صفحة 1
الكتاب: الصِّلات التاريخية بيْن المغرب وعُمان
المؤلف: الدكتور. عبدالهادي التازي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: [د. ت]
الطبعة: الثانية
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة التراث القومى والثقافة
تراثنا
الصلات التاريخية بين المغرب وعمان
الدكتور
عبدالهادي التازي
الطبعة الثانية (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
* بين المغرب وعمان *
د. عبد الهادى التازى
تحدث الناس عن الصلات المغرب، عبر التاريخ، بممالك أوربا وآسيا وأفريقيا. . ولكنهم كانوا مقصرين فى حديثهم عن علاقات المغرب بمنطقة الخليج، وخاصة بلاد عمان، ولم يكن مرد هذا فقط ناشئا عن البعد بين المحيط الاطلسى وخليج عمان ولكنه كان أيضا ناشئا عن قلة اهتمام بالمصدر الامر الذى قد كان ما يبرره فى الماضى.
واليوم قد أخذت المراجع فى الانبعاث، واستيقظ الوعى بأهمية كتابة التاريخ، وعادت المسافات ساعات، أمسى من الواجب أن يتفقد بعضنا البعض الآخر، وأن نصل رحماً عمل الزمن بستمرار على تلاحمه وتواصله بالرغم من أفاعيل الأيدى الخفية والظاهرة التى كانت تبذل قصارى الجهد لفصل هذا الطرف عن ذلك، أو تشكيك هذا الجانب فى انتاسبه للجانب الآخر ..
وانه لمن المؤسف حقا أن يظل زاد تلامذتنا وطلبتنا وأخرى (1/3)
صفحة 4
مثقفونا، قليلا فى باب التعريف بتلك العلاقات وتلك الصلات، على كثرتها واستمرارها، ومن المؤسف حقا أن لا تحمل معاهدنا ومؤسساتنا وشوارعنا كذلك أسماء لبعض الشخصيات وبعض الوقائع التاريخية التى كانت جسوراً ربطت المغرب بعمان وربطت عمان بالمغرب .. إن ذلك سيقوى دون شك من حاسة المواطنين هنا وهناك، ويجعلهم يرجعون إلى التاريخ ليسألوا عن هوية تلك الشخصيات وحقيقة تلك الوقائع ..
ولابد أن نذكر فى صدر تلك الجسور المغربية العلامة الجغرافى الشهير بالشريف الادريسى الحمودى السبتى الذى أعطى وصفا دقيقا لهذه المنطقة ظل -الى الآن مرجعا صادقا لكل الذين يهمهم أن يتحدثوا عن جغرافية البلاد ومسالكها ..
لم تكن «هجرة الأدمغة» وليدة اليوم، فقد عرفها التاريخ قبل هذا العصر، وقد كان الشريف الادريسى أحد هؤلاء الذين تركوا بلادهم فى عهد دولة الموحدين وهكذا وجدناه فى صقلية أثناء القرن السادس الهجرى، ببلاط روجى الثانى الذى قربه اليه وطلب منه تأليف كتاب الآفاق المعروفة على ذلك العهد، وقد كانت المرحلة الاولى من أعمال الادريسى إعداد لوح الترسيم بينما كانت المرحلة الثانية صنع كرة فضية للعالم، وكانت المرحلة الثالثة إعداد (كتاب نزهة المشتاق فى إختراق (1/4)
صفحة 5
الآفاق) الذى ألفه سنه 1153 م وكانت المرحلة الرابعة من أعماله أعداد فريدة ملحقة بكتاب نزهة المشتاق.
وقد بلغ وزن كرة الادريسى أربعمائة رطل بالرومى (حوالى 150 كيلوجرام)، رسم فيها جميع أقاليم وأقطار المعمورة رسما غائرا مشروحا بالاستيفاء، وقد استعان فى تصنيف كتابه هذا بمصنفات من تقدمه من علماء الهيئة والجغرافية، وبما استقاه من أخبار التجار والملاحين، ولا تختلف خرائطه فى ترتيبها ووضعها عن الخرائط التى نعرفها اليوم من حيث إن الادريسى يرسم الجنوب شمالا والشرق غربا ..
لقد نالت عمان من خريطة الجغرافى المغربى ومن كتابه نزهة المشتاق، وبخاصة الجزء السادس من الاقليم الثانى، نالت حظا وافرا يبرر ـ فى نظرى ـ أن تكون أساسا للحديث عن تاريخ عمان فى العصور المتقدمة.
فهمنا فى خريطة الادريسى ذكر «لظفار وصور وقلهات ومسقط ونزوى وصحار وجلفار» إلى آخر المواقع التى ذكرها بأسمائها التاريخية مدنا وقرى وجبالا وأودية ونباتا وهوام وحشرات كذلك، ومن المهم أن نعرف أن بعض المعلومات التى كتبها الادريسى عن عمان كانت تصله أثناء تأليفه للكتاب، (1/5)
صفحة 6
وهكذا سمعنا عن عدد من مغاصات اللؤلؤ فى صور وقلهات ودما.
ورأينا صورة كاملة لقطع للأسطول الذى كانت تتوفر عليه عمان والذى كان يخيف الهند وأفريقيا بما كان يحتوى عليه من (مشيعات) و (أغربة) وسفن متنوعة ..
وقد قصدت باستعراض تلك المدن على ذلك الترتيب أن ألفت نظر المهتمين الى ضرورة العودة الى أصل الخريطة، والى كتاب نزهة المشتاق .. ليقفوا بأنفسهم على ما قد يكون لحق عمل الادريسى من تساهل من طرف الباحثين الذين اهتموا بنشر الخريطة المذكورة، وتمكنوا من نشر بعض أجزاء النزهة الى الآن، وأذكر على سبيل المثال وجود صحار فوق مسقط مع أن موقعها حسب نظام الادريسى مكان آخر ..
ان دراسة خاصة لما قاله الشريف الادريسى عن عمان تظل دينا فى طوق السادة علماء عمان الذين عودونا على طول نفسهم فى البحث والتنقيب، إن عليهم تقع تبعة التحقيق فيما كتبه الادريسى عن أرضهم وشعبهم ..
ودعونا ننتقل بعد الادريسى السبتى، الى ابن بطوطة (1/6)
صفحة 7
الطنجى الذى كان من بين الذين اتعمدوا على الادريسى فى هذه المنطقة <ح> (1).
لقد عرف المغاربة من قديم برغبتهم فى الرحلات الطويلة وقد كان ذلك يرجع الى عدة أغراض، أبرزها شيئان اثنان:
أولهما: هيام المغاربة بالمشرق، خاصة وقد ظلوا يعتقدون ان هذه الامكنة كانت منطلق سعادتهم، ولهذا فانه لم تكد تخلو سنة واحدة دون أن تشد الرحال من أقصى بلاد المغرب الى الحرمين والقدس، أنقذه الله من الرجس.
