صفحة 1
الكتاب: الرّحلة الخالدة إلى تركية الماجدة
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
تاريخ النشر: 1433هـ/ 2012م
الطّبعة: الأولى
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الرّحلة الخالدة إلى تركية الماجدة
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الرّحلة الخالدة إلى تركية الماجدة
الطّبعة الأولى
1433هـ/ 2012م (1/1)
صفحة 2
نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر
[صورة]
محمد ناصر بوحجام داخل متحف أياصوفويا
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدّمة
الرّحلة وسيلة مهمّة في التّكوّن والتّثقّف واكتساب معارف، والاطّلاع على مختلف التّجارب في المجالات المختلفة. هي من هذا المنظور ضرورة حياة، ومقتضى من مقتضيات بناء الشّخصية، وتهذيب السّلوك، وتطوير الذّات .. في هذا يقول الشّاعر: (1)
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطانِ في طَلبِ العُلَى
وَسَافرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِد
تَفَرُّجُ هَمٍّ واكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ
وَعِلْمٌ وآدابٌ وَصُحْبَةُ ماجِد
عملاً بهذه القاعدة، ورغبةً في تنمية معارفنا، والإفادة من التّحارب النّاجحة في العمل المؤسّس على قواعد صحيحة، والمنبثقة من خطوات
__________
(1) - الأبيات منسوبة إلى الإمام عليّ بن أبي طالب. ينظر حسن سعيد الكرمي، قول على قول، ج3، ط1، النّاشر دار لبنان للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، أيلول، 1971م، ص: 187. ذكر حسن الكرمي انّه وجد بعد هذين البيتين المذكورين بيتين آخرين هما:
وَإِنْ قيلَ: في الأَسْفَارِ ذُلٌّ ومِحْنَةٌ ... وَقَطْعُ الفَيافِي وَارتِكابُ الشّدائِدِ
فَمَوْتُ الفَتَى خَيْرٌ لَهُُ مِنْ مُقَامِهِ ... بِدارِ هَوانٍ بيْنَ وَاشٍ وحَاسد (1/2)
صفحة 3
مدروسة، قمنا - نحن أعضاءَ المجمع العلمي لمعهد المناهج – برحلة إلى تركية؛ في ضيافة مؤسّسة " الأكاديميا "لزيارة بعض منشآتها، والاطّلاع على أنشطتها، والتّعرّف على مناهجها في العمل، والتّقرّب من منظومتها الفكريّة التي ذاع صيتها، وأثبتت نجاعتها في الميدان، وكان لها حضورها العالمي في المجال التّربوي بخاصّة.
الأكاديميا تربطها بمعهد المناهج روابط فكرية وثقافية، وتجمعها قواسم مشتركة في البناء الفكري والتّربوي والعلمي ... وبينهما مشروعات تخدم هذا البناء. لذا جاءت رحلتنا ضمن خطّة تفعيل هذه العلاقة وتنفيذ البرنامج المسطّر المنظّم. فكانت لنا زيارات لمراكز علمية وتربوية وبحثية، كما كانت لنا لقاءات مع شخصيّات عاملة فاعلة، لها تجارب في الميدان. تحاورنا معها وتبادلنا وجهات النّظر في مسائل عديدة وقضايا متعدّدة. إلاَّ أنّ تركيزنا كان منصبًّا على الإفادة ممّا وجدناه، وممّن التقينا بهم. هذا هو الهدف الأوّل من الرّحلة.
في هذه المذكّرة التي سجّلناها عن هذه الرّحلة الخالدة، حاولنا تقديم أهّم ما قمنا به، ثمّ تقويم هذه الزّيارة، وعرض أهمّ النّتائج التي حصلنا عليها، مع إرسال رسائل لمن يهمّه الأمر للقيام بواجبه نحو المجتمع الذي يتحرّك فيه. (1) قد يكون لبعض ما يتوفّر عليه مشروع الخدمة من تجارب ما يمكنه أن يضيف إلى ما يملكه مجتمعه؛ ما يساعده على مزيد التّطوير والتّقدّم، فالتّجارب ملك عام مشاع، هي حقّ لكلّ فرد وجماعة، وقد تكون من الواجبات التي تلزمهما للإفادة منها، من باب " عرفت فالزم".
أرفقنا هذه المذكّرة بملاحق، رأينا فيها إضافة وإفاضة في قراءة المغازي المنشودة من نشرها. عسى أن نكون موفّقين في تسجيل الرّحلة، وناجحين في إرسال الرّسائل؛ بما يعين على تقديم الفائدة والعون لما يطوّر
__________
(1) - لم نثبت في هذه المذكّرة كلّ الخواطر والمشاعر، ولم نذكر كلّ ما التقطته الذّاكرة، وكلّ ما جال في الخاطر، وما امتلأ به القلب، وكلّ ما رغبنا في بثّه للقارئ الكريم. عسى أن تتاح الفرص لتقديم ما تعذّر تقديمه. (1/3)
صفحة 4
من أدائنا، وينفع مشروعاتنا، ويوطّد خلق التّعاون والتّكاثف والتّآزر بين أفراد الأمة الإسلاميّة وجماعاتها، بالإفادة من تجاربها وأعمالها، وتبادل كلّ ذلك وتداوله فيما بينهم .. لنرفع راية الإسلام خفّاقة بالعمل الجماعي، ثمّ لنكون بهذا الشّعور والممارسة شهداء على النّاس، كما تكرّم الله جلّ جلاله بذلك علينا. أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
أعتزّ بشهادة أخي وزميلي العالم العامل الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي، الذي قرأ نصّ الرّحلة، ثمّ قدّم انطباعًا أوّليًا مشجّعًا عنها: " أستاذي ... لكنّها في تقديري من لبنات قلبك وروحك وفؤادك شمخت، وعلى حكمتك وحلمك وبعد نظرك علت وسمت ... " (1)
نسأل الله أن يكرمنا بنور الفهم، ويرزقنا خير العلم، وأن يوفّقنا إلى حسن التّعلّم، وأن يلهمنا الحكمة التي هي ضالة المؤمن، حيثما وجدها فهو أولى بها. ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهَيِّء لنا من أَمْرِنا رشدًا.
__________
(1) - فقرة من رسالة قيّمة شرّفني بها الدّكتور محمد، بتاريخ: 18/ 05/ 2012م. (1/4)
صفحة 5
*الرّحلة الخالدة (1)
بعون الله وتوفيقه انطلق وفد أعضاء المجمع العلمي لمعهد المناهج (الجزائر)، في رحلة علميّة ثقافيّة استكشافيّة إلى اسطنبول (إسلامبول، مدينة الإسلام) بتركية. الوفد متكوّن من الأساتذة الدّكاترة: إبراهيم بن بكير بحّاز، محمد بن صالح حمدي، مصطفى بن صالح باجو، مصطفى بن النّاصر ونتن، محمد بن قاسم ناصر بوحجام، والأستاذ جابر بن موسى بابا عمّي.
قبل السّفر بساعات كان لنا لقاء في معهد المناهج، قدّم لنا فيه منسّق الرّحلة الأستاذ جابر بن موسى بابا عمّي برنامجها.
رافقنا إلى المطار رجال من الخدمة في معهد المناهج الإخوة الأفاضل: طه بن إبراهيم كوزي، محمد بن عيسى باحماني الرّاعي، محمد بن عمرأبانو. قاموا بكلّ إجراءات السّفر، وتحمّلوا عنّا كلّ الأعباء، وجنّبونا المشقّة والأتعاب فأراحونا، أراحهم الله في الدّنيا والأخرى ..
كان الانطلاق من مطار هواري بومدين الدّولي بالجزائر العاصمة يوم الإثنين26/ 04/1433هـ الموافق لـ 19/ 03/ 2012م في السّاعة العاشرة وعشرين دقيقة (بتأخّر أربعين دقيقة عن الموعد المحدّد) على متن طائرة تابعة لشركة الخطوط الجويّة الجزائريّة، التي لا ترقى خدماتها إلى مستوى خدمات الشّركات الأخرى، بل هي بعيدة عنها كثيرًا. لقد كانت وفيّة بعهدها في التّأخّر عن الانطلاق في الوقت المسجّل في التّذكرة، حتّى الاعتذار للزّبائن لم يتكرّم به طاقم الرّحلة. لزمت عادتها؛ مطبّقة وملتزمة بالقيمة الخلقية الآتية: " من ترك العادة بُعادى ".
__________
(1) - نشرت الرّحلة – قبل التّعديل والإضافات - في حلقات في مدوّنتي في الأنترنيت:
bouhedjam.m facebook.com/ (1/5)
صفحة 6
وصلنا مطار أتاتورك الدّولي باسطنبول في حدود السّاعة الثّانية وخمس عشرة دقيقة بالتّوقيت المحلّي (الفارق بين الجزائر وتركية في التّوقيت ساعة).وجدنا في استقبالنا الأخوين الطّالبين: عبد الحكيم بن محمد بكوش وإلياس بن إبراهيم عبد العزيز. الطّالبان يدرسان في تركية، ضمن بعثة علمية أرسلت للدّراسة في الجامعات التّركية.
مع الطّالبين كان شابّ تركي، اسمه: أنور دال، هو طالب يدرس في جامعةٍ بالعاصمة أنقرة، كلّف بِمرافقتنا في هذه الزّيارة، وتقديم الخدمات التي نحتاجها. والطّلبة الثّلاثة يقومون بهده المهمّة في إطار العمل المنظّم الذي هو واجب على الطّلبة، وهو داخل في برنامج التّكوين القاعدي للطّلبة الذين يُعَدّون لما بعد التّخرّج، ولخدمة المجتمع.
الأخ أنور كان طالبًا في كليّة الطّب بالجزائر، فهو يتحدّث اللّغة الفرنسيّة (ولو بصعوبة)، لذا عيّن ليقوم ليترجم لنا ما يقدّم إلينا باللّغة التّركية إلى اللّغة الفرنسية؛ فجلّ المعلومات تقدّم للزّائرين في تركية باللّغة التّركية؛ اعتزازًا باللّغة الأمّ، مع وجود بعض من يتحدّث اللّغة العربية، أو يترجم لها. هذه إحدى نقط قوّة الشّعب التّركي الذي يبني الآن دولته على أسس متينة وقويّة وصحيحة، وهو ما لمسناه في خضمّ حياته وعمقها وجوهرها ...
أقّلتنا حافلة خاصّة للنّقل المدرسي، تكتب باللّغة التّركية (. ( okultasiti هي تابعة لأحد المشروعات لتي تقوم بالبناء الحضاري للمجتمع القويّ المتماسك. أخذتنا الحافلة إلى مقرّ إقامتنا، وهي خاصّة بالطّلبة والضّيوف، اسم الإقامة أو بيت الطّلبة:
Mehmet Germirligil (Erkek Oorenci Yurdu)
وجدنا على باب الإقامة رجلاً محترمًا بشوشَا ضاحكَا مرحًا، استقبلنا بابتسامات مشرقة إشراقة ضوء الصّباح الذي لمّا يبزغْ، لكنّه أشرق في وجه الرّجل الشّهم، الحارس " عبد الغنيّ ". (هو غير الشّاب الموجود في الصّورة الآتية) (1/6)
صفحة 7
[صورة]
مع أحد عمّال الإقامة
رحّب بنا ترحيبًا حارًّا، هو لا يحسن إلاّ اللّغة التّركية، حاولنا نحن وحاول هو التّحدّث؛ بالاستعانة بما نملك كلّنا من قدرات ومهارات، وما نحذق من كلمات تقرّب بيننا ... ؛ لنتغلّب على عجزنا في التّواصل والتّفاهم والتّبليغ باللّغة المنطوقة ... وبما أنّ القلوب المحبّة الصّادقة تتآلف بسرعة، فقد كانت اللّغة الفصيحة البديلة هي خلالُ الودّ والحبّ والإخاء ... فقد كانت حاضرة تتخلّل لحظات اللّقاء الأوّل القصير في مدّته، الطّويل في فحواه ومضمونه .. فتبادلنا آيات المحبّة والتّقدير والاحترام ..
لقد انسجمنا معه، وتناغم معنا بشكل رفيع بديع. كان عبد الغنيّ يتحدّث إلينا وفي يده سبحة رقمية، يردّد يصوت خافت ويهمس بالصّلاة على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وجدناه قد وصل إلى رقم 1474 في تكرير التّسبيحة.
أخذنا عمّال الإقامة إلى غرفنا في الطّابق الرّابع، لأخذ قسط من الرّاحة قبل ساعة من طلوع الفجر. في المصعد ونحن صاعدون ذاهبون إلى غرفنا لاحظنا وجود نعال للاستخدام داخل الإقامة، بعد خلع الأحذية المستعملة خارج المنازل والمؤسّسات، للإبقاء على طهارة المحلّ، واحترامًا للأمكنة المقدّسة الموضوعة والمهيّأة لطلب العلم وخدمة المجتمع، وتقديم الخير بكلّ أشكاله .. تجسيدًا لقوله تعالى: { ... فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوادِ المُقدَّسِ طُوَى} (طه/12). هذه الظّاهرة موجودة في أغلب المؤسّسات العلمية التي زرناها. قال الدّكتور محمدبابا عمّي عن هذه الظّاهرة: الوادي المقدَّس: أحسب أنَّ نزع الحذاء في مدخل "الأكاديميا" يحمل دلالة { ... فاخلع نعليك إنّك بالوادي المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، إنّني أنا الله لا إله إلّا أنا فاعبدني، وأقم الصلاة لذكري} (طه: 12 - 14) (1/7)
صفحة 8
لا أعرف مصدرا واحدا عالج مراكز البحث العلمي، بل وحتّى الجامعات، اليومَ، بصيغتها المعاصرة، باعتبارها "واديا مقدّسا" ... إذ إنَّ خلع الحذاء، مثل التجرُّد من اللّباس المخيط والمحيط في الحجِّ، يشير إلى ضرورة إظهار الخشوع والتّواضع، ويدعو إلى إلغاء مظاهر الفروق والرّتب، شكلا ومعنى ... فخلْع النّعل هنا، في الأكاديميا، عنوان التجرُّد من الارتباطات والعلاقات الأرضية، وشعارُ التّنصّل من الأوساخ والمتعلّقات الدّونية، ماديا ومعنويا؛ ليكون المرء مؤهَّلا لاستقبال نور السّماء، نورِ الوحي ... أمَّا مَن بقي عالقا بقاذوراته الدنيَّة، ملطَّخا بآثامه وذنوبه، فإنّه لن يكون أبدا أهلا للمعرفة والعلم النّافع، ولا سهلا للعرفان والعمل الصّالح ... فأبلغ وصف له، قوله تعالى: { ... أَخْلَدَ إلى الأرض واتّبع هواه، فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أَوْ تتركه يلهثْ ... } (الأعراف: 176)
أمّا الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض فيقول موضّحًا مستجليًا المعنى المتضمّن في الآية الكريمة:" {يَا مُوسَى إنّي أنَا ربُّكَ فاخلعْ نَعْلَيكَ ... }: إنّك في مكان مقدّس مبارك، وأيَُ بركة وقداسة لهذا المكان أعظم من أن يختاره الله تعالى ليكلّم فيه كليمه موسى عليه السّلام.
إنّك يا موسى بحضرة الله، بحضرة الجليل العظيم، ولا يليق أن تطأ هذا المكان المقدّس بنعليك. هكذا علّمه ربّه أدب التّواضع. ومن عادة النّاس أن يخلعوا نعالهم إذا دخلوا الأماكن المقدّسة، أو دخلوا على الملوك تذلّلاً وتواضعًا. ومن أحقّ بالتّذلّل والتّواضع له من الله تعالى؟ وأيّ مكان أحقّ أن تخلع فيه النّعال من هذا المكان المقدّس، الذي تجلّى فيه الله تعالى لموسى وكلّمه ونبَّأه؟ " (في رحاب القرآن، تفسير سورتي مريم وطه، ص: 241، 242.)
من هذا التّفسير والتّوضيح نفهم المعاني البعيدة والعميقة التي يدلّ عليها تصرّف رجال الخدمة والأكاديميا في الالتزام بخلع النّعال في الأماكن التي ينشر فيها العلم، وفي الأركان التي تقدّم فيها المعارف. إنّها شريفة يجب أن يُتصرّف معها بشرف، هي جليلة يجب أن تقابل بما يليق بجلالها ... (1/8)
صفحة 9
هذا الفعل يدخل ضمن المنظومة الفكرية، التي تكرّس قواعد خاصّة في العمل، وتلتزم وضعَ الخطوات الثّابتة والرّاسخة في المسيرة، وتتبنّى نهجًا يربط بين المبادئ والأهداف، ويقيم علاقة بين شكل التّحرّك أو الفعل ومضمونه؛ حيث يتشكّل بما يحقّق طهارة المخبر ونقاوة المظهر.
استيقظنا إلى صلاة الصّبح، أدّيناها جماعة، ثمّ عدنا إلى النّوم ثانية، إلى غاية السّاعة التّاسعة وخمس عشرة دقيقة، ثمّ تناولنا الفطور الغنيّ المتنوّع المغذّي. ثمّ غادرنا الإقامة للشّروع في تنفيذ البرنامج.
لا تسل عن فخامة الإقامة وما تحتوي عليه من وسائل الرّاحة والرّفاهية، والنّظافة ورقيّ الخدمات، هي في مستوى الفنادق: أرض مفروشة بفرش ليّنة لطيفة، لا تملك إلاّ أن تخلع نعليك قبل الخروج من المصعد، أسرّة فاخرة، حمّام من النّوع الذي يكون في الأنزال الكبيرة ... غرف مجهّزة بكلّ ما يحتاجه نزيل الفنادق الرّاقية ..
هذا المشهدهوأحد مظاهر عظمة نظام الخدمة، المتمثّل في توفير الظّروف الملائمة للعمل والتّحرّك والنّشاط. والظّهور بمظهر القوّة، الذي يهب العامل الهيبة والاحترام والقدرة على الحضور في المشهد الحضاري، وتحقيق الأهداف المسطّرة بثقة كبيرة، وكفاية عالية، كما تفرضها الرّسالة التي هي منوطة بهذا العامل، انطلاقًا من المبادئ التي تربطه والقيم التي ينتمي إليها.
من هذا الدّور تبدأ رحلة التّربية والتّكوين والإعداد، التي تتيح التّحكّم في التّوجيه: فكرًا وعاطفة ووجدانًا، يقول الأستاذ فتح الله كولن FethullahGulen: " إنّ رقيّ أيّ أمّة وتقدّمها مرتبط بمدى التّربية التي يتلقّاها أفرادها من النّاحية العاطفية والفكرية. فلا ينتظر تقدّم أمّة لم تتوسّع آفاق أفرادها الفكرية والوجدانية." (فتح الله كولن أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ص: 8). هذه القاعدة مطبّقة في بيوت الطّلبة بكلّ دقّة وعمق ..
إذن نحن في صباح يوم الثّلاثاء: 20/ 03/2012م. بعد تناول الفطور خرجنا من القسم الأوروبي من مدينة اسطنبول، قاصدين مقرّ الأكاديميا، (1/9)
صفحة 10
الذي يقع في القسم الأسيوي، حيث مكتب الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي (منظّم الرّحلة ومهندسها والحريص على عقدها).
وصلنا المكان المقصود، جلسنا في قاعة الانتظار، في مدخل الأكاديميا، بعد لحظات أهلّ علينا الدّكتور محمد بابا عمّي، بطلعته البهيّة، ووجهه البشوش الضّاحك، وقلبه المنشرح المستبشر بقدومنا، وقد تحقّق ما كان حريصًا على القيام به، وهو الإتيان بنا إلى هذه الأرض الطّيّبة. لقد كان قبل هذه اللّحظة في مهمّة خارج الأكاديميا.
رحبّ بنا ورحّبنا به، حيّانا وحيّيناه، ثمّ قدّمَنا إلى الدّكتور نوزاد صواش، المشرف العام في مجلّة حراء، وأحد الأعضاء العاملين النّاشطين الفاعلين في الأكاديميا. قال لنا: نحن نبدأ لقاءاتنا مع الضّيف بالسّفرة أوّلاً، ثمّ ننتقل معه إلى تنفيذ البرامج المسطّرة.
نزلنا إلى الطّابق السّفلي في مقرّ الأكاديميا، بعد أن خلعنا نعالنا، ونحن ندخل الوادِي المقدّس، تناولنا طعام الغداء. وجدنا مجموعة من الأشخاص حول موائد الأكل، قال لنا نوزاد: هؤلاء باحثون جاؤوا إلى الأكاديميا للقيام ببحوثهم الخاصّة. وكلّ من يأتي إلى هذه المؤسّسة للبحث له الحقّ في تناول الطّعام الذي يقدّم فيها مجانًا. هذه إحدى مكارم فريق العمل في هذه المؤسّسة المحترمة، فالخدمةُ تقدِّم الخدمةَ لكلّ من يبدي الجديّة في العمل والنّشاط.
لم تخلُ الجلسة في هذه المأدبة من أحاديث عن الأكاديميا ونشاطها وأعمالها، وبعض الموضوعات الأخرى. بعدها دخلنا مكتبة الأكاديميا، بعد أن خلعنا ... نعالنا، (ونحن ندخل الوادي المقدّس).
قدّم لنا الدّكتور نوزد تعريفًا بالمكتبة ومحتوياتها وأقسامها. وببعض أنشطة الأكاديميا والوسائل التي تتحرّك ضمنها وبها في تحقيق برامجها، التي تتمثّل أساسًا في المدارس والجامعات والمجلاّت والجرائد، والإعلام المرئي والمسموع، ومؤسّسات نشر الكتب، وقراءات فكر الأستاذ فتح الله كولن واستيعابه وتطبيقه، المرجع الأساس في نشاط الأكاديميا. (يلقّب كولن في أحاديث الجماعة بـ " الأستاذ ".) (1/10)
صفحة 11
هذه المرجعيّة الواضحة الثّابتة، هي أيضًا أحد مظاهر القوّة في عمل مَنْ ينشط في الأكاديميا، إذ تحدّد المسار، وتوضّح الرّؤى، وتوحّد الجهود، وتمنع الانحرافات والانزلاقات، وتحصّن من التّيه والضّياع ... ثمّ ذكر لنا الدّكتور نوزاد مجموعة من الأسرار والحقائق عن الأكاديميا، وأسباب نجاحها.
في موضوع المجلاّت والجرائد قال: إنّ للأكاديميا مجموعة من الجرائد اليومية والمجلاّت الأسبوعية، والدّوريات المتخصّصة، وبلغات مختلفة. هناك كثير من المجلاّت منشورة إلكترونيًا.
من مميزّاتها:
1 – إنّ هذه الصّحف والمجلاّت تعتمد في تمويلها – في الدّرجة الأولى على الاشتراك – بنسبة % 90. يهمّها ماذا يقول المشترِك عن المحلّة، كيف يقرؤها ... أي كيف هي علاقته بالمجلّة. هذا أمر مهمّ في إدارة الدّورية، وفي تطويرها وجعلها أكثر تأثيرًا وفاعلية ..
2 – تعالج الموضوعات والمسائل من منظور إيماني.
3 – هذه المجلاّت كوّنت كتّابًا. مثلا: كان الأستاذ فتح الله كولن يجمع الشّباب، ويطلب منهم الكتابة في موضوعات متنوّعة، ثمّ يجتمع بهم مرّة أخرى ليقرأ كلّ واحد على الآخرين ما كتبه، ثمّ يتناقشون ويتحاورون وينقدون ... بهذه الطّريقة أخرجت المجلاّت كتّابًا أكفاء.
4 – تنشر المجلاّت الموضوعات بطرق ذكيّة لتفوّت على أعداء الإسلام فرص التّعرّض لها. مثلاً:
أ - تستعمل كثيرًا الأفعال المبنية للمجهول، حتّى لا تنسب الأقوال إلى أصحابها؛ ليفلتوا من المراقبة والملاحقة.
ب – لا تذكر الآيات القرآنية والأحاديث النّبوية صريحة، إنّما تأتي بمعانيها، لتموّه وتداري وتبعد الأنظار عنها .. لكنّها تجتهد في إفهام القارئ وتعليمه بطريقة جيّدة.
قال الدّكتور نوزاد: (1/11)
صفحة 12
ــ إنّ للمجلاّت دورًا رساليًا، وهي مدرسة للتّكوين.
ــ تجتمع اللّجان المشرفة على المجلاّت دوريًا لقراءة المقالات التي تصل إليها لتقويمها، كما تجتمع هذه اللّجان معًا في ثلاثة أيّام مغلقة لتوحيد الرّؤية.
ــ تحرص المجلاّت أن تكون نقيّة صافية في أفكارها وفي ما تنشره.
ــ مؤسّسة قيقن لأعمال الطّباعة والنّشر تنشر ما يزيد عن 50 كتابًا شهريًا.
ــ ذكر لنا بعض المعلومات والأرقام عن مجلاّت الأكاديميا:
1 –الرّشحة محلّة شهرية، يطبع منها حوالي مليون نسخة.
2 –يامور (معناه بالتّركية الغيث) مجلّة أدبيّة، تصدر كلّ شهرين.
3 –مجلّة الأمل الجديد، مخصّصة للعلوم الإسلامية، مجلّة فصلية يصدر منها مائة ألف نسخة (100000).
4 – هناك مجلاّت للأطفال.
5 – مجلّة حراء تبيّن كيف تعيد الأمّةُ تاريخَها.
ــ تملك الأكاديميا أربعين دارًا للنّشر، وتحاول أن تغطّي كلّ الحقول المعرفية.
ــ أكّد لنا الدّكتور أنّ من بين مجالات التّكوين نظام الحلقات في المساجد. بذلك تثبت الخدمة انفتاحها على كلّ الطّرق والوسائل للتّعليم والتّكوين. كما تكشف بذلك أنّها تجتهد لتوفير كلّ الفرص للتّعلّم، ولكلّ من يرغب فيه. فإلى جانب الوسائل العصرية تُحيَا الطّرقُ التّقليدية التي لم تفقد من يميل إليها، أو من يلجأ إليها، فتكون حاضرة في برنامج مشروع الخدمة.
هذا الاهتمام وهذا التّخطيط يبيّنان أنّ الخدمة تعتمد على المعلّم والمدرسة - بمفهومها الواسع - في الإعداد والتّكوين. في هذا السّياق أتذكّر مقولة "بسمارك " محرّر ألمانيا وباعث نهضتها: " لقد انتصرنا على أعدائنا بمعلّم المدرسة ". (1/12)
صفحة 13
بعد هذه المأدبة الدّسمة ماديًا ومعنويًا انتقلنا - بعد أداء صلاتي الظّهر والعصر جمعًا وقصرًا – إلى مكتب الدّكتور محمد بابا عمّي، الموجود في الطّابق الثّالث في الأكاديميا، أين يكتب ويخطّط ويُنظِّر، ويفكّر ويدبّر ويقرّر، ويلتقط نسمات البوسفور؛ ليخرج من قلبه نفحات، ومن عقله تأمّلات، يرسلها رسائل وومضات، إلى قرّائه ومحبّيه وعاشقي فكره، وسالكي خطّ سيره.
مكتب الدّكتور محمد بابا عمّي فسيح، نظيف مرتّب مريح، مزدان بكتب فكرية، في مقدّمتها كتب المفكرّ الكبير والمعلّم القدير الأستاذ فتح الله كولن الخبير، الذي ينفث من حين إلى حين في روعه، فيكتب روائعه الفكرية، وينثر بدائعه الشّعورية.
كما أنّ النّوافذ البلّورية التي لا تخفي المناظر الطّبيعية المتكّونة من خضرة الأشجار، وروعة المباني، وزرقة مياه مضيق البوسفور، ووجود شاب لطيف ودود حازم ناشط مع الدّكتور في مكتبه، هو بركة عليه، يخدمه ويعينه في بعض ما يحتاج إليه، الشّاب الطّموح المتلهّف للتّحصيل العلمي " بركات الله عبد الغفّار "، التّركماني الأصل، التّركي الجنسيّة، الذي يتقن مهمّة خدمة العلماء، ويحسن لغة الوفاء ...
