صفحة 1
بحث: العلماء الوافدون إلى وادي ميزاب ودورهم في التغيير الاجتماعي
ألقاه: الأستاذ/ كروم الحاج أحمد (مؤسّسة عمّي سعيد، غرداية / الجزائر)
بمناسبة: مهرجان الشيخ عمي سعيد الجربي (رحمه الله تعالى)
أيام: 09، 10، 11 شوال 1427هـ
01، 02، 03، نوفمبر 2006م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) العلماء الوافدون إلى وادي ميزاب
ودورهم في التغيير الاجتماعي
يلقيها:
الأستاذ كروم الحاج أحمد
مؤسّسة عمّي سعيد
غرداية / الجزائر
بمناسبة مهرجان الشيخ عمي سعيد الجربي
أيام: 09، 10، 11 شوال 1427هـ
01، 02، 03، نوفمبر 2006م (1/1)
صفحة 2
_
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصّلاة والسّلام على سيّدنا النبيء الأمين، سيّدنا محمّد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه المهتدين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهمّ صلّ على الشيخ عمّي سعيد وعلى من صلح من آل عمّي سعيد وبارك على عمّي سعيد وعلى من صلح من آل عمّي سعيد كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد، آمين.
وبعد، لقد أصبحت احتفالاتنا المخلدة لذكرى خمسة قرون من وفاة الشيخ عمّي سعيد تضمّ أربع احتفالات مرافقة، وهي:
الاحتفال بعيد الفطر المبارك الذي نرجو الله أن يعيده علينا باليمن والأمن والقبول.
الاحتفال بذكرى أوّل نوفمبر الخالدة التي نترحم من خلالها على شهدائنا الأبرار ونحيّ المجاهدين الأحرار.
الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لوفاة الشيخ حمو بن موسى عمي سعيد رحمة الله عليه.
ذكرى ثلث قرن لتأسيس معهد عمي سعيد العامر بمدينة غرداية العريقة.
فاللهمّ اجعل أيّامنا كلّها أعيادا ومبرّات ومسرّات شاكرين معتبرين عاملين محسنين غير مغرورين ولا ناكرين لأولي الفضل فضلهم.
ومن هؤلاء الرجال أولي الفضل والسبق رجال صادقون وجدوا داخل هذه الفترة وقبلها وفدوا إلى وادي ميزاب من مناطق أخرى وقد برزت أعمالهم وآثارهم رغم بعد المسافة الزمانية بيننا وبينهم. وقد حاولت أن أحصيهم جميعا رغم قلّة الوثائق والمصادر المؤرخة لهم، وقد بلغ العدد إلى ستة وأربعين عالما:
1 - ستة عشر عالما وفدوا إلى ميزاب من إحدى عشرة منطقة في الجزائر،
2 - وثلاثة عشر عالما تنقلوا من إحدى القرى الميزابية إلى قرية أخرى.
3 - سبعة عشر عالما وفدوا إلى ميزاب من أربع دول خارج الوطن الجزائري.
وقد وسّعت ثلاث تراجم كنماذج للتعريف بآثار هؤلاء الرجال العاملين وهم: (1/2)
صفحة 3
1) أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي.
2) الشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي.
3) الشيخ إبراهيم بن بكير حفار القراري.
وأمّا المحتفل به فقد أغناني عنه الباحثون قبلي، وأرجو الله أن أكون موفقا في هذا الاختيار والعرض قائما بالواجب نحوكم، آمين.
المطلب الأوّل:
علماء وفدوا من خارج الوطن الجزائري
اسم الشيخ ... من ... إلى ... الوصول ... الوفاة
1. ... الشيخ بابا السعد ... غرداية ... 438هـ ... 542هـ
2. ... الشيخ إبراهيم بن يوسف بابا والجمة ... جبل نفوسة ... غرداية ... 543هـ ... 567هـ
3. ... الشيخ با عيسى أو علوان ... الساقية الحمراء ... غرداية ... 548هـ ... 591هـ
4. ... الشيخ يوسف بن إبراهيم بن ينومر الخفياني ... الساقية الحمراء ... غرداية ... 553هـ ... 587هـ
5. ... الشيخ بابا تامر ... جربة ... غرداية ... 560هـ ... 608هـ
6. ... الشيخ بامحمد أبو سحابة ... جبل نفوسة ... غرداية ... ق.12 ... ق.12
7. ... الشيخ بالحاج داود ... جبل نفوسة ... غرداية ... 697هـ ... 780هـ
8. ... الشيخ عمي سعيد الجربي ... جربة ... غرداية ... 885هـ ... 927هـ
9. ... الشيخ النشاشبي ... جبل نفوسة ... العطف/غرداية ... ق.13هـ ... ق.13هـ
10. ... الشيخ با عبد الله بن يحي ... المغرب ... العطف ... ق.7هـ ... ق.7هـ
11. ... الشيخ عمي دحمان بن الحاج ... جربة ... بونورة ... 1121هـ ... ق.12هـ
12. ... الشيخ الحاج مسعود بن باعمور (أبو جعفر) ... جبل نفوسة ... مليكة ... ق.10هـ ... ق.10هـ
13. ... الشيخ النفوسي ... جبل نفوسة ... مليكة ... 536هـ ... 541هـ
14. ... الشيخ أبو يحي بن أبي القاسم الفرسطائي ... جبل نفوسة ... بني يزقن ... 575هـ ... ق.6هـ
15. ... الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر ... جبل نفوسة ... العطف ... 402هـ ... 440هـ
