صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - حضارة
------------------------------------------
العنوان: العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام منذ ظهوره إلى قدوم البرتغاليين
المؤلف: رجب محمد عبد الحليم
تقديم: محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي
الناشر: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية
مكان النشر: مسقط
تاريخ النشر: 1431ه/ 2010م
الطبعة: 2
الإيداع القانوني: 2010/62
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3620&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/505
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 محرم 1447ه/ 03 - شهر 07 - 2025م. العمانيون
والملاحة و اليد ونبر الإسلام
منذ ظهوره الى قدوم البرتغاليين
تأليف
دكتور
رجب محمد رعب التعليم
أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد بجامعة القاهرة وجامعة السلطان قابوس
الطبعة الثانية
منط
1431 هـ / 2010 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
العمانيون
والملاحة و التي الا ونشر الإسلام
منذ ظهوره إلى قدوم البرتغاليين
تأليف
دكتور
رجب محمد رعب التعليم
أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد بجامعة القاهرة وجامعة السلطان قابوس
الطبعة الثانية
مسقط
1431 هـ / 2010 م 2 (1/3)
صفحة 4
الناشـ
مكتب المُستشار الخاص لجلالة السلطان للشئون الدينية والتاريخية (1/4)
صفحة 5
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
محمد بن عبد الله خير الانبياء والمرسلين
الى يوم الدين. (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
تقدي
في هذا التقديم الموجز، لا أعرف بالدكتور رجب محمد عبد الحليم، فهو غني عن التعريف، ولكني أعرف بكتابه «العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام منذ ظهوره الى قدوم البرتغاليين». أعرف به لا لان الدكتور قد وفق في تأليف هذا الكتاب واخرجه على هذا النحو فقط، ولكن ايضا لاننا كصديقين كنا نتبادل الرأي والمشورة حول اهداف الكتاب ومراعيه. وما ان تم تأليفه واطلعت عليه إلا ووجدت ان كل فصل من فصوله، بل وكل فقرة من فقراته قد وضعت بعناية، وكل فكرة من أفكاره قد اصابت مرماها وحققت هدفها. ومن ثم جاء هذا الكتاب جوهرة فريدة في فنه واسلوبه، ومرجعا اصيلا فيما ناقشه من احداث، وفيما تعرض له من قضايا، وهو بذلك يملا فراغا في المكتبة العمانية، ويسد ثلمة في التاريخ الحضاري لعمان في عصور الإسلام الأولى. وليس لنا إلا أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يعين هذا الباحث الامين وأمثاله من الباحثين الجادين على مداومة البحث في تاريخ عماننا الحبيب، إنه سميع قريب مجيب.
بن احمد بن
البوسعيدي (1/7)
صفحة 8
وقريب
المقدمة
بعيد
انه كتاب وضعناه بحول الله وقوته وعونه لالقاء ضوء على جهود شعب عريق، ذلك هو الشعب العماني الذي يقبع في الجزء الجنوبي الشرقي من بلاد العرب، يحرس المدخل للامة العربية من هذه الناحية، ويطل لها على عالم بعيد وقريب وغريب لأن المسافة بينه وبين عمان واسعة وكبيرة تقدر بالاف الأميال لأنه على يد العمانيين صار كثير منه في قبضة الاسلام وصار كله تحت رحمة التجار العمانيين خاصة، وتجار العرب والمسلمين عامة، وغريب لان له طابعه الخاص، وحضاراته التي تختلف في قليل أو كثير من جوانبها عن حضارة الاسلام، كما أنها في نفس الوقت كانت حضارة عميقة الغور، راسخة الجذور، ضاربة في أعماق التاريخ ... ومع ذلك فإن العمانيين كان لهم فضل السبق في الاتصال بهذا العالم البعيد الغريب، وفضل العمل على نشر الاسلام والثقافة والحضارة الاسلامية بين كثير من شعوبه، مدعومين في ذلك بجهود الشعوب العربية والاسلامية بصفة عامة، وخاصة تلك التي تطل بلدانها على مياه المحيط الهندي كحضرموت وبلاد اليمن وفارس والصومال
وأممه
وعلى ذلك فإنني في هذا الكتاب لست أؤرخ لتاريخ الاسلام (1/8)
صفحة 9
في البلدان التي اتصل بها العمانيون والتي تقع على شواطيء المحيط الهندي، أقصد شرقي إفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وبلدان الشرق الأقصى كبلاد الصين والفليبين، ولست كذلك أكتب تاريخا مفصلا لجهود العمانيين في ميدان التجارة والملاحة التي كانت مطية الاسلام للعبور الى هذه البلدان، وانما هدفي من وراء ذلك كله هو إبراز جهود العمانيين التي ظلت نسيا منسيا في ميدان الدعوة الى الاسلام ونشره في هذه البلدان النائية، وهو ميدان أحق بالكتابة وبذل الجهد فيما أرى، أولا، لأنه جهد لم يتحدث عنه أحد وثانيا، لأنه جهد شعب من شعوب الأمة العربية والاسلامية في مجال من أهم مجالات الدين والحضارة الاسلامية، وهو نشر الاسلام والثقافة العربية الاسلامية، اذ لاحضارة إلا بتوافر هذين الجانبين الهامين أولا من جوانب الحياة الاسلامية، وثالثا شعب ظل لعصور طويلة لا يذكر إلا على هامش التاريخ الاسلامي وظلت أعماله وجهوده غير محتفى بها عند معظم الكتاب والمؤرخين في العصور الوسطى، لا لشيء إلا لأنه اختار حياة الحرية والاستقلال بعيدا عن تحكم خلفاء بني أمية وبني العباس، فكان
لأنه
جهد
جزاؤه أن يوصف شعبه ظلما وعدوانا بصفة المروق والعصيان
ومن ثم أعرض المؤرخون القدامى إعراضا عن ذكر أخبار
عمان، وإن ذكروها ففي سطر أو أسطر قليلة، لا تفي بالمطلوب ولا تشفى غلة الظمآن، و، وهم قد اهتموا بالتاريخ لدولة الخلافة وللدول الخاضعة لها، أما وعمان وقد أبت الخضوع فلا حق لها عندهم في النظر أو التدوين، خاصة وأنها كانت دولة من دول الأطراف البعيدة عن قلب دول الخلافة، أموية كانت أو عباسية (1/9)
صفحة 10
أو فاطمية، حيث كانت الحياة في هذه الدول تموج موجا بالتيارات السياسية والدينية والحضارية والثقافية، ومن ثم كانت النتيجة هي كما قلنا سطورا وفقرات قليلة تحدثوا فيها عن عمان، وليت هذا الحديث القليل كان خاليا من الظنة والتهمة، أو كان يتوخى الحق والحقيقة، ولكنه جاء ممن نظر الى عمان بأعين الحكام والفقهاء والمؤرخين الذين لم يحسنوا الظن بعمان وأهلها، ومن ثم كان الإهمال المتعمد أو الإعراض المقصود.
ولكن هذا الاهمال لم يكن للأسف قاصرا على هذا الفريق
من
من المؤرخين والكتاب البعيدين عن عمان، ولكنه جاء أيضا أهل عمان أنفسهم، ذلك أنهم لم يتركوا لنا في الفترة التي حددناها لهذا الكتاب ما يعين الباحث في عمله، فليس هناك في القرون الخمسة الأولى للهجرة إلا كتاب لسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، وهو كتاب في الأنساب وليس في صميم التاريخ، فهو لا يتحدث الا عن أنساب عرب الجنوب وخاصة أزد عمان وعن استقرارهم في عمان ودورهم في تطور الامامة فيها، ويشد من أزر كتاب الأنساب هذا، بعض السير والتراجم العمانية التي كتبت
في تلك الفترة مثل سيرة شبيب بن عطية العماني الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، وكان من أئمة الأباضية بعد سقوط الامامة الأباضية الأولى عام 134 هـ / 751 م على يد العباسيين، ومثل سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس الذي عاصر المهنا بن جيفر (ت 237 هـ (851 م، وشهد بيعة الصلت بن مالك (237) 273 هـ / 851 886 م)، ومثل سيرة أبي محمد البسيوي الذي عاش في القرن الثالث الهجري أيضا
الحسن بن
-
- (1/10)
صفحة 11
وشهد سقوط الامامة الأباضية الثانية عام 280 هـ / 893 م، وألف في ذلك سيرة سماها "الحجة على من أبطل السؤال في الحدث الواقع بعمان، هذا وإن كانت هذه السير والتراجم مفيدة بالنسبة لتاريخ عمان إلا أنها قليلة ولا تغطي إلا جانبا محدودا جدا في هذا التاريخ، كما أنها لا تفيدنا في موضوعنا، اذ أنها تهتم مثل كتب الطبقات الأباضية بالحديث فقط عن الأحداث عمان الامامة في
وعن
الداخلية المتعلقة بها، ولا تلقى بالا للجوانب الحضارية والتطور
الحضاري لشعب عمان.
من
كما أنه في القرون الخمسة التالية والتي تبدأ من السادس وتنتهي بنهاية العاشر للهجرة، لم يترك العمانيون القدامى شيئا تقريبا في مجال التاريخ، وليس لدينا عن تلك الفترة الا كتابات اخوانهم الأباضية في شمال افريقيا، مثل كتاب سير الأئمة وأخبارهم المعروف بتاريخ أبي زكريا (ت 471 هـ / 1078 م)، وكتاب السيرة وأخبار الأئمة للورجلاني (ت 570 هـ/ 1114 م) وطبقات الأباضية للدرجيني (ت حوالي 670 هـ / 1271 م) وكتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات للبرادي (قرن 8 هـ)، وكتاب السير للشماخي (ت 928 هـ / 1521 م). وهي كتب كما ترى تترجم لرجال المذهب الأباضي في البصرة وفي شمال افريقيا، وبعضها يتحدث باسهاب عن صراع الأباضية الأمويين والعباسيين، وهي لا تهتم كثيرا بتاريخ عمان ولا تذكر الا ماهو خاص ببعض علمائها وأئمتها، وكان الأولى بالعمانيين القدامى أن يكتبوا لنا بالتفصيل عن تاريخ بلدهم وتاريخ حكامهم وحضارتهم، ولكنهم لم يفعلوا، ويفسر لنا الشيخ نور الدين السالمي رحمه الله
- V (1/11)
صفحة 12
هذا الأمر في نحنته في عبارات مقتضبة وإن كانت واضحة ومفيدة فيما نذهب اليه، فقد أشار الى أن "التاريخ لم يكن من شغل الأصحاب، بل كان اشتغالهم باقامة العدل وتأثير العلوم الدينية، وبيان ما لا بد من بيانه للناس، أخذا بالأهم فالأهم، فلذلك لا تجد لهم سيرة مجتمعة، ولا تاريخا شاملا (1)
و معنى ذلك أن كتاب عمان القدامى اهتموا أثناء حكم الأئمة بالتدوين في علوم الدين والفقه، ولذلك تركوا لنا تراثا كبيرا وغزيرا في هذا المجال. وفي غير هذه الجوانب، لم يتركوا لنا الكثير
أن
كما سبق القول، وكانت قلة كتاباتهم التاريخية تعود الى عامل آخر هو أن حكم الأئمة لم يكن مستمرا ومتصلا، فقد كانت القوى الداخلية الأخرى أو الخارجية تسيطر على الحكم وتقيم دولا حاكمة في عمان، حينئذ كان الأئمة ومؤيدوهم يعتبرون هؤلاء الحكام حكاما جبابرة غير عدول، ولذلك لم يكتبوا تاريخا لعمان يذكر هذه العصور أو يتناول حكم هؤلاء الحكام، وما ذلك الا لأن هؤلاء الحكام في نظرهم أحقر من ذلك وأهون عليهم من يعتنوا بذكرهم في الكتب (2)، وربما استغرق حكم الدولة الواحدة قرونا عديدة ولكن كتاب عمان القدامى لم يعطونا شيئا مفيدا عنها أو عن تاريخها، والمثال على ذلك دولة بني نبهان التي حكمت عمان حوالي الخمسة قرون من الزمان، ورغم ذلك لم يتصد لذكرهم الا شاعرهم الستالي في ديوانه، حيث أشار الى أسمائهم وبعض أعمالهم (3)
بعض
(1) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، مسقط سنة 1981 م، ج 1 ص 4
(2) المرجع السابق، ج 1 ص 294
(3) المرجع السابق، ج 1 ص 352. (1/12)
صفحة 13
الأئمة
وعلى ذلك فان العمانيين القدامى لم يدونوا تاريخ تدوينا يذكر أخبارهم بالتفصيل، ويعطينا سلسلة متصلة الحلقات
لحكم هؤلاء الأئمة ولم يعطونا تاريخا حضاريا لعمان في تلك الفترة من التاريخ الاسلامي الوسيط، كما أنهم لم يفعلوا نفس الشيء بالنسبة لغير الحكام من الأئمة، لاسيما وقد اعتبروهم جبابرة مثل النبهانيين وغيرهم ممن حكموا عمان في تلك العصور الغابرة (4)، وربما يكون العمانيون في العصور الاسلامية التي نقصدها بالحديث قد كتبوا، ولكن هذه الكتابات لم تصل الينا، ولا إلى من تصدى
لكتابة تاريخ عمان كابن رزيق وصاحب كشف الغمة، والسالمي والسيابي وغيرهم في العصر الحديث، ولاشك أن أحداث الزمان وقيام الفتن الداخلية والحروب المحلية، والهجمات الخارجية التي تعرضت لها عمان في كثير من الأحيان، وما صحب ذلك كله
هذه
من تخريب ودمار وقتل واحراق هو السبب المسئول عن ضياع الكتابات، ويكفي ماتشير اليه بعض الروايات من أن حريقا شب في مدينة الرستاق فالتهم تسعة آلاف كتاب (5)
وقد نتج عن ذلك كله ندرة في المصادر والمراجع التاريخية القديمة التي اعتنت بتاريخ عمان وحضارتها، وكانت هذه الندرة سببا واضحا في ذلك القصور الذي نراه في الكتابات التاريخية التي كتبت على يد العمانيين في العصر الحديث، وأقصد بالقصور هنا أمرين: الأول هو عدم وجود تاريخ متصل لحكام عمان سواء كانوا أئمة أم سلاطين منذ ظهور الاسلام وحتى قدوم البرتغاليين، والثاني
(4)
(ه)
المرجع السابق، ج 1 ص 353
سعيد عاشور، عوض خليفات: عمان والحضارة الاسلامية، مسقط سنة 1987 م
ص 228
- (1/13)
صفحة 14
عدم تدوين التاريخ الحضاري لعمان تدوينا شاملا بحيث يغطي كافة الجوانب الحضارية المختلفة، تلك الجوانب التي كان لا بد من تدوينها حتى يبرز تاريخ هذا الشعب وحضارته بروزا كاملا وواضحا ومفيدا
تهتم
بالكتابة عن
هذا
وكان لزاما على الأجيال المعاصرة أن التاريخ وعن تلك الحضارة وجوانبها المختلفة، وبدأ كتاب عمانيون وغير عمانيين جديرون بالاعتبار يسيرون في هذا الاتجاه، وكان أن أدليت بدلوى معهم، واخترت جانبا سبق أن تحدثت عن أهميته، وهو جهود العمانيين ودورهم في نشر الاسلام في شرقي افريقيا وشرقي آسيا وجنوبها منذ ظهور الاسلام وحتى قدوم البرتغاليين، وهم قد قاموا بهذا الدور الرائد متخذين من التجارة والملاحة والدعوة والهجرة وسائل للوصول الى تحقيق هذه الغاية النبيلة. ولما كان الأمر كذلك فقد فصلنا القول في هذه الوسائل بما يخدم موضوع البحث معتمدين في ذلك على عدد لا بأس به من المصادر العربية القديمة والمراجع العربية الحديثة وبعض المراجع الأجنبية التي تراها قائمة في ثبت المصادر والمراجع في نهاية هذا
الكتاب
وكان علينا أن نبين أولا كيف أسلم أهل عمان كمدخل لهذا الموضوع، وفي ذلك تحدثنا عن وصول الدعوة الى عمان، وكيف أن كثيرا منهم أسلم قبل صلح الحديبية (6 هـ)، وأنهم كانوا أسبق في تلقي الدعوة والاستجابة لها من كثير من العرب الآخرين، وكانت مواقفهم الاسلامية رائعة في عهد الخلافة
1 (1/14)
صفحة 15
الراشدة، مما هيأهم تماما لنشر دين الله في الأرض، وهذا ما تحدثنا عنه في الفصل الأول هذا الكتاب من
أما الفصل الثاني، فقد تناولنا فيه جهود العمانيين في نشر الاسلام في شرقي آسيا وجنوبها، في بلاد الهند وما يحيط بها من جزر، ثم في بلاد الملايو وجزر الهند الشرقية ثم في الفليبين وبلاد الصين، وتصدينا لنشاطهم الحضاري في الاتصال بشعوب هذه البلدان عن طريق الملاحة والتجارة واقامة المستوطنات والمراكز التجارية وخاصة في المدن الساحلية، واقامة العلاقات مع أهلها حتى انهم في النهاية تمكنوا من نشر الاسلام وحضارته بين هذه الشعوب فأسلم معظم أهلها في بلدان مثل جزر المالديف واندونيسيا والملايو وبروني، وأسلم بعض أهلها في بلدان أخرى مثل سيلان والهند والفليبين وبلاد الصين، حيث واجه الاسلام صعوبات ومعوقات في هذه البلدان جعلته يصبح دين أقلية فيها
•
وفي الفصل الثالث والأخير تحدثنا عن جهود العمانيين في نشر الاسلام في شرقي افريقيا ساحلا وداخلا وجزرا، وأبرزنا جهودهم في هذا المجال وخاصة بعد أن تحولت هجراتهم الفردية الى هجرات جماعية أنشأت المدن والامارات والسلطنات ونشرت الاسلام، مما طبع الحياة في شرقي افريقيا بطابع الاسلام، هذا الطابع الذي لاتزال هذه البلاد تتصف به حتى الآن، رغم الجهود التنصيرية المسعورة التي بدأت مع قدوم البرتغاليين الى هذه المنطقة في نهاية القرن الخامس عشر للميلاد، واتسع لها المجال منذ قدوم الأوربيين الآخرين المستعمرين في القرون التالية،
اخوانهم من
11 (1/15)
صفحة 16
مما أثار عقبات حالت دون انتشار الاسلام بين جميع سكان شرقي افريقيا وهي عقبات تحدثنا عنها وعن غيرها من العقبات الأخرى
في نهاية هذا الكتاب، ثم جعلنا له خاتمة أو جزنا فيها ما فصلناه، وأوضحنا فيها ما توصلنا اليه من نتائج، وما ناقشناه من قضايا
هذا
ولا نبغي في ذلك الا وجه الله الذي نسعى الى رضاه،
ولا نطلب العون من سواه، فعليه أتوكل واليه أنيب
مسقـ
ــط
1989/ 12/8 م
رجب محمد عبد (1/16)
صفحة 17
الفصل الأول
إسلام أهل عُمان
ظهر الاسلام أول ما ظهر في بلاد الحجاز، ثم تسرب منه وانتشر في سائر أنحاء جزيرة العرب في فترات متفاوتة على عهد صلى الله النبي (ع)، وكان لصلح الحديبية ذو القعدة 6 هـ/ ابريل 628 م) أثر فعال في تحول عدد كبير من العرب الى الاسلام، اذ أسلم بعد هذا الصلح عدد يزيد أضعافا مضاعفة على من أسلم منهم قبله، ثم بدأ الاسلام يغزو بقية العرب وينتشر بينهم بعد فتح مكة رمضان 8 هـ/ يناير (630 م. وكان النبي (ع) قد أرسل عقب صلح الحديبية وفوده وكتبه الى مشايخ العرب وملوكهم وكذلك الى سائر ملوك البلاد المحيطة ببلاد العرب يدعوهم فيها الى الاسلام، وعقب فتح مكة أرسل العرب في عامي 9، 10 هـ وفودهم الى النبي (ع) تبايعه على الاسلام. وبذلك عم الاسلام بلاد العرب جميعها قبيل وفاة النبي (ع). فأين عمان من ذلك كله هل تأخر إسلام أهلها إلى ما بعد فتح مكة كما حدث بالنسبة لمعظم نواحى بلاد العرب ... ؟ أم أن الاسلام كان قد وصلها قبل ذلك ... ؟ واذا كان الأمر كذلك، فما هي الدلائل على سبق أهل عمان في اعتناق الاسلام ... ؟ وما نصيب عمان الصحبة لرسول الله من الأدلة على حسن اسلام أهلها ... ؟ وما
صلى الله
الله
الله
(علية) ... ؟، وما هي النتائج التي ترتبت على ذلك ... ؟
- 13
- (1/17)
صفحة 18
أسئلة
حيرى تحتاج الى جواب، والى بحث وتنقيب، وأول ما نجيب به هو أن نرى الى أي حد كانت عمان سباقة في استقبال الدعوة وفي نشرها بين أهلها منذ السنوات الأولى للهجرة، قبل
صل الله
، بل وقبل صلح الحديبية، وقبل أن يرسل النبي (ع)
مكة فتح الى ملكيها جيفر وعبد ابني الجلندى يدعوهما الى الاسلام، وكي ذلك كله فلابد أن نلقي الضوء على بعض الأدلة التي تؤيدنا فيما ذهبنا اليه من قدم الاسلام في عمان وفي سبقها في
ترى معي
اعتناقه وقبوله
صلى الله
ة،
1 - وصول الدعوة الى عمان قبل صلح الحديبية:- وأول هذه الأدلة ما يحكيه لنا ابن عبد البر والسمعاني وغيرهما من أن عمانيا يدعى مازن بن غضوبة الطائي وفد على النبي واعتنق الاسلام، ودعا له النبي (ع) ولأهل عمان بالخير صلى الله والبركة (1)، وكان مازن هذا قد عرف بظهور النبي (علية) من رجل من أهل الحجاز كان قد أقبل الى عمان ربما بقصد التجارة صلى الله وأخبر مازنا بخبر النبي (ع)، وعلى الفور شد مازن الرحال وذهب الى النبي (ع) وأعلن اسلامه، وكان أول من أسلم من أهل عمان، ولم يلبث أن عاد الى بلده. وأسلم كثير من أهلها متاثرين به وبدعوته لهم للدخول في هذا الدين الجديد (2) (1) ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق على محمد البجاوي، مكتبة نهضة مصر، بدون تاريخ، جـ 3 ص 1344، السمعاني: الأنساب، تقديم وتعليق عبدالله محمد البارودي، دار الجنان،:
صلى الله
بيروت، الطبعة الأولى سنة 1988 م، ج 3 ص 39. (2) العوتبي: الأنساب، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية سنة 1984 م، ج 1 ص 256 ـ 257، الأزكوي: تاريخ عمان المقتبس من كشف الغمة، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية
14
32 (1/18)
صفحة 19
من
بني
فيها
وتذكر بعض الروايات التاريخية القديمة والحديثة أن مازن بن غضوبة كان أهل مدينة عمانية تسمى سمائل، وأنه مسجدا عام 6 هـ / 327 م) يسمى الآن باسم مسجد المضمار (3)، والمعروف أن صلح الحديبية كان في ذي القعدة من نفس هذا العام، وليس من المعقول أن يذهب مازن الى المدينة ويسلم على
الله
يدي النبي (ع) ويعود الى عمان، ثم يبني فيها مسجدا فيما بقي من عام 6 هـ، وهي مدة قصيرة جدا إذا ما أخذنا في اعتبارنا ظروف السفر وطول المسافة ومشقة البناء في تلك العصور، وعلى ذلك فإننا نرجح أن مازن بن غضوبة ذهب الى المدينة وقابل النبي (ع) وأسلم وعاد الى عمان قبل صلح الحديبية بعام على الأقل وأخذ ينشر فيها الاسلام، فأسلم على يديه أهل سمائل، وعدد كبير من أهل عمان الآخرين (4)، ومن ثم فان إسلام هؤلاء العمانيين كان سابقا على صلح الحديبية بفترة ليست بالقصيرة
أما الدليل الثاني فيتعلق بشخص عماني يدعى كعب بن برشة الطاحي (5)، وكان هذا الرجل قد ذهب الى بلاد الحجاز صلى الله ورأي النبي (ع) وأسلم وعاد الى عمان يخبر بصدق نبوته (6)
(3) سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي، مسقط، وزارة التراث، سنة 1980 م، ص 16، سيف البطاشي: ارشاد السائل الى معرفة الأوائل، مسقط، وزارة
التراث، سنة 1988 م، ص 134
-
135
•
(4) سالم السيابي: نفس المرجع، ص 16 – 19، طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب
(°)
(7)
الأباضي، ص 19
يسمى كعب بن برشة الطاحي عند صاحب قصص وأخبار جرت في عمان باسم كعب بن برسه الفودي (ص 40)، وعند صاحب الصحيفة القحطانية (ص (299 باسم كعب بن برشة العودي، وعند العوتبي في أنسابه (جـ 2 ص (259) باسم كعب بن برشة الطاحي، وهو الصحيح لأن العوتبي أقدم المؤلفين الثلاثة
: نفس المصدر، جـ 2 ص 259 العوتبي
260
- (1/19)
صفحة 20
ولما أرسل النبي (ع) عمرو بن العاص وأبا زيد الانصاري الى جيفر وعبد ابني الجندى ملكي عمان يدعوهما الى الاسلام في عام 8 هـ / 629 م، لم يقبلا الدعوة الا بعد أن استحضر جيفر جماعة الأزد وبعثوا الى كعب بن برشة وسألوه عن أمر النبي (ع) فقال لهم انه نبي، وانه عرف صفته، عرف صفته، وانه سيظهر على العرب والعجم،، (7)، فاستجاب الملكان الى الاسلام على الفور، مما يفيد بأن كعبا هذا كان قد ذهب الى المدينة قبل عام 8 هـ ربما في عام الحديبية أو قبله وأنه أسلم وعاد الى عمان وأخذ ينشر فيها الاسلام، حتى وصلت أخباره الى ملكي عمان اللذين أرسلا اليه للتأكد مما جاء به عمرو بن العاص وزميله ابي زيد الأنصاري (8).
منهم
(7)
ثعلبة
والدليل الثالث ما روي عن صحابي يدعى ضماد بن الأزدي، قال عنه ابن عباس انه من أزد شنوءة. وكان هؤلاء الأزد قد هاجروا الى عمان في القرن الخامس أو السادس للميلاد، وكان البيت الحاكم عند ظهور الاسلام (9). ومعنى ذلك أن ضمادا من عمان وكان هذا الرجل يحترف الرقية فيرقي الناس التماسا للشفاء من مرض أو قضاء على سحر، وكان قد قدم الى مكة وسمع (7) مجهول: قصص وأخبار جرت في عمان، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية سنة 1983 م، ص 40.
هذا
،
(8) الصحيفة القحطانية - مخطوط بمكتبة معالي السيد محمد أحمد بن بن سعود البوسعيدي، ص 299، السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 56 ــ 58، أحمد عبيدلي: مقدمته لكتاب
كشف الغمة، ص 116
-
(9) ابن حجر: الاصابة في تمييز الصحابة، تحقيق د. طه محمد الزيني، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1968 م، جـ ه ص 192، محمد أبو العلا محمد: موقع عمان
الجغرافي وعلاقاتها المكانية، دار النهضة العربية، القاهرة سنة 1985 م، ص 16 – 17.
Wilkinson, J. C., The early development of the Ibadi Movement in Basra. (Studies on the first century of Islamic Society, V. 5. Edited by G. H. A. Juynboll, America, P 140.
—
16
- (1/20)
صفحة 21
أهلها يتحدثون عن الرسول ويتهمونه بالجنون، فما كان
الله
ضماد من
الا أن أقبل على النبي (ع) وقال له انه رجل يرقي الناس ويداويهم صلى الله وانه أحب أن يداويه مما به من جنون، فقال له النبي (ع)
"الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله
من شرور أنفسنا
و من
سيئات أعمالنا
، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ولما سمع ضماد حديث رسول الله طلب منه أن
صلى الله
يعيد على مسامعه ماسمعه منه، فأعاده النبي (ع)، فقال ضماد "والله لقد سمعت قول الكهنة والسحرة والشعراء والبلغاء، فما سمعت مثل هذا الكلام قط، هات يدك أبايعك،، فبايعه على الاسلام على نفسه وعلى قومه (10)، وهذه الرواية الهامة لاتدل فقد على اسلام هذا الصحابي العماني، بل تدل أيضا على قدم اتصال أهل عمان بالرسالة والرسول (ع) وذلك قبل أن يرحل مكة مهاجرا الى المدينة، إذن فهو اتصال سابق
قبل الله الرسول (علي) من
على الهجرة ذاتها
أما الدليل الرابع فيمكن أن يستقى أو يفهم من بعض الروايات التي تحدثت عن قدوم بعض العمانيين على النبي (علي) صلى الله وسألوه عما يعبد وما يدعو اليه، وأن النبي (ع) عرض عليهم الاسلام فأسلموا. فلو كان هؤلاء العمانيون مسلمين بدعوة عمرو ابن العاص وأبي زيد الانصاري اللذين وصلا الى عمان بعد فتح صلى الله مكة عام 8 هـ، لما سألوا النبي ((عما يعبد، وعما يدعو
(10) منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بهامش مسند الامام أحمد بن حنبل، دار الفكر، القاهرة، الطبعة الثانية سنة 1978 م، جـ ه 204، ابن حجر: نفس المصدر، جـ 5 ص 192 – 193
?
17
- (1/21)
صفحة 22
،،
عمانيا يسمى
سلمة
بن
من وفد
اليه، ولما عرض النبي (عليهم الاسلام. والمثال على ذلك ما حكاه لنا ابن سعد في طبقاته من أن عياذ الأزدي، قدم الى النبي () ” في ناس من قومه، وسأل صلى الله رسول الله (ع) عما يعبد وما يدعو اليه، فأخبره رسول الله الله أن فقال سلمة للنبي: ادع يجمع كلمتنا وألفتنا، فدعا لهم وأسلم سلمة ومن معه (11). ونفس الشيء حدث مهرة الذي أقبل الى النبي (ع) وعلى رأسه مهرى بن الأبيض الله فعرض النبي (ع) عليهم الاسلام فأسلموا ووصلهم، وكتب لهم كتابا، كما وصل رجلا آخر أقبل من مهرة يقال له زهير بن قضاعة قرضم من من الشحر، فأسلم، وكان رسول الله يدنيه ويكرمه لبعد مسافته، وكتب له كتابا كان لايزال عندهم في عصر ابن سعد (12)
وهكذا ترى أن سلمة بن عياذ الأزدي العماني ومهرى على الله ابن الأبيض وقومهما كانوا على الوثنية بدليل أن النبي النبي (ع) عرض عليهم الاسلام فأسلموا، وبدليل أن جيفرا وعبدا ملكي عمان بعد أن اعتنقا الاسلام على يدي عمرو بن العاص وأبي زيد الأنصاري عام 8 هـ كانا قد دعيا أهل عمان الى الاسلام، وبعثا الى أقصى نواحي عمان، الى مهرة والشحر ونواحيها والى دبا وما يليها الى آخر عمان يدعوان أهلها الى الاسلام، فما ورد
-
رسوله ـ أي رسول جيفر وكان المقدم على أخيه في الملك على أحد الا أسلم وأجاب دعوته الا الفرس الذين كانوا
(11) طبقات ابن سعد، دار التحرير، القاهرة، سنة 1968 م، جـ 1 قسم 2 ص 81
(12) ابن سعد: الطباقات الكبرى، جـ 1 قسم 2 ص 83.
JA- (1/22)
صفحة 23
مبلى الله
بعمان، (13). وعلى ذلك فليس من المعقول أن يكون قوم سلمة وقوم مهرة مسلمين بدعوة جيفر لهم على هذا النحو، ثم يرسلون وفودهم بعد ذلك الى النبي (ع) ويسلمون على يديه، كما أنه ليس من المعقول أن يسلم الملكان جيفر وعبد ويسلم معهما سائر أهل عمان، وتبقى قبيلة أو جماعة أو قرية أو مدينة دون اسلام، لأن الناس على دين ملوكهم، والمعقول إذن أن قوم سلمة وقوم مهرة كانوا وثنيين، ولما سمعوا بخبر النبي علي من مازن أو غيره، سارعوا بارسال وفديهم الى المدينة، وذلك قبل وصول عمرو بن العاص الى عمان، وأسلم أصحاب الوفدين وعادوا الى بلادهم يبثون فيها دعوة الاسلام
والدليل الخامس والأخير على قدم ظهور الاسلام في عمان وأنه كان سابقا على صلح الحديبية وقبل فتح مكة ماتشير اليه بعض الروايات التاريخية الموثقة من أن أبا زيد الأنصاري وصل الى عمان الله بكتاب من النبي (ع) في سنة ست للهجرة، وأن عمرو بن العاص وصلها موجها من النبي (ع) في عام ثمان للهجرة، كما تفيد رواية ثانية بأن أبا زيد أتي لعمان للمرة الثانية مصاحبا لعمرو ابن العاص في عام 8 هـ قبل فتح مكة أو بعد فتحها بقليل (14)، ورواية ثالثة تقول بأن جيفرا وأخاه عبدا أسلما بعد فتح خيبر،
-
(13) قصص وأخبار جرت في عمان، ص 41، الصحيفة القحطانية، ص 299، الازكوي: نفس المصدر، ص 32. (14) ابن حبيب: المحبر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، بدون تاريخ، ص 77 البلاذري: فتوح البلدان، تحقيق رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت سنة 1983 م، ص 87 - 88، الطبري: تاريخه، تحقيق محمد أبو الفضل، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة سنة 1979 م، ج 1 ص 645، ج 3 ص 29، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت سنة 1982 م، ج 2 ص 232
-
272
-
19 (1/23)
صفحة 24
أي قبل فتح مكة (15)
وكما ترى فان هناك دعوة للاسلام وصلت من النبي علي) عل الله الى عمان في العام السادس أو قبل العام السابع للهجرة كما يقول ابن الأثير (16)، بل ان هناك من يقول ان هذه الدعوة وصلت قبل ذلك الى الجلندى بن المستكبر المعولي والد جيفر وعبد نفسه، ولكنه مات قبل أن يعتنق الاسلام (17). وهناك رواية أخرى تأخذ طابع المبالغة عندنا تقول بأن أهل عمان أسلموا كافة بعد رجوع مازن بن غضوبة الى عمان الا أهل صحار الذين أسلموا بعد وصول عمرو بن العاص الى هذه المدينة حاملا كتاب النبي عالم اليهم (18)، أو بالأحرى الى ملكي عمان جيفر وعبد
الآن،
اللذين كانا يقيمان في صحار ويتخذانها عاصمة لبلادهم. أيا كان الأمر فان ما سقناه من أدلة وبراهين حتى لا بد وأن يفضى الى نتيجة واحدة، وهي أن عمان من أقدم بلاد العرب اسلاما، وأن كثيرا من أهلها وصلوا الى بلاد الحجاز لتلقي الدعوة قبل أن يرسل لهم النبي (ع) يدعوهم الى الاسلام، ولم يفعلوا كما فعل غيرهم بأن ظلوا قابعين في ديارهم منتظرين حتى أمر الصراع بين النبي وقومه، أو حتى يرسل لهم النبي رسله أو كتبه، وعندما أرسل لهم النبي رسله وكتبه لم يرفضوا هذه الكتب، و ولم يهددوا الرسل أو يقتلوهم كما فعل غيرهم
ينحسم
(15) ابن عبد البر: نفس المصدر، جـ 1 275
(16) الكامل في التاريخ،، ج 2 ص 232، 272
(17) سيف البطاشي: نفس المرجع، ص 132
•
(18) حميد بن رزيق: الشعاع الشائع باللمعان، تحقيق عبد المنعم عامر، مسقط، وزارة التراث، عبيدلي: مقدمته لكتاب كشف الغمة، ص 115.
أحمد
- (1/24)
صفحة 25
من العرب (19)، وعندما أسلموا لم يرتدوا كما فعل غيرهم العرب ولم يتمردوا أو يتنبأ ملوكهم كما فعل غيرهم، بل ان جيفر وعبد ابني الجلندى تمسكا بالاسلام أشد تمسك ودعيا اليه بهمة واخلاص وعندما شعرا بقيام تمرد قام به أحد أفراد البيت المالك السابق، وهو ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي الذي كان يطمع في استرداد ملك الآباء والأجداد والذي كان يسامي بني الجلندي في الجاهلية، على حد قول الطبري (20)، قاوما هذا التمرد بكل قوة، وأعانا قوات الخلافة التي أرسلها أبو بكر الصديق بقيادة صحابي عماني هو حذيفة بن محصن الغلفاني البارقي الأزدي في القضاء على لقيط وأتباعه، بل وفي القضاء على نظيره في بلاد مهرة وحضرموت، وحتى هذا التمرد الذي قام به لقيط لم يكن ضد الاسلام، أو ضد دولة الخلافة، بل كان ضد حكومة عبد وجيفر طمعا منه في الملك والسلطان (21)
من
•
اذن تفتحت قلوب كثير من أهل عمان للاسلام قبل غيرهم
سكان جزيرة العرب، واكتملت الحركة الاسلامية وغمر الاسلام بلاد عمان بمجرد أن أرسل النبي رسله وكتبه الى ملكيها وتذكر الروايات التاريخية أن عبدا وهو أصغر الأخوين أو الملكين لم يتردد لحظة في اعتناق الاسلام، أما جيفر فقد تردد قليلا،
(19) انظر ما فعله شرحبيل بن عمرو الغساني للحارث بن عمير الأزدي مبعوث النبي الى صاحب بصري، فقد اعترض طريقه وأوثقه وضرب عنقه صبرا، مما كان سببا في ارسال النبي بعثا الى
مؤتة.
انظر ابن عبد البر: الاستيعاب
(20) تاريخ الرسل والملوك، جـ 3 ص 314
ص 297
298
-
(21) المصدر السابق، جـ 3 ص 281، 315 316، ابن عبد البر: نفس المصدر، جـ 1 ص 336، وراجع ما ذكرناه في كتابنا الردة في ضوء مفهوم جديد، عن تمرد بعض العرب ضد حكومة أبي بكر وعما حدث في عمان بخصوص ذلك.
-
21
- (1/25)
صفحة 26
و لم يستغرق هذا التردد الا يوما واحدا وليلة، أعلن بعدها الأخوان قبولهما للاسلام وفوضا عمرا في كل شيء حتى في استلام الصدقة وكانا له عونا وسندا على من خالفه (22)، واستقر عندهما عمرو وأبو زيد، فكان أبو زيد يصلي بالناس ويعلمهم القرآن والسنن، بينما كان عمرو يقوم بجمع الصدقات (الزكاة) من المسلمين والجزية من المجوس الموجودين بعمان وقتذاك، أما الصدقات فكان يأخذها الأغنياء ويردها على الفقراء (23)، وأما الجزية فكان يرسلها من بطبيعة الحال الى الرسول في المدينة
وبعد أن تم اسلام أهل عمان على هذا النحو أراد ملكاها أن ينظفا أرضها من دنس الشرك والمجوسية، فطلبا من الفرس الذين كانوا لا يزالون مقيمين في بعض سواحلها اعتناق الاسلام أو الخروج من عمان، أو الاستعداد للحرب، ولما رفض الفرس هذه الدعوة صمم العمانيون على طرهم من بلادهم بالقوة وقالوا: "لا يجاورنا العجم بعد اليوم، واندلع القتال بين الفريقين وانتهى بخروج الفرس من عمان بعد أن تركوا أموالهم غنيمة للعمانيين (24)، وتطهرت أرض عمان من دنس الشرك والمجوسية وأصبحت أرضا اسلامية خالصة للاسلام، وأصبح جيفر وعبد ابنا الجلندى عاملى رسول الله
عليها (25)
(22) ابن طولون الدمشقي: اعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، مكتبة القدس، دمشق، سنة 1348 هـ، ص 26 - 29، انظر الملحق رقم (1)
•
(23) البلاذي: نفس المصدر، ص 87، الطبري: نفس المصدر، جـ 3 ص 29، 95، اين
المصدر، جـ 1 ص 232، 272
•
299
الأثير: نفس
(24) العوتبي: نفس المصدر، جـ 2 ص 261 - 262، الصحيفة القحطانية، ص (25) اليعقوبي: تاريخه، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ،، ج 2 ص 122، الحميري: الروض المعطار في الأقطار، تحقيق د. احسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الثانية سنة 1984 م، ص 413
خبر
-
– 22
- (1/26)
صفحة 27
-
2
خبر
وفود عمان الى الرسول بعد صلح الحديبية
ذاع
أسلم
ولكننا نفاجأ بأن بعض القبائل العمانية ترسل وفودها لمقابلة النبي ومبايعته على الاسلام، ومعنى ذلك أن هناك وفودا أتت من عمان قبل صلح الحديبية لتلقى الاسلام والتعرف على هذا الدين الجديد، وهو ما ذكرناه وأرجعنا بسببه قدم ظهور الاسلام في عمان، وأن هناك وفودا أخرى أتت مكة بعد فتح بعد أن أن الاسلام وانتشر بين كثير من قبائل العرب، وبعد ملكا عمان ذاتها. ويبدو أن هذه القبائل التي أرسلت وفودها من عمان بعد فتح مكة فيما يعرف بعام الوفود (9 هـ) انما فعلت ذلك لسببين: إما لأن جيفرا وعبدا لم تكن لهما سلطة ونفوذ على هذه القبائل فأقبلت وفودها تعلن اسلامها الذي قبلته واعتنقته على أرض عمان، وانها ما جاءت الا لتطلب من النبي أن يرسل معهم أو رجلا يقيم أمرهم في هذا الدين الجديد الذي كانوا لا يعرفونه حق المعرفة، أو تطلب كتابا من النبي يبين لهم فيه مايجب عليهم صدقة، وما يلتزمون به من فرائض أخرى يفرضها هذا الدين
من
من
الله
مصدقا
ذلك ما كان
الثمالي ومسلية (26) أمر عبد من ثمالة والحدان
بن
هذان الحداني اللذين وفدا في رهط من قومهما على رسول الله بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله على قومهم وكتب لهم ثابت بن قيس كتابا بأمر رسول الله بين لهم فيه ما فرضه الله عليهم من الصدقة في أموالهم (27)، كما أرسل
•
(26) مسلمة عند اليعقوبي، تاريخه، ج 2 ص 79 (27) ابن سعد: نفس المصدر، جأ 1 قسم 2 ص 82.
23 (1/27)
صفحة 28
الأزد في دبا وفدا الى رسول الله مقرين بالاسلام، فبعث فيهم مصدقا منهم يقال له حذيفة بن محصن الغلفاني الأزدي، "وكتب له كتابا بين له فيه فرائض صدقات أموالهم، ورسم له أن يأخذ هذه الصدقات الأغنياء ويردها على الفقراء، ففعل حذيفة ما من طلبه النبي منه وأرسل بفائض أموال الصدقات الى النبي اذ لم يجد لها موضعا (28). كما وفد على النبي وفد عماني ثالث على رأسه أسد الطا الطاحي، وقد لقي هذا الوفد رسول الله وسألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم فقال مخربة العبدي واسمه مدرك بن خوط للنبي ابعثني اليهم فان لهم علي منة، أسروني يوم جنوب
يبرح بن
هذا
""
فمنوا علي، فوجهه النبي معهم الى عمان، فوصل اليها وظل ينشر الاسلام فيها حتى توفي النبي، فهاجر الى المدينة ولقيه عمر ابن الخطاب وأخذ بيده وأدخله على أبي بكر الصديق، فذكر الصديق ما كان قد سمعه من النبي من مديح لعمان وأهلها (29) عن السبب الأول في قدوم بعض وفود من عمان الى المدينة بعد فتح مكة، أما السبب الثاني فهو أن هذه القبائل التي أرسلت هذه الوفود ما فعلت ذلك الا حفاظا على ما كانت تمارسه في الجاهلية من حرية اتخاذ القرار، وأنه لابد للقبيلة من أن تعلن بنفسها عن موقفها من الأحداث التي تحيط بها أو تمسها في قليل
، 281
(28) ابن سعد: نفس المصدر، جـ 7 قسم 1 ص 72، الطبري: نفس المصدر، جـ 3 315 - 316، ابن عبد البر: نفس المصدر، جـ 1 ص 336، ياقوت: دار احياء التراث العربي، بيروت سنة 1979 م، جـ 2 ص 435، الحميري: نفس المصدر،
ص 232.
معجم
البلدان
(29) ابن سعد: نفس المصدر، جـ 1 قسم 2 ص 81، مسند أحمد بن حنبل، جـ 1 ص 44، منتخب کنز العمال، جـ ه 372، ابن عبد البر: نفس المصدر، جـ
ص 189
24
- (1/28)
صفحة 29
أو كثير. ويبدو أن ملكي عمان كانا قد اكتفيا بالاقرار بالاسلام لعمرو وأبي زيد، وبرهنا على ذلك بنشاطهما في ارسال الرسل لدعوة الناس الى الاسلام في أنحاء عمان أو بمعنى أصح في الجهات التي تدين لهم بالطاعة، وتركا الحرية للقبائل أو لبعضها من التي تود أن ترسل وفودها لمقابلة النبي للاقرار له شخصيا بالاسلام.
ومن
صحابة رسول الله من أهل عمان:
ومهما كان الأمر فقد أرسلت عمان أكثر من وفد للاقرار بالاسلام والبيعة للنبي على عادة العرب في ذلك الحين، فكان لأفراد ورجال هذه الوفود شرف الصحبة الرسول الله (ع) صلى الله ونظرا لتعدد الوفود التي أقبلت من عمان وقابلت النبي على نحو ما ذكرنا، فقد أصبح نصيب عمان من صحبة رسول الله عظيما، أسف أن كتب التاريخ غير العمانية لم تشر الى الصحابة العمانيين كثيرا، ولم يشر اليهم مؤرخو عمان الا نادرا، حتى اننا نرى الشيخ سالم السيابي المؤرخ العماني المعاصر، يظهر الحسرة والألم لذلك في كتاباته، وعندما تصدى لهذا الموضوع نراه يقدر عدد الصحابة من أهل عمان بخمسة فقط (30)، وقد أسهب آخرون مثل ابن رزيق صاحب الفتح المبين في ذكر السادة البوسعيديين في ذكر الصحابة من الأوس والخزرج وغيرهم على اعتبار أنهم من الأزد، ولم يذكر أحدا من أهل عمان ممن كانوا صحابة رسول الله، ولذلك وجدنا أنفسنا مطالبين بابراز هذا
من
(30) طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي، ص 5:
13، 10
-
25
- (1/29)
صفحة 30
الجانب من الحياة الاسلامية في عمان، نظرا لأن هؤلاء الصحابة العمانيين هم الذين تولوا نشر الاسلام في عمان بعد أن عادوا الى بلادهم مدفوعين في ذلك بقوة الايمان واليقين وشرف الصحبة لرسول الله، ومنهم من كرر اللقاء برسول الله مثل مازن بن غضوبة
وغيره ممن لم تذكرهم كتب التاريخ
، وعبد الله
ومن أوائل الصحابة العمانيين الذين أشارت اليهم بعض كتب التاريخ والطبقات مازن بن غضوبة السعدي الطائي السمائلي وكعب بن برشة الطاحي وسلمة بن عياد الأزدي، ومهرى بن الأبيض الثمالي، ومسلية بن هزان الحداني، ويبرح بن أسد الطاحي. وقد ورد ذكر هؤلاء الصحابة العمانيين فيما سبق من حديث (31). أما الذين لم نذكرهم بعد فهم كثير، منهم صحار بن عباس العبدي، نسبة الى عبد القيس عمان (32) من أوس الدمائي أو الذماري العماني (33)
وأبو شداد
بن
(31) انظر الصفحات 14
24
(32) وفد صحار العبدي على النبي وأسلم وكان من أخطب الناس، وكان فاضلا خيرا عابدا روى عن النبي ثلاثة أحاديث، اشترك في فتح مكران وغيرها وجاء ببشارة فتحها وأخماسها الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان من خاصة أبي الشعثاء جابر بن زيد، ومن شيوخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، انظر، ابن حبيب: المحبر، ص 294، مسند أحمد بن حنبل جـ 3 ص 483، جـ ص 31، الطبري: جـ 4 ص 74، 167، 182، السمعاني: جـ 4 ص 138، المباركبوي: رجال السند والهند: دار الأنصار، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1398 هـ، ص 335، سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي، ص 23 (33) أدرك أبو شداد الدماني أو الذماري النبي وقرأ كتابه عليه، وعاش مائة وعشرين عاما، وسكن عمان، وذكر انه أتاهم كتاب النبي في قطعة من أدم من محمد رسول الله الى أهل عمان: سلام، أما بعد، فأقروا شهادة أن لا اله الا الله، وأني رسول الله، وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد وكذا وكذا والا (غزوتكم، فلم يجدوا أحدا يقرأ ذلك الكتاب حتى وجدوا غلاما فقرأه عليهم. أما كلمة ذماري فيقول أبو عمر انها الدماري، وصاحب الاستيعاب انها دمائي، نسبة الى دماء، وهي قرية من قرى عمان، وربما كان هذا الصحابي يأتي ذمارا باليمن للتجارة =
-
26
- (1/30)
صفحة 31
وحذيفة بن محصن البارقي الأزدي العماني (34)، وأبو صفرة ظالم ابن سراق العتكي على اختلاف في الروايات (35)، والخريت
34)
•
-
أو لغيرها فقالوا فيه العماني الذماري. ولاغرابة في ذلك فقد كان الاتصال بين عمان واليمن مفتوح الأبواب وما أزد عمان وغيرهم من قبائل عمان الا مهاجرين أصلا من اليمن، فعمان يمانية حسا منذ و معنى التاريخ القديم، انظر، ابن عبد البر. الاستيعاب جـ 4 ص 1687 ابن حجر: الاصابة في تمييز الصحابة، جـ ص 199، سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي، ص 27. يخلط ابن سعد في طبقاته (جـ 2 قسم 2 ص (64 بين حذيفة بن محصن الأزدي وبين حذيفة بن اليمان، ويقول ان النبي استعمل الأخير على أزد دبا لأنه منهم، وهذا ليس بصحيح، لأن حذيفة ابن اليمان من عبس، وكان مقيما بالمدينة وخليفا لبني عبد الأشهل من الأنصار، ولذلك اعتبر حذيفة هذا وأبوه من الأنصار، وآخى النبي بينه وبين عمار بن ياسر، وقتل أبوه في أحد، وأرسل النبي حذيفة هذا ليندس بين الأحزاب ليتعرف أخبارهم أثناء حصارهم للمدينة، وقد ولاه عمر بن الخطاب المدائن عام 16 هـ واشترك في فتح فارس في موقعة نهاوند عام 21 هـ وفي فتح غيرها من المدن، وتولى عام 36 هـ حكم المدائن، فهو أنصاري ليس له علاقة بعمان ولا بأهل عمان
•
انظر، ابن هشام جـ 1 ص 506، جـ ص 122، 231، 232، الطبري: ج 2 ص 568530، جـ 3 ص 588، جـ 4 ص 23، 110، 119، 119، 120،
127 وما يليها.
أما حذيفة بن محصن الذي نقصده فهو حذيفة بن محصن البارقي الأزدي العماني الذي سماه صاحب الاستيعاب باسم حذيفة القلعاني، والطبري باسم حذيفة بن محصن الغلفاني، وربما تكون كلمة الغلفاني أو القلعاني تحريف لكلمة القلهاتي نسبة الى قلهات احدى مدن عمان، وحذيفة بن محصن هذا وفد على الرسول من عمان وكان من صحابته، وهو الذي أرسله الرسول الى أهل دبا لأنه منهم وكتب له كتابا بذلك. ويبدو أن حذيفة أتى مرة أخرى ضمن الوفد الذي أقبل مع عمرو بن العاص عمان الى المدينة عقب وفاة الرسول، وبقي فيها حتى أرسله أبو بكر الصديق لقتال أهل دبا بعد أن تمرد كبيرهم لقيط بن مالك الأزدي، فقضى على لقيط وقتله بمساعدة قوات أخرى أرسلها أبو بكر، وبقي حذيفة في عمان حاكما لها، ثم خرج مع بعض أهل عمان للاشتراك في الفتوحات مع بقاء منصبه في عمان حيث استمرت ولايته عليها
الى عام 17 هـ
•
من
انظر ابن سعد: جـ 7 قسم 1 ص 72، اليعقوبي: تاريخه، جـ 2 ص 131، الطبري:
ج 3 ص 281، 310، 316، 018، 521، 623، جـ ص 29، 81،
3 - 84، 94 ابن عبد البر: ج 1 ص 336
(35) أبو صفرة ظالم بن سراق أو ابن سارق العتكي الأزدي العماني والد المهلب، قيل ان اسلامه كان على يد النبي، ولذلك عده الحافظ بن حجر في الصحابة على خلاف في ذلك، =
27 -
- (1/31)
صفحة 32
ابن راشد الناجي (36)، وخالد بن سدوس بن أصمع أو ابن أطمع السعدي الطائي (37)، وزيد وزيد بن جابر بن سدوس بن
وذكر عن ابن السكن أن أبا صفرة قدم على النبي كي يبايعه وعليه حلة صفراء يسحبها خلفه ذراعين، وله طول وجثة وجمال وفصاحة لسان، فلما رآه النبي أعجبه ما رأي من جماله، فقال له من أنت .. ؟ قال أنا قاطع بن سارق بن ظالم .. أنا الملك بن الملك .. فقال له النبي: أنت أبو صفرة، دع عنك سارقا وظالما، فقال: أشهد أن لا اله الا الله وأنك عبده ورسوله، حقا حقا يارسول الله ان لي ثمانية عشر ولدا ورزقت بنتا سميتها صفرة، فقال له النبي: فأنت أبو صفرة. وذكر ابن حجر حديثا رواه أبو صفرة عن النبي أخرجه الطبراني. غير أن عبد البر في الاستيعاب ذكر اسلامه في عهد النبي وأنه أدى اليه الصدقات ولكنه لم يره و لم يفد عليه، ووفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بينما يذكره ابن سعد في طبقاته على انه من الطبقة الأولى من التابعين، ونظرا لأنه من أهل دبا بعمان فقد وفد على أبي بكر الصديق للشفاعة في بعض أهل دبا الذين أسروا أثناء تمرد لقيط بن مالك، لوما عفا الصديق عنهم عاد بعضهم الى عمان وتوجه آخرون الى البصرة وأقاموا فيها، وكان معهم أبو صفرة والد المهلب. انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب، جـ 4 ص 1692، 1693، ابن حجر: الاصابة جـ ه، ص 260، ابن سعد الطباقات جـ 7 قسم 1 ص 72، سيف البطاشي: تاريخ المهلب، ص 17، 18
(36) الخريت بن راشد الناجي، السامي، من بني ناجية من عمان، وفد على النبي ولقيه بين مكة والمدينة في وفد بني سامة بن لؤي، فاستمع اليهم وأشار الى قوم من قريش فقال: هؤلاء قومكم فانزلوا عليهم، وبعد وفاة النبي اشترك الخريت في قتال لقيط بن مالك في دبا بعمان عندما تمرد لقيط وأتباعه، وتصدت لهم قوات جيفر وعبد ملكي عمان بمساعدة قوات أرسلها أبو بكر الصديق للقضاء على هذا التمرد، وكاد لقيط ينتصر لولا المساعدة والمدد الذي جاء به الخريت بن راشد مع قومه من بني ناجية، وسيحان بن صوحان العبدي مع قومه من عبد القيس العمانيين، مما أدى الى هزيمة لقيط وأتباعه، وانصرفت قوات أبي بكر الى مهرة وحضرموت للقضاء على تمرد ظهر فيهما وسار عدد كبير من ناجية والأزد وعبد القيس وراسب وسعد من بني تميم من عمان مع قوات الخلافة للقضاء على هذا التمرد الجديد، وفي عهد عمر وعثمان اشترك الخريت في الفتوحات الاسلامية وتولى ولاية فارس عام 29 هـ بعد هزيمة أهل اصطخر
انظر، الطبري: تاريخه، جـ 3 ص 315، 316، جـ 4 ص 266
خطامة
من
(37) خالد بن سدوس من بني أصمع من ولد سعد بن نبهان من بني سرح من بني طبيء، وبنو سرح بعمان كما يقول ابن رزيق وهم أهل صباء، وهي قرية بوادي حطاط،
ويقول أن خالدا هذا وقد على النبي وأسلم
انظر: ابن رزيق: الفتح المبين ص 33.
35
—
- YA- (1/32)
صفحة 33
الله أطمع (38)، وعبد بن وهب الراسبي (39)، وجابر بن عبد (40)، وعبيد بن دحى الجهضمي (41)، وكدن بن
الله الراسبي عبد العتكي (42)، وعم حسناء بنت معاوية الصريمية (43)، ونبيه بن حواب المهري المهري (44)، وأبو ظبيان الأعرج
(38)
(39)
زيد بن جابر بن سدوس بن أطمع، من بني سلوس من بني نبهان من طبيء وهم بعمان وقد وفد زيد هذا على النبي وأعلن اسلامه في تاريخ لا يحدده العوتبي الصحاري، ولعل هذا الصحابي وقريبه الصحابي السابق وفدا الى المدينة أثر وفادة قريبهما الثالث مازن بن غضوبة السعدي، والسعدي نسبة الى سعد بن نبهان من طبيء بعمان، كما يشير صاحب الاستيعاب الى صحابي آخر من الطائيين يسمى عمرو بن المسبح أو المسيح بن كعب بن طريف بن عصر الثعلي الطائي.
الله
انظر: العوتبي: الانساب جـ 1 ص 259، ابن عبد البر: الاستيعاب ج 3 ص 1201 بن وهب الراسبي صحابي وفد على النبي من عمان وأسلم وكان معروفا بالزهد كثير العبادة حتى لقب بذي الثفنات، قاتل ابن الهرمزان عام 16 هـ وشهد فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص، وقتل في معركة النهروان عام 37 هـ. انظر، الطبري، تاريخه جـ 4 ص 37
الرياضي، ص 21
75، 87، سالم السيابي: طلقات المعهد
(40) جابر بن عبد الله الراسبي، وبنو راسب من أزد عمان، روي عنه أبو شداد الأزدي الذي قدم هو وأخوه من سروات الأزد على رأس مائة من قومه، فقابلوا النبي وأسلموا جميعا وكتب لهم
(41)
(42)
النبي
كتابا
الى جميع الأزد، وأجلسه إلى جانبه وأكرمه غاية الاكرام، اذ كساه رداءه، وأعطاه حذاءه وعصاته.
أحمد
بن
انظر، ابن عبد البر: الاستيعاب، جـ 1 ص 221، منتخب كنز العمال بهامش مسند الامام
حنبل
، ج
ص 216.
-
0217
عبيد من دحى الجهضمي، والجهاضم من عمان، سكن هذا الصحابي البصرة بعد أن رحل من عمان،
وروى عن النبي حديثا واحدا.
انظر، ابن عبد البر: الاستيعاب، ج 3 ص 1016
•
كدن بن عبد العتكي، والعتيك من أزد عمان، قدم هذا الصحابي على النبي وأسلم وروي عنه ابنه
لفاف
كدن بن
•
انظر، ابن عبد البر: الاستيعاب، ج 3 ص 1332.
(43) عم حسناء بنت معاوية الصريمية، صحابي ذكره ابن سعد في طبقاته ولكنه لم يذكر لنا اسمه وذكر انه روي لابنة أخيه حسناء حديثا عن رسول الله ذكره ابن سعد.
انظر ابن سعد: الطبقات الكبرى، جـ 7 ق 1 ص 09
(44) نبيه بن حواب المهري، صحابي وفد على النبي من أهل مهرة وأسلم ومات بالمدينة فطلب النبي النبي أن يجدوا له وارثا فبحثوا فوجدوا عبد الله بن أنيس من قضاعة من بني البرك بن وبرة أخي كلب بن وبرة،
وكان حليفا لبني سلمة من الأنصار.
انظر، ابن سعد: الطبقات الكبرى، جـ 7 2 ص 191، 192
-
29
- (1/33)
صفحة 34
كثير بن
مازن من
الغامدي، واسمه عبد شمس بن الحارث بن الأزد (45)، ومالك بن الخشخاش التميمي (46)
من
غامد
وهناك عدد آخر الصحابة تذكرهم كتب الأنساب من
العمانية القديمة وبعض كتب الطبقات والسيرة والتاريخ (47)، (45) أبو ظبيان الأعرج، صحابي كان أحد فرسان العرب المشهورين، ذكره القسملي في كتابه عند ذكر فرسان العرب الثلاثة، وكان فارسا شاعرا، وقد على النبي وكتب له كتابا، وكان هذا الصحابي في ألفين وخمسمائة من العطاء، اشترك في فتوحات العراق وكان صاحب راية غامد
يوم
القادسية
انظر، العوتبي: الأنساب ج 2 ص 173، ابن رزيق: الفتح المبين ص 7 (46) مالك بن الخشخاش، من بني تميم، من أحفاده أبو الحر التميمي من الأباضية الذين كانوا موجودين في مكة أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وانضم الى جيش أبي حمزة الشاري العماني الذي زحف على بلاد الحجاز من اليمن وحضرموت عام 129 هـ 746 م.
انظر، الدرجيني: الطبقات جـ 2 ص 262، 263، سالم بن حمد بن سليمان الحارثي:
العقود الفضية، ص 175
(47) من هؤلاء الصحابة أبو حوالة عبد الله بن حوالة الأزدي روى عن النبي ثلاثة أحاديث، (مسند أحمد بن حنبل، ج 3 ص 33، 288، جـ 4 ص 100، 109، السمعاني ج 1 ص 120)، وجنادة الأزدي (ابن سعد جـ 7 قسم 2 ص 194، ابن عبد البر: الاستيعاب جـ 1 ص 97)، والحجن بن المرفع من غامد من الأزد (العوتبي جـ 2 ص (174، وأبو فاطمة الأزدي الدوسي روى عن النبي حديثين (مسند أحمد بن حنبل جـ 3 ص 428، ابن سعد جـ 7 قسم 2 ص 198، ابن عبد البر: الاستيعاب جـ 4 ص 1726، 1727)، ومنيب بن مدرك الأزدي الذي يذكر انه رأي الرسول في الجاهلية ثم أسلم وصحب النبي، (ابن عبد البر: ج 4 ص 1486، ذيل المذيل للطبري جـ 11 ص 585، 586)، ووبر بن يحنس الأزدي الذي قدم بكتاب النبي الى الأبناء باليمن (الطبري جـ 3 ص 158، 187، 231، 236، ابن الأثير ج 2 ص 338، والطفيل بن عمرو الدوسي وهو من ذرية مالك بن فهم (ابن هشام جـ 1 385، العوتبي: ج 2 ص 235 236)، ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي الذي كان حليفا لآل سعيد بن العاص ولذلك سكن مكة وأسلم وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، وقدم على النبي وهو بخيبر عام 7 هـ وروي عن النبي حديثين، توفي عام 40 هـ (ابن هشام ج 2 ص 359 361، مسند أحمد بن حنبل جـ 3 ص 426، جـ 5 ص 425، ابن عبد البر: جـ 4 ص 1478، 1479، العوتبي جـ 2 ص 236)، والحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله النبي الى صاحب بصرى وقتله شرحبيل بن عمرو الغساني (ابن عبد البر جـ 1 ص 297، 298، ابن الأثير أسد الغاية جـ 1 ص (408، وعروة بن أبي الجعد البارقي الأزدي: روي عن النبي حديثين، وذهب الى بلاد العراق بعد وفاة النبي واشترك في الفتوحات (مسند بن حنبل جـ 4 ص 375، 376، ابن سعد: جـ 6 ص 21، الطبري: جـ 3
ص 382
أحمد
-
ص 379).
-
-
،
- (1/34)
صفحة 35
ولكنها لا تعطينا توضيحا كافيا يدل على أن هؤلاء الصحابة من عمان، وتكتفي بالاشارة الى أنهم من الأزد، والأزد كما هو معروف تفرقوا في البلدان بعد انهيار سد مأرب في عام 130 م، وهاجر معظمهم الى عمان، الا أن بعضهم سكن أنحاء أخرى من بلاد العرب (48)، ولذلك اكتفينا بمن أوردنا من الصحابة الذين كانوا من أهل عمان فعلا، سواء عاشوا على أرضها أو رحلوا عنها فيما بعد الى غيرها من الأمصار الاسلامية، يدل على ذلك تلك النهايات التي تنتهي بها أسماؤهم، مما يدل على أنهم جاءوا من قبائل عمانية كانت ولازالت تعيش في عمان الآن، أو من حتى و قرى عمانية لازالت موجودة في عمان حتى اليوم، مثال ذلك: العتكي، والعبدي والجهضمي والعودي، والثمالي والأزدي، والمهري، والتميمي والراسبي، والحداني والحداني، والنا. والناجي، والسدوسي، والطائي. وعلى ذلك فقضية انتسابهم الى عمان أمر غير مشكوك فيه على أي حال الأحوال. من
مدن
وهذا العدد الوفير من الصحابة الذين تبعهم عدد كبير من التابعين (49)، ان دل على شيء فانما يدل على حسن اسلام أهل
(48) مايلز: الخليج، بلدانه وقبائله، ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثالثة
سنة 1986 م، ص 37 – 38 (49) من هؤلاء التابعين العمانيين على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر: كعب بن صور الأزدي الذي كان أول من قدم من عمان الى البصرة بعد تمصيرها عام 14 هـ وقتل أثناء معركة الجمل عام 36 هـ، وزيد بن صوحان العبدي الذي اشترك في الفتوحات وقطعت يده يوم نهاوند عام 21 هـ وقتل يوم الجمل، وأبو الشعثاء جابر بن زيد اليحمدي الذي رحل من عمان الى البصرة وأنشأ المذهب الأباضي وتوفي عام 96 هـ، وأبو الحلال زرارة بن ربيعة العتكي الذي روي عن عثمان بن عفان، والمهلب بن أبي صفرة العتكي الذي رحل الى البصرة وساد بها حتى سميت بصرة المهلب وتولى حكم خراسان وقضى على الخوارج الأزارقة ومات على 83 هـ، وسالم بن عبد الله، سمع من أنس بن مالك، وجيفر بن جشم العتكي، وغيلان بن جرير العتكي، وكان =
العتكي
-
31 (1/35)
صفحة 36
عمان وعلى
بلى الله
وعلى اخلاصهم لهذا الدين. وقد لاحظ النبي (ع) هذه الروح الطيبة منذ اللحظات الأولى التي التقى فيها ببعض العمانيين، فقال فيهم وفي الأزد وغيرهم من أهل عمان كثيرا من أقوال المديح
ثقة وله أحاديث، وربيعة بن أبي الحلال العتكي، وأبو روح تبرح ومازن ابنا كنان الراسبي، وكانا عابدين زاهدين، عاشا في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وعقبة بن صهبان الراسبي، كان ثقة وتوفي عام 76 هـ، وأبو الوازع جابر بن عمرو الراسبي، وأبو سلمة غالب ابن خطاف الراسبي، وأبو هلال محمد بن سليم الراسبي توفي عام 165 هـ، وأبو شيخ خيوان ابن خالد الهنائي، كان ثقة وله أحاديث، مات قبل عام 51 هـ، وضمام بن السائب الندبي الأزدي، كان أحد رواة جابر بن زيد والربيع بن حبيب، ولمازة بن زياد الجهضمي الأزدي، كان ثقة وسمع من علي بن أبي طالب، وأبو بكر يزيد بن حازم الجهضمي، كان ثقة ومات عام 147 هـ، وأبو النضر جرير بن حازم بن يزيد الجهضمي، كان ثقة وتوفي عام 170 هـ، نهار عقبة بن عبد الغافر العوذي الأزدي، كان ثقة وقتل عام 83 هـ، وأبو واسع معمر بن واسع العوذي، أدرك انس بن مالك، وأبو عمرو بشر بن حرب الندبي الأزدي، روي عن رافع بن خديج وأبي سعيد الخدري، وكهمس بن طلق الصريمي الذي كان من الثائرين على حكم بني أمية عقب خروج أبي بلال مرداس بن حديد التميمي في عهد يزيد بن معاوية. وهذا قليل من كثير ممن ذكرتهم كتب الطبقات والسير والأنساب، ولعلك تلاحظ أسماء القبائل التي تنتهي بها اسماؤهم والتي تدل على أنهم من أهل عمان
وأبو
انظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 1 ص 84، 85، 154، جـ 7 قسم 1
ص 65، 66، 94، 106، 108، 112، 113، 130، 131، 155، 163،
،،، Y
20 ، 19 ،9
164 ، جـ 7 قسم 2 ص، 32، 36، 45، ابن قتيبة: الأوائل، ص 69، 70، ابن عبد البر: الاستيعاب جـ 3 ص 1318، 1319، جـ 4 ص 1692، سير، ج 1 ص 66، 76، السمعاني:: الأنساب: ج 2 ص
، 184، 256
الشماخي ج 3 ص 25، جـ 4 ص 155، 257، البخاري: التاريخ الكبير، جـ 1 قسم 2 ص 204، ابن دريد: الاشتقاق، ص 501، ابن الأثير: أسد الغابة: ج 4 ص 479، 480،
ابن حمد الحارثي: العقود الفضية، ص 93.
-
105، سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي، ص 30
سالم
•
ومن تابعي التابعين، نذكر الجلندى بن مسعود بن جيفر بن الجلندى الذي قامت على يديه اول امامة اباضية في عمان عام 132 هـ / 749 م. انظر: أبو زكريا الأزدي: تاريخ الموصل، ص 155، الشماخي: السير، جـ 1 ص 109 سالم الحارثي: العقود الفضية، ص 53، قصص وأخبار جرت في عمان، ص 49، والربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي العماني الذي تولى رئاسة الدعوة الاباضية في البصرة والمشرق بعد وفاة امامها الثاني أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عام 145 هـ / 762 م وهو صاحب أقدم كتاب دون في السنة، وهو الذي أرسل حملة العلم الخمسة الى عمان والذين يعتبرون أيضا من
=
-
32 (1/36)
صفحة 37
ودعا لهم بالخير والبركة (50)، كما أقر (ع) عبدا وجيفرا في حكم بلادهم وكذلك فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما الله عنهما، جزءا لهما على اخلاصهما في نشر الاسلام في عمان (51)، وقد كال عمرو بن العاص بعد أن عاد من عمان عقب وفاة الرسول المديح والثناء لجيفر وعبد ابني الجلندى ابني الجلندى، فقال عنهما انهما "صدقا
كبار تابعي التابعيين وهم بشير بن المنذر النزواني، ومحبوب بن الرحيل، وموسى بن جابر الازكوي، ومحمد بن المعلى الفشحي الكندي، ومنير بن النير الريامي الجعلاني، وكلهم من عمان عدا محبوب بن الرحيل الذي أتي اليها وصار من أهلها.
-
انظر: سالم الحارثي: العقود الفضية، ص 139 - 149، 156، سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي، ص 43، 45، 47، 49، 51، أحمد مهني صالح: هذه مبادئنا،
ذلك
عمان سنة 1987 م، ص 135 (50) من المديح الذي ورد عن النبي (ع) في عمان وأهلها مارواه أحمد بن حنبل في مسنده (جـ 1 ص 54، کنز العمال جـ ص (372 بسنده، وابن عبد البر في استيعابه (جـ (ص 189) من أن النبي () قال: (اني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح البحر بناحيتها، بها حي من العرب لو أتاهم رسولي مارموه بسهم ولا حجر. كما امتدح الرسول (ع) عبد القيس من سكان عمان والبحرين فقال صلوات الله وسلامه عليه: أسلمت عبد القيس طوعا وأسلم الناس كرها، فبارك الله في عبد القيس)، (انظر، کنز العمال بهامش مسند احمد بن حنبل جـ ه ص 307، 308)، كما قال الكثير في مدح الأزد وفي الاشادة بشجاعتهم وأمانتهم، من ما قاله لأصحابه عندما رأي وفود الأزد تقبل عليه: أتتكم الأزد أحسن الناس وجوها، وأعذبهم أفواها، وأصدقهم لقاء)، انظر: كنز العمال، جـ ه ص 302. كما قال ان الأمانة في الأزد والحياء في قريش) ودعا لهم قائلا: (اللهم اجير كسيرهم وأو طريدهم وارض بريهم، ولاترد منهم سائلا)، انظر كنز العمال، جـ ه ص 302، كما قال انه سوف يكثر رواد) حوضه علي أهل عمان انظر: الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، ص 258، الشماخي، السير، ج 1 ص 106. كما أشار الى وفرة الخير في عمان فروي عنه أحمد والترمذي والنسائي كل بسنده عن النبي انه قال: (من أعيته المكاسب فليأت عمان فان خيرها كثير وبرها وفير)، انظر: السيد عبد الحافظ عبد ربه: الاباضية مذهب وسلوك، ص 317. وفي نفس المعنى جاء في الأثر أن النبي قال: (من تعذر عليه الرزق فعليه (بعمان انظر: القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد،
من
ص 56
(51) القلقشندي: صبح الأعشي في صناعة الانشا، وزارة الثقافة، مصر سنة 1985 م، جـ 6 ص 380، قصص وأخبار جرت في عمان، لمجهول، ص 24، محمد عبد الله السالمي وناجي
عساف: عمان تاريخ يتكلم، المطبعة العمومية، دمشق، سنة 1963 م، ص 100،
10
33
-
= (1/37)
صفحة 38
بالنبي
وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم
وكانا لي عونا على من خالفني
فرددتها في فقرائهم، (52)
-
، فأخذت الصدقة من
أغنيائهم
مواقف أهل عمان الاسلامية في عصر الخلافة الراشدة:
وقد برهن العمانيون على حسن اسلامهم وعلى الاخصهم ووفائهم لدولة الاسلام والخلافة أبي بكر الصديق منذ اللحظة الأولى التي سمعوا فيها بوفاة النبي، وعلموا فيها أن عمرو بن العاص عائد الى المدينة، فسارعوا بإرسال وفد كبير يسير في صحبته، وكان هذا الوفد يتكون من سبعين رجلا من الأزد وعبد القيس، وعلى رأسه رجال مشهورون، منهم عبد بن الجلندى، وجيفر بن جشم العتكي، وأبو صفرة سارف بن ظالم، أو سارق بن ظالم العتكي ورجل يسمى حمامي بن جرو بن واسع بن وهب، من ولد مالك ابن فهم، من نسله ابن دريد، ورجل يسمى سعيد بن غزال من بني عمرو بن مالك بن فهم (53)
ولما وصل هذا الوفد الى المدينة وقابل أبا بكر الصديق، قام أبو صفرة وقال "ياخليفة رسول الله ويا معشر قريش، هذه أمانة كانت في أيدينا وفي ذمتنا ووديعة لرسول الله عليه السلام قد برئنا اليكم عنها. فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرا، وكتب الصديق
(52) ابن طولون الدمشقي: اعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، دمشق، سنة 1348 هـ، ص 29، سيدة الكاشف: عمان في فجر الاسلام، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية سنة 1982 م، ص 24.
(53) ابن دريد: الاشتقاق، ص 501، نورالدين السالمي: تحفة الاعيان، جـ 1 ص 62
-
34
- (1/38)
صفحة 39
الى أهل عمان كتابا يشكرهم ويثني عليهم، وأقر جيفرا وأخاه عبدا على ملكهما، وجعل لهما أخذ الصدقات من أهل عمان وحملها اليه (54)، وزاد في تشريف الوفد العماني الكبير بأن كلف زعيمه عبد بن الجلندى بالارتحال الى بني جفنة في جنوب الشام لتأديبهم والقضاء على تمردهم. فقام عبد بمهمته التي كلف بها خير قيام، وسافر على رأس جيش كان فيه بعض الصحابة، مثل حسان بن ثابت وغيره، وانتصر على بني جفنة وعاد الى المدينة ظافرا، فشكره أبو بكر وأثنى عليه ثناء جما (55)
لم يكتف العمانيون بالتدليل على حسن اسلامهم واخلاصهم للدين الجديد على هذا النحو فقط، بل إنهم انفعلوا بالحياة الاسلامية انفعالا قويا حتى انهم سارعوا بالمشاركة في القضاء على حركة التمرد التي كانت في شمال عمان في منطقة دبا، فأعانوا جيوش أبي بكر الصديق في التصدي لهذه الحركة التي قادها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وقضوا عليها، ثم انطلقوا مع جيش أبي جهل الى منطقة مهرة أو بلاد الشحر ثم الى
عكرمة بن حضرموت للقضاء على ماظهر فيها من حركات مماثلة (56)، ولما بدأت حركة الفتوحات واستولى المسلمون على بلاد العراق وأخذوا في مطاردة يزدجرد الثالث آخر أكاسرة الفرس، حاول يزدجرد هذا أن يحول أنظار المسلمين الى ميدان آخر حتى لا يستمروا في (54) ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق د. احسان عباس، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، جـ 4 ص 329، مجهول: قصص وأخبار جرت في عمان، ص 42، 44، محمد السالمي
وناجي عساف: نفس المرجع، ص 100، 101
(55) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، جا (56) الطبري: جـ 3 ص 315 ـ 316.
63
-
- (1/39)
صفحة 40
مطاردته، كما انه أراد أن يبدد جهودهم ويشغل جيوشهم التي كانت تطارده، فأرسل بعض القوات الفارسية لاحتلال جزيرة ابن كاوان (57)، والقفر منها الى عمان وباقي منطقة الساحل الشرقي لبلاد العرب، ولكن عثمان بن أبي العاص الثقفي والي عمر بن الخطاب على هذه المنطقة تمكن من دحر القوات الفارسية وقتل قائدها بفضل قواته العمانية التي قادها بنجاح لصد هذا الهجوم، كما قضي على حملة أخرى أرسلها يزدجرد لاحتلال جزيرة القسم وقطع الطريق على المسلمين الموجودين في جزيرة ابن كاوان (58)، وانطلق عثمان بعد ذلك من عمان والبحرين وعبر الخليج ومعه ثلاثة آلاف من أهل عمان، قاتل بهم شهرك، ذلك القائد الفارسي الذي كان يزدجرد قد أرسله لقتال العرب ودفعهم عن فارس، فهزمه عثمان وقتله عام 23 هـ (59)
وانطلق العمانيون أيضا تحت قيادة والي عمان حذيفة بن محصن الغلفاني الى بلاد العراق للاشتراك في القتال الدائر مع الفرس في الجبهة الشمالية، وهاجر عدد كبير منهم الى مدينة البصرة منذ أن مصرت على يد عتبة بن غزوان عام 15 هـ، واختطوا بها منازلهم واستمرت هجراتهم اليها حتى صاروا أغلبية سكانها وصاروا عدة للولاة والقواد العرب الذين انطلقوا من هذا المصر وفتحوا أقاليم ايران اقليما بعد اقليم سواء في عهد عمر بن الخطاب أم في
(57) جزيرة ابن كاوان تسمى أيضا جزيرة أوال وهي دولة البحرين اليوم، انظر: أنور عبد العليم:
الملاحة وعلوم البحار عند العرب، ص 78.
(58) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 68
(59) ابن دريد: الاشتقاق، ص 530، الطبري: جـ 4 ص 177
- 36 - (1/40)
صفحة 41
عهد عثمان بن عفان (60)
العمانيين
وبعد أن هدأت حركة الفتوحات شارك كثير من بنصيب كبير في تولي المناصب السياسية والادارية والقئاية والعسكرية في دولة بني أمية وفي دولة بني العباس، وساعدوا الدولة الاسلامية في القضاء على خصومها في الداخل مثل الخوارج الأزارقة الذين قضي عليهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني عام 77 هـ (61) أو الخوارج النجدات الذين هزموا جيوش ابن الزبير واحتلوا عمان فتصدى لهم العمانيون وقاتلوهم وأجلوهم عن بلادهم في عام 67 هـ (62)، أو الخوارج الصفرية الذين هرب زعيمهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري من العراق الى عمان فتصدى له العمانيون في جلفار وقتلوه في عام 134 هـ (63)
تهيؤ أهل عمان للدعوة لنشر الاسلام:
وانطلاقا من هذا النشاط الاسلامي الكبير الذي قام به العمانيون سواء على أرض عمان أو في الولايات الاسلامية الأخرى برزت عمان في مجال آخر كدليل واضح على حسن اسلامها
(60) الطبري: جـ 3 ص 518، 521، جـ 4 ص 29، 83. 84، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان جـ 1 ج 1 ص 69 (61) الطبري: جـ 5 ص 618، ابن أعثم الكوفي: الفتوح، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1986 م، جـ 3 ص 215، 216، 422، جـ 4 ص 19، 20، النويري:
20 ص 524، 525، جـ 21 ص 149 – 157.
(62) ابن الأثير: جـ 4 ص 203، النويري: جـ 21 ص 56. (63) أبو زكريا الأزدي: تاريخ الموصل، ص 155، النويري: جـ 21 ص 522، قصص وأخبار جرت في عمان المؤلف مجهول، ص 49، فاروق عمر: الخليج العربي في العصور الاسلامية، دار القلم، دبي، سنة 1983 م، ص 177
- 178
37
? (1/41)
صفحة 42
وانفعالها بالحياة الاسلامية. هذا الميدان هو ميدان العلم والفكر والثقافة فقد ازدهرت على أرضها علوم التفسير والحديث والفقه وعلوم اللغة والأدب من نحو وشعر ونثر وبلاغة، وأصبحت عمان بلدا يرتحل اليه الطلاب لتلقي العلم والمعرفة. مثال ذلك ما يحكيه لنا ابن النديم وابن خلكان أن أبا سعيد الحسن بن عبد الله بن من المرزبان السيرافي النحوي المعروف بالقاضي، خرج من بلده سيراف قبل بلوغه سن العشرين، ومضى الى عمان وطلب فيها العلم وتفقه بها، ثم عاد الى سيراف ومضى الى مدينة عسكر مكرم فأقام بها فترة ثم رحل الى بغداد وسكنها وتولى القضاء بها، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، كما انه شرح كتاب سيبويه شرحا جيدا وألف عددا من الكتب، منها كتاب "ألفات الوصل والقطع، و كتاب أخبار النحويين البصريين، وكتاب الوقف والابتداء، وكتاب صفة الشعر والبلاغة وشرح مقصورة ابن دريد، وتوفي عام 368 هـ عن عمر ناهز الأربعة والثمانين عاما (64)
وبمرور الأيام أصبحت عمان بفضل علمائها وفقهائها وأدبائها مركزا هاما من مراكز الحركة العلمية والدينية في الدولة الاسلامية، وقد أدى قيام عمان بدور المعارضة السياسية لدولة بني أمية ودولة بني العباس الى محاصرة نشاطها العلمي الى حد كبير، لهذا النشاط بالظهور الا علاقات عمان
ولم يسمح
عبر
الجماعات الأباضية التي كانت تعيش في خراسان والبصرة، وفي
(64) ابن النديم: الفهرست، تحقيق د. ناهد عباس عثمان، دار قطرى بن الفجاءة، قطر، الطبعة الاولى سنة 1987 م، ص 126، ابن خلكان، نفس المصدر ج 2 ص 78، 79
— (1/42)
صفحة 43
شمال وشرق افريقيا، حيث تبودلت الكتب، وارتحل العلماء والطبة من عمان الى هذه البلدان، ومن هذه البلدان الى عمان (65)، وانهمر على أرض عمان سيل غزير من الانتاج العلمي في مجال الدراسات الفقهية واللغوية والأدبية والدينية، يشهد بذلك ما أصدرته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة بلغ عدد مجلدات احداها أكثر من كتب في التراث، من
عمان
التسعين مجلدا
•
كما أن العمانيين الذين تركوا عمان وأقاموا في الأمصار الاسلامية الأخرى ثم عادوا الى عمان وأقاموا فيها أو تركوها مرة أخرى، شاركوا كما أشرنا في كافة الأنشطة الحضارية ومنها النشاط العلمي والثقافي والفكري، وبرز منهم علماء وأدباء وفقهاء و محدثون بارزون، نذكر منهم على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، جابر بن زيد (18 96 هـ) والربيع بن حبيب (ت 170 هـ)،، أولهما علماء وفقهاء القرن الأول للهجرة البارزين من و من كبار التابعين، وهو صاحب الديوان ومؤسس المذهب الأباضي وواضع قواعده وأسسه، وثانيهما من علماء القرن الثاني الهجري وصاحب الجامع الصحيح الذي يعتبر أول كتاب مدون في الحديث النبوي الشريف (66)
—
وكذلك عبقرية عمان والعرب والمسلمين جميعا الخليل بن
(65) أبو سعيد الكدمي: الاستقامة، تحقيق محمد أبو الحسن، مسقط، وزارة التراث سنة 1985 م، ج 1 ص 5، الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق ابراهيم طلاي، الجزائر سنة 1974 م،
ج 2 ص 278، 293، الشماخي: السير، ج 1 ص 09 ج 2 ص 201 البرادي: الجواهر، مخطوط، ص 218 – 219.
(66) أنظر الحاشية (50) ص 31 - 33.
، 203 - (1/43)
صفحة 44
أحمد الفراهيدي الأزدي اليحمدي (100 170 هـ) الذي نشأ في ودام الساحل بالمصينعة بساحل الباطنة بعمان، وغلبت عليه الأباضية كما قال ابن عبد ربه، ورحل الى البصرة وأصبح نجمها المتؤلق، فابتكر علم العروض، ومعجم العين، والميزان الصرفي، الى غير ذلك مما ابتكره وبرز فيه (67)، مما لا مجال للحديث عنه
الآن.
-
وكذلك أبو العباس المبرد (210 - 286 هـ) الذي نشأ في بلدة مقاعس التي تقع بين صحم والخابورة بساحل الباطنة بعمان، والذي كان اماما في النحو واللغة، وهو صاحب كتاب الكامل في الأدب، وكتاب الروضة، وكتاب المقتضب وغير ذلك مما بز فيه أقرانه (68). وكذلك شاعر عمان المشهور أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (223 321 هـ)، الذي نشأ بعمان
-
وتنقل بين البصرة وفارس وبغداد، وكان أعلم الناس في زمانه باللغة والشعر وأيام العرب وأنسابها، وانتهى في اللغة الى مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد فيها أشياء لم توجد في كتب المتقدمين، وكان يقال انه أعلم الشعراء وأشعر العلماء، ولما مات قيل مات علم اللغة، ومع انه عاش معظم أيام حياته في العراق ومات فيه، الا أن المسعودي لم ينس أن يصفه بأنه عماني (69)
(17) ابن عبد ربه: العقد الفريد، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1986 م، ص 10، الزبيدي: طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، مكتبة الخانجي، مصر، الطبعة الأولى سنة 1954 م، 47، المسعودي: مروج الذهب، جـ 4 ص 366 السمعاني: جـ 4 ص 357، ابن
ص 43.
