صفحة 1
الكتاب: اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب
المؤلف: سعيد بن حمد الحارثي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) كتاب
اللؤلؤ الرطب
في إبراز مستودعات القلب
للشيخ العلامة: سعيد بن حمد الحارثي رضي الله عنه وعطَّر مضجعه (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ... الصلاة والسلام على نبي الهدى،،
وبعد ...
فلقد تطفلنا، وأخرجنا هذا الكتاب، مع أن وزارة التراث القومي والثقافة قامت مشكورة بسد هذا الفراغ، وملأت الديار بالكتب والمطبوعات، سعياً وراء إحياء التراث العُماني، وتثقيفاً للجيل الجديد الذي هو عدة عُمان في عصرها الزاهي، وذلك بهمة سمو وزيرها الموقر، بقيادة قابوس – حفظه الله – ونرجو أن تتقبل منا وزارة التراث هذا العمل الذي ما أردنا به إلا الخير، والله مع حسن القصد معين.
المؤلف،،، (1/2)
صفحة 3
المقدمة
الحمد لله الذي مكّن الحكام في الأرض ساسة للأنام، وقرن طاعتهم بطاعته وطاعّة رسوله، في عدل الأحكام، ورفع المؤمنين والعلماء درجات وجعلهم قادة للحكام، إذ كل شيء فاسدٌ ما لم يأخذ منه العلم بزمام.
والعلم وحملته حياة الأرض، وري الأوام (1).
ولولا العلم لما فضل آدم أبو البشر على الملائكة عليهم السلام.
ولولا العلماء الذين يستنبطون العلم المشكل، لتساوى الناس والأنعام، فالحمد لله على ذلك حمداً كثيراً يملأ الفضاء والوهاد والآكام، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة للعالمين على الدوام، محمد النبي الأمي وآله وأصحابه أهل الفضل والجود والإكرام.
أما بعد ...
فقد رأيت مستعيناً بالله أن أبرز ما عندي من محفوظات عن سيرة أئمتنا المتأخرين، ومأثور أحاديثهم الغُرر، مما سمعته من الثقات الأمناء، مما لم يكن مأثورا في كتاب، فخشيت إذا أنا مت أن يذهب هذا الأثر النفيس، لأن كلام العلماء وسيرتهم ترياق لسم الجهل.
فأسأل الله التوفيق.
وغالب ما رويت عن شيخنا: محمد بن سالم الرقيشي. إذ كنت ملازماً له في السجن مدة غير قصيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): أوَم: العطش، والأوام جمع أوم: العطشى. (1/3)
صفحة 4
وعن شيخنا العم: عبدالله بن سليمان الحارثي: وهو الحافظ الثبت الذي قال في حقه الإمام: نور الدين: لو بقي ناصر بن سالم المعمري وعبدالله بن سليمان الحارثي يتعلمان، لأصبحا مُفْتِيَيْ عُمان.
كما رويت أيضاً عن سيدي والدي حمد بن سليمان الحارثي.
وكلهم يروي عمن يثق به في الرواية: كالإمام الخليلي.
والشيخ عيسى بن صالح الحارثي،
عن أبيه الشيخ صالح،
أو عن الوالد الرضي سليمان بن حميد الحارثي.
رحمة الله عليهم أجمعين.
مرويات الشيخ الرقيشي
قال: كان الشيخ سعيد بن أحمد الكندي: يسكن: نزوى، فقتل له ولد، ولم يعرف قاتله، فهم جماعته بأخذ الثأر من قبيلة يتهمونها، فمنعهم الشيخ قائلا: " إنه لم يتحقق القتل من أحد، وما كان لنا أن نقتل بريئاً ".
قالوا: لا يمكن أن نغضي على العار، فلا نأخذ بالثأر.
قال: " لكن إذا عرفتم القاتل ".
قالوا: لكن هذه عادة القبائل.
قال: " لا أقبل، فإن كان لا بد لكم من ذلك بغير رضى مني، فدعوني أخرج من هذا البلد، فانتقل إلى العليا في وادي بني خروص. ويقال إن كتبه كانت حمل أربعمائة حمار ". (1/4)
صفحة 5
وعنه قال: كان الشيخ: أبو نبهان: جاعد بن خميس الخروصي، مولعاً بالصيد، وتنقية البنادق، ويحمل الأحسن منها.
فوصف له تفق عند الشيخ: سعيد بن أحمد ... فذهب إليه يطلب ذلك التفق، فتفرس الشيخ فيه أنه من أهل العلم، لا من أهل القنص، فوعده أن يأتيه في صبح غد، فمن شدة حرص الشيخ جاعد على التفق، صلى الصبح عنده، وقد جاء من العوابي.
فالشيخ بدل أن يعطيه التفق أعطاه كتابا، وقال له: هذا تفقك، أنت لم تخلق لمتابعة الصيد، بل خلقت لحمل رسالة العلم ومنفعة الأمة، فمن ذلك اليوم، إنكب الشيخ أبو نبهان على التعليم، وترك حرفته الأولى، وكأنما كشف عن قلبه، فصار من أشهر العمانيين علماً ومكانة بين أهل العلم، وناهيك أن من تلامذته:
" الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي ".
وعنه قال:
" إن الشيخ سعيد بن أحمد هذا، ليس له شغل في الدنيا، إلا العلم والتعليم ":
" جاءه يوماً في وقت القائلة: مَنْ دق عليه الباب، فخرج إليه، فوجد رجلاً يبحث عن مسألة فقهية، وقال له: أنا حائر في تفسير شيء من القرآن فجئتك مسترشداً:
قرأت في القرآن أية تقول:
((وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)).
سورة الحج الآية 47 (1/5)
صفحة 6
وآية تقول:
{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}.
سورة المعارج الأية 4
فهذا فيما يظهر تناقض بين الآيات؟ ..
قال: فقبض الشيخ قبضة من تراب رمى بها وجه السائل.
وقال: يا عدو الله. انظر غيري.
قال: فتلاشى السائل بين يديه ولم يره أحد.
قال: إنه إبليس، أراد أن يلبس عليَّ، ولكن خاب سعيه، فأخزاه الله.
وقال الشيخ الرقيشي عن نفسه: " عشت خمسة وثلاثين سنة وأنا أحكم من قبل الإمامين: الخروصيّ والخليليّ: آمر وأنهى، وأقيد وأحبس: بنفوذ الشرع الشريف، وها أنا ذا الآن مقيد محبوس، عسى أن يكون تكفيراً لما أخطأت فيه، وقد حاسبت نفسي طوال هذه المدة. فما تحرجْت من شيء فعلته إلا واحدة، ومع ذلك فهي حق للشرع أخذته من الجاني، وقصتها كما يلي:
((لما كنت والياً على عبري، قبضت على رجل كلباني قتل أمه، فوضعناه في خشبة مقيدا عليها، فبقي مدة طويلة حتى صار الدود يدخل وخرج تحته، لما أكلت الأرض من مقعدته وظهره من الأوساخ التي تخرج منه.
قال: فتحرجت من طول عقابه. وكان على طريقي حين أدخل الحصن. فواطأت واحداً يدخل معي حين (1/6)
صفحة 7
أدخل، ويسألني أمام السجين لم سجن هذا؟
قلت: هذا قتل أمه، وهو وليها، والمسئول عنها، ولو اعترف لأراح نفسه من هذا العذاب، ومن سيناقشه في أمه؟. لكن أردنا أن نعرف القاتل فقط.
وكان هو يسمع الكلام، فما كدت أن أصل مجلسي، حتى أرسل إلي أنه معترف بالقتل، فخرجت إليه وسألته عن اعترافه، وهو ما كنت أطلبه، قال:
" إن أمه كان عندها عجلة، فطلبتها منها لأبيعها، قالت، وما يغني ثمن هذه العجلة؟. فما رضيت، فسكت عنها حتى نسيت.
فجئتها يوما، فقلت لها: أتريدين حشيشاً للعجلة؟.
قالت: نعم
قلت: خذي معك حبلا واتبعيني، فأدخلتها في شاغ بين الجبال، حيث لا صائح ولا موحي، فربطتها بالحبل، وجمعت رجليها إلى عنقها، وربطت يديها من خلفها. وهي تقول:
لأي شيء يا حبيبي تفعل بي هكذا؟ وما ذنبي؟.
وأنا لم أصغ إليها ولم أرق لها، ورجعت حالا إلى البيت، وبعت العجلة، أظنه قال: بنصف قرش ".
وفي وقت العصر صحت على أهل البلد: إن أمي لم ترجع. فخرج أهل البلد يبحثون عنها حسب العادة فيمن يغيب، وبنفسي قدتهم إلى الشاغي الذي هي فيه، فوجدناها قد تيّبستْ في الحبل، فدفنت هكذا، لأنها لم تتراجع رجلاها المجموعتان إلى عنقها، وعلى كل حال فهي أمي وأنا أولى بها. (1/7)
صفحة 8
قال الشيخ: فأمرت به فحُلّ من وثاقه، وأمرت أن يقتل.
فقال جماعته: نقتله بأنفسنا خوف أن يعترض أحد على العسكر، فوافقتهم، وأرسلت معه من أصحابي مَنْ شهد قتله.
وقال ايضا: لما كنت في عبري واليا، وقد وطدناها بعدما غلبت عليها الفتن، واستعبد فيها الأحرار، وانتهبت فيها الأموال، وصارت جحيماً لا تستقر، وبفضل الله، ثم فضل سيدنا إمام المسلمين: سكنت، واطمأن أهلها (1) وكثير من المشاكل قضينا عليها.
ومن جملتها: مشكلة أتعبتنا حتى غلب فيها الحق على الباطل.
وهي: أن دِرْعيَّاً بغى وهرب عن الحق، فحكم الشرع بقتله، لكنه لم يقدر عليه فتركنا له عيونا إذا هبط سوق عبري.
وذات يوم جاءنا الخبر أنه موجود في السوق.
وإذ بنا نفاجأ أن في السوق مائتي دِرْعي، ولابد للحمية أن تثور، فتعظم الفتنة، فاستعملنا الحكمة في ذلك:
" بالتَّبر يكسر ناب الضيغم الضاري "
فأرسلت إلى كبيرهم، فأعطيته مائتي قرش، وقلت له: أخرج جماعتك من السوق ما عدا فلاناً.
فلما خرجوا هجمنا على الباغي فأعتصم بدكان رجمه على نفسه من داخل، وكمن وراءه لمن يهم به.
قال الشيخ: فأمرت بحطب ألقي على الباب، وصُبّ عليه حل التراب وأشعلنا فيه النار، فأحترق الباب وما في الدكان (1/8)
صفحة 9
وكان في الدكان ذخيرة كثيرة، فحربت (1) الناس، فخرج هو راميا بنفسه، وتفقه ينقع فيمن يراه، لكن ما كاد يتجاوز باب الدكان حتى نقعت فيه تفاق العسكر فمات.
وهدأت الأمور بعد هذه القضية، وأحدثت هيبة للدولة، كسرت شوكة البغاة فيما بعد ذلك.
قال: ومن غريب الأشياء أنه بعد أن احترق الدكان جاءني رجل تاجر سعودي الجنسية يقول: إنه ترك في هذا الدكان ثلاثين ألف روبية - وكانت الروبية هي العملة المتداولة في الخليج -.
فقلت: إن شاء الله تجدونها مكانها، فالتمسوها فوجدوها في وعائها كما هي، ولم يبق في الدكان شيء لم يحترق سواها، وغرم الإمام رحمه الله الدكان، والمال الذي فيه من بيت مال المسلمين، لأن صاحبه لم يرض بتحصُّن الباغي فيه.
وكان للشيخ سياسات في توطيد الظاهرة:
منها: بذله المال لرؤوس البغاة.
ومنها: تزوجه بالفتاة العامرية التي هي من أكابر قومها، وممن يخيفون الظاهرة ويؤمنونها، وكانت له فيهم رغبة ورهبة استطاع أن يحكمها بسياسته، وكان من ورائه إمام المسلمين الرضيّ يشد أزره، ويقوي ظهره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حربت: انفجرت، أو نقعت. (1/9)
صفحة 10
وكان حرب السليف (1) وتدمير حارة المناذرة من الأسباب التي مكنته في الظاهرة.
وكان المناذرة تابعين لبني هناة، ويعتبرون في عرف العمانيين هناوية، ولما كان في نخل والياً عليها، حارب بني حراص وهم غافرية حتى أنه قال له بعض الناس:
لا نعرف هل أنت غافري أم هناوي لأنك حاربت الهناوية وحاربت الغافرية؟
قال: أنا لست من الفريقين. بل أنا خادم الإمام .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعليق على ذكر حرب السليف:
سبب حرب السليف: بغي أهلها، وتعديهم ومخالفتهم لأحكام المسلمين فقام عليهم الشيخ الرقيشي لما كان والياً عليها، فهدم حارتهم، وسجن أكثرهم وبذلك دانوا للمسلمين، ورضخوا للأحكام الشرعية، وصار بسبب ذلك نزاع كبير بين الشيخ الرقيشي والشيخ زاهر بن غصن الهنائي الذي ينتمي إليه أهل السليف، وكادت تقع بينهم حروب لولا حصافة الإمام الخليلي. وإحضارهم جميعاً في نزوى، واحتدم الخصام بينهما في حضرة الإمام، حتى ثار الهزبران في وجه بعضهم البعض بالحديد، فحكم الإمام بثبوت ما فعله واليه، وغرم بعض الأشياء من بيت المال، وأقتنع الشيخ الهنائي فسكت، لأنه الألمعي المحنك الذي لا يدخل في أمر حتى يعرف المخرج منه.
وفي هذه الآونة بغى بنو قتب، فآذوا المسلمين فأرسل الإمام بعض عسكره من بني رواحة، ليقبضوا على رؤسائهم أو يقتلوهم، فنزلوا على الشيخ محمد بن سيف المنذري في السليف، فأخبروه عن قصدهم، فأنضم إليهم وقام معهم، ودخلوا على هؤلاء الرؤساء في مجلس حضروا فيه، فأرتاب اللصوص منهم، فخرج واحد منهم ورمى بندقيته، ودخل فقعد في وجه محمد بن سيف.
ولما تساءلوا وما كادوا أن ينتهوا أطلق القتبي على محمد بن سيف الرصاص، فقام إليه بخنجر وضربه في لبته، فماتا جميعاً، ورمى بعض العسكر بعض اللصوص فقتله فمات منهم 3، وهرب الباقون.
وقد أطلعت على كتاب من الإمام - رحمه الله - للآباء يذكر فيه قتل: محمد بن سيف، ويحكي لهم القصة في كتابه، ومن جملة الكتاب قوله:
" لعله بلغكم موت الشيخ محمد بن سيف المنذري، ولقد عاش حميداً ومات شهيداً، ليس الكريم على الفنا بمحرم ". (1/10)
صفحة 11
ومحمد بن سيف هذا هو الذي قتل الطاغية سلطان بن راشد اليعقوبي: لما تجبر على الظاهرة وتعب أهلها منه وآذاهم بالتنكيل والتغريم.
وقد سمعت بعض أهلها يحكي عنه، يقول: من طغيان سلطان بن راشد وتجبره على أهل عبري وما حولها. فرض على الناس إذا نزل به ضيف أن يرسل من يختار منهم بأن يعطيه مبلغاً يكرم به ضيفه، ولا يرضى إلا أن يكون المبلغ بيسا.
ومن أموره أنه اذا ركب يركب خلفه كل من سمع عن ركوبه، فإذا تخلف أحد عاقبه العقوبة الشديدة.
يقول الراوي: وفي ذات يوم كان عند والدي ابن صغير محتضر، يجود بنفسه للموت. وكان والدي على رأسه، فسمع العصى على آباط الركاب. فسأل، فقيل له: هذا الشيخ، خارج فلم يدر الوالد ما يفعل: يتأخر لولده ويكون عذره مقبولاً، أم يركب في جملة من ركب ولم يحضر موت ولده؟.
فآثر الثانية على الأولى: رأفة بنفسه، واتقاء لماله، والولد سيموت بأجله ". أ. هـ.
- وهذا نموذج من سيرته.
وكان له زوجة في السليف يمضي إليها في بعض الليالي وكان ذا هيبة لم يتجاسر عليه أحد.
فكمن له الشيخ محمد بن سيف قبيل الفجر عند الفلج فلما خرج ليغتسل، أطلق عليه الرصاص في الفلج فأرداه قتيلا.
وأراح الناس من شره.
فهذه واحدة من أفعاله الجميلة.
والثانية قتله للقتبي.
ولذلك أثنى عليه الإمام، وهو أهل الثناء.
انتهى التعليق.
على حرب السليف ..... (1/11)
صفحة 12
وحدثني - رحمه الله - قال: لما كنت والياً في بلدة " نخل "، وكان في " نخل " آنذاك: خلفان بن ثنيان الحراصي: شيخ البلد: جباراً عنيداً، استولى على أوقاف البلاد، وأكل أموالها خضماً وقضماً، (1) ولم يترك أحداً عليه سيما الصلاح إلا دس عليه من قتله، وبلغت حياته في الفساد ما لم يبلغه ملك من الملوك، ولم نقدر أن ننفذ شيئاً من أوامر الشرع في البلد.
وكان السبب في ضراوته هذه: أن أخاه أحمد بن ثنيان: تزوج امرأة سليمية، وكان لها ابن عم خفيف العقل: فعيره بعض الناس أن ابنة عمه تزوجها أجنبي، ولم يترك له رأي، فتحين الفرصة فأطلق عليه النار فقتله، فقام أخوه خلفان هذا فصنع كما صنع المهلهل لما قتل كليب فقتل من خيار نخل (65) رجلاً وامرأة، وكاد أن يفنيهم، وسكن الرميس من الباطنة، وجلاوزته اللصوص القتلة ينطلقون كل ليلة فيقتلون، فطلبوه مرة أخرى - تفادياً لشره - أن يكون مسئولاً في نخل، ويعطى أوقاف البلاد: طعمة: فجاء، فتوقف عن القتل، لكنه ملك البلاد، ولم تكفه الأوقاف، وحال بين الوالي وبين إنفاذ الشرع، ومنع الزكاة وطغى وتكبر. فاستغثنا بالإمام الخليلي عدة مرات فأمرنا الإمام بقتله على أي حال وأرسل إلينا خمسة من العسكر على رأسهم .. سيف بن حمود الرواحي من أهالي وادي مَحرم.
قال: فلما وصلوا انزعج خلفان وأعوانه، وظنوا سوءاً، فأخذوا بالحزم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كأنه ابتلع بجميع فمه وقطع. (1/12)
صفحة 13
يقول الشيخ: قلت لسيف: لا نستطيع أن نقتله غيلة، وقتله لا يتم إلا جهاراً في مجلسه.
فكانت سياسة قتله كما يلي:
اتفقت مع سيف بأن يخرجوا عصراً من البلد يوهمون الناس أنهم راجعون إلى نزوى، ثم يرجعون في الليل بعد أن تهدأ العيون فيدخلون الحصن. وفي الصباح نرسل إلى خلفان بن ثنيان أنا سنصل عنده للتسليم عليه، فواحد منا يصافحه، والآخر يطلق عليه الرصاص، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. ولم نخبر أصحابنا بذلك، بل هذا بيني وبين سيف فقط.
قال الشيخ: أردت أن يصافحه سيف وأنقع أنا فيه ولكن سيف قال:
إذا تقدمتك أنكَرَنا.
ولكن تقدم أنت فصافحه وأنا أطلق عليه.
فدخلنا فوجدناه في مجلس يضم قدر مائة من جماعته كلهم مسلحون " ولكن الباطل زهوق ".
فمددت يدي فصافحته، وكانت عينه في تفق سيف بن حمود فبدل ما يقول: كيف حالكم؟ ينعق على سيف: تفقك خاشع: قال سيف: نعم " في كبدك ". فأطلق عليه رصاصة لم تخطئ فؤاده، فبكل قوة عنده أمسك على نجاد تفقي، ولم أستطع اطلاقه من يده، وتفرق عنا بعد النقع من كان معه (1)، ومن كان معنا، ولم يبق إلا نحن الثلاثة في المجلس، وأنا أصارعه على التفق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لو اتعظ بهذا من يحرصون على الإكثار من الحراس يحرسون بهم أنفسهم من قدرهم بلا دافع، وقد حرس طاغية نفسه بحراس أشداء من أمريكا فقتلوا معه عندما حان حينه، وهنا فر الحراس لينفذ قدر الله وقضاؤه. (1/13)
صفحة 14
فقال سيف: اترك التفق له وننجوا فتركته في يده، فما كدنا أن نصل إلى الحصن، حتى أحيط بنا من كل مكان. فرجمنا الباب على أنفسنا شهراً كاملاً، إذ كان قتله: في عاشر ذي القعدة سنة أربعين وثلاثمائة وألف وقد فرج الله عنا، ودخل المسلمون فاتحين: في عاشر ذي الحجة: حاصرونا في هذه المدة، وقطعوا عنا المدد من كل شيء (2)، وكسروا الفلج الذي يمر على الحصن، ويبست البئر التي فيه، وما بقي فيها إلا القليل من الماء، جعلناه لحمار وبقرة كانا معنا.
أما نحن بنو آدم: فأقمنا على أكل البصل مستغنين به عن الأكل والشرب، لأن طبعه يدفع العطش، وهو مه ذلك غذاء - كان معنا منه الكثير - ..
فاجتمع الإمام وجنوده في مسلمات من المعاول، ........ وفي ليلة العيد: وزعوا الجيوش لدخول البلد بعدما وجهوا النصائح والإنذارات فلم تجد فيهم شيئاً.
وقد التف عليهم لفيف من البغاة: ممن يكره الحق، ويتحين الفرص للشر، وكان الجواب عدم الجواب. وبقي الإمام ومن معه من المشايخ في مكانهم ودخل الجيش نخلاً من كل مكان:
فكان نصيب أهل الشرقية من الطريق الرئيسي، ولذلك وقع القتل فيهم، ولم يقع في غيرهم من القبائل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) عجيب أمر أهل نخل أنقذهم قاضي الإمام من طاغية إستذلهم، ومع ذلك حاصروا أصحاب الحق أو أعانوا عليهم أتباع الطاغية. (1/14)
صفحة 15
يقول الوالد صالح بن أحمد الحارثي: - وكان قائداً للفرقة الداخلة من الطريق الرئيسي:
نحن سائرون والرصاص علينا كأنه المطر، وذلك عند بزوغ الفجر، يسقط القتيل منا فلا نلتفت إليه، حتى وصلنا باب الحصن، فخرج الشيخ الرقيشي يقذف الزبد من فمه، وأحرق الخيام التي أمام الحصن، فما أن رأى البغاة النار حتى انحلوا من مقابضهم وتركوها وخرجوا من البلد رأساً وتركوا قتلاهم وما بقى أحد. أ. هـ.
ويقول الوالد عبدالله بن سليمان الحارثي - وكان من جملتهم:
يقول لي الأخ صالح: كن خلف القوم لتسوقهم وأكون أمامهم لأقودهم.
قلت: حاشا لله، لا أكون في الخلف، فمن أراد أن يتخلف فلا خير فيه، فوصلنا سوياً عند الباب.
وكان من جملة القوم سلطان بن منصور الغفيلي، فلما كان في أثناء الطريق نجم فيه النفاق وقال: أي شيء بيننا وأهل نخل:؟ نقاتلهم في بلادهم، فتأخر.
وكذلك كان الشيخ سليمان بن سنان العلوي دخلا بعض المساجد في الطريق، ولم يأتيا إلى نخل إلا بعد ما استقرت.
وكان الوقت جداد (1) المبسلي، فقام البدو يأخذون لركابهم من النخيل وهذا من معرة (2) الجيش، فشغل الأخ صالح بهم يلاحقهم، وينهرهم في ذلك الوقت العصيب، وكاد أن تكون بينه وبينهم فتنه، لولا تأخيرنا له، وأنه غير مكلف بهذا. أ. هـ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): جداد: قطع ثمار النخيل، (2): معرة: هو ما يحدث من الجنود من الإضطرابات في أثناء الحروب. (1/15)
صفحة 16
وفي الصباح جاء الإمام ومن معه، وقبض على فلول البغاة، فقتل بعضاً، وسجن آخرين، وصفت البلاد وتطهرت.
ـــــــــــــــــــــ * * * ــــــــــــــــــــــ
وحدث الشيخ الرقيشي قال: لما كنت والياً على: نخل ووادي المعاول: أقمنا الحد على زانية فجلدناها.
وبعد مدة طلبت أن تتزوج فمنعتها من التزويج إعتماداً على قوله تعالى {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.
سورة النور الآية 3
وفي أثناء تلك الأيام وصل إلى البلاد الشيخ عيسى بن صالح الحارثي فأخبرته عن المرأة وقلت له: إني منعتها من التزويج.
قال: تريدها تزني مرة أخرى؟. زوجها.
فزوجتها امتثالاً لأمره.
ـــــــــــــــــــــ * * * ــــــــــــــــــــــــ
ومن مروياته - رحمه الله - قال:
لما تم الإعتماد على بيعة الإمام سالم: طلب الشيخ نور الدين زعماء القبائل أن يحضروا أمامه. فاصطفوا، فضحك ... فقيل له ما يضحكك؟ قال: لما بتنا في بركة الموز في طريقنا إلى هذا الغرض، رأيت في النوم أني أصف اسطوانات أمامي، فلما صُفِفْتم الآن ذكرت الرؤيا، فإذا أنتم الأساطين.
ثم قال: أنتم تقُدمون على أمر عظيم لا يتم لكم إلّا بالخضوع لله عز وجل والتوبة إليه، وتعد عليكم سقطات، انتم (1/16)
صفحة 17
الأكابر، واريد أن أتوبكم منها، فتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم فتابوا.
ثم طلبوا سالم بن راشد. فقال له الشيخ: المسلمون رأوا أن يبايعوك إماما لهم فتلكأ عن البيعة لهيبة المقام، وقال: أنا ما صحبتكم لهذا، ولا أصلح أن أكون إماماً. ولحزم الشيخ على تمام الأمر، وخوف دخول الفشل في التريّث، نادى في الحال أبا زيد عبدالله بن محمد الريامي، فقال: اقطع رأسه، فشهر أبو زيد سيفه، وجاء ممتثلاً أمر شيخه. فلما سمع سالم ذلك قال: ما تكون منزلتي معكم إن قتلتموني؟
قال: نبرأ منك لأنك شققت عصى المسلمين، وفرقت ذات بينهم بعدما التأمت.
قال: أعوذ بالله من أن أنزل هذه المنزلة، رضيت بما يرضاه المسلمون فبايعوه إماماً. وقام بالواجب خير قيام كما ذُكرت سيرتهُ في " نهضة الأعيان ".
وكان على رأس القائمين بهذا الأمر الشيخ حمير بن ناصر النبهاني.
ولهيبة المقام تلكأ بعض الشيء في أثناء المشورة، لنصح بعض جماعته له قائلين: إن هذا الأمر ليس بالهين.
وإنه ليس عندك أحد من الرؤساء.
والشيخ السالمي فقير غير متبوع.
وسيقع هذا الأمر على رأسك، فيحتاج أن تحسب له حساباً، ولا تستعجل. (1/17)
صفحة 18
فلما فهم الشيخ ذلك، ذهب إليه في بيته وقال له:
إنني لم أعتمد على البشر في هذا الأمر، بل اعتمدت على الله، والله لن يضيعني فإن كنت لا ترى قيامك معنا خوفاً على نفسك، فأنت معذور فاقعد في بيتك، ولكن أعطني عصاك (الله أعلم ما يريده من العصى).
فلما سمع الشيخ الحميري هذا الكلام. قام كأنما أنشط من عقال فنصح، وقام بالواجب خير قيام لأمر أراد الله له التمام.
وكان الشيخ نور الدين ومن معه يأملون أن يكون الإمام محمد بن عبدالله الخليلي أو: هلال بن علي البوسعيدي.
ولكن الأثنين كليهما لم يحضرا، ولم يكن للشيخ الحازم الذي أذهب عمره كله في طلب نجاح هذا الأمر، فيضيعه عند حضور وقته، وتهيؤ فرصته، فلذلك عدل على سالم بن راشد فكانت البركة فيه.
ولما بويع الإمام قال الشيخ: تمت واحدة.
فلما وصلوا: نزوى وصلوا الجمعة قال: اثنتان.
ولما وصلوا: سمائل وأقاموا الحد على الزانية قال: تمت الثلاث التي كنت أسأل الله أن لا يميتني إلا بعدما تتم.
" طبت يا موت فإن شئت فزر ".
وما مضى عليه سنة بعد هذا القول، حتى اختار له الله ما عنده، فألحقه بالصالحين.
وأخبرني قال: لما سقط الشيخ نور الدين من راحلته، وبقى يعالج الموت في بلدة تنوف، كان يقول: سنقسم إن شاء (1/18)
صفحة 19
الله مغانم الهند، وكان يكررها، يقول هذا حثاً للمسلمين على إقتفاء السلف، ولكي تكتب النية في حسناته.
قال: وجاء الإمام يعوده.
فقال له: لم جئت؟
قال: عائداً لك.
قال: إرجع فأنت في مقام أصلح للمسلمين من عيادتي، فرجع في الحال.
قال: وانكسرت رقبته فبقي أياماً إذا حمل على الأكتاف هان عليه السهر، وإذا وضع اشتد عليه.
وذات يوم قال: ما هذا اليوم؟ قلنا: كذا.
قال: بعد غد، لم يزد على هذه الجملة، وما عرفنا معناها فإذا هو يموت بعد غد.
رحم الله تلك الأوصال، وأحلها دار الخلد والجلال.
ودفن بين قبري: المشايخ سليمان بن سيف وناصر بن سيف النبهانيين، تكرمة من الشيخ حمير له، بأن دفنه بين أبيه وعمه.
يقول الوالد حمد بن حميد الحارثي: رأيت الشيخ السالمي في النوم بعد موته يقول: " آذتني هذه الكُنُف ".ا. هـ.
قلت: ورأيته أنا في النوم كأنه نائم ويغط في نومه، وكأنه ملتحف برداء أخضر، وأقول لبعض الأخوان نذهب لنسلم على الشيخ، قال: لكن ننتظره حتى يصحو. أ. هـ.
حكى الشيخ الرقيشي: كان الشيخ نور الدين يقول في (1/19)
صفحة 20
مرضه: ما أخاف عليكم من جهل وفيكم عامر بن خميس.
وما أخاف عليكم من وهن وفيكم سالم بن راشد.
فكان الأمر كمال قال، والمؤمن يرى بنور الله.
وحكى الشيخ قال: لما مات الشيخ نور الدين قال الإمام: الآن وقد مات قدوتنا، سيظن عدونا أن فينا وهناً بسبب موته، ولابدّ من أن نريه القوة من أنفسنا.
المسلمون بعد لم يفتحوا نخلاً، ووادي المعاول، ونرى أن نذهب إليهما، فندخلهما في الطاعة، وبالفعل وُجِّهت الدعوات إلى القبائل، ليحضروا إلى نزوى، فاتفقوا على أن يأتوا عن طريق الجبل الأخضر، إلّا الشيخ: عيسى بن صالح الحارثي أمره الإمام أن يأتي عن طريق: وادي سمائل. فيقبض في: التصاوير (1)، ليرد عنهم المدد الذي يخافون منه، ولما أرادوا الإفتراق، ناجى الشيخ عيسى الإمام، وقال: عندي نصيحة وهي: إذا فتحتم، نخلاً ووادي المعاول، إن شاء الله، واطمأن الحال، فإن مطاوعة الحجريِّين ومن يرى رأيهم: سيغرونك على القيام إلى بركا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محلة في فنجا. (1/20)
صفحة 21
ومن رأيي أن لا يستفزونك، فإنه ليس لكم قبل على مواجهة خصومكم، فإنهم ليسوا وحدهم، وإنما من ورائهم من لا تملكون العدة التي عنده، ومن الأفضل أن تبقى دولة المسلمين ظاهرة قوية، ولا تفشل في أمر منه بد، وواسع التأخير عنه.
فحبذ الإمام هذا الرأي، ووعد بذلك، وافترقوا عليه، وكل ذهب إلى قصده، وكان الإمام يمشي ولا يرضى أن يركب، فكان كلما مر عليه أحد عرض عليه الركوب، فلم يرض.
وكان الشيخ أبو زيد رفيقه في المشي، فكان يقول لمن يعرض على الإمام أن يركب: دعوه يخدم على نفسه، يشير إلى الحديث: " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في أنف امرئ مسلم ".
فوصلوا بحمد الله نخلاً وفتحوها ولم يعترض سبيلهم أي شيء.
وما كاد أن يستقر بهم الحال، حتى قام الجماعة الذين أشار إليهم الشيخ عيسى (بحكم التجربة) فدعوا الإمام إلى القيام على بركا بحجة أن المسلمين لابد لهم من بحر، لا سيما وأنه جهاد، وما هي إلّا إحدى الحسنيين: والإمام لا يُدعى إلى خطة رشد إلا استجاب لها، فوافق على القيام، ونسى وصية الشيخ عيسى بن صالح، وبالفعل فتحوا، بركا. ومن غير اعتراض في بادئ الأمر.
وبعد يومين أو ثلاثة جاءت بارجة حربية فوقفت في عرض البحر، فأطلقت الرصاص فتجاوز البيت الذي هم فيه. (1/21)
صفحة 22
ثم ضربت ثانية دونه، وكان قصدهم التحذير، فلما لم يخرجوا ضربت البيت فقصفته، وهم لا يستطيعون الرد عليها، لأن بنادقهم لا تبلغها ... وهذا ما أشار إليه الشيخ في نصيحته.
وفي المثل العُماني: " المُجَّرب غالب الطبيب ". لكن لا ينفع اللوم، والقصد لله، جزى الله الجميع خيراً.
رجع الجميع إلى نخل وجعلوا عليها والياً، ثم رجعوا إلى نزوى.
يحدث الشيخ الرقيشي معجباً بالشيخ محمد بن عبدالله الخليلي، يقول: لما كنا في بركا، والبارجة نتراءاها في البحر، خرج أكثر أصحاب الإمام يمشون على الساحل، فأمطرت البارجة عليهم وابلاً من الرصاص فرّقهم (1)، وصاروا يتحيزون ويتحرفون، إلّا الخليلي لم يغير مشيته حتى من بطء إلى سرعة على الأقل والرصاص من حوله كأنه المطر، فقيل له: لم لا تأخذ حذرك من الواقع؟
قال: لأي شيء خرجنا؟ ألّا لإحدى الحسنيين؟:
{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}.
وأخبرني قال: لما فتح الله على المسلمين " نفعا " على يد الإمام عزان بن قيس - رحمه الله - كان شامس بن حسن العامري من فحول الرجال، المعدود الواحد منهم عن ألف " وواحد كالألف إن أمر عنى ".
يحدث العامري عن نفسه يقول: كنت جالساً بعدما فتحت نفعا وهدأت الأمور، وسيفي أمامي، فإذا بثلاثة أبطال هبطوا من الجبل، وكأنهم الجمال يُزْبدون ويقولون: " عزرة بن (1/22)
صفحة 23
نزرة بن صم الحجر: ما من حرث بريوه " يعني إبراء: وهم يقصدون نحوي، يهزون سيوفهم ليقطعوا رأسي، فأردت أن أقوم إليهم وأحمل سيفي، ولكن كأنما سُمِّر عليَّ في الأرض، وقبض على يدي، فما استطعت أن أعمل شيئاً، وليس بي قصور من شيء، وفي نفسي لو رأيت ملء واد من الأعداء وأنا وحدي ما دخلتني منهم هيبة وما بقى إلا أن يقطعوا رأسي، وأنا أنظر لولا تعرض القضاء والقدر فما شعرت إلا ورؤوس الثلاثة تقطع من رقابها، ورأيتها تتجندل والجثث هامدة مكانها، وما رأيت من قطعها.
ويقول شيخنا الرقيشي: إن هؤلاء الثلاثة من إزكي، وهو يعرفهم.
وبمناسبة الحديث عن شامس بن حسن العامري.
حدثني أبي عن أبيه قال: كنا في غزوة الإمام عّزان حين غزا البريمي، ليرد عنها أهل نجد، وكنت يومئذ صغيراً، بلغت الحلم في تلك الغزوة. قال: لما تقابل جيش الإمام والجيش النجدي، وكان على رأسهم قائد يسمى مدغم، خرج مدغم على حصان يجول بين الصفين يقول: من يبرز لي؟ أينك يا عزان؟ أينكم يا خيالة البعر؟
يقول الجد: فغاظني ذلك، فقلت لزميل عندي: نخرج إليه، فاستأذنا الإمام مرتين فلم يأذن لنا، بل نادى: شامس بن حسن العامري، وأمره بالخروج إليه: فبارزه وتقاتلا ملياً، ثم أرسل شامس الحربة إلى خصمه، فلما أحس بها مدغم، أنها لا تخطئه: رفع رأس الحصان، فتلقاها بجبهة الحصان فسقط، وكان ابن أخ لشامس عنده (1/23)
صفحة 24
تفق فنقع فيه. فما أن رأى شامس ذلك، حتى ألتفت إلى إبن الأخ ليقتله، يقول له: فضحتني بين القبائل، تُجهز على قتيلي، وتجعلنا اثنين نقاتل واحداً، والله ما تركتك حتى أقتلك.
ثم لما فاته ونُصح عن قتله حلف الا يكلمه ما دام حياً.
وحدثني أبي أيضاً قال: لما قام الإمام بتوزيع القبائل عند وصولهم البريمي، رتب كل قبيلة في مكان، حتى جاء دور المساكرة والحرث، أراد أن يجعل كلاً في مكان، فأعترض عليه الشيخ صالح بن علي قائلاً: أيها الإمام: لا تفرز بين الحرث والمساكرة، بل اجعلهم في مكان واحد، لأنهم إذا خرجوا من بلدهم يصيرون كالجسد الواحد، ويتركون شرهم في إبراء، فعمل الإمام برأيه فجعلهم في كمين واحد.
وحدثني عمي عبدالله بن سليمان الحارثي، عن خاله الشيخ عيسى بن صالح، عن أبيه، عن الإمام عزان قال: لما حاصرنا نفعا، ووقف أهلها لنا وقفة المستميت وكدنا أن ننهزم، أشار بعض الأصحاب أن نلوذ بجبل خلفنا عن الرصاص الهاطل علينا كالمطر ونحن في العراء، وأعداؤنا في المقابض، هممنا أن نعمل برأيه.
فاعترض علينا رجل شبلي من أهل الشرقية، وكان الوحيد من أهل الشرقية، لأن أهل الشرقية ما استطاعوا أن يصلونا لقبض العق عليهم.
فقال الشبلي: لا أيها الإمام.
لا تتأخر من مكانك، لأنك إن تأخرت ذراعاً عن مكانك، لم يبق أحد في العسكر، سيظنون أنها هزيمة، ولكن اصبر بقدر ما تقرأ الحمد ثلاث مرات، ولو قتلت في (1/24)
صفحة 25
هذه الوقفة، فترى النصر إن شاء الله.
قال: فرأيت ذلك البدوي يركض نحو البلد، فما مضت دقائق حتى شبت النيران في الخيام التي شرقي البلد: دياراً مهجورة يسكنها الحضار (1). فما أن رأى أهل نفعا النار حتى قالوا: " دُخلت بلادكم من خلفكم " فولوا هاربين إلى البلاد، والمسلمون يتبعونهم يقتلون ويأسرون، حتى دخلنا البلاد، وذاب البغي، وكان النصر بسبب ذلك البدوي المبارك.
((الرأي قبل شجاعة الشجعان:: هو أول وهي المحل الثاني)).
وحكى الشيخ الرقيشي قال: زار الإمام محمد بن محبوب الرحيلي من " صحار " زار الإمام: موسى بن علي العزري في " إزكي " وكانا قطبي زمانهما:
مرجعاً للعلماء:
فخطب الرحيلي على العزري إحدى بناته، وكان عنده ثلاث بنات وعندهن مربية مملوكة، فقال الشيخ للمربية:
إختاري لضيفنا العزيز واحدة من هذه البنات:
فأعطت المربية لكل واحدة منهن - على إنفراد - شيئاً يؤكل، ولم تقل لها شيئاً.
وفي اليوم الثاني، جاءت إلى الكبرى، وسألتها عما أعطتها، فقالت: أكلته، والوسطى كذلك، أما الصغرى قالت: ها هو.
قالت: لأي شيء لم تأكليه؟ (1/25)
صفحة 26
قالت: ما قلت لي كليه، بل أعطيتني ومضيت، ولا أدري لماذا العطاء، وما كنت لآكل شيئاً لا أعرفه.
فقالت الخادمة لسيدها: هذه تصلح للضيف.
فزوجه إياها، وسافر بها، ولم يعرف أهلها عنها شيئاً عشر سنوات.
وبعد ذلك قالت أم البنت للشيخ موسى أبيها: هل يعقل أنا لا نعرف عن بنتنا شيئاً طول هذه المدة؟.
فسافر الشيخ ليبادل الإمام الرحيلي الزيارة، فلما دخل البلد أراد أن يسأل عن بيت صهره، فوجد صبيّين في الطريق يختصمان في شوك بين جدار وحضار في الطريق، وكان الشوك أقرب إلى الجدار منه إلى الحضار، فأحد الصبيين يقول:
إنه يترك فيما هو أقرب إليه.
والآخر يقول: إنه يترك فيما شابهه، فظهر الشيخ عليهما، فقالا: نحكم هذا الشيخ، فقال الشيخ: كلاكما على حق، وأحب إلى أن يترك فيما شابهه، ثم قال لهما: إني أشم عليكما رائحة آل الرحيل، فأولاد من أنتما؟
قالا: نحن أولاد محمد بن محبوب.
ومن أمكما؟.
قالا: إبنة موسى بن علي.
وأين بيتكم؟ فأخبراه بموضعه، وقالا: نحن ذاهبان إلى المدرسة.
فذهب الشيخ، وكان أمام البيت شجرة، قعد الشيخ في ظلها، وأرسل إلى أهل البيت بوجوده. فأرسلت إليه إبنته أن اقعد، حتى يأتي صاحب البيت. (1/26)
صفحة 27
فرجع الشيخ محمد قبيل الظهر، فوجد صهره خارج البيت، فتعانقا، وغضب على زوجه حيث لم تدخل أباها.
قالت: ما أمرتني بذلك.
قال: فأنا أعلم الغيب أنه سيأتي هذا اليوم؟
فاعتذرت إلى أبيها لهذا السبب.
قال: أصبت. لو أدخلتيني ولم يكن عندك سابق إذن، لما رضيت عليك.
وذلك الولدان فيما يقال: إنهما عبدالله ومحبر.
فعبدالله أبو الإمام: سعيد بن عبدالله:
الذي قال في حقه مؤلف: تحفة الأعيان:
" لا نعلم أفضل منه في عُمان إلا أن يكون الجُلندَى بن مسعود ".
ومحبر: هو الذي يقال في حقه:
" تستبرأ الأمة ولو أخذت من محبر ".
رضي الله عن الجميع. ورزقنا أمثالهم من شبابنا الناهضين (1).
وأخبرني الشيخ عن الشيخ ماجد بن خميس العبري:
وكان ثقة من أفاضل المسلمين وعلمائهم الزاهدين.
كان في آخر أيامه يزور الإمام الخليلي في نزوى.
فإذا وصل يفرض لنفسه وزوجه من بيت المال كل يوم " 17 بيسة "، فإذا زيد عليها ردها من شدة ورعه، وكان قد عمّر، وعاصر ثلاثة أئمة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إستدراك: قلت: لا أعرف اسم الولد الثاني ومحبر: أخو " محمد " فبما يظهر من السيرة لا ولده. (1/27)
صفحة 28
- عزان بن قيس، وكان والياً له على بهلا:
فلما قتل الإمام، وكان هو في الحصن، أخبر بذلك، فضرب فألاً في المصحف فخرج له قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}. سورة مريم الآية 59
فنزل من الحصن بحبل، وراح إلى بلده، لئلا يكون سبباً في مشاركة الجبابرة في الإستيلاء على معقل المسلمين.
- وعاصر الإمام: سالم بن راشد الخروصي:
ولم يذكر الشيخ عنه أنه تولى في زمانه.
- وعاصر الإمام الخليلي:
ولكنه في زمانه كان هرماً إلا عن القيام بالواجب، رحمه الله ورضي عنه.
ومن المعمرين فيما بلغنا أن رجلاً من أهل الهجر من الحواتم:
عاش منذ زمن الإمام ناصر بن مرشد أول القرن الحادي عشر، وتوفي في عصر الإمام الخليلي، أواسط القرن الرابع عشر الهجري، وكان ذا سمع وعقل وبصر، ويقال إن لحيته ابيضّت واسودّت ثلاث مرات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ * * * ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن أخبار شيخنا الرقيشي يقول: كان رجل من أهل منح عنده زوجة ثرية، يطمع في إرثها، فأبطأ عليه موتها، فسولت له نفسها إغتيالها وكانت عادتها أَن تقوم قبل الفجر، فتجذب ماء من البئر الذي بالمنزل فتتركه مهيئاً لمن أراد الغسل. (1/28)
صفحة 29
والوضوء، ولسقي الحيوانات.
قال: فجاءت على عادتها، وهي ضعيفة النظر، فجاء الزوج من خلفها فدفعها في البئر، وهرب قبل أن يعرف خطته، هل تمت أم لا؟ وخرج على وجهه حتى أتى نزوى. فوجد الإمام محمد بن عبدالله وأصحابه يقرأون القرآن بصلاة الصبح.
فنادى أيها الإمام: وكأنه يأخذ شفعة! ... إن أهل منح قتلوا زوجتي، رموها في البئر.
قال له الإمام: وما شأن زوجتك حتى يجتمع عليها أهل بلد كلهم؟
قال: لا أدعي على فرد، بل على الجميع، ولعله يظن أنه يحصل على قسامة مع الميراث.
فأمر له الإمام بالسجن من دون توقف. قال: أدخل السجن حتى يتضح أمر زوجك ..
أما هي: فإنها تعلقت في الحبال وصاحت، فأدركها جيرانها فأنقذوها سالمة.
فأرسل الشيخ خالد بن هلال الهنائي وهو الوالي يومئذ على منح يخبر الإمام عن الواقع، وأنه إذا مر عليهم الرجل فليلقوا عليه القبض.
قال الإمام: عرفنا ذلك من قبل وفعلنا ..
ومن توفيق الله لهذا الإمام، كما أخبر الشيخ الرقيشي:
أنه قتل رجل ناصري، في وادي العين: ولم يعرف قاتله، ومضت مدة على البحث عن القاتل ما يقرب من سنة، وبعد (1/29)
صفحة 30
ذلك جاء رجل هطالي إلى الإمام يشتكي يقول: إن فلاناً " لم يحضرني إسمه " أجرني على أن أقتل فلاناً، يعني المقتول الناصري بخمسين قرشاً لم يعطني إياها، فأنا أطلب حقي.
قال الإمام: أأنت صاحبه؟
قال: نعم بأمر من فلان.
وبعد الإقرار الواضح قال الإمام: أنا أعطيك حقك، منذ مدة أطلبك، فلم أجدك، وأمر بقتله.
أخبرني الشيخ الرقيشي قال: تزوج رجل من أهل سعال بنتاً من العقر - نزوى - فلما زفت إليه، وكانوا متوسطين الوادي الأبيض سال عليهم الوادي ففرقهم كل على وجهه، وبقيت العروس وحدها حائرة لا تدري أين تذهب، وقد أخذ الخوف منها كل مأخذ. وفي حيرتها تلك رأت سراجاً على بعد فقصدته، وإذا بالسراج في حجرة، فهجمت على الباب، فدخلت تلك الحجرة فوجدت شيخاً منكباً على كتابه يقرأ، فجلست بجانب من الحجرة كالمستميت، فبقيت طول ليلتها خائفة تترقب وتنظر إلى ذلك الشيخ يقرأ ملياً وبين حين وآخر يضع اصبعه على نار السراج ثم يعود فيقرأ وهكذا حتى أصبح فخرج يصلي الصبح.
ولما رجع سأل البنت من أين هي؟ وما الذي أدخلها عليه؟ فأخبرته عما جرى لها، وطلبت منه أن يوصلها إلى بيت أبيها.
فقال لها: امش خلفي، ودليني على البيت.
فقرع الباب على أبيها. وقال له:
هذه أمانة - اقبضها - والسلام عليكم. (1/30)
صفحة 31
فأخبرت أباها بخبر الشيخ.
وكيف يحرق أصابعه.
وحدثته عن أمانته وصيانته لها.
وكان لأبيها صديق. فدعا به يشاوره يقول له:
" إن نفسي ترغب أن أزوج هذه البنت لذلك الشيخ فكيف السبيل إلى ذلك؟ ولا يحب أن يكدر على زوجها الأول. إن الذي وقع خارج عن إرادة الجميع ".
قال له: أنا أكفيك ذلك.
فذهب إلى الزوج، فسأله عن خبر العرس، وعن نيته في الزوجة بعدما وقع من الشؤم.
قال في الحقيقة: إن نفسي من ذلك شيئاً، ولكن لا أدري ماذا أفعل ولا ذنب لها، إنما هذا قضاء من الله؟
قال الصديق: لكن الشؤم في ثلاثة، والأحسن أن تتركها.
قال: لكني استحي من أبيها.
قال: أنا اكفيك إياه.
قال: أخاف أن يكون في نفسه علي.
قال: لا، سوف ترى منه ما يسرك.
فطلقها، وهي بغية أبيها.
وبعد ذلك قصد الشيخ فعرض عليه البنت فقبها الشيخ وتزوجها وأنجب منها.
قلتُ: وهذه ثمرة التقوى " من ترك شَيئاً لله عوضه الله ".
فسألته بعد ذلك عن سبب حرق أصابعه ليلة المحنة فقال: (1/31)
صفحة 32
إن نفسي تقول لي: هذه غنيمة سيقت إليك، وهي على ما ترى من الزينة والطيب والشباب والجمال و. و. و ...... فإذا زادت علي أذقتها حر النار حتى تكتوي. وهكذا الصراع حتى أصبحنا.
ومن مروياته يقول:
لما دخل الإمام سالم بن راشد، بهلا، وفتح حصنها، أصدر أمراً بقتل ولد شيخة المحروقي. وكان وزيراً لناصر بن حميد العطابي، وسيفاً لدولته في الفساد، وقتل الناس وإيذائهم، وسيأتي عنه بعض أخباره، فضاقت عليه الأرض، ولم يجد ملجئاً يلجأ إليه.
وبعد محنة كبيرة أصابته، جاء ليلاً فدخل على الشيخ حمير بن ناصر النبهاني مستجيراً، وأظهر التوبة، وطلب منه أن يشفع له عند الإمام.
قال الشيخ حمير: أما أنا فلا أستطيع أن أكلم الإمام فيك لكن نذهب إلى الشيخ عيسى بن صالح الحارثي فذهبا إليه.
قال الشيخ عيسى: وأنا لا أستطيع أن أكلم الإمام، ولكن نذهب إلى الشيخ عامر بن خميس المالكي.
وكان الشيخ المالكي جريحاً من أثر القتال بين المسلمين ومن في الحصن قبل أن يفتح. فكلماه في الموضوع، قال: أنتم الأمراء أقدر على مكالمة الإمام مني.
فغضب عليه الشيخ عيسى قائلاً: لا يصلح المزاح في كل وقت، فأرسل إلى الإمام أن يأتي إليك فتخاطبه في الموضوع.
فجاء الإمام، ولما رأى الإجتماع، فهم أن هنالك أمراً. (1/32)
صفحة 33
فقال: سوف نقضي إن شاء الله على الدعوة الجاهلية، والتعرض لأوامر الشرع.
فقال له الشيخ عامر: لا تعجل أيها الإمام، فهذا إبن شيخة جاء تائباً، مذعناً للحق، والمشايخ يسألونك العفو عنه.
فقال الإمام: هل يسعني ذلك.
قال الشيخ: نعم - وكان الإمام يثق في الشيخ عامر ويتخذه قدوة -، لأن الله يقول: من قبل أن تقدروا عليهم: وهذا جاء تائباً قبل القدرة عليه.
قال الإمام: إذن أقول لربي إذا سألني عن ذلك أن:
" عامر بن خميس هو الذي تقلد ذلك ".
قال: قل: وسوف لا يسألك الله عن ذلك إن شاء الله.
وكان من بعض أخبار " ولد شيخة " وظلمه للناس:
أن أشار على ناصر بن حميد: أن افرض ضريبة على أهل الأموال تساعدنا على قيام أمورنا.
ففعل ...
فقال أهل الأموال: إن أموالنا لا تفي بما عليها من مغارم فكيف تأخذون عليها ضريبة؟
قال: لابد
قالوا: إذن نترك لك الأموال ونسافر.
قال: افعلوا واتركوها.
فدخل عليه الوزير وبيده: هيب وقفير:
فقال: ما هذا؟ (1/33)
صفحة 34
قال: لنقوم أنت وأنا فنخدم أموال أهل بهلا، لأنك أذنت لهم بالسفر، ولم يبق غيرنا لخدمة الأموال.
قال: إذن كيف نفعل؟
قال: امنعهم من السفر، وأكد عليهم الضريبة، ومن أبى فأدخله السجن.
ففعل ذلك، وهذه واحدة من عشرات من الظلم والتسلط.
ومثل هذه القصة التي أمر فيها الإمام سالم بن راشد " رضي الله عنه بقتل ابن شيخة، كذلك وقعت عند الإمام عزان بن قيس، كما أخبرني سالم بن حمود السيابي "
قال: كان جمعة بن خصيف الهنائي جابياً للزكاة في سمائل من قبل الإمام عزان.
فجاء إلى بعض أكابر آل سعد: يطلب منه الزكاة.
فأنتهره يقول: أنت تزكينا. وبالأمس تأتي لنا بالسمك من السوق؟ ثم راح كالمفتخر إلى بعض أصدقائه فأخبرهم عما قال للجابي.
فقال له صديقه: إنا لله وإنا إليه راجعون، إنك إذن مقتول.
قال: ولم ذلك؟
قال: لأنك منعت الزكاة، وسيأمر الإمام بقتلك اقتداء بأبي بكر حين قال: لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
قال: إذاً كيف أفعل؟
قال: لا ينفعك إلا الشيخ: سعيد بن خلفان الخليلي، فأذهب إليه تائباً يشفع لك عند الإمام. (1/34)
صفحة 35
قال: فدخل على الشيخ مستجيراً به وأخبره القصة، وطلب منه أن يعتذر له مع الإمام.
فقال الشيخ: عسى أن يكون الإمام لم يبلغه الخبر وإلّا فمعضلة، فذهب الشيخ بالسعدي إلى الإمام.
فقال له: إن فلاناً أخطأ في جنب الشرع، وهو الآن تائب مذعن لما عليه.
فقال الإمام: - ولم يكن يعرف الرجل -: " فرغنا من الأمر فيه، أمرنا بقتله، إن لم يكن مقتولاً، فسيقتل الليلة ".
فقال الشيخ: ها هو ذا بين يديك.
قال: أهذا هو؟
قال: نعم، ويسعك العفو عنه، لأنه تائب دائن بما عليه.
قال: أتقول ذلك؟
قال: نعم
قال: إذن لا يؤدي الزكاة إلا بيد ذلك الفقير الذي منعها عنه مع الإعتذار إليه، ويسجن مدة ستة أشهر.
ومن مرويات والدي - رحمه الله - عن الشيخ عيسى عن أبيه.
قال: دخلت يوماً على شيخنا الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي: في بيته، فوجدته يتميز من الغيظ ويقول:
" حملنا هذا الإنسان " ويعني به الإمام " على رقاب الناس.
وإذا هو لا يصلح لذلك. (1/35)
صفحة 36
أعلمت انه حمل أوعية " صفر " من مسقط إلى الرستاق لأنها بلده؟
فانتهز فرصة إمامته لكي يُعد حصنّه على حساب الدولة؟
فقلت له: لا تعجل. لعل له عذراً، والأفضل أن نعاتبه في الموضوع.
قال الشيخ صالح: فغدفت (1) إلى بيت الإمام من الجدار، وكنا الثلاثة متجاورين في بيت العلم وما حوله فعاتبناه على ما صدر عنه.
فبكى، وقال: تتهمونني هذا الإتهام كله، فما عيشي وأنتم عاتبون عليّ؟
اعتذر عن فعلي هذا بنيتي الصحيحة.
وهو: أن مركز المسلمين في الرستاق خال من الأوعية فإذا جاءنا ضيف ونحن هنالك، نذهب نستعير من أهل البلد أوعية.
وهنا الأوعية كثيرة، فنقلنا بعضاً منها من مركز المسلمين إلى مركز المسلمين، وهُوَ لهم أينما كان، وأعوذ بالله من القصد السوء.
إن رأيتم هذا سائغاً، وإلّا فسنرده هذا اليوم.
قال: فرضي الشيخ وسامحه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غدفت: لهجة عُمانية، بمعنى اقتحمت
وفي مختار الصحاح: أغدف الصياد الشبكة على الصيد أرخاها.
وفي الحديث إن قلب المؤمن أشد إرتكاضاً من الذنب، يصيبه من العصفور حتى يغدف منه، والكلمة مأخوذة من هذا المعنى. (1/36)
صفحة 37
قال: وكان الإمام يوماً بارزاً، وبجانبه الشيخ الخليلي، ولعل الإمام كان مشغول الفكر، فعبث بنجاد سيف عدة مرات، فضربه الشيخ الخليلي على يده وقال: لا تلعب.
فأنظر إلى جدهم في الأعمال وفي الأقوال.
كما حكى أيضاً: أنه تقدم إلى الشيخ الخليلي اثنان متخاصمين، فتكلم المدعي، ورد المدعى عليه، فسكت الشيخ عنهما طويلاً، وهما في وسط الناس، وقد تعبا من الإنتظار.
قال الشيخ صالح بن علي: وكان بجانبه: أيها الشيخ: أراك لم تحكم بين هذين.
قال له: أحكم أنت.
قال: لا، سامحني: ظننتك اشتغلت بفكر فنسيتهما.
قال: لا، ولكن في الحكم بينهما عشرة أقوال، لابد لي من ترجيح أحدهما، وأنت إن حكمت بالقول الذي تحفظه ستريحني من إلتماس الأدلة للترجيح.
قال: وعتب الشيخ محمد بن سُلَيّم الغاربي على الشيخ الخليلي، بسبب تغريقه بعض أموال الظلمة، يقول:
لا أرى ذلك، لأنه إن أراد أن يتخلص هذا الظالم من المظالم، بم يتخلص؟ وقد أخذتم ماله؟
فقال الشيخ: من جملة إقناعه للشيخ الغاربي: إذا مثلاً ظَلمَك ظالم حماراً، فوجدته في البرية، وقدرت على أخذ حمارك.
هل تتركه له؟ تقول أنه سيهلك إن أخذت عنه الحمار، بأنه لا يقدر أن يتوصل إلى البلد، أم تأخذ حمارك ولا تسأل عنه؟
قال: بل آخذ حماري. (1/37)
صفحة 38
قال: إذاً فالمسلمون قدروا على أخذ مالهم من ظالمه.
فقال الشيخ الغاربي: حسن: سلمت لك الأمر.
وفي الحقيقة أني أعترف أنه ليس عندي ما أقف به محتجاً في وجه نسل: الخليل بن شاذان.
من أخبار الإمام سالم بن راشد
وحدثني والدي أيضاً معلقاً على ما يؤثر عن الإمام سالم بن راشد - رحمه الله - قبل الإمامة وبعدها، من ضربه المثل الأعلى في الزهد والورع، يقول:
دخلت المسجد ذات يوم وأنا صغير، وقد فرغ الناس من الصلاة، فرأيت سالم بن راشد: يبكي، ودموعه تنحدر من وجنتيه، فأخبرت خالي: يعني الشيخ عيسى:
فقال: إنه يبكي لما فاتته الجماعة.
وقال: حدثني عمي حمد بن حميد قال: خرجت يوماُ قبيل الظهر إلى خارج البلد: مضيرب: فرأيت رجلاً يسوق أمامه حمارة، وقد أحرقته الشمس، ينتقل إلى الظل أحياناً، ويعود وراء الحمارة، فقصدته، فإذا هو سالم بن راشد.
فقلت له: لمَ لمْ تركب؟
قال: لأنني أخذت الحمارة بالإعارة من صاحبها، لأحمل عليها تمراً من السوق، وغفلت أن أقول لصاحبها: إني أركب عليها. فإذن ليس لي بأن أجمع بين منفعتين، أخذت الحمارة لواحدة. (1/38)
صفحة 39
قلت: لكنه معروف أن من أخذ حمارة ليحمل عليها، ركب.
قال: لا أحب أن أتوسع في الرخص.
قال: وجاء ذات يوم إلى السوق، فمر على مسجد يصلي فيه بعض الأثرياء، فصلى معهم الظهر، وجاء ليخرج، فقال له ذلك الثري: لا تذهب حتى " تتقهوى " والسوق لم يفتح من الآن، فتأخر، واستأذن بعد القهوة، فلحقه ولد الثري في الطريق فقال له:
إن أبي أرسل إليك هذه الدراهم، وكانت (13) قرشاً، لتستعين بها على مهمتك.
قال: لا: إن مهمتي تحتاج إلى قرشين. وها هما عندي، فردَّ الدراهم إلى أبيك، واشكره عني.
قال: هذه صدقة، ولا ينبغي أن تردها.
قال: لمن هو أحوج مني، ولا أبيت، وعندي ما لا أحتاج إليه.
قال له: لحاجة غد.
قال: ومن يضمن حياتي إلى غد، وإن حييت فسوف يكون رزقي ممدوداً.
قال: ويبيت الليلة والليلتين لا يأكل فيهما شيئاً إلّا الأسودين، واتخذ شاة يعيش على لَبنها، فرآها ذات يوم تحتك على جدار، فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون ".
هذه الشاة تجني عليّ وأنا لا أعلم، وأمر ببيعها في ذلك اليوم، ولم تبتْ عنده تلك الليلة. (1/39)
صفحة 40
وكان لا يبالي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمن حكاياته: أنه مر ذات يوم تحت قلعة نزوى.
وفيها الحضارم عسكراً من قبل حاكمها:
سيف بن حمد البوسعيدي، وقد ظهر منهم رقص وأشياء لا تنبغي في مثل هذا المكان، ولم يكن له ذلك اليوم أي سلطة.
فناداهم من تحت القلعة وقال: تأدبوا في معقل المسلمين، فسكتوا، وما حيلته فيهم لو لم يسكتوا، لكن سر الإخلاص لله.
ولقى ذات يوم سلطان بن منصور الغفيلي، وهو: تميمة آل وهيبة، طاغوتاً من الطواغيت، لقيه في مجمع من الناس وهو يجر إزاره، فانتهره قائلاً: إرفع إزارك. فرفعه دون أن يراجع بكلمة.
وبعدما بويع إماماً، خاف سلطان بن منصور فما قدر أن يقابل الإمام إلا بصحبة من الشيخ عيسى.
ووجد ذات يوم رجلاً نائماً في المسجد في " القابل " قال له: إن المساجد للعبادة لا للنوم، وأنت من أهل البلد، ويرخص للغريب أن ينام فيها.
فرد عليه رداً قبيحاً، وقال له: إذهب إلى بلدك إن أردت أن تأمر وتنهى، فنام، فما شعر إلا وقد حمله أناس لا يعرفهم، فرموه خارج البلد، فقام من مكانه، وكأنه أخرج من قبر، فأسرع إلى الشيخين: السالمي وعيسى، فأخبرهما بالقضية، وقال: إن هذا الرجل ساحر فاطردوه من البلد، فمن لطف الشيخ السالمي أجابه بقوله: اليوم سحرك أنت، فإن طردناه (1/40)
صفحة 41
سحرنا كلّنا، فالأحسن أن لا تنام في المسجد مرة أخرى، وإذا أمرك بشيء بعدها فلا تخالفه.
- وحدث عنه القائم في مسجد (القابل) قائلاً:
ما دخلت المسجد إلّا ووجدت سالم بن راشد على المحراب ووجدت عبدالله بن محمد " يعني أبا زيد " منكباً على القراءة.
كما حدث قال: من عادتي أن أبقى في المسجد حتى يخرج جميع المصلين بعد صلاة العشاء الآخر، فأطفئ السراج، وأغلق الباب، حتى آتي لصلاة الصبح.
وذات ليلة: قام بالفور بعد الصلاة الشيخ محمد بن عبدالله الخليلي الذي صار بعد إماماً، فقعد على السراج يقرأ، فلما خرج الناس وقفت على رأسه:
فقال: ما تريد؟
قلت: أطفئ السراج.
قال: أريد أن أطالع قليلاً، ثم أكفيك إطفاءه.
قال: فرحت عنه ونمت في بيتي، وكانت من ليالي الشتاء، وقمت قبيل الفجر إلى المسجد للأذان لصلاة الصبح، فلما دخلت وجدت الشيخ كما هو وقت العشاء، فوقفت على رأسه فرآني:
قال: قلت لك أنا أكفيك إطفاء السراج، فأذهب أنت.
قلت: يا سيدي: ذهبت فنمت في بيتي، والآن جئت لصلاة الصبح.
قال: سبحان الله ما شعرت بذهاب الليل.
قال: فترك الكتاب.
ومثل هذا ما جرى للشيخ سعيد بن حمد الراشدي، في (1/41)
صفحة 42
بلدة المضيبي:
أخبرني والدي قال: خرج الشيخ سعيد من المسجد بعد صلاة العشاء ذاهباً إلى بيته، فمر عليه أحد من يعرفه وهو واقف بين طريقين.
قال ذلك الرجل: فما كلمته، ودخلت بيتي فنمت، وخرجت لصلاة الصبح، فوجدت الشيخ واقفاً في مكانه:
فقلت له: ما برحت من هنا، أو ذهبت ورجعت تقف مرة أخرى؟
قال: لم السؤال؟
قلت: مررت عليك بعد العشاء وأنت واقف، وجئت لأصلي الصبح وأنت مكانك.
قال: ما شعرت بمرور الليل: وإني لما مررت على مفترق هاتين الطريقين، استحضرت قول الله تعالى {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}.
فقلت في نفسي: ليت شعري، في أي الطريقين سأكون؟
فما زلت أفكر في هذا حتى هذه الساعة.
والشيخ سعيد هذا هو الذي قال في حقه الشيخ صالح بن علي: " ما أعلم على وجه البسيطة أفضل من هذا الشخص في وقتنا هذا ".
روى عنه ابنه الشيخ عيسى قال: خرجت أنا وأبي من البيت إلى المسجد فرأينا الشيخ سعيد بن حمد واقفاً في صرح المسجد قادماً زائراً لنا. فقال أبي لما رآه، تلك المقالة.
أخبرني الشيخ سالم بن حمود السيابي قال: اجتمعت (1/42)
صفحة 43
بالشيخ: ناصر بن راشد أخي الإمام قال: كان لسالم غرائب، منها أيام كنا نتعلم في القابل، اشتكى إلي يقول: إن هذا الشيطان يريد أن يلعب عليّ: يأتيني في النوم يقول: السلام عليك يا إمام المسلمين. فقلت: هذه أحلام، فما اعتبرتها، ولكن الآن يأتيني يقظة يواجهني بقوله: السلام عليكم يا إمام المسلمين، وأراني كتابة بالخط الكبير: سالم بن راشد إمام المسلمين:
قال: فقلت له: إذا أتاك مرة أخرى فقل له: إن كان ذلك حقاً، فليكن على ألسن الناس.
قال: فما شعرنا بعد أيام ألا والناس يتحدثون: (إن سالم بن راشد سيكون إماماً).
حتى أنه ذات يوم كان يمشي في الطريق وخلفه امرأتان تقول إحداهما للأخرى: أعلمت أن هذا سيكون إماماً؟
قالت الأخرى: كيف يكون إماماً وهو أعمى؟!
قالت: ليس هو بأعمى، ولكنه لا ينظر إلى شيء فيظنه من رآه أنه أعمى.
ورأى ذات ليلة وهو في القابل كأنه في حلقة فيها، (1/43)
صفحة 44
أبو بلال (1). مرداس بن حدير. وكأنهم يشربون من كأس واحدة.
وفي تلك الليلة رأى الشيخ نور الدين نفس الرؤيا. فانتبه فرحاً مسروراً، فلما أجتمع به قال: أهلاً بمن شرب من كأس مرداس فتعجب الإمام من ذلك، وقال: أنا الذي رأيت الرؤيا! فمن أخبر الشيخ بذلك؟
فإذا هو من توارد الخواطر.
وكان يبيت الليلة والليلتين، لا يطعم شيئاً، ولا يرضى أن يأكل من عند أحد، وكان المشايخ يتسابقون إلى دعوته للأكل، ولكنه لا يرضى، فصاروا يرسلون إلى بيته سراً.
هل طبخ له أكلاً؟ فإن لم يجدوا شيئاً أرسلوا له أكلاً زاهباً. فلما عرف ذلك: صار يترك القدر على النار تغلي بماء وحده ويأكل التمر والماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو بلال: هو مرداس بن حدير: هو أحد الذين أنكروا التحكيم في حرب صفين: فهو صحابي أدركه: جابر بن زيد: فعاشا سوياً في الدعوة إلى سبيل الله. ونشر السنة المطهرة. ثم قام على الطغاة، فكان له معهم حروب كثيرة. آل منتهاها إلى استشهاده على يد عبدالله بن زياد: يجمعه مع الإباضية المبدأ، وقيامه على الباطل.
ويقول القائل في حقه:
لقد زاد الحياة إليّ بغضاً:: وحباً للخروج أبو بلال
ولو أني علمت بأن حتفي:: كحتف أبي بلال لا أبالي
وقال إبن الأثير في الكامل: كان مرداس عابداً مجتهداً عظيم القدر، هزم هو وأصحابه وكانوا أربعين جيش إبن زياد وكانوا ألفين فقال القائل: (1/44)
صفحة 45
وبما أخذ " عوالاً (2) " فيذهب به إلى خارج البلد بعد المغرب فيدقه ويأكل به التمر خفية عن العيون والأسماع.
ويذكرني بهذه القصة ما حكاه الشيخ: فرحات الجعبيري في دروسه لطلبة المعهد عن الشيخ: أبي مسور: العالم المغربي الإباضي: أنه كان يحضر الدرس مع شيخه: أبي معروف:
ويتأخر عن زملائه ليزداد علماً، وكان هذا دأبه كل ليلة، وفي ذات ليلة كان خارجاً عنه، والشيخ يشيعه، فوطئ على طرف إزاره، فأنتثر منه حفنة شعير.
فقال الشيخ: ما هذا؟ فخجل وبكى، لأنه لا يود أن يطلع على ذلك أحد، ولكنه لا يمكنه أن يخفي على شيخه.
فقال: ربما لا أجد طعاماً، وليس عندي ما أشتري به طعاماً، فأنقع هذا الشعير في الماء، وأشربه، لأستمد من طاقته.
فهؤلاء طلبة العلم الذين تعلموا فسادوا.
وحدثني حميد بن حافظ الشرجي قال: جاء الإمام سالم وهو يتعلم آنذاك، جاء إلى الرستاق.
فربط حمارته تحت جدار مسجد الكسفة، ودخل يصلي.
فراثت الحمارة تحت الجدار.
فلما نزل الإمام، ورأى الروث، جاء ليحمله فيلقيه عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أألفا مؤمن فيما زعمتم:: ويهزمهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم:: ولكن الخوارج مؤمنونا
هي الفئة القليلة قد علمتم:: على الفئة الكثيرة ينصرونا
وقد بسط صاحب العقود الفضية عنه، فمن شاء البحث فليراجع صحيفة 107 من الكتاب.
(2) السمك المجفف. (1/45)
صفحة 46
جدار المسجد، فسبقه إليه رجل فقير حمله عنه، فأعطاه مكافأة بعض الأرز.
فيحكي ذلك الفقير أنه استعمل ذلك الأرز مدة طويلة، كلما أخذ منه وجده على حاله، ولم يفرغ مع قلته حتى أخبر بذلك بعض أصحابه ففرغ عليه.
ومن نزاهته وزهده أنه مر ذات يوم هو وأخوه على هضبة نخل على عاضد فلج ليس عليه سور، مباح لكل أحد من الناس والحيوانات، فقطع أخو عصا من بعض النخل، فغضب عليه وقال: لا نبرح من مكاننا حتى نتخلص من ضمان ما أفسدت.
قال أخوه: لمن نتخلص ليس ملكاً لأحد، فلم يبرحا حتى جاء مَنْ وثَقا به من أهل البلد، وأخبرهما أنه ليس مِلْكاً لأحد.
ووجد ذات يوم الإمام الخليلي - وكانا طالبين عند الشيخ: نور الدين في (القابل) - وجده يغسل ثيابه من الفلج، ويعصرها خارجه.
فقال: ليس لك ذلك، اعصرها داخل الفلج، لأن هذا الماء ملك لصاحبه.
وكان إذا طلع نخلة ليخرف رطباً، ربط عينيه خوف أن يرى جوف ليت أجنبي، فيخرف باللمس لا بالنظر.
وأخباره من هذا النوع كثيرة لم نستقصها - رحمة الله عليه -.
ومن مرويات أبي أيضاً: قال: اجتمع عند الوالد صالح بن علي في القابل المشايخ: أحمد بن سعيد بن خلفان (1/46)
صفحة 47
الخليلي و: محمد بن مسعود السعيدي: من: منح.
وكانا عالمين جليلين، فصاحت امرأة شرقي البلاد: يا آل يحمد: وكانت عزوة للحرث في عرف القبائل.
فقام الشيخ الخليلي بسرعة، فقبضه الشيخ السعيدي: قائلاً: " ألدعوة جاهلية "؟
قال: لا، ولكن لإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم.
قال: اذن كلنا نذهب، فذهبوا بعدما صححوا النية.
كما أخبرني أيضاً: أنه كان الشيخ محمد بن مسعود عند الوالد صالح. وكان الوالد يرجو ذلك اليوم مشايخ بني بو علي وقد أرسل أولاده خيّالة لتلقّيهم من خارج البلد، ويريد أن يكرمهم إكرامهم مِثلهم من أهل الشرف. فقال للشيخ محمد: هذا الذي نريد أن نفعله، فما نيتنا في ذلك؟
رد الشيخ محمد عليه: إنك لم تفعل هذا إلا بنيةٍ فعلّمنا.
قال: نيتنا إكرام الضيف، ونيتنا إعزاز المذهب، ونيتنا إكرام أهل الشرف، وعدّ حوالي عشر نيات.
فقال الشيخ محمد: أحسنت، تكفي واحدة، والتسع زيادة في ثوابك.
وسيأتي خبر الشيخ صالح، وبعض من سيرته.
ومن مرويات الشيخ سالم بن حمود السيابي: ما أخبرني به أن رجلاً إسماعيلياً من أهل إبراء: كان رجلاً عنيداً، صعلوكاً، لا يُقدر عليه فقطعه جماعته، وكان يلقب (قرطعا)، ويعني: قطعه جماعته. أنه في عرف القبائل من كان مثله، وقطعه جماعته: إذا أصابه شيء لا يؤخذ بثأره. (1/47)
صفحة 48
وسبب ضراوته هذه؛ وقع قتل في خفارته كما عرف أن الهناويّ يخفر الغافرية عن الهناوية، وبالعكس.
فكان هذا الرجل في بعض الأيام خفر جماعة من الهناوية، إذ هو في العرف غافري، فأعتدى عليهم بعض أهل وادي سمائل، فقتلوا من خفر. فتنمر قرطع وآذى أهل وادي سمائل وضرى عليهم ضراوة منكرة، حتى أنه صار يُفزَّع به الأطفال، فاستغاثوا منه. ثم إجتمع رأيهم على أن يتفق أكابر الوادي، ونظموا رحلة إلى الشيخ: صالح بن علي الحارثي، يطلبون من أن يكف هذا الرجل عن الأذى، ويتعاون معهم، فربما قبل منه. فركب منهم سبعون على رأسهم الشيخ: راشد بن عُزيِّز الخصيبي، وكان عالماً كريماً سباقاً إلى المحامد، برز بروزاً لم يبرزه غيره في الوادي.
فلما وصلوا عند الشيخ أكرمهم، وسعى في حاجتهم، وأرسل خلف (قرطع) فحضر.
فقال له حضرة الضيوف المشتكين منه: أما كفاك يا قرطوع؟ وكان عليه ثياب سود.
فقال: أنا (عايب) من العيب، وهي كلمة تستعمل للمُهَان في خفارته.
