صفحة 1
الكتاب: الرواية التاريخية في الميزان
المؤلف: خميس بن راشد العدوي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الرواية التاريخية في الميزان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ،،،
دواعي الكتابة:
فإن التأريخ مجاله واسع وأمره عظيم وصداه ذائع، فهو المحرك للحاضر، وترسم خطط المستقبل على وفق فلسفة الماضي، لأجل ذلك كان من المدعاة بمكان الحديث عن هذا الموضوع، وبداية كانت هناك دواعي للحديث في ذلك؛ وهي مختلفة وعديدة، وسأذكر هنا أهمها:
1- ما نراه عند طلبة العلم من أخذ الروايات بدون تمحيص أو بحث عن حقيقتها، أو معرفة للمنهج التأريخي الذي ينبغي أن يصار إليه في أخذ هذه الروايات أو ردها.
2- ما يظهر لنا بثوب علمي مدعى في تبرير المواقف التأريخية، وتلميع ما انكدر من هذا التأريخ، ومحاولة تبييضه -إن صحة العبارة- بعد ما اسود فهو كالليل الكالح، فقد رأيت بعض الإصدارات التي تلبس الثوب العلمي يعج بها السوق، وما ذلك إلا للتضليل فوق التضليل، من ذلك كتاب "الحجاج بن يوسف -رحمه الله!!!- المفترى عليه" وهو رسالة دكتوراه، ورأيت كتاباً آخر يقترب عنوانه من هذا العنوان؛ ولعله بعنوان "تبرئة هارون الرشيد" فهذه المحاولة التضليلية لتلميع صور هؤلاء الجبابرة الذين سالت دماء المسلمين على أيديهم، وهتكت أعراضهم بفعالهم، وأكلت أموالهم من قبلهم، هذه المحاولة لعلها تنطلي على بعض طلبة العلم لكونهم يرون أن هذا المؤلف قد لبس لبوساً علمياً وهو عن العلم ببعيد، فليست الماجستير ولا الدكتوراه ولا ما فوقهما بمعتبرة إن كان في الأمر تضليل وتعكير للحقائق بدلاً من وضع الأمور في مواضعها. (1/1)
صفحة 2
3- نجد كثيراً من أهل العلم أعملوا المنهج الحديثي -بما آتاهم الله تعالى من سعة في مجال الحديث- في الرواية التأريخية، في حين أن الرواية التأريخية لها منهجها المستقل.
إذاً ؛ للرواية الحديثية منهج وللرواية التأريخية منهج آخر، كما أن هناك الرواية الأدبية التي لها أيضاً منحاها، ولكن اكتفي بالحديث عن الرواية التأريخية ومقارنتها بالرواية الحديثية.
التأريخ في القرآن الكريم:
التأريخ قد أهتم به الإسلام أيما اهتمام ، وجاء القرآن الكريم بآياته الكثيرة التي تتحدث عن ماضي الأمم ؛ سواء عن الصالح منها أو الطالح ، وعن المؤمنين أو الكافرين ، والآيات التي تحدثت عن هذا الأمر كثيرة جداً في الكتاب العزيز ، ولهذا الأمر غرضه وفائدته ، ففي التأريخ العبرة والاتعاظ ، ومنه تستمد قوانين رقي الحضارات وانحطاطها ، وعليه يتكأ في صياغة فلسفة المستقبل ، وعبره يتضح علو درب المؤمنين وهبوط درك المتكبرين في الأرض على الخلق وتشريع خالقهم ... وغيرها الكثير.
فمن الآيات الكريمة التي تكلمت عن هذا الموضوع ؛ قوله تعالى: (( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدىً وموعظة للمتقين) ، ويقول سبحانه: (( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)) ، ويقول أيضاً: (( وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذا الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين )) ، ويقول جل وعلا: (( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) ، ويقول تبارك وتعالى: (( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك) ، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) ، ويقول سبحانه: (( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)). (1/2)
صفحة 3
هذه الآيات الكريمة تجعلنا نبحث في أغوار التأريخ منقبين عن العبر التي ساقها الله سبحانه وتعالى في آياته الكريمة، ونبحر عبر أعماقه حتى نستخلص ما يفيدنا في واقعنا.
أصل كلمة التأريخ:
وقبل الدخول في الحديث عن منهج الرواية التأريخية ، نتحدث عن تعريف التأريخ ، فكلمة "التأريخ" لم تكن شائعة بهذا المعنى عند العرب بما تشير إليه الآن كمصطلح يدل على الأحداث التي جرت قبل الحاضر؛ أي في الماضي ، لأجل ذلك اختلف في أصل هذه الكلمة.
فقيل: أصلها من السامية من لفظة "أرخو" التي تعني بالأكادية القمر ، وبتغير منازل القمر تتغير الأيام وبالتالي يعني التأريخ ، وفي العبرية "يرح" أو "يارح" وتعني أيضاً القمر ، ولعل الاختلاف بين اللغتين في اللفظ فقط ، فبعضهم رجع باللفظة إلى هذه الأصول ، ولكن الدكتور سالم أحمد محل ينكر هذا الأمر ؛ ويستبعد أن يكون أصل هذه الكلمة من السامية الأكادية أو السامية العبرية.
غير أن أبعد من ذلك من يرجعها إلى اللغة الفارسية وهي "ماه روز" بمعنى حساب الشهور ، والاستبعاد في هذا بسبب الفارق اللفظي ؛ فليس هناك من قرب بين كلمة "تأريخ" وبين "ماه روز" بعكس القرب اللفظي بين اللغة الأكادية واللغة العبرية وبين اللفظة العربية ؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أصول اللغة الفارسية تختلف تماماً عن أصول اللغة الأكادية والعبرية والعربية ، فأصول هذه الأخيرة مرجعها إلى اللغة السامية ، أما اللغة الفارسية فهي من اللغات الآرية والتي تصنف بالأوروهندية ؛ أي الأوروبية الهندية. (1/3)
صفحة 4
على أنه ؛ وإن كان الدكتور سالم أحمد محل يستبعد هذه اللفظة من أن يكون أصلها من اللغة السامية الأكادية أو العبرية ، ويرجعها إلى لغة عرب الجنوب اليمنيين ، وهو يتفق على أنها – أساساً - غير موجودة في لغة العرب الشماليين ، إلا أنه يؤكد على وجودها في لغة اليمنيين أو العرب الجنوبيين ، وعلى كل حال فليس بين الأمرين من اختلاف كبير ، فلا يستبعد من أن يكون أصل الكلمة هو أصل سامي ، فالعبرية والأكادية والعربية القديمة هن بنات عم كلهن يرجع إلى اللغة السامية ، وإن اختلف أيضاً في أصل هذه اللغات ؛ هل هي اللغة السامية أم العربية القديمة أم غير ذلك...؟ هذا أمر مرجعه إلى علم اللغات وليس هنا محله ، وإنما نريد فقط أن نسلط الضوء على أصل هذه الكلمة كمدخل إلى موضوعنا.
وتنطق الكلمة في اللغة العربية على لهجتين:-
فبنو تميم يقولون: (ورخت الكتاب توريخاً) ؛ والقيسيون يقولون: (أرخته تأريخاً). فاللهجتان موجودتان عند العرب ... هذا عن أصل هذه الكلمة.
التعريف اللغوي:
أما معنى "التأريخ" في اللغة: فهي الإعلام بالوقت ، تقول مثلاً: (جئت عند صلاة العصر) فأنت تعلن عن مجيئك بحدث معين ؛ هذا الحدث هو مع وقوع صلاة العصر.
