صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: المدخل إلى تاريخ الإسلام في إفريقية مع دراسة للدور العماني
المؤلف: محمد قرقش
الناشر: مطبعة بسمة للطباعة والنشر
مكان النشر: صحار - سلطنة عمان
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 95/136
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1458&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/421
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 محرم 1447ه/ 01 - شهر 07 - 2025م. المدخل إلى:
تاريخ الإسلام في أفريقية
مع دراسة للدور العماني
دكتور / محمد قرقش
بن محمد رسول الله
الى الناشر عظيم الحبشة سلام
على من اتبع الهدى. أما بعد فإني
احمد اله الله الذي لاله الاهو البلد المدوس
السلاح اليمن المضين وأشهد أن عيسى بن مريم روع
الله وكلمته التاما إلى مريم البتول الطيبة النصية الحملت
بعيسى من رواه ونفحه كما خلق ادم يده. وإني أدعوك إلى
الله وحده لا تريد له والموالاة على طاعته وأن تتبعني
وتوقن بالذي جاءني فإني رسول الله وإني أدعود
ك على الله عزوجل. وقد بلغت ونصحت
اقبلوا نصيحتي والسلام على من
راتبع الهوى (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
المدخل إلى:
تاريخ الإسلام في إفريقية
مع دراسة للدور العُماني
تأليف:
دكتور / محمد قرقش
الموزع مكتبة ابن كثير (1/3)
صفحة 4
(جميع الحقوق محفوظة للمؤلف) (1/4)
صفحة 5
النبي والتي
رب ارحمهما كما ربياني (1/5)
صفحة 6
فهرست الموضوعات
ص: 3
ص: 4
(13 - 59)
(121 ? 1.)
(147 - 243)
المقدمة
الفصل الأول:
مقدمة جغراف
1 - الملامح الطبيعية.
2 - السـ
كان.
- الإقتصـ
الفصل الثاني:
ملامح التاريخ الإفريقي القديم 1 - ملامح عصور ما قبل التاريخ في إفريقية. 2 - إفريقية في سياسات العام القديم. - ممالك إفريقية قديمة.
- تجارة إفريقية.
الفصل الثالث:
إفريقية في العصر الإبد
1 - العرب وإفريقي
- إفريقية في عصر الرسول والخلفاء الراشدين
-1 - (1/6)
صفحة 7
3 - إفريقية في السياسة الأموية. - أوضاع إفريقية في العصرا ر العباسي.
ه - حركة التجار الإفريقية في العصر الإسلامي.
الفصل الرابع:
امتداد الإسلام إلى جنوب الصحراء الكبرى (344 - 381)
ا - السودان الشرقي والقرن الإفريقي.
2 - انسياب الإسلام إلى السودان الأوسط.
- انتشار الإسلام في السودان الغربي. - أهم مراكز الحضارة الإسلامية في السودان الغربي.
الفصل الخامس:
الإسلام والثقافة العربية في شرق إفريقية ووسطها.
(الدور العماني المميز والمستمر) (382 - 482)
ا - المحيط الهندي يتحول إلى محيط إسلامي.
- خصوصية الدور العماني مع شرق القارة.
- مراحل الإنتشار العماني والإسلامي في شرق إفريقية. 4 - توجه التيار الإسلامي إلى وسط إفريقية. - تجارة شرق إفريقية: السلع والأخطار.
الخاتمة ...
الملاحق ...
