صفحة 1
الكتاب: العزابة
حلقة الشيخ محمد بن بكر
(وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام)
تأليف: روبيرتو روبيناتشي
ترجمة: لميس الشجني
أعدّها للنشر وقدّم لها: موحمد ؤمادي
منشورات: مؤسسة تاوالت الثقافية
سلسلة: الأبحاث التاريخية (3)
هذا الكتاب هو ترجمة مِن مُؤَّلَف لـ:
Roberto RUBINACCI
بعنوان:
Un antico documento di vita cenobitica musulmana
La regola della halaqa dello ?ayh Abu 'Abd Allah Mu?ammad b. Bakr
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية سلسلة الأبحاث التاريخية-3
العزابة
حلقة الشيخ محمد بن بكر
(وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام)
تأليف: روبيرتو روبيناتشي
ترجمة: لميس الشجني
أعدها للنشر وقدم لها: موحمد ؤمادي
هذا الكتاب هو ترجمة من مؤَلَف لـ :
Roberto RUBINACCI
بعنوان:
Un antico documento di vita cenobitica musulmana
La regola della halaqa dello ?ayh Abu ‘Abd Allah Mu?ammad b. Bakr
T
مقدمة الناشرT
ضمن أهداف مؤسسة تاوالت الثقافية التي وضعتها على عاتقها هو: ترجمة ونشر الأعمال المهمة والمتعلقة بالتاريخ الشمال الإفريقي على العموم، والتاريخ الليبي على وجه الخصوص، ومن الأولويات التي وضعتها على عاتقها كذلك هو: ترجمة أعمال بعض المؤلفين المرموقين في هذا المجال، والتي لم يتسنى لمقالاتهم أن تجمع وتنشر بين دفتي كتاب - وكانت قد صدرت على شكل مقالات متفرقة. ومن أهم من كتب في تاريخ الإباضية في إفريقيا الشمالية المستشرق الإيطالي [روبيرتو روبيناتشي Roberto Rubinacci]، الذي على الرغم من أهمية أعماله، فلم يقم أحد بجمع أو نشر مقالاته بين دفتي كتاب، إلا لحظة كتابة هذه المقدمة.
تكمن أهمية أعمال [روبيناتشي]، في كونها مركزة ومتخصصة وذات طابع علمي منهجي في البحث والمقارنة، ويعتبر [روبيناتشي] من القلة القليلة من المستشرقين المتخصصين في المذهب الإباضي، وتاريخه في إفريقيا الشمالية، والبحث الذي ننشره بين يديك ذا طابع تاريخي مقارن؛ غير أننا سوف ننشر مستقبلاً بحوث تتعلق بالعقيدة الإباضية نفسها، وبحوث تاريخية وفقهية مختلفة. (1/1)
صفحة 2
نرجو أن تضيف هذه التراجم إلى المكتبة التاريخية لشمال إفريقيا مزيداً من الفائدة، وخصوصاً لغير الناطقين باللغة الإيطالية التي كتبت بها هذه البحوث، وسوف ننشر مستقبلاً مقالات متنوعة ومتعددة ذات أبعاد: تاريخية ودينية ولغوية واجتماعية، وبعدة لغات: كالإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية.
يندرج هذا العمل الطموح في ترجمة كل الأعمال المنجزة عن التاريخ الشمال الإفريقي والتاريخ الليبي، ضمن برنامج متوسع تقوم به مؤسسة تاوالت الثقافية في خطتها بعيدة المدى للبحث في الجذور، والتعمق بدراسات علمية رصينة في موروث الأجداد.
الناشر
مؤسسة تاوالت الثقافية
الولايات المتحدة الأمريكية
المؤلف في سطور
روبيرتو روبيناتشي(1)
__________
(1) - تأبين نشر في ذكرى وفات روبيناتشى بقلم فرانشيسكو جابريلي. (1/2)
صفحة 3
يلاحظ أحد المدرسين المستجدين فور إرساله لتدريس "اللغة العربية القديمة" بالمعهد الشرقي بنابولي من بين المتقدمين لدارسة اللغة العربية في الجنوب الإيطالي سنة 1936، شابين كانا قد تخرجا بالفعل في علوم أخرى وكلاهما كانا يبديان، فيما يتعلق باللغة العربية وبالحضارة الإسلامية بشكل عام، استعداداً كبيراً وكانت لديهم رغبة جادة في تحقيق تقدماً في هذا المجال. أحدهما كان [أليسّيو بومباتشي Alessio Bombaci] وكان دارساً للحضارة التركية ثم خلف معلمه [بونيللي Bonelli] في المعهد الشرقي، ولقد اخطتفته براثن الموت مبكراً من دراساته وأصدقائه منذ بضعة أعوام. أمّا الآخر فهو [روبيناتشي] والذي نحتفل اليوم بهذه الهدية العلمية بعيد ميلاده السبعين. انقضت خمسون عاماً منذ قابلته للمرة الأولي، حقق فيها [روبيناتشي] صفة ومواصفات دارس اللغة العربية والدين والحضارة الإسلامية التي كان يرنو إليها عندئذ، وترقى فيها بكل شرف السلم الوظيفي الأكاديمي حتى بلغ أعلى درجاته، وساهم بدرجة كبيرة في تطوير وتنظيم الدراسات العربية-الإسلامية في نفس المعهد والذي شهد لقائنا الأول في الثلاثينات.
ولقد ربط [روبيناتشي] اسمه في مجال الدراسات العربية، الذي افتتحته أو جددته [لاورا فيتشا فاليري Laura Veccia Valieri]، على الأخص بموضوعي: الانشقاق الإسلامي القديم (الخوارج والشيعة في تشعباتهما ومعتقداتهما)، والنشر النقدي للإدريسي، فخر المستعربين المعاصرين الأوروبيين: وهو عمل جاء نتيجة مجهود شاق من التعاون الدولي، لعبت فيه إيطاليا وبالأخص نابولي دوراً رئيسياً، ربما لم يأخذ حقه من التقدير بعد. وهنا كان [روبيناتشي] معاوناً، محرراً ومنسقاً؛ وعندما سيذكر التاريخ هذا العمل الثري بالمبادئ والرغبة الصادقة الدولية، سوف يعرف الجميع القدر الذي يدين به هذا العمل للعزيمة الصادقة وحسن التنظيم الذي قام به صديقنا النبوليتاني. (1/3)
صفحة 4
فإلى عميد المعهد الجامعي الشرقي بنابولي (ولكم هو عزيزٌ علينا جميعاً، بالأخص للحفاظ والتأكيد على تلك التسمية: المستشرق، أن يكون المستعرب [روبيناتشي] هو من يشغل هذا المنصب) يقدم اليوم زملائه، تلاميذه وأصدقائه هذه الباقة الثرية من الدراسات التي كان الجانب الأكبر منها للغة العربية ولكن هناك أيضاً عن الدين والحضارة الإسلامية، الإفريقية والعِراقة(1).
وإن استعراضاً سريعاً لعناوين هذه الباقة لسوف يظهر اتساع الاهتمامات التي ألهمتها، بدأ من الدراسات في اللغة العربية والإسلام الكلاسيكي إلى المعاصر منها، والتي يبدو وأنها تجتذب الأجيال الشابة. وتعطينا أسماء المؤلفين إطاراً عريضاً حول الدراسات العربية والتي كانت كلها لإيطاليين، والتي شهدت، كما كان متوقعاً، تواجداً جليلاً لنابولي. ولقد وجد مدرس ذلك الوقت المستجد، والذي أصبح شيخاً هرماً، بين هؤلاء؛ أيضاً أسماء رفاق قدامى حتى وإن كانوا أقل منه سناً، لطلاب وزملاء لصديقنا المحتفى به بجانب بعض الأسماء الجديدة في معهدنا مما يدل على استمرار الزمن الذي لا يفنى، وعلى تمرير الشعلة من يد إلى يد في محراب العلم. وإن مُحدثكم المتقدم في السن اليوم، والذي يعتقد أنه قد سلم شعلته، لهو سعيد بأن يقدم لزميله وصديقه شهادة عرفان وتضامن ومحبة.
فرانشيسكو جابريلي
بيبليوغرافيا كتابات روبيرتو روبيناتشي(2)
1- إباضية الشمال الإفريقي، في منشورات المؤتمر الدولي حول "الأقليات وعمليات الاستقلال الإقليمي في أسيا وإفريقيا. مقارنة مع سردينيا"، كاليري.
أنباء عن بعض مخطوطات الإباضية الموجودة لدي المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الثالث، نابولي 1949، ص431-438".
__________
(1) - علم دراسة الأعراق
(2) - فقط ما يتعلق منها بموضوع دراستنا (1/4)
صفحة 5
2- كتاب الجواهر للبرّادي، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الرابع، نابولي 1949، ص95-110".
3- الخليفة عبد الملك بن مروان والإباضية، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الخامس، نابولي 1953، ص99-121".
4- التطهر عند الإباضية في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء السادس، نابولي 1954، ص1-41".
5- "الكتاب بين يديك" وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء العاشر، نابولي 1960، ص37-78".
6- البرّادي، المرجع السابق، ص1085.
7- عقيدة الجناوني، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الرابع عشر، نابولي 1964، ص553-595".
8- توجيهات في الأبحاث حول إباضية الشمال الإفريقي، في "منشورات المؤتمر الدولي الأول لدراسات الشمال الإفريقي، كاليري 1965، ص217-223.
9- جابر بن زيد، في الموسوعة الإسلامية، ليديا-باريس 1965، ص369.
10- الإباضية، في الديانة في الشرق الأوسط؛ الإسلام، الجزء الثاني، كامبردج 1969، ص302-317.
11- عدن عند الإباضية، في فوليا أورينتاليا Folia Orientalia ، العدد الثاني عشر، 1970، ص279-290.
12- كارلو ألفونسو ناللينو وإسلام الخوارج، في ليفانتيه Levante، الجزء العشرين، روما 1973، ص33-41.
13- مجتمع البلاد العربية وليبيا، في "منشورات ندوة الدراسات الاستعمارية، فلورنسا 1947، ص89-94".
14- ليبيا عند الجغرافيين العرب في العصور الوسطي، في الإسلام، 7، روما أبريل-يونيو 1984، ص89-93.
15- إشارات عربية-إسلامية في أرض كامبانيا Campania، في منشورات الندوة الثانية حول "الوجود الثقافي الإيطالي في البلاد العربية: التاريخ والآمال المستقبلية"، روما 1984، ص23-24.
صاحب الوثيقة في سطور (1/5)
صفحة 6
هو أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي ولد الشيخ أبو عبد الله بمدينة فرسطاء بجبل نفوسة، شرقي مدينة كَبَاو، من مديرية الحرابة التابعة للالوت سنة 345هـ (956م)، أحد أقطاب الإِبَاضِيَّة في المغرب، ومن أبرز المصلحين الدينيين والاجتماعيين. وصفه الدرجيني بقوله: «هو الطود الذي تضاءلت دونه الأطواد، والبحر الذي لا تقاس به الثماد»؛ وهو خضمٌّ عظيم من جلائل السير والآثار.
أخذ مبادئ العلوم في مسقط رأسه فرسطا، ثمَّ تنقَّل بين عدَّة مدن للاستزادة من الفنون على يد أكابر العلماء في زمانه: القيروان، وجربة، والحامة. ففي الأولى نهل من معين اللغة العربية وعلوم الآلة، وفي الثانية ارتوى من علوم الشريعة عند الشيخ أبي زكرياء فصيل بن أبي مِسوَر بالجامع الكبير، وفي الحامَّة عند شيخه أبي نوح سعيد ابن زنغيل، فكان من تلاميذه المتقدِّمين كما يذكر الوسياني في سيره.
سافر بعدها إلى قصطيلية بحثا عن الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء، ليأخذ عنه الفقه والفروع، إلاَّ أنَّ وفداً من جربة اضطرُّوه إلى التحوُّل من مرحلة التعلُّم إلى مرحلة التعليم وتأسيس حلقة العزَّابة. (1/6)
صفحة 7
تميَّز أبو عبد الله بتأسيسه لنظام هو الآية بين النظم الاجتماعية القديمة والحديثة: نظام حلقة العزَّابة. أطنبت المصادر في ذكر تفاصيل تأسيس هذا النظام، فقد كانت المبادرة لوفد من طلبة جربة، التقوا بالشيخ وهو في طريقه إلى قصطيلية - وبلَّغوا إليه وصية شيخهم وشيخه - من قبل - أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بأن يطلبوا منه تأسيس حلقة للعلم، فأبى أوَّل الأمر، وبعد إصرارهم وإلحاحهم الشديد لم يتركوا له بدًّا من القبول؛ فاشترط عليهم مهلة أربعة أشهر ليرتِّب فيها نظاماً محكماً ودقيقا للتسيير الحسن للحلقة، فوافقوا. وساعده في التنظير والتخطيط أستاذه فصيل بن أبي مسور، ولذلك عرف هذا النظام بـ "السيرة المسورية البكرية"، ثمَّ شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أوَّل حلقة له بغار في «تين يسلي»، وهي «بَلْدَة اَعْمَر» بالقرب من مدينة تقرت - جنوب شرق الجزائر حالياً -، وذلك سنة 409هـ (1018م)، وإلى هذا التاريخ نسب هذا الغار، وسمي بـ«الغار التسعي»، وقد حُفر وجهِّز ونظِّم خصيصا لهذا الغرض.
لم يحصر أبو عبد الله هدفه في مجرَّد التعليم الديني النظري فحسب، وإنَّما سعى إلى غرس مبادئ الإسلام في طلبته، على أنَّه منهج حياة، لا فصل فيه بين العلم والعمل، ولا بين النصِّ والواقع. ولذلك كان الشيخ كثير السفر مع طلبته في المغرب الإسلامي، من نفوسة شرقاً إلى وادي ميزاب غرباً، يتعلَّمون ويعلِّمون الناس أمر دينهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونذكر من بين المناطق الكثيرة التي استقرَّ فيها بحلقته: تين يسلي، قصطالية، طرابلس، لماية، جربة، تفاجالت، وادي أريغ، وغلانة، قنطرارة، وارجلان. ولهذا عرف الشيخ عند العَامَّة بـ: "سيدي محمَّد السايح". (1/7)
صفحة 8
ويورد الوسياني تفاصيل أكثر بقوله: «وكان [أبو بعقوب محمَّد ابن يدر الزنزفي] في أمسنان [بجبل نفوسة] عادته يجلب العزَّاب المبتدئين من أهاليهم، ويعلِّمهم الأدب والسير، فإذا وصلوا الشيخ محمَّد بن سُدرين الوسياني أقرأهم القرآن والإعراب والنحو، وإذا وصلوا الشيخ أبا عبد الله محمَّد بن بكر علَّمهم الدين والعلم والأصول. فمثَّلوا هؤلاء الثلاثة في أريغ وقالوا: أبو يعقوب القاطع للأعواد من الجبل حزمات، والنجَّار أبو عبد الله محمَّد بن سُدرين يقطع الحزمات ألواحاً، ويركِّبها الشيخ أبو عبد الله محمَّد ابن بكر - رحمة الله عليهم - ويصلحها ويسنِّيها.
ومن منجزاته: بناؤه لمسجد فرسطا، ولا تزال آثاره باقية للعيان، إسكاته لفتنة الفرقة السكاكية، التي سعى لإشعالها أباد الله السكَّاك، إصلاح قبيلة بني ورزمار، إقناع سكَّان بلدة «أغرم نتلزضيت» بالمذهب الإباضي، وقد كانوا قبل على الاعتزال.
يعدُّ تلاميذ الشيخ بالمئات، من بلدان شَتَّى، ولعلَّ من أوائلهم: زكرياء ويونس ابنا أبي زكرياء. ومن أبرزهم ابنه أبو العباس أحمد، وأبو بكر بن يحيى، ويعقوب بن يعدل، ومصالة بن يحيى، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي الذي كان رديفه في سلسلة نسب الدين. (1/8)
صفحة 9
أوَّل من ذكر من كتَّاب السير بأنَّ لأبي عبد الله تآليف هو أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، في قوله: «وله في كلِّ فنٍّ تآليف كثيرة»، وتبعه في هذه المقولة الدرجيني في طبقاته والشماخي في السير: «له في كلِّ فنٍّ تآليف كثيرة، أكثرها في الحجج والبرهان، لأنَّه كان فيها ركن الأركان، وله في الأخلاق حكم وأقوال. غير أنهم لم يوردوا لنا ولو عنوانا واحداً من كتبه، والناظر في التراث الإباضي من كتب السير والفقه والعقيدة، يجدها تعجُّ بآرائه وحكمه؛ ومن ثَمَّ يتَّضح لنا أنَّ أبا عبد الله لم يؤلِّف كتبا لقصد التأليف، وإننَما جمع له تلامذته فتاويه وحكمه وأخذها عنهم المؤلِّفون لتعرف فيما بعد بتآليف أبي عبد الله. وأشمل كتاب يجمع آراء الشيخ وعلمه هو «كتاب التحف المخزونة» لتلميذه سليمان بن يخلف، (مخطوط) في جزأين.
قال عنه أبو محمَّد ماكسن بن الخير: "مثل أبي عبد الله مثل من قال الله تعالى فيه: هذا نذيرٌ من النُّذُر الاُولى". وقال عنه محمَّد بن أبي صالح النفوسي: "فيه خمس خصال قليلة في غيره من أهل العصر: عالم، ورع، عابد، سخي، شجاع، من ذروة نفوسة". (1/9)
صفحة 10
أجمعت المصادر على أنَّ وفاة الشيخ كانت سنة 440هـ (1049م)، وقبره في مقبرة قدَّام غاره بآجلو(1).
توطئة
__________
(1) - معجم أعلام الإباضية رقم803 *أبو زكرياء: السيرة، 1/218، 232، 233، 247، 252-255، 269... *الوسياني: سير (مخ) 1/44، 47، 65-71، 127، 131، 133؛ 2/145-146، 157... *الدرجيني: طبقات، 1/3-5، 167، 168، 183-185، 192؛ 2/377-392، 397، 399، 403-408، 417، *الشماخي: السير، 2/61-67 *أبو اليقظان: الأمام أبو عبد الله محمَّد بن بكر *سالم بن يعقوب: رسالة في ترجمة محمَّد بن بكر أحال إليها أبو اليقظان *أبو اليقظان: الإباضية في شمال إفريقية *علي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، 4/169-184 *الجعبيري: نظام العزابة *سماوي صالح: نظام العزابة *متياز: نظام العزابة (مخ) *محمَّد ناصر: حلقة العزّابة *متياز: تاريخ مزاب (مخ) 10، 12، 16، 17، 42، 63، 67، 68، 90-95 *القطب: الرسالة الشافية، النسخة الموسعة، 72-75 *القطب الرسالة الشافية، 38-39، 123 *سالم بن يعقوب: تاريخ جربة، 90-95 *أعزام: غصن البان (مخ) 203-208 *الجيطالي: قواعد الإسلام، 1/14هـ *النامي: دراسات عن الإباضيَّة (مخ)، 193 ؛ Eng:168-169. *الجعبيري: البعد الحضاري، 114 *الجعبيري: ملامح عن الحركة الإباضية، 4 *بحاز: الدولة الرستمية، 281، 332 *خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية *مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط *جهلان: الفكر السياسي، 47، 169، 174 *واعلي بكير، الإمامة عند الإباضية *بوعصبانة: معالم الحضارة في وارجلان *باجو: أبو يعقوب الوارجلاني (ط.ع) 13، 14، 38، 52، 55، 64، 67، 75-76 *أعوشت: وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية *مجهول: رسالة حول زيارة المشاهد (مخ) 15، 16، 23. *Lewicki.T: Document inedit (tr. Buiche Med) 11-12 *Fekhar: Les Communautes, 11, 23, 475 Louis.D: Les Mechaikhs, 4. (1/10)
صفحة 11
تحدث القرآن "الكريم" عن الرهبانية مرة واحدة، في الآية التالية (السورة 57، الآية 27): "وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا". ويمكن تأويل الآية المذكورة على نحوين: أ) (وقفينا بعيسي ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، والرهبانية التي ابتدعوها؛ كتبناها عليهم فقط ليبتغوا رضوان الله، فما راعوها حق رعايتها)؛ ب) (وقفينا بعيسي ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، وأما الرهبانية فقد أحدثوها وجاؤا بها من عند أنفسهم؛ "ولم نكتبها عليهم" فقط ليبتغوا رضوان الله، فما راعوها حق رعايتها) (1)
__________
(1) - Bell "بيل" أحدث مترجمي القرآن وأكثرهم ثقة (The Qura'n, translated with a critical rearrangement of the surahs, Edimburgo 1937-39, II, p. 562) والباوزاني Bausani (Il Corano, Firenze 1955, p.412) يقبلون الرواية الثانية. وضع الباوزاني الرواية الأولى كملاحظة في ص675. ويعطيBiachere (Le Coran, Traduction selon un essai de reclassement des sourates, Parigi 1947-51, p.921) روايتان من بينهما واحد تطابق من حيث المفهوم تلك الرواية التي أوردناها في النقطة (أ)، والثانية يبدو لنا وأنها تمثل موقفاً وسطاً بين الاثنين: "Nous leur avons donne' Jesus fils de Marie; nous lui avons donne' l'Evangile et avons mis, dan les coeurs des ceux qui le suivent, mansuetude et pitie' et monachisme qu'ils ont instaure'-Nous ne le leur avons pas prescript- uniquement dans la quete de l'agrement d'Allah; ils ne l'ont (toutefois) pas observe' comme il se devait". (( أي: أعطيناهم عيسى ابن مريم، وأعطيناه الإنجيل، ووضعنا في قلوب الذين اتبعوه مودة ورحمة ورهبانية ابتدعوها "نحن لم نكتبها عليهم" فقط ليحصلوا علي رضاء الله؛ ولكنهم لم يراعوها "باستمرار" حق رعايتها)). بكلمات أخري فإن الرهبانية، طالما لم يكتبها الله علي الإنسان، فربما أوحي له بها. كلا الترجمتان المذكورتان أعلاه، للبوازاني. (1/11)
صفحة 12
.
فالرهبانية في الحالة الأولي من عند الله، أمّا في الحالة الثانية فهي بدعة جاء به المسيحيون ولم يكتبها الله عليهم. وبينما التأويل الأول هو التفسير القديم، فإن الثاني هو السائد بين أهل السنة والجماعة ووجد سنداً في الحديث الشهير المنسوب للنبي:" لا رهبانية في الإسلام".
ولم يمنع هذا النهي الديني الرسمي من أن يكون للرهبانية، بدافع من احتياجات تصوفية وتقشفية، مكاناً في الإسلام وأن تثبت دعائمها بقوة.
ويعتبر [جولدزيهر Goldziher]، أن الحديث ذاته جاء كنتيجة لهذا الأمر: فما كان أبداً ليخرج إلى النور، مع أحاديث أخرى عديدة تنهي صراحة عن حياة الزهد، إلا إذا "شهدت جماعة المسلمين في الحقبة التي ظهر فيها تيار خفي قوي، كان من نتائجه أن عمّق روح التقشف والزهد في الإسلام، وكان هذا التيار يرى في تلك الروح محض دلالة حقيقة على الحياة المتدينة"(1).
