتله عبد الرحمن بن ملجم (286)
يقول بكر حماد (287) بن
:
قُلْ لابْنِ مُلْجِرٍ وَالأَقْدَارُ غَالِبَةٌ هَدَّمْتَ وَيْلَكَ لِلإسْلامِ أَرْكَانَا قتلت أفْضَلَ مَن يَمْشِي عَلَى قَدَم وَأَوَّلَ النَّاسِ إسلاماً وَإِيَّانَا وَأَعْلَمَ، النَّاسِ بِالقُرآنِ ثُمَّ بِمَا سَنَّ الرَّسُولُ لَنَا شَرعاً وَتِبْيَانَا صهر النَّبِيِّ وَمَوْلاهُ وَنَاصِرَهُ أَضْحَتْ مَنَاقِبُهُ نُوراً وَبُرْهَانَا
(282) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 154، شاوش الدر الوقاد، ص 46، 67 - 69. (283) ابن الآبار: الحلة، ج 1
، ص
174
(284) ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 236 ـ 237، شاوش: الدر الوقاد، ص 51 (285) عمران بن حطان: تابعي مشهور وأحد رؤوس الخوارج، أدرك صدرا من الصحابة وروى عنهم وهو شاعر فصيح من شعراء الشراة ودعاتهم أنظر ترجمته في الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 226 - 236، والأصفهاني:، ج 18، ص 50 - 61، البغدادي: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، ج 2، ط 1، بولاق، بلا
الأغاني
تاريخ، ص
436
(286) عن قصيدة عمران بن حطان في هجاء الامام علي (ض) ومدح ابن ملجم أنظر المصادر السابقة ما عدا
الدرجيني وفي نفس الصفحات يقول في بيت: أمسى عشية عشاه بضربته
?
ما جناه من الآثام عريانا
(287) السبكي: تاج الدين، طبقات الشافعية الكبرى، ج 1، ص 288 - 289، البغدادي: خزانة، ج 2، ص 436، شاوش محمد: الدر الوقاد، ص 62 - 64
-365 - (1/373)
صفحة 374
وَكَانَ مِنْهُ عَلَى رَغْمَ الحَسُّودِ لَهُ مَكَانَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَا وَكَانَ فِي الْحَرْب سَيفاً صَارِماً ذكراً ليثاً إِذَا لَقَى الأَقْرَانَ اقْرَانَا ذَكَرْتُ قَاتِلَهُ وَالدَّمعُ مُنْحَدِرٌ فَقُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّ النَّاسِ سُبْحَانَا لأحْسَبهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ يَخْشَى الْمِعَادَ وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانَا مُرَادٍ إِذَا عُدَّتْ قَبَائِلُهَا وَأَخْسَرُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مِيزَانَا
ثم يضيف
فَلا عَفَى اللهُ عَنْهُ مَا تَحَمْلَهُ وَلا سَقَى قَبْرَ عِمْرَانَ بْن حَطَّانَ بقولِهِ في شَقِيٌّ ظَلَّ مُجْتَرِماً وَنَالَ مَانَالَهُ ظُلْماً وَعُدْوَانَا يَاضَربَةً مِن كَمِّي مَا أرادَ بِهَا إِلا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا بَلْ ضَرْبَةٌ مِنْ غَوّي أورَدَتْهُ لَظَى مُخَلدًا قَدْ أَتَى الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا كانههُ لَمْ يُرِدْ قَصْداً بِضَرْبَتِه إِلا لِيَصْلَى عَذَابَ الخُلدِ نِيرَانَا
))
ويكفي تعليق السبكي على هذه القصيدة قوله لقد أحسن وأجاد بكر بن حماد التاهرتي في معارضته» (288)
ومما يدل على اهتمام التيهرتيين بالأدب، والشعر خاصة، وله علاقة الاستمرارية بما كان سائدا في تيهرت في القرن الثالث الهجري مارواه ابن خلكان عن شاعر تيهرتي، لم يذكر اسمه، قال بأنه قصد ابن نباتة الشاعر (209) في المشرق ليسأله عن هذا البيت:
وَمَنْ لَمْ يَمُتُ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ تنوعَتِ الأَسْبَابُ وَالدَاءُ وَاحِدٌ
وقد تعجب ابن نباتة نفسه من وصول شعره الى المغرب العربي (290)
(288) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 1، ص 288 البغدادي: خزانة الأدب، ج 2، ص 437. (289) هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر المعروف بابن نباتة كان شاعرا مجيدا من شعراء سيف الدولة الحمداني، توفي
ببغداد سنة 405 هـ (290) ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 3، ص
193
-366 - (1/374)
صفحة 375
وهو تعجب ضمني من هذا الشاعر التيهرتي المغربي الذي اهتم بالبيت
الشعري ورحل يسأل عن صاحبه رغم بعد المسافة
د - التاريخ:
لعل استعمال لفظة «التاريخ للتحدث عن العلماء الذين اهتموا بالأخبار، يروونها أو يدونونها، في هذه الفترة فيه شيء من المبالغة، اذ اللفظة مازالت لم تعرف مدلولها المتعارف عليه اليوم. ويمكننا أن نلاحظ هذا في الكتب التي ألفت في هذه الفترة، فكل عناوينها تقريبا لا تحمل لفظة «تاريخ اذ اللفظة لها معنى آخر، وانما ألف الأقدمون في هذه
الفترة، في السير والمغازي والطبقات. وكل ذلك من صنف الأخبار.
يكون
حب
ولهذا السبب يذكر ابن الصغير اهتمام الامام أبي بكر بالتاريخ وحبه له فيقول كان «يحب الآداب والأشعار وأخبار الماضين» (291)، ولا يعدو أن هذا الامام لأخبار الماضين، انعكاس لما هو عام في الرعية ولم يخبرنا ابن الصغير عن الأخباريين الذين كان أبو بكر يستمع الى اخبارهم التي، ولاشك، كانت تتناول أخبار اباضية المشرق، والسلف من أئمة الدولة الرستمية، فضلا عن تاريخ صدر الاسلام وما حدثت فيه من أحداث
إن هذه الموضوعات التي كانت تتناولها الشفاه، نجد لها اشارات في کتاب لواب بن سلام بن عمرو «شرائع الدين» (292). وقد كان لواب يسكن توزر قبل سنة 240 هـ بقليل (293). ولعله كتب تأليفه ذلك، بعد
(291) ابن الصغير: ص 31.
(292) لا يزال الكتاب مخطوطا، استنسخه الشيخ الناصر مرموري من النسخة اليتيمة الموجودة بجربة في مكتبة
الشيخ سالم بن يعقوب
(293) لواب شرائع (مخطوط)، ورقة 44.
-367 - (1/375)
صفحة 376
سنة 270 هـ اذ يحدثنا عن نفسه في تلك السنة (294)، كما أنه يذكر أنه التقى بسليمان بن زرقون وهو من الطبقة السابعة (295). ويعتبر كتاب شرائع الدين، وليس بمستبعد أن يكون عنوانه قد وضع فيما بعد، أقدم سيرة في شمال افريقيا، كما يقول لويسكي الذي لا يذكر هذا الكتاب الا تحت عنوان «السيرة» (296) وقد اعتمده الشماخي في صفحات عدة (297). ولم يذكر عنوانه «شرائع الدين» مما يحتمل أن يكون ما أطلقه عليه لويسكي صحيحا
وقد تناول ابن سلام في كتابه عدة مواضيع، رغم صغر حجمه، فروي نبذا من تاريخ أبي بكر وعمر (ض) وما حدث في عهدهما، ولم يتطرق الى. الخليفتين الصهرين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب (ض) الا بايجاز وتحدث عن معركة صفين، وذكر فضائل عدة صحابة كأبي عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر وغيرهم (298). وتناول الحديث عن ولاية بني أمية وثورة عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحق وثورة أبي حمزة الشاري بالحجاز واختصر كل ذلك، كما اختصر أحداث ثورتي أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني وأبي حاتم الملزوزي بالمغرب العربي (299)
واحتفظ لنا لواب برسالة للأمام عبد الواهاب الى أهل طرابلس ورسالة
(294) نفسه، ورقة 46
(295) نفسه، ورقة 46 وأنظر عن سليمان بن زرقون، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص
Lewicki T: Kitab As-siya, p. 73 (296)
349
(297) أنظر الشماخي: سير، ص 133، 135، 141، 142، 161 - 162، 262، وأنظر المهدي البوعبدلي: لمحات من دور الدولة الرستمية، مجلة الأصالة، عدد 41، ص 201، ويذكر الشماخي: أن لواب بن سلام أوتي الحكمة صغيرا قدام على منهاجها الى أن صار كبيرا. وكان يؤذن وهو صغير، وهذا كل ما نعرفه عن لواب، أنظر الشماخي، ص 244 ـ 245
(298) لواب: شرائع (مخطوط) ورقة 9 ـ ـ 15، 31 ـ 33. (299) نفسه، ورقة 30 - 48
-368 - (1/376)
صفحة 377
أخرى من عالم مشرقي الى أهل المغرب تناول فيها صاحبها الحديث عن فتنة
خلف بن السمح. في عهد الامامين عبد الوهاب وابنه أفلح (300)
الى جانب هذا تحدث كثيرا عن فقهاء المذهب الاباضي ووجودهم بالبلدان وقد ألف كتابه لهذا الغرض حيث يقول «وانما دعانا الى أن وضعنا كتابنا هذا جمعنا فيه من دواوين العلم والأثار تسمية قاداتنا وفقهائنا، (301)، والكتاب مهم في معرفة نظرة الاباضية الى الصحابة وأخبار الأولين، وكثيرا ما ذكر لواب مصادره الشفوية من علماء المغرب، واعتمد على كتب مشرقية لم يذكر عناوينها وأشار الى هذا مرة واحدة عند حديثه عن ثورة أبي حمزة الشاري وقال بأنه أختصر الحديث عنها من نسخة (302) لم يذكر عنوانها أو صاحبها، كما اعتمد على مصادر شفوية
لحقت
أما أهم كتاب في التاريخ لهذه الدولة، فهو كتاب ابن الصغير المالكي الذي لا نعرف عنه شيئا سوى أنه من سكان تيهرت، عاصمة الأئمة الرستميين الأخيرين ابتداء من أبي اليقظان بن أفلح الذي يقول عنه «وقد أنا بعض أيامه وامارته وحضرت مجلسه) (303). ويعتبر كتاب ابن الصغير المرجع الأول، وربما الوحيد لتاريخ الأسرة الرستمية، ويتهم الميلي (304) لغته بأنها قريبة من العامية، فهي ان كانت في بعض الألفاظ كذلك فالكتاب ككل لا يمكن وصف أسلوبه بالعامية في نظري، وفي هذا يقول الدكتور محمود اسماعيل إن «أسلوبه ومنهجه كما يتضح في تاريخه
"
(300) نفسه، ورقة 26 - 29، 49 - 51.
(301) نفسه، ورقة 48
(302) لواب: شرائع (مخطوط)، ورقة 38
(303) ابن الصغير: ص 44
(304) الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 69 وأنظر كذلك: رابح بونار: المغرب العربي تاريخه وثقافته
ض 92
-369 - (1/377)
صفحة 378
للدولة الرستمية تنم عن طول باع في ميدان التاريخ» (305)
ومثل الكتاب السابق لا نعرف بدقة، العنوان الحقيقي لكتاب ابن الصغير، وان كان أول نشر له من طرف الأستاذ موتيلنسكي يحمل هذه العبارة «ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين منقول من ابن الصغير» (306)، لهذا يعرف هذا الكتاب بعدة عناوين» كأخبار الأئمة» تاريخ ابن الصغير، «سير» ابن الصغير. وقد استعملت هذه التعابير كلها في الكتابات الحديثة
ويبدو أن ابن الصغير ألف كتابه حوالي سنة 290 هـ حسبما يرى ذلك مترجم الكتاب موتيلنسكي (307)، ويؤكده كل من ليفسكي (308) ووداد القاضي (309) اذ تنتهي أحداث الكتاب في حكم أبي حاتم الذي امتد الى سنة 294 هـ، ولم يشر اطلاقا الى اليقظان بن أبي اليقظان، ولعل كتابه الذي بين أيدينا ناقص (310)، وهو ما يمكن فهمه من شبه عنوانه أو افتتاحيته التي سبق أن ذكرناها فذكر بعض الأخبار المنقولة من ابن الا انتقاء أخبار دون أخرى وهو، على ما يبدو، يبدو، واضح
الصغير لا تعني
الجملة. من
والحقيقة أن ابن الصغير جمع أخبار الأئمة الواحد تلو الآخر بالترتيب
(305) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 9.
(306) ابن الصغير: ص 9.
Moutylinski A de C: Chronique d'Ibn Seghir p.4 (307)
Lewicki T : l'Etat Nord Africain, p. 515. (308)
(309) وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، الأصالة عدد 45، ص 40
(310) تشير الدكتورة وداد القاضي الى أن كتاب ابن الصغير وصلنا ناقصا اذ يسكت فجأة في امامة أبي حاتم يوسف دون أن يشير الى نهاية الرستميين، وتعلل هذا بقولها أن ابن الصغير لما تحدث عن فرس يعقوب بن أفلح الأشقر قال «لم يكن بالمغرب مثله قبله ولا بعده به يضرب المثل الى اليوم، ابن الصغير: ص 54، وتقول الدكتورة علما بأن الامام يعقوب تولى الامامة مباشرة قبل أبي حاتم فقوله «الى اليوم، يعني بعد مدة ليست بالقصيرة .. أنظر مجلة الأصالة، عدد 45
ص
40
-370 - (1/378)
صفحة 379
وأطنب في الحديث عن بعض الفتن، كفتنة ابن عرفة أو المنافسة التي جرت بين الامامين أبي حاتم ويعقوب على السلطة (311)، حتى ليخيل للقارئ أن ابن الصغير انما ألف تأليفه لذكر الفتن والثوارت التي مرت بها
تيهرت، ابتداء من الامام الثاني عبد الوهاب الى نهاية الدولة الرستمية.
وقد كان ابن الصغير ممن تنطبق عليهم صفات المؤرخ التي عددها ابن خلدون في مقدمته كما حدد مغالط المؤرخين ومزالقهم وأوهامهم (312). اذ نجد ابن الصغير في بداية تصنيفه يذكر صفات المؤرخ النزيه، ويلتزم بذلك المنهج في كل كتابه فهو يقول: «وكانت له (لعبد الرحمن بن رستم) قصص حكوها لا يمكن ذكرها الا على وجه (كذا) وان أتم الصدق فيها ولا احرفها على معانيها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها اذ النقص في الخبر والزيادة ليس .... من شيم ذوي المروءات ولا من اخلاق ذوي الديانات وان كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين. فنحن وان ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم» (313) لقد كان ابن الصغير يكتب بأمانة تامة يحركه على ذلك عامل اخلاقي بحت (314)
واعتمد ابن الصغير في كتابة تأريخه على مصدرين: الرواية الشفوية وهي تسيطر على الجزء الأكبر من كتابه، والمشاهدة التي لا تبدأ قبل فترة أبي اليقظان (261 هـ - 281 هـ الذي عاصر ابن الصغير ايامه الأخيرة كما سبق أن رأينا. وفي الرواية الشفوية يذكر ابن الصغير احد رواته وهو بن بشير (315) الذي يبدو أنه ابن لاحد المقربين من الامام أبي
أحمد
(311) ابن الصغير: ص 31 وما بعدها، 53 وما بعدها.
(312) ابن خلدون: المقدمة
(313) ابن الصغير: ص
6
10
ص 12 وما بعدها.
(314) وداد القاضي: ابن الصغير، مجلة الأصالة، عدد 45، ص 43.
(315) ابن الصغير: ص 48، وأنظر قبلها ص 45
-371 - (1/379)
صفحة 380
اليقظان، مما يضفي أهمية على اخباره ومما يجعل مصادره قريبة من
الأحداث التي يؤرخ لها
إن الأمانة العلمية التي التزم بها ابن الصغير لم تمعنه، كما تقول وداد القاضي من ممارسة حسه النقدي للروايات بصفته مؤرخا. وهذا ما يمكن ملاحظته في الروايات التي رواها، وتدور حول موضوع خطير في ذاته، خطير في نتائجه وجدته، اذ يشعر ابن الصغير بالتحرج الشديد وقد ظهر ذلك منه مرتين: الأولى عندما جاء في الرواية أن أفلح بن عبد الوهاب عمد الى سياسة فرق تسد ... والمرة الثانية في قصة تأليب وجوه الرستميين لأبي بكر بن أفلح ضد ابن عرفة ... فالرواية هنا ذهبت الى أن أبا اليقظان بالذات هو الذي قام بتحريض أبي بكر على ابن عرفة وباقتراج
قتله ....
قتله .... » (316)
ويكاد يخلو كتاب ابن الصغير من ذكر التورايخ، أو ذكر أخبار الدولة الرستمية خارج تيهرت، وكانه خصصه لتاريخ تيهرت لا غير. واذا أردنا تقييم المؤلف على ضوء كتابه، وقيمته التاريخية، فاننا نكرر ما قالته الدكتورة وداد من أن «القراءة الدقيقة لتاريخ ابن الصغير تدل على أن
ابن الصغير لم يكن مجرد راوية للتاريخ وانما كان مؤرخا حقا» (317)
وقبل ختام هذا المبحث، لابد من الاشارة الى أن الجغرافية، لم تحظ في هذه الدولة بذكر، وربما هي صفة عامة في بلاد المغرب. وهذا لا يمنع أن يكون بعض الناس اهتموا بالمسالك والممالك ومعرفتها، على الأقل شفاها، يؤيد هذا اتساع تجارة هذه الدولة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا
بالجزائر
(316) وداد القاضي: ابن الصغير، الأصالة، عدد 45، ص 44 وأنظر كذلك علي يحي معمر:: الاباضية، ص 95، وقد لاحظ نفس الملاحظات (317) وداد القاضي: ابن الصغير، 49. وأنظر كذلك الدكتور محمود اسماعيل حيث يقول إن ابن الصغير كان مؤرخا دقيقا نابها. ويرجح أن يكون صنف تواليف أخرى لم تصلنا، أنظر: الخوارج في المغرب الاسلامي
ص 9.
-372 - (1/380)
صفحة 381
وكثرة حجاجها لبيت الله الحرام (318)، الأمر الذي يتطلب معرفة جغرافية بالمواقع والبلدان، والمدن والمراحل، والأسواق والآبار وغير ذلك من
متطلبات السفر والترحال والتي تدخل في اهتمامات الجغرافيين والرحالة ثالثا - العلوم التطبيقية:
ونقصد بها الطب والحساب والفلك اذ نجد لها اشارات في كتب الأباضية، وقد اختص بها جميعا، الأئمة من الأسرة الرستمية أو بعض
أفرادها فقط، دون غيرهم.
أ - الطب: عندما تعرض ابن أبي أصيبعة (319) الى طبقات الأطباء الذين ظهروا ببلاد المغرب أو أقاموا بها، لم يذكر من المغرب الأدنى والأوسط والأقصى الا عددا قليلا جدا، يعدون على الاصابع الواحدة، بينما كان حديثه كله على أطباء الأندلس، وكأن المغرب لم يعرف علماء في هذا الاختصاص
ومما يلاحظ على كتاب ابن أبي أصيبعة، كثرة الاطباء من اليهود والنصارى، الأمر الذي دعانا الى الاعتقاد أطباء بتيهرت من أبناء وجود
هاتين الديانتين، وقد كان لليهود درب بتيهرت يعرف بالرهادنة (320) كما يوجد بها كنيسة واحدة على الأقل للنصارى (321). واحتمل الأستاذ دبوز وجود أطباء في تيهرت لأنه، كما يقول، على الطب تقوم الصحة، فلا يمكن للدولة الرستمية الطموح أن تغفله (322)، أو تغفل الكيمياء لتركيب العقاقير والأدوية والأصباغ (323)
325
(318) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 7، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص (319) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الاطباء، ج 3، ص 56 - 134
(320) ابن الصغير: ص 46، 57
(321) نفسه، ص
55. 36
(322) دبوز علي: تاريخ الكبير، ج 2، ص
372
الشماخي
ص
(323) كان اليهود هم الذين يصنعون الأصباغ بجبل نفوسة، أنظر: الدرجيني: طبقات، ج 2، ص
228
303
-373 - (1/381)
صفحة 382
ولعل من الرستميين من أتقن الطب، مادامت بيتهم بيت العلوم (324) اذ نجد واحداً منهم، ممن اتخذ الأندلس دار مقام له، مشهورا بعلوم عديدة أحفاد عبد الرحمن بن رستم، وأسمه محمد بن سعيد،
منها الطب. وهو من لا تذكر المصادر الاباضية عنه شيئا، وكل معلوماتنا عنه من المصادر غير الاباضية (325)، ولا نعرف دوره في تيهرت بقدر ما نعرف عنه في الأندلس
وفي بلاط الأمويين بالذات.
ب ـ الحساب والفلك أو التنجيم:
كان الرستميون من الذين برزوا في الحساب، اذ يروي أبو زكرياء عن. بلغ في حساب الغبار والنجامة مبلغا عظيما» (326)
الامام أفلح أنه
»
وحساب الغبار نسبة الى الأرقام الغبارية «وسميت بالغبارية، لأن أهل الهند كانوا يأخذون غباراً لطيفا ويبسطونه على لوح من خشب أو غيره ويرسمون عليه الأرقام التي يحتاجون اليها في عملياتهم الحسابية ومعاملاتهم التجارية ((327) والأرقام الغبارية هي الأرقام المستعملة اليوم بالمغرب العربي مثل (1، 2 ... 9) انتقلت الى الأندلس، ومنه دخلت الى أوروبا، فعرفت فيما بعد بالأرقام العربية (328)
ولعل لنشاط التجارة في الدولة الرستمية، وكثافة علاقاتها التجارية مع الأندلس خاصة، دورا في انتشار هذه الأرقام ووصولها الى أوروبا فيا
575
(324) أبو زكرياء: سير، ص 65، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 65، وأنظر كذلك سالم عبد العزيز: المغرب الكبير، ج 2، ص (325) ابن الأبار: الحلة، ج 2، ص 373، يذكر ابن الأبار أن محمد بن سعيد هذا كان أديباً، حكما، لاعبا بالشطرنج. ولا يذكر بأنه طبيب ولعل الحكمة في ذلك الزمان مقرونة بعلم الطب لذلك قرأها الاستاذ برونفصال وترجمها الى طبيب، أنظر: 1 Provençal Levi: Histoire de l'Espagne, opcit, p.246. note
(326) أبو زكرياء: سير، ص
89
(327) حكمت نجيب عبد الرحمن: دراسات في تاريخ العلوم عند العرب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي،
جامعة الموصل
(328) نفسه: ص
ص 85، هامش رقم 2.
85
-374 - (1/382)
صفحة 383
بعد،
، مادامت هذه الأرقام قد انتشرت منذ عصر المأمون (198 ـ 218 هـ) كما يؤكد ذلك المرحوم حكمت نجيب (329)، وعصر المأمون يعتبر بالنسبة للدولة الرستمية أزهى عصورها الاقتصادية والثقافية، اذ فيه تولى الامام أفلح منصبه وهو الذي بلغ في حساب الغبار المبلغ العظيم.