والأصرح من ذلك أن تقول: (جئت عند غروب الشمس) أي عند حركة غروب وسقوط قرص الشمس ، فهذه الحركة هي وقت الحدث وإعلام بوقوعه في هذه اللحظة ؛ على هذا يعتبر التعريف ، فإذاً ما مضى عنك ولو بثانية واحدة فقد دخل في عداد التأريخ لغة.
التعريف الاصطلاحي:
في الحقيقة هناك اختلاف كبير في تحديد التعريف الاصطلاحي للتأريخ ، ومرد هذا التباين إلى اختلاف وجهات النظر ؛ وإلى الفلسفات التي ينظر بها إلى هذا الجانب.
أفضل ما يمكن ذكره هنا هو تعريف ابن خلدون في مقدمته ، وأنتم كما تعرفون أن ابن خلدون يعتبر أباً للتأريخ والاجتماع ، وهو حقيق بأن يكون أباً لهما. (1/4)
صفحة 5
يقول في تعريفه لهذا العلم: ( هو في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال ، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمجال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان منهم الزوال )
فهو يفرق في تعريفه الاصطلاحي بين ظاهر التأريخ وبين باطنه ، فيقول في ظاهره: هو الأمثال والأقوال والقصص والحكايات والمرويات التي سيقت إلينا عن الماضي ، بغض النظر عن أي فلسفة أو أي اتجاه في هذا الجانب.
أما في باطنه فيقول في تعريفه: ( وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق .
أي هو التنقيب في صحة الحكايات والأخبار المروية لنا ، والبحث في اتجاهها، وتحليل قضاياها ؛ هل هي واقعة فعلاً أم هي كذب وبهتان وأساطير وردت إلينا؟ ... فإذاً ؛ ليس هو مجرد أخذ الروايات على ظاهرها ؛ بل التحقيق والمقارنة لأحداث التأريخ.
لأجل ذلك نجد هنا السقطة التي يقع فيها الكثير من الناس عندما يأخذون الروايات على ظاهرها بدون تحليل ومقارنة ، أو تفنيد للخطل منها ، فهو يدعونا أن نتعمق ونسبر أغوار هذه الروايات.
المؤرخون والمتطفلون:
ويقدم لنا ابن خلدون مقارنة بين منهج فحول المؤرخين وبين تطفل المتطفلين على هذا الفن ، حتى نقف على مَن سقط في مهاوي التخليط وساق الروايات بدون وعي للبعد التأريخي وأحوال الأمم والجماعات والأفراد...
ثم وصلت إلينا هذه الروايات بما عليها من غبش وكدر ، وبعد ذلك يأتي مَن يأخذها كحاطب ليل ، لا يعي صدقها من كذبها ؛ ولا خطورتها من سلامتها. (1/5)
صفحة 6
يقول ابن خلدون في منهج المؤرخين المسلمين: ( وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها ، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها ، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها ، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها ، واقتفى تلك الآثار الكثير من بعدهم واتبعوها ، وأدوها إلينا كما سمعوها ، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ، ولا رفضوا ترهات الحديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل ، وطرف التنقيح في الغالب كليل ، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل ، والتقليد عريق في الآدميين وسليل ، والتطفل على الفنون عريض وطويل ، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل ، والحق لا يقاوم سلطانه ، والباطل يقذف بشبهات النظر شيطانه، والناقل إنما هو يملي وينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل)
إذاً ؛ لدينا اتجاهان في نقل التأريخ:-
1- اتجاه استوعب حوادث التأريخ وألمَّ بأخباره ووقف على خصائص الأمم والجماعات ، ويملك قدرة على المقارنة الروائية والتحليل المنطقي للوقائع ، ورد جزئيات التأريخ إلى إطارها العام ، وهذا الإطار تدخل فيه المعتقدات الدينية والأبعاد السياسية والمناحي الاقتصادية والاجتماعية ، بل يدخل في ذلك المنازع النفسية للأفراد والتركيبة الاجتماعية للجماعات ، وغيرها الكثير مما يحتاجه المؤرخ الفحل.
2- واتجاه ينقل لنا التأريخ متطفلاً عليه ؛ لا يعرف مدخله من مخرجه ، ولا سقيمه من عليله ، ولم يستوعب ما استوعبه المؤرخ الأصيل ، وهذا وقع كثيراً ، فقد وقع فيما يسمى بالإسرائيليات والدخيل في التفسير ، فقد دخلا فيه ووجها أذهان المفسرين إلى أشياء بعيدة عن روح القرآن وعن حركته التي يريدها من المسلمين ، وعن المبادئ الخلقية والسلوكية العظيمة التي جاء بها، فسيقت الروايات هذا المساق، حتى يكاد أن نقول: إنها غطت على المقصود من القرآن الكريم... (1/6)
صفحة 7
حتى ظهر بعد ذلك المنهج الذي يهدف إلى تصفية تفسير القرآن الكريم من الروايات الدخيلة والإسرائيليات المذمومة التي تبغي الدس في دين الله تعالى.
وهنا لا بد لنا من وقفة استطرادية ؛ قد يتوهم البعض أن الدخيل –بما فيه الإسرائيليات- قد انحصر في التفسير فقط، والحق أن الدخيل قد تسور على شتى العلوم والمعارف الإسلامية ، فسرى إلى العقيدة والفقه والتأريخ ونحوها من العلوم ، وهذا لا يعني أن أحداً من المسلمين لم يتنبه له ، بل هناك من الفحول العلماء مَن تصدى للكثير منه وحذر من مخاطره على الفكر الإسلامي ، ونحن ندعو إلى مواصلة الطريق حتى يعود المنهج الإسلامي ناصعاً على حقيقته التي فطره عليها الخالق جل وعلا.
هذا هو التعريف الذي ينبغي أن يصار إليه ، وهو في الحقيقة تعريف متفاعل مع صيرورة التأريخ وسيرورته ، ويبني لنا عقلاً منفتحاً ومدركاً للوقائع التأريخية والأحداث الزمنية التي مضت.
عمق التزييف التأريخي: (1/7)
صفحة 8
ونتحدث هنا عن خطورة اتجاه المتطفلين على التأريخ وهم موجودون –للأسف الشديد- مع عمق التأريخ نفسه، وفي الأمة الإسلامية وجد التزييف التأريخي لرؤيتها الحضارية منذ قديم الزمان؛ منذ أن اختلفت الأمة فيما بينها، وأخذ كلٌ يضع الأقوال في صالحه والروايات التي تؤيد مذهبه وتنتصر له، وهنا أذكر قصة مثالاً على هذا التزييف؛ ذكرها ابن عساكر، وهي عن رجل كان طالباً للعلم ساعياً لجمع فرائده، نزل الشام ودخل عاصمتها دمشق، فدخل إلى جامع من جوامعها ووجد فيه حلقة تدريس، فيها شيخ يلقي درساً على تلاميذه، فورد أثناء الدرس اسم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ومعروف أن أهل الشام كانوا ينتصرون لمعاوية على حساب الإمام علي في ذلك الوقت، فعندما سمع التلاميذ اسم الإمام علي بن أبي طالب، قال أحدهم: ومن علي بن أبي طالب؟!! فأجاب الشيخ بكلام تقشعر منه الجلود، فمن ضمن ما قاله في حق الإمام علي؛ بأنه رجل مخذول خذله الله ونصر عليه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه... فاستعظم الرجل هذا الكلام من الشيخ، الذي يزيف الحقائق لتلاميذ في هذا المجلس العلمي، وأخذ الأمر يدور في ذهنه ويتململ، فانفض المجلس، ثم أنه رأى رجلاً مهيباً عليه وقار العلم، فقال: أسأل هذا فلعله يقول خيراً... فأخبره بما سمع، فقال: (اسكت يا هذا؛ إن في هذا الزمان لعجب، إنهم يقعون في أبي محمد الحجاج بن يوسف رضي الله عنه أفلا يقعون في علي بن أبي طالب!!!) فوصل الأمر بهذا الرجل أن يقدم الحجاج بن يوسف السفاك السفاح الفاجر على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
فأنتم ترون أن التزييف التأريخي موغل في القدم، فقد ترك بصماته على مجريات التأريخ، وترك تأثيره الذي تعاقبت الأجيال على تكرار ما يقوله هؤلاء المزيفون في حق التأريخ باسم العلم والرواية. (1/8)
صفحة 9
هذه القصة التي سقتها لم أسقها من باب العبث، وإنما سقتها لأن المنهج التأريخي له خطورته التي يتركها على اختلاف الأزمان.