كلّ هذه المواصفات، وهذه الوصفات التي تميّز بها مكتب الدّكتور بابا عمّي، جعلت منه مكانًا رائعًا، مثمرًا منتجًا للخواطر، موحيًا مبدعًا للمشاعر. هذا المكتب التي أقنع الدّكتور بضرورة التّفرّغ والاعتكاف للإنتاج أكثر وأحسن، فنقل إلينا هذه الفكرة والرّؤية، وحاول واجتهد وجاهد وصابر معنا ... ؛ ليقنعنا ويحملنا في جلسات متعددّة على تبنّي نهجه، والسّير على خطاه في اختيار طريق الاعتكاف في محاريب العلم والفكر. فهذا مكتبه نموذج لذلك فاعتبروا يا أولي النّهى، وانتصروا لهذه السّبيل يا أولي العزم ... هو القائل: " ... فالتّخصّص، والتّفرّغ، والعمل الجماعي، والاحترافية ... كلّها معايير كنّا – ولا نزال – ندافع عنها. هي هنا (في تركيا) قد تحقّقت في أرض الواقع، وكأنّنا في عالم ملائكي من (1/13)
صفحة 14
نوع جديد! " (البراديم كولن فتح الله كولن ومشروع الخدمة، ص: 207)
بعد اللّحظات الثّمينة الجليلة، انتقلنا إلى منطقة أخرى جميلة جمالاً طبيعيًا، للاستجمام والرّاحة، كما أرادهما لنا منظّم الرّحلة محمد بابا عمّي، إنّها مرتفعات جاميلجة camilca ( باللّغة التّركية) ترتفع بـ (262م) عن سطح البحر. هي ربوة مزدانة بأشجار وأزهار متنوّعة في أشكالها وأنواعها وتنسيقها. ينعشك المكان بالنّسمات الباردة التي توفّرها المرتفعات، وتجمّلها وتحسّنها النّظرات إلى بديع خلق الله، من مياه تتراءى لك من بعيد في البحر الذي يشرف عليه المنتزه، ومن الأعشاب الخضراء والورود الزّهراء المنتثرة والمنتشرة على حافتي الطّرق في المرتفع، وتَنظرُك من بعض البنايات والمحلاّت المتناسقة في أشكالها وروعة ديكورها .. تحسّ من كلّ ذلك بالمتعة والنّشوة والانشراح والانبساط والرّاحة، وأنت تتجوّل في المنتزه، أو تجلس على المقاعد، أو تتناول أكلاً، أو تتلذّذ بشراب ..
هذا ما كان لنا في هذا المكان الطّيّب المريح المنعش. تجوّلنا وجلسنا وشربنا وأكلنا وتحدّثنا وتناجينا، وأخذنا صورًا تذكارية، فاستمتعنا واسترحنا واطمأنّت نفوسنا، وحمدنا الله وشكرناه على نعمه الكثيرة التي أسبغها علينا، وسبحنا في حسن صنع الله الذي أتقن كلّ شيء خلقه، وأبدع في كلّ ما أوجده، إنّه بديع السّموات والأرض وما بينهما.
ثمّ انصرفنا إلى معلم آخر من معالم التّحضّر والزّينة والتّقدّم، الذي يكشف عن شعور الدّولة بمسؤوليتها في توفير أسباب العيش الهنيء، وعوامل الحياة السّويّة للمواطن. إنّه حديقة " كيسيكلي " الجميلة، التي تتوفّر على مقوّمات الجمال الذي يذهب عن النّفس العناء، وينسيها التّعب والنّصب، ويغيّر لها نمط الحياة الرّوتينية التي يتحكّم فيها؛ بسبب ارتباطها بعملها اليومي، فتتجدّد بتولّيها شطر الحدائق الظّليلة، والأماكن الجميلة. (1/14)
صفحة 15
الحديقة تتوفّر على جملة من المظاهر الجميلة: مياه متدفّقة من صخور بشكل بديع منعش، ومساحات خضراء مزدانة بزهور رائعة وأشجار بديعة، وبألعاب مختلفة للأطفال بخاصّة، وبكراسٍ مريحة، تعين على حسن تملّي جمال الحديقة، وتبعث على الحديث الشّجي، والهمس النّديّ، ... تخيّل– أخي - كيف يكون التّجوّل في الحديقة رائقًا، والنّظر إلى الحسن رائعًا، وأنت وسط هذا الجوّ البديع.
وسط هذه الأجواء المنعشة، ومع هذه اللّحظات الممتعة - ونحن وقت الأصيل - تذكّرت أبياتَا للشّاعر مرهف الحسّ، وعاشق الطّبيعة، ومتذوّق الجمال: الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان، يصف فيها ساعة الأنس في جنان، مع الخلاّن والإخوان، والجوّ رائق جميل، والنّسيم لطيف عليل، والمكان ظلٌّ ظليل:
عَبَثَ الصّبَا بِغصونِ دَوْحِ جِنان
وَقْتَ الأَصيلِ، فّزادَ أُنْسَ جَناني
فَالْذُذْ بِمَنْظَرِهِ البَهيجِ، وَلُذْ بِه
تَظْفَرْ بِحُسْنِ الأُنْسِ وَالإِحْسَان
إنّا جَلَسْنَا عَنْ بِساطٍ في انْبِسا
طٍ زائِدٍ في ذَلِكَ البُسْتان
قَدْ حَفَّ بِالإِخْوانِ أَهْلِ الجُودِ والـ
إِكْرامِ في سِرٍّ وَفي إِعْلان
يَا مَنْ يُؤَلِّفُ بَيْنَ أَفْئِدَةِ الوَرَى
زِدْ بَيْنَهُمْ حُبًّا عَلَى الإِيمان
(ديوان أبي اليقظان، ج1، ص: 164، 165.)
بعد أداء صلاة العشاء في مسجد زهراوي القريب من منزل الدّكتور محمد بابا عمّي كان لنا موعد مع مأدبة عشاء، أقامها لنا منظّم الرّحلة صديقنا محمد بابا عمّي، في منزله الجميل جمال أخلاق أصحاب البيت. (1/15)
صفحة 16
لقد أحسن إكرامنا؛ سماحةَ حاتم الطّائي، قدّم لنا ما لذّ وطاب، وما هو شهيّ من الأكل، وسائغ من الشّراب، ومتنوّع من الفاكهة، وما هو لذيذ من الحلوى ...
كانت مع كلّ هذه الأطباق المتنوّعة أحاديث ممتعة مشكّلة من الدّعابة والمرح، والفائدة العلمية، ومناقشة قضايا من إفرازات الحياة اليومية، وعرض مسائل من صميم برنامج رحلتنا إلى اسطنبول، وتطعيم كلّ ذلك بنكت أدبية وطرائف بديعة ... بذلك كانت المأدبة فاخرة بأكلها وشرابها وأدبها ... جزى الله أخانا محمد الكريم خيرًا جميمًا وأجرًا عظيمًا.
برنامج اليوم الأوّل المكثّف الحافل كان يبشّر بخصوبة الرّحلة، وعذوبة أيّامها، ومتعة لحظاتها، وروعة جولاتها، وسموّ لقاءاتها، وعلوّ نتائجها ...
في اليوم الموالي كانت لنا زيارة لمدرسة نموذجية من مدارس الخدمة المنتشرة في تركية، هي مدرسة الفاتح كوليج Fetih Koleji، هي مدرسة للمراحل: التّحضيرية والابتدائية والمتوسّطة والثّانوية. كان في استقبالنا مدير العلاقات الخارجية في المدرسة. عقدنا معه لقاء مهمًّا، قدّم لنا فيه معلومات عن المدرسة، وعن نظام مدارس الخدمة. كان المترجم أنور دال. في المدرسة 1500طالب، و145 معلّمًا، لا يتجاوز عدد تلاميذ الفصل الواحد 24 فردًا.
استراتيجية المدرسة تقوم على تدريس لغات مختلفة؛ قصد التّكوين الصّحيح والقويّ للتّلاميذ، وبغية إعداد الطّلبة لتنفيذ أهداف مشروع الخدمة، التي منها القيام بواجب تثقيف كلّ من هو في حاجة إلى تكوين وتعليم. من هذه اللّغات المدرَّسة اللّغة الرّوسية، التي يحتاج إليها، وتنفع في تكوين أفراد الجمهوريات التي انفصلت عن الاتّحاد السّوفياتي بعد سقوطه، وانهيار الشّيوعية، وتدفع بهم إلى حظيرة مشروع الخدمة. هذا لن يتمّ إلاّ بتعلّم اللّغات التي يتكلّم بها أفراد تلك الشّعوب. هؤلاء أين يتكوّنون؟ يُهيّؤون في المدرسة التي يكون لها دور كبير وأساس في إعدادهم. (1/16)
صفحة 17
فعلا كان من رجال المؤسّسة من هاجر ليقوم بواجب إنقاذ شعوب الدّويلات التي كان لها تاريخ إسلامي عريق. يقول الدّكتور محمد بابا عمّي:" ... فلم يكتف الأستاذ بالخطاب والوعظ والهمّ، لكنّه كعادته انتقل إلى الحركية والفعل، فجمع الآلاف من أنصار الخدمة، وعرض عليهم مشكلته، ثمّ طلبهم بإحياء الهجرة إلى تلك البلاد بنيّة إحيائها ... فاستجاب له الآلاف من الشّباب غير المتزوّج، وسارع إلى هنالك يبني مدارس، ويعلّم حرفًا، وينظّم جمعيّات، ويوجّه أفكارًا ... فتمّ بحمد الله على يدهم الكثير من الخيروالإيمان في صفوف هؤلاء المسلمين المستقلّين عن الاتّحاد السّوفياتي." (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 68، 69)
يتوفّر كلّ فصل دراسي في المدرسة على مختلف الوسائل التّعليمية: من اللّوحة الذّكيّة Smart Board والجهاز العاكس Datashow وغيرهما من الوسائل العصرية المتطوّرة في التّعليم.
اختيار التّخصّص أو توجيه الطّالب فيه يكون في المرحلة المتوسّطة أو الثّانوية.
[صورة]
مدرسة الفاتح كوليجي
تعيّن المدرسة (أستاذ عائلةِ) لكلّ طالب؛ ليتابع مسيرته التّعلُّمية .. يقوم هذا المعيَّنُ بزيارة منزل التّلميذ ثلاث مرّات في السّنة على الأقلّ، يتفقّد وضعيتَه في البيت: ظروفَه الاجتماعية، علاقتَه بمن في البيت، ظروفَ قيامه بشؤونه المدرسية، معرفةَ ما يعانيه من مشاكل إن وجدت. هذا الإجراء يشبه ما يسمّى (طبيب الأسرة). كما أنّ وليّ الطّالب عليه أن يزور المدرسة أربع مرّات في السّنة على الأقلّ. هذه العلاقة الوطيدة بين المدرسة والمنزل هي من أسباب نجاح التّعليم في مدارس الخدمة.
من مظاهر متانة العلاقة بين المدرسة والمنزل، الاهتمام بغذاء التّلميذ؛ إذ أنّ الوليّ يُطلَع على برنامج الوجبات التي تقدّم للتّلميذ، حتّى يعرفَ ما يضيف من مكوّنات الغذاء، وما ينقص؛ ليكون مناسبًا. من (1/17)
صفحة 18
دون إفراط ولا تفريط في تغذية التّلميذ؛ فيغدو جسمه سليمًا، ويكون له عقل سليم.
قدّم لنا مسؤول العلاقات الخارجية معلومات كثيرة مهمّة عن هذه المدرسة، وعن مدارس مشروع الخدمة. قال: توجد في اسطنبول وحدها من هذا النّوع من المدارس التّابعة للخدمة 35 مدرسة، وعددها في العالم حوالي 2000 مدرسة، في 142 بلدًا. عيّن مشروع الخدمة سبعة أشخاص مسؤولين عن مدارسها، على رأسهم مسؤول عام واحد ..
[صورة]
قاعة التّربية الفنّية (مدرسة الفاتح كوليج Fetih Koleji)
ثمّ تجوّلنا في مرافق المدرسة المتعدّدة المتنوّعة، وبخاصّة المنشآت الرّياضية، ومدرّجات النّشاط العلمي والثّقافي، وقاعات الإطعام وغيرها .. ما لاحظناه استغلال المدرسة طوابقَ تحت الأرض لقاعات الإطعام والمنشآت الرّياضية: من الملاعب والمسابح وغيرها ... هذا جانب من مظاهر حسن التّخطيط والتّنظيم واستغلال كلّ بقعة في المبنى، ووضع كلّ شيء في مكانه ونصابه.
في زيارتنا لمكتبة المدرسة، لاحظنا حسن تنظيم الكتب في الرّفوف، بحسب مراحل التّعليم من الابتدائي إلى الثّانوي، مع حسن التّنسيق لأقسام المكتبة ... ذُكِر لنا أنّ على التّلميذ في المرحلة الابتدائية أن يقرأ ما لا يقلّ عن عشرين صفحة في الأسبوع، والعدد يرتفع بالتّقدّم في مراحل التّعلّم. هذا الإجراء يبيّن أهميّة المطالعة في التّكوين. كما يبرز دور المدرسة في التّخطيط والتّوجيه، ويكشف عن قوّة المنظومة التّربوية وقيمتها العلمية ..
لاحظنا – أيضًا - فخامة المطاعم التي تتوفّر عليها المدرسة، هي من صنف المطاعم الموجودة في الفنادق. هي منظّمة حسب المستويات الدّراسية، فكلّ مستوى له جناحه. تلاميذ السّنة التّحضيرية إلى السّنة الرّابعة، توزّع عليهم الأطباق، أمّا ما فوق هذه المستوى فيتولّى كلّ طالب خدمة نفسه ذاتيًا. نرى في هذا التّخطيط تدريبًا للطّالب على (1/18)
صفحة 19
المسؤولية والتّقيّد بالحسّ الخلقي في تناول الطّعام. استرعى انتباهنا وجود علبة مثبتة في الجدار مكتوب عليها بالتّركية: Ekmek تعني الخبز، استفسرنا عن معنى وجودها هناك، فقيل لنا: يضع فيها التّلاميذ الخبز الذي يبقى بعد الأكل، حفاظًا على النّعمة.
هكذا فإنّ التّربية الشّاملة تبدأ مع الولد مبكّرًا، فلننظر بعد ذلك إلى النّتائج الإيجابية التي يحصل عليها المجتمع، وكيف ينمو الحسّ الحضاري في المجتمع التّركي.
المدرسة التي زرناها تتوفّر على مدرّج كبير، وخمسة أو سبعة مدرّجات صغيرة.
قمنا بعد كلّ هذا التّطواف بمشاهدة شريط يعرّف بهذه المدرسة، ومرافقها الرّائعة، وأنشطتها الرّاقية، وإنجازاتها الكبيرة ... فبدأنا نفهم رويدًا رويدًا قيمة المظاهر التي تبدو بها تركية دولة حضارية متقدّمة، وبدأنا نجد أجوبة لكثير من الأسئلة التي تدور في أذهاننا عن نجاح تركية في مسيرتها الحضارية.
إنّ عوامل النّجاح تكون في حسن التّخطيط، وجودة التّسيير، وروعة التّنظيم، والشّعور بالمسؤولية، والشّمولية في التّفكير، والعمق في النّظر، والوضوح في الرّؤى، وحسن استشراف المستقبل ...
الأهداف المسطّرة في هذه المدارس، التي تعمل على إعداد التّلميذ للمستقبل، وتهيئته لخوض معترك الحياة، تُعدُّه ليكون: (- واثقًا من نفسه. –منسجمًا مع بيئته. –متبنِّيًا للقيم الإيجابية. –مؤمنًا بالقيم الإنسانية العامّة. – له رؤية شمولية. – متقنًا للغته الأمّ، وله لغة أجنبية قد تمكّن فيها. – يكسب معرفة تكنولوجية عالية. – بارزًا في رياضة واحدة على الأقلّ. – له قدرة فنيّة ومهارة وموهبة في أحد الفنون ... - متفوّقًا في التّخصّص الذي يختاره هو. –وأولى من كلّ ذلك: صاحب أخلاقية سامية: (إيمانية، ربّانية، وطنية، مدنية ... ). (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 208). (1/19)
صفحة 20
المدرسة التي زرناها هي نموذج من المدارس الموجودة في مشروع الخدمة، هي مثال راقٍ للحضن الذي يحضن البراعم، والحصن الذي يأوي الفتيان، والعرين الذي ينشِّئ الأسود، والمعقل الذي يبني الرّجال ...
[صورة]
بعد هذه الزّيارة المفيدة غادرنا إلى جامعة الفاتح Fatih Universitesi بعد أن أتحفنا مستقبلُنا في مدرسة الفاتح. بهدايا ثمينة. وجدنا في استقبالنا الطّالب النّجيب نصر الدّين بن علي العلواني، الطّالب المبتعث في بعثة طالبية للدّراسة في تركية، (تَخَصّصَ في الأدب الإنكليزي). كان المترجمَ لما يقدّم إلينا باللّغة التّركية، والحقّ يقال: كان مترجمًا قديرًا، بدليل استيعابنا لما كان يعرضه علينا الأساتذة في الجامعة؛ بفضل حسن التّرجمة بارك الله فيه، ووفّقه في دراسته.
التقينا في بهو الجامعة بمجموعة من أساتذتها، ثم كان لنا لقاء حميمي طيّب مع الدّكتور حسن إيزياش (أرجو أن يكون الاسم صحيحًا) قال لنا الدّكتور: " إيزياش تعني: الرّأس الجديد ". هو أستاذ في كليّة الإلهيات (أي علوم الشّريعة)، قدّم لنا الأستاذ تعريفًا بالجامعة، قال: هي تابعة لمشروع الخدمة، تأسّست قبل عشر سنوات، تضمّ سبع كليّات، كليّة الإلهيات أنشئت هذه السّنة، ولأوّل مرّة يسمح لجامعات خاصّة في تركية بفتح كليّة للإلهيات. في الجامعة أربعة عشر ألف طالب (14000)، تسعمائة أستاذ (900)، منهم مائة أستاذ أجنبي (100)، من سبع وتسعين دولة (97)، كلّ الدّرجات الجامعيّة موجودة في هذه الجامعة. بالنّسبة للدّراسة في كليّة الإلهيات تكون كالآتي: خمس سنوات (5) ليسانس، سنتان (2) ماجستير، خمس سنوات (5) دكتوراه).
اللّغة العربية مادة إجبارية على كلّ الطّلبة، يدرسونها في السّنة الأولى، أو التّحضيرية. (1/20)
صفحة 21
ليس هدف الجامعة ربحيًا، أسعار الدّراسة محدودة، أربعون بالمائة (40%) منح تقدّم للطّلبة.
جامعة الفاتح حقّقت المرتبة الأولى، من بين خمسة وثلاثين (35) جامعة في تركية.
الطّلبة الأجانب يختارون جامعة الفاتح.
الثّمانون الأوائل من النّاجحين في الباكالوريا، من مليون ونصف طالب نجحوا، اختاروا كليّة الإلهيات.
مائة وأربعون دولة (140) في العالم لها اتّفاقيات للتّبادل مع الجامعة.
هناك مجموعة من طلبة جامعة الفاتح سيرسلون إلى الجزائر ليحسّنوا لغتهم العربيّة.
زوّدنا الدّكتور بمعلومات قيّمة عن هذه الجامعة، منها عرفنا قيمتها ورقيّها في سلّم التّكوين، وفي مواكبتها العصرَ في وسائله، وفي توفير مجالات المعرفة، وقدّرنا دورها في إعداد الطّلبة القويّ الصّحيح للمشاركة في الحياة العمليّة.
الجامعة تمثّل أحد مظاهر التّطوّر في المنظومة التّعليمية في تركية بعامّة، وفي مشروع الخدمة بخاصّة. بعد هذه الجلسة الوديّة التّعريفية ودّعنا الأساتذة بعد أن قُدِّمت لنا هدايا غالية.
تركنا القاعة متّجهين إلى مطعم الجامعة، في طريقنا إليه التقينا بعميد كلية الإلهيات، التي رحّب بنا بكلّ حرارة، واستقبلنا بوجه طلق، وقلب مفعم بالحبّ والودّ. صاحبنا إلى المطعم، وفي طريقنا إليه مررنا على مناظر جميلة: اخضرارًا، مصدره أشجار وأعشاب منسّقة في وضعها وغرسها، وتشكيلةَ ألوان من الزّهور على حافتي الممرّات، وحسنَ تنظيم المسالك في تبليطها وتزيينها ... تقرأ في كلّ هذا الذّوق والإحساس بالجمال، ممّا ينعكس إيجابًا على من يهيَّؤون لمواصلة بناء وطنهم، في مؤسّسة وُجدت أصلا لتبني نفوسهم، وترقّي إحساسهم بجماليات العمل المتقن، فكان في الجمال الذي أتقن الله صنعه على أيدي المربّين وسيلة مساعِدة لهذا الإعداد، فمن فقد الإحساس بالجمال عدم (1/21)
صفحة 22
الإحساس بإتقان العمل. يقول الأستاذ فتح الله كولن: " ادفع السّيّئات بالحسنة، ولا تهتمّ كثيرًا بالسّلوك المفتقر إلى الذّوق، فكلّ إنسان يعكس طبيعته وأخلاقه بتصرّفاته وسلوكه، أمّا أنت فاختر لنفسك طريق المسامحة، كن كريمًا عالي النّفس، حتّى أمام الذين لا يعرفون قواعد السّلوك والخلق. " (الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 20)
هذه الأخلاق يوجدها في الإنسان ذوقُه والجمالُ اللّذان يسكنان قلبه، وهما من نتاج التّربية والإعداد في المدرسة، بمثل هذه المظاهر التي تحيط به في بيئته التي يتحرّك فيها، وفي الصّرح العلمي الذي يكون فيه ... يقول الأستاذ كولن: " أحسن إلى من أساء إليك ... وبالذّوق الرّفيع قابل المفتقر إلى الذّوق ... فالأقداح بما فيها تنضح ... وبعلوّ نفسك وسموّ خلقك. عامل فقراء السّلوك والخلق." (فتح الله كولن أشواق أمّة، واستنهاض حضارة، ص: 22).
إذن إنّ الإحساس بالجمال، يثمر ذوقًا سليمًا، والذّوق الحسن يبعث على السّلوك الحسن، والسّلوك الحسن يبني حضارة .. هذه هي التّربية الصّحيحة والرّصينة ...
تناولنا - على شرف عميد الكليّة - طعام الغداء الدّسم المتنوّع في أطباقه، المتعدّد في شرابه، الحلو في مرطّباته ومثلّجاته ... برفقة مجموعة من أبنائنا الطّلبة الذين يدرسون في اسطنبول. لم تغب عن المأدبة الأحاديث التي تتعلّق بالرّحلة، وما لها صلة بالجامعة والبحث، والعلاقة بين تركية والجزائر ..
فسّر لنا العميد دلالة الصّورة التي هي شعار الجامعة، صورة شجرة في أعلاها خريطة العالم. قال: ترمز وتدلّ أنّ العلم هو الأصل في الحياة، يجب أن ينتشر في العالم كلّه، فجامعتنا عالمية في توجّهها، تعمل على نشر العلم في العالم بجميع مناطقه، لا تستثني جنسًا ولا وطنًا، ولا تقصي أحدًا.
كان العميد يتكلّم العربية - ولو بصعوبة – وكان يعتزّ بذلك، ويعتذر عن عدم إتقانها، وتعثّره في الحديث بها، هذا المشهد هو أحد المظاهر التي صادفتنا في تركية: التّعلّق باللّغة العربية، والتّأسّف على عدم (1/22)
صفحة 23
معرفتها والتّحدّث بها، ومن يتكلّمها كان يعتذر عن عدم إتقانها .. هذا المظهر يكشف عن قوّة الشّخصيّة، ويُبِينُ عن الحسّ الحضاري، الذي يربط الفرد بأهمّ مقوّم من مقوّمات هويّته؛ بصفته مسلمًا. هذا التّصرّف هو من العوامل التي أسهمت في البناء الحضاري لتركية.
بعد الغداء وأداء صلاتي الظّهر والعصر، قمنا بجولة في مكتبة الجامعة العامرة بالكتب الكثيرة، المتنوّعة في مصادر التّعلّم، الجميلة في مبناها وتنسيق أركانها وزواياها، الرّائعة في موقعها. فهي تطلّ على حديقة جميلة، تتراءى للقارئ فيها من بعيد زرقة الماء على مدّ البصر ... لقد جمعت المكتبة بذلك بين روعة المبنى ومتعة المعنى، أكرم بالصّنيع من ذوق رفيع، وحسّ بديع، وفكر منيع ..
أكملنا جولتنا في مرافق الجامعة، وزرنا معرضًا للشّركات المشهورة في تركية، عرّفت فيها بمنجزاتها، ومجالات أنشطتها. الغرض من ذلك انفتاح الجامعة على المحيط، وتقريب الشّركات من الطّلبة؛ للتّعاقد معها بعد تخرّجهم، وللاطّلاع على إمكانية الارتباط بها في اتّفاقيات من أجل التّكوّن، أو إقامة مشروعاتهم المستقبلية. هذا الفعل يتكرّر كثيرًا في الجامعة.
هذا التّقليد داخل ضمن ارتباط الجامعة بسوق العمل، والاندماج الذي يتمّ بين كلّ الجهات التي تعمل بتكامل في النّهوض بالبلد. هذه استراتيجية جيّدة، وتخطيط قويم، تنكشف من خلاله أسرار قوّة البلد، وتُفْهَم عوامل تقدّمه، كما يُتَبَيَّنُ دور الجامعات في خدمة المحيط وتنشيط الحياة، وتحريك عجلة التّنمية.
اغتنم العمبد فرصة وجودنا في الجامعة، فجمع مجموعة من طلبة كليّة الإلهيات بسرعة (في مدّة لم تتعدَّ خمس دقائق) في قاعة فَقَدَّمَنَا إليهم، ثمّ عرض علينا أستاذان للّغة العربية في الكليّة (هما سوريان) برنامج اللّغة العربية، والكتب التي تدرّس لطلبة السّنة الأولى (الذين يدرسون اللّغة العربية مقياسًا إجباريًا مدّة سنة كاملة) قال الأستاذان: إنّ بعض المواد تدرّس باللّغة العربيّة في الكليّة، كالتّفسير والفقه ... فعلى الطّالب أن يتقن هذه اللّغة: قراءة ومحادثة وكتابة ... ليتمكّن من الإفادة (1/23)
صفحة 24
من دراسته. الطّالب يمتحن كلّ أسبوعين في المادة؛ للمتابعة والتّصحيح والتّوجيه ..
طُلبَ منّي كلمة للطّلبة، فارتجلتُ جملاً، شكرتُ فيها الجامعة على هذا الاهتمام وهذا التّخطيط الجيّد الصّحيح، وثنّيت بالشّكر للأساتذة الذين يبذلون جهودًا كبيرة من أجل تخريج الطّلبة على العربية الفصيحة، آلةِ التّحصيل، ومفتاحِ كلّ العلوم ... ثمّ توجّهت بكلمة إلى الطّلبة، حرّضتهم فيها على حسن إتقان اللّغة العربية، لغةِ القرآن، ولغةِ التّحصيل الصّحيح والقويّ في الشّريعة، وقلت لهم: تذكّروا ما قاله الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: القرآن باق ما بقيت العربية، ثمّ قرأت عليهم بيتين من الشّعر:
النّحْوُ يُصْلِحُ مِنْ لِسَانِ الأَلْكنٍ
وَالمَرْءُ تُكْرِمُهُ إِذَا لَمْ يَلْحَن
وَإِذَا طَلَبْتَ مِنَ العُلومِ أَجَلَّها ... فَأَجَلُّها نَفْعًا مُقِيمُ الأَلْسُن
كنت أتكلّم إلى الطّلبة، وأقرأ في عيونهم الاهتمام، وأرى فيهم حسن الإنصات لما يسمعون، هذه علامات الجدّ والحرص على التّحصيل والتّلقّي. هذه سمات الطّالب الطّموح المقبل على طلب العلم بكليّته، كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: إِعْطِ كُلّك للعلم يُعطِكَ بعضه. في هؤلاء أردّدُ ما قاله الشّيخ أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي:
أُحِبُّ فَتًى ماضِي العزِيمةِ حازِمًا
لِدُنْيًا وَأُخْرَى، عَامِلاً بالتّشَمُّر
بعد هذه الجولة المتنوّعة المهمّة في رحاب الجامعة، ودَّعْنَا العميدَ ذَا الخلق الرّفيع، بتواضعه وأريحيته وحبّه الشّديد لغيره. وانتقلنا إلى معلم آخر من معالم الأعمال العظيمة في مشروع الخدمة، إلى مقرّ جريدة زمان Zaman.
استقبلنا في مدخل المبنى المدير المسؤول على العلاقات الخارجية الأستاذ الأرقم شيشمان أوغلو. قدّم لنا تعريفًا عن جريدة (1/24)
صفحة 25
زمان التّابعة للخدمة، التي تصدر باللّغة التّركية، وهناك ( zaman ‘Today) تصدر باللّغة الإنكليزية. كلتاهما جريدة يومية.
