صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علميات - حضارة - تاريخ وتراجم
------------------------------------------
العنوان: العمانيون والعلوم التجريبية الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية
المؤلف: صالح بن محمد بن سليمان السيابي
تقديم: عمر لقمان سليمان - نبهان بن حارث الحراصي
الناشر: رؤى - مكتبة السيدة فاطمة الزهراء
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1439ه/ 2018م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6548&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/388
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 20 محرم 1447ه/ 16 - شهر 07 - 2025م. العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية
صالح بن محمد بن سليمان السيابي
تقديم
د. عمر لقمان سليمان
رئيس مشروع المخطوطات العمانية والمغاربية بجامعة نزوى
د نبهان بن حارث الحراصي
أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس
رؤى
مكتبة السيدة فاطمة الزهراء (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة ومسجلة
الطبعة 1439 ه
الأولى 2018 م
مكتبة السيدة فاطمة الزهراء
هاتف: 92908620
92988061
25434506
تنفيذ طباعي
دار القارئ ـ ئ للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف: 03/ 413256 - بيروت لبنان
dar.alkari 2012@gmail.com
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية) صالح بن محمد بن سليمان السيابي (1/2)
صفحة 3
صالح بن محمد بن سليمان السيابي
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
تقديم
د. عمر لقمان سليمان رئيس مشروع المخطوطات العمانية والمغاربية بجامعة نزوى
د. نبهان بن حارث الحرام
أستاذ مساعد
بجامعة السلطان قابوس (1/3)
صفحة 4
اللهم (1/4)
صفحة 5
الفهرس
الصفحة
المحتويات
تقديم د عمر لقمان سليمان
تقديم د. نبهان بن حارث الحراصي
مقدمة.
الفصل الأول: الإسلام والعلوم التجريبية ..
المبحث الأول: الإسلام والعلم.
المبحث الثاني: الإسلام والعلوم التجريبية.
المطلب الأول: نظرة الإسلام إلى العلوم التجريبية ..
المطلب الثاني: أثر الإسلام في العلوم التجريبية.
المبحث الثالث: مساهمة المسلمين في الحضارة الإنسانية الحديثة ............ 43
المطلب الأول المنهج التجريبي.
المطلب الثاني: العمل النوعي.
1 - الطب.
2 - الهندسة ..
3 - الفلك. (1/5)
صفحة 6
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
4 - الملاحة البحرية.
ه - الرياضيات.
6 - الفيزياء .......
الكيمياء ..
الأحياء ....
الفصل الثاني: العُمانيون والعلوم التجريبية.
المبحث الأول: السمات العامة.
المطلب الأول: التبادل العلمي.
المطلب الثاني: الأدب والرسومات.
المطلب الثالث: علماء الشرع والعلوم التجريبية.
المطلب الرابع: المرأة العُمانية والعلوم التجريبية.
المطلب الخامس: مدارس العلوم التجريبية المبحث الثاني: العُمانيون والطب.
المطلب الأول: أول معجم لغوي طبي في التاريخ.
تفوق أبي محمد العلمي.
المطلب الثاني: أسرة آل هاشم الرستاقيين.
الطبيبان الأخوان راشد بن خلف وثاني بن خلف (1/6)
صفحة 7
الطبيب علي بن مبارك.
الطبيب راشد بن عُميرة
المطلب الثالث: الطبيبان بشير الفزاري وعلي العقري ......................
المطلب الرابع: أطباء ومصنفات أخرى.
المبحث الثالث: العُمانيون والهندسة.
المطلب الأول: هندسة الأفلاج
أنواع الأفلاج.
مراحل إنشاء الفلج.
مخطوط في هندسة الأفلاج.
المطلب الثاني: هندسة القلاع والحصون.
قلعة نزوى.
حصن جبرين.
حصن الحزم.
المبحث الرابع: العُمانيون والفلك
المطلب الأول: تنوع مجالات استخدام الفلك
المطلب الثاني: استخدام الفلك في تقسيم مياه الأفلاج.
المطلب الثالث: بعض تصنيفات الفلكيين العُمانيين. (1/7)
صفحة 8
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
المبحث الخامس: العُمانيون والملاحة البحرية.
المطلب الأول: البحارة العُمانيون في المصادر غير العُمانية.
المطلب الثاني: تفوق العُمانيين وخدمة العالم.
المطلب الثالث: بعض المصنفات البحرية.
الخاتمة.
التوصيات.
الملحق: شخصيات عُمانية أخرى ساهمت في العلوم التجريبية.
قصيدة مآثر خالدة د. محمد بن سالم الحارثي.
المراجع. (1/8)
صفحة 9
ماله الرحمن الرحيم
تقديم
الدكتور عمر لقمان سليمان
رئيس مشروع المخطوطات العُمانية والمغاربية بجامعة نزوى
لقد كان في السابق، إذا ذُكرت الحياة الفكرية بعمان، انصرف الذهن إلى طول باعها في الشعر وإلى شعرائها الفطاحل، وإلى كثرة تصانيفها في الفقه، وفقهائها وعلمائها الأجلاء. ورغم بروز بعض الدراسات الحضارية الجادة فإن السمة الغالبة لا تزال تنحو ذلك النحو. وقد يُغمط حق المهندس العُماني الملهم في شق الأفلاج بأن يُنسب جهده وعبقريته في الأفلاج إلى مشاركة العفاريت من الجن؛ فتبهت بذلك عبقرية الأجداد. وإذا ذكرت الرحلات البحرية، اقتصرت على شرق أفريقيا أو شرق آسيا، والأمر في نظري أبعد من ذلك، إذ توصلت الاكتشافات الحديثة بأن العُمانيين وصلوا إلى أعماق كلورادوا بأمريكا منذ آلاف السنين بالحجة والدليل. والسؤال المطروح: كيف تكشف هذه الحقائق إذا لم نعط لكل الجوانب الحضارية
حقها؟
لقد أثلجت دراسة الباحث صالح السيابي صدري، إذ فتحت الشهية لي وللباحثين ببذل الجهد أكثر لإبراز الحضارة الاسلامية - العُمانية، والتي (1/9)
صفحة 10
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ستظهر الحقائق المغمورة. وما قدمه الباحث مشكورا يعد عملا ناجحا الى أبعد حد. وإعادة الاعتبار للجانب العلمي لا ينقص من افتخار عُمان بفقهها، بل هو ما يؤكد أن للعلماء الموسوعيين مصداقية، إذ تخصصوا في الطب والفقه على السواء.
وأختم ملاحظتي بأن ما قام به الباحث من جهد يعد محفّزا على مواصلة الجهد في هذا الجانب دون الاستنقاص من الجهد الذي يعد فرضا وواجبا في الجانب الشرعي. وهذا البحث في النهاية يعد إضافة لبنة في الصرح
العُماني وليس تكرارا واجترارا لما سبق. والله الموفق للصواب. (1/10)
صفحة 11
تتوافق مع
تقديم
الدكتور نبهان بن حارث الحراصي
أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس
تميز العُماني خلال حقب التاريخ المختلفة بقدرة عالية على الاتصال والتواصل مع حضارات وشعوب من مختلف بقاع الأرض، الأمر الذي أسهم في التبادل الحضاري والفكري وبناء نظم سياسية وتشريعية المتطلبات المحلية والمتغيرات الدولية، كما صاحب الاتصال الحضاري اتصالاً علميا قائما على مبدأ التشارك المعرفي، وتناقل المعرفة، والتباحث فيها. وقد اتبع العُمانيون لتحقيق هذا التواصل العلمي الدول الإسلامية الرحلات العلمية المستمرة وأغلبها عبر البحر، أو عن طريق المراسلات الورقية.
مع
لقد كان شغف الاستكشاف والترحال حاضرا لدى العُماني خلال مختلف العصور، وهي ميزة وسلوك مارسه العُماني لأغراض عدة كالتجارة، والبحث عن الموارد والدعوة إلى الإسلام، والتعليم، وغيرها من الدوافع والأسباب التي ارتحل العُمانيون وتغربوا من أجلها. وأسهمت في فهم المتغيرات العالمية، وتوسع أفق التفكير، وتطوير نظم الحكم والإدارة، وفهم عادات الشعوب، وتقاليدها والانسجام معها، وظهور صفة التسامح النابعة من فهم الآخر المختلف، وتطوير نظام متكامل من المصالح المتبادلة. يضاف إلى ما سبق، الحاجة الماسة إلى تطوير وسائل وأجهزة تساعد على المسير والترحال، وتطوير نظام التعاملات المالية،
ووسائل الزراعة، وعلى فهم الكون بشكل عام. (1/11)
صفحة 12
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
إن الشواهد على تميز العُمانيين علميا كثيرة، أغلبها ما زال حاضراً ومشاهدا، فالأفلاج الكثيرة المنتشرة في كل بقاع عُمان تثبت علميا اشتغال العُمانيين بالهندسة على نطاق واسع. فالقنوات المائية، وطريقة استخراج الماء من أعماق الأرض دون وجود تقانات وأجهزة، أو طريقة توزيع الماء بعد ذلك عن طريق الشمس والنجوم، كلها ترتكز على قواعد علمية متقنة. والأمر لا يقتصر على هندسة الأفلاج، فالعمران مثال آخر، والشواهد كثيرة، فنظام الحارات العُمانية القديمة، والقلاع، والحصون، كلها تثبت بأن العُماني أجاد التخطيط والهندسة، والتناغم مع البيئة، واستخلاص مواد طبيعية سخرها لخدمته، ولبناء المدن والتعمير
المراجع العلمية، على قلتها تثبت أيضا بأن العُمانيين المشتغلين بالعلوم التجريبية استخدموا المنهج العلمي الرصين للوصول إلى الحقائق. وكانوا يجيدونها، ويملكون التقنيات اللازمة لتطبيقها والخروج بنتائج. ومن الأمثلة على هذه الممارسات ما ورد عن تشريح العين واتصالها بالدماغ للطبيب راشد بن عميرة. وهذا مثال حي على أن ممارسة الطب لا تعتمد على الخبرة وتوارث المهنة فقط، بل قائمة على التحليل والتقصي وإجراء التجارب ومن الأمثلة الأخرى ما ورد من أرقام ورسومات في كتاب ناصر بن علي الخضوري بعنوان معدن الأسرار في علم البحار». وهذا الكتاب يثبت العمل الميداني الكبير الذي تطلبه معرفة نسب الطول والعرض، وتحديد المسافات وأماكن البلدان. يسعى مؤلف هذا الكتاب الأستاذ صالح بن محمد السيابي إلى تجميع أكبر قدر ممكن من المادة العلمية عن مساهمة العُمانيين في العلوم (1/12)
صفحة 13
13
التجريبية، وأبرز أعلام عُمان ممن اشتغلوا وساهموا في هذه العلوم. والاشتغال بالبحث والتحري في هذا الموضوع أمر شاق لسببين: أولهما إن المتوفر من النتاج الفكري المتعلق بالعلوم التجريبية قليل جداً إذا ما قورن بالعلوم الدينية، والإنسانية، والأدب. ويكمن السبب الآخر في الإنسان العُماني رغم اشتغاله الدائم بالعلوم التجريبية إلا أن تعامله معها بقي في أغلبه معرفة ضمنية. أي تناقل المعرفة من جيل إلى آخر، أو من
أن
الأب للابن، دون اللجوء للتدوين والكتابة. وعليه، فإن المؤلف تعامل المتوفر من المراجع في هذا المجال، كما أنه اجتهد خلال ثلاث السنوات الماضية في الالتقاء ببعض المهتمين بالمجال، وحضور المناسبات العلمية كالندوات والمؤتمرات ومراجعة بعض المواد الفلمية وتحليلها، التي أثرت جميعها البحث، وأسهمت في الخروج برؤية متكاملة حول
الموضوع.
كتاب العُمانيون والعلوم التجريبية يعد الآن أكبر جهد متكامل في هذا الموضوع، والمرجع الأبرز في المجال، كما أنه يسهم بالتعريف بكم كبير جداً من المراجع المتخصصة في المجال، ستكون لاحقا زاداً لطلبة العلم. يحتوي الكتاب أيضا على مجموعة من الرسومات التوضيحية، والصور التي تتناغم مع النص وتكسبه واقعية أكبر. لا يسعني في النهاية إلا أن أتقدم لمؤلف الكتاب بالشكر والثناء على هذا الجهد الكبير، والمثابرة في إكمال هذا العمل الذي مر بمراحل متعددة، والبحث عن أكبر عدد ممكن من المراجع ذات العلاقة، ليقدم لنا في النهاية عملا بحثيا أصيلا ومتميزا، يقدم الإضافة المأمولة للمكتبة العربية، ويفتح
مدارك الباحثين لمزيد من البحث حول هذا الموضوع. (1/13)
صفحة 14
15
مقدمة
الحمد لله رب العالمين المتصف بالعلم والتعليم، القائل في كتابه العزيز: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (1)، والقائل: {اذْكُرُوا اللَّه كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (2)، والصلاة والسلام على أشرف من
(2)
تعلم وعلم، وحثَّ أمته على طلب العلم، ونشره بين الناس. لقد اعتنى الإسلام بالعلم عناية فائقة، فأمر بطلبه والسعي إليه حيثما كان، ورتّب الثواب على تعليمه ورفع مكانة العلماء، ودعا إلى التدبر في الكون، وتعمير الأرض، والاستفادة مما سخره الله للإنسان وأول كلمة نزلت من الوحي على نبينا محمد هي كلمة «اقرأ»، وهذه الكلمة العامة الشاملة تحوي في طياتها الكثير من المعاني العظيمة، والجوانب المتعددة، وهي رمز إسلامي جليل، وآية من آيات عِظَم الإسلام، وبرهان من براهين شمولية الرسالة الخالدة، جاءت لتحثَّ كل من يؤمن بهذا الكتاب العزيز
على القراءة، قراءة الكون وقراءة الكتاب من جهة، والقراءة في مختلف مجالات المعرفة النافعة للبشرية من جهة أخرى. وحثَّ الإسلام على تعلم علوم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، والعلوم المتعلقة بهما والتي تبين ما يهم المسلم في دينه كالعقيدة والفقه، وعلوم أخرى مرتبطة بها كالتاريخ والسير والإعجاز، كما حث على طلب العلم في كافة مجالاته
(1) سورة الأنفال/ 75
(2) سورة البقرة/ 239 (1/15)
صفحة 15
16
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
بشكل أعم، بحيث يشمل كل ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه، في أولاه
وأخراه.
لا
هذا
والعلوم التي يتناولها هذا الكتاب، هي تلك العلوم التطبيقية التي قد يُنظر إليها على أنها بعيدة عن التشريع الإسلامي، وأن لا علاقة لها بالقرآن والسنة إلا من بعيد، أي من جهة الحث عليها، وتشجيع المسلمين على تعلمها وتعليمها، ومن باب مطالبة المسلمين بالتداوي، وبتعلم الصناعات المختلفة لكسب الرزق فقط؛ إلا أن الأمر مختلف كليا؛ فلا يعني أن تلك العلوم منفصلة تماما عن القرآن والسنة، بل أن هناك ريب ارتباطاً وثيقاً بينها وبين مصدري التشريع الأساسيين، كما يظهر جلياً عند الحديث عن بعض الجوانب التي تهم الإنسان المسلم في حياته كرصد الأهلة والميراث والزكاة وتحديد القبلة ومواقيت العبادات. بل تتعدى أهمية هذه العلوم لمجالات أرحب؛ فلا بد منها في إعداد القوة لإرهاب العدو والدفاع عن الدين والوطن وفي الدعوة إلى الله بما يُكتشف في الطبيعة موافقا للقرآن والسنة الإعجاز العلمي، وبما يكون من مصداقية الداعية المتخصص في العلوم التجريبية والعلوم التي سيتم التركيز عليها بإذن الله في هذا الكتاب بشكل مُفصَّل هي الطب، والهندسة، والفلك، والملاحة البحرية.
لقد عُرف عن المسلمين اشتغالهم بمختلف العلوم، سواء كانت تلك العلوم النقلية الخاصة بالدين وأحكامه، كعلوم القرآن والحديث والسنة والسيرة والعقيدة والفقه، أو تلك العلوم العقلية غير المرتبطة غالبا بدين أو بيئة أو ثقافة، كعلوم الطب والهندسة والفلك والكيمياء والفيزياء (1/16)
صفحة 16
17
والرياضيات. ومن المعلوم أن المسلمين والعرب قد تفوقوا في العلوم
الأمم،
النقلية في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية على غيرهم من وانتقلت هذه العلوم منهم إلى الغرب الذي أكمل المشوار، كما أخذوا هم
من الأمم التي سبقتهم، وهكذا هي العلوم تنتقل من حضارة إلى أخرى. أما فيما يخص العُمانيين كجزء من العالم الإسلامي والعربي فإن اهتمامهم بالعلوم النقلية واضح جلي، منذ القرن الأول الهجري، ويتضح ذلك من كثرة العلماء والمدارس والمصنفات باختلاف مجالاتها العقدية والفقهية واللغوية والأدبية؛ ولذا فإن مساهتهم في هذا الجانب مساهمة بارزة فعالة على مر العصور الإسلامية المتعاقبة. فكانت الأسئلة التي تتبادر إلى ذهني، وأتمنى الحصول على إجابتها، هي: * ماذا عن مساهمة العُمانيين في مجال العلوم النقلية التجريبية؟ لا نسمع عن ذلك كثيرا!
* هل يُعقل أنهم لم يهتموا بهذه العلوم وتعليمها والتصنيف فيها كما
اهتم غيرهم من المسلمين؟
ما هي نظرتهم الشرعية تجاهها؟
أين مؤلفاتهم في هذا المجال؟ وهل وصلت للآخرين؟
وحينما درست الهندسة بجامعة السلطان قابوس لم يكن هناك ذكر لتاريخ العلوم التجريبية، فضلا عن تاريخها لدى المسلمين عموما أو العُمانيين خصوصا.
ولله الحمد فقد قيض الله لي أن أدرس في كلية العلوم الشرعية بمسقط، وتقدمت بمقترح هذا البحث ليكون بحث التخرج، وقد لاقى الموافقة (1/17)
صفحة 17
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
بفضل الله؛ فهو لم يُطرح هناك من قبل. وأثناء البحث عن المراجع في المكتبات لم أطَّلع على بحث تناول هذا الموضوع بتوسع وتحليل و شمولية لمختلف المجالات ومختلف العصور، وإنما هي في الغالب دراسات تتحدث عن جانب واحد من هذه الجوانب. إلا أنني في بداية بحثي حضرت محاضرة للباحث الشيخ سلطان الشيباني بعنوان «الإنتاج العلمي العُماني في مجالات الزراعة والعمارة والطب والفلك» أُقيمت بجامعة نزوى. وقد نال هذا البحث «العُمانيون والعلوم التجريبية» القبول والاستحسان ودرجة الامتياز بفضل الله. بعد تسليم البحث والتخرج بأشهر، أقيمت في جامعة السلطان قابوس بمسقط ندوة بعنوان «إسهامات العمانيين في العلوم التطبيقة عبر التاريخ استفدت منها كما استفدت من مراجع أخرى؛ مما وفر لي مادة إضافية أعانتني على تعديل البحث وتنقيحه بمساعدة عدد من الباحثين والمختصين - جزاهم الله خيرا، وقد أضفت
إليه بعض التحليلات والرؤى.
يهدف الكتاب إلى الكشف عن مدى اهتمام العمانيين بهذه العلوم تنظيرا وتطبيقا، مع ذكر أهم العلوم التي اهتموا بها أكثر من غيرها، وأسباب اعتنائهم بها. كما يسعى إلى التحري عن العصور والفترات الزمنية التي كان فيها اهتمام كبير بالعلوم التجريبية أكثر من غيرها من العصور، وأسباب ذلك الاهتمام. ومن ضمن القضايا التي يتطرق لها الكتاب مدى اهتمام علماء الشريعة العُمانيين بهذه العلوم، ودور المرأة في هذه المجالات، وكذلك المدارس التي اهتمت بتدريس العلوم التجريبية. وتأتي أهمية هذا الكتاب من منطلق ما تمثله العلوم التجريبية من
18 (1/18)
صفحة 18
19
أهمية في حياة الأمم والشعوب، فهي مقياس لمدى التقدم والتحضر في المجتمعات، ونظرا لما تتمتع به عُمان من أهمية حضارية في مسيرة التاريخ؛ فقد كانت العلوم التجريبية حاضرة بشكل أو بآخر، وهو ما يسعى الكتاب إلى التعريف به وإبرازه بل وينبه الكتاب إلى أهمية الأخذ الجاد بهذه العلوم والاهتمام بتدريسها وتطويرها، ويُحفّز الشباب على تعلمها والتفوق فيها؛ حتى تصل الأمة إلى الاستقلال عن غيرها. كما تكمن أهميته في إظهار حقيقة دور المسلمين عموما والعُمانيين خصوصا في المساهمة الفعالة في تقدم العلوم التجريبية، وفي بناء الحضارة الإنسانية، وفي ردُّ على من يتهم المسلمين بخلاف ذلك. ويَرُدُّ الكتاب كذلك على من يدعي أن العُمانيين عاشوا في انغلاق عن العالم، وأنهم متأخرون متخلفون عن ركب الحضارة.
ذلك
وقد اتبعتُ عند إعداد هذا الكتاب المنهج الاستقرائي التحليلي، من خلال الاستعانة بمجموعة من المصادر ذات الصلة، وتحليل المعلومات؛ للحصول على الاستنتاجات والنتائج المرجوة، كما وظفت المنهج الوصفي أيضا لرسم صورة وصفية لواقع العلوم التجريبية في وختاما، أحمد الله - سبحانه وتعالى على كرمه وتوفيقه، وأشكر شكرا
عُمان.
جزيلا كل من ساهم في إنجاز هذا الكتاب برأي أو تصحيح أو إفادة أو تشجيع، من أطباء ومهندسين وفلكيين، وباحثين وأساتذة ولغويين، وإخوة وأصدقاء وأهلين، أسأل الله تعالى أن يجزيهم خير الجزاء، ويوفقهم لما يجب ويرضى. وأتطلع لبحوث أخرى أكثر عمقا في إبراز جهود العُمانيين في مجال العلوم التجريبية، سواء مني أو من آخرين، فما جاء فيه ما هو إلا (1/19)
صفحة 19
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
قطرة من بحر الحضارة العُمانية، وجانب من جوانبها المتعددة. والله الموفق لما فيه الخير، وأسأله الإخلاص في القول والعمل، والخلاص في الدنيا والآخرة، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم.
صالح بن محمد بن سليمان السيابي نفعاء - ولاية بدبد
للتواصل والتعقيب:
10 محرم 1439 هـ / 1 أكتوبر 2017 م
0096899416560 Salehom an@ gm ailcom (1/20)
صفحة 20
الفصل الأول: الإسلام والعلوم التجريبية
—
العلم نور للإنسان به يهتدي في الظلمات، وسلاح لا بد منه لعبور طريق الحياة؛ للحصول على النجاة. وهو - بجانب كمال العقل مما يتميز به الإنسان على غيره من المخلوقات، وهَبَهُ اللَّهُ القدرة على كسب العلوم وتعليمها، وتحليل المعلومات واستنباط النتائج، وصولا إلى الانتفاع والتطبيق والعمل بما توصل إليه والعلم وسيلة لحل المشكلات، وتخطي العقبات، وهو أساس من أسس تعمير الأرض وقيام الحضارات. وهو سبب رئيس من أسباب القوة والمنعة والغنى للأفراد والمجتمعات، ولا شك أن الجهل سبب من أسباب الفقر والضعف والتقهقر. فما هي نظرة الإسلام إلى العلم بشكل عام؟ وما رأيه فيما يخص العلوم التجريبية؟ وما مدى مساهمة المسلمين في الحضارة الحديثة؟
المبحث الأول: الإسلام والعلم
حثّ الإسلامُ على طلب العلم والسعي إليه باختلاف مجالاته، ما دام شرعيا نافعا، ويظهر ذلك جليا من خلال تعاليم الإسلام وتشريعاته؛ مما يدل على أهمية العلم في الإسلام وكونه أساساً من الأسس التي تقوم عليها الشريعة الربانية، وركيزة من الركائز التي تُبنى عليها الحضارة الإنسانية؛ فلا حضارة بدون علم، ولا عمران للأرض كما أمر الله إن لم ينتشر العلم ويوجد العلماء في مختلف الحقول العلمية النافعة. لذلك (1/21)
صفحة 21
22
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
جاءت الكثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية رافعةً من شأن العلم والعلماء، وداعيةً لطلب العلم النافع؛ لعمارة الأرض كما أمر الله تعالى، ولاستغلال ما سخّره الله للإنسان، ولخدمة الإنسانية وتوفير الراحة والأمن لها، قال الله تعالى على لسان رسوله صالح عليه السلام: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (1).
(1).
إن أول آية نزلت من القرآن بل أول كلمة هي أمر بالقراءة، والتي هي أساس العلم وأهم طرقه، قال الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (2)، ويتكرر الأمر بعد آية واحدة: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)، وفي الآية التالية يذكرنا الله تعالى بأنه هو من علم الإنسان العلوم، وينبه إلى أداة العلم الأساسية: القلم، بقوله: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)، وفي ذلك إشارة واضحة على أهمية القراءة والكتابة في دين الله. ويحدد الله تعالى الطريق لمن أراد الخشية منه والتقرب إليه تعالى، وهو طريق العلم، قال: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (5)، فلا خشية من الله بدون العلم الموصل إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته الجليلة.
ويكفي شرفا للعلم وأهله أن الله تعالى رفع درجة الذين أوتوا العلم كما رفع درجة المؤمنين يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (6)، وهذا يعني أن الفرق شاسع بين أهل العلم وغيرهم، كما يقرر الله تعالى ذلك في قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا
(1) سورة هود/ 61
6
(2) سورة العلق/ 1
(3) سورة العلق/ 3
(4) سورة العلق/ 4
(5) سورة فاطر/ 28 (6) سورة المجادلة/ 11 (1/22)
صفحة 22
يَعْلَمُونَ (1)، ولأهمية العلم يأمرنا الله تعالى بأن ندعو بزيادة العلم، وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (2).
بل العلم نعمة من نعم الله تعالى التي منَّ بها على أنبيائه الذين اصطفاهم لحمل رسالته للناس، ففي يوسف عليه السلام يقول تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (3)، والأمر كذلك في موسى عليه السلام وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ
ج
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (4)، وأيضا بالنسبة لداود وسليمان عليهما السلام، بل كان حمدهما لله تعالى لتفضيلهما على كثير من المؤمنين بالعلم، وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (5).
ولقد علم الله تعالى آدم الأسماء، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (2)، وفي قصة آدم والملائكة وعلاقتهم بالعلم يقول سماحة الشيخ الخليلي: «وفي هذه القصة تنويه بشأن العلم والعلماء، وبيان لقيمته في موازين الإسلام، فإن الله إنما شرف الإنسان؛ فبوأه منصب الخلافة في الأرض بما آتاه من العلم، وقد رفع قدره به على أقدار ملائكته المعصومين من الزلل الدائبين
على الطاعة» (7).
(1) سورة الزمر / 9
(2) سورة طه / 114 (3) سورة يوسف/ 22
(4) سورة القصص / 14
(5) سورة النمل/ 15 (6) سورة البقرة/ 31
(7) أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل مكتبة الاستقامة، مسقط، ج 3،
ص 44
23 (1/23)
صفحة 23
العمانيون والعلوم التجريبية
فهاه
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وفي سنة النبي لا نجد الكثير من الأحاديث التي تحث على طلب العلم والاستزادة من المعارف المختلفة، وتبين الأجر والثواب الذي يحصل عليه طالب العلم ما دام مخلصا لله. بل إن الله تعالى يسهل له سبل الخير، ويسخّر له مخلوقاته؛ ليزداد اندفاعا وشوقا لطلب العلم، راجيا المثوبة في الدنيا والآخرة. ففي فضل طالب العلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم حاثا ومشجعاً: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب» (1)؛ ها هي الملائكة تُعين طالب العلم فيما يطلبه من الخير له ولأمته وللإنسانية، وعن ثواب طالب العلم، يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» (2)؛ فطريق الجنة التماس العلم، وبالعلم يعرف الإنسان خالقه، ويعرف الواجب والمحظور فيؤدي ما عليه من واجبات تسير به نحو الجنة، ويجتنب ما هو ممنوع منه؛ فيبتعد عن النار. وينبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الإخلاص والعمل بالعلم في قوله: «من تعلم العلم لله وعمل به؛ حشره الله يوم القيامة آمنا، ويرزق الورود على الحوض (3)؛ فحتى يحصل المسلم على الأمن يوم القيامة، وحتى ينال القرب من النبي و لا بد من الإخلاص لله، وترك الرياء وحب الشهرة، وطلب رضا الناس ولا بد من تطبيق ما يتعلمه الإنسان، ولا يكون مجرد حبر على ورق، أو عقول محشوة بالمعلومات دون أن يكون هناك عمل. وبذكر منافع العلم في الدنيا والآخرة يُشوِّق النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بقوله:
(1) الربيع بن حبيب الفراهيدي (ت 175 هـ)، الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط، ط 3، 1434 هـ / 2013 م، رقم 20، ص 14
(2) الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح، رقم 21، ص 14 (3) الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح، رقم 22، ص 14 - 15
24 (1/24)
صفحة 24
تعلموا العلم؛ فإن تعلمه قربة إلى الله، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف والرفعة، والعلم زين لأهله في
الدنيا والآخرة» (1)؛ فما أجلها من منافع، وما أعظمها من فوائد.
يقول الدكتور سالم البوسعيدي في تلخيصه لباب العلم من الجامع الصحيح: «هذا الباب في الحث على طلب العلم، فهو فريضة تجلب الخير للمجتمع والفرد، حيث تحرسه الملائكة دام أنه في طلب العلم وهو من أسباب دخول الجنة، والشرب من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليمه للآخرين صدقة، وتعليمه للصغار خصوصا يقي من غضب الله، موضحا ضرورة الاعتناء بكل العلوم التي تضمن رقي الأمة، وخاصة علوم القرآن والحديث، مع التنبيه إلى ضرورة الاعتناء بالجانب السلوكي إضافة
للجانب العلمي، محذرا الأمة من إهمال العلم وإهمال تشجيعه» (2).
وبسبب هذه الأوامر والتوجيهات لطلب العلم، وما فيها من حثّ لنيل الأجر والثواب، وحضّ على الحصول على الرفعة والمكانة، وترغيب في نفع الناس وعمران الأرض، انطلق المسلمون يتعلمون العلوم المختلفة، سواء كانت تلك المرتبطة بالكتاب والسنة ارتباطا وثيقا كالعقيدة والفقه والأخلاق الإسلامية واللغة العربية أو العلوم الأخرى المعتمدة على العقل والتجريب أكثر منها على النقل والتلقين كالطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء (3)؛ فاهتم المسلمون بها جميعا لما رأوا من أهميتها
(1) الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح، رقم 23، ص 15 (2) سالم بن سعيد البوسعيدي، الوجيز في شرح الجامع الصحيح، رؤي، ط 1، 1435 هـ / 2014
م، ص 45
(3) انظر الصورة (1)
25 (1/25)
صفحة 25
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
للبشرية، مع عدم مخالفتها للشرع، بل أتقنوها وبرعوا فيها؛ وتعلم منهم غيرهم.
العلوم التجريبية
الطب - الهندسة - الفلك.
فقه المعاملات
العلوم في الإسلام
العلوم
الفقه
العقيدة
الإيمان الغيب + الأخلاق
فقه العبادات
الصلاة - الزكاة - الصوم.
فقه المعاملات
فقه الأسرة
فقه القضاء
فقه السياسة
الزواج
- المرافعات
الحاكم
- الفراق
- الإثبات
- الشورى
(المالية) البيع - الإجارة
الصورة (1): تقسيم بعض العلوم في الإسلام (1/26)
صفحة 26
27
المبحث الثاني: الإسلام والعلوم التجريبية:
العلم التجريبي: «هو العلم المبني على التجارب الحسية في الطبيعة ومشاهدتها، وعلى النظر والتأمل فى كل ما خلق الله، وعلى استخلاص قوانين التكوين والهدم والتسخير» (1)، كالطب والهندسة والفلك والكيمياء والفيزياء. ولا شك أن هذه العلوم من الأهمية بمكان، وتحتل مرتبة عالية في سُلَّم اهتمامات الأمم والشعوب وعليها تقوم الحضارات مهما اختلفت في معتقداتها، خاصة في عصرنا الحاضر، الذي أصبح القوي فيه في نظر البشر هو من يملك العلم التجريبي، ويملك التقنية التي تعتمد على علوم الهندسة والفيزياء والرياضيات، وغيرها من العلوم. لقد أصبح الطب الذي يتعامل أساسا مع الأبدان لا يستغني عن التقنية والأجهزة، سواء في التشخيص والفحص، أو في العلاج والعمليات الجراحية، أو في صنع الأدوية والعقاقير. كذلك الهندسة، فهي تعتمد اعتمادا كبيرا على غيرها من العلوم، كالفيزياء والكيمياء والرياضيات. ومن الذي يستغني عن الهندسة في وقتنا الحالي؟! ويكفي أن نضرب مثالا على ذلك بهندسة شبكات الحواسيب وهندسة الاتصالات، فما من شخص ولا شعب ولا دولة ولا عِلم ولا ثقافة مهما اختلفت أفكارها ومبادؤها وأساليبها، ولا مكون من مكونات هذا العصر إلا في حاجة ماسة لهذا النوع
(1) يوسف السويدي، الإسلام والعلم التجريبي، مكتبة الفلاح، الكويت، ط 1، 1400 هـ / 1980 م، ص 14 (1/27)
صفحة 27
العُمانيون والعلوم التجريبية
من الهندسة إن أراد التفوق والانتشار.
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أما علم الفلك، فإن كان السابقون قد احتاجوا إليه من أجل توقيت الأيام والسنوات، وتحديد المواعيد والعبادات وغير ذلك من الاستخدامات، فإن الفلك اليوم يُستفاد منه في النقل ودقة التنبؤات والأرصاد، وعلوم الفضاء وزيارة الكواكب والأقمار فكيف نظر الإسلام إلى العلوم
التجريبية؟ وما مدى تأثيره على تطورها واتساع استخدامها؟
28 (1/28)
صفحة 28
29
المطلب الأول: نظرة الإسلام إلى العلوم التجريبية: إن العلم الذي يحض عليه الإسلام كما ورد في المبحث السابق لا يقتصر على العلم المتعلق بالعقيدة، أو التشريع، أو الأخلاق، أو ما يحتاجه الناس من أوجه المعاملات بينهم، بل الأمر أوسع من ذلك بكثير. فالإسلام يدعو إلى كل ما فيه خير ومنفعة للبشرية، وما يستطيع الناس به عمارة الأرض كما أمر الله تعالى. فهذا نبي الله سليمان يذكر نعمة الله عليه بأن علمه منطق الطير، قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} (1)،
صلے
صلے
ويمنّ الله تعالى على نبيه داود بما علمه من الصنعة: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسِ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ (2)، وفي ذلك تنبيه إلى
صلے
(2)
أهمية تعلم الحرف الصناعية. وفي آية أخرى إشارة إلى تعليم الحيوانات الصيد والاستفادة مما جعله الله فيها من قدرة قد لا تتوفر في البشر، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (3).
وكثيرة هي الآيات القرآنية التي تدعو إلى التدبر والتفكر في الكون،
(1) سورة النمل/ 16 (2) سورة الأنبياء/ 80 (3) سورة المائدة/ 4 (1/29)
صفحة 29
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الله
بدءاً من الإنسان نفسه، حتى آخر ما يصل إليه نظره وإدراكه، يقول تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (1)،
(2)
بل هناك الأمر الصريح بالنظر في جوانب الكون المختلفة: {قُلِ انظُرُوا ماذا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (2)، وكقوله تعالى: {قُلْ سِيروا في الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قدير (3). ولقد أزاح القرآن الكريم عن كاهل العقل الإنساني كل ما يعوقه عن الملاحظة والتفكر (4)، ويذهب عميد كلية العلوم بالظهران إلى أبعد من ذلك، فيقول: «ولا ريب أن ما ورد في القرآن الكريم من حث للإنسان على النظر في ملكوت السماوات والأرض كان القوة الدافعة وراء هذه الأبحاث العلمية (5). ويرشد الله تعالى في كثير من الآيات إلى الاستفادة مما سخره لنا من الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، فهي بجانب كونها آيات تدل عليه سبحانه وعلى صفاته العظيمة، فهي كذلك هدية ربانية لنستخدمها فيما يجلب الخير للبشرية، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (6)،
(1) سورة الذاريات/ 20 - 21
(2) سورة يونس/ 101 (3) سورة العنكبوت/ 20
(4) عدنان محمد زرزور، التوجيه الإسلامي للعلوم والمعارف مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1412 هـ / 1992
م، ص 27
(5) علي عبدالله الدفاع، العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، مؤسسة الرسالة للطباعة
والنشر والتوزيع، ص 19
(6) سورة الأنعام / 97 (1/30)
صفحة 30
31
ويقول: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ
صلے
يَعْلَمُونَ} (1)، ويقول جل جلاله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينُ فَمَحَوْنَا
آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)) (2).
أسامة
(2)
وفي مجال الطب مثلا، فإن المسلمين مأمورون شرعا بتعلم هذه المهنة وممارستها؛ فمن المعلوم أن من أهم المقاصد الشرعية الضرورية الحفاظ على النفس، ومن أساسيات المحافظة على النفس تعلم الطب؛ للوقاية من الأمراض وللعلاج منها. بل جاء الأمر النبوي واضحا بالتداوي، عن شريك قال: قَالَتْ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: بن نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءٌ - أَو قَالَ: دَوَاء، إِلا دَاءً وَاحِدًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْهَرَمُ (3)، وفي الحديث إشارة إلى ضرورة البحث الدائم لاكتشاف الأدوية للأمراض التي تطرأ في مختلف العصور. ومن توجيهات الشرع أيضا تجنب الوقوع في المرض، أو ما يسمى بـ (الطب الوقائي)، ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: عن أبي كَرِيمَةَ المِقْدام بن معْدِ يَكَرِب رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِلاً آدمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنِ، بِحَسْبِ ابن آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ
(1) سورة يونس/ 5 (2) سورة الإسراء/ 12
(3) محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، ج 4، كتاب الطب، باب: ما جاء في الدواء
والحث عليه، رقم: 2038، ص 148 - 149 (1/31)
صفحة 31
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
فهي
صُلْبُهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ» (1). ومما يوجد في كتاب الله ما يدعو إلى تعلم الهندسة والاهتمام بها أيما اهتمام؛ فهي عنصر أساسي من عناصر إرهاب العدو والدفاع عن النفس والمال والوطن والعرض، وذلك عندما تُستخدم في صناعة الأسلحة والآلات الحربية الأخرى، وما يلحق ذلك ويعينه من شبكات اتصالات ومراقبة وتخطيط، حينها يتم تطبيق الأمر الإلهي القائل: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (2). وإن كانت القوة سابقا هي السيوف والرماح والخيول؛ الآن الصواريخ والدبابات والطائرات والرشاشات والغواصات، وأجهزة الرصد والتتبع والاتصالات وأنظمة المراقبة وتحديد الأهداف، وكل ذلك قائم على عدة أنواع من الهندسة، منها الميكانيكية والاتصالات والشبكات. وقد أمرنا الله تعالى بإعداد القوة، ولا يمكن أن يكون هذا الإعداد بالاعتماد على العدو فيما تحتاجه الأمة لإرهابه؛ لأنه سيتحكم فيما يصل إلينا، كما وكيفا استمرارا وانقطاعا، جودة ورداءة؛ لذا لا بد للأمة من التفوق والاستقلال التام في مجال الهندسة والتصنيع. وفيما يخص التصنيع أيضا، توجد إشارات في القرآن إلى الاهتمام به من خلال ذكر عنصر من أهم العناصر المستخدمة في الصناعات المختلفة، وهو الحديد لذي يحمل اسم سورة كاملة، وفيها أن الله تعالى يمن على عباده بإنزال هذا العنصر الشديد، والذي يمكن للناس أن ينتفعوا به انتفاعا
32
(1) محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، ج 4، کتاب الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة
الأكل، رقم: 2380، ص 317
(2) سورة الأنفال/ 60 (1/32)
صفحة 32
واسعا، قال: أَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (1)، ولا ريب أن من أهم هذه المنافع استخدامه فيما يحقق للناس مصالحهم وأمنهم وراحتهم، ولا يتأتى ذلك إلا بالتصنيع. ومن الأنبياء الذين اهتموا بالانتفاع بالحديد داود عليه السلام، وقد أنعم الله عليه بأن ألان له هذا
صلے
صلے
العنصر القاسي، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (2). أما ذو القرنين، فقد ذكر القرآن أنه استخدم الحديد استخداما عظيما لخدمة شعب وإنقاذه من قوم مفسدين، بأن أقام بينهما سدا منيعا، مستخدا الحديد كعنصر أساسي في بنائه؛ مما كان له الأثر البالغ في قوة السد ومتانته؛ فلم يستطع القوم المفسدون اختراقه إلا أن يشاء الله ذلك، يقول المولى سبحانه: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا وَ قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
صلے
وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا
صلے
اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا، قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ
وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (3).
صلح
(1) سورة الحديد / 25
(2) سورة سبأ / 10 (3) سورة الكهف / 93 - 98
33 (1/33)
صفحة 33
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وإيمانياً، فإن التعمق في هذه العلوم يورث قوة يقين بالله في نفس العالم بها؛ تجعله يقترب أكثر من الخالق لما يراه من الحقائق العلمية والنواميس الكونية والتي لا يراها غيره، يقول الشيخ أبو إسحاق أطفيش (1): «ولا شك أنه وإن سلّمنا أن النظر السطحي كافٍ في الإيمان، لكنَّ التحقق من هذه الأشياء على الطرق العلمية مما يورث كمال اليقين. إن اعتقاد الناظر في هذه العلوم والعالم ببعض تفاصيلها هو الاعتقاد الكامل الذي يعد النفس إلى الاقتراب من موجد العوالم» (2). فحينما يعاين الطبيب دقائق خلق في الإنسان، ويرى تنوع الأجهزة وتفاعلها مع بعضها ونشاطها المستمر،
الله
ويتحقق من فائدة كل عضو، بل كل خلية في الإنسان؛ يتيقن من عظمة الخالق ورحمته بالإنسان وتفضيله له وعندما يرقب الفلكي حركات النجوم والكواكب وباقي الأجرام، وينظر إلى أحجامها العظيمة وأبعادها الهائلة، ويشاهد دقة النظام الكوني وسيره سيرا منتظما بلا خلل أو زلل؛ يؤمن إيمانا عميقا بالله؛ فيخشى عقابه، ويرجو ثوابه.
الله؛ وذلك
ولا ريب أن الاهتمام بهذه العلوم فيه دعوة للآخرين لدينا لما يوجد في النصوص الشرعية من دلالات علمية بحتة لم يكتشفها البشر قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول سماحة الشيخ الخليلي داعيا المختصين في
(1) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف، ولد عام 1305 هـ / 1886 م، عالم من بني يسجن بميزاب أخذ مبتدئ العلم عن عمه قطب الأئمة وآخرين، من آثاره: الفرق بين الإباضية والخوارج، وموجز تاريخ الإباضية والقطب اطفيش، توفي في القاهرة سنة 1385 هـ / 1965 م، انظر: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، جمعية التراث، الجزائر، 1420 هـ / 1999 م، ج 2، ص 2، ص 44_48 (2) أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، مسقط، ط 3، 1436 هـ / 015 2015 م، ص 75 (1/34)
صفحة 34
35
العلوم الكونية للاعتناء بهذا الجانب في أحد دروسه: «وكل الذي أريد أن أصل إليه هو شحن هذه الهمم على ربط العلوم الكونية بالقرآن الكريم؛ ليكون ما يصل إليه المسلم من اكتشاف في نواحي هذه العلوم وسيلة من وسائل إبلاغ هذه الدعوة وحجة من الحجج التي يدمغ بها شبهات المبطلين؛ فإن القرآن الكريم تسطع حجته على هذا العالم الإنساني منذ إنزاله على قلب الرسول الأمين لله وإلى أن يرث هذا الكون مكونه. القرآن الكريم أشار من خلال عبارته التي يقيم فيها الحجة على معانديه وجاحديه إلى كثير من الحقائق الكونية التي لم تكن العلوم البشرية قد وصلت إلى فهمها واقتنائها في ذلك الوقت، وبهذا يتجلى أن هذا القرآن الكريم كما أخبر الله تعالى أنه هو ذكر للعالمين، فهو رسالة الله التي تواجه هذه البشرية في أطوارها المتقلبة» (1).
كما أني أرى أن لهذه العلوم التجريبية فائدة دعوية أخرى، وهي سرعة الاقتناع والاستجابة للداعية المتخصص في أحد هذه العلوم، أو لمن يستخدم هذه العلوم في الدعوة إلى الله؛ فعندما يتحدث الداعية الطبيب مستخدما الحقائق الطبية، وعندما يتحدث الداعية الفلكي مستخدما ما تأكد للعالم من معلومات فلكية، حينها تكون الدعوة إلى الله أكثر فاعلية وأعظم تأثيرا، والله أعلم. لذا، فإن على المسلمين استغلال علوم الطب والفلك والأحياء وغيرها من العلوم التجريبية لإثبات عقيدة التوحيد، وصدق القرآن والحديث، وذلك من خلال ما يسمى بـ (الإعجاز العلمي)،
(1) أحمد بن حمد الخليلي، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (محاضرة مقدمة في جامعة السلطان قابوس، مسقط، مادة سمعية) (1/35)
صفحة 35
36
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (1). ويرى علماء المسلمين أن تعلّم هذه العلوم من الأمور اللازمة وهي من فروض الكفاية، التي لا بد من القيام بها في كل عصر ومصر، يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش بعدما بين شيئا من أهمية بعض العلوم: «يتبين للمطلع على ما كتبناه على الفنون، وما أتينا به باختصار، وألممنا به من تلك الفنون الحيوية، عدم منافاته للقرآن والإسلام، ويتبين له كونها من الواجبات الحيوية، والعدة اللازمة من انكسار شوكة الإسلام وانهدام أطمه، وانهزام أنصاره أمام أي قوة أجنبية عنه تحاول القضاء عليه وطمس معالمه، وتلك من وسائل إعلاء كلمة الله» (2). ويؤكد على إلزامية تعلم هذه العلوم الشيخ المرموري بقوله: «فيلزم أن نتعلم العلوم الأخرى كعلم الحساب، وعلم الفلك والجيولوجيا، وعلم النفس والكيمياء، وحتى علم الشريعة يحتاج إلى مثل هذه العلوم كعلم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة؛ فالعلوم يخدم بعضها بعضا، ولكن لا بد لنا أن نبتدئ بعلوم الدين» (3). وجاء في (إحياء علوم الدين) للغزالي (4) (ت 505 هـ): «أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب إذ هو ضروري في حاجة
(1) سورة فصلت/ 53
(2) أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 74 (3) الناصر بن محمد المرموري، في رحاب السنة (شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب)، جمعية التراث الجزائر، ط، 2، 1435 هـ / 2014 م، ج 2، ص 23 (4) أبو حامد محمد. بن محمد بن محمد الغزالي 450 هـ ـ 505 هـ / 058 1058 م - 1111 م (، فيلسوق متصوف، له نحو مئتي مصنف مولده ووفاته بخراسان من كتبه: إحياء علوم الدين، وتهافت الفلاسفة والمستصفى من علم الأصول، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، دار العلم
للملايين، بيروت، طه، مايو
1980
م، ج 7، ص 22 (1/36)
صفحة 36
37
بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وفي قسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفي، وسقط الفرض عن الآخرين (1). يقول أحد الباحثين: «والعلوم التجريبية تشكل فرعا من فروع العلم التي أجازها الإسلام، وحث عليها، ودعا إليها؛ ليطلع الناس على ما في الكون من آيات وآثار وروائع؛ ليتحقق تعميق الإيمان بالله الذي جعل هذا الكون آية على وجوده وقدرته، وللاستفادة من أسرار هذا الكون وما سخره الله» (2). ولا يتأتى كل ذلك إلا بالنظر والتفكر والتدبر فيما خلق الله، ثم
الاختبار والتجربة، وبعدها الاقتباس والاستنتاج، وأخيرا التطبيق ونشر الخير والمنفعة للناس. إن الاهتمام بالعلوم التجريبية والتمكن فيها؛ يوفر للأمة الاستقلال عن الآخرين، وهذا هو المنهج الذي سعى النبي صلى الله عليه وسلم لترسيخه عند المسلمين في مختلف شؤون الحياة، يقول الشيخ الخليلي: «هكذا كل مجال من المجالات ينبغي للمسلمين أن يكونوا مستقلين فيه لا يحتاجون إلى عدوهم، ومن بين هذه المجالات التي يفرض فيها الاستقلال لهذه الأمة الطب، فكم هي منفعة الأمة عندما يكون فيها الأطباء المهرة، وعندما يكونون غير محتاجين إلى مهارة غيرهم فى الطب؟» (3)، ويقول سماحته في موضع آخر حاثًا الشباب على الاهتمام بهذه العلوم: «فالشباب المسلم
(1) محمد بن محمد الغزالي (أبو حامد)، تهذيب إحياء علوم الدين، هذبه، عبدالسلام هارون، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط 1، 1418 هـ / 1997 م، ص 22 (2) يوسف السويدي، الإسلام والعلم التجريبي، ص 16 (3) أحمد بن حمد الخليلي الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة، محاضرة ألقاها في جامعة السلطان قابوس، مادة مكتوبة على المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الخامس (1/37)
صفحة 37
38
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
مطالب بأن يتزود من علم هذه الحياة الدنيا ما يتمكن به من الاستقلال عن خصومه، حتى لا يكون عالة عليهم في أمر دنياه، فنحن بحاجة إلى كل هذه المهارات في حياتنا الدنيا، فنحن بحاجة إلى الطبيب المسلم الحاذق، وإلى المهندس المسلم البارع، وإلى الطيار المسلم الخبير، وإلى صاحب المصنع الماهر، الذي تبز مهارته مهارات الآخرين» (1).
إن الإسلام بهذه التشريعات والنصوص يدعو المسلمين إلى الأخذ بما فيه القوة والمنعة لهم، من خلال تعلم العلوم المختلفة، ومنها العقلية التجريبية؛ حتى لا يتسلط عليهم عدوهم، وليكونوا قادة الأمم والحضارات. والعلوم التجريبية من أسباب القوة التي دعا إليها الإسلام في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} (2)؛ لذلك كان تعلم هذه العلوم من الفروض التي لا بد للأمة في مجموعها أن تقوم به، وإلا وقعت في الإثم؛ لتركها واجبا شرعيا.
(1) أحمد بن حمد الخليل
2001 م، ص 31 (2) سورة الأنفال/ 60
6
، معالم الجيل الواعد، محاضرة مفرغة مكتبة الجيل الواعد، مسقط، (1/38)
صفحة 38
39
المطلب الثاني: أثر الإسلام في العلوم التجريبية لقد انطلق المسلمون من قاعدة دينية قوية تحثهم على طلب كل ما هو نافع، يقول أستاذ الكيمياء بجامعة الأزهر: (وقد نشأ العلم عند المسلمين في الحقيقة في أحضان الدين، وكان لا يمكن الفصل بينهما» (1)، ويؤكد ذلك بقوله: «ولم يكن علماء العرب والمسلمين يفصلون بين العلوم التي تتصل بالقرآن الكريم، وبين العلوم الأخرى، فكان العالم منهم يكتب فيها جميعا» (2). ويوضح هذه الفكرة أحد الباحثين فيقول: «والإسلام لا يفرق بين العلم الديني وغير الديني، إن تمزيق التعليم وتقسيمه إلى ديني وغير ديني ليس عملا إسلاميا، وإنما هو مكيدة من أعداء هذا الدين؛ فالإسلام يثيب الطبيب كما يثيب الفقيه، ويجعل أجر المهندس كأجر المحدث، ويحتفي بالفيزيائيين والكيميائيين، كما يحتفي تماما بالمفسرين مادام الجميع يبتغون وجه الله تعالى» (3). يقول أحد الباحثين: «ويبلغ عدد الآيات العلمية والكونية في القرآن الكريم حوالي 750 آية تشمل مختلف العلوم، ونجد أن في كل علم جاء القرآن بأكثر من آية؛ لذلك لم يفرّق المسلمون بين هذه العلوم، انطلاقا مما يحثهم عليه دينهم؛ فأخذوا من غيرهم وطوّروا وأخذ عنهم غيرهم.