من ذلك ما تعرفون من الروايات الكاذبة التي تنقل في حق أهل الحق والاستقامة والهذيان الخرافي الأسطوري الذي لم يصدر قط من الإباضية، والذي أربأ بنفسي وبكم عن ذكره هنا لغثائه وهزالة كتّابه، وللأسف الشديد نجد من يدعي التحقيق والمنهج العلمي في الجامعات ينقل هذا الهذيان وكأنه مسلمات تأريخية، في حين أنه لا يتعب نفسه بالرجوع إلى مصادر هذه الفرقة، وهي باقية وموجودة ومطبوعة ومنتشرة.
نحن اليوم نرى أن عدم التقاء المسلمين فيما بينهم لم يكن إلا نتيجة الفرقة التي حدثت بينهم، بداية من الأحداث التي حدثت في عهد عثمان بن عفان ثم تتابع الفتنة زمن الإمام علي بن أبي طالب، ثم بعد ذلك ما حدث من أمر الفتنة وتولي الجبابرة القياصرة الأكاسرة بني أمية لمقاليد أمر المسلمين غصباً واستبداداً، وكتابة التأريخ وفق الأهواء السياسية على حساب الحقيقة التي غالباً ما تكون في غير صالح الدول المتسلطة على رؤوس المسلمين.
هذه الفتنة التي حدثت في تلك الفترة هي التي تحول دون التقاء المسلمين هذه الأيام، وللإنصاف وليس للتعصب المذهبي أقول: إن أصحابنا أهل الحق والاستقامة يدعون مراراً وتكراراً إلى طمس هذه الفتنة بالسكوت عنها وعدم إثارتها ونبشها من مقبرة التأريخ التي -وللأسف الشديد- دفن فيها مجد الإسلام، مع أننا لو احتكمنا إلى ميزان العدل واتبعنا المنهج التأريخي السديد لانكشفت الحقيقة لكل ذي عينين بدون مراء. (1/9)
صفحة 10
وللعدل والإنصاف أيضاً؛ لا أنسى أن أذكر بالخير الذين كتبوا بأمانة في التأريخ الإباضي، كابن الصغير المالكي (وقيل: شيعي) مؤرخ الدولة الرستمية؛ والدكتور عوض خليفات الأردني؛ والأستاذ العراقي مهدي هاشم طالب(وهو من الإخوة الشيعة)؛ والدكتور حسين غباش من دولة الإمارات العربية المتحدة؛ والراحل علامة التأريخ حسين مؤنس المصري؛ والدكتور نايف السهيل الكويتي؛ والأستاذ سامي صقر أبو داود الأردني، وغيرهم ممن ينسوننا حماقات المتطفلين على التأريخ.
التأثير الحضاري للتأريخ:
للتأريخ أثره الكبير في التفاعل الحضاري بين الأمم، فاللاحق يأخذ من السابق، وتبرز أهمية الرواية التأريخية هنا في عزو المعلومات إلى أصحابها وعدم هضم حق الغابرين والسيطرة على حقوقهم العلمية، من ذلك العلوم التي أخذها المسلمون عمن سبقهم من الإغريق واليونان والفرس كالفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك والتي أدت إلى صناعة في جوانب من الفكر الإسلامي؛ إيجاباً أو سلباً، وفي هذا دلالة واضحة على أن الأمم اللاحقة تتكئ على المخزون العلمي المنقول عبر القنوات التأريخية عن الأمم الغابرة.
ولا بد هنا أن نشير؛ بأننا لا يمكن أن نقف ضد الانتقال المعرفي والعلمي بين الأمم، ولكن من الضروري بمكان أن يتم التمحيص والمناقشة وإعمال المناهج العلمية في ذلك، وإلا وقعنا في الخلط. (1/10)
صفحة 11
من ذلك أيضاً، انتقال العلم من المسلمين إلى العالم الأوروبي، وقد استغل الأوروبيون هذه الفرصة وأحسنوا استغلالها، عندما عملوا لأنفسهم منهجاً يقوِّم أممهم ويرتقي بها، إلا أن نزعتهم التأريخية إلى الإغريق واليونان، نزعت بهم إلى التفسخ والانحلال والوثنية والإلحاد، وأثّر أيما تأثير على حياتهم، وقد رسّخ من ذلك أن صاغوها فلسفات تحرك وجودهم، بل تعدى الأمر إلى الاعتقاد، فأصيبت الديانة النصرانية بما أصيبت به من الوثنية، وعندما أراد بعض الفلاسفة أن يعدّلوا في هذا الاتجاه ثاروا على كل ما هو ماض، فأوجدوا الحداثة وما بعد الحداثة من البنيوية والتفكيك والسريالية والعبثية، إلا أنهم رجعوا مرة أخرى إلى ما سمي بالتأريخية الجديدة، وفي هذا إقرار منهم أن للتأريخ تأثيراً على وجودهم الحالي والمستقبلي.
إن كان للتأريخ هذا التأثير والأهمية، فكيف نأخذ الرواية التأريخية؟؟
مقارنة بين الروايتين التأريخية والحديثية: (1/11)
صفحة 12
وجدنا الناس يخلطون بين الرواية التأريخية والرواية الحديثية، وهذا هو السبيل الذي يحاول الآن من يدّعون العلمية أن يسلكوه، فيقولون: (إننا نرفض ما ليس له سند صحيح في التأريخ، ونسلم بما له سند صحيح) ويضعون السند تحت المحك الحديثي، وبالتالي يحاولون حذف ما هو موجود في كتب التأريخ المعتبرة، ويقتصرون على الروايات السندية حسب معيار التحديث، والخطورة في ذلك، نحن نعرف أن بعض من انتسبوا لأهل الحديث ومن تأثر بمنهجهم في هذا الجانب كانوا في كنف الدولة الأموية وحفظ الدولة العباسية، ولفقوا الأخبار بأسانيدها -كما سنرى لاحقاً عندما يبين ذلك ابن خلدون- واخترعوا الروايات المسندة التي تبرر مواقف بني أمية وبني العباس، فهم لم يكونوا في غفلة عن هذا الأمر؛ أي تبرير أفعال الملوك الجبابرة، فهم أولاً وقبل كل شئ يجدون النفع منهم ويدرؤون الضر عنهم، ثم يجدون عندهم الانتصار لمذاهبهم وآرائهم، لأنها نشأت في كنف تلك الدولتين، ولذلك أوجدوا لنصرتهم والدعاية لهم الأسانيد الملفقة التي في ظاهرها الصحة، وغفلوا عن حقيقة أن هذه الروايات تتعارض مع حياة وسيرة الملوك الجبابرة، فحاولوا أن يوجدوا تلميعاً لوجوههم المكفهرة.