قال له الشيخ: ما أنت بعايب.
قال: تشهد لي؟
قال: نعم.
قال: تكفيني شهادتك، فخلع في الحال ما كان عليه من ثياب سود، ولبس ثياباً بيضاء، وكف عن الأذى، واستراح أهل الوادي من شره. (1/48)
صفحة 49
قلت: وهذه الخفارة لها أصل في الشرع، وكان الشيخ صالح يُغَّرم من ضيّع في خفارة أحد - يغرمه أربعمائة قرش.
واستطراداً لطلب قرطع الشهادة من الشيخ:
ما جرى أن الشيخ ناصر بن حميد العطابي: لمّا مرّ عليه الشيخ صالح بن علي في بلده، وتذاكرا أمر القبائل، قال الشيخ صالح للشيخ ناصر: كُل يعرف أنك أنت أبو الغافرية.
فقام الشيخ ناصر وقوفاً، وقال: اشهدوا أيها القبائل أن الشيخ صالحاً شهد لي أني أبو الغافرية.
من رواية الشيخ سالم بن حمود يقول: إن سبب نبوغ الشيخ: راشد بن عزيز الخصيبي طلبه للعلم، وسموه إلى معالي الأمور، فمن أول نبوغه، كان من عادة أهل سمائل إذا أهمهم أمر جامع يجتمع أهل العلاية والسفالة في الجامع فيتعارفون، ويتفقون على الصالح العام للبلد، ويفترقون.
وفي بعض اجتماعاتهم قام الشيخ راشد فباع خنجره، إذ لم يملك غيرها، واشترى بها حلوى، وصنع قهوة، وحملها عنده إلى الجامع ...
فلما تم الإجتماع، وأرادوا الإنصراف، نادى بأعلى صوته: (قهوة ... قهوة)، فقعدوا، فأحضر الحلوى والقهوة فأكلوا.
وكان أهل العلاية يظنون أن أهل السفالة تكرموا عليهم، وأهل السفالة يظنون أن أهل العلاية تكرموا عليهم، فبقى الكل في حرج يتلاومون ويتسائلون، حتى ظهر لهم أن القهوة لم تكن من عند أحد الفريقين، بل هي من عند راشد الرجل الفقير الضعيف، فلفت عليه الأنظار، فمن عرفه أحبه، ومن لم يعرفه سأل عنه حتى عرفه. (1/49)
صفحة 50
ومن ذلك اليوم إرتقى به الحال، حتى صار علماً من أعلام الوادي، وارتقى إلى أن صار وزيراً للسلطان فيصل، وظهيراً له، وله حكايات في الكرم عجيبة، وبعض الأكابر يحسدون مقامه.
فكان من الصدف أن لقيه ذات يوم في الطريق واحد منهم.
فقال له يا راشد: " من متى "؟
ففهم منها - وهو دراكة للمعاني - أن يقول له: من متى بلغت هذه المنزلة؟
فأجاب على الفور: " نفسُ عصامٍ سوّدت عصاماً ".
ومن أخبار شيخنا الرقيشي .. وقد أغفلناها في موضعها.
قال نزل السيد أحمد بن إبراهيم ضيفاً في السنينة على: محمد بن سالمين وجماعته.
فقال محمد لجماعته: " وكانوا ثلاثمائة " فريق: عليكم قهوة الصباح، وعليّ الغداء.
قال: وكان عند السيد أحمد ثلاثمائة راكب.
فجيء في وقت الصبح: طلوع الشمس ثلاثمائة ذبيحة وثلاثمائة صحن خبز فجلس كل واحد من الضيوف على ذبيحة، ولم يخبرنا الشيخ عن خبر الغداء ماذا كان من أمره.
ومثل هذه القصة ما حدث به والدي عن الشيخ علي بن صالح بن علي الحارثي: أنه قال: (1/50)
صفحة 51
نزلنا ضيوفاً على الشيخ حمد بن محمد اليحيائي، في بلدة ضنك وكنا ثلاثة عشر راكباً، فتلقانا من خارج البلد. وذهب أمامنا رافعاً عقيرته بقوله: حيِّ بالبوش وهَلْها: حتى وصلنا: فقبضت الركاب، وأدخلت في مزرع "قت": تأكل كيف شاءت، وكل من أتى من جماعته ليسلّم علينا ... جاء وفي يده " عذق خصاب " حتى حمرت الركاب فما استطاعت النهوض ثلاثة أيام.
وفي هذه الثلاثة أيام كان الكرم من الضيف تبذيراً في اليوم الأول: أتى لنا بالغذاء ثلاث عشرة رفقة بثلاث عشرة ذبيحة.
ومن أخبار الظاهرة: وما كان فيها من أمور: فقد حدثني الشيخ إبراهيم بن محمد الرقيشي قال: كانت الظاهرة كلها جحيماً يباع فيها الأحرار ويقتل فيها الأبرياء وتسبى فيها النساء والأطفال وتنهب فيها الأموال: فكان لا يستطيع الواحد والاثنان أن يسافرا من بلد إلى بلد إلّا مُغامرةً، وقليلٌ السالم.
فواحدة من عشرات الحكايات التي جرت في الظاهرة على سبيل المثال ما وقع في هذه القضية العجيبة من نوعها هي:
يقول: أرسل الشيخ علي بن سعيد الغافري رسولاً إلى البريمي فأنتهب اللصوص ما عنده، ورجع صفر اليدين من دون أن يصل إلى قصده.
فغضب رجل من جماعة الشيخ وقال: من كان فيه سمع وبصر وسلاحه في يده، لا يستطيع أحد أن يسطو عليه كائناً من كان. (1/51)
صفحة 52
وكان هذا الرجل معدوداً من مقاديم الرجال. فأعجب بنفسه، وشجاعته، وقال هذا القول منتقصاً المأخوذ، وكان عين اللصوص حاضراً يسمع ما دار من الحديث، وبعد أيام بدت حاجة للشيخ علي في البريمي.
فقال: من ينتدب لها؟
فتهيب أصحابه، فقام صاحب المقالة وقال: أنا لها.
فأختار خير الركاب، وخير السلاح، والزاد الكافي، وخرج في قوةٍ من نفسه وغرور.
وكان اللصوص قد عرفوا بذلك.
فكمنوا له عند جفر يقال له: بكربه: وخرج واحد منهم إلى قارعة الطريق، وقد شد وسطه بحبل وليس في يده حتى عصى.
فلما مر عليه الراكب، سلم عليه، وسأله عن الخبر حسب العادة العُمانية، ثم قال له: هل رأيت في طريقك ناقة من صفتها كذا وكذا.
قال: لا.
قال: انظر تحت تلك الشجرة. هل هي ناقة أم ماذا؟ لأنك أطول مني نظراً.
فنظر الرجل مطمئناً، لأنه ليس في حسبانه، كما لم يتصور عقله أن رجلاً أعزل يسلب راكباً مسلحاً.
فلما نظر: القى الرجل بذلك الحبل في عنق الراكب وجذبه بكل قوة يجدها عنده فسقط على أم رأسه وركب فوقه ونادى أصحابه فأحتوشوه، وصار أسيراً في أيديهم، ونزعوا ما عليه من سلاح وثياب إلّا الإزار، وأخذوا الناقة وما (1/52)
صفحة 53
عليها. وأعطوه من زاده لقمة تمر قائلين له: ما ترى! هل عندك سمع وبصر وفي يدك سلاحك؟! أين أنت الآن؟! خذ هذا التمر تحيا به إلى أن تصل حيث تريد.
فيقال: إنه لم يرجع إلى بلده حتى مات.
ومثلها ما حدثنا به شيخنا الرقيشي. قال: كان رجل بلوشي متمرد. طعامه كله من كسب أموال الناس، وقطعه الطرق، وكان عنده ناقة فارهة، وسلاح قوي.
فخرج ذات يوم من بلدة نخل متوجها إلى الباطنة فقال واحد من شاكلته: أستطيع أن أنهب لكم هذه الناقة، وهذا السلاح.
فقال أصحابه: ما تفعل بهذا الشيطان؟ إنك لست مثله.
قال: ستروْن.
فتبعه دون أن يراه. فأناخ البلوشي عند البرك. فحط رحله، وعقل ناقته، واتكأ على فراشه، وخلع سلاحه، وأحضر طعامه.
فجاء هذا الرجل المسكين، وقد شد وسطه بحبل، بثياب رثه يحتقره من يراه.
فسلم عليه. فناداه البلوشي: قرب للأكل " عادة عربية ".
فجلس بجنبه يأكل.
وسأله من أين أتى؟
قال: إنه راعي غنم، وبعد الإستئناس ببعضهما.
قال الراعي للبلوشي: ما أحسن تفقك!. أي نوع هو؟ (1/53)
صفحة 54
قال البلوشي: أنت لا تعرف البنادق.
قال: عمري لم أر مثل هذا التفق في الحسن والهيئة الجميلة. هل تتفضل فتريني إياه؟
قال: نعم. خذ " كالمفتخر أن له ميزة عن غيره، وكان التفق محشواً.
فأخذه الراعي، وقلبه ملياً في يديه كالمعجب به.
ثم لفظ الرمي منه وحشاه مرة أخرى فعل ذلك ثلاث مرات ثم نظر إلى خلف البلوشي يوهمه أن أحداً قادماً من ورائه. فالتفت البلوشي، فلما التفت قفز الراعي قفزة الأسد، وقعد عنه مزجر الكلب، ومد التفق إليه قائلاً: إن تحركت فأنت ميت .. فما استطاع البلوشي أن يتحرك. والنفس غالية.
ثم قال له: إن بقيت على الفراش فأنت ميت ... فانتقل عن فراشه ..
ثم قال له: إن وقفت بحيث أراك فأنت ميت .. فراح المسكين يجر رجليه ذليلاً منكسراً.
فجمع صاحبه متاعه وسلاحه، وحملهما على ناقته، وامتطاها يغرد عائداً إلى أصحابه: " ولقد تزيد على الرجال رجالُ ".
وحدثني الشيخ إبراهيم الرقيشي يقول: في بعض رحلاتي إلى الظاهرة، أنخت عند رجل في بلدة ضنك، فلما كنت جالساً عنده ... جاء ولد تحت البلوغ في هيئة خادم.
فقال لي: ما ترى هذا الولد؟ (1/54)
صفحة 55
قلت: ولد نشيط.
قال: هذا أريد أن أشتريه من أبيه، والآن تركه عندي لأجربهُ، ثم يأتي أبوه ليأخذ قيمته.
فقلت له: هذا حرام. أتشتري حراً.
قال: لا عليّ من ذلك.
كما ذكر أيضاً: أنه خرج ذات مرة من: دبي: قاصداً: الظاهرة: مغامراً، فقطع له اللصوص، ولكن لما أسعده الحظ: جاءه اللص على هيئة جائع يطلب منه زاداً، " يقول ": ينتظرني أنزل عن ناقتي فيدعو أصحابه فيأسرني. ولكن بالبديهة قلت له: إني متأسف، كل الزاد مع أصحابي، وهم في القافلة خلفي، وأنا سبقتهم أرتاد لهم مقيلاً، فطمع في الأكثر وتركني.
وكانوا: من عادتهم: لا يتعرضون للقتل إذا حصل المال، إلّا إذا دوفعوا: وما أشبهها بقصة عمرو بن العاص مع قيصر.
وقضى الإمام أبو خليل - رحمة الله عليه - على هؤلاء اللصوص وأفنى غالبهم بالقتل: بعضهم قتل صبراً، وبعضهم غيلةً، وبعضهم جهاراً في حرب - جزاه الله خيراً -: يقال إن عدد من قتل منهم ثلاثمائة.
وأخبرني الشيخ الرقيشي: أنه في دفعة واحدة قتل منهم ستة، من بينهم رجل كلباني، لم يتغير وجهه حين أخذ للقتل، بخلاف أصحابه. فلما أرادوا أن يقتلوه قالوا له: إلتفت على الجدار لنضربك من خلف. (1/55)
صفحة 56
قال: كلا: لن أقتل مدبراً، فأبى إلّا أن يقتل مقبلاً. ولما أصابته الرصاصة قال للضارب: هذه لم تنفعك، فهات غيرها، فضربه الثانية، قال: وهذه لم تنفعك أيضاً، وكانتا في رأسه.
ضربه الثالثة في فؤاده. فمات، ولكن الدم خرج منه كأنه كبد ثور. لم يؤثر عليه الخوف وطول هذا الصراع.
ومن مرويات أبي - رحمه الله - قال: أصاب السيد سالم بن ثويني ضاروب في يده، فكانت إذا حصلت لها حرارة سكن السهر، فبات أبوه السيد ثويني واضعاً أصبع سالم المريضة في فمه، وسالم نائم. وتسابقا ذات يوم على حصانين لهما فسبق حصان الأب، فرأى الإبن متكدراّ لذلك. فأعطاه إياه.
وفي ذات يوم وهو صغير، غضب عليه أبوه، فقام ليضربه، فهرب عنه، وكان أمام البيت في " الوطية " مناخات كثيرة لضيوفه، فلم يقم أحد ليحجزه عنه، حتى هبطت زوجه " الحجرية " فحجزته، فمن شدة حبه لها صاح بأعلى صوته على أولئك الضيوف: كانت أبرك منكم امرأة:
والمرأة هذه من أهل (الواصل) " من بدية ".
تزوجها السيد ثويني، وكانت غير راغبة فيه، لكن أهلها أكرهوها عليه، فاشترطت أن يبني لها خارج مسقط، فبنى لها بيت " الوطية ".
وكان هو السلطان يومئذ، لكنها لا تحب السلطان، بل تحب بلادها، وإبن عمها، كما فعلت ميسون بنت بجدل مع (1/56)
صفحة 57
معاوية بن أبي سفيان. فآذته من كثرة ما تذكر إبن عمها.
فقال: لابد لي من أن أراه، فرحل إلى بدية. وطلب أن يراه، لكنه هرب منه. وبعد المشقة حضر عنده فلما رآه قال: " بالحل " معناه: لا لوم عليها.
فلما رجع طلقها ... فرجعت حيث هوَتْ.
أخبار الشيخ نور الدين السالمي (1).
حدثني أبي، عن أبيه، قال: جئت يوماً إلى القابل فوجدت صالحاً ممتلئاً سروراً يعني صالح بن علي الحارثي:
يقول يا سليمان: لو تعجلت قليلاً، لشاهدت ولداً سالمياً يكاد أن يلتهم العلم إلتهاماً، ولئن بارك الله فيه ليكونن مجدداً لهذا الدين، قدوة للمسلمين.
مرّ عليّ الشيخ سلطان بن محمد الحبسي: وعنده هذا الولد السالمي من أهل " الحوقين "، جاء طالباً للعلم، فنزل عند الشيخ سلطان وجاءا زائرين لمطاوعة الحجريين، فكنا أنا والشيخ سلطان نتذاكر مسألة، ولم نتفق على حل لها.
فلما رجعا إلى مناخهما، قال السالمي لشيخه: كان عندي في المسألة وجه.
قال: لم لم تقله؟
قال: إني هِبْت الشيخ.
فلما جاءا في المساء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توجد ترجمة هذا الإمام في جميع مؤلفاته فلذلك لم نذكر نسبه استغناء بشهرته. (1/57)
صفحة 58
قال سلطان: إن هذا الولد السالمي عنده قول في المسألة التي تذاكرناها.
فقلت له: حسن: " يَسِنْ قرونه ويأتي بما عنده ": " يعجبنا الرجل النطاح ".
فأستنطقناه، فإذا علمه وعقله أكبر من جسمه، فأخذته عليه، أريد أن ينفعنا، ولكنه طلب مني حتى يعود من بدية إلى المضيبي ثم ينتقل إلينا.
وبالفعل فقد حصل ذلك وانتقل بكل وثقله، وسكن في جوار الشيخ.
وصار كما ذكر في مؤلفاته أنه من أكبر شيوخه، كما هو معلوم في تراجمه.
ولما أستقر الحال بالشيخ السالمي وترعرع، وصار مدرساً منْظوراً إليه جاء رجل حجري في بعض الأيام، فسأل الشيخ صالحاً عن مسألة في الطلاق " لم يحفظها الوالد ".
فأفتاه الشيخ بحرمة زوجه عليه.
فراح إلى الشيخ السالمي فسأله عن المسألة، ولم يخبره أنه سأل عنها من قبل.
فأفتاه الشيخ بجواز الرجعة إليها (1).
فرجع السائل إلى الشيخ صالح فأخبره عن فتوى تلميذه، فغضب غضباً شديداً، وأرسل إليه قائلاً: ما يحملك على أن تفتي في شيء لا تعرفه، تعلمتم وما تأدبتم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): قلت: ما أشبهها بقصة الإمام الشافعي عند الإمام مالك، في حديث القمري. ا. هـ. (1/58)
صفحة 59
قال: وكان الشيخ السالمي يغضب كثيراً.
ولما لم يكن مجال لإنفاذ غضبه، قام ودخل الفلج واغتسل ثم رجع إلى شيخه قائلاً: يا شيخي: اسمع حجتي فيما قلت: لكني أهابك فتفضل: حين أتكلم، لا تتكلم حتى أفرغ، فإن رأيت حجتي مقبولة، فالحق يقبل من أصغر مني، وإن كان باطلاً، فالباطل مردود على من كان أكبر مني.
قال: قل.
وكان السالمي أعطاه الله علماً ولساناً، فأدلى بالأدلة التي يستدل بها على قوله حتى فرغ.
وكان قبل إحضار الدليل قال:
أولاً: أعتذر إليك أني لم أعلم أنك أفتيت في هذه المسألة، وإلا لتأدبت.
وأعرف منزلتي.
ولكن إذ وقع ما وقع، لابد من إظهار الحجة.
قال الشيخ لما سمع قوله: إفت: فقد آن لك أن تفتي: " نحن حين يتعلم الناس ننازع البدو تحت السمر ".
الحق ما قلت: وإنما غضبت أولاً:
لأن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي هو الذي قال بذلك القول، ولا أحب أحداً يخالفه.
ومثل هذه القصة ما جرى عند الشيخ الخليلي نفسه:
إذ جاءه سائل فسأله مسألة في الطلاق أيضاً، فحرم عليه زوجه، فذهب إلى الشيخ البطاشي فسأله فأحلها له.
فرجع إلى الشيخ الخليلي فأخبره، فقال: كان الشيخ البطاشي أبصر بك مني: إذ أردتك أنا أن تكون في صدر (1/59)
صفحة 60
المجلس، وعرفك الشيخ البطاشي، فرآك لا تستحق إلّا أن تقعد مع النعال.
ومن أخبار الشيخ السالمي: - لما كان طالباً للعلم -:
ما أخبر به الشيخ أبو بشير قال: قصد الشيخ السيفي في نزوى ليعلمه شيئاً من الأسرار التي يستطيع أن يتوصل بها إلى العلم. فأعطاه، وقال له: اخلُ بهذه الأسرار مدة أربعين يوماً، فإن لم ظهر لك فيها شيء، فأترك العلم لأهله، واتخذ لك عملاً آخر.
قال: ففتح الله عليه في أربعة عشر يوماً.
وكان في هذه الخلوة يأتيه الشيطان ويقول له: أتعبتنا. أرهقتنا، ويضربه بأصابعه في رأسه، وما زالت آثار أصابعه على الكمة التي يلبسها الشيخ، كأنما أحرقت بالنار، وهي موجودة إلى زمن قريب.
وأخبار نور الدين أكثر من أن تحصر
- رحمة الله عليه
أخبار ذي الجناحين المحتسب صالح بن علي الحارثي:
كان الشيخ صالح من أهل الهمم العالية.
لا يبيت على ضيْم.
ولا يقر على أذى.
ولا يعرف الخموُل فيه موضعاً، ولا التردد عن إقامة الحق مقاماً.
وكان كثيراً ما يعاتب نفسه. إذا خلا كان يقول: (1/60)
صفحة 61
يا صويلح: ما عذرك عند الله إن تأخرت عن إقامة الحق؟
يا صويلح: ما قيمتك إن لم تكن عندك منفعة لدين الله؟
يا صويلح: أي إنسان أنت إنْ تقوقعت في بيتك؟
وكان كثير الفكرة: ... سُمع يوماً يقول: وعليكم السلام: فقيل له: من سلم عليك؟
قال: سلم علي فلان في المكان الفلاني فحفظت الآن الرد عليه.
وكان يُرى ماشياً في الطريق يضرب كفاً على كف ويقول: هيه يا صويلح: أما آن لك أن تقوم بدين الله؟!
وهذا كله بعد أن قُتل أقرانه:
سعيد بن خلفان.
وعزان بن قيس.
وكان بعيد الهمة منذ الصغر.
يقال إنه: دخل على السيد سعيد بن سلطان وهو صغير لم يبلغ الحلم، وعنده أخوه ناصر، وكان أسن منه، فقربهما السلطان. وكان يسمع عن صالح أنه ذو نجابة.
فسأله عن اسمه: فقال: عامر.
قال: أنا أسميك صالح.
ثم قال لهما كالمختبر: أنتما أولاد علي بن ناصر: النار تخلف الرماد.
فأجابه صالح بالفور. تلك نار الكرب، أما نار السمر فتخلف الجمر.
ثم قال له السلطان: وبلغني أنك تتعاطى الطواعة، ليس لك حاجة فيها، وكان في المجلس رجل معولي، لما خرج (1/61)
صفحة 62
صالح شيعه.
وقال له: لا تسمع قول السلطان، أطع الله، فإن من أطاع الله أطاعه كل شيء.
ثم قال السُّلطان لأصحابه بعد خروج صالح عنه: لئن عاش هذا الصبي لَيَريَنَّ من يجلس في هذا الكرسي بعدي منه شراً.
وذهب ليدرس على الشيخ في " سمائل " وكان من عادة الشيخ " سعيد بن خلفان الخليلي " إذا جاءه طالب علم يمتحنه قبلاً.
سمعت والدي يحدث عن خاله عن أبيه الشيخ صالح:
يقول: ذهبت إلى الشيخ طالباً للعلم، فلم يلتفت إليّ. وبقيت أياماً أتردد ما بين بيته ومسجده، وهو يعرض عني، فلما رآني صابراً على ذلك، أعطاني كتاباً.
وقال: اقرأ في هذا الكتاب، فإذا فرغت منه فأتني، (وبلغني عنه بعدما تعلمت منه، وخرجت، قال: في حين الإمتحان: إن هذا الولد من بيت شرف، فإن كان طلبه العلم لله، لن يستنكف من معاملتي له، وسيرجع. وإن كان طلبه للدنيا لن يرجع، لأنه يرى ذلك إهانة له).
قال: فرجعت إليه، ورأى مني إجتهاداً، فأقبل عليّ إقبالاً كلياً، وقربني منه فنلت خيراً كثيراً. ولما خرجت من عنده بعد ما رزقني الله من العلم ما رزقني، سافرت إلى زنجبار فبقيت مدة حاولت خلالها: أن أنصب إماماً: يأمر بالمعروف وينهى (1/62)
صفحة 63
عن المنكر (1).
قال: فأتفقت مع أحد أولاد الإمام أن يقوم بذلك فوعدني، ثم خانني.
وشاع ذلك حتى بلغ السلطان، فطلبني، فتخوفت، وخرجت من زنجبار إلى الصومال وبقيت بها سنة كاملة، تعلمت خلالها علم الصرف، وبرعت فيه.
وعند كمال الحول: مرّ عليّ مشايخ آل وهيبة، وطلبوا مني السفر معهم إلى زنجبار: على أن يطلبوا من السلطان العفو عني، فسافرت معهم، حتى إذا وصلنا ميناء زنجبار:
قالوا: تخلّف أنت في السفينة، ونحن نذهب إلى السلطان فنطلب لك العفو.
فإن عفا عنك نزلْت وإلّا هرّبناك إلى مكان آخر.
قال: وكنت عارفاً بالطرق في زنجبار فلما نزلوا خالفتهم إلى طريق أقرب فدخلت على السلطان قبلهم.
فأستغرب لما رآني.
قال صالح: قلت: نعم، وتلك ورطة تورطت فيها مع إبن عمك، ظننت فيه خيراً، فأقض ما أنت قاض.
قال: بل نعفو عنك، وأقعدني بجنبه.
فجاء مشايخ آل وهيبة فوجدوني بجنب السلطان.
قالوا: ما هذا الذي فعلت؟
قلت: لابد من المنة: إمّا لكم أو للسّلطان، فأحبْبت أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهذه سنة شرعية لم يوفق إليها إلا الإباضية، لأن الإمامة ما بقيت بعد الخلفاء الراشدين في الأرض إلا حيث يوجد الإباضية، فضلاً من الله العلي العظيم عليهم. (1/63)
صفحة 64
تكون له، لأنها ليس لها أثر عليّ. أما أنتم فستكون منتكم عبئاً عليّ وعلى أولادي من بعدي: تعيروننا ما بقينا.
ولما رجع إلى عُمان، وكان الشيخ في قبيلته أخوه ناصر، ويشتكي منه الجماعة عدم القيام بالواجب، واجتمعوا عند الوالد حميد بن عبدالله الحارثي، وكان مرجعاً في تلك الأيام للجماعة، لما كان أولاد علي بن ناصر صغاراً حين مات أبوهما، فعين ناصر شيخاً على القبيلة، ولكن الوالد حميداً بقى مرجعاً.
فأشتكى إليه الجماعة أمر ناصر.
فقال لصالح: إن جماعتك يطلبون منك أن تكون المسؤول عنهم، فشدّ ظهرك. فقبل ذلك.
وبعد تمام المؤامرة (1) أمر الوالد حميد: محسن بن عامر أن يضيع (2) في سالفة ناصر، فأخذ بعيراً على المساكرة.
فغضب ناصر. وسأل عن الآخذ، فقيل له: فلان، فطلبه فلم يجده إلّا بحضرة حميد، فقام يهدده، وهم بالهجوم عليه.
فأعترضه حميد، وقال له: قف مكانك، فأنا أمرته، ولتعلم أن جماعتك عذروك عن المشيخة، وقدموا صالحاً أخاك.
قال: كأنكم تآمرتم علي.
قال: نعم، لسوء تصرفك.
فقام عنهم مغضباً، ولكنه لم يتعرّضَ لأخيه في شيء إلا ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} الطلاق / 6.
يقول صاحب المختار: ..... وآتمروا بالأمر إذ همُّوا به وتشاوروا فيه. أ. هـ. أ م ر: ص 24.
(2) من الضياع وهو الفساد. (1/64)
صفحة 65
بواسطة مندوب السلطان.
قال له واحد منهم: من شاورت حين قبلت السالفة؟
قال: وجدت أبي لا يشاور أباك، فأنا لا أشاورك. فمن كانت له منكم قدرة أن يغير في قيد حمار، ما دامت السالفة فليفعل، والسلام عليكم.
يقول الوالد سليمان: فمضت مدة ولم يتحرك متحرك.
وبغى ذات مرة الحرث على المساكرة، فيما يجري بين القبائل العُمانية من تقسيم إلى غافري (1) وهناوي.
هجم الحرث على برج للمساكرة المسمى (النواصر) فأحتلوه.
وكان على رأس المساكرة رئيسهم السياسي المجرب زاهر بن عامر فأمر جماعته أن يحسروا عن رؤوسهم، كشعار فيما بينهم، يتعارفون به إذا ألتقوا في المعركة، ثم هجموا، فصاح الصائح مع الحرث فألتقوا تحت البرج، فصار الحرث يقتلون بعضهم بعضاً، والمساكرة يقتلونهم، ويعرفون بعضهم بسبب الشعار، فكانت الهزيمة على الحرث وقتل منهم عدد لا بأس به.
فبلغ الشيخ ذلك، فجاء إلى إبرا ليعرف صدق الخبر.
فلما تحقق ذلك حكم ببغيهم، ولم يرض أن يصلي على قتلاهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا أحيا الله لها ذكرى.
لدعوة القبائل. (1/65)
صفحة 66
قال: فأشتغلنا بدعوة القبائل الصديقة، فما مرت أيام حتى حضروا.
فلما كنا متهيئين للسفر، جاءني رجل من أهل وادي بني خالد.
وقال: أطلب منك أن تنصح الشيخ بالتأخير في هذه المرة، لأنه ليس له فيها سعد.
فقلت: حاشا لله أن أفعل ذلك، لو كان صالح يقبل مني، فكيف وهو لا يقبل، هو لا يسير على السعد والنحس.
قال: وبالفعل لم ننجح هذه المرة، بل انكسرنا.
ولما كنا في الطريق راجعين: سايرته، وأخبرته عما قال ذلك الرجل.
فقال: " شد رقعته " (1) نحن لا نسير على السعد والنحس، وما انكسرنا هذه المرة لننكسر أبداً، بل لنجدد غيرها وغيرها إن شاء الله.
وجاء رجل ذات يوم يستقرض منه أربعين قرشاً ليتزوج بها.
قال له: يا ولدي: لو كان عندي أربعون قرشاً ما رأيتني تحت جدران القابل.
وبلغه ذات مرة أن فلج القابل يهدده سليمان بن سويلم وزير السلطان بالهدم.
فصادف أن قام من غدائه ليغسل يده من الفلج، وكان ماراً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مثل عُماني: يقال لمن يتكلم بما لا فائدة فيه. (1/66)
صفحة 67
ببيته، فوجد الفلج منقطعاً، فظن أن التهديد المتوقع قد وقع، فوالله ما غسل يده، ولا رجع داخل بيته: بل قال: الحقوني سلاحي وركابي، لا أرجع دون (مسكد).
فقيل له: تذهب إلى " مسكد " وسليمان بن سويلم هنا؟
قال: أذهب إلى سادته، فليس هو كفؤاً للمقاومة، ولا خير فيمن يبقى إذا لم يقاوموا، ثم ظهر أن الفلج هدمه سيل، فلحقوه وأخبروه، فرجع وقد قطع شوطاً بعيداً.
قال: وطلب ذات مرة أعيان الحرث - ليس الشيخ، إذ لم يكن معهم - طلبوا من السلطان أن يمد السالفة ما بينهم والمساكرة جيرانهم، فأرسل السلطان: سليمان بن سويلم في هذا الغرض وتلقاه أعيان الحرث في سفالة إبراء، وأكرموه.
وأخبرهم: أني جئت مندوباً من قبل السلطان، لمد السالفة بينكم وبين المساكرة، فرحبوا به، وفوضوه.
قال: لكن إن أنا مددت السالفة، هل تستطيعون أن تردوا صالحاً إن ضيعها.
فسكتوا.
قال: إذن أنا لا أقول شيئاً عن السلطان لا مفعول له:
فردوا عليه إن شئت نحن لا ندخل صالحاً في أمرنا، ولا نقدر على كبته إن فعل شيئاً، فأسقط في يد إبن سويلم: هل يرجع دون أن يفعل شيئاً - وقد كبر عليه ذلك -.
ثم هداه الرأي: أن يتصل بالشيخ رغماً منه، بعد
الإياس من أصحابه، فأرسل إليه: إني وصلت إبراء لهذا الغرض، وأحب أن ألقاك. (1/67)
صفحة 68
فأجابه: إن لي مقراً يقصده ذوو الحاجات، فإن شئت فأهلاً وسهلاً.
فأضطر إبن سويلم أن يذهب إلى القابل، وكتم على الشيخ أمر الجماعة أنهم طلبوه، ولكن الشيخ لم يفته ذلك، وما جرى من الحوار.
فعرض السالفة على الشيخ، وأن السلطان أرسله لذلك، فرحب الشيخ، وأنه مستعد لقبول السالفة.
قال له: لكني أخاف من جماعتك أن يفسدوا في السالفة، لأنه يبلغنا أنهم على خلاف معك.
قال: لا يهمك، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً، وسأكون المسؤول عنها.
فأجرى إبن سويلم السالفة بحضور الشيخ وأعيان المساكرة لمدة سنتين. فقبل الكل ذلك. وافترقوا.
يقول إبن سويلم: هذا الرجل الذي يعتمد على قوله ولا ينبغي خصامه.
يقول الوالد سليمان:
فلما كنا راجعين من الاجتماع، وكنت الوحيد مع صالح نتبع الظلال من قوة حر الشمس، رأينا الجماعة الحرث مجتمعين تحت: سوقمة عدي: وقد بلغهم الخبر:
قال صالح: الأفضل أن نميل على الجماعة، ونخبرهم بالسالفة ما داموا مجتمعين.
فملنا إليهم، وأخبرهم بما جرى بينه والجماعة المساكرة،
سالم بن حمد البراشدي بتأييد من الإمام الخليلي – رحمة الله عليهما -. (1/68)
صفحة 69
ولم يزل الشيخ هذا دأبه في قمع الفساد، ومخاصمة أهله. وكان من عادته إذا صلى الظهر في مسجده، ينزل أمام المسجد فيختصم إليه البدو، ويتكلم فيما بينهم حتى يؤذن لصلاة العصر، فيصليها بوضوء الظهر.
قال الشيخ نور الدين: فبقيت في نفسي من ذلك أن كل هذا الكلام الطويل لا يؤثر على الوضوء: فتركت ذات يوم كل عمل، وترصدت له، فما سمعته قال كلمة تخل بالوضوء، أو خارجة عن دائرة الحق فعجبت لهذا الرجل الواسع الصدر:
المتنزه عن قول الباطل.
المتوقد الهمة.
أخبرني عمي عبدالله بن سليمان قال: كان الوالد صالح (1) لا يترك الفرصة تمر إذا أمكنت، يقول: سمعت أبي يقول: ذهبت يوماً إلى بلدة (عز) فمررت في طريقي على صالح، فسلمت عليه، وأخبرته أني ذاهب إلى (عز) ولم يكن عنده عزم على شيء، فما كدت أصل حيث أردت إلا ورسوله ورائي، يدعوك صالح، فرجعت إليه فوجدته يضرب ردداً (2).
فقلت له: ما الخبر؟
قال: بعد أن سرت عني نظرتُ في أمري، فرأيت: أنا مُضيِّعون للوقت: قاعدون بلا كسب فائدة، أرى أن نقوم على بعض الطواغيت، فنردهم إلى طاعة الله فسَاعدني بالكتابة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو جده لأمه.
(2) معناه: يمشي مرة إلى هنا، ومرة إلى هناك، كالقلق المضطرب.
كان في بعض الأحيان، يغريه بعض أهل الأغراض فيثور، ولكنه لا يلبث أن يتراجع عن مشادة أخيه. (1/69)
صفحة 70
وصرح لهم في بعض المواقف: إنكم تطلبون منا أن نتقاتل أنا وأخي، وتتفرجون علينا، فلن يحصل ذلك منا، وأنا أعلم أنكم لا تحبونني أمثر من صالح ولكن ليتم غرضكم.
فقام صالح بالأمر خير قيام، وما كفاه أن يسود الجماعة فقط، بل صار بحيث كفانا غيرنا الخبر عنه.
وتعليقاً على قوله: رضي الله عنه: " ننازع البدو تحت السمر ":
قيل: إنه خاصم آل وهيبة في تسلطهم على بلدة سناو وإيذائهم لأهلها.
فأحتج عليهم بقوله: تعلمون أن سناو إستولى عليها الجنبة من قبلكم، فآذوها، وآذوا من يأتي إليها، حتى أن الجنيبي إذا قطع جراب التمر في السوق يمش سكينه في كشة الوهيبي، ولا يرفع إليه رأس.
فأسألكم: من أخرج الجنبة من سناو؟ ووقف في وجوههم، وخلص آل وهيبة من ذلهم؟
قالوا: " عيسى بن صالح ".
قال: إشهدوا إذن أن عيسى جدي، أنا فسناو سناوي، وليس لكم فيها شيء، فخصمهم بذلك، واستراحت سناو منهم.
ولكن البدو مثل الجن يدخلون في المداخل الصغيرة، فيوسعونها حتى تكبر، ولا يملون:
تسلطوا على سناو مرة أخرى فحماها منهم الشيخ:
وبمناسبة ذكر دهاء هذا الشيخ الرئيس المسكري: ما ذكر أنه في زمن عيسى بن صالح الأول الحارثي (1) همّ السلطان أن يُجري صلحاً بين (1/70)
صفحة 71
المساكرة والحرث، وطلب من عيسى أن يحضر بسبعة رجال من قومه، كما طلب من الرئيس المسكري أن يحضر بسبعة أيضاً.
وطلب من الجميع أن يكون اللقاء في بيت الخبيب في سمد الشأن في يوم معلوم، فخرج رئيس المساكرة وكان يُلقب مقندح. فخرج بسبعين: راكباً جعل كل عشر ناقات تطأ آثار بعضها بعضاً، حتى يتوهم من يراها أنها سبع فقط.
كمن ثلاثة وستون منهم في الطريق، ليشاغلوا عيسى ومن معه، حتى لا يتمكنوا من الوفاء بالوعد، فيكون الحكم بالبغي على المتخلف، كما هو المقرر من السلطان.
فجاء عيسى ومن معه على أثرهم، فعرفوا المكيدة، فقال أصحاب عيسى لعيسى: هذه مواطئ سبعين ناقة، لا سبع ناقات، فربما أن أمامنا كميناً لا نعرف غايته، فأركب أنت على خير هذه النوق، لأنك ستفعل ما لا نفعل إن وقع شيء، وإن كانت الدائرة علينا: تنجيك هذه الناقة، ونحن نفديك.
وبالفعل فقد وقع ما يحاذرون:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عيسى بن صالح هو الوسط بهذه التسمية وقلنا الأول بالنسبة لعيسى بن صالح الأخير العالم، ولأن عيسى بن صالح أب الأخوين محمد وصالح جدي أولاد صالح وأولاد حميد لم نذكر عنه شيئاً فلا يشكل. (1/71)
صفحة 72
خرج لهم ذلك الكمين: فناقعهم وناقعوه، ودارت بينهم معركة استمرت إلى العصر، فلما كان وقت العصر،
قال الرئيس المسكري للسلطان: هذا عيسى أخلف الوعد، فترى أنه هو الباغي، فعزم السلطان أن يحركه هذا الكلام، فيحكم ولكنه كان في المجلس القنانبة: حضروا ليعرفوا الحكم، وكانوا يعتصبون للحرث، فلما سمعوا الخطاب: استمهلوا السلطان، وقالوا له: لا تعجل فإن عيسى لم يتأخر إلا من عذر، ونحن نكشف لك الخبر، فركبوا تابعين، فوجدوا المعركة قائمة، فأشتبكوا فيها حتى تخلص عيسى وأصحابه، ووفوا بوعدهم في ذلك اليوم، أو بعيد الغروب، فأخبر السلطان عن سبب التأخير وأعتذر إليه بسبب الأمر الواقع.
وأغار مرة الحجريون على المساكرة، وأرسلوا من الطريق رسولاً يخبر الشيخ صالحاً الخبر.
قال الشيخ: لأي شيء؟ وما ينبغي لهم ذلك، وهذا بغي منهم.
قال الرسول: إنهم يخبروك فقط.
فوصلوا إلى الحدود: بين علاية إبرا وسفالتها. فخرج إليهم أعيان المساكرة فصار بعض التفاهم بينهم، ولعلهم يطلبون منهم ثأراً قديماً فأصطلحوا عليه.
فلما دخل المساكرة بلدهم: رأوا حصينياً " ثعلباً ". فكبروا عليه وضربوه.
والحجريون في عرف القبائل يغارون (الحصيني).
فلما سمعوا ذلك. قالوا: إنهم يعيرونكم، فكروا عليهم: (1/72)
صفحة 73
فدخلوا عليهم بلدهم يضربون من لقوا.
وكان المساكرة في منعة: يضربونهم من وراء الجدران، ومن البيوت.
والحجريون شرعوا بصدورهم في العراء، فقتل منهم رجال، وكانت الدائرة عليهم.
فأناخوا في شريعة الزويد في وادي السفالة، وأرسلوا إلى الشيخ صالح يخبرونه بالواقع، ويستنجدونه بحجة أنهم: هناوية ينتمون إليه، لكنهم ما استخفوه.
يقول الوالد سليمان بن حميد: ذهبت أنا وإياه فقط خيالة، حتى وصلناهم: فحققنا الخبر، وطلبوا منه أن يقوم على المساكرة.
قال: لا، إنكم أنتم البغاة، وليس لكم حق فيما فعلتم فإن كنتم تخضعون لأمر الشرع، فسأطلب المساكرة ليخاصموكم، وأكون الحكم بينكم، فإن كان الحق عليكم أخذته منكم، فأصروا قبل ذلك أن يقوم على المساكرة بغير حكم قائلين: نحن جماعتك فيلزمك أن تنصرنا.
قال: " لستم معي بأقرب من المساكرة، إن كانوا هم على الحق، تطلبون الآن مني، وقبل ذلك قدمتم على ما سولت لكم نفوسكم لتقضوا شهواتكم، ولم تناظروني ".
يقول الوالد سليمان: فتكلم عليهم وأغلظ، يقول:
" مات الحجريون، وبقيتم أنتم لا يهمكم إلا الأرز البنجالي، والجدي الذي لم يطلع قرنه ".
وخرج عنهم وهو يتميز من الغيظ.
فلما رأوا الجد منه، وأنه لا يتابعهم على رغبتهم، وهم في (1/73)
صفحة 74
حال لا يجدون سبيلاً إلا فيما يطلبه هو، أرسلوا وراءه، يناديه الرسول وهو لا يلتفت إليه من شدة غضبه.
يقول الوالد سليمان: فأستعطفته لهم حتى هدأ، ورجع إليهم.
فقالوا له: إن جماعتك الحجريين لهم طبع، إذا أرادوا الشيء لا يرجعون عنه، فمثلهم مثل: ثور المعونة (1):
قال: " لكني لست كذلك، إنما أرِدُ وأصْدُر لأمر الشرع مخالفاً ما تهواه نفسي، فمن أراد مني شيئاً لا بد له من أن يمر بهذا المحك ".
ففوضوه الأمر، ورضخوا لحكم الشرع.
لكن أولاد أسود (2) لم يرضوا أن ينزلوا لحكم الشرع:
ولعلهم فهموا أن الشيخ سيشف (3) للحجريين. لكنهم واهمون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله: ثور المعونة: المعونة في عرف الحجريين الدرس الذي يربط به الثور، وله أصل في اللغة. يقول في مختار الصحاح: ويمنعون الماعون. الماعون أسم جامع لمنافع البيت، وأصل الماعون المعونة، والألف عوض عن الهاء. انتهى.
ومن عادة البقر: ذكراً كانت أو أنثى إذا خرجت من مربطها تقفز على وجهها ولا تلتفت إلى شيء، فشبههم القائل بذلك.
وقد رأينا في إسبانيا: عندهم موسم لمطاردة الثيران بالخيل، فترى الثور إذا خرج كأنه سهم حتى تنهكه الرماح التي يضرب بها.
(2) الذين قال في حقهم أبو مسلم " ولا يراع لهم في الضيم جيران ".
(3) سيميل. (1/74)
صفحة 75
في ذلك، فلعل الحق سيكون لهم لو نزلوا، ولكن الله يفعل ما يشاء. فردوا رداً غير محمود.
فكرّر الشيخ عليهم الطلب رفقاً بهم: فلم يرضخوا. فأنقلب الحال عليهم، وحكم الشرع ببغيهم، وجرت مناوشات بينهم سمع بها أهل دما، وكانوا يتعصبون للمساكرة، فجاءوا مناصرين.
وكان الشيخ ومن عنده يكبسون الفلج، فسمع أهل دما أنهم قادمون، فقال لأهل الخيل:
أكشفوا لنا الخبر، فلم يبق في الجيش أحد، بل كلهم توجهوا في وجه القادمين، فأحاطوا بهم وقتلوهم عن آخرهم وكانوا سبعين.
ومن نكتة الحجريين لما رأوا هذه المقتلة قال قائلهم:
ليت ها الدجة في حبوس.
معناه: ليت هذه القتلة في الحبوس، وكان بينهم ضغن قديم يتمنون لهم لو حصلوا على مثلها.
والحجريون قبيلة أهل صدق، ليس عندهم غوائل، وإنما ما يكون في صدورهم يظهر على وجوههم، وكانوا دائماً يخصمون الشيخ صالحاً، ويقاطعونه من أدنى سبب.
وكان الشيخ إذا أراد قياماً على مكان، وأراد مناصرة من القبائل الصديقة يرسل من يتحسس في أدنى بلد من بلدانهم:
ماذا يقولون عن هذا القيام؟
لأن قول أعلاهم في الرأي كقول أدناهم. (1/75)
صفحة 76
فإذا أخبر أنهم راضون عن هذا القيام وجه إليهم الدعوة، فقاموا معه.
وإن بلغه أنهم غير مصوِّبين له، تركهم، وقام بغيرهم.
وفي مرة قاطعوه: وأرسلوا إليه: " إنا لسنا منك، ولا أنت منا، ولست في الذمة معنا ". فما تأثر الشيخ لهذه المقالة؛ لأنه يعرف أنهم لا يتبِعُونها بفعل.
وفي أثناء هذه المقاطعة: أشيع أن سليمان بن سويلم يهجم في هذه الليلة على القابل.
ولم يكن عند الشيخ علم بهذا الخبر.
فخرج كعادته من بيته لصلاة الصبح إلى المسجد.
فرأى النيران حول القابل وكانت ليلة من ليالي الشتاء فأستنكرها.
فبينما هو يطلب أحداً يرسله ليتحسس خبر النيران، إذا هو برجل خارج من المسجد، فألتقى به على الباب، فأراد أن يختفي عنه، ولكنه لم يمكنه، وعرف أنه حجري، فسأله عن الخبر، فقال:
إن جماعتك الحجريين بلغهم هذا الخبر، فأحاطوا بالقابل حفاظاً عليها وعليك.
وأنا دعتني الحاجة إلى ورود الفلج ما كنت أحب أن تعرفني؛ لأن جماعتك الحجريين لا يحبون أن تعرفهم.
يقال: فدمعت عينا الشيخ. وقال:
هذا مع القطيعة. فكيف مع النصيحة؟
وأرسل خلفهم أنه لا يعذرهم عن دخول البلد حتى يأكلوا. (1/76)
صفحة 77
ولكن الرسول لم يجد أحداً. ما إن ظهر لهم الصبح، وأمنوا ما حاذروه: كروا راجعين لا يريدون جزاء ولا شكوراً.
***
وفي مقاطعة أخرى له منهم: ذهب بنفسه منفرداً حتى دخل على: بدر بن سالم الحجري في بلد " الغَبِّي ". وكان زعيماً لفرقة المحاسنة من الحجريين، إذ الحجريون فرقتان: محاسنْة ومحادة. فأستغرب من مجيئه منفرداً، مع توجيه الإنذار له. " وكانت القبائل يستعلمون إذا قاطعت أخرى، يرسلون إليهم أنكم لستم في الذمة، فيستعدون لمواجهة الشر، ولا يأمنون من بعضهم البعض ".
فقال الشيخ لبدر: " أنا وصلت معكم، فأفعلوا ما شئتم، لم أكلفكم عناء قتلي ".
فقال بدر: والله إن مثلك لا يُعادَى، ولكن هذا من نزق الجهل.
ولذلك يقول الشيخ من كلماته الموجزة: الحجريون بدر (1).
يقول والدي: وجاء مرة الندابيون والرحبيون يستغيثون من بعض جيرانهم وقد هجموا عليهم، واحتلوا بلدهم سرور، وأجلوهم منها، ويطلبون منه أن ينصرهم عليهم، فإذا فعل عاهدوه أنهم يكونون في صَفّه وشفِّه، وأنهم لا يمتازون عن الحرث بشيء. فأعتذر الشيخ إليهم قائلاً: لا أستطيع أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجل بأمة (1/77)
صفحة 78
أعادي وادي سمائل، وهو بعيد عني، ويكفيني ما أنا فيه ".
فلم يتركوا له بداً، وقالوا: لا نبرح من القابل أبداً، إلا إذا اخرجت معنا. وكان الشيخ في مثل هذه المهمات لا يتعدى مشورة الشيخ ناصر بن عامر الحبسي في بلدة الفتح.
فذهبوا إليه، وكان عاقلاً مجرباً ناصحاً للشيخ في جميع أحواله، وله حكايات عنده، فأخبره بطلب الوافدين، فقال:
" لا تتردد في مثل هذا، قم معهم وضمهم إلى صفك ".
فمال الشيخ إلى رأيه، فدعا بالقبائل من هناك، فأول من وصل: أهل بو غفيلة ومن معهم من وهيبة (1).
فقالوا: نحن ذاهبون، إلا أننا نقترح أن لا يكون الجحاحيف معكم.
فقال الشيخ ناصر " ماذا تقولون؟ الجحاحيف لا يكونون معنا؟ وما السبب؟ ألأنهم "مزناج (2) " يبشرون قبل الناس. نعذر الجميع ويصحبنا الجحاحيف "؟!.
فلما اجتمعوا ارتحلوا. فلما كانوا " بوادي العق (3) ":
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله: أهل بو غفيلة: فرقة من آل وهيبة، وهو المرجع لهم في المهمات.
وآل وهيبة قبيلة كبيرة في عُمان من أكبر القبائل، ولما ذكره الشيخ صالح بن علي في مؤلفه في الدماء، قال: " كالجنبة والدروع، والظلمة آل وهيبة ".
(2) قوله: مزناج: نوع من النخل أحمر الثمرة، يأتي قبل النخل كله، ولذلك سمي من يأتي قبل الناس بالمزناج. كما يسمى من يأتي آخرهم بالهلالي، وهو نخلة ثمرها أبيض يأتي آخر النخل كله.
(3) قوله: وادي العق: هو واد في الطريق ما بين العاصمة وصور وهو من فحول الأودية، يلتقي بوادي سمائل في بلدة سرور يسكنه الندابيون. (1/78)
صفحة 79
ولما رأى الشيخ الحبسي " السيّب: المقابض " في الجبال. قبض على خطام ناقته، ونادى الشيخ صالحاً:
لا تبرح من مكانك.
إن كان الندابيون صادقين، فليهدموا هذه السيّب؛ لأنها ما عملت إلا عن الهناوية، فلعلهم إذا قضوا وطرهم منا، يرجع بهم الشف، فيعودوا إلى ما كانوا عليه، ونبقى نحن كأنا في سجن، ولما سمع الندابيون ذلك أسرعوا إلى هدم المقابض، دليلاً على صدقهم، وباتوا في الدسر.
وفي الليل قام الجحاحيف، وكانوا خمسمائة راكب، " - وهو الذي توخاه فيهم الشيخ الحبسي - ركبوا بغير علم من الشيخ، فدخلوا وادي سمائل وهزوه هزاً، فأصبح الوادي يرجف دون قتال، دائناً للشيخ قبل أن يصل فأصبح في سرور بلا معارضة من أحد.
ونادى مناديه أن: سروراً: قطعة من بلاد الحرث، فمن تعدى عليها، أو على أحد من أهلها فكأنما تعدى علينا ". فسكنت البلاد واطمأن أهلها.
وزاد الشيخ سالم بن حمود السيابي. قال: " لما ارتحل الشيخ " صالح " عن أهل: " سرور ". وبلغ " فيصلاً " الخبر قام على " الرحبيين " بكل حنق، وكانت هوايته نكاية الشيخ صالح، فخشى نخيلهم، وشردهم في البلاد، وسلط عليهم أعداءهم يلاحقوّنهم في كل مكان. فأستغاثوا مرة أخرى بالشيخ صالح.
ولكن الشيخ اعتذر هذه المرة، لعدم استطاعته حمايتهم من السلطان فالسلطان أقرب إليهم منه، فإذا سار الشيخ عنهم (1/79)
صفحة 80
تعقبهم السلطان بالتنكيل، - وهم وحدهم ضعفاء - فبقى الرحبيون في تشريد وتعذيب طول هذه المدة، حتى قيض الله لعُمان الإمام سالم بن راشد. فالتجأ إليه الرحبيون: فنصرهم، وأسكنهم في بلادهم، وخفت تلك الوطأة عنهم.
وفي أيام محنتهم: تسلط عليهم بأمر من السلطان والي الوطية: رجل من أهل صحار يدعى: راشد بن سيف السيفي فقتل كثيراً منهم، وأغرق بعضهم في البحر.
فكمنوا له مرة في مكان يسمى الرميلة: ما بين الوطية ومطرح وجعلوا رابياً في الجبل يخبرهم بخروجه من بيته، فخرج وعنده بنو عمر عسكراً، فأخبر الرابي أصحابه بخروجه، ولكن لما كان أجله متأخراً: فبعدما ركب، وسار الإنذار: بدا له التأخير، فتأخر، وسار بنو عمر على وجوههم، فلما وصلوا الكمين نقعت فيهم التفاق، فمات منهم ثلاثة: " أردت عمراً وأراد الله خارجة ".
وأخبرني الشيخ سالم أيضاً، قال:
كان هلال بن أحمد البوسعيدي، من الأغنياء الكبار في مسقط وله مآثر كثيرة: فهو الذي عمق فلج الحيل، وضبط مجاريه في ذلك الوادي العظيم. وفي آخر عمره: حسنت حاله، وأوقف كثيراً من الأموال في الخير، وأعطى المتعلمين، ولازم المسجد.
ولما صار كذلك: ضايقه السلطان " لا أدري قال: فيصل أو تركي.
ومن شدة ما ضايقه به: أنْ جلب الخنازير: حوالي 300 خنزير، بحجة أنها تأكل روث الخيل، لأن الخيل (1/80)
صفحة 81
كثيرة، فصارت الخنازير في الطرق، وعلى الأبواب، ويجدها هلال دائماً على باب بيته، ولم يستطع أن يقول فيها شيئاً؛ لأن السلطان يودّ أن يفعل شيئاً، فيجد سبيلاً على الإنتقام منه.
فضاق عليه الأمر، ولم ير سبيلا إلا أن يرسل إلى الشيخ صالح بن علي: يخبره بالموضوع ويطلب منه القيام على رفع هذا المنكر.
فأرسل إليه رسولاً بكتاب، وألفي قرش لنفقته.
فلما جاء الرسول: وجد عند الشيخ صالح المشايخ: هلال بن زاهر الهنائي، وحمود بن سعيد الجحافي.
فقال للرسول: الدراهم أعطها المشايخ.
فأعطى هلال: ألفا، وحمودا، الألف الآخر.
ونادى بالرحيل إلى مسقط؛ ليغير ذلك المنكر، وكتب إلى السلطان كتاباً يقول فيه:
" بلغنا أنك جلبت خنازير إلى بلاد المسلمين، وهذا خلاف أمر الشرع. فإما أن تزيل أذاك، أو فاستعد للقاء المسلمين ".
فلما وصلته الرسالة، قال: ما هذا البلاء؟
أي شيء بيننا وهذا الرجل؟ أنا أدري من أين طلعت هذه الفكرة وكأنه يشير إلى هلال.
فدعا بصاحب سفن. وأمره بتحميلها، وإزالتها من مسقط. فطهرت الأرض منها.
فسألت الشيخ سالماً: هل قَدم الشيخ " صالح " بعد ذلك؟ (1/81)
صفحة 82
قال: لا؛ لأن الغرض إزالة المنكر فزال.
***
وناصر بن عامر: كان ذا عقل ورأي مما دعا الشيخ إلى الإعجاب به، بالإضافة إلى أنه رئيس في جماعته.
جاء مرة إلى الشيخ كالمختبر له، يقول: إن هؤلاء الجماعة أتعبونا أنّا وإياك، فأرى من الرأي: أن نسافر إلى: زنجبار ونتركهم، فسوف يرون حاجتهم إلينا. فأستغرب الشيخ من هذا الرأي، وضربه على بطنه قائلاً:
" كنتُ أعتقد أن هذا الكرش لا يحمل مثل هذا الرأي الميت "،
" كنت عودتني منه غير ذلك ":
" نقعد هنا ونناطح القوم "،
" فمن أراد أن يناطحنا، فليسُنَ قرونه ".
فضحك الشيخ الحبسي، وقال:
" (النقمة الحبسية) (1) غير غال، فيك سدس تلك الحلبة التي أوتيت لأمك مِنَ الواصل ".
وزاره الشيخ (2) في مرة من المرات في " الفتح ".
وصل بعد المغرب، وقال: لا تشتغلوا بعشاء؛ فإن الوقت لا يسع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحبوس مشهورون بالأقوال المضحكة.
(2) يقصد الشيخ صالح. (1/82)
صفحة 83
لذلك. فقام الشيخ الحبسي، وأمر بالذباح، وصُنع العشاء، وأتى به عند منتصف الليل. فعاتبه الشيخ على هذا التكلف.
فقال: تريد أن يشتكي علينا حصى " الفتح (1) " ومثل هذا الأكل غير غريب: يصنع لأقل الناس. فكيف لمثلك الذي يستحق لو أمكن: أن يذبح له ولد من الأولاد؟
وفي مرة: كانوا متحلقين على الأكل، أقام الشيخ " صالحا " من مكانه.
فقال له: اقعد في هذا المكان.
قال: ولم؟
قال: إن النساء يحبْبن أن ينظرن إليك، وهنا أنت مقابل لهن.
وكان لا يخلو من جهل في بعض الأحيان في مزاحه؛ إذ قام يوماً من المجلس، وفيه الشيخ صالح، فقعد يبول غير بعيد عنهم، فصاح الشيخ ما هذا؟
قال: لئلا أخفي عليك شيئاً (2).
***
وكان الشيخ الحبسي: يدخن " الغليون "، وعرف منه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معناه: أنا سنؤذيه إذ ندق عليه عوالاً.
(2) معناه: أني أخلصت لك النصح، وما أخفيت عليك شيئاً في نفسي. فأردت أنْ أكمل. (1/83)
صفحة 84
الشيخ ذلك، فأستحيا أن يقابله بالنصح، قبل أن يرى ذلك عياناً، فأنتظر الفرصة لذلك، حتى كانا في مجبس ذات يوم فقال الشيخ الحبسي للشيخ صالح: " وقد نظر إلى لحيته ".
أراك شِبْتَ، فهنا وجد الفرصة.
فقال: " ومسح على لحيته ". ولكنها لم يمر عليها الدخان.
فيقال: إن الشيخ الحبسي بكى في الحين، ولم يمس الدخان بعدها فكانت موعظة له، وهو دليلك على عقله.
***
وحضر ذات يوم عنده في " بلدة سناو " و " أهل وهيبة ": وكانوا قدر مائتي رجل. وبعدما قعدوا، قال الشيخ: ومن أين جاءكم القنوبي؟
فقال بلغتهم المعتادة: " راعي فرحه ": ما فينا قنوبي.
قال: فيكم: هو هذا.
فقالوا: هذا وهيبي، وليس بقنوبي.
قال الشيخ: بل هو قنوبي.
ثم تدخل المشار إليه فقتل:
لا تجادلوا الشيخ: إنما أمي قنوبية.
وجاء مرة: ابن حميدان الحجري من الظاهرة: فمر على الشيخ، وعند: بن حميدان رجل غريب.
فقال له الشيخ: من صاحبك؟
قال: عبري. (1/84)
صفحة 85
وبعد قليل سأله مرة أخرى: من صاحبك؟
قال: يقرب من العبريين.
وسأله بعد قليل مرة ثالثة: من صاحبك يا ابن حميدان؟
قال: بلوشي.
قال: الآن جئت بالحق. لم لم تقل من أول مرة؟
وهذا من قوة ممارسته للقبائل، ومعرفته بأحوال كل قبيلة.
ومثل ذلك ما يحكى عن الوالد سليمان بن حميد الحارثي:
يقال: إنه كان في زنجبار، وقد فارق عُمان ما يقرب من عشرين سنة، فجاءه ولد لم يخط شاربه؛ ليسلم عليه، وبعدما قعد قال له:
أنت ولد فلانة بنت فلان؟
قال: نعم.
فقيل له: بم عرفته، وأنت لم تر فلانة منذ عشرات السنين! وهذا الولد: ولد بعد؟
قال: شبهته عليها.
***
وذكرني بقصة التدخين السابقة: ما حكي عن الشيخ: حمد بن عبيد السليمي: أنه كان مسافراً إلى الحج في الباخرة، فألتقى فيها بعالم باكستاني له لحية بيضاء، لا يفتأ من قراءة القرآن يحفظه عن ظهر غيب، ويذاكر الشيخ حمدا في المسائل الفقهية، وكان مع هذه الصفات الحميدة، (1/85)
صفحة 86
لا يفتأ من شرب الدخان، فتضايق الشيخ حمد منه، وأراد أن ينصحه، لكن بطريقة لا تؤثر عيله. وكان في كل صباح يأتي إلى مجلس الشيخ.
فذات يوم أحضر بخوراً، ومصحفاً. فلما جلس عنده الشيخ الباكستاني، أخذ " المجمر " في يده والمصحف وقال للباكستاني: أعطني من هذا السجريت:
فقال: ما تصنع به؟ أنت لا تدخن.
قال: أريد أن أبخر هذا المصحف تكريماً له.
فأستغرب الرجل، وقال: لا تفعل، إنما هو إهانة، وليس بتكريم.
قال: كيف والشيخ كل حين يكرمه في صدره بأن يجمع بينهما، فنحن نقتدي بما يفعل.
فأعتبر، واتعظ، وبكى، وقال:
عليّ لك أن لا أعود إلى الدخان مرة أخرى.
والموعظة إن خرجت من القلب صادفت القلب.
***
نرجع إلى أخبار الشيخ ذي الرئاستين ..
كان - رحمه الله - لا يَكلّ، ولا يمَلّ، ولا يعرف الخمول فيه موضعاً، خصوصاً بعدما مات زملاؤه. ومع ذلك كله، فالشيخ نور الدين، لا يسكت عنه، ولم يزل يخاطبه كالمعاتب له على عدم القيام. فمن جملة عتابه له. قوله من قصيدة طويلة يقول فيها:
مقام في القصور على قصور::: مقام مثل ربات الخدور (1/86)
صفحة 87
فنصبح مثلها ونروح أيضاً::: على فرح بأنواع السرور
أصالح لو تسترنا بعذر::: فعند الله تكشيف الستور
ومضى يقول فيها: أصالح .. أصالح، وهو كالسيل يلقى انحداراً.
***
وقبل أن يقتل بأيام رأى في نومه رفيقيه: الشيخ الخليلي (1) والإمام عزان في مكان مرتفع. ورأى كأن بينه وبينهما خليجاً، وهو يناديهما: من أين ألحَقُ بكما؟
فقالا له: من طريق " اللجيلة " (2) وانتبه، فبقى يفكر في هذا الجواب، مع أنه مُتَيَقّن باللحوق بهما. وبعد مدة غير طويلة، صار قيامه على " بني جابر " في: اللجيلة، كما حكى القصة شيخنا " نور الدين " في " تحفة الأعيان ". فقتل الشيخ فيها، ولحق بصاحبيه.
وكان عند عزمه على السفر، قد أحس أنه لا يرجع، فقام يوصي وكيله في القابل وصايا تخُص حوائجه المالية، يوصيه لمدة طويلة.
فقال الوكيل: سبحان الله: أنت لا تمكث هذه المدة كلها.
قال: لن تراني بعد اليوم.
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا يؤكد أن شيخه الوارد، هو الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي.
(2) قوله: اللجيلة: هي بلد من أعمال ولاية سمائل. يسكنها بنو جابر، وهم الذين عناهم الشيخ أبو مسلم في قوله:
إذا مَدَحْتَ بني ذبْيانَ إخوتنا:: أظهرت شمساً لها في العين برهان (1/87)
صفحة 88
أخبرني أبي، قال: لما أصيب، دعا بإبنه الشيخ: عيسى. وقال له " لا تخبروا عن مقتلي أحداً. خوف أن يقع الفشل في الجيش ". " وأوصيك أن لا تقبل أن تكون شيخاً على الحرث فإني ذقت منهم الأمرين ".
ولكن الشيخ نور الدين: لم يثبت هذه الوصية، فحكم على الشيخ عيسى بقبول المشيخة على الحرث فلم يجد بداً منها.
ولكن الأيام سالمته، ولم تخاصمه كما خاصمت أباه.
وإنْ قلنا: أنه مهّدها به، فذلك غير بعيد. وسيأتي الخبر عن الشيخ عيسى وسيرته الغراء.
وكان علي بن سعيد الصقري، وهو: صهر الشيخ صالح، خال الشيخ عيسى كان يقول: أبغض الناس إلي في الأرض صالح.
وبالفعل فقد عاش معادياً له حتى مات. وبعد موته بمدة حجّ علي بن سعيد هذا، فكان تلك الليلة وهو نائم في جمع ليلة النحر، رأى في نومه الشيخ صالحاً، وعليه ثياب بيض أحسن ما تكون، وأطيب ما تكون، على هيئة عَجَزَ عن وصفها، وذلك بعدما مات - أظنه قال بثلاث سنوات -.
قال: فقلت: صالح؟
قال: نعم: صالح.
قلت: بِمَ نلْتَّ هذه الدرجة؟
قال: والله ما نلتها بصلاة ولا بصيام، ولكنْ بطلب ثأر (1/88)
صفحة 89
الشهيدَيْن: عزان بن قيس وسعيد بن خلفان.
قال: فأنتبهت، وقد تبدل ذلك البغض حباً.
***
قلتُ: ولعل هذا من حسن خاتمته؛ لئلا يموتَ وهو يبغض ولياً من أولياء الله.
***
وبمناسبة ذكر الرؤيا الطيبة للمؤمنين: تكون بشرى لهم.
كما قال الله عز وجل: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا)، {سورة يونس 64}.
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو تُرى له ".
وبهذه المناسبة: ما وقع للشيخ عيسى بن صالح:
إذ رأى في منامه كأنه في مجلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر بن الخطاب، كل منهم قعد عن يمين الآخر.
قال: رأيت في يد النبي رقعة ناولها لأبي بكر فقرأها، ثم ناولها لعمر فقرأها، ثم ناولني إياها فقرأتها، فإذا فيها:
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ). {سورة فاطر 34، 35}.
قال: فانتبهت والورقة في يدي.
وقص الرؤيا فرحاً بها على الآباء، وكنت حاضراً أسمعه. وهو يؤولها بموته قريباً. ولكنه ما مات إلا بعد سنوات. (1/89)
صفحة 90
ومثل هذه البشرى: ما وقع للشيخ: جمعة بن سعيد المغيري: كان نائماً بعد المغرب، في بيته، في بلدة الظاهر (1) فاستبطأه الجماعة في المسجد عن صلاة العشاء، وكان إمام المسجد، فأرسلوا مَنْ يدعوه، وكان أعزب، فوجده الرسول نائماً، فأيقظه، فغضب عليه وقال: أفسدتَ عليّ ما كنت فيه، هذه حورية تعطيني فاكهة من الجنة، وهذه الرائحة في يدي ".
قال الراوي: فشممت الرائحة من يده.
ثم قام فتوضأ، وأمّ الناس، فلما كان في سجوده في الركعة الثانية، قُبضت روحه.
فما كانّ بين الرؤيا وتحقيقها إلا قدر نصف ساعة رحمه الله ورضي عنه. ولهذا الشيخ أخبار نذكرها إن شاء الله في محلها.
نعود إلى إتمام أخبار الشيخ صالح:
توفي ولده: عبدالله في سابع ذي الحجة، فحزن عليه حزناً شديداً، كاد أن يورثه الذهول حتى أنه خرج يوم العيد للصلاة، دون أن يغير ملابسه. فلما كان في طريقه إلى المصلىّ، لاحظ ذلك من نفسه، فرجع إلى بيته وهو يعاتب نفسه يقول: إذا سألك ربك لم خرجت لصلاة العيد دون زينة؟ أتقول له: لأنك قتلت ولدي؟
فاستغفر من ذلك، وغير ملابسه، وعاد للمصلى.
وكان الشيخ كثير الحلم: أظهر عليه مرة جماعته الغيوث العناد بسبب تضييع سالفة بين الحرث والمساكرة؛ فسار إليهم في قريتهم: المعترض: من سفالة إبرا. فلم يجد منهم وجهاً، بل تفرقوا عنه، وتركوه وحده، فتبعهم، ودخلوا (1/90)
صفحة 91
بيوتهم، وأخيراً قالوا له: الرأي مع فلانة: أمة من إمائهم؛ إستهزاءً به.
فأيس منهم، وخرج يفكر في حربهم. ووقف حائراً تحت ظل سمرة بين المعترض والسباخ ومن شدة ما يجد من الحرج في نفسه في تعطيل الحق: دعا الله عليهم فما غربت الشمس إلا وقد مات من الغيوث سبعون شخصاً، نزل عليهم الطاعون، فلما رأوا ذلك هرعوا إليه تائبين مذعنين للشرع، فأرتفع عنهم.
سمعت هذه القصة من والدي رحمه الله.
***
كما سمعته يقول: وكان خادم يقال له: العبندو: يسكن القابل يبغض الشيخ، فإذا رآه في طريق فر عنه إلى طريق آخر، يقول: إنه لا يحب أن يلقاه فيضطر بالتسليم عليه. وفي ذات يوم لقيه فجاءة في طريق ضيق لا يجد ملجأ فيتوارى عنه، فأنكب بوجهه على الجدار حتى يمر الشيخ، فقبضه من عنقه، وقال له: من سيطالبني فيك إذا خلطت وجهك بالجدار. لكن " لله در التقوى لم تدع لذي غيظ شفاء ". وتركه وذهب عنه.
لكن واحداً من بني عم الشيخ لم يمتدح التقوى حين لاقته خادمة تخصه فبصقت، وكان من عادة الإفريقيين إذا رأوا من يكرهون بصقوا - فلما لاقته وبصقت - وكان في يده غلق حديد، ضربها به على أنفها فصرعها، ولها خوار في دمها.
***
وأم الشيخ صالح: من أولاد الحضري. فخذٌ من (1/91)
صفحة 92
فخوذ الحرث. وسبب تزوج أبيه بها: أنه أغار هو وأبوها: علي بن سعيد: على بلدة اليحمدي، في جملة الحروب الدائرة بين: الحرث والمساكرة التي ابتلي بها أهل عُمان.
وكانا على حصانين عاهِرَيْن من أقوى ما يكون من الخيل.
فلما قربا من البلاد، قال علي بن ناصر، لعلي بن سعيد:
أتقبض الخيل أم تغير؟
قال: وكانت عندي الإغارة أهون من قبض الخيل.
فأجابه: ما تحبه فعلته.
قال: اقبض الخيل، فقبضهما.
فذهب علي بن ناصر، ودخل البلد، فقتل رجلاً، فأنقضت البلاد صياحاً ونقعاً.
فما أن سمع الحصانان ذلك: إلا وكادا يطيران في الهواء: فصارا يتهارشان: كل واحد واقف على رجليه، ويداهما على رأس قابضهما، وقد قبض كل واحد بيد.
قال علي بن ناصر: فلم أشك في أنهما سيغلبان عليه؛ لما أعرف من حالهما، فنروح ضحية. لكن من شهامته وقوته بدل أن يسحبانه عن البلاد، سحبهما إلى البلاد، وقربهما مني، فركب كل منا حصانه، وذهبنا، والصائح خلْفنا.
قال: فأضمرت في نفسي: إن كان له بنت تزوجتها، فلا شك أن ولدها سيكون نجيباً. وبالفعل، فقد خطب إليه، وزوجه ابنته: فأنجبت هذا العبقري القوي (1/92)
صفحة 93
الذي ينبغي أن يقال في حقه: " عجزت النساء أن تلد مثله ".
واعتنت أمه بتربيته اعتناء شديداً، لم تعتن بأخيه بعده، والذي كان أبوه غير أبي الشيخ فقيل لها في ذلك: فقالت: " إن هذا ستكون عليه مسؤولية لا تكون على أخيه ". حتى أن من حرصها عليه، دعت " بزطية " (1) فأرضعته: تعتقد في ذلك، أن الله تعالى وهب الزط ألسنا لم يهبها لغيرهم.
وقالت: إن هذا الولد سيُخاصِم ويُخاصّم، فإن كان لا يعرف أن يتكلم، فكيف يَبزُّ خَصْمه؟
وما أخطأت فراستها.
وقد سمعه بعض شانئيه يتحدث في ملأ من الناس، وصوتُه يُسمع من بعد؛ لأنه إذا قال أسمع.
قال: " ما قصرت تلك الجرعة ".
ومات عنه أبوه وهو صغير، وكذلك جده، مات بعد موت ولده، في وقعة " سيوى " في جيش السلطان: سعيد بن سلطان - القتال المشهور - ولما انحازت الفتنة، فقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله " بزطية " الزطية: امرأة من الزط، والزط: جبل معروف، قيل إن أصله من الهند.
قال في مختار الصحاح: الزط جيل من الناس الواحد زطي.
عيسى بن صالح ابنه ناصر (1) فألتمسه فوجده بين القتلى. فدمعت عينه، وكان الوحيد عنده، ولم يكن له إبن غيره، فلما رآه السلطان قال: (1/93)
صفحة 94
" إن يوماً دمعت فيه عين عيسى ليوم عصيب ".
وأظهر للشيخ أكابر جماعته عداوة فائقة، وكلهم يعتقد أنه رئيس مثله، ولكنهم يذوبون عند حضوره، حتى قال بعضهم في مجمع من الصحبة: إذا وجدتم أفعى وصالحاً، فابدؤا بقتل صالح قبلها (2).
وراشد بن عامر الغيثي: كان من ألدّهم وأشدهم. وكان الشيخ يلتمس غرة لتأديبه ولكن تأديبه لا يحصل إلا بفرقة بين الجماعة، يتحاشاها الشيخ، حتى إذا وصل الإمام عزان بن قيس إلى إبرا، وجد الشيخ الفرصة لتأديب راشد. فأغرى الإمام عليه، فطلبه الإمام. فأراد الإمتناع. ولكنه فكر - وكان رجلاً عاقلاً - أن لا قِبَل له على مخالفة الإمام، فعزم على تلبية الدعوة، ومقابلة الإمام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ عيسى بن صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن صالح بن عيسى بن صالح، فعيسى بن صالح الأول هو العلامة المترجم له فيما بعد وعيسى بن صالح الوسط هو الذي ترجمنا له أيضاً في الرسالة، وعيسى بن صالح الأخير: هو أبو العائلة كلها من أولاد صالح وأولاد حميد، فأولاد صالح أبوهم صالح بن عيسى، وأولاد حميد الذين منهم مؤلف هذه الرسالة أبوهم محمد بن عيسى.
ولد الشيخ صالح بن علي: شيخ الشيخ السالمي في سنة خمسين ومائتين وألف. ومات في سنة أربعة عشر وثلاثمة وألف هجرية. وولد الشيخ عيسى بن صالح: تلميذ الشيخ السالمي في سنة تسعين ومائتين وألف، ومات في سنة خمسة وستين وثلاثمائة وألف هجرية.
(2) هكذا العظماء يكثر عليهم الحساد والمبغضون.
لكن نفسه الأمارة بالسوء، سولت له، إذا أمر الإمام بقيده: يهجم على الإمام فيقتله، وأخبر بذلك أصحابه المنضمين إليه: وكانوا قليلاً من جماعته، وعبيد عنده، أما أكثر جماعته فلا يقولون بقوله. (1/94)
صفحة 95
فقال لمن حضره: إني ذاهب إلى الموت، ولا يدري أحد عنكم، فمن كان في قلبه وهن. فليتأخر عني، وأنا أعذره. فتأخر البعض وصحبه آخرون. فلما كان بمرأى من القوم التفت إلى من عنده، وقال لهم بذلك القول السابق، فتأخر بعضهم، وذهب بمن بقي عنده. وقد بدا على وجهه البأس.
وكان الإمام هَمّ أن يأمر له بسجن: ولكن من رأفة الشيخ صالح، وطلبه جمع الشمل، سارّ الإمام وكان قاعداً بجنبه أن لا يفعل براشد شيئاً، وسننظر له فرصة أخرى.
فوصل راشد، وسلم على الإمام فقط، وجلس قبالة وجهه، كأنه على الرضف، وأظهر للإمام الطاعة.
وبعد جلسة خفيفة قال للإمام:
أستأذن، وغداؤكم هذا اليوم من عندي.
فسارّ الشيخُ الإمامَ أن يوافقه على ذلك، فوافقه.
وأحضر لهم من الكرم ما يليق بمثله.
وراشد هذا: ذو نجابة من صغره ... فيحكى عنه: لما وقعت الفتنة بين الغيوث وأهل سناو: وكلهم: حرث: يسكنون سفالة إبرا. وقعت الفتنة بينهم في السوق، وخرج بقية الحرث من السوق، وأغلقوا عليهم الأبواب، فتقاتلوا حتى كادوا أن يفنوا.
