صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التاريخ
------------------------------------------
العنوان: اللمعة المضيئة في تاريخ الإباضية
المؤلف: بالحاج بن عدون قشار
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
مكان النشر: السيب - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1411ه/ 1990م
الطبعة: 2
------------------------------------------
ملاحظة: تم استغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة. من أراد الله به خيرا فقهه في الدين
اللمعة المضيئة في تاريخ الإباضية
الأستاذ بالحاج بن عدون قشار
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب - سلطنة عمان (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
تاريخ المذهب الإباضي
تأليف الأستاذ قشار بالحاج
الطبعة الثانية
1411 هـ - 1990 م (1/3)
صفحة 4
حقوق الطبع محفوظة
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
ص. ب: 9518 السيب
سلطنة عمان (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيد محمد وآله
مقدمة
الحمد الله الذي خلقنا وأبدع صورنا. وركب فينا من العقل والتفكير ما ميزنا به عن سائر الحيوان. فقد خلقنا في أحسن تقديم، وخصنا بالعقل السليم، ثم أعدنا لنكون له خلائف في الأرض. لنظهر عظمته ونستخرج من الكون نعمه. لننتفع بها نحن وسائر مخلوقات.
والصلاة والسلام على من جعل الله حياته منارا يستضاء بها. وسراحا يستنار بهديه فتستبان معالم السعادة في الدارين سيدنا محمد خير الأنام ومصطفى الكرام. على آله وأصحابه العظماء الأعلام.
وبعد فمما لا بد منه في تربية الجيل الحديد. وتنشئته على المبادئ الإسلامية الصحيحة. أن تعطى له صورا ماثلة من التاريخ الإسلامي ما يجعله مطلعا على حياة عظمائه. ليتخذهم مثالا أعلا يقتدي بهم فيما يرى من تضحياتهم في سبيل الحق والدين. وفيما حققوا نحوه من إنجازات جسام. (1/5)
صفحة 6
فمن برامج عمي سعيد دارسة شيء من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن التاريخ الإسلامي عامة ما يجعل الطالب مطلعا على تطوراته عبر العصور ليكون ذلك عبرة له يستنير به في حياته العلمية.
ولما كان غالب طلبة المعهد من الأباضية كان من الضروري لزاما أن تدرس تاريخ مذهبه ومنشأه. ومواطن انتشاره وكيف صمد علماؤه ورجاله وأئمته عبر العصور حتى يتأسى بهم ويكون على بينة من أمره. لذلك جمعت لهم من مختلف كتب تاريخ المذهب دروسا مختصرة حسب مداركهم في المرحلة التكميلية والثانوي، مخللا بينها ببعض وقائع للمطالعة مما يذكي فيه روح النشاط والعمل والتأسي وهي على النمط التالي:
تمهيد مختصر من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء وما كان سببا لنشأة المذاهب.
نشأة المذهب وإمامه الحقيقي.
حركات الأباضية وأئمته بالمشرق.
انتشار المذهب ومحاولات الأباضية لإقامة الإمامة بالمغرب.
الدولة الرستمية وأئمتها.
حالة الأباضية بعد انقراض الإمامة.
نظام العزابة وسير الحلقة.
فمنه تعالى أستمد العون والتوفيق وما غرضي إلا تثقيقف النشء ليتحلوا بفضائل أجدادهم من أئمة وعلماء صالحين
قشار بالحاج (1/6)
صفحة 7
الدرس الأول:
تمهيد حول نشأة المذاهب الإسلامية
قال الله تعالى: ((لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من فيل لفي ضلال مبين))
مما لا خلاف فيه أن الله قد بعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشأ الأمة الإسلامية على مبدأ من التوحيد والأخلاق والوحدة والمساواة، فبلغ رسالة وأدى الأمانة كاملة حتى نزل عليه قوله تعالى ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)) ثم اختاره الله لجواره.
ثم استخلف من بعده أبا بكر بإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم فسار سيرة رسول الله، وأرسى دعائم الإسلام، بما كان من قتال المريدين ومانعي الزكاة. وإرسال بعوث الجهاد، إلى أن وافاه أجله والناس عنه راضون، وقد أوصى بالخلافة لسيدنا عمر (ض) بعد مشاورات الصحابة فاستخلف من بعده وأجمع على مبايعته الصحابة (ض) فسار سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفة من بعده، ولم يحد، فكان مثالا للعدل وحسن القيام بالخلافة، وقد وسع من رقعة الإسلام وأرسى قواعد الخلافة إلى (1/7)
صفحة 8
أن استشهد- رحمه الله - على يد أبي لؤلؤة المجوسي والناس عنه راضون، وعليه آسفون. وقد ترك الخلافة شورى بين ستة أنفار من الصحابة فاختاروا منهم عثمان بن عفان وأجمع الصحابة على مبايعته. سار سيرة سلفه ستة أعوام. ثم ظهرت منه أحداث أنكرها عنه جمهور الصحابة فتاب تم كان منه ذلك مرارا إلى أن حاصروه في داره وقتلوه.
فكان ذلك منشأ فتنة ذهبت ضحيتها من دماء المسلمين الشيء الكثير ثم بويع من بعده لعلي بن أبى طالب (ك) بإجماع من غالب الصحابة. ثم ثار عليه طلحة والزبير وقد استفزوا عائشة (ض) فكانت وقعة الجمل وانتهت بانتصار علي وموت الزبير وطلحة.
ثم ثار معاوية ضد على مطالبا بدم عثمان. في جيش ألفه من أهل الشام وقعة صفين. وانتهت بحيلة عمر بن العاص وحمل المصاحف على الرماح. ثم بتحكيم حكمين في الخلافة مما جعل أصحاب علي بين راض بالتحكيم وكاره، خاصة بعد أن طهرت خيانة عمر بن العاص صاحب معاوية.
فانحاز من لم يرض بذلك إلى النهروان قرية تسمى حروراء فقاتلهم علي. هؤلاء هم الذين يسمون المحكمة. ويطلق عليهم اسم الخوارج. ومنهم كان أئمة المذهب الإباضى. (1/8)
صفحة 9
نشأة المذاهب الإسلامية والمذهب الإباضي
لم تكن نشأة المذهب الإسلامية كسائر المذاهب السياسية والاجتماعية حيث يتفقون على مبادئ يسيرون عليها. ولكن كان نشأتها حسب الحوادث والوقائع الزمانية والمكانية كما سنين.
فقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة كما تقدم. وأخذتها عنه الصحابة، فكانت لهم مجالس يعلمون الجاهل ويفتون المستفتي، ويجيبون السائل وأخذ ذلك عنهم التابعون، فكانت مثل تلك المجالس في الأقطار الإسلامية. فكان لكل عالم منهم من يأخذ عنه ما يستنبط من أحكام فيتفقون تارة ويختلفون أخرى فما اتفقوا فيه يصبح إجماعا وهو ثالث الأدلة الشرعية ولا تجوز مخالفته. وما اختلفوا فيه فمنه ظهر اختلاف المذاهب وهو نوعان:
اختلاف في الفروع وهو سائغ ولكل مقلد أن يعمل بمن وثق به العلماء ولا عليه.
خلاف في الأصول والحق فيه مع واحد وهو المعتبر في تكون المذاهب فكان خلاف الناس من قبل تسعة أصول وهي كما يلي:
1 - التوحيد: فكل الأمة منفقون على أن الله واحد لا يشبه شيئا ولا يشبعه شيء وإنما الخلاف فيما يلزم عنه التنزيه (1/9)
صفحة 10
وهو من يعتقد أن صفات الله غيره فيصبح الله محتاجا أو من يعتقد الرؤية فيكون الله شبيها بالمرئيات.
2 - الوعد والوعيد: فكل الأمة متفقون أن الله صادق في وعده ووعيده ونقض ذلك من يعتقد أن الله صادق في وعده ويمكن أن يخلف وعيده رحمة بعباده وهم من يعتقد الخروج من النار للعاصي، أو من يعتقد أن الشفاعة تكون العاصي ونحو ذلك
3 - القضاء والقدر: فكل الأمة يعتقدون أن الله قضى وحكم بجميع ما يقع في الوجود في الأزل ويقدر وقوع ذلك في أوقاته وأنه خالق لكل شيء حتى أفعالنا ونقض ذلك المعتزلة، حيث يعتقدون أن الإنسان خالق لفعله وأن الله لا يقدر المعصية الخ.
4 - العدل: فكل الأمة يعتقدون أن الله عادل في حكمة، من وعد ووعيد من خير أو شر، وأن الإنسان مختار في كسبه، سواء كان خيرا أو شرا، فنقض ذلك المجبرة الذين يعتقدون أن الإنسان مسير من الله لا مخير فيلزم عن ذلك أن الله ظالم حاشاه.
5 - الولاية والبراءة: فكل الأمة يعتقدون ولاية الموفين بدين الله من الأولين والآخرين، ويبرؤون من العصاة كذلك جملة. وتختص الإباضية بولاية الأشخاص وبراءة (1/10)
صفحة 11
الأشخاص وذلك من ظهر منه الوفاء يوالونه بذاته، ومن ظهر منه المعصية أو ثبتت يبرأون منه بذاته.
6 - الأمر والنهي: فالإباضية مع كثير من المذاهب الإسلامية يعتقدون أن الأمر والنهي واجبان على كل مكلف، ولا يستقيمان إلا بإمام وهو مختار من الأمة حسب استعداده وكفاءته من غير مراعاة حسب ولا نسب ونقض ذلك من يعتبر أن قريشا أو أهل البيت أولى بالإمامة.
7 - الأسماء والأحكام: فالإباضية يعتقدون أن الأسماء تابعة للأحكام إذ الله يقول: ((من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) ونقض ذلك من يعتقد أن الأحكام تابعة للأسماء.
8 - لا منزلة بين المنزلتين: فالإباضية يعتقدون لا منزلة بين المنزلتين الكفر والإيمان فالمكلف إما مؤمن وإما كافر. قال تعالى (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنهم مؤمن) ونقض ذلك من يعتقد أن العاصي لا مؤمن ولا كفر.
9 - وجود المنزلة بين المنزلتين: فالإباضية باعتبار أخر يعتقدون بوجود منزلة المنافق بين المشرك والموفي، فالمكلف إما مشرك وله أحكام حسب شركه، وإما موف بدين الله فتجب ولايته، وإما منافق عاص كافر كفر نعمة.
تمرين
هات خلاصة عن الخلفاء وأسباب فتنة الصحابة؟
اذكر كيف نشأت المذاهب؟ اذكر أربعة من الأصول التي اختلف فيها؟
هذه هي الأصول التي وقع فيها الخلاف باختصار ومن أراد المزيد فعلية بالمطولات. (1/11)
صفحة 12
تمرين
هات خلاصة عن الخلفاء وأسباب فتنة الصحابة؟ اذكر كيف نشأت المذاهب؟ اذكر أربعة من الأصول التي اختلف فيها؟
الدرس الثاني:
إمام المذهب جابر، وسبب النسبة لغيره
الإمام الحقيقي للمذهب هو جابر بن زيد، إنما سبب النسبة لغيره هو أن جابرا فيها يظهر لا يرعب في الظهور للظروف التي يعيشها في ذلك الحين، لن عبدالله بن إباض الذي نسب المذهب إليه، كان قد اشتهر بمناظرته للمخالفين في مسائل المذهب.
فالإمام جابر بن زيد الأردي الفراهيدي العماني، ولد بعمان ونشا فيها سنه إحدى وعشرين هجرية على القول المشهور.
وقد انتقل للبصرة طلبا للعلم، كما أنه قصد مكة والمدينة حسبما شهر من كلامه أنه قال: (اجتمعت بسبعين بدريا فجويت ما عندهم من العلم إلا البحر الزاخر (يريد ابن عباس) كما أنه أخذ عن كثير من الصحابة منهم ابن عباس وعائشة أم المؤمنين ن وأبي سعيد الخدري، انس بن مالك، ابن عمر وغيرهم. (1/12)
صفحة 13
وكان أعلم أهل زمانه. وأورعهم بشهادة أستاذه ابن عباس حيث يقول (عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد ن ولو سألوه لو سعهم علمه) وشهادة أنس بن مالك قال لما بلغه موت جابر: (اليوم مات أعلم من على وجه الأرض) وكما قال إياس بن معاوية قاضي البصرة: (لو رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد)
وقد أخذ عن جابر علماء كثيرون كانوا نعم الركن للدين والمذهب منهم أبو عبيدة وهو أشهر من تصدر بعده ومنهم أبو بلال مرداس قائد الشراة، ومنهم ضمام بن السائب، و عبدالله بن إباض، وأبو نوح صالح الدهان ن وأبو عمرو الربيع بن حبيب وغيرهم ومنهم قتادة شيخ البخاري. وقد وثقه جميع المترجمين لأهل الحديث كما يوجد روايات عنه في الصحاح.