يقول شوقي جلال: (التأريخ الإسلامي؛ من حيث المنهج لا يزال تأريخ رواية وإسناد، وهو من حيث الواقعة تأريخ سلطات وفرق، أو من واتاهم حظ التسلط دون بقية أطراف الصراع، وإن كان في جميع الأحوال بحاجة إلى تحقيق وكشف التعارضات)
وحتى تتضح المقارنة بين الروايتين؛ وبما أننا قد عرّفنا الرواية التأريخية؛ نعرف الآن الرواية الحديثية:
أولاً: تعريف الحديث: هو ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِلقية أو خُلقية.
فعندما نرجع إلى الحديث من خلال التعريف السابق، نجد أن له مهمته ورسالته التي تختلف تماماً عن مهمة ورسالة التأريخ. (1/12)
صفحة 13
الحديث مهمته نقل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولماذا ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس ما أضيف إلى غيره؟. لأن ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعبدنا باتباعه، وعلينا أن نعبد الله على حق ويقين، وهناك مراتب في هذا الجانب، فالعبادات العملية؛ أي الأوامر والنواهي؛ يكفي فيها الخبر الآحادي الصحيح، أما العقيدة فلا بد لها من التواتر القطعي، كل ذلك لأننا لا نريد أن نعبد الله إلا علي يقين وليس على وهم أو تخمين.
فإذن؛ الرواية الحديثية: هي التي تنقل لنا الحالة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم والأقوال التي تصدر عنه.
وهذا الأمر يحتاج إلى ما أوجده المحدثون من المنهج الحديثي للرواية الحديثية، وإن كان لدينا ملاحظات على هذا المنهج ليس هنا محلها.
ولو طبقنا هذا المنهج على الرواية التأريخية لفات الكثير جداً من المرويات، وبالتالي لانهدم الركن الأعظم من التأريخ ولما استفيد منه، فعندما نقول: (إنه لا بد أن يكون السند إلى الحادثة سنداً صحيحاً) معنى هذا؛ مثلاً بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر شخص نقل لنا عن حياته –حسبما نعرف- على وجه الأرض، واهتم أصحابه بنقل دقائق حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله وتقريراته، عندما نأتي إلى سيرته النبوية، فلو إننا طبقنا المنهج الحديثي عليها لهدمنا ركناً كبيراً ومساحة شاسعة منها لكونها لا ينطبق عليها المنهج الحديثي، بل ينطبق عليها المنهج التأريخي.
ضوابط الرواية الحديثية:-
للرواية الحديثية ضوابط تختلف عن ضوابط الرواية التأريخية.
فالرواية الحديثية لها ضابطان:-
- سلامة السند ؛ ويدخل فيه العدالة والضبط.
- وسلامة المتن. (1/13)
صفحة 14
ومع هذا لا بد أن نقف وقفة قِبل هذا الأمر، كما قلنا: إن الأصل في الرواية الحديثية الشك فيها حتى نبحث في السند، فإذا وجدناه سنداً صحيحاً مستقيماً، ووجدنا المتن خالياً من العلل والقوادح التي تصيبه، نأخذ بهذه الرواية، لأننا كما أسلفنا نريد أن نبني ديننا على بينة من العلم.
أما الرواية التأريخية فالأصل فيها البراءة والقبول، فتفارق الرواية الحديثية بأن هذه الأخيرة الأصل فيها الشك والتهمة حتى تثبت البراءة، والرواية التأريخية العكس؛ الأصل فيها القبول والسلامة بغض النظر عن راويها؛ أو ديانته وعدالته وجنسه ومذهبه، ولو كان الراوي كافراً فراويته التأريخية مبدئياً مقبولة.
في علم الحديث؛ هل يجوز لنا أن نأخذ رواية الكافر أو المدلس أو الفاجر؟؟ .. طبعاً؛ لا ... بل وضعوا ضوابط دقيقة وشديدة للرواية الحديثية، وقالوا -مثلاً-: (إن مخالفة العرف الذي تعارف عليه أهل زمان ما يعتبر من القوادح) وضُرب مثال على ذلك ، مَن يأكل في السوق؛ وكان عرف أهل الزمان استنكار الأكل فيه، قالوا: (مَن أكل في السوق فقد سقطت هيبته، ومَن سقطت هيبته قلت ثقته، ومَن قلت ثقته ترك حديثه)
لكن هذا لا ينطبق على الرواية التأريخية؛ مبدئياً، فالأصل فيها القبول والبراءة، ولا يعني هذا أن الأمر متروك تركَ الحبل على غاربه، فنأخذ الرواية بدون تمحيص كحاطب ليل كما قلت، وإنما هناك ضوابط لهذه الرواية.
ضوابط الرواية التاريخية:
هناك ضابطان لقبول الرواية التأريخية هما:-
- قبول العقل لها.
- مطابقتها للواقع.
وحتى نعرف قبول العقل لها ومطابقتها للواقع؛ علينا أن نشير إلى نقطة مهمة في هذا الجانب وهي المقارنة والتحليل، التأريخ لا يؤخذ إلا بهما، فبدون تحليل الوقائع ورجع الرواية التأريخية إلى موقعها الذي صدرت منه في ذلك الوقت، لا يمكننا أن نتقبلها ونسلم بها. (1/14)
صفحة 15
وأضرب على ذلك مثالاً عن ابن بطوطة، أنتم تعرفون أنه زار عمان في عهد النباهنة، وكانت دولة بني نبهان دولة جائرة ظالمة، تنتهك فيها المحرمات، وكان الفساد والسفاهة منتشرين بسبب ترويج بني نبهان لهما، فعندما جاء ابن بطوطة إلى عمان، ووجد ما وجد من فعائل ملوك بني نبهان، طبق هذا الأمر على أهل الحق والاستقامة، وأخذ يتحدث عن الأشياء التي رآها في عمان في ذلك الوقت وكأنها صادرة من الخوارج -حسب قوله- أي أهل الحق والاستقامة، فقال: (ويأكل على مائدته –يقصد الحاكم- لحم الحمار الإنسيّ –أي الحمار الأهلي- ويباع بالسوق لأنهم –يقصد الإباضية- قائلون بتحليله ولكن يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه بمحضره) وقال: (ونساؤهم يكثرن الفساد ولا غيرة عندهم ولا إنكار) وقال ما قاله من البهتان، ونسبه إلى الإباضية أهل الحق والاستقامة، وهذا كما قلت: غباء وبلاهة، لأنه لا بد له أن يرجع هذه الوقائع التي رآها إلى الجو الذي وجدت فيه -إن كانت قد وجدت أصلاً- أي إلى الدولة التي حدثت فيها، فلو عرف طبيعة ملوك بني نبهان من الغشم والجور، بحيث إنهم أحرقوا المكتبات العلمية كمكتبة ابن النضر رضي الله عنه الذي أردوه قتيلاً من برج شاهق ، وكانوا يأكلون مهور النساء، ويغتصبونهن بغير وجه حق، لو طبق ابن بطوطة تحليل الواقع، وعرف أن أهل الحق والاستقامة في ذلك الوقت كانوا مفارقين لهذه الأعمال، ويسعون سعياً حثيثاً للتخلص من هذا الحكم الجائر الفاسد، ولو نظر إلى سلامة عقائدهم وسالف مجدهم، لتبين له أن هذا الأمر لا ينطبق عليهم، وإنما ينطبق على الملوك الجورة في أي عصر ومصر؛ تماماً كملوك بني أمية وملوك بني العباس، فلكون ابن بطوطة غاب عنه هذا الأصل ألصق الوقائع بمن لا يمكن أن تصدر عنهم، هذا طبعاً لو فرضنا سلامته من الكذب والحسد المذهبي، هذا من ناحية. (1/15)
صفحة 16
ومن ناحية أخرى على المؤرخ الذي ينظر في هذه الروايات أن يفطن إلى ما أشرت إليه، ولا بد له أن يحلل الأمر في معطياته ومجراه.