وكان " رشيد " أهل سناو قاعداً في جانب من السوق. فضربه " غيثي " بسيف في وسطه قطعه نصفين! ولقوة مضاء السيف، لم يتغير عن حاله، بل بقي النصف الأعلى فوق النصف الأسفل على هيئته، ولم يعرف جماعته أنه مقتول. فجاء واحد، فحمل لوح ملح (1/95)
صفحة 96
فرماه به فسقط. وهنا تشبع الفريقان، فوقفا عن بعضهما البعض، وانحاز كل إلى مكانه.
فجاء عيسى بن صالح - جد الشيخ -، ليصلح بينهما. فلما كانوا مجتمعين، وراشد بن عامر المذكور، كان إذ ذاك في سن الثامنة عشر، أو التاسعة عشر، وكان حاضراً عند جماعته. ولما أجرى الشيخ الصلح على أن يهدم كل شيء مضى وتحسن السيرة في المستقبل.
تحرك راشد بعض الشيء ... قال راشد بن سعيد، وهو زعيم الغيوث يومئذ، لراشد بن عامر: ما عندك؟ أنا عفوت عن دم أبيك، وكان أبوه قد قتل في المعركة.
فقال الصبي: لا يهمنك أيها الوالد، فأمض إلى ما شئت، ودم أبي أنا لم أتركه لك ولا لغيرك، بل أخذت بثأره مضاعفاً في المعركة بهذه الحدباء. وأشار إلى " كتارة " في يده.
يقال: إنه على أثر هذا الكلامة صارت سكتة كادت أن تنفجر الحرب بسببها. ولكن الله ألهمهم التمسك بالصلح، فما جرى بعدها شيء يذكر، إلا: المهارشات والمخاصمات الخفيفة التي لا تستحق الذكر.
ومن الشانئين للشيخ " صالح ": سعيد بن علي
البرواني ... ولكنه أخف من صاحبه، وكان الشيخ كثيراً ما يتألفه:
كان إذا صار اجتماع لبعض القبائل في منازعات: يَعِدهم الشيخ عند سعيد بن علي؛ ليُظْهِر له أن له مكانة عنده وتقديراً، حتى أنه أراد (1/96)
صفحة 97
سعيد السفر إلى زنجبار فجاء بعض السطحاء إلى الشيخ فقال له: أبشرك أن سعيد بن علي سيسافر.
فغضب عليه، وقال:
تبشرني يسفر سعيد؟ ألم تعلم أن سفر مثله نقص علينا؟ لا تهمنا عداوة سعيد، فإنها عداوة عاقل بل يهمنا غيره، من يحضر ويضمر السوء. (ا هـ).
***
أما غير سعيد من أكابر الحرث: فكان يفرض عليهم الواقع فرضاً ولا يستطيعون خلافه.
كما وقع لراشد بن عامر وجماعته في بلدة المضيرب. حين جاؤا مناصر للدغشة وكانوا حلفاءهم.
وذلك أن قضية للدغشة، وقعت: وجاء الغيوث مناصرين لهم على خصومهم، وصادفت قضية أخرى: هي أن خادماً لحمد بن سعيد الغيثي هرب، فصادفه رجل من المحارمة، وهم: حرث كذلك، فعرفه، فأراد أن يقبض عليه، ولكن الخادم كان مستميتاً فنقع في المحرمي فقتله. فوقَعت الفتنة بين الغيوث والمحارمة فجاء راشد بن عامر من إبراء لإشعالها.
فركب: الوالد سليمان بن حميد إلى الشيخ: يطلب منه أن يحضر لكف الفتنة. (1/97)
صفحة 98
فقال الشيخ: أنتم هناك، وأنا لا أتدخل في أمور " المضيرب " ما دمتم أنتم موجودين.
قال الوالد: لكنا ندخلك في المسائل الكبيرة كهذه.
قال: أنت تريد أن يهزأ بي راشد بن عامر.
قال: لا يضرك.
فلم يجد الشيخ بداً، فدخلا على القوم في مجلسهم، فكانا كلما وقفا على رأس رجل قام، ومد لهما يده، وقعد. كل ذلك استخفاف.
ولكن الشيخ لم يثنه ذلك: ولم يراع تكبُّرهم، بل صاح فيهم:
إن هذه قضية يكفيكم غيركم القيام بها، وأنتم مرفوق عليكم البقاء في هذا البلد، فأرجعوا.
وبالرغم من تزمتهم وتعنتهم، لم يُمْس على أحد منهم المساء إلا وقد ارتحل.
ومثل هذه القضايا كثيرة، وقد قدمنا بعضاً منها.
***
ومن الحرث مَن تغلب عليه المروءة .. فيعترف بالفضل لأهله ... كما يحكى عن: ماجد بن سعيد المعمري الحارثي.
كان يسكن الباطنة ... وله بيت وأولاد في .. إبراء .. فجاء مرة ليزورهم، فوجد عيسى بن صالح، وقد جرح في بعض
مناوشاته، وخيّم في شريعة الزويد. فلما وجده ما رَضِىَ أن يدخل بيته على طول المدة التي غاب فيها، بل لازم عيسى في مخيّمه. (1/98)
صفحة 99
وقال: لا تسمح لي نفسي أن أترك عيسى في مخيّمه، وأنا أدخل بيتي كالمستبد عليه، وصار يُؤتَى بالأكل كل يوم من بيته إلى مخيم عيسى، حتى برئ، وراح، فدخل بعده بيته.
ويحكى عن ماجد هذا أنه كان في زنجبار،
وكان النصارى ممنوعين عن المبيت في أرض زنجبار، فإذا أدرك النصراني الليل، بات في البحر. وذات ليلة وجد ماجد نصرانياً بعد المغرب.
فسأله: لم أنت هنا؟
قال: سُمِحَ لنا بالمبيت في البلد.
قال: " سقطت زنجبار، وليس لنا فيها قرار ".
فباع أمواله وخرج إلى عُمان. ***
ومنهم حمود بن سالم البرواني
وقصته مع آل وهيبة.
كان حمود بن سالم هذا قرناً من قرون الحرث، وكهفاً لمن زاره .. فكان ذات يوم في مجلسه، فرأى ركباً قادماً إليه. فقال لخدامه: هؤلاء ضيوف، فلا تحوجوني إلى أمر بشيء، بعدما يَصِلُون: بعضكم يتكفل بطعام الرّكَاب، والبعض يتكفل بالجداد لها، وبعضكم يتكفل بإحضار القهوة على كل عشر دقائق، وبعضكم يتكفل بالذباح، وتهيئة الأكل.
حتى إذا حضر تدعونهم إليه من غير أن تسألوني عن شيء أو تستشيروني في شيء. (1/99)
صفحة 100
فإذا الركب القادم آل وهيبة، فأستقبلهم، وأنزلهم، وقعد معهم منذ وصولهم إلى أن دُعوا للغداء. وقام الخدم بكل واجب، فأستغرب الضيوف من هذا الشخص الذي لم يفارقهم، ولم يأمر بشيء في قِبَلهم. ومع هذا فكل شيء متوفر لهم، ولركابهم!.
وكان أهل وهيبة دهاة ... بعد الفراغ من الأكل أخذوه في نجوى.
وقالوا: نحن نريد أن نكلم جماعتك أن تكون شيخاً عليهم، ونسعى نحن في ذلك، حتى يتم لك الأمر.
وكان المشايخ صالح وأخوه يومئذ صغاراً ..
والحرث لم يقدموا شيخاً بعد وفاة والدهما .. لكن حموداً لم يستفزوه بهذا الكلام.
أجابهم: إن الحرث يعرفون الشيوخ عليهم فإن كان اليوم شيوخهم صغاراً، فسيعودون كباراً، وما يحق لأحد من فخائذ الحرث أن يأخذ عليهم حقهم فيها.
أما أنا .. فعندي هذه: الصينية: متى أردتموها، والتمسوا غيري تضحكون عليه.
وحمود هذا: كان ذا ثروة. يسكن النطالة بسفالة إبراء فجاء الوادي ذات مرة، فأخذ شيئاً من جدارها، فغره زهوه، فصاح على الوادي: أن أئْت من (وريد فما دونه) وأنا ألاقيك من هنا بقوتي من: الكونجو فما دونها. وقام على الجدار فأجتهد في ترصينه. وكان ذات يوم واقفاً على الجدار والوادي سد الآفاق
فمرت عليه عجوز حملها الوادي، فصاحت به: (1/100)
صفحة 101
في جوارك يا راعي النجم - وكان لقبه - فناداها: في أمان الله أيتها العجوز، لا نتعرض للمسافرين.
فمرت العجوز: ولكن العمر حصن حصين: حملها الوادي إلى أن كانت في الرميلة مكان حدري إبرا، فخضع الوادي هنالك.
ومن الصدف: لما خضع الوادي: كانت هي على سمت شجرة، وقفتْ فوقها حتى جاءها الصريخ بعد انقطاع الوادي، فوجدوها حية فوق الشجرة، ومن الغريب أن في يدها إبريقاً جاءت به لتأخذ ماء من الوادي فحملها والإبريق في يدها، فما انفك عنها طول هذه المحنة، حتى رجعت به إلى بيتها.
***
ومن المؤسف له سوء خاتمة هذا الرجل - والعياذ بالله -:
أصابه مرض، وصف له أن يشرب الحرمل، فكان الخادم يأتيه به كل يوم. وفي يوم من الأيام أتاه بحبن .. فقال له هذا حبن، وأنت تدري أنه سم، لكن ليقال إني أخاف الموت، فيتحدث عني بذلك، اسقني إياه، فشربه فمات.
وترك إبناً من بعده: ورث الأموال الجزيلة، فأسرف بها في لهوه ولعبه من شدة لعبه، أنه باع كل شيء يملكه، فباع كل جزء بقرش .. ما تحمله اليد بقرش، والبيت بقرش، والنخلة بقرش، فخرج من تلك الأموال الكثيرة بقروش يسيرة ثم سافر إلى زنجبار. فعاش بها حقيراً ذليلاً. (1/101)
صفحة 102
يقال: إنه عاش يبيع القهوة في سوق زنجبار وينام في الطريق، وصدق المثل عليه:
إذا أطلع الدهر حراً نجيباً:: فكن في إبنه سيء الإعتقاد
فلستَ ترى من نجيب نجيباً:: وما تتركُ النارُ غير الرماد
***
وليس هذا بمطرد. فالله حكيم يخرج الحي من الميت، كما يخرج الميت من الحي. ولكنها إرادة الله يفعل في خلقه ما يشاء، وهذا شيء مألوف، والتوفيق بيد الله. (1/102)
صفحة 103
خبر الشيخ عيسى بن صالح الوسط
هو جد الشيخ صالح الرابع ..
ومناسبة ذكره: لما ذكرنا احتجاج الشيخ صالح على آل وهيبة واستعمار الجنبة لهم، وما أنجاهم من هذا الإستعمار إلا عيسى هذا، سنذكر طرفاً من أخباره.
كان قوياً ضخم البنية، شجاعاً، لا يبيت ليلة إلا ضارباً أو مضروباً.
وأشد الناس عداوة له: " الجنبة الغربيون ".
حتى أنه قال: " أسأل الله إذ مت قتيلاً، أن لا يكون قاتي إلا " الجنبة الغربيون ". فإنهم أكفاء لي ".
وقد حلف أنه لا يرى جنيبياً إلا قتله، أو يُقتَلُ دونه.
***
وكان ذات يوم مريضاً: فسمع تغريد الجنبة، فركب بمرضه حتى لحق بصاحب الصوت وقاتله حتى قتله.
واَلْتقى ذات يوم برجل من شجعانهم المشهورين يسمى: ولد مريّم.
فتجالدا من الصباح حتى المساء، ثم أثخن عيسى صاحبه بالجراح. وكان ولد مريّم هذا من المشاهير الذين لا يخط غبارهم. فلما حُمِلَ إلى أمه جريحاً.
قالت: لا يدخل البيت، اتركوه خارجاً حتى أعرف صاحبه؛ لأني أعتقد أنه لم يلد أحد مثلي، وما كان ولدي ليهزمه رجل مثله. لكن يُترك هكذا بجراحه حتى أسافر، فأنظر هذا الرجل الذي تفوّق عليه، فإن رأيته أهلا لذلك: عذرْتُ (1/103)
صفحة 104
ولدي، ورجعتُ إليه فداويته. وإن يكن غير ذلك، تركته حتى يموت.
وبالفعل سافرتْ إلى القابل، بلد عيسى، وأخذت معها هدية، فلما وصلت سألت عنه، فدلت على بيته. فلما جاء هو إلى البيت، وكانت قد مرتْ عليه فوق جدار يَبْني، فلما جاء البيت عرفْته، فقالت: أنت عيسى؟
قال: نعم
قالت: " بالحل ":
أنا جئت زائرة لك، أنا مريّم، ولي حاجة فيك، (أريد منك حطة) (1) فلم يجبها عيسى؛ بأن هذا حرام. بل أجابها بقوله:
تريدين أن أغني الجنبة، أما يكفي ذلك الشعلة الذي ولدتيه من قبل، وأعطاها عوض هديتها، ورجعت إلى ولدها راضية عليه، إذ كان ذلك الرجل قرْنهُ، وداوته حتى برئ. وعاود النزال مع عيسى.
وذات مرة: كان يُطعِم ناقته، فصاح الصائح، فركبها من غير مهاد على رِجْل واحدة، ركَز إصبعه الإبهام تحته، ولما رجع من الصائح، وجد إصبعه غائصة في ظهر الناقة، وقد أخذت مقعدته جلد الناقة الذي تحتها. والله أعلم.
وجاءه العيد ذات مرة، وزوجته ناشز عليه في بيت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معناها: أنها تريد منه أن يسافحها، حتى تحمل منه. (1/104)
صفحة 105
أهلها، وهي بدوية، مغيريّة (1) تسكن البادية، فنوى أن يذهب إليها ليرضيها. فرآه ابن أخيه يتأهب وكأن عنده رحلة، لكنه لا يجسُر أن يسأله، فكمن له من بعيد، وركب خلفه حتى رآه وصل بيت أصهاره، فأرضى المرأة بعد جدال طويل:
اشترطت عليه أن تركب هي، ويقود الناقة هو إلى القابل فرضخ للشرط، وفعلاً قادها حتى وصلها بيته قبيل الفجر.
فيا عجباً للأُسد تقنِصُها الظِّبى:: وكم ظبية صيدَت ونيل مرامها
وما أشبه قصتهما بما يروى عن الحجاج وهند، ولكن الحجاج مرغم على ذلك من قِبل الخليفة، وهذا مرغم من قبل الحب.
***
وجاء مرة إلى برزة السلطان سعيد بن سلطان، فدخل عليه، وكان عند قدومه هو وأصحابه لهم زجل، فسأل السلطان عن القادمين، فقيل له: إنه عيسى.
قال: لا يقدر عليها غيره.
فرحب به، وسأله عن حاله، فقال: ما رأيت الخير إذ أرى هذا الوجه بجانبك: يعني الشيخ محمد بن ناصر الجبري، وكان حاضراً في المجلس.
فأستغل الفرصة ناصر بن علي الغفيلي، فأخذ الشيخ الجبري نجياً، فقال له:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قبيلة في البدو تخص الحرث. (1/105)
صفحة 106
إني سمعت عيسى يحلف أنه يذبحك ولو في برزة السلطان، فتول في الحال عن الشر، وأنا ناصح لك.
فخرج الجبري من مسقط.
فقال ناصر: الآن استرحت .. سيقال لما وصل عيسى هرب الجبري، وما ذاك إلا لأن عيسى هناوي، والجبري غافري فقط.
والشيح الجبري هذا .. حكى لي عنه الشيخ سالم بن حمود السيابي - أبقاه الله - قال: محمد بن ناصر الجبري: طاغوتاً من طواغيت عُمان، وهو الذي جلب الشر إلى عُمان.
والسبب في ذلك:
أنه كان في يده حصن بدبد، وحصن سمائل. وهو يخدم بكل إخلاص السلطان: سعيد بن سلطان، وأخاه سالم بن سلطان، وكان خالهما، وفي أوامرهما، فساء تصرفهما فيه.
وذلك أنهما أرادا نزع الحصنين المذكورين من يده فاستعملا زهو الملك، فأرسلا إليه يطلبانه.
فقال له بعض نصحائه: إنهما يريدان بك سوءاً فلا تذهب.
فقال: ما كان ليفعلا، وليس هنالك داع إلى السوء، ولكن سوءَ التصرف وحب الملك.
فلما دخل من الباب قهره الرجال، وكبلوه بالحديد، وحملوه على حمار حتى وصلوا إلى فَنْجا. فطلبوا منه أن يكتب لمن في حصن بدبد أن يسلموا الحصن لأصحاب السلطان. فكتب. (1/106)
صفحة 107
ثم لما وصلوا سروراً، طلبوا منه أن يكتب لمن في حصن سمائل أن يسلموه لأصحابهم، فكتب.
ولما ظنوا أنهم تمت لهم الأمور، أرسلوا إليه أنك ممنوع من سكنى سمائل، فأختر إما مسكداً أو الحفري ..
فقال: أختار الحفري. ولكني أطلب منكم عشرة أيام اتخلص من التبعات. فأعطوه وراحوا عنه.
يقول الشيخ سالم .. وهذا إخلال بالحزم .. تحرشوا بالثعبان واستهانوا به. وفي المثل يقول الشاعر العربي:
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها:: فإن فعلت فأتبع رأسها الذنبا
لما خرجوا عنه ..
توجه إلى الطاغية الثاني، حميد بن ناصر العطابي فشكا إليه معاملة أولاد سلطان بن أحمد. فأعطاه حصن إزكي: فجهزه بما يحتاج إليه، وارتحل إلى نجد يتمثل بالمثل العُماني: اكفُر ولا تُغلب. فاستعان بأهل نجد فأمدوه بالرجال وكانوا يتمنون لو يجدون سبيلاً إلى ذلك فوجدوه. فعاث أهل نجد الفساد، وصاروا نقمة على أهل عُمان.
وستأتي أخبار هذا النجدي، وما جره من الوبال في عُمان، وما صار من الحروب الطاحنة فيها، وابتُلي بهم أهل عُمان بلاءً شديداً لا سيما حكام مسقط.
وذلك ثمرة سوء التصرف. والأمر لله.
وأخبرني الشيخ الرقيشي - رحمه الله - قال:
لما تمكن الجبري من حصن إزكي ودان له ذلك القطر، تجبر على الناس تجبراً شديداً، واتخذ عباد الله خولاً، (1/107)
صفحة 108
له أحاديث كثيرة في تسلطه على الناس. فمن جملتها على سبيل المثال:
احتاج إلى جذوع لحصن إزكي، فأمر العوامر أن يأتوا له بها من القلعة على رءوسهم، ولا سمح لهم أن يأتوا بها على الحمير، ولا يجدون بداً من الإمتثال، فكان واحد منهم أحس من نفسه قوة، وقال: أحمل جذعين، ليفرغ ما عليه من القسط. فلما رآه جاء بالجذعين معاً. قال: من أمرك بهذا؟
قال: أردت أن أسارع بتنفيذ أوامرك.
قال له: رد أحد الجذعين، وأت به في الغد.
فرده المسكين، ولم ينفعه اجتهاده، ومثل هذا التعسف كثير (ا هـ).
***
رجع إلى خبر عيسى بن صالح ..
ومرض ذات مرة .. فعاده ابن عمه عبدالله بن سليمان من المضيرب بعد المغرب، فسأله عن حاله، وماذا يشتهي؟
قال: لا أشتهي شيئاً من الأمل إلا أن يكون سفرجلاً وأنى لي به؟!
فقال عبدالله في نفسه: أظن أن في أرض إبن عمنا عمرو بن عامر، في سفالة إبرا يوجد سفرجل، فأنا أذهب فآتيه منه.
وكان عمرو بن عامر هذا، عنده شيء من علم الحرف وقد حمى بستانه بثعبان خياليٍّ يخاف من دخله من ذلك الثعبان. (1/108)
صفحة 109
ولكن عبدالله يعرف أن ذلك الثعبان لا يؤثر عليه، لذا دخل فأخذ السفرجل، ورجع إلى القابل، فوجد الناس الذين كانوا عند عيسى خرجوا يصلون العشاء، فناوله السفرجل.
فقال: ذهبت إلى إبرا وأنت على رجليك، ورجعت في هذا الوقت؟
قال: لو ركبتُ لما رجعتُ إليك في هذا الوقت.
فقال: اذهب لئلا يراك أحد، فتصيبك العين.
***
وكان له خادم .. فطلب عليه قميصاً للعيد.
قال: لا أجده، لكنك إذا أردتَ فأذهب إلى "الواصل" وأت بطاقة الأمريكان التي نصبت هنالك لمن يقحمها، فذهب الخادم، فوجد الطاقة نصبت كمَعْجَزة، من اقتحمها على طولها، وهي أربعون ذراعاً، طواها وحملها.
وبالفعل فقد تجاوز الخادم هذه المُعْجَزَة، وطوى الطاقة، وذهب بها إلى سيده، ولم يكلم الحاضرين.
وعبدالله بن سليمان الذي ذكرناه، كان من القوة بمكان، وهو صاحب الفرظ.
وسببه: أنه كان يطارد عدواً فالتجأ عنه إلى نخلة فرظ فضربه عليها فقطعهما جميعاً من ضربة واحدة.
وسبب انتقاله إلى بني عمه: أنه احتاج، فرهن السيف على فلج القابل. بواسطة وكيله، فعجز عن فك الرهن، فبقى مدى حتى احتاج الفلج إلى دراهم، فالتمس الشيخ (1/109)
صفحة 110
صالح بن علي هذه الدراهم ففك رهن السيف، وصار بيده، فنسب إليه (1).
وكان عبدالله هذا يتسوق من سوق مطرح ولا يركب، بل يمشي طول عمره، ولم يعهد عنه أنه ركب، وعنده حمار يحمل عليه متاعه، ويسوق أمامه، وهكذا شأنه.
وشعره الذي على بطنه وصدره وكتفيه استغنى به عن القميص.
وفي مرة من المرات وهو خارج من مطرح، قطع له في الطريق بعض اللصوص، فأرادوا أن يسلبوه، وكانوا جملة، فقعد لهم على أصل شجرة وشهر سيفه، وقال: من أراد أن تثكله أمه فليقرب، فحاولوا مدة طويلة أن ينالوه، ولكنهم فشلوا وراحوا عنه.
فلما أخبروا بذلك علموا أنه عبدالله بن سليمان، فجاءوا معتذرين، فأنكر هو أن أحداً اعترض له.
***
وكان رجل سابقي يهبط سوق " المضيرب " على جمل كبير. وكان إذا وضع حمولته في السوق وخرج، وتوسط بين النساء، يقفز على جمله من الأرض، وكان هذا شأنه.
فأخبر عبدالله بن سليمان عنه، فكمن له قرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني السيف الذي هو في يد المشايخ أولاد صالح يتوارثونه، وينسبُون إليه، فيقال للواحد منهم " راعي الفرظ ". (1/110)
صفحة 111
المكان، وقبض في يده قطعة جاعد (1). فلما قفز السابقي على الجمل، قفز هو بين كتفيه، واضعاً الجاعد تحته، فصاح السابقي:
قال له: لتعرف أنه يوجد من هو أقوى منك،
أنت تظهر شطارتك للنساء. فحلف أنه لا يعود مرة أخرى، ولا يركب إلا من خارج البلد.
***
وكان مشهوراً بشرب " السمن ". وكان يشرب المن المسكدي - عبارة عن أربعة كيلوات - يشربه دفعة واحدة. وربما استغنى به عن الأكل.
***
والتقى مرة بقيس بن أحمد في مطرح. فقال له: تعال نأكل حلوى فجاءا إلى بائعها، فأكل كل واحد منهما منَّاً مسكدياً:
فقال قيس: زدنا كل واحد نصف مَنٍّ.
فقال عبدالله: لكني لا أستطيع.
فبّزّه في أكل الحلوى. كما بز عبدالله قيساً في شرب السمن.
" يزيد في الخلق ما يشاء ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهو جلد كبش يستعمله العُمانيون فراشاً على الراحلة إذا ركبوها. (1/111)
صفحة 112
أخبار الشيخ عيسى بن صالح الأول
كان الشيخ عيسى من أهل الورع، والتحرّي للحق، ولإتباع السنة، كما وصفه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي بقوله:
" كان الشيخ عيسى أشدنا حرصاً على اتباع السنة " أو قال: " أحرصنا على إتباع السنة ".
وهذا القول سمعته بأذني منه - رضي الله عنه - ... وكان الإمام يعلم المتعلمين الصلاة، ويقول لهم: هكذا كان يصلي الشيخ عيسى.
ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل.
وسمعته أيضاً، وكنت في مجلسه يسأل الشيخ صالح بن عيسى بعد موت أبيه: هل يُرى على قبر الشيخ نور؟
فقال صالح: يُذكرُ ذلك، ولكني لم أره.
قال الإمام: إن أهل عُمان يقولون: إن النور على القبور كرامة.
وأنا أقول: إن الموت على الاستقامة هو الكرامة، والشيخ ممّن مات على الاستقامة، فليس معناه إذا لم ير على قبره نور، يكون ذلك نقصاً في كرامته.
ومن جملة ما سمعت من الإمام يحكي عن الشيخ نور الدين يقول:
يُؤتى للشيخ " بالنصلة " لينظر جودتها، فيرفعها إلى (1/112)
صفحة 113
أنفه، يظن من يراه أنه يشمها، وليس كذلك. إنما كان عند الشيخ بقية بصر لكنه ضعيف، ولذلك يقرب الشبح من عينه لينظره لا ليشمه.
وسمعته وقد سأله بعض تلاميذه عن الجمع بين الأختين المملوكتين، فقال:
اختلف فيها ابن عباس وجابر بن زيد، فواحد منهما أجازه اعتمادا على قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم}، ومنعه الآخر اعتمادا على قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين}.
قال سائله: فما ترجح أنت؟
قال: أقول لك .. اختلف فيها ابن عباس وجابر بن زيد، فما عسى أن يكون قول محمد مع هذين الحَبرين. ولك يجبه بغير هذا (ا هـ).
ويخبر الشيخ عيسى عن نفسه تحدثاً بالنعمة، يقول: ما عصيت الله بكبيرة تعمدتها من صغري.
وفي ليلة وأنا في شرخ الشباب، جاءني بعض الخدم، فأغراني على معصية - استفزني بها - فخرجت عنده، فلما كنت خارج البيت لدغتني عقرب. قلت: هذا إنذار من الله فرجعت عنه تائباً إلى الله وانتهرت ذلك الخادم.
وكان - رحمه الله - لا يأخذ إلا بأحزم الأقوال في الأثر، ولا يترخص إلا مضطراً.
حكى لي والدي أن أباه لما جاء من زنجبار، كان عنده دراهم لبناء مسجد من بعض المحسنين. وكان (1/113)
صفحة 114
مسجد العريق (1) مبنياً بالطين، فأستفتى الشيخ عيسى في أن يهدمه ويبنيه بالجص، فما أباح له ذلك.
قال له: لكن أباك أباح لي هدم مسجد دبيك (1)، وبنيانه بالجص، أيختلف هذا عن ذاك؟
قال: إن كان عندك فتوى من الوالد، فاستغن بها واتركني.
وكان إذا سئل عن شيء يطلب منه الترخيص فيه قال: اذهبوا إلى الإمام فهو الذي يرخص لكم، وزكَّى بُسْرَه في سنة واحدة مرتين، وذلك أنه لما حصده أخرج العشر منه، وانتظر به السعر، حتى حال عليه الحول، فكاله مرة أخرى، وأخرج منه العشر؛ أخذاً بالحزم.
ومن ورعه في الأحكام ... أنه حكم بين اثنين في بدية، ولما رجع القابل طالع المسألة، فوجد الحكم فيها كما حكم، فرجع إلى بدية مرة أخرى، وطلب اللذين حكم بينهما، فقال: جئت لأحكم بينكما بدلاً من الحكم الأول.
قالا: نحن راضيان بحكمك.
قال: لكني لا أرضى. فحكم بينهما بنفس الحكم.
فقيل له في ذلك فقال: حكمت على الأول بظن، وأنا أحكم الآن بيقين.
وحكى لي والدي قال: خرجنا معه من إبرا، وكنا جملة. فلما كنا في الطريق، طلب مني أن أصحبه؛ ليبيت في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العريق ودبيك محلتان في بلدة مضيرب. شرقية عُمان. (1/114)
صفحة 115
الغلاجي، ويصبح في غد مع أصحابه في المضيرب، فكرهتُ ذلك؛ لأن الغلاجي ذلك الوقت يهرب أهلها منها لشدة البرد، ولقلة الأبنية التي تقي عن البرد، لكن ما وسعني خلافه، فأنفردنا عن أصحابنا، ولما وصلنا الغلاجي قال: اتركني في المسجد، واذهب أنت حيث شئت، لا أراك إلا لصلاة الصبح.
وكانت الليلة شديدة البرد، ولا يكاد يوجد في البلد سوانا. وعرفت أنه أراد أن يستغل هذه الخلوة؛ ليبيت في مناجاة ربه. فذهبت أنا عنه حسب أمره، ولا يكاد أني وجدت مكانا أستكن فيه عن البرد.
وقبيل الفجر جئت بسراْج " بو سحّه " (1)؛ لنصلي على ضوئه الضعيف الصبح. فلما دخلت عليه، وجدته قائماً على المحراب ولحيته تقطر من الدموع والمخاط، وهذا ما كان يتمناه. لكنه عتب عليّ حين دخلت عليه، واطلعت على سره، ما كان يود ذلك، ولكني تحدثت بهذا بعده تأسياً به.
وكثير من أمثال هذا الصنيع ما يحكي عنه ملازموه في الإعتكاف، إذ هو لم يترك الإعتكاف حتى في حال مرضه الخفيف.
وماتت له زوجة في سنة من السنين، وهو معتكف، فخرج لتجهيزها والصلاة عليها، ولكنه لم يذهب إلى المقبرة.
وحسبما قدمناه أن أباه لما أُصيب أوصى عليه أن لا يقبل مشيخة الحرث. ولكن الشيخ نور الدين حكم عليه شرعاً أن يقبل، وأبطل الوصية فكان فيه الخير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سراج بو سحه: هو سراج يصنع من فتيل ووعاء أحكم غطاءه بالتمر المدلوك ويسقى الفتيل بالزيت. (1/115)
صفحة 116
ولما تولى المشيخة أرسل حالاً بكتاب إلى السلطان فيصل بن تركي يقول فيه:
" إنا لم نزل مرتبطين معكم بالذمة التي ارتبط بها الوالد ".
وارسل بالكتاب رجلاً مالكياً من مشاهير الرجال، فلما وصل مسقط وجدها ممتلئة من القبائل، وأكثرهم الغافرية فسأل: لم هذا الإجتماع؟
قيل له: إن السلطان بلغه موت الشيخ صالح، فأراد أن يدخل عُمان من طريق وادي بني رواحة، فعرف الرسول ما هنالك، وسلم الخطاب الذي جاء به إلى السلطان، فأعطاه الجواب في الحال.
فرجع إلى الشيخ فوجد الخبر وصل قبله، والشيخ مستعد لصد السلطان عن دخول عُمان، وقد جمع الأقوام. فجاء الرسول وكانوا ينتظرونه ليعرفوا الرد.
فلما فتح الشيخ الكتاب، وجد ورقة بيضاء ليس فيها رد. فتوجس السوء. ولكن الرسول كان مهذباً لما سأله عن الخبر في الحضرة.
قال: ليس هناك خبر، وليس عند السلطان أحد يذُكر، أو يستحق الإهتمام به. فأخذه الشيخ نجياً، فسأله عن الحقيقة.
فقال: إن مسقط ومطرح ممتلئة بقبائل الغافرية من الظاهرة إلى جعلان، بما فيهم آل وهيبة.
قال: لِمَ لمْ تخبرنا في الحضْرة؟
قال: خشيت بث الرعب في قلوب الضعاف. (1/116)
صفحة 117
قال: لله درك، ولذلك اخترتك رسولاً.
فأنتقل الشيخ بمن معه، وكانوا قلة لا تتجاوز الثلاثمائة، مع أن جنود السلطان ألفان وأربعمائة مسلحين بالصمع. وكانت قليلة في ذلك الوقت، ولم يكن عند صحب الشيخ شيء منها. وقد حكى ذلك شيخنا نور الدين في تحفة الأعيان. ولكني أذكر هنا ما لم يذكره. وبلغني خبره.
يقول الوالد حمدون بن حميد: كان بين سفرنا عند الشيخ صالح لما قتل في اللجيلة، وسفرنا عند عيسى شهر واحد فقط. في السفر الأول مررنا " بالعق "، فأخذنا لركابنا طعاماً من أرض على الطريق، وفي السفر الثاني، وجدناه واجباً فأخذناه. ووصلنا " سمائل " وطلبنا من أهلها المساعدة، والقيام معنا، لكنهم ما رضوا أن يخرجوا من بلادهم؛ يعتلّون أن السلطان لعله يقصد سمائل، وورَّى بغيرها.
وبعد الإياس منهم خرجنا بمن معنا من الشرقية، فقبضنا في مقابض وبال مدخل الوادي. وهنالك الطريق ضيق جداً، لا يستطيع أحد أن يمر به، وفي المقابض أحد يصده. فبات السلطان بمن معه من الجنود في سيجاء، وفي الصباح أمرهم بالقدوم على الوادي، وكانوا بمرأى منا: فضربناهم فماجوا وتلكأوا عن القدوم والرصاص ينتابهم، والسلطان على فرس أبيض يحرضهم ويصيح فيهم، لكنه بغير جدوى حتى ضربت الجحلة (1) من فمه وهو يشرب فصاح عليهم:
هيا أولاد الغافرية ... هيا أولاد الهناوية ... هيا أولاد الظروط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجحلة: وعاء من الخزف يبرد فيه الماء. (1/117)
صفحة 118
ولا فائدة من وراء ذلك وما شعر إلا والجيش منهزم فرجع، ولم يتم له قصد، وكان أو نصر لعيسى في أول مشيخته. ولعل السلطان توهم أن صالحاً لم يترك أحداً يقوم مقامه، فأراد أن يكشف المقام، فكشفه (ا هـ).
***
أخبرني والدي أن مما زاد الفشل في جيش السلطان في هذه القضية هو الحقد الذي حمله سلطان بن صقر النعيمي على السلطان.
والسبب في ذلك أن السلطان طلب أُناسَاً ليعاقبهم، فقربهم له سلطان بن صقر، على أن يعفو عنهم، ولكن السلطان أخلف وعده فسجنهم، فغضب سلطان. وكان هذا في وجه الثورة، وهو من جملة الجيش.
فقال لأصحابه: لا بد لي من أن أنتقم من فيصل ... وهو أنه إذا صار الهجوم، وأمر السلطان بالقدوم على المعترضين سأمزق أنا أكمامي، وأركض شاهراً سيفي.
فيقول فيصل: ما باله؟
فقولوا: إنه طبع فيه عند ملاقاة الخصوم، لا يبالي بالهجوم.
فيقول لكم: اقبضوه. فإذا قبضتوني كأنكم تردونني إلى الجيش، فردوني إلى خارج الجيش ونرجع منهزمين.
فإذا رأى الناس: ظنوها هزيمة، فأنهزموا. وهذه عادة في الجيوش، (1/118)
صفحة 119
فتم له ذلك على حسب ما خطط وتواطأ مع أصحابه، فأنهزم بثلث الجيش قبل الهزيمة. ولكل شيء سبب.
***
ولما هم (1) بالصلح بين الإمام والسلطان في دولة الإمام سالم، وناظر الشيخ نور الدين وافقه على ذلك. ولكن الإمام سالم لم يوافق، فتأخر حتى صارت دولة الإمام الخليلي فوافقه على الصلح، وكانوا في سمائل، فرأى الشيخ عيسى رؤيا كأنه يسوق جبلاً أمامه بعصاه، وذلك الجبل ينساق له. وانتبه، فقص الرؤيا على الإمام.
فقال له الإمام: أنا لا أحسن تعبير الرؤيا، ولكن منصور بن عبيد السليمي مشهور بالتعبير، وله يدٌ فيه، وأنتم الآن ذاهبون عندهم: والشيخ عيسى بن صالح الطيواني، فقص الرؤيا عليه واعتمد على ما يقول. فسبق الشيخ عيسى الحارثي رجل إلى منصور أخبره بالرؤيا، ونسبها إلى نفسه.
لكن منصوراً قال للرجل: أنت لا تقدر أن ترى مثل هذه الرؤيا، فقل لي من رآها؟
قال: أنا.
قال: لا، أنت لست من أهلها، فأنا لا أعبرها لك حتى تخبرني بالحقيقة.
قال: رآها الشيخ عيسى بن صالح الحارثي.
قال: الآن وقعت في محلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ عيسى بن صالح. (1/119)
صفحة 120
فلما جاء الشيخ عيسى وقص عليه الرؤيا، قال: إنك تحاول أمراً عظيماً سيتعبك، ولكنه في النهاية سيتم لك.
فكان تمام الصلح تصديقاً للتعبير. والصلح مشهور في التاريخ العُماني.
وذكرتني قصة الرؤيا برؤية زبيدة حين ترسل أمتها إلى إبن سيرين فيقول لها: لست أهلاً للرؤيا. (أ هـ).
وأخبرني عمي عبدالله بن سليمان قال:
لما اجتمع الشيخ عيسى بالسلطان تيمور بن فيصل في حال عقد الصلح. قال الشيخ:
وكان عندي الشيخ حمدان بن زايد الياسي.
فقال السلطان: إن أخل أهل عُمان بالشروط. أين يكون الشيخ عيسى؟
قال: فما أدركت أن أجيبه حتى سبقني الشيخ حمدان إلى الجواب فقال:
يكون الشيخ عيسى عند الحق.
قال الشيخ: فكان الجواب برداً على قلبي لمطابقته ما في نفسي.
قال: وسألت القنصل البريطاني في تلك الأيام، وكان حاضراً معنا، ما هذه المنافسة منكم على عُمان وهي بلد فقير قاحلة لا مطمع لأحد فيها؟
قال: إن عشتَ فسترى عُمان يباع فيها مربض الشاة بعشرة دنانير. (1/120)
صفحة 121
كل هذه الأخبار رويتها عن أبي وعمي اللذين عاشا مع خالهما الشيخ عيسى وروى لهما أخبار من تقدموه - رضي الله عنهم أجمعين -.
كما روى لي عمي عن أبيه:
أنه كان في زنجبار، فتوفيت زوجه، فسمع المقيم البريطاني عن وفاتها، فأرسل إليه تعزية يقول فيها:
" بلغني وفاة زوجك، فالحمد لله الذي أكرمها بوقوفك على قبرها، ولم يُهنْها بوقوفها على قبرك ".
كما روى أيضاً أن المساكرة أغاروا على مضيرب في ليلة من الليالي، وكانوا قد حلفوا أنهم لا يرجعون، حتى يقتلوا منها واحدا من أعيانها. فجاءوا إلى دروازة كشام فدقوا الباب، وحمد بن عيد السعودي الحارثي نائم كحارس، فأخرج رأسه من النافذة، ليعرف الطارق، ولم يأخذ الحذر، فأطلقوا عليه الرصاص فمات من حينه.
يقول الوالد سليمان .. فسمعت الضربة. فقلت: قتل ولد عيد. فخرجت، وكان في تلك الليلة مبتنياً على زوجة جديدة.
قال: وأرسلت خادماً ليلحقني الحصان من عند الوالد، وكانت ليلة سبعة عشر من رمضان، فنويت الفطر؛ لأني لا أعرف أين ينتهي بنا اللحوق.
يقول الخادم المرسل إلى الحصان: وجدت إخوة سليمان يتنازعون الحصان. كل يريد أن يمتطيه. ولكن أباهم لما وصلت أنا حكم بالحصان لسليمان، وقال لأولاده الآخرين: تصرفوا أنتم لأنفسكم. (1/121)
صفحة 122
يقول الوالد سليمان .. فخرج ذلك اليوم الحرث كلهم، والمساكرة كلهم، واجتمعوا في سيح الشخابيط شرقي إبراء. أما الغائرون المقاتلون فهم خمسة: كمنوا في جبل مقدَم قريباً من المضيرب واجتلد الفريقان من الصبح إلى العصر، فتعبوا تعباً شديداً، ولم يكونوا حسبوا للصوم حساباً، فلذلك تعبوا من شدة العطش، وحر القتال، وكان والدي وهو شيخ كبير ومعه الشيخ صالح بن علي: بقيا يتحسسان الأخبار غربي مضيرب. وكان والدي يضع خده على الأرض يسمع الضرب. وكان يقول:
هذا ضرب الحرث، هذا ضرب المساكرة. يفرق بينهما لقوة حذقه وتجربته، والمسافة بين مكان الضرب، والمكان الذي هو فيه قدر أحد عشر كيلو متراً أو أكثر.
فبدأت الفلول ترجع، وكلما مر عليهما أحد يقول: انهزم المساكرة.
فكانا يقولان: المساكرة لا ينهزمون، ولا نصدق أحداً غير سليمان.
فلما رجعت آخر الناس وجدتهما ينتظران بفارغ الصبر.
قلت لهما: ما انهزم المساكرة، ولا انهزم الحرث. إنما القوم ملّوا، وأتعبهم الصيام، وانصرف كلّ إلى جهة في لحظة واحدة.
وكان رجل مغربي حاضراً عند الواقعة، وهو يحدث عن الوالد سليمان يقول:
كان سليمان ينأى بحصانه جانباً عن ساحة القتال، (1/122)
صفحة 123
ثم يكر على الخصم فيضرب فيهم ما شاء الله، ثم يتبطن حصانه من جانب قومه، حتى يخرج عنهم، فيكر ثانية، وهكذا كان عمله: يا صالح إذبح الحرث وأطعمهم سليمان (1). (أ هـ).
ثم ضُرب حصانه عند العصر .. وهذا الحصان يسمى ربدان، وهو لأبيه، وله عنده شأن عظيم، كان يحبه كأحد أولاده، بل أكثر، ولا يرضى أن يتولى إطعامه غيره.
وكان في بعض الأيام مريضاً، فقال لولده عبدالله: اذهب فأطعم الحصان. وكان من عادة الحصان يمازح من يقربه، فيهوي إليه فيعضه عضاً خفيفاً، ففعل كعادته، ولم يكن عبدالله يعرف منه ذلك من قبل، فرجع وأخذ العصا من تحت رأس أبيه، فضرب الحصان حتى تأثرت ثم ردها مكانها، فلما رآها أبوه بعد ذلك غضب غضباً شديداً وقال له:
من مرة واحدة طلبتك فيها أن تكفيني، ففعلت فعلتك الشديدة. تعال انظر، فكشف له عن عضده، فإذا كله قروح من أثر العضاض.
يقول: إذا لم نحتمل هذا الحصان الكريم، ونغتفر له ذنبه لا خير فينا، وفي المثل: أقيلوا عثرات الكرام.
فما اكتفى بعدها بأحد يطعمه، فكان يتجلد حتى في مرضه، فيذهب بنفسه لإطعامه وسقيه.
ومن حكايات هذا الحصان ..... أنه ذهبت إليه ذات يوم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنفق جُلْ أمواله في حياته وأوصى بعد مماته بكثير منها ينفق ضماناً عنه فيما لعله أصاب من دم حرام. (1/123)
صفحة 124
أمة لتناوله العلف، وهي كاعب قد بدا ثدياها، فمازحها الحصان حتى قطف بضرسيه أحد حلمتيها. (أ هـ).
ترك الشيخ الحصان بعد ضربه في سفالة إبرا يعالج فيه تلك الضربة، وبعد مدة كاد أن يبرأ. فمرت عليه أمة حائض مشهورة بآفتها على الذي تمر عليه في حال حيضها. فكانت تفسد الطعام إذا مرت عليه في النار، وتفسد الزرع، وتنكئ الجروح. فمرت على هذا الحصان، ولعلها استؤجرت لذلك، فبمجرد ما مرت عليه انفقأ ذلك الجرح، وخرج الدم يثعب بقوة، فما انقطع حتى برد الحصان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهذه من آفات دعوة التقسيم إلى غافرية وهناوية (1).
ولقد ذهبت بذهابها العزة والنخوة العُمانية العربية، ولم يكد يسلم منها أحد، فمن لم يُقتل أو يَقتل، فإنه يحارب بقلبه ولا يسلم.
هذا الشيخ جمعة بن سعيد المغيري ... كان من علماء وأفاضل أهل عصره. وكان الشيخ صالح يُجله، وإذا حضر في مجلس لا يستبد برأي دونه؛ لما عرف من فضله.
ومع هذا كله كان يقول:
ما علمت أني عصيت الله متعمداً منذ صغري فيسألني الله عن هذه المعصية، اللهم إلا أن يكون الله يسألني عن ميلي إلى المساكرة .. إذا أصابهم مكروه حزنت، وإذا أصاب الحرث فرحت، مع أني لا أتبعه بالحقد، ولا بالرضى عن المعصية والبغي.
وكان مشهور عنه ........ لا يقر جماعته على البغي، ولا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا أحيا الله لها ذكراً. (1/124)
صفحة 125
يساكنهم عليه، ودائماً ينتقل من بلاده ضجراً منهم، وهروباً من الدخول فيما لا يرضي الله.
سكن جعلان وأجرى فيها فلجاً، وسكن وادي سمائل وأجرى فيها فلجاً، وسكن الظاهر من بدية وشارك في فلجها، وعاش بها حتى مات وصارت له تلك الكرامة في الرؤيا التي سبق أن ذكرناها - رحمة الله عليه -.
ومن أفذاذ الرجال المشهورين: الشيخ سالم بن عمير بن حنظل المعمري الحارثي: ابتُلي في الخوض في دعوى الباطل: غافري، وهناوي: فقتل رجلاً هاشمياً من أهل الكامل، وبعد ذلك أظهر التوبة، وأراد الخلاص من الضمان، فركب إلى أولاد المقتول، وحمل ألف قرش. وقال لهم:
أنا قتلت أباكم، لكم أن تقتلوني فأنا حاضر أمد رقبتي لسيوفكم ولكم أن تأخذوا الدية مني، وهي حاضرة، ولكم أن تعفوا عني، والنظر إليكم في الثلاث، وأنا بين أيديكم تتشاورون.
واستحيوا منه أن يقتلوه، واكتفوا منه بالدية، وأبرأوه، فلما خرج عنهم تلاوموا، فلحقوه، وقالوا: نحن عزمنا على قتلك، لا نريد الدية.
قال: ليس لكم ذلك الآن، فقد أخذتم حقكم، فإن حاولتم قتلي دافعتكم، وستكونون باغين عليّ، إما لكم أو عليكم.
*** (1/125)
صفحة 126
فلما سمعوا منه ذلك رجعوا عنه.
وهمّ أهل سفالة إبرا أن يحدثوا سوقاً جديدة، في وسط حارة المنزفة غير الأول الموجود في البلد، وذلك مراغمة للشيخ صالح بن علي، وكان سالم بن عمير هذا ممن سعى في ذلك، فبلغ الشيخ صالحاً أمرهم.
فقال للوالد سليمان بن حميد:
أذا أتى سالم إلى مضيرب فأخبره أنه خلع الطاعة، وفرق الجماعة، فلا نقبل له شهادة.
وكان لسالم بيت في إبرا، وبيت في مضيرب. فجاء إلى مضيرب بعد العشاء الآخرة، فلقيه الوالد سليمان، وأخبره مقالة الشيخ صالح.
قال: فوالله ما أنزل عن فرسِهِ سرجها، بل كر راجعاً إلى إبرا.
وفي الطريق فكر في الحيلة التي يرجع قومه بها عن قصدهم. فصلى الصبح معهم، فأستغربوا لما رأوه، فسألوه عن رجوعه.
فقال: فكرت في أمر مهم، فرجعت بسببه، وهو هذا السوق الذي ليس لكم فلاح في وجوده بين بيوتكم؛ لأنه كما تعلمون أنه سيكون بمنزلة السجن لكم ولنسائكم. وتعلمون أن البيوت كلها منافذ؛ فالسفهاء ممن يردُون السوق، ستكون عيونهم شاخصة إلى البيوت، والسفيهات من ذوات البيوت سيتطلعن إلى السوق من المنافذ، وهذه كارثة لم نتدبر فيها، ذكرتها وأنا في الطريق فرجعت إليكم قبل أن تحدثوا أي شيء. (1/126)
صفحة 127
وتركهم ملْتبساً عليهم أمرهم، وقد سوغوا رأيه، وعرفوا ذلك أنه صواب، فأستطاع الشيخ العبقري أن ينفذ رغبة الشيخ صالح، وأن لا يكون ساقط المنزلة عنده، وأن يسلم مع جماعته ومن عداوتهم إذا عرفوا أن هذه رغبة الشيخ صالح، لأن ضالتهم المنشودة نكاية الشيخ.
وقد ذكر بعضاً من دهاء الشيخ سالم: شيخنا نور الدين في تحفة الأعيان، حين ذكر أنه أخرج بني رواحة من حصن الرستاق بدهائه وحيلته.
والمنزفة .. حارة من حارات سفالة إبرا، وكان أهلها أغنياء، كل بيوتهم بالجص والحصا، من طابقين وثلاثة. وكان أكابر أهل الحارة كلهم على أربعة بيوت، كل يوم يطعم الحارة وضيوفها بيت من هذه الأربعة، ولا يسمح لأحد أن يطبخ في بيته. وقد اتفقوا على ذلك، وسارت بهم السمعة، فبطروا بالغنى، وجاهروا الله بالمعاصي.
أخبرني والدي أن الشيخ صالح بن علي: هجم عليهم ذات ليلة، وهم في سبلتهم مجتمعون، فدخل عليهم على غرة منهم، فلما رأوه استحيوا، وخرجوا من السبلة. فقام الشيخ يتدبر فيما تركوه، وكانوا قد أحضروه للهوهم. فوجد شيئاً يحار منه العقل، من آلات الخمر والدخان، وأنواع الملاهي المرصعة بالذهب؛ تباهياً بالغنى، وبطراً بالنعمة.
قال: فلما رأى الشيخ ذلك بكى، وقال لمن حضره من أصحابه: (1/127)
صفحة 128
لئن عشتم سترون هذه الحارة خراباً، وبيوتها متهدمة يسكنها الغرباء الذين ليس لهم مأوى. وخرج وهو في حزن عظيم.
قلت: ولقد رأينا ذلك في هذه الحارة، ولا تزال البيوت الكبيرة خربة، حتى كتابة هذا التاريخ.
والمؤمن يرى بنور الله، ويستضيء بدلائل القرآن من سنة الله في مثل هؤلاء. (ا هـ).
***
ونعود إلى ذكر الشيخ سالم بن عمير .. كان من جملة المهاجمين للسلطان فيصل في بيت العَلَم، فظفر به السلطان، فضربه وكسر رجله، لكنه عفا عنه فعاش أعرجاً. ودخل عليه بعد مدة، ولما كان جالساً عنده: أمر السلطان ولده تيمور فجاء ليخرج، فناداه وقال له:
أخرج من باب أبيك سالم بن عمير الذي هجم علينا منه، ويقول:
اضربوا الكلب، فهو كما يقول العُمانيون: مزاح وضرب رماح.
فأستحيا الشيخ سالم، ثم قال له السلطان: لا عليك، لكن أخبرني ما الذي استفدته في تلك المرة؟
فأشار إلى رجله، وقال: هذا العرج، وهو من عضة الأسد. وكان الملوك الأوائل يخالطون الرعية، ويمازحونهم، ويدخلون عليهم في مجالسهم، بل وحتى في السجن إذا سجنوا أحداً. (1/128)
صفحة 129
كما يحكى عن السلطان تركي بن سعيد: لما قبض على كثير من أكابر أهل عُمان وسجنهم، سار إليهم ليضحك عليهم.
فقال واحد منهم وهو ولد مدهدم الحسني: يا تركي يا قليل المروءة، بعد أن ساعدناك على أخيك، تجازينا بمثل هذا!
قال: خوف أن تلعبوا بنا مرة أخرى، وضحك، وخرج عنهم.
وكانوا كثيري العفو عن أهل الجنايات: كما يحكى عن السلطان فيصل بن تركي، أنه لما وقع عليه الهجوم في بيته، عجم عليه رجل شبلي أو دويكي يسمى سديك، وهو من بدو الحرث. وهناك مرآة كبيرة في الجدار، بدت فيها صورة السلطان، وكان خلف سديك، فهجم سديك على المرآة وضرب صورة السلطان بخنجر، فقبض عليه السلطان من ورائه أسيراً.
ثم قال له:
خذ هذه الذخيرة، وارجع إلى قومك، فقاتل معهم.
وما أكرم العفو وألذه في قلوب الأحرار، ولأنه لو قتله لكان ليس بغريب، ولم يذكره أحد، ولكن الغريب العفو عن مثله، وزينة التاريخ به.
وما أشبهها بقضية إبراهيم المهدي مع المأمون حين قال له:
" يوجد مثلك قتل مثلي، لكنه لا يوجد مثلك عفا عن مثلي ". (1/129)
صفحة 130
فصارت غرة في جبين التاريخ.
والمأمون يقول " لو علم الناس ما حبب إلينا من العفو، لتقربوا إلينا بالجنايات ". (أ هـ).
وهاجم سديك بعد ذلك مرة أخرى بيت السلطان، فوقع في كمين فيه بنو بوعلي فأسروه، وأرسلوه إلى السلطان، وقالوا له:
هذا سديك عادة مرة أخرى. فأقتله، فلا يفلت من يدك.
فلما وصل إلى السلطان ضحك وقال: لو أرادوا له قتلاً لقتلوه بأنفسهم، لا أكون ألأْمهم، بل أكون خيراً منهم، خذ ذخيرة وأرجع إلى أصحابك.
ولما زار شيخنا نور الدين السالمي السلطان فيصل: أكرمه وأحترمه وكان الشيخ قاصداً للحج فزوّده. يقال: بأربعمائة قرش، فيقال إن الشيخ اشترى بها كلها كتباً من مكة.
وعاتبه قائلاً: بلغني أنك تريد أن تنصب إماماً.
قال: نعم، إن كنت لها فمد يدك.
فسكت.
وجاء السيد تيمور يقوده: فهوى الشيخ على أذنه ليفركها كما هي عادته في الأولاد، يتفرس فيهم من آذانهم، فقفز تيمور عنه وقال:
بلغني أنك تعرف الرجال من آذانهم، فأنا لا أحب أن تعرفني. (1/130)
صفحة 131
ولما جاء الإمام سالم بن راشد وأخوه ناصر؛ ليدرسا عنده - وكانا لم يبلُغا الحلُم - أقعد واحداً عن يمينه، والآخر عن شماله، وفرك أذنيهما، ثم قال: سيكون لأحدهما شأن، والآخر سيكون عالماً.
فالعالم هو ناصر، والذي كان له شأن هو سالم، إذ صار إماماً بعد ذلك وعالماً.
ويقال .. والله أعلم بحقيقة هذه القصة:
أن السلطان فيصل، ذهب ليودع الشيخ نور الدين عند سفره إلى الحج إلى الباخرة، وصعد عنده حتى أوصله ظهر الباخرة ورجع عنه.
فيقال: إنه قد تواطأ مع أصحابه أنه إذا كان في درَج المركب، يقود الشيخ بنفسه، فيجعله في جانب البحر، ثم يدُعَه دعّة قوية، فيسقط في البحر، فيكون قد شفى غيظه منه، ولما لم يفعل سأله أصحابه لِمَ لَمْ تفعل؟
قال: رأيت أنه لا يصل إلى البحر قبلي، فخشيت على نفسي.
وما يلتحق لما ذكرناه سابقاً عن الشيخ نور الدين من روايات الشيخ الرقيشي قال:
لما كان الشيخ نور الدين في سمائل والإمام حاضر، وذلك عند فتحهم لها، جاء رجل فجلس أمام الشيخ وقال:
لي على فلان حق ما رضيّ أن يعطيني إياه.
فلم يجبه الشيخ .. فسئم وقام.
وجاء في اليوم الثاني، ففعل مثل ذلك، وجاء في اليوم الثالث وقال قوله ذلك. (1/131)
صفحة 132
فقيل للشيخ: هذا الرجل له ثلاثة أيام يجلس أمامك، فيشتكي، فلا ترد عليه.
قال: ما أشتكى، وإنما أخبرنا أن له حقاً فإن كان مشتكياً فليعدل شكواه. والحاكم لا يفتح لخصم.
***
وقال: سمعت الإمام الخليلي يقول:
لما كنت أتعلم بالقابل نويت صياماً واعتكافاً في المسجد، وفي الضحى دخل عليّ شيخي نور الدين فتذاكرت معه ملياً، ولما قام أخذ بضَبُعي، وقال:
هلم أبا عبدالله إلى البيت؛ ولحبي مذاكرته، وأنسي بقربه، تناسيت الاعتكاف، وخرجت معه إلى البيت، وأمر بإحضار القهوة وقال لزوجته:
عندنا أبو عبدالله، فأصنعوا سيويا.
قال: ولما حضرتْ أكلتُ منها نزولاً على رغبته، ونويت أني أبدل ذلك الاعتكاف والصيام.
فتحينت فرصة، فنويت البدل، وقعدت في المسجد، والقصد من ذلك أن أتفرغ للقراءة. فإذا به يأتيني، مثل المرة الأولى، وقعد عندي يعلمني ملياً، حتى إذا هم بالقيام أخذ بضَبُعي كذلك. فلما كنت عند الباب أخبرته أني معتكف، فأطلقني وسار عني.
وكان من عادة الشيخ نور الدين أن يفسر القرآن ما بين العصر إلى المغرب في حلقة يحضرها تلاميذه.
يقول الشيخ الرقيشي عن الإمام الخليلي:
فكان ذات يوم يفسر قوله تعالى: (1/132)
صفحة 133
{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}.
سورة الكهف، الآية 109.
ففسر " كلمات " " بمعلومات " ربي، وكان في الحلقة الشيخ: عيسى بن صالح.
فقال أيها الشيخ: هذا التفسير عمن؟
فغضب الشيخ، وكان له عصا سوداء، إذا غضب ضرب بها الأرض.
قال: إن لم يكن عن أحد، أليس مقبولاً عني؟
فلم يراجعه أحد لهيبة مقامه.
ومثلها: وقد عرض عليه حكم من بلدة سناو يقال فيه: أن رجلاً يريد أن يبني مخاضة على ساقية الفلج، فعارضهُ أهل الفلج، فما رأيكم في ذلك؟
فقال الشيخ لتلميذه: أبي الوليد، اكتب الجواب: وكان الشيخ عيسى حاضراً، فقال: " لله العجب، حكم في يناو، يحكم به في القابل وهو نظري ".
فقال الشيخ لأبي الوليد: أمسك، وفكر قليلاً.
ثم قال: صحيح ما قاله عيسى، لا ينبغي أن نتكلم في مثلها إذ هي مسألة نظرية.
وأخبرني الشيخ الشامسي، قال: كان الشيخ السالمي (1/133)
صفحة 134
جالساً بجنب الإمام: سالم: ذات مرة، فجاء رجل وقف عليهما:
فقال أيها الإمام: فصفعه الشيخ السالمي صفعة دار منها رأسه، فخرج بائساً.
فسأل الشيخ: لم فعلت ذلك؟ والرجل لم يفعل ما يستحق تلك الصفعة منك؟
قال الشيخ: تلك الصفعة رحمة له، وإلا سيجلده الإمام ثمانين جلدة. فأيهما أخف؟
معناه: أن الرجل جاء ليقذف رجلاً بالزنى.
فَسُأل الرجل بعد ذلك عن غرضه من الإمام.
قال: أردت أن أخبره عن فلان أنه زان.
فسبحان الله: من أين عرف الشيخ ذلك؟
وأختصم إليه إثنان في بعير لأحدهما، هجم على ناقة للآخر فكسرهما فحكم بينهما، فلما خرجا قال لأصحابه: " هذان جنيان ". فخرج أصحابه في أثرهما، فلم يروهما.
فكان والدي يتحدث بهذا الحديث قرب سعيد بن الشيخ، وقد صرع، فقال الجني الذي صرعه: أنا واحد من الاثنين اللذين اختصما على الشيخ، جئنا من جبل قاف ". أ. هـ.
وكان رجل حجري يسمى حموده، أرسل إلى الشيخ نور الدين أربعمائة قرش.
وقال: هذه هدية.
وكان هذا الرجل مشهوراً بالبخل، وبمعاملته في الربا. ففهم الشيخ أنه يقصد من هذه الهدية شيئاً. (1/134)
صفحة 135
فقال لابنه الشيخ أبي بشير: احفظ هذه الدراهم حتى أطلبها منك.
فجاء بعد مدة حمودة هذا، ومعه غريم يختصمان عند الشيخ في قضية.
فقال للشيخ: أنا حمودة يا شيخ.
قال: أنت حمودة؟
قال: نعم.
فصاح الشيخ بولده: يا شيبة: - وكان يلقبه بذلك - أحضر الكراع بدراهمه، فأحضره.
فقال لحمودة: اقبض هديتك قبل كل شيء.
قال: ما هذا يا شيخ؟ لا تفضحني. أنا ما أعطيتك إياها لأجل شيء.
قال: لكني أعرف طويتك، فأقبض عني هديتك، وأذهبا إلى غيري ليحكم بينكما.
وحمودة هذا: جاء مرة إلى: حمد بن علي الصائغ في بلدة مضيرب.
فقال له حمد: أود أن تقرضني مائتي قرش، أردها إليك عند اليسر.
قال: أقرضك على شرط: إذا جئت سوق مضيرب: آخذ من السوق حوائج قليلة من قيمة الخمسة قروش فنازل، تدفعها أنت مقابل القرض إلى أن تردها كاملة برأسها، والبطء والإسراع منك في الأداء.
قال: نعم. (1/135)
صفحة 136
فصار هذا شأنه لمدة طويلة، وحمد يكتب فيدفعه. حتى إذا أكمل رأس المال امتنع عن الدفع.
وقال: هذا حسابك، وقد أخذت حقك.
فأضطرب حمودة متمسكاً بالشرط، وهم أن يشتكي منه، وصدفة زار المشايخ: نور الدين وعيسى: الصايغ: في منزله وكان دائماً يغشاه أهل الفضل، وحمودة كان حاضراً.
فقام الصايغ فجلس أمام الشيخين.
وقال: أنا تائب إلى الله على أيديكما، فأشهدا من المعاملة التي عاملتها حمودة الحجري: وقص عليهما القصة.
فقال الشيخ السالمي: أنا أعرف حمودة: أنه يأتي بهذه الترهات، وأنه لا يبالي بمكسبه من أين اكتسبه، فيستحق الأدب.
وحمودة يسمع الكلام، فتضاءل من مكانه، وخرج، وخشي أن يقدم دعوى على الصايغ.
وكان من عادة الشيخ نور الدين إذا أصبح أن يسأل تلاميذه: من منكم رأى رؤيا؟
وكان من عادته أيضاً إذا قعدوا لقراءة القرآن، قال لأصحابه: ليفكر كل واحد منكم أثناء القراءة في آية من الذين قرأناه؛ وليبحث عنها بعد القراءة، حتى تكون سبباً للتعليم وحصول الفائدة.
وكان من عادته أنه لا يقنع بالشيء إلا بصحة لا يحوم حولها الشك: (1/136)
صفحة 137
ومن ذلك: أنه انتقد على: الوالد عبدالله بن حميد الحارثي: تصديه للطب.
وقال: من أين لك هذا العلم؟ لعلك تتعرض لإساءة الناس: حتى ابتلاه الله بقروح في رأسه، آذته، وبقيت فيه مدة طويلة.
فقال: ربما نجرب طب عبدالله بن حميد.
فسأله عن ذلك: فوصف له طلاء من مركبات سبع، كلها حارة الطبع كالقرنفل والقرفا والزنجبيل ... إلا السابعة فهي باردة: وهو الشعير.
يمزج الكل، فتطلى به القروح. فما احتاج إلى أكثر من ثلاث مرات، حتى رأى الصحة دبت فيه، وكانت سبباً لشفائه.
فسأله: لم اخترت هذه المركبات، وكلها حارة إلا واحدة باردة؟
قال: الدواء في المركبات الحارة، أما السابع فليس فيه دواء، إلا أنا وضعناه لتبريد حرارة تلك المركبات؛ لأنك لا تطيقها لو لم نبردها. فأقتنع الشيخ، ورضي عن طبه واعترف له.
وكتب إليه إبن عمه الشيخ محمد بن شيخان السالمي: أني امتدحت السلطان فيصلاً بقصيدة أعطاني عنها أربعة آلاف قرش، أو أربعمائة قرش (1).
فرد عليه الشيخ نور الدين: علمت ذلك من كتابك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشك مني. (1/137)
صفحة 138
وأعلم أنه لو أعطاك بكل بيت ألفاً. لكنت أنت المغبون.
فأنتهز الشيخ الشاعر الفرصة فذهب إلى السلطان وأراه الكتاب.
وقال له: هذا ما يقوله أخونا السالمي، وكأنه يعرض بطلب زيادة.
فقال له السلطان: أنت تدري ما يعنيه أخوكم السالمي:
معناه: أنت المغبون في دينك لا في دنياك، لأنه لا يجيز مدحنا.
لكن: ما الذي قلته أنت فينا، بعد الذي قلته في صالح بن علي الحارثي:
ففي تاجه العليا وفي وجهه التقى:: وفي كفه النعمى وفي سيفه النقم
فالقصيدة التي يشير إليها أنه امتدح بها السلطان هي الهائية التي مطلعها:
شمس من الأنس صار الحسن هيكلها:: اهدت إليه النهى طوعاً معولها
ومطلع القصيدة التي امتدح بها الشيخ صالح بن علي، هو قوله:
تبلج صبح الحق من مطلع الهمم:: فسبحان من أفنى به حلة الظلم (1/138)
صفحة 139
ذكر شيء من أخبار الشيخ الطبيب
عبدالله بن حميد بن عبدالله الحارثي:
كان هذا الرجل بارعاً في كل شيء، لا يخط له غبار، موهبة من الله له، ما عرضت عليه شكية إلا وصف لها علاجاً، وأكثر علاجه بالعقاقير، فأنتفع به خلق كثير في زمانه.
وكان يعرف العلة في الإنسان بالحدس حين يراه من قبل أن يشتكي له، يعرف علته وسببها.
فيصف له علاجها. وما خرج من عنده أحد إلا وقد أنتفع، وله قضايا كثيرة من هذا النوع. وأعطاه الله علماً امتاز به عن سائر الناس، وهو: معرفة الإنسان بعلامات يستدل بها أنه يموت في خلال أيام. وإن كان في ظاهر الأمر صحيحاً قوياً.
فمن ذلك: لما عزم الشيخ نور الدين السفر إلى الحمراء قاصداً الشيخ ماجد بن خميس العبري، ليحل الخلافات الواقعة بينهما في شأن وقف القبور، لأن من رأي الشيخ نور الدين: أنه لا يصح الوقف للقبور. وأن الدولة أولى به، وأمر بأن يباع وينفق في عز الدولة.
فأعترض الشيخ ماجد قائلاً: إن هذا تبديل للوقف، ولا يصح ذلك وصارت بينهما مراسلات كثيرة.
وأخيراً أظهر الشيخ ماجد أنه ساخط على الشيخ نور الدين، وربما سخطه يفضي إلى فرقة.
ولجلالة قدره عند المسلمين: رأى الشيخ نور الدين أن يسعى إليه فيقنعه بالأدلة التي عنده تطييباً لنفسه. (1/139)
صفحة 140
ولما كان في بلدة قرب: تنوف، اعترضته ركنة أمبا، فسدعته من فوق ناقته، فانكسرت رقبته، وكانت سبباً لموته - رضي الله عنه -.
والغرض من هذا الاستطراد: أن نذكر ما قاله عبدالله بن حميد فيه قبل موته:
كما حدثني والدي: قال: سمعنا أن الشيخ السالمي في القابل في طريقه إلى الحمراء خارجاً من الظاهر، فذهب الآباء ليسلموا عليه، وكنت معهم، وأنا يومئذ في سن السادسة عشرة فدخلنا على الشيخ وجلسنا عنده، وبعد أن سلمنا عليه استأذناه؛ لنسلم على الشيخ عيسى.
فلما خرجنا من الباب وجدنا الشيخ عيسى قادما إليه.
فقال له الآباء: نحن قاصدون التسليم عليك.
قال: وأنا سمعت عنكم فقصدتكم. انتظروني أسلم على الشيخ ونذهب سوياً.
وكان عنده الشيخ: سليمان بن سنان العلوي، فتأخر عن الدخول، فقال له الوالد عبدالله: ادخل تمتع من رؤية الشيخ، وكلنا ينبغي أن نتمتع برؤيته؛ لأننا سوف لن نره بعد هذه المرة.
وهذا آخر لقاء به، وكان الشيخ يتمتع بصحة جيدة.
فوقع ما وقع على الشيخ.
ومثلها وقد مر الشيخ: أحمد بن سليم العريمي في المضيرب، في طريقه إلى صور وطنه. (1/140)
صفحة 141
وكان والياً للإمام سالم بن راشد على بلدة سمد الشأن وما حولها.
وبعد ما خرج من عندهم. قال الوالد عبدالله: هذا الرجل لا يعود من صور.
وهذه آخر أيامه.
وفي تلك الليلة التي بيت فيها في بيته في صور: دس عليه والي السلطان من قتله - رحمه الله - وكان هذا العريمي سيف دولة، لدولة الإمام سالم.
وكان صلباً في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم.
وعانده في ولايته الشيخ: سعود بن علي الحبسي: وكان مسئولاً في جماعته، متكبراً باغياً، فطلبه الوالي فما رضي أن يلبي، واحتقره وقال: من هذا الوالي الذي أتنازل أنا إليه؟
قال راوي القضية: فقال الوالي لمن حضر: إذا رأيتموه ماراً في الطريق فأخبروني.
وكان عند سعود ناقة فارهة إذا ركبها لم ير أحد مثله.
وكان ذات يوم خارجاً من الفتح إلى الروضة، أو بالعكس.
وكانت طريقه تحت بيت الوالي. فأخبر عنه، فنزل ووقف على الطريق.
فلما حاذاه سعود صرخ عليه أن انزل عن الناقة، فنزل.
فقال: الشرع يأمر بسجنك، فأمتثل، ودخل السجن دون إبداء إي معارضة، ولا كلمة. (1/141)
صفحة 142
فسئل بعد ذلك فقال: رأيت الموت في وجهه، فما قدرت أن أبدى شيئاً (1).
ومما حكى عن الوالد عبدالله بن حميد، وقد جاء الوالي: سليمان بن سويلم: خادم السلطان إلى الشرقية، فنزل ضيفاً على الشيخ: عيسى بن صالح الحارثي: ولما أراد الرحيل صحبه جملة من الأعيان، منهم الإمام: محمد بن عبدالله الخليلي:
وكان آنذاك يتعلم في القابل.
وأهدى بعض أعيان الجماعة إلى السلطان سيفاً، حُلّي غمده بالذهب، أرسله إليه مع هذا الوالي.
وفي حالة توديعهم من القابل: قال الوالد عبدالله لسعيد بن سليم أحد المرافقين: " ليكن نظرك على هذا السيف: أظن أن سليمان بن سويلم لا يصل مسقط، بل يموت في الطريق. فماذا مات فأحفظ السيف حتى ترده لصاحبه ".
فلما كان الركب بوادي العق أطلق على الوالي رصاصة من فوق الجبل، فقضى نحبه في حينه.
ورجم في مكانه، وما كان هم سعيد إلا أخذ السيف.
فأخذه ورده إلى صاحبه، وذكر قصة قتله شيخنا نور الدين في تحفة الأعيان.
وهمّ مصاحبوه أن يطالبوا بخفارتهم كعادة القبائل، فمنعهم الشيخ السالمي، وقال: لا خفارة لكم. فما اكتفوا منه حتى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قلت: هو سر الحق، إذ الباطل لا يفوه في وجهه. أ. هـ. (1/142)
صفحة 143
أرسلوا سؤالاً إلى قطب الأئمة: محمد بن يوسف في وادي ميزاب بالجزائر، فكان رده موافقاً لرد الشيخ. أ. هـ.
وحكى عن الوالد: عبدالله أنه جاء إليه رجل من أهل الجبال بأخيه مريضاً مدنفاً، فوصف له دواء عن علته، وقال للمريض: لا تتكل على أخيك، احفظ دواءك بنفسك. فلما خرجا من عنده، قال لأصحابه: هذا المريض سيبرأ. ولكن الصحيح سيموت دون بلده. ولذلك أوصيت المريض أن يحافظ على دوائه بنفسه. أ. هـ.
وحضر ذات يوم عنده جماعة يركبون حميراً، قاصدين بلدة لزق ومن ضمن تلك الحمير حمارة يقبضها لصاحبها اثنان حين يركب.
فقال هو لراكبها: خذ حذراً منها أن تسقط بك.
وقال لأصحابه: هذه الحمارة لا تصل لزقاً. ستموت دونها.
استغربوا من كلامه، وكانت أقوى وأنشط تلك الحمير.
فلما كانت على مشارف البلد، خرّت صريعة، وماتت في الحال، وأردف صاحبها أصحابه. أ. هـ.
وأصابته قرحة في ركبته، ولم يداوها، فقيل به في ذلك.
فقال: إن هذه القرحة أرسلت لتقتلني، وما كنت قاتلاً لقاتلي، فكان الأمر كما قال، فما برئ منها حتى مات. (1/143)
صفحة 144
وله في الطب غرائب وعجائب، لا نحصر كل ما سمعناه عنه، وقد إمتاز بقوة الشم الخارق.
يحكى أن امرأة لها بنت سداسية، ابتليت ببخر الفم، حتى أنها تؤذي جلسائها، فجاءت بها إليه، فلما كانت عند الباب الخارجي شم تلك الرائحة، فصاح عليها: أن قفي مكانك وقولي ما عندك. وكان يتحاشى الرائحة الكريهة.
فوقفت المرأة بعيداً عنه، وأخبرته ببلاء بنتها.
فقال: أمضغيها السعتر مدة أيام، سيذهب عنها البخر إن شاء الله.
وعنده أمة تطبخ له أكلاً، وذات يوم أقبلت الأملة حاملة الأكل. فلما كانت عند الباب الخارجي، صاح عليها: قفي مكانك: ما عندك من الأكل؟
قالت: أدام (مرق ولحم).
فقال: أهرقيها، ولا تقربيها مني، فأستغربت الأمة، وكانت المرق في غاية من الأناقة، ورائحة الكوامخ بحيث إذا رآها الواحد يتشهاها من رائحتها، فتركتها ورجعت إليه، فسألته عن ذلك، فقال: إن بالمرق رائحة خبث.
ثم أرسل إلى القصاب الذي يرسل له اللحم، وسأله عن هذا اللحم.
فقال: هذه الشاة ذبحناها اليوم في السوق.
قال: هذه الشاة جلالة، معروفة وراء هذه البيوت بذلك، فلم ترسل لي منها لحماً؟
قال القصاب: لا علم لي بذلك، ولم يبد على اللحم شيء، لا في النظر ولا في الشم. (1/144)
صفحة 145
قال: لكنه بدا لي في الشم.
وكان يقول: يؤذيني الجن فكثيراً ما يوقظوني من نومي، فأخرج فلا أجد أحداً، ولكنهم نفعوني في مرة من المرات، كنت نائماً فصاحوا علي: أدرك حصانك فإنه سيموت، فجئت إلى الحصان فوجدته قلب على نفسه الرباط، وكان سلسلة قوية ولا يقدر أن يتحرك، ويلهث لهث الموت، فأردت أن أفكه فما استطعت لقوة الضغط، ثم جئت إلى الخنجر فحززت الأخّية حتى قطعتها، فضربت السلسلة من الجانب الثاني حتى غرزت في الأرض، وتمدد الحصان، وتنفس الصعداء، لكنه ما قدر أن يتحرك حتى الصباح.
ومثل هذا الإلهام الذي ذكرناه: يوجد في ناصر بن علي بن مطر الغفيلي، حكي عنه أنه ذهب لزيارة: زايد بن خليفة الياسي في البريمي، وكان قاعداً عنده، فدارت القهوة الأولى والثانية والثالثة، ولم يأخذ ناصر منها شيئاً، وفي الرابعة أخذ. فسأله زايد عن ذلك، فقال: إن القهوة في المرات الثلاث كانت بها رائحة كريهة، أشمها حين تصب، فأرسل زايد إلى الذي يخدم القهوة فسأله عنها. فقال: في المرات الثلاث صنعت القهوة بخمرة، وفي المرة الرابعة كملت فصنعتها بماء صاف.