__________
(1) - Goldziher, Le Dogme et la loi de l'Islam، "عقيدة وشريعة الإسلام" ترجمة F. Arin، باريس 1958، ص121. (1/12)
صفحة 13
ولقد أكد [ماسينيون Massignon](1) فيما بعد أن نفس الحديث الذي نحن بصدده "لا رهبانية في الإسلام"، ظهر مع ابن سعد، في القرن التاسع، في معرض حديثه عن الزاهد "عثمان بن مزعون الجماحي(2)؛ والذي زاده أبو داود (توفي في العام 275 للهجرة، 888 للميلاد) في صحيحه ليصبح: "لا رهبانية ولا صرورة (تبتل)"(3)، واستخدمه ليدعم من هجومه الذي نُشر بعد وفاته على رباح(4)، ورابعة(5) ويؤكد على تفسيره للآية القرآنية، والذي خفف منه فيما بعد، برواية أخرى :رهبانية أُمّتي هي الجهاد"(6).
__________
(1) - - لويس ماسينيونL. Massignon, Essai sur les origins du lexique technique de la mystique musulmane, "بحث في نشأة المصطلحات الفنية للتصوف الإسلامي" باريس 1954، ص145.
(2) - توفي في العام الثاني الهجري.
(3) - السنن، طبعة أولي، 173، طبعة ثانية 195.
(4) - أبو مهاجر رباح بن عمرو القيسي، ناسك من البصرة، توفي قرابة عام 195 للهجرة، 810 للميلاد، الذي ترهب وكان يدعم النساك.
(5) - رابعة بنت إسماعيل العدوية، "أشهر طاهرة في أدب الصالحين السني" (لويس ماسينون Recueil de texts inedites concernant l'histoire de la mystique en pay d'Islam, "مجموعة من النصوص التي لم تنشر وتتعلق بتاريخ التصوف في بلاد الإسلام" باريس 1920، ص6)، والتي اعتزلت الناس في بادئ الأمر وعاشت حياة الزهاد في الصحراء، ثم بعد ذلك انتقلت إلى البصرة، حيث أكملت حياتها المتقشفة دون أي تخفيف من حدة الزهد.
(6) - أحمد بن حنبل الطبقة الثالثة، 82، 266. (1/13)
صفحة 14
إذاً فلقد كان الأمر لمقاومة النزعة التقشفية التي كانت تتكون والعادات التي كان يبدو وأنها تهدد تماسك أهل السنة والجماعة وتمثل خطراً على المثل الأعلى للتدين الذي يُقرّه الدين الإسلامي أو يتسامح فيه ـ، فلقد نشر رواة الحديث بين الناس حكمهم المستلهمة من الجدل والفهم الخطأ، وجعلوا من حياة الرهبنة بدعة ومعصية (الرهبانية المبتدعة لابن قتيبة)(1).
وكان للرهبانية، بمفهومها كتعبير اجتماعي عن الحركة الزاهدة-المتقشفة، دور واسع المدى في الصياغة النهائية لأفكار المسلمين وأوجه تدينهم(2). وتتنوع أشكالها. وبعيداً عن عدم الاعتراف بها، فهي تضفي، على أوجه الاختلاف بين الطباع، إمكانية تقوية المثل الأعلى للزهد بالمعنى الحقيقي للكلمة. كتب [برونيل Brunel] أنه من المثير للاهتمام أن تجد في الإسلام نفس طوائف الزهاد والتي قسم إليها [سان بينيديتو S. Benedetto] النُسّاك المسيحيين فهم : anacoreti (يعيشون في أماكن بعيدة وينقطعون كلية عن الناس)؛ eremiti (يعيش وحيداً في أماكن موحشة)؛ girovaghi (متجول)؛ sarabeiti (خادم)، وcenobiti راهب؛ (يعتكفون في الأديرة ويعتزلون الناس)(3)
__________
(1) - عيون الأخبار، Brockelmann، ص375.
(2) - ويعطينا Qutadgu Bilig, l'opus magnum عن الأدب الكراخاني، شهادة بليغة على كيف أن انتشار حياة التقشف في الشرق كان مشكلة اجتماعية ظهرت بشدة، أيضاً في المناطق النائية للعالم الإسلامي، أهداها شخص يدعى يوسف إلى سلطان كأشجار.A. Bombaci, Kutadgu Bilig hakkinda bazi mulahazalar في "F. Koprulu Armagani" اسطانبول 1953، صفحات 65-75، و تاريخ الأدب التركي، ميلانو 1596، صفحات 83-96.
(3) - R. Brunel, Le monachisme errant dans l'Islam, "الرهبانية الضالة في الإسلام" باريس، ص8؛ " يقول الكاتب: "Rien n'est plus suggestif, a' cet egard, que le periple de Du n-Nun al Misri (180-245/795-860) a' travers les deserts et les montagnes, a' la recherché de la connaissance et l'amour. Il releve a' nos yeux toute une serie d'inities, d'ascetes epris d'amour jusqu'a' mourir, vivant dans le silence absolu une ascese pure que les plus sages Chretiens n'eussent pas desavouree"، "لا يوجد شيء أكثر دلالة في هذا الشأن من رحلة ذي النون المصري (180-245هـ/795-860م) والتي اجتاز فيه المفازات والجبال بحثاً عن المعرفة والحب. وهي تضع أمام أعيننا سلسلة من الدروس التصوفية مولعة بالحب حتى الموت، عاش خلالها في الصمت المطبق حياة زهد عفيفة، أقر له بها أكثر المسيحيين حكمة". (1/14)
صفحة 15
.
وسوف نصب اهتمامنا بشكل خاص على مظاهر حياة نُسّاك الصوامع (cenobites)، حيث يبدو لنا أن هناك أحد النصوص ألقى الضوء بشكل مقصور عليها، كنا قد عثرنا عليه بالصدفة أثناء دراستنا للمذهب الإباضي: وهو سِيَر الحلقة للشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر(1). ويرجع تاريخ تأليفه إلى بداية القرن الحادي عشر، مما يجعله أقدم سيرة عن الرهبنة في الإسلام عُرِفت إلى يومنا هذا. وتطالعنا ببليوغرافيات المتصوفة في الحقبة السابقة، على فترات متباعدة، بإشارات إلى حياة زهد منفردة أو إلى حياة جماعية مشتركة ومنظمة لمجموعة من الزهاد. ولكن أولى محاولات تحرير قواعد الحياة الواجبة على كل أعضاء هذه التنظيمات الصوفية، حتى وإن كانت تخلو من الوحدة والترابط، كانت قد بدأت فقط منذ بداية النصف الثاني للقرن الثاني عشر، مع ظهور "الطرق" الصوفية.
وليس مستبعداً أن تكون "السير"، التي وثقت لنا بشكل أصيل حياة الزهاد المسلمين في القرن الثاني عشر والتنظيم الداخلي لأحد "صوامع" ذلك الزمان، قد أخذت عن نص سابق أو على الأقل تعكس واقع حقبة سابقة، وربما أيضاً بعيدة.
وتوضح أوجه التشابه بين هذه الوثيقة وسير الرهبان المسيحيين الشرقيين أن هناك رابطاً بين الديانة المسيحية وحركة التصوف الإسلامية والتي يضرب فيها المذهب الإباضي، كما وسبق أن أوضحنا في مواطن سابقة(2)، بجذوره.
***
وسوف يكون من المفيد أن نستعرض سريعاً المؤسسات الرهبانية في الإسلام والتي لا توجد حولها معالجة جماعية، لكي نتفهم المشاكل التي طرحتها الوثيقة.
__________
(1) - أُبلِغتُ عن وجود الوثيقة في المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للمستشرقين، والذي عقد في موسكو في أغسطس 1960.
(2) - روبيرتو روبيناتشي "La purita' rituale secondo gli Ibaditi" "طهارة الطقوس عند الإباضية" في Annali dell'Istituto Universtario Orientale di Napoli, N.S. VI, 1957,ص15. (1/15)
صفحة 16
ويري بعض المستشرقين أن أول أشكال المُنشأة الدينية كان في ما هو معروف بدور العُزّاب التي وجودت في الجزيرة العربية أوائل ظهور الإسلام(1). ولكنه لا يبدو لنا أن ما استدلت به المصادر يبرهن على ذلك. وكانت دار سعد بن هيثمة، حيث نزل الرسول، وفقا لما ورد بأحد الأحاديث، عند وصوله إلى قباء، قرية صغيرة من ضواحي المدينة، تُعرف باسم بيت العزاب، لأن سعد كان عازباً فأقام في داره أتباع محمد من غير المتزوجين، في انتظار وصول قائدهم (أي النبي)(2) إلى المدينة، وبالتالي فهذا البيت لم يكن له غرض آخر سوى أن يؤوي بشكل مؤقت بعض المسلمين ممن جاؤا بدون أسرة لسبب ما أو لآخر: ولقد برهن على ذلك أن نفس الدار كانت تُعرف بتسمية أشمل وهي "منزل الغرباء"(3). ولم تكن هناك وظيفة أخرى (غير التي تحدثنا عنها) لحصن العزاب الذي أنشأه الخليفة عمر في مكان ليس ببعيد عن المدينة(4).
__________
(1) - Margarle Smith "رابعة المتصوفة" Rabia the mystic، كامبرديج، 1928، ص171.
(2) - الطبري؛ كتاب أخبار الرسل والملوك، و M. J. de Coeje وآخرون Leida 1879-1901 جزء أول، ص1243.
(3) - L. Caetani, Annali dell'Islam, ميلانو 1905-1926، جزء أول، ملحوظة 27.
(4) - ابن بطوطة "تحفة الأنظار"، باريس 1893، جزء أول، ص289-290. وفي رأيِنا فإن ر. برونيل قال أيضاً أن "حصن العزاب"، كان في حقيقة الأمر (un internat laic a' l'usage d'individus sans famille" (مقر لا يمت للدين بصلة، بل جُعِلَ ليستفيد منه أفراد بلا أسرة)،. مرجع سابق، ص9. (1/16)
صفحة 17
ويبدو مما تخبرنا به عامة المصادر أن الزهاد الأُول عاش كل منهم بمفرده، دون أن يكون بينهم أي رباط أو عقيدة مشتركة. والبعض منهم مثل "القرّاء" (أي قراء القرآن) والقُصّاص (وعّاظ العامة) كانوا يصاحبون الجيوش أثناء الحرب لبث روح الحماسة في نفوسهم. وآخرون مثل الزهاد، والبكّاؤن كانوا يعيشون حياة تقشف وعزلة، لكي يبكوا ذنوبهم وخطاياهم. لكن أثار الحياة المشتركة (الجماعية) عند هؤلاء النُسّاك - بجانب المسودات الأولى للعقيدة التصوفية - نجدها فقط مع نهاية القرن السابع: فالشباب يتخذون من هم أكبر منهم سناً ولياً مرشداً، وكانت هناك حلقات محدودة لتلاميذ تجمعوا حول أحد الشيوخ الموقرين؛ وتضاعف عدد أماكن اجتماعاتها والتي كرسوها لممارسة طقوسهم في جماعة، وظهرت في بعض الأحوال دور (بيوت) خاصة، تشبه بالفعل الأديرة، حيث كان الزهاد، بعيداً عن العالم، يعيشون مثالهم الداخلي ويمارسون في جماعة طقوس العبادات التي تؤدي إليه. وإذا ما صح النبأ، فإن نموذجاً على ذلك قد تكون تلك الحلقة التي أسسها في البصرة الحاكم الأموي عبد الله بن عمرو (54-55هـ/673-75م) والتي ذكرها المؤرخ المصري المقريزي (توفي في العام 846هـ/1442م)(1)، بسند إلى مفسر السير أبو نعيم الأصفهاني (توفي في العام 430هـ/1039م).
__________
(1) - المقريزي، الخطط، الجزء الثاني، ص414. (1/17)
صفحة 18
ويبدو أن نشأة هذه المنشآت الرهبانية ترتبط في الأصل بمؤسسة ذات طابع خاص، عرفت منذ نهاية القرن الأول الهجري، أي في نهاية عصر الفتوحات ألكبري التي منحت الإمبراطورية الإسلامية أقصي درجات الانتشار: الرباط، أي الأماكن المحصنة التي أقيمت على الحدود كحاميات لمحاربة الكفار. ونظراً للمفهوم الإسلامي للحرب المقدسة (الجهاد) كإلزام ديني فُرِض وجوباً، جرت العادة على أن يتمركز في هذه الأماكن المحصنة، بجانب المحاربين، أيضاً بعض العابدين والذين كانوا يقرنون مع الجهاد أيضاً طقوس زهد ودراسات في الدين. وفي المشرق، في تلك البلاد التي لم يعد الكفار يمثلون فيها خطراً على الإسلام، سرعان ما توقفت الوظيفة الحربية للرباط وحل النظام التصوفي والتلاوات الحسنة كليةً محل التدريبات العسكرية. وهكذا أصبح الرباط صومعة بمعنى الكلمة حيث كان يعيش زاهد أو أكثر محاطاً (محاطين) بتلاميذهم. (1/18)
صفحة 19
وفي بلاد فارس، اختلف الرباط نوعاً واسماً، وسُمي الرباط - الصومعة بـ خانقاه وهي كلمة عربية من أصل فارسي(1). ولقد استمر الرباط في البلدان الإسلامية في التعبير سواء عن المؤسسة العسكرية أو الدينية، أيضاً حين انتشر فيها، مع نهاية القرن العاشر، مصطلح خانقاه(2). وكان أول رباط-صومعة، وصلتنا عنها أنباء مؤكدة، تلك التي تأسست قرابة منتصف القرن الثامن في عَبدَان ببلاد العراق على يد المتصوف الشهير عبد الواحد بن زيد (ت 177هـ/793م أو 794م)، أو على الأرجح على يد تلاميذه. وهو الدير (أحاط به سوراً)، وكان يتألف من مجموعة من الصوامع ذات أصل مسيحي-مَلَكي(3). كانت شهرته ذائعة وكانت تُسجل أسماء كل الشخصيات الشهيرة التي كانت تقوم بزيارته أو بالاعتكاف فيه(4). هُدم على يد الزِنج في عام 260هـ/873-4م.
__________
(1) - تُفهم عامة على أنها تتكون من خان (سماط) و جاه (مكان). ولا يبدو أن الاشتقاق الذي طرحه الشيخ نصر الدين السراج، له أي أساس من الصحة، فهو يقول بأن الكلمة قد تكونت من كلمة حانة (منزل) و قاه (صلاة). (KH. A. Nizami, Some Aspects of Khanqah Life in Medieval India," بعض أوجه حياة الخانقاه في بلاد الهند في العصور الوسطى"، في Studia Islamica, باريس، الجزء الثامن (1957) ص51، رقم 2.
(2) - المقريزي، مرجع سابق، ص414.
(3) - الجاحظ، الحيوان، القاهرة 1323- 25، الجزء الرابع، ص146.
(4) - للمزيد أنظر، لويس ماسينيون، Essai مرجع سابق صفحات 157، 234، 235. (1/19)
صفحة 20
وكان رباط عبدان هو النموذج الذي قلده في مرو ابن المبارك(1)، وفي الرملة في سوريا، قرابة العام 150هـ/767م، أبو هاشم عثمان بن شريك الكوفي(2)، وربما استخدم هذا الأخير دير مسيحي سابق(3). وكان رباط الرملة، والذي هُدم قرابة العام 560هـ/1164-65م، بمثابة مركز الزهاد في سوريا (بلاد الشام) وكان يتمتع هو الآخر، مثل رباط عبدان، بشهرة ذائعة(4).
__________
(1) - أحد زُهاد خُرسان، توفي في هيت Hit في 180هـ/796-7م. كان معلماً للفقيه الشهير سفيان الثوري.
(2) - أحد مشاهير الصوفية، عاش في النصف الثاني للقرن الثامن، يقال بأنه أحد أول من حمل لقب الصوفي.
(3) - وهكذا محتمل أن نفهم القصة المثيرة التي رواها الشاعر الفارسي الشهير جميع الذي عاش في القرن الخامس عشر، والقائلة بأن مؤسس الدير ربما كان أحد الأمراء المسيحيين من سوريا (نفحات الأنس، ص34).
(4) - لويس ماسينيون، Essai مرجع سابق ص234. (1/20)
صفحة 21
ويثير اهتماماً خاصاً، للسبب الذي سوف أعرضه بعد قليل، ذلك الرباط الذي تأسس في المُنستير في الشمال الإفريقي قرابة العام 179هـ/795م، وبالتحديد في تونس الحالية، على يد الحاكم العباسي حرطمة بن أيان(1). فمن منستير تبدو بوضوح كلمة مونستيريوم (دير)، والتي قد تجعل البعض يفترض بأن أحد الأديرة المسيحية كان موجوداً هناك فيما قبل ذلك، بيد أنه ليس هنالك من نص يذكر بوجود مثل هذا الدير في مثل هذه النقطة الساحلية. يمكن أيضاً أن يكون سكان المنطقة الأصليين من المسيحيين أو من حديثي اعتناق الإسلام(2) قد أطلقوا تلك التسمية على هذه المؤسسة الإسلامية، بسبب سماتها السائدة كدير. وسرعان ما ذاعت شهرته لكونه دير (مونستير) واحتفظ لفترة طويلة بمكانة بارزة؛ يخبرنا عنها أحد الأحاديث (لم يحدد درجة الإسناد) بأنها مكانة كان قد تنبأ بها النبي. ويخبرنا البكري في القرن الحادي عشر أنه في هذا المنستير قد أقام أحد الشيوخ الأجِلاء على رأس جماعة من الزهاد كانوا قد هجروا ذويهم وأخِلائِهم لكي يعيشوا في عزلة عن العالم(3).
__________
(1) - ياقوت، معجم، Wustenfield، الجزء الرابع ص661.
(2) - جاء هذا الفرض على لسان M.H. "عبد الوهاب، Extraits relative a' l'histoire de l'Afrique du Nord et de la Sicile, (موجز عن التاريخ الشمال الإفريقي وصقلية)، في Centenario di Michele Amari، الجزء الثاني، صفحات 492-93.
(3) - البكري، Descreption de l'Afrique septentrionale, (وصف شمال إفريقيا)، De Slane، الجزائر 1913، صفحات 78-80. (1/21)
صفحة 22
وبمناسبة الحديث عن أي روابط محتملة مع حياة الرهبنة المسيحية، تجدر الإشارة إلى الكاتب فهر بن جابر (توفي في العام 325هـ/936م)، والذي بعد أن أكثر من الترحال، ومن التعامل مع الرهبان المسيحيين، اعتكف في سن الخمسين ونذر نفسه لحياة الرهبنة في جبال دمشق، وهناك ألّف كتاباً عن الزهد، احتوي أيضاً على قصة عن الرهبانية المسيحية وأهداه لمسجد الأموية(1).
اكتشف عالم الجغرافيا المقدسي، مع نهاية القرن العاشر، أثاراً لحياة وتشريعات عامة لدي بعض الزهاد المسلمين الذين كانوا يعتزلون العالم في أماكن موحشة، في سوريا، على جبال لبنان ومرتفعات الجولان. وكان زعيمهم أحد فقهاء مدرسة سفيان الثوري(2).
__________
(1) - يشير إلى المشرق، 1908، ص883.
(2) - المقدسي، "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، وM. J. Coeje, Leida 1877 (Bibliotheca Gerographorum Arabicorum, III) ص188. (1/22)
صفحة 23
بيد أن أكبر تنظيم رهباني في القرن العاشر جاء على يد الكرّامية(1) من خُرسان أتباع محمد بن كرّام السجيستاني، عالم لاهوت ومتصوف شهير، توفي في القدس في عام 255هـ/868م. وكانت خانقاواتهم (جمع خانقاه) توجد في طبرستان، وجورجان، ومرو الروز، وسمرقند وفي فرجانة(2). أمّا خانقاه القدس فقد بنيت بالقرب من ضريح معلمهم وهكذا أصبحت بمثابة البيت الأم لطريقتهم(3). ولقد تأسست أيضاً خانقاوات كرّامية في مصر(4) وفي المغرب، وهذا هو ما يعنينا. ويؤكد المقدسي بأنه قد قرأ وثيقة كرّامية جاء فيها أن عدد خانقاوات الطائفة في هذا الإقليم الأخير (يقصد المغرب) كان تقريبا سبعمائة خانقاه(5).
وفضلاً على أنها كانت دار استضافة لأتباع الطريقة، ومقراً لممارسة شعائرها التي تعكس طابع هذه الطائفة، فإن الهدف من هذه الأديرة الكرّامية كان، كما ورد في ملاحظة لـ [ماسينيون]، التعليم وإعداد لاهوتيين وفقهاء في المقام الأول وليس زهاد أو متصوفين(6).
__________
(1) - أو أيضاً كيرّامية (CF. A. Mez, Die Renaissance des Islam, ترجمة للغة الأسبانية مدريد-غرناطة 1936، ص351). للمزيد، فضلاً على سمت المراجع الواردة بـ Handworterbuch des Islam, s.v.Karramiya,، أنظر لويس ماسينيون، Essai، مرجع سابق، ص260 و الكتاب الوارد ذكرهم به.
(2) - المقدسي، مرجع سابق، ص323، 365.
(3) - كانت تتم فيها حلقات الذكر، والتي كانوا يقرأون في أثنائها تواشيح وابتهالات من كراسة. (المقدسي، المرجع السابق ص182).
(4) - المرجع السابق ص202.
(5) - المرجع السابق ص235.
(6) - لويس ماسينيون، La passion d'al-Halladj et l'ordre des Halladjiyyah, في Melanges Hartwig Derenbourg، باريس 1909، ملخص ص6- 7. (1/23)
صفحة 24
ولقد أشار [ماسينيون] إلى وجود كتيب عن الحياة العامة حرره أحد أتباع المدرسة الكرّامية، أبو موتى مكحول بن فضل نصفي من بلخ، والذي توفي في عام 319هـ/931م. ويذكر ماسينون فقط عناوين فصول ذلك العمل، الذي ما يزال مخطوطاً. ومما يمكن استنتاجه، فإن الأمر لا يتعلق بناموس رهباني بمعنى الكلمة، بل نصائح ذات طبيعة أخلاقية-دينية(1).
ولقد رأى [فان فلوتين Van Vloten] في أديرة الكرّامية المنشأ الذي نبعت منه المدارس الإسلامية، ولم تكن المدارس التي أسسها الأشاعرة في القرن الحادي عشر، بدعم من السلاجقة، للرد، في المجال التربوي على بدع الشيعة من ناحية، وعلى أهل السنة والجماعة المتصلفين من ناحية أخرى، في جوانبها المادية والتربوية سوى نسخة مما أسسه الكرّامية(2).
وبجوار تأسيس المدرسة - والتي لم يكن تطورها هاماً في تاريخ التدريس فحسب، بل أيضاً في الشريعة - وهذا ليس بالمجال للحديث عن ذلك -ظهرت في المشرق مؤسسات أخرى ذات طابع خاص وهي الطريقة لتعليم وممارسة الصوفية.
__________
(1) - لويس ماسينيون، Essai، مرجع سابق، ص271، رقم 4.