-
خلكان: ج 2 ص
244. 248
-
-
320
(68) الزيدي: ص 108 - 120، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، تحقيق عبد السلام هارون دار المعارف، الطبعة الخامسة (بدون تاريخ، ص 377، ابن خلكان: جـ 4 ص 313 (69) الزيدي: ص 201، المسعودي: مروج الذهب، جا 360، 362، السمعاني: جـ 2 ص 473، ابن خلكان: جـ 4 ص 323 - 328
40
- (1/44)
صفحة 45
فيه
وما سقناه عن عمان ونشاطها الفكري ليس الا اشارات خاطفة للتدليل على بروزها في هذا المجال الذي لانود الاسترسال لأنه خارج عن نطاق دراستنا. واذا كانت عمان قد برزت على هذا النحو في ميدان النشاط العلمي والأدبي والديني، وبقدر ما أتاحته لها ظروفها السياسية، فقد برزت أيضا في مجالات الحياة الأخرى، اذ أخذ عدد سكانها يتزايد، والحرف الصناعية تنتشر في البلاد، وأخذت كل أسرة في عمان تقريبا تشجع أبناءها على الانخراط في الأعمال الملاحية والتجارية، وأخذ سيل من الثروة يتدفق على عمان ويفسح أمامها الطريق لحياة الازدهار والغنى، كما تدعم التعاون الاجتماعي والاستقرار العائلي، وأخذت القرى والأحياء المزدهرة تبرز وتنمو في كل بقعة من البلاد، واتسعت رقعة الأرض الزراعية، واتسعت دائرة النشاط التجاري والملاحي، وساد البلاد نموذج من الحياة المتحضرة بعد أن كانت قبل وقت قصير غارقة في جهالة الوثنية والجمود والصراعات القبلية (70) وهكذا كان اسلام أهل عمان، وهكذا كان أثر الاسلام في أهل عمان، هذا الأثر الذي جعلها مهيأة تماما لأن تقوم بدور هام وبارز في نشر هذا الدين الجديد وتثبيت أقدامه في كل مكان حل به طلاب العلم ودعاة الاسلام من أهل عمان، وفي كل مكان وصل اليه التجار العمانيون، وفي مكة حيثما يلتقي الحجاج في بيت الله الحرام باخوانهم من أهل عمان (71)، يتبادلون الرأي والمشورة والنصيحة في بث عقيدة الاسلام وفي مقاومة الكفر والوثنية
(70) ما يلز: الخليج بلدانه وقبائله، ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثالثة
سنة 1986 م، ص 64
•
(71) د سيدة الكاشف: عمان في فجر الاسلام، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية سنة
1982 م، ص 37
• (1/45)
صفحة 46
الفصل الثاني
العمانيون والملاحة والتجارة
ونشر الاسلام في جنوب شرق آسيا
تهيأ العمانيون كما أشرنا في ختام الفصل السابق لحمل أمانة الدعوة الى الاسلام ونشره في كل مكان يمكن أن يصل اليه تجارهم أو دعاتهم، والدعوة الى الاسلام كما هو معروف أمر واجب على كل مسلم وخاصة اذا كان هذا المسلم مؤهلا أو مهياً لذلك. وقد قام أهل عمان بهذا الواجب خير قيام خاصة وأن الأباضيين الذين يشكلون أغلبية سكان عمان اعتبروا أمر الدعوة الى الاسلام واجبا دينيا يقتضيه المذهب الأباضي الذي يعتنقونه، يؤيد ذلك ما جاء في مخطوط السير والجوابات من أن "واجب الأباضية الدعوة خارج المصر - أي خارج عمان ــ الى الدخول في دين الله، ويؤيده أيضا ما جاء في سيرة الشيخ أبي المؤثر الصلت بن خميس، من أن الأباضية لو استطاعوا أن يتعدوا مصرهم الى غيرهم لوجب ذلك عليهم حتى يتمكنوا من دعوة الناس للدخول في دين الله والتسليم للعدل، (1)
-
فالدعوة الى الاسلام عند أهل عمان واجب اسلامي عام
وواجب مذهبي خاص، أي أنه أمر يقتضيه مذهبهم ويحث عليه،
(1) مخطوط السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، لمؤلف مجهول، تحقيق د
مسقط، وزارة التراث، سنة 1986 م، ج 1 ص 13، 14
سيدة الكاشف:
،
-
42 ـ (1/46)
صفحة 47
ولهذا فقد قاموا بدور مشكور وفعال في نشر الاسلام في كثير من أنحاء آسيا وأفريقيا، ساعدهم على ذلك طبيعتهم وطبيعة بلادهم وموقعها الهام. واذا كان الانسان ابن البيئة، فان العمانيين لم يخرجوا على هذه القاعدة، فبلادهم فرضت عليهم نموذجا معينا من الحياة، وهي حياة البحر والملاحة والتجارة الاتجاه الى البحر دائما (2)، التماسا للرزق من صيد وملاحة فيه الى غيره من البلدان، للمتاجرة ونقل السلع بين بلدان الشرق والغرب ساعدهم على ذلك أنهم نشأوا في بيئة بحرية مثالية في جنوب الجزيرة العربية وفي بلاد ظهيرها طارد (3)
1
--
العوامل التي أدت الى توجه العمانيين الى البحر: ـ
أما أنهم نشأوا في بيئة بحرية مثالية فذلك لعدة أمور منها موقع بلادهم، وما تتمتع به من امتلاكها لسواحل طويلة، وموانيء صالحة لرسو السفن. ومعروف أن عمان تتمتع بموقع جغرافي ممتاز، اذ أنها تقع في الركن الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب وتتحكم في مدخل الخليج عند مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية البالغة سواء في الزمن القديم أو الوسيط وحتى والخليج كما هو معروف كان معبرا هاما للتجارة بين الشرق والغرب منذ فجر التاريخ، وبذلك اكتسب أهمية جغرافية وتاريخية وسياسية
الآن،
(2) احمد عبيدلي: مقدمته لكتاب كشف الغمة، دلمون للنشر، نيقوسيا، قبرص سنة 1985، ص 06، هامش (2)،
Marsh & Kingsnorth, An Introduction to the history of East Africa, Combridge, 1961, P. 6
(3) شوقي الجمل: تاريخ كشف افريقيا واستعمارها، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية،
•
سنة 1980 م، ص 47 (1/47)
صفحة 48
عظيمة، لدرجة أنه لم يكد يوجد بحر داخلي في العالم له نفس هذه الأهمية، وقد انعكست أهمية هذا الخليج على عمان فصارت بموقعها المتحكم في مدخله من ناحية الجنوب لها نفس أهمية الخليج ان لم تزد (4)
أكثر
من
من
ذلك أن اسمها في القديم كان يطلق على المنطقة الممتدة ظفار حتى قطر، وكانت تتداخل مع منطقة البحرين القديمة التي كانت تسمى جزيرة ابن كاوان والتي كان أهلها شراة (أباضية) مثل عمان، مما يدل على مدى التداخل بين البلدين، وبذلك كانت عمان دولة كبيرة المساحة واسعة النفوذ (5)، اذ سيطرت على نصف الساحل الغربي للخليج العربي وعلى أكثر من نصف الساحل الجنوبي لبلاد العرب، وهذا الموقع بهذا الشكل وهذا الامتداد سواء في الخليج العربي أو في بحر العرب جعلها مكانا وسطا بين منطقة القرن الافريقي وساحل شرقي افريقيا من ناحية، وبلاد الهند وما خلفها من ناحية ثانية، وبذلك أصبحت مركزا للتبادل التجاري بين هاتين المنطقتين، وكان العمانيون يحملون سلع كل منهما الى الأخرى (6)، كما أن هذا الامتداد في الخليج العربي وعلى بحر العرب أعطاها ميزة أخرى وهي التمتع بسواحل طويلة تطل عليها (7)، وهي سواحل مهيأة بطبيعتها لقيام الموانيء البحرية،
(4) محمد أبو العلا محمد: موقع عمان الجغرافي وعلاقاتها المكانية، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1985 م، ص 9، 17، 21 – 22 (5) ابن خرداذبة: المسالك والممالك، ص 62، أحمد عبيدلي: مقدمته لكتاب كشف الغمة،
ص 106، هامش (2).
(6) جيان: وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن افريقيا الشرقية، ترجمة يوسف كمال، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1927 م، ص 26.
(7) تمتد سواحل عمان المطلة على بحر العرب وخليج عمان وحدها لمسافة 1800 كم، انظر، محمد أبو العلا محمد، نفس المرجع، ص 9
-
--- (1/48)
صفحة 49
اذ أنها سواحل صخرية ورملية، كثيرة التعاريج، تحف بها جبال تحميها من الرياح القوية كما أن مياهها عميقة الغور، فمتوسط عمق عمان يزيد على ألف قدم، ولذلك قامت على هذه السواحل
خليج
موانيء محمية طبيعيا منذ القدم (8)
العصور
وقد أشارت أقدم المصادر والمراجع فعلا الى وجود مواني عمانية قديمة مثل ميناء أوفير الذي اختلف حول مكانه الحقيقي انه الباحثون ورجح بعضهم ظفار عند ميناء مرباط، وأن هذا هو الميناء كان مركزا لتبادل السلع في الشرق الفسيح منذ أقدم اذ أشارت اليه التوراة في سفر التكوين باسم سفار (9)، وقد أشار مؤلف دليل الملاحة في القرن الأول للميلاد الى وجود وجود ميناء عمانه Omana (1) ، كما أشار بليني الأكبر (23) - (79 م الى مدينة تسمى أكيلا Acila بالقرب من رأس مسندم على أنها ميناء كانت السفن تبحر منها إلى الهند (11). وقد أفاض الرحالة والجغرافيون المسلمون القدامى في ذكر مواني عمان الأخرى مثل صحار ومسقط ومرباط وصور وقلهات وسمهرم وغيرها من المواني التي كان لها نشاط تجاري قديم يعود الى القرون الأولى للميلاد (12)، حتى قال الاصطخري الذي توفي قبل
(^)
يسمى
محمد أبو العلا محمد: نفس المرجع، ص 22، عبدالرحمن العاني: دور العمانيين في الملاحة والتجارة الاسلامية حتى القرن الرابع الهجري، مسقط سنة 1981 م، ص 6. (1) حوراني: العرب والملاحة في المحيط الهندي، ترجمة د. يعقوب بكر، مكتبة الأنجلو المصرية،
(9)
بدون تاريخ، ص 139
(10) المرجع السابق
، ص
01
-
(11) المرجع السابق، ص 52
(12) عبد المنعم عامر: عمان في أمجادها البحرية، مسقط، وزارة التراث، يونية، سنة 1980 م،
ص 12
14
45 (1/49)
صفحة 50
عام 350 هـ / 961 م عن ميناء مثل صحار انه لاتكاد تعرف على شاطيء بحر فارس - ويقصد به البحر المتصل من الصين حتى القلزم - بجميع بلاد الاسلام مدينة أكثر عمارة ومالا من صحار، (13)، وقال عنها المقدسي الذي توفي عام 390 هـ / 1000 م انه ليس على بر الصين اليوم بلد أجمل منه، وأنها أي صحار دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن، (14)، ولذلك ازدهر هذا الميناء وصار أعمر مدينة بعمان وأكثرها مالا وخيرات وتجارات ويسار وغنى (15)
وقد نتج عن هذه المميزات كلها أن أصبحت عمان المركز الرئيسي للتجارة على الساحل الغربي من الخليج (16)، كما أنها أصبحت بموقعها الهام وبسواحلها الطويلة وبموانيها العديدة مكانا صالحا لرسو السفن التجارية القادمة من بلاد الهند والسند والصين، أو من شرقي الخليج حيث سيراف ذات الشهرة العظيمة كمركز تجاري هام، أو من جنوب الجزيرة العربية الغربي حيث عدن بموقعها الهام المتحكم في مدخل البحر
الأحمر
من
الجنوب
وفي الوقت الذي توافر لعمان كل هذه المميزات البحرية من
موقع جغرافي ممتاز، ومن سواحل طويلة، ومن مواني صالحة لرسول السفن واستقبالها، كان ظهيرها طارد لأهلها تجاه البحر كما أشرنا في السابق، ذلك أن معظم أراضي عمان إما صحراء أو جبال جرداء غير خصبة، تحيط بها من الخلف أو الغرب رمال الربع
(13) مسالك الممالك، ص 25
(14) أحسن التقاسيم، ص 92.
(15) المصدرين السابقين ونفس الصفحات (16) عبد الرحمن العاني: نفس المرجع، ص 6
-
46
- (1/50)
صفحة 51
الخالي الفسيحة، تلك الرمال التي تكاد تعزل عمان عن باقي أجزاء
الجزيرة العربية وتدفعها دفعا للاتجاه الى البحر الذي يحيط بها من الشمال الشرقي والشرق والجنوب (17)، ولذلك كان طبيعيا أن يشتغل العمانيون بالملاحة والتجارة البحرية وأن يتسللوا الى المياه والمواني في مختلف البلدان المحيطة بالمحيط الهندي، ومعنى ذلك أن دورهم لم يكن قاصرا على استقبال السفن التجارية في موانيهم، بل انهم شاركوا في هذه التجارة العالمية بنصيب كبير كتجار
وملاحين
-
الأسطول العماني والاشتغال بالملاحة والتجارة:-
فقد وصل العمانيون الى بلاد الهند كما يقول آجارتا سيدس الذي عاش في مصر وأخرج كتابا عام 120 ق. م تحدث فيه عن البحر الأحمر والمنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية، وبوصول العمانيين الى الهند أصبحوا سادة التجارة الشرقية على الاطلاق بعد أن صنعوا السفن وأصبح لهم أسطولهم البحري الكبير، ذلك الأسطول الذي قام بنشاط كبير فيما بين الهند ومنطقة الخليج العربي، وكان بلا ريب هو الوسيلة الوحيدة لنقل حضارة بابل وسوسة ومينا الى الهند (18)
ومما يؤكد وجود هذا الأسطول العماني ويدل على قدم صناعة السفن في عمان منذ العصور القديمة ماتشير اليه احدى (17) محمد أبو العلا محمد: نفس المرجع، ص 9، 12. (18) ما يلز: نفس المرجع، ص 25، 30، والمقصود بسوسة هنا هي مدينة كانت على أحد فروع نهر الفرات وكانت هي وبابل محطة تجارية لكثير من الأقطار. انظر: أرنولد ويلسون: الخليج، ص 36.
-
47
- (1/51)
صفحة 52
دنجي
اللوحات السومرية والتي يرجع تاريخها الى عهد الملك أرو - 1450 ق. م) من وجود صناعة السفن في ماجان (19)، ولعل اسم ماجان نفسه دليل على هذا النشاط البحري للعمانيين، فهو يدل على أن أهل ماجان أو عمان كانوا أناسا يركبون البحر ويصنعون السفن (20). ومما يدل أيضا على قدم صناعة السفن في عمان ما يرويه لنا صاحب دليل الملاحة المعروف باسم "دورة حول بحر أريتريا والذي ألف في القرن الأول للميلاد وترجم الى اللغة الانجليزية باسم Periplus of the Erythrean Sea من أن عمان كانت تستورد دعائم وألواح السفن من (بريجازا) كما أنها صدرت
السفن المحلية المخيطة الى اليمن في زمن ظهور ذلك الكتاب (21) وظلت صناعة السفن في عمان تتطور وتتقدم حتى ازدهرت في القرن الأول للهجرة السابع للميلاد ازدهارا عاصر الرواج البحري
•
لعمان في ذلك القرن وقد ظهر أثر هذا الازدهار في بناء السفن في عمان أثناء الحملات البحرية التي وجهتها الدولة الاسلامية في عهد الخلافة الراشدة الى بلاد فارس عبر الخليج، فمما لاشك فيه أن عثمان بن أبي العاص الثقفي كان لا يستطيع الاقلاع من ساحل عمان الى جزيرة ابن كاوان وجزيرة القسم لمقاتلة الفرس في عهد عمر بن الخطاب (22)، الا على متن سفن لابد أنها كانت سفنا عمانية،
كما أن ملكي عمان سعيدا وسليمان لم يقاتلا جيوش الحجاج
(19) أرنولد ويلسون: الخليج، ص 24
•
(20) سعيد عاشور، عوض خليفات: نفس المرجع، ص 258
(21) محمد أبو العلا محمد: نفس المرجع، ص 23
(22) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 68.
48
- (1/52)
صفحة 53
ابن يوسف الثقفي التي أرسلها عن طريق البحر الا بواسطة سفن بحرية ومقاتلين ركبوا متن هذه السفن العمانية وتمكنوا من هزيمة
هذه الجيوش في عدة مواقع (23)
وقد دعمت عمان أسطولها البحري والتجاري بأسطول حربي قبيل نهاية القرن الثاني للهجرة في محاولة منها للقضاء على قراصنة الهند الذين كانوا يتعرضون للسفن العمانية أثناء رحلاتها بين الهند والصين وبين عمان، فتشير بعض المصادر والمراجع الى
أن امام عمان غسان بن عبد الله اليحمدي (192 – 207 هـ / 822 م) أنشأ أسطولا بحريا مسلحا لحماية الشواطيء
,
807
العمانية وتجارتها البحرية من هجمات القراصنة الهنود (24) اذ
اتخذ الشاذوات ـ وهي نوع من السفن للغزو وهو أول من
اتخذها بعمان وغزا فيها البوارج الهندية
أي شطوط وسواحل عمان
•
-
من هذه الشطوط، (25)،
وقد ازداد الأسطول العماني البحري قوة في عهد من
خلفه
من حكام عمان وخاصة في عهد الامام المهنا بن جيفر اليحمدي 237 هـ / 840 - (851 م حيث وصلت في عهده
??
226)
-
قوات عمان البحرية درجة عظيمة من القوة والاستعداد، اذ كان له أسطول ضخم يتكون من ثلاثمائة بارجة حربية مسلحة بالسلاح
(23) تمكن سليمان بن عباد بن عبد بن الجلندى حاكم عمان حوالي عام 67 هـ من انزل هزيمة ساحقة بأسطول الحجاج بن يوسف الثقفي أمام ميناء مسقط بعد أن حطم خمسين من سفنه الثلاثمائة بينما فرت باقي السفن الى عرض البحر. انظر: مايلز: الخليج، ص 68، نور الدين السالمي:
تحفة الأعيان، ج 1 ص 75
(24) مايلز: الخليج، ص 82.
(25) ابن مداد: سيرته، مسقط، وزارة التراث، يونية سنة 1984 م، ص 58
—?9— 49
-
- (1/53)
صفحة 54
العصري المعروف وقتذاك (26). وقد مكن هذا الأسطول حكام عمان من فرض سيطرتهم ونفوذهم على بعض البلاد سواء في الخليج العربي أو خارجه، مثال ذلك الامام الصلت بن مالك الخروصي 273 هـ / 851 - 866 م الذي أرسل أسطوله الى
237)
جزيرة سقطرى فاستولى عليها وحررها من نفوذ النصاري الذين كانوا قد سيطروا عليها (27). وقد أتي بعد ذلك في القرن الرابع الهجري حاكم عمان يوسف بن وجيه وأبحر في الخليج وقاد المراكب والشذوات العمانية عام 331 هـ/ 942 م وتغلب على الأبلة وهرب صاحبها ابن شيرزاد، وتقدم لاحتلال البصرة وكاد يستولى عليها لولا حيلة قام بها أحد الملاحين البصريين جعلته يتمكن من اشعال النيران في الأسطول العماني (28)
وقد بني العمانيون أسطولا آخر على وجه السرعة، يستفاد ذلك مما أشار اليه ابن الأثير من انه كان لعمان تسعة وثمانين مركبا عام 355 هـ / 966 م (29)، وعادت للأسطول العماني قوته حتى انه تمكن من احتلال البصرة في القرن التالي. ففي عام 431 هـ / 1039 م، سارت العساكر من عمان في البحر وحاصرت البصرة حتى تمكنوا من احتلالها وأخذ حاكمها الظهير ـ أبي القاسم - أسيرا. وكان حاكم عمان أبو الحسن بن
-
ـ
أبي
(26) سالم السيابي: عمان عبر التاريخ، مسقط، وزارة التراث، سنة 1982 م، ج 2 ص 171 نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 150.
(27) نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، جـ 1 ص 166، 168
(28) الهمداني: تكملة تاريخ الطبري، جـ 11، ص 339 - 340، نور الدين السالمي: تحفة
الأعيان،
، ج
ص
-
290
(29) الكامل، جـ 8 ص 568.
291
- (1/54)
صفحة 55
القاسم بن مكرم هو الذين أرسل هذه الحملة البحرية على البصرة بسبب النزاع الذي كان قد نشب بينه وبين حاكمها الذي كان قد تعرض لأموال وممتلكات كانت لحاكم عمان في هذه المدينة، فكاتب ملك عمان السلطان البويهي أبا كاليجار واتفق معه على أن يدفع له في ضمان البصرة ثلاثين ألف دينار زيادة عما كان يدفعه حاكمها في كل عام، فوافق الملك البويهي على ذلك وأطبق على المدينة بجنوده من البر، وأطبق عليها الأسطول العماني من البحر (30)
انشاء
واستمر تفوق عمان البحري مدة طويلة من الزمن ولم ينل منه الا عاملان، أحدهما هو ماقام به سلاطين هرمز من أسطول كبير غزوا به عمان في العصور الاسلامية المتأخرة عدة مرات، احداها عام 650 هـ / 1252 م عندما قام أمير هرمز المعروف بمحمود بن أحمد الكوسي وغزا ظفار ومنها اتجه الى قلهات متجها الى الشمال للقاء حكام عمان من بني نبهان، ولكن الحملة فشلت ومات معظم جنودها في الصحراء جوعا وعطشا (31)، والمرة الثانية كانت بعد ذلك في عام 674 هـ / 1275 م عندما تمكن الأمير الشيرازي فخر الدين الملقب بابن الداية من دخول نزوى على رأس جنوده الفرس أثناء حكم السيد عمر بن نبهان مستغلا اختلاف أهل عمان وتنازعهم، وأقام في نزوى ثلاثة أشهر عاد بعدها جند الفرس بعد أن مات أميرهم (32)
(30) محمد خليفة النبهاني: التحفة النبهانية، ص 287
(31) ابن مداد: ص 66
•
(32) المصدر السابق، ص 67.
- (1/55)
صفحة 56
ويبدو
أن سيطرة سلاطين هرمز عادت الى عمان مرة ثالثة في القرن التالي، اذ يشير ابن بطوطة أثناء زيارته لعمان حوالي عام 732 هـ الى أن كثيرا من البلاد الساحلية مثل قلهات وقريات وشبا وكلبا وخورفكان وصحار كانت تحت طاعة ملك هرمز السلطان قطب الدين تمهتن بن طوران شاه (33). أما المرة الرابعة فقد حدثت بعد ذلك بحوالي قرنين من الزمان عندما تمكن سلطان أن هرمز من يتقدم بأسطوله الكبير وغزا عمان وسواحل جنوب جزيرة العرب عام 866 هـ / 1461 م على رأس جيش مكون من عشرين ألف راجل وأكثر من ألف فارس، وهرب سلطان عمان السيد سليمان بن مظفر بن سليمان بن مظفر النبهاني الى الحسا (34)، وأقام سلطان هرمز فترة من الزمان في عمان واتخذ (بهلا) مقرا له ثم عين فيها من يأتمر بأمره (35)، ولم يلبث أن عاد الى بلاده بعد أن أضر بالمسافرين والتجار، و لم يترك لأحد مالا وأضعف البلاد وانقطع السفر من عمان، وعاد الى عدن،، (36) هذا عن العامل الأول الذي أضعف التفوق البحري لعمان، أما العامل الثاني فهو التواجد البرتغالي على سواحل عمان وفي المحيط الهندي منذ بداية القرن السادس عشر للميلاد هذا التواجد الذي أدى الى تحطيم الأسطول العماني وضياع السيادة البحرية العمانية الى فترة تقرب من قرن ونصف، عاد بعدها التفوق البحري
(33) رحلة ابن بطوطة، جـ 1 ص 296 -
297 1
(34) الحسا لعلها الأحساء، أو هي مدينة هجر بمنطقة الأحساء كما قال ابن بطوطة، انظر، رحلته
ج 1 ص 300.
(35) الحميري: ص 68
(36) المصدر السابق، ص 355.
- (1/56)
صفحة 57
العماني الى سابق قوته وعظمته (37). وقبل ظهور هؤلاء البرتغاليين ورغم هجمات سلاطين هرمز و شيراز على سواحل عمان في بعض فترات العصور الوسطى المتأخرة، فقد ظل لعمان في الفترات الأخرى التي سبقت هذه الهجمات أو أتت بعدها تفوقها البحري واستطاعت مع اليمنيين التحكم في التجارة البحرية
للشرق، وظل الأمر على ذلك حتى قدوم البرتغاليين (38)
واذا كان للعمانيين في العصور الوسطى سفنهم التجارية وأسطولهم الحربي وتفوقهم البحري على هذا النحو، فلابد وأنهم كانوا ملاحين مهرة وربابنة عظام، يدل على ذلك مارواه المسعودي أن من نواخذة (39) بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقلزم والحبشة كانوا من السيرافيين والعمانيين (40)، كما أشار الى أن أهل المراكب من العمانيين ــ و لم يذكر غيرهم ــ يقطعون خليج بربرة الممتد بين الحبشة والصومال أمام باب المندب الى جزيرة قنبلو (مدغشقر) من بحر الزنج، وأكد مرة ثانية على صفة هؤلاء البحارة الذين يصلون الى هذا المدى في بحر الزنج فقال انهم " من أهل عمان
-
(37) أرنولد ويلسون: الخليج، ص 66 - 69.
(38) المرجع السابق، ص 64.
-
(39) النواخذة: لفظ فارسي، مفرده ناخذاه أو النواخذاه أو ناخوذه، وجمعها نواخيذ أو نواخذه أصحاب السفن أي ملاكها أو وكلاؤهم عليها. والمشهور أن الناخوذه هو المتصرف في السفينة والمتولي لأمرها سواء كان يملكها أو كان أجيرا على النظر فيها وتسييرها وقيادتها. وكلمة
وهم
=
=
سيد، وهي
كلمة فارسية معربة.
سفينة، وخدا ناخذاه من ناو انظر، أنور عبد العليم: الملاحة وعلوم البحار عند العرب، ص 28، عبد الرحمن العاني:
دور العمانيين، ص 15
•
(40) مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1986 م
1 ص 131.
03 (1/57)
صفحة 58
وهي
عرب من الأزد (41) وأن مراكبهم تصل الى "سفالة أقاصي بلاد الزنج وهي غاية مقاصدهم في أسافل بحر الزنج، (42). وقد أبحر المسعودي نفسه من صحار الى ساحل شرقي افريقيا، كما أبحر في عام 304 هـ / 916 م من جزيرة قنبلو
الى عمان مستعملا هذا الخط الملاحي المعروف الذي يربط عمان بساحل شرقي افريقية (43)
وقد ذكرت المصادر أسماء عدد كبير من النواخذة والملاحين العمانيين، نذكر منهم على سبيل المثال أبا عبيدة عبد الله بن القاسم العماني الذي أبحر الى بلاد الصين ووصل الى ميناء كانتون حوالي عام 133 هـ / 750 م، وتعتبر رحلته من أقدم رحلات العرب الى بلاد الصين وتكاد تسبق رحلة سليمان السيرافي الى هذه البلاد بقرن كامل أو يزيد (44). وقد أشار الشماخي الى رحلة أبي عبيدة الى بلاد الصين، كما أشار الى رحلة غيره من تجار عمان وعلمائها مثل النظر بن ميمون وقال إنهم كانوا من خيار التجار الى بلاد الصين (45)، كما أشار غيره من المؤرخين الى غير هؤلاء من التجار والملاحين والنواخذة العمانيين مثل الناخذاه اسمعيلويه بن ابراهيم بن مرداس الذي خرج في عام 300 هـ / 912 م في سفينة من الى جزيرة قنبلو، ومحمد بن بابشاد بن حرام الذي كان يمضي في
(41) المصدر السابق، جـ 1 ص 106 – 107.
(42) المصدر السابق، جـ 2
(43) المصدر السابق، ج 1 ص 107
عمان
(44) تشانغ زون يان: الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعمان عبر التاريخ، مسقط، وزارة التراث، يولية سنة 1981 م، ص 8، 9، عبد المنعم عامر: عمان في أمجادها البحرية، ص 22 (45) السير، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، مسقط، وزارة التراث سنة 1987 م، ج 1 ص 94، 103
-
— (1/58)
صفحة 59
مركبه من فنصور في جزيرة سومطرة الى عمان عبر بحر هر کند خليج البنغال وبحر الهند حيث ينتهي به المطاف الى ميناء ريسوت بعمان، والربان عمران الأعرج الذي خرج في مركبه مع عدة مراكب أخرى الى جدة عام 325 هـ 936 م، ومردانشاة أحد نواخذة بلاد الفلفل، واسحاق الذي قدم من الصين عام 300 هـ / 912 م على ظهر مركب يملكه وحمولته، وكاوان الذي وصل عمان عام 317 هـ / 929 م في مركبه قادما من سرنديب (سيلان)، وجيفر بن راشد المعروف بابن لاكيس، وجهود كبوتاه الذي كان يتاجر مع بلاد الزايح (جزيرة سومطرة وله حادث طريف مع ملكها، ومحمد العماني (46)
بن
وغير هؤلاء من النواخذة العمانيين، هناك أيضا المعلم خواشير بن يوسف بن صلاح الازكي الذي كان يسافر في عام 400 هـ / 1010 م في مركب دبوكره الهندي، والناخذاه المعاصر له والمعروف باسم أحمد محمد ابن عبد الرحمن بن أبي الفضل ابن أبي المغيرى (47) أكثر الربابنة العمانيين شهرة في أواخر. ومن العصور الوسطى الربان الشهير أحمد بن ماجد الذي ترك أثرا في الملاحة سوف يظل مذكورا أبد الدهر، ويعتبر كتابه "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، أهم وثيقة وصلتنا في الجغرافيا الملاحية أحسن
من العصور الوسطى على الاطلاق، وتعتبر كتاباته من
(46) بزرك: عجائب الهند، ليدن سنة 1883 م، ص 51 – 54، 10، 93
172، 104، 100، 133 - 129
•
، 107،90
-
(47) ابن ماجد: ثلاث أزهار في معرفة البحار، تحقيق ونشر تيودور شوموفسكي، ترجمة وتعليق محمد منير مرسي، عالم الكتب، القاهرة، سنة 1969 م، ص 95 96، أنور عبد
د
العليم: نفس المرجع، ص 140
- (1/59)
صفحة 60
ماكتب في هذا المجال طوال تلك العصور، ولذلك لقب برئيس
علم البحر وأستاذه، كما لقب بالمعلم، والمعلم العربي، وناظم
""
وبيت المقدس، وشهاب الدين والدنيا، وأسد
القبلتين "مكة "مكة وبيت
البحار، وليث الليوث، ورابع ثلاثة من المعالمة المشهورين في محمد البحر، وهم بن شاذان، وسهل بن أبان، وليث بن كهلان (48). وقد عاصر أحمد بن ماجد ملاح عماني آخر من
عن
منه
(48) من أفضال ابن ماجد على الملاحة البحرية، أنه أول من طور البوصلة الملاحية بالمفهوم الحديث، وكانت في أيامه تسمى (الحقة). وكلمة البوصلة كلمة ايطالية وتعني الصندوق أو الحق، وهي ترجمة حرفية لكلمة (الحقة) العربية. وكتابه الفوائد) في أصول علم البحر والقواعد أقدم الوثائق الجيدة التي وصلتنا الملاحة في البحار الجنوبية بلغة من اللغات، كما أنه يلقي كثيرا من الضوء على ما بلغه العرب من تقدم في فنون البحر والملاحة حتى القرن الخامس عشر للميلاد، وعلى مدى تأثر البرتغال ومن ثم أوربا بالفكر العربي وبالتقاليد الملاحية العربية بشكل عام وفي المحيط الهندي بشكل خاص، وكذلك تأثر صاحب الموسوعة البحرية التركية التي تسمى (المحيط) والتي ألفت في القرن السادس عشر بكتاب ابن ماجد الذي يحتوي على كثير من المصطلحات العلمية والفنية التى تعتبر في حد ذاتها ثروة كبري للغة العربية، كما ان هذا الكتاب مثال لما يمكن أن تحتوي عليه المرشدات الملاحية العالمية، ويستخلص ومن أعمال ابن ماجد الأخرى ما يفيد بأن العرب هم الذين وضعوا أساس دستور البحر والتقاليد الملاحية بمفهومها الحديث. ولذلك ليس غريبا أن يقول أحد القواد الأتراك الذين أرسلهم السلطان العثماني لصد الغزو البرتغالي للبحار الجنوبية ولديار الاسلام، ان ابن ماجد أفضل ربابنة الساحل الهندي الغربي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مقدرة ونزاهة تغمده الله برحمته، وليس غريبا أيضا أن تظل شهرة ابن ماجد كبحار عظيم شائعة طوال العصر الحديث، اذ يقرر الرحالة الانجليزي ريتشارد بيرتون RICHARD BURTON في كتابه السبيل الى افريقيا واكتشاف هرر، طبعة لندن سنة 1856 م بأنه شاهد البحارة في عدن يقرأون الفاتحة للشيخ ماجد مخترع البوصلة، كما يقرر بر نسبس PRINCEPS عام 1928 م انه في اوائل القرن الماضي كان ملاحو جزر المالديف يستعينون بمرشد ملاحي يسمونه "كتاب ماجد"، ويقول قران إن وصف ابن ماجد للبحر الأحمر بغض النظر عن بعض خطوط العرض التي تستوجب التصحيح، لا تدانيه أية ارشادات أوربية خاصة بالسفن الشراعية، ولاغرو في ذلك فابوه كان ربانا يلقب بربان البحرين (بر العرب وبر العجم)، وقد دون هذا الربان تجاربه الملاحية في مصنف ضخم هو الأرجوزة الحجازية التي تضم أكثر من ألف بيت، كما كان جده أيضا ملاحا مشهورا، ولم يؤثر عنه أية مؤلفات، أما حفيده أحمد ماجد فقد عدّ بن له الباحثون ما يزيد على خمسة وعشرين مؤلفا غير مؤلفات أخرى مفقودة وردت الاشارة اليها في
كتاب الفوائد
المرجع
انظر، ابن ماجد: ثلاث أزهار، ص 93
، ص 12
، 98، 90 – 139، 13، 52 - 53 140، 144
نفس المرجع، ص 283.
100، أنور عبد العليم: نفس 145، 188، حوراني:
- (1/60)
صفحة 61
العمدة
مهرة يدعى سليمان المهري، كان ربانا قديرا من عرب الشحر، وله خمسة مصنفات في الملاحة أهمها المصنف الذي يسمى المهرية في ضبط العلوم البحرية ويرجع تأليفه الى عام 917 هـ / 1511 م، وله أيضا المصنف الذي يسمى "المنهاج الفاخر في علم البحر الزاخر،، (49)،، (49)، مما يدل دلالة قاطعة على شهرة العمانيين في الملاحة وركوب البحر طوال العصور الوسطى (50)
ولم تكن هذه المصنفات الملاحية التي ألفها ابن ماجد وسليمان المهري هي الأولى من نوعها في هذا الميدان، فقد أشار المقدسي في القرن الرابع للهجرة، أي قبل ذلك بحوالي خمسة قرون، الى أنه رأي مع البحارة الذين كانوا يعملون وقتها في البحار الواصلة ما بين الصين وعمان وعدن والقلزم (السويس)، وغالبيتهم كانوا عمانيين ـ يقول انه رأي معهم دفاتر في وصف هذه البحار وما فيها من جزائر، وما يهب عليها من رياح وما تتعرض له من ظروف مناخية أخرى، وأنهم كانوا يتدارسونها ويعولون عليها ويعملون بما فيها، وأنه أخذ من هذه الدفاتر واستفاد بما فيها في تأليف كتابه (51)
واذا كان العمانيون على هذا النحو من المقدرة والشهرة في ركوب البحر فلا غرابة اذا قال بعض الباحثين من أن الطريق البحري الى الشرق الأقصى كاد أن يكون حكرا على رجال البحر
(49) أنور عبد العليم: نفس المرجع، ص 146 – 147.
-
(50) ابن قتيبة: عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى، سنة 1986 م، جـ 2
المجلد الأول، ص 220
•
(51) أحسن التقاسيم، ص 10، 11
ov - (1/61)
صفحة 62
العمانيين دون غيرهم، وأن التجارات أصبحت في أيديهم حتى عام 264 هـ / 878 م حينما نهب المتمردون الصينيون مدينة كانتون وقضوا على الجاليات الأجنبية فيها (52)، وأن ملاحي عمان وتجارها كانوا هم العناصر المؤثرة في ازدهار النشاط العربي الملاحي في المحيط الهندي. فمن صحار ومسقط والمواني العمانية الأخرى برز عدد كبير من الملاحين العمانيين الأكفاء الذين أوردنا أسماء بعضهم والذين سيطروا على التجارة البحرية مع الشرق الأقصى وافريقية الشرقية (53)، وكانوا أكثر مهارة من السيرافيين بل وكانوا يتفوقون عليهم ويسيطرون على معظم الطرق التجارية البحرية لأنهم كانوا: أمهر المسلمين عامة في فنون البحار في العصور الوسطى، (54)
وقد نتج عن ذلك كله أن أصبحت عمان بلدا بحريا من الطراز الأول في العصور الوسطى، ففيها كانت تلتقي طرق التجارة العالمية، واليها كانت مراكب الصين والهند وغيرها تأتي محملة بأنواع التجارة (55)، ومنها كانت تمر السفن القادمة الخليج ومن عدن وشرقي افريقيا (56)، واليها كان يأتي التجار اليهود القادمون من أوربا عن طريق انطاكية ثم نهر الفرات الى الأبلة ثم الى عدن والهند والصين، وكان يقال لهؤلاء اليهود الرهدانية أو
-
من
(52) المسعودي: نفس المصدر، جـ 1 ص 139 - 140، عبد المنعم عامر: نفس المرجع ص 23. (53) عبد المنعم عامر: نفس المرجع، ص 37 (54) المرجع السابق، ص 24، حسين مؤنس: أطلس تاريخ الاسلام، الزهراء للاعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1987 م، ص 395.
(55) المسعودي: نفس المصدر، ج 1 ص 142 (56) المصدر السابق، جـ 1 ص 105.
107
11– (1/62)
صفحة 63
الراذانية، وذلك في القرن الثالث للهجرة (57)، بل ان عمان كانت ملتقى لبعض التجار الذين كانوا يسلكون البر منحدرين من سمرقند في آسيا الى البصرة ومنها الى عمان ثم الى الصين، وذلك اذا ما كانت هناك اضطرابات سياسية تمنع هؤلاء التجار من التوجه من سمرقند رأسا الى الصين (58)
واذا كانت عمان قد أصبحت ملتقى لطرق التجارة العالمية على هذا النحو، فان موانيها الهامة كانت المحطات الأمامية الرئيسية لهذه الطرق، ولذلك ازدهرت هذه الموانيء وأصبحت من أهم المراكز التجارية طوال العصور الوسطى وخاصة في القرون الأربعة الأولى للهجرة، نتيجة لما كانت تجنيه هذه الموانيء من أرباح وما كانت تحصله من مكوس وضرائب على التجارة الواردة اليها أو الصادرة منها، فقد أخذ سلطان عمان عام 317 هـ / 929 م – على سبيل المثال من بزرك حين قدم بسفينته الى عمان مبلغ ستمائة ألف دينار كعشور على ما فيها من أمتعة وسلع، وترك لمن فيها من التجار عشورا تبلغ نحو مائة ألف دينار سامحهم فيها ولم يحصلها منهم سوى ماسرق من العشور و لم يوقف عليه، (59)، ورد في نفس العام ربان آخر من سرنديب الى عمان بلغ ما أخذ منه من عشور على بضاعته ستمائة ألف دينار (60)
?
ونتج عن ذلك أن أصبحت عمان من أغنى بلدان العالم
(57) آدم متز: الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري، تعريب د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، بدون تاريخ، ج 2 ص 372
(58) المسعودي: نفس المصدر: ج 1 ص 141.
(59) بزرك: نفس المصدر، ص 130
(60) المصدر السابق، ص 133. (1/63)
صفحة 64
الاسلامي في العصور الوسطى، يدل على ذلك ما كانت تدفعه من اتاوة لبغداد عام 237 هـ / 851 م، فقد دفعت لها في ذلك العام مبلغ ثلاثمائة ألف دينار ذهبا (61)، أو ما يعادل أربعة ملايين ونصف من الدارهم، كما يدل عليه أيضا ما أهداه صاحب عمان الى الكعبة بعد عام 420 هـ / 1029 م فقد أهدى اليها "محاريب زنة المحراب أزيد من قنطار فضة، وقناديل فضية في نهاية الاحكام، وسمرت المحاريب في جوف الكعبة مما يقابل بابها، وذلك إثر أخذ أمير مكة أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني لحلي الكعبة من المحاريب وغيرها (62)، مما يشير الى غنى عمان وإلى رواج حالتها المادية والاقتصادية، ولم يكن ذلك بطبيعة الحال الا نتيجة لنشاطها التجاري والبحري وسائر أنواع الأنشطة الاقتصادية الأخرى (63)، ونتيجة لما كانت تنتجه عمان نفسها من سلع
•
هامة كانت تصدرها الى مختلف دول العالم في ذلك الحين فمن المعروف أن العالم القديم والوسيط كان بحاجة الى اللبان (البخور) لاستخدامه في المعابد والكنائس والقصور، وقد اشتهرت عمان بانتاج هذه السلعة منذ العصور القديمة وخاصة المنطقة الجنوبية التي كان لها أهمية بالغة في تلك الحقبة التي تلت عصر الاسكندر، فقد أنشي فيها ميناء سمهرم الذي أصبح ميناء تجاريا تؤمه السفن المسافرة الى الهند كما كان بها ميناء مرباط في صلالة) (61) ابن قدامة: الخراج، ضمن كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة، مكتبة المتنبي بغداد، بدون تاريخ، ص 249
(62) البكري: جزيرة العرب، من كتابه "المسالك والممالك، ذات السلاسل، الكويت سنة 1977 م، ص 38، الحميري: نفس المصدر، ص 413.
(63) ما يلز: نفس المرجع، ص 84 ـ 85.
-
60 (1/64)
صفحة 65
وهو من أوائل المواني العربية التي كانت تمر بها السفن القادمة رأسا من الصين والهند (54)، ذلك أن سمهرم ومرباط كانا يصدر منهما البخور أو اللبان الذي تنتجه ظفار، والذي كان يمثل عمود التجارة الأساسي في كل جنوب الجزيرة العربية منذ القدم، والذي كانت ظفار تعتبر الأولى في انتاجه في هذه المنطقة من بلاد العرب (65)، وتصدره الى دول العالم شرقا وغربا (66)
واذا كانت عمان قد شاركت في التجارة العالمية على هذا النحو كمصدرة لسلع هامة مثل البخور والتمور واللؤلؤ (67) وغيرها، فانها كانت أيضا محط أنظار السفن التي كانت تأتيها محملة بالعطور والمسك والزعفران والعاج واللؤلؤ والديباج والياقوت وخشب الأبنوس والنارجيل والصبر والحديد والرصاص والخيرزان والخزف والصندل والبلور والفلفل وغير ذلك مما كان يأتي من الصين والهند وشرقي افريقيا (68)
•
وقد أشار الى تجارة الصادر والوارد التي كانت تمارسها عمان، سليمان التاجر وغيره من الرحالة والجغرافيين، فقال ان
(64) عبد المنعم عامر: نفس المرجع، ص 10، 32.
(65) ابن عبد الحق: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، تحقيق علي محمد البجاوي، دار
المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1954 م، جـ 2 ص 904، وندل فيلبس: رحلة الى
عمان، ترجمة محمد أمين عبد الله، وزارة التراث، مسقط، سنة 1981 م، ص 101، 102
10
(66) الادريسي: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، نسخة بخط اليد ومصورة بمكتبة جامعة القاهرة، ص 31، القلقشندي: صبح الأعشى، ج. ص (2) المسعودي: مروج الذهب ـ جـ 1 ص 151، الاصطخري: ص 32، البكري: جزيرة ـ العرب، ص 35، 36، ابن بطوطة: ج 1 ص 299 (68) المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن، بريل، الطبعة الثانية، سنة 1967 م،
ص 97.
-
-
61 (1/65)
صفحة 66
معظم الأمتعة ومواد التجارة كانت تخرج من البصرة وعمان وغيرهما الى مدينة سيراف، فتأتي السفن الصينية منذ الزمن القديم لتشحن البضائع من هذا الميناء، ثم تعود مارة بساحل عمان وتتوقف عند صحار ومسقط كي تتزود بالماء والمؤن استعدادا للرحلة الطويلة الى بلاد الهند والصين (69)، ولذلك كان يقال ان لمسقط قدما في الجزيرة العربية وقدما في الهند (70)
وتعود هذه السفن وغيرها مرة أخرى الى عمان والى موانيها وخاصة صحار محملة بالسلع والبضائع، ولذلك ازدحمت هذه المدينة بالذات بالوافدين اليها من التجار الأجانب حتى قال ابن حوقل عنها انه كان بها من التجار والتجارة ما لا يحصى كثرة، (71)، وقال عنها الحميري أيضا انه كان يجلب اليها جميع بضائع اليمن، ومنها كان التجار يحملون سائر أنواع السلع لكل بلدة والى بلاد الهند والصين، ومنها كانت تسافر مراكب الصين في الزمن القديم (72). ولذلك لاغرابة بعد أن رأينا هذا النشاط الملاحي والتجاري العظيم، أن يقول المقدسي قولته المشهورة "من أراد التجارة فعليه بعدن أو عمان أو مصر،، (73)، وأن يقول باربوسا البرتغالي الذي كان شاهد عيان على مدى ازدهار المواني العربية الجنوبية ان العالم كله لم يعرف حتى الآن تجارة أوسع
(69) سليمان التاجر: سلسلة التواريخ، باريس سنة 1845، ص 15 – 16، حوراني، نفس المرجع، ص 208.
(70) وندل فيلبس: نفس المرجع، ص 10، 14.
(71) ابن حوقل: كتاب صورة الأرض أو المسالك والممالك، مكتبة الحياة، بيروت، سنة 1979،
ص 44 - 45
•
(72) الحميري: نفس المصدر، ص 354
(73) المقدسي: نفس المصدر، ص 35.
62 - (1/66)
صفحة 67
""
من تجارة هذا المكان أو أغنى (74)، وأن يقول آدم متز في العصر الحديث ان عمان وسيراف وعدن أكبر مرافيء المملكة الاسلامية على المحيط الهندي، وان البصرة والديبل وهرمز تليها في
الأهمية (75)
وهكذا ترى معي
كيف استفادت عمان من موقعها الجغرافي الهام على مدخل الخليج العربي الذي كان الشريان الرئيسي للتجارة الدولية بين الشرق والغرب منذ العصور القديمة وطوال العصور الوسطى، وكيف أنشأت عمان أسطولها التجاري البحري، وكيف صار أهلها من أمهر الربابنة والنواخذة والتجار، ونبغ فيهم عدد كبير خلد التاريخ أسماء بعضهم، وكيف ساهمت عمان في التجارة العالمية بما كانت تصدره من المر والبخور واللبان والنحاس، وكيف ازدهرت الحياة على أرضها نتيجة للنشاط التجاري الكبير الذي مارسه أبناؤها سواء في استقبال السفن التجارية في موانيهم الهامة التي كانت من أعظم المراكز التجارية في العالم القديم وعالم العصور الوسطى، أو في الاشتغال بالملاحة البحرية والتجارة والذهاب الى أقصى بلدان المعمورة لاستيراد السلع من بلدان الشرق الأقصى ومبادلتها بسلع بلدان أوربا وحوض البحر المتوسط، مما در عليهم كثيرا من الأموال وأنعش حياتهم الاقتصادية الى حد
كبير
واذا كان انتشار الاسلام مرتبطا بالتجارة كل الارتباط (76)،
(74) دافدسون: نفس المرجع، ص 274.
(70) الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري، ج 2 ص 437
Trimingham, I. Spencer: The influence of Islam upon Africa, London 1968, P. 39. (V 1)
63
- (1/67)
صفحة 68
واذا كان العمانيون كما رأينا من أنشط التجار والملاحين وأبرزهم في العصور القديمة والوسطى، ونظرا لأنهم حملوا على أكتافهم أمانة الدعوة الى الاسلام في كل مكان وصلوا اليه، سواء كانوا تجارا أو طلاب علم أو دعاة لمذهبهم خاصة وللاسلام عامة، اذن لا عجب أن قلنا انهم ساهموا بنصيب الأسد في نشر هذا الدين الخاتم أنحاء المعمورة وخاصة في بلاد الهند وجنوب شرقي
في كثير من
آسيا، وفي شرقي افريقيا، وهذا القول يحتاج الى تفصيل كبير
•
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام في بلاد
-
الهند وسرنديب وجزر المالديف:-
أنه
من
كان المدخل الى قيام العمانيين بنشر الاسلام في بلاد الهند وما جاورها من جزر هو النشاط الملاحي والتجاري، ولذلك رأينا المستحسن أن نبدأ بالحديث عن هذا النشاط ومظاهره وكيف أدى غيره من العوامل الأخرى الى نشر الاسلام ثم الى قيام سلطنات اسلامية في هذا البلاد، ونشير من البداية الى أن عمان كان لها نشاط ملاحي وتجاري عظيم مع كل الدول والبلدان التي تقع في طريق التجارة الذي يقع بين عمان والصين، وأولى هذه البلدان هي بلاد الهند بطبيعة الحال.
ويعود النشاط العماني البحري والتجاري مع الهند الى ما قبل الاسلام، بل الى ما قبل الميلاد، ذلك أن سفن العمانيين وغيرهم من سكان جنوب جزيرة العرب كانت هي السفن الوحيدة التي تمخر عباب المحيط الهندي، وكانت لهم بالهند جالية كبيرة على
64
- (1/68)
صفحة 69
سواحلها قرب نهر الهندوس، وهي التي سماها الهنود عربيته أو عربتاك، أي العرب، ولما أرسل الاسكندر المقدوني قائد أسطوله نيارك لاستكشاف بحر الهند، وجد بسواحل جدروزيا (مكران (والسند آثارا دالة على وجود الملاحة العربية لذلك العهد، وعلى نفوذ العرب هناك في ذلك الحين. من ذلك أنه رأي أسماء عربية أطلقت على بعض المدن، كما رأي سفنا عربية وربانا عربيا أرشده الى المسالك التي تسلكها السفن في ذلك البحر، كما سمع بكلمات عربية مثل كلمة جزيرة، واهتدى عند الساحل على مقربة من نهر الهندوس (السند الى القوم الذين سبق أن أشرنا اليهم باسم عربتاك أو عربيته بما يفيد بأن الملاحة في البحر الهندي كانت بأيدي العرب قبل الميلاد (77) وقد استمرت سيطرة العرب وخاصة عرب الجنوب على الملاحة في بحر الهند حتى ظهور الاسلام وقيام الدولة الاسلامية القوية التي بسطت نفوذها على كثير من أنحاء آسيا وافريقيا وفتحت جزءا كبيرا من بلاد الهند ذاتها وهي بلاد السند فيما يعرف الآن بجمهورية باكستان، مما جعل الاتصال بين العرب والهنود أقوى وأشد تأثيرا
والواقع أن بلاد الهند كانت في حاجة ماسة الى توطيد علاقاتها ببلاد العرب عامة وبعمان خاصة، اذ أن الهند كانت في حاجة شديدة الى اللبان البخور) الذي كان يأتيها عمان كما من سبق القول، كما أن حاجتها من العاج الافريقي كانت شديدة أيضا وكانت سفن عمان تنقل هذا العاج من ساحل شرقي افريقيا الى عمان نفسها أولا ومنها الى بلاد الهند، وكانت الهند تستهلك منه
(77)
جيان: نفس المرجع، ص 25، 449،
• 4
-
- (1/69)
صفحة 70
كميات كبيرة على الرغم مما فيها من أفيال، ولكن الصناع الهنود كانوا يفضلون العاج الافريقي على عاج أفيالهم لأنه كان يمتاز بليونته وسهولة تشكيله، فكانوا يصنعون منه أساور العروس التي كانت تحتم التقاليد أن تتحلى بالعاج من المعصم الى الكتف، كما كانوا أيضا مقابض السيوف والخناجر والحراب والشطرنج
يصنعون
وغير ذلك (78)
تأتيها
وكانت الهند أيضا في حاجة الى الخيول العربية التي كانت عمان ومن ظفار على وجه الخصوص (79)، فقد كانت من ظفار ولازالت تمتاز بكثرة مراعيها نظرا لسقوط الأمطار فيها لأكثر من ثلاثة أشهر في السنة، مما جعلها مركزا لتربية وتجارة الخيول بلاد الهند (80). وقد لاحظ ماركو بولو في القرن الثالث عشر للميلاد أهمية هذه التجارة، وقال انها كانت أهم علاقة تجارية بين عمان والهند (81)
•
وكما كانت الهند تشتري من عمان اللبان والخيول والبلح، فقد كانت تبيعها أقطان الهند الجيدة، والأقمشة والتوابل والعطور وخشب النارجيل جوز الهند" اللازم لصناعة وبناء السفن. فقد كانت مراكب العمانيين تقصد ميناء الديبل بأمتعتها وبضائعها حيث تجد مراكب الصين والهند محملة بالثياب والأفاوه العطرية الهندية فيشترون ذلك جزافا لأنهم أهل يسار وأموالهم كثيرة، (82)،
(78) سليمان مالكي: سلطنة كلوة الاسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1986 م، ص 86، 87. (79) ابن سعيد: كتاب الجغرافيا، ص 102، ابن بطوطة، رحلته، جـ 1 ص 285 (80) باولو كوستا: دراسة لمدينة ظفار، وزارة التراث، مسقط، سنة 1984 م، ص 12، 70.
(81) آدم متر: نفس المرجع، جـ 2 ص 348 (82) الحميري: نفس المصدر، ص 249، 250
• (1/70)
صفحة 71
ذلك أن أهل صحار وقلهات وظفار كانوا يفضلون ارتداء الملابس الأرز
المصنوعة من القطن المستورد من الهند، كما كان غذاؤهم هو
الهندي (83)
كانت السفن العمانية تقصد ساحل مالابار وهو الساحل الغربي لبلاد الهند حيث تعود الى عمان محملة بما أشرنا اليه من سلع، بجانب ما جلبته أيضا من شجر النارنج والأترج المدور والنارجيل (جوز الهند) حيث قام العمانيون وزرعوا النوع الأول والثاني في بلادهم بعد الثلاثمائة للهجرة، ثم نقلت زراعة النارنج من عمان الى البصرة والعراق والشام، يؤيد ذلك ما تذكره بعض المراجع من أنه كان للخليفة العباسي القاهر (320 - 322 هـ / 932 - (934 م بستان غرس فيه هذا الشجر الذي حمل اليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند (84). أما النوع الثاني وهو شجر النارجيل فقد استورده العمانيون من الهند وزرعوه في بلادهم كما قلنا ورآه الرحالة ناصر خسرو في عمان في القرن الحادي عشر للميلاد (85)، كما ذكر ابن بطوطة بأن هذه الشجرة كانت تزرع أيضا في ظفار في عصره، أي في القرن الرابع عشر للميلاد (86) كما ظهر في ظفار أيضا كثير من نباتات الهند الأخرى مثل الرانج والتنبل (87)
-
ونظرا لهذه العلاقات التجارية الواسعة بين الهند وعمان،
(83) ابن بطوطة: رحلته، جـ ص 285، 286، 296
(84) آدم متز: نفس المرجع، جـ 2 ص 306، 307.
(85) حوراني: نفس المرجع، ص 246
(86) ابن بطوطة: نفس المصدر، ج 1 ص 288.
•
12
-
(87) القلقشندي: نفس المصدر، جـ (1/71)
صفحة 72
فقد تكرر في المصادر ذكر وصول سفن عمان الى بلاد الهند، ووصول سفن الهند الى عمان. اذ يشير بزرك في أوائل القرن الرابع للهجرة العاشر للميلاد الى رحلات السفن بين سندبوار أو، تشول، جنوبي (بمباي وبين عمان، وكذلك من
فنصور في سومطرة الى بلاد الهند ومنها الى ميناء ريسوت في عمان (88)، كما يشير ياقوت الحموي الى أن أكثر سفن الهند ترسو بميناء قلهات العامر الآهل بالسكان الذي تمصر بعد الخمسائة للهجرة (89)، كما يشير ابن بطوطة الى النشاط التجاري البحري المتبادل بين الهند وعمان فيقول إن السلطان بكويل سلطان مدينة جرفتن التي تقع على ساحل الملبار شمال قاليقوط والتي تسمى الآن کنانور، له مراكب كثيرة تسافر الى عمان وفارس واليمن (90)، وأن أهل عمان كانوا يفرحون أشد الفرح عند وصول السفن الهند الى بلادهم، لأنهم أهل تجارة ومعيشتهم مما يأتي
القادمة
من
اليهم في البحر الهندي، (91)
ويشير ابن بطوطة أيضا الى وصول السفن القادمة من قاليقوط الى ظفار، ويقول إن حكام ظفار كانوا يبذلون غاية جهدهم في الترحيب بربابنة هذه السفن واكرامهم ومعاملتهم معاملة الأمراء. فقد كان الحاكم يرسل عبيده الى الساحل فيبحرون في صنبوق (قارب) الى السفينة القادمة ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله وللربان وهو الرئيس، وللكراني وهو
(88) عجائب الهند، ص 90، 144.
(89) معجم
البلدان، جـ 4 ص
(90) رحلة ابن بطوطة: ج 2 ص 642
(91) المصدر السابق، ج 1 ص 296
68
- (1/72)
صفحة 73
كاتب المركب، ويؤتى اليهم بثلاث أفراس فيركبونها، وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر الى دار السلطان، فيسلمون على الوزير وأمير الجند، وتبعث الضيافة لكل من بالمركب ثلاثا، وبعد الثلاث يأكلون بدار السلطان، وهم يفعلون ذلك استجلابا لأصحاب المراكب،، (92)
وبالمقابل كانت السفن العمانية ترسو بمواني الهند العديدة مثل ميناء تانه وفندرينا وكنباية وجرفتن، وكلها تقع على الساحل الغربي للهند المسمى بساحل ملبار (93)، وكان العمانيون يأتون الى هذه الموانيء ببضائعهم أو بالبضائع الأخرى التي يوكلون في بيعها، إذ كان بعضهم يعملون وكلاء لأهل العراق، فينقلون
بضائعهم إلى الهند ويعودون بسلع الهند الى العراق (94)
و مما سهل عليهم هذا النشاط وجود بعض المنازل التي بناها العرب من عمانيين وغيرهم على الساحل الغربي لبلاد الهند، وكان كل من هذه المنازل يبعد عن الآخر نصف ميل، مما جعلها أشبه بمحطات استراحة صغيرة، كان يؤمها التجار والرحالة العرب طلبا للراحة والتزود بالطعام والشراب وسائر ما يحتاجون اليه لرحلاتهم المقبلة مما سهل عليهم المرور بهذا الساحل الطويل (95)، كما أدي الى زيادة نشاطهم التجاري بدرجة ملحوظة.
وقد أعانهم على زيادة هذا النشاط وعلى التواجد على أرض
(92) المصدر السابق، ج 1 ص 285، 286
•
(93) الادريسي: نفس المصدر، ص 73، ابن سعيد: نفس المصدر، ص 105، 120
(94) حسين المسري: تجارة العراق في العصر العباسي، مكتبة ذات السلاسل، العراق، سنة 1982 م،
ص 379
(95) ابن بطوطة: نفس المصدر، جـ 2 ص 638، 639
-
69
- (1/73)
صفحة 74
الهند، حب وتشجيع بعض حكام هذا الساحل للعرب على القدوم والعمل والسكن في بلادهم. فيذكر ابن بطوطة على سبيل المثال أن سلطان مدينة قاليقوط فتح بلاده لتجار العرب، فكانت سفن أهل عمان واليمن وفارس تأتي الى بلده التي كانت مجمعا لهؤلاء التجار ولغيرهم من التجار القادمين من بلاد الصين وجاوة وسيلان والمهل (المالديف)، كما أنه كان محبا للعرب فكان يستعين بهم في أعماله ودواوينه، كما أنه أرسل أميرا عربيا يعرف بالسيد أبي الحسن " بأموال يستجلب بها من قدر عليه من العرب، لمحبته لهم (96)، اذ كان نشاطهم بطبيعة الحال يعود عليه وعلى رعيته بالفوائد الجمة والمال الوفير. وقد تطور هذا الأمر أو هذا النشاط التجاري العماني المتزايد على أرض الهند، الى استقرار كثير من التجار العمانيين في موانيء الهند وشاركوا الهندوس في سكني هذه المواني، وبنوا فيها المنازل الجميلة ذات الأبواب الضخمة التي رآها ابن بطوطة وقال انها كأبواب مدينة، كما بنوا المساجد الرائعة وتنافسوا في ذلك منافسة
شديدة محمودة حتى صار لكل دار مسجدها المجاور لها (97) ونتج عن هذه الحركة النشطة في البناء والعمران التي تجلت على أيدي التجار العمانيين وغيرهم من تجار المسلمين، أن بدت هذه المدن متقنة البناء، حسنة المظهر، واضحة العمارة (98)، كما نتج عنها أمر جد خطير، وهو أن هذه الدور تحولت بعد أن كثرت وتلاصقت الى مراكز تجارية كان يؤمها التجار العمانيون ويجعلون
(96) المصدر السابق، جـ ص 650
(97) المصدر السابق، جـ 2 ص 630
(98) الادريسي: نفس المصدر، ص 73، ابن سعيد: نفس المصدر، ص 105، 120
•
- (1/74)
صفحة 75
فيها الوكلاء ويتخذون فيها المخازن (99)، ومن أشهر هذه
المراكز: الديبل وصيمور وفندرينا
،
أما ميناء الديبل التجاري الهام الذي يقع جنوب نهر السند فتذكر بعض المصادر والمراجع أن تجار عمان كانوا يقصدون هذا الميناء، وتكاثروا فيه هم وغيرهم من المسلمين حتى أصبحوا يكونون جاليات عربية كبيرة العدد، وكان تجار عمان يشكلون أكبر عدد في هذه الجاليات، وكانوا هم التجار الرئيسيون الذين يعتمد عليهم أهل الديبل. ونظرا لكثرة وطول مدة بقائهم في هذا الميناء، فقد انتشرت اللغة العربية بين كثير من أهلها حتى أصبح كلامهم "سندي عربي، (100). كما تواجد العمانيون أيضا في ميناء المنصورة، وكان من بينهم أعلام كبار ومشهورون في عالم التجارة والرحلة والعلم، مثل الفضل بن جندب، وأبي الحر على الحصين العنبري، وأبي عبيدة عبد الله بن القاسم الذين رحلوا
بن
منها الى مكة، ورحل ثالثهم الى بلاد الصين (101)
وبجانب الديبل والمنصورة، فقد تواجد العمانيون في ميناء صيمور وبنوا فيه مستوطنة كبيرة. وقد شاهد المسعودي عام 304 هـ / 916 م هذه المستوطنة وقال انها كانت تضم الى جانب العمانيين نحوا من عشرة آلاف من الوافدين الجدد الذين قدموا من عمان ذاتها ومن سيراف والبصرة وبغداد وغيرها، بالاضافة الى
•
(99) عبد الرحمن العاني: نفس المرجع، ص 25، 26 (100) ابن حوقل: نفس المصدر، ص 322 - 323، المقدسي: نفس المصدر، ص 479، الاصطخري: مسالك الممالك ص 35، 175، حسين المسري: ص 240
•
(101) نور الدين السالمي: اللمعة المرضية من أشعة الأباضية، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثالثة
سنة 1983 م، ص 12.
71
- (1/75)
صفحة 76
بعض التجار الذين ولدوا من نسب عربي في بلاد الهند (102) وكذلك كانت مدينة فندرينا التي تقع على ساحل ملبار بين كنانور وقاليقوط، فقد كان بها ثلاث محلات أو مستوطنات اسلامية في كل منها مسجد بخلاف المسجد الجامع الرائع المقام على ساحل البحر، وقد ذكر ابن بطوطة أن بعض العمانيين استوطنوا هذه المدينة أو بالأحرى هذه المستوطنات التي كان قاضيها وخطيبها رجل من أهل عمان (103)
وقد زار ابن بطوطة المواني الأخرى الواقعة على ساحل ملبار الذي يمتد من ميناء صندابور في الشمال وينتهي الى ميناء كولم في الجنوب بطول مسيرة شهرين على ساحل البحر، وقد أشار الى أن صندابور كانت تتكون حين زيارته لها من مدينتين متميزتين، احداهما قديمة بناها ويسكنها الهنود من غير المسلمين، والأخرى حديثة بناها ويسكنها المسلمون الذين فتحوها، وقد رأي فيها مسجدا جامعا كبيرا يشبه مساجد بغداد، بناه تاجر غني يدعى الناخوذة حسن لعله أحد الملاحين العمانيين. كما رأى كثيرا من الجاليات العربية عند زيارته للمواني الهندية الأخرى مثل مدينة فاكنور التي كان بها جالية اسلامية يرأسها رجل يسمى حسين السلاط كان معينا من قبل حاكم المدينة الهندوسي الذي اتخذ أيضا رجلا مسلما يتول قيادة أسطوله المكون من سفينة (105). كما كانت توجد جالية أخرى مكونة من أكثر من
(104)،
(102) المسعودي: نفس المصدر، جـ 1 ص 216.
(103) رحلة ابن بطوطة، جـ 2 ص 644.
ثلاثين
633
-
(104) المصدر السابق، جـ 2 ص 632.
72
-
(105) المصدر السابق، ج 2 ص 640 (1/76)
صفحة 77
أربعة آلاف مسلم يعيشون في ربض مجاور لمدينة منجرور (ما نجالور التي كان يفد اليها التجار من فارس واليمن، وكان سلطان المدينة الهندوسي بخشي هذه الحالية الكبيرة العدد فكانت شبه مستقلة لها حكامها ولها قضاتها، وكان قاضيها رجل يدعى بدر الدين المعبري (106)، ولعل لقب المعبري تحريف لكلمة العبري، وهو اسم قبيلة ما زالت موجودة في عمان الآن. حتى
علاقات تجارية واسعة كما ترى قامت بين عمان والهند، ووجود عماني كبير قام نتيجة لهذه العلاقات وظهر واضحا في قدوم الملاحين العمانيين بسفنهم، وفي قدوم التجار العمانيين ببضائعهم، وفي بناء هؤلاء التجار للمنازل والمراكز التجارية، وفي قيام المستوطنات العمانية والعربية والاسلامية على سواحل الهند، مما أدى الى تقدم الحركة الاسلامية في هذه البلاد الى حد كبير، وخاصة أنه أتى مع هؤلاء التجار العمانيين والملاحين العمانيين وغيرهم أو في أعقابهم، عدد كبير من العلماء والمدرسين والدعاة والصوفية الذين التقى ابن بطوطة بكثير منهم في أماكن مختلفة في بلاد الهند، حيث أقاموا المساجد والزوايا التي كانوا يتخذونها مركزا لنشر الاسلام بين الهنود، وموئلا لاستقبال المهاجرين من المسلمين (107) مما شجع الهجرة الى هذه البلاد
،
فقد وفدت اليها أعداد متتالية من المهاجرين من بلاد العرب وفارس واستقرت هناك وكان معظم هؤلاء الوافدين من التجار والدعاة. ونتج عن هذه الهجرة، وعن وجود التجار والدعاة تقدم
(106) المصدر السابق، جـ 2 ص 641
•
(107) المصدر السابق، جـ 2 ص 364، 650
73 (1/77)
صفحة 78
هناك
في انتشار الاسلام في هضبة الدكن، وفي جنوب الهند، بالاضافة الى السواحل التي كان قد تحول معظم سكانها الى الاسلام قبل مجيء البرتغاليين. وقد لمس البرتغاليون بعد أن وضعوا أقدامهم في قاليقوط عام 904 هـ / 1498 م ما كان للاسلام وللعرب المستقرين من نفوذ قوي وفعالية كبيرة كان لها أثرها في تشجيع حاكم هذه المدينة على مقاومتهم بعد أن كان هذا الحاكم قد وعد فاسكو دي جاما بالمسالمة والمهادنة، ولذلك وضعوا نصب أعينهم القضاء على الاسلام وعلى العرب والمسلمين الموجودين هناك وفي بلاد الهند بكل وسيلة (108)
•
ومما ساعد أيضا على انتشار الاسلام بين الهنود أن سكان المستوطنات والمراكز التجارية التي أقامها العمانيون وغيرهم من العرب والمسلمين كانوا يستقرون فيها لمدد طويلة، وكان بعضهم يستقرون فيها نهائيا، ويصاهرون السكان المحليين ويتخذون لغتهم وكثيرا من عاداتهم وتقاليدهم التي لا تتنافى مع الاسلام، وبذلك كانوا مؤهلين تماما كدعاة لنشر الاسلام في هذه البلاد، وخاصة بين الهنديات اللاتي تزوجن من هؤلاء الوافدين المستقرين، وأيضا بين الهنود الذين ارتبطوا معهم بعلاقات تجارية (109)، أو عملوا لديهم في منازلهم أو حوانيتهم، أو في نقل سلعهم من مكان الى آخر، أو في تفريغ سفنهم أو شحنها بالبضائع الهندية. ولاشك أن الاسلام انتشر كثيرا بين هذه الفئات من الهنود حتى أن الساحل كما أشرنا كان قد عمه الاسلام قبيل مجيء البرتغاليين
(108) جيان: نفس المصدر، ص 250، 251.
(109) أرنولد: نفس المرجع، ص 403، 445، ستو دارد: حاضر العالم الاسلامي، ترجمة وتعليق واضافة شكيب أرسلان، دار الفكر العربي، القاهرة، سنة 1933 م، ج 1 ص 361
-
74 (1/78)
صفحة 79
وقد ساعد على تقدم الحركة الاسلامية في الساحل والداخل
والتي كان للعمانيين فيها القدح المعلي عوامل أخرى ترتبط بأحوال الهنود أنفسهم، منها سوء أحوالهم الاجتماعية الذي يرجع الى نظامهم الطبقي المقيت وسيطرة رجال الدين على الناس واستغلالهم لمصلحتهم، والاهانات والاحتقار الذي تعرضت له الطبقات الدنيا على أيدي اخوانهم في الدين، وكذلك العراقيل التي وقفت سدا منيعا ضد أي فريق من هذه الطبقات كان يرغب في تحسين حالته الاجتماعية. وقد سهلت هذه الأحوال عملية التحول الى الاسلام بين كثير من الهنود نظرا للمزايا العديدة التي كان يقدمها الاسلام لأمثال هذه الطبقات البائسة اليائسة، وخاصة طبقتي الكوري KORIS والشنار CHANARS اللتين بقيتا في أحط دركات المجتمع الهندوكي، وكانتا في حالة من الذلة والاستعباد لا يوجد لها نظير، ولذلك كان تغيير الدين عند هؤلاء الناس هو السبيل الوحيد الممهد أمامهم للخلاص (110)، فرحبوا بديانة الاسلام الذي لا يعترف بالطبقية والذي يقر مبدأ المساواة بين الناس جميعا، ولا يفرق بين انسان وآخر على أساس الجنس أو العنصر أو اللون أو الوضع الاجتماعي أو المالي، ومن ثم انتشر الاسلام في كل مكان وصله تاجر أو داعية أو فقيه مسلم، وخاصة في سواحل الهند وهضبة الدكن وغيرها من أنحاء الهند وأقاليمها العديدة، مثل البنغال التي انتزع الاسلام السواد الأعظم من سكانها وخاصة طبقة الفقراء والعشائر الذليلة التي قدم لها الاسلام مثلا أسمى للأخوة الانسانية ومنفذا حرا تنفذ منه الى نظام اجتماعي جديد (111)، يعطيها حقها
(110) أرنولد: ص 323، 327
(111) المرجع السابق، ص 314.
Yo.
-
- (1/79)
صفحة 80
في المساواة والحرية والكرامة الانسانية
كل هذه الأحوال والعوامل أدت الى انتشار الاسلام بين عدد كبير من الهنود سواء في الساحل أم في الداخل. ففي مدينة صيمور وفي مملكة البلهرا التي كانت تشمل هذه المدينة وغيرها من مدن الساحل الغربي للهند مثل قامهل وكنباية وسوبارة وسندان وبسمد، كانت الحركة الاسلامية دافقة، فكانت أحكام المسلمين فيها ظاهرة، ولا يحكمهم الا حاكم مسلم يعينه ملك بلهرا، وكانت لهم مساجدهم الكثيرة التي كانت تجمع فيها الجمعات وتقام فيها الصلوات، وتنشر فيها الدعوة الى الاسلام (112)، ساعد على ذلك علاقة الود والمحبة التي ربطت بين ملك هذه المملكة وأهلها وعبادها وزهادها من جانب، وبين العرب من جانب آخر (113). ويذكر سليمان التاجر أنه لم يكن هناك من الملوك الهنود من هو أشد حبا للعرب من هذا الملك وأهل مملكته (114) الذين كانوا يعتقدون أن طول مدة حكم ملوكهم التي كانت تبلغ عند الواحد الأربعين والخمسين عاما، انما كانت بفضل اكرامهم للمسلمين (115)، ولذلك كان ملكهم يرحب بتجار المسلمين ويكرمهم غاية الاكرام ويعمل على حمايتهم والمحافظة عليهم وعلى تجارتهم (116)، ولم يلبث هذا الملك أن اعتنق الاسلام وفتح بلاده للتجار المسلمين (117)، وأصبحت الدراهم الطاهرية التي كان
منهم
(112) الاصطخري: ص 172 – 173، 176.
(113) بزرك: ص 155.
(114) سلسلة التواريخ، ص 27، 28، وبلهرا لفظ يعني ملك ملوك الهند
(115) المسعودي: ج 1 ص 175
•
(116) الادريسي: ص 71.
(117) محمد رشيد الفيل: أثر التجارة والرحلة في تطوير المعرفة الجغرافية عند العرب، بحث في كتاب بحوث المؤتمر الجغرافي الاسلامي الأول، جـ 3 ص 466 هامش 56.
76
- (1/80)
صفحة 81
""
الدرهم الواحد منها يزن درهما ونصف هي العملة التي يتعامل بها الناس في مملكته، كما اتخذ بيت مال يدفع منه رواتب الجنود "كفعل المسلمين بجنودهم (118)، وانتشرت المساجد التي "كانت تقام فيها الصلوات والجمع وتقام الجمعات بالأذان والاعلام (119)، مما يدل على انتشار الاسلام بين هنود هذه
•
(120)
، مما
المملكة بدرجة كبيرة وقد حظي الذين دخلوا في الاسلام من أهالي هذه البلاد بالاحترام والتقدير اللذين حظي التجار الغرباء بهما أيضا، مع أنهم كانوا قبل اسلامهم ينتمون الى أحط طبقة في المجتمع دفع بالحركة الاسلامية دفعات كبيرة بين الهنود ملوكا ورعية، لدرجة أن السامري أو الساموري حاكم قاليقوط والذي يسميه البرتغاليون باسم الزامورين، والذي كان أحد كبار أنصار المتاجرة العرب، شجع الناس على الدخول في الاسلام كما قيل بأنه أمر بأن يكون في كل أسرة من صيادي السمك في بلاده فرد أو أكثر من الذكور ينشأون تنشئة اسلامية، فازاد انتشار الاسلام أكثر من ذي قبل بين طوائف وجماعات عديدة من شعب الهند مثل جماعة المابلا MAPPLLAS الذين كانوا يسكنون ساحل الملبار، والذين انتشر الاسلام بينهم منذ القرن الثامن للميلاد، والذي كانوا يؤلفون خمس سكان ساحل الملبار في مستهل القرن السادس عشر (121)
(118) المسعودي: جـ 1
170
(119) المصدر السابق، جـ 1 ص 175، الحميري: ص 369 – 370، القزويني: ص 97
(120) أرنولد: ص 296.
(121) المرجع السابق، ص 296، 298
77 (1/81)
صفحة 82
ويحرص هؤلاء المابلا على تأكيد الروابط التي تجمعهم بالتجار العمانيين الذين كانوا سبب اسلامهم، فيقولون انهم ينحدرون من أنجال هؤلاء التجار المسلمين الذين أقاموا في بلادهم منذ أزمنة بعيدة، ويدللون على ذلك بأن أحد ملوك الهندوكيين واسمه عبد الرحمن رحل الى ظفار في عام 212 هـ / 727 م، وتوفي بها بعد ذلك بأربع سنوات، ويقولون بأنه يوجد قبر له في ظفار منقوش عليه اسمه وتاريخ وفاته (122)
وبجانب المابلا، توجد أيضا جماعة الرفوتان RAVUTTANS في جنوب بلاد الهند، وقد دخلت هذه الجماعة في الاسلام منذ وقت مبكر، ويعزون دخولهم في الاسلام الى تعاليم الدعاة الذين ما زالوا يمجدون قبورهم حتى الوقت الحاضر (123)
ومن السلطنات الهندوكية التي دخل سلطانها في الاسلام قبل عصر ابن بطوطة، سلطنة جرفتن (كنانور الآن) التي تقع شمال قاليقوط والتي تضم بالاضافة الى مدينة جرفتن عدة مدن أخرى مثل ده فتن، وبدفتن. وقد زار ابن بطوطة هذه السلطنة وقال إن سلطانها يسمى بكويل، وهو من أكبر سلاطين ساحل الملبار وله مراكب كثيرة تسافر الى عمان وفارس واليمن (124)، ويتحدث ابن بطوطة عن اسلام جد والد هذا السلطان في قصة طريفة شبة أسطورية تدور حول شجرة خضراء تسمى (درخت الشهادة)، كانت موجودة أمام الباين الأعظم الذي يبدو من كلام
(122) المرجع السابق، ص 297 – 298
(123) المرجع السابق، ص 299.
(124) رحلة ابن بطوطة، ج 2 ص 642
78 -
- (1/82)
صفحة 83
ابن بطوطة أنه بيت أو معبد صنمهم الكبير، ويقول إنه في زمن الخريف من كل عام كانت تسقط ورقة واحدة من هذه الشجرة بعد أن يتحول لونها الى الصفرة ثم الى الحمرة ويكون مكتوب عليها بقلم القدرة، لا اله الا الله محمد رسول الله. وكان يجلس تحت هذه الشجرة الثقات من المسلمين والكفار، فاذا سقطت هذه الورقة أخذ المسلمون نصفها وأخذ النصف الآخر وأودع خزانة سلطان المدينة الكافر، ولما كان هذا السلطان الكافر جد والد بكويل - يقرأ الخط العربي، فقد قرأها وفهم ما فيها فأسلم وبني مسجدا فخما أمام هذه الشجرة بإزاء الباين الأعظم الذي يبدو أنه لم يهدمه بدليل رؤية ابن بطوطة له، أو ربما هدمه ثم بناء أحد أولاده الذي كان قد ارتد عن الاسلام بعد وفاة أبيه لسبب لم يذكره لنا ابن بطوطة، وقام باقتلاع الشجرة أصلها، ولكنها لم تلبث أن نبتت من جديد وعادت كأحسن من
و حسن
اسلامه
-
ما كانت " وهلك هذا الكافر سريعا. ويقول ابن بطوطة ان قصة هذه الشجرة قصة متواترة عن سكان هذه المدينة وعن فقهائها وشيوخها (125)
الله على
ويفهم من كلامه عن سر عن سرعة هلاك هذا السلطان الكافر الذي اقتلعها أن من خلفه كان مسلما وخاصة بعد أن رأي بعينيه سرعة هلاك سلفه الكافر، وكأن ذلك كان انتقاما من ما فعل باقتلاع الشجرة، أما بقاء الباين الأعظم، فلأن أهل هذه السلطنة لم يكونوا كلهم على الاسلام، فبقاء هذا المعبد الوثني للهنود غير المسلمين الذين كانوا يمارسون فيه شعائرهم الدينية كما
(125) المصدر السابق، ج 2 ص 643
كان
-
79 -
- (1/83)
صفحة 84
هي
العادة
في معظم السلطنات والبلدان الاسلامية الثنائية الدين، والدليل على ذلك أن إحدى مدن هذه السلطنة، وهي مدينة بدفتن، لم يكن بها أحد من المسلمين رغم وجود مسجد مبني بخارجها قرب ساحل البحر، كان الهدف من بنائه أن يكون موئلا للغرباء من المسلمين الذين يمرون بهذه المدينة سواء للتجارة أو غيرها (126)، فالاسلام لم يعم هذه السلطنة كما هو الحال في معظم المدن والسلطنات الاسلامية الأخرى التي قامت على سواحل
بلاد الهند
,,
و من هذه السلطنات التي قامت على ساحل الملبار واصطبغت بالصبغة الاسلامية الخالصة، بمعنى أن سلطانها ومعظم أهلها كانوا مسلمين، سلطنة هنور الاسلامية حيث يقول ابن بطوطة ان أهلها كانوا شافعية المذهب لهم صلاح ودين وجهاد في البحر وقوة، (127)، كما يخبرنا بأن حاكمها عربي مسلم هو السلطان جمال الدين محمد ابن الناخوذة حسن، وهو ذلك الملاح الغني الذي بني مسجدا كبيرا يشبه مساجد بغداد في مدينة صندابور كما سبق القول. ولما كان معاش أهل هنور من التجارة، ولا زرع لهم كما يقول ابن بطوطة (128)، فمن المحتمل أن يكون أحد النواخيذ العمانيين الذين كانوا يأتون هو
هذا الناخوذة حسن الى هذه البلاد بسفنهم أكثر من غيرهم من نواخيذ البلدان الاسلامية
الأخرى
•
- A
•
(126) المصدر السابق، جـ 2 ص 643
(127) المصدر السابق، ج 2 ص 634
(128) المصدر السابق، ج 2 ص 635 (1/84)
صفحة 85
فسلطنة
سلطنة عربية - أو بالأحرى عربية في بيتها هنور الحاكم على الأقل، فسلطانها عربي من أصل عماني على أرجح الاحتمالات. وقد وصف ابن بطوطة المظاهر الاسلامية التي رآها في هذه السلطنة، فقال عن السلطان جمال الدين محمد انه كان مواظبا على الصلاة في الجماعة، وكان من عادته أن يأتي الى المسجد قبل الصبح، فيتلو في المصحف حتى يطلع الفجر فيصلي، ثم يخرج الى المدينة ويعود منها الى المسجد مرة ثانية عند الضحى، فيصلي فيه صلاة الضحى، ثم يدخل قصره، كما انه كان يصوم الأيام البيض، أي الأيام المحصورة بين اليوم الثاني عشر والسادس عشر من الشهر القمري، وهي الأيام التي يشتد فيها ضوء القمر، وكان يفعل ذلك شهريا بخلاف صيامه لشهر رمضان بطبيعة الحال، كما انه كان لا يتناول طعامه الا بحضور الفقهاء والعلماء والقاضي والخطيب، وكان يقص شعره ويلف على رأسه عمامة صغيرة واذا ركب لبس قباء والتحف بملحفتين فوقه، وتضرب بين يديه طبول وأبواق يحملها بعض الرجال (129)، وهي صورة لا تختلف كثيرا عن صورة سلاطين المسلمين في الممالك الاسلامية الأخرى سواء في بلاد العرب أم في البلاد الاسلامية في افريقيا
وآسيا. وقد انفعل هذا السلطان انفعالا قويا بالتقاليد الاسلامية حتى انه حمل لواء الجهاد ضد سلطنة صندابور الهندوكية، منتهزا فرصة خلاف كان قد نشب بين سلطانها وبين ابنه الذي كتب بدوره للسلطان جمال الدين بأن يتوجه لفتح صندابور، ووعده بالمساعدة
(129) المصدر السابق، ج 2 ص 635
636
- (1/85)
صفحة 86
في هذا الفتح، وأنه سيعلن إسلامه، ويزوجه السلطان جمال الدين أخته، وذلك حتى تزداد أواصر المودة بين هذا السلطان وبين ابن سلطان صندابور الخائن لأبيه. وقد استجاب السلطان جمال الدين
معه
لرغبة هذا الابن وجهز حملة بحرية قوامها اثنين وخمسين سفينة قادها السلطان بنفسه، واصطحب معه ابن بطوطة الذي خرج بهدف الجهاد في سبيل الله. ورغم استعداد سلطان وأهل صندابور الهندوس وضربهم للسفن الغازية بالمنجنيقات، الا أن جمال الدين تمكن من احراز نصر كبير واقتحم المدينة في الثالث عشر من جمادي الأولى عام 743 هـ / 15 أكتوبر عام 1342 م ورمي النار بقصر السلطان ليخرج من لجأ اليه من الجنود الفارين من ميدان المعركة، ولما خرجوا أعطاهم الأمان ورد عليهم نساءهم وأولادهم، وكانوا نحو عشرة آلاف، وأسكنهم بربض المدينة، واتخذ القصر له سكنا، ووزع الديار على جنده وأهل
دولته (130)
ويبدو
أن سلطان صندابور الذي كان قد هرب إثر اقتحام القوات الغازية لمدينته قد أعاد تنظيم قواته وانضم اليه الهندوس الذين فروا من صندابور بعد فتحها، وفاجأوها بالهجوم وضربوا عليها الحصار، منتهزين فرصة تفرق جنود السلطان جمال الدين في النواحي والقرى وانقطاعهم عن العاصمة صندابور، واشتد الأمر بالمسلمين المحاصرين في هذه المدينة، وتركها ابن بطوطة وهي على هذه الحال (131) ويبدو أن سلطانها الهندوسي نجح في استردادها
(130) المصدر السابق، جـ 2 ص 651، 652
(131) المصدر السابق، جـ 2 ص 652
- 82 - (1/86)
صفحة 87
جمال الدين بدليل ماذكره ابن بطوطة في مكان آخر من أن من أهل هنور أذلهم الزمان بعد فتحهم لسندابور“، وصار جمال الدين نفسه تحت حكم سلطان كافر يسمى هريب، (132)
و من الأشياء ذات الدلالة على انتشار الاسلام بين أهالي
كل
سلطنة هنور من الهنود غير ماذكرناه من مظاهر اسلامية،، أن نسائها كن يحفظن القرآن الكريم، ورأي ابن بطوطة بنفسه ثلاثة
عشر مكتبا لتعليم البنات وثلاثا وعشرين لتعليم الأولاد (133) فاذا كان تحفيظ القرآن منتشرا على هذا النحو، واذا كان كل نساء مدينة هنور يحفظن القرآن بهذه الكيفية، فليس من شك في أن الجهود التي بذلها التجار العمانيون وغيرهم من تجار المسلمين قد أتت أكلها على أحسن ما يكون، وتركت شعبا مسلما ينفعل بالاسلام وتقاليده ويحافظ على شعائره وعقائده منذ ذلك الحين واذا كان الساحل الغربي قد انتشر فيه الاسلام على هذا النحو، وقامت فيه سلطنات اسلامية على نحو ما رأينا، فان الساحل الشرقي المسمى ساحل کروماندل شهد نفس التطور، وكان لابد لجهود التجار العمانيين وغيرهم من أن تؤتى ثمارها أيضا في هذا الجانب من بلاد الهند. وقد شهد ابن بطوطة بنفسه بعض الأحداث المتعلقة بسلطنة هناك تسمى سلطنة مادورا الاسلامية، تلك السلطنة التي تقع في الجزء الجنوبي من ساحل كروماندل والتي كانت أصلا خاضعة للسلطان محمد سلطان دهلي، ثم ثار بها أحد الأمراء واستقل بحكمها وارتقى عرشها وقت تواجد ابن بطوطة
(132) المصدر السابق، جـ 2 ص 634، 635 (133) المصدر السابق، جـ 2 ص 634، 635. (1/87)
صفحة 88
في بلاد الهند وهو السلطان غياث الدين الدامغاني (134) وقد شاهد ابن بطوطة في هذه السلطنة كثيرا من مظاهر الحياة الاسلامية، مثل المساجد الجميلة ودور الصوفية الكثيرة العدد، وارتداء العمائم التي كانوا يخلعونها ويربطونها في أعناق الخيل علامة على طلب الموت والشهادة وقت الجهاد (135). واذا كانت سلطنة هنور قد انفعلت بالتقاليد الاسلامية وقامت بواجب الجهاد ضد صندابور كما تحدثنا، فإن سلطنة مادورا لم تتخل عن القيام بهذا الواجب ضد الهندوس الذين كانوا كثيري الاغارة عليها، وكانوا يطمعون في اسقاطها والاستيلاء عليها
وقد حكي لنا ابن بطوطة ما شاهده بنفسه من هجوم سلطان كافر يسمى بلال (ديو) على مدن سلطنة مادورا بجنوده الذين كانوا يزيدون على مائة ألف. ورغم أن جنود السلطان غياث الدين كانوا لا يزيدون عن ستة آلاف، الا أنه خرج مع هؤلاء الجنود القليلين لفك الحصار الذي ضربه هذا السلطان الهندوسي على مدينة كبان التي كانت قد أرسلت كتابا تستغيث فيه بغياث الدين. ولما قرأ السلطان كتابهم على الناس يوم! بكوا وقالوا ” نبيع أنفسنا من الله، فان الكافر إن أخذ تلك المدينة انتقل الى حصارنا، فالموت تحت السيوف أولى بنا، وتعاهد الجميع على الموت، وخرجوا من غدهم، ونزعوا العمائم عن رءوسهم وربطوها في أعناق خيولهم، دليلا على الرغبة في طلب الشهادة، وقسموا الجيش الى فرق، وكان على الميمنة ذلك الفقيه الورع
(134) المصدر السابق، جـ 2 ص 689، 693
(135) المصدر السابق، جـ 2 ص 692 -
694
-
•
693
- 84 -
- (1/88)
صفحة 89
الشجاع سيف الدين بهادور، وعلى الميسرة الملك محمد السلحدار، وفي القلب السلطان غياث الدين نفسه، وعلى الساقة أسد الدين كيخرو الفارسي الأصل، واتجه الجميع الى معسكر السلطان الهندوسي وأخذوهم على غرة وقت القيلولة، وهزموهم شر هزيمة، وأسروا السلطان نفسه وأخذوا جميع أمواله، ثم ذبحوه وسلخوه وملئوا جلده بالتبن وعلقوه على سور مدينة (مترة)، عاصمة السلطان غياث الدين (136)
مدحه
لم يكن واجب الجهاد هو آخر المظاهر الاسلامية التي رآها ابن بطوطة في هذه السلطنة، فقد أشار الى وجود نفس التقاليد التي كانت تحدث عادة في بلاد الاسلام الأخرى التي تقع في غير بلاد الهند. فاذا عين السلطان أو ارتقي عرش السلطنة الشعراء وغنى المنشدون، وأجزل العطاء للجميع، ونثرت دنانير الذهب ودراهم الفضة في أطباق الذهب والفضة على الخطيب يوم الجمعة عند دعائه وذكره اسم السلطان على المنبر لأول مرة (137)، وعند وفاة السلطان كان الفقهاء يقومون بقراءة القرآن كله على قبره كل يوم، ثم يؤتى بالطعام فيأكل الناس ويعطون الدراهم كل حسب قدره ومنزلته، ويستمرون في هذا العمل وبنفس النظام طوال أربعين يوما، ثم يكررونه في يوم الذكرى السنوية لوفاة السلطان (138)
ورغم انشغال سلاطين وحكام المسلمين في هذه السلطنات
(136) المصدر السابق
ص 291 – 692.، ج
(137) المصدر السابق، جـ
ص 694
(138) المصدر السابق
?
