صفحة 1
الكتاب: السياسة البترولية في الجزائر
المؤلف: الحاج موسى ابن عمر
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: ؟؟
سنة الطبع: ؟؟
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[بحث مقدَّم لنيل شهادة الماجستير]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) السياسة البترولية في الجزائر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
* كلمة شكر *
أوجِّه شكري إلى كلِّ من قدَّم إليَّ يد المساعدة والعون من قريب أو من بعيد من أجل إنجاز هذا العمل، والبلوغ به إلى ما هو عليه. ولا أستطيع في هذا المقام إحصاء هؤلاء، ولكنَّ حسبي أن أذكر بعض المراكز والمكتبات:
* المركز الوطني للأرشيف.
* وزارة الطاقة والمناجم.
* المكتبة الوطنية.
* مركز الأرشيف والمحفوظات لولاية الجزائر.
* مصلحة الوثائق شركة سوناطراك، حيدرة الجزائر.
* المكتبة الجامعية.
* مكتبة قسم التاريخ.
وأحيِّي بالمناسبة كلَّ القائمين عليها والساهرين على مساعدة الباحثين. (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
* إهداء *
إلى كلِّ مجاهدٍ دافع عن وطنه بنفسه أو بماله أو بلسانه وقلمه دون مقابل، مؤمنًا بمعاني التضحية والفداء، مُحتسبًا الجزاء الأوفى.
إلى كلِّ عالمٍ وضع علمَه في خدمة البلاد والعباد، فزاده تواضعًا وخشية، وكان فيضَ خيرٍ على الإنسانية والخلائق.
إلى كلِّ عاملٍ كابد من أجل بناء وطنه، مستصغرًا مشقَّة العزلة في الصحراء، مستهينًا بلفحات الشمس المحرقة ولسعات البرد المقرحة، ساعيًا إلى استثمار القفار واستخراج الذهب الأسود أو الأخضر.
إلى كلِّ هؤلاء أُهدي ثمرة جهدي المتواضع.
الحاج موسى (1/7)
صفحة 8
مختصرات
C.A.N. = Centre des Archives Nationales.
D.G.G.A. = Délégation du Gouvernement Général en Algérie.
G.P.R.A. = Gouvernement Provisoire de la République Algérienne.
O.E.C.E. = Organisation Economique de la communauté Européenne. (1/8)
صفحة 9
تصدير (1/9)
صفحة 10
مقدمة
تعدُّ العشرية الممتدة بين سنتي 1952 و 1962 فترة حاسمة في التاريخ الجزائري المعاصر، ذلك لأنها كانت حافلة بأحداث ووقائع هي من الأهمية بمكان؛ حيث رشحت الجزائر لإحداث تحولات جذرية، مست على الأخص ميدانين رئيسين، ويتعلق الأمر بالميدان السياسي والاقتصادي، ومن ثم كان التأثير بدهيا في القطاعات الأخرى وخاصة الاجتماعي والثقافي.
لقد كانت ثورة الفاتح من نوفمبر 1954 التحريرية الكبرى وما سبقها من إرهاصات، وراء التغير الجذري الذي شهدته الساحة السياسية الجزائرية بحيث غيرت موازين القوى والعلاقات التي كانت سائدة منذ قرن وثلث بين القطرين الجزائري والفرنسي، وأفضت إلى تحقيق الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية للشعب الجزائري.
وعلى الصعيد الاقتصادي تعد الأشغال والاكتشافات في ميدان المحروقات بمناطق الصحراء الجزائرية منذ مطلع الخمسينيات هي أهم ما ميز هذه الفترة وأعطى للجزائر بموجبها مكانة خاصة وثقلا اقتصاديا معتبرا في السياسة الاقتصادية الفرنسية، وسعت فرنسا ـ وهي البلد المستعمرـ إلى كسب استقلالها الطاقوي بعيدا عن الضغوط التي نتجت عن الاحتكار الأنجلوسكسوني للاقتصاد النفطي، إضافة إلى إفرازات التضخم النقدي الذي ظل يتفاقم يوما بعد يوم وعبر سنين عديدة ومتتالية.
إنَّ هذين الحدثين اللذين اكتسى أحدهما أبعادا سياسية وكان بمبادرة من الطرف الجزائري، ورسم الآخر آفاقا اقتصادية وكان من صنع الطرف الفرنسي. وكانت الساحة الجزائرية أساسا هي مسرح هذه الأحداث، وحملت فترة 1952/ 1962 - وبصورة أشد وطئا سنواتها السبع الأواخر- وقائع مخاضها العسير.
هذا التمازج والتداخل بين الحدثين في هذا المشهد التاريخي، دفعانا إلى أن تفترض وجود تفاعل وتأثر متبادل بين هذين الجانبين من تاريخ الجزائر، مما سمح لنا (1/17)
صفحة 11
بأن نطرح بين يدي هذا البحث بعض التساؤلات التي نضع من خلالها إطارًا تقريبيا لتصورنا لهذا الموضوع، ونرسم بموجبها خطوطا عريضة لمعالجتها. وهذه التساؤلات هي:
* ما هي أهم الخلفيات السياسية والاقتصادية التي هيأت للفرنسيين مناخ الاستثمار النفطي في الصحراء؟
* ما هي أهم البنيات التحتية التي تطلبها واقع مناطق الصحراء الجزائرية لتمكين الاستعمار الفرنسي من تثمين هذا الفضاء الواعد والواسع؟
* ما هي أهم الأشغال التي قامت بها الهيئات الاقتصادية الفرنسية من أجل اكتشاف المحروقات وتجسيد هذا التثمين؟
* ما هو تقييم عمليات استغلال النفط والغاز، إنتاجا ونقلا وتسويقا؟
* ما هي أهم المؤسسات الإدارية التي خصت بها مناطق الصحراء الجزائرية لتسيير هذه الحركة الاقتصادية المتنامية؟
* ثم كيف يمكن تقييم التقنين النفطي الذي وضعته الهيئات التشريعية الفرنسية لتأطير الاستثمارات هناك في مجال المحروقات، على ضوء التقنينات العالمية التي كانت قائمة؟
* ما هي أهم الإجراءات الاحتياطية التي اتخذتها السلطات الفرنسية، لتأمين المنشآت النفطية الراسية بالصحراء الجزائرية ووقايتها؟
* ثم ما هي الغاية الفرنسية من وراء تثبيت المصالح الغربية بصفة عامة، والأوروبية خاصة هناك، وقد ذاقت الأمرين من الشركات الأنجلوسكسونية بالشرق الأوسط؟
* ماهي المساعي الفرنسية محليا وإفريقيا وأروبيا لفصل ما سمي بالجزائر المفيدة (مناطق الصحراء الجزائرية) عن باقي الجزائر؟
* وبالمقابل وأمام هذا التحرك الاستعماري الجديد، ما هي الملامح الأساسية لخطة جبهة التحرير الوطني المضادة في هذا المجال؟
* ما هي مكانة الصحراء في المفاوضات الجزائرية الفرنسية؟ وما هو موقع النفط في اتفاقيات ”إيفيان“؟
* ما هي التداعيات السياسية والاقتصادية التي عرفها مجال المحروقات غداة استقلال الجزائر؟
ومن أجل الإجابة على هذه التساؤلات، سلكت في الجانب المنهجي منحى تاريخيا وصفيا تارة، ونهجا تحليليا مقارنا تارة أخرى، حسب ما تتطلبه طبيعة كل مبحث من المباحث، مستعينا بما وصلت إليه يداي من جداول وخطوط بيانية وخرائط، سعيا بما وسعت من جهد إلى تدقيق تصور المباحث التي تناولتها بالدراسة (1/18)
صفحة 12
وعرضها على النحو السليم.
أما ما يتعلق بالمصادر والمراجع التي اعتمدناها، فإن معولي كان في المقام الأول على محفوظات المركز الوطني للأرشيف، وعلى الخصوص رصيد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ( G.P.R.A)، وعلى الأخص ما تتضمنه العلبة التي تحمل رقم 30. غير أن محتويات هذا الأرشيف على وفرتها لم تجب على كل تساؤلاتي في هذا الموضوع، وخاصة تلك المتعلقة بخطة جبهة التحرير الوطني ومسعاها في هذا المجال.
وبخصوص مركز الوثائق والمحفوظات لولاية ورقلة - باعتبار أن هذا المركز يخزن تركة لجزء مما كان يعرف بأقاليم الجنوب، وأرشيف ما كان يسمى بعمالة الواحات، إضافة إلى أنَّ جل الأشغال النفطية كانت قد جرت في مناطق الجنوب الشرقي من الجزائر، أي في منطقة الواحات- فإن هذا المركز على أهميته لا يقدم أي خدمة للباحث، لأنه ما زال ينتظر الفرز والتصنيف العلمي والمعالجة الوثائقية. ولقد تمكنت من الحصول على بعض الوثائق المصورة التي وجدتها في مكتبات خاصة، يرجع أصلها إلى هذا المركز.
أمَّا محفوظات وزارة الطاقة والمناجم فإنه ـ حسب ما قيل لنا هناك ـ لا تمكن الباحث من الاستفادة منها حسب وضعيتها التصنيفية الأولية. وقد تمكنا من (1/19)
صفحة 13
الاستفادة من بعض التقارير التي وجدنا كل التسهيلات من أجل تصويرها على قلتها، باعتبار أن المكتبة يغلب عليها الطابع التقني من حيث الموضوع، وتتوفر خاصة على وثائق لما بعد إنشاء شركة سوناطراك، من حيث التحديد الزمني.
وأمام هذا الشح في نوعية الوثائق الأولية التي تساعد على استجلاء حقائق هذا الموضوع من مصادره الأساسية، وأمام الصعوبات المادية والمعنوية التي أقعدتنا عن استشارة مراكز الأرشيف خارج الوطن خاصة الفرنسية منها، فقد كانت حاجتنا أكيدة إلى الكتابات والدراسات المطبوعة التي يمكن لنا القول أننا أحطنا بأهمها.
ولعل ما يشفع لنا في ذلك هو أن جزءا هاما من تلك الدراسات كان قد صدر في الفترة التي نحن بصدد دراستها، فتنضم بذلك إلى قائمة المصادر.
ولا بد أن نسجل بهذا الشأن أن الموضوع احتكرته الدراسات الفرنسية أو تكاد، مع الإشارة إلى بعض الدراسات الهامة التي أنجزها بعض الباحثين الجزائريين والعرب.
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن معظم الدراسات المنجزة لا تعدو من أن تكون إما تقنية بحتة، وهي دراسات متخصصة في ميدان المحروقات والصناعات البتروكيماوية قام بها مختصون في القطاع، أو مسؤولون سابقون توفرت لهم حظوظ الاطلاع والمعرفة في هذا المجال؛ وإما هي دراسات محسوبة على المدرسة الاستعمارية، تروّج لأطروحاتها وأفكارها الاستغلالية، قام بها باحثون أروبيون وفرنسيون على الخصوص، أو سياسيون وإطارات فرنسيون سامون، كتبوا عن الموضوع بحكم قربهم من الساحة الجزائرية عموما والساحة النفطية على وجه الخصوص.
وعليه فقد جاءت دراستنا المتواضعة هذه لتملأ بعضا من الفراغ الهائل الذي يعانيه ميدان الدراسات النفطية في بلادنا في بعديه التاريخي والسياسي، وخاصة في فترة ما قبل الاستقلال.
وانطلاقا من مادة تلك المصادر، واعتبارا لتلك التساؤلات المطروحة؛ فإن الموضوع يتوزع على خمسة فصول، وكان لا بد من أن أستهل هذا البحث بمدخل (1/20)
صفحة 14
تمهيدي لتاريخ النفط في العالم من حيث هو مادة استهلاكية مستعملة، ومن حيث هو سلعة تجارية تنافسية. ولقد ضمنت هذا البحث ـ بطبيعة الحال ـ المرحلة النفطية الجزائرية التي سبقت الاكتشافات الكبرى في هذا القطاع بما احتوته هذه المرحلة في شقيها التلي والصحراوي.
أمَّا المراحل التي تلت الاكتشافات التجارية للمحروقات والتي كانت ابتداء من سنة 1956، فقد أفرغتها في الفصول الثلاثة التالية؛ بحيث أفردت الفصل الثاني لأشغال تثمين المناطق الصحراوية بالجزائر، بما فيها التجهيز القاعدي، وعمليات البحث والتنقيب والاستغلال لقطاع المحروقات. وخصصتُ الفصل الثالث لإجراءات التنظيم الفرنسي للاقتصاد النفطي، بما في ذلك من تأطير إداري للاستثمارات الصحراوية وتقنينها وتأمين سلامتها. أما الفصل الرابع فقد تناول بالدراسة المصالح الغربية بالصحراء وخاصة الأوروبية منها والخلفيات السياسية الفرنسية لتثبيت هذه المصالح هناك تمهيدا لفصل الصحراء الجزائرية، واستمرار الوجود الاستعماري. وقد تعرضت في الفصل الخامس والأخير لنفط الصحراء وكيف تعاملت معه الثورة الجزائرية، وموقع هذا النفط من المفاوضات الجزائرية الفرنسية، واتفاقيات إيفيان، ثم إلى التداعيات السياسية والاقتصادية التي جرت غداة الاستقلال.
ولا أدَّعي وأنا أطرق هذا الموضوع أنني استوفيته بحثًا أو أشبعته درسًا، ولا استقصيتُه سبرًا. وحسبي أن ما قمت به إنما هو لبِنة متواضعة في صرح هذا الموضوع الهائل الذي هو بحاجة إلى دراسات تاريخية، سياسية، اقتصادية واستشرافية أخرى مكمِّلة.
ودون الصورة التي أتصور عليها هذا العمل نظريا، مراحل حالت صعوبات بيني وبين بلوغها، ففي جانب منها صعوبات تتعلق حينا بتجربتي المتواضعة وترتبط أحيانا بطبيعة الموضوع الذي تغلبت على حناياه المعطيات التقنية. ولقد عملت جهدي على فكِّ قيوده من هذه الصبغة الغالبة، وإحالته – ما استطعت - على الدراسات ذات الطابع التاريخي والسياسي، ولا أظنُّني قد وُفِّقت إلى حدٍّ كبير. هذا بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه من نقص المصادر الأساسية وإن (1/21)
صفحة 15
وُجدت، فليس قبل الحصول على تراخيص تمكِّن من الاطلاع على ما رفع عليه الحجر، وفق القوانين المتعارف عليها في أمثال هذه المواضيع الغضَّة.
وليس من لغو الحديث أن نذكر أنَّ هذه الدراسة جاءت تطويرا لِمذكرة سابقة قمنا بها تتويجا للسنة الثانية ماجستير، حسب النظام القديم، تحت عنوان: السياسة الفرنسية في الصحراء الجزائرية 1945 - 1962، منطقة ميزاب نموذجا للسياسة الفرنسية وتوجهاتها الاستعمارية، خلال السنة الجامعية 1992 - 1993.
وعلى خلاف تلك المذكرة - التي جاءت واسعة من حيث الإطار الزمني ومن حيث الموضوع، ومقتصرة على منطقة الصحراء وميزاب في إطارها المكاني - فإنني اكتفيت في هذه الرسالة على معالجة موضوع المحروقات خلال العقد الأخير من الاحتلال الفرنسي في الجزائر مع فصل تمهيدي كمدخل للموضوع، مفسحا في تغطية المجال الصحراوي خصوصا والجزائر عموما.
وما من شكٍّ في أنَّ تلك المذكرة كانت لي - بفضل توجيهات أستاذي المشرف الدكتور ناصر الدين سعيدوني - فرصة للتعرف على الموضوع وبعض مصادر مادته الأولية. ولعل تلك المذكرة - على تواضعها - كانت بادرة فتحت المجال لدراسات أكثر عمقا وأوسع بحثا وفي هذا الموضوع بالذات، وكانت خطوة ثابتة في سبيل إعداد هذه الرسالة والبلوغ بها إلى ما هي عليه.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أشيد بأستاذي المشرف الذي قبل مواصلة إشرافه على رسالتي هذه بقبول حسن، فلازمت جنبه من أجل إنباتها نباتا حسنا، مسترشدًًا بتوجيهاته القيمة، مستلهما آراءه النيرة، مشمولا برعايته الدافئة مزودًا بتشجيعاته الدافعة، بالرغم من كثرة انشغالاته وتعدُّد التزاماته.
ولا يفوتني أيضا أن أتوجه بالشكر والعرفان لأساتذتي الكرام أعضاء لجنة المناقشة الذين تفضلوا بقبول مناقشة هذه الرسالة. ولا يعتريني شك ولا ريب في أن أجد في تسديداتهم وملاحظتهم ما أتزود به من أجل تعديل هذا العمل ومواصلة درب الدراسة والبحث. (1/22)
صفحة 16
الفصل الأول (1/23)
صفحة 17
[صفحة بيضاء] (1/24)
صفحة 18
مدخل
لمحة عن تاريخ النفط وتطوره السياسي
1. 1 - تطور الاقتصاد النفطي في العالم
أ. مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى
ب. مرحلة ما بين الحربين
جـ. مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية
1. 2 - تطور الاقتصاد النفطي في الجزائر
أ. النفط في التل الجزائري
ب. النفط في الصحراء الجزائرية (1/25)
صفحة 19
[صفحة بيضاء] (1/26)
صفحة 20
مدخل
لمحة عن تاريخ النفط وتطوره السياسي
عرف الإنسان النفط منذ عصور قديمة، واستخدمه في المناطق التي كان يوجد فيها؛ فلقد تردد أن نوحا عليه السلام عندما فرغ من صنع السفينة دهنها بمادة القار أو البتومين من داخلها وخارجها، وهي مادة نفطية. وثبت بكتابات هيرودوت ومؤرخين قدامى غيره، ومن السجلات المسمارية التي خلفها القدماء من طبقات الملوك والتجار، وكذا من الحفريات التي تم إجراؤها حديثا ـ أن منتجات النفط كانت تستغل في أغراض عديدة، وبمقادير معتبرة نسبيا. وكان لرجال النفط في بلاد الرافدين تجارة وصادرات هامة. ولقد كانت أهم استعمالات النفط لصنع الكساء الواقي من الرطوبة، والعقاقير الطبية ووقودا للمصابيح (1).
وكان قدماء الهنود يستخدمون الزيت من الأرض لإجراء طقوسهم الدينية، وفي أغراض الزينة والبناء. وتبين لدى الإسبان أن هذه المادة مفيدة لقلفطة مراكبهم (2).
وفي الشرق الأوسط يعود تاريخ استخدام النفط إلى قرون عديدة قبل الميلاد، حيث إن كتاب التوراة (أو العهد القديم) يحمل إشارات إلى الكميات الضخمة من النفط، وإلى استعمالاته في تلك المنطقة (3).
بيد أن الصناعة النفطية الحديثة يرجع عهدها إلى القرن التاسع عشر، ففي عام 1847 قام الإنجليزي (يونج Yong) بتجارب كان يهدف من ورائها إلى تقطير النفط من
الفحم الحجري. ولقد لقي بوادر النجاح، إلا أنه لم يدرك الأهمية العملية المترتبة على هذا الاكتشاف العلمي الجديد. وفي هذه الأثناء وُفِّق (ستوفاسر) أحد رجال الصناعة الألمان إلى صنع مصباح للإنارة يوقد بنوع من الزيت، أخف وأكثر سيولة من الأنواع المعروفة حينئذ، وسرعان ما استغل (ستوفاسر) هذا، تجارب (يونج) ونظريته وعمل على تطبيقها. ولقد اعتبر هذا العمل انقلابا عظيما في صناعة النفط لأول مرة في التاريخ فاتخذ هذا الحدث فيما بعد بداية للعصر النفطي الحديث (4).
وبتوسع استعمال قنديل البرافين ـ كما كان يعرف آنذاك ـ في جهات كثيرة من أروبا، عظم
__________
(1) دليل الشركة العربية الأمريكية ( ARAMCO)، ط. 1960، ص. 2.
(2) هارفي أوكونور، الأزمة العالمية في البترول، ترجمة د. عمر مكاوي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967، ص. 131.
(3) دليل الشركة العربية الأمريكية، المرجع السابق، ص.3.
(4) د. راشد البراوي، حرب البترول في العالم، دار النهضة العربية، القاهرة، 1968، ص. 8. (1/27)
صفحة 21
الاهتمام باستخراج النفط من المناطق القليلة المعروفة وقتئذ، وفي نفس الوقت كانت الحاجة تشتد إلى زيوت التشحيم للآلات التي كثر استخدامها في غمرة الثورة الصناعية التي تنامت بالأخص في إنجلترا خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدرجات متفاوتة في السرعة، لكن بساطة الأسلوب والأدوات التي كانت تستخدم في استخلاص النفط كانت عقبة أمام التوسع الجاري في استغلال هذه المادة مما كان يهدد هذه الصناعة الفتية بالجمود، ويحول دون تقدمها (1).
وفي هذا الوقت كان الأمريكيون يعرفون النفط ويستخدمونه في مجالات عدة كالاستشفاء والتشحيم وغيرها. ولقد انتقلت هذه الصناعة لتخضع للأبحاث الجامعية حيث أثبتت إمكان استخراج مواد كثيرة من النفط، وقام الأستاذ (سبيلمان ييل) بإجراء تحاليل دقيقة للمادة، تحصل بعدها على الغاز والبرافين وزيت التشحيم بعمليات بسيطة وقليلة الكلفة ودون تبديد للخام. وهكذا ثبت بالطرق العلمية أنه بالإمكان استخدام هذه المادة لأغراض تجارية مفيدة. وخطا التطور خطوة أخرى حين أسس (صامويل كير) في مدينة بترسبورغ أول معمل لتكرير الخام (2).
وأمام هذا الطلب المتنامي على هذه المشتقات النفطية، لم تعد مصادر النفط السطحية قادرة على تلبية الكميات الكافية، وحدث أن استرعى انتباه (جورج بيسل) ما ينطوي عليه هذا السائل من أهمية تجارية، ففكر في حفر آبار في المناطق المعروفة باحتوائها النفط على أمل الحصول على نتائج أوفر. وفعلا نجح في تفجير النفط لأول مرة في 23 أوت من سنة 1859. وظلت البئر الأولى التي حفرها تنتج حوالي 4000 لتر في اليوم واستمرت خلال أسابيع عديدة (3).
وفي أواخر القرن التاسع عشر كان من المتوقع عقب اكتشاف الكهرباء أن تحل هذه الطاقة محل النفط في غرض الإنارة خاصة، وهو الاستعمال الرئيس لمادة النفط، مما هدد الشركات المشتغلة بإنتاج هذه المادة واستغلالها بالخراب، وهنا جاء اختراع المهندس الألماني (جوتليب) لمحرك يدور بطاقة البنزين بمثابة نجاح باهر ومنقذ للصناعة النفطية، مما أتاح لها الانتشار في بلاد كثيرة خارج الولايات المتحدة في أروبا وأمريكا وجنوب شرقي آسيا (4).
__________
(1) نفسه، ص. 8، 9.
(2) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 9.
(3) نفسه، ص. 10.
(4) نفسه. (1/28)
صفحة 22
1. 1 - تطور الاقتصاد النفطي في العالم:
لقد غدت الصناعة النفطية تلعب دورا خطيرا في السياسة الدولية، وفي الصراع بين الدول المتقدمة حول اقتسام المناطق المتخلفة التي تتوفر على إمكانيات الاستغلال النفطي وتسويق المنتجات النفطية المتنوعة للشركات العالمية، ويمكن تقسيم التاريخ البترولي الحديث إلى مراحل رئيسة ثلاث (1):
أ. مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى:
بعدما حققه حفر البئر الأولى من نتائج، جرى عقب ذلك تأجير المناطق المجاورة لها، واتسعت أعمال الحفر والتنقيب، وأقيمت معامل للتكرير، ومدت
__________
(1) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 11. (1/29)
صفحة 23
خطوط الأنابيب. وفي سنة 1861 نقلت أول شحنة عبر المحيط الأطلسي إلى بريطانيا. ونتيجة لهذا كله ارتفع الإنتاج؛ وسرعان ما قفز من 500 برميل في سنة 1860 ليبلغ 63721 برميل مع مطلع القرن العشرين، إلى أكثر 209000 برميل مع نهاية العقد الأول من القرن.
ولقد ظلت الولايات المتحدة أكبر المنتجين حتى نهاية القرن التاسع عشر حيث برزت الصناعة النفطية الروسية بروزا قويا في حقول منطقة باكو منذ سنة 1874، ثم تطورت ببناء خطوط النقل بالأنابيب وإقامة معامل للتكرير، واستعمال الصهاريج التي تقلها عربات السكك الحديدية.
وانطلاقا من عام 1898، بدأ النفط الروسي يشق طريقه إلى ألمانيا ثم إلى سنغافورة، ولم يلبث أن وصلت شحناته إلى أسواق الشرق الأقصى بواسطة شركة روايال دوتش- شال (1).
ويمكننا القول أن الولايات المتحدة وروسيا كانتا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى هما البلدين الرئيسين في مجال الإنتاج النفطي، ولا سيما عندما نعلم أن إنتاجهما يشكل حوالي 90% من الإنتاج النفطي العالمي (2).
وخلال هذه الفترة ظهرت كل من أندونيسيا ورومانيا كمنتج لمقادير من النفط. ومن أجل حرمان ألمانيا وحلفائها من النفط الروماني خلال الحرب العالمية الأولى قررت دول الحلف الثلاثي المنعقد بين بريطانيا وروسيا وفرنسا تدمير المنشآت النفطية الرومانية، مما خلف أضرارا في استثمارات شركة روايال دوتش-شال، فضلا عن مصالح فرنسية هناك (3). وقد شهدت هذه المرحلة أيضا ظهور الإنتاج الإيراني والمكسيكي والفنزويلي (4).
__________
(1) وهي شركة أنجلوهولندية.
(2) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 12 - 13.
(3) نفسه، ص. 13.
(4) نفسه، ص. 13 - 14. (1/30)
صفحة 24
ولقد كانت للحرب العالمية الأولى آثار بعيدة المدى على مستقبل الصناعة النفطية، حيث استعمل النفط وقودا للسفن والبواخر، واستخدمت الغواصات التي تشتغل بمحرك ديزل لأول مرة، كما كثر استعمال السيارات بأنواعها المختلفة بغرض النقل والتنقل (1).
ب. مرحلة ما بين الحربين العالميتين:
شهدت الصناعة النفطية في الفترة الممتدة بين 1919 و1939 تطورات تكتسي أهمية كبيرة، حيث كبر اهتمام الشركات العالمية بالنفط الفنزويلي، حتى احتل المركز الثاني في الإنتاج العالمي.
أما منطقة الشرق الأوسط فقد اطردت فيها الزيادة في الإنتاج الإيراني، في حين بدأ الإنتاج في العراق، البحرين، الكويت، قطر، والمملكة العربية السعودية، في الظهور لأول مرة.
ومن ناحية أخرى سجلت هذه المرحلة حدثين هامين في عالم النفط، أولهما يتمثل في تأميم الاستثمارات البترولية الخاصة في روسيا، كإحدى الإفرازات لقيام الثورة البلشفية هناك سنة 1917، حيث أغلقت أبواب روسيا أمام الاحتكارات العالمية الكبرى، مما ولد بالمقابل تناقص إنتاجها النفطي وخروجه من ميدان التنافس في الأسواق العالمية.
أما الحدث الثاني فقد صنعته المكسيك، حيث عمدت سنة 1938 بدورها إلى تأميم شركات النفط الأجنبية، وعهدت بالقطاع الصناعي بمجمله إلى مؤسسة وطنية. ولقد اعتبر هذا الإجراء سابقة خطيرة من نوعها ونموذجا فريدا يحتذى به في البلدان الأخرى (2).
__________
(1) نفسه، ص. 8.
(2) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 14. (1/31)
صفحة 25
نمو الطلب البترولي العالمي (1/32)
صفحة 26
جـ. مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية:
لقد كانت هذه الحرب سببا في دفع دور النفط إلى الأمام ليحتل مكانة محورية في الحرب العصرية، وذلك بسبب التطور النوعي الذي طرأ على الآلة العسكرية، مما ولد حاجة إلى أنواع جديدة وعديدة من المشتقات النفطية. ولعل أهم سمات هذه المرحلة تتلخص في:
أولا: الأهمية التي أحرزتها منطقة الشرق الأوسط في مجال النفط، إن من حيث حجم إنتاجه أو من حيث الكميات المخزونة هناك، ولقد أصبحت هذه المنطقة تحتكر ربع الإنتاج العالمي، مثلما صار المخزون النفطي المؤكد وجوده هناك، يزيد عن ثلثي الاحتياطات الموجودة في العالم حسب ما أثبتته الدراسات العلمية آنذاك.
ثانيا: توسع دائرة الصناعة النفطية العالمية لتشمل مناطق إفريقيا وكندا وأستراليا، ولقد شغلت القارة الإفريقية مركز الاهتمام بسبب إنتاجها الوفير والآفاق الواعدة في هذا المجال، بالرغم من حداثة الكشوفات في أقطارها مثل ليبيا والجزائر ونيجيريا.
ثالثا: عودة الاعتبار للإنتاج النفطي السوفياتي نتيجة التحسينات التي أدخلت على الموارد القديمة واكتشاف مصادر جديدة، مما مكن السوفيات من احتلال المركز الثاني في العالم ابتداء من سنة 1961 ليدخل إنتاجهم من جديد ميدان المنافسة العالمية.
رابعا: التوسع الكبير في مجالات تكرير النفط الخام ونقله، فلم تتوقف إقامة معامل التكرير على البلاد المصنعة فحسب، بل تعدتها لتشمل البلدان الأقل نموا في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، كما شهدت أساطيل النقل النفطي تطورًا تكنولوجيا بالغا، وتوسعا كميًّا وحجميًّا هائلا (1).
إن هذه المراحل الثلاث التي مر بها قطاع النفط في العالم، تركت أثرا بالغا في
__________
(1) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.15. (1/33)
صفحة 27
خريطة مقارنة للتدفق البترولي العالمي1946و1951 (1/34)
صفحة 28
العلاقات الدولية، وولدت أطماعا ومغامرات جشعة لدى الدول الاستعمارية، حفزتها للإقدام على غزو البلاد المتخلفة والغنية بالثروات الطبيعية وخاصة الطاقوية والمنجمية منها، أو بسط سيطرتها الاقتصادية ونفوذها السياسي عليها.
والجدير بالذكر أن الجزائر طيلة هذه المراحل كانت ترزح تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية، مما أبقى المبادرة في هذا المجال حكرا على الاستعمار ووفقا لمصالحه ولما يخدم وجوده الاستيطاني على هذه الأرض.
إن دراسة التطور التاريخي المعاصر يبين بوضوح أهمية العلاقة بين البترول والقضايا الجيوسياسية؛ فالاهتمام بالنفط دفع الدول الأجنبية إلى فرض وجودها بهذه المناطق ولقد برزت بريطانيا وألمانيا كأول المهتمين بدلك، مع أن ألمانيا كانت الأكثر نشاطا بفعل علاقاتها المتميزة مع الخلافة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى.
وبانهزام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى توقفت نشاطاتها، وتم تقسيم المنطقة العثمانية إلى منطقتي نفوذ بريطانية وفرنسية، بروح من التفاهم المتبادل لاقتسام الغنيمة وخاصة البترول، وفي القطر العراقي بالخصوص.
بيد أن المصالح البترولية الفرنسية ظلت محدودة جدا مقارنة بالمصالح البريطانية، وسرعان ما ذاعت أخبار بخصوص طبيعة الآبار البترولية في الشرق الأوسط، ووفرة إنتاجها وضعف تكاليف الاستخراج، وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاهتمام بالأمر، ومكنها اندلاع الحرب العالمية الأخيرة من ضمان موقع أهم من الموقع الفرنسي ولا يقل أهمية من الموقع البريطاني (1).
وهكذا وبفعل السرطان الاحتكاري امتد أول امتياز ممنوح في إيران إلى مجموع التراب الإيراني تقريبا وغطى مساحة 1259000 كلم مربع لمدة 99 سنة، وكان على العراق أن يتنازل عن 99% من مساحته لمدة 75 سنة لشركة بترول
__________
(1) أنيسة بومدين، (الامتياز في النظام البترولي)، جريدة الشعب، ع 27/ 02/1994، ص. 10. (1/35)
صفحة 29
العراق ( I.P.C) التي تقاسم رأسمالها خمس شركات بترولية وأمريكيتان (1)، وبريطانية (2)، وأنجلوهولندية (3)، والشركة الفرنسية للبترول ( C.F.P). وتنازلت الكويت عن كل أراضيها لفترة 75 سنة، وفعلت ذلك كل من البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، وأعطت العربية السعودية هذه الشركات ثلاثة أرباع أراضيها لمدة 66 سنة (4).
ولقد شكلت هذه الشركات فيما بينها "كارتلا" نفطيا احتكاريا عملاقا متكاملا بشكل عمودي؛ ويعني ذلك أن أنشطتها تتسلسل من عملية البحث عن النفط وتنتهي بوصوله إلى المستهلك، مرورا بعمليات الإنتاج والنقل والتكرير والتوزيع (5).
غير أن تركز هذه الاحتكارات كان بين الشركات الأمريكية والإنجليزية، مما ولد نوعا من السخط والتذمر في الأطراف الأخرى العاملة هناك، ونخص بالذكر الفرنسيين.
من جهة أخرى فقد أدركت الدول الغربية منذ أوائل الخمسينيات -وخاصة بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، واعتلاء الضباط الأحرار هرم السلطة في مصر- أن الأمن غير مضمون في الشرق الأوسط، وأن انعكاسات الأحداث السياسية والعسكرية بالمنطقة ستسقط لا محالة على الميدان الاقتصادي، وخاصة تموين أروبا بالبترول الخليجي، والأسيوي عموما (6).
وابتداء من الخمسينيات من القرن العشرين حدثت تطورات سياسية على جانب كبير من الأهمية، وسرعان ما أثبتت أنها نقطة تحول بالنسبة إلى البترول
__________
(1) وهما موبيل أويل، وفرع من شركة إكسون.
(2) وهي بريتيش بتروليوم ( B.P).
(3) وهي روايال دوتش-شال.
(4) أنيسة بومدين المرجع السابق، ص. 10.
(5) وزارة الإعلام العراقية، النفط والمعركة، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1973، ص. 8.
(6) د. وهبي البوري، البترول والتعاون العربي الإفريقي، OAPEC، الكويت، 1982، ص. 39. (1/36)
صفحة 30
ومستقبله (1)، ولعل في مقدمة هذه التطورات اليقظة القومية في بلدان الشرق الأوسط بوجه عام. وكان من مظاهر هذه اليقظة انتقاد الامتيازات الممنوحة لشركات البترول والمطالبة بإزالة ما فيها من غبن بتعديل شروطها على النحو الذي يؤدي إلى زيادة نصيب البلدان المنتجة من الأرباح التي كانت تحققها الشركات المستثمرة.
ولقد بلغت هذه الحركة إلى درجة المطالبة بإلغاء تلك الامتيازات تماما وتأميم الصناعة البترولية بوصفها المصدر الرئيس للثروة والرخاء. ولم تتوقف هذه الحركة في الاعتبارات المالية، بل كان الوطنيون في هذه البلاد ينظرون إلى المصالح البترولية على أنها قوى وثيقة الصلة بالأوضاع الاستعمارية التي يرزحون تحت وطأتها والتي تركت بصماتها على السياسة الداخلية في بلادهم (2).
وبلغ السخط على الامتيازات مبلغه في الأوساط الوطنية في تلك البلاد حين أقدم الدكتور مصدق رئيس الوزراء الإيراني سنة 1951 على تأميم صناعة البترول في إيران، وإلغاء امتيازات شركة النفط الإنجليزية الإيرانية.
ورغم أن هذه الخطوة أسفرت عن سقوط حكومة مصدق، إلا أن الأزمة سويت باتفاق الكونسورتيوم ( CONSORTIUM) سنة 1954 والذي يقضي بمبدأ التأميم نظريا، وضمان حقوق ومزايا لإيران هي أفضل بكثير مما كان عليه الحال قبل ذلك (3).
ولقد اعتبرت الدول الأروبية عملية التأميم نذيرا لا يمكن تجاهله أو التهوين من خطورته؛ ذلك أن ما أقدم عليه مصدق في إيران يمكن تكراره في بلد آخر في الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف الشركات العالمية هناك، وهدد مصالحها، إضافة إلى ذلك ظهور عروض تنافسية لشركات أمريكية وإيطالية ويابانية أضافت
__________
(1) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 12.
(2) نفسه ص. 13.
(3) نفسه. (1/37)
صفحة 31
للعلاقات التقليدية المهتزة حدة بين الحكومات الوطنية والشركات العاملة.
وفي هذا السياق قررت حكومة جمال عبد الناصر في مصر في جويلية من سنة 1956 تأميم شركة قناة السويس، فثارت فرنسا وبريطانيا اللتان كانتا تملكان غالبية الأسهم، وعمدتا إلى مختلف أنواع الضغط دون أن ينتهي ذلك إلى نتيجة تذكر. والجدير بالذكر أن حوالي 60% من صادرات الشرق الأوسط يتجه إلى أسواق أروبا (1)، وينتقل عن طريق الأنابيب إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط كما هو الحال لخام العراق أو العربية السعودية، أو عن طريق البحر مباشرة عبر قناة السويس، وتظهر أهمية هذه القناة أكثر إذا عرفنا أن حوالي 72% من السلع العابرة للقناة تتمثل في البترول (2).
ويبدو أن الحكومتين الفرنسية والبريطانية بوقوفهما ضد تأميم القناة، كان من بين مبررات ذلك مخاوف قد ساورتهما من أن تنزع مصر إلى الرفع من رسوم المرور بشكل تعسفي ينعكس على تكلفة نقل البترول، أو أن يستخدم هذا المعبر المائي الهام وسيلة ضغط يعرض للخطر عبور المادة البترولية الحيوية التي تمون وتحرك الاقتصاد في أوروبا الغربية، إضافة إلى ما عاد إلى الأذهان من جراء الصدمة التي تلقتها المصالح الغربية حين أقدم رئيس الوزراء الإيراني د. مصدق على تأميم الشركة الإنجليزية الإيرانية قبل خمس سنوات.
وبالرغم من إعلان الحكومة المصرية من أن ما تدعيه بعض الدول من تهديد مصالحها من جراء التأميم لا مبرر له، إذ من مصلحة مصر العمل على تحسين خدمات المرور حتى تنشط حركة النقل وهو ما يؤدي إلى المزيد من الموارد من
__________
(1) تقدر نسبة صادرات البترول من هذه المنطقة إلى أوروبا حسب السنوات كالآتي:
1950: 58.8% ... 1955: 64.2% ... 1960: 58.1%
انظر: د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 15.
(2) نفسه، ص. 14 - 15. (1/38)
صفحة 32
رسوم المرور (1)، وبالرغم مما أبدته الحكومة المصرية لتعويض المساهمين في شركة قناة السويس، جاءت هجمات خريف 1956 على مصر تشترك فيها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وهو ما أصبح يعرف بالعدوان الثلاثي.
وليس من نافلة القول الاستشارة إلى أن فرنسا بالإضافة إلى ما لحق بها من تهديد لمصالحها الاقتصادية في القناة، فإنها كانت تتهم الرئيس جمال عبد الناصر بالوقوف وراء الثورة التحريرية الجزائرية التي استوفت عامها الثاني.
ولقد كان لهذا العدوان رد فعل بالغ لدى الرأي العام العربي عموما والسوري على وجه الخصوص حيث قام العمال السوريون في الثاني من أكتوبر 1956 بنسف جميع محطات الضخ التابعة لشركة بترول العراق في سوريا مما نتج عنه توقف تدفق البترول العراقي إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهو ما زاد الحال سوءًا. ورغم تصليح الأنبوب إلا أن طاقته انخفضت إلى أقل من النصف.
وعقب العدوان كانت الحكومة المصرية قد اتخذت قرار غلق قناة السويس في وجه الملاحة الدولية واستمر ذلك إلى سنة 1956 (2).
1. 2 - تطور الاقتصاد النفطي في الجزائر:
إن اكتشاف البترول في الجزائر قديم وحديث في نفس الوقت، هذا التناقض الظاهري يجد تفسيره في كون البترول في الجزائر يرجع إلى عهد الفنيقيين، ولكن استغلاله الصناعي لم يكن إلا منذ سنة 1956م.
يعود استغلال البترول في الشمال الإفريقي إلى حوالي سنة 1200 قبل الميلاد، حيث كان الفنيقيون يعرفون هذه المادة لما استوطنوا شمال الجزائر وأقاموا لأنفسهم مستودعات يستعملونها عبر البحر الأبيض المتوسط.
__________
(1) هذا ما تم فعلا، فقد أصبحت سفن تتجاوز حمولتها 80 ألف طن وغاطسها 37 قدما تتمكن من عبور القناة وهو ما لم يكن قبل دلك. انظر: د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 15.
(2) نفسه، ص. 15 - 16. (1/39)
صفحة 33
ولقد استأنف البيزنطيون استعمال هذه المادة في القرن الخامس الميلادي، ثم جاء من بعدهم المسلمون الفاتحون، فتعاقبت الدول الإسلامية إلى العهد العثماني في القرن الخامس عشر.
أ. النفط في التل الجزائري:
وفي العصر الحديث يعد حقل عين الزفت بحوض واد الشلف هو أوَّل ما اكتشف في هذا لمجال بالجزائر، ولقد كان ذلك في سنة 1890م. ثم تلا ذلك ما لاحظه كل من سترابون ( STRABON) وليون أفريكان ( LEON AFRICAIN) إلى وجود دلائل في منطقة الشلف السفلي إلى الشرق من وهران. ولقد شُرع في أشغال الحفر والتنقيب هناك مما سمح باكتشاف النفط في منطقة تريورات (أو تلييوانت) جنوب غرب غليزان في حدود 1915م (1).
إن أمثال هذه الاكتشافات، وإن لم تكن على سبيل الصدفة، فإنها لم تحظ بما تستحقه من البحث والتنقيب، إذ كانت دلائل وجود النفط فيها يظهر على سطح الأرض، دون الحاجة إلى تحسسها بوسائل أخرى، ولا تنتظر إلا أشغال الحفر. ومما يؤكد ذلك هي الأسماء التي أطلقها السكان على هذه المناطق لما انكشف مضمونها على السطح مثل عين الزفت، ووادي القطران، ولقد كانت الشركات المستغلة نفسها ضعيفة وقليلة الوسائل، ويمكن أن نذكر منها: شركة بترول تلييونات، التي شرعت في الأبحاث منذ سنة 1932.
وإذا كانت «المجموعة البترول لخدمة الأبحاث للحكومة العامة في الجزائر» قد تخلت عن أعمال التنقيب، فإن مرد ذلك لما كانت تنطوي عليه من ضئيل الاقتناع والحماس إضافة إلى عدم توفر ما يكفي من الوسائل والإمكانيات. وإذا
__________
(1) وقد كان إنتاجها في ظرف 30 سنة حوالي 30 طن. للمزيد انظر:
- Rabeh Mahiout, le petrole algerien, Edemap ,alger, 1974, p.106. (1/40)
صفحة 34
كان من تفسير لهذا الفشل في الاستغلال البترولي فإنه لا يعدو من أحد أمرين:
أولهما أن عملية البحث قد تركزت على الجزء الشمالي من القطر الجزائري، وعلى الخصوص في حوض وادي الشلف أين دلائل وجود النفط بادية على السطح ولم تبذل من أجل استغلاله جهود كبيرة، ومرد ذلك إلى ضعف الدوافع والوسائل. ومن جهة أخرى لم يكن التفكير واردا لاستغلال الصحراء بسبب واحد هو أن الاستعمار لم يكن لديه اهتمام مطلقا بهذه الأقاليم المقفرة، واكتفى باستغلال الأراضي الشمالية الغنية الخصبة (1).
ثانيهما أن الاعتقاد كان سائدا أن بناء صناعة بترولية في الجزائر لا يكون في صالح السلطة الاستعمارية. وبالرغم من أن المعمرين كان بمقدورهم الحيازة على أراض كبيرة والتحكم فيها من أجل الحصول على الثروة باستغلال اليد العاملة المحلية الرخيصة، إلا أنهم يرون أن استغلال الأرض بالفلاحة تتطلب استثمارا أقل مع قوة المردود مقارنة بالتكاليف البسيطة لليد العاملة المحلية (2).
وفي هذا الإطار فإن اعتبارات أخرى يتعين الانتباه إليها، حيث إن إقامة صناعة على أساس البترول سيسهم في إنشاء كتلة عمالية جزائرية. ومن المعلوم أن العامل بحكم الاحتكاك يتفطن إلى قواعد العمل وعلاقاته بما يتضمن ذلك من حقوق وواجبات وهو ما يشجعه على المطالبة بتحسين ظروفه المعيشية، بعد أن يحصن نفسه بإطار نقابي لإعطاء شرعية لحركته المطلبية على شكل مظاهرات وغيرها والتلويح بقلب الأوضاع. من هنا فإن الاستعمار وجد من مصلحته الإبقاء على أوضاع الجهل والتفكك لمنع التكتلات المنظمة.
ولقد عمل الاستعمار الذي كان قويا لحد أنه كان يؤثر على القرارات المركزية في باريس على الإبقاء على هذا الوضع والمحافظة عليه ما لم يجد مصلحة لتغييره (3).
__________
(1) Rabeh Mahiout, op.cit, p.106. -
(2) - Ibid.
(3) R. MAHIOUT, op.cit p.107. - (1/41)
صفحة 35
ولما وجدت السلطة الفرنسية نفسها عاجزة خلال الحرب العالمية الثانية، تبين أن البترول هو الشرط الأساسي للنهوض وإعادة الإعمار، فضلا عن ربح الحرب. وكان غلاة الاستعمار قد حضروا أنفسهم للتكيف مع المستجدات، من أجل الحصول على قدر أكبر من المصالح من جراء هذه الحركة الجديدة التي لا يمكن تجنبها ألا وهي البحث البترولي في الجزائر.
وبالنظر إلى الأهمية الحيوية للبترول التي برزت أثناء الحرب، ولما لم يكن في الأراضي الفرنسية ما يشير إلى وجود البترول، وجدت السلطة الفرنسية نفسها ملزمة بالبحث عنه في مستعمراتها.
والجزائر بحكم دلائل وجود البترول في الماضي فقد أعطت بالتالي أرضية واعدة للبحث، حيث استؤنفت الأبحاث من جديد سنة 1941م في شمال البلاد دائما، لكن الأبحاث هذه المرة كانت منتظمة وبإرادة أقوى، ومع دلك فإن النتائج لم تكن مشجعة. وتواصلت الأبحاث والأشغال إلى سنة 1949 حيث توجت باكتشاف حقل وادي القطران، من قبل شركة البترول لـ أومال ( AUMALE (1) التي تفرعت عن المجموعة الجزائرية للبحث والاستغلال البترولي CAREP) على عمق قريب (2)، ولقد كان هذا الحقل معروفا منذ زمن طويل فكان سكان المنطقة يلاحظون بقعا من الزيت على وجه الأرض (3).
__________
(1) وهي سور الغزلان حاليا.
(2) عمق هذا البئر يتراوح بين 230م و600م. والنفط المستخرج منه هو من عينة ممتازة، انظر:
C.A.N, G.P.R.A., boite 30, dossier 2, (le sahara, sutiation d’ensemble des hydrocarbures.)
Et Direction du commissariat politique (D.C.P) de l ANP, pétrole et souveraineté nationale, 1972, p.81 et R. MAHIOUT,op.cit, p.p. 107 - 108.
(3) امتد استغلال نفط وادي القطران مدة 8 سنوات، ابتداء من 1949 وأسفرت على النتائج التالية:
1949 ــــ 300 طن. ... 1953 ــــ 84460 طن.
1950 ــــ 3700 طن. ... 1954 ــــ 75760 طن.
1951 ــــ 7360 طن. ... 1955 ــــ 57617 طن.
1952 ــــ 46030 طن. ... 1956 ــــ 33537 طن.
voir: R. Mahiout, op.cit, p. 107. (1/42)
صفحة 36
ولقد جرت محاولات بحث أخرى في منطقة شرق قسنطينة إلا أن النتائج لم تكن مشجعة. واستمرت الأبحاث وأشغال التنقيب جارية في المناطق التلية نظرا لسهولة إنتاجها ونقلها وتسويقها مقارنة بالمناطق الصحراوية التي تفتقر حتى أواخر الأربعينيات إلى أبسط شروط الاستثمار مثل الطرق وشبكات الاتصال وتوفر المياه. ومع دلك فإن هذه الجهود مجتمعة لم تمكن فرنسا إلا من تغطية 6.58% من احتياجاتها البترولية حتى سنة 1956 تاريخ توقف أول استثمار نفطي في الشمال الجزائري (1).
وفي محاولة للكاتب لويس أرمون ( LUIS ARMMAND) تقييم الاستثمار الفرنسي في الشمال الإفريقي حتى سنة 1954 أشار فيها إلى أن هذه المنطقة بقيت على حالها منذ القرن التاسع عشر، ولم يطرأ أي تغيير إلا في منطقة الساحل من أجل التصدير وتطوير الضفة الشمالية للمتوسط، وهو ما دفع الأمريكيين إلى نعت السلطات الاستعمارية في الجزائر بالإمبريالية والاستغلال (2).
ولقد أظهرت الحرب العالمية الثانية الطبيعة الاستراتيجية للبترول، وأثبتت أن امتلاك البترول يشكل الأداة الفعالة لإثبات القوة الاقتصادية والعسكرية، مما دفع السلطة الفرنسية من خلال تجربتها إلى قناعة أنها لا يمكن أن تدع أرصدتها تحت رحمة المساهمة الوحيدة للشركة الفرنسية للبترول ( C.F.P) من أجل استغلال حقول الشرق الأوسط في إطار شركة بترول العراق (3).
ومنذ ذلك الحين ظهرت أهمية المناطق الصحراوية وبشكل فجائي في هذا المجال بالرغم من العقلية السائدة التي لا تشجع العمل والاستثمار هناك.
__________
(1) ل. ق. فاسور، النفط في العالم، ترجمة د. عدنان نجا، منشورات عويدات، بيروت، 1961، ص. 161 - 171.
(2) - in Les document de la revue de deux mondes, n° 4, Janvier 1959, p.28.