وقد ترك ديوانه الذي جمع فيه كل ما بلغه من فقه الإسلام وغيرة وقد ضاع مع ما ضاع نتيجة الفتن والتعصب.
وهو اقدم إمام من أئمة المذاهب المعروفة، حيث لا جود لأحدهم عند وفاته حسبما هو مذكور من تاريخ ميلادهم وتوفي رحمة الله سنه 93 هجرية على القول المشهور. (1/13)
صفحة 14
الدرس الثالث:
عبد الله بن إباض، وأبو عبيدة مسلم (رحمهما الله)
1 - عبد الله بن إباض: هو عبد الله بن إباض المري التميمي من أهل نجد. ولم يذكر من ترجم له تاريخا لميلاده ولا فاته. وإنما باتفاق المؤرخين أنه عاصر جابرا، وكان يصدر عن رأيه، وعاش إلى زمن عبد الملك وأجابه برسالة مطولة بين له فيها حقيقة مبادئ المذهب وسيرة أهل لاستقامة، ورأيهم في الصحابة، والخوارج وهو جواب عن رسالة بعثها له مع سنان بن عاصم.
وقد نسب المذهب إليه كما تقدم حيث اشتهر بمناظراته مع الخوارج الصفرية والنجدية وغير، فكان طبيعيا أن ينسب الناس من كان على رأيه إليه رغم أنه توجد مسألة في المذهب من رأيه وإنما أخذ عن جابر، كما قال الشيخ السالمي في ذلك:
ما الإباضيون إلا علما لخلفاء الحق منا فاعلما
وأصله أن فتى إباض كان محاميا لنا وماض
ونسبوا من كان في طرقته إليه لاشتهار حسن سيرته
ونحن الأولين لم يشرع لنا نجل إباض مذهبا يحملنا
إلى قوله: ن المخالفين قد سمونا بذاك غير لأننا رضينا (1/14)
صفحة 15
فالنسبة الحقيقة لجابر، ولم يكن لهم ذاك من فبل بل كانوا يسمون أنفسهم بالمسلمين وأهل الاستقامة.
2 - أبو عبيدة مسلم (ح):
هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة كان مولى في بني تميم ثم انتقل للبصرة طلبا للعلم، ولم يرد في ترجمته تاريخا لولادته ولا وفاته، إلا أنه باتفاق جميع المؤرخين أنه عاصر جابرا وأخذ عنه، فحياته ما بين سنتي ثمانية وخمسين إلى مائة وخمس وأربعين وقيل إلى مائة وسبعين. حسبما نسب إليه من أحداث وأقوال عند تأسيس الدولة الرستمية.
وكان خليفة جابر وأشهر من تصدر بعده في التعليم والفتوى لأهل المذهب فكان مرجع الإباضية في كل حركاتهم، وتنظيماتهم، فهو الإمام إلا أنه في حالة الكتمان فقد كان يكلف من يجمع التبرعات والزكاة لإعالة المعوزين وفي تنظيم مجالس العلم، ونشر الدعوة.
فقد أرسل إلى المغرب سلمه بن سعد الداعية المخلص فكان سببا لانتشار المذهب في تلك الأنحاء ونواة لإقامة الدولة الرستمية وثورات الإباضية قيل ذلك في المغرب كما سيأتي. وكانت كل ثورات الإباضية بالمشرق عن إذنه ورأيه وكانت كلها ضد الظلم الطغيان. (1/15)
صفحة 16
وقد أمضى حياته كلها في سبيل التعلم والتعليم وغم ما كل يلاقيه من اضطهاد، فكان يعلم في غار خارج البصرة مختفيا عن الظلمة وأعوانهم متظاهرا بعمل القفاف.
وقد وردت إليه وفود الطلبة من ناحية المشرق والمغرب حسبما يدل عليه انتسابهم، فقد أخذ العلم عنه كثيرون منهم حملة العلم إلى المشرق وحملة العلم إلى المغرب ومنهم الربيع بن حبيب صاحب المسند الجامع الصحيح، وكانت دروسه رحمه الله في إثبات العقيد الصحيحة وإذكاء روح التضحية في سبيل إحقاق الحق، والجهاد ضد الظلم والطغيان، وقد ابتلي بسجن الحجاج مع ضمام بن السائب، فما زالا فيه صابرين حتى مات فخرجا من محنتهما.
تمرين
اذكر ما تعرفه عن نشأة المذهب الإباضي؟ من إمامه الحقيقي؟ لم نسب إلى عبدالله بن إباض؟ ومن هو؟ ما ذا تعرف عن أبي عبيدة وحياته؟
الدرس الرابع:
الربيع بن حبيب، ومسنده
هو الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني رحمة الله، نشأ بعمان وانتقل للبصرة طلبا (1/16)
صفحة 17
للعلم ولم يذكر من. يرجم له تاريخا لميلاده ولا وفاتها إلا ما ذكره صاحب العقود الفضية سالم بن حمد العماني أنه لما مات صلى عليه موسى بن أبي جابر، وقد توفي هذا سنة 181 هـ، وقد أدرك جابرا وهو شاب فتكون حياته ما بين ثمانين ومائة وثمانين وقد اختاره المشائخ ليأخذ عنهم ليكون خليفة بعدهم لذكائه وثقته وأمانته وتقواه بشهادة أبي عبيدة رحمه الله قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل ذكر الربيع لأبي عبيدة فقال هو تقينا وأميننا وثقتنا.
وكان هو المتصدر بعد جابر رحمه الله ومرجع الإباضية في تنظيم أعمالهم، فكانوا يرسلون إليه بزكاتهم يفرقها على أهل الولاية من المسلمين كما كان مرجع فتواهم
مسنده: كان مسند الربيع رحمه الله (الجامع الصحيح) هو عمدة الإباضية في الحديث. ويعتبرونه أصح كتاب بعد القرآن في الشريعة.
فقد كانت رجال سنده كلهم ثقاة عندنا وعند غيرنا ولهم أحاديث في الصحاح ولقربهم من الصحابة والتابعين.
فقد جمع الربيع فيه ما رواه عن أبي عبيدة عن جابر عن الصحابة في أمور الشريعة 654 في الجزئين الأولين.
وقد رتبة العلامة أبو يعقوب يوسف الوارجلاني رحمه الله وضم إليه المرتب أحاديث احتج بها الربيع على المخالفين في مسائل الاعتقاد وغيرها وهي الجزء الثالث كما ضم إليها مراسيل (1/17)
صفحة 18
عن جابر. وروايات محبوب بن الرحيل عن الربيع، وروايات أفلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم الخراساني فهي الجزء الرابع وقد حشا عليه وأبو ستة بحاشيتين.
الدرس الخامس:
ثورات الإباضية ضد الظلم والطغيان
تنبيه وتمهيد: الإباضية لا يستحلون دماء المسلمين ولا أخذ شيء من أموالهم عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)) الخ. فمال المسلم ودمه حرام إلا من استثناه الشرع في إباحة دمه وهم البغاة في قوله تعالى (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) وهم من خرج على الإمام العدل الذي اختاره المسلمون عن شورى.
أما من تغلب على الخلافة من ظالم يوم الناس سوء العذاب، أو يتعدى عليهم وعلى أموالهم فيجوز الخروج عليه لمن استطاع لإزالة ظلمه عن الناس أو الخروج لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة، ولو على الظلمة من باب قولة صلى الله عليه وسلم: ((من رأي منكم منكرا فليغيره بيده وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (1/18)
صفحة 19
فللإباضية ثورات لا تعدوا أحد هذه الجوانب لكن لا يستحلون من أموال الناس شيئا ولو مع ذلك.
ثورات أبي بلال -رحمه الله-
هو أحد أئمة المذهب من بني تميم، وكان صديقا وملازما لجابر رحمه الله ويصد عن رأيه، وهو ممن شهد صفين والنهروان.
وهو ممن أنكر التحكيم، وكان شديدا في دين الله وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد دخل هو جابر رحمهما الله على عائشة رضي الله عنها وعاتباها على ما كان منها يوم الجمل فاعترفت بخطئها وتابت، وهو أول من ابتدع طريقة الشراء، عندما اشتد ظلم بني أمية وذلك عند ولاية زياد على البصرة. فقتل البثجا وهي امرأة من الإباضية وشى بها فقتلها ومثل بها ورماها في السوق.
فجمع أبو بلال لفيفا من أصحابه ذوي الغيرة الدينية، وقال والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، والله إن الصبر على هذا العظيم وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لأعظم، ولكننا ننتبذ عنهم ولا نقاتل إلا من قاتلنا، ورغبهم في الجهاد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يعزموا على أنفسهم ألا يرجعوا إلا إذا بقي منهم ثلاثة، وذلك أخذا من قوله تعالى ((أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)) الخ. وانطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم ((أعظم الجهاد كلمة (1/19)
صفحة 20
حق عند سلطان جائر)) فاجتمعوا في نحو من أربعين وذلك سنة 58 هـ في عهد عبدالله بن زياد وخرجوا إلى ناحية الأهواز فمرت بهم قافلة متوجهة لبيت المال بالبصرة فأخذوا منها أعطياتهم وتركوا الباقي فلما علم بهم زيادا أرسل إليهم أسلم بن زرعه في ألفين فهزمتهم الشراة، ثم أرسل إليهم أربعة آلاف مع عباد بن حصرم، فكادت الدائرة تكون عليهم، فركنوا إلى الغدر حيث اتفق مع أبي بلال أن لا يكون حرب يوم الجمعة، ولما كن الشراة في الصلاة انقضوا عليهم، وقضوا على ثورتهم فاستشهد أبو بلال وغالب أصحابه رحمهم الله.
تمرين
اذكر ما تعرفه عن الربيع (ح) بين المسند ومنزلته في كتب الحديث، من هو أبو بلال؟ ما سبب ثورته؟ هل يسوغ للأباضيةش ثوراتهم؟ بماذا يلتزمون؟
الدرس السادس:
عبدالله بن يحي طالب الحق
كان رحمة الله من بقية الشراة، وكان قاضيا في حضرموت، تحت إمرة القويسم عامل مروان بن محمد، فشكا إليه الناس ما تسلط عليهم من ظلم الولاة، فاستنهض قومه وكان مطاعا فيهم واستشار أبا عبيدة فأذن له وشجعه قولا وفعلا إذ (1/20)
صفحة 21
أرسل إليه أبا حمزة المختار وبلج بن عقبة فخرج في سنة 128 هـ، في ألف وستمائة واستولى على اليمن، فيسط فيها العدل فاستبشر الناس بولايته ثم وجه عنايته لفتح الحرمين لعله يحقق الإمامة العظمى،
فأرسل قائده الباسل أبا حمزة المختار بن عرف، فوافا الناس في الموسم واستمهله عاملها إلى تمام الحج فوافقه ولما أتم الحج فرمنها عاملها عبد الواحد بن سليمان إلى المدينة وجهز منها جيشا التقا بأبي حمزة في طريق مكة فهزمه أبو حمزة وحاصر المدينة واستولى عليها.
فخطب فيهم خطبة مشهورة من روائع الأدب العربي.
وقد ذهب العامل إلى مروان بالشام يستنجده، فأنجده بجيش عظيم التقى به بلج بن عقبة بوادي القرى فتغلبوا على الشراة بكثرتهم واستشهد بلج بن عقبة وكثير من جيشه، ثم واصلوا زحفهم حتى قضوا على ثورة عبدالله يحيى باليمن والأمر الله من فيل ومن بعد.
حملة العالم إلى المشرق والمغرب: من مدرسة الغار الأبية بزغ نور الهدى والاستقامة والتضحية في سبيل إقامة العدل وإحياء دين الحق ونشره شرقا وغربا. (1/21)
صفحة 22
تلك هي مدرسة أبي عبيدة وعلى ي تلاميذه الأوفياء انتشر المذهب في المشرق والمغرب فقد أخذ العلم عن أبي عبيدة كثيرون، اشتهر منهم الملقبون بحملة العلم:
1 - خمسة إلى المشرق هم: محبوب بن الرحيل، موسى بن أبى جابر، بشير بن المنذر، محمد بن المعلى الحفصي، المنير بن النير وعلى أيديهم تكونت إمامة عمان واستمرت كما انتشر المذهب على أيديهم في اليمن وحضرموت.