ص 694
85 -
- (1/89)
صفحة 90
الاسلامية التي كانت تقع على سواحل بلاد الهند بواجب الجهاد ضد سلاطين الهندوس الكفرة، الا أنهم لم يغفلوا عن رعاية الجانب
الديني والعلمي في بلادهم تدعيما للاسلام وتمكينا له في القلوب ومن الوسائل التي اتخذوها لتحقيق هذا الهدف كثرة بناء الكتاتيب والزوايا والمساجد التي كانت في الواقع مدارس أو جامعات صغيرة تدرس فيها كافة علوم الفقه والدين. وقد سبقت الاشارة الى مساجد كنباية العجيبة وتنافس التجار الغرباء في بنائها وعمارتها أشد المنافسة، ورأى ابن بطوطة مساجد أثرية قديمة البناء في مدينة قوقة، نسبها الناس للخضر والياس عليهما السلام نظرا لايغالها في القدم، وفي جزيرة تندابور أو صندابور رأي مسجدها الضخم الذي قال عنه انه يشبه مسجد بغداد، وهو المسجد الذي عمره وبناه الناخوذة حسن والد السلطان جمال الدين محمد الهنوري
سلطان هنور
(139)
وقد اشتهرت مدينة هيلي (140)، بجامعها الكبير حتى صارت "مدينة معظمة عند المسلمين والكفار هذا المسجد بسبب الجامع، وذلك لأنه كان مسجدا "عظيم البركة مشرق النور“، يتبرك به المسلمون والهندوس على السواء، وينذر له الملاحون و ركاب البحر من التجار النذور الكثيرة، بخلاف ما كان مخصصا له من مورد مالي كبير، فكانت له خزانة مال عظيمة تصب فيها هذه النذور وهذه المخصصات التي كان يشرف عليها الخطيب وينفق منها على اطعام للوارد والصادر ولفقراء المسلمين ومساكينهم
(139) المصدر السابق
Y
?
ص 630
•
(140) اندثرت مدينة هيلي، وكانت تقع بقرب موقع قرية نيلشوار الحديثة، انظر، رحلة ابن بطوطة
ن
هامش 2 ص 641 (1/90)
صفحة 91
فقد
وعلى الطلاب الذين كانوا يتلقون العلم في هذا الجامع دون مقابل، وكانوا يأخذون مرتبات من خزانته المالية. وقد انتشر صيت هذا الجامع أو هذه المدرسة الجامعة وصارت ذات شهرة علمية كبيرة، مما دفع بالعلماء والطلاب للتوافد عليها من خارج بلاد الهند رأي فيه ابن بطوطة على سبيل المثال فقيها تقيا وعالما من مقدشو يدعى سعيدا كان قد أقام في مكة أربعة عشر عاما، وأقام مثلها في المدينة المنورة، وسافر أيضا الى بلاد الهند والصين واستقر به المقام أخيرا في مدينة هيلي التي نتحدث عن مسجدها الجامع
هذا (141)
العلماء فيها من
مكانة
ومما ساعد على انجذاب العلماء والفقهاء من بلدان العالم الاسلامي الى هذه السلطنات الاسلامية التي كانت على سواحل بلاد الهند، ما كان يحظى به اخوانهم من عالية ووضع اجتماعي مرموق. فكان السلطان لا يتناول الطعام مع ضيوفه الا بحضور العلماء والفقهاء ورجال الدين من خطباء وقضاة، كما انه كان لا يخرج عن رأيهم ومشورتهم، بل كان يوليهم مناصب القيادة في الجيش اذا ماخرج للغزو، وكان بعض الفقهاء والمشايخ يتولون أيضا المناصب السياسية الرفيعة، فأمير كنباية مقبل التلنكي يجعل الشيخ زادة الأصبهاني نائبا عنه في جميع أموره (142)، وسلطان بنغالة المسمى فخر الدين انتهى حبه بالفقراء والصوفية أن جعل أحدهم نائبا عنه في الملك بمدينة سدكاوان (143)، وسلطان مادورا يجعل الفقيه الورع الشجاع
-
(141) المصدر السابق، جـ 2 ص 641 - (142) المصدر السابق، ج 2 ص 630
642
(143) المصدر السابق، جـ 2 ص 699، وسدكاوان تسمى الآن شيتاكونك بجمهورية بنجالاديش
-
AY.
- (1/91)
صفحة 92
قائدا على ميمنة جيشه عند حربه للسلطان الهندوسي (بلال ديو)
كما سبق القول، وابن بطوطة نفسه، وهو رحالة وفقيه وعالم ارتقى مناصب القضاء في بعض البلاد الهندية التي زارها واستقر فيها بضع سنوات أو شهور للاستفادة من فقهه وعلمه
وفضله (144)
واذا كان للعمانيين هذا الأثر العظيم في نشر الاسلام في سواحل الهند نظرا لكونهم أكثر التجار المسلمين ورودا الى هذه البلاد، وأكثرهم بقاء فيهم وأنشطهم في اقامة المستوطنات والمراكز التجارية، فإنهم أيضا كان لهم نفس النشاط في الجزائر المحيطة ببلاد الهند أو القريبة منها. مثال ذلك جزيرة سرنديب التي تعرف بجزيرة سيلان والتي تسمى الآن باسم سريلانكا. والمعروف ان السفن التي كانت تقصد جنوب شرقي آسيا والصين كانت تمر بهذه الجزيرة، ومن ثم تهيأت الظروف لوصول العمانيين اليها وانتشار الاسلام في بعض ربوعها.
ويشير الحميري الى تواجد العمانيين وغيرهم من سكان بلاد اليمن في جزيرة سرنديب وغيرها من الجزر التي كانت تنمو فيها شجر النارجيل جوز (الهند) حيث كانوا يقطعونه ويصنعون من خشبه سفنا كما سبق القول، وساعدهم على ذلك أن أهل سرنديب كان لهم نظر في زراعة النارجيل وكانوا يقومون بحفظه ويبيحونه للصادر والوارد ابتغاء الأجر وطلب المثوبة، (145)، كما كان تجار عمان يحرصون على قصد سرنديب نظرا لأنها كانت مقصد مراكب
(144) المصدر السابق، جـ 2 ص 669.
(145) الحميري: ص 313.
— ^^ - (1/92)
صفحة 93
أهل الصين وسائر البلاد المجاورة لها، فكان العمانيون يأتون منها بالحرير والياقوت بجميع ألوانه كلها، والبلور، والماس والعطور
المختلفة (146)
وعندما وصل البرتغاليون الى هذه الجزيرة في نهاية القرن الخامس عشر للميلاد، وجدوا عربا يخفون بشدة عملهم كوسطاء في التجارة حتى لا يتعرضوا لنقمتهم، ولم ينقطع التواجد العربي على أرض سرنديب ذات يوم، حتى أن تجار الأحجار الكريمة في سريلانكا (سرنديب) الآن يعتقدون أنهم منحدرون من أصول عربية، بل إن هناك من يشير الى أن أغلب المسلمين الموجودين في هذه الجزيرة من أصل عربي، وإن كان فيهم عدد غير قليل من أهل البلاد الأصليين الذين اعتنقوا الاسلام (147)
واذا كان للعمانيين وغيرهم هذا التواجد على أرض سرنديب نتيجة لوصول سفنهم اليها، فان سلطان هذه الجزيرة كان بالمقابل له سفنه التي وصل عددها أثناء زيارة ابن بطوطة لها عام 745 هـ / 1344 م مائة سفينة، كانت ثمانية وعشرون منها مجهزة للسفر الى بلاد اليمن (148)، وهو اسم كان يطلق على جنوب شبه الجزيرة العربية بما فيه عمان في أغلب الاحيان، ولذلك كان عرب الجنوب كلهم يعرفون عادة باسم اليمنية أو اليمانية أو القحطانية كما هو شائع في التاريخ الاسلامي
(146) الادريسي: ص 38، ابن الوردي: خريدة العجائب وفريدة الغرائب، القاهرة، بدون تاريخ،
ص 107.
(147) تيم سفرن: رحلة السندباد، ترجمة د. سامي عزيز، مسقط، وزارة التراث، سنة 1985 م،
ص 187، محمد كمال حسين، ص 127.
(14) ابن بطوطة: ج 2 ص 677
- 19. (1/93)
صفحة 94
ونظرا لهذه العلاقات التجارية الوطيدة بين سرنديب وأهل عمان، ونظرا للتواجد العماني العربي على أرض هذه الجزيرة، فقد انتشر الاسلام في بعض نواحيها منذ وقت مبكر. يدل على ذلك أن المسلمين بها موزعون في أنحاء الجزيرة جميعها الا أنهم يكثرون في جهات ساحلية معينة، مما يدل على أن انتشار الاسلام في سرنديب كان نتيجة لنشاط التجار المسلمين الذين كانوا يترددون باستمرار على هذه المناطق الساحلية. كما يدل أيضا على وصول الاسلام اليها منذ الأولى عصوره وجود ضريح المسلم في القسم الجنوبي الشرقي من هذه الجزيرة يعود تاريخه الى القرن السابع للميلاد، كما يوجد أيضا مسجد قديم متهدم يقال انه بني على الموضع الذي دفن فيه أول شخص مسلم قضي نحبه في سرنديب، وكان هذا الشخص أحد البحارة الثمانية الذين أبلغوا رسالة النبي الى هذه الجزيرة (149). ولا نعلم شيئا عن شخصية هؤلاء البحارة أو الملاحين، ولعلهم كانوا من بحارة عمان، أو كان بعضهم من بحارة سرنديب وبعضهم الآخر من البحارة العمانيين الذين أبحروا معهم من سرنديب ووصلوا الى المدينة بهم حيث رسول الله (ع)
)
قبلى الـ
وقد ألقى بزرك ضوءا آخر على كيفية وصول الاسلام الى سرنديب فقال ان أهل هذه الجزيرة عندما بلغتهم بعثة النبي ل، أرسلوا رجلا منهم الى المدينة ليعرف أمر النبي
صلى الله
علوم
صلى الله
وما يدعو اليه، فوصل هذا الرجل الى المدينة في خلافة عمر بن
الخطاب رضي
الله عنه،
وسأله عن دعوة الاسلام فشرحها له
(149) تيم سفرن: ص 187
188
-
• (1/94)
صفحة 95
الفاروق عمر، فأسلم الرجل وأخذ في العودة الى بلاده، وفي طريق عودته عاجلته المنية بنواحي بلاد مکران جنوبي ايران وواصل غلامه الهندي الرحلة الى سرنديب وشرح لأهلها الأمر وما كان عليه ابن الخطاب من تواضع وأنه كان يلبس مرقعة ويبيت في المسجد، فتواضعهم – أي تواضع أهل سرنديب ـ لأجل ما حكي لهم ذلك الغلام ولبسهم الثياب المرقعة ـ في زمن بزرك أي
?
—
-
أنحاء
في القرن الرابع للهجرة. لما ذكره من لبس عمر رضي الله عنه المرقعة، ومحبتهم للمسلمين وميلهم اليهم لما في قلوبهم مما حكاه ذلك الغلام عن عمر رضي الله عنه، (150) ومهما كان الأمر فقد انتشر الاسلام في كثير من سرنديب حتى اضطر ملكها أن يعين أربعة وزراء مسلمين ضمن وزرائه الستة عشر، ورتب لهم موضعا يجتمع فيه أهل ملتهم فيكتبون عنهم سيرة نبيهم وقصص ملوكهم في سالف الأزمان ويعلمونهم مالا يعلمونه من،، (151)، ولولا التدخل البرتغالي لكانت هذه الجزيرة قد تحولت تماما الى الاسلام كما حدث في جزر المالديف، لأن التجار العمانيين وغيرهم من تجار العرب
,,
أمر دينهم
والمسلمين وصلوا اليها في فترة مبكرة وتواجدوا في معظم موانيها وعندما زارها ابن بطوطة قرب منتصف القرن الثامن الهجري/ منتصف القرن الرابع عشر للميلاد، التقى فيها بعدد من المسلمين، كما رأي في بعض مدنها بعض المساجد، منها مسجد يسمى مسجد
الشيخ عثمان الشيرازي خارج مدينة كنكار عاصمة الجزيرة (152)
(150) عجائب الهند، ص 156
157
-
(151) الادريسي: ص 37، الحميري: ص 313
(152) ابن بطوطة: ج 2 ص 678
679
-
91 (1/95)
صفحة 96
وقد زار ابن بطوطة أيضا بعض المغارات التي كانت تتخذ مكانا يتعبد فيه المسلمون أو رجال الصوفية، مثل مغارة بابا طاهر الصالحين، ومغارة الأسطا محمود اللوري، ومغارة
الذي كان
كان من
الأصفهاني التي كانت تؤدي فيما يزعمون الى جبل عليه أثر قدم آدم عليه السلام، وبه أشجار ورد أحمر يزعم أهله أن اسم الله
تعالى واسم رسوله (ع) مكتوب على أوراقه، وزار أيضا قرية من قرى الجزيرة بعد هبوطه من هذا الجبل كان يشتو بها الشيخ أبو الله عبد بن خفيف، كما زار أيضا مدينة تسمى قالي حيث وجد بها رجلا من المسلمين يعرف بالناخوذة إبراهيم، لعله أحد نواخيذ
عمان (153)
وليس من شك في أن هذه الاشارات التي وردت عند ابن بطوطة حوالي منتصف القرن الرابع عشر للميلاد تدل على أن الاسلام لم ينتشر بدرجة كافية في جزيرة سرنديب، وانما كان أكثر أهلها كما أشار القزويني مجوس، وبعضهم كان من المسلمين، منهم الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي سرنديب على هذا النحو تدل على توطن الاسلام في بعض نواحي هذه الجزيرة، والى أن بعض أهلها اعتنقوا الاسلام، منهم
الرجل الذي ينسب نفسه اليها
(10%)
والنسبة الى
هذا
اما جزر المالديف واللكاديف (155)، فقد كانت تعرف
(153) المصدر السابق، جـ 2 ص 680 -
(154) آثار البلاد، ص 43
683 -
(155) جزر المالديف واللكاديف أرخبيل مكون من 1271 جزيرة منها 215 جزيرة مسكونة ومساحة جميع الجزر 280 ك. م مربع، وعدد سكانها حوالي 150 ألف نسمة الآن كلهم مسلمون، حصلت على استقلالها عام 1965 م، وهي الآن جمهورية اسلامية وتقع جنوب غرب الهند. =
—
92
? (1/96)
صفحة 97
هذه
في العصور الوسطى باسم جزر الدبيجات (156)، أو جزر ذيبة المهل، نسبة الى اسم أكبر جزيرة فيها (157). وكان الجغرافيون العرب يميزون بين اللكاديف والمالديف التي تقع جنوبها، بأن الأولى كانت تصنع فيها الحبال من قشر جوز الهند، بينما كانت الأخرى تنتج أصدافا صفراء كانت تستخدم كعملة في جزر المالديف وفي بعض مجتمعات افريقيا والهند، ولذلك كانت السفن العمانية وغيرها تعرج على هذه الجزر لتحمل شحنات الأصداف للاتجار فيها وفي أصداف السلاحف التي كانت تزحف الى الشاطيء بالآلاف لتضع بيضها (158). ولذلك يدين هذه الجزائر بدخولهم في الاسلام الى تجار العرب والفرس الذين استوطنوا هذه البلاد وتصاهروا مع الأهالي ومهدوا بذلك السبيل لنشر تعالم الاسلام فيها بنشاط وقوة وذلك منذ القرن الثالث للهجرة التاسع للميلاد على الأقل (159)
من
سكان
وقد كثر ذكر وصول التجار العمانيين بالذات الى هذه الجزر منذ العصور الاسلامية الأولى، يؤيد ذلك ماكتبه أبو زيد السيرافي في النصف الأول من القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، من أن العمانيين كانوا يقصدون جزائر بحر الهند مثل جزر المالديف
انظر ابن بطوطة: جـ 2 ص 654 هامش (1)، محمد كمال حسين: انتشار الاسلام، دار الفكر العربي، القاهرة سنة 1976 م، ص 106
(156) المسعودي: جـ 1 ص 155، وكلمة الديباجة كلمة مشتقة من اللغة السنسكريتية وتعني الجزيرة، انظر، ابن سعيد المغربي: الجغرافيا، ص 104
(157) ابن بطوطة: ج 2 ص 654.
(158) المسعودي: جـ 1 ص 155، الادريسي: ص 36، ابن بطوطة: جـ 2 ص 658، تيم سفرن: 2
ص 142
(159) أرنولد: ص 302 – 303.
93
- (1/97)
صفحة 98
آلات النجارة، فيقطعون من خشب النارجيل
،
وغيرها، ومعهم ما يحبون، ثم اذا جف هذا الخشب كانوا يقطعونه ألواحا يصنعون منها سفينة، وينسجون من سعف النارجيل شراعا، ثم يملئون هذه السفينة بخشب النارجيل وثماره ويعودون الى عمان فيبيعونه هناك لصناع السفن (160)
وقد أيد المسعودي المعاصر لأبي زيد السيرافي هذا القول فقال ان النواخذة العمانيين والسيرافيين بعمان وسيراف وغيرهم من التجار كانوا يختلفون الى هذه الجزائر التي كان يبلغ عددها ألفا وتسعمائة جزيرة (161)، والتي كانت عامرة كلها بالناس ويوجد ببحارها العنبر الجيد الكبير الحجم بالاضافة الى شجر النارجيل (162). ويبدو أن كثرة وصول هؤلاء النواخذة والتجار قد أدى الى وجود عربي قوي تمكن فيه بعض العرب من إقامة مملكة في إحدى هذه الجزر الوفيرة العدد، إذ يخبرنا المقدسي في القرن الرابع للهجرة بأن الجزائر التي تقع بعد ميناء الديبل في بحر لا يدرك عمقه والتي جعل عددها ألفا وسبعمائة جزيرة، وأشار الى أن أمرأة أوصاف تدل على أنها جزائر المالديف بلا شك، وهي لأنها تتطابق مع ما جاء بعد ذلك في المصادر المتأخرة كابن
تملكها
-
,
بطوطة - يقول انه يوجد في هذه الجزائر "ملك من العرب،، (163)، مما يدل على كثرة عدد العرب في بعض هذه
(160) سلسلطة التواريخ، ص 130
131
-
(161) عدد جزر المالديف الحقيقي هو 1271 جزيرة، انظر هامش رقم 155 ص 92
(162) مروج
الذهب: جـ 1 ص 154.
(163) أحسن التقاسيم، ص 13.
-
94
-
- (1/98)
صفحة 99
الجزر والى قدم سكناهم وتوطنهم فيها حتى صار لهم ملك
يحكمهم
•
وقد أشار ابن سعيد المغربي الى هذا التوطن الذي لاحظه في بعض جزر المالديف في القرن السابع للهجرة الثالث عشر للميلاد، فقال ان جزيرة دويبي وهي إحدى جزر الديباجات الكبيرة، أي المالديف، كان أكثر سكانها من أبناء العرب الذين كان المسافرون الى الهند ينزلون عندهم ويبتاعون منهم قصب السكر (164) ويبدو أن جزيرة دويبي هذه هي التي عناها الادريسي وقال انها تقابل مدينة سمندر، وأنه يأتيها التجار من كل الآفاق، وبينها وبين جزيرة سرنديب أربعة مجار بحرية (165) وقد قدر الادريسي المجرى البحري بمائة وأربعة أميال (166). أما ابن بطوطة فقد أشار هو الآخر حوالي منتصف القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد الى تواجد العمانيين من أهل ظفار في بعض جزر المالديف وقال انه تقابل مع رجل من ظفار في جزيرة كنلوس، وهي إحدى هذه الجزر (167)
فاذا جمعنا هذه الاشارات التي وردت عند أبي زيد السيرافي والمسعودي والمقدسي والادريسي وابن سعيد وابن بطوطة، لأدركنا أن تواجد التجار والملاحين العمانيين في جزر المالديف كان مكثفا ولا يقل عن تواجد غيرهم من التجار المسلمين الآخرين ان
(164) الجغرافيا، ص 104
1.0
-
(165) نزهة المشتاق، ص 74
(166) المصدر السابق، ص 63
(167) رحلة ابن بطوطة، جـ 2 ص 654، 663
-
90 (1/99)
صفحة 100
لم يزد. وقد شجع على هذا التواجد موقع هذه الجزر الهام بالنسبة للسفن التي كانت تقصد ساحل الهند الغربي، اذ كانت هذه الجزر تقع مباشرة على الطريق الذي يصل بلاد العرب بهذا الساحل، كما أنها كانت مكتظة بنخيل جوز الهند ذي الفائدة السابق الاشارة اليها بالنسبة لصناعة السفن والحبال عند العمانيين، ولذلك كثر مرور سفنهم بها (168)
وكما حملت هذه السفن التجار الى جزر المالديف فقد حملت
اليها أيضا الدعاة العرب وغير العرب، وما زال يوجد حتى الآن قبر لداعية يعرف عند سكان هذه الجزر باسم ممبا ملايكا، من المحتمل أن يكون قد وصل اليها في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر للميلاد (169). ومن المفيد في هذا الشأن أن نذكر أن أهل جزر المالديف يقولون ان الاسلام وصلهم على يد أحد الأولياء المسلمين، كانت سفينته قد تحطمت على صخرة من صخور هذه الجزر (170)، مما يدل على أنه كان تاجرا وداعية في نفس الوقت.
وقد كان تحول أهل هذه الجزر الى الاسلام تحولا جماعيا
وقصة اسلام ملك هذه الجزر واسلام شعبه على هذا النحو قصة طريفة رواها لنا ابن بطوطة بشكل أسطوري (171)، يدل على مدى اخلاص الدعاة وتضحياتهم في سبيل نشر الاسلام، مما كان
(168) المصدر السابق: جـ 2 ص 658، تيم سفرن: ص 131، 133.
(169) أرنولد: ص 303.
(170) تيم سفرن: ص 131
(171) روي ابن بطوطة أن جنيا كان يأتي جزر المالديف من البحر كل شهر، وكان أهلها يقدمون له فتاة عند بيت الأصنام على ضفة البحر لا تلبث أن يجدوها الصباح ميتة، ولما قدم عليهم أبو البركات المغربي وكان حافظا للقرآن الكريم وسمع بهذه القصة، جعلهم يضعونه مكان الفتاة =
96 (1/100)
صفحة 101
له أثره الكبير في قيام هذا الملك بتحطيم الأصنام التي كان يعبدها، وأقبل على اعتناق الاسلام هو وأتباعه، وأرسل رسله الى كافة الجزر التي يحكمها لدعوة أهلها للدخول في الاسلام وترك الوثنية وعبادة الأصنام، ونجحت الدعوة وأسلم الناس جميعا، وبني الملك مسجدا كبيرا خلد فيه هذا الحدث التاريخي الهام بأن ثبت لوحة خشبية في مقصورة هذا المسجد رآها ابن بطوطة ووجد مكتوبا عليها أسلم السلطان أحمد شنورازة على يد أبي البركات البربري المغربي. وهناك ما يفيد بأن هذا الملك أسلم عام 548 هـ / 1153 م، وأسلم معه جميع سكان هذه الجزر على يد أحد الدعاة المسلمين (172). وكان سكان هذه الجزر كلهم مسلمين فعلا عندما زارها ابن بطوطة، وحسن اسلامهم حتى انه وصفهم بأنهم ذو ديانة وصلاح وايمان صحيح ونية صادقة، (173)
وبمجرد انتشار الاسلام على هذا النحو في هذه الجزر أخذ الأهالي في انشاء المساجد التي كثرت حتى قال ابن بطوطة انه كان يوجد في كل جزيرة من جزائرهم المساجد الحسنة، كما كانت تكثر الزوايا التي كان يتعبد فيها رجال الصوفية، وكثر عدد الفقهاء الذين كانوا يقومون بارشاد الناس وتعليم طلبة العلم، وغلب على الرجال ارتداء العمامة، واذا لم يتمكنوا من ذلك كانوا يضعون
التي جاءت بها القرعة، وظل يقرأ القرآن طوال الليل بصوت مسموع مما جعل الجني يغوص في البحر. ولما سمع الملك شنورازة بذلك، استدعى هذا المسلم الذي انتهز الفرصة وعرض عليه الله الاسلام، وشرح صدر الملك فأسلم هو وأسرته وحاشيته وأهل مملكته. أنظر، ابن بطوطة،
جـ 2 ص 659
•
660 -
(172) رحلة ابن بطوطة، جـ 2 ص 660
(173) المصدر السابق، جـ 2 ص 654
-
655، محمد كمال حسين: انتشار الاسلام، ص
-
970
- (1/101)
صفحة 102
،
منديلا صغيرا على رءوسهم بدلا منها، واذا لقي أحدهم القاضي أو الخطيب وضع ثوبه على كتفيه وكشف ظهره، دليلا على احترامه له حسب عادتهم حسب عادتهم في ذلك اذ كان القاضي عندهم يتبوأ مكانة سامية لا تدانيها مكانة أخرى بعد مكانة السلطان، لأن وأحكامهم كلها راجعة اليه، وهو أعظم عندهم من الناس أجمعين، وأمره ممثل كأمر السلطان وأشد، (174)
وقد تولى ابن بطوطة ولاية القضاء في هذه الجزر واجتهد في اقامة رسوم الشرع، وقضى على بعض العادات السيئة، كما اشتد في اقامة الصلوات وعين رجالا يطوفون بالأزقة والأسواق لضرب كل من يتأخر صلاة الجمعة، كما ألزم الأئمة والمؤذنين عن بالمواظبة على أداء واجبات وظائفهم، وحاول أن يجعل النساء يرتدين الملابس السابغة ويتركن الطريقة المألوفة لهن من ارتداء فوطة واحدة تستر نصف الجسم الأسفل، بينما يظل النصف العلوي مكشوفا وعريانا، ولكنه فشل في ذلك، ربما بسبب الحر الشديد وبسبب تحكم العادة عند أهل هذه الجزر (175)
وهكذا نرى نتيجة الجهود العمانية وغير العمانية في نشر الاسلام والثقافة الاسلامية في بلاد الهند وسرنديب (سريلانكا) وجزر المالديف. فقد تحول شعب المالديف بأسره الى الاسلام قبل عصر ابن بطوطة، وسلطنة اسلامية ثالثة على الساحل الشرقي شهد بعض أحداثها أثناء زيارته لهذا الساحل كما قدمنا، وكذلك تحول بعض أهالي سرنديب الى الاسلام، وانفعل سلاطين هذه السلطنات
(174) ابن بطوطة، جـ 2 ص 656، 662
(175) المصدر السابق، جـ 2 ص 658، 669
?
98 (1/102)
صفحة 103
وأهلها بالاسلام وتقاليده انفعالا كبيرا كما رأينا، وظلوا محافظين على دينهم رغم ما تعرضوا له من هجوم شبه مستمر من ملوك الهند ومهراجاتهم الذين مافتئوا يشنون الغارات على هذه مما فرض عليها حالة من التحفز المستمر، لأنها كانت
السلطنات
في الواقع تعيش في بحر من الهندوس غير المسلمين
{
العقبات التي حدت من انتشار الاسلام بين الهنود:.
فسلطنة هنور التي كانت تقع على الساحل الغربي لبلاد الهند، كان سلطانها رغم قوته البحرية وفرضه الجزية على أهل بلاد الملبار، تحت حكم سلطان كافر يسمى هريب (176)، ولم يكن ذلك الا لضعف في قوته نتيجة لصراعه الدائم مع جيرانه من ملوك الهندوس. وقد كان هذا الصراع مفروضا عليه بحكم الصراع بين الدين الوافد وأديان الهند الراسخة في قلوب الناس منذ بعيد. وقد سبقت الاشارة الى غزوه لملك صندابور الهندوسي عام 143 هـ / 1342 م، ورغم انتصاره عليه الا ان هذا الملك الهندوسي لم يلبث أن هاجم هنور في العام التالي بعد أن استعد لقتالها، وساعده الملوك الهندوس المجاورون له، وحاصر هنور واشتد بها الحصار حتى اضطر ابن بطوطة أن يخرج منها وتركها
أمد
وهي محاصرة (177)
وبطبيعة الحال كانت النتيجة أن يخضع سلطان هنور وتصبح
(176) المصدر السابق، ج 2 ص 635 (177) المصدر السابق، جـ 2 ص 651.
-
•
-
990
- (1/103)
صفحة 104
بلاده تابعة لملك هندوسي. وكان ملوك الهندوس بهذا الساحل في عصر ابن بطوطة اثنى عشر ملكا، منهم القوي الذي كان عسكره يبلغ خمسين ألفا، ومنهم الضعيف الذي كان عسكره لا يزيد عن ثلاثة آلاف (178)، في حين أن جيش سلطنة هنور كان لا يزيد عن ستة آلاف بين فارس وراجل (179)
•
ولذلك قلت فعالية هذه السلطنة في نشر الاسلام على الساحل الغربي لبلاد الهند، كما قلت فعالية أختها التي كانت تقع على الساحل الشرقي (ساحل) (كروماندل) الذي يعرفه ابن بطوطة باسم بلاد المعبر، نتيجة للصراع على الحكم بين أمرائها من المسلمين الذين كانوا يثورون على ملوكها ويقتلونهم، إما طمعا في الملك أو تخلصا منهم لسيرتهم السيئة في الرعية، ونتيجة أيضا لضعف قوتها العسكرية، فكان جيشها لا يزيد عن الستة آلاف في في حين كان جيش الملك الهندوسي (بلال ديو) المجاور لها لا مائة ألف، ولذلك طمع في القضاء عليها، و لم تفلت هذه
يقل عن
السلطنة
من هذا المصير الا بأعجوبة (180)
و لم تكن قلة فاعلية هذه السلطنات في نشر الاسلام نتيجة لهذه العوامل فحسب، بل انها كانت أيضا نتيجة لعوامل أخرى، منها طمع سلاطين هذه السلطنات كل في أراضي الآخر، فكان بعضهم يطمع في ضم بلاد الآخر اليه، ولم يكن هذا الضم لنشر العقيدة والاسلام ولكنه كان تحقيقا لطموحات وأهداف شخصية،
(178) المصدر السابق، ج 2 ص 639
(179) المصدر السابق، ج 2 ص 635
(180) المصدر السابق، جـ 2 ص 689، 691
-
692 (1/104)
صفحة 105
مما أعطى صورة سيئة عن الاسلام والمسلمين. فحكام سلطنة مادورا أو سلطنة بلاد المعبر بعد أن ثاروا على سلطان دهلي وانفصلوا عنه، طمعوا في سلطنة المالديف بعد أن علموا بضعفها وقلة حيلتها، وأنه ليس لها جيش قوي يحميها ويمنعها، اذ كان عدد جيشها لا يزيد عن ألف جندي بعضهم من الغرباء الوافدين
•
وحاك سلطان بلاد المعبر مؤامرة دبرها ابن بطوطة الذي كان زوجا لأخت زوجة هذا السلطان، على أساس أن يكون نائبا عنه في حكم جزر المالديف اذا ما نجحت المؤامرة وتمكن جيش هذا السلطان من اقتحام هذه الجزر، ولم يفعل ابن بطوطة ذلك الا لنقمته على وزير سلطانتها حيث أساء هذا الوزير لابن بطوطة حينما كان زائرا لهذه الجزر من قبل (181)
وفي الوقت الذي كان سلاطين السواحل الهندية وجزرها
الاتحاد
على هذا النحو من التفكك والانقسام، كان ملوك الممالك الهندوسية المجاورين لهم على نحو كبير وعظيم من والانسجام. ورغم تفاوت قوتهم من الناحية العسكرية إلا أنهم لم يطمعوا في بعضهم البعض، فلم يطمع القوي في الضعيف، ولا الكبير في الصغير، وكان بين بلاد كل منهم وبلاد جاره باب خشبي منقوش عليه اسم الملك الذي تبدأ عمالته أو مملكته هذا الباب الذي كانوا يسمونه باب أمان فلان. ذلك انه اذا فر مسلم أو كافر بسبب جناية ارتكبها في بلاد أحدهم ووصل الى هذا الباب، أمن على نفسه، ولم يجرؤ الملك الذي هرب هذا الهارب من بلاده على القبض عليه وان كان هو الملك القوي
(181) المصدر السابق، جـ ص 655، 662، 670، 672، 690
عند من
1·1 - (1/105)
صفحة 106
(182)،،
صاحب العدد والجيوش
ولذلك كان هؤلاء الملوك من الهندوس أصحاب الكلمة العليا في شئون الساحل الهندي رغم وجود هذه السلطنة الاسلامية الضعيفة التي تحدثنا عنها، ورغم وجود المراكز التجارية العديدة التي أشرنا اليها في صدر حديثنا. ذلك أن هذه المراكز هي
الأخرى أي غير
كانت تقع ضمن مدن يحكمها في الغالب حكام هندوس مسلمين. مثال ذلك مدينة قاليقوط التي كانت مجمع التجار من أهل الصين وجاوة وسيلان والمهل واليمن وفارس وعمان، فقد كان
يدعى
حاكمها هندوسي يعرف بالسامري (183) الذي حرفه البرتغاليون الى الزامورين عند قدومهم واستعمارهم لهذه البلاد، وكذلك مدينة كولم التي كانت من أحسن بلاد الملبار وأسواقها عامرة وبها جماعة كبيرة من تجار المسلمين، كان سلطانها هندوسي التيروري، ولكنه كان يعظم المسلمين ويحترمهم وكانوا عنده أعزة محترمين (184). أما مدينة منجرور التي سبق الحديث عنها والتي كان بها جالية اسلامية بلغ عددها أربعة آلاف، كان حاكمها هندوسي يدعى (رام دو)، وكان أهلها الهندوس في حرب مع المسلمين الموجودين بها، وكان هذا الحاكم يقوم بالصلح بينهما لحاجته الى التجار (185)
يضاف الى العوامل والعقبات التي حالت دون انتشار
(182) المصدر السابق، ج 2 ص 639
(183) المصدر السابق، جـ
(184) المصدر السابق، جـ
ص 645.
ص 649.
(185) المصدر السابق، جـ 2 ص 641.
•
- 102 (1/106)
صفحة 107
الاسلام على نحو واسع بين الهنود، ظاهرة التعصب التي كانت توجد عند كثير من الهندوس على ساحل الملبار. ذلك أنهم كانوا لا يسمحون للمسلمين بالأكل في أوانيهم، فان أكلوا فيها كسروها أو أعطوها لهم، واذا دخل مسلم مكانا ليس فيه دار للمسلمين يمكن أن يتناول فيه طعامه وطبخ له أحد الهندوس طعاما، فان ما يتبقى منه بعد انتهائه من تناول الطعام كان للكلاب يرمى والطيور (186)، مما يدل على عدم التسامح وعدم التداخل بين المسلمين وبين هؤلاء الهندوس المتعصبين، مما كان يقف عقبة في سبيل انتشار الاسلام بينهم الى حد كبير
ولاشك أن هذا التعصب كان بتحريض من رجال دينهم من البراهمة الذين كانوا يزكون في نفوسهم هذا التعصب حتى لا يكتسح الاسلام بلادهم كما حدث في بعض أجزاء الهند الأخرى، وخاصة فيما يعرف الآن بباكستان وبنجالاديش، وكشمير والبنجاب وجزر المالديف. كما أن هذه الروح العدائية يمكن أن يكون سببها أيضا بعد بعض حكام المسلمين في السواحل الهندية عن روح التسامح التي يأمر بها الاسلام. فقد كانوا يغالون في أحيان كثيرة في معاقبة أعدائهم وأسراهم، وكان هذا الغلو وتلك القسوة سببا ألقى الهلع والخوف والرعب في نفوس كثير من الهنود مما حال بينهم وبين قبول دعوة الاسلام. وقد أشار ابن بطوطة الى ما كان يرتكبه سلطان بلاد المعبر من قسوة ووحشية في قتل أسراه من الهندوس نساء ورجالا وأطفالا، بطريقة جعلت ابن بطوطة يستنكر هذه الأفعال في شدة قائلا ان ذلك أمر شنيع ما علمته لأحد
(186) المصدر السابق، جـ
ص 638
•
-
- (1/107)
صفحة 108
من الملوك، وأظهر تشفيه في موت هذا السلطان الجائر الذي
عجل الله حينه بسبب الاسلام (187)
هذه الأفعال التي لا يقرها
ولم تكن هذه القسوة قاصرة على الأسرى من الهندوس فقط، بل كانت أيضا واقعة بالنسبة للمسلمين أنفسهم وخاصة في سلطنة دهلي التي كان سلطانها يفرض نفوذه على جميع المسلمين في بلاد الهند. فقد تحدث ابن بطوطة كثيرا عن ظلم هذا السلطان واراقته للدماء، وانه كان لا يبقي على أحد حتى من أهل العلم والصلاح والشرف اذا ما خالفوا أوامره أدنى مخالفة، أو اذا سمعوا كلاما قيل في حقه ولم يستنكروه، فكان يأمر بقتلهم أو بتعذيبهم بطريقة تقشعر لها الأبدان وتجعلهم يفضلون الموت قتلا بالسيف على على هذا العذاب المهين (188). واذا كان هذا هو حال السلطان في علاقته برعيته من المسلمين والهندوس، فقد كان أقسى وأفظع في معاملته لأعدائه من ملوك الهندوس ورعيتهم لدرجة أنهم كانوا يمتنعون منه بالجبال والمناطق الوعرة حتى لا تطولهم يداه (189) ولاشك أن هذا الاستبداد بالرعية والقسوة في معاملة الأعداء والخصوم، كان لهما أثرهما وانعكاساتهما على علاقات الهندوس بالسلطنات الاسلامية الصغيرة التي نشأت بالساحل، مما أوجد من عدم الثقة وعدم الرضا بين الفريقين، مما قلل من فرصة انتشار الاسلام بين الهنود الوثنيين رغم الجهود التي بذلها التجار
حالة
(187) المصدر السابق، جـ 2 ص 691.
(188) المصدر السابق، جـ 2 ص 540 - 549.
(189) المصدر السابق، جـ 2 ص 579.
1.8 (1/108)
صفحة 109
•
والملاحون العمانيون وغير العمانيين
كان لا
يهمهم
ورغم ذلك كله، فان تواصل قدوم التجار العمانيين وغيرهم من تجار المسلمين الى سواحل الهند وجزرها كان دائما يدفع دماء جديدة في شرايين الحركة الاسلامية في هذه السواحل، وما أتينا بهذا الحديث عن المعوقات أو العوامل التي أعاقت هذه الحركة عن تحقيق مزيد من الانتصارات بكسب مزيد من الهنود الى الاسلام، الا لنقف على حقيقة الأوضاع في هذه البلدان، ولندفع تهمة قد يقذف بها بعض الجاهلين قائلين بأن هؤلاء التجار الا أمر مصالحهم المادية. ذلك أنهم بذلوا كل جهدهم في نشر الاسلام على سواحل بلاد الهند وفي كثير من جزرها حتى تحول أهل هذه الجزر الى الاسلام قبل عصر ابن بطوطة، مثل جزائر المالديف واللكاديف، وحتى ظهرت سلطنات اسلامية على سواحل بلاد الهند سبق الحديث عنها، وكان من الممكن أن يستمر الزحف الاسلامي ويعم الاسلام هذه البلاد لولا العقبات التي أشرنا اليها والتي قللت من فرصة انتشاره، ولولا الاستعمار البرتغالي ثم الانجليزي الذي عطل هذا الزحف وأوقف هذا الانتشار وحاول أن يقضي عليه تماما
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام في أرخبيل
الملايو وأندونيسيا والفليبين:
واذا تركنا الهند وجزيرة سرنديب وجزائر المالديف واتجهنا
10 (1/109)
صفحة 110
هر
شرقا وعبرنا خليج البنغال الذي كان الهنود والعرب يسمونه بحر كند، لوصلنا الى أرخبيل الملايو الذي يحتوي على شبه جزيرة الملايو التي كان العرب يسمونها (كله) أو (كله بار)، ولوصلنا أيضا الى آلاف الجزر التي كان من أشهرها جزيرة سومطرة وهي جزيرة رامني أو الزابج عند العرب، وكذلك جزيرة جاوة ثم جزر لنجبالوس التي كان العرب يسمونها جزر نيكوبار، ثم نصل الى جزائر أندمان والى جزيرة بورنيو، وجزائر الفليبين التي تقع في شمال شرقي هذا الأرخبيل (190)
أما أرخبيل الملايو فقد كانت سفن عمان وتجارها يأتون الى جزر هذا الأرخبيل بقصد التجارة وللمرور منها الى بلاد الصين، ويذكر أبو زيد الحسن السيرافي في القرن الرابع الهجري/ العاشر للميلاد، أن ميناء كله KALA أو كله بار KALAH-BAR الذي يقع على الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايو في ولاية كدة الحالية KEDAH) قويدة عند العرب، هو منتصف الطريق بين أراضي الصين وبلاد العرب، وأن ميناء (كله) هذا كان "مجمع الأمتعة من الأعواد والكافور والصندل والعاج والرصاص القلعي والقصدير والأبنوس ..... وغير ذلك مما يتسع ويطول شرحه، والجهاز من عمان في هذا الوقت اليها (أي الى ميناء كلة، ومنها
الى عمان واقع (191)
ويلاحظ من
هذه الرواية الهامة أن التجار والملاحين العمانيين كانوا في ذلك الوقت أكثر من غيرهم نشاطا في نقل
(190) انظر الخريطة رقم (1).
(191) سلسلة التواريخ، ص 90، ياقوت: جـ 4 ص 478، ابن الوردي: ص 110
11.71 (1/110)
صفحة 111
بار
المتاجر والسلع من ميناء كله بار الى عمان، و من عمان الى كله، لأن حديث أبي زيد السيرافي لم يتعداهم الى غيرهم، اذ قال ان الجهاز من عمان الى كله) (بار)، ومن الأخيرة الى عمان قائم و مستمر في ذلك الحين. وقد ازداد هذا النشاط العماني في تلك الفترة بالذات في هذا الميناء لأنه أصبح مجمع التجار منذ الفتنة التي حدثت في جنوبي الصين عام 264 هـ / 878 م (192)، اذ امتنعت السفن من الذهاب الى مواني الصين منذ ذلك الحين، وانتهت رحلاتها عند ميناء كله (بار) في الملايو، ومن ثم أصبح هذا الميناء المحطة الرئيسية التي كانت تحط فيها سفن الصين وسفن عمان
هو
وغيرها من السفن
وقد أيد المسعودي المعاصر لأبي زيد السيرافي ازدياد نشاط العمانيين في هذا الميناء، فخص العمانيين بحديثه قائلا ان الملاحين العمانيين كانوا يختلفون الى بلاد كله والزابج (193) (سومطرة)، وأتي بعده الحميري ببضع قرون ليؤيد هذه الحقيقة، فقال في القرن التاسع للهجرة / الخامس عشر للميلاد أن التجار الصينيين والمسلمين كانوا يتلاقون في ميناء كله) (بار)، وأن هذا الميناء "كان يتجهز عمان، وذكر السلع التي كانت ترد منه والتي سبق
،،
إليه من ذكرها السيرافي (194)
أن
ومعنى ذلك كله أن السفن التجارية العمانية أصبحت
تشكل عصب النشاط التجاري في المحيط الهندي طوال تلك الفترة
(192) المسعودي: جـ 1 ص 139 -
18. -
(193) المصدر السابق
،
ج 1 ص 203.
(194) الروض المعطار، ص 494.
- (1/111)
صفحة 112
التي تمتد من القرن العاشر حتى القرن الخامس عشر، يؤيد ذلك كثرة الاشارات الواردة عن سفر السفن العمانية الى ميناء كله بار بالملايو عند بزرك وغيره من الكتاب الأوائل، فنراه يذكر في أكثر من موضع أن اسماعيلويه بن ابراهيم بن مرداس الناخوذة العماني حدثه أنه أقلع من كله بار الى عمان عام 317 هـ/ 929 م في إحدى وأربعين يوما أو ثمانية وأربعين يوما في مرة أخرى، وأن سلطان عمان أخذ ستمائة ألف دينار عشورا على ما كان في سفينته وحده، وسامح بقية التجار الذين كانوا معه في مائة ألف دينار (195) كما سبق القول، مما يدل على عظم وكبر حجم وقيمة التجارة المتبادلة بين عمان وبين الملايو في ذلك الحين
كما وردت اشارات أخرى تدل على وصول السفن العمانية الى صندابور (196) لعلها سنغافورة الآن، ويستفاد مما ذكره بزرك أن تجار عمان كانوا يستوطنون هذه الجهات أو يقيمون فيها فترات طويلة حتى أن بعضهم كانوا ينتسبون اليها، فيقال فلان الصندابوري، مثال ذلك ماذكره بزرك من أن بعض التجار حدثوه الصندابوري أخبرهم عن وصول مراكب عمان الى مما أدي الى انتشار اللغة العربية في بعض هذه الأنحاء. فيذكر الحميري في القرن الخامس عشر للميلاد أن سكان جزيرة القطرية – وهي إحدى جزر الأرخبيل ـ زيهم عربي
أن
موسي
صندابور
(197)
-
ويتكلمون العربية ويدعون أنهم عرب (198)
(195) عجائب الهند، ص 129 – 130، 132
133
--
108
158
-
•
(196) المصدر السابق، ص 157
(197) المصدر السابق، ص 157
(198) الحميري: ص 465. (1/112)
صفحة 113
وقد كان العرب منتشرين أيضا في جزائر ملوقة منذ زمن
من
أشهر
طويل ومحتكرين لتجارتها (199)، وملوقة أو ملقا المضايق التي تتحكم في مرور التجارة، مثله في ذلك مثل مضيق هرمز في شمال عمان ومضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر من الجنوب، ومضيق جبل طارق شمال بلاد المغرب الأقصى، ومعنى ذلك أن عرب عمان كانوا يتحكمون في اثنين من المضايق، هما مضيق هرمز ومضيق ملقا الذي كانوا يطلقون عليه اسم بحر سلاهط SEA OF SALAHIT وهو البحر الخامس في سلسلة البحار بين عمان والصين، مما يدل على مدى قوة النفوذ
الملاحي العماني في العصور الوسطى.
هذه
وقد نتج عن هذا النشاط العماني أن تكونت جاليات ومستوطنات ومراكز تجارية عمانية وعربية في بلاد الملايو (200) وفي غيرها من جزر الأرخبيل. فيذكر القلقشندي أن (كله) فيها مدينة عامرة يسكنها المسلمون وغيرهم (201)، والمقصود بطبيعة كلمة غيرهم هم أهل البلاد الأصليين الذين لم يعتنقوا الاسلام بعد مما يعني أن الاسلام لم يكن قد غمر كلهذه المجتمعات
الحال من
في ذلك الحين
لكن متى بدأ دخول الاسلام في هذه البلاد ... ؟، الحقيقة ان التاريخ الدقيق لدخول الاسلام في الملايو وأرخبيله أمر غير
(199) جيان: ص 260
(200) محمد رشيد الفيل: أثر التجارة والرحلة في تطوير المعرفة الجغرافية عند العرب، فصلة في كتاب بحوث المؤتمر الجغرافي الاسلامى الأول، جـ 3 ص 454.
109
-
79
(201) القلقشندي: (1/113)
صفحة 114
معروف على وجه التحقيق، ولكن من المحتمل أن تجار عمان الذين كانوا يقومون بمعظم النشاط الملاحي في تلك المناطق كما سبق القول حملوه هم وغيرهم من تجار العرب الى هذه البلاد في القرون الأولى للهجرة حيث كانوا يزاولون مع بلاد الشرق الأقصى تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة، فقد وصلت سفنهم الى الصين حوالي النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، أو في القرن السابع الميلادي على الأقل (202)
•
الصين
ففي مستهل القرن السابع للميلاد لقيت تجارتهم مع رواجا عظيما، وفي الفترة بين القرنين العاشر والخامس عشر للميلاد كان العرب سادة التجارة مع الشرق دون منازع، ولذلك يمكننا أن نقول في شيء من التأكيد المقبول انهم لابد وأسسوا مستوطناتهم ومراكزهم التجارية في بعض جزائر أرخبيل الملايو منذ وقت مبكر. ومما يؤيد ذلك أننا نجد في حوادث عام 65 هـ/ 684 م في الأخبار الصينية المدونة حسب السنين، خبرا عن زعيم عربي يظن من التعليقات المتأخرة أنه كان زعيم مستعمرة عربية على ساحل سومطرة الغربي (203)
وقد أصبحت هذه المستوطنات مراكز للدعوة بجانب كونها مراكز للتجارة، فقد قدم اليها كثير من الدعاة والتجار منذ أواسط القرن الثاني عشر للميلاد سواء من عمان أو من غير عمان. وقد تمكن هؤلاء الدعاة من نشر الاسلام في ملقا بالملايو بعد أن نجحوا في تحويل ملكها الى الاسلام. وتذكر بعض المراجع قصة داعية
(202) أنور عبد العليم: ص 22
(203) أرنولد: ص 401 - 402.
-
- 11
- (1/114)
صفحة 115
عماني يدعى الشيخ عبد الله قدم الى مملكة قويدة في الملايو، واستطاع قرب نهاية القرن الخامس عشر للميلاد أن يحول الراجا حاكم هذه المملكة الى الاسلام كما حول نساء القصر وعلمهن حقائق الاسلام، وكان هذا الشيخ مهذبا لطيف المعشر، كما كان جذابا
رقيقا في لغته، حتى انه جذب اليه قلوب ساكني القصر جميعا ولم يلبث الراجا أن اتخذ اسما اسلاميا هو وأولاده وأرسل في طلب وزرائه فأعلنوا اسلامهم، وعلمهم الشيخ عبد الله قواعد الدين الجديد، وأتى اليه شعب قويدة جماعات جماعات فدخلوا في الاسلام، وقام الشيخ بتحطيم الأصنام التي كانوا يعبدونها. وأمر الراجا ببناء المساجد في البقاع الآهلة بالسكان وأمر بأن يلحق بكل مسجد أربعة وأربعين شخصا على الأقل من السكان لاقامة الشعائر وللعكوف على العبادة، لأن أي عدد أقل من ذلك ـ في نظره -
الله يدعو
كان غير كاف لتأدية الواجبات الدينية. وظل الشيخ عبد للاسلام في هذه البلاد وأتاه الناس من جميع سواحل قويدة ومقاطعاتها وما جاورها، وتعلموا على يديه عقائد الاسلام وشعائره، في الوقت الذي كان الراجا وزوجته ملازمين للشيخ يتعلمان منه القرآن (204)
وربما كان الشيخ عبد الله هذا هو الشيخ عبد الله قاسم الذي تذكره بعض المراجع الأخرى من أنه تمكن من اقامة سلطنة اسلامية في ملقا التي تقع جنوب قويدة في شبه جزيرة الملايو، في النصف الثاني من القرن الخامس عشر للميلاد، لأنه يلاحظ أن اسلام ملك قويدة على يد الشيخ عبد الله، وقيام سلطنة ملقا على يد الشيخ
(204) المرجع السابق، ص 412
-
413، حسين مؤنس: ص 381
•
— (1/115)
صفحة 116
عبد
الله قا قاسم العماني حدثان متزامنان، اذ أنهما وقعا في النصف الثاني من ذلك القرن، كما أن هذين الداعيين عمانيان، فلابد أنهما شخص واحد، واذا كان الأمر كذلك فان اسلام ملك قويدة يعود الفضل فيه الى ذلك الملاح العماني الشهير الشيخ عبد الله قاسم الذي تمكن أيضا من اقامة سلطنة اسلامية في ملقا، واعتلى عرشها باسم منصور شاه الكبير عام 1459 م، وأرسل وفدا يحمل التحف والهدايا الى امبراطور الصين. كما وسع ممتلكات ملقا في وسط جاوة وساحلها الشرقي وفي الأرخبيل، ونشر الاسلام في هذه المناطق وبفضله أصبحت ملقا قوة سياسية ضخمة، اذ تمكنت مملكة سيام البوذية التي أرادت أن تعيد مسلمي ملقا الى أديانهم السالفة وأن تستولى على بلادهم، كما أصبحت ملقا في عهده أهم الموانيء التجارية في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، وجذب نفوذها التجاري ونشاطها الاسلامي سكان جزر الأرخبيل حتى ماننداو في جنوب الفليبين الى الاسلام (205)
•
صد من
وبذلك أصبحت ملقا مركز الاشعار الاسلامي الأول في هذه المنطقة من جنوب شرق آسيا، فكان أول سلطان مسلم في باهانج عام 880 هـ 1475 م هو ابن سلطان ملقا، وعلى قبره شاهد مكتوب باللغة العربية ما زال قائما حتى الآن. كما أن جاوة انتشر فيها الاسلام منذ وصول التجار اليها من ملقا و من غيرها، وازداد انتشاره بتأثير من روح ذلك البحار العماني العظيم عبد الله ابن قاسم وبطولاته البحرية وحصافته في إدارة شئون التجارة
(205) الحضارة الاسلامية وانتشار الاسلام في آسيا، مسقط، الطبعة الثانية، سنة 84 ـ 1985 م،
ص 230 – 231، تيم سفرن: ص 265
-
•
-
112 (1/116)
صفحة 117
والملاحة، ولذلك قال المؤرخ كيرن عبارته الشهيرة "لقد تحولت جاوة الى الاسلام في ملقا (206)
ولاشك أن الاسلام وصل الى جاوة وسومطرة وباقي جزر اندونيسيا (207) في زمن أبعد من ذلك بكثير. وكان أول من قام بالمحاولة الأولى لادخال الاسلام الى جاوة رجل من أهالي هذه الجزيرة حوالي نهاية القرن الثاني عشر للميلاد، وكان هذا الرجل فيما يبدو الابن الأكبر لمليكها، وقد أخذ هذا الابن يباشر التجارة بعد أن ترك أخاه الصغير ملكا على البلاد عام 586 هـ / 1190 م وفي أثناء تطواف ذلك الابن الأكبر واشتغاله بالتجارة، لقي بعض تجار العرب فدخل في الاسلام على أيديهم، واتخذ لنفسه اسم حاجي بروا، وعاد الى وطنه وأراد بمعونة أحد دعاة العرب يدخل أخاه والأسرة المالكة في الاسلام ولكنه فشل (208)
أن
وازاء ازدياد النشاط الملاحي والتجاري للعمانيين وغيرهم وتأسيسهم المستوطنات للتجارة والاقامة، بدأ الاسلام ينتشر تدريجيا بين الأهالي نتيجة لما قام به أفراد من زعماء هذه الجاليات الصغيرة من دعوة الناس هناك للاسلام منذ زمن بعيد، ربما منذ القرن العاشر للميلاد، ولا يبعد أن يكون تجار العرب والفرس قد أدخلوا دينهم الى المدن الساحلية منذ ذلك التاريخ (209). وفي فترة
233 -
(206) الحضارة الاسلامية وانتشار الاسلام في آسيا، ص 232 (207) تتكون كلمة اندونيسيا من مقطعين وهما اندو معناها: الهند، ونيسيا ومعناها جزر، أي أن اندونيسيا معناها "جزر الهند ويبلغ عدد هذه الجزر نحو ثلاثة آلاف جزيرة
انظر: محمد كمال حسين: انتشار الاسلام، ص 106
(208) أرنولد: ص 416 - 417.
- 113 - (1/117)
صفحة 118
وجود أحمد
بن
ماجد، أي في النصف الثاني من القرن الخامس عشر للميلاد، كان العرب قد أسسوا شبكة تجارية في طول الأرخبيل المتسع وعرضه في جنوب شرقي آسيا، وكانت سفن العمانيين وغيرهم من العرب تحمل التجارة الى سومطرة وجاوة حتى بورنيو وجزيرة سلبيس، وكانت هذه السفن تجوب هذه الأنحاء باستمرار مستعينة بالرياح الموسمية للوصول الى جزر اندونيسيا ثم تدور حول الأرخبيل مستخدمة هذه الرياح (210) ونتيجة لهذا النشاط التجاري الملاحي للعمانيين وغيرهم ازداد انتشار الاسلام في جاوة، وازدادت اقامة العرب بها حتى انهم تمكنوا في القرن الثالث عشر للميلاد من اقامة سلطنة اسلامية في جاوة هي سلطنة داماك (211)، مما أدى الى دفع الحركة الاسلامية بقوة الى الامام في الجزر الأخرى، والى فتح الباب أمام التجار العمانيين وغيرهم لمزيد من التجارة والهجرة. وقد بقي أحفاد هؤلاء التجار مقيمين في جزر اندونيسيا حتى القرن الحالي، فيذكر أحد الرحالة الذين زاروا هذه الجزر في بداية القرن الحالي انه وجد فيها حيا للعرب في مدينة سورابايا، وأن عدد العرب في جاوة أثناء زيارته لها بلغ ثلاثمائة ألف نسمة، كما رأي مقابر عليها كتابات بالخط الكوفي، وعلى واجهة المدافن كتابات عربية تحمل آيات قرآنية في كثير من الجودة والاتقان (212). كما أشار غيره الى
(209) المرجع السابق، ص 415
تيم سفرن: ص 264.
(211) استودارد: ج 1 ص 345، 350
(212) الأمير محمد علي: رحلته الى جاوة، مطبعة المعارف، مصر سنة 1930 م، ص 28،
90، 29
-11? — (1/118)
صفحة 119
وجود مساجد أثرية قديمة كثيرة العدد بغير زخارف (213)، مما يدل على أنها من بناء التجار العمانيين، أو على الأقل متأثرة بالطابع العماني في بناء المساجد، وهو طابع لا يعطي أهمية للزخارف والنقوش التي كانت تحلى بها المساجد في كثير من الدول الاسلامية، لأن العمانيين كما هو معروف حريصون على اتباع سنة السلف الصالح حتى في بناء مساجدهم الأولى التي كانت بطبيعة
الحال تخلو من هذه الزخارف
وقد حرص الجاويون على التعلم والتفقه في الدين، فكثر ورودهم الى مصر لهذا الغرض حتى انه قد أصبح لهم رواق في الأزهر يسمى رواق الجاويين، كما أنهم انفعلوا بتقاليد الاسلام انفعالا كبيرا حتى إننا نراهم يرفعون راية الجهاد ويقضون على أكبر مملكة وثنية في الجزيرة، هي مملكة ماجا باهيت عام 883 هـ / 1478 م. وظلت الحركة الاسلامية تسير في طريقها الصاعد حتى انه في القرن السابع عشر للميلاد كان جميع أهل جاوة قد تحولوا الى الاسلام (214)
ويبدو أن الاسلام كان أسبق في الوصول الى سومطرة بحكم موقعها وقربها من مضيق ملقا ومن الحركة الاسلامية النشطة في شبة جزيرة الملايو، وقد سبقت الاشارة الى أنه في عام 65 هـ/ 684 م كان هناك زعيم عربي لاحدى المستوطنات العربية على
(213) محمد كمال حسين: ص 107، ستودارد: جـ ص 349 (214) حسين مؤنس: ص 381، ستودارد، ج 1 ص 350.
-110 - (1/119)
صفحة 120
ساحل سومطرة الغربي (215). ولاشك أن هذا الزعيم كان أحد التجار العرب الذين كانوا يترددون على موانيها العديدة مثل ميناء باري BARRIS وميناء لامبري LAMBRI (21) ، إذ كان هؤلاء التجار يحرصون على القدوم الى هذه الجزيرة لغناها بالعنبر الجيد (217) والياقوت الممتاز الوفير، ولأنها في طريقهم الى بلاد الصين، ولذلك أنشأوا فيها مستوطنات ومراكز تجارية منذ زمن بعيد، مما أدى رواج التجارة في هذه الجزيرة، وانتشر الصيارفة الذين كانوا يسهلون عمليات البيع والشراء. وقد ازداد عدد هؤلاء الصيارفة حتى أن أحد التجار عد الموجودين منهم في سوق الصيارف في المدينة التي يسكنها ملك الجزيرة، فوجدهم ثمانمائة صيرفي، سوى ما في البلد من الصيارف المتفرقين في الأسواق الأخرى (218) ونظرا لهذا النشاط التجاري الرائع الذي كان يقوم على أرض هذه الجزيرة، تردد تجار عمان على موانيها. وقد حكي لنا بزرك الذي كان موجودا في النصف الأول من القرن الرابع للهجرة قصة الناخوذة العماني (جهود كبوتاه مع ملك هذه الجزيرة الذي كان على غير دين الاسلام، والذي كان لا يستطيع أحد من المسلمين والغرباء وسائر أهل مملكته أن يجلس أمامه الا مربعا، وتسمى هذه الجلسة عندهم بالبرسيلا، وقد احتال هذا الناخوذة العماني ومد تعب من جلسة البرسيلا محتالا في ذلك
قدما بعد أخرى بعد
(215) أرنولد: ص 402.
أن
(216) محمد رشيد الفيل: ص 454، آدم متز: ج 2 ص 314
(217) الحميري: ص 264
(218) بزرك: ص 137.
117 (1/120)
صفحة 121
بأن وصف طول سمكة الكنعد، فقال: "وعندنا بعمان سمك يقال له الكنعد تكون الواحدة كذا، ومد رجله وقبض على نصف فخذه، ومنه ما يكون مثل هذا، ومد الرجل الأخرى وقبض على حقوه. ولما بين الوزير للملك احتيال الرجل على هذا النحو لأنه رجل مسن ولا يستطيع جلوس البرسيلا مدة طويلة، أمر هذا الملك أن يعفى التجار المسلمون الغرباء من هذا التقليد في الجلوس بين
يديه (219)
ومع طرافة هذه القصة، فانها تفيدنا في أن العمانيين كان لهم وجود ونشاط في جزيرة سومطرة. وقد تكاثف هذا الوجود وازداد غلبة وتأثيرا لدرجة ان أهل هذه الجزيرة كانوا جميعا مسلمين عندما زارها ابن بطوطة بعد ذلك بأربعة قرون في عام 746 هـ/ 1345 م (220). وليس صحيحا ما يقوله السير توماس أرنولد من أن الهند كانت هي المنبع الذي استقى منه أهالي سومطرة معرفتهم بالاسلام مستندا في ذلك على أن المذهب الديني المنتشر هناك هو المذهب الشافعي والذي كان منتشرا في نفس الوقت على سواحل كروماندل ومليبار بالهند (221)
فلم يكن الهنود المسلمون هم الذين نشروا الاسلام في سومطرة اذا كان أرنولد يقصد بكلمة الهند المسلمين الهنود، لأن المذهب الشافعي لم يكن منتشرا بسواحل الهند فقط بل كان منتشرا أيضا في جنوب جزيرة العرب بجانب المذهب الأباضي، فمن
(219) عجائب الهند: ص 154
-
(220) ابن بطوطة: جـ 2 ص 706، ستودارد: ج 1 ص 368
(221) الدعوة الى الاسلام، ص 404.
-114 - (1/121)
صفحة 122
المحتمل أن يكون تجار عمان الشوافع هم الذين حملوا الاسلام الى هذه الجزيرة، كما أن انتشار المذهب الشافعي هناك ليس دليلا على أنه كان منتشرا منذ بداية دخول الاسلام في هذه الجزيرة، لأن الاسلام أول ما ينتشر لايهم الداعين اليه أن ينشروه على مذهب معين، يكفي أن يعرف الناس الداخلون في الاسلام قواعد الاسلام وعقائده الأساسية والرئيسية، وهو ماتتفق فيه كافة المذاهب الاسلامية، وحتى لو اعتنق هؤلاء الناس فيما بعد مذهبا دينيا معينا، فإنه كثيرا ما كان يحدث أن يغيروا هذا المذهب لعوامل كثيرة، منها أن يعتنق ملكهم أو حاكمهم مذهبا دينيا آخر فيعمل على نشره بينهم فيغيرون مذهبهم الأول، وهكذا، ولذلك من المحتمل أن يكون الناس هناك كان لهم مذهب كالمذهب الأباضي وهو مذهب معظم العمانيين، ثم غيروه الى المذهب الشافعي لهذا السبب أو لأسباب أخرى.
المهم ان العرب هم الذين نشروا الاسلام في سومطرة، وقد اعترف أرنولد نفسه بأن التجار القادمين من الصين واليمن وفارس كانوا يترددون على سومطرة وغيرها من جزر أرخبيل الملايو، وقال انهم تجار من العرب (222). وقد سبقت الاشارة الى قدوم تجار عمان وغيرهم من التجار العرب الى هذه الجزيرة والى قيامهم بيناء المستوطنات والمراكز التجارية فيها. وحتى لو أخذنا بكلام أرنولد فلا يبعد أن يكون التجار العرب المقيمون بسواحل الهند ومراكزها التجارية هم الذين أقبلوا الى سومطرة ونشروا الاسلام فيها والدليل على ذلك ما يقوله أرنولد نفسه من أن أخبار الملايو
(222) المرجع السابق، ص 402.
-114 - (1/122)
صفحة 123
تنسب شرف أول دعوة في مدينة اتجيه ATJEH في شمال غربي سومطرة الى عربي يدعى عبد الله عارف، قيل انه زار الجزيرة حوالي منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، كما قيل بأن أحد تلاميذه المسمى برهان الدين هو الذي حمل العقيدة الاسلامية الى الساحل الغربي حتى بريامان PRIMAN (223)
هو
فقط
نفسه
•
،
واذا كان أرنولد يعود فينفي صحة هذه الرواية التي ذكرها الا اننا نراه مرة أخرى يعود فيذكر ما يؤيد وجهة نظرنا، فيقول أن أخبار مؤرخي الملايو الخاصة تجعل عام 602 هـ/ 1205 م تاريخا لأول سلطان أسس الأسرة الاسلامية في سومطرة، وأن هذا السلطان لم يكن من أهل البلاد بل كان من الغرب، أي كان عربيا أو فارسيا أو هنديا (224)، فلم يحصره في كونه هنديا كذلك ذكر ماركو بولو الذي زار هذه الجزيرة عام 691 هـ / 1292 م انه كانت توجد في الزاوية الشمالية الشرقية فيها مملكة اسلامية مملكة هي بيرلاك الصغيرة، وعلل سبب انتشار الاسلام في هذه المملكة بنشاط تجار العرب الذين بلغ من كثرة ترددهم على هذه المملكة انهم أدخلوا الأهالي في شريعة الاسلام (225). وقد زار ابن بطوطة هذه السلطنة عام 746 هـ / 1345 م وتحدث عن سلطانها المسمى بالملك الظاهر وتحدث عن اتساع ملكه في سومطرة وعن حبه للعلم والفقه والجهاد (226) فالعرب هم الذين نشروا الاسلام في سومطرة وغيرها من جزر
(223) المرجع السابق، ص 404
(224) المرجع السابق، ص 404
•
(225) المرجع السابق، ص 405، حسين مؤنس: أطلس تاريخ الاسلام، ص 380. (226) ابن بطوطة: جـ 2 ص 706، حسين مؤنس: ص 380
?
- 119
- (1/123)
صفحة 124
اندونيسيا، وبلغ من نشاطهم الدؤوب في هذا المضمار أن تحول أهل هذه الجزر جميعا الى الاسلام كما ذكر ماركو بولو قبل عصر ابن بطوطة الذي أورد هو الآخر هذه الحقيقة وأكدها عند زيارته
لسومطرة عام 746 هـ / 1345 م، كما سبق القول
وقد ساعد العرب على القيام بهذا العمل العظيم أن كثيرا من أهالي هذه الجزر كانوا يضربون في فجاج البلاد الاسلامية المجاورة، تجارا أو طلاب رزق، وهناك يعتنقون الاسلام ثم يعودون الى أهلهم بدينهم الجديد، ويكونون خير دعاة لنشره وذيوعه، مما أدى الى انتشار الاسلام في معظم الجزر وانشاء المساجد فيها، والى قيام الأندونيسيين أنفسهم بدور كبير في نشر الاسلام في البلاد المجاورة (227)
على هذا النحو انتشر الاسلام واستقر في سومطرة وظهرت فيها سلطنات وممالك اسلامية مثل سلطنة بيرلاك التي أشرنا اليها وسلطنة أتجيه التي حمل الاسلام اليها داعية عربي يسمى عبد الله عارف، ولم تلبث أن قامت أسرة حاكمة في أتجيه على يد السلطان جيهان شاه (228). وقد أرسل أحد سلاطينها رسالة الى سلطان سلطنة قويدة الاسلامية في الملايو بعد أن سمع بتحول سكان وسلطان هذه السلطنة الى الاسلام يقول له فيها: "هذه الرسالة سلطان أتجيه ونور الدين ـ أحد الدعاة الى أخينا سلطان
من
قويدة والشيخ عبد
الله
اليمني
(227) محمد كمال حسين: ص 107
(228) حسين مؤنس: ص 380
-
(229)
,
الذي يقيم الآن في قويدة.
(229) لعله يقصد بعبد الله اليمني عبدالله العماني، حيث كان لفظ اليمني يطلق على كافة عرب جنوب بلاد العرب، وللدليل على ذلك فقد ذكر صاحب الاستيعاب (جـ 1 ص 375 ملك عمان =
-
120
- (1/124)
صفحة 125
أرسلنا لكم كتابين من كتب الدين حتى تتأكد دعائم العقيدة تعلما الاسلامية ويتعلم الناس واجباتهم وشعائر دينهم
کاملا،، (230)
وهذه الرسالة إن دلت على شيء فانما تدل على مدى انفعال أهل اندونيسيا بالاسلام وحفاظهم على تقاليده، وذلك من مؤازرتهم لسلطان قويدة على النحو الذي رأيناه. وقد ظهر هذا الانفعال واضحا في أمور أخرى منها أنهم أخذوا بالأبجدية العربية في كتابة لغاتهم، مما هيأ الفرصة لانتشار مفردات وكلمات عربية كثيرة في هذه اللغات. والمثال على ذلك اللغة الاتشهينيزية، وهي إحدى لغات سومطرة التي استعملت الأبجدية العربية أثناء تحولها من لغة شفوية الى لغة مكتوبة، كما أدخلت في بنيانها مفردات عربية عديدة متعلقة بالفقه والفلسفة والدين وألفاظا عامة. وبالاضافة الى ذلك فقد وجدت في القرن السابع عشر للميلاد مخطوطات قديمة كان معظمها مكتوبا بالعربية، وكثير منها احتوى على ترجمة بين السطور الى لغة من اللغات الاندونيسية (231)
ونظرا لغلبة الاسلام على هذه الجزر، فقد كان ملوكها
وقال عنه إنه جيفر بن الجلندى اليماني. كما ذكر معظم الرحالة والجغرافيين العرب القدامي أن بلاد العرب خمسة أقسام هي تهامة والحجاز ونجد والعروض اليمامة والبحرين)، واليمن، وجعلوا اليمن تشتمل على تهامة ونجد واليمن وعمان ومهرة وحضرموت واليمن المعروفة لنا الآن. انظر: الاصطخري: مسالك الممالك ص 14، ياقوت: معجم البلدان جـ 2 ص 137، الحميري: الروض المعطار، ص 164، وليس المقصود أن اليمن تشتمل على هذه البلاد من الناحية السياسية، بل المقصود أن عرب الجنوب من القحطانية أو اليمنية سادوا هذه المنطقة وانتشروا فيها.
(230) ارنولد: ص 413.
(231) شاخت و بوزورث: تراث الاسلام، ترجمة محمد زهير، وحسين مؤنس، واحسان صدقي العمد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، الطبعة الثانية سنة 1988 م، ج 1 ص 222
TTE
-
-
121
- (1/125)
صفحة 126
يحترمون الفقهاء وعلماء الدين الى حد كبير، من ذلك ما يقوله ابن بطوطة من عندما زار هذه البلاد كان سلطانها الملك الظاهر محبا للفقهاء وكان يجعلهم دائما في مجلسه للقراءة والمذاكرة، وقد كان هذا الملك لا يذهب الى صلاة الجمعة الا ماشيا ومرتديا ملابس الفقهاء، وبعد انتهاء الصلاة كان يمكث في المسجد حتى العصر، وحوله القاضي، والطلبة عن يمينه وشماله، وذلك لمذاكرة الفقه ومدارسته معهم، واذا انتهت صلاة العصر دخل غرفته فخلع ملابس الفقهاء وارتدى ملابس الملك (232)
النحو
صلاة
ولما كان الاسلام متمكنا من قلب هذا الملك على هذا، فقد كان كثير الجهاد والغزو لمن جاوره من الكفار والوثنيين، وكان شعب مملكته يخرج معه لهذا الغرض تطوعا، فيغزون من جاورهم من الكفار الذين كانوا يغلبون ويطلبون الصلح ويدفعون الجزية (233)، مما يدل على مدى انفعال أهل اندونيسيا بالاسلام وتقاليده، واخلاصهم في الذود عنه وفي مجاهدة غيرهم حتى يعز الاسلام وينتشر بين من بقي على دينه القديم. والفضل في ذلك كله راجع الى هؤلاء التجار العمانيين وغيرهم ممن وصلوا الى هذه الجزر ووضعوا بذرة الاسلام هناك منذ العصور الاسلامية الأولى، ولم تلبث هذه البذور أن نمت وترعرعت حتى صارت دوحة وفيرة الظلال راسخة الجذور فيما تحدثنا عنه من وممالك اسلامية ظهرت في هذه البلاد منذ وقت مبكر وقد تابع هؤلاء التجار نشاطهم في الجزر المجاورة وخاصة
ص 708
(232) رحلة ابن بطوطة: جـ (233) المصدر السابق، جـ 2 ص 706.
سلطنات
-
12 (1/126)
صفحة 127
جزيرة بورنيو (كليمنتان) التي تقع شمال جزيرة جاوة، حيث سكانها وكانوا يحملون منها الكافور الى الصين والى
تاجروا مع
الغرب (234)، أي البلاد التي تقع غرب اندونيسيا. ومن ثم الاسلام يتسرب اليها في ركاب هؤلاء التجار وخاصة في سواحلها
عم
الغربية الشمالية حيث يحط هؤلاء التجار. ولم يلبث أن الاسلام غربي الجزيرة كله ونشأت فيه ممالك اسلامية مثل مملكة
بروناي، وقد وجد الأسبان في هذه المملكة ملكا مسلما على الساحل الشمالي الغربي من هذه الجزيرة عندما وصلوا اليها في عام 1521 م. وبعد ذلك بقليل، أي في عام 1550 م دخل الاسلام في مملكة سوكدنة SUKADANA التي تقع في الجانب الغربي للجزيرة على أيدي العرب الذين جاءوا من بالمابنج في سومطرة، وأبي الملك الحاكم لهذه المملكة أن يترك دين آبائه وأجداده. ولكن يبدو أن الدين الجديد أحرز تقدما كبيرا في عام 998 هـ / 1590 م،، اذ أصبح خليفة هذا الملك الذي اعتلى العرش في هذه السنة مسلما، وتزوج ابنة أمير من أمراء جزيرة مجاورة كان الاسلام قد وطد فيها دعائمه بقوة منذ زمن طويل، وأصبح الاسلام هو الدين الشائع في كل جزيرة بورنيو وخاصة سواحلها (235). أما المناطق الداخلية فقد أبطأ توغل الاسلام فيها نظرا لوعورة سطحها وانتشار القبائل البدائية الوثنية في أراضي الدواخل الجبلية التي تغطي
معظمها الغابات الاستوائية (236)
(234) آدم متز: جـ 2 ص 314، محمد رشيد الفيل: جـ (235) أرنولد: ص 430، حسين مؤنس: ص 381
(236) حسين مؤنس: ص 381
ص 454.
- 123 (1/127)
صفحة 128
ويلمح القاريء من الرواية السابقة أن مملكة اسلام سو كدنة
لم يكن الا على أيدي العرب، وأن هؤلاء العرب أتوا من سومطرة. ولما كان العمانيون يشكلون أغلبية العرب الذين كانوا يعملون بالملاحة والتجارة في هذه الجهات كما سبق القول، فان المرجح أن التجار العمانيين هم الذين كان لهم فضل تحويل مملكة سوكدنة الى الاسلام حيث كانت هذه المملكة تقع في طريقهم الى بلاد الصين، كما كان لهم الفضل أيضا في دخول الاسلام في جزائر ملوكس. فقد كان العرب يأتون اليها لشراء الفلفل الذي كان يجود في أراضيها، واستطاعوا أن يدخلوا ملوكها في دين الاسلام الذي أخذ يحرز تقدما في القرن الخامس عشر للميلاد، وخاصة في جزيرة ترنات التي اعتنق أهلها الاسلام. وكان سلطان هذه الجزيرة كما يحكي البرتغاليون أول زعماء ملوكس دخولا في الاسلام، وكان ذلك على يد أحد التجارة المسلمين (237)
كما اعتنق ملك جزيرة أخرى وهي جزيرة تيدور الاسلام على يد داعية عربي يسمى الشيخ منصور، وتحول كثير من رعايا هذه الجزيرة الى الاسلام عقب اسلام ملكهم، وانتحل هذا الملك اسما اسلاميا هو جمال الدين، كما سمى أكبر أبنائه منصورا على اسم هذا الذي أكرم وفادة البعثة الأسبانية معلمه العربي، ومنصور هو
التي وصلت الى بلاده عام 927 هـ 1521 م، وقد سماه مؤرخ / هذه البعثة باسم ريا سلطان موزور RAIA SULTAN MAUZOR ، وقال عنه ان عمره كان يزيد على خمسة وخمسين سنة، وأنه لم يمض أكثر من خمسين عاما على قدوم المسلمين للاقامة في هذه
(237) أرنولد: ص 426 - 427.
-
124
- (1/128)
صفحة 129
(238)
الجزائ
وفي جزيرة سليبيس دخلت القبيلتان اللتان تسيطران على الجزيرة في الاسلام، وهما ماكتبار والبوجي، ثم لم تلبث قبيلة الفور التي تقطن الداخل أن أسلمت هي الأخرى، وجاءهم عدد سلطنة أتجيه السومطرية الأندونيسية التي سبق
كبير من
الدعاة
من
ها
الحديث عنها، وواصلت الحركة الاسلامية في هذه الجزيرة سير الوئيد حتى عم الاسلام كل مجموعة جزر السليبيس في بداية القرن السابع عشر للميلاد، وتبعتها جزيرة لومبوك ثم تسرب الاسلام شرقا الى جزيرة غينيا الجديدة وخاصة قسمها الغربي الذي دخل في الاسلام ويتبع اليوم جمهورية اندونيسيا ايريان (239) ويسمى مما سبق ان عددا يتضح من الدعاة والتجار العرب عمانيين وغير عمانيين وصلوا الى هذه الجزائر، كما يفهم أيضا أن بعضهم أقام فيها، مما أدى الى رسوخ الاسلام وازدياد انتشاره بين الناس أسلم الملك فأسلمت الرعية قرب نهاية العصور الوسطى
حتى
وقد وصلت الدعوة الى الاسلام الى جزائر الفليبين (240) أيضا على يد دعاة من تجار العرب، وذلك حوالي منتصف القرن الرابع عشر للميلاد، وخاصة في جزيرة لوزون، وهي الجزيرة الشمالية الكبيرة. في نفس الوقت الذي وصل فيه الاسلام الى أرخبيل سولو وجزيرة مندناو، وهي الجزيرة الجنوبية الكبيرة (241).
(238) المرجع السابق، ص 426 -
(239) حسين مؤنس: ص 381
427
(240) الفليبين اسم أطلقه الأسبان على الجزر المعروفة بهذا الاسلام نسبة الى مليكهم فيليب وذلك عندما
احتلوها عام 1521 م. انظر: محمد كمال حسين ص 128.
(241) أرنولد: ص 427، حسين مؤنس: ص 381.
-
120 (1/129)
صفحة 130
وقد زار ابن بطوطة هذه البلاد قرب انتصاف ذلك القرن وقال ان أهلها كانوا عبدة أوثان، مما يدل على أن الدعوة للاسلام كانت في بدايتها وأن الوثنية كانت غالبة، ولكن ذلك لا يمنع القول بأن الاسلام والثقافة الاسلامية كانا موجودين في كثير من أنحاء هذه الجزر، بدليل ماذكره ابن بطوطة نفسه من أن ملكتها المسماه أردوجا كانت تحسن الكتابة بالخط العربي، وأنها كتبت أمامه البسملة (242)، مما يدل على وصول الدعاة والتجار العرب الى هذه البلاد قبل زيارة ابن بطوطة لها بزمن ليس بالقليل
السكان
•
وعن طريق هؤلاء الدعاة والتجار الوافدين من اقليم صباح بشمال جزيرة بورنيو ومن سلطنة جوهور الواقعة في الطرف الجنوبي بشبه جزيرة الملايو، واختلاطهم بسكان بعض هذه الجزر، وما نتج عن ذلك من تبادل ثقافي واجتماعي بين هؤلاء وبين التجار والدعاة الوافدين، أخذ الاسلام ينتشر وئيدا بين مختلف هذه الجزر (243). وقد ساعد على ذلك أن هؤلاء الدعاة صاهروا الأهالي واتخذوا لغتهم وكثيرا من عاداتهم، واشتروا عبيدا كثيرا ليظهروا بمظهر الأبهة والفخامة فتسمو مكانتهم لدى المواطنين. وبذلك تمكنوا في النهاية من أن يصبحوا ضمن زمرة الزعماء الذين كانوا يتبوءون أرفع مكانة في الدول (244)، مما أدى الى ازدياد النفوذ الأدبي للاسلام والمسلمين في هذه الجزر، وانتهى الأمر بأن تمكن داعية عربي يسمى أبو بكر من تنظيم حكومة سولو وسن قوانينها على أسس اسلامية قويمة بقدر ما كانت تسمح
(242) ابن بطوطة: جـ 2 ص 714 -
V 10
-
(243) محمد كمال حسين: ص 128، حسين مؤنس: ص 381
(244) أرنولد: ص 427.
-
126
- (1/130)
صفحة 131
به العادات المحلية، وتمكن من أن يرث عرش سولو بعد أن تزوج من ابنة ملكها السابق (245)
وقد صارت جزر الفليبين مملكة اسلامية كبيرة في عهد أبي بكر هذا 854 ـ 885 هـ / 1434 1465 م)، وبرز طابعها الاسلامي من خلال أعماله، حيث أنه قام بانشاء بيت مال للمسلمين وأخرج منه العطاء سنويا، وخصص نفقة نفقة للأرامل والأيتام والفقراء والمساكين، وبني مسجدا في صولو سماه "عنوان الاسلام، وسن قانونا شرعيا ألزم حكام الأقاليم بتنفيذه، وقاوم سيطرة قراصنة البحر من الوثنيين والبوذيين، فأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ونشر الاسلام في الجزر المجاورة كجزيرة لوزون وبيساياس وسيلي وسيلبيس وسيلواس وفالاوان وشمالي بورنيو، و ازداد عدد المسلمين في عهده على عدد الوثنيين الذين كانوا يؤدون الجزية لبيت مال المسلمين، شأنهم في ذلك شأن الذميين وأهل الكتاب في الشرق العربي الذين كانوا يدفعون الجزية لحكام المسلمين في مقابل حمايتهم. وقد خلف أبا بكر خلفاء ساروا على نهجه، دفع كثيرا من المسلمين سواء كانوا تجارا أو وافدين من بلاد العرب أو اندونيسيا أن يحلوا بالفليبين ويستقروا فيها بعد أن تزوجوا
مما
من نسائها (246)
وهكذا بفضل التجار والدعاة العرب عمانيين وغير عمانيين، وما بذلوه من جهد في الأخذ بيد السكان وارشادهم الى الدين الحنيف، أخذ الاسلام ينتشر في كثير من أنحاء الفليبين
(245) المرجع السابق، ص 403، 441. (246) محمد عبد القادر أحمد: المسلمون في الفليبين: القاهرة سنة 1980 م، ص 24.
127 (1/131)
صفحة 132
حتى
تكونت هناك امارات وسلطنات اسلامية ظلت موجودة فترة طويلة من الزمان، الى أن جاء الاستعمار الاسباني البغيض الذي
لولاه لعم الاسلام كل هذه الجزر (247)
•
وهكذا رأينا كيف انتشر الاسلام في أرخبيل الملايو وفي اندونيسيا وفي بورنيو وفي جزائر الفليبين على يد الدعاة والتجار من العرب وخاصة العمانيين الذين كانوا يكونون جمهرة هؤلاء العرب. ويعزي نجاح هؤلاء الدعاة والتجار في نشرهم للاسلام في هذه البلاد كلها الى عوامل معينة، منها اتصافهم بصفات خلقية طيبة، والى أنهم لم يفدوا على هذه البلاد كغزاة كما فعل الأسبان والبرتغاليون في القرن السادس عشر للميلاد، ولم يستخدموا السيف أو العنف أداة لتحويل الناس الى الاسلام، ولم يدعوا أنهم من جنس أسمى لابد أن يتمتع بالغلبة والسيادة على السكان المحليين كي يسلبوا حقوقهم وينهبوا بلادهم كما فعل الأوربيون، بل قدموا في زي التجار المسالمين، واستخدموا ما يتميزون به من ذكاء وتفوق في العقلية والحضارة لتحويل الناس الى الاسلام، وليس لفرض نفوذهم الشخصي أو لتنمية ثرواتهم (248)، فكسبوا قلوب الأهالي وخاصة بعد أن تعلموا لغاتهم وانتحلوا أخلاقهم وعاداتهم وصاهروهم، واختلطوا بهم وامتزجوا شيئا فشيئا بعامة الشعب، وأصبحوا يكونون معهم مجتمعا موحدا لا يميز فيه بين عربي وغير عربي، ولذلك استحقوا أن يصفهم بكل BUCKLE بأنهم كانوا على جانب عظيم من الحكمة والروية (249)
(247) حسين مؤنس: ص 381
(248) أرنولد: ص 403 (249) محمد أبو العلا محمد: ص
•
-
128 (1/132)
صفحة 133
وغيرهم
وقد نتج عن هذا التماذج مع السكان المحليين على هذا النحو، وعن نشاطهم التجاري وعن فتح الأبواب للتجار العمانيين، أن انتشر الاسلام على النحو الذي أشرنا اليه. وقد مر هذا الانتشار بمرحلتين: المرحلة الأولى بدأت في القرنين التاسع والعاشر للميلاد عقب توقف رحلات التجار المسلمين الى مواني الصين عقب الثورة الدامية التي وقعت في جنوب هذه البلاد عام 264 هـ / 878 م وراح ضحيتها عدد مهول من هؤلاء التجار، ونتج عن ذلك أن أصبحت مدينة كله بار ببلاد الملايو وكذلك اندونيسيا المركز الرئيسي للمسلمين في جنوب شرقي آسيا بالنسبة للنشاط التجاري، وبالنسبة للدعوة الى الاسلام في آن واحد. وترجع البداية الحقيقية لانتشار الاسلام في بلاد الملابو واندونيسيا الى هذه الفترة (250)
والمرحلة الثانية شملت القرنين الرابع عشر والخامس عشر للميلاد. ذلك أن اقتراب عصر المغول من نهايته لم يجعل السواحل والمواني الصينية مهيأة تماما لاستقبال التجار، فعاد نشاط هؤلاء التجار الى منطقة الأرخبيل وجزر أندونيسيا مرة أخرى،
جزر
وأصبحت هذه الجزر مركزا لالتقاء التجار الصينيين والتجار العرب وغيرهم، وخاصة بعد أن عم الاسلام هذه الجزر كما رأينا وظهرت فيها سلطنات وممالك اسلامية، رعت الاسلام ومكنت له وفتحت أبوابها لمزيد من الهجرات والنشاط التجاري القادم من وحضرموت، مما أدى الى قيام علاقات اقتصادية قوية بين ركني جنوب آسيا، الشرقي والغربي، واكبتها علاقات حضارية بين
(250) محمد أبو العلا محمد: ص
10.
عمان
129
- (1/133)
صفحة 134
في جزر
الأرض الأم في جنوبي الجزيرة العربية، وبين العالم الاسلامي النامي الهند الشرقية وأرخبيل الملايو استمرت حتى بعد تدهور تجارة الشرق الأقصى تحت حكم أسرات المنج الأواخر (1368 - (1644 م) والمانشو في بلاد الصين (251)
-
وهكذا بعد أن طوفنا مع الاسلام وانتشاره ورأينا جهود العمانيين في هذا الانتشار في البلدان التي سبق الحديث عنها حتى الآن، نجد أنفسنا في شوق الى الحديث عن العمانيين والاسلام وبلاد الصين
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام في
بلاد الصين:-
وكالعادة وكما فعلنا فيما سبق من حديث، فاننا نبدأ مع الصين بالحديث أولا عن نشاط العمانيين الملاحي والتجاري مع هذه البلاد، فهو المدخل الطبيعي لجهودهم في نشر الاسلام فيها. وفي هذا الصدد تذكر بعض المراجع أن الاتصال الملاحي والتجاري بين عمان والصين يعود الى عصر ماقبل الاسلام. والدليل على ذلك ان اسم عمان ظهر في السجلات الصينية منذ القرن الأول للميلاد (252)، كما أن هذه السجلات تذكر في القرن الرابع للميلاد كيف كان العرب يصنعون السفن وذلك بربط ألواح الخشب بحبال تصنع من لحاء شجر جوز الهند ذلك أن
(251) المرجع السابق، ص 51.