(3) - R. MAHIOUT, op.cit, p.106. (1/43)
صفحة 37
ب. النفط في الصحراء الجزائرية:
إن المتأمل في مسألة استثمار وتثمين المناطق الصحراوية الجزائرية ليجد إلى جانب ما ذكر آنفا ظروفا أخرى ساعدت على تجاوز الحاجز وانطلاق الأشغال، فمن ذلك ما كان داخليا حيث إن الحصيلة الضئيلة والانخفاض المستمر في إنتاج المناطق التلية رغم كل الجهود المبذولة قد ساهما وبكل قوة في اقتحام المجال الصحراوي، وخاصة مع تزايد متطلبات الحرب العالمية الثانية دون القدرة على تلبية الاحتياجات الضرورية، إضافة إلى وجود دلائل على إمكانية وجود النفط هناك، حسب ملاحظات بعض المختصين منذ العشرينيات من القرن العشرين (1).
وبالمقابل فإن ضعف الإمكانيات التقنية لدى الفرنسيين ونقص التجربة الفنية في هذا المجال مقارنة بالإنجليز والأمريكان، حالا دون خوض غمار الصحراء التي تتطلب إلى جانب ذلك ميزانية إضافية مقارنة بالاستثمار في الشمال، بغض النظر عن متطلبات بناء الهياكل القاعدية التي تسبق كل تفكير في الاستثمار بالصحراء.
غير أن الفرصة التي توفرت خلال الحرب الكونية الثانية، والتي سمحت بالتعاون بين الحلفاء في الميدان التقني والمالي، شأنهما شأن بقية الميادين، أعطت دفعا أثناء الحرب وبعدها لهذا القطاع الذي كان العامل المحدد لنتائج هذه الحرب هزيمة ونصرا وفقا لمدى التحكم في مصادر الطاقة (2).
ولقد كانت الإرادة السياسية وروح المغامرة لدى السلطة الاستعمارية غائبتين، خاصة وقد تعلق الأمر بمنطقة ليس للحساب الاجتماعي ولا للبعد الإنساني فيها مكان في منظور السلطة الفرنسية، على المستوى العملي على الأقل طالما لم تكن هناك مصلحة استراتيجية، أو منفعة اقتصادية تدفعان هذه السلطة إلى
اتخاذ إجراءات فعلية، وترتيبات ميدانية إضافة إلى ما تكتنف هذا الإقليم من المخاطرة والمغامرة، إن على المستوى البشري أو في الجانب المادي، حيث إن ظروفا ذات طبيعة جغرافية هي التي تحدد الوسط الصحراوي وتتدخل لتعطي صبغة خاصة لهذا النشاط الاقتصادي وتحيله أكثر صعوبة وأكثر تكلفة، ويتطلب أكثر وسائل مقارنة بمناطق أخرى من المعمورة (3).
__________
(1) من هؤلاء المختصين نذكر كليان ( KILLIAN) و مونشيكوف MENCHIKOFF)) وقد أنجزا أعمالا أولية تمت متابعتها من قبل مصلحة الأبحاث المنجمية في الجزائر ( S.R.M.A.) انظر:
- in, Les documents de la revue de demondes, op.cit, p. 19.
(2) . Ibid -
(3) تعتبر الحرارة أبرز الشروط الجغرافية التي يمكن الإشارة إليها: ما يقرب من 13 درجة بالأغواط، و15 درجة بالمنيعة، وحوالي 18 درجة بعين صالح، ولكن هذه المتوسطات لا تعبر عن شيء يذكر علما أن المناخ الصحراوي يتميز بسعة مداه الحراري وطوله سنويا، فالمتوسط لعين صالح مثلا: 45.1، وفي تيميمون 55.4 في الظل، كما ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الفرق الشاسع بين الليل والنهار من حيث درجة الحرارة الذي يبلغ 30 درجة ونشير إلى أن مشكل تباعد المسافات لا يقل صعوبة عن الحرارة، انظر: ... - Ch-Verlaque, Sahara Petrolier, tome I, p. 33. (1/44)
صفحة 38
وعلى غرار الضغوط التي برزت على الساحة الداخلية لتساهم في بلورة القرار الفرنسي في هذا الشأن، فإن هناك إلى جانب ذلك ضغوطا خارجية اشتركت في تشكيل هذا القرار وأسرعت في صدوره.
فمما لا يختلف فيه اثنان أن المنافسة بين الشركات الكبرى الاحتكارية العالمية في ميدان النفط بلغت أشدها منذ الثلاثينيات، وكان تركزها في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول، بيد أن سيطرة الشركات الأمريكية والإنجليزية كانت ظاهرة، مما أثر سلبا على فرص المساهمة الفرنسية هناك، وعلى قرارها السياسي وأمنها الاقتصادي وهو ما جعل السلطات الفرنسية تفكر بجد في إيجاد حلول تخرجها من هذه الوضعية الحرجة.
وعلى المستوى الأوروبي فقد أدركت الدول الأوروبية منذ أوائل الخمسينيات (1) أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت غير مأمونة، وأن الأحداث السياسية والعسكرية التي تموج فيها ستنعكس بلا شك على الميدان الاقتصادي
__________
(1) خاصة بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، واعتلاء الضباط الأحرار هرم السلطة في مصر. (1/45)
صفحة 39
وخاصة على إمدادات البترول إلى أوروبا الغربية. ومن المحتمل جدا تعرض الدول الغربية إلى كارثة اقتصادية حقيقية في حال توقف التموين بهذه المادة الاستراتيجية، والحد من النمو والازدهار الذي تحقق بفضل بترول الشرق الأوسط البخس (1).
إنَّ العوامل التاريخية التي يرجع إليها تطور السياسة الفرنسية في قطاع النفط برزت جزئيا من الإحباطات التي أصابت أصحاب القرار في فرنسا في الثلاثينيات والسنوات الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ولقد كانت هذه الإحباطات نتيجة إبعاد فرنسا من الاستفادة من الامتيازات المتوفرة في المناطق المهمة من حيث إنتاج النفط في الشرق الأوسط، هذه المنطقة التي ظلت زمنا طويلا محل اهتمام فرنسا. ولقد كانت هذه الوضعية في نظر الفرنسيين هي نتيجة تحركات خفية لقيت دعما قويا من قبل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، جعلت السياسة النفطية الدولية تتطور إلى ما وصفوه بـ ”شبه مؤامرة أنجلو-أمريكية“ (2).
وكان من الطبيعي على فرنسا في بحثها عن سياسة تجنبها خيوط ”شبه المؤامرة“ هذه أن تركز اهتمامها على مستعمراتها، وعلى رأسها الجزائر. وفعلا جرت الأشغال البترولية بكثافة وصرفت الأموال بغزارة، وتحملت السلطات الفرنسية مخاطر الفشل وأعطت الضمانات المرضية لرؤوس الأموال الخاصة والأجنبية، وساهمت بالجزء الأكبر من تلك الأموال. غير أن بوادر النجاح الحقيقي لهذا المسعى لم تحدث إلا قبل استقلال الجزائر بسنوات قليلة. وبذلك خاب أمل الفرنسيين في تحقيق الاستقلال في قطاع النفط (3).
ومن أجل استحضار الارتباط التاريخي بين البترول والصحراء الجزائرية، يجدر بنا الرجوع إلى سنة 1929 منذ كشف الجيولوجي (كيليان KILLIAN) عن الوجود
__________
(1) د. وهبي البوري، المرجع السابق، ص. 89.
(2) بيتر ر. أودل، النفط والقوة العالمية، تر. د. راشد البراوي، المكتبة الأنجلو- مصرية، القاهرة، 1977، ص63.
(3) نفسه. (1/46)
صفحة 40
المحتمل للمحروقات في الصحراء. غير أن تصريحه لم يؤخذ بعين الاعتبار لأن مصالح استعمارية قوية (1) وقفت دون انتشاره، فضربت بجدار الصمت على أعماله (2). وبالرغم من أن هناك من لم تظهر لديه أهمية الصحراء ولا أية منطقة أخرى في إفريقيا بدرجة ترشحها لأبحاث مستقبلية في مجال النفط - وذلك بانعدام دلائل وجود البترول بصفة تكاد تكون مطلقة، ومن هؤلاء نجد (هالي هلبرت HALIS HELBERT) المهندس الجيولوجي لدى هيئة بترول الخليج ( Golf oil corporation) واحدة من أكبر الشركات العالمية (3) - إلا أنه في دراسة جغرافية للصحراء قام بها (إيميل غوتي E .. GOTIER)، أكَّد فيها أنَّ هذه المساحة الشاسعة من الممكن أن تصبح مصدرا هائلا للرخاء. وسوف نجد فيها كميات هائلة من البترول في يوم ما (4).
وجاءت مصالح أقوى من سابقاتها لتضع حدا لمثل هذه العراقيل التي حالت دون استغلال الصحراء. وهكذا ففي أكتوبر 1945، وبعد ستة أشهر من انتهاء الحرب العالمية الثانية أعلنت الحكومة الفرنسية عن تأسيس مكتب الأبحاث البترولية ( B.R.P)، وقد أوكلت لهذه الهيئة الجديدة مهمة تحضير وتسيير برنامج شامل يغطي التراب الفرنسي وباقي ما يسمى بالاتحاد الفرنسي. وتسمح الصيغة المرنة لهذا المكتب بممارسة نشاطه بطرق متعددة، سواء بأعمال بحث مباشرة أو بإنشاء شركات للبحث والتنقيب (5).
ولقد استهل هذا المكتب أعماله بإجراء استطلاع على شمال الصحراء، من أجل الوقوف على الطبيعة الجغرافية وحصر نوعية الخرائط المتوفرة حول هذه المنطقة، ولقد أثمر هذا الاستطلاع وأعطى دفعا من أجل تعميق الأبحاث.
وتبعا لذلك تلقت الشركة الفرنسية للبترول ( C.F.P) هذه الأخبار بالتزكية
__________
(1) سبقت الإشارة إلى أهمها.
(2) - L.V. Vasseur, Pétrole et gaz naturel dans le monde, A Colin, Paris, 1960, P.41 .
(3) - Thomas Mac-Robert, Sahara et communauté, P.u.f, Paris, 1960, p. 148.
(4) - Ibid.
(5) - P.D.Durand, La politique pétrolière internationale, P.u.f, Paris, 1965, p.75. (1/47)
صفحة 41
والارتياح وهي التي اكتسبت تجربة قوية بالشرق الأوسط، فأرسلت ابتداء من سنة 1949 بعثة لمهمة بالصحراء، توجت بتقرير مشجع مهد بالتبع لتأكيد وجود المحروقات بالصحراء الجزائرية، ولم تنتظر للتأكد من ذلك حتى جهزت وسائل التدخل من أجل الشروع في الأشغال (1).
ولقد ساهم مكتب الأبحاث البترولية في سنة 1946 في إنشاء الشركة الوطنية للأبحاث البترولية في الجزائر ( S.N.REPAL) بالاشتراك مع الحكومة العامة في الجزائر.
وفي إطار السياسة الاستعمارية لأقطار الشمال الإفريقي، أنشأت حكومة باريس سنة 1950 ما سمي مناطق التنظيم الصناعي في إفريقيا ( Z.O.I.A) حيث شمل هذا التنظيم منطقتين في الجزائر: منطقة التنظيم الصناعي الأولى، وغطت أقصى الغرب الجزائري وأقصى الشرق المغربي، والجزء الشمالي الغربي من الصحراء، أما منطقة التنظيم الصناعي الثانية فتضم أقصى الشرق الجزائري وأقصى الغرب التونسي، والجزء الشمالي الشرقي من الصحراء الجزائرية (2).
ومما يرمي إليه هذا التنظيم، هو استدراك ما لوحظ من قبل من تشتت الإمكانات المادية والبشرية المجندة لاستغلال الصحراء الشاسعة، والعمل على تركيز هذه الجهود في بعض الأقاليم التي تزخر بثرواتها الدقيقة والمتنوعة (3).
وتعتبر سنة 1952 بداية انطلاق البحث النفطي في الصحراء، وذلك بتوزيع أول دفعة من التراخيص غطت مساحة 600.000 كلم2، استفادت منها أربع شركات بترولية (4).
ودعما لهذا الاتجاه إلى الاستثمار في الجنوب الجزائري، أولت السلطات الاستعمارية عناية متميزة بالبلديات الصحراوية منذ سنة 1952، وخصصت لها أغلفة مالية تعد معتبرة مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما كانت الميزانية المخصصة لأقاليم الجنوب في مجملها قبل سنة 1947 بما فيها الموارد الجبائية شيئا غير ذي بال (5).
وكانت الحكومة العامة في الجزائر قد أنفقت للسنة المالية 52/ 1953 أكثر من مليارين وربع مليار ف. ق. على ميزانيتها الاستثنائية من أجل تجهيز أقاليم الجنوب فضلا عن ميزانيتها العادية التي بلغت مليارا ونصفا (6).
ولقد ارتفعت ميزانية السنة المالية 53/ 1954 للجزائر إلى أكثر من 76 مليارا ونصفا من الفرنكات لتقارب في السنة المالية الموالية ما مقداره 130 مليار (7).
ومنذ أن تعززت افتراضات المسوح الأولية بشأن إمكانية وجود حقول البترول والغاز، توالت عدة شركات البحث والتنقيب والاستغلال في الصحراء، ولقد تأكدت هذه الافتراضات سنة 1954 بوجود الغاز في منطقة عين صالح (8).
وبعد أن أظهرت النتائج بوادر النجاح جندت الحكومة الفرنسية ثلث نفقاتها التي كانت توجه للأبحاث البترولية في مستعمراتها، وخصصتها ابتداء من 1955 للأبحاث التمهيدية والتنقيب في الصحراء (9).
مما تقدم يتبين أنه قبل سنة 1956 تاريخ اكتشاف البترول بالصحراء الجزائرية لم تكن للحكومات الفرنسية التي تعاقبت على هرم السلطة في باريس سياسة واضحة تخص التنمية في الصحراء وترمي إلى
__________
(1) - R. Mahiout , op.cit, p.p 110 - 111.
(2) Treyer.Claude , Sahara 1956 - 62, Les belles lettres, Paris, 1966, p.39. -
(3) Ibid , p.39. -
(4) - C.A.N, G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1, (Notes sur le pétrole saharien ), p. 14.
(5) تحصلت بلدية كولب بشار على مبلغ 170 مليون فرنك فرنسي، وبلدية غرداية على مبلغ 150 مليون ف ف، وتلقت ورقلة 52 مليون ف ف وأجار 17 مليون ف ف. انظر: ... treyer, op.cit -
(6) ارتفعت ميزانية سنة 1947 لأقاليم الجنوب متضمنة الموارد الجبائية وكذا لنفقات المدنية إلى حوالي 480 مليون ف ف من الموارد مقابل 450 مليون ف ف من النفقات. انظر:
- Britch jacques perspéctives sahariènnes, ch. Lavauzlle et Cie, Paris, 1956.
(7) للإشارة فإن قيمة الفرنك الفرنسي قد تغيرت سنة 1953 عما كانت عليه سنة 1947. انظر:.- Ibid
(8) - C.A.N, G.P.R.A, Boite 30, dossier 2, op.cit, p.58.
(9) - Treyer.C. op.cit, p.p 39 - 40. (1/48)
صفحة 42
ترقية المستوى الاجتماعي والاقتصادي للسكان هناك، وهو ما يدل دلالة واضحة على أن السياسات المنتهجة هناك في المجالين الاقتصادي والاجتماعي إنما كانت انعكاسا مباشرا لتدفق المحروقات مما اقتضى إعطاء بعض الاعتبار للمحيط الاجتماعي، بقدر يضمن الاستغلال الشامل والفعال لخيرات وثروات الصحراء.
jK (1/49)
صفحة 43
[صفحة بيضاء] (1/52)
صفحة 44
تثمين المناطق النفطية
في الصحراء الجزائرية
2. 1 - التجهيز القاعدي
أ. الطرق والسكك الحديدية
ب. المطارات
جـ. الاتصالات
2. 2 - أشغال البحث والتنقيب
أ. الدراسات والمسوح
ب. التنقيب والحفر
جـ. الاكتشافات والاحتياطات
2. 3 - عمليات استغلال الحقول النفطية
أ. الإنتاج النفطي
ب. النقل النفطي
جـ. تسويق النفط (1/53)
صفحة 45
[صفحة بيضاء] (1/54)
صفحة 46
تثمين المناطق النفطية
في الصحراء الجزائرية
لقد كان الثقل الاقتصادي الفرنسي منذ سنة 1952 في مناطق الصحراء الجزائرية ملحوظا بعد أن أتى عليها حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا. ولعل أهم مظاهر هذا الثقل الاقتصادي متجسد في ثلاثة محاور أساسية:
أولها برز على مستوى البنية التحتية، بما يضمن التنقل عبر جهات هذا الفضاء الشاسع عن طريق البر والجو، وبما يسهل الاتصال بين أطرافه المتباعدة.
ثانيها تجلى في الأشغال المختلفة التي باشرها المستثمرون في تلك المناطق، من دراسات ومسوح وتنقيب وحفر، وما سجل عقب ذلك من اكتشافات وما رصد من احتياطات نفطية وغازية.
ثالثها تجسد في عمليات استغلال الحقول النفطية والغازية، بدءا بالإنتاج فالنقل فالتسويق.
إنَّ هذه المحاور الثلاثة في عملية التثمين وما صاحبها من تدفق للأموال، والتي سنتناولها بالتفصيل فيما يأتي، هي التي حولت ثروات الصحراء المدفونة في جوف الأرض إلى رؤوس أموال أنعشت الاقتصاد الفرنسي والأوروبي بوجه عام.
2. 1 – التجهيز القاعدي:
لقد تطلبت أشغال البحث والتنقيب عن المحروقات إنشاء شبكة من المواصلات والاتصالات، تستجيب لتطور المرحلة وتؤمن إيصال المعدات والآلات وفرق الأشغال إلى مناطق الاستغلال، وتؤمن إيصال المحروقات إلى الساحل، كما تضمن فك العزلة عن المناطق والقرى النائية (1).
__________
(1) Treyer.C., op.cit ,p100. (1/55)
صفحة 47
أ. الطرق والسكك الحديدية:
ليس من نافلة القول الإشارة إلى وجود مواصلات برية قبل سنة 1952، غير أنها صارت قديمة وعديمة الفعالية والمردود، ولا تلبي حاجات الشركات العاملة في الصحراء، حيث تتطلب السرعة واستثمار الوقت واستباق الزمن، فكان لزاما البدء في إرساء هياكل قاعدية تكون في مستوى ثقل الاستثمار في الصحراء.
لقد كانت المواصلات البرية، والطرق تحديدا حتى نهاية الحرب الكونية الثانية، تمتد عبر ثلاثة محاور من الشمال حتى أبواب الصحراء، فنجد في الشرق طريق قسنطينة-بسكرة المعبد الذي أتم في أواخر الحرب العالمية الأخيرة ليصل إلى ورقلة عبر تقرت. وفي الوسط يمتد طريق الجزائر الأغواط المعبد عبر مسافة تبلغ 450كلم، فيما يمتد في الغرب طريق وهران - بوقطب (240 كلم شمال بشار (1)).
ومن هذه الواحات الثلاث: ورقلة والأغواط وبشار، تنطلق مسالك عابرة للصحراء من الشمال إلى الجنوب إضافة إلى مسالك أخرى تقدر بـ 12000 كلم، حالت دون إنجازها وتعبيدها ضآلة مردوديتها الاقتصادية، وثقل فاطورة كلفتها وصيانتها، وهوان السكان المستفيدين منها في أعين السلطات الاستعمارية.
وغداة اكتشاف المحروقات في جبل برقا بعين صالح، في إيجلي وحاسي مسعود، هبت مديرية الأشغال العمومية بالحكومة العامة بإنجاز شبكة طرق يبلغ طولها 1200كلم لتسهيل عملية النقل والاستثمار وذلك على محورين اثنين، ينطلق محور الشرق من حقول إيجلي فالعقرب مرورا بحاسي بلقيور وقاسي الطويل وحاسي مسعود ثم الوادي وتقرت ليصل إلى بسكرة متجها نحو الشمال، فيما ينطلق محور الوسط من حاسي مسعود ثم ورقلة وغرداية ثم الاغواط في اتجاه الجزائر. كما وصلت غرداية بطرق طولها 270 كلم بالمنيعة ثم بعين صالح جنوبا (2).
__________
(1) - Piarre Cornet, Du merage au meracle, Petrole saharien, Nouvelle Edition La tine, Paris, 1960. p201.
(2) Ibid. - (1/56)
صفحة 48
ولقد قدرت مسافة الطرق المعبدة حديثا بمسافة 1100 كلم بحلول سنة 1957 منها 600 كلم بصدد الإنجاز، وكان لهذه الشبكة دور في حيوية وحركية عدد من مدن الواحات مثل تقرت وورقلة وغرداية والوادي، التي استفادت من العبور من وإلى مناطق الأشغال وحقول المحروقات، فأصبحت مراكز هامة اقتصاديا تقدم الخدمات وتوفر البضائع والسلع.
أما في محور الغرب فقد تم إنجاز طريق معبد ليصل المنطقة العسكرية والاقتصادية كولب بشار بمنطقة توات وأدرار و قورارة، فأصبح طول شبكة الطرق حوالي 2500 كلم دون إضافة المسالك التي تم توسيعها أو ترميمها (1).
أما السكك الحديدية فقد بقيت إنجازات بداية القرن على حالها، فنجد المحاور الثلاثة للخطوط الحديدية المتجهة من الشمال إلى الجنوب، ففي الغرب يمتد الخط الحديدي بين سعيدة وبشار الذي تم إنجازه سنة 1906 بهدف استغلال مناجم الفحم، وفي الوسط يمتد خط الجزائر-الجلفة وهو خط ضيق ذو استعمال محدود، وفي الشرق نجد الخط الحديدي قسنطينة-بسكرة الذي جرى إنجازه سنة 1941 ثم وصل بخط ضيق نحو تقرت، ثم وسع بعدئد لنقل النفط نحو بجاية (2).
ولقد قامت المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية بدراسة الموضوع القديم للخط الحديدي "العابر للصحراء (3) " دراسة تتسم بالجدة والاستقلال آخذة بعين الاعتبار المعطيات السياسية والاقتصادية القائمة ولقد أفضت الدراسة إلى محدودية
__________
(1) توزع الطرق كالآتي: 1200 كلم هي طرق معبدة، 2880 كلم هي مسافة المسالك والطرق الرديئة، ويبلغ إجمال الحمولة التي يتم نقلها سنويا حوالي 560000 طن من السلع والبضائع المختلفة، بترولية، عسكرية، غذائية، بضائع الأشغال العمومية وآلات الحفر انظر:
Delegation generale du gouvernement en algerie, Plan de Constantine 1959 – 1963, rapport general, juin 1960, p.p. 136 – 142.
(2) انظر: الملحق شكل 16.
(3) وهو ما يسمى " Le transaharien " أو " Mediteranee-Niger"، وكان يرمي إلى وصل الخط الحديدي "ميناء التمروس- بشار العبادلة" قرابة 535 كلم بخط آخر سينجز فيما بعد من بشار عبر عين تاسيت نحو النيجر بحوالي 1871 كلم يتفرع بعد ذلك في اتجاهين: اتجاه غربي نحو سيقو Sigou 1014 كلم واتجاه جنوبي نحو قاو Gao 146 كلم، ونيامي 317 كلم. انظر: ... P. cornet, op.cit, p205. - (1/57)
صفحة 49
خطوط السكك الحديدية (خريطة) (1/58)
صفحة 50
جدوى المشروع اقتصاديا وسياسيا حيث إن الحركة التجارية في الصحراء ضئيلة وتقليدية كما أن الأقطار المجاورة المعنية في طريقها إلى الانعتاق، ومن سوء حظ سكان الصحراء أن قضي بإغلاق ملف هذا المشروع لأن الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية ليس لها حيز ضمن دراسات السلطات الاستعمارية.
وفي مجال السكة الحديدية دائما، ومن أجل استغلال مناجم الحديد في منطقة غار جبيلات، وضع مشروعان لخطين حديديين، وذلك طبقا للدراسات التي جرت تحت إشراف مكتب المجموعات الصناعية الإفريقية، ومكتب الأبحاث المنجمية في الجزائر، والسكك الحديدية المغربية وقد أفضت هذه الدراسات إلى (1):
المشروع الأول يصل تندوف بالعبادلة على بحر النيجر ( Le mer Niger) بمسافة 700 كلم مرورا ببعض الدروب الوعرة.
المشروع الثاني يتجه على العكس نحو دراع إلى الشمال وتكون السكة الحديدية ممتدة قبل ذلك في خط مستقيم تقريبا على منطقة الرق في اتجاه الزاوية الشمالية الشرقية للصحراء الغربية (2) على طريق دراع.
وسيكون لزاما من أجل إنجاز هذا المشروع حفر نفقين من أجل عبور حمادة تندوف وجبل أوركزيز ( Ouar Kziz) (3) .
وفي اتجاه الغرب كان يتوقع أن يأخذ أحد الخطين طريقه في اتجاه (آسا) لاختراق جبل باني بإنجاز نفق بين (آسا) و (تايدالت) ثم يكون بعد ذلك الخيار بين طريقين يكون أحدهما يمر شمال كتلة جبال راستارف ( Rastarf) وهو الخيار الأفضل، وثانيهما يشق سهل واد (بو إسلان) ثم يتجه الخط في النهاية نحو الشمال في
__________
(1). Britch .J, op.cit, P52 -
(2) المستعمرة الإسبانية سابقا.
(3). Ibid - (1/59)
صفحة 51
اتجاه الساحل إلى ميناء الغزالة ( La gazelle)، ويمتد هذا لخط عبر مسافة تتراوح على التوالي بين 470 و495 كلم حسب الخيارات المتقدمة (1).
أما الخط الآخر فيمر عبر مسافة الضفة الشمالية لدراع ليصل إلى (لافاليز) ( La valaise) شمال شرق كاب دراع، غير أنَّ هذا الخط يتطلب عملا فنيا إضافيا بسبب كثرة الأودية ولكن دون الحاجة إلى حفر نفق، ويمتد خط جبيلات -كاب دراع عبر طول 555 كلم.
تلك هي الخيارات التي توجه المشروع نحو الشمال، أمَّا الخيار المطروح باتجاه الجنوب انطلاقا من جبيلات فهو صوب ميناء إتيان ( Port-Etienne).
وإذا كانت المسافة التي تفصل جبيلات عن هذا الميناء مقدرة بـ800 كلم بقياس الطيران؛ أي بفارق 300 كلم تقريبا، إلا أنها تمتاز بأرضية مساعدة جدا لمد السكك الحديدية ولا تتطلب أشغالا فنية تذكر، إضافة إلى ما يترتب عن ذلك من حركة اقتصادية عابرة للصحراء من وهران إلى بشار إلى (إتيان) أو بيلاواك " Bilaouak" (2) .
إنَّ هذه المشاريع التي تطال قطاع النقل كانت بدافع حل إشكالية نقل المعادن، وخاصة تلك التي تم الكشف عنها في منطقة غار جبيلات، والتي تخص مناجم الحديد بما تتراوح تقديرات احتياطييه بين مليار إلى ستة ملايير طن بإمكانية إنتاج سنوي تتراوح من 10 إلى 20 مليون طن (3).
__________
(1) Britch.J op.cit, P.P. 53 - 55. -
(2) Ibid. / Delegation G.G.A, opcit, p.p 143 – 146. -
(3) تقدر نسبة الحديد في هذا الحقل بـ 55 - 65 % مع نسبة 1% من الفسفور، ويمكن تسويق هذا الحديد في أروبا ( C.A.F) بين 8 - 10% أقل من الحديد السويسري " D"Kurina إلى 59%. ويمكن منافسة حديد منجم لوران في السوق الألمانية. للمزيد انظر: ... - Britch, j., Ibid, p.p 52, 56 (1/60)
صفحة 52
الحقول المنجمية الرئيسية في الصحراء (خريطة) (1/61)
صفحة 53
ب. المطارات:
استجابة للحاجة الملحة لتطبيق برنامج تطوير واستغلال المناطق الصحراوية، جاءت عملية إنشاء المطارات ابتداء من سنة 1952 تلبية لمقتضيات المرحلة التي تقتضي السرعة والنجاعة لنقل الآلات والمعدات وفرق البحث والمؤن. ومعلوم أن إنجاز المطارات هو خير الحلول نظرا لسرعة إنجازها وقلة كلفتها نسبيا مقابل تعبيد طريق بري صحراوي يتكلف الكلم الواحد منه من 10 إلى 25 مليون فرنك فرنسي قديم، أو خط حديدي، هذان اللذان لا يملي إنشاؤهما إلا ضرورة اقتصادية أو اجتماعية أكيدة ومستمرة على الدوام، وهذه الميزة لا تظهر عادة إلا بعد جملة من الأبحاث والدراسات التي تسلط على الحقل النفطي لضبط حجمه وكثافته ونسبة تلوثه بالكبريت أو غيره من المواد، هذه الاعتبارات وكلها وغيرها التي تسبق عملية الاستغلال تتطلب إنشاء أرضية للمطار تسهل للخبراء مهامهم قبل استصدار أي قرار في شأن قيمة هذا الحقل أو ذاك.
وبناء على ذلك كله تم توزيع عدد معتبر من المطارات على مناطق الاستكشاف عبر الصحراء ويقدر عددها بـ 100 مطار منها 20 ذو أرضية واسعة وهي كلها تابعة للشركات البترولية التي استفادت من رخص التنقيب إضافة إلى مطارات أخرى ذات الاستعمال العام وهو ما مجموعه 26 مطارا (1). وانطلاقا من هذه المطارات مدت جسور جوية باتجاه المدن التلِّية الرئيسة، الجزائر، وهران وقسنطينة، وكذا إلى باريس.
وكانت الجزائر تمتلك بنية تحتية للطيران متواضعة، وجاء مشروع تطويرها استجابة لاحتياجات مختلفة. و يمكن أن نصنفها إلى ثلاثة أنواع:
الأول: المواصلات الجوية بين الجزائر من جهة والبلدان الأوربية من جهة ثانية، ففي 1959 تقلع حوالي 100 طائرة من مطار الجزائر وحوالي 40 طائرة من
__________
(1) / Treyer.C., op.cit, p.46. P.Cornet, op.cit, p.206. - (1/62)
صفحة 54
مطار وهران، وعدد مماثل من المطارات الثلاثة للشرق الجزائري (1).
وحسب التوقعات الفرنسية فإن هذه الحركة في الطيران ستعرف تطورا بفعل نمو الاقتصاد الجزائري المسطر في برنامج قسنطينة، مما يفرض تدعيم المطارات الجهوية الثلاث، الدار البيضاء في الجزائر والسينياء في وهران و) لي صالين Les salines) بعنابة، كما سيتم تجهيز مطار عين الباي بقسنطينة لنفس الغرض.
الثاني: المواصلات الجوية نحو الصحراء وتكتسي هذه الخطوط التي تربط الصحراء بمختلف الجهات أهمية بالغة لدى السلطات الفرنسية لتقديم خدمات يومية منتظمة وذلك عبر رحلات لأسراب الطائرات الثقيلة لنقل العتاد الصناعي والمؤن بالإضافة إلى العاملين في الحقول البترولية والغازية.
الثالث: المواصلات الجوية الرابطة بين حوالي 20 مدينة جزائرية ومغاربية وخاصة تونس والمغرب (2).
وحسب البرنامج الخماسي الذي اعتمدته الأمانة العامة للطيران المدني والتجاري الفرنسي ( S .G.A.C.C) بالاتفاق مع المصالح المعنية في الجزائر، والدوائر العسكرية، فإن أشغالا للتوسعة برمجت للمطارات الجهوية الثلاثة، وسيتم تهيئة المطار الجديد عين الباي بقسنطينة، وبناء مطار آخر جديد في بجاية حيث إن موقعه القديم لا يسمح بالمد الكافي لأرضياته، إضافة إلى أشغال مختلفة لتطوير المطارات الداخلية الأخرى.
وتدخل هذه المشاريع ضمن ميزانية الأمانة العامة للطيران المدني والتجاري في جزئها الأكبر، وقد قدر غلاف هذه الاستثمارات بـ 200 مليون فرنك جديد.
__________
(1) وهذه المطارات هي مطار عنابة، ومطار بجاية وقسنطينة انظر:
- Délégation générale du gouvernement en Algérie, op.cit p.148.
(2) - Ibid ,p.p.148 - 149. (1/63)
صفحة 55
جـ. الاتصالات:
ابتداء من 1958 ومن أجل إعطاء دفع لاستغلال وتطوير المناطق الصحراوية، أعطيت الإشارة لإنشاء وتطوير شبكة الاتصالات الهاتفية والتلغرافية لتقريب المناطق الصحراوية بعضها من بعض، ومن العواصم العمالية داخل الجزائر ومن العاصمة الفرنسية باريس.
واعتبارا للأبعاد التي أخذتها الحرب التحريرية في الجزائر، ونظرا إلى شساعة المساحة الصحراوية وما يتطلبه من أعباء مالية من أجل إنشاء شبكة من الأسلاك الهاتفية، ومسايرة للتطور التقني في هذا المجال، لجأت السلطات الفرنسية إلى تأسيس شبكة هيرتزية ديكامترية وذلك بنصب محطات إرسال و استقبال في كل 200 أو 300كلم (1).
ومن دون أن تستهلك هذه المحطات قدرا كبيرا من الطاقة فإنها تكفل اتصالا دائما للقواعد النفطية بمصالحها بالشمال الجزائري وبفرنسا، إضافة إلى ما استفادت به الشركات الراسية بالصحراء من شبكات خاصة من أجهزة الراديو من شأنها أن تكفل لها الاتصال بين فرق البحث المتنقلة وقواعدها المركزية من جهة ثانية، وبين هذه القواعد وعواصم العمالات الثلاث وباريس من جهة أخرى (2).
وبناء على ما سبق فقد تم تصميم وإنجاز هذه الشبكة من الاتصالات الهيرتزية، وربط المناطق الصحراوية بها على النحو التالي:
خط قسنطينة - تقرت - ورقلة - حاسي مسعود.
خط الجزائر - الأغواط - غرداية - ورقلة.
خط وهران - كولُمب بشار.
__________
(1). Treyer.C., op.cit, p100 -
(2) Ibid. - (1/64)
صفحة 56
وفي داخل المجال الصحراوي تم نسج شبكة لا سلكية تربط أطراف الصحراء ببعضها، وقد تم تشكيلها كالآتي:
كولُمب بشار - بني عباس - تيميمون.
حاسي مسعود - فور فلاتر - إين أمناس.
غرداية - المنيعة - تيميمون - عين صالح.
وعلى غرار ذلك فقد تم وصل كل من المنطقتين النفطيتين حاسي مسعود وحاسي رمل على التوالي بحاسي القاسي وغرداية، كما شرع في بناء شبكة هاتفية في مختلف الواحات تمكن ابتداء من خريف 1959 من الاتصال بباريس مباشرة من ورقلة (1).
لقد أخذت النفقات المخصصة للبنية القاعدية في الانخفاض منذ سنة 1960، فبينما كانت النفقات الموجهة إلى هذا القطاع تشكل 82% من ميزانية التجهيز سنة 58/ 1959 فقد انخفضت إلى 50% سنة 1960 وإلى 42.4% سنة 1961 ولم تعد تشكل أكثر من 32% من النفقات العامة على التجهيز سنة 1962 (2) ومبرر ذلك كان تغير في السياسة المالية الفرنسية، التي أصبحت تركز في اهتاماتها في الصحراء على الجانب الاجتماعي، تحت ضغوط تطور مسيرة الثورة الجزائرية، مما كان يتطلب منها إعادة النظر في سياستها الاجتماعية كجزء من سياستها الرامية إلى فصل الصحراء الجزائرية وتقرير مصير الجزء الشمالي من الجزائر وهو ما سيأتي الحديث عنه لاحقا.
2. 2 - أشغال البحث والتنقيب:
لقد كانت أشغال البحث والتنقيب لا تستهوي المستثمرين الخواص حيث كانت مكلفة جدا وغير مضمونة النتائج. من أجل ذلك تكفلت الحكومة الفرنسية
__________
(1) انظر: الملحق شكل 17. ... - Treyer.C., op.cit, p.116. /Cornet, op.cit. p.206
(2) .- Treyer.C., op.cit p304. / D.G.G.A.; op.cit, p.p 169 – 172 (1/65)
صفحة 57
الاتصالات اللاسلكية 1959ــ1963 (خريطة) (1/66)
صفحة 58
بدعمها وتمويلها على شكل استثمارات بدون فوائد، فقد تولت إنشاء وتمويل عدة شركات مساهمة احتفظت فيها بغالبية الأسهم (1).
غير أن الطرق الكلاسيكية للاستثمار لم تعد قادرة على تحويل السيولة النقدية الخاصة إلى الخزينة العمومية. ولقد كان نموذج ألمانيا الغربية التي سارت في طريق الخوصصة ماثلا في أذهان الخبراء الفرنسيين (2)، لإيجاد حل لمفارقة ما سمي بـ"فقر الدولة رغم ثراء الوطن".
هكذا فمن بين ما يربو عن أربعين شركة حاضرة بالصحراء وحاصلة على رخص الاستثمار المنجمي والبترولي، فإن الحكومة تشترك في 26 شركة منها ولها الأغلبية في 10 منها (3).
وعلى العموم فقد تطور مستوى الاستثمارات منذ 1956 ليبلغ 40 مليارا ف. ف. سنة 1957 لوحدها، وهو المبلغ الذي أنفق لوحده خلال السنوات الخمس التي سبقتها، ليقفز إلى أكثر من الضعف سنة 1958 في حين قدر بأربعة أضعاف في السنتين اللاحقتين، وبـ 600 مليار فرنك في مجموع الاستثمار الإجمالي (4).
ومن أجل استقطاب وإعلام وتجميع المؤسسات الخاصة التي يمكن أن تستثمر في الصحراء، تم إنشاء هيئة بهذا لغرض سنة 1951 تحمل اسم شركة الدراسات من أجل التجهيز المنجمي والصناعي ( S.E.P.E.M.I) شملت في دائرتها قطاع الحديد والكهرباء والنقل والمواد الكيمياوية والمناجم ...
__________
(1) - Thomas M.R., op.cit, p.154. / Cornet, Sahara terre de demain, Nouvelles Editions Latines, Paris, 1956, p.180.
(2) من هؤلباء الخبير (ميل بيليم Emile Belime)
(3) In, Les documents de la revue de deux mondes, op.cit, p.19 -
(4) Ibid, p.23.- (1/67)
صفحة 59
وفي هذا الإطار تم اتخاذ عدة إجراءات مختلفة تسمح بإنشاء شركات معتمدة بالتعاقد مع المكتب الصناعي الإفريقي ( BIA) للتنافس على برامج التنمية، هذا المكتب الذي تحول سنة 1956 إلى مكتب الاستثمار في إفريقيا (1). وتضاف هذه الإجراءات إلى تسهيلات جبائية تشمل الإعفاء من أتاوات وضرائب وحقوق مختلفة، وتسهيلات أخرى جمركية تقضي بموجب مرسوم 20 ماي 1956 - بإعفاء المستثمرين في إفريقيا من الرسوم الجمركية على استيراد معدات وآلات التجهيز (2).
ولقد شهدت سنة 1957 توزيع مجموعتين من التراخيص غطت مساحة 12000 كلم2 استفادت منها مجموعة الاستغلال البترولي ( C.E.P (3) لتبلغ المساحة المغطاة بتراخيص البحث والتنقيب حتى فاتح أكتوبر 1958 إلى ما مجموعه 750000 كلم2 موزعة على 18 مجموعة بترولية (4).
وحسب المصادر المالية للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية ( OCRS) فقد حدد عدد المساهمين في الرأسمال المستثمر في الصحراء بحوالي مليون مساهم.
ولقد صنفت مصادر رؤوس الأموال المستثمرة هناك إلى نسب حيث ساهمت الحكومة الفرنسية بـ 9.3% من مجموع الرأسمال العام، في حين ساهم الخواص الفرنسيون بنسبة 28.8% أما الأموال التي أخذت شكل قروض فهي بنسة 53.3% ولم تتجاوز رؤوس الأموال الأجنبية نسبة 8.6%) (5).
أما برنامج تمويل المشاريع لسنة 1961 فقد قدرت اعتمادات أشغال البحث بـ 50 مليار فرنك في منطقة تندوف لوحدها، و55 مليارا للإنتاج و40 مليار للنقل. وبذلك يبلغ مجموع ما استثمر من رؤوس الأموال بالصحراء
__________
(1) سيأتي الحديث عنه لاحقا.
(2). Britch J., op.cit, p.p. 55 - 51 -
(3) C.A.N, G.P.R.A., Boite 30, dossier 1.1, (Notes sur le pétrole sabarien) p.14. -
(4) C.A.N, G.P.R.A., boite 30, dossier 2.1 (surface expoitée au sahara), 1f. -
(5) مركز الدراسات والبحث في تاريخ الحركة الوطنية وثورة نوفمبر أول 54، (مجموع وثائق ونصوص أولية حول سياسة فرنسا في فصل الصحراء) مرقون، ورقة رقم 7. (1/68)
صفحة 60
منذ بداية البحث عن البترول حوالي 450 مليار فرنك (1).
أ. الدراسات و المسوح:
لم يكن للشركات البترولية دليل لبنية شمال الصحراء لما شرعت في أبحاثها، بل كان هذا الدليل نتاج تلك الأبحاث. ومعلوم أن الدليل أو الخريطة يسمح بفهم أحسن لتطور البحث البترولي من حيث التحديد الجغرافي (2).
ولقد كانت الشركة الوطنية للأبحاث واستغلال البترول في الجزائر ( SN.REPAL) منذ سنة 1942 مهتمة بالمسوح الجيولوجية في الصحراء. وابتداء من سنة 1949 شرعت هذه الشركة في جس النبض وإجراء دراسات على مدى واسع في الصحراء الشمالية. وفي سنة 1951 جرت تجارب محدودة بلغت إلى حد استعمال الهزات الارتدادية. ولقد قدم المعهد البترولي الصحراوي إلى العاملين في الميدان النفطي منذ انطلاقه سنة 1952 خدمات طبوغرافية وجيولوجية معتبرة رغم الوسائل المحدودة (3).
وساهمت المسوح الفوتوغرافية التي أنجزتها شركة الأبحاث واستغلال البترول في الصحراء ( CREPS) بالتعاون مع المعهد الجغرافي الفرنسي -وخاصة في بعض المناطق التي يمكن فيها اعتماد الجيولوجيا السطحية في مسح وتغطية مساحة 600000 كلم مربع بدقة عالية، تمكنت بين سنتي 1951/ 1955 بفضل هذه المسوح الحصول على خرائط مفيدة جدا بسلم 1/ 55000 من مساحة الأرض (4).
__________
(1) C.A.N, G.P.R.A, boite 30, dossier 1.1 (le sous sol du sahara Algerien), 5f. -
انظر كذلك المجاهد ع. 93، بتاريخ 10/ 01/1961، (وثيقة ماكس لوجون وزير الصحراء السابق تحت عنوان «الصحراء الجزائرية من ماكس لوجون إلى دوغول»)، ص. 8.
(2). Britch, p,32 -
(3) Christian Verlaque, Le sahara pétrolier tome 1,p.13.-
(4) . Ch. Verlaque, op.cit, p.65 - (1/69)
صفحة 61
وتعتبر الفترة الممتدة من 1952 إلى 1956 هي مرحلة الاستغلال المنظم؛ حيث إن مكتب الأبحاث البترولية ( B.R.P) كثف أشغاله الاستطلاعية خاصة في المناطق الصعبة من حيث التضاريس (1).
وتندرج مهمة هذا المكتب في إعطاء الدفع لكل الأبحاث البترولية والغازية. في الصحراء بالتعاون مع الهيئات المحلية. وبناء هيكل قانوني لتنظيم الاستثمارات المستقبلية.
ولقد كان منوطا بهذا المكتب أيضا وضع برنامج شامل للبحث والتنقيب في مجال النفط في جميع المستعمرات الفرنسية في إفريقيا، وإنشاء شركات للعمل في المجال النفطي مع المساهمة في تمويلها وإعطاء تسهيلات مشجعة لها وفي هذا الإطار كان لهذا المكتب المبادرة لإنشاء عدة شركات استثمار في مساهمات تختلف نسبها يبن شركة وأخرى (2).
والجدير بالذكر أن هذه الشركات وإن كانت تجتمع كلها في الصناعات النفطية إلا أنها تختلف في الاختصاص فنجد بينها شركات تمويل الأبحاث البترولية مثل فرانكاريب ( FRANCAREP) وكوفيريب ( COFIREP) وفيناريب ( FINAPEP)، كما نجد من بينها شركات لتصنيع المعدات والآليات النفطية مثل شركة ماريب ( S.N.M.AREP) ونجد منها أيضا شركات للأبحاث البترولية مثل شركة ريبال ( SN.REPAL) (3) .
ولقد كان لزاما على الحكومة الفرنسية أن تتنازل عن حصتها في عدد من الشركات لصالح هذا المكتب بعدما تأكدت من المهمة الأساسية لهذا المكتب، وهي بناء صناعة نفطية فرنسية تضمن للدولة الفرنسية الاستقلال في مجال
__________
(1). In Les documents de la revue de deux mondes, op.cit, p.66 -
(2) . Ibid -
(3) Thomas. M.R, op.cit, p.p. 153 – 154 / Cornet P., opcit, p.179. - (1/70)
صفحة 62
الطاقة. وبمرور عقد من الزمن أصبح لمكتب الأبحاث البترولية ( BRP) اسهم في إحدى وعشرين شركة من بين خمس وخمسين شركة حاضرة بالصحراء (1).
لقد دأب مكتب الأبحاث البترولية خلال عشرين سنة على تحقيق أربعة مخططات خماسية للاستثمار في الصحراء؛ حيث يغطي الأول فترة 1946/ 1950 التي بلغت فيها نفقات الاستثمار ما يساوي 580 مليون فرنك (2)، ويمتد المخطط الثاني بين سنوات 1951/ 1955 بمجموع استثمار قيمته 1680 مليون فرنك فيما بلغت نفقات المخطط الثالث 1956/ 1960 ما مجموعه 7970 مليون فرنك بمساهمة عمومية فرنسية تزيد عن الثلث، أما المخطط الرابع الممتد بين 1961/ 1965 فتكون ميزانيته مقاربة لـ 9000 مليون فرنك (3).
والجدير بالذكر أن النفقات الاستثمارية في الصحراء بلغت حتى سنة 1960 عشرة ملايير وربع من الفرنكات، امتص أشغال البحث والتنقيب نسبة 54% منها (4)، واقتطعت مشاريع التنمية نسبة 33 %، كانت لمشاريع الري منها الاهتمام الأكبر، فيما استهلك خط الأنابيب الحصة الباقية (5).
وحسب التقرير المالي الذي نشره مكتب الأبحاث البترولية يمكن أن يعطى نظرة هامة لتكاليف وسير الأشغال الجيولوجية؛ فقد أنفقت في سنة 1958 أكثر من ثمانية ملايين فرنك جديد ونصف المليون على الأشغال الجيولوجية في الصحراء وهو ما يقارب 240 شهر جيولوجي في الميدان (6)، وذلك لتغطية مساحة تقترب من 685 ألف كلم مربع (7).
__________
(1) M.R. Thomas., op.cit, p.p. 153 – 154 . -
(2) بقيمة الفرنك في 1960.
(3) Etienne Dalemont, Pétrole «que sais-je», puf 1966, france, p102. -
(4) وتتوزع هذه النسبة إلى: 4 % للأشغال الجيولجية،34 % للعمليات الجيوفزيائية، 62 % للحفر انظر: ... Ibid, p.102 -
(5) Ibid.-
(6) الشهر الجيولوجي هو وحدة لقياس عمل بشري لفرقة جيولوجية لمدة شهر.
(7) انظر: الملحق شكل 1 و 2 و3. ... - Ch. Verlaque , op.cit, p 65. (1/71)
صفحة 63
تطور الاستثمار في الصحراء 1946ــ1956 (مخطط) (1/72)
صفحة 64
الاستثمارات في الجزائر بما فيها الصحراء 1946ــــ 1960 (مخطط) (1/73)
صفحة 65
تطور العناصر الاساسية لسعر التكلفة لشهر ـــ فرقة (1/74)
صفحة 66
وللمقارنة فقد أنفقت في نفس السنة في التراب الفرنسي 7 ملايين فرنك جديد لنفس الأشغال وهو ما يقارب 340 شهرا جيولوجيا، ولقد قدرت تكلفة الشهر الجيولوجي الميداني في الصحراء في المتوسط بـ 35700 فرنك جديد بفارق 20000 فرنك جديد عن مثيلتها في التراب الفرنسي، ولعل هذا يكفي للدلالة بصفة تقريبية إلى أي مدى يتجاوز المسح الجيولوجي في الصحراء المسح الجيولوجي في فرنسا (1).
وفي مجموع الصحراء الجزائرية قدرت المنظمة الشركة للمناطق الصحراوية ( O.C.R.S) تكاليف أشغال البحث والتنقيب بنحو 511 مليون ف. ج سنة 1961 مقابل 405 مليون سنة 1960؛ أي بزيادة قدرها 26%، مع العلم أن نسبة الزيادة العامة في تكاليف الاستثمار هناك قدرت، بنحو 19% (2).
أما الأشغال الجيوفزيائية فتأخذ دائما تقريبا نفس صورة الأشغال الجيولوجية، ويندرجان معا ضمن المرحلة الأولى من البحث النفطي. وهنا أيضا يطرح مشكل التموين للفرق الجيوفزيائية، تلك التي تتكفل بإيصال المتفجرات نحو ميادين القاعدة البترولية وهو ما يتطلب استعمال وسائل أكثر توفرا وتطورا ومقاومة، وتمتص بالمقابل ميزانية أكبر في الشركات البترولية في الصحراء عن باقي المناطق (3).
وعلى العموم فإن الأبحاث النفطية وتكاليف الدراسات والمسوح قد حصرت بين سنتي 1952/ 1956 في مبلغ 40 مليار فرنك، في حين بلغ 28 مليار سنة 1957 لوحدها، ولقد استمرت السلطات الفرنسية في توزيع رخص بحث جديدة وتطوير الأشغال الجيوفزيائية، بعد أن أصبحت ثلث مساحة الصحراء تخضع للمسوح الجغرافية (4).