ثانيهما: الباعث السياسي فان المغرب الأقصى يعتبر الدولة الاسلامية الوحيدة التي يبتدئ تاريخها الدولى منذ بداية القرن الثاني الهجرى دون ما ان تتأثر بتدخلات (هولاكو) ولا (نابليون) ولهذا نجد في تاريخ الامم ذكرا لا يبلى للمبعوثين الذين كان المغرب يرسلهم الى الخلفاء والأئمة والسلاطين والملوك في آسيا وأفريقيا وممالك أوربا، وذكرا لا يبلى للرسائل التي كان يبعثها الى الولايات المتحدة الامريكية كذلك. <ح>
(1) راجع مثلا ما قاله ابن بطوطة حول جبلى كسير وعوير اللذين يوجدان داخل أعماق الخليج على مقربة من البحرين يحتاج الملاح الى معرفة موقعهما حتى لا تتكسر مراكبه ولا تتعور! (1/7)
صفحة 8
وقد تضافرت المصادر التاريخية على أن الرحالة المغربى ابن بطوطة لم يكن مجرد رحالة يرضى هوايته في التجوال والاستطلاع ولكنه كان بمثابة سفير متنقللدولة بنى مرين المغربية، يجمع المعلوامات الجغرافية ويقف على الظروف المعاشية والمظاهر الحضارية والحياة للبلاد التى يزورها بل انه كان خاضعا لولاء العاهل المغربى، كما تدل عليه بعض المقاطع من رحلته، خاصه منها الفقرات التى تذكر أنه تلقى «أمرا كريما» ذات يوم بالالتحاق ببلاط فاس العاصمة ..
ويظل ابن بطوطة الشخصية العربية العملاقة الذى فرضت وجودها على كل الذين كتبوا عن تاريخ البلاد والشعوب فجميعهم يبحث عما قاله ابن بطوطة حول ما به يشتغلون، يعتمدونه قبل غيره من المصادر والمراجع على أنه شاهد عيان!
وكذا كان الامر كذلك بالنسبة لمن حاولوا أن يؤرخوا لعمان والبحرين .. فقد زار ابن بطولة المنطقتين على التوالى وسجل معلومات فريدة فى بابها بالرغم مما احتوته أحيانا من تساهل واسترواح لم يكن ابن بطوطة مسؤولا عنه بقدر ما كان مسؤولا عنه:
أولا التراجمة الذين كان يعتمدهم ممن كانوا دون مستوى الأسئلة التى كان يطرحها، وقد مرت بابن بطوطة متاعب من (1/8)
صفحة 9
جهة التراجمة نقشت على ذاكرته، فلم ينسها بمرور الأعوام، وهكذا فبعد أن تذكر تورطه فى بعض جهات آسيا الصغرى حيث استحضروا فقهيا من مكان بعيد ادعى انه يعرف اللغة العربية، ليقوم بدور الترجمة، ولما طلبوا اليه تأدية ما قاله الرحالة، اعتذر بان ابن بطوطة يتكلم باللغة العربية القديمة بينما هو، أى الترجمان، لا يعرف إلا اللسان العربى الجديد .. !
وهكذا أيضا يعرب ابن بطوطة عن خيبته وقد قدم اليه ترجمان آخر، كشف الغيب أنه لا يعرف من اللسان العربي إلا كلمة «نعم» خاصة! وقد تحدث عن ترجمان ثالث بعثه ليشترى له سمنا فأحضر له عوض السمن حفنة من التبن، وتبين ان للسمن كلمة أخرى غير ما اعتاده الرحالة! وقد قدم له ذات يوم كوب شراب من طرف أمير أحد البلدان، فسأل ابن بطوطة عن كنهه فأجابه الأمير إنه (ماء الدهن) فتناوله رحالتنا قبل أن يتضح له أنه عصير البوزة، وان المجيب عوض ان يقول: إنه ماء الذخن بالخاء تحرف النطق على نحو ما يحصل عند المتلقنين للسان الآخر!!
وكلنا يعرف أنه فى هذه المنطقة تعرض أحد الزوار الغرباء لعملية كسر موجعة عندما طلب اليه أمير حميرى كان يوجد على (1/9)
صفحة 10
سطح بيت، طلب اليه أن يثب، فامتثل الزائر اظهارا للطاعة، فوقع على الأرض قبل أن يعرف أن كلمة (ثب) تعنى بالحميرية أجلس وليس أقفز .. الامر الذى كان مضرب المثل المشهور: «من دخل ظفار حمر أى تكلم باللغة الحميرية!
ويعزى أمر تساهل ابن بطوطة بعد هذا فيما قد يؤاخذ عليه الى عملية السطو التى تعرض لها الرجال أثناء إحدى تنقلاته فقد مبيضاته المكتوبة، وهكذا لم يكن غريبا أن تخونه ذاكرته عندما كان يملى مشاهداته ـ بعد أزيد من عشرين سنة على تدوينها، وأمر التفريط فى المذكرات حديث معضل ردده من رحالتنا المغاربة من أمثال السفير ابن عثمان ..
تعمدت ذكر كل هذا، لاضع الرحالة المغربى فى الصورة الحقيقية، حتى لا نسمح لنفوسنا بمناقشته الحساب فى البعض القليل من فجواته وغفواته!
والآن لنأخذ مركبا مع ابن بطوطة من ميناء كلوا ( KILWA) جنوب دار السلام عاصمة (تانزانيا) الحالية لنصل الى ساحل جنوب الجزيرة العربية، لنزور للمرة الاولى ظفار فى 23 رمضان 731 هـ حيث يتحدث الرحالة المغربى عن الثروة الحيوانية التى تنعم بها البلاد وبخاصة عتاق الخيل (1/10)
صفحة 11
التى تزود بها منها القارة الهندية .. كما يتحدث عن الثروة السمكية وخاصة نوعية السردين، والثروة الزراعية وبخاصة الذرة والعدس، ويتحدث عن مساهمة السيدة فى النشاط التجارى واجتهاد المزارعين فى استخراج مياه السقى مما لا تزال آثارة بادية الى اليوم فى الآبار والافلاج مما يدل على وجود الهندسة الهيروليكية فى المنطقة .. ولا يفوت ابن بطوطة أن يصف موز ظفار التى كانت حديث مجالس الخليفة هارون الرشيد، باعتباره كبير الحجم طيب الطعم شديد الحلاوة ..
كما يصف ازدهار زراعة التنبول (الراك) والنارجيل (جوز الهند) اللذين قدم عنهما كلاما مسهبا فى منتهى الجدة والطرافة، وخاصة بالنسبة للمغاربة الذين حرموا من هذا النوع من النبات الذى ذكر له خاصيات طيبة.
وقد تحدث ابن بطوطة عن عادة فريدة فى باب تحبيب زيارة ظفار، وهى تعبر - الى جانب ما تدل عليه من بعد نظر على خلق سام رفيع يعد ترديده اليوم من قبيل الأساطير الممعنه فى الغرابة ..