(2) - فان فولتين، Hachwia et nabita، في محاضر المؤتمر الدولي الحادي عشر للمستشرقين، باريس 1899، الجزء الثالث، ص114. (1/24)
صفحة 25
ولقد ارتكز التصوف لعدة قرون على قاعدة فردية. بيد أن الأمر لم يخلو، في بعض الأحيان، كما رأينا، من بعض المعلمين الذين استطاعوا بتعاليمهم وطريقة حياتهم أن يكونوا حلقات من التلاميذ الذين التفوا حولهم. وهذه المدارس كان يمكن أن تستمر لجيل أو جيلين حتى بعد وفاة مؤسسها، وذلك تحت قيادة أحد تلامذته النوابغ، ولكن لوقت طويل لم يكن هناك أي نوع من المؤسسات الدائمة والتي كان من الممكن أن تضمن استمرار التعليم الصوفي والطقوس الدينية. ولكن فقط ابتداءً من القرن الحادي عشر أدت النزعة إلى التوحدية، والتي كانت ملامحها الأولي قد تحددت بالفعل في بدايات القرن الثامن، رويداً رويداً، إلى تكوين تجمعات حقيقية منظمة إدارياً ووظيفياً والتي سرعان ما اكتسبت سمة الطرق الدينية التي كانت تفرض حياة الرهبانية، بشكل عام، على الأتباع بدرجة أكبر. ويمكن أن نلخص تاريخ هذه الطرق الدينية بإيجاز كما يلي: ميلادها، من مدرسة ابن خفيف (توفي في العام 372هـ/982م) في شيراز، الطريقة الفارسية من كازارونية ومن مدرسة الجنيد (توفي سنة 298هـ/910م) في بغداد لطريقة كبيرة وهي الجنيدية والتي انقسمت في القرن الثالث عشر إلى ثلاثة أنظمة مختلفة: جواجاكان في التركستان، الكبراوية في خراسان، القديرية في بغداد. (1/25)
صفحة 26
والقواعد الأساسية لهذه الطرق والتي تمت دراستها باستفاضة نجدها في الوصايا الخاصة بكل منها (وهي هنا بمعني توصية)، والتي تجتمع فيها نصائح ذات كمال أخلاقي عال مع تحليل وتعليق وضعاً بعناية. وتتنوع هذه القواعد تبعاً للجماعات، ولكنها تتشابه في سماتها العامة(1). وأقدمها والتي نملك عنها ملخصات أصلية هي وصية نظام القديرية والذي كان أول نظام يدخل إلى شمال إفريقيا في القرن الثالث عشر(2).
__________
(1) - للمزيد أنظر M. Horten, Monchtum und Monchsleben im Islam, في Beitrage zur Kenntnis des Orients, ، الجزء الثاني عشر (1915)، ص64-129.
(2) - A. Bel, La religion musulmane en Berberie، "الدين الإسلامي في بلاد البربر"، باريس 1938، ص365. (1/26)
صفحة 27
واستعراضنا لمظاهر حياة الزهاد المسلمين المعتكفين لن يكون كاملاً دون الإشارة إلى المؤسسات التي تندرج تحت مسمي فتّوة والتي، ظهرت، ربما، في الحضارة الإيرانية بين الشبان والذين كانوا يطلقون على أنفسهم اسم فتيان وكانوا ينشدون تحقيق المبدأ الفروسي للـ فتى، وتطورت، تحت تأثرهم بالصوفية، تقريباً وكأنهم طريقة ثالثة بجوار الطرق ودفعوا بطقوس الفضائل إلى حياة الأديرة. ولقد اتخذت الفتوة في الأناضول شكلاً تنظيماً خاصاً، وهو ما يسمي بـ"الأخية"، والتي تتألف من ثلاثة درجات، اليجيت، الأخ، الشيخ. وهذا الأخير لم يكن له أية تكليف خاص وكان الأخ يضطلع بإدارة شئون هذه الجماعة يساعده في ذلك نوع من معلمي الطقوس كان يقال له فوكيه (ربما فقيه). وكان الأعضاء يعيشون حياة عامة وكانوا يتميزون فيما بينهم بممارسة الوفادة. وكان الأخ على عهد ابن بطوطة (توفي في العام 779هـ/1377م) يتولون، في المدن التي لم يكن بها أي أمير، أيضاً سلطات الحاكم. ويبدو وأنهم كانوا يتمتعون بنفوذ خاص في أنقرة في الحقبة التي لم يحكم فيها الحاكم المنغولي، الذي كان يقيم في سيواز، ويده على مقاليد الأمور. ومنهم استلم مراد الأول المدينة (يعني أنقرة) في عام 752هـ/1360-61م(1).
***
__________
(1) - حول الفتوة وأشكالها أنظر الكتابات الحديثة: F. Taeschner, Futuwwa, eine gemeinschaftbildende Idee im mittelalterlichen Orient und ihre verschiedenen Erscheinungsfarmen, في Schweizerische Gesellschaft fur Volkskunde, بازل الجزء 52 (1956)، ص121-158 و مقاله بعنوان (أخي) في الطبعة الجديدة لموسوعة الإسلام Encyclopedie de l'Islam، ص331. وعن الجوانب الاجتماعية أنظر خاصة Cl. Cahen, Mouvments populaires et autonomisme urbain dans l"asie musulmane du moyen-age, في Arabica Leida, V/3 1958 e VI/3, 1959. (1/27)
صفحة 28
وتأتي وثيقتنا في إطار تاريخ مذهب الخوارج في الشمال الإفريقي. فلقد توغلت طائفتان من الخوارج: الصُفرية(1) والإباضية(2) في بدايات القرن الثامن في الشمال الإفريقي. ولقد نجحت الثانية، بعد أحداث كثيرة دموية، في أن تؤسس دولة متماسكة مركزها مدينة تيهرت بالقرب من مدينة تياريت الحالية في الجزائر، والتي نجحت تحت إمام الدولة الرستمية (160هـ/776م-296هـ/908م)، في
__________
(1) - حول تاريخ الصفرية في الشمال الإفريقي أنظر خاصة H. Fournel, Les Berbers, Etude sur la conquete de l'Afrique par les Arabes, "البربر، دراسة حول فتح العرب لشمال إفريقيا"، باريس 1875- 1881، الجزء الأول، ص287-302، و passim e Ch. A. Juliem, Histoire de l'Afrique du Nord، "تاريخ شمال إفريقيا"، باريس 1931، ص330-332.
(2) - حول تاريخ الإباضية في الشمال الإفريقي أنظر، أحدث الكتابات، أعمال T. Lewicki; Etudes ibadites nord-africanes.، "دراسات إباضية من الشمال الإفريقي". الجزء الأول، تسمية شيوخ جبل نفوسة قراهم. قائمة مجهولة المؤلف لشيوخ الإباضية وقري جبل نفوسة التي جاءت في كتاب "سير المشايخ"، (القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي)، وارسو 1955؛ و التقسيم الجغرافي لفرق الإباضية في الشمال الإفريقي في العصر الوسيط "La repartition geographique des groupements ibadites dans l'Afrique du Nord au moyen-age"، في Rocznik Orientalistyczny, XXI وارسو 1957، ص301-343؛ و "الإباضية في تونس في العصر الوسيط" "Les Ibadites en Tunisie au Moyen age"؛ تحت رعاية الأكاديمية البولندية للعلوم والآداب، روما 1959. وحول حالة الإباضية في تيهرت أنظر أيضاً Chikh Bekri, Le Kharijism berbere "الخوارج البربر". Quelques aspects du royaume rustmide,، "بعض ملامح الدولة الرستمية"؛ في Annales de l'Istitut d'etudes orientales، الجزائر، الإصدار الخامس عشر (1957)، ص55 - 108. (1/28)
صفحة 29
توحيد إباضية وسط المغرب وجنوب تونس وطرابلس. ولم يكن التنظيم الإداري في الدولة الرستمية يختلف كثيراً عن سائر بلاد المسلمين سوى بالنفوذ الطاغي الذي كان يحظى به المشايخ، علماء الدين هم الوحيدون الذي لهم الحق في الحكم على صفات الإمام، ومراقبة تصرفاته، والإبقاء عليه لمراعاته لحدود الدين، أو تغييره إذا ما حاد عنها. وبذلك نفهم بسهولة أن تاريخ تيهرت (تاهرت)، لم يكن، بغض النظر على استقامة أئمة الدولة الرستمية، باستثناء بدايتها، سوى سلسلة من الخروج على الجماعة، كان دائماً المحرك لها هو سلوك الإمام. وأخطرها كان خروج النكار (النكاث)، والذين أنكروا، قرابة نهاية القرن الثامن، ثاني أئمة تيهرت، عبد الوهاب بن عبد الرحمن (168هـ/784م- 208هـ/823م).
سقطت مملكة تيهرت عام 296هـ/908م على يد جيوش الدعي أبو عبد الله، باعث السيطرة الفاطمية في إفريقيا. فرّ من نجا من الإباضية إلى جبال أوراس. بيد أن حركتهم لم تنقرض: فلقد استعادت عافيتها بعد حين وهددت عاصمة الفاطميين ذاتها: المهدية على يد أبو يزيد (صاحب الحمار) "الملقب بالرجل المتعنت". بعد ذلك الحدث الأخير، الذي غرق في دمائه (336هـ/947م)، بدأت رحلة التراجع الإباضي في الشمال الإفريقي والتي يبدو أن عجلتها دارت بسرعة خاصة بعد غزو بنو هلال (443هـ/1051م). وبينما كان إباضية طرابلس يتمركزون في جبل نفوسة، كان المدبرين منهم من وسط المغرب يلوذون بإقليم الصحراء الجزائري: سواء في واحة وارجلان، حيث أسسوا مركزاً جديداً "سدراته"، الذي شهد قدراً كبيراً من الازدهار الفني أيضاً؛ وكذا في وادي أريغ.
وكانت تلك هي الحقبة التي تأسست فيها الحلقة، موضوع دراستنا. ويرتبط تأسيسها، الذي نعرف تاريخه، كما سنرى، بانتقال الإباضية إلى وادي أريغ، الذي يسمح لنا بإعطاء توصيف زمني لم يكن مؤكداً قبل ذلك(1).
__________
(1) - أنظر ص58، ملحوظة رقم 106 من هذا الكتاب. (1/29)
صفحة 30
فلقد انتقل الكثيرون من وادي أريغ، سواء لنشر أفكارهم، أو للبحث عن ملاذ أكثر مناعة، تحسباً لمزيد من المطاردات، إلى إقليم مزاب (ميزاب) والذي كان حقلاً مهجوراً إبان هذه الحقبة، وهناك أسسوا، أثناء القرن الحادي عشر، الخمسة مراكز الأولى التي كونت حاضرة الإباضية البدائية خماسية التكوين؛ والتي تدفق إليها فيما بعد بقية الإباضية من ورجلان ووادي أريغ.
وكانت هذه المدن تقوم على دستور ثيوقراطي مميز، ومازالت قائمة إلى يومنا هذا، وكانت قاعدة هذا النظام هي الحلقة، تماماً كما يظهر لنا من "سير" الكاتب الإباضي، أبو عمار عبد الكافي، الذي عاش في النصف الثاني للقرن الثاني عشر، والتي ترجمها [ماسكوري Masqueray] جزئياً(1) والتي سوف نعود لها لاحقاً.
***
ولندرس الآن سيرة الحلقة الإباضية، استناداً للوثيقة، التي أرفقناها نصاً وترجمة.
__________
(1) - E. Masqueray, Chronique d'Abou Zakaria, "أخبار أبو زكريا"، الجزائر 1878، ص245. للمزيد عن صاحب الحلقة أبوعّمار عبد الكافي، أنظر الشماخي "كتاب السير"، القاهرة 1301 للهجري، ص441، 529؛ A. de C.Motylinski, Bibliographie du Mzab, Les livres dela secte abadhite، "بيبليوغرافيا مزاب، كتب الطائفة الإباضية" في Bulletin de correspondence africane, الجزء الثالث، الجزائر 1885، ص27، رقم 68-70؛ و T. Lewicki, Etudes ibadites nord-africanes مرجع سابق، ص12، 13، 45. إباضيات: "تسمية شيوخ نفوسة، في Rocanik Orientalistycany، الجزء 25، وارسو 1961، ص89. (1/30)
صفحة 31
يطلق على المفرد من أتباع هذا التنظيم عزابي (الجمع عزابة). وتشتق تلك الكلمة والتي لم يرد بها ذكر في المعاجم - ولقد ذكر [دوزي Dozy] فقط الجمع "عزابة"(1) - من الأصل عزب (ذكر الكاتب المرادف باللغتين العبرية والأرامية)، والذي يوضح الفكرة الأساسية "بالبعد أو الامتناع (العزوف) عن شيء ما" وهو يسري على هذا المعنى في القرآن. وتطورت دلالة الكلمة فأصبحت تُفيد أيضاً غير المتزوجين "عُزّاب". وأقدم الأدلة على هذا المعنى نجدها في جمع الأحاديث(2). أما الأدلة الموجودة في المؤلفات المعجمية فهي تالية لهذا العصر(3).
__________
(1) - Supplement aux dictionnaires arabes، "إضافة إلى المعاجم العربية"، الجزء الثاني، ص124. نقلاً عن ابن خدون أن كلمة عزّابة تستخدم لوصف الإباضية-الوهبية (Histoire des Berbers, ed. M.G. de Slane) الجزائر 1847-1851، الجزء الثالث، ص203. ويعطي Dozy للكلمة معنى أتباع طائفة الخوارج.
(2) - البخاري، صلاة، 58؛ تعبير، 36؛ فضائل أصحاب النبي، 19؛ النسائي، مساجد 29؛ أبو داود، إمارة، 14؛ أحمد بن حنبل، 6،25، 29.
(3) - استخدم اسم العزاب بين القرن الثامن والقرن التاسع عشر للإشارة إلى نوع من المقاتلين حاربوا تحت لواء العثمانيين وأنظمة حكم تركية أخري وكان محرماً عليهم الزواج. للمزيد حول هذه الميليشيات أنظر مقال H. Bowen في موسوعة الإسلام Encyclopedie de l'Islam. (1/31)
صفحة 32
ولا يُشرح الشكل عزابي باللغة العربية الفصحى. وإن اللهجات المغربية تحتوي على جمع أو على الأصح اسم يدل على مجموع الشيء، لبعض الأسماء مثل فعّال، فعّالة، والذي يستخدم لوصف من يقومون بوظيفة ما ـ أو مجموعة من الأشخاص يحملون صفة مشتركة فيما بينهم(1). فمن المرجح إذاً أن المفرد عزابي هو اشتقاق عن الجمع المغربي عزابة. وسوف يكون معني الكلمة حينئذ :من يمارس مهنة الاعتكاف". وبالفعل نجد أن كاتب الوثيقة التي بين يدينا يصف العزابي على أنه "من يهجر التطلعات الدنيوية للأفظاظ"(2). وسنرى بعد قليل إلى أي مدي يمكن ربط الكلمة - من خلال التأويل المجازي - بمعنى "عازب"(3).
والعلامة التي تميز العزابي عن الغير هي حفلة التقصير وتتكون من حلق الرأس كلية. وهذا الفعل له قيمة رمزية، لأنه ربما يعبر عن ترك "الطريقة التي يعيش بها الناس في هذا العالم" (ص60).
ويرتدي العزابي زياً أبيض اللون. يتكون من قميص بسيط وعباءة أو(لِحاف)، يمكن أن تتنوع موضته. ولبس العمامة ليس إجبارياً (ص60).
ويتم قبول عناصر جديدة بالحلقة بحذر شديد. ولهذا الغرض يتم التفريق بين الضيف المؤقت (عابر السبيل) وراغبي الاستمرار في حياة الرهبنة. ويوضع هذا الأخير قيد بحث دقيق جداً، عن حياته السابقة (ص63-64). وتحدد نتيجة البحث مدى قبول أو رفض طلبه. ويُقبل في الحلقة بشكل استثنائي من يندم للمرة الأولي عن حياته الخاطئة (ص64). ويجد استضافة في الحلقة أيضاً العاجزين جسدياً وعقلياً (ص61، 73، 74). وبقدر المستطاع يحاولون أتباع القواعد (ص74).
__________
(1) - A. Cesaro, L'Arabo parlato a Tripoli "عربية أهل طرابلس"، ميلانو 1939، ص118.
(2) - للمزيد أنظر ص60.
(3) - للمزيد أنظر ص50. (1/32)
صفحة 33
ويتزعم الحلقة الشيخ، يليه مُستنابه خليفته، والذي يحل محله عند الحاجة (ص61). تستمر سلطاته مدى الحياة وتأثيره على العزابة كبير؛ فهو يحكم (ص63)، يدير (ص64)، يقيم ويصدر الأحكام (ص64)، يُعلم (ص61-62): وهو مسئول عن الممتلكات المادية مثلما هو مسئول عن الاهتمامات الروحانية. يعين بعض العريفين (المفرد عرّيف)(1)، وكانت لهم مهام خاصة، دائماً تحت حكمه وإدارته السامية (ص64). ويتولي عريف منهم الإشراف على وقت قراءة القرآن. (ص64)، وآخر يدبر ويشرف على الوجبات الجماعية (ص66)؛ وآخرون يعهد إليهم بمهمة الإعداد الروحي للطلاب (ص69). ويقود مجموعات الطلاب أقدم طالب فيها ويعرف بالنقيب (ص69).
ويمكن القول بأن الحياة الروحية تشغل نهار العزابي بأكمله. وتُفرض خمسة مجالس في اليوم، للأعمال الصالحة، فضلاً عن الصلوات المفروضة والنافلة (ص69)، وتتم فيها تلاوة القرآن والتعليق عليه: في الصباح (ص64)؛ في المغرب (ص65)؛ في المساء، بعد الوجبة الجماعية (65)؛ قبل الراحة الليلية (ص65)؛ في الليل (ص62). ويرأس الشيخ مجالس الصباح والليل (ص62 و72). ويقوم كل عريف في الوقت ما بين صلاة الظهر والعصر بإلقاء الدروس حول القرآن وحول علوم مختلفة (ص70).
وفضلاً عن الدراسة، فإن التطور الروحاني للعزابي تحركه تعاليم الشيخ. فالشيخ يجمع الطلاب ثلاثة مرات كل أسبوع ليعظهم ويخطب فيهم (ص62)، ويضيف إلى ذلك بعض الحوارات والتوجيه في المناسبات.
__________
(1) - المعني الأدبي "خبير". يصف عامة أحد العرفين، وهو على رأس جماعة، زعيم، مفتش، كل من له وظيفة الإشراف علي أشخاص آخرين (Dozy, Supplement aux dictionaries arabes,) الجزء الثاني، ص115. والمصطلح لا يندرج تحت تقسيم الطريقة. (1/33)
صفحة 34
وبينما يقوم الكبار بأداء وظائفهم الخاصة، يقوم البعض الأخر بالخدمة العامة للجماعة. والعريف كما قيل يشرف على إعداد الطعام. ويمكنه في ذلك طلب عون الآخرين، على ألا يكون شخص يعرف بحبه الشديد للدراسة والقراءة (ص68). ولنفس السبب فإن خدمة الطعام يجب أن يقوم بها الذين لم يوسع الله عليهم ولم يفتح قلوبهم للمعرفة" (ص75). ويأكل العزابة كلهم، في نفس حجرة الطعام، في الوقت الذي حدده النظام، مرتين في اليوم. الوجبة الأولى في وقت الظهيرة (ص68). والثانية بعد صلاة العصر ببعض الوقت (ص68). وينصح عامة بعدم الذهاب لغرفة الطعام (ص69): ومن يفعل ذلك ممكن أن يتناول وجبته بمفرده (ص68). وينصح بالاعتدال والسلوك المهذب السليم، خاصة إذا تم تناول الطعام ليس في المكان المعتاد، ولإمكانية أن يلاحظ ذلك الغرباء (ص66). لا توجد أيام مفروضة للصيام: خاص وعامة فإن صيام يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع واجب وكذلك بعض أيام الشهر أو العام (ص77).
ويحصلون على راحة بسيطة في ختام اليوم، ويفضل أن تكون في أماكن منعزلة. (ص76).
ولا يوجد عدد محدد من الساعات التي تخصص للنوم كل ليلة، وهناك القيلولة (أو التقيل) (ص65). ومن يُقلق منام النائمين يتعرض لعقوبات صارمة (ص65-66). وعلى الرغم من أن النظام يشير إلى عشيات (ص65) إلا إنها غير محددة.
وهناك قواعد صارمة لضمان النظام. ويستوجب كل خروج على النظام عقوبة مناسبة. وقبل تطبيق أية عقوبة على المخطئ يتم تحذيره. وإن لم يأت التحذير بأي نتيجة، يلي ذلك العقاب. والعقاب هو الجلد، إذا كان المذنب صغير في السن، والطرد إذا كان كبيراً في السن. والشيخ هو الذي يتوعد بالعقاب (ص63). تتم عملية تهذيب وإصلاح الطلاب في يوم ومكان معلومين (ص62-70)، بالنسبة للآخرين، فعندما تسنح الظروف (ص76)، والتأكد من أن العقاب ليس فقط متناسباً مع حجم الخطأ، ولكنه يقع على شخصية المذنب (ص78). (1/34)
صفحة 35
وحياة العزابي تتسم بالصرامة في تطبيق المبادئ الأخلاقية. فهؤلاء يجب أن لا يتكبروا على الذليل أو يذلوا للمتكبر. يُنصح بعدم مخالطة أهل الدنيا، إلا إذا كان أهل الأرض هم من يبحثون عنهم ليستفيدوا منهم "لصالح الإيمان" (ص77) وقد يتساءل البعض هل العزابي مجبراً على الامتناع عن الزواج؟، نظراً لأن الاسم يمكن أيضاً أن يأخذ المجاز الشائع بمعني عازب. تقول سيرة الحلقة لأبو عمار عبد الكافي التي أشرنا إليها أعلاه، بأنه من بين واجبات العزابي "البعد عن الأهل والولد والحي"(1). إذا فالعزوبية ليست واجبة كحالة اجتماعية وكان مسموحاً بقبول أعضاء في الحلقة من المتزوجين. ولكنها فقط حالة معيشية: فالعزابي عليه أن يعيش في عفة وبالتالي فلو كان متزوجاً، وجب عليه الانفصال عن زوجته.
ومن الأشياء المثيرة للدهشة أن حلقة الشيخ أبو عبد الله اتخذت مقرها في غار. وربما تتمكن الأبحاث الأثرية في منطقة سدراته من إماطة اللثام عن حالات أخرى مشابهة وتمدنا بمعطيات مثيرة للاهتمام حول هذه الأنماط القديمة لحياة الزهد الجماعي(2).
***
__________
(1) - E. Masqueray, Chronique, مرجع سابق، ملاحظة من ص255.
(2) - تمت أحدث الأبحاث على يد M. van Berchem, Sadrata. Un chapitre nouveau de l'histoire de l'art musulman, Campagne de 1951 et 1952, in Ars Orientalis, Washington, I (1954), pp. 157-72. وتذكر فيها معلومات عن أول الحفريات. (1/35)
صفحة 36
ولقد تم الاستدلال على مصطلح الحلقة منذ أوائل ظهور الإباضية. وتذكر لنا المصادر أنه كانت هناك حلقة في البصرة، وكانت أثناء فترة الاضطهاد، نظراً لوجودها في قبو لحفظ النبيذ كان محكم الغلق، كانت تجمع تعاليم راوي الأحاديث الإباضي الشهير، وتلميذ جابر بن زيد، أبو عبيدة التميمي، والذي توفي قرابة منتصف القرن الثامن الهجري(1).
وإلي القرن التاسع ترجع أول الأدلة على وجود الحلقة في الشمال الإفريقي، في جبل نفوسة(2)، وإلي القرن العاشر بالنسبة للإباضيين في واحة غارد(3)، بالقرب من غدامس ثم حدث نفس الشيء في وقت لاحق لذلك أيضاً عند النكار(4).
__________
(1) - E. Masqueray, Chronique مرجع سابق، ص19-20؛ G. Crupi La Rosa, I trasmittitori della dottrina Ibadita, "من نشر العقيدة الإباضية" في حوليات المعهد الجامعي للدراسات الشرقية بنابولي، الجزء الخامس (1954)، ص129.
(2) - الشماخي، كتاب السير، مرجع سابق، ص232-34؛ T. Lewicki, Etudes ibadites nord-africanes, مرجع سابق ص33. ولنفس الكاتب: Un document ibadite inedit sur l'emigration des Nefusa, "وثيقة إباضية لم تنشر عن هجرة إباضية نفوسة"، في Folia Orientalia, Cracovia، الجزء الأول (1959)، ص187.