- حدّثنا عن جريدة زمان وعن مؤسّسة زمان ومبناها، ذي الطّوابق السّبعة. يعمل فيها تسعمائة موظّف (900). نَظَرْنَا من بعبد الأفرادَ الموجودين في العمل، فألفيناهم منهكمين في عملهم. هذا التّركيز وهذا الانضباط مظهر آخر من مظاهر النّجاح في تدبير الأمور في تركية، وفي مشروع الخدمة بالذّات.
- زمان أكثر الجرائد التّركية انتشارًا وبيعًا، يُطبَع منها حوالي مليون نسخة يوميًا (1000000). المطبعة الحديثة المتطوّرة التي قدّم لنا مرافقنا تعريفًا بها، تَطْبَعُ مائة وخمسين ألف نسخة في السّاعة (150000). كان آفاق الجريدة حين تأسيسها أن تصل إلى خمسين ألف نسخة (50000). وبفضل الله تجاوزناه إلى الرّقم المذكور.
- تعتمد الجريدة على الاشتراكات في الدّرجة الأولى، هذه الإستراتيجية ساعدتها كثيرًا في مجال التّموين.
- بدأت سنة 1995إلكترونيا.
- تطبع في خمسة أماكن في تركية, كما تطبع خارجها.
- لا تنشر الكذب، بل تفضح كثيرًا من أكاذيب بعض الصّحف، وتُفصِحُ عن الحقيقة، التي كانت مغيّبة في تركية. فلمّا جاءت جريدة زمان أظهرتها، وأرغمت الصّحف الأخرى على قول الحقيقة. إنّ الكذب يموت بجريدة زمان.
- أثبتت الجريدة أنّ المسلمين قادرون على الإنتاج والإبداع والتّحدّي، وكشفت عن قوّة الإسلام. الجريدة أكّدت ألاّ قوّة بلا إسلام، ولا إسلام بلا قوّة.
- أخلاقيًا، الصّور المشبوهة لا تنشر، حتّى أصحاب الإشهارات لا يقبل منهم ما يتنافى مع الأخلاق؛ رغم ما يقدّمون ويعرضون من ربح للجريدة. ما رفضناه من هذه الصّور يفوق المليون صورة. (1/25)
صفحة 26
- قال لنا الأرقم أيضًا: إنّ زائري مقرّ الجريدة يبلغون ثلاثة آلاف زائر (3000) شهريًا، يأتون من كلّ أنحاء العالم. هذا دليل على مكانة التّجربة التّركية الرّائدة والقيّمة في مجال الإعلام الهادف.
- قال مدير العلاقات: لنا مراسلون خاصّون بنا في مختلف أنحاء العالم؛ حرصًا على مصداقية الخبر والمعلومة، وضمانًا للالتزام بالسّير في خطّ الجريدة كما ذكرنا سابقًا.
- وكالة جيهان التّابعة لمشروع الخدمة تزوّد وكالات العالم بالأنباء، وهي تعطي الثّقة فيها لصدقها واحترافيتها.
- في انتخابات تركية الأخيرة كان عدد المراقبين من وكالة جيهان ستّة آلاف مراقب (60000)، هذا ما ساعد في نزاهتها.
بعد الجولة الرّائعة في بعض أركان المقرّ، والوصفة التّعريفية بالجريدة وأهمّ ما حقّقته من نجاح في الميدان محليًا وعالميًا، وعرض آفاقها المستقبلية كان مسك الختام جلسة حميمية في مقهى المؤسّسة؛ مصحوبة بإكراميات ودردشات، ثمّ إهداء ألبوم يحتوي على بعض الصّور التي تزيّنت بها أعداد من الجريدة، من إبداع رسّاميها. ودّعنا المرافق اللّطيف الظّريف المرح ... بحرارة عالية، كما استقبلنا بحفاوة بالغة. كان المترجم الوفيّ هو الطّالب نصر الدّين العلواني. بعد الظّهر التحق بنا الطّالب إلياس عبد العزيز.
[صورة]
بعض منشورات جريدة زمان Zaman
آخر محطّة لنا في برنامج اليوم كانت زيارة مقرّ مجموعة سامانيولو للإذاعة والتّلفزيون Samanyolu التّابعة للخدمة. استقبلنا الأستاذ عمر داغ Omer Dag( من قسم المبيعات الدّولية في المؤسّسة). قدّم لنا تعريفًا بالمؤسّسة، ونشاطها وآفاقها وعدد القنوات التي تتوفّر عليها. ممّا ذكره لنا: إنّ الأستاذ فتح الله كولن يقول: التّلفزيون أمانة، كلّ (1/26)
صفحة 27
دقيقة تمرّ من دون فائدة، تكونون قد أخذتموها من المشاهد، ستحاسبون عليها يوم القيامة.
- سنة 1993م كانت لنا قناة واحدة، الآن عندنا إحدى عشرة قناة تلفزيونية (11). وثلاث قنوات إذاعية.
- انطلق العمل في المؤسّسة بتسعة عشر شخصًا (19)، أمّا اليوم فعدد العاملين فيها ستّمائة شخص (600).
- باعت مائة وثمانين عملاً (180) من نتاجها. 80%من برامج المؤسّسة من نتاجها.
- للمؤسّسة لجنة تراقب كلّ شيء فيها. تبدأ الفكرة من الأستاذ كولن، وتنتهي عنده. بالموافقة على المشروع بعد إتمام إعداده، ويراعَى الشّرعُ في كلّ تفصيلاته. هنا يكمن سرّ النّجاح: في قوّة المرجعية وفي وحدة الرّؤية.
- قال لنا الأستاذ عمر داغ: الجانب المالي في مؤسّستنا، لا تكون له الأولوية في التّخطيط والتّدبير والتّأسيس والبناء. من أراد أن يعمل فالحياة كلّها فرص، أو هي تعطي له الفرص. من أراد أن يعمل يجد صعوبات، عليه تجاوزها، وبإمكانه أن يتجاوزها ..
- أكّد لنا الأستاذ عمر داغ أنّ الحركة تكون سياسية ولا تكون حزبية. هذه النّظرة، أو هذه الاستراتيجية مهمّة في المحافظة على الخطّ الذي ينتظم مشروعات مؤسّسة الخدمة، وتَجَنُّبِ أيّ انقسام وخلل في بيت المجموعة، فالمهمّ هو التّكتّل السّياسي، وليس التّحيّز الحزبي، الذي قد لا يحقّق التّوافق السّياسي.
- ذكر أنّ العمل يكون بالطّرق غير المباشرة، مستلهمين قوله تعالى وليتلطّف ولا يُشعرَنَّ بكم أحدًا ... وهو أحد مبادئ رجال الخدمة في كلّ أنشطتهم. التّلطّف الذي يعني الحذر والتّستّر، وعدم المكاشفة العلنية ... ؛ اتّقاء لوأْدِ المبادارت، ومنْعًا لإجهاض المشروعات. إلاّ أنّ الدّكتور محمد بابا عمّي أعطى لهذا الشّعار مفهومًا آخر، استقاه ممّا فهمه من فلسفة العمل عند فتح الله كولن. قال: " ... وقبل ذلك في سنة 1980م، تحوّلت دُور الطّلبة (دُورُ الأرقم) إلى مدارس نظامية رسمية، تمشّيًا مع الظّروف (1/27)
صفحة 28
والأحوال ... وقد فهم الأستاذ قوله تعالى، من سورة الكهف: {وَلْيَتَلَطَّفْ} (سورة الكهف: 198) فهمًا مباينًا للفهم التَّقليدي، الذي يفسّرها بدلالة القاموس: (وليختفِ وليحذرْ) ... لكن الأستاذ فسّرها بمعنى (الشّفافية والوضوح والظّهور اللّطيف، الذي لا يعطي الفرصة للشّكّ والرّيب ... ) ... معناه، وفي سياق التّدافع الحضاري: بناء مدارس، ذات مقاييس عالمية عالية، قويّة متميّزة، متفوّقة ورائدة ... تفرض إيقاعها على الأمّة كلّها، ولا يقدر أحد على إذابتها أو التّنكّر لها. " (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 174)
في مأدبة العشاء التي أقيمت لنا في إحدى مدارس مشروع الخدمة، تعرّفنا على الأستاذ يعقوب أورخان ... Yakup urkan أحد رحال الخدمة العاملين في مؤسّسة Afrika Danismanlik . وقد رافقنا في بعض محطّات زياراتنا. هو يتكلّم اللّغة الفرنسية، تعلّمها في المملكة المغربية؛ حين أقام فيها مبعوثًا من مشروع الخدمة مهاجرًا، ليؤدّي إحدى مهمّاتها، وتنفيذ مبدأ الهجرة لخدمة الإنسانية. وقد كان أيضًا في السّنغال، (أظنّ إنّه كان في النّيجر أيضًا). كان نعم المرافق؛ يتميّزّ بالمرح والدّعابة وحسن الحديث، وبالثّقافة العامة ... هذه هي المواصفات المطلوبة في مرافق الزّائرين. لقد أحسن إلينا وانسجم معنا كلّ الانسجام، وأفادنا بكثير من المعلومات عن تركية، وعن أنشطة مشروع الخدمة ... جزاه الله خير الجزاء.
[صورة]
يوم الخميس كانت لنا جولة مع التّاريخ والآثار؛ للتّعرّف على أمجاد السّلف، والاطّلاع على جهود العاملين المخلصين الأشدّاء، ولأخذ العبر من صنائع الرّجال الأشاوس ... كان مرافقنا المترجم لنا الطّالب يوسف بن علي بن باحمد خيّاط.
[صورة] (1/28)
صفحة 29
هذا مشهد من المشاهد المجسّدة لمعركة فتح القسطنطينية كما رسمها ,الفنّانون في البانوراما. (المتحف التّاريخي)
المحطّة الأولى كانت المتحف التّاريخي (بانوراما) المتحف مخصّص للتّعريف بمعركة فتح القسطنطينية الخالدة العظيمة، التي كان بطلها على رأس جيش كبير وعظيم محمد الفاتح الذي كان عمره في أثناء المعركة القويّة الحاسمة واحدًا وعشرين سنة (21).
المبنى مكوّن من طابق أرضي، حيث المدخل والاستقبال ومكتبة، وفيها سلّمت لنا سمّاعات فردية خاصّة، تشغّل على رقم اللّوحة التي يقف أمامها الزّائر ليستمع إلى شروح ضافية عنها باللّغة التي يختارها. انتقلنا إلى طابق تحت الأرض لمشاهدة هذه اللّوحات، ثمّ الاستماع إلى الشّروح.
بعدها صعدنا إلى الطّابق الأوّل؛ حيث الإبداع والتّفنّن والقوّة الخارقة في رسم التّاريخ، واسترجاع الذّاكرة، والإمتاع في رؤية المناظر، وإدراك حقيقة ما جرى .. الطّابق الأوّل عبارة عن قبّة كبيرة تعلو مشاهد لمعركة فتح القسطنطينية بأشكال مجسّدة وألوان ناطقة بمجريات الأحداث والوقائع، وراسمة لمراحل تطوّر الواقعات، ومفصحة عن التّحرّكات التي كانت فوق ميادين المعركة، مصحوبة بالشّروح التي تسعفنا بها السّماعات، وهي تقدّم المعلومات الضّافية، الخاصّة بكلّ مشهد تقف أمامه، من دون تكليف نفسك عناء تشغيلها، سبحان الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وسبحان التي وهب الآلة الجامدة القدرة أن تتحرّك نيابة عن الإنسان الحيّ، وتختصر له الوقت، وتوفّر له الجهد، وتمنحه الحريّة أن يستفيد من جولاته، من دون أن يتحكّم فيه الدّليل البشري، الذي يقيّد حريّته في الإفادة من زيارته، فالآلة هنا أرحم من الإنسان وأفيد. شكرًا لك يا الله بديعَ السّموات والأرض وما بينهما .. أن هديت خلقك إلى الإبداع بالعلم. فهنيئًا لدولة العلم، التي تعرف قيمته وخطره، فتهيّئ له أسباب الإبداع به والتّقدّم. يحدث هذا في دولة تركية الحديثة ذات الحسّ الحضاري، والقوّة المنتجة، وإرادة البناء ... قيل لنا: إنّ عدد الذين صمّموا هذه البانوراما سبعة من الفنّانين الكبار. (1/29)
صفحة 30
بعد هذه الزّيّارة التي خرجنا منها مندهشين من قوّة المعركة التي خاضها المسلمون في هذا الفتح المبين، ومعجبين بالأساليب القتالية والتّكتيكية التي اتّبعها الفاتحون فيها، ومنبهرين ببراعة تصوير المشاهد، ومهارة رسم المعركة ... قال لنا أستاذ التّاريخ زميلنا الدّكتور إبراهيم بحاز: أنا حين أعود إلى الجزائر سأقول لطلبتي: لقد شاركت في معركة فتح القسطنطينية. سيسألونني كيف بمكن هذا؟ المعركة وقعت سنة 1453م، وأنت من مواليد 1956م، فبينك وبينها أكثر من أربعة قرون؟ أقول لهم: براعة الفنّانين في رسم وقائع المعركة، وقوّة إبداعهم في تصويرها، وتفنّنهم في تجسيد كلّ ما كان يتحرّك في أرضها ... جعلني أعيش لحظات المعركة وجدانيًا، وكأنّي أحياها وأتحرّك في الميدان مع المجاهدين .. هذا التّعليق هو أبلغ تصوير لعلوّ قيمة العمل الفنّي، وسموّ رسالته وأهميّته الحضارية والتّربوية والثّقافية ...
كنت أشعر الشّعور نفسه، وأحمل الانطباع ذاته. كنت وأنا أتجوّل وسط هذه القبّة التي جسّدت معركة فتح القسطنطينية، أعيش في دوّامتها، وكأنّني في لحظات المعركة، أنظر الرّجال يتحرّكون، والخيل تتقدّم، وقعقعة السّلاح تعمّ المكان، ودويّ القنابل والمدافع يملأ الفضاء، والسّماء ملبّدة متغيّرة بالغبار المتناثر من فعل الحركة على الأرض، ومن الدّخان المتصاعد من فوهات البنادق، ومخلّفات القنابل المنفجرة .. وغير ذلك من مظاهر المعركة التي أبدع الرّسامون الفنّانون في رسمها؛ لتقدّم للزّائر التّاريخ مجسّدًا؛ فيعيه ويتفاعل معه، ثمّ ليعتبر به ويستلهمه .. لقد صدق أخونا الدّكتور بحاز، نعم لقد شاركنا في معركة فتح القسطنطينية وألف نعم ..
[صورة]
(نحن الثّلاثة في الصّورة: محمد حمدي، محمد ناصر بوحجام، إبراهيم بحّاز، نتابع بالصّوت والصّورة شروحًا عن معركة فتح القسطنطينية.)
بعد المتحف التّاريخي قصدنا جامع السّلطان أحمد أو الجامع الأزرق أو السّماوي، كما يسمّى، نسبة إلى لون قطع البورسلان (1/30)
صفحة 31
الصّيني، التي في داخله. هو يعدّ تحفة أثرية من أهمّ ما بناه العثمانيّون. لهذا الجامع " مكانة خاصّة في التّاريخ العثماني. حيث كان من العادة إقامة حفلات المولد الدّينية فيه، في اليوم الثّاني عشر من شهر رمضان كلّ عام. وكان يحضر هذه الحفلات الدّينية أركان الدّولة وعلماء الدّين. وكانوا يحضرون بالملابس الرّسمية، ويجلسون في الأماكن المخصّصة؛ وفق بروتوكول متّبع. كما كان يحضر هذه الحفلات وجهاء الانكشاريّين والفرسان، حتّى سنة 1768م، إلى أن أعفي الفرسان والعسكر والكتّاب من حضورها، عندما لم يعد يتّسع الجامع لكلّ الحضور". (كتاب اسطنبول مدينة الحضارات ... ،ص:33).
الجامع تحفة عمرانية رائعة في تصميمها، هو نموذج من الجوامع الكثيرة المنتشرة في اسطنبول، التي تدلّ على تجذّر الإسلام في المجتمع التّركي؛ رغم ما كان يعانيه قبل عقود من المحاربة، والتّضييق على المسلمين.
الملاحظة العامّة التي يسجّلها الزّائر لاسطنبول هي وحدة شكل مساجدها، فمآذنها كلّها على شكل واحد، مهما يكُنْ حجم المسجد، وكلّها تشتمل على قباب، حتّى الهندسة الدّاخلية للمسجد، لا تكاد تختلف فيما بينها، يميّزها وجود أعمدة متقاربة في تصميمها، والمحاريب أيضًا غير مختلفة بين مسجد وآخر ... هذا التّوحيد في العمارة يحمل دلالات كثيرة: دلالة الوحدة، ودلالة الذّوق، ودلالة المحافظة على الإرث العمراني الذي عرف به الأتراك، ويعني التّمسّك بالتّميّز الذي لا يعني التّحيّز المنبوذ والتّعصّب المقيت .. إنّما يدلّ أنّ هناك اعتزازًا بالشّخصيّة، والعمران أحد مظاهر التّحكّم في مقوّمات الشّخصيّة. فالدّولة التي تتحكّم في تنظيم عمرانها دولة قويّة ومهيبة ومتمكّنة من تسيير شؤون الرّعيّة وكلّ ما يدبّ على أرضها. فالعمران مظهر من مظاهر السّياد والرّيادة والقيادة ... [صورة]
محمد ناصر بوحجام في جامع السّلطان أحمد (الجامع الأزرق) (1/31)
صفحة 32
في هذا المسجد الذي أدّينا فيه صلاتي الظّهر والعصر التقينا بالأستاذ يونس بن محمد حجّاج المدير العام لمدارس (طيف) العلمية في الجزائر، الذي كان في زيارة لاسطنبول.
في هذا الوقت يحين وقت الغداء، أيّها المرافق العزيز! أيّها الأخ الكريم أنور دال! دُلَّنا على مطعم. آتِنا غَداءَنا، لقد لقينا في جولتنا هذه نصبًا .. لم بتأخّر كثيرًا، سار بنا إلى حيث المبتغى والمرتجى .. ذهبنا معًا إلى مركز التّدريب (فرات)، التّابع لمشروع الخدمة، هو للتّكوين والتّعليم. يبدو أنّ دليلنا التّركي أضمر في قلبه أمرًا: إنّكم لستم ببالغي مبتغاكم إلاّ بشقّ الأنفس .. فعلاً لم نصل إلى المركز، وإلى مكان تناول الطّعام إلاّ بعد أن أخذ منّا جهد السّير في مناكب الأرض لنأكل من رزق الله كلّ شيء، واستنفذ منّا كلّ ما بقي من قوانا .. مشينا مسافة طويلة، كنّا نسير ورؤوسنا مشرئبّة إلى معرفة نهاية الطّريق، ولكنّ النّهاية في كلّ تحريكة للرّأس لا تأتي، وكنّا نخطو بأرجلنا خطوات نتكلّف توسيعها؛ حتّى نختصر الطّريق ونطوي المسافة بسرعة فنلحق بالرّكب الذي سبقنا.
لا فائدة جنيناها من هذه المحاولات الفاشلة. كلّما توقّف الدّليل ومن معه في الطّليعة، ونظروا إلى الخلف تنفّسنا الصّعداء، وقلنا فرجت والحمد لله، وحسبنا المعاناة انتهت، فإذا بوقفتهم لا تعدو استراحة لهم من السّير الطّويل، وتخفيفًا لنا من ضغط التّعب وشغفة ورحمة بالرّجل العليل، ورفقًا بالقوارير، ومراعاة للضّعيف الذي هو أمير الرّكب، فلابدّ أن يُنتظَر وصوله، فإذا ما اقتربنا من الرّوّاد عقدوا النيّة على استئناف السّير من جديد،. ما هذا الذي يحدث؟ هل انعدمت المطاعم، إلاّ المكان الذي يُسافِرُ بنا إليه دليلُنا المحترم، ونحن نكابد ونجاهد، وهو يكابر ويعاند، ويواصل السّير ويعاود؟؟ لقد نفذ زادنا، والسّفر نفسه يحتاج إلى زاد!! فأين هو؟ بل زاد علينا المرافق زادًا من التّعب. وقد فكّر من كان معي من المرافقين الانفصال عن الرّكب وتناول الطّعام في أقرب مطعم منّا. قالوا نتريّث لقد وقف الوفد المحترم المتقدّم علينا، وقال لي أحدُهم: هاك كرسيًّا (1/32)
صفحة 33
واجلس، وخذ قسطك من الرّاحة، نحن نذهب لنستطلع الأمر، ثمّ نقرّر بعد ذلك ما نفعل ..
رجع الأخ جابر ضاحكًا مستبشرًا وقال: لقد وصلنا والحمد لله، عليك أن تتحمّل الخطوات القليلة الباقية، فكان تقديره تقديرَ الصّحيح المعافى، أمّا أنا فحسبت المسافة بحساب العليل المبتلى. واصلنا سيرنا، فوصلنا نقطة النّهاية، وبعد لأي عرفنا الدّار، بعد ما مكر بي المشيُ مكرًا كُبارًا.
انتهى الشّوط الأوّل من المعاناة، فكان علينا أن نستعدّ لصعود الدّرج، قلنا: إنّ المطعم لا يعدو أن يكون في الطّابق الأوّل، فالأمر بسيط وهيّن، شيء من الإرادة وقليل من التّحمّل نُخلد بعدهما إلى الرّاحة.
هيّا استعد للمرحلة الأخيرة يا محمد، ها قد وصلنا إلى المكان المقصود. أين الكرسيّ لأجلس، من كان يمسك بيدي حوّلني إلى جهة الدّرج المؤدّية إلى الطّابق الثّاني، إذن هناك درجات أخرى نصعدها!! كان الجواب فعلاً، لا قولاً، سِيرَ بي كما أشار الدّليل، حططنا في الطّابق الثّاني، تأكّدتُ أنّنا وصلنا الغاية، فالمكان متّسع، به هرج ومرج وضوضاء منبعثة ممّن يتحرّك فيه، فهو مكان للأكل، إذن نحن مِنْ ضمن مَنْ يحلّ فيه بكلّ تأكيد ...
قيل لنا: هذا محلّ مخصّص للطّلبة. لسان حالهم يقول: جلوسكم فيه مخلٌّ بقدركم، أنتم مكانكم أسمى وأرفع، أنتم أساتذة وضيوف .. نسمو بكم إلى مقام أعلى، وإلى ما هو أرقى وأليق بمكانتكم. ارتقوا طابقًا آخر. استجبنا وأكملنا الصّعود إلى الطّابق الأخير، إلى قمّة المبنى.
لقد كان صعودنا في هذه العمارة كمن يتسلّق جبلًا، يصعد وهو ينظر إلى أعلى، فإذا وصلها، بدا له ارتفاع آخر، يحسبه القمّة ونهاية الصّعود، فإذا بلغها تراءت له هضبة أخرى، فواصل التّسلّق وهكذا ... فكنّا نشعر بالتّعب الذي يلقاه المتسلّق الجبلَ. فهل طبّق علينا المضيّفون قول أبي القاسم الشّابي:
وَمَنْ لا يُريدُ صُعودَ الجبال
يَعِشْ أَبَدَ الدّهرِ بَيْنَ الحُفّرْ (1/33)
صفحة 34
أخيرُا ألقينا عصا التّرحال والسّير والصّعود، واستقرّ بنا الجلوس أمام مائدة فاخرة، في مكان جميل، يتراءى لنا بحر مرمرة من بعيد، لا تفارقه عيوننا، ونحن نتناول طعام الغداء الشّهيّ، يقوم علينا غلمان لطفاء؛ حسًا ومعنى، بصحبة أفاضل من رجال العلم والكرم، على رأسهم الدّكتور إبراهيم خليل أستاذ الفلسفة الاجتماعية في جامعة اسطنبول. كانت لنا معه أحاديث شيّقة في موضوعات مختلفة، بخاصة ما يرتبط بأعمال مشروع الخدمة، في أثناء الأكل وفي جلسة الشّاي، بعد الصّلاة. على المائدة كانت تطوف علينا صحاف وأكواب وأباريق، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وما لم يخطر على البال من أشهى الأطعمة وحلو الأشربة، وأنس الأحاديث ...
[صورة]
في مطعم مركز الفراث (فام Fem)
مركز الفراث (فَامْ) fem أسّسه محمد فراث. تطرّق الأستاذ (وهو يتكلّم العربية) إلى فكر الأستاذ فتح الله كولن، وقال: فَتَحَ الله علينا بالأستاذ فتح الله كولن وفكره ومشروع الخدمة والمدارس والمجلاّت والجامعات ... وكان كلّما ذكر شيئًا أو عرّف يإنجاز من منجزات مشروع الخدمة نوّه بالأستاذ كولن؛ ليحدّد المرجعية الثّابتة في الجماعة، المتضامنة المتّحدة في مبادئها وأهدافها.
إنّ الاعتزاز بالمفكّر فتح الله كولن، واتّخاذه مرجعًا في التّخطيط والتّسيير قاسمٌ مشترك بين كلّ من ينشط في مشروع الخدمة .. هذا المنهج من أهمّ عوامل نجاح رجال الخدمة في مشروعاتهم؛ إذ الوحة المرجعية لبنة أساسية في صرح البناء. من بين ما قال لنا:
- الأستاذ كولن يأمرنا بالتّضحية، وعدم أخذ الأجرة على الأعمال.
- مدارس مشروع الخدمة منتشرة في العالم في دول الأناضول وآسية وإفريقية وغيرها.
- كلّ أرباح (فام) تذهب إلى تايوان. (1/34)
صفحة 35
- المعلومات التي نسمعها من مختلف من نلتقي بهم واحدة في مضمونها، هذا يدلّ على صدقها، ويبرز العلاقة والانسجام التّامين الحاصلين بين أفراد مشروع الخدمة. وهذا أيضًا من الأسباب التي ساعدت على النّجاح. قال الدّكتور محمد بابا عمّي تحت عنوان " فَمْ لصناعة الإنسان ": " ... إنّها مدارس تدعيمية للطّلبة الذين هم على باب الجامعة، شُرع فيها منذ سنوات، وهي اليوم أفضل مأوى للطّلبة الأتراك من كلّ الفئات والجهات، وقد بلغ عددها في استانبول – حسب تصريح مديرها – تسعين مدرسة. كلّ مدرسة – وقد شاهدنا بعضًا منها – بمثابة جامعة صغيرة، بعضها يأوي الآلاف من الطّلبة، يحضنهم ويربّيهم، ويعلّمهم كيف يتعلّمون، وكيف ينبغي أن يتعلّموا، ولماذا يتعلّمون، وممّن يتعلّمون، ومتى يتعلّمون، وإلى متى يتعلّمون ...
إنّ مدارس " فام " تبدأ بما ينبغي أن يُبدَأَ به، يبدؤون بـ" اقرأ باسم ربّك ... "، لكن ليس بأسلوب الجدل العقيم والادّعاء المُنيم، وإنّما بمنهج (وليتلطّف)، وبقاعدة " بالحكمة والموعظة الحسنة)؛ ولذا قد نجد في المدرسة الكثير ممّن لا يستسيغ الذّوقُ سيرتَهم، ولا يقبل الدّينُ هيئتَهم ثمّ لا يلبثون بعد أمد، وقد تلقّوا العلم والخلق والأسوة الحسنة أن يتحوّلوا إلى حواريين عالمين عاملين، وإلى قيادات كونية صافية طاهرة نقيّة ... يدعون بلسان حالهم، معرضين عن الدّعوة – في هذه المرحلة - بلسان مقالهم " (البراديم كولن فتح الله كولن ومشروع الخدمة، ص: 200، 201)
[صورة]
أمام متحف أياصوفيا
بعد ذلك قصدنا متحف أياصوفيا، الذي يجمع بين الآثار المسيحية والإسلامية، هو كنيسة وجامع في آن واحد. " هذا البناء الموجود في منطقة السّلطان أحمد، بالقرب من جامع السّلطان أحمد كان لمدّة 916 عام كنيسة، (1/35)
صفحة 36
ولمدّة 481 عام جامعًا. ومنذ عام 1935م متحفًا، وهو من أهمّ تحف التّاريخ الفنّي " (كتاب اسطنبول مدينة الحضارات، ص: 18).
احتفظ المتحف بالطّابع المسيحي والإسلامي؛ إذ توجد بداخله صور السّيّد المسيح وأمّه عليهما السّلام، وصورة الإمبراطور قسطنطين وسمونوماكوس، وصورة أياصوفيا، وبعض الصّور والمظاهر التي تمثّل الكنيسة ... إلى جانب مظاهر تمثّل الحضارة الإسلامية، في هندستها ومعمارها، كالمحراب والمنبر، وكتابات تمثّل العمق الإسلامي ... في هذا المتحف يتمثّل التّسامح والتّزاوج والتّعايش ...