وأيضاً قد وقع ابن بطوطة في التعميم، وهذا ليس من طرائق التحقيق التأريخي، فالمؤرخ الفذ لا يعمم بل يرجع القضايا إلى مواضعها.
من ذلك أيضاً ما أدى بأحد المهتمين بالتأريخ –وهو الدكتور صلاح الدين المنجد - إلى إنكار شخصية الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي رضي الله عنه، واتهم الإمام نور الدين السالمي والمؤرخ الباروني باختلاقهما لهذه الشخصية، ودعواه في ذلك؛ أن هناك روايات مختلفة تمتد عبر فترة زمنية لا يمكن أن يعيشها الإمام، فأدى به ذلك إلى إنكاره، وهذا منهج خاطئ في الرواية التأريخية، وذلك لأن المقارنة التأريخية في هذا الجانب ضرورية جداً حتى نعرف حقيقة هذا الأمر، فالإمام الحضرمي رضي الله عنه له مؤلفات في الفقه والأدب على مر العصور؛ أي قبل نور الدين السالمي والباروني بمئات السنين، وهي باقية إلى يومنا هذا بل إنها الآن مطبوعة، منها ديوانه "السيف النقاد" الذي يحوي على لغة حضرمية لا توجد عند غير الحضارمة، وما سلّم لنا بوجوده –ونحن متيقنون من ذلك ولله الحمد؛ ولكن ليشهد شاهد من القوم- أن مؤرخين يمنين يثبتون هذا العالِم ويؤكدون يمنيته، وبالتالي يسقط المنهج الخاطئ الذي ذهب إليه هذا المؤرخ.
ومثل ذلك ما ذكرناه في موضع آخر عن شخصية الإمام حفص بن راشد وبأنها تمتد فترة زمنية طويلة، وقلنا نتيجة المقارنة التأريخية: إن هناك شخصيتين متغايرتين وجدت إحداهما في زمن ووجدت الأخرى في زمن آخر، كل منهما تحمل اسم حفص بن راشد، واختصاراً للوقت أترك التعقيب على ذلك وهو موجود –أي التعقيب- لمن أراد أن يعرف أبعاد هذه القضية في محاضرة مسجلة بمكتبة الندوة العامة . (1/16)
صفحة 17
أيضاً أشير هنا إشارات عابرة إلى العهد الذي عهد به الإمام محمد بن محبوب الرحيلي إلى طالب الحق، فعندما ننظر إلى هذا العهد نجده لا يمكن أن يكون صادراً من الإمام محمد بن محبوب، ولكن عندما نرى لغة هذا العهد ومنهج أهل الحق والاستقامة والوقائع التي حدثت لهم في اليمن؛ المكان الذي وجد فيه طالب الحق، نجد أن هذا العهد -بطبيعة الحال- أرسل إليه، نعم؛ قد يكون هذا العهد غير ثابت للإمام محمد بن محبوب الرحيلي وإنما هو لأبيه محبوب بن الرحيل.
فإذاً؛ لا بد لنا من المقارنة التأريخية.
فرفض الرواية التأريخية ليس مرده ضعف السند أو وجود الاختلاف في نقل الواقعة أو وجود بعض الاضطراب، بل دور المؤرخ هو أن يستخرج بمهارته وحنكته الوقوع المنطقي للأحداث، مستخدماً جميع المادة العلمية التي تصل يده إليها؛ دراية وتحليلاً ومقارنة بموضوعية كاملة بعيداً عن الذاتية أو الأحكام السالفة، وأن يشهد بالحق التأريخي ولو لمَن يخالفه في المعتقد أو الرأي أو الجنس بل ولو لخصمه، فالعدالة في كل شيء موصلة إلى التقوى، يقول الحق جل وعلا: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)
في حين ترد الرواية الحديثية ويسقط الأخذ والعمل بها بوجود الاضطراب في المتن والضعف في السند.
ونرجع الآن إلى ضوابط الرواية التأريخية؛ ونقول:-
الضابط الأول: هو قبول العقل لها ، لا بد أن تخضع الرواية التأريخية للتمحيص، فليس الضابط الأول لها هو السند –سنتطرق إلى قضية السند لاحقاً إن شاء الله تعالى- وإنما قبول العقل لها.
من ذلك ما هو موجود في الإسرائيليات من وصف السموات وأبعادها وما يوجد فيها، ومن ذكر الحوادث الغريبة في الأمم الخالية كذكر العمالقة وما فعلوه، وذكر عجائب البلدان، فهذه أمور لا يقبلها العقل لا من قريب ولا من بعيد، فحقها أن تهمل؛ وليس لها شأن في المجال التأريخي.
والضابط الثاني: مطابقتها للواقع: (1/17)
صفحة 18
فمثلاً عندما يأتينا راوٍ ويقول: (إن هارون المسمى بالرشيد -وما هو برشيد- يحج عاماً ويغزو عاماً، وأنه يقوم الليل بعشرات الركعات..). هذا شئٌ يأباه الواقع..
كانت الدولة في ذلك الوقت ممتدة إلى أقاصي الأرض؛ بحيث لا يسعف المجال أن يرجع عاماً ليحج ثم يذهب في العام التالي ليغزو.
هذه مقولة لا تصح، ومع فرض صحتها، ما هي هذه الغزوات التي كان يغزوها؟! نسوق منها نموذجاً؛ الحملة الغاشمة التي جردها هذا الخليفة إلى عُمان بقيادة واليه عيسى بن جعفر ليلقى حتفه على أيدي المجاهدين من أهل الحق والاستقامة جزاءً وفاقاً لفعله، إذاً؛ "جهاده!!" ليجتث الدين من الأمة، وليقتلع الإمامة العادلة من الأرض.
ويذهب الدكتور حسين مؤنس في تحليل هذه المقولة، أنها صدرت تغطية على الاضطراب والتنازع على السلطة الذي وجد في عهد الدولة العباسية؛ ومنها عهد هارون الذي شهد سيطرة فارسية على الحكم؛ حيث أصبح خائفاً من المكث في عاصمته، فيقول الدكتور مؤنس: (عندنا في عصر الرشيد والمأمون لا يحكم العرب ولا يتمتعون بالمكانة الأولى، وكل الذين يتصرفون في أمورنا لا يتبعون سياسة عربية أو إسلامية، وهارون الرشيد عاش معظم عمره خارج بغداد، لأنه كان يخاف من مؤامرات الفرس في بغداد، لهذا نقول: إنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، لأنه لم يعش في بغداد إلا وقتاً قصيراً جداً)
هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية قضية قيام الليل.. إن كان يصلي كل ليلة العشرات من الركعات؛ فمتى سيتفرغ للجواري والقيان من ليلته!! وهذا أمر تواترت به الروايات التأريخية. ولعمر الحق كيف يجتمع قيام ليل؛ مع الجواري والخمر!!.
ويكفي أن هذا الجبار الطاغية جاء إلى الحكم بطريق استبدادي، وهو كفيل بأن يمسح عنه بعد ذلك أي صبغة دينية أو طريقة شرعية.