16. ... الشيخ حمو بن قاسم ... جبل نفوسة ... مليكة
17. ... الشيخ باي أحمد بن سليمان بن نوح ... جبل نفوسة ... مليكة ... 395هـ (1/3)
صفحة 4
علماء وفدوا من مناطق في الجزائر
اسم الشيخ ... من ... إلى ... الوصول ... الوفاة
1. ... الشيخ بامحمد (خادم أمّه) ... قصر البخاري ... غرداية ... 564هـ ... 651هـ
2. ... الشيخ بامحمد بن الناصر ... سدراته ... غرداية ... 778هـ ... 839هـ
3. ... الشيخ عبد الله بن أحمد ... واد غنيم (البيض) ... مليكة ... 506هـ ... ق.6هـ
4. ... الشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل بن موسى ... الجلفة ... مليكة ... ق.10هـ ... 971هـ
5. ... الشيخ حيو بن دودو ... مليكة ... 561هـ ... 675هـ
6. ... الشيخ باستشري بن أيوب ... وارجلان ... بني يزقن ... 646هـ ... 700هـ
7. ... الشيخ بالحاج بن امحمد ... المدية ... بني يزقن ... 720هـ ... ق.8هـ
8. ... الشيخ حمو بن يوسف ... تقرت ... بني يزقن ... 784هـ ... 811هـ
9. ... الشيخ موسى بن الفضل ... الزيبان ... بني يزقن ... 802هـ ... 828هـ
10. ... الشيخ الحاج عبد الله ... وارجلان ... بني يزقن ... 828هـ ... 873هـ
11. ... الشيخ بوزيان ... وارجلان ... بني يزقن ... 875هـ ... 900هـ
12. ... الشيخ الحاج سليمان ... المنيعة ... بني يزقن ... 891هـ ... 923هـ
13. ... الشيخ الحاج سعيد ... بليدة اعمر ... بني يزقن ... 929هـ ... 1001هـ
14. ... الشيخ باحمو بن إبراهيم ... وارجلان ... بني يزقن ... 1051هـ ... 1095هـ
15. ... الشيخ محمد بن إبراهيم ... وارجلان ... بني يزقن ... 1109هـ ... 1143هـ
16. ... بامحمد أبو الشيخ المرزوقي ... بني ونيف ... غرداية ... ق10هـ ... ق10هـ
علماء تحرّكوا داخل وادي ميزاب
اسم الشيخ ... من ... إلى ... الوصول ... الوفاة
1. ... الشيخ حريز بن موسى ... العطف ... غرداية ... 1124هـ ... 1129هـ
2. ... الشيخ الطالب إبراهيم بن الحاج أبي بكر ... العطف ... غرداية ... 1121هـ ... ق12هـ
3. ... الشيخ بالحاج بن كاسي ... القرارة ... العطف ... ق13هـ ... 1242هـ
4. ... الشيخ باكه بن صالح ... العطف ... بنورة ... ق11هـ ... ق11هـ
5. ... الشيخ عمر بن سليمان بانوح ... بني يزقن ... مليكة ... 1262هـ ... 1292هـ
6. ... الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي ... العطف ... بريان ... 1351هـ ... هـ
7. ... الشيخ عمر بن بكير شريفي ... القرارة ... بني يزقن ... 1415هـ
8. ... الشيخ إبراهيم بن بكير حفار ... القرارة ... بني يزقن ... 1345هـ ... هـ
9. ... الشيخ الحاج أحمد بن حمو كروم ... القرارة ... العطف ... 1371هـ ... هـ
10. ... الشيخ إبراهيم بن موسى محفوظ ... العطف ... بني يزقن ... ق14هـ ... 1368هـ
11. ... الشيخ باحمد بن قاسم أبو القاسم ... القرارة ... مليكة ... ق14هـ ... ق14هـ
12. ... الشيخ باحمد بن يحي بوعبون ... القرارة ... بنورة ... ق14هـ ... ق14هـ
13. ... الشيخ محمد بن إبراهيم قرقر الطرابلسي ... بريان ... القرارة ... 1329هـ ... 1368هـ (1/4)
صفحة 5
من خلال قراءة سريعة على هذه الجداول نسجل الملاحظات التالية:
1) إنّ التواريخ المضبوطة لهؤلاء الأعلام فيها مأخوذ ومتروك لِما فيها من تضارب بين التواريخ المكتوبة أحيانا في مراجعنا المعتمدة المتوفرة لدينا وبين الرواية الشفوية والبحوث المكتوبة وما كانت قرائنه أقوى رجّحناه على غيره، وإذا لم توجد مراجع أخرى ولا قرائن أثبتنا ما هو موجود من باب جد بالموجود إلى أن ينعم الله بما هو مفقود.
2) وفي جدول الأعلام الذين جاءوا من خارج الوطن نلاحظ أكثر العلماء يتوافدون إلى منطقة وادي ميزاب من جزيرة جربة وجبل نفوسة أي من مناطق إباضية أخرى في شمال إفريقيا لوحدة العقيدة وتشابه السمات الاجتماعية والسياسية بين هذه المناطق ومنطقتنا.
3) وفي هذه الجداول لم يذكر علماء من عمان مثلا وفدوا إلى منطقتنا رغم وحدة العقيدة ورغم أنّهم موجودون أكيد إلاّ أنّ المراجع والمعلومات كانت شحيحة في إبراز بعضهم وذلك لبعد المسافة بين المنطقتين ولأنّ كثيرا ما كان ذهاب طلبة من ميزاب إلى عمان وأخذ العلم من هناك والرجوع إلى الوطن للتنوير والتحرير مثل الشيخ إبراهيم بن يوسف اطفيش، وللاكتفاء بالاتصالات المكتوبة بين المنطقتين عن طريق موسم الحج والمجاورة لا العمرة.