2 - حملة العلم إلى المغرب وهم خمسة: أبو الخطاب عبد الأعلا بن السمح المعافري، عاصم السدواتي، إسماعيل بن درار الغدامسي، أبو داود القبلي، عبد الرحمن بن رستم الفارسي، رحمهم الله، هؤلاء كما نري مختلفي القبائل والأوطان نتيجة للداعية المخلص سلمه بن سعد، بما قام به من الدعاية لنشر المذهب فكان ذلك نواة لما قام من ثورات وإمامة بالمغرب. وقد اجتمعوا عند أبي عبيدة واستقوا من منهله العذب وغدا فيهم روح التضحية والإخلاص في سبيل الحق، والغيرة على الذهب خاصة والإسلام عامة، كما طعمهم بالأخلاق الفاضلة.
فلما أخذوا بغيتهم من العلم الصحيح وتشبعوا بالعقيدة الصحيحة الحقة، عزموا على الارتحال وكلهم عزيمة وإخلاص على إنقاذ أوطانهم من الجهل والضلال. (1/22)
صفحة 23
فاستشار أبا عبيدة إن أنسوا من أنفسهم قوة على إقامة شعائر الدين فمن يولون عليهم ومن يراه صالحا لذلك فأشار عليهم بتولية أبي الخطاب.
تمرين
إذكر ما تعرفه عن الشاري عبد الله بن يحيى؟ كيف استولى على الحرمين؟ من هم حملة العلم؟ ما أثرهم في المشرق والمغرب؟
الدرس السابع:
محاولات الإباضية لإقامة الإمامة في ليبيا
كان الأشغال الأكبر للأباضية إذا أتوا من أنفسهم قوة، إزالة الظلم عن الناس والسعي لإقاتمة العدل فيهم.
ذلك ما فكر فيه إباضية ليبيا في أواخر عهد بني أمية سنه مائة وثلاثين، فحاولوا تولية رجل منهم يزيل الظلم ويقيم العدل فاختاروا عبد الله بن مسعود التجيبي، فما علم بذلك عامل طرابلس إلياس بن حبيب قتله ظلما وعدوانا فكان ذلك مبدأ ثورات الإباضية في ليبيا وهي ثلاث: ثورة الحارث وعبد الجبار، ثورة أبي الخطاب، ثورة أبي حاتم. (1/23)
صفحة 24
ثورة الحارث وعبد الجبار: لما قيل إلياس بن حبيب عامل طرابلس من قبل عبدالله بن حبيب عبد الله بن مسعود كما تقدم، طلب الإباضية من عبد الرحمن إقامة الحد على أخيه فاكتفى بعزله، حينئذ عزم الإباضية على إزالة الظلم عنهم فولوا الحارث بن تليد إماما، واختار قاضيا عبد الجبار بن قيس المرادي.
فشمر الاثنان عن ساق الجد، وأقاما العدل في العدل في الناس وساروا سير الخلفاء فاستقامت لهم الأحوال واستبشر الناس وتنفسوا الصعداء.
فلما علم بذلك عبد الرحمن أرسل جيشا تلو الجيش فكان النصر في كلها حليف الإباضية.
ولما رأي أن القوة لا تجدي عمد إلى الحيلة فأوغر إلى من لا ضمير له ولا دين للفضاء واغتيال الإمام ورفيقة، فثم ذلك في غموض حيث وجدا في مكان الحكم مقتولين وبيد كل منهما سيف ليتوهم الناس أنهما تخاصما فقتل كل منهما الأخر، فحصل عن ذلك فتنة فرقت كلمة الإباضية منشأها هل يبقيان في الولاية أو تزول، فتمكن من الاستيلاء على طرابلس وسام من فيها سوء العذاب.
ثورة أبي الخطاب: لما حلت حملة العلم بطرابلس وانضم جمعهم مع من هنالك من جموع الإباضية وقد انتشر المذهب في قبائل لبيبا عقدوا عدة جلسات يفكرون في رفع كابوس الظلم (1/24)
صفحة 25
عنهم وإقامة إمامة عادلة فأجمع رأيهم على تولية أبي الخطاب من غير أن يكون له علم بذلك. فتواعدوا في مكان يقال له صياد مظهرين إقامة صلح بين قوم، فلما كمل جمعهم بسطوا غرضهم وطلبوا من أبي الخطاب أن يمد يده ليبايعوه فقال ما لهذا خرجنا وامتنع هروبا من عظم المسؤولية، لكن أصحابه تمسكوا برأيهم، فلما رأى أن لا مناص له من قبول الأمر شرط أن لا يذكر في جيش مسألة الحارث وعبد الجبار، خوفا من تفرق الكلمة وذلك سنة 140 هـ. فما تمت البيعة دخلوا المدينة في استخفاء إلى أن توسطوها فنادوا (لا حكم إلا بالله) شعار الإباضية فاستولوا على المدينة من غير سفك الدماء حيث أن البلد مهيأ لذلك، خيروا العامل في البقاء وهو آمن أو الرحيل فاختار الرحيل.
فلما استقر أمر أبي الخطاب بسط العدل ونشر الأمن وأحيا سيرة الخلفاء ففرح الناس بولايته واستظلوا برعايته.
فأسند أمر القضاء إلى أبي درار الغدامسي وولى على سيرت عمر بن يمتكن فأمنت البلاد واستراحت العباد.
الدرس الثامن:
فتح القيروان
ثم بلغه ما تقدم به قبيلة ورفجومة البربرية من عسف وظلم للناس وأموالهم وحريمهم بالقيروان، فندب الناس (1/25)
صفحة 26
للجهاد، فاجتمع إليه جم غفير، فسار إليهم يقوده بنفسه وثم له الاستيلاء على قابس من غير عناء ثم حاصر القيروان مدة ثم خرجت ورفجومة فقاتلهم وتغلب عليهم وفتح القيروان، فأمن أهلها وطمأنت نفوسهم خاصة وقد شاهدوا تعفف الإباضية وجند أبي الخطاب عن أموالهم فزروعهم قائمة لم تمس بسوء، حيث أن جند أبي الخطاب مؤلف من رجال ليس غرضهم إلا نصر دين الله الحق، وليس المال ولا دنيا، تلك هي سيرة الإباضية في حروبهم، ثم لما ثم الفتح رجع لطرابلس وولى على القيروان عبد الرحمن بن رستم.
ومما هو جريد بالذكر أن الخطاب وجد قتيلا مسلوبا، فساءه ذلك، ونادى في الجيش بإرجاع السلب، وإلا فسيعاقب من ظهر عليه سلبه فلم يظهر، ولما كانوا في الطريق راق لهم تنظيم سباق الخيل وكان من بين المسابقين سالب القتيل، عند السباق انقطع حزام فرسه فافتضح أمره إذ ظهر السلب تحت السرج، فعاقبه أبو الخطاب بما يليق به، فغاضه ذلك، فاتصل بالمنصور وأوعز إليه وحرضه على محاربة أبي الخطاب فأرسل الجيوش متتابعة وكان النصر في غالبها لأبي الخطاب، فلما أعياه الأمر أسند أمر قتال أبي الخطاب لمحمد بن الأشعث واليه على مصر.
فاستخبر هذا عن جيش أبي الخطاب وأرسل جواسيسه فلما رجعوا قالوا: رأينا رهبانا بالليل أسودا بالنهار يتمنى أحدهم الموت كما يتمنى المريض الشفاء. فلما رأى أن لا قبل له بهم، عمد إلى الحيلة فأظهر أنه مأمور بالرجوع، ورجع فعلا، (1/26)
صفحة 27
ولما علم جيش أبي الخطاب انخدع بذلك. رجع يطوي سير الليل بالنهار وأدرك جند أبي الخطاب وقد ذهب غالبه فتمكن رحمهم الله بذلك طويت صفحة هامة من العدل والاستقامة وانفتحت صفحة أخرى من التسلط والظلم، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ثورة أبي حاتم: لما استشهد أبو الخطاب واستولى محمد بن الأشعث على طرابلس ولى عليها من سام أهلها سوء العذاب.
فاستمر ذلك إلى سنة 145 هـ، فتكاتب أهل المذهب من طرابلس وحبل نفوسة فاجتمعوا وتفاوضوا فيما يزيل الظلم عنهم، فاتفقوا على تولية أبي حاتم يعقوب بن لبيب المزوزي إماما للدفاع.
فسار سيرة العدل والاستقامة فيمن ولى عليه، فلما سمع بهم عامل بني العباس، أرسل إليهم جيشا التقوا به خارج طرابلس فهزموه واستولوا على طرابلس ونواحيها، فبسط فيها العدل وأحيا سيرة الخلفاء الراشدين فاستقامت له الأحوال واستمر في الإمامة إلى سنة 151 هـ.
وكانت له مع بني العباس وقائع كان النصر فيها حليفه.
ثم وجه عنايته نحو القيروان ليستخلصها من أيد الظلمة وينفس عن أهلها فحاصرها مدة طويلة حتى انقادت واستولى عليها، وعند فتحها ضرب مثلا للحلم والنزاهة فلم يرض لأحد (1/27)
صفحة 28
من جنده أن يأخذ من مال أحد شيئا بل من عزم على الارتحال زودهم بالماء والزاد والدواب.
فلما تم أمره بسط العدل والإحسان في الناس، وأكن هناك من لا يروقه العدل والإحسان فرسلوا المنصور فأرسل قوة عظيمة من جيشه قضى بها على إمامة أبي حاتم فاستشهد رحمه الله مع طائفة من أصحابه.
تمرين
بين ثورات الإباضية بالمغرب والغرض منها؟ اذكر ما تعرفه عن إمامة أبي الخطاب؟ أذكر إمامة أبي حاتم؟
الدرس التاسع:
نشأة الدولة الرستمية، وأسبابها
لما استشهد أبو الخطاب ثارت القيروان على الإمام عبد الرحمن فخرج منها مستخفيا إلى المغرب، يصحبه ابنه عبد الوهاب وعبد لهما، إلى أن بلغ سوفجج وهو حبل منيع، لم يظهر تعينه فتحصن به ولما سمعت به جموع الإباضية هناك، وفد إليه جمع من العلماء فكانوا معه بالجبل، فعلم بذلك محمد بن الأشعث فجاء بجيشه وحاصر الجبل مدة طامعا في احتلاله، لكن كفى الله المؤمنين شره إذ سلط الوباء على جيشه فانصرف مدحورا. (1/28)
صفحة 29
ولما أمن عبد الرحمن الملاحقة ارتاء هو ومن معه من علماء ورؤساء قبائل اختبار مكان يكون بعيدا عن مطامع المغرضين، صالحا ليكون مأوى لهم، فأرسلوا روادا لذلك فاختاروا مكان تيهرت وارتحلوا إليها وكانت غياظا وأشجارا فأحرقوا أشجارها ونقوا جذوعها، ثم أسوا بها مدينة تيهرت، فبنوا مسجدها ثم خطوها ديارا وقصورا ,
ولاية عبد الرحمان: ولما ثم بناؤها تشاوروا فيها هو الغرض المطلوب من إقامة إمامة ظهورا تحقيقا لأمنيتهم الغالية التي ما فتئوا يسعون وراء تحقيقها، فكان اختيارهم على عبد الرحمن لما له من المكانة في قلوبهم، ولما له من الكفاءة العلمية والسياسية، كما أنهم رأوا فيه محسنا لما له عساه يحدث من النزاع بينهم، ولأنه لا قبيلة له تمنعه إن زاغ عن الصواب، (لا قدر الله) وكان ذلك سنه 161 هـ. فلما عزم أمرهم وطلبوا منه ذلك أجاب طلبهم على أن يعطوه عهودهم على السمع والطاعة والجهاد فأعطوه مواثيقهم.
فثمر عن ساق الجد، وأحيا سيرة الخلفاء الراشدين في العدل والقيام بالقسط، والاستقامة في السلوك.
فما لبث أن سمع الناس بعدله ونشاطه حتى قصدوا حماه المتين من كل سقع، فعمرت المدينة وراجت أسواقها، واتسع عمرانها، وراجت فلاحتها لخصب نواحيها وكثرة مائها، فاختلف منتسب سكانها فكانوا خليطا من مختلف الجنسيات (1/29)
صفحة 30
والمذاهب وما ذاك إلا لسماحة الإمام وعدله، فارتقت تيهرت حتى سمعت عراق المغرب.
ولما اتصل الخبر بأهل المشرق قال أبو عبيدة: (الآن أذن الله، بارتفاع الحق، والحمد لله إذ كان على يد غصن مني) ذكر ذلك في الأزهار ن ثم جمعوا إعانة قدرها ثلاثة ذهبا أرسلوها مساهمة منهم في إقامة العدل فلما بلغت الإمام استشار جماعة أهل الحل والعقد فأرجعوا الأمر إليه فقبلها وجهل قسما في أمور الجهاد وقسما أعان بها الفقراء.