وبعد أن يتحدث الرحالة المغربى عن الخلال الحميدة التى يتميز بها سكان ظفار وعن تعودهم على النظافة وارتدائهم لاخف الثياب اتقاء للحر .. وبهذه المناسبة يقدم المدينة على انها مركز هام لصناعة الحرير والقطن والكتان، وينتقل ابن (1/11)
صفحة 12
بطوطة لعادة المواطنين فى مصافحة بعضهم بعضا فى أعقاب صلاة الصبح والعصر والجمعة ويستنتج الرحالة من هذه الاستقامة فى السلوك والاشتغال بما يعنى أن ذلك وراء حماية الله للمنطقة من عدوان الجائرين والمجاورين!!
ولنبق مع ابن بطولة المتصوف، لنجده يقم إلينا بعض مشاهد ظفار على ذلك العهد، وهكذا نسمع عن زاوية أبى محمد بن أبى بكر بن عيسى التى يستجير بها بعض المتابعين على نحو ما كان عليه الحال فى المغرب بالنبسة لبعض المشاهد هنا فى هذه الزاوية قضى ابن بطوطة ليلته مكرما من ابنى ضجيع الزاوية الشيخين أحمد ومحمد ..
ويعطى الرحالة المغربى صورة جميلة لقاضى المدينة ابي هشام عبد الملك الزبيدى الذى كان مثلا فى الصلاح والتواضع والكرم ..
واذا كان الرواة قد ذكروا ان قبر نبى الله هود بن عابر يوجد بالجدار القبلى من المسجد الأموي بدمشق الشام، فان ابن بطوطة يعقب على هذه الرواية بانه وقف فى ظفار، فى الأحقاف منها، على زاوية تحت ظل قبراً كتب عليه «هذا قبر هود بن عابر عليه أفضل السلام .. » (1/12)
صفحة 13
وقد أفرد حديثا عن تقاليد السلطان على ذلك العهد وعن العادات المتبعة فى ممارسة الحكم مما يدل على الاصالة فى ضبط الامر واحكام السياسة ..
ويتأكد ان الرحالة المغربى أخذ طريقه البحرى من (صلالة عاصمة ظفار فى 27 ذي القعدة 731 هـ فقد نزل فى اليوم الثانى فى مرسى (حاسك) بمعية صاحب المركب على بن ادريس حيث قضى بعض الوقت ليقدم لنا صورة جديدة عن نوعية سمك المتوفرة فى هذه الناحية، وعما نسميه فى المغرب بحصى اللبان الذى لا يخلو منه متجر فى أسواق العطارين بالمدن المغربية، ومن حاسك عاد المركب فى اتجاه جبل لمعان حيث وصله بعد أربعة أيام واجتمع متبتل هناك، ومن لمعان الى (جزيرة سماها جزيرة الطير) لانها لا تحتوى إلا على أنواع من الطيور، أتصورها على نحو (جزيرة الطيور) فى (الصويرة) المغربية، وهنا أيضا يتحدث نوع السمك ويقارنه بما يوجد فى المغرب، ليشعر أن الاستعمال المغربى لا يخصص الحوت لنوع الضخم على ما هو عن المشارقة، وهو الاستعمال الذى تؤيده المعاجم اللغوية .. ولم ينسى ابن (1/13)
صفحة 14
بطوطة أن عيد الأضحى لعام 731 هـ صادفه وهو على متن البحر العربى (1).
ذوقد تبنى المطبخ الامريكي اليوم صحن طعام يقدمه فى المناسبات الكبرى، كان يشبه تماما الصحن الذى حضره بعض تجار عمان فى المركب، وهو عبارة عن ذرة مصلوقة مضافا اليها عسل التمر .. لم يفت ابن بطوطة نسبة الصحن الى عمان، ولم يتردد فى القول بانه لم يتناول هذه الوجبة فى السابق واللاحق ..
ويصل الرحالة الى جزيرة مصيرة، حيث انتظر زيارة صاحب المركب لأهله، ثم اتجه الى مرسى (صور) حيث خطر بباله أن يزور بطريق البر مدينة (قلهات) صحبة مولانا خضر الهندى وبمساعدة دليل أقلق ابن بطوطة مراوغاته وموارباته، وهنا نقف على حكاية ملذة للمتاعب التى تعرض لها الرحالة المغربى فى سبيل الوصول الى قلهات التى كانت تستحق أن تسمى بالنبسة لما حصل له «مس كد»! لأنه لم يصلها إلا بعد أنه مسه الكد ونال منه الجهد! (ولدون مسكد مس كد)! (1/14)
صفحة 15
وهنا فى قلهات يقدم ابن بطوطة مظهرا جديداً من مظاهر الحضارة الاصيلة والحفاظ على الامن فى البلاد، وهكذا وجدنا الرحالة يقصد صحبة حارس باب المدينة الى قصر الامير ليتأكد من هويته وجهته ومقدمه وأسباب زيارته على نحو ما نملأه اليوم على متن الطائرة عندما نقترب من النزول على أرض أمة من الأمم ..
ولم يفت ابن بطوطة ان ينعت حاكم المدينة بالفضل ودماثة الخلق وكرم الضيافة وجمل المواساة التى كان فى حاجة ماسة اليها طيلة الايام الستة التى قضاها فى قلهات.
ولاشك أن فترة الاستجمام هذه كان لها أثر على استعادة ابن بطوطة لمتابعة وصفه لقواعد عمان، وأن ما قاله عن قلهات وأسواقها ومساجدها الاعظم ليشوق بحق الى أداء زيارة لهذه المدينة الجميلة!!
فلقد أخذ بلبه تطريز جدار الجامع بالقشانى الذى شبهه لما نسميه فى المغرب بالزليج، وليس الزالج كما رسمته بعض المصادر العمانية، وصناعة الزليج أو القاشانى من أهم وأتقن وأجمل الصناعات التقليدية الدقيقة التى يحتفظ بها المغرب الى الآن، والصانع يحمل وصف (الزلايجى) ويجمع على (زلايجية). (1/15)
صفحة 16
وقد ظل ابن بطوطة يتحسس النكهة الطيبة لسمك قلهات الذى لم يذق مثله فى أقليم من الاقاليم والذى كان يفضله على جميع اللحوم ..
ويذكرنى وصف ابن بطوطة لطريقة اعداد السمك بقلهات فيما كنت أراه فى بغداد مما يعرف باسم (المسقوف)، لكن وصفه كان أكثر دلالة وهو يتحدث عن شىّ السمك على ورق الشجر (الطرفاء) الذى يكسبه أيضا رائحة عطرة، وهو يتحدث عن جعل السمك على الارز .. وهو صحن لذيذ ومطلوب فى البلاد المغربية.