(1) أحمد مدحت إسلام، علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة الإنسانية، دار الفكر العربي، 1420 هـ / 1999 م، ص 11 (2) أحمد مدحت إسلام علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة الإنسانية، ص 18
(3) عبدالكريم محمد نصر، علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، ص 18 (1/39)
صفحة 39
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
اندفع المسلمون بسعة أفق، جعلتهم يهتمون بالعلوم المختلفة، والمجالات المتعددة، ومنها العلوم التجريبية التي هي موضوع بحثنا ولا ريب أن اتصاف المسلمين بسعة الأفق وحب المعرفة والإقدام سمحت لهم بأخذ العلوم من الآخرين، بل دفعتهم إلى العمل على التأكد من صحتها وتصحيح الخطأ فيها (1).
(2)
جعل الإسلام حال العرب يتغير، وهمومهم تتبدل، وأفقهم يتوسع، والبرهان على ذلك كما يقول أحد الباحثين أن النظر إلى حال العرب قبل البعثة النبوية يدلنا على أن الإسلام هو الدافع لتفوق المسلمين في العلوم. ويوضح ذلك أستاذ الفلسفة بالجامعة اللبنانية، فيقول: «فالروح العلمية الصحيحة لم تتولد إلا مع الإسلام، بحكم التطورات العميقة التي فجر بها الجزيرة العربية. فكان ظهور الإسلام في قلب هذه الجزيرة حدثا فذا طبع العالم المتحضر كله آنذاك بطابعه، فضلا عن العالم المتخلف الذي وصل إليه مده الزاخر بالعلم والحضارة) (3)، بل يذهب إلى أبعد من ذلك بقوله: وهكذا فاعتناق العرب للإسلام لا يدل على مجرد القضاء على طائفة من العادات والأعراف كانت شائعة بينهم، وإنما كان وقبل كل ء انقلابا شاملا في مثل الحياة وأهدافها، وتبدلا عميقا في المفاهيم والغايات وقيم الأشياء، وخروجا من ظلمات القرون، وانفتاحا على العالم
شيء
(1) علي عبدالله الدفاع، العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، ص 18 (2) محمد عبد رب النبي، سيد فضل العرب على الغرب في مجال البحث التجريبي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط 1، 1430 هـ / 2009 م، ص 24
(3) محمد عبدالرحمن مرحبا المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، دار الفيحاء، 1978 ص 181
م، (1/40)
صفحة 40
الكبير الذي يموج بالملل والنحل والعقائد والفلسفات والعلوم والفنون
والآداب والحضارات» (1).
ويبين
لنا أحد الغربيين وهو فرانتس روزنتال سنة 1965 م - تفسيره للحافز الذي دفع المسلمين لأخذ العلوم الأجنبية، فيقول: «ربما لم تكن المنفعة العملية التي رغبت المسلمين بتعلم الطب والكيمياء والعلوم الدقيقة، ولا المنفعة النظرية التي دفعتهم إلى الاشتغال بقضايا فلسفية تكفيان لتأسيس عملية ترجمة واسعة النطاق، لولا أن الدين الإسلامي أبرز دور العلم منذ البداية، محركا رئيسيا للحياة الدينية؛ وبالتالي للحياة الإنسانية كلها، فلولا هذه المكانة المركزية التي أعطاها الإسلام للعلم، بل بدون هذا التبجيل الديني نوعا ما؛ لجاءت أعمال الترجمة - أغلب الظن أقل علمية وأقل إحاطة ولاقتصرت على ما هو ضروري للغرض العملي، على غير ما كانت عليه فعلا» (2).
وهذا ما جعل الوضع في بلاد المسلمين مختلفا تماما عما كانت عليه البلاد الأخرى، ومنها أوروبا في العصور التي كانت توصف بالمظلمة، فهي عند المسلمين عصور ذهبية مشرقة برّاقة، علما وتطورا ورُقِيَّا. ويرى د. زرزور أن منهج التسخير الأدق والأشمل في القرآن الكريم عامل أساس في اكتشاف المسلمين للنظام العشري والجبر وقياس محيط الكرة الأرضية
(1) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 182
Franz Rosenthal, D asFortleben der Antike in Islam, Zurich und Stuttgart 1965, S. 18 (Y)
نقلا عن فؤاد سزكين، العلوم والتقنية في العالم الإسلامي، نقله من الألمانية إلى العربية: مازن عماوي، معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، جامعة فرانكفورت، ألمانيا الاتحادية، 1427 هـ / 2007 م، المجلد الأول، ص 8 (1/41)
صفحة 41
42
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
بعد حوالي قرنين من نزول القرآن (1). يقول الدكتور الدفاع: «إن علماء العرب والمسلمين فكوا القيود الروحية الجامدة التي عطلت حرية البحث العلمي خلال العصور القديمة والوسيطة، وهم الذين بلوروا حرية البحث العلمي الصحيحة، بتعاليم من دينهم الحنيف الذي يحث على طلب العلم، على العكس من البلاد الغربية التي كانت تعذب العلماء وتقتلهم» (2).
لقد تبين لنا كيف أن الإسلام قد أثر تأثيرا إيجابيا وكبيرا نحو تقدم العلوم التجريبية وتطورها؛ وذلك بحثّه المسلمين على تعلم العلم النافع، والانفتاح على الآخرين؛ فكونوا نهضة علمية رائدة، أساسها الدين، وهدفها نفع البشرية وعمارة الكون كما أراد الله تعالى. وهذا ما سيتبين لنا أكثر بإذن الله من خلال المبحث القادم الذي يتناول الكثير من الأمثلة والنماذج المشرقة والبارزة جدا في مجالات متعددة من العلوم التجريبية
تنظيرا وتطبيقا.
(1) عدنان محمد زرزور، التوجيه الإسلامي للعلوم والمعارف، ص 29 (2) علي عبدالله الدفاع، العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، ص 36 (1/42)
صفحة 42
المبحث الثالث:
مساهمة المسلمين فى الحضارة الإنسانية الحديثة
لقد
برع المسلمون وساهموا في العلوم التجريبية مساهمة فاعلة؛ أخذوا ما وصلت إليه أيديهم من الحضارات السابقة؛ فترجموه ودرسوه حتى أتقنوه، ثم زادوا عليهم بما فتح الله به عليهم من الاختراعات والاكتشافات، وبما وهبهم من الإبداع وحسن التطبيق والاستخدامات؛ فكانوا همزة وصل ربطت الحضارات اللاحقة بالسابقة، وحفظوا بذلك علوم، السابقين وكان لهم فضل كبير في تطور علوم اللاحقين؛ فاعترفت لهم الحضارة الحديثة بالفضل والسبق والتمكين، «وليس أدل على نبوغ المسلمين في العلوم أن مؤلفاتهم ما زالت توضع موضع الصدارة بين المراجع العلمية وليس أكثر فخرا للمسلمين من أنه حتى اليوم نجد الكثير من الكتب العلمية التي وضعها المسلمون تحتل أرفع مكانة في المكتبات العلمية في كل بلاد العالم، وتضم المكتبة الكبرى بالفاتيكان معظم مؤلفات المسلمين باللغة العربية» (1). فماذا قدم المسلمون للعالم؟
وما هي المجالات التي تفوقوا فيها؟
(1) عبدالكريم محمد نصر، علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، ص 20
43 (1/43)
صفحة 43
المطلب الأول: المنهج التجريبي
تفوق المسلمون وبرعوا في العلوم التجريبية عامة، واستفاد العالم منهم استفادةً كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالمنهج التجريبي، يقول أحد الباحثين: وأهم ما قدمه الإسلام للعلم هو التنبيه على المنهج التجريبي بما فيه من الملاحظة والتجربة» (1)، ويقول في موضع آخر: «لكن البحث العلمي الأمين قد أثبت فضل الفكر الإسلامي وسبقه في مجال علم المناهج وبخاصة المنهج التجريبي على الرغم مما يشاع من نسبة هذا الفضل وذلك السبق لبعض فلاسفة الغرب ومفكريهم». ويوضح أحد أساتذة الكيمياء بالأزهر أن المسلمين ابتدعوا المنهج التجريبي منذ القرن التاسع الميلادي والذي سمي فيما بعد بالمنهج العلمي، وكان عاملا مهما في تقدم العلوم في مختلف المجالات، يوضح ذلك بقوله: «وقد أحدث دويا هائلا في أوساط المشتغلين بالعلم في أوروبا في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، ونبههم إلى خطورة التجربة وأهميتها» (3).
ويؤكد على ذلك بعض المستشرقين كالمستشرقة الألمانية زيغرد هونكه، إذ تقول: «لقد طور العرب بتجاربهم وأبحاثهم العلمية ما أخذوه
(1) محمد عبد رب النبي، سيد فضل العرب على الغرب في مجال البحث التجريبي، ص 22 (2) محمد عبد رب النبي سيد، فضل العرب على الغرب في مجال البحث التجريبي، ص 8 (3) أحمد مدحت إسلام علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة
الإنسانية، ص 24
45 (1/45)
صفحة 44
46
العمانيون والعلوم التجريبية
هم
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
من مادة خام عن الإغريق، وشكلوه تشكيلا جديدا، فالعرب في الواقع الذين ابتدعوا طريقة البحث العلمي الحق القائم على التجربة» (1). وتقارن في موضع آخر بين العرب والغرب، فتقول: «وبينما طلاب العلم في بلاد الغرب يسهرون الليالي درسا وحفظا على ضوء الشموع في قاعات الأديرة، كانت التجربة العملية هنا تسير مع العلم جنبا إلى جنب، وتجابه النظريات على أسرة المرضى حقائق المعاينة والكشف وحقائق التجارب؛ فتفند الظواهر تفنيدا علميا وتشبع الحالات المستعصية بحثا ونقاشا، وعلاجها تفصيلا وشرحا، بعكس ما كان يجري في بلاد الغرب حيث كانت النظريات الجافة تملأ عقول رجال الأكليروس وتحول دونهم والاحتكاك بالمخلوقات ذات الدماء الحارة (2).
المنهج التجريبي من أهم أسس العلم الحديث، والتجربة خير برهان كما يقال. ولا شك أن هذا في العلوم التي تحتاج إلى تجريب، لا في العلوم الشرعية مثلا والتي نزل بها الوحي؛ فالله خالق الكون والإنسان، والعليم بالسر وما أخفى، هو الخبير بالخير والمنفعة والمصلحة للإنسان والعالم. أما العلوم التطبيقية فتحتاج إلى التجريب؛ للوصول إلى النتائج الأقرب إلى الحقيقية، وهو ما قام به المسلمون وجعلوه قاعدة أساسية من قواعد العلم؛ فاستفاد منهم العالم أجمع.
(1) زيغرد هونکه، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة، فاروق بيضون وكمال دسوقي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 6، 1401 هـ/ 1981 م، ص 401
(2) زيغرد هونكه شمس العرب تسطع على الغرب، ص 234 (1/46)
صفحة 45
47
المطلب الثاني: العمل النوعي
إن للمسلمين الفضل في حفظ تراث الحضارات السابقة لهم، كالهندية والفارسية واليونانية، بل إنهم أضافوا وبرعوا؛ فاستفادوا وأفادوا غيرهم في مختلف مجالات العلم المتعددة. يقول مؤلفو كتاب تاريخ العرب: «لقد عقب عصر الترجمة حوالي (132 - 135 هـ / 750 - 850 م).) عصر إنتاج وابتكار أثبت العرب فيه أنهم لم يكتفوا باقتباس تراث فارس القديم وتراث اليونان وهضمه، بل حولوا التراثين لحاجاتهم الخاصة وطرق تفكيرهم، وأضافوا إليهما ما استطاعوا أن يستنبطوه. وقد ظهرت مآثرهم في الطب والفلسفة، ولكنها تجلت بنوع خاص في الكيمياء والفلك والرياضيات والجغرافيا» (1).
ويصوّر مشهد التطور العلمي أحد الأساتذة بقوله: «تكلم علماء العرب عن الجاذبية قبل نيوتن وعن انكسار الضوء قبل ديكارت وعن الدورة الدموية قبل وليم «هارفي» (2). ولا شك أن ترجمة الكثير من أعمال العرب والمسلمين للغات الغربية ساهم بشكل كبير في انتقال المعارف والعلوم إلى أوروبا، كما سيظهر ذلك خلال الأمثلة التالية.
(1) فيليب حتي وإدورد جرجي وجبرائيل جبور، تاريخ العرب، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت، ط 12، 2007، ص 432
(2) أحمد مدحت إسلام علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة
الإنسانية، ص 23 (1/47)
صفحة 46
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
هناك الكثير من الأسماء اللامعة في تاريخ المسلمين العلمي، وفي مختلف المجالات، ولا ريب أن حصرها من الصعوبة بمكان، خاصة وأن أساس بحثنا هو العُمانيون؛ ولذا سنركز هنا مع ذكر أمثلة بسيطة على الطب
بعض العلوم، منها المجالات الأربعة المقصودة بهذا البحث، وهي: والهندسة والفلك والملاحة البحرية.
1 - الطب:
برع المسلمون في علم الطب، وطوروه كثيرا، تقول المستشرقة الألمانية هونكه اتبع العرب في تدريس الطب طريقة عملية تفرض على طلاب الطب أن يدخلوا مع المرضى في احتكاك دائم مثمر، فيقابلوا ما قد تلقوه نظريا بما يشاهدونه بأم أعينهم. وهكذا تخرجت طبقة من الأطباء الذين لم يشهد العالم لهم آنذاك مثيلا إلا في عصرنا الحديث» (1)، وتظهر أسبقية المسلمين في إنشاء المؤسسات الصحية حيث أن «أول مستشفى أنشئ في ديار الإسلام أنشأه الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك بن مروان (2) في دمشق عام 88 هـ / 706 م (3). (3).
ومن ألمع الأطباء المسلمين الذين لا تزال أسماؤهم بارزة أبو بكر الرازي: واسمه محمد بن يحيى بن زكريا الرازي من بلاد فارس (ت
48
(1) زيغرد، هونکه شمس العرب تسطع على الغرب، ص 235 (2) الوليد بن عبدالملك بن مروان (48 96 هـ / 668 - 715 م)، من ملوك الدولة الأموية بالشام، كان ولوعا بالبناء والعمران، اهتم بإصلاح الطرق وحفر الآبار، وهو أول من أحدث المستشفيات في الإسلام، توفي بدمشق، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 8، ص 121 (3) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية هبة النيل العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1، 2009، ص 137 (1/48)
صفحة 47
49
320 هـ / 932 م)، يُعد من أعظم الأطباء المسلمين، ويعتبر روبرت بويل وجاليليو وغيرهم ممن ظهروا مع فجر العلم الحديث في أوروبا عيال على علم الرازي ومنهجه). ألف الكثير من الكتب منها: الحاوي ومحنة الطبيب وبرء الساعة ومن لا يحضره الطبيب، وكتاب المنصوري الذي يصف فيه الرازي تشريح أعضاء البدن كله وصفا دقيقا، وقد تُرجم إلى اللاتينية باسم Nonus an ansoris ، وظل عمدة الأطباء في أوروبا حتى القرن السابع عشر (2). وله أيضا كتاب الجدري والحصبة، ويحتوي أقدم وصف سريري للجدري، وقد نشر في أوروبا أربعين مرة ما بين 1498 م و 1866 م باسم DeVariolis et orbillis. وكان من أهم الإنجازات الطبية لأبي بكر الرازي اهتمامه بالطب النفسي، حيث يعد أول من من وضع أصول هذا العلم، وألف فيه كتابا سماه (الطب الروحاني)» (4).
(2)
ويعد الرازي هو المبتكر لما يسمى الآن بالتجربة الضابطة، وذلك بأن يلجأ إلى عزل مجموعة ضابطة في مقابل مجموعة تجريبية؛ للتأكد من تلازم المعلول مع علته وجودا وعدما ولإثبات فرض من الفروض المقترحة)، ويستخدم هذه التجربة في علاج الأشخاص بتجربة أدوية معينة على بعضهم وكان يجرب بعض الوسائل العلاجية على نفسه. وتكريما له ولإنجازاته فقد خصصت جامعة برنستون الأميركية أفخم
(1) محمد عبد رب النبي سيد فضل العرب على الغرب في مجال البحث التجريبي، ص 113 (2) محمد عبدالرحمن مرحبا المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 250
134
(3) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 250 (4) محمد عبد رب النبي سيد فضل العرب على الغرب في مجال البحث التجريبي، ص 4 (5) محمد عبد رب النبي، سيد فضل العرب على الغرب في مجال البحث التجريبي، ص 132 (1/49)
صفحة 48
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
جناح في أجمل بناء فيها لمآثر الطبيب الفيلسوف أبي بكر الرازي، كما أنشأت دارا لتدريس العلوم العربية ونقل آثارها المخطوطة إلى اللغة الإنكليزية» (1). وتصفه المستشرقة الألمانية زيغرد فتقول: «هو الطبيب العملي الذي يعطي للملاحظة السريرية أهميتها وحقها! وهو المراقب المفكر والبحاثة الكيماوي المستقل والمجرب الناجح وهو أخيرا المنهجي في عمله الذي أضفى على الطب في عصره نظاما رائعا ووضوحا يثير الإعجاب!!» (2).
2 - الهندسة
طوّر المسلمون والعرب قليلا من هندسة، اليونان وتوسعوا في بعض نواحيها، واستخدموها على نطاق واسع، بل حفظوها، وعنهم نُقلت إلى العالم، يقول الأستاذ محمد عبدالرحمن مرحبا ولعل أعظم خدمة أداها العرب للهندسة اليونانية أنهم حفظوها من الضياع، واهتموا بها حينما أهملها غيرهم. فإنما أخذ الأوروبيون الهندسة اليونانية عن العرب أولا لا عن اليونان، فنقلوها إلى اللاتينية وظلوا يتدارسونها كما عرفوها من العرب حتى أواخر القرن السادس عشر» (3). ومن مآثر العرب أنهم جمعوا بين الهندسة والجبر، فاستخدموا الجبر في بعض الأعمال الهندسية، كما استخدموا الهندسة لحل بعض الأعمال الجبرية، فهم بذلك وضعوا أساس الهندسة التحليلية، فمهدوا السبيل لـ (ديكارت) (4) لاكتشاف قوانين الهندسة التحليلية» (ه).
(1) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 249 (2) زيغرد، هونکه شمس العرب تسطع على الغرب، ص 257 (3) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 383 (4) فيلسوف ورياضي وفيزيائي فرنسي، ت 1650 م
(5) عبدالكريم محمد نصر، علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، ص 39 (1/50)
صفحة 49
01
ويورد كتاب (المرجع) في تاريخ العلوم عند العرب عدداً ممن اشتهروا
(1)
بهندسة البناء، وأبرزهم (1)
سعد أبو عثمان بنى قنطرة على خليج مصر في عهد عبدالعزيز بن
مروان (29) هـ / 688 م)
صالح بن كيسان: أشرف على تعمير مسجد النبي عليه السلام في
المدينة أيام حكم الوليد (87 هـ / 706 م)
- يحيى بن حنظلة بنى مسجد عمرو بن العاص (92 هـ / 709 م) - إسحاق بن قبيصة: بنى قصر ا لهشام بن عبد الملك (125 هـ / 743 م) فتح الله: بنى قبة مسجد الزيتونة بتونس (150 هـ / 864 م) أحمد بن كثر الفارغاني: بنى المقياس بجزيرة الروضة (247
-
-
هـ / 961 م)
- عبدالله بن القفاص: بنى مجنبات البهو وقبة مسجد الزيتونة بتونس (385 هـ / 995 م)
ويبرز إبداع المسلمين في هندسة المساحة والبناء في المساجد والقصور وغيرها (2)، بل امتد عملهم إلى أوروبا وكنائسها، فإن كثيرا من كنائس فرنسا قد تأثرت بالهندسة العربية، ولا سيما في المدن التي كانت لها علاقات كثيرة مع الشرق. ولا غرو في ذلك، فقد استخدمت فرنسا كثيرا من المهندسين الأجانب، وكان منهم العرب، حتى إن كنيسة نوتردام دي باري المشهورة عمل فيها مهندسون من العرب» (3). وللعرب مؤلفات عديدة في المساحات والحجوم وتحليل المسائل الهندسية، واستخراج المسائل الحسابية بجهتي التحليل الهندسي والتقدير العددي، ورسم
(1) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 386 (2) محمد عبدالرحمن مرحبا المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 383 (3) محمد عبدالرحمن مرحبا المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 385 (1/51)
صفحة 50
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
المضلعات المنتظمة وربطها بمعادلات جبرية، وفي محيط الدائرة، وغير ذلك مما يتعلق بالموضوعات التي تحتاج إلى استعمال الهندسة. ومن أهم الكتب التي ألفها العرب في هذا الموضوع: (1)
(2)
رسالة في استعمال الحساب الهندسي ليعقوب بن إسحاق الكندي (2).
كتاب فيما يحتاج إليه الصناع من أعمال الهندسة لأبي الوفا محمد البوزجاني (3).
(4)
كتاب في تحليل المسائل الهندسية لابن الهيثم كتاب المساحة والهندسة لأبي كامل شجاع بن أسلم المصري (5). وإلى جانب اهتمام المسلمين بالهندسة عموما، فقد اهتموا كذلك بهندسة الري وتخطيط شبكات المياه وبرعوا فيها، إن عمل الخلفاء المسلمين في ري العراق والأندلس والشمال الأفريقي يشبه أعمال الري
(1) عبدالکريم محمد نصر، علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، ص 49 ـ 50 (2) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت نحو 260 هـ / 873 م)، فيلسوف نشأ في البصرة، اشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك من كتبه الأدوية المركبة، وتحاويل
السنين، ورسم
المعمور،
ر، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 8، ص 195 (3) أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل البوزجاني (328 هـ ـ 388 هـ / 940 - 998 م) مهندس فلكي رياضي، من كتبه: «تفسير كتاب الخوارزمي» في الجبر والمقابلة، و «الكامل» في حركات الكواكب، و ما يحتاج إليه العمال والكتاب من صناعة الحساب»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 7، ص 21 (4) أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم (354 - 430 هـ / 965 - 1038 م)، مهندس من أهل البصرة، له تصانيف في الهندسة من كتبه المناظر، وكيفية الإظلال، والأشكال الهلالية، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 6، ص 83 - 84
(5) شجاع بن أسلم بن محمد بن شجاع، مهندس مصري عالم بالحساب، ت 340 هـ / 951 م، من كتبه: المساحة الهندسية، والجبر والمقابلة، وطرائف الحساب، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 3، ص 157
52 (1/52)
صفحة 51
53
في أوروبا واستراليا والولايات المتحدة في هذا العصر» (1). واعتنى المسلمون بتخطيط المدن لتكون على أفضل حال من حيث توفر الوسائل والخدمات العامة، «فقد ذكر المؤرخون أن المخططات لهذه المدن كانت ترسم على الورق والجلود والأقمشة، وكان يعمل لمبانيها المجسمات كما يفعل المهندسون في هذه الأيام» (2).
وقد راعي المسلمون في تخطيط المدن (3): الموقع الجغرافي والاستراتيجي - توفر الماء ووسائل العيش وسبل المواصلات - الشارع العظيم والطرق المتفرعة - التوزيع القبلي - الجامع - دار الإمارة – بيت المال - الدواوين ومرابط الخيول - الحمامات والطواحين والمنتزهات - توزيع الأسواق حسب الصنعة والحرفة - وسائل الترفيه كالحدائق والساحات العامة - الأسوار والخنادق والحصون والأبراج؛ بعض المراجع تصف المدن الإسلامية بالقول: «وقد ظهر بعض هذه المدن كالمتوكلية (4) بعد تخطيطها وإنشائها كأنما هي رقعة الشطرنج» (5). أبرز وأهم العلوم التطبيقية الهندسية التي اهتم به المسلمون،
ومن
أن
الهندسة الميكانيكية (الحركية)، أو ما يسمى سابقاً بـ (علم الحيل)، «وهو
علم قديم اهتمت به الشعوب السابقة، مثل قدماء المصريين والصينيون والإغريق والرومان، لكن معظم هذه الشعوب كانت تستعمله للأغراض
(1) محمد عبدالرحمن مرحبا المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 387
(2) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 387 (3) محمد عبدالرحمن مرحبا المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 388387 (4) مدينة عراقية مندثرة، تقع شمال سامراء، بناها الخليفة العباسي المتوكل، في النصف الأول من القرن الثالث الهجري
(5) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 388 (1/53)
صفحة 52
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الدينية في المعابد، أو في ممارسة السحر والتسلية لدى الملوك (1). يذكر بعض الباحثين أن تعاليم الإسلام كانت عاملا مهما من عوامل تطور هذا العلم عند المسلمين، ومن ذلك تحريم إرهاق العبيد وتحميلهم فوق طاقتهم، وتحريم تعذيب الحيوان وتكليفه ما لا يطيق؛ ولذلك توجه المسلمون لاستعمال الآلة مكان البدن (2)؛ فاستغل المسلمون هذا العلم بعد أن أخذوه من الحضارات السابقة وطوروه لخدمة أنفسهم والإنسانية؛ وذلك بتقليل الجهد المبذول، وفي الوقت نفسه الحصول على نتائج أكبر وأفضل، في مدة زمنية أقل، ومن ذلك استعمال الروافع التي ترفع الأثقال الكبيرة بالجهد اليسير.
ويُعد المهندس بديع الزمان أبو العز الرزاز الجزري (ق 6 هـ/ 12 م) من أبرز علماء الحيل، وصنف كتاب الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل)، ويسمى في أوروبا الحيل الهندسية)، ويُعتبر من أفضل الكتب في مجاله، وهو مُزوَّد برسومات ملونة يصف فيها آلاته واختراعاته (3)، «و ما زالت بضع نسخ أصلية من هذا الكتاب موجودة في متاحف أوروبا، حيث يعتدون بها كجواهر أثرية ثمينة، وقد تُرجم الكتاب إلى اللغات الأوروبية عدة مرات، وكان قاعدة لعلم الميكانيكا الحديثة» (4)، وهو أول من اخترع إنسانا آليا متحركا للخدمة في المنزل، فهو يقدم الماء والمنشفة لسيده عندما يحين وقت الصلاة (5).
(1) صبحي سليمان، المخترعون العرب أصل الحضارة، دار العلوم للنشر والتوزيع، مصر، ط 1،
(2)
1428 هـ / 2007 م، ص 91
صبحي سليمان المخترعون العرب أصل الحضارة، ص 91
(3) انظر الصورة (2)
(4)
صبحي سليمان المخترعون العرب أصل الحضارة، ص 92 (5) صبحي سليمان المخترعون العرب أصل الحضارة، ص 93
54 (1/54)
صفحة 53
00
C
13 -
س
الصورة (2): إحدى رسومات الجزري في كتابه الجامع بين العلم والعمل، النافع في صناعة الحيل)، نقلا عن محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب.
ومما تميز به العرب وبرعوا فيه صناعة الساعات الشمسية باختلاف أنواعها، ومنها «الساعة الشمسية الثابتة التي تعلن حلول وقت الغداء بصوت رنان، والساعة التي تسير على الماء، فتقذف في كل ساعة كرة (1/55)
صفحة 54
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
في قدح معدني وصنعوا أيضا ساعات لها فتحات منسقة الواحدة تلو الأخرى على هيئة نصف دائرة، تبرق كلما جاوزت الساعة الثانية عشرة ليلا، ويمر فوقها هلال، وضًاء، كما اخترعوا الساعات التي تعمل بواسطة الأثقال والضغوط المختلفة» (1).
ولا شك أن كتابات المسلمين واختراعاتهم في هذه المجالات كانت سبقا متميزا، كما أنها شكلت نقلة نوعية في سبيل تقدم العلم عموما، والهندسة الميكانيكية الحركية خصوصا؛ وها نحن اليوم نعيش في عصر يعتمد اعتمادا كبيرا على هذا النوع من الهندسة، كحفر الآبار وضخ المياه، والتنقيب عن النفط والغاز ونقل المواد بين مختلف البلدان، وصناعة السيارات وغيرها من وسائل النقل، ورفع الأثقال للبناء والتعمير، وتصنيع المعدات العسكرية والأسلحة، وغير ذلك الكثير من المكونات الضرورية للحياة المعاصرة.
3 - الفلك:
تفوق المسلمون في علم الفلك تفوقا ملحوظا، ولا غرابة في ذلك؛ فالعديد من الآيات القرآنية تتحدث عن هذا المجال؛ بالإضافة إلى كون علم الفلك مرتبطا بشعائر المسلمين وعباداتهم. وبين عام (264 - 306 هـ / 77 - 918 م نبغ في هذا العلم محمد بن جابر البتاني)
56
6
(1) محمد عبدالرحمن مرحبا، المرجع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 352 (2) أبو عبدالله محمد بن جابر بن سنان البتاني، من أهل حران، وسكن الرقة، ت 317 هـ / 929 م، فلكي مهندس اشتغل برصد الكواكب أول من اكتشف السمت (Azin uth) والنظير (Nadir)، من كتبه: معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك، ورسالة في شرح أربع مقالات لبطليموس، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 6، ص 68 (1/56)
صفحة 55
OV
وعده علماء الغرب أنه أقدر عالم فلكي في عصره، وصحح الجداول
الفلكية لمن سبقه في هذا العلم، وقد رحل إلى عدة مراصد منها مرصد (الرقة) وذلك لتحقيق بعض النتائج الفلكية. وصحح أعمال الفلكيين السابقة بخصوص دورة القمر والأفلاك، وبرهن على إمكانية الكسوف الحلقي، وصحح أ مقدار طول السنة الشمسية، كما صحح أعمال أرسطو (1) وبطليموس (2) الفلكية، وأخيرا سجل جميع اكتشافاته في الفلك في كتابه (الزيج الصابئي) الذي عدّ من أهم الكتب في علم الفلك، وكان مرجعا لهذا العلم في الشرق والغرب» (3).
يبين الأستاذ فوزي خضر المستوى الذي وصل إليه المسلمون بقوله: «لم يكتفوا بالدراسة النظرية، وإنما أنشأوا المراصد وابتدعوا كثيرا من آلات الرصد، فرصدوا الأجرام السماوية بنجومها وكواكبها السيارة، ورسموا لها الخرائط، ووضعوا لها الجداول الفلكية (الأزياج)، وأطلقوا الأسماء على النجوم والكواكب، وأخذت أوروبا عنهم ذلك، لدرجة أن ما يقرب من نصف النجوم المعروفة اليوم تحمل أسماء عربية عند الأوروبيين أنفسهم» (4). ويقول أيضا: فالمسلمون قد فاقوا الأمم التي سبقتهم في الأرصاد والقياسات، لقد قاسوا محيط الأرض في عصر المأمون (5) فكان
6
م
(1) فيلسوف يوناني تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، عاش بين 384 ق. م - 322 ق. م (2) عالم رياضيات إغريقية، وجغرافية، وعالم فلك ومنجم، ت 161 (3) فؤاد سلامة جميعان مآثر العرب العلمية أساس حضارة الغرب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 2001 م / 1422 هـ، ص 251
(4) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 227 (5) عبد الله بن هارون الرشيد (170 - 218 هـ / 786 - 833 م سابع الخلفاء من بني العباس في العراق، اهتم بترجمة كتب الفلاسفة قرب العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر والأنساب انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 4،
ص 142 (1/57)
صفحة 56
??
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
41248 كيلومترا، وهو رقم قريب من القياس الحقيقي وهو: 40070 كيلومترا» (1).
ومن إبداعهم فصل العلوم عن بعضها، وقد أدت براعة المسلمين في علم الفلك إلى إبداعهم في مجالات أخرى، فقد انطلقوا من علم الفلك ففصلوا عنه علم حساب المثلثات على يد نصير الدين الطوسي الذي أنشأ مرصد مراغة الذي يعد من أهم المراصد في تارخ الفلك العالمي، فقد تمت فيه أعظم الأرصاد الفلكية» (2). وتصف المستشرقة الألمانية هونكه تقدم المسلمين في علم الفلك، وما قدموه من خدمات لأوروبا، حيث تقول: «فمن بين خمسمائة وأربعة وثلاثين عالما فلكيا حفظ التاريخ أسماءهم وهو لعمري- عدد لم يوجد إلا عند القليل من الشعوب المتمدنة، فإن هناك عددا كبيرا آخر لم يساهم في تطوير علوم بلاده فقط، بل قدم خدمات جُلَّى لتعليم أوروبة الجاهلة» (3)؛ مما يدلنا على المستوى العلمي الراقي الذين كان عليه المسلمون، وعلى دورهم الفعال في الحضارة الإنسانية الحديثة، وعلى مساهمتهم في نشر العلوم وإفادة العالم عموما والغرب خصوصا.
-
- الملاحات البحرية (4):
ركب المسلمون البحر، وسيطروا على طرق التجارة؛ فكان لا بد لهم من علم يخوضون به الموج، ويعبرون به المحيطات، ويتجنبون به المخاطر، ويحددون به مواقعهم و خطوط سيرهم، فكان لهم ذلك؛ فخبروا البحر وجربوه، وألفوا فيه المصنفات العديدة، بل إنهم طوروا من الأدوات
(1) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 228 (2) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 231 (3) زيغرد هونکه شمس العرب تسطع على الغرب، ص 126
(4) وما يتعلق بها من جغرافيا وفلك وأرصاد وتاريخ (1/58)
صفحة 57
المستخدمة في الإبحار، يقول الباحث محمد عوض الله: يرجع الفضل للعرب في تحسين آلتين مهمتين من أدوات الملاحة كان لهما الفضل الأكبر في كشوفات فاسكودي جاما وكولمبس وماجلان فيما بعد: إحداهما: هي آلة رصد النجوم المعروفة بالإسطرلاب والأخرى هي البوصلة البحرية المعروفة عند العرب ببيت الإبرة» (1).
وأشهر الملاحين العرب وأمهرهم الذين ألفوا في علوم البحار، وبرعوا فيها، واكتشفوا واخترعوا، هو أحمد بن ماجد بن محمد بن عمرو السعدي ت 906 هـ تقريبا 1500 م، وقد ترك مجموعة من الكتب والرسائل تتناول علوم البحر وفنونه، ومؤلفاته محفوظة في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم (2292،95 (هـ) (2)، وهو البحار الذي أطلق عليه الملاحون البرتغاليون الذين عاصروه لقب (الميرانتي) (3)، وهي أمير البحر، وذلك تكريما له واحتراما لخبرته الواسعة ومعرفته التامة بفنون الملاحة وطرق البحر الآمنة (4)، وستكون لنا وقفة خاصة مع ابن ماجد في الفصل الثاني كونه عُمانيا.
ه - الرياضيات
كلمة تعني
احتاج المسلمون إلى الرياضيات لتطبيقها في الفلك والهندسة وحساب المواريث والزكاة والأعمال التجارية؛ فبرعوا وتفوقوا وأسسوا علوما جديدة، ويمكن اعتبار القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر
عن
الله،
(1) أضواء على قاع البحر لأنور عبدالعليم، نقلا محمد عوض الحضارة الإسلامية، مكتبة المتنبي، ط 1، 1426 هـ / 2005 م، ص 115 (2) محمد عوض الله، العلوم والفنون في الحضارة الإسلامية، ص 116
(3) باللغة البرتغالية: A in irante
العلوم والفنون في
(4) أحمد مدحت إسلام، علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة
الإنسانية، ص 189
59 (1/59)
صفحة 58
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الميلاديين) القرنين الذهبيين للرياضيين المسلمين الذين يدين لهم العالم بالكثير، لحفظهم التراث القديم وتنميته، ولابتكاراتهم الجليلة) (1).
العلم.
هذا
ومن إنجازات المسلمين أنهم طوروا نظامين لكتابة الأرقام نظام الأرقام الغبارية: 1، 2، 3، ونظام الأرقام الهندية: 1، 2، 3، وقسموا الأعداد إلى زوجية تقبل القسمة على اثنين وفردية لا تقبل القسمة على اثنين (2). وتوضح لنا المستشرقة الألمانية هونكه أهمية ما توصل إليه العرب، فتقول: «فالرقم DGGGG L XXXX VIII أصبح يكتب بثلاثة أرقام بسيطة هكذا 998 (3)، فالأرقام العربية مختصرة جدا بالمقارنة بالأرقام الرومانية. «لقد عمَّت الأرقام العربية بلاد الغرب، وقامت بدورها في العلوم والرياضة والاقتصاد على مر الأيام خير قيام» (4)، وهذا
علم
اعتراف غربي بأهمية ما توصل إليه المسلمون ونفعوا به العالم. «أما المثلثات فهو علم عربي لأن علماء المسلمين هم أول من وضع هذا
العلم بشكل علمي وفصلوا بينه وبين الفلك، فالعرب استعملوا الجيب بدلا من وتر ضعف القوس الذي استعمله اليونان، والمسلمون هم أول من أدخل المماس (الظل) إلى حساب المثلثات» (ه)، ولعلم المثلثات أثر كبير في الاكتشافات والاختراعات وتسهيل البحوث الطبيعية والهندسية
6
(1) علي عبدالله الدفاع، العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، ص 101 (2) علي عبدالله الدفاع، العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، ص 108 (3) زيغرد هونکه شمس العرب تسطع على الغرب، ص 95
10
(4) زيغرد، هونکه شمس العرب تسطع على الغرب، ص 101 (5) عوض عبدالكريم ذنيبات المختار من تاريخ العلوم عند العرب دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، ط 1، 1428 هـ / 2008 م، ص 194 (1/60)
صفحة 59
والصناعية (1).
ومن
أشهر علماء المسلمين في الرياضيات: محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232 هـ / 846 م: مخترع علم الجبر، وأول من ألف فيه، وسماه باسمه الذي لا يزال يعرف به، وألف كتابا في الحساب «ظل مرجعا في علم الحساب في أوربا لعدة قرون حتى إن علم الحساب سمي في أوربا (الغورثمي) (Agorithm) (2)، نسبة إلى الخوارزمي وتكريما له ولجهوده التي خدم بها العالم. وألف «الجبر والمقابلة» وهو في غاية الإبداع، «ولا تزال بعض التعبيرات الجبرية والمعادلات التي وضعها الخوارزمي في كتابه مستعملة في كتب الجبر الحديثة حتى يومنا هذا» (3)، وتأليف الكتاب كان بدافع تطوير علم الميراث أو الفرائض (4)، وترجمه روبرت شاستر إلى اللاتينية عام (434 هـ / 1140 م). والجبر والمقابلة «صناعة يستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض، إذا كان بينهما نسبة تقتضي
ذلك» (ه).
«ومن مآثر العرب وعلى رأسهم ثابت بن قرة (6) أنهم مهدوا السبيل
(1) عبدالكريم محمد نصر، علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، ص 42 (2) أحمد مدحت إسلام، علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة الإنسانية، ص 34
(3) أحمد مدحت إسلام علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة الإنسانية، ص 44
(4) علي عبدالله الدفاع، العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، ص 121 (5) عبدالكريم محمد نصر، علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، ص 36 (6) ثابت بن قرة بن زهرون الحراني الصابئي (221 - 288 هـ / 901836 م)، طبيب حاسب فيلسوف، قصد بغداد فاشتغل بالفلسفة والطب فبرع، صنف نحو 150 كتابا، منها: «الذخيرة في علم الطب»، و «المباني الهندسية»، و «تصحيح مسائل الجبر»، انظر: خير الدين الزركلي،
الأعلام، ج 2، ص 98 (1/61)
صفحة 60
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
لحساب المشتق (التفاضل) والعملية المعاكسة للمشتق (التكامل)» (1)، وهما عمليتان غاية في الأهمية يستفاد منهما في مختلف المجالات التطبيقية، كحساب مساحة أو حجم شكل غير مستو أو غير منضبط، ومعرفة سرعة الأجسام، وتحديد الطرق المثلى لتصميم المصانع ونقل المواد أو الخامات أو المنتجات. ويظهر جليا أن للمسلمين والعرب دورا كبيرا فى الحساب والجبر وتطوير الصفر والعمليات الحسابية والأعداد الصحيحة والكسور وحساب المثلثات وخواص الأعداد وعجائبها. 6 - الفيزياء
برع المسلمون في علم الفيزياء، خاصة فيما يتعلق بالبصريات والضوء، وأكثر من سطع نجمه منهم الحسن البصري واسمه الحسن بن الحسن بن الهيثم (2) (ولد 1354 هـ / (965 م) (3) (ت 430 هـ / 1039 م) (4). ألف كتاب المناظر، ويتحدث فيه عن كيفية الإبصار، والمعاني التي يدركها البصر، وعلل الخطأ فيه، وكيفية إدراك البصر، ومواضع الخيالات، وأغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس، وكيفية إدراك البصر بالانعطاف.
العين آلة الإبصار، وقد وصف ابن الهيثم من أجزائها الهامة وطبقاتها ما يكفي من الناحية الطبيعية لتبيان عملها في نقل صور المرئيات إلى الدماغ» (5). يقول الدكتور فروخ (ت 1968 م): «كثرت نقول الغربيين
(1) عبدالكريم محمد نصر، علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، ص 39 (2) سبق التعريف به فروخ، تاريخ العلوم عند العرب، دار العلم للملايين، بيروت، ط 4، 1984 م، ص 361 (4) عوض عبدالکريم ذنيبات المختار من تاريخ العلوم عند العرب، ص 187 (5) عمر فروخ، تاريخ العلوم عند العرب، ص 10
(3) عمر
380
62 (1/62)
صفحة 61
لكتب ابن الهيثم في الفلك والفيزياء خاصة منذ القرن الثالث عشر للميلاد (السابع للهجرة إلى مطلع القرن الثامن عشر للميلاد (الثاني عشر للهجرة) فكانت هي التي أثرت في اتجاه العلم في أوروبة وجهته الصحيحة» (1)، ويقول: «ولقد سادت آراء ابن الهيثم الفلكية والبصرية في العصور الوسطى بلا منازع» (2)؛ ولذلك ترجمت كتبه للغات العبرية والأسبانية والإيطالية واللاتينية.
من أهم إنجازات ابن الهيثم أنه صحح مفهوم الرؤية فكان علماء الإغريق يظنون أن الرؤية تتم بانطلاق النور من العين إلى الجسم المرئي، وجاء الحسن بن الهيثم ليثبت عكس ذلك، فأورد في كتابه (المناظر) أن النور ينطلق من الجسم المرئي إلى العين لتتم الرؤيا، وأن العين جهاز استقبال للضوء لا جهاز إرسال» (3)، ويُستدل على صحة رأي ابن الهيثم أن الأجسام الموجودة في الظلام لا تُرى، وهذا يعني أنها هي التي تصدر الضوء لكي تحدث الرؤية، وليس الأمر متعلقا بإصدار العين للضوء. واكتشف ابن الهيثم أن انعطاف الضوء انكساره) في الأوساط الشفافة لا يتم آنيا، وإنما يستغرق زمنا معينا محدودا بسرعة معينة، وإن كان هذا الزمن خفيا على العين، وهذا ما توصل إليه العلم بعد ذلك. و قد عارض ديکارت (ت: 1062 هـ / 1650 م) هذه النظرية بعد خمسمائة عام من وفاة ابن الهيثم، وأخذ العلماء برأي ديكارت، حتى صحت نظرية ابن
(1) عمر
فروخ، تاريخ العلوم عند العرب، ص 407
(2) عمر فروخ، تاريخ العلوم عند العرب، ص 407
(3) عوض عبدالکريم ذنيبات المختار من تاريخ العلوم عند العرب، ص 186
63 (1/63)
صفحة 62
64
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الهيثم في منتصف القرن 19،الميلادي، حيث أثبتت التجارب أن للضوء
سرعة مقدارها 300000 كم/ ثانية» (1).
7 - الكيمياء:
اشتغل المسلمون بالكيمياء منذ العصور الإسلامية الأولى، واشتهر
منهم الإمام جعفر الصادق، وجابر بن حيان، وأبو بكر الرازي، والكندي والفارابي، وابن سينا والبيروني، وآخرون. فقد برعوا فيه وأبدعوا؛ حتى صار علما عربيا حتى عند الأوروبيين.
اللغات
«دخلت الكيمياء إلى أوروبا بأسماء عربية لا تزال موجودة في الأوروبية المختلفة ومن هذه الأسماء الأنبيق والكحول والقصدير والإكسير والتنور والزرنيخ والغاز والدائق ... وغيرها» (2). «أدخل العرب طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحل بواسطة الحامض، وأتقن العلماء عمليات التقطير والترشيح والتصعيد والتبلور والتذويب والتسامي والتكليس وغيرها» (3)، واستخدموا الكيمياء في الطب والصيدلة وتصنيع العطور ودبغ الجلود والأصباغ.
ومن أشهر علماء المسلمين في الكيمياء، وأبرزهم على الإطلاق جابر بن حيان بن عبدالله الكوفي الصوفي (ت 200 هـ/ 815 م) (4): ألف كتبا
(1) فوزي، خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 195
(2) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 184 (3) عوض عبدالکريم ذنيبات المختار من تاريخ العلوم عند العرب، ص 184 (4) عوض عبدالکريم ذنيبات المختار من تاريخ العلوم عند العرب، ص 182 (1/64)
صفحة 63
65
عديدة وصلت 88 مؤلفا (1)، منها: ((الإيضاح» و «البحث» و «التجريد» والخواض الكبير والميزان وصندوق الحكمة» و «الراهب و «الخالص» و «المجموعة الكبرى، والرحمة»، و «العنصر الأساسي». يقول أحمد مدحت أستاذ الكيمياء بجامعة الأزهر: أن هذه الكتب ترجمها المشتغلون بالكيمياء في أوروبا وعرفوا من خلالها التجربة العلمية المخططة، وظلت مرجعا غنيا لمدة نحو ألف عام، وأنها لم تفقد قيمتها العلمية حتى اليوم» (2). ويصف لنا حال هذا العلم قبل جابر بن حيان: صنعة الكيمياء لم تكن لها أصول مدروسة أو قواعد عامة يمكن أن يتعلمها الصفة الأساسية التي يتميز بها هذا العلم عن غيره من المعارف
الناس، وهي الأخرى، ولكنها كانت حرفة أو صنعة تقوم على الممارسة الدائمة وطول المران والتدريب» (3)، ويضيف أحد الباحثين: ولم تكن الكيمياء علما في ذلك الوقت، وإنما كانت مجموعة من الأقوال والطقوس والسحر وعلوم الأسرار، ولكن الكيمياء صارت علما على يد جابر بن حيان» (4). اكتشف جابر بن حيان الكثير من الأحماض والمركبات الكيميائية، منها (5): أحماض الكبريتيك، والنيتريك (ماء الفضة)، والكلوريديك
(1) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 176 (2) أحمد مدحت إسلام علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة الإنسانية، ص 34
(3) أحمد مدحت إسلام علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم العلمية في بناء الحضارة الإنسانية، ص 33
(4) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 157 (5) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 178 - 179 (1/65)
صفحة 64
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
(روح الملح)، والنيتروهيدروكلوريك (الماء الملكي)، والصودا الكاوية، ونترات الفضة (حجر جهنم، وثاني كلوريد الزئبق السليماني)، وكربونات البوتاسيوم والصوديوم والرصاص القاعدي، والزرنيخ. ويصف بعض الغربيين ما قام به جابر بقوله: وعلى العموم فأنه عدّل نظرية أرسطو في عناصر المعدن على أساس لم تطرأ عليه تغييرات كثيرة حتى أوائل عصر الكيمياء الحديثة في القرن الثامن عشر (1).
- الأحياء
(
بحث المسلمون كثيرا في علم الأحياء، وساهموا مساهمة فعالة تطوير هذا العلم باختلاف مجالاته، ومن أهم هذه المجالات الآتي: 1 - علم النبات:
في
برز من المسلمين أبو حنيفة الدينوري، وابن جلجل، والغافقي، وعبد
اللطيف البغدادي، وابن الرومية، ورشيد الدين الصوري، وابن البيطار
وأبا زكريا بن العوام الإشبيلي .. وغيرهم، وكان منهم من سبق عصره،
فأجرى تجاربه على تهجين الثمار مثل ابن بصال» (2).
ومن أهم إسهامات العرب في علم النبات (3):
- إصلاح وسائل الري وتنظيمها
- زراعة كل نوع من النبات في التربة الصالحة له
(1) فيليب حتي وإدورد جرجي و جبرائيل جبور، تاريخ العرب، ص 452 (2) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 154 (3) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 157 - 158
6
66 (1/66)
صفحة 65
TV
النباتات
الاعتناء بتسميد الأرض بعد معرفة السماد الصالح لكل نوع من
معرفة التلقيح في النبات
- البراعة في تنسيق الحدائق والعناية بالأزهار
أدخلوا إلى أوروبا نباتات لم تكن معروفة لهم من قبل كالأرز،
وقصب السكر، والزيتون، والمشمش (1)
أدخلوا النباتات العطرية إلى أوروبا
اكتشفوا كثيرا من قوى النباتات المناسبة لعلاج الأمراض
ومن أشهر علماء النبات ضياء الدين بن البيطار (ت 646 هـ / 1248 م) (2)، ألف كتابا قيما بعنوان (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية)، درس فيه خواص النباتات والأعشاب، ووصف أكثر من ألف وأربعمائة عقار بين نباتي وحيواني ومعدني منها ثلاثمائة عقار جديد، ذاكرا فوائدها الطبية واستعمالاتها الغذائية (3)، وقد تُرجم الكتاب إلى اللاتينية ونشرته جامعة (كريمونا) تحت عنوان (المبسط Simplicia) وذلك عام 1758 م» (4). - علم الحيوان
عر
لقد أمر الله بالتأمل في الكون، وذكرت الحيوانات في آيات خاصة، كقوله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
(1) علي عبدالله الدفاع، إسهام العرب والمسلمين في علم النبات، ص 25 (2) فؤاد سلامة جميعان، مآثر العرب العلمية أساس حضارة الغرب، ص 302 (3) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 156 (4) فؤاد سلامة جميعان، مآثر العرب العلمية أساس حضارة الغرب، ص 302 (1/67)
صفحة 66
??
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (1)، وقوله عَزَّ
من قائل: اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ، وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ} (2)، «وقد تفكر العلماء المسلمون في خلق الله تعالى وسجلوا في ذلك ملاحظات، أذهلت علماء الغرب حين ترجموها» (3). واهتموا بالحيوانات الأليفة والداجنة، وقاموا بتشريح الحيوانات، وانطلقوا إلى مجالات جديدة في علم الحيوان تعتمد على المنهج التجريبي، وقد اتضح ذلك في كتاب الحيوان للجاحظ، وحياة الحيوان الكبرى لكمال الدين الدميري، وقد أولى العرب عناية كبرى بالبيطرة» (4).
يقول بعض المستشرقين ومن أقدم من صنف في علم الحيوان الجاحظ (ت 255 هـ / 868 م)، وصنف كتاب الحيوان، والكتاب أقرب إلى العرض القصصي والكلامي منه إلى البحث البيولوجي، وكان له أثر كبير على علماء الحيوان بعده كالقزويني (ت 682 هـ / 1283 م) الذي
(1) سورة النحل/ 5 - 9
(2) سورة غافر / 78 - 91
(3) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 160 (4) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 163 (1/68)
صفحة 67
اختص بوصف الكائنات، والدميري» (1)، وعَرفَ المسلمون علم البيزرة (2) وبرعوا فيه، وكانوا أول من صنف الكتب في هذا المجال (3). 3 - علم الوراثة:
يمكن القول بأن علماء العرب والمسلمين كان لهم دور مهم في تأسيس هذا العلم؛ وذلك لما وجد من إشارات في مؤلفات «القزويني والجاحظ وشريف الدين الدمياطي وابن الجزار وغيرهم» (4).