(3) - الدرجيني، كتاب طبقات المشايخ، مخطوطة رقم 275، من مجموعة جامعة Lwow ، صفحة 109؛ و T. Lewicki, La repartition geographique مرجع سابق، ص338.
(4) - أبو الربيع سليمان الويسياني، كتاب السير، مخطوطة رقم 277 من مجموعة جامعة Lwow ، صفحة 33-34؛ و T. Lewicki, La repartition geographique مرجع سابق، ص312. (1/36)
صفحة 37
وكما هو معلوم فالحلقة هي عبارة عن حلقة من الطلاب والذين، ليسوا عامة يدرسون علماً واحداً بعينه، يجتمعون حول أحد المعلمين للاستماع لتعاليمه. والهدف الأساسي من الحلقة عند الإباضية، كما تعرفنا عليها في أوائل القرن الحادي عشر، هو التعليم أو الحياة الجماعية لممارسة طقوس الزهد، سواء بسواء. وكما نلحظ بسهولة، فتلك هي السمات الحقة للاعتكاف من أجل التصوف؛ وهي سمات يكملها: توحيد نوعية الرداء؛ ضرورة حلق شعر الرأس فضلاً عن التمسك بنظام أخلاقي صارم. وقد يتساءل البعض هل كانت هذه المؤسسة التصوفية الإباضية موجودة بالفعل في المشرق، أم أنها ظهرت في الشمال الإفريقي في أعقاب تطور النظام الدراسي للحلقة، وهل كان ظهورها تلقائي أم لمحاكاة بعض المؤسسات التصوفية عند أهل السنة والجماعة!!
ونظراً للظرف التاريخية، نقول أنه يصعب الاعتقاد بأن الإباضية اشتقوا حلقتهم من مؤسسات تصوفية مماثلة قامت على يد أهل السنة والجماعة في الشمال الإفريقي، ولعل حلقة مونستير تعطينا المثال الواضح على ذلك. (1/37)
صفحة 38
ومن المعلوم أن مملكة تيهرت لم تكن علاقاتها، طوال حكمها الطويل (160هـ/776م-296هـ/908م)، طيبة على الإطلاق مع جيرانها السنة والأغالبة من ناحية؛ والأدارسة من الناحية الأخرى. وكان الأغالبة السبب المباشر في سقوط الدولة الرستمية بالقضاء على أهل نفوسة، عصب المملكة، في مذبحة عام (283هـ/896-7م)(1). ثم أن الرستمييون كان لهم صدامات مستمرة مع الأدارسة والذين بعد أن استقروا في بادئ الأمر في المغرب الأقصى، سيطروا رويداً رويداً على وسط المغرب ووصلوا إلى حدود مملكة تيهرت(2). وعليه يصعب التفكير في أن الإباضية في زمن من الصراعات الدموية قد أخذوا أية مؤسسات عن أعدائهم السُنة. ويزيد من الاعتقاد بعدم احتمالية هذا الفرض، أنه مع سقوط مملكة تيهرت على يد الفاطميين وبعد انسحاب من تبقي من الإباضية على قيد الحياة في إقليم الجنوب، انتقل جزء كبير من المغرب إلى هرطقة الشيعة؛ والذين ما كانوا ليتساهلوا مع أي شكل من أشكال التصوف، بدرجة قد تحملنا على الاعتقاد بأن المؤسسات التصوفية السُنية قد انقرضت هي الأخرى من المغرب(3).
على أية حال، فنحن لا نستبعد، على الرغم من الأوضاع السياسية الصعبة، إمكانية أن يكون هناك تبادلاً دينياً ثقافياً بين الإباضية والسُنة، في تلك الفترة من التاريخ المغاربي- وفي مرحلة تالية فلقد درس كاتب وثيقتنا، كما سنرى، علم النحو واللغة العربية في القيروان(4)- وستظل هناك دائماً الحاجة إلى إثبات أن الأوائل الذين اشتهروا بنزعاتهم الصوفية، أن هناك شيئاً ما تعلموه من الآخرين.
__________
(1) - E. Masqueray, Chronique مرجع سابق، ص194.
(2) - البكري، مرجع سابق، ص103.
(3) - G. Marcias, Note sur les ribats en Berberie, في MelangesRene Basse، الجزء الثاني ص405، علق قائلاً أن التخبط الذي سببته هرطقة الشيعة في الحياة الدينية في البلاد لم يكن بكل تأكيد في صالح تطور المؤسسات الدينية.
(4) - أنظر الصفحات التالية، ص57. (1/38)
صفحة 39
ويبدو أنه من الممكن استبعاد الفرض بأن الحلقة ظهرت على غرار المؤسسات الكرّامية التي كان لها ،كما رأينا، حظاً كبيراً في الانتشار في منطقة المغرب مع نهاية القرن العاشر. لأن المؤسسات الكرامية، قبل أي شيء، كانت، كما سبق لنا القول، مدارس بمعنى الكلمة، أكثر منها أديرة؛ مدارس تأسست بهدف نشر العقيدة الدينية الخاصة بهذه الطائفة. وفي المقام الثاني لأنه لا يوجد أي أثر في الحلقة، التي ظهرت في بدايات القرن الحادي عشر، بتجمع عدد من العُباد، يمارسون تصوفهم في حياة العزلة وتلاوة غير منقطعة للنصوص القرآنية والمقولات الحسنة والتي لم تكن بعد قد توقفت عن كونها هدفاً في حد ذاتها حتى أصبحت مرحلة تحضيرية للمعرفة الروحية الصوفية، لأي من التجارب التصوفية التي استلهم منها مؤسس الطقوس الكرامية العقيدة الخاصة بطائفته، واصبغ بها تعاليمه.
لا يمكن التأكيد على وجود أية رابط بين الحلقة الإباضية والطريقة، سواء لأن الطرق انتشرت في شمال وسط إفريقيا فقط في القرن الثالث عشر، أو لأننا لم نجد في الأولى (يقصد الحلقة)، كما سنرى بتفصيل أكثر بعد قليل، أي من عناصر التصوف المميزة للثانية (يقصد الطريقة). (1/39)
صفحة 40
وربما تجعل الصعوبات التي طرحناها البعض يميل إلى الفرض بأن الحلقة، كمُعتَكَفِ للزهد والعبادة، ترتبط بحياة الزهد في بدايات الإسلام. لقد وضحنا في مواطن أخرى كيف أن المذهب الإباضي تتخلله روح ذات مذاق خاص ألا وهو مجتمع العُباد، مجتمع القرّاء، مجتمع القصاص والبكائين والذين دفعهم قلقهم الكبير ذا الطابع الأخلاقي-الديني، إلى أن يكرسوا أنفسهم منذ بداية القرن السابع إلى حياة الندم والحمية(1). ولذلك فيمكن الاعتقاد أنه كان هناك تطوراً صوفياً عند الإباضية يوازي نفس التطور الذي حدث عند السُنة وأن نفس المؤسسات الرهبانية تَعَاصَر ظهورها في كلا المذهبين. وليس مستبعداً أن يكون الأباضيون بالفعل هم أول من أعطى إشارة البدء لتكوين التجمعات التصوفية المعتكفة، يدفعهم في ذلك، مفهومه التصوفي شديد الصرامة. ويمكن القول بأن حلقة البصرة والتي أسسها راوي الحديث الإباضي أبو عبيدة التميمي والتي أشرنا لها بالفعل(2) كانت النموذج الأول. ويمكن أن يكون الإباضيون قد نقلوا مثل هذه المؤسسات إلى المغرب وحافظوا، بفضل انعزالهم، على نفس الشكل الذي أسست عليه في البصرة حيث كانوا متواجدين جنباً إلى جنب مع السنة، أو أنهم عدّلوا فيها بعض الشيء تماشياً مع الظروف التاريخية.
***
إن تطور الرهبانية الإسلامية، والتي حددنا فقط ملامحها الخارجية، سوف تتحدد معالمه وفقاً للخطوط العريضة التي سنعرضها الآن.
__________
(1) - روبيرتو روبيناتشي، La purita' rituale مرجع سابق، ص15.
(2) - أنظر أعلاه ص50. (1/40)
صفحة 41
لا يبدو أنه يمكن التشكيك في أن حياة الرهبنة في الإسلام جاءت بشكل كبير جداً على غرار الرهبانية المسيحية. وكان العرب، في العصر الجاهلي، قد اتصلوا بأشكال من حياة الزهد المسيحية. فالشعراء القدامى يتحدثون عن الراهب، الناسك المنقطع عن العالم، الذي يضئ مصباحه غياهب الليل ويرشد المارة. وكانت الرهبانية المسيحية على عهد محمد (ص) منتشرة بكثرة بطول الطريق الذي كان يؤدي إلى السعودية من طريق الشمال، وفي القرآن، كما رأينا، ما زالت هناك أصداء لتلك الحياة الدينية رفيعة المكانة. ويمكن القول بأنه على عهد الفتوحات الكبرى؛ كان هناك اتصال، تقريباً، في كل البلدان التي فتحها أتباع الدين الجديد، بنساك ورهبان مسيحيين. فلقد كانت الأديرة والصوامع تتلألآ في سوريا ومصر: ففي الفيوم وحدها وصل عدد الأديرة، إبّان القرن الثامن إلى زهاء الثلاثين ديراً وصومعة. وكان يوجد عدد كبير أيضاً من الأديرة في بلاد الشام إبّان عصر هرقليوس. وفي العصر المسيحي، ما بين 610-630 ميلادية كانت المقاطعات الجنوبية الفارسية تعج بالنساك والرهبان: وفي زمن الفتوحات الإسلامية كان عدد الأديرة في هذه الأقاليم يقارب الستين. ولا يبعث على الدهشة إذاً، كما وضحنا، أن يوجد تأثيراً مسيحياً في الرباط - الصومعة الأول، أو أن كتاباً مسلمين من فهر بن جابر قد أبدوا اهتمامهم بحياة الرهبنة المسيحية. وإذا كانت سير الحلقة تمثل، كما في اعتقادنا، الشكل البدائي المميز "للأديرة" الإسلامية، فلن يثير الدهشة أيضاً أنها تحمل ملامحا شبيهة بالأديرة المسيحية. (1/41)
صفحة 42
وحقاً فإن حياة الصوامع تعكس دائماً نفس الاحتياجات أينما وجدت، وتفرض الحاجة إلى صياغة نظماً تنظيمية والتي بسبب طبيعة الأشياء الواحدة في كل مكان، لا يمكن وأن تكون مختلفة. على أية حال فإن الفرض بتطور تلقائي ناجم عن هذه المُسببات المشتركة قد يبدو غير كافي لشرح التشابهات الموجودة والتي من المفضل أن نترك شرحها للعلاقات التاريخية. وختاماً وللمقارنة، نعرض لطريقة (النظام) الرهبانية الشهيرة للقديس : [سان باكوميو San Pacomio]، والتي كانت مصدر الإلهام للمؤسسات الرهبانية المسيحية -الشرقية(1) والتي سوف ندعمها بأنباء موثوق فيها عن السيرة الذاتية للقديس(2).
__________
(1) - كما هو معلوم ظلت السيرة كاملة على شكل النموذج الإغريقي والذي أخذه عنه سان جيرولامو سنة404، والذي بدوره كان مأخوذاً عن أصل قبطي. وتأكدت حديثاً أصالة الترجمة التي قام بها القديس جيرولامو، في 194 مقالة، بعد اكتشاف شظايا لآثار قبطية تتطابق تماماً مع النص اللاتيني. والاستشهادات التي أوردناها تشير إلى طبعة A. Boon, Pachomiana latina, Regle et Epitre de st Pachome, Epitre de st. Teodure et "Liber" de st Orsiesius, Lovanio 1932.
(2) - وكما هو معلوم يوجد من نسخ باليونانية، القبطية، العربية (مترجماً عن القبطية أو اليونانية)، و باللغة السريانية. والاستشهادت التي أوردناها تشير إلى النسخ القبطية والعربية والتي نشر، M. Amelineau ، نصيهما في تراجم Annales du Musee Guirnet, باريس، الجزء السابع عشر، وسوف نرمز لهما إختصاراً بالحروف الأول: (ع) اللغة العربية، (ق) اللغة الفبطية (في الصفحات التالية). (1/42)
صفحة 43
ورداء الراهب سواء بالنسبة للعزابي أو للراهب المسيحي يتكون من قميص عباءة(1). وأيضاً المتصوف (الباكوميانو) يجب أن يحلق شعر رأسه كلية(2). ويمكن أن تكون الحياة السابقة المليئة بالخطايا سبباً في عدم القبول سواء بالحلقة، أو سواء بالدير المسيحي(3). ولكونه مطالب بالطهارة التامة، يجب على العزابي مثلما على الراهب المسيحي(4) تحاشي أي علاقة ما بالنساء. مثل القس عند أتباع [سان باكوميو]، والذي لا يفرض عليه قانون البقاء (أي منع ترك الدير)، هكذا العزابي يمكنه ترك الحلقة(5) بحرية تامة ويمكن للشيخ أن يطرد أخ له في الجماعة. وتمثل الطاعة جوهر الحياة الدينية في الحلقة تماماً مثلما الحال في الأديرة المسيحية(6). ويتمتع الشيخ بالسلطات الدنيوية والروحانية التي يتمتع بها رئيس الدير(7) في الدير المسيحي. وكما أن الراهب المسيحي له نائباً يمثله وينوب عنه(8) [برابوسيتوس praepositus]،(9) فإن مستناب الشيخ هو الخليفه. وتتشابه وظائف العريف عامة مع مهام القضاة الأساقفة الذين يرأسون، يديرون ويقومون على رعاية كل راهب، فضلاً عن الجماعة كلها(10). وعريف أوقات الطعام يقوم في حقيقة الأمر بنفس مهام أمين المخزن [إيكونو Economo]، في الدير المسيحي والذي يقوم على أعباء المطبخ وقاعة الطعام(11). وتحتل التعاليم والدراسة الجانب الأكبر من يوم العزابي، تماماً مثلما الحال في الدير المسيحي فإن العمل اليدوي والفكري يستغرق نهار الراهب كله(12). ويُكرس
__________
(1) - Hier., 61، 81، 101، 105.
(2) - Hier., 96؛ ع، 368.
(3) - Hier., 49؛ ق، 199؛ ع، 514.
(4) - Hier., 119.
(5) - ق، 83، 85، 196، 20073-
(6) - Hier., اقتباس
(7) - Hier., اقتباس
(8) - Hier., 182، 185.
(9) * - في الفترة الرومانية المتأخرة هو الشخص القيم على مجموعة. راجع Smith, Dictionary of Greek and Roman Antiquities ، page 954.
(10) - Hier., اقتباس
(11) - Hier., 35، 41، 44، 76.
(12) - Hier., اقتباس (1/43)
صفحة 44
جانباً كبيراً من الوقت في كلتا المؤسستين للصلاة في جماعة والتي حُددت أدق تفاصيلها(1) كما يتشابه عدد مرات المجالس والأوقات التي تعقد فيها(2). ولا يختلف الاستفتاح، أو المجلس الذي يرأسه الشيخ في الثلث أو الربع الأخير من الليل(3) عن الصلاة الليلة عند نظام (الباكوميانو)(4). أمّا التعاليم الدينية، اللقاءات الروحية، الأحاديث المستمرة التي يتعين على شيخ الحلقة القيام بها، فهي جزء من قانون الحلقة تهدف إلى ضمان التطور الروحاني عند أتباع الحلقة(5). وأتباع الحلقة، تماماً مثل رُهبان الأديرة المسيحية(6)، يتناولون وجباتهم في جماعة وبعدد مرتين في اليوم. وهناك مجموعة قواعد، متماثلة بين الحلقة والدير، لتحديد السلوك أثناء تناول الطعام(7) وطريقة الملبس(8). ويجب على العزابي، تماماً مثلما يجب على الراهب المسيحي(9)، أن يلزم المكان الذي حدده له من هو أعلي منه درجة. وكان أيضاً [رهبان Tabennisi] يصومون يومين كل أسبوع(10). ثم أن هناك لائحة جزاءات شديدة الصرامة، تفرض أيضاً الجلد والطرد، لضمان المحافظة على النظام سواء في الحلقة أو في دير [سان باكوميو].(11)
ويمكن أن يكون الحث على عدم التكبر على الأذلاء، وعدم منع الإرشاد الروحاني عن من يطلبه، انعكاساً لمبدأ حب الآخر عند المسيحيين. وليس مستبعداً أن يكون تنظيم الحلقات في الكهوف، تقليداً لأشكال بدائية من الرهبنة المسيحية.
__________
(1) - Hier., اقتباس
(2) - Hier., 20، 24، 25، 155، 186.
(3) - أنظر بعد قليل (ص62)
(4) - 3، 8-10.
(5) - Hier., اقتباس
(6) - Hier., 8، 29، 36، 37، 90.
(7) - Hier., 31.
(8) - Hier., 91، 101,
(9) - Hier., 29، 30.
(10) - Hier., 115.
(11) - Hier., 150- 153 ؛ 160-176. (1/44)
صفحة 45
وقد يكون النص الذي بين يدينا هو الوحيد المتبقي من هذه الحقبة القديمة من الرهبانية عند المسلمين والتي كانت قريبة من الرهبانية المسيحية. وعامة فإن عدم احتواء النص على أثار للمرحلة الثانية للتصوف عند المسلمين ولحياة المتصوفين التي استلهمت منه مضمونها، أمراً ذا دلالة، فهي مرحلة يمكن تفهمها من خلال الطُرق والتي وثقت لها السير التي كانت منتشرة في ذلك الوقت.
إذا ما تناولنا بعض هذه الطرق سنرى أنه بجوار العناصر الأساسية للرهبانية، والتي نجدها في الحلقة، كانت تقدم عناصر أخرى خاصة بالتصوف، تمت صياغتها في حقبة متأخرة مثال: الذِكر، والذي تغير مضمونه، فبعد أن كان تلاوة للقرآن يعقبها تدبر لمعاني الآيات التي تمت تلاوتها، فأصبح بدأ من القرن العاشر ترديداً غير منقطع لاسم الله، كأداة لتحفيز وزيادة الإحساس الصوفي؛ ولنفس الغرض، كان هناك أيضاً الرقص (حركات راقصة جمالية بهدف طلب العفو والغفران)، في الطرق التي تُقرّه، والتمزيق (تمزيق الملابس في حالة الشطح)؛ والنظر إلى المورد (تأمل في صمت وهدوء لأوجه الجدد، الجالسين في الصفوف الأولي والمسماة بحلقة المبتدئين)؛ شعيرة البدء، وهي مستخدمة في المجتمعات الصوفية بدأ من القرن العاشر، وتتكون من تسليم الخرقة، أو زي الطريقة، والذي يعطي رمزاً للفقر والانقطاع عن العالم، والإسناد وهو ربط تسلسل الطرق، جيلاً بعد جيل، بنسب شيوخ الإسلام الذين رضي الله عنهم، وللصحابة، وللنبي؛ والغرض من ذلك منح المزيد من الدعم للطريقة. وتحدد العقيدة طريقة ما بعض العلامات المقدسة: الأشخاص الذين أرسلهم الله العلي القدير للدنيا رحمة بأهلها. وكانت تتغير الأسماء ولكن الهدف دائماً كان الحفاظ على عدد أبدالهم الذين كانوا يتناوبون بالإبدال، مكونين الأركان الروحانية والتي بدونها قد ينهار العالم. (1/45)
صفحة 46
والدليل على أن الحلقات الإباضية تعكس مرحلة سابقة أننا بالفعل سنرى في هذه الجماعات في وقت لاحق ظهور عناصر مميزة للصوفية: الأبدال. ففي سيرة الحلقة، التي كتبها الكاتب الإباضي أبو عمار عبد الكافي، بعد قرن ونصف، للسيرة التي نحن بصددها، والتي كنا قد أشرنا إليها والتي سنرجع للحديث عنها، فإن تصنيف هذه المؤسسة يقارن مع الأحياء من الأتقياء الذين لا نعرفهم لأنهم مخفيون أو أبدال. على رأس النظام نجد الشيخ، وهو بمثابة القطب أو قطب التصوف في الدنيا. العزابة الأربعة الذين يختارهم الشيخ وهم دائماً في عونه ولا يفارقوه وهم كالأوتاد وهم يتقاسمون مراقبة النقاط الأربعة الأساسية؛ وأعضاء الحلقة هم مثل الأبدال أوالبدلاء، وتكريماً لفضائلهم ينظر الله للعالم بعين الرحمة(1).
وفي وقت لاحق ظهر التحاق الأباضيين بحركة التصوف العامة، والتي أصبحت موجودة في روحانياتهم، من خلال سلاسل نقل عقيدتهم، والتي تشبه نظيرتها الصوفية، وبقبول العقيدة التي تشكلت داخل عبادة القديسين وأهل البركة، والتي فهمت كسيل خارق ينتقل باللمس، لكي ينتهي بها الأمر بأن تقبل بشكل كامل (متكامل) على قناطر الخيرات للجيطالي، (ت 737هـ/1336-7م)(2) ، لنتائج التأملات الأصلية للغزالي التي كانت تهدف لإدخال روح التقشف والتصوف في كل مجالات الحياة الدينية.
__________
(1) - E. Masqueray, Chronique, مرجع سابق، ملاحظة ص256.
(2) - اسماعيل بن موسي الجيطالي، قناطر الخيرات، القاهرة 1307 هجرياً. (1/46)
صفحة 47
وفي نهاية الأمر انتقلت الرهبانية الإسلامية من خلال مرحلة ثالثة كان فيها الإباضيون أقدم شاهد، تماماً مثلما كانوا في المرحلة الأولى. ونظراً للنظام والطاعة عند الجزء الأكبر من الأخوة وفضلاً عن مصادرهم الطائلة، كان حتمياً تقريباً أن تعارض الطرق، نظراً لأنه كان في برنامجها، الحياة السياسية، وفي الحقيقة كانت جميعها، والبعض منها بشكل خاص، تقوم، بجوار الأعمال الدينية - الأخلاقية أيضاً بأعمال اجتماعية-سياسية. وللبقاء في الصورة في بلاد الشمال الإفريقي، كانوا أعضاء ساهموا في النمو، وفي مد يد المساعدة، لدرجة أنهم في بعض الأحيان كونوا دولة ضد الدولة: ويكفي مثال السنوسية (السنوسيون)، والتي نجحت قرابة منتصف القرن السابق في تأسيس دولة إقليمية كبيرة بمعني الكلمة في المناطق الداخلية لـ برقة.
حسناً، فبالفعل أثناء القرن الثاني عشر، تطورت الحلقة الإباضية من مؤسسة بسيطة تصوفية بشكل بحت إلى تجمعات، لها أهداف سياسية لا تقل عن أهدافها الدينية. ويشهد على ذلك التطور سيرة الحلقة، والتي أشرنا إليها أكثر من مرة، والتي حررها الكاتب الإباضي أبو عمّار عبد الكافي. ويظهر منها أن وظائف الشيخ خرجت عن حدود الحلقة وأصبح لها ملامح خارجية. يجب على الشيخ أن يدافع بحماسة عن حقوق الضعفاء والفقراء؛ يجبر الفاسدين من عُمّال الدولة على رد المظالم للمظلومين؛ ويعمل على أن يسود العدل في الأسواق؛ الحفاظ على الأمن في المدينة؛ سد احتياجات الضعفاء واللاجئين؛ عدم منح معونات مالية على الإطلاق لأصحاب الممتلكات الخاصة. ويساعده في القيام بوظائفه، "الأوتاد الأربعة" (العزابة المستشارين)، والذين يُعهد إليهم بكامل حياة الجماعة. بيديهم "الحل والربط". يعينهم الشيخ مدي الحياة وبذلك يكونون أعلى درجة من باقي أعضاء الحلقة وبدورهم يختارون الشيخ: وخلاصة القول إن لديهم سلطات "السلطان العادل".