وكما حكى عن عادة ظفار فى الاستقبال الكريم للمراكب، كانت العادة أيضا متبعة على قلهات الامر الذى يدل على تماسك أخلاق السكان ووحدة أرومتهم جنوبا وشمالا ..
وقد فات ابن بطوطة عندما لاحظ على أهل البلاد انهم عندما يسألون عن شئ يضيفون كلمة: لا .. فاته أن أهل المغرب أيضا يرتكبون نفس الاسلوب فيقولون تفعل كذا والا لا.
وقد رسم ابن بطوطة لوحة فنية بالغة الجمال لقرية طيوى التى نطق بها الرحالة المغربى (طيبى) ربما لخطأ وقع له فى التقاط الكلمة، هذه القرية التى نعتها من أجل القرى وأبدعها حسنا بما تضمه من أنهار وأشجار وبساتين وفواكه .. (1/16)
صفحة 17
ومن قلهات قصد عبر الصحراء (نزوى) قاعدة عمان على ذلك العهد .. وتظل قاعدة عمان القديمة مدينة لابن بطوطة فيها وصف به العاصمة السابقة من وفرة البساتين وغزارة الانهار وترتيب الاسواق ونظافة المساجد .. وقد كشف ابن بطوطة عن عادة بالغة الغاية فى تصوير الخلق الاسلامى، والكرم العربى فى أروع حقائقه، حيث نجد تعود النزويين على تناول الطعام فى صحون المساجد حيث يأتى كل مواطن بما يتوفر لديه من قوت ويجتمع الناس للأكل فى صحن المسجد، يشاركهم الواردون والصادرون ..
هذا الى اضفاء صفات النجدة والشجاعة على أصحاب البلاد، وهى الصفات الثلاث التى تظل ميزة الانسان العربى على مر الزمن.
وقد تمكن ابن بطوطة من الاتصال بسهولة بسلطان عمان أبى محمد بن نبهان الذى وصفه الرحالة المغربى بعدم التكلف والاستئثار بالحكم وفتح بابه للجميع وبسط السفرة والعناية بالغريب ..
وإذا كان ابن بطوطة لم يتعرض للمذهب الدينى المتبع فى ظفار .. فانه لم يفته ان يتحدث عن المذهب الاباضى المتبع فى نزوى، وهنا نستفيد من خلال كلامه ان حرية اختيار المذهب
(م 2 – الصلات التاريخية) (1/17)
صفحة 18
كانت مؤمنة للناس، وفى معرض حديثه عن المذهب السائد نقل عما شاهده وسمعه، وكنا نتمنى أن لو قام بحوار هادف لتبادل وجهات النظر حول ما يأتيه الناس وما يذرون، لكنه اكتفى بمجرد الحكاية التى لم يكن غريبا علينا أن نسمع عنها، من ابن بطوطة، ما دأبنا على سماعه ممن يختلفون مذهبا عن الآخرين، وخاصة فى العصور الغابرة .. اعتدنا هذا فى رحالاتنا - منذ التاريخ المبكر - ممن كانوا يمرون فى طريق حجهم بميزات وجزية والزوارات اعتدناه من (التيجانى) إلى (الاسحاقى) كما اعتدنا أيضا التصدى لهؤلاء من عدد من العلماء الاباضية من أمثال على يحيى معمر ومحمد بن زبوز .. الامر الذى أثرى من جهة أخرى المكتبة الاسلامية، وأغنى ميدان الحوار الفقهى .. ومع هذا لابد أن نلاحظ ان ابن بطوطة كان يرتفع عن الغرض والا فبماذا نفسر انتقاده لابن نبهان (نزوى)، مع انه كان لا يخالفه فى المذهب؟
وهكذا وجدناه يروى حادثة اعتمد فى شطرها الاول على ما قاله إنه حضر بنفسه بينما اعتمد فى شطرها الثانى على ما ذكره له من طرف مجهول.
ويودع ابن بطوطة بلاد عمان عن طريق هرمز فى سنة 731 هـ ولكن ليعود اليها بعد نحو من سبع عشرة سنة، وفى (1/18)
صفحة 19
هذه المرة يقصدها عن القارة الهندية، من قاليقوظ (1) ( CALICAUT) فى محرم سنه 748 هـ، لقد زار ظفار مرة ثانية ونزل عن سلطانها قبل أن يأخذ الطريق البحرى الى مدينة مسقط حيث أعطى نظرة عن ثروتها السمكية .. ذاكرا النوع المعروف بقلب الماس، لقد كان أخذ فكرة جيدة عن كرم عمان وخلق أهل عمان ولذلك فانه فضل أن يصل معها الرحم مرة أخرى، وأظنه ممن كان ينطبق عليهم بعض الشئ بيت الشعر الذى أورده صاحب (الامتناع والمؤانسة) والذى سأل هشام عليا بن خالد الهجيمى عن قائله:
لو يسمعون بأكله أو شربة *ش* بعمان أصبح جمعهم بعمان!
وبعد ان استمتع بمجالسمسقط نزل جنوبا الى مرسى القريات ثم (شبة) أو (الشباب) ثم الى مرسى كلية ليلتحق بقلهات ويبحر منها الى هرمز مرى أخرى.
وهكذا اسهم ابن بطوطة الطنجى فى كتابة تاريخ عمان على نحو ما كان من سابقه الشريف الادريسى الذى قدم من (1/19)
صفحة 20
عمان معلومات جغرافية أصيلة على ما أسلفنا، ومن حقنا أن نتسأل عن انطباعات ابن بطوطة حول المنطقة وعن صلات مواطنيها بالمواطنين المغاربة.
لقد شعر ابن بطوطة فى هذه البلاد بشبه قوى بين أهلها وبين أهل المغرب، وهذه القولة التى مضى عليها زهاء سبعة قرون، تؤكد نفسها بصفة ملحة وتجعل الزائر العمانى للمغرب لا يشعر هو الآخر بفرق بين هاتيك الديار وهذه الديار، وهذه حقيقة أخرى تجعلنا نقف طويلا أمام ما رواه المؤرخون عن أصول المغاربة من أن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير على تعبير ابن بطوطة .. وأحب أن أفتح قوسين هنا لأتسأل عن الصلة بين القوم الذين يعرفون باسم (الشحوح) وبين القوم الذين يحملون فى المغرب اسم (الشلوح)، كل لغة لا يفهمها غيرهم، وكل له سحنة تختلف فى الغالب عن سحنة الآخرين ..
لقد قوى من انطباع ابن بطوطة ذلك انه لاحظ وهو فى ضيافة خطيب المسجد الاعظم أن أسماء جواريه أيضا أسماء مستعملة فى المغرب .. كذلك لاحظ أن أهل ظفار حاسروا الرأس وهى عادة مغربية تخفى حتى على بعض المغاربة من الذين لا يعرفون ان جل الشخصيات الاندلسية المغربية كانت تكتفى بوفراتها الكثيفة المضمخة! وأخيرا فان كل بيت كان يحتوى في (1/20)
صفحة 21
أبرز ما يحتوى عليه سجادة يفترشها عند الصلاة وهى عادة مغربية صميمة، هذا الى ميل الناس هنا لتناول الذرة، وهى المزروع المحبب لدى أهل المغرب.