(252) تشانغ زون يان:
الهند. ومعنى
-
? (1/134)
صفحة 135
العرب صنعوا السفن وفتحوا خط المواصلات البحرية منذ زمن بعيد بين الخليج العربي والبحر الأحمر من جهة وبين الصين من جهة أخرى. والمقصود بالعرب هنا هم العمانيون لأنه معروف للجميع أن العمانيين كانوا أمهر وأرفع مستوى في فن صنع السفن وفن ركوب البحار، (253)
الأحساء
ويمكن تلمس آثار الملاحين العمانيين وزملائهم من والبحرين في التجارة مع الشرق منذ القرن الثالث والرابع للميلاد، الا أن دورهم في هذه التجارة لم يصبح هاما الا في عصر الجاهلية، أي في فترة ما قبل الاسلام بحوالي قرنين من الزمان (254). ومما يدل على هذا الدور الهام ماتشير اليه بعض المراجع من توجد مستعمرة عربية في جنوبي الصين قرب كانتون في عصر مما يعني وجودا عربيا ثابتا على أرض الصين
(255)
أنه كانت
ما
قبل الاسلام في ذلك الوقت. وبعد ظهور الاسلام واعتناق العمانيين له، كثر تردد السفن العمانية على مواني الصين، كما قدمت السفن الصينية التي كان يقودها في الغالب ربابنة مسلمون فرس أو عرب الى مواني ومواني الخليج الأخرى (256)
عمان
ذلك أن الصينيين كانوا في حاجة ماسة الى البخور أو اللبان العماني الذي كانت تنتجه ظفار والذي أصبح أهم سلعة على
الاطلاق يجري تصديرها
من بلاد العرب الى الغرب والشرق، وهو
(253) المرجع السابق: ص 5، 7، حسين مؤنس: ص 395
(254) محمد أبو العلا محمد: ص 44
(255) الدواليبي: دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضارتهم الانسانية، بيروت، الطبعة الثانية، سنة
1983 م، ص 22 – 23
(256) بزرك: ص 85، آدم متز ج 2 ص 442، 443.
-
131
- (1/135)
صفحة 136
الأمر الذي يمكن مقارنته بسلعة النفط في العصر الحديث (257) كما كان الصينيون في حاجة أيضا الى العاج الافريقي الذي كانت تنقله اليهم سفن عمان من شرق افريقيا (258) كما كانوا في حاجة إلى تمور عمان وإلى اللآليء التي كانت تستخرج من مياهها (259) وغير ذلك من السلع التي من السلع التي كانت تأتي الى عمان من دول الغرب والشرق وتقوم بتصديرها الى الصين، مثل الكافور الذي كانت تحمله السفن من جزيرتي بورنيو وسومطرة الى هذه البلاد (260) وبالمقابل كانت عمان وبلاد العرب وأسواق العالم الأخرى في حاجة الى المسك والعود والسروج والسمور والدارصيني، والحرير الصيني والخزف الصيني (البورسلين) (261)، وقد عثر رجال الآثار في صحار على بقايا مدفونة من البورسلين الصيني من العصور الوسطى (262)
ونظرا لحاجة كل فريق الى الآخر على هذا النحو، غامر البحارة العمانيون وغيرهم من العرب وخاصة منذ النصف الثاني من القرن الأول للهجرة السابع للميلاد، فوصلوا الى مواني الصين. وكان لمغامرات هؤلاء الملاحين وشجاعتهم تأثير فعال على الصينيين الذين كانوا معزولين عن العالم، فأخذوا يبعثون السفن العابرة للمحيطات ويشحنونها ببضائعهم ويفرغونها في ميناء صحار
(257) باولو كوستا: ص 11. (208) آدم متز: ج 2 ص 332
(259) المسعودي: ج 1 ص 151، الحميري: ص 213، لسترنج: بلدان الخلافة الشرقية: تعريب بشير فرنسيس وكوركيس عواد، بيروت، الطبعة الثانية سنة 1985 م، ص 67
(260) ابن الوردي: ص 111، آدم متز: جـ 2 ص 314 (261) المسعودي: جـ 1 ص 163، ما يلز: الخليج ص 288.
(262) تيم سفرن: ص 85.
-
132 (1/136)
صفحة 137
التي سميت دهليز الصين وخزانة الشرق، وفي مواني مسقط وريسوت وسيراف والبصرة، ثم يحملون من هذه المواني مايشترونه من سلع وبضائع ويعودون الى بلادهم بعد أن كانوا لا يغامرون بالابحار الى أبعد من سيلان التي كانت تتقابل عندها السفن العمانية والسفن الصينية التي كان ربابنتها من العرب والفرس كما سبق القول (263)، ذلك لأنهم كانوا يخشون قراصنة البحر الذين كانوا يختطفون سفنهم عند مرورها ببلاد الهند (264). واستمر نشاط التجار الصينيين في البحار الغربية لأكثر من قرنين من الزمان بعد ظهور الاسلام (265)
أما العمانيون فقد استمرت رحلاتهم الى ميناء خانفو (كانتون) الصيني حيث كان لهم وكلاء عديدون في هذه المدينة مدن الصين التي فتحت أبوابها لتجارتهم، حيث كانوا
وغيرها من هم الذين يقومون بمعظم النشاط التجاري مع بلاد الصين في تلك الفترة، وخاصة في القرن الثالث الهجري/ التاسع للميلاد (266) ولم يقتصر وصول العمانيين على خانفو، بل وصلوا بمتاجرهم الى أقصى شمال الصين، الى مدينة قانصو وبلاد الشيلا التي يعتقد أنها بلاد كوريا الآن أو اليابان (267). كما أنهم توغلوا في داخل البلاد حيث كانت بعض المواني الصينية لا تقع على الساحل الذي يطل
(263) سليمان التاجر: ص 15، المسعودي: جـ 1 ص 142، الادريسي: ص 60، ياقوت: ج 3 ص 393، 394، الحميري: ص 413، حوراني: ص 218
221
>>>
(264) ابن الفقيه الهمداني: مختصر كتاب البلدان، طبع ليدن سنة 1302 هـ، ص 11. (265) سليمان التاجر وأبو زيد الحسن السيرافي: ص 15 – 20، 73، 102، محمد أبو العلا: ص 45. 15 (266) المصادر السابقة ونفس الصفحات، بطرس البستاني: دائرة المعارف الاسلامية: جـ 11
ص 81، 82.
(267) ابن خرداذبه: ص 70، أنور عبد العليم: ص 72، الفيل: ص 454.
-
133 (1/137)
صفحة 138
على بحر الصين أو المحيط الهادي مباشرة، بل كانت تقع على سواحل بعض الأنهار في الداخل. مثال ذلك مدينة كانتون التي كانت تقع على نهر كبير يصب في بحر الصين، وكان بين هذه المدينة وبين هذا البحر مسيرة ستة أيام أو سبعة، وكانت السفن الواردة من عمان والبصرة وسيراف ومن الهند وجزائرها، تدخل من بحر الصين في هذا النهر الذي تقع عليه هذه المدينة محملة بالأمتعة والسلع، حيث توجد أسواق العرب والفرس على أحد
جانبيه (268)
وكذلك كان تجار عمان والبصرة وسيراف يترددون بتجاراتهم على مدينة عاصور التي كانت من أكبر مدن الصين وتتصل ببحر الصين عن طريق نهر كبير، وكانت سفن العرب تدخل في هذا النهر حتى تصل الى هذه المدينة (269)، كما وصلت أيضا الى مدينة باجة، ويبدو أن المدينة الأخيرة هي مدينة بكين، يؤيد ذلك ما قاله عنها الحميري من أنها مدينة البغبوغ، والبغبوغ ملك الصين بأجمعه، والى مدينته ينتهي مسافرو العرب، وقيل ان وهي مدينة الصين العظمى التي ينزلها
باجة هي
ملكهم
جمدان
(270)،،
ومن أوائل التجار العمانيين الذين وصلوا الى بلاد الصين أبو عبيدة عبد الله بن القاسم الذي وصل الى ميناء قوانتشو (خانفو كانتون الحالية حوالي عام 133 هـ 750 م، والذي يعتبره تيم /
=
(268) المسعودي: جـ 1 ص 139 - 140، الحميري: ص 210.
(269) حسين المسري: ص 247.
(270) الحميري: ص 75، 173 (1/138)
صفحة 139
سفرن أول انسان عماني وصل الى بلاد الصين (271). يؤيد ذلك ما ذكره أحد المؤرخين الصينيين من أن رحلة أبي عبيدة تعتبر أقدم رحلة للعرب المسلمين الى بلاد الصين وتسبق رحلة سليمان التاجر الى هذه البلاد بقرن كامل. ومعروف أن سليمان قام برحلته وسجلها في كتاب له ألفه عام 237 هـ / 851 م (272) وقد أشارت بعض المصادر الأباضية القديمة الى هذه
الرحلة، فذكر الدرجيني ومن بعده الشماخي هذه الرحلة، وقالا إن أبا عبيدة كان علماء الأباضية المعاصرين لأبي جعفر من المنصور، وكان موجودا عند وفاته ربما بالبصرة أو ببغداد ولم يعط البيعة لمن خلفه من بني العباس، وقال تذهب نفسي دون أن أعطيهم هذه البيعة، (273). ثم نراه بعد ذلك يسكن مكة أو يجاور بها ويتزوج من احدى نسائها (274). فهو تاجر وعالم طواف بالأماكن والبلدان، مما كان له أثره في نشر الاسلام على يديه وعلى يدي زملائه من التجار العمانيين الآخرين الذين قصدوا بلاد الصين، مثل النضر ابن ميمون الذي يقول عنه الشماخي انه من خيار المسلمين ومن تجار الصين (275). وهناك تاجر عماني آخر يقول عنه التنوخي انه كان شيخا من التجار بعمان وانه كان يرحل الى الأبلة والبصرة والصين ويحكى عنه قصة طريفة لشحاذ رآه هذا التاجر العماني في الأبلة بالعراق ثم رآه
ودکان
(271) رحلة السندباد، ص 295
(272) تشانغ زون يان: ص 8، 9، عبد المنعم عامر: عمان في أمجادها البحرية: ص 22 254، الشماخي: السير: ج 1 ص 87
(273) الدرجيني: طبقاته، ج 2 ص 253
(274) الدرجيني: ج 2 ص
253
-
-
(27) السير: جـ 1 95، حوراني: ص.
135 (1/139)
صفحة 140
بعد ذلك بالصين يمارس الشحاذة فيها للمرة الرابعة، أي أنه أتى الصين قبل ذلك لنفس الغرض ثلاث مرات (276)، مما يدل على أن السبيل الى هذه البلاد كان مطروقا، وأن الوصول اليها كان أمرا ميسورا، وأن تجار عمان كانوا على صلة دائمة بهذه البلاد ويمكن ارجاع ازدهار العلاقات التجارية بين عمان والصين الى عاملين: أولهما هو تلك الثروة الوفيرة التي كان يحصل عليها التجار العمانيون من وراء تجارتهم واتصالهم ببلاد الصين. مثال ذلك ما يحكيه لنا بزرك بن شهريار الناخوذة الرامهرمزي الذي كان يعيش في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع للهجرة من أن تاجرا يهوديا يدعى اسحاق كان يتعامل مع الدلالين بعمان، فوقعت بينه أحد هؤلاء الدلالين أو السماسرة اليهود خصومة هرب على أثرها من عمان وليس معه إلا مائنا دينار، وغاب عن عمان ثلاثين عاما ثم عاد اليها عام 300 هـ / 912 م في سفينة كبيرة يمتلكها وقد شحن عليها بضاعة كانت من الضخامة وارتفاع القيمة ما بن هلال صاحب عمان وقتذاك، حتى
وبين
جعله يقاطع عليها أحمد لا يحصي مافيها ويعشرها فيكون العشر كبيرا باهظا. وكانت
المقاطعة
أن
هي يدفع هذا التاجر لهذا الحاكم مليون درهم ونيف.
وبعد ذلك أخذ
يبيع بضاعته للتجار، فاشترى منه تاجر عماني يعرف بأحمد مروان مسكا جيدا بمائة ألف مثقال دفعة واحدة، وبرد بأربعين ألف دينار، كما اشترى منه رجل آخر بعشرين ألف
دينار (277)
(276) نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للتنوخي، تحقيق: عبود الشالجي، بيروت، سنة 1972 م،
ج 3 ص 55
(277) عجائب الهند: ص 107
-
1. A
،
-
136 (1/140)
صفحة 141
ولعلك تدرك معي ما أصابه هذا التاجر وأمثاله من الثراء والغنى نتيجة لعمله في التجارة في بلاد الصين، مما دفع بكثير من تجار عمان لركوب البحار والذهاب الى هذه البلاد، وكان أحدهم يذهب اليها خالي الوفاض لا يملك الا روح المغامرة والمخاطرة، ويعود ومعه الغنى الفاحش والثراء العريض. من ذلك ما يحكيه لنا بزرك من أن تاجرا عمانيا من هذا النوع ذهب الى بلاد الصين وعاد منها بسفينة ضخمة محملة ببضائع وفيرة، منها مسك قيمته مليون دينار، وثياب من الحرير الصيني بنفس القيمة، وجواهر وأحجار كريمة بنفس القيمة كذلك، وأن أحمد هلال حاكم بن عمان أخذ منه أمتعة قيمتها خمسمائة ألف دينار (278)، وأهداه هذا التاجر الغني في يوم مهرجان آنية صينية سوداء رأسها مطلي بالذهب، وفيها سمك مصنوع من الذهب الخالص وعيونه من الياقوت يتخلله المسك الجيد، وهي أشياء قدرت قيمتها بخمسين ألف دينار (279) وقد طار صيت هذا التاجر العماني الى بغداد وأراد الخليفة العباسي المقتدر (295 - 320 هـ / 907 932 م) أن يصل اليه، ولكن حاكم عمان ضن به على الخليفة واحتال حتى يمنعه من الذهاب الى بغداد، وحرص التجار في عمان على أن يرفعوا الشكاوي لمنعه من الذهاب، لأن ذهابه يفتح باب الطمع فيهم وفي أموالهم اذا ماذهبوا الى بغداد، حيث تكثر مصادرة التجار وأغنياء الناس على يد الأتراك الذين كانوا يسيطرون على الخلافة العباسية
(278) المصدر السابق، ص 108 (279) المصدر السابق، ص 111.
-
137 (1/141)
صفحة 142
في ذلك الحين، وقالوا انه لو حدث أن أجبر التجار على الذهاب الى بغداد بغير رغبتهم لانقطع وصول السفن التجارية الى عمان ولهرب التجار منها، ولذلك هدد هؤلاء التجار بأنهم لن يذهبوا الى مواني العراق، وأعطوا رسول الخليفة بعض الأموال حتى يعود ويقنع الخليفة بصحة موقفهم (280)
وقد أدى ثراء التجار العمانيين نتيجة لصلاتهم التجارية ببلاد الصين الى ثراء حكام عمان ثراء جما نتيجة لما كان يحصل عليه هؤلاء الحكام من عشور على البضائع الوفيرة التي كانت تصل مع هؤلاء التجار من بلاد الصين الى عمان، وقد ظهر هذا الثراء واضحا في حياتهم التي تميزت بالترف وفي هداياهم القيمة. فقد أهدى أحمد هلال حاكم عمان للخليفة المقتدر عام 305 هـ / بن 917 م هدية أثارت إعجاب المؤرخين حتى انهم ذكروا مفرداتها
من
بكل تفصيل، فقالوا انها كانت تحتوي على عشرة أمناء (281) كل من الكافور والعود القماري المرتفع القيمة، والراوند الصيني كما كانت تحتوي على قطعة من العود طولها أحد عشر ذراعا ووزنها مائة وستين منا، وعلى عشرة رماح من الرماح المتوزة، أي التي لفت بلحاء شجر التوز أو الجوز، وعلى ببغاء صيني وظبيين صينيين. وبلغ الخيال أو المبالغة بالمؤرخين حتى قالوا انه كان ضمن هذه الهدية المستوردة من بلاد الصين كما ترى، بط صيني أسود بعرفين يتكلم الهندية والفارسية ... !! دليلا على ماحوته هذه
(280) المصدر السابق، ص 109 – 111
(281)
الأمناء بفتح الألف وتسكين الميم، جمع من، والمن مكيال أو ميزان، انظر: المسعودي،
ج 2 ص 6 هامش (1).
138 - (1/142)
صفحة 143
الهدية من غرائب الصين وطرفها (282)
الصين
وتكون
معه
هذه الحماية خير
هذا عن العامل الأول الذي جذب تجار عمان الى بلاد. أما العامل الثاني الذي جذبهم أيضا الى هذه البلاد فهو الأمان الذي كانوا ينعمون به أثناء تواجدهم فيها. فقد كان في القصر الامبراطوري قضاة يعاقبون بأشد العقوبات كل من يتعرض للتجارة الخارجية وللتجار الغرباء بسوء، إذ كانت التجارة الخارجية تدر أرباحا طائلة للدولة، وكان لابد من حمايتها بحماية هؤلاء التجار الغرباء (283). وقد عبر ابن بطوطة عن تعبير إذ قال ان الانسان كان يسافر منفردا مسيرة تسعة أشهر الأموال الطائلة فلا يخاف عليها، (284)، وأن السلطات الصينية كانت تحرص الحرص كله على رعاية التجار الغرباء والمحافظة على سلامتهم وعلى أموالهم وتجارتهم، اذ كانت تأمر حكام القرى والمدن التي ينزل فيها التجار أن يذهبوا الى الفنادق ويكتبوا أسماء هؤلاء التجار النازلين بها، ولا يبرحونها حتى يقفلوا عليهم أبوابها، ثم يعودون في الصباح وينادون على التجار بالاسم، ثم يرسلون معهم رسولا يوصلهم الى البلد التي يريدون الذهاب اليه، ويعود هذا الرسول بكتاب يفيد بأنهم وصلوا في أمان، وإلا طولب بهم وعوقب أشد عقاب. وهكذا كان العمل في كل منزل ينزله التجار في بلاد الصين (285)، مما شجع تجار
عمان وغيرهم على الذهاب والتردد الكثير على هذه البلاد كما رأينا
(282) حسين المسري: ص 379
(383) داند سون: ص 255
-
380
(284) رحلة ابن بطوطة، ج 2 ص 721 (280) المصدر السابق، ج 2 ص 721
•
- 139
- (1/143)
صفحة 144
وإذا كان تجار عمان على هذا النحو من الحرص على الذهاب
الى بلاد الصين تحقيقا للثراء الوفير، وللأمان السابغ الذي كانوا ينعمون به هناك، فقد كان تجار الصين أيضا حريصون على توثيق
الروابط والعلاقات مع بلاد عمان، تحقيقا للثراء وجلبا للمنافع الوفيرة التي كانت بلادهم في أمس الحاجة اليها. ففي القرنين الخامس والسادس للهجرة الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، فتحت السفن الشراعية الصينية خطا ملاحيا جديدا كان يربط بين الصين وسومطرة، ثم من سومطرة الى منطقة ظفار مباشرة دون المرور بالهند (286)
وكان السبب في فتح هذا الخط بجانب خط الملاحة التقليدي الذي كان يبدأ من مواني جنوب الصين وينتهي الى الخليج العربي مارا بجنوب بلاد الهند، هو الشهرة الواسعة التي ظهرت في تلك الآونة لإحراق البخور بين أفراد الطبقة الأرستقراطية في بلاد الصين، هذا بجانب الأرباح الوفيرة التي كانت تجنيها الحكومة الصينية من الضرائب التي كانت تفرضها على كميات البخور الهائلة التي تباع في بلادها، لدرجة أن هذه الحكومة احتكرت بيع البخور العماني وأصدرت بيانا تحرم فيه تحريما قاطعا بيع هذا البخور للمواطنيين الصينيين مباشرة. واذا عرفنا أنه في عام 470 هـ / 1077 م استوردت كانتون من البخور العماني ماوزنه 348673 جين، والجين الصيني الواحد يساوي نصف كيلو جرام، لأدركنا مدى أهمية منطقة ظفار التي كانت المصدر الرئيسي لانتاج وتوريد البخور الى بلاد الصين، وقد وصلت هذه الأهمية لدرجة أن
(286) تشانغ زون يان: ص 12 – 13.
- 1 {
•
- (1/144)
صفحة 145
شاطيء ظفار أو شاطيء الشحر سمي باسم "شاء باسم "شاطيء البخور وهو يماثل طريق الحرير الذي كان يربط الشرق والغرب بريا عبر وسط آسيا في عهد أسرة هان الصينية (287)
ونظرا لهذه الأهمية التي أصبحت لعمان ومنتجاتها في تلك الفترة من العصور الوسطى، وللثراء الجم الذي جناه العمانيون من المتاجرة مع الصين، أخذ الجانبان في تبادل البعوث لتوطيد العلاقات التجارية بينهما. ويشير الكتاب الصيني المسمى "سجل الدول الأجنبية الى أن حاكم ظفار أرسل في عام 824 هـ / 1421 م مبعوثا محملا بالهدايا لامبراطور الصين، فأمر هذا الامبراطور الرحالة الصيني تشين هاي بأن يقوم بزيارة ظفار، فأتي الى عمان يحمل الهدايا الكثيرة، فرد حاكم ظفار بارسال مبعوث آخر وصل الى بكين عام 826 هـ / 1423 م، وعاد تشين هاي بدوره لزيارة ظفار مرة أخرى، وعاد الى بلاده صحبة مبعوث عماني أرسله حاكم ظفار على رأس أسطول تجاري عماني، وذلك عام 837 هـ / 1433 م، ومكث هذا المبعوث بالصين ثلاث سنوات عاد بعدها الى بلاده أن وطد العلاقات الودية والتجارية بين البلدين (288)
وقد لفتت هذه العلاقات التجارية والدبلوماسية الوطيدة بين عمان والصين أنظار أحد مؤرخي الصين، فتحدث في كتابه
(287) نفس المرجع ونفس الصفحات
(288) المرجع السابق: ص 18 – 19. قام تشين هاي بسبع رحلات بحرية في المحيط الهندي في الفترة من 1405 الى 1427 م زار فيها أكثر من ثلاثين ميناء في جنوب آسيا وشرق افريقيا منها ظفار وعمان والأحساء وعدن ومكة المكرمة، انظر، المرجع نفسه ص 17، دافدسون:
ص 257 - 258.
• (1/145)
صفحة 146
"وصف الشعوب، والذي يعرف أيضا باسم "سجل الدول الاجنبية والذي سبقت الاشارة اليه، عن عمان في منتصف القرن الثالث عشر للميلاد، فوصف أرضها ومنتجاتها وملابس أهلها وسلاطينها وطعامهم وشرابهم، كما ذكر أسماء مناطق مختلفة في عمان منها نوفا (ظفار)، ومربا (مرباط)، ونمان (عمان)، ووشيوان (صحار)، وشيخا (الشحر)، وماروابا (مهرة)، مما يدل على أن الصينيين تعرفوا آنذاك على أحوال عمان وعلى حياة أهلها بدرجة تلفت النظر (289)
ويطيب لنا هنا أن نتساءل بعد ان استعرضنا مدى المساهمة
الكبيرة لعمان وشعبها في مجال التجارة والملاحة مع بلاد الصين،
عن
•
أهمية ذلك كله في مجال الدعوة لنشر الاسلام في هذه البلاد الحقيقة أن مفتاح الدعوة كما قلنا آنفا لنشر الاسلام كان في يد التجار، ولما كان تجار عمان على هذا النحو من النشاط، فقد نتج ذلك أن أصبح لهم وجود مؤثر في بلاد الصين، وهذا الوجود
عن
هو
الذي سوف يؤدي الى نشر الاسلام بين كثير من الصينيين ومظاهر هذا الوجود لم تكن قاصرة على الذهاب الى بلاد الصين والقيام بعمليات البيع والشراء أو تبادل السلع ثم العودة، بل كانت تظهر أيضا في اقامة مستوطنات أو مراكز تجارية خاصة بهم في هذه البلاد على النحو الذي رأيناه في بلاد الهند وأرخبيل الملايو
واندونيسيا وبورنيو والفليبين
•
وقد ذكر المؤرخون أن التجار العرب من عمان وحضرموت وسيراف والبصرة أقاموا لهم مستعمرة أو مستوطنة في مدينة كانتون
(289) وندل فيلبس: تاريخ عمان، ص 28، تشانغ زون يان: ص 14، 15.
142 (1/146)
صفحة 147
(291)
6
منذ عام 141 هـ / 758 م (290). وهناك مايشير الى تواجدهم في هذه المدينة قبل ذلك ومنذ منتصف القرن السابع للميلاد، حيث يقال انه يوجد بربض هذه المدينة ضريح لسعد بن أبي وقاص يعود الى هذا التاريخ (291). فقد كان من الشائع بين مسلمي الصين أن أول من دعا الى الاسلام هناك أحد أخوال النبي (ع) وكانوا يعظمون قبره المشهور في كانتون. وطبيعي أنه لا سند تاريخي لهذه الأسطورة، إلا أنها تدل على أن المسلمين هناك يودون كغيرهم من مسلمي آسيا وافريقيا أن يربطوا تاريخ الدين في بلادهم ما أمكنهم بعصر النبوة (292)، أو أن يرجعوا اسلامهم الى أحد الصحابة الكبار، أو الى أحد أفراد البيت النبوي،، تأصيلا وتدعيما وتمكينا لاسلامهم في النفوس.
يوجد
وقد أشار ابن خرداذبة الى أن العرب والمسلمين ذهبوا في
,,
تجوالهم حتى مدينة قانصو في شمال بلاد الصين واستوطنوها
لطيبها (293)، واندفعوا شمالا الى اليابان وكوريا التي وصفوها بكثرة الذهب، واستقر بعضهم هناك وكونوا جالية اسلامية (294)
•
ولاشك أن الثورة التي اندلعت في جنوبي بلاد الصين عام 264 هـ / 877 م على يد ثائر صيني يدعى بابشوا أو يانشو، حيث قام هذا الثائر أو المتمرد ووضع السيف في رقاب أهل كانتون
(290) ستودارد: جـ ص 244
(291) المرجع السابق، ج 2 ص 273.
(292) أرنولد: ص 333.
(293) المسالك والممالك: ص 70.
(294) الفيل: ص 454.
-
143 - (1/147)
صفحة 148
وقتل من التجار المسلمين واليهود والنصارى والمجوس الموجودين بها مائة وعشرين ألف رجل حسب قول أبي زيد السيرافي، أو مائتي ألف حسب قول المسعودي (290)، ليدل دلالة مؤكدة على مدى الثقل الكبير الذي كان للتجار المسلمين في هذه المدينة وحدها والذين كان أغلبهم كما أشار المؤرخون وكما ذكرنا من قبل من
العمانيين
ورغم هذه المجزرة، فقد استمر الوجود العماني والعربي في هذه المدينة، وإن كان هذا الوجود ضعيفا ومطاردا، دليلنا على ذلك ما يقوله أبو زيد السيرافي الذي كان معاصرا لهذه الفتنة العمياء، من أن الثوار الصينيين "امتدت أيديهم مع ذلك الى ظلم
من قصدهم من التجار، ولما حدث هذا فيهم التام اليه ظهور الظلم والتعدي في نواخذة العرب وأرباب المراكب، فألزموا التجار ما
به
لا يجب عليهم وغلبوهم على أموالهم واستجازوا مالم يجر الرسم قديما في شيء من أفعالهم، فنزع الله جل ذكره البركات منهم جميعا، ومنع البحر جانبه، ووقع الفناء بالمقدار الجاري من المدبر تبارك اسمه في الربابنة والأدلاء بسيراف وعمان، (296)
و لم يطل أمر هذا الفتور في العلاقات بين الصين وعمان، ولم يطل أمد انقطاع وصول التجار العمانيين وغيرهم الى بلاد الصين نتيجة لهذه الفتنة، بل سرعان ما عادت الأمور الى نصابها وعاد الوجود العماني والعربي الى سابق وزنه في هذه البلاد.
(295) سلسلطة التواريخ للسيرافي وسليمان التاجر: ص 62 - 63، مروج الذهب للمسعودي:
ج 1 ص 139
G
140 ، الحميري: ص 210
(296) سلسلة التواريخ، ص 66 ـ 67.
-
- 144 (1/148)
صفحة 149
وقد أشار بزرك الى ذهاب بعض التجار العمانيين الى بلاد الصين في القرن الرابع للهجرة العاشر للميلاد كما سبق القول (297)، كما أشارت الكتابات الصينية في القرن التالى الى تاجر صحاري يدعى الشيخ عبد الله ورد اسمه في كتاب صيني بعنوان ”موجز تسجيل الأمور الهامة المختلفة في عهد أسرة سون، (298)، على أنه جاء مبعوثا من دولة ووشيوان (صحار) التابعة لتاشي (العرب) لتقديم الهدايا للامبراطور الصيني، فرحب به هذا الامبراطور وخلع عليه لقب "جنرال الأخلاق الطيبة، وسجل ذلك في مرسوم محفوظ ضمن مجموعة الشئون الخارجية لدون باي“. ودون باي هذا هو اسم الأديب الصيني السياسي المشهور الذي دون هذا اللقب
وقصة هذا التاجر الصحاري في الكتاب المشار اليه (299) وقد أشار هذا الأديب الى أن هذا التاجر سمت منزلته وتمتع باحترام كبير في مدينة كانتون حتى أصبح رئيسا ومسئولا عن العرب وغيرهم من الأجانب الذين كانوا يقيمون في هذه المدينة كما أشار أديب صيني آخر في كتابه المسمى "السجل المختصر لسهول التنين الى أن الشيخ عبد الله قضي في كانتون عشرات السنين وأصبح غنيا وافر الثراء، وأصبحت له ممتلكات عظيمة بلغت قيمتها عدة ملايين من العملة الصينية التي كانت تعرف باسم (مين) في ذلك الوقت، وكما يقول هذا الأديب الذي يسمى (سوزاي) فان دخل الحكومة الصينية السنوي من التجارة الخارجية (297) انظر، ص 136
-
138
(298) حكمت أسرة سون أو سونغ بلاد الصين في الفترة ما بين عام 960 الى عام 1279 م، انظر، بطرس البستاني: دائرة المعارف الاسلامية، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ، جـ 11 ص 103.
(299) تشانغ زون يان: ص 15 -
-
17
-
- (1/149)
صفحة 150
كان لا يتجاوز مليونين (مين). وهذا يعني أن ممتلكات الشيخ عبد الله الشخصية تجاوزت دخل التجارة الخارجية السنوي لحكومة أسرة سون، وان كان في هذا القول مبالغة الا انه يدل على ثراء هذا الشيخ العماني الوافر، وقد وصلت درجة هذا الثراء أن قدم اقتراحا للحكومة الصينية بأنه على استعداد للتبرع بأمواله أو بمعظمها لترميم أسوار مدينة كانتون، ولكن الحكومة لم توافق على اقتراحه لسبب لا نعرفه، وعندما غادر هذا الشيخ مدينة كانتون عام 465 هـ / 1072 م عائدا الى وطنه عمان، قدم له الامبراطور الصيني هدايا قيمة، مما يدل على المكانة العالية التي بلغها هذا الشيخ العماني في بلاد الصين، وعلى مدى عمق الوجود العماني واستمراريته في هذه البلاد
•
وما ذكرته الأخبار الصينية عن الشيخ عبد الله وأنه كان رئيسا للعرب وغيرهم من الأجانب الآخرين في كانتون، تؤيده المصادر العربية والاسلامية القديمة، فقد ذكر سليمان التاجر في رحلته التي دونها عام 237 هـ / 851 م أن بخانفو (كانتون) التي كانت مجتمعا للتجار، رجلا مسلما يوليه صاحب الصين الحكم بين المسلمين الذين كانوا يقصدون هذه المدينة أو يعيشون فيها، وكان هذا الرجل يصلي بالمسلمين صلاة العيد ويخطب ويدعو السلطان المسلمين وأن التجار العراقيين لا ينكرون من ولايته شيئا في أحكامه وعمله بالحق بما في كتاب الله عز وجل وأحكام
الاسلام، (300)
وكون التجار العراقيين لا ينكرون من ولايته وأحكامه التي
(300) سلسلة التواريخ، ص 14.
•
-1?7 - 146 (1/150)
صفحة 151
كانت تتفق مع الكتاب وأحكام الاسلام، يدل على أن هذا الرجل كان عمانيا وعلى مذهب الأباضية، أي أنه كان يخالف التجار العراقيين المقيمين أو الموجودين في كانتون في المذهب، والا لما كان هناك داع لورود هذه العبارة عند سليمان التاجر، مما يدل على أن رياسة تجار عمان للعرب والمسلمين في كانتون كانت قديمة العهد وسابقة على ما جاء في الكتابات الصينية التي روت لنا قصة الشيخ التاجر الصحاري العماني السابقة الذكر
عبد
•
ولم تكن هذه الرياسة وهذا الوجود العماني الا نتيجة لما
اتصف به التجار العمانيون من حميد الصفات وجميل السجايا،
الله
اذ يستفاد من قصة الشيخ عبد ومحاولته التبرع بأمواله أو بجزء كبير منها لترميم أسوار مدينة كانتون، أن تجار عمان لم يكونوا على أي درجة من الأنانية أو الجشع أو الحرص والشح، كما تدل هذه القصة أيضا على أنهم كانوا يندمجون مع أهالي البلاد التي كانوا يتاجرون معها، ويحاولون بشتى الطرق كسب ودهم ومعاملتهم معاملة طيبة، مما كان يؤدي بلا شك الى اعجاب الصينيين بهم وبأخلاقهم التي كانت تتمثل في الأمانة والصدق بدرجة كبيرة. ومن الآثار الدالة على هذه الأمانة وعدم الجشع والطمع، ما ترويه لنا المصادر الأباضية من أن التاجر العماني أبا عبيدة عبد الله بن القاسم الذي سبق الحديث عنه، اشترك عندما كان بالصين مع تجار كانوا قد اشتروا كمية من العود، ثم عادوا الى البائع وتحايلوا عليه كي يخفض لهم السعر الذي اشتروا به مدعين أن هناك عيبا في العود الذي اشتروه منه، وظن أبو عبيدة أنهم صادقون في زعمهم، ولما غادروا محل البائع أقبلوا على بعضهم يمتدحون ما
147
- (1/151)
صفحة 152
اشتروه منه من عود، فقال لهم أبو عبيدة وكان قد نقدهم عشرين دينارا مشاركة منه في ثمن الشراء: "سبحان الله تعيبون عودا بلا عيب فيه، ردوا على رأس مالي ولاحاجة لي في مشاركتكم، (301)، حرصا منه ألا يدخل جيبه مال فيه شبهة، ودرسا منه لهؤلاء التجار بالالتزام بالقناعة والتحلي بالأمانة والصدق في المعاملة
ولا شك أن هذه الأخلاق الطيبة التي كان يتحلى بها تجار عمان لفتت أنظار الصينيين، ففتحوا لهم أبواب بلادهم فتكاثروا فيها واستقروا في كثير من نواحيها وخاصة المدن الساحلية، وكونوا فيها مستوطنات أو تجمعات تجارية كما سبق القول، وصار لهم مع غيرهم من التجار العرب والمسلمين في كل مدينة من مدن الصين مدينة أو حي كبير ينفردون بسكناه، فيه المسجد والزاوية والسوق والأئمة والخطباء والقضاة وشيخ للاسلام يحكم بين المسلمين وتكون أمورهم كلها راجعة اليه، (302)
,,
وكان هؤلاء التجار الذين استقروا في مدن الصين على هذا النحو، يقدمون المساعدة للتجار الوافدين عليهم من بلاد الاسلام ويعطونهم زكاة أموالهم، فتتجمع لديهم من الأموال ما يكفي لاستثمارها في المتاجرة التي سرعان ماتعود عليهم بالأموال الوفيرة، شأن هؤلاء التجار الجدد، ويزداد ثراؤهم حتى أنهم كانوا يقتنون الجواري والخدم. وقد رأي ابن بطوطة بنفسه أحدهم في مدينة قنجنفو، وكان لديه نحو خمسين غلاما ومثلهم من
فيرتفع
-
(301) الدرجيني: ج 2 ص 253 -
254، الشماخي: ج 1 ص 87.
(302) ابن بطوطة: جـ 2 ص 718، 722، 724، 728
•
-
148 (1/152)
صفحة 153
الجواري، أهدى لابن بطوطة منهم غلامين وجاريتين بالاضافة الى تحف كثيرة (303) كما أشار ابن بطوطة الى تاجر مصري
استطاب الاقامة في مدينة الخنسا هانك) شو) وأورث عقبه بها الجاه والثراء العريض، حتى انهم بنوا فيها زاوية حسنة العمارة ومسجدا جامعا أوقفوا عليه وعلى الزاوية أوقافا عظيمة. وقد لفت نظر ابن بطوطة كثرة عدد المسلمين بهذه المدينة حتى انه كانت تصله كل يوم وليلة دعوة جديدة من شخص مختلف لتناول الطعام (304) وفي عاصمة الصين نفسها التي كانت تسمى خان بالق أو خانفو (بكين) (اليوم) كان للمسلمين وجود بها، يدل على ذلك ما أشار اليه ابن بطوطة من أنه عندما مات الامبراطور أو الخان الأعظم لم يتخلف عن تشييع جثمانه أحد من الرجال أو النساء سواء كانوا من المسلمين أو الكفار وقد لبسوا جميعا ثياب العزاء، وهي الطيالسة البيض للكفار، يقصد الصينيين غير المسلمين، والثباب البيض للمسلمين (305)، سواء كان هؤلاء المسلمون من أهل البلاد أم من التجار المستوطنين كما هو الحال في معظم مدن الصين
ولاشك أن استقرار التجار العمانيين وغيرهم من تجار العرب
والمسلمين على هذا النحو واستيطانهم بلاد الصين، جعل الاسلام يتسرب الى الصينيين عن طريق العلاقات التجارية التي كانت تربط بينهم وبين هؤلاء التجار، وكذلك عن طريق المصاهرات التي تمت بين الفريقين. فقد كان كثير من التجار وكما رأينا يفضلون البقاء
(303) المصدر السابق: ج 2 ص 722، 727
(304) المصدر السابق: جـ
ص 728. (305) المصدر السابق: ج 2 ص 735.
729
736
-
-
149 (1/153)
صفحة 154
في الصين والزواج من صينيات لا يلبثن أن يدخلن في الاسلام. علاوة على أن أهل الصين كانوا لايرون عيبا في بيع أولادهم وخاصة
أثناء أزمات القحط والمجاعات التي كانت تحدث في بعض الأحيان فكان هؤلاء التجار يشترون هؤلاء الأطفال وينشئونهم
،
نشأة
الصينيين
اسلامية صحيحة، ومن ثم ظهر بالتدريج عدد كبير من لا يعرفون إلا الاسلام عقيدة ودينا، وكان لهذا أثره في نشر الاسلام على يد هؤلاء الصينيين المسلمين أنفسهم، وخاصة في المناطق الداخلية في جنوب البلاد وغربها (306)
يضاف الى ذلك أن ارتفاع النفوذ الأدبي للاسلام والمسلمين بين الصينيين أدي الى تحول عدد كبير منهم الى الاسلام، ويعود هذا النفوذ الى عهود الاسلام الأولى عندما قامت ثورة عسكرية ضد امبراطور الصين في عام 137 هـ / 755 م، فاضطر هذا الامبراطور الى الاستنجاد بأبي جعفر المنصور الذي أرسل له حملة عسكرية قوامها خمسة آلاف جندي ساعدت الامبراطور في القضاء على هذه الثورة واعادة الأمور الى نصابها. ومنذ ذلك التاريخ توثقت العلاقات بين الصين ودولة الاسلام. وقد ازدادت هذه العلاقات قوة بمرور الأيام نتيجة للبعثات الدبلوماسية التي أرسلها هارون الرشيد من جهة (307)، ونتيجة للبعثات التي أرسلها حاكم ظفار والتي أشرنا اليها من قبل الى هذه البلاد من جهة اخرى، تلك البعثات التي كانت تستقبل بكل حفاوة وتقدير، وكانت من
238 -
(306) المصدر السابق: جـ 2 ص 721، ستودارد: ج 2 ص 236 (307) محمد فريد وجدي: دائرة معارف القرن العشرين، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، جـ ه
ص 617
10. (1/154)
صفحة 155
العوامل التي مهدت الطريق أمام ازدياد النشاط التجاري والبحري للعرب والمسلمين في بلاد الصين، مما أدي الى ارتفاع شأن الاسلام والمسلمين عند الصينيين وفي بلاط الامبراطور الصيني نفسه، لدرجة أنه اتخذ من العرب المقيمين في بلاده موظفين في أسمى وظائف الدولة فصار منهم الرؤساء والقواد والنواب وحكام الولايات. فقد عين الامبراطور قوبيلاي خان (658 ـ 693 هـ/
-
1260 - 1294 م) الذي انتشر الاسلام في عهده في بلاد الصين
-
انتشارا عظيما رجلا عربيا اتخذ اسما صينيا هو (شوقنغ)، مساعدا لرئيس وزرائه، كما عين عربيا آخر قاضيا. وتتناثر في بطون الكتب أسماء عربية مثل عبد الرحمن الذي عين رئيسا لبيت المال وخول حق تقدير الضرائب المفروضة على الصينيين، وقطب الدين (توتنغ) الذي كان وزير للدولة عام 702 هـ / 1302 م (308)
وكان من مظاهر ارتفاع شأن الاسلام والمسلمين في بلاد الصين ما يرويه لنا ابن بطوطة وكذلك الشريف تاج الدين حسن ابن الجلال السمرقندي الذي كان قد تجول في بلاد الصين في النصف الأول من القرن الثامن الهجري الرابع عشر للميلاد، من أنه رأي المسلمين يحظون بقدر كبير من الاحترام والتقدير لدرجة أنه اذا قتل وثني صيني مسلما، كان الوثني يقتل هو وأهل بيته وتنهب أو تصادر أموالهم، وان قتل مسلم وثنيا كان لا يقتل به، بل يطالب بدفع ديته التي كانت لاتزيد عن تقديم حمار لورثته (309)
-
(308) أرنولد: ص 335، فهمي هويدي: ص 64 - 66، محمد فريد وجدي: دائرة معارف القرن العشرين، جـ ص 608
(309) ابن بطوطة: جـ 2 ص 718، القلقشندي: جـ ص 486، فهمي هويدي: ص 70.
151
— (1/155)
صفحة 156
من
ومعهم
ولا أدل على ارتفاع شأن الاسلام والمسلمين في بلاد الصين الاستقبال الحار الشعبي والرسمي الذي قوبل به ابن بطوطة عندما وصل الى مدينة قنجنفو في شهر صفر عام 743 هـ / 1342 م. فقد خرج لاستقباله القاضي وشيخ الاسلام والتجار الأعلام والطبول والأبواق والأنفار وأهل الطرب، وكانت فرحتهم طاغية حين وصوله، فأركبوه فرسا وركب القاضي وشيخ الاسلام فرسيهما، وشق الثلاثة الجمع الحاشد من المستقبلين الذين ساروا بين أيديهم في موكب مهيب حتى تقابلوا مع أمير المدينة وحاشيته الذين كانوا قد خرجوا هم الآخرون لاستقباله استقبالا رسميا لأنه ضيف الامبراطور، وضيف الامبراطور معظم عندهم أشد التعظيم، (310)
ولا شك أن ارتفاع شأن الاسلام والمسلمين وارتفاع نفوذهم الأدبي، وكثرة نشاطهم التجاري والملاحي مع بلاد الصين كان له أثره الكبير في نشر الاسلام بها. وقد وصلت موجة انتشار الاسلام ليس الى الأفراد العاديين من أهل الصين وحدهم، بل الى الامبراطور نفسه، ولدينا في هذا الصدد رواية غير مؤكدة تشير الى أن أحد أباطرة الصين من المغول اعتنق الاسلام في النصف
الأول من القرن الثامن الهجري الرابع عشر للميلاد. اذ يقول العمري الذي توفي عام 479 هـ / 1348 م أن صاحب الصين والخطا ووارث تخت جنكيز خان .. قد تواترت الآن الأخبار بأنه قد أسلم ودان بدين الاسلام، ورقم كلمة التوحيد على ذوائب الأعلام، وان صح وهو المؤمل فقد ملأت الأمة المحمدية
(310) ابن بطوطة: جـ 2 ص 726
•
-
- (1/156)
صفحة 157
الخافقين، وعمت المشرق والمغرب، وامتدت بين ضفتي البحر
المحيط، (311)
ولدينا أيضا رواية ثانية ساقها لنا تاجر مسلم يدعى سيدعلي أكبر كان قد قضي سنوات قليلة في بكين في نهاية القرن التاسع وأوائل العاشر للهجرة نهاية القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر للميلاد، وتحدث بأن أحد أباطرة الصين من المغول قد تحول الى الاسلام، وأن عدد المسلمين كان كبيرا في مدينة كنجنفو KENJANFU و قدر هذا التاجر عددهم بثلاثين ألف أسرة تمتعت بعطف الامبراطور الذي منحهم الحرية الدينية الأرض كثيرة، وانتشرت المساجد حتى انه كان في العاصمة وحدها أربع مساجد كبرى، وفي غيرها من الأخرى كان هناك ما يقرب من تسعين مسجدا بنيت كلها على نفقة هذا الامبراطور المسلم (312)
مسلمة
،
وهبات من
المدن
V
العقبات التي حدت من انتشار الاسلام في
بلاد الصين:
ورغم ذلك كله فلم يغلب الاسلام على بلاد الصين و لم يحل محل أديانها الوثنية الضاربة في أعماق التاريخ، ولم يكن المسلمون الصينيون الا أقلية كبيرة العدد اذا ما قورنت بالمحيط الصيني الوثني الواسع الذي يضمها بين شاطئيه، فلا يظن أحد أن نشاط تجار
(311) التعريف بفن المصطلح الشريف، القاهرة سنة 1910 م، ص 46، 47 (312) أرنولد: ص 329.
- (1/157)
صفحة 158
عمان وغير عمان من بلاد العرب والاسلام قد أتي على أديان الصين كلها أو حول الصينيين كلهم الى الاسلام، فذلك ما لم يكن لعوامل عديدة، منها أن التجار العمانيين وغيرهم من تجار المسلمين كانوا يركزون نشاطهم في المواني البحرية فقط، وكان توغلهم في داخل البلاد بقدر محدود، ولم يكن هذا التوغل توغلا عميقا لسببين، أولاهما أن التجارة الداخلية كانت في أيدي الصينيين أنفسهم، ولهذا لم يتوغل الاسلام داخل الصين وبقي محدودا في المراكز والمدن التجارية المتناثرة على ساحل بحر الصين (313)، وعلى سواحل بعض الأنهار لمسافة لاتزيد عن مسيرة ستة أو سبعة أيام كما سبق القول (314)
والسبب الثاني هو أنه في عهد أسرة سون (سنج أو سونغ) التي حكمت الصين أكثر من ثلاثة قرون (960 - 1279 م)، ونتيجة لازدياد النشاط التجاري الذي كان يقوم به تجار عمان وغيرهم مع بلاد الصين، ازدادت كميات النقد الصيني من الذهب التي كانت تدفع في شراء السلع التي كان يجلبها التجار الى بلادهم، ورأي الصينيون في هذا الأمر استنزافا للذهب من بلادهم، فعادوا الى نظام مبادلة السلع ببعضها كما كان الحال في الزمن القديم. ومنذ عام 542 هـ / 1147 م كانو يفتشون السفن التجارية قبل اقلاعها تفتيشا دقيقا وذلك لمنع تهريب العملة الصينية الذهبية الى خارج البلاد. وكان هناك عقاب رادع يصل الى الشنق اذا ماضبط نقد صيني مع أي تاجر من التجار المسافرين على متن
(313) محمد أبو العلا محمد: ص
(314) انظ
ص 133.
00
135
?
108. (1/158)
صفحة 159
هذه السفن. ورغم ذلك فقد تسربت عملة صينية خارج الصين، وكتب وزراء الدولة عام 1616 هـ / 1219 م يشكون للامبراطور
,,
قائلين له: واحسرتاه .. ! مازال ذهب الدولة وفضتها يتسربان مع التجار لبلاد المتوحشين البعيدة، ولن تنفعنا هذه القوانين وإن أحسنا تطبيقها، لامفر من مراكز للتجارة لا يعدوها هؤلاء الآتون من بعيد، لنقم هذه المراكز على الحدود حيث نستبدل بضائعهم بحريرنا وبالبروكيد، والنسيج الحريري المشجر
(410) 66
والصيني ورغم أن العودة الى أسلوب التبادل سلعة بسلعة لم يؤد الى النتيجة المطلوبة (316)، إلا أن تركيز التجارة في مراكز معينة على الحدود أدى الى قلة تأثير التجار العمانيين وغيرهم في نشر الاسلام بين الصينيين، نتيجة لعدم اختلاط هؤلاء التجار بالأهالي الصينيين في مدن الصين العديدة. وقد زاد الطين بلة أن الامبراطور صار يحتكر التجارة مع هؤلاء التجار ولا يسمح ببيعها مباشرة للأهالي أو لتجار الصين حتى في المراكز التجارية التي أنشأها، مما أوجد حاجزا جديدا بين التجار العمانيين وبين الصينيين
•
وقد دعم الامبراطور هذا الاحتكار بالنسبة للتجارة الداخلية
أيضا، فمنع الصينيين من أن يتعاملوا فيما بينهم بالنقود، وكانت عمليات البيع والشراء تتم بموجب أوراق مالية مصنوعة من الكاغد، الواحد منها بقدر الكف ومطبوعة بطابع الامبراطور، وتسمى الخمسة وعشرون قطعة منها باسم (بالشت) بمعنى الدينار
(315) دادسون: ص 256، 257
(316) المرجع السابق، ص 257.
•
- (1/159)
صفحة 160
عندنا في بلاد الاسلام، واذا تمزقت هذه الكواغيد حملها صاحبها الى دار كدار السكة وأخذ (بالشت) جديدة عوضا عنها دون مقابل، فإذا ذهب إنسان صيني الى السوق ومعه دراهم أو دنانير من الذهب لا يمكنه أن يشتري بها أي شيء الا اذا استبدلها أولا بالبالشت (317)، ولذلك لم يستطيعوا أن يتعاملو مع التجار الغرباء سواء كانوا من العمانيين أو غيرهم، وأصدر الامبراطور للأهالي أوامر بمنع هذا التعامل قانونا والا شوهت وجوههم تشويها، ونفوا الى جزيرة نائية في البحر (318)، مما أوجد صعوبة
كبيرة في مجال المعاملات التجارية بينهم وبين هؤلاء التجار الغرباء يضاف الى هذه العقبات التي قامت في طريق انتشار الاسلام
في بلاد الصين، أن أباطرة أسرة سنغ فتحوا الطرق البرية للتجارة عبر ترکستان، فقلت أهمية الطرق البحرية التي تربط الصين بعمان وبلاد العرب، ولم يعد لهذه الطرق ازدهارها الأول الا في عهد أسرة منج التي أعقبت الأسرة السابقة وحكمت الصين في الفترة (1368 - 1644 م). وقد قام ابن بطوطة برحلته الى بلاد الصين قرب منتصف القرن الرابع عشر ووصف لنا ماسبق أن ذكرناه من عناية حكام الصين بالتجارة والتجار وتوفير الأمن والأمان لهم ولأموالهم، مما عاد بالخير الوفير على الطرفين. وفي القرن التالي استمر الاهتمام بالتجارة البحرية، وقام (شنح ـ هو) برحلاته السبع المشهورة في تاريخ الصين في النصف الأول من ذلك القرن، وبلغ في إحدى هذه الرحلات ساحل ظفار كما سبق القول (319)
(317) ابن بطوطة: ج 2 ص 719.
(318) داند سون: ص 256 (319) المرجع السابق، ص 257 - 258.
•
– 156 – (1/160)
صفحة 161
مما كان له أثره في فتح الباب أمام انتشار الاسلام من جديد ولكن هذا الازدهار التجاري الملاحي الصيني لم يستمر طويلا، اذ قام صراع في القصور الملكية بين الأغوات من وبين كبار الموظفين من جهة أخرى، نتيجة لاشتداد ساعد
جهة
من
الأغوات بسبب رعايتهم لشئون البحر واتصالهم بالنشاط البحري والتجاري وتشجيعهم له، مما أدى الى ضعف ساعد الموظفين أمام قوة هؤلاء الأغوات التي كانت تزداد بمرور الوقت وتهدد سلطان الموظفين الذي تعرض حينذاك للزوال. ومن ثم احتدم الصراع بين الفريقين، وكسب الموظفون الجولة بعد أن حرموا الأغوات مصدر قوتهم، بأن اقنعوا الأباطرة بأن الرحلات البحرية ترف وسرف لاطائل من ورائه، علاوة على أنه يربط الصين ذات الحضارة والثقافة بشعوب بربرية قليلة الشأن. فأدارت الصين ظهرها للملاحة والتجارة الخارجية منذ عام 1450 م، وأغمضت عينيها عن ازدياد النشاط الملاحي الأوربي في هذه الآونة، وقفلت مرافئها عام 1500 م، وسرحت ملاحيها، وحطمت سفنها التي كانت تحمل أكثر من شراع تحطيما، وأصبح جرما بناء أية سفينة تحمل أكثر من شراع، وصدر قانون بحري عام 1525 م يخول شرطة الميناء تحطيم أي سفينة من هذا النوع والقبض على كل ملاح
فيها (320)
وكانت سفن الصين قبل ذلك سفنا ضخمة تسير الواحدة منها أشرعة عديدة، وكانت تحمل في بعض الأحيان بضائع تزن سبعمائة طن تمخر بها العباب لا تغلبها ريح وإن عتت،
أكثر
من
(320) المرجع السابق، ص 259
261
-
- (1/161)
صفحة 162
وذلك في القرن الثالث عشر للميلاد، بينما لم تكن أرمادا الأسبان سنة 1588 م تحمل أكثر من 528 طنا، نظير 177 طنا كانت
تحملها السفن الانجليزية في العادة، وذلك لصغر حجم السفن الأوربية بصفة عامة، اذ أنها لم تعرف السفن الكبيرة ذات الأشرعة الثلاثة الا في عام 1450 م، ورغم ذلك فانها لم تصل الى قوة وحجم السفن الصينية التي صنعت في القرن الثالث عشر للميلاد (321)
وبطبيعة الحال فقد انعكست آثار هذه الضربة القوية التي أصابت التجارة الصينية الخارجية والأسطول التجاري الصيني الذي
الى
كان يقود معظم سفنه ربابنة عرب وفرس، والذي كان يبحر الخليج وعمان ويعود منها محملا بالسلع والأمتعة، بصحبة التجار العمانيين وغيرهم من أصحاب هذه السلع والبضائع التي كانت تجد سوقا رائجة في بلاد الصين في معظم عصور التاريخ، باستثناء تلك الفترات التي قيد فيها بعض أباطرة الصين التجارة الداخلية واحتكروا التجارة الخارجية مما أشرنا اليه منذ قليل. نقول ان هذه الضربة التي أصابت التجارة الخارجية الصينية والأسطول التجاري انعکست آثارها على النشاط التجاري والملاحي للعمانيين وغيرهم من العرب والمسلمين، فلم نعد نسمع عن نشاط لهم مع الصين في النصف الثاني من القرن الخامس عشر للميلاد، وأتت الطامة الكبرى على يد البرتغاليين الذين تمكنوا من الطواف حول رأس الرجاء الصالح عند نهاية ذلك القرن، واستولوا على المراكز
الصيني
(321) المرجع السابق، ونفس الصفحات.
Murphy History of African civilization, New York, 1972, P. 232.
-
158
- (1/162)
صفحة 163
التجارية التي تقع على ساحل شرقي افريقيا وعلى سواحل عمان والهند، واحتكروا التجارة البحرية في المحيط الهندي، فتحطم نفوذ العمانيين التجاري في هذا المحيط تحطيما، ولم يعد الى سابق قوته ومجده الا فيما تلى ذلك من عصور بعد أن ضعف البرتغاليون وزال نفوذهم في المحيط الهندي على يد العمانيين أنفسهم فيما لامجال في الحديث عنه الآن، نظرا لخروجه عن موضوعنا وعن تخصصنا.
159 - (1/163)
صفحة 164
الفصل الثالث
الوجود العماني في شرقي
افريقيا وأثره في نشر الاسلام
كان الوجود العماني في شرقي أفريقيا أكبر كثافة وأكثر عمقا
وتركيزا من وجودهم في جنوب شرقي آسيا، ولذلك كان تأثير العمانيين في هذه المنطقة من قارة افريقيا أشد وأقوى. ذلك أن وجودهم في جنوب شرقي آسيا كان يعتمد بالدرجة الأولى على النشاط الملاحي والتجاري، وكانت هجراتهم الى هذه البلاد هجرات فردية وغير دائمة في غالب الأحيان، أما وجودهم في شرقي أفريقيا فلم يكن كذلك، لأنه اعتمد في الواقع على هذين العاملين معا وهما أولا، النشاط الملاحي والتجاري، وثانيا، هجرة العمانيين الى هذه البلاد هجرات فردية وجماعية متلاحقة. ولاشك أن هذين العاملين كانا حجر الزاوية في نشر الاسلام في هذه المنطقة الهامة من قارة أفريقيا، ولذا كان من الواجب علينا أن نتتبعهما لنرى أثرهما في هذه الناحية الهامة من تاريخ الاسلام في شرقى هذه
القارة.
-
نشاط العمانيين الملاحي والتجاري في الساحل:
ومن البداية نستطيع أن نقول أن دور العمانيين في الملاحة
160
- (1/164)
صفحة 165
دورهم
والتجارة ونشر الاسلام في شرقي افريقيا لايقل أهمية ان لم يزد عن ذاك في شرق وجنوب شرقي آسيا، وبالطبع فقد شاركهم في هذا الدور الجديد غيرهم من العرب والمسلمين مثلما كان الحال في الدور السابق، ولكن العمانيين كانوا أيضا لهم القدح المعلي، وكانت فاعليتهم أشد وتأثيرهم أقوى تأثير غيرهم من غيرهم، تماما كما كانوا في شرق وجنوب شرقي آسيا، وذلك لسبب رئيسي وهام، وهو أن النشاط والوجود العماني التجاري والملاحي كان أشد وأقوى من أي وجود آخر على ساحل شرق افريقيا وما يقابله من جزر، وذلك منذ ظهور الاسلام وحتى قدوم البرتغاليين الى هذه
المنطقة
و لم يكن هذا التفوق العماني الملاحي والتجاري في شرقي افريقيا وما نتج عنه من آثار الا نتيجة لعوامل عديدة، منها أن بلاد من أقرب البلدان في شبه جزيرة العرب الى ساحل شرقي
عمان
افريقيا، ولذلك كان الاتصال التجاري والبشري والثقافي مستمرا وممتدا بين عمان وبين شرقي افريقيا على مدى التاريخ، فكانت السفن العمانية تخرج من موانيها العديدة المطلة على بحر عمان وبحر العرب مثل صحار ومسقط وقلهات وصور ومرباط وتتجه رأسا الى مواني ساحل شرقي افريقيا. وقد ساعد على ذلك وأعان عليه عامل جغرافي هام وهو اكتشاف عرب جنوب جزيرة العرب للرياح الموسمية الشتوية والصيفية، فقد أفادوا منها في القيام برحلتين منتظمتين سنويا من وإلى الساحل الافريقي. ففي فصل الخريف تدفع الرياح الشمالية الشرقية السفن الشراعية من خليج عمان الى المحيط الهندي ثم تسير هذه السفن بمحاذاة الساحل الافريقي وترسو
- 161
-
- (1/165)
صفحة 166
من
في موانيه العديدة، وبعد أن يقضي العمانيون هناك شهورا عديدة يمارسون فيها نشاطهم التجاري يقومون برحلة العودة الى عمان في فصل الربيع، فتدفع الرياح الجنوبية الغربية سفنهم الشراعية من شرقي افريقيا الى قواعدها في عمان في ذلك الوقت من السنة. وبمضي الزمن أصبح تجار عمان أصحاب خبرة تامة بمواقيت الرياح واتجاهاتها، وأصبحت رحلاتهم من عمان الى الساحل الافريقي ومدة استقرارهم بهذا الساحل، تنظم تنظيما دقيقا تبعا لمواسم الرياح المنتظمة التي أصبحت معروفة لهم تماما منذ أزمان بعيدة، وقبل معرفة الاغريق والرومان لها بنحو مائتي سنة تقريبا، وأصبح المعتاد ارسال أسطول تجاري ضخم من السفن كل عام الى الساحل الشرقي لافريقيا، وذلك منذ القرن الأول للميلاد (1) فاذا أضفنا الى ذلك ماسبق أن ذكرناه في بداية الفصل السابق من عوامل أدت الى توجيه العمانيين الى الاشتغال بالملاحة والتجارة والتوجه دائما الى البحر، لكان أمرا طبيعيا أن يتجه العمانيون الى ساحل شرقي افريقيا في مجموعات صغيرة انتشرت في البداية في بعض الجزر الساحلية مثل مافيا MAFIA (1) جيان، ص 24، محمد أبو العلا محمد: ص 35، 36، شوقي الجمل: ص 46 أحمد حمود المعمري: عمان وشرقي افريقيا، ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط وزارة التراث سنة 1980 م، ص 44، محمد عبد الله النقيرة: انتشار الاسلام في شرقي افريقيا ومناهضة الغرب له، دار المريخ للنشر، الرياض سنة 1982 م، ص 31 ويقول MARSH & KINGSNORTH ان هيبالوس HIPPALUS البحار أو التاجر الروماني أبحر جنوبا في البحر الأحمر في عام 45 م واكتشف فائدة الرياح الموسمية المنتظمة في المحيط الهندي، انظر:
{Y
-
An Introduction to the history of East Africa, Combridge, 1961, P. 9.
ويقول KINGSNORTH نفس الرأي في كتابه الخاص به وييني على ذلك أن تجار العرب والهنود عرفوا ساحل شرقي افريقيا حوالي عام 60 م، ووصلوا جنوبا حتى زنجبار، انظر:
Africa South of the Sahara, Combridge, 1962, P. 8.
-
162
- (1/166)
صفحة 167
وزنجبار ZANJEBAR و بمبا PEMBA ، وفي المراكز الساحلية مثل سفالة SOFALA ومالندي MALINDI وكلوة KILWA وممباسة واستطاعت هذه المجموعات أن تطبع مناطق
MOMBASSA
سكان
واسعة من شرق القارة بلغتها وديانتها، وأن تندمج مع السكان الوطنيين وتصبح حلقة اتصال بين الوطن الأم في عمان وبين سواحل شرقي افريقيا والجهات الداخلية التي تقع وراء هذه
السواحل (2)
وكان اتجاه العمانيين الى ساحل شرقي افريقيا لأنهم كانوا أدرى من غيرهم بما تحتويه هذه المنطقة من خيرات وفيرة تتمثل في كميات العاج الهائلة، والذهب النضار، والرقيق، والحديد الجيد، وجلود النمور، والصندل، والأبنوس والعنبر الممتاز وأصداف السلاحف وزيت النخيل، وجلود الحيوانات المتنوعة المختلفة الاشكال والألوان. ولذلك اندفع العمانيون للحصول على هذه السلع الغالية والنادرة، ساعدهم في ذلك ما كان عليه ساحل شرقي افريقيا من حالة بدائية وعدم انتظامه في وحدة سياسية، إذ كان أهل هذا الساحل لا تجمعهم دول سياسية بالمعنى المعروف فكانوا يعيشون في شكل قبائل متفرقة، لكل سوق أو مدينة أو قرية زعيم أو شيخ مستقل عن الآخر تماما، ولذلك كان جميع هؤلاء الزعماء والمشايخ يتبارون في تقديم الخدمات والتسهيلات للتجار العمانيين، نظرا لأنهم سوف يقومون بشراء المنتجات الافريقية وتصديرها للأسواق العالمية، ويجلبون لأهل هذا الساحل ما كانوا في حاجة اليه من سلع، سواء من عمان ذاتها أو
(2) شوقي الجمل: ص 47، 48
من
- 163 - (1/167)
صفحة 168
البلاد التي كانوا يتجرون معها (3)
ومن السلع التي كانت تجلب من عمان وكانت محببة لدى أفارقة الساحل الافريقي، التمر العماني. وقد وصلت محبة هذا المحصول في نفوس الأفارقة وتقديرهم له الى أنهم كانوا يسجدون لأي عربي يرونه عندهم في بلادهم، لا لشيء الا لأن هذا العربي البلاد التي ينبت فيها شجر التمر أو النخيل (4)، ولم يكن
من
أتي التمر العماني هو المحصول الوحيد الذي كان يجد سوقا رائجة في شرقي افريقيا، فقد أشار الادريسي الى أن أهل جزيرة أنفوجة (مدغشقر) كان أكثر عيشهم من الموز المتعدد الأنواع، ومنه الموز العماني الذي كان يتميز عن غيره بطيب طعمه وشدة حلاوته وبكبر حجمه وثقل وزنه، حتى أن الثمرة الواحدة منه كانت تزن اثنتي عشرة أوقية كما أخبرنا بذلك ابن بطوطة الذي أشار الى أن هذا النوع من الموز كان يوجد في ظفار، كما أشار أيضا الى نوع آخر يوجد في قلهات وكان يعرف بالفارسية بالموز (المرواري) أي الجوهر، نظرا لصفاته الممتازة، وكانت هذا الموز العماني الممتاز يصل الى أهل جزيرة مدغشقر وهرمز وغيرهما البلدان تجار
كان
عمان (5)
من
وقد جلب هؤلاء التجار لأفارقة الساحل وجزره سلعا
(3) المسعودي: مروج الذهب، جـ 2 ص 6، الادريسي: ص 32، 33، 35، ابن سعيد: 83، الحميري: ص 74، 243، 544، ابن الوردي: ص 61، ابن عبد الحق: جـ ص 1297، جيان: ص 53، دافدسون: ص 243،
ص
Marsh & Kingsnorth: PP 8, 11 - Murphy, Jefferson: History of African civilization, New York, 1972, PP 223, 227.
(4) أبو زيد الحسن السيرافي: سلسلة التواريخ، ص 132. (5) نزهة المشتاق: ص 34، ابن بطوطة: جـ 1 ص 288، 296
164 (1/168)
صفحة 169
•
أخرى كانت تجد كثيرا من الاقبال والرواج، مثل العقود والأقمشة والخناجر والفئوس وأنواع مختلفة من الزجاج والتوابل (6). كما كانوا يوردون لهم الحرير والأواني البورسلين من أرخبيل الملايو ومن بلاد الصين، حيث كان أغنياء العرب والأفارقة يحبون الأكل فيها كما كانوا يجلبون لهم الأواني المصنوعة من الزجاج من فارس وبلاد العرب وسوريا، والأقمشة الملونة المصنوعة من القطن من بلاد الهند (7)، وكذلك كانوا يوردون لهم القمح من أجل كسب صداقة المواطنين، وذلك منذ القرن الأول للميلاد (8)
ونتيجة لحاجة العمانيين وسكان ساحل شرقي افريقيا كل الى الآخر على هذا النحو فقد نشأت بينهما علاقات تجارية منذ ما قبل الميلاد، واستمرت هذه العلاقات حتى ظهر الاسلام حيث ازدادت قوة وعمقا بعد ظهوره.
أما قبل الميلاد، فقد عرف أسلاف العمانيين الأوائل من اليمنيين وعرب الجنوب بصفة عامة ساحل شرقي افريقيا واكتشفوه قبل غيرهم من الناس، ولم تصل باقي الأمم الى هذه المنطقة الا بعدهم وبواسطتهم (9)، وكان أحفادهم من العمانيين أقدم التجار الذين نزلوا هناك بغرض التجارة أحيانا والاستيطان أحيانا أخرى، وذلك في المنطقة الممتدة من رأس جوردفوي C. GUARDOFUI
Marsh & Kingsnorth, PP 8, 9, 10.
Gideon & Derek : East Africa through a thousand years, Kenya, 1973. P 12. Murphy, op. cit, P 223.
(1)
(V)
(8) داند سون: ص 244،
(9) جيان: ص 26، مجهول: السلوة في أخبار كلوة، تحقيق: محمد علي الصليبي: وزارة التراث،
مسقط سنة 1985 م، ص 6 (1/169)
صفحة 170
شمالا الى رأس دلجادو C DELGADO جنوبا والتي أطلق عليها العرب ساحل الزنج أو بر الزنج، وعرفها الفرس باسم زنجبار (10)
في هذه المنطقة، أو في هذا الجزء من الساحل الشرقي لافريقيا أسس العرب قبل الميلاد بعشرات القرون مراكز تجارية هامة بطول الشاطيء فيما يلي خليج عدن (11)، وقد أسفرت بحوث بيترزا التي قام بها بين عامي 1899، 1901 م في المناطق الواقعة بين المجرى الأدنى لنهر الزمبيزي والمجرى الأسفل لنهر سابي أنه كانت تعيش في المنطقة الواقعة بين نهري الزمبيزي واللمبوبو جالية حميرية منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وأن السبئيين كانوا أصحاب الكلمة والسيادة في ذلك الوقت، وأن استخراج الذهب كان قائما على قدم وساق في تلك المنطقة كلها، بالاضافة الى الأحجار الكريمة والنحاس والقصدير (12)، وأن الحميريين هم أول من حفر مناجم الذهب القديمة في روديسيا زيمباوي (الآن) وبنوا ما يتصل بها من قلاع لاتزال آثارها باقية حتى الآن (13)
ويزيدنا بتيرزا معرفة بالوجود العربي في العصور القديمة والوسطى في شرقي افريقيا فيقول ان العرب في القرن التاسع للميلاد الذين أطلقوا اسم سفالة على هذه المنطقة الحميرية القديمة الآهلة بالمناجم، هذا الاسم الذي كان لايزال شائعا عندما جاء البرتغاليون الى هذه البلاد في القرن السادس عشر للميلاد، والذي لايزال حتى
(10) محمد أبو العلا محمد: ص 35
(11) جيان: ص 44
•
(12) حوراني: ص 128
(13) المرجع السابق: ص 141
-
0 166
- (1/170)
صفحة 171
الا علما على أحد مواني الساحل (14). كما أن البروفيسور MILLER وهو الأثري المتخصص في آثار شبه جزيرة العرب قد أشار الى أن نهر سابي الذي لا يبعد كثيرا عن مدينة زمبابوي، ما هو الا اسم محرف لكلمة سبأ، وهو اسم الدولة العربية التي قامت في بلاد اليمن قبل الميلاد بقرون عديدة، وكانت لها علاقات تجارية مع أهالي زمبابوي منذ ذلك التاريخ (15)، مما يدل على قدم الوجود العربي واستمراره في تلك البقعة من القارة منذ ذلك
التاريخ.
كان
يسمى
ومما يدل على ذلك أيضا أن جزءا من ساحل شرق افريقيا عزانيا أو أزانيا AZANIA وهو اسم ذو أصل عربي، إذ كان يطلق على جزء من هذا الساحل في المنطقة الواقعة بين رأس حفوني ورأس الشيل في بلاد الصومال، اسم بر الخزائن. ويرى البعض أن كلمة أزانيا ماهي الا تحريف لكلمة خزائن العربية البحتة، وقد امتد مدلول هذا الاسلام فصار يطلق على الساحل الذي تقع عليه اليوم أراضي الصومال وكينيا وتنزانيا في القرن الأول للميلاد، فصار يعرف بساحل أزانيا (16)
ولعلك تلاحظ الشبه بين كلمة أزانيا وكلمة مزون التي كانت تعرف بها عمان قبل الاسلام بعشرات القرون، فضلا عن
(14) المرجع السابق: ص 128
(15) شوقي الجمل: حضارة زمبابوي، مجلة الدراسات الافريقية، العدد 6، سنة 1977 م ص 5 (16) جيان: ص 52، 59، دافدسون: ص 241، ويقول دافدسون أن هنتنقفورد هو الذي أطلق اسم الأزانيين على سكان الساحل والمنطقة الداخلية التي تليه، اعادة لتسمية اغريقية قديمة كان قد طواها الزمن قبله. ص (307، ويري د. جمال زكريا قاسم هذا الرأي. انظر: استقرار العرب في ساحل شرق افريقيا، حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، عدد 10 سنة
1967 م، ص 280
- (1/171)
صفحة 172
أنه كانت توجد مملكة مملكة باسم عزان في منطقة ما من جنوب الجزيرة العربية في فترة سابقة على ظهور الاسلام لم تحدد تحديدا واضحا (17)، وإن كان هناك رأي يقول بأنها اندثرت عام 600 م، وتلتها على الأثر دولة قتبان ثم سبأ ثم التي وثقت حمير صلاتها بشرقي افريقيا كما رأينا (18)
ق
•
المهم أن عرب الجنوب كانوا أول من اتصل بساحل شرقي افريقيا في هذه الأزمنة البعيدة قبل الميلاد، وكانوا قوما على شيء كثير من الجرأة والشجاعة، اذ مخرت أساطيلهم التجارية مياه البحار وأتوا للساحل للتجارة وليس للنهب أو الاستعمار، وكانوا يأتون في فترات معروفة محددة لا يغيبون عنها. ونتيجة لكثرة الاتصال التجاري ودوام المعاملة أحبوا الأهالي من الأفارقة، وتعلموا لغات الساحل، وتزوجوا من نساء القبائل هناك، وأقاموا مراكز للتجارة قبل عصر البطالمة، يستفيد منها الأهالي وينتفعون هم بما ينتجون، فازداد اختلاطهم بالأفارقة الذين ألفوهم ونهلوا من ثقافتهم عبر عصور طويلة، حتى انه في منتصف الألف الأولى قبل الميلاد أو قبلها بقليل اتخذت ثقافة الشاطيء عربية (19)، نتيجة لطول اقامة العرب بينهم وبنائهم الحصون لحماية متاجرهم، والمعابد الممارسة شعائرهم الدينية، مما يوحي بطول مدة هذه
الاقامة واستمرارها (20)
(17) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب، ص 280.
(18) داند سون: ص 241.
(19) جيان: ص 44، دفدسون: ص 246، 276، شوقي الجمل: حضارة زمبابوي ص 16 (20) شوقي الجمل: حضارة زمبابوي، ص 16
– 168 –
- (1/172)
صفحة 173
وقد تطورت هذه العلاقات بين العرب الوافدين والأهالي الأصليين الى قيام حكم في بعض أجزاء الساحل يدين لهؤلاء العرب بالولاء، وفي ذلك يقول صاحب كتاب الطواف حول بحر أريتريا الذي ألفه في القرن الأول للميلاد، أن أمراء من العرب كانوا يحكمون في الصومال وما وراءه قبل الميلاد، كما كانت زنجبار خاضعة لسلطان عربي (21)، وأن أمير معافر في اليمن كان يحكم ميناء رهابتا RHAPTA أو ربطة كما سماها الجغرافيون العرب، والتي تعرف الآن باسم كويليمين QUELIMANE ، وتقع على الفرع الشمالي من دلتا الزمبيزي قرب مصب نهر (أوفيجي) وتعتبر آخر محطة تجارية على ساحل أزانيا (22)
وكان هذا الأمير العربي يحكم هذا الميناء المتطرف في الجنوب بمقتضى حق قديم يجعل لمدينة موزا (مخا (اليمنية السيادة عليه، وكان أهل موزا يحكمون هذا الميناء في القرن الأول للميلاد باسم هذا الأمير العربي المعافري، ويرسلون اليه بسفن تجارية يستخدمون في معظمها نواخيذ أو ربابنة ووكلاء من العرب يألفون أهل البلاد ويتزوجون منهم، ويعرفون الساحل ويتكلمون لغاته (23). وقد تطورت هذه العلاقات بين العرب وبين ساحل شرقي افريقيا لدرجة أن أصبح لكل سوق أو مدينة هناك زعيم عربي، وكان كل
(21) محمد النقيرة: ص 28
(22) جيان: ص 62
•
•
-
(23) المرجع السابق: ص 53، 473، حوراني: ص 84 85، 134، دافدسون: ص 246، ويلاحظ أن ترجمة جيان ليست دقيقة إذ يذكر أن موزا هي أسرة تسمى أسرة موسى بينما ذكرها حوراني ودافدسون على أنها مدينة وليست أسرة، كما يشير حوراني في حواشيه الى الأصل العربي
لكلمة ربطة
-199 - (1/173)
صفحة 174
من هؤلاء الزعماء مستقلا عن الآخر، وكان بعضهم يدين بالطاعة والولاء لأمراء حمير في جنوب جزيرة العرب (24)
وقد نتج عن ذلك كله أن هذه المراكز التجارية التي أقامها العرب على ساحل شرقي افريقيا نمت وازدهرت بنمو التجارة وازدهارها، و بازدياد الوافدين عليها للتجارة أو للاستيطان المؤقت أو شبه الدائم، وأيضا بزيادة تعاون القبائل الافريقية مع هؤلاء التجار العرب الوافدين الى بلادهم، فكان رؤساء وزعماء هذه القبائل يأتون الى هذه المراكز التجارية ومعهم الرقيق والعاج والذهب حيث يقايضون تجار العرب بما يحملونه لهم من سلع
وبضائع (25)
ويبدو
•
أن بعضا
من هؤلاء التجار العرب الذين أتو الى هذه البلاد قبل الميلاد أو بعده بقليل كانوا من عرب عمان. يدل على هذا المعنى ذلك الوصف الذي أورده جيفرسون ميرفي GEFFERSON MURPHY لهؤلاء التجار الذين سيطروا على تجارة أزانيا في هذه العصور المبكرة جدا، بأنهم قدموا من الجزء الجنوبي من بلاد العرب، ولم يشر الى مكان محدد في هذا الجنوب، الا أنه قال بأنهم كانوا مفصولين في بلادهم عن بقية العرب تقريبا بالصحاري، وأنهم كانوا يقاسون الحياة (26)، وهو وصف ينطبق
على بلاد عمان دون غيرها من بلاد العرب
وقد وصل نشاط العمانيين وغيرهم من عرب الجنوب الى
(24) داند سون: ص 244 -
-
245
(25) الطبري: جـ 2 ص 125، المسعودي: مروج الذهب: ج 2 ص 82
Murphy: op. cit, P 223.
170
(26) (1/174)
صفحة 175
مناطق بعيدة على الساحل الشرقي لافريقيا والى الجزر القريبة من هذا الساحل، مثل كلوة، وبمبا، وزنجبار، ومافيا، وكذلك الى الجزر البعيدة عنه مثل جزر القمر وجزيرة مدغشقر مالاجاش الآن). إذ عثر المنقبون في الجزيرة الأخيرة على عملة من العملات التي استعملت على زمان قسطنطين الأول في مطلع القرن الرابع للميلاد (27)، كما عثروا أيضا في أرض الساحل على عملات أخرى فارسية ورومانية ويونانية وعربية وهندية وصينية بأعداد كبيرة تعود الى ما قبل عام 500 م، كما عثروا أيضا على أواني فخارية وزجاجية تعود الى هذه الفترة، مستوردة من الصين والهند
وفارس وبلاد العرب، مما يدل على نشاط تجاري كبير (28) ويعزز هذا النشاط، ما عثر عليه جارفس ماتيوز سنة 1950 م في الجزر الكثيرة التي نقب فيها قريبا من ساحل تنجانيقا الجنوبي، وهو حجة في آثار شرقي افريقيا، على آثار منازل في جزيرة سنجي ياكاتي الصغيرة التي تقع قرب جزيرة كلوة، وهي منازل صغيرة مستطيلة الشكل مبنية بالحجر المتقن الرصف، حول قلعة مازالت جدرانها ترتفع ستة عشر قدما فوق الأرض، ويقول هذا العالم الأثري أن هذه المنازل هي أقدم مستوطنة تجارية عثر
الآن
عليها حتى، ويرجح أن ثقافتها مستمدة من جنوب الجزيرة
العربية، وأنها اتصلت بها منذ عصور بعيدة قبل الاسلام (29) ولم يستمر النشاط العربي التجاري والبحري مع ساحل
(27) دافدسون: ص 244، السلوة في أخبار كلوة، ص 6،
Murphy, op. cit, p 223. Murphy, op. cit, p 228.
245
-
-
- 171
-
(28)
(29) داندسون: ص 244 (1/175)
صفحة 176
شرقي افريقيا على قوته وازدهاره، اذ تأثر هذا النشاط تأثرا كبيرا بالأحداث السياسية التي وقعت في جنوب بلاد العرب، حيث احتل الأحباش اليمن منذ عام 525 م (30)، كما تعرضت عمان للسيطرة الفارسية بعد ضعف أحفاد مالك بن فهم الذي كان قد تمكن من تحرير بلاده من هذه السيطرة قبيل بداية القرن الثالث للميلاد، فقد عادت هذه السيطرة من جديد بعد انتقال الحكم الى أسرة جديدة هي أسرة الجلندى من بني المستكبر المعولي أننا الأزدي، حتى نرى حامية فارسية تحتل مواقع لها على ساحل عمان قبيل ظهور الاسلام، وظل الأمر كذلك حتى وصل الاسلام بلاد عمان وأعانها على تحرير أراضيها مرة أخرى من السيطرة الفارسية (31)
وفي ساحل شرقي افريقيا حدث تطور آخر، اذ كان شعب البانتو قد بدأ في الظهور على الساحل منذ بداية القرن الثاني للميلاد، لما كان يوفره هذا الساحل لهم من فرص أفضل للحياة، فالمطر غزير بدرجة تكفي لزراعة جيدة، والأسماك وفيرة، وفرص التجارة واسعة، مما دفع بهذا الشعب القوي الى الزحف من المناطق الداخلية في موزمبيق والاتجاه شمالا بشرق حيث تلاقى أرض الساحل التي تمكنوا من غزوها بقسوة وشراسة. ذلك أن هؤلاء البانتو كانوا بدوا مسلحين وأشداء أكثر من سكان الساحل الذين استهوتهم حياة الرفاهية والترف نتيجة الثراء والاشتغال بالتجارة. ولما كان البانتوقساة متوحشين، فإن التجار العرب لم يتشجعوا
(30) الطبري: جـ ص 125، المسعودي: مروج الذهب: ج 2 ص 82 (31) المسعودي: مروج الذهب: جـ 2 ص 96، العوتبي: الأنساب: جـ 2 ص 258، 259.
-
172
- (1/176)
صفحة 177
كثيرا في المتاجرة مع أهل الساحل الافريقي في القرنين الخامس والسادس للميلاد، ولم تنتعش التجارة مرة ثانية الا بعد ظهور الاسلام ووصول عرب عمان الى هذا الساحل مرة أخرى، سواء كانوا تجارا ودعاة أو مستوطنين ومقيمين (32)
وقد شجع هؤلاء التجار على المجيء أن هجرات البانتو من منطقة الزمبيري في موزمبيق الى الشمال كانت قد استقرت في كل الساحل ومئات الجزر المواجهة لهذا الساحل كبيرها وصغيرها ورغم استمرار هذه الهجرات الى القرن التاسع للميلاد، ورغم أنها غطت الساحل الافريقي الى جنوبي الصومال، الا أنها هدأت وتكيف هؤلاء المهاجرون مع المجتمع الجديد (33)، من خلال المعايشة المستمرة مع العرب الذين كانوا مقيمين في مراكز التجارة، أو الذين قدموا بعد ذلك بعد ظهور الاسلام.
ازداد الوجود العماني قوة ووفرة وكثافة بعد قيام الدولة العربية الاسلامية، وبعد أن اتسعت هذه الدولة وسيطرت على طرق التجارة العالمية المعروفة وقتذاك، وأصبحت تسيطر على مياه
البحر المتوسط ومضيق جبل طارق، وعلى مياه البحر الا ومضيق باب المندب، وعلى الخليج العربي ومضيق هرمز، وعلى مياه المحيط الهندي وبحر الزنج، وبذلك أصبح المجال رحبا أمام تجار عمان كي يجوبوا البحار بفاعلية أكثر، وساندهم النفوذ الأدبي والسياسي للاسلام ودولته في ذلك الحين في تبوء مكان الزعامة في مجال النشاط البحري والتجاري في المحيط الهندي كله، وأصبحت
Marsh & Kingsnorth, op. cit, p 8, Kingsnorth, op.cit, P 18. Murphy, op. cit, PP 225, 227.
-
173
-
(32) (33) (1/177)
صفحة 178
التجارة العمانية هي عماد وأساس التجارة العربية تماما (34) وقد سبق الحديث عن نشاطهم مع البلدان التي تطل على
جانبه الآسيوي. وبالنسبة للبلدان التي تطل على ساحله الافريقي فقد ازداد نشاطهم مع أهل هذا الساحل خاصة وأنهم كما أشرنا كانوا على معرفة كاملة به وبحاصلاته، كما أنهم كانوا قد أقاموا قبل ظهور الاسلام وكما ذكرنا من قبل مراكز تجارية على طول هذا الساحل من شماله في بلاد الصومال حتى جنوبه في موزمبيق ومدغشقر. وقد أفادتهم هذه المراكز أيما فائدة بعد أن غشي الاسلام معظم البلدان الواقعة على سواحل المحيط الهندي فصارت مواني عمان مراكز تجارية هامة ومرافي لرسو الأساطيل التجارية التي كانت تخرج منها محملة بالسلع الى مواني ساحل شرقي افريقيا، شجعهم على ذلك، الأمان والترحيب الذي كانوا يجدونه من
مشايخ وحكام المدن التي كانت قائمة على طول ذلك الساحل ويعطينا ابن بطوطة صورة جميلة عما كان التجار يجدونه من اكرام وترحيب عندما ينزلون بميناء مقديشو فيقول انه كان "من عادة أهل هذه المدينة انه متى وصل مركب الى المرسى، تصعد الصنابيق وهي القوارب الصغار اليه، ويكون في كل صنبوق جماعة من شبان أهلها، فيأتي كل واحد منهم بطبق مغطى بالطعام فيقدمه لتاجر من تجار المركب، ويقول: هذا نزيلي، وكذلك يفعل كل واحد منهم، ولا ينزل التاجر من المركب الا الى دار نزيله من هؤلاء الشبان، الا من كان كثير التردد الى البلد وحصلت له
Ibid : P 227.
1740
-
(34) (1/178)
صفحة 179
معرفة أهله، فانه ينزل حيث شاء، فاذا أنزل عند نزيله باع له ما عنده، واشترى له، ومن اشترى منه ببخس أو باع منه بغير حضور نزيله، فذلك البيع مردود عندهم، ولهم منفعة في
ذلك، (35)
ولذلك كثر مجيء تجار وملاحي عمان الى هذا الساحل الافريقي. يفهم ذلك مما ذكره المسعودي من أن نواخذة أي رؤساء وربابنة السفن والأساطيل التجارية في بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقلزم والحبشة كانوا من العمانيين والسيرافيين (36)، وقد أفرد المسعودي العمانيين بالذكر في القرن الرابع للهجرة العاشر للميلاد فقال إن المحيط الهندي له خليج متصل بأرض الحبشة يمتد الى ناحية بربري (بربرة الحالية في شمال الصومال من بلاد الزنج والحبشة ويسمى الخليج البربري، وإن أهل المراكب من العمانيين يقطعون هذا الخليج الى جزيرة قنبلو ملاجاش (الآن من بحر الزنج، (37)، وأكد قوله ذاك فأشار الى أن هؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عمان عرب من الأزد، (38)، كما أشار الى أنهم وصلوا في إبحارهم جنوبا حتى سفالة في موزمبيق وإلى بلاد الواق الواق التي تقع في أقاصي بحر الزنج (39)، أي أنهم وصلوا الى جنوبي سفالة وحتى النواخذة السيرافيون كانوا يترسمون خطا ملاحيا يسير بين
(مدغشقر
=
(35) رحلة ابن بطوطة: جـ 1 ص 279، ابن عبد الحق: جـ 3
(36) مروج الذهب: جـ 1
159، 15، 131، 116
(37) المصدر السابق: ج 1 ص 106
(38) المصدر السابق: ج 1 ص 107.
(39) المصدر السابق: جـ 1 ص 107، جـ 2 ص 5.
1297
– 175 -
- (1/179)
صفحة 180
صحار في عمان وبين موانيء ساحل شرقي افريقيا، بدليل ماذكره
ذكر له أنه
أنه
المسعودي من ركب سفينة من صحار الى هذه الساحل ثم ركب في عام 304 هـ / 916 م سفينة كان صاحبها ناخوذة سيرافي وذلك من جزيرة قنبلو الى عمان أثناء حكم أحمد بن هلال (40) ويؤكد رحالة معاصر للمسعودي وهو بزرك بن شهريار الرامهرمزي على نشاط العمانيين البحري في بحر الزنج، فيقول إن يزيد العماني ناخوذة الزنج، حدثه من أنه رأي في نواحي بلاد الزنج جبلين عظيمين الخ (41)، كما أن الناخوذة العماني اسمعيلويه خرج هو وجماعة من البحريين من عمان في مركبه يريد قنبله (ملاجاش) في عام 310 هـ / 922 م فعصفت الريح بهم وطرحت المركب الى سفالة الزنج (42). ويشير ابن بطوطة الى رحلة تجارية بحرية من كلوة الى ظفار كان هو أحد أفرادها، وذلك حوالي عام 731 هـ / 1330 م (43)، كما يشير الحميري الذي عاش في القرن التاسع للهجرة الخامس عشر للميلاد الى نشاط السفن العمانية فيقول انه ليس للزنج مراكب يسافرون بها، انما تدخل اليهم المراكب من عمان وغيرها، وتحمل متاعهم وسلعهم من مواني ممبسة ومالندي وتبيعها في جزائر الهند (44)، ويقول ابن الوردي إن واق الواق .. ليس لهم مراكب بل تدخل اليهم
المراكب من عمان، (45)
(40) المصدر السابق: ج 1 ص 107.