واستمر في عدله واستقامة أحواله إلى أن وافاه اجله سنة 171 هـ والناس عنه راضون وترك الخلافة شورى بين ستة أنفار فيهم ابنه عبد الوهاب.
تمرين
بين كيف وصل الإمام عبد الرحمن إلى المغرب وما رافقه من أحداث؟ كيف نشأت الدولة الرستمية، لماذا اختار الناس عبد الرحمن إماما؟ بين ما تعرف من سيرته؟
الدرس العاشر:
إمامة عبد الوهاب، والافتراق الأول للإباضية
لما توفي عبد الرحمن رحمه الله اجتمع من عينهم للشورى فكان اختيارهم على اثنين من الجماعة مسعود الأندلسي (1/30)
صفحة 31
وعبد الوهاب ومالوا إلى مبايعة مسعود فلما عزموا على ذلك اختفى هروبا من المسؤولية، فما يعوا عبد الوهاب، وأجمع الناس على مبايعته ولم ينقم عليه أحد ذلك إلا أين فندين يزيد حيث أنه لما أراد الناس مبايعة عبد الوهاب قال: نبايعه بشرط أن لا يقطع أمرا دون جماعة معلومة فأجابه الحاضرون وعلى رأسهم مسعود الأندلسي، أن لا نعلم شرطا في الإمامة إلا أن يحكم بكتاب الله وسنه رسول الله، فسكت وسارع للبيعة عسى أن ينال من الإمام حظوة، فكانت مبايعة الإمام بإجماع. فثمر عن ساق الجد والنشاط وأحيا سيرة أبيه في عدل وأمان واستقامة وولى الأمور من يظن أن يقوم بها من أهل الكفاءات فسقط في أيد من كان يطمع أن يجد من الإمام حظوة بالتفاتة أو ولاية.
الافتراق الأول للإباضية: ما كادت تتم ولاية الإمام عبد الوهاب، ويسير في إمامته بخطى ثابتة في إقامة العدل، ونشر الأمن حتى نجم قرن الشقاق من ابن فندين زاعما أن الإمام قد استبد برأيه ولم يراع ما يشرط عليه من استشارة جماعة معلومة فصار يبث الدعاية في الضعفاء والمغفلين أن الإمامة غير تامة لاختلال شرطها، وأنه تولى الإمامة وفي الأمة من هو أفضل، وصار يبث روح الثورة فاستجاب له فريق من العامة وصار يعقد المجالس هنا وهناك، ويكثر من الدخول والخروج والشغب ثم تدرج إلى حمل السلاح، فكرر الإمام عليه إنذاراته (1/31)
صفحة 32
وأصر على خلافة، ثم اتفقوا أن يرسلوا رسالة إلى العلماء بالمشرق يستفتونهم، فأرسلوا وفدا برسالة الإمام إلى الإمام الربيع بن حبيب ومن معه من علماء المشرق فكان جوابهم بتصويب الإمامة وأنها ثابتة، كما يجوز أن يتولى المفضول مع وجود الفاضل، وذكروا أمثلة من عمل الصحابة (ض) فلما رأور أنهم لم يصلوا لقيل الإمام، إذ لا يستطيعون تحقيق غرض وهو حي فهمدوا إلى رجل أدخلوه صندوقا وهو مزود بسلاح للفتك بالإمام ووضعوه وديعة في بيت الإمام، فتفطن الإمام لمكيدتهم، وترقب ما يصدر وأرجع كيدهم في نحورهم، حيث قتل صاحبهم عند ما ظهر عزمه على قتل الإمام وأرجعه في صندوقه.
فلما لم يتم لهم ما أرادوا أعلنوها حربا سافرة إذ تحينوا فرصة غياب الإمام عن المدينة فحملوا على غفلة من أهلها لكن الناس كانوا يتوقعون ذلك فتصدوا لهم، وأخمدوا وقتلوا رئيسهم بن فندين، ود أبلى أفلح في الواقعة بلاء حسنا، من ذلك الحين تكونت طائفة النكار.
الواصلية ضد الإمام: مما يطغي النفوس الشريرة، ويحفزها على الثورة الجاه والغنى وكان ذلك مجتمعا في طوائف الواصلية بتاهرت، فقد تكون منهم جمع (1/32)
صفحة 33
غزير في جوانب تيهرت، وغالبهم من قبلية زناته، فساءهم أن بحكمهم إمام من غير مذهبهم.
وكان لهم رئيس توفر له المال والجاه وله ولد امتاز بالفروسية وقد تفوق فيها على كل من بارزه، كما أن لهم عالم متفوق في علم المناظرة فلما أنسوا من أنفسهم قوة زين لهم الشيطان الخروج علىلإمام فجمعوا أمرهم وحرضوا جموعهم فأقبلوا من كل صوب فأرسل إليهم الإمام ينائدهم الهدوء وترك الفتنة فأبوا، فكانت له معهم مناظرات وحروب وكان الأمر سجالا بينهم تارة عليه، فلما رأى الإمام أن الأمر جد التمس الإعانة من أهل جبل نفوسة فأرسل إليهم أن يبعثوا إليه بمائة فارس يجيدون الفروسية، مائة عالم في الحلال والحرام، ومائة في علم التفسير، مائة في المناظرة، فلما قرؤوا رسالته تشاوروا فأرسلوا إليه أربعة رجال أنسوا منهم الكفاءة لما طلبه الإمام وهم:
الفقيه الورع أبو الحسن الأبدلاني، العلامة المفسر محمد بن يانس، المناظر البارع أبو مهدي النفوسي، الفارس الممتاز أيوب بن العباس.
وكان الإمام قد طلب من الواصلية هدنة يرى فيها رأيه عله يصل إلى يرضي الجميع فخرج الوفد من جبل نفوسة ونفوسهم مشتاقة إلى نصرة الحق وإغاثة ذويه، وكلهم ثقة في الله أن ينجح أعمالهم، وكان يقوم بخدمتهم متبرع منهم هو (1/33)
صفحة 34
محمد بن يانس، فلما وصلوا تاهرت انكسرت نفس الإمام لما رأى من قلتهم، لكن لم يلبث أن زال ما في نفسه لما اجتمع بهم ورأى قوة استعدادهم وعزيمتهم فسكنت نفسه واتكل على الله ثم أرسل للواصلية يدعوهم للاجتماع في يوم حدده للمناظرة أو المبارزة والحرب أن اقتضى الحال.
فاجتمعوا في مكان يليق لذلك، ففتح الشيخ أبو مهدي باب المناظرة مع عالم المعتزلة، ولم يزل به حتى أفحمه فنزع عمامته دليلا على غلبته، فكبر الإباضية.
ثم تقدم فارس المعتزلة للميدان وأظهر من الفروسية ما حير العقول ثم تقدم أبو أيوب بن العباس يقود فرسه متجاهلا ركوبه ولما استوى عليه أظهر من الفروسية مت أنسى عمل رفيقه كانت المبارزة بين الطودين فما كان غلا جولات قصيرة خرج أيوب بن العباس من وسط الغبار ومنتصرا وقد ترك رفيقه مجندلا على الرمال.
ثم التحم القتال بين الفريقين وانتهى بانتصار الإمام وانكسرت شوكة الواصلية وخضعوا للإمام وكان للإمام أفلح في هذا الحرب ما رشحه للإمامة، ثم طاب الواصلية من أيوب بن العباس تعليم أبنائهم الفروسية ولم يبخل عليهم بذلك وقد تفطن لنواياهم إذ حاول أحد شبانهم اغتياله عاجله وقضى عليه. (1/34)
صفحة 35
الدرس الحادي عشر:
بقية أحوال الإمام، ووقائع زمانه
يعد الإمام عبد الوهاب رحمه الله بحق مرسي قواعده الدولة الرستمية إذ لولا حزمه ونشاطه لعصفت بها رياح الفتن والحوادث
فقد اتسعت رقعة الدولة وعمرت جوانبها ونزح الناس إليها من كل صوب، ابتغاء الخصب والأمن واستضلالا بالعدل والطمأنينة. فبعد انتهاء حرب الواصلية استقر الأمر بتاهرت فقد استمر الإمام في عدل ونشاطه، منظما أحوال الإمامة فاتحا مجالس العلم موليا الأمور أكفاء يديرونها فساد الأمن واستقرت الأحوال، لكن بعض النفوس الشريرة يطغيها الأمن ولا يروقها الاستقرار.
فقد جاور قبائل رحل من سكان البادية أهل ماشية ومرعى وكانوا ينزلون جوانب تيهرت أحيانا فيرتادون الأسواق للبيع والشراء مع الأموال بالمدينة، فكان طبيعيا أن تكون لهم مجالس سمر فكانوا يتذاكرون أحوال المدينة، وبالتالي عمال الإمام، من قضاة وأمناء بيت المال ووالي المدينة، فاستغل المغرضون من أهل المدينة سذاجة أهل البادية فأوعزوا إليهم أن بعض عمال الإمام غير لائفين فلو طلبتم من الإمام استبدالهم فتكونون بذلك قد أسديتم للإمام نصيحة (1/35)
صفحة 36
فأخذوا ذلك مأخذ النصح ودخلوا على الإمام وكان بابه دائما مفتوحا أمام القاصدين، فطلبوا منه استبدال أولئك العمال فانعم لهم وضرب لهم موعدا، فلما علمت جماعة الشراة بالأمر اتصلوا بالإمام واستفسروه عن الوفد فأخبرهم بما طلبوا فنبهوه لما ينجم من استبدال عامل من غير سبب موجب لذلك، وطلبوا منه أن يطلب حضروهم عند رجوهم عند رجوعهم، فلما حضر الوفد، قال إن لنا إخوانا لا نستغني عن رأيهم فلو حضروا معنا قالوا نعم. فلما حضر الشراة وبسط الوفد مطالبه قالوا لهم ما الداعي لاستبدال هؤلاء وما الحجة التي يرتكز عليها الإمام في عزلهم، فلم يجدوا ما يقولون، فعدل الإمام عن ذلك وخرج الوفد وقد ساءهم اعتراض الشراة ورد الإمام لمطالبهم فلما بلغوا قومهم جمعوا أمرهم أعلنوا الثورة ضد الإمام.
فأرسل إليهم الإمام يناشدهم الإذعان والرجوع للحق فأبوا، فجهز لهم جيشا لتأديبهم وردهم لجادة الحق والصواب، فما أسرع ما أخضعهم وكسر شوكتهم.
عزم الإمام على أداء فريضة الحج:
بعد أن استقر الأمر بتيهرت وهدأت الأحوال، اشتاقت نفس الإمام لأداء فريضة الحج، إذ كان صاحب مال عظيم، فعقد العزم وسار قاصدا، وكان طريقه على جبل نفوسة فنزل ضيفا عندهم، فلما علموا قصد الإمام، أدركوا خطورة ذهابه والحجاز (1/36)
صفحة 37
بيد بني العباس، إذ لا يمكن أن يتركوه أن يحج بسلام لما يرون من عداء للخوارج خاصة وهو الإمام، فلما أبدوه رأيهم رآه صوابا لكن استفتاهم في أمره فأفتوه بسقوط الحج عنه، ومنهم من أفتاه بإرسال من يؤدي ذلك بدلا منه، فأخذ بالأحوط وأرسل رجلا مكانه ومكث بالجبل ريثما يرجع، واغتنم فرصة وجوده فأتحفهم بدروسه القيمة مدة سنين.
دخول جبل نفوسة تحت إمامته: لما عزم الإمام الرجوع إلى تاهرت طلب منه أهل الجبل الدخول تحت راية عدل بأن يولي عليهم عاملا من قبله، فسره ذلك وقال اختاروا من يليق بكم فاختاروا وزيره السمح بن عبد الأعلا فاعتذر لهم بأنه محتاج إليه فأبوا إلا هو فأثره على نفسه وولاه عليهم.
ولما كان الإمام بجبل نفوسة، طلبت منه قبيلة هوراة مستغيثة به أن ينصرهم على من عزم الاستيلاء عليهم وهو عامل بني الأغلب على طرابلس، فأنجدهم بجيش من أهل جبل نفوسة، وحاصر طرابلس مدة فطلب عاملها الصلح فصالحه الإمام على أن يكون داخل طرابلس له وخارجه لهواة فتم الصلح على ذلك.
وعند رجوعه طلب أهل جبل دمر الدخول تحت إمرته فأنعم عليهم بذلك وولى عليهم من يسير أحوالهم.