وليس بمستبعد أن يكون أفلح أو غيره قد ألف في هذا العلم أو غيره اذ يذكر أبو زكرياء، أن أبا عبد الله الشيعي لما أحرق مكتبة المعصومة انتقى منها كتب الملك والحساب (330). فلعلها من تصنيف أفلح أو غيره ممن
أهتم بهذا العلم ويرتبط بالحساب علم الفلك أو التنجيم، اذ كان هواية البيت الرستمي كما أراد أن يعبر عنه الاستاذ شيخ بكري (331). وقد قال أحد أفراد تلك الأسرة «معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعرف منزلة القمر» (332). وقد سبق أن ذكرنا قصة الامام أفلح مع أخته لما تذاكرا ليلا وحسبا ما سيذبح أولا في السوق نهار ليلتهم تلك، فأصابا كلاهما، الا أن أخت أفلح كانت أدق منه في بعض التفاصيل، فبزته بذلك (333)
ويذكر الدكتور ابراهيم أحمد العدوي أن اهتمام الرستميين بالعلوم الفلكية انما كان الداعي اليها هو اتساع نطاق التجارة (334). ويبدو أن هذا العلم الذي يربط بين الحساب والتنجيم والفلك في آن واحد، علم يتوارثه أفراد الأسرة الرستمية، ابتداء من رستم أبي عبد الرحمن الذي كان يعلم مسبقا أن سلالته ستلي أرض المغرب (335) الى آخر امام وهو يعقوب بن أفلح الذي
(329) نفسه: ص 84 (330) أبو زكرياء: سير، ص 113،، الباروني
Bekri Chikh: Kharijisme, p. 68 (331)
56
(332) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص (333) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 56
: الأزهار، ج 2، ص
(334) ابراهيم أحمد العدوي: بلاد الجزائر، ص 298
293
(335) أبو زكرياء: سير، ص 35، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 19: -
-375 - (1/383)
صفحة 384
نظر في النجوم وعلم أن الاباضية أو أسرته انقضت أيامها وزال ملكها ولا يعود اليها الى القيامة (336). يوم
إن هذا الاهتمام بالنجوم ومواقعها، وحساب الأمور قبل وقوعها ليس من الكهانة وانما هو علم، كما يقول الأستاذ دبوز «يقوم على قواعد علمية دقيقة، وعلى براعة في الحساب وعلم الفلك لا يستطيعه الا العلماء الأعلام» (337)
هذه أهم العلوم الوضعية التي تحدث عنها المؤرخون، حاولنا ايجازها
بقدر المستطاع، وبقدر المادة المتوفرة حولها لدينا
(336) أبو زكرياء: سير، ص 124، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 105
(337) دبوز علي: تاريخ، ج 3، ص 380، ولعل النبي ابراهيم، عليه السلام، ممن وهب هذا العلم وكان قومه كذلك لهم خبرة في النظر الى النجوم وفي الآية 88 من سورة الصافات قوله تعالى. فنظر نظرة في النجوم فقال اني سقيم، أنظر الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 23، ط 2، مطبعة البابي الحلبي، مصر، 1373 هـ/1954 م، ص
71 - 70
-376 - (1/384)
صفحة 385
الفصل الرابع)
المرأة ودورها في الحياة الفكرية
كان للمرأة في المجتمع الرستمي:، دور بارز في الحياة الفكرية (1) اذ وجدناها عالمة، وشاعرة، ومستفسرة عن مسائل دينها لا تريد أن تجهلها. وكانت المرأة الاباضية بالخصوص، باعتبار أن تلك الفترة كانت فترة سلطان المذهب الاباضي، كثيرة الاعتناء بالشعائر الدينية وشرائعه، ويبدو لنا أن المرأة كانت الوعاء الحقيقي للاياضية، حملت هذا المذهب بامانة، تدافع عنه، وتنشئ الاجيال عليه.
لقد سبق
اذكر هذا كمقدمة لدور المرأة الاباضية في التاريخ، وهو دور على ما نراه كبير جدا، ورثته منذ القرون الأولى للاسلام في المغرب العربي. سبق أن ذكرنا عن الأسرة الرستمية ودورها في الحياة الفكرية، ما فيه الكفاية، إلا أننا نعود هنا الى المرأة في تلك الأسرة، بحيث نجد أحد أفرادها يقول «معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر» (2) فهذا العلم الفلكي الممزوج بالتنجيم، يبرز فيه الرستميون رجالهم ونساؤهم وكان هوايتهم المفضلة على ما يبدو.
والدارس لكتب سير الاباضية، يلاحظ أسماء عديدة لنساء برزن في الفقه والعلم واسداء النصائح للرجال. ويذكر الوسياني أن «العلم فشافي الجبل وشاع حتى أن خدمهم واماءهم اذا خرجن الى الاستقاء لا
يرجعن
Bekri Chikh: Kharijisme, p.90 - Marçais George et Ch. Di.: Histoire du Moyen Age (1) opcit, T 3, p.420 - Anne Marie: Contribution, opcit, p.26
25
-377 -
193
(2) الشماخي: سير، ص (1/385)
صفحة 386
«
حتى يذكرن بينهم مسائل كتاب ماطوس وفيه ثلاثمائة مسألة ومواعظ كتاب الاخوان (3) إن انتشار العلم في أوساط الخدم والإماء، لا يدل إلا على تعمقه في الطبقة الأعلى من الأحرار مادام للخدم نصيب من العلم، ينافسون به أصحابهم ولقد كان الاهتمام بالعلم وكسبه سببا في عتق أمة سودانية تدعى غزالة « ... كان دأبها أن تخدم مولاها بالنهار فاذا نام ونام عياله انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمد عبد الله بن الخير ... فاذا انقضى المجلس رجعت فتأتي مصلّى لها في كهف معلوم فتصلي ... فاذا كان آخر الليل أتت أهلها فأيقظتهم للصلاة ففطن لها سيدها فأعتقها وتمادت على فعلها» (4) ذاك. ولم تكن غزالة تحضر مجالس الذكر والعلم وحدها، بل كانت النساء يحضرن مجالس المشائخ الكثيرة ليلا، ومعهن أولادهن. وكانت المسافة للوصول الى أحد تلك المجالس كبيرة ورغم ذلك لم تثبط عزيمتهن المسافة (5).
ولعل من الغريب أن نعرف أن المرأة في هذه الدولة كانت تفتح بيتها للعلماء، يعقدون فيها مجالسهم العلمية كفعل بهلولة احدى نساء نفوسة مع أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي، الذي كانت له حلقة درس في منزلها ويبدو أن هذا قد دام واتصل حتى رغب أبو ذر في الزواج ببهلولة الموصوفة بالصلاح والتفقه في الدين. وسألها يوما وقد تزوجها، عن النساء اللائي يغشين مجلسه للعلم والافادة، ولما أخبرته أمرها بالزيادة في الزيت والفتيلة (6)
إن مجرد فتح البيت للشيخ يلقي فيه دروسه، يعبر عن المستوى الرفيع
(3) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 18، ماطوس عالم اباضي توفي في موقعة مانو سنة 283 هـ. أنظر الشماخي: سير، ص 268، ولا نعرف عن كتاب الاخوان شيئا
(4) الشماخي: سير، ص 218. (5) الشماخي: سير، ص 217، 247
(6) الشماخي: سير، ص
217
-378 - (1/386)
صفحة 387
:
الذي بلغه الاهتمام بالعلم في الدولة الرستمية، ليس من طرف الحاكم أو الرجل حسب وإنما الى جانبها المرأة التي اهتمت دوما بمعرفة فقه مذهبها
ومعرفة دينها بصفة عامة. وهناك اشارات في النصوص التي نقلناها كلها الى عقد حلقات الدروس للنساء ليلا، لا نعرف السبب في ذلك ولعله الى انشغال المرأة نهارا ببيتها وتدبيره
يرجع
وكانت المرأة في المغرب، لا تستحي في دينها أن تسأل أباها العالم عن مسائل خاصة (7)، يعتبر جهلها منقصة في الدين. وقال أحد المشائخ لابنته «أزوجك لمن له عليك سبعون حقا، فقالت أردها الى ثلاث ان دعا أجبت وان أمر امتثلت وان نهى تركت ((8) وهذا يدل على ذكاء حاد وتفهم دقيق للفقه الاسلامي ودور المرأة وحق الزوج عليها.
ومثل هذا الذكاء نجده عند عجوز نفوسية «مشهورة بالعلم والدين والصلاح» (9) استشارها أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني في تحمل ما قلده الامام عبد الوهاب من تولية أمور الجبل، وهو عن هذه المسؤولية راغب حاول مرارا الاعتذار للأمام ولم يفلح، ولما رأى تشبث الامام برأيه وأبى الا توليته، وخاف من المسؤولية خاصة وان فتنة خلف بن السمح قد أطبقت الافاق وتمادى في العصيان، راح واستشار هذا العجوز، التي لا تذكر المصادر اسمها، في تحمل التعيين أو الفرار فقالت له «هل تعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت به وأحق بتقليد ما تقلدت؟ قال: أما في أمور الرجال فلا، قالت فادخل اذا فيها قلدك الامام، والا فاني أخشى أن تهشم عظامك في نار جهنم، فقد قامت عليك الحجة» (10)
(7) الموسياني: سير (مخطوط) ورقة 15.
(8) الشماخي: سير، ص 232. (9) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص
71 1
(10) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 71، وأنظر كذلك: أبو زكرياء: سير، ص 82.
-379 - (1/387)
صفحة 388
وأخذ أبو عبيدة بنصيحتها وتقلد أمور المسلمين بجبل نفوسة وكانت نهاية
خلف وتمرده، على يده وقد رأينا ذلك
فكانت
هي
ولعل أخت عمروس، قاضي جبل نفوسة في أواخر أيام الدولة الرستمية تعتبر المثال فيما للمرأة من دور ثقافي، تحت ظل الرستميين، اذ كانت المساعد الاساسي لاخيها في انتساخ مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني تملي عليه، وكلما جلسا في موضع لازماه، حتى تدركها الشمس فينتقلا إلى الظل، وهكذا حتى أتيا على نسخ الكتاب كله وهو يقع في اثنى عشر جزءا (11). وكانت أخت عمروس كما يصفها أبو زكرياء (12)، عالمة فقيهة أفتت لنساء وقعن في أثر الأغالبة في وقعة مانو بما يحفظ لهن شرفهن ودينهن وكانت هي احدى الأسيرات.
ومما يدل على قوة الحفظ وسرعته أن أم يحيى، احدى نساء المغرب حفظت بمجرد السماع الأول ثمانين بيتا من قصيدة سمعتها أثناء طريقها الى الحج من رجل كان ينشدها (13). وكانت نساء نفوسة يكثرن من الحج حتى قيل إن ركبا واحدا وضعت فيه ثلاثمائة امرأة مولودا ذكرا فضلا الللائي لم يلدن أو وضعن اناثا (14)
عن
النساء
وهذه هي مكانة المرأة العلمية في الدولة، وصفت بالعالمة والفقيهة والورعة والناصحة وتفوقت على الرجل في بعض الأحيان. والحقيقة أن المطلع على سير الاباضية يمكنه أن يكتشف أكثر من هذا في دور المرأة ولقد مر معنا منهن شاعرات يجدن نظمه بالبربرية.
ورغم كل ما قلناه في هذا المبحث فاننا، وان كنا نقر للمرأة في الدولة
(11) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 4، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 323
(12) أبو زكرياء: سير، ص 104
(13) الشماخي: سير، ص
233
(14) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 6، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 325
-380 - (1/388)
صفحة 389
الرستمية، بالتفقه في الدين، فلا نظن أنها بلغت الذروة في ذلك اللهم الا قلائل منهن، ولا نرى أن القراءة والكتابة انتشرتا في أوساطهن، بل إن الشماخي يذكر أن امرأة عرضت «قراءتها على عالم فقال لها لا صلاة لك من اللحن ثم عرضتها على آخر فلقنها ولم تطق تقويم لسانها فرخص لها (15) وهذه الرواية على ما يبدو تتفق مع ما ذكره اليعقوبي في بلدانه أهل جبل نفوسة وربما يقصد بذلك نساءهم خاصة عندما قال «وهم
عن
الألسن (16) قوم عجم
(15) الشماخي: سير، ص 241. (16) اليعقوبي: البلدان، ص 99
-381 - (1/389)
صفحة 390
الفصل الخامس)
العلاقات الثقافية
ليس بخاف أن العلاقات الثقافية بين الدول، من العوامل التي تغذي الحياة الفكرية، وتبعث فيها النشاط والتنوع وهي من الأمور التي تلجأ اليها الدولة بقصد منها، أو تحدث بعوامل أخرى لادخل للدولة فيها اذ لا يمكن لأي دولة، مهما كانت، الاستقلال بفكر معين لديها دون أن تتأثر بالفكر الخارجي المحيط بها أو تؤثر فيه. فعملية التأثير والتأثر بارزة، وأبرز ماتكون في الدول العربية الاسلامية مشرقها ومغربها. فما هي العلاقات الثقافية التي ربطت الدولة الرستمية بغيرها من الدول؟ وما مدى مساهمتها في الحياة الفكرية تأثيرا وتأثرا؟
أ - العلاقات الثقافية مع بلدان المغرب العربي والأندلس لعل مركز تيهرت المتوسط في بلاد المغرب، له أكثر من دور في ربط عواصم المغرب العربي ببعضها، تماما مثلما ربطها في التجارة (1). ومن المعلوم أن الثقافة كثيرا ما كانت بضائع في رحال التجار. وكثيرا ماكان العالم ينتقل مع قوافل التجارة، أو يمتهن التجارة الى جانب ما يحمله من علم، لهذا فلا نستبعد أن تكون الحركة التجارية النشطة التي عرفتها تيهرت خاصة والدولة الرستمية عامة، قد واكبتها حركة فكرية، بنفس مستوى النشاط والحيوية التي عرفتها التجارة. ولعل وجود القيروانيين بتيهرت بمسجدهم الخاص بهم ورحبتهم (2 (2)، قد ساهموا في الحياة الفكرية
(1) أنظر دور تيهرت الاقتصادي وربطها لدول المغرب بما في ذلك الأندلس في الباب الثاني من هذه الرسالة. (2) ابن الصغير: ص 13، يقال القيروانيون كما يقال القرويون أو أهل القيروان.
-382 - (1/390)
صفحة 391
للدولة، ودخلوا في مناظرات مع علماء الاباضية والكوفة والبصرة، اذ لا يستبعد أن يكونوا مالكي المذهب، لأن القيروان آنذاك كانت عاصمة
الفقه المالكي.
واذا كان الاباضية قد طردوا مرارا من القيروان، قبل تأسيس الامامة الرستمية بتيهرت (3). فان اعدادا كبيرة منهم، رغم ذلك، كانت تسكن العاصمة الأغلبية خاصة من أهل نفوسة لاقتراب جبلهم من القيروان، اذ يروى لواب بن سلام وجود أكثر من خمسمائة رجل نفوسي من بينهم والفقهاء كأبي عمرو حفصون النفوسي الفقيه العالم الناقد، وفضل بن الله الذي كانت له حلقاته العلمية في منزل أبي الأزهر يحضرها رجال
عبد
من هوارة وزناتة، وكانوا في سبع منازل ولهم مساجد عديدة (4)
العلماء
ومما يدل على علاقة تيهرت بالقيروان، شخصية يوسف الفتاح الذي تعلم بتيهرت، وانتقل الى القيروان ليعلم اباضيتها ما كان قد أخذه في العاصمة الرستمية. فكان، كما يقول ابن سلام (5)، معلم خمسمائة رجل في حوزة واحدة وقد توفي سنة 260 هـ
والى جانب هؤلاء الذين يسكنون القيروان وأحوازها، ولهم فيها منازلهم ومساجدهم وحلقات علمهم، يتحدث ابن سلام عن رجل يدعى أبا حبيب، عالم وفقيه اباضي من العرب، كان منزله بقفصة شرقي القيروان (6). وقد ذكر ابن سلام أسماء عديدة، لعلماء اباضية في مدن الدولة الأغلبية، وخاصة بعاصمتها. ولعل تلك الكثرة كانت لغرض تعلم العربية وآدابها في ربوع العرب، بالقيروان، اذ كانت هذه المدينة، كما
(3) أبو زكرياء: سير، ص 46، 52، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 35، 39 ـ 40.
(4) لواب بن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 48، الشماخي: سير، ص
261
(5) لواب بن سلام: نفس المرجع ورقة 48، الشماخي: نفس المرجع ص 261
-383 -
(6) لواب بن سلام: نفس المرجع ورقة 48 (1/391)
صفحة 392
يقول لوفيسكي (7)، مثابة للاباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعلم العربية وآدابها. وهو مالم يستبعده الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب (8)، بل يرى أنه من الممكن أن يكون بعض رعايا الدولة الرستمية قد التحقوا ببيت الحكمة، أول جامعة افريقية للعلوم، وهذا لقربها من جهة، ولكونها مركز المالكية وجامعة فقههم، من جهة أخرى، وبالتالي فلا يستبعد أن يكون مالكيو تيهرت يقصدون القيروان أو بيت الحكمة للتفقه في الدين وتعلم العربية
ولا نعرف عن العلاقة الرستمية الإدريسية في المجال الثقافي، الا ما كان من الشاعر التيهرتي بكر بن حماد الذي مذح بعض الحكام الأدارسة ولعله انتقل الى هناك لهذا الغرض (9)
أما المدراريون أصحاب سجلماسة، فقد ذكرنا وجود العديد من الاباضية في العاصمة الصفرية (10). ولعل المنافسة التي جرت بين ولدي مدرار بن اليسع قبيل سنة 253 هـ على الحكم، وكان احدهما ابنا لأروى بنت عبد الرحمن، قيل إنه يعرف باسم جده من أمه، بينما الثاني من زوجة ثانية لمدرار تدعى تقي، كان سببها اعتناق ابن الرستمية للاباضية، الأمر الذي لا نستبعده عن أبيه الذي كان صاغية وميالا الى ابن أروى على حساب ابن التقي، علما بأن جَدهُمَا اليسع بن أبي القاسم، الذي أصهر
(7) الجربي محمد أبو راس: مؤنس الأحبة، مقدمة المحقق، ص
(8) ورقات، ص 192 - 193
- 56
57
(9) البكري: الغرب، ص 143، وأنظر كذلك ابن عذاري حيث يذكر قطعة من قصيدة لبكر بن حماد مدح
فيها أحد الأمراء الادارسة وقال فيها:
إني لمشتاق إليكَ وَإِنَّمَا ينمو العقاب إِذَا سَمَا بقوادر
فابعث إلي بموكب أنمو واعلم بأنك لن تنال محب
على أكون عليك أول قادير
إلا ببعض
لابس وتراهيم
فبعث اليه بيفلة سنية وصلة جزيلة. وكان له فيه أمداح كثيرة. البيان المغرب، ج 1، ص 236، وأنظر
القصيدة أيضا في الباروني: الأزهار، ج 2، ص 70، شاوش محمد رمضان: الدر الوقاد، ص 51
-384 -
(10) ابن الصغير: ص 46 (1/392)
صفحة 393
لعبد الرحمن بن رستم بابنه مدرار، كان كما يقول ابن خلدون (17) اباضياً صفريا. وهذا يدل على تأثير الاباضية في الدولة المدرارية. ويشكل جزءا العلاقة الثقافية بين البلدين اتسمت دائما بالتأثير. من
مخلد بن
واذا كانت كثرة الاباضية بسجلماسة ظاهرة، وأغلبهم من العامة، فان السير الأباضية تشير الى وجود علماء لها في هذه المدينة كابن الجمع الذي كان غزير العلم، استوطن سجلماسة ودرس بها، وكان أبرز تلاميذه بها أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي (12)، تعلم بها، مع أبي يزيد كيداد صاحب الثورة العنيفة على العبيديين (13). وكان أبو الربيع قد بلغ على يد أستاذه ابن الجمع، من العلوم مالم يبلغه كثير ممن في عصره، اعجاب شيخه، الى درجة أنه لما مات أوصى له بجميع كتبه (14). واستمرت سجلماسة في اتصال بأبي الربيع بعد مغادرته لها، إذ من أبرز مظاهر العلاقة الثقافية معها، ماكان من استفتاء أهلها أبا الربيع في مسألة كادوا يقتتلون من أجلها فلما أفتى لهم رجعوا الى صوابهم واصطلحوا (15)
ونال
من
أما العلاقة الثقافية مع الأندلس، فلا نشك في أن العديد. الأندلسيين كانوا في تيهرت، استفادت الدولة من خبرتهم. وأما العلماء الأندلسيون الذين يريدون الخروج الى القيروان أو المشرق، فلا شك أن مرافيء المغرب الأوسط، فضلا العاصمة عن تيهرت كانت معابر لهم.
(12)
(11) ابن خلدون: العبر، ج 6، ص 268 - 269، يذكر الفرديل أن المذهب المتبع في سجلماسة كان غير واضح المعالم تماما. أنظر الفرق الإسلامية في الشمال الافريقي، ص 170، وهذا يدل على نفوذ الاباضية من الطبقة السابعة (300 - 350 هـ) أنظر ترجمته في أبو زكرياء: ص 128 - 131، الدرجيني: طبقات ج 2، ص 349 351، الشماخي: سير، ص 279 وما بعدها. (13) عن ثورة أبي يزيد النكاري صاحب الحمار. أنظر أبو زكرياء: سير،. ص 116 وما بعدها، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 96 - 104، ابن الأثير الكامل: ج 8، ص 422، سلمان داود بن يوسف: ثورة أبي زيد،
ص 23 - 29:
(14) أبو زكرياء: سير، ص 128، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 110، الشماخي: سير، ص 279 - 280 (15) أبو زكرياء: سير، ص 128 ـ 129، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 110 ـ 111، الشماخي: سير،
من 200.
-385 - (1/393)
صفحة 394
ولقد رأينا عددا من علماء المغرب الأوسط، قصدوا الأندلس من أجل
العلم، وتصدوا للفقه والفتيا هناك، كأبي اسحاق ابراهيم بن عبد الرحمن التنسي الذي كان يفتي بجامع الزهراء (16). وعبد الرحمن بن بكر بن حماد التاهرتي الذي حدث بقرطبة عن أبيه، وكتب عنه غير واحد من شعر
بكر توفي بقرطبة وقيل في الطريق بين القيروان وتيهرت سنة 295 هـ (17)
ومن
أبيه
العلماء التيهرتيين الذين قصدوا الأندلس للتعليم والتعلم قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي وابنه أبي الفضل أحمد المعروف بالبزاز، دخلا الأندلس سنة 317 هـ وكان البزاز صغير السن وتعلم بقرطبة في حين أن أباه كان من جلساء بكر بن حماد وممن أخذ عنه. أقاما بعاصمة الأندلس، وبها توفي البزاز سنة 396 هـ (18)
واذا كان هؤلاء كلهم من المالكية. فلا نعرف من الأباضية اسم رجل عالم رحل الى الأندلس، وانما كان هؤلاء يولون وجوههم شطر البصرة والمشرق بصفة عامة، وان كنا لا نستبعد وجود الاباضية بالأندلس في عهد الرستميين، خاصة وأن ابن حزم يخبرنا، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، عن وجود جماعة منهم بقرطبة، يبدو أنهم من عامة الناس سألهم ابن حزم (19) عن امامهم فلم يجيبوا
ولعل في وجود أندلسيين اباضية بتيهرت، ما يدعم ماذهبنا اليه اذ أن من بين النفر السبعة الذين عينهم عبد الرحمن بن رستم قبيل وفاته يبرز
، ص 84
(16) رغم أنه توفي سنة 387 هـ فوجوده بالأندلس في هذه الفترة لا يدل على أنه كان هو الأول. أنظر الضي. بغية ة 204 (17) ابن الفرضي: تاريخ علماء، ص 268، الدباغ: معالم الايمان، ج 2، 282، تويض عادل عادل: معجم اعلام الجزائر (18) الحميدي: جذوة، ص 132 - 133، 313، الضي: 180، 16، ابن بشكوال: الصلة، ج 1، (19) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل. ج 4. 189 - 191. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
ص 86:
-386 - (1/394)
صفحة 395
كانت
أندلسيان اثنان يعرف أحدهما بمسعود الأندلسي، وكان رجلا فاضلا فقيها ورعا. وأما الثاني فهو عمران بن مروان (20). ولا شك أنها بلغا في العلم الغاية، اذ أن مجرد ترشيحها للامامة يدل على ذلك. والرواية في حد ذاتها تدل على عمق العلاقة الثقافية الموجودة بين تيهرت والأندلس، وتروي المصادر (21) الاباضية أن عملية انتخاب الامام بعد عبد الرحمن بن رستم في صالح مسعود الأندلسي لميل العامة إليه، لولا أن هذا زهد فيها وأختفى ليتركها لعبد الوهاب بن عبد الرحمن الذي تولاها سنة 171 هـ. وتسكت تلك المصادر كلها عن دور مسعود بعد خروجه من مخبئه لمبايعة الامام الجديد، وكان ينبغي أن تفرد له ترجمة في تلك الكتب، خاصة وأنه تفوق
على الامام عبد الوهاب أو استوى معه في العلم بحيث مالت الرعية اليه
وهكذا كان العلماء نقطة وصل بين دول المغرب العربي 2 ورحلاتهم المختلفة، تعتبر أهم مظاهر أو معالم العلاقات الثقافية بين تلك الدول منهم تيهرت، كما كان لعلمائها، كما كان لعلمائها دور لا ينكر في القيروان، وفي
استفادت
سجلماسة خاصة.