4) وأمّا من داخل الوطن الجزائري فإنّ العلماء الوافدين يُقبلون إلينا من مناطق أخرى إباضية في أكثر الحالات مثل: سدراتة ووارجلان وتقرت إمّا لهجرة هؤلاء الأعلام بسبب فتن هناك أو باستقدامهم، وأمّا الأعلام الآخرين الوافدين إلينا من مناطق أخرى غير إباضية فهم مقبولون في المجتمع بعد اختيارهم المذهب الإباضي كمذهب جديد لهم.
5) وأمّا الحركة التي قام بها العلماء داخل وادي ميزاب وهم من ميزاب أصلا وفصلا اعتبرتها ''وفودية'' تجوزا ومجازا رغم أنّها غير مقبولة عند الكثير من الباحثين فهم ربّما لا يشاطرونني الرأي.
والسبب في هجرتهم هو تغيّر الظروف عندهم أو عدم قبول مناطقهم لأفكارهم الثائرة على الأوضاع أو عدم قبولهم للتغيّرات الحادثة في مناطقهم وهذه هي سنّة الحياة لكلّ جديد مؤيّد ومعارض، ولكلّ قديم ثائر ومناهض. وقد يكون لا هذا ولا ذاك وإنّما استقدمته المنطقة الأخرى للتدريس ولم يكن شيخا في المسجد أو عضوا في الحلقة.
6) والضابط لإثبات الشخصية في هذا الجدول الأخير هو وفاته في البلد الثاني الذي انتقل إليه ولم يرجع أو لم يُرجع إلى وطنه الأوّل.
ولاختصار المسافة ونظرا لضيق الوقت إليكم من هذه الأعلام الخالدة ثلاث نماذج: (1/5)
صفحة 6
المطلب الثاني:
الشيخ أبو عبد الله محمّد بن بكر الفرسطائي النفوسي
(345هـ/956م-440هـ/1049م)
نسبه ونشأته:
هو أبو عبد الله محمّد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي، ولد في مدينة فرسطاء بجبل نفوسة غرب ليبيا، حوالي سنة 345هـ/956م، ترعرع في مسقط رأسه على يد والديه وأرضعاه حبّ العلم والخير.
تعلّمه وشيوخه:
أخذ مبادئ العلم من مشايخ زمانه في مدينة فرسطاء، ثمّ رحل في طلب العلم فأخذ علوم اللغة العربية من مدينة القيروان، ثمّ توسّع في علوم الشريعة على يد الشيخ أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بالجامع الكبير بجربة، وأمّا علم الكلام فقد أخذه عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل في الحامة، لكنّه لم يتمكّن من مواصلة مسيرته في الفقه عند الشيخ أبي عمران موسى بن أبي زكرياء بقصطيلية.
تأسيس الحلقة:
أرسل أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ولديه زكرياء ويونس وابن أخته أبي بكر بن يحي وغيرهم ممّن خرج إلى الشيخ أبي عبد الله محمّد بن بكر فقال لهم:» امضوا إليه فإن وجدتموه فكونوا معه ولو في شغل دنياه «.
وبعد رحلة شاقة من البحث والتقصي عثروا عليه في مسجد المنية بتقيوس وهو يستعد للرحلة إلى الشيخ أبي عمران موسى بن أبي زكرياء بتجديت ليتعلّم عنده الفقه، وألحوا عليه في تأسيس الحلقة والجلوس معهم للتدريس والدعوة بأمر شيخه أبي زكرياء، فأبى لهم ذلك وامتنع، وكانوا يردّدون له ذلك أياما عديدة إلى أن أخذ اليأس يدب إلى نفوسهم، وبينما كانوا معه سمعوا رجلا يودّع صاحبه وهو يقول:» اجعلها لله، فمن جعلها لله فلا تضيع «أو» اجعلها لله لا تخب «فنظروا إليه وهو يبتسم فأعلن لهم عن الموافقة بشرط أن لا يسألوه مدّة أربعة أشهر.
ولمّا أتمّ العدّة الكافية من التنظيم والتخطيط رحل بهم إلى وادي أريغ فجلس للتدريس في غار هنالك أعدّه له أحد أصدقائه من أعيان المنطقة وهو الشيخ أبو القاسم يونس بن وزجون الويليلي سنة 409هـ، ثمّ إلى مدينة تينيسلي في مدينة بليدة اعمر قرب تقرت جنوب شرق الجزائر فرتبهم في مدرسة متنقلة ذات نظام داخلي فسمي هذا النظام ''السيرة المسورية البكرية''. (1/6)
صفحة 7
فقسمه إلى آمر ومأمور:
1 - فالآمر هم العرفاء: عريف أوقات الدراسة، وعريف الأكل، وعريف الختمات والنوم.
2 - والمأمور ثلاثة طبقات: طبقة القرآن، وطبقة فنون العلم، وطبقة العاجزين.
3 - وأمّا الشيخ فهو المدير العام والمعلّم الأوّل للحلقة يضطلع بالمهام التالية:
1) معلم أصحاب الفنون.
2) الإجابة على الفتاوي والأسئلة بعد الختمات والمذاكرة.
3) الاستفتاح لمجلس تلاوة القرآن الكريم في السحر.
4) الإشراف على مجلس الوعظ غداة الاثنين والخميس والجمعة.
5) معاقبة العاصين والمتخلين عن واجبهم من التلاميذ والعرفاء.
6) قبول التلاميذ وطردهم من الحلقة أو اختبارهم.