بعد هذه الجولة الممتعة في أعماق التّاريخ، والغوص في جوهر الفنّ الرّاقي، كانت لنا استراحة في أحد المقاهي الموجودة بالقرب من المتحف، تناولنا الشّاي وبعض المرطّبات، وسط ديكور من الأرائك الوثيرة، والأزهار المحيطة بنا، والجمال المنبعث من روعة ترتيب المكان على نسق ذوق الأتراك .. فكانت جلسة مريحة ممتعة، بعد تعب من التّجوّل في أرجاء المتحف، جزى الله القائمين على البرمجة وتنظيم الرّحلة، وعلى رأسهم الأخ جابر بابا عمّي، الوافد معنا ورفيقنا في كامل الرّحلة، والشّكر موصول إلى مرافقنا ومساعدنا الطّالب يوسف خيّاط.
[صورة]
(على الباخرة في طريقنا إلى مستشفى سَمَا Sema hospital)
يوم الجمعة كانت لنا زيارة إلى مستشفى سما Sema hospital، هو موجود في القسم الأسيوي، ونحن مقيمون في القسم الأوروبي، وصلنا إليه بعد ركوب الباخرة بالحافلة التي تُقِلّنا. وكنّا ننتقل بين القسمين عن طريق جسر الفاتح العظيم، التي يصل بين القسمين، هذه المرّة ارتأى المنظّمون تغيير الوسيلة؛ ولو لبعض الوقت؛ للفسحة والاستماع بمختلف مظاهر الجمال والتّطوّر في حياة الأتراك.
وصلنا المكان فكانت لنا جلسة مهمّة ورائعة وممتعة مع مدير المستشفى الأستاذ مصطفى أوزجان، بحضور الدّكتور نوزاد صواش. (1/36)
صفحة 37
اجتمعا بنا على مائدة الفطور الغنيّ المغذِّي، مصحوبًا ومشفوعًا بلقاء علمي فكري ثقافي توعوي ... لم يحدّثنا الأستاذ مصطفى عن المستشفى إطلاقًا، إنّما كلامه كان عن موضوعات إيمانية روحية: عن العلاقة بالله - جل جلاله -، عن الارتباط بالقرآن، عن العمل لخدمة الإنسانية، عن بعض مميّزات مشروعات الخدمة، عن بعض أفكار فتح الله كولن العميقة، المبنية على التّضحية والتّفاني، والوجود في المواقع التي يجب أن يكون فيها الشّخص، ليقوم بما يفرض عليه. من ذلك الهجرة إذا تطلّب الأمر، قال في هذا المعنى: لا أحد بنى أو أسّس دولة من دون هجرة، وبقي في مكان واحد، أي لم بتحرّك .. أراد أن يبيّن أنّ الدّينامية مطلوبة في العمل المؤسِّس والمؤصِّل والموصل إلى الأهداف .. أعطى مثالاً بالرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، لقد بنى الدّولة الإسلامية لمّا هاجر من مكّة إلى المدينة. وهو ما فعله كولن وهو يتحرّك في مختلف الأوساط، ثمّ في هجرته إلى الولايات المتّحدة الأمريكية. وهذا ما دأب عليه رجال الخدمة. قال مجدي سعيد عن هذا النّشاط: " وفي إطار ذلك المشروع – أي الخدمة – وظّفوا معنى وقيمة أخرى، وهي (الهجرة) بمعناها المعاصر؛ فهم يقدّمون مشاريعهم تلك خدمة للإنسانية في أنحاء مختلفة من العالم، وهذا يتطلّب من الإنسان أن يذهب إلى بلدان، ربّما لم يسمع عنها من قبل، مضحّيًا براحته واستقراره في بلده؛ ليعيش في بيئة وثقافة، تختلف عن بيئته وثقافته؛ رغبة في خدمة الخلق إرضاء للحقّ. " (البراديم كولن فتح الله كولن ... ،ص: 69. نقلا من مقال بعنوان: فتح الله جولن .. عندما تصنع القيم تنمية، موقع كولن، رقمي)
قال الدّكتور محمد بابا عمّي عن الأستاذ مصطفى أوزجان: " ... إنّه العالم مصطفى أوزجان، خرّيج كليّة الإلهيات، وأحد أبرز تلاميذ الأستاذ محمد فتح الله كولن، كان واعظًا في أكبر مساجد تركيا. وهو الآن بالإضافة إلى إدارة المستشفى، مدير وعضو في إدارة أربع جامعات، منها ما هو في الوطن، ومنها ما هو خارجها ... (1/37)
صفحة 38
فهل يعقل أن يتولّى إدارة مستشفى خرّيج كليّة للعلوم الإسلامية في عالمنا العربي؟ وهل يمكن للمرء أن يجمع بين إدارة مستشفى وإدارة جامعة، وهما ضرّتان، في بلاد لا تطيق الواحدة منهما الأخرى؟ ... " (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 170)
التحق بالجلسة شيخ قرّاء تركية حاليًا، من جملة ما حدّثنا به علاقته بالجزائر، وزياراته المتكرّرة لها، وحضوره بعض ملتقيات الفكر الإسلامي، ومشاركاته بترتيل آيات بيّنات من الذّكر الحكيم في افتتاح بعض ملتقيات الفكر الإسلامي واختتامها؛ بِطلب من وزير الشّؤون الدّينية الجزائري، كما سرد علينا بعض ذكرياته في الجزائر. هو يحسن العربيّة. حدّثنا بها قليلًا، ثمّ تحوّل إلى اللّغة التّركية، وكان المترجم لما كان يتحدّث به هو والأستاذ أوزجان الدّكتور نوزاد صواش.
وقتُنا كلّه أنفقناه في هذه الجلسة القيّمة، ونعم الإنفاق، ونعمت الإفادة .. ولم يبق متّسع منه لزيارة أقسام المستشفى، هذا درس أخذناه من هذا التّوجّه: استغلال الوقت وصرفه للأهمّ وفي ما هو أولى، وهو الحديث عن خطوات العمل أو التّحرّك فيما يبني ويؤسّس للعمل الدّعوي والحضاري، وأداء الرّسالة الحقيقية. زيارة الهياكل والمباني تأتي في الدّرجة الدّنيا بعد هذه المهمّة.
ما وعيناه جيّدًا أنّ العمل الإداري لا يمنع ولا يحجب الشّخص الواعي لرسالته عن العمل الاجتماعي، ولا يبعده من البناء الحضاري، والتّحرّك من أجل الإسهام في تقديم الخير لمن يحتاج إليه في أيّة بقعة في العالم. فهذا الأستاذ أوزجان دائم الأسفار للعمل وفق هذه القاعدة، داخل وطنه وخارجه.
الإيمان بالرّسالة، وفهم الواجب، ومحاسبة النّفس بمعايير التّوجيهات الإسلامية، وانطلاقًا من القاعدة الإيمانية، والوفاء بالعهود ... تصنع هؤلاء الرّجال، وتحقّق هذه الأعمال، وتبلّغ الآمال ..
ختمنا اللّقاء الممتع الرّائع بكلمة كلّفتُ بتقديمها، حمدًا لله المنعم الكريم، وشكرًا للأستاذ أوزجان، ولكلّ من أسهم في نجاح الزّيارة. طلبنا الله تعالى أن يوفّقنا لتطبيق ما سمعناه، كما رجوناه العون والسّداد لتمتين (1/38)
صفحة 39
العلاقة بيننا وبين هؤلاء الجنود الذين يعملون لله، ويخلصون له في كلّ ما يقدّمون وما يفكّرون، حتّى نُفيد من تجاربهم، ونتعاون على التّمكين لدين الله في الأرض، والإسهام في البناء الحضاري.
قبل الانصراف تسلّمنا هدايا غالية من الأستاذ مصطفى أوزجان. كان من بينها ساعات ثمينة، قال لنا: قدّمنا لكم هذه الهدايا لتكون حياتكم كلّها نظامًا، تذكّركم به دقّة السّاعة ..
كانت لي فرصة (من دون مرافقيّ) مع الطّالب عبد الحكيم بكّوش للطّواف في بعض أجنحة المستشفى؛ حين قصدت عيادة داخل المستشفى لمداواة رجلي. الحقّ يقال: إنّ المستشفى مفخرة من مفاخر مشروع الخدمة، بأقسامه الكثيرة، ونظافته، وحسن استقبال العاملين فيه، وبالأناقة والجمال اللّذين يطبعانه، في بنائه وتزيينه وموقعه الذي هو قريب من البحر، والاخضرار والألوان الزّاهية التي ترسلها الأزهار والأشجار والأقمار: أقمار الأضواء المتلألئة في جدارن المستشفى وأسقفه، والأنوار الطّبيعية التي تطلّ من نوافذ المبنى، وما يغشى ساحاته .. إنّه الذّوق والجمال اللّذان يغمران النّفوس ويملآنه، فيظهران في الفضاءات والميادين والأركان والجوارح؛ خَلْقًا وخُلُقًا.
في المساء كنّا مع موعد لزيارة مؤسّسة قينق KaynakKulturYayinGrubu، استقبلنا في باب المؤسّسة مدير العلاقات العامّة، والمترجم إلى اللّغة الفرنسيّة، هو من أفراد المؤسّسة. كانت لنا جلسة مطوّلة معهما؛ قدّمت لنا فيها شروح عن المؤسّسة، بعد عرض شريط عرفنا من خلاله أنشطة المؤسّسة الكثيرة.
هي أعمال شاملة، وكلّها أنشطة تعمل على تمويل مشروعات الخدمة، فمن أعمال النّشر إلى مصنع العجائن، إلى المطاعم والشّحن وغيرها التي تبلغ ثلاثين نشاطًا (30). كلّها منبثقة ومستلهمة من أفكار الأستاذ فتح الله كولن. ليس للمؤسّسة هدف ربحي دنيوي، أنشطتها موجّهة للرّبح الأخروي. الهدفُ الأسمى هو ربح إعداد أشخاص لهم فكرة الخدمة. (1/39)
صفحة 40
كانت بداية انطلاق عمل المؤسّسة سنة 1979م. هذا المشروع الكبير العظيم هو مؤسّسة رجال الأعمال، يشتغل فيها اثنان وثلاثون ألف عامل (32000).
المؤسّسة بمبادئها ومنهجيتها في العمل، وبأنشطتها المتنوّعة ... تقدّم صورة رائعة وبديعة للعمل التّكاملي التّنسيقي الممنهج لتفعيل العمل المبني على التّضحية والتّفاني في خدمة الأهداف المسطّرة، وتوفير مصادر التّمويل القويّة الثّابتة للأنشطة، وحسن استثمار الأرباح في تنمية المشروعات؛ تطبيقًا لذاتية الأسباب في تسييرها وتطويرها. إنّ هذا هو أحد مبادئ منظومة الرّشد التي تسير وفقها مشروعات الخدمة، وهي من أهمّ العوامل التي تساعد على ضمان بعض مصادر التّموين للأنشطة ...
التحق بنا المدير العام في منتصف الجلسة، وقال لنا الحاضرون معنا: أنتم محظوظون باللّقاء معه، هو دائم الأسفار للقيام بتنفيذ مشروعات المؤسّسة في العالم، هذا هو مبدأ مشروع الخدمة، توصيل خدماتها إلى كلّ بقعة في العالم يمكنها الوصول إليها. وهذا هو منهج جماعة الخدمة: الحركة والتّنقّل، وعدم الرّكون في مكان واحد، ففي الحركة بركة، وفي التّنقّل تأتي وتحصل النُّقلُ.
قدّم لنا المدير دررًا من بنات أسفاره، ونبذًا من ثمرات رحلاته. هي بعض صور وقصص عمّا قامت به المؤسّسة، وما شاهده هو وصادفه في أسفاره؛ ممّا يدخل في نشاط مشروع الخدمة المفتوح على العالم.
كانت جلستنا قيّمة مكّنتنا من الإفادة من أفكار المخطّطين في هذه المؤسّسة؛ للإسهام في حلّ مشكلة تموين المشروعات عندنا، عسى أن يوفّقنا الله لاستثمارها أحسن استثمار. في ختام اللّقاء قدّم الدّكتور مصطفى باجو كلمة – نيابة عنّا – شكر فيها مضيّفينا على حسن الضّيافة، وما قدّموه لنا من معلومات قيّمة عن مؤسّسة " قينق ". قبل المغادرة قدّمت لنا هدايا، على رأسها وأهمّها مصاحف مكتوبة بخطّ اليد، تتميّز بالأناقة في طبعها وإخراجها. (1/40)
صفحة 41
انتقلنا في آخر النّهار إلى الإقامة الجديدة في القسم الأسيوي. الإقامة موجودة في مدرسة تابعة لمجموعة مدارس أنافون. ( Okullari) Anafen تغيير المكان هو من صميم التّخطيط والتّدبير للاستفادة من الرّحلة أكثر، ولتوفير الوقت أكثر، فإنّ أغلب ما سنزوره يكون في القسم الأسيوي. وهو أيضًا مندرج ضمن استراتيجية مشروع الخدمة التي تدفع إلى الحركية، والتّجديد في أنماط النّشاط، لضمان سيرورة مبدعة حيّة للعمل والدّأب ..
يوم السّبت كان لنا لقاء مع وجه آخر من وجوه الخدمة الذي يقدّمه رجال مشروع الخدمة. هو جانب الإغاثة الإنسانية لكلّ من هو في حاجة إليها في العالم. قمنا بزيارة مقرّ (جمعيّة الإغاثة كيمسه يوكمو KimseYokmu) استقبلنا في المدخل المسؤول عن العلاقات العامّة أو الدّولية في الجمعيّة الأستاذ محمد أورغان (هو يتقن اللّغة العربية، كان يحدّثنا بها، وقال: تعلّمتها في مدّة خمسة عشر شهرًا). بعد أن رحّب بنا وقدّم لنا إكراميات، عرض علينا شريطًا باللّغة الإنكليزية عن بعض أنشطة الجمعيّة الخيرية في تركية وفي العالم. هذه الأعمال مسّت كثيرًا من المجالات، ومختلف الفئات، وعديدًا من المناطق في العالم. الجمعيّة تحمل شعار (هل من أحد؟ هل من مغيث؟) قال لنا الأستاذ: بعد زلزال مرمرة سنة 1999م أتّخذنا هذا الشّعار؛ نداء استغاثة لمن يريد الإسهام من داخل تركية وخارجها .. بداية من سنة 2004م فتحنا ثلاثين فرعًا (30) في تركية، وفروعًا أخرى موجودة في اثنين وسبعين دولة (72).
تقدّم الجمعيّة مساعدات للفقراء والمتضرّرين في العالم، تبني المدارس والمستشفيات والقرى والمراكز الصّحيّة .. قال: صرفنا سنة 2011م ستّين مليون ليرة تركية (6000000). وبالدّعاية جمعنا حوالي عشرين مليون ليرة تركية (20000000) م.
قدّمت الجمعية مساعدات لما بعد الكوارث الطّبيعية داخل تركية وخارجها. بالنّسبة للخارج قدّمت معونات لما يزيد عن خمس عشرة دولة (1/41)
صفحة 42
(15). معونات صحيّة وأنشطة صحيّة بمختلف أشكالها. مساعدات للتّعليم: إنشاء مدارس وترميمها، داخل البلد وخارجها، وتقديم منح دراسية. معونات في رمضان والأعياد ..
في الكتاب التّعريفي بأنشطة الجمعيّة الذي صدر سنة 2011م، الذي أهدي إلينا جاء هذا النّداء ص: 51 " فلتكن القلوب عند بعضها، إنّ جمعيّة الإغاثة كيسمه يوكمو تحقّق مساعداتها في عديد من المجالات: من التّعليم إلى الصّحّة، ومن الأغذية إلى الإيواء، سواء في تركيا وفي جميع أنحاء العالم، بدعم من ناشطيها. إنّ جمعية الإغاثة كيسمه يوكمو تدعو النّاس في جميع الأعمار، ومن أيّ طبقة كان بأن يعملوا ناشطين في المجالات التي يمكنهم العمل بها ... "
ذكر لنا الأستاذ بعض ما صادفوه في أثناء القيام بأعمالهم في مواطن الإغاثة. مثلا: قال كنّا في دارفور بالسّودان، وقدّمنا نداء لمرضى العيون، ليتقدّموا لإجراء عمليّات جراحية مجّانًا، فوجئنا بإحجام النّاس عن تلبية النّداء، فلمّا تحقّقنا في الأمر اللاّفت للانتباه والمحيّر في الوقت نفسه، علمنا أنّ النّاس لم يعودوا يثقون بالأطّباء الذين يأتون من الخارج، فقد استغلّوهم أبشع استغلال، كانوا يجرون عمليّات للمرضى السّودانيّين، يفتحون عيونهم، ويسلّون منها قرنيّاتهم، ثمّ يخيطون ما يفتحونه (ولا أقول يجرون العمليّات)، ويسرقون القرنيات، ويأخذونها معهم للمتاجرة بها .. قمنا بإقناعهم بأنّنا نختلف عن أولئك المجرمين، فتقدّموا بأعداد كبيرة للفحص والمداواة.
هذا الذي حدث في السّودان، ويحدث لإخواننا المسلمين، يضاعف مسؤولياتنا في العمل الكبير في مجال الإغاثة وتقديم المساعدات لمن يحتاجها، بدلا ممّن لا يريد لنا الخير، فهذا نداء للجميع لخدمة الجميع ...
وُدّعِنا كما عُوّدِنا في ختام أيّة زيارة بهدايا رمزية غالية. هذه الهدايا التي تنزل علينا مدرارًا، تَطْلُبنا أن نقوم بالدّعوة جهارًا، وأن نقوم بالعمل الميداني الشّامل مرارًا وتكرارًا .. أي تسجّل علينا واجبات يجب أداؤُها. وتظلّ هذه الأعطيات تذكّرنا بها طالما لم نقم بهذا الواجب. فجزى الله الجميع على صنائعهم، وعلى مكارمهم وعلى أفضالهم وجهادهم (1/42)
صفحة 43
ومجاهداتهم، وأحسن إليهم كما أحسنوا إلى غيرهم، إنّه يحبّ المحسنين ولا يضيع أجرهم.
معلم آخر مهمّ كان مبرمجًا لزيارته هو مقرّ وقف الكتّاب والصّحفيين GazetcilerVeYazarlarVakfi ( وقف هنا يعني هيئة أو جمعية أو رابطة).كان مرافقنا والمترجم لنا هذا اليوم الطّالب نصر الدّين العلواني. كان في استقبالنا مدير المؤسّسة.
مع الإكراميات عُرضَ علينا شريط تعريفي بأنشطة الوقف المتعدّدة، التي تهتمّ بالنّشر وإقامة المؤتمرات، وعقد اللّقاءات، وفتح المجالات لحوار الأديان، ولقاء الثّقافات، وتنشيط حفلات الفنّ والأناشيد والمسرحيات المشتركة بين مختلف الطّوائف الدّينية، وإقامة مآدب يدعى إليها النّاس من مختلف الاتّجاهات والقوميات والدّيانات ... الغرض التّقريب بين الطّوائف، وبعث روح التّسامح والتّفاهم بين خلق الله، الذين خلقهم الله مختلفين، لا ليتعاركوا ويتصارعوا، بل ليتعارفوا ويتعاونوا فيما بينهم.
هذا هو منهج الوقف الذي يجمع النّخبة المثقّفة الواعية، التي تقود مسيرة التّحضّر والتّقدّم ... أنشطة الوقف كثيرة جدّا، يقوم بها داخل تركية وخارجها. صُوِّرت فروع هذه الأنشطة على شكل هرمي، ما يدلّ على وجود مرجعية لها، ويفهم ويقرأ في التّصميم التّنسيقُ والانسجامُ بينها. هذا سرّ من أسرار النّجاح.
وقف الكتّاب يضمّ المنتديات السّبعة الآتية: 1 – منتدى أبانت Abant platform . 2 - منتدى الفنّ والثّقافة Culture and art platform. 3 - منتدى الصّحافيّين Medialog platform. 4 - منتدى حوار الأديان Interculturaldialog platform. 5 – منتدى المرأة platform‘Women. 6 – منتدى البحث العلمي Research platform. 7 – منتدى أوراسيا Eurasia Platform. (1/43)
صفحة 44
الرّئيس الفخري للوقف هو الأستاذ فتح الله كولن. إذ يقوم على أفكاره. يركّز في أنشطته على حوار الحضارات، أو تفاهم الحضارات، وعلى لقاءات واجتماعات ممثّلي الأديان السّموية، وعلى القيام بمشروعات مشتركة، وعلى النّشر والتّأليف، نشاطاته علمية وثقاافية ورياضية وفنية ... تكون مشتركة. شعاره دائمًا: (نتعارف ونعرف ونتفاهم). يؤمن الوقف أنّ حلّ الخلافات لا يكون بالصّراع والشّجار، بل بالتّفاهم والحوار.
عِيبَ على الوقف أنّه يأتي بجماعات مسيحية ويهودية في وقت الإفطار في رمضان .. كان الجواب لم نأت بجديد في الأمر، إنّما نسينا التّاريخ فقط، كان يحصل مثل هذا التّلاقي في التّاريخ الإسلامي. إذا كنّا أقوياء نستطيع أن نفعل هذا ولا نخشى شيئًا. كنّا نكتب في بعض الأماكن في القدس، وفي أوج قوّة الدّولة العثمانية: (لا إله إلاّ الله إبراهيم خليل الله)؛ لأنّ القدس للأديان الثّلاثة. إذا نبشنا في نقط الاختلاف هدرنا طاقتنا.
ممّا سمعناه في هذه الجلسة من أقوالٍ، تجسّد هذا المنهج في التّعامل والتّعايش والتّعاون ... قول فتح الله كولن: نحبّ الإنسان لأنّه مخلوق من الله. إذا وجدت عجوزّا تريد أن تقطع الطّريق، ولم تستطع، فلا ترمها إلى السّيّارة لتصدمها، لأنّ هذا الصّنيع لا يقبله أيّ دين ..
قال مستقبلنا المدير: إذا أردنا أن نحيا حياة سعيدة مطمئنّة فسيكون هذا من أثر اليوم، أي أثَرُنا نحن هو الذي يحقّق هذا. فلأنّنا لم نتعارف سهل أن نكون أعداء ...
هذا الحوار مع المدير، وهذه الأفكار التي سمعناها منه، وهذا المنهج الذي رأيناه في مؤسّسة وقف الكتّاب والصّحافيّين ... فتح لنا نوافذ لنفهم كثيرّا من الأمور، وأن ندرك كيفيّة التّعامل مع الآخر، وأن نفقه بعض مظاهر السّلوك الذي تنتهجه الخدمة في التّحرّك، فكان النّجاح حليفها في كثير من أنشطتها ...
ذكر لنا أنّ في مقرّ الوقف مكتبة تجمع كتب فتح الله كولن، تقدّم الخدمة لكلّ من يريد البحث في فكره، ويحلّله وينقده. قال الدّكتور محمد (1/44)
صفحة 45
بابا عمّي: "وقد أنشئ حديثًا (مركز بحوث فتح الله كولن) ضمن الوقف، وهو المسؤول عن البحث، وعن تنظيم مؤتمرات عالمية لمناقشة فكر الأستاذ كولن ... " (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 193).
هذا أيضًا منهج سديد في الالتفاف حول المرجعية، وتسهيل الاتّصال بالفكر الذي يسهم في بناء شخصية رجال الخدمة، والتّعرّف عليه ومعرفته حقّ المعرفة؛ وتشرّبه والإفادة منه ..
ممّا ذكره لنا المدير: انتباه الغربّيين بدأ بعد فتح القسطنطينية، ونحن بقينا منتشين بالنّصر فتأخّرنا. هذه ملاحظة مهمّة وجديرة بالتّأمّل للنّقد الذّاتي، وتصحيح المسار، وتغيير النّظرة إلى الحركة والنّشاط والعمل الحقيقي الذي يجب تبنّيه في الحياة، والبناء الحضاري، وتشييد المستقبل.
ممّا عرضه علينا الأستاذ في نشاط وقف الصّحافيين والكتّاب تَبَيَّنَ لنا تركيز المؤسّسة على الجانب العملي والتّطبيقي. والحرص على توفير وسائل العمل والتّنويع فيها.
لاحظنا الشّكل الهرمي للعمل داخل المؤسّسة، من خلال صورة عرضت علينا في أثناء التّعريف بنشاط المؤسّسة. هذا يدلّ على وعي كبير لمنهجية العمل البنائي المتّحد المتكامل، الذي ينطلق من المرجعيةِ الموحّدة: فكريًا، ورُؤًى وأهدافًا، والانسجامِ في المؤسّسات: نشاطًا وتحرّكًا، والانضباطِ في الحركة تخطيطًا وتنفيذًا ..
كما أنّ نجاح المؤسّسة في عملها جاء نتيجة الثّقة التي اكتسبتها، بفضل نجاعة المشروعات التي نفّذتها، والتّحرّك بقيم قويّة ثابتة.
من الأقوال التي أُتْحِفْنا بها في هذه الجلسة المهمّة:
- المئذنة لا يمكن أن تخفيها في كيس، تخبّئها بإظهارها. في هذه المقولة تنبيه إلى التّحلّي بمقوّمات الوضوح في العمل، وعدم التّواري والتّناور واستغفال النّاس. يحصل هذا حين تكون المبادئ واضحة، والأهداف مرسومة، والإيمان بالأفكار راسخًا ...
- يجب أن نعرف كيف نستيقظ ونؤمّن الطّريق .. (1/45)
صفحة 46
- يجب أن تتأكّد وتتيقّن أن ّالعدوّ موجود داخل بيتك. هذا يجعلك دائمًا يقظًا حذرًا، مستعدًّا للتّحرّك لردّ الخطر ... وغير ذلك ممّا يدفع إلى العمل الدّائب والسّعي الدّائم للأحسن في السّلوك ..
- تركية آمنة؛ لأنّ الشّعب يؤمن بالأمن.
في المساء بعد العصر كان لنا لقاء مع بعض الطّلبة الجزائريّين المبعوثين للدّراسة في تركية. هذا اللّقاء يندرج ضمن برنامجهم الأسبوعي الذي يعقدونه فيما بينهم ومع بعض الشّخصيّات العلميّة بخاصّة. هو يدخل في صميم خطّة التّكوّن والإفادة من توجيهات الأساتذة وإرشاداتهم وما يقدّمونه من معارف وعلم وثقافة لهم ...
كانت الجلسة حوارًا مفتوحًا للاستفسار والتّعليقات حول موضوع التّكوّن، والإفادة من تجارب كلّ واحد من الحاضرين؛ رغبة في حسن التّعلّم وحسن التّكوّن. من بين الأسئلة التي قدّمت: كيف تكون العلاقة بين الطّالب والأستاذ حتّى يُضمَن التّواصل والاستفادة؟ ... كيف يكون التّدرّج في التّكوّن والوصول إلى ما وصل إليه من نرى أمامنا من الأساتذة الكرام؟ حتّى لا نحرق المراحل، فنحترق قبل بلوغ الهدف؟ هل يمكن أن نكتب بعض الخواطر والمقالات، وبعض الإبداعات، ونقدّمها إليكم وتنظروا فيها وتقدّموا لنا ملاحظاتكم وتصويباتكم وتوجيهاتكم ... ؟ حتّى نتمرّس على الكتابة، وهو المجال الذي نحتاجه في حياتنا العمليّة .. إلى غير ذلك من الأسئلة المهمّة العميقة، التي تدخل في صميم بناء الذّات والشّخصيّة على قواعد صحيحة .. عرضها الطّلبة وطلبوا إجابات ضافية عنها؛ رغبة في حسن التّعلّم - وحسنُ السّؤال نصف العلم - وهم الذين هاجروا وسافروا وتغرّبوا عن الوطن من أجل التّكوّن والتّثقّف ...
كان الحوار صريحًا، والنّقاش عميقًا، والأجوبة المتبادلة بين الطّلبة والأساتذة عالية المستوى ... كانت المشاركة من الحاضرين في الجلسة، ومن الطّلبة المقيمين بعيدًا عن مدينة اسطنبول بواسطة (سكايب).