ب - العلاقات الثقافية مع بلاد السودان:
لم تكن العلاقة التجارية الواسعة التي ربطت السودان الغربي بمراكز اقتصادية في الدولة الرستمية، لتمر دون أن تخلف آثاراً ثقافية، يمكن التعليق عليها بأنها كانت عميقة ومهمة، عمق وأهمية تلك التجارة التي كانت الوسيلة في وصول الاباضية الى تلك البلاد النائية (22)
تتحدث المصادر الاباضية عن عدد من علمائها الذين قطنوا ببلاد السودان أو دخلوها فاستفادت منهم، فالدرجيني يخبرنا عن شيخ يدعى
(20) أبو زكرياء: سير، ص 54 ـ 55، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 46، الشماخي: سير، ص 145. (21) أبو زكرياء: سير، ص 56، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 46، الشماخي: سير، ص
(22) راجع الباب الثاني من هذا البحث فصل التجارة مع السودان. .
145
-387 -
- (1/395)
صفحة 396
عبد الحميد الغزاني، كان عالما كبيرا قطن بلاد السودان (23). أما الشماخي، الذي يسوق لنا رواية أكثر أهمية في هذا الموضوع، فيحدثنا عن أبي يحيى ابن أبي القاسم الفرسطائي، من يتامى معركة مانو، حيث أن أباه قتل
فيها سنة 283 هـ. وكانت لأبي يحيى رحلة الى بلاد السودان، التقى فيها
بأحد ملوكها، وكان نحيل الجسم ضعيف القوى، مريضا، فدعاه الى الدخول في الاسلام، وبعد أخذ ورد بينهما يصوره أبو يحيى نفسه فيقول: فمازلت أذكره نعم الله وآلائه حتى أسلم وحسن اسلامه (24) واستعاد
»
«<
قوته. ويحتمل أن تكون رعيته قد أسلمت باسلامه مادام «الناس على
دين ملوكهم».
ولم تنقطع علاقة الاباضية بالسودان، حتى بعد سقوط دولتهم بتيهرت اذ في سنة 575 هـ، استطاع علي بن يخلف، أحد مشائخ نفوسة الذين سافروا الى غانة، أن يستدرج ملك مالي في الدخول في الاسلام هو ورعيته وذلك لما جدبت مملكته وتفاقمت أوضاعها (25)، فأغاثهم علي بن يخلف بصلاة الاستسقاء، فسقطت الامطار وجرت الأنهار، فآمن الملك ورعيته
إن هذه الروايات المختلفة، لا تدل الا على وجود علاقات ثقافية عميقة بين الدولة الرستمية وبلاد السودان. فما وجود الشيخ عبد الحميد الفزاني، أو العالم الكبير الذي بعثه عمروس بن فتح، قاضي نفوسة، الى السودان (26) وجود هاذين العالمين ببلاد السودان، الا دليل على دخول بعض ممالك
ما
(23) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 327، يضع الدرجيني هذا العالم في الطبقة السادسة (250 - 300 هـ). (24) الشماخي: سير، ص 311 - 313 (25) الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 517 - 518، الشماخي: سير، ص 457 - 458، أطفيش: ازهاق،
67
(26) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 223، يشير الى أنه أخذ معلومته هذه من الوسياني أبي الربيع بسيرته المخطوطة الموجودة بدار الكتب المصرية، وهي على ما يبدو تختلف عن النسخة التي اعتمدنا عليها والموجودة بميزاب. وانظر مقدمة الطبعة الثانية
388 (1/396)
صفحة 397
السودان في الاسلام، وبالتالي احتاجت الى من يفقهها في دينها، ويسلك
بها المراحل الأولى في هذا السبيل
لقد كان للتجار الاباضية من رعايا الدولة الرستمية فضل السبق في نشر الاسلام في جزء من تلك البلاد النائية ووضعوا بذلك البذور الأولى لحركة انتشار هذا الدين في بلاد السودان (27). ويبدو أن هذا الدور لأولائك.
التجار، في ذلك الزمان، مازال بحاجة الى دراسة (28)، أعمق، تكشف عن أسراره وأبعاده المختلفة.
وتشير بعض الكتب الى وجود قرى عديدة تعتنق الاباضية في السودان في القرن الماضي (29). وليس هذا بمستبعد مادام ابن بطوطة (30)، ينقل لنا مشاهدته في نهاية القرن السابع الهجري، ويذكر أن في قرية زاغرى جماعة من الاباضية يسمون صغنغو. وبقي الوجود الاباضي مستمرا ببلاد السودان حتى أثبته الاستاذ شاخت). Schach J) الذي لا حظ في مساجد بعض تلك الأقوام وجود هندسات مشابهة تماما لما عند اباضية وادي ميزاب أو وارجلان كالمحراب المستطيل الشكل والمئذنة ذات الشكل المستطيل المخروطي اضافة الى ظاهرة فريدة عند الاباضية، وجدها ماثلة في بعض مساجد السودان، ذلك هو عدم وجود المنبر في المسجد، وتفسير ذلك أن الاباضية
(27) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 223، عوض خليفات: نشأة، ص 110، وأنظر:: Masqueray
Chronique d'Abou Zakaria, p.275 - 277, note 2, Lewicki T: Etudes Ibadites, p.71, Anne Marie: Contribution, opcit, p.76 Schacht J: sur la diffusion des formes d'architecture reli- gieuse musulmane à travers le sahara, travaux de l'institut des recherches sahariennes (I.R.S.). Tome XI, Ier semestre, imp. E. imbert, Alger, 1954, p.11.21.27.
(28) رغم وجود أطروحة دكتوراة في انتشار الاسلام بالسودان الغربي فان باحثها لم يشر إلى هذا الدور اطلاقا، ولم يطلع على المصادر الاباضية، أنظر دريد عبد القادر نوري: انتشار الاسلام في السودان الغربي من القرن 5 - 11 هـ/ 11 ـ 16 م، رسالة دكتوراة جامعة بغداد، كلية الآداب، 1401 هـ / 1981 م. وقد سلك نفس الملك
الذي أتبعته الدراسات التي سبقته
:
(29) أطفيش: ازهاق الباطل، ص 67 - 68
(30) ابن بطوطة: رحلة
، ص
680
-389 - (1/397)
صفحة 398
منذ سقوط تيهرت وزوال امامتهم بها اعتبروا صلاة الجمعة مرفوعة عنهم لعدم توفر شرط مهم لقيامها وهو ما يعرف عندهم بالامام العادل (31)
ان انتقال مثل هذه الهندسات والاعتقادات، عبر الصحراء، الى بلاد السودان، وعبر السنين والقرون، لا تدل الا على عمق ما تركه التجار الاباضية في تلك البلاد، ابتداء من عهدهم الأول، أيام الدولة الرستمية.
ومن الآثار الثقافية التي تركتها العلاقة بالسودان، تعريب جزء من تلك المناطق ولو بشكل محدود، وتكونت بفعل الاحتكاك الدائم والمستمر لغات مزيجة كلغة الآزر وهي لغة وكالات تجارة الذهب والرقيق في نطاق الساحل السوداني، وقد استعارت قوامها من العربية ومن البربرية ومن اللغات الافريقية (32)
وعمل القول إن العلاقة الثقافية بالسودان كانت أكبر من أن تشملها هذه السطور، اذ كان للتجار من رعايا الدولة الرستمية وغيرها، الدور الريادي في اخراج قبائل تلك البلاد من بدائيتها، وتكوين سكانها وشحذ أخلاقهم ومداركهم عبر السنين والحقب (33)
جـ - العلاقات الثقافية مع المشرق العربي:
لعل الحج يعتبر أهم وسيلة ربطت المغرب بالمشرق، ولا يزال. وقد تجاوب المغاربة مع هذا الركن من الدين، وتحمسوا له، فكانت أمنية الواحد منهم منذ أن حسن اسلامهم، أن يقوم بهذه الرحلة الدينية العلمية؛ ولا يزال هذا الشعور فيهم قائما
(31) 11 - 19. Schacht J : Sur la Diffusion, opcit, p نلاحظ هنا أن أغلبية الاباضية اليوم يصلون الجمعة
وتوجد المنابر في مساجدهم كغيرها من المساجد المالكية بالجزائر.
(32) موريس لومبارد: الجغرافيا التاريخية، ص 134
(33) لوبون: حضارة العرب، ص 666.
-390 - (1/398)
صفحة 399
ان ما ترويه المصادر الاباضية (34) عن أهل جبل نفوسة الذين كانوا في عهد الدولة الرستمية، أكثر الناس حجا، بحيث أنهم كانوا يحجون بنسائهم وذراريهم حتى قيل إنه ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر، فضلا عن المواليد من الاناث أو النساء اللائي لم يلدن، أو عدد الرجال المرافقين لهذه النسوة، لا تدل هذه الرواية إن صحت (35)، الا على اهتمام الناس بالحج، ولا أرى أن أهل نفوسة ينفردون بذلك وحدهم، بل إن قوافل الحج كانت تخرج أيضا من تيهرت، وفي احداهن اختفى أبو اليقظان وسافر الى مكة (36) ولا أدل على مكانة الحج عند المغاربة في ذلك الزمان، من هم الامام عبد الوهاب لأداء فريضته، وقد خرج فعلا من تيهرت، فلم يمنعه من ذلك الا علماء نفوسة، خوفا على امامهم من عيون بني العباس، ثم إن عبد الوهاب لم يقتنع فأرسل الى العلماء الأعلام بالمشرق يستفتيهم، ولم يطمئن حتى أرسل من ينوب عنه في أدائها (37).
فلا شك أن هذا الاهتمام وهذه الاعداد الكبيرة من الحجاج المغاربة كانت تستفيد من الحج، بالاتصال بمشائخ الشرق وعلمائه، فيتزودون من منابع المعرفة والعلوم، ويستفيدون من دروس الوعظ والارشاد التي لا تعرف التوقف في ذلك الموسم، ومثال ذلك ماكان من عمروس بن فتح وأصحابه الذين دخلوا على محمد بن محبوب، أحد علماء المشرق، في مجلسه فأدناهم اليه تعظيما لهم، ولما تبوأوا للمذاكرة، سأله عمروس عن مسألة فقال ابن محبوب ان كان أبو حفص عمروس في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه، فقالوا له هو السائل، فزاد في دنوه فجعل عمروس يسأله في مسائل
228
(34) الوسياني سير (مخطوط) ورقة 6، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 325، الشماخي: سير، ص (35) يشير ابن الصغير الى حج النفوسيين نسائهم خاصة ويذكر أن الواحدة منهم لا تحج الا بعد أن تستأذن الامام أبا اليقظان بأن تبعث ابنها الى تيهرت. وهذا يدل على اهتمام النفوسيين بالحج فعلا وهو مصداق للرواية الاباضية. أنظر تاريخ ابن الصغير، ص 46 - 47.
(36) ابن الصغير:
ص
27
(37) أبو زكرياء: سير، ص 76، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 66، الشماخي: سير، ص 158
-391 - (1/399)
صفحة 400
الدماء حتى قال له ابن محبوب هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم من العوام «. فقال عمروس لأصحابه احفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب. فلما قدموا نفوسة قال عمروش هلموا ما تكفلتم (به) قالوا لم يبق معنا إلا قولك احفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب فقام بها جميعا سؤالا وجوابا» (38)
وهكذا تبين هذه الرواية جوانب هامة من العلاقة الفكرية التي كانت تربط المغرب بالمشرق، وتشير بوضوح الى المسائل الفقهية التي كانت متداولة في مجالس العلماء. كما أنها صريحة في تبيان أن الحجاج كانوا من العامة بحيث لم يستطيعوا حفظ الأسئلة التي طرحها عمروس في ذلك المجلس وقد كلفوا بذلك
خاصة
وكان لابن محبوب هذا أو أبيه، خيام بمنى تعرف باسم مضارب محبوب، فيها مورد حجاج عمان وجماعتهم. وكان المغاربة يقصدونهم (39) للتعرف عليهم واستزادة العلم منهم. وقد استغل الاباضية من أهل المشرق الحج لبث دعوتهم بين الحجاج القادمين من مختلف البقاع موسم فأقاموا تلك الخيام التي تعتبر بمثابة مدارس متنقلة لنشر المذهب (40) لاشك أن المغاربة كانوا يستفيدون منها ويتزودون بالعلم والمعرفة، لذلك كانوا يحجون بتلك الاعداد الكبيرة، وربما كرر أحدهم الحج مرارا حبا في التفقه في الدين مثلما كان صاحب لأبي حماد النفوسي، لا يذكر لواب (41) اسمه، ثلاث مرات، كانت الثالثة من مصر، اذ لم يعد الى أهله، وبقي في
حج
مصر سنته تلك.
ولقد كان للدولة الرستمية عدة اتصالات بمصر وعلمائها، اذ كثيرا ما
(38) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 5، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 324، الشماخي: سير، ص 227
(39) لواب بن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 35
(40) عوض خليفات: نشأة، ص
110
(41) لواب بن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 35 - 36
-392 - (1/400)
صفحة 401
بعث اباضية المغرب الى اخوانهم بمصر يستفتونهم في النوازل، كفعل الامام عبد الوهاب في مسألة ابن فندين وأتباعه الذين عرفوا فيا بعد بالنكار، ليستفتي الامام عالم مصر آنذاك شعيب بن المعروف. فأبى هذا الا القدوم الى تيهرت وكان له فيها دور مع ابن فندين وثورته ضد الإمام عبد الوهاب (42). وقد استفتى هذا الامام أيضا ابن عباد المصري لما هم بالخروج الى الحج، وكان ابن عباد من علماء الاباضية بمصر وفقهائها (43).
ولا شك أن العلاقة بمصر كانت واسعة، لقربها من جهة، ولكونها في الطريق الى الحج أو بلاد المشرق عامة من جهة أخرى.
ولقد رأينا علماء التقوا باخوانهم في مصر كصاحب «شرائع الدين» لواب وأبيه سلام بن عمرو، إذ التقى لواب بمحمد بن عبد الملك الحجازي بمصر قبل سنة 250 هـ، ولم يفته أن يسجل عنوان هذا العالم الاباضي في كتابه (44) كدليل لمن يريد زيارته من المغاربة في منزله بمصر ..
ويبدو أن الذين زاروا بغداد، أو البصرة بعد حملة العلم منها إلى المغرب، قليلون اذ لا تذكر المصادر التي بين أيدينا، الا بكر بن حماد الشاعر والمحدث التيهرتي، الذي رحل الى المشرق سنة 217 هـ، ودخل البصرة وبغداد وكانت له فيها اتصالات بعلماء وقته، بل لقد مدح المعتصم الخليفة العباسي، ووصله هذا بصلات جزيلة (45).
ومن الذين لهم رحلة الى المشرق عبد العزيز بن الأوز، الفقيه البارع سفيه اللسان، تتبرأ الاباضية، رغم كونه اباضيا، من حضور مجالسه، أو
امد
147
(42) أبو زكرياء: سير، ص 58 - 63، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 50، الشماخي: سير، ص (43) لواب بن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 36، أبو زكرياء: بير، ص 76، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 66، الشماخي: سير، ص 159 ... (44) لواب بن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 39 (45) الدباغ: معالم الايمان، ج 2، ص 281 282، ابن عذاري: البيان، ج 1، ص 153 - 154، وأنظر كذلك: شاوش: الدر الوقاد، ص 45 - 48
26
-393 - (1/401)
صفحة 402
دخوله في حلقاتهم (46) الا ان ابن الصغير الذي ساق لنا هذا الخبر، لم يحدد المدينة المشرقية التي زارها ابن الأوز، ونعتقد أنها هي البصرة وبغداد ولا يقصد هنا ابن الصغير رحلة الى الحج، وانما رحلة من أجل طلب العلم كما يفهم من سياق كلامه
وكانت لزيارة نفاث بن نصر النفوسي الى بغداد، آثار ثقافية بارزة وكان نفاث عالما كبيرا، أخذ العلم بتيهرت عن الامام أفلح بن عبد الوهاب ولم ترقه سيرة شيخه وامام مذهبه والدولة التي ينتمي اليها، فراح ينتقده، وينفث عنه أخبارا ترى المصادر الاباضية أنها باطلة، لذلك أطلق عليه الامام أفلح اسم نفاث وانما إسمه الحقيقي فرج. فبرز وسما بأفكاره التي خالف فيها الامام، ولما هدده أفلح، شد الرحال نحو المشرق حيث ورد، فكانت له فيها مع الخليفة، الذي لا تذكر المصادر اسمه تجاذب كلام (47)، واستطاع أن يحل لغزا له، فشل علماء بغداد، كما تذكر المصادر الاباضية (48) حله وبزهم بذلك فنال الجائزة التي طلبها، وكانت عبارة عن استنساخ ديوان جابر بن زيد الأزدي، امام المذهب، والقدوم به
بغداد
الى المغرب
، عن
وفي خلال هذه الفترة التي قضاها نفاث ببغداد، وربما بعده بقليل. دخل الامام أبو اليقظان بن أفلح بغداد، قبل توليه المنصب، دخلها مرغما سجينا، وقضى في حبس بني العباس سنوات معدودات اتفق أن كان سجنه
(46) ابن الصغير: ص 47 - 48. لعل ابن الأوز هذا الذي تتبرأ منه الاباضية من النكار وليس من الوهبية ولم يشر ابن الصغير الى ذلك وهو الذي نقل الصفة المذكورة. (47) لما سأله الخليفة العباسي عن بلده ونسبه ومولده قال له نفاث: أنا رجل من البربر. والبربر لا أدب عندهم فان رأى أمير المؤمنين الصفح عن العبد إن أساء والتجاوز عنه إن بدا منه الجفاء فعل؟ فقال له الخليفة: قل ما بدالك فأخذ يسأله ونفاث يجيب وذلك بحضور الفقهاء والأكابر من أهل بغداد الذين لم يقووا على
أسئلة الخليفة
(48) أبو زكرياء: سير، ص 94 95، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 80 - 81، الشماخي: سير،
-394 -
214 (1/402)
صفحة 403
مع أخ للخليفة (1)، لعله هو المعتمد الخليفة العباسي الذي كان بالسجن لما
قتل الخليفة المهتدي سنة 256 هـ
والذي يهمنا من هذه الرحلة، التي أجبر عليها أبو اليقظان، ولم تكن طواعية منه، أنها تبين العلاقة بين بغداد وتيهرت، اذ أكرم أيما إكرام وعامله الخليفة الذي سجن معه معاملة طيبة، ولا شك أن أبا اليقظان قد أظهر من الأدب والعلم ما جعله محل احترام الخليفة العباسي (50)، وقد اشتهر الخلفاء العباسيون بحبهم للعلم والعلماء ورعايتهم لها. ومما لا ريب فيه أن الامام أبا اليقظان قد تعلم هناك ببغداد فنونا من السياسة ونظم الادارة والحكم، وأحب أن تستفيد الامامة بتيهرت بتلك التجارب (51)، لهذا على ما يبدو أسند له أخوه أبو بكر من مهام الدولة ما قام به أحسن قيام، وكانت له في إنهاء الفتنة التي هزت تيهرت أبيض الأيادي، وعمر في الامامة أربعين عاما كانت لا تشبه الا بأيام الامام الأول عبد الرحمن بن رستم (52)
أما العلماء الذين زاروا الدولة الرستمية من أهل المشرق، فيذكر أن وفدا منهم قدم زائرا زمان الامام عبد الوهاب، فقصد تيهرت، ومرّ بجبل نفوسة حيث سئل عما لاحظه بالمغرب، فاختار بعض العلماء ومنهم الامام
(49) ابن الصغير:
هذه الحادثة
، ص
ص
220
28 - 30، وأنظر الدرجيني: طبقات، ص 83، الشماخي": يترك بياضا عندما وصل الى
(50) يذكر الاستاذ عبد الوهاب بن منصور، في مقال له بمجلة البصائر العدد 179/ 178 والذي تحت عنوان. السفارات الملكية والعلائق بين الشرق والغرب، أن معاملة بني العباس لأبي اليقظان تعتبر بحق غريبة، اذ ما
عرف عن العباسيين الا الحذر الشديد من الامراء المغاربة والكيد لهم والايقاع بهم، ويقول، وليس بغائب عن الأذهان موقف هارون الرشيد من الادارسة بالمغرب الأقصى اذ قتل المولى ادريس بن عبد الله بسم دسه في قارورة طيب سنة 177 هـ. أنظر البصائر الصادرة بالجزائر 1371 هـ / 1952 م، ص 6. وهذا الرأي يدعم ما ذهبنا اليه من أن أبا اليقظان، وهو المعروف بعلمه الغزير، قد أظهر من ذلك للعباسيين ما أناهم حذرهم وكيدهم
للامراء المغاربة. (51) معمر
علي يحيي: الاباضية بالجزائر، ص 76، ابن الصغير: ص 32، وما بعدها. (52) أبو زكرياء: سير، ص 98، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 83، الشماخي: سير، ص 221 - 222
-395 (1/403)
صفحة 404
نفسه اعجابا بهم وبعلمهم (53)، الا أن المصادر التي أوردت هذه الرواية لم تذكر بالضبط من أين قدم الوفد، فلعله من البصرة، لأن هذه المدينة في عهد عبد الوهاب، مازالت تؤدي دورها في الدعوة ومراقبة أتباعها بمختلف بقاع وجودهم (54)
وزار جبل نفوسة وتيهرت، أيضا العالم الخرساني أبو غانم بشر بن غانم وكان لانتساخ مدونته من طرف عمروس النفوسي الفائدة الكبيرة، وقد ترك نسخة من مدونته في مكتبة المعصومة، أهداها على ما يبدو، للأئمة بتيهرت (55)
ولعل لزيارة اليعقوبي، المؤرخ والجغرافي العربي، أكثر من أثر ثقافي. في العلاقة بين الدولة الرستمية وبلاد المشرق، اذ زار تيهرت وغيرها من أقاليم الدولة، ونقل لنا مشاهدته التاريخية والجغرافية، وكانت المعلومات التي احتفظ لنا بها في كتابه، «التاريخ» و «البلدان، لا يمكن الاستغناء عنها (56)، ولا نعرف بالضبط متى زار اليعقوبي تيهرت، الا أننا لا نشك في أن ذلك في أواخر الدولة الرستمية، أيام الامام أبي حاتم بن أبي اليقظان محمد بن أفلح (281) - 294 هـ) وعامله على نفوسة الياس اذ يذكرهما ذكر من يعرفها أو عاصرهما (57)
ولعل الكثيرين من المشارقة الاباضية التجأوا الى تيهرت بعد تأسيسها هروبا من بطش العباسيين وقبضتهم، فنشطت بذلك حركة الهجرة الى. العاصمة الرستمية، رغبة في العيش في كنف الدولة وامامة الظهور (58)، أو
من:
(53) أبو زكرياء: سير، ص 83، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 293 - 294، الشماخي: سير، ص 165 (54) محمود اسماعيل: الخوارج، ص
152
(55) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 4، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 323، الشماخي
(56) عوض خليفات: نشأة
(57) اليعقوبي: البلدان
، ص
ص
14.13
104 - 99
228
(58) ابن تاويت: دولة الرستميين، مجلة معهد الدراسات الاسلامية ع 1 - 2 109، محمود اسماعيل
-396 -
151
الخوارج
، ص (1/404)
صفحة 405
حبا في ملء المناصب الشاغرة، وبالتالي كان هؤلاء المشارقة، رواد الحضارة العربية المشرقية، وسيلة لنقل معرفة المشرق الى المغرب (59)
،
ومن أبرز مظاهر العلاقة الثقافية بين الدولة الرستمية وبلاد المشرق تلك الكتب والرسائل التي كانت تتبادل بين الطرفين، فلم تنقطع الصلة بين خوارج المشرق والمغرب، بل استمرت بشكل دائم (60) فكانوا كلما نزلت بهم نازلة لم يترددوا في ارسال الكتب الى علماء المشرق يستفتونهم فيها (61) تماما مثلما كان يفعل علماء القيروان في استفتائهم للامام مالك بن أنس بالمدينة أو أبي يوسف القاضي ببغداد (62). وكانوا يلتزمون فتواهم، أما تصانيف المشرق، فقد مر بنا عدة مرات ذكر تلك الاحمال التي طلبها الامام عبد الوهاب من اخوانه بالبصرة، من الكتب، وجاءته، فاجتهد في قراءاتها ليلا ونهارا
ومن الكتب العديدة التي وصلت الى بلاد المغرب، كتب محبوب بن الرحيل وابنه، في الفقه والكلام والعقائد والاخبار، وكان كتاب ابن محبوب يعرف عند نفوسة بسيرة ابن محبوب الى أهل المغرب، قيل إنه يقع
(59) موريس لومبارد: الجغرافيا التاريخية، ترجمة حميدة، من 77، و 9 - 100، شاوش: الدر الوقاد
33 ...