فإذاً؛ لا يمكن أن تتفق هذه المقولة مع الواقع، ولذلك فهي مرفوضة قطعاً.
هذان الضابطان هما اللذان يحكمان الرواية التأريخية.
أصالة المنهج التأريخي: (1/18)
صفحة 19
إذا كنتُ قد قلتُ: إن الرواية التأريخية تقبل مبدئياً من كل شخص؛ بعكس الرواية الحديثية؛ فهذا له منهجه، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» وقال مقيداً هذا الإطلاق العام: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» وواضح من الأحاديث أن مقصوده صلى الله عليه وسلم الخبر، وليس –قطعاً- العقائد والأحكام الشرعية، فالإسلام يرفض رفضاً قاطعاً أن يهيمن عليه أي دين من الأديان بل هو مهيمن عليها، وما أصيب المسلمون إلا عندما حملوها على الأحكام والعقائد.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقر أخذ الخبر -وليس الدين- من بني إسرائيل -وبنو إسرائيل هم أهل الكتاب سواء كانوا يهوداً أو نصارى- ولكن كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بما أنزل الله» أي ليس التصديق والتكذيب قائمين أساساً على ديانتهم أو جنسهم، وإنما قائمان على الحقيقة التأريخية ومطابقتها للواقع وقبول العقل لها -وبالطبع التسليم والإيمان بما جاء في الكتاب العزيز من ذكر الأخبار- هذا منهج إسلامي رصين، لأجل ذلك عندما أخذ المفسرون والمؤرخون المرويات السابقة عنهم لم يكن هذا عن جهل وغباء، ولكن بعضهم أخطأ في قضية أخرى وهي قضية التحليل والمقارنة، فمنهم من لم يحلل ولم يقارن أساساً، ومنهم من كان ضعيفاً وقاصراً فيهما. (1/19)
صفحة 20
فإذاً؛ أخذ الرواية التأريخية من غير المسلمين مبدئياً يقبله المنهج الإسلامي. ومن الجيد أن نسوق هنا كلام ابن خلدون حيث وضع النقاط على الحروف في مسألة المقارنة والتحليل؛ حتى تتضح لنا أصالة هذا المنهج: (اعلم أنه لما كان حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني؛ الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل: التوحش والتأنس والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال، ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته، وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول خبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله)
هنا ابن خلدون يبين لنا أن التشيع للآراء والانتصار لها؛ كثيراً ما يؤدي إلى قبول الروايات بدون تمحيصها، حتى يصرح بذلك فيقول: (وأمثال ذلك كثير –أي أمثال تلك الأخبار- وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران -أي التحليل التأريخي- وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار، وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة) (1/20)
صفحة 21
ويقول أيضاً: (وأما الإخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه، وصار في ذلك أهم من التعديل ومقدماً عليه، إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط، وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة، إذا كان ذلك؛ فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة؛ أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميّز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه؛ وما يكون عارضاً لا يعتدّ به؛ وما لا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانوناً في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله وما نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معياراً صحيحاً يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه)
فالتحليل والتمحيص للرواية الخبرية ومطابقتها للواقع وقبول العقل لها؛ سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل الرواة –وقوة السند وضعفه لترجيح رواية على أخرى- حتى يعرف أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وأما إن كان مستحيلاً عقلاً وواقعاً فلا فائدة من النظر في التعديل والتجريح.
لماذا..؟؟ (1/21)
صفحة 22
لأن هناك من انتحل الأسانيد التي هيأ بها الجو لمَن هم أولو نعمته في ذلك الزمان؛ حتى يتملكوا على رقاب الناس، يقول شوقي جلال: (ولعل حجة الإسلام أبا حامد الغزالي خير شاهد على ذلك، فإن الغزالي أدان الفقهاء (والمؤرخ من باب أولى) لتعلقهم بالدنيا واختلاطهم بالحكام والسلاطين، وعانى هو من جراء ذلك في ختام حياته، وعبر عن أزمته في كتابه "المنقذ من الضلال" حين أدرك بعد أن أفنى حياته في خدمة الحكام، أن نشاطه الفكري كله من تأليف وتدريس لم يكن يراد به وجه الله والآخرة، بقدر ما كان يراد به عرض الدنيا ورضا السلطان، إذ قدس أهل السلطان وارتضى؛ بنص كلامه؛ أن يكون خادماً فقيهاً لهم، ويبين أن أهم كتب الغزالي إنما جاءت استجابة لأوامر سلطانية للتصدي للشيعة وتفنيد آرائهم ومعتقداتهم، ويشير الغزالي إلى ذلك بقوله: (فإني لم أزل مدة بمدينة السلام متشوقاً إلى أن أخدم المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية؛ ضاعف الله جلالها ومد على طبقات الخلق ظلالها؛ بتصنيف كتاب في علم الدين أقضي به شكر النعمة، وأقيم به رسم الخدمة، وأجتني بما أتقاضاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة، لكني جنحت إلى التواني حتى خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية) هذا حديث حجة الإسلام إمام الأئمة، وكيف وظف علمه لحساب صاحب السلطان، ولا يزال فكره هو الحاكم لوعي "دعاة الإسلام!") (1/22)
صفحة 23
وطبعاً..؛ حتى قضية التعديل والتجريح في الحديث الشريف ليست قطعية، فهناك ما لا نعرف ضعفه من الأقوال التي نأخذها منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل في بعض الأحيان لا يصل الحاذق في علم الحديث إلى معرفة صحة أو سقم الرواية _كما يعرف ذلك أهل الحديث- ولا يمكن القطع بسلامتها إلا إذا كانت متواترة، أما الآحادية فلا يمكن القطع بصحتها، ولذلك قد يكون في الأحاديث ما هو غير ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لا يجوز إضافته إليه عليه الصلاة والسلام البتة، وقد وقع ذلك كثيراً –وللأسف الشديد- في كتب الصحاح التي يعدّها الجمهور في أعلى مراتب الصحة.
ويقول ابن خلدون أيضاً: (ولقد عدَّ أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ؛ وتأويله؛ بما لا يقبله العقل)
فإذاً -كما يذهب ابن خلدون- المطابقة والتحليل وقبول العقل مقدمة على التعديل والتجريح.
وبطبيعة الحال؛ كما يقول الدكتور سالم أحمد محل؛ إن ابن خلدون لم يأتِ بهذا التنظير لفلسفة التأريخ من هوى نفسه، وإنما من الاستقراء الحقيقي للتأريخ؛ وإعمال النصوص الشرعية في هذا الجانب
فعمل ابن خلدون –وهو عمل جليل ولا ريب- إنما هو جمع الفكرة؛ ثم تنظّيمها وتنسّيقها، بحيث أصبحت قواعد وقوانين للرواية والمنهج التأريخيين، وإلا فهي موجودة قبل ذلك منبثة في حركة التأريخ وفي النصوص الشرعية؛ القرآنية والسنية، تماماً كعلم النحو وعلم أصول الفقه والمنطق؛ ونحوها من العلوم.
مرجحات الرواية التأريخية: (1/23)
صفحة 24
قد قلنا سابقاً: إن الرواية التأريخية تقبل مبدئياً من أي شخص، إلا أنه هناك ما يرجح رواية على أخرى، فلا يمكن أن تكون كل الروايات مقبولة في الموضوع الواحد وخاصة إذا تعارضت، فهناك مرجحات علمية توازن بينها، ولا أستطيع هنا أن أقول: إن المرجحات التي سأسوقها كلها بمنزلة واحدة، وأيضاً لا يمكن ترتيبها إلا حسب الواقعة التأريخية التي نكون بصدد بحثها ومناقشتها وتمحيصها، وقد نأخذ بهذا المرجح أو ذاك حسب الواقعة، والمتعمقون والمتخصصون في علم التأريخ يعرفون هذه المرجحات، ويعرفون كيفية استعمالها.