ان هذا الاستنتاجات من ابن بطوطة لا ينبغى ان تؤخذ على انها مجرد افتراض ولكنها افادة تاريخية هامة عثرت أقدام الباحثين الأوربيين الذين كانوا ـ ومايزالون ـ يحاولون أن يلحقوا الانسان المغربى بالانسان الاوربى، ومن ثمت سمعنا عن التفريق بين بربر المغرب وعربه مع أن الكل وارد أصلا من هذه الجزيرة ..
وانه لما يلفت النظر الملاحظ أن يسمع فى المغرب عن أسرة العزفى ولاة (سيتة) المغربية فى العصر الوسيط ومنشئئ عادة الاحتفال بعيد المولد فى الديار المغربية .. وقد كانوا منحدرين أصلا من قابوس ابن النعمان بن المنذر! وأن يسمع عن أسرة (الغسانى) وأسرة (الحارثى) وأسرة الزبيدى وأسرة الزواوى والسالمى والراشدى وأسرة السراج الحميرية، بل وأن نسمع عن أسرة (العمانى) التى نزحت كسابقاتها من هذه المنطقة إلى المغرب عن طريق الاندلس .. ثم أن نسمع عن عادة حمل الخنجر فى الجنوب.
لقد أسدى ابن بطوطة لثلثى سكان المعمورة جميلا لا ينسى (1/21)
صفحة 22
بما كتبه من سائر وجهات النظر .. وما يزال ــ بالرغم من الاهتمام الذى احتف بمذكراته ــ بحاجة الى عناية أكثر، وأعتقد انه لو كان ابن بطوطة من مواليد أمريكا لأطلقوا اسمه على المطارات والموانئ ومحطات الفضاء، تقديرا لما قدمه للمجموعة الدولية من عطاء ..
ولنودع فترة بنى نبهان الى فترة اليعاربة لنشهد تلاحما لا نظيرا له فى علاقات أمة بامه لنشهد تجاوبا بين المحيط والخليج ظل محل إهمال من المؤرخين المشارقة والمغاربة على السواء، ويتعلق الامر بالتشابه القوى بين وضع هنا ووضع هناك وبالتضافر من طرف الجانبين على التخلص من الوضعين ..
وهكذا فكما ستقع فى يد البرتغال هنا مسقط وصحار وجلفار وصور وقريات، وقعت هناك فى المغرب سبتة والقصر الصغير وأصيلة وطنجة وأكادير، وكما بنيت القلاع والحصون البرتغالية هنا فى مسقط (ميرانى وجلالى) شاهدنا فى المغرب عددا من الحصون والقلاع تحمل أسماء مثل أنطاكروز أى الصليب المقدس .. وكما باع البرتغاليون أسرانا من (دكالة) فى لشبونة أوائل القرن السادس عشر كانوا أيضا هنا يخطفون قومكم وكما أغرت هذه المنطقة جيرانها من الاعجام فانهالوا عليها، فقد حركت بلادنا من شهية من جاورها من الاتراك فحاولوا أن يلتهموها .. (1/22)
صفحة 23
وكما سمعنا عن صدام العثمانيين مع البرتغاليين هنا، شاهدنا مضايقتهم للاسبان هناك ولكن على حساب المغرب وعمان .. لقد كان الهدف الاول ما اثبت التاريخ حماية المصالح الخاصة!
وكما كانت الخلافات الشخصية بين أبناء البلاد ممهدة للتدخل الاجنبى هناك، رأينا الامر كذلك بالنسبة للمنطقة هناك فقد كان بعض القادة تجاوز الله عنهم يعتقدون أنهم بالاستعانة بالاجنبى سيتغلبون على خصومهم السياسيين ويعود الاستعمار من حيث أتى وبدون أن يستفيد من ثمرات تدخله!
لقد كان الهدف البعيد للصليبة قص جناحى العالم الاسلامى فى محاولة ماكرة للاجهاز على المقومات الروحية والقضاء على لغة القرآن، وذلك قبل أن تجتذبهم البهارات التى كانت بمثابة البترول لليوم.
لقد وجدت طلائع المغاربة فى عمان كما وجدت الدولة السعيدية نفسها أمام جيوش حافلة تهدد أراضيهم وتشتغل ثرواتهم.
ولعل من الامانه للتاريخ أن أرفع ظلما غير مقصود وقع (1/23)
صفحة 24
على أحد العمانيين الاعلام ممن يفتخر بهم تاريخ الملاحة البحرية، ويتعلق الامر بالمعلم أحمد بن ماجد الذى ذكر النهروانى عنه انه هو الذى هدى (دى كاما) الى هذه المنطقة هذه الرواية التى وجد فيها المستشرق الفرنسى فيران ( FERRAND) مجالا للحديث، ونقلها بعض المؤرخين العرب عن حسن نية باعتبارها تبرز ابن ماجد على انه يتفوق الملاحين الأوربيين معرفة وخبرة! الامر الذى كان مصداق المثل القائل «من معرفته بالصحابة صلى على عنتر»!
وقد غفل هؤلاء عن حقائق ثلاثة تبعد مساعدة ابن ماجد للبرتغال:
أولهما: ان ابن ماجد كان يكره البرتغاليين كرها بالغا وقد ظهر ذلك فى شعره الذى يقول فيه عن البرتغال:
وهو الذى قد قهر المغاربة *ش* واندلس فى حكمه مناسبة!
ثانيا: ان نص النهروانى يذكر أن دى جاما، انتزع الأسرار من ابن ماجد.
ثالثا: أن ابن ماجد لم يتحدث مطلقا فى كتبه العديدة التى ظهرت، عن تقديم مساعدة من هذا النوع، وهو مما يشكك ــ ان لم بيطل ــ فى رواية النهروانى. (1/24)
صفحة 25
وهكذا فاذا ثبت عن استفادة دى جاما من قراءة كتاب الشريف الادريسى ورحلة ابن بطوطة، فانه لن يثبت ما نقله النهروانى فى (برقه) مادام لم يعزز بمصدر ثان كيفما كان لونه عربيا أو برتغاليا!
لقد ظهر ناصر بن مرشد هنا فى عمان وظهر أحمد المنصور هناك فى المغرب كلاهما حكم نفس عدد السنيين التى حكمها الآخر تسعا وعشرين سنة كلاهما قطع الطريق على البرتغال والمناوئين فى الداخل، كلاهما عاش فترة ذهبية فى تاريخ النضال الشريف من أجل تحرير الثغور ..