*** (1/47)
صفحة 48
ولِدَ كاتب وثيقتنا، أبو عبد الله محمد بن بكر(1) في بلاد الجريد(2)(3) بجنوب تونس، وهناك تتلمذ على يد الأساتذة: أبو نوح سعيد بن زنغيل(4)، وأبو زكرياء بن مصور(5). عندما توفي أولهما؛ انتقل إلى القيروان ليتم دراسته في علم النحو واللغة العربية. بعد ذلك أقام لبعض الوقت في تاكيوس (قصطيلية)(6)، ثم استقر، مع أوائل القرن الثاني عشر في إقليم الصحراء بالجزائر وبالتحديد في وادي أريغ(7)، وهناك أسس حلقة. وله يرجع الفضل، وفقا للأخبار التي سردها أبو زكرياء، في اعتناق بعض من بني مزاب (ميزاب) للمذهب الإباضي وكانوا حينئذ واصلية (أو معتزلة)(8).
توفي في عام (440هـ/1048-9م)(9). ومن بين أعماله العديدة وصلت إلينا فقط، وفقا لما ذكره الشماخي(10)، "سير الحلقة".
__________
(1) - E. Masqueray, Chronique, مرجع سابق، ص255.
(2) * - راجع ترجمته في المقدمة فهو مولود في جبل نفوسة وليس كما أشار المؤلف.
(3) - E. Masqueray, Chronique, مرجع سابق، ص310-323.
(4) - عنه أنظر الشماخي، كتاب السير، مرجع سابق، ص346-363 و باسي: M.R. Basset, Lesn Sanctuaires du Djebel Nefousa, أضرحة جبل نفوسة في Journal Asiatique, العدد الـ 14 ص3؛ E. Masqueray, Chronique, مرجع سابق، ص300، 310؛ G. Crupi La Rosa, I trasmittitori della dottrina ibadita, "الذين نقلوا (حملوا) العقيدة الإباضية، مرجع سابق، ص129.
(5) - لم يُعرف بغير ذلك.
(6) - لم نستدل على مكانه.
(7) - الدرجيني، طبقات، مرجع سابق، ص47؛ الشماخي، مرجع سابق، ص384.
(8) - Masqueray, Chronique مرجع سابق، ص317.
(9) - الشماخي، مرجع سابق، ص392.
(10) - المرجع السابق، ص392. (1/48)
صفحة 49
وحسب الرواية فإن الظروف التي أدت به إلى إنشاء حلقته في وادي أريغ هي أنه: انتقل بعض الشبان يريدون التطهر الروحي، من جربة باحثين عنه. وبعد بحث طويل عثروا عليه، وقابلوه في تاكيوس (قصطيلية)، حيث كان يسرع الخطى، عائداً من القيروان إلى تغرمات(1)، ليدرس القانون على يد أبو عمران موسي بن أبي زكرياء(2). فتوسلوا إليه أن يكوِّن لهم حلقة. رفض في بادئ الأمر، ثم عاد فوافق بشرط آلا يسألوه أي شيء لمدة أربعة أشهر. وبحلول الموعد المحدد، وبالتحديد في العام الذي اندلعت فيه الحرب بين قبيلتي زناتة وصنهاجة البربريتين، والمعروفة "بكسر القصور"(3)، دعا الشيخُ الشبانَ إلى اتِّبعه إلى بني مجاروة(4). بعث أولاً برسول لأبي القاسم يونس بن ويزكي الويليل(5) بخطاب يعرض فيه رغبته ورغبة طلابه بالإقامة في أريغ ورجاه فيه أن يجهز كهفاً يلوذ به هو وطلابه ليكرسون أنفسهم للدراسة والتأمل. وعندما أصبح كل شيء جاهزاً انتقل الشيخ إلى أريغ وبها كوّن حلقته. حدث ذلك سنة 409 للهجرة (1018-19 ميلادي). وبمناسبة ذلك الحدث أُطلق على الغار الذي أقيمت فيه الحلقة "نونا"(6).
__________
(1) - لم نستدل على موقعها.
(2) - Masqueray, Chronique مرجع سابق، ص315.
(3) - أحد فروع عائلة زناتة البربرية الكبيرة.
(4) - الدرجيني، كتاب الطبقات، مرجع سابق 47؛ Masqueray, Chronique مرجع سابق، ص316.
(5) - الدرجيني، مرجع سابق 47، النص يمكننا إذا من تصحيح تاريخ انتقال الإباضية إلى وادي أريغ، وبالتالي إلى المزاب، والذي كان Masqueray قد حدده ببعض الشك بسنة 980 ميلادية، Chronique مرجع سابق، ملاحظة من ص315.
(6) - أنظر الصفحات القادمة (ص74-75). (1/49)
صفحة 50
ونص سيرة أبو عبد الله محمد بن بكر يوجد ضمن كتاب "طبقات المشايخ" - لم يطبع بعد(1) - للكاتب الإباضي المغاربي أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، والذي عاش في القرن السابع الهجري، والذي أدمج فيه حاشية قصيرة تتعلق بإقامته في حلقة ورجلان في السنوات ما بين 616 و617 للهجرة (= 1219 و1220 للميلاد). وتقوم ترجمتنا على الصور الفوتوغرافية، التي صنعنا منها ألواحاَ خارج النص، للأوراق 47-51 للمخطوطة الموجودة في مكتبة جامعة كراكو?يا، والتي تفضل الدكتور [تادايوش ليفيتسكي Taduesz Lwicki].(2) وأمدنا بها، ونحن نكرر له هنا شكرنا.
__________
(1) * - طبع في جزأين في مرحلة لاحقة من تأليف هذا الكتاب.
(2) - Hier., 150- 153 ؛ 160-176. (1/50)
صفحة 51
ولقد أشار ليفيتسكي لهذه المخطوطة سنة 1934(1)، والتي جاء بها إلى أوروبا الدارس البولندي للدين والحضارة الإسلامية [سموغورزوفسكي Smogorzewski] في عام 1926 والتي أهداها بالفعل لمكتبة معهد الدراسات الإسلامية التابع لجامعة [لپوپ Lwow]TP، وبالتالي أجريت عليها دراسة تحليلية واسعة(2) في عام 1936. وهذه المخطوطة نسخة حديثة للمخطوطة التي ترجع لعام 1241هـ/1826م، والتي كانت قد نسخت بدورها من مخطوطة أخرى ترجع لعام 1180هـ/1776م. وتحتوي المخطوطة على 160 ورقة (مقاس كل منها 25×17.5سم)، تحتوي كل صفحة منها على ثلاثة وعشرين سطراً. وخُطت بخط مغاربي باللون الأسود، وكتبت حواشيها باللون الأحمر. توجد ملاحظات هامشية بخط [سموغورزوفسكي]، والتي صححت الأخطاء التي جاءت في نسخة المخطوطة التي ترجع للعام 1180هـ، وهي تخص في الوقت الحاضر باش-عدل الإباضية في غرداية تبّاح بابا بن حاج داوود بن إبراهيم.
__________
(1) - في مقال :" Une chronique ibadite "Kitab as-Sihare" d'Abu 'l Abbas Ahmad as-Sammahi avec quelques renarques sur l'origine et l'histoire de la familledes sammahis, in Revue des Etude Islamiques, 1934, p, 59-79. "أخبار إباضية من كتاب السر لأبو العباس أحمد الشماخي، مع بعض الملاحظات على تاريخ ونشأة آل شماخ، وذلك في مجلة الدراساتت الإسلامية، 1934، ص59-79.
(2) - Notice sur la chronique ibadite d'ad-Dargini, فيRocznik Orjentalistyczny, XI, Low 1936, pp. 146-172.nJ. Scacht (Bibliotheques et mancuscrits abadites, في Revue Africaine, Algeri 1956, t. C, p. 397. n, 142)، أعلن وجود مخطوطة أخرى لعمل الدرجيني في مكتبة الكتب في بني يزگن في إقليم مزاب "وادي ميزاب". (1/51)
صفحة 52
والفقرة التي تناولت أبو عبد الله محمد بن بكر كانت هي الأخرى من نتاج البرّادي في كتاب الجواهر المنتقاة، ذلك العمل الذي ألفه بغرض، كما أوضح في الافتتاحية، والتي يوجد منها مخطوطات ومطبوعات(1)، استكمال وتصحيح كتاب الدرجيني. ونستطيع، من خلال الاختلافات التي عرضنا لها في ملاحظات ترجمتنا، أن نضع يدنا على المعيار الذي اتبعه البرّادي في نقد النص. فهو عامة ما يصحح الشكل، يفضل استخدام العبارات الواضحة-ونحن استفدنا منها كثيراً لنفهم النص بشكل أفضل-، ونجده في بعض الأحيان يلخص أو يحذف، بيد أن ذلك لا يكون دائماً في مصلحة فهم الفقرات التي يتدخل فيها.
صورة من المخطوط
النص الأصلي للوثيقة(2)
ذكر لمع من سير الحلقة، وما ينبغي لأهل الطريق العزابة أن يلتزموه ويعلموه، (مما رتبه أبو عبد الله محمد بن بكر رحمه الله) كان مما رتبه أبو عبد الله رحمه الله من سير الحلقة، فبقي ذلك رسماً يُقتدَى به، أن جعل للعزابي الذي نظمه هذا الاسم في سلك المتدينين، واعتزل عزمات الأجلاف الدنيويين، علامات ليعرفوا بسيماهم، ويتميزوا من سواهم، فمنها:
__________
(1) - Lit. al Cairo 1302 Eg., pp. 207-218. عن البرّادي وعمله أنظر روبيرتو روبيناتشي، كتاب الجواهر للبرادي، في AIUON, N.S., الجزء الرابع (1952)، ص95-110.
(2) * - رأينا أن نعيد طباعة النص الوارد في المخطوط ليسهل قراءته، ولأنه يختلف لا في جوهره عن النص المترجم عن الإيطالية الذي نقله المؤلف الذي تُرجم هو بدوره عن العربية. (1/52)
صفحة 53
أول ما يتجرد من طريقة أهل الدنيا يحلق شعر رأسه - لا يتركه يطول أبداً -. فالعزابة من شأنهم عدم الشعور، ومنها ألا يلبس ثوباً مصبوغاً؛ إلا البياض. ولابأس بعلم الطرفين والطراز ما لم يتفاحشا، ثم إن اقتصر على عباءة أو ملحفة لم يشنه ذلك؛ ولم يعبه؛ بل ذلك به أليق، وإن لبس ذلك على قميص كان أكمل، ما لم يكن مبتذياً، ولا سبيل إلى اقتصاره على قميص أو قميص دون اشتمال أو التحاف وارتداد.
وإن اعتم فالتحي على ما جاء في الأثر.
وليس لبس العمامة بضربة لازبة، بل لابأس باستغنائه عنها، فإن اقتصر على العباءة واللحاف غطى رأسه، وألقى الطرف الأعلى من هدب حاشية الجانب الأيمن على العاتق الأيسر. لا يلق الهدب كلها على العاتق الأيسر، فإن ذلك مؤدي إلى انكشاف العورة.
وأهل الحلقة صنفان: آمر ومأمور، على ما يأتي تفصيله. فالآمر اثنان: شيخ الحلقة أو مستنابه، والعريف. فالعريف اثنان: منفرد وغير منفرد. فالمنفرد اثنان: عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف أوقات الطعام، وغير المنفرد العريف من حملة القرآن، يكون منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم، ويصححونها ويحفظونها على حسب ما يأتي بيانه. فهؤلاء لا يحصوهم عدداً. وعريف على أوقات الدراسات ربما كان واحداً، وربما كان أكثر، فهو غير واحد - إنما هو على قدر الاحتياج إليهم - ونحو ذلك... والمأمور ثلاثة: طلبة القرآن، وطلبة فنون العلم والأدب، والعاجزون، ولجميعهم أوقات لما يختص به كل وقت منها. (1/53)
صفحة 54
فالشيخ تتعلق به أشياء فمنها: الجلوس لطلبة فنون العلم في وقت معلوم ليأخذوا عنه فيه الدرس، ومنها الجلوس بأثر الختمات للجواب على السؤالات في أي ما كان، ويذاكر تلامذته فيما حصلوه قبل ذلك، فيستفيدون ويستفيد من حضر. وتختص غداة الجمعة بزيادة ذكر شيء من الوعظ إن أمكن، ومنها الاستفتاح وهو قيامه في الثلث الآخر من الليل، وفي الربع الآخر منه، فيأتي إلى موضع الاستفتاح فيستعيذ، ويبسمل، ويقرأ فاتحة الكتاب. ويبتدئ من حيث انتهى مجلس الاستفتاح من القرآن في الليلة التي قبلها، فيهب كل نائم فمنهم من يصير معه في المجلس. ومنهم من يخرج فيدرس وحده، لا يخرجون بأجمعهم، ولا يصيرون إلى المجلس بأجمعهم، بل كيفما تيسر، فيقرءون القرآن حتى يؤذن مؤذن الصبح، فيقطعون القرآن، ويدعون كالعادة من بعد صلاة العشاء إلى وقت في المجلس إلى وقت أذان الصبح.
ومنها أن يجمعهم يوم الجمع وذلك في يوم الاثنين، أو يوم الخميس، فيعظ، ويذكر، ويحذر، ويورد أمثالاً حكمية وحكايات زهدية، ثم يتمحص جميع من حضر فيسأل عن أحوالهم واحداً فواحداً، ويفقد العرفاء، فمن حمدت أحواله حمد الله وشكره على فوزه، ومن عيب عليه شيء من أحواله فإن كان صغير، القيم إلى زاوية معروفة بأن تكون موضعاً لتأديبهم ثم اجتهد في عدد ما يجلد تأديباً؛ والكبير إلى الخطة والهجران. (1/54)
صفحة 55
ومنها أنه إذا قدم قادمٌ من بلدٍ قريبٍ أو بعيدٍ فلا يخلوا أن يكون عابرُ سبيلٍ أو طالب الإقامة، والدخول في زمرة أهل الحلقة، فيتشاور الشيخ في كلا النوعين، ويستأذن في شأنهما، فإن كان عابر سبيل كان له حظ فيما فتح الله من المأكول غير المدخر فيقسم له ذلك ولا يحفز عليه في ملازمة الأوقات، ولاحظ لمد شيء من الفتوح التي تدخر لا من طعام ولا من غيره، وإن كان يريد الدخول في الحلقة استؤذن الشيخ في شأنه، فيكشف الشيخ عن احواله وعن ما كان عليه في الموضع الذي قدم منه. فإن اطلع على صلاح أحواله أذن له في الدخول لا غير، فيكون من أهل الحلقة له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن إطلع على نقيصةٍ وأحوالٍ مذمومةٍ طرده لا غير. وان تعذر لبعد داره الاطلاع على الأحوال أو اختُلِف في صلاحها وفسادها؛ الأقوال توقف حتى يستبري ويستعلم حميدها من ذميمها، وصحيح الأقوال من سقيمها، فإن إطلع على الخير ألحقه بأهله، وإن اطلع على شر أفضاه إلى نوعه، وشكله، وحكمه، في مدة الاستبراء حكم المسافر عابر سبيل في كونه لا حظ له في المقتسم من الفتوحات المدخرات والمعين، وكونه لا يحفز عليه، وكونه لا يمنع المأكول، فإن كان تائباً مبتدئً أذن له. (1/55)
صفحة 56
ومنها أن إليه تولية عرفاء الأوقات والآذان فيما يشترى أو يباع ويدخر من الأقوات، ومنها الإذن في قسمة ما يفتح الله من رزق مما يدخل عليهم أو مما هو من إغتلالات الأوقاف، ومتى يقسم وعلى من يقسم، ومنها أن الحكم بين المختلفين والمختصمين من التلامذة فيأخذ المظلوم من الظالم وينصف للمحسن من المسيء، والعريف المكلف بالختمات وأوقات النوم تتعلق به ترصد حزب الغد وفي المجلس الذي تكون تعقبه المذاكرة فإذ أكمل الحزب دعاء جميع من في المجلس يؤمنون على دعاء أهل المجلس فيدعوا أسنهم ويدور الدعاء، فإن انقضى الدعاء وتخلف أحد فالخطة، فإذا كان الضحى نادى بنوم الهاجرة، فيناموا، فإذا ناموا وتكلم أحدهم أو تحرك بحيث يؤذي النائمين فالخطة، فلان أبى أن ينام بغير عذر، وكان تركه النوم ذريعة إلى امتناع القيام بالليل، حتم عليه نوم القايلة، فإذا امتنع فالخطة، ثم إذ كان عند غروب الشمس نادى بالختمة فيجتمعون على أكبرهم فيدير معه ممن يليه في السن. (1/56)
صفحة 57
والمعرفة رجالاً، إن قلوا فبثلاثة، وإن كثروا فبعشرة، لا يجاوزونها، والوسط بين التحديدين أعدل، فإن استداروا ذكروا الله وقرأ قاريآن آيات من القرآن، ثم يدور الدعاء كالعادة ويؤمّن من خلفهم، ومن تخلف فالخطة، ثم إذا صليت صلاة العشاء، وقرءوا من القرآن ما تيسر الله وحان وقت النوم، ما لم يكن ليالي الإحياء ناد بالدعاء، وهي ختمة ليست بأكيدة في أكثر الأنضار، والمتعارف حضورها على الكفاية فيدعون دعاء خفيفاً، فإذا دعوا فالمستحب الذي وضعه الشيخ أبو عبد الله أن يكون يبدءوا أفصحهم كتاباً في الوعظ، فهو أولى، وإلا فيما أتاح الله تعالى فيقرأ فيه قليلاً، بحيث يستمعون وهم مجتمعون أو لا يجتمعون، ثم يدعوا وينادى بالنوم فإذا ناموا وتكلم أحد أو تحرك فالخطة. إلا أن يكون في مطالعة كتاب بعيد عن النائمين فما على المحسنين من سبيل، والعريف المتكفل بأوقات الطعام فلا يخلوا أن تكون له حدود يقف عندها، وأشياء متسعة فيها.
وذلك أن الطعام لا يخلو أن يكون في موضع مألفهم، أو خارجاً عنه، فيما كان خارجاً فلا يخلوا أن يكون في محل عزابي، أو في محل دنيوي، فإن كان في محل دنيوي حقي عليهم كل الحقي في ملازمة التحفظ، وإفراط الحذر، وجعل الشعار بينهم من القول حسان، وربما قال حسان بن ثابت: "أن أحسنوا أدبكم وأخلاقكم"، وهي كلمة يقولونها مهما يدخل فيهم غير الضيف تحذير أن يطلع على ما ينقده منهم، وإن كان في محل عزابي لم يحفظوا كل التحفظ بل يميلون إلى ضرب من الإذلال، وينبسطون بعض الإنبساط، ويحسنون الظنون، فلا يحتشمون في اقتراح أطيب الطعام، وازديادة الأدام، ونحو ذلك. (1/57)
صفحة 58
مما يتعلق بالعريف في كلا المحلين، أن يرتب جلوسهم، فإن غاب أحدٌ ذكرهم بأن يستوصوا منه، وإن كان في غير عذر فالخطة. فإذا اعتدل جلوسهم استدعى الماء وغسلوا بعد اشتمالهم الشملة المتعارفة عند حضور الطعام، وهو أن يخرج طرفي ثوبه على صدره، بعد أن يدير كل طرف فوق العاتق الذي يليه فيبرز اليدان لا ينكشف شيءٌ من الجسد ثم يأكلون أكلاً معتدلاً، فمن أكل ونهم عيب عليه في غير ذلك الموضع، ونهى وقيم وحذر أن يعود فإن عاد فالخطة؛ فإذا طعموا تفقدهم العريف، فإن وجد منهم من يده في الطعام انتظره حتى يقضوا حاجتهم، فإذا تفرغوا أذن بالإنصات إلى الدعاء، ثم يؤذن أسر من حفر فيدعو، وإن كان في مألفهم فلا يخلوا أن يكون مما لابأس بقسمته، وما ينبغي فيه مشاركة الأيدي في المؤاكلة، ثم لا يخلق أن يكون مما يقدر على ترويحه ومعالجته وحده أو مما يحتاج معيناً، فإن كان مما يحتاج فيه معيناً استعان بمن استحسن، فإن إستعان بأحد فامتنع من غير عذر فالخطة. لكن ينبغي له ألا يخص بذلك من يعلم منه كثرة الانقطاع إلى الدراسة والمطالعة، فيضع الشيء في غير موضعه، ولعل هنا سقط والتقدير، وإن كان مما لابأس بقسمته قسم على ما جرا عليه به العرف بذلك القطر، والذي تصلح فيه المؤاكلة، فإما متكرراً معلوماً، وإما ناذراً، فالناذر يؤكل بلا شريطة الاطراح، الحرص والشره والترتيب في ذلك إلى العريف والتكرر كل يوم كالتمر أو الفاكهة في أوقاتها، فترتيب ذلك أيضاً إلى العريف، ولها شروط يأتي ذكرها منها: (1/58)
صفحة 59
أن لها وقتين أحدها، وقت الضحى بعد استكمال اكتتاب الألواح وتصحيحها. والآخر، بعد صلاة العصر قدر ما يقرأ فيه قارئ اللوح مرة أو مرتين، فإذا استداروا طوائف فإن من شروط ذلك الحضور أن يكون في كل طائفة عريف، يكون أسنهم أو أثبتهم لا تعدوا عرافته ذلك الحال، فيتبدئ ويلقى ثلاث مسائل في أي فن كان، كذلك ميامنه ثم على اليمين حتى يكمل الدور، فإن وقف أحداً مسك المبتدئ يده ومنعه الأكل تأديباً وردعاً وتحريضاً على تحصيل الفوائد، فإن أتى بشيءٍ قبل منه ولو بعد حين، وأطلقت يده، ومن شأن هذين الوقتين أن يتفقد العريف الألواح، فإذا صحح أخر لوح منها دعا إلى الطعام، وبعد العصر بقدر ما ذكرنا، فمن أجاب أكل، ومن تأخر فلا إثم عليه، فإنما ذلك على الاختيار، إلا أن تكون هنالك نافلة فينبغي للعريف أن يعرف بها تعريفاً لا يستخفي النطق به، فقد يكون من العزابة من به شوق إلى تلك النافلة، فإن إمتنع بعد هذا ممتنع لم يتعلق منه بالعريف قام والعرفاء من حملة القرآن ترتبط بكل واحد منهم جماعة من أصحاب الألواح طلبة القرآن يملى عليهم ويصحح ألواحهم وأخذهم بالحفظ عن ظهر، فالجماعة التي ترتبط بكل حافظ يكون أكثرهم عشرة، وأقلهم إثنين، وهذا بحسب الاختيار وفي الأمر الأشهر العام. (1/59)
صفحة 60
وأما مع الضرورات وعدم الرجال، فلا حد لأكثرهم ولا لقلتهم، فإذا كان وقت الضحى وتأهبوا للكتب كان لكل جماعة نقيب من أنفسهم يحفز أصحابه ويجمعهم ويستدعى العريف، فإذا حضر استأذنه ميامنه في حفظ ما كتب أمس ثم يحفظون على اليمين، فإن حفظوا كلهم استأذنوه في الاستملاء، وأملى عليهم، وإن توقف أحدهم حين الحفظ، فإن كان مبتدئً أقيل له خمس عثرات، فإن كان فوقه، إلا أنه في أول قلم، أقيل له ثلاثة، وإن كان في الإعادة فعثرة واحدة، فمن زاد فعلى ما يجتهد فيه العريف والمعروف الأشهر أنه إذا كان صغيراً فالزاوية والجلد، وإن كان كبيراً فالخطة والطرد، فإذا ارتسم أحد بعريف فليس له أن ينتقل عنه إلى غيره إلا بإذنه، وإن تخلف أحدهم بغير عذر حتى يحفظ أصحابه ويكتبوا سطراً سطراً، وبعض سطر، فالتأديب قد تقدم تفصيله. وإن كان قبل ذلك وبخه العريف ثم صفح عنه، وعليه أن يختبرهم إحساناً فيما قد حفظوه ليعلم كنهة اشتغالهم ورغبتهم واجتهادهم، فإن وجد حفظاً ركيكاً فإن كان ذلك لقلة فهم التلميذ وضيق باعه، وعلم أن ذلك الأمر سماوي عذره وأمره بالإعادة، وإن كان التلميذ ذكياً فهيماً وعلم أن ذلك لحب البطالة وترك الدراسة إجتهد في تعزيزه، ولذلك يسأله الشيخ عن أحوالهم حين التمحيص يوم الاجتماع، فلا ينبغي له أن يقول إلا ما علم من حال كل واحد منهم.