واستمر الإمام في عدله ونشاطه إلى أن وافاه أجله وقد وطد دعائم الإمامة لإخلاصه وحزمه، سنة 195 ه. (1/37)
صفحة 38
تمرين
بين كيف كانت مبايعة الإمام عبد الوهاب، ما سبب افتراق الإباضية؟ كيف انتهى أمر النكار؟ اذكر لاقاه الإمام مع الواصلية؟ وكيف انتهى أمرهم؟ بين بعض حوادث في زمن الإمام؟ ما رأيك في الإمام؟
الدرس الثاني عشر:
فتنة خلف، وإمامة أفلح
فتنة خلف: الافتراق الثاني للإباضية كان سياسيا، ذلك أن عامل الإمام على جبل نفوسة السمح بن عبد الأعلا لم تطل مدته وتوفي رحمه الله، فسارع بعض العامة من جبل نفوسة إلى مبايعة ابنه خلفا من غير استشارة من له النظر من العلماء ومن غير إذن الإمام م فساء ذلك عقلاء أهل الجبل وعلماءها. فلما اجتمعوا بمن ولاه من العامة أجابوا نكاتب الإمام فإن أفره وإلا اعتزل.
فكاتبوا الإمام بما جد من الأمر فساءه تدخل العامة، وأرسل رسالة تمهيدية ليجس النبض، بأن يلزم كل من له عمل عمله إلا خلفا فحتى يأتي أمره، فلما بلغت الرسالة خلفا وقد استلذ الحكم استنكف وتمسك بالولاية زاعما أن جبل نفوسة بعيد عن مقر الإمامة ولا دخل للإمام فيه، هكذا نجمت فكرة الخلافة وهي تعدد الإمامة. (1/38)
صفحة 39
فلما بلغ الإمام ما جد من الأمر أصبح أن يأخذ الأمر بجد فأرسل إلى أهل الجبل رسالتين إحداها لخلف أن يعتزل وأخرى لمن له النظر بإقراره إن امتثل للعزل.
فما كان منه إلا الشقاق والعناد، فولى الإمام ذلك البطل المخلص أيوب بن العباس فاستكان خلف، لما يعلم من حزم أيوب وشد بطشه لكن لم تطل مدته وقد اختاره الله لجواره، فأرسل أهل الجبل يخبرون الإمام ويطلبون عاملا فأرسل إليهم أن يختاروا من هو لائق بهم فاختاروا أبا عبيدة عبد الحميد، فلما بلغه تولية الإمام اعتذر له لكن الإمام أصر على ولايته.
فلما تم تعينه، حدد خلف فتنته واجتمع له من غوغاء الجبل وذوي الأهواء من أكثر جموعه، وافتتن الناس به، لما راقهم من استقلال الجبل بحكمه أثناء ذلك مات الإمام وبويع لابنه أفلج، فاستشاره أبو عبيدة في قتاله، فأمر بمداراته ما لم يسفك الدماء، وينتهك الحرمات فكان يداريه إلى أن هجم على قرية بناحية أبي عبيدة يقاطع طرقهم ويسلب أموالهم.
حينئذ تصدى لجربه فجهز جيشا من أهل الجبل المخلصين للإمامة وقصد خلفا فكانت له معه حروب تارة له وتارة عليه إلى أن كانت وقعة فاصلة جميع فيها خلف جمعا هائلا يفوق جميع أبي عبيدة بكثير فالتجأ أبو عبيدة إلى الله متضرعا أن ينصر الحق، فأجاب دعاءه ونصر الله عليه وأخمد فتنته، (1/39)
صفحة 40
وكان القضاء عليه على يد العامل العباس بن أيوب بعد وبقي مدحورا إلى أن مات على ضلاله.
إمامة أفلج رحمه الله: لما توفي الإمام عبد الوهاب كادت تكون فتنة يصعب إخمادها، فقد بدأت بعض الطوائف المغرضة تقترب من تاهرت، قصد الاستيلاء على الحكم.
لكن أهل الحل والعقد من نفوسة وغيرهم بادروا إلى مبايعة أفلج رحمه الله حيث قد رشحته بعض أعماله في حياة أبيه وبطولاته السابقة، فبايعوه على ما بويع من قبله، أن يحكم بكتاب الله وسنة رسول الله، فشمر عن ساق الجد والنشط، وأحيا من سبقه وأقام العدل ونشر الأمن فاستقرت الأحوال.
ولما انتشر خبر وفاة الإمام عبد الوهاب وتولية أبيه أفلح انهالت عليه رسائل التعزية على أبيه، والتهنئة والمبايعة له، من كل عمال الجهات، فاستقر أمر الإمامة بتاهرت، بما أبداه الإمام من حزم ونشاط، فساس الناس سياسة حكيمة، أساسها العدل، وقوامها التيقظ والحزم.
إذا كان ذا علم واسع، وورع وتقوى، وقد تصدى لمجالس العلم يحييها بنفسه، بدروسه القيمة، فقصده الطلاب من كل جهة، يستفتون من منهله العذب، وكان ذا أدب وثقافة تدل على ذلك رسائله البليغة إلى عماله بنصائحه الغالية وتوجيهاته القيمة، وقصيدته في العلم والتعليم التي مطلعها: (1/40)
صفحة 41
العلم أبقى لأهل العلم أثارا يريك أشخاصهم روحا وأبكار
حي وإن مات ذو علم وذو ورع ما مات عبد قضى من ذاك أوطارا
وذو حياة على جهل ومنقصة كميت قد ثوى في الرمس أعصارا
فتنة نفاث: كان فرج بن نصر النفوسي المدعو نفاثا، ذا فطنة وذكاء مفرط، وكثيرا ما يجني الذكاء على أهله، وكان قد اجتمع مع سعد بن أبي يونس عند الإمام لطلب العلم، كان والد سعد عاملا للإمام على ولاية ثيجي، (قنطرارة) وقد أقاما عند الإمام مدة طويلة يطلبان منه العلم، حتى بلغا فيه شأوا عظيما، وقد تفرس الإمام في سعد الاستقامة والتقوى كما تفرس في نفاث عكس ذلك لما ظهر من تصرفات كل، فيعامل كلا منهما حسبما تفرس فيه.
فبينما هما في طلبهما إذ بلغ الإمام خبر وفاة عامله والد سعد كما وصل الخبر لابنه، فاستأذن الإمام ليذهب لقضاء أمور والده وتنفيذ وصيته فأذن له، وفكر فيمن يستخلفه على قنطرارة فلم ير أحسن من ابنه سعدا، فكتب بذلك إلى جماعة المسلمين رسالة وأعطاها سعدا وقد استأذن نفاثا طامعا أن يكون الإمام قد ولاه فأذن له وترافقا وفي الطريق غافل نفاث سعدا فاطلع على ما في الرسالة، فحقد على سعد والإمام، وعزم على إعلان الخلاف. (1/41)
صفحة 42
فلما بلغا تيجي وثم أمر توليته سعد وقد فرح الناس بذلك، ظهر حسد نفاث إذ صار يعيب على الإمام ثم انتحل مسائل وجعلها مطية لخلافه، لكن لم يجد رواجا، فلما بلغ الإمام أمره أرسل إليه ليقدم حتى يبين للإمام ما أنكر عليه لكن تهيب الأمر واستمر ينشر خلافه، فكرر عليه الإمام إنذاراته فلما علم الجد في طلبه فرا إلى المشرق.
وتمكن من الاتصال بالخليفة العباسي عندما أعلن النداء لحل معضلة من السائل استطاع حلها، فطلب من الخليفة أن يمكنه من نسخ ديوان جابر فأنعم له ثم ندم فضيق له المدة لكن نفاثا تمكن من نسخه ولما رجع لوطنه ووجد أمور الإمام قائمة دفن الديوان خوف أن يطلبه الإمام فذهب ضحية الفتنة والمكر.
سياسة الإمام مع ملوك عصره: مما يمتاز به الإمام أفلج (ح) حسن سياسة للرعية مما كان سببا لاستتباب الأمن مدة إمامته التي لا يقل عن خمسين سنة.
وقد سلك مع ملوك عصره سياسة حميدة رشيدة، مبنية على حسن المعاملة والجوار، فكان يهاديهم ويهادونه.
وكانت له تجارة واسعة إلى أراضي السودان، وله اتصال بملوكهم كما كان له اتصال بملوك الأندلس اقتصاديا وسياسيا.
وقد حاول ابن الأغلب محاربته فرد كيده في نحره، وتغلب عليه (1/42)
صفحة 43
هكذا استمر الإمام في عدله ونشاطه وسياسته الحميدة مدة نصف قرن إلى أن وافاه أجله، والناس عنه راضون ولم يحدث في زمنه ما يكدر صفو الأمن إلا ما كان من فتنة نفاث ولم يكن لها أثر.
تمرين
اذكر ما تعرفه من فتنة خلف وكيف عليها؟ اذكر ما تعرفه عن إمامة أفلح (ح) بين سياسته لرعيته، ولملوك عصره.
الدرس الثالث عشر:
إمامة أبي بكر، وما رافقها مِن أحداث
في إمامة أبي بكر بن أفلج أقوال متضاربة، نأتي من ذلك بما أثبته الشيخ سليمان الباروني رحمه الله باختصار وقد نقله عن ابن الصغير فقد ذكر أن المرشح للإمامة من حيث الكفاءة هو الإمام أبو اليقظان لكن كان غائبا، إذ القي عليه القبش عند الحج في مكة من قبل بني العباس، فهو في سجن بغداد.
ولما كان غائبا اجتمعت الشراة وبعض من أهل الشورى وبايعوا أخا أبا بكر بن أفلج، وقد أنكر عليهم بعض أهل الشورى استقلالهم بذلك وقد نقل الشيخ سليمان الباروني ما ذكر ابن الصغير عن إمامة أبي بكر فقال: لم يكن كسالفه من (1/43)
صفحة 44
الائمة في الورع والاستقامة بل مال إلى الترف وكان لين الجانب كريما يواصل الشعراء والأدباء وليس من عادة الإباضية ذلك، وكان بالمدينة رجل من الوجهاء يسمى ابن عرفة وكان من الأغنياء ذو وسامة، وكانت له أخت تزوجها الإمام، كما تزوج هو أخت الإمام فأصبحا صهرين واكتسب بذلك مكانة عند الإمام فاستقصاه الناس حوائجهم إذ كان ذا وجاهة عند الإمام، فكثر ازدحام الناس على بابه في عدوه ورواحه.
وأثناء ذلك رجع أبو اليقظان من المشرق، وقد أطلق سراحه، أخو الخليفة الذي سبحنه وقد مات فتولى بعده، كان مسجونا معه، وقد أحكمت الصداقة بينهما في السجن.
ولما وصل تاهرت لم يحرك ساكنا بل كان عونا لأخيه في تسيير أمور الإمامة.
الحوادث المؤلمة في زمنه: قال الشيخ سليمان الباروني نقلا عن ابن الصغير لما خاف بعض من ترجع إليهم الأمور بتاهرت استفحال أمر ابن عرفة وتوسع جاهه عند العامة، قصدوه ونبهوه للخطر وكان غافلا، فاستوضح الأمر بنفسه حيث راقب حركات صهره، والتفاف العامة حوله فتوجس خيفة، فاستشار من نبهه فأشاروا عليه بقتله، فنفذ ذلك سرا ثم ظهر الأمر واتهم الإمام، فقامت عن ذلك فتنة عمت أهل (1/44)
صفحة 45
المدينة، فخرج الإمام وتولى أمرها محمد من مصالة وهو إباضي من غير عائلة الرستميين واستمر سبع سنين.
إمامة أبي اليقظان محمد بن أفلح: كان رحمه الله منعزلا عن الفتنة خارج المدينة مع أهل نفوسة، فاجتمع إليه من أهل المدينة من سئموا الحرب والفتنة، راغبين أن يتولى الإمامة وينقد المد ينه مما هي فيه، فأجابهم لذلك راجيا صلاح الحال لكن طلب لكن طلب النجدة من أهل جبل نفوسة فأنجدوه بجيش عزز به جانبه لكن طلب منه القادمون قبل مباشرة الحرب أن يتوسطوا بالصلح، فاجتمعوا بأهل المدينة، ورغبوهم في الدخول تحت إمامة أبي اليقظان، فكانت بينهم مفاوضات انتهت بالاتفاق على الصلح، على أن يعلن العفو العام على ما مضى، ولا يطالب أحد بنفس ولا مال.
فبايعوا أبا اليقظان بإجماع فشمر عن ساق الجد أحيانا السيرة، وأزال أثر الفتن، وقام في الناس بالعدل، وانتشر الأمن، وعادت المياه لمجاريها، واستمر في إمامته قائما بالقسط، فكانوا يشبهون إمامته بإمامة جده عبد الرحمن وبقي في الإمامة مدة أربعين سنة من غير أن يحدث ما يكدر صفو الأمن.