فقال ناصر: فتشو الخمرة، ففتشوها فوجدوا فيها جعلاً ميتاً.
وكان ناصر وزايد يتحاوران فيقول زايد: " السمت " يعني الأدب من النجود مغرباً. (1/145)
صفحة 146
وناصر يقول: السمت من النجود مشرقاً.
ولعلهما يعنيان بالنجود التي غربي جبل الكور، فبينما هما في الحوار، إذ أقبل بن بلشة رجل منصوري من مقاديم رجال زايد المعدودين.
فلما دخل من الباب وجد الحلوى فقعد يأكل قبل أن يسلم على الحاضرين، فأومأ ناصر إلى زايد أن انظر للسمت.
ولما فرغ المنصوري مش السمن في قائم سيفه وسلم.
فقال له زايد: أسمعت ما قاله ناصر، وحكى له الحوار، وقال: أنت بفعلك هذا أيدته علينا.
قال المنصوري: يا زايد أنا لا أعرف هذا، أعرف أني عند الطعام طعام وعند الطعان طعان، وأنت تشهد يا زايد.
فقال زايد: منتصراً به، أنا شاهد أنا شاهد.
وكان لناصر بن علي هذا غرائب في التنبؤ: منها أنه كان في ذات يوم جالساً على تل في المنترب من بدية، فنعس وخفق خفقة قال بعدها لمن حضره: أين سلطان بن عبيد الحجري؟
قيل له: في إفريقيا.
قال: مات سلطان، وأنا قريباً أموت، وهذا التل سيجرفه الوادي بعد أيام قليلة، فما مضت أيام حتى جاء الخبر عن موت سلطان، ثم جاء الخبر عن موته هو. وجحف السيل ذلك التل كما قال.
فلما احتضر قال: لا تخرج روحي إلا وبناتي كلهن موجودات عند رأسي، إلا من خانتني أمها فيها، وكان عنده عدة بنات، تزوجن في أماكن شتى، ولم يكن عندهن خبر بمرض أبيهن. فأضطربت الأم وقالت: إن هذه سبة، يبقى (1/146)
صفحة 147
أثرها إلى آخر الدهر، وهذا بشر: قد يتحقق ما يقول، أو لا يتحقق.
قال: هو ما أقول لكم.
فما سمعوا إلا ضرب آباط الإبل من بناته، كل واحدة تهوي من مكانها كأنها مرسلة حثيثة. وكان آخرهن وصولاً من تدخل من الباب وتخرج روحه.
نرجع إلى الوالد عبدالله بن حميد .. وامتاز أيضا الوالد عبدالله، بصلابة الموقف، والجد في الأمور، وكان أولاد حميد هم المسؤولين في المضيرب عن إصلاحها وإصلاح أهلها، ودفع المفاسد عنهم.
فمن حزم الوالد عبدالله وسعيه في الإصلاح: لما وصل الإمام سالم بن راشد - رحمه الله - إلى الشرقية، وأراده الآباء أولاد حميد أن يزورهم: جمع أهل المضيرب، وقال: إن هذا الإمام قادم لزيارتكم، ولا نحب إيذاءه بالشكاوي، فمن كان له مظلمة على أحد فليخبرنا نأخذها له، فإن لم ننصف المظلوم منكم، فالإمام مرجع الجميع، خوله الله قطع الرقاب فضلاً عن رد المظالم.
ونحن نكفيه هذه الأشياء الخفيفة. وإن كان أحد منكم يقول: أنا لم نأخذ له حقه وقد أبلغنا من قبل فلكم حق أن تبلغوا الإمام.
قال الكل: لا.
قال: إذن مَنْ كتم اليوم علينا دعوى، وأبلغها في غد الإمام فإني أعاقبه. (1/147)
صفحة 148
فبقى الإمام في مضيرب ثلاثة أيام لم يجلس بين يديه متخاصمان. فأستغرب الإمام لذلك، إذ لم يحدث في بلد نزلها مثل هذا (1).
ومن الرجال المشهورين بالشجاعة: حمود بن سعيد الجحافي. وكان ذات مرة في صحبة الشيخ صالح وقد هجموا على أحد المعاقل، وكانوا يرتبون الهجوم، فقال هو: أنا أنام الآن، فإذا فرغتم فأيقظوني، فنام وليس في نفسه شيء من القلق ولا التفكير.
وسجنه السلطان ذات مرة، فأجتهد الشيخ صالح بن علي في إخراجه من السجن حتى خرج، ولما خرج لم يذهب بيته، بل ذهب إلى القابل، فأقام مهرجاناً كبيراً تكريماً للشيخ صالح، وشكره على جهوده، فقال الشيخ: صالح: وكان معجباً به قولته المشهورة: " الشمس ما تغطىَّ بكف ".
وكان الشيخ صالح يذكر في بعض غزواته يقول: لما هجمنا على العدو كان بجنبي رجل يلبس تلاحيق، وكنا منعنا أن يتقدم أحد على أحد إلا بعد الإشارة، فكان هذا الرجل لا يملك نفسه، لا نرى إلا ظل التلاحيق على ضوء القمر، فيذكر المنع، فيرجع إلى الصف. وقد سئل كيف تفعلون إذا رأيتم الخصم؟
قال: " مثل الهيامى ترى الشريعة ". يعني الماء. فكان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهذا ما يشير إليه سعيد بن محمد في كلام يتعلق به بعد هذا. (1/148)
صفحة 149
أول قتيل، وكان بجنبي الثاني رجل أسمع وجيب قلبه من شدة الخوف.
وكان من الرجال المشهورين بالقوة من المعاصرين صالح بن حمود السناوي الحارثي.
هذا الرجل كان مولعاً بالصيد، ويضرب الأسود من غابات: الوروندي بأفريقية.
فحدث ذات يوم، أن ضرب أسداً برصاصة جرحته ولم يقتله، فغاب عنه في تلك الغابات التي غمرتها الأشجار، والكلأ فيها يواري الإنسان فسار يتبعه، فبينما هو يفتش ما شعر إلا والأسد يقفز عليه رافعاً يديه على كتفي صالح، قابضاً بمخالبه على وجهه، فقام صالح يعالج التخلص منه، وقد أثبت مخالبه في وجنتيه، مسلطاً عليه تلك القوة والبخر (والأسد موصوف بالبخر) كاد أن يهلك.
ولما كان أجله طويلاً: استطاع بما بقي عنده من القوة، أن يدخل يديه في فم الأسد ويقبض على فكيه مزحزحاً لهما وبكل قوة عنده دعّه إلى خلفه دعة قوية ساعد الحظ فيها أن كان خلف الأسد حفرة سقط فيها، فأتبعه رصاصة في رأسه. فمات وسقط صالح بجنبه مغشياً عليه، وكان عند صالح أصحاب فروا عنه لما رأوا المعركة قامت. وكذلك كان عند الأسد شبلان، فرا عنه أيضا. وجاء أصحاب صالح بعد فترة يتحسسون خبره على خوف، فوجدوه وقرنه صريعين. حملوهما إلى البلد. فبقى صالح أشهراً في المستشفى حتى عافاه الله، وعاد لمحاربة الأسود مرات عديدة، ولا يزال حياً يرزق حتى كتابة هذه الأسطر. (1/149)
صفحة 150
ومن الرجال المشهورين: سعيد بن محمد المحرمي الحارثي وكان الإمام الخليلي معجباً به يروي عنه كثيراً، فمن جملة رواياته: ما أخبرني عنه الشيخ الرقيشي قال: زار الشيخ سعيد بن محمد الحارثي الشيخ محمد بن سيف السعدي في سمائل وكانوا يمتطون الخيل. فمن مبالغته وإكرامه أن منع محمد بن سيف نساء الحارة أن يأخذن من حليب البقر شيئاً، بل يجمع ويسقى خيل سعيد بن محمد.
وكان المسجد تحت البيت، فحضرت الصلاة الأولى ولم يذهب محمد للصلاة. والصلاة الثانية ولم يذهب.
فقال سعيد لمحمد: أيها الشيخ: تحضر الصلاة ويؤذن المؤذن تحت بيتك وأنت لا تهتم بها، إن كان هذا لأجلنا فنحن راحلون لا نكون سبباً لضياع دينك.
يقول الإمام: فما فاتت محمداً بعد ذلك صلاة، والدعوة إلى الله حتى من غير أهلها يكون لها وقع في النفوس.
وروى أيضاً: قال: صحبت الإمام سالماً إلى بلدة المضيرب: في دعوة من المشايخ أولاد حميد. فلما جلسنا جاء سعيد بن علي الدغيشي يشتكي من سعيد بن محمد هذا، فبينما هم في الحديث، والإمام يهم أن يرسل إلى سعيد للحضور، جاء سعيد وحده من غير دعوة فعرضت عليه شكوى سعيد بن علي.
فقال مخاطباً لغريمه: هذا الإمام جاء زائراً، ونود له كل راحة، ونحن عندنا شيوخ لم يتركوا لأحد مظلمة على أحد، وبهم كفاية عن أذى الإمام، فأستحيا سعيد بن علي وسحب دعواه. (1/150)
صفحة 151
قلت: وهذا في غير المرة التي أشرنا إليها في اجتماع الوالد: عبدالله بن حميد في أهل المضيرب. أ. هـ.
وروى الإمام أيضاً، قال: كان سعيد بن محمد خارجاً من بلاده ذات يوم فوجد ضيوفاً قادمين، فعرض عليهم النزول، فقالوا: نحن قاصدون الشيخ عيسى. فصحبهم حتى أنزلهم عند الشيخ، وقال: ما رضيت أن أصد ضيوفاً قاصدين لك، رأيت ذلك ليس من الأدب، ولكن إذا فرغوا من حاجاتهم فأرجوهم.
قال: وإذا جاء ضيوف كبار، وأضافهم وجهاء المنطقة لم يتركوا سعيداً يتقدم في الضيافة لإسرافه، وأحراج من يأتي بعده.
وقد أنفق أمواله كلها في الكرم، بل في السرف، وأموال أزواجه حتى عاش فقيراً، حتى أنه من كثرة ما شاع له من الصيت رأته بدوية يؤذن في المسجد، فأستغربت أن مثل سعيد بن محمد يؤذن، فقالت: " آذاك الدهر مؤذن يا سعيد " لأن في عرف العامة أنه لا يؤذن إلا ضعفاء الناس، وأظن أن له أصلاً من الأثر.
واشتكى منه مرة محسن بن عامر: أحد أعيان الجماعة، عند الشيخ السالمي، يدعى عليه بحق، فأدعى: محسن على سعيد، في محضر الحكم أنه له ثمن حصان وثمن فرس، ولم يعطه ذلك.
فأعترف سعيد بذلك الحق، إلا أنه طلب مهلة في الوفاء. فقال محسن: لا أمهلك، ولو حتى تقوم من مجلسك. فطلب منه المشايخ الحاضرون أن يمهله. فلم يقبل. (1/151)
صفحة 152
وبعد الطلب الشديد، وإباء محسن من ذلك.
قال سعيد: اتركوه الآن، إن شاء الله أعطيه حقه قبل أن أقوم من مجلسي.
فليحاسبني على أيديكم.
قال: محسن: أحاسبك، أنت تفضل عليّ بهذا الوجه الأسود (وكان سعيدٌ أسود، لأن أمه جارية سوداء).
قال سعيد: بكل هدوء. إن كنت تخضع للحساب فعندك صريمة فضة بكذا وكذا ... وعندك كذا .. وكذا ... حتى عد عليه أضعاف ما له.
هل وصل إليك هذا؟
قال " وقد انكسرت حدته ". هذا من غير الحق الذي عليك.
قال الشيخ السالمي: " وجبت " يا سعيد عليك البينة ... وإلا يحلف لك محسن.
قال سعيد: ليس عندي بينة، فليحلف. فنكل محسن عن اليمين، واعترف بذلك، وبقيت عليه بقية، استمهل: سعيداً فيها.
قال سعيد: بل أعفوك منها: " ليفضل الوجه الأسود على الوجه الأبيض ". ومع ذلك فلم يبد منه غضب ولا أي كدر ...
روى لي هذه القصة عمي عبدالله بن سليمان .. (1/152)
صفحة 153
كما روى لي أيضاً: أنه اشتكى هو عند الشيخ السالمي أيضاً: بعلي بن حمود (وكان علي بن حمود خنجرياً، وسعيد محرمياً فخذين في الحرث يسكنان مضيرب) وكان بين هذين الفخذين خصومة مستمرة، تفضي إلى الفتن والقتل، فجدد عليٌّ سبلتهم (مجلسهم) بجنب السوق، وخرق لها نوافذ عليه، فأنكرها سعيد وقال: هذه تضرنا.
فأشتكى سعيد عند الوالد عبدالله بن حميد.
فردهما إلى الشيخ عيسى.
فردهما إلى الشيخ السالمي.
فأدعى سعيد أن هذه المرامي تؤثر علينا إذا صارت بيننا وبين الخناجرة فتنة: ستكون رصداً لهم.
فقال علي: يا سعيد إذا صارت الفتنة - ونعوذ بالله منها - لا أجلس لك على مرمى، بل أبرز في الساحة ليأخذ كل نصيبه.
فقال الشيخ السالمي: " أف له: يصلح للملك ".
ولم يثبت لسعيد شيء في دعواه.
روى لي هذا محمد بن سعيد بن جميع وكان ثبتاً في الرواية. وزاد: " ولم يقل الشيخ: " يصلح للإمامة ".
وكان سعيد بن محمد موفقاً في بعض الأحيان لفعل الخير. كما روى لي عمي عنه. قال: اختصم محسن بن عامر وبعض الدغشة - فخذ من الحرث - يسكنون مضيرب، اختصموا في الفلج: كل منهم يقول: إن الفلج طلوع شمس غد له .. فما قدر على صلحهم. (1/153)
صفحة 154
فتنادوا بالعصبية: أنهم يلتقون على الفلج في ذلك الوقت، فمن غلب سلب: فتحاشد الدغشة بسلاحهم، وجاء محسن وعنده عبيد أفريقيون بأسلحتهم، وكان بيت سعيد بن محمد مشرفاً على موقع الفتنة، وعنده مال يسد له الفلج قبل كل أحد وعند طلوع الشمس، وقد قعد الشيطان في كل واحد يزين لهم الفتنة، ويغريهم عليها، ولم يبق بينهم إلا القتال.
نزل سعيد من بيته فسد الفلج لماله عن الكل وقال: بينكم الشرع الشريف: فمن صح له هذا الماء دفعت إليه ثمنه. فكف بذلك الفتنة، وحقن الدماء. وهذه من جملة محاسنه.
وكل إنسان له محاسن ومساوئ - حاشا صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه.
فمن مساوئ سعيد بن محمد هذا: إيقاده للفتنة بين جماعته والخناجرة من دون أن يحس بذلك غيره، ويُظهر من الإصلاح خلاف ما يكتم، لكنه لابد للمستور أن يظهر.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة:: وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فلا تكاد تمر يوم على سوق مضيرب إلا وفيه فتنة بين هذين الفخذين وربما اشترك غيرهما معهما، وأكثر ما تكون بالعصى، وربما أفضت إلى الحديد.
وقد سبق أن قلت: إن أولاد حميد هم المسئولون عن مضيرب وصلاحها، ورد الناس بعضهم عن بعض. ولا ترفع الأمرة إلى المشايخ أولاد صالح إلا إذا ردوها عليهم، أو احتاجت إلى أحكام شرعية. (1/154)
صفحة 155
فصار أولاد حميد كل يوم يسددون ويطفئون الفتن، فكانت شغلهم الشاغل: يهجمون على الحوانيت في السوق: يخرجون العصى المهيأة للفتنة فيحرقونها أمام الناس.
ولما طال ذلك، ولم يعرفوا السبب المثير لهذه الفتن: اكتشف الوالد عبدالله بن حميد بما رزقه الله من ألمعية المثير الخفي: ... فذهب غداة يوم إلى سعيد بن محمد في بيته مفاجأة.
فقام سعيد مكرماً له.
قال: نحن ما جئناك لتطعمنا، جئنا لنعطيك إنذاراً أنه إذا وقعت فتنة بعد اليوم في البلد، لا نعرف مسئولاً غيرك عنها، فأستعد للمسألة، فجاء ليعتذر، فنهض عنه ولم يسمع قوله.
وقال له: هذا الجواب الأخير: والسلام عليك.
قال: فما وقعت فتنة بعد ذلك، واستراح الناس، وصاروا في دعة وحسن جوار.
وسار سعيد ذات يوم يسلم على شيخنا نور الدين في بلدة الظاهر وجاءه في وقت متأخر لم يتمكن الشيخ من تكريمه كما ينبغي له.
يقول الشيخ: هذا سعيد بن محمد، ماذا نقرب له للغداء وهو المسرف إذا أكرم.
يقول الشيخ: فقدمنا له الحاضر من الأكل، وأنا هربت عنه من الحياء، لكنه مما يدل على كرمه وسمو نفسه، لما اعتذرت له حلف يميناً بالله أنه لم يأكل أحلى وألذ من هذا الغداء، والدليل على قولي أني أكلت غالب الطعام ولم أترك إلا القليل. (1/155)
صفحة 156
يقول الشيخ: وكان في تلك الأيام ورد للبيع كتاب النيل عن الإمام القطب، ويريد الشيخ أن يأخذ للطلبة نسخة منه، ولكنه لا يملك المبلغ، فعرض ذلك على سعيد، وعرض له إن كان يود أن يتصدق على المتعلمين بنسخة.
فقال: خذ أيها الشيخ أربع نسخ لهم أو خمساً.
" الشك مني: هل روى لي الوالد - رحمه الله - الأربع أو الخمس ".
وتسمو نفس سعيد في بعض الأحيان فتنازعه على أن يكون مبرزاً في البلد.
كما ذكر عنه أنه جاء إلى الوالد عبدالله بن حميد في يوم من الأيام.
وقال: أريد أن أصلح بينك وبين الشيخ عيسى. بلغني أن بينكما بعض التنافر.
فقال له: عبدالله. " تأدب " لست هناك. فلئن اختصمنا أنا وعيسى، سوف نصطلح بلا واسطة من أحد. فرجع منكسر النفس.
وسبب هذا التنافر بين الشيخين، الذي أراد سعيد أن يتوسط فيه:
هو: أن إبن خال لعبدالله عد عليه أشياء، فأمر له الشيخ عيسى بحبس بإتفاق مع الوالد سليمان بن حميد، فغضب عبدالله لذلك، حيث أنه لم يناظر في القضية. وهو إبن خاله، فأطلقه من الحبس، فصار بينهما هذا التنافر بسبب هذه القضية. ولم يلبث أن زالت بحسن الأخوة، وصلاح الطوية. (1/156)
صفحة 157
ولسعيد بن محمد حكايات في تحمل الغيظ، فمنها: أنه كان ذات يوم في ماله، فمر في الطريق بعض الجماعة الحجريين، فتشاوروا أين ينزلون، وهو يسمعهم، ولا يرونه.
فقال واحد منهم: (سحة السميري مربوطة) معناه أن سبلة أولاد حميد مفتوحة.
وقال الآخر منهم: (عليكم بها الحميّر الأسود) يعنون سعيداً. فأتفقوا على ذلك، فتقدمهم هو وثباً إلى منزله، وأمر لهم بالذبائح، وعمل لهم أكلاً كثيراً، وتلقاهم بالبشاشة والإكرام، ولكنه أساء في آخر الأمر، ولم يكمل كتمه لغيظه، فلما حضر الأكل وأحس أنهم يأكلون معجبين بهذا الكرم الفياض دخل عليهم وقال: كلوا وسامحوا الحميّر الأسود عن التقصير، فاستحيوا وتنغص عليهم الأكل، لكنهم لم يردوا عليه بشيء.
ولقيته امرأة ذات يوم ولم تعرفه، فظنته عبداً من العبيد الأفريقيين، فحملته بعض الأشياء على ظهره، حملها ولم يستنكف.
وكان ذات يوم يغتسل في الفلج، فمر واحد فشم رائحة إبطيه، فسبّه وتأفف منه وهو يسمع، وبقى ينتظر خروجه حتى يدخل هو الاخر، ولما خرج فعرف أنه سعيد بن محمد، استحيا منه. فبش سعيد في وجهه، وطيب خاطره.
وكان هذا شأنه في الإحتمال وهي خصلة فذة فيمن يوفق إليها ... (1/157)
صفحة 158
ذكر نبذة من أخبار الإمام الخليلي.
هو الإمام محمد بن عبدالله الخليلي: أشهر من نار على علم وقد تكفل غيرنا بذكر نسبه وتاريخه.
ولكنا نذكر عنه ما سمعناه ولم نجده مأثوراً.
كان هذا الإمام لا يرى منزلة لأحد فوق منزلة المتعلمين: كان يجلهم ويرعاهم، ويفتح لهم المجالس، ويقدمهم في الصلاة ويتعهدهم بنفسه، ويداوي مرضاهم إلى آخر ما يحتاجون إليه من عوز، ويرسلون بعضهم إذا احتاجوا لشيء إلى بيته حتى وقت الراحة.
وكان لا يستنكف من أي طلب يقدمونه ولو صغر، لكن بشرط أن يكون رسول المتعلمين إليه في بيته ممن لم يبلغ الحلم منهم، فإذا بلغ لم يُدخله، بل يأتي غيره.
ومن رعايته لهم أخبرني بعضهم قال: لما كنا في نزوى نتعلم، وكنا في ضنك من العيش، سمعنا عن الإمام ذات يوم أنه سيخرج إلى سعال، لدعوة له دعاه فيها بعض المشايخ، فأحببنا أن نذهب معه لننعم ببعض ما يقدم إليه من الأكل، ولما خرج وجدنا واقفين على الباب.
قال: ما عندكم؟ فأخبروه.
قال: ارجعوا إلى المسجد تعلموا، فذلك أنفع لكم من متابعتنا، فرجعنا منكسري الخاطر، فرأى الكراهة في وجوهنا. ولما رجع قبيل الظهر، دخل علينا في الغرفة التي نأوي فيها، وقعد معنا.
وقال: أنا رددتكم في الصباح والقصد مصلحتكم، وقد (1/158)
صفحة 159
أكلنا: حلوى، ودنجو، وتمر خلاص، وهذه ثلاثة قروش يذهب واحد منكم يشتري الحلوى والدنجو وواحد يذهب البيت، وهناك خرس فيه تمر خلاص، فليأت بشيء منه.
قال: ففرحنا وأحضرنا الأنواع الثلاثة، واجتمعنا لأكلها، وهو: كأنه يأكل معنا، لكنه يأخذ اللقمة ويقبضها في يده، ثم يردها، وهكذا فعل، حتى أتينا نحن على الجميع، فذهب عنا - جزاه الله خيراً - وعلى هذه القصة فقس هذه الرعاية وكرم الأخلاق.
وقد حضرت في مجلسه يوماً وبجنبه أحد العلماء وهو يتحدث في أمور فجاء أحد شيوخ القبائل، فجلس بينهما، فقطع الإمام حديثه. وقبل أن يسأل هذا الشيخ عن حاله قال: كان الوالد سعيد بن خلفان يتقدم على الإمام عزان في المجلس ويقول: " أريكم فضل العلم، أريكم فضل العلم ".
ثم رجع إلى حديثه الأول. فلا أدري هل فهم ذلك المضروب بهذا الكلام: فأصر، أو لم يفهم؟
قلت: وسمعت الشيخ الرقيشي يقول: عاتب الإمام سالم بن راشد الشيخ: نور الدين، حيث لم يتقدمه كما يفعل الشيخ سعيد بن خلفان.
قال: إذا بلغت منزلة الخليلي تقدمتك.
وفي أيام الغلاء في عُمان صار الأرز مفقوداً، والناس أكثر ما يأكلون التمر والسمك أو اللحم، وذلك أيام الحرب العالمية الثانية. والإمام - رحمه الله - يأكل مثل ما يأكل العسكر (1/159)
صفحة 160
والضيوف، لا يزيد عليهم بشيء، ولو خلا في بيته.
وكانت زوجته ابنة عمه ثرية، فأشترت من مالها جونية أرز، أخفتها عن الأنظار، وطبخت له ذات يوم منها، فقربته إليه.
قال: من أين لكم هذا؟
قال: اشتريته من مالي شفقة عليك، لأني أخشى عليك من هذا الأكل الذي تأكله مع سائر الناس، فأحببت أن أزيدك.
قال: كلا: لا أزداد عليهم بشيء، لا آكل إلا ما يأكله العامة، لا حاجة لي به، احمليه، أو أطعمي الجميع.
قالت: فردني إلى أن أتابعه، فآكل ما يأكله، فما دخل بطوننا شيء غير الموجود للعامة، حتى فرج الله، وارتفع الغلاء، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه.
وأشتهى يوماً بعض الأكل في بيته، فلما حضر عف عنه وقال: لا أحب أن أعطي نفسي ما تشتهي.
جوع الخليفة والدنيا بقبضته:: في الزهد منزلة سبحان موليها
وما أشبهها بقصة عمر بن عبدالعزيز حين اشتهى العسل فقربت له زوجه بنت عمه ما اشتهى. فلما حضر عف عنه وقال: لا أعطي نفسي مناها.
وحضرت يوماً في مجلسه أيضاً: وقد جيء بكيس قروش من الرستاق، فترك الكيس تحت ركبته، فقام بعض الحاضرين وقال: (1/160)
صفحة 161
أيها الإمام: أنا لي على الدولة كذا وكذا، فأعطاه من الكيس ما قال، ثم قام الثاني فأعطاه، والثالث والرابع، حتى نفد الكيس، ولم يبق إلا ثلاثة قروش، كأني أراها الآن تلمع في يده، قبض عليها، وأبقى الكيس فارغاً، وقام ليدخل الحصن، فتبعه بعض الشيوخ، فقبض على يده قبل أن يدخل من الباب، وابتز منه الثلاثة قروش بالقوة.
والإمام يقول: هذه اهلنا محتاجون إليها لبيتنا.
وذلك الشيخ يقول: أنا محتاج إليها أيضاً. واضطر الإمام للإتكاء على الجدار، مستعيناً به عن السقوط على الأرض، فأخرجها من يده، والإمام يبتسم، ودخل الإمام بيته، وفي يده (الحلى) فقط.
فتذكرت النبي صلى الله عليه وسلم، والأعرابي يلزه إلى السمرة حتى قبضت رداءه يطالبه بالعطاء.
فما ظنك بحاكم غير الخليلي، ومن على شاكلته يتجرأ عليه أحد، فيعامله مثل هذه المعاملة.
وبات ذات ليلة في حصن بهلاء. وفي آخر الليل قام وخرج لقضاء الحاجة، وتوضأ، وقام يصلي، وأصحابه لم يشعروا بخروجه، فتلاوموا في الصباح: كيف لم يحرسوه حتى خرج وحده وهذه مسؤوليتهم؟
وفي الليلة الثانية شعروا به لما خرج، فحرسوه، ورآهم يحرسونه وهو يصلي، وترقبوه في الليلة الثالثة ليقوم فلم يقم، ورأوه يتقلب في فراشه من دون أن يفعل مثل ما فعل في الليلتين الأوليين رأفة بهم. (1/161)
صفحة 162
قلت: وما أشبهها بإمتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الخروج لأصحابه لصلاة الليل مخافة أن يفرض عليهم - رأفة أيضاً بهم - وهكذا كان الإمام الخليلي يقتفي تلك السيرة المطهرة.
وسمعت عمي يقول: ركبنا ذات يوم مع الإمام من بلدة سناو قاصدين نزوى. وكان في الرفقة مائة راكب. فلما كنا في الدوح وكان بعد المغرب.
قال سعيد بن راشد الجحافي للإمام: أين المبيت؟
قال: "قدام" فأخذ خطام ناقة الإمام وجرى به، والإمام لا يقول شيئاً، لا: إذا ساروا بقوة، ولا إذا أبطأوا، فما وقف سعيد بالإمام إلا في بلدة فرق في الثلث الأخير من الليل.
يقول عمي: فما وصلنا عند الإمام إلا خمسة من المائة، الجَلْدُ مِنّا مَنْ يحطُّ الرحل عن ناقته، وإلا فيسقط تحتها من قوة التعب.
أما الإمام: فإنه نزل عن ناقته، وتوجه إلى الماء فتوضأ، واستقبل القبلة يصلي، حتى أذن لصلاة الصبح.
وارتحلنا بعد الصلاة إلى نزوى.
قال: وأخبرت عن ذلك خالي: يعني الشيخ عيسى. لما رجعت.
فقال: هكذا تفعل رجال الآخرة، وما برح يكررها عدة أيام، معترفاً له بالفضل، كما اعترف له أيضاً، ودائماً يعترفان لبعضهما البعض، فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل. (1/162)
صفحة 163
وكانا ذات ليلة من رمضان، سارا من القابل قاصدين سمائل، فبات الإمام في: روضة الحبوس. وبات الشيخ في: العلو. فصلى الإمام تلك الليلة التراويح، ولم يصل الشيخ، لأنهما نويا الإفطار في اليوم الثاني. ولما أخبر الشيخ أن الإمام صلى التراويح. قال: هكذا تفعل الرجال، أما أنا فقد استحوذ عليّ العجز، فمتى أبلغ تلك المنزلة، إلى آخر ما بقي يعاتب نفسه، ويحقرها، بقي يقول ذلك أياماً.
وحضرت يوماً في مجلسه في صحبة والدي: والوالد: صالح بن أحمد الحارثي فأمر بإحضار عنب، فقال: كلوا، فهذا أهدي إلينا. فقال الوالد (معلقاً على ذلك): حضرت عند الإمام سالم بن راشد وأنا يومئذ صغير، في صحبة أخي محمد، فأمر الإمام بإحضار كهذا، وقال: كلوا فإنه ليس من بيت المال، إنما أعطانا بعض الإخوان دراهم، فأشترينا لكم بها هذا العنب. فقال الإمام الخليلي: " رحم الله الإمام سالماً، لو تمعن لعرف أن كل ما بيده لبيت المال: أُهُدي إليه لمّا كان في هذا المنصب ".
وحضرت يوماً في مجلسه، وسمعته يقول لما عوتب على كثرة الإنفاق من بيت مال المسلمين: " ما أنفقناه في هوى، وإنما أنفقناه في مصالح المسلمين " فإن مت عطشاناً فلا نزل القطر، وكأنني وقد أتى مِن بعدنا مَن يأكله خضماً وقضماً.
وسمعته أيضاً يقول: كأني بالفتن على أفواه السكك، نسأل الله السلامة، وكنت أيضاً حاضراً في مجلسه. فجاء (1/163)
صفحة 164
الشيخ سعيد بن راشد الجحافي، وهو أعمى لا يرى حتى الشمس، وقد بقي للإمام من النظر ما يهتدي به لحاجته الضرورية. فلما مد يده، ومد سعيد يده ليحاوله، تخالفت اليدان.
فقال الإمام: أنا لا أقابل، وأنت لا تقابل.
قال سعيد: بل أنا أقابل.
قال الإمام: إذن أنا لا أقابل، تواضعاً منه ورضى بقضاء الله.
وحضر ذات يوم ليصلي المغرب في غرفة الصلاة، فلما أمر بالإقامة شم في أثنائها رائحة دخان.
فقال للمقيم: أسكت. من أين هذا الدخان؟
فقيل له: هذا الضيف الغريب هو الذي يدخن.
قال: أحضروه، قال: إن المسلمين أكرموك: فأنزلوك في مَعْقلهم، وأنت لم تحترمهم ولم تحترم نفسك، أتعصي الله وأنت مسرور؟ أخرج من الحصن، فلا نبيح لك البقاء فيه: وفي الصباح تهيأ للرحيل من البلد: وأرسل معه مَن أخرجه خارج الحصن. ثم أمر بالإقامة وقام للصلاة، بعد أن غير المنكر ولم يصبر عليه ولا هذه اللحظات الوجيزة، جزاه الله خيراً، وأحسب أن من أخبرني قال: إن الضيف فلسطيني الجنسية.
ولما آذته عيناه، خاف زوال بصرها: طلب الدكتور الأمريكاني من مطرح، ليعالجه فجاء مع امرأته، وقد ألبسها الثياب العُمانية، فعالج الإمام، فحصل على الشفاء، وبقي (1/164)
صفحة 165
أياماً في نزوى. وفي أثناء قيامه طلب من الإمام أن يأخذ منه صورة تذكارية.
فقال الإمام: هذا لا يجوز عندنا.
فقال الطبيب: أنا أتحمل المسئولية إن كان لا يجوز، فأنا الذي أفعل غير الجائز، لا أنت.
قال الإمام: لكننا لا نعينك على المعصية.
فتربص الطبيب له في مكان مشرف على باب الجامع، إذا خرج الإمام من الجامع، أخذ عليه الصورة بلا علم منه.
فهيأ الآلة، وقعد وقتاً طويلاً، ينتظر خروج الإمام من الجامع، فلما حان خروجه، إذا برجل مريض كله قروح نائم في ذلك المكان الذي فيه الطبيب، قفز هذا المريض بكل جهده وقوته. فقبض على رقبة الطبيب، وألقاه مستلقياً على قفاه فتصارعا، والطبيب مندهش من هذا الأمر، فلما قام المريض عنه، إذا بالفرصة قد فاتت عليه، فقد خرج الإمام من الجامع، فرجع الطبيب فارغ الحقيبة من أمله.
قلت: لعل ذلك كرامة للإمام - رحمة الله عليه -.
وسمعت والدي يقول: أخبره الشيخ زاهر بن غصن الهنائي، قال: أمر لي الإمام بسجن، فسجنت في القلعة، ولكنه سجنٌ بإحترام، وكان سلاحي عندي لم ينزع عني، وكان الإمام إذا دخل الحصن، أو خرج منه ربّما يقف على الباب من خارج، يكلمه بعض المراجعين. فعند وقوفه (1/165)
صفحة 166
ذلك: سولت لي نفسي أن أفتك فيه وأقبض القلعة، والسفالة تتبع القلعة: تدين لمن قبضها أياً كان، لا سيما وأن جدي هلال بن زاهر كان هو الحاكم على القلعة مدة طويلة، فمما سولت لي نفسي: أنه لا شك أنها ستدين لي إن قتلت الإمام.
فصوبت البندقية إليه، بحيث إن أطلقتها لم تخطئ راسه، فغلبني الحظ بأن تراجعت عن ذلك، وقلت: يا زاهر: أتهدم مورداً للمسلمين، فماذا عسى أن تنال؟ ولعلك لا تهنأ بعيش بعدها، فتكون ممن خسر الدنيا والآخرة.
وفي اليوم الثاني نازعتني نفسي الأمارة بالسوء كذلك، فمددت البندقية إليه، ثم تراجعت أيضاً، فعلت ذلك ثلاث مرات. فكان من سعادتي أن فضلت بقاءه على هوى نفسي، والحمد لله حمداً كثيراً.
سمعت الشيخ الرقيشي يقول: إنه اختصم المشايخ: زاهر بن غصن، وعمه خالد بن هلال، حتى قام بينهما حرب، قسما جماعتهما شطرين: شطر عند خالد، وشطر عند زاهر، وبعد ما أصطلحا في الظاهر، بقيا يبغيان الغوائل لبعضهما البعض، وفي ذات يوم توجه الشيخ خالد إلى الإمام، وأصطحب عنده الشيخ أبا زيد، فأنتهز زاهر الفرصة، وقال لواحد من جماعته: ألحق خالداً، فإذا وجدته مع الإمام، فأشتكي منه أنه ربطك، وضربك، ففعل الرجل ذلك، وفي الحال أمر الإمام لخالد بالسجن.
فقال الشيخ أبو زيد: (ربيعي) أيها الإمام.
قال: ربيعك عن الإمام، وأنت الآخر: من أذن (1/166)
صفحة 167
لك بالوصول إلى هنا، إرجع إلى عملك.
فتم غرض زاهر في خالد.
وسمعت الشيخ سعود بن سليمان الكندي يقول: أمر الإمام بإعتقال الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، فحاول أن يمتنع، فأجبر وقيد في القلعة. فصار جماعته، وبنو سيف (السيفيون) يترددون عليه بمآكلهم وفُرُشهم، وجلبوا إليه كل راحة، لكن في رجله قيد، قال الشيخ سعود: فوصاني على الإمام أني معتقل، فما معنى القيد؟ أو أنه يطلب إهانتي؟
قال: فقلت للإمام ذلك.
فقال: لو لم نطلب إهانته ما قيدناه، وقد أهان نفسه بنفسه.
والسبب في إعتقال الشيخ: أن رجلاً هطالياً قتل رجلاً وهيبياً خارج نزوى، فطلبه الإمام، فالتجأ إلى الشيخ إبراهيم، فمنعه، وألح الإمام في طلبه، فتلكأ، فطلب حضور الشيخ. فجاء ومعه خمسون عبرياً مسلحين، وربما في نفوسهم أمر، لكن إذا عزم أبو خليل على أمر، ذاب كل ما حال بينه وعزمه.
فأمر له الإمام بالسجن.
ولم يحاول أن يمتنع، ولا قومه أن يعارضوا. فأمتثل ودخل السجن كما وصفنا.
ثم إجتمع أكابر العبريين، فطلبوا من الإمام الإفراج عنه، على أن يقربوا الهطالي، ويعزلوا الشيخ عن الزعامة، فأطلقه الإمام على هذا الوعد، لكن مع الأسف أنهم لم (1/167)
صفحة 168
يفوا بما وعدوا، حتى آل الأمر إلى أن يقوم عليهم الإمام بجيش، ومن تلك القضية خرج الشيخ إبراهيم إلى مسقط، وتولى القضاء عند حكامها.
ولما كان الشيخ إبراهيم في السجن، نظم أبياتاً أخبرني عنها الشيخ سعود. لكني لم أحفظ منها سوى هذين البيتين:
ما أجتمع اثنان سوى افترقا:: فمتى يا قيد تفارقني
ما بينك قط وبيني من:: نسب فعلام تعانقني
قلت: ومن الصدف أن الشيخ سعوداً يروي لي هذه الرواية، وأنا وإياه في سجن سعيد بن تيمور في الجلالي، والقيود على أرجلنا، فخمّست هذين البيتين:
فوجئت شعار القهر رقى:: رجلي فقلت وقد غلقا
والقلب غدا مني قلقا:: ما اجتمع اثنان سوى افترقا
فمتى يا قيد تفارقني؟
طولت علي فكنت قمن:: بالفعل السوء وسوء الظن
فإليك إليك فلست بقن:: ما بينك قط وبيني من
نسب فعلام تعانقني؟ (1/168)
صفحة 169
كما خمّست في السجن أيضاً هذين البيتين:
دع المقادير تجري في أعنتها:: ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها:: يبدل الله من حال إلى حال
فقلت:
مَنْ شاء أن يحتوي العليا برمتها:: دنيا وأخرى يفوض عند شدتها
أو كنت يا ذا النهى من أهل بجدتها:: دع المقادير تجري في أعنتها
ولا تبيتن إلا خالي البال
فإن من لم يفوض مع إصابتها:: لم يُغنه ومضت كرها لطيّتها
فأصبر ولا تبتئس تظفر بغايتها:: ما بين غمضة عين وانتباهتها
يبدل الله من حال إلى حال
وقد خمست أيضاً لما كنت في السجن هذين البيتين:
فلرب نازلة يضيق لها الفتى:: ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها:: فرجت وكنت أظنها لا تفرج (1/169)
صفحة 170
فقلت:
ما راعني أمر دهاني إذ عتا:: سَلطتُ من جَلَدِي عليه مصلَّتا
ورضيت عن سر القضاء بما أتى:: فلرب نازلة يضيق لها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
فعوائد الله الجميلة ذاتها:: لمّا تَزَلْ تسري بنا نفحاتها
كم كربة جلت وقل هُداتها:: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تَفرجُ
وسمعت الشيخ سالم بن حمود السيابي، يحكى عن الإمام يقول: كان الإمام ذات يوم جالساً مع أصحابه إذ تقدم أمامه رجل حسن الهيئة كبير الجثة، فسأله عن الفرق بين الذات والصفات، فغضب الإمام غضباً شديداً، ما رأيته غضب مثل ذلك اليوم وقال: تريدني أن أفعل مثل العالم والتيس، ويكررها، فهرب ذلك السائل من بين يديه.
ثم قال الإمام: أتدرون ما معنى العالم والتيس؟
قال جلساؤه: أخبرنا.
قال: كان رجل عالم خاف على علمه الضياع؛ لأنه لا يأتيه أحد يتعلم منه. ومن شدة طلبه للمذاكرة حرصاً على بقاء العلم، إشترى تيساً وعلمه أنه إذا تكلم يهز التيس رأسه، فهذا يريد أن أتكلم أنا وهو يهز رأسه لا يعرف ما أقول .. (1/170)
صفحة 171
وحضرت يوماً في مجلس الإمام. وكان الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري يكلمه في القيام على عبري، إثر طرده منها، إذ كان والياً عليها من قبل الإمام فقام عليه أهل عبري فطردوه. وكان يكلم الإمام في هذا المعنى والإمام لا يرد عليه. وبعد ما تكلم طويلاً، قال الإمام: كان رجل له زوجتان: إحداهما شابة، والأخرى عجوز، وهو أخمط الشعر، فكان إذا نام مع الشابة أخذت من لحيته الشعر الأبيض، وإذا نام مع العجوز، أخذت الشعر الأسود، حتى صار بلا لحية.
ثم تكلم الشيخ طويلاً.
فقال الإمام: كان رجل عنده زولية طويلة وعريضة، وضع وسطها حرف ذهب، وقال لأصحابه: مَنْ أخذ هذا الحرف فهو له على شرط أن لا يطأ الزولية، فتحير أصحابه مع رغبتهم في الحرف، فقام واحد منهم فطوى الزولية، حتى صار إلى الحرف فأخذه، وكان أحكمهم.
ثم تكلم الشيخ طويلاً فقال: مرنا بالقيام عليهم.
فقال الإمام: أمر الشيخ علي بن سعيد الغافري العبريين لما اشتكوا من البلوش أن يضربوهم. فضجر الشيخ إبراهيم وخرج إذ لم يحصل على جواب مفيد.
فقال الإمام: لأي شيء لم يقم عليهم وهو هنالك؟ أكنت أنا خاذله؟ كلا: ولكن الغرض من هذا الكلام كله: أن أعطنا يا محمد مبلغاً من المال، نأكله، وتبقى عبري كما هي. (1/171)
صفحة 172
والسبب في طرد الشيخ إبراهيم من عبري: أنه كان نظره مخالفاً لنظر أهلها، فكان يستمد من الإمام ومن السلطان ومن إبن عطيشان، وله ثلاثة وجوه مع الثلاثة حكام. وكان أهل عبري بعضهم ينظر إلى الغرب، وبعضهم إلى الشرق، فغاظهم ما يفعله الشيخ، فتحينوا فرصة خروجه إلى جماعته في بلدة العراقي، فألحقوه رسولاً: إنك إذا رجعت عبري فلست في الذمة، فما رجع إليها بل ذهب إلى بلاده، قعد بها ما شاء الله، ثم ذهب إلى الإمام، وصار بينهما ذلك الحوار.
ولما وصل إبن عطيشان إلى البريمي مفاجئاً بطلب من أهلها، وأهل النفاق من أهل عُمان، وصل والياً من قبل حكام نجد، وعنده كتب من الأمير بن جلوي إلى كل من: الإمام الخليلي. والسلطان سعيد بن تيمور، يخبرهم بذلك، قال الإمام: لا بد لنا من مفاهمة مع السلطان؛ لنصد هذا الدخيل علينا، وعُمان كل لا يتجزأ.
شاور أصحابه من يرسل لهذا الغرض؟
فأشاروا عليه بواحد من اثنين: إما الشيخ خالد بن هلال الهنائي أو والدي حمد بن سليمان فأرسل إليهما وقال: من وصل منهما قبلاً أرسلناه فوصلا في يوم واحد. لكن وقع الإختيار على والدي.
يقول الوالد: - رحمه الله - وصلت مع السلطان، فوجدته متعطشاً لمعرفة ما عند الإمام. ففرح بي فرحاً كبيراً، وقال: لا بد من التضامن والقيام معاً. (1/172)
صفحة 173
قال: وأخبرني عن رؤيا رآها قبل ذلك بأيام.
قال: " رأيت كأنا في مكان، فأنفتح علينا باب من الغرب، قمت إليه لأسده، فما استطعت، وكأن عاصفة تدفعه، فإذا بالعلامة الخليلي قام يساعدني عليه فسددناه ".
وها قد تحققت الرؤيا.
قال الوالد: فطيبْت نفسه عن الإمام، ثم تجاسرت عليه فقلت: ما يمنعك أن تقول الإمام بدل أن تقول العلامة، أليس هو بإمام؟
قال: بلى أنا أقدر ذلك الرجل، وأنزله منزلة الوالد، وأعرف له الفضل علينا، وأنه كفانا بعدله أموراً كثيرة، لولاه لتكلفنا بها، وما يمنعني أن أقول الإمام إلا أن اللسان جرى على ذلك، وسوف أقولها إن شاء الله.
قال الوالد: فزودني ذخيرة كثيرة، وعيشاً، ودراهم.
وقال: هذه للمثار، فإن لم تحتاجوا إليها فتكون عندك أمانة حتى تردها إلي. فحفظها الوالد في بيت الشيخ زهران بن سليمان العزري في نزوى، حتى تحقق المثار، وأخبر الإمام الرضي عن ذلك، وأيد رأيه.
واتفقا على أن يقوم كل من قِبَلِه، وأهل عُمان بالخيار: فمن أراد أن يقوم مع الإمام أو مع السلطان والملتقى في البريمي.
وبالفعل فقرد قاموا، ولكن الإمام رحمة الله عليه مريض، لم يستطع القيام بنفسه، ولقد أناب عنه كلا من (1/173)
صفحة 174
الشيخ الحميري، والوالد: صالح بن أحمد الحارثي كل في قومه. وكنت مع القوم. فلما كنا في بهلا: بيت رسول من السلطان من صحار يقول: إن الدولة البريطانية تكفلت عنا برد خصمنا، وإنه لا داعي إلى المثار والقتال، ما حصل الصلح.
وكذلك وصل في الوقت رسول من الإمام أيضاً يقول: أرى التأخير حتى نتروى من القضية، ولعل بعض أصحابه شوشوا عليه، وهو مريض، فلزم التأخير والرجوع للأمرين كليهما فلما عزموا، دعوت أنا والدي في نجوى، فقلت له: إنك ابتليت بهذه الأمانة، وأنت غداً راجع إلى نزوى، وتعلم أحوال الناس ودسائسهم، فربما يطلبون من الإمام أن يأخذ منك هذه الذخيرة، فتبقى محرجاً في الأمر، لا تستطيع رد أمر الإمام، وسيقال: إنها بيت مال، والدولة أحق بها، بينما أنت تحملتها أمانة يلزمك ردها، وإلا ضاع اعتبارك مع السلطان، وكلا الحالين صعب عليك.
قال - رحمه الله -: أحسنت: نبهتني على أمر كنت غافلاً عنه، فما الرأي؟
قلت: رأيك فوق رأيي، ونظري دون نظرك، فهل ترى أن تُغيِّر طريقها إلى الظاهرة، ثم إلى الباطنة في طريقها إلى مسقط، فتكون قد برئت ذمتك من الأمانة، وبرئ دينك من مخالفة الإمام.
قال: هذا هو الرأي. فلتكن أنت وأخوك سالم ومن تحبان معكما من الأصحاب من يحملها. حتى توصلاها عند الشيخ علي بن سعيد في الدريز. فتم الأمر على ذلك، ورجع هو في الصباح مع أصحابه إلى نزوى وبقينا نحن في بهلاء، حتى نُحضر (1/174)
صفحة 175
الركاب التي تحمل الأمانة، وبعنا العيش للنفقة، وصحبنا الشيخ خميس بن سعيد الميعلي كخفير، وكنا ثلاثة عشر رجلاً، غير أهل القافلة، حتى وصلنا الدريز، وبعد أيام وصل رسُلٌ من الشيخ سلطان بن سيف الحوسني بأمر من السلطان، بأن نسلم إليهم ما بأيدينا، فسلمنا ذلك، وصحبناهم عن طريق وادي الحواسنة إلى الخابورة. ثم ركبنا البحر إلى مسقط والتقينا بوالدنا هنالك. أ. هـ.
***
والذي حفظته من كتب الإمام الخليلي حين عزم القيام على جعلان وإدخال العدل فيها، بعدما فسدت بالقتل والنهب وفساد العقائد وإزهاق الأرواح والأموال:
بسم الله الرحمن الرحيم:
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى المشايخ العزاز، العلامة عيسى بن صالح، والجماعة الحرث، والمساكرة، والحجريين: سلام عليكم ورحمة الله وبعد:
فإني عمدت إليكم الأولاد منصور بن ناصر وأصحابه، وأقول: إن الله قد أوجب الجهاد على المسلمين بالحال والمال ويكفي قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} ... الآية، وغيرها من الآيات كثير، ويلحق بذلك الجهاد بالمقال، وهو الحض على ذلك، والدعوة على دين الإسلام، والإستقامة عليه، واعلموا أن قول إبن النظر: نحن الإباضيون أسد غيطل: ينبغي أن يصدق في مقاله، ولا يكون دعوى فحت، ومع ذلك فالعدة العظمى هي التقوى، قال عمر: أعد لأعدائي التقوى، وصدق عمر: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ (1/175)
صفحة 176
اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ومن كان عنده الله لا يُغلب: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ}، {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} والعدو لا نستحقره من قلة ولا نستعظمه، إنما النظر إلى نصرة الدين، وإغاثة الملهوفين، وتقويم الحائدين.
والله نسأله العون والتمكين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
خامس جمادي الثاني سنة 1363 هـ.
وهذا كتاب منه آخر لبني بو حسن يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى المشايخ الجماعة بني بو حسن، سلام الله عليكم ورحمة الله وبعد:
فإنا نحمد الله على كل حال، ولقد بلغني الأمر الكائن معكم، وأدري أن هذه عاقبة البغي، ألا وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً).
يعني: انصره إن بُغي عليه، وردّه عن بغيه إذا بغى، فذلك نصر له، ونحن قادمون إليكم على بركات الله إن شاء الله، والله ينصر الدين. وأرى أن بغيكم قد تناها، وكل أمر ينتهي يرجع، ولا يهمنا أمر البغاة، ولا نستعظم شأنهم، فإن على الباغي تدور الدوائر، هذا ونسأل الله أن نكون ممن ينصره، والله ناصر من ينصره لا محالة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
خامس جمادي الثاني 1363 هـ.
وقد توفي هذا الإمام الكريم في صباح اليوم التاسع والعشرين من شعبان المكرم عام 1373 هجرية. (1/176)
صفحة 177
وأخبرني من حضر موته:
قال: إجتمع الناس عند دفن الإمام من نزوى وما حواليها، فصارت أمة عظيمة، ولما وصل للغسل في فلج الغنتق، وكان النهار في شدة من الحر، تكاد الشمس تذيب الحصى، والمقبرة بعيدة عن البلد، فصار الناس كل تفكيرهم في تلك الشمس التي سيقطعونها إلى المقبرة، في تلك الهاجرة.
قال: فلما خرجت الجنازة إلى الشمس، أظلت المشيعين غمامه حتى دفنوه، ودفن بين قبري الإمامين: ناصر بن مرشد وسيف بن سلطان اليْعُربيَّين، فتحدث حافروا القبر أنه كانت تطلع لهم رائحة كرائحة المسك حين الحفر، وكأن سراجاً على رؤوسهم، وكان الحفر في الليلة التي يموت صبيحتها الإمام. وسوف لا ينكر ذلك إلا من في عينيه عشى.
وأخبرني الشيخ الرقيشي، قال: أرسل الإمام سالم بن راشد الشيخ محمد بن عبدالله الخليلي، ليتقدم بنصح إلى الشيخ: محسن بن زهران السيابي، فنصحه قائلاً: " إنك لا تطيق مخالفة الإمام، وإلا عرضت نفسك وجماعتك للشقاء، والأفضل أن تصحبني فتعتذر للإمام مما يَعُدُّه عليك ".
قال: لا يقيدني.
قال: أنا أضمن لك أنه لا يقيدك.
فلما وصلا عند الإمام أمر بالشيخ محسن أن يقيد.
فقال له الشيخ الخليلي: أنا أعطيته أماناً.
قال: لا أمان لك دون الإمام. (1/177)
صفحة 178
فغضب الشيخ وخرج، وأمر بركابه.
فقيل للإمام: إن الشيخ الخليلي زعلان وسيسافر.
قال: لا عليكم منه لا ترضوه، إنما دينه هو الذي يرضيه.
فخرج إلى قريب من سعال. ثم لام نفسه ورجع يقول: إن هذا الزعل من الشيطان، يريد أن يفرق بيننا، والإمام عنده حق، فما معارضتي أنا للحق إلا إرضاء للشيطان.
فأخبر الإمام برجوعه.
فقال: ألم أقل لكم عنه.
***
وأخبرني الشيخ سالم بن حمود السيابي، قال: عندما قامت إمامة الإمام سالم بن راشد - رحمه الله - وكانوا يومئذ في نزوى، غلط الشيخ زاهر بن غصن الهنائي غلطة قذف فيها، فوجب عليه الحد، فقال الشيخ السالمي: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". هذا اختبار لنا من الله: هل نقيم الحد على أنفسنا وعلى أنصار دولتنا الذين لا يُستغنى عن أمثالهم، أو نضيع حق الله؟ مداهنة للكبراء؟ ثم آثرنا - رضى الله عنا - على رضى أنفسنا.
وأخبرنا الشيخَ أن عليه الحد، وإن شاء الله لا يكون سبباً لنفورك ولكن الشيخ زاهراً وهو الرجل الألمعي سيف الدولة الذي يقدر الظروف، ويعرف المعروف، والذي قلبه أوسع من الدهناء رضخ لأمر الشرع، وانقاد طوعاً لأن يقام عليه الحد.
فأستعمل المسلمون معه أرخص طريقة: فأتي بعرجون نخل فيه ثمانون شمراخاً فضرب به ضربة واحدة. (1/178)
صفحة 179
ومثلها: ما أخبرني عنه الشيخ الرقيشي، قال: جاء الإمام سالم عند المشايخ أولاد سعد الله النبهاني، وعندهم خادم كبير السن، كان لأبيهم، رباهم فصاروا يجلونه ويحترمونه. ولما جاء الإمام تلقوه عند باب المسجد. وكان هذا الخادم هو الذي غطى على الجميع بترحيبه واستقباله للإمام.
وكان هنالك رجل يستضعفه من يراه، جاء ليحاول الإمام، فقال له هذا الخادم: تنفس عن طريق الإمام " يا خنيث " فسمعه الإمام، فقرر عليه الحد بأن يجلد ثمانين جلدة. وأمر بالعصي لتحضر.
فأضطرب المشايخ أولاد سعد الله، وقالوا: إنْ جُلد هذا الخادم ثمانين جلدة سوف يموت. فما الرأي؟ ومَن للإمام أن يرده عن قصده؟
فكانوا في تلك الحالة إذ جاء الشيخ عامر بن خميس المالكي. وكان الإمام يسمع له، ويأتمر بأمره لوثوقه فيه. فتلقاه أولاد سعد الله وطلبوا منه بكل جهد أن لا يحد هذا الخادم.
فدخل الشيخ عامر على الإمام، وجيء بالعصي.
فقال الشيخ عامر للإمام: ما عندكم؟
قال: نريد أن نقيم الحد على هذا القاذف، لأنه قذف.
قال الشيخ عامر: ما الذي قاله؟
قال الإمام: تريد أن أقول مثلما قال؟
قال الشيخ عامر: قال الخادم: يا خنيث، فما معناه أنه لوطي، بل معناه: أنه مُتليّن من قولهم: خنثتُ السقاء، أي ليّنته، فعلى هذا لا أرى أنه يستوجب الحد.
قال الإمام: أوترى ذلك؟ (1/179)
صفحة 180
قال: نعم، فسكت الإمام، وسلم الخادم، واستراحت قلوب أوليائه.
ومما يلتحق بهذا المعنى: ما أخبرني به الشيخ خالد بن مهنا البطاشي.
قال: كان الشيخ أحمد بن سلطان البطاشي، وهو من عسكر الإمامين: سالم والخليلي، وكان ذا بأس ونجدة.
وكان ذات يوم في مطرح، فوجد رجلاً يصارع امرأة وهي تستغيث بالمسلمين، فضربه حتى انجاها منه، فذهب الرجل المضروب إلى الرصاصي - إسماعيل - وكان والياً على مطرح من قبل السلطان سعيد بن تيمور، واشتكى من أحمد، فأرسل الرصاصي إليه، وقال: ما حملك على أن تفعل ما فعلت؟
قال: النهي عن المنكر.
قال: ومن أمرك أن تنهي عن المنكر؟
قال: أمرني الله ورسوله، وهذه يميني بايعت بها الإمامين: سالم بن راشد ومحمد بن عبدالله على أن لا أخاف في الله لومة لائم، ولو رأيت المنكر عندك هنا لغيرته، ولا أبالي بك.
قال الرصاصي: وقد رأى البأس في وجهه: اتركوه. هذا مجنون. " وما هو إلا أنه لا يقوم الباطل في وجه الحق ".
***
ومن مرويات الشيخ سالم بن حمود، قال: لما تولى محمد بن أحمد بن ناصر الغشام الحكم في مسقط وتوابعها، في أيام السيد تيمور بن فيصل: تجبّر على الناس، وأصابهم منه (1/180)
صفحة 181
ذل شديد: وصار يضربهم ضرب الحمير، ويأخذ أموالهم ظلماً وعدواناً، ولا يستطيع تاجر أن يسافر إلا بإذنه، وإذا أذن له كلفه بشراء أشياء ثمينة، ولا يعطيه قيمتها، وهكذا كانت معاملته للناس، وقد وجدوا في تركته بعدما مات: اثنا عشر جونية حطب عود، ومائة وعشرون مندوساً مملوءة بالأشياء الفاخرة، وأربعمائة طاقة خضرنج، وأربعمائة إزار جدد، من غير الملبوسات، ونودي على التركة في ضمن أربعة أشهر، كل يوم منها حتى كملت ... وكثيراً ما آذى العُمانيين الواردين للميرة من الداخل، وجعل عليهم الضرائب ويستغل ركابهم قهراً؛ لتقريب حاجاته، وألزم كل من بال بعيره، أو راث: أن يحمل صاحبه البول والروث لو في ثوبه، وإلا ضرب وغرم، وفعل أفاعيل لم يفعلها الجبابرة من قبله ولا في زمانه، وأوصى في حال موته أن يقرأ على قبره القرآن، فكلما ذهب القارئ ليقرأ، خرج له من القبر ثعبان كأنه يريد أن يلتهمه، فيهرب القارئ. ولم يستطع أحد تنفيذ الوصية. وكان في القبر غور يُرى ذلك الثعبان يدخل ويخرج منه. وتسمع في القبر أصوات منكرة.
***
ومن مرويات الشيخ الرقيشي أيضاً: يروى من أخبار السلطان سليمان بن سيف النبهاني، قال: كان في الردة من نزوى: أخوان شريكان فيما يملكان.
قال أحدهما للآخر: الدنيا دار حاجة، ولابد من تمهيد للحياة فيها، وأحب أن أتخذ يداً عند السلطان: فأقربه للغداء في بيتنا. (1/181)
صفحة 182
فأعترضه أخوه قائلا: لا حاجة لك في ذلك، والسلطان من لا يعرف السلطان، والأسلم لك أن لا تفعل.
قال: مثلك لا يعرف تدبير الحياة، فدعني وما أريد.
قال: إذا كان لابد لك من ذلك فدعني أرحل من هنا، وأفعل ما شئت، لا تقل إني بخلت عليك بالمال.
فذهب وكلم السلطان، فأجابه، ووعده في يوم معلوم للغداء.
فيقال: أنه خرج بجيش أوله يدخل الردة، وآخره يخرج من بيت سليط، ولما أدخل إحدى رجليه من باب بيت المضيف، صاح أحد جلاوزته صياح البقر، فرجع السلطان مسرعاً لا يلوي على شيء، والمضيف يركض وراءه، يناديه: مالك مالك؟ ما الذي أنكرته؟، وهو لم يكلمه حتى وصل بيت سليط، وهنا التفت إليه قائلاً: تستهين بنا، وتذبح لنا بقراً للغداء. فأقسم الأيمان المغلظة أنها أغنام، ولم يخلطها بقر، وأنت لم ترها حتى تعرف ما هي؟
فقال: إن كنت صادقاً فيما تقول: فأحضر الغداء هنا، وأحضر ثلاثمائة قرش أيضاً بدل مسيرنا ورجوعنا.
فلم يسعه إلا أن يقول: أهلاً وسهلاً؛ لأنه لو سأل لماذا؟ لزاد عليه في المبلغ، وربما يتحصل على سجن.
راح المسكين يستأجر من يحمل " صواني " الأكل إلى بيت سليط وهو أمامهم يحمل الدراهم، سلمها له وهو صاغر مع الإعتذار إليه، ثم حمل مواعينه فارغة وقال: هذا ما توقعه أخي، وقد كان أبصر مني بالأمور. أ هـ. (1/182)
صفحة 183
قلت: ومثل هذه القصة ما حدثني به بعض الأخوان: أنه كان في " جزيرة الخضراء " رجل عنده أرض واسعة ترك فيها بقراً وأغناماً كثيرة، فجاءه رجل إنجليزي من موظفي حكومة زنجبار.
فقال له: إن الدولة تحتاج إلى هذه الأرض لحاجتها الضرورية. فكم تريد عنها من القيمة؟ وكم تريد مهلة للخروج عنها؟
قال الرجل: أوتذكرني الدولة. لي الشرف العظيم، أنا أقدم لها هذه الأرض هدية بلا مقابل.
فقال له الإنجليزي: أترك عنك هذا الكلام، الدولة لا تعرفك، ولا تعرف إلا حاجتها، ولا تقدر لك هديتك، والأفضل لك أن تأخذ عنها مقابل مال.
قال: أبداً لي الشرف لذلك.
فلما أعياه، قال له: إذن الدولة محتاجة إلى الأرض، فأخرج أغنامك وبقرك منها.
قال: إن شاء الله ألتمس أرضاً، وبعد أسبوع أخرج هذه الأغنام، وأسلم إليكم الأرض.
فمضى الأسبوع ولم يجد المسكين أرضاً يستبدل بها عن أرضه، فجاء عمال الحكومة، ففتحوا باب الزريبة فتفرقت الأغنام والبقر في البلاد، وصار يصيح بقري، أغنامي بقري، والناس يضحكون عليه. وهذا ما استفاد الأحمق من الدولة. أ هـ. (1/183)
صفحة 184
نرجع إلى مرويات الشيخ الرقيشي، قال: إن السلطان: تركي بن سعيد اعتقل كثيراً من أفاضل العُمانيين، قتل بعضاً وسجن آخرين، وذلك بعد قتل الإمام عزان بن قيس - رحمه الله - وكان من جملة من اعتقل الشيخ الفقيه: حمد بن سليمان اليحمدي - رحمه الله - قيده في مطرح، وفرض عليه أن يخرج بقيده كل صباح إلى - مسقط - فيصل مسقط ظهراً، ويعود إلى مطرح مغرباً، هكذا كل يوم. ولم تكن يومئذ سيارات، ولم يسمح له أن يركب، فكاد يهلك، فسعى في خلاصه الشيخ صالح بن علي، وتآمر مع بعض الناس على تهريبه، فهرب إلى الشرقية، وسكن في بدية، ولم يستقر له قرار في وطنه نخل.
وحدثني الشيخ: ناصر بن سليمان اليحمدي ابن ابن هذا الشيخ:
قال: كان الشيخ سالم بن خلفان الحجري - وكلا الرجلين صالح ثقة - يخدم فلج الراكة من بدية، وكل يوم وقت الظهر يأتي بمن معه من العمال إلى بلدة شاحك وعنده فيها بيت، فيأكل هو والعمال التمر والقهوة، وهكذا دواليك، وفي ذات يوم وجد الناس يتداولون خبر مقتل الإمام عزان بن قيس وواحد من السفهاء يقول: إن صح هذيه خبر بهر فهمطاوعه من ثمي.
يعني: أنه سيتكلم على المطاوعة الذين يؤيدون الإمام بكلام خبيث كالغائط انتقاماً منهم.
يقول الشيخ سالم: وخرجت لصلاة العصر، فوجدت أصحابه محيطين به، وقد خرج من فمه " جعس " عظيم (1/184)
صفحة 185
لا يستطيع أن يلفظه أو يتجرع به.
ولم يلبث أن خرجت روحه معه، والفأل موكل بالمنطق، ونعوذ بالله من سوابق الشقاء. أ هـ.
ومن مروياته أيضاً: قال: الشيخ الرقيشي في السنة التي حج فيها الشيخ محبوب بن الرحيل العُماني، وهو معدود من التابعين.
في تلك السنة: حج عمروس بن فتح المغربي، فسمع عمروس أن محبوباً موجود في مكة.
فقال لأصحابه: نذهب إلى هذا العالم العُماني، لنسلم عليه، ونسأله عن مسائل، فأنتم احفظوا لي الأسئلة، وأنا أحفظ لكم إن شاء الله الأجوبة.
ولما التقيا: أقبل عمروس على محبوب يسأله، وبعد استمرار السؤال، قال محبوب: " هذه الأسئلة من مكنونات العلم " ولا يسأل عنها كل أحد، إلا أن يكون عمروس بن فتح، فلعله أنت؟ وكان لا يعرفه، إلا أنه يعرف أنه من أهل نحلته.
قال عمروس: نعم أنا ذا. فأقبل كل منهما على الآخر، عمروس يسأل، ومحبوب يجيب، واستغرقا وقتاً طويلاً، ورجع المغاربة إلى منزلهم.
فقال عمروس لأصحابه: هلموا، فقدموا لي الأسئلة التي سألت عنها، أجيب عليها بجواب الشيخ لنتدارس ذلك.
فقال أصحابه: لم نحفظ عنكما إلا قولك " احفظوا لي الأسئلة، أحفظ لكم الأجوبة " ثم لا ندري بم تكلمتم؟ وكان (1/185)
صفحة 186
عمروس هذا واحدا من ثلاثمائة ولدوا في طريق الحج بين المغرب والحجاز.
وسمعت الشيخ حمد بن سليمان الخليلي، يقول: إن العلم الذي أصابه الولد أحمد هو بركة دعاء الإمام سالم - رحمه الله - وذلك أن الإمام كان في حصن بهلا، فأوتي " ببسر باكورة ".
فقال: نادوا لي طفلاً أعطه هذه البسرة.
فنادوا طفلاً، لم يرضَ بالذهاب معهم، فمر سليمان أبي، وهو صغير، فقيل له؛ يدعوك الإمام، فذهب إليه، وسأله الإمام: من أنت؟
قال: سليمان بن ناصر الخليلي.
قال: أين تذهب؟
قال: أتعلم.
فناوله البسرة وقال: " بارك الله لكم في العلم ".
قال الشيخ حمد: فتخطتني وأبي الدعوة إلى الولد أحمد فكانت فيها البركة - نفعنا الله به. (1/186)
صفحة 187
مرويات والدي
- رحمه الله -
قال: ابتليت عُمان في أول القرن الثالث عشر، بأهل نجد فكان رجل منهم يغزوها، يقال له: مُطلّق: وولده: سعد: فيفرض أهل البلدان الضرائب، يبدأ بها من الظاهرة، حتى ينتهي إلى جعلان. فلا يرفع إليه أحد رأسه إلا الإذعان والإنقياد، ويأخذ منهم ما أراد سنوياً - فسبحان الله من هذا الذل، والعياذ بالله منه - إلا ما كان من عيسى بن صالح الحارثي، جد الشيخ عيسى الأخير. ففي مرة من مرات، مطلق، وذهابه إلى الشرقية.
قال: أناخ مطلق بجنوده في الواصل من بدية فاستأذن عليه عيسى بن صالح، وكان عيسى رجلاً عملاقاً - سبق أن بينا نبذة من حياته - فقال لمطلق: أيها الأمير: أين تريد؟
قال: أريد جعلان.
قال: وما تطلب من أهالي جعلان؟
قال: جزية، مقدراها ثلاثمائة قرش.
قال: إن أنا أعطيتك الثلاثمائة، هل أنت راجع؟
قال: نعم.
قال: لا تبرح حتى أحضر لك المبلغ، وأعطاه عهداً على ذلك. فخرج عيسى لإحضار الدراهم، فلما خرج، دخل على مطلق زبانيته، فصدوه عن عهده وقالوا: إن المهم من مسيرك توطيد البلاد. أكثر من الدراهم، فعزم (1/187)
صفحة 188
على نكث العهد. فسار الرسول إلى عيسى وأخبره. فرجع في الحال، ودخل على مطلق بدون استئذان، فوجده أعزل، فحمل عليه بالسيف وقال: خُنت العهد أيها الأمير: رد عليه قائلاً، وقد أحس بالموت: أنت الأمير يا عيسى: أرجو العفو، وسأرجع، وقد عُذرت من المبلغ المطلوب. فكان ذلك نصراً لأهل الشرقية في تلك السنة.
لكنه رجع في السنة الثانية: متنمراً محارباً، فقاتله أهل: الواصل قتالاً مريراً، حتى مكنهم الله من قتله فقتلوه.
ويقال: أنه كان يضرب في الرمل، فيعرف الوقت الذي ينتصر فيه، فيقدم. أو ينهزم فيه فلا يتعرض له.
وكذلك: عند أهل الواصل: كان من يضرب في الرمل فصادف ساعة فيها ريح النصر لهم عليه.
فقال لهم: الآن اهجموا عليه.
ومن الصدف: أنهم لما وصلوا إلى خيمته سمعوه يقول: " ساعتهم العفون " يعني: أن هذه الساعة لهم. كما اتفق الحساب، والعفون: لفظة شتم من العفونة. فهجموا عليه، وذبحوه، وجعلوا له قبراً عند: شكل أولاد عرفه: مَنْ مر عليه يزيده تراباً حتى وقتنا هذا.
قال والدي: وكان الحجريون أهل بساطة. فأتفق أن واحداً منهم التقى في مطرح صدفة بسعد بن مطلق.
فقال له الحجري: متى تزور قبر الشايب؟
قال سعد: يوم الزينة. (1/188)
صفحة 189
فيقال: إنه في ليلة العيد من السنة الثانية: غزا سعد الواصل راح من: غاف جماح: عند، جبرين، وصبّح الواصل عند طلوع الشمس من الجانب الشرقي، وكان الحجريون على غرة، فقاتلوه قتالاً شديداً. وكان من خبثه أن اختار هذا اليوم الذي فيه الناس مشغولون بالعيد.
ومن خبثه ومعرفته بالحرب استدبر الشمس عند طلوعها واستقبلها الحجريون. فكانت عوناً له عليهم. وبعد قتال مرير انهزم أهل بدية، فعاث الفساد في البلد، ولكنه بعد تلك السنة أخزاه الله، فلم يعد منهم أحد.
ويحكى أن رجلاً مغيرياً ضربه النجدي برمح فغاص في الرمح حتى ضرب قرنه بخنجر فماتا جميعاً.
فكان أهل الواصل يكبون له فنجاناً تكريماً له. وكانت تلك عادة معهم للشجاع إحياءً لذكره.
وأخبرني الشيخ علي بن سعيد الغافري في الدريز من الظاهرة قال: يأتي عمال مطلق، وعمال ولده سعد لجباية زكاة الحبوب. فيقف العامل على ربوة من الأرض، فينظر في الزرع فيقول: على أهل هذا البلد كذا ... وكذا.، فلا يستطيعون مخالفته، ويوجه الإنذارات إلى من أحس منه الامتناع. ومن جملة كتبه المنذرة، كتابه لأهل: (عملا وضم) من بني هناءة: " من سعد، وأنا سعد: إلى أهل / دن وعملا وضم: اجبلوا، وإلا زدتكم فوج الهم غم ".
وتارة يوجه الغزاة من أهل عُمان كما يظهر من كتابه إيضاً إلى شيخ بني عمر، حسبما روى الشيخ علي بن (1/189)
صفحة 190
سعيد: " من سعد وأنا سعد إلى شهيل بو بطن: شل زادك وزنادك، والحق سنان بالخصيان وإلا يديك مغلولة عجفا " يعني على قفى. وسنان هذا شيخ بني علي، وأخبرني عن كتب كثيرة من هذا النوع. آسف على ضياعها من ذاكرتي. أ هـ.
وأخبرني والدي قال: كان السيد فيصل بن حمود بن عزان - رحمه الله - تزوج امرأة صالحة من الواصل من بدية، فشاء الله أن تموت في وطنه، ويموت هو في وطنها، وفي بعض تردداته ما بين الرستاق والواصل: بات ذات ليلة في الكثيب غربي الخوض، وكانت ليلة مقمرة، فسمع في جوف الليل أنيناً في مقبرة قديمة كانت هنالك. فقام لينظر صاحب الأنين، فوجد عقرباً عظيمة تلسع جمجمة إنسان بالية فكلما لسعتها أنّت تلك الجمجمة، وإذا وقف عتها هدأت. وهكذا دواليك، قال: فشعرت بخوف هزني، فأمرت أصحابي بالرحيل تلك الساعة.
قلت: هذا مما يؤكد عذاب القبر.
وحدث عنه أيضا قال: وقعت في الشرقية أمطار غزيرة، مكثت أياماً تهدمت منها البيوت، وأضير الناس منها ضرراً كبيراً. فأتفق أن السيد: فيصل بن حمود هذا في القابل، وكان لا ينام طوال الليل، وكان في يده مسحاة وقفير لا يتركهما، كلما سمع في بيت ضوضاء دخل ليساعدهم على مهمتهم. فكان هذا شأنه. (1/190)
صفحة 191
وحدثني عنه أيضاً قال: كنا ذاهبين إلى بدية، ولما وصلنا الواصل وكان السيد فيصل بها، صاح الصائح ونحن لم تزل خيولنا في أيدينا، فركبناها بالحال نؤم مكان الصايح كغيرنا من الناس. وإذا بالسيد فيصل قد رجع من عند الصايح يقول " العوافي ". ليس هناك ما يستدعي الذهاب.
قال: فعجبنا منه كيف تمكن من الذهاب قبلنا؟ وكان على غير استعداد، ونحن على استعداد أكثر منه. ولكنها الشهامة والحزم.
ولا أدري: هل الأمطار التي ذكرها الوالد، وقام فيها السيد فيصل هي التي وقعت في زمن الشيخ صالح التي دامت شهر رجب كله، فأضطر الناس إلى أن يخرجوا من البيوت، ويسكنون تحت " الدعون " التي قال فيها الشيخ صالح ذات ليلة لإبنه عيسى وقد رأى نجماً في السماء: يا: أبي ذلك نجم، قال الشيخ: بشرك الله بالجنة يا عيسى حين بشرتني برؤية النجم. أم هذه الأمطار غيرها في وقت آخر.
وسمعت والدي يقول: كان أناس مسافرين أناخوا تحت شجرة بجنب مقبرة، وواحد منهم اسمه سعيد، كلما ناداه أصحابه ظهرت لهم من تلك المقبرة عقرب، فإذا سكتوا انجحرت في جحرها، وصاروا كالمستهزئين بها وبصاحبهم، فغضب سعيد وقام إليها وقال: تضحك علينا عقرب؟ وتناول عوداً من الأرض ليضربها به. ولسوء (1/191)
صفحة 192
حظه هزأ بها فدغرها بذلك العود، ولم يضربها، فإذا بالعود رميم من الداخل، ويظنه صلباً، فأنكسر، ووقعت يده على العقرب فمات من حينه.
وتقرب من هذه القصة: ما سمعته يروى أنه: كانت امرأة متطببة تداوي الناس وتوصف بالحسن. فجاء ثلاثة شبان قالوا: كيف لنا أن ننظر إلى هذه المرأة، فنتمتع بحسنها، ولا يدخل عليها إلا مريض؟
فقال واحد منهم: أنا أجرح نفسي، فأحملوني إليها، فأخذ عوداً من الأرض وخدش به ساقه، فأدخلوه عليها يشتكون الجراح.
فقالت: هذا الجراح من عود قاءت فيها أفعى، وصاحبكم سيموت ولا ينفعه الدواء. وبالفعل فقد مات، ولم ينتفعوا بما أرادوا. والأمر لله.