ثمّن الطّلبة هذه الجلسة، وعبّروا عن استفادتهم منها، وطلبوا مزيدًا منها، بأيّة طريقة ووسيلة، وحمدوا الله على الفرصة التي أتيحت لهم للالتقاء بأعضاء المجمع العلمي بمعهد المناهج، والجلوس إليهم للتّعلّم ... (1/46)
صفحة 47
وعلى العموم وصفوا رحلة هؤلاء الأساتذة إلى اسطنبول بالفرصة التّاريخيّة، وقال أحدهم: إنّها أعطت لنا دفعة معنوية، وشحنة وطاقة كبيرة لمواصلة العمل من أجل التّكوّن، والقوّة في التّعلّم، قال آخر: لا تنسونا بزيارات متكرّرة. وقدّم غيرهما – نيابة عن زملائه - شكره لمن أخذ بأيديهم، وأسهم في ابتعاثهم إلى هذه الأرض الطّيّبة ليتعلّموا ويتثقّفوا، وأثنى على حسن الرّعاية والتّوجيه والإرشاد ...
من وسائل التّكوين القراءة الواسعة للكتب، ذُكر لنا أنّ الطّلبة (يُطالبون يقراءة ما لا يقلّ عن مائة وخمسين صفحة (150) في الأسبوع.
يوم الأحد غادرنا الإقامة قبل بزوغ الفجر بحوالي ساعتين، للانتقال إلى مسجد الصّحابي أبي أيّوب الأنصاري الذي حاول فتح القسطنطينية قبل محمد الفاتح. حيث قبره. يقصد النّاس هذا المسجد كلّ يوم أحد عند صلاة الصّبح.
بعد أداء الصّلاة تتوالى التّسبيحات والأدعية المؤثّرة وتلاوة الأذكار، وترى النّاس حاضرين بكثافة في المسجد؛ لذا كان لابدّ من الحضور إليه في وقت مبكّر، وإلاّ لا يجد المتأخّر مكانًا في المسجد، هذا ما جعلنا نذهب إلى المسجد قبل الفجر بوقت واسع.
في المسجد قبل أداء الصّلاة استمعنا إلى تلاوة آيات من الذّكر الحكيم من ثلاثة قارئين أتراك، أدّوا التّرتيل بشكل رائع وجيّد: صوتًا رخيمًا، وقراءة صحيحة مؤثّرة. ما لاحظناه أنّ الأتراك، رغم أنّهم لا يتقنون اللّغة العربيّة جيّدًا- على الأقلّ أداء، والنّطق بالحروف نطقًا سليمًا؛ لعجمة في ألسنتهم - لكن حين يقرؤون القرآن يؤدّونه أداء حسنًا، ولا تسمع تلك العجمة التي تلاحظها فيهم حين يتحدّثون إليك. هذا سرّ عجيب، تفسيره عندي أنّ حبّ هؤلاء للإسلام، وارتباطهم بالقرآن، وتحلّيهم بالأخلاق العالية، يكمن في إخلاصهم وصدقهم فيما يعتقدونه وما يعتنقونه وما يتعلّقونه ... كلّ هذا مكّنهم من قراءة القرآن الكريم قراءة صحيحة ... (1/47)
صفحة 48
في المسجد التقينا بأستاذين من جامعة البليدة بالجزائر يقومان بزيارة لتركية، أحدهما أستاذ القانون الدّستوري هو الدّكتور عبد الوهّاب خريَّف والثّاني دكتور في الحقوق. ترافقنا طول اليوم، بداية من تناول الفطور معًا، والقيام بجولة في المنطقة الجميلة المحيطة بالمسجد، ثمّ بقيّة المحطّات.
بعدها قمنا بنزهة سياحية على متن الباخرة في مياه مضيق البوسفور الجميلة. وقد كانت ممتعة، دامت أكثر من أربع ساعات، ونسمات البوسفور المنعشة تداعبنا، وطيور النّورس كامل الجولة ترافقنا، وأحاديث الأنس والإعجاب بالمناظر الطّبيعيّة تبهجنا ... مناظر قصور مشيّدة على حافتي المضيق، والأشجار ذات الاخضرار النّاضر، مضافًا إلى ذلك هدوء المياه في المضيق، الذي أوجد سطحًا ممتدًّا، يمكّن العين من الاستمتاع بالنّظر إلى مسافات كبيرة واسعة، يزيد في روعة الجولة ومتعتها ورونقها. امتدّت بنا الجولة إلى جزر الأميرات الجميلة ..
مضيق البوسفور هو المضيق الذي يربط البحر الأسود ببحر مرمرة، وهو يفصل قارة آسية عن قارة أوروبة، يسمّى في كثير من المراجع "بوسبوروس ". ويسمّى باللّغة التّركية "بوغاز إيجي ". وعند الرّجوع إلى أصل كلمة "بوسبوروس "نجد أنّ كلمة " بوس" في لغة الأتراك تعني " ثور"، وأنّ كلمة " بوروس " في الإغريقية تعني " معبر " (كتاب اسطنبول مدينة الحضارات، ص: 118).
[صورة]
هذه صورة لمضيق البوسفور، التقطناها في أثناء جولتنا فيه.
رجعنا إلى مرتفع جلمجة مرّة ثانية، لنتناول طعام الغداء في أحد المطاعم التّابعة لمشروع الخدمة، والمكان المختار كان مرتفعًا، يشرف على حيّز أخضر تتخلّله فسيفساء من الألوان المتنوّعة المشكّلة من الأزهار المختلفة .. ومنظر المياه الذي يتراءى من بعيد. هذه المواقع بهذه المواصفات التقينا بها كثيرًا في أثناء تناول الطّعام هنا وهناك .. (1/48)
صفحة 49
هذا الفعل يعكس رهافة الحسّ التي تنطوي عليها نفوس أعضاء مشروع الخدمة، وهي محصّلة من محصّلات الذّوق الرّفيع، الذي يرى الجمال هو العمل المتقن الذي يجب أن يكون حاضرًا في كلّ حركة، وحاضنًا لكلّ نشاط ..
لاحظت أنّ كثيرًا من اللّقاءات والاجتماعات تتمّ في أماكن مرتفعة جميلة. هل يحمل هذا دلالة خاصّة؟ وهي تجسيد شرف العمل الذي يؤدّى، وعلوّ قدر الفعل الذي ينجز، ورفعة المشروع الذي يفكّر فيه ... المهمّ إنّ هذا – في نظري – يعكس الحسّ الحضاري الذي ينتظم نشاط هذه المجموعة المباركة. كما يعكس النّظرة الشّمولية التي تحكم نشاط رحال الخدمة في التّكوين والإعداد والبناء ...
هذا الحسّ المرهف، وهذا الذّوق الجميل نقرؤهما بصورة أوضح وأدقّ في الشّعار، الذي يلقانا في كلّ مكان وهو رمز الزّهرة، التي تحمل صورة البهاء والعطاء والسّخاء والكبرياء والسّناء .. وهنا أذكر بيتين شعريين لأستاذنا الدّكتور محمد بن صالح ناصر، ينصح فيه أن يكون الشّخص زهرًا يسعد جاره وغيره:
أَوْرِقْ وَكُنْ غُصْنًا قَوِيًّا في إيرَا
قِكَ وَاتَّبِعْ مُتَجّذِّرًا أَصْلَ الشَّجَرْ
فَإِذَا نَبَتَّ، وكُلُّ نَبْتٍ نَافِعٌ
فَاسْعِدْ جِوارَكَ بِالأَريجِ وَكُنْ زَهَرْ
الزّهرة بيضاء ترسم على شكل (لالا) إشارة إلى التّوحيد.
لاحظت أنّ كثيرًا ممّن كان يخدمنا في هذا المطعم هم فتيان، تتراوح أعمارهم بين الرّابعة عشرة والسّادسة عشرة – حسب تقديري – قلت: ربّما يكون هؤلاء تلاميذَ مدارس مشروع الخدمة، أو تلاميذَ مؤسّسة خاصّة يأخذون دروسًا نظرية في العمل في المطاعم .. أُوتِي بهم ليطبّقوا ما درسوه في هذا المطعم، أو ليتدرّبوا على الخدمة والتّطوّع؛ فينخرطوا (1/49)
صفحة 50
في منظومة مشروع الخدمة منذ الصّغر .. أرجو أن أكون موفّقًا في الاستنتاج والتّقدير. أشير أنّ الأستاذين الجزائريّين اللّذين بدؤوا معنا رحلة اليوم كانا معنا في هذه المأدبة الفاخرة، ودّعناهما بعد الخروج من المطعم.
يوم الإثنين كانت لنا جلسة أخرى مهمّة في برنامج الرّحلة التّركيّة الخالدة، المكان كان إحدى قاعات الأكاديميا في الطّابق الرّابع، المكان العالي المُشْرِف المشَرِّف، شرفَ اللّقاء الذي كان واسطة عقد الزّيّارة إلى جماعة العمل والجدّ والهمّة، والسّعي الحثيث في الخدمة، بصحبة كرام يتدرّجون نحو القمّة. قطباها كانا الدّكتورين: نوزاد صواش ومحمد بابا عمّي. بحضور مجموعة من طلبة الأكاديميا أو مشروع الخدمة، هذا الحضور يندرج ضمن خطّة التّكوين المعدّة لهم. الجلسة كانت متنوّعة، مواصفاتها وموضوعاتها كانت كالآتي:
هذا اليوم العملي اختار له مهندس الرّحلة الدّكتور محمد بابا عمّي عنوانًا من إحدى مقالات الأستاذ فتح الله كولن " رجل القلب ". سجّل في ورقة البرنامج المقدّمة لنا الآتي: المجمع العلمي لمعهد المناهج الجزائر.
الغاية: رضوان الله تعالى.
الأهداف:
المزيد من التّلاقح المعرفي، والتّواصل العلمي العملي، بناء على بروتوكول التّعاون بين الأكاديميا والمناهج.
التّعرّف على فكر الأستاذ فتح الله كولن، ومشروع الخدمة بصورة أعمق.
صفحات مشرقة من العلاقة التّاريخية بين الدّولة العثمانية والجزائر.
التّلاحم المعرفي، والتّلاقح الفكري، والرّصد العملي الحضاري؛ بناء على حركية الفكر والفعل.
بعد تناول الفطور المغذّي - كما تعوّدنا عليه طول أيّام وجودنا في ضيافة مشروع الخدمة - بدأت الجلسة بتلاوة آيات من القرآن الكريم، (1/50)
صفحة 51
من شابّ من نتاج الأكاديميا، اسمه رضا، قدّمه إلينا الدّكتور صواش بلقب شيخ قرّاء الأكاديميا، رتّل القرآن ترتيلاً رائعًا برواية ورش.
يمثّل هذا المشهد التّنوّعَ في نشاط الأكاديميا ويعكس روح الانفتاح، حتّى أنّني ظننت أنّ الشّاب من المغرب الإسلامي، قال لي الدّكتور نوزاد، هو تركي، نحن نعلّم طلبتنا كلّ شيء، وندرّبهم على كلّ ما له صلة بالإسلام، من دون تحيّز، أو إقصاء لما تتوفّر عليه الثّقافة الإسلامية، أو استغناء عمّا تزخر به ..
هذا درس آخر من دروس التّوجيه والتّربية والتّفكير والتّخطيط ... في أمثال هذه الأعمال وهذا السّلوك يكمن أحد أسرار النّجاح في العمل البنائي، والتّكويني والتّعليمي والتّربوي ..
تفضّل الدّكتور محمد بابا عمّي فقرأ الفقرة التي دبّج بها ورقة البرنامج، وهي من فكر الأستاذ كولن. عنوانها: " صورة قلمية لرجل القلب ":
" رجل القلب بأفقه ولمعانه وتصرّفاته يمثّل بطولة الرّوح والمعنى. إنّ عمقه وسعته ليستا من ناحية معلوماته ومكتسباته، بل بغنى قلبه وصفاء روحه، وقربه من الحقّ تعالى. فقيمة المعارف المطروحة أمامه كعلوم هي بنسبة إرشاد الإنسان إلى الحقيقة، أي إنّ المعلومات التي لا تساعدنا على فهم حقيقة الوجود والأشياء والإنسان. والمعارف النّظريّة التي لا تحمل فوائد عملية لا قيمة لها عنده.
بطل القلب الحيّ يكون مبرمجًا حسب الحياة القلبية والرّوحية، عازمًا على البقاء بعيدًا عن كلّ المساوئ، المادية والمعنوية، حذرًا على الدّوام من الرّغبات الجسدية، يقِظًا ومستعدًّا لمصارعة الحسد والحقد والكراهية والأنانية والشّهوات. كلّ ذلك مع تواضع باهر، ونكران للذّات عظيم، فهو يبذل قصارى جهده دومًا لمساندة الحقّ، ونشره في كلّ مكان. وهو رمز الإيثار، يتأجّج شوقًا لكي ينقل إلى الآخرين ما أحسّه وشعر به، في عالم الملك والملكوت. " (الأستاذ فتح الله كولن).
بعد ذلك قرأ علينا الدّكتور نوزاد صواش مقالاً بعنوان: " محو الذّات " للأستاذ فتح الله كولن (هو الذي ترجمه من اللّغة التّركية إلى اللّغة (1/51)
صفحة 52
العرببة). قبل أن يبدأ في القراءة الجيّدة المؤثّرة .. قال لنا: إنّي قليلا ما أترجم لأستاذي كولن؛ لأنّني أشعر بالعجز عن نقل أفكاره بأمانة لعمقها وقوّتها .. لكن إذا ما أقدمت على ذلك أحضر معي حبوبًا أهدّئ بها الأوجاع التي تنتابني في بطني؛ إذ أعاني كثيرًا حتّى أفهم ما يقوله الأستاذ الكبير، وأقاسي أكثر وأنا أبحث عن الكلمات والجمل التي تمكّنني من نقل ما أجتهد في ترجمته من التّركيّة إلى العربية بدقّة ووضوح وأمانة ...
الأستاذ كولن عميق في فكره، قويّ في تعبيره، والدّكتور نوزاد متمكّن في لغته، وسلس في أسلوبه، متواضع في سلوكه .. أعطى الأستاذان مثالا لكبر النّفس، وعلوّ الهمّة، وشرف السّلوك، وقوّة الشّخصيّة، وحسن التّفكير، ودماثة الأخلاق ... كم هي الدّروس التي تنزل علينا كلّ لحظة غيوثَ رحمات من السّماء، وكم هي العبر تترى علينا في كلّ موقف سبلَ رشد وهداية في كلّ لقاء، وفي كلّ دقيقة تجمعنا بالكرام الأصفياء ... في هذه الرّحلة المتميّزة إلى معاقل المجد والسّؤدد والارتقاء، إلى تركية الرّائدة الماجدة.
بعد القراءة المتأنّية من الدّكتور، فتح باب المناقشة والتّعليقات. كانت كلّها ثناءً على قيمة ما عرض، وتثمينًا لقوّة الأفكار التي قدّمت، وتسجيلاً لأهميّة الأبعاد التي ترمي إليها المقالة في بناء الذّات، التي يجب ألاَّ تغيب عن ساحة العمل شكلاً؛ حين تَعْمَل، فلا تُذكر الجهود بل تُهمل. وتكون حاضرة بالفعل في الميدان، وتتغذّى بتأشيرة الوجدان، وتتحرّك من أجل خدمة الإنسان ..
كنّا نسمع بنكران الذّات، لكنّنا اليوم نلتقي بمصطلح جديد، أسمى وأرقى في سلوك العامل المخلص الذي لا يريد جزاء ولا شكورا، هو خلق " محو الذّات"، وفعل نسيان الذّات في مشروع الخدمة ..
أجمع المعقّبون وأثنوا على روعة البيان الذي نسجت به المقالة باللّغة العربية، ودقّة التّعبير التي أبهرتهم، وقوّة التّحكّم في قواعد اللّغة العربية: نحوًا وصرفًا ورسمًا ... هنيئًا للدّكتور التّركي على هذا النّجاح، وسقيًا له على هذه المكانة التي تبوّأها في الوفاء للّغة التي يؤمن أنّها (1/52)
صفحة 53
الوعاء الأوّل للفكر الذي يحمله ويخدمه، وهو الفكر الإسلامي. فليكن قدوة للرّجل العربي في إتقان لغته الأصلية، وفي نصرة صراط الله المستقيم ..
من هذا المقال نثبت الفقرة الآتية المعنونة بـ " جعجعة الأنانية: " ينبغي أن نعلم يقينًا أنّ الخلل والفشل، لا يقع إلاّ بما كسبت أيدينا، وأنّ النّفس هي العائق الأكبر لكلّ خدمة إيمانية. وما يتمّ من توفيق وإنجاز، فهو محض إكرام منه جلّ وعلا، فالخير كلّ الخير من الله وحده، أمّا مقولة: {إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} (القصص/ 78) فلم يقلها إلاّ " قارون"، حينما ظنّ نفسه مصدر الأرزاق والنّعم. وإنّها لعبارة لم يزل كلّ قارون وفرعون يردّدها عبر التّاريخ. أمّا الأنبيّاء وعلى رأسهم سيّد الأنبيّاء - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت كلمتهم واحدة: {لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} (الأعراف/ 188). فمن يقل: " فعلتُ أنا، نجحتُ أنا، أوْ لمْ أكن أنا ... " فمعناه أنّه واقع في مستنقع آسن من التّفكير الفرعوني. يقول سيّدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لأن يهدي الله بك رجلاً واحِدًا خيرٌ لك من حُمْرِ النّعم ". فلو هدى الله ملايين من النّاس على يديك، فنسبت تلك الهداية إلى نفسك، فقد أحبطتَ عملك، ورميت بنفسك في لظى النّار الحامية، وحرمتها من النّعيم المقيم."
كانت الفقرة الثّانية في البرنامج تعليقًا على ملخص اللّقاء الذي دار في جلسة جمعت الدّكتور محمد بابا عمّي مع ثلّة من الإعلاميّين، ثمّ نشرته جريدة زمان Zaman باللّغة التّركية، ثُمِّنَ هذا الحوارُ، وعدّ إسهامًا مهمًّا في التّوعية ومعالجة الأوضاع، ونقد الواقع المعيش بكلّ شفافية وموضوعية. جزى الله الدّكتور محمد بابا عمّي على هذا الإسهام، الذي يعدّ أحد أوجه التّواصل والتّعاون الجزائري التّركي في العصر الحاضر. وهو يفصح عن عمق العلاقة وقوّتها، التي تبشّر بغد أكثر قوّة ونجاعة في المستقبل، كما كانت العلاقة جيّدة ومهمّة ومفيدة في إبّان الحكم العثماني، وهو موضوع الفقرة الثّالثة الذي تناوله الأستاذ الدّكتور إبراهيم بن بكير بحّاز، بعنوان العلاقة التّاريخيّة بين تركية والجزائر.
كانت محاضرته قيّمة ورائعة ومفيدة، ركّز فيها على الجانب الحضاري في هذه العلاقة، المتمثّل في إنقاذ الجزائر من الاحتلال (1/53)
صفحة 54
الإسباني، وفي الازدهار العمراني، وبناء المراكز الثّقافية، وفي إرساء بعض التّقاليد والعادات الحضارية في التّعامل مع الحياة: سلوكًا ومعاشًا وتحرّكًا ومعاملة .. كان للأتراك دور كبير في تطوير الحياة الجزائريّة: سياسيًا وعسكريًا وإداريًا واجتماعيًا وثقافيًا ...
ذكر الدّكتور جوانب من قوّة الحكم التّركي في الجزائر، الذي جعل منها قوّة مهيبة في العالم، ودولة محترمة ممّن يقدّرون حقيقة الفضل، ويقدرون للنّاس أقدارهم. كما بيّن شدّة حبّ الجزائريّين للأتراك؛ بسبب أفضالهم على بلدهم. وفي الحاضر كنّا نلاحظ هذا التّقدير من الأتراك للجزائر، ونحن نطوف بمدينة اسطنبول، (إسلامبول: مدينة الإسلام)، فهم لا ينطقونها Algeria إنّما (الجزائر) بالنّبرة التّركية، أو الإيقاع التّركي. أدام الله هذه العلاقة ونمّاها، وشكر سعي الدّكتور بحّاز في هذه المحاضرة التّاريخية الرّائعة، لقد استفدنا منها كثيرًا؛ فقد أطلعتنا على حقائق كنّا نجهلها. ثمّ جاءت التّعقيبات والإضافات والأسئلة الكثيرة من الحاضرين لتضيف للمحاضرة جمالا وجلالا ورونقَا وبهاءً.
الفقرة الرّابعة كانت مناقشة كتاب الدّكتور محمد بابا عمّي " الأكاديميا ". قدّمه لأعضاء المجمع العلمي لينظروا فيه، وهم في الجزائر قبل الانتقال إلى اسطنبول، وطلب منهم مراجعته ونقده قبل طبعه. وهو مشروع مهمّ وقيّم، يقدّم صورة عن العمل الممنهج المؤسّس على قواعد راسخة في العمل الحضاري والبنائي، ويحمل رؤية متميّزة لتطوير عمل الأكاديميا وما في منهجها، وما ينضح باستراتيجيتها، وما تحمله مشروعاتها ...
قدّمت للدّكتور بابا عمّي بعض الملاحظات، وبعض النّقد ... ردّ على بعضها، وناقش أخرى، ووضّح بعض النّقط في مشروع الكتاب ... الوقت لم يتّسع لعرض الكتاب كلّه، فضلاً عن مناقشته، فطلب من الجميع مواصلة قراءة الكتاب، وتقديم الملاحظات، وعدّ هذا الطّلب دينًا على أعضاء المجمع العلمي بخاصّة، وفرضًا يجب القيام به، وعهدًا يجب الوفاء به، والإيفاء له؛ خدمة للصّالح العام، وإسهامًا في تطوير أداء العمل الكبير التي ينتظرهم في المستقبل ... وعد الأعضاءُ ببذل الجهد في (1/54)
صفحة 55
تلبية الطّلب؛ حسب ما يمكن، وما تسمح به زحمة الأعمال، وكثرة الارتباطات، التي كان يراها الدّكتور محمد بابا عمّي معيقة عن تحقيق الأهداف، وتحسين الأداء؛ إذ الواجب والمنهجية يقتضيان التّفرّغ وقطع الصّلة بهذه الارتباطات، المجهضة للمبادرات، التي لها طابع الأولويات، وصفة الحاجيات ..
انتهت الجلسة العلمية الرّائعة الرّائقة الرّاقية بالحوار والنّقاش في جزء من محتوى كتاب الأكاديميا، لننتقل إلى مطعم المؤسّسة لتناول الغداء. ثمّ الصّلاة، ثمّ الاجتماع في المكتبة.
في المكتبة كانت لنا جلسة بنكهة خاصّة، وبلون متميّز، وبشكل مثير، وبمذاق متنوّع ... أولى الفقرات كانت مشاهدة صور عن الرّجل الذي ملأ بفكره ساحات النّشاط والعمل في مشروع الخدمة، وسكنت أقواله وكلماته قلوب الشّعب التّركي، وملكت شخصيتُه وفيوضُه الملهمة الجميع، وغدت آراؤه ونظراته ونظريّاته وتوجيهاته المرجعيةَ في التّفكير والتّخطيط والتّدبير والتّسيير ...
هذا الرّجل هو المفكّر الملهم الخبير، والمهندس البارع القدير في تكوين الإنسان، وتشييد الكيان، وبناء صروح العمل الحضاري ... الأستاذ العبقري محمد فتح الله كولن. شهدنا وسمعنا مقاطع من خطبه لجمهور المصلّين في المساجد، التي كانت مؤثّرة بموضوعاتها، ومثيرة بطريقة تقديمها .. كان الرّجل يخطب بحماسة كبيرة، وبعاطفة جيّاشة، وتألّم كبير على حال المسلمين المزرية في العالم، وعلاقتهم الضّعيفة بدينهم وقرآنهم بخاصّة، فكان في كلّ مقطع يجهش بالبكاء، فيُبكي معه المستمعين له. لقد أوتي الأستاذ قوّة في البيان، وفصاحة في اللّسان، وقدرة على التّحليل والجولان، وغزارة في المعارف بمختلف الألوان، وحماسة وعاطفة عالية للمبادئ التي يؤمن بها، وشدّة الارتباط بالمنابع والمصادر التي ينتمي إليها ... يحضن كلَّ هذا إخلاص وصدق وشعور بوطأة الواجب الذي يثقل كاهله، ويحصره ويدُعُّه إلزامَ نفسه بذلَ الجهود المضاعفة لخدمة الدّين والإنسان والمبادئ ... وتمتين علاقته وتوثيقها بالله والحياة والكون (1/55)
صفحة 56
يقول الدّكتور محمد بابا عمّي عن بكاء كولن: " ... ويبكي – وهو الملقّب بالضّحّاك – بكاء الثّكالى؛ خوفًا من التّقصير، ثمّ يُبكي من حوله من الشّباب والكهول والشّيوخ. ولا يمكن أن يُنسَى ذلكم المشهد المسجّل على الفيديو، وفيه يذكر الأستاذ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " سيبلغ هذا الدّين ما بلغ اللّيل والنّهار ... "، ثمّ يعتذر للرّسول - صلى الله عليه وسلم - أنّنا قصّرنا في حقّه، ويجهش ببكاء صامت، ما فتئ أن تحوّل إلى نحيب لا ينقطع، وتسيل خدوده شلاّلات من الدّموع المنهمرة لا تنقطع ولا ... ؛ حتّى إنّ الواحد منّا ليشفق عليه، ولكنّه لا يشفق على نفسه، وهو يقول: " وجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غريبًا في كثير من الدّيار التي جُلتُها، كنتُ أشعر وكأنّني أبتلع المسامير. ثمّ يقول: " لأنّني وجدتُ غربة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بلاد أوروبا وأمريكا." (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 64).
إنّ الأستاذ يبكي؛ لأنّه يرى نفسه لم تبلغ ما يجب بلوغه من حبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي عشق خير البريّة. ويبكي على حال المسلمين المزري مع نبيّهم ودينهم. هذا ما لاحظناه في اللّقطات التي شاهدناها في شريط الفيديو التي قدّم لنا في هذه الجلسة المباركة الطّيّبة.
ازددنا بهذه المشاهدة القصيرة فهمًا وإدراكًا لتعلّق الكلّ بشخصية الأستاذ، ووعيًا لأسباب النّجاح في العمل؛ نتيجة تحديد قبلة التّوجّه، وتوحيد بوصلة التّوجيه، نتج عن هذا الاستئناسِ والاطمئنانِ الاهتداءُ إلى مصدر استلهام طرق العمل، وأساليب التّحرّك، بعيدًا عن حالات الحيرة والتّيه والاضطراب، وفي منأى من البقاء في دائرة التّجربة والمحاولة، والخطأ والإصابة .. إذ وجد العاملون في مشروع الخدمة الثّقةَ في المخطِّط والموجِّه .. فظفروا بالاستقرار والاطمئنان اللّذين منحاهم العمل بآمال كبيرة، وبدوافع عالية .. فكان منهم ما كان من إنجازات عظيمة.
حظينا بعد هذه المشاهدة الرّائعة الممتعة المؤثّرة بتعليقات الأستاذ جمال ترك، التّلميذ الذي صنع على عين الأستاذ كولن، وظفرنا بتحليلاته القيّمة لشخصيّة الأستاذ فتح الله .. كشفت لنا كثيرًا من الأسرار في هذه الشّخصية، وفسّرت عديدًا من الأمور في حياة الرّجل، ووضعت لنا جملة (1/56)
صفحة 57
من المعالم التي تسمح بمزيد التّعمّق في شخصيّة الرّجل الجبل، والغوص في فكره الغزير الأجل.
- قرأ علينا فقرات من كتاب كولن: محمد - صلى الله عليه وسلم - النّور الخالد. وقال: من أراد أن يفهم شخصية الأستاذ كولن عليه أن يقرأ هذا الكتاب.
- الذي لا يفهم ليل الأستاذ لا يفهمه حقّ الفهم. هو عاشق اللّيل، سواء في قيامه، أم في التّفكُر فيه والمناجاة، أم التّأمّل في حال المسلمين وفي همومهم ..
- قراءة فكر الأستاذ بتعمّق وتركيز تعطي صورة عن حقيقة شخصيته.
- ذكر بعضًا من أقواله، التي تؤكّد ما قاله لنا في الجلسة عن حقيقة شخصيّة الأستاذ:
- ما تكتبه أو تقوله يجب أن تكون عليه تأشيرة الوجدان.
- رجل الخدمة هو الذي لا يفرح بالمنجز، ويتأسّف على ما فوّت.
- لا أريد أن تبلّغوا النّاس ما تعلمونه، إنّما ما تعملونه.