7) تعيين العرفاء على المهام الأساسية في الحلقة.
8) الحكم بين المتخاصمين من التلاميذ.
وأمّا تفاصيل نظام العرفاء فاطلبه في المطولات مثل كتاب ''الطبقات لأبي العباس الدرجيني''، ج1، ص171. وتتمته ''الجواهر'' لأبي الفضل أبي القاسم بن إبراهيم البرادي، ص207. والدراستين القيّمتين عن ''نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة'' للدكتور فرحات بن علي الجعبيري، و''نظام العزابة ودوره في الحياة الاجتماعية والثقافية بوادي ميزاب'' للأستاذ الشيخ صالح بن عمر سماوي.
رحلاته:
لقد حمل الشيخ تلاميذه على الرحلة في سبيل الدعوة إلى الله والنشاط الميداني للاحتكاك بالنّاس والصبر عليهم والتعرّف عليهم فكان ينظم رحلة في كلّ فصل إلى إحدى جهات المغرب، مثل وارجلان، وادي أريغ، وواي ميزاب، وطرابلس، والقيروان، وجربة وغيرها من المناطق الآهلة بالإسلام آنذاك فينضمّ إليه أعضاء جدد ويجيب عن الأسئلة الشرعية للنّاس ويعقد مجالس للنساء بعد حلقات الرجال حتّى عرف بـ''سيدي امحمد السايح'' لكثرة سياحته وعدم استقراره في موضع واحد.
منجزاته:
1 - إنشاء نظام التعليم في مرحلة الكتمان للإباضية. (1/7)
صفحة 8
2 - بناء مسجد في مدينة فرسطاء.
3 - إطفاء فتنة الفرقة السكاكية من أبد الله السكاكي بوغلانة.
4 - إصلاح قبيلة بني ورماز بأريغ.
5 - إقناع سكان جبال بني مصعب وتحويلهم من المذهب المعتزلي إلى المذهب الإباضي، ولا يزال مقامه الذي يعقد فيه حلقاته معروفا في شرق مدخل مدينة العطف إلى اليوم أمام ثانوية أبي عبد الله.
عائلته ومصدر رزقه:
لم يمنعه هذا النشاط الدؤوب من الزواج وتربية الأولاد، فقد تزوّج عائشة من بني ينجاسن والتي أنجبت له: أحمد، ويوسف، وإبراهيم، واشتهر منهم ابنه أحمد لما ترك من مؤلفات، وكان يعتمد على نفسه في كسب القوت الحلال فنجد له ضيعة للنخيل وقطيع للغنم يرعاه أجير قوي أمين.
تلاميذه:
لقد بلغت حلقة العلم حوله ثلاثمائة تلميذ، وقد برز منهم ابنه العلامة أحمد، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، والشيخ بابا السعد الغرداوي، والشيخ إبراهيم بن مناد الزناتي العطفي.
تآليفه:
لم يترك هذا العالم الجليل تآليف من إنجاز قلمه بل إنّ أعماله وحكمه وتنظيماته وآراءه رواها عنه تلاميذه في كتبهم مثل كتب ابنه أحمد، وكتب تلميذه الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، مثل في كتاب ''السِّيَر''، وكتاب ''التحف المخزونة''.
وقد حاولت جمع مختلف ما نسب إليه من الكلام في مخطوط ما يزال لم ير النور.
أقواله وفتاويه:
نذكر مثلا لبعض أقواله:
1)» الجماعة كالخشبة، ومَثَل من يستغني برأيه كالوتد الذي يضرب في الخشبة، فتفريق الجماعة إنّما يكون بسببه «الطبقات، ج2،ص389.
2)» قطيعة الرحم كقطع عضو من الجسد لا يخاط ولا يربط ولا يناط «الطبقات، ج2، ص386.
3) سأله رجل من بني مصعب فقال له: يا شيخ، أيّ شيء من الغنم أعطي لصدقة مالي؟ فقال له الشيخ: ما تقول فيمن أعطاك أربعين شاة ثمّ بعد ذلك سألك أن تعطيه شاة واحدة، أيّها تعطي؟ قال الرجل: أحسنها، فقال له الشيخ: إنّ الله هو الذي أعطاك أربعين شاة فأخرج للصدقة أحسنها «. الوارجلاني، السيرة، ص175. (1/8)
صفحة 9
4)» يا عبد الله من احتيج لكلامه فتكلّم فقد ابتلي ببلية، ومن لم يحتج إلى كلامه وتكلّم فقد ابتلي ببليتين «
5) وصّى أحد تلاميذه قائلا:» اذهب إلى منزلك وأهلك فإن وجدت من تقدّمه في الأمور فتكتفي به فاتبعه، وإن لم تجده ووجدت من تتعاون معه فتعاونوا على البرّ والتقوى، وإن لم تجده ووجدت من يقتدي بك في الخير فكن إماما، وإن لم تجد من هؤلاء أحدًا فالزم الطريق وحدك وجانب النّاس «الطبقات، ج2، ص387.
صفاته الخُلُقية:
عالم، عابد، سخي، شجاع، متواضع، غيور، ويمتاز أيضا بالذكاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحقّ والعدل والنزاهة والإحسان والإيثار وبالاهتمام بأمور المسلمين.
وفاته:
توفي هذا العالم سنة 440هـ/1049م ودفن أمام الغار الذي أنشأ فيه الحلقة في تينيسلي بليدة اعمر قرب تقرت، جنوب شرق الجزائر. رحمه الله وأرضاه، وجعل الجنّة مثواه.