وأرجو ان تسمحوا لى ــ بعد أن عرفنا عن دور الادريسى وابن بطوطة فى التعريف بالمنطقة ــ أن أنتقل الى موقعة حربية ينبغى فى نظرى أن تحمل الشوارع فى قواعد عمان اسمها لما كان لها من أثر قوى على التعجيل بكسر شوكة البرتغال فى هذه المنطقة وأعنى بها المعركة التى تمت بمكان قرب مدينة القصر الكبير يحمل اسم (وادى المخازن) فحملت بذلك اسم الموقع ونعتتها المصادر التاريخية بانها (غزوة بدر)، لقد كان البرتغاليون يطمحون الى ان يستحوذوا على الساحل المغربى كله وقد كان هذا الطموح منهم بعد أن حصلوا على مساعدات دولية وتزكيات ومباركات من زعماء المسيحية آنذاك .. (1/25)
صفحة 26
وشاء الله أن ينزل الضربة القاصمة بالاحلام البرتغالية عندما رمى بجيشهم الى الدخول مع المغرب فى المعركة .. وقد اصم القدر آنذاك ملك البرتغال (دون سباستيان) فلم يصخ بسمعه بحال الى النصائح التى قدمت اليه من قبل وزرائه، بل ومن قبل ملوك أوربا وعلى رأسهم ملك قشتالة، وهكذا صحب ملك البرتغال مائة وعشرون ألف مقاتل جمعهم بمساعدة البابا من سائر الممالك المسيحية، هذا الى ما كانوا يجرونه من المدافع وآلات الدمار .. وقد تم التجمع البرتغالى فى مدينة (أصيلة) التى يردد أهلها الى اليوم المثل القائل: «أصيلة صغيرة ومحاينها كبار» (يعنى متاعبها عظيمة).
كان آخر يوم من شهر جمادى الاولى من عام 986 هـ عندما عبر طاغية البرتغال جسر الوادى المعروف بوادى المخازن، وأمر العاهل المغربى المولى عبد المللك بهدم الجسر ليلة الصدام المنتظر .. وكان اللقاء .. وركب المغاربة أكتاف العدو يقتلون ويأسرون فولى البرتغال الادبار وحاول الحرس الملكى أن ينقذ العاهل من الهلاك فنصحه بأن يعود من حيث أتى لكنهم لم يجدوا جسراً كان هنا بالأمس! وألقى بنفسه فى الوادى مفضلا الانتحار بالغرق لكن أحد المغاربة أهوى عليه بخنجره فجمع بين القتلتين!
وقد لقى نفس المصير أحد الذين أصروا على الاحتفاظ (1/26)
صفحة 27
بلقب الملك بالرغم من عزل الشعب له وحكم الفقهاء عليه بالمروق لاستنجاده بملك البرتغال على اخوانه ..
وشاءت الاقدار أن يلتحق بالرفيق الأعلى السلطان المولى عبد المللك فى أعقاب مرض اشتد عليه فى نفس اليوم، ومن ثم سميت الغزوة عند المؤرخين الاوربيين بمعركة الملوك الثلاثة وربما سميت أيضا معركة القصر لان مدينة القصر على ما قلناه كانت أقرب مدينة، وهى المعركة التى نعتها الاوربيون بالمعركة الحاسمة فى تاريخ الصراع بين المسيحية والاسلام.
وهكذا بايع المغرب السلطان أحمد المنصور الذى كان العضد الايمن لأخيه الراحل عبد الملك، وقد هز هذا الحدث العظيم ملوك أوربا وسلاطين القسطنطينية العظمى فبعثوا بسفرائهم يزفون التهانى ويعربون عن الامانى ويحملون معهم التحف والهدايا طالبين المسالة، راغبين فى إبرام عقود الصداقة والسلام.
ورأينا من جهة أخرى اليهود المقيمين بالمغرب يحفظون تاريظ هذا اليوم لأداء صلوات الشكر لله على نجاتهم من احتلال كان سيعيد عليهم عهد المحارق التى عرفوها فى قشتالة! (1/27)
صفحة 28
لقد وصلت لاخواننا أهل عمان دون شك أخبار الهزيمة المنكرة التى ألحقتها الجيوش المغربية بالرأس المدبر لحركة الغزو التى تترصدهم فى الهند وتتربص الفرصة للانقضاض عليهم، تلك الحركات التى ستبلغ الغاية فى العتو عندما صلمت فيها الآذان وجدعت الانوف! ..
فهل انتهى حسابنا مع الاستعمار؟ لقد وجد المغرب نفسه وجها لوجه مع فيليب الثانى الذى خلف دون سباستيان، وقد مات دون أن يخلف وارثا حيث اندمجت البرتغال فى أسبانيا أزيد من ستين سنه ..
ومن سخرية القدر أن تتوسط أليزابيث الاولى للمطالب بعرش البرتغال، ونجده يلتجئ الى المغرب ليطلب مساعدة العاهل على استرجاع ملكه الداثر علماً منهم بان عرشهم الذى ثملته سيوفنا لا يتأتى جبره على يدنا كما تقول الرسالة التى بعث بها السلطان المنصور الى الشعب المغربى آنذلك ..
لقد وجد المنصور نفسه أمام قوة جديدة تحاول أن تركز قواها فى الصحراء المغربية لتضمن عبر الرجاء الصالح أو «المدخل» كما تسميه المصادر القديمة، لتضمنه للوصول الى الهند وعمان، ولتستعد بذا لتطويق المغرب من ناحية الجنوب حتى لا يستطيع الحراك .. (1/28)
صفحة 29
وهنا كانت حركة المغرب الثانية فى الجنوب المغربى عندما قام السلطان أحمد المنصور بمسيرته الحمراء بعد أن استفذ كل وسائله لاقناع المسؤولين هناك بضرورة توحيد الكلمة .. لقد ذهل العالم لتلك المسيرة التى قضت على أحلام فيليب الثانى فى السيطرة على الواقع الساحلية المؤدية الى (المدخل) والتى كانت فى الواقع امتدادا لاهداف معركة وادى المخازن.