(41) عجائب الهند: ص 150. (42) المصدر السابق: ص 50، 51.
(43) ابن بطوطة: ج 1 ص 285.
(44) الروض المعطار: ص 74
(45) خريدة العجائب: ص 61
-
176
- (1/180)
صفحة 181
وهذه النصوص كما ترى واضحة الدلالة على كثافة الوجود العماني البحري والتجاري في ساحل شرقي افريقيا، وأن السفن العمانية والنواخذة العمانيين كانوا أكثر نشاطا من غيرهم، وكانوا يقومون بنقل معظم السلع الافريقية في أساطيلهم التجارية التي بلغ عدد سفن واحد منها أبحر من بلاد الزنج الى عمان عام 332 هـ / 943 م ست عشرة سفينة (46)
- توغل العمانيين والعرب في الداخل
والجدير بالذكر أن هذا الوجود العماني لم يكن قاصرا على الساحل الشرقي لافريقيا فقط بل انما كان في الداخل أيضا، بعكس ما قاله معظم المؤرخين المحدثين مسلمين وغير مسلمين من أن نشاط العرب بصفة عامة في العصور الوسطى، كان قاصرا على الساحل فقط وعلى الجزر المواجهة له، ولم يتعد هاتين المنطقتين وينطلق الى الداخل إلا في القرن الثامن عشر (47). فهذا أمر غير صحيح، والصحيح أن الساحل وما به من كثرة عربية عمانية وغير عمانية، كان في حاجة الى الداخل، وكان الداخل وما به من أغلبية افريقية في حاجة الى الساحل أيضا
•
ذلك أن المناطق الساحلية كانت في حاجة الى الأيدي العاملة الرخيصة، فكان الأفارقة سواء كانوا عبيدا أم أحرارا يأتون الى هذه المناطق للعمل والتماس الرزق، ولخدمة التجار والسادة العرب
(46) بزرك: ص 60.
(47) حسن ابراهيم حسن: انتشار الاسلام في القارة الافريقية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة سنة 1984 م، ص 187
-
177 - (1/181)
صفحة 182
في مزارعهم وبيوتهم وحوانيتهم ومراكزهم التجارية، وكان الرقيق يتلقون معاملة طيبة لأن الاسلام كما هو معروف يأمر بحسن معاملة الرقيق (48). ولاشك أن هذه المعاملة الطيبة لابد أن تقود هؤلاء الناس الى الدخول في الاسلام حتى ينعمون بحياة أفضل. وكان الأفارقة يأتون أحيانا الى المراكز التجارية في الساحل كي يشتروا ما يحتاجونه من السلع اذا لم يتمكن التجار العرب من الوصول الى بلادهم في الداخل. فكان اختلافهم الى هذه المراكز التجارية يتيح لهم فرصة الاحتكاك بالحياة الاسلامية عن قرب، ويدفعهم الى اعتناق الاسلام، وعندما يعودون الى ذويهم كانوا ينشرونه بينهم في حماس كبير (49)
ولم يكن توافد الأفارقة من الداخل قاصرا على قدومهم كأفراد، بل انهم كانوا يأتون أحيانا في شكل جماعات كبيرة أو قبائل بأكملها، تأتي وتستقر على الساحل وتستوطنه بصورة دائمة أو شبه دائمة، وقد وجد أفراد وجماعات من أكثر من سبعين قبيلة أتوا من الداخل وتركز معظمهم في المناطق الساحلية، وأصبحوا ينتمون الى الحياة السواحيلية بتأثيراتها الاسلامية القوية أكثر من انتمائهم الى قبائلهم الوثنية في الداخل (50)
•
واذا كان أفارقة الداخل في حاجة الى الساحل على هذا
النحو، فإن عرب الساحل كانوا بدورهم في حاجة الى الداخل
(48)
Marsh & Kingsnorth: op. cit, P 9.
(49) حسن محمود: الاسلام والثقافة العربية في افريقيا، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة
الثالثة سنة 1986 م، ص 392
•
(50) ترمنجهام: الاسلام في شرق افريقيا، ترجمة محمد عاطف النواوي، الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1973 م، ص 80.
-
178
- (1/182)
صفحة 183
لا تقل عن حاجة الداخل اليهم. كان هؤلاء العرب الذين كانت كثرتهم عمانية في أمس الحاجة الى منتجات المناطق الداخلية البعيدة من الذهب والعاج والرقيق والحديد وغير ذلك، فأسرعوا وذللوا الصعاب واخترقوا الفيافي والقفار أو الغابات والأشجار، حتى وصلوا الى أعماق بعيدة في قلب القارة وكثر ترددهم عليها بانتظام ليس بغرض الفتح والغزو ولكن للتجارة (51). وكانوا يستقرون هناك لفترات قد تطول وقد تقصر حسب الحاجة في عدد من الأماكن على طول الطرق التي كانت تربط الساحل بالداخل، مما أدى الى وجود مراكز تجارية أو مستوطنات صغيرة منتشرة على طول هذه الطرق، وإن كانت هذه المراكز لم تصل الى قوة مثيلاتها على الساحل نظرا لطبيعة التضاريس في الداخل (52)، ونظرا لبعد المسافة وقلة الوجود العربي بالقياس الى كثافته في الساحل والجزر. ذلك فقد كان العمانيون وغيرهم من العرب في حاجة الى إقامة مثل هذه المراكز أو المستوطنات الصغيرة لتكون همزة الوصل بين داخل القارة وبين ساحلها، مما يسهل عملية التبادل التجاري ويساعد على نقل السلع الافريقية الى أسواق آسيا، وحمل متاجر آسيا الى افريقيا ساحلها وداخلها (53)
ومع
وقد شجعهم على التوغل في الداخل واقامة مثل هذه المراكز التجارية أن ملوك ومشايخ القبائل الافريقية كانوا يبذلون غاية جهدهم في الترحيب بهؤلاء التجار، لأنهم كانوا وسيلتهم الوحيدة للكسب والاثراء، فقد كانوا يعملون على تسويق ما لدى هؤلاء
(01)
(52) ترمنجهام: ص 37،
(53) حسن محمود: ص 57
Marsh & Kingsnorth, op. cit, P 11, Kingsnorth, P 18.
Marsh & Kingsnorth, op. cit, P 10.
179 - (1/183)
صفحة 184
الملوك والمشايخ من سلع ومنتجات بأسعار مجزية، ويستوردون لهم في نفس الوقت ما كانوا في حاجة اليه من أقمشة جميلة مزركشة وعطور وودع وخرز وسلع كانت محببة كثيرا الى قلوبهم ونفوسهم. وكان وجود هؤلاء التجار في بلاط هؤلاء الملوك أو بين المشايخ والزعماء مقدمة يأتي بعدها إن عاجلا أو آجلا دخول هؤلاء الملوك أو بعضهم على الأقل في الاسلام، ثم ينشرونه بين ذويهم وأتباعهم وأهل بلادهم. حدث هذا كثيرا في منطقة القرن
الافريقي في بلاد الحبشة والصومال وعند بعض قبائل البانتو (54) وقد حدث في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر للميلاد
والقرون القليلة السابقة عليه أمر هام ساعد على توغل التجار في الداخل، والى ازدياد الصلة بين الداخل والساحل. ذلك أنه في هذه القرون تدفق البانتو من تنجانيقا الى منطقة البحيرات العظمى، وهي ما تعرف الآن باسم بحيرة تنجانيقا، ونياسا، وكيفو وفيكتوريا وألبرت، وادوارد، وكيوجا، واستقروا في الأراضي المعروفة الآن باسم بوروندي ورواندا وغربي تنزانيا، وغربي كينيا، وجنوبي أوغندا، حيث المطر غزير والتربة خصبة تماما في هذه المناطق التي كان في امكانها استيعاب هؤلاء المهاجرين،، لأنها كانت قليلة السكان (55). وقد سبق الحديث عن هجرة اخوانهم من البانتو الذين هاجروا الى الساحل واستقروا فيه واختلطوا بالعرب ووضعوا أساس الحضارة السواحيلية وذلك قبل نهاية القرن العاشر للميلاد (56)
(54) حسن محمود: ص 392
Murphy, op. cit, P 238.
Ibid : P 225.
-
180
(00)
(56) (1/184)
صفحة 185
أما وقد كانت هجرة هؤلاء البانتو الذين نتحدث عنهم
الآن
الى المناطق الداخلية في شرقي افريقيا وحول البحيرات العظمى،
فإنهم بذلك تركوا منطقة فراغ بين بانتو الساحل وبانتو الداخل، هذه المنطقة الوسطى التي تقع تقريبا في وسط تنزانيا وكينيا كانت مئات الأميال من الأراضي الوعرة غير الخصبة، حيث
عبارة عن
تنمو الحشائش البرية وأشجار الغابات الجافة غير المثمرة فيما يعرف بالأخدود الافريقي الذي يفصل بين الساحل ومنطقة البحيرات وقد حدث اختراق لهذه المنطقة الوسطى من ناحيتين: الناحية الأولى نجمت عن تحرك جماعات صغيرة من فلاحي البانتو الى داخل هذه المنطقة منذ وقت مبكر يعود الى القرن العاشر أو الحادي عشر للميلاد، ورغم أنهم انتشروا ببطء إلا أن أعدادهم زادت بسرعة (57)، وأصبحوا كجسر أو قنطرة عبر عليها بانتو الداخل و مهدوا لفتح طريق التجارة بين الساحل وهذا الداخل (58)، مما في تدفق التجار العمانيين وغيرهم عبر هذا الطريق مستخدمين الابل في رحلات تستغرق أشهرا داخل القارة، ولم يكن الاتصال سهلا قبل ذلك بين الساحل والداخل بسبب ما أشرنا اليه من وجود الأخدود الافريقي وما به من أراض وعرة وجافة (59). أما العامل الثاني الذي ساعد على اختراق هذه المنطقة العازلة هو وجود جماعات من الحاميين النيليين الذين كانوا يسكنونها قبل هجرة جماعات البانتو اليها، وكانوا يعملون بالصيد ومارسوا الرعي
أفاد
(57)
Ibid PP 238, 239.
(58) دولت صادق: شرقي افريقيا، دراسة في جغرافية الاسلام، المؤتمر الجغرافي الاسلامي الأول،
الرياض، سنة 1984 م
4
ص 24
(59) المرجع السابق، جـ 4 ص 23، 24
•
•
181
- (1/185)
صفحة 186
والزراعة، وكانت لهم مثل وعادات تتعلق بمساعدة وحماية القواف (60)، مما أفادا كثيرا في تشجيع التجار العمانيين والمسلمين عامة على ارتياد الطرق التي فتحها البانتو الى منطقة البحيرات. وكانت هذه الطرق هي السبيل الوحيد الى وصول الاسلام الى هذه المناطق الداخلية النائية
وقد
•
أفادت بعض الأدلة الأثرية بوجود بعض هذه الطرق
في العصور الوسطى. فقد كتب ولسن في عام 1932 م عن ثلاث مناطق بين تنجانيقا في الداخل وبين بحيرة نياسا، وعثر على طريق يعتبر من أطول الطرق التي عثر عليها في هذه المنطقة (الأزانية)، وهو الطريق الذي يرجح أن يكون قد ربط بين مدخل بحيرة نياسا صوب ابيركون في زيمبابوي مع أروشا ونيروبي في (مرتفعات البيض في كينيا في وقتنا الراهن، مما أنه كان طريقا طويلا يمتد الى 500 أو 600 ميل من الشمال للجنوب، على بعد 600 300 ميل من الساحل. وقد كتب غير ولسن عن طرق أخرى قديمة بين أرنقا ومدخل بحيرة نياسا، ويمتد عرض واحد من الطرق العديدة الى تسعة أقدام، وتحده على الجانبين حجارة
أو
مرصوفة (61)
يعني
هذه
ولا شك أن هذه الطرق تشير الى وجود شبكة من المواصلات كانت تربط الشمال بالجنوب شرق البحيرات الكبرى، كما أنها كانت تربط الساحل بالداخل عن طريق اتصالها بالساحل بطرق أخرى كانت تمتد الغرب الى الشرق عبر كينيا
(60) المرجع السابق، نفس الصفحات،
من
Murphy, op. cit, P 239.
182
305
(61) داندسون: ص 304 (1/186)
صفحة 187
وتنجانيفا، وتخترق جبالا عالية بما يشبه النفق في هذه الايام، وتعبر
أيضا مناطق مائية وأودية تعين السالكين لها على مواصلة المسير
وهذا الربط بين الساحل والداخل على هذا النحو يفسر لنا الشبه القوي بين نماذج الفخار التي وجدت في مالندي وكينيا، وبين نماذجها القديمة التي وجدت في زمبابوي القديمة، ومابنقابوي في الداخل، تلك النماذج التي يرجع تاريخها بعد فحصها ودراستها الى القرن الرابع عشر للميلاد أو قبله، مما يدل على أن الساحل التجاري كان يعتمد اعتمادا على سلع الداخل (62). فكانت زمبابوي وجاراتها من الأقاليم القريبة منها في العصر الوسيط وثيقة الصلة بمدن الساحل ومرافئه، واستمرت هذه الصلة دون انقطاع فيما يرجح العلماء منذ القرن العاشر للميلاد على الأقل. ولعل هذه الظاهرة هي المفتاح في تفسير الازدهار الحضاري الذي شهدته زمبابوي، تلك الحضارة التي ارتقت بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر للميلاد، نتيجة لصلتها المستمرة بالساحل حيث كانت تبادله السلع والأفكار (63)
•
واذا كان وجود هذا الفخار القديم ووجود آثار للطرق التجارية القديمة دليلان ماديان لا يرقى اليهما الشك في نشاط التجار في داخل القارة، فإن هناك أيضا دلائل أخرى تدل على هذا النشاط. من ذلك ماتركه لنا الرحالة العرب القدامى من وصف للثلوج التي كانت تتكون على قمة جبل كلمنجارو، ولا يأتي هذا الوصف الا بالرؤية الشخصية أو بالسماع من التجار الذين كانوا
(62) المرجع السابق: ص 302، 304 - 305
(63) المرجع السابق: ص 284 - 285، 399 – 400
183
- (1/187)
صفحة 188
يصلون الى هذه البقاع الداخلية البعيدة، مما يدل على أن العرب عرفوا هذه المناطق قبل أن يعرفها الأوربيون الذين لم يصلوا اليها إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (64). بل إن تجار العرب كان لهم وجود ملموس منذ القرن العاشر للميلاد في وسط افريقيا في مملكة افريقية تسمى كارانجا KARANGA وهي التي تسمى اليوم باسم زمبابوي روديسيا (سابقا) وكانت هناك عربية بها عدة ألوف من العرب المستقرين في مدينة تسمى سينا SENA على نهر الزمبيزي في أحد اقاليم كارانجا. وقد وجد البرتغاليون عندما قدموا الى هذا المكان هذه المستوطنة العربية فأزاحوها، ورغم ذلك ظلت بقايا التأثير العربي في هذه المملكة القرن التاسع عشر (65) تي
الملك
مستوطنة
وقد أشار جيان الى مملكة داخلية أخرى تسمى مملكة مونوموتابا، والى أن هذه المملكة كان بها مسلمون، وكانت بطانة من المسلمين (66). ذلك أن العرب والسواحيليين كانوا يأتون من الساحل ويصعدون عبر نهر سابي الى مملكة مونوموتابا، ويبدو أنهم أسسوا فيها أسواقا منتظمة منذ زمن بعيد (67). وقد سبقت الاشارة الى وجودهم في هذه المملكة منذ القرون السابقة على ظهور الاسلام، وإلى أنهم تركوا فيها من الآثار مايشهد بهذا الوجود، فلما ظهر الاسلام وأسلم سكان الساحل من البانتو،
(64) جمال زكريا قاسم: المصادر العربية لتاريخ شرق افريقيا، مجلة الجمعية المصرية التاريخية، العدد 14 لسنة 1967 م، ص 187
(90)
Lewis : Islam in Tropical Africa, London, 1980. P 13.
(66) وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية: ص 274
•
Lucy Mair, op. cit, P 12.
184
(67) (1/188)
صفحة 189
اشتد قدوم العرب ومسلمي الساحل الى هذه المملكة منذ القرن الثامن للميلاد، لاستخراج الذهب أو لشرائه وشراء الحديد والعاج الذي كان يأتي أيضا من هذه المملكة، ومن المناطق الداخلية في موزمبيق وزامبيا وكاتنجا، مما أدى الى انتشار الاسلام في هذه البلدان وكذلك في مملكة مونوموتابا، وأصبح عدد كبير من سكانها مسلمين (68). ويبدو أن هؤلاء المسلمين كان لهم شان كبير ويمثلون قوة لا يستهان بها في هذه المملكة، يدل على ذلك ما فعلوه عندما قام الأب جونسالف دي سلفيرا الذي ينتمي الى طائفة الجزويت البرتغاليين عام 1560 م، بتنصير شخص الحاكم على مونوموتابا ووالدته وجم غفير من حاشيته، إذ نصحه ندماؤه المسلمون بخطر ذلك على عرشه، فترك المسيحية وقتل من أغراه باعتناقها، كما قتل خمسين ممن تنصروا (69)
صحيح
أننا لا نعرف هل أسلم هذا الملك أم لا، وصحيح أننا لا نعرف جنسية هؤلاء المسلمين الذين كان لهم هذا التأثير الذي يدل على قدم وجودهم في هذه المملكة، ولكن من استقرائنا للأحداث نستطيع أن نقول أنهم كانوا من الأهالي الذين أسلموا أو من العرب، بل من العمانيين، لأننا وكما رأينا كان معظم التجار والنواخذة الذين ارتادوا هذه المنطقة من العمانيين بشهادة المسعودي والسيرافي وغيرهما من المؤرخين القدامى والمحدثين.
أدلة كثيرة كما ترى تدل على نشاط التجار العمانيين وغيرهم من تجار العرب والمسلمين في المناطق الداخلية في المنطقة الممتدة
(68) شوقي الجمل: حضارة زمبابوي: ص 12، 13، محمد النقيرة: ص 68، (69) جيـ ـــان: ص 274
Murphy, 232.
-
110 - (1/189)
صفحة 190
من البحيرات الكبرى الى جنوب بحيرة نياسا، الى أعالي نهر الزمبيزي في الجنوب، بل الى بلاد الكانم في الشمال (70)، وتدل على وجود عماني في هذه المناطق الداخلية البعيدة، يدعمه ويسانده
وجود لهم مكثف وقوي على الساحل سبق الحديث عنه
أثر التجار والدعاة العمانيين في نشر الاسلام في
الساحل والداخل:
وقد استغل التجار هذا الوجود لصالح الحركة التجارية ولصالح الحركة الاسلامية، ذلك أنهم أثناء تواجدهم في الساحل أو الداخل كانوا يتوددون الى الناس ويخالطونهم، وكانوا يؤثرون فيهم بنظافتهم وأمانتهم وسلوكهم القويم، بل ويصاهرونهم لقلة ما نساء عربيات، مما كان يؤدي في النهاية الى دخول الأهالي الأفارقة في الاسلام (71)، ساعد على ذلك أن
كان معهم من
كثير من
كثيرا من هؤلاء التجار كانوا يجمعون بين حرفتي التجارة والتعليم فاذا ما استقر بهم المقام في الداخل أو على الساحل أنشئوا كتاتيب لتعليم القرآن الكريم، أو بنوا مسجدا لأداء الشعائر الدينية ولتعليم الناس قواعد الاسلام وشعائره الصحيحة، في نفس الوقت الذي كانوا يقومون فيه بنشاطهم التجاري (72)
وربما كان دكان التاجر نفسه ينقلب في الليل الى مكتب أو
(70) محمد النقيرة: ص 92
(71) حسن محمود: ص 55، محمد النقيرة: ص 64، 142
(72) حسن محمود: ص 56.
-
186 - (1/190)
صفحة 191
كتاب (بضم الكاف صغير يستقبل فيه الأطفال والأولاد لتعليمهم مباديء القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم جلبا للثواب ونشرا للاسلام من جهة، وتوطيدا لعلاقته بالأهالي، فيزداد الاقبال عليه وعلى حانوته وسلعه وبضائعه من جهة أخرى. وبذلك أصبحت كل أسرة تحتوي على بذرة اسلامية صغيرة تتمثل في هذا الطفل أو ذاك، وبالتدريج يشب هؤلاء الأطفال على الاسلام وتظهر أسر اسلامية في ذلك المحيط الوثني الكبير، وشيئا فشيئا يزداد عدد هذه الأسر فيعم الاسلام ويزداد انتشاره بين القبائل الافريقية على أيدي هؤلاء الأفارقة أنفسهم، لأن هذه القبائل كانت تعيش على الرعي، فكانت كثيرة التنقل والارتحال من مكان الى آخر، ولذلك نشرت الاسلام حيثما حلت (73)
وهكذا كان التجار العمانيون منذ القرن العاشر للميلاد هم أول من حمل الاسلام الى داخل القارة .. الى افريقيا الاستوائية وهيأوا الأرض لانتشار هذا الدين بقدر ما وسعهم الجهد وهيأت لهم الظروف، ورغم أننا لا نعرف الا القليل عن جهودهم في هذه المناطق النائية، الا أن بعض السكان هناك انجذبوا الى الاسلام متأثرين بما كانوا يرونه من الشعائر الدينية التي كان يقوم بها هؤلاء التجار، وبما كانوا يحسونه من القوة الروحية العليا للاسلام في شفاء المرضى وفي حمايتهم من أخطار السحر في المناطق التي ينتشر فيها الاسلام. كما أن الحماية التي كان يسبغها رؤساء القبائل أو الحكام الأفارقة على هؤلاء التجار في تلك المناطق النائية، أدت الى رفع هؤلاء التجار وشأن الثقافة التي كانوا يحملونها (74)،
شأن
دين
(73) محمد النقيرة: ص 142
Lewis : op. cit, PP 21; 26 - 27.
-
JAY-
(74) (1/191)
صفحة 192
مما دفع بكثير من الأهالي الى اعتناق هذا الدين وتلك الثقافة والخلاصة أن التاجر العماني حمل اسلامه مع سلعته، فكان تاجرا وداعية للاسلام في نفس الوقت. ولا ينفي هذا القول وجود بعض الدعاة والمعلمين المتفرغين لهذا العمل النبيل، والذين صحبوا التجار وتبعوهم الى أجزاء كثيرة من القارة سواء في الساحل أو في جهات افريقيا الشرقية الداخلية أو افريقيا الاستوائية، ولم يلبث أن تركهم التجار هناك في المستوطنات أو المراكز التجارية التي أنشئوها للقيام بعمليات تحويل الناس الى الاسلام. ولقد قام هؤلاء المعلمون والدعاة في أماكن وأزمنة متباعدة بتعليم الناس وادخالهم في الدين على نحو واسع، نتيجة للبركة التي كانت تشاع عنهم والتي كان الأفارقة يلتمسونها منهم كمصلحين في النواحي الدنيوية
بالاضافة الى الشئون الدينية (75)
وقد زاد تأثير هؤلاء الدعاة بعد أن تزوجوا من الافريقيات وصاروا جزءا من المجتمع الذي يعيشون فيه. وكانوا مطلوبين باستمرار لمباشرة الشعائر الدينية الاسلامية في أي مكان أنشأ فيه التجار أو المهاجرون مستوطنات أو تجمعات اسلامية جديدة. كما أن الأفارقة الذين تحولوا الى الاسلام كانوا يلتمسون منهم النصح والارشاد وتعلم شعائر الدين وعقائده الصحيحة، ولا يكتفون بمجرد العيش في مناخ ديني اسلامي، وخاصة أن هؤلاء الدعاة كانوا يقدمون ارشادهم للناس في مجال العقيدة والحياة باللغة المحلية، تلك اللغة التي كانوا يشجعون كتابتها بالحروف العربية. وزيادة على ذلك فان مهام هؤلاء الدعاة بجانب تحفيظ القرآن والحديث
Ibid : PP 27 - 29.
-
188 -
(Yo) (1/192)
صفحة 193
كانت
تتسع للمساعدة في شفاء المرضى والتخفيف من المصائب والكوارث وتقديم الرقيات والتعاويذ الوقائية، مما زاد من اقبال الناس عليهم وعلى اعتناق الاسلام، وخاصة بعد أن يشفى هؤلاء الناس أمراضهم أو تتحقق أمانيهم (76)
من
من
ولذلك كله كان هؤلاء الدعاة يحظون باحترام الأفارقة ومحبتهم لما بذلوه من جهد في سبيل ترقية حياتهم، ولما لاقوه في سبيل ذلك مشاق ومصاعب ومآسي بلغت حد التضحية بالنفس في سبيل الدعوة، يفهم ذلك من كثير من الروايات. منها ماقصه علينا الرحالة برتون وسبيك حينما قاما برحلتهما عام 1856 م من الساحل الى الداخل حيث ركبا نهر بنجاني، ولما توغلا فيه بلغا صخرة بيضاء قائمة في وسط النهر، وبها أشجار قديمة يسميها الأهالي (بيراوسين)، ويروون أن هذه الصخرة كان يمر بها شيخ عربي شريف الأصل ومعه من المؤمنين جاءوا للدعوة، فهجم عليهم هناك البرابرة، أي
جماعة
تنشق
الأفارقة المتوحشون وحاربوهم وهزموهم، فدعا الشيخ أن الأرض وتبتلعه هو واخوانه لشدة حيائه من الهزيمة، فاستجاب الله دعاءه. ولذلك فإن الأهالي هناك وحتى وقت رحلة بيرتون كانوا لا يسمحون بقطع شيء من هذه الأشجار، وكانوا يذهبون الى هذا المكان لزيارته ويطبخون عنده ويأكلون ولا يلمسون أصابعهم خوفا من الأرواح الشريرة التي تطوف حوله، ولايمر حرس ملك زنجبار من هناك الا ويلقون في النهر شيئا من ورق الشجر والبارود والرصاص احتراما لذكرى هذا الشيخ الداعية وزملائه، وعلامة على رسوخ الايمان في قلوبهم
(76)
(77)
Ibid: PP 27
-
29.
(77) سليمان الشيباني: مملكة زنجبار، مسقط، بدون تاريخ، ص 58 - 60.
189 - (1/193)
صفحة 194
ونتيجة لجهود هؤلاء الدعاة وهؤلاء التجار في نشر الاسلام على هذا النحو، تحول كثير من أفارقة الداخل الى الاسلام، مثل أجداد قبيلة الياو على سبيل المثال، هؤلاء الذين اعتنقوا الاسلام منذ زمن بعيد (78). وقد سبقت الاشارة الى وجود مسلمين في دولة مونوموتابا، وكانت بطانة الملك من المسلمين وكذلك في زمبابوي، وفي المناطق الداخلية الشمالية وخاصة تلك التي كانت تحيط بالطرق التجارية التي كان يسلكها التجار العمانيون وغيرهم الى الداخل. وكان انتشار الاسلام بين أفارقة الساحل أكثر وأسرع نظرا لكثافة الوجود التجاري العماني والعربي أكثر من الداخل، فتحول معظم هؤلاء الأفارقة الى الاسلام، وإن لم يأخذ هذا الساحل الصبغة العربية الخالصة، لأن البانتو كانوا يشكلون غالبية السكان، ولغلبة العناصر البنتوية في الثقافة التي سادت هذا الساحل والتي تعرف بالثقافة السواحيلية والتي كان عمادها اللغة السواحيلية، ولامتصاص العناصر العربية والوافدة داخل المجتمع السواحيلي في خلال جيل أو جيلين، فيصبحون سواحيليين (79)
وفي جنوب هذا الساحل أسلم أحد الملوك الأفارقة في بداية القرن الرابع للهجرة في منطقة سفالة في موزمبيق). ورغم أن اسلامه لم يكن على أيدي التجار العمانيين، إلا أنه يعود الى ماقاموا به عندما وصلوا الى مملكته وأسروه عندما ارتقى سفنهم لتوديعهم
(78) أرنولد: ص 383
(79) محمد النقيرة: ص 284،
Murphy PP, 225, 227, 230, 233.
-
190 (1/194)
صفحة 195
ووصلوا به الى عمان، ومنها الى بلاد العراق حيث اعتنق الاسلام وتمكن من العودة الى بلاده مرة أخرى بعد اجتيازه لصعوبات بالغة. ورغم ذلك فقد فتح لهم أبواب بلاده وسمح لهم باستئناف نشاطهم التجاري في أمان وسلام، لأنهم كما قال لهم بعد أن كانت الرياح قد ألقت بسفنهم الى بلاده وأيقنوا بالهلاك، انهم كانوا السبب في صلاح دينه ودولته، وأنه فرح مسرور لما من الله عليه وعلى أهل دولته من الاسلام والايمان ومعرفة الصلاة والصيام والحج، ومعرفة الحلال والحرام، وأنه بلغ مالم يبلغه أحد في بلاد الزنج، وأنه عفا عنهم، وطلب منهم أن يشجعوا المسلمين الآخرين بأن يأتوا الى بلاده "لأننا صرنا اخوانا لهم، مسلمون
مثلهم
(80)،،
وهكذا كانت جهود التجار والدعاة جهودا مشكورة في نشر الاسلام في شرقي افريقيا، ساحله وداخله، وان كانت المصادر لا تسعفنا كثيرا في بيان جهود هؤلاء التجار والدعاة في الدعوة الى الاسلام في هذه المنطقة من القارة، اذ كان هذا النشاط في العادة غير مسجل وغير محدد، ولا يعلن صاحبه عن نفسه ولا عن عمله حتى لا يصبح وكأنه يمن به أو يباهي به فيحبط عمله، ذلك أن الداعية أو التاجر يقوم بهذا العمل في الدعوة الى الاسلام قربى الى الله سبحانه وتعالى، وتطبيقا لقول نبيه المصطفى (ع) يهدي بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم، أو
"لأن
ود خير
لك
الله
صلى الله
من جبل أبي قبيس ذهبا (81). ولذلك لم نقف الا
(80) بزرك: ص
50
•
(81) صحيح مسلم بشرح النووي: جـ 15 دار احياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، بدون
تاريخ، ص 178
?
191
- (1/195)
صفحة 196
على نتف يسيرة وعبارات موجزة ونادرة تشير الى هذا النشاط في مجال الدعوة الى الاسلام، مما حدا بأحد الكتاب الأوربيين المتعصبين الكارهين للعرب والاسلام لأن يقول بأن العرب لم
يكونوا هم ولا أحفادهم دعاة اسلام في شرقي افريقيا (82) والحقيقة أن دور التجار والدعاة العمانيين وغيرهم في مجال الدعوة لنشر الاسلام كان قويا وفعالا. وقد ازداد هذا الدور فعالية وتأثيرا بعد أن تحولت المراكز التجارية التي أقاموها الى مدن كبيرة انتشرت على الساحل كحبات العقد، وكثر عددها حتى بلغ سبعا وثلاثين مدينة، من مقديشو في الشمال الى سفالة في الجنوب (83). ولم تلبث أن تحولت بعض هذه المدن الى امارات والى دويلات عربية اسلامية كان لها وجود منذ عصور الاسلام الأولى. وطبيعي أن هذه العملية – أقصد عملية ظهور المدن
-
والامارات والدويلات الاسلامية، لن تتم الا على يد كثرة من الناس. وقد توافرت هذه الكثرة الكثيرة نتيجة للهجرة العمانية التي توافدت على الساحل منذ الربع الأخير القرن الأول للهجرة من نهاية القرن السابع للميلاد. وقد كان لهؤلاء المهاجرين العمانيين دور يزيد في الأثر في نشر الاسلام على دور إخوانهم من التجار العمانيين وغير العمانيين، ذلك أن التاجر لا يرتبط في النهاية بالأرض، وانما يجري وراء السلعة حيثما كان مصدرها، ويلهث وراء الأسواق التجارية حيث توجد أو حيث تقام، فهو في حركة دائمة، وفترات استقراره قليلة، ولا تكون الا حسبما تقتضي
(82) أرنولد: ص 380، نقلا عن GOSEPH THOMSON في كتابه:
Mohammedism in Central Africa, P 871.
Lewis, op. cit, P 12, Gideon & Derek, op. cit, P 21.
—
192
—
(83) (1/196)
صفحة 197
عمليات البيع والشراء، أما المهاجر فإنه يرتبط بالأرض التي هاجر اليها ارتباطا تاما ونهائيا في الغالب الأعم، ومن هنا كان تأثيره أشد
وأقوى وأكثر استمرارا وفاعلية.
{
•
هجرات العمانيين الى شرقي افريقيا وأثرها
في نشر الاسلام
كانت هجرات العمانيين الى ساحل شرقي افريقيا أهم الهجرات وأقدمها وأكثرها تأثيرا في نشر الاسلام في هذه المنطقة الحيوية من قارة افريقيا. فقد هاجروا اليها قبل غيرهم من عرب الجزيرة العربية، وتتابعت هجراتهم أكثر من غيرهم ممن هاجر من المسلمين والعرب على حد سواء، وكان وجودهم في الساحل والجزر والداخل أكثر من وجود غيرهم، مما طبع هذه المنطقة
بطابعهم.
وهذا الوجود وهذه الهجرات العمانية الى شرقي افريقيا تعود الى أسباب كثيرة منها ما يتصل بظروف الدولة الاسلامية، ومنها ما يعود الى ظروف خاصة بعمان نفسها، ومنها ما يرجع الى ظروف خاصة بشرقي افريقيا. أما الظروف المتعلقة بالدولة الاسلامية، فانها ترجع الى الصراع السياسي والديني الذي ظهر فيها منذ أن قام النزاع على الحكم أو على الخلافة بين الأمويين وبين الزبيريين، وبينهم وبين العلويين وشيعتهم، وبينهم وبين الخوارج الذين ناصبوهم العداء، ثم أتى الصراع بين الأمويين الأواخر وبين الموالي ليشتد ويؤدي بجانب عوامل أخرى الى زوال الدولة الأموية
- 193 – (1/197)
صفحة 198
بين
وقيام الدولة العباسية. وفي عصر هذه الدولة قام الصراع العباسيين بدورهم وبين خصومهم السياسيين من شيعة وخوارج، وظهرت جماعات وفرق عديدة وقامت ثورات ودول مناهضة لحكم بني العباس، مثل ثورة الزنج في جنوبي العراق عام 255 هـ / 869 م ومثل قيام دولة القرامطة في البحرين بعد ذلك بحوالي ثلاث عقود من الزمان
كل هذه التطورات والثورات والصراعات التي ظهرت بين المسلمين سواء في عهد بني أمية أو عهد بني العباس، كان لا بد أن تؤدي الى فرار الكثيرين من الخصوم والثوار المهزومين أو المضطهدين الى أطراف بعيدة عن دمشق أو بغداد، أو الى أرض لا تخضع لسيطرة الخلافة كساحل شرقي افريقيا على سبيل المثال. وقد انعكست هذه الأحوال على عمان فدخلت ضمن مناطق الصراع المحتدم بين الخلافة وبين خصومها أو معارضيها السياسيين، يظهر ذلك في حملات أرسلها الحجاج بن يوسف الثقفي الى عمان لقمع ثورة سعيد وسليمان ابني عباد بن عبد بن الجلندى، في بداية الربع الأخير القرن الأول للهجرة (84)، من ويظهر أيضا في حملة أرسلها أول خلفاء بني العباس الى عمان عام 134 هـ / 751 م (85)، للقضاء على ما حاولته من استقلال، وفي حملة أرسلها هارون الرشيد الى عمان في عام 189 هـ
805 م
(86)، لنفس الغرض والهدف
(84) مايلز: الخليج، ص 65 - 69. (85) الطربي: جـ 7 ص 352، 353، 462 - 463، قصص وأخبار جرب في عمان؛ لمؤلف
مجهول، ص 49.
(86) الطبري: جـ 8 ص 317
•
-
194 (1/198)
صفحة 199
و لم تكن هذه الحملات الا رغبة من الخلافة في مد سيطرتها
الخلافة،
على عمان التي كانت تعمل باستمرار على استقلالها عن والمحافظة على هذا الاستقلال مهما كلفها من ثمن (87). وعلى ذلك فقد أصبحت عمان منطقة صراع مرير مع الخلافة، سواء كانت هذه الخلافة أموية أم عباسية، وبطبيعة الحال لابد أن يؤدي هذا الصراع الى هجرة بعض أهل عمان الى خارجها كهجرة سعيد وسليمان، ولابد أن تكون هذه الهجرة الى مكان بعيد، وفي نفس الوقت يكون مألوفا لدى هؤلاء المهاجرين، ولم يكن هذا المكان الا ساحل شرقي افريقيا وما يقابله من جزر.
وقد دفع العمانيين للهجرة الى هذا المكان الظروف والأحوال الخاصة بعمان نفسها، تلك الظروف التي تتمثل في طبيعة البلاد وطبيعة موقعها الذي أثر في طباع السكان وميولهم وجعلهم لا يقبلون الخضوع لأية قوة سياسية خارجية، فناضلوا ضد السيطرة الفارسية قبل ظهور الاسلام، وقاتلوا الخلفاء الأمويين والعباسيين حتى لم يعد لهؤلاء الخلفاء الا نفوذ اسمي على عمان في الأحيان (88). كما تمثلت هذه الظروف أيضا في الصراعات السياسية التي غطت أرض عمان في فترات كثيرة، نتيجة للصراع بين الامامة وبين بعض القبائل، أو بينها وبين التكتلات والأحلاف القبلية ذات الأهداف السياسية المعارضة للامامة أو الطامعة في تولي الحكم والسلطان. ولانريد أن نطيل في هذا الحديث، وتكفي الاشارة الى ماقام من صراع بين الامام
كثير من
(87) مايلز: الخليج: ص 65
•
(88) شوقي الجمل: تاريخ كشف افريقيا واستعمارها، ص 51.
-
195
- (1/199)
صفحة 200
الصلت
بن مالك (237) - 273 هـ / 851 - 886 م)، وبين
-
-
خصومه، ثم انقسام البلاد بعد اقالته الى رستاقية ونزوانية (89) ثم الى نزارية ويمنية (90)، وقيام الصراع بينهما، وتفشى الانقسام بين القبائل العمانية لدرجة أن بعضها كان يستنجد بالحكام المجاورين لعمان مثل محمد بن نور حاكم البحرين من قبل الخليفة العباسي المعتضد، وذلك في عام 280 هـ / 893 م (91)، وكالقرامطة في عام 317 هـ / 929 م وفي عام 355 هـ / 966 م (92)
وقد أدت هذه الأحوال المضطربة الى هجرة بعض المشايخ والعائلات العمانية الى ساحل شرقي افريقيا قبيل محيء محمد بن نور في عام 280 هـ / 893 م (93)، كما هرب بعض العمانيين الى زنجبار أو اليمن نتيجة للصراع الذي قام ـ فيما بعد.
-
-
بين
القرامطة والبويهيين للسيطرة على عمان (94). وقد ازدادت الهجرات العمانية نتيجة للصراع الذي قام فيما بعد بين سلاطين النباهنة وبين الأئمة اليحامدة والموالين لهم (95)، ومانتج عن
ذلك
(89) رستاقية نسبة الى مدينة الرستاق التي كان أهلها يريدون عزل الامام راشد بن النظر الذي خلف الامام، ونزوانية نسبة الى مدينة نزوى التي كان أهلها يؤيدون هذا الامام. انظر: سالم السيابي:
الصلت
مالك بن
العنوان: ص 256، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان، جـ 1 ص 212، 231، 232
(90) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب، ص 286، 287
(91) الطبري: جـ 10 ص 33، المسعودي: مروج الذهب، جـ 4 ص 275، الاصطخري: ص 26،
مايلز: الخليج، ص
90 0 96
(92) ابن الأثير: جـ 8 ص 565 ـ 568، مايلز: الخليج، ص 104
(93) ما يلز: الخليج، ص 95. (94) المرجع السابق: ص 105.
-
(95) نورالدين السالمي: تحفة الأعيان، جـ 1 ص 371 – 389، ولكنسن: تراجم علماء عمان –، من كتاب عمان تاريخا وعلماء، ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية سنة 1980 م،
ص 30
-
196 (1/200)
صفحة 201
ويبدو
من حروب وفتن ونصب أئمة وخلع آخرين، وما حدث قتال من بين هؤلاء النباهنة وبين هؤلاء الأئمة منذ بداية القرن السادس للهجرة/ الثاني عشر للميلاد، وبينهم وبين بني جبر المعروفين أيضا ببني هلال الذين كانوا يسيطرون على بعض أقاليم عمان (96) أن هذا الصراع استمر فترة طويلة من الزمن بدليل أن ابن بطوطة الذي زار عمان بعد ذلك بأكثر من قرنين يصف أهل عمان بالكرم والنجدة والشجاعة، ولكنه لاحظ الصراع القائم بينهم فقال إن "الحرب قائمة فيما بينهم أبدا (97)، مما أدى الى طمع الممالك المجاورة فيهم، مثل أمراء وسلاطين هرمز وشيراز، فهددوها وغزوها عدة مرات كما سبق القول، وقضوا على أسطولها، فتشعب ملك عمان ولم يبق لعمان سلطان مهم، فانتشرت الفوضى وتمحص الأمر،، حتى أتت دولة اليعاربة في عام 1024 هـ / 1615 م (98)
ولاشك أن هذه الأحوال السياسية المضطربة لابد أن تؤدي الى هجرة الكثيرين خارج عمان، لاسيما وأن الظروف الطبيعية والمعيشية والبيئية كانت تساعد على هذه الهجرة وتدفع اليها دفعا
كما أشرنا فيما سبق من قول
•
هذه
وقد ساعدت ظروف شرقي افريقيا الخاصة على تشجيع الهجرة أيضا، ذلك أن هذه المنطقة من القارة لم تنعم بوجود وحدات سياسية كبيرة تستطيع منع المهاجرين من الدخول أو تقف
(96) سالم السيابي: العنوان، ص 255، 256
(97) رحلة ابن بطوطة، ج 1 ص 297 (98) سالم السيابي: العنوان، ص 263، 265
197 -
- (1/201)
صفحة 202
ألف
عقبة في طريقهم، وكل ماكان موجودا هناك هو قبائل متفرقة تعيش على الساحل في قرى صغيرة لايزيد عدد سكانها عن نحو من السكان وترحب بالمهاجرين وتحسن استقبالهم، نظرا لما كانت تحصل عليه هذه القبائل من فوائد جمة من وراء هؤلاء المهاجرين. وكان هؤلاء المهاجرون وأسلافهم على معرفة كاملة بالمنطقة منذ أزمان بعيدة نتيجة للعلاقات التجارية التي كانت قائمة بينهما (99)، والتي سبق الحديث عنها، كما كانوا على معرفة أيضا بخيراتها وما فيها من سلع ومحاصيل كانت مطلوبة في الأسواق العالمية، وعلى معرفة بأن هناك مراكز تجارية أو مستوطنات عربية فيها جماعات من العرب سبقوهم الى هناك منذ أزمنة بعيدة تقطن هذه المستوطنات أو المراكز التجارية الصغيرة (100) التي يمكنهم اللجوء اليها والاقامة فيها حتى تتحسن أحوالهم، وحتى يستطيعوا
مع هذا المجتمع الجديد
التكيف كل هذه الأسباب والعوامل مجتمعة أدت الى قيام العمانيين بهجرات عديدة ومتوالية الى ساحل شرقي افريقيا، حتى قيل بأن عرب عمان هم الذين أسهموا بنصيب كبير في الاتصال بالشرق الافريقي عقب ظهور الاسلام) (101)، وأن معظم المهاجرين كانوا من إقليم عمان (102)، وأنه في عام 270 هـ / 883 م أو
(99) داندسون: ص 278، محمد النقيرة: ص 68،
Murphy, op. cit, P 225.
Reusch : History of East Africa, Stuttgart, 1954, P 73.
(100) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب، ص 299.
(101) المرجع السابق: ص 286، الأصول التاريخية للعلاقات العربية الافريقية، لنفس المؤلف
مجلة معهد البحوث والدراسات العربية، عدد 1975 م، ص 58.
(102) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب، ص 300
•
،
-
198
- (1/202)
صفحة 203
275 هـ / 888 م كان شرقي افريقيا في أيدي العمانيين (103)، وأنه بتتابع الهجرات أصبح العرب - ومعظمهم عمانيون كما ترى ـ كثرة كثيرة وأسسوا اماراتهم (104)، بعد أن كانوا قد حولوا المراكز التجارية الصغيرة التي وجدوها واستقروا فيها الى مدن كبيرة بنوها، ونشطوا في ذلك كل النشاط حتى صار عددها لايقل عن 37 مدينة، انتشرت على الساحل من مقديشو في الشمال الى سفالة في الجنوب (105). وقد وجد المنقبون ثمانيا هذه المدن
حتى
الآن
من
، كلها تمثل مواقع تجارية صغيرة انتشرت على جزر تبعد قليلا عن الساحل، وذلك حتى يسهل الدفاع عنها ضد أي غزو قد يأتيها من داخل القارة (106). أما الامارات التي أسستها الهجرات العمانية على ساحل شرقي افريقيا فعديدة، وكانت امارة
لامو هي البداية.
أ
هجرة بني الجلندي وامارتهم في لامو وأثرها في
نشر الاسلام:
تأسست هذه الامارة على يد هجرة عمانية كبيرة وفدت عمان الى شرقي افريقيا حوالي عام 83 هـ/ 702 م، وتعرف هذه الهجرة عادة باسم هجرة سعيد وسليمان، وهما ابنا عباد بن
من
(103) مايل: الخليج، ص 85
•
Reusch, op. cit, P 73.
(104)
Lewis, op. cit, P 12, Gideon & Derek, East Africa through a thousand years. (.*) Nairobi, 1973. P 21.
- 199
278
-
(106) داندسون: ص 277 (1/203)
صفحة 204
•
عبد بن الجلندي، ولذلك يمكن تسميتها بهجرة بني الجلندى وكان سعيد وسليمان قد قتل أبوهما ملك عمان على يد الخوارج
النجدات عام 67 هـ / 686 م عندما سيطر هؤلاء الخوارج على عمان وعلى معظم الساحل الغربي للخليج العربي أثناء الصراع الذي كان قائما بين الأمويين والزبيريين في بلاد العراق. ولم يرضخ سعيد وسليمان لهذه السيطرة الخوارجية وقتلا الحاكم الذي عينه قائد الخوارج في حكم عمان عقب مغادرته لها (107)، فنجت عمان بذلك من سيطرة الخوارج النجدات، وفي نفس الوقت لم يستطع الأمويون أن يتعرضوا لها بسؤ، بسبب عدم انتهاء مشكلة الزبيريين وبعد القضاء على الزبيريين عام 73 هـ / 692 م تفرغ الأمويون لإحكام قبضتهم على العراق وأقاليم المشرق، فعينوا الحجاج بن يوسف الثقفي في حكمها وادارتها بما يرى، وذلك في عام 75 هـ / 694 م (108)
بعد
وبتولي الحجاج حكم العراق والمشرق، دخل في نطاق ولايته منطقة الخليج، إذ كانت هذه المنطقة في أغلب الأحيان تخضع لحاكم واحد سواء في عهد الراشدين أم في عهد بني أمية،
(109)
ويورد خليفة بن خياط
أو فيما بعد في عهد بني العباس أسماء ثمانية من الولاية الذين ولاهم الحجاج على عمان واحدا إثر ولكن سعيدا وسليمان كانا يتعرضان لهؤلاء الولاة إما
الآخر
(107) ابن الأثير: جـ 4 ص 203، أحمد عبيدلي: مقدمته لكتاب كشف الغمة
(108) الطب ي: جـ 6 ص 192، 202
(109) الطبري: ج ص
•
، ص
123
479، جـ ص 217، جـ 7 ص 459، 460، ابن الأثير: جـ 2
ص 449، 508، جـ 6 ص 49، 94، 109 (1/204)
صفحة 205
بالقتل أو بالطرد (110)، حفاظا على استقلالهم بشئون بلدهم أن مصالحة قد مهد لها بين عبد الملك بن مروان وبين سعيد
ويبدو
•
وسليمان، حيث ذهبا الى دمشق وقابلا عبد الملك واتفقا معه على أن يعطياه مبلغا من المال على أن يتركهما وبلدهما، ولكن الحجاج لهذه المصالحة أن لم يسمح تتم فأخذ يكتب لعبد الملك ويوغر صدره عليهما، فاحتالا حتى تركا دمشق خفية، ووصلا الى عمان وطردا عامل الحجاج عليها، وغلبا على البلاد منتهزين فرصة انشغاله بفتنة ابن الأشعث الكندي، التي كانت قد اندفعت عام 81 هـ / 700 م (111) وألقت بظلالها على عمان
ذلك أن الحروب التي حدثت بين الحجاج وسعيد وسليمان، ثم هجرة الأخيرين من عمان الى شرقي افريقيا لايمكن
أن
الا تفهم في ضوء الفتنة التي حدثت بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي. فسليمان وسعيد لم يكونا من طبقة العامة، ولم يكونا من التجار، إنما كانا الطبقة العليا من كانا ملكي عمان، فكيف بهما يخرجان من وطنهما وملكهما ويأتيان الى شرقي أفريقيا؟! (112)
في عمان
،
لابد أن سببا قويا دفعهما الى ذلك دفعا، وماذكرته المصادر عن الحجاج بن يوسف الثقفي وعن شدته وبطشه وسفكه للدماء، ومحاربته لكل من يرفع رأسه ضد الخلافة أو يحاول أن يستقل
(110) الطبقات: برواية أبي عمران موسى بن زكريا التستري، تحقيق د. آدم ضياء العمري، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثانية سنة 1982 م، ص 310، أحمد عبيدلي: مقدمته لكتاب كشف
الغمة، ص 124
(111) ابن حبيب: المحبر، ص 484،
أحمد عبيدلي: ص 125، 126
Reusch op. cit, P 77.
-
-
(112) (1/205)
صفحة 206
ببلده عنها، أو لا يدفع له أو لها الاتاوة، كل ذلك دفعه دفعا لأن يحكم الأقاليم الشرقية للخلافة بيد حديدية وبحكمة عظيمة أيضا كما يقول رويش. وتخبرنا المصادر أن سليمانا وسعيدا هاجرا من عمان في أيامه، وفي نفس الوقت تتحدث المصادر في شرقي افريقيا عن ثورة ابن الأشعث وتسميه أسد العراق، فلا يستبعد أن تكون هناك صلة ما أو تأثير متبادل بين ثورة سعيد وسليمان في عمان وبين ثورة ابن الأشعث في بلاد العراق، تلك الثورة التي اضطرت ابن الأشعث الى القتال ضد الحجاج حيث زحف من سجستان الى بلاد العراق وهزم جيوش الحجاج عدة مرات، ثم مني أخيرا بالهزيمة في موقعة دير الجماجم بظاهر الكوفة، ثم في معر كة فاصلة عند مسكن قرب المدائن عام 83 هـ / 702 م، وفر الى رتبيل ملك كابل حيث مات هناك منتحرا عام 84 هـ / 703 م (113)
وقد سارت ثورة سليمان وسعيد في خط مشابه تماما لثورة ابن الأشعث، فقد كللت بالنصر عدة مرات وفي أكثر من موقعة، ثم انتهت بالهزيمة أخيرا، وبالفرار الى شرقي افريقيا. تشابه في البواعث والظواهر والنتائج. يضاف الى ذلك أن ابن الأشعث من كندة من حضرموت، فهو من عرب الجنوب، ولاشك أن جنده كان معظمهم جنوبيين، إذ كانوا مؤلفين من جند العراق الذين كان معظمهم من عمان وحضرموت واليمن، ولذلك لاغرابة إذا
(113) لمعرفة المزيد عن ثورة ابن الأشعث، انظر: محمد جمال الدين سرور: الحياة السياسية في الدولة العربية الاسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون تاريخ، ص 156 158، عبد المنعم ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية: مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة السابعة 1982 م، جـ 2 ص 154
، 190 -
Reusch, op. cit, 78. (1/206)
صفحة 207
عمان
قيل أن عربا من عمان حاربوا مع ابن الأشعث. ويذكر رويش ذلك صراحة ويقول: ”حارب معه عرب عمانيون كثيرون، (114). ولاندرى هل أتي هؤلاء العمانيون من رأسا، أم كانوا من العمانيين المقيمين في البصرة والكوفة، واذا كنا نرجح الافتراض الثاني، فإن هؤلاء العمانيين وغيرهم من عرب الجنوب تعرضوا للاضطهاد والقتل والتشريد على يد الحجاج وعماله بعد هزيمة ابن الأشعث وفراره الى كابل ومقتله، ومن ثم فر كثير منهم كما فرت أسرات نبيلة أخرى شمالا الى القوقاز، وجنوبا الى شرقي افريقيا حيث انضموا لاخوانهم الذين كانوا قد هاجروا من قبل من سوريا أو من غيرها، وأسسو لهم امارة هناك في مدينة ديوني في خليج لامو (115)
وقد أراد الحجاج أن يصب جام غضبه على عرب الجنوب في عقر دارهم، فأرسل حملاته كما ذكرنا الى عمان التي كان
حاکماها سليمان وسعيد قد ثارا في نفس الوقت واستقلا ببلدهما
في غمار فتنة ابن الأشعث التي كانت قد شغلت الحجاج، وربما قبل ذلك عقب ظهور حركات الخوارج التي اندلعت في العراق وفارس منذ عام 65 هـ / 684 م، ولكن الخوارج هزموا وتم تصفية حركاتهم في عام 78 هـ / 697 م كما هزم ابن الأشعث وقتل على نحو ما رأينا عام 84 هـ / 703 م، مما جعل الحجاج يتفرغ لهؤلاء الذين اشتركوا في ثورة ابن الأشعث وخاصة عرب الجنوب الذين كانوا قد فروا إما شمالا واما جنوبا الى عمان والى شرقي افريقيا.
(114) ولكنسن: بنو الجلندى في عمان، ص 17.
(115) حسن محمود: ص 397،
Reusch, op. cit P 78.
Reusch, op. cit, P 74. (1/207)
صفحة 208
يركما
ولما كان سعيد وسليمان ملكين في عمان، فإن كبرياءهما لم يسمح لهما أن ينحنيا أمام وال من الدهاء. فلم يكن الحجاج من بيت شرف أو نباهة أو وجاهة أو رياسة مثلهما، فلم يقبلا أن أمام هذا الرجل المتسلط الشديد البطش والصولة، فحارباه وانتصرا عدة مرات على قواته البرية والبحرية التي أغارت على عمان. كما أنهما ربما كانا متأثرين بفكر المعارضين من القعدة أو جماعة المسلمين الذين عرفوا فيما بعد بالأباضية والذين كان بعضهم قد وصل أو لجأ الى عمان ونشروا آراءهم فيها. وكان هذا الفكر يأخذ على الأمويين وعلى الحجاج بالذات سفكهم للدماء دون حق، ولذلك فإنه من المحتمل أن يكون سعيد وسليمان ممن اعتنقوا هذا الفكر أو هذه الآراء، فثارا وأعلنا انفصالهما عن دولة بني أمية، وقاتلا قوات الحجاج كما رأينا (116).
وأيا كانت الأسباب فإنهما ثارا وقاتلا وانتصرا مرات عديدة، إلا أنهما أمام إصرار الحجاج على احراز النصر وتحويل عمان الى ولاية تابعة للخلافة الأموية، وأمام ارساله مزيدا من الحملات البحرية والبرية، اضطرا في النهاية الى مغادرة عمان حقنا لدماء شعبها، ومنعا لخراب بلدانها اذا ما استمرت المعارك على هذا النحو بينهما وبين قوات الحجاج، وقررا أن يرحلا بأهلهما تبعهما من الجند والناس الى ساحل شرقي افريقيا، فركبوا السفن جميعا وأبحروا الى هذا الساحل ونزلوا في لامو شمال ممبسة، حيث وجدوا بها عددا من المستقرين العرب وعددا من الفارين من بطش الحجاج بعد هزيمة ابن الأشعث، وحيث الأرض خصبة والطبيعة
(117)
ومن
Reusch, op. cit, PP 78 -
-
79.
204
— (1/208)
صفحة 209
جميلة، حتى بدت لهم المنطقة وكأنها الفردوس (117). ويحتمل أن يكون سعيد وسليمان ومن معهما قد نزلوا على وجه التحديد في جزيرة بات في أرخبيل لامو حيث ذكر البعض من المؤرخين أنها تأسست عام 69 هـ / 689 م (118)، أو في موقع مدينة حدبو التي أسسوها شمال مدينة ممبسة (119). وأيا كان المكان الذي نزلوا فيه، فانه لا يتعدى منطقة أرخبيل لامو، المهم أن هذه الأرستقراطية العربية العمانية الوافدة كانت سببا في ظهور أول وأقدم امارة عربية اسلامية في هذا العصر المبكر من تاريخ الاسلام في مدينة لامو وفي أرخبيلها والمناطق المحيطة (120) بها حوالي عام 83 هـ / 702 م أو بعد ذلك بقليل، وليس قبل ذلك كما ذكرت معظم المراجع (121)
و مما سهل على سعيد وسليمان اقامة امارتهم أنهم لم يجدوا ملكا أو حاكما يحكم منطقة الساحل أو الجزر التي كانت تكون أرخبيل لامو، فنزلوها بسهولة، وبدأوا أولا بتشييد قلعة قوية
Reusch, op. cit, P 75, Marsh, op. cit, 16.
(117) ابن حبيب: المحبر، ص 484، حسن محمود: ص 397، مجهول: تاريخ أهل عمان، تحقيق د. سعيد عبد الفتاح عاشور،
سلطنة عمان، سنة 1980 م، ص
ص 8 15، محمد أبو العلا:
ص
{Y
37
سالم السيابي: عمان عبر التاريخ،
(118) محمد النقيرة: ص 85، محمد أبو العلا: ص 37
(119) محمد النقيرة: ص 37
(120) حسن محمود: ص 397، محمد أبو العلا: ص 37، أحمد حمود المعمري: ص 44
(121) تأسيس امارة لامو عند النقيرة في عام 65 هـ / 685 م (ص (85، أما عبدالرحمن زكي (الجغرافيون
والرحالة العرب جـ 3 ص 359، 360)، فقد جعلها بين عامي 77 ـ 585/ 696
?
704 م، وعند سليمان المالكي (ص) (14)، ومحمد أبو العلا (ص) (37) حوالي عام 81 هـ
700 م، وجعلها رويش بين عامي 581 700، 704 م،
انظر
Reusch, P 79.
-
—
— (1/209)
صفحة 210
تحميهم من أي عدوان، وقام أتباعهم المكونون من نحو ثلاثمائة
فرد، ببناء قرية حول هذه القلعة. وكانوا في البداية يعيشون على القنص والصيد وبعض الزراعة، وبعد ذلك بدأوا في المتاجرة وأصبحو أغنياء في وقت قصير. وبالتدريج انضم اليهم المستوطنون القدامى، ونمت القرية لتتحول الى بلدة أو الى مدينة لم تلبث أن تحولت الى مركز تجاري هام (122)، كان يعمل في تجارة الحديد والذهب والعاج المجلوب من داخل القارة (123)
وكان تعامل سعيد وسليمان مع الأفارقة القادمين من الداخل بهذه السلع وغيرها لابد أن يؤثر فيهم، ولابد أنهم سوف يتأثرون بما يشاهدونه من مظاهر الحياة الاسلامية في امارة سليمان وسعيد، ولابد أن بعضهم اعتنق الاسلام حتى تتوثق علاقتهم بحكام الساحل سواء كانوا سعيدا أو سليمانا أو غيرهما، حتى تزداد تجارة الداخل ورودا الى الساحل وتجد سهولة في الوصول وثقة في عمليات البيع والشراء (124)
وقد عضد من عملية انتشار الاسلام في منطقة أرخبيل لامو
النساء
أن عمليات الزواج المختلط انتشرت بين القادمين الجدد وبين الافريقيات، نظرا لأن هؤلاء المهاجرين لم يكن معهم الا عدد محدود من النساء العربيات، وبدأ المجتمع الجديد ينمو بسرعة وتطورت الامارة التي أقاموها والتي كانت تسمى امارة لامو، نتيجة لحكمة سليمان وشجاعة سعيد. ومن خلال الزواج المستمر بالمواطنات الافريقيات بدأت الكتلة العربية تختفي وامتصتها الدماء
Reush, op. cit, PP. 75
-
76, Marsh, op. cit, P 6.
(124) محمد النقيرة: ص 128.
•
(122)
(123) داندسون: ص 249. (1/210)
صفحة 211
المحلية بالتدريج، و ونجح البيت الحاكم فقط وقليل من الأسر في الاحتفاظ بنقائهم العنصري لبضعة أجيال، لأن نساء عربيات وبنات غير افريقيات كن يجلبن لهم على يد التجار بأسعار باهظة نظرا لجمالهن، فقد دفع ابن سليمان مائة من ذكور الرقيق الأقوياء ثمنا لزوجته القوقازية. وبتوالي عمليات الزواج المختلط بين عرب الهجرة الجلندانية وبين الافريقيات، فان دماء هؤلاء العرب بدأت تنحل وتضعف ونتج عن ذلك نتيجتان: أولاهما أنهم أصبحوا فريسة سهلة لأي هجرة أخرى قادمة عمان أو من غير عمان من وخاصة بعد أن انتشرت بينهم حياة الرفاهية والترف نتيجة للثروة المتدفقة عليهم من وراء اشتغالهم بالتجارة (125)، والنتيجة الثانية هي ازدياد عمليات التحول الى الاسلام بين الأفارقة، بعد أن صاروا أصهارا لهؤلاء العرب، ومشاركين لهم في عمليات تجارية كبيرة. ورغم ما أصاب هذه الامارة الجلندانية من ضعف فان قادمين جدد صبوا دماء جديدة في شرايين هذه الامارة، وان كان عدد هؤلاء القادمين الجدد لم يكن كبيرا (126). ومهما كان القول، فإن سليمان وسعيد كانا من الشخصيات التاريخية البارزة أحدثت تغييرا في تاريخ هذه المنطقة، يتبين هذا بقوة من الآثار الصادقة التي وجدت في بات ولامو حيث يستطيع المرء أن يرى المكان الذي نزلوا فيه هم وأتباعهم، وأن يرى قلعتهم التي بنوها، كما تظهر عظمتهم من المخطوطات وكتب التاريخ التي دونها أهل عمان، وهي بطبيعة الحال أحدث من هذه الآثار ومستقلة
التي
Reush op. cit, P. 76.
Ibid, p. 76.
-
– 207 -
(125)
(126) (1/211)
صفحة 212
(127)
عنه
حدبو
وقد استطاع حفيد لهؤلاء المؤسسين ويسمى الحاج سعيد أن يؤلف في بداية القرن الثامن للميلاد حكومة تقوم على أساس من الشورى، ويذكر صاحب تاريخ لامو كيف أن المهاجرين الذين كانوا قد قدموا من قبل من الشام والهند وأقاموا بمدينة وأهل مدينة ديوني الذين كان عددهم يزيد عن عشر آلاف من المسلمين المهاجرين، قد بايعوا سعيدا هذا بالزعامة عليهم، تقسم المدينة الى أحياء صغرى، لكل منها شيخها، ويقوم مجلس استشاري يتكون من شيوخ هذه الأحياء يشاركه في تحمل المسئولية، وكان للمواطنين جميعا الحق في أن يلجأ أي واحد منهم الى هذا المجلس طالبا الانصاف اذا مسه أحد
حيث
بسوء
رسم
(128)
لهم أن
العمانيين
ونتيجة للهجرات العمانية المتتالية توسعت هذه الامارة الجلندانية أو هذه الدولة التي أنشأها العمانيون نتيجة لهجرة سليمان وسعيد في أرخبيل لامو، وتضخم عدد سكانها من وغيرهم، وأصبحت منتدحا لأهل عمان، وأصبح أهل عمان يتحملون الى زنجبار (أي ساحل شرقي افريقيا) زرافات وجماعات في كل موسم في ذلك العهد، لعل الله أراد أن يهدي بهما ـ أي سليمان وسعيد ـ قوما وينشر بهما الدين في تلك النواحي فتدخل في الاسلام (129)
(127)
ـ
Ibid, P. 77.
(128) حسن محمود: ص 397، محمد أبو العلا: ص 37، أحمد حمود المعمري: عمان وشرق
افريقيا، ص 44
•
(129) سالم السيابي: عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 15 – 16.
- YA- (1/212)
صفحة 213
وهذا هو
ما حدث، فقد اعتنت هذه السلطنة أو هذه الامارة وغيرها من السلطنات والامارات الأخرى التي أقامها العرب أو الفرس بانشاء المدارس الدينية لتحفيظ القرآن وتعليم أصول الدين والشريعة واللغة العربية، وكان بها عدد القضاة لا بأس به من والفقهاء والعلماء الذين كانوا من أبنائها أو من الذين كانوا يشدون اليها الرحال من سائر أنحاء العالم الاسلامي للدعوة الى الاسلام، وكانت هذه الامارات نفسها ترسل الدعاة لنشر الاسلام بين الأفارقة (130) الذين اعتنقوا الاسلام في هدوء وعلى مراحل زمنية طويلة، لأن الدعوة الى الاسلام كانت دعوة سلمية كما هو شأنها في كل زمان ومكان، وقد نجحت هذه الدعوة نجاحا كبيرا لأن هؤلاء الأفارقة وجدوا في الاسلام دينا يتلاءم مع كثير من عناصر حياتهم، ويعطيهم الوحدة الدينية والاجتماعية ويرفع من شأنهم، ويعطيهم الشعور بالعزة والفخر، ويجعلهم أعضاء في جماعة اسلامية كبيرة وعالم اسلامي واسع (131). وبتوالي الهجرات توالت
الانتصارات
هجرة الحرث وسلطنتهم في مقدشو وأثرها في
نشر الاسلام: ـ
أخذ تيار التعريب والاسلام ينتشر على ساحل شرقي افريقيا نتيجة لتوالي الهجرات العمانية الأخرى، مثل هجرة الأخوة السبعة
(130) محمد النقيرة، ص 128
Trimingham : The influence of Islam upon Africa, London, 1968, P 41.
-
209
(131) (1/213)
صفحة 214
من قبيلة الحارث العربية العمانية الأصل من منطقة الأحساء الى شرقي افريقيا. ورغم أن هؤلاء الأخوة ومن تبعهم هاجروا من الأحساء وليس من عمان، فاننا رأينا أن نتحدث عنهم وعن هجرتهم. وقبل هذا الحديث لابد أن نحسم قضية هامة، وهي هل هؤلاء الحرث عمانيون أصلا حتى تخصهم بحديث .. ؟ أم أنهم كانوا من غير عمان فلا نلقي بالا اليهم، لأن الحديث عنهم سوف يكون خروجا على الموضوع .. ؟ واذا كانوا من عمان فكيف وصلوا الى الأحساء .. ؟ ومتى .. ؟ وكيف تركوها الى ساحل شرقي .. ؟ ولماذا .. ؟ ... أسئلة تحتاج الى بيان. وأول مايستبين هو أن هؤلاء الحرث كانوا فعلا عمان، وأنهم كانوا امتدادا من أو بطنا من بطون قبيلة الحارث التي كانت تعيش في عمان ولازالت موجودة فيها حتى الآن. وبنو الحارث أو الحرث (بضم الحاء) إما أنهم ينتمون الى الأزد في عمان، من بني الحارث بن مالك بن اليحمد من أزد
افريقيا
لنا
كعب بن
فهم (132)، (132)، أو من بني الحارث بن شنوة الذين سكنوا المنطقة الشرقية بعمان (133)، وإما أنهم ينتمون الى قبائل نزارية من غير الأزد سكنت عمان وخاصة في الجزء الشمالي منها حيث تقع مواطن النزاريين وخاصة من بني ناجية من ولد سامة بن لؤي والذين كانوا يكونون أقوى القبائل من غير الأزد في عمان (134)
•
والحقيقة أنه لا يمكن التمييز بين حرث نزار وحرث الأزد
(132) خليفة بن خياط: الطبقات، ص 220، حميد بن رزيق: الصحيفة القحطانية، ص 08 (133) سالم السيابي: اسعاف الأعيان، ص 90، 114، العنوان، ص 146.
Wilkinson : The early development of the Ibadi Movement in Basra. in studies (134) of the first century of Islamic Society," Edited by Juynboll, V. 5, P. 140.
—
210 (1/214)
صفحة 215
في عمان لتداخل بعض القبائل في بعضها، وقد عد القلقشندي ثمانية وعشرين بطنا كلهم يسمون بني الحارث بعضهم ينتمي الى القحطانية وعددهم خمسة عشر، وباقيهم ينتمي الى العدنانية (135). ولم يكن هذا التعدد في بني الحارث وحدهم، بل وقع في غيرهم أيضا، مثل بني فهم، فقد عد منهم القلقشندي ثلاثة بطون، هم بنو فهم، بطن من لحم من القحطانية، وبنو فهم بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية أيضا، وبنو فهم بطن من قيس عيلان من العدنانية أو النزارية (136) وكذلك بنو ذبيان بعمان، فقد كانوا متداخلين في الأعواف بن
سعد عوف بن العمانية، فهناك عوف وائل، وعوف قيس عيلان، وعوف
، ويعسر التفريق بينهم لدخول بعضهم في بعض (137)
الأزد، ويشير مايلز ونور الدين السالمي الى أن الحارث كانوا
بني
يسكنون الباطنة وما بين صحار ودبا. وكانوا مؤيدين لزعماء النزاريين في صراعهم مع اليمنية في عمان (138)، كما يشيران أيضا الى وجود الحرث في ابراء بالمنطقة الشرقية بعمان، والى أن هؤلاء الحرث تعرضوا لهجوم من الجلنديين وذلك في اطار الصراع بين النزاريين وبين اليمنيين في عمان في عام 145 هـ / 762 م (139)، ثم تعرض حرث الباطنة ومن معهم من النزاريين للهجوم من قبل قوات الامام عزان بن تميم في شوال من عام 278 هـ / 891 م في
(135) نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، ص 54 ـ 58
(136) المصدر السابق: ص 353
-
354
•
(137) سالم السيابي: اسعاف الأعيان: ص 51
-
(138) نورالدين السالمي: تحفة الأعيان، جـ 1 ص 107 – 108، مايلز: الخليج: ص 76، 88.
(139) المصدرين السابقين ونفس الصفحات
211
- (1/215)
صفحة 216
اطار النزاع الناشب بينهم وبين أزد عمان، فحلت هزيمة كبيرة بهم
في ذلك العام في موقعة تسمى موقعة القاع (140). ويشير مايلز الى أن النزاريين كانوا مرغمين الى الخروج من عمان قبل ذلك بخمس سنوات عقب موقعة وادي تنوف عقب عزل الامام الصلت مالك في عام 273 هـ / 886 م (141)
بن
هذا
وسواء كان الحرث الذين هزموا في عام 145 هـ، وعام 273 هـ، وعام 278 هـ من الأزد أم من النزارية، فانه لا يستبعد أمام هذه الهزائم المتكررة أن يرحل بعضهم الى الأطراف الشمالية الغربية من عمان وأن يستقروا في منطقة الأحساء بعيدا عن الصراع الدامي، وإن كنا لا نعرف تاريخا لهذه الهجرة على وجه التحديد، وإن كان نور الدين السالمي ومايلز يقولان إن أحداث عمان التي تطورت وأدت الى استقدام محمد بن نور عامل البحرين بقواته الى عمان عام 280 هـ / 893 م، قد أدت الى فرار بعض العائلات العمانية الثرية الى هرمز والبصرة وشيراز وشرقي افريقيا (142). ولعل هذه الهجرة سبقتها هجرات، ولعل بعض العائلات توقف في طريقه الى البصرة في منطقة الأحساء واستقر فيها، ولعل من بين هذه العائلات بعض الحرث، وإن، وإن كان وجود الحرث في هذه المنطقة أقصد منطقة الأحساء والمنطقة التي تقع شمالها حتى البصرة يرجع الى ماقبل ظهور الاسلام، اذ يخبرنا ابن دريد بأنه كانت لبني الحارث وقعة مع بني تميم في الجاهلية في يوم (140) نورالدين السالمي: تحفة الأعيان: ج 1 ص 251 ـ
ص 88
-
(141) الخليج: ص 86.
-
- -
253، مايلز: الخليج:
(142) نورالدين السالمي: تحفة الأعيان: جـ 1 ص 259، مايلز: الخليج: ص 95
-
212 (1/216)
صفحة 217
يعرف بيوم الكلاب الثاني، والكلاب (بضم الكاف) موضع بالدهناء بين اليمامة والبصرة (143)
والى جانب الصراع الداخلي بين النزارية واليمنية الذي حدث في عمان خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة وأدي الى هجرة بعض الحرث الى منطقة الأحساء، يبدو أن النواحي المذهبية كان لها أيضا دخل في هذه الهجرة. ذلك أن الحرث وحسب فهمنا لهذه الأحداث لم يكونوا على مذهب الغالبية العمانية، وهو المذهب الأباضي، ولعل انضمام الحرث الى النزاريين في صراعهم ضد الهنائيين والأزد عامة في عمان دليل على أنهم كانوا سُنَّة، فاذا كان الحرث من النزاريين أساسا، فهم سُنة على وجه التأكيد لأن معظم النزارية في عمان يتبنون هذا المذهب، وإن كانوا من الأزد فان انضمامهم للنزاريين دليل على ان انتماءهم للمذهب الاباضي كان انتماء شكليا، أو يدل على أنهم كانوا غير أباضية في الأساس، اذ ليس كل الأزد اباضية، كما أنه ليس كل النزارية سنة. فبنو على سبيل المثال ـ وهم من صميم الأزد، لم يكونوا أباضية، انما كانوا سُنة (144). وعلى ذلك فإن بني الحارث عندما هاجروا من شمال عمان الى منطقة الأحساء كانوا على مذهب السنة في الغالب، أو كانوا على مذهب الأباضية ثم غيروا مذهبهم هذا نتيجة لظروف سياسية واجتماعية قابلتهم في موطنهم الجديد، وهو ما يفسر عدم قيام هؤلاء الحرث بنشر المذهب الأباضي في منطقة شرقي افريقيا عندما هاجروا اليها وبعد استقرارهم فيها
الجلندى
-
(143) الاشتقاق: ص
21
•
(144) مايلز: الخليج، ص 84، نورالدين السالمي: تحفية الأعيان، ج 1 ص 264.
– 213 –
- (1/217)
صفحة 218
وقد ساعدهم لعى هجرتهم الى الأحساء قبل هجرتهم الى شرقي افريقيا أن حدود عمان كانت تمتد الى مشارف الأحساء والبحرين وقطر في ذلك الحين (145)، بل إن هناك من يقول بأن عمان والبحرين كانا مصرا واحدا في القديم، والمراد بالبحرين الأحساء، واشتهر ذلك عند الفقهاء فنبهوا عليه في آثارهم، فقالوا ان اقامة الجمعة في صحار يقضي بسقوطها عن البحرين، لأن الجمعة لا تتعدد في المصر الواحد، وإن رأي راء غير ذلك فقد أخطأ، ولا عبرة بتجزئة هذه البلاد وبالدويلات الحالية والامارات فذلك لا يغير من أصل وضع التاريخ الطبيعي.
الخليجية
والتاريخي نفسه شاهد على ذلك،، (146)
وحقيقة كانت عمان قبل ظهور الاسلام تمتد حدودها لتتداخل مع حدود البحرين بمفهومها القديم الذي كان يشمل الاحساء، وكان ملك عمان قبل الاسلام يمتد نفوده السياسي أحيانا
•
صلى الله
ليشمل البحرين (147). وعند ظهور الاسلام أرسل النبي (ع) عدة كتب الى أهل عمان منها كتاب يقول فيه "من محمد رسول الله لعباد الله الأسديين ملوك عمان وأسد (أزد) عمان وترد الاشارة أيضا الى وجود
(148)
ومن
كان
منهم بالبحرين الخ الأزد في البحرين عند النويري (149)، مما يدل على أن أزد عمان
كان لهم وجود في البحرين القديمة كمهاجرين أو مقيمين أو تجار
(145) البكري: جزيرة العرب، ص 38، ابن خلدون: ج 3 ص 622
•
(146) سالم السيابي: العنوان: ص 8، 9، محمد السالمي وناجي عساف: عمان تاريخ يتكلم:
ص 17
(147) العوتبي: الأنساب: ج 2 ص 246. (148) القلقشندي: صبح الأعشي: جـ 6 ص 380. (149) نهاية الأرب: جـ 21 ص 55.
ـ 214 ـ
-
-
، (1/218)
صفحة 219
منذ
الرسول (ع) وفيما تلى ذلك من عصور. ولذلك عصر فان عمان كانت تدخل في عصر الخلافة الراشدة وفي عصر الدولتين الأموية والعباسية مع البحرين القديمة، ومع اليمامة والبصرة، ة، تحت حكم وال واحد يعينه الخليفة (150). ولذلك فإن تحركات بعض بطون قبيلة الحارث من عمان الى منطقة الأحساء كان أمرا عاديا وطبيعيا جدا تحت ظل هذا الحكم المشترك، وفي ظل هذه الحدود غير الفاصلة بين عمان وهذه البلدان، اذ كانت عمان تتصل بالبحرين وما خلفها بحريا وبريا دون عائق طبيعي أو جغرافي، وان كان الطريق البحري كان هو الطريق المفضل بسبب غلبة الرمال على الطريق البري وبسبب تنازع القبائل المقيمة حول هذا الطريق (151)
•
يضاف الى ذلك أن منطقة الأحساء وعمان تعرضت في الفترة التي هاجر فيها الحرث من الأحساء الى شرقي افريقيا لظروف تاريخية واحدة أو على الأقل متشابهة. ففي الأحساء تعرض الحرث هناك لاضطهاد القرامطة، نظرا لأن الحرث كانوا في الغالب سُنة وكان القرامطة شيعة متطرفين أو يدعون أنهم شيعة (152). وفي عمان تعرض أهلها أيضا لاضطهاد وغزو القرامطة عدة مرات، كانت أولاها قبيل نهاية القرن الثالث للهجرة، وهي الفترة التي هاجر فيها الحرث الى شرقي أفريقيا. ففي ذلك الوقت سيطر
(150) الطبري: جـ 4 ص 479، جـ 5 ص 217، جـ 7 ص 459، 460، 465، جـ 8 ص 134، 149، 151، 163، 166، ابن الأثير: جـ 2 ص 449، 508، جـ 6
ص 49، 94، 109، ابن خلدون: جـ 5 ص 16، 377، 450، 461
•
(151) الاصطخري: ص 26، البكري: ص 46، الادريسي: ص 61
Reusch, op. cit, P. 89.
215
(109) (1/219)
صفحة 220
القرامطة على جزء من عمان، كما سيطروا على معظمها فيما بعد في بعض فترات النصف الأول من القرن الرابع للهجرة (153) فالظروف التاريخية واحدة، والمنطقة واحدة، والحرث هم حرث عمان في الأصل، ولم تكن هجرتهم الى شرقي أفريقيا هي الهجرة الوحيدة، فقد هاجروا الى هذه المنطقة عدة مرات مما يعرف الآن بسلطنة عمان، وذلك في العصور الوسطى والحديثة (154) أما هجرتهم التي نقصدها بهذا الحديث الآن فقد وقعت بين عامي 291 هـ / 903 م 301 هـ / 913 م بسبب اضطهاد القرامطة لهم ما كما قلنا، وبسبب سمعوه من الزنوج أو الجنود السود الذين كانوا بجيش القرامطة عما كان يوجد في الأرض الجديدة من خيرات
وثمار
ولما وصل الى مسامعهم بطبيعة الحال عما حققه سعيد وسليمان الجلنديان في بلاد الزنج بعد هجرتهما اليها من نجاح، مما جعلهم يختارون هذه البقعة للهجرة اليها بنية اقامة وطن أو دولة لهم هناك مقتفين أثر سعيد وسليمان (155)
وتحقيقا لهذه الأهداف قام سبعة اخوة من الحرث على رأس عشيرتهم، وأتوا في ثلاثة سفن ضخمة مليئة بالمحاربين والمهاجرين الآخرين الذين تركوا الأحساء ونزلوا بعد رحلة بحرية طويلة على ساحل بنادر بالصومال، واحتلوا هذا الساحل خلال وقت قصير، ومدوا نفوذهم حتى ممبسة، ولما كانوا سُنة فقد واجهتهم مشكلة السكان الموجودين الذين كانوا يمثلون هجرة سابقة، هي هجرة
Reusch, op. cit, P. 89.
(153) الأصطخري: ص 149، (154) المغيري: ص 19، کوليت جراند ميزون: هجرات الحرث الى أواسط القارة الافريقية، مسقط، وزارة التراث، ثنة 1984 م، ص 4 - 14.
Reusch, op. cit, P. 90.
216
-
(100) (1/220)
صفحة 221
الشيعة الزيدية، وقد قاوم هؤلاء الزيدية المهاجرين الجدد حسبما وسعتهم المقاومة، ولكن الحرث تغلبوا عليهم وهدموا قلاعهم، واستولوا على مستوطناتهم، وأجبروهم على التحرك الى داخل أودية نهري جوبا والويبي شبيلي، وبنى الحرث مدنا جديدة على الساحل، وأسسوا دولتهم هناك (156)
وقد كانت مقدشو أول مدينة عربية بناها الحرث على ساحل بنادر عام 295 هـ / 907 م (157)، وتلتها مدينة براوة حوالي عام 907 365 هـ / 975 م (158)، وبنوا أيضا مدينة ثالثة مركة، هي وتشير بعض المصادر الى مواضع ومدنا أخرى مثل قرفاوة، والنجا وبذونة، وماندا في جزيرة ماندا، وأعوزي، وشاكة قرب دلتا نهر تانا، كما ظهرت في عهدهم مدن جليب وكندر شيخ وجزيرة دار شيخ (159) بني الحرث هذه المدن في سنوات متفاوتة، وأسسوا فيها دولة لهم أو سلطنة استمروا في حكمها طوال معظم فترات العصور الوسطى، فكان حكام سلطنة مقدشو عند البرتغاليين من سلالة الحرث أي سلالة الإخوة السبعة الذين أسسوها، بل إن فيها حتى اليوم سبع عشائر تعود بأصولها الى الاخوة السبعة، كما أن براوة كانت في القرن السادس عشر للميلاد يحكمها اثنا عشر شيخا يعودون بأصولهم الى هؤلاء الاخوة السبعة
أيضا (160)
(156) جيان: ص 84، 85،
قدوم
Marsh : P 6, Reusch, P 85.
(157) جيان: ص 94، آدم متز: جـ 2 ص 436، يجعل بناء مقدشو في عام 296 هـ
(158) جيان: ص 85
(159) حسن محمود: ص 398، جيان: ص
(160) جيان: ص 85،
184
Reusch op. cit, P 85.
-
217
- (1/221)
صفحة 222
المتخذة
وفي عهد هذه الأسرة الحاكمة صارت مقدشو سلطنة قوية
من
من
صناعة
ذات شوكة ونفوذ على عربان الساحل وعلى المدن التي تحيط بها، وكان تجارها أو سكانها أول من وصل الى بلاد سفالة بسفنهم واستخرجوا منها الذهب (161)، مما در عليهم كثيرا من الأموال التي استفادوا منها في تطوير مقدشو، فحلت المنازل المشيدة بالاحجار على الطراز العربي محل المباني الخشبية، ومحل المساكن القش المغطى بجلود الحيوانات والتي كانت المهاجرين الأولين من الزيديين (162). وقد تعددت الطوابق التي تكونت منها المنازل التي بناها الحرث حتى أصبحت أربعا أو خمس طوابق في عام 837 هـ / 1433 م (163)، كما نمت ثروة مقدشو في عهدهم نموا محسوسا حتى أصبحت هذه المدينة بمثابة عاصمة لجميع البلاد المجاورة، ومركزا للأقاليم العربية الصغرى التي كانت تمتد وتنتشر على طول الشاطيء، فكانت جموع الناس ترد على مقدشو المدن التي التي أنشئت على الساحل فيجتمعون في مسجدها الجامع حيث يؤدون صلاة الجمعة (164)، مما يدل على أهمية مركز مقدشو الديني والثقافي عند سكان السواحل جميعا، حتى اعتبرت العاصمة الثقافية لساحل الزنج كله، وسيدة على كل عرب هذا الساحل نتيجة لما وصلت اليه من قوة ونفوذ (165)، ولما قامت به من دور هام في نشر العروبة والاسلام. فقد كانت هذه المدينة
من
(161) جيان: ص 85، أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الاسلامي والحضارة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعة سنة 1983 م، جـ 6 ص 395
(162) جيان: ص 183 (163) المرجع السابق: ص 258.
Gideon & Derek, op. cit, P 21.
– 218 –
-
-
(164) المرجع السابق: ص 184
(165) أرنولد: ص 378، (1/222)
صفحة 223
حيث
في الجنوب وزيلع الصومالية في الشمال أهم منفذين لتياري العروبة والاسلام اللذين اخترقا الصومال الى بقية منطقة القرن الافريقي ساد الاسلام معظم هذه المنطقة منذ أمد بعيد (166) ظلت مقدشو منذ انشائها أقوى مدينة على الساحل، وعندما وصل الشيرازيون المهاجرون بقيادة حسن بن علي الى هذا الساحل بعد حوالي سبعين عاما من بنائها، لم يستطيعوا أن ينزلوا فيها، ولم يستطيعوا أن يحطموها، فاتجهوا جنوبا الى كلوة (167)، ولم يفعلوا ذلك لأن أهل مقدشو كانوا يختلفون عنهم في المذهب، فهم شافعية والوافدون الجدد الشيرازيون كانوا شيعة، بل لما كانت عليه هذه المدينة من قوة وتحصين جعلها صعبة المنال على هؤلاء الوافدين الجدد وعلى غيرهم من الذين أتوا بعدهم من البرتغاليين (168)
و بعد ازدهار سلطنة كلوة التي أقامها هؤلاء الشيرازيون في الجنوب والتي أطلق عليها الكتاب الأوربيون اسم امبراطورية الزنج في مبالغة مقصودة، احتفظت سلطنة مقدشو بقوتها، فكانت هي وكلوة أهم مدينتين على الساحل من القرن العاشر الى الخامس عشر للميلاد (169)، ولم تستطع كلوة في أوج عظمتها أن تتسلط على مقدشو، و لم يستطع سليمان أعظم حكم كلوة الذي مد سلطانه على كثير من بقاع الساحل أن يتسلط على مقدشو (170)، بل
(166) محمد النقيرة: ص 184، رجب محمد عبد الحليم: العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع و نصارى الحبشة في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، سنة 1985 م، ص 67 - 77
(167) المرجع السابق: ص 378، 379،
VY
Reusch, op. cit, P. 87.
أحمد شلبي
: نفس المرجع: جـ 6 ص 396
Gideon & Derek, op. cit, P. 21, Lewis : op. cit, P. 11.
أحمد
شلبي: نفس المرجع، جـ 6 ص 396.
– 219 -
(168)
(179)
(170) (1/223)
صفحة 224
إنه لم توجد مدينة نافست كلوة في الغنى والقوة في منتصف القرن الرابع عشر للميلاد الا مقدشو التي احتفظت بقوتها بعد ذلك، بينما هوت كلوة سريعا منذ ذلك التاريخ، ولم تستعد مركزها حتى قدوم البرتغاليين، في الوقت الذي كانت فيه مقدشو أكبر وأعظم مركز استقرار على الساحل في القرن الخامس عشر للميلاد (171)
ويسمى
ورغم ما تعرضت له سلطنة مقدشو من سيطرة قبيلة الأبجل الصومالية قبل قدوم ابن بطوطة اليها حيث كان سلطانها عندما زارها ينتمي الى هذه القبيلة، أبا بكر بن الشيخ (172)، الا أنه يبدو أن سيطرة هذه الأسرة كان أمرا عارضا بدليل أن البرتغاليين عندما قدموا وجدوا حكامها من أسرة المظفر من بني الحارث الذين أسسوها كما سبق القول. ونظرا لطول مدة حكم هذه الأسرة فقد بذلت جهدها في تعريب كثير من القبائل
عمر
الصومالية وخاصة الساحلية التي دخلت في الاسلام على أيديهم ذلك أن هذه القبائل وخاصة قبيلة الأجران التي كانت من أهم قبائل الهوية الصومالية والتي كانت تقيم في الأراضي الكائنة بين مجرى الحب الجنوبي والبلاد المعروفة الآن باسم شيلة، كانت تربطها بأسرة المظفر الحارثية صلات حسنة، نتيجة لما كانت تستفيده هذه القبيلة من اتساع نطاق تجارتها مع مقدشو التي كانت أسواقها مفتوحة لهم، وكان الأجران هم العنصر الفعال في جلب البضائع الواردة على الأسواق العربية الساحلية، اذ كانوا يمتلكون
(171)
(172) ابن بطوطة: ج 1 ص 280.