لقد بدا واضحا أن نظرة الإسلام إلى العلوم التجريبية نظرة إيجابية فعالة، فهي من العلوم التي حثت عليها الشريعة، من خلال الأمر بتعلم الصناعات، والدعوة إلى التفكر في الكون، وإرشاد العباد للاستفادة مما الله من مخلوقات. وقد أثرت هذه النظرة في العلوم التجريبية
سخره عند المسلمين؛ فانطلقوا ينهلون من مختلف العلوم والتخصصات؛ مما كان له الدور الكبير في رقي المجتمعات الإسلامية من النواحي العلمية والاجتماعية. وقد ظهرت لنا المساهمة الفعالة التي أداها المسلمون في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة من خلال براعتهم في المنهج التجريبي، ومن خلال الأمثلة التي تطرقنا إليها في الطب والهندسة، والفلك، والملاحة،
والفيزياء، والكيمياء، والأحياء، والرياضيات.
(1) فيليب حتي وإدورد جرجي و جبرائيل جبور، تاريخ العرب، ص 453 (2) علم يتناول تربية الصقور وتدريبها، ومعرفة أنواعها، وأمراضها وعلاجها
(3) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 164 (4) فوزي خضر، إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، ص 233
69 (1/69)
صفحة 68
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وحيث إن العُمانيين جزء من العالم الإسلامي الذي بلغ ذروة التحضر العلمي في العصور السابقة، ولأن الدراسات التي تتحدث عن مساهمة العُمانيين في العلوم التجريبية شحيحة، والبحوث التي تبرز وتحلل الدور العلمي العُماني تكاد تكون معدومة؛ جاء هذا الكتاب لتسليط الضوء على جانب من جوانب الحضارة العُمانية، وللكشف عن مدى اهتمام العُمانيين بالعلوم التجريبية، وهذا ما سنحاول القيام به إن شاء الله في الفصل
الثاني.
70 (1/70)
صفحة 69
الفصل الثاني: العُمانيون والعلوم التجريبية
• (1)
لقد اعتنى العُمانيون بالعلوم الشرعية النقلية كالعقيدة والفقه واهتموا بها اهتماما بالغا وتركوا تراثا ضخما بكثرة مدوناتهم ومؤلفاتهم وعلمائهم، وتركّز اهتمامهم عليها دون العلوم الكونية التجريبية، ودون غيرها من العلوم كالتاريخ والسِّير؛ ولذلك لم يدوّن العُمانيون فيها كثيرا بالمقارنة مع العلوم الشرعية البحتة، يقول الإمام نور الدين السالمي لم يكن التاريخ من شغل الأصحاب، بل كان اشتغالهم بإقامة العدل وتأثير العلوم الدينية، وبيان ما لا بد من بيانه للناس، أخذا بالأهم فالأهم؛ فلذلك لا تجد لهم سيرة مجتمعة، ولا تاريخا شاملا»، ويقول الشيخ سيف البطاشي (ت 1420 هـ / 1999 م): كان أكثر اهتمامهم بالتأليف في الفقه والأصول والولاية والبراءة؛ فألّفوا في ذلك الجوامع الكبار، والكتب المطولة، أما التاريخ فالظاهر من أمرهم أنه لم يكن لهم به كبير اعتناء، ولم
(1) عبدالله بن حميد بن سلوم ال، ولد في الرستاق ما بين 1283 - 1284 هـ/ 1866 – 1867 م، فقيه مدقق، وإمام محقق، ومرجع عُمان في عصره، وناظم للشعر، ممن تتلمذ على يديه الشيخ صالح بن علي الحارثي، ومن تلامذته: الإمام سالم بن راشد الخروصي والإمام محمد بن عبدالله الخليلي، من آثاره: غاية المراد في نظم الاعتقاد، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، وشمس الأصول، توفي سنة 1332 هـ / 1914 م، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق)، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، ط 1، 1428 5/ 2007 م، ج 2/ 246 - 268 (2) عبدالله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مسقط، 2000 م، ج 1، ص 4
71 (1/71)
صفحة 70
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
يؤلفوا فيه كتبا مستقلة» (1)، هذا في التاريخ مع أهميته المعلومة؛ ولذا فلا عجب أن أهملوا أو قصروا في تدوين العلوم التجريبية. وحتى مَن كَتَبَ في التاريخ، فإنه لا يركّز على العلوم التجريبية، وعلى ما وصل إليه العُمانيون في هذه المجالات، يقول الأستاذ عبد المنعم عامر: وكتب التاريخ العُماني لا تتحدث عن النشاط البحري إلا قليلا لكنها تشير أحيانا إلى حوادث يستدل منها بوضوح أن العُمانيين كانت لهم خبرة واسعة بالبحر» (2). «إن الاشتغال بالعلوم الطبية والعلمية عموما، ليس بالأمر الهين في بيئة علمية تهتم أكثر ما تهتم بعلوم الدين والفقه والعقيدة واللغة» (3)؛ وذلك لوجود العلماء والكتب والمؤسسات الراعية، أما العلوم التجريبية فلا يتوفر لها ذلك إلا قليلا
ويرى الباحث حمود الغيلاني أن من ضمن أسباب عدم الاهتمام الكبير بالعلوم التجريبية في مجال الملاحة البحرية مثلا أنها تخاطب فئة محدودة من العُمانيين، أي فئة العاملين في ذلك المجال (4)، وأوافقه على هذا الرأي جزئيا، إذا إن علوم العقيدة والفقه مهمة لجميع فئات المجتمع ولا يستغني عنها أحد، بينما العلوم التجريبية تخص فئة معينة من المجتمع
(1) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، مسقط، ط 2، 1419 هـ / 1998 م، ج 1، ص 15 - 16 (2) عبدالمنعم عامر، عُمان في أمجادها البحرية، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 4، 1426 هـ / 2005، ص 21
6
(3) حسين العبري، قراءة في ثلاث قصائد طبية مخطوطة للشيخ راشد بن عميرة، ضمن (ندوة من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين) المنتدى الأدبي، مسقط، ط 1، 1429 هـ / 2008 م، ص 18 (4) حمود بن حمد الغيلاني، رسالة إليكترونية ردا على سؤال وجهته إليه بتاريخ 12/ 9/ 2015 م
72 (1/72)
صفحة 71
73
عادة، ولكن في الوقت نفسه هناك من العلوم ما يلامس عامة الناس كالطب
والفلك، ومع ذلك فهذه العلوم أيضا لم يُدوّن فيها كثيرا.
وأرى أن من أسباب قلة التدوين في هذه المجالات أنها علوم تطبيقية عملية أكثر من كونها نظرية، خاصة الهندسة والملاحة؛ فالمهندس والملاح يستطيعان ممارسة هذه الأعمال بكثرة المشاهدة والممارسة والتجربة والمران مع شيء يسير من التنظير؛ لذلك كان التلقين من أهم وأبرز مصادر التعلم عن العُمانيين. يقول مؤلفو (معادن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار): «ولقد تباينت مصادر اكتساب المعرفة والخبرة لدى العُمانيين فأغلبهم اكتسبها بالتلقين والتطبيق العملي مع الآباء والأجداد، أو مع ذوي الخبرة الطويلة والدراية ببيئته المحيطة به. ونسبة قليلة منهم أخذ العلم من الكتب والمراجع (1)
الاعتناء
وإن كان للعلوم التجريبية هذه العوامل الخاصة من عدم بها، وعدم توفر البيئة المشجعة، فإن قلة التدوين أو قلة ما بقي مما دُوّن في مختلف العلوم بشكل عام له عوامل أخرى، كالتقلبات السياسية، والظروف المناخية، والعوامل الطبيعية، يقول الشيخ البطاشي ذاكرا أسباب فقدان الكثير من مؤلفات العُمانيين: إما بعوامل طبيعية، أو حروب قبلية، أو غزوات جاءت من خارج البلاد، أو أيادي آثمة جنت على تلك الكنوز الثمينة، أو إهمال وعدم اعتناء ممن هي في يده) (2)، ويؤكد الباحث موسى
(1) مجموعة من الباحثين معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، وزارة الزراعة والثروة السمكية، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م، ص 8 (2) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 1، ص 16 (1/73)
صفحة 72
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
البراشدي: ولولا الظروف التي عصفت ببعض الإنتاج الفكري، كحريق الرستاق الذي نشب أواخر أيام اليعاربة بسبب الحرب الأهلية، والغزو الفارسي لعُمان؛ مما أدى إلى فقدان الكثير من المؤلفات العلمية» (1)، لأضافت تلك الكتب لبنة إلى التاريخ الفكري العلمي لعمان. وبالفعل فقد كانت مكتبة حصن الرستاق والتي تعتبر أهم وأكبر المكتبات العامة التي عرفتها عُمان في عصر الأئمة اليعاربة، كانت تضم كتباً في مجالات العلوم التجريبية، كالرياضيات والطب والفلك والكيمياء، إلى جانب العلوم
الشرعية واللغوية والأدبية والتاريخية والفلسفية (2).
ولا شك أن الاستقرار السياسي في أي بلد عامل من العوامل التي تؤدي إلى التحضّر والتقدم والتطور في مختلف المجالات، ولا ريب أنه يساهم في انتشار العلوم، تعلّما وتعليما، تنظيرا وتطبيقا. وبالنظر إلى تاريخ عُمان في عصورها الإسلامية المختلفة، نجد أنها اتسمت بعدم الاستقرار السياسي في أغلب الأحوال بسبب الغزو الخارجي أحيانا، والحروب الداخلية في أحيان أخرى، وبعض الاضطرابات السياسية والاجتماعية كذلك. فحكم الأئمة لم يكن مستمرا ومتصلا، فقد كانت القوى الداخلية الأخرى (غير الإمامة) أو الخارجية تسيطر على الحكم، وتقيم دولا حاكمة في عُمان» (3)؛ فموقع عُمان الجغرافي المتميز، وامتناع أهلها عن الخضوع
(1) موسي بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، جامعة السلطان قابوس، رسالة ماجستير، 2006 م، ص 133 (2) مجموعة من الباحثين الثقافة الإسلامية والتحديات المعاصرة، مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، ط 1، 1434 هـ / 2013 م، ص 347
(3) رجب محمد عبد الحليم، العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام منذ ظهوره إلى قدوم البرتغاليين مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، ط 2،
1431 هـ / 2010 م، ص 8
74 (1/74)
صفحة 73
Vo
للسلطات الخارجية، وتميزها في نظام الحكم الإمامي من العوامل التي جعلتها مطمعا وهدفا للغزاة الخارجيين الذين لم تتوقف محاولاتهم للسيطرة على عُمان في مختلف العصور. ورغم كل هذه العوامل غير المساعدة على التدوين في مجال العلوم التجريبية خصوصا، فقد وُجد العلماء والمتخصصون في هذه العلوم كالطب والفلك والهندسة والملاحة البحرية، وغيرها من العلوم، والتي سنتعرض لها في المباحث القادمة بإذن الله وسنرى كيف كانت مساهمة العُمانيين فعّالة في الحضارة الإنسانية، خاصة في مجالي الطب والملاحة
البحرية. (1/75)
صفحة 74
المبحث الأول:
السمات العامة للعلوم التجريبية عند العُمانيين: لقد مارس العُمانيون العلوم التجريبية، ولكن هل استفادوا من غيرهم وأفادوا الآخرين؟ وما مدى تفاعلهم الخارجي وتقبلهم للآخر؟ ما هي نظرة علماء الشرع تجاه ممارسة هذه العلوم؟ وهل كان للمرأة العُمانية دور فعال في العلوم التجريبية؟ أين كان يتعلم العُمانيون هذه العلوم؟ ومن أسس وأشرف على مدارسهم؟ هذا ما سنحاول إجابته في هذا المبحث بإذن الله وسنورد هنا بعض السمات العامة للعلوم التجريبية عند العُمانيين.
المطلب الأول: التبادل العلمي
اطلع العُمانيون على علوم غيرهم من الأمم، فأخذوا عنهم واستفادوا منهم، وجمعوا إليه ما خبروه وجرّبوه، وما تعلموه من أهل بلدهم، فكثيرا ما يذكر المؤلفون العُمانيون مصادرهم العلمية - خاصة الطبية، وفي كثير الأحيان تكون هذه المصادر لغير العُمانيين، بل لغير المسلمين؛ مما يدل دلالة قاطعة على سعة أفق العُمانيين، وتواصلهم مع العالم. فعلى سبيل المثال سافر الطبيب العُماني راشد بن عُميرة الرستاقي (1) في القرن العاشر إلى البيمارستان العَضُدي (2) في بغداد ليشاهد بعينه حصاة كبيرة
(1)
(1) سيأتي الحديث عنه في الفصل الثاني، مبحث «العُمانيون والطب» (2) أي: المستشفى العضدي الذي بناه عضد الدولة بن بويه في بغداد ق 4 هـ / 10 م،
والبيمارستان كلمة فارسية الأصل، معناها (دار المرضى)
VV (1/77)
صفحة 75
78
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
مستخرجة من بطن إنسان، بعدما نقل له هذا الخبر العلمي الطبيب كمال
الدين اللاري الهرموزي (1) في وثيقة كتبها له (2).
وبالرغم من شهرة العُمانيين في علوم البحار؛ فلم يمنعهم ذلك من الاستفادة من غيرهم، فهذا ناصر بن علي بن ناصر الخضوري (3) ت 1388 هـ / 1968 م، صاحب كتاب (معدن الأسرار في علم البحار) يرجع إلى القطامي (4) في جداول عروض البلدان وأطوالها وفي وصف المجاري (0) بين مراسي سواحل غربي المحيط الهندي والخليج العربي وخليج عدن والبحر الأحمر (6).
(5)
وفي الوقت نفسه لم تقتصر علوم العُمانيين عليهم، بل انتشرت في الشرق والغرب، فمنظومة (زاد الفقير وجبر الكسير) للطبيب راشد بن خلف) (ق 10 هـ) توجد منها نسخة في الخزانة الحسنية بالرباط في
(1) كمال الدين بن طهر الدين بن اختيار الدين اللاري (ق 10 هـ 16 م، نسبة إلى جزيرة لار في فارس الهرموزي نسبة إلى هرمز، انظر: سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني في مجالات الزراعة والعمارة والطب والفلك، محاضرة مقدمة في جامعة نزوى، الأربعاء 7 ربيع الثاني 1436 هـ / 27 يناير 2015 م، ص 10 (2) سلطان بن مبارك الشيباني، أمالي التراث نظرات نقدية وقراءات في جديد التراث العماني مخطوطه ومطبوعه، ج 1، مركز ذاكرة عُمان، مسقط، ط 1، 1435 هـ / 2014 م، ص 241 -
242
(3) نوخذة من ولاية صور سيأتي الحديث عنه في الفصل الثاني، مبحث «العُمانيون والملاحة» (4) لم يذكر اسمه ولا تفاصيل أخرى عنه في كتابه، ولعله من الكويت حاليا؛ لوجود هذه القبيلة
هناك
(5) الطرق البحرية، وهي المسالك المعروفة عند الربابنة العرب
(6) ناصر بن علي بن ناصر الخضوري (ت 1388 هـ / 1968 م)، معدن الأسرار في علم البحار، شرح وتحقيق، حسن صالح شهاب، وزارة التراث والثقافة مسقط، ط 2، 1436 هـ / 2015
م، ص 7
(7) سيأتي الحديث عنه في الفصل الثاني، مبحث «العُمانيون والطب» (1/78)
صفحة 76
79
المغرب (1)، وأماكن أخرى كثيرة داخل عُمان وخارجها، سنوردها في مبحث الطب عند الكلام عن المنظومة. ولعل أكثر ما اشتهر من مؤلفات العُمانيين وانتشر في بقاع المعمورة كتب أحمد بن ماجد في علوم البحار، وبالأخص كتابه (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد)، والذي توجد منه نُسخ في البحرين والكويت، وسورية، والمملكة المتحدة (2)، وفرنسا (3)، وكذلك كتابه (حاوية الاختصار في أصول علم البحار) توجد نسخة منه في المملكة المتحدة (4)، وأخرى بباريس (5)، والأرجوزة السفالية توجد منها نسخة في روسيا (6)، وأراجيز (السبعية) و (تحديد القبلة) و (المعلقية) و (هادية المعالمة) توجد في باريس). أما الطبيب ماكس مايرهوف (8) (ت 1364 هـ / 1945 م فقد كان من أهم مقتنياته في التراث الطبي
(1) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث إلى ذخائر التراث الفكري العُماني، مركز ذاكرة عُمان، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م، ص 73
(2) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث، ص 74،87 (3) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث، ص 87 وسعيد بن محمد الهاشمي، بعض المخطوطات العُمانية في المكتبات الأوروبية المنتدى الأدبي، مسقط، ط 1، 1427 هـ / 2006 2006 م، ص 86
(4) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث، ص 84 (5) سلطان بن مبارك الشيباني مفتاح الباحث، ص 85 وسعيد بن محمد الهاشمي، بعض المخطوطات العُمانية، ص 84
(6) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث، ص 85 وسعيد بن محمد الهاشمي، بعض المخطوطات العُمانية، ص 83
(7) سعيد بن محمد الهاشمي، بعض المخطوطات العُمانية، ص 83 (8) طبيب ألماني، متخصص في طب العيون والصيدلة، دَرَسَ اللغة العربية، واستقر بالقاهرة منذ سنة 1321 هـ / 1903 م إلى أن توفي عام 1364 هـ / 1945 م، درس التراث الطبي العربي، وأنجز فيه أكثر من ثلاثمائة بحث سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني،
ص 12) (1/79)
صفحة 77
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
العُماني: ثلاث نسخ خطية لشرح قصيدة: زاد الفقير وجبر الكسير؛ للطبيب راشد بن خلف القرّي الرستاقي (ق 10 هـ (16 م)، أهمها نسخة عتيقة كتبت بعد وفاة مؤلفها بقليل، إضافة إلى أرجوزة تشريح العين وشرحها للطبيب ابن عميرة. وقد دَوَّن عليها بخطه بعض التعليقات والملاحظات، وتناولها بالحديث في عدة دراسات له عن طب العيون عند العرب» (1)، وفي علم المعادن والجواهر، نقل أبو الريحان البيروني (2) (ت 440 هـ / 1048 م) في الجماهر عن أبي العباس (3) العُماني كلاما عند حديثه عن الألماس: «قال أبو العباس العُماني: أن معدنه في تنكلان قامرون في جبل ترابي، يغسل عنه ترابه في الستة التي يكثر فيها البروق» (4).
(2)
وهذا يدلنا على وصول علوم العُمانيين لغيرهم، واستفادتهم منها، كما
استفادوا
هم
كذلك من غيرهم. وعند الحديث عن تفاصيل مساهمات
العُمانيين في العلوم التجريبية في المباحث القادمة خاصة الطب_ سيتبين لنا أكثر مدى انفتاح العُمانيين على الآخر، وكيف أنهم أقبلوا على
أخذ العلم حتى من غير المسلم.
(1) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 12
(2) أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، (362 - 440 هـ / 1048973 م)، فيلسوف رياضي مؤرخ، من أهل خوارزم صنف كتبا كثيرة جدا متقنة، منها: «استخراج الأوتار في الدائرة»، و «الاستيعاب في صنعة الأسطر لاب»، وتحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 5، ص 314 (3) أبو العباس (ق) 3 هـ / 9 م)، فقيه، نقل عن أبي بكر الموصلي، وحفظ عن محمد بن هاشم عن محمد بن محبوب، له مسائل في الأثر، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 229 230 (قلت: وجدت هذه الترجمة والله أعلم بحقيقته) (4) محمد بن أحمد البيروني (ت 440 هـ / 1048 م)، الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتاب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1432 هـ / 2011 م، ص 109
10
109 (1/80)
صفحة 78
81
المطلب الثاني: الأدب والرسومات:
وكما عُرِفَ عن العُمانيين استخدامهم للنظم في العقيدة والفكر والفقه واللغة، فقد نظموا كذلك في جانب العلوم التجريبية كالطب والفلك والبحار، ففي المجال الطبي نظم بعضهم مقطوعات تصف الأدوية ومنافعها، كالطبيب بشير بن عامر الفزاري (1) (ق 11 - 12 هـ)، والشيخ بن سنان الغافري (2) (ت 1125 هـ) الذي كانت له أجوبة نظمية الطب، ومما يلفت النظر أن الطبيب راشد بن خلف بن هاشم العيني
خلف
في
(2)
الرستاقي (ق 10 هـ قسم العلوم إلى ثلاثة أصناف: علوم الأديان، وعلوم اللسان، وعلوم الأبدان. مشيرا إلى أهمية علم الطب المندرج تحت علوم الأبدان، وأنه لم يطلع على نظم فيه، مع وقوفه على منظومات كثيرة في علوم الأديان واللسان، وهذا ما دفعه إلى إنشاء منظومة مختصرة في القواعد الطبية، سمّاها (زاد الفقير وجبر الكسير)» (3).
أهم
(1) بشير بن عامر بن عبدالله الفزاري، كان حيا عام 1110 هـ / 1698 م، عالم فقيه، وطبيب ناظم للشعر، من ولاية إزكي له مراسلات طبية مع الطبيب علي النزوي، وديوان شعري، ونظم لمسائل فقهية، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 1/ 73 - 74، سيأتي الحديث عنه في الفصل الثاني، مبحث «العُمانيون والطب» (2) خلف بن سنان بن. خلفان بن عثيم الغافري، قاض ووال، وعالم فقيه، وأديب شاعر، من ب المعمور، وصل درجة الفتوى، له مقامة أدبية بليغة، وأجوبة كثيرة في الأثر، وديوان شعري مخطوط، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 1/ 181 - 182 (3) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث، ص 15 - 16
بلدة (1/81)
صفحة 79
82
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وللبحار أحمد بن ماجد بن محمد السعدي أراجيز كثيرة تتجاوز العشرين، وكانت الإرشادات الملاحية تنتشر بين البحارة وتنتقل من جيل إلى جيل آخر منهم، عن طريق المنظومات والأراجيز، أكثر من انتشارها عن طريق الرحمانيات (1) النثرية) (2)؛ وذلك لما تتميز به المنظومات من سهولة الحفظ والرواية.
رسم
ومن المشهور عن فقهاء عُمان أنهم يرون حرمة رسم ذوات الأرواح؛ ولذلك يندر وجودها في المخطوطات العُمانية، ولم يكن ذلك مانعا من الأشكال التوضيحية في المخطوطات العلمية التجريبية، حيث امتاز الطبيب راشد بن عميرة الرستاقي (ق 10 - 11 هـ) برسم تشريح العين، ورسم أدوات الكي، كما ظهرت آلات الإبحار و «أشكال السفن وخطوط الملاحة في مصنفات البحار ابن ماجد السعدي (3)، وغيره من الملاحين العُمانيين الذين صنفوا في هذا المجال كناصر بن علي الخضوري (4) في كتابه (معدن الأسرار في علم البحار).
(1) الرحمانيات: كلمة عربية تعني الدليل البحري لقباطنة السفن الشراعية (النواخذة أو الربابنة)، وتشمل أسماء المناطق والمراسي والعلامات التي يستدل بها لمعرفة المواقع كقمم الجبال أو الرؤوس البحرية، كما تشتمل على المسافات بين كل منطقة وأخرى، انظر: حمود بن حمد الغيلاني، أسياد البحار، 2016 م، ص 51
(2) ناصر بن علي بن ناصر الخضوري معدن الأسرار في علم البحار، ص 6 (3) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث إلى ذخائر التراث الفكري العُماني، ص 62 (4) نوخذة من ولاية صور، توفي سنة 1388 هـ/ 1968 م (1/82)
صفحة 80
المطلب الثالث: علماء الشرع والعلوم التجريبية
:
لقد كان علماء المسلمين في السابق متعددي التخصصات، فكان الطبيب فقيها، والفلكي مهندسا وكذلك الحال عند العُمانيين؛ فبالرغم من اهتمامهم الكبير بعلوم الشريعة، إلا أن بعض الفقهاء أنفسهم كانوا أطباء وفلكيين أدباء، وغير ذلك من التخصصات، فالشيخ سليمان بن أحمد الريامي (1)، وصفه الشيخ البطاشي بأنه بلغ غاية في زمانه في علم الطب وعلم الفلك» (2)، والشيخ خلف بن سنان الغافري (ت 1125 هـ) «عالم
6
الله
موسوعي جمع بين الفقه والأدب والطب والفلك، ففي مجال الطب كانت له أجوبة نظمية» (3)، والشيخ عبدالله بن مداد)، الذي يقول عنه البطاشي في إتحافه: «وكما أنه من أكابر الفقهاء في زمانه، فهو أيضا طبيب ماهر» (5)،
(1) سليمان بن أحمد الريامي، من علماء القرن 11 هـ 17 م، كان طبيبا وفلكيا وناظما للشعر، انظر: سيف البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 3، ص 277 (2) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 3،
ص 277
(3) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 124
بن
مداد،
بن محمد بن من فقهاء القرن ن 9 هـ / 15 م، انظر: البطاشي، إتحاف
(4) عبدالله مداد الأعيان، ج 2، ص 67
(5) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2، ص 67
83 (1/83)
صفحة 81
??
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
والعلامة عمر بن مسعود بن ساعد المنذري (1) (ت 1160 هـ / 1747 م) «فقيه عالم نبغ في علوم الطب والفلك والرياضيات» (2)، والفقيه سعيد بن راشد الفارسي (3) كان حاذقا في الطب والأدب» (4). وهي سمة بارزة أيام الدولة اليعربية، فقد وجد عدد من العلماء الذين يجمعون في كثير من الأحيان بين علوم شتى كالفقه والطب وعلوم الفلك والأسرار وغيرها، وكون الطبيب يجمع بين الطب وهذه العلوم له أهمية في تسخير الفقه لخدمة الطب، ومن هنا وجد لدينا علماء فقهاء وأطباء كالشيخ الطبيب علي بن عامر بن عبدالله النزوي)، والشيخ القاضي ناصر بن سليمان
(1) عمر بن مسعود بن ساعد بن مسعود المنذري، عالم في الطب والفلك ونبغ في الرياضيات، وفقيه ناظم للشعر، من بلدة السليف بعبري، له رسائل في الفقه والأدب والطب، وقصائد في المدح والغزل والنسب انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 7473/ 1، سيأتي الحديث عنه في الفصل الثاني، مبحث «العُمانيون والفلك» (2) سلطان بن مبارك الشيباني ومحمد بن عامر العيسري، نوادر المخطوطات العمانية المحفوظة في دار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة وزارة التراث والثقافة مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م، ص 189 (3) سعيد بن راشد بن مسلم الفارسي، المشهور بـ «ولد الظبي»، فقيه طبيب، وأديب ناظم للشعر، ولد في خضراء بني دفاع، ثم سكن فنجا، فسمائل، توفي 1367 هـ / 1948 م
(4) فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 88 - 89 (5) علي بن عامر النزوي، كان حيا عام 1059 هـ / 1649 م، طبيب فقيه، من بلدة العقر بنزوى، له مراسلات في الطب مع الطبيب بشير الفزاري انظر: فهد بن علي السعدي، معجم ا الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 358، سيأتي الحديث عنه في الفصل الثاني، مبحث «العُمانيون
والطب» (1/84)
صفحة 82
85
بن محمد بن مداد)، وغيرهم كثير) (2) فيظهر أن علماء الشرع العُمانيين لم يمنعوا تعلم هذه العلوم، بل مارسوها بأنفسهم؛ لأهميتها في الحياة الشخصية والاجتماعية والتعبدية، بالإضافة إلى دورها الكبير في خدمة الدين، وكونها وسيلة لنيل الأجر والثواب من رب العالمين. وقد تحدث صاحب موسوعة (قاموس الشريعة) الشيخ جميل بن خميس السعدي (ق) 13 هـ / 19 م عن بعض العلوم التجريبية عند تقسيمه للعلوم بشكل عام، فقال عن الطب: «أما العلم البدني: فهو العلم الطبي الطبيعي، وهو علم شريف عظيم النفع جدا، لا غناية عنه؛ لأن الدنيا طريق الآخرة، والنفس إذا استأصلها الداء، ولم تقابل بالدواء؛ تعطلت منها الحواس، وأقبل عليها الهم والخوف والوجل؛ فلا تجد الوسع لفهم شيء من العلوم جزما، إلا ما يشاء الله، ويتعطل منها مع ذلك القيام بالعلم والتعلم والعبادات» (3)، فالشيخ هنا يذكر الأهمية العظيمة لعلم الطب، لدرجة أنه يؤثر في مدى اكتساب العلوم الأخرى، بل في القيام بالعبادة على الوجه الأكمل؛ ولذلك فإنه يوجه طالب العلم بأن يأخذ قسطا منه، فيقول: «وإن كان ذلك كذلك كان لا بد للمريد الطالب من أن يأخذ العلم الطبيعي الطبي قدرا صالحا لصلاح المطية؛ لتقوى على السير وحمل
من
(1) ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد الناعبي، ت 1141 هـ / 1729 م، قاض فقيه، من بلدة العقر بنزوى، كان قاضيا للإمام سلطان بن سيف اليعربي، ومرجع الفتوى في زمانه، أجاب على أسئلة كثيرة للإمام، سلطان انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 3/ 260 - 261
(2) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 124 (3) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، ط 1، 1436 هـ/ 2015 م، ج 1، ص 98 (1/85)
صفحة 83
86
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الأثقال من الأمانات، ولتقطع الطريق باجتهاد من غير تعب ولا نصب، ولا
احتمال مشقات» (1).
وتحدث عن العلم الفلكي النجومي، فقال: «علم شريف؛ لأنه به يُستدل على معرفة الساعات، والساعات يقع الاستدلال بها على معرفة أوقات
الصلوات، ويقع بها الاهتداء إلى السبيل في ظلمات البر والبحر» (2)، وفوائد علم الفلك عديدة، ومنفعته جليلة، وسنتحدث عنها بإذن الله في مبحث العُمانيون والفلك». وتحدث الشيخ السعدي عن علم الرياضيات، وسماه العلم العدد التركيبي، فقال: «علم معرفة تركيب صفيات الآحاد والعشرات والمائين والآلاف، وتركيب الآحاد مع العشرات، والعشرات مع المائين والمائين مع الآلاف، فهو علم شريف عظيم النفع جدا، والحاجة إليه ماسة، والضرورة إليه داعية؛ إذ لا بد للنفس من قوام حال الحياة» (3)، وما من شك أن للرياضيات دوراً كبيراً في الحياة؛ ففي التخصصات التجريبية أسس الفيزياء والكيمياء والهندسة والتصنيع، وغير ذلك
تعتبر
أساسا من
من العلوم، وفي مجال العبادات، يُحتاج إليها في قسمة المواريث وحساب الزكاة مثلا؛ لذلك قال الشيخ السعدي: «لا بد إذا للحي المتعبد من أن يأخذ من منه قدر ما يصلح به دينه ودنياه» (4).
وقد يتوهم بعض الناس موقفا معارضا لبعض علماء الشريعة العُمانيين للعلوم التجريبية، عندما يسمع على سبيل المثال قول أبي مسلم
(1) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 1، ص 98
(2) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 1، ص. (3) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 1، ص 101 (4) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، ج 1، ص 102
102 (1/86)
صفحة 84
87
البهلاني (1) (ت 1339 هـ / 1920 م):
دع المهندس في الأشكال مختبطا وصاحب النجم يرعى النجم إن طلعا واقصد فقيها بنور الله مشتعلا يريك ما ضاق عنه الجهل متسعا
فلا يهمك يوم الحشر هندسة
ولا سؤال عن المريخ كم قطعا
لكن المقصود بالذم هنا هو الاشتغال بهذه العلوم مع إهمال علوم الشرع، يقول الدكتور راشد الدغيشي في شرحه للقصيدة: أي اترك الذي يشتغل بالعلوم الدنيوية كالمهندس والفلكي ويقصد بهما الذين ضيعوا العلم الشرعي؛ أي هما جاهلان في العلوم الشرعية لا يؤديان الفرائض كما فرضت، بل كل همهم تعلم العلوم الدنيوية، أما المهندس والفلكي الفقيهان اللذان درسا الفقه وأتقناه فلا يقصدهما» (2)، والدليل أنه قال في بيت سابق من القصيدة نفسها
فاطلب وأطلق بلا قيد ولا حرج وقف إذا كان عنه الشرع قد منعا فلا مانع من تعلم أي علم ما لم يمنعه الشرع، وبطبيعة الحال فإن الشرع لا يمنع من تعلّم العلوم النافعة، والتي يعمر بها الإنسانُ الأرض كما أمر الله تعالى، والتي تعينه في شؤون حياته، وترشده حتى في عبادته. وبمثل
ذلك حكم الإمام السالمي في جوهره، حيث قال: العلمُ دَركُ القلب مثلُ البصر يكون درك العين عند النظر وهو على الإطلاق محمود لما جاء من الثناء فيه فاعلما
(1) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، ولد 1277 هـ / 1861 م في بلدة محرم بسمائل، قاض فقيه، ومتكلم أديب، وسياسي مصلح، وشاعر بليغ من آثاره نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، والعقيدة الوهبية، والنشأة المحمدية، وله ديوان شعري انظر: فهد بن علي السعدي الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 251/ 3 - 259 (2) راشد بن علي الدغيشي، شرح الموسوعة الشعرية لأبي مسلم البهلاني، المجلد 1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 1015 م، ص 639 (من شرح قصيدة
معجم
العلم) (1/87)
صفحة 85
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ولا يُدَم أبداً وإنما يُدَم ما كان شبيهاً بالعمى (1) ويظهر هذا الموقف جليا في رسالة وجهها الشيخ صالح بن عيسى الحارثي (2) إلى السلطان قابوس بن سعيد خلال السنوات الأولى من عصر النهضة الحديثة (3)، مقترحا فيها إنشاء جامعة إسلامية تُعنى بعلوم الدين، حيث يقول في نهاية المقترح: ولست أقصد من إنشاء الجامعة الإسلامية، والحرص على التراث العُماني قصر الجامعة على علوم الدين والمذهب، بل إنني أدعو إلى الأخذ بكل العلوم النافعة للإنسان، من طب وهندسة وصناعة وتكنولوجيا، وقانون وغيرها مما تبيحه الشريعة المحمدية، فديننا - والحمد لله دين تقدم وتطور وتحرر وكرامة، يحث على الأخذ بأسباب القوة أيا كان نوعها، ويأمل بكل ما فيه عز المؤمنين ورقيهم وإعلاء شأنهم؛ لتكون كلمة الله هي العليا، فإذا أخذنا بهذا المبدأ نكون قد أعطينا الدنيا والآخرة كلا منهما نصيبهما كما أمر الله. (4) فالشيخ صالح يدعو إلى الأخذ بالعلوم التجريبية؛ كونها من العلوم النافعة المباحة في شريعة الإسلام، ولأن فيها العزة والرقي للمؤمنين، بل هي من أسباب القوة التي يُعلِي بها المؤمنُ كلمةَ اللَّه.
(1) عبدالله بن حميد السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علق عليه: أبو إسحاق اطفيش وإبراهيم بن سعيد العبري، مكتبة الإمام السالمي، مسقط، ط 13، ج 1، کتاب «العلم»،
ص
عيسي
(2) صالح بن عيسى بن صالح بن علي الحارثي ولد بالقابل من شرقية عُمان عام 1331 هـ / 1917 م، جده الشيخ المحتسب صالح بن علي شيخ الإمام السالمي، وأبوه الأمير أحد أركان الإمامة؛ فهو من عائلة علم وصلاح وزعامة والشيخ صالح سياسي نشط ودبلوماسي رفيع المستوى كان نائبا للإمام غالب بن علي الهنائي وممثلا عنه. خارج عُمان منذ عام 1275 هـ / 1955 م، توفي عام 1407 هـ / 1987. (3) تحديدا في 25 جمادى الأولى 1394 هـ/ 16، 6، 1974
(4) سالم بن سعيد البوسعيدي، صالح بن عيسى الحارثي سيرة حياة وتاريخ وطن، رؤى، لبنان،
ط 1، 1435 هـ / 2014 م، ص 148
88 (1/88)
صفحة 86
هو
:
المطلب الرابع: المرأة العُمانية والعلوم التجريبية المرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع، أعطاها الله العقل والفهم والقدرةَ
-
على كسب العلوم كما أعطى الرجل، ومنحها الإسلام الفرصة لتعلم العلوم النافعة، وخدمة الأمة والإنسانية، مع الالتزام بالضوابط التي وضعها الشرع؛ لصونها وللحفاظ على المجتمع سليماً عفيفاً. وكما كان عطاء المرأة في العلوم الشرعية قليلا مقارنة بالرجل؛ فإن الأمر كذلك أيضا بل أقل في مجال العلوم التجريبية؛ فلا تذكر المصادر كتابا أو رسالة أو تصنيفا واحدا لامرأة عُمانية في هذه المجالات، وإنما بعض المساهمات التطبيقية مع شيء من المعرفة في الطب والهندسة والفلك والحساب. وكأمثلة على دور المرأة العُمانية في العلوم التجريبية أنقل النصوص التالية: راية بنت سويلم البليشي (من ولاية بدية) (1): «تعلمت طب الكي؛ فكانت خبيرة في الكي عن الموضح ومرض الزهار الذين لم يكن لهما علاج في القديم إلا به، وأكسبتها الحياة بمرور أيامها خبرة في توليد
النساء» (2).
شونة من محلة الدويرة بولاية الرستاق) (3): «لها معرفة بالطب
(1) راية بنت سويلم بن علي البليشي (ق) 14 هـ)، ناسكة عابدة من أهل بدية، انظر: سلطان بن مبارك الشيباني، معجم ا النساء العُمانيات، ص 56
(2) بدرية بنت حمد الشقصية، السيرة الزكية للمرأة الإباضية، ط 1، 1421 هـ / 2000 م، ص 193 (3) شونة بنت ودير، مولاة للسيد سيف بن حمد البوسعيدي، توفيت في الخمسينيات من ق 14 هـ، انظر: سلطان بن مبارك الشيباني، معجم ا النساء العُمانيات، ص 94
89 (1/89)
صفحة 87
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الشعبي، والعلاج بالأعشاب والعقاقير وبالكي أيضا» (1).
شيخة العلوية (2): «كانت امرأة متعلمة يقصدها الناس للاستفادة،
وكان لديها اطلاع ومعرفة في علم الحساب والفلك» (3).
ميثاء من ولاية بهلا هندست، لبناء فلج، وقامت بتنظيم مجراه،
6
وسمي باسمها» (4)، والفلج مستمر في العطاء حتى وقتنا الحالي
(0)
الصورتان (43): فلج الميثاء وهو ما زال يواصل التدفق ولله الحمد، وبجنبه مدرسة الميثاء لتحفيظ القرآن، ومسجد الميثاء حيث يمر الفلج أسفل صرحه (تصوير الزميل سالم الهميمي، 21 ربيع الأول 1438 هـ / 21 ديسمبر 2016 م)
(1) مهنا بن خلفان الخروصي الرستاق على صفحات التاريخ، 1428 هـ / 007 2007 م، ص 68 (2) شيخة بنت عامر بن غصن العلوية (ق 15 هـ)، من أهالي ينقل بالظاهرة، كان لفصيلتها الغصون زعامة إمارة ينقل، وكان آخرهم أخوها سيف أمير ينقل حتى حكم السلطان قابوس،
الله
انظر: محمد بن عبدالله السيفي، النمير، ج 3، ص 99
(3) محمد بن عبدالله السيفي، النمير، ج 3، ص 99
(4) خليفة بن عثمان البلوشي، عُمانيات في التاريخ، ص 84، مسقط، وزارة التراث القومي
والثقافة، ط 2، 1403 هـ / 1983 م
(5) انظر الصورتين (34) (1/90)
صفحة 88
خويصرة بنت سليمان العوفية: «شقت فلجا في نزوى، وكان يسقي مزارع كثيرة في البلد، وما زالت الساقية موجودة إلى الآن، وإن كان الفلج
قد جف، ولكن الساقية شاهدة على أن امرأة هندست هذا الفلج (1). مهندسة فلج دارس بنزوى: «عندما أراد الإمام سلطان بن سيف شق فلج دارس هندسه بطريقة معينة، جاءته امرأة وقالت له: ليس كذلك يا إمام المسلمين، أتريد الفلج ليدوم أو لفترة قصيرة؟ قال: أريده لعشرات السنين، قالت: إذن اسمع ما أقوله لك، وهندست الفلج، والآن يعتبر فلج دارس من
ضمن أغزر الأفلاج على مستوى العالم، وهو من هندسة امرأة» (2). ويعد فلج دارس من الأفلاج التي تم إدراجها في قائمة التراث العالمي، «حيث أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في عام 2006 م خمسة من الأفلاج العُمانية في قائمة التراث العالمي هي: فلج دارس وفلج الخطمين في ولاية نزوى، فلج الملكي في ولاية إزكي، وفلج الميسر في ولاية الرستاق وفلج الجيلة (3) في ولاية صور». (4)
(1) منذر بن عبدالله السيفي، مادة مرئية (2) منذر بن. عبدالله
السيفي، مادة مرئية
(3) شقّ جزء من ساقية هذا الفلج على الجبل، وبطريقة هندسية بديعة؛ فكان منظرا جماليا فريدا،
انظر الصورة (5)
(4) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ورقة بحثية مقدمة لندوة «إسهامات العُمانيين في العلوم التطبيقية بجامعة السلطان قابوس، مسقط،
V
10
الإثنين 7 ديسمبر 2015 م، ص 2
91 (1/91)
صفحة 89
92
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة (5): فلج الجيلة بولاية صور والشق البديع على الجبل
هذه بعض النماذج التي توصلت إليها، ولعل هناك أكثر من ذلك، والأمر يحتاج إلى مزيد بحث وتنقيب. ولم يمنع المرأة من طلب العلم والمساهمة في خدمة المجتمع إلا الوضع الاجتماعي - غالبا والفهم الخاطئ للدين عند بعضهم، أما الشرع فلا يحظر عليها ذلك ما دامت محتشمة ملتزمة، لا تخالف أوامر الدين من تجنب مزاحمة الرجال والتبرج وإبداء الزينة والخضوع في القول، وغيرها من المخالفات الشرعية المنتشرة في زماننا بحجة أن العمل عبادة وأن المرأة شقيقة الرجل إلى غير ذلك من الكلمات التي يستخدمها البعض لإخراج المرأة من عفتها وحيائها. يقول الشيخ (1/92)
صفحة 90
إبراهيم بن سعيد العبري (1): ونحن لا ننكر أنه برز في العصور الأولى للإسلام نساء بلغن في العلم درجة عجز كثير من الرجال عن بلوغها، ولكنهن طلبن العلم وَهُنَّ يدنين عليهن من جلابيبهن، ويضربن بخمرهن على جيوبهن. أما دعاة الاختلاط فيريدون من بناتنا أن يحضرن دور العلم في عطرهن وزينتهن ويتبرجن؛ لأن الإسلام أباح اختلاط المرأة بالرجال في دور العلم. وتغافلوا عن كبرى العلل التي ينتجها التبرج المثير للشهوة والداعي إلى الفتنة، يحلون ما يعجبهم ويتغافلون عما لا يعجبهم ثم يضربون المثل بعائشة وأسماء وحفصة، وغيرهن من الصحابيات اللواتي فقن كثيرا من الرجال فقها وفضلا» (2).
(1) الشيح إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري ولد بالحمراء من داخلية عُمان عام 1314 هـ / 1896 م، أديب كاتب وقاض فقيه، وأمير على قومه كان قاضيا للإمام سالم بن راشد الخروصي،، ومفتيا لسلطنة عُمان في عهد السلطان قابوس حتى وفاته عام 1395 هـ / 1975 م، من آثاره: تبصرة المعتبرين في سيرة العبريين، ورسالة مختصرة في سيرة الرسولصلى الله عليه وسلم، ورسالة في أسماء مناطق عُمان وبلدانها وأوديتها، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 1/ 3 - 9 (2) مجموعة من الباحثين، الآثار العلمية للشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، جامعة السلطان قابوس، مركز الدراسات العُمانية، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015. 20 م، المجلد 2، ج 4، ص 13
93 (1/93)
صفحة 91
المطلب الخامس: مدارس العلوم التجريبية
لا ريب أن وجود المدارس النظامية لتدريس أي علم من العلوم لهو دافع كبير على إقبال الناس عليها، وسبب من أسباب انتشار العلم والعلماء والمصنفات. وعبر التاريخ العُماني؛ فإن المدارس التي تدرس العلوم الشرعية واللغوية في مستوياتها العليا كانت قليلة، فالاعتماد غالباً يكون على الذات أو على شيخ أو مدرس خاص، أو في أحسن الأحوال على حلقة تضم عددا بسيطا من التلاميذ يتحلقون على شيخ واحد يعلمهم العلوم المختلفة، ولذا؛ فإن انتشار مدارس العلوم التجريبية سيكون أقل بالتأكيد؛ نظرا لما هو معلوم من قلة الاهتمام بهذه العلوم - عند العُمانيين مقارنة بالعلوم الشرعية.
ولقد عاشت عُمان خلال عصر الإمامة الثانية (177) - 280 هـ / 793 - 893 (م) ازدهارا حضاريا و رخاء، اقتصاديا كان من إفرازاته اهتمام الناس بالعلم والتعليم؛ فأقيمت المدارس التي كانت في المساجد ابتداءً، ثم أقيمت على شكل بناء منفصل داخل ساحة المسجد، حتى أصبحت المسجد مع بقائها قريبة منه؛ ليبقى الارتباط بالمسجد
مستقلة تماما
عن
وبالشعائر الدينية قويا منذ الصغر. ومن ضمن العلوم التي كانت تُدرس
في هذه المدارس بالإضافة لعلوم الشرع واللغة «مبادئ علم الحساب:
95 (1/95)
صفحة 92
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
كالطرح، والجمع، والضرب والقسمة» (1) ومن المدارس التي اهتمت بتدريس مبادئ الحساب إلى جانب علوم الدين والتاريخ مدرسة الجبة في الرستاق، والتي أُنشئت على يد العلامة الشيخ هلال بن بشير الربخي، وكانت ملحقة بمسجد الجبة الأثري. (2) ولا شك أن للأئمة دوراً في تهيئة البيئة العلمية؛ فقد «أقام الإمام بلعرب (3) في قصر جبرين مدرسة علمية، فيها علماء ومدرسون تُجرى لهم راوتب شهرية، وكان يمنح طلابها مكافآت لحثهم على الدراسة والتفوق وهم يدرسون الآداب والحقوق والفقه والتاريخ وعلم الفلك وعلم التنجيم والطب والكيمياء (4) (5)، ومما يدل على اهتمام الإمام بلعرب بالعلم وأهله أنه جعل الغرف العالية من حصن جبرين للمدرسة، «وهي غرف فاخرة جميلة، ذات رونق بديع لها اتصال بالفلج الذي في بطن الحصن، ولا يرى من فيها في حال دخوله وخروجه أحداً من عوائل القصر وخدمه. ويقال: إن هذه المدرسة خرّجت خمسين عالما كلهم من أهل الاجتهاد» (6)، ولا يُستبعد أيضا أنها خرَّجت العلماء والمتخصصين في العلوم التجريبية
(1) مجموعة من الباحثين الثقافة الإسلامية والتحديات المعاصرة، ص 340
(2) مجموعة من الباحثين الثقافة الإسلامية والتحديات المعاصرة، ص 343 (3) بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي، ت 1104 هـ / 1693 م، إمام عادل، وفقيه عالم، وأديب ناظم للشعر الإمام الثالث من أئمة اليعاربة، أقام مدرسة بحصن جبرين، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 83/ 1 (4) الله أعلم ما المقصود بالكيمياء هنا، ولعلها غير الكيمياء التي نعرفها اليوم؛ لأنها تأتي أحيانا مقرونة بعلمي السر والتنجيم
(5) إيروس بلديسيرا، قصر جبرين وكتاباته وزارة التراث العُمانية، ط 1، 1414 هـ / 1994 ص 22
(6) مجموعة من الباحثين الثقافة الإسلامية والتحديات المعاصرة، ص 343
م
96 (1/96)
صفحة 93
كالفلك والطب، حيث كانت هذه العلوم تُدرّس فيها. وبسبب هذا الاهتمام بالعلم والتعليم؛ فقد ازدهرت الحياة العلمية عموما في عهد اليعاربة (ق 11 - 12 هـ / 17 - 18 م)، وكان من جملة عوامل ازدهارها، الاهتمامات العلمية لأئمة اليعاربة، والرخاء الاقتصادي، والأمن والاستقرار والتسامح الديني (1)؛ ولذلك فقد ظهر في عهدهم العلماء المتعددو التخصصات، ونُسخت الكثير من الكتب.
تبين لنا بعض سمات العلوم التجريبية عند العُمانيين، وأنهم لم يكونوا منفصلين عن العالم، بل أفادوا واستفادوا وانفتحوا بسعة أفق على المسلم وغير المسلم، والعربي والأعجمي وكما شاع عند علماء الشرع واللغة تحويل المعلومات إلى نظم شعري، كذلك فعل المختصون في العلوم التجريبية، ولعل الأمر هنا أصعب خاصة في مجال الطب؛ فليس من السهل استخدام الشعر في شرح علوم تطبيقية تستعمل مفردات مختلفة عما هو شائع عند عموم الناس. واستخدم العُمانيون الرسومات لشرح ما يصعب توضيحه إلا بها خاصة في مجالي الطب وعلوم البحار. لم يمنع ولم يمتنع علماء الشرع العُمانيون من ممارسة العلوم التجريبية؛ لأهميتها في الحياة الدينية والدنيوية، ولعدم مخالفتها شرع الله، بل هي مما تدعو إليه الشريعة السمحاء وتحث عليه؛ لما تحمله من أسباب القوة والرقي للأمة. وبالنسبة إلى المرأة العُمانية فقد مارست العلوم التجريبية
(1) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 18
97 (1/97)
صفحة 94
98
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
تعلما وتعليما وتطبيقا، وساهمت في بناء وطنها وخدمة أبناء مجتمعها، وإن كانت هذه المساهمة قليلة جدا مقارنة بالرجل؛ إلا أن ذلك راجع بالطبع للظروف الاجتماعية السائدة، والإسلام لا يمنعها مما فيه خير ومنفعة لها وللأمة طالما أنها مجتنبة للنواهي الشرعية، ساترة لنفسها، حافظة لعرضها. لقد كانت المدارس التي تدرّس العلوم التجريبية قليلة بالمقارنة مع مدارس العلوم الشرعية، وذلك يتناسب مع حجم الاهتمام بهذه العلوم عند العُمانيين (1). ورغم قلتها -أي مدارس العلوم التجريبية - إلا أن أغلب من مارس هذه العلوم قد تعلمها بدون مدرسة، سواء كان بطريقة عصامية أو من معلم خاص؛ وذلك بسبب كونها علوما تطبيقية عملية أكثر منها نظرية، فالشخص يمكنه أن يكون مثلا مهندسا مع قليل من التنظير وكثير من
التطبيق والممارسة.
وفي المباحث القادمة سنحاول الكشف عن مستوى علوم وإسهام
أن
العُمانيين في الطب والهندسة والفلك والملاحة، ولا بد من التوضيح بعض العلوم التجريبية ترتبط ببعضها - كما هو الحال في العلوم الشرعية فعلوم البحار ترتبط ارتباطا وثيقا بالفلك والطب وعلم النبات متلازمان وسنجد كذلك أن هندسة القلاع والتي برز فيها العُمانيون لها علاقة بالأفلاج التي تعتبر سمة من سمات الحضارة العُمانية.