|
(60) محمود اسماعيل: الخوارج، ص 219، رغم أن الدكتور محمود يؤكد هذا في الصفحة المذكورة فانه في صفحة 152، يذكر أن المصادر خلو من أية اشارة الى استمرار العلاقة بين تيهرت والمشرق بعد أمامة عبد الوهاب ويعزو هذا حسب تخمينه، إلى رفض وانكار امامة خلفائه لانها تحولت الى ملك وراثي وضاعت هيبتها. وطبعا لا نوافقه في هذا الرأي لأن هناك رسائل من أهل المشرق الى تيهرت في عهد أفلح تقر بامامة هذا الأخير مثل رسالة أبي عيسى ابراهيم بن اسماعيل الذي يقول فيها «ثم كان بعد عبد الوهاب ابنه أفلح حفظه الله، أنظر لواب (مخطوط) ورقة 51، ومثل زيارة أبي غانم بشر بن غانم الى نفوسة وتيهرت في القرن الثالث في أيام عمروس بن فتح وهو من علماء الطبقة السادسة (250 - 300 هـ) وقد سبق أن أشرنا إلى هذا، وأنظر أيضا: Bekri Chikh
Kharijisme, p.82
ص
(61) لواب بن سلام: شرائع (مخطوط) ورقة 36، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 66، الشماخي: سير، 146 - 147، 181، الباروني: الأزهار، ج 2، ص 157 - 160، عوض خليفات: نشأة، ص 25، مهدي هامش طالب: الحركة الاباضية. رسالة ماجستير ص (62) أنظر الرقيق القيرواني: تاريخ افريقية، ص 229 - 230
91
90
-397 - - (1/405)
صفحة 406
في سبعين جزءا، لم يصل الى بلاد المغرب منه الا الجزء السادس فقط (63) ومما يدل على كثرة كتب أهل المشرق بالدولة الرستمية قول الامام أفلح يحث رعيته: «عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة ولا سيما كتاب أبي سفيان ... (64)
ولا أدل على علاقة المغرب العربي بالمشرق من ذلك الرباط الذي لا ينفصم، ولا يزال مستمرا، ويتجلى بوضوح في تقليد المغرب للمشرق، فأيما
مشكلة أو مسألة فكرية نوقشت هناك، الا ونجد أصداءها في المغرب ولقد شاهد المشرق خلال القرن الثالث الهجري تطورا كبيرا في الفكر العربي الاسلامي، حاول المغرب بما أوتي من قدرة مسايرة ذلك الفكر، والوصول الى مستواه ضمن حدوده الجغرافية والزمانية، ولعل في مناظرات المعتزلة لاباضية المغرب (65)، أكبر دليل وأوضحه على العلاقة وأوجه الشبه بين المشرق والمغرب العربيين، وفي حديثنا عن المناظرات الفقهية والكلامية ما أوضح جوانب أخرى من هذه العلاقة وأوجه الشبه (66)
لقد كان لاتصال المغرب بالمشرق، بمختلف أشكاله، الدور البارز في تغذية الفكر العربي الاسلامي بالمغرب، كما كانت العلاقة الثقافية التي ربطت تيهرت، وغيرها من أقاليم الدولة الرستمية، بالعواصم المغربية كالقيروان وفاس وسجلماسة والأندلس، ويبلاد السودان من أهم مظاهر الثراء الفكري لهذه الدولة، وهي تعبّر فعلا عن حياة فكرية غنية ومتنوعة، طالما عمل الحكام الرستميون على دفعها وتنشيطها تماشيا مع حبهم للعلم ورعايتهم للعلماء
(63) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 25، البرادي: الجواهر، ص 218 (64) البرادي: ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، تحقيق عمار طالبي، ج 2، ص 284، ومما تجدر الاشارة اليه أن كتاب أبي سفيان كثيرا ما كان يعتمده كتاب السير والطبقات الاباضية كالوسياني والدرجيني
والشماخي.
(65) ابن الصغير: ص 44، أبو زكرياء: سير، ص 67، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 57 وما بعدها. (66) أنظر مبحث للمناظرات ضمن العلوم العقلية في الفصل الثالث من الباب الثالث
-398 - (1/406)
صفحة 407
الخاتمة)
شهد المغرب العربي في النصف الأول من القرن الثاني الهجري عدة ثورات، عرفت عند المؤرخين بثورات الخوارج، أو ثورات البربر الذين اعتنقوا المذهبين الاباضي والصفري، وقاموا بحركتهم ضد تعسف بعض الولاة الأمويين وكان أتباع المذهب الاباضي خاصة يتمركزون في المغربين الأدنى والأوسط، الأمر الذي ساعدهم على بناء مدينة تيهرت، في المغرب الأوسط بعد ما فشلوا في عدة محاولات للسيطرة على القيروان. وببناء تيهرت التي اتخذوها معسكراً لهم، تحدد الموقع الجغرافي المتميز لتمركز الاباضية. فأنس هؤلاء من أنفسهم قوة، فبايعوا عبد الرحمن بن رستم أول إمام للدولة الرستمية سنة 160 هـ/777 م.
لقد تولى حكم هذه الدولة التي استمرت أكثر من قرن وثلث قرن ثمانية أئمة، تميز الأولون منهم بالقوة والمنعة والحنكة السياسية، كالامام المؤسس عبد الرحمن بن رستم (160 هـ - 171 هـ) الذي وضع أركان الدولة، ونظم ادارتها، وتوفي بعد أن تركها قوية لابنه عبد الوهاب (171 هـ - 208 هـ): الذي بلغت الدولة الرستمية في عهده أقصى حدودها واتساعها. حتى وكأن فترة حكمه تبدو لنا فترة عسكرية، استطاع فيها عبد الوهاب، وهو الذي أكثرت المصادر الاباضية من ذكره أكثر من أي امام آخر أن يؤمن ما تحت يده من البلاد ويخيف الجيران ويحملهم على احترامه، ويحطم الفتن التي أثيرت في حكمه تحطيما كليا
-399 - (1/407)
صفحة 408
وورث أفلح بن عبد الوهاب (208 هـ - 258 هـ) من أبيه هذه الدولة
قوية عزيزة، ساسها بسياسة أبيه، وقد امتاز عهده خاصة بالنمو
الاقتصادي، والرخاء المعيشي. وهو مابدا جليا في حياة السكان الذين كثرت الأموال في أيديهم، وعمت هذه الحضارة جميع شرائح المجتمع، ومست البدو أيضا، فتطلعوا بذلك الى المكابرة والمنافسة
وبعد عهد أفلح المزدهر، وتداعى الناس الى الراحة والحضارة خلفه ابنه أبو بكر (258 هـ - 261 هـ) الذي لم يورث قوة جده، ولم يحظ بنصيب من حسن سياسة أبية، فتداعت عليه القبائل، وكثرت حوله الشكوك فدخلت الدولة الرستمية، في عهده، منعطفا خطيرا بقي نقطة بداية النهاية إذ استمر الضعف يتفاقم كلما تقدمت الأيام، وتداولت: ومن حين الآخر تعرف الدولة الرستمية صحوة جديدة تبعث في كيانها حياة عهد الامام الأول عبد الرحمن بن رستم، كذلك كان عهد الامام الرابع أبي اليقظان بن أفلح (261 هـ: 281 هـ) الذي أنقذ الدولة من الانهيار، وساسها بسياسة حكيمة تتماشى مع الظرف الحساس جدا، واستمر عليها ابنه أبو حاتم (281 هـ - 294 هـ) حتى قتلته أسرته، وأغتصب: الحكم منه اغتصابا وهو أول امام يموت قتلا في هذه الدولة، وتلك نتيجة من نتائج نظام الحكم الوراثي في كثير من الدول - مطالب به ناعية. قال وعموما، لقد كان عهد الأئمة أبي بكر، وأبي اليقظان، وأبي حاتم يتميز
بالنشاط الفكري، خاصة. والحقيقة أن هذا النشاط كان يساير الدولة الرستمية منذ البداية، تماما مثلما كان النشاط الاقتصادي، وذلك لطبيعة المذهب الذي يعتنقه أغلب السكان في الدولة، وَشَعَفَ البربر، وهم السواد الأعظم، في الاستزادة من معرفة الدين الاسلامي"، والتعمق فيه، ومعرفة اللغة العربية ومحاولة التحدث بالا اسنين عليا بها
ليلة السلة.
أما عن الأوضاع الاقتصادية، فقد عرف المغربان الأدنى والأوسط في
"
- 400 - .. (1/408)
صفحة 409
عهد الرستميين ازدهارا واسعا. والحقيقة أن العوامل المساعدة كانت متوفرة، كالحكومة القوية، وسيادة القانون والعدالة، وتوفر الأمن في الداخل اضافة الى العلاقات الحسنة مع الجيران الأقربين، والمناطق البعيدة، كل هذا أدّى الى تحقيق ذلك الازدهار والرخاء، وهما ميزتان اختص بها العالم الاسلامي آنذاك من أقصاه الى أقصاه
فكانت الزراعة تجد أراضي خصبة، وأنهاراً عديدة، وعوامل طبيعية مواتية، نشطت بها أيما نشاط، وكانت بذلك السلع الرستمية من قمح وماشية وغيرها، تصدر الى مختلف الآفاق شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وتستورد الدولة ما هي بحاجة اليه من بضائع المشرق والمغرب والأندلس والسودان الغربي.
فكانت
ولعبت بضاعتان اثنتان دورا بارزا في التجارة الخارجية، نقصد الذهب والرقيق، المجلوبين من السودان الغربي عبر الصحراء الكبرى. مسالك أربع تربط مراكز اقتصادية رستمية بالسودان. وقد نشطت تلك التجارة بشكل ملحوظ، وبعثت الرخاء في البلد، حتى صار الناس يبنون القصور ويمتلكون الثروات. وكثيرا ما عبرت تلك البضاعتين الأسواق الرستمية الى الأندلس أو المشرق العربي.
واذا كانت الزراعة والتجارة في الدولة الرستمية، بهذا المستوى المرتفع فان الصناعة، على ما يبدو، لم تلق رواجا يناسب مستوى التجارة أو يساير نشاط الزراعة، ولعل الأصوب ههنا أن نقول إن المصادر التي بين أيدينا لم تشر إلى صناعة رستمية بعينها، كان صناع المغرب الأوسط مثلا يجيدون صنعها أو يشتهرون بها. وهذا لم يمنعنا من افتراض وجود بعض الصناعات الضرورية.
أما الناحية الفكرية، فقد بلغت الدولة الرستمية فيها شأوا عظيما مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل الزمان والمكان وطبيعة السكان، وبالقياس الى
-401 - (1/409)
صفحة 410
حالة البلاد قبل هذه الفترة التي نبحث فيها. وتتمثل الحياة الفكرية في هذه الدولة في تلك المناظرات التي كانت تعقد في بعض المناطق أو المساجد. كان مدار الحديث فيها، على ما يبدو، حول الخلافة أو الامامة وشروطها والفقه وعلم الكلام ... وقد رأينا نبذا من تلك المناظرات التي تبدو عميقة، تدل على مدى ما بلغه المغاربة في فهمهم للاسلام. ويلوح لنا أن تلك المناظرات كانت منذ البداية الأولى للرستميين، وذلك بعامل تعدد المذاهب الاسلامية في المغرب، وسياسة الحكام في التسامح المذهبي، ولا غرابة في ذلك، فان الأئمة الرستميين كانوا من العلماء الاعلام، برزت أسرتهم في مختلف فنون المعرفة، لذلك نجد همهم، اقناع مخالفيهم في المذهب بالحجة، ونادرا ما يلجأون الى العنف، ولا يكون ذلك الا اضطرارا بعد أن يبدأهم عدوهم به.
ومن مظاهر الحياة الفكرية في هذه الدولة، وجود تلك المؤلفات للأئمة الرستميين، فكانوا خير ممثل لدولتهم، وللثقافة في المغربين الأدنى والأوسط، كما كانوا المشجعين الحقيقيين للمعرفة والتعليم. ومن هنا وجدنا أعدادا كبيرة من العلماء والفقهاء خاصة، عجت بطون كتب سير بهم الاباضية ولعل أمثال أولائك في المذاهب الأخرى موجودون، الا أن الكتب التي وصلتنا لا تشير صراحة الى هذا الجانب، اللهم الا بعض الاشارات المقتضبة المبعثرة هنا وهناك.
وهكذا كانت تيهرت في المغرب الأوسط، كالقيروان في افريقية أو قرطبة في الأندلس. ففي الوقت الذي كانت فيه القيروان عاصمة المذهب الحنفي ثم المالكي، كانت فيه تيهرت عاصمة المذهب الاباضي، ومروجة فقهه، وقبلة الاباضية في المغرب، بل حتى اباضية المشرق في فترة من الفترات
والحقيقة أن اختلاف المذاهب في الاسلام، لم تكن له الا سلبياته
-402 - (1/410)
صفحة 411
السياسية، بل ان ايجابياته أعظم، إذ أثرى الفكر العربي الاسلامي: وشحذ الهمم، واشغل العقول، فسوّدت الأوراق، وألفت الكتب، ووقع التنافس وكان نتاج ذلك كله هذه المكتبة العربية الاسلامية الضخمة المتنوعة، التي نحن نفتخر بها اليوم، ونباهي بها الأمم.
،
فالاباضية كغيرها من المذاهب فرع من فروع الفكر العربي الاسلامي. ورافد من روافده الزاخرة المعطاء. فاذا ذهبت مكتبة المعصومة بتيهرت بالأمس وقودا للنيران، فان المكتبة الأباضية (1)، اليوم كغيرها من المكتبات بحاجة الى دراسة وتحقيق ونشر، لتعم الفائدة، وتقترب الأراء، الأمة العربية الاسلامية فتعود كما بدأت أولا
وتتوحد
واذا كانت العلوم النقلية من أبرز ما اهتم به الرستميون، فان للعلوم العقلية من جهة أخرى حظا لابأس به في الحركة الفكرية بالدولة، اذ
وجدنا علماء في اللغة والنحو والاداب والتاريخ وغيرها من المعارف.
وقد برز جبل نفوسة في العلوم النقلية، بكثرة فقهائه حتى أصبحت بيوته لا تحتاج الى من يفتيها في دينها لانتشار العلم بينها عامة. ولعل من المفيد أن نشير هنا، الى أن أغلب من ذكر من العلماء في الدولة الرستمية من نفوسة فلا غرابة في ذلك، مادام أغلب مؤلفي سير الاباضية من نفوسة أو المناطق القريبة منها. وهذا يدعونا بالمقابل الى القول إن مثل أولئك العلماء النفوسيين، من المحتمل جدا وجود أمثالهم في مناطق أخرى من الدولة الرستمية كوارجلان مثلا وبلاد الجريد، وجربة، وتنس ووهران وغيرها
(1) أنظر مثلا الاستطلاعين القيمين اللذين اطلعتنا بها مجلة العربي في عدديها 286، 293 وهما على التوالي: مصطفى نبيل: عالم ميزاب المسحور، سبق ذكره، ص 115 وما بعدها، فهمي هويدي: ذكر ما جرى للعلم الذي باض في مكة ونهض الى عمان، افريل 1983 م، ص 124 وما بعدها. وأنظر كذلك: د. فخار ابراهيم: دور الرستميين الأصالة.، عدد 43/ 42، ص 37.
-403 - (1/411)
صفحة 412
وكان للمرأة في المغربين الأدنى والأوسط، الدور الفعال في الاقتصاد والثقافة. ولقد رأيناها مزارعة وصاحبة منسج، ورأيناها عالمة تنافس أخاها في العلم أو تساعده عليه. ولا أدل على النشاط الفكري في الدولة
!
الرستمية من كون الإماء أنفسهن لهن نصيبا من العلم لا بأس به, وكما كان للمرأة دورها الايجابي، فقد كان لها أيضا دورها السلبي، خاصة في المجال السياسي وذلك باستدراج أبي عبد الله الشيعي إلى تيهرت سنة 296 هـ/909 م، والقضاء على الرستميين، وذلك ما فعلته دوسرا بنت الامام
من
أبي حاتم، انتقاما من عمها اليقظان لأبيها أبي حاتم بن أبي اليقظان. واذا كان الأسلام، قد كمل انتشاره في المغرب العربي بواسطة الدعاة الاباضية والصفرية، انتشر على ذينك المذهبين، في مرحلة من مراحل وجود الرستميين وقبلهم، وتخطى الصحراء الكبرى ليصل الى بلاد السودان بواسطة التجار من الاباضية خاصة، فان اللغة العربية من جهة أخرى، قد وجدت طريقها إلى البربر في هذه الفترة، وتكلمها العديد منهم، وكتب بها العلماء مؤلفاتهم، كما كانت اللغة الرسمية في البلاط الرستمي، بها كان يكتب الأئمة رسائلهم المختلفة الى رعاياهم با را
ولعل أهم تطور عرفته اللغة العربية في هذه الفترة؛ كتابة البربرية بالحروف العربية، وهي مرحلة مهمة جدا في تحول المغاربة شيئا فشيئا إلى العربية لغة وحروفا، وهي مرحلة ضرورية ولاشك في ذلك التحول والانتقال
وهكذا منذ هذا العهد، بدأت البربرية تترك مكانها للعربية لتعيش معها عيشة العامية اليوم مع الفصحى، فبدأت اللغة العربية تفتح البلاد وتفرض نفسها على الألسن من خلال القرآن الكريم، وأحاديث
الرسول علل وشعائر الدين الاسلامي الحنيف وشرائعه ناتالت لا ولا شك أن العلاقات الثقافية التي ربطت المغربين الأوسط والأدنى
-404 - (1/412)
صفحة 413
بالمشرق عامة والبصرة خاصة، وبالأندلس وأرض السودان الغربي، قد غذت الفكر، وساهمت في عمليتي التأثير والتأثر.
وتكاد تسكت مصادرنا عن عهد الامام الأخير، اليقظان بن أبي
ملكا
اليقظان (294 هـ - 296 هـ)، الذي لا يذكر عنه شيء، وانما يصور مخذولا قاطعه أهله، وبقي ينتظر أبا عبد الله الشيعي الذي بدأ يظهر على السياسة المغربية، وبدأت دعوة العبيديين، تتفاقم، وتشكل خطرا مسرح على دول المغرب العربي القائمة آنذاك، ثم فجأة يجتاح تيهرت ليضع حدا لتاريخها وحضارتها الرستمية، ويورثها ليتخذها منطلقا في هجومه على، حيث سيده عبيد الله المهدي مسجون هناك. وهكذا تطوى
سجلماسة
صفحة من تاريخ الجزائر الوسيط، وتاريخ المغرب العربي عامة
ومنذ سقوط الرستميين، وهروب البعض منهم الى وارجلان، وربما الى بعض المناطق الاباضية الأخرى آنذاك بعيدا عن تيهرت، دخل الاباضية منعطفا خطيرا من تاريخ حياتهم. دخلوا في الكتمان والتقية، بعد الظهور وأزهى العصور في المغرب العربي، وانتبذوا لهم مكانا في مواطن جبلية أو صحراوية صعبة، وأسسوا نظما اجتماعية وتربوية دقيقة، حافظت على بقائهم الى يومنا هذا، بل استمروا في الدعوة الى مذهبهم، فاعتنقه أهل وادي ميزاب بصحراء الجزائر، في القرن الخامس الهجري، واستمر عليه أهل نفوسة بليبيا، وأهل جزيرة جربة بتونس، وأهل وارجلان بالجزائر، ولا
يزال الكل يحمل آمال الدولة الرستمية، وينظر الى عصورها باعجاب يحمل ذكرياتها ويحتفظ بالسماح المذهبي، والمسالمة الرستمية، والتشدد الاباضي في الدين والعمل به، ويتعلقون بالعربية كما كان أجدادهم، ويقدسونها ويحتفظون بالمجلدات الاباضية في الفقه وأصوله، والسير والطبقات وغيرها. إنهم بعبارة أخرى، وعاء حضارة الرستميين الزاهرة،
ونتيجة من نتائجها
-405 - (1/413)
صفحة 414
وأختم رسالتي هذه بتحديد أهم النتائج الباقية لقيام دولة الرستميين في المغربين الأوسط والأدنى، فأقول ان ذلك يتمثل في نشر الاسلام وتثبيت بين المغاربة، ونشر اللغة العربية بينهم تكلما وقراءة وكتابة، والتأكيد على التواصل الدائم الحي بين المشرق العربي والمغرب العربي.
أسه
- 406 - (1/414)
صفحة 415
المصادر والمراجع)
أولا - المخطوطات وكلها اباضية:
- الأزكوي سرحان بن سعيد (القرن 12 هـ): كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة - المكتبة الظاهرية - دمشق، رقم «تاريخ 346». أعزام ابراهيم بن صالح (ت 1965): غصن البان في تاريخ وارجلان، مخطوط عند الشيخ ج عمر بو معقل بوارجلان، الجزائر. - لواب بن سلام بن عمر اللواتي (ق 3 هـ): شرائع الدين - مخطوط مصور في حوزة الشيخ مرموري ج الناصر، القرارة، الجزائر. الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم (ت 570 هـ): العدل والانصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، مخطوط عند السيد الحاج سعيد محمد أيوب، غرداية، الجزائر.