Gideon & Derek, op. cit, PP. 19, 21.
22 (1/224)
صفحة 225
الجمال التي كانت تسهل لهم الانتقال وتقرب المسافات
البعيدة (173)
ولاشك أن هذه العلاقات التجارية لابد أن تؤتى ثمارها في
من
انشاء
نشر الاسلام والعروبة بين هذه القبيلة وغيرها من القبائل الصومالية التي اتصلت بسلطنة مقدشو الاسلامية التي أكثرت المساجد والجوامع التي بقي لنا منها مساجد عدة، منها مسجد عليه كتابة تبين تاريخ تأسيسه وهو سنة 637 هـ/ 1239 م، أي قبل مزور ابن بطوطة بها بنحو قرن من الزمان (174). ولعل هذا المسجد هو مسجد عبد العزيز الذي بني في مقدشو منذ حوالي سبعمائة عام كما أخبرني بذلك بعض أهالي مقدشو حينما زرتها في 1989/ 6/28 م للمشاركة في أعمال المؤتمر الدولي للدراسات الصومالية بدعوة من سفارة الصومال بالقاهرة تقديرا منها لما قمت به من تأليف كتاب عن الصومال والزيلع. والملفت للنظر أنه يوجد بجوار هذا المسجد بعض المقابر التي تعلوها شواهد مكتوب
على احداها: "هذا قبر المرحوم حاج علي محمد شوله المخزومي وعمره 90 سنة، كان وفاته شهر جمادي الأولى، يوم ربوع 1389 هـ موافق يوليه 1969 م. ويلاحظ من هذه العبارة الحرص على ذكر أداء فريضة الحج والحرص على ذكر النسب العربي
مما يدل على مدى تعلق الصوماليين دائما بالعروبة والاسلام وقد زار ابن بطوطة هذه البلاد وأعطانا صورة اسلامية رائعة لما كانت عليه الحياة فيها، فقد أشار الى كثرة مساجدها والى كرم
(173) جيان: ص 183، 184
•
(174) المرجع السابق: ص 186، محمد النقيرة: ص 183
-
221
- (1/225)
صفحة 226
أهلها وحسن استقبالهم للتجار والمحافظة على أموالهم (175)، كما أشار الى أن عادة المقدشيين أن يلقبوا سلطانهم بلقب الشيخ، وأن هذا الشيخ يعرف اللسان العربي رغم كونه من الصوماليين المحليين الذين أسلموا، مما يدل على انتشار اللغة العربية بين الأهالي. وكذلك انتشار الثقافة الاسلامية، حيث كان هناك دار للطلبة كان يقوم على تعليمهم علوم الدين كثير من العلماء والمشايخ الذين كانوا يحتلون أسمى مكان في سلطنة مقدشو (176)، مما يدل
الذين
على نجاح الحركة الاسلامية في بلاد الصومال كل النجاح
وعلى ذلك لم يكن الحرث غزاة كما صورهم رويش REUSCH أو ميرفي MURPHY بل كانوا دعاة حضارة وثقافة، إذ أنهم سيطروا على الساحل من الناحية السياسية والثقافية، وحولوا سكانه جميعا الى الاسلام، مما يدل على مدى قوة تأثيرهم السياسي والثقافي والديني (177)، حتى أصبحت مقدشو في عهدهم قبلة أنظار المسلمين على الساحل كله
واذا كان للهجرة الجلندانية ثم للهجرة الحارثية هذه الأهمية في تاريخ شرقي افريقيا، وفي تاريخ انتشار الاسلام هناك، فإن هناك هجرة أخرى لاتقل أهمية إن لم تزد، وهي هجرة النباهنة
العمانيين
•
(175) رحلة ابن بطوطة: جـ 1 ص 279.
(176) المصدر السابق: جـ 1 ص 280، 281
(177)
Reusch op. cit, P 87, Murphy: op. cit, P 228.
-
222
? (1/226)
صفحة 227
-
1861 م
هجرة النباهنة وسلطنتهم في بات وأثرها في
نشر الاسلام
:-
حدثت هذه الهجرة من عمان الى ساحل شرقي افريقيا في أوائل القرن السابع للهجرة الثالث عشر للميلاد حيث كونت سلطنة اسلامية جديدة تولت حكم شطر كبير من هذا الساحل وأقامت سلطنة نبهانية في بات ظلت موجودة حتى عام (178). والنباهنة قوم من العتيك من الأزد في عمان كانوا قد استولوا على مقاليد السلطة هناك بعد أن دبت الفوضى في البلاد وانقسم العمانيون الى طائفتين متخاصمتين، وحكم النباهنة عمان مدة تبلغ حوالي خمسمائة عام حيث قامت دولتهم هناك عام 500 هـ / 1106 م أو عام 506 هـ / 1112 م، واستمرت حتى نهاية القرن العاشر للهجرة عندما قامت دولة
اليعاربة في حكم عمان منذ عام 1024 هـ / 1615 م (179) ويبدو أن الدولة النبهانية في عمان قد مرت بأطوار من القوة والضعف بسبب الصراع الداخلي على الحكم، وكان الطور الأول يشمل مدة قرن من الزمان (180) انتهي بهجرة أحد ملوك النباهنة،
134
-
(178) عبد الرحمن زكي: الجغرافيون والرحالة العرب، بحث ضمن بحوث المؤتمر الجغرافي الاسلامي الأول، الرياض، سنة 1984 م، جـ 3 ص 361، عبد الله الفارسي: البوسعيديون حكام زنجبار، ترجمة محمد أمين عبدالله، مسقط، وزاة التراث، الطبعة الثانية، 1982، ص 131 (179) جمال زكريا قاسم: الخليج العربي: دراسة لتاريخ الامارات العربية في عصر التوسع الأوربي الأول، دار الفكر العربي، سنة 1985 م، ص 126، محمد السالمي وناجي عساف: ص 149، سالم السيابي: العنوان: ص 255، 268
•
(180) سعيد المغيري: جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تحقيق عبدالمنعم عامر، مصر سنة 1979 م، ص 90، جمال زكريا قاسم: الخليج العربي، ص 126، سالم السيابي العنوان: ص 263 ـ 265.
223 (1/227)
صفحة 228
أميرة
وهو على أرجح الأقوال سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني الى ساحل شرقي افريقيا. ولاندري أكانت هذه الهجرة فرارا أم اختيارا، إذ يذكر الدكتور حسن محمود أن هذا الملك تزوج من سواحيلية هي ابنة اسحاق حاكم بتة (بات)، ثم نقل بلاطه الى شرق افريقيا، وتأسست الأسرة النبهانية في مدينة بات (181)، بينما تذكر مراجع أخرى أنه فر من عمان (182). ويبدو أن هذا الفرار كان ناتجا عن صراع داخل الأسرة الحاكمة نفسها، أو عن صدام بينها وبين القوى السياسية الأخرى التي كانت موجودة على الساحة في عمان أو خارج عمان. وقد استمر هذا الصدام طوال القرن السابع للهجرة فيما تحكيه لنا المراجع عن أمير هرمز على عمان عام 650 هـ / 1252 م، ثم هجوم حكام شيراز عليها أيضا، ثم صدام أولاد الريس مع كهلان بن عمر بن نبهان عام 675 هـ / 1276 م في موقعة العقر حيث انهزم الجند وأحرقت الكتب والمكتبات (183)، مما أدى الى هجرة بعض أهل عمان الى خارجها
هجوم
وقد هاجر أحد ملوك عمان وهو سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني الى بات في أرخبيل لامو (في كينيا الآن منذ وقت مبكر يعود الى عام 600 أو 601 هـ / 1203 م أو 1204 م (184)،
(181) حسن محمود: ص 399
(182) عبدالله صالح الفارسي: البوسعيديون حكام زنجبار، ص 130
(183) ابن مداد: ص 38، محمد السالمي وناجي عساف: ص 150
•
(184) حسن محمود: ص 399، النقيرة: ص 103، د. رأفت غنيمي الشيخ: افريقيا في التاريخ المعاصر، دار الثقافة، القاهرة سنة 1982 م، ص 328، عبدالرحمن على السديس: تطور حركة انتشار الاسلام في شرق افريقيا في ظل دولة البوسعيدين، رسالة ماجستير غير منشورة، الرياض، ص 10.
-
224
- (1/228)
صفحة 229
فيما تذكر معظم المراجع، بينما ذكرت مراجع أخرى أن هجرة سليمان لم تكن عام 600 هـ وانما كانت بعد ذلك بقرون عديدة، وتجعل لها تاريخا محددا وهو عام 893 هـ/ 1487 م أو عام 895 هـ / 1491 م، نتيجة لصراع داخلى على الحكم (185) غير أننا لا نأخذ بالرأي الأخير لأن الهجرة النبهانية لو حدثت على هذا النحو وفي ذلك الوقت المتأخر، لتعذر قيام سلطنة نبهانية تكلم عنها أصحاب الرأيين معا، وكانت موجودة أيام قدوم البرتغاليين حيث رحبت بقدومهم، بل كان لها سلطان أبا بكر حكمها في يسمى الفترة من عام 824 هـ / 14210 م الى 855 هـ / 1451 م، أي قبل التاريخ الذي أشار اليه أصحاب الرأي الثاني الذي نفنده
الآن (186)
•
ولذلك نرجح أن السلطنة النبهانية كان لها وجود فعلي وسلطان عظيم على ساحل شرقي افريقيا في فترات طويلة منذ قيامها في بداية القرن السابع للهجرة / الثالث عشر للميلاد، وحتى نهاية العصور الوسطى، ولا يعتد بما قاله صاحب جهينة الأخبار من أن سلاطين بات قبل عام 895 هـ / 1490 م كانوا من البتاويين، أي من أهل بتة نفسها وليسوا من المهاجرين النباهنة، وأنه وجد حجرا مكتوبا عليه أن سلطانا يدعى السلطان عمر بن السلطان محمد بن السلطان أبو بكر البتاوي مات يوم الاثنين 12 شعبان سنة وأن هذا الحجر موجود الآن في إدارة الآثار بممبسة،
هـ،
(18) ابن مداد: ص 55، جمال زكريا قاسم: الخليج العربي، ص 60، وكان الدكتور / جمال زكريا يقول في بحوثه الأولى (استقرار العرب ص 312، الأصول التاريخية ص 61، 62) أن الهجرة النبهانية حدثت عام 601 هـ
Marsh, op. cit, P. 18.
225
(186) (1/229)
صفحة 230
وأنه وُجد في بتة (بات)، وذلك في رأيه دليل على أن سلاطين بتة كانوا من بتة نفسها (187)
ونحن لا نأخذ بهذا الرأي لأن تاريخ وفاة هذا السلطان كان قبل قدوم هجرة بني نبهان في عام 600 هـ بحوالي قرن كامل من الزمان، مما يدل على أن سلاطين بتة الذين أشار اليهم المغيري كانوا قد زال أمرهم أو انتهى سلطانهم عند قدوم النبهانيين في بداية القرن السابع للهجرة. كما أن هؤلاء السلاطين البتاويين الذين أشار اليهم المغيري لا يبعد أن يكونوا من سلالة سعيد وسليمان الجلندانيين اللذين هاجرا فيما ذكرنا من قبل من عمان حوالي عام 80 80 أو 83 هـ، واستقرا في لامو وفي بات وأرخبيل الملايو بصفة عامة. وقد أشار الى ذلك رويش الذي قال انه كان لبات بيتين حاكمين مختلفين: أولاهما بيت سليمان بن عباد الجلندي الذي حكم من سنة 80 هـ / 700 م الى حوالي سنة 565 هـ / 1170 م حينما عزله سليمان حسن الكبير سلطان كلوة، والبيت الثاني هو الذي أسسه النباهنة على يد سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني، حيث أصبح هذا الأمير أول سلطان على باتِ عام 599 هـ/ 1203 م، وقد حكم من هذا البيت حوالي ثلاثين أو اثنين وثلاثين سلطانا حتى عام 911 هـ / 1506 م عند قدوم البرتغاليين (188)، فضلا عن أن النسبة الى المكان شيء مألوف ومعروف في التاريخ، فليس معنى أن السلطان الفلاني بتاوي أنه من أصل محلي وليس من المهاجرين العمانيين، لأن المهاجر ينتسب الى المكان الذي هاجر اليه بعد
(187) سعيد المغيري: ص 90 (188) أحمد على: كلوة ص 131،
Reusch, op. cit, P. 149.
226
- (1/230)
صفحة 231
مرور فترات من الزمان قد تطول وقد تقصر كما هو المشاهد في كثير من البلدان الاسلامية
مظفر
وعلى ذلك فان بني نبهان حكموا بات منذ أوائل القرن السابع للهجرة الثالث عشر للميلاد، وقامت لهم هناك سلطنة (189)، لم تكن أولى السلطنات الاسلامية، فقد سبقتها سلطنات أو امارات أخرى تحدثنا عنها من قبل. المهم أن النبهانيين حكموا جزءا كبيرا من الساحل متخذين من بات مقرا لسلطنتهم وحكمهم بعد ان تطاع أول سلطان لهم هناك، وهو سليمان بن سليمان بن النبهاني، أن يتزوج أمير سواحيلية، ليست فارسية، هي ابنة اسحاق حاكم بات في ذلك الحين، وعن طريق زوجته ورث الملك، كما يقال أن والدها تنازل له عن الحكم فأصبح الحاكم الشرعي لبات، ومن ثم نقل بلاطه من عمان الى شرق افريقيا (190). وفي بات ألقي مراسيه حيث رحب به الأهالي الذين كان معظمهم من اقليم عمان ولذلك قابلوه بكل حفاوة وتكريم (191)
وقد نمت هذه السلطنة واتسعت في عهد أبنائه وأحفاده
ففي عهد السلطان محمد الثاني بن
-
291
،
أحمد (690 732 هـ /
-
1331 م) توسعت شمالا حيث قام هذا السلطان بعدة
حملات ناجحة أخضع فيها كل المدن الساحلية التي تقع شمالي بات حتى مقدشو وعين حاكما لكل منها (192)، وإن كنا نعتقد أن
(189) حسن محمود: ص 399، وندل فيلبس: تاريخ عمان، ص 29
(190) حسن محمود: ص 399
•
(191) محمد النقيرة: ص 103، رأفت الشيخ: ص 328، جمال زكريا قاسم: استقرار العرب ص 312، الأصول التاريخية، ص 61
(192) ترمنجهام: ص 45، 46.
-
227
- (1/231)
صفحة 232
مقدشو لم تخضع لسلطانه لأن ابن بطوطة حينما زارها عام 731 هـ/ 1331 م وجد فيها شيخا أو سلطانا مستقلا لا يخضع لأحد، وكان يدعى أبا بكر بن الشيخ عمر، ويقول ابن بطوطة انه كان في الأصل من البرابرة أي من الصوماليين وكلامه بالمقدشي ويعرف
اللسان العربي (193)
—
جزر
كما توسعت السلطنة النبهانية جنوبا في عهد ابنه السلطان عمر الأول (73 - 760 هـ / 1331 1358 م) حيث حارب (732) المدن الساحلية بما فيها كلوة حتى وصل الى جزر كيرمبا KIRIMBA جنوب رأس دلجادو، وخضعت له كل هذه المنطقة ماعدا جزيرة زنجبار التي لم تكن في ذلك الوقت قطرا مهما بدرجة تجذب انتباهه اليها. كذلك فإن حكام مالندي أتوا الى بات ليعطوا ولاءهم لسلطانها، كما حارب هذا السلطان ماندا الثلاثة، ماندا وتاكا وكيتاو، ودخلت أيضا مدينة ممبسة والمستوطنات القريبة منها ضمن منطقة نفوذه، وهكذا أصبح السلطان عمر بن أحمد في غاية القوة والنفوذ بعد أن أصبحت كل المدن الساحلية تحت سيطرته مثل أوزي OZI ومالندي وممبسة وكيوايو KIWAYU وكيتاءو KITAO وميا MIYA ولندي LINITHI وواتامو WATAMU وكيرمبا KIRIMBA ورأس انغميني ورأس دلجادو وسلطنة كلوة الشيرازية التي كانت قد أصابها الضعف في ذلك الحين (194)
وهي
(193) ابن بطوطة: ج 1 ص 280
(194) حسن محمود: ص 428، ترمنجهام: ص 45، 46، سعيد المغيري: ص 89، جمال زكريا قاسم: استقرار العرب، ص 292، أحمد على أحمد: كلوة تاريخها وحضارتها من القرن العاشر الى القرن الخامس عشر الميلادي، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد البحوث والدراسات الافريقية - جامعة القاهرة
سنة 1983 م، ص 132، ص
133
-
-
228
- (1/232)
صفحة 233
وقد استمرت سيطرة النباهنة على هذه المدن وعلى كثيرا من أجزاء الساحل الشرقي لافريقيا بصفة عامة طوال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد (195)، واستطاعت كلوة أن تحقق مثل هذا النفوذ في القرن الخامس عشر (196)، وإن كنا نرجح أن هذا النفوذ لم يكن الا بعد منتصف ذلك القرن، لأن بات كان لازال لها سلطانها على النصف الجنوبي من الساحل بدليل أنه في الربع الأول من القرن المذكور، كان الوزراء في كلوة، قد استطاعوا أن يقبضوا على زمام السلطة فيها، وأصبحوا هم الذين يعينون سلاطينها ويعزلونهم، بل إن بعض المالنديين ذهبوا الى كلوة وقاموا بتنحية سلطانها واستقروا في كيسيواني، وعين السلطان الجديد أحدهم في وظيفة القاضي، ولم يشعل حربا معهم حسبما يقول
التراث السواحيلي (197)
ويبدو
،
أن هذا النفوذ المالندي استمر بعد ذلك حيث كان
من
،
هذه
وفد المفاوضات مع فاسكو دي جاما حينما وصل الى كلوة عام 1498 م يتكون من المالنديين فيما عدا الأمير الذي لم يتقرر أصله والمؤلف نفسه، أي مؤلف التاريخ العربي لكلوة، كان العائلة المالندية من جهة والدته. ويشير بعض الكتاب والمؤرخين المحدثين الى أن هذه الوظائف التي أعطيت لأجانب من كلوة، ربما ترجع - طبقا للتراث السواحيلي ـ الى ضغط من سلطنة بات على كلوة في تلك الفترة، لأنه النادر أن تعطى هذه الامتيازات من
-
(195) حسن محمود: ص 428، جمال زكريا قاسم: الأصول التاريخية، ص 62، عبدالرحمن
السديس: ص 11.
(196) حسن محمود: ص 428
•
197) أحمد على: ص 92، 94 ـ 95
-
229
- (1/233)
صفحة 234
الى أجانب ما لم يكن هناك ضغط خارجي. كما يشيرون أيضا الى أن هذه الغزوة أو هذه السيطرة التي فرضتها بات على مالندي وكلوة في ذلك الوقت كانت أبقى أثرا من غزوتها الأولى التي تمت عام 5740/ 1339 م حينما غزت بات الساحل جنوبا الى ماوراء كلوة، لأن الغزوة الأخيرة مكنتها من جعل وظيفتي الأمير والوزير في كلوة لمستوطنين من مالندي التي كانت تخضع لبات في ذلك الحين (198)
ويبدو
أن مجموعات من سكان السواحل الشمالية التي كانت تخضع لسلطنة بات النبهانية قد بدأت هجرتها نحو الجنوب منذ وقت يعود الى عام 494 هـ / 1100 م، وتمكنت من السيطرة على المناطق الوسطى والجنوبية، وقد دعم حكم النباهنة هذا التوسع نحو الجنوب وخاصة عندما صارت دولتهم في بات القوة
مي
الكبري منذ منتصف القرن الرابع عشر للميلاد (199) نخلص من ذلك كله الى أن سلاطين بات النبهانيين استطاعوا أن يفرضوا سيطرتهم على معظم مدن الجزء الجنوبي من ساحل شرقي افريقيا، وكان لهم في كل مدينة خضعت لهم عامل أو قاض يعرف باسم ماجومب MAJUMBE بمعنى الخاضع لليمب أو للقصر الملكي في بات (200) وكانت دار الشورى JUMBE في بات مقرا للحكومة المركزية التي كانت تحكم كل البلاد التي خضعت لهؤلاء السلاطين الذين اتخذوا اللقب السواحيلي بوانا فومادي أو
•
(198) المرجع السابق ونفس الصفحات (199) ترمنجهام: ص 42، 43، 45.
(200) حسن محمود: ص 427، أحمد علي: نفس المرجع، ص 23، هامش (2) ص 133.
?
230 (1/234)
صفحة 235
فومولوتي أو فوم لوط، بمعنى ملك أو سلطان، حيث نمت في
عهدهم سلطنة بات نموا سياسيا واقتصاديا كبيرا (201)
فقد أصبحت هذه السلطنة تتمتع بنظم ادارية وتقاليد سياسية واضحة، وانفردت بتقاليد جديدة في الملاءمة بين الضرائب وبين النشاط الاقتصادي للأهالي، اذ فرضت ضريبة انتاج لايتعدى مقدارها 10?، ذلك أن الدولة كانت تتقاضى وسقين أو حملين من كل عشرين وسقا تنتجها كل جماعة العبيد مشتغلة من بالزراعة (202)، وهي الضريبة المعروفة بالعشور في الفقه الاسلامي. كما دخلت الزراعة في بقاع كثيرة من ساحل الزنج في فترة الحكم النبهاني، وظهر كثير من النباتات التي زرعها العرب هناك مثل القرنفل وقصب السكر، كما اهتم العرب بالرعي وتربية
الماشية والأغنام كما أدخلوا تربية الابل في هذه المناطق (203)
وقد نشطت الحركة التجارية في عهد ازدهار سلطنة بات النبهانية الى حد كبير في الشرق الافريقي، وتوافد على الساحل
التجار العرب من عمان وغيرها، وكذلك تجار الهند المسلمون
وقد عمل هؤلاء التجار بنقل الحاصلات المتوافرة في شرق افريقيا الى البلدان المطلة على المحيط الهندي والى الأسواق العربية في مصر والشام والعراق (204). وينقل زو مارش ZOE MARSH عن ستيجاند STIGAND صاحب کتاب THE LAND OF ZINJ الذي
(201) المرجعين السابقين ونفس الصفحات، سعيد المغيري: ص 89، عبدالله الفارسي: ص 117
(202) حسن محمود: ص 427.
•
(203) رأفت غنيمي الشيخ: ص 329.
(204 جمال زكريا قاسم: استقرار العرب ص 313، الأصول التاريخية، ص 63.
231
- (1/235)
صفحة 236
كان
استند فيه الى سجلات بات القديمة، أن أحد سلاطين بات الذي حكم بعد السلطان أبي بكر الذي مات عام 855 هـ/ 1451 م عظيم الثراء والغنى نتيجة لاشتغاله بالتجارة، كما أصبحت الدولة وسكانها على جانب كبير أيضا من الثراء (205)
وقد نتج عن هذا الثراء تطور حضاري كبير، فقد أنشأ أهل بات منازل كبيرة واسعة، وضعوا فيها لمبات نحاسية جميلة، كما صنعوا سلالم أو درجات مزينة بالفضة يتسلقونها أو يصعدون عليها الى فرشهم أو سررهم، كما صنعوا سلاسل فضية تزين بها الرقاب، وزينوا أعمدة المنازل بمسامير كبيرة من الفضة الخالصة، وبمسامير من الذهب على قمتها (206)، وقد تجلت مظاهر هذه الحضارة العربية أيضا في المباني المعمارية وتخطيط المدن وزخارف الأبواب والنوافذ، كما أدخل العرب فن النقش والحفر والنحت
وعقود البناء العالية والفسيفساء المتناسقة مع الرخام الملون (207)
وفي مجال الثقافة واللغة والعلوم والفنون ظهر في تلك الفترة
من القرون الوسطى ما يعرف باللغة السواحيلية حسبما يقول رويش (208)، وهي الفترة التي كانت فيها سلطنة بات النبهانية صاحبة السيطرة والنفوذ على كثير من أجزاء الساحل الشرقي لافريقيا كما سبق القول، مما أدى الى وجود تأثير عماني عربي قوي
على اللغة السواحيلية حتى في المناطق الجنوبية التي تقع في تنجانيقا
•
Marsh, op. cit, PP 18
Ibid, PP 18
-
19.
Reusch, op. cit, P 216.
-
19.
-
232
(205)
(206)
(207) رأفت الشيخ: ص 330. (208) أحمد علي: كلوة، ص 193، (1/236)
صفحة 237
وزنجبار، حيث ظهرت أنقى أنواع اللغة السواحيلية (209) ونتيجة لذلك ظهرت نظرية تقول بأن الشعب السواحيلي ولغته نشأ كل منهما حول لامو حيث توجد بات، وأن المهاجرين العرب الذين أقاموا في لامو وأنشأوا هذه الامارة وكان معظمهم عمان كما سبق القول، تزوجوا من نساء البانتو، واضطروا لاستخدام عدد من الكلمات البانتوية بحكم معيشتهم اليومية مع زوجاتهم، ونشأ أولاد مولدون أي نصف عرب ونصف بانتو،
من
مزجوا بين اللغة العربية لغة آبائهم، وبين لغة البانتو لغة أمهاتهم ومع استمرار التزاوج والاختلاط والمصاهرة تكون الشعب السواحيلي وظهرت اللغة السواحيلية (210) التي أصبحت لغة التجارة واللغة الدارجة أو لغة الحياة اليومية، وسرعان ما انتشرت
هذه اللغة في شرق ووسط افريقيا نظرا لغناها ومرونتها (211) ولاشك أن انتشار اللغة السواحيلية بين السكان الأصليين، بجانب اللغة العربية التي كانت لغة الأرستقراطية العربية الحاكمة، كان له أثره الكبير في نشر الاسلام والثقافة الاسلامية بين القبائل الافريقية التي تقيم على الساحل، وتلك التي تقيم حول طرق القوافل الرئيسية الممتدة من الساحل الى بحيرة نياسا والى المدن أو القرى الداخلية الواقعة على بحيرة تنجانيقا أو التي تقع بعيدا في الداخل (212)، وذلك لأسباب عديدة: أولاها أن هذه اللغة
(209) سليمان المالكي: سلطنة كلوة، ص 74، أحمد على: ص 203،
(210)
أحمد علي: ص
، حسن محمود: ص 231، ترمنجهام: ص 40،
(212)
(211) المرجع السابق، ص 207، أحمد علي: ص 193،
Reusch, op. cit, P 225.
Marsh, P 9 'Lewis', P 11. Reusch, op. cit, P 218 'Murphy', op. cit P 231. Reusch, op. cit, PP 223
-
224.
-
233
- (1/237)
صفحة 238
ولدت ولادة اسلامية، بمعنى أنها نتجت عن التحام قبائل البانتو بعد أن أسلمت (213) بالعرب من سكان الساحل بسبب قدوم هذه القبائل الى الساحل واختلاطها بأهله من العرب وتزاوجهم معهم، أي أنها نتيجة للتلاقي العربي الإفريقي: العربي ممثلا في العرب المسلمين الذين استقروا في الساحل واتخذوه لهم وطنا ومستقرا، والافريقي ممثلا في قبائل البانتو التي زحفت الى الساحل واستقرت فيه حتى من قبل ظهور الاسلام، أو هاجرت اليه في القرون التالية واعتنقت الاسلام (214)
وثانيا لأن هذه اللغة أصبحت عامل ربط بين الساحل والداخل وانتشرت انتشارا واسعا نتيجة لازدياد الحركة التجارية بازدياد قدوم التجار العرب عمانيين وغير عمانيين، وبظهور السلطنات العمانية التي رعت التجارة ودفعتها الى الداخل عبر طرق التجارة، فحملت القوافل التجارية هذه اللغة الوليدة الى داخل القارة حيث كانت طرق القوافل تمتد الى البحيرات الاستوائية وحوض نهر الكونغو، كما أنها أصبحت لغة التخاطب في المعاملات التجارية بين مجموعات السكان المتباينة الأصول والأجناس في شرقي افريقيا (215). ولما كانت هذه اللغة لغة التجار والتجارة، وكان التجار من المسلمين، فقد ساعدت كثيرا في انتشار الاسلام بين السكان المحليين حيث كان هؤلاء التجار قد أنشأوا مراكز تجارية لهم بالداخل واختلطوا بالأفارقة وصاهروهم ونشروا الاسلام
(313)
أحمد علي: ص 204، 205.
(214) المرجع السابق، ص 204،
Reusch, op. cit, PP 217
-
218.
(215) عبدالرحمن السديس: ص 12، محمد النقيرة، ص 187
234 (1/238)
صفحة 239
بينهم
(216)
وثالثا ـ لأن هذه اللغة أصبحت عاملا قويا في توحيد السكان في هذه المنطقة من القارة على اختلاف ألوانهم وتباين لغاتهم وتعدد قبائلهم وشعوبهم وأجناسهم (217)، مما أدى الى ظهور ثقافة مشركة هي الثقافة السواحيلية، وهي ثقافة غلبت عليها السمة العربية حيث كانت النغمة العربية للحياة أقوى من غيرها، لأن هذه النغمة تعود الى أزمنة قديمة قبل ظهور الاسلام بل وقبل الميلاد (218). ومن ثم فقد ساعد ذلك كثيرا على انتشار الاسلام
بين السكان المحليين والى تطعيم ثقافتهم بعناصر عربية كثيرة. ورابعا - لأن هذه اللغة كتبت بحروف عربية واستمرت كذلك حتى جاء الاستعمار الأوربي الحديث وحولها الى الكتابة بالحروف اللاتينية بهدف ايجاد فاصل بين الثقافة العربية وبين الثقافة السواحيلية الحديثة، وقبل ذلك كانت الحروف العربية هي المستعملة. وعندما كانت السواحيلية تكتب بحروف عربية تسرب الألفاظ العربية. وقد قدر عدد هذه الألفاظ بحوالي
المكتوبة
اليها كثير من عشرين في المائة في لغة التخاطب، وثلاثين في المائة في السواحيلية، وخمسين في المائة في لغة الشعر السواحيلي القديم (219) كما أن العرب غرسوا في السواحيليين حب الأدب وفنون الشعر وخرج منهم شعراء وخطباء مفوهون، وأصبح لهم أدب يعتزون
(216) محمد النقيرة: ص 178، 188،
(217) عز الدين عمر موسى: الاسلام في افريقيا، ص 83
(218) دافدسون: ص 273، 276، 281
•
Murphy, P. 229.
(219) يوسف فضل حسن: الجذور التاريخية للعلاقات العربية الافريقية (من كتاب العرب
وافريقيا) ص 33.
- (1/239)
صفحة 240
به، وتكون تراث كبير من الشعر والنثر السواحيلي مكتوب بالحروف العربية يشتمل على أعمال دينية ودنيوية (220)، فعرفوا الشعر الغنائي (المشاري) منذ زمن بعيد يعود الى ماقبل عام 545 هـ / 1150 م، ومازالوا ينظمونه، كما كتبوا شعر الملاحم (التندي) (221)
ولقد اتسعت اللغة السواحيلية لكل هذه الفنون من القول نظرا لغناها بما أخذته من العربية من أساليب وألفاظ. ولا يخطيء الباحث صدى اللغة العربية في أسلوبها وحروفها التي عدلت قليلا لتتسق ومخارجها المميزة، ولم يكن هذا التأثر بالعربية وتراثها إلا لأن الأفريقي كان ينظر لحضارة الجزيرة الجزيرة العربية نظرة استيحاء واستلهام. فقد كان يأخذ عنها وسائل الحضارة ويأخذ منها السلع، كما كان يقتبس الأشياء التي تتصل بالعقل والعاطفة ويهضم هذا كله ويتمثله ويحوله في النهاية الى ثقافة افريقية (222)، اسلامية الطابع، عربية الشكل والصورة (223)، مما ساعد كثيرا على انتشار الاسلام بين الأفارقة الذين تأثروا بهذه الثقافة وعاشوها سواء في الساحل أم في الداخل، في المدن أم في القرى، وإن كان الاسلام قد أصبح هو الديانة السائدة في المدن واعتنقته أغلبية سكانها حيث كان استقرار العرب فيها بأعداد أكبر، إلا أنه كان أبطأ في الانتشار في المناطق الريفية، حيث كانت نسبة العرب فيها أقل ذلك فقد وصل الاسلام خلال فترة زمنية طويلة الى
(220) سليمان المالكي: ص 76، أحمد عى: ص 206،
(221) دافدسون: ص 281.
(222) المرجع السابق: ص 281، 282
(223) المرجع السابق: ص 273، 279
•
Murphy, op. cit PP. 231, 233.
2360 (1/240)
صفحة 241
معظم شعوب الساحل، حتى حتى أننا نرى اليوم أكثر من نصف سكان
تنزانيا مسلمين (224)
واذا كانت اللغة السواحيلية وثقافتها قد مهدت السبيل أمام انتشار الاسلام على هذا النحو، فانها مهدت السبيل أيضا أمام ظهور شعب جديد هو الشعب السواحيلي. وقد ساعد في تكوين هذا الشعب ميل المستوطنين العمانيين وغير العمانيين الى السلم وحبهم للسكون وتجردهم من نقيصة الطمع، فإن مستوطناتهم واماراتهم وسلطناتهم لم تقم على الفتح بل على التجارة، والتجارة كما هو معروف لاتنشط الا في جو من السلام والأمن والعلاقات الطيبة. ونتيجة لهذه العلاقات الطيبة توثقت عرى المودة والوئام بين العناصر المختلفة التي كانت تسكن الساحل فاتحدت واندمجت في شعب واحد، هو الشعب السواحيلي. وكان انتشار الاسلام أهم البواعث أو العوامل التي ساعدت على هذا الاندماج، كما أن أخلاق الافريقي وطباعه كانت قريبة من طباع العربي الذي اعتاد الأفارقة رؤيته ورؤية أحفاده من العمانيين أو اليمنيين أو من الإثنين معا يوغلون في البلاد ويعملون بالتجارة وينشرون الاسلام والمحبة والوئام بينهم وبين الناس، فظهر التآلف واتحدت الأهواء والميول
من
وظهر ما يعرف بالشعب السواحيلي (225)
وقد حمل هذا الشعب عقيدة الاسلام وتشرب كثيرا من أسلوب العرب في الحياة (226)، واجتذب العمانيين الذين هاجروا
(224) 229 Murphy op.cit, P ويقول الدكتور محمد أحمد الحداد في كتابه حقائق تاريخية (ص) (109) أن نسبة عدد المسلمين في تنزانيا 75% من عدد سكانها.
Murphy, op. cit, P. 229.
Marsh, op. cit, P. 9.
2370
-
،323
-
(225) جيان: ص 332
(226) (1/241)
صفحة 242
على مر القرون الى ساحل شرقي افريقيا وأدمجهم في خلاياه فصاروا جزءا من نسيجه، فيما عد الأسرات الحاكمة وقليل من الأسر العريقة. وعلى ذلك فقد أصبح المسلم المحلي غير عربي تماما وانما أصبح سواحيليا، وكان على المستقرين الجدد من العرب مثلهم في ذلك مثل كثير من الأفارقة القادمين من الداخل، أن يعتنقوا الثقافة السواحيلية حتى يصبحوا أعضاء في هذا المجتمع السواحيلي
الجديد (227)
وقد دعم النباهنة هذه الثقافة السواحيلية ذات الطابع الاسلامي والتي ازدهرت وتألقت بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر للميلاد (228)، وذلك بالعمل على نشر التعليم الديني في المساجد والمدارس والكتاتيب التي وفد اليها كثير من الوطنيين الأفارقة ليحفظوا القرآن الكريم ويتعلموا الكتابة بالحروف العربية، بل ويتعلموا اللغة العربية ذاتها، حتى يتمكنوا من التعمق في فهم عقيدة الاسلام وتراثه الديني واللغوي، وقد أخذ كثير منهم من ذلك بحظ كبير نتيجة للتزاوج كما قلنا، ونتيجة للمشاركة في العلاقات والتقاليد والحياة الاجتماعية من مسكن ومأكل وملبس وعادات وأعياد ومناسبات وغير ذلك من مظاهر الحياة (229)، مما دفع بالحركة الاسلامية الى الامام بخطوات واسعة
وهكذا ترى أن سلطنة بات النبهانية قد تمكنت منذ القرن الرابع عشر للميلاد أن تفرض نفوذها على معظم أنحاء الساحل
(227)
(228) يوسف فضل حسن: نفس المرجع، ص 33
Lewis, op. cit, P. 11.
•
(229) رأفت الشيخ: نفس المرجع، ص 330
2380 (1/242)
صفحة 243
الشرقي لافريقيا، وأن تصبح القوة الكبرى المهيمنة على ذلك الساحل منذ ذلك الوقت، وأن تنشيء حضارة اسلامية تغلغلت جنوبا وحملها المهاجرون والتجار العمانيون معهم لا الى الساحل فقط، بل الى الجزر المواجهة له مثل جزر كلوة وزنجبار وبمبا ومافيا، مكونة بذلك دولة كبيرة تعدد سلاطينها حتى بلغ عددهم اثنين وثلاثين سلطانا (230)
ومعنى ذلك أيضا أن المدن التجارية الساحلية التي أنشاها العمانيون في النصف الشمالي من الساحل الشرقي لافريقيا مثل مقدشو وبراوة ولامو وبات نشأت فيها ثلاث سلطنات اسلامية
سلطنة هي
مقدشو الحارثية، وسلطنة لامو الجلندية، وسلطنة بات سلطنات كان لكل منها نظامها الوراثي في الحكم
النبهانية، وهي ولها عاداتها وتقاليدها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فعظمت ثرواتها وتنوعت مظاهر النشاط التجاري بها، مما شجع المهاجرين عمان وغير عمان على المجيء والاستقرار وكان لذلك أثره الكبير في النهاية في نشر الاسلام بين الشعوب الافريقية النازلة على الساحل الشرقي، بل وفي الداخل أيضا (231)
من
فقد دفع النشاط الاقتصادي الكبير الذي تمتعت به هذه السلطنات المشتغلين بالتجارة الى التوغل في داخل البلاد لجلب السلع منها الى الساحل، ولما كانت الابل لا تستطيع أن تسلك هذه الطرق في مواسم الأمطار، لذلك اعتاد التجار أن يتخذوا لهم مأوى في المناطق الداخلية، فكانوا يقيمون فيها الشهر أو الشهور،
(230) ترمنجهام: ص 42، 43
231) حسن محمود: ص 426.
-
239 (1/243)
صفحة 244
يتاجرون ثم يعودون، وأدي هذا الأمر الى نشأة بعض المراكز التجارية الداخلية التي ساعدت على نشر الاسلام في تلك المناطق (232)
يضاف الى ذلك أيضا السلام والأمن الذي تمتعت به هذه السلطنات الثلاث، هذا السلام الذي هيأ فرصة النجاح للمشروعات التجارية والاقتصادية والاسلامية، اذ لم تتعرض هذه السلطنات الى ما تعرضت له الامارات والدول التي قامت في منطقة القرن الافريقي من عدوان صليبي قام به الأحباش منذ القرن الثالث عشر للميلاد (233) مما أضعفها وشغلها عن نشر الاسلام فيما يحيط بها من بلاد، أما سلطنات الساحل الشرقي الافريقي التي أشرنا اليها فلم تتعرض لهذا العدوان الصليبي الا عند نهاية القرن الخامس عشر للميلاد على يد البرتغاليين، مما أعطى الفرصة للاسلام أن يمكن لنفسه قبل هذا العدوان على الساحل وفي الداخل ايضا.
-
الوجود العماني في مدن الساحل الأخرى:
واذا كان الوجود العماني واضحا وظاهرا وقويا في هذه السلطنات الثلاث التي تعرضنا لها بالحديث حتى الآن وكان له أثره الكبير في نشر الاسلام فيها، فان هذا الوجود كان ملموسا وفعالا أيضا في باقي المدن الساحلية، وكذلك في الجزر القريبة من الساحل
-
(232) المرجع السابق: ص 430 - 431 (233) المرجع السابق: ص 431، لمعرفة المزيد عن صليبية الأحباش ضد مسلمي القرن الافريقي، انظر: رجب عبدالحليم: العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصارى الحبشة في العصور
الوسطى، دار النهضة العربية، القاهرة سنة 1985 م.
240
- (1/244)
صفحة 245
وان كان هذا الوجود بنسبة أقل، وبفاعلية لاتدانى فاعليتهم في السلطنات التي أقاموها في لامو، وبات، ومقدشو بطبيعة الحال، ذلك فقد آثرنا أن نلقي ضوءا على وجودهم في غير هذه
ومع
السلطنات
-
سلطان
وتخبرنا بعض المراجع أنه كان يوجد في ممبسة (234) عند قدوم البرتغاليين عرب من قبيلة المناذرة العمانية، وعندما أرسل أهل هذه المدينة ـ فيما بعد - وفدا الى الامام العماني سيف بن اليعربي يستجيرون به من حكم البرتغاليين وعسفهم، كان على رأس هذا الوفد رجل يدعى تموت بن موترغو الكلينديني (235) ولا يبعد أن يكون حامل هذه الرسالة من سلالة سعيد وسليمان الجلنديين اللذين هاجرا من عمان الى شرقي افريقيا في الربع الأخير من القرن الأول للهجرة كما سبق القول، اذ أن لقبه يشير الى ذلك، مما يدل على وجود بعض العمانيين في هذه المدينة قبل قدوم البرتغاليين اليها بزمن طويل تحولت فيه أسماؤهم العربية الى أسماء
أيضا
(234) كانت ممبسة تسمى في الزمن القديم باسم غنغويا، وهو اسم سواحيلي، وكانت تسمى باسم أمفيتا، ومعناها حرب، وربما سميت بهذا الاسم الأخير بسبب كثرة الحروب بسبب كثرة الحروب التي كانت تحدث في الأزمان الغابرة، وتعرف الآن باسم منبسي أو مماسة أو ممبسة أو منفسة، وقيل ان
الذي سماها بهذا الاسم هم البرتغاليون وذلك على اسم قائد من قوادهم يدعى ممباسة
انظر: سعيد المغيري: جهينة الأخبار
، ص
84
ويقال أيضا ان على بن حسن الشيرازي سلطان كلوة هو الذي بني ممبسة حينما نزل اليها
مع رجاله في الربع الأخير من القرن العاشر للميلاد، كما يقال أيضا ان هذه المدينة استمدت
اسمها من اسم مدينة حملت هذا الاسم نفسه في عمان انظر: أحمد علي أحمد: كلوة، ص 192.
وقد تحدث عنها الحميري في القرن التاسع للهجرة / الخامس عشر للميلاد وقال ان أهلها
كانوا يعملون باستخراج الحديد وكذلك بصيد النمور.
انظر: الروض المعطار، ص 552.
(235) سعيد المغيري: ص 93، 105.
241 (1/245)
صفحة 246
سواحيلية كما هو واضح من اسم هذا الرجل (236)
وقد كان لبني الجلندي العمانيين وجود أيضا في مدينة أخرى قريبة من ممبسة تسمى تانغة، وهي تقع الى الشمال من مدينة بنغاني بحوالي اثنين وثلاثين ميلا، وكان حكامها القدماء من قبيلة الكلنديين، أى من بني الجلندى العمانيين المهاجرين الذين سبقت أحمد ومحمد
الاشارة اليهم. ويقول هؤلاء الحكام إنهم فعلا من نسل أحمد ابني سعيد الكلنديين، وكان يشاركهم في سكني هذه المدينة عمانيون أتوا اليها منذ قرون عديدة، وعمانيون أقبلوا اليها في العصر الحديث، ويعرف الجميع هناك باسم (ومانغة). ومن القبائل العمانية القديمة الموجودة في تانغة قبل تواجد الأسرة البوسعيدية في هذه المنطقة ناس من قبيلة السعديين ومن قبيلة الريامي، وقبيلة بني بحري من بني هناءة، ثم الجنبة وغيرهم التواجد العماني وانتشاره في هذه المدينة، كما يدل على استمرار هذا التواجد منذ أن وصلها بنو الجلندى حتى نهاية العصور
الوسطى
•
(237)،
مما يدل على كثافة
ومما يلفت النظر في مدينة أخرى تسمى شوكة، في شمال
جزيرة بمبا (238)، المعروفة باسم الجزيرة الخضراء، وجود رسم
خنجر في محراب مسجد قديم كان موجودا في غابات هذه المدينة
(236) لمعرفة بعض الأسماء الأخرى التي تحولت الى أسماء سواحيلية عربية، انظر: عبد الله بن صالح
: البوسعيديون في زنجبار، ص 116
الفارسي (237) سعيد المغيري: ص 77،74
79 -
134
-
131، 118
-
(238) بمبا PEMBA هو الاسم الأفريقي لهذه الجزيرة، وهي تقع شمال جزيرة زنجبار بحوالي 32 ميلا، وتبعد عن البر الافريقي بمسافة 38 ميلا، وطولها من أوسع نقطة فيها 42 ميلا، وعرضها من
أوسع نقطة فيها 14 ميلا، فتقدر مساحتها بحوالي 380 ميلا
انظر: سعيد المغيري: جهينة الأخبار، ص 25
-
242
- (1/246)
صفحة 247
(239)
وقد قام المؤرخ ميجر (بيس بخلع هذا الرسم ونقله الى دار الوكالة الانجليزية بزنجبار، وألصقه في جدار بقاعة هذه الدار. وتاريخ هذا المحراب هو سنة 816 هـ / 1413 م، ومعنى ذلك أن هذا المسجد يعود في بنائه الى ماقبل ظهور البرتغاليين، كما أن وجود الخنجر في محرابه يدل على وجود عماني أو يمني، ولما كان العمانيون أغلبية في الساحل كما ذكرنا من قبل فإن هذا الأثر يدل عليهم دون غيرهم
رسم
وكما ظهر الوجود العماني في هذه المدن التي أشرنا اليها، فقد ظهر أيضا في جزيرة زنجبار (240) التي وصل اليها التجار العمانيون قبل ظهور السلطنات العمانية في لامو، وبات، ومقدشو. ذلك أن الاسلام وصلها منذ وقت مبكر يعود الى عام 65 هـ / 684 م (241). وقد ورد وصف لهذه الجزيرة في عام 622 هـ / 1226 م على يد أحد التجار الصينيين الذي وصل الى هذه المنطقة في ذلك العام وقال إن سكانها من العرب (242)، كما أن حكامها كانوا من العرب ايضا، وكانت لهم سيطرة قوية على شعب الجزيرة، وأنهم جعلوها مركزا تجاريا هاما غير خاضع لأي
(239) سعيد المغيري: ص 91
-
93
(240) زنجبار: كلمة عربية محرفة، أصلها بر الزنج، ويقال لها باللغة السواحيلية (أنفوجاء). وهي كلمة مركبة من كلمتين: (أنفو) ومعناها بالعربية المنسف و (جاء) يمعنى امتلأ، وهي جزيرة تبعد عن البر الأفريقي بمسافة خمسة وعشرين ميلا، وجنوب الجزيرة الخضراء (بمبا) بحوالي 32 الى 35 ميلا، وشمال دار السلام بمسافة 29 ميلا، ويبلغ طولها 524 ميل، وعرضها 24 ميل، ومساحتها 6400 ميلا مربع، وكانت تسمى في القرون الأولى للميلاد (منشونيا) أو منشونياسي،
ولا يعرف معنى هذا الاسم
انظر: سعيد المغيري: جهينة الأخبار
(241) محمد الحداد: ص 108.
ص
16،
Freeman
-
Grenville, op. cit, P. 21.
-
243
-
(242) (1/247)
صفحة 248
الخاصة
سيطرة خارجية، ولذلك قاوموا السيطرة التي فرضتها كلوة على تجارة الذهب، كما أكدوا الروح الاستقلالية بأن قاموا بسك عملتهم بهم في القرن الخامس عشر للميلاد (243)، كما أنهم اتسموا بالقوة والشجاعة وكانوا محاربين أشداء لا يخافون الموت ولا يرهبونه كما وصفهم بذلك ماركو بولو فيما كتبه عنهم عام 1205 م (244). وهكذا نرى وجودا عربيا على أرض هذه الجزيرة، وهو في الغالب وجود عماني، نظرا لظهور ثلاث سلطنات عربية عمانية على أرض الساحل وجزره، وانتشار نفوذ هذه السلطنات في معظم مدن هذا الساحل كما سبق القول، مما أدي الى تدعيم الوجود العماني في جزيرة زنجبار. يدل على ذلك أن عادات الزنجباريين في هذه الجزيرة في الزي والملابس لا تختلف عن عادات أهل سواحل عمان، فملابسهم كانت ولا تزال على الطراز العربي (القديم). فالرجال يلبسون ثوبا طويلا يسمونه دشداشة) يشدون فوقه نطاقا، ويتعممون ويلبسون الجبة، ومنهم من يلبس القفطان ويتقلدون السيوف والخناجر ويضعون النعال في
والعباءة
أرجلهم، وتلبس النساء السراويل والنعال وثوبا الى الركبتين يشددن فوقه نطاقا، ويتبرقعن، ويضعن على رؤوسهن منسوجا كالكوفية فوقه حزام كعقال الرجال وكثيرا ما يلبسن
(245)
الحلي أهل عمان
وهي بلاشك عادات معظمها مستقى من
عادات
Gideon & Derek, op. cit, P 20.
Freeman
-
Grenuille, op. cit, P 26.
-
244
(243)
(244)
(245) سليمان الشيباني: ص 18، 19. (1/248)
صفحة 249
كذلك كان الوجود العماني في كلوة (246) ظاهرا ومؤثرا ويقول وايدنر أن كثيرا من الفرس فروا من بلادهم نتيجة للاضطرابات السياسية الى شرق افريقيا مستخدمين سفن العمانيين. وقد أمكن نقل هؤلاء الفرس الى ساحل شرقي افريقيا حيث ساعدهم تجار عمان في انشاء "مهاجر، أو مستوطنات دائمة، وأصبحت عمان هي التي تتولى حمايتهم والوصاية عليهم (247). ومما يلفت النظر أن الشيرازيين الذين هاجروا الى كلوة عام 365 هـ / 975 م بقيادة على بن الحسن بن علي الشيرازي وجدوا عندما نزلوا أرض كلوة بعض المسلمين الذين اجتذبتهم التجارة المزدهرة مع المواطنيين وبصفة خاصة أهالي المناطق الداخلية، كما وجدوا مسجدا واحدا، ورجلا مسلما لا يبعد أن يكون تاجرا عربيا من تجار عمان قام بمهمة الترجمة بين القادمين الجدد وبين ملك الجزيرة الافريقي، مما يدل على أن الاسلام وصل الى كلوة قبل هجرة الشيرازيين اليها بوقت طويل (248)، ويدل أيضا على أن الوجود العربي كان فيها قبل وجود غيرهم من الناس
عائلته،
(246) كلوة أو كلوة كيسيواني المدينة التاريخية تقع في جزيرة كلوة التي تبعد عن الساحل بحوالي أربعة كيلو مترات، وتقع جنوب دار السلام عاصمة تنزانيا الحالية بنحو 150 ميل ويبلغ عرض جزيرة
كلوة نحو 4 كم من الشرق الى الغرب، وطولها من الشمال الى الجنوب نحو 6 كم
انظر: سعيد المغيري: ص 64، أحمد
علي
أحمد: كلوة،، ص 25
أما دار السلام فقد كان اسمها قديما أفرزيما، وقد سماها السيد ماجد بن سعيد البوسعيدي سلطان
زنجبار باسم دار السلام، انظر: المغيري: ص 83. (247) وايدنر: تاريخ افريقيا جنوب الصحراء، ترجمة علي أحمد فخري، د. شوقي عطا الله الجمل، مؤسسة سجل العرب، القاهرة سنة 1976 م، جـ 1 ص 102.
(248) مجهول: السلوة في أخبار كلوة، ص 29، أحمد علي أحمد: كلوة، ص 40، محمد
النقيرة، ص 190.
-
245 (1/249)
صفحة 250
وينتقد دي باروس الذي ينقل عن أقدم الروايات البرتغالية القصة التي تقول بالأصل الفارسي لمؤسس دولة كلوة الاسلامية معتمدا على ابن بطوطة الذي لم يوجد فيما قصه علينا مايفيد بأن السلطان أبي المظفر الذي كان حاكما لكلوة وقت زيارته لها عام 731 هـ / 1331 م كان من أصل فارسي، أو أنه كان شيعي المذهب، رغم اهتمام ابن بطوطة بإعطاء تفاصيل عن مثل هذا النوع
من
الأخبار التاريخية (249)
ويضاف الى ذلك أن بعض حكام كلوة قبل زيارة ابن
بطوطة لها
وهو
الزولو
بزمن طويل كانوا عمانيين، اذ أنه بعد موت سلطانها
-
?
الشيرازي داود بن علي (390 ـ 394 هـ / 999 ـ 1003 م)، السلطان الخامس في سلسلة سلاطينها الشيرازيين، تمكنت قبيلة كبيرة تسمى مواتاتا ماندلين، لعلها قبيلة من البانتو أو، من أن تهاجم كلوة وتنهبها وتقيم فيها حاكما يدعى خالد ابن بكر، وكان خالد هذا نصف عربي، اذ كان والده عربي وأمه الى هذه القبيلة الغازية (250). ويستفاد مما رواه رويش REUSCH أن خالدا هذا كان مقيما بمدينة كلوة، إذ هو الذين فتح إحدى بواباتها للعدو أثناء ليلة ممطرة، وقيل إنه كان في حراسة هذه البوابة وإنه اتفق مع المهاجمين على فتحها على أن يولوه حكم المدينة، وكان من قبل قد أغرى قائد الأعداء، وهو ابن خاله، على أن يهاجم كلوة، نظرا لضغينة كانت بينه وبين
سلطانها (251)
•
(249) سليمان المالكي: سلطنة كلوة الاسلامية، ص 26
Reusch, op. cit, P. 113. Ibid, P. 133.
-
246
-
(250)
(251) (1/250)
صفحة 251
وقد تم تنفيذ المؤامرة وأصبح خالد حاكما لكلوة واستمر في حكمها حوالي عامين أو عامين ونصف (394 - 396 هـ /
1003 – 1005 م) حيث قامت ثورة ضده انتهت بطرده من المدينة نظرا لإثقاله كاهل الناس بالضرائب، وأخرجوه الى بلاده (252)، مما يدل على أنه لم يكن أصلا من أهل كلوة. ويأتي حاكم من البيت المالك الشيرازي لا يستمر في حكم كلوة أكثر من اثني عشر عاما يعود بعدها الحكم الى حاكم عماني هو محمد بن الحسين المنذري الذي كان قريبا لخالد بن بكر الذي كان قد مات في ذلك الوقت. وقد كان محمد بن الحسين المنذري هذا تاجرا عمانيا واسع الثراء قام بتجهيز جيش من أتباعه وجاء بهم الى كلوة متنكرين، وتغلبوا على حراس المدينة ودخولها وحطموا جانبا من حصونها وأعملوا فيها القتل والسلب والنهب، وأرغموا سلطانها حسن بن سليمان على الفرار لاجئا الى زنجبار، وأقاموا بن الحسين المنذري حاكما لكلوة، وذلك بمساعدة نفس القبيلة الافريقية التي ساعدت قريبه السابق خالد بن بكر في حكم كلوة، وهي قبيلة مواتاتا ماندلين التي كانت لها دولة في الداخل في موزمبيق، وتجارة رائجة مع كلوة وممبسة ومالندي (253)
محمد
وقد ظل محمد هذا يحكم كلوة مدة اثنى عشر عاما (408 – 420 هـ / 1017 1029 م) عاد بعدها الحكم للبيت
?
الملكي السابق (254)
(252)
•
-
ولم يستمر هذا البيت في الحكم نتيجة
أحمد على أحمد: كلوة، ص 56
(253) مجهول: السلوة في أخبار كلوة، ص 31، عبدالمنعم عامر: عمان في أمجادها البحرية، ص 36.
Reusch, op. cit, PP. 113
-
114
134.
أحمد
علي أحمد: كلوة، ص 59
247
-
(254) (1/251)
صفحة 252
للشقاق والاضطراب الذي كان كثيرا ما يحدث بين أفراده طمعا في الحكم، مما كان يؤدي الى انتقال الحكم الى غيرهم من العمانيين أو غير العمانيين. فيذكر المغيري أن البرتغاليين حينما وصلوا الى كلوة لم يكن سلطانها ينتسب الى الشيرازيين أو العجم (255)، كما يخبرنا جيان بأن كبرال عندما وصل الى مدينة كلوة عام 1501 م كان حاكمها يسمى ابراهيم، وأن العرب تدخلوا في الأمر وأفهموا هذا السلطان أن البرتغاليين قوم ذوو حرص وطمع، وأنهم يريدون الاستيلاء على البلاد، فلم يتحالف معهم وتهيأ للدفاع عن المدينة، فرحل البرتغاليون الى مالندي (256)
من
•
ومما يدل على وجود العرب أيضا في كلوة ما أشار اليه جيان أن كلوة خرج منها أكبر شطر من السكان العرب الذين استوطنوا القارة أو سكنوا الجزر المجاورة وبعض مواني جزيرة سان لوران أو مدغشقر (257). وبطبيعة الحال كان معظم هؤلاء العرب الذين أشار اليهم جيان من العمانيين، نظرا لكثافة الوجود العماني في معظم أنحاء الساحل الشرقي لافريقيا نتيجة لوجود ثلاث سلطنات اسلامية أنشأها العمانيون على هذا الساحل، ونتيجة لمجيء نواخذة من عمان أكثر من غيرهم من المسلمين والعرب
وقد قام هؤلاء التجار والمهاجرون العمانيون الذين سكنوا
كلوة ببناء قلاع تشبه قلاع عمان،، من ذلك قلعة يعود بناؤها الى عام 861 هـ / 1456 م، ومكتوب على بابها "نصر من
(255) سعيد المغيري: ص 93
(256) وثائق تاريخية وجغرافية: ص 212. (25) المصدر السابق: ص 223، 224
ـ 248 ـ
-
الله (1/252)
صفحة 253
وفتح قريب، (258). كما أن الأسوار الحجرية والأطلال وغيرها من الآثار القديمة الموجودة في المنطقة الشرقية من الجزيرة تعود الى عصر أقدم من ذلك بكثير، اذ يقول بعض الأهالي انها تنسب الى عصر هارون الرشيد، مما يدل على أن العرب والعمانيين منهم بوجه خاص كانوا أول اتخذ الجزيرة عاصمة أو مهجرا لهم، وبنوا من
فيها القلاع والحصون والقصور منذ ذلك العهد البعيد، كما بنوا فيها كثيرا من المساجد القديمة التي قدر عددها ثلاثمائة بنحو مسجد (259). ثم أتي الى هذه المدينة بعد ذلك بعض الشيرازيين الذين كانوا مجرد قادة لجند هارون الرشيد (260). وبطبيعة الحال كان هؤلاء القادة سنة وليسوا شيعة، ولذلك لم نسمع عن انتشار المذهب الشيعي في كلوة، و لم يحدثنا ابن بطوطة عن أي أثر للتشيع فيها وقال إن أهلها كانوا شافعية المذهب (261)، مما يدل على أن الشيرازيين كانوا مجرد حكام وإنما كانت الهجرة الكبيرة اليها من العرب، من عمان وغير عمان
ولذلك ليس غريبا أن يتحدث بعض الباحثين في العصر الحديث عن كلوة على أنها كانت مقرا ومسكنا للعرب دون الفرس، فيقولون إن من نشروا المعرفة ودفعوا الاسلام بحماسة الى الداخل هم العرب وذلك في معرض حديثهم عن كلوة وسكانها، وأن هؤلاء السكان كانوا يتكلمون اللغة العربية بصفة أساسية
(258) سعيد المغيري: ص 67
(259) المرجع السابق: ص 68، 69، محمد الحداد: حقائق تاريخية: ص 174.
(260) سعيد المغيري: ص 69
(261) ابن بطوطة: ج 1 ص 284
249
- (1/253)
صفحة 254
بجانب عدد من لغات أخرى (262)، وأن سجلات كلوة كتبت باللغتين العربية والسواحيلية (263). فلم تكن كلوة فارسية كما ذكر كثير من المؤرخين وخاصة الأجانب منهم، وانما كانت مدينة
عربية (264)
،
ساعدت الهجرات العربية المتوالية على طمس معالمها الفارسية (265)، فكان سكانها أو على الأقل معظمهم من العرب والعمانيين خاصة، وكان لهم فضل كبير في نشر الاسلام بين
سكانها الوثنيين ثم في نشره داخل القارة كما سبق القول.
ويقال نفس الشيء عن مدينة مالندي (266)، حيث كان سكانها من العرب عمانيين وغير عمانيين. فقد تأسست في القرن الثاني عشر للميلاد (267)، وهو عصر ازدهار سيطرة العمانيين تجاريا وسياسيا على تلك المنطقة من القارة، وقد اعتنق أهلها الأفارقة الاسلام مثلما فعل أهل ممبسة ومعظم مدن الساحل (268)، وعمل حكامها في التجارة وأثروا ثراء فاحشا حتى ارتدوا الثياب الحريرية والقطنية الدقيقة وحملوا السيوف والخناجر المكفتة، وتحلوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم من ظرف وأدب. وكان ابن
(262)
أحمد علي أحمد: ص 174، 207
(263) داندسون: ص 282
(264)
(265) دولت صادق: ص
Murphy, op. cit, P 234, Marsh & Kingsnorth, op. cit, P 7.
11
(266) مالندي مدينة تقع في كينيا الآن وهي على ضفة البحر، وكان أهلها يعملون في العصور الوسطى بالصيد بخرا وبرا، وباستخراج معدن الحديد وتصديره، وكان كل مكسبهم وتجارتهم. انظر: ابن سعيد: ص 83، الحميري: ص 544، ومن الأخبار التي تروى أن فاسكو دي جاما هو الذي سماها ملندي على اسم زوجته التي تسمى ملندا
انظر: سعيد المغيري: ص 86، 87
(267) جيان: ص 320،
Gideon & Derek, op. cit, P 20.
Ibid, PP 20
-
21.
250
?
(268) (1/254)
صفحة 255
شيخ هذه المدينة يلبس جلبابا من الحرير المبطن بالأطلس الأخضر ومعتها بعمامة فاخرة يحف به عشرون من العرب عندما قابل فاسكو دي جاما (269)
وكذلك كان الحال في مدينة موزمبيق، فقد كان يعيش بين سكانها الوثنيين عدد من العرب والمسلمين الذين كانت سفنهم مزودة بآلات الاهتداء كالبوصلة وخرائط بحرية وآلات لأخذ ارتفاعات الشمس (270)، مما يدل على أنهم كانوا ملاحين مهرة، ولم يكن هناك أمهر من ملاحي عمان في ذلك الحين، وابن ماجد وغيره من ملاحي عمان خير دليل يمكن أن نضربه في هذا المجال ولما جاء فاسكو دي جاما الى هذه المدينة عام 1498 م، أثارت في نفسه ومن معه من البرتغاليين الدهشة والذهول، لما كانت عليه من التقدم والرقي، ولما أبصر شيخها وجده متشحا بالثياب الحريرية متقلدا السيف والخنجر، وفي معيته أفواج من عشائر العرب في أفخر الثياب، تتقدمهم الآلات الموسيقية صادحة بأنغامها (271) أما مدينة سفالة (272)، فقد استوطنها العرب بين سنتي 510 م و 1220 م ودخلها الاسلام منذ القرن الثاني عشر للميلاد على أيدي التجار العرب وربما قبل ذلك بكثير، وكان حاكمها عند قدوم البرتغاليين عربي يدعى يوسف، وكان حراسها يلبسون
(269) جيان: ص 320، 321،
(270) جيان: ص 308
Marsh, op. cit, PP. 17, 18.
(271) المرجع السابق: ص 318 – 319. (272) تقع سفالة على الشاطيء الافريقي الشرقي جنوب نهر زمبيزي في مواجهة جزيرة مدغشقر، وهي الآن احدى مدن دولة موزمبيق، وقد تحدث عنها ابن سعيد والحميري وقالا ان أهلها كانوا لا يعيشون الا على ما يحصلون عليه من استخراج الذهب والحديد، وان التجار العرب والهنود
كانوا يأتون اليها لشراء هاتين السلعتين
انظر: ابن سعيد: ص 83، الحميري: ص 243
251 (1/255)
صفحة 256
العمائم ويحملون الخناجر العاجية المقابض (273). مما يدل على أنهم عمانيون، وليس من قبيل الصدفة أن توجد في عمان مدينة تحمل نفس الاسم، مما يدل على عمق الوشائج بين البلدين. وكما فعل عرب كلوة مع حاكمها وخوفوه من البرتغاليين، فعل عرب سفالة نفس الشيء مع حاكمها، فوقع الصدام بينه وبين البرتغاليين الذين تمكنوا من قتل يوسف واستولوا على سفالة (274). وان دل هذا على شيء فانما يدل على الوجود العربي في سفالة وفي غيرها من مدن الساحل، كما يدل على أن العرب كانوا يحملون لواء المقاومة في كل مكان نزل فيه البرتغاليون، وأن هؤلاء العرب كانوا في الغالب من العمانيين، لأن العمانيين كانوا أصحاب السيطرة البحرية على المحيط الهندي، وكان الوجود البرتغالي معناه القضاء المبرم على نفوذهم ومكاسبهم التجارية وتاريخهم البحري العريق، ومن ثم قاوموا البرتغاليين بقدر ما وسعتهم المقاومة. وهكذا أدت التطورات التاريخية والتجارية التي شهدها الساحل الشرقي لافريقيا الى وجود مراكز تجارية وجاليات عربية على طول هذا الساحل، حيث تزاوج أفرادها مع الافريقيات، ثم هاجر الى هذه المراكز عدد وفير من العمانيين على شكل هجرات جماعية كبيرة لم تلبث أن بنت المدن وأقامت الامارات والسلطنات
المدن
في لامو ومقدشو وبات، وظهر الى جانب ذلك عدد من ب من أصل عماني خالص أو أصل مخلوط (275)
فيها
(273) جيان: ص 226، حسن ابراهيم حسن: ص 184، محمد كمال حسين: ص 158.
(274) جيان: ص 226
(275)
227
-
أحمد عيضة سالم: الجاليات العربية في افريقيا بحث في كتاب العرب وافريقيا) بيروت، الطبعة
الأولى سنة 1984 م، ص 156.
252
- (1/256)
صفحة 257
ومع
نشاط قوافل التجارة في الداخل استقرت هناك جماعات عربية
في عدد كبير من مدن وقرى ما يعرف اليوم باسم كينيا وتنزانيا وأوغندا وزائير وبوروندي ورواندا (276)، مما أدى الى انتشار الاسلام بدرجات متفاوتة في نواح كثيرة من هذه البلدان، أما الساحل فقد تحول أهله جميعا أو معظمهم على الأقل الى الاسلام، وقد شهد بذلك ابن بطوطة عندما زار هذا الساحل عام 731 هـ / 1331 م فقرر أن كل الناس الذين رآهم في المدن التي زارها كانوا مسلمين (277)، مما يشهد بالفضل للعرب عامة وللعمانيين خاصة في تحقيق هذا الانجاز الديني الكبير
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام في
مدغشقر وجزر القمر: ـ
واذا كان الاسلام قد انتشر في الساحل الشرقي الافريقي وفي نواح كثيرة من الداخل نتيجة للهجرة والتجارة التي كان العمانيون أكثر من غيرهم يعملون بها في هذه الأماكن فانه قد انتشر أيضا في الجزر الموجودة في بحر الزنج بفضل جهودهم ونشاطهم ونشاط غيرهم من العرب والمسلمين
•
ففي جزيرة مدغشقر مالاجاش (الآن) كانت السفن العمانية تتردد على شواطيء هذه الجزيرة في الفترة من ديسمبر الى مايو من
، 284
Gideon & Derek, op. cit, PP. 17, 21.
(276) المرجع السابق: ص 156
(277) رحلة ابن بطوطة: ج 1 ص 279 -
253 - (1/257)
صفحة 258
كل عام (278). ويبدو أن وصول العرب الى هذه الجزيرة كان منذ وقت مبكر، اذ تشير الدلائل الى أن نشاط العرب التجاري سكان ساحل شرقي افريقية قبل الاسلام وصل حتى شمالي مدغشقر، اذ عثر المنقبون فيها على عملة من العملات التي استعملت في عصر قسطنطين الأول في مطلع القرن الرابع الميلادي، وهو عصر الدولة الحميرية في بلاد اليمن، مما يدل على أن الحميرين قد وصلوا الى هذه الجزيرة منذ ذلك الزمن القديم (279)
وبعد ظهور الاسلام كان الملاحون العمانيون من قبيلة الأزد قد انتشروا على ساحل شرقي افريقيا وتوغلوا جنوبا حتى مدغشقر ونزلوا على شواطئها الجنوبية الشرقية منذ القرنين الثاني والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد (280)، حيث كانوا يبيعون ويشترون ويقيمون كالعادة مراكز تجارية يمارسون فيها نشاطهم التجاري، ولكنهم لم يتوغلوا في داخل الجزيرة بسبب وجود بعض القبائل المتوحشة والأوبئة ووعورة الأرض، ولأنهم كانوا يجدون مايشترونه في المراكز والمناطق الساحلية، الا أنهم كالعادة لابد أن يبحثوا لهم عن مراكز اقامة دائمة في تلك الجزيرة، وقد بقي دليل ملموس على تلك المراكز لايزال حيا وموجودا حتى الآن، وهو مدينة (سالالا) التي أنشأها العمانيون القادمون من صلالة للتجارة وأسموها على اسم مدينتهم صلالة العمانية، فأصبحت الآن على
(278) ستودارد: ج 3 ص 135
(279) داند سون: ص 244. (280) ستودارد: ج 3 ص 139.
254 - (1/258)
صفحة 259
ألسنة أهل مدغشقر (سالالا)، وهي واقعة في شمال الجزيرة (281)
وبجانب ذلك ففي منطقة فورديفان التي تقع على الساحل
أصل
الجنوبي الشرقي توجد طائفة من الناس يعتقدون بانهم من عربي، وأن أوائلهم كانوا مسلمين ويحتفظون بمخطوطات عربية
ويحتفلون بختان أولادهم ويفخرون بأصلهم العربي (282) وفي الشاطيء الشمالي الغربي للجزيرة كانت هناك أيضا مدينة تسمى ليرانة ذكرها ابن سعيد المغربي وقال ان ابن فاطمة الملاح العربي الذي دار حول افريقيا من الغرب الى الشرق ووصف سواحل السنغال وجزر القمر، دخل مدغشقر وقال انها للمسلمين كمقدشو، وان أهلها مجتمعون من الأقطار، وهي بلد حط واقلاع، (283)، أي أنها كانت مدينة بحرية تجارية، يعمل سكانها بالتجارة، وأن معظمهم وافدون من أقطار شتى للعمل بالتجارة. وقد تعرف كودين على هذه المدينة، كما ذكرها الكاتب البرتغالي باربوسا وقال عنها انها كانت مأهولة بالعرب، وأن بيوتها مبنية بالحجارة والكلس، وأنها المدينة الوحيدة التي وجدها البرتغاليون على الشواطيء الشمالية الغربية حينما نزلوا في مدغشقر سنة 912 هـ / 1506 م. وقد استقي كودين معلوماته عن هذه المدينة فيما قال من مخطوط وضع في القرن السابع عشر ومحفوظ في أرشيف وزارة البحرية الفرنسية (284)
(281) محمد ناصر العبودي: مدغشقر بلاد المسلمين الضائعين، الرياض سنة 1981 م، (282) المرجع السابق: ص 25
•
(283) كتاب الجغرافيا لابن سعيد المغربي: ص 84.
(284) المصدر السابق: تعليق رقم 25 ص 220
-
221
-
255
— (1/259)
صفحة 260
وقد عثر فران FERRAND أيضا على عدة مخطوطات عربية قديمة في مدغشقر وأهداها الى المكتبة الأهلية بباريس. ويستدل هذه المخطوطات على أن العرب اختلطوا باحدى القبائل في من مدغشقر وتكون منهم قبيلة الأنتيميرونا التي تحتل جزءا من الساحل الجنوبي الشرقي والتي تخضع من الوجهة الدينية والتنظيمية الى قبيلة الأنكارا. وقد عرف أهل قبيلة الأنتيميرونا الكتابة العربية بعد اعتناقهم للاسلام، وذكر فران أنهم يحتفظون بكتب خطية قديمة العهد مكتوبة بالحروف العربية، يزعمون فيها انتسابهم الى عرب مكة، وان كنت أعتقد أن هذا الزعم غير صحيح لأن دعوى الانتساب الى مكة والبيت النبوي تكاد تكون ظاهرة متفشية في أنحاء افريقيا. المهم أن هذه القبيلة أسلمت، وإن كان
كثير من
هذا الاسلام قد تم في زمن لانستطيع تحديده تحديدا قاطعا. وربما يكون الاسلام قد دخل الجزيرة بصفة عامة بعد عام 133 هـ/ 750 م، إذ هو التاريخ الذي حدده المسعودي لوصول المسلمين الجزيرة قنبلو (285)
ويبدو
أن بعض المدن التي أنشاها العرب كونت مملكة أو امارة. اذ يذكر جيان أنه كانت توجد مملكة عربية في جزيرة مدغشقر قرب خليج بويني تسمى مسلج MASSELEGE وأن أهلها كانوا يتكونون من جالية عربية من مختلف عرب افريقيا الشرقية وبخاصة جزيرة بات (286). وقد سبق القول أن هذه الجزيرة، نقصد جزيرة بات، كان معظم سكانها من عرب
(285) جمال زكريا قاسم: المصادر العربية، ص 185 – 186، استقرار العرب: ص 292،: الأصول التاريخية: ص 74 - 75، حسن ابراهيم حسن: ص 184
-
(286) وثائق تاريخية وجغرافية: ص 514.
-
185، 242
256 -
- (1/260)
صفحة 261
عمان، وأنها كانت مقرا لدولتين أقامهما عرب عمان، بنو الجلندى أولا، ثم النباهنة ثانيا. وعلى ذلك فإن مملكة مسلج يبدو أنها نتيجة هجرة عمانية من عمانيي ساحل شرق افريقيا، أو من عمان ذاتها. فقد أشار المسعودي الى ورود السفن العمانية من عمان الى مدغشقر فقال إن أهل المراكب من العمانيين يقطعون
-
هذا الخليج - أي خليج بربرى ـ الى جزيرة قنبلو من بحر الزنج (287)، وأنه هو نفسه ركب من عمان الى هذه الجزيرة، ومنها عاد الى عمان في عام 304 هـ / 916 م في مراكب بعض السيرافيين (288)
لفظ قريب من
لفظ
و معنى ذلك أن الصلة بين عمان وبين هذه الجزيرة التي يرى معظم الكتاب والمؤرخين أنها جزيرة مدغشقر (289)، كانت صلة قوية، بدليل أن سفن العمانيين كانت تصل اليها وكذلك كانت سفن السيرافيين تصل اليها من عمان. وقد نتج عن ذلك قيام هذه الامارة العربية التي سميت باسم مسلج، وهو مسقط عاصمة سلطنة عمان الحالية. وقد حاول جيان أن يجد له أصلا عربيا مبنيا على تفسير لغوي، فقال ان الكلمة عربية، وهي مأخوذة من سلج الشراب واستلجه، أي ألح في شربه، كأنه ملأ به سلجانه (بكسر السين واللام المشددة) أي الحلقوم، فأطلق العرب حسبما يرى جيان ذلك الاسم على المكان الذي وجدوا فيه ما أطفاً عطشهم، أو على المكان الذي وجدوا فيه أصدافا بحرية
(287) مروج الذهب:
(288) المصدر السابق: ج 1 ص 107.
(289) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب: ص 303.
-
257
- (1/261)
صفحة 262
تؤكل اسمها السلج (290)
المساركة
عقد
ويبدو
أن كثيرا من التجار العمانيين استقروا نهائيا في هذه الجزيرة واتخذوها موطنا منذ أمد بعيد، بدليل ما يقوله أحد الكتاب الذين زاروها منذ نحو عشر سنوات من أن شعب السكلاف (السكالافا) الذي سكن سواحلها يوجد بينه قبيلة تعرف ببيت، سحنة أفرادها أشبه بسحنة العرب، ويقال ان هذه الكلمة محرفة من المساكرة (291)، والأخيرون قبيلة مازالت موجودة في عمان حتى الآن. وقد أشار كاتب آخر زارها قبل الزمان الى أنه من سمع بعض الناس يتكلمون العربية بلهجة أقرب الى لهجة العمانيين، كما أشار الى أنه لايزال يوجد في هذه الجزيرة بعض العمانيين حتى الآن، منهم رجل سياسي ثري يدعى سالم بن عيسى، مولود في مدغشقر ولكنه من أصل عماني كما ذكر الرجل نفسه، وقد وصل هذا الرجل الى منصب سياسي كبير غداة حصول الجزيرة على استقلالها عام 1960 م وتزوج من أميرة قبيلة السكالافا التي تسكن في غربي البلاد والتي يقول عنها إن حوالي %20% من أفرادها مسلمون، وأن %5% مسيحيون والباقي من سكانها وثنيون (292)
واذا كانت للعمانيين كل هذا الوجود في جزيرة مدغشقر، واذا كان هذا الوجود قد أدى مع غيره الى نشر الاسلام في كثير من نواحي هذه الجزيرة، فمنذ متى دخلها الاسلام ... ؟
(290) وثائق تاريخية وجغرافية: ص 514.
(291) سعيد المغيري: ص 304
(292) محمد العبودي: ص 57، 76، حسن ابراهيم حسن: ص 185
-
258
— (1/262)
صفحة 263
وماهي مظاهره ... ؟
أما دخول الاسلام في جزيرة مدغشقر فيبدو أنه حدث على أيدي العمانيين وعلى أيدي دعاة من العرب الآخرين حوالي منتصف القرن الثاني للهجرة منتصف القرن الثامن للميلاد. اذ يقول المسعودي الذي زارها في بداية القرن الرابع للهجرة بداية العاشر للميلاد إنها "جزيرة عامرة فيها قوم من المسلمين، الا أن لغتهم زنجية غلبوا على هذه الجزيرة وسبوا من كان فيها من الزنج كغلبة المسلمين على جزيرة اقريطش (كريت) في البحر الرومي، وذلك في مبدأ الدولة العباسية وتقضى الأموية، (293)
وهذا النص الهام يدل فعلا على قدم الاسلام في مدغشقر، والدليل على ذلك أن لغة المسلمين الموجودين بها أيام المسعودي كانت زنجية، ومعنى ذلك أن العرب كانوا قد استوطنوا هذه الجزيرة واختلطوا بأهلها وتأثروا بلغتهم منذ زمن بعيد، وعلى مر السنين نسوا لغتهم الأصلية وأصبح لديهم لغة تشبة لغة الزنوج لمن يسمعها، لعلها هي اللغة السواحيلية التي ربما تكون قد وصلت اليهم من الساحل. كما أن تحديد زمن دخول المسلمين اليها بزمن قيام الدولة العباسية يدل على هذا القدم أيضا، فمن المعروف أن العباسيين أقاموا دولتهم عام 132 هـ / 750 م، يؤكد ذلك ويؤيده أن العمانيين وصلوا الى هذه الجزيرة في ذلك الوقت تقريبا، فقد سبق القول الى أنهم وصلوها منذ القرنين الثاني والثالث للهجرة/
الثامن والتاسع للميلاد (294)
(293) مروج الذهب ج 1 ص 97
(294) ستودارد: ج 3 ص 139
259
- (1/263)
صفحة 264
وهذا يدل على أن الاسلام دخل مدغشقر منذ وقت مبكر وأنه وصل اليها عن طريق التجار والملاحين والمهاجرين العمانيين الذين أشار اليهم المسعودي. واذا كان المسعودي قد أشار الى قدوم العمانيين من الأزد الى هذه الجزيرة التي قدر المسافة بينها وبين عمان دون غيرها فقال إنها "نحو من خمسمائة فرسخ على
أنحاء
ما يقول البحريون حزرا منهم لذلك، لا على طريق التحصيل والمساحة، (295)، فقد أشار الى انتشار الاسلام في كثير من الجزيرة. ذلك أنه تحدث عن وجود مدينة في هذه الجزيرة فيها مسلمون بين الكفار من الزنوج (296)، وأشار الى أن الجزيرة بصفة عامة فيها خلائق من المسلمين ويتوارثها ملوك من المسلمين، (297)، وأشار أيضا في كتاب آخر له الى أن جزيرة قنبلو أهلها مسلمون،، (298)
ولعل جزيرة قنبلو أو مدغشقر هي نفسها جزيرة الأقجية التي أشار اليها الادريسي الذي عاش في القرن السادس للهجرة الثاني عشر للميلاد، وقال إن أهلها أخلاط وأن الاسلام غلب عليها،، وحدد موقعها فقال إن "بينها وبين مدينة البانس التي من ساحل بلاد الزنج مجرى واحد، ودورها (لعله يقصد محيطها) أربعمائة ميل وأكثر عيشهم من الموز، والموز عندهم خمسة ألوان. فمنه الموز المسمى القند والموز الغيلي، والموز العماني والموز المورياني والموز السكري، (299). وقد سبق أن حدد الادريسي موقع
(290) مروج
الذهب: جـ
(296) المصدر السابق: ج 1
ص 97
1.7
(297) المصدر السابق: ج 2 ص 17، 18
(298) التنبيه والاشراف، دار الهلال، بيروت سنة 1981 م، ص 67
(299) نزهة المشتاق: ص 34.
• (1/264)
صفحة 265
مدينة البانس أو البايس فقال إنها تقع على بر الزنج على بعد ستة أيام من مدينة منبسة بالطريق البري وبحرا على بعد مجرى ونصف، وأن البانس هذه آخر عمالة الزنج ويتصل بها أرض سفالة هي الذهب (300)، مما يدل على أنه كان يقصد بجزيرة الأقجية جزيرة مدغشقر فعلا بناء على تحديده لموقعها بالنسبة لمدينة البانس، وموقع الأخيرة بالنسبة لمدينة ممبسة، وأنها آخر عمالة الزنج.
واذا كان الأمر كذلك فإن معظم أهل جزيرة مدغشقر كانوا مسلمين في عصر الادريسي، مما يؤكد ماسبق أن ذكره المسعودي الذي عاش قبله بحوالي قرنين من الزمان، حيث أشار الى إسلام أهلها وإلى أن حاكمها مسلم. وربما يرى البعض في هذا القول مبالغة، لأن سكان مدغشقر الآن يقدرون بحوالي سبعة ملايين على أحسن تقدير من المسلمين، وباقيهم على
نسمة ربعهم
-
-
الوثنية، وبعضهم اعتنق المسيحية على أيدي المستعمرين الفرنسيين والمنصرين الأوربيين (301). غير أن مظاهر الحياة الاسلامية التي كانت تسود الجزيرة والتي لايزال بعضها باقيا حتى الآن مما سوف نسرده عما قليل، تدل بلاشك على صحة ماذهب اليه المسعودي والادريسي وابن سعيد وغيرهم من الرحالة والمؤرخين والجغرافيين أن سكان هذه البلاد كانوا كلهم أو كان أكثرهم سالفة في عصور من المسلمين، غير أنهم لعزلتهم في جزيرة كبيرة تستغنى بما فيها عما حولها، ولعدم استمرار روح المغامرة عند
المسلمين، وهو
(300) المصدر السابق: ص 33
•
(301) محمد كمال حسين: ص 159، ويقدر الاستاذ محمد العبودي عدد المسلمين في مدغشقر منذ
حوالي عشر سنوات بـ 15% من عدد سكانها
•
انظر: مدغشقر بلاد المسلمين الضائعين: ص 27.
-
261 (1/265)
صفحة 266
العرب بعد الفتح العثماني، ثم بعد ظهور الاستعمار الأوربي واحتلاله لأكثر بلادهم، انقطعت صلة المدغشقريين بالبلاد العربية والاسلامية، فنسوا اسلامهم ونسيهم المسلمون (302)، وأصبح المسلمون أقلية في هذه الجزيرة التي كانت يوما من الأيام بلدا اسلاميا خالصا، وكان للاسلام فيها مظاهر معينة
والحقيقة أن مظاهر الاسلام في هذه الجزيرة في العصور الوسطى كانت كثيرة ومتنوعة، منها وجود المساجد الكثيرة التي زادت عن الخمسين مسجدا في مدنها المختلفة (303)، ومنها قيام أهلها بتأدية الشعائر والعبادات الاسلامية والحفاظ عليها كل فقبيلة الساكلافا السابقة الذكر يصوم كل أفرادها
المحافظة
•
مسلمون ومسيحيون ووثنيون شهر رمضان، على اعتبار أن الصيام من التقاليد الموروثة عندهم. وهم لا يأكلون لحم الخنزير، ولا يأكلون شيئا لم يذبح من الحيوانات، ولاتزال أسماء زعمائهم وملوكهم أسماء اسلامية مثل أحمد، وابراهيم. وجميع المدغشقريين حتى الذين دخلوا المسيحية على أيدي الأوربيين اعتادوا أن يختنوا أولادهم، وكذلك الوثنيون اعتادوا أن يفعلوا نفس الشيء. والغريب أن الطفل حتى في العاصمة تناناريف اذا مات قبل الختان فان أهله يختنونه قبل دفنه، مما يدل على شدة تأصل العادات والتقاليد الاسلامية في شعب مدغشقر في الزمن القديم وحتى
الآن (304)
-
(302) محمد العبودي: ص 99
-
(303) المرجع السابق: ص 159.
100
(304) المرجع السابق: ص 76 - 77، 99
-
-
262 (1/266)
صفحة 267
-
ومما يدل على ذلك أيضا انه لايزال حتى القادة الآن بعض من السياسيين المسيحيين في العاصمة تاناناريف يطلبون الدعاء من المسلمين عند المرض أو الأزمات أو الكوارث، لأن دعاءهم ـ مستجاب عند الله أكثر كما يقولون هم - من دعاء رجال الدين المسيحيين، ولازال كثير من أهل العاصمة من غير المسلمين يعتقدون في التمائم والأحجبة التي يبيعها لهم المسلمون هناك، لأنهم يعتقدون أن هؤلاء المسلمين أكثر قربا الى الله من أهل الجزيرة الآخرين، ولايزالون حتى الآن يتلون عند الزواج آيات من القرآن الكريم على اعتبار أن ذلك من التقاليد الموروثة، وأنهم يتبركون بذلك ويعتقدون أنها تجلب الخير لمن يتلوها، مما يدل على أن أهل مدغشقر لايزالون يكنون في قرارة أنفسهم احتراما كبيرا لدين الاسلام منذ أن كانوا كلهم أو أكثرهم مسلمين في العصور الغابرة (305)، كما يدل أيضا على توطن الاسلام في هذه الجزيرة من قديم، وعلى أن الوجود العربي فيها كان مؤثرا وفعالا منذ أمد بعيد. ويقول المسيو غابريال فران الفرنسي وكان مقيما لفترة في
مدغشقر، إن ثغر ماجنقا به جالية عظيمة من المسلمين وجميـ يكتبون لغتهم بالأحرف العربية، وبعضهم يتكلمون العربية جيدا (306). والحقيقة أن أهل السواحل كانوا يكتبون بالحروف العربية ويعدون أيام الأسبوع كما يعدها العرب، ويزعمون أنهم عرب، وذلك قبل احتلال فرنسا لمدغشقر (307). ولغة الجزيرة بصفة عامة وهي اللغة الملجاشية دخلتها كلمات ومصطلحات
(305) المرجع السابق: ص 79.
(306) ستودارد: ج 3 ص 121.
(307) سعيد المغيري: ص 304، محمد العبودي: ص 42.
263
- (1/267)
صفحة 268
عربية كثيرة على أيدي التجار والمستوطنين العرب من العمانيين وغيرهم. وبعض الكلمات دخلت نتيجة التأثر باللغة السواحيلية التي يعود حوالي نصف مفرداتها في لغة الشعر السواحيلي القديم، وحوالي خمس مفرداتها في لغة التخاطب الى أصل لغوي
عربي (308)
•
واذا كان للتجار والملاحين والمهاجرين العمانيين هذا الفضل
في نشر الاسلام في كثير من أنحاء مدغشقر، فقد كان لهم نفس
الفضل في نشره بين الجزر القريبة منها والتي تسمى بجزر القمر وجزر القمر الآن دولة اسلامية، أهلها كلهم مسلمون. ولما كانت هذه الجزر أقرب الى المناطق والبلاد الاسلامية في شرقي افريقيا من جزيرة مدغشقر، إذ أنها تقع تقريبا الى الشمال في منتصف المسافة بين كلوة ومدغشقر، فلابد أن الاسلام كان أسرع في الوصول اليها، إما عن طريق التجارة والملاحين العمانيين الذين كانوا يأتون اليها من عمان بقصد التجارة أو الاستيطان، وإما من أهل ساحل شرقي افريقيا، وكان معظمهم كما أشرنا من قبل من العمانيين. وقد أشارت بعض المصادر والمراجع إلى أن إحدى جزر القمر الأربع وهي جزيرة أنجوان قد فتحت عام 209 هـ/ 824 م أو عام 250 هـ / 814 م أو عام 284 هـ / 897 م، على اختلاف في الروايات، وذلك على أيدي الأزد العمانيين (309) والمعروف أن سكان جزر القمر الأربعة: نجازيجا (أنجزيجة) وأنجوان ومايوت وموهيلي، مزيج من العرب والجاويين والشيرازيين
(308) محمد العبودي: ص 41، يوسف فضل حسن: الجذور التاريخية: ص 33. (309) ستودارد: جـ 3 ص 142، المغيري: ص 91، 203، محمد كمال حسين: ص 159.