(1) ذكرت بعض الأسباب في مقدمة هذا المبحث (1/98)
صفحة 95
99
المبحث الثاني: العُمانيون والطب
من المعلوم أن مهنة الطب يحتاج إليها كل أحد؛ فهي غير مرتبطة بأمة دون أخرى، ولا بزمان دون غيره؛ فالله الخالق جعل الأمراض، وأمر بالمداواة. والعُمانيون جزء من هذا العالم الذي مارس مهنة الطب للحاجة إليها في قوام الأبدان، بل كانت لهم أعمال عظيمة في هذا المجال، من حيث التأليف كما سيأتي لاحقا، ومن حيث التطبيق والتجربة والخبرة، ففي تجبير الكسور -مثلا- يقول بعض الباحثين والحق يقال أن العُمانيين أكثر براعة في تجبير الكسور، بالمقارنة بالأساليب التي يتبعونها والأساليب التي يتبعها الطب الحديث، من التصوير بالأشعة، واستعمال الأجهزة والأدوات المتطورة، والمضادات الحيوية، وغيرها، والتي يفتقر إليها الطبيب العُماني الذي لا يعتمد إلا على عقله وكيفية استعمال يديه ومزج بعض الأعشاب ببعضها؛ لتكون جبيرة تمسك بالعضو المكسور» (1)، ويقول الشيخ سالم بن حمود السيابي (2) في كتابه (تنوير الأذهان بخصال
(1) لجنة الطب الشعبي العُماني، الطب الشعبي العُماني، ص 4 (2) سالم بن حمود بن شامس بن خميس السيابي، ولد في غلا أعمال من بوشر عام 1326 هـ / 1908 م، فقيه ومؤرخ، ووال وقاض، وأديب ناظم للشعر، تربو مؤلفاته على الثمانين مؤلفا، ممن درس على يديهم الشيخ خلفان بن جميل السيابي من آثاره: إسعاف الأعيان في أنساب أهل عُمان، وأصدق المناهج في تمييز اللإباضية عن الخوارج، وإرشاد الأنام في الأديان والأحكام، توفي سنة 1414 هـ / 1993 م، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 4 - 15 (1/99)
صفحة 96
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أهل عُمان): وكان عمل التجبير عند أهل عُمان سهلا ميسورا، كما أنه عند الدكاترة (1) صعبا عسيرا، ومع ذلك لم يكونوا أخذوه عن مدرسين كما هو العمل في تعلم الطب العصري، ويُعرف بهذا الفن بعمان كثيرون، كما أنه يجهله من علماء الطب العصري كثيرون، وإن تعاطوه لم ينجحوا فيه) (2)، وكلام الشيخ السيابي لا يزال الكثير من العُمانيين يتبنونه ويعملون بمقتضاه؛ لما يرونه من نجاح كبير مقارنة بالتجبير بالطرق الحديثة.
(1) أي، الأطباء
(2) سلطان
التراث ج 2 ص 34 فما بعدها.
بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 13 - 14، نقلا عن مخطوط بوزارة (1/100)
صفحة 97
المطلب الأول: أول معجم لغوي طبي في التاريخ يُعَدُّ كتاب الماء لأبي محمد عبدالله بن محمد الأزدي الصحاري العُماني (ت 456 هـ من أكبر المعاجم الطبية، وجدت مخطوطته في الجزائر، وأخرج الكتاب وحققه الدكتور هادي حسن حمودي، وصدرت الطبعة الأولى منه 1416 هـ / 1996 م، والثانية 1436 هـ/ 2015 م، عده المحقق أول معجم لغوي طبي في التاريخ، ويؤكد ذلك بقوله: «ولا أعتقد أن أحدا يستطيع أن يذكر معجما جمع بين المعاني اللغوية والطبية قبل كتاب الماء في أية لغة من اللغات حتى القرن الخامس للهجرة، الحادي عشر للميلاد» (1). لقد اهتمت بعض الوسائل الإعلامية والمؤسسات الثقافية بهذا الكتاب بعد صدوره وأقيمت حوله دراسات وبحوث، منها كتاب النباتات الطبية لأبي محمد الأزدي لداود سليمان داود، الذي يقول: أقام المجمع العلمي للبحوث والدراسات ندوتين منفصلتين عن الكتاب في لندن، وفي أعقابهما أنشئت جمعية طبية سميت بجمعية الأزدي الطبية، أخذت على عاتقها دراسة كتاب الماء دراسة علمية معاصرة من جهة، والبحث عن باقي تراث أبي محمد الأزدي الصحاري من جهة أخرى، وعن تراث الأطباء العُمانيين من جهة ثالثة» (2).
التي
(1) عبدالله بن محمد الأزدي، الماء أول معجم طبي لغوي في التاريخ، تحقيق، هادي حسن حمودي، ط 2، 1436 هـ / 2015 م، ج 1، ص 16
(2) داود سليمان داود، النباتات الطبية لأبي محمد الأزدي، دار الحكمة، لندن، ص 7 (1/101)
صفحة 98
102
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
في إحدى نسختي المخطوط تعريف بالكاتب أنه المعروف بابن
(2)
الذهبي، وذكر القاضي صاعد الأندلسي (2) (ت 462 هـ / 1070 م) طبقاته كذلك أنه يعرف بابن الذهبي، ووصفه بقوله: «أحد المعتنين
في
بصناعة الطب، ومطالعة كتب الفلاسفة من غير تحقق بها، وكان كلفا (3)
(4)
بصناعة الكيمياء، مجتهدا في طلبها، وتوفي ببلنسية (4) في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة (مايو 1064 م)، وشاهدت دفنه هناك رحمه الله تعالى). أما مولده فكان في صحار؛ بدليل قوله في مادة (صحر)، وصحار قصبة عُمان، مدينة طيبة الهواء كثيرة الخيرات
(6)
بلاد بها شدت علي تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها ذكر ظهير الدين البيهقي (ت 565 هـ / 1170 م) في كتابه (تاريخ حكماء الإسلام ثناء أبي الخير على العُماني في موضوع بعنوان (العُماني الطبيب): كان أبو الخير أثنى على العُماني، وقال: هو أقوى أهل الزمان
(1) عبدالله بن محمد الأزدي، الماء أول معجم طبي لغوي في التاريخ، ج 1، ص 38 (2) أبو القاسم صاعد أحمد بن عبدالرحمن بن صاعد الأندلسي التغلبي (420 462 بن هـ / 1029 - 1070 م)، مؤرخ بحاث أصله من قرطبة من كتبه: «إصلاح حركات النجوم»، و «جوامع أخبار الأمم من العرب والعجم، وتاريخ الإسلام، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 3، ص 186
(3) أي، مولعاً به، انظر مختار الصحاح، مادة (كلف)
(4) إحدى حواضر الأندلس، تقع في أسبانيا حاليا، تسمى بالأسبانية فالنسيا (Valencia) (5) صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي (ت 462 هـ / 1070 م)، طبقات الأمم، تحقيق وتعليق، حسين مؤنس، دار المعارف، القاهرة، 1998 م، ص (6) عبدالله بن محمد الأزدي الماء أول معجم طبي لغوي في التاريخ، ج 2، مادة (صحر)،
ص 428
1 + V_1 + 7, (1/102)
صفحة 99
103
(3)
في صناعته» (1)، وذكر عنه بعض النصائح، منها: «من استبد بمعالجته في حال مرضه، وإن كان طبيبا حاذقا، فقد يُعرّض للخطأ بجهده، والاستشارة ا أداة كاملة» (2)، وقد يكون العُماني الطبيب هذا هو نفسه أبا محمد الأزدي؛ لتقارب الفترة بينهما؛ حيث عاش البيهقي بعد قرن من الزمن من الأزدي، ولشهرة الأزدي متفردا عن غيره من العُمانيين، خاصة في مجال الطب. أما شيوخه فيظهر من الكتاب أن الأزدي تتلمذ على يد الطبيب ابن سينا (3) (ت 427 هـ / 1037 م)، وشافَة أبا الريحان البيروني (ت 440 هـ / 1048 م)، وأفاد من الخليل بن أحمد الفراهيدي (4) (ت 170 هـ) تعريب الأسماء، فرجع لمعجم العين، ويحتل الخليل بن أحمد مكانة رفيعة في نفس المؤلف أبي محمد الأزدي، إذ هو الرجل الوحيد من بين العلماء الذي يعقب المؤلف بعد ذكر اسمه دائما بألفاظ الترحم والإجلال والإكبار. إضافة إلى شيخه وأستاذه ابن سينا (5). وكونه معجما؛ فقد ابتدأ بالهمزة، وختم بالياء، ذكر فيه الأمراض والعلاج والأدوية وتركيبها،
(1) ظهير الدين علي بن زيد بن محمد البيهقي (ت 565 هـ / 1170 م)، تاريخ حكماء الإسلام، تحقيق، ممدوح حسن محمد مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1، 1417 هـ/ 1996 م، ص 91
(2) ظهير الدين علي بن زيد بن محمد البيهقي، تاريخ حكماء الإسلام، ص 91 (3) أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا (370 - 428 هـ / 980 - 1037 م)، ولد في بخارى، صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات، صنف نحو مئة كتاب، منها: «القانون» في الطب، و «الشفاء» في الحكمة، وأسرار الصلاة»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 2، ص 241 - 242 (4) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي (100 - 170 هـ / 718 - 786 م)، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، أستاذ سيبويه النحوي، ولد ومات في البصرة، من آثاره: معاني الحروف»، و «جملة آلات العرب»، و «تفسير حروف اللغة»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 2، ص 314 (5) عبدالله بن محمد الأزدي، الماء أول معجم طبي لغوي في التاريخ، ج 1، ص 55 (1/103)
صفحة 100
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
والنباتات والأعشاب الطبية، وخصائصها، ووَصَفَ أعراض الأمراض
النفسية.
تفوق أبي محمد العلمي:
إن ألمع من سطع نجمه من المسلمين في علم الفيزياء هو ابن الهيثم (1) الذي توفي سنة 430 هـ، والأزدي توفي سنة 456 هـ؛ وعلى هذا فهما متعاصران، واهتماماتهما متشابهة، وقد ذكرنا في الفصل الأول أن من أهم إنجازات ابن الهيثم تصحيح مفهوم الرؤية عما كان سائدا عند الإغريق، فأثبت أن العين جهاز استقبال للضوء لا جهاز إرسال؛ ولذا فقد اشتهر سبق ابن الهيثم في نظرية الإبصار، ولكن لمحقق كتاب الماء رأي آخر استنتجه من الكتاب نفسه، إذ يقول: «ففي الوقت الذي ركز ابن الهيثم اهتمامه (في نظرية الإبصار) على أشعة الضوء وأثرها في تكوين الرؤية، وتحدث عن وسائل انتقال الضوء، وأمراض البصر، فإن أبا محمد الأزدي، في كتاب الماء قد تجاوز ذلك كله إلى تفصيل الكلام على الذاكرة البصرية) لا على تكون الصور وانعكاسات الأشعة فحسب» (2)، إذ يقول الأزدي بعدما عرض آراء من سبقه: وأما الحق في هذا، فهو أن الشبح يقع على داخل المقلة ثم تنقله كل واحدة من المقلتين إلى العصب النوري أمام القوة الباصرة. وهناك يتخذ الشبحان شبحا واحدا بانطباق أحدهما على الآخر فتدركه القوة الباصرة. وثم تنقله إلى داخل البطن المقدم من الدماغ فيبقى هناك محفوظا، فكل وقت تلحظ النفس ذلك الشبح تتخيل ذلك المرئي» (3). وصف دقيق للغاية، عرضه شخص عاش في القرن الخامس الهجري/
(1) تم التعريف به
(2) عبدالله بن محمد الأزدي، الماء أول معجم طبي لغوي في التاريخ، ج 1، ص 25 (3) عبدالله بن محمد الأزدي، الماء أول طبي لغوي في التاريخ، ج 1، مادة (بصر)،
ص 220 - 221
معجم
1+2 (1/104)
صفحة 101
الحادي عشر الميلادي، وبغض النظر عن قبوله اليوم في عالم التقنية والتصوير، فهو يؤكد قدرة هذا العالم على معرفة وظائف أجزاء دقيقة من
الأسس
جسم الإنسان، والعلاقة بين الدماغ والأعصاب وحاسة البصر والذاكرة. إنجاز آخر يُحسب للأزدي كما يراه محقق الكتاب وهو أنه «وَضَعَ الأولى لفهم الدورتين الدمويتين الصغرى والكبرى، من قبل أن يتحدث ابن النفيس (1) عن الدورة الصغرى بحوالي مائتي عام» (2)؛ استنباطا مما ذكره صاحب كتاب الماء في المواد: عرق بهر - دمو سکت_صفن- قلب وغيرها بالإضافة إلى العديد من الأفكار الطبية المتعلقة بتطور الجنين، وتشريح المخ، ووصف الأمراض، وإيجاد العلاج لها. يقول أحد المتخصصين في الطب البديل عن كتاب الماء: «هناك نظريات طبية عديدة، أغفل الدارسون نسبتها إلى الأزدي الصحاري، فنسبوها إلى غيره كابن النفيس والرازي (3) وابن الهيثم وأمثالهم ((4)؛ والسبب في ذلك أن الكتاب لم ينتشر، ولم يُطبع إلا مؤخراً، ويقول أيضا: «ونلاحظ من كتاب الماء أن أبا محمد الأزدي لم يكن مختصا بنوع واحد من الطب، بل كان رعةً طبية شاملة لكثير من التخصصات الطبية الحديثة»)، لكن العلم واسع جدا والتخصصات عميقة، وهذا لا ينفي عن الأزدي إبداعه وإجادته لجميع أوليات هذه العلوم وأسسها وأصولها، ووصوله إلى نتائج طبية في (1) علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي، ولد بدمشق، وتوفي بمصر 687 هـ / 1288 م، أعلم أهل عصره بالطب، له كتب كثيرة، منها: «الموجز في الطب»، و «شرح الهداية لابن سينا»، و «الشامل» في الطب، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 270 - 271
موسو
من م،
(2) عبدالله بن محمد الأزدي، الماء أول معجم طبي لغوي في التاريخ، ج 1، ص 31 (3) محمد بن يحيى بن زكريا الرازي طبيب فارسي، ت 320 هـ/ 932 أشهر أطباء المسلمين، تم الحديث عنه في الفصل الأول، مبحث مساهمة المسلمين في الحضارة
الإنسانية الحديثة
(4) داود سليمان داود النباتات الطبية لأبي محمد الأزدي، ص 9 (5) داود سليمان داود النباتات الطبية لأبي محمد الأزدي، ص 15
140 (1/105)
صفحة 102
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
معالجة الأمراض لا تقل عن النتائج التي توصل إليها الطب الحديث، بل إن الحلول التي يقدمها تفضّل في أحيان كثيرة ما هو معهود اليوم؛ وذلك لأنه لجأ إلى العلاج الطبيعي الخالي من التأثيرات الثانوية السيئة للأدوية
الحديثة» (1).
ومن السوابق التي ذكرها ابن الذهبي في معجمه الدَلْكُ على صدر المصاب بالسكتة القلبية، لإزالتها، يقول في باب دَعَكَ: «دَعَكْتُ صَدرَ المسكوت: إذا دلكتُ صدره بقوة لإزالة السكتة عن قلبه» (2)، وهذا أمر شائع ومعمول به اليوم، ويُعدُّ من الأساسيات التي تدرس في مبادئ الإسعافات الأولية، يقول الدكتور ناصر العزري: وهو ذات ما نمارسه اليوم في عملية الإنعاش القلبي للمصابين بالسكتة القلبية» (3).
الصورة (6): عملية الإنعاش القلبي
(1) داود سليمان داود النباتات الطبية لأبي محمد الأزدي، ص 17
(2) عبدالله
«دعك»
بن محمد الأزدي، الماء أول معجم طبي لغوي في التاريخ، ج 2، ص 96، باب
(3) ناصر بن حماد العزري، إسهامات العُمانيين في مجال الطب، ورقة بحثية مقدمة لندوة إسهامات العُمانيين في العلوم التطبيقية» بجامعة السلطان قابوس، مسقط، الإثنين 7 ديسمبر
2015 م، ص 3 (انظر الصورة (6)
V (1/106)
صفحة 103
المطلب الثاني: أسرة آل هاشم الرستاقيين
برزت هذه الأسرة الرستاقية في مجال الطب في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر للهجرة، بل جمع بعض أفرادها بين الطب والفقه، يقول الشيخ البطاشي: وبيت ابن هاشم هذا تخرج منه علماء جمع بعضهم بين الفقه وعلم الطب؛ فكان لهم فيه مهارة فائقة وشهرة واسعة في معرفة الأمراض وعلاجها؛ فألّفوا فيه الكتب المفيدة السهلة التناول، الخالية من التكرار والتعقيد، بعبارات واضحة» (1)، ولقلة التأليف في العلوم التجريبية عند العُمانيين مقارنة بالعلوم الأخرى؛ يرى بعض الباحثين وليس من قبيل المبالغة إن قلنا إن التراث الطبي الذي تركته أسرة آل هاشم الرستاقيين قد سد ثغرة في التراث العُماني في الطب خاصة وفي العلوم التطبيقية عامة» (2)؛ وذلك نظرا للأعمال الجليلة التي خدموا بها الطب في عُمان نظرياً وعملياً، من خلال المؤلفات الشعرية والنثرية، التي تُشرح جسد الإنسان، وتصف وسائل الوقاية وطرق العلاج وتذكر الأدوية وكيفية تحضيرها، وتبين قوانين الطبيب والشروط التي ينبغي أن يحققها من أراد ممارسة مهنة الطب ومن خلال ذكر التجارب والمشاهدات، ومداواة الناس، بل إجراء العمليات الجراحية، كما سنرى في الصفحات القادمة بإذن الله حيث سنتطرق لأبرز علمائهم وأعمالهم.
(1) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2،
ص 155
(2) سلطان الشيباني ومحمد العيسري، نوادر المخطوطات العُمانية، ص 202
107 (1/107)
صفحة 104
108
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الطبيبان الأخوان راشد بن خلف وثانى بن خلف (ق 9 - 10 هـ)
الطبيب راشد بن خلف بن محمد بن عبدالله بن هاشم القري العيني
(1)
الرستاقي من أبرز أطباء هذه الأسرة العلمية، تتلمذ (1) على يد الشيخ محمد بن عبدالله بن مداد (3) والشيخ سعيد بن زياد بن أحمد البهلوي (3)، ولعل المقصود أنه أخذ منهما علم الفقه لا علم الطب، ولعله أخذ الطب من ابن مداد بجانب الفقه، حيث ورد أن من بين آثار ابن مداد (وصفات طبية) بجانب آثاره الفقهية والله أعلم.
ألف الطبيب راشد (زاد الفقير وجبر الكسير) (4)، وهي منظومة لامية مختصرة في أهم القواعد الطبية، مشتملة على وصفات طبية ووسائل وقائية من الأمراض، مع شرح تفصيلي للقصيدة، جعلها نظماً لقلة منظومات علم الطب في عُمان، مطلعها:
أقول مقالا مُحكما ومفصلا لأهل النهى في الطب علما مكملا
(1) فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 1/ 222 (2) محمد بن عبدالله. بن مداد الناعبي فقيه من عقر نزوى تتلمذ على يد والده، وأخذ منه محمد بن عبدالسلام، حضر تغريق أموال بني نبهان وبني رواحة من آثاره: كتاب في الصرف، وسيرة ابن مداد، ووصفات طبية، توفي سنة 917 هـ / 1511 م، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 136/ 3 - 138 (3) سعيد بن زياد بن أحمد بن راشد البهلوي (ق 9 - 10 هـ / 15 - 16 م)، فقيه من ولاية بهلا، كان ممن نُصب للحكم في أموال بني نبهان سنة 887 هـ / 1482 م، وكان من جملة الذين اجتمعوا للنظر في بيع الخيار سنة 909 هـ / 1503 م، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 89
(4) انظر الصورة (7) (1/108)
صفحة 105
109
سلطان
افضل حراء وما حذفت بعض الابواب وانسا بيد الكتاب الالقضرب واشتعا اشگاه و انتحال المراعه لاني قلت ذلك والزمان قد القى على اهله خرافه واشغل في قلق ثم يزانه، ولحرب بين اهل الرسايتو ساطعره واهلا المظالم لسبيل الدفا لكن يطفى اننه نيران لكروب ويؤمن الخايفين من جميع الدروب و انه على كل شئے قديره وهو حسير ونعم الوكيل
اقول مقالا محكما ومفصلا لإبل التي في القا على كالا وفي نستخداقول محمدابند نظما معضلاه اقول ادخل من القول وهو فعل من ساع) معتل عين الفعل وأصله اقوال باسكان القاف وقتما الواو فاستثقلوا ذلك هناء فنقلوا ممة الواو الى الفاف واسكنوا الواو لا نضمها فاقبلها فضا أقول مقالا مفعول في موضع المصدر ان اقول قولا و مقالا محكما و مفصلاً مبينا قال الله تعالى كتاب حکمت اينا ثم فصلت مزلدك حكيم خبير الاقل النفى المتحاب العقول وهو علم الابدان وهو مرا شرف الصناعا لان من بريع في عالم الطبت عرف مركبات المخلوقا وذلك من اشرف العلوم وانظت اصلاح البرك وهو مزاهم الاشيا واغرقا على الانسان لان مسالك البدن ينقص الحيوم ويرتفع الحكام الأذينا ومتوسنذ لقول النبي صلى اللہ عليہ وسلم تعلموا علم الاندان شما الادب وقوله عليه السلام ان الله تعالى انزل الداء والدوا فتداووا عبار راننده و قتل مرض موسي عليہ السلام فقال الدينوا اسرائيل لو استعملت النها الفلا فانه مجرب لدفع هذا المرض فقال موسے دست استعلمه والله تعايش فنر من غير دواده فاوحي الله على اليد هان تريد ان تبطل الحكمة التي اور عنها فى العقاقير فوعزتي وجلالي لا اشفيك حتى تستعمل الدواء فاستعمل الدواء الذي عينو إنا نشغف وذلك من جزيل يغمرانيه تعالى والعرض من الطب معاوننا لطبيعه وتقويتها اذا ضعفت عز مقابلة ضدها و عضب علما على البدل من الاول كان قال اقول مقالا علما مكملا بكسر الميم لتعلقها بغك) المختصة في حكمة الطبب كَامِل يحذفِ أَسَانِيدِ وَمَا هُوَ اخْتِلا
الصورة (7): جزء من قصيدة (زاد الفقير وجبر الكسير مع الشرح للطبيب راشد بن خلف، نقلا عن، بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني. (1/109)
صفحة 106
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وسماها بهذا الاسم (زاد الفقير وجبر الكسير)؛ «لأنه أخذ ما سَهل من الصفات على الفقراء، ومراده جبر كسر الضعفاء ومن أراد الطب» (1). ومن مصادر الطبيب راشد في النظم والشرح (2): كتاب (مختصر الرَّحْمَة في الطب والحكمة) لِمَهْدِي بن علي بن إبراهيم الصبري (3)، و (مختصر بقراط الحكيم المنسوب للطبيب اليوناني بقراط (ق 4 قبل الميلاد)، وكتابا (تقويم الأبدان في تدبير (الإنسان) و (منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان ليحيى بن عيسى المعروف بابن جزلة البغدادي)، و (تذكرة الكالين) لعلي بن عيسى الكَحَّال)، و (لقط المنافع) لعبدالرحمن بن علي الجوزي)، وكتابا (الحاوي) و (برء سَاعة) لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي) (ت) 320 هـ / 932 م)، وغيرهم. ويبدو أن الطبيب راشد بن خلف له مراسلات ومكاتبات مع بعض أطباء عصره ببلاد فارس في
(1) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 9 (2) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 9 - 10 (3) مهدي بن علي بن إبراهيم الصبنري اليمني المهجمي (ت 815 هـ/ 1412 م)، طبيب، ومن العلماء بالقراءات، له نظم، توفي كهلا ببلده المهجم باليمن انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 7، ص 313 (4) أبو علي يحيى بن عيسى بن جزلة البغدادي (ت 493 هـ / (1100 م)، كان مسيحيا، وأسلم سنة 466 هـ، صنّف عدة كتب، منها: تقويم الصحة بالأسباب الستة»، و «الرد على النصارى»، ورسالة في «فضائل الطب»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 8، ص 1 (5) علي بن عيسى بن علي الكحال (ت 430 هـ 1039 م)، طبيب حاذق في أمراض العيون ومداواتها، اشتهر بكتابه «تذكرة الكحالين»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 318 (6) عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزري (508 - 597 هـ / 1114 - 1201 م)، ولد وتوفي في بغداد، له نحو ثلاثمائة مصنف، منها: تقويم اللسان»، و «المدهش»، و «تلبيس إبليس»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 3، ص 316 - 317 (7) سبق التعريف به
161 - 162 (1/110)
صفحة 107
وصفات واستشارات طبية كما يؤخذ من شرحه لبعض أبيات اللامية (1)، كالطبيب الفارسي كمال الدين بن طهر الدين اللاري (2)، وتواصل مشافهة مع الطبيب نصر الله بن حاجي الهرموزي (3).
يظهر لنا من كل هذه المراجع والاتصالات أن الطبيب راشد كان واسع الاطّلاع، محبا للعلم، شغوفا للاستفادة ممن سبقوه وممن عاصروه، ولو كانوا على غير ملته وعلى غير لسانه؛ وهذا يؤكد لنا سعة أفق العُمانيين، وتواصلهم مع العالم، فلم يكونوا منغلقين. لقد لاقت هذه المنظومة قبولا واسعا لدى المهتمين بعلم الطب؛ بدليل انتشارها داخل عُمان وخارجها، حيث توجد منها نسخ في «مكتبة وزارة التراث والثقافة، ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب، ومكتبة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي بالعوابي، ومكتبة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بمسقط، ومكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي بالمضيرب، ودار الكتب المصرية بالقاهرة، ومكتبة جامعة الإسكندرية، ومركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في ليبيا، والخزانة الحسنية بالرباط في المغرب، ومكتبة الملك فهد بالمملكة العربية السعودية» (4)، ورأينا اعتناء طبيب العيون الألماني ماكس مايرهوف بهذه القصيدة، حيث كان يقتني
(1) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2،
ص 185، 160 (2) سبق التعريف به الله (3) نصر بن حاجي بن محمد الهرموزي (ق) 10 هـ 16 م، طبيب عاش في وادي السَّحْتَن، وتوفي زمن الإمام محمد بن إسماعيل (906 - 942 هـ / 1501 - 1535 م)، انظر: سلطان الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 10
(4) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 9 (1/111)
صفحة 108
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ثلاث نسخ خطية لشرح القصيدة. كما شرح هذه المنظومة شرحا موجزاً علي بن محمد بن علي المنذري (1) (ت) 1343 هـ/ 1925 م)، ونلاحظ أن هذا الاعتناء من قبل ماكس مايرهوف وعلي المنذري كان بعد فترة زمنية تقارب أربعة قرون من تأليف المنظومة؛ مما يدل على بقائها حية فعّالة
علمياً.
والطبيب الآخر من أسرة آل هاشم الرستاقيين هو ثاني بن خلف أخو الطبيب راشد بن خلف، وكان طبيبا وفقيها» (2)، وثاني هو أبو الطبيب عميرة بن ثاني بن خلف (ق 10 هـ)، والشيخ عميرة هذا معدود من أطباء زمانه» (3)، وجد الطبيب راشد بن عميرة، الذي سيأتي الحديث عنه مفصلا
- بإذن الله.
1292 - 1283
(1) علي بن محمد بن علي بن محمد بن علي المنذري، ولد في زنجبار بين هـ / 1866 - 1875 م ونشأ فيها، كان قاضيا من آثاره الرد على الرسالة النسطورية، ونور التوحيد والصراط المستقيم، وأجوبة فقهية، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 368 - 371، وهو ابن الشيخ محمد بن علي بن محمد المنذري الذي لديه شيء من العلم بالتشريح وصاحب كتاب (لوامع الدراري في علم المجاري) كما سيأتي لاحقا بإذن الله.
(2) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2،
ص 159
(3) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان،
ج 2،
ص 159 (1/112)
صفحة 109
113
ومن
الطبيب علي بن مبارك
الأطباء من بيت ابن هاشم العالم الطبيب الشيخ علي بن مبارك
بن خلف، رثاه الشاعر سالم بن غسان بن راشد اللواح الخروصي (1) (ق 9 - 10 هـ) المعروف بابن اللواح بقصيدة اخترت منها هذه الأبيات (2): هذي نهاية وقع الحادث الجلل موت الطبيب الأريب الهاشمي علي لديك فجالينوس صاحبه أف لاطون بل أرسطا طاليس كالخول كم مقلة عميت أرجعت ناظرها فاليوم تبكيك حزنا جملة المقل وكم شفيت بني دنياك من علل فاليوم لاقيت ما أبلاك من علل
حسبي
ونستنتج من الأبيات أن الطبيب علي كان متخصصا في طب العيون، بل كان بارعا ماهرا فيه، ويظهر كذلك أنه كان واسع الأفق، مطلعا على علوم مشاهير الأطباء القدامى كجالينيوس وأرسطو وغيرهم.
الطبيب راشد بن عميرة (ق 10 - 11 هـ)
هو راشد بن عميرة بن ثاني بن خلف بن محمد الهاشمي الرستاقي، أكثر آل هاشم علما في الطب، وأبرزهم وأكثرهم تأليفا، يقول الشيخ البطاشي عنه: «أشهر أطباء بيت ابن هاشم وهو الطبيب الماهر الفيلسوف الشيخ راشد بن عميرة بن ثاني بن خلف الذي تشهد له على رسوخه ومعرفته
(1) أبو حمزة سالم بن غسان بن راشد بن عبد الله بن علي اللواح الخروصي، جده هو المعروف باللواح، ولد في قرية ثقب قريبا من وادي بني خروص عام 862 هـ، له ديوان شعر، انظر: سالم بن غسان اللواح الخروصي، ديوان اللواح، تحقيق، محمد علي الصليبي، وزارة التراث، مسقط، ط 1، 1409 هـ / 1989 م، ج 2، ص 5 - 6 (2) سالم بن غسان اللواح الخروصي، ديوان اللواح، ج 2، ص 231 - 232 (1/113)
صفحة 110
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
في علم الطب وعلاج الأمراض مؤلفاته الجليلة النافعة» (1)، ويقول محقق كتاب (منهاج المتعلمين): وقد كان راشد بن عُميرة الرستاقي طبيب أهل زمانه، وأوسعهم اطلاعا، وتشهد بذلك مؤلفاته، وأراجيزه الطبية، وقد استوفى أدواته العلمية من حيث اعتماده المصادر، والتجربة، والقياس، والمشاهدة، والسماع كآليات عمل يفيء إليهما في ممارسة الطب، أو التأليف فيه» (2)، بل كان منزله يشير إلى عبقرية في اختيار الموقع قرب عين الماء الحارة (3)، وعلى أنه كان يضمّ غُرْفَةً للعلاج وأخرى لتنويم المرضى، ومكتبة لحفظ المصنفات الطبية، ومُخْتبَرًا لطبخ الأدوية، كما يشتمل على
حوض دقيق الصنع فوق ساقية الفلج، وآنية لسحق الأدوية» (4). وكما رأينا فإن ابن عميرة ينحدر من عائلة اشتغل كثير من أفرادها في علم الطب؛ فأبوه طبيب، وجده لأبيه طبيب، وكثير من رجال العائلة أطباء وعلماء، وتتلمذ على يده ابنه عميرة، والذي ألف له كتاب (منهاج المتعلمين)؛ وهذا بالتأكيد له دور كبير في تنشئة الطبيب راشد الذي تميز بالهمة والنشاط وحب العلم والتجربة، والحنكة والذكاء وسرعة البديهة. ومما يُروى عنه في الفطنة أنه استطاع بالتذوق فقط معرفة مادة تنقصه
(1) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2،
ص 160 - 161
(2) راشد بن عميرة الرستاقي، منهاج المتعلمين، تحقيق، عبدالله بن علي بن سعيد السعدي، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 1، 1434 هـ / 2013 م، ص 9
(3) عين الكسفة بالرستاق (4) سلطان بن مبارك الشيباني، الطبيب راشد بن عميرة حياته وآثاره العلمية، ورقة بحثية مقدمة إلى (ندوة الاحتفال بالذكرى المئوية الرابعة للطبيب والصيدلاني العُماني راشد بن عميرة بن ثاني الهاشمي الرستاقي)، تنظيم اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، ربيع ا الآخر 1436 هـ / فبراير 2015 م، ص 9 (1/114)
صفحة 111
لتركيب دواء معين، وفي القصة أن الطبيب راشد أُصيب في الخمسينات
من عمره بالعمى؛ فعمل الدواء، إلا أنه نسي أحد تراكيبه، فسمع بحكيم ماهر في الهند؛ فسار إليه ولم يخبره بخبره، فوضع الطبيب الهندي الدواء له، فاكتحل الطبيب راشد منه وتذوق بعضا منه بلسانه، وصاح: قد عرفت ما نقص من دوائي، فتعجب الطبيب الهندي وقال له: من أنت؟ فكتم عنه الاسم، وبعدها قال الطبيب الهندي: أنه إذا كان شيء. ء فأنت طبيب عُماني،
فأصدقه الخبر» (1).
وقد كان الطبيب راشد بن عميرة حيا بداية القرن الحادي عشر للهجرة؛
بدليل قوله في إحدى قصائده:
كتاب لما سألت
عام تاسع عشرة
والألـ
الب
رة كاتب
أي أنه قد أكمل الكتاب عام ألف وتسعة عشر للهجرة (1019 هـ)،
وهو العام الذي يسبق مبايعة الإمام ناصر بن مرشد (2) بعدة سنوات. أعماله:
لقد أكثر الطبيب راشد بن عميرة من التأليف والنظم والشرح مقارنة بغيره من أطباء عُمان، وامتاز بعلم تشريح الجسد وخاصة العين كما
(1) سليمان بن علي العبري، حروف عُمانية مضيئة، مكتبة الاستقامة، مسقط، ط 1، 1422 هـ / 2002 م، ص 135
م،
200
(2) ناصر بن مرشد بن سلطان بن مالك اليعربي، ولد في الرستاق تقريبا عام 1014 هـ / 1605 نشأ تحت رعاية الشيخ خميس بن سعيد الشقصي وتتلمذ عليه، أول الأئمة اليعاربة، وعالم فقيه، بويع بالإمامة عام 1034 هـ / 1624 م جاهد البرتغاليين في سواحل عُمان حتى أجهدهم، توفي سنة 1059 هـ / 1649 م بنزوى انظر: فهد بن علي السعدي، معجم ا الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 3/ 265 - 266
115 (1/115)
صفحة 112
117
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
سنرى، وتميزت مصنفاته بالرسومات والتوضيح، كما في (رسالة الكي بالنار)، حيث تحتوي رسوما لأنواع المياسم الحديدية التي تُستخدم في الكي حسب المرض (1)، وهذا التصنيف يُعتبر سبقا لابن عميرة، يوضح لنا الدكتور ناصر العزري ذلك قائلا: كان الطبيب راشد سباقا في التصنيف في هذا المجال لممارسة كانت موجودة لآلاف السنين، حيث عمل على توضيح ضوابطها وفوائدها ومضارها، ومتى يجب أن تستخدم أو لا تستخدم كل ذلك مقرونا بصور توضيحية لكل آلة كي، ومواضع استخدامها، وهو مما لم أطلع على مثله في المؤلفات الطبية القديمة» (2). ولم يفت الطبيب الحذق أن يبين لمن أراد ممارسة هذه المهنة الشروط التي ينبغي أن يحققها؛ حتى لا يقع في الخطأ؛ حيث إن التعامل مع أرواح بشرية لها حرمتها الدينية والإنسانية والأخلاقية، وذلك في أرجوزة (محلات المتطببين ومنهج السالكين)، والتي تضمنت كذلك معرفة الطبائع والعروق (3)، والحجامة وتحضير الأدوية، تتكون من 220 بيتا،
مطلع القصيدة:
الحمد لله مجيب الداعي
مسرمدا يلذ في السماع
بدا ليس بذي انقطاع
قلوب العلماء ساعي
يا عالما يبغي نجاح المطلب في أبحر الطب وظهر السبب
لا تطلب العلم بغير فهم
يرشدك الله به الطريقا
ولا تكن مجانبا النظمي ويظهر القول به التحقيقا
(1) انظر الصورة (8)
(2) ناصر بن حماد العزري، إسهامات العُمانيين في مجال الطب، ص 7
(3) الأوعية الدموية (1/116)
صفحة 113
للتشهير وتعليق الم القطع المفه وهذا همسرى والمباضع المنشون وهي هذة من فرص والمقاريط صورتها معم ومقراط ابط الاسفار مورتر مهمون منصبع للشق وهو هلا حصر و منبع مواسير وهو هذا حهم منضع للحيارير محفى محمد مصر و منضع لمدفع مال و منضع براسيس A 5
و مستراح ار اس الجنين دامات الرجم صورلد هذا ما
رنشل العظام والحاجات والربض والعق في الاعضا
العفنه مرسطح الجراح وعقد سوا و هو هذا
اوريد
وصوب امري حکم و مون اوري
ومون
و صوره امري مدوره نميشه ها اعماق الحراج ها و مالمجارد المنصرفه فى الصناعة مجهے مجھ في موع منشار
محطاف تنتشر العظام مسمع مجھ مثلث الحواشي
و هو هلا مل صورة كالأب مسله صفه المباضع محمد الزركاني وهو هذا من ومنه، الرنتونى وهو هلا مهله ومنه الافطس على الشوو هو هذا مم. من منع مخفى للتكم و طرف دو طر فاجر مسجع البابها، وهو هلا هم -صور المشرط ايضا وهو هذا اله عهلا لاحراج العلق و الحلق على مو تا كلاب وهو هذا معهم في مداوات حرف النار بعد الى عش و کمي ترين ها ما اخف و حيرت در القان بعد الكي صلح وكمون على بر الموضوع المکوي با انرا نام و اراد احمد اعنه ما عمداني
الصورة (8): جزء من رسالة الكي بالنار) للطبيب راشد بن عميرة، حيث تحتوي رسوما لأنواع المياسم الحديدية، نقلا عن سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني. (1/117)
صفحة 114
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ومما تميز به الطبيب ابن عميرة التجربة والمران، بل إنه ممارس العمليات الجراحية، ففي (مقاصد الدليل وبرهان السبيل في معالجات العليل)، ذكر تجارب طبية في علاج بعض الأمراض، ومن تلك التجارب أنه قام بعلاج امرأة حامل نطحها ثور؛ فشق بطنها شقا واسعا عظيما، وخرجت الأمعاء إلى الأرض (1)؛ فكمّد الطبيب راشد ما خرج منها، وخاطها، ووضعها على
هيئة معينة، وبعد سبعة أيام خرج حملها ميتا، وعاشت زمانا طويلا (2). ومن أبرز مؤلفات ابن عميرة كتاب فاكهة ابن السبيل)، يتكون من 57 بابا، ذكر فيها خلق آدم وبيان أصل الطب، وتحدّث عن الأمر بالتداوي، وحفظ الصحة، وقوانين الطبيب، وطبائع بني آدم، والفصد والعروق والحجامة، ووصف الكثير من الأمراض وأنواعها وطرق علاجها (3)، يقول الدكتور عبدالعزيز الفارسي (4): «الطريقة التي أثبتها الشيخ راشد بن عميرة في جبر معظم الكسور، أساسها صحيح، وعلى المستوى التطبيقي فإنها تقارب ما يقوم به أطباء اليوم قبل التدخل الجراحي)» (5)، ويقول في علاج (المقعدة غير المثقوبة): «الطريقة التي أوردها الشيخ صحيحة تماما، وتكاد تطابق ما يقوله الطب الصحيح لعلاج هذه الحالة» (6)، ويقول
(1) كان ذلك سنة 995 هـ
(2) حسين العبري، قراءة في ثلاث قصائد طبية مخطوطة للشيخ راشد بن عميرة، ص 23 (3) راشد بن عميرة بن ثاني الرستاقي فاكهة ابن السبيل وزارة التراث العُمانية، مسقط، 1404
هـ / 1984 م، ج 1 - 2
6
(4) طبيب بالمستشفى السلطاني بالعاصمة مسقط
6
(5) عبدالعزيز الفارسي قراءة في كتاب فاكهة ابن السبيل للطبيب راشد بن عميرة الرستاقي، ضمن (ندوة من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين)، المنتدى الأدبي، مسقط، ط 1، 1429 هـ / 0008 20 م، ص 135
(6) عبدالعزيز الفارسي قراءة في كتاب فاكهة ابن السبيل، ص 135
118 (1/118)
صفحة 115
ذلك
عن الكتاب: «إننا نقر أن هذا الكتاب حاول قدر المعرفة المتاحة في الزمان اتباع منهج علمي واضح وجلي، وأن أية معلومات طبية غير دقيقة بالنسبة لمقاييسنا الحالية، إنما يجب أن تقاس وفق المعرفة الموجودة آنذاك؛ ولذا فإن الكتاب إنجاز كبير وتوثيق حضاري مهم (1). وقد اختصر ابن عميرة (فاكهة السبيل) في كتاب آخر سمَّاه (مختصر فاكهة ابن السبيل) يحتوي على عشرة أبواب أولها في خلق ابن آدم وعجائب تركيبه، وآخرها في علاج الأمراض وتركيب الأدوية» (2).
أما
علم التشريح فكان له اهتمام خاص ونصيب وافر من مؤلفات ابن عميرة، فله في ذلك القصيدة الدالية) (3) مع شرحها (؟)، وهي مكونة من 131 بيتا، شرح فيها بدن الإنسان من رأسه إلى قدميه (5)، وذكر وظائف الأعضاء وصفة خلقها، ومن مصادره (6): كتاب (لقط المنافع) لأبي الفرج عبدالرحمن بن علي الجوزي)، وكتاب (مقالات تذكرة الكحالين)،
وغيرها، مطلع القصيدة:
يا طالبا تشريح خلق
نمد
(1) عبدالعزيز الفارسي قراءة في كتاب فاكهة ابن السبيل، ص 136
(2) وزارة التراث والثقافة، مسقط، فهرس المخطوطات، المجلد الرابع: الطب والكيمياء، ط 1،
1427 هـ / 2006. 20 م، ص 45
(3) نظمها على قافية الدال
(4) انظر الصورة (9) (5) انظر الصورة (10)
(6) حسين العبري، قراءة في ثلاث قصائد طبية مخطوطة للشيخ راشد بن عميرة، ص 21
(7) سبق التعريف به
119 (1/119)
صفحة 116
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
العمانيون والعلوم التجريبية
وفنية محو السماء ما لم تشفع به فان كو فور الك وقال بعض العلما خانه يقول يا من هنا من آثار حكمند و صنعته الكشف عما اكتشف عماد كامل الشفاعة بالحكم لا بكتاب الطيب، فقال القاف مر قر قل الكامل شعيره خلو الهنا الفرد العمه له
ن نفعله
الطالبات
باطا لب نداء تک قالي اين دريده تا بيد الله مبنى بالمهاه والطلب السعي والبصدق الا انه تعالى منه ضعف الطالب والمطلوب الطالب من الإطار المطلوب الديات على الشاعره الطلب واتيا من فرمطلب فأوراجا والشرح التين الوسيع والتوضيح ومن شرح الصدر قال احد وحل الم نشرح لك صدرك وقال الفي شرح الرصيد الاسلام وقال المرور الميدان طوره شرح صدره الاسلام وشرحت اللحم قطعة والحلق الفطم مال اور رو جل
: فما جو الا صنعة في حل أقطار الحملة ها خواه صفحه اي ما جازه وجمعه وصفه صنيعه وهو حلقة والها في ارجعه إلى الصانع وهو اما و الصور المثل وحل التي معظمه وجليله وخيارن والإتصال مظاهرا وباطن، قبل الولاده للولده
120
الصورة (9): بداية (القصيدة الدالية) مع شرحها للطبيب راشد بن عميرة، نقلا عن. سلطان
الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني.
ابن
مبارك (1/120)
صفحة 117
اضلاع
لکل جنب 9
11 m
وكنا قوي جسدية افعاله يا ابراره وكذاك قال روساء وه، فثلاثة علما يفسدة فالقلب تر دماغة نايرونا لها المعده وهاك تمثالابه: بجلي الصاد العمده و مور المسند ماحوى تخلية الهاشمي البوسنة نجل الجلد عميرة العبد الموفق و معده والحمد لله الذي رفع السماء بلا عمل ورجالنا الأرض التي فيها رواسي حديه
التخيل
لحيم
القها
الانف
اللسان
العين
طار
للحاذي والخاص
حيم للماسكة والدافع المعار المعاية المهام المرور الدقائق
المعالا عود الميا الفولي المعا المستقى
ويسمي الشرما
النشاط الثالث
اديميا
ياطير يوق وهو العضل
الصورة (10): تشريح لبعض أعضاء جسد الإنسان مع ختام القصيدة الدالية، للطبيب راشد بن عميرة، سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني.
نقلا عن
الطيفہ (1/121)
صفحة 118
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وله في التشريح (1) أيضا (القصيدة الرائية) (2)، مع شرح مفصل للقصيدة التي تتكون من 22 بيتا، وهي في تشريح الأعضاء الرئيسة في بدن الإنسان، تضمنت بعض الأعضاء كالقلب والكبد والدماغ، مطلعها:
نظمت مقالا يبهج العين منظرا
بما قد حوى درا ولفظا مسطرا.
واعتنى عناية خاصة بالعين، فنظم القصيدة الميمية) (3) من 47 بيتا وشَرَحَها، وهي في تشريح العين وطبقاتها ووظائفها، والأمراض التي تصيب كل طبقة، وطرق علاج هذه الأمراض) (4)، مع وجود رسمة للدماغ وارتباطه بالعين (5)، ومن مصادره راشد بن خلف، ووالده عميرة بن ثاني، وكتاب (حلية البرء) لجالينيوس، و تذكرة) الكحالين) لعلي بن عيسى الكحال (6)، وغيرها، بالإضافة إلى وصفات الأطباء المحليين، وما خبره
(7)
هو وجربه، ومراسلاته لبعض أطباء فارس (7). يصف البطاشي في إتحافه
(1) من
العلماء العمانيين الذي يُذكر عنهم اطلاعهم على علم التشريح الشيخ محمد بن علي بن محمد المنذري (ت 1286 هـ / 1869 م)، وسيأتي التعريف به في مبحث العمانيون والملاحة البحرية، حيث ذكر الشيخ أحمد الخليلي أنه اطلع على جواب للشيخ المنذري رداً على سؤال وُجّه إليه في موضوع عقدي، وعلق الشيخ الخليلي: ويدل جوابه هذا على أنه كان أيضا مطلعا على كثير من دقائق التشريح التي أمكن الوصول إليها في ذلك الوقت، فقد هناك كيف ينطلق الشعاع من العين إلى الشيء المبصر، ومد خطاً ووضع أضلاعاً؛ مما يدل على أنه كان على اطلاع في هذه العلوم (انظر: أحمد بن حمد الخليلي، العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، مادة أصلها (محاضرة) مكتوبة على المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الخامس
(2) نظمها على قافية الراء (3) نظمها على قافية الميم
(4) حسين العبري، قراءة في ثلاث قصائد طبية مخطوطة للشيخ راشد بن عميرة، ص 10
(5) انظر الصورتين (11 - 12)
(6) سبق التعريف به
رسم
(7) حسين العبري، قراءة في ثلاث قصائد طبية مخطوطة للشيخ راشد بن عميرة، ص 17 - 18
122 (1/122)
صفحة 119
القصيدة وشرحها قائلا: تدل على رسوخ قدمه في علم الطب؛ فقد تكلم
عن ذلك بدقة ومهارة ومعرفة بالمرض ومعالجته» (1)، ويقول الدكتور على
(2)
الهنائي (2): وكان الكثير مما كتبه في هذا الشأن متقاربا مع ما هو موجود
في كتب التشريح الحالية» (3).
مطلع القصيدة:
الحمد
لله رب اللوح والقلم
ومنشئ الخلق من ماء ومن عدم
لقد
برع العُمانيون في تحويل علومهم الفقهية والعقدية والفكرية واللغوية إلى شعر يسهل حفظه والرجوع إليه، وهو أمر ليس من السهولة بمكان؛ لما يتطلبه الشعر من ضوابط وموازين. أما راشد بن عميرة فقد ذهب إلى ما هو أصعب من ذلك، فقد حوَّل معلوماته الطبية إلى نظم سهل بديع في بيئة كان التأليف الطبي فيها قليلا، فضلا عن وضعه في قوالب
شعرية.
(1) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2،
ص 177
(2) دكتور بكلية الطب بجامعة السلطان قابوس، مسقط
(3) علي بن طالب الهنائي، التطبيقات الطبية في مؤلفات راشد بن عميرة الرستاقي، ضمن (ندوة من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين)، المنتدى الأدبي، ط 1، 1429 هـ / 2008 م، ص 41
مسقط،
123 (1/123)
صفحة 120
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة: (11): تشريح العين واتصالها بالدماغ للطبيب راشد بن عميرة أخذت الصورة من المتحف الوطني العماني، مسقط، الخميس 10 ذو القعدة (1438 هـ / 3، 2017،8 م)
الصورة (12): رسم حديث لمسار الرؤية في المخ
ومن أشهر كتب ابن عميرة (منهاج المتعلمين) (1)، وهذا الكتاب هو جواب سؤال ولده عميرة له في الطب، ذكر فيه أمراض الرأس والمعدة
(1) انظر الصورة (13)
124 (1/124)
صفحة 121
والدم، وتحدث عن الحميات والسموم. ومن المصادر التي اعتمد عليها في كتابه هذا: كتاب (الرحمة) في الطب والحكمة) لمهدي بن علي بن إبراهيم الصبنري (1)، وكتاب (المنصوري) لمحمد بن زكريا الرازي) ت 320 هـ)، و (حل الموجز للأقسرائي (3)، و (منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان للطبيب يحيى بن جزلة، و الكناش) لأفلاطون الطبيب الذي أخذ بالتجربة والقياس معا (4)، وأفاد من جالينوس (ت 200 م) الذي أبطل آراء الأطباء السفسطائيين وأيّد آراء أبقراط ومن تبعه (5)، ويحيى بن ماسويه (6)، وأبقراط) (ت 377 ق. م) الذي رأى أن يذيع صناعة الطب في جميع الأرض، وينقلها لمن يستحقها حتى لا تبيد (8)، وراشد بن خلف
بن محمد.
(1) سبق التعريف به
(V)
(2) تم الحديث عنه في الفصل الأول، مبحث «مساهمة المسلمين في الحضارة الإنسانية الحديثة» (3) جمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن فخر الدين الأقسرائي (ت بعد 776 هـ / 1374 م)، حفيد الإمام فخر الدين الرازي، عالم بالتفسير والطب عارف باللغة والأدب، صنّف كتبا، منها: «شرح القانون لابن النفيس»، و «حواش على الكشاف»، و «إيضاح الإيضاح»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 7، ص. (4) أحمد بن القاسم بن خليفة السعدي (ابن أبي أصيبعة) (ت 646 هـ)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح و تحقيق نزار، رضا دار مكتبة الحياة، بيروت، ص 41
4140
(5) أحمد بن القاسم بن خليفة السعدي ابن أبي أصيبعة)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء،
ص 109.