- Y- (1/7)
صفحة 8
التصـ
لم تلق قارة من قارات العالم، قديمة وحديثة، تجاهلاً وإهمالاً وإعراضاً مثلما عانت قارة إفريقية، الأمر الذي يتبرم منه الباحثون والمنصفون في كل مكان
الهموم
وبرغم إمكانيات القارة الهائلة، ومساهمتها الحضارية الواضحة، ودورها الكبير في مسيرة التاريخ والحضارة البشرية، فإنها وجدت نفسها في النهاية مرتبطة بالتخلف والديون، والفقر والجوع. وكأن العالم أراد لها أن تكون قارة، وحتى يكتمل الأمر طمست المكتبة التاريخية، هي الأخرى، إنجازات، ووضعت حضارة وادي النيل، الفرعونية، ضم نطاق بعيد، وهو الشرق الأدنى، حتى تبتعد القارة عن صفة الحضارة والمدينة، رغم أن مياه النيل تجري على أرض إفريقية، وأن مصر هي هبة النيل. وكان الهدف هو يكون الفضل الأول لإكتشاف القارة وبنائها يرجع لأوروبا وليس لغيرها
القارة عبر
العصور
أن
ومن أجل إبراز ملامح الشخصية التاريخية الإفريقية، وتوضيح أهمية القارة للبشرية في العصور القديمة، ونهضتها في العصور الإسلامية، والتي تمثل العصور الذهبية للقارة الإفريقية. قدمنا هذا العمل، بعد أن أصبح واضحاً أن الإسلام هـ
الديانة الوحيدة التي طورت القارة وفجرت إمكانيات سكانها، وعدلت من أهلها. فظهرت بفضله ممالك ودول وسلطنات كانت من أهم القوى في عصورها
هو
أداء
ولما كانت لأهل عمان دورهم المميز مع مسيرة القارة، والذي لا يمكن أن
يتجاهله الباحث المنصف، فإننا قدمنا دراسة لملامح هذا الدور أيضاً حيث إرتبطت إفريقية بعالم المحيط الهندي على سفن أهل عمان، واستمر هذا الدور الواضح باستمرار عبر الهجرات العمانية المستمرة والأداء العماني الهام الذي ترتب عليه نشر الإسلام وحضاراته وثقافته في شرق ووسط القارة ومازالت تلك الإنجازات محل تقدير من الباحثين والمهتمين.
-- (1/8)
صفحة 9
المقدمة
تناست الدراسات التاريخية قديمها وحديثها تاريخ قارة إفريقية، بصورة عامة وتاريخ الإسلام بها بصورة خاصة، واكتفت أرفف المكتبة التاريخية الإفريقية على دراسات لأهمية الدور الأوروبي ورواده وبعثاته وقواته، حتى ساد بين الباحثين أن تاريخ القارة يبدأ مع الرجل الأبيض وإنجازاته، وأن الفترة التي تسبق ذلك ما هي إلا إمتداد للعصور الحجرية والعقائد الوثنية. الأمر الذي يحمل الباحثون جهداً كبيراً لإبراز الحقيقية، بعيداً عن الدوافع الاستعمارية.
لقد أدت إفريقية دورها بأمانة وإخلاص في المسيرة الحضارية العالمية عبر العصور التاريخية، ففي المراحل الحجرية شهدت القارة كيانات حضارية لا تقل في مستواها عن مثيلاتها في قارة آسيا أو أوروبا، ومازالت الدراسات التي يقوم بها رجال الآثار على مشارف الصحراء الكبرى تشير بأهمية القارة في العصور الحجرية القديمة والحديثة (1) والدليل على أهميتها في تلك الفترة خروج جماعات بشرية منها صوب وادي النيل، بعد التغيرات التي طرأت على المناخ في العصور
الحجرية الحديثة
وجاءت العصور التاريخية القديمة لتقدم للعالم حضارة هامة إفريقية المولد والنشأة، عالمية الانتشار، وهي الحضارة الفرعونية في مصر، والتي قدمت إنجازات شاملة في كافة مجالات الحضارة وأثرت بشكل واضح في أوضاع غرب آسيا وصوب البحر المتوسط في المجالات العقائدية والسياسية والإقتصادية (2)، ويبدو أن تلك الحضارة قد شملت في محيطها الحيوي مناطق وادي النيل وشمال إفريقية ومنطقة السودان الشرقي والسودان الأوسط والسودان الغربي (3)، بل أن هناك من يدلل بوجود تأثيرات مباشرة لها على سواحل شرق إفريقية المطلة
(1)
J.D. Oliver: Papers in African Pre HistoryCambridge, V. P. P. 3,1970.
(2) فخري، أحمد، دكتور، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص: 121 القاهرة. (3) أطلق العرب على نطاق السافانا الإفريقية جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى اسم بلاد السودان، نسبة إلى اللون، ويمتد هذا الحزام من ساحل مورينانيا والسنغال غرباً على المحيط، حتى السودان الحالي وأرتيريا على البحر الأحمر شرقاً، وينقسم هذا الحزام إلى ثلاثة مناطق: السودان الغربي ويشمل غرب الحزام، والأوسط حول بحيرة تشاد، والسودان الشرقي وهو السودان الحالي
الأطلسي
-?- (1/9)
صفحة 10
على المحيط الهندي (1)، ومازال الدور الهام الذي قامت به الحضارة الفرعونية الإفريقية محل اهتمام كبير للمؤسسات الثقافية العالمية. وجاءت مرحلة جديدة في تاريخ القارة القديم على يد أهل قرطاج، الذين يرجعون إلى أصول فينيقية، حيث كان لهم دورهم الهام في حضارة البحر المتوسط بصورة عامة قبل ظهور روما كقوة عالمية. واستمر هذا الدور لأكثر من ألف عام تقريباً واستغلت قرطاجنة دورها الهام بين إفريقية من جهة، وعالم البحر المتوسط لتنقل للعالم القديم إمكانيات القارة الإفريقية من السلع والمواد الخام، عبر دروب صحراوية شاقة إلى مناطق السافانا الغنية جنوب الصحراء. وبفضل الإمكانيات الإفريقية استمر أداء الدور القرطاجني في العالم القديم لفترة زمنية طويلة، وأحرزت انتصارات متتالية على مدينات أوروبا الوليدة. وازدهرت مدن وموانيء إفريقية في هذا العصر مثل: قابس، لمط، سوسة، بنزرت، عنابة، بجاية، الجزائر، (المدينة) وغيرها.