264
- (1/268)
صفحة 269
والأفارقة. وقد نزلها عرب المناذرة وغيرهم من قبائل عمان، مثل عرب مدينة صور العمانية الذين كانوا يترددون عليها كل عام، وكذلك نزلها عرب من حضرموت واليمن (310). والعلاقات بين عرب عمان وجزيرة أنجزيجة بالذات كانت متينة وقوية، اذ كانت سفنهم وتجارهم يرحلون بينها وبين الجزيرة الخضراء (بمبا) باستمرار، وذلك من أجل نقل البضائع والبيع والشراء (311).
ويبدو
أن العرب ب من العمانيين والحضارمة كانت لهم السيادة على هذه الجزر حتى قدوم البرتغاليين، بدليل ماذكره المغيري من أن سيادة الشيرازيين حكام كلوة عليها كانت بعد سيادة البرتغاليين عليها، أي أن هؤلاء الشيرازيين لم يكن لهم عليها سلطان الا على يد البرتغاليين الذين عينوا في حكمها بعض الأمراء الشيرازيين الذين أصبحوا كما هو معروف ألعوبة في أيديهم بعد أن استولوا على كلوة نفسها. ومع ذلك فان القبائل العربية كانت ذات فعالية قوية في جزر القمر،، حتى أنهم كانوا يفاخرون بأنسابهم وأصولهم، وكان ينتج عن ذلك كثير من الشغب والتعصب، مما دعا الحاكم الشيرازي السلطان محمد بن عيسى إلى أن يجبرهم على ترك الانتماء الى القبائل العربية، حتى يقضي على المفاخرة والتعصب وما ينتج عنه من شقاق وخصام، وصار انتماء الناس إلى الجزائر القمرية وليس إلى قبائلهم العربية، فصاروا يسمون بالقمري (312) ويذكر المسيو كارتي في كتابه المسمى "جزر افريقية في بحر
(310) سعيد المغيري: ص 304 - 305
(311) المرجع السابق: ص 203. (312) المرجع السابق: ص 303.
265
- (1/269)
صفحة 270
الهند الذي طبع في باريس سنة 1985 م عن كاتب عربي اسمه
أن أسرة عربية أصلها من
عمان
الشيخ يوسف بن المعلم موسى أقامت في بلدة تشينغوني حاضرة جزيرة أنجوان القديمة. وكانت هذه الأسرة ذات ثروة طائلة بسبب اشتغالها بالتجارة،، وقد أحسنت استعمال هذه الثروة في وجوه البر والخير، فذاع صيتها واشتهر أمرها في جزر القمر الأخرى، لدرجة أن سلطان جزيرة مايوت زوج ابنته من أحد أفراد هذه الأسرة، وهو صالح بن بن بشير المنذري العماني. ولما مات هذا السلطان عام 1790 م خلفه صهره صالح هذا، ثم خلفه ولده على السلطنة (313)، مما يدل على استمرار توطن القبائل العربية العمانية في جزيرة أنجوان حتى العصر الحديث
من
محمد
أما جزيرة نجازيجا (أنجزيجة) وهي كبرى جزر القمر والتي يسميها الأوربيون باسم قمر الكبرى، فقد دخلها عرب قادمون مسقط وغيرها من نواحي عمان في القرن العاشر للميلاد حسبما قال الدكتور نيقولا دي بلانتيه في كتابه القمر الكبرى،، (314). وقد أشار أحد المؤرخين الحضارمة وهو الشيخ السيد محمد بن عبد الرحمن بن شهاب العلوي الذي كان يعيش في بات بشرقي افريقيا، الى أنه كان يوجد في (أنقريجة) ـ وهو الاسم المشهور لهذه الجزيرة بين العرب هناك. كثير من بني نبهان وبني يعرب من أهل عمان، وكانوا هناك من ذوي الثراء، وكان
لبني نبهان بهذه الجزيرة بلدة تسمى مويرا (315)
(313) ستودارد: جـ ص 142 - 143، سعيد المغيري: ص 93
(314) ستودارد: ج 3 ص 144. (315) المرجع السابق: ج 3 ص 181.
-
-
266
- (1/270)
صفحة 271
وقد أورد دي بلانتيه وصفا لأهالي جزر القمر بصفة عامة،
وهي أوصاف يتضح منها الأثر العماني، فقال إنهم يحملون في
أما
أوساطهم خناجر معقوفة وذات قبضات من ذهب وفضة، النساء فيلبسن الحرير ضافيا، ويجعلن على أكتافهن ورءوسهن منديلا من الحرير ويرخين نقابا مزركشا مفتوحا عند العينين ولا يخرجن الى الشوارع إلا وهن متنقبات (316)
ويتحدث هؤلاء الكتاب وغيرهم عن حسن تمسك أهل هذه الجزر بالاسلام تمسكا شديدا وعن كثرة المساجد التي وصل عددها الى 670 مسجدا في المدن والقرى، والى انتشار الكتاتيب والمدارس التي تعلم الدين واللغة العربية بجانب اللغة السواحيلية واللغات المحلية الأخرى. واللغة العربية هناك هي لغة الدواوين والدين وبها تصدر الأوامر السلطانية وأحكام القضاة، أما السواحيلية فهي لغة التجارة. وكذلك كانت عادات الأهالي في الزواج والختان والولادة والوفاة والطلاق، وفي الاحتفال بالأعياد الاسلامية وبصوم شهر رمضان وبليلة القدر وبليلة الاسراء والمعراج وغيرها من المناسبات الاسلامية، لاتبعد عن العادات والتقاليد التي يتبعها المسلمون في بلدان العالم الاسلامي الأخرى (317)، مما يدل على مدى عمق العقيدة الاسلامية في نفوس الناس هناك، وعلى مدى الجهد الكبير الذي بذله العمانيون وغيرهم من المسلمين في نشر الاسلام في هذه الجزر حتى أصبح كل أهلها يدينون بدين
الاسلام.
(316) المرجع السابق: جـ 3 ص 144 – 145، 152
-
?
153
"
153، محمد كمال حسين: ص 159. (317) المرجع السابق: ج 3 ص 145، 151
-
267
- (1/271)
صفحة 272
ونفس هذه المظاهر تقريبا كانت موجودة عند مسلمي الساحل الشرقي لافريقيا، وكثير منها كان موجودا في المناطق الداخلية التي توغل فيها العمانيون وغيرهم. وقد أعطت هذه المظاهر للاسلام والحياة الاسلامية طابعا خاصا بعد أن تواءمت مع التقاليد الافريقية المحلية التي لاتتعارض مع الشريعة الاسلامية، فصارت الحياة هناك لها قسماتها الافريقية البارزة داخل اطار اسلامي كبير، فما هذه القسمات، وما هو هذا الاطار الذي
هي
أعطى للاسلام والحياة الاسلامية في افريقيا ساحلا وداخلا وجزرا
طابعها الخاص .. ؟
طابع الاسلام والحياة الاسلامية في شرقي افريقيا
كان من الطبيعي بعد هذا الحديث عن جهود العمانيين في الملاحة والتجارة كسبيل هام من سبل نشر الاسلام في شرقي افريقيا، وبعد الكلام عن الهجرات العمانية وما كان لها أثر من كبير في دعم الوجود العماني وفي دفع حركة انتشار الاسلام دفعا قويا حتى صار معظم أهل الساحل وجزر القمر مسلمين، وحتى نفذ الاسلام الى كثير من أرجاء افريقيا الداخلية، حول وجنوب البحيرات الاستوائية الى بحيرة نياسا ومنابع الزمبيزي، نقول إنه كان من الطبيعي أن نلقي الضوء على طابع هذا الاسلام الذي انتشر، وعن الصورة التي طبع بها الحياة في هذه المنطقة الهامة من القارة، سواء في ذلك الحياة السياسية أو الدينية والعلمية أم الحياة الاجتماعية، وكذلك حالة العمران والمدنية، وذلك كدليل هام
268
- (1/272)
صفحة 273
وناصع وقاطع على جهود العمانيين وغيرهم من العرب في نشر الاسلام في هذه البقعة من القارة
ففي مجال الحياة السياسية يمكننا أن نتخذ من أقوال ابن بطوطة ووصفه للحياة الاسلامية في سلطنة مقدشو معيارا لهذه الحياة في شتى أنحاء شرق افريقيا، فقد أشار ابن بطوطة الى نظم للحكم راقية، والى حياة اسلامية قوية لاتكاد تختلف عن غيرها في البلاد الاسلامية الأخرى، إلا في أنها تعطينا الطابع الافريقي
أن
التقاليد
والصورة الافريقية للحياة الاسلامية. تحدث ابن بطوطة عن الحكم كان في يد سلطان كان يلقب بلقب الشيخ، وأن الناس هناك كان من عادتهم أن يلقبوه بهذا اللقب (318)، تواؤما مع الحياة القبلية التي كانت تسود افريقيا في هذه المنطقة، فالحاكم هو زعيم القبيلة أو شيخ القبيلة، وهو تقليد لايبعد كثيرا عن العربية الأصيلة في بلاد العرب قبل الاسلام أو بعد الاسلام. وكان لهذا الشيخ أو لهذا السلطان وزراؤه وقضاته وموظفوه، وكانت له مواكبه الرائعة التي تجمع بين الشكل الإسلامي والطابع الافريقي. فقد كان يخرج للصلاة أيام الأعياد وأيام الجمعة في موكب مهيب، وقد رفعت فوق رأسه أربع قباب من الحرير الملون، يعلو كلا منها طائر مصنوع من الذهب الخالص، بينما تضرب الطبول والأبواق والأنفار ”جمع نفير، بين يديه، ويتحلق حوله أمراء الأجناد والقواد والقاضي والفقهاء والشرفاء. ويسير الموكب على هذا النحو المنظم غاية التنظيم حتى يصل الجمع الى المسجد فيؤدون الصلاة، ثم يخرج السلطان ومن
(318)
رحلة ابن بطوطة: جـ ص 280
269
- (1/273)
صفحة 274
معه على هذا النظام وتلك الهيئة ويسير حتى يدخل مشوره (دار (الشورى فيقعد الوزراء والأمراء ووجوه الأجناد من القواد في
سقيفة هناك، ويفرش للقاضي بساط لا يجلس معه عليه غيره، والفقهاء والشرفاء معه، ويظلون كذلك حتى صلاة العصر، فيؤدونها مع الشيخ (السلطان)، ثم يأتي الأجناد ويقفون صفوفا متراصة حسب مراتبهم ودرجاتهم العسكرية، ثم تضرب الطبول والأبواق، ايذانا بخروج السلطان، وعند ضربها لا يتحرك أحد ولا مقامه، حتى من كان ماشيا توقف عن المشي فلا يتحرك لا إلى أمام ولا إلى خلف، فاذا انتهي ضرب الطبلخانة سلم الجميع على السلطان وانصرفوا، وانصرف السلطان الى
يتزحزح من
داره (319)
فكان
جمعة، أما
يوم
السبت
تلك كانت عادة السلطان كل يوم يوما مخصصا للفصل في المظالم أو الشكاوي أو الالتماسات التي يقدمها الأهالي، الذين كانوا يأتون في هذا اليوم ويجلسون في سقائق مخصصة لهم خارج دار السلطان، بينما كان القاضي والفقهاء والشرفاء والصالحون والمشايخ والحجاج يجلسون في دار أخرى تسمى المشور الثاني، أما المشور الأول فقد كان السلطان يجلس فيه ويبعث الى القاضي فيجلس عن يساره، ويقعد كبار الفقهاء بين يديه، ثم يدخل الوزراء والأمراء والأشراف فيسلمون ويأخذ كل منهم مكانه، ويؤتى بالطعام ويأكل الجميع وينصرف الشيخ الى داره، بينما يظل القاضي والوزراء وكاتب السر وأربعة من كبار الأمراء في مجلسهم للفصل بين الناس، فما كان متعلقا
(319)
المصدر السابق: جـ 1 ص 281 -
282
270
- (1/274)
صفحة 275
بالأحكام الشرعية حكم فيه القاضي، وما سوى ذلك من القضايا حكم فيه أهل الشورى وهم الوزراء والأمراء، أما ما كان مفتقرا الى مشورة السلطان فكان يرفع اليه حيث يبدي رأيه، ويعود الرد
اليهم على ظهر البطاقة التي كانوا قد رفعوها اليه (320) وهكذا ترى أن سلطنة مقدشو تمتعت بنظام سياسي قوى، فهناك السلطان أو الشيخ، وهناك داران للشورى، دار للشيخ ودار أخرى لأهل الشورى الذين كانوا يتكونون من الوزراء والأمراء وعلى رأسهم القاضي والفقهاء، وهناك يوم مخصص للناس يأتون فيه الى دار الشورى للفصل في قضاياهم حسب الشريعة الاسلامية، أما مواكب السلطان في خروجه من داره الى المسجد أو عودته منه، فقد كانت كما ترى مواكب تعبر عن الفخامة والروعة، وتجمع بين التقاليد الاسلامية وبين التقاليد الافريقية، كما أنها تشير إلى غنى الدولة وثرائها، حتى أن السلطان كما رأينا اتخذ طيور الذهب فوق قبابه التي كانت ترفع فوق رأسه أثناء ذهابه الى المسجد لأداء الصلاة. وتشير هذه المواكب أيضا الى تنظيم عسكرى وجيش قوي، وإلى اتخاذ علامات وشارات السلطنة من ضرب الطبول والأبواق ووقوف الجند والوزراء والأمراء، وغير المظاهر الأخرى التي كانت تتميز بها السلطنات في بلاد
ذلك
من
الاسلام الأخرى
أما نظام تولي الحكم في هذه السلطنة فيغلب عليه النظام الوراثي. ذلك أن هؤلاء الشيوخ أو السلاطين الحرث حكموا سلطنة مقدشو طوال معظم فترات العصور الوسطى منذ نشأتها
(320)
المصدر السابق: ج 1 ص 282
283
-
-
271
- (1/275)
صفحة 276
حتى قدوم البرتغاليين عند نهاية القرن الخامس عشر للميلاد، بصرف النظر عن قبيلة الأبجل الصومالية التي قفزت إلى حكمها في زمن لا نعرفه قبل زيارة ابن بطوطة لها عام 731 هـ / 1331 م، إذ يبدو أن حكم هذه الأسرة لمقدشو كان أمرا عارضا بدليل أن البرتغاليين عندما قدموا وجدوا حكامها من أسرة المظفر من بني الحارث العمانيين الذين أسسوها عندما قدموا الى هذه البلاد من منطقة الخليج العربي (321)
ويمكن أن يكون أسلوب الحكم ومظاهره ومواكب السلطان وحرصه على التقاليد الاسلامية التي رأيناها في مقدشو كانت موجودة في السلطنات والمدن الأخرى التي أقامها العمانيون المهاجرون. فسلطنة لامو كانت تطبق نظام الشورى في الحكم، إذ كان الأمير الجلندى يحكم بواسطة مجلس استشاري يتكون من أعيان المدينة وشيوخ أحيائها الذين كانوا يشاركونه تحمل المسئولية، فلا يبرم أمرا الا بعد استشارتهم وأخذ رأيهم، وكان من حق أي انسان أن يلجأ الى هذا المجلس طلبا للانصاف والعدالة اذا مسه ضر (322)، وهي صورة كما ترى قريبة جدا من الصورة التي رأيناها في مقدشو
•
وفي سلطنة بات النبهانية كان الحكم يسير على نظام الوراثة، فقد ظلت الأسرة النبهانية تحكم بات وما خضع مدن منذ لها
من
ظهورها هناك في بداية القرن السابع الهجري/ الثالث عشر للميلاد انتهت العصور الوسطى. وقد سبقت الاشارة الى أن سلاطين
(321) انظر (322) انظر
ص 217
-
ص 208.
221
272 (1/276)
صفحة 277
النباهنة في بات وصل عددهم الى ثلاثين أو اثنين وثلاثين سلطانا حتى عام 911 هـ / 1506 م عند قدوم البرتغاليين (323)، ومنهم من حكم مدة طويلة. وتكفي الاشارة الى أن اثنين من هؤلاء السلاطين هما السلطان محمد الثاني بن أحمد (690 - 732 هـ / 1291 (1331 م) وابنه السلطان
-
-
عمر
الأول
760 هـ / 1331 - 1358 م)، حكما كما ترى مدة تبلغ السبعة والستين عاما (324)، وهو أمر يدل على الاستقرار السياسي الكبير الذي تمتعت به هذه السلطنة التي استمرت في حكم البلاد بعد انتهاء العصور الوسطى وحتى القرن الماضي
فنظم الحكم كانت تتقلب في هذه السلطنات بين الشورى والوراثة، وذلك حسب الظروف التي تحيط بكل منها أو حسب الأصول الأولى التي قامت عليها هذه السلطنات أو حسب المعتقدات التي حملتها الأسرات الحاكمة من مواطنها الأولى في عمان. فبنو الجلندى ربما كانوا متأثرين بأفكار القعدة الذين عرفوا فيما بعد باسم الأباضية.، وهي أفكار تنادي بالشورى في الحكم. وبنو الحارث لم يكونوا ملوكا في مواطنهم الأولى في بلاد العرب، وكانوا شيوخا لقبيلة الحارث، فاتبعوا النظام السائد والمألوف وهو النظام الوراثي واتخذ سلطانهم لقب الشيخ كما ذكرنا. أما بنو نبهان فقد كانوا سلاطينا في عمان، وكانوا يتولون مناصبهم هناك بالوراثة، ومن ثم نقلوا هذا النظام معهم الى شرقي افريقيا
هذا
عن الحياة السياسية ومواكب السلاطين وأسلوب
(323) انظر
(324) انظر
ص 227.
226
- 220
228
-
273 (1/277)
صفحة 278
حكمهم ونظام حياتهم، أما الحياة الدينية والعلمية والتعليمية فقد كان لها أيضا طابعها ومظاهرها الاسلامية الواضحة في هذه السلطنات وفي شرقي افريقيا بصفة عامة، فالمناسبات الدينية والأعياد الاسلامية كان يتم الاحتفال بها في هذه البلاد، ولايزال الأمر كذلك، وخاصة عيد الفطر وخاصة عيد الفطر أو العيد الصغير أكبر
الأعياد
عن
IDI NDOGO ، ذلك العيد الذي كان يعتبر عندهم من. وكانت مظاهر الاحتفال به هناك لاتختلف في جوهرها الاحتفال به في مناطق العالم الاسلامي الأخرى. أما العيد الكبير IDI KUBWA وهو عيد الأضحى فهو أقل أهمية عندهم من العيد الصغير، ذلك أن العيد الصغير هو بداية السنة السواحيلية عندهم بشهر شوال (325)
التي
تبدأ
كذلك كانوا يحتفلون بيوم ميلاد النبي (ع) في الثاني عشر الأول من ربيع من كل عام حيث تزدان المساجد بالزينات ويتم انشاء الموالد وتبدأ الاحتفالات بموكب المولد الذي يمر عبر الشوارع بعد صلاة العصر ويستمر في ذلك حتى صلاة المغرب. وفي المساء يأتي دور انشاد مولد البرزنجي حيث يجلس المنشدون على منصة عالية مظللة ويتجمع الأهالي حولهم بالآلاف ويأخذ المنشدون في انشاد مقاطع من المولد ويرد عليهم الحاضرون، وفي نهاية الانشاد صلى الله يلقي كبار الحاضرين الكلمات في مدح الرسول (ع) باللغة العربية والسواحيلية. وقد كان الاحتفال بالمولد في لامو حيث السلطنة الجلندانية يجذب أناسا من جميع أنحاء شرقي افريقيا، وكان الاحتفال يتم على ضوء المصابيح الغازية ورائحة البخور وحركات
(325) ترمنجهام: ص 166
174
-
-
274
- (1/278)
صفحة 279
الصبية وهم يرشون ماء الورد على الحاضرين، وصفان من الرجال يقفون في زيهم الناصع البياض (الدشداشة) من المنشدين والمرددين (الكورس يواجهون بعضهم البعض ويغنون بمصاحبة الآلات الموسيقية وهم يتمايلون بصدورهم يمنة ويسرة (326)
وكان الأهالي يحتفلون أيضا بيوم الإسراء والمعراج ويعتبرونه يوم الابتهال والتضرع SIKU YA LALAMA لطلب المغفرة من الله
عند
وكان شهر رمضان من الشهور التي لها وضع خاص حتى الوثنيين، فقد كانوا يهجرون تعاطي الخمور اذا ماحل هذا الشهر المبارك، وكان المسلمون يكثرون فيه من الصدقات ويكثرون من التردد على المساجد لتأدية الصلوات المفروضة وصلاة التراويح SALA YA SUNNA ، ويكثرون من حضور الدروس الدينية حيث يكون الموضوع المفضل هو دراسة تفسير القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وفي ليلة القدر من شهر رمضان، كانت المساجد تزدحم بالناس ازدحاما كبيرا حيث أن الصلاة والعبادة فيها تعادل عبادة ألف شهر كاملة. وكان لهذه الليلة أهميتها بالنسبة للذين يؤمنون بالأرواح حيث كانوا يعتقدون أن الأرواح المسجونة يفك أسارها في هذه الليلة (327)
واذا كان شهر رمضان له عندهم هذه المنزلة الكبيرة فان شهر ذي الحجة له منزلة سامية أيضا، اذ كان يرتبط عندهم بموسم الحج الى بيت الله الحرام. ففي الأيام العشرة الأولى من هذا الشهر
الذي كانوا يسمونه شهر الحج MWEZA WA HIJA ، يقيم
(326) المرجع السابق: ص 169 -
(327) المرجع السابق: ص 170
170
171
-
-
-
270
- (1/279)
صفحة 280
الكثيرون ولائم في ذكرى موتاهم، ويؤدي الكثير منهم فريضة الحج بالذهاب الى بلاد الحجاز (328). ويعود الحجيج من الأفارقة وقد امتلئوا حماسة لنشر الاسلام بين من ظل على عقيدته الأولى، خاصة وأن الحج كان يعطي صاحبه منزلة اجتماعية مرموقة، فكان الكثيرون يعتنقون الاسلام متأثرين بذلك وبما سلف مظاهر اسلامية كانت تمارس أثناء الاحتفالات والمناسبات الدينية التي أشرنا
اليها.
•
من
ومن العوامل الأخرى أو الظواهر الأخرى الاسلامية التي كان لها فضل في نشر الاسلام وثقافته اهتمام الأهالي في شرقي افريقيا ببناء وانشاء المساجد. فقد كثر بناؤها وانتشر في شرقي افريقيا لدرجة أنه أصبح لكل مجموعة سكنية مكونة من ستة منازل مسجد
يؤدي فيه الناس الصلاة، حيث اعتاد الناس الا يصلون في العراء فكان الواحد منهم لايصلي دون سقف يرتفع فوق رأسه، أي أن الصلاة لاتتم الا داخل مسجد (329) مما أدى الى ازدياد عدد المساجد وانتشارها. وقد سبقت الاشارة الى ماذكره ابن بطوطة كثرة عدد المساجد في مقدشو وإلى ماذكره جيان من أن سلطنة
من
مقدشو أكثرت من انشاء المساجد والجوامع التي بقي لنا مساجد عدة، منها مسجد عليه كتابة تبين أن تاريخ تأسيسه عام 637 هـ / 1236 م، أي قبل زيارة ابن بطوطة لمقدشو بما يقرب من قرن (330). وقد وجد المنقبون آثارا كثيرة تدل على وجود مساجد صغيرة مبنية بالحجارة انتشرت في المدن التي اندثرت والتي
(328) المرجع السابق: ص 168.
(329) المرجع السابق: ص 156.
(330) انظر
ص
221
220
-
276 (1/280)
صفحة 281
عد منها باحث واحد فقط ستا وثلاثين مدينة على ساحل تنزانيا وحدها، كما وجدت مساجد من الخشب والطين في معظم المدن الصغيرة والقرى المنتشرة في المناطق الداخلية (331)
وفي الداخل البعيد حيث توجد القبائل الافريقية كانت المساجد تقام بعيدا عن تجمعات المنازل وتكثر داخل القرى التي يعيش فيها زعماء هذه القبائل مثلما كان الحال في قبيلة الياو (332). وفي بعض البلدان كزنجبار وغيرها كانت المساجد قليلة الزخرفة والزينة نظرا لتأثير المذهب الأباضي الذي يدعو الى البساطة وعدم التكلف في كل شيء، وهي بساطة تعود بالمسلمين الى عصور الاسلام الأولى. وكانت هذه المساجديعين لها مقيمو الشعائر، كالامام والمؤذن الذي يقوم أيضا بجانب الأذان بتنظيف المسجد ومده بالماء. وكان هؤلاء الموظفون يأخذون رواتبهم من الأوقاف التي أوقفها الخيرون للصرف منها على
المؤسسات الدينية والتعليمية (333)
ذلك أن المساجد بجانب كونها مكانا تؤدى فيه الصلوات والعبادات والشعائر الاسلامية، ومكانا تقام فيه الدعوة للاسلام، كانت تستخدم أيضا كمدارس لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال، ولتعليم اللغة العربية وتفسير القرآن والفقه لعامة الناس على يد العلماء والمشايخ بعد صلاة المغرب، حيث كانت تعقد حلقات تلقى فيها محاضرات أو دروس تسمى DARASAS لتحقيق هذا
Murphy, op. cit, PP. 232 - 233.
277 -
(331)
(332) ترمن
ام: ص 157.
(333) المرجع السابق: ص 158. (1/281)
صفحة 282
الغرض، وقد كانت هذه الحلقات تكثر خلال شهر رمضان
ويتزايد عدد الحاضرين لها والمستفيدين منها (334)
وبجانب المسجد كمؤسسة تعليمية كانت هناك المدارس الصغيرة التي تتكون من غرفة واحدة والتي تسمى عادة باسم الكتاب أو المكتب. وقد كانت هذه الكتاتيب منتشرة على الساحل وفي المدن الداخلية ويؤمها الأطفال الصغار. فقد كان الطفل عندما يبلغ السادسة أو السابعة من عمره يذهب الى الكتاب بعد أن يتفق والده مع المعلم أو الفقيه على التحاقه بكتابه لتحفيظه القرآن الكريم. وكان الوالد ينصح المعلم بأن يخلص في تعليم ابنه حتى وإن ضربه ضربا مبرحا بالعصا ولا يحافظ على شيء منه سوى عينيه. وفي كل يوم من أيام الخميس كان الطفل يأتي للشيخ بمبلغ زهيد من المال متفق عليه ومعروف سلفا، وذلك بخلاف الهدايا التي كانت تعطى له بمناسبة الأعياد. وعندما ينتهي الطفل حفظ القرآن كان يمتحن فيه على يد مجموعة من المعلمين والمشايخ، فان اجتاز الامتحان كوفيء المعلم أحسن مكافأة، وعمت البهجة أهل الطفل بل والقرية كلها، وأقيمت الولائم، وأنشدت الموالد احتفالا بهذا الحدث الهام في حياة الطفل وأسرته، سواء كان ذكرا أم أنثى. فقد كانت الفتيات تتعلمن مع الفتيان في الكتاب حتى يبلغن سن البلوغ، عندئذ يحجبن، أما النساء فقد كانت هناك شيخات أو معلمات تقمن بتدريس القرآن لهن في
من
منازلهن (335)
(334) المرجع السابق: ص 159، 161.
(335) المرجع السابق: ص 160 – 161، 230 – 233.
-
278 - (1/282)
صفحة 283
وقد تمتع المعلمون والمشايخ والفقهاء الذين قاموا على تعليم
التلاميذ والأهالي سواء في الكتاتيب أم في المساجد بمنزلة سامية في هذه السلطنات التي أقامها العمانيون في لامو ومقدشو وبات، وفي ساحل افريقيا الشرقي بصفة عامة، نظرا لدورهم الكبير في الدولة والمجتمع. فبجانب قيامهم بمهنة التعليم كان البارزون منهم يتولون وظائف القضاء والمشورة للحكام ورؤساء القبائل، لأنهم أدرى بالشريعة وأقدر على الافتاء أكثر من غيرهم (336). وقد رأينا في سلطنة مقدشو وكما حكي ابن بطوطة أن السلطان كان لايصلي الا معهم ولا ينعقد مجلسه الا بحضورهم، ولا يحكم في أمر الا بعد استشارتهم، ولا يتناول الطعام الا معهم، وكان يقدمهم في الجلسة على الوزراء والقواد والأمراء وكبار رجال الدولة، فازدهرت الحياة الدينية والعلمية في هذه السلطنة وفي غيرها من السلطنات التي أقامها العمانيون في شرقي افريقيا (337)
وبالنسبة للأهالي كان المعلمون والمشايخ والفقهاء ذوي فائدة كبرى، فبجانب تعليم أولادهم كانوا يقدمون لهم خدمات جليلة، مثل تدوين الوثائق الخاصة بعمليات البيع والشراء، وكتابة الأحجبة والتمائم التي كان يكثر الطلب عليها في مناسبات
معينة (338)
وبجانب المعلمين والفقهاء وماكان لهم من دور كبير في نشر الاسلام والثقافة الاسلامية بين الأفارقة، كان هناك أيضا رجال
(336) المرجع السابق: ص 245.
(337) ابن بطوطة: ج 1 ص 281.
(338) ترمنجهام: ص 245.
283
-
279
- (1/283)
صفحة 284
•
الطرق الصوفية الذين ساهموا بقدر كبير في تحويل الناس الى الاسلام، متضامين في ذلك مع التجار والدعاة العمانيين وغير العمانيين فقد تسربت الى المجتمعات الاسلامية في الساحل والداخل في شرقي افريقيا بعض الطرق الصوفية وما اشتهرت به من إقامة حلقات الذكر. وطبيعي أن انتشار هذه الطرق الصوفية لم يأت طريق العمانيين سواء كانوا تجارا أم مهاجرين مقيمين، عن فالمذهب الأباضي يمنع ذلك تماما، وانما أتت هذه الطرق مع بعض التجار الذين كانوا يأتون من دول اسلامية أخرى، فكانت حلقات الذكر تعقد أسبوعيا إما في ليلة الجمعة أو بعد صلاة
الجمعة (339)
وقد عرفت في شرقي افريقيا طرق صوفية معينة مثل الشاذلية والقادرية، وكان أعضاء هذه الطرق في الساحل من العرب وبعض الأفارقة المخالطين لهم. أما في الداخل فقد كانوا من الأفارقة دون العرب أو السواحيلية، حيث كانت غالبية السكان هناك من الأفارقة دون هذين العنصرين (340)، مما أعطى فرصة واسعة لانتشار الاسلام في الداخل على أيدي هؤلاء الأفارقة الذي كانوا أقدر على اقناع بني جنسهم بالدخول في الاسلام بسبب اتفاقهم في اللغات والعادات والتقاليد أكثر من غيرهم من الدعاة أو التجار
العمانيين والعرب (341)
تجمع الأفارقة حول رجال الطرق الصوفية بعد أن لقيت هذه
(339) المرجع السابق: ص 176 (340) المرجع السابق: ص 178.
Trimingham : The influence, P 101.
280
-
(341) (1/284)
صفحة 285
•
(342)
الطرق نجاحا عظيما في افريقيا الزنجية، وكثر المرابطون المثقفون من مشايخ الطرق الصوفية الذين زاولوا كتابة الرقي والتمائم والتعاويذ واظهار الكرامات، فنافسوا الكهنة الوثنيين في صناعتهم وحلوا محلهم وأصبحوا محل تقدير الأفارقة وإعجابهم ومن ثم أقبل الأفارقة على الدخول في هذه الفرق حيث وجدوا في حلقات الذكر ما يذكرهم بحلقات أو حفلات الرقص (343) الذي يحبونه حبا جما، ووجدوا في شيخ الطريقة ما يغنيهم عن الكاهن أو الساحر فنجح الصوفيون في جذب الناس اليهم وتجميعهم خلف زعاماتهم فكانوا بذلك عامل توحيد لهذه الفئات المتعددة العناصر والألوان والأجناس والأعراف والتقاليد، مما أعطى للاسلام قوة دفع كبيرة
على يد هؤلاء الصوفيين في هذه المنطقة من القارة
ونظرا لانتشار الثقافة الدينية على هذا النحو بين الأفارقة، ونظرا لتزايد تأثير رجال الدين ورجال الطرق الصوفية عليهم، ونظرا لاستمرار المخالطة والتزاوج بين العرب والأفارقة في السلطنات التي أقامها العمانيون على الساحل، فقد كانت عادات الأفارقة المسلمين في الولادة والوفاة والزواج والطلاق مماثلة تقريبا لعادات المسلمين في البلدان الاسلامية الأخرى، إذ كانوا يحتفلون بميلاد مولود جديد، أو عند ختانه، أو عند الزواج، باستدعاء الفقهاء لقراءة القرآن وإنشاد المولد" الذي يبدأ بوصف النور الإلهي، ثم المبدأ الأزلي للخلق، ثم الأحداث الرئيسية في حياة
صلى الله الرسول) مع التركيز الشديد على معجزاته وكراماته علي
(342) حسن محمود: ص 65 (343) حسن ابراهيم حسن: ص 56
•
2810
- (1/285)
صفحة 286
وعندما يصل المنشدون الى اللحظة التي يستقبل فيها الرسول الحياة، وهي أكثر أجزاء الانشاد قدسية ومهابة، ويقولون "ولد
نبينا، فإن الجميع يقفون صائحين: يانبي عليك، (344)
السلام
والجدير بالذكر أن ممارسات الأفارقة الأخرى في الاحتفال بالزواج ومراحله وترتيباته ومظاهره لا تختلف كثيرا عنها في المجتمعات الاسلامية الأخرى، ونفس الشيء يمكن أن يقال بالنسبة للموت وما يتبعه من مظاهر الحداد وما يقرأ في هذه المناسبة من قرآن في اليوم الثالث والسابع ويوم الأربعين للوفاة على يد مقري لهذا الغرض، وفي اليوم الاخير تنتهي فترة الحداد بعد أن يقرأ القرآن كله ويزار فيه قبر المتوفي (345)
يستدعى
يضاف الى ذلك أن الاسلام خلص الأفارقة من عادات سيئة قديمة مثل عادة العري التي كانت منتشرة بين معظم القبائل الافريقية، فصاروا يتميزون على من سواهم من الوثنيين بالملبس النظيف والأنيق (346)، متأثرين في ذلك بملابس العرب التي كانت تتكون من جلباب طويل (الدشداشة)، وطاقية صغيرة (الكمة)، وملابس سابغة للنساء كانت تغطي الجسم كله من الرأس الى القدم. ارتدى الأفارقة من البانتو هذه الملابس وتخلصوا من الملابس التي كانوا يتخذونها من جلود الحيوانات أو الأعشاب والتي كانت لاتستر الا عوراتهم فقط (347). كما خلصهم الاسلام
(344) ترمنجهام: ص 174
221، 170 223
243 -
-
(345) المرجع السابق: ص 206، 233
(346) سليمان المالكـ
68، محمد النقيرة: ص 41،
Murphy : op. cit, PP. 230 – 231.
-
282
(347) (1/286)
صفحة 287
من أقبح الرذائل والعادات، وخاصة أكل لحوم البشر، وتقديم
الانسان قربانا للالهة، ودفن الجواري والخدم والزوجات مع المتوفي، ووأد الأطفال أحياء (348)
الملك
فكانت سيء عندهم
منهم،
معني
وكان هؤلاء الأطفال يوعدون لا لشيء إلا لأنهم ولدوا مشوهين، أو ولدوا وبهم مس من الشيطان كما كان يعتقد آباؤهم، أو لأن أسنانهم العليا ظهرت أولا، وهو فأل بعض القبائل تترك هؤلاء الأطفال في الغابة تخلصا، ولكن الاسلام عدل هذه العادة بين المسلمين الأفارقة، فأصبح الأطفال الغير مرغوب فيهم لما سبق من أسباب، يحملون إلى المساجد ويتركون فيها طيلة الليل بأكمله، فإن طلع النهار وهم على قيد آباؤهم الى دورهم فرحين مستبشرين الحياة، عاد بهم لأن بقائهم أحياء هو أحياء هو أن الله بارك وجودهم، فلا خوف منهم باعتبارهم أطفالا (مبدولين). وهكذا تم التوافق بين أصحاب هذه العادات وبين أصحاب العادات الجديدة على السواء (349) زد على ذلك أن الاسلام علمهم النظافة. فقد بدأ الأهالي الذين لم يتعودوا على الاغتسال من قبل يغتسلون ويتنظفون، بل انهم صاروا يكثرون من الاغتسال والنظافة، لأن اقامة الشعائر الدينية الاسلامية لاتصح الا بطهارة البدن والملبس والمكان. كما أن الاسلام أعطاهم الأمان والأمن بعد أن أقام لهم الامارات والدول
القديمة
والسلطنات ذات الجيوش والجنود والشرطة، فقل السلب والنهب وازداد اطمئنان الناس على أملاكهم وأرواحهم، وأصبح المسجد
(348) حسن ابراهيم حسن: ص 89، سعيد المغيري: ص 187 (349) ترمنجهام: ص 220.
283 -
- (1/287)
صفحة 288
الجيد البناء النظيف بما فيه من أذان للصلاة خمس مرات في اليوم، وقبلة تتجه الى مكة المكرمة، وإمام وصلاة جمعة، مركزا للقرية بدلا من دار عبادة الأوثان ذات المنظر البشع. كما ظهرت صناعات وتجارة لا كالتجارة الصامتة التي تقوم الاشارات فيها مقام اللغة في التفاهم، ولا كالمبادلة البدائية في الخامات، أو المقايضة بالودع وحبات الخرز أو الطباق أو الخمر، ولكنها صناعات تنطوي على مهارة فائقة، وتجارة منظمة تنظيما محكما (350)، مما أدى الى ازدهار الحضارة في المدن والامارات والسلطنات التي أقامها العمانيون في شرقي افريقيا ازدهارا كبيرا أدهش الرحالة المسلمين وغير المسلمين
- مظاهر التقدم الحضاري في شرقي افريقيا:
ذلك أن هذه المدن والامارات والسلطنات لم تكن مجرد أسواق للتجارة يأتي اليها التجار من عمان وغير عمان يبيعون ويشترون ثم يرتحلون، بل أصبحت كما قلنا موطنا دائما لكثير من
منهم من
التجار، وموطنا لهجرات عمانية عديدة أشرنا اليها وتحدثنا عنها وكان هؤلاء المهاجرون على صلة دائما بوطنهم الأم عمان، ولم تنقطع هذه الصلات في أي وقت من الأوقات. ذلك أن تزوج بالافريقيات واعتبر موطنه الجديد في ساحل شرقي افريقيا وطنا دائما، ومنهم من استوطن هذا الساحل بصورة شبه دائمة، كان يعتبر وجوده هناك أمرا مؤقتا، إذ كان هدفه
وهناك من الأساسي هو طلب العيش، أي تحسين حالته المادية والاقتصادية،
(350)
حسن ابراهيم حسن ص 79
A.
-
-
284
— (1/288)
صفحة 289
ويعتبر عمان الوطن الحقيقي الذي سيعود اليه يوما من الأيام هذه الأقسام الثلاثة كانت تتابع أحداث الوطن الأم باهتمام
وجميع
وتتأثر عاطفيا بكل ما يجري فيه بصورة خاصة، وبما يجري في الوطن العربي والاسلامي بصورة عامة (351). وعلى ذلك فقد كانت الروابط والصلات قائمة ومستمرة، بل ازدادت قوة واتساعا نتيجة لوجود عوائل عمانية كان بعض أفرادها يعيشون في الساحل الافريقي الشرقي، وبعضها الآخر يعيش في عمان
ولم تكن صلات مسلمي شرق افريقيا قاصرة على عمان وحدها بل امتدت لتشمل دول العالم العربي والاسلامي کله (352)، ودول جنوب شرقي آسيا، وقد تركت هذه العلاقات أثرا لازال واضحا في تركيبة السكان الاجتماعية وفي الحياة الثقافية والحضارية، لأن هذه العلاقات كانت في جوهرها علاقات تجارية نتج عنها ثراء الحكام والسكان في شرقي افريقيا ثراء يقرب
حد الخيال
•
وقد سبقت الاشارة الى الثراء الكبير الذي كانت تعيشه سلطنة مقدشو حتى اتخذ سلطانها قباب الحرير الملون القائم فوقها طيور مصنوعة من الذهب الخالص، واتخذ مظاهر السلاطين الكبار والخلفاء العظام من ضرب الطبول والأبواق، ومشي الأجناد أمامه وخلفه عند خروجه الى المسجد للصلاة أو الى دار الشورى في مواكب فخمة، وهي صورة رائعة تدل على مدى العظمة والقوة. و لم تكن هذه العظمة في هذا الشكل أو ذاك من الحياة السياسية،
(351) أحمد عيضة سالم: ص 157
(101)
(352) حسن محمود: ص 439
285
- (1/289)
صفحة 290
بل كانت أيضا في مجال الحياة الدينية والثقافية كما رأينا، وكانت
أيضا في مجال العمران والمدنية (353)
طائلة
فقد تألقت مقدشو حتى بدت مدينة جميلة كبيرة متناهية في الكبر مزدحمة بالأهالي الذين كانوا تجارا أقوياء وأصحاب ثروات الجمال والأغنام الوفيرة الكثيرة العدد، حتى انهم كانوا من ينحرون منها المئات كل يوم من أجل طعامهم. كما وجدت بمقشو صناعة الثياب المنسوبة اليها والتي لا نظير لها حتى انها كانت تحمل الى ديار مصر وغيرها (354). فهي مدينة غنية مترفة، أحاطت بها الأسوار وارتفعت فيها المنازل والقصور السامقة، وازدحم ميناؤها بالسفن التي لا يحصيها العد، هكذا وصفها فاسكو دي جاما عندما مر بها عند عودته من قاليقوط في رحلته الأولى. ولما جاء بعده (داكونها) لاخضاعها لم يتمكن من ذلك لأنه وجدها مدينة متينة التحصين شديدة المنعة، فاضطر للعدول عن مهاجمتها (355)
ولا نريد أن نسترسل في وصف التقدم الحضاري الكبير الذي وصلت اليه السلطنات والمدن التي أقامها العمانيون المهاجرون والتجار العمانيون الوافدون، ويكفينا في ذلك ثلاث شهادات جاءت على لسان غير العرب والمسلمين، وصفت لنا الحياة في هذه السلطنات وفي الساحل بصفة عامة. وأول هذه الشهادات جاءتنا من برتغالي عاصر هذه الحضارة ورأي ازدهارها وتفوقها وهو
(353) انظر: ص 269
-
284
(354) ابن بطوطة: ج 1 ص 279
286 -
-
-
322
ان: ص
(001) (1/290)
صفحة 291
دوارت باربوسا DUARTE BARBOSA . فقد وصف لنا ماراه على الساحل والجزر اجمالا عندما أتي للمرة الأولى عام 1500 م وأخذ عن مذكرات فاسكو دي جاما الذي كان قد غزا الساحل قبل ذلك بعامين فقال: "جاءت أربع سفن صغيرة في البدء يقودها فاسكو دي جاما وطوفت شرقا حول رأس الرجاء الصالح ... وما ان وصلت هذه المراكب الصغيرة خليج مدغشقر، حتى عرفت أن أسوأ ما كان مقدرا لها أن تلقاه في المحيط المجهول قد انتهى أمره، فقد فوجئت هذه السفن الصغيرة أكبر مفاجأة حين جاءت سفالة، وتوالت بعدها المفاجآت واحدة تلو الأخرى. فقد لقي البحارة ما لم يكن في حسبانهم حين خرجوا يضربون في البحر. لقد لقوا مرافيء تطن كخلايا النحل، ومدنا ساحلية عامرة بالناس .. وآهلة بالسكان لاتقل عن مدنهم في البرتغال وسائر أقطار القارة الأوربية، ورأوا تجارة بحرية نافقة في الذهب والحديد والعاج والخرز والنحاس وجلود السلحفاة، والأقمشة القطنية والرقيق وفخار الصين. لقد عثروا دون أن يقصدوا على عالم تجاري أوسع من عالمهم الذي جاءوا منه، وأكثر ثراء من بلادهم الأوربية، (356)
ذهل البحارة حين رأوا في زمانهم ذاك – أخريات القرن
-
-
الخامس عشر على ساحل افريقيا الشرقي حضارة لاتقل عن حضارة ساحل البرتغال الذين أتوا منه وتفوقها في معرفة العالم المحيط بها والبعيد عنها وذهل رفاق فاسكو دي جاما أكثر حين رأوا الأهلين على الساحل لا يعبأون ولا يعتنون .. كانوا طغاما بهم يقصد البرتغاليين ـ لاصقل فيهم ولا ثراء ولا حضارة، أين لهم
-
(356) جيان برواية دافدسون: ص 262
264
-
287
-- (1/291)
صفحة 292
هذه المراقي التي يدخلونها في سهولة ويسر ... ؟ أين لهم هذه المدن العامرة التي يلجئون لها بما يكسبون من مال ومتاع ... ؟ وقد جاء رجلان من أهل مرفاً زارته السفينة القائدة، أي سفينة دي جاما الذي كتب في مذكراته يقول انه ميناء قويلمين QUILIMANE وأنه زاره بعد يومين أو ثلاثة من وصوله الى هذا الميناء رجلان أهله من فما أعجبهم شيء رأوه .. كانت أنوفهم في السماء واحد منهم كان يلبس طاقية مطرزة الحوافي بالحرير الخالص، والآخر كان يلبس طاقية كلها من الحرير الأخضر كان في صحبتهم شاب لايقل زهوا عنهم، فهمنا من اشاراتهم بأيديهم أنه جاء من بلاد بعيدة، وأنه رأي فيها سفنا أكبر من التي نركبها،، (357)
و
شامخة، واحد منهم
سفننا
أما الشهادة الثانية فيحكيها لنا دافدسون حيث وصف لنا مدن الساحل وصفا جميلا فقال: "كانت هذه المدن على عهدها الزاهي جميلة مترفة، لا تختلف عن المدن المعاصرة لها في أوربا وآسيا، كانت تطل على محيط تلتمع مياهه الزرق، منازلها العالية كالقصور، ردهاتها تقود الحجرات فخمة طيبة الهواء، تحيط بها أسوار عالية منيعة، تطل بدورها على شوارع عريضة طويلة، تتوجها في نهاياتها حصون وقلاع تشرف على المدينة تحرسها ولاتنام، (358) أما الشهادة الثالثة فتجيء هذه المرة على لسان بعض الكتاب الأفارقة المحدثين الذين يعيشون في شرق افريقيا حيث أعطونا
(357) المرجع السابق: نفس الصفحات،
(358) داندسون: ص 268.
Murphy, op. cit, P 235.
288 (1/292)
صفحة 293
عن
صورة حية لازدهار حضارة هذه المنطقة القارة لاتختلف كثيرا من الشهادتين السابقتين. فقد أشاروا في شهادتهم الى أن الحضارة الاسلامية ازدهرت في الساحل منذ القرن الثالث عشر للميلاد واستمرت كذلك حتى نهاية القرن الخامس عشر، فقد تألقت حياة السكان حيث بنوا منازل وقصورا ومساجد من الحجارة تقريبا على الطراز العربي والفارسي. وكانوا يؤثثونها بسجاد من فارس وأوان مزينة من البورسلين الصيني، وزجاج وأعمدة من أراض بعيدة، بالاضافة الى أشياء افريقية كالخشب والجلود والعاج والذهب. وكان الناس الذين يعيشون في هذه المنازل يرتدون الملابس الحريرية والقطنية ويتزينون بمقادير كبيرة من الذهب والنحاس .. كما أنهم سكوا العملة في مقدشو وزنجبار وكلوة لحاجة التجارة اليها (359)
ويستكمل الكاتب جيفرسون ميرفي هذه الشهادة فيقول إنه بعد زيارة ابن بطوطة ولمدة قرنين من الزمان، تطورت الحضارة السواحيلية الى أعلى مستوى لها، فظهرت عشرات البلدان والمدن ذات المنازل الجميلة المبنية من الحجارة وانتشرت على الساحل، وكانت هذه المنازل ذات حدائق جميلة وبها نافورات وبرك للمياه،
-
وبعضها ــ وكما تبين الخرائب والآثار ـ كان مصمما لأكثر أنواع المعيشة رفاهية وفخامة وترفا .. وكانت مواني هذه المدن الرئيسية دائما مزدحمة بالسفن الواصلة أو المغادرة، كما وجدت بها الأرصفة
أما
البحرية المبنية بالحجارة لتسهيل مهمة الشحن والتفريغ الجبانات والمقابر الموجودة حول هذه المدن القديمة والتي دفن فيها
Gideon & Derek, op. cit, P 18.
289 -
-
-
(359) (1/293)
صفحة 294
التجار الأغنياء الكثيرون وموظفو البلاط والحكام، فقد كانت مبنية بالحجارة ومزينة وذات دعامات وتكوينات حجرية جميلة. وهناك آثار وأشياء في اثنتي عشرة مدينة أو نحوها من المراكز التجارية التي تعود الى القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد. وقد سجل باحث بريطاني هو FREEMAN - GRENVILLE قائمة بستة وثلاثين مدينة قديمة وجدت آثارها على ساحل تنزانيا وحدها (360)، مما يدل على عمران متواصل وحضارة زاهرة سادت الساحل كله في العصور الوسطى
•
هذا هو الاسلام، وذاك هو طابعه، وتلك هي حضارته التي أدهشت الرحالة المسلمين والبرتغاليين، ولكن هذه الحضارة لم تلبث أن تلقت ضربة عنيفة فانحدرت أحوال المدن التي أقامها العمانيون وغير العمانيين، واندثرت آثارها في وقت قصير، ولا نعرف عنها اليوم الا قليلا لا يغني، اذ لم يبق من معالمها الا بقايا ضئيلة يعثر عليها الباحثون أحيانا وهم يسيرون في أنحاء القارة يبحثون ويفتشون عما اذا كان هناك شيء ينير لهم آفاق هذه الحضارة الرحبة التي كانت زاهرة في يوم من الأيام (361) فياترى أهناك عوامل وأسباب أدت الى هذه النتيجة وأدت فيما أدت الى عدم اتساع الحركة الاسلامية واطراد تقدمها في منطقة شرقي افريقيا .. ؟ لابد أن هناك معوقات معينة أدت الى هذه النتيجة، فياترى ماهي هذه المعوقات .. ؟.
Murphy, op. cit, PP. 232 233
-
290
-
(360)
(361) دادسون: ص 269. (1/294)
صفحة 295
من
المعوقات التي حدت من انتشار الاسلام وحضارته في
شرقي افريقيا:
دخل الاسلام كما رأينا شرقي افريقيا على أيدي عرب أغلبهم عمان، ونجحت الحركة الاسلامية نجاحا باهرا في بعض البلدان مثل الصومال وجزر القمر ومنطقة الساحل في البلدان التي تعرف الآن باسم كينيا وتنزانيا وموزمبيق والجزر المواجهة لها مثل زنجبار وأمثالها، وفيما عدا ذلك فقد كان المسلمون في بقية أنحاء افريقيا الشرقية أقلية، وإن كانت أقلية كبيرة العدد لها وزنها الخطير والمتنامي (362). ومعنى ذلك أن الاسلام لم يغمر كل المنطقة ولم يشمل كل الأفارقة من أهالي هذه البلاد في العصور الوسطى
ولابد لذلك من عوامل وأسباب
وأول مانشير اليه من هذه الأسباب هم البرتغاليون. ذلك
(362) أورد الدكتور جودة حسنين جودة في كتابه (جغرافية الدول الاسلامية، ص 61، 67) أن نسبة المسلمين في افريقيا في احصاء عام 1980 م وصلت الى نحو من 60% من عدد سكانها، كما ورد في جريدة المسلمون العدد 251 في 24 من ربيع الثاني سنة 1410 هـ الموافق 24 من نوفمبر سنة 1989 م أن نسبة عدد المسلمين في شرقي افريقيا وصلت الآن إلى 62?3? من جملة عدد السكان الذين وصل تعدادهم الى 91 مليون نسمة، منهم 56,642 مليون مسلم 24/ 2 مليون مسيحي، 10 مليون وثني.
ولا شك أن زيادة عدد المسلمين على هذا النحو تعود الى ما كان للدولة العمانية اليعربية ثم البوسعيدية في شرقي افريقيا من نشاط تجاري واسلامي كبير بعد أن حرر اليعاربة والبوسعيديون هذه المنطقة من الاستعمار البرتغالي وضموها الى ممتلكاتهم في عمان، وأيضا الى ماقام به الاستعمار الأوربي من تعبيد للطرق وازالة للغابات ومد للسكك الحديدية، فاستفاد الدعاة والتجار من هذه الوسائل العصرية في الوصول الى أماكن داخلية نائية حيث نشروا الاسلام فيها. انظر: حسن محمود: ص 434 452، أحمد شلبي: جـ 6
ص 408
68.9
435، 450 -
، أحمد حمود المعمري: عمان وشرقي افريقية: ص
، 95، محمد النقيرة: ص 151 -
241، 344 -
- 239، 102
-
- 73، 97
-
291 (1/295)
صفحة 296
أنهم وجدوا كما أشرنا اسلاما قويا يزداد انتشاره يوما بعد يوم كما وجدوا ثراء جما وتجارة نافقة ومدنا متلألئة وسلطنات زاهرة أدهشتهم وأخذت بعقولهم وأثارت اعجابهم الشديد، ولكنهم تركوها على غير ما وجدوها. ذلك أن أغراضهم لم تكن أغراضا حضارية تتسم بالانسانية، وانما كانت أغراضا أنانية انتقامية صليبية فجة، تتمثل في السيطرة على تجارة المحيط الهندي والهادي، وطرد العرب والمسلمين من البحر، والقضاء على احتكارهم للتجارة بين الشرق والغرب، ومحاربة الاسلام في كل مكان والقضاء عليه قضاء تاما ونهائيا. وكان ساحل شرق افريقيا هو أول من ذاق حقدهم الأسود د، فلم تنج مدينة من مدنه الزاهرة من عبثهم وانتقامهم، فقد أحرقوا ممبسة خمس مرات وقتلوا أهلها، ومن بقي منهم أسروه، وأعملوا السيف في مدينة كلوة، وطردوا أهلها من ديارهم، ودمروا مساجد لامو وبات وقتلوا الشيوخ وفرضوا الغرامات الباهظة، واستطاعوا في سنوات قلائل بالسيف والتعذيب واراقة الدماء أن يقضوا على المؤسسات التجارية التي أنشأها العرب (363)
,,
،
فقد كانت قسوتهم لاتقف عند حد مألوف، وتعدت كل
ماهو معروف، واستحالت هذه القسوة على يد فاسكو دي جاما، وألميدا، والبوكيرك الى سياسة ينتهجونها لإشاعة الفزع في نفوس الأهلين كي يسيروا حيث شاء لهم السوط يخدمون،، (364)
(363) حسن محمود: ص 432، محمد النقيرة: ص 309،
Murphy, op. cit, PP. 234 235
- 292 -
(364) دافدسون: ص 266. (1/296)
صفحة 297
كانوا كقوة حيوان كاسر لا يأبه لما يأتي ومايدع، يعرف مايريد، لا يعنيه كيف يناله، يسير نحوه، لايزعه وازع، فيضان من المثل المنحطة والعادات الشريرة اكتسح الناس الخ، (365)، ويكفي للتدليل على ذلك ما فعلوه ببعض المدن الساحلية بما أشرنا
اليه ونشير
فهناك مدينة براوة الصومالية التي وصفها باربوسا بعد أن خربها البرتغاليون، وكان قد رآها على هذه الحال ولقي الذين شاهدوا هجوم البرتغاليين عليها فقال: "خربها البرتغاليون تخريبا ذبحوا كثيرا من رجالها، وحملوا لسفنهم ماعن لهم أن يحملوه من أسرى، واستحيوا النساء، وسلبوا ذهب المدينة وكان كثيرا،
""
ونهبوا الفضة والنحاس وما جاء في طريقهم من سلع. ومافعلوه في ممبسة جاء ذكره في رسالة بعثها صاحبها الى صديقه حاكم مالندي يقول له فيها: إن عرب ممبسة والسواحيليين عادوا الى
6
مدينتهم بعد الهجوم وقد اسودت حوائطها فلم يجدوا حيا فيها لم يجدوا رجلا ولا امرأة ولا ولدا. لم يجدوا شيخا ولا صبيا ولا طفلا مهما صغرت سنه، ذبح الغزاة كل من عجز عن النجاة بنفسه، (366)، وأخذوا معهم كميات كبيرة من الذهب والفضة مما كان في ممبسة ويخص أهلها، كما أخذوا كميات كبيرة من النحاس، وتركوا المدينة خرابا يبابا، كما قال باربوسا المعاصر لهذه الأحداث البربرية التي حدثت على يد البوكيرك وغيره من قواد
(365) المرجع السابق: ص 267
(366) المرجع السابق: ص 269، محمد النقيرة: ص 312،
Murphy, op. cit, PP. 236 - 237.
293
- (1/297)
صفحة 298
البرتغال (367)
وقد فعل البرتغاليون بأهل الساحل هذه الأفعال الوحشية والهمجية لأنهم كانوا في نظرهم ونظر قوادهم من أمثال فاسكو دي جاما من الكفرة، حتى أنه نعتهم بأبشع الصفات وأخذ بعضهم من الذين كانوا قد اقتربوا من سفنه ليعرفوا مدى قوتها ووقعوا في يده وصب عليهم الزيت المغلي ليعترفوا بمهمتهم، وشكر المسيح الذي لم يهيء فرص النجاح لهؤلاء الكلاب الكفرة حسبما قال ذلك المسيحي الاستعماري الهمجي المتعصب الذي كان يرفع على سارية سفينته علما رسم عليه صليبا كبيرا للمسيح (368)
ومما ساعد البرتغاليين على ارتكاب هذه الأفعال الفظيعة ماكان في يدهم من سلاح. فقد كانوا أكثر سلاحا واستعدادا للحرب من عرب السواحل والسواحيليين الذين كانوا يعيشون في سلام وأمان ولا يهتمون الا بالتجارة. كانت مدنهم في الواقع ومن الناحية العملية لاتستطيع الدفاع عن نفسها ضد المدافع البرتغالية الحديثة، لأن هذه المدن لم تعرف الا حياة السلام، فلم يكن لها جيوش قائمة ولم تقم بحروب أو فتوحات، ولم تقم بمحاولات لتوسيع الحدود، ولم يكن لها أساطيل أو سفن حربية (369) ولذلك نجح البرتغاليون في غزوها وتدمير معظمها لا بشجاعتهم ولكن لما كانوا يحملونه من سلاح وحقد وصليبية.
Marsh : East Africa through contemporary records, selected and introduced by (367) Zoe Marsh, Combridge, 1961, P 12.
Ibid, PP 14, 15.
Murphy, op. cit, PP. 233, 234, 237.
(368) محمد النقيرة: ص 307،
(369)
294 (1/298)
صفحة 299
ولاشك أن هذا الهجوم الوحشي وهذه البربرية البرتغالية
كانت مسئولة عن تدمير المؤسسات الحضارية والمراكز التجارية التي أقامها العمانيون وغيرهم من العرب والمسلمين في منطقة الشرق الافريقي، ومسئولة عن التقهقر الذي حدث للحركة الاسلامية في هذه المنطقة والذي استمر ما يقرب من القرنين، أي طوال فترة حكم البرتغاليين الذين احتكروا تجارة شرقي افريقيا مع العالم بعد الخارجي أن قاموا بعملين: الأول هو احتلالهم للساحل وعزله عن الداخل الذي كان يمده بسلعه التجارية التي كانت تصدر بدورها الى مواني الخليج العربي والهند والشرق الاقصى، ثم قيام سفنهم بنقل البضائع مباشرة من المحيط الهندي الى أوربا. فبدأت تجارة الساحل الشرقي الافريقي مع الداخل ومع العالم الخارجي تتقهقر عاما بعد عام حتى اضمحلت، وأصبحت المواني مهجورة لتناقص ورود السفن اليها. ونتج عن ذلك أن تحطمت ثروات الأسر المحلية، واختفت ثروات التجار، وهجرت القصور الفخمة بعد أن فقد أصحابها مصادر ثرواتهم وكسدت أحوالهم، وأصبحت المدن الزاهرة مدنا خربة، وتحولت الى مجرد قرى غير نشيطة، ثم درست بعد ذلك وأصبحت مجرد أطلال خربة. وموجز القول انه بعد حوالي مائة عام من وصول فاسكو دي جاما، وألميدا، والقواد البرتغاليين الآخرين لأول مرة، تحول شرقي افريقيا الى منطقة مهجورة وبلاد مقفرة موحشة (370)، بعد أن كان منطقة تتلألأ فيها أنوار الحضارة الاسلامية وتموج بالحركة وتزخر بالنشاط التجاري العظيم الذي قام على أيدي
Murphy, op. cit, PP. 237, 228.
-
295
-
(370) (1/299)
صفحة 300
العمانيين وغيرهم من العرب والمسلمين والسواحيليين والأفارقة. أما العامل الثاني الذي أدي الى هذه النتيجة، هو اتجاه
البرتغاليين الى اثارة الحروب والمنازعات الأسرية بين حكام الساحل، حتى يضعف هؤلاء الحكام، ويتمكن البرتغاليون من فرض سيطرتهم عليهم جميعا في نهاية الأمر (371)، ساعدهم على ذلك أن بعض حكام الساحل، كانوا قد رحبوا بالبرتغاليين كحلفاء ضد منافسيهم من حكام المدن الأخرى، وفتحوا لهم أبواب
هو
حاكم
مدنهم. وللحقيقة فإنه لم يفعل ذلك الا حاكم واحد فقط كانت قائمة بينه وبين حاكم
مالندي بسبب المنافسة التي
منبسة (372)
ولاشك أن عزل الساحل عن الداخل، واحتكار التجارة الافريقية، وايقاع الفتنة والحروب بين حكام الساحل، بجانب مافعله البرتغاليون من تدمير وتخريب وقتل وسفك دماء، قد أدي الى القضاء على المؤسسات التجارية، والى خراب المدن وتدمير الحضارة على نحو ما أشرنا، كما أدى أيضا الى القضاء على تقدم الحركة الاسلامية، فتوقف انتشار الاسلام منذ ذلك الحين الى حد كبير إزاء هذا العدوان الصليبي السافر على يد البرتغاليين أولا، ثم على يد اخوانهم من صليبي أوربا الآخرين الذين أتوا بعدهم وتقاسموا المنطقة فيما بينهم وقد انتهز كثير من الكتاب والمؤرخين الأوربيين وبعض المسلمين وغيرهم هذه الفرصة، فرصة تقلص انتشار الاسلام
(371) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب: ص 318، وايدنر: ج 1 ص 105.
Murphy, op. cit, P. 236.
-
0 296
-
(372) (1/300)
صفحة 301
وحضارته في شرقي افريقيا، وحاولوا أن يشوهوا وجهه، ويهونوا
من
شأنه، ويحقروا من في هذه المنطقة، فقال لويس LEWIS ان الاسلام في شرقي افريقيا على عكس المناطق الأخرى لايزال يحمل كثيرا من سمات الديانة الاجنبية (373)، وطالما أنه ديانة أجنبية - في نظره ـ فلابد أن تحدث مقاومة لهذا الدين الدخيل مما يقلل من فرصة انتشاره وعدم تقبله. كما اتهم أرنولد العرب بأنهم لم يكونوا هم ولا أحفادهم دعاة اسلام في هذه البلاد، و لم تكن هناك بعثات تدعو اليه، وانما قنع أهل مسقط في رأيه ـ بأن يسير عبيدهم ـــ الى حد ما
شأن العرب ومن تأثير الحضارة الاسلامية
-
-
-
وفق شعائر الدين، وتركوا قبائل افريقية الشرقية سادرة في جهلها المطبق، وكان هذا الجهل فيما يظهر وكما يقول، مصدر سعادة لهؤلاء العرب العمانيين الذين لم يعملوا - والكلام مازال لأرنولد ـ على ترقيتهم ولم يتركوا فيهم أقل أثر للصفات الراقية كان يتحلى بها جيرانهم طوال خمسة قرون اتصل فيهم أقل أثر للصفات الراقية التي كان يتحلى بها جيرانهم طوال خمسة قرون اتصل فيها هؤلاء العرب بهم. ولذلك وفي رأيه لم تنبت ولم تزهر بذرة واحدة صالحة عندهم طوال هذه السنين (374)
التي
وقد أضاف أرنولد الى هذه المفتريات أن العرب استسلموا في شرق افريقيا كل الاستسلام للأهداف المادية من سعي وراء التجارة وصيد للرقيق، مما أدى الى فتور في ترقية شئون
Lewis : Regional Review of the distribution and spread of Islam. (in Islam in (373) Tropical Africa''), P. 11.
381
-
(374) الدعوة الى الاسلام: ص 380
-
297
- (1/301)
صفحة 302
دينهم
(rvo)
ذلك أنه لم يهمهم الا تسويق منتجاتهم التي كانوا يجلبونها من الخارج أو مبادلتها بالمنتجات الافريقية من عاج وذهب وعنبر، كما أنهم لم يتعمقوا في الولوج الى الداخل الا بقدر ماتحتاجه عملية المبادلات التجارية، وإلا بالقدر الذي يخدم غرضهم التجاري الذي كان يغلب على نشاطهم والذي كان الغرض الرئيسي من استقرارهم، ولهذا كان استقرارهم على الساحل فحسب، وفي نقط مختارة تخدم هذا الدافع التجاري (376)
وهذا الاستقرار على الساحل وعدم التوغل في الداخل حتى
النصف الثاني من القرن التاسع عشر ــ كما قال كان لغرض آخر
-
مقصود، وهو أنه لم يكن في مصلحة جلاب الرقيق أن ينشروا الاسلام بين القبائل الوثنية التي كانوا يأخذون من بينها ضحاياهم التعيسة، اذ لو تحولت هذه القبائل الى الاسلام، لتاخت معهم في الدين، ولاستحالت الاغارة عليهم واسترقاقهم (377). ولذلك لم يظهر العرب رغبة في نشر الاسلام في الداخل، ولم يظهروا رغبة في استكشاف أراضي القارة البعيدة التي تقع خلف الساحل، اذا أرسلوا قوافل الى داخل القارة فلم يكن لها هدف آخر غير التجارة وجمع المال وقنص الرقيق على حد تعبير زميله مارش وشريكهما جورج شبرسون GEORGE SHEPPERSON (9) ، وكأن الدوافع الأخرى الانسانية أو
وحتى
،
(378) MARSH
(375) المرجع السابق: ص 381
(376) شوقي الجمل: تاريخ كشف افريقيا واستعمارها: ص 49، 55
(377) أرنولد: ص 382
383 -
Marsh, op. cit, P. 9.
(378)
Shepperson : The Jumbe of Kota Kota and some Aspects of the history of Islam (379) in Malawi. (in Islam in Tropical Africa by Lewis), P. 253.
-
298
- (1/302)
صفحة 303
الدينية أو الحضارية لم تحرك العرب والمسلمين مطلقا، لأن هذه الدوافع ــ في نظرهم ـ وقف على الأوربيين وحدهم! وهم ـ الذين كان الاستغلال والجشع والاستعمار الخبيث المدمر على امتداد القرون هو هدفهم الوحيد (380)
وفي سبيل التهجم على العرب والتهوين من شأنهم في شرقي افريقيا، ذكر آخرون أن هؤلاء العرب كانوا يفضلون المعيشة في الجزر لسهولة الدفاع عنها، وبعد موقعها عن اعتداء الأهالي الساكنين في البر الافريقي الذين كان عليهم أن يخوضوا الماء الفاصل بين الساحل وهذه الجزر اذا ما أرادوا الهجوم على العرب، مما كان
منفصلة
يعطي الفرصة لهؤلاء العرب في ردهم على أعقابهم (381) كما أن العرب والمسلمين هناك كانوا يكونون مجتمعات عن الأهالي وعن بعضها البعض، وأن الشعب السواحيلي كله كان شعبا طبقيا وشعبا غير متجانس، نتيجة لاختلاف السكان وتباين أجناسهم وتعدد عناصرهم، مما عاق انتشار الاسلام، فلم ينتشر في الداخل حتى نهاية القرن التاسع عشر لهذا السبب (382)، ولسبب آخر، وهو أن المسلمين السواحيليين هناك كانوا يتجهون دائما بأنظارهم الى البحر والأراضي التي قدموا منها والتي تربطهم بها روابط عائلية وثقافية وتجارية، بحيث لم تقم بينهم وبين الداخل صلات مباشرة، ولذلك لم يظهر من بينهم دعاة ينشرون الاسلام بين البانتو، ولم يحدث امتزاج بين الساحل والداخل الا اثناء
-
(380) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب: ص 297. (381) جمال زكريا قاسم: الأصول التاريخية: ص 73. (382) محمد أبو العلا محمد: ص 38،
Trimingham : The phase, PP. 110, 11.
299
-
- (1/303)
صفحة 304
رحلة الثلاث قرون ونصف التي تلت القرن السادس عشر،، أي عصر الاستعمار الأوربي لهذه البلاد (383)
احداها
ويشير كتاب آخرون الى الصراع الذي قام بين حكام المدن الساحلية، لأنه كلما ازدادت شوكتهم كانوا لا يقنعون بلقب الشيخ، بل يلقبون أنفسهم بالسلاطين، ويتنافسون في توسيع نطاق سلطتهم على بعض جهات الساحل (384). ونظرا لقرب بعض المدن من بعضها، ونظرا لتنافسها التجاري وازدياد ثراء الأخرى، كانت الأخيرة تنظر الى الأولى بعين الحسد عن وتتمنى زوالها وتعمل على التحالف مع مدينة ثالثة لتحقيق هذا الهدف. مثلما حدث بين مالندي وممبسة، اللتين ثارت بينهما حروب وكراهية استغلها البرتغاليون أحسن استغلال، فحالفوا مالندي ودمروا ممبسة عدة مرات وسيطرا على الساحل (385) ويؤصل البعض هذا الصراع ويرى أنه نقل مع العرب من الأصلية، لأنهم – في نظره - عندما هاجروا الى ساحل
بلادهم
شرقي افريقيا نقلوا معهم خلافاتهم ومنازعاتهم، ولذلك ظهر العداء سافرا بين هذه المدن حتى أصبح من المستحيل قيام وحدة تجمع بينها طواعية. واذا حدث ذلك، فانه كان نتيجة استخدام القوة والتوسع والسيطرة، كما فعلت ممبسة أو بات أو مقدشو أو كلوة (386). وطبيعي أن هذا الصراع لابد أن يعوق نمو الحضارة
(383)
أحمد على أحمد: ص 176 – 177.
(384) جيان: ص 246
(385) المرجع السابق: ص 217، جمال زكريا قاسم: الأصول التاريخية: ص 73،
Gideon and Derek, op. cit, P. 20.
(386) جمال زكريا قاسم: الأصول التاريخية: ص 73، 75، استقرار العرب: ص 292. (1/304)
صفحة 305
وبالتالي يعوق انتشار الاسلام.
والرد على ذلك كله سهل وفي متناول اليد. وقد سبقت اشارات عديدة يمكن أن تحمل في محمل الرد على بعض هذه النقاط أو الاتهامات أو المزاعم. فما قيل من أن الاسلام له طابع الديانة الأجنبية، وأن العرب بالتالي وهم الذين حملوا الاسلام الى هذا الجزء من القارة أجانب، وأنه لم يكن هدفهم الا التجارة، زعم باطل. ذلك أن قارة افريقيا تعتبر هي القارة الوحيدة التي يمكن أن توصف بأنها القارة المسلمة في العالم، إذ أن أكثر من 60? من سكانها مسلمون (387). فالاسلام ليس دينا أجنبيا في افريقيا، انما دين الأقلية على مستوى القارة هو الدين الأجنبي
وقد سبق الحديث عن اتصال العرب بساحل شرقي افريقيا قبل الاسلام بل وقبل الميلاد، وأنه كانت توجد مستوطنات عربية على هذا الساحل منذ ذلك الحين، وأن العرب تجانسوا وتزاوجوا مع سكان الساحل الأفارقة منذ القدم، وأن الشعب السواحيلي لم يظهر بعد ظهور الاسلام وانتقاله الى هناك، وانما ظهر قبل ذلك بكثير (388). ولما جاء الاسلام وانتقل العمانيون وغيرهم الى هناك ازداد الاتصال وتعمقت أواصر الأخوة والمحبة بينهم وبين الأفارقة ونتج عن ذلك اطراد نمو الشعب السواحيلي، لدرجة أن هؤلاء العرب السواحيليين تغيرت ألوانهم نتيجة للزواج من الافريقيات، وتحرفت أسماؤهم حتى كتبوها أو نطقوها بلهجاتهم السواحيلية (389)
(387) محمد النقيرة: ص 374، طه عبد العليم رضوان: في جغرافية العالم الاسلامي جـ 1 ص 247. (388) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب: ص 299.
131 118 -
(389) سعيد المغيري: ص 89، عبدالله بن صالح الفارسي: ص 116 - 118، 131 – 134. (1/305)
صفحة 306
أما اشتغالهم بالتجارة فليس في ذلك من شيء يعيبهم، إنما
الذي يعيبهم هو الاستغلال الذي لم يمارسوه ومارسه غيرهم من الأوربيين بعد أن قدموا الى هذه البلاد. فقد كان التجار العمانيون وغيرهم من العرب والمسلمين مثالا للصدق والأمانة واستقامة الأخلاق وحميد الصفات، فتنوا الأفارقة بجميل مسلكهم وبحسن مظهرهم، ونظافة ملبسهم وطهارة ونقاء أهدافهم ووسائلهم، ودوامهم على وضوئهم وصلاتهم في أوقات منتظمة، فلفتوا أنظار الناس اليهم، فأقبلوا عليهم واعتنقوا ديانتهم وزوجوهم من بناتهم، وضار العرب يحملون لقب ماجومبا أي الخال (390)، فأصبح الوافد الغريب صهرا ونسيبا وقريبا. وهكذا صارت اللحمة (بضم اللام واحدة، والمعيشة واحدة والآمال والأهداف واحدة، والديانة واحدة، وذلك منذ القرن الأول للهجرة وماتلاه من قرون. ونتيجة لتعاون الفريقين في بناء مجتمع وحضارة متماسكة، توحدا كما رأينا، وظهرت وحدتهما في ثقافتهم السواحيلية وفي عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية المشتركة، وفي نمط معيشتهم الذي لم يتغير حتى الآن ن، وفي ذلك الثراء والغنى الذي عم السكان جميعا أفارقة وعرب، وظهر فيما ظهر في انشاء عشرات المدن، وفي تحويل السكان من حياة الأكواخ الى حياة مدنية راقية اندهش لها البرتغاليون أنفسهم. و لم يكن ذلك بطبيعة الحال الا بفضل التجارة والنشاط التجاري الذي مارسه العرب وكان نقطة تحول في حياة ذلك الجزء الهام من افريقيا. أما الاسلوب التجاري الذي مارسه البرتغاليون فقد أدى وكما رأينا الى خراب الحياة الاقتصادية، والى
(390) محمد النقيرة: ص 63، 64، أحمد عيضة سالم: ص 154 (1/306)
صفحة 307
أفول نجم هذه المدن الزاهرة، والى تحول الساحل الى منطقة مهجورة موحشة خربة كما قال بعض الكتاب البرتغاليين وبعض الأوربيين المنصفين. وهذا هو الفارق بين التجارة والحضارة عند العرب والمسلمين وعند غيرهم من الناس. فالتجارة عند العرب في شرق افريقيا وكما رأينا كانت وسيلة للحضارة، ووسيلة لنشر الاسلام والقضاء على الوثنية، ولم تكن أبدا وسيلة للاحتكار والتخريب والتدمير وسفك الدماء ونشر الأحقاد والقضاء على مظاهر الحضارة والمدنية والعمران
هنا
-
أما القول بأن العرب لم ينشروا الاسلام في الداخل بالذات حتى يحافظوا على مصدر تجارة الرقيق، فإنه قول مجاف للحقيقة والواقع، وفيه تجن على العرب والاسلام كبير، لأنه يصور العرب وكأن عملهم الوحيد هو تجارة الرقيق، أو أنهم ـ وهو المقصود كانوا جلابة للرقيق، بمعنى أنهم هم الذين كانوا يقومون بقنص الرقيق وصيده من المناطق الداخلية. وهذا الأمر أو ذاك ليس حقيقيا بالمرة. وقد رد دافدسون على ذلك فقال: إن تجارة الرقيق في حد ذاتها كانت تجارة ثانوية ولم تكن السلعة الرئيسية عند العرب كما كانت كذلك عند الأوربيين على الساحل الغربي للقارة، ولم تكن الصلة الأساسية بين العرب والقارة كما كانت كذلك بينها وبين الأوربيين، وما انصرف العرب للنخاسة الا في القرن التاسع عشر، وأن الشرق لم يكن في حاجة للرقيق، وانما كان يتعامل مع الساحل الافريقي في الحديد والعاج والذهب،، (391). أما تهمة جلب الرقيق أو قنصه فالعرب أيضا
(391) افريقيا تحت أضواء جديدة، ص 249
- (1/307)
صفحة 308
منها براء، لأن هذا الأمر كان من عمل غيرهم. ففي العصور الوسطى كان من عمل الأفارقة أنفسهم، حيث كانوا يحاربون بعضهم بعضا، ومن يقع في الأسر منهم كانوا يبيعونه بيع الرقيق. وفي العصر الحديث كان من عمل الأوربيين الذين مارسوه بأنفسهم أو باعطاء السلاح لبعض الأفارقة ليصيدوا لهم ما يشاءون من رقيق. أما العرب فكانوا وسطاء تجاريين بين البائعين والمشترين، ذلك لأن طبيعة تكوين مدنهم واماراتهم وسلطناتهم التي قامت بوسائل سلمية ودون غزو أو فتح، كانت لا تمكنهم من الاغارة على المناطق الداخلية، وطبيعتهم كتجار وجلاية للسلع من والشرق الأقصى الى هذه البلاد وتصدير سلعها الى هذه البلدان، كان يحتم عليهم أن يقيموا علاقات طيبة مع الأفارقة، سواء في الساحل أم في الداخل، حتى لا تتعرض قوافلهم للعدوان، وتجارتهم
للبوار والخسران
الهند
أما ان العرب لم يكونوا دعاة للاسلام في شرقي افريقيا، فهو أمر صحيح بالمفهوم الغربي للدعوة، ذلك المفهوم الذي
لا يعرف الا قيام الدعوة على يد مؤسسات وتنظيمات معينة تمدها الدولة بالمال والمعونة لتحقيق أهداف استعمارية، متخذة من الدين مطية. أما العرب فلم يكونوا كذلك، فالدعوة عمل مطلوب ومسئول عنه كل فرد من أفراد المسلمين، وخاصة اذا كان هذا الفرد تاجرا، لأن عمل التاجر يتطلب منه التنقل والترحال، والاتصال بالأهالي، وهذا الاتصال يسهل له مهمة الدعوة، كما ان انتشار الاسلام يساعده على ترقية شئونه ورواج تجارته، اذ أنه يأمن على ماله وتجارته اذا عاش بين مجتمع إسلامي أو دولة اسلامية
-
304
- (1/308)
صفحة 309
في أكثر من عيشه في مجتمع آخر، أو بين قبائل لا يعرف لها قيما ولا سلوكا معينا، لأن ديانتها الوثنية البدائية تحركها أحيانا على غير مايهوى التجار، فقد تكون لها ممارسات تقف حائلا بينهم وبين مباشرتهم للتجارة، وربما تؤدي هذه الممارسات الى القضاء عليهم وعلى حياتهم، كما حدث لكثير من التجار والرحالة في هذه البقاع المجهولة غير المأمونة تماما، حيث لا يسود نظام أو قانون، إلا قانون القبيلة، وهو أمر غير معروف وغير مقنن ويختلف من قبيلة لأخرى. ولذلك كان التاجر حريصا على نشر الاسلام في كل مكان تصل اليه قدماه، قربي الله سبحانه وتعالى من جهة، ورواجا لسلعته وتأمينا لنفسه وماله من جهة أخرى
اتصلوا بهم
عديدة
أما اتصال العرب بالأفارقة في شرقي افريقيا فصحيح أنهم أكثر من خمسة قرون، ولكهنم لم يتركوهم كما بدأوهم أول مرة شعبا غير متحضر كما قيل، بل إنهم أقاموا بينهم واختلطوا بهم وشاركوهم حياتهم وبنوا مدنا عدها البعض بست وثلاثين مدينة على ساحل تنزانيا وحدها كما سبق القول، وكونوا سلطنات تحدثنا عن بعضها مما أقامه العمانيون، وهناك سلطنات أو مدن أخرى لم نتحدث عنها مما أقامه غير العمانيين وهو خارج عن نطاق حديثنا، وفي هذه السلطنات والمدن جميعها كان الحكام عربا أو فرسا أو أفارقة، و قة، وكان معظم شعبها من الأفارقة الذين ارتقت حياتهم وازدهرت حضارتهم حتى صارت مدنهم تتلأ لأ في سماء الساحل الافريقي، وتلمع في ضوء الحضارة الاسلامية التي خطفت أبصار البرتغاليين القادمين من الغرب كما سبق القول .. فقد أثارتهم المدن والملابس والثراء والنظم والتقاليد والسلاطين والبلاد
وبهرتهم (1/309)
صفحة 310
والطرقات وكل شيء، كما سبق بيانه وتفصيله منقولا عن البرتغاليين
أنفسهم (392)
تفضيل العرب سكنى الجزر والساحل فقد كان ذلك في البداية، ولم يكن لشيء إلا لأن بعضا من قومهم كانوا هناك من قبل، أي قبل ظهور الاسلام، سبقوهم الى هناك منذ أزمنة بعيدة (393)، ولكي يسهل الدفاع أيضا عن مراكزهم التجارية اذا هاجمها قبيل من قبائل الداخل غير المتحضرة في ذلك الحين كل ذلك صحيح، ولكن غير الصحيح هو القول بأن العرب اقتصر تواجدهم على الساحل والجزر فقط، و لم يتوغلوا في الداخل الا في القرن التاسع عشر، وأنهم لم يكتشفوا الداخل ولم يعرفوا عنه شيئا الا بعد أن أتي المكتشفون الأوربيون من أمثال ستانلي وليفنجستون وريتشارد بيرتون وسبيك وغيرهم ممن زعموا كذبا بأنهم عرفوا العالم لأول مرة بهذه البلاد وهؤلاء العباد .. !! ذلك أن ما كشفه هؤلاء الأوربيون كان كثير منه مرتادا للعرب في العصور الوسطى، ومعظمه عرفه العرب بعد ذلك في العصر الحديث. وقد سبق الحديث عن توغل العمانيين وغيرهم من العرب في الداخل في العصور الوسطى، وأن البرتغاليين عند قدومهم الى هذه المنطقة في نهاية القرن الخامس عشر وجدوا مستوطنات داخلية تتكون من العرب وتجارهم (394). ولذلك فإن ماكشفه الأوربيون لم يكن في حقيقته كشفا، إنما كان مجرد
-
(392) انظر ماكتبناه عن حضارة العرب في ساحل شرقي افريقيا: ص 284 - 290 (393) انظر، ص 165. 171، وكذلك أيضا د. جمال زكريا قاسم: استقرار العرب ص 299. (394) انظ، ص 177
-
-
110 (1/310)
صفحة 311
تسجيل لمناطق كانت معروفة لدى العرب من قبل (395) وقضية المجتمع السواحيلي وأنه كان مجتمعا مكونا من عناصر مختلفة في العصور الوسطى، فهو أمر صحيح، وهل يوجد شعب في العالم مكون من عنصر واحد .. ؟ كانت هناك فعلا عناصر بشرية مختلفة الأصول والأعراق تعيش على أرض الساحل الشرقي
هذا
لافريقيا ولكنه اختلاف أثري وأغنى. فالتنوع الذي نتج عن التعدد العرقي والحضاري لم يكن تنوعا سلبيا بل كان تنوعا في المهارات والأنشطة والعمل والابداع، فقوم عرفوا بالمهارة في العمليات التجارية كالعرب والهنود، واخرون في تجارة سلعة معينة
وغيرهم في الزراعة، وغيرهم في حرف صناعية وغير صناعية وهكذا تكاملت الأنشطة وأدت الى ظهور حضارة راقية بهرت البرتغاليين وأثارت دهشتهم .. كما أدت الى ظهور ثراء أثار لعاب بعض حكام المدن الساحلية، في الوقت الذي أدي فيه هذا الثراء الى ازدياد القوة السياسية والعسكرية، مما نتج عنه أحيانا صدامات لاسبيل الى تجنب وقوعها .. وربما أدت هذه الصدامات الى توحيد بعض أجزاء الساحل أو توحيد معظمه في فترات من العصور
الحين من
الوسطى و لم تكن الوحدة الناتجة عن عمل عسكري بدعا في ذلك تلك الأزمنة البعيدة حتى تعاب على أهل الساحل وحدهم إن كان في ذلك عيب، بل إن الوحدة في بعض البلدان الأوربية فى القديم وحتى في الماضي القريب قامت نتيجة لعمل مشابه، خذ مثلا الحركة العسكرية التي وحدت ايطاليا على يد (غاريبالدي) أو
(395) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب: ص 297.
- (1/311)
صفحة 312
التي وحدت ألمانيا على يد (بسمارك) ... وذلك في القرن الماضي فقط وليس في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر
وبالطبع فاننا لا نحبذ الصراع أيا كان سواء بين المسلمين أو غيرهم، وانما نحبذ الصدق الذي يضع الأحداث في اطارها السليم ووزنها الصحيح، ولا يقيس الماضي بالحاضر فذلك تزوير للتاريخ. والذي نعيبه على هذا الصراع الذي حدث بين بعض مدن الساحل أحيانا، هو أنه أعطى فرصة استفاد منها البرتغاليون في الايقاع ببعض المدن بالتحالف مع بعضها الآخر، اذ ليس بمقدورنا أن نتصور حاكما مسلما يتحالف مع عدو بلده ودينه ضد أخيه المسلم مهما كانت الدوافع والأسباب، فتلك خيانة لايقدر انسان على
تبريرها مهما كان
ومع ذلك لم يكن الصراع الذي حدث بين بعض المدن أو الامارات يشكل ظاهرة سياسية أو تاريخية، أولا، لأنه حدث لمرات قليلة و لم يأخذ صفة الدوام أو الاستمرار، وكل مافي الأمر أن البرتغاليين حين قدموا صادفوا قيام خلاف بين مالندي ومنبسة، فحالفوا الأولى ضد الثانية، وثانيا، لأن هذه المدن لم تكن تعرف حياة الصراعات والغزوات والفتوحات، لأنها نشأت بطريقة سلمية، ولم تنشأ على يد جيش أو أسطول قدم من وراء البحار وأقامها أو فرض وجودها، بل هم التجار والمهاجرون العمانيون وغير العمانيين الذيين كثروا عاما بعد آخر، وبنوا المدن وأقاموا السلطنات، و لم يعملوا على انشاء جيوش أو أساطيل حربية، بل كان همهم الأكبر هو انشاء الأساطيل التجارية وتنمية وسائل الحضارة ونشر الاسلام. ولذلك لم يكن هناك داع لتضخيم
• (1/312)
صفحة 313
ماحدث
من صراعات أحيانا بين بعض هذه المدن أو هذه السلطنات، لأنها صراعات أو حروب صغيرة الوزن قام بها في الغالب مئات قليلة من الرجال، وفيما عدا ذلك لم يعرف المجتمع السواحيلي حياة الحروب (396)
وحتى هؤلاء الذين أظهروا تعاونا مع البرتغاليين حين قدومهم، فإنهم كانوا قلة، كما أنهم سرعان ما اكتشفوا حقيقة البرتغاليين وأدركوا أن هدفهم الرئيسي هو الاغتناء والاثراء وتدمير الحياة الاسلامية، والسيطرة على المنطقة من الناحية السياسية. ولذلك فقد ترددوا في الاستمرار في التعاون معهم، وبدأوا في اشعال نيران المقاومة السلبية والايجابية ضدهم. فعملوا أولا على منع وصول الذهب من زمبابوي في الداخل الى سفالة أو كلوة على الساحل، وذلك بتقاعسهم عن اقامة صلح بين الممالك الداخلية التي كانت قائمة في هذه المنطقة وهي ممالك مونوموتابا وتشانجميري CHANGAMIRE . وكان صراع قد نشب بين هاتين المملكتين أشار اليه أحد المسئولين البرتغاليين في رسالة بعث بها الى ملك البرتغال عام 1506 م، 0 وهو صراع أدى الى تعطيل العمل في المناجم، وبالتالي الى عدم وصول الذهب الى الساحل. ولم يحرك حاكم سفالة أو كلوة ساكنا لإنهاء هذا الصراع حتى لايجد الذهب وكما يقول هذا المسئول البرتغالي طريقه الى هؤلاء المسيحيين البرتغاليين الذين انكشفت حقيقة نواياهم (397)
استخدم السواحيليون المسلمون عربا وأفارقة هذا السلاح
Murphy : op. cit, PP. 233 - 234
Ibid : P. 237.