(6) أبو زكريا يحيى بن ماسويه الخوزي طبيب وعالم نصراني (ت 243 هـ/ 857 م)، من آثاره، النوادر الطبية، وكتاب الأزمنة، وكتاب، الحميَّات، انظر: www arwikipedia.org (7) ابن إقليدس بن أبقراط، ولد بجزيرة كوس حوالي سنة 460 قبل الميلاد، وهو أشهر الأطباء الأقدمين، ويعد أول من دون الطب من آثاره كتاب الأجنة، وكتاب طبيعة الإنسان، وكتاب الأهوية والمياه والبلدان وكتاب الفصول، انظر: www arwikipedia.org (8) أحمد بن القاسم بن خليفة السعدي ابن أبي أصيبعة)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص 44 (1/125)
صفحة 122
العمانيون والعلوم التجريبية
1624
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
عونك بأكريم كتاب منهاج المتعلمين
م الله الرحمن الرحيم هذا مختصرة النكت المحكمين مما تسالني عن ولدى عمين في بلد رحمه تاني خلف الهاشمي الرستنا في العماني علي الله عنهم بعضوم ورحمته ان سميع مجيب فاجته بمافتح عندي خر المعرفه على قد السوال وبالله لتوفيق اعلم ايدك الله وارشدك لطريق الرشاء في ما سالتني عنه عافاك الله عن العقل والادب العلم ان ها با يكمل الايل عقل فاذا تم ماجد بعد العلى العقل محمل الادب واعلم أن العقل وفيصل بين القلب والدماغ فاذا اتفقا لأجد فقدا على خير الدنيا ولا اجزا وها افضل عطاء وأول ما يشاء إلى العبد يوم القمر عن العقاك والاتة وهي الحسن الجواس وهي النظر والتمع والشم الدون والمترو هذه الجواس تسمى خدم المواد اذا اهتدى الانها فيكملة قالت الميرة لولا العقول الكان ابنى منعم اولى الي شرف من الإنسان واعلم ان العقل عقلان عقل مثمر وعقل عظيم فاما العقل المثمر فهو الذي يبلغ صاحبه الى توحيد الله ومعرفة مطاعنة ومرضانة وأداء الواجب واللازم واجتناب
تعالي
الصورة (13): مقدمة كتاب (منهاج المتعلمين)، للطبيب راشد بن عميرة، نقلا عن سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني يخبرنا محقق الكتاب عن منهجية ابن عميرة فيه؛ فيقول: «قسم المؤلف كتابه تقسيما منهجيا، إلى فصول تتضمن أمراضا بين طرق علاجها بوسائل العلاج المتاحة له آنذاك، فبعض الأمراض تعالج بالأدوية، وبعضها بالتدخل الجراحي، وقد رتب فصول الكتاب ترتيبا يعتمد على ترتيب أعضاء بدن
126 (1/126)
صفحة 123
الإنسان، مبتدئا بما يصيب الرأس، وصولا إلى ما يصيب القدمين. ومنهجه
في
تأليفه يعتمد على ذكر المرض، ثم أعراضه، ثم وسائل علاجه» (1). أما الروح الإيمانية القوية فقد كانت بارزة جدا في كتابه، يقول المحقق: وأعتقد أنه يستمد منها القوة والعزم على مداواة الناس، والتعامل مع أبدانهم، ووصف الأدوية لهم» (2)، وذلك واضح؛ فهو يردّد بعد وصف العلاج: (والله الشافي)، و (نافع إن شاء الله)، و (يبرأ بإذن الله)، وغيرها من العبارات الدالة على توكله على الله، ويقينه أن الشفاء إنما هو من الله؛ امتثالا لقوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (3). وفي قصة المرأة التي نطحها الثور يظهر لنا أيضا إيمان الطبيب راشد، إذ يقول: «فمن لطف الله تعالى أن عالجتها بالعلاج المذكور أول الباب» (4)،
وينسب الشفاء لله قائلا: وعاشت زمانا طويلا بلطف الخالق). وللطبيب الحَذِق راشد بن عميرة مؤلفات أخرى نذكر منها: (زاد المسافر) الذي تضمن كيفية جبر كسر اللحي الأسفل، وكسر الترقوة، وذَكَرَ فيه أبدال الأدوية، و أرجوزة) في الفصد والحجامة وشرحها)، تحتوي على فصول عدة، منها «فصل في عروق اليدين، وفصل في معرفة الفصد،
(1) راشد بن عميرة الرستاقي منهاج المتعلمين، ص 34 (2) راشد بن عميرة رة الرستاقي، منهاج المتعلمين، ص 35 (3) سورة الشعراء/ 80
(4) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2،
ص 166
(5) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 2،
ص 167
127 (1/127)
صفحة 124
128
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وفصل في فصد عروق الرجلين وغيرها» (1)، و (أرجوزة في مراحل عمر الإنسان) مع شرحها، يبين فيها انتقال الإنسان من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة إلى الشيخوخة إلى الهرم (2)، مطلع القصيدة: قال الفقير راشد بن هاشم
مقالة تروق كل عالم
(1) وزارة التراث فهرس المخطوطات الطب والكيمياء)، المجلد الرابع، ص 37.
(2) انظر الصورة (14). (1/128)
صفحة 125
م الله الرحمن الرحيم
shift
الحمد من الذكر جعل بدر القضاء بيجرى في فلك القدرة وجعله يدورے مشيمہ المشبه ما اراد واجره وصلح انه على حميد ابناء والأولياء الشباك الغربه وبعد هذه الرحوزه فالها الفقر والاله تعالي اسيد حميده زباني خلف محمد عند انته الهاشمي في الإنسان لمادية من الطفوليه إلى الشاب الي الكهولة إلى الشيخوخة اليوم وجعل ذلك على جنب فصول السند الإربعده فعال قال الفقير اسدد هام مقالة بروف كل عاليه الفقر الماح وهو الدى افتر بعد عنا و المسكين هو ما خود فر المسكنة والمسكر الذي لم ذلك يشاور اسد هورا شده شينه مثالي وذكر الحد ولم يذكروا الى وهو جابر و مقاله نصب على المصدر وتروق تعجب وتتح واحد اعلم - ثمانه الرحمر قد قضاه في حلمه عدلاً وقد امضاهه فيما في الدنى والاحمر هو صا حبا الرحمة وقد احتقن الحي سبحان هذا الاسيون عيت في حل و فضائه عند النصب على المجيد حكم حكا عدله والحلم
الصورة (14): مقدمة أرجوزة مراحل عمر الإنسان مع شرحها للطبيب راشد بن عميرة، نقلا عن
سلطان
بن
مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني.
129 (1/129)
صفحة 126
130
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
لقد رأينا في راشد بن عميرة الطبيب الماهر المجربَ الفطن، والمؤلفات المتعددة، مع تنوع الأساليب بين النظم والنثر وشرح المنظوم، والتوضيح بالرسوم، والعلم بالتشريح، والاهتمام بالعين وتشريحها، وهو صاحب العمليات الجراحية، والمنهجية العلمية، والروح الإيمانية؛ ولذا فهو يستحق أن يحتفى به، كما فعلت اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، حيث أقامت (ندوة الاحتفال بالذكرى المئوية الرابعة للطبيب والصيدلاني العُماني راشد بن عميرة بن ثاني الهاشمي الرستاقي)، يوم الأربعاء 28 ربيع الآخر 1436 هـ / 18 فبراير 2015 م بالعاصمة العُمانية
مسقط. (1/130)
صفحة 127
131
المطلب الثالث:
الطبيبان بشير الفزاري وعلي العقري (ق 11 - 12 هـ) عاش الطبيبان بشير بن عامر بن عبدالله الفزاري الإزكوي، وعلي بن عامر بن عبدالله العقري النزوي في القرن الحادي عشر الهجري، وتلازما وتصاحبا؛ فكان كل واحد منهما يسأل الآخر فيما أشكل عليه؛ فللأول منهما (جوابات بشير بن عامر في الطب)، وهي أجوبة أسئلة طبية موجهة له من صاحبه الطبيب الفقيه العقري، وله أيضا (منظومة بشير بن عامر الفزاري في الطب)، ذكر فيها الأدوية ومنافعها. يصفه البطاشي بأنه «فقيه، وطبيب، وناظم للشعر» (1).
وللآخر منهما - أي العقري مختصر الطب)، يجيب فيها على أسئلة صاحبه الفزاري. يصف البطاشي في إتحافه صاحب المختصر بقوله: من علماء القرن الحادي عشر، وكان طبيبا حاذقا» (2)، بل عُرف الطبيب العقري بتنقله بين البلدان؛ لغرض علاج الناس، وهي خدمة دينية وإنسانية جليلة؛ إذ للطبيب أهميته بين الناس، وقد تخلو بعض الأماكن من الأطباء، ففي التراث العُماني شواهد على إقامته في بلدان عديدة من عُمان لعلاج المرضى، يقيم في كل بلدة زمنا ثم ينتقل إلى الأخرى» (3). «وهو الذي
(1) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 3، ص 67 (2) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 3،
ص 398
(3) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 13 (1/131)
صفحة 128
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
صنع بنجاح رجلاً خشبية للفقيه الأديب المشهور خلف بن سنان الغافري ت 1125 هـ)، بعد ما قُطعت رجله بسبب عاهة أصابتها» (1)؛ ولا شك أن هذا إنجاز كبير للطب في عُمان، وعمل مميز يدل على القدرة الفائقة التي وصل إليها الطبيب العُماني، وذلك بالمقارنة بحال الطب في عُمان ذلك الوقت؛ حيث كان يفتقر إلى أبسط ما يتوفر في وقتنا الحالي من
في
(2)
أدوات وتصوير وتخدير وغيره؛ ولذلك امتدحه الشيخ الغافري قائلا: ولما أراد الله برءا لمرضتي وقامت لإقبال السرور جدود أتاح لطبي من يعدم نظيره غدا وهو بين العالمين وحيد أخا المفاخر الأعلا علي بن عامر مشرد جيش السقم وهو فريد) هكذا تميز هذان الطبيبان بالجمع بين علم الشرع والطب، وكانت خدمة لهما مباحثات تدل على رغبتهما في التحصيل العلمي؛ ومن المجتمع بتقديم العلاج لمن يحتاجه، خاصة الطبيب العقري الذي كان طبيبا متنقلا، وحقق عملا فريدا بصنع رجل صناعية، ويشخص لنا الباحث سلطان الشيباني أعمال الطبيبين فيقول: والمتتبع لسؤالات بشير بن عامر الفزاري يجد أنها تنم عن معرفة بالطب وأحوال المتطبب؛ وذلك أنه يصف الدواء زمانا ومكانا وحالا، ويفرق أحيانا بين الأدواء، وينقل تارة تشخيص المرض وما يعرفه من علاجات، ثم يوجه سؤاله إلى المسؤول عقب ذلك. وتأتي جوابات الطبيب علي بن عامر العقري النزوي مفصلة أحيانا وموجزة أحيانا أخرى؛ مما يوحي بأن كليهما على قدر من الدراية في
الفن، وهي مباحثات أكثر منها سؤالات من تلميذ إلى شيخه (3).
(1) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 13 (2) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان،
ص 389
(3) سلطان الشيباني ومحمد العيسري، نوادر المخطوطات العُمانية، ص 209
ج 3،
132 (1/132)
صفحة 129
133
المطلب الرابع: أطباء ومصنفات أخرى
وهناك العديد من الأعمال الطبية للعُمانيين نذكر منها: (مختصر بقراط الحكيم)، تأليف عمر بن مسعود بن ساعد المنذري (1) (ت 1160 هـ)، الذي كان أحد البارزين في مجال الطب، حيث كان يقصده الناس من أماكن بعيدة لطلب الدواء أو لسؤاله عن الوصفات الطبية» (2)، واستفاد في هذا الكتاب من بعض الأعلام الذين سبقوه من العُمانيين وغيرهم، من أمثال الشيخ محمد بن راشد الريامي، والطبيب الهرموزي كمال بن طهر الدين، ورجع كذلك إلى بعض الكتب مثل كتاب شمس العلوم)، وكتاب (لقط المنافع)، وكتاب (الرحمة)) (3)، وللمنذري تصنيف في الفلك سنذكره في حينه؛ فهو كما قال عنه البطاشي: «فقيه وعالم بالفلك والنجوم والطب» (4). وألّفَ الشيخ محمد بن سعيد بن راشد العيسائي (ق 12 هـ)، «عدة قصائد في الطب، بعضها في علاج الرمد، وأخرى في دواء بياض العين، وكذلك في علاج بعض الأمراض مثل القولنج (5)» (6).
(1) تم التعريف به في المبحث الأول من هذا الفصل (2) صالح بن أحمد الصوافي معالم تاريخية في الحياة الفقهية والعلمية بولاية عبري الفتية، ص 165، نقلا عن موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في. ص 126 - 127
عُمان
في عهد اليعاربة،
(3) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 127 (4) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 3،
ص 410 - 411
(5) من الأمراض الباطنة الخاصة بالجهاز الهضمي، وهو مرض معوي مؤلم، يتعسر معه خروج ما يخرج بالطبع، السبب فيه في الأمعاء الغلاظ (القولون) فما يليها
(6) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 128 (1/133)
صفحة 130
134
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وبعض
ومن كتب العُمانيين في الطب: (جواهر المنافع في الأسرار والعزائم الأدعية المأثورة)، تأليف سليمان بن إبراهيم بن محمد العوفي العقري النزوي (ق 12 هـ)، يصف فيه علاج كثير من الأمراض الحسية والمعنوية، ويستشهد فيها بكثير من الآيات القرآنية ومن أحاديث المصطفى (1)، ويقع في حوالي اثنين وأربعين بابا، كل منها مقسم إلى فصول» (2). وللعوفي تصنيف آخر بعنوان (فوائد القرآن)، وهو «كتاب يتحدث عن عدة مواضيع من بينها الطب، ومقسم إلى خمسة وثلاثين بابا» (3)، وكتاب (رسالة الطب)، لسعيد بن مهنا بن سيف النبهاني العقري
حَبُّ
النزوي، رسالة تناول فيها مؤلفها أبوابا عدة، منها: الورم، ولمن به (أي: بثور) في جسده، وفائدة المرارة، وغيرها، و (مختصر في علم الطب)، تأليف الشيخ الحكيم مهنا بن محمد بن أحمد الإسماعيلي (ق 13 هـ)، وهو عبارة عن نبذة مختصرة في علم الطب، تحتوي على أبواب: منها باب في علاج العلل، وباب في الطبع السوداوي» (4)، «جمع مادتها من مصادر متعددة، تلبية لطلب سائل، سأله، وضَمَّنَها بعض مجرباته من المراهم والأدوية» (ه).
(1)
ومن أعمالهم أيضا: رسالة العلامة الصائغي في الطب)، لسالم بن
مجمو
عة
من الباحثين، فهرس بعض المخطوطات العُمانية غير المطبوعة في المكتبات العامة والخاصة، مكتبة السيد محمد البوسعيدي، ص 24 (2) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 125 (3) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 126 (4) وزارة التراث فهرس المخطوطات الطب والكيمياء)، المجلد الرابع، ص 82 (5) سلطان بن مبارك الشيباني، محاضرة، الإنتاج العلمي العُماني، ص 13 (1/134)
صفحة 131
135
سعيد بن علي الصائغي (1)، وهي رسالة تتضمن أبوابا طبية: كالقروح
والجروح، ودفع النوبة، والسموم العارضة وغيرها، و (شرح لامية ابن هاشم، تأليف: علي بن محمد بن علي المنذري (2) (ت 1343 هـ / 1925 م)، و الكتاب عبارة عن شرح مطول للامية ابن هاشم في الطب .... وتوجد بآخره بعض الوصفات الطبية (3)، وله أيضا كتاب (مجربات في الطب والتصرفات والحرف وغير ذلك، يتضمن علاج بعض الأمراض، وغيرها. ومن كتب الطب أيضا: (الفوائد على النبات والعقايد)، لسيف بن بدر بن سالم بن سعيد المنذري، استطرد فيه صاحبه في ذكر بعض الأمراض، و (زاد المسافر بالوفى والكمال، تأليف: عامر بن عيسى بن راشد بن سعيد، بدأه المؤلف بذكر علاج الصداع، وأنهاه بذكر الأدوية التي تُصنع على هيئة معاجين (4)، وكتاب (كنوز الأسرار في علم الأشجار والأحجار بلغة أهل السواحل وزنجبار)، تأليف: محمد بن جمعة بن سعيد
بن عيسى المغيري، يصف فيه صاحبه أدوية لبعض الأمراض، مع ذكره لمواضيع أخرى (الأشجار والأسرار) (ه).
(1) سالم بن سعيد بن علي بن سالم الصائغي، كان حيا عام 1233 هـ / 1818 م، فقيه ناظم للشعر، من ولاية منح من آثاره المضنون به على غير أهله وكنز الأديب وسلافة اللبيب، ودلالة الحيران، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 22 - 28 (2) سبق التعريف به (3) مجموعة من الباحثين، فهرس بعض المخطوطات العُمانية غير المطبوعة في المكتبات العامة والخاصة، مكتبة السيد محمد البوسعيدي، ص 38
(4) مجموعة من الباحثين، فهرس بعض المخطوطات العُمانية غير المطبوعة في المكتبات العامة والخاصة، مكتبة الشيخ سالم الحارثي، ص 23
(5) مجموعة من الباحثين فهرس بعض المخطوطات العُمانية غير المطبوعة في رعة في ا المكتبات العامة والخاصة، مكتبة الشيخ سعيد المغيري، ص 4 (1/135)
صفحة 132
136
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ومن الأطباء المتأخرين الشيخ الفقيه القاضي سيف بن حماد بن أحمد بن سعيد بن جاعد بن خميس الخروصي، المولود في ولاية العوابي عام 1312 هـ، والمتوفى سنة 1379 هـ في ولاية المصنعة. ومن الأحداث المشهورة عنه أنه أجرى عملية جراحية لأحد سكان ولاية المصنعة، وقام بخياطة الجرح بخيط حرير وإبرة، وقال للمريض ستموت بعد ثلاثة أيام، وظل ذلك الشخص يفكر طيلة الثلاثة أيام؛ حتى امتنع عن الأكل، وفي اليوم الثالث زاره الطبيب سيف بن حماد؛ فذكر المريض أنه أصبح في اليوم الثالث ولم يمت بعد؛ فقال له الطبيب الأعمار بيد الله تعالى، وتلك كانت حيلة مني لتمتنع عن الأكل؛ لأنه سيؤثر على العملية الجراحية، وفعلا فقد شفي المريض بعد ذلك (1). والله أعلم بصحة القصة، ولكني أظن أن هناك طرقا أخرى لإقناع المريض بعدم الأكل بدل هذه الطريقة تسبب الخوف والهلع، وتخلخل الإيمان، والمعتقد بألا يعلم موعد وفاة شخص إلا الله تعالى {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَي أَرْضِ تَمُوتُ) (2)، وكذا الحال في كل أمر غيبي، وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ
التي
الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو (3).
(1) ماهر بن مال الله الزدجالي ولاية المصنعة حكاية البحر والتاريخ، ص 18
(2) سورة لقمان/ 34
(3) سورة الأنعام/ 59 (1/136)
صفحة 133
لقد امتهن العُمانيون الطب؛ فألفوا فيه المصنفات، ومارسوا العلاج
والعمليات، على حسب المتوفر لديهم من المعلومات والخبرات، بالإضافة إلى القصائد الشعرية التي جعلت من المادة العلمية الصعبة نظما سهل الحفظ والتذكر. ولم تكن مصنفات العُمانيين الطبية مجرد نقل من الآخرين، يقول الدكتور ناصر العزري: ولم تقتصر هذه الكتابات على العلاجات المجربة وحدها بل كانت تنفذ إلى مبادئ الطب وتغوص في فلسفته، وتبدأ رحلتها من علومه الأساسية كالتشريح ومعرفة الأعضاء ووظائفها في جسم الإنسان. وهذه المعرفة الثرية لا يمكن أن تكون نتاج النقل وحده حيث أن محتواها وطريقة عرضها وربطها بالتجربة العملية والنتائج الطبية للمؤلف يؤكد أنها قيمة مضافة وعمل مستقل في حد
ذاتها» (1).
(1) ناصر بن حماد العزري، إسهامات العُمانيين في مجال الطب ورقة بحثية مقدمة لندوة مسقط، الإثنين 7 ديسمبر
«إسهامات العُمانيين في العلوم التطبيقية» بجامعة السلطان قابوس،
2015 م، ص 3
137 (1/137)
صفحة 134
المبحث الثالث: العُمانيون والهندسة
برع العمانيون في الهندسة، ويظهر ذلك من آثارهم التي لا تزال باقية إلى اليوم، إلا أنهم لم يصنفوا فيها إلا النادر الشحيح. والذي يدلنا على براعة العُمانيين وتفوّقهم في الهندسة تلك الأفلاج العجيبة الإتقان، والحصون الفريدة العمران والقلاع الشديدة التحصين والقرى المتقنة التخطيط. وسيكون تركيزنا على هندسة الأفلاج، وهندسة القلاع والحصون، مع الصعوبة المتوقعة؛ نظرا لشح المصادر، بل انعدامها أحيانا، سواء ما كتبه المهندسون الأوائل أنفسهم، أو تلك الكتابات الحديثة، والتي تتناول
نوع من ناحية هندسية صرفة؛ ولذا سنحاول مع قلة المعلومات
الموضوع
التركيز على الجانب الهندسي العملي التطبيقي قدر الإمكان. ومن أبرز المهندسين العُمانيين المهندس محمد بن سليمان الخروصي السمائلي، فقد كان مهندسا بارعا في تخطيط شبكات المياه؛ إذ «عهد إليه سلطان زنجبار السيد برغش بن سعيد (1) بمد أول شبكة مياه إلى الجزيرة، فاختار موقعا لمحطة المياه يبدو منخفضا لأول وهلة، فأنكر عليه عامة الناس، لكنه أصر على رأيه، وابتدأ بتنفيذ مشروعه الرائد الذي استمر ثلاث
(1) برغش بن سعيد بن سلطان (1252 هـ / 1837 م - 1305 هـ / 1888 م)، السلطان الثاني لزنجبار بعد أخيه ماجد ينسب الفضل له في بناء وتطوير البنى التحتية لزنجبار، وتطوير شبكات المياه والحمامات العمومية والشرطة والطرق والحدائق العامة والمستشفيات والمباني الحكومية الضخمة، انظر: www arwikipedia.org
139 (1/139)
صفحة 135
العُمانيون والعلوم التجريبية
بن
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
سنوات» (1). ويظهر من قصة هذا المشروع التوافق بين الإرادة السياسية والدعم المادي والخبرة الهندسية؛ فكان النجاح وكانت الفرحة من عامة الناس، وتحول أمر جلب المياه من المشقة إلى الراحة - ولله الحمد ولمن عمل الشكر، فقد جاء في جهينة الأخبار ما يلي: «كان الناس في الزمان السابق بزنجبار يستعملون الماء نزفاً بالأيدي، ولكن السيد المحسن حمود أحمد بن سيف حرَّك همة السيد برغش في إجراء فلج من الريف إلى البلاد، وكان في نية السيد حمود أن يقوم بنفسه بهذا العمل. وعن الخبر اليقين أنه تبرع بأربعين ألف ريال لإنجاز هذا الموضوع، وهو ذو رغبة في التقدم لأفعال الخير، وقد نبه خبيرا؛ فإن السيد برغش حالا أمر بإجراء الفلج، ودعا بالمهندس الشهير الشيخ محمد بن سليمان الخروصي العُماني؛ فقام بالعمل خير قيام، وأجراه في سوق من الصاروج من مسافة تبعد عن البلد بأربعة أميال من المكان المسمى المتوني في شمال زنجبار، ووزعه في أنابيب من حديد، ودخل الفلج البلد سنة 1298 هـ (تقريبا 1881 م)، وفرح الأهالي بوصوله، وعمّ نفعه جميع الناس» (2) وكان المهندس الخروصي متعدد جوانب الهندسة؛ فعندما رجع من زنجبار إلى سمائل بنى له فيها بيتا يُضرب به المثل في الهندسة المعمارية، حتى بلغ الحال بالسلطان فيصل بن تركي (3) أن يستدعيه ليبني له بيتا مماثلا» (4).
(1) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 7 (2) سعيد بن علي المغيري جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تحقيق: محمد علي الصليبي، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 4، 1422 هـ / 2001 م، ص 336 - 337
2001
(3) فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي (ت 1331 هـ / 1913 م)، سلطان مسقط وعُمان، ولي سنة 1305 هـ، ولد وسكن وتوفي بمسقط، كان شجاعا، انظر: خير الدين
الزركلي، الأعلام، ج 5، ص 164 - 165
(4) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 7
140 (1/140)
صفحة 136
المطلب الأول: هندسة الأفلاج
الماء هو أساس الحياة؛ فلا بد لكل من أراد العيش أن يوفر لنفسه مصدر الشرب، بل الحاجة للماء تتعدّى شرب الإنسان، فهو لسقي الحيوانات والأشجار والنباتات، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} ()، وهو للاستعمال المنزلي كالغسيل والتنظيف والاستحمام، {وَيُنَزِلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُم بِهِ} (6)، ويستخدم حتى في الصناعات والعمران، وغير ذلك من الأعمال البشرية التي تحتاج للماء. وبسبب عدم وجود أنهار بعمان تمدها بمصدر دائم للمياه، ونظراً لقلة الأمطار التي قد تستمر لسنوات متتالية، حيث لا يتعدى المتوسط السنوي لسقوط الأمطار عُمان 100 - 200 ملم» (7)؛ فلا يمكن الاعتماد عليها كمصادر مباشرة للمياه بشكل مستمر؛ كانت الآبار المفتوحة ذات الأعماق الضحلة إحدى الوسائل التي ابتكروها كمصدر للماء إلا أن هذه الطريقة تكلّف الجهد الكبير في استخراج المياه، ولم يتعد استخدامهم لها الشرب وري بعض أشجار النخيل وسقي الماشية، ومن ثَمَّ لم تكن هذه الطريقة وسيلة فاعلة
في
(5) سورة السجدة / 27
(6) سورة الأنفال/ 11
(7) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 2 (1/141)
صفحة 137
142
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
لما يكتنفها من مصاعب جمة (1)، فكان لا بد من التفكير في طرائق أخرى تكون أكثر فاعلية؛ فبرزت فكرة الحفر الأفقي المتواصل الذي يتيح للمياه
الانسياب الطبيعي (2) من المصدر حتى وصوله لآخر نقطة تستفيد منه. والفلج عبارة عن قناة محفورة في باطن الأرض أو على سطحها، سواء كانت مغطاة أو مكشوفة، لتجميع مياه العيون والينابيع الطبيعية أو المياه السطحية، أو اعتراض وتجميع مياه السيول؛ بحيث يتم انتقال المياه المتجمعة من مواردها في قناة الفلج طبيعيا بواسطة قوة الجاذبية على مدار الساعة (3)، بدون الحاجة إلى مضخات أو آلات سحب ودفع للمياه، بل بدون أدنى وقود أو تكلفة عدا تكلفة التشييد والصيانة. وقد بلغ عدد الأفلاج في عُمان 4112 فلجا، منها 3017 فلجا حيا لا زالت تتدفق منها المياه، والتي تقدر بحوالي 680 مليون متر مكعب سنويا، وتروي ما يقارب 17600 هكتارا، أي ما يساوي أكثر من ثلث المساحة المزروعة في السلطنة (4). أما الأفلاج الميتة والمقدرة ب 1095 فلجا ميتا؛ فإنها اندثرت
(1) وكذلك الأفلاج، فيها صعوبة وخطورة، إلا أن عظم فائدتها ربما جعلهم يصرون على
الاستمرار فيها
(2) خليفة بن بدوي الحجي، نظام الأفلاج في سلطنة عُمان بين معطيات الماضي وتحديات المستقبل، ضمن كتاب نوافذ على الماء والحضارة في بلاد العرب)، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 2006، ص 177 (3) خليفة بن بدوي الحجي، نظام الأفلاج في سلطنة عُمان، ص 178 (4) وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه، المشروع التجريبي لتوثيق الملكيات والأعراف والسنن والبيانات المتعلقة بالأفلاج، ط 1، أكتوبر 2009 م، ص 12 (1/142)
صفحة 138
143
نتيجة القحط أو الهجرة أو هدمت عمدا أثناء الحروب (1)، أو تأثرا بالعمارة الحديثة وزحفها نحو المنطقة الخضراء. وهذا الرقم قابل للزيادة مع زيادة المسوحات، وتتبع الآثار والتمعن فيما كتبه الأوائل، ومنها الكتب
6
الفقهية التي دائما ما تلامس واقع الناس وتعايش حياتهم الاجتماعية. هذا النظام الهندسي الفريد في الحصول على الموارد المائية لا يوجد إلا في مناطق قليلة حول العالم، حيث ثبت وجود الأفلاج في كل من أسبانيا في أوربا، وفي بلاد فارس في الشرق الأوسط، وفي الجزائر في المغرب العربي» (2)، إلا أن هناك ما يشبه الأفلاج الداوودية (3)، يقول الدكتور عبدالله الغافري: وبالمقارنة نرى أن أنظمة ري شبيهة بالأفلاج الداوودية لا تزال موجودة في كثير من الأماكن حول العالم بأسماء مختلفة، مثل اليابان والصين ودول آسيا الوسطى وإيران ودول الجزيرة العربية والشام والشمال الأفريقي وأوروبا والأمريكتين). ومع ذلك، فعمان تتميز بهذا النظام المائي كما يراه الشيخ بدر العبري ليس من ناحية كثرة أفلاجها فحسب بل من ناحية أعمالها الهندسية والفنية في تكوينها وشقها، وبناء
(1) يُروى ذلك عن الفرس (انظر: سرحان بن سعيد الإزكوي، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 2، 1434 هـ / 2013،م، ج 1، ص 161)، كا يُروى عن القائد العباسي محمد بن نور والذي يسميه العُمانيون محمد بن بور»؛ لعظم الجرائم التي ارتكبها في حقهم (انظر: عبدالله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 1،
ص 261)
(2) محفوظ بن عبدالله السليمي ونبيل حافظ عبدالفتاح، تنظيم وإدارة الأفلاج في سلطنة عُمان دراسة تحليلية، معهد الإدارة العامة، مسقط، 1417 هـ / 1997 م، ص 11 (3) سيأتي الحديث عنها لاحقا بإذن الله (4) عبدالله بن سيف الغافري الأفلاج العُمانية تاريخها وهندستها وإدارتها، ضمن (مجلة نزوى)، العدد 44، رمضان 1426 هـ/ أكتوبر 2005 م، ص 12 (1/143)
صفحة 139
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
جداولها، وجدولة تقسيم مياهها (1) (2)، ويؤكد ذلك الباحث خليفة الحجي بقوله: «وقد تفنن العُمانيون في هندسة هذه الأفلاج بأسلوب بارع ينبئ عن حذاقة الفكر العُماني الأصيل» (3)، أما المستشرق ولكنسون فيقول عن
استغلال العُمانيين للأرض: أنه كان قائما على مستوى مرتفع من المهارة في كيفية استخدام المياه» (4).
أنواع الأفلاج
(0)
:
تتنوع الأفلاج في عُمان نظرا لتنوع مصادرها، ويمكن إجمالها في ثلاثة
أنواع. الأفلاج الغيلية (6) مصدرها المياه السطحية الجارية أو شبه السطحية، وتحجز كميات المياه هذه من غيل الوادي لتجري عبر قناة مكشوفة إلى المناطق السكنية والزراعية باتجاه جريان الوادي)، أو تجمع هذه المياه في خزان، وتُوَزّع بعد ذلك على المستفيدين منها. ومن الأفلاج الغيلية: فلج السمدي بولاية سمائل وفلج الرحى بولاية بدبد ومصدره وادي سمائل.
ص
13
(1) الحديث عن طريقة تقسيم مياه الأفلاج في مبحث «العُمانيون والفلك» (2) بدر بن سالم بن هلال العبري، البيان في بعض أفلاج عُمان، (3) خليفة بن بدوي الحجي، نظام الأفلاج في سلطنة عُمان، ص 177 (4) جي رسى ولكنسون، الأفلاج ووسائل الري في عُمان، ترجمة، محمد أمين عبدالله، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 3، 1424 هـ / 2003 م، ص 46
(5) خليفة بن بدوي الحجي، نظام الأفلاج في سلطنة عُمان، ص 179 - 185 و هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ وزارة التراث والثقافة، مسقط، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط 1، 2015 م، ص 21 (6) الغَيْلُ: الماء الذي يجري على وجه الأرض، وفي الحديث: (ما سُقِيَ بالغيل ففيه العُشْر، وما سقي بالدلو ففيه نصف العشر)، انظر: محسن محمد معالي، معجم معالي اللغة، مؤسسة حورس الدولية للنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر، ط 1، 2013 م، مادة (غ ي ل)، ص 517
(7) انظر الصورة (15)
144 (1/144)
صفحة 140
فلج غيلي
حائط تحويل أو
سد
الزراعة في القرية
جزء مفتوح من سافية الفلج
أم الفلج أو المصدر)
مجرى وادي
الصورة (15): قطاع عرضي تخطيطي للفلج الغيلي، نقلا عن وزارة موارد المياه، إحصائيات وقوائم
الأفلاج في سلطنة عُمان، 1421 هـ/ 2000 م، ص 17
(1)
الأفلاج العينية مصدرها ينابيع طبيعية (عيون)، سواء كانت المياه
(2)
سطحية أو جوفية (2). ويصب الماء مباشرة في القناة الناقلة للمياه، أو تُجمع في حوض التجميع قبل أن تصل لمنطقة التغذية. ومن أشهر الأمثلة عليها: عين الكسفة بالرستاق وعين الثوارة بنخل والأفلاج الحارة بفنجا في
ولاية بدبد
(1) العَيْنُ: يَنْبوعُ الماء ينبع من الأرض ويجري، وفي القرآن الكريم: «فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ»، انظر:
المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، القاهرة، مادة «عان»، ص (2) انظر الصورة (16)
444443
145 (1/145)
صفحة 141
146
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
فلح عيني (يغذى من نبع)
الزراعة في القرية
جزء مفتوح من ساقية الفلج
سطح الماء الضاغط
المنبع في الصخور المتصدعة (أم الفلج أو المصدر)
الصورة (16): قطاع عرضي تخطيطي للفلج العيني، نقلا عن وزارة موارد المياه، إحصائيات وقوائم الأفلاج في سلطنة عُمان، ص 17.
أما الأفلاج الداوودية (1) (أو العِدِّية (2)) فمصدرها باطن الأرض، وتمر عبر أنفاق أرضية ذات فتحات تهوية (3). وقد يصل عمق هذه الأفلاج عند المنبع 50 متراً كما هو الحال في فلج الميَسَّر بالرستاق (4)، ويصل طولها أحيانا إلى عشرات الكيلومترات، ففلج المعترض قرب وادي الجزي
(1) يذكر بعض المؤرخين أن النبي داود بن سليمان عليهما السلام قد حفر في عُمان عشرة آلاف فلج (انظر: سرحان بن سعيد الإزكوي، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، ج 1، ص 161 (، والشائع أن أصل تسمية الأفلاج الداوودية بهذا الاسم نسبة إلى ذلك، وبعض الباحثين لا يؤيد ذلك، ولا يُفضّل هذه التسمية؛ لعل فيها استنقاصا لجهود الأجداد، ولكني رأيت الإبقاء عليها لشهرتها، وأيضا عندما سألت أحد كبار السن في البلد عن سبب التسمية، أفادني أن داوودية معناها ثابتة مستمرة في الجريان فذكرت له الرواية؛ فقال هذه خرافة (الوالد سيف بن حمد السيابي مقابلة شخصية، نفعاء بولاية بدبد الأحد 11 ربيع الأول 1438 هـ / 11 120 2016 م) (2) العِدُّ: الكثرَةُ في الشيء وتعني أيضا: القديم، وسَيْلٌ عِدٌ أي جار لا ينقطع (عبدالله بن سيف الغافري هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، صر ه (نقلا عن معجم المعاني
الجامع))
(3) انظر الصورة (17)
(4) وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه المشروع التجريبي لتوثيق الملكيات والأعراف والسنن والبيانات المتعلقة بالأفلاج، ص 46 (1/146)
صفحة 142
على سبيل المثال - يبلغ طوله حوالي 31 كم، وفلج الغبي بولاية بدية يصل طوله 18 كم تقريبا). ومن الأمثلة على هذا النوع فلج دارس وفلج الخطمين بنزوى. لا تعتمد الأفلاج العدية على وجود الماء على سطح الأرض؛ إذ إن مصدرها باطن الأرض؛ وهي بذلك تهب الإنسان كميات كبيرة من الماء «قد تصل الى أكثر من 1000 لتر في الثانية في الأفلاج الكبيرة خلال فترات الخصب. وتمتاز أيضا بكبر المساحة المزروعة والتي تتعدى 100 هكتار في الأفلاج الكبيرة (3). تُشكّل الأفلاج الداودية نسبة 23% والعينية %28? والغيلية 49? من إجمالي عدد الأفلاج في عُمان (3).
فلج داؤودي (عدي)
أم الفلج
فتحات مراقبة (فرض)
جزء مفتوح من
الزراعة في القرية
ساقية الفلج
سطح الماء الضاغط
الصورة (17): قطاع عرضي تخطيطي للفلج العدي، نقلا عن وزارة موارد المياه، إحصائيات وقوائم
الأفلاج في سلطنة عُمان،.
ص
017
ويظهر أن هذا النوع الأخير - الفلج الداوودي هو أصعبها وأخطرها (4)؛
(1) محمد بن ناصر الحجري، نظام الأفلاج في عُمان ودوره في التنمية، ط 1، 1419 هـ / 1998
م، ص 32
(2) عبدالله بن سيف الغافري هندسة ا سة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 6 (3) وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه المشروع التجريبي لتوثيق الملكيات والأعراف والسنن والبيانات المتعلقة بالأفلاج، ص 12
(4) انظر الصورة (18)
147 (1/147)
صفحة 143
العُمانيون والعلوم التجريبية
فالمنبع أعمق
من
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
منطقة التغذية بعشرات الأمتار، والمسافة طويلة تتعدّى
العشرة كيلومترات، ولا بد للماء من طريقة هندسية فنية حتى يخرج من مبتدئه ويتدفق مستمرا ليصل إلى منتهاه، ولا بد من الاختيار الدقيق لمكان وجود الماء، والمسار الذي يتبعه الفلج ومما لا شك فيه أن هندسة الأفلاج تعتبر نموذجا فريدا في الجزيرة العربية من حيث مراحل الإنشاء، واستمرارية تدفق المياه والمحافظة على جريانها بمعدلات محسوبة بدقة فائقة» (1)؛ وهذا ما يدلنا على براعة الإنسان العُماني، وهندسته الفريدة، ومن العجيب أن يبقى هذا النظام البديع آلاف السنين، وما زال الناس يستفيدون منه حتى الآن، بل هو المصدر الأساسي للماء، وربما الوحيد في بعض المناطق.
148
عين جديدة
إمتداد نفق
الثقوب
لمين في أعلى الثقب
نفق قائم
تدفق المياه
عين قديمة
رسم
الصورة (18) تخيلي لعملية شق فلج داوودي، نقلا عن وزارة موارد المياه، إحصائيات وقوائم الأفلاج في سلطنة عُمان، ص 19. ويظهر في الرسم الثقوب الممتدة من السطح إلى النفق، وطريقة نقل الأتربة الناتجة عن الحفر إلى سطح الأرض.
(1) محفوظ بن عبدالله السليمي ونبيل حافظ عبدالفتاح، تنظيم وإدارة الأفلاج في سلطنة عُمان،
ص 23 (1/148)
صفحة 144
149
إن وجود الماء في باطن الأرض نعمة من الله سخرها للإنسان؛ فاستغلها أجدادنا استغلالا متوازنا بين الإفراط والتفريط؛ جعلهم قادرين
أنظمة
على الاعتماد عليها في الحصول على الماء اعتمادا كبيرا بعد الاستعانة بالله، وفي الوقت نفسه لم يبذروها أو يلوثوها كما هو الحال في الري الحديثة. يقول الدكتور عبدالله الغافري: «هذه الأفلاج لا تضر بالبيئة كما تفعل الأنظمة الزراعية الحديثة، فهي لم تؤد إلى تملح التربة أو تلوث المياه الجوفية. والأفلاج لا تستنزف مخزون المياه الجوفية كما تفعل المزارع الحديثة، فهي ترشّح المياه من مواردها الجوفية بشكل طبيعي ومتوازن دون الإضرار بالخزان الجوفي).
مراحل إنشاء الفلج
المرحلة الأولى:
(2)
اختيار المنطقة التي تتوفر فيها الظروف الملائمة لشق الفلج، من وجود مرتفعات واسعة تتخلل تضاريسها أودية تستقطب مياه الأمطار، منسابة إلى منخفضات تكون صالحة للزراعة، وقابلة لإنشاء الحقول فيها. يقول بعض الباحثين الغرب: «إذا دعت الحاجة إلى توسيع بئر قديمة أو فلج قديم في داخل عُمان أو تحسينها، أو إنشاء بئر جديدة أو فلج جديد؛ فإن أول ما يفعله الناس عادة هو أن يستعينوا بباصر، أي رجل بصير (خبير) بمعرفة مواقع الماء تحت الأرض. وكثير من العوامر وبعضهم أيضا يشتغلون
(1) عبدالله:، بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 7 (2) بدر بن سالم بن هلال العبري، البيان في بعض أفلاج عُمان، ص 15 - 21 (بتصرف) ومقابلة مع خبير الأفلاج هلال بن عامر القاسمي، ومصادر أخرى مذكورة أدناه (1/149)
صفحة 145
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
بالحفر مشهورون بأنهم باصرون، والطلب على خدماتهم كثير» (1). وكذلك لا بد من توفر الأرض المستوية الخصبة، وعلى أن تكون على بعد مناسب من مكان توفر المياه الجوفية، وفي نفس اتجاه جريان الوادي، وهذا شرط هندسي كان أهل الخبرة والدراية يعتمدون في تقديره على خبرتهم الذاتية، وعلى التجربة والخطأ، والقاعدة الهندسية التي يعتمدون عليها في ذلك هي أن موقع وجود الماء الجوفي تحت الأرض يجب أن يكون في نفس مستوى المكان الذي سوف يستخرج منه الماء على الأقل» (2)؛ وذلك حتى يتمكن الماء من التدفق ليصل إلى الأراضي المطلوب أن يخدمها.
المرحلة الثانية:
حفر بئر قياسية في أرض المرتفعات؛ ليكتشفوا عمق منسوب المياه.
المرحلة الثالثة
:
مسح قياسي دقيق لجغرافية المساحة بين البئر القياسية وسطح الأرض
المنخفضة، ودرجة انحدار الأرض بينهما.
المرحلة الرابعة
شق قناة الفلج، بداية من المنطقة المنخفضة باتجاه البئر القياسية (3)، على
(1) جي إس بيركس وسالى آي ليتس، العوامر قبيلة متخصصة بحفر الآبار والأفلاج في شمال عُمان، ص 7
(2) محمد بن ناصر الحجري، نظام الأفلاج في عُمان ودوره في التنمية، ص 28 - 29 (3) وهناك طريقة أخرى يبدأ فيها الشق من المنطقة المرتفعة (أم الفلج باتجاه سير ا الوادي (منطقة الاحتياج والتغذية)، انظر: هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، وزارة التراث والثقافة، مسقط، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط 1، 2015 م، ص 111
111
10 - (1/150)
صفحة 146
أن تكون أرضية القناة مستوية، وتحتاج إلى وزن هندسي مضبوط، بحيث تسير على ارتفاع متدرج دقيق؛ حتى لا يتوقف جريان الماء، ويعرفون ذلك باستخدام صب الماء في الساقية، فكلما جرى الماء بشكل انسيابي نحو بداية الساقية؛ فإنه دليل على أن العمل يسير بشكل ناجح» (1). وتتعمق القناة تدريجيا حسب ارتفاع سطح الأرض في المنطقة، وتكون القناة مفتوحة من الأعلى لمسافة متفاوتة، ثم تدخل في باطن الأرض مختفية مظلمة لا تصلها نسمات الهواء، إلا من فتحات (2) على مسافات متفاوتة لدخول الهواء والضوء للعاملين في الفلج وقد يعترض شق الفلج بعض الصخور؛ فيستخدمون تقنيات بدائية وأفكار إبداعية مثل «حرق الصخور ثم تبريدها بسرعة لكي تتفتت أو إضافة عصارة الثوم للصخور كي تتفاعل معها مما يؤدي إلى سهولة تفتيتها» (3). ويستمر الشق حتى الوصول للبئر القياسية، فإن كانت ميزانية أرض القناة ناجحة في هندستها، جرى الماء فيها، وظهر على سطح المنطقة المطلوب تغذيتها.
(1) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي. التاريخ، ص 97 عبر (2) وتستعمل كذلك كمعبر سهل للعاملين للوصول لأي نقطة من الفلج من أقرب فتحة، وللنزول لاحقا من أجل الصيانة والتنظيف (3) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 7 (1/151)
صفحة 147
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
المرحلة الخامسة:
(1)
بناء جدران فتحات التهوية والقناة وتسقيفها، بالحجارة والصاروج (1) العُماني؛ لمنع تسرب المياه من القناة لخارجها، ولكي لا تنهار فتدمر
الفلج (2)
المرحلة السادسة
شق قنوات فرعية مساعدة للقناة الأصلية، وشق هذه الروافد يتم بسبب اكتشاف العاملين أثناء العمل ينابيع جانبية قوية؛ فيقومون بتتبعها، ويؤدي هذا التتبع إلى إحداث أنفاق كبيرة، ربما يكون أطول من النفق الرئيسي» (3). يُطلق على هذه القنوات الفرعية لفظ (السواعد)، وهي بالفعل عامل مساعد في تكثير مياه الفلج بشكل كبير جدا في بعض الأفلاج. وحسب الإحصائيات، فإن فلج الملكي بولاية إزكي يعتبر أكبر أفلاج السلطنة من حيث عدد السواعد والتي بلغت 17 ساعدا (4)، أما حيث مجموع أطوال السواعد، فإن فلج الشارق بولاية بدية يُعد الأطول بسواعد مجموع طولها 289 17 كيلومترا، وأطول ساعد على مستوى السلطنة هو ساعد الجاحس التابع لفلج الجاحس بولاية بدية، حيث بلغ طوله 14,464
من
(1) عبارة عن نوعية من الطين المحروق عند درجة حرارة معينة من المواد الرئيسية التي تستخدم في عملية ترميم القلاع و الأفلاج و الحصون و المساجد الاثرية والأبراج التاريخية القديمة،
انظر: www arwikipedia.org
(2) هذا في الأفلاج ذات الأرض الهشة، وليس بالضرورة في جميع الأفلاج (من تصحيحات هلال بن عامر القاسمي)
(3) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 55 (4) ذكر الإمام السالمي أنه كان لفلج الملكي مائة وعشرون ساعدا، تم تخريبها أيام محمد بن بور، انظر تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 1، ص 261
152 (1/152)
صفحة 148
كيلومتراً (1). بعض الأحيان تصطدم عملية الشق بجبل صلد، فيحاولون تجنبه مبتعدين أو ملتفين حوله؛ «وهذا ما يجعل الأنفاق في الأفلاج كثيرة الانحناءات» (2)، فإن كان الجبل معترضا لهم أينما ذهبوا، قاموا بحفر بئر أمامية، فإن وصلوا إلى العمق المقدّر ولم يجدوا الجبل، علموا أن سمك الجبل أقل من المسافة التي بين موضع توقف الشق والبئر الأمامية، حينها يقررون ثقب الجبل؛ ليصلوا للجانب الآخر. وكذا الحال عندما تصل قناة الفلج لسطح الأرض فقد يضطر العاملون لشق جبل؛ كي تصل المياه أساس الحياة لأكبر قدر ممكن من الناس ومزروعاتهم وحيواناتهم كما أن عملية الحفر تعتريها الكثير من المصاعب والمشاق؛ فإن الإنسان العماني وجد الحل بتوفيق الله، فهم قد استخدموا القنديل الزيتي للإضاءة وللاستدلال على وجود الأكسجين بمراقبة لون وحجم الشعلة. كذلك استعملوا تقنية الطرق في الصخور بين الشخص الذي بداخل القناة والذي في أعلاها؛ لتحديد مسار القناة الفعلي بداخل الأرض» (4).
(3)
(1) وزارة موارد المياه إحصائيات وقوائم الأفلاج في سلطنة عُمان، 1421 هـ / 2000 م،
ص 27
(2) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 97 (3) انظر الصورة (19)
(4) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 7
153 (1/153)
صفحة 149
154
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة: (19) جبل مشقوق لإمرار الفلج في مسفاة العبريين بولاية الحمراء.
كذلك عملية نقل الماء من المصدر إلى منطقة الخدمة قد تواجهها بعض الصعوبات، كاعتراض أحد الأودية أو الشعاب، والوادي بطبيعة الحال عندما يسيل فإنه يحمل معه الكثير من الحصى والأتربة؛ مما يؤثر على عملية نقل المياه، بل ينغلق المجرى نهائيا أو تنكسر ساقيته؛ مما يكلف وقتا وجهدا ومالا للتنظيف والصيانة. والحل أن تُنقل ساقية الفلج إلى جسور تعلو مجرى الوادي (1)، وأحيانا يلجأون إلى الأنفاق أو
(1) انظر الصور (20 - 21) (1/154)
صفحة 150
ما يسمى بـ (الغراق فلاح) (1) حيث تمر المياه في قصبة من القرميد أو الصاروج (الاسمنت المحلي)؛ بحيث ينزل الماء عموديا، ثم يجري أفقيا أسفل الوادي، ثم يرتفع عموديا من الجهة الأخرى، ولا بد أن يكون مدخل الماء (الغرّاق) في مستوى أعلى من مخرجه (الفلاح)؛ وبذلك تندفع المياه نتيجة الانحدار أسفل الوادي، ثم تصعد للأعلى قليلا في الطرف الآخر نتيجة ذلك الاندفاع. هندسة متقنة وعمل رائع، ودليل على الحيوية والنشاط والإيجابية، ونبذ العجز والكسل والسلبية.
الصورة (20): جسر لإمرار مياه فلج السيح بقرية نفعاء في ولاية بدبد (تصوير المؤلف، 1 ربيع الثاني
1438 هـ / 31 ديسمبر 2016 م).
(1) انظر الصور (22 - 25)
100 (1/155)
صفحة 151
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة (21): جسر لإمرار مياه فلج السيح بقرية نفعاء في ولاية بدبد (تصوير المؤلف، 1 ربيع الثاني
1438 هـ / 31 ديسمبر 2016 م).
غراق فلاح
منظر علوي للغراق فلاح
الصورة (22): منظر تخطيطي علوي للغراق فلاح (نقلا عن هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العمانية
البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 74. (1/156)
صفحة 152
2016 م).
غراق
0006
مسار المياه
فلاح
حوض لحماية
القصبة عن الإنسداد
0008
الصورة (23): منظر تخطيطي عرضي للغراق فلاح نقلا عن هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العمانية
البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 74.
الصورة (24): غرّاق فلج الخوبي بولاية بدبد (تصوير المؤلف (ربيع الثاني 1438 هـ / 31 ديسمبر
101 (1/157)
صفحة 153
158
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة (25): فلاح فلج الرامي بولاية العوابي، ويظهر الغراق في الجهة المقابلة داخل الغرفة الصغيرة (تصوير المؤلف، 30 ربيع الأول 1438 هـ / 30 ديسمبر 2016 م). (1/158)
صفحة 154
ومما يدل على إبداع العُماني وسعيه للاستفادة مما يتيسر له من الموارد،
تم صنع مطاحن حبوب تعمل بطاقة مياه الفلج في بعض الأفلاج كفلج الميسر بالرستاق وستال بولاية العوابي، كذلك في صحار وجدت أربع
(2)
طواحين مائية مبنية على طول قناة فلج المعترض (1)، وكذا فلج الخطمين في بركة الموز بنزوى). ومن استخدامات الأفلاج في عُمان كونها مكيفات لهواء البيوت والحصون؛ وذلك أن درجة حرارة مياه الأفلاج العدية والعينية ثابتة تقريبا طول العام؛ لكون مصدرها باطن الأرض. ففي الصيف تكون درجة حرارة الهواء مرتفعة؛ فتعمل مياه الفلج على خفض هذه الحرارة، وتنخفض درجة الحرارة في الشتاء؛ فتقوم مياه الأفلاج مقام السخان الذي يرفع درجة حرارة الهواء (3).
يقول الباحث هلال القاسمي، وهو من الذين سبروا أغوار الأفلاج وغاصوا في أعماقها: كلما أدخل في هذه القنوات، وأقف في ذلك الظلام الحالك بين صخور صماء وخرير العيون، أحس بأيام بداية نشأتها؛ فينتابني شعور الإجلال لأولئك اللذين اجتهدوا وعملوا بعزيمة وصبر، أحس بضحكاتهم ومزحاتهم، وهم يتناسون خطورة العمل الرهيب والتعب لهدف ربما لن يتم). ويتحدث عن العاملين في شق أنفاق الأفلاج: كيف تمكنوا من شق هذه الصخور؟ وكيف تم بناء الجدران الصخرية
(1) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي. عند العُمانيين، ص 11/ 8 (2) وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه المشروع التجريبي لتوثيق الملكيات والأعراف والسنن والبيانات المتعلقة بالأفلاج، ص 11
(3) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 9 (4) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 58 (1/159)
صفحة 155
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
التي يزيد وزن الأحجار فيها عن عشرات الكيلوغرامات، وقد أحضرت من سطح الأرض إلى داخل النفق، مصفوفة بطريقة فنية، وبراعة مدهشة، يصل عمر بناء بعضها إلى بداية نشأة الفلج؟!» (1)
هكذا رأينا خطوات شق الأفلاج (3)، وتبين لنا أنه عمل كبير وشاق، وخطير ومكلّف، لكنها العزيمة القوية، والهمة العالية، والسواعد الطموحة. والأهم من ذلك أنه عمل يحتاج إلى علم تجريبي بحت، برع فيه العُمانيون؛ فاستفادوا وأفادوا أجيالا بعدهم وأدوا عملا جليلا يُحسب لهم، وخدموا الإنسانية بهذا العلم والعمل المتقن، يقول الشيخ العبري: وقد اتجه المفكرون العُمانيون القدامى في استخراج المياه الجوفية بالطريقة الهندسية الفريدة التي نجحت نجاحا باهرا، وهذه الهندسة دقيقة في تنفيذها، وعظيمة في مغزاها وجدواها، وقد نبعت عن موهبة فكرية للإنسان العُماني، وبوضع معيار عقلي وتصور فكري فني، حيث وزنت مقاييسها بميزان علم تطبيقي» (3). وقد أثر هذا النظام الفريد في مجرى الحياة في عُمان من التبعثر والتشتت إلى التجمع والحضارة، وتكوّنت نتيجة لذلك قرى كبيرة، وقامت حضارات عريقة» (4)، على مرّ العصور؛ لما للماء من أهمية؛ فعليه تنشأ التجمعات البشرية، وظل أهل هذا البلد
ومصطلحات
(1) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، 59 (2) للاطلاع أكثر حول الأفلاج: نشأتها وتطورها وهندستها وما يتعلق بها من أنظمة و وآثار، أرجو الرجوع إلى كتاب الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ) للأستاذ هلال بن عامر القاسمي، حيث يميز الكتاب أن الكثير من معلوماته مصدرها المؤلف نفسه، نتيجة خبرته وعمله في الأفلاج واهتمامه بها عبر سنوات طويلة.