بصماته في المجتمع الميزابي:
من خلال ما تمّ عرضه من نشاط هذا العالم الجليل يظهر لنا البعد الحضاري للآثار التي تركها هذا المفكر في المجتمع الميزابي:
1 - تنظيم رسالة التربية والتعليم التي ما تزال تأخذ أشكالا مختلفة في المجتمع الإباضي بشمال إفريقيا من مدرسة ومحضرة ومعهد وحلقة إروان خاصّة، وأمّا حلقة العزابة في شكلها الحالي الذي يعوّض إمامة الظهور في الكتمان فقد طوّره الشيخ أبو عمار عبد الكافي بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني (توفي قبل 570هـ).
2 - تنظيم البعثات العلمية في مقرّها الدائم وسير الإشراف عليها.
3 - تنظيم الهيئة النسوية في حلقات خاصّة للتعليم والوعظ.
4 - إقرار نظام العشائر وتفعيله في التواصل والتعارف والتعاون.
5 - السعي في إصلاح ذات البين وإطفاء الفتن الداخلية بالعدل والهجران. (1/9)
صفحة 10
المطلب الثالث:
الشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي
(ت 971هـ/ 1564م)
مولده ونسبه:
هو أبو مهدي عيسى بن إسماعيل بن موسى نزيل مليكة، أصله من أعراب أولاد نايل بمدينة جلفة شمال وسط الجزائر.
نشأته وتعلّمه:
نشأ في مسقط رأسه على المذهب المالكي وقد أخذه من مشايخ كثيرين، حتّى أصبح عالما كبيرا من علماء المالكية.
رحلته إلى وادي ميزاب:
وفي إحدى رحلاته التي كان يجوب بها المناطق الجزائرية توجّه الشيخ أبو مهدي عيسى بن إسماعيل إلى وادي ميزاب فنزل بمدينة مليكة العليا فلمّا شاهد عمارة المساجد حضر حلقات العلم واستمع إلى العقيدة الإباضية فاقتنع بها فأعلن اعتناقه للمذهب الإباضي، ولمّا عرف مشايخه بذلك عاتبوه في رسائل كثيرة وردّ عليهم بالحكمة والموعظة الحسنة شعرا ونثرا.
أخذ مبادئ المذهب الإباضي عن الشيخ عمّي سعيد بن علي الجربي رحمه الله وتفقّه فيه إلى أن صار علما من أعلام مليكة العليا بل عالما ربانيا من علماء وادي ميزاب.
نشاطه الاجتماعي والعلمي:
1) بعد أن ملأ وطابه بالعلم اشتغل بالتدريس في مسجد مليكة فأصبحت تشدّ إليه الرحال، فأخذ العلم من حلقته الشيخ محمّد بن زكرياء الباروني، والشيخ أبو محمّد بن عبد العزيز اليزقني، والشيخ أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي، وحيو بن دودو، والشيخ عمّي سعيد بن علي الجربي وغيرهم.
2) الاضطلاع بمهمّة الفتوى والوعظ والإرشاد في المنطقة.
3) الدفاع عن المذهب الإباضي بالردود العلمية المكتوبة، وعقد مجالس للمناظرات الفكرية.
4) ممّن جاز نسب الدين على يده لأنّه شيخ عام لوادي ميزاب.
أخلاقه:
الذكاء، الورع، الإخلاص، الغيرة، العدل، الدفاع عن الحقّ وأهله، الحب في الله والبغض في الله.
مواقفه: (1/10)
صفحة 11
1) الدفاع عن العقيدة الإباضية بإخلاص شديد في مجالسه العلمية.
2) السعي الحثيث لإخماد الفتن الداخلية بوادي ميزاب، وإصلاح ذات البين.
3) الحزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلان المقاطعة العملية للباطل كلّما سطعت براهينه، فقد أغلق باب منزله مدّة اثنتي عشرة سنة عندما أهينت إحدى العشائر الوافدة بالمنطقة.
4) الاهتمام بأمور المسلمين في جميع المناطق الإسلامية، القريبة والبعيدة فقد وصلت أجوبته إلى عمان ووارجلان.
تآليفه:
1) الردّ على الشيخ أبي علي بن الشيخ أبي الحسن علي البهلولي.
2) رسالة في الدفاع عن زميله الشيخ أبي محمّد عبد الله المرزوقي الذي اختار المذهب الإباضي مثله.
3) رسالة إلى أهل وارجلان.
4) جواب في قضية خلق القرآن.
5) جواب لأهل عمان في الأصول والفروع.
6) رسالة في معنى التوحيد.
7) رسالة في إعراب كلمة الشهادة.
8) نظم موازين القسط للوارجلاني.
9) قصيدة هدية الإخوان وصية معشر الشبان.
10) قصيدة في المواعظ والأدب والنصائح والزهد.
وفاته:
توفي هذا العالم الجليل سنة 971هـ/1564م في مليكة العليا، ودفن في المقبرة التي تنسب إليه بشرق البلدة فاختيرت روضته مقرا لمجلس علماء وادي ميزاب، رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنّة مثواه.
من نثره وشعره:
في ردّه على الشيخ البهلولي يقول:
» ... ونحن والحمد لله على الدين الحنفي، دين الإسلام، المبعوث به النبي سيّد الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السّلام، نحن الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، الضعيف عندنا قوي (1/11)
صفحة 12
حتّى يأخذ حقّه، والقويّ ضعيف ذليل حتّى يؤخذ منه الحقّ، والكبير والصغير والقريب والبعيد عندنا في الحقّ سواء، أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين، لا نخاف في الله لومة لائم، والبار التقي كريم عندنا، والعاصي والأبي هيّن لدينا، والربا والريبة والرائب لا يحوم من ذلك شيء في ساحتنا، مساجدنا عامرة بأنواع ذكر الله تعالى من دراسة العلم والقرآن والختمات، ومحاضرنا مرتبة دائما ليلا ونهارا ... «.