وأرست قرطاجنة في شمال إفريقية حضارة أبدعت في المجال الإقتصادي حيث أصبحت المنطقة قبلة للتجار، وفي المجال السياسي، وفي المجال الثقافي والديني أيضاً واستمرت تلك الشخصية الحضارية في المنطقة حتى العصر الروماني. كما اندمجت مناطق البربر في عالم البحر المتوسط، وتعرفت بفضلها إلى مدنيات
الشرق وحظاراته
•
وساهمت إفريقية كذلك في عالم المحيط الهندي، مثلما ساهمت في عالم البحر المتوسط، حتى أن المراقبين لاحظوا إرتباطاً واضحاً منذ القديم بين مناطق غرب آسيا وجنوبها مع شرق إفريقية، بل أن شبه الجزيرة العربية، كانت جزء من: قارة جندوانا الإفريقية، ثم انفصلت منذ ملايين السنيين وأصبح إتصال شرق القارة منطقة شبه الجزيرة العربية أمراً متواصلاً عبر العصور التاريخية، وأسست شعوب عربية قديمة ممالك لها ومستعمرات على سواحل إفريقية الشرقية، منها ممالك بلاد بونت على ساحل الصومال، ومستعمرات أهل أوسان اليمنيين على سواحل موزمبيق الحالية، وربما يكون الأحباش هجرة من اليمن إلى مناطق الهضبة الحبشية
(1) الناصري، سيد أحمد علي، دكتور، المصريون والعرب وعلاقاتهم بإفريقية في العصور القديمة، جامعة القاهرة، 1990، ص: 3، 4. (2) جوليان، شارل أندريه، تاريخ إفريقية الشمالية، من البدء إلى الفتح الإسلامي، تعريب محمد مزالي، والبشير بن سلامة، الطبعة الخامسة، الدار التونسية للنشر يونيو 1985. ص: 84 - 119. (1/10)
صفحة 11
عبر
باب المندب والتي ترتب عليها فيما بعد ظهور أكسوم الحبشية (1)، والتي استمرت حتى ظهور الإسلام تؤدي دورها الهام إلى أرجاء العالم القديم (2). وأصبحت إفريقية، بحق المجال الحيوي للجماعات العربية من شبه الجزيرة العربية والتي تدفقت منذ الألف الأول، قبل الميلاد، على الأراضي الإفريقية، عبر
منافذ عديدة أهمها: شبه جزيرة سيناء من الشمال، وباب المندب من الوسط وسواحل شرق القارة من الجنوب، واستمر التوغل العربي مستمراً نحو داخل القارة. كما شهدت السواحل والأراضي العربية هي الأخرى هجرات إفريقية مضادة، كان أهمها احتلال الأحباش لليمن وجنوب الجزيرة العربية الغربي، حتى ظهور الإسلام. وبذلك ارتبطت القارتين الآسيوية والإفريقية معاً عبر بلاد العرب.
•
وجاء القرن السابع الميلادي لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ العالم العامة، ومنطقة غرب آسيا وشبه جزيرة العربية وإفريقية خاصة. ذلك أن رسالة الإسلام التي ظهرت بأنوارها من منطقة الحجاز، كان لها وقعها السريع داخل القلب والجسد الإفريقي، واعتمدت رسالة الإسلام على رصيد العلاقات العربية الإفريقية السابق لتضيف إليه أبعاداً سامية وإنسانية راقبة للقارة الإفريقية، ورغم الإحتلال والنفوذ الروماني في شمال إفريقية، إلا أن القارة كانت مشدودة إلى شبه جزيرة العرب فتلقفت رسالة الإسلام من أيامها الأولى أن الأحباش قدموا جميلاً سيظل، حتى في تاريخ الإسلام، حينما وفروا الحماية للمهاجرين الأوائل، في وقت الرفض والتعنت من قبل كفار قريش (3).