(3) بدر بن سالم بن هلال العبري، البيان في بعض أفلاج عُمان، ص 15 (4) خليفة بن بدوي الحجي، نظام الأفلاج في سلطنة عُمان،.
ص
177
17. (1/160)
صفحة 156
يستقون من هذا الإنجاز العظيم الذي ما زال شامخا أبيًا بالرغم مما يحيط به من مخاطر الحضارة الحديثة.
يعود تاريخ شق الأفلاج في عُمان إلى آلاف السنين، «وقد تميزت أفلاج الفترة الإسلامية عما قبلها من الفترات التاريخية في نظام بناء المساجد (1) وبناء السقوف داخل السَّل (2)، وبطريقة منظمة أكثر مما عهدت عليه في بناء الأفلاج قبل الإسلام» (3). ولكن وبالرغم من قصر فترة حكم اليعاربة (4) الذي يصل تقريبا إلى 120 سنة فقط - يُعتبر عهدهم هو العهد الزاخر للأفلاج، حيث «شقت أو جُددت في عهدهم أفلاج كثيرة)، يقول الإمام السالمي عند الحديث عن الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي: إن الأموال قد كثرت في أيامه وأيام والده، قبله، حتى كادت أن تفيض البيضاء والصفراء من أيدي الناس؛ وذلك لبركة العدل وفضل الجهاد؛ ولذلك أقبلت الأئمة إلى تشييد الحصون والمعاقل، وإجراء الأنهار وغرس الأشجار وإحياء المواتات؛ ليعيش فيها الناس بأرغد عيش وأتم نعمة» (6)، وعند الحديث عن أخيه قيد الأرض الإمام سيف بن سلطان بن سيف اليعربي، يقول الإمام السالمي: وعاشت الرعية في ظل عدله في
(1) حتى داخل الأنفاق، خاصة الواسعة منها، قد توجد مصليات، كما روى ذلك بعض الذين عملوا بالصيانة في فلج دارس انظر هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي
عبر
التاريخ، ص 279 (2) أي النفق
(3) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 270
(4) من 1034 هـ / 1624 م إلى 1157 هـ / 1744 م
(5) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 3 (6) عبدالله بن حميد السالمي تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 2، ص 97، (1/161)
صفحة 157
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أرغد عيش وأنعم، بال، وعمَّر عُمان كثيرا، وأجرى فيها الأنهار، وغرس فيها النخل والأشجار. وذكروا أن الأفلاج التي حفرها بعمان سبعة عشر فلجا، أفلاج المسفاة من الرستاق وفلج الحزم وفلج الصائغي، وفلج الهوب، وأفلاج جعلان التي عند البدو، وغيرهن كثير، وغرس في عُمان وفي
ناحية بركا من الباطنة من المبسلي ثلاثين ألف نخلة، ومن النارجيل ستة
(2)
آلاف» (1). كذا الحال بالنسبة للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي (ت 1091 هـ / 1680 م، وهو ثاني أئمة اليعاربة الذي بنى قلعة نزوى الشهيرة، ففي عهده تم شق أفلاج دارس والخطمين والفيقين والبرزمان والحمراء، وأفلاج عديدة (3). وليس أمر ازدهار الأفلاج في عهد اليعاربة مقصورا على كثرة عدد الأفلاج التي شُقت أو جددت، بل تعدى الأمر إلى دقة نظام استخدامها، فقد «وظف الماء في البداية لكي يكون لغرض الشرب، ثم يدخل الحصن، وبعده المسجد وحمامات الرجال، ثم تعقبها بمسافة حمامات النساء، وبعدها أغراض الغسل، وبعد ذلك يكون لسقي المزروعات» (4).
ومن القصص التي تُروى في شق الأفلاج والمعاناة التي كابدها الأجداد قصة بناء فلج الخطمين، بنزوى، وذلك أنه عندما أراد الإمام سلطان بن سيف اليعربي إنشاء بركة الموز أمر بشق الفلج؛ وذلك لاستغلال المياه الدائمة
(1) عبدالله
بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 2، ص 107 - 108 (2) هو سلطان بن سيف الأول، عند التفريق بينه وبين حفيده سلطان بن سيف الثاني خامس الأئمة
اليعاربة
(3) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 286 (4) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، ص.
271 - 270
162 (1/162)
صفحة 158
الجريان في وادي المعيدن؛ وذلك لاحتوائه على معظم الأودية القادمة من الجبل الأخضر، حيث استعان الإمام بأهالي الجبل الأخضر؛ وذلك لخبرتهم في شق الأفلاج. بدأ العمل بشق النفق، وقبل اكتمال بناء الفلج حدثت حادثة أودت بحياة سبعة أشخاص من العاملين في الفلج إثر انهيار في النفق، ودفنوا تحت الرمال. بعد الحادثة فرّ باقي الرجال إلى الجبل الأخضر؛ فلحق بهم الإمام وطلب منهم العودة، وبعد إلحاح وافقوا على العودة شريطة أن يكون لهم نصيب من الفلج بدل الأجرة؛ فوافق الإمام على طلبهم، واتفقوا على أن يكون لهم ثلث الماء وللدولة الثلثان، وبعد انتهاء العمل وجريان الفلج، تم تقسيم الماء على حسب الاتفاق، وهو معمول به إلى يومنا هذا (1)؛ ولذلك فإن من يزور فلج الخطمين سيشاهد أمرا بارزا ومزارا مقصودا من السياح، وهو تقسيم مياه الفلج إلى ثلاثة أقسام متساوية، ثم جمع قسمين منها معا والذين يشكلان ثلثي الماء المخصص للدولة (2). يظهر في القصة عدل الإمام وإيفائه بعهده، واهتمامه الكبير بإنشاء المدن وشق الأفلاج فيها، وتنمية الزراعة مورد الغذاء والاقتصاد.
(1) وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه المشروع التجريبي لتوثيق الملكيات والأعراف والسنن والبيانات المتعلقة بالأفلاج، ص 31
(2) انظر الصورتين (27 - 26)
163 (1/163)
صفحة 159
164
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورتان (27 - 26): فلج الخطمين ببركة الموز، ويظهر تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، ثم جمع قسمين منها لتكوين الثلثين المخصصين للدولة (تصوير) المؤلف، يوم السبت (2) محرم 1439 هـ / 23 - 09 - 2017 م).
أما أحدث الأفلاج فقد «شُقَّت في ستينيات القرن العشرين» (1)، أي أن النهضة الحديثة قد أوقفت شق الأفلاج تلقائيا بالرغم من التوسع العمراني والصناعي الكبيرين؛ وذلك بالطبع لتوفر الوسائل الحديثة والطرق السريعة والسبل المريحة، من أدوات حفر الآبار، وآلات ضخ المياه وأنابيب نقلها، بالإضافة إلى تقنيات تحلية ماء البحر، بحيث أصبحت المياه تُنقل لمناطق تبعد مئات الكيلومترات عن الساحل؛ لاستخدامها منزليا وزراعيا وصناعيا. ولقد رأينا سابقا سلبيات استخدام الوسائل الحديثة بالمقارنة بنظام الأفلاج؛ فعسى الله أن ييسر طريقة جديدة تجمع بين إيجابيات النظام السابق والنظام الحديث.
(1) عبدالله بن سيف الغافري، هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ص 3 (1/164)
صفحة 160
مخطوط في هندسة الأفلاج:
يوجد مقال مختصر في هندسة الأفلاج في مخطوط قديم يسمى (لقط
الآثار - المؤلف في صحار)، محفوظ بمكتبة السيد محمد بن البوسعيدي برقم (79) نورد هنا بعضا منه (1):
أحمد
فصل في معرفة الأرض لإجراء القنوات اعمل صفيحة من نحاس أو نحوه متساوية الساقين، وفي موضع العمود منها خيط مثقل، واسلكها في منتصف خيط، وضع طرفيه على خشبتين مقومتين معتدلتين بالثقالتين، والجلاجل بيد رجلين بينهما بقدر الخيط». «فصل في معرفة ارتفاع، المرتفعات إن أمكن الوصول إلى مسقط حجرها، وكانت في أرض مستوية، فانصب شاخصا وقف بحيث يمر شعاع بصرك على رأسه إلى الرأس المرتفع، ثم امسح من موقفك، واضرب المجتمع في فصل الشاخص على قامتك، واقسم الحاصل على ما بين موقفك وأصل الشاخص، وزد قامتك على الخارج، فهو المطلوب والله أعلم. فصل لمن أراد حفر فلج أو شيء من الأطواء (2) على ما وضعه الأساتيد (3)، بأن تعمل أربعة ألواح طول كل لوح أربعة أذرع، وأوثق ذلك
(1) بدر بن سالم بن هلال العبري، البيان في بعض أفلاج عُمان، ص 93 - 97
(2) الأطواء: جمع طوي
(3) جمع أستاد، أي: المعلم في مجال البناء وغيره (1/165)
صفحة 161
177
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
بمسامير لئلا يغدي ويجيء، واربط رؤوسه بالحبال زيادة لئلا يتحرك، يسهل الحفر من غير تعب، كذا نقلته عمن سمعته يروي ذلك والله أعلم. «فصل إذا أردت أن تقيس الأرض لتعرف أن ماء هذه العين أو هذا الفلج يظهر عليها أم لا، فاعمل خيطا جيدا كالسيار طوله خمسة عشر ذراعا أو أكثر، فينظر ما اجتمع عنده في دفتره من الحساب، ويجمعه ويحسبه كم يكون من باع، فإن وجده مماثلا للطوي، فاعلم أن الماء يغشى تلك الأرض، وإن وجد طول الأرض أقل والطوي (1) أكثر، فاعلم أن الماء لا يغشاها من تلك الطوي والله أعلم.
6
إن نعمة تدفق مياه الأفلاج بكميات كبيرة، واستمرارها لمئات السنوات، بدون تكلفة وقود استخراج ونقل لهي هبة عظيمة من المولى علل، وإنجاز عظيم من إنجازات الإنسان العُماني الطموح؛ لذلك يجب المحافظة عليها، بشكر المُنعم، تعالى، وإعطاء الأجداد حقهم من الثناء والتقدير والشكر وإيصال الأجيال اللاحقة بالسابقة بتذكيرهم بما منحوه لهم أجدادهم من علم وعمل وهمة ونشاط وطموح وأهداف؛ حتى يحفظوا لهم حقهم، ولِيَسعوا كما سَعَوا، وليبدعوا كما أبدعوا، وليعملوا بمثل همتهم؛ فهم القدوة وهم المثل في إتقان العمل.
(1) الطوي: البئر المَطْوِيَّة، انظر: محسن محمد معالي، معجم معالي اللغة، مادة (ط و ي)،
ص 433 (1/166)
صفحة 162
المطلب الثاني: هندسة القلاع والحصون
للقلاع والحصون أهمية بالغة عبر تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فهي وسيلة للدفاع عن الأوطان، ورد الغزاة والمعتدين، ورمز للسلطة الحاكمة، ومقر إقامة للإمام أو السلطان وعائلته، ومجلس شورى تُعقد فيه الاجتماعات، وتصدر منه القرارات بل كانت أحيانا صرحا علميا تُدرس فيه مختلف العلوم، وفي الوقت نفسه حَبْساً وقيدا لمن خرج عن النظام العام. وقد مَهَرَ أهل عُمان في هذا الفن المعماري؛ ففيها مئات القلاع والحصون، تقف إلى الآن شامخة دالة على قدرة الإنسان العُماني العلمية والعملية. وإن كانت المعلومات الهندسية حول القلاع والحصون شحيحة بل معدومة من المهندسين الذين بنوا بسبب عدم وجود المدونات التي تشرح خطوات البناء وتذكر مصادر ما تعلموه وطبقوه، وتبيّن أسماء المهندسين والبنائين، إلا أن ما نعاينه من روعة في البناء، وإتقان في الصناعة وقوة فى التحصين لهو خير شاهد على وجود علم وهندسة ومعرفة متراكمة، وتخطيط وتدبير وعزيمة وإصرار (1)، «فكانت قلاعهم من أعظم الآثار المعمارية القائمة فيها وما زالت شامخة تعكس عراقة هذا الشعب العظيم (2)، يقول الباحث فخري خليل النجار في أهمية القلاع والحصون: أنها تعتبر نمطا معماريا يعبر عن هندسة معمارية لفترة زمنية معينة» (3)، ويقول المستشرق الإيطالي إيروس بلديسيرا: «أما حصون
(1) انظر الصور (28 - 30) (2) ناصر الجهوري، حصن الخندق في البريمي دراسة في المعمار العُماني، ضمن (مجلة نزوى)، العدد 30، محرَّم 1423 هـ / أبريل 2002 م، ص 11
(3) فخري خليل النجار، تاريخ حضارة عُمان، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمّان، ط 1، 1431 هـ / 2010 م، ص 104
167 (1/167)
صفحة 163
168
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
عُمان فتستوقفك وحدة جهازها الهندسية (1). ونظرا لأهمية الماء؛ فلم يغفل العُمانيون عند تصميم القلاع والحصون التخطيط لإيصال الماء لها لأغراض الشرب والاستحمام والغسيل، عن طريق إمرار الأفلاج إليها أو
حفر الآبار فيها.
الصورة (28): قلعة نخل المبنية على جبل، وتظهر روعة البناء (تصوير المؤلف، 30 ربيع الأول
1438 هـ / 30 ديسمبر
2016 م).
الصورة: (29) قلعة نخل المبنية على جبل الصورة من أرضية القلعة، ويظهر فيها الجبل (تصوير المؤلف،
30 ربيع الأول 1438 هـ /
30
ديسمبر 2016 م).
(1) إيروس بلديسيرا، قصر جبرين وكتاباته، ص 11 (1/168)
صفحة 164
169
الصورة (30) قلعة نخل المبنية على جبل الصورة من أعلى القلعة، ويظهر الجبل هنا أيضا (تصوير المؤلف، 30 ربيع الأول 1438 هـ / 30 ديسمبر 2016 م).
ومن الباحثين من يفرّق بين القلعة والحصن كالباحث عبدالله الحارثي؛ فيعرف القلعة بأنها إحدى التحصينات الحربية، تقوم على منطقة استراتيجية كجبل أو تل أو على ساحل البحر، وتكون وحدة قائمة بذاتها، وقد تكون منفصلة عن الحصن أو بداخله» (1)، أما الحصن فهو «أكبر عمائر التحصينات الدفاعية وإن لم يكن أمنعها، مقاما على بقعة استراتيجية هامة، تتحكم في المنطقة التي يشرف عليها كوادي أو سهل زراعي أو ساحلي، ويكون مقرا للحكم أو الحاكم في عُمان أو إحدى مناطقها أيا كان مستوى ذلك الحاكم» (2). ولا يبدو لي فرق كبير بين التعريفين، إلا ما ذكر من كون الحصن مقرا للسلطة الحاكمة، وهذا معترض عليه؛ فالقلعة قد تكون أيضا (1) عبدالله بن ناصر الحارثي، دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها في العصر الإسلامي، مسقط،
ص 203
(2) عبدالله بن ناصر الحارثي دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها في العصر الإسلامي،
ص 202 (1/169)
صفحة 165
170
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
مركزا للسلطة، كقلعة نزوى التي كانت مقر الحكم الإمام محمد بن
الخليلي (1).
عبدالله
وأبرز القلاع والحصون بنيت في عهد اليعاربة، «وكان عهد اليعاربة العصر الذهبي لبناء الحصون في عُمان؛ ففي عهدهم ونتيجة للتأثير البرتغالي في تصميم الحصون تظهر التأثيرات في بناء أبراج المدفعية المزودة بقواعد صلبة للمدافع مثل نزوى، وفي تبني نظام البرجين الركنيين المتقابلين في الحصون المستطيلة الشكل للتمكن من إطلاق النار بشكل مُتّسق، ويقدم حصنا جبرين والحزم أفضل مثال لذلك» (2). كأمثلة للهندسة العُمانية في القلاع والحصون، اخترت قلعة نزوى وحصني جبرين والحزم؛ كونها برأيي من أفضل الشواهد على البراعة العُمانية في التخطيط الهندسي معماريا ودفاعيا، جمالا وتحصينا.
قلعة نزوى
(3)
بناها الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي (ت 1091 هـ/ 1680 م)، وقد استغرق بناؤها اثني عشر عاما) (1081 - 1093 هـ / 1670 - 1682 م) (4)). تُعتبر قلعة نزوى: «أهم القلاع العُمانية وأقواها بناء، وأكبرها
(1) محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي، ولد في سمائل عام 1299 هـ / 1882 م، إمام عادل، وعلامة محقق، بويع بالإمامة 1338 هـ / 1920 م، من آثاره: «الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، توفي 1373 هـ / 1954 م، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 3/ 132 - 133 (2) ناصر الجهوري، حصن الخندق في البريمي دراسة في المعمار العُماني، ص 11 (3) انظر الصورتين (32 - 31)
(4) عبدالله بن ناصر الحارثي، دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها في العصر الإسلامي،
ص 212 (1/170)
صفحة 166
171
حجما؛ إذ يبلغ محيطها مائة وخمسين مترا، وارتفاعها خمسة وثلاثين مترا. وتشتمل القلعة على ثكنات عسكرية ومخازن للمؤن والذخيرة، وفيها درج
وهي
جميع
متعرج له سبعة أبواب، تتصل بها منعطفات وأعلى كل باب منها كوة ليكشف المتحصنون من خلالها حركة الدخول والخروج، وبالقرب من كل باب بئر ماء، وتُقطع هذه الآبار عند الخطر، حيث تُغلق الأبواب، ويصب الزيت الساخن من الكوّات على الأعداء المهاجمين. وموقع القلعة يتوسط المدينة، وهي مرتفعة حتى يستطيع المتحصنون في القلعة كشف الطرق المؤدية إليها، وفيها سبعة من المنعطفات بالإضافة إلى السلالم، معدة كذلك لعرقلة الهجوم المحتمل من الأعداء، وهذه المنعطفات السبعة تحميها فتحات؛ وذلك لإلقاء القذائف على الأعداء، وتحت كل منعطف بئر، وأمامه باب ذو متاريس، فإذا أفلت العدو من القذائف التي تطلق من الفتحة فإنه يقع في البئر، وإذا نجا من الاثنين فالأبواب تعوق دخوله، وإذا استطاع الإفلات من منعطف فلا يمكن الإفلات من المنعطف آخر» (1)، ويتميز سور قلعة نزوى في أعلاه بوجود ممر من الداخل، يسمح للجنود أو الحراس بالمرور على مدار القلعة، ويبلغ عرض هذا الممر من 50 - 60 سم، وعلى ارتفاع 6,65 م عن سطح القلعة» (2)، «وفي قلعة نزوى وجدت الآبار كمصدر للمياه بسبب ارتفاع القلعة عن سطح الأرض بحوالي 13 م، حيث توجد أربعة آبار على سطح القلعة، وواحدة
(1) فخري خليل النجار تاريخ حضارة عُمان، ص 108 - 109 (2) خلف فارس الطراونة وبدر بن هلال العلوي، قلعة نزوى نموذج للعمارة العسكرية، ضمن (الملتقى العلمي الأول حول تراث سلطنة عُمان قديما وحديثا)، جامعة آل البيت، 1423 هـ / 2002 2002 م، ص 334 (1/171)
صفحة 167
172
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أسفل السور من الجهة الغربية» (1). خططت أبواب قلعة نزوى تخطيطا حربيا دقيقا، ويمكن من خلال تلك الأبواب التحكم الجيد في الدخول والخروج منها، والسيطرة على كل جزء فيها، وقد زودت تلك الأبواب بسقاطات أو شقوق لرمي السوائل المحرقة والسهام على المهاجمين (2).
(1) خلف فارس الطراونة وبدر بن هلال العلوي، قلعة نزوى نموذج للعمارة العسكرية، ص 336 (2) بدر بن هلال العلوي، قلعة نزوى دراسة عمارية مقارنة رسالة ماجستير بجامعة اليرموك،
الأردن، 1991 م، ص 57 (1/172)
صفحة 168
10000
الصورة (31) رسم عرضي تخطيطي لقلعة نزوى (المصدر: www behance.net
، تصميم: أنطونيو فارح)
173 (1/173)
صفحة 169
174
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة (32): مجسم لقلعة نزوى أخذت الصورة من المتحف الوطني العُماني، مسقط، الخميس 10 ذو
القعدة (1438 هـ / 03 - 08 - 2017 م). (1/174)
صفحة 170
ن (1): حصن جبرين
يقع في قرية جبرين بولاية بهلا شيده الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف (2) (ت 1104 هـ / 1693 م، ثالث أئمة اليعاربة، وكان البناء سنة (1086 هـ / 1675 م)» (3)، و يرى أستاذ الأدب العربي بجامعة البندقية إيروس بلديسيرا أن بناءه قد تم عام (1089) هـ / 1676 م)» (4)، ويصفه بقوله: «فريد الطابع في البانوراما الهندسية في السلطنة» (5). ونورد هنا بعض التفاصيل عن هندسته الرائعة: ويمتاز القصر بروعة بنائه وفن هندسته. والملفت للنظر ولأول مرة يتم شق فلج (قناة مائية خصيصا لهذا الحصن، يمر بداخله ثم يخرج ليروي بعد ذلك بساتين النخيل والحقول الزراعية حوله» (6). وداخل الحصن ساحتان تحيط بهما حجرات من طابقين أو ثلاثة حسب ارتفاع البناء، وارتفاع الحجرات حوالي ثمانية أمتار»، والتأثير الفارسي يبدو أقوى شيء في بناء الحجرات الثلاث الموجودة
(1) انظر الصورتين (3334) (2) بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي، ت 51104/ 1693 م، إمام عادل، وفقيه عالم، وأديب ناظم للشعر، الإمام الثالث من أئمة اليعاربة، أقام مدرسة بحصن جبرين، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 1/ 83 (3) عبدالله بن ناصر الحارثي، دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها في العصر الإسلامي، ص 214 (4) إيروس بلديسيرا، قصر جبرين وكتاباته، ص 17 (5) إيروس بلديسيرا، قصر جبرين وكـ وكتاباته، ص 24 (6) عبدالله بن ناصر الحارثي، دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها في العصر الإسلامي، ص 215 (7) فخري خليل النجار تاريخ حضارة عُمان، ص 105
175 (1/175)
صفحة 171
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
في الطابق الأرضي، والهيئة المعمارية نفسها فارسية بلا خلاف (1). «جرى تأثيثها كشاهد على أيام الرخاء والازدهار الاقتصادي، والزمان الذي
بجميع
حي
أتاح تدريس الفقه والتاريخ والطب وعلم الفلك في هذا الحصن. وجبرين تحفة الفن المعماري العُماني) (2)، طوابقه ثلاثة أو خمسة حسب ارتفاعه في الكتلتين المختلفتين، وعدد غرفه 55 غرفة) (3). يقول الإمام السالمي في تحفته واصفا أمثلتنا الثلاثة، ومركزا على حصن جبرين: «والثلاثة (4) من أعاجيب الزمان، حتى قيل أن حصن جبرين لا يستطيع أحد أن يصفه ما فيه، ولو فكر فيه شهرا كاملا بإمعان النظر التام، وهو قصر عال يجري في بطنه نهر جار، وله حيطان شاهقة. ومن أعاجيبه أنه لو دخله داخل من غير أهله لم يقدر أن يبلغ أعلاه إلا بدليل من أهله. وكان الشيخ علي بن ناصر الريامي رآه من ظاهره وباطنه، وقال: إن نظرتَ إِلى سُقُفِهِ قلتَ إنها خير من صنعة جُدُرِه، وإن رأيتَ جُدُرَهُ قلتَ ها هنا الصنائع العجيبة» (5)، وأضاف: «ويُرى في بطن مشاكيه وفي بطن الجدر سفتج، أي نفق يدور في الجدار ما دار الحصن» (6).
176
(1) يوجينيو كالديري، حصن جبرين تحفة رائعة من العمارة العُمانية في القرن السابع عشر، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 4، 1426 هـ/ 2005 م، ص 29
(2) إيروس بلديسيرا، قصر جبرين وكتاباته، ص 12
(3) إيروس بلديسيرا، قصر جبرين وكتاباته، ص 19
(4) يقصد قلعة نزوى وحصني جبرين والحزم
(5) عبدالله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 2، ص 97 (6) عبدالله بن حميد السالمي تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 2، ص 98 (1/176)
صفحة 172
177
AAA
الصورتان (34 - 33) حصن جبرين من الداخل المصدر: شبكة المعلومات العالمية). (1/177)
صفحة 173
حصن الحزم
(1)
:
(2)
يقع في قرية الحزم بولاية الرستاق، بناه الإمام سلطان بن سيف الثاني)) عام (1126 هـ / 1714 م)) (3). وهنا بعض التفاصيل عن هندسة وتخطيط هذا الحصن، والذي يصفه البعض بالقلعة: وتمتاز بهندستها الرائعة وبعدم وجود أية أخشاب لسقوفها، وتتشكل القلعة من عقود مستديرة ثابتة على اسطوانات وأسوار ضخمة، وعرض الجدار الواحد يزيد على ثلاثة أمتار، ولها عدة أبواب ضخمة، ولا تلتقي بممر واحد وهي مبنية بالجص والحجر، وفيها عدة سلالم، ومنها سلالم لصعود الخيل، وفيها ممرات سرية عرض الواحد منها، متران وارتفاعه متران، وتمر أرجاء بجميع الحصن، كما أن لكل طريق منفذا يوصل إلى خارج الحصن لاستخدامه عند الحصار، والقلعة فيها أماكن ومساقط يصب منها الزيت على الأعداء حين الحصار، ويخترق الحصن فلج تتدفق مياهه حتى الآن لسقي من في الحصن وري النخيل والمزروعات. وفي أعلى القلعة صهريج ماء لإطفاء
(1) انظر الصورة (35) (2) سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي،، خامس الأئمة اليعربيين، بويع له في الرستاق سنة 1123 هـ،، استولى على البحرين و لاك و هرمز، ت 1131 هـ / 1719 انظر خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 3، ص 110 (3) عبدالله بن ناصر الحارثي، دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها في العصر الإسلامي،
ص 215
179 (1/179)
صفحة 174
180
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
النيران إذا ما تعرضت الأبواب الخشبية للحريق عند هجوم ا الأعداء» (1)، «وقد شق لها فلج يجري بداخلها (2) فهو المصدر الوحيد للمياه لقاطنيها، وبعد خروجه منها تُروى به بساتين النخيل والفواكه والحقول الزراعية
بقرية الحزم المجاورة لها» (3).
لقد
الصورة: (35) منظر علوي لحصن الحزم (المصدر: شبكة المعلومات العالمية).
برع العُمانيون في الهندسة تطبيقا لا تصنيفا، فبالرغم من كثرة ممارستهم للهندسة سواء في بناء البيوت والقصور والحارات، أو في تشييد القلاع والحصون، أو في شق الأفلاج ونقل المياه؛ إلا أن توثيق هذه الخبرات والمعارف كتابيا كان ضعيفا للغاية. فليت العُمانيين الأوائل أخبرونا عن تفاصيل أعمالهم الهندسية من تخطيط وخطوات وعمل
(1) فخري خليل النجار، تاريخ حضارة عُمان، ص 106 - 107
(2) انظر الصورة (36)
(3) عبدالله بن ناصر الحارثي، دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها في العصر الإسلامي،
ص 215 (1/180)
صفحة 175
ومتابعة، وعن مواردهم البشرية كالمهندسين والمشرفين والعمال، وعن طرق اكتساب خبرتهم، وكيفية نقلها للآخرين وعن تجاربهم وما واجهوه من معوقات، وعن اختيارهم للتصاميم ومواد البناء؛ فلو كان ذلك لأعطى کله صورة واضحة عن تاريخهم العلمي، بدل اجتهادات الباحثين التي قد تصيب وقد تخطئ.
الصورة (36): صورة حديثة للفلج الذي يمر داخل حصن الحزم (تصوير المؤلف).
181 (1/181)
صفحة 176
المبحث الرابع: العُمانيون والفلك
6
صلے
لا شك أن الله تعالى قد سخّر للإنسان هذا الكون بكل ما فيه من مخلوقات، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، ومن هذه المخلوقات الأجرام السماوية، الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتُ بِأَمْرِهِ) (2)، وأرشد البشر إلى استخدام النجوم خاصة، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)، وفي آية أخرى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (4)؛ فاهتم العُمانيون بالفلك، وانتفعوا بما سخره الله تعالى، >؟ وتعددت استخداماتهم له، وألفوا فيه الكتب والقصائد، وإن كان التأليف أقل من التطبيق؛ ولعلَّ الأمر راجع إلى كون علم الفلك تجريبي تطبيقي أكثر منه نظري؛ ولذلك لم يقتصر التطبيق على العلماء والمصنفين، بل كان شائعا ومجربا عند الفقهاء وراكبى البحر، والمزارعين، والمشرفين على تقسيم مياه الأفلاج، وعامة الناس المهتمين بدخول الأشهر القمرية ومعرفة التاريخ الهجري؛ فالممارسة كفيلة بتعليم الفلك، والتجربة تزيد من معرفة وإدراك أسرار هذا العلم.
(1) سورة الجاثية/ الآية 13 (2) سورة الأعراف/ الآية 54
(3) سورة الأنعام / 97 (4) سورة النحل/ الآية 16
183 (1/183)
صفحة 177
184
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
المطلب الأول: تنوع مجالات استخدام الفلك:
تعددت وتنوعت استخدامات الفلك عند العُمانيين، بين البر والبحر، بين الليل والنهار بين الشعيرة (1) والمعاملة بين السفر والحظر، ومن ذلك تعيين اتجاه القبلة، ومواقيت الصلاة، ومواعيد بداية ونهاية الأشهر القمرية، وتحديد التاريخ الهجري؛ لما له من علاقة كبيرة بالعبادات والمعاملات. ومن الفقهاء الذين استخدموا علم الفلك العلامة أبو مسلم البهلاني (2) (ت 1339 هـ) في كتابه (نثار الجوهر) حيث شرح أنواع الخسوف والكسوف شرحا مستفيضا، موضحا آليات وأوضاع حدوث كل نوع، والخصائص الظاهرة في كل حالة» (3)، وردَّ فيه على من حاول إبطال كسوف الشمس بدعوى أن حجم الشمس أضعاف حجم القمر، فكيف يمكن للصغير أن يحجب الأكبر إذا قابله؟! فذكر أن السحابة أيضا تحجب ضوء الشمس عن الأرض، فكذلك القمر وإذا كانت الشمس أكبر منه فإنه يستر منها بقدر ما يكون بينها وبين سمت الأرض من جرمه» (4)، واستدل الله كان يترقب نجوما معينة لتحديد
(1) ذكرت لي والدتي حفظها الله أن والدي.
وقت السحور (2) سبق التعريف به
- رحمه
(3) صالح بن سعيد الشيذاني، إسهامات العُمانيين بعلم الفلك، ورقة بحثية مقدمة لندوة إسهامات العُمانيين في العلوم التطبيقية» بجامعة السلطان قابوس، مسقط، الإثنين 7 ديسمبر
V
2015 م، ص 11 (4) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، مكتبة مسقط، مسقط، ط 2، 1424 هـ / 2004 م، ج 4، ص 397 (1/184)
صفحة 178
على ذلك بأن كسوف الشمس لا يعم الأرض على حد سواء، وهذا واضح جلي في زماننا؛ للتطور الهائل والدقة الكبيرة في علم الفلك، ولانتشار وسائل التواصل وسرعة نقل الأخبار؛ ولذلك فإنه من الشائع في زماننا أن نسمع أن كسوف الشمس سيكون كاملا في بلد ما، وجزئيا في بلد آخر، ولا وجود له في بلد ثالث. أما القمر فهو بخلاف ذلك، كما يقول أبو مسلم: «إن القمر إذا انكسف كان مقدار كسوفه ومكثه عند جميع من يراه في نواحي الأرض كلها على أمر واحد». (1)
وفسر الإمام أبو مسلم كسوف الشمس قائلا: «إن القمر إذا قارن الشمس، وكان بقرب الرأس أو الذَّنَب، ولم يكن له عرض لبعده عن طريقة الشمس كان ممره بين أبصارنا وبين الشمس؛ فيسترها عنا فنراها منكسفة». ثم بين متى يحدث الكسوف الكلي، ومتى يكون الكسوف جزئيا، وما هي أسبابه، وكذا خسوف القمر بأنواعه، وأسباب كل نوع (2). كما تحدث عن كسوف الكواكب والذي يكون ببعضها البعض، فقال: «وأما إكساف بعض الكواكب بعضا فمعلوم من مراتب أفلاكها، فقد يكسف القمر الكواكب التي بقرب فلك البروج؛ لأنه أقربها إلى الأرض، وقد يكسف كل واحد من الكواكب السبعة ما كان أعلا فلكا منه، وتكسف الكواكب السبعة جميع الكواكب الثابتة التي بقرب فلك البروج» (3).
(1) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، ج 4، ص 400 (2) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، ج 4، ص 397 - 399 (3) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، ج 4، ص 400 (1/185)
صفحة 179
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ومن المباحث الفلكية التي ناقشها الإمام أبو مسلم في (نثار الجوهر) علامات معرفة القبلة (1)، ومن هذه العلامات الرياح، ولكن كان له رأيه الخاص، فبعدما ذكر أقوال بعض العلماء فيما يتعلق بالرياح وكيفية الاستدلال بها لمعرفة القبلة، قال: ولا يجهل أحد أن الريح قد تندفع في اليوم الواحد من نواح شتّى في بعض البلاد، وتكون بعكس ذلك في بلد آخر؛ وبهذا لا تنضبط انضباطا كليا حتى تكون علامات للقبلة، ونحن لا ننكر كونها تكون دليلا في بعض الآونة وفي بعض الأمكنة، لكنا نقول: هو دليل غير منضبط (2). ومن ضمن العلامات التي ذكرها الشمس، وذكر لذلك شروطاً، كما ذكر بعض الأجرام الأخرى: كالجدي، وسهيل، والقمر، والعقرب، وبنات النعش الصغرى والكبرى. (3) ومن استخدامات الإمام أبي مسلم للفلك معرفة دخول أوقات الصلوات وخروجها. وعلى شاكلته: رزنامة لمعرفة أوقات الصلوات على مدار أيام السنة)، وضعها
الشيخ محمد بن سالم بن حمود الجهوري (4) (5).: ومن تطبيقات العُمانيين أيضا لعلم الفلك معرفة المواسم المناسبة للزراعة وما يتعلّق بها من أعمال كتنظيم مياه الأفلاج والحصاد وغيره، وللدلالة على مواسم الصيد البحري (6)، وتحديد مسارات الطرق البرية
(1) انظر الصورة (37)
(2) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، ج 2، ص 138 (3) ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، ج 2، ص 134 - 141 (4) فقيه شافعي من مدحا بمسندم من شمال السلطنة، ت 1337 هـ / 1918 م، انظر: سلطان الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 18
(5) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 18 (6) ظهور أو غياب نجوم معينة يدل على موسم صيد أنواع محددة من السمك، انظر: مجموعة من الباحثين، معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، ص 98 - 104
186 (1/186)
صفحة 180
والبحرية، وموقع السفينة في عرض البحر (1)، ومعرفة الموسم المناسب للرحلات البحرية؛ بناءً على الرياح الملائمة، وتجنبا للمخاطر والشدائد،
(2)
ومنها الضربات (2) المشهورة في المجتمع العُماني، والبعض على دراية كاملة بها، لا سيما الصيادين والبحارة؛ كونهم الأكثر تعرضا لها» (3). وكل ذلك يتم عن طريق النظر في الشمس نهارا، وفي النجوم والقمر ليلا.
(1) ومما يستعان به في هذا المجال موقع الشمس والذي يختلف من الشتاء إلى الصيف، ونجم القطب الشمالي الجاه أو الجدي) الذي يكون في الشمال دائما، والقطب الجنوبي الذي يدل على الجنوب دائما، وموقع القمر مع مراعاة الزمن من حيث بداية ونهاية الشهر القمري، وغير ذلك من النجوم والكواكب
(2) الضربات: رياح قوية، أو منخفض جوي، أو عواصف وأعاصير تسبب هيجان أمواج موج البحر، وقد تؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات انظر: مجموعة من الباحثين، معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، ص 26 (3) مجموعة من الباحثين معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، ص 26
187 (1/187)
صفحة 181
العمانيون والعلوم التجريبية
188
متساوى الساق
الشكل الاول
381
111111
1111111111!
11111111111111
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
1111111111111111111111111)
115) *1111111111111111111111111
منفرض ان نقطة راس المثلث هى عين الكعبة وابعد صف من الصفوف هو الواقف على قاعدة المثلث وهو في ذاته طويل يزيد في طوله على نقطة الكعبة لكي جبهة كل فرد من الصفوف ووجهه من قرب الى قدم لا بد ان يكون محاذيا للنقطة المفروفية لما يقتضيه التدوير الكروى فى الأرضه واصابة العين من النقطة مع تحقق الاستقبا لازم برهانه انه ما من نقطتين في الأرض ولا في السماء الا ويمكن ايصال ما بينهما بخط فلنفرض ساجدًا على قوس من عظيمة ارضية مادة مركز قدميه ومركز بجو و نقطة وسط البيت بشرط ان يكون القوس اقل من نصف الدوركما ترى في الشكل الثاني وترى ان كل نقطة مركز من مراكز المصلين
الشكل الثاني
على القوس يتصل بها خط منها إلى مركز نقطة الكعبة ولو ظهرت مراكز هم صفا مستطيلاً غيرهان الشكل الثاني ير تقوس الصف طبيعيا باللزوم
روان كان لا يدرك رؤية اذا ومنا ان المصلين بعيد من
من الكعبة فكلما قربوا منها
الصورة (37): رسم ت 1339 هـ)، نقلا عن سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني.
الكعبة الشريفة، وكيفية استقبالها، من كتاب نثار الجوهر» لأبي مسلم البهلاني
وينبغي التنبيه على أن اعتماد البحارة على النجوم مطلعا وغروبا لتحديد أوقات الضربات لا يعني أنها تحدث دائما أو في المكان المحدد، ولا يعني أنهم يعتقدون بتأثيرها – أي النجوم - على الكون وما يعتريه من اضطراب واستقرار، بل هو مجرد اقتران وتوافق يُسَيِّرُه الله تعالى، ونظام اقتضته حكمة الخالق الخبير، ونتيجةً للقاءات عديدة «كان واضحا وجليا في حديث الصيادين والبحارة لرسوخ إيمانهم وصحة معتقدهم بأن (1/188)
صفحة 182
189
حدوث هذه الضربات بإرادة المولى، وأن هذه النجوم المسماة إنما هي دلائل على بداية موسم يتوافق فيه ظهور النجوم مع حدوث هذه الضربات والأعاصير» (1). وقد جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم التفريق بين المؤمن والكافر بناء على ما يعتقده الإنسان في النجوم وتأثيراتها على الكون ومن ذلك الأمطار، حيث ورد في الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الحديث التالي: أَبو عُبَيْدَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنْ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا
مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنُ بِالْكَوَاكِبِ» (3). ومن طرق الاستدلال على قرب حدوث الضربات تلألؤ النجوم بشكل غير معتاد، وذلك بسبب حدوث اضطراب في طبقات الجو؛ مؤديا إلى انكسار الضوء القادم من النجم نتيجة مروره بين أوساط مختلفة الكثافة؛ فتتغير زاوية الانكسار لتغير كثافة الوسط الذي ينقل الضوء بسبب الاضطرابات، ويزداد التلألؤ طرديا مع الاضطرابات؛ فيستدل به الصيادون على قدوم ريح عاتية) (3).
(1) مجموعة من الباحثين معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، ا
ص 3534
(2) الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح، رقم 63، ص 32 (3) مجموعة من الباحثين معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار،
ص 5352 (1/189)
صفحة 183
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ولكن كيف يؤرخ العُمانيون للأحداث والظواهر وهم يقتصرون على التقويم الهجري والذي يتقدم على التقويم الشمسي بأحد عشر يوما في كل عام، وهذه الظواهر كمواسم الصيد والزراعة لا علاقة لها بالتاريخ القمري، وإنما تتكرر بناءً على التاريخ الشمسي كالفصول الأربعة؟ والجواب على ذلك أنهم وجدوا بغيتهم في مطالع النجوم وغروبها، خاصة أنهم على معرفة بالعديد من النجوم والمنازل، وبالأخص النجوم التي يُستدل بها على الجهات عند السفر، وهكذا أصبح لديهم تقويم شمسي الفترة، ونجمي العلامات، يعتمد على مطالع النجوم وغروبها» (1)، وهو ما يعرف بالحسبة، نظام شمسي لا ميلادي ولا جريجوري، متكون من 360 أو 365 يوما، وتُقسَّم الأيام إلى حِزَم، كل حزمة عبارة عن عشرة أيام، والحزمة تُسمى دُراً، ومنهم من يجمع كل مائة يوم على شكل فصل، كفصل الصيف والخريف والشتاء والربيع». (2)
وممن اهتم بمعرفة أحوال الطقس والتحسب لهطول الأمطار وجريان السيول، العاملون في شق الأفلاج، حيث إن الأفلاج قبل اكتمال بنائها تكون عرضة للتدمير وانغلاق المجاري لما تحمله الأودية من الحصى والأتربة، والتي تلج من خلال فتحات الفلج الموجودة أعلى الشق؛ ولذلك فهم خبراء في تقلبات الطقس والسحب والرياح وأنواعها وأوقاتها، «وإذا سمعوا الرعد في رؤوس الأودية الجبال، أو شاهدوا النزول المطري من بعيد، سارعوا إلى غلق فتحات الفلج (3)؛ حتى لا يضيع عملهم سدى.
6
(1) مجموعة من الباحثين معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، ص 59 مجموعة من الباحثين معدن الأسرار في رفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار،
(2)
ص 77 - 78
معر
(3) هلال بن عامر القاسمي، الأفلاج العُمانية البناء الهندسي عبر التاريخ، ص 102
190 (1/190)
صفحة 184
ولقد تطورت طرق الرصد وتنبؤات الطقس في وقتنا الحالي ولله الحمد؛ فأصبحت التحذيرات تُطلق قبل أيام من حصول الأنواء، وكل الله ذلك بمشيئة وقدرته، وهو القادر على قلب الأمور من حال إلى آخر
متى ما أراد ذلك، وهو أمر مشاهد في عصرنا رغم تطور التقنيات. ومن استخدامات العُمانيين للفلك، ضبط أعمالهم الزراعية والحيوانية على أيام السنة الشمسية وحسب ظهور نجوم معينة، وذلك بناء على الخبرة الطويلة والممارسة المستمرة؛ ففي أوقات محددة يقومون ببعض الأعمال التي تتناسب مع أحوال الطقس، بحيث تنفع المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية ولا تضرها. (1)
م البروج
من
إلى
الفصل
المزروعات الموسمية وغرس الأشجار
الحمل مارس أبريل أول فصل الربيع
ترمي فيه البذور، وتُغرس فيه الأشجار، والنخيل، والأرز، أماكنه، والخضار، وفيه حصاد الحنطة، وأنواع الحبوب حيث زرعت
الثور أبريل مايو وسط فصل الربيع
يُزرع فيه ما يُزرع في برج الحمل، ويُزرع فيه القطن آخر زراعته، ويعتنى في بالسقي أكثر من البرج الأول، حيث لا تجف الأرض من الثرى بالنسبة لكل غرس جديد، وفيه تسقط الثريا من واحد مايو إلى السابع من مايو، وفي سقوطها لا يرمى فيه ببذر على وجه الأرض، ولا يُغرس فيها شجر، ولا نخل، وتعرف بأيام المغيب
3 الجوزاء مايو يونيو آخر فصل الربيع
المزروع فيها يكون ضعيفا؛ لأنها آخر الموسم، وتحتاج إلى كثرة السقي لكل أربعة أيام، مثل: النخل والأشجار، أما الخضار فتحتاج إلى السقي يوما بعد يوم
الصورة (38): المواسم الزراعية. البروج الفلكية (مهنا بن خلفان الخروصي، علم التنجيم وتأثير النجوم، ضمن كتاب النجوم الزاهرة في الأفلاك الدائرة)، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، ط 1، 1425 هـ / 2004 م، ص 43).
(1) انظر الصور (3840)
191 (1/191)
صفحة 185
الاستمرار في الحلال * والترديم والتسميد لحاصلات الخضر، والحقلية الشتوية
شراط النخيل وتسميدها بالأسمدة المحلية
تجهيز الأرض لزراعة حاصلات الخضر الصيفية ديسمبر يناير | يوما ونصف
تغذية خلايا نحل العسل، وتشتيتها
تدفئة حظائر الدواجن
زراعة حاصلات الخضر الصيفية
تسميد حاصلات الفاكهة بالسماد الكيماوي
زراعة البساتين الجديدة
عزل الإناث الحوامل من الماعز والضأن قبل الولادة بأسبوعين
الاستمرار في تدفئة حظائر الدواجن
الاستمرار في زراعة حاصلات الخضر الصيفية، وتسميد الخضر الشتوية حصاد الفندال * *، وانتقاء العقل الجيدة لزراعتها
تقليم حاصلات الفاكهة متساقطة الأوراق، واختيار العقل المناسبة الاستمرار في تنبيت النخل ومكافحة الحشرات الضارة
الصورة (39): العمليات الزراعية والحيوانية حسب النجوم العُمانية (محمد بن سالم الحارثي، موسوعة الموروث الفلكي العُماني القديم وأثر الكواكب والنجوم على النشاط الإنساني، مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، مسقط، ط 1، 2015 م، القسم الأول: الزراعي، ص 709)
الحلال: الإعداد والتهيئة ** الفندال: البطاطا الحلوة
يوافق حسبة الدروز من 20 إلى 40 من القيظ عند بعض الصيادين هناك، ويسمى بموسم البرية (القاشع)، ويصاد فيه الكفدارة والكنعد وموسم السهوة يصادف التباشير، جنوب الباطنة السويق ويوافق بالحسبة 60 إلى 90 القيظ وتوجد في هذا الموسم الصدة والقد والجولان والخياط والهامور والحبس، والصال والدريجي، والقشران بأنواعها باتجاه شمال شرق مسقط بعمق (12) - 20) باعاً.
دلالة هذا الموسم نجم العواء والسماك والغفر، والزبان والإكليل والقلب والشولة. وتكون فيه أسماك القاع، والشعري والهامور، والبرية والكنعد.
يكون موسم الخريف في الفترة التي تطلع فيها النعائم والبلدة وسهيل وبلع إلى الذابح، ويتم صيد العومة الكبيرة، وأسماك أخرى متنوعة.
صلالة وصيادون آخرون في صلالة يعتبرون دلالة موسم الخريف النجم الرابع (المغرز) من بنات نعش الكبرى؛ فيصطادون أسماك الصافي والخشام والهامور، بالإضافية إلى الأسماك القاعية.
الصورة (40): نماذج من مواسم الصيد وأنواع الأسماك المصطادة حسب الأيام والنجوم (مجموعة من الباحثين معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، ص 105 - 106). (1/192)
صفحة 186
193
ومن القصص الطريفة، والتي تُظهر جانبا جميلا وذكيا لاستخدامات العُمانيين للفلك (1)، أن امرأة أرادت السفر لأمر لا تستطيع معه حمل رضيعها، فأودعته جارتها حتى عودتها من السفر، ولما عادت طلبت ابنها، ولكن الجارة رفضت تسليمه لأمه، مدعية أنه ابنها الذي أنجبته، ولم يودعها أحد أي أمانة! لم يكن أمام المرأة المنكوبة بابنها إلا أن ترفع أمرها للقضاء بعدما باءت كل محاولاتها لاسترجاع ابنها بالفشل. حاول القاضي التحقيق في القضية، ولكن لم يتبين له الأم الحقيقية؛ فلجأ إلى حيلة ذكية تدل على الحنكة والذكاء، كما تدل على الممارسة لعلم الفلك، طلب من المرأتين أن ترقب كل واحدة منهما (نجم الجاه) أو ما يسمى بـ (القطب الشمالي)، وتتابعه حتى يغرب، وفي الصباح عليهما تحديد الجهة التي غرب فيها النجم بشكل دقيق (2). بدأت المرأتان بالمراقبة من بداية الليل، المرأة الكاذبة رأت بعض النجوم تغرب جهة الغرب، فشعرت بالملل والسآمة؛ فقررت أنه لا داعي للاستمرار؛ لأن كل النجوم تغرب في الجهة نفسها؛ فخلدت للنوم، وفي ظنها أنها ستفوز بالابن. أما الأم الحقيقية فبقيت تسهر طول الليل في انتظار غروب النجم الذي لم يغرب، فهي تشعر بالخوف والقلق من أن يأخذ أحدٌ ابنها الذي حملته كرهاً ووضعته كرهاً، وتنتظر بكل شوق أن يكبر ويخدمها. في الصباح سأل القاضي كلا المرأتين عن مكان غروب نجم الجاه؛ فأجابت الكاذبة أنه غرب حيث غربت باقي
(1) سمعت هذه القصة من بعض الباحثين المهتمين بالتراث الفلكي العُماني، ولم أجد لها توثيقا كتابيا؛ فصغتها بالمعنى، والله أعلم بصحتها.
(2) من المعلوم لدى الفلكيين أن نجم) الجاه لا يغرب غالبا؛ لوجوده شمال الكرة الأرضية؛ فيظهر للرائي أنه لا يتحرك من مكانه أغلب أيام السنة؛ لذا فهو دليل على جهة الشمال. (1/193)
صفحة 187
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
النجوم؛ فتبين للقاضي كذبها وعدم مبالاتها بالولد المتنازع فيه، أما المرأة الحقيقية فأجابت أن النجم لم يتحرك من مكانه طول الليل؛ وهنا أدرك القاضي أنها أم الولد؛ بدليل اهتمامها الكبير وقلقها الشديد وسهرها الليل من أجل معرفة جهة غروب النجم. هكذا تمكن القاضي الحكيم بحنكته ومعرفته بالفلك من حل معضلة عويصة وقضية شائكة في ذلك الزمان الذي لا تتوفر فيه ما يتوفر في عصرنا من أدوات للفحص وكشف مدى
صحة نسبة الولد لمن يدعيه أو ينكره.
194 (1/194)
صفحة 188
المطلب الثاني: استخدام الفلك في تقسيم مياه الأفلاج
(1)
ومن أبرز تطبيقات علم الفلك عند العُمانيين، حساب دوران الأفلاج النهاري بظل الشمس والليلي بالنجوم؛ فمياه الأفلاج متدفقة باستمرار، ولا يمكن توزيعها عن طريق الكيل أو الوزن أو الحجم، ولا بد من قسمة عادلة لماء الفلج، ولم تكن الساعات متوفرة قديما؛ فلجأوا إلى الساعات الكونية التي سخرها الله تعالى للإنسان؛ فتعارفوا على تقسيم ماء الفلج باستخدام الفلك، عن طريق ضابطين: ليلي ونهاري.