ومن قصيدته المشهورة ''وصية الشبان'' قوله:
واختر من الأصحاب كل مهتد ... إنّ القرين بالقرين مقتد
وصحبة الأخيار للقلب دوا ... تزيد في المرء نشاطا وقوى
وصحبة الأشرار للقلب دءا ... تزيد في المرء ضلالا وغوى
بصماته في وادي ميزاب
1) الانتصار لعقيدة أهل الحقّ والاستقامة والدفاع عنها.
2) إصلاح ذات البين وإطفاء الفتن الداخلية.
3) التواصل بين الشرق والغرب الإسلامي بالكلمة الطيّبة والفتاوى الصحيحة. (1/12)
صفحة 13
المطلب الرابع:
الشيخ إبراهيم بن بكير حفار
(1308/ 1890 – 1373/ 1954)
مولده ونشأته:
ولد في القرارة بميزاب عام 1308/ 1890 تربّى في أحضان أبيه، المحب للعلم والعلماء، وقد فقد إحدى عينيه، وفي عمره 6 سنوات.
تعلمه ومشايخه:
وفي عام 1314هـ /1896م أدخله أبوه معهد الحاج عمر بن يحي، فحفظ القرآن واستظهره في عام 1324/ 1905،
وفي شوال من السنة الموالية أرسله شيخه إلى معهد القطب الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش ببني يسجن، رفقة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، فمكث فيه خمسة أعوام، وقد خصّه القطب بدرس في غير الوقت العام للطلبة، لنبوغه وإلحاحه.
ومن مشايخه بميزاب أيضا: إسماعيل بن إبراهيم زرقون، وعبد الرحمان بن عمر نوح.
وعندما انتقل إلى تونس لمداواة بصره في عام 1330هـ/1912م، اغتنم الفرصة وأخذ علوم الميراث عن الشيخ محمد النورقي في جامع الزيتونة، وختم القرآن الكريم عنده على القراءات السبع، وعلوم أخرى في الشريعة عن الشيخ محمد البنزرتي، ومحمد بن يوسف، ومحمد الحبيب، وغيرهم.
التعليم والتوجيه:
وبرجوعه من تونس -كفيفا- إلى مسقط رأسه القرارة سنة 1334هـ/1915م، أنشأ مدرسة لتعليم القرآن وعلومه، فقصدها الطلبة من جميع قرى ميزاب، دامت خمسة أعوام ثمّ أغلقت.
وفي سنة 1339هـ/1920م تولّى إدارة المدرسة القرآنية التي أنشئت بمدينة غرداية، ولمّا أغلقها الاستعمار الفرنسي سنة 1340هـ/1922م رجع إلى القرارة، وبعدها قصد بني يزقن في 1343هـ/1925م للتعليم في مدرسة السيّد عبد الله بوكامل، وفي سنة 1359هـ/1941م ساهم في إنشاء المعهد الجابري إذ كان قطب رحاه، فهو المدرّس الأساسي تحت رعاية الشيخ الحاج محمد ابن يوسف ببانو، وواصل العمل فيه إلى أن التحق بالرفيق الأعلى. وقد قام بتدريس جميع علوم القرآن من قواعد اللغة العربية وعلوم القراءات والتجويد وكذا علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصوله.
تلاميذه: (1/13)
صفحة 14
أخذ عنه من الطلبة خلق كثير من جميع قرى مزاب وكذا العامّة في دروس الوعظ والإرشاد، وقد استقامت الألسن وتحسّن أداء القرآن خاصّة وإنّ الشيخ قد عرف بالصرامة في تقويم اللحن والالتزام بالقواعد.
من تلاميذ الشيخ رحمه الله في القرارة: الشيخ إبراهيم بن بنوح متياز، والشيخ بن يوسف سليمان ابن داود والشيخ مطهري الحاج محمد بن سليمان، والشيخ هيبة الحاج إبراهيم بن الحاج عيسى.
أمّا في بني يزقن في مرحلته الأولى فمن أبرزهم الشيخ الحاج محمد بن الحاج يوسف، والشيخ عبد الرحمن الحاج عمر بن الحاج يوسف، والشيخ أبي معقل الحاج عمر بن داود، والشيخ نوح مفنون الحاج محمد بن بنوح، والشيخ الحاج أحمد بن موسى.
وفي المعهد الجابري: فهناك من سبق أن تتلمذ له قبل فواصل دراسته، وفي مقدّمتهم الشيخ الحاج محمد بن الحاج يوسف ببانو، والشيخ عبد الرحمن الحاج عمر، والشيخ نوح مفنون الحاج محمد.
أمّا التلاميذ الجدد في الجابرية فقد كانت الطبقات متتالية، وكانوا من جميع قرى ميزاب ومن أبرزهم:
في بني يزقن: الشيخ ببانو الحاج محمد بن صالح، والشيخ الحاج إبراهيم بن محمد طلاي، والشيخ أبصير الحاج محمد بن عمر، والشيخ كنطابلي عبد الله بن محمد، والشيخ صدقي الحاج محمد بن أيوب.
وفي بنورة: الشيخ قشار بالحاج بن عدون، وبافلح أيوب بن باحمد، ودودو الحاج عيسى بن إبراهيم.
ومن مليكة: الشيخ أبو القاسم عبد الحميد بن باحمد، وباعامر منصور بن محمد، وباعامر مسعود ابن محمد، ويوسفي بكير ومحمد ابني قاسم.