عرفاء أوقات الدراسة يتفقدون أصحاب الألواح بين الظهر والعصر، فإن أبطاء أحدهم بطاء لا يعذر فيه فالخطة، وإن إشتغل بما يلهيه عن قراءة لوحه فالخطة، وبين المغرب والعشاء إن أبطا أو غاب أو اشتغل بما يلهيه أو يشغل سواه فالخطة، وأن قام إلى الطعام إختياراً أو إلى نجوى فالخطة، ووقت الاستفتاح إن نام أو تناوم أو اشتغل بغير الدراسة ولم يكن له عذر فالخطة، وبين صلاة الجمعة والعصر إن غاب عن الحضور والاستماع لقراءة كتاب المواعظ فالخطة، وقد قلت أن غير الأمر ثلاثة على ما وصفنا: (1/60)
صفحة 61
فطلبة القرآن يقرءون ألواحهم بين الظهر والعصر حتماً، وبعد العصر إستحباباً، وصفة هيئتهم حينئذ أن يشتملوا فلا يظهروا من أجسادهم شيئاً، ويستندوا ألواحهم إلى الأساطين ويقابلوها غير مستندين، ولا مكثرين من الالتفات، وبين العشاءين في وسط الساحة غير مستندين، وقد أبيح لهم الاستناد في غير هذين الوقتين، إن شاءوا، والأفضل للأصغرين ترك الإستناد، لا يتعرضون إلى ما ليس بشأنهم غير دراسة القرآن، إلا ما قد عناهم من العبادات وفرائض الإسلام: كالطهارة والصلات والصيام وما أشبه ذلك، فإن امتدوا إلى غير ذلك. "كره مشي الغراب مع الحمام" على أنه من كان ذا فهمٍ وقلبٍ ذكيٍ وأعطاه الله قدرة على تحصيل هذا وهذا، فلابأس بالازدياد من الخير.
وطلبة العلوم، أما طلبة الأدب فإن إتفق أن يكونوا أصحاب لويحات وصُغُرٍ في السنِ فينبغ لهم التأسي بطلبة القرآن في ترك الاستناد، وأما أصحاب الكتب فشانهم الإستناد في أركان المسجد والأبواب وإلى الأساطين وحيث يستحسن واستُحسِنَ منهم، ولهم أن يجتمعوا للبحث والمذاكرة والمناظرة ما لم تفض إلى توغير الصدور، ويكون هذا دأبهم، ولابد أن يكون لهم وقت معتاد يكون فيه الميعاد للحضور على الأساتيذ، ويؤدب من غاب من التلاميذ، فيأخذ كل منهم درسه على أستاذه، ويجعل ما يتلقنه أكد ملاذه وملاذه، ثم إذا كانت ختمة غداة وحضر الشيخ، فإن هنالك طرقاً كلها حميدة، وذلك أنهم إما أن يتداولوا وضع السؤال فيبتدئون بالسؤال يوماً يوماً، فمن أفضت إليه النوبة وغاب اجتهد فيه، وأما أن يسأل أفصحهم لساناً وأكثرهم بياناً، وإما أن يسأل أشدهم إحتياجاً في ضرورات دعت أو لنازلة وقعت. (1/61)
صفحة 62
ثم إذا ألقى السؤال، فإن كان الجمع حافلاً بدأ فيسأل الشيخ، ثم على من يمينه فبعده الثاني إلى الشيخ، طلباً للتخفيف والإختصار، وإن كان الجمع دون الاحتفال بينهم، سيما إن كانوا ألمات فإنه يدير السؤال ويحيل كل مسؤول على ميامنه، حتى يدور السؤال إلى الشيخ، فإن علم الشيخ أن في الجمع أكفأ منه في تلك المسألة أذِنَ له في الكلام فيها، وإلا تكلم بما عنده، وللسائل أن ينبه إذا غفل، ويذكّره إذا نسي، ويفتح له إذا ارتج عليه، ويعترض إن إحتاج إلى زيادة إيضاح أو علم من الحاضرين إرادة استزادة كشفا ثم يسأل كذلك من شاء ويبحث كيف شاء، ومن أراد القيام فلا يقوم حتى يستأذن من يليه، فإن أذن له قام، وإن لم يؤذن له لم يقم، وإذا حضر غير الصنف فيكره إدارة ما يستشنع من المسائل الشواذ التي تضل الغبي أو تجعله ينسب الرشد إلى الغي، فإذا هم الشيخ بالقيام ولم يستثقل تشييع من يختص به من طلبته ثم يركع وركع أصحابه ركعات الضحى، ويشيعوه تكرماً له وتأنيساً به، وإن ثقل عليه ذلك ركع وركعوا ودعوه ولم يشيعوه. (1/62)
صفحة 63
وأما العاجزون فأنواع - فالله حسيبهم، فيعاقبهم أو يثيبهم - فمنهم: الطرش والعميان والزمنى والهارمون وذووا الأفهام القاصرة، وربما استعمل مستعمل بالحق نفسه بهؤلاء، وفيه قدرة أو عنده لو بعض الغنى، فهؤلاء، الأنواع شأنهم إصغاء الأسماع، لأن يحصلوا الطرق والأخلاق، ويظهرون التلهف والاشتياق، وعليهم حفظ السيرات والمحافظة على الطرق والأوقات، وإن اجتهدوا أنفسهم وزادوا لظهروا ببعض ما أرادوا. فأما الزمنى والعميان فقد نطق بعذرهم القرآن، وأما القاصر والفهوم، فمنهم القانط التارك الملوم، ومنهم اليأس عنده معدوم. وقد شاهدت منهم رجالاً فلم أذمهم لأكثرهم حالاً. دخلت حلقة وارجلان - حرسها الله - وذلك في ربيع الأخر سنة ستة عشر وستمائة، في أول ما وجب على الصوم، والبال خال من الهم، وكنت أعجب ممن ينفرد فلا يجتهد، وممن يمكنه المورد فلا يرد، وممن يخلوا بالمفيد كيف لا يستفيد، وكان إذ ذاك فيهم قوة. والآن شغل البال وتحول الأحوال فكنت ازدري أكثر أولائك، وذلك لسني، فاستغفروا الله من ذلك.
فمنهم رجل يسمى أبا دوناس من بعض فرق نفزاوة سبقني إلى الحلقة بأعوام، والغالب على ظني أني وجدت لوحه في سورة الفيل ومات في سنة سبع عشر ولم يستكمل سورة أخرى، ولم يدع من قدرته شيئاً.
هل سمعتم بايزمر المصعبي، كنت أسمع به قبل دخولي وارجلان وما رزق من الاجتهاد مع فهم غير قليل، فوجدته بوارجلان وفي لوحه أوامر بالتقوى يكررها أياماً كثيرة، وحينئذ ترسخ في صدره ولا ترسخ فيعيها. وأقمت بوارجلان حولين كاملين وشهرين ثم انفصلت وتركت لوحه في والضحى والليل إذا سجى وهو في أثناء ذلك لم يأل جهداً وقد سبقني إلى الحلقة بستة أعوام أو بثمانية أعوام (الشك مني). (1/63)
صفحة 64
وهل سمعتم بسليمان بن حريز لم يزل يكرر ويعيد سورة الأنبياء طول إقامتي بوارجلان، وخرجت وتركت لوحة فيها، وبلغني أنه لم يزل كذلك يكررها منذ ثمانية وعشرين عاماً قبل ذلك. فأما هذا فغير بعيد أن ينسب إلى التقصير والتضييع والغرض أن أعلمكم أن من لم يأل جهداً فهو مأجور، وإن لم يحصل. وإن التضييع المفرط راضٍ لنفسه بالقوت الحرام واكتساب الآثام وسخط العلام نسأل الله أن يسلمنا ويختم لنا بخواتم الإسلام.
ويجب أن يكون خدمة الطعام من هؤلاء الذين لم يفتح الله عليهم ولا شرح للعلم صدورهم، ينفعهم بخدمة أهل الخير ويوفيهم أجورهم من الأوقات والآداب والأحوال؛ قد تقدم ذكر كثيرٍ منها فيما مضى متدرجاً في غيره بأوقات الدراسة، قد مضى ذكرها ووقت الراحة والتصرف هو آخر النهار يتصرف إلى المواضع التي لا ينكر التصرف فيها كمواضع المياه ومواضع الأشجار وأمثالها من الأماكن التي تتفرج فيها النفوس وينفسح فيها الصدور، فإن في ذلك إجماعاً للخواطر وجلاء للنواظر، فلا يأمر بذلك ما لم تكن هذه الأماكن معروفة، بأن يستقر فيها مصادف الشبهات كالنساء والحساسات، فلا سبيل حينئذ إليها، والإكثار من التصرف في الأسواق والطرقات يكره، وإن دعت ضرورة ففي طريق نافذ ووقت لا تظن ريبة ووقت أكل معايشهم التي تختص بكل واحد منهم. (1/64)
صفحة 65
إذا صلى العتمة فإما وحده وإما مع توافق طبائعهم وطبعه، ويشترط التخفيف وإلا ينفصل إلا بعد الدعاء، ووقت تغير المنكر متى ظهر لا ينحصر إلى وقت ويشترط تقدم الشيخ أو إذنه أو تقدم الأمثل والأوقات المستحب فيها التأهب للصلاة معروفة، وهو أن يكون بمقدار ما يستبرئ ويتوضأ ثم يدرك صلاة الجماعة، ويشترط بعد الوتر وإعداد المدر ولأوقات نوافل الصلاة ليلاً ونهاراً مع وجة فلا يحتاج إلى زيادة، وإن احتيج فخمس تسليمات باليل، ومثلها ضحى، هذا الأفضل، وإن زادت فلك، وإن نقصت فلا ذنب عليك، ولصلاة الليل شروط من إطالة القراءة واختُلِفَ في إسرارها وإعلانها فقيل:
الإعلان أفضل، إذ فيه إيقاظ للنائمين. وقيل الإسرار أفضل، لبعده لرياء المخلوقين. وهذا يحسب الأحوال، والأولى إخفاء العبادات، والركعات التي تصحب الفرائض معلومة، وأوقات الصوم المستحب كيوم الجمعة ويوم قبله وتسع ذي الحجة ويوم عاشوراء والثلاثة البيض من كل شهر وما يشبه ذلك. (1/65)
صفحة 66
ومن آداب الطريق وأحوالهم ألا يتكبر على متواضع، ولا يتواضع لمتكبر، ولا يخالط أهل الدنيا، ولا يجالسهم إلا إذا دعت ضرورة لا يوجد معها بد، ويجلسون إليك يستفيدون مصلحة لدينهم من علم وعمل، والكبير أحذر في مخالطتهم من الحدث، فإن الكبير أهل لان يهديهم والحدث أهل لان يضلوه، ومن نهى عن الإكثار من ذلك فلم ينته فالخطة. وينبغي أن يعلم أن المؤاخذة على العثرات وإلزام الذنب على الخطايا إنما هو بحسب أصحابها وهم طبقات: فالكبير المبتهل حسن به الظن وحسن معه العبارة وعيب عليه سماجة زلته بالطف قول وألطف إشارة، ومن دونه، فإن كان في الطريق راسخ القدم شامخ القدر واخذه على الكبيرة والصغيرة واستعظمت نضيره من الخطايا قطميره، وإن يكن غير ذلك تجاف عن النقي والقطمير واستكثر من حسناته للشيء الحقير، سلكت معه مسلك التأنيس لا التنفير قرب قبيح من ذلك هو من هذا أحسن، وكثيراً ما رأيت المشايخ يشبهون الصنفين بـ "الماء واللبن".
ومما ينبغي لشيخ الحلقة أن يتفقد أحوال التلاميذ، فمن كان منهم موسراً، نظر له فيمن يخدم ما يقتات به من الطعام، ومن كان مقتراً، نظر له فيمن يتبرع له بالخدمة والطعام، ولو استقصينا ذكر جميع الحدود وقع السام دون بلوغ الغاية، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله.
ترجمة إلى العربية عن الترجمة الإيطالية للنص(1)
من سيرة الحلقة
__________
(1) - القطعتين بين الأقواس المربعة، الأولي في البداية والثانية في ص74-75 هما من الدرجيني، الأولى على وجه الإحتمال، أما الثانية فمن المؤكد أنها له. أمّا الترقيم داخل المقالات في ص61-63 فهو لنا. وننتهز الفرصة لنشكر الدكتورة/ لاورا فيتشا فالييري، والتي تفضلت بالسماح لنا بمراجعة الترجمة على النص، وأعطتنا نصائحها الغالية. (1/66)
صفحة 67
[لُمع سير الحلقة(1)، وما يجب من سير الحلقة(2) على أهل الطريق، العزابة(3)، جمعه أبو عبد الله محمد بن بكر-رحمه الله- تابع ولاحظ]
حُددت عدة علامات مميزة لمن ينضم لحلقة عُبّاد العزابة، الذين يتبرؤون من كل مطامح أهل الدنيا الأجلاف، حتى يُعرفوا من مظهرهم الخارجي ويتميزون عن الآخرين.
يجب على العزابي قبل أي شيء أن يتحرر من طريقة أهل الأرض، وأول ما يتخلي عنه حلق الشعر(4)، دون إطالة الشعر أبداً، فأحد العلامات المميزة للعزابة هو حلق شعر الرأس.
__________
(1) - سيرة (في البرّادي).
(2) - من سير الحلقة (لا توجد في البرّادي).
(3) - (في البرّادي) بين الطريق والعزابة هناك "واو عطف" لا نفهم لها إفادة.
(4) - أكت (في البرّادي) فقط بـ وأول ما يتخلي عنه حلق الشعر. (1/67)
صفحة 68
لا يرتدي أبداً الملابس الملونة ولكن فقط الأبيض منها. و لاشيء ممنوع بالنسبة لطرفي الثوب أو بالنسبة للطراز طالما لم تكن مبالغٌ فيها. ولم يشنه(1) أو يعبه(2) إن هو إرتدى عباءة(3) أو ملحفة(4). بل ذلك به أليق(5). وإن لبس ذلك(6) فوق قميص كان أفضل، ما لم يكن مبتدياً(7). ولا يسمح له بالاكتفاء أو بالقميص فقط(8)، دون تغطيته بشملة(9)، لحاف(10)، رداء(11). والعمامة ليست من الأشياء التي لا غنى عنها، بل(12) ليس هناك ما يسوء لو استغنى عنها. إن ارتدى فقط معطفاً من نوع العباءة أو لحاف، غطى الرأس، وألقى بطرف ثوبه المُطرز على العاتق الأيسر، ولا يلقي بطرف ثوبه اليمنى كلها(13) على العاتق الأيسر(14)، لأن ذلك قد يؤدي إلى كشف سوءته (الأعضاء المخجلة).
__________
(1) - لم تشنه (في البرّادي)، بدلاً من لم يشنه (في النص).
(2) - ولم يعبه (لا توجد في البرّادي).
(3) - نوع من المعاطف قصير ومفتوح من الأمام، أنظر R. Dozy, Dictionnaire detaille des noms des vetements chez les Arabes، أمستردام 1845، ص292.
(4) - الكلمة التي الآن تستخدم للدلالة على معطف كبير للنساء، كانت قديماً تستخدم للدلالة على معطف رجالي واسع (R. Dozy)، مرجع سابق، ص400).
(5) - وكان أليق (في البرّادي)، بدلاً من بل ذلك به اليق (في النص).
(6) - وإن كان ذلك (في البرّادي)، بدلاً من وإن لبس ذلك (في النص).
(7) - ما لم يكن مبتدياً (لا توجد في البرّادي)".
(8) - (في النص) كما (في البرّادي) "أو قميص" زيادة.
(9) - حول هذا النوع من العباءات أنظر (R. Dozy)، مرجع سابق، ص232).
(10) - مثل ملحفة. أنظر (R. Dozy)، مرجع سابق، ص95، رقم2).
(11) - الكلمة تعبر عن المعاطف بشكل عام.
(12) - بل (لا توجد في البرّادي)".
(13) - كله (في البرّادي)، بدلاً من كلها (في النص)؛ وتشير إلى هدب.
(14) - علي العاتق الأيسر (في النص). (1/68)
صفحة 69
أعضاء الحلقة صنفان: من يحكمون ومن يطيعون، وتقسيمهم على ما يأتي تفصيله(1):
من يحكمون: شيخ الحلقة أو مستنابه(2)، والعرّيف. يمكن أن يكون هناك عريف واحد أو أكثر من واحد. واحد مثل: عريف الخاتمة(3)، عريف النوم وعريف أوقات الطعام(4). وأكثر من عريف مثل المعلمون حملة القرآن، ومن بينهم العريف الذي يقوم الطلاب بكتابة القرآن على ألواحهم بناء على إملائه، ويصححونها تحت إرشاده ثم يحفظونها، كما سنوضح بعد قليل، فهؤلاء لا يحصوهم عددا(5)، وعريف أوقات الدرس ربما كان واحد وربما كان أكثر(6)؛ يكون أكثر عندما تكون هناك حاجة أو نحو ذلك(7).
والمطيعون ثلاثة: طلاب القرآن، طلاب مختلف العلم والآداب، العاجزون ولجميعهم أوقات لما يختص به كل وقت منها(8).
وتحال إلى الشيخ المهام التالية:
1 - جلوس الطلاب من مختلف العلوم في وقت محدد، ليأخذوا عنه فيه الدرس(9).
2 - جلوس بعد ختمات القرآن(10)، للجواب على الأسولة(11) في أي علم، ويذاكر(12) معهم ما تعلموه في السابق. وهم يستفيدون من ذلك ومن كان حاضراً معهم.
__________
(1) - علي ما يأتي تفصيله، (لا توجد في البرّادي).
(2) - أو مستنابه، (لا توجد في البرّادي)".
(3) - الختمة هو المصطلح الفني الدال علي تلاوة القرآن كله من أوله لآخره.
(4) - أوقات (لا توجد في البرّادي).
(5) - فهؤلاء لايحصوهم عدداً، (لا توجد في البرّادي).
(6) - يكون واحداً ويكون أكثر (في البرّادي)، ربما كان واحداً وربما كان أكثر (في النص).
(7) - ونحو ذلك (لاتوجد في البرّادي).
(8) - ولجميعهم أوقات يختص بها (في البرّادي)، ولجميعهم أوقات لما يختصبه كل وقت منها، (في النص).
(9) - ليأخذوا عنه (في البرّادي)، ليأخذوا عنه فيه الدرس (في النص).
(10) - ختمة (في البرّادي) بدلاً من ختمات (في النص).
(11) - للجواب عن الأسئلة (في البرّادي)، بدلاً من الجواب على الاسولة (في النص).
(12) - وليذكر (في البرّادي)، بدلاً من ويذاكر (في النص). (1/69)
صفحة 70
وتختص غداة الجمعة بزيادة ذكر شيء من الوعظ إن أمكن(1).
3 - الاستفتاح، أي أنّ الشيخ يستيقظ في الثلث الأخير أو الربع الأخير من الليل، يذهب إلى مكان الاستفتاح، يستعيذ بالله من الشيطان، يقرأ البسملة، يقرأ الفاتحة ثم يبدأ في القراءة من حيث توقف في الليلة السابقة في مجلس الاستفتاح(2). يستيقظ جميع النائمون؛ منهم من يصير(3) مع الشيخ إلى المجلس ومنهم من يصير بمفرده. لا يخرجون بأجمعهم ولا يصيرون إلى المجلس بأجمعهم بل كيف ما تسير(4). يقرؤون القرآن حتى يرفع المؤذن آذان صلاة الفجر؛ وعندها يتوقفون عن قراءة القرآن ليقرؤوا الدعاء(5)، فإذا أذن مؤذن الصبح قطعوا القراءة ويدعون كالعادة من بعد العشاء(6).
__________
(1) - تختص غداة الجمعة بذكر شيء من التذكير والوعظ، (في البرّادي)، بدلاً من وتختص غداة الجمعة بزيادة ذكر شيء من الوعظ إن أمكن (في النص).
(2) - القرآن (غير موجود في البرّادي، وعدم وجود الكلمة صحيح).
(3) - يقرأ (في البرّادي)، بدلاً من يصير (في النص).
(4) - لا يخرجون باجمعهم ولا يصيرون إلى المجلس بأجمعهم بل كيف ما تسير، (لا توجد في البرّادي).
(5) - الصلاة غير الشعائرية وبالتالي متروكة للحكم الشخصي.
(6) - (فقط في البرّادي) فإذا أذن مؤذن الصبح قطعوا القراءة ويدعون كالعادة من بعد العشاء. (1/70)
صفحة 71
4- يجمع الطلاب يوم الجمعة وأيضاً في أيام الاثنين والخميس ويخطب، يذكر بالله، ويحذر(1)، يذكر أمثال من الحكمة والأحداث التصوفية، يمحص(2) الحاضرين ويستعلم عن أحوالهم واحداً فواحداً(3) ثم يلي ذلك رأي العريف(4). فمن جدت أحواله حمد الله وشكره على فوزه(5). ومن يرى نقص في أحواله؛ إن كان صغير أتى إلى زاوية معلومة(6) كمكان للعقاب وبالتالي اجتهد(7) الشيخ في تحديد عدد الجلدات التي تطبق عليه تأديبا له(8). وإمّا إن كان كبيراً فالخطّة(9)، والهجران(10).
__________
(1) - ويحذر (لا توجد في البرّادي).
(2) - يفحص (في البرّادي)، بدلاً من يمحص (في النص).
(3) - واحداً فواحداً (لا توجد في البرّادي).
(4) - اتبع البرّادي أيضاً التأويل بـ يقلد والمدون في الهامش، مكان يفقد، والذي ليس له معني مفيد هنا.
(5) - من جدت أفعاله فاستحسنت (في البرّادي)، فمن جدت أحواله حمد الله وشكره علي فوزه (في النص).
(6) - فيؤدب ويختارون زاوية (في البرّادي)، بدلاً من اتيم إلى زاوية (في النص).
(7) - يجتهد (في البرّادي)، بدلاً من اجتهد (في النص).
(8) - تاديباً (لا توجد في البرّادي).
(9) - هذا المعني غير مدون بالمعاجم. ونستدل عليه من الخط الذي يستخدم لطرد (لإبعاد) الكلاب (R. P. A. Dozy, Supplement aux dictionnaires arabes, I, p.380).
(10) - والهجران (لا توجود في البرّادي). (1/71)
صفحة 72
5 - لو حضر أحد من بلدٍ قريبٍ أو بعيدٍ، سواءً كان عابر سبيل أو من يطلب البقاء ليدخل ضمن مجموعة أتباع الحلقة، تُطلب النصيحة من الشيخ في كلتا الحالتين ويُطلب تصريحه في الحالتين أيضاً. إن كان عابر سبيل أُعطِي نصيباً مساوياً للآخرين مما يرسله الله من خيرات، ولم يكن للتخزين. فيفسح له ذلك(1)، ولا يحفز عليه(2) مراعاة الأوقات. وهو لا حظ له(3) لا من طعام ولا من غيره(4).