__________
(1) Ibid, p.p. 65 - 66.-
(2) . C.A.N, G.P.R.A, boite 30, dossier 1.1, (Perepectives de l’activité pétrolière.), p4 -
(3) انظر: الملحق شكل 2 و3. ... . Ch Verlaque, op.cit, p.66 -
(4) . Les documents de la revue de deux mondes, op.cit, p.38 In, - (1/75)
صفحة 67
ومع ذلك تبقى المسوح الجغرافية والجيولوجية رغم ما تتطلب من تكاليف لا تشكل إلا قسطا ضئيلا من النفقات البترولية العامة. ومثال ذلك مصاريف الشركات الوطنية للأبحاث واستغلال البترول في الجزائر التي تدخل في هذا الإطار، والتي بلغت مليوني فرنك قديم سنة 1947، ولم تتعد 79 مليون فرنك - وهو الرقم القياسي المسجل سنة 1954 - ليبدأ الرقم في الانخفاض مسجلا 30 مليون فرنك فرنسي سنة 1957 (1).
وإذا كانت الشروط الجيولوجية تمثل قاعدة البحث البترولي، فإن شروطا أخرى ذات طبيعة جغرافية ـ والتي تسمح بتحديد خصائص ما يمكن تسميته بالوسط الصحراوي ـ تتدخل لتعطي طابعا خاصا بهذا البحث فتجعله أكثر صعوبة وأكثر تكلفة، ويتطلب أكثر جهدا ووسائل مقارنة بمناطق أخرى من المعمورة.
وتعتبر الحرارة أبرز الشروط الجغرافية الممكن تسجيلها، ويمكن أن نتناول هذا العنصر من حيث تحليل الظروف المناخية التي يتعرض لها نشاط الأشخاص، لمّا نعرف أنَّ العمل في ورشة هو عمل مستمر يتم بتعاقب الفرق لمدة 8 ساعات وما يصحب ذلك من تنقل مستمر للفرقة الجيولوجية أو الجيوفزيائية. والحرارة تعتبر المؤثر الأول الذي يتدخل بقوة ليزيد من صعوبة العمل الفكري شأنه شأن العمل العضلي للإنسان، والإنسان الأوروبي بصفة خاصة (2).
ومن أجل تطوير تقنيات البحث ووسائله فقد خصصت الصناعة البترولية جهودا هامة للبحث العلمي في المجال النفطي وتكوين الإطارات الفنية، وذلك عن طريق الشركات المعنية أو عن طريق المؤسسات المتخصصة مثل المعهد الفرنسي للبترول (3).
__________
(1). Ch. Verlaque , op.cit, p.65 -
(2) . Ch. Verlaque , op.cit, p.32 -
(3) - Nouvel Organisation Economique de la Communauté Européenne (O.E.C.E), (Le petrole, evolution dans la zone O.E.C.E), Comité du pétrole, 1961, p.102. (1/78)
صفحة 68
ب ـ التنقيب والحفر:
لقد كان أول حفر للشركة الوطنية للبحث واستغلال البترول في الجزائر ( SNREPAL) في منطقة بريان (1) سنة 1952. أما الشركة الفرنسية للبترول في الجزائر ( CFPA) فقد كانت أول بداية لها في منطقة القليعة (المنيعة) سنة 1953. وفي ديسمبر من نفس السنة شرعت شركة الأبحاث البترولية في الصحراء CREPS في الحفر في منطقة جبل برقا جنوب عين صالح، في حين كانت بداية شركة بترول الجزائر ( CPA) من تيميمون في السنة الموالية (2).
ولقد تم حسب إحصائيات مكتب الأبحاث البترولية ( BRP) حفر 110 من الآبار حتى سنة 1958، وتقدر نسبة الآبار التي أعطت نجاحا -إن بترولا كان أم غازا- بـ 21%، علما أن عدد آلات الحفر حتى هذه السنة بلغ 130 آلة يمتلك مكتب الأبحاث البترولية قرابة ثلثيها (3).
ومن حيث الإمكانيات المادية التي جندت، يجدر التذكير بأن تكاليف المؤسسة العاملة في الصحراء مرتفعة باعتبار التي تعمل في المناطق الشمالية، بحيث إن حفر متر واحد يكلف 1200 فرنك جديد، وهو ما تفوق كلفته في الشمال بمرتين ونصف، وبذلك يبلغ حفر بئر عميقة في منطقة حاسي مسعود مثلا ما كلفته حوالي 6 ملايين فرنك جديد (4).
وهكذا وكمثال آخر على التكاليف التي تنجر عن الصعوبات التي تسببها طبيعة العمل في الصحراء من ارتفاع درجة الحرارة وندرة المياه الصالحة للشرب وبعد المسافات، فقد بلغت هذه التكاليف في منطقة جبل برقا فقط أكثر من 130 مليون فرنك، أي ما
__________
(1) على بعد 45 كلم شمال غرداية.
(2) M.R.Thomas, op.cit p.154, /P. Cornet, Sahara terre de demain, p.180.-
(3) انظر: الملحق شكل 4 و7. . In. Les documents de la revue de deux mondes, op.cit, p.p. 20 - 23 -
(4) M.R. Thomas, op.cit p.p. 155 - 158. - (1/79)
صفحة 69
نسبته 22.5% من مجمل التكاليف العامة، إذ التكلفة في التراب الفرنسي بلغت 211 مليون، أما في الصحراء فيرتفع هذا الرقم ليصل إلى 463 مليون فرنك. وتبلغ التكاليف بآلة متوسطة من 68 مليون إلى 191 مليون فرنك (1).
ولقد قدرت الشركة الوطنية للأبحاث واستغلال البترول في الجزائر نفقات الحفر سنة 1954 بـ 813 مليون فرنك قديم في حين بلغت سنة 1957 3670 مليون فرنك (2).
وبعد أن أظهرت النتائج الأولية بوادر النجاح ابتداء من ظهور مؤشراته الأولى في ماي 1953 بمنطقة بريان جندت فرنسا منذ 1955 ثلث نفقاتها الموجهة للأبحاث البترولية في كل مستعمراتها ومحمياتها للأبحاث التمهيدية والحفر في الصحراء، ولقد وزعت رخص الاستغلال في بادئ الأمر إلى أربع شركات هي (3):
الشركة الوطنية للأبحاث واستغلال البترول في الجزائر ( S.N.R.E.P.A.L).
الشركة الفرنسية للبترول في الجزائر ( C.F.P.A).
شركة أبحاث واستغلال البترول في الصحراء CREPS)).
شركة بترول الجزائر ( C.P.A).
ولقد كانت الشركتان الأوليان من مساهمة فرنسية خالصة، فيما كانت للشركتين الأخريين مساهمات أجنبية (4).
وبحلول سنة 1959 بلغت الرخص التي وزعتها السلطات الفرنسية على
__________
(1) ل. ف فاسور، النفط في العالم، تر. عدنان نجا، منشورات عويدات، بيروت، 1961، ص. 172.
(2) Ch. Verlaque , op.cit, p. 65.-
(3) أنيسة بومدين، (الامتياز في النظام البترولي القديم)، الشعب، ع. 27/ 02/1994، ص. 8.
(4) J. Britch.op.cit, p.p. 65 - 67. - (1/83)
صفحة 70
الشركات التي أعربت عن نيتها في الاستثمار في ميدان النفط في الصحراء 54 رخصة كانت أولاها قد وزعت في أكتوبر 1952 (1).
وتفاديا للوقوع في استثمارات خاسرة، وتحديدا للخسائر إلى الحد الأدنى كانت الشركات البترولية تتبادل الأسهم فيما بينها في شكل تضامني رشي، يسمح لها باشتراك في الربح والخسارة على حد سواء (2).
جـ ـ الاكتشافات والاحتياطات:
لقد كان حقل جبل برقا للغاز الطيبعي أول اكتشاف سجل في هذا القطاع حيث كان في مارس 1954 على يد مجموعة الأبحاث واستغلال البترول الصحراوي ( CREPS) ، على عمق 1400 م في المنطقة الجبلية أهنات على بعد 120 كلم جنوب غرب عين صالح، ومن المقدر أن هذا لحقل الطبيعي يحتوي على بضع عشرات الملايير من الأمتار المكعبة (3) من غاز الميتان النقي الجاف والخالي من الكبريت، وهذه من مقاييس الجودة العالية غير أنه من ناحية المردودية غير مشجع بسبب بعهد المسافة الذي يبلغ 1300 كلم الذي يفصل الحقل عن ساحل المتوسط، وهو ما جعل استغلاله من المنظور الاقتصادي متعذرا مؤقتا على الأقل (4).
وفي مطلع سنة 1956 تم اكتشاف حقول بترولية في منطقة إيجلي (5) قرب الحدود الليبية على بعد 280 كلم شرق برج فلاترز، ثم حقل ثاني في زرزايتين،
__________
(1). C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.2, (liste des permis accordés par la France.), 3f -
(2) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.2, (les sociétés de recherche du pétrole au Sahara et la -
انظر: الملحق وثيقة رقم 3. ... géographie de leur capital.), 2f.
(3) بعض التقديرات تحدده بحوالي 10 ملايير م3. انظر:
C.A.N, G.P.R.A. boite 30, dossier 2, (le Sahara, situation d'ensemble des hydrocarbures), p. 60. -
(4) Guy Le Rumeur, Le Sahara avant le pétrole. P.311. /in, Les document de la -
revue de deux mondes, opcit p.28.
(5) شملت هذه الحقول قطاع إيجلي، تقندورين، زرزايتين وعباد لعراش. انظر: ... Ibid, p.20. - (1/84)
صفحة 71
ثم حقول أخرى في نفس الإقليم في سنوات تالية (1)، ولقد قدرت احتياطات هذه الحقول بـ 150 مليون طن، وللإشارة فقد تم هذا الاكتشاف على يد كريبس المجموعة نفسها التي عثرت على حقل الغاز في جبل برقا.
وفي نفس السنة (2) قامت هذه المجموعة بالاشتراك مع المجموعة الفرنسية للبترول في الجزائر. C.F.P.A باكتشاف البترول في منطقة حاسي مسعود على عمق 3300 م. ولقد قدرت أهمية هذا الحقل حينئذ باحتمال سعته 500 مليون طن (3)، وهو ما غيَّر بشكل ملحوظ معطيات المسألة الجزائرية.
وباكتشاف حقل حاسي القاسي سنة 1959 على بعد 80 كلم جنوب حاسي مسعود، يرتفع احتياطي هذا الحقل بـ 150 ألف طن. وأثناء تحقُّق هذه الاكتشافات كانت الشركة الوطنية للأبحاث واستغلال البترول في الجزائر ( SNREPAL) تجري أبحاثها في منطقة حاسي الرمل على بعد 450 كلم جنوب مدينة الجزائر. ولقد خلصت تلك الأبحاث إلى اكتشاف حقل هام من الغاز الرطب على عمق متوسط يساوي 2400م. كان رصيد هذا الحقل مرتفعا جدا؛ حيث قدر الاحتياطي الممكن استخراجه بأكثر من 500 مليار م3 (4)، وهو بذلك يتجاوز احتياطي حقل لاك ( Lacq) الفرنسي، ومن المتوقع حسب بعض الأوساط الفرنسية استغلاله لا على الصعيد الجزائري فحسب بل
__________
(1) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1 (perspectives des hydrocarbures sahariennes.), 4f. -
(2) في الخامس عشر من شهر جوان 1956، أوردت وكالات الأنباء يرقية تضمنت بيانا نشرته الشركات المكتشفة تقول فيه: «إن مسبار البئر M.D1 المحفور بموجب رخصة وادي مية بالمكان المسمى حاسي مسعود على بعد 75 كلم جنوبي شرق مدينة ورقلة قد لاقى سقف صخر راسب مضمخ بالزيت في عمق 3330م واخترق الطبقة على مدى 140م». انظر: أنيسة بومدين، المرجع السابق، ص.8.
(3) انظر: الملحق شكل 20 ... Guy Le Rumeur, op.cit, p.311. -
(4) وقد قدر سنة 1960 بـ 800 إلى 900 مليار م3. انظر: C .. N.A., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1 – (1/85)
صفحة 72
على الصعيد الأوروبي (1).
تعتبر هذه الاكتشافات تتويجا للأبحاث الطويلة التي أجريت في الصحراء الجزائرية منذ أن وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها، وبذلك حسم الخلاف بين العلماء والباحثين المهتمين بالصحراء منذ العشرينيات حول إمكانية وجود المحروقات هناك (2).
ولا يعني أن تدفق النفط في المناطق الصحراوية هو بالضرورة استغناء الفرنسيين عما يمكن أن تجود به المناطق الشمالية للجزائر من هذه الفترة، ففي هذا الشأن استمر حقل وادي القطران في الانتاج رغم احتياطه المتواضع حيث بلغ إنتاجه في سنة 1959 مثلا 3735 طن من النفط، وفي صيف هذه السنة بالذات بدأت الشركة الوطنية للأبحاث والتنقيب في منطقة جبل العنق وابتداء من ديسمبر من نفس السنة ثبت وجود النفط في هذه المنطقة على عمق 1200م (3).
وهكذا وابتداء من فترة 1954/ 1956 فإن معطيات تراكم رؤوس المال تغيرت جذريا باكتشاف المحروقات في الصحراء، فسرعان ما تطور الاستثمار والإنتاج محركين معهما الصادرات. غير أن هذا القطاع غير المدمج في بقية القطاعات الاقتصادية لم يساهم في تحريكها وتنشيطها، فقد كانت الأرباح المحققة بفعل استغلال المحروقات تحوَّل إلى فرنسا. وظل تراكم رأس المال على هذا لقطاع بدون أثر حقيقي على باقي الاقتصاد في الجزائر إذا استثنينا معمل الحديد والصلب المتخصص في صناعة الصفائح الحديدية، المادة الأولية لصناعة الأنابيب التي بدورها ضرورية لتوسيع قطاع المحروقات إضافة إلى صناعة بيتروكيماوية ذات التحويل الأولي للمحروقات المعدة للتصدير (4).
__________
(1) Guy Le Rumeur, opcit, p.311. -
(2) أنيسة بومدين، المرجع السابق، ص.8.
(3) - C.N.A., G.P.R.A., boite 30, dossier 2, (le sahara, situation d'ensemble des hydrocarbures.), p.59
(4) - Mohamed Nasser Thabet, Le secteur des hydrocarbures et le devloppement
انظر: الملحق شكل 5 و6 ... économique, Enal /Opu, Alger,1989. p.38. (1/86)
صفحة 73
وحسب التقديرات التي أدلى بها موريس لومير ( M.Lemaire) (1) فإن الصحراء تختزن احتياطيات بترولية تربو عن ملياري طن، وهو ما يمثل إنتاجا سنويا يقدر بـ 100 مليون طن، وعائدات سنوية تقدر بـ 1000 مليار فرنك.
أمَّا مخزونات الصحراء من الغاز الطبيعي فهي ضخمة حسب لومير؛ فحقل حاسي الرمل لوحده يختزن 100 مليار م3 (2)، أي ما يعادل إنتاج 50 مليار طن من الفحم، وهو ما يمكن من تغطية العجز الطاقوي الذي تعاني منه فرنسا وأوروبا.
وحسب نفس التقديرات يتوقع أن يبلغ سعر التكلفة المنقولة عبر الأنابيب 2 فرنك للمتر المكعب حتى مدينة ستراسبورغ (شمال فرنسا) وهو بذلك يعتبر أرخص ثلاث مرات من الغاز الفرنسي، غير أن تقديرات أخرى توصله إلى 3,14 ف للمتر الكعب للزبائن وذوي الامتياز، وإلى 4,95 ف كسعر معمم (3).
وباعتبار هذا التقييم لمخزون احتياطي حاسي الرمل، فإن السلطات الفرنسية كانت تتوقع إنتاجا سنويا يقدر بـ 40 مليار م3 وهو ما يعادل 60 مليون طن من الفحم، وإن إنتاجا كهذا يعادل الإنتاج السنوي للفحم في فرنسا سنة 1957 حيث بلغ 59 مليون طن، إضافة إلى 40 مليار م3 سنويا من الغاز، منها 3 ملايير م3 التي تنتجها حقول حاسي مسعود من عملية عزل الغاز عن البترول الخام، دون أن يكون غاز جبل برقا في الحسبان (4).
إنَّ التوقعات الفرنسية التي ترتكز على إنتاج 40 مليار م3 من الغاز سنويا تمكّن من أن يصبح هذ الحجم الإنتاجي يمثل أكثر من نصف الاستهلاك الإجمالي
__________
(1) كان موريس لومير وزيرا للتجارة والصناعة في الحكومة الفرنسية في هذه الفترة.
(2) التقدير الأدنى لهذا الحقل يصل إلى 750 مليار م3.انظر:
C.N.A., G.P.R.A., boite 30, dossier 2 , (le sahara, ... .), op.cit, p.60 -
(3) . C.N.A., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1, (perspectives des hydrocarbures sahariennes.), p.5 -
(4) . In, Les documents de la revue de deux mondes,op.cit, p.22 - (1/87)
صفحة 74
السنوي من الطاقة بكل أنواعها في فرنسا (وهو ما يعادل 112 مليون طن من الفحم سنة 1957)، ويمثل 25 مرة أكثر من الغاز الذي باعته شركة غاز فرنسا ( GAZ DE FRANC) سنة 1957 حيث بلغ 307 مليار م3 ويعادل أيضا ثمن 8/ 1 الإنتاج السنوي للولايات المتحدة الأمريكية الذي بلغ 300 مليار م3 المحروقات في نفس السنة، وبهذا وعلى هذا الأساس فإن إمكانيات الإنتاج ستتجاوز المستوى الفرنسي إلى مستوى القارة الأوروبية (1).
إنَّ أهمية هذه المخزونات من المنظور الاقتصادي، حفزت إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى تمتد عبر سنتين 1957/ 1958؛ حيث كثفت عملية الاستغلال ووصول رؤوس أموال جديدة وإنشاء شركات جديدة للأبحاث والاستغلال والتمويل تماشيا بالتوازي مع تطور إنجازات الهياكل القاعدية. ولقد شهدت هذه الفترة انضمام شركات أمريكية وإنجليزية وإيطالية إلى الشركات الفرنسية، وفي هذا الصدد تم الاتفاق في سنة 1958 على إنشاء شركة جديدة فرنسية/أمريكية يتوزع رأسمالها كالآتي: ستاندار أويل ( Standard oil) ساهم بـ 50% في حين يقتسم النصف الباقي كل من الشركة الفرنسية للبترول C.F.P بنسبة 35% و شركة بيترو بار الفرنسية ( Pétrobar) بـ 15% (2).
وبانضمام الشركة الأمريكية ستاندار أويل Standard oil))، دخلت السياسة النفطية الفرنسية عهدا جديدا بما لهذه الشركة من سمعة عالمية وخبرة قديمة وذلك باعتبار الصحراء الجزائرية منطقة نفطية، فلم تقرر هذه الشركة الاستثمار في صحراء الجزائر إلا بعد دراسات مطولة وتفقدات ميدانية أجراها ملاحظون وخبراء
__________
(1) Ibid. -
(2) تجدر الإشارة إلى أن شركة بترو بار كونت رأسمالها بمساهمة القطاع العمومي: مكتب الأبحاث البترولية ( B.R.P.) بـ 60% كيس الإيداعات ( Caisse de dépôts) بـ 25 %والكيس المركزي بـ 15%. كما أن نسبة 35% من رأسمال الشركة الفرنسية للبترول هو من مساهمة الحكومة الفرنسية. للمزيد انظر:
In, Les documents de la revue de deux mondes,op.cit, p.20 - (1/88)
صفحة 75
من ولاية نيوجرسي ( NEW JERSY) الأمريكية (1).
أما الاحتياطات المؤكد وجودها فإن الوزير السابق للصحراء في الحكومة الفرنسية جاك سوستال قد قدرها في سنة 1959 بحوالي 700 مليون طن في خطاب له أمام مجلس الشيوخ الفرنسي، في حين قدرت مصادر أخرى الاحتياطات في نهاية 1960 بأقل من ذلك (2).
غير أن مصادر بترولية تذكر الحد الأدنى للاحتياطات في حقول الجنوب الشرقي في إيجلي، وزرزاتين وتيقندورين يقارب 150 مليون طن (3).
ومهما يكن من أمر فقد اعتبرت هذا التقديرات أولية في مجملها تتغير نتيجة التوسع في الدراسة وتحديد مساحة الحقول والمكونات الأرضية، إضافة إلى الاحتمالات التي كانت متوفرة لزيادة التقديرات الاحتياطية في المناطق التي تم كشفها وتحديدها، واعتبارا لما توصل إليه مستوى الإنتاج البترولي سنة 1960 فإن الجزائر كانت تعتبر أكبر الأقطار الإفريقية إنتاجا للبترول (4).
2. 3 - عمليات استغلال الحقول النفطية:
أ – الإنتاج النفطي:
ولقد ترتب عن هذه الكشوف المتلاحقة والتوسع في عمليات الحفر والاستغلال وازدياد التعمق في حدود الحقول والكميات الاحتياطية، تطور الإنتاج واطراده بسرعة كبيرة (5) حيث ارتفع من نحو نصف مليون طن في سنة
__________
(1) انظر: الملحق، وثيقة رقم 3. ... Ibid, p36. -
(2) قدرت الاحتياطات بالتفصيل كالآتي: في حاسي مسعود 500 مليون طن، في زرزاتين 70 مليون طن، في إيجلي 3 ملايين طن، وفي تيقندورين 15 مليون طن، انظر د. راشد البراوي، ثورة البترول في إفريقية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1962، ص. ص. 77 - 78.
(3) C.A.N, G.P.R.A., boite 30, dossier 2, (sahara, ... .), op.cit, p.68. -
(4) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.78. انظر: الملحق وثيقة رقم 8.
(5) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 2, op.cit, p.60. - (1/89)
صفحة 76
1959 إلى أكثر من 8 ملايين طن سنة 1960 ليتضاعف تقريبا بعد سنة، فلقد كان الإنتاج في حقل حاسي مسعود سنة 1960 مقدرا بنحو 6,7 ملايين طن موزعا بين شركة رييال ( SN.REPAL) بـ: 4,7 مليون طن والشركة الفرنسية للبترول في الجزائر ( C.F.P.A) بـ 2 مليون طن، دون حساب إنتاج الآبار المنجزة في هذه السنة، التي يتوقع أن يكون إنتاجها بنحو 600 ألف طن إضافية.
أمَّا ما يخص حقول إيجلي، وبالاعتماد على احترام الأجل المحدد لإنجاز خط الأنابيب الذي يصل هذه الحقول بالساحل، والمتوقع في أكتوبر 1960، فإنه كان ممكنا إنتاج 1,7 مليون طن في هذه السنة، وهو ما يرفع الإنتاج المتوقع للصحراء الجزائرية من البترول إلى نحو 8,5 ملايين طن (1).
وفي تقرير للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية مؤرخ في فبراير 1961 قدرت فيه هذه المنظمة كميات الإنتاج البترولي في الصحراء سنة 1961 بما يتراوح بين 16 إلى 17,7 مليون طن، بعدما بلغ ما مقداره سنتي 1959 و 1960 على التوالي 1,8 مليون طن و 8,6 مليون طن (2).
وقد قدر متوسط الإنتاج اليومي بأكثر من 370 ألف برميل في اليوم خلال شهر مارس 1962 إي بزيادة تقدر بـ 10% مما كان عليه قبل سنة في نفس الشهر.
وحسب دراسة قام بها الأستاذ أ. ج. مايير ( A.J.Meyer) (3) في الجزائر قدر معدل إنتاج البترول بـ: 1 مليون برميل في اليوم لمدة تمتد بين 15 إلى 36 سنة (4).
ووفقا لتقديرات أخرى كان يتوقع أن يصل الإنتاج إلى 240 مليون
__________
(1). C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1 (Les réserves de gisement d’Hassi Mesaoud.), p.p.6 - 8 -
(2) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1, (Perspectives de l’activité pétrolière en 1961.), p.4. -
(3) وهو مشارك في إدارة مركز دراسات الشرق الأوسط ومحاضر في الاقتصاد السياسي بجامعة هارفارد الأمريكية. انظر:
C.AN., G.P.R.A., boite 30, dossier 2, (Some implications of North Africa oil.), 3f. -
(4) . Ibid - (1/90)
صفحة 77
برميل سنة 1963 وإلى 270 مليون برميل سنة 1964 ليتضاعف كما كان منتظرا سنة 1965 بست مرات عما كان عليه الإنتاج سنة 1960 أي في ظرف خمس سنوات (1).
وعلى مستوى الاستثمارات فإن هذا القطاع قد حقق في الفترة الممتدة بين 1959 - 1962 قرابة 60%من الاستثمار المنتج الإجمالي، وزيادة على ذلك فإن بنية الإنتاج الصناعي تظهر أن مساهمة هذا القطاع في الإنتاج الداخلي الخام قد انتقل تدريجيا من نسبة 14 % سنة 1958 إلى 34% سنة 1960 إلى 48% سنة 1962 حيث يحتل هذا القطاع بين مجمل الصادرات مستوى 58% سنة 1959 ونسبة 54% سنة 1960 - 1961 و95% سنة 1962. (2)
ب- النقل النفطي:
لقد مد الفرنسيون من أجل استغلال نفط حاسي مسعود الخام أنبوبا بسرعة 4 كلم يوميا يبلغ قطره 15 سم، بلغت تكاليفه ملياري فرنك. والهدف من هذا الإنجاز هو نقل النفط إلى تقرت عبر 180 كلم من الصحراء، تأتي بعده خطوط السكك الحديدية لتنقله إلى سكيكدة. ولقد وصلت الشحنة الأولى التي غادرت حاسي مسعود في 30 ديسمبر إلى سكيكدة في 11 جانفي 1958، بعد أن قطعت هذه المسافة في ظرف 12 يوما. ورغم الخدمات التي قدمها هذا الإنجاز، إلا أن إمكانيات هذا الأنبوب تبقى محدودة؛ حيث بلغت 600 طن يوميا أي ما يربو عن 200 ألف طن سنويا بقليل (3). ولقد تم نقل 400 ألف طن من البترول إلى ساحل الأبيض المتوسط بهذه الكيفية (4).
__________
(1) د. ر. البراوي، المرجع السابق، ص76.
30, dos. 2, ... Le Sahara, ... , op.cit, p.45. C.C.A.N, G.P.R.A, boite -
(2) Mohamed Nasser Thabet, op.cit, p.7. -
(3) ل. ق. قاسور، المرجع السابق، ص.173.
(4) In, Les documents de la revue de deux mondes, op.cit p.20. - (1/91)
صفحة 78
ومن ضمن المشاريع التي جرى إنجازها في مجال النقل النفطي بالأنابيب نذكر ما يلي: ففي حاسي الرمل كان إنجاز خط أنبوبين في اتجاه غليزان ليستمر في اتجاه وهران وقد كان متوقعا أن يتم هذا الإنجاز في أفريل 1961 ثم يجري تمديده إلى الجزائر ويكون جاهزا بحلول شهر جويلية 1961.
ومن أجل نقل البنزين المستخلص من عملية فصل الغاز الرطب في حاسي الرمل، فإن خطا يتجه نحو حاسي مسعود لتمزج هناك بالنفط الخام ويتجه عبر خط الأنابيب إلى بجاية، هذا الخط الذي يمر عبر حوض الحمراء وتنقل ما مقداره 8 ملايين طن سنة 1961 (1).
وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك خطان آخران كان يجري إنجازهما، ويتعلق الأمر بالأنبوب الواصل بين حقل العقرب وحاسي مسعود مرورا بالقاسي وقد حدد أجل إنجازه بشهر ماي 1961؛ وكذا الخط الأكبر طاقة الذي يصل حقول أوهانت بحاسي مسعود، ومن المتوقع أن يشتغل ابتداء من آخر سنة 1961 (2).
ومن أجل مضاعفة الإنتاج وإعطاء دفع لعملية النقل النفطي، فقد تم اتفاق في جويلية 1958 بين شركة (ترابسا TRAPSA) الفرنسية والحكومة التونسية من أجل مدِّ أنبوب عالي القدرة يشق طريقه في التراب الجزائري من حقل إيجلي إلى منطقة (فورسان Fort-Saint) يدخل بعدها التراب التونسي ليصل إلى خليج قابس في البحر المتوسط (3)، ولقد أعقب هذا الاتفاق، احتجاج بعثته لجنة التنسيق والتنفيذ ( C.C.E.) إلى الحكومة التونسية، وبيان للاعلام بعثته اللجنة إلى الحكومتين المغربية والليبية، ولقد كانت جريدتا الأمل
__________
(1) - C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.2, (Pipe-line, Haoud El-Hamra – Bougie.), 4f.
(2) - C.A.N, G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1, (Le sous sol du Sahara algérien.), 5p.
(3) المجاهد، المرجع السابق، ص.9. (1/92)
صفحة 79
خطوط النقل بالأنابيب (خريطة) (1/93)
صفحة 80
تصريف بترول و غاز الصحراء (خريطة) (1/94)
صفحة 81
الرسم النهائي لخط أنابيب ترابسا ( TRAPSA) ( خريطة) (1/95)
صفحة 82
والمجاهد خلال جويلية 1958 مسرحا لمقالات ساخنة موجهة إلى المسؤولين التونسيين مما أسفر عن مصادرة هذه الأخيرة (1).
ولقد جاء هذا الاتفاق لاختيار طريق الأنبوب العابر للأراضي التونسية بعد تردد أصحاب القرار الفرنسي بخصوص هذه المسألة ثم ترجيح هذا الاختيار على الذي يقضي بإيصال آبار حقل إيجلي بآبار حاسي مسعود التي هي بدورها موصولة بميناء بجاية بخط أنابيب تم بناؤه. وبذلك يصبح طول الخط من إيجلي إلى بجاية 1400كم وهي مسافة طويلة جدا (2).
ويبقى العامل التقني إلى جانب التهديدات التي كانت جبهة التحرير الوطني تلوح بها على لسان لجنتها للتنسيق والتنفيذ ( CCE) ثم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية -بمقتضى طول المسافة التي يحتمل أن يعبرها الأنبوب عبر صحراء شاسعة لا يمكن مراقبة كل مساحتها أو حتى مناطق عبور هذا الأنبوب، ضمن الأسباب التي دفعت السلطات الفرنسية إلى تبني الاختيار الأول إلى جانب الأسباب الأمنية التي تحتل الصدارة في الحسابات الفرنسية كما ذكرنا.
ولقد رشحت الدراسات الفرنسية الأراضي الليبية في بداية الأمر كمعبر لمشروع الأنبوب النفطي هذا، وذلك بعد أن خلصت هذه الدراسات إلى أفضلية هذا المعبر عن مثيله التونسي من الناحيتين التقنية والاقتصادية إلا أن السلطات الليبية وبدافع التضامن مع الثورة الجزائرية وكفاحها من أجل الاستقلال؛ اعترضت على المشروع، ورفضت أن تكون أراضيها معبرا لثروات الشعب الجزائري المغتصبة التي تعود وبالا عليه (3).
__________
(1) - C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.2, (Etat de travaux du pipe-line Edjela – Skhira, Mars 1959), 3f
(2) ل. ق. فاسور، المرجع السابق، ص.173.
(3) المجاهد، المرجع السابق، ص10. (1/96)
صفحة 83
وحول مسألة نقل البترول والغاز من صحراء الجزائر إلى أوروبا فقد خلصت الدراسات الفرنسية إلى نتيجة أن الأمر يحتمل ثلاثة حلول: فإما أن يتم نقل النفط في حالة سائلة بالبواخر، ويشترك في هذا الحل البترول والغاز الطبيعي، وإما يتم نقل الغاز الطبيعي على شكل غازي بمد أنابيب تحت البحر، ويمكن أن يتم ذلك أيضا على شكل كهرباء يتم إنتاجها بواسطة مولدات تشتغل بالغاز يتم بناؤها على السواحل الجزائرية، وتشحن الكوابل تحت البحر.
ولقد كان موريس لومير أول من قام بطرح وبتطوير هذا الموضوع الذي يكتسي طابعا سياسيا وتقنيا في نفس الوقت، وكان له قصب السبق في كتابه الذي أصدره بهذا الشأن سنة 1957 (1).
وفي مذكرة يتضمنها هذا الكتاب يتطرق فيها الكاتب إلى الحلول الثلاثة التي اقترحها لنقل الغاز الطبيعي المستخرج من حقول الصحراء الجزائرية.
ولدى تعرضه إلى إمكانية نقل الغاز الطبيعي على شكل طاقة كهربائية ببناء مولدات كهروحرارية تشتغل بالغاز على السواحل الجزائرية تقام في أقرب نقاط إلى سواحل الضفة الشمالية، ومن هذه المعامل الحرارية تنطلق كوابل تحت البحر تصل إلى إسبانيا وإيطاليا. يخلص الكاتب لومير إلى أن هذه التقنية هي الأكثر تقدما وضمانا، غير أن بعض الفنيين يقلل من شأنها بسبب ضياع شحنات كبيرة من جراء المسافة الطويلة التي يتطلبها مد الكوابل، من جراء عمليات تحويل الطاقة (2).
غير أن إمكانية نقل الغاز الطبيعي بواسطة أنابيب تمد في عرض البحر باختيار أقرب نقطتين بين الضفتين الجنوبية والشمالية للبحر الأبيض المتوسط تظهر أنها الأكثر أهمية من المنظور الاقتصادي حسب لومير دائما ومهما كانت تكاليف النقل، فتصل ساحل منطقة الشلف بساحل قرطاجنة الإسباني، أو تعبر مضيق جبل
__________
(1) - Maurice Le Maire, Notre destin à l’heure du pétrole, Hachet, Pris, 1957, p.27.
(2) - In, Les Documents de la revue de deux mondes, op.cit, p.32. (1/97)
صفحة 84
آفاق تزود أوروبا الغربية بالغاز الطبيعي الصحراوي (خريطة) (1/98)
صفحة 85
طارق إلى إسبانيا مرورا بالمغرب الأقصى حسب دراسات أخرى (1)، ولا يبدو الأمر كذلك من الناحية التقنية، لعدم وجود نموذج قائم بهذه المسافة وهذا العمق، يجسد هذا التصور في هذه الفترة (2).
وفي إطار مخطط قسنطينة الخماسي (1959 - 1963)، ومن أجل تموين الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية بالغاز الطبيعي الجزائري، وضع في البرنامج خلال هذه الفترة الشروع في مد الخط الأنبوبي العابر للبحر الأبيض المتوسط.
وبالإضافة إلى ذلك فقد وضع على بساط البحث إمكانية مد خط أنبوبي آخر إلى سواحل إيطاليا عبر البحر.
وتبقى بواخر الميتان هي الإمكانية المتوفرة حسب الإمكانيات الفنية والمادية الفرنسية، رغم أنها تتطلب شروط نقل خاصة ومكلفة من أجل توفير هذه المادة الاستراتيجية التي تحرك دواليب الاقتصاد الأوروبي عامة والفرنسي على وجه الخصوص.
وفي هذه الحالة فإن ذلك يتطلب تحديدا ناقلات مخصصة لنقل غاز الميتان، ويستلزم 160 درجة تحت الصفر ليتحول إلى مائع، وبالتالي يشغل حجما أقل بـ 600 مرة عما كان عليه غازا، ويتم تعبئته في صهاريج مخصصة لذلك تجهز بها بواخر الميتان (3).
من أجل ذلك تمت مضاعفة طاقات استقبال الموانئ الفرنسية وبذلك تم تحديث الأسطول النفطي البحري الفرنسي منذ تفجرت طاقات الصحراء النفطية، بحيث ارتفعت سعة الموانئ الفرنسية للحمولات الثقيلة (4) من 1.88 مليون طن في مطلع سنة 1956 إلى 2.84 مليون طن سنة 1960، كما أصبحت البواخر الفرنسية تغطي نسبة 87% مما تستقبله الموانئ الفرنسية سنة 1959، بعد أن كانت سنة 1956 لا تتجاوز 67 %.
__________
(1) - Délégation Générale du Gouvernement en Algérie, Plan de Constantine
1959 - 1963, Rapport general, p.141.
(2) ل. ق. فاسور، المرجع السابق، ص. ص. 175 – 176.
(3) In, Les documents de la revue de deux mondes, op.cit, p.32.-
(4) أي الموانئ التي تستقبل ناقلات تتعدى حمولتها 2000 طنا. (1/99)
صفحة 86
وبفضل استغلال النفط الجزائري، انخفضت المسافات البحرية التي كان يقطعها الأسطول النفطي الفرنسي، حيث أصبح هذا الأسطول قادرا على تغطية أكثر من 100% من نقل البترول الخام الموجه إلى التكرير في فرنسا (1).
وفي مجال نقل النفط عاد مشروع البحيرة الصناعية إلى التفكير، وبل تكونت فعلا هيئة تقنية لدراسته من جديد، ذلك المشروع الذي كان ضمن أرشيف التاسع عشر. ويتلخص المشروع في شق قناة طولها 91 ميلا تمتد من قابس على الساحل التونسي إلى شط الجريد بالجنوب التونسي، إلى شطوط السبخة بالجنوب الشرقي الجزائري. ولمَّا كانت هذه المنطقة تقع تحت مستوى سطح البحر فإن حفر مثل هذه القناة يحولها إلى بحيرة صناعية ضخمة وعميقة تبحر عبرها الناقلات والسفن إلى قلب الصحراء، وتمكن من نقل النفط والمواد المعدنية الأخرى من مناطق الإنتاج إلى أوروبا عبر البحر. وقد قدرت نشرة (بترول الشرق الأوسط) تكاليف هذا المشروع في أفريل 1958 بحوالي 100 مليون جنيه (2).
لقد أدى تطور الصناعة النفطية الفرنسية إلى زيادة استهلاك المحروقات، إذ كان مجموع ما استوعبت السوق الداخلية الفرنسية وما استهلكه قطاع النقل البحري قرابة 10 ملايين طن سنة 1950، ليرتفع خلال ست سنوات إلى حوالي 19 مليون طن (3). وبين سنتي 1957 و1959 سجل تطور السوق الفرنسية للمحروقات زيادة تقدر بـ 7.5%.
وبالرغم من أن سنة 1959 قد اتسمت بنوع من الركود في هذا القطاع فإن تقدما قد سجل في استهلاك المحروقات المنزلية والبنزين الزراعي. أما بنزين السيارات
__________
(1) O.E.C.E., op.cit, p.101.-
(2) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. ص. 89 - 90.
(3) - O.E.C.E, Le petrole, opcit, p100. (1/100)
صفحة 87
فلم يتطور استهلاكه بنفس الوتيرة التي تطورت بها حظيرة السيارات في فرنسا (1).
وبخصوص حركة المبادلات مع الخارج بخصوص الموارد البترولية فقد بقيت مستقرة إن على المستوى الكمي أو على المستوى النوعي (2).
ولقد كان متوقعا أن يسجل تطور معتبر في هذا التبادل وحركته في غضون سنوات الستينات، وهذه نتيجة لعدد من المصانع التي بنيت في العديد من البلدان الأروبية التي كانت تستورد هذه المواد البترولية (3). ووفقا لمصادر لجنة البترول للمنظمة الاقتصادية المشتركة لأوروبا ( O.E.C.E) فإن كميات احتياطية مخزنة تساوي احتياجات المنظمة خلال أربعة أشهر من الزمن على الأقل وتكون قد انتقلت إلى التكرير أو إلى التوزيع.
ويشكل هذا الأمر ثقلا ضاغطا للصناعة حيث إن الطاقة الإجمالية للتخزين للصناعة البترولية تبلغ حتى سنة 1961، 11 مليون متر فقط مكعب إذا استثنينا ما يمكن أن تخزنه خطوط الأنابيب في الصحراء (4).
ومن خلال المقارنة بين حالة الاستهلاك المحلي في الجزائر سنة 1950 وبين حالة مثيلة في سنة 1958 فيما يخص المنتجات البترولية يتبين لنا مدى تطور استهلاك هذه المواد (5).
__________
(1) تعتبر حظيرة السيارات الفرنسية هي الأولى في أروبا من حيث نسبة عدد السيارات إلى عدد السكان. انظر: ... . Ibid -
(2) المستوى النوعي يشمل كلا من: مصدر الموارد البترولية واتجاهها والمواد محل التبادل.
(3). Ibid, p.101 -
(4) O.E.C.E, op.cit, p.102. -
(5) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.79. (1/101)
صفحة 88
1950 ... 1958 ... نسبة الزيادة ... (بآلاف الأطنان المترية) ... (بآلاف الأطنان المترية) ... %
غاز لين المحركات ... 179.4 ... .3 ... 50 ... وقود الطائرات ... 15.5 ... 37.8 ... 144 ... بنزين أبيض ... 0.8 ... 2.2 ... 175 ... كيروزان ... 56.7 ... 83 ... 47 ... زيت الغاز ... 126.6 ... 219.4 ... 72 ... زيت الوقود ... 156.6 ... 316.9 ... 103 ... زيوت التشحيم ... 13.3 ... 26.9 ... 15 ... بيتومين ... 30.3 ... 101.1 ... 236
المجموع ... 589 ... 1057.2 ... 79
من هذا الجدول يتضح أنه خلال الفترة المشار إليها زاد الاستهلاك بوجه عام بنسبة قدرها 79%، وهي نسبة معتبرة في ظرف ثماني سنوات (1).
ورغبة في تلبية طلب الاستهلاك المحلي من المشتقات البترولية تقرر إنشاء معمل للتكرير في الجزائر. ومن أجل هذا الغرض قامت جميع الشركات العاملة في مجال التسويق في الجزائر بإنشاء شركة تكرير البترول في الجزائر ( SRPA) برأس مال قدره ألف مليون فرنك قديم، وكانت بداية الأشغال في بنائه في جوان 1961 بحي جسر قسنطينة بالجزائر العاصمة (2).
وفي مجال الغاز الطبيعي، يمكن تزويد الأسواق المحلية الصغيرة بنحو 20 مليون قدم مكعبة يوميا عن طريق
__________
(1) انظر: الملحق شكل 15.
(2) المساهمون في هذه الشركة هم: شركة النفط الفرنسية بنسبة 23.8%، شركة التكرير الفرنسية بنسبة 14%، شركة شمال الجزائر بنسبة 21%، شركة النفط الفرنسية البريطانية 12%، شركة جرسي ستندار 16.2%، شركة يريل الجزائر بـ 7%، وشركة موبيل بـ 6%. انظر: د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. ص. 90 - 91. (1/104)
صفحة 89
مد خطوط فرعية تخرج من الخط الرئيسي للأنابيب الذي يربط منطقة حاسي الرمل الصحراوية بمنطقة أرزيو الساحلية بالقرب من وهران.
وفي هذا السياق تأسست شركة لمد وتشغيل شبكة خطوط الأنابيب التي تمتد من حقل حاسي الرمل إلى مدينتي الجزائر ووهران بمساهمة الشركة الفرنسية لبترول الجزائر ( CEPA) والشركة الوطنية للبحث واستغلال البترول في الجزائر ( SNREPAL) وشركة كهرباء وغاز الجزائر ( E.G.A) (1) .
وفي عددها الصادر في 23 مارس 1962، ذكرت مجلة "بتروليوم تايمز" أنه تأسست شركة لإنشاء مصنع للمنتجات البتروكيماوية في أرزيو منتهى خط الأنابيب الغازي الذي ينطلق من حاسي الرمل برأس مال قدره مليونان ونصف من الفرنكات الجديدة. وأشارت المجلة أن الدراسات التي أجريت، قامت على أساس إنتاج 80 ألف طن من غاز الإثيلين ( ETHYLENE)، و30 ألف من غاز البروبيلان ( Propylene)، و30 ألف طن من غاز البيتادين ( Butadene) (2) .
ولقد أعد مشروع لتموين مدينتي الجزائر ووهران بالغاز الطيبعي وذلك عبر شبكة للأنابيب تتكون من قسمين:
- جذع مشترك يمتد من حاسي الرمل إلى أرزيو بأنبوب قطره 60 سنتيمترا (24 بوصة) يصل إلى مدينة غليزان، ثم بقطر 20 بوصة من غليزان إلى أرزيو.
- فروع تنبثق من الجذع نحو وهران و (سان بارب بتليلات Saint-Barbe du Tlelat) و (سان لوسيان Saint-Lucien) وسيدي بلعباس انطلاقا من أرزيو. وفروع أخرى لتموين كل من (أورليون فيل Orlean ville) والبليدة والجزائر والرويبة ورغاية انطلاقا من الجذع المشترك في غليزان. وقد قدر غلاف
__________
(1) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1(Le sous sol du Sahara ... .) opcit, 5f. -
وانظر كذلك، د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.105.
(2) تحمل هذه الشركة اسم Société des monomiferes de synthèse والمساهمون فيها هم شركة الباسو للغاز El Paso National Gas والشركة الوطنية للبترول بأكويتين، وشركة SNREPAL الفرنسية. انظر د. ر. البراوي، المرجع السابق، ص. 105. (1/105)
صفحة 90
هذا الاستثمار بـ 320 مليون فرنك جديد إجمالا، حيث يمتص الجذع المشترك مبلغ 220 مليون ف ج و100 مليون الباقية للخطوط الفرعية (1).
ومن أجل هذا الغرض نشأت شركة خاصة سميت "شركة النقل حاسي الرمل ـ أرزيو" ( SO.T.H.R.A) وقد حدد رأسمالها بـ 60 مليون فرنك جديد تمتلك منه الشركات البترولية المعنية (2) حصة 65%، فيما خصصت نسبة 35% الباقية لكهرباء وغاز الجزائر ( EGA). ويسمح هذا المشروع بتغطية الاحتياجات المحلية، ويبقى هامش واسع لإمكانية التصدير.
__________
(1) التكاليف بالملايين الفرنكات ... 1957 ... 1958 ... 1959 ... 1960
الأبحاث النفطية ... 64 ... 29 ... 37.5 ... 45
التطوير والاستغلال ... 5 ... 20 ... 23 ... 50
النقل النفطي ... - ... 14 ... 51.5 ... 35
المجموع ... 69 ... 63 ... 122 ... 130
() نفسه، ص.107.
(2) وهي الشركة الفرنسية لبترول الجزائر ( CFPA) والشركة الوطنية للبحث واستغلال البترول في الجزائر ( SNREPAL). (1/106)
صفحة 91
ومجمل القول وأمام هذه الإمكانيات الاستثمارية، تجدر الإشارة إلى الاستثمارات التي تم تحقيقها أو التي كانت في حيز التحقيق ويمكن أن يجملها في هذا الجدول (1).
tT
__________
(1) . C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.1, (Note sur le pétrole saharien.), 3f - (1/107)
صفحة 92
[صفحة بيضاء] (1/108)
صفحة 93
[صفحة بيضاء] (1/110)
صفحة 94
تأطير الاقتصاد النفطي وتأمينه
3. 1 - التأطير المؤسساتي:
أ. المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية
ب. وزارة الصحراء
جـ. مكتب الاستثمار في إفريقيا
3. 2 - التشريع النفطي:
أ. التجارب التشريعية في قطاع النفط
ب. القانون البترولي الصحراوي
جـ. دراسة تحليلية مقارنة
3. 3 - تأمين المنشآت النفطية ومراقبتها:
أ. التنسيق الصناعي العسكري
ب. المراقبة الذاتية للمنشآت النفطية
جـ. الإجراءات الأمنية بالصحراء الجزائرية (1/111)
صفحة 95
[صفحة بيضاء] (1/112)
صفحة 96
تأطير الاقتصاد النفطي وتأمينه
1.3 - التأطير المؤسساتي:
لقد كان ما كان يسمى بالصحراء الفرنسية منذ صدور قانون 1902 إلى غاية السابع من أوت 1957 مقسمة إلى أربعة أقاليم منها أقاليم الجنوب الجزائري، وقد كانت تحت إدارة الحاكم العام بالجزائر. أما الأقاليم الصحراوية الأخرى فقد كانت قبل سنة 1957 تحت إدارة الحاكم العام لما كان يسمى بإفريقيا الشرقية الفرنسية والحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية (1).
ومنذ 1950 ظهرت فكرة وجوب الحفاظ على الطابع الوحدوي لصحراء ما كان يسمى بالاتحاد الفرنسي لأسباب سياسية أكثر منها اقتصادية. ولقد رأى العديد من النواب في البرلمان الفرنسي والمختصين في شؤون الصحراء أن الهيكل السياسي والإداري، وبالخصوص في أقاليم الجنوب الجزائري، لم يعد صالحا من أجل بحث وتثمين منتظم لهذه المناطق، فهم يؤيدون بذلك تعزيز الحضور الدائم والقوي للسلطة الفرنسية من جهة والعمل على إيجاد هيئة أو جهاز يستقل بميزانية خاصة ووسائل ملائمة (2).
ولقد طورت عدة رؤى ووجهات نظر في هذا الشأن، نذكر منها:
أولا: فكرة اعتبار الصحراء ترابا وطنيا فرنسيا، وهي رؤية أثارها المتخصص في شؤون الصحراء (إميل بليم Emile Belime) في 1951، مفادها أن أقاليم الصحراء التي هي تابعة إلى الجزائر وإفريقيا الشرقية والغربية الفرنسيتين يتعين أن تشكل إقليما إداريا واحدا تحت السيادة الفرنسية المباشرة، وتتم إدارته مباشرة من فرنسا.
__________
(1). C. Treyer, op.cit, p.25 -
(2) Ibid, p.p.25 - 26. - (1/113)
صفحة 97
ثانيا: فكرة اعتبار الصحراء مقاطعة إفريقية فرنسية وهي رؤية دافع عنها النائب (بيير جيلي Pierre July) في سنتي 1952 و1956 أمام الجمعية الفرنسية في حين أيدها (بيير كورنيه Pierre Cornet) أمام مجلس الاتحاد الفرنسي.
وفي ما يشبه هذا الطرح، تقدم كل من النائب جيلي ( July)، ( إدغار فور Edgar Faur)، و (بول ريينو Paul Reynaud) باقتراح مشرع قانون في مارس 1956 مفاده إعادة تنظيم صحراء ما يسمى بالاتحاد الفرنسي وتقسيمها إلى ثلاث عمالات فرنسية بهياكل خاصة (1).
ثالثا: فكرة اعتبار الصحراء تنظيما اقتصاديا ولقد عرض هذا المشروع في 1953 النائب (آلدوي Alduy) أمام مجلس الاتحاد الفرنسي، وأثراه (هوفوي بوانيبي Hauphouet Boigny) وزير الدولة في حكومة (جي مولييه Guy Mollet)، وطعَّمه بالاقتراحات والرؤى السابقة لتتم المصادقة عليه في الجمعية الفرنسية في ديسمبر 1956، ويصدر بشأنه القانون القاضي بإنشاء ما يسمى بالمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (. O.C.R.S) (2) .