ومن غرداية: اشقبقب الحاج حمو بن بكير.
ومن وارجلان: أبو معقل الحاج عمر بن داود.
ومن القرارة: الأستاذ ابن عمر الحاج سليمان بن الحاج عمر، وابن صالح داود بن الحاج أحمد، وابن صالح سعيد بن بكير.
ومن بريان: الداغور الحاج إبراهيم بن صالح.
ومعظم هؤلاء كانوا أسس النهضة العلمية في مراكزهم خاصّة في المساجد الموجودة في هذه القرى، ومدارسها العريقة.
يذكر أنّ زوجته عائشة بنت بالحاج لهزيل أخذت عنه قسطا ليس بالهيّن من العلم فحفظت (1/14)
صفحة 15
القرآن الكريم وكانت من العالمات الصالحات.
رحلاته في الدعوة:
ألقى دروسا في الوعظ والإرشاد بجامع بكار ببسكرة، وبنادي الترقي بالجزائر العاصمة بإيعاز من صديقه الشيخ الطيّب العقبي في مناسبات متعدّدة.
كما كانت له دروس في مساجد وارجلان وبريان وبنورة في رحلات كان يقوم بها تكاد تكون دورية.
نشاطه في المعهد الجابري:
كانت للشيخ إبراهيم في المعهد الجابري ثلاث حصص يومية:
1 - من 9 صباحا إلى 11 صباحا دروس في الفقه والأصول.
2 - بعد صلاة العصر دروس في النحو والبلاغة والعروض والمنطق.
3 - بعد صلاة العشاء دروس في التفسير والحديث.
4 - وأمّا يوم الأربعاء من كلّ أسبوع فكان يخصّصه لدروس الأخلاق.
مؤلفاته:
له مؤلفات وفتاوى مخطوطة منها:
- رسالة مطولة في شروط المفسر،
- كتاب السلاسل الذهبية بالشمائل الطفيشية في ترجمة شيخه قطب الأئمة،
- شرح المخمسة وتحريض الطلبة لأبي نصر فتح بن نوح الملوشائي،
- منظومة الحيض والنفاس،
- منظومة الصوم،
- شرح عقيدة الشيخ الجيطالي.
وقد وضع مع أبي اليقظان إبراهيم عدّة حواش على كتب منها:
- حاشية على كتاب الديانات (مخطوط)،
- حاشية على كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي (مخطوط)،
- حاشية على الدرر اللوامع في التجويد (مخطوط)،
- حاشية على التكميل بما أخلّ به كتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني (مخطوط).
وفاته: (1/15)
صفحة 16
بعد هذا الجهاد العلمي المبارك أدركته المنية في بني يزقن يوم 17 ذي القعدة 1373هـ/18 جويلية 1954م، ودفن ببني يزقن، رحمه الله وأرضاه وجعل الجنّة مثواه.
نماذج من نثره وشعره:
قال وهو يصف شيخه القطب اطفيش في كتاب ''السلاسل الذهبية بالشمائل الطفيشية'' ص39:
» ويقال علماء العصر ثلاثة: الشيخ اطفيش بالأقطار الجزائرية، والشيخ محمد عبده بالأقطار المصرية، والشيخ جمال الدين الأفغاني أو الفراتي بالأقطار الحجازية.
وفي درجة العشرين أو فيما ينوف عنها بقليل تصدّى للفتوى، وفيها صعد إلى منصب مجتهد الفتوى، وفي الثلاثين تقريبا جلس على عرش مجتهد المذهب، وفي الخمس والستين أو السبعين تقريبا ارتقى لمنبر المجتهد المطلق، وأقرّ له به بعض الفضلاء الأعلام ولو لم يشتهر به عند الخاصّ والعام «.
وفي رسالة مخطوطة وجّهها إلى الجماعة الإباضية بمدينة بسكرة ينصحهم الشيخ قائلا:
» يا جماعة الخير ببسكرة، كونوا على قلب رجل واحد محسنين لمحسنكم وإن بعد، ومنكرين عن عاصيكم ومسيئكم وإن كان قريبا أو ولدا، واتركوا عنكم نحن وأنتم فإنّه الداء العضال الذي أعيا الأطباء علاجه، وما دخل هذا الداء أمّة إلاّ فرّقها وشتّتها وأمرضها مرضا لا تعود معه الأعضاء إلى برئها «.
ومن شعره نذكر مثالا قوله في بداية منظومة الصوم:
أهلا وسهلا بالكريم النازل ... ومرحبا بزينة المنازل
خير الشهور عصمة الدهور ... كنز الخيور سيّد العصور
فاق الشهور رحمة وفتحا ... ساد الدهور رفعة ومنحا
أعظم ما امتن به القهار ... لأمّة نبيئها المختار
أكرم به من رمضان إذ نزل ... به القرآن وبه الفوز الجلل
بصماته في المجتمع الميزابي:
1 - تقويم اللسان العربي، وتصحيح الأخطاء الشائعة في القراءة والتلاوة.
2 - تجويد القرآن الكريم وتحسين أدائه للمجالس العامّة والخاصّة. (1/16)
صفحة 17
3 - وضع حواش وتحقيقات مهمّة لكتب العقيدة والتدريس.
4 - تكوين رجال أكفاء في التدريس والتحقيق.
5 - الإجابة على أسئلة المستفتين بتحقيق علمي رصين.
6 - الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
7 - استنهاض الهمم الفعالة في المجتمع الجزائري.