نذكر من هذه المرجحات:-
1- السند الصحيح: إن كانت هناك روايتان مختلفتان -أو أكثر- لأمر واحد، والعقل يقبلها ومطابقة للواقع، لكن لا يمكن الجمع بينها كالاختلاف في الأعداد وفي تقديرات الجيوش؛ ونحو ذلك، ووجدنا إحدى الروايات لها سند صحيح والأخرى ليس لها سند صحيح، فبالتأكيد رواية السند الصحيح تقدم على الرواية التي ليس لها سند صحيح.
2- تواتر الخبر: إن كانت هناك أخبار تواتر المؤرخون على نقلها ووقوعها؛ ولكن وجدت رواية أخرى تخالف هذا التواتر، لا يؤخذ بهذه الرواية ولو كان لها سند صحيح، فمثلاً ما نجده من تواتر الأخبار في الجبر والطغيان الذي وقع من بني أمية وبني العباس، ثم يأتي أحد برواية ويقول: إن لها سنداً صحيحاً.. ليدحض هذا التواتر، فهذا غير مقبول في الرواية التأريخية، وهو مردود على صاحبه.
مثال آخر: عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق _رضوان الله عليهما_ هما من التواتر بمكان بعدالتهما وتقواهما وورعهما وما قدموه من خدمة لنصرة الإسلام والمسلمين، ثم نجد أسانيد عند بعض الفرق تطعن في هذين الشيخين وتنتقص من قدرهما، فلا يمكن ترك هذا التواتر لأجل المرويات الموجودة عندهم بسبب الآراء المذهبية. (1/24)
صفحة 25
3- رواية المسلم مقدمة على رواية الكافر: عندما تكون هناك واقعة تأريخية، يرويها مسلم بما تخالف رواية الكافر، إلا أن الروايتين يقبلهما العقل والواقع، فإحسان الظن بالمسلم يجعلنا -بكل تأكيد- نقدم روايته على رواية الكافر.
وهذا لا يتناقض مع قضية قبول الرواية من الكافر أساساً، لأن الكافر ينقل أحوال بني جلدته، فاعتراف الكفار بالمجازر التي أوقعها الأسبان في أمريكا، أو اعترافهم بالمجازر التي أوقعها البرتغال في عُمان والشرق الإسلامي، لا بد أن يقبل.
أما عندما تكون هناك رواية إسلامية مقابل رواية غير إسلامية مختلفتان؛ مع الأخذ بالاعتبار قبول العقل لهما ومطابقتهما للواقع، تقدم الرواية الإسلامية على الرواية غير الإسلامية.
4- الشهادة للمخالف: فشهادة الراوي في صالح مخالفه تعتبر من مرجحات الرواية، كشهادة المؤرخين غير الإباضية –مثلاً- للإباضية بتقواهم وعبادتهم وحسن سلوكهم وتسامحهم وعدالتهم، والتزامهم بالمنهج الإسلامي في السلم والحرب وفي خروجهم على الظلمة والجبابرة كسيرة طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي وأبي حمزة الشاري في تخليص اليمن والحجاز من أيدي الأمويين. ومثال آخر: كتاب "أخبار الأئمة الرستميين" لابن الصغير المالكي الذي شهد فيه بالحق لهم.
5- مشاهدة الحدث والواقعة: فالذي يحضرهما تقدم روايته على الذي ينقلهما عن غيره، ومثلها المعاصرة للأحداث مقدمة على الرواية المتأخرة، وكلما كانت الرواية أقدم كان لها السبق.
ولكن أرجع وأؤكد أن هذه المرجحات ليست بمنزلة واحدة، ولا بد من أن نعملها في ضوء العمق التأريخي والتحليل والمقارنة للروايات وقبول العقل لها ومطابقتها للواقع.
أسباب الكذب والوضع في الرواية التأريخية:
ساق لنا ابن خلدون عدة أسباب لمقتضيات الكذب والوضع في الرواية التأريخية نذكر منها:-
1- الثقة بالناقلين ؛ وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. (1/25)
صفحة 26
2- الذهول عن المقاصد ؛ فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه، فيقع الكذب.
3- توهم الصدق ؛ وهو كثير، وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين.
4- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع ؛ لأجل ما يداخلها من التلبس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، وهي بالتصنع على غير الحق نفسه.
5- تقرب الناس لأصحاب التجلة والمراتب ؛ بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فيستفيض الإخبار بها على غير الحقيقة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها.
6- الجهل بطبائع الأحوال في العمران ؛ وهي سابقة على جميع ما تقدم؛ فإن كل حادث ذاتاً كان أو فعلاً لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله، فإذا كان السامع عارفاً بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض.
هذا ما ذكره ابن خلدون؛ ونضيف إلى ذلك:-
7- الانتصار للمذاهب والآراء ؛ وهو ما ابتلي به كثير من الناس في مذاهبهم، وخاصة أصحاب العقيدة الإرجائية القائلة بخروج العصاة من النار، حيث لا يمنعهم مانع من الانتحال لمذاهبهم، ظناً منهم أنهم بذلك ينتصرون للحق.
8- العصبية القومية ؛ حيث وضعت الروايات في إعلاء شأن القوميات والقبائل، من ذلك ما ورد في العلويين والأمويين والعباسيين.
9- الدس الإسرائيلي ؛ وهذا واضح وكثير في الفكر الإسلامي بمختلف مناحيه. (1/26)
صفحة 27
10- تقديس السلف ؛ واعتبار كلامهم بمنزلة النصوص الشرعية التي لا يجوز نقدها أو الخروج عنها، والتسليم بما قالوه، والتشبث بأقوالهم في تقويم الأمور، يقول شوقي جلال: (لا نزال فرقاً متناحرة بفعل سطوة تأريخ السلف، فكتابات أهل السنة تصادر على كتابات الشيعة، وكلاهما يكفر الخوارج، وكل فريق له رواياته التي تنصب على أقدس النصوص).
هذه أهم النقاط التي يجب أن نلاحظها حتى نضع الرواية التأريخية في ميزانها الحقيقي.
العلاقة بين الرواية والراوي:
هنا نقطة أريد أن أبينها ؛ وهي عندما نأتي إلى خبر معين، فنجده غير صحيح أو الواقع والعقل لا يقبلانه، ليس معناه الطعن في المؤرخ الذي ينقله.. قطعاً؛ لا.