أ. المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية ( O.C.R.S.):
لقد أنشئت المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية بموجب قانون 27/ 57 لـ 10/ 01/1957 الذي اعتمده رئيس الجمهورية الفرنسية بعد أن راجعه مجلس الاتحاد الفرنسي وتم تداوله في المجلس الوطني ومجلس الجمهورية الفرنسي (3).
ويتحدَّد دور هذه المنظمة في الاستغلال والتوسع الاقتصادي والترقية الاجتماعية للمناطق الصحراوية التابعة للسلطة الفرنسية بحكم الاستعمار، والتي يشترك في إدارتها كل من الحكومة العامة في الجزائر وموريطانيا ومالي والنيجر
__________
(1) C. Treyer, op.cit, p.26. -
(2) Ibid. -
(3) Ibid. - (1/114)
صفحة 98
وتشاد. وتغطي المنظمة المشتركة هذه، مناطق واسعة موزعة على الأقطار سابقة الذكر، وهذه المناطق هي: (1)
البلدية المختلطة لملحقة كولمب بشار وجزء من ملحقة البيض الواقع جنوب جبال القصور، والبلديات الأهلية وملحقات الساورة وتينفورارين وتوات وتندوف والأجزاء الصحراوية لدوائر قوندام ( Goundam) وتومبوكتو وغاو ( Gao).
الأجزاء الصحراوية للبلديات المختلطة للأغواط والجلفة وكذا البلديات الأهلية وملحقات غرداية والمنيعة وورقلة والبلديات المختلطة لتقرت والوادي، والبلديات المختلطة وملحقات تيديكلت وآجار والهقار.
الجزء الشمالي لإقليم تاهوا ( Tahoua) وأغاداس والتي تضم مجموع فروع منطقة بيلما ( Bilma) وكذا منطقة بوركو ( Bourkou) وإيندي ( Ennidi) وتبستي ( Tibesti).
ولقد كان منوطا بهذه المنظمة نظريا أن تتخذ جميع الوسائل الضرورية لتحسين المستوى المعيشي للسكان وضمان ترقيتهم الاجتماعية في إطار عصري يأخذ بعين الاعتبار تقاليد وعادات كل منطقة (2).
وبالتنسيق مع برامج التنمية ضمن مخطط التحديث والتجهيز، كان لزاما على هذه المنظمة أن تعد وتنسق برامج الدراسات والأبحاث الضرورية لتنمية هذه المناطق، وعليها بناء على نتائج هذه الأبحاث والدراسات وضع حصر عام للمعطيات في مجالات الطاقة والمناجم والري والصناعة والزراعة، والشروع في برامج عامة للاستغلال (3).
__________
(1) C. Treyer, op.cit, p.83. -
(2) . CA.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 6.1, (Etude concernant Le Sahara.), p.63 -
(3) انظر: الملحق شكل 11 و12. (1/115)
صفحة 99
المنظمة المشتركة للمنطقة الصحراوية (خريطة) (1/116)
صفحة 100
ويتعين عليها كذلك إعداد وإنجاز مخطط للهياكل القاعدية خاصة في مجال النقل والمواصلات خدمة لهذه البرامج، وإنشاء شبكة للصناعات الاستخراجية والتحويلية ومجمعات صناعية بمجرد توفر الظروف الملائمة.
ولقد كان من صلاحيات المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية ( O.C.R.S) بعد موافقة الوزارات الفرنسية المعنية وخاصة وزارة المستعمرات والوزارة المكلفة بالجزائر - العمل على استقطاب الأقاليم المجاورة وإمضاء معاهدات معها تسمح للمنظمة بتحقيق أهدافها (1).
وتتشكل المنظمة المشتركة هذه بلجنة عليا يتحدد دورها في ضبط وتنسيق برامج العمل المشتركة ومجال تدخل المنظمة وإشرافها من أجل تطبيق هذه البرامج، ويشرف عليها مندوب عام يعينه مجلس الوزراء بمرسوم ممثلا للحكومة في المناطق الصحراوية التي تم تحديدها، وهو مسؤول على إعداد البرامج وتطبيقها، وحفظ الأمن العام، وتحقيق الأهداف المنوطة بالمنظمة، وتمثيلها في جميع العقود المدنية. ويساعد المندوب العام هيئة تقنية للإدارة في إنجاز البرامج وتحديد شروط تطيبقها. وتتوزع مقاعد اللجنة العليا بالتساوي بين ممثلي المجالس الدستورية الفرنسية وممثلين لسكان المناطق الصحراوية (2).
تتكون كتلة ممثلي المجالس الدستورية من ستة عشر عضوا نصفهم نواب بالمجلس الوطني الفرنسي وأربعة يمثلون مجلس الشيوخ وعضوان من مجلس الاتحاد الفرنسي وآخران عن المجلس الاقتصادي. هؤلاء الأعضاء يتم تعيينهم لمدة لا تتعدى مدة العهدة في مجالسهم الأصلية. كما يمثل سكان المناطق الصحراوية ستة عشر عضوا كذلك، نصفهم يمثل مناطق الصحراء الجزائرية ويتقاسم نصفهم الآخر مناطق صحراء موريطانيا والنيجر ومالي وتشاد بعضوين لكل منطقة (3).
__________
(1) C. Treyer., op.cit, p.140. -
(2) Ibid. -
(3) . C. Treyer., op.cit, p.84 - (1/117)
صفحة 101
أمَّا الهيئة التقنية للإدارة فتتشكل من أربعة عشر عضوا يعينون بمرسوم من مجلس الوزراء الفرنسي إضافة إلى الضابط العام. يمثل الإدارة الفرنسية ستة أعضاء ينوبون كلا من وزارة المستعمرات الفرنسية والوزارة المكلفة بالجزائر بعضوين لكلتيهما، وبعضو واحد لكل من وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية ووزارة الصناعة.
ولقد خصصت في هذه الهيئة ثمانية مقاعد تمثل هيئات ومؤسسات لها سمعة وخبرة وكفاءة في مجال تثمين واستغلال المناطق الصحراوية، ونذكر منها مكتب تنظيم المجموعات الصناعية الإفريقية، والصندوق المركزي للمستعمرات، ومكتب الأبحاث البترولية، والمكتب المنجمي للمستعمرات، ومكتب الأبحاث المنجمية للجزائر، ومحافظة الطاقة النووية (1).
وبموجب مرسوم 21 مارس 1959 أنشئ المجلس الاقتصادي والاجتماعي للمنظمة، ويتألف من أعضاء اللجنة التقنية ومن نواب مناطق الصحراء الكبرى الأربعة وشيخيها، ورئيسي المجلسين في عمالتي الساورة والواحات، وعضوين يمثلان اللجنة الاقتصادية الاجتماعية في العمالتين.
ويجتمع المجلس هذا مرة كل سنة على الأقل ليعطي رأيه في برامج الاستثمار، وفي مشاريع الاتفاقات مع الأقطار السواحلية، وفي الإجراءات المقترحة في الشؤون العامة.
ومن أجل البث في المسائل الطارئة واتخاذ الإجراءات الفورية بشأنها، تأسس منذ أكتوبر 1960 ما سمي بالمندوبية الاستشارية الدائمة التي تشكلت من اثني عشر عضوا. ويحق لهذه المندوبية أن تبث في كل القضايا المستعجلة باستثناء ما يتعلق ببناء برامج الاستثمار (2).
__________
(1). Ibid -
(2) C.A.N., G.P.R.A., BOITE 30, dossier 6.1, op.cit, p.64. - (1/118)
صفحة 102
وتتمتع المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية بالشخصية المعنوية، والاستقلال المالي وبميزانية تسيير ملحقة مباشرة برئاسة مجلس الوزراء الفرنسي. وتستفيد المنظمة من المساعدة التقنية والمالية للهيئات المركزية الفرنسية بحيث تتمكن من الاستفادة من خدمات مكتب تنظيم المجموعات الصناعية الإفريقية والصندوق المركزي للمستعمرات، ومن خدمات كل الهيئات النقدية والمالية الأخرى التي يدخل نشاطها ضمن اختصاص وعمل المنظمة (1).
وقد كان من الأهداف المعلنة من إنشاء هذه المنظمة إعطاء الدفع الكامل للتنمية في الصحراء والتنسيق بين مختلف الشركات التي كثفت حضورها منذ 1952، وخاصة تلك المختصة في البحث والتنقيب والاستغلال هناك، مثلما أعلنت عن أنها ترمي إلى استغلال موارد الصحراء لفائدة الصحراويين أولا ثم لفائدة الأقطار المتاخمة للصحراء ثانيا ثم لصالح الاقتصاد الفرنسي ثالثا (2).
ولقد ظل من الأهداف العليا للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية الاحتفاظ بوحدة الصحراء الكبرى، على الرغم من تطور الدول الإفريقية التي تعتبر الصحراء جزءا من ترابها، نحو الاستقلال وعلى الرغم أيضا من اشتداد عود الثورة في الجزائر (3).
ب ـ وزارة الصحراء:
عهدت الإدارة المركزية للصحراء إلى مديرية الصحراء التي تضمنت تحت مسؤوليتها مديرية فرعية للمالية ومصلحة للمستخدمين والشؤون الإدارية
__________
(1) انظر: الملحق شكل 11 و12. ... Ibid. -
(2) Treyer, op.cit, p.78. C. -
(3) . Ibid - (1/119)
صفحة 103
ميزانية المنظمة المشتركة للمنظقة الصحراوية (مخطط) (1/120)
صفحة 104
ومصلحة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية ومصلحة للشؤون الصحراوية ومراقبة عامة للأمن.
شملت المديرية الفرعية للمالية عدة دوائر منها دائرة التنظيم والدراسات المالية التي تتكفل بإنجاز كل الدراسات ذات العلاقة بالمسائل المالية بالتنسيق مع المصالح المعنية، ومن هذه المسائل نذكر الخزينة، القرض والنقد ... ، مثلما تعنى بأخذ الإجراءات اللازمة لدفع وتطوير تلك الدراسات وكذا دراسة مستقبل الإصلاح المالي المحلي والمشاركة في وضع الميزانيات للمجموعات المحلية.
ومن هذه الدوائر نذكر أيضا دائرة الميزانية والمحاسبة والعتاد، وهي بدورها تتكفل بتحضير مشروع ميزانية الصحراء وتوجيه تنفيذ الميزانية وضمان تسيير عتاد وبنايات الإدارة المركزية للصحراء، وكذا إنجاز الأبحاث وأخذ الإجراءات، الخاصة بصرف النفقات العمومية المتضمنة في ميزانية الصحراء بالتنسيق مع وزارة المالية في حكومة باريس (1).
وتضمنت هذه المديرية كذلك دائرة الشؤون الجبائية والعقارية، عهدت إليها في حدود صلاحيتها معالجة كل المسائل التي تدخل في اختصاصها وتسيير المستخدمين في مناطق الصحراء، في إدارات المالية، وتوجيه ومراقبة سير المصالح المحلية (2).
أما مصلحة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية فتتفرع عنها:
دائرة الشؤون الاقتصادية التي تشتغل بالصناعات التقليدية والتجارة، والأسعار، والتموين، وبالبريد والتلغراف والهاتف، وبالسياحة، وبكل الأمور الاقتصادية التي تشترك في معالجتها مع المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية.
دائرة الشؤون الاجتماعية التي كلفت بمعالجة قضايا التربية والتعليم العام والتقني، والبناءات المدرسية والمراكز الصحراوية للتربية والتكوين، وبالشباب
__________
(1) انظر: الملحق شكل 13.
(2) Treyer C., op.cit, p.p. 75 - 76. - (1/121)
صفحة 105
والرياضة وبالصحة العمومية وبالزراعة والريف وبالمساعدة الاجتماعية والسكن وقدماء المحاربين وذلك بالتنسيق مع المنظمة المشتركة ( OCRS).
دائرة العمل والحماية الاجتماعية، وتعالج بالتنسيق مع المنظمة المشتركة مسائل شروط وظروف العمل والنظافة والتأمين والتشغيل والرواتب وطب العمل والضمان الاجتماعي والمنح العائلية.
الصندوق الصحراوي للتضامن: تأسس هذا الصندوق بمرسوم بتاريخ 31/ 12/1959 لدعم برامج المجموعات المحلية ومشاريعها وتشكل مجلسه الإداري من أعضاء منتخبين من المناطق الصحراوية، ويقوم هذا المجلس بتقسيم محتوى الصندوق - المتكون من موارد جبائية، بما فيها تلك المتعلقة بعائدات البترول - على المجموعات المحلية. ومنوط بهذا الصندوق أن يؤمن توزيعا عادلا للمشاريع التنموية في كامل الصحراء تفاديا لما قد يكون من عدم التوازن التنموي من جراء تركز الاستثمارات الاقتصادية والنفطية على الخصوص في مناطق محدودة في المكان، وهو ما يوحي إليه اسم هذا الصندوق (1).
وبخصوص ميزانية وزارة الصحراء الإجمالية فقد كانت تتكون من عدة موارد نذكر منها على الخصوص:
ميزانية المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية، فلقد ارتفعت هذه الميزانية من سنة 1958 إلى سنة 1961 بأكثر من خمسة أضعاف، حيث كانت تبلغ ستا وخمسين مليون فرنك جديد لترتفع مباشرة في العام الموالي إلى 208 مليون ف ج، لتصل سنة 1961 إلى أكثر من 285 مليون ف ج.
ميزانية وزارة الصحراء، فقد انطلقت في سنة 1958 بمبلغ يقارب 105 مليون فرنك، وقفز العدد في السنة الموالية إلى ما يربو عن 246 مليون ف ج،
__________
(1) Treyer., op.cit, p.p. 76 - 77. C. - (1/122)
صفحة 106
لينخفض بصورة معتبرة في السنتين التاليتين (1960و 1961) حيث بلغ على التوالي نحو 112 مليون، ثم حوالي 123 مليون فرنك جديد.
الكيس الصحراوي للتضامن، وميزانية مكتب الاستثمار في إفريقيا ( BIA)، فلقد ساهم الكيس الصحراوي للتضامن في سنتي 1960و1961 بمبلغين يقترب كلاهما من 20 مليون فرنك، في حين ساهم مكتب الاستثمار في إفريقيا بمبالغ تقدر بـ 3.5 مليون فرنك جديد سنة 1958، لتصل إلى 9.1 مليون ف. ج. سنة 1961.
أمَّا عن مصادر التموين في وزارة الصحراء، فقد تكفلت بها الميزانية الفرنسية بصفة أساسية سنتي 1958 و1959،حيث بلغ الغلاف المالي المخصص للصحراء على التوالي نحو 165 مليون ف. جديد، و463 مليون ف. ج، ثم سجل انخفاض ملحوظ في مساهمة الميزانية الفرنسية في العامين التاليين 1960 و1961 ليتدنى على التوالي إلى قرابة 311 مليون وحوالي 275 مليون ف. ج (1).
ومنذ 1960 برزت العائدات والموارد البترولية مصدرا ليغطي جزءا من ميزانية وزارة الصحراء ويخفف من حدة الانخفاض المتزايد للتمويل المركزي، حيث ساهمت الموارد النفطية في هذه السنة بمبلغ 55 مليون فرنك، وفي سنة 1961 بلغت هذه المساهمة 125 مليون فرنك جديد (2).
جـ ـ مكتب الاستثمار في إفريقيا:
لقد أنشئ المكتب الصناعي الإفريقي ( BIA) بموجب قانون 05/ 01/1952، وهو مؤسسة عمومية فرنسية ذات طابع صناعي وتجاري يتمتع بشخصية قانونية وباستقلال مالي وبموجب مرسوم 21/ 03/1959 أصبح هذا المكتب يأخذ تسمية مكتب الاستثمار في إفريقيا ( BIA) وتتحدد صلاحياته في إمكانية تشكيل شركات
__________
(1). C .Treyer., op.cit, p.87 -
(2) . Ibid - (1/123)
صفحة 107
تمويل ميزانية وزارة الصحراء (جدول) (1/124)
صفحة 108
إنفاق ميزانية الصحراء وتزيعها (جدول) (1/125)
صفحة 109
المساهمة باسم الدولة، وإعطاء ضمانات، والموافقة على منح قروض، وإنجاز الدراسات المالية والمهام التي تندرج ضمن برامج المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية ( OCRS).
غير أن كفاءات هذا المكتب لا تتسع إلى الأبحاث البترولية ولكن يمكن أن يؤثر فيها بعلاقته المحدودة مع مكتب الأبحاث البترولية ( BRP) ومحافظة التخطيط والصناعة الذرية.
ومن أجل السير الحسن لمهمته، يتوفر مكتب الاستثمار في إفريقيا على مصادر مالية يستقيها من مساهمة الدولة والمجموعات العمومية، ومن تسبيقات لغرض التحديث أو التجهيز، ومن سلفيات وقروض بنكية، وعائدات مساهماته، والعمليات التي يقوم بها وغيرها (1).
إنَّ هذا المكتب الذي اتخذ من باريس مقرا له قد تحدد تنظيمه بمرسوم 06/ 11/1959؛ حيث إن تسييره يشرف عليه مجلس إدارة متكون من محافظ عام ومدير خزينة وزارة المالية الفرنسية ومندوب عام للبحث العلمي والتقني والمتصرف العام لمحافظة الطاقة الذرية والمدير العام لصندوق الإيداع وموظف سام يعينه وزير الخارجية الفرنسي وموظفين اثنين ساميين يعينهما وزير الصناعة والتجارة وموظف سام يعينه وزير الأشغال العمومية والمندوب العام المساعد للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية والأمين العام للجنة ما بين الوزارات للتعاون الاقتصادي الأروبي والمدير العام للصندوق المركزي للتعاون الاقتصادي والمتصرف العام لصندوق التجهيز من أجل تنمية الجزائر ومدير اللجنة الاستشارية لمكتب الاستثمار في إفريقيا وسبعة شخصيات تمثل مؤسسات التنمية بالصحراء وسبعة آخرون يمثلون المؤسسات المنجمية والبترولية والصناعية ومؤسسات التجهيز وثلاثة أعضاء يمثلون المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
__________
(1). M.R. Thomas., op.cit, p.p 175 - 176 - (1/126)
صفحة 110
ويمتلك مجلس الإدارة هذا لمكتب الاستثمار في إفريقيا سلطة القرار في المجالات التي تدخل في إطار مهامه وهو المؤهل الوحيد لاتخاذ القرار في:
التوقعات السنوية لموارد النفقات.
حسابات آخر (انتهاء) العمل.
شروط حصص القروض.
المنافسات (المسابقات) أو المساهمات المبرمة مع تنظيمات أو مؤسسات أخرى.
تمثيل المكتب لدى التنظيمات أو المؤسسات عندما يتطلب الأمر المشاركة (1).
3. 2 - التشريع النفطي:
قبل التطرق إلى التجربة الفرنسية في مجال التشريع النفطي، يجدر بنا أن نستعرض ولو بصفة موجزة بعض الأنظمة البترولية التي كان العمل جاريا بها خاصة في بلاد الخليج وأمريكا اللاتينية، حتى نتمكن من وضع خلفيات - ولو بصورة تقريبية - لما سمي بالقانون البترولي الصحراوي (2) الذي أصدرته الحكومة الفرنسية لتنظيم الاستثمار الطاقوي بالصحراء. وما تجدر الإشارة إليه، أن القانون البترولي الصحراوي يتقاطع في كثير من النقاط بالأنظمة والقوانين التي كانت سائدة في العالم.
أ ـ التجارب التشريعية في قطاع النفط:
إذا كان الكارتل الاحتكاري العالمي قد استأثر في الشرق الأقصى بالسيطرة على حقول أندونيسيا، فإن تجذره في أمريكا الجنوبية: المكسيك، الأرجنتين، البرازيل، وكولومبيا كان صعبا رغم الأرباح التي لم تكن في مستوى التوقعات (3).
أما بلاد الشرق الأوسط التي كانت في منأى عن تطورات العصر إذَّاك،
__________
(1) Thomas, op.cit, p. 177. -
(2) سيأتي الحديث عنه لاحقا.
(3) Thomas, op.cit, p. 177. - (1/127)
صفحة 111
فإنها كانت تمثل المرتع الخصب لإشباع نهم الشركات الاحتكارية من الأرباح والفوائد في ظل أنظمة امتياز مساعدة.
والغريب في الأمر أن القوانين من هذا النوع ليس لها وجود داخل الولايات المتحدة الأمريكية البلد الأصلي لأغلب الشركات الاحتكارية الكبرى، حيث يتوجب عليها دفع رسوم منجمية مرتفعة جدا من أجل الحصول على رخص التنقيب بقطع النظر عن الأتاوات والضرائب المفروضة (1).
ومن حسن حظها أن الوضع لم يكن كذلك في الشرق الأوسط، وذلك بمساعدة طبيعة أنظمة الحكم التي كانت سائدة، مما كانت فرصة للكارتل لجمع ثروات طائلة مكنتها من أن تصبح إمبراطوريات جاثمة على أرض الدول التقليدية العتيقة.
ومن أجل الحفاظ على امتيازاتها عمدت الشركات الاحتكارية إلى استخدام النصوص الشرعية والفتاوى الفقهية لإعطاء الطابع المقدس لعقود الامتياز ولإثبات أن أي تعديل يتم إدخاله على هذه العقود يعدّ منافيا للشريعة الإسلامية وللعهود المقدمة.
وأكثر من ذلك، فإن بعض المسؤولين في هذه البلاد يصف الذين يتحدثون عن تأميم البترول في تلك الفترة أمثال مصدق في إيران بالملحدين وأعوان الشيوعية العالمية.
ولقد شهدت هذه الفترة سقوط أكثر الصحف العربية أهمية في هذه البلاد تحت سيطرة الشركات البترولية، حيث أمدتها بمساعدات تحت غطاء الإعلانات الإشهارية للحديث عن كل شيء سوى البترول، كما عمد أساتذة الجامعات والمستشارون القانونيون لهذه الشركات إلى استقاء أفكارهم من أدبيات تخدم مصالح هذه الشركات الاحتكارية.
ولقد كانت وصاية الشركات صاحبة الامتياز ظاهرة في مؤتمرات البترول العربية الأولى المنعقدة من سنة 1959 بالقاهرة، ثم بيروت، حيث إن الأغلبية
__________
(1) أنيسة بومدين، (الامتياز البترولي القديم)، الشعب، ع.27 فيفري 1994، ص.8. (1/128)
صفحة 112
الساحقة للمداخلات قدمها مندوبو هذه الشركات الذين عملوا جهدهم على أن، يثبتوا أن من مصلحة العرب عدم الاشتعال والخوض في النشاط البترولي (1).
وبتوسع الاستهلاك العالمي للطاقة وبوجه خاص من البترول بسرعة وبنسبة كبيرتين منذ انتهاء الحرب العالمية، وصل الاستهلاك في أوروبا الغربية إلى 115 مليون طن في سنة 1959، ولقد كان متوسط الزيادة السنوية بنسبة 11.3% خلال السنوات العشر الممتدة بين 1949 و 1959 غير أن هذا الطلب المتزايد الملحوظ لم يشكل عائقا أساسيا للاقتصاد الأوروبي، حيث مكنت مواجهته عن طريق دفع وتيرة الإنتاج في الشرق الأوسط، بحيث ارتفع من 15.8 مليون طن في 1939 إلى 70.1 مليون طن عام 1949 إلى 226.7 مليون طن سنة 1959، إضافة إلى ذلك ارتفعت تقديرات الاحتياطي الثابت وجوده بحيث أصبح هذا الإقليم يشغل المركز الثاني في العالم في هذا المجال.
وأمام هذه الخطوة التي حصلت عليها منطقة الشرق الأوسط، وابتداء من الخمسينيات من القرن العشرين، حدثت تطورات سياسية على جانب كبير من الأهمية، وسرعان ما أثبتت أنها نقطة تحول بالنسبة إلى البترول ومستقبله (2). ولعل في مقدمة هذه التطورات اشتداد اليقظة القومية في بلدان الشرق الأوسط بوجه عام، وكان من أبرز مظاهر تلك اليقظة الهجوم على الامتيازات الممنوحة إلى شركات البترول والمطالبة بإزالة ما فيها من غبن بتعديل شروطها على النحو الذي يؤدي إلى زيادة نصيب البلدان المنتجة من الأرباح التي كانت تحققها الشركات المستثمرة.
ولقد بلغت هذه الحركة إلى درجة المطالبة بإلغاء تلك الامتيازات تماما وتأميم الصناعة البترولية بوصفها المصدر الرئيس للثروة والرخاء. ولم تقف هذه الحركة في الامتيازات المالية بل كان الوطنيون في هذه البلاد ينظرون إلى المصالح البترولية
__________
(1) أنيسة بومدين، المرجع السابق، ص.8.
(2) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 12. (1/129)
صفحة 113
الأجنبية أنها قوى وثيقة الصلة بالأوضاع الاستعمارية التي يرزحون تحت وطأتها والتي تركت بصماتها على السياسة الداخلية لبلادهم (1).
وبلغ السخط على عقود الامتياز مبلغه في الأوساط الوطنية في تلك البلاد حين أقدم الدكتور مصدق رئيس الوزراء الإيراني سنة 1951 على تأميم صناعة البترول في إيران وإلغاء امتيازات شركة النفط الإنجليزية الإيرانية ( I.B.C).
ورغم أن هذه الخطوة انتهت بسقوط حكومة مصدق، إلا أن الأزمة سويت باتفاقية (الكونسرتيوم Consortium) سنة 1954، والتي تقضي بالاعتراف بمبدإ التأميم نظريا، وضمان حقوق ومزايا لإيران هي أعظم بكثير مما كانت عليه الحال قبل ذلك (2).
ولقد اعتبرت عملية التأميم نذيرا لا يمكن تجاهله أو التهوين من خطورته، ذلك أن ما أقدم عليه مصدق في إيران يمكن تكراره في بلد آخر في الشرق الأوسط مما يثير مخاوف الشركات العاملة هناك، ويهدد مصالحها. إضافة إلى ذلك ظهور عروض تنافسية لشركات أمريكية ويابانية وإيطالية، أضافت للعلاقات التقليدية المهتزة حدة بين الحكومات الوطنية والشركات العاملة هناك.
وعندما قررت حكومة جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس في جويلية من سنة 1956، ثارت فرنسا وبريطانيا اللتان كانتا تملكان أغلبية الأسهم، وعمدتا إلى مختلف ضروب الضغط دون أن ينتهي ذلك إلى نتيجة تذكر.
والجدير بالذكر أن حوالي 60% من صادرات بترول الشرق الأوسط يتجه إلى أسواق أوروبا (3). وتنتقل هذه الكميات البترولية إلى هناك عن طريق الأنابيب إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط كما هو الحال لخام العراق والعربية السعودية، أو
__________
(1) نفسه، ص.13.
(2) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص 13.
(3) تقدر نسبة صادرات البترول من هذه المنطقة إلى أوروبا حسب السنوات كالآتي:
1950: 58.8 %، 1955: 64.2 %، 1960: 58.1 %. انظر: نفسه، ص.15. (1/130)
صفحة 114
عن طريق البحر مباشرة عبر قناة السويس. وتظهر أهمية هذه القناة، إذا عرفنا أن حوالي 72% من مجموع السلع العابرة للقناة تتمثل في البترول (1).
ويبدو أن الحكومتين الفرنسية والبريطانية بوقوفهما ضد تأميم القناة كان من بين مبررات ذلك مخاوف قد ساورتهما من أن تنزع مصر إلى الرفع في رسوم المرور بشكل تعسفي ينعكس على تكلفة نقل البترول، أو أن يستخدم هذا المعبر المائي الهام وسيلة ضغط يعرض للخطر عبور المادة البترولية الحيوية التي تموّن وتحرك الاقتصاد في أوروبا الغربية، إضافة إلى ما عاد إلى الأذهان من جراء الصدمة التي تلقتها المصالح الغربية حين أقدم رئيس الوزراء الإيراني الدكتور مصدق على تأميم الشركة الإنجليزية الإيرانية قبل خمس سنوات كما سبقت الإشارة إليه.
وبالرغم من إعلان الحكومة المصرية من أن ما تدعيه بعض الدول من تهديد لمصالحها من جراء التأمين لا مبرر له، إذ من مصلحة مصر العمل على تحسين خدمات المرور حتى تنشط حركة النقل، وهو ما يؤدي إلى المزيد من موارد من رسوم المرور (2).
وبالرغم مما أبدته الحكومة المصرية من استعداد لتعويض المساهمين في شركة القناة، جاءت هجومات خريف 1956 على مصر تشترك فيها فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وهو ما أصبح يعرف بالعدوان الثلاثي.
وليس من نافلة القول الإشارة إلى أن، فرنسا بالإضافة إلى ما لحق بها من تهديد لمصالحها الاقتصادية في القناة، فإنها كانت تتهم جمال عبد الناصر وحكومته بالوقوف وراء الثورة الجزائرية التي استوفت عامها الثاني.
ولقد كان لهذا العدوان رد فعل بالغ في الرأي العام العربي عموما والسوري على وجه الخصوص، حيث قام العمال السوريون في الثاني من أكتوبر 1956
__________
(1) نفسه، ص. 14 - 15.
(2) وهذا ما تم فعلا، فقد أصبحت سفن تتجاوز حمولتها 80 ألف طن وغاطسها 37 قدما تتمكن من عبور القناة وهو ما لم يكن من قبل. انظر د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.15. (1/131)
صفحة 115
بنسف جميع محطات الضخ التابعة لخطوط أنابيب شركة نفط العراق في سوريا، مما نتج عنه توقف تدفق البترول العراقي إلى ساحل البحر المتوسط، وهو ما زاد الحال سوءا. ورغم تصليح الأنبوب إلا أن طاقته انخفضت إلى أقل من النصف.
وعقب العدوان كانت الحكومة المصرية قد اتخذت قرار غلق قناة السويس في وجه الملاحة الدولية إلى سنة 1957، مما حمل ناقلات النفط وغيرها إلى الطواف حول القارة الإفريقية، وهو ما يأخذ وقتا أطول ونفقات أكبر (1).
وفي الجزائر لم تكن السلطات الفرنسية تحبذ إشراك المصالح الأجنبية بنسبة تحقق لها الأغلبية والسيطرة، فلقد كان في الإمكان من الوجهة القانونية منح تراخيص بحث مطلقة لأية مؤسسة استثمارية فرنسية في أي إقليم من أقاليم المستعمرات، إلا أنه من الملاحظ من الناحية العملية أن السلطات الفرنسية كانت تريد ألا تتجاوز حصة الرأسمال الأجنبي في الشركات الاستثمارية نسبة 49% من مجموع رأسمال كل شركة.
ولما حان وقت تخلي أصحاب الامتيازات عن نصف المساحة التي تم التنازل عنها لهم بحلول عام 1957 - 1958 - بعد انقضاء خمس سنوات وفق الشرط المقدم لهم سلفا- أفسح المجال أمام الراغبين في الحصول مجددا على رخص التنقيب.
ومن الحوافز التي شجعت الراغبين في الحصول على التراخيص هو النجاح الذي صادفته الشركات التي سبقت إلى الميدان منذ 1952، في العثور على النفط وبكميات وفيرة.
ودارت المباحثات بين الشركات الاستثمارية والحكومة الفرنسية من أجل تسهيل شروط البحث والاستغلال، وكانت استجابة السلطات الفرنسية لهذا المطلب مدفوعة بعاملين أولهما الرغبة في الاستفادة من القوة المالية لشركات البترول
__________
(1) إن رحلة من ميناء الأحمدي في الكويت إلى ميناء روتردام في هولندا مثلا عن طريق القناة تقل بـ: 9500 ميل بحري منه عن طريق رأس الرجاء الصالح. انظر: نفسه، ص. 15 – 16. (1/132)
صفحة 116
العالمية، وثانيهما يتمثل في ضمان التأييد من جانب هذه الشركات –ومن ورائها الدول التي تنتمي إليها تلك الشركات- لبقاء النفوذ الفرنسي في الجزائر حرصا على مصالحها (1).
ولقد أثبتت هذه الرؤية خطأها فيما بعد، إذ لم تلبث الشركات الاستثمارية أن أدركت أن لا سبيل إلى الإبقاء على مصالحها وضمان الاستقرار طالما بقيت الثورة قائمة والحرب واقعة في الجزائر.
وتماشيا مع هذه الاتجاهات أعلنت الحكومة الفرنسية في أواخر صيف 1957 عن عزمها على عرض مساحات شاسعة من المناطق الصحراوية على الشركات مهما كانت جنسيتها، ثم أردفت ذلك الإعلان بإصدار تشريع جديد مؤقت تضمَّن تسهيلات عدة، نذكر منها (2):
1 - تقوم الشركات الأجنبية بتأسيس شركات فرنسية بالاشتراك مع أصحاب رؤوس الأموال الفرنسيين، على أن يسمح للشركات الأجنبية بالإشراف الكامل على إدارة العمليات، وهو أمر لم يكن القانون الفرنسي يسمح به في الماضي.
2 - يمنح الترخيص بالبحث والتنقيب دون مقابل بشرط أن تتعهد الشركة صاحبة الامتياز بإنفاق حد أدنى من المال.
3 - بمجرد العثور على الزيت يتحول ترخيص البحث إلى عقد استغلال، وبمقتضاه يصبح للشركة حق إنتاج النفط وتسويقه لمدة خمسين سنة.
4 - تتعهد الحكومة الفرنسية بعدم المطالبة بتطبيق مبدأ اقتسام الأرباح مناصفة بالنسبة إلى البترول المنتج من الصحراء الكبرى.
5 - لا تستحق الأتاوة إلاَّ بعد إنتاج كمية لا تقل عن 300.000 طن من
__________
(1) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 91 - 92.
(2) نفسه، ص. ص 92 - 93. (1/133)
صفحة 117
منطقة الامتياز.
6 - فرض فئات منخفضة لضريبة الدخل المستحق على الشركات.
7 - السماح بنسبة سخية لمخصصات النضوب.
ولقد تقدمت عدة شركات غير فرنسية للحصول على امتيازات في المناطق التي تخلت عنها الشركة الوطنية للبحث واستغلال البترول في الجزائر ... ( SNREPAL) والشركة الفرنسية لبترول الجزائر ( CFPA) في أكتوبر 1957. وفي فبراير من العام التالي أعلنت الحكومة الفرنسية عن التوزيع النهائي للتراخيص الجديدة، حيث حصلت عليها كل من (1):
شركة بترول فالونس ( Ste de petrole de valence) تتقاسم رأسمالها كل من شركة البترول البريطانية وفرعها الفرنسي بنصف أسهمها في حين يعود النصف الآخر إلى الحكومة الفرنسية وخواص فرنسيين.
مجموعة (كريبس CREPS).
مجموعة بترول الجزائر ( CPA).
مجموعة مؤلفة من بعض هيئات تمويل البترول الفرنسية، وفروع شركة (سيتيز سرفيس Cities Service) الأمريكية في فرنسا.
مجموعة من الهيئات الفرنسية، وفروع شركة (فليبس) الأمريكية في فرنسا.
شركة (بتروساريب PETROSAREP).
الشركة الوطنية للبترول في (أكويتين).
__________
(1) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. ص. 93 - 94. (1/134)
صفحة 118
ومن الملاحظ أنَّ الشركات الأمريكية الكبرى أحجمت عن الدخول في هذا الميدان بالجزائر. ويبدو أنها لم تكن مطمئنة إلى اتجاه سياسة فرنسا النفطية بالجزائر. وكان لزاما من أجل إزالة أمثال هذه المخاوف أن تصدر الحكومة الفرنسية في 22/ 11/1958 قانونا جديدا شاملا لتنظيم عمليات البحث عن البترول واستغلاله.
ومن أجل الإسراع في الكشف عن الحقول البترولية في الجزائر وتأمين استغلالها، قررت الحكومة الفرنسية تشجيع استثمار رؤوس الأموال الخاصة، سواء كانت فرنسية أم من أقطار أخرى في عمليات التنقيب في الصحراء.
ولقد كان من شأن دخول الشركات البترولية في الصحراء، تأمين الإمكانات التقنية المتطورة في ميدان البحث والتنقيب من معدات عصرية وخبرات هامة، وهو ما لم يكن يتوفر لفرنسا حينئذ.
ومن المؤكد – كما أسلفنا - أن لتشجيع الشركات غير الفرنسية للعمل في الميدان البترولي بعدا سياسيا يتمثل في أن استثمار رؤوس أموال الدول الأجنبية في الصحراء سيجعل البلدان التي تنتمي إليها هذه الأموال والشركات تنحاز إلى جانب فرنسا وتساندها من أجل المحافظة على الجزائر والصحراء الجزائرية.
وإلى جانب ذلك كله هناك عامل اقتصادي يتمثل في رغبة الحكومة الفرنسية في أن تؤمّن لمبيعاتها من النفط الصحراوي أسواقا خارج منطقة الفرنك في حالة ما إذا كانت الكميات المنتجة تفوق احتياجاتها واحتياجات المجموعة الإفريقية التي تدور في فلكها. وكان من شأن مساهمة الشركات البترولية العالمية في الميدان البترولي في الصحراء الجزائرية تأمين هذه الأسواق وبالتالي تزويد الخزينة الفرنسية بمبالغ إضافية من العملة الصعبة (1).
وفي أوج التهاب الثورة التحريرية كان يبدو للحكومة الفرنسية أنه يتعين تقديم تسهيلات كبيرة ومنح إغراءات مهمة للشركات النفطية، كما يتعين تأمين
__________
(1) د. عاطف سليمان، معركة البترول في الجزائر، ط.1، دار الطليعة، بيروت، 1974، ص. 14 - 15. (1/135)
صفحة 119
شروط مواتية لها بشكل يحملها على قبول استثمار أموالها في تلك الظروف والأحوال التي زادت فيها نسبة المخاطرة والمغامرة.
ولقد كانت هذه الاعتبارات وغيرها ماثلة في أذهان رجال السلطة الفرنسية وهم بصدد التفكير في إعداد القانون الذي يمثل الإطار الأمثل لاستغلال ثروات باطن الأرض في الصحراء على الوجه الأكمل.
ب ـ القانون البترولي الصحراوي:
لقد كان قانون التعدين الفرنسي (1) هو التشريع الساري المفعول قبل إصدار قانون بترولي خاص بالصحراء، حيث إن قانون التعدين لم يكن يتضمن تسهيلات كفيلة باستقطاب المستثمرين في الميدان البترولي الصحراوي، مما دفع إلى إصدار تشريع خاص يأخذ في الحسبان جميع المعطيات المتقدمة (2).
ولقد صدر هذا التشريع الجديد باسم "القانون البترولي الصحراوي" في المرسوم التشريعي رقم 58/ 1111 الصادر في 22 نوفمبر 1958 (3) والمراسيم
__________
(1) وهو قانون 21 أفريل 1810 الخاص بالمناجم، وقد عدل هذا القانون عدة مرات، إلى جانب ذلك هناك عدة مراسيم صدرت سنة 1955 خصوصا مرسوم رقم 588 - 55 الذي ينص على البحث واستغلال المواد المعدنية، ومرسوم 590 - 55 الذي ينص على الترخيص لاستغلال المناجم، ورقم 593 - 55 الذي يخص امتياز استغلال المناجم، ثم مرسوم رقم 1179 - 57 لـ 22 أكتوبر 1957 الخاص بإشراف وتنظيم الإدارة العمومية على الرخص التنفيذية للبحث عن المحروقات السائلة والغازية وعلى رخص الاستغلال والامتياز في عمالتي الساورة والواحات، للمزيد انظر: ... Ch .Verlaque, op.cit, p 48. -
(2) Ibid. -
(3) هذا المرسوم كمل بمرسوم آخر يحمل رقم 1112 - 58 خصص لـ (النقل في الجزائر للمحروقات السائلة والغازية والمتعلقة بالاحتياطات الواقعة في مناطق المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية O.C.R.S.) )، ومرسوم رقم 1113 - 58 مخصص لـ: (النظام الضريبي المعد للتطبيق في فرنسا أو في مستعمرات ما وراء البحار لتوزيع الأرباح التي أحرزت عليها الشركات المستثمرة هناك في قطاع النفط، ومقيد بمرسوم تطبيقي رقم 1159 - 58 المؤرخ في 2 ديسمبر 1958. انظر:
- Ch. Verleque, ibid . p.p. 48 - 49 (1/136)
صفحة 120
والقرارات المكملة والمنفذة لأحكامه (1).
ومن أجل الاطلاع على تفاصيل هذا القانون، ارتأينا أن نستعرض بنوده واحدا تلو الآخر، حتى نتمكن من الوقوف على خلفياته وغاياته على ضوء المعطيات السياسية والاقتصادية التي كانت قائمة (2).
لقد اعتبر القانون البترولي الصحراوي أن مبدأ مناصفة الأرباح بين الدولة الفرنسية والشركة صاحبة الامتياز هو أساس اقتسام الأرباح، ومن الواضح أن هذا النص يعد خروجا عما التزمت به الحكومة الفرنسية بعدم المطالبة بتطبيق هذه القاعدة كما نص على ذلك تشريع سنة 1957 المؤقت.
ويصدر الترخيص بالبحث والتنقيب من الحكومة الفرنسية دون اشتراط تسبيق دفعات نقدية، وإذا لم تنفق الشركة صاحبة الامتياز المبلغ المحدد في أشغالها البترولية، لزم عليها دفع تعويض يساوي الفرق الذي لم يصرف للحكومة الفرنسية، وللشركة حق المطالبة بتجديد الرخصة دون أن تلتزم الحكومة الفرنسية بالموافقة.
ويحق للشركة صاحبة الامتياز التخلي عن كل أو جزء من مساحة الامتياز بشرط الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية، ولهذه الأخيرة في هذه الحالة تقدير نسبة ما ستعفى الشركة منه من التزاماتها المالية.
وتمنح رخص البحث والتنقيب لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد فترتين أخريين لخمس سنوات أخرى لكل منهما، أو ثلاث سنوات إذا رغبت الشركة.
وعند كل تجديد تتخلى الشركة عن جزء من مساحة الامتياز، دون التعديل في الحد الأدنى من الإنفاق، ويتعين على الشركة التخلي عن نصف المساحة عند
__________
(1) Voir: Journal officiel français, n° 58 - 2075, nov. 1958, /C.A.N. , G.P.R.A., boite 30, dossier 2, (Le code pétrolier) Le Monde du 16/ 17 nov. 1958 / Ch. Verlaque, op.cit, p.p. 48 - 49.
(2) د. عاطف سليمان، المرجع السابق، ص. ص. 14 - 15. (1/137)
صفحة 121
التجديد الأول، وربع المساحة عند التجديد الثاني.
وللشركة صاحبة الامتياز حق الحصول على عقد استغلال لمدة خمسين سنة في حالة العثور على النفط، وقد نص التشريع المؤقت لسنة 1957 على نفس المدة، بفارق أن النص القديم يقضي بتحول رخصة البحث إلى عقد استغلال بمجرد العثور على النفط.
وعند منح الرخصة الأولى للبحث لشركة ما، فإن اللوائح المعمول بها عند إصدارها تسري عليها، وعند التجديد تسري اللوائح الجارية في وقت التجديد.
وتحتفظ الحكومة الفرنسية بحق الإشراف على مصدر رؤوس أموال الشركة، وكذا على كل تغيير يحدث على الإدارة الداخلية للشركة العاملة، ويعد هذا خروجا على ما نص عليه التشريع المؤقت من حيث إعطاء الحرية للشركات الأجنبية للإشراف الكامل على شؤونها وأعمالها.
ولم يضع القانون البترولي الصحراوي حدًّا أقصى لنسبة رأس المال الأجنبي غير الفرنسي، إذا أخذنا بعين الاعتبار حرص الشركات الفرنسية قبل هذه السنة (1958) على عدم تجاوز نسبة رأس المال غير الفرنسي لنسبة 49% من أسهم رأس مال الشركة، ويبدو أن دافع استقطاب الشركات الأمريكية الكبرى هو أحد العوامل المهمة التي تقف وراء هذا الاتجاه وذلك بالنظر إلى عدم كفاية رؤوس الأموال الجاري استثمارها في الصحراء.
ويتم بيع الإنتاج على أساس الأسعار السائدة في السوق البترولية العالمية، وهذا على خلاف القوانين في كثير من البلدان الأخرى التي تجعل من الأسعار المعلنة هي الأساس. وينص القانون أيضا أن للحكومة الحق في المطالبة في أن تكون أولوية التوريد في منطقة الفرنك، ويبقى الحق بالمقابل للشركات في تغطية احتياجات هذه المنطقة من مصادر غير الصحراء الجزائرية.
وتمارس الحكومة الفرنسية حق الإشراف على النواحي التقنية والاقتصادية (1/138)
صفحة 122
والمالية في مرحلة الاستغلال وخصوصا عمليتي الإنتاج والنقل عبر خطوط الأنابيب، ويحق للحكومة أن تطالب الشركات بإقامة خزانات أو مد خطوط نقل مشتركة كما يحق لها التدخل في تمرير نفط شركة عبر خطوط نقل لشركة أخرى إذا أمكن ذلك تقنيا، وللحكومة الحق في أن تنص في العقود على ضرورة إقامة معامل التكرير أو أية التزامات أخرى.
ويظهر من هذه الترتيبات التي تسلب الشركات حقها في الإشراف الكامل على أشغالها يستجيب للسياسة الفرنسية القائمة على تخطيط وتنظيم النشاط النفطي. أمَّا النص الخاص بالنقل عبر الأنابيب فإنه يتماشى والرؤية الفرنسية التي تعتبر خطوط الأنابيب من المرافق العامة بالرغم من كونها ممتلكات خاصة للشركات القائمة بالإنجاز.
وتؤدي الشركات أتاوات بنسبة 12.5% للبترول و 5% للغاز الطبيعي نقدا أو عينا، ثم تفرض ضريبة دخل على الأرباح بحيث يصبح ما يعود إلى الخزينة الفرنسية مساويا لنصف الأرباح التي تحققها الشركة صاحبة الامتياز.
وتحتسب ضريبة الدخل الربح الصافي الذي تحققه الشركة من جميع عمليات الكشف والاستغلال التي تجريها في الصحراء. وبذلك يحق لها أن تخصم مصاريف الكشف وتهيئة الحقول للاستغلال من الدخل الحاصل من إنتاج منطقة أخرى تابعة لهذه الشركة.
وتخصم من الدخل الخاضع للضريبة فوائد القروض بحوالي 8%، ولا يخضع توزيع الأرباح المجزأة في الأراضي الفرنسية ومستعمراتها للضريبة النسبية. ويطبق مبدأ المناصفة على عمليات النقل بالأنابيب في المنطقة التي هي تحت إشراف المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية ( O.C.R.S).
ويحق للشركة المنتجة أن تخصم لحساب النضوب من الدخل الخاضع للضريبة ما يعادل 27.5% من قيمة الخام في مكان الإنتاج، على أن لا تتجاوز نسبة (1/139)
صفحة 123
ما يخصم 50% من صافي الربح بعد خصم الأتاوة، ويبدو أن ما أريد بهذا، هو تسهيل عملية التمويل ذاتيا بعد بلوغ مرحلة من الإنتاج.
وقد أعلنت الحكومة الفرنسية أن الغرض من استغلال النفط الصحراوي إنما هو تمويل منطقة الفرنك من احتياجاتها من الطاقة وحماية مواردها من العملة الصعبة، وليس هدفها الحصول على عائدات من مبيعات النفط الجزائري وهو ما يعطي دلالة تامة على أن الاقتصاد الفرنسي والمصلحة الفرنسية هي أولوية الأولويات، في سياسة الحكومة الفرنسية دون مراعاة مصلحة الجزائر ولا تنمية الصحراء.
وبموجب هذا لقانون أيضا يمكن تحويل توزيعات الأرباح إلى البلد الأصلي لرأس المال وبعملته، كما أن للشركة صاحبة الامتياز الحق في مد خطوط النقل بالأنابيب إن بصفتها الفردية أو بالاشتراك مع آخرين. وقد أُفرد لهذه المسألة الأخيرة قانون خاص ينظم تفاصيلها، ويضع إجراءاتها التطبيقية.
وخلافا لما نصت عليه عقود الامتياز في ليبيا وبلدان الشرق الأوسط، فإن النزاعات التي تنشأ بين الحكومة والشركات العاملة في الصحراء تحال إلى مجلس الدولة الفرنسي. ولتبرير هذا الاتجاه فإن فرنسا تذرعت بأن مجلس الدولة قضى بأن النص على إنشاء لجنة تحكيم يتعارض مع القانون الفرنسي الإداري والعام. اللذين يقضيان بأن الدولة لا تستطيع الاتفاق على تسويات، مما لا يمكنها أن تكون طرفا في التحكيم، ومن ثم فإن النزاعات التي تنشأ بين الأفراد في فرنسا تحال إلى المحاكم الإدارية، وأعلى هذه المحاكم درجة هي مجلس الدولة.
جـ ـ دراسة تحليلية مقارنة:
حينما نضع هذا التشريع الجديد في إطار الاعتبارات التي سبقت الإشارة إليها والتي حرص هذا التشريع الفرنسي على مراعاتها، ونستحضر الظروف المتميزة التي طبعت فترة إصدار هذا القانون، نتمكن من الإحاطة بالخلفية الفلسفية التي صدر عنها، ومن فهم الصبغة الجلية للتسهيلات التي (1/140)
صفحة 124
ضرائب وعائدات البترول (50 % من الأرباح) (مخطط) (1/141)
صفحة 125
قدمها للمستثمرين الحائزين على رخص وامتيازات التنقيب والاستثمار.
ولقد أشارت المذكرة الإيضاحية لهذا التشريع إلى أن أحكامه مستوحاة من تجارب البلدان الأخرى المنتجة للنفط، وبالأخص تلك التي تشترك معها في نفس ظروف الاستثمار بالصحراء. وبناء على ذلك يكون القانون البترولي الصحراوي قد أدرج أحكاما ومبادئ جديدة عن التشريع الفرنسي؛ وتركز على نظام امتيازات مشابه لذلك الذي كان سائدا حينئذ في منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك قاعدة مناصفة الأرباح، مع إقرار بعض التسهيلات الإضافية للراغبين في الاستثمار، وذلك من أجل هدف واضح يرمي إلى استقطاب رؤوس الأموال الخاصة الفرنسية وغيرها واستثمارها في الأشغال النفطية بالصحراء.