خاتمة:
وبعد عرض هذه النماذج يتبيّن لكم –سادتي الأعزاء- أنّ المجتمع الميزابي قد تضافرت عوامل موضوعية من داخله وخارجه في مختلف الفترات لإصلاح أوضاعه الداخلية وتنظيم مؤسساته العامرة وتحصين عقيدة الخلَف فيه، منها: تحرّك العلماء إليه من خارجه أو من داخله للقيام بعملية التدريس والتوجيه والإرشاد والإصلاح والتحرير إيمانا منهم بأنّ العلم والعلماء هو الحلّ الأمثل والدواء الأنجع لكثير من معضلات الدين والسياسة والاجتماع في كلّ زمان ومكان.
ولا تفوتني الفرصة أن أوّجه اهتمام الباحثين والدارسين والمحقّقين الأكاديميين منهم والأحرار وأدعوهم بإلحاح إلى:
1) تسجيل تاريخنا ولو اعتمادا على الرواية الشفوية من الحفّاظ والذاكرة الشعبية حتّى ننقد كثيرا ممّا ضاع من تاريخنا.
2) إقامة ملتقى علمي لجمع شهادات العلماء على حياة الشيخ إبراهيم بن بكير حفار رحمه الله مادام أكثر تلاميذه أحياء.
3) المطلوب من أصحاب خزائن المخطوطات الخاصّة أن يتقرّبوا إلى المكتبات العامّة وجمعيات التراث في المنطقة لتصوير مخطوطاتهم ووثائقهم لتكون ملكا للأمّة ليسهل على الباحثين الرجوع إليها والاهتداء إليها.
ومثال ذلك أعلمكم أيّها الإخوة الأعزاء مثلا أن:
- قسم التراث بمؤسسة الشيخ عمي سعيد يقوم بجمع أجوبة العلماء إعدادا لموسوعة أجوبة المشايخ وهي الآن تشرع في رقن أجوبة القطب اطفيش، فكلّ من يملك نسخة من جواب للقطب اطفيش في أرشيف والده له أو لغيره فليتحفنا به لاقتناء نسخة منه ثمّ إرجاعه إليه.
- وأمّا جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث فهي في نشاط دءوب (1/17)
صفحة 18
لإصدار معجم تآليف علماء الإباضية فالمطلوب من كلّ من يملك فهرسة مخطوطات قديمة أو كتابا من تأليف والده مثلا أو غيره مخطوطا غير معروف أن يتحف به الجمعية للتصوير والإرجاع. {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف].
{رَبَّنَا لاَ تُوَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوَ اَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمِلْتَهُ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الكَافِرِينَ}، [البقرة] –آمين- والحمد لله ربّ العالمين، والسّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
بقلم الأستاذ: الحاج أحمد بن حمو كروم
دار إروان العطف يوم الثلاثاء: 08 شوال 1427هـ
31 أكتوبر 2006م (1/18)
صفحة 19
المراجع المعتمدة
1. الحاج سعيد يوسف بن بكير: تاريخ بني مزاب، ط2، المطبعة العربية، غرداية، 1427/ 2006.
2. الشيخ صالح بن عمر لعلي، والشيخ إبراهيم بن أبي بكر حفار: مجموعة متون دينية، ط1، المطابع العربية، دار الفكر الإسلامي، 1383هـ/1966م.
3. كتاب القصائد في النصائح والمواعظ، ط1، المطبعة البارونية، مصر، 1305.
4. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الردّ على البهلولي، ط1، المطبعة العلمية الحجرية، تونس، 1321/ 1902.
5. جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، ط1، المطبعة العربية، غرداية، 1420/ 1999.
6. أحمد بن سعيد الشماخي: كتاب السير، ط1، المطبعة البارونية، مصر، د. ت.
7. فرحات بن علي الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، المطبعة العربية، غرداية، 1408/ 1987.
8. علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج4، الإباضية في الجزائر، ط1، مطبعة الدعوة الإسلامية، القاهرة، نشر مكتبة وهبة، 1399/ 1979م.
9. حمو بن عمر فخار: الشيخ باباتامر إبراهيم بن بابه بوعروة، ط1، المطبعة العربية، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1424/ 2004.
10. يحي بن أبي بكر أبو زكرياء: كتاب سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق وتعليق إسماعيل العربي، ط1، مطبعة أحمد زبانة، نشر المكتبة الوطنية، 1399/ 1979.
11. حمو محمد عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية، ج1، ط1، دار الكروان، باريس، 1404/ 1984.
12. أحمد بن سعيد الدرجيني: كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1394/ 1974.
13. مجهول، ذكر مقامات الصالحين بميزاب، (مخطوط).
14. إبراهيم بن بكير حفار: رسالة السلاسل الذهبية بالشمائل الطفيشية (مخطوط).
15. مجهول، مجموع تواريخ واتفاقات، مرقون عام 2000م.
16. فرحات بن علي الجعبيري: نظام العزابة الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، تونس، 1395/ 1975.
17. أبو القاسم بن إبراهيم البرادي: الجواهر المنقاة فيما أخل به كتاب الطبقات، المطبعة البارونية، مصر، 1302.
18. صالح بن عمر سماوي: نظام العزابة الوهبية بوادي ميزاب، مرقون تحت الطبع.
19. صالح بن عمر سماوي: مؤسس الحلقة الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر، محاضرة في الأيام الدينية الرابعة بالعالية: 29، 30 جوان 1989، برعاية جمعية الاستقامة.
20. بشير بن موسى الحاج موسى: حياة وآثار الشيخ سعيد بن علي الجربي، بحث مرقون تحت الطبع، تحرير 1998. (1/19)