وقد تنفس اخواننا فى عمان الصعداء أيضا من هذه الاخبار التى وصلتهم عن طريق بريدنا الدائم مع الشرق: عن طريق السفراء المغاربة الذين ما انفكوا يتقاطرون على اسطانبول وقادة المشرق من أمثال سفير الخلفاء التامجروتى أخى صاحب كتاب (النفحة المسكية)، عن طريق الحجاج، على الاقل، ممن كانت تجتذبهم المنطقة فينقلون لنا عنها كما ينقلون اليها عنا: لنقف على التقرير الذى رفع القنصل البرتغالى فى فاس بتاريخ 30 مارس سنة 1542 م الى دولته يخبرها بان الحجاج المغاربة الواردين من المشرق نقلوا أخبار تحرك البرتغال أخيرا فى البحر الاحمر، فعلا لقد كان دوفاسكو حاكم الهند توجه بتاريخ 7 ابريل سنة 1541م من جاوا على رأس قوة لمهاجمة السويس .. ولنقف على تقرير آخر بتاريخ 8 ابريل سنة 1541 م يتحدث عن تذمر المسلمين المغاربة من الاخبار الواردة على فاس حول انتصار حققه البرتغاليون فى الشرق. (1/29)
صفحة 30
ألا يدل هذا على التجاوب العميق بين المغرب والمشرق؟
ولنحصر جميعا السلطان أحمد المنصور الذى عقده فى أعقاب تلك الانتصارات لتلقى تهانى الوزراء والكتاب والشعراء، لقد تحركت أريحية الشاعر أبى عبد الله محمد بن على الهوزالى المعروف بالنابغة، وقد كان من قوله فى سينية طويلة:
ج لعميق بين المغرب والمشرق؟
وحسبك من (وادى المخازن) وقعة *ش* بها الشرك حتى آخر الدهر ناعس
وضاقت على (بستان) كل عويصة *ش* وذلت لنا منه الأنوف الغطارس
فجهز ما تحتوى ذخائر ملكه *ش* يذود بها عن نفسه ويداعس
ولو أيقنوا منها النجا ببناتهم *ش* لزفت لنا أبكارهم والعرائس
وقال أبو محمد عبد الواحد المدعو الشريف الحسنة السجلماسى فى عينيه:
امام حمى الاسلام قائم سيفه *ش* وروع أرض الشوك فهى بلاقع
سقاهم بكأس ماسطوا قط مثله *ش* هو السم فى أمعائهم وهو ناقع
فكم مركب فى كيدهم ركبوا لنا *ش* فعيق وصدوا وانثنى وهو ضائع؟
ويقول أبو الحسن على بن منصور الشيظمى من همزية طويلة، يشير فيها لمدينة القصر الكبير التى تقع على مقربة من (1/30)
صفحة 31
وادى المخازن، كما يشير لنهر النيجر بالسودان وتسميه المصادر المغربية بنهر النيل:
لكن جنى فتح كمثل المجتنى *ش* بالقصر، أو بالنيل دون أباء
القصر جر لقيصر الحتف الذى *ش* أبقاه منقطع العرى بعراء
والنيل نال به الخليفة فتح ما *ش* قد كان قبل أصم فى عمياء!
وله من قصيدة ثانية دالية بالمناسبة:
شامت بوارقها القتام وأرعدت *ش* هندا مع السند البعيد بأرعد
وقبيلهم تركت عساكر قيصر *ش* بالقصر هلكى كالرماد الأرمد!
وقول أبو عبد الله محمد بن على القشتالى:
ولبوس بأست فى المخازن أرتدى *ش* وسط المخازن بستان الأشام
وطويت فى السودان مملكة لها *ش* بين المشارق والمغرب مجثم
فامدت الاملاك من أقطارها *ش* راح الضراعة زنجها والديلم
ويقول أبو على المسقيوى:
كما فل غرب الروم سيف انتقامه *ش* وطاف حليهم طائف القتل والأسر
لقد قصدت الى استعراض بعض ما قيل فى هذه الملامح الفريدة لانها كما أشرت غيرت من خريطة العالم وأقبرت مطامح الدول الى الأبد وكان لها بعد هذا دور دون شك فى الهاب الحركة الوطنية هنا ضد القوات البرتغالية الغازية .. (1/31)
صفحة 32
وهل أكتف الشعر بالاشتغال بالمغرب دون أن يتلفت الى عمان؟ تعالوا بنا لنقرأ نونية طويلة لأبى فارس عبد العزيز القشتالى ملمحا لوقعة وادى المخازة وللمسيرة المغربية فى تخوم بلاد السودان، جاء فيها ذكر عمان على أنه يبتهج بتلك الأنتصارات التى كان يعتبرها انتصاراته .. قال فى مطلعها:
هم سلبونى الصبر والصبر من شأنى *ش* وهم حرموا من لذة الغمض أجفانى
الى أن يقول متحدثا عن كتائب أحمد المنصور:
من اللائى جر عن العدا غصن الردى *ش* وعفرن فى وجه الثرى وجه (بستان)
وفتحن أقطار البلاد فأصبحت *ش* تؤدى الخراج الجزل أملاك سودان
أيا ناظر الاسلام شم بارق المنى *ش* وباكر لروض فى ذرا المجد فينان
. . .
فكم هنأت أرض العراق بك العلا *ش* ووافت بك البشرى لأرض عمان!
فلو شارفت شرق البلاد سيوفكم *ش* أتاك استيلابا تاج كسرى وخاقان
ان ذكر عمان هنا لم يكن من أبى فارس لتسديد وزن أو قافية، ولكنه كان وليد معرفة ودراية بأحوال منطقة عمان على (1/32)
صفحة 33
ذلك العهد كيف وهو كاتب أسرار الدولة المنصورية وهو المتكلف بعلاقاته الخارجية، وهكذا فان ذكر عمان له من الأهمية فى الذكر ما لا يقل عن ذكر كسرى وخباقتيان ..
وهل كان نصيب (عمان) من الشعر المغربى فقط عندما حقق نصره على البرتغال؟ لننزه أعظم وأقدم مؤسسة عليمة ثقافية فى (فاس): العاصمة الاولى للاسلام بديار المغرب الاقصى، فهنا أنشأ السلطان عبد الله بن الشيخ بن المنصور السعدى فبة عظيمة فى الجهة الغربية من صحن المسجد على نحو ما فعل جده المنصور فى الجهة الشرقية، تذكر القبتان المتقابلتان فيما يوجد بقصر الحمراء فى غرناطة، قال أبو العباس القاضى مما يوجد الى الآن منقوشا بداخل القبة المذكورة:
حزت المفاخر بالمنصور اجمعها *ش* ومن علاه سناء المجد أوطانى
فخر الخلائف والاقيالا من مضر *ش* اشاع صيتى فى أطراف عمان!
وهكذا كنا نعيش مع عمان فى مواقعنا الحاسمة وفى أيامنا الباسمة وفى مجامعنا وجوامعنا .. ومن ثمت فلم يكن غريبا على المسلمين أن يتلقوا أخبار تصدى أمام عمان وتاج اليعاربة ناصر بن مرشد للغزو البرتغالى سنة 1615 بقلوب
(م 3 – الصلات التاريخية) (1/33)
صفحة 34
ملئها المسرة والبهجة فلقد برهن على انه فى مستوى الأحداث وانه فعلا جدير بالقيادة الرائدة:
أباد المشركين بسيف عدل *ش* وأهل البغى فاقتضبوا اقتضابا
سقى أسيافه علق الاعادى *ش* فما ضربوا بدورهم قبابا
فمن صور إلى صير ظباه *ش* تصب دما تنمو الانصبابا
إن دولة اليعاربة فى الخليج ودولة السعديين فى المحيط، كلتاهما دقت المسمار الاول فى نعش البرتغال بالمنطقتين، فهل من حقنا أن لا نحتفظ فى الخليح دور المنصور فى كسر شوكة البرتغال فى مسكد، وهى من حقنا أن لا نحفظ فى المغرب دور ناصر بن مرشد فى صمودنا لتحرير الثغور الباقية من بلادنا، انه لولا أمثال هذين القائدين العظيمين لكنا نتكلم اليوم بالبرتغالية على نحو بعض الدول الافريقية وأمريكا اللاتينية!