وزيادة على ذلك، يكون هذا القانون قد استوحى بعض أحكامه من قوانين جارية في أقطار أخرى منتجة للنفط، ومن الواضح أن هذا التشريع اعتمد في تنظيم عمليات النقل بالأنابيب النموذج الفنزويلي مع إدخال بعض التعديلات البسيطة، إضافة إلى تبنيه أحكاما خاصة بتحديد السقف الأدنى والأقصى للإنتاج مستوحاة من النظام السائد في الولايات المتحدة الأمريكية الخاص بتقنين الإنتاج (1).
من جهة أخرى فإن نظام الامتيازات الذي تم تطبيقه في الجزائر يشمل على خصوصيات تميزه، وإن تشبيهه بتشريع الشرق الأوسط لا يكون دقيقا إلا بمراعاة الخصائص والظروف الخاصة التي لازمته.
لقد اعتمد القانون البترولي الصحراوي نظام الامتيازات التقليدي القائم على مناصفة الأرباح وفق ما كان مطبقا آنذاك في منطقة الشرق الأوسط (2)، علما أن هذه المنطقة كانت قد عرفت سنة 1957 نظام اتفاقات الشراكة بين شركة (إيني) الإيطالية وكل من إيران ومصر، وكذا اتفاقية الشراكة التي أبرمت
__________
(1) د. عاطف سليمان، المرجع السابق، ص. 15 - 17. ... / ... - C.Treyer,op.cit,p.p.215 - 223.
(2) . Treyer, op.cit, p. 217 - C. (1/142)
صفحة 126
بين شركة (بان أميركان) وإيران في أفريل 1958 قبل بضعة أشهر من صدور القانون البترولي الصحراوي. كما أن المنطقة قد عرفت في ذات الوقت اتفاقية من طراز جديد هي الاتفاقية المبرمة بين شركة النفط اليابانية وكل من المملكة العربية السعودية والكويت، بشأن المنطقة المحايدة التي يشترك فيها البلدان، وقد تضمنت هذه الاتفاقية مزايا كثيرة يستفيد منها البلد المنتج، تفوق ما نصت عليه أحكام اتفاقيات الامتياز الكلاسيكية، ولكن القانون البترولي الصحراوي اعتمد نظام الامتياز التقليدي الذي كان يسيطر في ذلك الوقت على جميع الإنتاج الفعلي في الشرق الأوسط (1).
وباعتماد القانون البترولي الصحراوي لقاعدة المناصفة في الأرباح، يكون قد تبنى معه الثغرات التي يتضمنها، وهو ما أدى عند تطبيق النصوص الضريبية والمالية في هذا القانون إلى انخفاض الحصة الفعلية للحكومة الفرنسية من دخل النشاط البترولي إلى ما دون نصف الأرباح، مثل ما هو مطبق في الشرق الأوسط، فلقد نص القانون البترولي الصحراوي على حساب مناصفة الأرباح على أساس الأسعار المتحققة؛ أي التي تصرح الشركات بأنها حصلت عليها فعلا، وهذه الأسعار تقل في المتوسط عن الأسعار المعلنة بقرابة 20%، وتكون الحكومة بذلك مشاركة في الخسارة التي تتكبدها الشركات (2).
وكما سبقت الإشارة إليه فإن هذا القانون يسمح للشركات، عند تقدير الضريبة بأن تخصم من مجمل دخلها السنوي مبلغا يساوي 27.2% من قيمة إنتاجها في عين المكان، وهو بمثابة احتياط لإعادة تكوين الحقول، وهذا ما يقابل علاوة النفاد التي يعرفها القانون الأمريكي. ولا يخضع هذا المبلغ للضريبة إلا بعد فترة خمس سنوات، فيما يتم توزيع هذا المبلغ أو جزء منه على المساهمين قبل هذا الأجل
__________
(1) د. عاطف سليمان، المرجع السابق، ص. 17 - 18.
(2) د. عاطف سليمان، المرجع السابق، ص. 18. (1/143)
صفحة 127
ضمن أرباح الأسهم. وهذا النص لا مثيل له في قوانين الشرق الأوسط (1).
وبموجب هذا القانون تفوق بعض نسب الاستهلاك المسموح بها للشركات العاملة بالصحراء الجزائرية عند حساب دخلها الصافي عن مثيلاتها بالشرق الأوسط. ويسمح كذلك لهذه الشركات باستعمال طريقة الاستهلاك المعجل، وإعادة تقييم الأصول والخصوم؛ ويقصد من ذلك تمكين الشركات من استرداد ما استثمرته بشكل سريع، وممارسة التمويل الذاتي على أوسع نطاق.
ولقد آل تطبيق هذه الأحكام في مجموعها إلى أن تحصلت الحكومة الفرنسية العامة في الجزائر على عائدات كل برميل منتج تقل عما كانت تحصل عليه بلدان الشرق الأوسط في ظل القانون التقليدي لمناصفة الأرباح. ولقد قدرت بعض المصادر نسبة هذه العائدات من أرباح عمليات استغلال النفط بما يتراوح بين 36% و37.5% في ظل القانون البترولي الصحراوي (2).
من جهة أخرى فقد كان القانون البترولي الصحراوي يتضمن بعض الأحكام التي تعالج بعض المسائل غير المالية، تساهم في خدمة مصالح الحكومة العامة في الجزائر وتعزز سيادتها على القطاع البترولي؛ فمثلا بدلا من أن يتم الفصل في المنازعات التي يمكن أن تنشأ بين السلطة الفرنسية وصاحب الامتياز عن طريق اللجوء إلى إجراءات التحكيم الدولي كما هو الحال في امتيازات الشرق الأوسط، فإن هذا القانون ينص على وجوب اللجوء إلى المحاكم الإدارية المختصة، وهي في هذه الحالة مجلس الدولة الفرنسي باعتباره أعلى محكمة إدارية، وذلك لتأمين السيادة القضائية للدولة الفرنسية على الشركات البترولية الأجنبية.
وحول تقنين النقل البترولي بخطوط الأنابيب فقد تضمن القانون البترولي الصحراوي تنظيما تفصيليا دقيقا لعمليات النقل هذه، بما قد يكون مستوحى من
__________
(1) C. Treyer, op.cit, p 220.-
(2) د. عاطف سليمان، المرجع السابق، ص. 18 - 19. (1/144)
صفحة 128
التشريع الفنزويلي، وهو ما خلت منه تشريعات الشرق الأوسط (1) كما أن القانون البترولي الصحراوي يمنح حق تحديد السقف الأدنى والأعلى لإنتاج الشركات للسلطات المعنية الفرنسية، وهو نص لا وجود له في امتيازات الشرق الأوسط.
وبالنظر إلى ما انطوى عليه هذا التشريع الجديد من تسهيلات مالية معتبرة، فقد قابلت صدوره كل الأوساط المالية والصناعية بارتياح بالغ؛ فعلى إثر الاكتشافات المتتالية والآمال العريضة التي أثارتها، ونتيجة لهذه التسهيلات الواضحة، انهالت طلبات رخص التنقيب من شركات النفط العالمية (2).
على أن السلطات الفرنسية رغم تشجيعها لاستقطاب رؤوس الأموال غير الفرنسية فإنها كانت حريصة على الاحتفاظ بسيطرة الرأسمال الفرنسي. من هنا كان على الشركات غير الفرنسية أن تساهم إلى جانب الأموال الفرنسية دون أن تحصل على الأغلبية في رأسمال الشركات البترولية (3)، ولعل هذا مما يفسر ضيق الحيز الذي كان يحتله الرأسمال غير الفرنسي حتى سنة 1960 من مجموع رؤوس الأموال المستثمرة في صناعة النفط في الصحراء الجزائرية، إذ لم يكن هذا الرأس مال حتى سنة 1960 حاضرا بأكثر من 7% من مجموع احتياطي النفط الثابت وجوده والممكن استخراجه (4).
ومنذ 1958، ظهرت أغلبية الشركات العالمية الهامة في الصحراء رغم أن السيطرة على هذا القطاع قد أحكمتها الحكومة الفرنسية (5). ومما لا يخفى، أن الإطار التشريعي الذي يتمثل في القانون البترولي الصحراوي، قد كان له أثر بالغ في دفع عجلة الشراكة وتوافد المجموعات الأروبية إلى المنطقة، وقد بلغ عدد هذه المجموعات قرابة الخمسين شركة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالبترول والغاز، جاءت تطمح إلى جمع الثروة في الصحراء.
__________
(1) C. Treyer, op.cit, p. 219.-
(2) محمد صابر، المرجع السابق، ص. 87 - 88.
(3) توجد بعض استثناءات قليلة.
(4) محمد صابر، المرجع السابق، ص. 86.
(5) - Guy Le Rumeur, op.cit, p. 310. (1/145)
صفحة 129
3. 3 - تأمين المنشآت النفطية ووقايتها:
ترى بعض الدراسات الفرنسية (1) أنه لا يمكن اعتبار تثمين إمكانات الصحراء المنجمية أو الصناعية أو الزراعية عملية اقتصادية وحسب، وإنما هي أيضا عملية سياسية واستراتيجية.
وحسب هذه الدراسات فإن هناك موضوعان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وذلك أن أي إنجاز صناعي في الصحراء لا يمكن أن يشتغل بفعالية إلا بشرط أن يكون هذا الإنجاز محميا من كل الهجومات المدمرة الداخلية منها والخارجية، وهو ما يستلزم عملا موازيا لمنظومة تنظيمية عسكرية.
وفي هذا الشأن وعلى نفس التصميم، أرست الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة أريزونا ( Arizona)، والاتحاد السوفياتي في صحراء سبيريا، وبريطانيا في مستعمرة أستراليا صناعات أساسية واستراتيجية تماشيا مع متطلبات الحرب العصرية: الانتشار (أو التشتت) والانجحار (أو الاحتماء تحت الأرض) (2).
من هنا جاء التفكير في ضرورة إحداث مناطق استراتيجية حيث يكون أمن الاستغلال والتنقل والاستثمار مطلقا.
أ ـ التنسيق الصناعي العسكري:
ترى السلطات الفرنسية أنه من أجل حماية المناطق الحيوية اقتصاديا في الصحراء ـ والتي غالبا ما تكون متطرفة، لا يستبعد استهدافها من قبل هجومات رجال الثورة في الداخل أو هجومات خارجية ـ كانت ضرورة إنشاء أقاليم للدفاع والأمن محادية للمناطق الصناعية، وذلك لتعزيز المناعة الطبيعية التي اكتسبتها بحكم انتشارها وبتنظيمها تحت الأرض وانجحارها الذي يقيها القنبلة والغارات الجوية (3).
أما إذا تعذر بناء هذه الصناعات تحت الأرض، فإن وسائل للتدخل السريع
__________
(1) - Voir: In, les documents de la revue de deux mondes, op.cit, p. 34.
(2) - In, les documents de la revue de deux mondes, op.cit, p. 34
(3) - M.R.Thomas, op.cit, p. 265. (1/146)
صفحة 130
مدعمة بشبكة قوية من خطوط الاتصالات كفيلة بحماية ما كان من الإنجازات على السطح. وتلعب تقنيات التمويه دورا هاما في الخطط الأمنية الفرنسية، إذ يتم بناء هياكل وهمية على شكل قواعد بترولية ومخادع وورشات للتصنيع وبطاريات وغيرها، هذه الأهداف المقدمة تصرف المغير عن أهدافه الحقيقية (1).
ولقد بنت السلطات الاستعمارية استراتيجيتها الأمنية على ضوء الدراسات المنجزة في هذا الميدان، وكانت من بين أولى أولويات الدفاع الفرنسي حماية المنشآت البترولية، وتأمين وصول النفط إلى السواحل الجزائرية، حيث كثفت نشاطها على ثلاث مناطق هي أكثر عرضة لهجومات رجال الثورة وهي مناطق كولمب بشار، الأغواط وتقرت. وكان الدفاع الفرنسي مرتكزا على التدخل السريع والعنيف في ذات الوقت. كما حملت الشركات البترولية مسؤولية مراقبة العمال، ورصد تحركات رواد المراكز الصناعية والحرص على إنجاز شبكات للطوارئ (2).
وفي هذا السياق، حرصت السلطات الفرنسية على توفير نوع من الثقة والعلاقة الحسنة بين الشركات البترولية والسلطات العسكرية في الصحراء؛ بحيث وضعت هذه الأخيرة كل صلاحياتها التنفيذية وإمكانياتها المادية من أجل مساعدة وحماية هذه الشركات العاملة هناك (3).
ولقد كانت المنشآت الصناعية بعمومها بحاجة إلى جيش قوي يحميها ويوفر لها شروط العمل لإعداد العدة للطوارئ والأزمات، مثلما كان من الضروري - حسب السلطات الفرنسية - أن تكون المنظومة العسكرية مؤسسة على قاعدة صناعية قوية باعتبار أن الجيش العصري هو الصناعة، إذ بالرغم من أن الصحراء – وإفريقيا عموما – كانت بمعزل عن الاحتلال الألماني أيام الحرب العالمية الأخيرة، إلا
__________
(1) - Ibid. p. 265.
(2) - Jean Lart Guy, Sahara an 1, N.R.F, 6eme ed., 1958, p. 201.
(3) - J. Britch , op.cit, p. 57. (1/147)
صفحة 131
أن مساهمتها في الحرب كانت سلبية. ويرى الفرنسيون أن ذلك مرده إلى أن إمكانيات التصنيع الحربي منعدمة تماما، ولم تكن تتوفر حتى على مصنع للخراطيش، وهو الخطأ العسكري الذي لم يرغب الفرنسيون في تكراره. أما البناءات القاعدية من المطارات والطرق والمواصلات إلى جانب التصنيع فهي الشروط المادية لكل خطة تنموية متوازنة وشاملة، مثلما يتطلبها أي مخطط أمني يضمن الفعالية ويوفر شروط التحرك العسكري (1).
ب ـ المراقبة الذاتية للمنشآت النفطية:
ومن أجل سلامة المناطق الحساسة الاقتصادية منها والعسكرية أوكلت مهمة ذلك إلى فرق صحراوية للمنشأة، وأخرى للتدخل تتوفر على عناصر محمولة جوا لتكون على أهبة دائمة تأمينا للقواعد العسكرية والاقتصادية.
ولحماية معاقل القوات الفرنسية في الصحراء، أنشئت سلسلة من المناطق المحرمة – التي أصبحت تسمى ابتداء من جويلية 1959 «بمناطق المراقبة العسكرية المدعمة «، وتمتد هذه المناطق من الغرب إلى الشرق عبر جزء من مرتفعات القصور وجبال عمور ومناطق أولاد نايل باتجاه شرقي وجنوبي منطقة نيقرين لتصل إلى الشريط الحدودي التونسي للعرق الشرقي، ثم إلى الحدود الليبية في امتداد خط الأنابيب النفطية المنطقة من حقول إيجلي (2).
وبموجب أمر صادر عن قائد قطاع الأغواط العسكري في السابع أكتوبر 1958 أعطيت الإشارة لإطلاق النار بوسطة الطيران أو غيره - دون الحاجة إلى إنذار - على كل كائن حي يدب في هذه المناطق (3).
من جهة أخرى، فإن الشركات البترولية لها مساهمة أساسية في الدفاع عن المنشآت النفطية، وذلك بتعزيز الوسائل "السلبية" للوقاية، مثل التسييج، وتدعيم وإحكام
__________
(1) - M.R.Thomas, op.cit, p. 261.
(2) - Arman Colin, La guerre d’Algérie et les Algériens 1954 – 1962, Sous dériction de Chrles Rebert Ageron, Insttitut d’Histoire du Temps Present, (C.N.R.S), p.104.
(3) مركز الوثائق والمحفوظات لولاية ورقلة (م. و. م. و. و.)، علبة رقم 134:
( Condition d'ouverture de feu Aérienen zones interdites) (1/148)
صفحة 132
حنفيات وأنابيب النفط، واستخدام المخبرين الذين يشكل قدماء المحاربين غالبيتهم (1).
ولقد أنيط إلى مختلف المصالح الإدارية والأمنية داخل المؤسسة وخارجها مهام اتخاذ كل الإجراءات التي نراها مناسبة من أجل ضمان أمن المؤسسة، وتتوزع هذه المهام حسب ما يأتي:
مسؤولية رئيس المصلحة المدني في المؤسسة العمومية الذي يتعين عليه أن يتكفل بنفسه بمراقبة دقيقة للعمال الجزائريين المرموز إليهم بـ ( F.M.A)، وبأخذ كل الضمانات الضرورية قبل تسييرهم وتقييدهم ببطاقة هوية عليها صورة المعني، ومع تشديد المراقبة عند دخول المؤسسة ومغادرتها مع تخصيص باب واحد لذلك، لفحص هويات الأشخاص وتفتيش الداخلين منهم. ويتعين الحرص على وضع العامل الجزائري تحت مراقبة عامل أروبي عن بعد، وإخطار الشرطة والجيش فورا عن أي تحرك مشبوه.
مسؤولية محافظ الشرطة وقائد دورية الدرك الذي يقع على عاتقها إضافة إلى مختلف مصالح الأمن ـ المراقبة المستمرة للعمال الجزائريين المشتغلين في المصالح العمومية الفرنسية، والإحاطة بكل المعلومات والمعطيات التي تتعلق بهم، والتي يتعين على رؤساء المصالح المعنية والجيش جمعها بكل التفاصيل.
مسؤولية قائد حرس نقاط المراقبة الحساسة للمؤسسة الذي يتوجب عليه أن يكون على دراية دقيقة بكل الأوامر والتعليمات الموجهة من قبل رئيس المصلحة المدني، مع تمكنه من الدخول إلى كل نقاط المؤسسة محل المراقبة بكل حرية وفي كل وقت يراه ضروريا، وله الصلاحيات الكاملة لممارسة أية مراقبة أو استنطاق أو تفتيش لعمال المؤسسة الجزائريين. وبكلمة واحدة يمكّن لهذا المسؤول كل الصلاحيات والإمكانات لأخذ كل المبادرات الضرورية من أجل النجاعة الكاملة لمهمته.
ومثلما هو الشأن في البحث عن المعلومات وجمع المعطيات التي تساعد على حماية النقاط الحساسة، فإن حماية هذه المواقع ووقايتها من أي هجوم أو تدمير
__________
(1) - Armand Colin, op.cit, p. 104. (1/149)
صفحة 133
تدعوان إلى تعاون دقيق بين الإدارة المدنية، الشرطة، الدرك والجيش، وهذا من أجل أخذ الحيطة من قبل الجميع اتقاءً للمفاجآت (1).
جـ ـ الإجراءات الأمنية بالصحراء الجزائرية:
من أجل أن تزيل عن أذهان السكان كل أفكار التمرد والثورة، حرصت السلطات العسكرية في الصحراء على تأكيد حضورها الدائم وسط التجمعات السكانية، واستعراض قواتها المسلحة في كل وقت. ولقد تركزت الترتيبات الأمنية هناك على:
- وحدات الخيالة والمهاريين: فقد كانت مهمتها ترتكز أساسا على مراقبة تحركات السكان في البوادي وتحسس أخبارهم، وجمع المعلومات عنهم، ومعرفة حياة "الأعراش" والاطلاع على نشاطهم، وحالتهم المعنوية والنفسية، ورصد استجاباتهم وردود أفعالهم نحو ما قد يتخذ من إجراءات، وقمع كل بوادر الثورة.
وتتميز هذه الفرق بقدرتها على التنقل في كل مكان باجتياز الدروب والمسالك الوعرة، غير أنها بطيئة السير. ومعلوم أن لكل من الفرس والجمل دورا متميزا، فالفرس لها قطر تحرك محدود في المسافة، وتستعمل في عبور الأرضيات الصلبة، مع توفر نقاط المياه، أما الجمل فبمقدوره الاستغناء عن الشرب لعدة أيام، وعبور المناطق الرملية، والتقوت بحشائش الصحراء. وترى بعض الدراسات أن من الخطأ اعتبار هذه الوحدات مما تجاوزته الأحداث، لأنها تستجيب لوضعية الحياة في الصحراء (2).
- وحدات ذات محرك: بقدر ما تسهّل العربات قطع مسافات شاسعة في الصحراء وفي وقت قصير نسبيا، وتشحن على متنها حمولات كبيرة من الذخيرة والمؤن، إلاَّ أن الدروب الوعرة والرملية تعيقها عن أي تقدم، وهو ما يجعل مجال حركتها محدودًا كذلك.
- الطيران والمظلات: يقوم الطيران العسكري بدور هام لا ينكر، حيث يوكل إلى الطائرات العمودية نقل المظليين، وتسند مهمة الاتصال والنقل الخفيف
__________
(1) م. و. م. و. و.، علبة رقم 134، المرجع السابق.
(2) - M.R. Thomas, op.cit, p.p. 256 - 257. (1/150)
صفحة 134
إلى الطائرات ذات السند التي تحط على الأرض. ويعتبر المظليون نخبة الجيش الفرنسي، لكن دورهم لا يتم إلا بدعم طائرات التموين والإسعاف.
بالإضافة إلى ذلك فإن السلطات العسكرية الفرنسية لم تتردد في الاستعانة بالبدو - خبراء الصحراء - حيث فتحت باب التجنيد طوعا محاولة منها الاستفادة من خبراتهم في علوم الصحراء وحياة سكانها ودعم قوات الشرطة والجيش (1).
ومحاولة منها لعزل الصحراء عما يجري في الشمال الإفريقي عامة وشمال الجزائر خاصة، عمدت السلطات الفرنسية إلى مد خط الأسلاك الشائكة على طول الحدود الشرقية المحادية لتونس وليبيا إلى منطقة ماء العبيد، وجهزت حدود أقصى الجنوب الشرقي بمراكز عتيدة للوقاية في منطقة مسعودة بمحاذاة غدامس الليبية، وعزز مركز (فورفلاتير Fort Flatters) ودججت منطقة "جانت" بالمدفعية، بالإضافة إلى مشروع لإنجاز طريق على طول حدود الجنوب الشرقي بهدف تسهيل عمليات النقل ورسم الحدود وتحركات الشرطة.
أمَّا على الحدود الغربية، فلقد تم بناء سد ناري بمحاذاة الحدود الجزائرية المغربية يمتد من البحر إلى عين الصفراء، وجندت القوات الاستعمارية في كولمب بشار إمكانيات هامة للحيلولة دون عبور آلاف المغاربة والجزائريين للحدود بين مركزي بوعنان وافقيق، إضافة إلى تدعيم مراكز المراقبة المنبثة بين تيندوف وكولمب بشار (2).
gG
__________
(1) - M.R. Thomas, op.cit, p.p. 258 - 259.
(2) - Ibid , p.p. 55 - 56. (1/151)
صفحة 135
[صفحة بيضاء] (1/152)
صفحة 136
[صفحة بيضاء] (1/154)
صفحة 137
الصحراء الجزائرية بين التغريب والفصل
4. 1 - المصالح الغربية في الصحراء الجزائرية
أ ـ البعد الأروبي لمسألة النفط الجزائري
ب ـ تأمين الاقتصاد الأروبي
ج ـ الدفاع الأروبي المشترك
4. 2 - المساعي الفرنسية لفصل الصحراء الجزائرية
أ ـ تجسيد خطة الفصل
ب ـ المعركة النفسية الاجتماعية
ج ـ سكان الصحراء والمساومات الفرنسية (1/155)
صفحة 138
[صفحة بيضاء] (1/156)
صفحة 139
الصحراء الجزائرية بين التغريب والفصل
4. 1 – المصالح الغربية في الصحراء الجزائرية:
كانت فرنسا حتَّى سنة 1956 تستورد كميات معتبرة من النفط؛ حيث بلغت وارداتها من البترول 24,4 مليون طن سنة 1954 وارتفعت إلى 25,7 مليون طن سنة 1955 لتصل سنة 1956 إلى أكثر من 26,3 مليون طن.
ولقد كانت خطة الاستيراد الفرنسية لهذه المادة الحيوية مبنية على تعدد المصادر؛ ففي سنة 1956 مثلا كانت مصادر وارداتها النفطية موزعة بين منطقة الشرق الأوسط وفنزويلا والولايات المتحدة الأمريكية والأقاليم النيرلندية والاتحاد السوفياتي ورومانيا وغيرها (1).
وتتوجه فرنسا إلى العراق خاصة، حيث تملك الشركة الفرنسية للبترول ( C.F.P) قرابة 24% من أسهم الشركة الإيرانية الإنجليزية ( I.B.C) وفروعها. وتجدر الإشارة إلى أن كيفية الدفع هناك تتم بالجنيه الإسترليني بنسبة 60%، ويدفع الباقي بالفرنك الفرنسي، مما شجع ارتفاع الواردات من هناك إلى أكثر من ثمانية ملايين ونصف طن عام 1954، وقرابة تسعة ملايين ونصف سنة 1955، وتؤمن كل من الكويت والمملكة العربية السعودية الكمية الباقية، وقدرها 13 مليون طن، تدفع فرنسا ثمنه بالعملة الصعبة التي هي الدولار غالبا.
__________
(1) بلغت وارداتها في ذات السنة من الشرق الأوسط 22953100 طن أي بنسبة 77,27%، ومن فنزويلا 1176900 طن أي بنسبة 4,48 %، ومن الولايات م. أ 773,200 طن بنسبة 2,94 %، ومن الأراضي النيرلندية 548,300 بنسبة 2,08 %، ومن الاتحاد السوفيتي 290,900 طن بنسبة 1,11 %، ومن رومانيا 179,100 بنسبة 0,68 %، ومن بقية البلدان 379,200 طن بنسبة 1,44 %. للمزيد انظر: ل. ف. فاسور، المرجع السابق، ص. ص. 166 – 167. (1/157)
صفحة 140
وتعتبر مسألة العملة الصعبة في هذه السنوات – التي هي سنوات عز الثورة الجزائرية وتوسعها – مسألة أساسية لفرنسا نظرا للعجز الذي أصاب الميزان التجاري وميزان الحسابات (1).
أ ـ البعد الأروبي لمسألة النفط الجزائري:
لما أفضت الجهود التي كانت تبذلها السلطات الفرنسية في استثمار ثروات الصحراء إلى نجاح محقق، بدا للفرنسيين في ذلك حل جذري لمشكلاتهم المالية والاقتصادية وضمان لأمنهم الطاقوي والاستراتيجي. وفي مرحلة من مراحل معركتها البترولية، كانت فرنسا تظهر في موقفها من ثروات الصحراء أنها تسعى لتكتسب استقلاليتها من شركات "الكارتل" الغربية السبع للبترول (2) التي تتحكم في الأسعار العالمية للنفط وعمليات الاستثمار والنقل والتسويق خارج الكتلة الاشتراكية.
غير أنه في واقع الأمر لا يمكن اعتبار الخلاف بينها وبين هذه الشركات جذريا، خاصة في ظرف يوجد فيه منافس قوي خارج الكتلة الرأسمالية وهو الاتحاد السوفياتي الذي كانت قدراته النفطية بالأمس القريب لا تذكر، إلاَّ أنه وفي ظرف
__________
(1) نفسه، ص. 167.
(2) وهي: شركة استاندارد أويل أوف نيو جرسي (أمريكية).
شركة سوكوني موبيل (أمريكية).
شركة استاندارد أويل أوف كاليفورنيا (أمريكية).
شركة جولف أويل (أمريكية).
شركة تكساس أويل (أمريكية).
شركة روايال دوتش شال (أنجلو هولندية).
شركة البترول الإنجليزية ( B.B) ( إنجليزية إيرانية)
انظر:
- C.A.N.,G.P.R.A.,boite 30, dossier 1.1,(perspéctives des hydrocarbures sahariennes.), p.9
انظر كذلك د. محمد أحمد الدروي، محاضرات في الاقتصاد البترولي، ديوان المطبوعات الجامعية،.الجزائر، 1983. (1/158)
صفحة 141
10 سنوات أصبح قوة يحسب لها حسابها في المجال النفطي؛ ففي سنة 1950 كان الاتحاد السوفياتي ينتج 38 مليون طن من البترول ليقفز سنة 1960 إلى 135 مليون طن، وكان متوقعا ارتفاعه إلى 240 مليون طن بعد 5 سنوات (1).
ويبلغ إنتاج الاتحاد السوفياتي في مطلع الستينيات إلى ثلث الإنتاج الأمريكي من البترول، ومع ذلك استطاعت جمهوريات الاتحاد السوفياتي أن تصدر كميات بترولية هامة خارج الكتلة الاشتراكية وصلت إلى كوبا سنة 1960.
وبما أن وتيرة الاستهلاك للمواد البترولية في الاتحاد السوفياتي هي أقل من وتيرة الإنتاج لديه فإن ذلك كان يشكل ضغطا كبيرا على الكتلة الرأسمالية في السنوات التالية، خصوصا في قطاع حساس وحيوي وقاعدي مثل قطاع البترول.
وبظهور هذا الوضع الجديد، وفي وقت بلغت فيه الحرب الباردة أوجها، كان لزاما على كتلة الدول الغربية أن تتجاوز خلافاتها العرضية نحو رسم سياسة مشتركة ترقى إلى مقاومة نفوذ البترول السوفياتي.
ولقد شكلت أزمة قناة السويس عام 1956 وما تبعها من عدوان ثلاثي على مصر، وإغلاق القناة في وجه الملاحة الدولية بقرار مصري - وخاصة ناقلات البترول التي تمون أوروبا الغربية - منعطفا حاسما ليدفع الموقف الأروبي عامة والفرنسي على وجه الخصوص إلى النظر في حل ينقذ الاقتصاد البترولي من هذا الانسداد الذي ألزم ناقلات النفط الأروبية على الطواف حول إفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، وما خلف ذلك من خسائر النقل الإضافية (2).
ومما ترتب على هذه الأزمة أيضا، هو النقص الفادح في كميات التموين بالنفط ومشتقاته التي كانت تتوجه من بلدان الشرق الأوسط إلى أوروبا الغربية مما اضطر هذه الدول إلى فرض قيود على توزيع البترول للأغراض الإنتاجية
__________
(1) المجاهد، (صحراؤنا في نظر الغرب قاعدة الاستعمار)، ع 103، 28/ 08/1961، ص.8.
(2) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.39. (1/159)
صفحة 142
والاستهلاكية على حد سواء، وبل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث قيدت استخدام السيارات، وحددت حجم ساعات الإنارة والتدفئة.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد انخفضت احتياطات دول أوروبا الغربية من الذهب ومن العملة الصعبة، وذلك من جراء لجوئها إلى استيراد النفط من أمريكا من جهة، ومما تبع ذلك من ارتفاع سعر هذا النفط من جراء كثرة الطلب عليه من جهة أخرى (1).
وراجت حينئذ أفكار تدعو إلى البحث عن النفط غرب القناة، فكانت إفريقيا الشمالية في مقدمة المناطق المرشحة لذلك. ومما شجع الشركات البترولية على اقتحام هذا الفضاء الجديد، هو سيطرة الإدارات الاستعمارية على معظم هذه الأقاليم، فتلاقت بذلك المصالح الاحتكارية مع المصالح الاستعمارية، وتزاوج الاستعمار الجديد مع الاستعمار القديم، وهو ما أنتج تسهيل إجراءات الاستغلال على المستثمرين، ووفر لهم مختلف الامتيازات والمساعدات والضمانات الأمنية، إضافة إلى ميزة قرب السواحل الإفريقية من الموانئ الأروبية (2).
ومن هذه الاعتبارات كلها جاء عزم دول أوروبا الغربية على دفع الصناعة النفطية في مناطق أخرى من العالم بعيدا عن بؤر التوتر والضغط (3). ولعلَّ الكشوفات النفطية الكبرى التي تمت في الجزائر وليبيا ونيجيريا والغابون، ابتداء من سنة 1956، تزيد وضوحا للاستراتيجية الأروبية الجديدة.
ب ـ تأمين الاقتصاد الأوروبي:
نشرت اللجنة الاستشارية للطاقة التابعة للمنظمة الأروبية للتعاون الاقتصادي ( O.E.C.E.) تقريرا في ماي 1956 (4) أثار جملة من المسائل مثل
__________
(1) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.16.
(2) د. وهبي البوري، المرجع السابق، ص.30.
(3) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص.17.
(4) كانت هذه اللجنة تحت رئاسة السيد هارولد هارتلي ( Harold Hartley) و كان التقرير تحت عنوان «أوروبا أمام الاحتياجات المتزايدة من الطاقة» انظر: ... - O.E.C.E, op.cit, p11. (1/160)
صفحة 143
قضية التموين بالنفط ومشكلة الأسعار والأمن الاقتصادي، تلك المشكلات التي تطرح قضية التبعية المتزايدة التي تعيشها أوروبا من جراء اعتمادها على استيراد المحروقات.
ولقد أثبتت أزمة السويس - التي حدثت مباشرة بعد نشر هذا التقرير - ما جاء فيه من مآخذ ومخاوف من مسألة الأمن من التزود بالبترول من وراء البحار (1).
ومن الملاحظ أن الفترة التي تناولها هذا التقرير تميزت بانقلاب في الوضعية الاقتصادية؛ فقد توقف نمو الحركة الصناعية بين سنتي 1956 و1958 في أوروبا بعد أن كان نشطا سنة 1955، حيث إن الطلب العام من الطاقة في أوروبا خلال تلك السنوات لم يطرأ عليه تغيير، إذا ما استثنينا البترول من بين أنواع الطاقة الأخرى المستعملة هناك، الذي سجل ارتفاعا في نسبة التموين من 21% سنة 1955 إلى 30% سنة 1959. كما أن نسبة الاستهلاك الأوروبي من البترول قد بلغت في هذه السنة أكثر من 150 مليون طن، وهو رقم تضاعف ثلاث مرات على الأقل عما كان عليه سنة 1948. ولقد سجلت الزيادة في استهلاك النفط متوسطا سنويا بلغ 11.3% خلال السنوات العشر الممتدة بين 1949 و 1959 (2)، وبذلك تكون أوروبا قد استهلكت حتى هذه السنة (1959) 20% من مجموع النفط المستعمل في العالم الحر، مقابل 17% قبل أربع سنوات (3).
غير أنَّ هذا الطلب المتزايد والملحوظ لم يشكل مصدر قلق أو عائقا أساسيا للاقتصاد الأوروبي، بحيث أمكنت مواجهته بدفع الإنتاج في الشرق الأوسط، فارتفع بذلك من 15.8 مليون طن (4) سنة 1939 إلى 70.1 مليون طن سنة 1949 ليبلغ 226.7 مليون طن سنة 1959، وارتفعت بالإضافة إلى ذلك تقديرات
__________
(1) - Ibid. p. 12.
(2) راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 12.
(3) - O.E.C.E, op.cit, p12.
(4) طن طويل، وهي وحدة تقاس بها الخامات السائلة. (1/161)
صفحة 144
الاحتياطي الثابت وجوده لمنطقة الشرق الأوسط، وأصبحت تشغل المركز الثاني على المستوى العالمي في هذا القطاع (1).
ومن جهة أخرى فقد توقع السيد (موريس لومير Maurice Lemaire) الوزير الفرنسي للتجارة والصناعة أنه إلى جانب نقل الغاز الطبيعي الجزائري عبر الأنابيب - الذي سيمكن من تغطية أسواق كل الدول الغربية الست (2) مضافا إليها إنكلترا - فإن بواخر نقل غاز الميثان ستتمكن من تموين اليونان والسويد والنرويج، وحتى إسلندا وبسعر تنافسي، وذلك باستثمار ضروري يبلغ غلافه 160 مليار فرنك.
وأمام هذه الإمكانيات الضخمة التي يوفرها الغاز الجزائري تحرك (لومير Le Maire) باتجاه المجلس الأوروبي مقترحا عليه إصدار توصية بهذا الشأن، ولقد سعى في هذا الصدد من أجل إنشاء "جمعية وطنية من أجل الدفاع عن الصحراء الفرنسية وتنميتها". ولقد تبنت هذه الجمعية مشروعا في هذا الشأن حمل تسمية الغاز الأوروبي الإفريقي ( Eurafrigaz) (3) .
وما تجدر الإشارة إليه أن احتياجات أوروبا في هذه الفترة من البترول كانت في حدود 25 مليون طن تتوقع السلطات الفرنسية تلبية البترول الجزائري لنصف هذه الاحتياجات في سنة 1960 وتغطيته الطلب كله في سنة 1970، ومقابل توفير الاحتياجات الأوروبية من البترول تتوقع السلطات الفرنسية كسب عائدات تقدر بـ 500 مليون دولار وهو المبلغ الذي يمثل نصف عجز ميزان التجارة الخارجية الفرنسية سنة 1956 (4).
__________
(1) د. راشد البراوي، المرجع السابق، ص. 12.
(2) وهي ألمانيا الغربية وبلجيكا وإسبانيا وهولندا وفرنسا ولكسمبورغ.
(3) - C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 6.1, (Sahara) p.p. 69 – 76.
(4) - Ibid. (1/162)
صفحة 145
ولم تكن الحكومة الفرنسية هي الوحيدة في الاهتمام ببترول الصحراء، بل كان يسترعي اهتمام معظم دول أوروبا الغربية التي تعتبره ورقة اقتصادية مثلما هي ورقة دبلوماسية واستراتيجية (1).
ويتضح من خلال هذه الأرقام أن البترول القادم من إفريقيا، وبالأخص البترول الجزائري قد ساهم بشكل ملحوظ في ارتفاع وتيرة النمو في أوروبا فيما يخص التموين والاستهلاك على حد سواء.
وبالرغم من أن بعض الاحتمالات كانت تتوقع ارتفاع الكميات من البترول المستورد إلى أوروبا من الشرق الأوسط وفنزويلا في سنوات الستينيات إلا أنه كان من المحتمل أيضا وفقا لمصادر المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي أن التموين من هذه المناطق سيتضاءل نسبيا بتزايد واردات الشمال الإفريقي والجزائر بالخصوص من هذه المادة وكذا واردات الاتحاد السوفياتي،. غير أن ذات المصادر رأت أن هذه المناطق الجديدة للتموين ستتحدد مكانتها في السوق الأوروبية وفقا لطريقة استجابتها لمتطلبات السوق التنافسية للتصدير مع المناطق التقليدية، مثلما ستحددها السياسة النفطية المنتهجة في هذه البلاد (2).
وعلى كل، فإنه بالنظر إلى مستوى الطلب من البترول في أوروبا في نهاية الخمسينيات، ساد الاتجاه إلى ضرورة وضع خطوط لأنابيب أكبر قطرا، استجابة للتطور الحاصل في المجال والذي سيدفع إلى تعديلات في البنية القائمة للنقل البترولي وفي الوسائل التقليدية مما يضمن ازدياد الطلب في استهلاك البترول (3).
أمَّا الغاز الطبيعي الذي لم يستعمل تماما قبل الحرب الكونية الأخيرة، فإنه أصبح يحتل بعد ذلك في الولايات المتحدة وروسيا السوفياتية مكانة هامة في الصناعة. ففي
__________
(1) - Ibid.
(2) - O.E.C.E, op.cit, p. 14.
(3) - Ibid, p 15. (1/163)
صفحة 146
الولايات المتحدة بلغ إنتاجه 300 مليون متر مكعب سنة 1959، أما في الاتحاد السوفياتي فإن مخططه السادس توقع أن يبلغ إنتاجه من الغاز 40 مليون متر مكعب (1).
ويجدر التذكير بأنه مهما تكن مسافة البعد بين موضع الإنتاج وموضع الاستهلاك يبقى الغاز الطبيعي هو المادة الطاقوية الأقل تكلفة، إضافة إلى ميزة النقاء الذي تقتضيه برامج الحفاظ على البيئة.
وبالنظر إلى الحجم الذي تم اكتشافه من الغاز الطبيعي في الصحراء فإن بعض الأوساط قد ذهبت إلى القول بأن الغاز الجزائري مرشح إلى تقديم فرص أكبر من الاستثمار من التي يعطيها البترول هناك، إن على مستوى الاقتصاد الفرنسي أو الأوروبي (2).
ومع هذا، فإن بعض الدول الأوروبية لا تبدي اهتمامها بالمحروقات في الصحراء إلاَّ من أجل تنويع مصادر التموين بالطاقة لديها، إذ إن لكل دولة مصالح تراها في خدمة سياستها (3). ومثالا على ذلك فإن اقتصاد ألمانيا الغربية يقوم على التجارة العالمية والمبادلات التجارية، وإن استيراد بترول الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية يمكن هذا البلد من ضمان أسواق لبيع منتجاته المصنعة عن طريق التبادل. كما أن استيراده للغاز الطبيعي من صحراء الجزائر يشكل تهديدا حقيقيا لنشاط تجارة الفحم لمنطقة الروهر الألمانية (4).
ولقد كان الغرض من إشراك فرنسا للبلدان الغربية في مشاريع الاستثمار هو الاستفادة من رؤوس الأموال الأجنبية في دفع عملية الاستغلال في الصحراء، وكذا الاستفادة من الخبرات التقنية لهذه البلدان في هذا المجال (5).
__________
(1) - In, Les Documents de la revue de deux mondes, op.cit, p. 22.
(2) - In, Les Documents de la revue de deux mondes, op.cit, p. 22.
(3) - C. Treyer, op.cit, p.230.
(4) - Ibid.
(5) - Ibid, p. 232. (1/164)
صفحة 147
وبالإضافة إلى ذلك فإن الثورة الجزائرية بتجاوزها للبعد الفرنسي إلى المجال الأوروبي، حتمت على فرنسا إشراك البلدان الغربية في الاستثمار في الصحراء وإيجاد مصالح لهذه البلدان تجعلها تحرص وتدافع عنها، دون التفريط في السيادة الفرنسية على الصحراء، وهذا ما يترتب عنه كل أشكال الدعم المالي والسياسي والعسكري، في حربها في الجزائر خدمة للمصالح الأوروبية المشتركة (1).
ج ـ الدفاع الأوروبي المشترك:
رغم أن العامل الاقتصادي يحتل مكانة هامة في الحسابات الفرنسية وسياساتها، فإن هناك عاملا آخر لا يقل أهمية عنه عندما يتعلق الأمر بالسياسة الفرنسية في الصحراء الجزائرية، ألا وهو العامل الأمني.
ولقد برزت هذه الأهمية وتوضَّحت معالمها غداة الحرب العالمية الثانية حتى احتلت أولوية الاهتمامات لدى المؤسسة العسكرية الفرنسية التي كان (دي غول Degaulle) على رأسها. ولقد تبين للحلفاء من خلال الحرب العالمية الثانية والمعارك التي دارت رحاها بينهم وبين دول المحور في صحراء ليبيا الأهمية الاستراتيجية للصحراء الإفريقية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الممتاز بين المحيط الأطلسي والشرق الأوسط، وبين إفريقيا الشمالية وإفريقيا السوداء. ولقد خلصوا إلى نتيجة مفادها أن مالك الصحراء يكون بيده مفاتيح الشمال الإفريقي ومغاليق إفريقيا السوداء، ومن ثم يستطيع في ذات الوقت التحكم في البوابة الجنوبية لأوروبا.
ولقد تضاعفت الأهمية الاستراتيجية لموقع الصحراء الجغرافي بعد النتائج التي خلصت إليها دول الحلفاء عشية الحرب الكونية الثانية، وخاصة أثناء جريانها، ثم بعد اندلاع الحرب الباردة بين دول العالم الحر والاتحاد السوفياتي الذي يمتلك إمكانية تحطيم مصانع أوروبا الغربية ومخازنها العسكرية بكل سهولة وفي وقت قياسي نظرًا
__________
(1) - CAN, GPRA, boite 30, dossier 2, ( déclaration du représentant du ministre desfinances ... ), op.cit, 5f. / C. Treyer, op.cit, p.232. (1/165)
صفحة 148
لتجمعها في مساحات ضيقة ومراكز آهلة بالسكان، فاقدة لإمكانية الانتشار في فضاءات شاسعة تجعلها - أو على الأقل بعضا منها- في مأمن من الغارات المدمرة (1).
ولقد دقت أوروبا الغربية ناقوس الخطر في حالة قيام حرب بينها وبين الاتحاد السوفياتي وعبرت عن خوفها من أن تكون في حصار خانق؛ فالولايات المتحدة مفصولة عنها بالمحيط الأطلسي بمسافة لا تمكنها من استعمال الفضاءات الأمريكية من جهة، ومن جهة أخرى فإن مواقع الاستعمار الغربي في القارة الآسيوية منهارة بانتصار (ماوتسي تونغ) في الصين، وبوادر الانتصار الفيتنامي في الهند الصينية، وإرهاصات إرادة التحرر التي تمخض عنها مؤتمر باندونغ، والانتفاضة النفطية في إيران وغيرها، مما جعل الغرب يفقد كل أوراقه من إمكانية استعمال الفضاءات الآسيوية في حرب محتملة ضد المعسكر الاشتراكي (2).
وبناء على ذلك انحصر اهتمام الغرب في إفريقيا وأصبحت على هذا الأساس في نظر الغرب ضرورة حيوية لا يستطيع الاستغناء عنها، وخاصة الشمال الإفريقي وامتداداته الصحراوية، وبذلك وجدت أوروبا الغربية نفسها رهينة هذا الشمال الإفريقي، وأن استقلال الأقطار الإفريقية - وخاصة تلك المطلة على البحر المتوسط - يعني استكمال حلقات الطوق الخانق حولها (3).
ومنذ أن وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها، سطر مخططو الاستعمار الفرنسي برنامجا لإقامة قواعد عسكرية اقتصادية في إفريقيا تحمي ظهر أوروبا الغربية من جهة الجنوب، وتمكن أوروبا من تهريب مصانعها الحربية وإمكانياتها العسكرية إليها، وتتخذها قاعدة هجوم على المعسكر الشيوعي، وذلك نظرا إلى أن أوروبا لا تصلح أن تكون ميدانا للحرب الحديثة، كما أشرنا سابقا، لازدحامها بالسكان، وخلوها من فضاءات شاسعة.
__________
(1) المجاهد، (الخفايا العسكرية لتشبث الفرنسيين بالصحراء)، ع 102، 14/ 08/1961، ص. ص. 8 - 9.
(2) المجاهد، المرجع السابق، ص.8 - 9.
(3) نفسه. (1/166)
صفحة 149
ولقد أطلق على هذه المراكز اسم مناطق التنظيم الصناعي الإفريقي ( Z.O.I.A.) واختير إرساؤها في نقاط هي (1):
- المنطقة الأولى: وتمتد من نواحي كولمب بشار في الجنوب الغربي الجزائري، وتشمل أقصى الغرب الجزائري وأقصى الشرق المغربي، والجزء الشمالي الغربي من الصحراء الجزائرية.
- المنطقة الثانية: وتغطي نواحي الكويف وجبل العنق، ونص تصميمها على إدماج جزء من التراب التونسي وأقصى الشرق الجزائري والجزء الشمالي الشرقي من الصحراء الجزائرية.
أمَّا المنطقة الثالثة فقد اختير لها غينيا، بينما اختيرت مدغشقر مقرًّا للمنطقة الرابعة.
ولإخفاء الهدف الحقيقي من وراء هذه القواعد العسكرية اختير لها غطاء اقتصادي وهو "تطوير الصناعات في البلدان الإفريقية" مثلما يظهر ذلك من اسم المناطق الأربع سالفة الذكر (2).
غير أن هذا التنظيم في حقيقة الأمر يهدف إلى إرساء أسس ثابتة لصناعات حربية حديثة مثل صناعة الصواريخ بمختلف أنواعها وصناعة الأسلحة والمتفجرات الكلاسيكية وكل ما يتطلبه بناء جيش عصري لمواجهة الزحف الشيوعي، و تكون الموارد الإفريقية هي حجرها الأساسي (3).
ومما يؤكد الطابع العسكري لهذه المناطق رغم مظهرها الاقتصادي هو إنشاء ما يسمى بالمكتب الإفريقي للدراسات والأشغال الصناعية العسكرية، الذي هو مرتبط بـ مناطق التنظيم الصناعي الإفريقي، وينص القانون الأساسي لهذا المكتب على تدخل الجيش الفرنسي في بناء ومراقبة كل المعامل التي تبنى بهذه
__________
(1) - C. Treyer, op.cit, p. 39.
(2) المجاهد، المرجع السابق، ص. 8.
(3) نفسه. (1/167)
صفحة 150
المناطق. وبناء على هذا كلف سلاح المهندسين التابع للجيش الفرنسي ببناء قسم أساسي من هذه المعامل وتحقيق شطرها الأهم (1).
وبالنظر إلى أن البلاد التي اختيرت لتشملها مناطق التنظيم الصناعي الإفريقي أحرزت على استقلالها تحت ضغط الثورة الجزائرية ومنها تونس والمغرب وباقي دول المجموعة، فقد تقلص هذا البرنامج لينحصر ويتركز على الصحراء الجزائرية، وتكون هي القاعدة العسكرية التي تمون أوروبا وتأوي عتادها الحربي، بعدما أثبتت التجارب على أهلية الصحراء الجزائرية لأن تكون فضاء يتوفر على كل شروط الحرب العصرية، من إيواء الطيران ومراكز القيادة ومخازن الذخائر والعتاد، وكذا إقامة صناعات حربية ثقيلة اعتمادا على ما تتوفر من ثروات معدنية وبترولية (2).
وبناء على ذلك تحولت الصحراء الجزائرية ومنطقة، بشار ورقان على الخصوص إلى قاعدة حربية ضخمة تجري فيها كل التجارب الحربية العصرية كالسلاح النووي والصواريخ.
وفي الحقيقة إن "المركز العسكري للتجارب الصاروخية الخاصة" في كولمب بشار تأسس منذ أفريل 1947 بعد أن تبين أن تلك التجارب لا يمكن إجراؤها إلا في فضاء واسع مثل الفضاء الصحراوي ولو تعلق الأمر بالصواريخ الصغيرة وذلك لعدة أسباب منها (3):
- إمكانية استرجاع الصواريخ المقذوفة ومراقبة خطوط رسم الصاروخ والتمكن من رسمها كاملة.
- إنتاج وخزن المواد التي تصنع منها الصواريخ والتي تتطلب شروطا خاصة.
- حاجة ضبط الصواريخ إلى أعمال وتمهيدات ضخمة لا يتسع لها نطاق التجارب التقليدية.
__________
(1) المجاهد، المرجع السابق، ص. 8.
(2) نفسه.
(3) نفسه. (1/168)
صفحة 151
- ارتباط التجارب الصاروخية بالطيران وخاصة الصواريخ جو/جو وجو/أرض (1).
ولقد استمرت فرنسا في تطوير استراتيجيتها العسكرية هناك خلال الخمسينيات، إلى أن توجت بتفجير القنبلة الذرية في فيفري 1960، ولم تتردد من اعتبار الصحراء ترابا فرنسيا منذ أن تأكدت أن الثورة الجزائرية لن تقبل بأنصاف الحلول والسيادة المنقوصة.