وسمعت والدي يقول: رواية عن أحمد بن محمد بن خميس:
ولد الحضري قال: كنا حجاجاً، وذات يوم ونحن في مكة جالسين في زولية، ونحن خمسة نفر، فوقف علينا رجل وقال: يا حجاج: احذروا اللصوص، فإن في هذا البلد لصوصاً عباقرة.
قلنا له: ما يسرق علينا اللصوص إذا جاء؟
قال: يستطيع أن يسرق هذه الزولية التي تحتكم.
قلنا: إذن موتنا خير من حياتنا إذا سرق زولية من تحتنا، ونحن قاعدون عليها. (1/192)
صفحة 193
قال: هكذا يصنع، وقبض بيديه على طرفي الزولية، ونفضهم منها وهرب بها.
قال: قال: فنحن حتى نقوم من تلك العاصفة التي عصفت بنا لم نر الرجل وذهب بالزولية، وأقبل بعضنا على بعض نتلاوم، وكان ذلك أيام بالرشيد.
وحدثني والدي قال: كان رجل قائماً تحت سدرة في شرجة الإبراهيمية في سمائل. فكان كل يوم عند غروب الشمس يرى جرادة تأتي فتدخل في تلك السدرة ولا تخرج. فبقى أياماً كذلك والجرادة لا تنقطع. فطلع الرجل إلى السدرة ليرى حالة ذلك الجراد الذي يدخل ولا يخرج. فوجد عصفوراً أعمى وحواليه من ريش ذلك الجراد ما يغطيه.
قال: فأخذت ذلك العصفور وذبحته وأكلته، وانتظرت تلك الجرادة لتأتي على عادتها فلم تأت، فعلمت أن الله يسوقها رزقاً لذلك العصفور، وانقطعت بموته.
وحدثنا الوالد أيضاً عن نفسه حين حج في سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف هجرية. قال: وكانت وسائل النقل صعبة جداً وكانت مكة - شرفها الله - لا تدخلها السيارة إلا بإذن، وأهل الحمير والركاب يتحكمون على الحجاج، ويعذبونهم. وفي تلك السنة، وقد احتل الملك عبدالعزيز الحجاز، وجاء إلى مكة وقد بلغنا وصوله، ذهبنا لنسلم عليه، فوجدناه قاعداً في مكان مرتفع عن أصحابه، (1/193)
صفحة 194
وهو يحدثهم وصوته يسمع من بعيد.
قال: فسلمت عليه، فأخذني وأجلسني بجنبه، وقال: نتم حديثنا مع الجماعة. ثم التفت إلي بعد الفراغ من حديثه، وقال: أنت عُماني؟
قلت: نعم.
قال: كيف حال الإمام الخليلي، والشيخ عيسى الحارثي.
قلت: بخير والحمد لله، لو عرفا أني ألقاك لسلما عليك.
قال: أنت سلم عليهما.
ثم قال: ما حاجتك؟
قلت: سمعنا عنك، فجئنا لنسلم عليك، وليس لنا حاجة، وشكرناه على رعايته لنا، واستأذنا بالخروج. فلما كنا خارج الباب استوقفنا رسوله، وقال: يقول الملك: لعلك استحييت أن تسأل حاجة؟ ويقول لك: لا بد لك من أن تسأل حاجة.
فقلت: كل شيء والحمد لله متوفر معنا، ولا داعي إلى السؤال. وهو مدخر للحاجة الكبيرة.
قال: فما ترك لي بداً، فقلت: إن الحرم لا تدخله سيارة فنحن حاجتنا الإذن لسيارة تأخذنا ومتاعنا من الحرم إلى مكان القافلة.
قال: هل غيرها؟ (1/194)
صفحة 195
قلت: إبلاغ شكري لجلالة الملك. وبالفعل وصلتنا سيارة، فتحملنا عليها من رباط العُمانيين إلى خارج مكة حيث القوافل. فأخرجنا لسائقها النول لنعطيه.
قال: تريدون قتلي؟
فما رضي أن يأخذ منا شيئاً. وكانت العملة المتداولة يومئذ (جنيهات ذهبية).
فسافرنا في القافلة إلى جدة، ثم ركبنا إلى عدن. فبقينا في عدن شهراً كاملاً لم نجد حاملة تحملنا، وكنا نريد زنجبار، والاتصال يومئذ قليل، حتى قلق علينا أخي عبدالله، وبعد شهر كامل: جاءنا المبشِّر أن هذا اليوم يصل حاكم زنجبار إلى عدن، فلعلكم تواجهونه، فيرتب لكم سفركم.
قال: وإذا بالحاكم الذي يعنونه هو الشيخ: سليمان بن ناصر اللمكي في طريقه إلى أوروبا. وكان من الأغنياء المشهورين بالكرم المبرزين، وله حكاية مع قنصل بريطانيا في زنجبار نذكرها إن شاء الله فيما أقبل.
يقول الوالد - رحمه الله - فتلقيناه وأخبراه عن مشكلتنا. فقال: هذه الباخرة ستعود إلى زنجبار، فتعبرون بها إن شاء الله، واقترضنا منه دراهم، لأنه فرغ ما عندنا.
قال: وتسلط عليّ رجل في عدن، يطلب مني أن أصحبه فيطوف بي الآفاق حتى نكتسب أنا وإياه غنى؛ بحجة أني أنا من أولاد فاطمة الزهراء، وأن الشيعة في العالم سيزنونني بالذهب إذا رأوني. (1/195)
صفحة 196
يقول لي: ثم نقتسم أنا وإياك ما نكتسبه، فنكون أغنياء.
قلت: لكني لست من أولاد فاطمة! ولا يجوز الكذب على الناس والخداع.
قال: لكني متأكد أنك منهم، لكنك حاسد، فلما لم أوافقه على الإقرار بأني منهم. قال: لا بأس اصحبني والكذب هو يحتمله، أما أنت فلا تتكلم إن كنت تخاف الكذب، وأنا أكفيك كل شيء، حتى أردك حيث تحب، وهذه فرصة لا تفوت.
قلت: أعوذ بالله من شرك. فآذانا أذية اضطرنا فيها أن ننتقل من ذلك المكان إلى مكان لا يعرفنا.
قال: ولما كنا في الباخرة، طلع علينا رجل أسود ضخم، فجلس في فراشنا من غير التفات إلينا وعلّق فوقنا سمكة يقطر دمها فوقنا وفوق فراشنا. ولما كلمناه: هجم علينا ليضربنا، فخفناه وسكتنا. واستعملنا معه طريقة الرفق والمعروف معه بدل الشدة والنزاع عملا بقولهم: " ما دخل الرفق بشيء إلا زانه، ولا دخل الخرق بشيء إلا شانه ".
وكنا قد بقي معنا حلوى من مسقط، فأعطيناه منه. وبعد الجدال الطويل أخذه، وكان ممتنعاً عن أخذ أي شيء منا، بل وحتى عن كلامنا: متوحش متحفز للبطش بنا إن نحن أكثرنا عليه. فلما لطف الله بنا، قبل منا تلك الحلوى.
قال: لما أكلها: حلاوة؟ فبش في وجوهنا: فأول ما برنا به، قام إلى تلك السمكة فأنزلها، وأهدانا إياها (1/196)
صفحة 197
للغداء، وصار يأكل معنا: خادماً مطيعاً ينافح عنا ويخدمنا. وإذا أراد أحد أن يقترب منا بغير إذن هجم عليه فيهرب. والمهم أنه صار بعد ذلك - تسخيراً من الله - كالكلب الحارس، حتى وصلنا زنجبار. فأردت أن أنزله معنا، فأكرمه، ولكنه لما رأى هيئة الناس الذين تلقونا اختفى ولم نجد له أثراً. وتلقانا العرب في ميناء زنجبار بهيئة يحسدون عليها.
ولما كنا في مكة - شرفها الله - وكان صاحبي في الرحلة: مبروك بن سعيد رجل فاضل، فمللنا اللحم، وطلبنا سمكاً، فذهب مبروك إلى بائع السمك.
فقال له البائع: اذهب يا عبد، لست أنت من أكلي السمك عليك باللحم، فما رضي أن يبايعه، وذهب مرة ليشتري ماء، فوجد رجلاً يبيع ماء من المستنقعات المتخلفة من الأمطار، وقيمته ضعف قيمة الماء المصفى من البحر.
قال مبروك لبائع الماء: هذا الماء الذي عندك غير نظيف، ومع هذا فهو أغلى من ذلك الماء الصافي النظيف. فغضب المكي على مبروك غضباً شديداً، وقال: تُشبّه موية ربك، بموية كافر! تب يا عبد: وهم به ليضربه، فهرب مبروك من بين يديه.
وأخبرني الشيخ الحاج عبدالله بن سعيد الوهيبي، قال: كنت في جدة، فجئت إلى سوق الخياطين، فأردت أن يخيطوا لي ثوباً، فأمتنعوا كلهم. فسألت عن السبب؟ فقال (1/197)
صفحة 198
لي واحد: لأنك عُماني، وهم يخافون العُمانيين.
قال: ما السبب؟
قال: لأنه ثبت في نفوسهم أن العُمانيين سحرة، بسبب قضية وقعت هنا في جدة يتداولون خبرها. فسألته عن القضية، قال: أترى تلك الأرض الفارغة؟
قلت: نعم ...
قال: في ذات سنة نزل بها عُمانيون، وعلى رأسهم رجل يقال له: جاعد بن خميس، وكان اللصوص يومئذ يسرقون الكحل من العيون، لا يسلم أحد منهم، فرأوا هؤلاء الحجاج، فهموا بهم، ولكن وجدوا منهم حزماً، ولما أصبح الصباح، قال جاعد لأصحابه: اربطوا متاعكم واتركوه مكانه، ونذهب نحن إلى البلد فنستريح في شيء من المساجد، ونلتمس من يحملنا إلى مكة: وهذه الشمس قوية لا نستطيع أن نقعد عليها، ولا نستطيع أن نحمل أسبابنا على ظهورنا.
قال أصحابه: إذن يخلف الله علينا في متاعنا. ما نصنع باللصوص؟
قال: أنا الكفيل على أن لا يمسوها. فتركوا متاعهم، ودخلوا البلد.
وقد هم اللصوص أن يهجموا عليهم، لكن لما رأوهم تركوا أمتعتهم وذهبوا، رأوها لقمة سائغة، وفرصة سانحة. فجاءوا إلى الأمتعة، وحمل كل واحد منهم حزمة على رأسه: فمن رفع يديه إلى رأسه بالحزمة، لم يستطع أن ينزلهما، ولم (1/198)
صفحة 199
ولم يستطع أن يزايل مكانه. فوقفوا هكذا: كأنهم العمد من أول الصباح إلى العصر، وقد أخذت الشمس منهم مأخذها: يستغيثون فلا يغاثون، وبعد العصر رجع العُمانيون إلى متاعهم، فرأوهم على تلك الحالة، وما أن رأوهم مقبلين إلا واستغاثوا بهم تائبين ومستجيرين. فقال الشيخ جاعد - رحمه الله -: على شرط أن تعطوني موثقاً وعهداً: أن لا تؤذوا الحجاج: عُمانيين أو غيرهم فأعطوه العهد على ذلك.
وهنالك استطاعوا أن ينزلوا الأمتعة من رؤوسهم ويذهبوا بعدما رأوا الذل والنكال. فأصبحت تلك الأرض ينظر إليها بعين الهيبة، فلا يستطيع أحد أن يدخلها حتى زمان قريب، وحمى البلاد ابن سعود، وطهرها من اللصوص، فأمنت، وأمن الحجاج - جزاه الله خيراً ...
وبمناسبة ذلك ما سمعت عمي يذكره: أنه لما حج. وعزموا الخروج إلى المدينة المنورة بعد الحج، وكان في القافلة ألف جمل، اعترضهم اللصوص قرب رابغ، فطلبوا منهم مبلغاً كبيراً، ليسمحوا لهم بالمرور. أو يردوا من حيث أتوا. فلم يكن عندهم المبلغ، فرجعوا. وهكذا كانت الحالة لا يكاد أن يسلم أحد.
ومن النكت: أنه كان في الرحلة الحاج عامر بن حمد الحجري فلما رجعوا إلى مكة، قال له واحد من أهل مكة:
زرتم رابغ؟ كالمستهزئ به. (1/199)
صفحة 200
فقال: زرنا مدينة الرسول يا بغمة (1). أ هـ.
والشيخ عامر بن حمد هذا: حج ما لا يقل عن أربعين حجة، كما حدثنا عن نفسه، وهو رضي تقي، كانت له كرامة عند موته، وهو أنه سافر إلى زنجبار في السفن الشراعية، وفي البحر مرض، وأدركه الموت، فأختار الله له ما عنده.
فلما مات: غسّله أصحابه، وكفنوه، وثقلوه بحديد، وألقوه في البحر (كما هي العادة) وساروا. وبعد ثمانية أيام من موته وصلوا زنجبار، فوجدوا الرجل وصل قبلهم: تتقاذفه الأمواج وحملته إلى ساحل زنجبار، وقذفه البحر في مكان يسمى ساعتين، فعرف. واجتمع أفاضل زنجبار فصلوا عليه، ودفنوه في مقابر المسلمين، وحجب الله عنه كل شيء في البحر، ووصل ولم يتغير منه شيء. كأنما مات تلك الساعة ... - رحمه الله وغفر له -.
ومثلها ما حكى لي الحاج عبدالله بن سعيد الوهيبي. قال: كانت امرأة عجوز في قريات تمشي على عصى من الهرم، وكانت لا تدخل بيتا أو مكاناً إلا وتصلي فيه قبل ركعتين، ولا يفتر لسانها من الذكر، وكان العامة من الناس يسمونها الساحرة، ويتحاشون قربها. ففقدت قدر عشرين يوماً، وصاروا يفتشون عنها، ثم ظفروا بها بعد العشرين بالخور الذي يفيض من البحر ميتة بسبب الغرق فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البغمة - الغبي في عرفهم. (1/200)
صفحة 201
فحملت، ولم يتغير منها شيء، كأنها ماتت ذلك اليوم، وليس فيها أي عفونة. " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ".
وحكى لي الشيخ يحيى بن سالم الشامسي: أن قوماً حفروا في مكان أظنه قال: في ولاية بدبد، فوجدوا قبراً فيه امرأة كأنما دفنت أمس، وما كان هنالك آثار لمقبرة أو شيء يدل عليه.
فردوا عليها التراب، والتمسوا أحداً من أهل السن فوجدوا رجلاً ناف على التسعين فسألوه فقال: حفظت وأنا صغير أن هذه المرأة كان عندها بقرة تقسم سمنها ثلاثة أقسام: قسم تتصدق به، وقسم لحاجات البقرة، والثالث تنتفع به.
ولما ماتت: كان في تلك الأيام مخافة، فدفنت خفية في ذلك المكان.
وعليه: فقد مضى عليها ما لا يقل من ثمانين سنة، وهي لم تتغير. فسبحان الكريم الرحيم لعباده
قلت: وهذا سر الصدقة.
***
وقال عمي: كنا ذهبنا في هذه الرحلة (1) إلى الحج، على باخرة من باكستان إلى جدة. ولما كنا في عرض البحر: احترقت الباخرة، وكانت مشحونة، قطنا فلما علم الناس بالحريق اندهشوا: وتركوا كل شيء، حتى الأكل خوفاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرحلة التي يشير إليها هي التي سبق ذكرها أنهم ردهم اللصوص من رابغ ولم يتمكنوا من وصول المدينة. (1/201)
صفحة 202
على أنفسهم. وكان في صحبتنا أخي ناصر بن سليمان: فقام يطبخ الأكل والناس يبكون.
فقلنا له: لم تطبخ أكلاً والناس على هذه الحالة، وأنت تنفرد بذلك؟
قال: نحن لا ندافع القدر، ونعين الموت على أنفسنا، فإذا جاءنا الموت ونحن على شبع، خير من أن يأتينا ونحن على جوع. تفويضاً منه لأمر الله.
وجاء ليطبخ وقت العشاء مرة أخرى، فأعترضناه ومنعناه من ذلك، ولما أصبح الصباح. نرى السفن تلاحقنا من كل جانب.
فقلت: هذه: الواحية: (ما هي بواحية السديرة) معناه: واحية السديرة على الركاب، وبعد طول وقت أدركتنا واحدة منهن، لكنها وقفت بعيداً عنا، لما تخافه من اشتعال النار، وأرسلت قوارب لتنقلنا إليها، فأنزلنا، ووقف لنا العسكر على الباب: ألا يشتغل أحد منا يحمل شيء من الأمتعة، تلافيا لسلامة الأرواح. فنزل ركاب السفينة كلهم، وما كادوا أن يتكاملوا بالنزول، حتى صارت تلك السفينة جمرة واحدة، ثم همدت.
وما كان أخرها إلى هذا الوقت إلا نفوس البشر - فسبحان من بيده كل شيء. (1/202)
صفحة 203
قال: وكان في صحبتنا محمد بن سعيد المسروري ربط دراهمه في وسطه، وقال: أموت وأحيا بها، لأنها حياتنا.
قال: فنفعتنا تلك الدراهم جميعاً؛ لأنا لم نملك من الدنيا إلا الثياب التي على ظهورنا. أ هـ.
وقد وعدنا أن نذكر الشيخ اللمكي: بدت لهذا الشيخ حاجة في القنصل البريطاني في زنجبار، فذهب إليه، فرأى منه سوء رد، فخرج من عنده وسافر إلى لندن، وسأل عن أم القنصل، فدل عليها: ترعى الخنازير في مكان كذا ... فتبعها، فوجدها في حالة سيئة: عليها ثياب رثة متمزقة، وهي ناحلة من الجوع والتعب، فأعطاها جنيهات وقال لها: إن هذه من ولدك، أرسلها إليك معي. فأعطني وثيقة تشهد لي معه أني سلمتك الرسالة، فأعطته ورجع إلى زنجبار، وراح إلى القنصل، فأعطاه كتاب أمه كالمعير له: أنكم في بلادكم ميتون من الجوع وفي المستعمرات تتعاطون الكبرياء. لكنه لم يصرح له بذلك.
فيقال: إن ذلك القنصل لم يبت تلك الليلة في زنجبار، حياءً مما صار. أ هـ.
ومما يناسب الذكر: هو أنه لما أُحتلت زنجبار من قبل حكام تنزانيا بمشايعة دولة الكفر، وأصاب أهاليها ما أصابهم من الذل والتشريد والسجن والقتل إلى آخر ما اطلع عليه كل أحد. وكان ذلك في الرابع والعشرين من شعبان عام أربعة وثمانين وثلاثمائة وألف هجرية. (1/203)
صفحة 204
بقيت الإذاعات تهول الوضع إلى أقصى حد: تذكر أشياء تفعل بالعُمانيين هنالك. مما تقشعر له الأبدان، وخفيت الحقيقة. وكان والدي -ر حمه الله - من كثرة ما يحب أخاه، ويشفق عليه: كاد يجن من القلق الذي أصابه، لأجل الواقع. فكانت رحمتنا له أكثر من رحمتنا للغائب.
وفي ليلة ثلاثة عشر رمضان: رأيت أنا رؤيا: " كان الوالد عبدالله بن سليمان ومعه رجل هندي من أغنياء زنجبار، وثالث لا أعرفه كأنهم واقفون يتحدثون وعليهم بشوت سود خلعوها.
وقال الوالد عبدالله: هذا اليوم أول يوم نخلع فيه بشوتنا.
وقال بالمثل العُماني: لا تأخذ بالغريب تاده، كل غريب منتهاه بلاده.
وانتبهت: وبعد فراغنا من قراءة القرآن - طلوع الشمس - تقدمت إلى والدي، فقلت: بشارة: هذا ما رأيته، فاطمئن على صحة أخيك، وأنه سيقدم إلى بلاده. فكانت رؤيا والحمد لله كفلق الصبح.
وفي سبعة عشر رمضان: وصل كتاب منه يخبر فيه عن الواقع، وأنهم بخير، لكنهم ممنوعون عن الخروج من زنجبار. وبعد ذلك بعام واحد: أذن لهم فخَرجوا. فوصل إلى عُمان. وتم تعبير الرؤيا.
*** (1/204)
صفحة 205
وكان الوالد عبدالله بن سليمان، قبل وقوع هذا الحادث بثلاثين سنة تقريباً، نظر في كفه رجل أسود.
قال له: تدل خطوط كفك على أنك نعيش تسعين سنة، وأنك تلاقي حوادث هائلة، وأنك تموت في بلادك.
قال: ها أنا ذا أناهز التسعين، والحوادث لقيتها، والله أعلم أين أموت. فمات في أبو ظبي - جزء من عُمان – وعمره: تسع وثمانون سنة. أ هـ.
وأخبرني والدي قال: أصاب رجلاً صرع، فدُعي له الشيخ: سعيد بن خلفان الخليلي: ليقرأ عليه.
قال الجني للشيخ: لا تقرأ.
قال: ولم؟
قال: لأني لا أتأثر بالقراءة، فلن أخرج، فإن قرأت سؤوذيك، ولا أحب أن أؤذي مثلك.
قال الشيخ: هذا دجل منك لا أقبله.
قال الجني: أريك آية، فإن كفتك، وإلا فلا لوم علي بعدها إن أصابك مني سوء.
قال: فعطس الشيخ في مجلسه ذلك قدر خمسن عطسة لا ينفك بعضها عن بعض أذهبت قواه، وكادت أن تنفصل يداه عن مناكبها.
قال له: هل يكفيك ذلك عن التعرض لي؟ فخرج الشيخ عنه، ورأى أنه سيعرض نفسه للخطر. (1/205)
صفحة 206
ومثل هذه القصة ما رواه لي والدي، قال: كان رجل يسمى خاتم، يسكن القابل، وكان يقرأ على المصروعين، فيخرج الجني، وصارت له شهرة.
فدعي به يوماً في بلدة الواصل؛ ليقرأ على مصروع، فلما قرب منه؛ وهم بالقراءة قال الجني: يا خاتم، لا تقرأ، فأنت لست ممن يخرج على يدك أمثالي.
فغضب خاتم، وقال: لابد من أن تخرج.
قال الجني للحاضرين: انصحوه وإلا سوف يموت قبل المصروع. فأصر خاتم، فابتدأ يقرأ، لكنه ما كاد يقرأ حتى خر ميتاً، ثم رجع إلى صاحبه فقتله، فأخرج من ذلك البيت جنازتان في آن واحد.
ومثله ما روي: أنه صُرع رجل في مكة المكرمة، وكان الشيخ قطب الأئمة الجزائري حاضراً .. فوقف على رأس المصروع وقرأ {آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ}.
فصاح الجني: أخرج. أخرج. فخرج.
فلما ذهب الشيخ القطب عنه، رجع الجني إلى صاحبه، فصرعه مرة أخرى فقال أحد الحاضرين: أنا سمعت الشيخ يقرأ هذه الآية، فقرأها على المصروع، فضحك الجني وقال: نعم. الآية حق، ولكن قارءها ليس هو الأول، فما رضي أن يخرج.
وفي السنة التي حج فيها قطب الأئمة، دخل عليه في مجلسه وهو في المسجد الحرام حميد بن سعيد العيسري - رجل (1/206)
صفحة 207
فاضل من أهل إبراء.
قال: فوجدته قاعداً بين أربعة حوائط من الكتب.
قال: فلما رآني مقبلاً، وكانت عليّ ثياب رثة، أومأ إليّ أن قف مكانك، فوقفت، ورمى إلي بقارورة حل عود.
وقال تطيب، ثم أقبلْ.
قال فتطيبت، وسلمت عليه، وجلست عنده، وهو مرة يكتب ومرة يراجع، وبجنبه مرود ذهب، ومكحلة فيها أثمد، وبعد كل نصف ساعة يكتحل من ذلك الأثمد.
وكان حميد فيه بعض الإغفال.
فقال للشيخ: متى تقرأ هذه الكتب كلها؟
قال: " حين أرقد ".
وكان حميد هذا يسميه شيخنا نور الدين " التاجر الصدوق " وكان رفيقه في سفره إلى الحج في السنة التي حج فيها. ولما كانا بمكة المكرمة، والشيخ نور الدين يتصل بعلماء الحرم، ويناظرهم في الأمور الدينية، يقول لحميد: إذا سمعت الحوار بيننا لا تتدخل في الكلام، لا ينتقدوك.
وكان ذات يوم مع علامة منهم يسمى " الزبير "، تطرق الحديث إلى ذكر المذهب الأباضي، وأظهر الشيخ السالمي نور المذهب وصحته، والأصل الذي يعتمد عليه.
فقال الشيخ الزبير: " عندكم الحق ".
قال له الشيخ السالمي: " حاشاك أبا عبدالله تترك الحق ". (1/207)
صفحة 208
فضحك حميد، فالتفت إليه الزبير قائلاً: هنيئاً لك الجنة
ولما خرج الزبير، قال الشيخ لزميله: هل عرفت ما يقصد لك بالدعوة؟
قال: يدعو لي.
قال له: ألم أقل لك لا تتدخل في شيء، عنى أنك " بله "؛ لأن أكثر اهل الجنة البله.
وفي بعض لقاءاتهما قال الشيخ الزبير للشيخ نور الدين: تفضلوا معنا غداً.
قال الشيخ: نعم.
قال الزبير: أنت وقائدك فقط.
ولما قمنا للأكل قال لهما: " كلا ولا تتكلفا ".
وفي جلسة أخرى، دعا الشيخ نور الدين الشيخ الزبير للغداء وقال له: تفضل أنت وكل من يحضرك. ولما قعدوا للأكل قال الشيخ: " كلوا حتى تتضلعوا ".
ومن محفوظات أخينا ناصر بن محمد اللمكي قال: إنه حفظ هذا الكتاب من شيخنا نور الدين لهذا الشيخ صديقه الزبير، هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
لحضرة الشيخ الفاضل الكامل الأريب، الزبير بن علي الأصغر العظيم، أبقاه الله راشداً مرشداً هادياً مهدياً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: (1/208)
صفحة 209
نحن بخير، وفي خير ..
صدرت لك هذا الكتاب من الوطن ..
من بلد القابل عُمان ..
واسأل الله أن يصلك وأنت في حال السلامة، ومنذ افترقنا وإياك من مكة المكرمة لم أجد منك كتاباً ولا زلت أستنشق الأخبار من جهتك، ولم أجد الصحيح من خبرك، وقد خفى عليّ أثرك، وغاب عني خبرك وسالفاً وعدتك أن اكتب مقالة أشياخنا في عقيدتهم بنص عبارتهم، فكان اختفاء أثرك، وانقطاع خبرك مانعاً لي من كتابته.
ثم إن الله قد منّ عليّ بكشف ما هم عليه من الحق الصريح في أرجوزة سميتها: كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة يعني طريقة الأصحاب؛ فإن غالب أهل المذاهب قد جهلوا ما نحن عليه.
وتشوقت نفسي لإطلاعك عليها، وقد ضممت إليها بعض أبيات من جوهر النظام، وقد وقفت أنت على أولها فتمت بعد ذلك بحمد الله. فأسألكم بالله أن تمعنوا النظر. وتنظروه نظر منصف، وعليكم عهد الله أن تتقبلوا إن كان حقاً، وتظهروا باطله إن كان باطلاً، وهو العهد الذي أخذه الله على أنبيائه ورسله أن تبينوا ولا تكتموا. واذكركم لصل الصحابة وتنبئهم في ذلك لما روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. (1). أ هـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مع الأسف يبدو أن الكتاب منقطع وكأنه غير مستوفي وهذا ما اطلعت عليه. (1/209)
صفحة 210
ومثله: مسعود بن علي الطوقي: وهو أحد تلامذة الشيخ نور الدين وقد أعطي في ذات يوم قرشين، فقبضهما في يده مدة طويلة لا يعرف أين يتركهما. ثم جاء إلى شيخه، فقال له: لم أجد لهذين القرشين مكاناً أتركهما فيه، إلى أن أحتاج إليهما.
فتعجب الشيخ منه وقال: إلى هذا الحد يا مسعود؟
" يسلم عليك هلال بن عامر، أخفى باخرة بشحنتها، وامتلكها ولم يطلع عليه أحد ".
قلت: وهذا من باب قول: عمر بن الخطاب - رحمه الله - يقال عنه: أنه إذا استضعف رجلاً قال: " سبحان من خلقك وخلق عمراً ".
***
وهلال بن عامر هذا هو من الجماعة الحرث. كان وزيراً للسلطان حمد بن ثويني. سلطان زنجبار. ولما مرض السلطان صار لا يدخل عليه إلا هو، ورأى أنه مريض - مرضاً لا يسلم منه. فصار يهرب الأشياء الثمينة من القصر حتى شحن باخرة استأجرها - أو هي للسلطان أيضاً لا أدري - فلما اطمأنت نفسه بما أودع فيها من أموال جزيلة أرسلها إلى عُمان، ولم يشعر بذلك أحد أبداً.
ومات السلطان والبيت خال من كل ما يرغب فيه.
وسافر هو إلى عُمان، وتأثل منها أموالاً طائلة معتقداً أن ما في يد السلطان بيت مال حلال أخذه. أ هـ. (1/210)
صفحة 211
ومسعود الذي سبق ذكره - حسبما ذكرنا - أنه رجل صافي القلب فمن جملة ما يحكى عنه أنه اجتمع بالشيخ سليمان بن سنان العلوي في بلدة سرور، وكان من قبل صديقاً له، فلما وجده بعد مدة طويلة لم يعرفه.
فقال له سليمان: ألا تعرفني؟
قال: لا أعرفك.
قال: أنا سليمان بن سنان.
قال: أنت سليمان: كيف لا أعرفك وأنت صديقي؟! أعرف جيداً، لكن ما كنت أحسب أني ألقاك في هذا البلد. وكان يحفظ القرآن العظيم، فسأله ذات يوم الشيخ عيسى بن صالح: ألا زلت يا مسعود تحفظ القرآن؟ فغضب. وقال: ما الذي بلغك عني؟ فلما كان العام الثاني قال للشيخ: أصابتني عقوبة منك ..
قال: كيف ذلك؟
قال: لما سألتني عام أول عن بقاء حفظ القرآن وغضبت عليك، عاقبني الله بسبب ذاك الغضب، فنسيت كثيراً من القرآن، ولم أستطع استرداده. أ هـ.
***
وكان من فحول العلماء في دولتي الإمامين: سالم بن راشد ومحمد بن عبدالله. هو الشيخ: عامر بن خميس المالكي، كان أبوه يسكن وادي بني خالد، فأضطر للإنتقال منها، للعسف والجور الواقعين بها. (1/211)
صفحة 212
فجاء عند الشيخ صالح بن علي الحارثي يقول: إني أحب السكنى بجوارك. فخيره أي بلدان الحرث يختار؟ فأختار بلدة عز، وكان بها محل شديد، وكان الشيخ عامر آنذاك لم يبلغ الحلم، فطلب العلم، وتردد إلى مجلس الشيخ سعيد بن علي الصقري؛ ليتعلم، وأبوه يمنعه من التعلم ويقول: نحن فقراء نطلب العيش، وهذا العلم لا يكسبنا شيئاً، فأشتغل لكي تأكل، وأنا لا أريد عليك أكثر من قفير سماد كل يوم، فإذا جئت بما عليك، سر حيث شئت.
فكان من قوة رغبته يذهب إلى خارج البلد في الثلث الأخير من الليل فيلتقط ملء قفيره سماداً، وما تطلع الشمس إلا وهو قد أنهى ما عليه، ويظل طيلة نهاره ملازماً للشيخ الصقري. وكان لا يهتم بأكل ولا بنوم حتى نال ما تمناه من تحصيل العلم، فصار من فحول العلماء الشجعان، وعمر بيت مال المسلمين في نزوى كله، وجعله من خير الأموال الموجودة، وحسده بعض جلساء الإمام سالم، فوشوا به أنه يختلس دراهم بيت المال فيضعها في صناديق التمر يحملها إلى بلده.
فأراد الإمام أن يبرئ ساحته، فأرسل خلفه من فتش متاعه فما وجدوا شيئاً، فبرأ الإمام ساحته. لكن الشيخ زعل، فما عاد إلى نزوى طيلة بقاء الإمام سالم ونظم قصيدة يعتب فيها لا أحفظ منها إلا هذا البيت:
نزواكم لكم والله حسبكم:: والله يحفظنا من كل من مكرا (1/212)
صفحة 213
وفي خلافة الإمام الخليلي طلبه، فرجع وصار رداء وكهفاً للإمام والمسلمين.
وقد تقدم ما قلنا عن الشيخ السالمي، وما قاله عند موته.
" لا أخاف عليكم من جهل وفيكم عامر بن خميس، ولا من وهن وفيكم سالم بن راشد ".
وكان كثير المزاح. ومن مزاحه - رحمه الله - كان يغتسل في الفلج، ولم تكن له حركة، فجاء رجل أعمى ليغتسل فما شعر به الشيخ إلا وهو نازل عنده.
فقال بكل هدوء: بلا صداق بلا صداق.
فخجل ذلك الأعمى وهرب.
***
ومن مزاحه: القضية التي ذكرناها عنه في الوطية حين انكسر المسلمون منها عند هجومهم عليها بقيادة الإمام سالم بن راشد.
ومن مزاحه: يخاطب فلج عز.
يقول له: غر غيري، ويضرب على زنده.
معناه: أن أثر الزجر باقٍ على زنده حين يزجر في المحل، وأمثال ذلك كثير. (1/213)
صفحة 214
وكان الشيخ عيسى يغضب عليه أحياناً حين يسمعه يمزح.
وأخذ زوجة من نزوى صغيرة، وكانت تخرج في حاجتها وحجولها بادية مثل باقي أترابها.
فكان يقول لها: لا تخرجي هكذا فيأكلك الذئب.
وذات يوم لقيها السيد سعود بن حمد، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم فضربها، فرجعت تبكي.
فقال لها الشيخ: ما بك؟
قالت: ضربني رجل في الطريق.
فعرف هو الضارب: السيد سعود.
فقال لها: ألم أقل لك: يأكلك الذئب، لا تعودي تخرجي حجولك حين تخرجين.
ورمت مرة بنفسها من فوق البيت هاربة عنه، فسقطت في غفة فناداها بكل هدوء: لا تفعلي هكذا تنكسرين، نحن في حاجة إليك.
وهذه الروايات كلها سمعتها من والدي رضي الله عنه.
وقال الوالد - رحمه الله - كانت البركة في الزمان الأول بحيث تكاد الأشياء بلا ثمن.
ومن جملة ذلك على سبيل المثال: أن والدي سليمان بن حميد ضاقت ذات يده، فأراد السفر إلى زنجبار - وكانت كهفاً للعُمانيين المحتاجين - فلما سمع به أهل بلده اجتمعوا عليه قائلين: إن سفرك نقص علينا، ونود أن لا تسافر.
قال: من أين أطعم أولادي؟ لوْ أجدْ في السنة ثلاثمائة قرش لكانت تكفيني. (1/214)
صفحة 215
فأنظر أنه كان يكفيه في اليوم أقل من قرش واحد، مع أن عدد من يعول أربعون نفساً، والخيل، والحمير، والضيوف لا تمر يوم أو يومان إلا ويذبح للضيوف. فما هذه الثلاثمائة؟ وما بركتها؟
***
وأخبرني الوالد عن أبيه سليمان بن حميد - رحمهما الله - قال: جاءنا العيد، وليس عندي ثوب إلا الذي على جسدي.
فقلت لأبي: ليس عندي ثوب للعيد.
قال لي: اذهب ليلة العيد فأغسل ثوبك من الفلج بهذه " الضجه ".
قال: فذهبت فوجدت أترابي يغسلون ثيابهم بالطين وغسلت أنا بالضجه (1) ولم يكونوا يعرفون يومئذ الصابون، ولا يوجد معهم أكثر من ثوب واحد يلبسونه يابساً وينشفونه مبتلاً.
ومن ذلك: أنه ضرب رجل برصاصة، وكانت العادة مع العُمانيين إذا أصابت أحداً رصاصة يُجعل على الضربة قرش، ويكوى حواليه بالنار، فثم يداوي الجرح.
فلما ضرب هذا الرجل التمسوا من البلد قرشاً لهذا الغرض، فلم يجدوا. ثم عرفوا أن واحداً من الجماعة جاء من زنجبار، ولعل عنده شيئاً من القروش.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال في القاموس: الضجاج كسحاب الضر والعاج وخرزة. وبالكسر المشاغبة والمشارة كالمضاجة وصمغ يؤكل وشجرة يسم بها الطير أو السباع. (1/215)
صفحة 216
فأرسلوا إليه فقال: ما بقي عندي إلا قرشان خذوا واحداً ودفع الثاني صداقاً لإمرأة أنجبت له ثمانية أولاد.
قال: وكان سعيد بن جميع المسروري وإخوته أيتاماً فقراء. وكان سعيد أكبرهم، استأجر حراسة في برج المضيرب كل شهر بقرش واحد، يعيشون عليه طول الشهر، وقد خلف لهم أبوهم نخيلات يستغلون منها بعض التمر.
وكان كلما احتاجوا حمل سعيد جراباً إلى سوق الواصل، فيبيع الجراب بسبعين بيسة أو بستين، فيأخذ بها زاداً له ولإخوته يأكلونه حتى يفرغ، فيحمل جراباً آخر، وهكذا.
وذات يوم باع الجراب بقرش واحد، فمن شدة فرحه بالقرش لم يشتر ذلك اليوم شيئاً، بل رجع وبات هو وإخوته تلك الليلة بلا عشاء، يتداولون القرش من يد واحد ليد واحد:
هات أخي أنظر ... هات أخي أنظر.
ثم بعد ذلك مَنّ الله على " سعيد " بالغنى، وصار أغنى أهل القطر الحارثي، حتى أن ولده أوقف مالاً بمائه: يقدر بمائة ألف قرش أوقف نصفه للفقراء عامة، والربع لفقراء جماعته خاصة، والربع الأخير للمتعلمين. (1/216)
صفحة 217
والسبب في هذا الغنى: أنه ناسب بالتعصب رجلاً في زنجبار ذا غنى كثير، وليس له وارث سواه، فسافر وخاصمه قوم هناك بأن الميراث لهم، وكان القاضي يومئذ في زنجبار الشيخ أبو مسلم - ناصر بن سالم البهلاني - وكل من المتخاصمين أتى بشهود، فجاء خصماء (سعيد) ذات ليلة إلى الشيخ في منزله، وكان لا يعرفهم فأعطوه مبلغاً من المال، وقالوا له: تفضل هذه صدقة فقبلها الشيخ، وكان فقيراً، ولا يعرف أنها لغرض.
ولما صار الحكم في المحكمة بعدئذ، جاء خصماء سعيد بشهود ألبسوهم البشوت، والثياب الفاخرة، فشهدوا لهم شهادة غير منضبطه بأنهم يناسبون الميت.
فقال الشيخ: أنا حكمت بأن هذا المال لسعيد بن جميع المسروري بشهادة سليمان بن حميد الحارثي وراشد بن سليم الغيثي.
ثقتين عدلين عندي: القيا بالنسب بين الميت والوارث إلقاء صحيحاً.
ولو نزل ملائكة من السماء يعارضون هذه الشهادة ما قبلتهم.
فحاز سعيد الأموال، وساقها إلى عُمان، وتأثل أموالاً جزيلة، ولم يخلف إلا ولداً واحداً - هو الذي ذكرنا أنه أوقف الوقف.
روى هذه الحكاية الشيخ هاشل بن راشد المسكري.
قلت: لا أظن نزع هذه البركة من الأرض إلا من جراء البنوك المتجرة في الرباء، والتي انهمك الناس فيها (1/217)
صفحة 218
بلا حساب، تصديقاً لقوله تعالى: " يمحق الله الربوا ويربي الصدقات ". (البقرة 276) (1).
وقد ابتلينا في هذا الزمان، ولا أظن أن أحداً يسلم من الربى، من لم يتعمد أكله أصابه غباره، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فأين المفر إلا إلى عفو الله وحسن كرمه؟
ومن جملة ما روى والدي ما رواه عن الشيخ سعيد بن محمد بن سليمان الغافري، قال: كان الشيخ سعيد يصلي ذات يوم خلف إمام، فقرأ سورة " العصر ".
فقال سعيد من خلفه: " شد رقعتك "، ما سمعنا أحداً يقرأ في الصلاة: " والعصر ". اقرأ " قل يأيها الكافرون " وإلا سأترك الصلاة خلفك.
وجاءه يوماً كتاب من الشيخ: ناصر بن حميد صاحب جبرين.
فقال للقارئ: اقرأه. " وكان هو أعمى ".
فقرأ له الكتاب.
فقال له: رد الجواب. فكتبه، ثم قال له: اقرأه عليّ.
فقرأ الكاتب: " من الحقير سعيد بن محمد المياحي إلى الشيخ العزيز الكريم ناصر بن حميد الغافري فغضب الشيخ غضباً شديداً، وأخذ الكتاب من يده فمزّقه.
وقال له: اخسأ يا نذل " أنا الفقير الحقير وهو الشيخ العزيز الكريم " لا يكون ذلك ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتبت على الرسم العثماني. (1/218)
صفحة 219
اكتب: من الشيطان الرجيم إلى إبليس الملعون اللعين: يكتب لي أنا المياحي، ويكتب لنفسه الغافري.
اكتبه: العطابي؛ لأنه عطب عن الصف، وهو يعتقد أنا امتحنا عن الصف، فيكتبني المياحي.
قلت: وكان هذا من قسمة الشيطان في قبائل أهل عُمان فناصر بن حميد وأصحابه غافرية. وسعيد بن محمد وجماعته هناوية. أ هـ.
ومثله قال والدي: جاء جماعة مغتربون إلى إبرا إخوة وبنو عم فسكن بعضهم في العلاية، وبعضهم في السفالة، فصاروا أعدى لبعضهم بعض من السكان الأصليين.
حتى أنه مات واحد ممن سكنوا السفالة، وقد أوصى لأقربيه بدراهم، وأقربوه ممن يكنوا العلاية. فقام الوصي وحشى بتلك الدراهم مدفعاً في البرج القطبي، وصاح على أقربيهم في العلاية خذوا وصية الأقربين، وأطلق عليهم المدفع.
فأنظروا يا عباد الله كيف يصنع الباطل بأهله. أ هـ.
وكان سعيد بن محمد الذي مر ذكره عند خلف بن سنان العلوي في بلدة ينقل، فعطس عاطس في المجلس فقال: الحمد لله.
فقال له واحد من الحاضرين: يرحمك الله.
فقال خلف بن سنان: من هذا الذي ترك من مجلسنا مدرسه؟ ... يرفق عليه سكنى ينقل. (1/219)
صفحة 220
فقال سعيد: صدق، وإن كان من أهل الدريز يرفق عليه سكنى الدريز.
قال والدي: كنا نتذاكر هذه الأخبار في حضرة إبنه الشيخ: علي بن سعيد.
فقال علي: الذي يذكر عن والده لا يساوي عشر ما يذكر عن جده محمد بن سليمان:
قال: من أخباره أنه غضب على أهل الغبي فلج في جوارهم في الظاهرة، هو بيت مال من خيرة أفلاج الظاهرة.
والسبب في غضبه: إن من استطنى شيئاً من النخيل لا يدفع القيمة، بل يترك رهناً شيئاً لا يسوى، فصار نهبة في أيدي أهله، فلما رأى ذلك أمر بكبسه، فصبح جماعة يكبسونه، فأستغاث سكانه من ذلك، ولم يجرؤ أحد على مكالمته فيه.
وكان البلوش حلفاء محمد بن سليمان، وهم قبيلة معتدلة في الظاهرة، تربّع (1) عن الغافري والهناوي.
فطلبوا منهم أن يكلموه، فجاؤا إلى العاملين في الكبس وفي مقدمته ابنه سعيد، فطلبوا منهم الكف حتى يصلوا عند الشيخ.
قال سعيد: لا نستطيع أن نكف، ولكن نكبس قليلاً قليلاً فإن وافقكم رفعنا العمل، وإن لم يوافق لم نتعرض لسخطه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تخفر (1/220)
صفحة 221
فساروا إلى الشيخ، فما أن رآهم، قال لهم: " إن كنتم جئتم من قبل الغبي فقد حجرت عليكم الكلام ".
فلم ينبسوا بكلمة، ورجعوا، واستمر الكبس وانقطع الفلج وماتت النخيل والأشجار، وبقي حشرياً منذ ذلك الزمان إلى يومنا هذا - سنة أربع مائة وأربعة وألف وهمَّ الإمام الخليلي بحفره، لكنه خاف الفتنة فسكت عنه. وهمَّ الإمام غالب كذلك في أيامه، فصارحه بنو غافر بقولهم: إنْ كنت تطلب منا الخلاف فأحفر هذا الفلج.
فسكت عنه كذلك، والله أعلم بما سيحدث بعد.
قال: وزار الشيخ محمد بم سليمان الغافري الشيخ هلال بن زاهر الهنائي في الغافات وكانت الحرب يومئذ قائمة بين بني هناءة وبني شكيل، وهم جيران، فقال محمد لهلال: كيف تحرب هؤلاء الغافرية؟
قال: نغير، فنقتل، ويغيرون فيقتلون.
قال: والله لا تعرف أن تحرب القبائل.
قال: وكان هلال ممن لا ينبه بالحصى، فتلقاها بكل إقبال فأرشده بأن يبني قلعة فوق فلج بني شكيل إذا غضب عليهم كسر الفلج في الوادي، أو في الأرض تحت القلعة، فتموت نخيلهم، وبهذا تذل خصمك.
فما توانى هلال، بل أصبح يبني، فصف من جانب بني شكيل جداراً من التمر، حتى إذا ضربوهم لم يصلهم الضرب، فأصبحت بعد أيام القلعة قائمة: آذت بني شكيل، وأضرت بهم، ولكنهم لم يجلوا عن بلادهم. (1/221)
صفحة 222
واشتكوا إلى الشيخ: صالح بن علي الحارثي.
فجاء الشيخ ونزل بين بني هناءة وبني شكيل، ولم ينزل مع أحد منهم.
وأرسل إلى الشيخ هلال، فجاء عنده، ونصحه بهدم القلعة؛ لأن الشرع ينكرها.
فطلب منه أن يشاور أولاده والجماعة، واستمهله إلى غد، وفي الليل جمعهم وقال: هذا ما يريده الشيخ الحارثي، وأنا أعتبره أباً، ولا أقدر على مخالفته، ولكن الرأي: إذا حضرنا عنده في غد، وراجع في الطلب، أوافقه أنا على ما يطلب.
فإذا سمعتم مني الموافقة: قوموا عليّ بلسان واحد فسفهوني واشتموني بل وأضربوني.
وقولوا: القلعة ليست ملكاً لك، وإنما أنت واحد من الجماعة لا نقبل فيها كلاماً، ولا نسمع فيها قولاً.
فلما سمع الشيخ صالح ذلك قال لأصحابه: نرحل، هذا كله من تحت رأسه، لا يجرؤ هؤلاء على هذا الكلام، إلا بأمر منه، فأرتحل غاضباً عليه.
ومر الأئمة - رضوان الله عليهم - وأنكروها على هلال لكن لم يهدموها، لما يحاذرونه من الفتنة، حتى هدمت في هذا الزمان، في دولة السلطان قابوس " ولكل أجل كتاب ".
قال: ولما حضرت محمد بن سليمان الوفاة وكان في الإحتضار جاء ولده سعيد فجلس على رأسه.
وقال: يا أبت: تب إلى الله .. ثلاث مرات، وهو لا يكلمه (1/222)
صفحة 223
وفي الرابعة فتح عينيه وقال: " هيه تصلح بنو غافر متى كنت الخليفة عليهم ".
انصرف عني، تريد أن أتوب! عن ماذا أتوب؟ سمعت أنه يتوب المخانيث، وأنا لست منهم "
فقام سعيد كالمنكسر، فما كاد أن يخرج حتى فارق الشيخ الحياة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وخلف بن سنان العلوي: كان من مقاديم الرجال المشهورين بالصلابة والقوة.
وهو الذي سن في ذويه القتل، يقتل بعضهم بعضاً، فكل من استولى على الحصن في بلدهم " ينقل " قام إليه أخوه أو إبن عمه فقتله، وقام مقامه حتى يأتي الآخر فيقتله.
وهكذا مضت فيهم هذه البدعة السيئة، حتى هذا الزمان الأخير الذي بردت فيه الهمة، وجنح الناس إلى الراحة، لعدة عوامل منها: سيطرة الحكومة وضبطها للبلاد.
ومنها: اشتغال الناس بكسب الأموال، إذا صار السبيل إلى كسبها من طريق الحلال موجوداً.
ومنها: اشتغال مواليهم الذين كانوا يورون الفتنة، ويحركون الكوامن، فأستراح الناس وأطمأنوا، وماتت الرياسة إلا مع من لم يكفه عقله، فكان خلف هذا يضرب به المثل في القوة والحزم.
ومن جملة أخباره: وقد زاره الشيخ عيسى بن صالح الحارثي في بلده، وكان من عادتهم في الظاهرة إذا جاء الضيف: أن يجتمع أهل الخيل والإبل فيركضون. (1/223)
صفحة 224
والعادة معروفة، فركض خلف ناقته فسقط وانكسرت يده، ولم يبد منه شيئاً.
فجاء إلى الشيخ ليصافحه، فما استطاعت يده أن تنهض، فضربها باليد الأخرى بقوة حتى استطاعت المصافحة.
وما كان الشيخ يعرف أن مضيفه منكسر، فبقى مدة على جنبه لا يتأوه، ولا يقطع الحديث مع الشيخ.
وبعد ذلك أخبر بالواقع، فعاتبه على سكوته، وعدم مبادرته لتجبير يده، فقال: لا يهمك، فإني لا أحس منها ألماً؛ إظهاراً للتجلد.
فقال له الشيخ: لا أسمح لك إلا أن تبادر فتجبر يدك، ولم يلق بدا.
وكان الشيخ عبدالله بن غابش النوفلي:
فاضلاً عالماً زاهداً: يسكن القابل الشرقية في جوار الشيخ عيسى بن صالح، وكان شديداً في ذات الله.
لما عزم الإمام سالم بن راشد على القيام على مسكد إعترض الشيخ عيسى ناصحاً: أنه لا طاقة لكم بذلك، فرفقاً بدولتكم فخاض الناس في ذلك وأكثروا.
وكان من شدة الشيخ النوفلي أن قال: إن عيسى مسترش وإلا فما كان له أن يعترض.
فبلغ الشيخ عيسى ذلك، فما كان في نفسه شيء، وما زاد على أن قال: " أنا لست مسترشياً، ولا ينبغي لي ذلك. لا أعترضكم لكم عليّ هذه الروح، وأنا أهبها لكم " فسيروا على بركة الله، فساروا: (1/224)
صفحة 225
فكانت وقعة الوطية، وتعرف باسم: هندوه: لأنه كان أكثر جنودها الهنود، من قبل الدولة البريطانية، أوقفوا البارجة البحرية في البحر، مقابل الوطية، فأمطرتهم من نيرانها بحيث لا يستطيعون الرد عليها، فقتل منهم خلق كثير، منهم عمي: محمد بن سليمان: تسابق هو ومن معه على برج هناك. وكان الجنود الذي في البرج حفروا تحته حفرة عميقة وعموها بشيء خفيف، مكيدة للمسلمين فسقط كثير من أصحاب الإمام فيها، ومنهم العم المذكور.
فحمل على الأكتاف إلى بلدة سرور، وقضى الله شأنه فيها.
وكان يقول لخاله الشيخ عيسى: فاتتني الشهادة في المعركة وكنت رجوتها هنالك.
قال له الشيخ: إنك إن شاء الله من أهلها.
وكان الشيخ عيسى آخر من إنهزم. حيث لم يبق أحد من الجيش.
وكان الشيخ عامر بن خميس المالكي ممن حضر في هذه الوقعة.
وكان رجلاً مزاحاً.
وكان رأيه رأي الشيخ عيسى في عدم القيام.
فلما انهزموا قال: " كانت امرأة لها بنت اسمها فطوم، فماتت البنت، فآذت الأم الجيران من نوحها لا تهدأ.
فقام أحد جيرانها، فأخرجها من القبر، وألقاها بين يديها وقال: هذه فطوم، اريحينا، فاستجارت به من رؤية ذلك المنظر الموحش، وتلك الرائحة المنتنة. (1/225)
صفحة 226
فقال: لا أحملها إلا بعهد: أننا لا نسمع منك نواحاً ... فأعطته العهد.
يضربها مثلاً لإلحاح المسلمين على القيام على مسكد، وانهزامهم بعد ذلك.
وجاء النوافل يزورون الشيخ عيسى، فبينما هم جلوس إذ جاء الشيخ عبدالله بن غابش.
فقال النوافل للشيخ عيسى: " نحن عرابة عبدالله " بمعنى مواليه.
فقال الشيخ: " عبدالله سيدي .. وسيدكم " اعترافاً بالفضل لأهله، وتواضعاً من الشيخ - رحمه الله - وتبْييناً لهؤلاء الناس: أن الفضل للعلم والتقوى، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل.
ولما وقعت الإضطرابات في الشرقية: آخر الخمسينات وأول الستينات وتدخل الشيخ علي بن عبدالله آل حموده في " وادي بني خالد " وغيرها.
قام عليه الشيخ عيسى بن صالح، وصار التنافس الكبير، والكلام الكثير وكادت أن تقع الفتن، وتسفك الدماء، حتى أن الوالي الذي أرسله الشيخ من قبل الإمام هرب من وادي بني خالد.
لما وصل رسل الشيخ آل حمودة، ورأى التحزب الكبير من قبل أهل البلد، وتوقع أن يكون سفك دماء. (1/226)
صفحة 227
وكان في صحبته رجل من أقربائه فأعترضه عن الخروج، ولكنه لم يقبل. فكان ذات يوم يقرأ هذا الوالي سورة التحريم فقبض هذا المعترض على يده، قال: لم تقرأ ولم تتمثل؟
أما سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (1).
فلم أنت لم تجاهد البغاة؟ وخرجت عنهم خذلانا للدين؟
ولكن الشيخ الوالي لم ير من سيكون عنده في تلك البلاد إن هو قاوم الوافدين، ورأى المصلحة في حقن الدماء، " ولكل رأيه ".
ولما كثر من نوع هذا الإضطراب، تدخل السلطان سعيد بن تيمور في القضية، فدعا بكل من الشيخ عيسى، والشيخ علي بن عبدالله؛ ليحسم بينهما النزاع.
يقول والدي: وكنت في صحبة الشيخ عيسى، فأرسل السلطان سيارات تنقلنا من السيب إلى مسقط وكانت السيارات يومئذ قليلة، والطريق نكده.
فأنزلنا السلطان خير نزل، وقابل الشيخ بالإكرام والإحترام، وبعد استراحة طلبه في قصره، فإذا بالشيخ علي قد سبق عنده، وأراد أن يجمع بينهما.
فأجلس الشيخ عن يمينه، والشيخ العلوي علي بن عبدالله آل حموده عن يساره، وصار يلتفت كل مرة على واحد للتحية.
ولما جاءت القهوة: جيء بخوانين: أكل هو من أحدهما وأحال الثاني للشيخ.
وبعدما أكل هو، أحال الخوان الذي أكل منه إلى الشيخ علي، وهكذا صنع بالقهوة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التحريم 9. (1/227)
صفحة 228
ثم دخل مجلسه الخاص، ودعا بالشيخين ليدخلا عنده. فقاما على الباب كل منهما يقدم الآخر في الدخول، لكن أبى الشيخ عليّ إلا أن يقدم الشيخ عيسى أمامه، معترفاً له بالفضل والعلم.
فجلسا أمام السلطان، فتكلم بينهما بكلام يليق في حقهما، وأبدى نصحاً في تلك القضية.
ومنع الشيخ علي بن عبدالله عن التدخل في الكامل فيما بعد.
وقال: إن هذه البلدان ترجع إلى رياسة الشيخ عيسى، فلم يسع الشيخ علياً إلا الإمتثال.
وبعد تمام الكلام قال الشيخ الحارثي للشيخ العلوي " بداراً أن يسبقه ": تفضل بزيارتنا.
فقال الشيخ العلوي: نحن سبقناك في مسقط، فتعتبر كضيف عندنا، فأنت زرنا قبل أن نزورك.
فأصر الشيخ على دعوته، وأيده السلطان.
وقال: يزور الشيخ علي الشيخ عيسى ثم يزور الشيخ عيسى الشيخ علياً في اليوم الثاني ثم في اليوم الثالث أزور أنا الشيخ عيسى وفي اليوم الرابع أزور الشيخ علياً.
وانحسم القول، كما قيل في المثل " قطعت جهيزة كل كلام ".
يقول والدي: وبعد لم يصدر من الشيخ علي أي تحرش في هذه المناطق حتى موت الشيخ عيسى. أ هـ.
وقيل للإمام: رحمه الله - هذا الشيخ عيسى ذهب إلى مسقط وهذا فتح باب منه للخيانة. (1/228)
صفحة 229
قال الإمام: إن مسير الشيخ عيسى لمسقط نصر للمسلمين، وتقوية لدولتنا، ومثله لا يخشى منه أي ضرر، ولم يذهب إلا عن رأينا ومشورتنا ".
يقول الشيخ الرقيشي: لما دخلت على السلطان في سنة ستة وسبعين ورأيت منه إقبالاً كبيراً عليّ: كنت أنتهز الفرصة لأقول عنده كلمة حق.
وذات يوم قال لي: بم توصني؟
قال: فوجدت الفرصة، فقلت " تقوى الله ".
فأوجم عني ساعة.
ثم قال: هذه الكلمة لم يقلها لي إلا الشيخ عيسى لما دخل عندي ومن مثلها نحتملها.
قال: فسكت عنه.
" وإنما سقنا هذه القصة اعتراضية على سياق الحديث؛ كدليل للشيخ عيسى أنه لا يقول عند السلطان يؤثر به على الدين والدولة كما زعم من زعم ".
وفي الحقيقة أن الوفود من العُمانيين كثرت على مسقط لكن النيات تختلف عندهم.
ولما قيل للإمام بذلك قال: لا يضرنا. أكثر ما نأمن منه بخل السلطان؛ لأنه لو كان كريما لما بقي عندنا أحد.
*** (1/229)
صفحة 230
وقال في موضع آخر: وقد اتجهت أنظار بعض العُمانيين إلى السعودية وبعض إلى مسقط:
قال الإمام: أن أولاد: أحمد بن سعيد حكام على عُمان لا ينكر ذلك ينفعون عُمان ويضرونها.
أما غيرهم فلا نرجو منهم نفعاً، بل نتوقع منهم ضرراً ...
قلت: وهذا سمعته من الإمام بأذني في مجرى حديث كان بيننا في قضية: ماجد بن سعيد الحارثي، وسنذكرها إن شاء الله بعد تمام هذا الحديث.
وقيل للشيخ صالح بن علي - رحمه الله - إن كثيراً من أهل عُمان يفدون على السلطان تركي بن سعيد.
قال: لا غرو إنه يغريهم بالمال: ولو قعد بانياني في صور فزادهم عن السلطان قرشاً واحداً لهرعوا إليه.
- معناه: أنهم يحبون العطاء حيثما وجدوه - ولا يلزم منهم أن يحبوا المعطي.
قلت: وهذا لا ينطبق على كل أحد من أهل عُمان - حاشاهم - إنما هم حثالة الناس.
***
وقضية ماجد بن سعيد التي أشرنا إليها هو أن هذا الرجل لآبائه زعامة على بلد: الدريز: من الشرقية، ولعله حاول يتبعها، لكن الظروف التي عاش فيها لم تساعده على ذلك. (1/230)
صفحة 231
وأراد بعض الناس أن يمكر به، فدسُّوا (1) عليه رجلاً من الموالي قطع له في الطريق وضربه.
وكان ماجد ليس عنده إلا خنجر لما أوجعه الضرب. ورأى بعض من دسوا عليه واقفين يتفرجون: حملته الحمية فضرب ضاربه بخنجر قضت على حياته، فآل الأمر إلى سجن ماجد كفافاً للفتنة، وحكم عليه بتسليم الدية.
وبعد ذلك تخالف المشايخ: فبعض يزيده في مدة الحبس، وبعض يريد أن يفرج عنه، فتوسط المصلحون أن يحمل ماجد إلى الإمام، فيرى فيها رأيه.
ورأي الإمام فرض اتباعه على الجميع.
فكنت ممن صحب ماجداً إلى نزوى فلما خلونا بالإمام لنقص عليه القصة، قال: أنا أقصها عليكم، فقصها، ولم يغادر حرفاً مما وقع.
يقول ماجد: لو أنا قصصتها لقصرت في الإيضاح عن القضية ولكنه جاء بها مستوفاة، بالرغم من إملاء بعض حساد ماجد على الإمام ضد الواقع.
وبعد ذلك قال: أرى من الأفضل تفادياً للخلاف أن ينحبس ماجد بلا قيد في رجله، وهذا لا يضره، وماجد عنده حق في الدفاع عن نفسه، كما وقع ذلك في زمن عمر بن الخطاب، حين دفع رجل عن نفسه:
فقال له عمر: إن عادوا فعد ".
إنتهى كلام الإمام.
***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الأصل: فدسَّ. (1/231)
صفحة 232
ثم طلبت أنا من الإمام أن يكون حبس ماجد عندتا، وذلك رفعاً للشقاق بين الشيوخ المنقسمين على حبس ماجد.
فوافقنا الإمام على ذلك، وبقى ماجد المدة المقررة عليه معنا.
وكان الإمام - رحمه الله - حسبما قلنا عنه كثيراً: أنه ألمعي يرى بعقله ما لا يراه غيره.
***
**
* (1/232)
صفحة 233
قضية فتح جعلان
لما فسدت جعلان بني بو حسن: وكثر فيها القتل والنهب، وصار الواحد منهم يقتل إبن عمه وقريبه بالشيء اليسير من الإغراءات المادية، وصار لا يستطيع أحدهم أن يصل ماله خوفاً على نفسه، ولا يكاد يعرف خصمه من هو، ولا يصبح صباح إلا والأخبار عن قتل فلان ... وفلان، ونهب بيت فلان.
وهكذا أخبرني سالم بن سلوم الغيثي، وكان يسكن جعلان في تلك الآونة.
قال: تسع عشرة سنة وأنا لم أخلع سلاحي من فوقي، وما حفظت أني بدأت بأكل وأتممته إلا وأقوم عنه للصائح مرتين وثلاثاً، والبلاد كلها جحيم لا يسكنها إلا الشقي.
قلت: " ما أشبهها بلبْنان في زماننا هذا " وهكذا سنة الله فيمن عصاه ". أ هـ.
وهذا الأمر كان في الخمسينات من الهجرة.
ولما صار الأمر كذلك، وفسد الناس، تدخل في شؤونهم جيرانهم، واستغلوا هذا التفكك منهم، وأغروهم حتى مال الكثير إليهم، وآل ببعضهم الأمر أن يحمل زكاة ماله على رأسه ليدفعها إلى الأمير علي بن عبدالله آل حمودة، ليس كل ذلك خوفاً منه، بل إغاضة لمن يغيضه ذلك من جماعته، واندرج كثير منه عن المذهب الإباضي إلى المذهب الوهابي، والشيخ الرضي عيسى بن (1/233)
صفحة 234
صالح يذهب مرتين أو ثلاثاً إليهم، ليصلح من شأنهم، ويردهم عن ضلالتهم؛ فحين يكون معهم يبدي له البعض ما يسره نفاقاً، وبعضهم يجاهره بالخلاف، حتى إذا رأى أنه اصطلح الحال رجع عنهم.
وما تمضى أيام حتى تأتيه الرسل أنهم رجعوا إلى حالتهم الفاسدة.
فلما رأى ذلك وأعياه أمرهم طلب من الإمام الخليلي - رحمة الله عليه - أن يتكلف المسير إليهم، وكتب إليه أنه لا يسعه التأخير، وشدد عليه بالطلب.
فشمر الإمام أبو خليل عن ساعد الجد، وعزم التوجه إليهم، فأرسل أمامه الشيخ منصور بن ناصر الفارسي، بكتب إلى الشيخ عيسى والحرث والمساكرة والحجريين، وبني بو حسن.
وقد ذكرنا هذه الكتب فيما سبق من ذكر أخبار هذا الإمام.
وفي منتصف جمادي الثانية من سنة ثلاثين وستين وثلاثمائة وألف هجرية: وصل أبو خليل إلى الشرقية بقضه وقضيضه وهيبته وعدله.
واستقر أولاً في حصن المنترب يدعو الناس للمثار إلى جعلان، ونجم النفاق في أهله، وسعوا في تأخيره وجدوا واجتهدوا، ولم تزل خيوط النفاق تنسج ما بين جعلان وبدية، شأن كل باطل يقوم في وجه حق.
فكان جواب الإمام فيمن كلمه في هذا الغرض " أمر هذا المثار راجع إلى الشيخ عيسى، ليس عندي فيه رأي ".
وكل من كلم الشيخ في ذلك انتهره، ولم يترك مجالاً في الخوض في هذا الحديث، وذابت العوارض أمامهم. (1/234)
صفحة 235
وفي آخر شهر جمادي الثاني: رفعت أعلام الحق، وعلت التكابير واتجهوا إلى جعلان: يؤمهم النصر والتوفيق، مستعينين بالله من شرورها، وكانت تسمى دار الهبالى وكان معهم من الخيل حوالي عشرين فرساً أو أكثر في نواصيها الهيبة.
وفي صبح اليوم الثاني جاؤا فلج المشايخ من جعلان وواجه كل بني بو حسن فيها محسنهم ومسيئهم.
وما كان المسلمون يتوقعون ذلك.
وكانوا لا يشكون أنها ستكون معارضة، وربما تؤول إلى مصادمة لما سبق من التهديد، ولكن النصر من الله.
ولما حضروا أمام الإمام: طلب منهم البيعة والدخول في طاعته وما كانت جعلان قبل ذلك داخلة في طاعة الإمام:
فأعطوا البيعة: رؤساؤهم ومرؤوسوهم.
ولما كثر الزحام عليه: قام الشيخ عيسى يساعده بأخذ البيعة، والعهود على من يحسون من الإلتواء.
وكانت جلسة واحدة من أول الضحى إلى العصر، وقد أخذت الشمس نصيبها منهم، لكنها لم تؤثر شيئاً في عزيمتهم، وكان ذلك في عز الصيف: يصادف الشهر السادس من الأشهر الميلادية.
وجيء بالأكل بعد العصر، وما أدراك ما الأكل؟
لا يأكله إلا المحتاج.
فقال الشيخ عيسى: " ما ذقت عمري أحلى من هذا العيش ".
فقال علي بن حميد الحجري: لو مكثت أيها الشيخ إلى غد لم تأكل شيئاً، لرأيت التراب أحلى من كل شيء، لو كان التراب يؤكل. (1/235)
صفحة 236
قلت: معنى قول الشيخ فيما يبدو، وفيما حلله المفكرون: أنه حلا لنا كل شيء لما دخلت جعلان في الطاعة، وشملها العدل.
وكنا مشغولين بالتفكير من شأنها لا نستلذ شيئاً، وهذا أوجب من كون الجوع أخذ منه، فمن كانت همته أكبر كان اعتناؤه بالطعام أقل ". أ هـ.
وفي اليوم الثاني توجهوا إلى بلاد بني بو حسن تؤمهم تلك الهيبة، وذلك المنظر المشجع الأخاذ، وحدثنا غير واحد من أهالي الجعلانيين.
قالوا: إنه في تلك الليلة هبط عليهم جيش عظيم من جانب صفرة المنجرد، لا يسمعون فيه إلا قعقعة السلاح وأصوات التكبير، ولا يرون أصحاب تلك الأصوات فأصبح من كان مترددا في الطاعة منقاداً طائعاً رغبة ورهبة. أ هـ.
فأطمأن أهلها، وتواصلوا بعدما تقاطعوا، وتفرغوا لأشغالهم وأموالهم.
وواجه المشايخ أولاد الأمير وعندهم الشيخ: خميس بن سعيد السنيدي وأظهروا الطاعة للإمام، وطلبوا منه الأمان، وتعهدوا بأن لا يتدخلوا في شؤون جيرانهم لا جهراً ولا سراً.
ولم يروا من الإمام الحليم إلا الوفاق وحب الوئام.
ثم أمر الإمام بأن يعين على كل فرقة من بني بو حسن شيخاً منها: ترجع الفرقة إليه، ويكون المسؤول (1/236)
صفحة 237
والسائل فيها. فعينوا في فرقة: أهل بو مطاعن: حميد بن راشد.
وفي فرقة: السليمانيين: محمد بن عامر الصواعي.
وكل رضى بذلك إلا: الشيخ حمد بن سالم بن سعيد الصواعي.
ولم يرض أن يكون الشيخ: محمداً.
وكان حمد هذا مقداماً شجاعا لا يبالي وقع على الموت، أو وقع الموت عليه.
وكان لا يقاتل إذا حضر القتال من وراء ستر، بل يقف مكشوفاً، وكان مشهوراً بقوة الجأش، ودائماً تراه مظاهراً بتفقين لا يكتفي بواحد، حتى في حالة السلم. أ هـ.
فحكم عليه الإمام بالدخول فيما دخل فيه جماعته.
فما رضي قبول الحكم، وقام من بين يدي الإمام مراغماً.
فقال الإمام للعسكر: إقبضوه: فما تجاسر أحد أن يتبعه لما يعرفون من شدة بأسه، وقوة مراسه.
فلما لم يقم إليه أحد، وكاد أن يخرج من الباب: قفز الشيخ عيسى من مكانه، وأدركه وقبض على عنقه فصرعه، وأدركه محمد بن عبدالله الصواعي، وساعده عليه.
ولم يستطع أن يفعل فيها شيئاً.
قلت: لعل ذلك من سر الحق على الباطل وإلا فليس بالرجل قصور من شيء. أ هـ.
*** (1/237)
صفحة 238
ثم جاء العسكر، فأحتوشوه يلكزونه ويدفعونه، وقيدوه وكأني أرى الإمام والغضب باد على وجهه، وقد جاءه بعض أحبائه فأخذه من مجلسه، وأدخله في مكان آخر خوف إشتعال فتنة واستغلال الهيجان، فلم يبق حمد في القيد أكثر من عشر دقائق حتى أرسل إلى الشيخ: أنه تائب وراجع إلى ما يقوله المسلمون، وأن هذه صرعة تعاوده، لم تكن عن اختيار منه، ففك وثاقه، وخلى سبيله، وهدأت بعد ذلك الأحوال، وسكنت البواعث.
فلما مضت أيام على الاطمئنان طلبوا من الإمام الرحيل، رفقاً بالناس لأجل حصاد نخيلهم، وهذا وقت الحصاد إن ضاع لا يعوض.
وخصوصاً الحجريين.
فقال الإمام: ذلك إلى الشيخ عيسى وأرسل إليه بعض المشايخ ليعارفوه في الموضوع، ويبدوا له الأعذار.
فجاء الرسل إليه في المنزل الذي نزل به - وكان غير المنزل الذي نزل به الإمام - فخاطبوه فيما جاؤا به.
فقال: بعدما سكت عن جوابهم طويلاً:
" من كان مشتاقاً منكم إلى زوجته فنحن نعذره، أما الإمام فإنه إمامي أنا، ولن يبرح هذه الأرض حتى نرى أنها مكتفية من وجوده ".
فرجعوا عنه بغير فائدة.
وقال الإمام: ليس لي رأي دون رأيه، ونأذن لمن إحتاج للإذن لصلاح شأنه. ومن اكتفى بغيره فهو أفضل. (1/238)
صفحة 239
يقول الشيخ للإمام - لما التقيا - " ما كنا لنسم وسمانيا " وكأني به وقد قعد على ركبتيه يقول لبعض مشايخ بني بو حسن وقد أحس منه شيئاً: لا تظنن أن هذا عيسى فقط فتلعبون عليه مثل السابق.
هذا محمد بن عبدالله الخليلي يعرف كيف يؤدبكم، راحت تلك اللعبة.
وفي تلك السنة: انتفع الناس بأموالهم وأكلوها، وما كانوا ليصلوها.
وولى الإمام على جعلان الشيخ: محمد بن زاهر بن غصن الهنائي والقاضي الشيخ: سفيان بن محمد الراشدي وأوصاهما بالجد والحذر في الأمرة، وعدم التساهل.
وكأني بالشيخ محمد وهو أمام الإمام يوصيه، ويأخذ منه الإرشادات، يهتز كأنه سيف مسلول.
فسألت أبي وأنا صغير: لم يهتز؟
قال: لصعوبة الموقف، وتحمل هذا الأمر تحمسا منه كأنه وسط معركة.
يقول الوالد: وليس بالرجل جبن: إنما هو من أولاد: هلال بن زاهر لا يحوم الجبن والخمول حولهم واستطرد في ذكر هلال وأولاده ويقول الوالد حمدون بن حميد الحارثي (اشبه أولاد هلال بن زاهر، كآل المهلب بن أبي صفرة). (1/239)
صفحة 240
وأخبرني الشيخ الرقيشي: قال: خطب زاهر بن زكري على النباهنة فأعترض بعض عقلائهم قائلاً: لا تزوجوه، فإنها ستلد عدواً ولكن لا راد لأمر الله، زوَّجوه، فولدت هلالاً فكان في صغره إذا صحب أمه للزيارة وجلس يلعب مع أترابه: كان لا يلعب بما يلعبون، بل لعبه: يبني الحصون: ويصور الخيول. فرآه بعضهم فقال: ألم أقل لكم سوف ترون منه العجب.
يقول الشيخ الرقيشي: فعاش هلال بين ثلاث قبائل، كلها حرب له، فكان من دهائه يحرب بني ريام بالعبريين، ويحرب العبريين ببني شكيل، ويحرب بني شكيل ببني ريام.
وهكذا عاش طول عمره حارباً محروباً.
حتى إذا وصل أجله، قتله سيف بن حمد البوسعيدي، وهو ولد صغير، قتله بكل سهولة، وقد قيل له: إنه سيقتلك.
قال: لو وجدني نائماً ما نبهني، فدفن سيف التفق في كدس سماد أمام الجامع، فلما مر هلال في ذلك المكان، وسيف يمشي خلفه: جذب التفق من مكمنه، وأطلق عليه رصاصة لم تخطئ مقتله. وبعدها تحصن في جامع سمد حتى استقرت الأمور، وملك بعد ذلك نزوى، حتى نصب الإمام سالم - رحمة الله عليه - فتحصن في الجامع، وقتل نفسه خوفاً عليها من القهر. أ هـ.
***
وكنت ممن تأخر بصحبة والدي:
وكنت يومئذ في السادسة عشرة من عمري.
أما أخواي: محمد وعبدالله: فإن الوالد أرسلهما (1/240)
صفحة 241
ليكفياه الحصاد بإذن من الإمام والشيخ، كما فعل كثير من الأصحاب، أكتفوا بغيرهم، وتأخروا تشرفاً بصحبة الإمام.
فأقمنا شهر رجب كله في جعلان.
قلت: وفسدت الغلل في تلك السنة بسبب الأمطار ولم ينتفع أحد بشيء أ هـ.
***
وإن أعجب من شيء، وأتفكر الآن فيه: أين تلك الشمس وذلك الحر الشديد؟
وكل نهارنا في الشمس والحر، ونحن مبسوطون لا نحس كلفة منهما.
وفي هذا الوقت إن قعدنا في الظل من غير مكيف لا نستطيع، وكأننا على جمر، والأجسام هي، والصحة هي: فأين ذهب عنا ذلك النشاط، وذلك الصبر على الحر والجوع؟
وكان غالب ما نأكل التمر فقط، كأننا الجمال لا نعرف منه مضرة، ولا نعاف شيئاً: سبحان الله، للبيئة حكمها " ولكل دهر دولة ورجال " والله المستعان، نسأل الله حسن الخاتمة، والموت على الإستقامة، ولا نكون ممن قال الله فيهم:
{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} (1).
***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): سورة الأحقاف 20. (1/241)
صفحة 242
وبعدما اطمأنت نفوسهم: أنهم احكموا الأمر رجعوا.
فمر الإمام عائداً من طريق بدية وبلدان الحرث والمساكرة وسمائل.
وساد الإستقرار في جعلان إلى يومنا هذا ببركة أولئك الأبدال الذين لا يعرفون إلا الله والعمل لرضاه، عاشوا ما عاشوا في خدمة المسلمين، وماتوا حين ماتوا في رضى رب العالمين وإذا مرضوا فلا تسمع منهم إلا ثناء على الله، وتفويضاً لأمره في قضائه وقدره، دخلوا في وعد الله لهم بالفوز والفلاح.