-
- القضيدة الحجازية - مخطوط عند السيد الحاج سعيد محمد أيوب غرداية، الجزائر.
الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان بن عبد الله (ق 6 هـ): كتاب السير - مخطوط عند الشيخ بابانو ببني يسجن،
الجزائر.
ثانيا - المصادر الأولية:
- ابن الأبار أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي
-407 - (1/415)
صفحة 416
(ت 658 هـ): كتاب الحلة السيراء، ط 1، تحقيق حسين مؤنس الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، 1963.
ابن أبي أصيبعة موفق الدين (ت 668 هـ): عيون الأنباء في طبقات الأطباء، مطبعة الاقبال، دار الفكر، بيروت، 1377 هـ/1957 م
ابن أبي دينار أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني (حي أواخر القرن (11)، المؤنس في أخبار افريقية وتونس ط 3
،
تحقيق محمد شمام - المكتبة العتيقة، تونس، 1387 هـ/1967 م - ابن الأثير عز الدين ابو الحسن علي بن أبي الكرم (ت 630 هـ): الكامل في التاريخ، دار صادر وبيروت للطباعة والنشر، بيروت 1385 هـ/1965 م:
- اللباب في تهذيب الأنساب - مكتبة القدسي ـ القاهرة، 1357 هـ. - ابن بسام أبو الحسن علي الشنتريني (ت 542 هـ): الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق احسان عباس، دار الثقافة بيروت.
1399 هـ/1979 م ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك (ت 780 هـ):: کتاب الصلة - مراجعة عزت العطار الحسيني، مكتبة المثنى، بغداد
1955/ 1374
ابن بطوطة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ابراهيم (ت 703 هـ): رحلة ابن بطوطة، دار صادر وبيروت للطباعة والنشر، بيروت 1384 هـ / 1964 م.
ابن تغري بردي جمال الدين أبو المحاسن يوسف الاتابكي (ت 874 هـ): النجوم الزاهرة في ملوك القاهرة مطابـ کوستاتسوماس، طبعة دار الكتب، القاهرة، 1963.
- 408 - (1/416)
صفحة 417
ابن تيمية أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (ت 728 هـ): رفع الملام: الأئمة الاعلام، ط 5، مؤسسة مكة للطباعة والأعلام،
مكة، 96
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، مطبعة المدني، مكتبة دار العروبة القاهرة، 1382 هـ / 1962 م. - ابن الجزري شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد (ت 833 هـ): غاية النهاية في طبقات القراء، ط 1، تحقيق برجستراسر، مكتبة الخانجي، مصر، 1351 هـ/1932 م
?
-
ابن جميع أبو حفص عمر: مقدمة التوحيد ـ شرح: الشماخي أبو العباس والتلاتي أبو سليمان، الجزائر، ط 2، 1392 هـ/1973 م.
ابن حجر العسقلاني شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت 852 هـ): تهذيب التهذيب، ط 1، مطبعة مجلس دائرة
المعارف النظامية الهند، الدكن، 1325 هـ
ابن حزم أبو محمد علي بن سعيد (ت 456 هـ): - جمهرة أنساب العرب - تحقيق. ليفي بروفنصال، دار المعارف مصر، القاهرة،
1948 م.
- كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل - أعادت طبعه بالأوفست مكتبة المثنى، بغداد، المطبعة الأدبية القاهرة، 1377 هـ
ابن حماد أبو عبد الله محمد بن علي: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم مطبعة جول كربونال، الجزائر، 1346 هـ
ابن حوقل أبو القاسم النصيبي (ت 368 هـ): صورة الأرض،
ط 2، مطبعة بريل، ليدن، 1938 م.
27
-409 - (1/417)
صفحة 418
ابن خرداذبة أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله (ت في حدود
300 هـ): المسالك والممالك، بريل، ليدن، 1889 م
- ابن الخطيب لسان الدين محمد بن عبد الله بن سعيد (ت 776 هـ): أعمال الاعلام (تاريخ المغرب العربي العصر الوسيط) تحقيق أحمد مختار العبادي، محمد ابراهيم الكتاني، دار الكتاب، الدار البيضاء،
1964
- ابن خلدون عبد الرحمن (808 هـ): - العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر - دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت، 1968 م.
- المقدمة، دار الكتاب اللبناني، ط 2، بيروت، 1961 م
ابن خلكان أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد (ت 681 هـ): وفيات الأعيان وأنباء الزمان - تحقيق احسان عباس دار الثقافة، بيروت، 1971 م.
- ابن رستة أبو علي أحمد بن عمر (ت بعد 290 هـ): كتاب الأعلاق النفسية - مطبعة بريل، ليدن، 1891 م.
ابن سعد محمد كاتب الواقدي (ت 230 هـ): كتاب الطبقات الكبير تحقيق ادوارد سخو - مطبعة بريل، ليدن، 1905، 1918 م.
- ابن سعيد علي بن موسى (ت 685 هـ): المغرب في حلى المغرب،.
-
تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف مصر، 1953 م.
كتاب الجغرافيا، ط 2، تحقيق اسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1982 م.
- ابن الصغير (حي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري): أخبار الأئمة الرستميين - باريس 1908) أنظر المراجع الأجنبية
-410 -
(Moutylinski (1/418)
صفحة 419
ابن عبد الحكم عبد الرحمن بن عبد الله (ت 257 هـ): فتوح افريقية والأندلس. تحقيق عبد الله أنيس الطباع مكتبة دار الكتاب للبناني للطباعة والنشر، بيروت 1964.
ابن عبد ربه أبو عمر أحمد (ت 327 هـ): العقد الفريد، ط 3، تحقيق أحمد أمين وآخرين، دار الكتاب العربي، بيروت
1384 هـ/1965 م
ابن عذاري المراكشي أبو عبد الله محمد (ت في القرن السابع الهجري نهايته): البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ج، س، كولان وا ليفي بروفنصال - دار الثقافة، بيروت 1948، طبع في نيتير لندس. ابن الفرضي أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف (ت 403 هـ): تاريخ علماء الأندلس، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1966 م.
ابن الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد الهمداني: مختصر كتاب البلدان طبع بريل، ليدن، 1302 هـ
ابن قتيبة الدينوري أبو محمد عبد الله بن مسلم (ت 276 هـ): الامامة والسياسة وهو المعروف بتاريخ الخلفاء، ط 2، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1377 هـ/1957 م.
ابن القوطية أبو بكر محمد القرطبي (ت 367 هـ): تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، دار النشر للجامعيين بيروت، 1957 م.
- ابن منظور محمد بن مكرم بن علي الانصاري (ت 711 هـ): لسان العرب المحيط، اعداد يوسف الخياط - نديم مرعشلي، دار لسان
العرب، بيروت، 1970 م.
-411 - (1/419)
صفحة 420
أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر (ت 471 هـ): كتاب سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق اسماعيل العربي، اصدارات المكتبة الوطنية الجزائر، 1399 هـ / 1979 م. أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني: كتاب الوضع، تعليق أبو اسحاق ابراهيم أطفيش، ط 1، مطبعة الفجالة الجديدة (بلا مكان وتاريخ الطبع.
أبو عمار عبد الكافي الاباضي (ت قبل سنة 570 هـ): كتاب الموجز) آراء الخوارج الكلامية (تحقيق عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ / 1978 م.
أبو غانم الخراساني (حي في نهاية القرن الثالث الهجري): المدونة الكبرى، ترتيب وتحقيق وشرح أطفيش محمد بن يوسف، دار اليقظة العربية، سوريا ولبنان، 1394 هـ / 1974. 19 م. - أبو الفداء عماد الدين اسماعيل بن عمر (ت 732 هـ): تقويم البلدان - تصحيح رينودو وآخرين - طبع دار الطباعة السلطانية باريس
1840 م. - أبو مهدي عيسى بن اسماعيل (ت 613 هـ): جواب أبي مهدي عيسى، طبع بالمطبعة العلمية الحجرية بتونس، 1321 هـ ضمن مجموعة كتب «الرد على العقبي».
- الادريسي الشريف (ت 548 هـ): وصف افريقيا الشمالية والصحراوية مأخوذ من كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق تحقيق هنري بيريس، الجزائر، 1957 م.
الاصطخري ابن اسحاق ابراهيم بن محمد الفارسي (ت في النصف الأول من القرن (4): المسالك والممالك، تحقيق محمد جابر عبد العال الحيني ومحمد شفيق غربال، دار القلم، القاهرة 1381 هـ / 1961 م.
-412 - (1/420)
صفحة 421
-
الأصفهاني أبو الفرج (ت 356 هـ): كتاب الأغاني، تحقيق عبد
الستار أحمد فراج، دار الثقافة، بيروت، 1959
البرادي أبو القاسم محمد بن ابراهيم (القرن الثامن الهجري): الجواهر المنتقاة في اتمام ما أخل به كتاب الطبقات، طبع حجرية قسنطينة
1302 هـ
البغدادي عبد القادر بن عمر (ت 1093 هـ): خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، ط 1، المطبعة الأميرية بولاق، (بلا تاريخ الطبع). البغدادي عبد القادر بن طاهر (ت 429 هـ): الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم، ط 3، دار الآفاق الجديدة
بيروت،1978 م.
البكري أبو عبيد
والمغرب
الله (ت 487 هـ): المغرب في ذكر بلاد إفريقية
، جزء من كتاب المسالك والممالك، مكتبة المثني بغداد
مطبعة الحكومة، الجزائر، 1857
البلاذري أبو الحسن أحمد بن يحيى (ت 279 هـ): فتوح البلدان
تعليق رضوان محمد رضوان، مطبعة السعادة، مصر، 1959
- الجربي محمد أبو راس (ت 1222 هـ): مؤنس الأحبة في أخبار جربة، تحقيق محمد المرزوقي، المطبعة الرسمية، تونس 1960 م.
- الجيطالي أبو طاهر اسماعيل بن موسى (ت 750 هـ): قواعد الاسلام، ط 1، تحقيق بكلي عبد الرحمن بن عمر، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1976 م.
الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح (ت 488 هـ): جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ط 1، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي مطبعة
السعادة، القاهرة، 1372 هـ/1953 م
-413 - (1/421)
صفحة 422
الحميري محمد بن عبد المنعم (ت 727 هـ): كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار، ط 2، تحقيق احسان عباس، مؤسسة ناصر للثقافة، بيروت، 1980 م.
الدباغ أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الانصاري (ت 696 هـ): معالم الايمان في معرفة أهل القيروان، ط 2، أكمله وعلق عليه أبو الفضل القاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي (ت 839 هـ) تحقيق محمد الأحمدي أبو النور وآخرين، مطبعة السنة المحمدية مكتبة الخانجي، مصر، 1968 م.
الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (ت حوالي 670 هـ): كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق ابراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، 1394 هـ / 1974 م.
الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي البصري (ق 2 هـ): الجامع الصحيح، ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني تحقيق وتصحيح الشيخ نورالدين السالمي، ط 2، المطبعة السلفية، القاهرة، 1349 هـ
- الرقيق القيرواني (ق 5 هـ): تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق
المنجي الكعبي، مطبعة الوسط، تونس، 1387 هـ/1967 م، الزبيدي أبو بكر محمد بن الحسن (ت 379 هـ): طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، ط 1، طبعة أمين الخانجي الكتبي، مصر، 1373 هـ/1954 م. - السبكي تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي (ت 771 هـ): طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي، عبد الفتاح محمد الحلو، ط 1، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة،
1383 هـ / 1964 م.
-414 - (1/422)
صفحة 423
السمعاني أبو سعد عبد الكريم بن محمد (ت 562 هـ):: الأنساب، تصحيح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، ط 1، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الدكن، الهند، 1383 هـ / 1963 م.
- السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ): - تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محيي الدين الحميد، ط 2، مطبعة السعادة، مصر، 1378 هـ/1959 م
-
- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ط 1، تحقيق محمد أبو
الفضل ابراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي القاهرة
1384 هـ/1965 م.
<
الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد (ت 928 هـ): كتاب السير طبع حجري، قسنطينة، الجزائر، 1301 هـ
الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم (ت 548 هـ): الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1400 هـ /1980 م) أعيد طبعه بالأوفست).
الضبي أحمد بن يحيى بن أحمد (ت 599 هـ): بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، طبع روخس مجريط، 1884.
الطبري أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310 هـ): تاريخ الرسل والملوك تحقيق أبو الفضل ابراهيم، دار المعارف، مصر،. 1960 م. - تفسير الطبري: تحقيق محمود محمد شاكر، أحمد محمد شاكر، دار المعارف، مصر، 1960 م.
القابسي أبو الحسن علي (ت 403 هـ): الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، ط 2، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني دار احياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1955
-415 - (1/423)
صفحة 424
- القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الانصاري (ث 671 هـ): الجامع لاحكام القرآن - أعادت طبعه بالأوفست دار احياء التراث العربي،
بيروت، 1372 هـ / 1952 م.
- القزويني زكريا بن محمد بن محمود (ت 682 هـ): آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1380 هـ/1960 م. القفطي جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف (ت 646 هـ): انباه الرواة على انباه النحاة، ط 1، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1371 هـ/1952 م.
- القلهاتي أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي (حي في أوائل القرن 4 هـ): الكشف والبيان - تحقيق سيدة اسماعيل كاشف، مطبوعات
وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1400 هـ/1980 م
- القيرواني أبو العرب بن أحمد بن تميم (ت 333 هـ): طبقات علماء افريقية وتونس - تحقيق علي الشابي ونعيم حسن اليافي، الدار التونسية للنشر، 1968.
المالكي أبو بكر عبد الله بن أبي عبد الله (ت 453 هـ): رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وافريقية، ط 1، تحقيق حسين مؤنس مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1951 م.
الماوردي أبو الحسن بن محمد بن حبيب (ت 450 هـ): الاحكام السلطانية والولايات الدينية، ط 1، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1380 هـ/1960 م.
المبرد أبو العباس محمد بن يزيد (ت 285 هـ): الكامل في اللغة) باب الخوارج (ط 2، دار الحكمة، دمشق،، 1972 م
مجهول (الفرن 6 هـ): الاستبصار في عجائب الامصار، تعليق سعد زغلول عبد الحميد، مطبعة جامعة الاسكندرية، 1958.
-416 - (1/424)
صفحة 425
المراكشي عبد الواحد (ت 647 هـ): المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العرياني، ط 1، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1368 هـ / 1949 م.
- المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف (ت 471 هـ): كتاب السير، طبعة حجرية، تونس، 1321 هـ.
ـ
المسعودي أبو الحسن علي بن الحسن (ت 346 هـ): مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط 3، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت،
1401 هـ/1981 م
المقدسي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد البنا (ت 388 هـ): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط 2، مطبعة بريل، ليدن
1906 م.
"
- المقري أحمد بن محمد (ت 1041 هـ): نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق احسان عباس، دار صادر، بيروت
1388 هـ / 1968 م
المقريزي تقي الدين أحمد بن علي (ت 845 هـ): اتعاظ الحنفا بأخباز الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، دار الفكر العربي، القاهرة، 1367 هـ / 1948 م.
النديم أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب اسحاق (ت 380 هـ): كتاب الفهرست، تحقيق رضا - تجدد، بلامكان الطبع، 1391 هـ / 1971 م.
- الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم (ت 570 هـ): الدليل لأهل العقول، المطبعة البارونية بطالون مصر، الحجرية،
1306 هـ:
-417 - (1/425)
صفحة 426
- ياقوت الحموي شهاب الدين أبو الله
عبد
الله
بن عبد (ت 626 هـ):
- المشترك وضعا والفترق صقعا، ليدن، 1846 م. - معجم الأدباء، دار المأمون، القاهرة، 1355 هـ / 1936 م.
-
معجم البلدان، دار صادر، بيروت، 1397 هـ / 1977 م.
اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب بن واضح (ت 284 هـ):
البلدان، ط 3، النجف، 1377 هـ / 1957،
- تاريخ اليعقوبي، دار صادر للطباعة والنشر بيروت،
1379 هـ/1960 م.
ثالثا - المراجع الحديثة:
- أبو اليقظان ابراهيم بن الحاج عيسى:
ديوان أبي اليقظان، ط 1، المطبعة العربية الجزائر، 1350 هـ
- سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، المطبعة العربية الجزائر 1376 هـ / 1956 م.
"
احسان عباس: تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن و الهجري، ط 1، دار صادر وليبيا للنشر والتوزيع، بيروت، 1387 هـ / 1967 م.
- أحمد أمين: ضحى الاسلام، 5، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة
1956
ظهر الاسلام، مطبعة خلف، القاهرة، 1377 هـ / 1958 م - أحمد مختار عمر: النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الاسلامي حتى بداية العصر التركي، ط 1، دار الكتب بيروت،
1971/ 1391
أطفيش أمحمد بن يوسف) قطب الأئمة) (ت 1332 هـ / 1913 هـ)
-418 - (1/426)
صفحة 427
- رسالة ان لم تعرف الاباضية يا عقبي يا جزائري، تصحيح قاسم بن سعيد الشماخي العامري وآخر، بلا مكان الطبع 1328 هـ.
- الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان، طبعة حجرية، 1304 هـ - ازالة الاعتراض عن محقي آل اباض، طبعة حجرية، 1231 هـ: - رسالة موسعة في تاريخ وادي ميزاب، طبعة حجرية، 1351 هـ. الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد، طبعة حجرية، بلا
تاريخ.
- الرسالة الشافية في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب، طبعة
حجرية، 1326 هـ
ازهاق الباطل بالعلم الهاطل، طبعة حجرية، 1318 هـ.
- أعوشت بكير سعيد: دراسات اسلامية في الاصول الاباضية، دار البعث ط 1، قسنطينة، الجزائر، 1402 هـ / 1982 م. - ألفريد بل: الفرق الاسلامية في الشمال الأفريقي (من الفتح العربي حتى اليوم) ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار ليبيا للنشر والتوزيع
بنغازي، 1969 م.
- باجية صالح: الاباضية بالجريد في العصور الاسلامية الأولى، دار بوسلامة، تونس، 1972 م.
المباروني أبو الربيع سليمان: مختصر تاريخ الاباضية، ط 2، تونس،
1938 م.
- الباروني سليمان بن عبد الله النفوسي: الأزهار الرياضية في أئمة: وملوك الاباضية، مطبعة الأزهار البارونية مصر، بلا تاريخ).
الله - الباروني عبد بن يحيى النفوسي: رسالة سلم العامة والمبتدئين الى معرفة أئمة الدين، مطبعة النجاح، مصر، 1324 هـ
بن يوسف سليمان بن داود: ثورة أبي يزيد جهاد لاعلاء كلمة الله
-419 - (1/427)
صفحة 428
دار البعث، قسنطينة، ط 1، 1402 هـ / 1981 م.
بوعزيز يحيى: الموجز في تاريخ الجزائر، ط 1، دار الطليعة
للطباعة ولنشر، الجزائر، 1965
بوفيل أي دبليو: الممالك الاسلامية في غرب افريقيا وأثرها في تجارة الذهب عبر الصحراء الكبرى، ترجمة زاهر رياض، المطبـ
الحديثة، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1968.
بونار رابح: المغرب العربي تايخه وثقافته، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981 م
- الجعبيري فرحات: نظام العزابة عند الاباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، تونس، 1975 م.
- الجنحاني الحبيب: دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الاسلامي، ط 1، دار الطليعة، بيروت،
1980
- المغرب الاسلامي الحياة الاقتصادية والاجتماعية (3 ـ 4 هـ/9 ـ 10 م) الدار التونسية للنشر، تونس، 1977 م.
- الجيلالي عبد الرحمن بن محمد: تاريخ الجزائر العام، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ط 2، دار مكتبة الحياة، بيروت،
1384 هـ/1965 م
- حسن ابراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية في المغرب ومصر وسورية وبلاد العرب، ط 2، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة،
1958
- تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ط 6، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1961 م.
-420 - (1/428)
صفحة 429
النظم الاسلامية، ط 2، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة
1959 م. - حسن حسني عبد الوهاب: ورقات عن الحضارة العربية بافريقية التونسية مكتبة المنار، تونس، 1964 م.
-
حكمت نجيب عبد الرحمن: دراسات في تاريخ العلوم عند العرب، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة الموصل،
1397 هـ / 1977 م. خليفات عوض: نشأة الحركة الأباضية، جامعة الأردن، عمان
1978 م.
- النظم الاجتماعية والتربوية عند الاباضية في شمال افريقية في مرحلة الكتمان، عمان، الأردن، 1982 م.
دائرة المعارف الاسلامية: انتشارات جهان - تهران - بوذر جمهري
المواد: تاهرت - رستم (نو رستم) - بربر - الزاب - السودان
- دبوز محمد علي: تاريخ المغرب الكبير، مطبعة عيسى البابي الحلبي
القاهرة، 1383 هـ / 1963 م.
- الدورى تقي الدين عارف: صقلية علاقاتها بدول البحر المتوسط الاسلامية من الفتح العربي حتى الغزو النورمندي، دار الرشيد
بغداد، 1980 م.
الراوي عبد الستار عز الدين: ثورة العقل دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد، دار الرشيد، بغداد، 1982 م
رفعت فوزي عبد المطلب: الخلافة والخوارج في المغرب العربي (الصراع بينهما حتى قيام دولة الأغالبة) ط 1، بلا مكان الطبع 1393 هـ / 1973 م
-421 - (1/429)
صفحة 430
- زامباور (المستشرق): معجم الأنساب والاسرات الحاكمة في التاريخ الاسلامي، ترجمة زكي محمد حسن بك وآخرون، مطبعة جامعة فؤاد الأول، القاهرة، 1370 هـ/1951 م
الزاوي طاهر أحمد: أعلام ليبيا، ط 1، مطبعة عيسى البابي الحلبي
مصر، 1381 هـ / 1961 م.
- زبادية عبد القادر: مملكة سنغاي في عهد الأسيقيين، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1971 م.
الزرو خليل داود: الحياة العلمية في الشام في القرنين الأول والثاني للهجرة، ط 1، دار الأفاق الجديدة، بيروت، 1971 م.
- زغلول عبد الحميد سعد: تاريخ المغرب العربي ليبيا - تونس - الجزائر - المغرب، دار المعارف، مصر 1384 هـ/1964 م
السمائلي سالم بن حمود بن شامس السيابي: ازالة الوعثاء عن اتباع أبي الشعثاء. تحقيق سيدة اسماعيل كاشف - منشورات وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1979 م.
السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، العصر الاسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، 1981 م.
- شارل أندري جوليان: تاريخ افريقيا الشمالية - تونس الجزائر - المغرب الأقصى ترجمة محمد مزالي، البشير بن سلامة، الدار التونسية
للنشر الشركة الوطنية للنشر، الجزائر، 1398 هـ/1978 م.
شاوش محمد بن رمضان: الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد التاهرتي طبع المطبعة العلوية، مستغانم، الجزائر، 1385 هـ / 1966 م.
صبحي الصالح: النظم الاسلامية، نشأتها وتطورها، ط 1، دار العلم للملايين، بيروت، 1385 هـ/1965 م.
-422 - (1/430)
صفحة 431
- صفر أحمد: مدنية المغرب العربي في التاريخ، دار النشر بوسلامة،
تونس، 1959 م.
- طه حسين: الفتنة الكبرى، دار المعارف، القاهرة، 1956 م. العدوي ابراهيم أحمد: بلاد الجزائر، تكوينها الاسلامي والعربي، المطبعة الفنية الحديثة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1970.