المنطلق والهدف في التّحرّك هو خدمة المسلمين، من دون استثناء. تجسّد هذا في الميدان، عند رجال الخدمة الذين بنى فيهم هذه القاعدة أستاذُهم فتح الله كولن. قالت إيمان قنديل تصف هؤلاء الرّجال في خواطر بعنوان: " إحياء عصر الصّحابة في تركيا ": " لم يكن من المتوقّع لنا إطلاقًا – على أيّ مقياس من مقاييس العالم الحديث - أن نقابل رجالا يملكون هذا القدر من المال والطّاقة للعمل الخيري التّطوّعي، يتّصفون بمثل ما رأيناه من ورع وتواضع وتفانٍ منقطع النّظير، يبتهلون إلى الله ليلا ونهارًا، أن يوسّع في أرزاقهم حتّى يستطيعوا رعاية الآخرين، دون أيّ استعلاء أو شعور بالفخر." (البراديم كولن فتح الله كولن، ص: 62، 63)
من كتاب الأستاذ محمد فتح الله كولن " النّور الخالد محمّد - صلى الله عليه وسلم - مفخرة الإنسانية" ننقل هذه الجمل، التي تترجم عن شخصيّة محيي الأمّة، والباعث فيها روح العمل والنّهوض والثّقة بالنّفس؛ مستلهمًا في كلّ هذا (1/57)
صفحة 58
روح فخر الكائنات رسولنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام: " ... أجل، إنّ الله سيظهر دينه، ويتمّ نوره، وستهرع إليه القلوب والنّفوس الظّامئة لكي تجد الأمن والطّمأنينة في رحابه، فتعيش سعادة أهل الجنّة في الدّنيا، وسيأتي اليوم الذي تنفتح جميع القلوب وجميع الضّمائر وجميع النّفوس لمحبّة خاتم الأنبياء وسلطان الأولياء، الذي نعلن اسمه خمس مرّات على الملأ كلّ يوم.
وكان أيضًا مبعثًا للطّمأنينة، فنحن نؤمن إيمانًا راسخًا، لا شكّ فيه بأنّ الرّسالة التي جاء بها منبعٌ للأمن والطّمأنينة. والتّاريخُ هو أكبر شاهد على ما أقول. ولكي تذوق الإنسانية هذه الطّمأنينة مرّة أخرى، فليس هناك إلاّ حلّ واحد أمامها، وهو أن تهتدي بالنّور الذي أتى به الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، إذ كلّما ازداد الإنسان معرفة به ازداد حبًّا له. وبهذه المحبّة سيتغيّر وجه المجتمع ... (ص: 21) (ترجم الكتاب من التّركية إلى العربية الأستاذ أورخان محمد علي).
بعد هذه المأدبة الفكرية التّربوية التّثقيفية، جاء دور المشاعر والعواطف، والشّكر والتّقويم والتّقدير .. إذ فتح المجال للكلمات. فكنت البادئ، قرأت أبياتًا من مشروع قصيدة بدأت بكتابتها؛ تعبيرًا وتسجيلاً لآثار هذه الرّحلة التّركية التّاريخية فينا، التي ستكون منعرجًا إيجابيًا كبيرًا في حياتي إن شاء الله.
قلت في البداية: إنّي وجدت صعوبة في التّعبير عن مشاعري؛ رغم عذوبة ما حظينا به، وفي هذا أذكر قول الدّكتور مصطفى باجو عن هذه الرّحلة باللّغة الميزابية (تَحْلُو تَقُّورْ) أي هي (حُلْوَة صعبة أو قاسية)؛ لما شاهدنا فيها من عظائم الأمور، وجلائل الأعمال، وللمسؤولية العظيمة التي تنتظرنا بعد هذه الزّيّارة. أرجو أن نتحلّى ونتمثّل مقولة المتنبّي؛ ونسير في هذا الدّرب للوصول إلى الأهداف المنشودة، فكلّ من سار على الدّرب وصل:
علَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ
وَتَأْتْي عَلَى قَدْرِ الكِرام (1/58)
صفحة 59
المَكارِمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصّغيرِ صِغارُها
وَتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظيمِ العَظائِمُ
إرادتنا وقوّة عزائمنا - إن شاء الله - لن تخذلنا في استلهام روح جماعة الصّحبة الذين عشنا معهم لحظات غالية، وأفدنا منهم تجارب عالية، في قواعد العمل الثّابتة: تفكيرًا وتخطيطًا وتسييرًا ... التّجربة التي عاييناها ستمنحنا القوّة في مواصلة السّير في الدّرب الذي نحن سالكون، وتعطينا الثّقة لتأسيس مشروعات جديدة طموحة، تجعلنا نلبس الأمل، ونخلع الحذر، كما قال أبو القاسم الشّابي، الشّابُ الطّموح:
إِذا ما طَمِحْتُ إلَى غَايَةٍ
لَبِسْتُ المُنَى وَخَلَعْتُ الحَذَرْ
بحت بعجزي عن نظم ما أشعر به في كلمات مشعورة، وأعلنت عن قصوري عن تجسيد مآثر رجال مشروع الخدمة بعبارات منثورة. وقلتُ: إذا كان الدّكتور نوزاد صواش يشعر بأوجاع كبيرة، حين يقدم على ترجمة فكر الأستاذ فتح الله كولن وتقديمه إلى النّاس، فيستنجد بالأقراص المهدّئة ليقوَى على القيام بهذه المهمّة الصّعبة الشّاقة، ثمَّ يقول: وما أظنّ أنّي قادر على ذلك .. فأنا أقول وأعترف أنّني أمرّ بالحالة نفسها، وأنا أحاول الإعلان عن مشاعري الجيّاشة نحو عظائم الأعمال التي شاهدناها في كلّ مكان، وبعض الأنشطة التي شهِدناها في الميدان، وما سمعنا به، وتقديم صورة عن المنظومة المتكاملة التي تفكّر وتدبّر وتنظّر وتسيّر وتقدّر و .. و .. فلا تسعفني الكلمات التي أحفر بها في مشاعري لأنحت منها صورًا صادقة، ترسم حقيقة ما أحسّ به .. هذه هي حقيقة المعاناة التي أمرّ بها، فأوجدت لي ألمًا شبيهًا بألم الدّكتور نوزاد مع فكر الأستاذ، فهو ينشد مهدّئات ومسكّنات ... أمّا أنا فلا أجدها في هذه اللّحظات المحرجة المزعجة المبهجة ... (1/59)
صفحة 60
قلت للحاضرين الكرام: أقرأ عليكم أبياتًا من قصيدة، لمّا تكتمل، ولا أحسبها تكتمل، وأتلو عليكم أبياتًا مشعورة، نسبة إلى الشّعور، وليس إلى الشّعر؛ لأنّ ما أقوله لا يرقى إلى مستوى من أخاطبهم، وأتحدّث عنهم. سندي في هذا قول الشّاعر الثّائر رمضان حمّود:
فَقُلْتُ لَهُمْ لَمَّا تَباهَوْا بِشِعْرِهِمْ
أَلاَ فَاعْلَمُوا: إنَّ الشُّعُورَ هُوَ الشِّعْرُ
متحفّزًا بقول صنوه في النّظرة والتّوجّه الشّاعر الرّومانسي أبي القاسم الشّابي:
عِشْ بالشُّعُورِ وَلِلشُّعُورِ وَإِنَّما
دُنْياكَ كَونُ عوَاطِفٍ وشعور
شِيدَتِ عَلَى العَطْفٍ الجَمِيلِ وإِنَّها
لَتَجِفُّ لَوْ شيدَتْ علَى التّفكير
فَلْأَنْقُلْ مشاعري بهذه الوصفة، ولو لم ترقَ إلى مستوى الشّعر فنّيًا، ولم ترتفع إلى درجة قوّة التّبليغ وأمانته، فالرّسول المبلِّغ يجب أن يكون قويًّا أمينًا .. ، لكنّ رسولي الشّعري يفتقد هذه الصّفة، غير أنّه يملك الصّدق والوفاء، وهما شفيعي في هذا القصور الفنّي ... اتّخذت القصيدةُ طابعَ الأسئلة المعبّرة عن الدّهشة والإعجاب ... منها هذه الأبيات:
سَأَلْتُ: بِماذَا يَتِمُّ العَملْ؟
وكَيْفَ يَسُودُ النِّظامُ، وَهَلْ؟
عَسِيرٌ عَلَى المَرْءِ أَنْ يَفْهَمَنْ
إِذَا مَا تَفَوَّهَ قَوْلاَ فَعَلْ
وَخاطَبْتُ نَفْسِي: تُرَى هَلْ نَرَى الزْ
زَمَانَ، يَجُودُ بِخَيْرِ مَثَلْ؟
يَخُوضُ الغِمارَ، لِيُجْزِي سَفينًا (1/60)
صفحة 61
وَيُجْرِي طَريقًا، وَيَرْمِي الوَجَلْ
وَيَهْوَى البِدارَا، لِيُعْلِي الدّيارَ
وَيَبْنِي النُّفُوسَ بِأَعْلَى المُثُلْ
وَنَادَيْتُ قَوْمِي: أَنَلْفَى فَتًى
قَوِيًّا أَمينًا، حَكِيمًا بَطَلْ؟
يشُدُّ الزِّمامَ، يَحُوزُ الأمامَ
يَقُودُ الأنَامَ لِخَيْرِ العَمَلْ
وقلت:
حَلَلْتُ بِأَرْضٍ، رَأَيْتُ بِهَا
رِجَالاً، تَفَانَوْا لِيَعْلُوا القُلَلْ
بِعَزْمٍ بَنَوْا للحِراكِ قَوا
عِدًا، خَطَّطُوا لاجْتِثاثِ الخَلَلْ
بِمَجْلِسِ صَحْبٍ، بَدَتْ هِمَّةٌ
تَنَامَتْ، فَجَاءَتْ تُغَذِّي الأمَلْ
بِفِكْرٍ شُمولِي، وَعُمْقِ رُؤًى
وَتَخْطِيطِ نَهْجٍ قَوِيمِ السُّبُلْ
بِمَحْوِ الذَّواتِ، أَقَامُوا جِهَا
دَهُمْ، فَاجْتَنَوْا يَانِعاتِ الغِلَلْ
تَتَابَعَ تَأْسيسُ ما يَقْتَضِي
ظُهُورًا مَكِينًا بِسَاحِ العَملْ
توالت بعد ذلك كلمات أعضاء المجمع العلمي: ألقاها الدّكاترة: إبراهيم بحاز، مصطفى ونتن، محمد حمدي، ثمّ جاء دور الشّعر مرّة ثانية، فألقى الدّكتور مصطفى باجو قصيدتين: ضَمَّن الأولى انطباعاته ومشاعره نحو أعضاء الأكاديميا ومشروع الخدمة والثّانية عن مستشفى سمَا sema ..
حظينا في ختام هذا اللّقاء الحميمي المهمّ بهدية ثمينة، أهدى كلَّ واحد منّا الأستاذُ جمال ترك نسخة من كتاب النّور الخالد للأستاذ فتح الله (1/61)
صفحة 62
كولن. ثمّ غادرنا المكتبة والأكاديميا وكلّنا عزم على السّير قدمًا في طريقنا ونشاطنا الذي نحن سائرون فيه، مع الإفادة من تجربة هذه المنظومة الرّاسخة في إيمانها، الأصيلة في مبادئها، الرّصينة في نشاطها، الثّابتة في خطواتها، الواضحة في رؤاها، القويّة في إرادتها .. وكلّنا شوق وتعلّق بأمل العودة للجلوس إلى هؤلاء الرّجال العاملين، واللّقاء بهذه النّماذج من المشروعات القيّمة المؤسِّسة لِقواعد العمل، والبانية للحضارة المثمرة. كان مرافقنا في هذا اليوم الطّالب النّجيب إلياس بن إبراهيم دادي بابا، ورفيق الدّكتور محمد بابا عمّي الطّالب التّركماني التّركي: بركات الله عبد الغفّار.
يوم الثّلاثاء وهو اليوم الأخير في الرّحلة التّاريخية قمنا بزيارة معلم آخر من معالم البحث العلمي، والنّشاط الأكاديمي المؤسّس على المنهجية العلمية الرّاسخة، والأعمال الخيرية الممنهجة ... إنّه مؤسّسة وقف الدّيانة التّركي، مركز البحوث الإسلامية. ISAM. المرافق هو الطّالب إلياس دادي بابا.
Ertugrul Boynukalin الدّكتور إبراهيم أرطغرل بُويْنوكالِن (باحث في الفقه الإسلامي) استقبلنا على باب المؤسّسة. دخلنا قاعة الاجتماعات فقدّم لنا نبذة من تاريخ المركز، وصورة عن أنشطته، وتعريفًا بأقسامه ومرافقه. ثمّ انتقلنا إلى مكتب الأستاذ الدّكتور دنمز إبراهيم رئيس جامعة 29 مارس. التّابعة لوقف الدّيانة التّركي. (الجامعة سميت بتاريخ فتح القسطنطينية:29 مارس 1453م).
الدّكتور دنمز متخّصص في أصول الفقه، كان أستاذًا في المعهد العالي لأصول الدّين بالجزائر العاصمة، حين أنشئ، ثمّ مدرّسًا في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة (الجزائر). أقام في الجزائر سنتين ونصفًا.
[صورة] (1/62)
صفحة 63
مع الأستاذ الدّكتور إبراهيم دنمز في مكتبه في جامعة 29 مارس 1453م
كانت لنا معه جلسة طيّبة، هو يتميّز باللّطافة في الكلام، والتّواضع في الحديث، ويتحلّى بدماثة الأخلاق. حدّثنا عن ذكرياته الحلوة في الجزائر. سئل كيف كانت أيّامك في الجزائر؟ قال بأخلاق الرّجال الأعزّة الكرام: كانت طيّبة. ذكر لنا أنّه كان مرّة مسافرًا من مدينة قسنطينة إلى مدينة باتنة في سيّارة أجرة، قال: كنت مع أستاذ مصري جالسين في المقاعد الخلفية للسّيارة، كان السّائق ينظر من المرآة التي أمامه، ويتفرّس فينا، كأنّه لاحظ فينا مظهرًا خاصًّا متميّزًا .. فسألنا من أين أنتما؟ فقلت له أنا: من تركية وزميلي من مصر. أوقف السّيارة ونزل وتقدّم نحوي فسلّم عليّ بحرارة، فقال له زميلي المصري: لماذا هذا التّمييز؟ فكلّنا مسلمون، قال له السّائق: معذرة ثمّ سلّم عليه. يبدو أنّ حبّه للأتراك جعله يغفل عن التّسليم على الزّميل المصري.
هذا مشهد آخر عشناه في هذه التّربة الطّيّبة، يقوم دليلا على العلاقة الحميمية القائمة بين الجزائر وتركية. يجب علينا المحافظة عليها، وتقوية الصّلات والرّوابط بكلّ أشكالها بينهما، والعمل على تطويرها، وبخاصّة وأنّ تركية بلد يتمتّع بمقّومات البناء الحضاري والعمل المؤسَّس على القواعد الصّلبة والمتينة، التي تغري بالعمل والنّشاط والتّحرّك من أجل تحقيق الأهداف المنشودة، بخطوات ثابتة محمودة ..
الجلسة مع الدّكتور دنمز إبراهيم كانت متنوّعة في الموضوعات التي تناولناها، غلب عليها الطّابع العلمي، أي الأحاديث المتعلّقة بالبحث العلمي، والأمل في التّعاون مع جامعة 29 مارس، ومركز البحوث الإسلامية ...
بعدها قمنا مع الدّكتور إبراهيم أرطغرل بُويْنوكالِن بجولة في مكتبة المركز الغنيّة؛ بتوفّرها على مجموعة كبيرة من المصادر والمراجع، في مختلف المعارف، ولمختلف المذاهب الإسلامية والفكرية.
ذهب الدّكتور إبراهيم - بمحض إرادته – مباشرة وقدّم إلينا الملّف الذي تضمّن قائمة عناوين الكتب والأبحاث الخاصّة بالمذهب الإباضي (1/63)
صفحة 64
والجزائر ووادي مزاب الموجودة في المكتبة، تصفّحه معنا، وكانت القائمة كبيرة. مع ذلك طلب منّا مزيدًا من المصادر والمراجع، تتزوّد بها مكتبة المركز.
في هذه الخطوة منّا لزيارة المركز، وهذه اللّفتة من الدّكتور لتصفّح الملفّ، وهذه الدّعوة من الجميع لتقوية التّعاون بين الجميع ... يَبْرُزُ أحد أهداف الرّحلة إلى تركية، التي يجب أن تعقبها رحلات وزيارات متبادلة متداولة مجدولة متواصلة ...
الفقرات الآتية تقدّم تعريفًا بهذا الصّرح العلمي العتيد:
" إنّ الغاية من تأسيس المركز هي القيام بأبحاث علمية مع التّركيز على العلوم الإسلاميّة وما يدخل في إطار الدّراسات الشّرقية على وجه الخصوص، وإصدار المؤلّفات والتّرجمات والتّحقيقات، وإعداد الموسوعة الإسلامية ونشرها، والقيام بترتيب ندوات ومؤتمرات علمية، وتنشئة الباحثين، وتقديم العون لهم وإنشاء مكتبة للباحثين، وتجهيز وحدة التّوثيق فيها، والقيام بترتيب محاضرات وندوات ومؤتمرات علمية على المستوى الوطني والدّولي، وإعداد أفكار علمية ودينية ونشرها بهدف إرشاد الرّأي العام."
عن مركز البحوث الإسلامية ( ISAM) يقول الأستاذ الدّكتور محمد عاكف آيدين رئيس المركز: " لقد تأسّس مركز البحوث الإسلامية ( ISAM) في عام 1988م، للمساهمة في تنشئة الباحثين في مجال العلوم الإسلامية، وتهيئة إمكانات المكتبة والتّوثيق، وتنظيم الاجتماعات العلمية، ودعم مشاريع البحث، والقيام بنشر الأعمال العلمية، وعلى رأسها الموسوعة الإسلامية، والتي بدأ الإعداد لنشرها قبل تأسيس المركز، وإصدار المجلاّت.
إنّ مركزنا حقّق إنجازات مهمّة خلال المدّة الماضية في طريق تحقيق أهدافه التي عيّنها، وقام بدعم تنشئة عدد كبير من الباحثين في مجال العلوم الإسلامية، داخل البلاد وخارجها، ويستمرّ العديد من هؤلاء الباحثين في نشاطاته العلمية بمؤسّستنا، بينما يقوم البعض منهم بالعمل (1/64)
صفحة 65
في مجال التّدريس والبحث في الجامعات التّركية والأجنبية. إنّ وحدة المكتبة والتّوثيق التي تحتوي على مجموعة غنيّة من الكتب والدّوريات وملفّات توثيق متطوّرة، قد تميّزت بكونها من أغنى وأنشط المؤسّسات في مجال العلوم الإسلامية والاجتماعية. " (كتاب وقف الدّيانة التّركي، ص:5)
يقول الأستاذ الدّكتور علي بازداق أوغلو رئيس الشّؤون الدّينية، رئيس هيئة المتولين لوقف الدّيانة التّركي: " يقدّم وقف الدّيانة التّركي منذ تاريخ تأسيسه خدمات مختلفة في مجال الأعمال الخيرية، كما يقوم بفعاليات مكثّفة لتحقيق أنشطة علمية؛ وفقًا للأهداف المذكورة في سند الوقف. ومركز البحوث الإسلامية ( ISAM)، الذي أسّس من قبل وقف الدّيانة التّركي. في هذا الإطار يقوم ببحث التّراث العلمي التّاريخي للعالم الإسلامي؛ مستخدمًا المنهجية العلمية. وينظّم اجتماعات، ويقوم بنشرات علمية؛ بغية مناقشة ومقاسمة الحصيلة المعرفية التي ينتجها على الصّعيد الأكاديمي، ويحاول بذلك توصيلها إلى قطاعات واسعة. إنّ هذه الأعمال التي كانت وسيلة لكسب مركز البحوث الإسلامية مكانته المرموقة كمؤسّسة تحظى بالاحترام على المستوى العالمي، تشكّل بلا شكّ مصدرًا علميًا غنيًا لرجال العلم والباحثين، من ناحية أخرى فإنّ رئاسة الشّؤون الدّينية التّركية أيضًا تستفيد بشتّى المناسبات من الحصيلة العلمية لمركز البحوث الإسلامية. " (المرجع السّابق، ص: 3)
بعد هذه الجولة العلمية المركّزة في هذا الصّرح العلمي العظيم، وبعد اللّقاءين الحميميَين مع رجال العلم والحلم والكرم ... ذهبنا إلى أحد أسواق المدينة للتّسوّق، وإكرام الأهل الذين ينتظرون بشغف رجوع أرباب البيوت إلى الدّيار والأركان وإلى الأحضان؛ سالمين مغنِّمين مُكْرِمين؛ فغُرم الغياب عنهم يقابله غُنم ما يُؤتَى به إليهم، والخُروج من البلد يمنح لهم ضمان الهدايا والإكراميات. إنّ هذا حقّ مشروع لمن أظهر طاعة وبرًّا وإحسانًا، وأبدى تعاطفًا وتواصلاً شاعريًا مع أولياء (1/65)
صفحة 66
الأمور ... رافقنا في جولة التّسوّق الطّالب الوفيّ الخدوم إلياس بن إبراهيم دادي بابا.
بعد اقتناء ما أمكن لنا شراؤه، ثمّ أداء صلاتي الظّهر والعصر في أحد مساجد المنطقة، وما أكثر المساجد المنتشرة في مدينة اسطنبول، (لا تجد صعوبة ولا مشقّة في أداء الصّلاة في أيّة نقطة توجد فيها في المدينة). وبعد الغداء في مطعم. اخترنا أن تكون مقاعدنا فيه في الطّابق الأوّل؛ حتّى لا نشدّ عن القاعدة التي سار بها معنا رجال مشروع الخدمة، فقد عوّدونا أن نكون في كلّ وقت في الأمكنة العليا، لنشعر بالسموّ والعلوّ، ونبقى على هذه المكانة في كل لحظة في حياتنا، فلا ننزل بنفوسنا إلى الأسفل والدّرجات الدّنيا في أعمالنا وسلوكنا وتضحياتنا وتفكيرنا وعلاقاتنا، وهممنا وعزائمنا ومشروعاتنا ...
بعد خروجنا من داخل المسجد، وفي صحنه استقبلنا رجل شيخ تركي، سألنا من أين أنتم؟ قلنا له: من الجزائر، فبشّ في وجوهنا، وفرح بلقائنا، وطرب لرؤيتنا جزائريّين يزورون تركية .. ما أكثر هذه المواقف الرّائعة التي صادفتنا في زيارتنا إلى هذا البلد الطّيّب!!
بعد ذلك رجعنا إلى مقرّ إقامتنا، وهو في الأصل مقام شريف، مكان تقديم أثمن وأعزّ ما يطلبه الإنسان، وأداء ما يجب أن يؤدّى: بناء العقول، وإنشاء النّفوس .. فالمقام هو في مدرسة تعليم، ومدرسة تقديم قيم وقواعد البناء الحضاري.
عدنا إلى حيث المُقام وشرف المَقام، فبدأنا نستعدّ للمغادرة: زمّ الحقائق، وإتمام ما بقي عالقًا لم ينجز. كان اللّقاء الأخير مع ممثّل رجال الخدمة الأستاذ يعقوب أورخان (الذي رافقنا في أغلب فقرات الرّحلة) في مأدبة عشاء في مجلس المدرسة، وهو أيضًا في الطّابق الخامس للمؤسّسة. ثمّ كان الوداع، وقد كان من بين المودّعين الدّكتور محمد بابا عمّي، وأحد أعضاء الوفد الذي جاء من الجزائر زائرًا مستنيرًا مسترشدًا الأستاذ جابر بابا عمّي، الذي سيبقي في اسطنبول أيّامًا ليقوم بواجب آخر، ومهمّة أخرى .. (1/66)
صفحة 67
رافقنا إلى مطار أتاتورك الطّالب عبد الحكيم بن محمد بكّوش. ثمّ غادرنا أرض الأناضول، موطن النّضال، وسافرنا من أنداء البوسفور، ونسماته التي لم تفارق نفوسنا، وقد سبقتنا بنسيم رسالة من نفس الرّجل التي ضمّنها نَفَسَه وحسّه نحو هذه الرّحلة التّاريخية المتميّزة، هذا الرّجل الجبل والأمل، لن يكون سوى الدّكتور محمد بابا عمّي المثل.
وصلنا الجزائر والحمد لله قبل فجر يوم الأربعاء: 05 من جمادى الأولى 1433هـ/ 28 من مارس 2012م. كان في استقبالنا رجال الخدمة في معهد المناهج: محمد بن عيسى باحماني الرّاعي، محمد بن عمر أبانو.
[صورة]
هذه صورة لأحد لقاءاتنا العملية المتعدّدة بالدّكتور محمد بابا عمّي
لك الحمد يا الله يا رحمن يا رحيم يا كريم، على التّوفيق والسّداد في هذه الزّيارة المباركة، والشّكرُ لك على النّجاح الكبير الذي ظفرنا به في هذه الرّحلة التّاريخية الميمونة. إنّ سفرنا إلى أرض العلم، وموطن التّعليم، وفضاء النّظام والذّوق والحضارة ... كان رائعًا ورائقًا .. ومحرجًا ومكلفًا؛ لأنّه ستكلّفنا غاليًا؛ للمسؤولية التي ستلقى على عواتقنا، ووجوب استثمار محاصيلها في الميدان هنا في الجزائر، وتجسيد الأفكار التي اطّلعنا عليها هناك في تركية الماجدة. وعدم التّسويف والتّأخّر في التّفكير والتّدبير والتّحرّك بمشروعات، تنقل الأقوال إلى الأفعال، والإعجاب من مظاهر الأعمال المنظّمة إلى عجائب في الأفعال المقدّمة. وقد بدأت المسؤولية والتّكليف قبل الوصول إلى أرض العمل بلدِنا، بل قبل مغادرة أرض البدار والنّفار وحسن الاستثمار؛ إذ أرسل إلينا الذي يُتعب – دومًا – من ينضمّ إليه: الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي رسالة تكليف وتذكير .. عنوانها: رحلة المجمع العلمي المباركة، تذكير للمتابعة. "اعرضوا على النّاس ما تعملون لا ما تعلمون" (1/67)
صفحة 68
تمّت بحمد الله تعالى الرّحلة المباركة، وكانت غيثا هامعا من الرّوح والفكر، ووابلا - لا طلّا - من النّفحات والنّسمات؛ وما ذلك إلّا بفضل الواهب المنّان، ذي الجلال والشّان؛ والدّعاءُ موصول بالسّماء لكلّ من آوى ونصر، ولكلّ من فتح قلبه قبل مؤسّسته هاشّا مسفرا. ... ومن تمام شكر النّعمة إتمامُ ما اتّفق عليه وعدا وعهدا بين أعضاء المجمع، كلٌّ حسب قدرته واستطاعته؛ ذلك أنَّ الشّكر بالحال والفعل أبلغُ وأصدقُ عند الله من الشّكر باللّسان والقول. ... ذكّر في الرّسالة بمجموعة من الأعمال التي تنتظر أعضاء المجمع العلمي القيام بها؛ أداء للواجب أوّلاً، ثمّ تتويجًا للأنشطة التي قاموا بها في تركية ثانيا. ثمّ أعاد التّذكير بالفقرة الآتية، التي تحمل دلالات خاصّة، يعيها من هو معنيٌّ بالخطاب بها، و من يقرؤُها قراءة جيّدة عميقة فاحصة، ويجتهد أن يتحلّى بما جاء فيها، وهو يقوم بحمل الأمانة الثّقيلة، وتحمّل المسؤولية الكبيرة: ... صورة قلمية لرجل القلب ... رجل القلب بأفقه وإيمانه وتصرّفاته يمثل بطولة الرّوح والمعنى. إنّ عمقه وسعته ليسَا من ناحية معلوماته ومكتسباته، بل بغنى قلبه وصفاء روحه وقربه من الحقّ تعالى. فقيمة المعارف المطروحة أمامه كعلوم هي بنسبة إرشاد الإنسان إلى الحقيقة، أي إنّ المعلومات التي لا تساعدنا على فهم حقيقة الوجود والأشياء والإنسان، والمعارف النّظرية التي لا تحمل فوائد عملية، لا قيمة لها عنده. ... بطل القلب الحيّ يكون مبرمَجا حسب الحياة القلبية والرّوحية، عازما على البقاء بعيدا عن كلّ المساوئ المادية والمعنوية، حذِرا على الدّوام من الرّغبات الجسدية، يقظا ومستعدًّا لمصارعة الحسد والحقد والكراهية والأنانية والشّهوات. كلّ ذلك مع تواضع باهر ونكران للذّات عظيم. فهو يبذل قصارى جهده دوما لمساندة الحقّ ونشره في كلّ مكان. وهو رمز الإيثار يتأجّج شوقا لكي ينقل إلى (1/68)
صفحة 69
الآخرين ما أحسّه وشعر به في عالم الملك والملكوت .. (الأستاذ محمد فتح الله كولن) ... حدّد الدّكتور محمد بعض المحاور، بل بعض الأعمال التي تنتظرها الرّحلة المباركة، بل بعض المسؤوليات التي أفرزتها، أو أكّدتها. وترك بعضها لنضيفه نحن، وأشار إليها بأرقام؛ ليقول: إنّ الأعمال كبيرة، والمسؤوليات عديدة، والتّكليفات من دون تحديد .. هكذا يجعل الدّكتور محمد من الرّحلة حدثًا مهمًا، ومن الزّيارة عبئًا ثقيلاً ينوء بالعصبة أولي القوّة من الرّجال ... نرجو أنّ تكون العصبة التي زارت أرض محمد الفاتح لتلتقي محمد نزيل الأناضول، وتتلقّى منه هذه الرّسالة المثقلة ... جاهزةً لتتعصّب بقوّة الإرادة والعزيمة، وتتحصّن بحسن التّدبير، وتتدرّع بمشروعات كبيرة، وترتبط بأهداف محدّدة، وتتعلّق برؤى مستقبلية واضحة .. فالدّكتور محمد بابا عمّي يطالبك بالعمل الجادّ قبل أن تلتقي به، ويناشدك الدّأب في النّشاط والحركة وأنت بالقرب منه، ويتابعك في التّنفيذ وأنت بعيد عنه .. فالجدّ والكدّ، والمكابدة والمجاهدة، والمصابرة والمبادرة ... من صميم منهجه، لسان حاله يقول أنا مع أحمد شوقي:
وَمَا نَيْلُ المَطالبِ بالتّمننّي
وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلابَا
مذكّرًا بقول الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان:
إِنَّما الدّنْيَا جِهادٌ، مَنْ يَنَمْ
يَوْمَهُ، دَاسَتْهُ أَقْدامُ الرَزايَا
(ديوان أبي اليقظان، ج1، ص: 125)
مستلهمًا قول الله - عز وجل -: {يَا أَيُّها الإنِسانُ إِنًّكً كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقيهِ} (الانشقاق/06) فأنتم قدِمتم ورأيتم وتجوّلتم، وزرتم واجتمعتم، وجاورتم، وحاورتم، واستمتعتم واستنتجتم .. كدحتم كدحًا في رحلتكم، فما جنيتموه تلاقونه، وما تنفذّونه ممّا استفدتم منه تجدون نتائجه وثمراته .. إن كان خيرًا (1/69)
صفحة 70
انقلبتم مسرورين، أو غير ذلك دعوتم ثبورًا. فماذا أنتم فاعلون؟ وأيّ سبيل أنتم سالكون؟ وأيّ نهج أنتم باعثون؟ الأمر إليكم فانظروا بماذا تأمرون، وكيف تعملون، ولمن تتوجّهون، ولماذا تتحرّكون!!