ومن هذا المنظور، وحسب المجلة الإخبارية العسكرية في عدد مارس 1959، فإن فرنسا وجدت نفسها في وضعية ممتازة نظرا لاتساع الصحراء وقربها النسبي من "الوطن الأم" فرنسا، وهذا من شأنه أن يؤثر تأثيرا كبيرا على تطور الدفاع الفرنسي. وهذا ما جعل الخبراء العسكريين الفرنسيين يعتقدون بدون أدنى شك انتماء الصحراء إلى السيادة الفرنسية، وهو أيضا مما يفسر سبب فصل دي غول منذ 16 سبتمبر 1959 الصحراء عن مجال تقرير المصير (2).
ولقد أدركت الدول الاستعمارية أن رياح التحرر لا يمكن صدها عن إفريقيا بصفة دائمة، وأن من الأنفع لها التفكير في شكل جديد من الاستعمار يتلاءم مع روح العصر ومقتضيات القانون الدولي والتصريح العالمي لحقوق الإنسان، وذلك بمنحها الاستقلال السياسي لمستعمراتها واحتفاظها في نفس الوقت بالمصالح الاقتصادية والعسكرية.
غير أنَّ تجذر الديناميكية التحررية في إفريقيا، وتطور وعي الشعوب الإفريقية بحقيقة الاستعمار الجديد، واتجاه الحركة الإفريقية نحو الثورة والانعتاق
__________
(1) نفسه.
(2) كان هذا في خطابه الذي حدد فيه إجراء استفتاء تقرير المصير على العمالات الـ12، مستثنيا بذلك عمالتي الواحات والساورة الصحراويتين؛ حيث قال: "فإني أتعهد إن بقيت حيا واستجاب الوطن أن أطلب من جهة إلى الجزائريين في عمالاتهم الإثني عشر أن يعبروا عما يريدونه في آخر الأمر، وأن أطلب من الفرنسيين من جهة أخرى أن يصادقوا على ذلك الاختيار". انظر: المجاهد، ع. 05/ 10/1959، ص. 8. (1/169)
صفحة 152
تأسيا بالثورة الجزائرية التي تعد مثلها الأعلى، جعلت الاستعمار لا يطمئن إلى مستقبل وجوده في إفريقيا خصوصا مع وجود ثورة مثل الثورة الجزائرية في عمقها وشمولها. وهنا وجد الاستعمار الغربي أنه أمام حلين اثنين من أجل ضمان بقائه في إفريقيا (1):
* أولا: إما العمل على إجهاض الثورة الجزائرية، وتحويلها عن أهدافها الأصلية واستعمال كل الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية وضغوط الأقطار المجاورة حتى تتحول إلى قوة سياسية مهادنة للاستعمار، وهو ما ينعته بمصطلحات مهذبة مثل الاعتدال والتفهم والنضج، والصلاحية لمؤهلات ومسؤوليات الدولة، وتصبح بذلك الجزائر نموذجا للأفارقة في الطيبة والانصياع.
* ثانيا: أو فصل صحراء الجزائر وإعلانها ترابا فرنسيا أو بسيادة مشتركة فرنسية جزائرية حتى يكون لفرنسا ومن ورائها الغرب حق التصرف المباشر، ومن ثم تفقد الأجيال القادمة حق المطالبة بالصحراء نهائيا، ولقد أثبتت التجارب الماضية للاستعمار استحالة الحل الأول، فانصرف إلى تطبيق الحل الثاني (2).
وبما أن أهم المصادر البترولية الغربية تتدفق من العالم الثالث في أمريكا الجنوبية والخليج العربي وشمال إفريقيا، فقد كانت الدول الغربية تتخوف من أن تسلك الدولة الجزائرية الفتية سياسة بترولية لا تتماشى ومصالح الغرب، وما يتلو ذلك من احتمال كونها نموذجا يحتذى للسياسات الوطنية في بلاد العالم الثالث وإفريقيا على الخصوص، وقد كان ذلك مبررا كافيا لمساندتها السلطة الفرنسية في موقفها من مسألة فصل الصحراء (3).
__________
(1) المجاهد، (الخفايا العسكرية لتشبُّث الفرنسيين بالصحراء)، ع. 102، 14 أوت 1961، ص. 8.
(2) المجاهد، (الخفايا العسكرية ... )، المرجع السابق، ع. 102، 14/ 08/1961، ص. 8.
(3) نفسه. (1/170)
صفحة 153
4. 2 - المساعي الفرنسية لفصل الصحراء:
إنَّ ما تجدر الإشارة إليه أن انصراف الاستعمار الفرنسي إلى تجسيد فصل الصحراء الجزائرية عن باقي الجزائر قد سبقته عدة محاولات منذ مطلع الخمسينيات أدت تطوراتها إلى تعميق هذه الفكرة عند الاستعماريين وجعلتهم يجندون كل الوسائل لتحقيقها.
لقد بدأت نية الاستعمار الفرنسي في فصل الجنوب الجزائري تتبلور منذ سنة 1956، ولقد تفطن قادة الثورة الجزائرية باكرا إلى هذه الخطة مما دفعهم إلى التأكيد في وثيقة مؤتمر الصومام في أوت 1956 على سلامة التراب الوطني الجزائري بما فيه الصحراء، وهو شرط أساسي لكل حل للقضية الجزائرية (1).
أ ـ تجسيد خطَّة الفصل:
لقد شرعت السلطة الفرنسية في تجسيد خطتها لفصل الصحراء عن الجزائر سنة 1957، ولقد كانت هذه الخطة شاملة لجوانبها العسكرية الاقتصادية والديبلوماسية.
ففي الجانب العسكري شرع الاستعمار الفرنسي في ترتيب أموره لحرب طويلة، وعمل على تغيير خطته العسكرية لمواجهة الثورة الجزائرية وتعميم عمليات تجميع السكان في محتشدات لفصلهم عن شبكات الثورة، وحاول تشكيل جيش من "الحَرْكَة" مضاد لجيش التحرير الوطني ليركز عملياته في عزل جنوب الجزائر عن شمالها.
وفي هذا الشأن أنشأت القوات الفرنسية بالصحراء مراكز في العديد من المناطق لتجميع السكان وذلك ابتداء من جويلية 1958 (2).
ومن أجل حماية المصالح الفرنسية، وتجسيد نيتها في فصل الصحراء عن الشمال الجزائري، دأبت السلطات الفرنسية إلى إعادة هيكلة جيوشها بالصحراء،
__________
(1) المجاهد، (مذكرة رسمية ... .)، المرجع السابق، ص.3.
(2) - Armand Colin, op.cit, p.105. (1/171)
صفحة 154
وتعديل سياستها الأمنية الشاملة هناك، حيث عهدت مهمة ذلك منذ سبتمبر 1959 (1) إلى قائد مكلف بالتنسيق بين الجيوش في الصحراء، ثم أسندت هذه المهمة ابتداء من ديسمبر 1961 إلى القائد الأعلى في الصحراء الذي يتعامل مباشرة مع وزير الحربية في باريس (2).
والجدير بالذكر أن مخطط شال لم يشمل باستهداف معاقل جيش التحرير الوطني في الهضاب العليا ومرتفعات الأطلس الصحراوي، وذلك لسبب يرده الجنرال شال نفسه إلى عدم كفاية الوسائل والإمكانيات للتصدي لهذه المناطق بنفس الحجم الذي خص به الشمال الجزائري، وهو ما استوجب – حسب المصادر الفرنسية – إلى زرع فرق محدودة في الوقت والعدد في مناطق متفرقة هناك منذ ماي 1959 (3).
وأما في الصحراء، فكانت الآلة العسكرية الفرنسية حاضرة بقوة؛ فالتعداد العسكري لجيش المشاة في بداية 1958 كان 19 ألف رجل ليرتفع إلى 25 ألف في مطلع 1959 وليصل إلى 30 ألف في مستهل 1962.
وتتوزع أغلبية هذه القوات إلى قيادتين إحداهما تغطي منطقة الشرق الصحراوي وأخراهما تتكفل بمنطقة الغرب، ولقد وضعت هاتان القيادتان تحت أوامر جنرالين يمارسان في نفس الوقت وظائف عاملي الواحات والساورة. أما بقية العساكر العاملين بالصحراء فقد تشكلت منها مختلف الوحدات المكلفة بالتجارب الباليستيكية والنووية (4).
__________
(1) وهو نفس التاريخ الذي أعلن فيه دي غول مبدأ تقرير المصير مستثنيا عمالتي الواحات والساورة الصحراوتين.
(2) - Ibid.
(3) - Armand Colin, op.cit, p.103.
(4) .- Ibid (1/172)
صفحة 155
ويتمُّ التحرك بواسطة فرق صحراوية محمولة بالسيارات عهدت إليها حماية وتأمين الطرق والمسالك، في حين كلفت وحدات تستعمل الجمال تدعى "المهارية " بأعمال الدوريات.
ومن جهة أخرى، فقد أولت القوات الفرنسية بالصحراء عناية هامة لدور الاستعلامات والفعل السياسي؛ فلقد ورثت مصالح الشؤون الأهلية ( SAS) الدور الذي كانت تقوم به ما كان يرمز إليه بسياسة كأس الشاي في نظام الحكم العسكري (1)، حيث توسعت مصالح الشؤون الأهلية تلك لتشمل الصحراء منذ مطلع 1958، وقد بلغت هناك 42 مصلحة بتعداد حوالي 120 ضابط وقرابة المائة من ضباط الصف، إضافة إلى 1300 من المتعاملين مع الاستعمار (2).
وفي الجانب الاقتصادي فإن الاستعمار الفرنسي يعتبر الصحراء ملكا له. وبأساليبه الإغرائية يحاول أن يفرض وصايته على مجموع البلاد الإفريقية المجاورة. ولقد احتاط الاستعمار لإمكانية فشل مشروعه الاستعماري الجديد بطرح بديل لهذا النظام يتركز على الهيمنة الاقتصادية في منطقة الصحراء الكبرى ويجعل مفهوم السيادة ومفهوم ملكية الثروات مفهوما غامضا وملغما بحيث يفتح كل أبواب المناورة الاستعمارية ويترك كل احتمالات المراوغة واردة.
ومن هنا طرح الاستعمار نظرية احتياطية كاعتبار الصحراء أرضا لا تخضع لسيادة معينة، أو ترابا بمثابة بحر داخلي تلتقي وتشترك فيه جميع الدول المجاورة للصحراء والمتاخمة لها، وكادعائه بأن الصحراء تمثل مشكلة بحد ذاتها، نظرا لمشاكل الحدود الموجودة بين الجزائر وبعض الأقطار المجاورة.
أمَّا الجانب الديبلوماسي فقد سعت الآلة الديبلوماسية الفرنسية إلى تزويد عواصم العالم بالعديد من المذكرات المرفقة بالخرائط تلح فيها اعتبار الصحراء
__________
(1) وتسمى هكذا بالفرنسية: ... ( La politique de la tasse de thé)
(2) - Armand Colin, op.cit, p.105. (1/173)
صفحة 156
منفصلة عن الجزائر، ولقد كان تركيزها منصبا على دول الغرب من أجل الاهتمام بهذه المسألة باعتبارها مسألة ذات أبعاد أوروبية استراتيجبة.
كما كان هذا السعي الحثيث مقرونا بدعاية واسعة ومركزة، وبأدبيات تتميز بالوفرة والتنوع وبعروض سخية لاستقطاب رؤوس أموال الشركات الأجنبية للاستثمار في الصحراء (1).
وفي هذا السياق أنشأت الحكومة الفرنسية المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (. O.C.R.S). ولقد كانت هذه المنظمة تهدف بدورها إلى إشراك الأقطار الإفريقية المجاورة للجزائر في الخطة الاستعمارية الجديدة، تحت غطاء تنظيم استغلال الثروات الطبيعية للصحراء. غير أن أمواج حركة التحرر الإفريقية حالت دون تجذر هذه المنظمة وبلوغ أهدافها فلم تقبل العضوية فيها غير النيجر وتشاد.
ولقد اتَّخذ الاستعمار من مطالبة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية باحترام وحدة التراب الجزائري منفذا لزرع الفرقة بين الأقطار الإفريقية ووقودا لتحركه الرامي إلى إحراج الحكومة المؤقتة في موقفها أثناء مفاوضات) إيفيان ( Evian. وبالرغم من أن الخطة الفرنسية لم تأت أكلها كما رسم لها، فإن حملته الدعائية المكثفة لكسب الأفارقة قد تركت غموضا لدى بعض الأطراف الإفريقية، سعت السلطات الفرنسية إلى تغذيته باستمرار وبكل الوسائل (2).
إنَّ هذا الانقضاض على الصحراء الذي يمارسه الاستعمار الفرنسي ليخفي من ورائه خطة كاملة لتكريس وصاية مقنعة على القارة الإفريقية حتى تبقى تحت رحمة الاستغلال، وتراهن السلطات الفرنسية على أن تصبح الصحراء مفتاح حل لكل مشكلاتها الدفاعية والاقتصادية والاستراتيجية بعد أن رشحتها لأن تكون مقرا لقواعدها العسكرية، التي تخصصت في تجارب أسلحتها السرية كالقذائف
__________
(1) المجاهد، المرجع السابق، ص.3. . C.A.N., G.P.R.A. boite .163. dossier1.3. (problème du Sahara) -
(2) المجاهد، (نحن والصحراء ... .)، المرجع السابق، ص. 3. (1/174)
صفحة 157
الأرضية والجوية لمقاومة الطائرات وغيرها، وهي أيضا مختبر سلاحها الذري على حساب الإنسان والحيوان، وحتى النبات في صحراء الجزائر، وهي جغرافيا، همزة وصل بين العديد من أقطار إفريقيا، تمكن السلطات الاستعمارية من تبوأ مكانة المحور في القضايا الأوروأفريقية.
ب ـ المعركة النفسية الاجتماعية: (1/175)
صفحة 158
من الملاحظ أنَّ الإدارة الفرنسية قد سجلت تحولا بارزا في سياستها الاجتماعية في الجزائر عموما وفي الصحراء على وجه الخصوص وذلك منذ سنة 1960، حيث إن المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية خفضت من نفقاتها على التجهيز القاعدي لتركز على الاستثمار في الميادين الاجتماعية.
وفي هذا الصدد حظيت الاستثمارات في مجالات الري والكهرباء والسكن بقروض وصلت نسبتها إلى 45% من مجموع قروض التجهيز. تلك القطاعات التي لم تحظ في السنة المالية 1959 إلا بنسبة 16.3% من ميزانية التجهيز. ولقد تأكد هذا التحول في السياسة المالية في سنة 1961، إذ بقيت النفقات الموجهة إلى الميدان (1/176)
صفحة 159
الاجتماعي تمثل 44.5% ثم ارتفعت إلى 53% في السنة الموالية (1).
وهكذا تكون هذه المنظمة قد أنفقت على القطاع الاجتماعي ما يبلغ ثلاثين مليار فرنك قديم في سنوات 1960 إلى 1962 من مجموع ما يربو عن 86 مليار ونصف من الفرنكات التي أنفقت في الصحراء بين 1958 و1962، خصصت منها خمسة عشر مليار في استثمارات تعود مباشرة على السكان في الصحراء (2).
والجدير بالإشارة أن هذه السياسة الاجتماعية كانت تتركز في الغالب حول المراكز الصناعية والمناطق النفطية، وذلك بقصد توفير شروط العمل الاجتماعية للعمال بالحقول النفطية بما يكفل السير الحسن للقطاع النفطي (3).
لقد كانت للسياسة النفطية الفرنسية انعكاسات مباشرة على الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الجزائر عامة وفي الصحراء على وجه الخصوص. وفي هذا الإطار شهدت الفترة الممتدة بين 1949 - 1962 هجرة عكسية إلى الصحراء للسكان ذوي الأصول الصحراوية المستقرين في الشمال، كما شهدت استقرارا واضحا للبدو الرحل حول المراكز الصناعية النفطية منها والمنجمية، والمستثمرات الفلاحية هناك (4).
وتجدر الإشارة إلى أن الهجرة كانت قبل هذه الفترة تأخذ اتجاه مدن التل وبعض الأقطار المجاورة مثل المغرب وتونس، وكذا إلى فرنسا (5).
__________
(1) Treyer, op.cit, p.p. 1 et 303.-
(2) Ibid.p.303.-
(3) Ibid ., p.149.-
(4) Ben Youcef B., (Le M’zab) ,In, acta geographica, n° 47 - 48, 1981, p.p. 39 - 40.-
(5) شهدت منطقة توات وقورارة هجرة حوالي 2000 شخص سنويا في اتجاه التل ومدينة القليعة (المنيعة حاليا) وإلى المغرب، وقد أقام حوالي 6000 من سكان المنطقة نهائيا بتونس، واتجه إلى فرنسا حوالي 5500 من سكان مناطق الأغواط وبسكرة وأولاد جلال. أمَّا منطقة وادي سوف فقد هجرها عدد كبير من اليد العاملة في اتجاه منطقة قسنطينة وتونس. للمزيد انظر:
- Britch, op.cit , P. 64. (1/177)
صفحة 160
ولعل أهم عوامل هذا الاستقرار وتلك الهجرة إلى الصحراء تتلخص فيما يلي:
1 - تزايد الاهتمام بالصحراء وتأطيرها بأجهزة ومؤسسات إدارية واقتصادية، نتج عنها فرص العمل لسكان المنطقة بعد اكتشاف المناجم المعدنية والشروع في الأشغال البترولية والغازية.
2 - الظروف المتدنية التي كانت تعيشها اليد العاملة في القطاعات التقليدية سواء في الأنشطة التجارية والحرفية بمدن التل الجزائري أو في القطاع الفلاحي التقليدي بالواحات الذي يسير وفق نظام "الخماسة". هذه القطاعات التقليدية لا تطبق تشريع العمل الذي يجري به العمل في القطاع الصناعي والمنجمي والذي يقدم للعامل شروطا أفضل للعمل ويضع إجراءات اجتماعية لفائدة العمال.
3 - توفر وسائل النقل الحديثة التي اختصرت المسافات بين أطراف الصحراء الشاسعة، وبالتالي أصبح البدوي أكثر أوقاته حاّلا من كونه مرتحلا.
4 ـ تطوير الري والاستصلاح الزراعي، فلقد عملت شركات التنمية الصحراوية ( S.A.S.) خاصة على الاهتمام ببعض الواحات، ووضعت برامج استصلاح واسعة ارتكزت بداية على حفر الآبار وتوفير المياه (1).
أمَّا السياسة الصحية للإدارة الفرنسية بالصحراء فتتركز على محاولة توفير الشروط الأولية للصحة، وتعتمد في هذا الصدد على حملات التوعية والتلقيح، وتجفيف المستنقعات والمياه العفنة، ومعالجة مياه الشرب.
ولقد بلغت الشبكة الاستشفائية عشية الاستقلال خمسة عشر مبنى، بين مستشفى وعيادة في جميع مناطق الصحراء، وهو ما مجموعه قرابة 900 سرير، أي بمعدل سرير واحد لكل 600 ساكن، وهي نسبة ضئيلة بغض النظر عن النقص الفادح في التأطير الطبي الذي يغطي رجال الكنيسة والعسكريون سواده الأعظم (2).
__________
(1) / - B. Merghoub, Le developpement politique en Algerie, F.N.S.P, Paris, 1972, pp 91 - 92.
- Treyer, op.cit, p. 40./ Britch, opcit, p. 64.
(2) - Treyer, op.cit, p.42/ Britch, op.cit,p. 69. (1/178)
صفحة 161
وعلى صعيد آخر لم يكن مشروع قسنطينة (1) - الذي أعلن عنه الجنرال دي غول في خطابه بمدينة قسنطينة في الثالث من أكتوبر 1958 - عنصرا محايدا في السياسة الاقتصادية الفرنسية، فتوزيع الميزانية على القطاعات تترجم علاقات وموازين قوى محددة بين مختلف الطبقات الاجتماعية والاقتصادية. ويعني ذلك أن اختيار توجيه الاستثمارات لم يكن باعتبار المردودية الاقتصادية فحسب، وإنما يكتسي اختيار هذا الاستثمار أو ذاك اعتبارات سياسية واجتماعية ودعائية. وواضح جليا أن الاستثمارات المبرمجة في إطار مشروع قسنطينة قد اختيرت في معظمها بقرار سياسي قبل أي اعتبار وهذا ما يعزز الطابع السياسي ثم الاجتماعي لهذا المشروع (2).
ولعل أغلب الدراسات والأبحاث التي تناولت مشروع قسنطينة لم تتعد المجال الاقتصادي من هذا المشروع، ولا أدل على ذلك من إجماعها تقريبا على أنه مخطط خماسي لتنمية اقتصادية واجتماعية لفائدة الجزائريين (3).
والواقع أن مشروع قسنطينة من حيث كونه تعبيرا متطورا عن سياسة استعمارية، لم يكن خطة تنمية اقتصادية وترقية اجتماعية من أجل معالجة ظرفية لأوضاع الجزائر كما حاول واضعه عرضه على الرأي العام؛ بل كان مشروعا استراتيجيا ذا أبعاد سياسية متطورة، بعضها مباشر قريب المدى ليس من الصعب تحسسه وإدراكه، وآخر بعيد المدى يتعذر التعرف عليه إلا بعد زمن لا يقل مداه عن ربع قرن، ويكون حين ذاك أمرا واقعا، قد استفحلت نتائجه وخاصة الثقافية منها (4).
ولا يمكن لنا في هذا السياق من أن نسهب أكثر في تحليل نتائجه القريبة
__________
(1) يحمل أيضا تسمية: مخطط قسنطينة باعتبار أنه موجه للتنفيذ وفي فترة زمنية خماسية محددة بين 1958 - 1963.
(2) - Sadmi Ali, La politique agraire dans le plan de constantine, memoire pour le deplome des études superieures de sciences économiques, Mars 1975, Université. d‘Alger, p.p. 74 - 75.
(3) د. ناصر الدين سعيدوني، الجزائر منطلقات وآفاق، دار الغرب الاسلامي، بيروت، 1999، ص.247.
(4) نفسه. (1/179)
صفحة 162
والبعيدة، ولكن حسبنا ذكر الخطوط العريضة لهذا المشروع مع تسجيل وقفة ولو وجيزة على ما يرتبط بهذا الموضوع من قريب.
فهذا المشروع قد سطّر في طياته إحداث 400000 منصب عمل جديد لفائدة الجزائريين بمتوسط 40000 منصب كل سنة، مع تخصيص 1/ 10 من المناصب الوظيفية وفي الخدمات العمومية كالإدارة والقضاء والجيش والتعليم ... في فرنسا للمسلمين الجزائريين. كما يطمح هذا المشروع إلى إنشاء 250000 سكن لإيواء مليون شخص، إضافة إلى توفير مقاعد دراسية لثلثي الأطفال الجزائريين، وتوزيع 225000 هكتار من الأراضي الزراعية على الفلاحين الجزائريين (1).
أمَّا ما يهمنا من قريب ما يصبو إليه هذا المشروع - إلى جانب ما ذكر - فهو إقامة صناعة للحديد والصلب وصناعة بتروكيماوية متطورة بالشراكة بين الحكومة الفرنسية وأرباب العمل والصناعات الفرنسيين، وذلك انطلاقا من بناء مجمع الصلب بعنابة، ومعالجة الفوسفاط بجبل العنق والبتروكيماويات بأرزيو (2).
ومن خلال ماكتبه صندوق التجهيز من أجل التنمية في الجزائر ( C.E.D.A.) في نشرياته الشهرية يمكن أن نستشف أهم أهداف مشروع قسنطينة في مجال التصنيع. ونجد أن أهمها هو إنشاء مجموعة واسعة من الصناعات البتروكيماوية في مناطق مثل أرزيو قرب مدينة وهران أين يصل خط أنابيب الغاز الآتي من حقول حاسي الرمل التي يمكن استغلالها في خلال 50 إلى 100 سنة بمقدار 10 ملايير إلى 30 مليار متر مكعب سنويا. وبهذا الغاز يصبح التصنيع ممكنا في الجزائر. ففي أرزيو أقيم مصنع للأسمدة الآزوتية من أجل رفع الخصوبة في الأراضي الفلاحية في الجزائر وتصدير الفائض من إنتاجه. كما جرت دراسة لبناء مصنع كيماوي يتخذ من أملاح البحر مادته الأولية (3).
__________
(1) د. ناصر الدين سعيدوني، المرجع السابق، ص.252.
(2) نفسه.
(3) - Vaucher G. Le plan de constantine et la république algerienne de demain, p. 75. (1/180)
صفحة 163
كما أعد مشروع لتحويل كل معامل المنطقة الصناعية في أرزيو ومنطقة الجزائر إلى استعمال الغاز وقودا لها، حيث إن سعر بيع هذا الغاز حدد بنصف سعر الغاز الطبيعي المستخرج من منطقة لاك ( Lacq) الفرنسية.
ومعروف أن معامل أرزيو أو مشروع مصانع تكرير البترول في مدينة الجزائر وحتى استغلال فسفاط جبل العنق في الشرق وبترول حاسي مسعود ومصنع الحديد في عنابة هي من تسيير وتمويل فرنسي (1).
وفي عنابة وبالضبط في منطقة الحجار ( Duzerville سابقا) وفي إطار مشروع قسنطينة دائما وضع حجر الأساس لمصنع الحديد والصلب في الرابع من أكتوبر 1960، وكان منتظرا أن يستقدم مادته الأولية من مناجم منطقة "الوانزا" التي تبعد عن موقع المصنع بحوالي 180 كلم. ومعروف بأن حديد "الوانزا" يمتاز بنوعيته الجيدة عالميا، وبسهولة استخراجه (2).
ومن حيث التمويل فإن رأسمال الشركة العنابية للفولاذ ( S.B.S.) قدر بـ 140 مليون فرنك جديد اشتركت فيه كل من شركة الوانزا المنجمية بنسبة 20% وبعض البنوك وشركات التأمين بنسبة 29%، في حين استأثرت الشركة الفرنسية للفولاذ بنسبة 51% من الرأسمال الإجمالي. وقد تطور تمويل الاستثمارات في هذا المصنع إلى 820 مليون فرنك جديد بعدما استقدمت قروض بعيدة المدى وأخرى على المدى المتوسط إضافة إلى علاوات التجهيز النهائية والقابلة للتسديد.
وتستفيد الشركة العنابية للفولاذ من سعر الغاز الأدنى الآتي من حقول حاسي الرمل، حسب إعلان أكتوبر 1960 للبعثة العامة للحكومة العامة بالجزائر حول امتيازات التصنيع في الجزائر، بغض النظر عن علاوات التشغيل وتقليص
__________
(1) - Vaucher G., op.cit, p.76.
(2) - Ibid, p.p 76 - 77. (1/181)
صفحة 164
الفوائد على الديون والإعفاء من الضرائب على الفوائد التجارية والصناعية لمدة عشر سنوات كاملة (1).
لقد تدفقت رؤوس الأموال إلى الجزائر – بموجب هذه الإجراءات والمساهمات المرصودة لهذا المشروع - حيث أصبحت تقدر بـ 270 مليار فرنك بعد أن كانت لا تتعدى 135 مليار، واستمرت تقدر سنويا بما لا يقل عن 200 مليار فرنك (2).
وفي هذه الفترة بالذات قفزت الاستثمارات الاقتصادية في الجزائر من 270 إلى 540 مليار فرنك بمعدل سنوي يبلغ 400 مليار فرنك وهي مبالغ مالية مرتفعة جدًّا بتقييمها الآني، فاقت حتى تكاليف الحرب التي كانت تقدر هي الأخرى سنويا ببليون دولار أمريكي (3).
هكذا يتجلى بوضوح الطابع الدعائي والسياسي لهذا المشروع، ولم يبق للجزائريين إلا أن ينتصبوا كعمال بسطاء في هذه المؤسسات التي تستغل الخيرات الطبيعية لبلدهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يستفيد الجزائريون من هذه المشاريع؟ وهل مجرد مرتبات تقدم إلى العمال هو الهدف الاجتماعي الوحيد؟ ولماذا لم يدخل الرأسمال الجزائري في الشراكة مع الحكومة الفرنسية وأرباب الصناعات الفرنسيين، وذلك انطلاقا من بناء مجمع الصلب بعنابة، ومعالجة الفسفاط بجبل العنق والبتروكيماويات بأرزيو؟
يعدُّ استمرار الثورة التحريرية وانعدام السلم، وتفاقم التضخم المالي، وكذا التخلي التدريجي للمسؤولين عن تحقيق أهدافه الاجتماعية والاقتصادية المرسومة،
__________
(1) - Vaucher G., op.cit, p. 78.
(2) د. ناصر الدين سعيدوني، المرجع السابق، ص. 252.
(3) نفسه، ص. 253. (1/182)
صفحة 165
أسبابا ساهمت بنسب متفاوتة في فشل هذا المشروع وتوقفه عن التجسيد.
ولقد عمل الساسة الفرنسيون بكل ما في وسعهم على التركيز على أبعاد هذا المشروع النفسية وآثاره المعنوية، بغرض بث الانطباع بجدوى ونجاعة نمط الاقتصاد الحر والاقتصاد الرأسمالي وقدرة الفرنسيين على توفير مستوى معيشي أفضل قد يتعذر تحقيقه - حسب الدعاية الفرنسية الواسعة حينئذ - تحت حكم نظام راديكالي مستقل (1).
ومما يؤكد عزم السلطات الفرنسية على المضي قدما في تجسيد مخططاتها الاستعمارية ومناوراتها السياسية، بعض القرارات الفرنسية التي اتخذت بشأن الجزائر.
ففي سنة 1958 صدر القانون البترولي الذي ينص على وضع كل الموارد البترولية ووسائل استغلاله وشبكات نقله وكل ملحقات استغلال النفط من استخدام العمال وإسكانهم وإطعامهم ونقلهم ومن خطوط التموين، وضع كل ذلك في متناول الاحتكارات الغربية، حتى تكون الصحراء ومقدراتها المنجمية والنفطية في كل الاحتمالات - وحتى أبعدها وهو الاعتراف بسيادة الجزائر المستقلة على الصحراء - في قبضة الشركات الاحتكارية الغربية. وينص ذات القانون على حق الشركات الاستثمارية في استغلال بترول الصحراء لمدة لا تقل عن خمس وعشرين سنة دون أن يكون للسلطة في الجزائر الحق في مراجعة بنود هذا القانون سواء فيما يتعلق بالإنتاج أو باقي عمليات استغلال البترول والغاز معا.
وفي هذا السياق، ومن أجل بناء صناعة الصلب في الجزائر باستغلال الغاز الطبيعي، اعترضت الحكومة الفرنسية سنة 1959 على هذا المشروع حرصا منها على إبقاء الأسعار العالمية مرتفعة وخشية أن توجه صناعة الصلب في الجزائر ضربة موجعة للاحتكارات العالمية بسبب سعر الغاز الجزائري المنخفض.
__________
(1) د. ناصر الدين سعيدوني، المرجع السابق، ص. 254. (1/183)
صفحة 166
وعليه قررت السلطات الفرنسية نقله إلى أوروبا لترفع تكاليف النقل الإضافية من سعره وتحول دون منافسته للغاز الأوروبي ولو كان ذلك على حساب التصنيع في الجزائر (1).
ومن أجل إعطاء الاستعمار صبغة شرعية لتخطيطه القاضي بفصل الصحراء عن باقي التراب الجزائري، فقد دأب على نشر دعاية مزدوجة، أحد شقيها موجه إلى الحكومات الأوروبية والآخر إلى الحكومات الإفريقية وخاصة المتاخمة للصحراء والمجاورة للجزائر بصفة عامة. فأما الأول فيهدف إلى تجنيد الغرب وراء فرنسا في مناوراتها من أجل الاحتفاظ بالصحراء، فهو يراهن في دعايته لإقناع دول الغرب بالخطر الذي يهدد أوروبا إذا خسرت إفريقيا، وفلتت الجزائر من قبضتها. تلك الجزائر التي هي مفتاح شمال إفريقيا، وصحراؤها بوابة إفريقيا السوداء، فلا ينبغي، حسبه، التفريط فيها بعد أن خسر الاستعمار كل أوراقه في آسيا.
أمَّا الشق الثاني فهو موجه إلى الأفارقة الذين يبدون في غالب الأحيان تضامنهم وتعاطفهم مع الثورة الجزائرية. وترتكز هذه الدعاية على اعتراف السلطات الفرنسية بعدالة الحركات التحررية وبحق الشعوب في تقرير مصيرها. غير أن الصحراء في نظرها هي أرض خالية لا سكان فيها، فلا يمكن أن يطبق عليها حق تقرير المصير. أما ثروات الصحراء فلا مانع من إشراك الأفارقة في استثمارها (2).
إنَّ هذا المنطق المزدوج الذي يحاول بواسطته المستعمر أن يبرر أطماعه في الجزائر عموما والصحراء على الخصوص، ويقنع أطرافا يرى أن لا مناص من أخذ موافقتها، أو على الأقل حيادها بإظهاره لها أوجه النفع والاستفادة، فهو يصور للأول المخاطر المحدقة به في حالة إفلات الجزائر من قبضة المعسكر الغربي، وخاصة
__________
(1) المجاهد، (صحراؤنا في نظر الغرب ... .)، المرجع السابق، ص.9.
(2) المجاهد، (الخفايا العسكرية ... .)، المرجع السابق، ص.9. (1/184)
صفحة 167
صحراءها ذات البعد الاستراتيجي من جهة، ويكسب هذا إلى صفه بعرضه لكل أساليب الإغراء والارتشاء.
ولقد عزم الجنرال دي غول منذ 1958 أن يحاصر الجزائر وثورتها إعلاميا، ويخنقها جغرافيا، ثم يعمد إلى خنق الثورة في إفريقيا والقضاء على ركائزها في المهد بواسطة محاولاته إجهاض الثورة الجزائرية، وغلق أبواب التنمية والتصنيع أمامها وذلك لن يتأتى إلا بفصل الصحراء.
ولما كان التضامن المغاربي والإفريقي مع جبهة التحرير الوطني يهدد بنسف هذه المحاولة وممارسة ضغط خارجي إضافي على فرنسا وعلى الغرب يحول دون نجاح هذا المشروع، جاءت فكرة دي غول في استعمال ثروات الصحراء ورقة إغراء، لكسب مساندة الأقطار الإفريقية المجاورة، وترغيبها في تدعيم الموقف الفرنسي، وبذلك يكون دي غول قد عمل، ليس على تحييد الموقف الإفريقي وحسب، ولكن على كسبه لصالحه بعد أن كان موجها ضده (1).
وفي هذا الإطار سعت السلطات الفرنسية إلى تحييد تونس وإبعادها من مساندة الثورة الجزائرية، وذلك بإقحامها في مجال العلاقات الاقتصادية والمصالح المتبادلة. وفي هذا المسعى جاء مشروع خط الأنابيب الرابط بين حقول إيجلي بالجزائر والميناء التونسي بالسخيرة، حيث أعلن عن إجراء مفاوضات بين الطرف الفرنسي ممثلا في شركة ( CREPS) للأبحاث واستغلال بترول الصحراء صاحبة استثمار منطقة إيجلي وفرعها المتمثل في شركة النقل بالأنابيب في الصحراء ترابسا ( TRAPSA)، وبين الحكومة التونسية، ولقد نقلت الصحافة التونسية وروجت لهذا الخبر (2).
ونظرًا إلى أهمية المشروع، ومن أجل البلوغ إلى صيغة اتفاق بين الطرفين التونسي والفرنسي جرت المفاوضات على مستوى حكومي، فيما تكفل وزير الصحراء
__________
(1) المجاهد، (نحن والصحراء ... .)، المرجع السابق، ص.3.
(2) منها جريدة L’Action، ع. 23 ديسمبر 1957.انظر: الملحق، وثيقة رقم 7. (1/185)
صفحة 168
الفرنسي بدراسة المشروع في عين المكان، وبموجب هذا المشروع يعبر هذا المخطط على مسافة 500 كلم جنوب تونس ويسمح بنقل حوالي 10 ملايين طن من البترول نحو ميناء السخيرة بتونس ويوفر لتونس ربحا ماليا معتبرا يسمح بتطوير اقتصادياتها (1).
وعلى صعيد آخر كان الاستعمار الفرنسي قد أعد مشروعا يمكن أن يسمى بـ "جمهورية التوارق"، وينص على جمع السكان التوارق في الجزائر والنيجر والتشاد ومالي في دولة تكون تحت السيادة الفرنسية، وبذلك يتمكن الاستعمار الفرنسي من الاحتفاظ بموارد الصحراء، وممارسة ضغط دائم على الأفارقة، وإقامة منطقة عازلة بين الثورة الجزائرية في الشمال والكفاح الإفريقي جنوب الصحراء (2).
ج ـ سكان الصحراء والمساومات الفرنسية:
لقد ظلَّ تأثير جبهة التحرير الوطني قويا على سكان الصحراء على غرار باقي مناطق الجزائر، ففي تقرير لأجهزة الأمن الفرنسية صدر في أفريل 1960، وصفت فيه معنويات سكان الصحراء وحالتهم المعنوية "بالرديئة" في منطقة ورقلة، و"بالسيئة" في منطقة وادي ريغ وتيديكلت. وفي عمليات بوليسية قامت بها المخابرات الفرنسية كشفت أن «ميزاب في حالة متردِّية جذريا، وأنَّ الجهاز الإداري مخترق بصفة كليَّة، وليس ”الجهاز الإرهابي المتمرد“ (3) بحاجة إلى إرساء هناك، لأنَّ كل السكان أصبحوا متواطئين معه وتحت قبضته» (4).
وحسب الجنرال) بوتي ( PETIT – الذي كان قائدا في المنطقة التي يشكلها مثلث البيض، القرارة والمنيعة- فإن ممثلي جبهة التحرير الوطني استطاعوا إرساء
__________
(1) - C.A.N, G.P.R.A. boite 30, dossier 1.2 (pipe – line, In Aminas – La Skhira), 4f. / (Etat de travaux de pipe line Edjlea-Skhira. Mars 1959 ), 3f.
(2) المجاهد (صحراؤنا في نظر الغرب ... .)، ع.103، 28/ 08/1961، ص.09.
(3) إشارة إلى جيش وجبهة التحرير الوطني.
(4) Armand, Colin, op.cit, p.107. - (1/186)
صفحة 169
وتنصيب مجالس بلدية حقيقية لتعويض المجالس البلدية الفرنسية، وتعمل تلك المجالس على التكفل بسجلات الأحوال الشخصية وتسجيل عقود الزواج والتحكيم بين المتخاصمين (1).
ورغم ذلك فإن السياسة الفرنسية الأهلية تحتم على الفرنسيين إبقاء علاقات متصلة مع الزعماء الروحيين في الصحراء، وتقدر المصالح الفرنسية نسبة السكان المنضوين تحت لواء جبهة التحرير الوطني هناك بثلثي سكان الصحراء (2).
من أجل استقطاب سكان الصحراء الجزائرية وكسب تأييدهم وإبعادهم عن تنظيمات جبهة التحرير الوطني وتأثيرها، عمدت السلطات الفرنسية إلى كسب ودّ الشخصيات الفاعلة والمؤثرة بمناطق الجنوب، ومحاولة ضمهم إلى صفوفها.
وفي هذا الصدد كلفت السيد حمزة بوبكر للقيام بهذا الدور. ولقد تمكن بوبكر من جعل عدد من الشخصيات الصحراوية يحضرون لقاء في الأغواط من أجل إدخال مشروعه حيز التنفيذ، لكن الشيخ بيوض (3) أجهض العملية واتصل بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية يحيطها علما بتفاصيل المشروع، ويستصدر الأوامر اللازمة
__________
(1) Ibid. -
(2) Ibid, p.108. -
(3) ولد الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر سنة 1899 بالقرارة (غرداية)، من علماء الجزائر المصلحين وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين سنة 1931، وعضو في إدارتها. فسر القرآن الكريم في مدة نصف قرن وأسس معهد الحياة الثانوي سنة 1925. له مواقف سياسية جليلة أثاء الثورة وقبلها. توفي سنة 1981. من آثاره: تفسير صوتي للقرآن الكريم، فتاوى الشيخ بيوض في جزئين و جزء من مذكراته تحت عنوان: أعمالي في الثورة. للمزيد انظر: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر.3ج. مطبعة البعث، قسنطينة، 1976. (1/187)
صفحة 170
لإفشال مساعي التقسيم، وبالفعل فإن جبهة التحرير الوطني قد وجهت إنذارا لجميع الشخصيات المعنية وجعلتها تبدي رفضها ومعارضتها لمحاولة التجزئة، وذلك عندما انعقد الاجتماع الثاني في حي سانتوجان (بولوغين حاليا) بالجزائر العاصمة (1).
ونظرا لأهمية المشروع لدى الحكومة الفرنسية، قام رئيس الحكومة الفرنسية (م. دوبري Michel Debré) بزيارة مناطق الصحراء، ثم أعقبه وفد حكومي آخر برئاسة (أوليفي غيشار ... O. Guichar) ممثل الجنرال دي غول من أجل إعطاء المشروع دفعا جديدا، وتحرك حمزة بوبكر من أجل جمع 24 شخصية ذات أصول صحراوية في أفريل 1961 مستعينا هذه المرة بالبوليس الفرنسي لإلزامها على الحضور، وجرى الاجتماع في ورقلة في بيت والي عمالة الواحات، وانتهى بالفشل مثل سابقه (2).
وموازاة مع مشاريع تقسيم الجزائر التي تخطط لها الحكومة الفرنسية فإن هناك مشاريع تجري في الظلام ترمي إلى نفس الأغراض، ولكن تحت إشراف منظمة الجيش السري ( O.A.S).
وفي هذاالشأن تألف وفد فرنسي في ديسمبر1960 يتكون من الوزير الفرنسي السابق للصحراء (ماكس لوجون) وحاكم الجزائر السابق (باسلو) و (بياجي) (3) أحد الشخصيات القانونية، وحمزة بوبكر أحد الوجوه الصحراوية المعروفة باتصالاته بالأوساط المالية الاستعمارية (4)، وقام بزيارة إلى دولة النيجر.
ولقد حاول هذا الأخير أن يتحدَّث باسم سكان الصحراء الجزائرية مع رئيس
__________
(1) لقاء أجراه د. محمد العربي الزبيري مع السيد عبد الحميد مهري في بيته يوم 21/ 02/96 بحضور الرائد عبد المجيد كحل الراس، السيد محمد الصالح بوسلامة، علما بأن السيد مهري كان يومها وزيرا لشؤون الشمال الإفريقي، انظر محمد العربي الزبيري، (دي غول والصحراء) محاضرة ألقاها في أشغال ملتقى حول سياسة فرنسا حول فصل الصحراء، ورقلة، أيام 15 – 17 أفريل 1996.
(2) المجاهد، (مناورات في الصحراء)، ع. 113، 22/ 01/1962، ص.05.
(3) للمزيد انظر: ... In, Le Figaro Magazine, n° du 29/ 10/1994, p103. -
(4) يرجع نشاط حمزة بوبكر في خدمة هذه المسألة بالذات إلى سنة 1959، وذلك في إطار مشروع ما يسمى بالجمهورية الصحراوية المستقلة لتقسيم الجزائر. وهو مشروع أقيم على غرار المشروع الإفريقي الذي انتهى بانفصال كاطنغا، حيث كلف حمزة بوبكر على الحصول على مساندة الشخصيات الاعتبارية لمختلف المناطق بالصحراء الجزائرية. انظر: المجاهد، المرجع السابق، ص.5. (1/188)
صفحة 171
النيجر السيد حماني ديوري حيث استنفد كل أوراقه من أجل استمالة رئيس النيجر لمساندة مشروع "الجمهورية الصحراوية المستقلة". غير أن رد الرئيس كان حازما وصارما ورافضا تقديم أي عون من أجل "إنشاء كاطنغا صحراوية".
ولقد كان محتوى اللقاء الذي جمع حمزة بوبكر برئيس الحكومة الفرنسية هو تقديم حصيلة هذا المسعى الفاشل، في حين تكفل بياجي وبايلو بإخطار منظمة الجيش السري (1).
وبعد فشل المساعي المشبوهة هذه من أجل بتر الصحراء عن التل الجزائري، فكر الاستعمار في استعمال وسيلة أخرى التقت بين خيوطها الخطة الرسمية للحكومة الفرنسية وتلك التي تنتهجها منظمة الجيش السري الإرهابية في مسألة الصحراء.
وتشتمل هذه الخطة على مرحلتين، تتمثل مرحلتها الأولى في ممارسة الضغط المالي على كل التجار الجزائريين ذوي الأصول الصحراوية المستقرين بالشمال، ولقد أنيطت مهمة الإشراف على هذه العملية إلى مدير بنك الجزائر (2) الذي تربطه علاقة صداقة وثيقة بالجنرال "شال" ( Challe). ومن بين أعوان مدير بنك الجزائر في هذه العملية أحد إطارات البنك الشعبي بالجزائر (3) وبعض المحامين (4).
وتتمثل خطة العملية في تهديد أولئك التجار بالإفلاس، ثم إعلان إفلاسهم وذلك بإصدار الأوامر إلى المحاكم بشأن هؤلاء التجار الصحراويين وخاصة الميزابيين منهم. وتكتمل العملية برفض البنوك المعنية تقديم التسهيلات العادية وتغطية مصاريفهم، وبل
__________
(1) نفسه.
(2) وهو أحد الشخصيات التي مولت التمرد العسكري على الجنرال دي غول في 22/ 04/1961 مثلما مولت بعدئذ نشاط منظمة الجيش السري ( OAS).
(3) ويسمى طويانا.
(4) ومنهم المسمى غازون. (1/189)
صفحة 172
تطالبهم بتسديد الديون على الفور. أما المرحلة الثانية لهذه الخطة فتقضي بتحطيم وتدمير متاجر أولئك التجار بالقنابل البلاستيكية (1).
وفعلا جرت الخطة كما رسمت وأصدرت الأوامر إلى المحاكم للتنفيذ، ثم دمرت المتاجر حتى بلغت ما يزيد عن تسعين محلاًّ بالعاصمة (2).
وفي الجنوب الجزائري نزعت السلطة الاستعمارية إلى القمع المباشر، فقد نقل ما لا يقل عن 1500 عامل من العمال في قطاع البترول في منطقة ورقلة للمحتشدات بالشمال الجزائري.
وعلى صعيد آخر، كانت الإدارة الاستعمارية تستعمل أذنا بها من أجل خلخلة التماسك الاجتماعي، وضرب الوحدة الترابية من خلال فك عناصر الشعب الجزائري ومن أجل هذا المسعى عمدت السلطة الفرنسية إلى بث روح الفتنة والفرقة وإحياء النعرات الطائفية بين أبناء الشعب لتكريس وجودها الاستعماري. ففي الخامس من سبتمبر 1961 وجهت نفرا من جنود "الحركة" إلى مسجد من مساجد ورقلة، فداسو حرمته ومزقوا المصاحف القرآنية والكتب الموجودة في مكتبته ثم روجوا كون العملية من تدبير جمع من الميزابيين الإباضيين غير أن بعض العقلاء تفطنوا للمكيدة وأطفأوا الفتنة في مهدها بعد أن كادت تأخذ حجما خطيرا، خصوصا وأن الأمر يمس مقدسات الشعب الجزائري وحرمة دينه (3).
ومن هؤلاء نذكر الشيخ إبراهيم بيوض، فقدكان دوره حاسما في هذه القضية، حيث استثمر كل نفوذه الشعبي من أجل إجهاض هذه المؤامرة التي ظن المستعمرون أنها أنجع وسيلة لحمل الجزائريين سكان الصحراء على قبول مشروع الفصل. غير أنه بتوجيه الشيخ بيوض وإرشاده للناس مباشرة وعبر أشرطة
__________
(1) المجاهد، المرجع السابق، ص.3.
(2) نفسه.
(3) المجاهد، المرجع السابق، ص. ص. 03 - 05. (1/190)
صفحة 173
مسموعة (1) كشفت خيوط المكيدة التي دبرها على حد قوله «أعداء الجزائر وأعداء استقلال الجزائر» (2).
وفي هذا السياق دائما - ومن أجل تركيز الضغط على سكان الصحراء
__________
(1) ما زالت هذه الأشرطة متداولة ومتوفرة بمكتبة معهد الحياة بالقرارة.
(2) يقول الشيخ بيوض إبراهيم في مذكراته: «كرد فعل لموقفنا من قضية فصل الصحراء أشعل المستعمرون وأذنابهم من الانفصاليين فتنة عمياء ( ... ) بتحريض بعض أوباش العرب في ورقلة على السطو على دكاكين الميزابيين وممتلكاتهم وبساتينهم، فأثاروا غوغاء العامة ممن لا خلاق لهم فقتلوا وجرحوا وسلبوا ونهبوا وأشعلوا النار وأفسدوا غلل النخيل، وكانت فتنة عمياء لم يشهد لها مثيل منذ قرون، وبدأ دخانهم يظهر في غير ورقلة، فكان الفرنسيون يقولون ( ... ): انظروا هذا ما سيفعله بكم العرب بعد الاستقلال إذا تخلينا عنكم، إنهم سيبدأون بنا، ويثنون باليهود ويثلثون بكم، أنتم لا تفهمون ولا تفيقون من سباتكم وتصرون على البقاء معهم، إلخ ... هنالك ابتلي المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ظن الفرنسيون أن هذا أنجع وسيلة لحمل الميزابيين على قبول فكرة فصل الصحراء، لكني وحدي بفضل الله أفسدت عليهم خطتهم ( ... ) فدعوت السكان كلهم رجالا ونساء، عربا وبني ميزاب لشهود الجنازة (جنازة أحد الضحايا)، وأغلقت جميع الدكاكين أبوابها ونصبت في مصلى مكبرات الصوت، وأعدت أكثر من عشر مسجلات، وحضر عدَّة ==آلاف. فألقيت أول درس على الجنازة دام أكثر من ساعة ثم بثان في اليوم الثاني ثم بثالث، وكان الجمع يزداد كثرة كل يوم ( ... ) نزلت فيها بصواعق محرقة على هؤلاء المجرمين الذين هم كما صرحت به أعداء للجزائر وأعداء لاستقلال الجزائر، ثم أطنبت في أخوة المؤمنين وفسرت جميع ما جاء في ذلك من سورة الحجرات مستشهدا بالأحاديث النبوية وأقوال السلف الصالح في ذلك، وقد ماتت الفتنة في مهدها وخمدت نارها بفضل هذه الدروس التي انتشرت في أيام قليلة في جميع جهات القطر فأرسلت الأشرطة إلى كل جهة وأذيعت الدروس في كل قرية من قرى ميزاب ونقلها الناس في أشرطة أخرى ينقلها البعض عن البعض، وبلغت إلى تقرت وبسكرة وباتنة وباريكا والأوراس وعمالة وهران وكانت تبلغني أصداء الشكر عليها من كل مكان وهكذا بفضلها سقط في أيدي الذين دبروا المؤامرة فانمحت ضغائن القلوب وتوثقت عرى الصداقة بأشد مما كانت عليه، فاشتد حنق الانفصاليين علي وبدت آثار ذلك عليهم لكن الله تبارك وتعالى تولاني بحفظه ورعايته فله الحمد والمنة والشكر على كل حال».