ولايته أبي اليقظان على جبل نفوسة:
لما استقرت إمامة أبي اليقظان وفد إليه جمع من أهل جبل (1/45)
صفحة 46
نفوسة، راغبين أن يولى عليهم عاملا من فبله فولى عليم أفلح بن العباس، لكن لم تطل مدته إذ اعتزل، ولم يذكر سبب عزله، ثم ولى عليهم منصور إلياس، الذي اشتهر بحزمه وورعه وتقواه وحسن تسييره لعمله،
وفي زمنه تعرض جبل نفوسة لغزو العباس بن أحمد بن طولون حيث انفصل عن أبيه مقتطعا من جيش أبيه عشرة آلاف راجل وثمانمائة فارس وقسطا وافرا من مال، عازما على الاستيلاء على دول إفريقيا، فحارب بنس الأغلب وتغلب عليهم، وأرسل لأبي منصور يأمره بالدخول تحت إمرته، فأجابه بجيش كسربه شوكته، وانهزم مدحورا تاركا وراءه ما جمع من أموال.
ولما تمت هزيمته رجع أبو منصور بجيشه تاركا ما خلفه العباس من أموال فانتهبها الأعراب من غير أهل نفوسة، إذ الإباضية لا يستحلون أموال أحد من الموحدين.
تمرين
اذكر ما تعرفه عن إمامة أبي بكر، بين أسباب الفتنة في زمنه وما انتهت إليه؟ اذكر إمامته أبي اليقظان وما رافقها من أحداث؟ (1/46)
صفحة 47
الدرس الرابع عشر:
إمامة أبي حاتم يوسف، وما رافقها مِن أحداث
لما توفي الإمام أبو اليقظان سنة 287 هـ سارع العامة ينادون بابنه في شوارع المدينة إمام من غير انتظار لما يقرره مجلس الشورى.
فلم يحد أهل الحل والعقد إلا الرضى بالواقع، إذ كان الإمام أبو حاتم كفؤا وأهلا لها بما اشتهر به من علم وتقوى وورع وحزم.
وكان قد أرسله أبوه لحماية قوافل للتجارة، ولما رجع حمله الناس على الأعناق إلى أن بلغ المسجد، وأجمعوا على مبايعته ولم يكن له معارض إلا ما كان من عنه يعقوب حيث ربما كان ينتظر أن يأول إليه الأمر.
فلما تمت البيعة شمر الإمام عن ساق الجد وأحيا السيرة ونشر العدل واستقامت له الأمور إذ كان محبوبا من الرعية.
محاربة عمه له واضطراب الأحوال: حاول بعض من لا ينظر في العواقب من رجال دولته، أن يجعلوا له ما يقتضيه مقام الملك من الأبهة والحجاب فساء الناس ذلك، وأبو إلا الاتصال به، حسبما كانت الأئمة. (1/47)
صفحة 48
فنشأ عن ذلك تغير في القلوب أدى إلى تحريك سواكن الفتنة، فوجد ذلك فرصة من كانت له أغراض سيئة، كما كان في المدينة من مشائخ غير الإباضية ممن أحسوا من الإمام بعض جفاء وكذا من لم يجد من الإمام ما كان يصبو إليه من مناصب في الطعن في سيرة الإمام.
فلما شعر الإمام بذلك سارع لإزالة الفتنة بأن نفى من المدينة من علم منه أحداث الفتنة، وترك لهم اختيار المنفى فاختاروا قصرا لمحمد بن حماد، ومنه كانت لهم مراسلات لمراجعة الإمام في إصدار العفو عنهم فلم يحفل بهم فلم يزالوا بأصحابهم حتى كونوا فتنة فلم يشعر الإمام إلا والفتنة قائمة والفوضى عامة، فما كان منه إلا أن خرج من المدينة فاتصل أهلها بعمه يعقوب وبايعوا ضد ابن أخيه، فتولى أمرهم وساندهم على فتنتهم، فجمع الإمام جيشا من سكان البادية وحاصر المدينة فكانت له مع عمه يعقوب حروب وكانت سجالا بينهم إلى أن سئم أهل المدينة الحروب، قام منهم من سعى في الصلح فتم بعد مفاوضات آلت إلى الاتفاق على مبايعة أبي حاتم وتاب يعقوب من خطيئته.
فاستقرت الأحوال واستتب الأمن للإمام مدة أربعة عشر سنة.
اضطراب الأحوال بتيهرت: لما استقرت الأحوال للإمام أبي حاتم دب الحسد إلى أخوته وسول لهم الشيطان الفتنة (1/48)
صفحة 49
زاعمين أن أخاهم ليس أحق بالإمام منهم، فتحينوا فرصة اغتالوه حين غفلة منه، فمان رحمه الله شهيد العدالة والاستقامة.
هكذا قضى الله ولا مرد لحكمه بزوال هذه الإمامة العظمى بعد أن حققت فخرا في التاريخ فخر إحياء الإمامة العظمى ونشر العدل، وإحياء العلم والدين ما يقرب من فرب من قرن ونصف ولملك الله الواحد القهار فلما قتل الإمام وانتشر خبر ذلك استنكر ذلك من قي المدينة.
وتولى أمرها اليقظان في ضعف من أمره، إذ لم تبق له سلطنه على أحد فقد انصرف الناس عنه تاركين فعلته، وتولاه الخزي والعار.
وصادف ذلك قيام دوله عبيد الله الشيعي الذي قضى على غالب دول المغرب فظهر الحجاني قائد جيوشه وزحف على تيهرت فخرج غليه وشكوا له من العائلة الرستمية فأرسل إلى اليقظان فجاءه وليلا مهانا وسلم نفسه فقتله هو ومن ظفر به من الرستميين.
فلما قدم الحجاني وقتل اليقظان ومن معه انسل الإمام يعقوب بمن معه دسرا بنت الإمام وسار وارجلان ونزل صفحة ونزل يسدر رايته، وقد لا حقه جند الحجاني فلم يظفر به وهكذا انطوت صفحة الرستميين والله الأمر من قبل ومن بعد. (1/49)
صفحة 50
الدرس الخامس عشر:
وقعة مانو، وما رافقها مِن أحداث
من أسباب سقوط الدولة الرستمية أنها أصيبت كغيرها بالهرم فقد ضعف الوازع الديني في العائلة الرستمية فأصبح حب الملك والتسلط هو المقصود بعد أن كان المقصود إقامة حدود الله وإحياء شعائر الإسلام.
ثم إن جبل نفوسة كان هو الحصن الحصين للدولة، فإذا أحسوا بضعف استغاثوا بهم، كما قال أحد الأئمة: ((إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة، وأموال مزاتة))
لذلك كان من أسباب ضعف الإمامة ما حصل من ضعف أهل الجبل بعد وقعة مانو، وذلك أن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب عزم على غزو تيهرت على قول أو مصر على قول آخر وأراد المرور من جبل نفوسة، ولما سمع أهل الجبل بمروره عزموا على منعه، خوفا من إفساد جنوده أو تسلطه على الإمامة، وكان عامل الإمام أفلح بن العباس مع بعض المشائخ قد كرهوا اعتراضه، وكان الغالب من عزم على الاعتراض، فسار بهم العامل في جيش عظيم فلما رأى إبراهيم اعتراضهم استهد لقتالهم.
فالتقوا به بجانب قصر قديم يسمى (مانو) فتقاتلوا قتالا شديدا انتهى بهزيمة أهل نفوسة وقد خسروا من رجالهم نحوا من اثني عشر ألفا فيهم نحو أربعمائة عالم، فكان ذلك خسارة فادحة (1/50)
صفحة 51
وضعفا واضحا وكان ذلك سنة 283 هـ في زمن المعتضد، فقد قيل إن خروج إبراهيم كان بإيعاز منه، وبتحريض من أعداء الدولة بتاهرت.
تمرين
اذكر ما تعرفه عن إمامة أبي حاتم، بين ما حدت من شغب في زمنه وسببه وكيف زالت إمامته؟ اذكر أسباب سقوط الدولة الرستمية، بين وقعة مانو.
الدرس السادس عشر:
ما بعد انقراض الدولة الرستمية
لما تسلط الحجاني على تيهرت كان من أعماله التخريبية حرق المعصومة مكتبة تيهرت وقد كانت تحتوي على آلاف الكتب النفيسة من فقه وتفسير وغيرها ثم ما لبث أن خرب عمرانها لما توالى عليها من عمال جوره فانصرف الناس عنها.
وكان الإمام يعقوب بن أفلح سار إلى وارجلان ونزل بسدراتة، على أبي صالح جنون بن يمريان، فطلبوا منه أن يبايعوه إماما فقال b : (الجمل لا يستتر بالغنم، اذهبوا فقد زالت أيامكم) يشير إلى ما يرى من ضعف لا يستقيم معه أمر الإمامة.
فكانت الإباضية بعد ذلك في حال كتمان، تحكمهم وتسير أمورهم مشائخ لا يعتمدون في تنفيذ أحكامهم إلا على الوازع الديني الجماعي، فمن حكم عليه بحكم أنصف وانقاد للحق. (1/51)
صفحة 52
وإلا كان منبوذا من المجتمع ذلك ما كان في ورجلان ثم في ميزان بعد عمارته بالإباضية واستقرار أمر العزابة، ومثل ذلك في جبل نفوسة فقد استمر مدة تحكمه المشائخ قبل الحكم التركي، فكلما مات شيخ انتخب الناس آخر يقوم بأمره تارة في عامة الجبل تارة في ناحية، ومثل ذلك كان في بلاد الجريد حيث تستقر جموع الإباضية ذلك ما ذكره الشيخ على معمر في تاريخه الإباضية في موكب التاريخ، الإباضية في ليبيا القسم الأول.
وسآتي بحول الله بعينات من ذلك من كل ناحية لتعم الفائدة.
الإمام يعقوب بن أفلح رحمه الله: لما سقطت تيهرت بيد الحجاني كما تقدم سنة 296 هـ خرج منها الإمام يعقوب بن أفلح كما تقدم وسار إلى وارجلان، تعقبه جند الشيعة فكان يقف لهم فيتهيبون الإقدام عليه، ويبقى كذلك حتى تسير القافلة، وما معهم مسافة بعيدة، فيلحق بفرسه الأصيل، فإذا لحقه الجند وفق لهم وهكذا حتى أيسوا فرجعوا فوصلوا ورجلان بسلام. فنزل بسدراتة على أبي صالح جنون بن يمريان رحمه الله فأكرم مثواه وأحسن وفاته، وكانت له بنتان وكان قد امتنع من زواجهما، فالح عليه المشائخ فزوج إحداهما لرجل اختاره من أهل الدينا هو حمو بن اللؤلو، وزوج الثانية لرجل اختاره من أهل الآخرة هو العز بن محمد، وأما من ناحية. (1/52)
صفحة 53
الذكور فقد انتشرت ذريته بورجلان وهو آل افلح ومنهم من انتقل إلى بنورة بميزاب.
فاستمر بورجلان ورعا متعبدا معلما نهاره قائما ليله إلى أن وافاه أخله رحمه الله، وقبره بسدراتة يزار سنة 310 هـ.
وكان قد توجس من ابنه أبي سليمان خفية، فحذر من أهل ورجلان إذ كان يطالع كتب أهل الخلاف، فكان كما تفرس على يده كان الافتراق الرابع للإباضية وهم الفرتية إذ كان يعتبر ما كان داخل الأمعاء من الفرث حراما، وقد ناظره أبو صالح رحمه الله في مسائل انتحلها، فتعنت، وطلب منه المباهلة فباهله أبو صالح فأهلكه الله ومن معه.
ثم إن عبد الله الشيعي أرسل جند لقتال أهل سدراتة فعلموا به، فتحصنوا بجبل اكريمة هناك ومكث إلى أن أيس منهم فرجع وكفى الله المؤمنين القتال، واستمرت سدراتة تحت أمر المشائخ تؤدي رسالتها العلمية وتحرج منها علماء كثيرون، منهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم رحمه الله مرتب كتاب الجامع الصحيح، صاحب المصنفات العديدة، الدليل والبرهان، ومرج البحرين، غيرها أن أبادها الميروقي سنة 624 هـ.
تمرين
ما حالة الإباضية بعد انقراض الدولة الرستمية ماذا تعرفه عن الإمام يعقوب رحمه الله؟ كيف كان الافتراق الرابع للإباضية؟ (1/53)
صفحة 54
الدرس السابع عشر:
الشيخ أبو عبدالله محمد بن الخير وأبو القاسم البغطوري
كان الشيخان رحمهما الله مرجع الإباضية بعد وقعة مانو في جبل نفوسة وقد أخذا العلم عن الإمام أبان بن وسيم رحمه الله وبلغا فيه شأوا عظيما، أهلهما لتوجه الأنظار إليهما بعد فقر الجبل من العلماء وكان كلاهما قد بلغ من الكبر عتيا ولم يشفع ذلك لهما عندما الأمة في حاجة ملحة لهما.