أخانا محمد لقد أصابنا من رحلتنا وابل، سيؤتي أكله إن شاء الله أضعافًا مضاعفة، والله بما نعمل بصير، إنّه لنا نعم المولى ونعم النّصير. وابل ما أصابنا هو أفكار ونصائح وفوائد وتجارب، ودروس وعبر ومن المعارف أطايب.
إنّ المسؤولية الكبيرة التي كبرت مع كلّ دقيقة مرّت في زمان هذه الرّحلة، بدأت مع أوّل لقاء بالدّكتور محمد بابا عمّي، الذي عقدنا معه عدّة جلسات لمناقشة سبل العمل، ونمط النّشاط المستقبلي؛ فكان سقف مطالبه عاليًا، ومناشداته تغييرَ منهج العمل ملحّة، لم يكن له استعداد للتّنازل والحيدة عنها قيد أنملة. هو يطلب التّفرّغ الكامل للمشروعات التي تنتظر المجمع العلمي. في قرارة نفسه لا عدول عن تكوين مركز التّفكير، وأعضاؤه هم من جاءَه من الجزائر طائعين غير مرغمين. كانت هاتان النّقطتان محور الجلسات العديدة السّاخنة الحاسمة التي أخذت منّا جهدًا ووقتًا كبيرين، لكنّهما كانا ثمينين ومفيدين، حتّى وإن لم يتمّ الحسم والجزم فيهما؛ لأنّنا اختلفنا في بعض الجزئيات، ولم نلتق في بعض الأطروحات ... لكنّنا كنّا متّفقين في المبدأ: إنّ العمل المثمر، والتّحرك الصّحيح يحتاجان إلى التّفرّغ وإلى التّخصّص، بقي التّفكير العميق في سبل تطبيق ذلك، من دون إحداث خلل في نشاط كلّ عضو، ومن دون ترك فراغ في الوسط الذي ينشط فيه.
النّقاش كان عميقًا، والحوار كان صريحًا، والأطروحات التي عرضت كانت مهمّة ... لخطر الموضوع (أي أهميّته) في مسيرة كلّ فرد منّا، وفي المنظومة التي تنتظم عملنا، ومستقبل الأمّة ...
تُرِك المجال مفتوحًا لمزيد من التّفكير والنّظر والمناقشة ... فيما عرض وقدّم؛ عسى الأيّام المقبلة تسعفنا بالرّأي السّديد، والقول الرّشيد، والنّظر الحديد ... (1/70)
صفحة 71
سمعًا وطاعة لنداءاتك ومناشداتك، وكدت أقول: أوامرك ... يا محمد، يا من يجهد من يرافقه، ويرهق من يكون بعيدًا عنه، ويتعب من يأتي بعده. نتوسّل إليك، ونطلب منك – فقط - أن تمهلنا وقتًا نفكّر فيه في طرق العمل، وتنفيذ المقترحات، إن كان لنا حقّ تقديم هذا الطّلب!! سواء كان الطّلب مشروعًا أم غير مشروع – بعد هذه الرّحلة التّاريخية الممتعة المضنية – فالشّكر كلّ الشّكر لأخينا الوفيّ العامل بعلمه وبفكره الخصب ... الذي ما يفتأ يجتهد في النّهوض بالأمّة الإسلامية ببرامج ومناهج كبيرة وعظيمة، فهي تطلب وتنشد مطالب كبيرة، لا يكون إلاّ التّفرّغ والتّخصّص وسيلة للقيام بها .. فعلينا أن نفكّر ونقدّر، ثمّ ننظر، ونقدّر ... حتّى نظفر بالرّأي السّديد، ونحصل على العمل المفيد ...
*من حصاد الرّحلة:
أفدنا من الزّيارة فوائد كثيرة، وأخذنا دروسًا متنوّعة، وسجّلنا انطباعات مهمّة، واطّلعنا على حقائق رائعة ... من هذا الحصاد:
ــ عشنا أيّامًا خالدة مع مجموعة ماجدة، اطّلعنا فيها على نموذج في منهجية العمل الجماعي، والتّخطيط والتّسيير، ونشر الدّين، وخدمة المجتمع، وتقديم الإسلام الحقيقي، بتعاليمه وأسراره وأهدافه ..
ــ سجّلنا الحرص على بناء الإنسان. والفئة المرعية في الدّرجة الأولى هي طلبة العلم، الذين يتسرّب الفكر بواسطتهم في المجتمع إلى ما لا نهاية له: مكانًا وزمانًا. يقول الدّكتور محمد بابا عمّي: " والسّرّ في نجاح الأستاذ كولن، هو أنّه يؤمن أنّ أيّ فكر إذا لم يُقبلْ لَنْ يُكتَبَ له النّجاح، وأنّ أيّ فكر إذا لم تكن فيه إمكانية التّطبيق لن يحقّق شيئًا.
وعلى إثر هذا المنهج أسّس الأستاذ دُورًا للطّلبة، على شاكلة دار الأرقم، وضع لها مخطَّطًا تربويًا بديعًا، منطلقًا من قوله تعالى: {فِي بُيوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيها اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فيها بالغُدُوِّ والآصالِ ... } (النّور: 36). (1/71)
صفحة 72
فلمّا تبيّن نجاح هذه الخطّة، تسابق التّجار والمحسنون في بناء العشرات من البيوت على شاكلتها ... حتّى عمّ خيرها تركيا كلّها، بعد أمد قصير ... " (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 173).
ــ أركان البناء الحضاري عند مجموعة الخدمة هي: الإنسان والدّولة والزّمن .. على هذا الثّلاثي تدور عجلة الحركة، وتحيط عناية المشروع، وتتوجّه رعاية الجميع: صناعة الإنسان، وإقامة الدّولة، واستغلال الوقت والزّمن. يقول الأستاذ فتح الله كولن: " علينا أن لا ننسى أنّ أهمّ أركان ظاهرة الحضارة هو الإنسان المؤهّل، وأقوى أسسها هو دولة حرّة ومستقلّة، وأثمن رؤوس أموالها هو الزّمن." (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 53).
ــ التّكوين على الإيمان.
ــ التّنشئة على حبّ فعل الخير.
ــ الحرص على التّضحية، وخدمة الآخر، وتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.
ــ العمل تنظّمه وتنتظمه منظومة فكرية عميقة وواضحة، بل تسبقه في التّنظير والتّنظيم.
ــ النّشاط يتمّ بفلسفة التّكامل بين المؤسّسات والدّوائر التي تنضوي في مشروع الخدمة، مع احترام كلّ دائرة لعملها، وعدم التّدخّل في صلاحيات الدّائرة الأخرى.
ــ تولد الفكرة ابتداء، ثمّ تتحوّل إنجازًا حضاريًا في الميدان: مؤسّسات ومشروعات ومتابعات، تنمو وتتطوّر وتتحسّن، وتتكيّف مع المستجدّات، من دون أن تمسّ الجوهر والكنه والأصل ... تسير بوتيرة العمل في مشروع الخدمة على قاعدة: فعل يسبقه فكر، وفكر يسنده فعل، في تناغم وتناسق وتفاعل ...
ــ كلّ المنتمين إلى مؤسّسة الخدمة مجمعون على كون الأستاذ فتح الله كولن هو المؤسّس لمشروعاتهم فكريًا في الدّرجة الأولى، وتأثيره على رجال الخدمة كبير جدًّا: " ... وأنّ فكره هو المنطلق، وأنّه صاحب المخطَّط النّظري، وهو الرّاعي للتّطبيق والإنزال إلى أرض الميدان، ولا (1/72)
صفحة 73
يزال، فليس في هذه النّقطة جدال ولا اختلاف. " (البراديم كولن فتح الله كولن ومشروع الخدمة، ص: 32)
ــ العمل بعيدًا عن المصلحة الشّخصية وحسابات الرّبح والخسارة.
ــ خدمة النّاس بمختلف انتماءاتهم وتوجّهاتهم من دون أيّ مقابل.
ــ المنفقون والمحسنون ورجال الأعمال هم إحدى ركائز القوّة في مشروع الخدمة، وأحد أسرار نجاح مؤسّساته وأنشطتها ...
ــ الإنفاق ممّا يملك الفرْد وممّا لا يملك. ذُكِر لنا أنّ شخصًا رغب في المشاركة مع المسهمين بالإنفاق في سبيل العلم، أي تقديم منحة علمية على الأقلّ، لكنّه لا يملك المال الذي يشارك به. (والمنحة الواحدة تقدّر بألفين وخمسمائة دولار).فهو يجمع قوت يومه من بيع فواكه وخضر على عربة يسوقها ويجوب بها شوارع المدينة .. هذا عمل لن يدرّ له ربحًا فائضًا عن بعض حاجياته الضّرورية .. فماذا فعل؟ قصد صاحب مصنع، قال له: أريد أن اشتغل عندك؛ لأسدّد دينًا عليّ. لا تدفع لي الأجرة، ادّخرها عندك، حتّى أطلبها منك. فلمّا وصل المبلغُ النّصابَ، قال لصاحب المعمل: اسمح لي أن أتوقّف عن العمل، لقد جمعت المبلغ الذي يسدّد ديني. ثمّ صرّح له بالحقيقة: ليس عليّ دين، غير أنّي رغبت في المشاركة بمنحة علمية، وأنا لا أملك المبلغ الكافي، فسجّلت اسمي مع المشاركين، وقمت بهذا العمل. فوفّقني الله فبلغت الأمل والحمد لله.
إنّ هذا الشّخص - إذن - أنفق ممّا لا يملك؛ إيمانًا منه أنّ الإنفاق في سبيل الله فريضة، يؤدّيها المرء ممّا آتاه الله. هذا الرّجل أتاه الله التّفكير والإبداع في طريقة الحصول على فرصة للإنفاق؛ علمًا منه علمًا يقينًا أنّ الإنسان إذا نوى فعل الخير، هداه الله إلى طرق تنفيذه، وأنّ ما ينفقه يخلفه له .. فابتكر هذه الطّريقة، فحقّق الله مراده. هذه صورة من الصّور الكثيرة للمبادرة في الإنفاق في سبيل الله، التي رفعت من عدد المشروعات الخيرية، ومن أنواعها، في مؤسّسة الخدمة ..
*ملاحظات عامّة: (1/73)
صفحة 74
ــ الانطلاق من الإيمان في كلّ تحرّك.
ــ الحرص على تعلّم اللّغة العربية واحترامها والاعتزاز بها. ومحاولة التّحدّث بها. من القوم من تعلّمها في مدّة وجيزة.
ــ تبنّي شعارات إسلامية، وتوظيف آيات قرآنية في التّخطيط والتّسيير .. كقوله تعالى: وليتلطّف ولا يُشعرنّ بكم أحدًا؛ لعدم إثارة الآخر واستفزازه، وللمحافظة على السرّية في التّحرّك، وتجنّب الجلبة والضوضاء والهرج والمرج، ... وما يفسد العمل المتأنّي، والتّحرّك الهادئ، والتّصرّف الحكيم، والسّير الحثيث غير اللاّفت للأنظار .. وآية " فاتّبع سببًا .. " لتوفير ذاتية الأسباب في العمل والنّشاط .. وآية فاخلع نعليك إنّك بالوادي المقدّس؛ للمحافظة على طهارة مكان العمل وقدسيته ...
ــ الالتزام بقاعدة نكران الذّات، بل محوها.
ــ العمل بثوابت لا تتخلّف في أي مشروع: المال قوام الأعمال، تكاثف الجهود، الحكمة في التّخطيط، الشّمولية في التّفكير والتّدبير والتّسيير.
ــ حسن الاستماع إلى الآخر، واحتواؤُه، والاقترابُ منه.
ــ الالتزام بالنّظافة، والحرص على توفير الظّروف الملائمة للعيش السويّ، والحياة المريحة.
ــ تهيئة الإنسان للتّكوّن الصّحيح، ثمّ النّشاط القويّ الفعّال.
ــ تركيز ثقافة أن يستفيد الجميع من الخير المقدّم. قال الأستاذ فتح الله كولن لمّا بدأ حملة الحوار مع كلّ الأطياف والتّيّارات: أثقُ في فطرة الخير التي غرسها الله في الإنسان الذي خلقه.
ــ المحبّة العارمة للجزائر.
* أقوال وحكم:
هذه بعض الأقوال والحكم، أخذناها وسمعناها في أثناء الرّحلة في المجالس واللّقاءات المختلفة:
- ممّا قاله بديع الزّمان النّورسي: (1/74)
صفحة 75
أ - من كانت همّتُه أمّتَه فهو أمّة بذاته.
ب – من كان متواصلاً مع أمّته كان مصدر إشعاع لها.
ج – ضياء العقل هو العلوم الدّقيقة، وضياء القلب هو العلوم الدّينية.
- الاقتصار على العلوم الشّرعية من دون العلوم الطّبيعية يؤدّي إلى التّطرّف، والبقاء في دائرة العلوم الطّبيعية من دون العلوم الشّرعية يوصل إلى الإلحاد.
- من أقوال فتح الله كولن:
أ - التّلفزيون أمانة، كلّ دقيقة تمرّ من دون فائدة، تكونون قد أخذتموها من المشاهد، ستحاسبون عليها يوم القيامة.
ب - الأوامر الشّرعية تقيك العواقب الأخروية، والأوامر التّكوينية تقيك العواقب الدّنيوية، والتّقوى تجمع بينها.
جـ - " الابتعاد عن العلوم الوضعية، بحجّة أنّها تؤدّي إلى الإلحاد تصرّف صبياني. أمّا النّظر إليها وكأنّها تعادي الدّين فهو حكم مسبق وجهل مطبق ".
د -لا ينتظر تقدّم أمّة لم تتوسّع آفاق أفرادها الفكرية والوجدانية.
هـ -إنّ المعلومات التي لا تساعدنا على فهم حقيقة الوجود والأشياء والإنسان. والمعارف النّظريّة التي لا تحمل فوائد عملية لا قيمة لها عنده. (عند رجل القلب).
- إذا نبشنا في نقط الاختلاف هدرنا طاقتنا.
- فلأنّنا لم نتعارف سهل أن نكون أعداء ...
*قاموس مشروع الخدمة:
من بين الألفاظ التي استنتجتها من الاحتكاك النّظري بمشروع الخدمة، التي كانت تترجم عن نشاطها، وتوضّح عملها، وهي تتردّد كثيرًا في أحاديثهم وأقوالهم وكتاباتهم:
تعلّم، تعليم، معلّم مدرسة، الفكر، العمل، البناء، الإنسان، الإنسانية، القوّة، العزّة، التّميّز، التّربية، الهجرة، التّضحية، البصيرة ... (1/75)
صفحة 76
*الألفاظ المفاتيح في الشّخصية المعنوية لمشروع الخدمة:
المرجعيّة، الشّمولية، التّواصل، الخدمة، ذاتية الأسباب، محو الذّات، التّكامل، المحبّة، الذّوق ...
*هذا هو فكر جماعة مشروع الخدمة
نورد فيما يأتي شهادة أحد الذين سبروا أغوار الفكر الذي ينتظم مسيرة المجموعة، وتعمّقوا عملهم، وخالطوا نشاطهم ... يقول الدّكتور محمد بابا عمّي: " ولقد ساعد العمق الفكري، وشمولية النّظرة، والقدرة البلاغية ... الأستاذ على تخطّي عقبة الاختزال والنّمطية والتّجزيئية؛ فكلّ نصوصه التي قرأتها بالعربية، وبخاصّة مقالات " ترانيم روح"، و" نحن نقيم صرح الرّوح " و"مقدّمات حِراء " و " كتاب النّور الخالد " ... لا تُقرأُ قراءة واحدة، ولا تموت عند دلالة فريدة ومعنى يتيم، بل هي حاملة لشحنة من (النّماذج)، و (الرّؤى الكونية)، التي هي بمثابة الخميرة، والرّمز، واللّبّ ... " (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 4).
إذا أردنا أن نضع نشاط مشروع الخدمة في كلمات، أو أن نصف المؤسّسة ونصّففها ونصنّفها في ألفاظ، نقول: هي نظام، إبداع، جمال، ذوق، فعالية، حركية، أصالة، نشاط، جدّ، مثابرة، بذل، تضحية، إحسان، كرم، نظافة، احترام، تقدير، محبّة ...
هذه الألفاظ المفاتيح، وهذا القاموس الدّلالي بكلماته التي سجّلناها تقدّم لنا صورة عن مشروع الخدمة بخاصّة، وتركية بعامّة .. وفي هذا يقول الدّكتور محمد بابا عمّي مبلورًا شخصية تركية المعنوية: " ... فعلمنا حينها أنّ تركيا مستقبل الإسلام، وهي وعد الله في أرض الله، {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُومِنونَ بِنَصْرِ الله يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الرّوم: 4، 5) ولا يشكّ مؤمن أنّ سبيل الله تعالى لا يخلو من زعماء وقادة، وجنود وجيوش ... سيتحقّق النّصر على يدهم، وأنّ أيّ اشتغال بالتّرهات، أيّ انشغال بالسّخافات، هو تضييع لهذه الفرصة، ولا تنفع يومها (1/76)
صفحة 77
الاعتبارات الانتمائية الضّيّقة الخانقة، وإنّما هو الإسلام (رحمة للعالمين) والدّين الذي أنزل (للنّاس كافّة) ... فمن وسّع فكره يسّر الله له سبل التّمكين، ومن ضيّق أفقه أبعده الله عن أسباب النّصر ... " (البراديم كولن فتح الله كولن ... ، ص: 203، 204).
*آراء في كلمات
الآراء والأقوال الآتية بنيناها وصغناها من وحي الرّحلة ورتّبناها في كلمات:
1 – الرّحلةأسلوب مهمّ في اكتشاف أشياء جديدة، ووسيلة ضرورية للاطّلاع على تجارب الآخرين، والإفادة منها.
2 – الإحساس بالجمال يثمر ذوقًا سليمًا، والذّوق الحسن يبعث على السّلوك القويم، والسّلوك القويم يبني حضارة.
3 –الأخلاق الحسنة يوجدها في الإنسان ذوقه السّليم والجمال الحقيقي اللّذان يسكنان قلبه.
4 - من فقد الإحساس بالجمال عدم الإحساس بإتقان العمل.
5 – الوحدة المرجعية لبنة أساسية في صرح البناء.
6 - المرجعيّة الواضحة الثّابتة، أحد مظاهر القوّة في العمل، فهي التي توضّح الرّؤى، وتحدّد المسار، وتوحّد الجهود، وتمنع الانحرافات والانزلاقات، وتحصّن من التّيه والضّياع ...
7 - العمران أحد مظاهر التّحكّم في مقوّمات الشّخصية. فالدّولة التي تتحكّم في تنظيم عمرانها دولة قويّة ومهيبة، ومتمكّنة من تسيير شؤون الرّعيّة، وكلّ ما يدبّ على أرضها .. والعمران مظهر من مظاهر السّيادة والرّيادة والقيادة ..
8 - التّجارب ملك عام مشاع، هي حقّ لكلّ فرد وجماعة، وقد تكون من أوجب الواجبات إذا كانت الحاجة ماسّة للإفادة منها.
9 - الظّهور في مسرح الحياة بمظهر القوّة، يهب العامل الهيبة والاحترام والقدرة على الحضور في المشهد الحضاري، وتحقيق (1/77)
صفحة 78
الأهداف المسطّرة بثقة كبيرة، وكفاية عالية، كما تفرضها الرّسالة المنوطة بهذا العامل، انطلاقًا من المبادئ التي تربطه والقيم التي ينتمي إليها.
10 – حين يجد العاملون الثّقةَ في المخطِّط والموجِّه .. يظفرون بالاستقرار والاطمئنان اللّذين يمنحانهم العمل بآمال كبيرة، وبدوافع عالية .. فتكون منهم إنجازات عظيمة، ومشروعات كبيرة ...
* تحيّة تقدير واحترام
أختم هذه المذّكرة المقتضبة (التي لم أسجّل فيها كلّ ما تمّ في هذه الرّحلة التّاريخية الخالدة) بتقديم تحيّة تقدير واحترام إلى معلّم الأجيال، ومكوّن رجال كالجبال: خلقًا وعلمًا وإرادة وعملا دؤوبًا ... المفكّر المربّي القائد الرّائد الذي لا يكذب أهله ... الأستاذ محمد فتح الله كولن، الذي قال فيه الأستاذ أورخان محمد عليّ، مترجم كتاب الموازين للأستاذ فتح الله كولن.: "هذا الكتاب عبارة عن نظرات في مختلف شؤون الفكر والحياة والمجتمع. يقترب فيه المؤلّف من هذه الشّؤون، مرّة بنظر العالم ... ومرّة بنظر المفكّر ... ومرّة يروح الشّاعر ... ولكنّه لا ينسى في أيّ مرّة من هذه المرّات أنّ أبرز صفة عنده هو أنّه داعية يدعو إلى الله على بصيرة ... العقل عنده شيء ضروري، ولكنّه لا يكفي ... فهناك البصيرة النّفّادة أيضًا ... وهي تخطو أبعد من العقل ... والعقل ضروري ولكنّ الحكمة أرحب وأوسع ... " (الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 6).
هذه الفقرة تصف الأستاذ وتقدّم شخصيته للنّاشئة بخاصّة؛ لتتعلّم منها ولتصنع على عينها، ولتكون لها قدوة ومثالاً ونموذجًا في الحياة ..
قال عنه أيضًا الأستاذ محمد أنس أركنه:" ... لم يحاول الأستاذ فتح الله كولن إخفاء هويته الدّينية أبدًا، لأنّه حقّق ذاته ضمن تجربة دينية وروحية عميقة، ورأى حكمة وجوده في هذه التّجربة. فهو لا يوافق على صحّة عزل هوية أيّ إنسان وتجربته الدّينية والرّوحية عن كيانه الاجتماعي، لذا فهو يملك نظرة متكاملة عالمىة عامّة. وهو يؤكّد على (1/78)
صفحة 79
الدّوام أنّ الإنسان المتديّن الحقيقي سيكون ذا فائدة كبيرة للمجتمع وللدّولة وعاملا في رقيّهما. وبينما نرى أنّ المفكّرين المعاصرين يركّزون اهتمامهم على مسائل معيّنة كالدّولة والمدنية والاقتصاد، نرى فتح الله كولن يتّجه إلى الإنسان الموجود في أسس هذه الاهتمامات. وهو يرى أنّ أهمّ مشكلة في المدنية المعاصرة هي مشكلة تعليم الإنسان وإعداده وتربيته. فإذا أصبح الإنسان إنسانًا فاضلا أصبحت الدّولة فاضلة، وكذلك المدينة والاقتصاد. ثمّ إنّ فتح الله كولن لم بتناول الإنسان كموضوع للنّقاش على المستوى الثّقافي، بل حوّل هذا الموضوع إلى مشروع جدّي في الحياة العملية." (فتح الله كولن جذوره الفكرية واستشرافاتُه الحضارية، ص: 35).
*أسئلة ما بعد الرّحلة:
1 – ماذا استفدنا من الرّحلة إلى تركية؟
2 – كيف نطبّق مطلب التّفرّع الكامل للتّفكير والتّنظير وتنفيذ المشروعات والبرامج؟
3 – كيف نحوّل الفكر إلى فعل؟
4 – كيف نخطّط ونعدّ عملا كبيرًا وعميقًا لاستيعاب المنظومة الفكرية لمعهد المناهج، وبالتّبع مجمعه العلمي؟ حتّى يتجاوب معه من يمكن أن يساعده في أداء مهامّه في أحسن صورة، وأكثر نجاعة ..
*الأعمال المنتظرة:
1 – إعداد مشروعات لجمع أفكار علمائنا ورصد آرائهم وتقنينها، وجعلها في قواعد وبنود .. ووضعها في متناول الباحثين. أمّا نحن فتكون لنا المرجعية في أعمالنا ونشاطنا وحركاتنا ...
2 –إعادة قراءة أفكار علمائنا ومواقفهم قراءة عميقة فاحصة ناقدة ... على ضوء ما قرأناه من فكر الأستاذ محمد فتح الله كولن، وتنظيم منظومة فكرهم. (1/79)
صفحة 80
3–وضع خطط لإعداد الخلائف في البحث العلمي، وخدمة المجتمع.
4– إعداد برامج لتطوير عمل المجمع العلمي لمعهد المناهج: متابعة للمشروعات، وتنظيمًا للّقاءات، ووضعًا للبرامج، وإبداعًا للمناهج ...
5– التّفكير في تأسيس مركز التّفكير، وتكوين فرق بحث متخصّصة في موضوعات محدّدة ..
6– توزيع الأدوار والتّنسيق والتّوفيق بين العمل المحلّي والعالمية.
7– قراءات في مؤلّفات الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي، ورؤاه وأطروحاته ومشروعاته ومواقفه .. واستيعابها ونقدها ..
* ... خاتمة
بعد هذا العرض لمحتويات الرّحلة إلى تركية، وبعد تقديم مجموعة من الأفكار والأسئلة عنها نقول: إنّ مسؤوليتنا تصبح أكبر ممّا كانت عليه قبل الرّحلة؛ في قيادة المجتمع وتوجيهه وتوعيته، وتثقيفه والأخذ به إلى حيث الصّلاح والفلاح والنّجاح، والتّقدّم والازدهار والاستقرار ..
لقد رأينا وعاينَّا، وقارنّا وقاربنا، لقد عرفنا فلنلزم، فويل لمن لم يعلم مرّة، وويل لمن يعلم ولم يعمل مرّتين.