ولقد كان المؤرخ البريطانى روبيرت ليندن منصفا عندما ربط انهزام البرتغال فى الخليج بالضربة القاصمة التى لحقته فى المحيط! وان الذين يغفلون عن هذه الحقيقة لمقصرون جدا فى ربط أحداث التاريخ بعضها ببعض! وهكذا فعندما ردد (1/34)
صفحة 35
ميمية الشيخ خلف سنان الغافرى فى فتوحات الامام سلطان بن سيف ابن عم الامام ناصر التى يقول فيها:
فغدت من عمان كف بنى الاصفر صفرا قد هزها الانهزام!
عندما نتذكرها ينبغى أن نجعل نصب أعينا بيت أبى فارس القشتالى:
فكم هنأت أرض العراق بك العلا *ش* وأوفت بك البشرى لأرض عمان!
ويتذكر المغاربة قاطبة انه عندما كان السلطان محمد بن عبد الله يرمى بآخر جندى برتغالى من ثغر مدينة الجديدة فى المحيط كان الامام أحمد بن سعيد يقذف بالمحتلين العجم فى عرض الخليج .. وهكذا أيضا فكأنما كان هناك هاتف أحمر بين الملكين تعاهدا من خلاله على الاحتفاظ ببلادهما عربية الى بلاد المغرب تحمل رسالة الى الاخوان من أهل المغرب القلب واللسان!
وهل نغفل بعد هذه الاشارة للبعثة التى راحت من عمان الى بلاد المغرب تحمل رسالة الى الاخوان من أهل المغرب بمناسبة عقد البيعة للامام عزان ابن قيس بن أحمد بن سعيد فى 12 من ذى القعدة سنة 1285 هـ فاعتمادا على ما أورده الامام السالمى صاحب تحفة الاعيان فقد أرسل بخطاب كان من (1/35)
صفحة 36
انشاء العلامة سعيد بن خلفان الخليلى يذكر فيه انالباعث لتحرير الكتاب الاعلام بأن «أهل عمان وقد قدموا لهم اماما ذا ثقة ودين وعقل وشهامة فى المهتدين وهو الامام عزان بن قيس ابن الامام .. ولما كانت هذه من أكمل النعم الدينية .. وجب أن نعرفكم بها لانكم شركاء فى كل مكان من الامور الدينية المحمدية .. »
لكن الابواب كانت قد أوصدت دون رسالة عمان فقد أحكمت القوى الاستعمارية قبضتها على المغرب الادنى والاوسط .. وكان المغرب الاقصى يصارع لصد الاطماع الأوربية عن ترابه ..
وبهذا نفسر عدم وجود صدى للرسالة العمانية فيما عدى لامية الشيخ أطفيش التى تحدث عنها صاحب التحفة والتى قال انها كتبت للامام، وقد جاء منها قوله:
على ماء بحر الروم آتيك مسرعا *ش* اذا شاء ربى أو ببر كرئبال!
وبعد، فان فترات من تاريخنا البعيد ما تزال فى حاجة الى البحث والتنقيب، وان فى صدر تلك الفترات هو ما عشناه فى تلك الظروف العصبية التى استهدفت فيها بلاد المشرق والمغرب للغزو الأجنبى. (1/36)
صفحة 37
وانه اذا كان من حق الذين غزونا وهاجمونا فى عقر ديارنا أن يطمسوا معالم قوتنا وأن يكتموا جوانب تضامنا ومظاهر تجاوبنا مشرقا ومغربا، فانه لا يحق بحال لمؤرخينا أن يغفلوا عن أى اصرة من الاواصر التى جعلت منا مناضلين متمرسين على أرض متباعدة الاطراف، وجعلت منا متناصرين هنا وهناك ..
ولعلهم يجدون فى هذه المواسم الثقافية عكاظهم الجديدة للتعريف بمخطوطاتهم وتسجيل الافادات من الشيوخ الطاعنين ومن الرواة المهتمين .. لعلهم يجدون فى هذه المواسم الثقافية مجالا لنشر ما يترجم عن الوثائق المكتوبة باللغات الاجنبية عن عمان التى كانت ترهب ذات مرة باسطولها العتيد كلا من القارتين الهندية والافريقية وباقى ساحل الخليج .. لعلهم يرحلون الى ليشبونة ومدريد واسطنبول وطهران والى كل جهة تكون مظنة للبحث، إن تاريخ عمان أكبر من أن تضمه كتب معدودة ذات مواضيع محدودة، أنه أكبر من أن يكتفى فيه بالتعريفات السطحية العائمة .. انه تاريخ لملحمة ساخنة أسهمت فى تكوين الرجال، وفى اعداد العلماء، وفى إثر المذاهب واغناء المعرفة، وازدهار الملاحة وتطور الفلاحة وتدرج الصناعة. (1/37)
صفحة 38
أيها السادة ..
لعله من قبيل الصدف الجميلة بالنسبة الى، أن أقدم هذه المسامرة فى نفس اليوم الذى سعدت فيه بزيارة السلطنة قبل سنتين ضمن الوفد الرسمى الذى قدم لهذه الديار برئاسة الوزير الاول معالى السيد أحمد عصمان وانه لمن حسن الطالع حقا أن نشهد ثمار ذلك الاجتماع الذى تم بين الوفدين العمانى والمغربى والذى كان يهدف بحث امكانيات توسيع التعاون بين البلدين الشقيقين فى شتى المجالات بما فيها الثقافية والتعليمية تحقيقا للرغبة الصادقة المتبادلة بين جلالة الملك الحسن الثانى وأخيه جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم.
فقد شهدت السنتان الماضيتين فعلا عدداً من مظاهر اللقاء على كل صعيد وكل مستوى، وقد شاركتكم هنا فرقنا الغنية الفرحة بأعيادكم الوطنية، وعما قريب ستسعد المملكة المغربية بالاسبوع الثقافى العمانى على أرضها حيث سترحلون بتقاليدكم وأمجادكم الى المغرب الاقصى وهناك سيتأكد المواطن المغربى عن هديه هذا الشعب العمانى العريق الذى استأسد على مسالك البحار، والذى نراه اليوم يفجر الطاقات ويتحدى الصخور والجبال.
ان كل ذلك لا يعتبر مؤشرا دالا على ما سيشهده بلدينا من (1/38)