فأما الشيخ محمد بن الخير فاختاره المشائخ ليتولى أمور الجبل إذ بقي منعزلا عن أي انتماء لدولة، فلا بد ممن يسير أمور الناس فاجتمع أهل الشورى وقدموه لتولي أمور الجبل كعامل للحكم بينهم على أساس التراضي إذ لا قوة وراءه تجبر المعاند إلا وازعه الديني وهو متوفر في الأمة والحمد لله، ثم اختاره إماما للصلاة إذ توفرت فيه الكفاءة للذين والدنيا.
فسار سيرة العامل المخلص في فض المشاكل، والحكم بالعدل بين الناس فاستقر الهناء تقبل الناس أحكامه من غير مكابرة لعاملين كانا سائدين أولا من صدر عليه حكم المشائخ ينصف وينفذ ذلك من غير عناد، ثانيا من عاند كان في براءة الجميع من منعزلا حتى ينقاد. (1/54)
صفحة 55
إما أبو القاسم فقد فتح مدرسته للراغبين قي الاستزادة من العلم، كما أحيا مجالس الوعظ والإرشاد بالمساجد ولا غرو فقد تشبع بالعلوم النافعة من شيخه إذ لم ينقطع عنه رغم بعد المسافة من بلده ومقر شيخه بستة أميال.
فأصبح مرجع الفتوى والتدريس والوعظ والإرشاد، فكان يحمل من مسجد إلى آخر لكبره وعجزه، فيحيي بها مجالس العلم راغبا في إحياء ما اندرس، فلم تمض الثلاثين سنة التي عاشها بعد المائة إلا وقد تخرج عنه جم غفير من العلماء كانوا سبب انتشار المذهب واستمراره.
منهم أبو هارون موسى الجلالمي، منهم أبو الربيع سليمان بن زرقون وكان أبو القاسم رحمه الله شديدا في دين الله، أمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، بهذين البطلين استقر أمر الجبل ورجع إليه اعتباره من علم وعلماء.
ذلك بما تخرج عنهم وعن تلاميذهم علماء أعلام كانوا السبب في إحياء المذهب وبقائه نذكر بعضهم على سبيل التمثيل: فنعم أبو يحي سليمان بن ماطوس المشهور بمدرسته بالجبل وأبو هارون موسى الجلالمي وأبو زكريا يحي بن الخير الجناوني صاحب الكتب المفيدة، منها كتاب الوضع، أبو نصر فتح بن نوح صاحب القائد المقيدة في الوعظ والحكم والشرائع والتوحيد، وأبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي صاحب (1/55)
صفحة 56
التأليف المفيدة القواعد والقناطر في الفقه وغيرها، أبو ساكن عامر الشماخي صاحب الإيضاح ن رحمهم الله.
الدرس الثامن عشر:
أبو القاسم، وأبو خزر (رحمهما الله)
هما أشهر عالم في بني واسين، وقد أخذا العلم عن أبي الربيع سليمان بن زرقون، وسحنون بن أيوب، زكانا فرسي رهان في الاجتهاد في تحصيل العلم، فكان أبو القاسم غنيا، أما أبو خزر فكان ينقطع لطلب الرزق فإذا رجع لم يحرمه أبو القاسم مما حصل في غيبته فيبدأ من حيث انتهيا، ولما أخذا بغيتهما من العلم وتشبعا من مناهله رجعا لوطنهما الحامة، فتصدرا مجلس العلم والفتوى شابين، لما ظهر من نجابتهما، وتحصيلهما، فكونا مدرسة أمها الطلاب من كل ناحية، وكان أبو القاسم زيادة على تعليمه ينفق على الطلبة، فيكفيهم مؤونة الكسب، فيغذيهم بدنيا وروحيا نتقبل الله منه.
وكان من حرصهما على نشر العلم والفضيلة والدين ينتقلان بمدرستهما إلى البادية إبان الربيع، للراحة وتثقيف الرعاة.
فحاول بعض النكار اغتيال أبي القاسم، ذلك أنه اندس في وسط الطلبة مظهرا التمسك بالمذهب، فاغتنم فرصة انفراد الشيخ وطعنه برمح فنجاه الله لغلظ ثوبه، فلما كشف أمره قضت عليه الطلبة. وكانا مرجع الإباضية في (1/56)
صفحة 57
زمنهما. وبصحبتهما أبو نوح سعيد، فكانا المرجع في الفتوى والفضاء بين الناس وتنظيم أمورهم.
وكان أبو القاسم ذا أعلى مكانة عند المعز لدين الله الفاطمي فإذا وفد إلى القيروان امتزت لمقدمه، وتقاطر الناس عليه يستفتونه مسائلهم، فيجيب بما يشفي الغليل.
وكانت له دالة على المعز فقد أرسل مرة جيشا لقتال أهل قسطيلة وهم إباضية في سورة غضب فاتصل الخبر بأبي القاسم، فأسرع إليه يشفع فيهم فشفعة وأعطاه راية الأمان فأسرع بها قيل وصول الجيش فنجوا وكفرا عنهم.
ومن ذلك أنه اقترح عليه أن يريه ذا القفار سيف علي فأراه إياه لكن أبو القاسم لم يحسن التصرف فسله حتى ذعر المعز، فوجد عليه وتخوفه، مع ما كثر عنه وشابات أنه عازم على القيام عليه خاصة أنه أفشى سره ليهودي، فأرسل إلى عامة بالحامة يأمره بقتل أبي القاسم، لكن العامل كره ذلك فحاول من أبي القسم أن يبعد ه فلم يقطن حتى عزم المعز على العامل في قتله فقتله.
فثارت ثائرة الإباضية، وعلى رأسهم أبو خزر وأبو نوح عارمين على الأخذ بثأره، وكاتبوا إخوانهم في الأنحاء ولم ينسوا بني أميه بالأندلس لكن ظفر برسالتهم.
ولما اجتمع عند أبي خزر جيش من مزاتة قصد باغاي وحاصرها دون أن ينتظر الإمداد، ولما اشتد الحصار على أهل (1/57)
صفحة 58
باغاي عمدوا إلى حلية حيث جعلوا بالمال طائفة من جيش أبي خزر، فروجوا كذبة بوسط الجيش أن هناك من تسلط على أهليهم، فانهزموا.
ولما سمع من جاء لنجدتهم بالهزيمة رجعوا، فما كأن من أبي خزر وأبي نوح إلا أن اختفوا فكشف أمر أبي نوح فقيد لجسن المعز ثم عفا عنه وأخرجه فسأله عن أبي خزر فقال إن أرسلت الأمان في بلاد الإباضية ظهر فأرسل المنادي بالأمان فخرج أبو خزر واتصل بالمعز فأصبح ذا مكانة عنده.
ولما فتح مصر وعزم على أن يتخذها عاصمة قرر أن يأخذ معه أبا نوح وأبا خزر ليطمئن من قيامهم فاعتل أبو نوح وذهب أبو خزر معه، فكانت له مناظرات مع علماء مصر تفوقه عليهم فزاده حظوة عند المعز وزاد في تكريمه.
تمرين
هات نبذة عن حالة الإباضية بعد انقراض الدولة الرستمية؟ ما ذا تعرف عن أبي عبدالله محمد وأبي القاسم البغطوري؟ اذكر شيئا من حياة أبي القاسم مخلد وأبي خزر وما مر بهما من أحداث باختصار؟ (1/58)
صفحة 59
الدرس التاسع عشر:
أبو مسور، وابنه فيصل (رحمهما الله)
هو أبو مسور يسجا بن بوجن اليهراسني، كان أول من اشتهر في بني يهراسن، إنما ذكرته لاتصاله بأبي عبد الله محمد بن بكر، وما كان من تأسيس الحلقة على أحفاده حتى يتصل نسب المذهب وقد تعلم أبي معروف وأبي زكريا يحي بن يونس من جبل نفوسة، كان مقلا في المال مع حرصه على اقتناء العلم، فكان يقتات بشعير يلتمس من الطلبة من يقلبه له، وإلا أكله مبتلا بالماء إلى أن انحلت عقدته مرة فظهر أمره، فعزم شيخه على بعض الأغنياء للقيام بأمره، فالتزم بذلك أحدهم، ذلك لما رأى منه شيخه من ملازمته للتحصيل فكان آخر من يبقى أمامه في قاعة الدرس، فلما كفى مؤنة الغد ضاعف اجتهاده حتى بلغ في العلم شأور عظيما، وقد تزوج في جبل نفوسة امرأة رغبت فيه عند ما ذهب يخطبها لشيخه، فبارك ذلك شيخه فأنجبت له أبا زكريا فيصل.
ثم لما نال وطره من العلم ارتحل إلى جربه وكانوا على مذهب خلف فأرجعهم إلى الوهبية إلا قليل كانوا نكارية.
وبنى مسجد المعروف بمسجد الشيخ لكن لم يتم فأتمه أبو زكريا بعده ولما توفي خلف ابنه أبو زكريا فيصل، وكان قد أخذ العلم بإفريقيا على أبي القاسم وأبي خزر، ثم رجع لجربة (1/59)
صفحة 60
فكانت له مكانة عند أهلها وكان واسطة بين عمال جربه وأهل المذهب في دفع ما عليهم من إتاوة ويسعى في التخفيف عنهم، وكان العامل ينزل عند رغبته فيأخذ ما يقترحه، وقد تحرج من ذلك وكان موسرا فتصدق بكل موسرا فتصدق بكل ما يأخذه العامل.
وعلى يد أبي نوح سعيد تخرج من كان بركة على المذهب وهو أبو عبد الله محمد بن بكر كما كان أول نواة للحلقة على يد ابنيه فرجم الله تلك الأرواح الطاهرة.
الدرس العشرون:
الإمام الشيخ أبو عبدالله محمد بن بكر
هو الإمام العبقري أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي رحمه الله، الطود الأشم، ملاذ العلماء وواسطة عقد النبغاء، فكان إماما من غير إمامة، ساس الناس بعلمه، وأثر فيهم بإيمانه، واستحلب معومة الله بإخلاصه، وورعه.
نشأ بفرسطا من جبل نفوسة، وفيها اخذ مبادئ العلوم، ثم تعلم على أبي نوح بإفريقيا وأبي زكريا بجربه، فتفرس قيه أنه سيكون سببا لإحياء المذهب، فتحققت فراسته، ثم انتقل إلى القيروان للاستزادة من علوم اللسان، فكان منار هداية، وشمس فضل عم نورها كافة مواطن الإباضية بطريق مباشر وغير مباشر. (1/60)
صفحة 61
فقد فكر في قوة تدفع الناس إلى التمسك بالمذهب والتعرف عليه والتضحية في سبيل إحيائه وتشره وتطبيقه واستمراره، فوقعه فتحها الله على المذهب وسبب استقراره عمليا وتطبيقيا، فلم نر ولم نسمع بنظام استمر ودام في الناس يطيقونه عن طواعية غيره ولو أنه يقوى تارة ويضعف أخرى، فلا زال ولن يزال إن شاء الله هو النظام المختار والمطبق وله ألف سنة.
وكان الشيخ رحمه الله ينتقل في بلاد الإباضية محييا للعلم واعظا مرشدا مبينا لمبادئ المذهب ما بين جبل نفوسة وأريغ وميزاب، ومن أعمال القيمة تأسيسه لنظام العزابة على؟ ابني أبي زكريا يونس و زكريا قبل وابن أخيه، أبي بكر بن يحي، إذ أوصاهم أبوهم أبو زكريا قبل وفاته بملازمة الشيخ، فلازماه ورغبا إليه أن يفتح لهم مدرسة تعلم وألحا عليه إلى أن استجاب لهم، وأسس عليهم على من لحق بهم من طلبة نظام الحلقة بمسجد المنية بتقيوس، ثم استقر أمرهم بغار أجلوا، جانب تقرت ذلك سنة 904 هـ.
فكان يعلمهم ومنهم انتشر المذهب بوادي أريغ وتأست حلق العزابة بمساجده.
ثم لما انتقل الشيخ إلى ميزاب ونشر فيه مبادئ المذهب وأرجع أهله إليه وكانوا معتزلة، وقد لقي في ذلك عنتا، أسس فيه النظام الاجتماعي السائر المفعول إلى الآن. (1/61)
صفحة 62
تمرين
اذكر ما تعرفه عن أبي مسور وجهاده العلمي، وما ذا تعرفه عن ابنه أبي زكريا؟ هات خلاصة عن الإمام الشيخ محمد بن بكر.