روى القرطبي في تفسير قوله تعالى: " والصابرين في البأساء والضراء ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: أي عبد من عبادي ابتليته بلاء في فراشه، فلم يشك إلى عواده، أبدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، فإذا قبضته فإلى رحمتي، وإذا عافيته عافيته بلا ذنب ".
قالوا يا رسول الله: ما لحم خير من لحمه؟
قال: لحم بلا ذنب.
قالوا: فما دم خير من دمه؟
قال: دم بلا ذنب.
رحم الله تلك الأوصال، وأسكنها بفضله دار الجلال،
مضوا وآثارهم نور وذكرهم:: رحمى ومضجعهم روح وريحان.
وأخبرني الشيخ علي بن زاهر الهنائي قال:
لما كان الإمام الخليلي في قيامه على الظاهرة، وكان في (1/242)
صفحة 243
تلك الأيام بلغ الغلاء أوجه:
أقام الإمام ثلاثة أيام على التمر والعوال، لم يذق غيرهما. (أ هـ).
وكان خادم من أهل المضيرب لص موبق، هرب منها خوفاً من القبض عليه، لما قبض على زميله.
فلما كنا بجعلان جاء الخبر إلى والدي: أن الرجل موجود في: جعلان، فأخبر الإمام، فأمره الإمام بالإستعانة على القبض عليه، أو قتله إن امتنع، وكتب في ذلك حكماً هذا نصه:
" تحقق معنا أن ذياب بن طحنون ينهب الناس، وصار كالسبع الضاري، وقد أبحنا قتله ".
فصار الوالد كل يوم يخرج وأنا معه إلى الخيام الموجودة خارج البلد يتحسس عليه، وقد تهيأ لقتله لو رآه.
وكنت أمشي خلفه رامياً تفقي، وكان - رحمه الله - يلتفت إليّ فيقول: " ارفع تفقك، وأنظر أمامك، وأحذر التفريط ".
وكنت أنا مرة: أنظر أمامي حسبما يقول، وأتوقع أن يأتي من خلفنا:
فالْتفت، وكنت وددت لو أظفرني الله به قبله فكفيته قتله، لكن لم يمكن الله منه.
***
نعود إلى مرويات والدي: قال:
تسابق مرة علي بن سعيد بن علي البرواني، على فرس يقال لها شعلى، ورجل حجري على فرس يقال لها صبحا. وأن (1/243)
صفحة 244
يكون الإنطلاق من القابل إلى شكل أولاد عرفة بالواصل: يقدر بثلاثة أميال. فلما كانوا مجتمعين للإنطلاق، مر عليهم ناصر بن علي بن مطر الغفيلي " وقد سبق ذكره فيما مضى ". فتفقد الفرسين، وقال للحجري: لا تسابق فإنك ستسبق. وسئل بعد بماذا عرفت؟. قال: رأيت منخري شعله واسعين ومنخري صبحا ضيقين؛ فعلمت أن ذوات المنخر الواسع تستطيع الثبات بما يتردد فيها من النفس، بخلاف الأخرى.
قلت: وهذا من قول امرئ القيس يصف فرسه:
لها منخر كوجار السباع:: فمنه تريح إذا تنبهر
ولم يكن ناصر يعرف ذلك، لكن عقله وتجربته هما اللذان دلاه على ذلك. (أ هـ).
قال: فأنطلق الخيل، ففي بادئ الأمر انطلقت صبحا كأنها سهم حتى كادت أن تغيب عن صاحبتها، لكن لما طال المدى صارت شعلة تظهر عليها، ولم تزل تظهر، والأخرى تقصر، إلى أن مرت على الأسود " فلج لأولاد الحضري قريب من الواصل، وهو الآن ميت ".
سبق شعلة بطولها، فكبر أهل الأسود تأييداً لها " إذ كلهم حرث " وصار بينهما مثل ما صار في أول الشوط، فأخذ السبق، وصدق تخمين الغفيلي.
وهذه الفرس شعلة كان الوالد سليمان بن حميد - رحمه الله - يضرب بها المثل: حين تقبل شعلة من بعيد كأنما يقبل عليك مركب في البحر.
ويضرب المثل أيضاً بصاحبها يقول: ما أعلم أثبت منه (1/244)
صفحة 245
على ظهور الخيل، كأنما يسمر عليه بمسامير.
قلت: كما قيل:
فكأنها ولدت قياماً تحتهم:: وكأنهم ولدوا على صهواتها " المتنبي "
كأنهم في ظهور الخيل نبت ربى:: من شدة الحزم لا من شدة الحزْم
" البوصيري "
قوم على صهوات الخيل طفلهم:: يربو له من دم الأبطال ألبان
" أبو مسلم "
وسمعت والدي يقول عن والده:
أنه ذات مرة هجم الموالك وهم بدو للحرث على السعديين: هبطوا سوق المضيرب ممتارين، فسلبوا ما عندهم من المتاع والدراهم، وتوجهوا قاصدين جعلان.
فجاء إلينا الصريخ فتبعناهم خيالة من المضيرب والدريز والقابل وعز، على نحو ثلاثين فرساً.
قال: لما طلعنا من شاحك، نرى القوم صدروا من شريعة " الراكه " يريدون " المنترب " فأطلقنا عليهم الخيل وكان في طريقهم كثيب رمل يؤمونه، فحالت الخيل بينهم وبينه.
قال: فأندهش الناس في سوق المنترب لهذا الأزيز العظيم أزيز الخيل وهي مقبلة، فبعض يقول هذا رعد، وبعض يقول: هذا سيل جارف.
والمهم أنه صاح الصايح مع الحجريين من كل مكان، فأجتمعوا إلينا وانقسموا علينا، فبعضهم يقول: إنه ليس لكم أن تجبروهم على شيء في بلادنا حتى يخرجوا منها.
وعقلاؤهم يقولون: خلو بينهم وبدوهم، هؤلاء (1/245)
صفحة 246
لصوص ليس لكم حق لأن تتحيزوا إليهم.
فغلب هذا الرأي، وجبرنا البدو أن يحسبوا معناه: يردوا السلب ألينا، فردوه، ورجعنا.
يقول الوالد سليمان: لكنه ما وصل من تلك الثلاثين الفرس في بادئ الأمر إلا خمس، منهن " حصين " تصغير " حصان "، كنت أؤدبه وليس في نفسي أنه يثبت مع هذه الخيل العملاقة، لكنه نجب فما ضيعني.
وكانت الخيل في هذه البلدان في تلك الأيام كثيرة، قلما تجد أحداً إلا اقتنى فرساً أو فرسين، فأورثت المصر هيبة وعزاً.
وحكى رجل من بني غافر أعمى، وكان زائراً في المضيرب، فصاح الصايح ذات مرة.
يقول الغافري: فوقفت على دروازة كشام، وعددت الخيل التي خرج من هذا الجانب فقط، فكان سبعين فرساً.
قلت: والدروازة في عرف العُمانيين الباب الكبير وفي لغة الهنود: كل باب صغيراً أو كبيراً، لا أدري: هل هذه الكلمة أعجمية فعربت؟.
وفي المصباح: الدرز واحد دروز الثوب، فارسي معرب. فلعل هذا منه. (أ هـ).
وحكى عن الوالد حميد بن عبدالله الحارثي:
أنه كان ذات يوم على حصان، ما بين القابل والمضيرب، والحصان مستغير، فرأى عقاباً يحوم أعلاه، وكان عنده تفق عماني، فرماه بالبارود والرصاص والحصان لم يزل مستمراً في (1/246)
صفحة 247
جريه، والعقاب لم يفارقه، فنقع فيه فسقط، وهذا من غرائب الحذق والثبات.
كما يحكى أن ابنه عبدالله بن حميد:
كان على حصانه ما بين إبرا والمضيرب في الليل، فرأى الحصان صوب أذنيه فقال: لا بد أن الحصان رأى شيئاً يكره، فجعل التفق بين أذنيه وأطلقه على الشبح. وجاء في الصباح لينظر فوجد الرمية أصابت ذئباً بين عينيه، وكانوا يعدون آذان الخيل إذا صوبت معالم لا تخطئ.
يقول الراجز العربي:
كأن أذنيه إذا تشوفا:: قادمة أو قلما محرفا
ويروى أن رجلاً أدركه نمر أو سبع آخر، وعنده تفق عُماني فرماه وضربه بالأولى، ورماه وضربه الثانية والثالثة والرابعة حتى السابعة وهو يركض نحوه، والرجل ثابت مكانه، وكل ضربة تحتاج إلى عناء، حتى الضربة السابعة، ولم تخطئه واحدة ولم يكن بينه وأن يفترسه إلا قدر " باع " فصرع.
وهذا شيء لا يقوى عليه كل أحد " يزيد في الخلق ما يشاء ".
وفي تفسير هذه الآية:
ما نقل لي الشيخ عبدالله بن علي الخليلي قال:
كان رجل وامرأته سائريْن في الطريق، فوردا ماء ليشربا، فإذا عند الماء رجل عظيم الهيئة قوي الساعدين، فقبض على المرأة وأراد أن يفعل فيها الفاحشة، فعارضه زوجها، (1/247)
صفحة 248
فقبضه وجعله تحت إبطه حتى قضى حاجته من المرأة، وأطلقها، واستلقى على قفاه فنام، فأنتهز زوج المرأة الفرصة وضربه بسيفه فقطع ساقه، وهرب، فلحقه، فلما أثقلته رجله المقطوعة جذبها فقطعها ورماه بها، فأصابت بعيراً فصرعته، ثم سقط هو ميتاً. فرجع الرجل إلى زوجه فتذاكرا ما وقع.
فقالت المرأة: ليت لنا منه سخله.
***
وسمعت منه في ثبات الجأش:
يروي قصة يقول فيها:
كان رجل طلبت منه زوجه أن تذهب إلى زيارة أبيها في بلد أخرى، وكان له عبدٌ أمّرّه أن يصحبها ليكفيها أمر الحمار والرحل والحط عنه، فطمع العبد فيها لما أنفرد بها في الصحراء، فلما رأت الجد منه ولم تقو على دفعه، أظهرت له أنها هي الأخرى راغبة فيه أيضاً. فأناخا، وقالت له: إنك متعب وأنا لا أفوتك، وكان العبد طول نهاره يمشي، فأراد الراحة، فلما أحست أنه نام: هوت عليه بسكين حادة فذبحته، ثم قطعته إرباً، وجعلته في جونية وسحبته إلى غابة بالقرب منها، تفكر كيف تواريه.
فمن الإتفاق العجيب أن زوجها وأصحاباً له تذاكروا هذه الغابة وأنها موحشة، لا يدخلها إلا حديد القلب، فمن يستطيع أن يذهب إليها في هذا الليل، وله كذا إن أتى بما يشهد له بدخولها؟
فأنتدب زوج المرأة لذلك، فأتى الغابة، ورأى سواد المرأة على فم غار هنالك، فقصدها، ورأت هي (1/248)
صفحة 249
الشخص مقبلاً إليها، فرمته بأحد أعضاء المقتول، فلم يثنه، ورمته بعضو آخر، وهو لا يتردد في قصده، حتى وصل إلى المرأة واشتبكا، وبعد صراع دام بينهما، تعارفا، فكأنما خلقا من جديد، وبثته بثها كله، وكان هذا من محاسن الصدف.
ومثلها ما يروى:
أن امرأة من أهل وادي نام، واد من أودية الشرقية، سافرت هكذا مع عبد لزوجها إلى: وادي الطائيين: عن طريق " وشغ " فطمع فيها العبد وهم بإغتصابها، ولما رأت منه ذلك، أرته الرغبة من نفسها، ولكن قالت له:
نلتمس مكاناً لا يرانا فيه أحد، فأتت إلى شفير الوادي، وكان مكاناً حلواً للنوم، إلا أنه لا حائل بينه وبين الشفا، فأستلقت على قفاها، وجعلت رجليها من قبيل الجرف، وعمقه هنالك ما لا يقل عن عشرين قامة، فجاء ليتسنم صهوتها وقد أسكرته شهوته، ورأى أنه نال ما لا يحلم به، فلما رفع رجليها ضربته بهما ضربة المستميت فأنقلب في ذلك الجرف، ونظرت إليه فإذا هو متقطع في بطن الوادي، فركبت حمارها وراحت، والمكان موجود حتى الآن، يسمى: مهداف العبد: ولا يزال الله مع المظلوم إن اعتمد عليه.
ولقيت رجلاً سعودياً: في حيدر أبادي: في الهند.
قال لي: منذ ثلاث سنوات، وكنت في: بومبي: وقعت قصة على رجل عُماني، أخمط الشعر في يده عصى لا يتركها. (1/249)
صفحة 250
جاء هذا العُماني إلى البنك، وعنده شيك ليصرفه، فتمالأ عليه شرطي المرور مع لص، وعزما أن يسلباه الدراهم التي يأخذها من البنك.
قال: وكان على البنك درج تهبط إلى الطريق. فوقف اللص على الباب، ولما خرج العُماني سدعه بقوة، سقط العُماني على الطريق، وانفلتت الدراهم من يده، فأخذها اللص وهرب.
ولكن العُماني قام بسرعة، ولما لحقه أطلق عليه تلك العصى، حتى سقط على الأرض، وانفلتت الدراهم من يده، فأخذها صاحبها وجاء الشرطي ليتدخل، ويريد أن يقبض على العُماني، فأطلق تلك العصى عليه كذلك حتى سقط بجنب صاحبه. فأجتمع الناس عليهم، وإذا بسيارة إسعاف تخص قنصلية أبو ظبي فتدخلت بينهم، وحملت الثلاثة إلى المخفر.
فقال رجال المخفر: مثل هذه المشكلة لا تحل إلا في دلهي. فحملوا إلى العاصمة، وكل أدلى بما عنده.
وبعد ضغط على الشرطي وصاحبه اعترفا بالجريمة.
فقالت المحكمة: يفصل الشرطي من عمله، ويسجن سنة ويسجن اللص سنتين ويعطى العُماني خمسمائة روبية، وتذكرة سفر إلى حيث يريد من بلاد الهند. فطلب أن يسافر إلى حيدر أباد، وربح دراهمه، وخمسمائة غيرها، والتذكرة.
وذلك سر الشجاعة، إذ الشجاع محبوب إلى عدوه، والجبان مبغوض إلى أمه. (1/250)
صفحة 251
وروى لي والدي قال:
جاء الشيخ سعيد بن عامر الحجري من أهل الظاهر، من بدية إلى تاجر في المنترب؛ ليشتري تمراً.
فقال: بكم تبيعني مائة جراب؟
قال: بأربع وعشرين مائة قرش.
قال: كثير.
قال: ليس بكثير على من يريد الجنة " معناه كالمستهزئ به " إنك تريد أن تتصدق بها.
قال: صدقت: ليس بكثير على الجنة، فأشتراها منه بما يقول فأنفقها كلها على الفقراء، ولم تتجاوز أياماً لشدة حاجة الفقراء إليها، جزاه الله خيراً.
يحدث عنه الشيخ عيسى كما أخبرني والدي يقول: ما رأيت أطوع منه لقبول الحق:
خرجت يوماً من بيتي فوجدته يبني أمام بيته اسطوانة كردء للباب، فقلت: يا سعيد هذه طريق. فكيف تبني فيها؟
وذهبت عنه، ورجعت إليه بعد ساعة، فوجدته هدم البنيان.
فقلت له: لو لم تستعجل، أنا تذكرت أن شيخنا السالمي بنى مثلها أمام بيته؛ لأن الطريق واسع جداً لا يضره مثل ذلك، فلا بأس عليك إن تركتها.
قال: فجئت في اليوم الثاني وقد أعاد بناءها.
ومن الطرائف أن سعيداً هذا كان مجبراً للكسر، فجاءه محمد بن سيف السناوي - الحارثي - من إبراء منكسرة (1/251)
صفحة 252
يده، وقد جبرت عوجاء. فكان في العادة في هذا، أن يجعل على الكسر بطيخة فتكسره، وجعل عليها البطيخة، فلم تنكسر يده.
فقال: ما تريد من هذه البطيخة؟
قال: لنكسر يدك، فنعيد جبرها.
قال: أتعبت نفسك، لو علمت لكفيتك ذلك، ثم أدخل يده في ركنة شجرة، ولواها فأنكسرت، وقال: خذ.
قال سعيد: إن كان أحد من أولاد الحارث بن ظالم باقياً فأنت ذاك.
وبمناسبة ذكر شدة الغلاء.
ما حدثني به الشيخ ناصر بن سليمان اليحمدي.
قال: كنت ماراً في الطريق ما بين: الراكة والشاحك: بلدين في بدية، وبينهما خراب، وذلك في السنة التي كان الغلاء الشديد فيها في عُمان، فبينما أنا أسير، إذ ناداني صوت لم أر صاحبه بقوله:
أقرضونا في هذا الوعاء تمراً إلى أن يرجع صاحب بيتنا ممتاراً:
أي يطلب الميرة: ورأيت الوعاء أمامي لم أر من وضعه، فملأته تمراً ووضعته في ذلك المكان.
وبعد أيام وكنت ماراً في ذلك الموضع، إذا بصاحب الصوت الأول يقول:
نشكركم على القرض، وهذا رده.
قال: فرأيت الوعاء وفيه تمر فرظ أخذته. ورددت الوعاء مكانه.
وحدثني قال: يقال إن الدم لا يموت، وعلى هذا (1/252)
صفحة 253
يحكى أن اثنين خرجا يصطادان، فلما كانا في البرية.
قال أحدهما للآخر: أشتهي أن أذبحك.
قال: إذاً لا تفلح.
قال: ليس هنا إلا أنا وأنت، أذبحك ولا يطلع أحد على ذلك.
قال: إن هذه الشرجة التي نحن فيها هي التي ستخبر عنك، فنفذ ما اشتهته نفسه ومات الرجل وأتت على ذلك أعوام، لا يدرى عنه شيء ونسيه أهله.
وكان في حين قتله امرأته حاملاً، فوضعت بولد سأل عن أبيه لما كبر، فقيل: إنه خرج للقنص وما رجع، ولا يدري عنه شيء. فولع الولد بالقنص كأبيه.
فكان ذات يوم صادف قاتل أبيه في البرية:
فأصطحبا، ولم يعرف كل واحد الآخر، فلما كانا في تلك الشرجة المقتول فيها أبوه، وصاحبه يحدثه عن الماضي؛ لأنه شيخ، وهذا حدث: كان من جملة الحديث أن:
قال له: وفي هذه الشرجة قتلت رجلاً من صفته كذا وكذا.
وقال: ستخبر عن القاتل هذه الشرجة، فمضى على ذلك نحو من عشرين سنة، ولم يعرف ذلك أحد.
قال الشاب: بل عرفنا، وأطلق عليه رصاصة أفقدته حياته، ومات بجنب صاحبه.
ومثل ذلك ما حدثني به الشيخ الرقيشي: قال:
قتل رجل من بني ياس رجلاً من النعيم، وكان له ولد (1/253)
صفحة 254
يرضع، فلما شب ذلك الولد والتحق بالرجال، خاصم ذات يوم شاباً مثله، وضربه.
قال له: تضربني، ما أنا الذي قتلت أباك.
فذهب إلى أمه وهو يتميز من الغيظ، فقال لها: من قتل أبي؟
قالت له: فلان بن فلان يسكن المكان الفلاني.
وكان الياسي ذا ثروة كبيرة.
فراح الولد حتى وصل عنده، وقد أبدى فقراً وحاجة.
فقال له: أنا جئت لتطعمني، وتستخدمني.
فقال له: نجعلك طنافاً في الركاب.
فقبل الولد ذلك، وأبدى نصحاً ومهارة أحبه عليهما وقربه من بيته وأولاده حتى خالطهم.
وبعد أشهر قال له: إني ربما أصادف في بعض الأحيان شيئاً من السباع، وليس عندي ما أدفعها به فلعلك تزودني ببندقية وبعض الذخيرة.
فأعطاه حسْن ظنٍ به، واجتهد في العمل بنشاط زايد، والرجل يزداد فيه ثقة، حتى عند تمام السنة من يوم دخوله اتخذ سياسة جديدة، فصار يقصر بعض الركاب. فإذا سأله عنها صاحبها قال له: ندّت علي والآن سأتبعها ويتبعها يأتي بها في الحال، ويزداد الرجل به إعجاباً.
حتى إذا كانت الليلة التي سيقضي فيها مطلبه، ويأخذ ثأره: قصر من الركاب أجودهن. فلمّا جاء إلى البيت وسأله الرجل، قال: سأتبعها، فراح عنه بعد العشاء ولم (1/254)
صفحة 255
يعد إلا في الثلث الأخير من الليل، وقد هيأ الناقة قريباً من المنزل.
فجاء إلى مضيفه قاتل أبيه، فوضع رأس البندقية في لبته وهو نائم. فما لبث بعدها بنَفَس، وامتطى ظهر الناقة. أصبح الصبح عليه في ضنك، ولم يدر أي البلاد انطوت عليه.
وهكذا الدم لا يموت.
(تمت)
ويشبه هاتين القصتين:
ما يحكى عن نبي الله عيسى عليه السلام قال: كان في بعض الأيام قاعداً على بئر في البرية مختفياً، فجاء رجل على فرس وعنده كيس فيه ألف دينار، فترك الكيس، وعالج البئر حتى شرب، فركب فرسه، ونسى الكيس، فجاء بعده رجل فشرب وأخذ الكيس، وجاء بعده آخر فقام ليشرب، وهذا صاحب الفرس راجع لكيسه، فوجد الرجل البريء، فسأله عن الكيس. قال: ما رأيت كيساً. فقتله، وذهب عنه، والنبي عيسى ينظر، فقال:
يا رب: أنت الحكم العدل. فما هذا الذي رأيت؟
فأوحى الله إليه: أني أنا الحكم العدل، وكل أخذ حقه، فالمقتول منهم قتل أبوه أبا الفرس، فالفارس أخذ حقه. وأبو الفارس ظلم وَالِد مَنْ أخذ الكيس " ألف دينار " فأخذ حقه منه.
فسبحان من لا تخفى عليه خافية ..
*** (1/255)
صفحة 256
وبحيث أن الإنسان محل النسيان، غفلنا شيئاً من أخبار الإمام الخليلي، رضي الله عنه، فنلحقها هنا. وكان المناسب أن نذكرها هنالك في صحيفة 173 وما قبلها فنقول:
ذكرنا هنالك أنه طلب الطبيب الأمريكاني، ليعالج عينيه، فأعترض عليه بعض أصحابه في جلب هذا الطبيب، بحجة أنه مشرك، ولا ينبغي لمثل الإمام أن يمسه مشرك. وكان من جملة المعترضين الشيخ: سيف بن راشد المعولي، وهو راوي القصة.
قال: كان ذات يوم في حلقة قراءة القرآن، فأخذته سنة من النوم رأى فيها أنه يصعد قلعة نزوى، وأن أمامه نوراً يستضيء به، فأنتبه.
وفي ضحى ذلك اليوم: صعد الإمام القلعة، وهو خلفه، فألتفت إليه، وقال:
يا سيف: أما يكفيك حجة؟
فعجبت من أين أطلع على ما رأيت.
قال: ثم أضطررت أنا الآخر، وسافرت إلى البحرين لعلاج عيني.
فلما كنت في العملية: رأيت الإمام في النوم يقول لي: أين أنت الآن؟
ومن سعة أخلاق هذا الإمام: ما أخبرني به أبو بشير السالمي قال:
قال الشيخ: ناصر بن راشد الخروصي للإمام: فيك ثلاث خصال من خصال المنافقين. (1/256)
صفحة 257
فتبسم الإمام، وقال: ما هي؟
قال: تحدث فتكذب، وتؤتمن فتخون، وتعد فتخلف.
فقال الإمام: أما الكذب فلا أستحله، وما كذبت إلا أني أعرض في بعض الأحيان. " وفي المعاريض مندوحة عن الكذب ".
وأما الخيانة، فتعني الإقتراض من الأمانة، وهو جائز في الشرع؛ لأننا نستطيع ردها.
وأما خلف الوعد، فما يكون عن عمد منا، بل أنت وأمثالك تضطروننا إلى أن نعد، فنعجز عن الوفاء.
قلت: ولعل ذلك من الإمام اعتماد على قوله تعالى:
{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا}.
وقد اطلعت على كتاب منه للشيخ سالم بن محمد - قاضي القابل - وهذا الكتاب أرسله إليه بعد موت الشيخ عيسى: يحثه على تولي القضاء هنالك.
يقول فيه: سلام عليك ورحمة الله، وبعد:
فإنه بلغني كتابك، ولتعلم أن الشيخ عيسى يقال فيه: عجزت النساء أن يلدن مثله.
وكل يهوى أن يكون له النصيب الأعلى، ولكن القصور يقصرهم، أما أولاده: إن يسلكوا طريقه استقام أمرهم، وعظم شأنهم. فإن ولوا أمرهم أهل العلم، يكونون علماء.
أو يشاوروا في المهمات أهل الرأي: صاروا نبلاء.
وأما الورع والنصح فذلك أمر بيد الله عزل وجل، وقلوب الناس كلها بيده. (1/257)
صفحة 258
فنوصيك أن لا تعتذر من أمر هو صلاح، وساعد ما لم تر هوى متبعاً وشحاً مطاعاً، واستبداداً.
ولا نعذرك عن أمر أراده الشيخ منك. أما الجباية فليس ذلك من أمرك وشأنك. (أ هـ).
قلت: ودائماً ما يصف الإمام الشيخ عيسى بمثل هذه الأوصاف، وإنه ليعرف أن الشيخ كان له موضعاً يستحق أن يذكر به، وكان أواباً إذا رأى من نفسه تقصيراً، كما روى الوالد: صالح بن أحمد الحارثي، قال:
كان عندي فرس قبيحة المنظر، وكان عمي " يعني الشيخ عيسى " دائماً يضحك منها.
فقلت له يوماً: يا عم، أيجوز أذى المسلم؟
قال: لا ...
قلت: لم تؤذني بالضحك على فرسي؟
قال: أستغفر الله، ما تنبهت لهذا، ولن تراني مؤذيك بعدها أبداً.
ولما كان الإمام يتعلم في القابل ارسله المشايخ بدية، ليصلح بين فريقين اختصما.
وكان على رأس أحد الفريقين المشايخ: عامر بن سعيد وهلال بن سعيد الحجريان. فشرع الإمام في الصلح. وكان هلال حاضراً، فطلب منه أن يتنازل لخصمه في بعض الأمور، فما رضى.
ثم حضر عامر أخوه، فطلب منه الإمام ما طلبه من قبل. (1/258)
صفحة 259
فقال عامر: يقصدكم ولد الخليل بن شاذان، فيسألكم في شيء فتردونه! يتم كل ما تريد ولو تقطع الرؤوس.
فشكره الإمام على ذلك وقال:
تطلب الحاجات من أهلها. أما من يكيل بالمكيال، ويزن بالميزان فلا تطلب منه الحاجات.
يشير بهذا القول إلى هلال أنه تاجر. (أ هـ).
ومن مرويات القاضي حمود بن عبدالله الراشدي:
عن الإمام الخليلي - رحمه الله - قال: دخلنا عليه نودعه ونحن آنذاك أولاد صغار، فتناول صحناً فيه رطب بنفسه، وجعل يتخير لنا منه، ويناولنا ونحن نأكل، ويقول: كلوا، فلعلكم تجدون بلادكم لم يدرك فيها الرطب بعد.
وزرناه مرة في حجرته:
وهو مريض، وقد نام على فراش لا ينام على أمثاله إلا الفقراء المنقطعون، فجيء إليه بحليب، فطلب له سكراً.
فقيل له: ليس في البيت سكر منذ ثلاثة أيام.
قال: لا بأس عسل النحل في الحليب أطيب من السكر، فتناول بقية عسل كان عنده، فصب الحليب عليه وشربناه.
قلت: وهذا مثل للحكام. أيكون بيت مثله فارغاً من الشيء الضروري ثلاثة أيام؟!
ولما عزل الشيخ القاضي:
سعود بن حميد عن القضاء في المضيبي: جعله الشيخ عيسى مدرساً، وجعل له كل سنة أربعين قرشاً، وبهاري بسر (1/259)
صفحة 260
من الزكاة - البهار الواحد عبارة عن ثمانمائة كيلو - وارتفعت قيمة البسر في سنة من السنين، فأراد الشيخ أن يعطيه أقل مما كان يعطيه. فأشتكى به مع الإمام.
فقال الإمام: يا سعود: الشيخ عيسى أبوكم، والمحسن إليكم فينبغي أن توقروه، وترجعوا إلى ما يقول.
قال سعود: بل هو سيدنا ومرجعنا. لكن هذه حقوق لا بد منها.
فألتفت الإمام إلى الشيخ وقال: المسلمون على شروطهم.
فقال الشيخ: سمعاً وطاعة.
وباع ناقة على رجل
فخرج الرجل ليحضر الدراهم، فنسى الإمام أنه باعها عليه، فباعها على آخرين نحروها. فجاء المشتري الأول، فجلس أمام الإمام فقال: أنا أشتكي إليك منك.
فقال: اشتك عند القاضي، وقام من مجلسه، وجلس بجنب خصمه أمام القاضي، وقدم الرجل الدعوى.
فقال الإمام: أنا نسيت البيع، وما عليّ شرعاً أؤديه.
ثم صولح الرجل على عشرة قروش يدفعها الإمام له.
قال الإمام للرجل: هل رضيت؟
قال: نعم، فأعطاه العشرة.
وأرسل اثنين من أصحابه في مهمة
فلما كان في الطريق تشاجرا وهجم كل واحد منهما على صاحبه يريد قتله، فحجز بينهما، فلما بلغ الإمام الخبر قال: " إن تمر الفرض له تأثير على رؤوس آكليه ". (1/260)
صفحة 261
وكان من عادته،
بعد صلاة السحر في رمضان، يقعد يحدث الناس في أمور دينهم.
قال القاضي: فسألته عن صفة الجنتين في قوله تعالى:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}.
قال يا ولدي: ما دخلتهما حتى أصفهما لك، ولعلك تريد معنى الآية.
قلت: نعم.
فأقبل يفسرها ..
قلت: ومثل هذا الجواب، ما أجاب به محمد بن سعيد العوضي، وقد سأله في يوم شديد الحر، هل هذا الحر أشد أم حر جهنم؟
فقال الإمام: أعوذ بالله ما دخلتها، حتى أميز لك ذلك، ولكن الله يقول: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}.
وقد ابتلي آخر أيامه
بسلس البول، فكان إذا أدركه ذلك يستخلف واحداً من خلفه، فأستخلف يوماً واحداً من المتعلمين في صلاة العشاء وكان هذا المتعلم مسافراً، فصلى ركعتين.
ولما رجع الإمام، قال: ما فعلتم؟
فأخبرناه، فأبطل صلاتنا، وصلى بنا أربعاً في جماعة.
وكان سلوم السيابي:
قاطع طرق، يؤذي الناس إلا إذا أعطيّ من بيت المال ما يكفيه، فجاء يوماً إلى الإمام للعطاء، فأعطاه (1/261)
صفحة 262
قليلاً، فراجع في الزيادة. فقال الإمام: " سر في شغلك ".
وكانت هذه الألفاظ كثيراً ما يستعملها الإمام إذا كان مشغول القلب.
فقال سلوم: تأمرني إيها الإمام أن أسير في شغلي؟
فتنبه له الإمام، فأمر له بزيادة.
قلت: وأخيرا أمر عليه الإمام أن يقتل، فقتل غيلة، واستراحت الأرض منه. (أ هـ).
وكان رجل من أهل " عقر نزوى ".
مشغوفاً بالغناء والرزفة، فكان يخلق لذلك أسباباً، إذا جاء الليل يحرق على الناس خيامهم، وزروعهم حتى يرى الناس الحريق، فيهبون لإطفائه، فإذا فرغوا قاموا بالغناء، وكأنهم أنجزوا عملاً يستوجب إظهار النصر، فطلبه الإمام ليعاقبه. فقال له بعض القضاة الحاضرين: قر .. قر .. قر .. ، معناه: اعترف.
فغضب الإمام، وأمر له بالسجن، ثم أقبل على ذلك القاضي.
وقال له: " هل تعرف إلا: قر .. قر .. قر .. : أتدري ماذا عليه لو أقر؟ كان عليه حد المحارب. تقطع يده ورجله من خلاف؟ والحدود تدرأ بالشبهات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تب واستر نفسك ".
وجاءه يوماً
ولداً من أبناء اليعاربة، وهو في سن العاشرة يسأله شيئاً من العطاء، فقال له الإمام: " سر في شغلك ". (1/262)
صفحة 263
فقال الولد: " ارفع رأسك أيها الإمام وأنظر " وأشار إلى القلعة، معناه: أن آباءه بنوا هذه القلعة، ففطن له الإمام، وضحك، وأعطاه.
ورأى خنجراً على بعض المتعلمين، وفيها بعض الذهب، فأخذها منه وقبض سكيناً، وجعل ينقف ذلك الذهب بيده، حتى لم يبق منه شيء.
وتقايض اثنان على خنجر صح على واحد منهما الزيادة، ولم تحضره وافترقا، فأبطل الإمام القياض؛ لأن الخنجر فضة والزيادة قروش، وهي فضة أيضاً.
وكتب له المتعلمون برسالة آخرها " من كافة المتعلمون ".
فأجابهم: " أصلحوا من ألسنتكم واكتبوا من كافة المتعلمين ".
وكتب إلى بعض القضاة
يشتكي إليه سوء الحال، فكتب إليه:
شكا إليّ جملي طول السرى:: صبراً جميلاً فكلانا مبتلي.
وكتب إليه بعض المشايخ:
يطلب الإجتماع به، وقال في كتابه:
" رأيتك وقت الصباح فارغاً "
فكتب إليه:
إن ترى جسمي بحالي ساكنا:: فلعمري إن قلبي في اضطراب (1/263)
صفحة 264
وكتب إليه بعض الناس، ينم على رجل هو عند الإمام في ثقة.
فكتب إليه: " وكل اغتياب جهد من ما له جهد ".
قلت: وكثيراً ما يستعمل هذه الطريقة. فكان يجيب إما ببيت شعر أو بآية قرآنية، أو بحديث نبوي، أو بقصة، أو مثل سائر، ولا يعلق عليهن بشيء.
وتخاصم إليه القاضي:
سالم بن حمد البراشدي، وبعض الجماعة من سناو، واجتمع بهم في قلعة نزوى، فكثر اللغط والضرب بالعُصيّ في الأرض.
فقال الإمام: " اسمعوا مني قصة: نزل بعض البدو على رجل من أهالي محرم؛ فقام ليكرمهم، فقال له بعضهم:
هؤلاء الضيوف شيوخ، يستحقون الإكرام التام.
فقال الرجل له: هل تعرف هذه البلد؟ هذه محرم: تغرب فيها الشمس وقت العصر. معناه: أنها حصينة، لا يستطيع أحد أن يتجبر على أهلها، فإذا أردتم أن تتجبروا على الناس فعليكم بالواشحي، ولا مجال هنا للتسلط.
قلت: الواشحي بلد من أعمال المضيبي، كانت مستعمرة بدوية. (أ هـ).
يعني لهم الإمام بهذه القصة:
" إنكم الآن أنتم في قلعة نزوى لا مجال لكم في قضاء رغباتكم من بعضكم البعض. هذا لو كنتم في بلدكم، تتصرفون كيف شئتم. أما هنا فلا ". (1/264)
صفحة 265
قلت: ومثل هذه القصة وقعت عند شيخ من شيوخ بني بطاش وقد أناخ عليه أهل وهيبة، فلحقه واحد منهم، يقول له:
هؤلاء شيوخ يستحقون الذباح والإكرام، فلا تقصر فيهم.
فقال له ذلك الشيخ: اتبعني: فأراه الذبائح معلقة.
قال له: أتراها؟
قال: نعم.
قال: كنت ذبحتها لكم، والآن حرمكم الله إياها.
لا أسمح لكم بالمقام في هذا البلد، ولو لشربة ماء، فإن بقيتم فلستم بالذمة، فأرتحلوا من حينهم. (أ هـ).
وتخاصم إليه مرة أهل العلاية والسفالة من بهلاء، وكان في تلك الأيام اشتداد المحل، وحين يكون المحل في عُمان، تشتد الخصومات بين الجيران، فأحضرهم الإمام في نزوى، وكثر كذلك اللغط، فقال الإمام: اسمعوا: " إذا خصبت الهند يسرنا نحن في عُمان ".
قالوا: وما علاقتنا بذلك؟
قال: تكثر فيها الخيرات، فيتسابق أهلها إلى بيع محصولاتهم فتصلنا رخيصة، فكيف في بلدنا إذا كثير الخير فيها؟ لا يحتاج الواحد منا أن يذهب إلى بلد آخر، وسيحصل على ما يريد من بلاده، فاسألوا الله الخير للجميع، فحيثما وقع نفع، وإياكم والتحاسد، فأصطلح القوم.
وكان يحدث عن الإمام سالم فيقول: كان الإمام سالم كثير العبادة: يصلي الضحى، ويقوم الليل، ويصوم النوافل ... أتدرون لماذا؟ (1/265)
صفحة 266
قالوا: لا ندري.
قال: لأن عنده من يشد عضده، وقد وجد بعض من يكفيه أمور الدولة، فتفرّغ بعض الشيء للعبادة.
يشير - رحمه الله - إلى أنا نحن لم نجد من الأخوان من وجدهم الإمام سالم، واستعان بهم.
واعترف عنده مرة رجل بقتل رجل،
فقال للشيخ الرقيشي: احكم عليه.
فحكم الشيخ بقتله حداً.
فبقى الإمام يتململ ويفكر وقتاً طويلاً، ثم أمر بتنفيذ الحكم.
قال القاضي: فسألت الشيخ سفيان بن محمد: لأي شيء فعل الإمام ذلك؟
قال: لهول قتل النفس: كان يتفكر في الحكم، ويلتمس صوابه حتى إذا وجده أمر بتنفيذه.
وكان في العادة إذا أراد قتل إنسان أمر بتتويبه قبل أن يقتل، فنسوا هذا الرجل في هذه المرة، وقاموا يتلاومون بعد ذلك.
وسأل عن الشيخ: سالم بن حمد البراشدي بعد موته:
هل يرى على قبره نور؟ قيل: نعم
أو لا " شك القاضي ".
قال: يعد الناس النور كرامة، والكرامة الموت على الإستقامة. والشيخ سالم ممن مات عليها، هذا الشيخ عيسى اشتد عند موته، وليس الأمر كما يعتقد العوام، إن الشدة عند الإحتضار قرينة على سوء الخاتمة - والعياذ بالله -. بل (1/266)
صفحة 267
كم منافق يسهل عليه الموت حتى يخرج من الدنيا، وليس عنده شيء من الحسنات، وربما يشتد على المؤمن ليمحص له بقايا ذنوبه، فيخرج من الدنيا ولا ذنب له.
وتخاصم الحرث والمساكرة في فلج للحرث، يمر في حرم المساكرة. فأعترض المساكرة على الحرث في تصليح فلجهم، ونقله من مكانه الأول، فحضر الإمام بينهما، وطلب التفويض منهما على أن يختار للفلج مجرى ففوضوه، وبالفعل فقد اختار المكان، فرضي به الكل.
ومن توفيق الله له أن وجدوا تحت الأرض في هذا المكان ساقية للفلج قديمة، فكان دليلا على إخلاصه، ورشداً للمتخاصمين في تفويضه، وفي هذه المرة صلى بهم صلاة الإستسقاء، وحثهم على الصدقة، فما غربت شمس ذلك اليوم حتى سالت الأودية.
ووجدت حكماً صدر في هذا الفلج في زمان الإمام ناصر بن مرشد اليعربي. هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
قد وقع الحكم الصحيح، وفصل الخطاب الصريح بين مشايخ الحرث من قرية إبرا، بين مشايخ المساكرة من قرية إبرا في فلج بو منخرين من قرية إبرا.
وكانت بينهم دعاوى ومنازعات.
وقد وقع الحكم منا لهم:
أن ليس لأهل السفالة أن يخدموه زيادة عما كان في الوادي بين النخل مصعداً؛ لأن الأودية لله ليس لأحد أن يحدث فيها حدثاً لا نهاية لمائه إذا أنزله من سمائه. لا يكبس (1/267)
صفحة 268
ما حرفت، ولا يحفر ما كبست، ورأيت ذلك أسلم في أمر الدين، وكل شيء على ما كان.
وفي أمر الدنيا: رأيتهم متشاجرين، وللفتنة متأهبين، فتركنا الزيادة خوفاً من هذه الإرادة: فَرضِيّ الفريقان بذلك، ورجعوا عن منهاج المهالك، وحكمنا بينهم. وأما الساعد المغرب الذي قد خرج من الأملاك فلهم خدمته من وراء الأملاك ما أرادوا.
وأما الساعد النعشي: فحكمنا به كما وجدناه لا يزاد على ذلك أبداً، وجعلنا له ثلاثة أحجار عظام جواميد له عند منتهاه وهن في الأرض عند خدمته، ولو كبسه سيل لم يخدموه إلا إلى هذه الأحجار الثلاثة، وأعلى هذه الأحجار نخلة مطرحى، يدعيها عبدالله بن جمعة المسكري في وسط الوادي، وهذا الساعد منتهاه أسفل منها: بينه وبينها ثمانية أذرع ومائة ذراع من حد ري هذه النخلة إلى منتهى هذا الساعد، فلا لأهل السفالة أن يزيدوا أشياء في خدمة هذا الساعد، ولا لهم أن يدخلوا في هذا الذرع المذكور بين النخلة والفلج والساعد مقابل النخلة من سهيل: لا شرقياً عنها، ولا غربياً، والله أعلم.
فهذا ما حكمنا به في هذا الفلج، وذلك بمحضر من والي الإمام القائم بأمور الإسلام المجاهد المجتهد الزاهد: حمد بن مسعود بن راشد السعالي النزوى، وبمحضر الشيخ العالم الثقة: الوالي بلعرب بن مانع بن علي بن محمد بن إسماعيل النزوي، وشهد بذلك، كثير ممن حضر، وكفى بالله شهيداً.
وكان هذا الحكم ضحى الخميس لعشر ليال بقين من (1/268)
صفحة 269
شهر ذي القعدة من شهور سنة خمس سنين وأربعين سنة وألف سنة وكتبه معه العبد الأقل لله، والي الإمام: عبدالله بن محمد بن غسان بن محمد بن غسان: بيده.
ووقعت فتنة في الخضراء قتل فيها رجل،
فقام الشيخ: سيف بن أحمد بن حامد الراشدي؛ ليصلح بينهم، وكان القاتلون ينتمون إليه بالصهر، فأصلح بينهم بدفع أربعمائة قرش، فرضوا.
ثم قال لهم: اذهبوا إلى الإمام فأخبروه: أنكم رضيتم بهذا الصلح.
فضحك الإمام: وقال لسيف: هؤلاء المساكين لا يعرفون مكرك. لا يتم هذا الصلح، لأن في الأولياء يتيماً فمن يصالح عنه؟
بل يدفعون الدية كاملة، ولا نقول بالقود، لأنها ثائرة.
وكان من عادته - رحمه الله -
إذا أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام. إلتفت إلى من خلفه، فإذا رأى بعض شيوخ القبائل تولى سترة الإمام.
قال له: تأخر، ليتقدم المتعلمون، أنتم تقدمون في المجالس، وفي أخذ الفنجان الأول، أما الصلاة فليتقدم فيها المتعلمون.
وكان يحدث مرة عن الشيخ عيسى، وشدته في الدين.
فيقول: كنت يوماً في مسجد القابل، فسألني المؤذن: هل تظن أنه فجر؟ فرأيت أنا ضوء القمر فظننته فجراً، (1/269)
صفحة 270
قلت: نعم.
فأذن المؤذن، وجاء الشيخ عيسى بعدما سمع الأذان مسرعاً، فقال للمؤذن: أرني الفجر الذي أذنت عليه.
قال المؤذن: - وأراد التخلص منه - أمرني محمد بالأذان.
قال الشيخ: أين محمد؟ ليحلف يميناً بالله أنه رأى الفجر.
فقلت: أنا ظننت ذلك، غرني ضوء القمر، ولا داعي أيها الشيخ إلى اليمين.
***
وكان مع فقهه طبيباً يصف لأهل الصداع، وهو أن يحلق المصاب بالصداع رأسه، ويضع عليه " الحنا "؛ لأن في الحنا سراً يفتح منافذ الرأس، والصداع يقع من الإنسداد.
ويصف للصداع أيضاً " الكي بالنار في وسط الرأس ".
ويصف للرعاف لمن به رعاف لا ينقطع عنه، بأن يشم المصاب (بعرة حمار) فينقطع عنه الدم.
ويصف للرمد: بعرة حمار أيضاً رطبة تغسل من الأوساخ الخارجية، وتعصر تلك البعرة في عين المرمود، يذهب عنه السهر.
ويصف لمن به حرارة في جسمه، تسبب له الحمى أن ينقع الليمون اليابس من المغرب إلى الصبح، ثم يشرب الماء على الريق ثلاثة أيام متوالية.
قلت: جربناه فنفع ... جزاه الله خيراً. (1/270)
صفحة 271
ومما حفظ من كتب الإمام - رحمه الله -
كتابه لبني خروص أهل ستال.
يقول فيه: سلام عليكم، أما بعد:
فكتابكم وصلني، وفهمته، وأقول:
إنها اجتمعت أقوال العلماء على أن الحكم ماض، ورده باطل، ونعلم أن إبراهيم " يعني بإبراهيم: الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري ". رجل لا يسلم الأمر. إلا أنه ليس يسع المسلمين بيع دينهم لرضى إبراهيم ولا لغيره. أنتم تنظرون في أمر الدنيا، وغيركم يخاف الضياع في أمر الدين.
*** (1/271)
صفحة 272
وكتابه أيضاً
لبني هميم أهل العين.
يقول فيه: سلام عليكم. أما بعد:
فقد عمدنا الشيخ: سيف بن حمد: للأحكام في ما لكم وفي ما عليكم. واعلموا أن الشيخ: محمد بن سالم أخبرنا أن حكمه الذي حكم به على: أحمد بن حامد: من منع البناء فوق ما قرره، إنما أراد به كف الفتنة فيما بينهم والشحناء. وحكمه ماض، إلا أن أردتم أنتم تهييج الفتنة، وتداخلتم في بني هشام: فأحمد سيبني، ولا يمنع ليحمي داره وفلجه، فإنما بينه وبين بني هشام أحوالاً غير مخفية.
والذي لأحمد لا يصلح أن يمنع منه، والحق ميزان، والنظر إليكم.
قلت: وهذا القول يرجع أصله إلى حديث شراج الحرة حين اختصم الزبير وجاره. والحديث رواه الربيع - رحمه الله -.
***
وكتابه أيضاً
للشيخ عيسى بن صالح، يقول فيه:
هنا مسألة:
وفي مساطيح: يسطح الناس فيه تمرهم وبسرهم.
هل يكون ذلك حوز؟ ويكون كالإحياء للأرض الموات أم لا؟
نرجو الجواب.
الجواب: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من (1/272)
صفحة 273
عيسى:
قال القطب: وإنما تملك الأرض الموات بسقيها وإحاطتها وإزالة ما يضر الحرث أو الغرس منها، أو حرثها أو بذرها أو تسويتها أو نحو ذلك.
انتهى.
ونحب من أتخذ موضعاً مباحاً مسطاحاً لبسره وتمره أنه يكون أولى به من غيره. والله أعلم.
وكتابه أيضاً
لبني خروص، وبني خزير، والغشور.
يقول فيه: سلام عليكم ورحمة الله.
كتابكم وصلني، وذكرتم مادة ابن محصين أنه يأتي بجماعته في منزله:
هم رجال، وأنتم رجال، وليس هم أحرص على الموت منكم، إلا أن كانوا أشجع منكم، وإذا أتى ولد محصين:
يؤخذون هم بما جنوه، والسلام.
وأما منعهم عن السكون بغير حجة شرعية لا نراه، وقولكم نحاذر منهم: الذي يحاذر يتحذر. والسلام.
وكتابه أيضاً
للشيخ محمد بن شامس البطاشي يقول فيه:
سلام عليك ورحمة الله ... وبعد:
فإنه بلغتنا أمور ما بين أناس بالسيب: يتعصب السيابيون لفريق، وأهل الخوض لفريق. (1/273)
صفحة 274
وهذا أمر: نراه لا يحسن ولا يمكن. وعليكم أن تثوروا وتمنعوا التعصب بين هؤلاء القبائل، والذي لا ينكف قوموا عليه أو عرفوني، فإن يلزم المسلمين قتال كل من لم يكفه الحق. ويصر على الباطل، لا يبالون، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، والله ناصرهم لا محالة إن نصروه، وعده حق، وقوله صدق. قال الله تعالى:
{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} (1).
{وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} (2).
وكتابه أيضاً
له، يقول فيه: وبعد
فهؤلاء الأولاد عبدالله بن محمد، وعزيز بن سيف: عمدتهم لجباية الديار التي هناك، والقصد شد العضد، فشد عضدهم بالكتابة والقول، والديار التي لم نذكرها فأذكرها أنت، وكتابك وصلني، وأقول:
يا محمد بالعدل قامت السموات والأرض، وبالجد والإجتهاد والإخلاص ترقى سلفكم، فإن سرتم سيرهم بلغ بكم ما بلغوا، وينبغي التنافس في الخير، وأن يكون كل عامل مقبلاً إلى شأنه، وبعهدي فيك من الفطانة ما لا مزيد عليه، وإنما أحاذر من العمال إن نظروا بعضهم إلى بعض، وأن يقتدي بعضهم ببعض، وإن سلكوا مسلكاً فيه عجز أو قصور أو تقصير، فهذا هو الداء الأعظم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القتال 7.
(2) سورة الأنفال 10.
وكتابه أيضاً إلى (1/274)
صفحة 275
الشيخ سالم بن محمد الحارثي وبعد:
وكتابك وصلني، وذكرت أنك لا تقبل الأخذ من مال المسجد اقتداء بالشيخ عيسى - رضي الله عنه - وذكرت أن الله أمركم بالسعي إلى آخر ما ذكرت. أقول يا سالم:
لا يكمل دين المرء حتى يكمل عقله، ولا يكمل عقله إلا إذا قاس اليوم بالأمس، كما لا يصح قياس غد لليوم.
انظر إلى حكمة الله عز وجل: تارة ينسخ الأمر إلى أيسر منه، وتارة إلى أشد منه، وذلك لمقتضى المصالح والحكمة.
أقول: إنْ كنت ترى قيامك بين ظهراني قومك في إعلاء كلمة الحق وتأييد الدين، فذلك جهاد.
وتعلم من جوابات الشيخ محمد بن يوسف ما قاله في فتوى بعض علماء القوم لسلطان زمانه أنْ يدافع الكافرين أو لا بما يجده من بيت المال، فإن عجز فالأوقاف، وإلا قاموا لهم ولا يضيع أمر المسلمين.
فما أرى تورعك عن ذلك إلا ضرب شك ووسوسة. ولا خروجك إلا شبيه بالمنهزم من صف المسلمين عند قتال عدوهم.
وقولك إن الشيخ تورع: نعم تورع عن كثير وهو حلالٌ بَحتُ في حقه كمال المتعلمين.
وتشجع أحياناً كالأخذ من أعطيات السلاطين.
وهكذا شأن العلماء، والنيات هي المصلحة والمفسدة.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حرره بيده في 11 من رجب 1369 هـ.
*** (1/275)
صفحة 276
ومن أحكامه - رضي الله عنه -
ما وجدته بيد أحد الإخوان:
من إمام المسلمين محمد بن عبدالله إلى المشايخ العزاز كافة الجماعة أهل سناو:
سلام عليكم ورحمة الله ... وبعد
فهذا الأخ سالم بن حمد، عمدته، وأمرته أن يمضي فيكم أحكام الله عز وجل على القوي والضعيف والوضيع والشريف، ولم أقصره عن أمر هو بحق، وعلى مناصرته على ذلك.
واعلموا يا آل براشد، ويا الرواشد، كونوا يداً واحدة ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولكم خصم ما هو بالسهل فأعدوا له عدة، وهي التقوى، كما قال عمر - رضي الله عنه - فإن الله عز وجل قال: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.
فمن كان مع الله لن يغلب، وعليكم أخذ الأسباب لذلك وهو الإتحاد والتناصر على الحق، واعلموا أن السبيع من الفلج إن سبق فيه قاعدة لا يعلم باطلها، فهو كما وجد.
وأما الأخذ من سبيع الفلج والإختصاص به فلا يصح؛ لأنكم كلكم شركاء، وشريككم فيه الغائب واليتيم، وبالجملة هذا مرجعه إلى نظر سالم، هو المبتلى بالأمر هذا. (1/276)
صفحة 277
واستغفر الله العظيم من كل ما خالف الحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
حرر يوم: 24 شوال سنة 1363 هـ.
***
وعنه سؤال: في رجل توفي، وترك أموالاً، ولم يصح قسمها بين الورثة؛ إلا أن بعض الورثة باع أموالاً من هذه التركة، وتوفي، وبعضهم باع وقد غاب من المصر، وبقيت بقية وهي بيد الرجال، والنساء لم يكن بيدهن شيء، ثم ماتت امرأة منهن، وطلب أولادها نصيبها، وربما أنكره بعض الورثة؛ أن هذه لا سألت في حقها.
الجواب عن هذا:
أما ما بيع من المال: فذلك قد مضى، ولا دعوى لأحد،
وأما الباقي: فهو شركة، ما لم يصح القَسْم فيه.
وإذا ماتت المرأة: فوارثها يقوم مقامها.
ومن لا يرى لها شيئاً: عليه أن يأتي ببيان مما يخرج حقها من ذلك المال: إما بيع أو هبة أو صحة قسم.
والله أعلم.
***
ونلحق بذلك ما طُلْب إلينا بيانه من عادة الحوْزِ بَيْن القبائل في عُمان الذين بلغنا عنهم أنهم:
يحوزون بين القبائل في عُمان، ويمضي حوزهم، ويقتنع (1/277)
صفحة 278
به كل من المحوز عليه، أو المحوز له - هم ثلاثة:
سلطان بن منصور الغفيلي الوهيبي.
ومحمد بن الراشودة الجنيبي.
وسالم بن حمد ولد عليان العويسي.
وهذا في المنطقة الشرقية جعلان.
هؤلاء الثلاثة يتشاورون فيما بينهم فيما حدث من القضايا، ويشاورون قبائل أخرى إن دعت الحاجة إلى ذلك، ويتوارثون ذلك.
ويوجد في القبائل رؤساء، يسمون شيوخ السنة، ترجع إليهم جماعتهم، وتسألهم الحكومة في التعاون معهم على المصالح ودرء المفاسد، فإن لم يساعدوا يلزمهم الحاكم، وإن أدى الإلزام إلى السجن سجنوا، حتى يقوموا بالواجب.
وقد فعل ذلك الأئمة في عُمان، وهذا مما يخفف على الحاكم عبء طلب الجاني؛ لأن أكثر البدو لا مقر لهم، ولا يقدر عليهم إن نفروا.
ومن القضايا التي حازوها وعرفنا عنها:
(1) أخذ رجل " هندي " وأهل " هندي " فرقة من وهيبة - أخذ ناقة على الجدالي (فرقة أيضاً من وهيبة).
فلحق الجدالي في الطريق، ومعهم رجل عامري.
فأرادوا أخذ ناقتهم منه، فأمتنع، وأطلق عليهم النار فأصابت العامري، وقتل الجدالي الهندي.
وكان عنده: جحافي وحبسي.
فطالب الجحاحيف والحبوس بلوم على الجدالي، فأنكروا قتل الهندي. (1/278)
صفحة 279
فحاز سلطان بن منصور أن يحلف من الجدالي أربعة عشر رجلاً أنهم ما قتلوا الهندي، فإن حلفوا تكون ديته على الفريقين، وإن امتنعوا يدفعوا ألف قرش دية القتيل. وأربعمائة قرش لوم الجحافي والحبسي، فرضي الجميع.
قلت: والشيخ المحتسب صالح بن علي الحارثي، كان يؤيد دفع أربعمائة قرش للقبيلة اللائمة.
***
(2) تزوج رجل امرأة، فأعترض إين عمها عليها وقال: إنه أحق بها من الأجنبي، فترافعوا إلى سلطان بن منصور:
فحاز أنه إذا كان منذ بلغت البنت سنة كاملة، ولم يتقدم بخطبتها إبن عمها، فليس له حق الإعتراض.
(3) خطب رجل بنت عمه من أبيها، فلم يزوجه، وزوجها لرجل أجنبي، فأعترض إبن العم عليها، وترافعوا إلى سلطان بن منصور:
فحاز أن على أب البنت أن يدفع بما يساوي نصف الصداق لإبن العم من دون أن يؤخذ من صداق البنت شيء - هذا إذا كانت البنت راضية بالزواج من الأجنبي -.
قلت: وسمعت الشيخ الرقيشي يقول:
جاء رجل إلى الشيخ صالح بن علي الحارثي يشتكي من عمه أنه يريد أن يزوج بنته لأجنبي وهو يعترض على ذلك. فقال الشيخ لأب البنت، كالمتهدد:
الذي عرفناه أن بنت العم يأخذها إبن عمها. (1/279)
صفحة 280
فقال الرجل: لا بأس أزوجه.
وهذه الحكاية يحكيها الشيخ الرقيشي عن الإمام الخليلي يقول:
إن الشيخ صالحاً أوهم على الرجل بقوله هذا، فظنه حكماً. وكان مهاباً إذا تحدث.
***
(4) وكانوا يحوزون في الركاب إذا تنازع فريقان في ناقة: يأتي من بيده الناقة بخمسة شهود: أنها بنت ناقته، أو إشتراها من فلان، فإنْ عجز الشهود يأتي بهم مدعي الناقة، وإذا عجز الآخر حلف من بيده الناقة هو وأربعة من جماعته أن الناقة لهم.
فإذا أنكروا: أخذ المدعي ناقته، وليس للأول فيها حق.
(5) ومن حوزهم إذا مد الرجل يده إلى ناقة زميله ليؤخرها عن السبق " يدفع ثمن طعامها من أول ما ضمرت إلى ذلك اليوم ".
(6) ومنه جاء ولد الحسري يزور أهل بو غفيلة.
ولما وصل: أول من لاقاه: مصبح الطويل. (مالكي)
تزوج منهم، فأهتم بالغداء بضيفه، فخصمه أهل بو غفيلة قائلين:
ليس لك ذلك في مكاننا.
فحاجهم. (1/280)
صفحة 281
فحاز ولد الحسري وهو الضيف أنه:
من لاقى الضيف أول ما يصل فهو أحق بالغداء إنْ جاء على غير موعد.
(7) عند الجنبه: إذا مد الرجل يده إلى امرأة بكر، ولم ترض: يعطها مثل ما تملك.
(8) وعند الحراسيس: إذا مد يده إليها ولم ترض: يعطها بكرة.
(9) وعند الجميع: للشعرة من اللحية إذا تعدى عليها متعد، لها ثمن معلوم.
(10) وعندهم: إذا كذب رجل لحية رجل فقتله:
لا شيء على القاتل.
هذه نبذة مما اطلعنا عليه من تعارف بينهم، ويسمون الحكم بذلك حكماً بالفرع.
" هنا قصتان ذكرتهما وقد انتهى الكتاب فألحقتهما في غير موضعها والقصد الاستفادة ".
كنا في زيارة لبلدان الحبوس وسناو في سنة 1366 هـ في صحبة الوالد محمد بن عيسى بن صالح الحارثي وهو أمير الحرث تلك الأيام بعد أبيه، وكنا إذا جئنا إلى بلد تلقانا أهله على حسب العادة في اللقاء من إطلاق البنادق واصطفاف الناس وركض الخيل كل اثنين مع بعض وكنا ذات يوم في (ردة الحبوس) وصرت أنا زميل الأمير وكنت يومئذ إبن عشرين سنة فسبقته فأنتقع لونه وقال: ما سبقني أحد منذ ركبت الخيل إلا هذا اليوم سبقني هذا الولد فلا بد أن تكون هذه نهاية ركوبي. وفي اليوم الثاني جئنا المضيبي وكنت واقفاً وراء خيمة خارج البلد (1/281)
صفحة 282
اسمع صوت بلوشية في تلك الخيمة تعالج سكرات الموت فمر هو عليّ فقلت له في هذه الخيمة بلوشية تموت قال (يبوك) (1) ما يهمنا موت البلوشية ويهمنا غيرها ويعني نفسه فتراه تشاءم مرتين وكان الأمر كما تنبأ لم يمضي بعد رجوعنا إلا شهر أو أقل فأصيب بمرض كان سبباً لموته في جمادي الأولى من السنة.
(القصة الثانية ترجع إلى كرامات الإمام الخليلي رحمه الله)
هذا أمير من أمراء عُمان إستحوذ على زكاة قطره دون الإمام فأرسل الإمام أمراً إلى الجابي أن يعطي بعض الناس شيئاً من الزكاة فأعطاه دون استئذان الأمير فلما علم قال لا بد أن تغرم ما دفعت دون أمري قال الجابي لكنه أمر الإمام الذي هو فوق الكل، قال الأمير - أمر الإمام تحت هذه القدم - وضرب برجله على الأرض فورمت رجله المضروب بها حتى صارت كالجراب فما انفلت من تلك القبضة حتى مات بعد أيام قليلة. (أ هـ).
نبذة من أخبار الشيخ أبي زيد
روى لي القاضي علي بن ناصر المفرجي
هذه الروايات عن الشيخ أبي زيد
وقال: هو عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي - الأزكوي – رحمه الله.
هذا الرجل كان فذاً في بني جلدته، فذاً في زمانه، فذاً في نصحه، فذاً في أمانته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - يبوك - كلمة يستعملها العُمانيون معناها بأبيك. أ. هـ. (1/282)
صفحة 283
درس على الشيخ نور الدين السالمي، وأكثر فتاوى الشيخ بخطه وقام عنده في محاولته نصب الإمام، وصار كأبي طلحة الصحابي - رضوان الله عليه - عند مشورة الستة اللذين استخلفهم عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - وأمره بضرب أعناقهم بعد ثلاث إن لم يتفقوا على أحد.
كذلك أمر الشيخ نور الدين أبا زيد أن يضرب عنق سالم بن راشد حين أبى قبول الإمامة.
وولاه الإمام قضاء بهلاء منذ سنة 1334 هـ إلى 1364 هـ، فكانت مدة قضائه ثلاثين سنة: أنجز في هذه الثلاثين المنجزات الضخمة التي لم تنجز قبله، وما أنجزت بعده.
فمن منجزاته فيها المهمة:
قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطهير البلاد من الفساد.
وقد جعل لكل محلة في بهلاء رشيداً: سائلاً ومسؤولاً بينه وبين أهل المحلة، بعدما جمعهم، وخطب فيهم:
" إن الواجب عليكم قبل كل شيء شكر الله تعالى على نعمه، وأن النعمة تدوم بدوام الطاعة لله ورسوله، ولولاة الأمور ". فقبلوا ذلك.
وكان يقول للرشيد: إعلم أنه لا فضل لك على أهل محلتك إلا بالتقوى، وإياك أن ترى لنفسك فضلاً عليهم، وتحرّ الصدق فيما ترفعه إلينا، فإذا تبين منك غير ذلك فلست على نفسك بأمين، ولا يستطيع أحد أن يتخلف عن صلاة الجماعة.
وبعد إصلاح نفسه وإصلاح العباد: قام لإصلاح البلاد. (1/283)
صفحة 284
وكان قد قسم أوقاته كما يلي:
يصلي الصبح، ولا يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس: يقرأ القرآن.
ثم يدخل بيته لشؤونه الخاصة،
ثم يخرج إلى مجلس العلم، فيعلم الناس أمور دينهم.
ثم يعود إلى البيت قليلاً،
ثم يخرج لقضاء حوائج الناس وفي يده: سيف وقلم وقرطاس، فيبحث أولاً عن العسكر، ومن قام بمهمته ومن لم يقم، ويعاقب من لم يقم، وكان لا يفوته ذلك منهم، يجس عليهم في الليل وهم لا يعلمون.
ثم يخرج فيطوف البلاد لعله يرى منكراً فيغيره، أو معروفاً فيأمر به، ولم يدَعْ للنوم إلا القسط اليسير.
{كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (1).
وكان على بهلاء سور يحميها عن الذي يضرها، وقد ظهر فيها بعض الخراب لطول الزمان، فأصلحه كله، وجعله جديداً.
وكان هذا السور يحتوي على ثلاثمائة وستين برجاً، وليس له إلا ثلاثة مداخل فقط، وأنفق على إصلاحه سبعين ألف قرش، وأصلح الأموال، وغرس النخيل، وخدم الأفلاج والآبار، وأنفق عليها ما يزيد على مائة ألف قرش.
والذي يلفت النظر، ويستغرب منه، من أين يأتي بهذه المبالغ، والدخل قليل بالنسبة لهذا الإنفاق؟
وأقام الإمام الخليلي في بهلاء في مرة من المرات أربعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الذاريات 17. (1/284)
صفحة 285
وعشرين يوماً، والشيخ ينفق على الجيش: يخرج في كل صباح ألف قرش يضعه بين يدي الإمام، فيصرفه الإمام في المهمات اليومية.
قلت: ولو وضع بين يديه مائة ألف، لا أظنها تبقى. (أ هـ).
فكان يعطي من له أربعة قروش ونصف خمسة قروش، ولا يلتفت إلى الكسور، فلاحظ الشيخ منه ذلك، فجاءه في اليوم الثاني مع كيس القروش بكيس (بيس).
وقال للإمام: هذه البيس تسهل للعطاء، فأعط الناس حقوقهم بلا زيادة.
وكان يوزع الحطب بنفسه على الجيش: يعطي كلا حاجته من الحطب، والحطب هو ما جمع من نخيل بيت المال، لأن له مخزناً خاصاً، وحافظاً خاصاً.
وكان لا يحافظ على الذي يخص الدولة فحسب، بل يحافظ على أموال الرعية أيضاً، فإذا رأى أحداً مهملاً لماله: عاقبه حتى يحفظه وكذلك من لم يعمر ماله: ألزمه عمرانه، وإن إدعى أنه لا يستطيع: أقرضه مبلغاً لعمارته، ويأخذه منه أقساطاً لا تكلفه، حتى ازدهرت البلاد، وعمرت.
وإذا رأى رجلاً عاطلاً عن العمل، جعل له عملاً في بيت المال، ويقرض الفقراء، ويعطيهم نخيلاً من بيت المال بقيمتها: يأخذها عليهم أقساطاً، أو يسقطها من أجرة عملهم، حتى الأطفال: جعل لهم أعمالاً: بأن جعل خرجاً لمن يقتل الحشرات والزنابير والعصافير والفئران وكل (1/285)
صفحة 286
ما يؤذي الإنسان في جسمه أو ماله، وقدر من أتى بشيء من هذه المؤذيات فله من المبلغ كذا، فأشتغل الأطفال والنساء في وقت الفراغ، فحصلت لهم مصلحتان.
والمهم أنه جعل البلاد كلها حركة، ونفى عن أهلها البطالة، وبنفسه لا يعرف الراحة " والناس على دين الملك ".
فكم كان بين زمانه هذا، وزمان ناصر بن حميد ومشيره إبن شيخة المحروقي الذي سبق ذكرهما في ضمن هذه المذكرات. (أ هـ).
***
وإذا إشتكى إليه من يجني الرطب أن الدبيان منعته، أعطاه قرطاسة فيها شيء من الكتابة لا تعرف ما هي، فيحملها معه، فلا تقربه المؤذيات.
وسبب ذلك: أن الذين يجنون الرطب في السابق إذا آذتهم الدبيان حملوا معهم ناراً يطردونها بها.
وذات يوم، وقد فعل أحدهم ذلك: أكلت النار الحبل الذي إعتمد عليه، وهو لا يدري فسقط، فكان من ذلك اليوم منع أن يحمل أحد ناراً.
ومن قتل فأراً بتفق فله كذا، ومن قتله بغير تفق فله كذا - أقل من الأول -.
فقتل أحد فأراً بغير تفق، وأدعى أنه قتله بتفق، ليأخذ أكثر، فتفقد الشيخ في الفأر، فرأى أنه مقتول بغير تفق. إلا أن صاحبه خرقه بعود، فأنكر عليه ذلك، فأعترف. (1/286)
صفحة 287
فقال له: اتق الله، ولا تتعود الكذب فإنه يمحق البركة.
***
وادخر كل شيء للمسلمين، ولم يحتقر شيئاً، ورتب ذلك ترتيباً بديعاً، وجعل لكل شيء مخزناً وحافظاً، حتى: الليف والكرب: وما يحتاج إلى صنعه جعل له صانعاً، وذلك لمعنيين:
منفعة الناس عن البطالة، وإدخار ذلك الشيء للحاجة.
***
وجمع أموال المساجد كلها، وأنفق على عمارتها، وعمارة أموالها ووكلائها من المجموع، وقال: كلها بيوت الله، لا يختص مسجد بمال دون مسجد، وجعل المساجد كلها عامرة بالبناء، عامرة بالمصلين، وكذلك أموال الأفلاج، إلا أنه جعل لكل فلج ما يخصه بخلاف المساجد.
وقد وفقه الله للوقوف على كل شيء، وللإنتباه لغوامض الأمور، فلم يترك مصلحة إلا فعلها - ولو حقيرة -.
ولم يترك مفسدة إلا دفعها - ولو صغيرة -.
ويتحرى المصالح فيقوم بها، فتظهر للناس من دون أن يتوقعها أحد أو تجول في ذهن أحد، ويتولى بنفسه كتابة الداخل والخارج من دفاتر الوكلاء، ويقبضها ويخرجها بيده.
***
ورأى يوماً الماء من الفلج يفيض في أرض خالية، فقال: (1/287)
صفحة 288
هذه إضاعة مال، فأمر أن يغرس في هذه الأرض الموز؛ لأنه لا يحتاج إلى عناء، فانتشأ بقدرة الله شيء كثير، وَكل عليه رجلاً يراقبه، ويبيع ثمره، فجاء الوكيل يوماً فوجد عذقاً مسروقاً، وتفقد في القطع، فوجد في مكانه قطعة كالقلم؛ لأن القطع غير مستو، فحمل تلك القطعة معه إلى السوق، فوجد العذق ينادي عليه، فوضع القطعة في مكانها فأستوت، فهرب اللص من بهلاء، ثم من عُمان، وعاش في زنجبار، ولم يعد إلا بعد موت الشيخ.
***
وقد ابتدأ في تعمير سفالة بهلاء قبل علايتها، فوقع في نفوس أهل العلاية من ذلك شيء، فأرسلوا مندوباً إلى الشيخ يعاتبه في ذلك، وكان ذلك المندوب حكيماً.
فقال للشيخ: يقول لك أهل العلاية " حول باب الحصن عن هذا القبيل ".
وكان باب الحصن مقابل السفالة، ففهم الشيخ القصد.
فقال: معناكم أني عمرت السفالة قبل العلاية؛ لأن الباب مقابلها. أنا عارف بالجانبين، لكن السفالة أضر، فلذلك بدأت بها، وسوف - إن شاء الله - يوفقني الله فأقوم بتعمير العلاية كما ينبغي.
ثم وفى بما وعد، وجعل بهلاء كلها بستاناً واحداً - جزاه الله خيراً -.
*** (1/288)
صفحة 289
ونظر يوماً إلى دخان كثيف يتصاعد، فسأل، فقيل له: إن أهل البلد ضاقت أموالهم من فضلات الزرع والنخيل، ولم يجدوا عمالاً ينقلونها عنهم، فأحرقوها، فأصدر منعاً بذلك.
وقال: هذه نعمة لا ينبغي أن تحرق، وأمر عمالاً يحملونها من الأموال، ويخزنونها علفاً للدواب، ووقوداً للطعام إذا دعت الحاجة إليها.
***
وهمّ أناس بإغتياله فرصدوا له في مكان تعود أن يمر فيه ليلاً، وكمنوا له يحرض بعضهم بعضاً على الحزم وعدم تفويت الفرصة.
فلما جاء الشيخ ومر عليهم لم يرهم، ولكنهم انخلعت قلوبهم وسقطت التفاق من أيديهم في الأرض.
تحدثوا بأنفسهم عن ذلك بعد أيام، قالوا: لما ظهر الشيخ وأمكنت منه الفرصة:
ضعفت منا الهمة، ولم نستطع قبض التفاق.
***
وكانت له اليد الطولى في الطب.
يكتب شيئاً من القرآن للمريض فيبرأ بإذن الله، وأنتفع به خلق كثير.
وكان رجل من الباطنة يأتي في كل شهر برسائل كثيرة، يسأل الشيخ فيها عن أمراض، ويطلب منه العلاج، ويستأجر كل رسالة بقرش، فيجتمع له في كل مرة ليس أقل من مائة رسالة.
فقيل للشيخ هذا يستأجر الرسائل. (1/289)
صفحة 290
قال: لا بأس عليه، يأتي من مكان بعيد.
أليس يستحق عناء على ذلك؟
ولو جاء صاحب الرسالة بنفسه لأنفق أكثر من ذلك.
فهذا الرجل حلال له ما يأخذه.
فخجل هذا الذي أخبر الشيخ، ولعله كان حاسداً لذلك الرسول.
وهكذا كان شأن الحسود، يبوء دائماً بالخسران.
***
وجملة ما بنى من المخازن قدر خمسة عشر مخزناً، لكل نوع مخزن: القروش، والسلاح، والأغذية على إختلاف أنواعها والأثواب، والحطب للوقود ولصنع البارود، وللعلف. وبنى مساجد للعسكر، وسجوناً للرجال وللنساء.
ورمم حصن جبرين، وأنفق عليه أموالاً جزيلة، وأقام بنفسه فيها أياماً، يقسم أوقاته بين العبادة والخدمة، وكان يخرج خارج البلد، وإذا عاد لم يعد فارغاً، بل يعود بحزمة حطب، ومن معه كذلك، وربما خرج معه ولده الصغير، فيأمره بحمل وعاء للحطب الصغير، الذي لا يلتفت، حتى لا يرجع الولد فارغاً.
وفي أثناء قيامه بجبرين، وقعت أمطار كثيرة قطعت السبل، وبلغه أن المخزن الذي فيه القروش في بهلاء سقط سقفه، فلم يستطع الذهاب، وأرسل عنه أميناً:
يقول له: إتخذ لخدمة هذا المخزن، وإعادة سقفه، عمالاً صماً بكماً عمياً، وكان هذا الأمين ألمعياً، فطن لما أراد، (1/290)
صفحة 291
فأنتخب عمالاً يثق فيهم، من جملتهم الشيخ القاضي صاحب الرواية.
فأخبرهم بما اشترط به عليه الشيخ.
ففهمها القاضي، وقال: إن مطلب الشيخ إن يكون العمال صماً بكماً عمياً معنوياً لا حسياً، وإن شاء الله سيجدنا كما أراد.
فأعادوا سقف المخزن، وأصلحوه كما ينبغي من دون أن يعرفوا شيئاً داخل تلك الأوعية الموجودة هناك.
***
ولما وقع الغلاء في زمانه، وصار التموين، وقدر لكل بلد نصيبها من التموين، لم يرض هو أن يأخذ شيئاً، فصار يمون الفقراء من أهل بلده بنفسه، يقدر لهم طعاماً كل يوم بقدرها، وربما فضل من الفقراء شيء فيعطيه للتجار. (أ هـ بتصرف).
***
وأخبرني خميس بن سعيد الرواحي:
أن الإمام أرسله في مهمة إلى الظاهرة فمر على الشيخ وسأله زاداً، فأعطاه تمراً.
وفي المساء عاد خميس بأنه وجد حاجته دون الظاهرة.
فسأله عشاء، فقال: رد التمر، لأنك لم تستعمله، وبيت المال لا يحتمل لك نوعين، فأختر واحداً منهما.
قال خميس: فرددت التمر لأني مضطر إلى العشاء.
*** (1/291)
صفحة 292
ومن كرامته:
أن توفاه الله في السن التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخليفتان الراشدان:
إذ ولد في سنة واحد وثلاثمائة وألف هجرية وتوفي في سنة أربعة وستين وثلاثمائة وألف.
رضي الله عنه وأرضاه، وكافاه على خدمته بالحسنى وزيادة.