- عويس عبد الحليم: دولة بني حماد صفحة رائعة من التاريخ الجزائري، ط 1، دار الشروق، بيروت، 1400 هـ / 1980 م.
- فيلالي عبد العزيز: العلاقات السياسية بين الدولة الأموية في الأندلس ودول المغرب، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر.
1982 م. - الكعاك عثمان: البربر، سلسلة كتاب البعث، الكتاب الخامس ط 1، بلا مكان الطبع، 1956 م
- موجز التاريخ العام للجزائر منذ العصر الحجري الى الاحتلال الفرنسي، مطبعة العرب، تونس، 1344 هـ/1925. - محاضرات في مراكز الثقافة في المغرب، المطبعة الكمالية مصر، 1958 م.
- لقبال موسى: المغرب الاسلامي منذ بناء معسكر القرن حتى انتهاء ثورات الخوارج (سياسة ونظم (ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة،
1969 م. الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي) نشأتها وتطورها) ط 1،
الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1971.
لوبون غوستاف: حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، ط 3، دار
احياء التراث العربي، بيروت 1399 هـ / 1979 م.
-423 - (1/431)
صفحة 432
لومبارد موريس: الجغرافيا التاريخية للعالم الاسلامي خلال القرون الأربعة الأولى، ترجمة عبد الرحمن حميدة. دار الفكر دمشق 1399 هـ/1979 م. - مؤنس حسين: فجر الأندلس من الفتح الاسلامي الى قيام الدولة الأموية (711) - 756 م)، ط 1، الشركة العربية للطباعة والنشر القاهرة، 1959 م.
-
المجدوب عبد العزيز: الصراع المذهبي بافريقية الى قيام الدولة الزيرية تقديم علي الشامي، الدار التونسية للنشر، تونس، 1390 هـ/1975 م.
- محمود اسماعيل: الخوارج في المغرب الاسلامي، دار العودة، بيروت،
1976 م.
-
المدني أحمد توفيق: هذه
1956
هي
الجزائر، مكتبة النهضة المصرية،
- كتاب الجزائر، ط 2، نشر دار الكتاب، الجزائر، دار المعارف
مصر، 1382 هـ / 1963 م أو المطبعة العربية، الجزائر، 1350 هـ
الله - المضير بي عبد سالم بن حمد: العقود الفضية في أصول الاباضية لبنان، بلا) تاريخ (الطبع.
- معمر علي يحيى: الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة 1، نشأة المذهب الاباضي، ط 1، مطابع دار الكتاب العربي، مكتبة وهبة
القاهرة، 1384 هـ/1964 م. - الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة 2، الاباضية في ليبيا، ط 1، مكتبة وهبة، القاهرة، 1384 هـ/1964 م.
- الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة 3، الاباضية في تونس
ط 1، دار الثقافة، بيروت، 1385 هـ / 1966 م.
-424 - (1/432)
صفحة 433
-
- الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة 4، الاباضية في الجزائر، مطبعة الدعوة الاسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة 1399 هـ / 1979 م. - الاباضية بين الفرق الاسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، ط 1، مطابع سجل العرب، مكتبة وهبة،
1396 هـ/1976 م.
الميلي مبارك بن محمد: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر، 1350 هـ.
الميلي محمد وشريط عبد الله: الجزائر في مرآة التاريخ، مكتبة:
البعث، قسنطينة، الجزائر، 1955 م.
- نويهض عادل
:
معجم اعلام الجزائر، (من صدر الاسلام حتى
منتصف القرن العشرين)، ط 1، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، 1971 م.
هاشم مهدي طالب: الحركة الاباضية في المشرق العربي، نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري. رسالة ماجستير في
التاريخ، جامعة بغداد، 1977 م
رابعا - الدوريات العربية:
-
مجلة الأصالة، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر
احسان عباس: المجتمع التاهرتي في عهد الرستميين، عدد 45، السنة الخامسة، جمادى الأول 1397 هـ / ماي 1977 م.
بلغراد محمد: الحركة الاباضية في تاهرت وسدراتة وغرداية، عدد 41، السنة السادسة، محرم 1397 هـ/ جانفي 1977 م.
بن يوسف سليمان داود: مجهودات الدولة الرستمية في نشر الحضارة
28
-425 - (1/433)
صفحة 434
الاسلامية وتركيزها، عدد 49 - 50، السنة السادسة رمضان شوال
1397 هـ/ سبتمبر أكتوبر 1977 م.
- البوعبدلي المهدي: لمحات من دور الدولة الرستمية في ميادين الحضارة. والفكر لبعض الباحثين القدامى والمتأخرين، عدد 41، السنة
السادسة، محرم 1397 هـ/ جانفي 1977 م.
سلفادور غومث نوغاليس: الرستميون قنطرة صلة بين الجزائر والأندلس من خلال الاباضية، عدد 46 - 47، السنة السادسة، جمادى الثانية، رجب 1397 هـ / 1977 م.
- عمرو خليفة النامي: ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرستمية حتى أواخر القرن السادس الهجري، عدد 42 - 43، السنة السادسة، صفر، ربيع الأول /1397 هـ / فيفري، مارس 1977 م.
- فخار ابراهيم: دور الرستميين في وحدة مغرب الشعوب، عدد 42 - 43، السنة السادسة، 1397 هـ فيفري، مارس 1977 م.
وداد القاضي: ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، عدد 45، السنة الخامسة، جمادى الأولى 1397 هـ ماي 1977 م، (طبع على الغلاف
خطأ سنة 1975 م).
مجلة التاريخ: المركز الوطني للدراسات التاريخية الجزائر. عبد الحميد حاجيات: مبدأ الشورى في نظام الحكم بالمغرب العربي خلال العصر الوسيط، عدد 12، 1982 م.
المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، طبع الشركة التونسية لفنون الرسم
تونس
- الجنحاني الحبيب: تاهرت عاصمة الدولة الرستمية
-426 - (1/434)
صفحة 435
(161 هـ ـ 296 هـ / 777 م - 909 م) عدد 40 ـ 43، أفريل
1975 م
• مجلة سرتا: معهد العلوم الاجتماعية، بجامعة قسنطينة، الجزائر، مطبعة البعث قسنطينة
- فيلالي عبد العزيز: جوانب من العلاقات التجارية بين الرستميين والأمويين في الأندلس، عدد 3، السنة الثانية، رجب 1400 هـ/
ماي 1980 م
صحيفة معهد الدراسات الاسلامية في مدريد، مطبعة معهد
الدراسات نفسه مدريد - أحمد مختار العبادي: سياسة الفاطميين نحو المغرب والأندلس،
م 5، عدد 1 - 2، 1377 هـ / 1957 م. 1377 هـ/1957 م
- محمد بن تاويت: دولة الرستميين أصحاب تاهرت، م 5،
عدد 1 - 2، 1377 هـ/1957 م.
مجلة العربي الكويتية: الكويت
- مصطفى نبيل: عالم مزاب المسحور رحلة الى الصحراء الجزائرية عدد 286، ذو القعدة سبتمبر 1982 م.
فهمي هويدي: ذكر ما جرى للعلم الذي باض في مكة ونهض الى
عمان
، عدد 293، افريل 1983 م.
مجلة المؤرخ العربي: الامانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب. بغداد
العراق.
فاروق عمر فوزي: ملامح من تاريخ حركة الخوارج الاباضية كما
تكشفها مخطوطة الأزكوي. العدد الثاني، 1975 م
القابسي نجاح: المعاهد والمؤسسات التعليمية في العالم الاسلامي،
عدد 19، السنة 1981 م.
-427 - (1/435)
صفحة 436
مجلة المورد: دار الحرية للطباعة، بغداد، العراق
فاروق عمر فوزي: ببليوغرافيا في تاريخ عمان، عدد 4، المجلد
الثالث، 1394 هـ / 1974 م.
- المحاضرات:
- الثميني محمد: «مفهوم الشورى والديمقراطية في التاريخ العربي لدى الرستميين والجماعات المحلية بوادي ميزاب بالجنوب الجزائري» محاضرة ألقيت في المؤتمر البرلماني العربي الثاني - الجزائر 8 - 12 آذار (مارس)
1981 م
الجنحاني الحبيب: «العلاقات السياسية والاقتصادية في افريقية والمغرب الأوسط فيما بين القرن الثاني والخامس للهجرة (8 - 11) للميلاد» محاضرة ألقيت في الملتقى الثاني عشر للفكر الاسلامي
المنعقد بباتنة الجمهورية الجزائرية، المحاضرة تحت رقم 46 سنة 1978 دجال صالح بكير: معتمد الاباضية في الحديث مسند الربيع بن حبيب محاضرة الملتقى السادس عشر للفكر الاسلامي - تلمسان، الجزائر 1402 هـ / 1982 م.
- شريفي بلحاج: «التفسير ومناهجه عند علماء الاباضية» محاضرة ألقيت في الملتقى الخامس عشر للفكر الاسلامي المنعقد بالجزائر العاصمة سنة 1401 هـ/1981 م.
المدني أحمد توفيق: «مدخل لدراسة الدولة الرستمية واسهامها في التطور الفكري والحضاري» محاضرة ألقيت في الملتقى الحادي عشر للفكر الاسلامي المنعقد بوارجلان - الجمهورية الجزائرية سنة
1977 م.
-428 - (1/436)
صفحة 437
خامسا - المراجع الأجنبية
- Basset Henri: Essai sur la Littérature des Berbères, Imp. Jules Carbonel, Paris, 1920.
1
- Basset René: Fastes Chronologiques de la Ville d'Oran, Imp. Paul Perrier, Ed. E. Leroux, Paris, 1882.
-
-
Ben Romdhane Khaled: Les Monnaies Almohades, Aspects Idéolo- giques et Economiques, Thèse de Doctorat 3 o Cycle, Université de Paris, 1978.
– Cherbonneau M.: Documents Inédits sur Obeid Allah, Fondateur de la Dydnastie Fatimide, traduit de la Chronique d'Ibn Hammad, Imp. Impériale, 1955.
- Cuperly Pierre: Professions de Foi Ibadite: Contribution à l'Etude de l'Ibadisme de sa Théologie, Université de Paris IV Sorbonne, Thèse de Doctorat d'Etat, Paris 1982.
- Dengel Gérard: l'Lmamat Ibadite de Tahert (761 - 909), Thèse de Doctorat 3 Cycle, Strasbourg, Université des Sciences Humaines, 1977.
- Despois Jean: Le Djebel Nefousa (Tripolitaine), Etude Géographique, Edit. Larose, Paris, 1935.
- Encyclopédie de l'Islam (E-I) Nouvelle Edition-Leiden E.J. Brill 1971. Matières: Halka, fikh etc.
Laroui Abdullah: L'Historie du Maghreb (un essai de synthèse), Imp. Corbière, Petite Collection n° 134, Paris, 1975.
-Lewicki Tadeusz: Etudes Ibadites Nord Africaine, Partie I, Tasmiya Suyuh Gabal Nafusa. Wa-Qurahum, Contenue dans le "Siyar Al-Masaih" (VI-XII. S), Warszawa, 1955.
- Une Chronique Ibadite "Kitab As-Sijar”, Extrait de la Revue des Etudes Islamiques (E.I). Cahier L, Librairie Orientale, Paris, 1934. - Mélanges Berbères Ibadites, Extrait de la Revue (E.I), Cahier III, Librairie Orientale, Paris, 1936.
- Marçais Georges: Manuel d'Art Musulman "L'Architecture", Tunisie, Algérie, Maroc, Espagne, Sicile du IXe au XIIe S., 1 ere Edition, Auguste Picard, Paris, 1926.
- Là Berbérie au IXe siècle d'après El-Yaquoubi, Extrait de la Revue Africaine (R.A) n° 386 - 387, 1 er et 2 e trimestre, Alger, 1941.
-429 -
- (1/437)
صفحة 438
- La Berbérie Musulmane et l'Orient au Moyen-Age, Imp. Typo- Litho, Edition Montaigne, Alger, 1946.
- Marçais G. et S., Gsell et G. Yves: Histoire d'Algérie, Ancienne Librairie Furne, Paris, 1927.
- Marçais G. et Charles Diehl: Histoire du Moyen-Age, Les Presses Universitaires de France, Paris, 1936.
- Masqueray Emile (Traduction): Chronique d'Abou Zakaria, Imp. de l'Association Ouvrière, Alger, 1878.
- Provençal Ellevi: La Vie Economique de l'Espagne Musulmane au X S., (Extrait de la Revue Historique), Tome CLXVII, Année, Imp. Daupeley, Paris, 1931.
- Histoire de l'Espagne Musulmane, Imp. Durand-Leiden, T. I, 1950, Tome III, 1967.
- Reichelein Anne-Marie Abderrahim: Contribution à l'Etude de la Vie Sociale et Economique de la Communauté Ibadite du Mzab - Algérie La Poterie Comme Expression Technique et Culturelle, Thèse de Doctorat 3° Cycle en Sociologie, Paris, 1980.
سادسا - الدوريات الأجنبية
- André Nègre: La Fin de l'Etat Rustamide, Revue d'Histoire et de Civi- lisation du Maghreb, Faculté des Lettres d'Alger, Imp. IPN, Alger, Juillet 1969.
- Basset René: Les Sanctuaires du Djebel Nefousa, Journal Asiatique "(J.A), 9 o Série, Tome XIII, Imp. Nationale, Paris, Janvier-Février 1899.
- Bekri Chikh: Le Kharijisme Berbère, Quelques Aspects du Royaume Rustumide, Annales de l'Institut d'Etudes Orientales (A.I.E.O), Uni- versité d'Alger, Tome XV, Alger, 1957.
- Bouruiba Rachid: Tiaret Tagdempt de l'Emir Abdelkader, Majallat El-Tarikh, Centre National d'Etudes historiques, N° 4, Alger, Avril 1977.
- Canal J.: Tiaret (Monographie Ancienne et Moderne), Bulletin de la Société de Géographie et d'Archéologie de la Province d'Oran (S.G.A.O), Tome XX, Oran, 1900.
-Gautier E.F.: Considérations sur l'Histoire du Maghreb, Revue Afri- caine (R.A), 1 er et 2 e Trimestre, Alger, 1927.
- 430 - (1/438)
صفحة 439
- Hamadi Sammoud: Un Exégere Oriental en ifriquiya, Yahya Ibn Sallam, Revue IBLA. n° 126, Tunis, 1970.
- Lewicki Tadeusz: L'Etat Nord Africain de Tahert et ses Relations avec le Soudan Occidental à la Fin du VIIIe au IX S., Cahiers d'Etudes Africaines (C.E.A), Vol. II, (8), Paris, 1962.
- Lombard Maurice: Les Bases Monétaires d'une Suprématie Econo- mique. L'Or Musulman du VIIe au XI S., Annales Economies Sociétés Civilisations (A.S.E.C), 2° Année, n° 2, Paris-Avril-Juin, 1947.
-
- Marçais G. et Lamarre D.: Tihert - Tagdemt, Revue Africaine (R.A.), Tome XC, 9° Année, Alger, 1946.
– Moutylinski A. de C.: L'Aquida des Abadhites, Recueil de Mémoires et de Textes Publiés en l'Honneur du XIV Congrès Internationale des Orientalistes, Imp. Orientale, Alger, 1905.
-Chronique d'Ibn Saghir (Traduction), Actes du 14 o Congrès Inter- national des Orientalistes. Alger, 1905, 3 o Partie, Paris, 1908.
-Schacht J.: Sur la Diffusion des Formes d'Architecture Religieuse Musulmane à Travers le Sahara, Travaux de l'Institut de Recherches Saharienne (T.I.R.S.), Tome XI, 1 er Semestre, Alger, 1954.
- Vanacker Claudette: Géographie Economique de l'Afrique du Nord Selon les Auteurs Arabes, du IX Siècle au Milieu du XIIe Siècle, in Annales Economies, Sociétés, Civilisations (A.E.S.C), 28° Année, N° 3, Mai-Juin, 1973, Imp. Armand Colin, Paris, 1973.
ملاحظة عامة حول المصادر والمراجع المعتمدة:
توجد عدة مصادر ومراجع اعتمد عليها الباحث ولم يذكرها ضمن هذه
القائمة، واكتفى بذكرها في الهوامش لاغير ....
وانظر مقدمة الطبعة الثانية
-431 - (1/439)
صفحة 440
EXTRAIT*
Le califat omeyade finit en 132 H/750 G, et fut succédé par les Abbas- sides. Durant cette période qui commença avec le début du 2 o siècle de l'hégire, le mouvement Kharedjite en Orient fit preuve d'une grande activité et fut porté à l'ouest par deux de ses sectes: 1"Ibadisme" et la "Souffriya".
Les peuples du Maghrib montrèrent un grand intérêt pour les deux sectes. Ils trouvèrent en eux une issue contre l'oppression de certains gouvernants. Ils commencèrent plusieurs révoltes depuis 122 H, qui aboutirent à la naissance de deux états indépendants au Maghrib.
Ce document de recherche concerne l'étude de l'un de ces deux états: l'Etat Rostomide qui fut fondé en 160 H/777 G et se limite aux aspects politique, économique et culturel. Par conséquent, cette étude comporte trois parties et une introduction se rapportant à la situation au Maghrib antérieure à 160 H/777 Grégorien.
La première partie concerne l'aspect politique et comporte quatre chapitres.
Le premier décrit le dogme Ibadite, sa naissance et ses croyances.
Le deuxième un essai pour déterminer une date approximative de la fondation de TIHERT: capitale des Rostomides.
Une approche de la personnalité de Abderrahmane Ibn Rostom fondateur de l'Etat, et de son origine persanne.
Le troisième concerne la situation politique générale de l'Etat Rostomide jusqu'à sa fin en 296 H/909 G sous les coups de Abou Abdallah Echii le Fatimide.
La seconde partie étudie la situation économique en 7 chapitres.
Le premier sur l'agriculture et l'élevage.
Le deuxième sur l'industrie et les différents métiers.
ترجمه من الانجليزية إلى الفرنسية، حمدي أبو اليقظان يحيى
-432 - (1/440)
صفحة 441
Le troisième détaille le commerce intérieur: marchandises, marchés, instruments de mesure et étudie la possibilité de l'existence d'une monnaie rostomide en or.
Le quatrième traite du commerce extérieur avec l'Orient et l'Occident arabes ainsi que les routes commerciales, l'import et l'export.
Le cinquième concerne spécialement le commerce avec le Soudan de l'Ouest (Afrique Noire) et étudie ses routes, l'import, l'export, ses diffi- cultés et ses caractéristiques. Ce commerce était fructueux à cause de l'or et de la traite des esclaves dont la demande était importante.
Le sixième étudie les "Bouyout El Amwal" et Dar Ezzakat (le Trésor), ainsi que leurs revenus et leurs dépenses, mais les dates font défaut.
Le septième étudie "Al Hisba" et le niveau de vie.
La troisième partie étudie la vie culturelle en cinq chapitres.
Le premier démontre le rôle efficace ou (effectif) des gouvernants dans la vie culturelle.
Le deuxième concerne les institutions pédagogiques, leurs niveaux et leurs qualifications.
Le troisième étudie les sciences et les éminents savants, ce qui dis- tingue l'histoire culturelle Rostomide telle que la jurisprudence, la logique des autres rites. Sont aussi traitées, aussi bien les langues Arabe et Berbère que les efforts déployés par les Rostomides pour arabiser les Berbères.
Le quatrième étudie le rôle de la femme dans la vie culturelle. Tandis que le cinquième et dernier chapitre concerne les relations culturelles avec les Etats du Maghreb et de l'Andalousie d'une part et, avec les Etats de l'Afrique Noire et de l'Orient arabe, d'autre part.
Enfin, l'étude se termine par un récapitulatif sur les plus importants faits de la civilisation Rostomide dans le Proche et Moyen Maghrib durant les second et troisième siècles de l'hégire.
-433 -
Ibrahim (1/441)
صفحة 442
[صفحة فارغة] (1/442)
صفحة 443
أبان: 252
فهرس الأعلام
أ
أبان بن وسيم الويخوي (أبوذر): 107 - 168 - 286 ـ 305 ـ 319 - 378 ابراهيم بن أحمد الأغلبي: 130 - 328
ابراهيم بن إسماعيل (أبوعيسى): 397
ابراهيم بن الأغلب: 11
ابراهيم بن سليمان الباروني
45:
ابراهيم بن عبد الرحمن التنسي (أبو إسحاق): 386
ابراهيم بن قطن المهري: 352 - 353
ابراهيم النبي عليه السلام: 376 ابن الآبار أبو عبد الله محمد: 43 ابن أبي أصيبعة: 43 - 373 ابن أبي دريس: 266 - 314
ابن الاثير عزالدين: 35
ابن بطوطة: 214 - 389
ابن تيمية أبو العباس تقي الدين أحمد: 34
ابن الجمع: 385
ابن حزم علي بن سعيد الاندلسي: 43 ـ 290 - 386
ابن حوقل (الجغرافي): 42
ابن خرداذبة (الجغرافي): 42
ابن خلدون عبد الرحمن: 35 - 38 - 216 - 371 ابن خلف بن السمح: 101 - 150 - 328
-435 - (1/443)
صفحة 444
ابن خلكان شمس الدين أحمد: 366
ابن الصغير: 17 - 32 - 34 - 36 - 39 - 40 - 45 - 53 - 54 - 177
372 370 - 369 353 - 334 - 323 - 311.
ابن الصغير الهواري: 313 -
ابن طولون: 243
ابن عباد المصري: 393
ابن عذاري المراكشي
-
36 35:
ابن عرفة أنظر محمد بن عرفة ابن قتيبة
الله أنظر عبد
بن مسلم ابن الكلبي: 301
ابن مسالة: 124
ابن مغطير الجناوني: 315 - 316
ابن نباتة عبد العزيز (الشاعر): 366 ابن وردة: 177 - 252
ابن يانس أنظر محمد بن يانس أبو أحمد بن أفلح: 291 أبو الأزهر الهواري: 286 - 383
أبو إسحاق أنظر ابراهيم بن عبد الرحمن التنسي أبو إسحاق
أنظر أطفيش ابراهيم أبو أيوب: 189.