__________
(1) - فيفسح له ذلك، (لا توجد في البرّادي).
(2) - ولايخفي عليه (في البرّادي)، بدلاً من ولا يحفز عليه (في النص).
(3) - لاشيء (في البرّادي)، بدلاً من لا حظ (في النص).
(4) - لا من طعام ولا من غيره (لا توجد في البرّادي). (1/72)
صفحة 73
أمّا إن كان يرغب في الدخول إلى الحلقة، يطلب له تصريح الشيخ. والشيخ يكشف(1) عن أحواله وعن ما كان عليه في الموضع الذي قدم منه(2). إذا علم حُسن أحواله، صرّح له بكل تأكيد بالدخول للحلقة ليصبح أحد أتباعها، ليصبح له ما لهم وعليه ما عليهم. فإن سمع منه نقيصة أو مذمومة فالطرد لا غير وإن لم يسمع إلا الخير فليدخل مع أهل الحلقة(3). إن صَعُبَ معرفة أحواله لبعد بلده، واختلفت في صلاحها وفسادها الأقوال(4)، ينتظر حتى ستبرئ(5) ويميز ما عنه من مدح أو ذم وأقوال صحيحة أو مغلوطة. إن عرف أشياء حسنة يضمه إلى أتباع الحلقة؛ إن عرف أشياء سيئة يعيده إلى شاكلته من الناس. وأثناء الوقت اللازم للتحقق، فإن حكم الراغب في الانضمام إلى الحلقة هو حكم عابر السبيل: لا حظ له لا من طعام ولا من غيره خُصص للتخزين، ولكن لا تمارس عليه ضغوط، ولا يبعد عن الطعام. أمّا إن كان من الخطائين وكانت أولى مرات ندمه وتوبته أذن له(6).
6 - يُعين عريف الأوقات ويصرح له بشراء، وبيع وتخزين الطعام. ومنها الإذن في ما يفتح الله من اغتلالات الأوقاف بقسمة أو غيرها(7).
__________
(1) - يبحث (في البرّادي)، بدلاً من يكشف (في النص) والمعني واحد.
(2) - وعن ما كان عليه في الموضع الذي قدم منه (لا توجد في البرّادي).
(3) - فإن سمع منه نقيصة أو مذمومة فالطرد لا غير وإن لم إلا الخير فليدخل مع أهل الحلقة. البرّادي عكس الفرض ويسره.
(4) - واختلفت في صلاحها وفسادها الأقوال (لا توجد في البرّادي).
(5) - يتبين أمره (في البرّادي)، بدلاً من يستبري (في النص).
(6) - الفقرة بين هذة الملاحظة والملاحظة السابقة (الأسطر من 14-17) (لا توجد في البرّادي).
(7) - ومنها الإذن في ما يفتح الله من اغتلالات الأوقاف بقسمة أو غيرها. (1/73)
صفحة 74
7 - يحكم في الخلافات والمنازعات بين الطلاب، فيأخذ ممن ظَلَمَ ويعطي من ظُلِمَ، ويأخذ الحق للمحسن ممن أساء له(1).
العرّيف. يتولى العريف أمر ختمة القرآن وأوقات النوم(2)، وارتصاد(3) حزب(4) الصباح في المجلس من الذي تكون تعقبه المذاكرة(5) والذي سوف نتحدث عنه الآن. وحالما ينتهي الحزب (أو)(6) يكون على وشك الانتهاء، يدعو كل من في المجلس ليؤمنوا دعاء حاضري المجلس(7): يتلو أسنّ الحاضرين الدعاء(8) ثم يتلوه الآخرون من بعده.
__________
(1) - يستخدم البرّادي جملة تختلف اختلافاً بسيطاً:" ومنهما أنه الحكم بين المختلفين والمنصف بين المتباغضين فيأخذ من الظالم للمظلوم ومن المسئ للمحسن".
(2) - والأوقات (في البرّادي)، بدلاً من وأوقات النوم (في النص).
(3) - ترصد (في البرّادي)، بدلاً من ارتصاد (في النص).
(4) - المصطلح (حزب) يشير إلى جزء بعينه من القرآن، عامة، ستون آية، يتلوها المؤمن باستمرار. ومع ظهور الطرق الإخوانية، اتخذ الكلمة أيضاً معني "الطقوس الدينية" والتي تتلوها كل طريقة في حضرة يوم الجمعة، والتي تتكون ما اختيار أجزاء (فقرات) طويلة من القرآن وابتهالات (صلوات) أخري.
(5) - الذي يعقبه المذاكرة (في البرّادي)، بدلاً من الذي تكون تعقبه المذاكرة (في النص).
(6) - "أو" سقطت من النص، ولكنها موجودة (في البرّادي).
(7) - المسجد (في البرّادي)، بدلاً من المجلس (في النص).
(8) - علي دعائه وأهل المجلس (في البرّادي)، بدلاً من على دعاء أهل المجلس (في النص). (1/74)
صفحة 75
إذا انتهي الدعاء وحضر أحد المشاركين متأخراً، يُطرَدُ. وعند الضحى دعاهم إلى الحجرة، فيناموا(1)، وعندما ينامون؛ إن تكلم أحد أو تحرك(2) بشكل يزعج النيام، يُطرد. بل، إن امتنع(3) عن النوم دون تبرير، وكان ذلك ليتحاشى القيام بالليل، حتم(4) عليه نوم القائلة(5)، فإن امتنع يُطرد. ومع حلول المغرب يدعو إلى الخاتمة والتي تحدث هكذا: يجلسون لدى أسنهم والذي يختار من بين من هم دونه سنا ليكون حلقة إن قلوا فبثلاثة وإن كثروا فبعشرة(6) لا أكثر من ذلك، والوسط بين التحديدين أعدل(7).
__________
(1) - فيناموا (لا توجد في البرّادي).
(2) - وتحرك (لا توجد في البرّادي).
(3) - ترك (في البرّادي)، امتناع (في النص).
(4) - يحتم (في البرّادي)، حتم (في النص).
(5) - النوم (في البرّادي)، نوم القائلة (في النص).
(6) - ويكون أن قلوا ثلاة وإن كثروا عشرة (في البرّادي)، إن قلوا فبثلاثة وإن كثروا فبعشرة (في النص).
(7) - والوسط بين التحديدين (في البرّادي)، والوسط بين التحديدين أعدل (في النص). (1/75)
صفحة 76
وجلسوا في استدارة وذكروا اسم الله ويقرأ منهم أثنين، آيات من القرآن، ثم يدور الدعاء(1)، ويؤمِّنُ مَن خلفهم(2). ومن يصل متأخراً يُطرد. وإذا صليت صلاة(3)، وقرؤوا ما تيسر من القرآن(4)، وكان وقت النوم ما لم يكن(5) هناك حراسة ليلية، دعاهم للدعاء وهي خاتمة ليست بأكيدة في الجزء الأكبر من الأقاليم. وهم يقرون بأن التواجد فيه واجب على الكفاية. وهم يتلون الدعاء بصوت خفي. وعندما يتلون الدعاء فمن المستحب، كما أوصانا الشيخ أبو عبد الله، أن يبدأ، أفضلهم قراءة، في قراءة كتاب، يفضل أن يكون في الوعظ، أو يعالج موضوع أتاحه الله تعالى(6).
وهو يقرأ فيه(7) قليلاً والباقي ينصتون، ويجتمعون أو لا يجتمعون(8). وبالتالي يتلوا الدعاء ويدعوهم للنوم. لو تحدث أحد أو تحرك بينما الآخرون نيام، يُطرد، إلا إذا كان يقرأ كتاب بعيد(9) عن النائمين. فليس هناك أي بأس على من يحسنون صنعاً.
__________
(1) - يدورون الدعاء (في البرّادي)، يدور الدعاء (في النص).
(2) - من حضر (في البرّادي)، من خلفهم (في النص).
(3) - إذا صلوا صلاة (في البرّادي)، إذا صليت صلاة (في النص).
(4) - من القرآن (لا توجد في البرّادي).
(5) - ولم تكن (في البرّادي)، ما لم يكن (في النص).
(6) - فتح الله ويسر (في البرّادي)، بدلاً من اتاح الله تعالي (في النص)
(7) - فيه (لا توجد في البرّادي).
(8) - أو لا يجتمعون، (لا توجد في البرّادي).
(9) - (في النص) بعيد. (1/76)
صفحة 77
وأمّا العريف الموكل بأوقات الطعام(1)، يخلوا أن تكون له حدود يقف عندها وأشياء متسعة فيها(2). والطعام لكونه كذلك، يمكن تحضيره سواء في المكان الذي يقيمون فيه أو في غيره. ففي الحالة الثانية فإن محل(3) الطعام يمكن أن يكون خاص بالعزابة أو مفتوح للجميع، وهو يجبرهم على مراعاة طريقة أكلهم بأفضل شكل ممكن وأن يتخذوا أقصي حذرهم. وجعل بينهم جملة تذكر فيها لفظة حسان كأن يقول حسان بن ثابت(4)، يعني: "تصرفوا بأدب وبطريقة صحيحة".
وهم يقولون الجملة كلما يدخل عليهم(5)، أي شخص ليس منهم، تحذير أن(6) يرى ما ينقده منهم(7). إن الطعام أعد في مكان مخصص للعزابة لا يفرطون في حذرهم؛ بل يميلون للتصرف على طبيعتهم، وينبسطون بعض الانبساط(8)، وينشكحون، ولا يخجلون من اختيار أطيب الطعام(9)، وأن يكثروا من الادام(10) وما شابه ذلك.
__________
(1) - بالطعام (في البرّادي)، بدلاً من أوقات الطعام (في النص).
(2) - فلا يخلوا أن تكون له حدود يقف عندها وأشياء متسعة فيها، (لا توجد في البرّادي).
(3) - موضع (في البرّادي) بدلاً من محل (في النص) والمعني واحد.
(4) - وجعل الشعار بينهم حسان أو حسان بن ثابت، بشكل أكثر سهولة.
(5) - دخل عليهم (في البرّادي)، بدلاً من يدخل فيهم (في النص).
(6) - تحذيراً أن (في البرّادي)، بدلاً من تحذير أن (في النص).
(7) - يعيبونه عليهم (في البرّادي)، بدلاً من ينقده منهم (في النص).
(8) - بعض (في البرّادي) (واستخدام بعد خاطئ)، بدلاً من وينبسطون بعض الانبساط (في النص).
(9) - طيب الطعام (في البرّادي)، بدلاً من أطيب الطعام (في النص).
(10) - الأدم (في البرّادي) بدلاً من الآدام (في النص). (1/77)
صفحة 78
من بين صلاحيات العريف في كلا المكانين هو تحديد المقاعد وفقا لقاعدة الأسبقية. فان غاب أحد في عذر ذكرهم بأن يتوصوا منه وإن كان في غير عذرٍ فالخطة(1). وعندما يعتدل الجميع الجلوس، استدعى العريف الماء(2)، وعندما يصل الطعام يقوم الحاضرون بعد أن يكونوا قد تغطوا بالشملة على النحو التالي: كل منهم يلقي بطرفي ثوبه على صدره بعد أن يكون قد وضع كل طرف على الكتف الخاص به فتبرز اليدان(3)، دون أن ينكشف(4) أي جزء أخر من الجسم(5). وبالتالي فسوف يتناولون طعامهم باعتدال، فمن أكل أكل نهم أو أكل ذي كبر(6)، وبّخَه العريف في مواقف أخرى: نودي عليه بالخارج ونهر وقبح(7)، وحُذر(8) من أن يكرر هذا الشيء ، فإن كرره، طُرِدَ. عندما ينتهوا من الأكل يتفقدهم العريف وإن وجد أن أحدهم كان مستمراً في الأكل، انتظره حتى يقضوا حاجتهم(9). وإذا تفرغوا(10)، أعطى الإذن بإجابة الدعاء؛ فقام أسنهم(11)، فأذّن، ويتلوا العريف الدعاء.
__________
(1) - فإن غاب أحد نهاه وأوصاه فإن عاد فالخطة (في البرّادي) بدلاً من فإن غاب أحد في عذر ذكرهم بأن يتوصوا منه وإن كان في غير عذر فالخطة (في النص).
(2) - دعا بالماء (في البرّادي) بدلاً من استدعا الماء (في النص).
(3) - فيبرز اليدين (في البرّادي) بدلاً من فتبرز اليدان (في النص).
(4) - يكشف شيئاً (في البرّادي)، بدلاً من ينكشف شيء (في النص).
(5) - البدن (في البرّادي) بدلاً من الجسم (في النص).
(6) - فمن نهم أو كبر (في البرّادي)، بدلاً من فمن أكل أكل نهم أو أكل ذي كبر (في النص).
(7) - ونهر وقبح (لا توجد في البرّادي).
(8) - إحذر (في البرّادي) بدلاً من حذر (في النص).
(9) - حتى يقضوا حاجتهم (لا توجد في البرّادي).
(10) - إذا فرغوا (في البرّادي) بدلاً من إذا تفرغوا (في النص).
(11) - أسن (لا توجد في البرّادي). (1/78)
صفحة 79
وإن كان في مالفهم(1)، فيمكن أن يتكون إما من طعام سهل التقسيم، وما(2) يأكلوه بوضع أيديهم سوياً في الطبق؛ أو مما يقدر على ترويجه ومعالجته وحده(3)، أو من طعام يحتاج في ترويجه ومعالجته إلى مساعد. إذا ما تعلق الأمر بهذين الأخيرين، طلب العون ممن يعتقده قادراً على ذلك.
ويطرد من استعان به أحد(4) فامتنع(5) دون سبب. ولكن من الضروري ألا يكلف العريف بذلك شخص معروف لديه بحبه الشديد للدراسة والقراءة، لأنه في ذلك الحال "يضع الشيء في غير موضعه" ولعله(6) هنا أخطأ في التقدير. إن كان الطعام من ذلك النوع الذي يسهل تقسيمه، قسّمه على ما جرى به العرف(7) في البلد. والشيء الذي يفضل أكله سوياً هو ذلك المتكرر أو الناذر. فالناذر يوكل بلا شريطة الاطراح الحرص والشره والترتيب في ذلك أيضاً إلى العريف(8). والمتكرر كالفاكهة والتمر يؤكل في أيامها(9)، والترتيب في ذلك أيضاً إلى العريف. ويخضع الأكل في جماعة للقواعد التالية:
__________
(1) - وإن كان الطعام في موضع مألفهم (في البرّادي)، بدلاً من وإن كان في مالفهم (في النص).
(2) - أو مما (في البرّادي) بدلاً من وما (في النص).
(3) - مما يعالجه وحده (في البرّادي)، مما يقدر علي ترويجه ومعالجته وحده (في النص).
(4) - إستعان بأحد، (لا توجد في البرّادي).
(5) - أبا (في البرّادي) بدلاً من إمتنع (في النص).
(6) - ولعل هنا سقط (و) التقدير، (لا توجد في البرّادي).
(7) - علي العادة المعروفة (في البرّادي)، على ما جرا عليه به العرف (في النص).
(8) - فالنادر يؤكل بلا شريطة وقت والمتكرر كالفاكهة في أيامها والتمر (في البرّادي)؛ فالناذر يوكل بلا شريطة الاطراح الحرص والشره والترتيب في ذلك أيضاً إلى العريف، (في النص).
(9) - يأتي ذكرها، (في البرّادي). (1/79)
صفحة 80
عدد مرات الأكل مرتين واحدة في الضحى بعد استكمال اكتتاب الألواح(1) وتصحيحها، والأخرى بعد صلاة العصر، بقدر ما(2) من التأخير ووفقاً للوقت الذي يلزمه قارئ(3)، ليقرأ ألواحه مرة أو مرتين. فإذا استداروا طوايف(4) فإن أحد الشروط في ذلك الحضور(5)، هو أن يأخذ في كل مجموعة أسنهم وأفضلهم مكان العريف، ولكن عرافته لا تتخطى تلك الحالة. وسيبدأ هذا بطرح ثلاثة أسئلة في أي علم ما، ثم يفعل نفس الأمر من على يمينه وهكذا، دائماً باتجاه اليمين حتى تنتهي الدورة. فإذا ما توقف أحد، أمسك بيده من كان أول البادئين ومنعه من الأكل(6).
__________
(1) - عند استكمال كتابة الألواح (في البرّادي)، بعد استكمال اكتتاب الألواح (في النص).
(2) - بمقدار ما (في البرّادي) بدلاً من قدر ما (في النص).
(3) - قارئ (لا توجد في البرّادي).
(4) - فاذا كانوا طوائف (في البرّادي)، فاذا استداروا طوايف (في النص).
(5) - في، (لا توجد في البرّادي).
(6) - الاتاكل (في البرّادي)، بدلاً من أكل (في النص). (1/80)
صفحة 81
عقاباً وتحذيراً ودعوةٌ للتعلمِ. ومن نسي(1) حتى وإن كان بعد بعض الوقت، يقبل هذا الشيء وتحرر يده. ويفحص العريف الألواح في فترة ما بين الوجبتين وما إن ينتهي من تصحيح أخراها، يدعو إلى الأكل أو يقدم الدعوة بوقت طويل بعد صلاة العصر. من يجيب النداء يأكل؛ ومن(2) وصل متأخراً لا يجد فإنما ذلك على الاختيار إلا أن تكون هنالك نافلة(3)؛ ولذا وجب على العريف تعريف(4) ذلك بصوتٍ عالٍ، لأنه ربما يكون من بين العزابة من به(5) رغبة في المشاركة في هذه النافلة؛ وإن انصرف عنه بعدها لن يكون ذلك ذم(6) للعريف.
العريف معلم القرآن. يتبع لكل واحد منهم مجموعة طلاب القرآن من أصحاب الألواح(7)؛ وهو يملي عليهم، ويصحح الألواح ويجعلهم يحفظونه عن ظهر قلب(8).
__________
(1) - أتا بشيء (في البرّادي) بدلاً من نسي (في النص).
(2) - وإن (في البرّادي) بدلاً من "ومن" (في النص).
(3) - (في النص): فإنما ذلك على الإختيار إلا أن تكون هنالك نافلة، (في البرّادي) فقط "وإن كانت نافلة".
(4) - تعريف (لا توجد في البرّادي).
(5) - له (في البرّادي)، بدلاً من به (في النص).
(6) - إثم (في البرّادي) بدل من ذم (في النص).
(7) - أهل الألواح (في البرّادي) بدلاً من أصحاب الألواح (في النص).
(8) - عن ظهر (لا توجد في البرّادي). (1/81)
صفحة 82
وتضم مجموعة كل حافظ على الأكثر عشرة أفراد وعلى الأقل فردين "، والعدد حسب الرغبة، ولكن هذا هو العرف السائد. ولكن إذا كان هناك نقصاً وحاجة للمعلمين، لن يكون هناك أي حد للعدد: فيمكن أن يقل عدد الطلاب أو يكثر. وعند الضحى عندما يصبحوا جاهزين للكتابة يستحث نقيب من بين الطلاب زملائه ويجمعهم ويستدعي العريف. وحالما يصل هذا الذي على يمينه يطلب إليه الإذن في أن يُسّمع الجزء الذي حفظه في اليوم السابق، ويقرءون في اتجاه اليمين. وحالما انتهي الجميع من التلاوة، يطلبون من العريف الإذن بأن يمليهم، وهو يمليهم فإن(1) توقف أحدهم أثناء التلاوة، أقيل(2) له خمسة أخطاء إن كان مبتدئ؛ وإن كان فوقه غفروا له ثلاثة أخطأ، إلا أنه في أول كلام؛ وإن كان في الإعادة، فخطأ واحد فقط. فمن(3) ارتكب أكثر من ذلك تكون العقوبة وفقاً لما يراه العريف؛ والعُرفُ الشائع إن كان من الأصغرين وضعوه في زاوية وجلدوه، أما الكبير فالخطة والطرد. ومن يكون تحت عريف لا يمكن أن ينتقل لغيره، إلا بإذن من العريف الأول. إذا تخلف أحدهم دون مبرر وحفظ زملائه في هذه الأثناء أو كتبوا سطراً سطراً(4) أو عدة أسطر، يكون عقابه بنفس الطريقة أعلاه. وإن لم يتأخر كثيراً وبّخه العريف وصفح عنه(5). ويجب على العريف أن يختبرهم(6) إحساناً(7) ويقف على الأشياء التي تعلموها بغرض معرفة قدر تحصيلهم، وقدر رغبتهم وقدر اجتهادهم. إن تبين فشل تعلمه، الذي يرجع إلى قلة ذكاء الطالب، ولمعرفته بأنه شيء
__________
(1) - فإذا (في البرّادي)، بدلاً من فإن (في النص).
(2) - أقبل (في البرّادي)، بدلاً من أقيل (في النص).
(3) - فإن (في البرّادي)، بدلاً من فمن (في النص).
(4) - (في النص) كتبت كلمة سطراً مرتين على طريق الخطأ.
(5) - يصفح عنهم (في البرّادي) بدلاً من صفح عنه (في النص).
(6) - يحشرهم (في البرّادي)؛ بدلاً من يختبرهم (في النص).
(7) - كلمة إحساناً (في النص) أصححها كما (في البرّادي): أحياناً. (1/82)
صفحة 83
سماوي(1)، عذره(2)، وأمره بالبدء من جديد. إما إن كان الطالب مقتدر الذكاء وعرف العريف أن قلة الاستفادة نابعة من حب الكسل والإهمال في الدراسة، اجتهد في قسوة العقاب. ولهذا الغرض يستفسر الشيخ من العارف عن أحوال الطلاب عندما يبدأ عملية التمحيص(3)، في يوم الاجتماع؛ والعارف لا يجب أن يقول إلا ما علم عن حال كل منهم(4). عريف أوقات الدروس. بين صلاة الظهر وصلاة العصر يتفحصون التلاميذ التي تدرس اللوحات؛ فإذا ما تأخر أحدهم دون مبرر، يطرد؛ إذا ما انشغل بشيء أشغله عن قراءة الألواح، يطرد. إذا ما لاحظ العريف أنه يخطأ في القراءة لأنه أهمل تصحيح لوحه، يطرده(5). فإذا تأخر أو تغيب أو انشغل بشيء يشغله، بين صلاة المغرب وصلاة العشاء أو يشغل سواه(6) يُطرد.
إن نام أو تناوم في وقت الاستفتاح، أو انشغل بشيءٍ آخرٍ غير الدراسة، إلا إذا كان لديه عذرٌ، يُطرد. إن تغيب بين صلاة الجمعة وصلاة العصر عن حضور اجتماع(7) كتاب المواعظ يُطرد. وقد قلنا إلا ثلاثة على ما وصفناه(8).
__________
(1) - كلمة سماوياً استخدمت بطريق الخطأ (في النص).
(2) - عذرة (لا توجد في البرّادي).
(3) - تفحيص(في البرّادي).
(4) - إلا ما علم كل واحد منهم "(في البرّادي).
(5) - الفقرة بالكامل (لا توجد في البرّادي).
(6) - في البرادي أو يشتغل سواه.
(7) - لاجتماع (في البرّادي)، لاستماع (في النص).