وفي هذه السنة أربعة وأربعمائة وألف هجرية:
توفي: ثلاثة نفر، لو أمكنت الولاية بالحقيقة لأستحقوها؛ لإستقامتهم، وسلامة الناس من ألسنتهم وأيديهم وهم:
الشيخ سعود بن عامر بن خميس المالكي: (بدية)
و: سلطان بن حميد بن سعيد الراشدي: (سمد الشأن)
و: الربيع بن المر المزروعي بالولاء: (الرستاق).
*** (1/292)
صفحة 293
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا
وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (سورة العنكبوت).
الحمد لله الذي دبر للناس مصالح أمورهم بعلمه، وهم لا يعلمون، والصلاة والسلام على صفوة خلقه، وموضع خيرته محمد الأمين المأمون، منقذ الأمة من الضلالة إلى الهدى، بعدما كانوا في جاهلية جهلاء، وفتنة عمياء: يَكْعَسُون (1) صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه الذابّين عن الحنيفية السمحاء بالسيف البتار، بلا مبالاة بمن يمرقون، وعلى أئمة الهدى من بعدهم السالكين طريقتهم الزهراء، لم تأخذهم في ذات الله عز وجل لومة لائم، ولا إختداع منافق مفتون، فرحم الله تلك الأوصال، وبرد تلك المضاجع، وأسكنهم فراديس جناته، بها ينتعمون.
أما بعد:
فهذه نبذة تاريخية تحتوي على ما لاقته عُمان في هذه المدة الأخيرة من البلاء والمحن التي لم تر مثلها قط.
لا لكونها لم يتملكها الجبابرة، ولم تشاهد الجور.
بل أنها رأت شيئاً حديثاً لم تره من ذي قبل.
وهذه الفترة ما بين موت الإمام الخليلي - رضوان الله عليه -.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من (كَسَعَ) فلان (كسعاً) ضرب دبره. (1/293)
صفحة 294
وظهور السلطان قابوس بن سعيد - حفظه الله -.
ولا أقول أني ألممت بكل شيء، بل بما بلغني علمه، وأستوثقت براويه، أو حضرته بنفسي.
وأحببت أن أضع له هذا التاريخ؛ ليكون تذكاراً لمن يأتي، وخدمة للوطن العزيز.
والله أسأله التوفيق والعون، وأن ينقذ هذه الأمة من دسائس الجور، وجور الحكام، وأن يستجيب دعوة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لها: بأن لا يسلط عليها عدواً من سوى أنفسهم.
إنه ولي كل خير، والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وسميته " دليل الحيران في أحوال أهل عُمان ".
ولما شاء الله أن يوفقني إلى " وضع: اللؤلؤ الرطب، في إبراز مستودعات القلب "، رأيت أن أضم إليه هذه النبذة اليسيرة؛ لأنها تنتسب إليه.
والله الموفق.
لما كانت الأيام الأخيرة:
للإمام الخليلي: وسيرته العطرة:
إجتمع عليه أصحابه، وطلبوا منه أن يستخلف على الأمة؛ خوف الفتنة، فوافق على ذلك، ثم رجع، ثم وافق، ثم رجع، ثم وافق؛ وذلك لما يخشاه من تبدل الأحوال، وتغير الناس، ولما يرجوه من صلاح الأمة. (1/294)
صفحة 295
وفي كلا المعنيين له نية حسنة. كتبتْ له إن شاء الله عند الله.
وفي الأخير وقع الإختيار على الشيخ:
غالب بن علي بن هلال بن زاهر الهنائي.
فحرر له هذا الإستخلاف الذي يقول فيه:
" بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أقوله، وأنا إمام المسلمين:
محمد بن عبدالله الخليلي، أني قد رجعت عن إستخلاف الولد:
عبدالله بن الإمام سالم؛ لأني قد رأيت فيه ضعفاً وإحراضاً، وذلك مخالف للمقصود من أمر الخلافة؛ لأن أمرها متين، كما قال عز وجل {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
وإني قد نظرت في أمر المسلمين: مجتهداً لله وللمسلمين.
ورأيت غالب بن علي: هو القوي في دينه، والعدل في أمانته فجعلته هو الخليفة على أمر المسلمين من بعدي، مقتدياً في الإستخلاف بأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -.
فإن إستقام غالب. فذلك حسن ظني فيه،
وإلا فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
والله اسأله لي وله الإعانة والتأييد والتسديد وحسن الخاتمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/295)
صفحة 296
وكَتَبَهُ عن إملاء الإمام، شاهداً عليه، وملتزماً بطاعة الذي أستخلفه ومعتقداً له النصح خاصة وللمسلمين عامة، وأنا العبد لله سفيان بن محمد بن عبدالله الراشدي.
في اليوم التاسع عشر من شهر رجب عام ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية.
قلت: وذلك قبل موته بأربعين يوماً. (أ هـ).
وشهد على هذا الإستخلاف كل من المشايخ:
عبدالله إبن الإمام، ومنصور بن ناصر الفارسي، وسعيد بن ناصر السيفي، ومالك بن محمد العبري، ومحمد بن سالم الرقيشي، وسعود بن سليمان الكندي، وإبراهيم بن محمد الرقيشي، وزاهر بن عبدالله العثماني، وسالم بن محمد الحارثي، وعلي بن ناصر الغسيني، ومحمد بن راشد الحبسي، وخالد بن مهنا البطاشي، وأحمد بن ناصر البوسعيدي، وصالح بن عيسى الحارثي.
وكل هؤلاء المذكورون (1): كانوا قضاة للإمام، إلا الأخير منهم، فإنه: زعيم على قومه، ركن من أركان الدولة، عليه وعلى آبائه قامت دولة المسلمين منذ عزان بن قيس إلى غالب بن علي.
واستقام غالب في الأمر:
آمراً ناهياً، مقيماً للجمعة، ومنفذاً للحدود. واستعمل على الأمصار الولاة والقضاة الذين كانوا في زمن أبي خليل قبله.
وفي أول ذي الحجة من السنة، قصد إلى الديار الشرقية، ومر بديار بني عامر، وحبس، وبلاد الحرث، والحجريين، حتى إنتهى إلى جعلان بايعه فيها أعيان هذه القبائل، وجاءه المشايخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) على قاعدة إتباع المضاف، أو إعتبار أن المضاف إليه مقطوع. (1/296)
صفحة 297
أولاد حموده، وخميس بن سعيد السنيدي: فجددوا الروابط التي كانت بينهم والإمام السابق.
وولى على جعلان: الشيخ عبدالله بن زاهر الهنائي، وأقيمت الجمعة في جعلان من دون سائر عُمان - اللهم إلا في نزوى التي هي بيضة الإسلام، لم تفارقها الجمعة في عهد الأئمة الذين تمركزوا فيها من لدن الوارث بن كعب - رضي الله عنه وأرضاه إلى زمن غالب بن علي، واشذ بعض الأحيان حين لا يكون عدل في نزوى.
وإنما أمر الإمام الخليلي - رحمة الله عليه - بصلاة الجمعة في جعلان؛ سياسة منه، لأن الجمعة تصلى عند جيرانهم، وربما دخل في نفوس بعض الناس البسطاء أن الإباضية لا يدينون بالجمعة، وهذا تهجم بجهل على الإباضية، لكن للجمعة شروط لم يطبقها إلا الإباضية.
فليقل من شاء بما شاء، والله عند لسان كل قائل.
***
وكتب لقاضيه على جعلان:
الشيخ سالم بن محمد كتاباً يحرضه فيه على الحزم، وأنه متأهب للقدوم إليهم.
وهذا نص الكتاب للوالي والجماعة آل شمس يقول فيه:
وبعد فكتابك يا سالم وصلني، وما ذكرته علمته، ونعوذ بالله من التقاعس عن الحق أو التهاون به، فلا نصرت إن لم أنصركم يا أهل الثغور. اللهم أيد الدين، وأجمع كلمة المسلمين. (1/297)
صفحة 298
ويا سالم: للباطل سورة ثم تفيء، ومن رجع إلى السلطان، فإنا نرجع إلى الرحمن وهو حسبنا عليه التكلان، وإذا نَفَر الحسون لا نفروا، فإن جند الله هم الغالبون. والمسلمون لا يتركون جعلان ولا غيرها، ولا نضيع أمر الله، إنا إذا لخاسرون.
وقد كنا أرسلنا إليكم قبل وصول كتابك الأخوة:
علي بن محمد وعلي بن منصور، فعساهم وصلوكم، فإن إنقاد القوم للأحكام، وأذعنوا وأعطوا بأيديهم، فذلك المراد، وما القصد إلا الإستقامة، وحمل الناس على منار الشريعة، والمراد منهم: السمع والطاعة في الحق ولأهل الحق.
وإن رأيتم منهم ما لا يجمل، فنحن ذاهبون، ارسلوا إلينا رسولاً، ونتدبر إن شاء الله بعد وصوله إلينا حالاً.
نسأل الله جمع كلمة المسلمين، وإصلاح ذات بينهم.
وأنتم قوموا بأمر الله، وأنصحوا له ولدينه ولأئمة المسلمين وخاصتهم وعامتهم، وسددوا وقاربوا غير مقصرين عن حق، ولا غاضين على قذى باطل، فقد وعدنا الله أن ينصرنا إن نصرناه.
{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
والله لا يخلف وعده ولا وعيده، وهل نصرنا له تعالى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة شعائر دينه، غير مبالين ولا ممالين. (1/298)
صفحة 299
وأقول يا آل شمس: كونوا أنصار الله، وأدخلوا أينما دخل المسلمون، وإياكم والنزعات الشيطانية {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} (البقرة 268).
وإياكم والنخوات الجاهلية، فإن عروة الدين هي الوثقى، وإياكم والمطامع فإنها قواطع عن الحق، وموانع للحق، وإذا طلبتم هذا المال فأطلبوه طلباً جميلاً، فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم العباد أن يجملوا في الطلب.
ونحن قد أخذ الله علينا أن نأخذ المال من حله، ونضعه في محله، وعلى ذلك سيكون سيرنا إن شاء الله بتوفيقه وتأييده، هذا وهذه نصيحة لكم فأقبلوا النصح. وأقبلوا تفلحوا، وتنجحوا، والله نسأله النصر والتوفيق والتسديد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولما توطد الأمر في الشرقية:
ودخل الكل في طاعة المسلمين إلا ما كان من أمر الشيخ: أحمد بن محمد الحارثي.
فإنه خرج مراغماً، وذهب إلى السلطان: سعيد بن تيمور، والله أعلم بما جرى بينهما من تواطؤ على زوال الإمامة، وربما كان السلطان يتوقع أن أهل عُمان متواطئون مع حاكم آخر، خاف السلطان أن يفوته الأمر فتتبع عُمان غيره.
وكان بيت القصيد عنده: أن يحتضن رئيساً من رؤساء عُمان متبوعاً في عشيرته، يحل عنه الذي تعقد من الأمور، فوجد ضالته في أحمد، فشمر وجد في خدمته حتى انتهى أمره.
وكان الشيخ سليمان بن حمير (1/299)
صفحة 300
لم يفارق الإمام لحظة واحدة، يخدمه بكل جهد، حتى نعله يقلبها.
قلت: لا أظن أن ذلك كله حباً للإمام، أو رغبة في العدل. لكن هنالك سريرة إشتمل عليها. (ا هـ).
ولما رجع الإمام من جعلان
مر إلى بدية، وأقام الحد هنالك على زانية بكر، وجلدها مائة جلدة.
وعزّر امرأتين أيضاً اتهمتا بالزنى، فأعترفتا، إلا أنهما ادعيتا الغصب، فدرأ عنهما الحد.
وبعد ذلك: زار الحرث والمساكرة. وتوجه إلى سمائل، وفيها اتفق الرأي معه وأصحابه على أن يذهبوا إلى عبري؛ لردها إلى طاعة المسلمين.
وفي هذه الآونة - وقد نشط السلطان نشاطاً كبيراً في محاولة زوال الإمامة - رأى والدي: حمد بن سليمان - رحمه الله - أن يجدد بين أهل عُمان والسلطان " صلح السيب " الذي وقع بين الإمام الخليلي والسلطان تيمور بن فيصل بواسطة الشيخ عيسى بن صالح الحارثي.
وكأن الإمام مال إلى الموافقة.
ولكن بعض أصحابه إعترض الرأي.
قلت: وليتهم قبلوا، وما اغتروا بالبريق الذي يلمحونه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ولا مفر من إرادة الله.
فرد الإمام على الوالد: إنهم ستفكرون في هذا الرأي. (1/300)
صفحة 301
فعرف الوالد أن وراء الأكمة ما وراءها، فسحب الطلب، وتوقع الفتنة، فسافر إلى زنجبار، فوقع ما وقع من الأحداث، وهو بعيد عنها، ولكل نيته، والله يتولى السرائر.
فتوجه الإمام
والشيخ الحميري ومن معهما إلى عبري عن طريق الداخلية.
وتوجه الشيخ صالح بن عيسى، والشيخ طالب بن علي، أخو الإمام عن طريق الرستاق، " فوادي بني غافر " حتى وصلوا الدريز.
وتتابع الجيش من كل مكان يتجمع في الدريز.
وكان الشيخ علي بن سعيد الغافري خوّفه بعض الناس أن هؤلاء القوم القادمين، ربما يأخذون عليه حصن العينين، وبيت المال الذي في يده، فساغ له هذا القول، فخرج من بلاده تفادياً لوقوع شر بينهم، ولكن الشيخ محمد بن ناصر الغافري - شيخ الوادي - تبعه، ونفى عنه تلك الظنون، ورده إليهم، وبعد أيام وصل الإمام ومن عنده.
وكان أهل عبري لهم وجهات نظر
ودائماً ترى أكثر الناس وخصوصاً الزعماء منهم يهابون العدل والحق، فهموا بإعتراض الإمام عن دخول عبري، وأصر المسلمون على دخولها، وقد تجمع من الجيش حوالي عشرة آلاف مقاتل.
فرأى أهل عبري أن لا قبل لهم بالمعارضة:
ففر محمد بن عبدالله اليعقوبي وحمد بن سيف الكلباني (1/301)
صفحة 302
حتى وصلا ظفار عند السلطان، وكأنهما يستنجدان به على العدو المهاجم لهما.
ولما فر هذان الزعيمان:
دانت البلاد للإمام، فدخلها بلا إعتراض من أحد.
إلا ما كان من أمر: السليف:
فإن فرقة من الجيش توجهت إلى السليف برئاسة الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، وكانت حصينة مانعة، وعلى جبالها مقابض عالية، وأعلاها مقبضاً مقبض يقال له: سيبة الغالية:
فتحصن فيه بعض المعارضين، وفي بعض البيوت الحصينة، فلما هجم القادمون: أطلق عليهم الرصاص من هذه المقابض، فبادلوهم الضرب، وهدموا البيت الذي تحصن فيه البغاة، وقتل من قتل منهم، ولم يُقتل من القادمين إلا رجل هنائي وكان سبب قتله:
أنه لما انهدم البيت، دخل هذا الهنائي ليرى ما هنالك، وكان فيه رجل من أهل البيت لا يستطيع الخروج، فإذا بهذا الهنائي يدخل عليه فأطلق عليه رصاصة لم تخطئ مقتله، وماتا.
وانهزم الباقون، وفتحوا البلاد، وقبض المسلمون على تلك المقابض.
ولما استقر الإمام في عبري.
بايعه زعماء الظاهرة، وأظهروا له الطاعة والإذعان، وأقام فيها نحواً من نصف شهر: يأمر وينهى، ويولي ويعزل، (1/302)
صفحة 303
ولم يكن من أي أحد معارضة في أي شيء.
إلا ما كان من أمر الغالية
بنت ناصر بن حميد الغافري - صاحب جبرين - وكانت أرملة تأيمت من الشيخ: عبدالله بن راشد اليعقوبي، بقيت هي الوحيدة التي تؤلب على المسلمين، وتصدر منها قوارص، ويبدو أنها مشعلة حرب، ولكنهم تداركوها، فأخرجوها إلى جبرين.
***
وإذا أراد الله أمراً، لابد من تهيؤ أسبابه حتى يتم
وربما احتسب الإنسان غايتها:: ففاجأته بأمر غير محتسب
إلى متى سيقيم الإمام في الظاهرة؟
لا بد له من الرجوع إلى نزوى، ثم لا بد له من أن يترك والياً عليها عند رجوعه منها، كما هي العادة، ولكنهم لم يجدوا الوالي المناسب الذي يقال فيه:
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل:: بمثله غير هياب ولا وكل
فكلما طلبوا من أحد يظنون فيه الصفة، لم يوافق حتى عال صبر الإمام، ورأى عدم النصح من أصحابه.
هذه واحدة.
الثانية: خروج الشيخ: طالب بن علي: إلى البلدان العربية، بحجة أنه يطلب من جامعة الدول العربية أن تنضم دولة عُمان إليها، (1/303)
صفحة 304
لكنه: خرج بغير رأي من أركان دولته،
وما علموا إلا بعد خروجه، فهذه أورثتهم حقداً في قلوبهم.
***
وإذا كان في الأنابيب خلف:: وقع الطيش في صدور الصعاد
الثالثة: إن جمهور الناس لا يرتجون منفعة من هذه الدولة الفقيرة، كما يرتجون من غيرها،
فهنالك الملك السعودي باسط يده لا يعرف المنع والقبض، ولا شك أن القائل الأول صادق فيما يقول:
إذا لم يكن للمرء في دولة إمرء:: نصيب ولا حظ تمنى زوالها
هذا إذا كان يحب تلك الدولة.
فكيف إذا كان لا يحبها؟!
وما ذاك من بغض لها غير أنه:: يرجي سواها فهو يهوى إنتقالها
***
فهذه عوامل رئيسية، ولم نذكر ما دونها.
***
ولما رأوا ذلك؛ وأن الأمر في تزلزل، وغير مستقر.
انتدب المشايخ: يحيى بن عبدالله النبهاني،
وسفيان بن محمد الراشدي.
فتوليا أمر عبري. (1/304)
صفحة 305
والشيخ: زكري بن زاهر الهنائي: تولى: السليف وعندهم بعض أصحابهم.
وكما علمت حنق الخارجين، وبالفعل فقد وصلوا السلطان وألبوه على القائمين على عبري، وكان من قبلُ في نفسه ما فيها:
" صادف درء السيل درءاً يدفعه ".
فأرسل جنوداً، وعندهم بعض القوات، حتى إذا وصلوا: تنعم: أرسلوا الإنذار إلى القائمين بالحصن أن يخرجوا.
فكان من سياسة القائمين أن:
يخرج الشيخ سفيان إلى قواد الجيش فيفاوضهم في الموضوع، والله أعلم بما أراد أن يفاوضهم فيه، فخرج إليهم، فلما رأوه مقبلاً:
أظهروا له الهيبة، وأحاطوا به، وقالوا:
ليس لك رجوع إلى أصحابك فأكتب إليهم بالنزول،
ولما صار أسيراً في أيديهم، اضطر إلى الكتابة إلى أصحابه أن ينزلوا فنزلوا، وحملوا في سيارة، وسلاحهم في سيارة أخرى،
وأنزلوهم في الصحراء، وليس عندهم ملجأ إلا أن يمشوا الوقت الطويل. حتى التحقوا ببلدة: بات: ومن هناك دبروا رحيلهم إلى نزوى.
وأنتهى أمر عبري.
أبداً تسترد ما تهب الد:: نيا فيا ليت جودها كان بخلا
*** (1/305)
صفحة 306
ثم صنع: زكري: في: السليف: ما صنع أصحابه في: عبري.
وبذلك إنتهى أمر الظاهرة.
***
فتشاور الإمام مع أصحابه: فآل رأيهم على أن يرسلوا الشيخ: صالح بن عيسى الحارثي، لمخاطبة أي الرجلين رأى المخاطبة أجدى معه:
إما السلطان، وإما قنصل بريطانيا المقيم في مسقط، وفوضوا الأمر إليه.
قلت: وفي تلك الليلة التي خرجنا فيها من نزوى في صحبة الشيخ صالح بتنا تلك الليلة في: بركة الموز: رأيت رؤيا:
رأيت: كأن ثعبانين، أحدهما أحمر، والآخر أبيض، رأيت كل واحد منهما مترصداً للآخر، ينتهز فرصة الوثوب عليه بحنق شديد، فبينما هما كذلك، إذا بهما ظبيان يرعيان مع بعض، فأنتبهت.
ولعل تأويل الرؤيا حسبما إنكشف من الأمر أن الثعبانين عبارة عن العلمين: كان العلم العُماني أبيض، وعلم السلطان أحمر، وكل يعلم عداوة ما بينهما.
ثم آل على أن يجتمع العلمان في علم واحد:
هو العلم الذي صار في دولة السلطان قابوس فكانت دولة واحدة، والعلم عند الله. (ا هـ).
*** (1/306)
صفحة 307
فرأى الشيخ صالح أن لا جدوى من مخاطبة القنصل، لأنه إن لم يرد ضرنا، لم يرد نفعنا:
شكوى الجريح إلى الغربان والرخم:
فصمم على مخاطبة السلطان بواسطة عمه شهاب
إذ كان السلطان في ظفار،
وبالفعل فقد جاء الرد بالترحيب،
فتوجهنا إلى ظفار في سفينة: أقمنا بها سبعة عشر يوماً، يخاطب خلالها السلطان في أن يترك عُمان على ما كانت عليه من قبل، ولا يجعل للشقاق مجالاً، ولكنه لم يجد عنده إلا الإصرار على زوال الإمامة، ولا يعترف بحكم لحاكم غيره، بل إنه صرح أنا لا نعترف بإمام بعد الخليلي، وأنتم إن أحببتم الشقاق فيما بيننا، فإنا لا نعبأ بكم.
فجرى حوار كثير بينه والشيخ: حتى قال في معرض كلامه:
إنكم لا تتركوا أحداً تستعينون به علينا، حتى من ألد خصومنا: الروس: ونحن لا ننثني عن قصدنا، ونترك عُمان لغيرنا.
وأخيراً خاف الشيخ منه، ولعله أرضاه بشيء من الوعد كتقية حتى يخرج من عنده.
فلما رجع كتب إليه " إني لا أنفك عن الإمامة ما بقيت ".
*** (1/307)
صفحة 308
وبسبب هذا الكتاب حقد عليه، وأضمر له سوءاً ظهرت نتيجته فيما بعد، مما سنذكره في محله.
***
وبعد رجوعه من هناك، وأخبر الإمام عما لقيه، وأوصد الباب في وجوههم من هذا القبيل، بقوا يتربصون ويتوقعون الأحداث، والعُمانيون يهرعون إلى السلطان، ويأخذون لأنفسهم الوجوه، ويرتزقون ويمارقون ويخادعون - اللهم إلا القليل منهم -.
حتى كان شهر جمادي الأخرى من سنة خمسة وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية.
عاد الشيخ طالب بن علي من سفره إلى البلدان العربية،
وأخبر أنه وصل إلى مصر وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية وقال ما قاله لرؤساء هذه الدول، وأكثرهم لا يعرفون عن عُمان شيئاً، لما ضرب عليها من حصار داخلي وخارجي.
وكان السلطان لا يحب أن يعرف أحد عن عُمان شيئاً.
وبالطبع: إن أهل عُمان لا يعتمدون على شيء من الخارج.
ولا يهمهم أمر الدول.
بل يهمهم إقامة العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث بلغت سيطرتهم ونفوذهم، (1/308)
صفحة 309
فلذلك خفى أمر عُمان،
ولم يكن ثم وسائل إعلامية، فكشف الشيخ طالب، بعض النقاب عن وجه عُمان لرؤساء هذه الدول.
فأتضح بعض الغموض، وطلب منهم المساعدات على السلطان، فوعدوه جملاً؛ وذلك لما يحملوه أيضاً من حقد على السلطان، لأنه لا يزال في قلوبهم أن السلطان تحت سيطرة الإستعمار، وهم لا يعرفون الحقيقة لما ذكرناه من إختفاء الأمر.
***
وفي هذه الآونة رأى الإمام أن الضعف يدب في دولته وأن نفوذه على العُمانيين قليل:
فتحصل منهم بعض المشاغبات، فجمع أركان دولته إليه.
ومن إليهم الحل والعقد والعلماء.
فلما إجتمعوا خاطبهم بملخص قوله:
إعلموا أني ضعيف العلم، قليل المال، قليل الجند، ضعيف السياسة، وأنتم أركان الدولة وأربابها، وقد حضرتم الآن، وأنا أبرأ إليكم من عملكم هذا، وما قلدتموني إياه، فأختاروا لإمامتكم من شئتم لها، وأنا كواحد منكم، وعلي خدمة المسلمين كواحد منهم.
ولكم علي: أن لا أذهب لبلادي، وأن أبايع من تختارونه:
هذا ما جمعتكم له، والسلام عليكم.
*** (1/309)
صفحة 310
فسكت القوم ولم يردوا عليه.
ثم وكلوا الرد إلى الشيخ الرقيشي، فرد عليه بقوله:
إن هذا الأمر ليس لك بل إلى المسلمين، والمسلمون لم يعذروك، فإن كنت تعد على واحد منا خيانة، أو أمراً دونها، فأنفذ فيه أمر الشرع. ولا يحل لك أن تخل بأمور المسلمين شرعاً.
فكثر الأخذ والرد والجدال في ذلك وقتاً طويلاً.
ثم قال الإمام: إذا لم تعذروني، فلا بد من تجديد بيعة، وأخذ عهود ومواثيق عليكم أن تمنعوني وتنصروني.
فتلكأوا عليه، وقالوا:
ما خسنا بالعهد الأول،
فكيف تجدده علينا؟!
قال: لا بد من ذلك.
فطال الحوار بينهم.
فقام الشيخ صالح بن أحمد الحارثي فبايع، وأعطى عهد الله وميثاقه حسبما طلب الإمام.
ثم تتابع الزعماء والعلماء تباعاً.
ولما بايع الأمير الحميري، قال في بيعته: على ما تقدم.
فذهب الحاضرون بهذه الكلمة إلى مذاهب شتى، ناقشوه فيها وطلبوا حلها، إذ هي في معناهم سر لا بد من كشفه.
فقال الإمام:
حل هذا السر أن نبقي له في يده ما كان لديه من بيت المال "لا غير ذلك". (1/310)
صفحة 311
فمنهم من إكتفى بهذا الحل.
أما بنو عمه: لم يقنعهم ذلك، وقالوا:
لا بد أن هناك توطؤة بينكما.
فغضب الإمام، وقال: ليس عندي غير هذا، فأصنعوا ما زكى لكم.
وافترقوا، وفي النفوس ما فيها.
فجرت الدولة على ضلع أعوج، حتى كان شهر شوال من السنة:
***
وصل إلى ساحل السيب قارب يحمل سلاحاً من مصر عن طريق السعودية تلقاه المشايخ:
أولاد خلفان بن محمد الهدابي بالنيابة عن الشيخ طالب وفوراً حملوه إلى الخوض.
فما كاد أن يصل حتى بلغ ذلك حكومة السلطان،
وكان ذلك فيما يدعي كسراً لحجرها، فبادرت حالاً لصده، لكنها لم تدركه بالساحل.
فجندت وراءه الجنود لتسلبه ممن هو في يده.
وكان الوالي على سمائل ومتعلقاتها يومئذ الشيخ: حمد بن عبدالله الحارثي، فبلغه الخبر، فجمع الجموع، وصارت بعض المناوشات.
وأرسل الإمام الشيخ العلامة: سالم بن محمد الرقيشي، بمن معه، فطال بين الفريقين الأخذ والرد والتناوش بالرصاص، وبعد ذلك توسط الشيخ: هلال بن علي الخليلي، بالصلح: (1/311)
صفحة 312
على أن يقسم السلاح الوارد قسمين:
تعطى حكومة السلطان شطراً، ويبقى الشطر الآخر للعُمانيين.
وكان عدده: ألف بندقية، وحوالي ألف صندوق من الذخيرة، فوافق نائب الإمام الشيخ: الرقيشي، على ذلك؛ لما يرى من ضعف دولتهم عن المقاومة.
فتم الأمر على ذلك، وافترقوا بعدما قاوموا نحواً من شهر.
ولله عاقبة الأمور.
***
ومن هنالك مرضت الدولة العُمانية، فصارت تضعف وتنحل؛ لإفتراق أهلها إلى مذاهب نفسانية، وكل يذهب لنحو، ويقلد هوى نفسه، ويلتفتون يميناً وشمالاً:
إن القداح إذا إجتمعن فرامها:: بالكسر ذو حنق وبطش باليد
عزت فلم تكسر وإن هي بدتت:: فالوهن والتكسير للمتبدد
فأستمر الحال هكذا: يصلح من جهة، ويفسد من جهات، حتى نجم النفاق في الرؤساء، وظهر ما كان مكتوماً،
وركض الشيطان فيهم بخيله ورجله، وجدوا واجتهدوا ليكونوا مع الغالب على المغلوب، ويتنادون: إلا إنفروا إلى السلطان، فإن عنده المطلوب، وهنالك الدرهم المحبوب، والعيش المرغوب، واتركوا غالباً فإنه مغلوب. (1/312)
صفحة 313
وقد دعاهم إلى ذلك أمور لا بد من ذكرها، لأن لكل شيء سبباً:
***
أولها: وهو الوحيد، الطمع:
حدثتهم أنفسهم لعلهم ينالون من السلطان ما لا ينالونه من الإمام،
بيد أن هذا الإمام لم يسلك في بذل المال طريقة الإمام أبي خليل فيعطي العطايا الفاشية، معناه: أن قوام الدولة المال فلا ينبغي بذله في مرضاة الشيوخ، وفي غير فائدة.
قلت: فائدة لو فكر؛ ولذلك فرض الله للمؤلفة قلوبهم سهماً من الزكاة. (أ هـ). ... ***
وما يوجع الحرمان من كف حارم
كما يوجع الحرمان من كف رازق.
***
الثاني: مسير الشيخ طالب إلى البلاد العربية من غير مشورة:
كما قدمنا في خبر عبري.
وفي الحقيقة: أن المشورة أرشد إليها القرآن إليها، والنبي صلى الله عليه وسلم.
وبسبب هذا: إفترق أصحابنا المغاربة، فضلّ إبن فندين وأصحابه وفارقوا الإمام عبدالوهاب - رحمه الله -.
وسموا: النكار: فهذا سبب برروا به موقفهم. (1/313)
صفحة 314
ومراد النفوس أصغر من أن:: نتعادى فيه وأن نتفانى
***
الثالث: إن العدل طالت أيامه، فملوه، وضجروا منه:
والناس يرغبون في تقلبات الدول؛ للذة الإنقلاب.
وهكذا الشأن كما قال الإمام: مهنا بن جيفر، للشيخ موسى بن علي:
لو أطعت أهل عُمان لأختاروا كل يوماً إماماً.
والعدل بقى هذه المدة قدر نصف قرن، وما بقي مثل ذلك إلا ما يقرب منه: وهو إمامة الصلت بن مالك - رحمه الله -.
***
الرابع: أن الرشا كثر فيهم: وفاض الدرهم والدينار، وامتلأت الحجور، ووجدوا ما لا يجدونه، وما كانوا يحلمون به، وكثر القيل والقال والإرجافات، وكانوا يتوقعون أن الخلل سيكون من جهة جعلان
فصاروا يعدونها، ويلتفتون النظر إليها، ويتوقعون وقوع ذلك بين الحين والآخر.
***
وفي منتصف ربيع الثاني من هذه السنة:
أرسل الإمام إلى كاتب هذا التاريخ
فذهب إليه وقال: إني رأيت أن أرسل رجلاً من أهل الشرقية؛ ليمر على الحصون الغربية، ويتفقد أحوال الولاة. (1/314)
صفحة 315
وأن أرسل رجلاً من أهل الغربية إلى الديار الشرقية؛ لنفس الغرض.
فأرسلت إليها: الشيخ أحمد بن عبدالله بن هلال الهنائي،
وقد إخترتك من أهل الشرقية، لتذهب إلى الغربية: إبتداءً من: إزكي، فسمائل، فنخل، فالعوابي، فالرستاق. ثم تعود.
فأمتثلت أمره، وتوجهت بعون الله:
مررت على الشيخ الرقيشي في إزكي، مروراً على الحصون المطلوب مني المرور عليها، حتى إنتهيت بالرستاق، فوجدت الشيخ طالب بن علي أخ الإمام.
وبعد يومين: فوجئت بكتاب من الإمام يقول: إني وليتك الرستاق وتوابعها.
فرفضت ذلك، وقلت: إن الإمام لم يخبرني بنفسه حتى أعتذر إليه؛ لأن ظروفي لا تسمح لي بالإنتقال من وطني في هذا الوقت بالأخص؛ لأن والدي لم يكن حاضراً هنالك، وقد اعتمد عليّ أن أكفيه مهماته الكثير، وطال الجدال بيني والشيخ طالب.
وأخيراً قلت له: إن كنتم تريدون مني الخلاف،
فأنا مستعد للخلاف، فسكت.
***
ثم فوجئنا مرة أخرى - في فجر يوم من الأيام -:
إذا برسول من الشيخ طالب لي، وللمتعلمين في: بيت القرن: يقول: (1/315)
صفحة 316
إن جنود أهل مسقط هجموا على فلج الشراة، وأنا ذهبت لأتصدى لهم.
وأنتم كونوا في الحصن، فجئنا إلى الحصن.
المفاجأة الثالثة: أنا وجدنا الحصن يجوع فيه الفأر،
ليس فيه ما يسد رمقاُ،
وما كنا نعتقد ذلك،
بل كنا نعد حصن الرستاق الثاني بعد نزوى.
فسألنا عن ذلك، فقيل لنا: إن الشيخ طالباً حمل ما في الحصن كله منذ عشرة أيام إلى بلاده، وقعد على جناح طائر.
(ولعله كان سياسة بينه وبين أخيه أن يورطوني في قبض الحصن، وكأنهم توقعوا ما سيحدث).
فلما رأيت ذلك: خشيت أن يهجم على الحصن من أراده فيأخذه من أيدينا فأكون أنا التاريخ الأسود:
فهممت أن ألحق به فأقاتل معه: إما حياة، وإما موتاً للجميع، وذلك أبرأ لساحتي - فيما أعتقد -.
ولكن المشايخ الحاضرين والمتعلمين لم يسمحوا إليّ بالخروج.
فقلت: بم نقابل القوم؟
قالوا: بما معنا من الرصاص حتى نموت فنعذر.
فتأخرت على مضض، وفي نفسي ما فيها.
وكنا طلبنا من القبائل المجاورة أن ينصرونا.
فجاء البعض، وامتنع بنو غافر؛ بحجة أن هذه الدولة لم تنفعهم بشيء، فيحبون زوالها. (1/316)
صفحة 317
المفاجأة الرابعة: وصلنا كتاب من رؤوساء بعض القبائل،
يقولون فيه: إنا نحن متهيئون لنكون معكم، لكن بلغنا أن الإمام خرج من نزوى.
فكتبت إليهم: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ}.
***
وبعدما خرج الرسول جاءت:
المفاجأة الخامسة: وهو رسول من الإمام بكتاب يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من غالب بن علي " ولم يقل من إمام المسلمين ".
إلى المشايخ الأخوة: سعيد بن حمد الحارثي، وطالب بن علي الهنائي.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
فقد نزل النصارى - أخزاهم الله - بقواتهم الهائلة ومصفحاتهم بلدة: فرق،
وكان عندي المشايخ: سليمان بن حمير، وعبدالله بن علي الخليلي، وعبدالله بن سعيد السيابي،
فأستنصرتهم فلم ينصروني، وأقمت عليهم الحجة فخذلوني، وخرجوا عني، وخرج من كان بالحصن من العسكر، فبقيت منفرداً، فتمسكت بقول من أقوال المسلمين. (1/317)
صفحة 318
واعتزلت الإمامة، وخرجت، وأنتم أنظروا لأنفسكم والسلام ".
انتهى كتابه ..
فلما وصلنا الكتاب: بعثت به إلى الشيخ طالب. وعلمت أن الأمور تمت، وبحيث أنه:
ليس لنا نظر في الملك، ولا طاقة على المقاومة.
تمسكت بقول من كنت قاومت لأجله " وأنتم أنظروا لأنفسكم ".
فنظرنا لها السلامة، إذ لا مطمع في غيرها.
فخرجت من الحصن، وخرج من كان عندي، والله أعلم بمن خلّفنا.
أما الشيخ طالب، فإنه لما وصله الكتاب:
خرج إلى المملكة العربية السعودية.
وكان خروج الإمام في ليلة الثلاثين من ربيع الثاني.
ودخل جنود السلطان نزوى بلا أدنى مقاومة.
فلما وصلوا:
رأوا العلم الأحمر على القلعة
وكان أهل نزوى: بادروا برفعه، بعد خروج الإمام.
فلما رأى القائد العلم:
يقال إنه تأخر عن الدخول،
ظنها مكيدة نصبت له، حتى تيقن عدم المحذور فدخل.
*** (1/318)
صفحة 319
وكان الشيخ محمد بن سالم، والشيخ سالم بن محمد الحارثي - وكانا قاضيين للإمام - هما بالمقاومة،
ولكنهما لم يجدا أنصاراً، فرجع كل منهما إلى بلده.
***
أما الشيخ صالح بن عيسى
فلم يزالوا مرابطين ملتفتين إلى جعلان، ففوجئوا بطائرة حلقت في سماء القابل
وألقت كتباً للشيخ أحمد بن محمد تفيد: عن إحتلال نزوى.
فخرج الشيخ صالح، لما توجس في نفسه من الخوف، حتى وصل: صوراً: وكان قصده الخروج من عُمان.
لكن أشار إليه بعض أصدقائه:
أن يقصد السلطان في ظفار؛ لعله يجد منه وجهاً، يتقيه به إلى حين.
فلما وصل ظفار أكرمه الوالي، وكان السلطان بادر بالخروج إلى عُمان، فلما بلغه وصول صالح:
أرسل كتاباً إلى الوالي يقول فيه:
" إن كان صالح بن عيسى غير نازل، فلا تنزلوه، وإن كان نازلاً فأطردوه ".
بهذه العبارة الجافة، فبقي الوالي محرجاً، ماذا يصنع؟!
ثم أرسل الكتاب برمته إلى الشيخ. (1/319)
صفحة 320
فلما رأى الكتاب، علم أن ليس في القوس مهزع.
فبادر إلى سفينته: راجعاً، ولم تقف به إلا في ميناء من مواني إيران.
فلما رأوهم خافوا منهم، لأنهم كانوا مسلحين " هو وأصحابه ":
فأحتجزوا السفينة، وأخذوهم داخل البلاد للتحقيق.
فأستعمل الشيخ الطريقة المعترف بها دولياً:
لاجئ سياسي.
فلما عرف الإيرانيون ذلك، أطلقوا سراحه،
فوصلوا المملكة العربية السعودية
وصارت المملكة ملجأ لمن خاف من العُمانيين
يتهافتون إليها، وحكامها يكرمونهم، ويؤمنونهم حتى كثرت الجالية العُمانية هناك، وأرتفع صوتهم، وأنطلقوا إلى كل البلاد بحرية يطلبون رجوع دولتهم.
لكن الأمر ليس بهين.
وفي أول جمادي الأولى خرج السلطان من ظفار في طريق البر إلى نزوى، فوصلها في تسعة أيام،
خطب في الناس خطبة قال فيها:
" إنه يحب العدل، والذب عن عُمان، وأن يجعل العلماء هم أولي الأمر والنهي.
وأن سبيله سبيل الإمام الخليلي، وأنه لم يقصد إلا الخير، (1/320)
صفحة 321
وحمد الله حيث وفقه على ذلك، بلا سفك دم، ولا إيذاء مسلم لا في نفسه، ولا في ماله ".
واستفتى العلماء في صلاة الجمعة، فأختلفوا عليه.
ثم كثر المجوزون، فصلوها ..
ولم يبق أحد لم يواجهه من علماء ورؤساء وعامّة - اللهم إلا الإمام نفسه - فقد طلبه السلطان، فأمتنع عن الحضور، فعذره لطفاً من الله به.
ثم إرتحل السلطان إلى الظاهرة، فالبريمي، فالباطنة، حتى وصل مسقط، فتزينت له البلاد، ودخل مسقط مرخياً عمامته بين كتفيه مطأطئاً رأسه كمتواضع.
قلت: ولعله قرأ في التاريخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لما دخل مكة - شرفها الله - إنتهى.
ولم يقم كثيراً في مسقط: بل رجع إلى ظفار.
وبقيت عُمان في يد الجنود والقواد البريطانيين، يجوسون خلال الديار، ويفعلون ما بدا لهم، وينفذون رغبات أهل الأهواء، وكلما قيل للسلطان عنهم، قال:
ذلك أمر الجنود.
وكان من خبر الخارجين: أنهم اجتمعوا بالملك سعود بن عبدالعزيز ومن حوله، فأشاروا عليهم بتنظيم جيش من العُمانيين، ليتمكنوا من إسترداد بلادهم، والملك يتكفّل بالإنفاق، فنظموا ما لا يقل عن سبعمائة عُماني، دربوا تدريباً على السلاح الحديث. (1/321)
صفحة 322
ثم شم الشيخ صالح
رائحة الطمع من الحكومة السعودية:
أنها ما فعلت ذلك إلا لتضم عُمان إلى المملكة
فقال: بالمثل السائر، إذاً نحن سنكون " كالفأرُ من المطر إلى الميزاب ".
وتمثل بقول الشاعر:
فلا يغرنك من ملك تبسمه:: لا يسقط الغيث إلا حيث يبتسم
ويقول الشاعر أيضاً:
إليك فأني لست ممن إذا إتقى:: عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
***
وهذه الأمثال التي أوردناها عنه، كان ينطق بها لسان حاله.
فأتفق هو والشيخ طالب ومن معهما من أكابر العُمانيين أن يذهب إلى مصر.
وإجتمع فيها برئيسها: جمال عبدالناصر: فأكرمه واحترمه، ووعده الجميل.
وأنت تدري همة جمال، وما كان له من الصيت الشائع، ومساعدة أي ثورة كانت، فهذه بعض فرصة، لو أمكنت.
***
ولما كان شهر رجب: سنة ستة وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية: (1/322)
صفحة 323
رأى العُمانيون أن يستغلوا هؤلاء المجندين العُمانيين:
بأن يفرقوهم في الجبال العُمانية؛ ليشنوا حرب عصابات على حكومة السلطان، كبدء لثورتهم.
فخرج الشيخ طالب بمن عنده في سفينة، فلما كانت في عرض البحر، أصابها عطب، فرجع إلى الدمام ليصلح من شأنه.
وبعض الجنود خرجوا إلى الشرقية.
وقد كان الإتفاق معهم:
أن لا ينزلوا إلى البلدان إلا بخفية، كطلب الميرة مثلاً. ومرجعهم هناك:
الشيخ محمد بن عبدالله السالمي، وقد جاء من السعودية لهذا الغرض، والشيخ إبراهيم بن عيسى الحارثي.
ولكن الشيخ إبراهيم لسوء حظه استعجل في الأمر، وخرق الإتفاق:
فكان من خبره:
أنه دعا بهؤلاء الجنود، وأقام بهم في بلدة الظاهر وأعلن ثورة، لكن ضد من؟ " لا يدري ".
وكان ليس له هدف في هذه الثورة، إلا لفت الأنظار.
وربما صرح في بعض الأحيان أنه يريد منها أن يكرمه السلطان إذا رأى منه ذلك، وهكذا يزين للمرء عمله، ليكون سبباً لحتفه، فصارت ثورة عارمة، وصارت لها مقاومة من جنود السلطان كان قائدها أخوه: طارق بن تيمور.
فقام إليه أحباؤه فنصحوه بأن يخبرهم عن الهدف (1/323)
صفحة 324
الذي يطلبه، حتى يعرفوا كيف يحل لهم أن يساعدوه.
ولكنهم لم يجدوا منه إخلاصاً، فخرجوا عنه، وبقي عنده من طمع فيه، وكان الناس يتسائلون قبل أن يصلوا: من يعطي أكثر:
إبراهيم بن عيسى، أو أحمد بن محمد؟
فمن عرفوا أنه يعطي أكثر، أظهروا له التودد، وأنهم في جانبه، والكل ليسوا على شيء.
ثم إنتقل إبراهيم بمن معه إلى سفالة إبراء، فتفائل بشؤم بعض العارفين، فقال: من الظاهر إلى السفالة: هذا لا يصلب له عود.
ثم إنتقل إلى: سمد الشأن، وكان مع ذلك يبعث الرسل إلى السلطان يطلب منه وجهاً يرضى به عنه.
وكان أكبر من نصحه والدي حمد بن سليمان،
فأراد أن يسدد ويقارب ويخمد هذه الثورة،
ولكن إبراهيم كان سيء الظن في مثله، وكان يحب الظهور، ويخاف أن يتقدمه غيره، آفة العجب.
فجاءه المشايخ أولاد الخليلي، وهو في سمد، ووعدوه أن يقابل السلطان. وكان إبراهيم يتمنى أن يقابل السلطان في السيب، كما فعل أبوه حين الصلح بين الإمام والسلطان السابق الذكر، فوعده المشايخ بذلك.
فأنتقل إلى السيب بمن معه،
فلما وصلها أرسل السلطان إليه سيارات، وكأنه يرحب به: (1/324)
صفحة 325
إذا رأيت نيوب الليث بارزة:: فلا تظنن أن الليث يبتسم
***
فتوجه إلى مسقط، ورفض نصح من يحبه، وتحذيرهم الشديد، وأن هذا الترحيب ربما يكون مخيباً لآماله، ولكنه لم يصغ إليهم:
إنما تنجح المقالة في المرء:: إذا صادفت هوى في الفؤاد
***
فلما وصل إلى قصر العلم:
تلقاه طارق بن تيمور، وأدخله من البويب الصغير الذي في الباب، وسد دون أصحابه،
فأخذ طارق بيده إلى سفينة مهيأة له على الرصيف،
حملته إلى سجن الجلالي من دون أن يرى السلطان، ولا خادم السلطان، وبقي في السجن إلى أن مَنّ الله على البلاد بقابوس، ففرج عنه وعن باقي المسجونيين العُمانيين.
ولكن إبراهيم البائس المسكين خرج من السجن، وقد أبتلي بمرض: الملخوليا:
فكان يؤثر الخلوة، ويرجم على نفسه الأبواب، ويعتقد أن:
سعيد بن تيمور: يلاحقه ويمنع عنه كل شيء، وأنه لا يزال متسلطاً عليه.
وإذا قيل له: إن الحاكم الآن قابوس: (1/325)
صفحة 326
قال: قابوس أبن من؟
قيل له: إبن سعيد.
قال: إذاً القول ما أقول لكم.
ولكنه مع هذا كله: لم ينس شيئاً من الماضي أبداً، حافظاً للمال، لا يضيع منه شيئاً، خصوصاً النقود.
وإذا أمكنت الفرصة من الإجتماع به: يبدي أخلاقاً عجيبة، لا ينكره إلا من يعرفه.
وكان أنيقاً في لباسه وهيأته، حتى في خلوته.
- عافاه الله - وكفانا وإياه سوء الحوادث.
إستدراك. وأما أصحابه الذين كانوا معه،
فمنعوهم عن الدخول عنده،
أرسلوا إليهم دراهم، فرقوها فيهم.
وقالوا لهم: يقول لكم السلطان: إن إبراهيم ولده.
وأنه لا يزال عنده في القصر، وأنتم في عذر عن القيام. فأرجعوا إلى بلادكم.
قلت: وما أشبهها بقضية عمرو بن سعيد الأشدق، عند عبدالملك بن مروان.
وفي شهر شوال من هذه السنة:
إجتمع بعض العلماء على الإمام وألزموه القيام.
وحكموا بثبوت إمامته. (1/326)
صفحة 327
وأنه إعتزل حين إعتزل إبقاء لدولة المسلمين، وتحرفاً للقتال، وألزموا الناس طاعته.
فألتف إليه لفيف من الناس.
لكنه لم يخرج من بلاده، حتى وصل أخوه. وسيأتي خبره.
أما الشيخ سليمان بن حمير فإنه لما سمع عن ثورة إبراهيم، وأنه قصد إلى مسقط:
ظن في نفسه أن إبراهيم سينال جاهاً من السلطان.
فأحب أن يأخذ هو الآخر بنصيب من ذلك الجاه.
فتوجه إلى مسقط، فوصل قبل إبراهيم، فأكرمه السلطان، وأنزله خير منزل.
ولما وقع على إبراهيم ما وقع: ساءت ظنون الشيخ الحميري بالسلطان وخاف منه، وكان قد منع عن الخروج من حدود العاصمة، فصار كأنه على جمر غضا، ينتهز الفرصة للهروب، حتى وجدها في بعض الأيام، وربما " بالتبر يكسر ناب الضيغم الضاري ".
أعطى الحارس شيئاً من المال، وسمح له بالخروج من نقطة " روي " فمر على وجهه ناوياً الحرب، وقد شجعه على ذلك وصول الشيخ طالب بن عمان، فعيي الشيخ في أي الركنين يقبض، " ولكل جديد لذة ". فركب في سيارة شحن حتى وصل " القاروت ". فأمر جماعته هنالك: أن إذا مر عليهم أحد من الجنود أن يضربوه. وبالفعل مرت سيارة لشركة النفط وبها ثلاثة من الجنود، فقتل أهل قاروت إثنين، ونجا الثالث (1/327)
صفحة 328
فراراً. فكان هذا إبتداء الشر في عُمان.
وفي عشر بقين من ذي القعدة من السنة
وصل الشيخ طالب بن علي إلى عُمان
وبوصوله أعلنوها ثورة على قصد ظهور الإمامة،
فقاموا أول شيء على بهلاء:
فطردوا والي السلطان
ثم إلى نزوى:
وما أن سمع السلطان بوصول طالب، حتى جند في وجهه جنوداً بقيادة أخيه طارق، فرابطوا بالقرب من بلاد سيت، فجاءه الأمر أن يتلقى سليمان بن حمير فيقتله، أو يأسره. وقد إجتمع على سليمان أقوام كثيرة، لأنه الآن في وسط جماعته، وكان مقبلاً إلى بلده، وكان من الإتفاق أن قام تلك الليلة طالب ومن معه على نزوى، فأمسى طارق بن الفريقين:
سليمان أمامه، وطالب خلفه:
فأصبح لا يدري وإن كان حازماً:: أقدامه خير له أم وراءه
فأجتمعوا بالقرب من تنوف: سليمان وطارق وطالب، ومن معهم من الجنود.
فصارت معركة عظيمة، حرز القتلى بمائة وخمسين قتيلاً من الجميع.
وافتقد طارق من جنوده ثلاثمائة وستة عشر رجلاً: (1/328)
صفحة 329
لا يدري أين هم؟ لأنهم غرباء، لا يعرفون هذه الأرض، وقتل من قتل منهم، وهام من هام على وجهه، وجدوا بعد ذلك موتى من العطش والويل.
" قتلت أرض جاهلها "
وتوجه طارق على وجهه، لا يلوي على شيء
حتى وصل فهوداً مركزاً لشركة النفط، حملوه في طائرة إلى مسقط.
فيحكى من شهامته، وثبات جأشه أنه وجد على الطريق قواطع تركت له بالعمد، فنزل من السيارة، وأزال تلك القواطع عن الطريق، والرصاص عليه كأنه وابل المطر، ولكن العمر حصن حصين:
وإذا لم يكن من الموت بد:: فمن العجز أن تكون جبانا
***
أما طالب وأصحابه، فإنهم وصلوا نزوى، ووجدوا الحصن مفتوحاً كما فتح لسالفهم من قبل:
أبداً تسترد ما تهب الدنيا:: فيا ليت جودها كان بخلاً
***
ولم يعترضهم في طريقهم بعد طارق، ولا في البلاد أي شيء، وما كانوا حسبوا لذلك حساباً.
وكان قصدهم أن يقاوموا في الجبال، حتى يفتح الله لهم، ولكن فتح لهم بلا عناء. (1/329)
صفحة 330
فجددوا البيعة للإمام على الجهاد في سبيل الله،
وعلى رأس العلماء الموجودين الشيخ الرقيشي:
خطب خطبة في الجامع حث فيها على الجهاد، والتضامن، وضمنها قول الشاعر:
الموت لا يكون إلا مرة:: والموت أحلى من حياة مره
وما توانت جنود السلطان
حتى هجموا على الثائرين بمصفحاتهم، وطائراتهم، ولكنهم قاوموها بكل ثبات.
حتى أنه يحكى أن (غمراً) وهي بلاد صغيرة، ضربت بستمائة قنبلة، و (غمر) هذه لا تكاد تذكر لضؤولتها، فناهيك بالحصون بكم كانت ضربت؟
وقالت إذاعة لندن حين تحكي هذه الوقائع:
" لقد درب العُمانيون تدريباً دقيقاً ".
واستمر الحال هكذا:
أخذ ورد بين العُمانيين، وجنود السلطان.
ولم يستطيع الجنود أن يفعلوا في العُمانيين شيئاً.
حتى عزرتهم الطائرات.
وكان إبتداء ضربها في العاشر من محرم سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية.
وكان الشيخ الحميري مع الإمام في بلدة (بركة الموز). (1/330)
صفحة 331
وطالب ومن معه في فرق
وضربت القلاع بالقنابل، وتفرق غالب الناس، ولم يبق إلا القليل: كمنوا في الحوراء شرقي (فرق): ينتهزون الفرص، كلما رأوا أحداً من الجنود ضربوه.
ولم يقتل في هذه المدة كلها من العُمانيين سوى رجلين، فيما أحسب أنهما لم يتمكنا من الإختباء.
***
وقد أخبرني بعضهم:
أن رجلاً ضرب بمائتين وخمسين قنبلة، ولم تصبه واحدة منهن، وذلك لأنه كان يكمن تحت حصاة، فإذا مرت الطائرة أطلق عليها النار، فتعطي خبراً لقاذفات القنابل، فينتقل هو من ذلك المكان إلى مكان آخر، فتأتي القاذفات فتضرب ذلك المكان بقدر خمسين قنبلة، ثم يطلق عليها من مكان آخر.
وهكذا: كلما جاءت تصب قنابلها على ذلك الهدف، وليس هنالك أحد.
وهو يتفرج عليها.
ولما أخبر أصحابه بذلك، هان عليهم أمر الطائرات، وصاروا لا يهابونها - اللهم إلا من كان في الحصون، أو البيوت الكبيرة، فإنها أضيرت من أثر القنابل.
ولم يؤثر الضرب على قلعة نزوى كثيراً؛ بل كأنها تمشط بمشط.
*** (1/331)
صفحة 332
وكان الإمام ومن معه:
عزموا أن يتوجهوا إلى وادي بني رواحه وسمائل، ليضموها إلى دائرتهم.
ولكن عاقهم: ضرب الطائرات، فلم يتمكنوا.
والعائق الثاني: هو أن الشيخ: خلفان بن جميل السيابي،
أفتى أهل سمائل: أنه يحل لهم أن يردوا الإمام عن بلادهم، ولو بقتال.
ولما سئل عن ذلك، قال: إن الإمام لا يستطيع حمايتها، وسيعرضها لإفساد جنود السلطان، والعبث فيها.
وقال بهذا أيضاً، الشيخ حمد بن عبيد السليمي.
ولكن أخبرني من أثق به أنه رجع عن فتواه وتاب.
أما الشيخ بن جميل، فإن الإمام قال عنه: إنه زل في فتواه. (أ هـ).
وقد سألت بنفسي الشيخ خلفان
لما اجتمعت به عن هذه الفتوى، فأخبرني أنه معتقد صحة ما أفتى به، وزاد أن هذه الإمامة تهور، ولا رجال لنصرتها، ولا قوة عندهم، وعدوهم أعظم منهم بكثير، ومن شروط الإمامة أن يكونوا نصف عدوهم في العدة والعدد.
قل لي: أين النصف؟ وأين العشر؟
لا فائدة من وراء ذلك إلا سفك الدماء، وتخريب الأموال. (1/332)
صفحة 333
وبحثته: ما تقول الآن في الإمام؟
هل ثباته إمامته؟
فإن كان لا،
فهل يسعهم ترك ما هم فيه؟
قال: نعم يسعهم ترك ما هم فيه، والإنتظار لوقت القوة.
إن أمنوا سطوة الحكومة " وذلك لما كانوا في الجبل ".
أما عن ثبوت الإمامة، فأقول:
يسعني السكوت فيها كغيرها من الأحوال.
وسألته: عن الإلغامات التي تزرع في الطرق لسيارات عدوهم؟
قال: هذا لا أراه في نظري،
وفيه ما فيه من تحمل إتلاف الأنفس والأموال.
بحثته قائلاً: إن ذلك مقصود به العدو، لا التجار والسعاة، بيد أنه تقدم لهم خبر أن الطريق ملغوم، فلا تمروه.
قال: وإن كان هذا القصد، فلا يسع عندي، ولا أراه من الصواب في شيء. (أ هـ).
***
ولما وصل الإمام
إلى بلدة إمطي: هاجمتهم الطائرات والدبابات من الجو والأرض وكان أنصح أنصارهم بنو سليمة: (1/333)
صفحة 334
فرمت في وسط جمعهم الطائرة قنبلة، قضت على إثني عشر رجلاً، وأربع نسوة في وقت واحد، فأوهنت شوكتهم، وأورثتهم الفشل.
وأكثر أصحابهم هربوا عنهم لما شاهدوه مما لا يطيقون دفعه فيقابلونه،
وإلا فالعُمانيون لا يحوم الجبن حول حماهم
وهم إن قيسوا بغيرهم: ظهر لهم من الفضل في هذا الميدان،
وفي غيره ما لا يستطيع حسود إخفاءه،
ولكن زاد القياس، وعظم الشأن، ورأوا ما لا يتوقعون، ولا ينالون من يخاصمون:
وإنما يبلغ الإنسان طاقته.
{وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.
ولما رأوا: أن لا قبل لهم بما ينتاشهم
قرروا الإلتجاء بالجبل الأخضر ...
فأرسلوا إلى الشيخ طالب
وكان لا يزال في الحوراء:
فوجدوا عنده ما عندهم، وقد تفرق أصحابه عنه، بسبب فراغ الذخيرة عنهم.
فتظافرت الآراء، واعتمدوا على أن ينحازوا إلى الجبل الأخضر
والجبل الأخضر كما هو معروف بشهرته ومنعته. (1/334)
صفحة 335
وكان اليوم الرابع عشر من المحرم
هو الذي قرروا صعودهم فيه:
فالإمام، والأمير الحميري صعدا من جهة: المناخر، والشيخ طالب صعد من جهة: كمه،
فدخل الجنود: فرقاً ونزوى.
وكان ناظر الشؤون الداخلية:
السيد أحمد بن إبراهيم بن قيس في سمائل يتحسس الأخبار.
فلما بلغه خلو الديار من الرماة والثوار، قصد إلى نزوى ومر بإزكي.
وكان الشيخ العلامة الرقيشي ملازماً للإمام والأمير الحميري، حتى وقت صعودهم الجبل، فصرعه القدر، ولم يصعد معهم، بل رجع إلى بلاده.
***
ولما صفا الجو لأحمد بن إبراهيم: قبض على كل من قدر عليه، فزجهم في السجون.
ومن جملتهم هذا الشيخ.
وكل المسجونين وجدناهم لم يسجن واحد منهم عن قهر، بل عن مكر وحيلة.
أخبرني الشيخ إبراهيم بن محمد الرقيشي، قال:
لما أراد السيد أحمد بن إبراهيم المكر بالوالد، دعاه، (1/335)
صفحة 336
وقال له: إنا لا نستغني عن رأيك فأصحبنا إلى نزوى.
وأسر إلي بشفقة شديدة، يقول: إصحب والدك لتعينه لأنه ثقيل السمع.
قال إبراهيم: أنا فهمت أنه لا يريد بنا خيراً، إلا أنه ليس من المرؤة أن أترك والدي، والوالد أصر على المسير.
فلما وصلنا نزوى، وقام السيد أحمد من المجلس الخارجي جاءنا بعض العسكر وقال: يدعوكم السيد في القلعة لبعض المعارفة.
فلما دخلنا القلعة لم نجده، بل وجدنا قيوداً وضعت في أرجلنا، وبعد يومين: حملنا إلى الجلالي.
وهكذا حشر سائر العلماء والرؤساء، ومن عليه رمق، ومن أشار إلى الدولة الأولى بيد أو لسان:
فزجهم في السجون، ولم يزالوا هناك، مات من مات منهم، وعمي من عمي، ومرض من مرض.
ومن بقي منهم إلى عهد السلطان قابوس، ففرج الله عنهم به وبلطفه.
***
ولما مات الشيخ الرقيشي في بيت الفلج، وكان مريضاً مدنفاً:
لما أنزل من الجلالي: طلب أولاده أن يدفنوه في وطنه. فأستؤذن السلطان في ذلك،
فمن حقده وعداوته، لم يأذن إلا أن يدفن في بيت الفلج، (1/336)
صفحة 337
ولم يأذن أن يفك منه القيد حتى في حال شدة المرض، إلا بعدما مات.
والقيد: سمعت الشيخ يقول عنه:
إنه يجد راحة بوجوده في رجله، لأنه سبق أن أزيل عنه، فتبدل مكانه: جني: قبض على رجله، وصارتا كأنهما قطعة حجارة، لا يستطيع النهوض بهما.
وكان إذا فقد القيد لم يستطع أن يقرأ القرآن:
يقول: كأنني ألبس غشاوة سوداء على وجهي.
وكأن صخرة على قلبي،
فإذا رد القيد إلى الرجل، زال عني هذا الشر.
فكان وجود القيد أحب إليّ من عدمه.
وكان دائماً يقول: ما نيتنا إن خرجنا من السجن؟
نقول: له أخبرنا.
يقول: نيتنا أن نقوم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونرد الباغي عن بغيه.
وكان لا تلين له قناة، ولا تسمع له شكوى، بل يقول:
لو قسنا ما أصابنا بما أصاب من قبلنا، لرأينا أنا في سلامة، وأنا لم نصب بشيء. (أ هـ كلامه).
وسألوني:
لما صعدت معهم إلى الجلالي، هل تكلم فينا أحد؟ (1/337)
صفحة 338
قلت: أخبرني الشيخ خلفان بن جميل السيابي، أنه كلم السلطان في أمركم، فقال: قلت للسلطان: إن هؤلاء العلماء كلهم في السجن، وعُمان محتاجة إليهم، فنسألك الإفراج عنهم حتى ينتفع بهم الناس، وتنتفع بهم الحكومة.
قال: فألتفت إليّ مغضباً، وقال:
أتقول أنهم علماء؟!
لا بل هم منافقون.
أتظن أني لا أستطيع إلحاقك بهم؟!
قلت: بلى إني لا أعجزك.
فهربت عنه خائفاً من أن ألحق بهم. (أ هـ).
فقال القاضي سعود بن سليمان لما أخبرتهم بهذا الخبر:
أيقول عنا أننا منافقون؟
قلت: يقول السلطان ذلك.
قال: إذاً لا يهمنا، فما نحن فيه منه أكبر من قوله. (أ هـ).
ولما صعد أولئك القوم الجبل:
إتخذوا مراكز فيه.
وكان فيه غيران واسعة.
فأتخذوا فيها مقاعد للقتال.
وكان على الجبل من الطرق المهمة إثنا عشر طريقاً:
جعلوا على كل طريق جنوداً وقائداً. (1/338)
صفحة 339
وأدخروا من المواد الغذائية ما يكفيهم، إلى أن يأتيهم مدد من مكان.
ثم رأوا أن لا فائدة في قعودهم هكذا،
فنظموا غزوات على جنود السلطان التي حول الجبل.
فحصل الجنود على أذى كبير؛ لأنهم من دون توقع يكون الهجوم عليهم، فيقتلون ويجرحون.
فصاروا يتشفون لغيظهم من البيوت التي يتوقعون أن أهلها عون للخارجين، فهدموا بيوتاً كثيرة، وخربوا بلداناً جزيلة.
أما البلدان التي كان فيها إسم للشيخ الحميري:
تنوف وكمه والمناخر ووادي بني حبيب والشريجه:
جعلوا هذه البلدان كأمس الدابر، كأنما ريح عاد مرت عليها.
وضيقوا الخناق على من ينتمي إلى: سليمان أو إلى غالب وطالب.
وقبض أولاد زاهر على أخيهم محمود، وكان إبن أخت الإمام فحملوه إلى السلطان، فألحقه بالمسجونين.
فيقال: إن أباه مرض بسبب ذلك مرضاً شديداً لما أصابه من الحزن والأسف على الموافقة بحمل إبنه، فكان سبباً لموته.
وهدم بيت الإمام في بلاد سيت، وبيوت من يقربون إليه.
والتف حول أهل الجبل لفيف لا بأس به: منهم ديانة، ومنهم حمية، ومنهم هروباً من الحكومة. (1/339)
صفحة 340
وضربت عليهم حصار شديد، لا يستطيع صاعد أو نازل أن يصعد أو ينزل إلا بعلم منهم، ولكن مع هذا كله لم ينقطع عنهم الصاعد والنازل، والطائرات كل يوم تضرب وتدمر بتلك الصواعق.
***
وأُحدّث عن شيء
وقعتُ فيه: إنا كنا في عقر نزوى
فضربت الطائرةُ بقنبلة فوق الجبل، فأهتز البيت الذي نحن فيه، وبينهما من المسافة ما لا يقل عن عشرين ميلاً.
وبقي الحال هكذا، والفريقان في تعب، حتى شهر ذي القعدة من السنة:
تدارك الله أهل الجبل بمدد جاء عن طريق السعودية ولهذا المدد قصة عجيبة.
وهي أن من خرجوا بهذا المدد كانوا خمسين عُمانياً، على رأسهم الشهم الغضنفر: سالم بن عبدالله الحارثي.
خرجوا بهذه القوات في سفينة من الدمام، حتى وصلوا صحار،
فأنزلوها بالساحل، وذهب بعضهم فأشترى سيارة ضخمة، حملوا عليها ما معهم من السلاح:
تسعة من مدافع الهاون، وحوالي مائة وأربعين بندقية، ومن الذخيرة شيء كبير، ومن الإلغامات كذلك.
فأخترقوا بسيارتهم جميع الطرق المؤدية إلى الجبل، ومن (1/340)
صفحة 341
العجيب أنهم يسألون من يمرون عليه عن الطريق، فيرشدونهم، ولو كانوا جنوداً للحكومة، حتى وصلوا عند حصن العوابي: عرفوهم، فأطلقوا عليهم الرصاص، ولكنهم لم يؤثروا عليهم شيئاً.
فلما دخلوا الوادي ألغموا الطريق، فجاءت سيارة الجنود تابعةً لهم، فثار بها اللغم، فأبرقت لطائرة الهيلوكبتر لتسعف المجروحين أو الموتى، لما جاءت الطائرة، وكان الوقت ليلاً، لم تستطع النزول فوقفت لها سيارة أخرى، تضيء لها الأرض.
فلما نزلت اصطدمت بتلك السيارة، فتعطل الجميع.
ووصل هؤلاء القادمون إلى بلاد: العلياء:
فتلقاهم أناس حملوا عنهم ما جاءوا به، فنفعهم هذا المدد، وسد القادمون ثغراً كبيراً في الجبل.
وبمناسبة وصول هذا المدد كتب الإمام لبعض أصدقائه كتاباً يقول فيه:
في اليوم السادس من ذي القعدة سنة سبع وسبعين ثلاثمائة وألف وصل الشيخ الولد: سالم بن عبدالله، من الغربية، وعنده عدد من رجال الشرقية، جاءوا على سيارة كبيرة، فأخترقوا بها جميع المركز المعادية والمصادقة، رغم إطلاق الرصاص عليهم، فما أثنى عزيمتهم شيء من ذلك.
حتى وصلوا بها: العلياء: بلاد الأمن.
وقد وصلوا بجميع ما يحتاج إليه المسلمون، إستعمالاً وإحتياطاً، والحالة هنا تسير في تقدم والحمد لله. (ا هـ كتابه). (1/341)
صفحة 342
وفي آخر ذي الحجة:
وصلتهم معونة أخرى بقيادة الشيخ: محمد بن خلفان الهدابي.
وحين وصلت الساحل: حملت على ركاب لبني قتب، فجاءوا بها على طريق بهلاء، وصعدت الركاب إلى مكان يقال له:
" كهف النضد ".
ثم حملها الرجال إلى المراكز، وانطمست العيون عنها، أو طمستها الدراهم كما قال طارق بن تيمور، وقد سمعته يذكر ذلك يقول:
إن هذا المدد الذي يصل لأهل الجبل يمشي على طريق من الدراهم المفروشة تحته.
وتحتوي هذه المعونة على:
أربعة مدافع مضادة للطائرات، وبنادق وذخيرة وألغامات وقنابل يدوية:
فرجت عنهم بعض الشيء.
وصارت الطائرات بعد ذلك لا تستطيع أن تقرب من مراكز أهل الجبل، إلا ما كان من أمر الصاروخ الذي ضرب فجاء الناس مجتمعين في غار هنالك:
إكتشفت أولاً الطائرة، فرأت أوعية الأكل في الشمس فأستدلت أن خلفها أحداً، فأبرقت لهذا الصاروخ، فجاء كالبرق الخاطف، فضرب في فم الغار، وكان به أحد عشر رجلاً: (1/342)
صفحة 343
مات خمسة منهم في الحال وجرح الباقون، وكانوا كلهم من أهل الشرقية، ولم يقتل من أول الحرب إلى إنتهائه من هؤلاء المتحصنين في الجبل إلا خمسة وعشرون رجلاً.
هكذا نقل إليّ.
وعاد محمد بن خلفان الهدابي مرة أخرى:
وجاء بمعونة أخرى في قافلة للدروع، ولم يكتشف خبرها حتى وصلت مأمنها،
فبقي خصمهم في أمر عظيم، لا يدري كيف يتصرف فيهم؟
والطائرات لا تتوقف عن الضرب، ولا يوماً واحداً.
ومن جملتها صاروخ رأى حماراً في أصل واد هنالك، فطارده، فدخل مدخلاً لم يفكر في الخروج منه، فلما جاء ليخرج، وإذا في وجهه قلة جبل، إرتطم بها، فسقط، ومات طياره، فغنم منه فرد ومدفعان.
وبعد أيام قليلة: جاء بعض الإنجليز، ومعه امرأة منهم إلى نزوى فطلبوا من المسئولين فيها أن يكتبوا لأهل الجبل، يطلبون منهم الشخص الذي كان يقود الصاروخ (1)، فمات. وإن هذه مخطوبته تريد النظر إليه، فكتبوا.
فرد أهل الجبل:
إن أردتم ذلك، فأتونا بكتاب من قنصل الدولة البريطانية إلى الإمام رأساً، والشخص موجود معنا.
وإنما أرادوا بالكتاب من القنصل، ليكون إعترافاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراد بالصاروخ قاذفات الصواريخ مجازاً.
بهم من الدولة البريطانية. (1/343)
صفحة 344
وزاد الشيخ الحميري في كتابه:
إن هذا الصاروخ أسقطته مدافعنا القوية بالعزيمة الثابتة.
فكادهم الجواب، وأستعظموه، وفطنوا لما أرادوه منهم، فرجعوا بلا فائدة.
***
وفي أول صفر، من سنة ثمانية وسبعين ثلاثمائة وألف:
دعا الإمام بالقبائل للنصرة، يرغبهم بالجهاد، ويحذرهم الإستعمار، وهذا نص كتابه:
" سلام عليكم ورحمة الله، ولا خبر لدينا إلا تقدم المسلمين، وإنتصارهم في جميع معاركهم، وفشل البغاة المعتدين وخيبتهم في جميع مقاصدهم.
أما بعد: فإن الله فرض الجهاد على جميع خلقه المكلفين،
فأي آونة أضر من هذه الآونة التي إنتهكت فيها المحارم؟ وأعتقلت فيها الأحرار؟
فإني أدعوكم إلى الجهاد في سبيل الله، وفي الدخول فيما فيه دخلْت.
فطاعتكم لي واجبة " وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ".
فالجنة تحت ظلال السيوف.
وأعلموا أن الإستعمار يخرب الديار، ويستعبد الأحرار، وإن إخوانكم المجاهدين يوصلون كفاحهم إلى آخر قطرة من (1/344)
صفحة 345
دمائهم، أو يتحقق لهم النصر، ولا زال النصر حليفنا، والله مع الصابرين ". (ا هـ كتابه).
***
فلم يستجب له أحد:
إلا فتى حبسياً، سنذكره فيما بعد إن شاء الله.
وذلك لأن الحكومة شددت كثيراً على المواطنين.
فكانوا لا يخشونها على أنفسهم فحسب، بل على حرمهم وأموالهم ومنازلهم، مع أنه ليس عليهم قصور من رجال، وإنما القصور من العتاد؛ لأنه لم يصل إليهم إلا تلك الدفعات الثلاث.
وكل شيء لا يزاد عليه، لا بد من نقصانه.
***
خبر الحبسي:
هذا الحبسي: كان يسكن في: تنجنيكا:
ولطول ما فكرت فيه الحكومة من إستئصال أهل الجبل.
وصف لهم هذا الرجل، وأنه يجيد العربية والإنجليزية قراءة وكتابة.
وأنه إذا جاء: يكون النظر غير ملتفت إليه من قبل أهل عُمان.
فأختاروه عينا لهم بكشف خبر أهل الجبل.
هكذا قيل، والله أعلم بصحة هذا الخبر.
إلا أنه مما يؤيد صحته: (1/345)
صفحة 346
أنه كان من الإتفاق أني خرجت وإياه من زنجبار إلى عُمان في سفينة واحدة. فكان يسألني عن أهل الجبل ويقول:
هل أنت ذاهب لمناصرتهم؟ فإنهم يستحقون المناصرة.
أجبته على حسب الظروف التي تكون عندي.
وبعد ذلك كتب إليّ: أني أستطيع أن أحملك على عثرة تأخذك الحكومة بها.
فأجبته: يد الله فوق يدك.
وبالفعل فقد إلتحق بأهل الجبل، وأظهر لهم التودد، وكانت له موقف معهم، وبقي حوالي ثلاثة أشهر ناصحاً قائماً بما يجب عليه.
لكنه لوحظ أنه يحمل قلما وقرطاساً، ويكتب.
فلما رأوا ذلك منه: ساء ظنهم فيه، فجعلوا عليه عيوناً، ولما فهم منهم ذلك، وأنهم عرفوه: هرب عنهم بليل، فأصبح لا يرى له أثر.
فنزل عن طريق العليا، فقبض عليه جنود السلطان، وحملوه إلى بيت الفلج، حيث القيادة العسكرية.
ولما وصل هنالك: عرفه أصحابه، وأدلى إليهم بمعلوماته، وأوضح لهم كل شيء، وجعل لهم خارطة بين فيها جميع المراكز، والطرق التي يتردد فيها أهل الجبل، وكشف لهم ما كان مستتراً، فشكروه، وأطلقوا سراحه.
*** (1/346)
صفحة 347
ولكن الله لم يمهله:
فصار من نكبة إلى نكبة أخرى:
آل أمره إلى أن أدخله والي المضيبي السجن
فمرض في السجن مرضاً شديداً، أورثه هذا المرض:
سلس البول، وأمراضاً أخرى خبيثة الرائحة، حتى أن الطبيب سد مجرى البول، وجعل له أنبوباً يبول من عانته، فكان يتأذى منه الحاضرون إذا جلس بالقرب منهم.
وأرادت الحكومة أن تكافئه على معروفه: فجعلته نائب والٍ في " نخل ووادي المعاول ". لكنّه لم تدم وظيفته لإزدياد المرض عليه، وأخيراً حمل إلى لندن فمات.
فوضع في صندوق خشب، داخل صندوق حديد،
وجيء به إلى المضيبي،
وأوصى الطبيب أن لا يفك الصندوق،
بل يدفن بجثته التي داخله؛ لأنه إنْ فتح سيكون خطراً عل الحاضرين.
فهذا ما انتهى إليه أمره، ولله عاقبة الأمور.
وبسبب خبر الحبسي:
وما كشفه من خبر أهل الجبل:
صار أمر أهل الجبل في نزول، ولم يفلحوا بعدها في مواقفهم تلك:
وكانت قاذفات القنابل تقوم من عدن فجراً، فتأخذ نهارها كله في المطاردة، وبعد الغروب تعود. وهكذا .... (1/347)
صفحة 348
أما الصواريخ: فإنها تقوم من الشارقة، في ضمن خمسة عشر دقيقة، فتأتي أولاً إلى مركز نزوى فتأخذ منه معلومات الأهداف، ثم تضرب برشاشاتها حتى تفرغ، فتعود.