أبو البختري أنظر وهب بن وهب أبو بكر بن أفلح (الإمام): 20 - 34
355 296 272 - 271 - 258 - 247 - 125 122 117.- 47 -
-
-
399 - 395 - 372 - 367
-
أبو بكر الصديق (ض): 91 - 368
أبو تمام أنظر حبيب بن أوس الطائي (الشاعر) أبو تميم أنظر المعز لدين الله الفاطمي
أبو جعفر أنظر المنصور (الخليفة العباسي)
أبو جمال المدوني أو أبو أحمد جمال: 107 - 302 - 320 - 321
-436 - (1/444)
صفحة 445
أبو حاتم أنظر يعقوب بن حبيب أبو حاتم أنظر يوسف بن أبي اليقظان، أبو حامد أنظر الغزالي أبو حبيب: 383 أبو الحسن الأبدلاني: 284 - 336 أبو الحسن أنظر جناو بن الفتى المديوني أبو الحسن أنظر علي بن الجهم أبو حفص أنظر عبد الجبار بن خالد أبو حامد النفوسي: 392
أبو حمزة الشارى: 368 - 369
أبو حنيفة النعمان بن ثابت: 75 - 278 - 322 - 332 - 333
أبو خزر أنظر يغلا بن زلتاف
أبو الخطاب أنظر عبد الأعلى بن السمح المعافري أبو خليل أنظر صال الدركلي
أبوداود القبلي النفزاوي: 65 - 76 - 283 ـ 305 - 316
أبو دنون: 322
أبو ذر أنظر أبان بن وسيم الويغوى أبو الربيع: 300
أبو الربيع أنظر سليمان
أبو الربيع أنظر سليمان بن يخلف أبو الربيع أنظر سليمان بن زرقون أبو رستم النفوسي: 213 أبوزكرياء التوكيتي: 316 - 317. أبو زكرياء أنظر يحيى بن سلام أبو زكرياء أنظر يحيى بن مالك أبو زكرياء أنظر يحني الورجلاني أبو سعيد أنظر بحيج بن خداش
-437 - (1/445)
صفحة 446
347 - 344:
أبو سهل النفوسي أو الفارسي أبو صالح أنظر جنون بن يمريان
أبو عائشة: 191
أبو العباس بن فتحون: 266 - 314
أبو عبد الله الشيعي: 14 - 23 - 108 - 109 ـ 127 - 129 ـ 133 ـ 215
-
405 404 375 341 320 292 290 - 279 - 273 -
-
أبو عبد الله أنظر محمد بن بكر النفوسي
أبو عبد الملك بن قطن المهري: 352 - 353
أبو عبيدة الأعرج: 286 - 307 - 311 ـ 313 - 334 - 352
أبو عبيدة بن الجراح: 368
أبو عبيدة أنظر عبد الحميد الجناوني
أبو عبيدة أنظر مسلم بن أبي كريمة أبو عبيدة أنظر معمر بن المثنى
أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم: 364
أبو عثمان المزاتي: 149
أبو العرب أنظر محمد بن
أحمد التميمي
أبو عمار أنظر عبد الكافي
أبو عمران أنظر موسى بن زكرياء
أبو عمرو أنظر حفصون النفوسي أبو عمرو أنظر عثمان بن خليفة أبو عيسى أنظر ابراهيم بن إسماعيل أبو غانم أنظر بشر بن غانم الخرساني أبو الفضل أنظر العباس بن محمد الصواف أبو القاسم أنظر سدرات بن الحسن أبو محمد الصيرفي: 233
أبو محمد أنظر عبد الله بن الخير
-438 - (1/446)
صفحة 447
أبو محمد أنظر عبد
الله
بن محمد العاصمي الله بن. محمد المكفوف
أبو محمد أنظر عبد أبو محمد أنظر ماكسن بن الخير أبو محمد أنظر ملي
أبو مرداس أنظر مهاصر السدراتي
أبو مسعود: 322
أبو معروف: 181
أبو معروف أنظر ويدران بن جواد أبو منصور أنظر الياس
أبو المنيب أنظر محمد بن يانس أبو مهدي أنظر عيسى بن إسماعيل أبو ميمون: 284
أبو ميمون الجيطالي: 318 أبو نوح: 340
أبو هارون أنظر الجلالمى موسى بن يونس أبو هريرة الزناتي: 67 - 68 أبو هلال: 144
أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي: 388 أبو يزيد أنظر مخلد بن كيداد أبو يعقوب المزاتي: 127
أبو يعقوب أنظر يوسف بن ابراهيم أبو يعقوب أنظر يوسف بن محمد أبو اليقظان (الإمام) أنظر محمد بن أفلح أبو اليقظان (الشيخ): 166 - 182 أبو يوسف أنظر المنصور الموحدي أبو يوسف أنظر وجدليس بن في
-439 - (1/447)
صفحة 448
أبو يوسف أنظر يعقوب بن أبراهيم أبو يونس أنظر وسيم
إحسان عباس (الدكتور): 50 - 53 - 355
أحمد أبو الفضل بن قاسم (البزاز): 386
أحمد أمين: 308
أحمد بن بشير: 39 - 371
أحمد بن منصور: 266 - 314
أحمد التيه: 266 - 314
الأحنف بن قيس: 74
إدريس الأول بن عبد الله
395_208 - 87 - 11:
الادريسي (الجغرافي): 42
أروى بنت عبد الرحمن بن رستم: 100 - 113 - 211 ـ 384 ـ وأنظر هنو بنت عبد الرحمن
الأزكوي سرحان بن سعيد: 33
إسماعيل بن درار الغدامسي: 65 - 76 - 305 - 316
إسماعيل بن رباح الجزري: 277
إسماعيل العربي: 25
اشريفي بلحاج: 302 ـ 303
أطفيش ابراهيم (أبو إسحاق): 302 - 347
أطفيش أمحمد بن يوسف (قطب الأئمة) الأئمة): 44 - 45 - 80 - 268
أفلح بن عبد الوهاب (الإمام): 19 ـ 24
107 - 103 - 102 - 95
32
251 - 236 - 234 - 232 - 231 - 228 - 210 - 170 122 119 -
330 - 325 306 304 301 - 296 - 282 - 270 - 268 - 254 -
372 369 360 - 359 - 357 - 354 348 344 343 331 -
399 - 394 - 375 - 374_
إلياس أبو منصور: 103 - 125 - 126 - 149 - 150 - 161 - 196 - 236
-440 - (1/448)
صفحة 449
396 - 359.
إليسع بن أبي القاسم سمكو بن واسول: 11 - 113 - 173 - 384
أم الخطاب: 167 أم يحيى: 380
آن ماري (Anne Marie) : 171 أهاب بن مازون النفوسي المالكي: 324 أيوب بن العباس: 284 - 336 -
بابانو (الشيخ).: 26
46 - 44 - 38 - 37
الباروني سليمان بن عبد الله بحيج بن خداش أبو سعيد: 310
البرادي أبو القاسم محمد بن ابراهيم: 29 - 31 البزاز أنظر أحمد أبو الفضل بن قاسم
-
بشر بن غانم الخرساني (أبو غانم): 288 - 289 - 304 ـ 380 - 396 - 397
بكر بن حماد التيهرتي: 20 - 308 - 310 - 322 ـ 323 ـ 356 - 361
393 - 384 - 365 -
البكري أبو عبيد الله (الجعرافي)
-
43 - 42:
بلحاج الشيخ باشعادل: 267 - 301
بهرام بن كسري: 93
بهلولة "وسية: 378
بوروية رشيد (الدكتور): 53
البو عبدلي المهري: 53
بونار رابح (الدكتور): 50 بيريز الإبن (Mr Perez fils) : 183
تقي زوج مدرار بن اليسع: 384
ت
29
29
-441 - (1/449)
صفحة 450
ج
جابر بن زيد الأزدي (إمام) (الإباضية): 50 - 74 - 76 - 80 - 296 - 304
394 - 306 -
جاماسب بن فيروز بن يزدجرد: 93
الجلالمي موسى بن يونس النفوسي (أبو هارون): 286 - 287
جناو بن الفتى المديوني (أبو الحسن): 321
الجنحاني الحبيب: 51
جنون بن يمريان أبو صالح: 320
جوتييه (Gautier) : 11
-
جيرارد دانجيل Gerard) : 44 - 57
الجيلالي عبد الرحمن: 48 - 49 -
الحاج سعيد محمد أيوب: 33 - 222
ح
حاجي خليفة صاحب كشف الظنون): 306 حبيب بن أبي عبدة أو عبيدة الفهري: 64 - 207
حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب: 65
الحجاج بن يوسف الثقفي: 75
حرقوص بن زهير السعدي: 30
حسان بن النعمان: 242
الحسن البصري: 332300
حفصون النفوسي أبو عمرو: 383
حكمت نجيب (الدكتور): 375
حموية: 252
الحميدي محمد بن فتوح: 43
- 442 - (1/450)
صفحة 451
خ
خالد بن أبي حبيب الفهري: 64 خالد بن حميد الزناتي: 64
الخبيث بن الطيب: 102 - 120
خلف بن السمح: 102 - 120 - 121 - 126 - 330 - 357 - 369 - 379
- 380 -
دبوز محمد علي: 47 - 48
الدرجني أبو العباس أحمد بن سعيد: 26 - 33 دعبل الخزاعي (الشاعر): 362
دوسرا بنت أبي حاتم يوسف: 129 - 404 دوسوس لامار Dessusse) : 55 - 171 -
رابح بونار (الدكتور): 361
ر
الربيع بن حبيب الفراهيدي (صاحب (المسند): 76 - 201 - 269 - 304
307 - 306 -
رستم بن بهرام بن كسرى: 93
رستم
قائد جيوش الفرس في القادسية: 93
رستم والد عبد الرحمن: 94 - 375
الرقيق القيرواني: 32 - 35 - 36
روح بن حاتم: 113 ـ 119 ـ
ز
الزبيدي محمد بن الحسن: 43 ـ 352 ـ 353
زغلول عبد الحميد سعد (الدكتور): 50
-443 - (1/451)
صفحة 452
زياد بن أبيه: 295
زيديت بنت عبد الله الملوشائية: 346
س
سالم بن يعقوب (الشيخ): 367
سالم عبد العزيز السيد (الدكتور): 49
السبكي تاج الدين: 366
ستيفان قزال Stephane G) : 170
سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي: 308 - 324 - 333
سدرات بن الحسن البغطوري أبو الحسن: 305 - 319 - 328
سعد بن أبي يونس: 107
سعدوس بن عطية أبو الموفق: 115 - 314
سعيد بن زيد: 115
سعيد بن عباس السرتي: 308
سلام بن عمرو اللواتي: 107 - 393
سلفادور غومت نوغاليس (الدكتور): 53
سلمه بن سعد. أو سعيد: 10 - 61 - 76 - 77 - 95
سلمة
بن قطفة: 107
سليمان أبو الربيع: 313
سليمان بن زرقون النفوسي (أبو الربيع): 368 ـ 385
سليمان بن يخلف أبو الربيع): 25 - 26 - 315
-
سليمان داود بن يوسف: 275 - 278 -
السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى: 120 - 357 سيف الدولة الحمداني: 366
-444 - (1/452)
صفحة 453
ش
شاخت (Chasht) : 389
شعيب بن المعروف: 393
الشكاس أبد الله: 276 - 280
شكر بن صالح الكتمامي: 115 - 314
الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد: 26 - 28 - 32 - 33 - 45 - 46
381 -
الشهرستاني محمد بن عبد الكريم: 43
شيخ بکري: 56
ص
صال الدركلي أبو خليل: 281 ـ 305 ـ 319
الصقر: 191
صهيب: 191
ض
الضبي أحمد بن يحيى: 43
طالب الحق أنظر عبد
الله
بن يحيى
الطبرى أبو جعفر محمد بن جرير: 35
طلاي ابراهيم (الأستاذ): 26 - 28 -
عاصم بن جميل: 65
ع
عاصم السدراتي: 65 - 76 - 283 - 284 - 305
العباس بن
أحمد بن طولون: 125 - 130 - 359
-445 - (1/453)
صفحة 454
العباس بن محمد الصواف الغدامسي أبو الفضل: 323
بن السمح المعافري أبو الخطاب: 63 - 65 - 68 - 70 - 76 عبد الأعلى
368 305 277 - 184 - 183 149 - 91 - 85 - 81 - 77 -
عبد الجبار بن خالد
بن عمران السرتي أبو حفص: 324
عبد الحميد الجناوني أبو عبيدة: 120 - 121 - 321 - 379 ـ 380
عبد الحميد الفزاني: 388
عبد الخالق الفزاني: 317
عبد الرحمن الأموي الثاني: 198
عبد الرحمن بن بكر بن حماد: 309 - 386
عبد الرحمن بن حبيب: 207
عبد الرحمن بن رستم (الإمام): 11 - 14 - 32 - 38 - 50 - 65 - 66 - 68
118 115 110 101 96 87 85 81 79 76 - 75 - 70 -
239 237 211 208 183 172 167 14 131 125 -
283 - 275 - 271 - 267 - 265 - 264 – 251 - 250 - 245 - 241 -
385 374 371 - 320 - 314 305 300 - 295 - 288 - 285 -
400399 395 - 387_
90 - 89:
عبد الرحمن بن صواب النفوسي: 239 عبد الرحمن بن عوف: 368
عبد الرحمن بن محمد الناصر: 292
عبد الرحمن بن ملجم
365:
عبد الرحمن الداخل الأموي: 113 - 114 عبد العزيز بن الأوز: 313 - 393 - 394
عبد القادر بن محيى الدين الجزائري (الأمير)
عبد القهار بن خلف الفزاني: 321 عبد الكافي أبو عمار: 32
-446 - (1/454)
صفحة 455
عبد الله بن إباض: 61 - 74 - 75 – 295
عبد الله بن ابراهيم بن الأغلب
مجھو مجھو مجھو
118:
عبد الله بن الخير أبو محمد: 318 - 319 - 328 - 378
عبد الله بن الصفار: 61
عبد الله بن عباس: 74 - 300 - 301 - 304 - 305
عبد الله بن عمر بن الخطاب: 115
عبد الله بن اللمطي: 339
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ
عبد الله بن محمد العاصمي اللواتي أبو محمد: 27
عبد الله بن محمد المكفوف النحوي أبو محمد: 353
326:
عبد الله بن مسلم ابن قتيبة: 307 - 352
عبد الله بن وهب الراسبي: 30 - 73
عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحق: 270 - 368
عبد الملك بن أبي الجعد: 65 - 66 الملك عبد
بن مروان الخليفة الأموي): 61 - 74 - 75
عبد الوهاب بن عبد الرحمن (الإمام): 24 - 32 - 75 - 81 - 93 - 95
132 129 126 120 114 107 105 103 102 - 100 -
245 240 237 - 236 - 232 - 231 - 201 195 161 - 154 -
296 - 289 - 288 281 - 269 - 66 - 264 - 258 - 252 - 251 -
335 330 324 317 314 312 306 - 304 - 299 - 297 -
391 387 379 371 369 - 368 - 359 - 357 - 356 - 337 -
399397 - 395 - 393 -
عبيد الله بن الحبحاب: 61 - 64 - 207
عبيد الله المهدي: 14 - 215 - 405
عثمان أبو عمرو بن خليفة: 105
-447 - (1/455)
صفحة 456
عثمان بن أحمد بن يحياج: 313
عثمان بن الصفار: 266 - 314
عثمان بن عفان (ض): 31 - 93 - 94 - 368 -
العدوي ابراهيم أحمد (الدكتور): 49 العروي عبد الله: 35 - 56
عروة بن أدية أو إبن حدير: 80
عزالدين التنوخي: 304
عقبة بن نافع الفهري: 87 - 207 - 220 - 283 عكرمة مولى عبد الله بن عباس: 10 - 62 - 301 علي بن أبي طالب (ض): 73 - 104 - 365 - 368 علي بن أحمد العماني (الشاعر): 270 ـ 360 علي بن الجهم أبو الحسن (الشاعر): 362 علي بن يخلف: 29 - 388
علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي: 291 علي يحيى معمر: 44 - 48 - 266
العماد الأصفهاني: 22
عمار بن ياسر (ض): 368
عمار طالبي (الدكتور): 31
عمران بن حطان: 345 - 365 - 366
عمران بن مروان الأندلسي
387 - 314 - 115:
عمر بن الخطاب (ض): 74 - 114 - 115 - 182 - 247 - 368
عمر بن عبد العزيز (الخليفة): 325
عمر بن عبد الله المرادي: 61 عمر بن عثمان القرشي: 68
عمر بن يمكتن: 277 - 279 عمرو بن الأحوص العجلي: 66
-448 - (1/456)
صفحة 457
عمرو بن جميع: 54 عمرو بن مرزوق: 308
عمرو خليفة النامي (الدكتور): 53 - 268
عمروس بن فتح النفوسي: 288 - 289 - 306 - 307 - 326 - 328 - 331
397 396 392 391 388 - 380 -
عوض خليفات: 23 - 50
عيسى بن فرناس النفوسي: 313 عيسى بن إسماعيل أبو مهدي: 338
عيسى بن مريم عليه السلام: 373 - 301 - 338
غ
غازي ملك العراق: 45
الغزالي أبو حامد: 291
غزالة (الأمة السودانية): 378
ف
فاروق عمر فوزي (الدكتور): 35 فاطمة الزهراء بنت الرسول (ص): 14
فاناكر كلوديت (Vanacker C) : 56 فخار ابراهيم (الدكتور): 37 - 38 - 53 فرج بن نصر أنظر نفاث بن نصر
الفزاري: 208
فضل بن عبد الله: 286 - 287 - 383
فهمي هويدي: 403
فيصل (ملك العراق): 45
فيلالي عبد العزيز: 53
-449 - (1/457)
صفحة 458
قاسم بن أصبغ: 309
G:
ق
قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي: 309 - 310
386 -
أحمد بن
القرطبي أبو عبد الله محمد القزويني زكرياء بن محمد: 328
309 - 302:
قطعان بن سلمة الزواغي: 107
*
القلهاتي أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي: 33
الكاهنة: 142 - 143
الكركدني: 191
الكعاك عثمان: 48 - 49 -
ك
لقبال موسى (الدكتور): 53 - 290
لواب بن سلام بن عمرو اللواتي: 24 - 299 - 367 - 369 - 393 لويسكي - Lewicki : 24 - 54 - 58 - 384 -
م
مارسية جورج
- 171 - 58 - 55: (Marçais - G
ماسكراي إميل Masqueray - E) : 25 - 54
ماطوس: 378
ماكسن بن الخير الجرامي الوسياني أبو محمد: 27 مالك بن أنس: 278 - 308 - 329 - 333 - 397
المأمون بن هارون الرشيد: 335 - 375
المبرد محمد بن يزيد أبو العباس: 32
-450 - (1/458)
صفحة 459
المتوكل بن المعتصم: 130 مجاهد: 301
محبوب بن الرحيل أبو سفيان: 30 - 270 - 296 - 304 - 397 - 398
محكم الهواري 324:
محمد بن أبي عون: 192 - 293
184 - 149 - 84 - 82 - 81 - 69 - 66:
محمد بن الأشعت الخزاعي محمد بن أحمد التميمي أبو العرب: 43 ـ 310
126_123_116 - 104 - 92 - 39:
محمد بن أفلح أبو اليقظان (الإمام)
271 268 257 - 248 246 244 239 136 194 161.
359 338 334 326 325 313 312 303 285 272 -
400 - 395 394 391 372 371 - 369 -
332 - 281:
محمد بن بكر النفوسي أبو النفوسي أبو عبد الله
محمد بن تاويت الطانجي
محمد بن جرني: 161 - 231 - 240
محمد بن سحنون: 310
محمد بن سعيد: 374
محمد بن صالح القحطاني المعافري الأندلسي أبو عبد الله
محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ: 326
محمد بن عبد الله (ص): 30 - 40 - 76 - 91 - 92 - 180 - 273 - 295
365 - 350 - 337 - 305 - 300 - 298 - 296.
محمد بن عبد الملك الحجازي: 393
محمد بن عبدون: 192 - 293
محمد بن عرفة: 34 - 47 - 122 - 125 - 228 - 232 - 248 - 271 - 326
372 - 371 - 354.
محمد بن محبوب بن الرحيل: 391 - 392 - 397
محمد بن يانس أبو المنيب: 284 - 299 - 305 - 316 - 336
-451 (1/459)
صفحة 460
محمد بن يوسف التاريخي الوراق أبو عبد الله: 42 - 43 - 87 - 175
179 -
محمد توفيق حسين المشرف على الرسالة): 21
محمد الثميني: 117
محمد شاوش: 362
محمود إسماعيل (الدكتور): 23 - 27 - 44 - 51 - 369
محمود بن بكر: 334
مخلد
كيداد أبو يزيد صاحب الحمار: 279 - 385 بن
مدرار بن إليسع بن أبي القاسم: 100 - 113 المدني أحمد توفيق: 11 - 37 - 38
مرداس بن أدية أو ابن حدير: 80 - 295 مرموري الناصر (الشيخ): 24 - 367 -
309 - 308:
387 - 314 - 115:
مسدد بن مسرهد الأسدي مسعود الأندلسي
المسعودي أبو الحسن علي بن الحسن: 32
385 384 211
مسلم بن أبي كريمة أبو عبيدة: 65 - 75 - 76 - 80 - 95 - 264 - 265
335 321 316 315 305 304 - 295 - 286 - 285 - 267 -
339 -
مصطفى نبيل: 350 - 403
مصعب بن سدمان: 115 - 314
معاوية بن أبي سفيان (ص): 73 - 74 معبد بن أفلح أفلح: 28
المعتصم بن هارون الرشيد: 365 - 393 المعتصد بن الموفق بن المتوكل: 130
المعتمد بن المتوكل: 123 - 395 المعز لدين الله الفاطمي أبوتميم: 340
-452 - (1/460)
صفحة 461
معمر بن المثنى التيمي أبو عبيدة: 307 - 325 المقدسي شمس الدين محمد بن أحمد (الجغرافي): 42 المقرى أحمد بن محمد: 309 ملي أبو محمد: 150
منزو بنت عثمان المزاتي: 346
المنصور أبو جعفر الخليفة العباسي: 60 - 66 - 67 - 69 - 81 المنصور الموحدي أبو يوسف: 290
مهاصر السدراتي أبو مرداس: 145 - 244 - 284 - 317 - 318 المهتدى بن الواثق الخليفة العباسي): 123 - 395 مهدى النفوسي: 148 - 336 - 337 - 343 مهدي هاشم طالب: 50
المهلبي: 217
موتلنسكي (Moutylinski) : 39 - 54 - 370
موريس لومبارد: 55
موسى بن زكرياء أبو عمران: 348
موسى بن عمران عليه السلام: 273 - 301 - 366 موسى بن الفارسي أو البادسي: 322 - 323
مولود قاسم نايت بلقاسم: 11
ميال بن يوسف اللواتي: 107
ميسرة المطغرى: 63 - 64
الميلي محمد المبارك: 48 - 49 - 369
نافع بن الأزرق: 74
النديم صاحب الفهرست: 307
نفاث بن نصر النفوسي: 24 - 121 - 253 - 254 - 270 - 305 - 306
-453 -
331 - 330. (1/461)
صفحة 462
نقفور امبراطور بيزنطة: 359 نويهض عادل: 50
نيفر أندري (Negre - A) : 56
هارون بن عمران أخ النبي موسى: 366
هارون الرشيد (الخليفة): 359 - 395
هنو بنت عبد الرحمن بن رستم
143:
هود بن محكم الهواري: 301 - 303
و
واصل
عطاء بن
339 335 332 -
118:
وجدليش بن في أبو يوسف: 249
وداد القاضي (الدكتورة): 39 - 53 - 370 - 372 الوراق أنظر محمد بن يوسف
الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام: 26 - 29
وسيم أبو يونس: 237
ولد بن خلف: 101 - 150
وهب بن وهب أبو البختري
ويدران بن جواد أبو معروف: 319
ي
ياقوت الحموى (الجغرافي): 22 - 42 - 43
يبيب بن زلغين: 161 - 231 - 240
يحيى بن أبي بكر الوارجلاني أبو زكرياء: 25 - 26 - 28 - 29 - 33 - 54 يحيى بن سلام بن أبي تعلبة أبو زكرياء البصري: 302
يحيى بن مالك الأندلسي أبو زكرياء: 309
-454 - (1/462)
صفحة 463
يزيد بن أبي مسلم: 61 يزيا بن حاتم: 69 - 85
يزيد بن فندين اليفرني أبو قدامة: 115 - 117 - 126 - 314 - 315
393 - 30 -
يعقوب بن حبيب الملزوزي أبو حاتم: 69 - 70 - 79 - 84 - 85 - 90
368 -
يعقوب بن ابراهيم الأنصاري أبو يوسف: 75 - 397
يعقوب بن أفلح (الإمام): 107) - 126 - 128 - 130 - 156 - 162: 182
370 326 322 320 301 - 273 244 236 - 216 - 196 -
375 - 371 -
يعقوب بن يوسف بن سهلون الطرفي: 319 اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب: 35 - 41 - 381 - 396
يغلا بن زلتاف أبو خزر: 341
اليقظان بن أبي اليقظان (الإمام): 116 - 127 - 130 - 370 - 404
405.