الدرس الواحد والعشرون:
النظام الاجتماعي والديني بوادي ميزاب
مما أثبته علم النفس واستقر في سير الناس عامة وخاصة انه لابد من دافع للعمل دينا ودنيا. والدوافع ثلاث:
رجاء نفع مادي أو معنوي للعامل، خزف من ضرر أو عقوبة مادية أو معنوية كذلك، وفاء لإحسان سبق.
فكانت الدولة الرستمية، وقد استقر أمرها، وارتفعت رايتها وعاش الناس تحت لوائها يحدوهم الأمل في اغتنام فرص النفع المادي فيها راج من أسواقها، وهم في أمن وسلام، تحت ظل العدل واستقرار وهم في اطمئنان على أموالهم ونفوسهم مغتنمين ما يضمن سعادتهم الأخروية في مساجد لعبادة ومجالس علم ووعظ وإرشاد، فتمسكوا بدينهم وضمنوا ثواب ربهم.
كما كان هناك في رقابة أعوانها لحفظ الأمن فيها وقضاتها العادلين ما أخاف المجرمين وضرب على أيد المفسدين، فعاش الناس في ظلها آمنين، وتخت رايتها سالمين. (1/62)
صفحة 63
ولما أفل نجمها وركعت رايتها، فكر رجال الأمة الغيورون وعلماءها المخلصون فيها يضمن بقاء المذهب خاصة والإسلام عامة، وما يبعث على تطبيقه واستمراره فلم يجدوا إلا تربية الناس على اعتبار الجانب الديني بتربية الوازع الديني في نفوسهم، والضمير الأخلاقي في عامتهم بنظام يشمل الفرد والجماعة دينيا واجتماعيا، ذلك ما أرسه إمام المذهب الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر رحمه الله، فإليك نظرة عامة مختصرة على جوانبه:
يعد الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر مؤسس النظام الاجتماعي بوادي ميزاب فبعد أن أسس كما تقدم بمسجد المنية نظام العزابة وعممه بوادي أريغ وانتقل إلى وادي ميزاب جموع الإباضية من شتى النواحي وعمرت قراه الأولى أسس فيها نظاما اجتماعيا يضمن في حياة الاستقرار دينيا واجتماعيا وهو على ضربين: جماعة الطلبة وجماعة العوام.
فجماعة الطلبة ثلاث فئات:
1 - العزابة: وهم جماعة مختارة من أشخاص يتميزون بصفات خاصة الواحد منهم عزابي فيجب أن يتحلى بالصدق والأمانة والورع والتقوى والاستقامة في السلوك، وأن لا يخالط السفهاء، ولا العامة وأهل الدنيا ويمتاز بلباسه الخاص الأبيض الإسلامي خاصة الحائك عندما يكون بالمسجد أو الأماكن (1/63)
صفحة 64
العامة وأن يحلق شعر رأسه، وأن يكون محافظا على أسرار العزابة ملازما للسيرة.
وتتألف الحلقة من اثني عشر عضوا في الأصل وهم الإمام ونائبه والوكيل ونائبيه والمؤذن وخمسة غسله الأموات وثلاث معلمين للصبيان بالمحضرة ويرأسها الشيخ وهو العمدة في كل شيء
وقد تزيد أعضاؤها حسب مقتضيات الأحوال.
وهم المكلفون بسير الأمور بالمجسد، وتنظيم الأعراس والمآتم وكل علاقة بالمجتمع من الجانب الديني أو الخلقي كسير التعليم، والحكم بين الناس في مشاكلهم وقسمة ترائكهم وقد يستعينون بمن يصلح من جماعة العوام، كما يعلنون البراءة ممن صدرت منه مخالفة لإوامر الله وتسمى براءة لعن أو من خالف ما حجرته العزابة من أمور الأعراس أو نحوها وتسمى براءة هجران، فقد حفظوا بذلك كيانهم، وقوموا به انحراف عامتهم إذ المعلن عليه البراءة يكون معزولا عن المجتمع كليا حتى يعلن توبته أمام الجمهور بالمسجد فهو عقاب سلبي كانت له ثمار عندما كانت الأمة متحدة. (1/64)
صفحة 65
الدرس الثاني والعشرون:
بقية فئات الطلبة
2 - جماعة إراوان: بعد أن يختم الطالب القرآن ويظهر عليه حسن السلوك يستطيع أن ينضم إلى جماعة إروان أي طلبة العلم على الشيخ.
فيقدم طلبا بنفسه وبواسطة والديه، فيخصص له وقت لاستعراض القرآن فإذا نجح ضع طعاما لرفقائه والعزابة فإذا حضر، تملا عليه شروط الانخراط وهو تغير سلوكه إلى استقامة تامة وملازمة نظام التعليم، ومتابعة الدروس وحفظ المتون والقيام بتوزيع المعارف في المواسم والمناسبات بالمسجد والمقابر. فإذا التزم بذلك فيل طعامه وإلا رد.
فهذه الجماعة هم الذين يعلمهم الشيخ، ويفقهم في الدين، كما يتلقون عنه جميع مبادئ العلوم من نحو وصرف وبلاغة وتجويد وغيرها، لكن هذا النظام قد تغير في شكله بعد أن تحولت المحاضر إلى مدرس قرآنية يتلقى الطالب فيها المبادئ ثم ينتقل منها معاهد أنشئت لاستكمال الدراسة شرعية وعلمية.
فبقيت منظمة لها امتيازاتها فيها تقوم به من أعمال المسجد. وما يكلفون به من طرف العزابة من غسل من هو في البراءة أو غير مستقيم. (1/65)
صفحة 66
3 - جماعة امسوردان: هي جماعة تتألف من رواد المحاضر كبارا وصغارا، فكبار يباشرون الأعمال والصغار يتهيئون لها.
فعمار المحاضر صنفان، صبيان يحفظون القرآن في ألواح معدة لذلك يستعرضونها على المعلمين في أوقات معينة تختلف حسب الشتاء والصيف م كما يزاولون حفظ عقيدة الوحيد أو متون فقه أو فرائض في سطرين أو أكثر بلوح القرآن.
أما الكبار فيؤمون المحاضر لدرس القران في أوقاتها المعينة مع الصبيان كما لهم أنظمة يسيرون عليها تحت جماعة مختارة منهم تقوم بتنظيم الحراسة والأعمال التصوعية مثل جلب الحطب في القديم، وجلب صفائح الحجر لتسقيف القبور بعد التراب حفظا من السباع وإصلاح الطرقات ونحو ذلك.
الدرس الثالث والعشرون:
جماعة العوام
هم على صنفين:
1 - العشائر: العشيرة خلية اجتماعية حسب تعبير العصر، فتكون مؤلفة من سكان القرية ينتسبون إلى جد واحد، وقد يختلف نسبهم فهم بطون لعشيرة واحدة يجمعهم اسم العشيرة.
ويكون لها مجلس ادراة من ممثلين بكل فرع منها واحدا وأكثر، فهم الرأس المدبر لسير الأمور في العشيرة، ومهمتهم (1/66)
صفحة 67
النظر فيها من شأن مجموع العشيرة من القيام بأمور اليتامى وأرامل ومراقبة الشباب، وتوجيه الوالدين لما يصلح شأن أبنائهم، وتنظيم الأعراس وجمع ما يحتاجون من تبرعات المصالحهم الخاصة والعامة للبلدة كما يزيلون ما يحدث من مشاكل بين أفراد العشيرة.
2 - جماعة الضمان: هم مجموع رؤساء العشائر إذ كل عشيرة تختار من بينها من يمثلها في البلد ويسمى ضامنا إذ هو المسؤول عن كل ما يلزم على العشيرة من إتاوة حسبما كان في القديم، أو واجب مادي أو معنوي في البلد أو الوطن، كما هو مسؤول غن تغير النظام في العشيرة ماديا وأدبيا.
فمن مجموعهم بتكون مجلس يشرف على سير النظام بالبلد خارج أمور العزابة ولهم رئيس يختارونه من بينهم، ومهمتهم ما يتعلق بنظافة البلد وإصلاح الطرقات وتنظيم التطوعات العامة، ثم لما جاءت فرنسا صاروا ينسقون أعمالهم مع بعض العزابة في مجلس يسمى مجلس الأعيان، فيتعاونون على فض المشاكل العامة، كما يتفقون على توفير الأمن وإصلاح المرافق العامة أو إنشائها، كالسدود والآبار لسقي الماء العذب والنظر في أمور الشباب، وإصلاح المجتمع، فهم السلطة العليا في البلد، ذلك ما سار عليه نظام المجتمع الإباضي في ميزاب (1/67)
صفحة 68
وغيره قديما وفي ميزاب إلى اليوم، إلا أنه قد تطرق إليه نوع من الضعف نتيجة تغير الأنظمة الاجتماعية وسريان روح المدنية ونقصان روح التضحية والأمر الله.
مجلس عمي سعيد:
ويشرف على هذه الأنظمة كلها مجلس يؤلف من أعضاء من عزابه القرى وعلمائها للنظر في المسائل العامة، خاصة ما يتعلق بسير المساجد، الإفتاء والنظر في المائل المستحدثة، وغير ذلك.
هذا ما تيسر جمعه من تاريخ الإباضية، وبه تنتهي سلسلة ما تكفلت به من دروس المعهد وهي عشر سلسلة الفقه والدليل سبع حلقات مختصر دروس أصول الفقه الاختيار في سيرة المختار وهذا اللمعة المرضية من تاريخ الإباضية.
المراجع:
كتاب السير، لأحمد بن سعيد الشماخي.
طبقات المشائخ، لأبي العباس أحمد الدرجيني.
سير الأئمة، لأبي زكريا يحي بن أبي بكر.
الأباضية في موكب التاريخ، للشيخ على يحي معمر.
العقود الفضية في أصول الإباضية، للشيخ سالم بن حمد العماني.
الكامل، لابن الأثير
الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، للأستاذ عوض خليفات. (1/68)
صفحة 69
فهرس مواضيع الكتاب
مقدمة
الدرس الأول: تمهيد حول نشأه المذاهب الإسلامية
الدرس الثاني: إمام المذهب جابر وسبب النسبة لغيره
الدرس الثالث: عبدالله بن إباض وأبو عبيدة مسلم (ح)
الدرس الرابع: الربيع بن حبيب ومسنده
الدرس الخامس: ثورات الإباضية ضد الظلم والطغيان
الدرس السادس: عبدالله بن يحي طالب الحق
الدرس السابع: محاولات الإباضية لإقامة الإمامة في ليبيا
الدرس الثامن: فتح القيروان
الدرس التاسع: نشأة الدولة الرستمية وأسبابها
الدرس العاشر: إمامة عبد الوهاب والافتراق الأول للإباضية
الدرس الحادي عشر: بقيته أحوال الإمام ووقائع زمانه
الدرس الثاني عشر: فتنة خلف وإمامة أفلح
الدرس الثالث عشر: إمامة أبي بكر وما رافقها من أحداث (1/69)
صفحة 70
الدرس الرابع عشر: إمامة أبي حاتم يوسف وما رافقها من أحداث
الدرس الخامس عشر: وقعة مانو وما رافقها من أحداث
الدرس السادس عشر: ما بعد انقراض الدولة الرستمية
الدرس السابع عشر: الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخير وأبو القاسم البغطوري
الدرس الثامن عشر: أبو القاسم وأبو خزر رحمهما الله
الدرس التاسع عشر: أبو مسور وابنه فيصل رحمهما الله
الدرس العشرون: الإمام الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر
الدرس الواحد والعشرون: النظام الاجتماعي والديني بوادي ميزاب
الدرس الثاني والعشرون: بقية فئات الطلبة
الدرس الثالث والعشرون: جماعة العوام (1/70)
صفحة 71
[صفحة فارغة] (1/71)
صفحة 72
هذا الكتاب دراسة مختصرة عن المجتمع الأباضي في المشرق والمغرب في ستة محاور:
1 - أسباب اختلاف المذاهب مع ان المستقى واحد هو الطلاب والسنة.
-2 دور ايمة المذهب الاباضي في تأسيسه بالمشرق وتسييره حال الكثمان خاصة الأمام جابر وابي عبيدة.
-3 ظهور المذهب الاباضي بالمغرب على يد سلمة بن سعد واحواله في قوته و ضعفه الى انقراض الدولة الرستمية بالجزائر
4 - استمرار المذهب بعد انقراض الرستمين و دور الامام ابي عبد الله محمد بن بكر في تاسسه للحلقة لحفظ المذهب.
5 - دور الحلقة في المجتمع الأباضي.
6 - النظام الاجتماعي بوادي مزاب و دور العشائر فيه (1/72)