لقد كانت الرّحلة سَفَرًا مرهقًا ومعنتًا ومكلفًا .. لكنّه كان لذيذًا وحُلوًا وطيّبًا ومثمرًا .. وكانت – أيضًا - سِفْرًا قرأنا فيه كثيرًا من الدّروس، كما كانت سببًا في اكتشاف تجارب رائدة رافدة للعمل الجادّ المخطّط المدروس:
سَلامٌ عَلَيْكِ أَيَا تُرْكيَهْ
قُطُوفُكِ كَاَنَتْ لَنَا دَانِيَهْ
طَعِمْنَا دُرُوسًا، تُقيمُ الأنَا
وَتَمْحُو أنًا، في العَطَا ماضِيَهْ
شَرِبْنَا نَمِيرًا مِنَ الذًّوقِ سَا (1/80)
صفحة 81
ئِغًا سَامِيًا للسُّها العَالَيه
سمِعْنَا ضُرُوبًا من اللّحْنِ، نَا
حَ، تّغْدُو النُّفُوسُ بِهِ زَاكيَهْ
شَمَمْنَا أرِيجًا مِنَ الزَّهْرِ، فَا
حَ، يَهْدِي إِلَى عِيشَةٍ رَاضِيَهْ
لَمَسْنَا تُرابًا زكى الوَطْءُ فيـ
ــهِ، بالصّحْبِ كُنّا لَفي عافيَهْ
نَظرْنَا فَضاءً تَنَوَّعَ فِكْـ
ـــرُهُ السّنِيُّ، علا الرّابيَهْ
ما يقوم به رجال الخدمة يذكّرني بما سجّله الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان عن رجال الجزائر وشبابها، وهم يخطّون طريقهم في النّهوض بالأمّة المستضعفة، مستنهضًا هممهم لمزيد من العمل. (القصيدة نظمها يوم: 8 من ذي الحجّة 1338هـ. ونشرها في جريدة الصّديق الجزائريّة). منها هذه الأبيات:
مِنْ نُخْبَةٍ بَذَلُوا قُصَارَى جُهْدِهِمْ
سَعْيًا وَرَاءَ الحقِّ والمَجْدِ العريقْ
أَخَذَتْ مَشاريعُ الحَياةِ بِحَزْمِهِمْ
بالفِعْلِ تَبْرُزُ فيهِ راسِخَةَ العُرُوقْ
فيهَا تُقامُ هَياكِلُ الأَعْمالِ فِي الـ
أَوْطانِ، بَلْ تُقْضَى بِها كلُّ الحُقُوقْ
وَبِمِثْلِهَا الأُمَمُ العَظيمَةُ شَيَّدَتْ
صَرْحَ السِّيادَةِ رَغْبَةً فيمَا يَفوقْ
وَبِمِثْلِها يسْتنْفِعُ الوَطَنِيُّ مِنْ (1/81)
صفحة 82
خَيْرِ البِلادِ، ويُنْقِذُ الوَطَنَ الغريقْ
وَتَعُمُّ مِنْها الثَّرْوَةُ الكُبْرَى التي
يُسْقَى بِها شَجَرُ الحياةِ، فَيَسْتَفيقْ
وَبِها يَصيرُ العَبْدُ في أعْماله
بَعْدَ المَذَلَّةِ سَيِّدًا حُرًّا طَليقْ
الله أَكْبَرُ، هَكذَا الإِسْلاَمُ يَأْ
مُرُنا، ففي" وَتَعاوَنُوا " لَكَ ما تذُوقْ
(ديوان أبي اليقظان، ج1، ص: 133)
باتنة يوم الخميس: 04 من جمادى الثّانية 1433هـ
26 من أفريل ... 2012م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[صورة]
محمد ناصر بوحجام في أثناء مراجعة النّصّ النّهائي للرّحلة، في منزله بالحميز (الجزائر) ... يوم الأربعاء: 13 من رمضان 1433هـ/ 01 من أوت 2012م. (1/82)
صفحة 83
المصادر والمراجع
1 - أبو اليقظان إبراهيم (الشّيخ)
ديوانه، ج1، ط2، نشر جمعيّة التّراث، العطف غرداية، الجزائر، 1989م.
2 - أركنه، محمد أنس
فتح الله كولن جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية ترجمة علي، أورخان محمد، ط1،دار النّيل للطّباعة والنّشر، اسطنبول، تركية،1431هـ/ 2010م.
3 - بابا عمّي، محمد (دكتور)
البراديم كولن، فتح الله كولن ومشروع الخدمة على ضوء نموذج الرّشد، ط1، دار النّيل للطّباعة والنّشر، اسطنبول، تركية، 1432هـ/2011م.
4 – بيّوض، إبراهيم بن عمر (الشّيخ)
في رحاب الله: تفسير سورتي مريم وطه. تحرير الأستاذ عيسى بن محمد الشّيخ بالحاج، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1416هـ/ 1995م.
5 –كولن، محمد فتح الله
أ - الموازين أو أضواء على الطّريق، ترجمة أورخان محمد علي، ط5، دار النّيل للطّباعة والنّشر، اسطنبول، تركية، 1430هـ/ 2009م.
ب – النّور الخالدمحمّد - صلى الله عليه وسلم - مفخرة الإنسانية، ط5، ترجمة أورخان محمد علي، دار النّيل للطّباعة والنّشر، اسطنبول، تركية، 1431هـ/ 2010م.
6 –؟؟؟ (1/83)
صفحة 84
فتح الله كولن، أشواق أمّة، واستنهاض حضارة، ملحق مجلّة حراء، من دون ذكر العدد والسّنة.
7 – الكرمي، حسن سعيد
قول على قول، ج3، ط1، دار لبنان للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، 1971م.
8 - شركة أناضول للسّياحة
اسطنبول مدينة الحضارات، مجلّةعلمدار، رقاق انجيل جاوش، رقم 37/ 2، سلطان أحمد اسطنيول، تركية.
9 - ؟؟؟
Isam وقف الدّيانة التّركي، مركز البحوث الإسلامية، من دون تاريخ ولا مكان النّشر. (1/84)
صفحة 85
الملاحق
الملحق رقم: 1
سلام على الصّحبة الأصفياء
سَأَلْتُ: بِماذَا يَتِمُّ العَملْ؟
وكَيْفَ يَسُودُ النِّظامُ، وَهَلْ؟
عَسِيرٌ عَلَى المرْءِ أَنْ يَفْهَمَنْ
إِذَا مَا تَفَوَّهَ قَوْلاَ فَعَلْ
وَخاطَبْتُ نَفْسِي: تُرَى هَلْ نَرَى الزْ
زَمَانَ، يَجُودُ بِخَيْرِ مَثَلْ؟
يَخُوضُ الغِمارَ، لِيُجْزِي سَفينًا
وَيُجْرِي طَريقًا، وَيَرْمِي الوَجَلْ
وَيَهْوَى البِدارَ، لِيُعْلِي الدّيارَ
وَيَبْنِي النُّفُوسَ بِأَعْلَى المُثُلْ (1/85)
صفحة 86
وَنَادَيْتُ قَوْمِي: أَنَلْفَى فَتًى
قَوِيًّا أَمينًا، حَكِيمًا بَطَلْ؟
يشُدُّ الزِّمامَ، يَحُوزُ الأمامَ
يَمِيلُ بِطَبْعٍ إِلَى الدََأْبِ، لا ... يَقُودُ الأنَامَ لِخَيْرِ العَمَلْ ... يُجافِي الغِلابَ، يُعادِي الكَلَلْ
وَهِمْتُ أُعيدُ السّؤال؛ عسَى ... أَنَالُ جَوابًا يُقيمُ الأَملْ ... حَلَلْتُ بِأَرْضٍ، رَأَيْتُ بِهَا
رِجَالاً، تَفَانَوْا لِيَعْلُوا القُلَلْ
بِعَزْمٍ بَنَوْا للحِراكِ قَوا
عِدًا، خَطَّطُوا لاجْتِثاثِ الخَلَلْ
بِمَجْلِسِ صَحْبٍ، بَدَتْ هِمَّةٌ
تَنَامَتْ، فَجَاءَتْ تُغَذِّي الجذَلْ
بِفِكْرٍ شُمولِي، وَعُمْقِ رُؤًى
وَتَخْطِيطِ نَهْجٍ قَوِيمِ السُّبُلْ
بِمَحْوِ الذَّواتِ، أَقَامُوا جِهَا
دَهُمْ، فَاجْتَنَوْا يانعاتِ الغِلَلْ
تتَابَعَ تَأْسيسُ مَا يَقِتَضِي
ظُهُورًا مَكِينًا بِساحِ العَمَلْ
تَسَامَتْ زَمانُ، تُميتُ الهُرا
ءَ، تُحْيِي القُلوبَ، تُداوِي العِلَلْ
حِراءُ تَفَانَتْ تُذيعُ الأَصيـ
ــلَ فِكْرًا، وَتُفْنِي فُنُونَ الحِيَلْ
وَقَيْنَقُ تَبْنِي صُرُوحُا مِنَ الـ
مَبَانِي لِتَمْويلِ مَسْعَى الكُتَلْ (1/86)
صفحة 87
إِغاثَةُ كُلِّ عليلٍ، وَمَنْ
يُعانِي الإعَاقات ِ مَهْما تَجِلْ
يَنُوءُ بِها الصّحْبُ، يَحْدُوهُمُ
رجاءُ كبيرٌ لِنَزْعِ الشَّلَلْ
مَدارسً نَشْءٍ تَقُومُ شَوَا
هِدًا في البِناءِ الحَضَارِي الأَجَلْ
وَدُورٌ لِطُلاَّبِ عِلْمٍ تَأَسْـ
سَسَتْ في البِلادِ بِعَزْمِ الرُّسُلْ
بِدَارًا وصِدْقًا وَنُصْحًا، تَدَ ثْـ
ثْرَ الكُلُّ بِالصَّبْرِ، نِعْمَ الحُللْ
وَمَشْفَى سَمَا في سماء الصّحا
بِ، يَسْمُو بخِدْمَةِ مَنْ جَا سَأَلْ
وَإِعْلامُ نُصْحٍ تَنَاهَى نَزَا
هَةً، إِذْ تَحَاشَى مَهاوِي الدّغَلْ
يَقُومُ الجَميعُ بِفَرْضِ الحِرا
كِ والذَّودِ عَنْ خيرِ دينٍ نَزَلْ
فكان البِناءُ الحضارِي مُكا
فِئًا للجُهودِ ومَا قَدْ بُذِلْ
فَهَذِي فَضائِلُ قَوْمٍ تَعَا
وَنُوا فِي الخُيُورِ فَنالُوا الأَمَلْ
لَهُمْ مَقْعَدُ الصِّدْقِ عِنْدَ مَليـ
ــكِ يَوْمِ القِيَامَةِ، ربِّي الأجَلْ
سَلامٌ عَلَى الصّحْبَةِ الأَصْفِيَا
إِلَى المُلْتَقَى في رحاب العَمَلْ (1/87)
صفحة 88
اسطنبول يوم الثّلاثاء: 04 من جمادى الأولى 1433هـ
27 من مارس ... 2012 م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصربوحجام
الملحق رقم: 2
بسم الله الرحمن الرحيم
محو الذّات
كنّا تائهين ضائعين مشرّدين هنا وهناك، فأدركنا الله برحمته، وأبلغنا بفضله وكرمه مواطن من الخير والعطاء، يتعذّر أن نصل إليها بحولنا وقوّتنا. إنّنا نؤمن إيمانا قاطعا أنّنا نتفيّأ في ظلال العناية الرّبانية. بعد التّأكيد على هذه الحقيقة، من المفيد أن أنبّه إلى أمور مهمّة ينبغي الالتزام بها؛ حتّى لا ينقطع التّأييد الإلهي والعطاء الرّبّاني الذي لا يفتأ يهطل على رؤوسنا كالغيث في هذه الأيّام:
محو الذّات
ينبغي أن نقنع " أنفسنا " أنّه ليس لنا يد في حصول هذا الخير العميم. فالنّجاح كلّ النّجاح لطف من الله وفضل من لدنه وإحسان. فإذا آمنّا بذلك فقد جنّبنا أنفسنا شوائب الشّرك، وأنجيناها من الأوهام التي تظلّ النّفس تضخّها في دواخلنا لكي تضخّم أنانيّتنا. بل يحسن أن نقول:" في الحقيقة، لو لم أقحم نفسي في هذا الأمر، لوجد له رجالا خيرا منّي في إخلاصهم وصدق تمثيلهم، ولقطعت القافلة مسافات واسعة أضعاف ما قطعته حتّى اليوم. وا أسفاه، فلولا كدورة نفسي لتجلّى المدد الإلهي وَفق صفائه المقدّس على الخدمة الإيمانية. وا حسرتاه، فقد ارتطمت تجلّياته بفيروسات أنانيّتي وتحطّمت على ضعفي وسيِّئاتي. أجل بسببي أنا تعثّرنا وتأخّرنا على المواقع التي قصدناها، وابتعدنا عن المراقي التي حلمنا بها ".بل ينبغي تكرار هذا (1/88)
صفحة 89
السّؤال: "يا نفس، كم إنسانا قتلت حتّى اليوم؟! .. كم إنسانا كان يبحث عن الحقيقة فتعثّر بك وفقدها للأبد؟! ".
أيّها البطل الذي نذر روحه للحقيقة! هذا هو القلق الذي ينبغي أن يمور في أحشائك مورا، ويهزّ كيانك هزًّا، كي لا تنقطع تجلّيات الرّعاية الرّبانية. ومن ثمّ، كلّما عظم النّجاح الذي تمّ على يديك، بالِغْ في نكران ذاتك، وأوغل في محو نفسك، وتذلّل أمام الله، وانكسر بين يديه، وأمعن في العبودية له. ذلك أحرى بك كي لا تنسحق تحت أثقال أنانيّتك. اغرس هذه الفكرة في روحك، وثبّتها في قلبك حتّى تصبح جزءا من كيانك، وبُعدا من أبعاد طبيعتك. كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يبكي صباح مساء متضرّعا ويقول:"يا حيّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث، أصلح شأني ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين". فإن اتّخذت هذا الدّعاء وردا لك، لا يفارق لسانك ولا قلبك، فقد وقيت من الانسحاق تحت حوافر النّفس الجموح.
جعجعة الأنانية
ينبغي أن نعلم أنّ الخلل والفشل لا يقع إلّا بما كسبت أيدينا، وأنّ النّفس هي العائق الأكبر لكلّ خدمة إيمانية. وما يتمّ من توفيق وإنجاز، فهو محض إكرام منه جلّ وعلا، فالخير كلّ الخير من الله وحده. أمّا مقولة: {إنّما أوتيته على علم عندي} (القصص:78)،فلم يقلها إلّا " قارون"، حينما ظنّ نفسه مصدر الأرزاق والنّعم. وإنّها لعبارة لم يزل كلّ قارون وفرعون يردّدها عبر التّاريخ. أمّا الأنبيّاء وعلى رأسهم سيّد الأنبيّاء صلّى الله عليه وسلّم فقد كانت كلمتهم واحدة: {لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفعًا ولا ضرًّا إلّا ما شاءَ الله} (الأعراف:188). فمن يقل: " فعلت أنا، أنجزت أنا، نجحت أنا، لو لم أكن أنا ... " فمعناه أنّه واقع في مستنقع آسن من التّفكير الفرعوني. يقول سيّدنا رسول الله صلّى عليه وسلّم: " لأن يهدي الله بك رجلا واحد خير لك من حُمْر النَّعَم ".فلو هدى الله ملايين من النّاس على يديك، فنسبت تلك الهداية إلى نفسك، فقد أحبطتَّ عملك، ورميت بنفسك في لظى النّار وحرمتها من النّعيم المقيم.
الغيرة المقدّسة (1/89)
صفحة 90
عندما يستقرّ في قلب المؤمن الشّعور التّام بأنّ الخير كلّه والتّوفيق كلّه من الله وحده، يأبى إلّا أن يكون شغلُه الشّاغل وهمُّه الدّائم هو الحديث عنه سبحانه، والغيرة من كلّ قول يقال في غيره عزّ شأنه.
يأتي بعض النّاس أحيانا فيقول بإسهاب: "قرأ عليّ الكتاب الفلاني كذا عدد من النّاس ... "، أو"يشارك في دروسي كذا عدد من أصحاب الثّقافة العالية ... "، بينما الصّحيح أن نسهب في الحديث عن شؤون الله دائما، وأن نكون غيورين في ذلك أيّما غيرة. كثيرا ما نجد عاطفة الأبوّة والأمومة تسيطر على بعضهم، فإذا ما جاء ذكر الأبناء في مجلس ما، انتهزوا الفرصة لكي يتحدّثوا عن أبنائهم. كذلك نرى من يتحيّن الفرص للحديث عن مهاراته في الكتابة وبراعته في الخطابة. وهذا سلوك سيّء لا يليق بإنسان ناضج يقظ أبدا. فالأحرى بنا أن نترقّب الفرصة بعد الأخرى لكي نتحدّث عن الله سبحانه. فإذا جاء ذكر الوفاء مثلا، ينبغي أن نخترق الكلام فنقول: "ومن أعظم من الله وفاء؟! إنّ الله أوفى الأوفياء .. "، ثمّ نسترسل في الحديث عن وفاء الله عزّ وجلّ لعباده. وإذا ما تطرّق أحدهم إلى مفهوم الحقّ وإحقاقه لأهله مثلا، علينا أن نسرع فنقول: {وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ} (الزّمر:67) فقد أخرجنا من العدم ووهبنا لباس الوجود، ولم يتركنا جمادا، بل منحنا الحياة، ولم يكتف بنفخ الرّوح في أبداننا، بل كرّمنا ورفعنا إلى مقام الإنسانية، ثمّ شرّفنا بالإيمان، ولم ينقطع فضله عند هذا الحدّ، بل أكرمنا بأن أدخلنا رحاب خدمة الإيمان والقرآن". نعم، علينا أن نؤكّد ذلك، ونبدي غيرة- في هذا الشّأن- منقطعة النّظير.
فما بالنا ندور بالحديث حول هذا الأمر أو ذاك الشّخص، في حين أنّ هناك واحدا أحدا جديرا بأن تدور كلّ الأحاديث حوله ليل نهار. بل إذا سمعنا أحدهم يقول: "لقد ألقيت كلمة في حفل كذا، فتأثّر النّاس من كلامي وسالت دموعهم، وقالوا عن كلمتي كذا وكذا ... "فينبغي أن يبلغ بنا الاستياء إلى حدّ المرض والتّألّم فنقول: "ما بال هذا الرّجل يطيل الحديث عن نفسه، وينسب الخير إليها، في حين أنّ الله تعالى هو صاحب المواهب والمنن كلّها، وهو المستحقّ الوحيد للحديث عنه". (1/90)
صفحة 91
انظر حيث أقمته
إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك، فانظر حيث أقمته من نفسك. مامدى حبّك له؟ ما نوعية الصّلة التي أقمتها بينك وبينه؟ عليك أن تراقب سلوكك إزاء هذا الأمر دائما، وتظلّ يقظا ومتحفّزا باستمرار. فإذا كانت علاقتنا به وثيقة متينة، فسوف نستغلّ كلّ سانحة للوصول إليه وللحديث عنه، وبالتّالي سيكون وحده هو المعروف، هو المذكور، هو المشكور، وسوف يخفق قلبنا بمعيّته في قيامنا وقعودنا، وسوف نرى أثره على الكائنات في كلّ طرفة عين، وسوف نغلق أبواب تأمّلاتنا على ما سواه.
سرّ التّوفيق
إنّ أعظم وسيلة لجلب العون الإلهي والتّوفيق الرّبّاني تأسيس التّوافق، وتحقيق التّوحّد بين أفراد المجتمع. فغنيمة التّوفيق لها غرمها. وغرمها هو ترسيخ الوعي الجماعي، والحفاظ على سرّ التّوافق وروح الاتّفاق، والابتعاد عن كلّ نزاع وشقاق. فإذا أصبحنا كيانا متوحّدا وكلّا متوافقا، فسوف تتنزّل علينا من الألطاف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسوف نمتلك القدرة على رفع أحمال أثقل من جبل قاف. أمّا إذا زال التّوافق وتبخّر الاتّفاق، ولم يبق سوى بضعة رجال ضعاف من حولنا، فلن يأتي المدد الإلهي، حتّى لو بذلنا قصارى جهودنا. فإنّنا إن قطعنا حبل الاتّفاق فيما بيننا انتسفت مناجم قوّتنا ومنابع طاقتنا، وكنّا سببا في انقطاع غيوث الرّحمة علينا والعون لنا. لذا يجب أن نركّز جهودنا كلّها لكي نبقى متماسكين تماسك الفولاذ، ومشدودين إلى بعضنا كالبنيان المرصوص. وها هو القرآن يعلن عن مرسومه الخالد بقوله: {يدَُ الله فَوْقَ أَيْديِهِمْ} (الفتح:10)،ومن هنا فإنّ اللّطف والسّند الذي ينزل على الأفراد لن يداني حجم اللّطف والسّند الذي ينزل على الجماعة المتواجدة أبدا، حتّى وإن كان هؤلاء الأفراد عمالقة في العلم والعرفان، جبالا في الزّهد والتّقوى، وحيدي أزمانهم في مواهبهم الذّاتية، وإقبال النّاس عليهم وتقرّبهم من الله جلّ وعلا.
الأستاذ محمد فتح الله كولن (1/91)
صفحة 92
ترجمة الدّكتور نوزاد صواش
(النّصّ الأصلي كتب باللّغة التّركيّة)
الملحق رقم: 3
رسالة
بسم الله الرّحمن الرحيم والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين
الأستاذ الفاضل د. محمد بوحجام السّلام عليكم ورحمة الله
أنا سعيدة جدًّا بأن أَتَحْتَ لي أستاذنا الفاضل فرصة الاطّلاع على رحلة تركية، من خلال نصّها الذي أرّخ لها ودوّن محطّاتها وأحداثها .. وهو نصّ يجعل قارئه يعايش الرّحلة عن قرب، حتّى لكأنه يواكب دقائقها، ويعاين أجواءَها حقيقة لا قراءة. وأستسمحك دكتور أن أبدي من موقعي رأيا في النّصّ، وقراءة عامّة عليه، ما هما في الحقيقة إلّا فيض بسيط من متعة أدبيّة وجدتها في نصّكم هذا، أراد القلم أن يردّ جميل كرم منكم بأسطر، رأت في النّصّ ما رأت، ووجدت فيه ما سيأتي ذكره.
ولأسبق الفضل بحول الله تعالى، فقد وجدتني وأنا أقرأ نصّ الرّحلة حريصة على ألاّ أفوّت على نفسي نظرة تقييمية فيه فنيّا ومضمونيا، تضيف إليه بعد متعة القراءة نشوة الاستقراء. وأوّل ما تبادر إلى ذهني حينما هممت بقراءة النصّ، هو أنّني لن أجد غير رؤوس أقلام أو بضع فقرات شبه مفصّلة، تلخّص برنامج الرّحلة وتبين عن مقاصدها، غير أنّي ألفيته قد تجاوز كلّ ذلك ليؤكّد حسن صياغته وجمال (1/92)
صفحة 93
حبكه، اللّذين لا ينكرهما أحد من أهل الأدب؛ رغبة من صاحبه في إفادة القرّاء وتثقيفهم بالجديد المضيف، بأسلوب ممتع ظريف.
وأوجز قولي في الرّحلة يا سيّدي بالقول: إنّ نصّها قد تسيّج بمقوّمات أدب الرّحلة، وتعدّى مقصد تدوينها، إلى الغوص في صياغتها بالأسلوب الفنّي، المتولّد من إعمال التّأمّل في محطّات الرّحلة ودقائقها، فكان أن ضُمِّن النّصّ ببضع من آيات القرآن الكريم والأشعار المتنوّعة، وأقوال بعض الأساتذة وأولي المعرفة، وشاع فيه أسلوب الحوار، وعزّزه المشهد القصصي، وأثراه الوصف الذي بدا أداة جوهرية فيه، وبدت روح الطّرافة والدّعابة فاعلة في إضفاء ديناميكية على النّصّ، وإصباغ حيوية على المتقبّل، استثار بهما صاحب الرّحلة البعد التّشويقي في نفس القارئ، هذا فضلا طبعا عن إحاطة القارئ بمستجدّات علمية وثقافية، وجعله على إلمام ودراية دقيقين بمعلومات عن حركية علمية قائمة، ونشاطات معرفية سائدة ... في دور العلم بتركيا، موثّقة بالأرقام والإحصاءات وغيرها.
نصّك د. بوحجام! إن جمعت إليه نصوصًا أخرى لرحلات أخرى. سيكون جماعها وثيقة أدبية مهمّة تتجاوز الدّراسة الجغرافية والتّاريخية والتّأريخية، إلى دراسة ثقافة إباضية المغرب في العصر الحديث، من خلال أنموذج مزابي، كما يمكن أن تكون مادة درس وتصنيف منها وعليها. وما أحوج الفكر الإباضي إلى مادة أدبيّة جديدة وثريّة في منهجها، غزيرة في أبعادها، تضيف إلى مادته العقدية والفقهية الثّرية، والطّاغية على أجناس الكتابة فيه مادة فكرية ذات منحى أدبي، تجعلنا نقف على المرجعيّة الإباضية، من خلال نصوص أدبيّة طريفة شكلا ومضمونا، والطّرافة هنا بمعنى الجِدّة أو الجديد في ديناميكية الرّحلات العلميّة عند الإباضية، وأيضا بمعنى الحبكة في الصّياغة والبنية والإخراج، وكيفية إفادة القارئ وإمتاعه روحا وعقلا. ولعلّ أقوال النّورسي التي أثرت نهاية النّصّ تبين عن دعوة إلى انفتاح الفكر؛ بما يزيده غَناءًو ثراءً، ويستشرف رؤية للإبداع والارتقاء بفكرنا إلى ما هو أسمى، وما هو جديد وطريف. (1/93)
صفحة 94
وفي الختام شيخنا الفاضل وقبل التّحيّة والسّلام دعوات لك بدوام الصّحّة وموفور العافية وطول العمر لمزيد الرّحلات والإبداع منها، وتعزيز مخزون فكرنا الإباضي الذي نعتزّ به، ونفخر بمزاب وجربة على حدّ سواء، والسّلام. والله من وراء القصد.
سناء مهنّي الباروني الجربية
المعهد العالي للدّ راسات التّطبيقية في الإنسانيات
الكاف، تونس
فهرس الكتاب
المقدّمة ... 4
الرّحلة الخالدة ... 8
من حصاد الرّحلة ... 112
ملاحظات عامّة ... 116
أقوال وحكم ... 118
قاموس مشروع الخدمة ... 119
الألفاظ المفاتيح في الشّخصيّة المعنويّة لمشروع الخدمة ... 120 (1/94)
صفحة 95
هذا هو فكر جماعة مشروع الخدمة ... 120
آراء في كلمات ... 122
تحيّة وتقدير واحترام ... 123
أسئلة ما بعد الرّحلة ... 125
الأعمال المنتظرة ... 126
الخاتمة ... 128
المصادر والمراجع ... 131
الملاحق: ... 133
رقم: 1، سلام على الصّحبة الأصفياء (قصيدة) محمد ناصر بوحجام 134
رقم:2، محو الذّات محمد فتح الله كولن ... 138
رقم: 3، رسالة ... سناء بن مهنّى الباروني ... 144
فهرس الكتاب ... 147 (1/95)
صفحة 96
يكتب خلف الكتاب
إنّ نصّ الكتاب قد تسيّج بمقوّمات أدب الرّحلة، وتعدّى مقصد تدوينها، إلى الغوص في صياغتها بالأسلوب الفنّي، المتولّد من إعمال التّأمّل في محطّات الرّحلة ودقائقها، فكان أن ضُمِّن النّصّ ببضع من آيات القرآن الكريم والأشعار المتنوّعة، وأقوال بعض الأساتذة وأولي المعرفة، وشاع فيه أسلوب الحوار، وعزّزه المشهد القصصي، وأثراه الوصف الذي بدا أداة جوهرية فيه، وبدت روح الطّرافة والدّعابة فاعلة في إضفاء ديناميكية على النّصّ، وإصباغ حيوية على المتقبّل، استثار بهما صاحب الرّحلة البعد التّشويقي في نفس القارئ، هذا فضلا طبعا عن إحاطة القارئ بمستجدّات علمية وثقافية، وجعله على إلمام ودراية دقيقين بمعلومات عن حركيّة علميّة قائمة، ونشاطات معرفية سائدة ... في دور العلم بتركيا، موثّقة بالأرقام والإحصاءات وغيرها.
الدّكتورة سناء بن مهنّى الباروني
الكاف، تونس (1/96)
صفحة 97
[صورة] (1/97)