م الدالرحمن الرحيم
من نسخة الفلم المسمى العربي التكريك سيوجد بني يام وقمته على مر التے تستقر منه وتفصيلها بيوملا هنا
اوافيك ماء النهارا الزريب له الابتداء ويستلق شخرة القصبة التي السجل التغارتين ثم الجلبة اللها التي لبيت المال وهي لها جنة البلد ثلاث طاشات وتتلوها جلبة اللحيلى التي على الشرق، وتتلوها وقفان البياتر وزريب الشرقية وتتلوها لحمة وافضل ذلك فالمشايخ ورثة الشيخ سيف سلمان بن عمير النبهان تم إلى خبرة وهمي وليلة الحواجر تم 5 الث ليلة خمر التي بالابتداء منها شرب
الث
الث
وقيف حبي وبنة البلد له طاسة وربع طاسة ويتلوا؟ ذلك وقيف الزربيةه و تتلو از لک التي حشرطا انت العشرق طاسة للمشايخ ورثة الشريف سامان محمد اليا و تيلو از يک شرب لبست افتح و مابقي و زاد فلا ولاد ملايم عمر ابن الو النهار السليل الابتداء توقيف الاعلى
الصورة (41): الصفحة الأولى من نسخة فلج العزيزي بالجبل الأخضر، سجل لأيام الفلج وتقسيماتها، ونصيب كل ذي سهم من الفلج أخذت الصورة من المتحف الوطني العُماني، مسقط، الخميس 10 ذو
القعدة (1438 هـ /03 - 08 - 2017 م).
(1) انظر الصورة (41)
195 (1/195)
صفحة 189
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
فالضابط الليلي يتم عن طريق حصر النجوم المستخدمة والمتعارف عليها بينهم وتقدير الوقت والمسافة بين كل نجمين، وقد توصلوا إلى تقدير المسافة بتقدير الوقت من طلوع نجم إلى طلوع آخر، فكان (الأثر) عندهم وحدة للزمن. هذا في النجوم الرئيسة، وهناك نجوم فرعية، بعضها تنصف مسافة الزمن بين نجمين وبعضها تقوم بتثليث الوقت، وبعضها بالتربيع، وهكذا. فعملية تقسيم الوقت مبنية على طلوع النجوم وغروبها. والضابط النهاري يكون بمتابعة ظل عمود (1) يُنصب في موضع مستوِ ومكشوف لأشعة الشمس من جميع الجهات، بحيث لا يحجب شيء ضوء الشمس عنه خلال مسارها طول النهار. وقسّموا وقت النهار من طلوع الشمس إلى غروبها إلى أربعة وعشرين أثراً، اثني عشر أثرا من طلوع الشمس إلى استوائها في كبد السماء (2)، ومثلها من وقت الزوال إلى غروب الشمس. ويُقسم الأثر إلى نصف وربع، بل إلى أربعة وعشرين جزءا؛ وذلك من باب الدقة والمساواة والعدالة. (3)
والأثر يساوي نصف ساعة (30) دقيقة) أيام الاعتدال الخريفي والربيعي (4)؛ وذلك لأن في أيام الاعتدال (5) يتساوى الليل مع النهار)،
(1) هذه
هي
الساعة الشمسية أو المزولة الشمسية، وتسمى محليا بعدة أسماء، منها: الخشبة واللمد والحضار والمحاضرة ناصر بن سعيد الهاشمي، الإنسان وعلم الفلك، محاضرة ألقاها بجامع نفعاء بولاية بدبد، الجمعة 18 رمضان 1437 هـ / 24 يونيو 2016 م) (2) استواء الشمس في كبد السماء قبيل أذان الظهر هو ا انتصاف للنهار. (3) بدر بن سالم بن هلال العبري البيان في بعض أفلاج عُمان، ص 27 - 48 (بتصرف) (4) صالح بن سعيد الشيذاني، إسهامات العُمانيين بعلم الفلك، ص 18
21
(5) 21 مارس و (6) على أساس أن النهار يبدأ من شروق الشمس وليس من الفجر، كما،
سبتمبر
هو معمول به عندهم
196 (1/196)
صفحة 190
197
حينها يكون طول النهار 12 ساعة بالضبط، وهم قد قسَّموا النهار إلى 24 أثرا؛ بذلك يكون الأثر نصف ساعة بالضبط عند الاعتدال. أما أيام الصيف حيث يطول النهار على الليل، وأيام الشتاء حيث يطول الليل على النهار، فإن الأثر حينها لا يساوي 30 دقيقة بالضبط؛ فالأثر النهاري يزيد قليلا في الصيف، وينقص قليلا في الشتاء؛ ففي الصيف يكون أقصى طول للنهار ثلاثة عشر ساعة ونصف وذلك في شهر يونيو، أي 810 دقائق؛ حين نقسمها على 24 أثرا، يكون الناتج 33 دقيقة وثلاثة أرباع الدقيقة (أي بزيادة ثلاث دقائق وثلاثة أرباع الدقيقة، أما في الشتاء فيكون أدنى طول للنهار عشر ساعات ونصف وذلك في شهر يناير، أي 630 دقيقة؛ بقسمتها على 24 أثرا، يكون الناتج 26 دقيقة وربع الدقيقة (أي بنقصان ثلاث دقائق وثلاثة أرباع الدقيقة)؛ وهذا لا يؤثر كثيرا على القسمة العادلة؛ فمن ينقصه في الشتاء، يعوّضه في الصيف.
هكذا ربط الأجداد بين طول الظل والفترة الزمنية اللازمة لزيادته أو نقصانه مقدارا معينا، وبالمقارنة بعصرنا فنحن نستخدم عقرب الساعة الذي ينتقل من نقطة إلى أخرى لمعرفة الوقت الذي انقضى، فانتقال عقرب الساعة الكبير - مثلا من رقم إلى آخر يليه يدل على مرور خمس دقائق من الزمن كذا الحال فيما يخص الظل؛ فانتقال منتهى الظل من نقطة إلى أخرى أي زيادته أو نقصانه بسبب تحرك الشمس هو أيضا دليل على مرور مدة معينة من الزمن تعارفوا عليها بـ «الأثر» أو نصفه أو ربعه أو غير ذلك. فسبحان خالق الكون الذي جعل الظل دليلا على قدرته تعالى، وجعله مسخرا لخدمة الإنسان، ومسيَّرا لعمارة الأرض، قال تعالى: (1/197)
صفحة 191
198
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَّا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} (1).
ومن باب الدقة والعدالة في تقسيم مياه الفلج، وبسبب معرفتهم العلمية العالية بتحرك الشمس ومدى سرعتها من وقت لآخر؛ لم يغفل العُمانيون عن أن ظل العمود يتحرك سريعا أحيانا وبطيئا أحيانا أخرى؛ «ففي الساعات الأولى من الصباح يتحرك الظل سريعا؛ بالتالي تكون المسافة بين كل خط وآخر شاسعة، تتعدى ثلاثة أمتار، بعكس ما إذا كان الظل في الساعة الحادية عشرة مثلا؛ فهناك تجد أن المسافة بين الخط والآخر شبراً أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً» (2)، كل ذلك تم رسمه بدقة متناهية؛ بحيث تبقى المدة الزمنية بين خط وآخر (3) هي نفسها مهما تغيرت سرعة حركة الشمس بين وقت لآخر، فالعبرة ليست بالمسافة الفاصلة بين الخطين، وإنما بالفترة الزمنية التي يتحرك فيها طرف الظل من خط للذي يليه، فكما أن المدة الزمنية التي يقضيها عقرب الساعة العصرية ثابت من نقطة إلى أخرى؛ فكذلك الساعة الشمسية، فالمدة ثابتة طيلة النهار الواحد بغض النظر عن سرعة
حركة الظل. (4)
(1) سورة الفرقان/ 4645
(2) محمد بن سالم بن عبدالله الحارثي، موسوعة الموروث الفلكي العماني القديم وأثر الكواكب والنجوم على النشاط الإنساني، القسم الأول: الزراعي، ص 523
(3) نصف ساعة تقريبا
(4) انظر الصورة (42) (1/198)
صفحة 192
199
الصورة (42): نموذج من المحاضرة أو اللمد، ويظهر التدرج في المسافات بين الخطوط؛ فهي متقاربة قرب العمود، ومتباعدة عند الأطراف نقلا عن ناصر بن سعيد الهاشمي، الإنسان وعلم الفلك). (1/199)
صفحة 193
المطلب الثالث: بعض تصنيفات الفلكيين العُمانيين: دون العُمانيون في علم الفلك، وإن لم يكونوا مكثرين فيه ككثرة تطبيقاتهم ومتابعتهم له، ونذكر هنا نماذج لما صنفه العُمانيون في الفلك والتي تنوعت بين النظم والنثر، حيث ألف في أواخر القرن الحادي عشر الهجري فلكي عُماني مجهول الاسم الإيضاح في ما أودع الله من الحكمة في النجوم والرياح) (1)، وهي رسالة صغيرة ذكر فيها صاحبها بعض ما يتعلق بالتقلبات الجوية، وأنواع السحاب وتكوّنه وتفرّقه، والرياح وحدودها وطبائعها، ومصدر المطر، والبرق والرعد، والكواكب وتأثيراتها. ونجد فيها قوة الإيمان بالله، حيث يقول: «ولم تفعل هذه الكواكب شيئا إلا بمشيئة الله، إذ هي مخلوقة مصرّفة، بل لم يخلقها الله عبثا ولا باطلا، ولكن جعلها أسبابا لمقاديره» (2).
(1) انظر الصورة (43)
(2) مجهول المؤلف، الإيضاح في ما أودع الله من الحكمة في النجوم والرياح، ضبط نصه، سلطان بن مبارك الشيباني، مركز ذاكرة عُمان، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م، ص 34
201 (1/201)
صفحة 194
202
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ونعم الرجال
ما سلاحها الرجيم ومشروع البنت وكل ك هو حبنا
عم المول وهم النصير وصل اسد علي محمدة الرحم ولا حول ولا من الالالالالا معرفة طالع المفي لأتي منزلة والمنازل
الله الثاني معرفة الشمس لائي منزلة ميز المنز الباب التالم معرفة القمر لاه في منزلة من المنازل الباب الرابع معرفة الناعات بالنهار والليل - الباب الخامس معرفة الطالع برا الروح بالنهار والليل الباب السادس مغرفة بيوت الشعر الكواكب السيارة الباب السابق معرفة اوبال بيوتها وا وبابها وإسرافها وهبوطها الباب الناس معرفة الاشهر الرومية، واعدا وايا مها لمات الناس معرفة اليوم الذي انت فيه والشهر الرومي الناب المحاسبين معرفة الشمس ومسيرها و الشهر الرومي فرده عشر ابواب تمت بالعمال والحمد الله على ال حال وصلى الله على مجاب والدحدال
الباب الاول في معرفه طالع الفجر خد مانح والبر و الوبر ونے ب علي اربعة وثلاثيزيوما واعط كل منزل نصيبه الا انه عشر يومياط وابدى بالحساب والحفظ نين نقل حتا يک فشر طالع الغي واعرف ما بقي عند که والايام بعد قسمتها ان كان يقر اما او يومان
الصورة (43): الصفحة الأولى من مخطوطة كتاب «الإيضاح في ما أودع الله من الحكمة في النجوم والرياح لمؤلف مجهول (ق) 11 هـ)، نقلا عن سلطان بن مبارك الشيباني ومحمد بن عامر العيسري، نوادر المخطوطات العُمانية، ص 190 (1/202)
صفحة 195
ومن أبرز كتب العُمانيين في هذا المجال (كشف الأسرار المخفية
في علوم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية)، لعمر بن مسعود بن ساعد المنذري (1) (ت 1160 هـ). وفي الحقيقة، فإن هذا الكتاب متعدد الجوانب ولا يقتصر على الفلك؛ فهو يتحدث عن النجوم والبروج والكواكب، وما يتعلق بها من طبائع وأسرار وانتقال و اقتران وتسخير، وكذلك هو في علم الحكمة والنجوم وعلم الهيئة وأسرار الحروف، وتارة يتحدث عن البروج وتقسيماتها وعلاقتها بالأشهر الرومية وتقسيم المنازل واستخراج الظلال. ويتعرض بالشرح لأفكار فلاسفة الإغريق وبعض المتأخرين، ويتطرق إلى معرفة ساعات الأيام والليالي. كما أنه يحوي جانبا آخر متعلقاً بالسعادة والنحوسة المرتبطة بالكواكب، ويعرض خصائص الحروف المرقومة وما يخصها من الأسرار المكتومة، كما يتضمن علم التكسير وضرب الأوفاق واستخراج الأسماء والأقسام وإظهار الأرواح النورانية، وكيفية تسخير الأملاك والجان (2). وللمنذري كما ذكرنا في المبحث السابق تصنيف آخر في الطب (مختصر بقراط الحكيم؛ فهو كما قال عنه البطاشي: «فقيه وعالم بالفلك والنجوم والطب» (3).
(1) تم التعريف به في المبحث الأول من هذا الفصل (2) وزارة التراث والثقافة، مسقط، فهرس المخطوطات المجلد الثالث، علوم التاريخ والبحار والفلك والرياضيات، ط 1، 1419 هـ / 1999 م)، ص 117 - 124 (3) سيف بن حمود بن حامد البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 3،
ص.
203 (1/203)
صفحة 196
204
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
وتسهيلا لمن أراد التعلُّم؛ فقد كتب خميس بن سالم بن خميس
الهاشمي (1) (رسالة في علم الفلك للمبتدئين) (2)، وهي رسالة قصيرة ذكر فيها للسائل طريقة حساب السنة الشمسية، ومواقيت دخول فصول السنة، وطبائعها من حيث البرودة والحر، والرطوبة واليبس، وذكر الأشهر الشمسية (الرومية) كما سماها الفلكيون العرب (3)، مبينا عدد أيام كل شهر، وذكر بعض النجوم والكواكب وعلاقتها بالأرض والقمر. وشبيه بهذه الرسالة،
ألف عبدالله بن بدوي بن عبود بن عبيدان (4) كتاب (شرح) علم النجوم) (ه) ذكر فيه البروج والنجوم وأسماءها، وأوقات طلوعها وسقوطها وعلاقتها بالطقس، وبيَّن طريقة معرفة منزلة القمر، وفصول السنة الأربعة وشهورها وحال الطقس فيها، وذكر الأشهر الشمسية وأسماءها (الإفرنجية والرومية والقبطية) ومنازلها وبروجها، وكيفية دخول الأشهر القمرية بمعرفة حال الشمس والقمر وبعض النجوم.
6
(1) خميس بن سالم بن خميس بن درويش بن نمر بن راشد بن عميرة العيني الرستاقي، فهو من أحفاد الطبيب المشهور راشد بن عميرة، عاش في النصف الأول من ق 13 هـ، انظر: خميس بن سالم بن خميس الهاشمي، رسالة في علم الفلك للمبتدئين، ضبط نصها، سلطان بن مبارك الشيباني، مركز ذاكرة عُمان، مسقط، ط 1، 1435 هـ / 2014 20 م، ص 4 (2) انظر الصورة (44)
(3) تشرين الأول، تشرين الثاني، كانون الأول ...... الخ
(4) لم أجد له ترجمة
(5) حققه وعلّق عليه، مهنا بن خلفان الخروصي، ضمن كتاب (النجوم الزاهرة في الأفلاك
الدائرة) (1/204)
صفحة 197
205
الصورة (44): الصفحتان الأخيرتان من رسالة في علم الفلك لخميس بن سالم الهاشمي (ق 13 هـ)، نقلا عن سلطان بن مبارك الشيباني ومحمد بن عامر العيسري، نوادر المخطوطات العُمانية، ص 190. العلماء الذين عُرف عنهم اهتمامهم بعلم الفلك،
ومن
الشيخ خميس بن سعيد الشقصي (1) (ق 10 - 11 هـ)، ويظهر ذلك في مخطوطة (المجاميع) بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي (رقم 216 - م)، حيث اهتم علماء تلك الفترة (2) بالأحوال الجوية، وكانت هناك مباحثات
(1) خميس بن سعيد بن علي بن مسعود ا الشقصي، كان حيا عام 1070 هـ / 1660 م، ت 1059 هـ / 1649 م، قائد علامة، وقاض فقيه، وناظم، للشعر من ولاية الرستاق، عقد الإمامة للإمام ناصر بن مرشد اليعربي من آثاره منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، ومنهج المريدين، وقصائد شعرية في الوعظ والرثاء، وأجوبة كثيرة، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 202/ 1 - 209
(2) عهد اليعاربة، (1034 هـ / 1624 م – 1157 هـ / 1744 م) (1/205)
صفحة 198
العمانيون والعلوم التجريبية
(1)
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ونقاشات حول الظواهر الطبيعية، حيث وجه الشيخ الفقيه مسعود بن أحمد الإزكوي (1) سؤالا إلى الشيخ خميس بن سعيد الشقصي حول البرق والرعد والخسوف والكسوف، إلى غير ذلك، فأجابه الشيخ مستعينا بأقوال بعض الحكماء المتقدمين، ومركزا على منهج الملاحظة والمشاهدة، وفسّر الشيخ الشقصي ظاهرة الخسوف والكسوف، ويُستنتج من تفسيره الشمس أكبر من حجم الأرض، وكذلك أكبر من حجم ا القمر، وأن وقوع القمر بين الأرض والشمس يؤدي إلى حدوث ظاهرة الكسوف، والقمر غير مضيء بذاته، وإنما يكتسب ضوءه من الشمس (2)، وتُعَدُّ هذه المعارف الآن حقائق فلكية لا يُختلف فيها؛ مما يدلنا على المستوى الذي وصل إليه العُمانيون في ذلك الوقت.
أن
حجم
ومن العلماء أيضا الشيخ العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي (3)، وقد قام بعمل مميز، حيث رصد طلوع الفجر لفترة طويلة قرابة عام كامل، فأدرك أن التغيير في وقت الفجر يعتمد على التقويم الشمسي، ووضع
(1) مسعود بن أحمد الإزكوي كان حيا عام 1059 هـ / 1649 م فقيه شاعر، من ولاية إزكي، عاش في القرن الحادي عشر الهجري له قصيدة رثاء للإمام ناصر بن مرشد، وسؤال نظمي بن سنان الغافري، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين
للشيخ. خلف الإباضية، ج 3/ 186
(2) موسى بن سالم البراشدي، الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، ص 129 - 131
(بتصرف)
(3) سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي، ولد في بوشر عام 1236 هـ / 1821 م، واتخذ سمائل وطنا آخر عالم، محقق، وفقيه مدقق، وأحد أركان دولة الإمام عزان بن قيس، تتلمذ على يد الشيخ ناصر بن أبي نبهان وآخرين، وممن تتلمذ على يديه الشيخ صالح بن علي
6
الحارثي، من آثاره: كتاب (إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وكتاب (كرسي الأصول)، وكتاب (مقاليد التصريف)، توفي 1287 هـ/ 1871
انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 76 - 86
م،
206 (1/206)
صفحة 199
جدولا مبسطا سهل التذكر، مبنيا على الاعتدالين الربيعي والخريفي،
وعلى الانقلابين الصيفي والشتوي).
ومما يدل على اهتمام العُمانيين بالفلك وجود الكثير من المخطوطات الفلكية في خزائن المكتبات العُمانية الخاصة والعامة. لقد امتهن العُمانيون الفلك، وجرَّبوه ومارسوه؛ فخبروه وأدركوه، وأثر في سير حياتهم الدنيوية، وأحوالهم التعبدية، ولكنهم أقلُّوا من التصنيف والتأليف؛ ربما لعدم الحاجة الكبيرة لذلك؛ فعلم الفلك كان شائعا عندهم، يمارسه العالم والجاهل الرجل والمرأة الفلاح والبحار، الفقيه والساقي. ويلاحظ مع قلة المصنفات قلة الرجوع لمصادر غيرهم؛ ولعلَّ ذلك يعود للسبب نفسه، وهو انتشار هذا العلم عندهم، وكثرة ممارستهم له.
(1) صالح بن سعيد الشيذاني، إسهامات العُمانيين بعلم الفلك، ص 16
207 (1/207)
صفحة 200
المبحث الخامس: العُمانيون والملاحة البحرية إنَّ مما سخره الله للإنسان، هذا البحر العظيم الخلقة، الشاسع المساحة، المتلاطم الأمواج؛ فجعله الله تعالى ممهدا للأكل والزينة والانتقال، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوا (1)، وفي تسخير البحر للانتقال خاصة يقول: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ
لِتَجْرِى الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (2) ونظرا للموقع الجغرافي لعُمان، المطل على بحر العرب وخليج عُمان والخليج العربي والمحيط الهندي والرابط بين قارتي آسيا وأفريقيا، وطول السواحل العُمانية، وممارسة العُمانيين للتجارة منذ القدم، وحاجتهم للسفر والانتقال؛ أدَّى كل ذلك إلى اهتمام العُمانيين بالبحر وارتباطهم به؛ فكانت لهم الأعمال العظيمة والمدونات الجليلة.
لقد خَبَرَ العُمانيون البحر، وصالوا وجالوا فيه؛ حتى صاروا ربابنته، الذين يعتمد عليهم في المهمات الصعبة؛ فكان للعمانيين مشاركة فعالة في الفتوحات الإسلامية، ومن ذلك أن عثمان بن أبي العاص (3) استعان بالقوة البحرية العُمانية في أوائل العصر الإسلامي عندما انطلق من صحار
(1) سورة النحل/ الآية 14
(2) سورة الجاثية/ الآية 12
(3) أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان (ت 51 هـ)، صحابي من أهل
الطائف، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم عليها.
209 (1/209)
صفحة 201
210
العمانيون والعلوم التجريبية
كما
يعبر
اهتم
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ومسقط بحملة ناجحة على ساحل الهند الغربي عام 16 هـ / 636 م» (1)، الأئمة بإنشاء الأساطيل البحرية، وما تحرير جزيرة سقطرى أيام الإمام الصلت بن مالك الخروصي (2) إلا مثال على ذلك، وبالطبع فلا يمكن إنشاء الأساطيل دون وجود رجال ذوي خبرة وحنكة بحرية؛ فلا البحر ويقطع المسافات الطويلة ويقاتل وسط البحر إلا من له دراية كبيرة بالبحر وشؤونه. يقول رئيس قسم التاريخ بجامعة بغداد: «إن الصورة التي نستخلصها من المصادر عن دور العُمانيين الحضاري، وخصوصا دورهم في الملاحة والتجارة تؤكد الدور الكبير والواسع، وهي صورة مشرقة لما أظهرته من التقدم والازدهار» (3)، يقول أحد الباحثين الغربيين: «العُمانيون هم أفضل ملاحي الخليج» (4)، ويؤكد تفوق العُمانيين الكابتن هنري: ويعتبر ملاحو عُمان من أفضل الملاحين الذين التقيت بهم (ه)، أما أستاذ التاريخ بجامعة بكين فيقول: يعرف الجميع أن العُمانيين كانوا أمهر وأرفع مستوى في فن صناعة السفن وفن ركوب البحار» (6).
بن
(1) مصطفى عبدالقادر النجار، صفحات مشرقة من تاريخ عُمان دراسة علمية تحليلية، مكتبة بيروت، مسقط، ص 204. (2) الصلت مالك بن عبدالله م، من بلدة ستال مالك الخروصي، ت 275 هـ / 889 بن بالعوابي، إمام عادل، تولى الإمامة عام 237 هـ / 851 م، من آثاره، مسائل في الأثر، وعهد إلى غسان بن خليد، وكتاب إلى الجمهور بن سنجور، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 202/ 2 - 203
33
(3) عبدالرحمن عبدالكريم العاني، دور العُمانيين في الملاحة والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع الهجري، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 2، 1406 هـ / 1986 م، ص (4) کارستان ينبهور، رحلات عبر الجزيرة العربية نقلا عن إسماعيل الأمين، العُمانيون رواد البحر، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ط 1، 1990 م، ص 3 (5) هنري كورنوول انطباعات عن عدد من الرحلات من الهند وإلى انجلترا، نقلا ع
الأمين، العُمانيون رواد البحر، ص 92
93
(6) تشانغ زون يان الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعُمان.
عن إسماعيل
عبر التاريخ، وزارة التراث
والثقافة، مسقط، ط 2، ص 5 (1/210)
صفحة 202
المطلب الأول: البحارة العُمانيون في المصادر غير العُمانية:
وقد ذكرت المصادر أسماء عدد كبير من النواخذة والملاحين، لعل
الله
من أقدمهم في العصور الإسلامية الأولى أبو عبيدة عبدالله بن القاسم (1)، الذي أبحر إلى بلاد الصين ووصل إلى ميناء قوانتشو (كانتون) حوالي عام 133 هـ / 750 م، وتعتبر رحلته من أقدم رحلات العرب إلى بلاد الصين، وتكاد تسبق رحلة سليمان السيرافي (2) إلى هذه البلاد بقرن كامل أو يزيد» (3). ومما يدل على خبرة العُمانيين ومهارتهم في البحر، ما رواه المسعودي (4) في مروج الذهب من أسفارهم لمختلف البلدان باستخدام البحر، بل وتفوقهم العلمي فيه، حيث يقول: ووجدت نواخذة (5) بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقلزم والحبشة من السيرافيين والعُمانيين يخبرون عن البحر الحبشي - في أغلب الأمور على خلاف ما ذَكَرَته الفلاسفة وغيرهم ممن حكينا عنهم المقادير والمساحة» (6)، وجاء
(4)
(1) الملقب بأبي عبيدة الصغير، تلميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالبصرة، عالم فقيه، من بلدة بسيا من أعمال بهلا بعُمان، كان حيا إلى سنة 171 هـ / 787 م، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 2/ 284 - 285 (2) سليمان التاجر السيرافي (ق 3 هـ / 9 م، نسبة إلى سيراف رحالة و تاجر فارسي، كتب سنة
237 هـ / 851 م وصف رحلة له إلى الهند والصين انظر: www arwikipedia.org
(3) رجب محمد عبد الحليم العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، ص 54 (4) أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت 346 هـ / 957 م)، مؤرخ رحالة بحاثة، من أهل بغداد، من تصانيفه: أخبار الزمان ومن أباده الحدثان» و «الإبانة عن أصول الديانة»، و «التنبيه والإشراف»، انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 277
(5) النواخذة: ربابنة السفن وقادتها
(6) علي بن الحسين بن علي المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، الجامعة اللبنانية، بيروت، 1965 م، ج 1، ص 151 (1/211)
صفحة 203
212
العُمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أيضا: وذكر جماعة من نواخذة هذا البحر من السيرافيين والعمانيين - وهم أرباب المراكب أنهم يشاهدون في هذا البحر ماء يخرق هذا البحر» (1)، كما أشار إلى أن أهل المراكب من العُمانيين يقطعون الخليج البربري إلى جزيرة قنبلو (مدغشقر)، فَوَرَدَ في المروج: «وأرباب المراكب من العُمانيين يقطعون هذا البحر إلى جزيرة قنبلو من بحر الزنج، والعُمانيون الذين ذكرنا من أرباب المراكب يزعمون أن هذا الخليج المعروف بالبربري، وهم يعرفونه ببحر بربرا» (2)، ووصفوا له البحر وهيجانه، ثم فصل أكثر في صفة هؤلاء البحارة الذين يصلون إلى هذا المدى في البحر، فقال: «وهؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عُمان عرب من الأزد) (3). ويستخلص أحد الباحثين من كتاب عجائب الهند) لبزرك بن شهريار (ق 4 هـ): «فيه أربع وعشرون قصة بحرية، يرويها عُمانيون، أو أن أبطالها عُمانيون، أو أن لعُمان صلة بها» (4)، ومن ذلك: «أنه كان بعُمان رجل يقال له مسلم بن بشر (ه)، وكان رجلا مستورا جميل الطريقة، وكان ممن يجهز الغواصة في طلب اللؤلؤ ... » (6)، إلى آخر القصة، وكان هذا الرجل -حسب الرواية قوي الإيمان بالله؛ إذ لم يرضَ أن يأخذ لؤلؤة ثمينة استخرجت على اسم إبليس رغم شدة حاجته، ورزقه الله بعد ذلك رزقا كبيرا.
(1) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، ص 113 (2) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، ص 124 (3) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، ص 125
6
(4) عبادة كحيلة، عن العرب والبحر، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط 1، 1410 هـ / 1989 م، ص 45
(5) لم أجد له ترجمة (6) برزك بن شهريار الناخذاه الرامهرمزي عجائب الهند برها وبحرها وجزائرها، تحقيق، عبدالله محمد الحبشي، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 1421 هـ / 2000 م، ص.
2000
130 (1/212)
صفحة 204
213
المطلب الثاني: تفوق العُمانيين وخدمة العالم:
تفوق العُمانيون في علوم البحار علميا وعمليا، تنظيرا وتطبيقا، وسبقوا بذلك الغرب وغيرهم، وخلّد التاريخ أسماء بعضهم، يقول أحد الباحثين: وكان العرب من العُمانيين وغيرهم قد طرقوا آفاقا بعيدة قبل الأوروبيين»)، ويقول: نطالع صفحات التاريخ، فنشاهد العرب من أهل عُمان يستعينون فى البحار الشرقية بسفن مثلثة الأشرعة، بخلاف ما كانت عليه الحال في بحر الروم، حيث كانت السفن مربعة الأشرعة» (2)، وميزة السفن المثلثة الشراع مقارنة بغيرها أنها تكون أقدر على «المناورة في المجاري الضيقة والأنهار، كما أنها أقدر على الاقتراب من الريح» (3)، وهكذا تعلم منهم الآخرون، وكان البحارة اليونانيون قد استفادوا من الملاحين العُمانيين طريقتهم في الإبحار بالقرب من السواحل، مستعينين بالرياح الجنوبية الغربية» (4)، واستفاد كذلك البرتغاليون، «إن ولوج البرتغاليين إلى البحار الشرقية، وما أسفر عنه من كشوف جغرافية، حقيق أن ينسب إلى الغرب وإلى العرب في آن واحد، فلولا العرب والعُمانيون منهم ما تحقق للبرتغاليين أن يتموا هذه الكشوف» (5). يذكر أحد الباحثين
6
(1) عبادة كحيلة عن العرب والبحر، ص 68 (2) عبادة كحيلة عن العرب والبحر، ص 69
(3) عبادة كحيلة عن العرب والبحر، ص 69
(4) عبدالمنعم عامر، عُمان في أمجادها البحرية، ص 63 (5) عبادة كحيلة، عن العرب والبحر، ص 39 (1/213)
صفحة 205
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أن من الأسباب التي جعلت من البحارة والملاحين العُمانيين روادا للبحر والملاحة البحرية، «معرفتهم بطبيعة البحار والمحيطات من مد وجزر ورياح وأعاصير، ومعرفتهم بمواسم السفر البحري ذهابا وإيابا، وحركات الرياح العكسية والتجارية والموسمية، ومعرفتهم بآلات الإبحار من بوصلة وإسطرلاب وغيرها» (1).
أما مؤلفاتهم في علوم البحار، فهي حاضرة بقوة، وانتشرت في العالم بكثرة؛ فاستفاد منها الشرق والغرب، وأشهر مؤلفيهم على الإطلاق أحمد بن ماجد بن محمد السعدي النجدي العُماني (ت 906 هـ/ تقريبا 1500 م)، الذي استفاد ممن سبقوه، وأضاف إضافات كبيرة بناءً على خبرته الشخصية وتجاربه الكثيرة (2)، وطوّر كثيرا من الأدوات البحرية كالبوصلة (3)، و «استطاع أن يجمع بين الخبرات الملاحية العلمية والنظرية، ويصوغها في مؤلفاته العديدة؛ لتكون نبراسا يهتدي به غيره من الملاحين، ممن تنقصهم الخبرة في معرفة الطرق الملاحية» (4). وبالرغم من أن أغلب الباحثين يرون أن الصينيين هم أول من عرف الإبرة المغناطيسية، إلا أن ابن ماجد هو أول من استخدم البوصلة للاهتداء بها في الرحلات البحرية، وله مواقع بحرية ما زالت مسماة باسمه في شواطئ الهند وأفريقيا» (5).
(1) فخري خليل النجار، تاريخ حضارة عُمان، ص 40
(2) انظر الصورة (45) (3) وتسمى أيضا: بيت الإبرة
(4) طارق الحمداني الملاحة العربية في عصور ازدهارها المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2002 م
ص 31
(5) هادي حسن حمودي، علماء عُمانيون عبر التاريخ وزارة الإعلام، مسقط، 1420 هـ/ 2000
م، ص 425
214 (1/214)
صفحة 206
الصورة (45): خريطة بحر الهند والبنادر التي دخلها أحمد بن ماجد، نقلا عن محمد بن قاسم ناصر بو حجام، أسد البحار العُماني أحمد بن ماجد، ج 1، ص 247.
وخَلَّفَ ابن ماجد عملا ضخما، وكنزا عظيما، وفوائد جليلة، أغلبها شعرية، وبعضها نثرية، وتكون أحيانا مع الرسومات التوضيحية، يقول الباحث إبراهيم خوري: كتب أحمد بن ماجد 46 عملا، خمسة أعمال منها نثرية، و 41 عملا منها نظمت شعرا. ووصلنا من أعماله النثرية كتاب (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، وورقتان سُميتا الفصول. أعماله الشعرية 24 قصيدة وأرجوزة في 4603 أبيات» (1)،
ووصلنا من
(1) إبراهيم خوري، أحمد بن ماجد منظّر الملاحة العربية في بحر الهند في ق 9 هـ/ 15 م، ضمن الندوة العلمية لإحياء تراث ابن ماجد اتحاد كتاب وأدباء الإمارات / دار الحوار للنشر
والتوزيع اللاذقية سورية، ط 1، 1991 م ج 1، ص 20
215 (1/215)
صفحة 207
216
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
إلا أن بعض الباحثين من ذهب إلى أكثر من ذلك، حيث أحصى بعض الدارسين مؤلفاته المخطوطة المبثوثة في مكتبات العالم بأكثر من خمسين مخطوطة» (1)، وفي هذه المؤلفات العلم الغزير، والخبرات المتراكمة، بل والأفكار الجديدة النيّرة كما سنرى، ومثال ذلك أن ابن ماجد يتحدث عن الاستدارة حول القارة الأفريقية في معرض حديثه عن الساحل الواقع إلى الجنوب من سفالة» (2).
6
يقول الباحث ناصر بو حجام تلخيصا للفوائد الجليلة التي حصل عليها العالم من أعمال ابن ماجد وإنجازاته العلمية: «وقد ساعدت هذه العلوم على اختصار الطرق الملاحية، وقياساتها ومواعيد السفر منها وإليها وباستخدام هذه المعلومات أبعدت السفن عن المواقع الخطرة؛ مما ساعد على ازدهار التجارة بين البلدان، وسهل حركة التجارة بين القارات، وعمَّق علاقات التواصل بين الشعوب» (3)، وهذا بلا شك جاء نتيجة الجد والاجتهاد، وحب العلم والتجربة، ونشر المعرفة بين الناس. لقد كان ابن ماجد ذا همة عالية وعزيمة متوقدة؛ جعلت منه إنسانا يخلده التاريخ لما قدمه للبشرية من خير عظيم، وعلم نافع، عسى الله أن يكتبه له صدقة جارية إلى يوم القيامة. يذكر بعض المؤرخين أن أحمد بن ماجد ساعد البرتغالي فاسكو دي جاما للوصول إلى الهند عام 1498 م انطلاقا من شرق أفريقيا، إلا
(1) هادي حسن حمودي، علماء عُمانيون عبر التاريخ، ص 425
(2) عبادة كحيلة عن العرب والبحر، ص 68 (3) محمد بن قاسم ناصر بو حجام، أسد البحار العُماني أحمد بن ماجد، هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، سلطنة عُمان، ط 1، 2015 م، ج 1، ص 217 (1/216)
صفحة 208
أن بعض الباحثين ينفون ذلك، كالباحث إبراهيم خوري الذي ألف كتابا بعنوان (أحمد بن ماجد حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي جاما)، وخصص فيه قسما من أقسام كتابه الأربعة لإثبات عدم صحة ما يتداول من مساعدة ابن ماجد للبرتغاليين للوصول إلى الهند، وكذلك الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في كتابه (بيان) للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد)، وجاء في الخلاصة بعد أن أورد أدلته وبذلك يكون مرشد (فاسكو دي جاما) في رحلته من الساحل الأفريقي إلى الهند، مسيحيا كجراتيا» (1)، وليس ابن ماجد.
هناك ملاح آخر معاصر لابن ماجد، هو سليمان بن أحمد المهري، (2) من أهل ساحل بلاد المهرة، وهي المنطقة الممتدة من الشحر إلى مرتفعات ظفار الساحلية في عُمان» (3)، توفي الملاح سليمان المهري بعد ابن ماجد بنحو نصف قرن؛ مما يجعل احتمال لقائهما ممكنا جدا، بل يعتبره البعض تلميذا لابن ماجد، وقد ملأ بعض النقص الوارد في مؤلفات ابن ماجد، يقول الدكتور حمودي: «وكأن سليمان المهري في كتابه (المنهاج الفاخر في علم البحر الزاخر) أراد أن يكمل مسيرة أستاذه وابن منطقته أحمد بن
(1) سلطان بن محمد القاسمي، بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد، سلطان القاسمي، الشارقة، ط 1، 1241 هـ / 0
2000
2 م، ص 2
(2) سليمان بن أحمد بن سليمان المهري (ت 961 هـ / 1554 م)، بحار فلكي، يلقب «معلم البحر»، كان من سكان بلدة سقطرى، له تأليف في علوم البحر وأنوائه وأحوال النجوم والرياح ووصف الطرق البحرية بين بلاد العرب والهند وجاوة والصين، انظر: خير الدين الزركلي،
الأعلام، ج 3، ص 121
(3) عبدالمنعم عامر، عُمان في أمجادها البحرية، ص 81
217 (1/217)
صفحة 209
218
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ماجد» (1). ترك المهري خمسة مؤلفات - سيأتي الحديث عنها باقية حتى اليوم؛ ولذا فقد بقي تراث العرب في الكتابة عن فنون الملاحة متصلا على يد سليمان المهري) (2)، ويوضح لنا الدكتور أنور عبدالعليم العلاقة العلمية بين الرجلين ومؤلفات سليمان المهري في مجموعها تتبع نفس المنهج الذي سار عليه سلفه ابن ماجد، بل هي في كثير من الأحوال شرح لتلك المؤلفات. ويتفق الرجلان على أن علم البحر وفنونه من العلوم
العقلية التجريبية» (3).
(1) هادي حسن حمودي، علماء عُمانيون عبر التاريخ، ص 434 (2) عبدالمنعم عامر، عُمان في أمجادها البحرية، ص 81 (3) أنور عبدالعليم، ابن ماجد الملاح، ضمن سلسلة أعلام العرب)، العدد 63، القاهرة، ص 82 (1/218)
صفحة 210
219
المطلب الثالث: بعض المصنفات البحرية
نذكر هنا بعض مؤلفات البحارة العُمانيين وبعض أفكارهم واختراعاتهم، وقد تنوعت مصنفاتهم كغيرها من العلوم بين الشعر والنثر. ولا ريب أن البداية ستكون مع عمدة الملاحين العُمانيين أحمد بن ماجد بن محمد بن عمرو السعدي، فأبرز وأهم مؤلفاته القيمة كتاب (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد) (4)، يقول في مقدمته ذاكرا فضل هذا العلم: «إن هذا العلم يدل على القبلة؛ فيحتاج إليه أهل الفرائض. وقد قرأ علينا فيه كثير من علمائهم وقضاتهم لمعرفة القبلة واستحسنوه، وعملوا به دون غيره من العلوم التقريبيات» (5)، ويعتبره بعض الباحثين «أهم وثيقة وصلتنا في الجغرافيا الملاحية من العصور الوسطى على الإطلاق»)، ذكر فيه أن البحر الأحمر هو امتداد للبحر الأبيض المتوسط، وأنه أوطأ منه قليلا، وأعمق منه، وأن الفاصل البري بينهما يمكن أن يُفتح ليلتقي البحران؛ تسهيلا للملاحة بدلا من الدوران حول رأس الرجاء الصالح، الذي كانوا يسمونه (جبال القمر)، ولكن هذه الرؤية لم يأخذ بها أحد من الشرقيين، ربما لعدم حاجتهم إليها؛ نظرا لطموحاتهم المحدودة، ولكن الغربيين تلقفوها، فكانت قناة السويس!»). ويُعتبر أحمد بن ماجد هو مخترع آلة الكمال لتحديد القبلة ومواقع النجوم، بعد أن لاحظ بدائية الطريقة السابقة
(4) انظر الصورة (46) (5) أحمد بن ماجد السعدي، الفوائد في أصول علم البحر والقواعد والفصول، تحقيق وتحليل، إبراهيم خوري، مركز الدراسات والوثائق، رأس الخيمة، ط 2، 1422 هـ/ 2001 م، ص 18
(6) رجب محمد عبد الحليم العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، ص 55
(7) هادي حسن حمودي، علماء عُمانيون عبر التاريخ، ص 426 (1/219)
صفحة 211
220
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
(القياس بالأصابع)، فأدخل عليها من التحسينات ما عرف بعد ذلك باسم
(الخشبات والألواح) (1).
ابن اب
وصلى الله على سيد واله وصحبه سود
عن
الصورة (46): غلاف كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد لأحمد بن ماجد السعدي، نقلا نسخة مكتبة الشيخ عبدالله خلف الدحيان بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت.
(1) حمود بن حمد الغيلاني، العلوم البحرية وصناعة السفن في سلطنة عُمان ورقة بحثية مقدمة لندوة «إسهامات العُمانيين في العلوم التطبيقية بجامعة السلطان قابوس، مسقط، الإثنين 7
ديسمبر 2015 م (1/220)
صفحة 212
221
قسم ابن ماجد كتابه هذا إلى اثنتي عشرة فائدة (1): الأولى في تاريخ الملاحة البحرية، وتطور آلاتها.
والثانية فيما يجب معرفته على المعلم الأصيل من الشؤون البحرية. والثالثة في تحديد منازل القمر، وما يطرأ عليها من تغيرات كالرياح والأنواء وتغير طبيعة البحر.
والرابعة في الرياح بأنواعها واتجاهاتها، وأوقات هيجانها وسكونها. والخامسة في تأريخ الجغرافيين القدامى، بمختلف اختصاصاتهم الجغرافية، بما في ذلك علم الفلك.
والسادسة في الطرق البحرية، والموانئ التي ترسو فيها السفن، وطبيعة
سكان كل ميناء، وما يمكن أن يحمل إليه من بضاعة أو يُشترى فيه. والسابعة في الأرصاد الفلكية وكيفية قياسها، اعتمادا على قياس المسافات بين عدد من النجوم.
والثامنة في العلامات التي تُنبئ بالوصول إلى اليابسة، وكيفية توجيه السفينة وقيادتها في كل ميناء من الموانئ التي اختبرها هو بنفسه في رحلاته
العديدة.
والتاسعة في جغرافية شواطئ جميع الموانئ الواقعة في أفريقيا وآسيا، وصولا إلى شواطئ الصين.
والعاشرة في الثروة البحرية واختلاف أنواعها باختلاف البحار،
والفوائد الصحية للأسماك والنباتات، والتي تختلف من مكان لآخر. والحادية عشر في مواسم السفر في البحر، وأفضل الأوقات في كل بحر من البحار أو محيط من المحيطات.
(1) هادي حسن حمودي، علماء عُمانيون عبر التاريخ، ص 427 - 438 (1/221)
صفحة 213
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
والثانية عشر في بحر القلزم (البحر الأحمر)، وامتداده بين اليمن وعُمان، ويصفه بدقة كبيرة عجيبة من شواطئ الجزيرة العربية إلى الشواطئ الأفريقية التي تقابلها، بمعلومات لم تتغير في هذا العصر رغم التطور الكبير في العلوم البحرية. كتاب (الفوائد) من أجل الكتب في العلوم البحرية؛ ففيه العلم الغزير،
والمعرفة الواسعة، والتوضيح الدقيق، وكثرة التجربة والممارسة، وتعدد الجوانب بين التاريخ والجغرافيا والفلك والأرصاد، وعلم التغذية، بالإضافة للمعلومات البحرية الصرفة؛ ولذلك ظل الملاحون في المحيط الهندي يعتمدون على هذا المرجع المهم في رحلاتهم حتى نهاية القرن الثامن عشر (1) (2)؛ ومن ثَمَّ كتب الله لكتاب ابن ماجد القبول؛ فاشتهر وانتشر في أصقاع المعمورة، وقد نال كتاب الفوائد شهرة عالمية واسعة، وصار معتمد البحارة في الإرشاد الملاحي بعد عصر المؤلف. وانتشرت مخطوطاته في عدد من مكتبات العالم، كما طبع عدة مرات بلغته الأصلية، وترجم إلى عدة لغات» (3)، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الفصل بعض الأماكن التي وجدت فيها نُسخ من هذا الكتاب. وأكثر ابن ماجد من النظم، فألف في العلوم البحرية الكثير من الأشعار، ومن ذلك ثلاث أزهار في معرفة البحار، وهو كتاب يتكون من ثلاث: أراجيز الأرجوزة الأولى سماها (السفالية)، تتحدث عن المجاري
(1) الثامن عشر الميلادي، الثاني عشر الهجري
(2) عبدالمنعم عامر، عُمان في أمجادها البحرية، ص 78 (3) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 18
222 (1/222)
صفحة 214
والقياسات والدير وسكان الأرض وملوكها ومواسمها وسفرها (1)، والأرجوزة الثانية اسمها (المعلقية)، يصف فيها المجاري البحرية، وما في طريقها من الجزر، ووصف لتلك البلدان (2)، أما الأرجوزة الثالثة فسماها (التاييه)، ويتحدث فيها عن الطريق من جدة إلى عدن، وما يتصل بها من مجار وقياسات (3). ولابن ماجد مؤلفات أخرى كثيرة، منها:
(النونية الكبرى) أو (قصيدة الخيل، وهي «منظومة شعرية في علم البحار، يصف فيها المؤلف أصول علم البحار والطرق التجريبية، وقياسات بعض النجوم وانتقالها في البروج» (4)، مطلعها:
ابدأ باسم الأول الرحمن حافظ الباقي علي الشاني المرتجى المنجي الذي قال اركبوا فيها باسم الله يا إخواني سبحانه من واهب دياني
سبحانه من خالق لطيف
مطلعها:
(المعربة)، وهي قصيدة تصف الطرق البحرية في خليج عدن،
يا سائلي عن صفة المجاري ثم قياس الأنجم الدراري
وعن صفات البر والديرات
دير المطالق افهم الصفات
(كنز المعالمة)، في قياسات بعض النجوم» (5)، مطلعها:
(1) أحمد بن
ماجد السعدي، ثلاث أزهار في معرفة البحار، تحقيق ونشر، تيودورشوموفسكي،
ترجمة وتعليق، محمد منير مرسي عالم الكتب، القاهرة، 1969 م، ص 17 (2) أحمد بن ماجد السعدي، ثلاث أزهار في معرفة البحار، ص 53 (3) أحمد بن ماجد السعدي، ثلاث أزهار في معرفة البحار، ص 66
(4) وزارة التراث والثقافة، فهرس المخطوطات المجلد الثالث علوم التاريخ والبحار والفلك
والرياضيات، ص 166
(5) أحمد بن ماجد السعدي، النونية الكبرى مع ست قصائد أخرى، شرح و تحقيق، حسن صالح شهاب، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 1، 1413 هـ / 1993 م، ص 5
223 (1/223)
صفحة 215
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
يا أيها الناس ماذا شئتم قولوا الأرض معلومة والبحر مجهول من أجل ذا قالوا إنه خطر وراكب البحر مفقود ومحيول فإن قضى الله يوما بالركوب له لا تهتدوا بسوى الشهب المشاعيل لأن فيها علوم يهتدون بها في البحر والبر ذا زام وذا ميل
* (مخمسة الاستوايات)، في قياس الطالع من النجوم مع الغارب
منها» (1).
الهادية)، قصيدة تصف طرق وقياسات بعض الموانئ على ساحل
الهند الغربي مطلعها:
الحمد لله الحسيب الهادي في بره والبحر للرشادي سبحانه من خالق لطيف جل عن الأوصاف والتكييف علمني باللطف ما لم أعلمه بالنجم في طرق البحار المظلمة (حاوية الاختصار في أصول علم البحار)، قصيدة تتكون من مقدمة وأحد عشر فصلا، تضم 1083 بيتا، وهي في الفلك البحري، ووصف
(2)
البلدان والجزر والبحار، وفي الطرق والمسافات البحرية (2)، مطلعها:
الحمد للخالق ذي الجلال
أحمده حمدا كما هداني
القاهر الفرد بلا مثال
إلى الصلاة على النبي العدناني
يظهر جلياً من قصائد وأراجيز أسد البحار إيمانه العميق بالله، وتعلقه الشديد بقوته وشكره الدائم لمولاه، فهو مع ما عنده من علم وتجربة طويلة، لا ينفك عن ذكر الله وتسبيحه والتوكل عليه، ونسبة العلم إلى الله اللطيف الخبير. ومن باب حمد الله وشكره على ما تفضّل به عليه من النعم
(1) أحمد بن ماجد السعدي، النونية الكبرى مع ست قصائد أخرى، ص 5
(2) أنور عبدالعليم، ابن ماجد الملاح، ص 90
224 (1/224)
صفحة 216
225
العظيمة؛ فإنه يسعى لتعليم غيره ما بان له من الصواب من خلال ما كتبه من نثر ونظم، ومشجعا لطلاب العلم على تعلم مختلف الفنون، فيقول في حاوية الاختصار
يا أيها الطالب علم اليم إليك نظما يا له من نظم في العلم والهيئة والحساب وما هو استنبط للصواب
كما يتبين من قصائده أهمية التجربة والمران، ولا شك في ذلك؛ فإن علم الملاحة البحرية واحد من العلوم التجريبية القائمة على الممارسة والتطبيق؛ فمهما تعلم الإنسان النظريات وقرأ الكتب، فإن ذلك لا يغنيه عن التجربة، ولا يسعفه ليكون ملاحا ماهرا، يقول ابن ماجد في الحاوية:
وكل ما جربت يا ربانا
ثم صفات البر والجبال
اعمل به في كل ما تعتانا
افعل بتجريبك لا تبال
لا تعتبر إلا بما جربته أو قول الواصف قد حققته أما سليمان بن أحمد المهري (ت 962 هـ)، فاعتمد على النثر، لا على الشعر؛ فمن مؤلفاته: (العمدة) المهرية في ضبط العلوم البحرية)، ذكر فيه البث في أصول الفلك البحري، والتعريف بالاصطلاحات البحرية، والنجوم وعلاقتها بالملاحة، ووصف الطرق البحرية والقياسات والرياح الموسمية السائدة في المحيط الهندي، ووصف البحر الأحمر وكيفية اجتياز المخاطر التي تتعرض لها السفن الشراعية» (1)، وله أيضا (تحفة الفحول في تمهيد الأصول)، وهو كتاب يتكون من عدة أبواب، «الباب الأول منه في صفة الأفلاك والنجوم، وفي المغناطيس وبيت الإبرة،
(1) خالد سالم محمد ربابنة الخليج العربي ومصنفاتهم الملاحية، الكويت، ط 1، 1402 هـ / 1982 م، ص 116 (1/225)
صفحة 217
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
والثاني في تقسيم الدائرة إلى اثنتين وثلاثين خناً، والثالث في الأزوام)، والرابع في الطرق الملاحية الساحلية، والتي في عرض البحر، والخامس في تحديد ارتفاع النجوم، والسادس في المسافات بين الموانئ، والسابع في الأرياح والعواصف» (2). ومن مصنفات المهري: (المنهاج الفاخر في علم البخر الزاخر)، يتكون من عدة أبواب، وفيه ذكر للجزر المعمورة والمسافات بين بلاد العرب وساحل الهند، وموانئ خليج البنغال وساحل أفريقيا الشرقي، وموانئ سومطرة وجاوة (3) وبالي، وفيه ذكر للرياح والعواصف، والمخاطر التي تتعرض لها السفن، والعلامات التي تشير إلى اقتراب الأرض على ساحل الهند وجزيرة العرب وسواحل أفريقيا الشرقية» (4). وللمهري أيضا: رسالة قلادة الشموس)، و (شرح تحفة الفحول) (5).