(8) - (في النص): وقد قلنا إلا ثلاثة على ما وصفناه، (في البرّادي): وقد قلت إن غير الأمر ثلاثة على ما فصلناه. (1/83)
صفحة 84
طلبة القرآن. يجب عليهم قراءة ألواحهم بين صلاة الظهر وصلاة العصر. وسلوكهم حينئذ(1) كما يلي: يلتفون في عباءاتهم، فلا يظهروا من أجسامهم شيء(2)؛ يسندون ألواحهم على الأعمدة؛ يقعدون أمامها دون الاتكاء على شيءٍ أو الميل بجسمهم كثيراً. وبين العشاءين في الساحة دون الاتكاء على شيء(3). وفي أوقات غير تلك إن شاؤا(4)، يمكنهم الاتكاء، ولكن فقط للأصغرين(5)، ويفضل ألا يتكئوا. وهم لا يجب أن ينشغلوا سوى بدراسة القرآن؛ باستثناء العبادات وفرائض الإسلام الواجبة عليهم، مثل التطهر، الصلوات، الصوم، الخ...الخ. فإن وجهوا انتباههم لشيء مخالف فذاك شراً، فلكم هو منفر طير الغربان مع الحمائم. أما إذا ما كان شخص ذا فهم وقلب زكي(6) أعطاه الله القدرة على مجاراة هذا وهذا(7)، و لاشيء يسوء طالما زاد الخير.
__________
(1) - حينئذ (لا توجد في البرّادي).
(2) - فلا يظهر من أجسامهم شيء، (في البرّادي)؛ (في النص) فلا يظهروا من أجسامهم شيء.
(3) - السطر رقم 13 في النص (لا يوجد بأكمله في البرّادي).
(4) - إن شاؤا "لا توجد (في البرّادي)".
(5) - للصغار (في البرّادي)، للأصغرين (في النص).
(6) - ذا فهم زكي وقلب لوزعي (في البرّادي)؛ ذا فهم وقلب زكي (في النص).
(7) - هذا وذا "لا توجد (في البرّادي)". (1/84)
صفحة 85
طلبة العلوم. طلبة الآداب(1) إن كانوا من الأصغرين، ممن لديهم ألواح، يجب عليهم تقليد طلبة القرآن في عدم الاتكاء. أمّا هؤلاء الذين يجب أن يكتبوا، فلهم أن يستندوا على أعمدة المسجد، على أبوابه وعلى الأعمدة وحيث يجدون راحتهم. ويستحسن منهم ذلك(2). يمكنهم الجلوس للدراسة والمذاكرة(3)، والمناقشة، طالما لم يكن في ذلك تغيير للنفوس؛ وسيكون كل ذلك من عادتهم. يجب أن يحددوا وقتاً معتاداً بعينه يكون فيه ميعاد لالتقائهم(4)، لكي يذهبوا سوياً إلى المعلمين. ويُعاقب الطالب الذي يتغيب. كل منهم يأخذ درسه على يد مُعلمه ويجعل من التعاليم التي يتلقاها ملاذه وملاذه(5). وكل طرق فعل خيمة غداة(6) حسنة، إمّا إن يتداولوا وضع السؤال يوماً يوماً فمن أغضت إليه النوبة يسأل(7)، وإمّا يسأل أكثرهم بلاغةً وأفصحهم كلاماً، وإما إن يسأل أكثرهم احتياجاً لضرورة نزلت أو حاجة وقعت(8). وإذا ألقى السائل(9)، يبدأ الشيخ، إن كان المجلس مزدحماً في السؤال، من
__________
(1) - طلبة العلوم (في النص) الأصلي ونص العنوان التالي أصبحت (في البرّادي) وطلب العلم لأنه ربطها بالجملة السابقة.
(2) - واستحسن منهم (لا توجد في البرّادي).
(3) - والمذاكرة (لا توجد في البرّادي).
(4) - يكون فيه الميعاد (لا توجد في البرّادي).
(5) - (في النص) ملاده وملده، أصححها إلى ملاذة وملذة، والجملة أيضاً مثل سابقتها، وهي (لا توجد عند البرّادي).
(6) - القرآن (في البرّادي) بدلاً من غداة (في النص).
(7) - أمّا أن يتداولوا وضع السؤال فيبتدون بالسؤال يوماً فمن أفضا إليه النوبة وغاب إجتهد فيه، (في البرّادي): أمّا أن يتداولوا وضع السؤال يوماً يوماً فمن أغضت إليه النوبة يسئل (في النص).
(8) - وأما أن يسئل أكثرهم إحتياجا لضرورة نزلت أو حاجة وقعت، (في البرّادي): وأما أن يسئل أكثرهم إحتياجاً لضرورة نزلت أو حاجة وقعت (في النص).
(9) - إذا ألقي السؤال، (في البرّادي): إذا ألقي السائل (في النص). (1/85)
صفحة 86
عن يمينه ثم يعيده الثاني إلى الشيخ للتخفيف والاختصار(1).
وإن كان المجلس بدون لمات(2) وخاصة إن كانت مجموعات من ثلاثة إلى عشرة، تداول الشيخ السؤال ومن يسأل لمن على يمينه، ومن هذا للذي على يمينه حتى الشيخ. فإن علم الشيخ أن في الجمع أكفأ منه في تلك المسألة أذن له في الكلام فيها وإلا تكلم بما عنده(3). ويتعين على من يوجه إليه السؤال أن يجيب، دون أن يخطأ، يذكره عندما ينسى، يساعده عندما يتعثر في الكلام، يتدخل عندما يتطلب الأمر مزيداً من التوضيح والشرح، أو عندما يعلم بإرادة(4) الحاضرين في المزيد من إلقاء الضوءِ. وبنفس الكيفية يلقي الراغب بالسؤال ويناقش كيفما يريد. ومن يريد القيام، لا يقوم، إلى بعد طلب الإذن ممن يعطي الإذن. إن أُعطي له الإذن قام، وإن لم يعطي له لم يقم(5). وإن كان من بين الحاضرين بعض من خارج حلقات الدرس، وجد أنه من غير اللائق إدارة(6) أسئلةٍ عويصةٍ قد تخدع الغبي(7) أو تجعله يكوّنُ فكرةٍ خاطئةٍ. وعندما ينوي الشيخ القيام ولم يستثقل تشييع من يختص به من طلبته(8) ركع وركعوا ركعات(9)
__________
(1) - ثم على من يمينه فبعده الثاني إلى الشيخ طلباً للتخفيف والإختصار، (في البرّادي): ثم من عن يمينه ثم يعيده الثاني إلى الشيخ للتخفيف والإختصار.
(2) - أماثل (في البرّادي) بدلاً من لمات (في النص).
(3) - فإن علم أن في المجلس من هم أعلم منه في تلك المسئلة، أذن له في الكلام فإن أبا تكلم بما عنده (في البرّادي) بدلاً من فإن علم الشيخ أن في الجمع أكفأ منه في تلك المسألة أذن له في الكلام فيها وإلا تكلم بما عنده (في النص).
(4) - إرادة (لاتوجد عند البرّادي).
(5) - أقام (في البرّادي) بدلاً من لم يقم (في النص).
(6) - إيراد (في البرّادي) بدلاً من إدارة (في النص).
(7) - الغي (في البرّادي) بدلاً من الغبي (في النص).
(8) - ولم يستتقل تشييع من يختصبه من طلبته (في النص).
(9) - ركعتين (في البرّادي) بدلاً من ركعات (في النص). (1/86)
صفحة 87
الضحى ويرافقونه في احترام وإجلال. وإن إستثقل أن يشيعوه، ركع وركعوا(1)، وبعد الركعتين و‘دعوه(2) ولم يرافقوه.
أما العاجزون فهم أصناف كثيرة. فكفى بالله لهم. الله يرحمهم، أو يثيبهم. من بينهم: الأخرس والأعمى، المريض بمرض مزمن، عجائز متهالكون، سفهاء. ومن يتظاهر يحشره الشيخ مع العاجزين حتى لو كان قوياً أو عنه لوجود بعض الغنى(3).
ويجب على كل العاجزين أن ينصتوا باهتمام لما يقال لهم، لأن يحصلوا الطرق والأخلاق(4) ويبدون أملاً ورجاءً في الخير. يجب عليهم مراعاة السيرات(5) والتمسك بالطرق(6) والأوقات التي حددوها: إن اجتهدوا وثابروا في اجتهادهم، يمكن أن ينالوا بعض ما يرغبون. أما المرضى المزمنين والمكفوفين، فلقد رفع عنهم القرآن الحرج صراحة(7). ويعتبرُ قاصرٌ: الفاشلين؛ المهملين؛ المذمومين والذين يأسهم معدوم(8).
__________
(1) - ركع وركعوا (لا توجد في البرّادي).
(2) - تركوه (في البرّادي) بدلاً من وادعوه (في النص).
(3) - أو عنه لوجود بعض الغنا (لا توجد عند البرّادي).
(4) - ليحملوا الفوائد والآخلاق الحميدة (في البرّادي)، بدلاً من لأن يحصلوا الطرق والأخلاق (في النص).
(5) - سير (في البرّادي)، بدلاً من سيرات (في النص).
(6) - الطرق (لاتوجد في البرّادي).
(7) - القرأن، السورة 24 الآية السادسة و السورة 48 الآية رقم 17.
(8) - معدوم (في النص) وأصححها إلى معلوم كما ورد (في البرّادي). (1/87)
صفحة 88
منهم أُناسٌ بهذا القدر، أنا(1) رأيتهم ولم يكن هناك أبداً شيء لألوم أكثرهم عليه. ففي شهر ربيع الثاني(2) من سنة 616 للهجرة دخلت حلقة ورجلان(3) -حفظها الله-. وأول ما فرض عليّ كان الصوم بذهن خالي من أي شغل بال. كنت أتعجب ممن يظل منعزلاً ولا يجتهد [في إيجاد صحبة]، ممن يمكن المورد فلا يرد(4)، ممن يفتقر لشيء مفيد ولا يبحث عنه. كان ذهني وقتها يعتبر لهم ترة شغل البال(5) ولكن الأشياء الآن تحولت(6). كنت أسخر من الجانب الأكبر ممن يفكرون بهذه الطريقة، وذلك بسبب سني، وعن هذا أسال الله غفرانه. كان من بينهم رجل يدعى أبادوناس(7)، من إحدى قرى نفزاوة(8)، كان قد سبقني بأعوام في الحلقة والشيء الذي جعلني أغير رأيي أنني وجدت لوحه على سورة الفيل(9) وأنه كان قد مات في العام 617(10) ولم يكن انتهى من سورة أخرى، على الرغم من عدم ترك أي قدرة(11) ممكنة. هل استمعتم لأبي يزموع المصعبي؟(12) وقبل دخولي إلى وارجلان كنت قد سمعتهم يذكرونه بدقة العمل المرتبطة بذهن غير مليل(13)، منحهما الله إياه. عثرت عليه في وارجلان وكان مكتوباً على لوحه آيات تقوى(14)
__________
(1) - أورد البرّادي حاشيته قائلاً: وقال الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد رحمه الله.
(2) - يبدأ يوم 16 يونيو 1919.
(3) - مدينة ورجلان الحالية في إقليم الصحراء الجزائري.
(4) - وممن يمكن المورد فلا يرد (لا توجد في البرّادي).
(5) - لهم ترة الآن شغل البال ليست جملة مفيدة، ولقد اتبعت في ترجمتي ما جاء (في البرّادي): فهم أزرا بذلك شغل البال.
(6) - تغير (في البرّادي)، بدلاً من تحول (في النص).
(7) - ابلاونواس (في البرّادي).
(8) - مجموعة واحات في الشمال التونسي.
(9) - السورة 105 من القرآن، إحدى أقصر سور القرآن.
(10) - يبدأ في الثامن من مارس عام 1220.
(11) - جهده (في البرّادي)، بدلاً من قدرته (في النص).
(12) - لم يُعرف بغير ذلك.
(13) - غير قابل (في البرّادي)، بدلاً من غير مليل (في النص).
(14) - ربما يشير للآية 189 من سورة البقرة، الجزء الثاني من القرآن. (1/88)
صفحة 89
الله وظل يرددها لعدة أيام، ومن وقتها ظل يرددها سواء رسخت أم لم ترسخ في صدره. مكثت في وارجلان لسنتين وشهرين على التمام والكمال ثم انفصلت(1)، تاركاً لوحه على كلام الله: "والضحى والليل إذا سجى"(2). وطيلة هذه الفترة لم يألوا(3) المصعبي جهداً: على الرغم من أنه قد سبقني في الحلقة بستة أعوام أو ربما ثمانية. هل سمعتم بسليمان بن جيريز(4) الذي لم يتوقف عن تكرار وإعادة سورة الأنبياء(5) طول(6) إقامتي في وارجلان؟ لقد غادرتها وتركت(7) لوحه على نفس السورة. ثم علمت بعد ذلك أنه لم يتوقف عن قراءتها منذ 28 عاماً. لن يكون مستغرباً إيعاد ذلك للتسويف أو لمضيعة الوقت، لكن هدفي هو أن أعلمكم أن من لا يأل جهداً يثاب حتى وإن لم يصل. أمّا الكسول الجاهل المتراخي عن أكل عيشه بالحلال فهو من يرتكب الخطايا ويثير غضب الله العالم بكل شيء.
نسأل الله أن يسلمنا ويختم لنا بخواتم الإسلام(8).
وإعداد الطعام يجب أن يقوم به من لم يرضى الله عنه ولا شرح صدره(9) للعلم أنهم من الممكن أن يستفيدوا من خدمة أهل الخير وينالون ثواب الله.
__________
(1) - انصرفت (في البرّادي) بدلاً من انفصلت (في النص).
(2) - أول آيات سورة الضحى، السورة 93 للقرآن.
(3) - لم يأل (في البرّادي) بدلاً من لم يألوا (استخدام خاطئ) (في النص).
(4) - لم يُعرف بغير ذلك.
(5) - السورة الحادية والعشرين من القرآن.
(6) - مدة (في البرّادي) بدلاًمن طول (في النص).
(7) - تركت "لا توجد عند البرّادي".
(8) - نسئل الله يسلمنا ويختم لنا بخواتم الإسلام، "لا توجد عند البرّادي".
(9) - لم يشرح (في البرّادي) بدلاً من لا شرح (في النص). (1/89)
صفحة 90
الأوقات؛ الآداب والأحوال. تحدثنا كثيراً عن كل ما سبق، أيضاً كلما كنا نعالج أشياء أخرى. ولقد حدثتكم عن أوقات الدروس(1). أمّا وقت الراحة والتصرف فهو في نهاية اليوم. والتصرف يكون في الأماكن التي لا يمنع التصرف فيها(2)، مثل الأماكن التي يوجد فيها الماء أو الأشجار أو ما شابه ذلك، حيث تتفرج الأنفس(3) وتنفسح(4) الصدور(5). إذا كانت هذه الأماكن تناسب الألباب ومفتوحة للأبصار، فلا بأس منها، ما لم تكن هذه الأماكن معروفة بأن يستقر فيها مصادف الشبهات(6) كالنساء والحساسات(7). وفي هذه الحالة لا يجب الذهاب إليها. الإكثار من الذهاب إلى الأسواق وارتياد الطرقات مذموم، ولكن إن اقتضته الضرورة، فطرق فرعية وفي ساعات لا تثير الشبهات. والوقت الذي يختص بكل واحد منهم(8) ليتناول معايشه بعد إذ صلى(9) العتمة، سواءٌٌ منفرداً وأماً مع توافق طبائعهم وطبعه(10). ويشترط التخفيف(11) ولا يفترقوا إلا بعد الدعاء. وقت تغيير المنكر عند ظهوره، لا ينحصر في وقت ما؛ ولكن هناك شروط يعاينها الشيخ ويعطي إذنه بالاستمرار أو يعينها الأمثل(12)
__________
(1) - العناوين والفقرتين الأخريتين (لا توجد في البرّادي).
(2) - إليها (في البرّادي) بدلاً من فيها (في النص).
(3) - تتفسح (في البرّادي) بدلاً من تتفرج (في النص).
(4) - الصدور (لا توجد عند البرّادي).
(5) - تفرج (في البرّادي) بدلاً من ينفسح (في النص).
(6) - ما لم تضاف فيه مرور النساء (البرّادي يصرح بها)، (في النص) "ما لم تكن هذه الأماكن معروفة بأن يستقر فيها مصادف الشبهات كالنساء.
(7) - الحساسات (في النص) وأصححها وفقا للبرادي بـ أهل الخساسات.
(8) - ينفرد بها كل واحد (في البرّادي)، بدلاً من تختص بكل واحد منهم (في النص).
(9) - بعد صلاة (في البرّادي)، بدلاً من إذا صلى (في النص).
(10) - وأما مع من يرافقه (في البرّادي)، بدلاً من وأما مع توافق طبائعهم وطبعه (في النص)
(11) - (في النص) حرف فاء زائد.
(12) - (في البرّادي) بكلمات مختلفة: ويشترط في انكار المنكر تقديم الشيخ أو إذنه، ووقت انكاره متى ظهر ولا ينحصر في وقت غير ظهوره. (1/90)
صفحة 91
. والأوقات المستحبة للاستعداد للصلاة معلومة بمقدار ما يستبرأ ويتوضأ. إذا فالعزابي يصلي صلاة الجماعة؛ وشرطها إزالة الأوتر(1) وتجهيز المدر. وأوقات الصلوات النهارية والليلية والنوافل معلومة وليس هناك حاجة إلى إضافة المزيد. فلا يحتاج إلى زيادة وإن إحتج(2) فخمس تسليمات بالليل ومثلها بالضحى. وهذا يفضل؛ فإن أزاد المصلي فله أجره، وإن أنقص فلا ذنب(3) عليه. أمّا في صلاة الليل فهناك شروطاً يجب إتباعها فيما يتعلق بمدة القراءة. وهناك اختلافٌ على كونها سرية أم جهرية. هناك من يقول أنه من الأفضل أن يجهر المُصلي بها لعل ذلك يكون سبباً في إيقاظ النوّام. وآخرون يقولون بأن يَسِرُ بها ليدعه لرياء المخلوقين(4). وما سبق ذكره يرتبط بالظروف؛ فالأفضل أن نخفي العبادات والركعات(5) التي تُلازم الفرائض المعلومة. ومستحب للصوم: يوم الجمعة، واليوم الذي يسبقه، والتاسع من ذي الحجة(6) ويوم عاشوراء(7) والثلاثة أيام البيض(8) من كل شهر.
__________
(1) - (في النص):"الأوتر" وأنا أتبع البرّادي وأصححها للـ الأثر.
(2) - "فلا يحتاج إلى زيادة وإن احتج" (لا توجد في البرّادي).
(3) - إثم (في البرّادي) بدلاً من ذنب (في النص).
(4) - (في النص):"ليدعه لرياء المخلوقين"؛ أمّا (في البرّادي):"إذ فيه بعد عن الريا المخلوقين".
(5) - النوافل (في البرّادي)؛ بدلاً من الركعات (في النص).
(6) - أو أيضاً "عرفة" مثلما جاء (في البرّادي). هو أكثر أيام الحج مهابة.
(7) - أو العاشر من شهر المُحرم.
(8) - أو أيام اكتمال القمر، 13، 14، 15 من الشهر. على الرغم من أن المالكية تستحسن صيام ثلاثة أيام كل شهر، إلا إنهم ينكرون صيامها من بين الأيام البيض خشية أن يعتقد الجهال من الناس أن صيامها إجباري (أنظر المختصر للخليل بن اسحاق، ترجمة جويدي سانتيللانا Guidi-Santillana، روما 1919، الجزء الأول ص212). (1/91)
صفحة 92
ومن بين الآداب الحسنة وأحوال أهل الطريق: ألاّ يتكبر على الأذلاء، وألاّ يتذلل أمام المتكبرين، ألاّ يخالط أهل الدنيا، وألاّ يُمسك عن أهل الطريق، وألاّ يتكبر على الأذلاء؛ وألاّ يتذلل أمام المتكبرين، وألاّ يجالسهم(1)، إلا إذا اقتضت ذلك ضرورة لا مفر منها، أي أن يكون هؤلاء الناس هم من يبحثون عن مجالسة من عَلِمَ وعمل(2)، لكي يستفيدوا منه لصالح إيمانهم. والكهل يقبل عذره عن الشاب إن خالطهم، لكونه قادراً على هدايتهم، بينما (الشاب) من الممكن أن يُضلّوه.
ويطرد العزابي الذي ينهي عن الإكثار من مخالطتهم، فلا ينتهي.
__________
(1) - "يجلس إليهم" (في البرّادي)؛ بدلاً من يجالسهم (في النص).
(2) - من علم وعمل "لا توجد في البرّادي". (1/92)
صفحة 93
ومن الضروري كما نعلم أن تتناسب المؤاخذة على العثرات وإلزام الذنب على(1) الخطايا مع من يرتكبها. وهؤلاء ينقسمون إلى درجات: أما المبتهل(2) فحسن به الظن، وحسن معه الإبراء، وعِيبَ عليه زلته باللطف قول واللطف إشارة(3). أمّا من هو أدنى من ذلك وراسخ القدم في طريقه وشامخ القدر(4)، يعاقبه الشيخ سواء عن الكبائر أو الصغائر. واستعظمت نقيره من الخطايا وقطميره(5). أمّا إن لم يكن هكذا، تجاف عن النقير والقطمير(6) واستكثر من حسناته الشيء الحقير سلكت معه مسلك التأنيس لا التنفير، فرب قبيح من ذلك هو من هذا أحسن(7)؛ ودائماً ما رأيت الشيخ يشبه هاتين الطريقتين بالماء واللبن.
ويجب على شيخ الحلقة أن يتفقد أحوال الطلاب وأن ينظر لمن هو موسراً من يبتاع له الخبز لكي يطعمه؛ أمّا المُقطر فينظر له الشيخ عمن يقدم له الخدمة والطعام(8) بلا مقابل (مجاناً).
__________
(1) - (في البرّادي) في بدلاً من على (في النص).
(2) - (في البرّادي) المبتلا بدلاً من المبتهل (في النص).
(3) - أتبعت ما (في البرّادي) :"عيب عليه سناجة زلته بالطف قول والطف إشارة"؛ حيث أنه من المؤكد أن النصبه خلل ويبدو غير مفهوم :"وإذا ميح له تفسيح زاته في اللطف قوبل اشارة".
(4) - شامخ القدر (لاتوجد في البرّادي).
(5) - (في النص):" واستعظمت نقيره من الخطايا وقطميره"، أمّا (في البرّادي) :"واستعظمه لغيره ونظيره".
(6) - (في النص):"تجاف عن النقير والقطمير"؛ أمّا (في البرّادي):"تجافيه عن النقير".
(7) - "واستكثر من حسناته الشيء الحقير سلكت معه مسلك التأنيس لا التنفير، فرب قبيح من ذلك هو من هذا أحسن".(لاتوجد في البرّادي).
(8) - (في البرّادي) الفرض واحد فقط :"ممن كان منهم موسراً نظر له فيمن يتبرع له بالخدمة والإطعام". (1/93)
صفحة 94
لو أننا حاولنا تعميق ذكر كل الحدود لقُضِيَ الأجل دون أن نبلغ الغاية؛ ولكن فيما ذكرنا(1) القدر الكافي إن شاء الله.
فهرس عام
مقدمة الناشر ... 3
المؤلف في سطور ... 5
بيبليوغرافيا كتابات روبيرتو روبيناتشي ... 8
صاحب الوثيقة في سطور ... 11
توطئة ... 16
المؤسسات الرهبانية في الإسلام ... 21
وثيقتنا في إطار تاريخ مذهب الخوارج ... 33
سيرة الحلقة الإباضية ... 37
مصطلح الحلقة ... 44
تطور الرهبانية الإسلامية ... 49
أبو عبد الله محمد بن بكر ... 59
صورة من المخطوط ... 64
النص الأصلي للوثيقة ... 65
ترجمة إلى العربية عن الترجمة الإيطالية للنص ... 81
فهرس ... 113
__________
(1) - (في البرّادي): وفيما ذكرناه بدلاً من وفيما ذكرنا (في النص) استخدام خاطئ. (1/94)