للمزيد انظر: الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر، أعمالي في الثورة، نشر جمعية التراث بالقرارة، باتنة، 1990، ص. 45 - 46. (1/191)
صفحة 174
لجأ الجيش الفرنسي في 28 أكتوبر 1961، إلى عملية حصار المدن وتفتيشها شبرا شبرا ولقد كانت مدينة القرارة نموذجا حيا لذلك، حيث أخرج كل الرجال والأطفال الذين تجاوزوا سن البلوغ إلى محتشد خارج المدينة وتم تطويقهم بالأسلاك وتمريرهم فردا فردا أمام ذوي الضمائر الرخيصة أو الضعيفة لكشف النشطين منهم في صفوف جيش وجبهة التحرير الوطني، وفعلا ألقي القبض على عدد من المجاهدين. وقد تركت المدينة فريسة للنهب والسلب وهتك الحرمات، مباحة للجنود الفرنسيين وأذنابهم من المجندين المحليين واللفيف الأجنبي طيلة ثلاثة أيام (1) وتعتبر هذه العمليات عربونا من العقاب المترتب على المسؤولية الجماعية التي انتهجتها السلطات الفرنسية ضد الجزائريين الذين وقفوا أمام سياستها الاستعمارية. ومن هؤلاء نذكر الذين أظهروا موقفهم من مسألة محاولة فصل الصحراء عن الشمال وناضلوا من أجل إلحاق أراضي الجنوب التي ذاق سكانها اضطهاد الحكم العسكري في الجنوب وإلحاقه بعمالات الشمال.
ولا يخفي أن هذا الموقف الذي كان أهل مزاب في ريادة من تمسك به، من سكان الصحراء كانت له دواعي حضارية، ترجع إلى عهد الرستميين الذين تركز سلطانهم في الجزائر، وكانت تيهرت عاصمتهم السياسية، كما أن العامل الاقتصادي والاجتماعي كان حاضرا بقوة، بحكم أن عددا معتبرا من سكان ميزاب كان منتشرا في مدن التل الجزائري من أجل الاسترزاق بالعمل في ميادين الحرف والتجارة قبل الوجود الفرنسي في الجزائر (2).
وهكذا ومن خلال ما تقدم، تتضح لنا جليا خيوط المؤامرة التي تتلخص
__________
(1) مركز الوثائق والمحفوظات لولاية ورقلة، بدون رقم،
( Opération de fouille à Guerrara de 28 au 30 octobre 1961), 1f. -
وبيوض الشيخ ابراهيم بن عمر، المرجع السابق، ص.23.
(2) من نص مداخلة للشيخ بيوض أمام المجلس الجزائري انظر: نفسه./ ... B.Marghoub, opcit, p.57. - (1/192)
صفحة 175
في إغراق السلطات الفرنسية الصحراء الجزائرية في مستنقع من الأوحال وتعقيد حلها بشبكة من الالتزامات والاتفاقات الدولية، حتى تمهد لمفاوضات تنبني على أرضية من الأمر الواقع، إضافة إلى محاولات يائسة لاستقطاب شخصيات نافذة في المجتمعات الصحراوية وكسب ودها سعيا وراء استغلال ثقلها الشعبي لتمرير مخططاتها المشبوهة لتأسيس عهد آخر من الاستعمار ولكن بوجه جديد.
?? (1/193)
صفحة 176
[صفحة بيضاء] (1/194)
صفحة 177
[صفحة بيضاء]
الثورة الجزائرية
والسياسة النفطية الفرنسية
5. 1 – نشاط الثورة الجزائرية والسياسة النفطية الفرنسية
أ ـ النشاط العسكري
ب ـ النشاط السياسي
5. 2 – النفط في المفاوضات الجزائرية الفرنسية
أ ـ النفط في اتفاقيات إيفيان
ب ـ النفط في العلاقات الجزائرية الفرنسية غداة الاستقلال (1/197)
صفحة 178
[صفحة بيضاء] (1/198)
صفحة 179
الثورة الجزائرية
والسياسة النفطية الفرنسية
5. 1 – نشاط الثورة الجزائرية والسياسة النفطية الفرنسية:
تعتبر جبهة التحرير الوطني أن الثورة الجزائرية قائمة على الصعيد العسكري والاقتصادي على السواء، وفيما يخص هذا الأخير يتعين على الثورة أن تكسر الآمال الفرنسية في الصحراء وتبين لفرنسا أن لا وجود لآفاق مستقبلية هناك بدون استقلال الجزائر بكاملها.
وتجدر الإشارة إلى أنه منذ سنة 1956 أخذت نية الاستعمار الفرنسي فصل الصحراء الجزائرية تتبلور، ولقد تفطن قادة الثورة الجزائرية إلى هذا الأمر مبكرا، وهو ما دفعهم إلى التأكيد في وثيقة مؤتمر الصومام المنعقد في أوت 1956 على سلامة التراب الوطني الجزائري بما فيه الصحراء (1) واعتبرته شرطا أساسيا لكل حل للقضية الجزائرية (2).
أ ـ النشاط العسكري للثورة:
أمام البرامج والمخططات الفرنسية الاستعمارية التي وضعت ورسمت في غياب رأي الشعب الجزائري واعتبار مصلحته، دأبت جبهة التحرير الوطني على مضاعفة الاهتمام بهذا الجزء من التراب الوطني حيث أعلنت على لسان لجنة التنسيق والتنفيذ ( CCE) فتحها لجبهة الصحراء في حربها ضد الاستعمار (3).
__________
(1) المجاهد (نحن والصحراء ... .)، المرجع السابق، ص.2.
(2) أما ما جاء في بيان أول نوفمبر 1954 في هذا الشأن فهو: «فتح مفاوضات مع الممثلين المفوضين من طرف الشعب الجزائري على أساس الاعتراف بالسيادة الجزائرية وحدة لا تتجزأ «انظر بيان فاتح نوفمبر 1954، نشر المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر.
(3) Armand Colin, op.cit, p.99. - (1/199)
صفحة 180
لقد كان ذلك في 23 أكتوبر 1957 عبر أمواج إذاعتي تونس والقاهرة، وبعدها أكدت ذلك صحيفة المجاهد اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني وجيشه عدة مرات كون المعركة أصبحت تعمُّ كافة التراب الوطني «من وهران إلى تمنراست ومن عين الصفراء إلى جانت ومن بشار إلى إيجلي (1).
ولقد كانت أهمية الاستثمارات النفطية في الجنوب الجزائري من أهم العوامل التي كانت وراء هذا الإجراء الثوري، إضافة إلى إنشاء المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية الذي يكشف أهمية هذه الأقاليم (2).
ولم يكن هذا الإعلان مجرد حرب كلامية أو دعاية أو تهديد، فقد أعقبته عمليات جيش التحرير الوطني التي استهدفت مختلف المراكز العسكرية الفرنسية وقواعد التنقيب عن النفط وغيرها من الوجود الاستعماري بالصحراء على مرأى ومسمع المجتمع الدولي.
ولم تكن أمام جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني من وسيلة غير هذه لتجعل الدول الأوروبية والشركات الأجنبية تفكر مليا وبعمق قبل الإقدام على عقد اتفاقية اقتصادية مع الاستعمار الفرنسي في الجزائر (3).
ويمكن الإشارة إلى بعض الوقائع التي حدثت بالتزامن مع ما أعلنت عنه جبهة التحرير الوطني وما لوحت به من تهديد وتحذير:
__________
(1) Ibid. -
(2) Ibid. -
(3) المجاهد، المرجع السابق، ص.12. (1/200)
صفحة 181
ففي 20 سبتمبر 1957 سجل هروب عدة عناصر من الفرقة الصحراوية الفرنسية لمنطقة أجار، وفي 3 أكتوبر من نفس السنة هاجم جيش التحرير الوطني مركز إيساين الفرنسي بليبيا على الحدود الجزائرية، وفي السابع من نفس الشهر تم اكتشاف خلية لجبهة التحرير الوطني في وحدة صحراوية فرنسية بمنطقة بني عباس، وفي 19 من نفس الشهر (أكتوبر 1957) التحق 63 عنصرا من الفرقة المهرية الصحراوية بتوات بصفوف جيش التحرير الوطني هناك، وتوالت الوقائع تلو أخرى، مثل الهجوم الذي استهدف فرقة للبحث والتنقيب للشركة الفرنسية للبحث واستغلال البترول بالجزائر ( SN.REPAL) في السادس من نوفمبر 1957 (1).
__________
(1) المجاهد، (معركة البترول)، ع. 31، 01/ 11/58، ص.13. / ... Armand Colin, op.cit, p.99. - (1/201)
صفحة 182
وما من شك في أن طول المسافة بين منابع البترول والغاز بالصحراء الجزائرية، وبين ساحل البحر المتوسط يضع أمام مستغليه مشكلة أساسية تتعلق بالنقل سواء عن طريق الشحن أو عن طريق الضخ عبر الأنابيب. وتبقى الضمانات الأمنية بين السلطات الفرنسية والمتعاملين الأوروبيين والأمريكيين مشكلة قائمة (1).
وحسب بعض الملاحظين الفرنسيين، فإن هذه السلسلة من الأحداث تنم عن مخطط شامل مؤسس على تطبيق منطقي للمبدأ الكلاسيكي لفن الحرب «الثبات في المركز، والتحرك في الأجنحة «، في حين استبعد الجنرال (صالون Salan) والوزير المقيم (لاكوست Lacoste) أن تكون هذه العمليات من تدبير جيش التحرير الوطني، وحسبهما فإن جبهة التحرير الوطني لا تملك القدرة ولا الوسائل على تحضير خطة كهذه من المستوى العالي (2).
ومهما يكن فإن الهجومات المتكررة لجيش التحرير الوطني على المراكز الصحراوية وخاصة النفطية منها غيرت وجهة نظر الدول الأوروبية إلى البترول الجزائري، وأصبح واضحا لديها أنه من غير الممكن استغلال هذا الجزء من التراب
__________
(1) المجاهد، المرجع السابق، ص.12.
(2) Armand colin, op.cit, p.99. - (1/202)
صفحة 183
الجزائري من غير موافقة الجزائريين، وشكل ذلك عامل ضغط إضافيا (1).
ولما أحس الاستعمار الفرنسي بخطورة وجود خلايا جبهة التحرير الوطني المكثف وانتظامها في ربوع الصحراء، وعندما شعر بتحرك فرق جيش التحرير الوطني عبر سلسلة الأطلس الصحراوي وجبال القصور ونواحي الأغواط وغرداية والمنيعة، أوجس من ذلك خيفة على بترول الصحراء.
ولقد رأت السلطات الاستعمارية أن من أحسن الوسائل لتأمين طرق شحن البترول هي جزأرة الحرب في الصحراء بتزويد ابن لونيس بالسلاح والعتاد وتجهيزه بكل الإمكانيات من أجل فصل سكان الصحراء عن جبهة التحرير الوطني.
ولقد عولت إدارة الحرب الفرنسية على هذا الشخص من أجل إعادة التحكم في الصحراء والسيطرة على منافذ البترول. وحسب جريدة (لوموند Monde (Le الصادرة في 05/ 12/1957 فقد أعرب ابن لونيس عن نيته في "تحرير" الجزائر من قبضة جبهة التحرير في ظرف بضعة أيام إن استمر سريان الاتفاق المبرم مع فرنسا. لكن طموحات ابن لونيس لم تتحقق، فلم يمض على تمرده بضعة أشهر حتى بسطت جبهة التحرير سيطرتها على معاقله، والتحقت فرقه المسلحة بعتادها الفرنسي بجيش التحرير الوطني، ولقي ابن لونيس حتفه وحيدا (2).
ولقد عمدت فرق جيش التحرير إلى التغلغل إلى أقصى الجنوب، وشن هجوماتها على مراكز وشاحنات النفط على الحدود الليبية مما ولد رد فعل سريع من قبل مظليين فرنسيين انتهى بخسائر وصفت بالفادحة في صفوفهم على أيدي رجال جيش التحرير بالمنطقة.
__________
(1) المجاهد، (في الصحراء استعمار يتداعى)، ع 13، 15/ 11/1957، ص 12.
(2) المجاهد، (معركة البترول)، المرجع السابق، ص.13. (1/203)
صفحة 184
وبمحاذاة الحدود المغربية بالجنوب الجزائري، انطلقت وحدات جيش التحرير الوطني من المناطق الموالية لـ (فقيق) المغربية، واستمرت تنحدر نحو الجنوب مع وادي الناموس الذي يبتدئ من المرتفعات الواقعة إلى الشرق من بني ونيف منحدرا إلى غاية العرق الغربي الكبير في اتجاه تيميمون أين جرت عدة اشتباكات مع الجيش الفرنسي (1).
لقد كانت هذه التحركات الميدانية ناتجة عن قرارات المجلس الوطني للثورة التي تؤكد على عدم الاعتماد فقط على وطنية الجزائريين في الصحراء وإخلاء الميدان للسلطات الاستعمارية لتفعل فيه ما تريد وتستمر في سياسة تقسيم الجزائر، بل يتحتم على المسيرة الثورية أن تعزز تأطير جبهة التحرير لهذه المناطق، وتمدد زحف جيش التحرير نحو الجنوب (2).
وفي هذا الشأن دعا المجلس إلى مراجعة مسألة حل الولاية السادسة وهذا لا بمجرد إعادة تشكيلها وحسب، بل بإعطائها اعتبارا أكبر بدعمها بالإطارات والعتاد الحربي والذخيرة والأموال، إضافة إلى التوجيهات السياسية. كما أوصى المجلس بتشجيع ترقية المناضلين الصحراويين في جيش وجبهة التحرير الوطني (3).
ب ـ النشاط السياسي للثورة:
سعت جبهة التحرير الوطني منذ جانفي 1958 إلى لفتت انتباه حكومات الأقطار المغربية حول خطورة السياسة الفرنسية في الشمال الإفريقي وأبعادها والأهمية التي توليها الجزائر المكافحة في حربها ضد الاستعمار ومخططاته (4).
__________
(1) نفسه.
(2) C.A.N., C.N.R.A., micro fiche 23, (problème du Sahara), p.p 31 – 32. -
(3) C.A.N., C.N.R.A., micro fiche 23, op.cit, p.p 31 – 32. -
(4) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.2 (Etat des travaux du pipe-line Edjela- Skhira). - (1/204)
صفحة 185
ومن خلال مذكرة لجنة التنسيق والتنفيذ، كان موقف جبهة التحرير الوطني واضحا حيث ذكرت أن المعاهدة التي يجري التفاوض على إبرامها بين الحكومة الفرنسية والحكومة التونسية أو مع أي شركة فرنسية، فإنها تمكن فرنسا من الحصول على ثروات الجزائر، وسيعتبر ذلك إشارة عداء ضد الشعب الجزائري المجاهد.
ولقد اعتبرت لجنة التنسيق والتنفيذ أن المضي قدما من قبل الحكومة التونسية في هذا الشأن يعتبر خرقا صارخا لمعاهدة طنجة التي نصت على توحيد الجهود في أقطار المغرب الكبير من أجل الاستقلال.
وتنصُّ مذكرة احتجاجية أخرى وجهت إلى الحكومة التونسية في 11 جويلية 1958، - أي بعد يومين من توقيع الاتفاق بين هذه الأخيرة وشركة (ترابسا Trapsa) على أن الشعب الجزائري لن يسمح ولن يقبل بحرب تستعر بوقود نفطه الذي ينقل عبر قطر من أقطار المغرب. هذا النفط الذي يتحول إلى الجزائر ليخلف آلاف الضحايا، يمثل ضحايا ساقية سيدي يوسف جزءا ضئيلا منهم. إن بناء خط الأنابيب سيفوت على الجزائريين ربح معركة الصحراء الاستراتيجية، تلك المعركة التي تجند من أجلها آلاف الجزائريين (1).
وواضح أن مبدأ بناء خط أنابيب النفط بإشراك الرأسمال الغربي إلى جانب الرأسمال الفرنسي سيمكن الحكومة الفرنسية من إيجاد تبرير للحرب الظالمة التي تخوضها أمام الرأي العام الفرنسي، والتي تتجلى كذلك، قبل إخراج ورقة الدفاع عن ثروات تعتبرها فرنسية (2).
وعقب إعلان شركة (ستاندار أويل أوف نيوجيرزي الأمركية) ( Standard oil of new jersey) عن عزمها في الاستثمار في القطاع النفطي
__________
(1) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 1.2, op.cit. -
(2) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier2 (Déclaration du représentant du ministre des -
finances et des affaires économiques au congrès arabe du pétrole, Caire, 23/ 04/1959), 4f (1/205)
صفحة 186
الجزائري في 21 جانفي 1959،جاء تصريح الحكومة المؤقتة على لسان وزيرها للأخبار السيد أمحمد يزيد في ندوة صحفية مذكرا أنَّ استثمارات رؤوس أموال أجنبية في الجزائر تعتبرها حكومته مساهمة غير مباشرة في تكاليف الحرب ومؤشرا للعداء في نظر الشعب الجزائري (1).
ومن أجل إبلاغ موقف الثورة الجزائرية الصارم إلى الرأي العام الدولي، دأبت جبهة التحرير الوطني على اعتلاء كل المنابر من أجل إنذار كل الأطراف المتعاونة مع فرنسا الساعية إلى تمديد عمر الحرب في الجزائر.
ولم تترك جبهة التحرير فرصة انعقاد المؤتمر العربي للبترول بالقاهرة في 23 أفريل 1959 تمر دون أن تمرير رسائل إلى من يهمه الأمر من الأجانب بشأن تعاونه مع العدو (2). ولقد جاء تصريح ممثل وزارة المالية والشؤون الاقتصادية في الحكومة المؤقتة محذرا الشركات البترولية الأجنبية من مغبة ما اتخذته من قرارات بشأن الاستثمار في الصحراء الجزائرية، مؤكدا حق الشعب الجزائري الثابت في أرضه وثرواتها وحقه في رفض الاعتراف بأية عقود توزعها فرنسا على المستثمرين في الجزائر (3).
وفي هذا السياق، وبمناسبة المؤتمر الدولي الخامس للبترول المنعقد في نيويورك في جوان 1959 حذر ممثل الجزائر المؤتمرين من أن النشاط الشرعي لجيش التحرير الوطني قد تترتب عليه نتائج خطيرة على ممتلكات الشركات الأجنبية، وعلى أرواح الفنيين الذين توظفهم) (4).
__________
(1) Gaudio Attilio, Le Sahara des africains, Rene Julliard, Paris, 1960, p.22. -
(2) وقد ذكر هذا التصريح بالاسم: شركة البترول الأمريكية ( Standard oil of New Jersey) والبنك الدولي لإعادة البناء والتنمية ( B.I.R.D). انظر: الملحق وثيقة رقم 4.
(3) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier2 (Déclaration du représentant du ministre ... .),op.cit -
(4) Gaudio Attilio, op.cit, p.123. - (1/206)
صفحة 187
وتطمح جبهة التحرير الوطني من خلال قرارات المجلس الوطني للثورة الجزائرية، أن تضع ثروات الجزائر المكنونة في الصحراء في خدمة وتطوير الاقتصاد الإفريقي في كل أقطار القارة وعلى الخصوص الأقطار المجاورة للجزائر، وذلك باعتبار أن ثورة الجزائر تؤدي دورا أساسيا في تحرير القارة الإفريقية مثلما تتطلع جبهة التحرير إلى التعاون مع فرنسا بكل واقعية من أجل تثمين تلك الثروات (1).
لقد دأبت جبهة التحرير الوطني بوسائلها الديبلوماسية والدعائية على شرح موقفها من المسائل التي تمس السيادة على مناطق الصحراء الجزائرية، وما تزخر بها من ثروات وإمكانيات يصعب حصرها، وتذكر منها على الأخص المخزونات النفطية التي تم كشفها، والتي هي في طريق الكشف.
وفي هذا الشأن حرصت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية على التذكير بأن ليس في موقفها ما يمكن أن يسبب لها حرجا لا مع الحكومات الإفريقية الشقيقة ولا مع أجيال إفريقيا الصاعدة لأنه موقف مبني على وعي عميق لمقاصد الاستعمار الجديد، وتقدير تام لمصالح الشعوب الإفريقية على المديين القريب والبعيد معا (2).
وسعيا لتوضيح وتفسير موقفها كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تُذكر بأن الشعب الجزائري ظل يواجه لعدة سنوات حرب إبادة شاملة، لا يبررها الاستعمار الفرنسي منذ 1957 إلا بعزمه على السيطرة على ثروات المناطق الصحراوية في الجزائر بكل الوسائل، وتعتبر الثورة الجزائرية أن من واجبها قطع الطريق أمام ما أسمته بالمناورات والمخططات الاستعمارية الجديدة، التي تهدف إلى بث روح التفرقة بين الأفارقة لضمان استمرار السيادة الفرنسية على الأرض الإفريقية.
وأمام معرض نظرتها إلى الفكر الاستعماري وإسقاطاته على الواقع الجزائري، وتحذير الأفارقة من الانسياق أمام الدعاية الفرنسية، تؤكد جبهة التحرير الوطني على
__________
(1) C.A.N., C.N.R.A., micro fiche 23, (Décisions du C.N.R.A., août 1961). -
(2) المجاهد (نحن والصحراء ... .)، المرجع السابق ص.3. (1/207)
صفحة 188
أن الاستعمار لا يتغير في جوهره وإن تغيرت أشكاله ومظاهره، مثلما أن منطقه يبقى ثابتا في نتائجه وإن تغيرت مقدماته، فهو من أجل تحقيق أطماعه وكسب المزيد من الثروات لا يقيم أي وزن للإنسان باعتباره إنسانا، ولا يأبه بوجود الشعوب، ولا سيما إذا كان وجودها هذا يعيق طموحاته، ويحول دون استئثاره بثرواتها.
وبناء على هذه الخلفية الفلسفية فإن الاستعمار الذي برر بمنطقه مصادرة الأراضي الفلاحية من أصحابها الجزائريين لكونها خصبة لصالح المعمرين، أوحى إليه منطقه هذا في ظروف أخرى بضرورة إجلاء الجزائريين إلى الصحراء للاستئثار بسهول الشمال الخصبة. وعلى عكس ما سبق حاول الاستعمار الفرنسي - ضمن مخططاته لتقسيم الجزائر وبموجب منطقه المطاطي والمرن - أن يترك للجزائريين الشريط الشمالي للجزائر ليستأثر بثروات الصحراء الباطنية (1).
ولفتا لأنظار الرأي العام العالمي عموما والإفريقي خاصة، سعت جبهة التحرير الوطني إلى كشف الخطة الاستعمارية الجديدة التي قدمت بمظهر يوافق متطلبات العصر، وبعدما تيقن أن الجزائر سائرة إلى تحقق استقلالها، وأراد أن يحتفظ لنفسه بالصحراء الزاخرة بمكنوناتها الباطنية، فتراءت له أن للصحراء خصائص تميزها عن باقي الجزائر مما يبرر ضرورة إيجاد كيان لها يميزها ويحفظ لها خصائصها، اقتفاء لأثر بلجيكا في فصل إقليم (كاطنغا) عن الكونغو، وحذوا حذو هولندا في فصل (أريان) الغربية عن جزر الأرخبيل الأندونيسي (2).
وعلى خلاف بعض الدول الإفريقية (3) التي تفاعلت مع الأطروحات الاستعمارية ولم تدرسها بعناية، فتبنتها، فإن جبهة التحرير الوطني أبدت رفضها المطلق لكل ما فيه مساس بوحدة التراب الجزائري، أو يشم منه رائحة من روائح
__________
(1) المجاهد (نحن والصحراء ... .)،المرجع، السابق ص.3.
(2) المجاهد (مذكرة رسمية ... ) المرجع السابق، ص.3.
(3) أمثال النيجر وتشاد. (1/208)
صفحة 189
الاستعمار. وعلى هذا الأساس كان رفض قيادة الثورة لنا سمي بالمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية ( O.C.R.S). سواء بأساسها الاقتصادي الذي يكرس الطابع الاستغلالي واستمرار الاستعمار بشكل جديد، أو بأساسها السياسي بوضع الصحراء الكبرى تحت السيادة المشتركة للأقطار الإفريقية، وهو ما ينذر بنشوء الخلافات والمشاكل بما يفوت عنها فرص التعاون الحقيقي والوحدة الإفريقية الصحيحة رفعا للمستوى المعيشي للأفارقة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا.
ونتيجة لهذه الوضعية الملغمة والمنذرة بالغرق في خلافات مبرمجة على الطريقة الاستعمارية تنبني مبررات الوجود الاستعمار من جديد، والتدخل تحت غطاء فض النزاعات أو الحيلولة دون وقوعها، وتصبح السيادة الفعلية من نصيب الاستعمار بحضوره السياسي القوي بأمواله وخبرائه وهو ما تتجنب وقوعه قيادة الثورة الجزائرية.
ولم تكن جبهة التحرير الوطني ترتكز في الدفاع عن وحدة الجزائر الترابية على القوانين الفرنسية وحدها والتي تعتبر الجزائر بحدودها القائمة وحدة لا تتجزأ، ومنها ما يسمى بالدستور الجزائري لعام1947، ولكنها تعتمد أيضا على اعتراف البلدان الإفريقية المجاورة للجزائر بهذه الحقيقة، وبأن ما وراء حدودها النهائية أو المحتملة تعتبرا ترابا جزائريا وليس بحرا داخليا أو أرضا بدون سيادة (1).
ونظرا إلى الحساسية التي تنطوي عليها المسائل الحدودية بين الدول، وكونها من أعقد المشكلات في العلاقات الدولية، ركز الاستعمار الفرنسي على هذه النقطة بالذات، ولعب على وترها بعناية فائقة، واتخذها مادة لدعايته، وأصبح يروج أن مطالبة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية باحترام الوحدة الترابية للجزائر تكشف عن نواياها التوسعية، وتجاهل حقوق ومصالح الأقطار الإفريقية المجاورة (2).
__________
(1) المجاهد (نحن والصحراء ... .)، المرجع، السابق ص10 .. / المجاهد (مذكرة رسمية ... .)، المرجع السابق، ص.2.
(2) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier10, (Problème du pétrole et ses incidences sur les -
relations de L’Algérie avec la zone franc .. ) , 15f., p.1. (1/209)
صفحة 190
ومن البديهي أن يخلف الاستعمار ضمن تركته الثقيلة مشكلات تتعلق بالحدود بين الأقطار المجاورة، تلك المشكلات التي لم يكن الاستعمار يقر بها عندما كان سلطانه مبسوطا على هذه الأقطار. ولقد اعتبرت القيادة السياسية للثورة الجزائرية أن هذه الورقة إنما اختلقها الاستعمار اختلاقا، لما فقد كل أوراقه السياسية والعسكرية، لتبرير مطلبه بضرورة الفصل في المفاوضات بين قضية الشمال الجزائري وجنوبه.
وحسمًا لهذه الإشكالية وقفت جبهة التحرير الوطني - ممثلة في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية - موقف واضحا يتلخص في اعتبارات أربعة هي (1):
- الأول: إن مطلب الثورة الجزائرية احترام وحدة التراب الجزائري ضمن الحدود القائمة والموروثة عن الاستعمار يندرج ضمن إطار ما اعتبرته كل الأقطار الإفريقية التي أحرزت على استقلالها، بكون الحدود القائمة في العهد الاستعماري هي التي تحدد ترابها الوطني، دون اعتبارها المشكلات الحدودية التي خلفها الاستعمار، ولا مطالبة هذا الأخير بتسويتها قبل إعلان الاستقلال.
- الثاني: أن المسائل الحدودية هي مسائل سيادة، فلا يمكن حلها حلا نهائيا إلا بين الأطراف المتمتعة بهذه السيادة الكاملة والمعترف بها. وإذا كانت الدولة المستعمرة (بكسر الميم) طرفا في وجود هذه المشاكل، فإنها لا يمكن أن تكون طرفا كفءا في حلها. ولذا فإن قيادة الثورة تعتبر من حق الشعب الجزائري الاعتراض على أي حل يعقد بين الدولة المستعمرة ودول الجوار.
- الثالث: إن حل المشكلات الحدودية التي خلفها الاستعمار سيكون يسيرا إذا لم يكن هذا الاستعمار طرفا في هذا الحل ولن يكون ذلك ممكنا إلا إذا كانت هذه المسائل محل مفاوضات بين دول إفريقية تتمتع باستقلالها وسيادتها الكاملة.
- الرابع: إن طرح مسائل الحدود بين دول الجوار في وقت تخوض فيه
__________
(1) C.N.A , C.R.N.A. micro fich N 23, op.cit, p.p 31 - 32. -
انظر كذلك: المجاهد (نحن والصحراء ... .)، المرجع السابق، ص.2. (1/210)
صفحة 191
الجزائر معركة الاستقلال، قد تستغلها السلطات الاستعمارية ذريعة لبث الفرقة بين هذه الدول المتجاورة، مما يتطلب اختيار الوقت المناسب لتناولها بكيفية هادئة تفاديا لاحتمال ردود فعل عاطفية من قبل الجماهير.
لقد كان النشاط الديبلوماسي موجها بالدرجة الأولى إلى دول الجوار التي كانت الآلة الديبلوماسية الفرنسية تسعى إلى تأليبها ضد الثورة الجزائرية وضد موقف جبهتها من مسألة فصل الصحراء، وكانت هذه الجهود مركزة على الخصوص على دولتي النيجر وتونس (1).
وينبني المنهج الديبلوماسي الجزائري في هذا الشأن على ثلاثة مراحل أولاها تتمثل في العمل على عزلهما إقليميا وخاصة لدى البلاد المؤدية للثورة مثل ليبيا ومالي وغينيا وغانا.
وثانيهما السعي إلى التأثير في موقفهما المتعاون مع فرنسا.
وثالثها هو توجيه موقفهما نحو الوجهة السليمة.
ولا يلغى هذا التركيز الديبلوماسي المهمة الحكومية لجبهة التحرير الوطني نحو باقي البلاد الإفريقية وكذا الأقطار العربية والإسلامية إضافة إلى الدول الاشتراكية، سعيا وراء كسب تأييدها ومساندتها (2).
وسعيا وراء استكمال جوانب نشاطها الديبلوماسي والدعائي، فكرت الحكومة المؤقتة في نشر كتاب أبيض حول مسألة السيادة الجزائرية على الصحراء، وتشكيل لجنة خاصة بهذا الغرض تعنى بجمع الوثائق والمعلومات الخاصة بالمسألة. كما حثت على تكثيف النشاط الإعلامي والدعائي وتكييفه على حسب الأوساط الثقافية والسياسية في الشمال الإفريقي والعالم العربي وفي الشرق والغرب (3).
__________
(1) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier3.2 (Le présidant Bourgiba, le Sahara et l’O.C.R.S) / -
- C.A.N., G.P.R.A., boite 163, dossier1.3 (Problème du Sahara.).
(2) C.N.A , C.R.N.A. micro fich 23, op.cit, p.p 31 - 32. -
(3) . C.A.N., G.P.R.A., boite 163, dossier1.3 op.cit - (1/211)
صفحة 192
ولما لم تقو السلطات السياسية الفرنسية على القضاء على جبهة التحرير الوطني، ونشاطها المتعدد الجبهات، قبلت بالمفاوضات على مبدأ الاستقلال وإعادة النظر في مسألة توزيع الأراضي والسياسة التجارية.
وبالنظر إلى سيطرة الرأس المال الأوروبي و الفرنسي على الخصوص في قطاع الصناعة و البترول والنقل والتجارة، فإن التنازل عن مصالح ذات الصلة بالجانب الزراعي بالخصوص - والتي يستلزمها الاستقلال السياسي - يصبح ممكنا شريطة أن المصالح البترولية والصناعية والتجارية للرأسمال الفرنسي تبقى محمية ومضمونة بالتزام الدولة الجزائرية المحتمل قيامها (1).
إن هذه العناصر تظهر اهتمام وإرادة السلطة الفرنسية في تكريس وجود وتراكم الرأسمال الفرنسي في الجزائر، مقابل الاستقلال السياسي لها. وبالتالي تمكن السلطات الفرنسية من الحصول على مصدر مستقل للطاقة، وضمان مصالحها الاستراتيجية في الجزائر وإفريقيا.
وبالمقابل، ومن وجهة النظر الجزائرية للاقتصاد المستقل فإن القطاع البترولي يمكن أن يلعب دور المحور الذي تدور حوله باقي القطاعات، والركيزة التي تستند إليها، وذلك بتزويده إياها بمتطلبات التجهيز ووسائل وسيطة، وإرساء البنية التحتية التي يقتضيها البناء الاقتصادي (2).
وبما أن القطاع البترولي هو القطاع المهيمن على الاقتصاد الجزائري عشية الاستقلال فإن تجسيد اتفاقية إيفيان يجعل الاقتصاد الجزائري رهين الاقتصاد الفرنسي والسوق العالمية (3).
__________
(1) - C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier10 (Problème du pétrole et ses incidences ... .) &
-Mohamed Nasser Thabet, Le secteure des hydrocarbures et le development économique de L’ Algerie, Enal et Opu, Alger, 1989,p.9 .
(2) Ibid. -
(3) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier10, op.cit, p.p 6 – 8.- (1/212)
صفحة 193
5. 2 - النفط في المفاوضات الجزائرية الفرنسية:
كانت الثورة الجزائرية عشية الاستقلال تولي أهمية قصوى لهذا لقطاع النفط باعتباره ضمانة التنمية الاقتصادية للبلاد، كما كان تأمين استمرار تسويق النفط الجزائري في السوق العالمية من الاعتبارات الحيوية والضرورية للاقتصاد الوطني مستقبلا، إذ لم يكن إذ ذاك من مجال لتسويقه إلا إلى السوق الفرنسية خاصة والسوق الأوروبية الغربية على العموم، إذا علمنا أن السوق الاشتراكية تكفي حاجياتها وتصدر الفائض، وأن السوق الأميركية مكفية ذاتيا ولم تسلك بعد سياسة الاحتفاظ باحتياطها لاستيراد كميات من السوق الخارجية (1).
أ ـ النفط في اتفاقيات إيفيان:
لقد كان الرأس مال الفرنسي مسيطرا على الصناعة البترولية الجزائرية عشية الاستقلال بحيث يمتلك حوالي 75% من المساحة التي تغطيها الرخص الموزعة للتنقيب وحوالي 93% من احتياطي البترول الثابت، كما كانت تسيطر على أكثر من ثلثي إنتاج البترول الجزائري.
ولقد كان الوفد الجزائري المفاوض يراهن على انتزاع السيادة الوطنية كاملة غير منقوصة، وتتمثل في وحدة الشعب الجزائري وترابه الوطني. ورغم أن الوفد المفاوض الجزائري - ممثلا لجبهة التحرير الوطني – كان واعيا بأهمية أي تنازل في الجوانب الاقتصادية والثقافية والعسكرية، وما ستخلفه من أعباء على حساب مسيرة بناء الدولة الجزائرية، إلا أنه كان يواجه خيارين لا مندوحة من التنازل عن أحدهما.
ومع ذلك دأبت جبهة التحرير الوطني في تفاوضها في شأن المحروقات على
__________
(1) د. نازلي معوض أحمد، العلاقات بين الجزائر وفرنسا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1978، ص. 42 - 43. (1/213)
صفحة 194
مناقشة الخطوط العريضة ضمانا لمصالح الجزائر ولسير اقتصادها. وتتضمن هذه الخطوط ثلاث نقاط أساسية:
1 – ضرورة إدخال تعديلات على القانون البترولي الصحراوي (عقود الشركات النفطية وتوزيع رخص البحث والاستغلال وتحديد النسب والرسوم) ورفع سهم الدولة الجزائرية.
2 – الحق في حصول الجزائر على البترول والغاز بسعر منخفض للاستهلاك، وعلى حرية التسويق إلى الخارج للحصول على العملة الصعبة.
3 – إعطاء دول الجوار إمكانية استغلال ثروات الصحراء بأسعار مساعدة لتطوير اقتصادهم أو على شكل مساعدات في إطار التضامن الإفريقي (1).
ومعلوم أن حالة الاقتصاد في الجزائر عشية الاستقلال كانت تعاني تدهورا شديدا بعد ما يقارب من ثماني سنوات من الحرب المدمرة. والأكثر من ذلك أن البنية الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر كانت تحمل بصمات واضحة وآثارا عميقة للعهد الاستعماري الذي استمر أكثر من قرن وثلث وقد عمل الاستعمار طيلة هذه الفترة على إدارة اقتصاديات هذا القطر الإفريقي على نحو يخدم الاحتياجات والمصالح الفرنسية (2).
وتعتبر اتفاقيات إيفيان الأساس القانوني الخاص الذي أسندت إليه العلاقات الدولية بين الجزائر في ظل الاستقلال وفرنسا، ولو على المستوى النظري المجرد. ولقد شكلت المبادئ الأحكام التي تضمنتها حقل ألغام خطير سارت عليه العلاقات الثنائية بين الجزائر وفرنسا بعد الاستقلال؛ ذلك أن أغلب المسائل التي تناولتها اتفاقيات إيفيان أصبحت بعد الاستقلال مشكلات حقيقية في طريق
__________
(1) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier3, op.cit. -
(2) - Kader Ammour, Christian Leucat, Jean Jacques Moulin, La voie algerienne, les ... contradictions d’un développement national, FM, petite collection, Maspero, 1974, p.p 6 - 11. (1/214)
صفحة 195
السير الطبيعي للعلاقات بين البلدين (1).
وإذا كانت الاتفاقيات الثلاثة الأولى تخص تنظيم الفترة الانتقالية ابتداء من 19/ 03/1962، فإن الرابعة منها كانت بخصوص حقوق الأقلية الأوروبية في الجزائر.
وتنصُّ الاتفاقية الخامسة في هذه الوثيقة على الامتيازات العسكرية في الجزائر، وبموجبها تستأجر فرنسا قاعدة المرسى الكبير لمدة خمس عشرة سنة قابلة للتجديد، ويدخل في حكمها المطارات وباقي المنشآت العسكرية التي تقوم حول هذه القاعدة، كما تبقى تحت المراقبة الفرنسية مواقع محددة في الصحراء الجزائرية لمدة خمس سنوات أهمها بمنطقة بشار ورقان.
أما الاتفاقية السادسة فتخص التعاون المالي والاقتصادي بين البلدين حيث التزمت فرنسا بموجبها بمساعدات مالية بقدر حجم مصالحها في الجزائر، وتشمل هذه المساعدات التعويضات التي تدفع للأوروبيين مقابل ما ينجر عن تطبيق قانون الإصلاح الفلاحي (2).
ولقد أثارت المسائل النقدية جدلا كبيرا ومناقشات حادة بين الطرفين، قبل أن يتوصل فيها إلى اتفاق بالنظر إلى ما يكتسي هذه المسائل من أهمية في موضوع السيادة الجزائرية فيما يتعلق بسياستها الخارجية والمعاملات والمبادلات التجارية الدولية، وماهية العملة التي يتم بها التعامل بين الجزائر وباقي الدول سواء تلك التابعة لمنطقة الفرنك أو غيرها من دول العالم (3).
وفي المجال الاقتصادي دائما تنص الاتفاقية السابعة على كيفيات استغلال النفط الجزائري وباقي المعادن في الصحراء. وبموجبها، وخلال مدة ست سنوات
__________
(1) د. نازلي معوض أحمد، المرجع السابق، ص.23.
(2) ابن يوسف بن خدة، اتفاقيات إيفيان، ديوان المطبوعات الجامعية، ص. ص. 105 - 107.
(3) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier10, op.cit, p.p 8 - 13. - (1/215)
صفحة 196
تكون الأولوية للشركات الفرنسية في الحصول على رخص التنقيب إذا تساوت عروضها مع الشركات الأخرى. وتستمر صلاحيات الرخص التي منحتها الدولة الفرنسية قبل الاستقلال، كما يستمر العمل بالقانون البترولي الصحراوي الذي وضع في عهد الاستعمار.
ونتيجة لإصرار الطرف الجزائري في المفاوضات على المشاركة الجزائرية إداريا وتقنيا في القطاع البترولي إلى جانب اقتسام الأرباح، نصت الاتفاقية على تأسيس هيئة تقنية مستقلة لها شخصيتها المعنوية تحظى بتمويل مشترك وتعنى بوضع مشاريع علمية من أجل استثمار الصحراء وصيانة المنشآت البترولية وأنابيب النقل.
ولقد التزمت الحكومة الفرنسية بموجب الاتفاقية التاسعة بوضعها خبراتها الفنية تحت تصرف الدولة الجزائرية الفتية (1).
من خلال بنود اتفاقية إيفيان يظهر جليا أنَّ للاعتبار النفطي الحصة الكبرى في الحسابات السياسية الفرنسية تجاه الجزائر عند الاستقلال، حتى غدت (رائحة البترول تنبعث من العلاقات الجزائرية الفرنسية) على حدِّ تعبير بعض خصوم لدي غول (2).
وفي الواقع فقد ظل النفط هو أهم المحاور التي تحرك التعاون الثنائي مثلما تؤجج النزاع بين الدولتين الجزائرية والفرنسية منذ فجر الاستقلال.
ولقد كان الجنرال دي غول يرمي من خلال سياسته البترولية إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى بشأن المستقبل الاقتصادي والسياسي الفرنسي ويراهن على أن يصبح بلده في عداد كبار الدول المنتجة للبترول على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. وبالتالي وضع حد للتبعية
__________
(1) ابن يوسف بن خدة، المرجع السابق، ص. ص. 110 - 112.
(2) Paul Balta, La politique arabe de la France de Degaulle à Pompidan, la bibliothèque -
arabe, sindibade, Paris, 1973, p 57. (1/216)
صفحة 197
الفرنسية نحو هذين البلدين خاصة فيما يتعلق بهذه المادة الحيوية والاستراتيجية التي يعول عليها بنسبة لا تقل عن 80% في تحريك دواليب الحياة العصرية في فرنسا. وذلك في إطار لا يتعدى المصالح الجيوستراتيجية لأوروبا الغربية والكتلة الرأسمالية عموما.
أمَّا الرأي العام الفرنسي بشطريه الرسمي والشعبي، فكان متراوحا بين أربعة اتجاهات:
1 - ارتياح لتثبيت المصالح الفرنسية في الجزائر، مع أخذ الواقع بعين الاعتبار؛ فأما المصالح الفرنسية فتتمثل في حرية استثمار البترول، وحرية التصرف في بعض المواقع الاستراتيجية في البر والبحر والجو، والتمتع بحق التنقل بينها، وأما الواقع المأخوذ بعين الاعتبار فهو ما عبر عنه دي غول بقوله: «أن كل جزائري كان يؤمن بأن الصحراء يجب أن تعد قسما من الجزائر (1).
2 – التشكيك في تنفيذ الاتفاقيات المبرمة، والقلق على مصير أوروبي الجزائر وضمان حقوقهم (2).
3 - اعتبار الاتفاقيات "استسلاما دون هزيمة" (3).
4 - تعاطف أقلية من الفرنسيين مع الجزائر، وعرض خدماتهم لبناء الدولة الفتية (4).
وبقدر ما تنوعت وجهات النظر الفرنسية نحو هذه الاتفاقيات، كانت كذلك بخصوص الطرف الجزائري، حيث إن البعض أبدى أفصح آيات الترحيب والرضى على محتوى الاتفاقيات، وأعرب البعض الآخر عن عدم" الإمكان لأبدع
__________
(1) شارل ديغول مذكرات الأمل، التجديد 1958 – 1962، ترجمة د. سموحي فوق العادة، ط.1، منشورات عويدات، 1971، بيروت ص.138.
(2) د. نازلي معوض أحمد، المرجع السابق، ص. ص 28 - 29.
(3) Guy de Car may, les politiques étrangères de la France (1946 - 1966), Paris, 1967, -
p.p266 – 267.
(4) Ibid, p.p. 56 - 59. - (1/217)
صفحة 198
مما كان "من نتائج المفاوضات، في حين عبر الطرف الممثل للتيار المتحمس عن كون هذه الاتفاقيات مجرد تسليم وخضوع للرجعية الفرنسية (1).
وحسب بعض الدراسات فأن الطرف الوسط من بين هذه المواقف كان قد تبناه الرئيس ابن بلة، فقد ركز على الثمن الاقتصادي والتنازلات الاستراتيجية التي قدمتها الحكومة المؤقتة من أجل إبرام هذه الاتفاقيات. وأكد في خطابه بمؤتمر جبهة التحرير في أفريل 1962 «أن السلام الذي تم التوصل إليه في إيفيان والقائم على توفيقات سيقود إلى جمود الثورة إذا لم يعد النظر في هذا الاتفاق بما يتفق مع المصلحة الوطنية» (2).
وإذا كان الرئيس ابن يوسف بن خدة يعتبر هذه الاتفاقيات نصرًا أكيدًا للشعب الجزائري (3)، فإن العقيد هواري بومدين قائد الأركان العامة لجيش التحرير الوطني ممثلا للتيار المتحمس يعتبرها هزيمة للثورة الجزائرية (4).
وخلاصة القول فإنَّ الجزائريين والفرنسيين على حد سواء لم يكونوا يعتبرون أن هذه الاتفاقيات تشكل نهاية الصراع الطويل بين الجزائر وفرنسا، بل كانت في نظرهم مجرد تغيير تكتيكي لأساليب وأدوات هذا الصراع؛ فمن التهديدات العسكرية والانتقام المسلح إلى المناورات الديبلوماسية الملتوية والإنذارات غير المباشرة والمساومات المحرجة من الجانب الجزائري. وبدلا من الحملات البوليسية والغارات الانتقامية يسلك الطرف الفرنسي طرق التهديدات الاقتصادية وتخفيض حجم المساعدات المالية للجزائر.
__________
(1) د. نازلي معوض أحمد، المرجع السابق، ص. ص. 30 – 31.
(2) نازلي معوض أحمد، المرجع السابق، ص. 30 - 31.
(3) ابن يوسف بن خدة، المرجع السابق، ص. ص. 39 - 42.
(4) أ. أنيسة بومدين، (تعليمات قائد أركان جيش التحرير الوطني)، الشعب، ع. 05/ 03/1994. (1/218)
صفحة 199
ب ـ النفط في العلاقات الجزائرية الفرنسية غداة الاستقلال:
بالرغم من نجاح فرنسا في تفاوضها للحصول على موقع ممتاز في عمليات استكشاف النفط واستغلاله (1) ـ وقد فسر إذ ذاك على أنها استطاعت إقامة علاقة خاصة على حساب إنجلترا والأمريكان ـ إلا أن بعض الأوساط في فرنسا ترى أن الجزائر هي التي كانت في الحقيقة بحاجة إلى مثل هذه العلاقة وفي ذلك الوقت بالضبط، ذلك أن الجزائر غداة الاستقلال لم تكن تستهوي شركات النفط العالمية سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الاقتصادية. وعليه، فقد كانت استراتيجية الجزائر المفضلة هي رغبتها في أن يظل نفطها يعامل على غرار النفط في منطقة الفرنك، وبذلك يضمن الدخول في السوق الفرنسية حيث تفرض قيود على التكرير والتسويق بشكل عام، وقيود على أنشطة الشركات العالمية بشكل خاص، ويمنح ذلك الفرصة الكافية لبيع النفط الجزائري بأسعار تزيد عن المعدل السائد في السوق آنذاك.
وعلاوة على ذلك كان على الشركات الدولية العاملة في فرنسا أن تستخدم نسبة مئوية من النفط الجزائري، مما يشكل لها حافزا على الاستثمار في الموارد البترولية الجزائرية (2).
وكان المجلس الوطني للثورة الجزائرية ( CNRA) في جوان 1962 قد صادق في اجتماعه بطرابلس الليبية على ضرورة إعداد مخطط يضع الثروات المعدنية والطاقوية الجزائرية تحت تسيير وتصرف الدولة الجزائرية. ولقد تجسد هذا التوجه سنة 1963 بتنصيب هيئات وقع على عاتقها مراقبة هذا القطاع.
وفي هذا الإطار تم وضع جهازين هامين يتعلق الأول بإنشاء الشركة
__________
(1) شارل ديغول المرجع السابق ص.140.
(2) بيتر. ر. أودل، النفط والقوة العالمية، تر. راشد البراوي، المكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1977، ص.233. (1/219)
صفحة 200
الوطنية للمحروقات (سوناطراك)، بموجب مرسوم رقم 491 - 63 لـ 31/ 12/1963 لتتكفل أساسا بنقل وتسويق المحروقات (1). ويتعلق الثاني بإنجاز خط الأنابيب الممتد بين حوض الحمراء وأرزيو من قبل الشركة الإنجليزية ( C.J.B) وبتمويل كويتي. وقد سمح هذا المشروع القاعدي للجزائر بالدخول بقوة في مسلسل العمليات النفطية.
وعلى المستوى السياسي فإن جلسات المؤتمر الثالث لجبهة التحرير الوطني في أفريل 1964 كرست بعمق توجيهات برنامج طرابلس في هذا الشأن حيث ذكرت توصيات هذا المؤتمر بأن تأميم الثروات المنجمية والطاقوية هو هدف طويل المدى (2).
ومن أجل تسوية المسائل التي تمس قطاع المحروقات والتنمية الصناعية في الجزائر جاء الاتفاق الجزائري الفرنسي في 29/ 07/1965 الذي سجل تقدما محسوسا إذا ما قورن باتفاقيات إيفيان عشية الاستقلال، ولقد اعتبر "اتفاق الجزائر" نموذجيا حيث إن هذه الوثيقة رفعت العلاقات البترولية إلى مستوى الدول.
ولابد من الإشارة إلى أن التناقضات الجانبية التي كانت بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة والإرادة الملحة لدي غول من أجل الاستقلال الطاقوي من جهة أخرى شكلت ثقلا في إمضاء هذا الاتفاق الذي بموجبه تمكنت الجزائر من زيادة حصيلتها الجبائية (3). غير أنه لم يلبث أن أظهر محدوديته وخاصة عشية 1970، التي تعتبر سنة إعادة النظر والمراجعة.