ويظهر من مصنفات المهري التنوع بين الفلك، والجغرافيا، والإبحار وأدواته وآلاته وطرقه ومخاطره، وكلها علوم يحتاجها ربابنة البحر، فالفلك كما ذكرنا سابقا - مرتبط ارتباطا وثيقا بالبحر؛ للحاجة الضرورية إليه لمن يعبر البحار والمحيطات، كتحديد موقع السفينة وفق خطوط
(1) الزام: أداة تستعمل في عُمان لقياس المسافة والزام يساوي ثمن يوم بحري، أي: ما يعادل ثلاث ساعات تقريبا انظر: معجم مصطلحات الإباضية لمجموعة من الباحثين، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط، ط 2، 1433 هـ / 2012 م، ج 1، ص 421، مادة «زمم» (2) أنور عبدالعليم، ابن ماجد الملاح، ص 82
(3) أندونيسيا
(4) خالد سالم محمد، ربابنة الخليج العربي ومصنفاتهم الملاحية، ص 119 (5) حسن صالح شهاب أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي، مركز الدراسات والوثائق في الديوان الأميري برأس الخيمة، الإمارات، ص 8
226 (1/226)
صفحة 218
227
الطول ودوائر العرض، والمسافة المتبقية للوصول، ومواعيد الرياح التي يعتمدون عليها في التنقل، وأوقات الأعاصير والأنواء المناخية. أما علم الجغرافيا، فهو لمعرفة المسافات بين البلدان والسواحل، ووصف الجزر، وتضاريس البلدان.
ومن كتب العُمانيين المعاصرة: (معدن الأسرار في علم البحار) (1) لناصر بن علي بن ناصر الخضوري (3)، يتضمن عدة أجزاء: جزء في جداول الميل الأعظم (3)، وثان في جداول المساج (4) (المشاة)، وثالث في جداول الطول والعرض للموانئ والمعالم البحرية (المناتخ)، والجزء الرابع في وصف الطرق البحرية (المجاري)، والخامس في وصف آلة الكمال (5) (السدس)، وطريقة استخراج عرض المركب، والسادس في وصف دائرة بيت الإبرة (الديرة أو البوصلة وفي قواعد الحساب البحري. كما يتضمن الكتاب جداول فلكية في معرفة الشروق، وأخرى في معرفة بر العرب، وزنجبار كما يتحدث عن انتقال القبلة من مكان لآخر،
(1) انظر الصور (47 - 53)
(2) نوخذة من ولاية صور، ت 1388 هـ / 1968 م (3) الميل الأعظم، ميل الشمس أي بعدها عن خط الاستواء أثناء سير رها في فلك البروج، انظر: ناصر الخضوري معدن الأسرار في علم البحار، ص 5 (4) المساج: مشي السفينة طولا وعرضا، ويقاس بأداة تعرف عند البحارة المتأخرين بـ (الباطلي)، انظر: ناصر الخضوري معدن الأسرار في علم البحار، ص 28 (5) الكمال: آلة تستعمل لتحديد موقع المركب عرضا (شمالا) أو (جنوبا) بقياس بعد الشمس عن المركب، انظر: حمود بن حمد الغيلاني التاريخ الملاحي وصناعة السفن في مدينة صور العُمانية، وزارة التراث، مسقط، 2006 م ص 65، و ناصر الخضوري، معدن الأسرار في علم
البحار، ص 6
(6) وزارة التراث والثقافة، فهرس المخطوطات المجلد الثالث علوم التاريخ والبحار والفلك والرياضيات، ص 163 - 165 (1/227)
صفحة 219
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ويحتوي رسوما لموضع المركب في عرض البحر بالنسبة لموقع الشمس وخط الاستواء (1). وللخضوري کتاب آخر عنوانه (تنبيه الغافل في معرفة علم البحر وقواعده) (2).
الصورة (47): ميل الشمس في البروج العربية، من كتاب «معدن الأسرار في علم البحار» لناصر بن علي الخضوري، ص 99.
(1) ناصر بن علي بن ناصر الخضوري، معدن الأسرار في علم البحار، ص 58
(2) حمود بن حمد الغيلاني، رسالة إليكترونية ردا على سؤال وجهته إليه بتاريخ 12/ 2015/9 م
228 (1/228)
صفحة 220
الصورة (48): المساج ونسبة الطول والعرض فيه من كتاب «معدن الأسرار في علم البحار» لناصر بن
علي الخضوري (ت 1388 هـ)، ص 116.
229 (1/229)
صفحة 221
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة (49): رسم للديرة (البوصلة)، من كتاب معدن الأسرار في علم البحار» لناصر بن علي الخضوري (ت 1388 هـ)، نقلا عن. سلطان: بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني.
230 (1/230)
صفحة 222
الصورة (50): قياسات البر الشرقي من كتاب معدن الأسرار في علم البحار» لناصر بن علي
الخضوري (ت 1388 هـ)، ص 162.
231 (1/231)
صفحة 223
232
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة (51): قياسات البر الغربي، من كتاب «معدن الأسرار في علم البحار» لناصر بن علي
الخضوري (ت 1388 هـ)، ص 174. (1/232)
صفحة 224
الصورة (52) موقع الشمس من المركب من كتاب معدن الأسرار في علم البحار» لناصر بن علي
الخضوري، ص 225.
233 (1/233)
صفحة 225
234
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الصورة (53): من مخطوطة معدن الأسرار في علم البحار لناصر الخضوري (نقلا عن حمود بن حمد الغيلاني، التاريخ الملاحي وصناعة السفن في مدينة صور العُمانية، ص 488). (1/234)
صفحة 226
كما توجد كتب أخرى لمؤلفين عُمانيين، مثل (علم البحار)، تأليف:
علي بن محمد بن خميس الغيلاني (ت 1381 هـ)، يتضمن عملية السفر بحرا والأبراج المستخدمة في تحديد المسافات وأماكن البلدان، كما يتضمن جداول الميل الأعظم، والمساج وجداول الطول والعرض للمواناء والبنادر (1) (2) و (لوامع الدراري في علم المجاري)، وهو «مخطوط في علم الملاحة البحرية، تأليف: محمد بن علي بن محمد المنذري (3) (4)، والكتاب يضبط المجاري أو الطرق البحرية، ويصف خط سيرها ومواسمها الزمنية» (5).
وقد كانت هذه الكتب والرحمانيات البحرية والمرشدات الفلكية، مما يعين على الإبحار لمن يعبر البحر بواسطة الرياح الموسمية، وكان هذا في عُمان إلى وقت قريب قبل وصول الآلات، وكان الربان
هو الحال
(1) البنادر: المراسي (2) وزارة التراث بسلطنة عُمان فهرس المخطوطات، المجلد الثالث (علوم التاريخ والبحار والفلك والرياضيات)، ص 67)
(3) محمد بن علي بن محمد بن علي المنذري، قاض فقيه، وناظم للشعر، عاش في زنجبار، وكان أكبر القضاة في عهد السيد سعيد بن سلطان من آثاره: جواب السائل الحيران في مسألة رؤية الرحمن والخلاصة الدامغة، توفي سنة 1286 هـ، انظر: فهد بن علي السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج 3/ 143 - 145، وهو من ذكرنا عنه في مبحث «العُمانيون والطب» أن لديه شيء من العلم بالتشريح، وهو أبو الشيخ علي بن محمد المنذري صاحب شرح لامية ابن هاشم في الطب
(4) سلطان بن مبارك الشيباني، مفتاح الباحث، ص 56 (5) سلطان بن مبارك الشيباني، الإنتاج العلمي العُماني، ص 8)
235 (1/235)
صفحة 227
236
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أو النوخذة يجمع هذه الإرشادات من الرحمانيات المستعملة في عصره في دفتر خاص، ثم يضيف إليها ما حققه وجرب صحته من المعلومات الملاحية» (1)؛ ولذلك رأينا هذا التراكم من العلوم البحرية عند العُمانيين عبر قرون من الزمان، والتي تميزت بالمعرفة الدقيقة، والمران والتجربة، وبعدها التصنيف والتدوين؛ ولذلك أفادوا العالم بعلومهم الغزيرة، وتجاربهم الطويلة.
(1) ناصر بن علي بن ناصر الخضوري معدن الأسرار في علم البحار، ص 6 (1/236)
صفحة 228
237
الخاتمة
العلم مبدأ من المبادئ الأساسية في دين الله، ويحث الإسلام على تعلم كل ما هو نافع للبشرية، ومنها العلوم التجريبية حتى اعتبرت من الفروض الكفائية التي لا بد للأمة عموما من القيام بها؛ ومن ثم انطلق المسلمون بتشجيع من دينهم وبسعة أفقهم ينهلون من مختلف العلوم؛ فأخذوا من الحضارات الأخرى كالفارسية واليونانية والهندية؛ فصححوا ما رأوه خطأً، وطوروا ما وجدوه ناقصاً؛ فابتكروا واخترعوا، وتفننوا وأبدعوا؛ فبرز الأطباء البارعون والمهندسون المبدعون والفلكيون المتبحرون، والبحارة المتفوقون، والكثير من العلماء في شتى مجالات العلم؛ فأفادوا العالم شرقا وغربا بمؤلفاتهم وتجاربهم وأفكارهم، وانتقلت حضارتهم للغرب خاصة؛ فواصلوا المسير؛ حتى وصلوا إلى ما هم عليه الآن من الحضارة والعلم.
منهم
ولم يكن العُمانيون في منأى عن ذلك؛ فهم وإن كان اهتمامهم بعلوم العقيدة والفقه واللغة أكثر بكثير من العلوم التجريبية، إلا أنه كانت لهم أيضا مساهمات فعالة في ركب الحضارة الإنسانية؛ فألفوا المصنفات العظيمة الفائدة، الغزيرة العلم، المدعومة بالتجربة ككتاب (الماء) لابن الذهبي الصحارى، وكتاب ((الفوائد لأحمد بن ماجد، ومنظومة زاد الفقير وجبر الكسير وشرحها لراشد بن خلف. ولكون هذه العلوم تجريبية تطبيقية أكثر منها نظرية بحتة؛ فقد كانت الممارسة فيها منتشرة عند العُمانيين أكثر من التأليف والتدوين. (1/237)
صفحة 229
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
مجال الهندسة تكاد تنعدم المصنفات؛ إلا أن
دور
ففي العُمانيين الحضاري فيه بارز جدا من الناحية العملية والتطبيقية، خاصة في الأفلاج والقلاع والحصون، وأعمالهم في هذا المجال باقية إلى الآن صامدة بالرغم من مرور مئات السنين عليها وكذا الحال في علم الفلك، فإن المصنفات موجودة رغم قلتها لكن التطبيق عام شامل لجميع فئات المجتمع؛ فالبحارة يعتمدون عليه في تحديد أوقات السفر المناسبة، وفي معرفة موقعهم في عرض البحر والمسافة المتبقية للوصول إلى غايتهم، وفي تجنُّب الأعاصير والأنواء المناخية. وأهل البر يستخدمونه في تحديد المواسم المناسبة للزراعة والحصاد واعتمدوا عليه كليا في تقسيم مياه الأفلاج بين أصحاب المزارع واستخدم الفلك أيضا في تسهيل أداء الشعائر والعبادات، كتحديد اتجاه القبلة، ووضع تقويم لمعرفة أوقات
الصلوات.
أما العلوم البحرية، فقد اشتهر العُمانيون بها شهرة واسعة، ويكاد لا يُذكرون خارج عُمان في مجال العلوم التجريبية إلا عند الحديث عن البحر وربابنته، فكانت لهم صولات وجولات، وكانت لهم أشهر المؤلفات، خاصة ما دونه ابن ماجد من مصنفات بحرية فلكية استفاد منها العالم في سفره وتجارته واكتشافاته. ومارس العُمانيون الطب، وبرعوا فيه، واشتهر عندهم تجبير الكسور إلى الآن، وتركوا المصنفات الطبية الثرية، كالطبيب
راشد بن عميرة الهاشمي، الذي أكثَرَ من التأليف والممارسة والتجربة. وقد تميزت العلوم التجريبية عند العُمانيين باستخدام واسع للأدب؛ فألفوا القصائد والأراجيز في الطب والفلك وعلوم البحار، حتى إن ما
238 (1/238)
صفحة 230
239
كتبه الملاح أحمد بن ماجد شعرا يتجاوز عدد ما ألفه نثرا بأضعاف كثيرة. ولم يكن العُمانيون منعزلين ولا منغلقين، بل يتضح لنا أنهم كانوا واسعي الأفق، منفتحين على الآخرين؛ فأخذوا من غيرهم العلوم والتجارب، ولم يمنعهم في ذلك اختلاف الدين والقومية؛ فاستفادوا من العرب والعجم، بل حتى من غير المسلمين. وكذلك علومهم، لم تقتصر عليهم؛ بل انتشرت في أصقاع المعمورة، واستفاد منها الآخرون، خاصة في مجالي الطب وعلوم البحار. وقد كان علماء الشرع حاضرين أيضا في مجال العلوم التجريبية، ولم يمنعهم اشتغالهم بالعلوم الشرعية النقلية من الاهتمام بالعلوم الكونية العقلية كالطب والفلك والكيمياء والرياضيات. كما شاركت المرأة الرجل، وساهمت مساهمة بسيطة في هذه المجالات. أما ما يخص الدراسة النظامية، فقد كانت المدارس شحيحة للغاية، واقتصرت غالبا على مبادئ العلوم. لقد اهتم العمانيون بالطب والهندسة والفلك وعلوم البحار أكثر من اهتمامهم بالعلوم الأخرى، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء؛ وذلك لكون أكثر من
هذه العلوم التي اهتموا بها تلامس، واقعهم، وتؤثر في حياتهم العلوم الأخرى؛ فالطب لا غنى لكل أحد عنه؛ للحاجة الشديدة إليه في قوام الأبدان، والهندسة خَدَمَتهم في معيشتهم؛ فجلبوا من خلالها الماء والسكن والحماية، وارتبطوا بالفلك ارتباطا وثيقا للخدمات الجليلة التي
يقدمها لهم، وعاشوا في البحر؛ لأنه حقق لهم هدف الانتقال والتجارة. ولاحظت أن أغلب المصنفات المعروفة في مجال العلوم التجريبية ترجع للفترة الزمنية الواقعة بين القرنين التاسع والرابع عشر للهجرة؛ ولعل (1/239)
صفحة 231
240
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ذلك عائد إلى كون هذه الفترة قريبة نوعا ما من زماننا، ولم تصبها الحرائق والجوائح؛ فبقيت حتى وصلت لعهد التصوير الضوئي والحفاظ على المخطوطات، ولعل من أسباب ذلك أيضا اهتمام الدولة اليعربية بالعلم باختلاف مجالاته.
وفي الختام أدعو الباحثين إلى تعميق البحث في هذا الجانب؛ فالطريق ما زال في بدايته، وكل علم من العلوم التجريبية يحتاج لبحث مستقل، وينبغي كذلك تقسيم الفترات الزمنية والعصور المختلفة، ودراستها في بحوث منفصلة، وعسى أن أكون قد ساهمت بوضع لبنة في هذا المجال. ونسأل الله التوفيق والإخلاص.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1/240)
صفحة 232
241
التوصيات
بعد هذا التجوال في مجال العلوم التجريبية، أوصي بما يلي: 1 ـ الاهتمام بتدريس العلوم التجريبية على أعلى مستوى في التعليم والجامعي على حد سواء، وإعداد الكفاءات فيها بدلا من
المدرسي الاعتماد على الغرب
2 - ربط العلوم التجريبية بعلم الشرع، وجعلها أحد فروعه؛ حتى لا
يشعر المسلم بانفصال بين الدين والدنيا، وبين العلم والشرع. 3 - إبراز الدور الذي قام به المسلمون - والعُمانيون خاصة عند
تدريس هذه العلوم في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات. 4 ـ إنشاء معجم خاص للتعريف بالشخصيات العُمانية العاملة في مجال العلوم التجريبية.
ه ـ التنقيب عن هذه العلوم في الكتب الفقهية، والكشف عن العلاقة بين الفقه والعلوم التجريبية.
6 - مقارنة وضع هذه العلوم في عُمان بغيرها من الأقطار الإسلامية. ـ الكشف عن مدى التواصل الحضاري بين عُمان وغيرها من خلال
هذه العلوم. 8 - إقامة الندوات والمحاضرات والمؤتمرات؛ لإبراز هذا الجانب
المشرق من الحضارة الإسلامية. (1/241)
صفحة 233
العمانيون والعلوم التجريبية
—
9
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
تحقيق المخطوطات العلمية وإخراجها ونشرها من قبل
المتخصصين.
10 - إبراز ما حققه العُمانيون في مجال العلوم التجريبية في المناسبات والفعاليات والمعارض المحلية والعالمية؛ باعتبارها التراث الحقيقي الذي
يفخر به. 11 ـ تسمية المؤسسات كالجامعات والكليات والمستشفيات بأسماء
شخصيات كان لها دور بارز في مجال العلوم التجريبية.
12 - تدريس العلوم التجريبية باللغة العربية، وهو من أسباب التمكن
والتفوق بإذن الله.
242 (1/242)
صفحة 234
الملحق
شخصيات عُمانية أخرى ساهمت في العلوم التجريبية
اسم الشخصية
الفترة الزمنية
التصنيفات
مفرج بن أحمد بن أبي النضر ق 9 هـ الفلك
محمد بن علي بن عبدالباقي النزوي ق 10 هـ الفلك
عبدالله بن مبارك الربخي ق 11 هـ الفلك قصائد في علم الفلك
عبدالله بن خنبش النزوي ق 11 هـ الفلك قصائد في علم الفلك
محمد بن عبدالله بن سالم المعولي المنحي ق 11 هـ الفلك قصائد في علم الفلك
خميس بن راشد البوشري ق 11 هـ الفلك
عبدالله بن سيّار النزوي ق 11 هـ الفلك
عبدالله بن مبارك بن عمر الربخي ق 11 هـ الفلك
محمد بن عبدالله بن مبارك المسروري الريامي ق 11 هـ الفلك
عبد الله بن محمد بن غسان النزوي ق 11 هـ الفلك (1/243)
صفحة 235
محمد بن راشد بن سالم ق 12 هـ الريامي الإزكوي
19
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
الفلك
قصائد في علم
جاعد بن خميس الخروصي | ت 1237 هـ
الفلك الكيمياء الطب
الفلك، وكتاب صناعة
الكيمياء، وكتاب الطب
علي بن ناصر بن محمد
قصائد في علم الفلك
ت 1264 هـ
الفلك
الريامي النبهاني
سعيد بن خلفان
أحمد
بن
ت 1287 هـ
الفلك
قصائد في علم الفلك
الخليلي
حسن بن درويش الخروصي ق 13 هـ
الفلك
السوني
?
محمد بن زهران بن محمد ق 13 هـ
الفلك
العبري
محمد بن عبدالله
بن
ق 13 هـ
الفلك
سليمان الحارثي
أحمد
بن مسعود بن عبدالله
الفلك
منظومة في الكواكب
النزوي
الزهر الربيعي
صالح بن محمد المنتفقي
ق 12 هـ
الصيري
الأحياء
في بيان العمر الطبيعي
الأح
سالم بن حمود السيابي ت 1414 هـ
الطب
المنظمة في
الخيل المسومة رسالة في الطب والأدوية وأطباء عُمان (مفقود) (1/244)
صفحة 236
السر العلي في خواص النبات السواحلي
روضة العلوم
في علم الحرف والنجوم
الأسرار في فوائد
عروق الأشجار
21
ناصر بن جاعد بن خميس
النبات
ت 1262 هـ
الخروصي
الفلك
ناصر بن علي بن مطر
الهنائي
النبات
حميد بن سيف بن عدي
النبات
اليعربي
عامر بن عبد الله الحارثي
بن نادي
النبات
أحمد بن مرشد الخروصي
أحمد
خلف
بن بن مسلم
البوسعيدي
راشد بن سالم المعمري
النبات
سليمان بن أحمد
البوسعيدي
محمد بن جمعة بن سعيد بن عيسي المغيري
النبات
كنوز الأسرار في
ق 13 هـ النبات والأحجار بلغة
عبدالله بن حمود بن حامد ق 514 العذالي
13
علم الأشجار
والطب
أهل السواحل وعُمان
هداية الأخيار
النبات
إلى مناهج الأسرار
خميس بن ماطر وسعيد بن
مرشد ملاحي
البحار
خميس
245
26
27
28
29 (1/245)
صفحة 237
أحمد
بن
سعيد بن ماطر
ــلوه
مؤلف ملاحي
البحار
التمامي
الجوهر اللطيف
سعيد بن محمد ود عبود
علوم البحار
الغيلاني الصوري
في علم البحر المنيف
علي بن محمد بن خميس
علوم البحار
مؤلف ملاحي
الغيلاني
الميل البحري علوم
لكل ربان بحري
جمعة بن مسلم بن جمعة
القعدوي
البحار
خميس بن محمد بن مسلم
البحار
علوم جداول في علم البحار
أرجوزة خاصة
علوم البحار
ق 13 هـ راشد بن مسلم الصوري
بالملاحة
البحرية
سعيد بن سالم بن سعيد الجامعي
علوم البحار
نبهت الغافل
محمد بن ماجد الظاهري
البحار
علوم دلائل المبحرات
والمبحرين
رسم.
عددا من
الخرائط البحرية
سعيد بن عمر
المرزوقي ق 10 هـ
لموانئ بحر
العرب
علوم نبهت الغافل في
حسبت المنازل
سعيد بن عمران بن إبراهيم ق 13 هـ
المرزوقي
البحار (1/246)
صفحة 238
علوم الجامع اللطيف في علم البحر
محمد بن ماجد بن سالم المرزوقي
البحار
سعيد بن محمد بن راشد آل
فنه العريمي
رزنامة الملاح
سعيد بن محمد
البحار
آل فنه العريمي
علي بن مسلم القعدوي
البحار
العلوي
رزنامة الملاح علي بن مسلم القعدوي العلوي
رحمانية نفحة
لوم الأزهار في علوم
محمد بن ناصر
البحار
البحار
247 (1/247)
صفحة 239
249
مآثر خالدة
د. محمد بن سالم بن عبدالله الحارثي
مدير تحرير المجلة الثقافية / مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم
بمَن قسم المنائح جل قدرا حلفت موفيًا قسما أبرًا لقد أفنى العُمانيون عُمرا لرفعة دينهم ثغرا فثغرا وما تركوا حمى إلا عليه أشاوس منهم بطنا وظهرا ولولا سطوة الأزد الأوالي وشدة بأسهم ما دك كسرى ولا ارتاع الأحابيش اهتياجا وشتت جمعهم برا وبحرا لك الله ابن مالك كم أيادي غرست وكم نصرت الدين نصرا وكم من قطعة في اللج ترمي ببطشك ساءلوا عنها سقطرى؟! وتلك الهند بعدك كم إليها جحافل قادها سلطان زجرا كان محيطها والجيش موج تلاطم ثائرا كرا وفرا كأن النقع سحب والمواضي بروق والسيوف الزرق حمرا كأن بيارق الإسلام طير حلق في سماء النصر نشرا وكم بالساحل الشرقي رسل تحبر في الجهاد الحق سفرا؟! وكم بجبال تركستان فحل تدلع في البطولة ليس يُدرى! سلالة شامخ الأصلاب يُنمي إلى الأسد المهلب نافَ ذكرا ومالك قبله وفم المعالي يردّد فعله دهرا فدهرا ومازن بعده أودى شهيدا ذري بيجان تعرفهُ مُكرًا وهل كسليمة في البأس أردى عتاول فارس سرا وجهرا؟ (1/249)
صفحة 240
العمانيون والعلوم التجريبية
وكم بسط التنوخيون منهم
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
يدا بيد العراق تشد أخرى رقاش ولدتهم للملك فخرا فنالوا من تراث أبيك فخرا وكم قد خلَّد التاريخ مجدا عُمانيًا مضى ينداحُ فجرا! وأهل عُمان معروفون طُرًا تسح هباتهم في الأرض قطرا خلائق تفضح السحب الغوادي وجاش طامن يُسرا وعشرا وأحساب وأنساب نوامي وأفعال هوامي طبن ذخرا عوائد من أب بر وجد كريم كان للعلياء صدرا وأعراق زكت فخرا ونجرا
مآثر تجعل المعروف تجرا
من الصيد الغطارفة اليماني
ومن عدنان حيث المجد قرا لَكُمْ عمروا البلاد وكم بنوها بصادق نصحهم شبرا فشبرا وكم رفعوا عمود الدين نصرا فطاب ثناؤهم في الخلق نشرا عُمان وفيك للجُلَى عُزُوم تخد مغاورا وتقد صخرا إذا رام السفيه هجاك ردّت عليه رؤى النبي فباءَ خُسْرا وما بالجبن يعرفنا ولكن بأخلاق السماحة ليس تُفْرَى ألم يكُ عمرو يدعونا وكنا نجيب دعاءه حبا وبشرا؟! بلا حرب ولا وطأت بخُفٌ ولكن بالذي قد كان أخرى لعمرك فطرة بالحمد صيغت فصُبَّتْ قالبا ينفض عطرا يضم بشاشة وندى وطهرا
فصاحة منطق وجلال قدر وسمت في المجالس قل ملوك إذا فاخرت في القامات أخرى وإِمَّا رَمْتَ دركَ المجد قلب مآثرنا تجد صدقا وبرا حديث الصين في سندي صحيح ولوضعفته متنا ومجرى لناعزّ لقد بلغ المعالي وذكر خالد دنيا وأخرى وفي الهيجا لنا أسد كماةٌ
عباهل تدخل الباغين قبرا
250 (1/250)
صفحة 241
لَكُم قطع الحديد بنو أبينا بشط البصرة المقطوع غدرا
وكنا في الطليعة كم فتحنا بسيف أخ المضا مصرا فمصرا؟! وأسلاب الملوك تساق سوقا إلينا والعتاة تجرُّجرًا أما ذيقوا نكال البطش سيفا يفلق هامة الطغيان قسرا وفينا للقاء رجوم نار تطاير هولها حرقا وبترا
ولسنا في الحجاج بذي مخازي إذا ردّت عجوز القوم عذرا
بلاغة آل صوحان قديما
وشعر تليد المشبوب فكرا
ومن علمائنا عدد فهذا
الخليل وذا المبرد صاغ تبرا
وذلك كعب القاضي اب
ابن سور
وجابر بن زيد من إليه
إذا ما كنت في التاريخ تقرا؟!
الركائب تضرب البيداء نحرا مسمع الآداب درا
ويا بن دريد بُح بالشعر حتى تقرط
ومنا آل محبوب ومنا بيوت مفرّج ضيقا وعسرا
ومنا آل هاشم كم أشادوا لنا في الطب والآلات فخرا
ومنا الأكرمون بنو خروص
ومنا كندة وبنو معاً
نجوم في سماء الدين زهرا
وآل زياد السامون قدرا لنا في الفقه أعمدة وإنا لنحن الناشرون سناه فجرا وكم في النحو والتصريف أملى بها علماؤنا نثرا وشعرا ألم يكن الربيع فتى حبيب عُمانيا روى سيننا فأثرى وهل يحكي كراع النمل فحل تبقر في العلوم فكان بحرا فدى لك يا ابن ماجد من حصيف طرق البحر والأفلاك أدرى وتحفته بها تُحَفُ وأما قصائده حوت حليا ودرا ومن أقباسه المهري وافى معارفه فحقق ما استقرًا بحنكة فكره طلعت شموس الأسوس هدى يبدد ما اكفهرًا
251 (1/251)
صفحة 242
252
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
ولم يكُ جاعد ابن خميس إلا شهابا ثاقبا بالأفق مرا
وناصر ابن جاعد مَنْ إليه
تناهى المجد مجدا مشمخرا
وإن نطقت علوم عمان قالت لكندة نستمي سرا وجهرا وأرباب الصنائع كم أعادوا بها من فنّهم والنقش قصرا
ترى المعمار أشكالا تماهى
وفي قمم الجبال قلاع تزهو
تضم بدائعا وتضم سحرا تطاول تردع العدوان قهرا
وكم ببطونها شيدت مباني
وأسوار وأحواضى ومجرى
أرى الأفلاج تعزف لحن عشق كأن هواه للعشاق مسرى تفيض حياتها ملء السواقي فتسقي من صميم البذل قفرا حكايا خلدت زيدا وعمرا
عُمان وكل شبر فيك يحكي ففي عبري وفي نزوى وصور وفي الرستاق أعلام وذكرى وفي الجبل الكبير وما حواه وفي الفيحاء ما القمرين أزرى وتلك صحار أمجاد وهذي نجود الشرق جعلان وإبرا وتلك القابل الراسي قديما بها شأن تعاظم صاح قدرا ومن بيضا مسندم في علاها لأرض صلالة والشوح خضرا أقلب في المدى طرفي فألفي شواخص تقطع الأبصار حسرى أسائلها وعقلي في جواها تنقل أي سر فيك أغرى؟!
وأية سيرة للفخر تحكي
هنا قالت تراثك غير شك
بطولة قومنا بدوا وحضرا؟!
وماضيك التليد وما استقرا
هنا شمم الجزيرة والمعالي أجل وهنا الحضارة سَلْ مُقرًا هنا الأسماء والأنباء تروى هنا التاريخ والأمجاد تُقرا قوائم هذه الأسماء تربو تسطر ذكرنا سطرا فسطرا على العهد الذي ساروا عليه نسيرُ مُؤيدين نوم نصرا (1/252)
صفحة 243
253 (1/253)
صفحة 244
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
254 (1/254)
صفحة 245
255
المراجع:
1. القرآن الكريم 2. إبراهيم أطفيش (أبو إسحاق)، الدعاية إلى سبيل المؤمنين، مكتبة
الضامري للنشر والتوزيع، مسقط، ط 3، 1436 هـ / 2015 م إبراهيم خوري: أحمد بن ماجد حياته مؤلفاته استحالة لقائه بفاسكو
داغاما، مركز الدراسات والوثائق، رأس الخيمة، ط 3، 2010 م إبراهيم خوري: أحمد بن ماجد منظّر الملاحة العربية في بحر الهند في ق 9 هـ / 15 م، ضمن الندوة العلمية لإحياء تراث ابن ماجد)، ج 1، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات دار الحوار للنشر والتوزيع اللاذقية سورية، ط 1، 1991 م ه. أحمد بن حمد الخليلي: جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل، ج 3،
مكتبة الاستقامة، مسقط
6. أحمد بن حمد الخليلي: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (محاضرة
مقدمة في جامعة السلطان قابوس، مسقط، مادة سمعية)
أحمد بن حمد الخليلي الطبيب المسلم والتحديات المعاصرة، محاضرة ألقاها في جامعة السلطان قابوس، مادة مكتوبة على المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الخامس
أحمد بن حمد الخليلي العُمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، مادة أصلها (محاضرة) مكتوبة على المكتبة (1/255)
صفحة 246
العُمانيون والعلوم التجريبية
الشاملة الإباضية، الإصدار الخامس
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
أحمد بن حمد الخليلي، معالم الجيل الواعد، محاضرة مفرغة، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، 2001 م
10
10 أحمد بن القاسم بن خليفة السعدي (ابن أبي أصيبعة) (ت 646 هـ): عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح و تحقيق نزار رضا دار
11
مكتبة الحياة (د. ت)، بيروت
أحمد بن ماجد السعدي (ت 906 هـ تقريبا 1500 م): الفوائد / في أصول علم البحر والقواعد والفصول، تحقيق وتحليل: إبراهيم خوري، مركز الدراسات والوثائق رأس الخيمة، ط 2، 1422
هـ / 2001 م 12. أحمد بن ماجد السعدي: النونية الكبرى مع ست قصائد أخرى، شرح وتحقيق حسن صالح شهاب وزارة التراث والثقافة، مسقط،
13
14
م،
ط 1، 1413 هـ / 1993 م، و ط 2، 1437 هـ / 2016 م أحمد بن ماجد السعدي: ثلاث أزهار في معرفة البحار، تحقيق
ونشر تيودورشو موفسكي ترجمة وتعليق محمد منير مرسي، عالم
الكتب، القاهرة، 1969
م
أحمد مدحت إسلام علماء العرب والمسلمين وإنجازاتهم
العلمية فى بناء الحضارة الإنسانية دار الفكر العربي، 1420
هـ / 1999 م
15 إسماعيل الأمين العُمانيون رواد البحر، رياض الريس للكتب
والنشر، لندن، ط 1، 1990 م
256 (1/256)
صفحة 247
16. أنور عبدالعليم ابن ماجد الملاح، ضمن (سلسلة أعلام العرب)،
17
18
19
20
العدد 63، القاهرة
إيروس بلديسيرا: قصر جبرين وكتاباته وزارة التراث العُمانية،
ط 1، 1414 هـ / 1994 م
بدر بن سالم بن هلال العبري: البيان في بعض أفلاج عُمان بدر بن هلال العلوي: قلعة نزوى دراسة عمارية مقارنة رسالة ماجستير بجامعة اليرموك، الأردن، 1991
بدرية بنت حمد الشقصية: السيرة الزكية للمرأة الإباضية، ط 1،
1421 هـ / 2000 م
21 برزك بن شهريار الناخذاه الرامهرمزي عجائب الهند برها وبحرها وجزائرها، تحقيق: عبدالله محمد الحبشي، المجمع الثقافي، أبو
ظبي، 1421 هـ / 2000.
22. تشانغ زون: يان الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعُمان عبر التاريخ وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 2
23
24
جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م جي إس بيركس وسالى أي ليتس: العوامر قبيلة متخصصة بحفر الآبار والأفلاج في شمال عُمان الداخلية، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 1982 م
25. جي رسى ولكنسون: الأفلاج ووسائل الري في عُمان، ترجمة: محمد أمين عبد الله، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 3، 1424 هـ / 2003 م
257 (1/257)
صفحة 248
العُمانيون والعلوم التجريبية
26
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
حسن صالح شهاب أحمد بن ماجد والملاحة في المحيط الهندي، مركز الدراسات والوثائق في الديوان الأميري برأس الخيمة،
الإمارات 27.حسين العبري: قراءة في ثلاث قصائد طبية مخطوطة للشيخ راشد بن عميرة، ضمن ندوة من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين) المنتدى الأدبي، مسقط، ط 1، 1429 هـ / 2008 م حمود بن حمد الغيلاني: التاريخ الملاحي وصناعة السفن في
مدينة صور العُمانية، وزارة التراث، مسقط، 2006 م
حمود بن حمد الغيلاني: أسياد البحار، 2016
حمود بن حمد الغيلاني: رسالة إليكترونية ردا على سؤال وجهته إليه بتاريخ 12/ 9/ 2015
م
خالد سالم محمد ربابنة الخليج العربي ومصنفاتهم الملاحية
الكويت، ط 1، 1402 هـ / 1982
م
32. خلف فارس الطراونة وبدر بن هلال العلوي: قلعة نزوى نموذج للعمارة العسكرية، ضمن الملتقى العلمي الأول حول تراث سلطنة
33
2001 م
عُمان قديما وحديثا)، جامعة آل البيت، 1423 هـ / 002 خليفة بن بدوي الحجي: نظام الأفلاج في سلطنة عُمان بين معطيات الماضي وتحديات المستقبل، ضمن كتاب (نوافذ على الماء والحضارة في بلاد العرب، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم
والثقافة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 2006
34 خليفة بن عثمان بن محمد البلوشي، عُمانيات في التاريخ (أدب - زهد ـ سياسة)، مكتبة العلوم، روي، سلطنة عُمان، 1996 م
258 (1/258)
صفحة 249
259
خميس بن سالم بن خميس الهاشمي: رسالة في علم الفلك للمبتدئين، ضبط نصها: سلطان بن مبارك الشيباني، مركز ذاكرة عُمان،
مسقط، ط 1، 1435 هـ / 2014 م
خير الدين الزركلي (ت 1396 هـ / 1976 م): الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين،
دار العلم للملايين، بيروت، طه، مايو 1980 م
داود سليمان داود النباتات الطبية لأبي محمد الأزدي، دار
الحكمة، لندن
راشد بن علي الدغيشي: شرح الموسوعة الشعرية لأبي مسلم البهلاني، المجلد 1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، مسقط، طا، 1436 هـ / 1015 م
راشد بن عميرة الرستاقي فاكهة ابن السبيل، ج 1 - 2، وزارة التراث العُمانية، مسقط، 1404 هـ / 1984 م
راشد بن عميرة الرستاقي: منهاج المتعلمين، تحقيق: عبدالله بن علي بن سعيد السعدي، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 1، 1434
هـ / 2013 م
41. الربيع بن حبيب الفراهيدي (ت 175 هـ): الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط، ط 3، 1434 هـ / 2013 م
42
رجب محمد عبد الحليم العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر
الإسلام منذ ظهوره إلى قدوم البرتغاليين مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، ط 2، 1431 هـ / 2010 م (1/259)
صفحة 250
260
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
43 زيغرد: هونکه شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة: فاروق بيضون وكمال دسوقي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 6، 1401
هـ / 1981 م
ام
44 سالم بن سعيد البوسعيدي: صالح بن عيسى الحارثي سيرة حياة
45
و تاريخ وطن، رؤى، لبنان، ط 1، 1435 هـ / 2014 م
سالم بن سعيد البوسعيدي: الوجيز في شرح الجامع الصحيح،
رؤي، ط 1، 1435 هـ / 2014 م
46 سالم بن غسان اللواح الخروصي: ديوان اللواح، تحقيق: محمد علي الصليبي، وزارة التراث، مسقط، ط 1، 1409 هـ / 1989 م، ج 2 سرحان بن سعيد الإزكوي، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة،
EV
EA
وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 2، 1434 هـ / 2013 م، ج 1 سعيد بن علي المغيري، جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تحقيق: محمد علي الصليبي وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 4، 1422
هـ / 2001 م 49. سعيد بن محمد الهاشمي: بعض المخطوطات العُمانية في المكتبات الأوروبية، المنتدى الأدبي، مسقط، ط 1، 1427 هـ / 2006 م سلطان
بن مبارك الشيباني: الإنتاج العلمي العُماني في مجالات الزراعة والعمارة والطب والفلك، محاضرة مقدمة في جامعة نزوى: الأربعاء
7 ربيع الثاني 1436 هـ / 27 يناير 2015 م
سلطان بن مبارك الشيباني: الطبيب راشد بن عميرة حياته وآثاره العلمية، ورقة بحثية مقدمة إلى ندوة) الاحتفال بالذكرى المئوية (1/260)
صفحة 251
261
الرابعة للطبيب والصيدلاني العُماني راشد بن عميرة بن ثاني الهاشمي الرستاقي)، تنظيم اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم،
الأربعاء 28 ربيع الآخر 1436 هـ/ 18 فبراير 2015 م سلطان بن مبارك الشيباني: أمالي التراث نظرات نقدية وقراءات في جديد التراث العُماني مخطوطه ومطبوعه، ج 1، مركز ذاكرة عُمان، مسقط، ط 1، 1435 هـ / 2014 م
سلطان بن مبارك الشيباني: مفتاح الباحث إلى ذخائر التراث الفكري العُماني مركز ذاكرة عُمان، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م سلطان بن مبارك الشيباني: معجم النساء العُمانيات (دليل تاريخي إلى تراجم أشهر النساء في تاريخ عُمان الماجدة)، القسم الأول، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عُمان، ط 1، 1425 هـ / 2004 م سلطان بن مبارك الشيباني، ومحمد بن عامر العيسري: نوادر
م
المخطوطات العُمانية المحفوظة في دار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة، وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م سلطان بن محمد القاسمي: بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن
ماجد، سلطان القاسمي، الشارقة، ط 1، 1241 هـ / 2000 م سليمان بن علي بن سالم العبري، حروف عُمانية مضيئة، مكتبة
200
الاستقامة، مسقط، ط 1، 1422 هـ / 002
سيف بن حمد بن سالم السيابي مقابلة شخصية، نفعاء بولاية بدبد، الأحد 11 ربيع الأول 1438 هـ/ 11، 12، 2016 م
سيف بن حمود بن حامد البطاشي (ت 1420 هـ / 1999 م): (1/261)
صفحة 252
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، مكتب المستشار
الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، مسقط،
ط 2، 1419 هـ / 1998 م سيف بن حمود بن حامد البطاشي: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان: ج 2، ط 1، 1415 هـ / 1994 م سيف بن حمود بن حامد البطاشي: إتحاف الأعيان في تاريخ
بعض علماء عُمان: ج 3، ط 1، 1422 هـ / 2001 م
صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي (ت 462 هـ / 1070 م): طبقات الأمم، تحقيق وتعليق: حسين مؤنس، دار المعارف، القاهرة،
1998
م
صبحي سليمان: المخترعون العرب أصل الحضارة، دار العلوم للنشر والتوزيع، مصر، ط 1، 1428 هـ / 2007 م
طارق الحمداني: الملاحة العربية في عصور ازدهارها، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2002 م
63. ظهير الدين علي بن زيد بن محمد البيهقي (ت 565 هـ/ 1170 م): تاريخ حكماء الإسلام، تحقيق: ممدوح حسن محمد، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1، 1417 هـ / 1996 م
64
عبادة كحيلة: عن العرب والبحر مكتبة مدبولي، القاهرة، ط 1،
1410 هـ / 1989.
م
عبدالرحمن عبدالكريم العاني: دور العُمانيين في الملاحة
والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع الهجري، وزارة التراث والثقافة،
مسقط، ط 2، 1406 هـ / 01986
262 (1/262)
صفحة 253
66. عبدالعزيز الفارسي: قراءة في كتاب فاكهة ابن السبيل للطبيب راشد بن عميرة الرستاقي، ضمن (ندوة من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين) المنتدى الأدبي، مسقط، ط 1، 1429 هـ / 2008 م
67. عبدالكريم محمد نصر: علوم العرب والمسلمين وأثرها في حضارة الغرب، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 1433 هـ / 2012 م 68 عبدالله بن حميد السالمي (ت 1332 هـ / 1914 م): تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، ج 1، مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مسقط. 2000 م
69 عبدالله بن حميد السالمي: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علق عليه: أبو إسحاق اطفيش وإبراهيم بن سعيد العبري،
مكتبة الإمام السالمي، مسقط، ط 13، ج 1
70 عبدالله بن سيف الغافري: الأفلاج العُمانية تاريخها وهندستها وإدارتها ضمن مجلة نزوى، العدد 44 رمضان 1426 هـ/
أكتوبر 2005 م 71. عبدالله بن سيف الغافري: هندسة الأفلاج واستصلاح الأراضي عند العُمانيين، ورقة بحثية مقدمة لندوة إسهامات العُمانيين في العلوم التطبيقية بجامعة السلطان قابوس، مسقط الإثنين 7 ديسمبر 2015 م.
72
عبدالله
بن محمد الأزدي (ت 456 هـ): الماء أول
معجم
طبي
لغوي في التاريخ، تحقيق: هادي حسن حمودي، ط 2، 1436
هـ / 2015 م
263 (1/263)
صفحة 254
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
عبدالله بن ناصر الحارثي: دراسات في تاريخ عُمان وحضارتها
في العصر الإسلامي، مسقط
74. عبدالمنعم عامر: عُمان في أمجادها البحرية، وزارة التراث
Vo
077
والثقافة، مسقط، ط 4، 1426 هـ / 2005
عدنان محمد زرزور التوجيه الإسلامي للعلوم والمعارف، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1412 هـ / 1992
م
م.
76. علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت 346 هـ): مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، الجامعة اللبنانية، بيروت، 1965 علي بن طالب الهنائي: التطبيقات الطبية في مؤلفات راشد بن عميرة الرستاقي، ضمن (ندوة من أعلام الطب في عُمان في القرنين التاسع والعاشر الهجريين) المنتدى الأدبي، مسقط، ط 1، 1429 هـ /
78
2008 م
علي عبدالله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
عمر فروخ (ت 1968 م) تاريخ العلوم عند العرب، دار العلم
للملايين، بيروت، ط 4، 1984
عوض عبدالكريم ذنيبات: المختار من تاريخ العلوم عند العرب، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، ط 1، 1428 هـ / 2008 م فخري خليل النجار: تاريخ حضارة عُمان، دار صفاء للنشر
والتوزيع، عمان، ط 1، 1431 هـ / 2010 م (1/264)
صفحة 255
فؤاد سزكين، العلوم والتقنية في العالم الإسلامي، نقله من الألمانية إلى العربية مازن عماوي معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، جامعة فرانكفورت، ألمانيا الاتحادية، 1427 هـ / 2007 م، المجلد
الأول (مدخل)
فؤاد سلامة جميعان مآثر العرب العلمية أساس حضارة الغرب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 2001 م / 1422 هـ فهد بن علي السعدي: معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق)، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، ط 1، 1428 هـ / 2007 م 85 فوزي خضر: إسهام العلماء العرب في الحضارة الإنسانية، هبة النيل العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1، 2009 م
فيليب حتي وإدورد جرجي وجبرائيل جبور: تاريخ العرب، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت، ط 12، 2007 م
لجنة الطب الشعبي العُماني: الطب الشعبي العُماني ماهر بن مال الله الزدجالي ولاية المصنعة حكاية البحر والتاريخ مجموعة من الباحثين الآثار العلمية للشيخ إبراهيم بن سعيد
العبري، جامعة السلطان قابوس مركز الدراسات العُمانية، مسقط،
ط 1، 1436 هـ / 2015 م، المجلد 2، ج 4
90. مجموعة من الباحثين الثقافة الإسلامية والتحديات المعاصرة، مركز
91
السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، ط 1، 1434 هـ/ 2013 م مجموعة من الباحثين: فهرس بعض المخطوطات العُمانية غير
المطبوعة في المكتبات العامة والخاصة، 1427 هـ / 2006 م (1/265)
صفحة 256
266
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
92 مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، جمعية التراث،
الجزائر، 1420 هـ / 1999 م، ج 2
93 مجموعة من الباحثين: معجم مصطلحات الإباضية، وزارة
الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط، ط 2، 1433 هـ / 2012
م
مجموعة من الباحثين: المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية،
القاهرة
مجموعة من الباحثين: معدن الأسرار في معرفة الصيادين والبحارة العُمانيين بأحوال البحار، وزارة الزراعة والثروة السمكية
مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م
مجهول المؤلف: الإيضاح في ما أودع الله من الحكمة في النجوم والرياح، ضبط نصه: سلطان بن مبارك الشيباني، مركز ذاكرة عُمان،
مسقط، ط 1، 1436 هـ / 2015 م
محسن محمد معالي معجم معالي اللغة: مؤسسة حورس الدولية
للنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر، ط 1، 2013 م 98 محفوظ بن عبدالله السليمي ونبيل حافظ عبدالفتاح: تنظيم وإدارة الأفلاج في سلطنة عُمان دراسة تحليلية، معهد الإدارة العامة، مسقط،
1417 هـ / 1997 م
99. محمد بن أحمد البيروني (ت 440 هـ / 1048 م): الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتاب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1،
1432 هـ / 2011
م
100. محمد بن سالم بن عبدالله الحارثي، موسوعة الموروث الفلكي (1/266)
صفحة 257
10
العماني القديم وأثر الكواكب والنجوم على النشاط الإنساني، مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، مسقط، ط 1، 2015 م،
القسم الأول: الزراعي
محمد عبدالرحمن مرحبا المرجع في تاريخ العلوم عند العرب،
دار الفيحاء، 1978 م
102. محمد بن عبدالله بن سعيد السيفي، النمير (حكايات وروايات)،
103. محمد عبد رب النبي سيد فضل العرب على الغرب في مجال البحث التجريبي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط 1، 1430 هـ / 2009 م
104. محمد عوض الله العلوم والفنون في الحضارة الإسلامية، مكتبة المتنبي، ط 1، 1426 هـ / 005 20 م
1.0
محمد بن عيسى الترمذي (ت 297 هـ): سنن الترمذي، تحقيق:
د. مصطفي محمد حسين الذهبي، دار الحديث، القاهرة، ط 1، 1419
هـ / 1999 م، ج 4 106. محمد بن قاسم ناصر بو حجام أسد البحار العُماني أحمد بن ماجد، هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، سلطنة عُمان، طا،
2015 م، ج 1 107. محمد بن محمد الغزالي (أبو حامد (ت 505 هـ): تهذيب إحياء علوم الدين، هذبه: عبد السلام هارون دار التوزيع والنشر الإسلامية،
مصر، ط 1، 1418 هـ / 1997
267 (1/267)
صفحة 258
268
العمانيون والعلوم التجريبية
(الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
108. محمد بن ناصر الحجري: نظام الأفلاج في
عُمان
ودوره في
التنمية، ط 1، 1419 هـ / 1998
م
109. مصطفى عبدالقادر النجار صفحات مشرقة من تاريخ عُمان
دراسة علمية تحليلية، مكتبة بيروت، مسقط
110. مصطفى بن عبدالله القسطنطيني (حاجي خليفة): كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج 1 - 2، دار إحياء التراث العربي، بيروت 111. منذر بن عبدالله بن سعيد السيفي: مادة مرئية
112. مهنا بن خلفان الخروصي: النجوم الزاهرة في الأفلاك الدائرة، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية
ط 1، 1425 هـ / 02004
م
113. مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي، الرستاق على صفحات التاريخ، 1428 هـ / 2007 م
114. موسى بن سالم البراشدي الحياة العلمية في عُمان في عهد اليعاربة، جامعة السلطان قابوس، رسالة ماجستير، 006
2 م
115. ناصر الجهوري: حصن الخندق في البريمي دراسة في المعمار
العُماني، ضمن مجلة نزوى، العدد 30، محرم 1423 هـ / أبريل
2002 م
116. ناصر بن سعيد بن سيف الهاشمي، الإنسان وعلم الفلك، محاضرة
ألقاها
بجامع نفعاء بولاية بدبد الجمعة 18 رمضان 1437 هـ / 24
يونيو 2016 (1/268)
صفحة 259
117. ناصر بن حماد بن هلال العزري، إسهامات العُمانيين في مجال الطب، ورقة بحثية مقدمة لندوة إسهامات العُمانيين في العلوم التطبيقية» بجامعة السلطان قابوس، مسقط، الإثنين 7 ديسمبر 2015 م 118 ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، مكتبة مسقط، مسقط، ط 2، 1424 هـ / 2004 م، ج 4
119. ناصر بن علي بن ناصر الخضوري (ت 1388 هـ / 1968 م): معدن الأسرار في علم البحار، شرح وتحقيق حسن صالح شهاب
وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 2، 1436 هـ / 2015 م
120. الناصر بن محمد المرموري، في رحاب السنة (شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب)، جمعية التراث، الجزائر، ط 2، 1435 هـ / 2014 م 121. هلال بن عامر بن علي القاسمي، الأفلاج العمانية البناء الهندسي عبر التاريخ وزارة التراث والثقافة، مسقط، مؤسسة الانتشار العربي،
بيروت، ط 1، 2015.
ام
122 هلال بن عامر بن علي القاسمي، مقابلة شخصية في لزغ بولاية
سمائل، الخميس 13 رمضان 1438 هـ، 8 يونيو 2017 م 123. هادي حسن حمودي: علماء عُمانيون عبر التاريخ، وزارة الإعلام، مسقط، 1420 هـ 2000 م
124. وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه، المشروع التجريبي لتوثيق الملكيات والأعراف والسنن والبيانات المتعلقة بالأفلاج، ط 1، أكتوبر 2009 م
269 (1/269)
صفحة 260
270
العمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
125 وزارة التراث والثقافة، مسقط: فهرس المخطوطات، المجلد الثالث: علوم التاريخ والبحار والفلك والرياضيات، ط 1، 1419
هـ / 1999 م
126. وزارة التراث والثقافة مسقط: فهرس المخطوطات، المجلد الرابع: الطب والكيمياء، ط 1، 1427 هـ
127 وزارة موارد المياه، إحصائيات وقوائم الأفلاج في سلطنة عُمان،
128
1421 هـ / 200 م
يوجينيو
كالديري حصن جبرين تحفة رائعة من العمارة العُمانية
في القرن السابع عشر وزارة التراث والثقافة، مسقط، ط 4، 1426
هـ / 2005 م
129. يوسف السويدي: الإسلام والعلم التجريبي، مكتبة الفلاح، الكويت، ط ا، 1400 هـ / 1980
م
130. موقع ذاكرة عُمان (www alkaw kab .com 131. موقع ويكيبديا العربي (www arwikipedia.org) (1/270)
صفحة 261
صالح بن محمد بن سليمان السيابي
العُمانيون والعلوم التجريبية
الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية)
تقديم
د. عمر لقمان سليمان
رئيس مشروع المخطوطات العمانية والمغاربية بجامعة نزوى
د. نبهان بن حارث الحراصي
أستاذ مساعد
بجامعة السلطان قابوس (1/272)