- 309 -
(396)
(397) (1/313)
صفحة 314
في مقاومة البرتغاليين لمنعهم من تحقيق الاستفادة الكاملة الناتجة عن سيطرتهم على الساحل واستعماره، كما أنهم اشعلوا ضدهم نيران الثورة في منبسة وغيرها من المدن مرات عديدة، ولهذا السبب وغيره ركز البرتغاليون معظم جهودهم تجاه الهند بعد أن كانوا قد خربوا الساحل ودمروا مدنه وقضوا على حضارته وتجارته (398) وكان هذا الخراب وهذا الدمار هو السبب الرئيسي في توقف انتشار الاسلام في شرقي افريقيا، وخاصة بعد أن بذل البرتغاليون كل ما للقضاء عليه، وأخذوا يعملون في همة ونشاط شديد على تنصير الأفارقة مسلمين ووثنيين، منذ أن وطئت أقدامهم أرض هذه المنطقة (399). وعلى ذلك لم تكن الدعاوى التي أثارها بعض الكتاب ورددنا عليها هي السبب وراء توقف انتشار الاسلام بين
في وسعهم
أفارقة شرقي افريقيا
•
ويورد بعض الكتاب والمؤرخين عوامل جغرافية وبشرية ويرون أنه كان لها دور في عدم انتشار الاسلام بين كل الأفارقة في هذه المنطقة شرقي افريقيا. فهناك من يقول بأن الهجرات
من
القبلية اذا كانت تتطابق مع مسار انتشار الاسلام من خلال
التجارة، فان ذلك يزيد من انتشار الاسلام واتساع رقعته، مثلما
•
حدث بصورة عامة في غربي افريقيا وشمالها وفي السودان الشرقي أما في شرقي افريقيا، فقد كان حركة الهجرة تتجه الى الانتقال من داخل البلاد الى الساحل، ونتج عن ذلك أن كثر عدد البانتو المهاجرين الى هذا الساحل وأصبحوا غالبية السكان. ولما وقع
(398)
Ibid PP. 237, 238.
(399) لمعرفة الجهود الاستعمارية والتنصيرية للبرتغاليين وبقية الأوربيين في شرقي افريقيا، انظر: محمد 365، صلاح العقاد، جمال زكريا قاسم: زنجبار، ص 25
النقيرة: ص
335 -
31 (1/314)
صفحة 315
التزاوج والاختلاط بينهم وبين سكان الساحل من العرب والسواحيليين الآخرين، غلبت الصفات البنتوية على شكل الناس وألوانهم في الساحل، وقد أشار ابن بطوطة الى هذا الأمر مرات عديدة، فقال عن أهل كلوة على سبيل المثال إنهم كانوا من الزنوج
المستحكمي السواد (400)
•
ولما كانت هذه الهجرة البنتوية تتجه على هذا النحو من الداخل الى الساحل بعكس الاتجاه الذي كان مفروضا أن يتخذه الاسلام في انتشاره نحو الداخل، فقد أدت الى حصره في المنطقة الساحلية التي أصبحت تجذب العناصر القبلية الداخلية، ونتج عن ذلك أن أصبح الاسلام دين مدن ودين فئات قبلية عديدة سكنت هذه المدن وذلك الساحل فقط، حتى سمى هذا الاسلام بالاسلام السواحيلي، وأدى ذلك الى نشوء ذلك التركيب الثقافي واللغوي الفريد الذي يتمثل في اللغة السواحيلية، تلك اللغة التي تتكون من عناصر بانتوية وعربية وفارسية (401)
وبذلك ظلت الدماء والحضارة العربية الاسلامية محصورة على الساحل وجزره ولم تمتد الى الداخل حتى قيام سلطنة زنجبار العمانية في العصر الحديث. وقد ساعد على ذلك أيضا تلك النزعة العدوانية لبعض القبائل الافريقية الداخلية التي كانت كثيرا ماتغير على الساحل وتصطدم بسكانه العرب وتقع الحرب بين الفريقين (402)، مما أشار اليه ابن بطوطة حين زيارته لكلوة في
(400) رحلته: ج 1 ص 283
•
(401) شاخت و بوزورث: جـ 1 ص 169
170
-
•
(402) جمال زكريا قاسم: استقرار العرب: ص 286، محمد النقيرة: ص 151.
-
311
- (1/315)
صفحة 316
,
القرن الرابع عشر للميلاد، إذ قال إن سلطانها وسكانها "أهل جهاد لأنهم في بر واحد مع كفار الزنوج، كما قال إن سلطانها كان كثير الغزو الى أرض الزنوج يغير عليهم ويأخذ الغنائم،، (403)
ومع اعترافنا بتأثير ذلك على حركة انتشار الاسلام في الداخل إلا أنه أفاد في انتشار الاسلام بين هؤلاء الذين هاجروا من الداخل الى الساحل من البانتو. كما أن هؤلاء البانتو لم تكن هجراتهم متجهة دائما من الداخل الى الساحل، فقد كانت لهم تحركات أخرى سبقت الاشارة اليها. ذلك أنهم تدفقوا في القرن الثاني عشر للميلاد من تنجانيقا الى جنوب البحيرات للاشتغال بالزراعة، وفي نفس الوقت فتحوا طريق التجارة بين الساحل و داخل القارة (404)، فتوغل العرب في الداخل كثيرا مستخدمين هذا الطريق وغيره من الطرق الأخرى، وهكذا حدث تسلل عربي أو هجرات عربية محدودة الى الداخل في شكل قوافل للتجارة، كانت تخترق الداخل وتتعمق فيه، ولذلك فان هجرة البانتو من الداخل الى الساحل لم يكن لها تأثير كبير كعقبة تقف دون وصول الدعوة الى الداخل، وان كانت عاملا لا يمكن اغفاله
أما العوامل الطبيعية والجغرافية، فقد كان لها أيضا تأثيرها في الوقوف أمام انتشار الاسلام بين كل سكان شرقي افريقيا وخاصة في المناطق الداخلية. ذلك أنه رغم وجود عدد كبير نسبيا من الجزر أمام ساحل شرقي افريقيا اذا ما قورن بغيره من سواحلها، فان هذه
(403) رحلته: جـ 1 ص 283، 284.
(404) انظر: ص 180، دولت صادق: جـ 4 ص 24.
312
- (1/316)
صفحة 317
الجزر كانت تبعد عن الساحل بمسافات تبلغ أحيانا أكثر من عشرين ميلا، ولذلك كانت قيمتها كمحطات للاتصال بالداخل محدودة، ولم تلبث أن تحولت الى مجرد مخازن تتراكم فيها السلع (405). كما أن الأنهار الموجودة في شرقي افريقيا قليلة الفائدة اذا مانظرنا اليها كشرايين تؤدي للداخل وتربطه بالساحل، ذلك أنها أنهار قصيرة كثيرة الجنادل والمساقط المائية قرب مصباتها، ومن أهمها نهر الزمبيزي الذي تعترض مجراه في الجزء الأوسط منه شلالات فيكتوريا، وتسقط مياه النهر عندها من ارتفاع عظيم، كما أن النهر يسير من الغرب الى الشرق، ولذلك لم يؤد خدمة كبيرة للراغبين في التوغل في داخل القارة (406)
فالاتصال بين الساحل والداخل جغرافيا كان محدودا نتيجة لذلك ونتيجة لوجود الأخدود الافريقي الذي يعمل على وجود فاصل كبير بين الساحل وبين منطقة البحيرات والذي يتمثل في وجود أراضي غير صالحة للزراعة متميزة بجفافها (407). كما أن سواحل افريقيا بصفة عامة لها ظهير فقير في أغلب الاحيان، إذ أنها تؤدي لمناطق إما صحراوية أو شبه صحراوية، أو إلى جبال أو غابات كثيفة يصعب اختراقها، بالاضافة الى عوائق أخرى تتمثل في التضاريس والمناخ والنبات التي لم تكن الى حد ما تشجع الناس على التوغل في الداخل لمسافات كبيرة (408)
و من ذلك يتبين
•
لنا أن هناك ظروفا جغرافية وطبيعية وبشرية
(405) شوقي الجمل: ص 19.
(406) المرجع السابق: ص 19، 24، صلاح العقاد، زكريا قاسم: زنجبار: ص 15
(407) دولت صادق: جـ 4 ص 23
•
(408) شوقي الجمل: ص 27، 49، دافدسون: ص 283
-
313
- (1/317)
صفحة 318
حدت من انتشار الاسلام في داخل القارة وحول هضبة البحيرات وخلف الأخدود الافريقي، وان كانت هذه الظروف لم تمنع كما أشرنا اليه سابقا من تحركات البانتو وتحركات العرب وتوغلهم في الداخل، ذلك التوغل الذي كان مستمرا طوال العصور الوسطى، وكان لذلك حديث طويل فصلنا فيه القول تفصيلا (409). ومع ذلك فإن الوجود العربي في الداخل لم يكن بطبيعة الحال في كثافته على الساحل والجزر، ولهذا لم توجد بصمات عربية كثيرة على سكان الداخل، إنما ظل داخل افريقيا لم تخالط حياته عروبة وان تأثرت ثقافته كثيرا بالثقافة الاسلامية، (410). فتأثير الثقافة الاسلامية كان موجودا في الداخل وإن حد منه طبيعة مجتمعات البانتو الذين كانوا يعيشون في جماعات أو كفور عائلية قبلية متناثرة، وليس في قرى بالمعنى المفهوم كما هو الحال في غربي افريقيا (411)
•
والعامل الرئيسي الذي حد من هذا التأثير وضر به ضررا بالغا وحاول أن يقضي عليه القضاء المبرم، هو الاستعمار البرتغالي الذي كادت تختفي في عهده الحضارة الاسلامية في شرقي افريقيا، وبالتالي أصيب الاسلام بضربة كبيرة ولحق به ضرر بالغ في الساحل على أيدي هؤلاء البرتغاليين (412). ولما جاء الاستعمار الأوربي الحديث على أيدي الإنجليز والطليان والألمان قام هؤلاء المستعمرون الجدد باستكمال رسالة إخوانهم من البرتغاليين، وذلك باضطهاد
(409) انظر: ص 177
185 -
(410) دافدسون: ص 247.
(411) أحمد علي أحمد: ص 176
(412) حسين مؤنس: أطلس تاريخ الاسلام: ص 380،
Murphy, op. cit, P 230.
314
- (1/318)
صفحة 319
الاسلام والتضييق عليه في الساحل والداخل معا، وبإعطاء حرية الحركة للجمعيات التنصيرية التي بدأ نشاطها هناك منذ عهد
البرتغاليين، وبمنع المسلمين من التوغل في الداخل ووضع القيود الشديدة على تحركاتهم حتى لا يكون هناك تواصل اسلامي بين الساحل والداخل (413)، وبذلك يتوقف انتشار الاسلام في هذه المنطقة من القارة، ومن ثم يستطيعون أن يحولوا كل القارة وبالتدريج من قارة مسلمة الى قارة أخرى لادين لها الا النصرانية، ولا ثقافة لها الا الثقافة الأوربية
تلك هي
هي العقبات التي وقفت دون انتشار الاسلام بين جميع سكان شرقي افريقيا، ولذلك فليس من العدالة أن نغمط العرب عامة والعمانيين خاصة حقهم، وأن نقلل من جهودهم الرائعة التي بذلوها في سبيل نشر الاسلام والثقافة الاسلامية سواء في الداخل أو في الساحل أو في الجزر القريبة والبعيدة المواجهة لهذا الساحل منذ أن وطئت أقدامهم شرقي القارة منذ القرن الأول للهجرة وحتى قدوم البرتغاليين. هذا الاسلام وتلك الثقافة التي ارتقت كثيرا بحياة الأفارقة في هذه المنطقة من القارة في النواحي الدينية والحضارية مما لاسبيل الى انكاره أو التقليل من شأنه لسبب بسيط، وهو أن
العرب في ذلك الحين كانوا حملة لواء الحضارة، ومن ثم نشروها في كل مكان وصلوا اليه، وكان شعب عمان على رأس هذه الشعوب التي انطلقت من شبه جزيرة العرب لتحقيق هذا الهدف، ففاقوا غيرهم من الشعوب العربية والاسلامية في مجال النشاط البحري والتجاري في المحيط الهندي، وقاموا بدورهم المشكور
(413) محمد النقيرة: ص 335 365، کوليت ميزون: ص 16، 18، 19
-
315
- (1/319)
صفحة 320
في نشر الاسلام في كل مكان وصلت اليه أقدامهم، سواء في
جنوب شرقي آسيا، أم في شرقي افريقيا
-
•
العوامل التي أدت الى عدم انتشار اللغة العربية والمذهب
الأباضي في شرقي افريقيا وجنوب شرقي آسيا:-
ولكن اذا كان للعمانيين هذا النشاط البحري والتجاري والاسلامي، فلماذا لم يتعرب ساحل شرقي افريقيا أو غيره من سواحل آسيا .. ؟ ولماذا لم ينتشر المذهب الأباضي في البلاد التي تواجد فيها العمانيون طالما كان هذا الوجود قويا ومؤثرا على نحو
ما رأينا .. ؟ أما الاجابة على السؤال الأول، فقد سبقت الاشارة الى أن الوجود العماني في بلاد مثل ساحل شرقي افريقيا أو سواحل آسيا وبلدانها، كان وجودا محدودا بالنسبة للكثرة الغالبة من الأهالي المحليين، وهم البانتو الأفارقة في شرقي افريقيا والشعوب الآسيوية على اختلاف أنواعها في البلدان المطلة على المحيط الهندي وبحر الصين، وانما نقصد بالوجود العماني الفعال أو الأكثر فعالية وتأثيرا هو بالنسبة لغيره من وجود الشعوب العربية والاسلامية الأخرى في هذه البلاد، فالمقارنة هنا بين الوجود العماني وبين الوجود الفارسي أو الحضرمي أو غيرهما. واذا كانت الكثرة غير عربية فقد ذاب كثير من العمانيين وغيرهم من العرب في النهاية في هذا المحيط الافريقي والآسيوي الواسع ولم يصمد ويحتفظ بنقاء عنصره وهويته إلا عدد محدود من الأسر العمانية والعربية، وخاصة الأسرات
316 (1/320)
صفحة 321
الحاكمة في السلطنات التي تحدثنا عنها، وما يدور حول هذه الأسرات من أسر تسندها أو تعيش في كنفها وظلها، أما الكثرة الغالبة من العمانيين وغيرهم من العرب فقد تزوجوا بانتويات (افريقيات أو آسيويات، وانصهروا مع الأهالي وذابوا في بحرهم الواسع. ورغم أن طابع الحياة ومظاهر العمران والبناء في ساحل شرقي افريقيا بالذات كان طابعا عربيا الا ان اللغة السواحيلية والثقافة الاسلامية السواحيلية أصبحت تسود كل مكان. صحيح أن اللغة العربية كانت موجودة ولكن في المعاملات الرسمية والديوانية، أما الحياة العامة والتجارية فقد سادت فيها اللغة ولذلك لم يتعرب سكان السواحل الافريقية والآسيوية التي تعامل معها العمانيون أو هاجروا اليها تعريبا كاملا ونهائيا كما حدث فيما يعرف الآن بالبلدان العربية
السواحيلية
تبقى لدينا الاجابة عن السؤال الثاني، وهو سؤال خاص بعدم انتشار المذهب الاباضي انتشارا ملحوظا في البلدان التي حل بها العمانيون أو تاجروا معها. ويحسن هنا أن نلخص الاجابة على هذا السؤال في نقاط معينة. النقطة الأولى هي أن العمانيين الذين أقاموا الامارات والسلطنات الاسلامية في شرقي افريقيا بالذات لم يكونوا أباضية، مثل بني الجلندى الذين أسسوا امارة لامو في شرقي افريقيا (414). ذلك أنهم وكما سبق القول أتوا الى هذه المنطقة حوالي سنة 83 هـ / 702 م، أو قبلها أو بعدها بقليل. وفي هذه الفترة وحتى نهاية القرن الأول للهجرة لم تكن هناك مذاهب اسلامية معروفة كما هو الحال في القرن الثاني للهجرة وماتلاه (414) مايلز: الخليج: ص 84.
- 317 - (1/321)
صفحة 322
نشأت فيما بعد. صحيح
من قرون، وكان الناس وقتها لا يعرفون مذهبا من المذاهب التي أن المسلمين اختلفوا، ولكن خلافهم كان خلافا سياسيا يتركز حول منصب الخلافة ومن أحق الناس به وكيفية توليه، أما أمور الفقه والشريعة والعقيدة فلم يكن هناك اختلاف كثير فيها يدفعهم الى انشاء مذاهب دينية مميزة أو مختلفة عن بعضها البعض. وعلى ذلك فان بني الجلندى أتوا الى ساحل شرقي افريقيا وهم لا يعرفون الا الاسلام عقيدة ومذهبا، وإن كانوا معارضين لبني أمية من الناحية السياسية
أما
بنو الحارث الذين أقبلوا من شمال عمان ومنطقة الأحساء الى ساحل بنادر ببلاد الصومال وأقاموا سلطنة مقدشو الاسلامية، فإنهم كانوا سُنة، ولم يكونوا أباضية. وربما كانوا أباضية قبل رحيلهم من عمان الى شمالها ثم الى منطقة الأحساء حيث استقروا هناك، ولما وصلوا الى هذه المنطقة غيروا مذهبهم واعتنقوا المذهبي السني ربما لأسباب اجتماعية أو سياسية معينة، فلما هاجروا من الأحساء الى شرقي افريقيا حملوا معهم مذهبهم الجديد (415) بنو نبهان الذين رحلوا هم الآخرون من سلطنة بات النبهانية على ساحل شرقي افريقيا، فقد كانوا قبل حكاما لعمان وفي نزاع دائم مع الامامة الأباضية، اذ كانوا دائما معارضين لها، وكان الصراع بين الفريقين محتدما طوال عصر السلطنة النبهانية، حتى أن الأباضية وصفوا النبهانيين بشنيع الصفات، بل كادوا يخرجونهم عن الاسلام. فقد قال عنهم نور الدين السالمي أنهم أظهروا الفساد في البلاد، وقهروا العباد بالعناد،
هجرتهم
(415) انظ
أما
، ص 211 - 214.
عمان وأقاموا
318 (1/322)
صفحة 323
وجروا على ماتشتهي أنفسهم، وحكموا بخلاف ما أنزل الله وقتلوا من أنكر عليهم من العلماء (416)، وقال عنهم سالم السيابي انهم أهل جور وظلم وهوى وفساد، (417)، وهي صفات لا تجعلهم من الأباضية، وحتى لو كانوا على هذا المذهب فان هذه الصفات تبين أنهم كانوا - على الأقل ـ غير مخلصين له. ولذلك
-
-
فإن من هاجر منهم الى ساحل شرقي افريقيا واستقر هناك وأقام دولة في بات، لم نسمع أنهم عملوا على نشر المذهب الأباضي في هذه البلاد، مما يرجح ماذهبنا اليه من ماذهبنا اليه من أنهم كانوا على غير هذا المذهب أو على الأقل كانوا غير مخلصين له
والنقطة الثانية، هي أن العمانيين الموجودين على أرض عمان ذاتها لم يكونوا كلهم أباضية، وبالتالي كان تجارهم كذلك. فمن المعروف أن المذهب الأباضي انتشر بين حوالي 60? سكان من عمان، أما الباقون فغالبيتهم من السنة (418) وقليلهم من الأسباب التي أدت الى عدم انتشار المذهب الأباضي في البلاد التي رحل اليها العمانيون أو تاجروا معها. إذ أن التجار العمانيين تركوا الناحية المذهبية وتفرغوا لتنمية تجاراتهم ومواردهم، واتصلوا بالشعوب اتصالا تجاريا في المقام الأول وكان هذا الاتصال هو الوسيلة الأولى لنشر الاسلام بين أفراد هذه
الشيعة. وكان هذا من
الشعوب
والنقطة الثالثة
أن
،
هو الدعوة للاسلام لم تكن قاصرة على
(416) تحفة الأعيان: ج 1 ص 368
•
(417) العنوان عن تاريخ أهل عمان: ص 255.
(E 1 A)
أحمد عبيدلي: مقدمته ودراسته لكتاب كشف الغمة: ص 86.
-
319
- (1/323)
صفحة 324
العمانيين وحدهم، ولم تكن التجارة أيضا في يد العمانيين وحدهم، بل كان للشعوب العربية والاسلامية الأخرى من
حضارمة وفرس نصيبها في هذين المجالين. وكانت هذه الشعوب تدين في غالبها بالمذهب السنى وقليلها بالمذهب الشيعي وذلك في العصور الوسطى. ولذلك انتشر المذهب السني وانتشر أيضا المذهب الشيعي بنسبة قليلة، بجانب المذهب الأباضي في كثير من البلدان التي حل بها العرب والمسلمون عامة كتجار أو مهاجرين
أو دعاة
والنقطة الرابعة، هي أنه لم يكن من المعقول أن يلقن التاجر أي داخل في الاسلام مبادئي أي مذهب من المذاهب، إذ كان يكتفي منه بنطق الشهادتين وأداء الفرائض والشعائر، وهي أشياء لا يختلف فيها أي مذهب من المذاهب، ثم لا يلبث هذا التاجر سواء كان عمانيا أو غير عماني أن يرحل بتجارته أو أمواله عائدا الى بلاده أو إلى بلد آخر يلتمس فيه سلعا جديدة أو فيه ماعنده يبيع من سلع، ومن ثم لم تكن هناك فرصة كافية كي يقوم بنشر مذهبه. واذا استقر هذا التاجر العماني في مركز من المراكز التجارية أو في مستوطنة أو سلطنة من السلطنات الاسلامية التي أنشأها العمانيون أو غير العمانيين في بعض البلدان التي تحدثنا، فان غيره من التجار من غير العمانيين كانوا يشاركونه بالطبع في هذه الإقامة وفي هذه الأماكن والسلطنات، وحتى لاتقوم منافسة بين هؤلاء التجار بعضهم البعض، فإنهم اتبعوا سياسة التسامح بالنسبة لنشر مذهبهم، وتركوا الأمر للأهالي يختارون أي مذهب يريدونه أو يسمعون عنه من اخوانهم الحجاج الأفارقة أو
عنها
-
32
- (1/324)
صفحة 325
الآسيويين العائدين من بلاد الحجاز. وبلاد الحجاز كما هو معروف
تتبع مذهب السنة، ومن ثم انتشر المذهب السني أكثر من
من المذاهب الأخرى في هذه البلدان
•
غيره
وسمة التسامح والاعتدال أمر عرف به المذهب الاباضي وتاريخ عمان ذاتها يبين أن الأباضية فيها وقفوا ضد الآراء الدخيلة على الاسلام وضد البدع وضد التطرف والغلو فقد قاتلوا القرامطة (419)، وقاتلوا الصفرية والأزارقة وتبرعوا منهم (420)، وكان من بينهم الأباضي والسني ومن يرى رأي القدرية أو المرجئة (421). فاذا كانت هذه هي سمة هذا المذهب، واذا كان العمانيون على هذا النحو في بلادهم، فأحرى بهم ألا يكرهوا أحدا على الدخول في مذهبهم في غير بلادهم
يضاف الى ذلك أن المذهب الأباضي كان مذهبا يشاع عنه في الماضي أنه أحد مذاهب الخوارج، ولذلك فان التجار العمانيين تجنبوا الحديث عن المذاهب في هذه البلدان التي رحلوا اليها أو تاجروا معها، وخاصة أن مذهبهم لم تكن له دولة كبيرة ترعاه في العصور التي نتحدث عنها وهي العصور الوسطى، وذلك بالمقارنة بدول مثل دولة بني أمية وبني العباس والفاطميين فمذهب السنة كانت ترعاه وتنشره دولة بني أمية ثم دولة بني العباس، وهما دولتان حكمتا ـ على التوالي معظم العالم الاسلامي المعروف وقتذاك. وكذلك المذهب الشيعي فقد كانت
?
-
(419) سيدة الكاشف: مقدمتها لكتاب السير والجوابات: ج 1 ص 11. (420) الطبري: جـ 6 ص 127، 174، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان
98، 94
:ج ص
،82
(421) المقدسي: أحسن التقاسيم: ص 96، نور الدين السالمي: تحفة الأعيان: جـ 1 ص 138.
321
- (1/325)
صفحة 326
الدولة الفاطمية التي حكمت شمالي افريقيا ومصر وبلا الشام والحجاز، تشد أزره وتعمل على نشره في كافة البلدان عن طريق الدعاة الذين كانوا منتشرين فيها انتشارا واسعا (422). أما المذهب الأباضي فقد كانت عمان وهي معقله الرئيسي تعيش في معظم فترات العصور الوسطى حياة اضطرابات وفتن سياسية داخلية، بالاضافة الى ماداهمها من غزوات خارجية وما أصابها من ضربات متوالية كالها أمية مرة، وبنو العباس مرات، لأن عمان كما هو بنو معروف كانت تقف من كل منهما موقف المعارضة السياسية والمذهبية. ولذلك انشغل العمانيون بالحفاظ على استقلال بلادهم وتوفير الأمن والسلامة لها في الداخل عن مهمة نشر المذهب
الأباضي خارج بلادهم
وعلى ذلك لم يكن العمانيون دعاة مذهب، وانما كانوا تجارا ودعاة اسلام، وبذلوا في ذلك جهودا مشرفة جديرة أن تدون وتسجل في كتب التاريخ بكل فخار وتقديره فاذا كان الأمويون قد وصلوا بالاسلام شرقا الى وسط آسيا، وغربا الى بلاد المغرب والأندلس بالفتوحات، فان العمانيين وصلوا به شرقا الى شرقي آسيا وجنوبها، وغربا الى شرقي افريقيا، بالتجارة والهجرات. وإحقاقا للحق فإننا لا ننكر دور الشعوب العربية والاسلامية الأخرى التي شاركتهم في هذا المجال، ولكننا نقول ان العمانيين ومن واقع الدراسة التي قمنا بها في هذا الكتاب كانوا أكثر من غيرهم حمية ونشاطا سواء في مجال النشاط البحري والتجاري، أم في مجال نشر
الاسلام
(422) ادريس عماد الدين: تاريخ الخلفاء الفاطميين: ص 641 - 646، حسن ابراهيم حسن
طه
272
•
-
ص
:
أحمد شرف: المعز لدين الله (1/326)
صفحة 327
الخاتمة
وفي النهاية لا يسعنا الا أن نلفت نظر القاريء الكريم الى بعض النتائج التي نعتبرها هامة، والتي سبق أن تحدثنا عنها بتفصيل. من هذه النتائج، سبق عمان في اعتناق الاسلام قبل غيرها من نواحي شبه جزيرة العرب. ولم يكن هذا السبق مرتبطا بوصول كتاب النبي (ع) بقبول الدعوة، وانما كان سابقا على ذلك بكثير. وقد بينا أن بعض العمانيين وصلوا الى مكة قبل الهجرة واعتنقوا الاسلام، وبعضهم وصل الى المدينة قبل صلح الحديبية واعتنقوا الاسلام، وآخرون أسلموا عقب هذا الصلح وقبل فتح مكة في العام الثامن للهجرة، وعاد هؤلاء جميعا الى عمان ونشروا فيها الاسلام. وعندما أتي عمرو بن العاص وأبو زيد الأنصاري الى عمان بكتاب النبي (ع) في العام السابع أو الثامن للهجرة، وجدا الأمر ممهدا والأرض محروثة. وبمجرد اعتناق ملكي عمان عبد وجيفر للاسلام اعتنقه كان باقيا من العمانيين على دينه القديم، ولم ينته عام 7 هـ أو 8 هـ على أكثر تقدير، إلا وكان العمانيون عن بكرة أبيهم على دين الاسلام، بينما كان معظم العرب باقين على الوثنية ولم يعتنقوا الاسلام الا في عام يعرف بعام الوفود، وهو العام التاسع للهجرة، ثم أقبل من تخلف منهم الى المدينة في العام العاشر، وبايعوا النبي (ع) على الدخول في هذا
الدين الجديد
الله
من
وانتشار الاسلام بين العمانيين في يسر وسهولة، ودون
323 (1/327)
صفحة 328
ارسال غزوات أو سرايا أو حملات عسكرية، أمر معروف بين المؤرخين قدامى ومحدثين. ولذلك كان اسلام أهل عمان اسلاما خالصا مخلصا كل شائبة أو دنية. فلم يكونوا من الذين أسلموا من رغبة في السيادة، أو طلبا لمغنم، أو حبا في أموال كان يتألف صلى الله بها النبي (علي) بعض الناس، بعض الناس، وانما أسلموا عن صدق ورغبة صلى الله واقتناع تام، ولذلك كان مدح النبي (ع) لهم وافرا، وكان نصيبهم من صحبته عظيما، وتلك هي النتيجة الثانية التي انتهينا
اليها
وفي هذا الصدد اتضح لنا أن عدد الصحابة العمانيين لم يكن خمسا كما ذكر المؤرخون العمانيون أنفسهم، بل كان يفوق هذا العدد بكثير. فقد عددنا منهم حوالي اثنين وعشرين صحابيا تأكد لدينا أنهم من عمان فعلا، هذا غير عدد من الصحابة الذين تنتهي أسماؤهم بذكر قبيلة الأزد، فلم نذكر منهم الا القليل في معرض التنويه وفي غير المتن، وتحفظنا في التأكيد على جعلهم أو اعتبارهم الصحابة العمانيين، على اعتبار أن هناك بلادا أخرى غير عمان من كان بها عدد من رجالات الأزد وقبائلها، فربما كان هؤلاء من هذه البلاد. أما من ذكرناهم قبلا، فإن أسماء القبائل التي ينتمون اليها تدل دلالة واضحة على أنهم من عمان، لأن هذه القبائل كانت ولازالت تعيش في عمان حتى الآن
ونظرا لما اتسم به العمانيون من قبول للدعوة واحتضان لها، وإخلاص في اتباعها ونشرها بين قومهم، ونظرا لما كان لهم من نصيب لابأس به من صحبة رسول الله (ع)، فإنهم تميزوا علية) بمواقفهم السياسية المشرفة طوال عهد الخلافة الراشدة. فعندما
-
324
- (1/328)
صفحة 329
بن
مالك
ثارت حوادث الردة والتمرد الذي ظهر عقب وفاة الرسول الكريم ضد حكومة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لم يشارك العمانيون غيرهم في هذه الأمور، وعندما رفع أحدهم وهو لقيط راية التمرد والعصيان، قام العمانيون بمساعدة اخوانهم الذين أرسلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه للقضاء على هذا التمرد فور ظهوره. وعندما دعا الصديق الناس واستنفرهم لفتح البلدان المجاورة ليقضي على العقبات التي تحول دون وصول الدعوة، وتمهيدا لنشر دين الله في الأرض بالحجة والموعظة الحسنة، لبي العمانيون النداء، وخفوا سراعا الى ميادين الجهاد، وانضموا لإخوانهم من عرب اليمن والحجاز ونجد واليمامة والبحرين وغيرهم من بقية العرب الآخرين وتقاطروا على البصرة وتكاثروا فيها حتى سميت – فيما بعد باسم أحد رجالاتهم، وهو المهلب بن أبي صفرة العماني الذي كان قد رحل أبوه وكثير من قومه من عمان الى بلاد العراق وغير بلاد العراق للاشتراك في الفتوحات الاسلامية، وتلك هي النتيجة
الثالثة
•
أما النتيجة الرابعة، فهي أن العمانيين بعد أن تهيأوا لنشر الاسلام على هذا النحو، خرجوا يضربون في فجاج الأرض وأعماق البحار والمحيطات، نواخذة وبحارة وتجارا ودعاة وطلاب علم. وفي هذه الناحية بنوا الأساطيل التجارية البحرية والأساطيل الحربية التي تعرضنا للحديث عنها بتفصيل، مما جعل عمان تحقق لنفسها السيادة البحرية في المحيط الهندي وبحر الصين وبحر الزنج. وقد نتج عن ذلك نتائج عديدة، منها ذلك الغنى والثراء الذي تمتع به أهل عمان حكاما، ومحكومين، ومنها اتساع روح المغامرة
•
-
325
- (1/329)
صفحة 330
والكشف عند العمانيين، فوصلوا الى أقاصي البلدان كالصين في
المشرق، وسفالة وموزمبيق ومدغشقر في غرب المحيط الهندي
•
وقد مهد هذا الأمر الفرصة أمام الدعوة لنشر الاسلام بين كل الشعوب التي اتصل بها العمانيون
الحديث عن
وفي هذا الصدد تبين لنا أن الوجود العماني في بحر الصين وبحر الزنج والمحيط الهندي، وما يطل على هذه البحار من بلدان، كان أكثر من غيره. وكما ذكر المسعودي وغيره من الرحالة والجغرافيين والمؤرخين، كان العمانيون والسيرافيون والحضارمة هم أكثر شعوب الاسلام في مجال النشاط البحري والتجاري في هذه البلدان، ولكن معظم هؤلاء الكتاب جعلوا العمانيين في مقدمة هذه الشعوب وخصوهم وحدهم بالذكر دون غيرهم في مجال هذا النشاط في معظم الأحيان. وقد لاحظنا ذلك عندما تحدثنا عن النواخذة والبحارة والتجار، وعندما تحدثنا عن الهجرات وما أنشأته من مدن وامارات وسلطنات ومراكز تجارية، فقد وجدنا أن الهجرات العمانية - وكما ذكرت المصادر ـ كانت أكثر من غيرها من هجرات الشعوب العربية والاسلامية عددا وتأثيرا وكثافة، ووجدنا نشاط العمانيين تجارا وبحارة وحكاما ومستوطنين في مجال النشاط الحضاري وفي مجال الدعوة للاسلام نشاط غيرهم وأسبق. فعلى سبيل المثال كانت أول هجرة كبيرة وصلت الى شرق افريقيا هي هجرة سعيد وسليمان ملكي عمان في الربع الأخير القرن الأول للهجرة، وتتابعت بعدها الهجرات جماعات وأفرادا. ولاشك أن هذا النشاط وهذه الهجرات كانا الوسيلة الرئيسية لنشر الاسلام في كل البلدان التي هاجروا اليها
أكثر
من
من
326 (1/330)
صفحة 331
أو تاجروا معها واتصلوا بها، وهذه هي النتيجة الخامسة
وهو
ما
أما النتيجة السادسة فهي أن العمانيين بحكم كونهم أكثر العرب نشاطا وهجرة الى ساحل شرقي افريقيا، توغلوا في داخل القارة وحتى البحيرات العظمى وحتى داخل زمبابوي في الجزء الجنوبي من القارة. ولم يكن هذا التوغل كما قال البعض قاصرا على العصر الحديث، انما كان في العصور الوسطى أيضا أثبتناه وإن نفاه كثير من المؤرخين والكتاب المحدثين وخاصة الأوربيين لغرض في نفس يعقوب، وهو أنهم يريدون اقامة الدليل على عدم وجود أي أثر للاسلام والحضارة الاسلامية في داخل القارة يعود الى تلك العصور البعيدة، كما أنهم يريدون أن يقولوا إن هذه المناطق الداخلية كانت مجهولة للعالم كله، وأنهم وحدهم أي الأوربيين هم أصحاب الفضل في اكتشافها وتعريف العالم بها وادخالها في عالم الحضارة والمدنية. ولكن الحقيقة أن العمانيين وغيرهم من العرب والمسلمين سبقوهم في هذا المضمار، ومعظم ما اكتشفه الأوربيون في العصر الحديث كان معروفا ومطروقا على
يد العرب منذ العصور الوسطى
وقد تحدثنا في مكانه هذا الكتاب من أن البرتغاليين
من
وجدوا مستوطنات عربية في الداخل، ووجدوا نشاطا تجاريا متصلا بين الساحل والداخل، ورأينا ان اتصال العرب بالساحل والداخل كان موجودا قبل ظهور الاسلام بقرون عديدة، وقد أيدت الحفريات التي أجريت في البلدان الداخلية كزمبابوي وغربي تنزانيا وفي منطقة البحيرات هذا الرأي، وليس من المعقول أن يقطع ظهور الاسلام هذا الاتصال، بل انه قواه ودعمه وزاده قوة
327
-
- (1/331)
صفحة 332
بنزوح التجار والمهاجرين الى هذه البلدان عاما بعد عام وقرنا إثر قرن. وكان هذا الاتصال وهذا التوغل في الداخل وراء ازدهار الحركة الاسلامية وانتشار الاسلام في الساحل وفي كثير من الداخل، وان كان الانتشار في الساحل بارزا وقويا ومؤثرا بسبب كثرة التجار والمهاجرين العرب، فغلب عليه الطابع العربي والثقافة الاسلامية، بينما كان الانتشار في الداخل أقل قوة وتأثيرا لقلة الوجود العربي وغلبة الثقافة البانتوية، ومن ثم سادت هناك هذه الثقافة مختلطة بمؤثرات اسلامية قوية وواضحة.
مكانها من
أما النتيجة السابعة فهي أن السلطنات التي تحدثنا عنها في هذا الكتاب، كان العمانيون أسبق من غيرهم في إقامتها. ففي ساحل شرقي افريقيا أقاموا سلطنة لامو نتيجة للهجرة الجلندانية في الربع الأخير من القرن الأول للهجرة. وقرب نهاية القرن الثالث الهجري أقاموا سلطنة ثانية هي سلطنة مقديشو نتيجة لهجرة الحرث. وفي مستهل القرن السابع للهجرة أقاموا سلطنة ثالثة وهي سلطنة بات نتيجة لهجرة بني نبهان. وبذلك قدم العممانيون ثلاث هجرات وأقاموا ثلاث سلطنات في النصف الشمالي من ساحل شرقي افريقيا وحده، بخلاف وجودهم النشط والمؤثر في بقية مدن الساحل وجزره. أما غيرهم من العرب والمسلمين فلم يقدموا إلا هجرتين، هجرة واحدة للشيعة تسمى بهجرة الزيدية، قام بها أتباع الامام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه الى ساحل بنادر بالصومال في وقت مبكر يعود الى النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، وهجرة أخرى واحدة للفرس، وهي هجرة علي بن الحسن الشيرازي،
-
328
- (1/332)
صفحة 333
التي اتجهت الى النصف الجنوبي من ساحل شرقي افريقيا (الى كلوة وتوابعها، وذلك قرب نهاية القرن الرابع للهجرة
أما البلدان الآسيوية المطلة على المحيط الهندي وبحر الصين، فقد كان العمانيون أسبق من غيرهم أيضا في النشاط البحري معها وفي إقامة السلطنات والامارات بها. مثال ذلك سلطنة هنور الاسلامية التي أقامها عربي في الغالب من عمان على ساحل ملبار ببلاد الهند، وهى سلطنة زارها ابن بطوطة وامتدح حاكمها ووصف ماكانت تزخر به من حياة وتقاليد اسلامية، وسلطنة ملقا التي أقامها أحد الدعاة العمانيين، ويسمى الشيخ عبدالله قاسم في شبه جزيرة الملايو، وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع للهجرة الخامس عشر للميلاد، بعد أن مكن هذا الداعية للاسلام من غالبية الناس هناك ونشره بينهم هذا غير العديد من المراكز التجارية التي انتشرت على سواحل الهند واندونيسيا والفليبين والصين، وبرزت فيها أسماء عمانية لامعة تحدثنا عنها في ثنيا هذا
الكتاب
•
أما النتيجة الثامنة فتتصل بما نتج عن إقامة هذه الامارات والسلطنات والمراكز التجارية من ازدهار للحركة الاسلامية وانتشار للاسلام في هذه البلدان. فقد غمر الاسلام بلاد كثيرة، الأغلبية فيها مثل جزر الهند الشرقية وخاصة جاوة
وأصبح دين وسومطرة وبورنيو وغيرها، وشبه جزيرة الملايو، وجزر المالديف واللكاديف حيث قامت في هذه البلدان دول اسلامية منذ وقت مبكر بعد أن عم الاسلام أراضيها واعتنق أهلها وملوكها الاسلام.
-
329
- (1/333)
صفحة 334
وحدث نفس الشيء بالنسبة لشرقي افريقيا، فقد غمر لاسلام مناطق بأسرها مثل بلاد الصومال وصار دين أهلها جميعا، كما صار دين الأغلبية في المناطق الساحلية في البلدان التي تعرف الآن ن باسم كينيا وتنزانيا وموزمبيق، وكذلك في الجزر القريبة من الساحل والتي جعلها الكتاب العرب جزءا منه مثل منبسة وكلوة وموزمبيق، وهي جزر لاتبعد أقصاها عن الساحل بأكثر من أربعة كيلو مترات، وفي الجزر البعيدة عن هذا الساحل نسبيا والتي لا يزيد أبعدها عنه بأكثر من ستين كيلو مترا، مثل جزر بمبا ومافيا وزنجبار، وكذلك في الجزر الأبعد من ذلك مثل جزر القمر وجزيرة مدغشقر مالاجاش). وفي هذه البلاد والجزر كلها كانت الأغلبية العظمى من المسلمين الأفارقة، وكان العمانيون وبقية العرب والفرس وغيرهم من المسلمين يعيشون بينهم كأقلية، وإن كانت أقلية حاكمة ومسيطرة في مجال الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية منذ القرون الوسطى. وظل الأمر كذلك حتى جاء الاستعمار البرتغالي وأزال الحكم العماني والعربي بصفة عامة هذه المناطق حتى يمكن لنفسه فيها، ونجح في ذلك للأسف الى
حد بعيد
هذه
هي
من
البلدان التي غمرها الاسلام وعم أراضيها، أما بقية المناطق والبلدان الأخرى التي كان للعمانيين نشاط تجاري واسلامي فيها، فلم ينتشر فيها الاسلام بشكل كبير، مثل بلاد الصين والفليبين وسرنديب سريلانكا) وبلاد الهند ـ عدا ما يعرف الآن بجمهورية بنجالاديش، وجمهورية باكستان الاسلامية، وكذلك المناطق الداخلية في افريقيا الشرقية حول البحيرات العظمى وخلف
33 (1/334)
صفحة 335
الأخدود الافريقي. ففي هذه المناطق والبلدان كان الاسلام دين أقلية، ولم يكن ذلك لتقصير من العمانيين وغيرهم من العرب والمسلمين، بل لصعوبات وعقبات معينة.
أما هذه الصعوبات والعقبات - وهي تمثل النتيجة التاسعة
فيما وصلنا اليه من نتائج - فانها تتعلق ببعض الظروف الجغرافية
المناطق
-
والطبيعية والبشرية التي كانت قائمة في المناطق الداخلية في شرقي افريقيا، وهي عقبات حالت دون التوغل الكبير والفعال في هذه، ومن ثم قل انتشار الاسلام فيها. ثم أتي الاستعمار البرتغالي الى هذه المنطقة ووقف عقبة كأداء د ووقف عقبة كأداء دون الدعوة، وحطم ما وجد فيها من حضارة اسلامية زاهرة تحطيما، منذ أن هل أوائلهم عند نهاية القرن الخامس عشر للميلاد، فأضاعوا ودمروا كل مابناه العمانيون والعرب والمسلمون عامة في هذه المنطقة طوال مدة لا تقل عن ثمانية قرون من الزمان أو تزيد. ويأتي الكتاب الأوربيون في العصر الحديث والمعاصر ويتحدثون عن أثر العرب والاسلام في شرقي افريقيا حديثا مبتورا ومجافيا للحقيقة يتحدثون عن العرب وقد صار أمرهم هينا، ويتحدثون عن الاسلام إبان ضعفه، ولم يتحدثوا عنه إبان شموخه وازدهار حضارته في العصور الوسطى، وهو ازدهار شهد به البرتغاليون أنفسهم واندهشوا له كل الدهشة، ووصفوه في كتبهم وسجلوه
نهم
في تقاريرهم. وفي البلدان الآسيوية، كانت العقبات أيضا كثيرة
ومتنوعة، منها ما يتعلق بالصراع الداخلي في بلاد مثل الصين التي
331
— (1/335)
صفحة 336
فرضت قيودا صارمة في بعض فترات تاريخها على التجارة الداخلية والخارجية، فمنعت وصول التأثير الاسلامي المستهدف من قدوم التجار العمانيين وغير العمانيين، علاوة على اضطراب الأحوال فيها أحيانا حيث تعرض التجار للقتل والاضطهاد مما أعاق حركة التوغل التجاري والاسلامي داخل هذه البلاد
وفي بلاد الهند واجهت الدعوة صمودا هندوكيا قويا تمثل في مقاومة البراهمة والراجات والمهراجات الهندوس للسلطنات والمراكز الاسلامية التجارية التي قامت على ساحل ملبار في غربي الهند أو ساحل كروماندل في شرقي الهند، مما أنهك هذه السلطنات وشغلها عن نشر الدعوة بين كثير من الهنود في داخل البلاد، واقتصر الأمر على هنود الساحل الذين أسلم معظمهم. غير أن قدوم البرتغاليين أوقف نمو الحركة الاسلامية، ثم أتي الاستعمار الانجليزي من بعده، فوقف للاسلام بالمرصاد هناك وفي كل بلد حل به هذا الاستعمار أو غيره من ألوان الاستعمار الأوربي. ونتيجة لهذه الصعوبات لم ينتشر الاسلام انتشارا كاسحا في هذه البلدان التي أشرنا اليها والتي ظهرت فيها هذه العقبات أو تلك الصعوبات، ولم يكن ذلك عن تقصير أو تهاون من قبل العمانيين أصحاب الدور الرائد في مجال النشاط البحري والتجاري والاسلام في البلدان المطلة على المحيط الهندي، أو من قبل غيرهم من الشعوب الاسلامية التي تطل على هذا المحيط، فقد بذلوا ما وسعهم البذل، وأعطوا ما وسعهم العطاء في هذا المجال مما يسجل لهم بكل فخر
وتقدير
332 (1/336)
صفحة 337
ملاحق الكتاب
رسالة النبي الى
ملكي عمان عمان جيفر وعبد
ابني الجلندى (1)
محمد. من
صلى الله
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد المزي، انا أبو العباس أحمد بن عثمان الحنفي، انا أبو الحسن محمد بن الحسن الفرسيسي، انا أبو الفتح بن سيد الناس قال: كتاب النبي (ع) الى جيفر وعبد ابني الجلندى الأزديين ملكي عمان مع عمرو بن العاص رضي الله عنه: «بسم الله الرحمن الرحيم بن عبد الله الى جيفر وعبد ابني الجلندى. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فاني أدعوكما بدعاية الاسلام أسلما تسلما فاني رسول الله الى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، وانكما ان أقررتما بالاسلام وليتكما، وان أبيتما أن تقرا بالاسلام فان ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما». وكتب أبي بن كعب وختم رسول الله الكتاب
قال عمرو، ثم خرجت حتى انتهيت الى عمان فلما قدمتها عمدت الى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت اني رسول رسول الله اليك والى أخيك، فقال أخي المقدم على بالسن والملك وأنا أوصلك اليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال لي، ومايدعو
(1) ابن طولون الدمشقي: إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، دمشق، سنة 1348 هـ ص 26
29
-
?
333
- (1/337)
صفحة 338
اليه، قلت أدعوك الى الله وحده لاشريك له وتخلع ماعبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: ياعمرو، انك أنت سيد قومك، فكيف صنع أبوك فان لنا فيه قدوة، قلت: مات صا الله ولم يؤمن بمحمد (ع)، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للاسلام. قال فمتى تبعته، قلت قريبا، فسألني أين كان اسلامي فقلت عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم. قال فكيف صنع قومه بملكه، قلت أقروه واتبعوه، قال والأساقفة والرهبان تبعوه، قلت نعم، قال انظر يا عمرو ماتقول، انه ليس من خصلة في الرجل أفضح من الكذب. قلت ماكذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال ما أرى هرقل علم باسلام النجاشي، قلت بلى، قال بأي شيء علمت ذلك، قلت كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم صلى الله وصدق بمحمد (ع)، قال لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله فقال له نياق أخوه، اتدع عبدك لا يخرج خرجا ويدين دينا محدثا، قال هرقل رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به، والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال، انظر ماتقول ياعمرو، قلت والله صدقتك، قال عبد فأخبرني مالذي يأمر به وينهى عنه، قلت يأمر بطاعة الله عز
C
وجل، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشرب الخمر وعبادة الحجر والوثن والصليب، فقال ما أحسن هذا الذي يدعو اليه، لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخي اضن بملكه من أن يدعه ويصير دينا، قلت انه ان أسلم ملكه (1/338)
صفحة 339
حتى
رسول الله (على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم، فقال ان هذا لخلق حسن، وما الصدقة، فأخبرته بما صل الله فرض رسول الله (ع) من الصدقات في الأموال انتهيت الى الابل، فقال ياعمرو يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه، فقلت نعم، فقال والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون هذا، قال فمكثت ببابه أياما وهو يعبر فيخبره كل خبري، ثم انه دعاني يوما فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعي فقال دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت اليه فقال تكلم بحاجتك فدفعت اليه الكتاب
مختوما ففض خاتمه فقرأه حتى انتهي الى آخره، ثم دفعه الى أخيه فقرأه مثل قراءته الا أني رأيت أخاه أرق منه، ثم قال ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت، فقلت اتبعوه إما راغب في الدين واما مقهور بالسيف، قال ومن تبعه، قلت الناس قد رغبوا في الاسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الحرجة وأنت ان لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك، فأسلم تسلم
ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال، قال هذا وارجع الى غدا، فرجعت الى أخيه، فقال دعني يومي ياعمرو، اني لأرجو أن يسلم ان لم يضن بملكه. حتى اذا كان الغد أتيت اليه فأبي أن يأذن لي، فانصرفت الى أخيه فأخبرته أني لم أصل اليه، فأوصلني اليه، فقال اني فكرت، فيما دعوتني اليه،
فاذا أنا أضعف العرب ان ملكت رجلا مافي يدى وهو خيله هاهنا، وان بلغت خليه ألفت قتالا ليس كمتال
لا
تبلغ
لاقى،
335
? (1/339)
صفحة 340
صلى الله
قلت وأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال مانحن فيما قد ظهر عليه وكل من أرسل اليه قد أجابه، فأصبح فأرسل الى فأجاب الى الاسلام وهو وأخوه جميعا، وصدقا النبي (ع) وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم الحكم فيما بينهم، فكانا لي عونا على من خالفني. ونقله الزيلعي في آخر تخريجه نحو هذا،
336
- (1/340)
صفحة 341
کانتون)
جزر
فوSو
?
جاوة
طرق عمانية وسيرافية.
ر نيکوبار
الخرائـ
خريطة رقم (1)
تيز هرمز القدي المنصورة
القلزم
عذاب
(بورسودان)
تانه
بحر الحبشة
بحر الزنج
الجزيرة الخضراء (بمبا)
عمان والطرق التجارية بعد الإسلام عمان وتاريخها البحري: 31
المصدر: أحمد عبيدلي: محقق كتاب كشف الغمة: ص 128
337
زنجبار (1/341)
صفحة 342
کانتون
المين
بورم
بانكوك
خريطة رقم (2)
خديع البنغال
جزر اندامان
ساحل كوروما
پاکستان كراتشي
العربية
المملكة العربي
ومباي
الرياح الموسمية الشمالية الشرقية
جزر لا كاديف
سري لانكسار
جزر مالديف
المحيط الهندي
الموسمية الجنوبية الغربية
المصدر: تيم سفرن، رحلة السندباد
-
338
- (1/342)
صفحة 343
j.
f
البحر
خليج عمان
خريطة رقم
هملة
وادي المسماري
هر
البري فردي هلا
الحرة
الي وحين مع ما لال جوان
محلية
الحريق
بري
ضرت
الحجري
د بنو على
الحكيم
ولى العلم
ولى النيج
قلب جري
وقبل الأحمر
لى معركة (
الجرارة
حيدة
(3)
عمان وقبائلها
الخليج العربي
جل
ساحل الصرة
مد
هروح
تم الز مولينا
البحر العربي
رحلة ابو مصقول |
رسة السلة
رسة الزواية
رة الحية
?
جزر فور بسوريا
عمان في العصر الحديث
- 339
- (1/343)
صفحة 344
السودان
خريطة رقم (4)
اليمن
وهناك
غدود شوا
مه
يط الهندة
براوغ
قسمايي
مالندي
200
مدغشـ
ما فياضي کلوم
کند
موزمبيق
i.
فالة
سفال
الساحل الشرقي لأفريقيا في العصور الوسطى
المصدر: عبد الرحمن علي السديس: تطور حركة انتشار الاسلام في شرق افريقية في ظل دولة البوسعيدين، ص 246.
340
- (1/344)
صفحة 345
المصادر والمراجع
-
المصادر العربية القديمة:-
ابن الأثير (ت 630 هـ/ 1338 م): علي بن أحمد بن أبي الكرم الكامل في التاريخ، 12 مجلد، دار صادر،
-
بيروت، سنة 1982 م.
أسد الغابة في معرفة الصحابة، جـ 1، مصر
سنة 1970 م.
ادريس عماد الدين) 872 هـ / 1481 م):
تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب، وهو القسم الخاس بالفاطميين من كتابه المسمى "عيون الأخبار تحقيق محمد اليعلاوي، دار الغرب الاسلامي، بيروت الطبعة الأولى سنة 1985 م.
الادريسي (ت 557 هـ / 1162 م): ابن ادريس الحسني.
-
4
: أبو عبد الله
محمد
بن عبد
الله
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، نسخة مصورة
بجامعة القاهرة، بدون تاريخ.
الإزكوي عاش في القرن 12 هـ (18 م): رحان
?
بن
سعيد
تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة
الجامع لأخبار الأمة، تحقيق عبد المجيد حسيب
القيسي
، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية
- (1/345)
صفحة 346
6
سنة 1985 م
دراسة أحمد عبيدلي لكتاب كشف الغمة، دلمون
للنشر، نيقوسيا، قبرص، سنة 1985 م
الاصطخري (توفي قبل (350 هـ (961 م) أبو اسحاق ابراهيم بن
محمد المعروف بالكرخي
V
•
مسالك الممالك، ليدن، سنة 1967 م.
ابن أعثم الكوفي (ت 314 هـ / 926 م): أبو محمد أحمد
الفتوح، 8 أجزاء في أربع مجلدات، دار الكتب
العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1986 م.
البخاري (ت 256 هـ (869 م: أبو عبد الله اسماعيل بن ابراهيم
الجعفي
التاريخ الكبير، 8 أجزاء، دار الكتب العلمية،
بيروت، بدون تاريخ
•
البرادي عاش في القرن (8 هـ / قرن (14 م: أبو القاسم بن ابراهيم
البرادي النفوسي
الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب
الطبقات
•
مخطوط مصور موجود بمكتبة مسجد جامعة
السلطان قابوس
بزرك عاش) في القرن 3 هـ، القرن (4 هـ: بزرك بن شهريار
الناخذاه الرام هرمزي.
11
•
کتاب عجائب الهند، جمع
مادته بين
342
- (1/346)
صفحة 347
عامي 288، 293 هـ.
ليدن، ابريل، سنة 1883 1886 م.
ابن بطوطة (779 هـ / (1377 م): أبو عبدالله محمد بن
اللواتي الطنجي
-
12
عبدالله
رحلته المسماه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، جزءان، تحقيق د. علي المنتصر الكتاني، مؤسسة الرسالة، بيروت،
الطبعة الرابعة سنة 1985 م.
البكري (ت) 487 هـ / (1094 م: أبو عبيد عبد الله بن عبدالعزيز.
-
13
جزيرة العرب من كتابه "المسالك والممالك
،،
تحقيق ودراسة د. عبدالله يوسف الغنيم، ذات
السلاسل، الكويت، الطبعة الأولى
1977 م.
سنة
البلاذري (ت (279 هـ (892 م: أبو الحسن أحمد بن يحيى بن /
جابر البغدادي
14
فتوح البلدان، تحقيق د. رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة
1983 م.
التنوخي (ت 384 هـ / (994 م: القاضي أبو على المحسن بن علي. نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، جـ 3، تحقيق
15
عبود الشالجي بيروت، سنة 51392
1972 م.
343 (1/347)
صفحة 348
ابن حبيب البغدادي ت (245 هـ (859 م): أبو جعفر محمد بن
بن
أمية بن عمرو
16
المحبر، برواية أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري، تصحيح د. إيلزة ليختن شتيتر، دار
الآفاق الجديدة، بيروت، بدون تاريخ.
ابن حجر (773) – 852 هـ / 1374
حجر العسقلاني
-
17
1449 م): الحافظ
بن
?
الاصابة في تمييز الصحابة، جـ ه، 11، تحقيق د. طه محمد الزيني، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1388 هـ /
1968 م.
زم (384 - 456 هـ / 994 ـ 1064 م): أبو محمد
ابن حزم على بن أحمد
18
جمهرة أنساب العرب، تحقيق عبد السلام محمد
هارون، دار المعارف، الطبعة الخامسة، بدون
تاريخ.
الحميري (قرن 9 هـ (15 م: محمد بن عبد المنعم الصنهاجي
?
19
الروض المعطار في خبر الأقطار
،
•
جمعه عام
866 هـ / 1463 م، تحقيق د. احسان عباس،
مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الثانية،
سنة
1984 م.
344 (1/348)
صفحة 349
محمد: أحمد 241 هـ 780 – 855 م): بن
ابن حنبل (164 – 241 هـ / 780
ابن حنبل الشيباني
20
مسنده، وبهامشه كنز العمال في سنن الأقوال
والأفعال
، دار الفكر، القاهرة الطبعة الثانية سنة
1398 هـ / 1978 م.
ابن حوقل (ت (367 هـ (977 م: أبو القاسم محمد بن علي
النصيبي.
•
21
-
صورة الأرض أو المسالك والممالك، مكتبة
الحياة، بيروت، سنة 1979 م.
ابن خرداذبة (ت حوالي عام 300 هـ / 912 م): أبو القاسم عبيد
الله
عبدالله بن
-
22
المسالك والممالك، ومعه نبذ من كتاب الخراج وصنعة الكتابة لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي المتوفي عام 320 هـ / 932 م،
مكتبة المثني، بغداد، بدون تاريخ
•
ابن خلكان (608 - 681 هـ/ 1211 – 1282 م): أبو العباس
شمس الدين
أحمد
محمد
بن
-
23
بن أبي بكر.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
سبع
مجلدات، تحقيق د. احسان عباس، دار
صادر، بيروت، بدون تاريخ.
345 (1/349)
صفحة 350
خليفة بن خياط ت (240 هـ (854 م): الامام المحدث أبو
خليفة بن خياط شياب العصفري.
-
24
•
عمر
کتاب الطبقات، برواية أبي عمران موسى بن زكريا التستري، تحقيق د. اکرام ضياء العمري، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثانية،
سنة 1402 هـ / 1982 م.
الدرجيني (ت حوالي 670 هـ): أبو العباس
-
20
أحمد
بن سعيد. كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق ابراهيم
طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر، سنة
1974 م.
ابن دريد الأزدي (223 - 321 هـ / 838 - 933 م): أبو بكر
محمد بن الحسن
-
26
الاشتقاق، جزءان في مجلد، تحقيق عبد السلام
محمد هارون، دار المسيرة بيروت،
الثانية، سنة 1399 هـ / 1979 م.
الطبعة
الربيع بن حبيب عاش في القرن الثاني للهجرة): الربيع بن حبيب
ابن عمر الأزدي البصري.
27
-
الجامع الصحيح، ترتيب أبي يعقوب يوسف بن
ابراهم الورجلاني، دار الفتح للطباعة والنشر،
بيروت، سنة 1388 هـ
-
346
- (1/350)
صفحة 351
الحسن
الزبيدي (ت (379 هـ (989 م): أبو بكر محمد بن طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبو
28
الفضل ابراهيم، مكتبة الخانجي مصر، الطبعة
الأولى سنة 1373 هـ / 1954 م.
أبو زكريا الأزدي (ت (334 هـ / (945 م: أبو زكريا يزيد بن محمد ابن اياس بن القاسم الأزدي
-
29
تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبة، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة سنة 1387 هـ /
1967 م.
ابن سعد (ت 230 هـ 845 م): أبو عبدالله محمد بن
منيع الزهري.
30
سعد بن
الطبقات الكبري، ثمانية أجزاء، دار التحرير،
القاهرة، سنة 1388 هـ / 1968 م.
-
ابن سعيد المغربي (610 - 673 هـ / 1214. 1275 م): أبو
الحسن علي بن موسى.
-
31
كتاب الجغرافيا، تحقيق اسماعيل العربي، المكتبة الطبعة الأولى التجارية، بيروت،
1970 م.
أبو سعيد الكدمي (ق) 4 (هـ): أبو سعيد محمد بن سعيد
32
سنة
•
الاستقامة، جـ 1، تحقيق محمد أبو الحسن،
مسقط، وزارة التراث، سنة 1985 م.
-
3470
- (1/351)
صفحة 352
سليمان التاجر وأبو زيد الحسن السيرافي: (عاشا في القرن الثالث
الهجري).
33
-
سلسلة التواريخ، جزءان في مجلد، باريس سنة
1845 م.
السمعاني (506 - 562 هـ / 1112 116.6 م): الامام أبو
-
سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي
34
-
الأنساب، خمسة أجزاء، تقديم وتعليق عبد الله
عمر
البارودي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1408 هـ / 1988 م.
الشماخي (ت) 928 هـ/ 1522 م): أحمد بن سعيد بن عبد الواحد.
35
-
كتاب السير، جزءان، تحقيق أحمد
السيابي
بن سعود
مسقط،، وزارة التراث
سنة
1407 هـ / 1987 م.
،
الطبري (224 - 310 هـ / 838 922 م): أبو جعفر محمد
ابن جرير.
-
36
-
تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك عشرة أجزاء، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، سنة 1979 م.
ابن طولون الدمشقي (ت 953 هـ (1546 م): شمس الدين محمد
ابن علي ابن طولون الدمشقي
37
-
•
إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، نشر
مكتبة القدسي، دمشق، سنة 1348 هـ.
348 (1/352)
صفحة 353
ابن عبد الحق (ت (739 هـ (1338 م: صفي الدين عبد المؤمن
ابن عبد الحق البغدادي
-
39
مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1373 هـ / 1954 م
ابن عبد ربه ت (336 هـ (948 م): شهاب الدين أحمد العقد الفريد، 7 مجلدات، تقديم خليل شرف
40
الدين، دار ومكتبة الهلال، بيروت الطبعة الأولى، سنة 1373 هـ / 1954 م.
ابن فضل الله العمري (ت) 749 هـ / 1348 م): شهاب الدين أحمد
ابن يحيى
41
التعريف بفن المصطلح الشريف، القاهرة، سنة
1910 م.
العوتبي الصحاري عاش في القرن الخامس للهجرة): سلمة
بن
مسلم.
-
42
الأنساب
، جزءان، مسقط، وزارة التراث،
الطبعة الثالثة، سنة 1984 م.
ابن الفقيه الهمداني (ت حوالي 300 هـ / 912 م): أبو بكر أحمد
ابن محمد.
-
43
مختصر كتاب البلدان، ليدن، سنة 1302 هـ
349 (1/353)
صفحة 354
•
ابن قتيبة (276 هـ / (889 م أبو محمد عبدالله بن مسلم عيون الأخبار، 2، جـ 2، دار الكتب العلمية،
44
45
بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1986 م. الأوائل، تحقيق محمد بدر الدين القهوجي، دار
ابن كثير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى سنة 51407/ 1987 م.
القزويني (ت 682 هـ / 1283 م): زكريا بن
محمد بن محمود
القزويني
-
46
آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، بيروت،
بدون تاريخ
القلقشندي (ت (821 هـ (1418 م: أبو العباس أحمد بن علي. صبح الأعشي في صناعة الإنشا، 14 جزء،
-
47
وزارة الثقافة والارشاد القومي مصر،
1985 م.
سنة
ابن ماجد (ت) حوالي 910 هـ / 1504 م):: أحمد بن ماجد السعدي ثلاث أزهار في معرفة البحار، تحقيق تيودور شوموفسكي، ترجمة وتعليق د، ترجمة وتعليق د. محمد منير
48
مرسى، عالم الكتب، القاهرة، سنة 1969 م
ابن مداد (ت 917 هـ / 1511 م): محمد بن عبد الله
النزوي العقري.
-
49
بن
مداد
سيرة بن مداد، مسقط، وزارة التراث، سنة
1984 م.
350 (1/354)
صفحة 355
المسعودي (ت (346 هـ / (957 م: أبو الحسن علي بن الحسين بن علي. مروج الذهب ومعادن الجوهر، 4 أجزاء، تقديم
01
-
د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1986 م.
التنبيه والإشراف، دار ومكتبة الهلال، بيروت،
سنة 1981 م.
المقدسي (335) 390 هـ / 946 1000 م): محمد بن أحمد ابن أبي بكر البناء الشامي المقدسي المعروف بالبشاري.
02
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن، الطبعة
الثانية، سنة 1967 م.
مسلم بن الحجاج القشيري (ت 261 هـ/ 874 م)
03
-
صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 15، دار احياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة،
ول:
بدون تاريخ
السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، جـ 1 تحقيق وشرح د سيدة اسماعيل الكاشف، مسقط، وزارة التراث، سنة 1406 هـ / 1986 م.
مجهول ولد) عام 904 هـ / 1498 م):
السلوة في أخبار كلوة، تحقيق محمد علي
الصليبي
، مسقط، وزارة التراث سنة
1405 هـ 1985 م.
- (1/355)
صفحة 356
مجهول:
?
تاريخ أهل عمان، تحقيق د. سعيد عبد الفتاح
عاشور،، مسقط، سنة 1980 م.
بن
محمد
مجهول عاش في القرن (12 هـ (18 م) ولعله أبو سليمان ابن عامر بن راشد المعولي كما ذكر صاحب تحفة الأعيان قصص وأخبار جرت في عمان، تحقيق عبد
07
المنعم عامر، مسقط، وزارة التراث، الطبعة
الثانية،، سنة 1403 هـ 1983 م.
ابن النديم (ت 438 هـ / 1046 م): محمد بن اسحاق المعروف
بالوراق
58
-
الفهرست، تحقيق د ناهد عباس عثمان، دار
قطري بن 1985 م.
الفجاءة، قطر، الطبعة الأولى، سنة
النويري ت (773 هـ (1371 م): شهاب الدين أحمد
الوهاب
09
-
بن عبد
نهاية الأرب في فنون الأدب، جـ 20، تحقيق محمد رفعت فتح الله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة 1975 م، جـ 21، تحقيق علي محمد البجاوي، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، القاهرة، سنة 1976 م.
352 - (1/356)
صفحة 357
ابن هشام (ت 218 هـ / 833 م: أبو محمد عبد الملك بن هشام
الحميري.
-
60
السيرة النبوية، 4 أجزاء في مجلدين، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة،
الطبعة الثانية سنة 1955 م.
الهمداني (ت (521 هـ (1127 م: محمد بن عبد الملك /
61
-
تكملة تاريخ الطبري، جـ 11، تحقيق محمد أبو
الفضل ابراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة
الثانية، سنة 1982 م.
ابن الوردي (ت (749 هـ (1348 م: سراج الدين أبو حفص عمر.
62
-
خريدة العجائب وفريدة الغرائب
شركة
الطباعة الفنية الجديدة، القاهرة بدون تاريخ.
ياقوت الحموي (ت (626 هـ / (1230 م: الامام شهاب الدين أبو
عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي الرومي البغدادي
63
معجم
•
البلدان، خمسة أجزاء، دار احياء التراث
العربي، بيروت، سنة 1399 هـ / 1979 م.
اليعقوبي (ت 272 هـ (895 م: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر
ابن وهب ابن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي.
-
64
تاريخ اليعقوبي، جزءان، دار صادر، بيروت،
بدون تاريخ.
صفة المغرب، مأخوذ عن كتاب البلدان لليعقوبي، ليدن، سنة 1850 م.
- (1/357)
صفحة 358
1. '2
- المراجع العربية والمعربة
-
آدم متز:
?? الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري أو
-
عصر النهضة في الاسلام، جزءان تعريب د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الكتاب العربي،
بيروت، الطبعة الخامسة، بدون تاريخ
أحمد حمود المعمري:
67
عمان وشرقي افريقية، ترجمة محمد أمين عبدالله مسقط، وزارة التراث سنة 1980 م.
أحمد شلبي: (دكتور)
-
68
موسوعة التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية، ج 6، مكتبة النهضة المصرية الطبعة الرابعة،
أحمد
سنة 1983 م.
علي أحمد:
-
69
كلوة، تاريخها وحضارتها من القرن العاشر الى القرن الخامس عشر الميلادي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، سنة 1983 م.
أحمد غيضة سالم: (دكتور)
70
الجاليات العربية في افريقيا، بحث في كتاب العرب وافريقيا، بيروت، الطبعة الأولى، سنة
1984 م.
354
? (1/358)
صفحة 359
أحمد
مهني مصلح وآخرون:
71
هذه مبادئنا، عمان، سنة 1987 م.
أرنولد، توماس:
72
-
الدعوة الى الاسلام، ترجمة د. حسن ابراهيم
د حسن،
•
عبدالمجيد عابدين
،
اسماعيل
النحراوي، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة
الثالثة
،
سنة 1970 م.
أرنولد ويلسون (لفتنانت كولونيل سير أرنولد. ويلسون):
73
تاريخ الخليج، ترجمة محمد أمين عبدالله
مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية، سنة
1405 هـ / 1985 م.
أنور عبد العليم:
-
74
عالم
الملاحة وعلوم البحار عند العرب، سلسلة عا المعرفة، عدد المحرم سنة 1399 هـ / يناير سنة
باولو كوستا:
-
Yo
01979
دراسة لمدينة ظفار، مسقط، وزارة التراث
سنة 1984 م.
بطرس البستاني:
-
76
دائرة المعارف، جـ 11، دار المعرفة، بيروت،
بدون تاريخ.
-
355
- (1/359)
صفحة 360
ترمنجهام، سبنسر:
-
77
الاسلام في شرق افريقيا، ترجمة محمد عاطف النواوي، الأنجلو المصرية الطبعة الأولى، سنة
1973 م.
تشانغ زون يان:
78
تيم
سفرن
79
—
الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعمان عبر التاريخ، مسقط، وزارة التراث، سنة 1981 م.
رحلة السندباد، ترجمة د.
مسقط، وزارة التراث
1985 م.
جمال زكريا قاسم: (دكتور).
-
80
81
-
-
82
،
سامي عزيز، سنة 1405 هـ /
الأصول التاريخية للعلاقات العربية الافريقية،
مجلة معهد البحوث والدراسات العربية، عدد
سنة 1975 م.
الخليج العربي دراسة لتاريخ الامارات العربية في عصر التوسع الأوربي الأول، دار الفكر العربي
القاهرة، سنة 1985 م.
استقرار العرب في ساحل شرق افريقيا، حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، عدد 10،
سنة 1967 م.
356 - (1/360)
صفحة 361
-
83
المصادر العربية لتاريخ شرق افريقيا، مجلة الجمعية المصرية التاريخية، العدد 14، سنة 1966،
1977 م.
جودة حسنين جودة، على أحمد هارون: (دكتوران). 84 - جغرافية الدول الاسلامية، منشأة المعارف بالاسكندرية، سنة 1984 م
جيان (ربان سفينة):
85
-
وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن افريقيا الشرقية، كتبه عام 1856 م، نقله الى العربية ملخصا يوسف كمال، القاهرة، الطبعة الأولى
سنة 1345 هـ / 1927 م.
حسن ابراهيم حسن، طه أحمد شرف: (دكتوران):
-
86
المعز لدين الله الفاطمي، دار النهضة المصرية،
سنة 1963 م.
حسن أحمد محمود: (دكتور)
?
87
انتشار الاسلام في القارة الافريقية، مكتبة النهضة
المصرية، الطبعة الثالثة
،
سنة 1984 م.
حسين مؤنس: (دكتور)
-
أطلس تاريخ الاسلام، الزهراء للاعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1407 هـ /
1987 م.
- rov -
- (1/361)
صفحة 362
حسين على المسري: (دكتور)
90
حميد بن
محمد
-
91
- 92
93
—
ذات تجارة العراق في العصر العباسي السلاسل، العراق، سنة 1402 هـ / 1982 م.
بن رزيق: (ت 1291 هـ / 1874 م) الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، تحقيق عبد المنعم عامر، د. محمد عبدالله مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية، سنة
1983 م
مرسي
الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، تحقيق عبد المنعم عامر، مسقط وزارة التراث،
سنة 1978 م.
الصحيفة القحطانية، مخطوط بمكتبة معالي السيد أحمد بن سعود البوسعيدى وهو نسخة
محمد بن
عن نسخة
مصورة في 1930/ 1/19 م، عن موجودة بمكتبة أكسفورد.
حوراني: جورج
فاضلو
-
94
العرب والملاحة في المحيط الهندي، ترجمة د. يعقوب بكر، مكتبة الأنجلو المصرية، بدون
تاريخ.
دافدسون، بازل:
-
95
افريقيا تحت أضواء جديدة، ترجمة جمال محمد أحمد، دار الثقافة للتوزيع والنشر، بيروت،
بدون تاريخ.
358 - (1/362)
صفحة 363
دولت صادق: (دكتور)
-
96
شرقي افريقيا، دراسة في كغرافية الاسلام، بحث ضمن كتاب (بحوث المؤتمر الجغرافي الاسلامي الأول)
جـ 4، الرياض، سنة 1404 هـ / 1984 م
رأفت غنيمي الشيخ: (دكتور)
97
•
افريقيا في التاريخ المعاصر، دار الثقافة للطبع والنشر، القاهرة، سنة 1982 م.
رجب محمد عبد الحليم: (دكتور)
-
98
-
99
الردة في ضوء مفهوم جديد، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1985 م. العلاقات السياسية بين مسلمي الزيلع ونصاري الحبشة في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1985 م.
سالم بن حمد الحارثي:
?
العقود الفضية في أصول الأباضية، مسقط،
وزارة التراث، سنة 1983 م.
سالم بن حمود السيابي:
101
102
-
عمان عبر التاريخ، أربعة أجزاء، مسقط، وزارة
التراث، سنة 1982 م.
العنوان عن تاريخ عمان، نشر على نفقة الشيخ
أحمد
بن محمد بن عيسى الحارث العماني، بدون
دار نشر، وبدون تاريخ.
-
359
- (1/363)
صفحة 364
-
103
ودارد:
—
1.2
طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي مسقط، وزارة التراث، سنة 1400 هـ / 1980 م.
حاضر العالم الاسلامي، جزءان، ترجمة وتعليق واضافة شكيب أرسلان، دار الفكر العربي،
مصر، بدون تاريخ.
سعيد علي المغيري:
•
جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تحقيق عبد المنعم
-
100
عامر، طبع مصر، سنة 1979 م.
سعيد عبد الفتاح عاشور، عوض خليفات: (دكتوران) عمان والحضارة الاسلامية مسقط،
106
-
1987 م.
سليمان بن عبد الله الشيباني:
107
—
سنة
مملكة زنجبار، بدون مكان نشر، وبدون
تاريخ.
سليمان عبد الغني مالكي: (دكتور)
-
108
سلطنة كلوة الاسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1406 هـ 1986 م.
سليمان الباروني:
109
-
الأزهار الفضية في أئمة وملوك الأباضية، محمد على الصليبي، جـ 2، مسقط، وزارة التراث،
سنة 1987 م.
360
- (1/364)
صفحة 365
السيد عبد الحافظ عبد ربه:
-
110
الأباضية مذهب وسلوك، مكتبة الاستقامة روي، سلطنة عمان، سنة 1406 هـ / 1986 م.
سيدة اسماعيل الكاشف: (دكتور)
111
عمان في فجر الاسلام، مسقط، وزارة التراث، الطبعة الثانية، سنة 1982 م.
سيف بن حمود بن حامد البطاشي:
112
-
ارشاد السائل الى معرفة الأوائل، مسقط، وزارة التراث، سنة 1408 هـ / 1988 م، تاريخ
المهلب، مسقط، 1988 م.
شاخت وبوزورث:
113 – تراث الاسلام تراث الاسلام، جـ 1، ترجمة د. محمد زهير
السمهوري، د. حسين مؤنس، د
•
احسان
صدقي العمد، الكويت، سلسلة عالم المعرفة
عدد 8، الطبعة الثانية، سنة 1988 م.
شارل بللا: أستاذ في جامعة السوربون)
-
الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء، ترجمة د. ابراهيم الكيلاني، دار الفكر دمشق، الطبعة الأولى، سنة 1406 هـ/ 1985 م.
شوقي عطا الله الجمل: (دكتور)
-
115
تاريخ كشف افريقيا واستعمارها، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية سنة 1980 م.
-
361
- (1/365)
صفحة 366
-
116
حضارة زمبابوي مجلة معهد البحوث والدراسات الافريقية، جامعة القاهرة، العدد
السادس، سنة 1977 م.
صلاح العقاد، جمال زكريا قاسم: (دكتوران)
117
زنجبار، مكتبة الأنجلو المصرية، سنة 1959 م.
طه عبد العليم رضوان: (دكتور)
-
118
في جغرافية العالم الاسلامي، جـ 1، مكتبة الانجلو المصرية، الطبعة الرابعة سنة 1989 م.
عبد الرحمن زكي: (دكتور)
119
الله عبد
120
الجغرافيون والرحالة العرب وما كتبوه عن الساحل الافريقي الشرقي في العصور الوسطى، بحث ضمن بحوث المؤتمر الجغرافي الاسلامي الأول،
جـ 3، الرياض سنة 1404 هـ / 1984 م.
محمد بن بن صالح الفارسي: (قاضي قضاة (كينيا) البوسعيديون حكام زنجبار، ترجمة محمد أمين عبدالله، مسقط، وزارة التراث الطبعة الثانية،
-
سنة 1982 م.
عبد الرحمن بن علي السديس:
-
121
تطور حركة انتشار الاسلام في شرق افريقية في ظل
دولة البوسعيديين (1248 – 1349 هـ / 1832 1930 م)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الامام محمد ابن سعود الاسلامية، الرياض سنة 1407 هـ / 1987 م.
-
362
- (1/366)
صفحة 367
عبد الرحمن عبد الكريم العاني: (دكتور)
-
122
دور العمانيين في الملاحة والتجارة الاسلامية حتى القرن الرابع الهجري، مسقط وزارة التراث،
سنة 1981 م.
عبد المنعم عامر:
123
-
عمان في أمجادها البحرية، مسقط
وزارة
التراث، سنة 1980 م.
عز الدين عمر موسى:
-
124
الاسلام في افريقيا، بحث في كتاب العرب وافريقيا، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1984 م.
عبد المنعم ماجد: (دكتور)
125 - التاريخ السياسي للدولة العربية (عصر الخلفاء
الأمويين)
ج 2، مكتبة الأنجلو المصرية،
الطبعة السابعة، سنة 1982 م.
فاروق عمر: (دكتور)
126
?
الخليج العربي في العصور الاسلامية، دار القلم
دبي، سنة 1983 م.
ي هويدي:
-
127
الاسلام في الصين، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد 43، رمضان سنة 1401 هـ
يونيه سنة 1981 م.
-
-
363 (1/367)
صفحة 368
كوليت جراند ميزون:
-
128
لترنج
:
129
هجرات الحرث الى أواسط القارة الافريقية، مسقط، وزارة التراث، سنة 1984 م.
بلدان الخلافة الشرقية، تعريب بشير فرنسيس وكوركيس عواد، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1405 هـ / 1980 م.
مايل
ز: 1838
?
•
-
1914 م)
الخليج بلدانه وقبائله. ترجمة محمد أمين عبد الله، مسقط، وزارة التراث الطبعة الثالثة، سنة
1406 هـ / 1986 م.
المباركبوري: القاضي أبو المعالي أطهر
131
رجال السند والهند الى القرن السابع، جزءان في مجلد، دار الأنصار، القاهرة الطبعة الأولى
سنة 1398 هـ
•
محمد أبو العلا محمد: (دكتور)
—
132
موقع عمان الجغرافي وعلاقاتها المكانية، دار النهضة العربية، القاهرة سنة 1405 هـ / 1985 م.
محمد أحمد مشهور الحداد: (دكتور)
-
133
حقائق تاريخية عن العرب والاسلام في افريقيا الشرقية، دار الفتح، الطبعة الأولى، سنة
1393 هـ / 1973 م.
364
? (1/368)
صفحة 369
محمد جمال الدين سرور: (دكتور)
134
الحياة السياسية في الدولة العربية الاسلامية خلال القرنين الأول والثاني بعد الهجرة، دار الفكر
العربي، القاهرة، بدون تاريخ.
محمد خليفة النبهاني الطائي:
135
التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية، دار إحياء العلوم، بيروت الطبعة الأولى، سنة
1986 م.
محمد رشيد الفيل:
136
أثر التجارة والرحلة في تطوير المعرفة الجغرافية عند العرب، بحث في كتاب بحوث المؤتمر الجغرافي الاسلامى الأول، جـ 3، الرياض،
سنة 1404 هـ / 1984 م.
محمد عبد الله السالمي وناجي عساف:
137
-
عمان تاريخ يتكلم، المطبعة العمومية، دمشق، سنة 1383 هـ / 1963 م.
محمد عبد الله النقيرة: (دكتور)
?
138
انتشار الاسلام في شرقي افريقيا ومناهضة الغرب
له، دار المريخ للنشر، الرياض، سنة 1402 هـ /
1982 م.
365
- (1/369)
صفحة 370
محمد على: (الأمير)
-
139
رحلة الأمير محمد على إلى جاوة (أغسطس سنة 1929 م)، رتبها وبوبها محمود محمد فرغلي، مطبعة المعارف، مصر، سنة 1930 م
محمد فريد وجدي:
12.
-
دائرة معارف القرن العشرين
ه، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية سنة 1971 م.
محمد كمال حسين:
-
141
انتشار الاسلام وأشهر مساجد المسلمين في العالم، دار الفكر العربي، القاهرة الطبعة الأولى، سنة 1976 م.
محمد معروف الدواليبي: (دكتور)
142
-
دراسات تاريخية عن مهد العرب وحضارتهم الانسانية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة
الثانية، سنة 1403 هـ / 1983 م.
محمد ناصر العبودي:
مدغشقر بلاد المسلمين الضائعين، الرياض:
-
143
سنة 1401 هـ / 1981 م.
نور الدين السالمي: ت 1332 هـ 1913 م)
تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، جزءان، مسقط
سنة 1401 هـ / 1981 م.
-
?
-
144 (1/370)
صفحة 371
اللمعة المرضية من
أشعة الأباضية، مسقط،
-
145
وزارة التراث، الطبعة الثالثة سنة 1983 م.
وايدنر، دونالد:
-
146
تاريخ افريقيا جنوب الصحراء، جـ 1، ترجمة أحمد فخري، د. شوقي عطا الله الجمل، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، سنة
علي
1976 م.
وزارة التربية والتعليم والشباب بمسقط:
الحضارة الاسلامية وانتشار الاسلام في آسيا مسقط، الطبعة الثانية، سنة 1985 م.
147
ولكنسون، (ج. س):
-
148
149
-
تراجم علماء عمان، ترجمة محمد أمين عبد الله،
مسقط، وزارة التراث سنة 1980 م.
بنو الجلندى في عمان، مسقط، وزارة التراث،
سنة 1982 م.
وندل فيلبس:
10.
151
-
تاريخ عمان، ترجمة محمد أمين الله عبد، مسقط وزارة التراث، الطبعة الثانية، سنة 1983 م. رحلة الى عمان، ترجمة محمد أمين عبد الله مسقط، وزارة التراث، سنة 1401 هـ /
1981 م.
367 (1/371)
صفحة 372
يوسف فضل حسن: (دكتور)
-
152
الجذور التاريخية للعلاقات العربية الافريقية، بحث في كتاب العرب وافريقيا، بيروت، الطبعة
الأولى، سنة 1984 م.
ية المراجع الأجنبي
-
Freeman
-
Grenville :
153) The East African Coast, (selected documents from the first to the earlier nineteenth century), Oxford 1962.
Gideon & Derek :
154) East Africa through a thousand years, A history of the years A. D. 1000 to the present day, Kenya, 1973.
Kingsnorth, G. W:
155) Africa south of the Sahara, Combridge, 1962.
Lewis, I. M:
156) Islam in Tropical Africa, studies edited with on introduction by I. M. Lewis. Second Edition, London, 1980.
Lucy Mair:
157) African Kingdoms. Oxford, 1979.
Marsh, Zoe :
158) East Africa through contomparary records, selected and introduced by Zoe Marsh, Combridge, 1961.
Marsh, Zoe & Kingsnorth, G. W :
159) An Introduction to the history of East Africa, Combridge, 1961.
-
368 - (1/372)
صفحة 373
Murphy, Jefferson :
160) History of African Civilization, New York, 1972.
Reusch, Richard :
161) History of East Africa, Stuttgart, 1954.
Shepperson, George:
162) The Jumbe of Kota Kota and some Aspects of the history of Islam in Malawi. (Islam in Tropical Africa, by Lewis, London, 1980).
Trimingham, J, Spencer :
163) The influence of Islam upon Africa, London, 1968.
164) The phases of Islamic expansion and Islamic culture zones in Africa.
(Islam in Tropical Africa, by Lewis, London, 1980).
Wilkinson, J. C:
165) The early development of the Ibadi Movement in Basra. In "studies on the first century of Islamic Society, V. 5, Edited by G. H. A. juynboll. America.
-
369 - (1/373)
صفحة 374
الموضوع
الفهرس
الصفحة
تقديم: بقلم معالي السيد محمد
أحمد بن سعود البوسعيدي بن
المستشار الخاص لجلالة السلطان للشئون الدينية والتاريخية
المقدمة
الفصل الأول
إسلام أهل عُمان
1 - وصول الدعوة الى عمان قبل صلح الحديبية. 2 ـ وفود عمان الى الرسول بعد صلح الحديبية
3 ـ صحابة رسول الله من أهل عمان
-
4
O
•
4
13
14
23
25
مواقف أهل عمان الاسلامية في عصر الخلافة الراشدة. 34
تهيؤ أهل عمان للدعوة لنشر الاسلام
الفصل الثاني
37
العمانيون والملاحة والتجارة
-
1
2
ونشر الاسلام في جنوب شرق آسيا
العوامل التي أدت الى توجه العمانيين الى البحر
الأسطول العماني والاشتغال بالملاحة والتجارة.
•
3 ـ العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام في بلاد الهند
-
370 -
42
43
47 (1/374)
صفحة 375
الصحفة
064
99
الموضوع
و سرنديب وجزر المالديف
العقبات التي حدت من انتشار الاسلام بين الهنود. العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام في أرخبيل
الملايو وأندونيسيا والفليبين.
10
130
153
•
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام في بلاد الصين
-
-
7 - العقبات التي حدت من انتشار الاسلام في بلاد الصين
الفصل الثالث
الوجود العماني في شرقي افريقيا وأثره في نشر الاسلام
1 ـ نشاط العمانيين الملاحي والتجاري في الساحل. 2 - توغل العمانيين والعرب في الداخل. 3 ـ أثر التجار والدعاة العمانيين في نشر الاسلام في الساحل
4
والداخل.
160
?
177
186
هجرات العمانيين الى شرقي افريقيا وأثرها في نشر الاسلام. 193 أ ـ هجرة بني الجلندي وامارتهم في لامو وأثرها في
نشر الاسلام.
هجرة الحرث وسلطنتهم في مقدشو وأثرها في نشر
الاسلام.
199
209
هجرة النباهنة وسلطنتهم في بات وأثرها في نشر الاسلام. 223
-
371
- (1/375)
صفحة 376
الصفحة
240
253
268
284
291
316
323
333
337
341
341
353
367
369
الموضوع
-
ه - الوجود العماني في مدن الساحل الأخرى.
-
-
Y
-
-
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام في مدغشقر
وجزر القمر
طابع الاسلام والحياة الاسلامية في شرقي افريقيا. مظاهر التقدم الحضاري في شرقي افريقيا
المعوقات التي حدت من انتشار الاسلام وحضارته في
شرقي افريقيا.
•
10 ـ العوامل التي أدت الى عدم انتشار اللغة العربية والمذهب الأباضي في شرقي افريقيا وجنوب شرقي آسيا
الخاتمة
ملاحق الكتاب
1 - رسالة النبي (علي) الى ملكي عمان جيفر وعبد ابني
الجلندى
الخرائط
-
2
- المصادر والمراجع
أ - المصادر العربية القديمة
-
I
المراجع العربية والمعربة. المراجع الأجنبية.
372
الفهرس (1/376)
صفحة 377
رقم الإيداع: 2010/ 62 م (1/377)