يوسف بن أبي اليقظان أبو حاتم (الإمام): 100 - 103 - 116 - 121
257 239 196 195 164 162 161 - 239 130 126.
371 370 364 363 344 326 325 322 313 266 -
404 - 400 - 396.
يوسف بن ابراهيم الوارجلاني أبو يعقوب: 33 - 222 - 223 - 255 - 265
304 - 239 -
321
يوسف بن محمد أبو يعقوب: 347
يهوذ ابن قريش التيهرتي: 350 - 354 - 355
يوسف الفتاح: 383
-455 - (1/463)
صفحة 464
فهرس البلدان والأماكن
إجناون: 149 - 156 أرزيو: 192
أريغ أنظر ريغ (بلاد)
اسبانيا: 160
أسرسو (سهول): 139
الاسكندرية: 193 - 218
أ
أشكو برش: 193
أشير: 189
أصبهان: 92
الأطلس (جبال): 137 - 138 ـ 167
الأطلسي (المحيط): 206
إفريقيا (القارة): 24 - 66 - 142 - 160 - 162 - 183 - 197 - 228
368 342 - 296 - 261 - 242 -
إفريقية (الأغلبية): 11 - 43 - 60 - 63 - 64 - 68 - 95 - 108 - 119
197191 183 176 166 152 142 131 128 126 -
290 252 - 244 - 242 229 213 207 - 203 202 - 199 -
402384 - 353 - 352 - 350 - 342 - 323 - 310 - 308 - 302 -
الأنبار: 193
أنبية
212 - 211:
إنجلترا: 355
الأندلس
158147 - 143 - 138 - 122 - 120 - 92 - 64 - 36 - 16:
225 - 205 - 201 - 194. 191 – 186 - 178 - 170 - 166 - 163.
-456 - (1/464)
صفحة 465
374 373 363 310 309 292 235 231 229 - 228 -
405 - 402 - 401 - 398 - 387 385 382.
أو دغست (غسط): 207 - 211 - 213 - 219 - 224 - 229
الأوراس (جبال): 65 - 107 - 137 - 283 - 325 - 345
أوروبا: 203 - 374
أوزكا: (أزقى، أزكى)
أوليل: 225
إيطاليا: 102
إيفاطمان: 278
211 - 190:
البحر المتوسط: 89 - 107 ـ 137 ـ 138 ـ 170 بحيرة تشاد: 206 - 210 - 219
برقة: 102 - 193
بسكرة: 99 - 153
بشرى: 103
111 - 95 - 91 80 76 74 65 61 60 20 - 14:
268 267 265 258 - 219 - 202
383 351 335 316 308 304
200 194 193 125
366 - 364 - 362
200 199
283 - 278 -
396 - 394 - 393 - 386 -
45 22 21 9 sli
308 305 - 247 - 236 - 202 -
397 - 395 - 393.
بلخ: 144 - 262
بنوواريف: 146
بني يزفن: 26 (1/465)
صفحة 466
288
-
بولندا: 26 ألبيرة: 191
تاتش: 84
تاجنة: 146
تادمكة: 214 - 216 - 219
تافيلالت: 11
تا مدلت: 207
تاهرت: أنظر تيهرت
تاورغا: 67 - 68
تدمير: 191 - 193
تركيا: 362
تشاد: أنظر بحيرة تشاد
تقرت: 153 - 214
تقيوس: 279
التكرور (مملكة): 226
تلمسان: 14 - 99 - 100 - 105 - 108 - 189 - 190 - 245
تل موزن: 193
تمبكتو: 214
تنس: 43
193191 186 180 176.- 169 - 147 146 - 104
403 - 310 - 262 - 256 - 231 - 228_
تهودا: 83 - 84 - 99 - 104
توتك: 225
توزر: 243 - 125 - 153 - 279 ـ 310 - 367
تونس: 10 - 11 - 23 - 182 - 191 - 308 - 340 - 405
-458 - (1/466)
صفحة 467
52 51 - 45 - 43
41
38 28
تيرقى: 214 تيغرمين: 148
تيهرت: 13 - 16 - 19 - 20
104 103 - 101 100 98 - 96 - 92 - 81 70. 56. 55.
143 139 137 133 131 122 119 118 112 - 107.
205 188 186 168 166 164 162 159 156 146.
231 229 228 - 224 218 215 213 211 210 - 208 -
258 256 254 252 - 250 247 244 236 234 - 233 -
285 283 282 279 278 272 270 267 262 261.
309 308 303 - 299 297 - 293 - 292 290 - 289 - 286 -
351 - 342 - 341 336 322 320, 317 - 315 - 313 - 311 - - 405 402399 - 382 373 371 369 366 361 - 356 -
ج
جادو: 176 - 219 - 249 جاوو (Gao) : 210
جبل نفوسة: 20 - 23 - 28 - 32 - 98 - 105 - 107 - 108 - 118
165 161 - 154 150 147 - 145 - 137 126 125 - 120.
218 215 210 - 196 187 181. 177 176. 168. 167.
251 249 244 243 239 236 229 228 - 226 - 219 -
299 297 293 - 285 - 277 - 271 - 267 262 - 258 - 254 -
356 345 342 336 335 330 324 318 315 300 -
396 395 392 391 388 383 380 - 379 373 - 359 -
405 - 403 -
جربة جزيرة): 23 - 24 - 26 - 28 - 30 - 66 - 83 - 99 - 101
172 169 168 166 159 154 - 151 - 149 120 - 107 -
-459 - (1/467)
صفحة 468
405 - 403 - 367 - 278 - 267 - 193 - 187 - 186_
الجريد (بلاد): 27 - 28 - 99 - 105 - 108 - 138 - 152 - 154 - 189
403279 262 - 215 -
-
الجزائر: 10 - 12 - 14 - 23 - 24 - 37 - 44 - 45 - 52 - 54 - 96
405 - 182 - 173 107 104 - 99 -
-
-
جزول (جبال): 137
ح
الحامة: 103 - 105 - 152 - 278
الحجاز: 93 - 94 - 144 - 200 - 270 - 268
حران: 193
حروراء: 73
حلب: 193
حماة: 192
خ
خراسان: 213 - 219
خرائب السوق: 217
الخضراء: 104 - 246
الخليج العربي: 151
درجين: 28 - 154
درکل: 305
درن (جبال): 137
دمر (جبل): 66 - 107 - 278
دمشق: 88 - 193 - 200 - 202 - 304
-460 - (1/468)
صفحة 469
رأس الماء: 214
رقادة: 109
الرقة: 193
الرملة: 193 - 202
الرها: 193
روما: 158
ريغ، أريغ أو ريغة (بلاد): 107 - 138 - 152 ـ 154 ـ 214 - 215
278 - 262 -
ريموا: 101
ز
الزاب: 35 - 83 - 84 - 99 - 104 - 105 - 108 - 137
زاغري: 389
زغاوة (مملكة): 217
الزنج (بلاد): 206
زواغة: 173
زويلة (بلد): 103 - 108 - 167 - 219 - 224 - 278
النساحل (سهول): 139 - 281
173 - 133 - 128 - 109 - 100 - 89 - 635143 - 11: ww
312 - 279 - 231 - 227 - 216 - 211 - 207 - 197 - 194 - 190 -
405 - 398 - 387 - 384 -
353324 288 - 120 108 107 103 - 14:
-
-461 - (1/469)
صفحة 470
سرناة: 217 سطيف: 189
سمغارة: 214
سماطة: 103
السنغال: 206
السودان الأوسط: 206 - 208 - 218 - 220
السودان الشرقي: 206
السودان الغربي: 16 - 17 - 20 - 21 - 29 - 55 - 56 - 138 - 144
240 239 - 236 - 205 - 193 185 178 166 162 - 155 _
405 - 404 - 401 - 398 - 390 - 387 - 354 - 279 - 256 -
السوس: 64 - 202
سوسة: 286
سوف (وادي أو بلاد: 138 - 152 ـ 154 - 262 - 278
سوفجج (جبل): 82 - 84
سوق ابراهيم: 104 - 146 - 175
سوق
الأحد
352:
سوق كرام: 146 - 175
ش
شاطبة: 205
الشام: 88 - 151
شروس: 148 - 218 - 226 - 257 - 289
شلالة: 139
الشلف (مدينة): 104 - 146
الشلف (واد): 138 - 139 - 146
شنت بول: 193
-462 - (1/470)
صفحة 471
ص
الصحراء الكبرى: 17 - 21 - 88 - 100 - 107 - 108 - 125 - 138
207 - 206 - 193 178 167 162 159 152 151 - 146 -
350 345 342 283 231 228 - 220 - 217 - 215 - 211 - `
404 401 390 -
صفين: 73 - 74 - 368
صقلية: 64 - 102
طبرية: 193
طبنة: 83 - 85 - 99
118 108 105 - 98 84 81
77
-
69
65 24
245 193 151 - 147 143 - 137 - 129 127 - 125 - 119 -
368 - 336 - 325 - 284 -
طنجة: 61 - 64 - 143
طولقة: 99
ع
العباسية (مدينة): 102 - 122 - 234
العراق:
-
176 - 151 - 104 - 99 - 96 94 73 - 61 41 149 ? lell
-
363 333 332 262 - 213 -
عمان (سلطنة): 23 - 29 - 34 - 35 - 74 - 392 - 304
عين سوفجج (واد): 139
عين فروج (مرسي): 192
-463 - (1/471)
صفحة 472
غ
غانا أو غانة: 207 - 219 - 222 - 225 - 231 - 255 - 388
غدامس: 104 - 218 - 219 - 224 - 278 - 281 - 283 - 284 - 232
الغدير: 104
غرداية: 33 - 168 - 222 غزة: 146
غسط: أنظر أودغست
غمبيا: 206
فارس (بلاد): 92 - 213
6.
197 - 195 194 - 191 189 172 164 10987 - 11:
-
398291 261 - 224 -
-
فرعة (واد): 139
فرنجة (بلاد): 202 - 203
فروج (مرسي): 192
فروخ (مرسي): 192 ـ 193 - 204 - 231
فزان: 207 - 223 - 281 - 285 - 318 - 321 - 327
الفسطاط: 193 - 194 - 200
فكان: 190
فولتا العليا: 206
ق
قابس: 66 - 68 - 81 - 83 - 107 ـ 129 - 170
القادسية: 93
القاهرة: 23 - 44 - 86 - 340
- 464 -
285 (1/472)
صفحة 473
القرارة: 24 - 182 - 267 - 301
386 - 310 - 309 - 292 - 262 204 203 186 180 b
402 -
223 - 215 - 189 - 168 - 153 - 152 - 103 - 99 - 82: àlb
278 224 -
-
قسنطينة: 53 - 104
قسني
139:
قفصة: 103 - 189 - 383
قلعة بني حماد
300 - 266:
قنطرار: 103 ـ 107 ـ 327 ـ 278
القيروان
89 - 87 - 83 - 81 - 59 - 65 - 63 - 61 43 24 11 bill
188185 183 177 171 164 125 109 - 95 - 94 - 91 -
228 220 - 217 215 - 207
203 - 197 - 194 193 - 191 -
-
328 310 308 287 286 283 - 262 261 - 234 - 231 -
- 402 399 398 397 387 383 - 362 - 353 - 342 - 333 -
ك
226 - 219 - 218 - 210 - 207:
الكدية: 117 - 118 - 315
كدية كريمة: 128
گوار: 207 - 210 - 219 - 220 - 226
383 - 364 - 332 - 322 - 219 - 202:
كوكو (مملكة): 208 - 210 - 219 - 225 - 228 - 231 - 232
-465 - (1/473)
صفحة 474
ل
لملم (بلاد): 228 لورقة: 193
405 - 104 - 45 - 23 - 14 10: Lud
-
م
29:
مالي: 29 - 221 - 388
380 - 378 - 350 - 329 - 328 - 319 - 286 - 131 - 129: ilo
388 -
متيجة: 147
مجانة: 166 - 189
مدريد: 52
المدينة المنورة: 333 - 397 مرسى الدجاج: 192
المرية: 204
مستغانم
192:
المسيلة: 189 - 215
-
85 80 - 65 - 60 59 20 16 13 109:
ell Bill
203 - 200. 193 - 191 180 178 144 - 123 - 113 112 -
258 - 250 244 242 - 234 - 231
229 228 - 225 - 220 -
308 - 304 - 296 - 289 - 288 - 277 - 268 - 265 - 263 - 261.
362 341 335 - 334 - 332 324 318 316 313 311.
405 402 401 - 398 - 390 - 386 - 385 - 367 - 366 - 364 -
-466 -
406 - (1/474)
صفحة 475
194 - 186 - 176 - 151 - 142 - 138 - 130 - 125 - 102 - 23:
392 359 - 341 340 324 220 218 215 - 202 - 199 -
393 -
معسكر: 60
96 - 84 - 83 - 77 - 63 - 38 - 17 - 15 - 12 - 10: ? ll
225 - 207 - 191 178 141 140 137 131 109. - 108 -
373 349 318 - 295 289 - 288 - 264. 261 - 257 256.
406 - 399 -
207 - 204 - 203 - 190 - 137 - 64 - 63 - 37 - 10 :
المغرب الأقصى
373 - 256 - 230 - 229 - 214 -
82 - 81 - 70 - 68 - 63 - 38 - 37 - 17 - 12 - 10: ll
137 131 120 110 108 103 98 96 91 88 85 -
197 195 192 191 178 170 169 163141 - 139 -
256 235 - 229 - 227 - 225 - 216 207 204 203 - 198 -
355 - 349 - 311 310 295 289 - 288 - 264 261
406 399 386 385 - 373.
68 - 59 - 47 44 41 - 39 36 - 29 - 20 9:
المغرب العربي:
107 105 102 101 99 96 - 94 - 90 - 88 - 81 75 -
155 151 143 142 139 137 131 120 114. 111.
185 182 178 176 175 170 167 165 162 - 160 -
220 - 216 215 - 207 203 - 199 – 197 - 194 192 - 188 -
261 256 251 250 - 245 243 241 - 234 - 231 - 223 -
292 288 287 285 283 279 276 272 268 265 -
314 - 312 - 311 308 306
342 - 340 -
304,302 - 300 296 293 -
335 - 334 - 332 - 331 - 329 - 321 - 318 - 316 -
-467 - (1/475)
صفحة 476
372 370 - 368 - 366 - 363 - 359 – 355 - 353 - 351 - 347 -
399 392 390 387 384 382 380 379 377 375_
406 404 402 - 401 -
مغمداس: 277 - 279
403 391 - 255 - 222 - 217 - 194 - 94: ?
ملوية (نهر): 108
مليانة: 146
منداس: 104
المنستير: 323
منى: 392
277 167 - 182 173 168 54 45 - 39 24
ميري: 281
ميزاب: 23
405 403 389 388 332 - 301 -
مينة (نهر): 88 - 139 ـ 145 - 335
نخلة
210 - 208 - 207:
نفزاوة: 107 - 152 - 310
نقطة: 103 - 152
نفوسة (جبل): أنظر جبل نفوسة
النهروان: 73 - 74
النوبة (بلاد): 206
النيجر (نهر): 206 - 210 - 214 - 217 - 219 - 225 - 229 - 230
النيل (نه): 206
هيت: 193
-468 - (1/476)
صفحة 477
و
152 - 138 - 128 - 108 - 107 - 53 - 52 - 27 - 25 - 12:
وارجلان
231 227 - 224 222 - 218 214 185. 176 154 - 153 -
P
319 301 292 291 278 273 262 256 255 235.
-
405 - 403 - 389 - 342 - 320.
الوحش (وادي): 139
ودان: 104
ورام (دولة): 207 - 208
ونقارة (بلاد): 216 - 229 ± 230
وهران
-
193 192 176 169 163 160 147 104 43:
-
-
-
-403 - 310 - 293 - 262 – 256 - 231 - 228 -
يلل: 147
اليمن: 76 - 144
ي
-469 - (1/477)
صفحة 478
فهرس القبائل
برزال: 104 - 215 برقجانة: 213
(G
تميم (رهط الأحنف بن قيس): 74 ـ 75 تيم (تيم الرباب): 307
تيم (تيم قريش): 307
تيم (تيم اللات بن ثعلبة): 74
دمر: 104 - 107
ز
283 - 227 - 213 - 196 195 - 177 - 104 - 68 - 67 - 63: ? lij
زنزفة: 107
زواغة: 63 - 101 - 107 - 127
زهانة: 68
سدراتة: 63 - 100 - 132 - 160 - 177 - 183
سمغارة: 214
بنو سليم: 263
سنغاي: 210
-470 - (1/478)
صفحة 479
صغنغو (قبيلة سودانية): 389
صنهاجة: 83 - 87 - 212
ص
الطوارق: 344
ط
ق
قريش: 307
القيسية: 62
ل
لماية: 38 - 63 - 82 - 83 - 88
لواتة: 63 - 68 - 118 - 124 - 177 - 213
مداسة: 87
مراد: 366
مراسة: 83 - 87
مرة: 74
177 - 160 - 132 - 129 103 100 - 68 - 25: ? lj
-
مسوفة: 221
مطغرة: 64
مطماطة: 107
نفزاوة: 213
151147129 125 118 103 101 - 69 68 63:
-471 - (1/479)
صفحة 480
383 - 357 - 335 - 327 - 324 - 315 - 299 – 252 - 248 - 213 _
405 403 397 - 391 -
بنو هلال: 263 - 342
هوارة: 63 - 67 - 68 - 118 - 124 - 177 - 383
ورفجومة: 65 - 6
اليمنية: 62
و
ي
-472 - (1/480)
صفحة 481
فهرس المذاهب والأديان
أ
الإباضية: موزعة على جميع صفحات الكتاب أنظر خاصة ص.
80 -
الأزارقة
74 73:
-
الإسلام: موزعة على جميع صفحات الكتاب
الحرورية: 73
ح
الحنفية: 311 - 322 - 332 - 333 - 402
خ
الخلفية من (الأباضية: 12:0 - 126 - 127 - 129 - 271 - 330 - 332
-
الخوارج: 9 - 10 - 13 - 16 - 23 - 34 - 36 - 50 - 51 - 59 - 62
232 227 - 117 - 116 - 103 101 - 89 - 74 73 - 69 - 64 -
-
-
399 - 397 - 365 - 350 - 344. 341 332 278 263 -
-
-
السمحية من الأباضية): 126 السنة (أهل): 279
س
الشراة: 73 - 80 - 104
الشغبية من الأباضية): 315
الشكاس من الاباضية): 276 - 280
الشيعة: 126 - 127 - 216 - 291 - 311 - 322 - 341
-473 -
331 (1/481)
صفحة 482
ص
103 – 99 - 89 - 74 - 66 - 61 - 52 - 51 - 16 - 14 - 10:
الصفرية
333 - 332 - 311 - 263 - 227 211 143 126 - 113 - 105 -
-
-
404 399 385 384 349 - 341_
العلوية: 104 - 203
القعدة: 73
ع
ق
333 324 322 311 - 308 300 291 126 57: U
402390 386 - 384 383 - 350 - 335.
المجسمة: 340
المحكمة: 73
339 - 336 - 334 - 332 - 311 - 299 - 278 - 269 - 126: ? jill
398 -
النجدات: 37 - 74
النجوية من الأباضية): 314 النصرانية: 9 - 161 - 242 - 373
النفاثية: 271 - 330 - 332
النكات من الاباضية): 314
النكارية من الأباضية: 116 - 118 - 126 - 137 - 238 - 265 - 266
393 332 - 330 - 315 314 - 312 - 300 279 271 - 269 -
394 -
-474 - (1/482)
صفحة 483
و
الواصلية: 103 - 105 - 118 - 332 - 337 - 341
الوهبية من الأباضية: 103 - 121 - 126 - 216 - 265 - 269 - 279
- 394 - 331 - 330 - 315 - 314_300_
اليعقوبية (من النصرانية): 338
اليهودية: 9 - 176 - 373
ي
-475 - (1/483)
صفحة 484
المحتويات)
الموضوع الإهداء
ذكرى الإمامة الإباضية (شعر)
شكر وتقدير
مقدمة الطبعة الثانية
مقدمة الطبعة الأولى
الأوضاع السياسية
الباب الأول:
الفصل الأول: المذهب الاباضي، نشأته وبعض عقائده
أ - نشأته
ب - بعض عقائده
الفصل الثاني: بناء العاصمة تيهرت ونشأة الدولة الرستمية
أ - ممهدات بناء مدينة تيهرت
ب - بناء العاصمة تيهرت
جـ - نشأة الدولة الرستمية: الامام عبد الرحمن بن رستم،
حياته ونسبه
الفصل الثالث: حدود الدولة الرسمية الفصل الرابع: الأوضاع السياسية العامة
للدولة الرستمية 160 هـ - 296 هـ
الباب الثاني:
الأوضاع الاقتصادية
الصفحة (1/484)
صفحة 485
تمهيد: جغرافية الدولة وأثرها في الاقتصاد
الفصل الأول: الزراعة والرعي
أ - الزراعة
ب ـ الرغي
الفصل الثاني: الصناعة والمهن المختلفة
الفصل الثالث: التجارة الداخلية
أ - نشاطها، أسواقها، بضائعها
ب - المكاييل والنقود (العملة)
الفصل الرابع: التجارة الخارجية مع المغرب والمشرق العربيين أ - المسالك التجارية بين تيهرت وغيرها من العواصم
العربية في المغرب والمشرق
ب - الصادرات والواردات
الفصل الخامس: التجارة الخارجية مع السودان الغربي
أ ـ ممالك السودان
ب - مسالك التجارة مع السودان
ج ـ مصاعب التجارة العابرة للصحراء وظروفها
د - صادرات الدولة الى بلاد السودان
هـ - واردات الدولة من بلاد السودان الذهب والرقيق)
و - مظاهر التجارة العابرة للصحراء
الفصل السادس: المؤسسة المالية، بيوت الأموال ودار الزكاة
أ - دار الزكاة، موارده ونفقاته
ب - بيت المال، موارده ونفقاته
الفصل السابع: الحسبة ومستوى المعيشة في الدولة
أ ـ الحسبة
ب - مستوى المعيشة (1/485)
صفحة 486
الباب الثالث:
الحياة الفكرية
تمهيد
الفصل الأول: دور الحكام في الحياة الفكرية
الفصل الثاني: المؤسسات التعليمية والدراسات المتداولة فيها
أولا - المؤسسات التعليمية
أ ـ الكتاب
ب - حلقات العلم في المسجد
جـ ـ المكتبات
ثانيا - الدراسات المتداولة
الفصل الثالث: العلوم وأبرز العلماء أولا - العلوم النقلية أ ـ التفسير
ب - الحديث
جـ - الفقه
ثانيا - العلوم العقلية
أ - المناظرات (علم الكلام)
ب - بين البربرية والعربية جـ - اللغة العربية: النحو والآداب
- التاريخ
ثالثا - العلوم الدنيوية أ ـ الطب
ب ـ الحساب وعلم الفلك أو التنجيم
الفصل الرابع: المرأة ودورها في الحياة الفكرية (1/486)
صفحة 487
الفصل الخامس: العلاقات الثقافية أ - مع بلدان المغرب العربي والأندلس ب - مع بلاد السودان الغربي ج - مع المشرق العربي
الخاتمة
قائمة المصادر والمراجع الخلاصة باللغة الفرنسية فهرس الأعلام
فهرس البلدان والأماكن
فهرس القبائل
فهرس المذاهب والأديان (1/487)
صفحة 488
المطبعة العربية نهج طالبي أحمد غرداية |
الايداع القانوني رقم 81 × 02 ** 1994
تصفيف وتركيب عبدالعزيز باباعمي
3 شارع 8 ماي 1945 - الجزائر (1/488)