وإذا دهم الجنود أمر: أبرقوا لها، فتجيء في أسرع وقت حيث لا يكاد يتمكن هدفها من التحفظ منها لولا تيقظهم وألفتهم لهذا، بعناية الله لهم.
ومن المبرزين ممن ماتوا من أثر هذه القنابل:
الشيخ محمد بن خلفان الهدابي
والشيخ سيف بن أحمد بن عبدالله الهنائي
ومن سبق ذكرهم من أهل الشرقية.
***
وأخيراً تنمروا:
فصاروا يقتحمون إلى الموت بلا مبالاة
وما همهم إلا نكاية عدوهم، حيث يعلمون له مقراً، ويتمثلون بقول أبي الطيب:
يموت راعي الضأن في جهله:: ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره:: وزاد في الأمن على سربه
وغاية المفرط في سلمه:: كغاية المفرط في حربه
فلا قضى حاجته طالب:: فؤاده يخفق من رعبه (1/348)
صفحة 349
وأخيراً جلبوا حميراً:
نحو من خمسمائة حمار، ذكرت إذاعة لندن:
أن الملكة أهدتها للسلطان؛ ليحمل عليها المواد الغذائية والطبية. ويقال أنها جلبت من السنغال.
وصاروا يدربونها في جبال غلا؛
لتتمكن من الصعود إلى الجبل الأخضر بسهولة.
فكان بعض المدربين أتعبه حماره لعدم قبوله التدريب، فرماه بمسدس، وبعد ذلك فرقت الحمير في المراكز.
***
ثم جلبوا كلاباً من أوروبا؛
لتطارد أهل الجبل، ولكنها لم تنفعهم بشيء.
فكان أهل الجبل يقولون: الكلاب لا تصيد الأسود.
وأستمر الحال، ولكنه في ضعف على أهل الجبل، وقوة لخصمهم.
وما ضعفوا من جهة المواد الغذائية، فإنها معهم كثير.
أخبرني من أثق به:
أنه إجتمع عندهم ثلاثمائة جونية عيش، ومن القهوة والسكر والتمر شيء كثير.
وإنما قصورهم إلى الأشياء التي تأتي إليهم من الخارج:
فملوا، وضجروا. (1/349)
صفحة 350
والناس ذوو تقلبات وأفكار:
وما ذاك من بغض لها غير أنه:: يرجي سواها فهو يهوى إنتقالها.
***
وذات ليلة:
وكانوا في أمان حسب العادة،
فما شعروا إلا بالجنود وقد أحاطت بهم:
يا نائم الليل مسروراً بأوله:: إن الحوادث قد يأتين أسحاراً
***
فما شعروا إلا بالجنود وقد أحاطت بهم: تلقيهم الطائرات بالمظلات، لا يدري الصديق صديقه، ولا العدو عدوه:
وهذا ما نفع زعماء الجبل: حتى تمكنوا من الخروج، والإنسلال خفية، ولم يزالوا في خفية حتى خرجوا من عُمان.
ووصلوا إلى المملكة العربية السعودية
وهكذا إنتهى أمر الإمامة
فكانت مدتها مع الإختفاء بها أربع سنوات وستة أشهر.
ومن الإتفاق بقي الإمام في إمامته ثمانية عشر شهراً.
وفي إختفائه ثمانية عشر شهراً، ومدة ظهوره في المرة الثانية ثمانية عشر شهراً.
ولما بلغ السلطان إحتلال الجبل: سأل عن المقاومين: أين هم؟ (1/350)
صفحة 351
أجابوه: إنهم إختفوا، ولا ندري عنهم شيئاً.
فقال: إذاً ما صنعنا شيئاً.
إن الأسود أسود الغاب همتها:: يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
***
وبعد ذلك شفى الجنود غيظهم من المواطنين:
فكم من بيوت نسفوها.
وكم من أنفس أزهقوها.
وكم من أموال أتلفوها.
وكم من حسرة أورثوها.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
***
وصفا الجو للسلطان، ولم ينازعه منازع في عُمان:
وما هي إلا دولة إثر دولة:: تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
إذا إنزلت هذا منازل رفعة:: من الملك حطت ذا إلى الغاية السفلى
ولكن السلطان سعيد بن تيمور:
إستحوذ على عُمان، ولم ينفعها بشيء، بل كان عبئاً على أهلها.
حسوداً، حقوداً:
وكل إمرء يولي الجميل محبب:: وكل مكان ينبت العز طيب (1/351)
صفحة 352
ولم تزل عُمان هكذا في كابوس من حاكمها
حتى قيض الله لها من أنار لها السبيل
وفك عنها الإسار.
ورفع رؤوس أهلها في الداخل والخارج.
إبنه الذي سلطه الله عليه " من مأمنه يؤتى الحذر ".
فكان ذات يوم آمن في بيته في صلالة
إذ هجم عليه إبنه قابوس بمن معه، وكان هو متيقظاً للأمور.
يقال عنه: أنه ترك في كل مكان سلاحاً، حتى في الحمامات.
ولكنه لما حان القدر، لم يغنه الحذر.
ولو نفع الحذر أحداً: لنفع الزباء، وهي أمنع من عقاب الجو.
ولنفع إمبراطور الفرس: محمد رضا بهلوي، وهو من القوة والحراسة بحيث لا يخفى حاله، فخرج من بلاده يحمل منها تراباً يشمه فقط.
ولنفع أنور السادات حين أحاطت به جنوده، فهو كالنواة في التمرة لشدة الجنود التي أحاطت به، فلما أصابته الرصاصة، وأنقلب الكرسي فوقه، قال:
مش معقول أن أبنائي يضربونني.
***
فلينظر الإنسان، وليقدم لنفسه خيراً يرجع إليه. (1/352)
صفحة 353
وتاريخ قابوس ليس من شأننا؛ لأنه تبدل الحال غير الحال، وملأت الصحف من تاريخه، كما ملأ هو الأكف من نضاره، ولله عاقبة الأمور.
نسأل الله الذي بيده كل شيء، أن يحمي عُماننا من كل سوء، ومن أرادها بكيد فنسأل الله أن يرد كيده في نحره، وأن يجعل تدميره في تدبيره.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
والحمد لله رب العالمين
***
ظهر الأربعاء 20 جمادي الآخرة 1405 هـ.
13 مارس 1985 م
نقله أبو علاء (1/353)
صفحة 354
بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة في الفكاهة (1/354)
صفحة 355
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: -
فلما فرغنا من إبراز ما حفظنا، رأينا أن نجمم القلوب بذكر شيء من الفكاهات العُمانية، كما قال الصديق - رضي الله عنه -: " جمموا القلوب تعي الحكمة ".
وكما قيل: إني لأستجم قلبي بشيء من اللهو، لأقوى به على الحق ".
وفي الأثر: أريحوا النفوس، فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد ".
***
يدور الحديث بين الناس:
أنه في آخر الزمان تكثر النساء، حتى لا يجدن رجالاً، فتخطب المرأة الرجل، وتدفع له " جزل تمر ".
فذات مرة: كان رجال مجتمعين، فمرت امرأة حاملة الجزل، فناداها واحد من الحاضرين، وقال: أنا.
قالت: " يوم غايته بنجيّي ".
فما زاد، ولا زادت، معناها: إذا حان الوقت سأختار:
***
قلت: هذه القصة شبيهة بقصة الأديب الذي وقف على جسر " الرصافة ".
قال: فمرت امرأة على رجل.
فقال لها: لله در علي بن الجهم.
فقالت: لله درب أبي العلاء المعري. (1/355)
صفحة 356
ولم يزيدا على ذلك.
قال الأديب: فقلت للمرأة: ماذا تقصدين؟
فقالت: قال هو: لله در علي بن الجهم، يريد قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر:: جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقلت له: لله در أبي العلاء، أريد قوله:
أيا دارها بالخيف إن مزارها:: قريب ولكن دون ذلك أهوال.
أ. هـ.
رجل لدغته عقرب:
ويقال: إن من لدغته عقرب يأتي إلى حمارة، فيقول في أذنها: " لدغتني عقرب ". فتبرأ اللدغة.
فجاء هذا الملدوغ؛ ليسر بذلك إلى حمارة كانت بالقرب منه، فرمحته في وجهه، فذهب يعاني ألمين، بعد أن كان ألماً واحداً. أ هـ.
***
- وكانت امرأة كثيرة الصلاة:
فإذا جاء زوجها إلى البيت وجدها تصلي، فينتظرها حتى يغلبه النوم، وهكذا كل يوم، لم يستطع معاشرتها.
فقال لها ذات يوم: " سمعت المطاوعة يقولون: إذا جامع الرجل إمرأته، فكأنهما قتلا كافراً.
فلما جاء ذات ليلة بعد العشاء، وجدها تنتظره.
فقالت له: " نقتل كافراً ".
وبعد فراغهما، قالت له: " نقتل كافراً آخراً ". (1/356)
صفحة 357
فقتلا في تلك الليلة خمسة كفار.
فأرادت منه أن يقتل السادس، لكنه قال لها - وقد مل القتل -: صل، فإن سيف علي بن أبي طالب لم يكمل الكفار، ما كنا نحن لنكملهم، وهرب عنها. أ هـ.
***
وأصطدمت سيارة " صالون " بتنكر كبير، فدخلت تحته، فمر عليهما: حبسي:
فقال: دخلت ترضع. أ هـ.
***
وألتقى بدوي ببدوية، فقال لها: ما اسمك؟
قالت: " لحيتك ".
قال: إذن أنت إسمك (عزيزة).
قالت: وما إسمك أنت؟
قال: " تالي ليل ".
قالت: إذن أنت إسمك (صباح).
فظهر أن إسمهما الحقيقي هو ذاك. أ هـ.
***
كان رجل عُماني يسوق سيارة: لكنه لا يعرف أن يردها إلى الوراء، فجاء أمامه ضابط المرور، وكان إنجليزياً، فأستوجب الرجوع إلى الوراء، فإذا قال له أنه لا يعرف أن يرد السيارة على الوراء، يناله جزاء من الضابط.
لكن قال: نحن العرب لا نرجع إلى الوراء، فإن شئت فأرجع أنت، فرجع الضابط. (1/357)
صفحة 358
كان طبيب يعالج الناس بالحدس: يجس المرض، فيعرف مرضه، ويصف له الدواء فيبرأ.
وكان عنده ولد، قال له: أنا أكفيك هذا اليوم، فأذهب إلى فلان المريض.
قال له: لا تفضحنا.
قال: بل أنا ماهر في هذا العمل.
فدخل على المريض فجسه، ثم قال له: " لعلك أكلت لحم حمار ".
قال: معاذ الله، أيؤكل الحمار؟
فخجل المتطبب، وخرج، وسأله أبوه.
قال: لما دخلت رأيت بردعة الحمار، ولم أر الحمار بجنبها، فقلت في نفسي: إنهم أكلوا الحمار، فضرهم لحمه. أ هـ.
***
كان رجل يكتسب على نفسه وعياله على ظهر ثور:
وفي يوم من أيامه، وقد رضي عن الثور، وكان عنده زوج وبنت، وكانا ثقيلي السمع، فلما حضروا للغداء.
قال: هذا الثور لا تأتي به الأثمان.
فقالت الزوجة: نعم هذا الخبز صنيع بنتك.
فقالت: أنتما مفوضان في الزوج الذي ترضيانه لي.
فكل منهم عبر عما في نفسه.
فالرجل يهمه الكسب.
والمرأة يهمها الجوع.
والبنت يهمها الزوج. أ هـ. (1/358)
صفحة 359
هجم لص على إمرأة وحيدة في بيتها.
وقال لها: أنا جبرائيل، أمرني ربي أن آخذ من هذا البيت ما شئت.
قالت المرأة: وكانت ثابتة الجأش: أهلاً وسهلاً برسول ربي، ادخلْ هذه الحجرة التي فيها ذخائري، لتأخذ ما شئت منها، ولما دخل، أغلقت عليه الباب، وأستغاثت بجيرانها، فنادها: إفتحي الباب لأخرج.
قالت: لا أستطيع، أخاف أن يبهرني نور وجهك يا جبريل.
فجاء الجيران فقبضوا عليه. ا هـ.
***
وكانت إمرأة دائماً تقول لولدها:
أنا فداؤك، عسى أن أموت قبلك، وتلهج بمثل هذا الكلام. فأراد أن يختبرها، فقال لها ذات ليلة، أنا ذاهب إلى المكان الفلاني، فخرج عنها، وتنكر، ودخل عليها في حالة منكرة، وبيده شعلة نار.
فقال: أنا ملك الموت، جئت لأقبض روحك.
قالت: وما يفديني؟
قال: لا يفديك أحد، إلا أن يكون إبنك، إما أنت، أو هو؟
قالت: هو في المكان الفلاني، فأذهب إليه.
فخلع ما كان عليه، وقال لها: أين ما كنت تلهجين به؟
علمت ذلك. فأستحيت. إ هـ
*** (1/359)
صفحة 360
وسافر قوم في سفينة: فأصابهم طوفان، فقام واحد منهم يبكي.
قيل له: ما يبكيك؟
قال: أخاف الغرق.
قالوا: " الله كريم ".
قال: أخاف، لأن الله كريم، أخاف أن يكرم بي سمكة. إ هـ.
***
وجاء بدوي إلى الشيخ: سالم بن حمد البراشدي، وعنده أخته.
فقال للشيخ: أريد أن تزوجني بأختي.
قال الشيخ: هذا لا يجوز.
قال البدوي: تظنه لا يجوز.
قال: أنا على يقين.
فخرجا عنه، ورجعا إليه بعد ساعة، يقول البدوي: أيها الشيخ " جربناه فجاز " وأنت تقول: لا يجوز.
قال: كيف جربته؟
قال: دخلنا في ذلك البيت، فأدخلت متاعي فيها، فدخل.
فقبض عليهما الشيخ، وأرسلهما إلى الإمام، والبدوي يعني بلا يجوز أنه لا يدخل، كما هو العرف معهم.
***
كان رجل يصلي بالناس التراويح: وكان يدعو لنفسه:
اللهم إرحمني، اللهم عافني، اللهم أعطني. (1/360)
صفحة 361
فقام واحد من المأمومين، ورفع ثوبه على رأس الإمام.
فقال الإمام: ما هذا؟
قال: أحوي عنك ما ينزل الله إليك؛ لأنك لم تشركنا في الدعاء. أ. هـ.
***
وكان رجل عليه لحية كبيرة: متشعثة، فجاءه رجل حالق لحيته.
فقال: هل الأحسن أنت بلحيتك هذه النكرا، أم هو بلا لحية؟
فقال: كلنا محقون.
قال: كيف؟
قال: أنت شابهت أمك، وأنا شابهت أبي. أ هـ.
***
وكان وال في قريات: شديد العسف والجور، طالت أيامه، فمات، فلما حضروا ليقبروه – وقد اجتمع ناس كثير – قام واحد، فرفع عقيرته وسط أولئك القوم يقول:
(من شاء أن يموت، فلا يترك هذا اليوم، لأن منكراً ونكيراً مشغولان بهذا الوالي).
***
وكان خادم للحبوس يلقب (ولد النار): وكان يحب الخيل حباً شديدا، فكان ذات يوم حضر لصلاة المغرب وكان في المسجد الشيخ: محمد بن عيسى الحارثي، فصلى إمام المسجد المغرب، وقرأ بعد الحمد (ألهاكم التكاثر).
ثم قام الشيخ محمد يصلي العشاء فقرأ (والعاديات (1/361)
صفحة 362
ضبحاً " فصاح " ولد النار " بطول صوته:
إسمع ولد راعي الفرظ كيف قرأ " من تيه " يعني الإمام الأول، وأنثه.
***
وكذلك خادم يخص الحجريين يحب الخيل: فأشترى إبنه فرساً عجوزاً هزيلة.
فقال له أبوه: يا ولدي. ما تريد بهذه الفرس العجوز الهزيلة؟
قال: يا أبت. إن ماتت في ميزان الحسنة، وإن عاشت وا حوفهم.
فصاح أبوه بأعلى صوته: " وا حوفهم وا حوفهم " يعني: ويل لأهل الخيل منه.
***
ومن حبه للخيل: زار " سعيد بن محمد الحارثي " (بدية).
وكان الوقت شتاء، فما وجد لفرسه مكاناً يكنها فيه عن البرد.
فقال له هذا الخادم: أنا عندي مكان، ولم يكن عنده إلا حجرة واحدة، تنام فيها زوجه وكانت نفساء، فأخرجها إلى بيوت الجيران، وأدخل الفرس في الحجرة حتى الصباح.
وكان يقول للوالد عبدالله بن حميد: وقد رآه راكباً حماراً، لا أسلم عليك؛ لأني أبغضك حين لم تركب فرساً. أ هـ.
*** (1/362)
صفحة 363
وزار الإمام الخليلي في نزوى: ولما هم بالرجوع، وهو يشد على الفرس تحت القلعة، يقول لها: ما أبعدك من نزوى، وأقربك من " شنتف " و: شنتف: إبنته.
***
وكذلك خادم للحرث يحب الخيل، فجاء يوماً إلى الوالد: عبدالله بن حميد الحارثي:
يقول له: أرسلني عيسى إلى إبراء. فأعطني حصانك أذهب عليه.
فقال له: خذ نصف قرش، واستأجرْ حماراً من البلوش، فغضب، وبعد أيام مر عليه وهو على ظهر فرس.
وناداه: هل لك حاجة في: وادي نام؟
" يريه أنه غير محتاج إلى حصانه، ويذكره بالقصة الأولى ".
فقال له: لي حاجة، خذ هذا القرش، فأت لنا بدجاج من هناك "، وكان ذكر الدجاج عيباً كبيراً، فضلاً عن شرائها وقبضها باليد، فما نبس بكلمة.
***
وجاء رجل حجري: إلى الشيخ عبدالله بن غابش في وقت القائلة، فأزعجهُ بشدة طلبه لخروجه.
فلما خرج، قال: نظمت قصيدة، وأخاف أن يذهب عني مطلعها، فأت بقرطاسة وقلم، فأكتبها عني.
وقال له: كيف المطلع؟
فقال: (1/363)
صفحة 364
بنو عيسى بنزوى قد أحاطوا:: كسيل قد تحدر بإنحطاط
فقال الشيخ " حي همطلع .. حي همطلع " ودخل وسد الباب. أ هـ.
***
وكانت " دبي " في الزمان الأول: من أراد أن يقضي حاجة الخلاء، يذهب إلى الساحل - الرجال والنساء - وكان رجل حبسي بدت له حاجة، فقعد ليقضيها، وعليه بشت فاض من خلفه على الأرض.
فجاءت امرأة وقعدت دُوَيْنَ الرجل، ولم تره لشدة الظلام، ففرغت ما في بطنها، فسال أكثره على البشت، ولما فرغت.
قالت " هاقد استرحت ".
فقال الحبسي: " إسترحت أنت، وشقيت أنا ".
فخجلت المرأة، وهربت، وبقي هو مبتلياً ببشته. أ هـ.
***
وكان رجل حبسي يتحدث عند السلطان فيصل:
" فضرط " فبدل أن يستحي، إلتفت إلى مقعدته، وقال لها: تحدثي، نحن ليس علينا حاجة، فضحك الحاضرون والسلطان.
***
وآذت قبطان السفينة لحيته: ولم يجد من يحلقها له.
فقال لمن في السفينة: من يتجمل فيحلقها؟
قال الحبسي: أنا ولي الشرف أحلقها، " شغر " يعني من تحت إلى فوق. (1/364)
صفحة 365
فيقال: هناوي حلق لحية غافري. أ هـ.
***
وأصابهم طوفان:
وكان من عادتهم، إذا أصابهم طوفان يرمون بعض الأمتعة في البحر، ليخفف ثقل السفينة، فلما قاموا برمون الأمتعة، رمى الحبسي " برشبة النوخذة " فلما جاء ليستريح إليها بعد الإرهاق لم يجدها.
قال الحبسي: رميناها.
فغضب النوخذة وقال: لم تجد ما ترمي غير الرشبة وهي غير ثقيلة.
قال الحبسي: نرمي أمتعتنا الغالية، وتبقى رشبتك الرخيصة. أ هـ.
***
وكان رجل يحمق: وله أخ أكبر منه يدبر أموره، ويرسله في بعض الأحيان، وكانا يسكنان مضيرب، فأرسله يوماً إلى سوق " إبرا " إلى صاحب له ليبيع له جراب تمر، شد الجراب فوق الحمار، وأركبه خلفه، وقال له: قل لصاحبنا: يبيع هذا الجراب، ويعطيك ثمنه.
فسار الحمار، ولما خرج من البلد، وجد مرعى، فأخذ يرعى، ويتردد من مكان إلى مكان حتى رجع إلى البلد، وشرب من الفلج ورجع إلى بيت صاحبه.
فخرج أخوه، فوجد الحمار على الباب، وأخاه على ظهره مع الجراب كما وضعهم في أول الصباح. (1/365)
صفحة 366
فلما رآه، قال له: السلام عليكم، يقول لك أخي: بع هذا الجراب.
فأنتهره الأخ: وقال: أين أنت؟
قال له: ألست أنت الدلال الذي أرسلني إليه أخي.
فقال الأخ: إنا لله وإنا إليه راجعون. أ هـ.
***
وأرسله يوماً إلى سوق إبراء: ببقرة إلى صاحبه ليبيعها.
وقال له: إن وصل ثمنها ثلاثين قرشاً يبيعها، أما أقل فلا.
فوصل إلى نصف الطريق، وقال في نفسه: ما قال لي أخي: إن وصل ثمنها أكثر من ثلاثين، نبيعها أم لا؟
فربط البقرة في سمره، ورجع إليه أخيه، وقال له بما حدثته به نفسه.
فقام أخوه، وذهب إلى البقرة فردها من حيث ربطت.
قلت: وتشبه هذه القصة ما يوجد في كتاب " المستطرف ": أن رجلاً أرسل إبنه ليشتري له حبلاً للبئر طوله كذا. كذا، فوصل إلى جانب من الطريق، ورجع إليه، وقال:
يا أبت: أخبرتني عن طول الحبل، ولم تخبرني عن عرضه كم؟
قال أبوه: عرض مصيبتي فيك.
*** (1/366)
صفحة 367
وقال يوماً هذا الأحمق لأمه: أريد أن أتزوج، وأنت ليس عندك الآن زوج وما يجمل بنا أن نأتي بامرأة من جانب، وأنت في البيت، فالأحسن أن أتزوجك أنت، ولا نتكلف مئونة أكثر.
فقالت: خبت يا أحمق، موتك خير من حياتك.
***
وأرسله أخوه يوماً: ببطيخ ليبيعه في سوق إبرا، فسقط عليه في الطريق، فربط الحمار ورجع إليه أخيه.
وقال له: سقط ثوج البطيخ، فتعال معي نرفعه.
قال له: يا خسف، البطيخ يرفع واحدة واحدة لا يحتاج إلى مساعدة.
قال: أنا ظننته مثل الجراب يحتاج إلى إثنين. أ هـ.
***
وكان محمد بن سالم بن عمير: رقاداً، وكان ذات يوم نائماً في المسجد فأيقظوه ليذهب إلى بيته، وكان في الطريق سدر تحته شوك كثيف، فلما وصل تحت السدر، سجد يظن أنه يصلي، فشاكه الشوك في ركبتيه ووجهه، فصاح يا اْلله.
***
وذات ليلة جاء من إبراء: إلى بيته في المضيرب، فربط فرسه تحت المسجد ودخل يغتسل في الفلج، فنام في الفلج حتى أصبح، وللفلج خرير من تحته.
وفي أثناء ذلك جاء المؤذن ليتوضأ لصلاة الصبح فسمع خرير (1/367)
صفحة 368
الفلج، ورأى الرجل فظنه ولده مقتولاً، فصاح بأعلى صوته، فأنتبه محمد، فشتمه المؤذن يقول: أدخلت علينا الرعب. أ هـ.
***
ونام عبدالله بن سلوم: في بيت مهجور ثلاثة أيام بلياليها لم ينتبه، وأهله وجماعته منتشرون يفتشون عنه، لا يدرون ماذا صار عليه حتى رجع إليهم بعد ثلاث.
***
وكان الشيخ صالح بن علي: يرسل إلى القبائل في الخطابات إبن عمه حمود بن حميد؛ لأنه كان مفوها.
وأرسله إلى الحجريين في أمر يعارض بعضهم فيه.
وكان ضده مسلم بن عبيد الحجري.
وفي مرة ألتقيا على باب مجلس، فقال مسلم " إن ثار فوجها واحد ياها واحد " فوجها يعني فوقا، وياها جاءها ..
فقال حمود: " لكن الأول على نكاح والثاني على سفاح ". أ هـ.
***
ويحكى أن حاكماً على بلد متسلط عليها: لا يبالي بأخذ البريء، بذنب المجرم، وقد سلط " صواراً " لقبض الحيوانات المطلقة، فإذا جاء له بشيء منها غرم صاحبها وعذبه.
وذات يوم جاء الصوار إلى أرض عليها سور، فرأى حمارة مطلوقة فيها، فدخل ليقبضها، فقال له صاحبها: أتعرف الحمارة لمن؟
قال: نعم. لك.
قال: وتعرف الأرض لمن؟ (1/368)
صفحة 369
قال: لك.
قال: هل أمرت أن تقبض حمارتي من أرضي؟
قال: أقبضها ولا أبالي.
وقد عرف الرجل أنه لا بد له من الأدب من هذا الجبار، فقال: الأفضل أن يؤدبني على ذنب، فأخذ عصى وأطلقها على الصوار حتى أوهنه، وجعل دمه يسيل من عقبيه، فترك الحمارة ورجع إلى أميره يشتكي إليه، ويخبره بما وقع.
قال له الحاكم: ما حل بك فهو جزاؤك، أتنسب إلي ما لا آمرك به؟
أ هـ ...
***
وكان علي بن صالح الحارثي: وسعيد بن حميد الحجري صديقين.
وكان سعيد كثيراً ما يزور علياً ويطلبه للزيارة ويعاتبه على عدم مبادلته بها.
فأتفق ذات يوم أن ضلت ناقة لعلي تبعها من أول الصباح إلى أن وجبت عليه الظهر في " الواصل ".
وكان به عطش وجوع شديدان، فحدثته نفسه بالدخول مع صديقه، وكان يسكن الواصل.
فلما لقيه قال سعيد لعلي: جيت وقد فات الغداء، فأقعد إنتظرني حتى أصلي.
فلما جاء بعد الصلاة، جاء بدلة قهوة، وقال له: إشرب من هذه القهوة لا مزيد عليها. (كويتيه).
ثم قال له: قم فأنظر ما جمعناه من التمر، وألمسه بإصبعك. (1/369)
صفحة 370
قال علي: فلمستها وأنا في شدة الجوع، ولم تسمح له نفسه بأن يعطيني من ذلك التمر ولو قليلاً.
وكانت جرة من تلك الجرار: كمنت فيها عقرب، فوضعت إصبعي فيها.
فلسعتني، قال: هذه جرة لأمي.
قلت: ما قصرت جرة أمك.
فأكتفيت بتلك اللسعة عن الأكل والشرب ورحت عنه بخفي حنين.
***
وجاء سعيد هذا مرة إلى مضيرب: يقول: إن لي حاجة كبيرة. كبيرة. ماسة لا يكفيني غيري إياها.
فسئل ما هي الحاجة؟
فقال: خيوط لمفاتيح.
***
وكان لا يخلو من حكمة: يحدث عنه الوالد سليمان بن حميد يقول:
وجدني سعيد هذا وقد أخذت فرساً طاعنة في السن، فقال لي: " عليك بالصغير إن كنت غريراً ".
وقال لي: أحذرك من معاملة الحجريين، فإن الحجري حجارة - إن سقط عليك هشمك، وإن سقطت عليه هشمك ".
***
وجاء ولد غريب عند الحبوس: وكان يشبه واحداً منهم، لا يشك من يراه أنه ولده، فأومأ الحاضرون إلى الرجل أن (1/370)
صفحة 371
يسأل الولد عن وجه الشبه الذي بينهما، وألحوا عليه في ذلك.
فقال للولد: أكنتم تحضرون هنا أيام القيظ؟
قال: إن أمي امرأة فاضلة، ولكن أبي كان يحضر هنا.
فقال الحبسي لأصحابه: إسترحتم وسبهم.
***
وكانت نخلة الرطيبي: تجود كثيراً في السباخ من سفالة إبراء، فأشترى الحبسي صرمة من هذه النخلة.
وقال لواحد من أهل السباخ: إصحبني إلى المضيبي حين أفسل هذه الصرمة.
تكلم أنت أعلى منها، حتى تحسب أنها مغروسة في السباخ.
***
وكان عند محسين بن سعيد: حمار عاهر، إذا إنطلق يحتاج إلى أمة من الناس تقبض عليه.
فأنطلق ذات يوم، فتسلطت عليه أتان " صارف " فعلاها وعلاها وعلاها قدر عشرين مرة، ثم هرب عنها، فدخل خربة وركز رأسه في الحائط، فلحقته وقامت تعلوه وهو لا يتحرك، حتى أتاه صبي صغير فأنقذه منها، وإنقاد لهذا الصبي بعدما كان يحتاج إلى أشداء من الرجال، فضرب به المثل، فقالوا: " مثل حمار محيسن ".
***
يحكى أن رجلاً إفتقر، وصار لا يجد عشاء: فقال لزوجته: نخرج من هذا البلد إلى بلد لا يعرفنا فيها أحد. (1/371)
صفحة 372
فخرجا، ودخلا بلداً بعيداً عن بلدهما، وعند وصولهما وهما يترددان ليجدا محلاً ينزلان فيه، ساقهما الطريق إلى قرب منزل حاكم ذلك البلد، فرأيا ولداً للحاكم خرج من المنزل، وسقطت منه درة ثمينة إبتلعها ديك كان خلفه.
فأضطرب أهله، يلتمسون تلك الدرة، ومن يحسب لها.
فقال هذا الغريب: أنا عندي علم في الحساب.
فطلبه الحاكم، وطلب منه أن يحسب لتلك الدرة.
فأستمهله يومين، فأعطاه مأوى يأوي إليه حتى يتمكن من الحساب - فكان أول فتح له -.
وبعد إنقضاء المهلة، قال للحاكم: أرى أن هذه الدرة في حوصلة طائر أهلي، فهل معكم طيور أهلية؟
قال: نعم.
فحشرت له.
قال: أرى في الحساب أنها في حوصلة هذا الديك فذبح في الفور، وظفروا بالدرة، فأكرمه الحاكم إكراماً زائداً وقربه إليه.
فقال لزوجته: هذه ورطة، نخاف أن نقع في مثلها، فنفتضح وبينما يدبران رأيا للهرب: إذا بخزينة الحاكم تصبح مسروقة فدعى بالحاسب، وطلب منه أن يحسب من سرق الخزينة.
قال الحاسب لزوجته: هذا ما كنا نتوقعه، وأرى من الرأي أن نهرب في الليل فإذا رأيت: بنات نعش: تكامل طلوعها، فأخبريني: فهو وقت هادئ مناسب لخروجنا.
ولما كان الحظ حليفهما: جاء اللصوص؛ يتحسسون عند بيته خوفاً منه أن يكون عرفهم. (1/372)
صفحة 373
فصادف وصول واحد منهم، عند طلوع أول نجم من بنات نعش.
فقالت المرأة لزوجها: طلع الأول منهم: تعني النجم: واعتقد اللصوص أنهم المعنيون، فدقوا عليهم الباب، فخرج إليهم، فقالوا: نحن وصلناك مستجيرين بك أن لا تفضحنا ونرد المال.
فأنتهز الفرصة، وحقق لهم ظنهم، وهددهم وقال: لو لم تجيئوا لكنتم في داهية:
ردوا المال، وعليّ أن لا أفضحكم.
فردوا المال كله، وأصبح يسلمه إلى الحاكم بكل هدوء.
فسأله عن اللصوص. قال: مالك رد إليك، وليس لك على اللصوص سبيل، إلا أن عادوا.
فأزداد به إعجابا، وله إكراماً.
***
فقال الحاسب لزوجته: " ما كل مرة تسلم الجرة ".
فأرى أن أتخذ حيلة نخرج بها من هذا البلد، وليس أنفع لنا من إظهار الجنون الذي به تختل الذاكرة، فيحصل العذر.
فنزل يغتسل.
ثم خرج عارياً وعورته بادية يركض في الطريق حتى دخل بيت الحاكم بلا إستئذان، فدخل غرفته وهو نائم مع زوجته على سرير فيه سلسلة يُجُّر بها، فجرها إلى خارج الغرفة، وهما باهتان: فما أن خرجا إلا وسقط سقف الغرفة خلفهما.
فقالا للحاسب ما هذا؟ (1/373)
صفحة 374
فأنتهز الفرصة وقال أيها الحاكم: جاءني في الحساب أن السقف يسقط هذه الساعة، فما تمالكت أن ألبس ثيابي خوفاً على حياتكما، فهذا الواقع.
فشاطره نصف ما يملك؛ لأنه أنقذ حياته.
قلت: وهكذا الحظ إذا أقبل، كما دعت الأعرابية لإبنها فقالت: اللهم ارزق إبني حظاً تخدمه به ذو العقول، ولا ترزقه عقلاً يخدم به ذوي الحظوظ ". ... ***
كما يحكى أيضاً: أن الحظ تمثل لحمار في البرية، وكان الحمار هزيلاً، فيه دبر كثير، فقال له الحظ: هل تريد أن أدخل فيك؟
قال: نعم، وتنقذني من هذا التعب.
فدخل فيه، فإذا بثلاثة من اليهود خرجوا متنزهين، ووجدوا هذا الحمار.
فقالوا: هذا " حمار عزير " كيف ترك يتعذب؟
فأخذوه، وخصصوا له مكاناً، وغسلوه، وأحضروا له العلف والماء، وبالغوا في إكرامه، حتى سمن واستراح.
فجاءه الحظ فقال: كيف أنت؟
قال: أنا في نعمة ليس عليها من مزيد.
قال له: هل إستكفيت مني؟
قال: نعم.
قال: إذن أخرج عنك. (1/374)
صفحة 375
فلما خرج: إذا بحاخام اليهود يدخل على أصحاب الحمار فيخبرونه.
فقال لهم: هذا كفر.
كيف تأخذون حماراً من البرية فتنسبونه إلى العزير؟ هذا لا يصح، فأطردوا الحمار وتوبوا إلى الله.
فألقوه من مكان عالٍ، فتكسر، فمر عليه الحظ فقال:
كيف رأيت؟
قال: أدخل في مرة أخرى.
قال: لا أنفعك.
فعاش ذلك الحمار في شقاء حتى مات.
***
ونام أناس: في مكان، فأحتلم أحدهم، وقبض على ذكره أن يخرج المني في إزاره، وقام ليفرغه في الخلاء، فأصطدم بأحد أصحابه، وانفلتت يده، فصب كل ما قبض عليه في وجه صاحبه، وثيابه، فأنتبه بهذا الوابل يصب عليه. ***
كان رجل: يسمى مرزوقاً، إشترى جحش، وهو يسكن المضيرب فكان كل يوم يذهب إلى القابل، يشتري للجحش طعاماً.
فقيل له: لأي شيء تذهب القابل كل يوم؟
قال: لأشتري طعاماً للجحش.
قيل له: ولأي شيء الجحش؟
قال: لآتي عليه الطعام. (1/375)
صفحة 376
أذكى من سمعت عنه
يضرب مثل: ويقال:
أدل من ولد العنص
وسبب هذا المثل أنه: أغار جال من الجحاحيف عندهم واحد منهم يقال له: ولد العنص، أعمى.
فلما كانوا في أثناء الطريق في البرية، سقطت على ولد العنص سكين، فأراد أصحابه أن ينزلوا إليها.
فقال: إنا مدركون ولما رجعوا بعد مدة، ووصل إلى ذلك المكان، قبض على ناقته، وقال لأصحابه: إنزلوا للسكين تجدوها بين يدي الناقة، أو بين رجليها.
فنزلوا فوجدوها.
فضرب به المثل في الدلالة.
ومثله أيضاً:
رجل عنده أغنام: ولد له في ليلة خمسماية بهيمة.
فلما جاءت الليلة الثانية، وأراد أن يدخلها في الزرب عن الوحوش، صارت زوجته تناوله إياها، الواحدة والثنتين والثلاث، وهو يعدها.
فقالت الزوجة: كملت.
قال: بل بقيت واحدة، وهي بنت فلانة، فألتمستها، فوجدتها منضوية تحت شكرة " فكيف هذا الذكاء لو كان في طلب العلم "؟!
وفي صبيحة تلك الليلة التي ولد فيها البهم، أصبحت أمهاتها ترعى، ولما رجعت في المساء: كل بهمة قصدت أمها، وكل أم وقفت لإبنها من دون أن يريا بعضهما البعض (1/376)
صفحة 377
قبل ذلك.
فسبحان من ألهم كل شيء مصلحته.
أصبر من رأيت
كنت في القاهرة: وكنت أسير في سكة الحديد، فلقيت رجلاً يقود خمس بقرات، كل بقرة معها بنتها، فكانت عشراً يجمعها حبل واحد، وتلك البنات يلتفتن يرضعن من أمهاتهن.
والأمهات يتوقفن لأجلهن، وكلما جر واحدة من تحت أمها، دخلت الثانية، فيجرها، والثالثة والرابعة والخامسة، وكلما جر واحدة وسار إلى الأخرى، رجعت الأولى وهكذا.
فبقيت أنظر إليه حوالي نصف ساعة، وفي هذا النصف ساعة لم يقطع مسافة خمسين متراً، وما سمعت ذلك الرجل تفوه بكلمة تدل على ضجر، ولا غضب على تلك البقرات أو ضربها أو إنتهارها، اللهم إلا أنه قال: هذه حالة تجنن:
فتعجبت لصبر ذلك الإنسان. فقلت: هذا أصبر من رأيت ..
ولما كان الشيخ الأغبري: والياً على وادي بني خالد، جاءه رجل يشتكي من أخيه أنه سرق عليه جراب تمر.
وكان المسروق غنياً بخيلاً، والسارق فقيراً كريماً، فأنكر السرقة.
فقال الشيخ للمسروق: هذا أخوك سرق هذا الجراب ليكرم به الناس، وأنت ليس فيك منفعة لأحد.
فأنتصر السارق وقال: صدق الشيخ، أنا أكرمت به الناس، وأعترف، فأمر الشيخ بإلزامه. (1/377)
صفحة 378
أسوأ حالة رأيتها
في بومبي وأنا مار في الطريق رأيت رجلاً مقعداً على حائط حديقة وعليه ثياب متمزقة يتصدق عليه المارون في الطريق بالأكل وليس له مخزن إلا بطنه يأكل كل ما يتناوله وما يخرج من بطنه أكوام خلفه منه اليابس ومنه ما له ثلاثة أيام ومنه ما له يومان وكلما خرج من بطنه كومة زحف عنها وهكذا وكانت الأكوام خلفه قدر خمسة أمتار.
كان رجل فقيراً: عنده زوجة ليس لهما عمل إلا جلب الحطب، والإقتيات منه، فكانا كل مساء يذهبان فيبيتان في السيح، وفي الصباح يحتطبان ويبيعناه وهكذا دواليك.
وفي ذات ليلة وهما نائمان: رأى الرجل في النوم كأن حصاة كبيرة يخرج منها ماء من جميع جهاتها، فمن مكان تخرج عين تجري، ومن مكان قطرة آخر وشل.
ومن مكان قطرات متوالية، ومن مكان قطرة بعد قطرة.
فسأل: ما هذه الحصاة؟
قيل له: هذه أرزاق بني آدم، بعضها كثير، وبعضها قليل، وبعضها تقتير.
فقال: وأين رزقي أنا؟
قالوا له: هذا المقتر ..
قال: أوسعه بإصبعي، فضربه ضربة قوية ليوسعه، (1/378)
صفحة 379
فأيقظه صراخ زوجته، وعينها تسيل.
فقال: ما بك؟
قالت: أنت ضربتني في عيني ففقأتها.
قال: وسعت رزقي توسيعاً كافياً:
كنت تساعدينني على الحطب، والآن تعطلنا جميعاً.
***
وكان رجل: كثير الأسفار، لا يكاد يستقر في بيته.
فجاء مرة من سفره قبيل الغروب، فلما دخل بيته.
قالت له زوجه: نزيد لك في العشاء، أو أنت على سفر.
***
قصة راعي الحرف
لقي رجل سفيه: رجلاً حليماً فنخسه، فأعطاه حرف ذهب، وقال: ستأتيك من غيري.
ففرح هذا السفيه، وأراد حرفاً غيره، فلقي رجلاً آخر فنخسه، فهشم أنفه، فقالوا: إن الذي أعطاه الحرف هو الذي هشم أنفه.
ومثل هذه القصة: ما وقع للأحنف بن قيس حين سبه سفيه.
فسأله: لماذا تسبني؟
قال: إرتهنت بكذا، لأن أسب سيد تميم.
فقال: لكني لست سيدهم، إنما سيدهم فلان.
فذهب هذا إليه: فلما سبه أمر بضربه أو قتله " الله أعلم " بصحيح الرواية: فقالوا: قتله الأحنف. (1/379)
صفحة 380
مات ميت في بهلاء: فخرجوا به إلى المقبرة قبيل الغروب، فأدركهم المطر، فأدخلوا الجنازة في مسجد مهجور خارج البلد، ورجعوا إلى بيوتهم، حتى يخف المطر.
وصدفة: جاء رجل من بلاد سيت: فأدركه المطر، ودخل في ذلك المسجد، ولم ير الجنازة، والظلام خيم على الأفق.
فبينما هو كذلك، إذا بأهل الجنازة تراجعوا ليحملوه إلى قبره، فقعدوا في الصرح ينتظرون الباقي منهم، فأحس بهم هذا الغريب وظن أنهم جاؤا ليسحروه، لأن أهل بهلاء مشهورون أنهم سحره، فبقي في وجل عظيم.
فلما إجتمع القوم قاموا ليدخلوا إلى الجنازة، فصرخ هذا الغريب داخل المسجد، وكسر الدريشة، وخرج منها هارباً إلى بلاده يعلن فيهم: أن أهل بهلاء هموا أن يسحروه.
وهرب أهل الجنازة، وقالوا: حيي الميت: ورجعوا إلى البلد يقولون: إن الميت يصرخ، حتى تحقق أمره في الصباح.
رجل توفيت زوجه: وتركت إبناً، فصار أبوه يرعاه في جميع أوقاته لا يفارقه، وسماه: الحليو.
وتعب الوالد: يشتغل ويطبخ فقال الولد: تزوج، تحمل بعض التعب عنك.
قال: أود ذلك، ولكني أخاف أن تؤذيك.
قال: لا تؤذيني.
فتزوج، وبعد الليلة الأولى.
قالت الزوجة للأب: هذا الولد لا يمكن أن يبيت معنا، فإما أنا عندك، أو هو؟ (1/380)
صفحة 381
قال: ولدي صغير، ولم يفارقني منذ ولد، فأين أتركه؟
قالت: ألقه في السطح.
ولم يجد بداً، فألقاه، فصاح الولد وتضرع إلى أبيه: يا أبت .. يا أبت.
وأخيراً: قال: يا أبت: أنا الحليو.
فأجابه: يا حليو: أجد أحلى منك.
***
قبض رجل حجري: على فأرة، فقطع ضروسها، وأطلقها وقال: في قتله راحة له، ولا أحب أن أريحه.
وغيره: أكل سنور لحمته في بدية، وبعد مدة جاء إلى مسقط فوجد سنوراً فقتله، فقيل له: لم قتلته؟
قال: أكل لحمي.
قيل له: أكلها سنور في بدية، وأنت الآن في مسقط.
قال: لا نفخذ في السنانير: معناه: أن الرجال يفخذ فيهم، ولا يؤخذ رجل بجريرة رجل.
***
مر رجل في الطريق ليلا: وأمامه امرأتان تمشيان تتحدثان عن زوجيهما ولم تعلما أن أحداً يسمعهما.
فقالت واحدة: إن زوجها طيب الأخلاق، حسن الرعاية، لين الجانب، إلا أنه إذا جاء لتلك الحاجة لا يقضي لها وطراً.
فقالت الثانية: إن زوجها فظ غليظ جاف، إلا أنه إذا جاء لتلك الحاجة، الله يبارك عليه. (1/381)
صفحة 382
فقال الرجل من خلفهما: الله يبارك، فأستحيتا.
***
تزوج رجل امرأة: فسر بها كثيراً، وكان موسم الحج على الأبواب، فمن شدة سروره بها حدثته نفسه أن ينتهز بركة الأراضي المقدسة فتركها، ولم يمسها، وعزم بها على الحج.
فلما كانت ليلة عرفة، وهما محرمان، إفتضها تلك الليلة لأجل البركة.
وفي الصباح سمعا: أن الجماع في الإحرام يفسد الحج.
فسأل الرجل من أفتاه بفساد حجه.
وأن عليه الحج في قابل.
***
وقيل: أن رجلاً مثرياً، وقفت به وبأصحابه الباخرة في ميناء البصرة.
فقال لأحد أصحابه: يقال إن العنب في هذا البلد رخيص فأنزل فخذ لنا بربيتين.
فأتى الرجل من البلد، وعنده إثنان يحملان العنب.
فقال المشتري: قلت لك: خذ لنا بربيتين. فما هذا الأمر العظيم.
قال الرجل: لا تخف، هذا كله بربية واحدة.
***
لما كان الإمام عزان بن قيس: في حصن: المنترب: بدية. جاء رجل ليسلم عليه، ولم يعرفه، فتقدم إلى رجل ضخم، فسلم عليه بإسم الإمام. (1/382)
صفحة 383
فقيل له: ليس هو الإمام، ودل عليه، فرآه نحيفاً.
فقال له: سامحني سيدي الإمام " طحت في جراب اللقاط " (1).
فقال ذلك الرجل: " جراب اللقاط أبوك " فضحك الإمام والحاضرون ..
***
ومر رجل على الشيخ: علي بن أحمد الحبسي، وهو خارج لصلاة المغرب فقربه للعشاء، وقال لأهل بيته: قربوا له الأكل كله يأكل منه ما يشاء، وسنأكل نحن الباقي.
وكان الكل مصنوعاً لسبعة، ففعلوا فأكل الضيف ما قرب له كل من: أرز، وإدام، وتمر، وماء، وكبب الصحون، فلما جاء علي بعد الصلاة، قيل له في البيت: الآن نطبخ مرة أخرى؛ لأن الضيف لم يبق شيئاً.
وجاء الضيف ليودعه، وكان إسمه: ولد مدية: ومدية أمه.
فسأله: كم ولد عند مدية؟
فقال: ليس إلا هو.
فقال: الحمد لله، لو كان لها أكثر لأجحفتم بالناس.
***
وجاءه ضيف شايب: فقربه وأجلسه بجنبه، ولما جاءت القهوة، قال الشيخ: بدوا الشايب، وفي المرة الثانية كذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني باللقاط الفاسد من التمر يجعل في ظرف كبير لإطعام الحيوانات بخلاف التمر الطيب الذي يأكله الناس فإنه يوضع في ظرف أصغر. (1/383)
صفحة 384
ثم قال الشيخ علي لبعض أصحابه: آتوني بنار ومجز، أريد أسِمُ نفسي.
فلما جيء بالنار، وجيء بالمجز، قال: بدوا الشايب.
قال: لا أريد الوسم، فلأي شيء تحرقني؟
قال: من يتقدم في القهوة يتقدم في كل شيء
فأستغاث الرجل وحلف أن لا ينزل عليه مرة أخرى.
***
أخبرني الشيخ الرقيشي: قال: كنا ليلة من ليالي الشتاء، ونحن في مسجد من مساجد الجبل الأخضر، ولم تغمض أعيننا من قوة البرد.
وقبيل الفجر، مرة نسوة تحت المسجد، وهناك جابية جمد فيها الماء، فتأخرت منهن واحدة، وخلعت ثيابها، وأخذت حجارة كبيرة رمتها في الجابية حتى فكتها، ثم رمت نفسها، وأغتسلت.
ولما خرجت قالت: برد علي، برّد الله عليه: تدعو لزوجها شاكرة.
***
وجاء لصوص: إلى رجل وزوجته، ومعهما شاة، فقعد اللصوص يتشاورون، ماذا يصنعون؟
واتفقوا على أن يقتلوا الرجل، ويذبحوا الشاة، وينكحوا المرأة وهما يسمعان.
فقال الرجل لزوجته: تسمعين التآمر علينا، فما رأيك؟
قالت: نفوض أمرنا إلى الله. (1/384)
صفحة 385
قال لها: تفوضين: أنت تستفيدين، وأنا والشاة فكيف نصنع؟
***
لقي مسعود بن علي: صديق سليمان بن سنان، في بلد غير بلديهما.
فقال سليمان لمسعود: كأنك ما عرفتني.
قال: ما عرفتك.
قال: أنا صديقك: فلان بن فلان. قال: أعرفك جيداً، لكني ما ظننت أني ألقاك في هذا البلد.
***
قام رجل: يقرأ القرآن، ويتعتع، ويتردد، فتبرمت زوجه من تلك القراءة، وكان عندها شاة لا تفتأ من الثغاء.
فقامت المرأة وأخذت بعنق الشاة فجرتها إلى القرب من زوجها، وقالت لها: دارسيه فكلاكما سواء.
***
خادم للمساكرة: وضع رجل رمحه في رجله من دون أن يتعمد ذلك ولكن الخادم لم يتكلم، حتى ثقب رجله.
فقيل له: لِمَ لمْ تتكلم؟
قال: خفت أن يقال " خادم المساكرة ذل ".
***
وسافر أناس: في سفينة، فيها مائة حارثي، ومسكري واحد، ولشدة العداوة بينهما، قام المسكري إلى السفينة يخرقها. (1/385)
صفحة 386
فقيل له: ما هذا؟ وستموت.
قال: لا بأس: مائة حارثي بمسكري.
***
وكان خادم: في مضيرب يخدم قهوة، فما ثارت: لم يجد ما يردها له، فردها بكفه فأحترقت وأكل الجلد الذي إنفصل من كفه بسبب الإحتراق.
وهذا الخادم: كان يصب القهوة على الرجال، وفيهم الإمام: سالم بن راشد وكان يمزح كثيراً فقال: أنا خادم الزينات: فنظر إليه الإمام نظرة بال منها، حتى سال البول على أعقابه أمام الناس.
وكان هرما: ولكنه لم يتأخر عن زوجته.
فقيل له: أنت شايب، وفيك صفة الشباب.
قال: هذا لولب إن لم نحركه حلى.
***
سأل مرة: رجل رواحي: أين خيلتم المطر؟
قال: على المعاول، على الخوض، على علاية سمائل، على وادي بني رواحة، وكان بجنبه رجل سيابي، فقال السيابي: " بعيد الشر " إذا كان إمامكم هناوي فربكم هناوي؛ لأن الرواحي عدد بلدان الهناوية، ولم يذكر بلدان الغافرية، كنخل، وبلدان بني جابر، وبلدان السيابيين، وسفالة سمائل، وغيرها. (1/386)
صفحة 387
وجاء فاضل: رجل من المساكرة إلى حسين رجل ثري من الحرث، يقول له: أريد قرض مائتي قرش، لأرمم برج المساكرة المطل على السفالة. حتى إذا صار شيء بين المساكرة والحرث، يكون البرج صالحاً للإحتماء به.
قال حسين: إذاً هذه هي قصة الرجل الذي يقول للمرأة: أقرضيني قرشين أعطك إياها في مقابلة الإستمتاع بك.
***
كنا في آخر يوم: من أيام منى، وقد إرتحل جميع الحجاج من المخيم إلا مفتي البعثة الشيخ: سالم بن حمود، ومن معنا، فإذا برجل كلباني يهرول نحونا، ويلتفت إلى ورائه ويقول: هذا الشيطان كاد أن يهلكني، وما قدرت أن أرميه، فأريد أن تأمروا من يرميه عني.
لكني أقول: إن السلطان فعل كل جميل للعُمانيين، ويسر لهم كل عسير، لم لم يعمل لنا حجاً في بلادنا فنستريح من هذا الزحام.
إطلبوا لنا منه ذلك.
***
كان رجل: يقال عنه: إنه لا يستطيع إتيان النساء، وهو عنده زوجة من خير نساء زمانها تقوى وصبراً.
وفي ذات يوم سقط لحافها وهي عند زوجها في خلوة.
فردته بسرعة وقالت: " الله بالستر، سقط لحافي قدام محمد ". وكأنه لم ير منها شيئاً؛ ولذلك رأت سفورها أمامه بدعة طلبت الله منها الستر. (1/387)
صفحة 388
جاء رجل: عليه لحية طويلة شايبة، فقام الشباب يضحكون عليه، فأشتكى عند السيد شهاب بن فيصل في زمان محافظته على العاصمة.
فأرسل إلى الشباب فأنتهرهم، وتوعدهم إن عادوا مرة ثانية - وكان مهاباً - ولما خرجوا من عنده قال للشايب - لا ألومهم في الضحك عليك. حو عليك. أخرج، لا أراك.
***
ووجد شهاب: ذات يوم امرأة متزينة متعطرة تمشي في السوق فأمر بها فحلق رأسها وضربها.
وأمر زوجها أن يركض وراء سيارته من مطرح إلى مسقط.
وقال: هذه عقوبتك هذه المرة.
وإن خرجت زوجتك مرة أخرى سترى العقوبة الثانية.
واشتكت مرة عنده: امرأة من زوجها لا تريده.
فسألها: ما السبب؟ وما الذي قصر فيه؟
قال: لا شيء، لكني لا أريده، وأعزم له حقه.
قال لها: هات الغرامة.
فجاءت بها، فقال للزوج: خذ هذا المال فأستعن به على حوائجك، وخذها من يدها، فإن عصتك فأضربها وأبلغني، عنها أؤدبها لك. فما فاهت بكلمة بعدها.
ومنع أهل السيارات: إذا كانوا تحت بيته أن يزمروا. فكان يسمع بعض الأحيان تزميراً، فسأل من هذا؟ فقيل له: هذا فلان الإنجليزي. (1/388)
صفحة 389
وهذا الإنجليزي له مقام عند السلطان، فكان مغتراً بمقامه.
فقال شهاب: إذا رأيتموه قادماً فأخبروني.
فوقف: وأنزله من سيارته، وضربه خمس ضربات، وكانت عنده زوجته، فلما رأت زوجها يضرب، بالت.
فقال لها: وأنت الكلبة ما لقيت لبولك إلا هذا المكان.
وفي اليوم الثاني: أمر بهما فسفرا.
كان رجل يجبن: فإذا صار قتال هرب عنه واختبأ.
وذات مرة كان مختبئاً في مكان خرب، فإذا في المكان ثعبان، فصار من الثعبان أخوف من القتال.
فبينما هو كذلك إذا بسهم غرب جاء من موضع القتال إلى ذلك الثعبان فقتله، فأتعظ الرجل وخرج يقاتل مع قومه.
***
وكان رجل: سائراً في الليل والمطر نازل.
وكان لا يرى في الطريق إلا على ضوء البرق. فمر في طريقه على مقبرة، فسمع خرخشة في قبر.
فهم بالرجوع، ثم عيرته نفسه، فجاء إلى القبر، وقال: لا بد أن أعرف هذه الخرخشة، فخلع مصره من رأسه، ولواها على يده، وأدخلها في خشف في القبر، فقبض على شيء لا يعرفه، وأخرجه: فإذا هي نعجة حصلانة في ذلك الخشف.
***
وآخر بالعكس منه: عنده رمح يهدد به أعداءه. وذات ليلة سمع صوتاً أخافه، ظنه الملغوثة - وهي الكلب الكلب - فرماها (1/389)
صفحة 390
بالرمح من بعيد، وهرب. فإذا الذي رماه عجلة تجر رسنها.
فسمي راعي الرمح.
***
كان شاب: يطالب أباه أن يأخذ له زوجتين في ليلة، زاعما أن واحدة لا تكفيه.
فقال أبوه: جرب الآن واحدة، ثم إن لم تكفك، نزيدك الثانية في اليوم الثاني.
وقال الأب للعروس: إن زوجك يطلب أخرى، فإن لم تقنعيه زدناه.
فما قصرت العروس، قبضته سبعة أيام لم تكفه، كلما جاء ليخرج منعته، ولم يشتغلا بسوى ما هما بصدده.
وبعد السبعة الأيام قال لها: إنه وجب علي زيارة لأخوالي فأود أن أزورهم.
قالت له: أنا معك.
قال: لا يمكن ..
قالت: إذا لا تبرح.
فلما أعيته الحيلة، صحبته على مضض.
فجاء وقت الظهيرة إلى شجرة، إستراحا تحتها، وهنالك أغنام، والتيس لا يسكت، كل مرة على واحدة.
قال الرجل للتيس: لا عليك، ستزور أخوالك، كما زرتهم أنا.
قالت المرأة: أ لأجل هذا نزورهم؟
إذا أرجع فلن أطلب منك شيئاً. لكنك هل تريد زيادة امرأة؟
قال: لا ... عشرين مرة. (1/390)
صفحة 391
فلذلك صار المثل: فلان يزور أخواله: إذا كَلَّ من زوجته.
وكنا مرة: في المدينة المنورة، فوجدت هنالك امرأة من أهل صور، فزارت العائلة في البيت الذي نزلنا فيه.
ومن شدة ما فرحت به من الإجتماع بهم أرادت أن تتقرب إليهم فقالت: أنا كثير أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وأظن هؤلاء الثلاثة هناوية.
قلنا لها: بم عرفت ذلك؟
قالت لأن الهناوية خير من الغافرية، فلذلك ما رضيت أن أنسبهم إلى الغافرية.
وليس ذلك مستقراً في نفسها؛ إلا أنها أرادت التقرب منا؛ لأننا في عرفهم هناوية. فنصحتها عن ذلك بأن مثل هذا القول في مثل هؤلاء لا يجوز.
***
وكنا مرة: في مكة المكرمة، في سنة 1376 هـ، وكان آنذاك المسجد الحرام ملتصق بالسوق، فجئنا عن طريق: باب إبراهيم: نمر بين الدكاكين، فنادانا تاجر.
فقال لنا: لم تمرون علينا، ولا تسلمون؟
قلنا: نحن في السوق، فعلى من نسلم؟
قال: أما أنا، فسلموا علي، وأدخلوا عندي.
فأعجبتنا منه هذه اللفتة، وقلنا: غريب مثله يوجد هنا.
فدخلنا دكانه، وجلسنا عنده.
وكان الماء أعز شيء حول المسجد الحرام، وكنا في غاية من العطش فطلب هو ماء ليشرب، ففرحنا نحن، وقلنا: كأنه يعلم (1/391)
صفحة 392
أننا عطاشى، فجيء بالماء، فشرب، وترك الباقي تحت ركبته، ولم يلتفت إلينا، فأستغربنا من سوء خلقه.
ثم أخذ يحدثنا عن أولاده، وأين يعملون؟
وقال: إن لأحدهم ولداً يشبهني في كل شيء، حتى إذا ضرط يرفع رجله، فما عرفنا: أنضحك فيسبنا، أم ماذا؟
فخرجنا عنه، ولم نودعه، ولم نعد نأتي من تلك الطريق.
***
ووقفنا: على تاجر آخر، لنشتري منه بعض الأشياء.
فقلنا: لا تزد علينا في الثمن.
قال: إذا لم أستغلكم أنتم، فمن أستغل: مكياً مثلي؟
(أنتم الزرع والضرع).
***
وفي مكة أيضا: حلف رجل بطلاق زوجه: أن لا يفطر على ما مسته النار، ولا على ما لم تمسه.
وكان في عصر يوم من أيام رمضان، فقرب الفطور، وعيل صبره.
فسأل أهل العلم. قالوا: إن أفطرت: طلقت زوجك إلا واحداً من أهل العلم قال له: افطر عليها، أي على زوجك، فإنها ليس من النوع الذي حلفت عليه.
ووقف: اثنان فوق العقبة، بين مكة وملاوي.
فمرت عليهما بنت كاعب، فقالا لها: أمتزوجة أنت؟
قال: " أنتم في قلوبكم مرض ". (1/392)
صفحة 393
مر رجل: هو وزوجته في طريق، فأعترضهما رجل آخر يقود شاة.
فقال لزوج المرأة: اقبض هذه الشاة، وأخذ بيد المرأة إلى وراء شجرة، فقضى حاجته منها، ثم جاء إلى شاته فأخذها.
فقالت المرأة لزوجها: ما هذا الذي فعلته؟
كيف تركته يتصرف هذا التصرف، وأنت راضٍ.
قال لها: أسكتي " قرصت شاته حتى صاحت ".
وأخرى قالت لصويحباتها: تستطيع أن يقرب منها خليلها، وحليلها ينظر، ولا ينكر.
وقالت لزوجها: اطلع. اخرف لنا من هذه النخلة.
فلما طلع: قربت منها خليلها.
فرآه الزوج، فصاح عليها: من ذلك عندك؟
قالت: من ترى.
قال: ارى رجلاً.
قالت: لا يهمك، كل من كان فوق يرى من تحته اثنين.
فنزل، وتوارى الخليل.
فقالت المرأة: إن كنت لا تصدق، فأنا أطلع.
فطلعتْ، فلما كانت فوق النخلة، نادته: من عندك؟
أرى امرأة عندك.
قال الزوج: إذن ما تقولين حق: إن من كان " فوق " يرى من تحته اثنين.
فطلع مرة أخرى، وجاء الخليل، إلى المرأة، فقضى (1/393)
صفحة 394
حاجته منها، والرجل ينظر، ولا ينكر، معتمداً على المرأى: رآه، ورأته زوجته.
***
وكان رجل: من الغرب يأتي كل سنة يزور في عُمان، فإذا أراد الرحيل، وركب ناقته، أثر كلمة ينبز بها أهل عُمان.
وفي آخر زيارة له: لما ركب ضرطت ناقته، فقال: " في وجه من يواكل حرمته:.
فقال أحد الحاضرين: " في وجه من شافها ".
فيقال: أنه ما رجع بعدها، أو ما قال بعدها شيئاً.
***
وهذه بقية جاهلية مع العرب: خلافاً للسنة، إذ كانوا يعيبون على من يأكل عند زوجته، أو حتى يراها حين تأكل.
فرحم الله الصديقة بنت الصديق إذ تقول:
" كنت أشرب أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح فيجعل فاه على موضع فيّ، فيشرب وأنا حائض، وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيّ ".
يقول شارح المسند: رضوان الله عليه: هذا من غاية مخالفته لليهود بغضاً، ومن نهاية موافقته لها حباً، وفي إشارة إلى كمال تواضعه، وطيب نفسه صلى الله عليه وسلم.
*** (1/394)
صفحة 395
من أغرب الصدف
أن أناساً ركبوا البحر: ليصطادوا، فلما كانوا في مزاولة عملهم: إذا بسمكة صغيرة قفزت من البحر، فضربت واحداً منهم في رقبته، فذبحته كما تذبح الغنمة فمات من حينه.
وغيرهم كانوا يغوصون: لطلب اللؤلؤ في الخليج، وواحد منهم أحس بوعكة فتأخر عن أصحابه.
وفي الضحى قام يصنع طعاماً لأصحابه، حتى إذا جاؤا وجدوا الأكل جاهزاً:
فقطع السمك، ووضعه في النار، ودخل البحر ليغتسل، والسكين التي قطع بها السمك في يده ليغسلها.
فعندما دخل البحر إذا بسمكة عظيمة تستقبله فاغرة فاها، فدخل في جوفها منجرفاً كما يدخل الماء والسمك الصغير.
ولما أن أراد الله له الحياة، ألهمه أن يقطع أمعاءها بتلك السكين حتى ماتت.
وجاء أصحابه، فأفتقدوه، ووجدوا ثيابه والطعام الذي قام بتصليحه، فألتمسوه حتى أيسوا منه.
وبعد ثلاثة أيام، وكانوا على الساحل رأوا هذه السمكة العظيمة طافية تلعب بها الأمواج، فحاولوا القبض عليها وأخرجوها وأحضروا السكاكين لتقطيعها.
فقال واحد منهم: أترون هذه السمكة: صاحبكم في بطنها، لتظهر قدرة الله على أمره، فشقوها برفق وإذا بصاحبهم يخرج، وليس عليه جلد لحمة ترجرج لا تتحرك، ولكن فيه (1/395)
صفحة 396
نفس، فستروه، وحملوه إلى المستشفى.
وبعد أيام دبت الحياة فيه.
وبعد أشهر عاد إلى الحياة كما كان، وأخبر بكل ما جرى له.
وعاش بعدها سنين خرج من صلبه أولاد، أخبرني بذلك من رآه وحدثه.
وغيرهم كانوا راكبين في سفينة في الخليج ليلاً: فسقط واحد منهم في البحر، فنزل البحارة، وغاصوا ليخرجوه.
وبالفعل قبضوا على رجل، وأخرجوه ووضعوا عليه اللحف ليدفأ، والسفينة تجري.
وبعد وقت طويل تنبه.
فإذا هو غير صاحبهم، قالوا: سبحان الله ... من أنت؟
قال: أنا فلان، من المكان الفلاني، سقطت من السفينة الفلانية، فأخرجتموني، جزاكم الله خيراً، وكنت أظنكم أصحابي، فأنظروا إلى حكمة الله. سقط هذا، ليكون فداء لذاك.
كان رجل حبسي لا يصلي: فلما قيل له: لِمَ لمْ تصل؟
من لم يصل يدخل النار.
قال: كم للنار، لو لم يكن أحد غير أهل جعلان لكفاها: لم يعرف المسكين ذلك اليوم الصين والهند وغيرهما.
***
وكان رجل بلوشي: يسكن مضيرب، فأعتنق المذهب (1/396)
صفحة 397
الإباضي، فقال له جماعته: تركت مذهبك، الإباضية لا يدخلون الجنة.
فقال: إذاً محمد بن عبدالله الخليلي، وعيسى بن صالح الحارثي لا يدخلان الجنة؟
قالوا: لا.
قال: جنة لا يدخلها هذان، وتدخلونها أنتم، لا تغتسلون حتى من البول. أنا عاذر منها.
سأكون حيث يكون هذان وأمثالهما.
كان رجل حجري له حاجة عند الإمام: فكلما جاءه وجد عنده رجلاً عليه لحية طويلة، منشطرة شطرين، فعيل صبره.
فقال للإمام: أيها الإمام لنا فيك حاجة، وكلما جئناك وجدنا شابوص ها العجرب عندك:
" يعني العقرب وشابوصها: أرجلها:
وفي القاموس:
الشبص تداخل شوك الشجر.
وآخر حبسي: له حاجة كذلك: عند السلطان فيصل وكلما جاء وجد عنده رجلاً يصفر لحيته، فعيل صبره كذلك.
فقال: سيدنا لنا حاجة، وكلما جئنا عندك: وجدنا يبة ها الشوران محتوية عليك.
" الجبة وعاء يجنى فيه الشوران، والشوران: زهره طيب الرائحة، يستعمل للعطر ". (1/397)
صفحة 398
وفي القاموس: الشوران: العصفر.
وحكى بعض الإخوان، قال: مات رجل غني، وترك يتيماً، فنما مال هذا اليتيم حتى صار ملايين، وشب اليتيم واستحق ماله، ولكن خيف عليه إذا أخبر أن يصاب.
فقالوا: من يخبره بهدوء؟!.
فقال طبيب: أنا أقنعه بحكمتي.
وذهب إليه، فأطال الحديث عنده.
حتى إذا ما أنس به قال له: أرأيت إنْ بشّرتك بمال، يظهر لك ما تعطيني؟
قال اليتيم: أعطك النصف.
قال الطبيب وشهق: النصف!
وخرجت روحه من الفرح.
يتداول مثل فيقال: " طيحة من فحل، ولا طيحة من نشو ".
معناه: سقوط من ذكر النخل، ولا سقوط من هجين أنثاه:
وعلى هذا: فقد سقط رجل من نشو، فتكسّر، لكنه تحامل على نفسه فأجبرها، حتى رقد تحت فحل هنالك، لكي يقال: إنه سقط من الفحل لا من النشو.
ومثله ما يحكى عن: محمد بن ناصر الجبري: أنه جاء إلى وادي بني رواحة وقت المبيت، فسأل عن البلد التي أرادوا النزول بها. (1/398)
صفحة 399
فقيل له: تسمى: وبال.
فقال: لا تنزلوها.
ثم جاؤا إلى بلد أخرى تسمى: وصاد.
فأمر بالنزول، فقيل له: لم ذلك؟
فقال: لئلا يقال: بات وبال: الأفضل أن يقال: بات وصاد.
أخبرني الشيخ هاشم بن عيسى الطائي، قال: كان قاضياً في بركاء في زمن السلطان سعيد بن تيمور.
وكان الوالي فيها: سيء الخلُق كبير النفس.
يقول الشيخ هاشم:
وكان جباراً عنيداً، يضرب الناس ويقتلهم ويغرمهم بأدنى سبب.
وكان يضرب رجلاً يوماً، والرجل يستغيث بالمسلمين، فذهب لأغيثه.
فلما رآني الوالي: أشرف عليّ من السطح.
قال: ما تريد؟
قلت: أشفع لهذا المستغيث.
قال: كنت نويت أن أرفع عنه السوط، ولكني الآن أقتله لما جئت أنت.
فقتله.
قال: وكان ينكر البعث.
فسألني يوماً: أأنت ممن يقول بالبعث.
قلت: نعم وأومن به. (1/399)
صفحة 400
قال بلهجته البذيئة: " هذا رأيكن المطيوعيات: من مات صالحاً جعلت طينته في جحلة يترك فيها الماء، ومن مات فاجراً جعلت طينته في برمة يطبخ فيها.
قال الشيخ: فقلت: إن الصّرّوخ أقرب دليل على البعث، وهو أنه يموت في الشتاء ويُبعث في الصيف.
قال: إن كان حقاً: فجئني بصرّوخ.
قلت: لا أعرف أين هو.
قال: إذن لا أصدق.
قال الشيخ: سيحاسبك غيري.
{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}. ... (سورة التغابن)
وبعد ذلك: عزل الولاية، فضاق عليه الحال، فصار يبيع مدخراته:
ومن جملتها: كتاب اللباب. في ثلاثة أجزاء.
فنودي عليه في السوق.
فأستوجبه السيد: أحمد بن إبراهيم.
ولما علم رده، وأحرقه بالنار.
فأصبح في اليوم الثاني: يصيح:
أطفئوا مني النار.
أطفئوا مني النار.
وكأن جسده يشتعل ناراً.
ويهراق عليه الماء ولا يطفئها. (1/400)
صفحة 401
حتى وصل الماء البحر.
وأصبح في اليوم الثاني أعمى، ومات.
في اليوم الثالث أو الرابع.
***
وسمعت الشيخ الأغبري يقول:
إن رجلاً ظلمه رجل أموالاً، فأدى الحال إلى اليمين فحلف الظالم يميناً بالله عند القاضي أنه ليس عليه حق لغريمه. وقبل أن يفارق مجلسه إلتصقت يمينه بصدره ولم يقدر على نزعها فخوف بالله أن هذه عقوبة اليمين فأصر قائلاً أنه لا يخلف أولاده فقراء وإن غريمه أخذ حقه باليمين فما زالت يده تنخر صدره حتى خشفته فمات.
أجرأ من سمعت عنه
رجل من أعيان أهل عُمان كان كثير الجرأة على المعاصي فخوف النار فقال الأفضل إذا أتيت يوم القيامة أن يكون عن يميني سبعون وعن شمالي سبعون فيقال من هذا فيقول الملائكة هذا فلان بن فلان يقال إلى النار لا يؤتى أخطر مثل الحمامة إلى الجنة.
هذه جراءة أو جهل عميق ..... نعوذ بالله من الشقاء.
من النوادر
عاش رجل شهومي يسكن الهجر من الظاهرة.
أدركته إمامة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي 1024 هـ. (1/401)
صفحة 402
وأدركته إمامة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي 1338 هـ. ومات في الخمسينات.
ويقال: أنه لم يفقد شيئاً من عقله وبصره وسمعه. وأن لحيته تبيض وتسود، وتسود وتبيض مرتين أو ثلاثاً.
***
ورجل حبشي من أهل الرستاق، لا يشرب إلا في السنة مرة في عز الصيف. وقد ناف عمره على الثمانين.
وآخر خروصي، من أهل ضيان، لا يشرب أبداً، ولم يعهد عنه أنه شرب في عمره الذي ناف على السبعين سنة.
ويقال: أن أهله أرغموه مرة، وقبضوه، وسقوه بالقوة.
وبعدما إستقر الماء في بطنه قاءه.
فسبحان من له الخلق والأمر ...
بسم الله الرحمن الرحيم
إطلعت على شعر من هذا النوع للإخوة:
سيف بن سالم اللمكي.
وأحمد بن مالك المعولي.
فأحببت مجاراتهم في ذلك، فقلت:
إني أطلعت على نظم به سبق:: الإخوان في ذكر ألقاب الأولى شهروا
من القبائل حسب العرف بينهم::: لكنهم غفلوا بعضاً فما ذكروا
فقمت أقفوا خطاهم بالتطفل في:::ذكر الذين بقوا والله يغتفر (1/402)
صفحة 403
وليس هذا ببدع بل له سلف:: جاءت إلينا به الأخبار والسير
كما حكى ذاك جار في ممازحة:: بين إبن صخر وبين الأحنف الأثر
فما هو: الشيء قد لف البجاد به:: قال السخينة: رد حازم ذكر
بنو تميم: وقد لف البجاد لهم:: إير الحمار فما هانوا وما صغروا
سخينة لقريش المجد قاطبة:: لا يستهان بهم فالسادة الغرر
وهيبة العز والبأس الشديد لهم:: من الحمار يقال: (الحافر) الوعر
لآل حبس عموماً: (صخبر) فإذا:: قسمتهم فلكل منهم خبر
أولاد محرز لا يحزنكم لقب:: بـ (عومة) قيل فيكم فهو معتبر
إن الشروج إذا ما أخصبوا حزنوا:: لأن (شرجتهم) سالت وما شعروا
وللمحاريق (صخام) وأخوتهم:: رواشد (فرباب) قيل إن حضروا
أما الرجال بنو نعمان إن لهم:: (نعيمة) ألصقت فيهم فلا وزر
وآل بطاش الغر الكرام لهم:: (عرسية) فإذا نودوا بها ابتدروا
بنو وهيب وهم أهل الغنى فلهم:: ذاك (الخصين) لهدم الفقر يعتبر
للهاديين: (خشاش) في إصطلاحهم:: مع الجوار أولو بأس إذا ذعروا
هذي الجوابر من غير الحبوس لهم:: من الجوارح (نسر) كاسر أشر
وأذهب إلى (كندة) بحر العلوم فقل:: إن النبي يحب (القرع) فأفتخروا
لآل حجر: (حصيني) يسؤهم:: وعند رؤيته يعروهم ضجر
وللموالك ذياك (الحمار) أتى:: (والديك) للدوكة البدو الذين طروا
وإنْ ذهبت إلى جعلان مختبراً:: فابدأ بكاملها الهشم الألى بدروا
(سنورة حنّيت) في الحي يلعبها:: صبيانهم فهي في أيديهم وبر (1/403)
صفحة 404
قوم الشهيد إبن وهب راسب فلهم:: كرامة (الثفنات) البيض تزدهر
وإن تجاوزتهم مع آل بو حسن:: شم الأنوف فقل (فاروة) تفر
وبو علي أسود الغاب إن لهم:: شيئاً من (الصرب) لم يعلق به وضر
فر البرودة مع طيب الأرومة قد:: حاز الجنيبي ماضيهم وما غبروا
نظمت هذا وعَليّ ما اسأت إلى:: قبيلة قال فيها البدو والحضر
وإنما القصد من هذا النظام على:: هذا النظام مجاراة ومزدهر
*
*
وقائل النظم من أهل المضيرب مَن:: عناهم " العلص والجرجور والعفر "
والله يرحم من قال الصواب ومن:: عاب المعاب وخير الناس من غفروا
**
والحمد لله رب العالمين.
تم الكتاب طباعة على الحاسب والحمد الله يوم الجمعة الزهراء بتاريخ 7 من رمضان المبارك من عام 1433 من هجرة المصطفى الحبيب الأمين عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم والحمد لله حق حمده سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (1/404)