ولقد زادت التناقضات مع المصالح الفرنسية حدة عندما ظهرت المؤشرات
__________
(1) تم توسيع صلاحيات شركة سوناطراك إلى البحث والتنقيب عن المحروقات وتحويلها بموجب مرسوم رقم 296 - 63 الصادر في 22/ 09/1966 وبهذا أصبحت تمارس كل عمليات هذا القطاع.
(2) Ministère d’ énèrgie, Preambule historique (document dactylographique) (sans côte) 6p.
(3) تتراوح الحصيلة الجبائية من 53% إلى 55% بدلا من 50% المنصوص عليه في القانون الصحراوي لـ 1958 انظر: ... Minstère d énèrgie, opcit p5. - (1/220)
صفحة 201
للأولى لنجاح الاستراتيجية البترولية الجزائرية التي مست المصالح البترولية غير الفرنسية؛ ففي حرب الأيام الستة في الشرق الأوسط في جوان 1967 بين العرب وإسرائيل، تولدت وضعية مساعدة تمكنت الجزائر من استغلالها في محاولتها مراقبة بعض المصالح الأنجلوسكسونية في الجزائر (1).
وفي هذا الشأن بادرت الجزائر إلى قطع علاقاتها الديبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأوقفت تدفق الغاز و البترول إلى هذا البلد وبريطانيا، ووضعت الشركات البترولية الأمريكية تحت الحراسة مثلما مست الشركات الأنجلوسكسونية الأخرى (2).
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات تندرج في إطار العمل على استعادة القدرة على التحكم في الاقتصاد الوطني، تلك الجهود التي توجت بتأميم المحروقات في 24 فيفري 1971.
وفي هذه السياق جاءت تأميمات المناجم التي أعقبتها ضغوط الشركات الأوروبية المؤممة وخاصة منها الفرنسية والبلجيكية بمنع الزبائن التقليديين من إبرام عقود استيراد مع الجزائر، ثم جاءت تأميمات ربيع وصيف 1969 لحوالي 40 شركة أجنبية كانت تعمل في قطاعات صناعية مختلفة من كيميائية وميكانيكية وكهربائية ومواد البناء وغيرها.
وهكذا مست إجراءات استعادة الاستقلال الاقتصادي مصالح شركات متعددة الجنسيات أمثال: (إينيلفر Unilver) و (لافارج Lafarge) و (ليزيور Lesieur) و (رون بولينو Rhone poleno) وغيرها.
وبموجب قرار 30 أوت 1967 الذي يقضي باحتكار سوناطراك بتوزيعه
__________
(1) Ibid. -
(2) ونذكر منها: Getly Petroleum Mobil و New mont Mining Alpaso و ESSO.
انظر: ... Minstere d energie, opcit. p5.- (1/221)
صفحة 202
المواد البترولية، أصبحت الشركة الجزائرية للمحروقات مؤسسة قوية لنشر الرخاء وتعميم الخير بعمليات توزيع واسعة للطاقة والمواد البترولية (1).
إنَّ هذه الاجراءات التي شملت الميدان الاقتصادي عموما والقطاع النفطي على وجه الخصوص غداة الاستقلال تعد بمثابة استمرار طبيعي للنشاط الثوري الذي انطلق في نوفمبر 1954 والقاضي بتحرير الجزائر من كل أشكال الاستعمار والهيمنة، فإذا كانت الحرب الملتهبة بين فرنسا والجزائر قد وضعت أوزارها بالحصول على الاستقلال السياسي واتفاق وقف إطلاق النار في مارس 1962، فإن الحرب الباردة انطلقت بقوة وحماس من أجل استكمال هذا الاستقلال في وجهه الاقتصادي.
ولقد حرصت جبهة التحرير الوطني في مفاوضتها مع الحكومة الفرنسية على التركيز على مسائل السيادة الوطنية ووحدة الشعب والتراب باعتبارها الضمانة الأكيدة لأية مراجعة أو تصحيح قد يتخذ مستقبلا في المسائل الأخرى العسكرية والاقتصادية والثقافية (2) وهو ما حدث فعلا في السنوات الأولى من الاستقلال في المجالين الاقتصادي والعسكري، ولم تزل المسألة الثقافية في الجزائر عاجزة عن التحرر من المجال المغناطيسي الفرنسي بعد مرور ما يقارب الأربعين سنة من الاستقلال.
ورغم أن الخطاب الرسمي الجزائري غداة الاستقلال كان يقلل من أهمية اتفاقيات إيفيان باعتبارها تكرس السيادة المنقوصة وتقف دون تقدم مسيرة الثورة؛ إلا أن من الإنصاف القول إن هذه الاتفاقيات شكلت قاعدة لاستمرار المفاوضات الجزائرية الفرنسية بعد الاستقلال في إطار يضمن السيادة الكاملة للمفاوض الجزائري ولقراره المستقل.
Fb
__________
(1) opcit.p.5 Ministere denergie, -
(2) C.A.N., G.P.R.A., boite 162, dossier 3, op.cit. - (1/222)
صفحة 203
خاتمة:
إنَّ تثمين مناطق الصحراء الجزائرية، بما تضمن من تجهيز قاعدي لتأمين الموصلات والاتصالات، وما اشتمل من أشغال البحث والتنقيب للوقوف على ما تكنه هذه المناطق من ثروات، وما تلا ذلك من عمليات استغلال النفط والغاز لتزويد السوق الفرنسية والأوروبية بما تحتاجه من الطاقة لتحريك دواليب اقتصادها، ليرمي بالضرورة إلى غايات محددة سطرتها القوى الاستعمارية بكل عناية.
وغني عن البيان أن هذا العامل الاقتصادي يقتضي وجود إطار بجانبها للقيام بدورها وأداء مهمته في إطار ما سطر من غايات يتوق الاستعمار إلى تحقيقها، وهو ما تطلب اختلاف مؤسسات لرعاية الخطة الاستعمارية المدروسة، فجاءت فكرة إنشاء المكتب الصناعي الإفريقي الذي تحول إلى مكتب الاستثمار في إفريقيا منذ 1956، وتأسيس ما سمي بالمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية فوزارة الصحراء التي أكدت الغرض السياسي للمنظمة تلك.
ولبعث الحياة في هذه المؤسسات والهيئات، كان لابد للاستعمار من أن ينفخ فيها من روحه القانونية، وينعشها بنفس التشريع، بعدما أصبحت القوانين السابقة لا تساير الواقع الجديد القائم في الجزائر وعلى الأخص في جنوبها، وفي أوروبا والعالم على وجه العموم، فجاء القانون البترولي الصحراوي ليختلق شرعية لاستغلال ثروات الجزائر، على غرار الشرعية التي خولت له الحق في الاستيطان.
إنَّ هذا الاستغلال الاستعمار ي يحتم على السلطات الفرنسية أن تحيط مشروعها بسياج قوي من الإجراءات الأمنية والترتيبات الاحتياطية، تحسبا لأي ردود فعل يقوم بها الجزائريون أصحاب هذه الأرض، فجهز منشآته بمناعة ذاتية ووضع ترسانته العسكرية في خدمة مشروعه الاقتصادي، واستنفر جيوشه استعداد للطوارئ.
ولما كانت الجزائر أوسع من أن تغطيها الاستثمارات الفرنسية بأموالها المحدودة، وخبراتها المتواضعة فضلا عن مبررات وجودها الاستيطاني غير المؤسسة، (1/223)
صفحة 204
في محيط دولي تغيَّرت فيه معالم القوة وارتفع فيه صوت الحرية وحق الشعوب في تقرير المصير، وأصبحت المنافسة مرتكزة على التكتل والتحالف، جاءت "أَورَبَة الصحراء" بمفهومها الاقتصادي واعتبارها عمقا استراتيجيا للضفة الشمالية للمتوسط لتكون خطا لمواجهة الخطر الشيوعي من الشرق والوقوف أمام الهيمنة الأمريكية من الغرب، وتأمين الاقتصاد الأوروبي الذي تهدده صراعات الشرق الأوسط وأوضاعه المضطربة.
وتمهيدا لفصل الامتداد الصحراوي الجزائري عن الوطن، أشاع الاستعمار فكرة فراغ الصحراء من السكان واختلافها عن شمال الجزائر طبيعيا وجغرافيا، وسعى إلى فصل هذا الشطر "المفيد" من البلد، وذلك بانتهاجه سياسة داخل الجزائر تطبعها ضغوط الإغراء حينا والتهديد أحيانا أخرى، وسياسة أخرى لمحاولة كسب موافقة الأفارقة، تصطبغ بلون التفرقة تارة وبلون الوعود تارة أخرى، وسياسة ثالثة موجهة لإقناع الشركاء الأوروبيين، تكتسي لباس التحذير من الخطر الشيوعي الساعي لغلق منافذ أوروبا بعد أن يحكم الطوق بإرساء قواعده بصحراء الجزائر في حال انسحاب فرنسا من هناك من جهة، ومن عواقب الاعتماد على نفط الشرق الأوسط وجنوب آسيا بعدما أصبحت مسالك التموين غير مأمونة في محيط يشهد تطور الوعي الوطني واليقظة القومية.
إنَّ هذه العوامل والظروف تشكلت مسلسل السياسة النفطية الفرنسية بالجزائر، تلك السياسة التي يبررها المنطق الاستعماري سعيا وراء تكريس كيانه الذي سرى إليه التصدع والاهتزاز منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة لما شرعت فرنسا في إقامة مشاريعها الكبرى، وبرامجها بعيدة المدى من أجل إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد الفرنسي، وتنبهت إلى ضرورة أيجاد مصادر طاقة حيوية وموارد مالية احتياطية داخل مستعمراتها تسدد بها حاجاتها المتزايدة من النفط، مما يوفر عليها النزيف المالي من العملة الصعبة التي تنفقها من أجل استيراد النفط ومشتقاته من خارج منطقة الفرنك، مما شكل حافزا قويا للجهود التي بذلتها (1/224)
صفحة 205
فرنسا من أجل اكتشاف النفط في مستعمراتها وخاصة الإفريقية منها، وفي المناطق الصحراوية على الأخص.
وليس من نافلة القول الإشارة إلى أن الأزمة المالية التي كانت تعانيها فرنسا من العملة الصعبة لم يكن إلى سبيل ما يصرف من أجل وارداتها من النفط وحسب، وإنما لها أسباب أخرى على جانب كبير من الأهمية والخطورة منها تراكم التضخم النقدي طيلة سنوات كثيرة ومتتالية، والتوسع في الاستيراد عموما وانخفاض الصادرات نسبيا، مما أضعف من الموارد الفرنسية من العملة الصعبة. ومن أسباب الأزمة أيضا تكلفة الحرب الباهظة التي كانت تتكبدها فرنسا، وأرهقتها طويلا في الهند الصينية حتى انتهت سنة 1955 بالهزيمة وأرغمتها على الانسحاب، ثم الفاتورة الضخمة للثورة الجزائرية منذ نوفمبر 1954 التي كلفت فرنسا غاليا طيلة سنوات عديدة، وألزمت لمواجهتها إرسال وتجهيز قوة ضخمة بعدتها وعتادها شكلت عبئا ثقيلا لموارد فرنسا المالية.
وبالإضافة إلى ذلك فإن ثمة دوافع أخرى تكمن وراء الاهتمام المتزايد الذي أبدته فرنسا من أجل التنقيب عن النفط في الصحراء الإفريقية والجزائرية على الخصوص وفي مقدمتها حوادث إيران وما أقدم عليه رئيس وزرائها سنة 1951 من تأميم النفط الإيراني وأهم من ذلك حوادث قناة السويس ,نتيجة تأميم هذا المعبر الهام وما أعقب ذلك من عدوان تحالفت في شنه فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ضد مصر، أدى إلى إغلاق القناة في وجه الملاحة الدولية، وتدمير أجزاء من خط الأنابيب الناقلة للنفط العراقي العابر للأراضي السورية، مما كان سببا مباشرا في نقص خطير في واردات أوروبا الغربية من نفط الشرق الأوسط.
وقد كان طبيعيا، تبحث فرنسا عن حل يجنبها تكرار هذه الأزمة، فلم يكن في مقدورها أن تعول على النفط الأمريكي الذي يكلفها كثيرا وبالعملة الصعبة، وأدركت أن مصالحها الحيوية باتت مهددة، وأصبح كيانها الاقتصادي (1/225)
صفحة 206
رهين التطوُّرات السياسية في الشرق الأوسط، وخاصة وأن علاقتها مع مصر بقيت مشوبة بالتوتر الشديد، بلغت إلى قطع العلاقات الديبلوماسية.
ولقد اجتمعت عدة عوامل دفعت فرنسا إلى اختيار الجزائر في المقام الأول لتكون - قبل أمثالها من الأقطار الأفريقية - أرضية لمشروعها الاقتصادي الحيوي، ومنها -إضافة إلى ما ذكر- قربها من التراب الفرنسي وما يترتب على ذلك من خفض تكاليف النقل وما يستغرقه من وقت، وما يوفر ذلك من تأمين اقتصادها الذي عدمته منذ عقود.
ومن هذه العوامل أيضا وضعية الاستعمار في الجزائر التي تعتبرها فرنسا استيطانا منذ السنوات الأولى من الاحتلال وهو ما ساعدها على التفكير في إرساء برامج بعيدة المدى تتطلب الاستقرار شرطا مهما لاستكمال كل مراحل تحقيق الإنجاز وتشجيع المستثمرين على تجاوز مخاوفهم والمخاطرة بأموالهم.
وأمام هذه الحسابات كلها جاء ترشيح الجزائر لأن تكون مسرحا للحركة الاقتصادية الفرنسية الجديدة التي كانت تشهد سقوطا حرا منذ الاحتلال الألماني للتراب الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأخيرة، هذا الاحتلال الذي تسبب - إلى جانب الدمار المادي في البنية التحتية للاقتصاد الفرنسي - في صدمة عنيفة في معنويات الإنسان الفرنسي ذاته، تركت بصماتها في قدرته على التحدي، وتجاوز واقعه النفسي المنهار.
وجاءت الثورة الجزائرية بضغوطها السياسية والعسكرية والديبلوماسية لتشكل جدارا تحطم عليه كل ما تبقى من آمال الفرنسيين في الجزائر، وشكلت ـ بالرغم من الجهود الفرنسية الجبارة من أجل إجهاضها وإخمادها ـ عامل فشل وإحباط وانسداد لاستراتيجيتها التي أرست قواعدها بعد الحرب العالمية الثانية، وشرعت في تجسيدها فعليا منذ الخمسينيات.
ولما لم تقو القوات الاستعمارية لا على إجهاضها وهي في المهد، و لا على إخمادها وقد اشتد عودها وبلغت الرشد، طفق الاستعمار يراهن في مخططاته على (1/226)
صفحة 207
المحافظة بالصحراء - وقد بدا صلاحها - ضمن كيان شبه مستقل يدور في الفلك الفرنسي ويسبِّح بحمد الإيليزي ويرعى مصالحه.
غير أن قيادة الثورة الجزائرية كانت بالمرصاد لكل مخططات الاستعمار الجديد فاستعملت كل الجبهات واعتلت كل المنابر لإفشالها. ولقد سعت السلطات الفرنسية إلى فتح باب المفاوضات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بطرح الحلول الوسطية التوفيقية، فكانت تساوم حينا على مسائل تمس السيادة الوطنية الجزائرية في وحدة الشعب والتراب، وأحيانا تخص المصالح الاقتصادية والعسكرية والثقافية.
وإذا كان ولا بد للمفاوضات من تنازل، فإن المفاوض الجزائري ـ بحساسيته المفرطة لمعاني الحرية والاستقلال وتقديره المسؤول للتضحيات الجسيمة المقدمة ـ عرف كيف يفصل بين مسائل السيادة التي لا تحتمل التنازل والمساومة ومسائل المصلحة التي تتغير بتغير الأحوال والحكومات.
ووقعت اتفاقيات "إيفيان" بين الجزائر وفرنسا، وهي تتضمن الاعتراف بالسيادة الجزائرية الكاملة، وتقر بوحدة الشعب والوطن من جهة، وتمنح حق الامتياز للمصالح العسكرية والاقتصادية والثقافية الفرنسية من جهة أخرى.
وبالرغم من سعة هذه الامتيازات، ووقوفها دون استكمال أهداف الثورة الجزائرية، منها خاصة وضع الاقتصاد في خدمة الوطن، إلا أن ما يشفع لهذه الاتفاقيات أنها تضمنت إقرار فرنسا بسيادة الجزائر الكاملة ووحدة أراضيها، وأحالت المسائل الأخرى إلى إمكانيات المراجعة والتصحيح، وهي الخطة التي رسمها الوفد الجزائري المفاوض بإحكام وبوعي تام (1).
وفعلا جاءت التصحيحات المتتالية غداة الاستقلال أفضت - بعد جهود معتبرة - إلى جلاء القوات الفرنسية من مواقعها البرية والبحرية والجوية في الجزائر، وإلى تأميم الثروات المنجمية والنفطية والغازية والقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية.
__________
(1) C.A.N., G.P.R.A., boite 30, dossier 10,(Problème du pétrole ... .) op.cit. - (1/227)
صفحة 208
من خلال هذا العرض الموجز للسياق التاريخي الذي سلكته السياسة الفرنسية في مجال المحروقات، يتضح لنا بجلاء الأهمية التي كانت تتبوؤها الجزائر في الخطة الأمنية الفرنسية بشقيها الاقتصادي والعسكري.
ويبدو أن مُقَرِّر السياسة الفرنسية - وهو يتخذ هذا القرار الخطير، والمتمثل في إعطاء الجزائر هذا الحيز الهائل في الخطة الاستراتيجية الفرنسية، وفي هذا الوقت بالذات -لم يستوعب معطيات الواقع الجزائري وما يعيشه من تطور ملحوظ على الساحة الثقافية والسياسية والنقابية، فلم يهضم مضمون المطالب الثقافية التي تدعو إلى احترام الشخصية الجزائرية بكل مقوماتها الوطنية، بعد أن مضى قرن من الفرنسة والتمسيح على الجزائر، ولم يستسغ فحوى النداءات المطالبة بالاستقلال عن فرنسا، بعد أن حاول المستعمر إسكاتها بمجزرة رهيبة عقب انتصار الحلفاء على النازية، ولم يتمثل محتوى الحركة المطلبية النقابية التي سادت الأوساط العمالية في الجزائر، والتي تهيكلت منذ 1949 ضمن أكثر الأحزاب الجزائرية راديكالية.
وبقدر ما كانت المعطيات السياسية الدولية حاضرة في الحسابات الفرنسية، فإن معطيات الواقع الجزائري كادت أن تكون مغيبة منها. وما من شك في أن الضغوط الاستعمارية داخل الجزائر كانت بمثابة العامل الرئيس في هذا التغييب، مما أعطى صورة لا تنطبق والحقيقة القائمة هناك، وهو ما أسهم بشكل أو بآخر في إفشال السياسات الاستعمارية الجديدة في الجزائر، ومنها الاقتصادية على الخصوص وفي مجال المحروقات بشكل أخص.
لقد قدر لهذا القطاع أن يشكل مصدرا أساسيا للانفراج والتوتر في ذات الوقت في العلاقات التاريخية بين القطرين الجزائر وفرنسا منذ اندلاع الثورة الجزائرية واكتشاف النفط في الصحراء الجزائرية حتى الاستقلال، وفي العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية بين البلدين غداة الاستقلال، وما يزال قطاع المحروقات إلى اليوم يشكِّل مؤشرًا هاما لقياس مستوى العلاقات الجزائرية الفرنسية.
إن هذا الموضوع الهائل هو بحاجة إلى دراسات سياسية واقتصادية واستشرافية أخرى لتتناول بالبحث جوانب أخرى مكملة، حتى لا يبقى أسير الدراسات التقنية الجافة. (1/228)
صفحة 209
ملحق الوثائق (1/229)
صفحة 210
[صفحة بيضاء] (1/230)
صفحة 211
1/ 1 (1/231)
صفحة 212
1 (1/232)
صفحة 213
1/ 1 (1/233)
صفحة 214
1/ 1 (1/234)
صفحة 215
1/ 1 (1/235)
صفحة 216
1/ 1 (1/236)
صفحة 217
1/ 1 (1/237)
صفحة 218
1/ 1 (1/238)
صفحة 219
1/ 1 (1/239)
صفحة 220
1/ 1 (1/240)
صفحة 221
1/ 1 (1/241)
صفحة 222
1/ 1 (1/242)
صفحة 223
ر (1/243)
صفحة 224
ر (1/244)
صفحة 225
1/ 1 (1/245)
صفحة 226
ر (1/246)
صفحة 227
1/ 1 (1/247)
صفحة 228
1/ 1 (1/248)
صفحة 229
1/ 1 (1/249)
صفحة 230
1/ 1 (1/250)
صفحة 231
1/ 1 (1/251)
صفحة 232
1/ 1 (1/252)
صفحة 233
1/ 1 (1/253)
صفحة 234
1/ 1 (1/254)
صفحة 235
1/ 1 (1/255)
صفحة 236
1/ 1 (1/256)
صفحة 237
1/ 1 (1/257)
صفحة 238
1/ 1 (1/258)
صفحة 239
1/ 1 (1/259)
صفحة 240
1/ 1 (1/260)
صفحة 241
1/ 1 (1/261)
صفحة 242
1/ 1 (1/262)
صفحة 243
1/ 1 (1/263)
صفحة 244
1/ 1 (1/264)
صفحة 245
1/ 1 (1/265)
صفحة 246
1/ 1 (1/266)
صفحة 247
1/ 1 (1/267)
صفحة 248
1/ 1 (1/268)
صفحة 249
1/ 1 (1/269)
صفحة 250
1/ 1 (1/270)
صفحة 251
1/ 1 (1/271)
صفحة 252
1/ 1 (1/272)
صفحة 253
1/ 1 (1/273)
صفحة 254
1/ 1 (1/274)
صفحة 255
1/ 1 (1/275)
صفحة 256
1/ 1 (1/276)
صفحة 257
1/ 1 (1/277)
صفحة 258
1/ 1 (1/278)
صفحة 259
1/ 1 (1/279)
صفحة 260
1/ 1 (1/280)
صفحة 261
1/ 1 (1/281)
صفحة 262
1/ 1 (1/282)
صفحة 263
1/ 1 (1/283)
صفحة 264
1/ 1 (1/284)
صفحة 265
1/ 1 (1/285)
صفحة 266
1/ 1 (1/286)
صفحة 267
1/ 1 (1/287)
صفحة 268
1/ 1 (1/288)
صفحة 269
1/ 1 (1/289)
صفحة 270
1/ 1 (1/290)
صفحة 271
1/ 1 (1/291)
صفحة 272
1/ 1 (1/292)
صفحة 273
فهرس الأعلام (1/293)
صفحة 274
1/ 1 (1/294)
صفحة 275
1/ 1 (1/295)
صفحة 276
1/ 1 (1/296)
صفحة 277
1/ 1 (1/297)
صفحة 278
1/ 1 (1/298)
صفحة 279
1/ 1 (1/299)
صفحة 280
1/ 1 (1/300)
صفحة 281
1/ 1 (1/301)
صفحة 282
1/ 1 (1/302)
صفحة 283
1/ 1 (1/303)
صفحة 284
1/ 1 (1/304)
صفحة 285
1/ 1 (1/305)
صفحة 286
1/ 1 (1/306)
صفحة 287
1/ 1 (1/307)
صفحة 288
1/ 1 (1/308)
صفحة 289
1/ 1 (1/309)
صفحة 290
1/ 1 (1/310)
صفحة 291
1/ 1 (1/311)
صفحة 292
1/ 1 (1/312)
صفحة 293
1/ 1 (1/313)
صفحة 294
1/ 1 (1/314)
صفحة 295
1/ 1 (1/315)
صفحة 296
1/ 1 (1/316)
صفحة 297
1/ 1 (1/317)
صفحة 298
1/ 1 (1/318)
صفحة 299
قائمة المصادر والمراجع
أولا ـ باللغة العربية:
1 - وثائق الثورة التحريرية:
1 - بيان أول نوفمبر، نشر المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر.
2 - المجاهد، اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني الجزائري، طبعة وزارة الإعلام الجزائرية، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة رغاية، 5 أجزاء، 1984.
3 - المقاومة، لسان حال جبهة وجيش التحرير الوطني، طبعة وزارة الإعلام الجزائرية، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة الرغاية، الجزائر، 1984.
2 - ملتقيات كتابة تاريخ الثورة:
1 - أشغال الملتقى الأول حول سياسة فرنسا حول فصل الصحراء، ورقلة، أيام 15 - 17 أفريل.
2 - التقدير المقدم للندوة الجهوية لكتابة تاريخ الثورة للولاية السادسة التاريخية لفترة 1956 – 1958، جانفي 1985، من إعداد الملتقى الولائي لنواحي غرداية، متليلي ومنيعة في أكتوبر 1984.
3 - تقرير الملتقى الجهوي الثاني لكتابة تاريخ ثورة نوفمبر 1954 للولاية السادسة التاريخية، المنعقد ببسكرة في 5 - 6 فيفري 1985.
4 - تقرير أحداث الثورة التحريرية بولاية غرداية لفترة 1959 - 1962.
5 - التقرير الجهوي للولاية السادسة التاريخية حول تاريخ الثورة لفترة 1959 – 1962.
3 - مطبوعات رسمية ونشريات:
1 - دليل الشركة العربية الأمريكية ( AR.AM.CO.) ط. 1960.
2 - نشرة بترول الشرق الأوسط، فيفري 1959.
3 - (1/319)
صفحة 300
مركز الدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، مجموعة وثائق ونصوص أولية حول سياسة فرنسا في فصل الصحراء، أفريل 1996.
4 - وزارة الإعلام العراقية، النفط والمعركة، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1973.
4 - كتب:
1 - أودل بيتر. م، النفط والقوة العالمية، ترجمة راشد البراوي، المكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1977.
2 - أوكوفور هارفي، الأزمة العالمية في البترول، ترجمة د. عمر مكاوي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967.
3 - ابن خدة بن يوسف، اتفاقيات ايفيان، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.
4 - البراوي، د. راشد، ثورة البترول في إفريقية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1962.
5 - البراوي، د. راشد، حرب البترول في العالم، القاهرة، 1968.
6 - بورقعة الرائد سي لخضر، شاهد على اغتيال الثورة، (مذكرات)، تحرير بخوش الصادق، دار الحكمة، الجزائر، (ب – ت)
7 - البوري، د. وهبي، البترول والتعاون العربي الإفريقي، ( OAP.EC)، الكويت، 1982.
8 - بيُّوض الشيخ إبراهيم بن عمر، أعمال في الثورة، نشر جمعية التراث بالقرارة، باتنة، 1990.
9 - الحاج سعيد يوسف بن بكير، تاريخ بني ميزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992.
10 - الحاج محمد عمر بن عيسى، مذكرات ووثائق رسمية عن تاريخ وادي ميزب، مطبعة النهضة، تونس، 1951.
11 - حربي محمد، الثورة الجزائرية، سنوات المخاض، ديوان المطبوعات الجامعية.
12 - دبوز محمد علي، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، مطبعة البعث، قسنطينة، 1976. (1/320)
صفحة 301
13 - دبوز محمد علي، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، المطبعة العربية، الجزائر، 1969.
14 - الدوري، د. محمد أحمد، محاضرات في الاقتصاد البترولي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983.
15 - ديغول شارل، مذكرات ديغول، الأمل، تر: عويدات، منشورات عويدات، بيروت.
16 - سعيدوني، د. ناصر الدين، الجزائر منطلقات وآفاق، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1999.
17 - سليمان عاطف، معركة البترول في الجزائر، سلسلة دراسات تقدمية، دار الطليعة، بيروت، 1974.
18 - صابر محمد، النفط في الجزائر، تطوره ومشاكله، دار المعرفة، دمشق، 1964.
19 - الطريقي، الشيخ عبد الله، البترول العربي سلاح في المعركة، سلسلة دراسات فلسطينية، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، بيروت، 1967
20 - عمارة سعد وعون علي، معارك وحوادث حرب التحرير بمنطقة وادي سوف، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988.
21 - فاسور ل، ق، النفط في العالم، ترجمة د. عدنان نجا، منشورات عويدات، بيروت، 1961.
22 - فيني دافيد، بترول الصحراء، تر: إسماعيل الناظر، مراجعة، مسعد كتالي، منشورات المكتبة الأهلية، بيروت، 1960.
23 - قنان د. جمال، قضايا ودراسات في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، 1994.
24 - نازلي، د. معوض أحمد، العلاقات بين الجزائر وفرنسا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1978.
25 - النوري حمو محمد عيسى، دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، 3 أجزاء، دار الكروان، باريس، 1984. (1/321)
صفحة 302
26 - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية، جمعية الاقتصاد بين العراقيين.
5 - مقالات:
1 - بومدين أنيسة، (الامتياز في النظام البترولي القديم)، الشعب، ع 27 فيفري 1994.
2 - (تعليمات قائد أركان جيش التحرير الوطني)، الشعب، ع5، مارس 1994.
3 - (نقاشات صاخبة)، الشعب، 6 مارس 1994.
4 - (سنوات الاستقلال الأولى، إنشاء سونطراك)، الشعب 7 مارس 1994.
5 - (فوائد تصفية الاستعمار الاقتصادي)، الشعب، 15 مارس 1994.
6 - جماعة من المجاهدين، (الشيخ بيوض رجل إصلاح وكفاح)، السلام، ع 1392، 29 ماي 1991.
7 - ماجن عبد القادر، (حصار مدينة القرارة، 1961)، ع 124 و125، مجلة أول نوفمبر، جانفي 1991.
8 - هيئة التحرير، (صحراؤنا في نظر قاعدة الاستعمار الحديث ضدَّ إفريقيا)، المجاهد، ع 103، 28 أوت 1961.
9 - (في الصحراء، الاستعمار يتداعى) المجاهد ع 13 و 15 نوفمبر، 1957.
10 - (معركة البترول) المجاهد ع 31 (خاص)، 1 نوفمبر 1958.
11 - (نحن والصحراء والبلاد المجاورة لنا) المجاهد ع 100، 17 جويلية 1961.
12 - (مذكرة رسمية بشأن الصحراء الجزائرية) المجاهد، ع 101، 31 جويلية 1961.
13 - (الخفايا الفرنسية لتثبيت الفرنسيين بالصحراء) المجاهد، ع 102، 14 أوت 1961.
14 - (وثيقة ماكس لوجون وزير الصحراء السابق تحت عنوان: الصحراء الجزائرية من ماكس لوجون إلى ديغول) المجاهد، ع 93، 10 أفريل 1961.
15 - (مناورات في الصحراء) المجاهد، ع 113، 22 جانفي 1962. (1/322)
صفحة 303
( II باللغة الأجنبية:
1 - المحفوظات ARCHIVES
أ- المركز الوطني للأرشيف ( C.A.N.)
Centre national des archives
رصيد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ... Fond du G.P.R.A
العلبة رقم 30 ... Boite n° 30
الملف رقم 1. 1 ... Dossier n° 1. 1
1 - perspectives des hydrocarbures sahariens 1925 - 1960, 27 f.
2 - L’adaptation du marché français au gaz et au pétrole saharien janvier 1960,3f.
3 - Utilisation du pétrol brut (sans date) 2f.
4 - Bulletin O.C.R.S n°2 - fev. 1961 (perspectives de l’activité pétrolière en 1961), 10f.
5 - Le pétrole du Sahara, 1956 - 1965, 3f.
6 - Le sous-sol du Sahara algérien, 1951 - 1965, 5f.
7 - Notes sur le pétrole saharien, 1957 - 1960, 3f.
8 - Les perspectives du gisement d’Hassi Messaoud, janvier 1960,3f.
الملف رقم 1.2 ... Dossier n° 1.2
1 - Pipe-line Haoud El Hamra-Bougie, 1959 - 62, 4f.
2 - Pipe-line In Amenas La Skhira, 1960 - 1963, 3f.
3 - Surface exploitée du Sahara, 1958, 1f.
4 - Etat des travaux du pipe-line Edjela-Skhira (Tunisie) mars 1959,3f.
5 - Les sociétés de recherche du pétrole au Sahara et géographie de leur capital (sans date), 2f.
6 - Liste des permis accordés par la France, 1952 - 1959 3f. (1/323)
صفحة 304
الملف رقم 2 ... Dossier n° 2
1 - Le Sahara, situation d’ensemble des hydrocarbures.
2 - Déclaration du représentant du ministre des finances et des affaires économiques au congrés arabe du petrole, Caire, 13/ 04/1959, 4f.
3 - Le monde du 16/ 17 novembre1958 (le code pétrolier a été adopté sous forme d’ordonnances), 2f.
4 - Etude sur les problèmes du pétrole, 3 mars 1960, 10f.
5 - Questions économiques, opinions sur le pétrole saharien, 25 avril 1960, 3f.
الملف رقم 3. 1 ... Dossier n° 3. 1
1 - Surface exploitée au Sahara, 01 octobre 1958, 1f.
2 - Les compagnies pétrolières engagées au Sahara (sans date) 4f.
3 - Listes des permis accordés par la France, 1952 - 1959 3f.
4 - Etat des travaux du pipe-line Edjelé-Skhira (Tunisie) mars1959, 4f.
5 - La presse et l’investissement pétrolier en Algérie (sans date) 5f.
الملف رقم 3. 2 ... Dossier n° 3. 2
1 - Le président Bourguiba, le Sahara et l’O.C.R.S, (discours du 07 avril 1960 devant l’assemblée nationale), 1f.
2 - Discours du général De Gaulle à Touggourt le 05 décembre 1958, 1f
الملف رقم 3. 3 ... Dossier n° 3. 3
1 - Les investissements étrangers au Sahara, fevrier1959, 3f.
الملف رقم 5 ... Dossier n° 5
1 - Le pétrole arabe, 1957 - 1958 56f. (1/324)
صفحة 305
الملف رقم 6. 1 ... Dossier n° 6. 1
1 - $50 millions loan for oïl pipe-line, décembre 1959, 3f.
2 - Etude concernant le Sahara, 1960, 85p.
الملف رقم 6. 2 ... Dossier n° 6. 2
1 - Bulletin du club. Jean moulin (le pétrole saharien et le règlement de l’affaire algérienne), 1961, 9f.
الملف رقم 10 ... Dossier n° 10
1 - Problème du pétrole et ses incidences sur les relations de l’Algérie avec la zone franc(sans date), 15f.
2 - Le problème saharien et le marché français, 1960 - 1970, 5f.
العلبة رقم 94 ... Boite n° 94
الملف رقم 15.4 ... Dossier n° 15. 4
1 - Notes spéciales du 22/ 05/1961, 1f.
العلبة رقم 162 ... Boite n° 162
الملف رقم 3 ... Dossier n° 3
1 - Indépendance – coopération.
2 - Le problème du Sahara.
العلبة رقم 163 ... Boite n° 163
الملف رقم 3. 1 ... Dossier n° 3. 1
1 - Problème du Sahara, le 25 juin 1961, 1f.
الملف رقم 3. 2 ... Dossier n° 3. 2
1 - Note sur la question de souveraineté sue le Sahara,
ميكروفيش رقم 19 ... Microfiche n° 19 (1/325)
صفحة 306
1 - Le rapport de la commission militaire chargé d’établir une stratégie militaire pour l’ALN 30aout au 3 sep 1959.
رصيد المجلس الوطني للثورة الجزائرية ... Fond, du C.N.R.A
ميكروفيش رقم 23 ... Microfiche n° 23
1 - Décisions du C.N.R.A concernants le Sahara.
ب- مركز الوثائق والمحفوظات لولاية ورقلة
العلبة رقم 134 ... Boite n° 134
1 - Zones interdites, 19 juin 1957, 1f.
2 - Orientation de l’activité opérationnelle des unités à partir du 1er juillet 1957, f.
3 - 24 juin 1957, 3f.
4 - Protection des points sensible, 16 juillet 1957,1f.
5 - conditions d’ouverture du feu aérien en zones interdites, 18 octobre 1958, 1f.
العلبة رقم 298 ... Boite n° 298
1 - Procès verbale de la session extraordinaire 1961, séance des 16 et 17 juin 1961.
لفة غير مرقمة
1 - Opération de fouille à guerrara, du 28 au 30 octobre 1961, 12 mars 1962, 1f.
2 - منشورات رسمية ووثائقية
PUBLICATIONS OFFICIELES ET DOCUMENTAIRES
1 - Délégation générale du gouvernement en Algérie, plan de Constantine 1959 - 1963, rapport général, juin 1960. (1/326)
صفحة 307
2 - Journal officiel français, n° 58 - 2075 du nov. 1958.
3 - Ministre d’énergie, preanbule historique (document doctylagrephique) sans date.
4 - Organisation Economique de la communauté européenne (O.E.C.E), Le pétrole : nouvelle évolution dans la zone O.E.C.E, comité du pétrole, 1961.
3 - كتب ... OUVREGES
1 - AITCHAALAL Med SAID, pays producteurs de pétrole et compagnies internationales, Lausaune, 1977.
2 - AMMOUR Kader leucate Christian Moulin Jean Jacques, La voie algérienne,
3 - Les contradictions d’un développement national P.M petite collection MASPERO, 1974.
4 - BALTA Paul, La politique arabe de la France de DEGAULLE à Pompidou, La bibliothèque arabe, Sindibad, paris, 1973.
5 - BEDJAOUI (Med), la révolution algérienne et le droit, Bruxelles, Ed de l’association internationale des juristes démocrates, 1961.
6 - BENKHADDA (Benyoucef) les accords d’Evian, la fin de la guerre d’Algérie,
7 - BRITCH (Jacques), perspectives sahariennes, ch.Lavauzelle et Cie, paris, 1956.
8 - CHAMMARD(Paul de), Problèmes pétroliers de la France et de la communauté, Ed.Montchrestier, paris 1959.
9 - CHIKH (Slimane) L’Algérie en armes ou le temps des certitudes O.P.U, Alger 1981.
10 - Cornet (pierre), Sahara terre de demain, nouvelles Editions latines, paris 1956.
11 - Cornet (pierre), Du mirage au mirage, pétrole saharien, Nouvelle Edition Latine, paris 1960.
12 - DURAND, (P.D ), La politique pétrolière internationale, P.U.F, paris, 1960.
13 - FURON(Raymond) Le Sahara : géologie, ressources minérales mise en valeur,
14 - Guentari (Med) Organisation politco-administrative et militaire de la révolution algérienne, 1954 - 1962, O.P.U, Alger, 1994. (1/327)
صفحة 308
15 - HARBI (Med), Les archives de la révolution algérienne, Les éditions jeune Afrique,
16 - HORNE (Alistaire) histoire de la guerre d’Algérie, ALBIN MICHEL, paris, 1987.
17 - Le MAIRE (MAURICE), Notre destin à l’heure du pétrole, HACHET, paris, 1957.
18 - Le MAIRE (HENRI ) Histoire militaire de la guerre d’Algérie, ALBIN MICHEL, paris, 1988.
19 - LONG (olivier ) Le dossier secret des accords d’Evian, une mission suisse pour la paix en Algérie O.P.U Alger. ( Sans date).
20 - RUMEUR GUY (Le), Le Sahara avant le pétrole.
21 - SADMI ALI, la politique agraire dans le plan de Constantine, mémoire pour le diplôme d’étude supérieure de science économique, U. d’Alger, mars 1975.
22 - Soustelle Jacques, voici pourquoi, imprimerie moderne de la presse, paris, 1961.
23 - TRUMELET (le colonel C), les français dans le dessert, Challamal Aime, 1885.
24 - THABET (med NACER ), Le secteur des hydrocarbures et le développement économique de l’Algérie, ENAL/OPU, Alger, 1989.
25 - VASSEUR (l.v), Pétrole et gaz naturel dans le monde. A COLIN, paris, 1965.
26 - VAVCHER G, Le plan de Constantine et la politique agraire de demain.
27 - VERLAQUE (Christian ), Sahara pétrolier tome I.
28 - LOYRETTE (jean), le code pétrolier saharien, librairie générale du droit et de la jurisprudence, paris 1961.
29 - MAADAD (messaoud) Guerre d’Algérie : chronologie et commentaire, Alger, 1992.
30 - MAINGUY (Maurice), Le pétrole et l’Algérie, les éditions du cerf, paris, 1958.
31 - Malek (redha), l’Algérie à evian, histoire des négociations secrètes 1956 - 1962, Ed Dahleb. Alger, 1995.
32 - MERGHOUD (belhadj), Le développement politique en Algérie, étude des populations de la région du M’ZAB, Fondation nationale des sciences politiques, études maghrébines, ARMAND COLIN, paris 1972.
33 - PEYREFITTE (alain), Faut-il partager l’Algérie? , POLON, paris, 1961. (1/328)
صفحة 309
34 - SALGUES (Yves) L’or noir du Sahara, Le pathétique aventure de conrad KILLIAN, paris, 1958.
35 - STRASSER (Daniel), Réalités et promesses sahariennes, Aspect juridique et économique de la mise en valeur industrielle du Sahara français, Encyclopédie d’outremer, paris, 1956.
36 - VILLE (m), L’exploitation géographique des BNI M’ZAB, du Sahara, Imprimerie nationale, paris, 1972.
37 - SOUSTELLE (Jacques), l’espérance trahie, 1958 - 1961, Edition de l’ALMA, paris, 1962.
38 - TRYER (Claude) Sahara 1956 - 1962, les belles lettres, Paris, 1966.
39 - MAHIOUT (Rabeh), Le pétrole algérien Ed E.N.A.P, Alger 1974.
40 - VERLET (Bruno) Le Sahara < que sais-je> P.U.F, paris, 1974.
41 - PIERRE (Bernard ), Pétrole français, Hachet, paris, 1960.
42 - THOMAS (Mac-Robert ), Sahara et communauté, P.U.F, paris, 1960.
43 - ARON (Raymond), la tragédie algérienne, plan, paris, 1957.
44 - CAPOT-REY (R.), le Sahara français, tome II P.U.F, paris, 1953.
45 - CARMEY (De Guy), Les politiques étrangères de la France 1946 - 1966, paris, 1967.
46 - DALEMONT (Etienne), Le pétrole < qui sais-je >, P.U.F, paris, 1966.
47 - ALLEG (H), (sous la direction de) La guerre d’Algérie, paris 1981, 3 tomes.
48 - LARTE GUY (jean) Sahara an 1.6 Edition N.R.F, paris, 1958.
49 - O.P.V, Alger, 1961.
4 - الدوريات ... PERIODIQUES
1 - ACTA GEROGRAPHICA n°47 - 48, 1981
2 - Bulletin de liaison saharienne, du n°29, mars 1958 au n° 40, décembre 1960.
3 - Bulletin d’information, n°5 juin, 1954.
4 - Cahier Charles de foucould, 2eme, 3eme trimestre, 1955
5 - Documents algériens, n°17, 30 sept 1955.
6 - El MOUDJAHID n° 16 janv. 1962.
7 - EURAFRIQUE 1955 - 1962.
8 - FIGAROMAGAZINE n° du 29 oct. 1994.
9 - FRANCE OUTREMER, Sahara 58, n°342, 1958. (1/329)
صفحة 310
10 - MONDE , nov. 1958.
11 - MONDE DEPLOMATIQUE (LE), 1958 - 1962.
12 - REVUE DE DEUX MONDES (LES) n°4, janvier 1959.
13 - Documents de la revue de deux mondes (les) n°4 et n°7 janv, Oct. 1959.
14 - REVUE D’HISTOIRE ECONOMIQUE ET SOCIALE, n° , 1961.
15 - TRAVAUX DE L’I.R.S (Institut des recherches sahariennes), Alger 1950 - 1962.
5 - المقالات ARTICLES
1 - ANONYME, (a propos de la vente par l’état de ses participations dans les sociétés pétroliers), In eurafrique, Alger n°12, octobre 1957, p52.
2 - ANONYME, (l’aide apporté par l’armé dans l’acheminement du pétrole saharien), In notre Sahara, n°13, 30avril 1960, pp. 52 - 53.
3 - ANONYME (zones industrielles et zones militaire, la mise en valeur du Sahara) In science et vie, juin 1958, pp. 142 - 156.
4 - ANONYME, (l’Europe des ‘six ‘ pourrait consommes 15 milliares de m3/an de gaz saharien), In le messager de l’Afrique française du 22 décembre 1960.p 25 - 27.
5 - ARIS, (une réalisation économique Eurafricaine), In eurafrique,
6 - Alger n°13, janvier 1958 pp.55 - 60.
7 - Axel louis (le pétrole du Sahara français), In Revue encyclopédique de la l’Algérie, n°3, sept/oct. 1960, pp. 139 - 145.
8 - BRISSONNIERE YVES GOEAU, (les sociétés étrangères : Un rôle secondaire mais utile), In le monde diplomatique, n° 83, 11 mars 1961.
9 - CHAPERON (lient. col), (On vote chez les mozabites), In HISTORIA magazine, n°263
10 - Pp. 1700 - 1705.
11 - CRESCENZO BERNARD (DI) (le pétrole dans la politique algérienne de développement), In revue marxiste d’économie, n° 244 NOV 1974.
12 - DECRENE PHILIPPE, (l’EURFRIGAZ réalité ? anticipation ? illusion ?), In Europefrance ou tremes, n° 345/ 346, 3eme trimestre, 1958, pp22 - 23. (1/330)
صفحة 311
13 - DESPRAIRIES P (Que veut la France du pétrole saharien ?), in Annales des mines,
14 - avril 1960, pp. 55 - 60.
15 - JACOB ALAIN (Les accords franco-tunisens sur l’évocation du pétrole d’EDJELEH mettent-ils en danger l’unité du Maghreb ?), In Le monde diplomatique, n°52, août 1958.
16 - KELLER pierre, (mise en valeur des richesses du Sahara ), In La nouvelle Revue française D’outre-mer, n°11, nov. 1957, pp. 541 - 543.
17 - LATTRE Jean-Michel, (les sociétés sahariennes de développement ), In Développement africain, n°9 et 10, 2eme année, pp. 3 et 9
18 - MAJORELLE jean, (Economie européenne et Sahara ), In Revue Juridique et parlementaire, n° 720, février 1962, pp. 41 - 52.
19 - MAQUENNE Paul, (le Problème énergétique français dans le cadre du marché Commun ), In revue politique et parlementaire, août, Sept 1958, p 123.
20 - MEYNIER Octave (G), (Sahara et eurafrique dan s la stratégie mondiale ), In cahiers Charles de Foucould, vol.39, 3eme trimestre, 1955, pp. 42 - 50.
21 - NICOLAS Henri, (le gaz d’Hassi-R’mel, le problème de vente en Algérie et en Europe ), In Europe-France-Outre-mer n° 372, nov. 1960, pp. 27 - 29.
22 - PUAUX Gabriel (le Sahara et le pact atlantique ), In Le monde, 30 janvier 1957.
23 - VAVCHEZ (J.C), (Etude sur l’exploitation pétrolière au Sahara.), In Revue d’information de l’organisme saharien, n°7, fevrier-mars 1964.
24 - VERLAQUE CH (evolution de la recherches des hydrocarbure au Sahara), In travaux de l’Institut des recherches sahariennes, 1er et 2 eme Série 1961, pp. 185 - 198.
nN (1/331)
صفحة 312
فهرس المحتويات (1/332)
صفحة 313
الفهرس
مقدمة ...
الفصل الأول: ... ...
مدخل: لمحة عن تاريخ النفط وتطوره السياسي ... .. ... 1
1. 1 - تطور الاقتصاد النفطي في العالم ... . 5
أ. مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى ...
ب. مرحلة ما بين الحربين ... ..
جـ. مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ... ..
1. 2 – تطور الاقتصاد النفطي في الجزائر ... 14
أ. النفط في التل الجزائري ... ..
ب. النفط في الصحراء الجزائرية ...
الفصل الثاني ... .. (1/333)
صفحة 314
تثمين المناطق النفطية في الصحراء الجزائرية ... 26
2. 1 - التجهيز القاعدي ... 27
أ. الطرق والسكك الحديدية ... ..
ب. المطارات ... .. ... ..
جـ. الاتصالات ... .. ... .. ...
2. 2 – أشغال البحث والتنقيب ... . ... . 36
أ. الدراسات والمسوح ... ..
ب. التنقيب والحفر ... .. ...
جـ. الاكتشافات والاحتياطات ... ..
2. 3 – عمليات استغلال الحقول النفطية ... 51
أ. الإنتاج النفطي ... .
ب. النقل النفطي ... .
جـ. تسويق النفط ...
الفصل الثالث ... .
تأطير الاقتصاد النفطي وتأمينه ... 63
3. 1 - التأطير المؤسساتي ... 64
أ. المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية ...
ب. وزارة الصحراء ... . ...
جـ. مكتب الاستثمار في إفريقيا ... . ...
3. 2 – التشريع النفطي ... .. 75 (1/334)
صفحة 315
أ. التجارب التشريعية في قطاع النفط ...
ب. القانون البترولي الصحراوي ... ..
جـ. دراسة تحليلية مقارنة ... .
3. 3 – تأمين المنشآت النفطية ومراقبتها ... . 95
أ. التنسيق الصناعي العسكري ... .
ب. المراقبة الذاتية للمنشآت النفطية ... .
جـ. الإجراءات الأمنية بالصحراء الجزائرية ...
الفصل الرابع ... .
تغريب الصحراء وفصلها ... . ... 103
4. 1 - المصالح الغربية في الصحراء الجزائرية ... . ... 104
أ. تأمين الاقتصاد الأروبي ... ... ... ...
ب. الدفاع الأروبي المشترك ...
4. 2 - المساعي الفرنسية لفصل الصحراء الجزائرية ... . 119
أ. المعركة النفسية الاجتماعية ... .
ب. سكان الصحراء والمساومات الفرنسية ... .
الفصل الخامس ...
الثورة الجزائرية والسياسة النفطية الفرنسية ... 142
5. 1 – نشاط الثورة الجزائرية والسياسة النفطية الفرنسية ... . 143
أ. النشاط العسكري ... .
ب. النشاط السياسي ...
5. 2 – النفط في المفاوضات الجزائرية الفرنسية ... 157 (1/335)
صفحة 316
أ. النفط في اتفاقيات إيفيان ...
ب. النفط في العلاقات الجزائرية الفرنسية غداة الاستقلال ..
خاتمة ... . ... 168
ملحق الجداول والخرائط والوثائق ... 176
قائمة المصادر والمراجع ... .. ... 214
الفهرس ... .. ... . ... 229 (1/336)