في الرواية الحديثية إذا نقل الراوي الخبر الضعيف أو الواهي أو الموضوع تعتبر روايته ساقطة، أما في الرواية التأريخية لا يُحاسب الراوي على الرواية والروايتين، وإنما هو ينقل تأريخاً عريضاً فيه الصحيح والسقيم، التي معاييره تختلف عن معايير الرواية الحديثية، فعدم صحة الخبر لا يطعن في المؤرخ، وقد ينقل المؤرخ الأخبار بغض النظر عن صحتها وبطلانها. (1/27)
صفحة 28
نذكر على سبيل المثال الشيخ نور الدين السالمي؛ مَن في زمانه أكثر منه ثقة وورعاً وتقوى؟ وقد ضحى بنفسه لأجل دينه، ولكن عندما نرجع إلى "تحفة الأعيان" نجد تلك القصيدة التي تروي قصة الفتاة التي فقدت في نزوى وزُعِم بأنها مسحورة وأنها ظهرت بعد العديد من السنوات، هذه القصة وقصيدتها باطلة لا تصح أبداً لأنها تتنافى مع الدين والعقل، لكن هذا لا يقدح في الشيخ السالمي، فقد نقلها لأنها كانت موجودة في ذلك الوقت ومتداولة، ولم يعمل على تمحيصها، وإنما علينا أن ننظر إلى منهج الشيخ السالمي، فكما أن هناك منهجاً عاماً للرواية التأريخية؛ فكذلك لكل مؤرخ منهجه الخاص به الذي يجب أن ننظر فيه، فالشيخ السالمي رحمه الله تعالى نجده تارة يحلل ويقارن، وتارة ينقل الخبر مجرداً، وأخرى يعتذر عن عدم التحليل أو المقارنة أو إبداء الرأي في الرواية، فإذن لا بد أن ننظر في المنهج التأريخي الخاص بالشيخ السالمي مؤرخاً.
فالمؤرخ قد يجمع المادة التأريخية عن حقبة زمنية معينة بدون أن يبدي رأيه فيها بالتحليل أو المقارنة، ولكن أن يكون هدفه جمع المادة فقط وحفظها وليس إلزام تلك الحقبة بها، فافهم ذلك فإنه دقيق يخفى على المتطفلين على التأريخ.
إعادة كتابة التأريخ:
هذه القضية مجالها واسع وعريض، ولكن أجمل القول فيها، فأقول: ظهرت أصوات تنادي بقضية "إعادة كتابة التأريخ" لتصفيته مما علق فيه من دخيل وكذب وتخليط، ورد الروايات إلى المنهج التأريخي السليم، فجاءت نخبة متأخرة من المفكرين والمؤرخين والعلماء حاولوا أن ينقحوا الروايات ويعملوا فيها منهجاً معيناً، يعيدون به كتابة التأريخ، وفعلاً تشكلت في بعض الأحيان لجان لذلك، كما ذكر سيد قطب في كتابه "منهج التأريخ" وأشار إلى وجود لجنة وكان هو أحد أشخاصها، لكن نقول: إن هذه الدعوة علينا أن نأخذها بحذر... (1/28)
صفحة 29
نعم نحن محتاجون إلى إعادة النظر في روايات كثيرة ونستطلع الأمر فيها ونمحصها، لكن ترك الأمر للجنة معينة من الخطورة بمكان، وسنقع فيما فررنا منه وعبناه على من سبقنا، لأن أعضاء هذه اللجان سيكونون مدفوعين في إعادة الكتابة بخلفيتهم التأريخية والثقافية والدينية والمذهبية والرسمية.
ولذلك فأنا لست مع إعادة كتابة التأريخ عن طريق اللجان المعينة، وإنما مع القراءة المتأنية والدراسة الحديثة وفق المنهج العلمي السليم للتأريخ، فاستخدامه كفيل بالعودة إلى الحقائق التأريخية أو الاقتراب منها، سواء من الفرد أو الجماعة، والاستمداد من التأريخ بوقائعه ورؤاه ونظرته وفلسفته ومنهجه لا يكون إلا بحرية القلم ونزاهته، ولا يكون أبداً بالوصاية عليه.
كيف نقرأ التأريخ:
من السهل جداً أن نجيب على هذا السؤال، حيث سنتفق جميعاً بأن قارئ التأريخ يجب أن يلتزم بالموضوعية، وعند التحرير في أي قضية تأريخية والكتابة فيها لا بد للمؤرخ أن يلتزم الحياد، ويكون مبعث بحثه هو طلب الحقيقة والكشف عنها؛ وإن خالفت المسلّمات التي كان يعتنقها.
هذا أمر بيّن والكل يدعيه.
ولكن عندما نرجع إلى الكثيرين ممن كتبوا في التأريخ الإسلامي –قديماً أو حديثاً- لا نجد هذه الموضوعية عندهم، وربما نص المؤرخ في بداية كتابته بأنه سوف يلتزم بها وإذا به يخالفها مخالفة صريحة( )، ولا يكون أمامه إلا الانتصار لمبدئه وفكرته التي دخل إلى التأريخ ليثبتها فييتتبعها من كل مسارب الروايات، حتى وإن لم تثبت هذه الروايات أمام المنهج التأريخي، ويغفل عن عمد الروايات الأخرى التي تتعارض مع مسلماته، بل ربما موه على الحقيقة بأن يعمل على الطعن في تلك الروايات والإزراء عليها مدعياً العلمية. (1/29)
صفحة 30
وفي الحقيقة أن من ينهج هذا الطريق الخاطئ يكون محملاً بالعاطفة تجاه رأيه ومذهبه؛ وخاصة المذهب الديني، ونحن عندما نريد أن ننظر إلى تأريخنا الإسلامي سنجد العاطفة المشبوبة التي تجعلنا نقارع بالقلم واللسان وربما بالسنان عما نعتقده ولو كان أوهى من خيوط العنكبوت.
ولنأخذ –مثلاً- الفتنة التي حدثت للأمة الإسلامية زمن الصحابة، سنجد العاطفة هي التي تحدد سلفاً من هو المصيب والمخطئ في تلك الأحداث، فالمتحمس لآل البيت عليهم السلام، لا يستطيع أن يسمع رأياً إلا الانتصار لهم، والمتحمس لمعاوية وحزبه لا يستطيع كذلك الاستماع إلا ما يلذ له من الانتصار لهذا الحزب وبين هؤلاء وهؤلاء ضاعت الحقيقة واختفت معالم الحق، وسوف يسوق كل فريق الأحاديث النبوية التي تنتصر لفرقته والأحاديث التي تطعن في الفرق الأخرى، وينسب كل تلك الأحاديث إلى فحول الرواة المعتمدين عنده بالثقة والعدالة، وبالتالي يضع القارئ أمام خيار واحد لا ثاني معه، إذا لم تتبع ما أمليه عليك فقد كذبت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يكذب الرسول معروف مصيره؛ والعياذ بالله.
هذه هي النتيجة فانظر إلى شيء آخر أمامك!! لا ريب لا تجد إلا هذا.
ويساق عموم القراء إلى التأريخ الإسلامي بهذه العصا الغليظة، وتندثر الحقائق من عقول المسلمين، ويعتم على حقيقة أن أحاديث ذم الفرق وفضائل الرجال والأماكن لا يصح منها شيء إلا القليل جداً الذي ينبغي أن يفسر على حقيقته الدينية، لا أن يحمّل فوق طاقته ويرمى به المسلمون الذين يخالفون في المذهب والرأي. (1/30)
صفحة 31
وأقول بكل صراحة من أراد لنفسه الحقيقة والسلامة في الدنيا والآخرة فلا يقرأ التأريخ الإسلامي في ضوء تلك الأحاديث المصنوعة في فترة متأخرة من التأريخ الإسلامي بعد أن وقعت الأحداث، وإن ادعي ما ادعي لها من الصحة ونسبت إلى رواة نجلهم ونحترمهم ونحبهم، إن الموضوعية لتحتم علينا أن ننظر إلى ذات الخبر ونحلله ونقارنه وأن نتتبع الروايات ونعمل المنهج التأريخي فيها.
هكذا ينبغي أن نقرأ التأريخ، ولا يبقى أمامنا إلا اتباع الحق، ولن يرضى الله جل وعلا إلا بالحق.
وفي الختام أسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/31)