خالداً
وبدأت صفحات التاريخ الإفريقي تحمل ملامحها الخاصة في العصر الإسلامي حتى اعترف الباحثون أن إفريقية هي قارة الإسلام، وأن الإسلام هو الديانة الملائمة للأفارقة في فطرته وتسامحه ومبادئه، بعد تجارب المؤسسات غير الإسلامية داخل القارة في العصر الحديث. ذلك أن ينتصف القرن الأول الهجري، وقبل أن
ينتهي
، ص: 52
(1) يوجد في اليمن جبل يسمى "حبيش" انطلق منه مهاجرون عبر باب المندب إلى الهضبة المقابلة وسكنوا تلك المنطقة التي عرفت باسمهم. انظر: علي، جواد، دكتور، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام جـ 3 وما بعدها. بيروت، الطبعة الثانية، 1978 م. (3) العارف، ممتاز، الأحباش بين مأرب وأكسوم، المكتبة العصرية، بيروت، ص: 89.
(3) انظر: الفصل الثالث من الكتاب
-7 - (1/11)
صفحة 12
القرن السابع الميلادي، فتحولت شمال إفريقية إلى دولة الإسلام، وبدأ البربر في التعرف على الديانة الجديدة التي قبلوها منذ البداية بلا تردد، وأصبحوا عوناً مع إخوانهم العرب في مواجهة بقايا الوجود الروماني والجرماني.
ومع خبرات العرب في اجتياز الصحراء فقد بدأت منذ البدايات الأولى أدلة تاريخية على تمكن العرب من التوغل في الصحراء الإفريقية والإمساك بشبكة الطرق والدروب الصحراوية عبر الصحراء، وهي شبكة واسعة تمتد من شرق القارة إلى غربها ومن شمالها إلى نطاق السافانا. وبالفعل تمكن العرب من الوصول بسرعة إلى الحزام السوداني، وتحسين شبكة الدروب الصحراوية في عصرهم. فعبر واحات سيوة والكفرة وفزان ومرزوق وغداس وتوات، تمكن العرب مع جماعات البربر من تنظيم شبكة طرق صحراوية لربط شمال القارة بوسطها بطريقة فعاله وآمنة
ولأول مرة برزت القارة الإفريقية تساهم بإمكانياتها في مسيرة الحضارة الإسلامية فوصلت مبادي الإسلام إلى أهلها فأقبلوا عليه، ظنا منهم أن الإسلام هو الحضارة والرقي والأمن والسلام، بعد ما لمسوه من أتباعه الذين وصلوا إليهم
وعرفت إفريقية دولاً وسلطنات إسلامية قوية مثل سلطنة مالي، وسلطنة صنغي وسلطنة كانم وبرنو، وإمارات الحوصة وغيرها من سلطنات ومشيخات السودان الشرقي. وازدهرت طرق الصحراء الإفريقية بنور الإسلام لربط شمال القارة بوسطها، فتتابع تدفق قوافل التجار بين الجهتين وكذلك جماعات الطلاب الذين قصدوا جامعات الإسلام في الأزهر والزيتونة والقيروان، وكذلك جماعات العلماء. كما بدأت تلك السلطنات الإسلامية تقيم علاقات وثيقة مع أقطار وأقاليم العالم الإسلامي في مصر والحجاز والعراق بالإضافة إلى المغرب والأندلس
ووصلت إفريقية قمة مجدها مع عصر الإسلام، فوصلت دولها الإسلامية إلى مرحلة هامة من التنظيم والتدبير الإداري والرقي الفكري والثقافي بشكل لم تشهده القارة من قبل أو من بعد. واستغل الإسلام طاقات أهلها، وفجرها لصالح بلدانهم فنهض الأفارقة في بناء أوطانهم والنهوص بها ولم تشهد القارة استنزافاً لإمكانياتها. بل ظل الأمر مرتبطاً بالتبادل التجاري المتوازي بينها وبين بلدان العالم الإسلامي الأخرى، فتقدمت دولها، حتى أصبح حاكم مملكة مالي الإسلامي من أعظم أربعة حكام في عصره مع حكام بغداد والقاهرة، وظهرت في القارة جامعات في مالي، قبل أن تعرفها قارة أوروبا بعدة قرون
•
•
- V- (1/12)
صفحة 13
وإذا كان الإسلام قد نفذ جيوشة من الشمال، وتجاره عبر الصحراء إلى الوسط فإن شرق القارة مازال يدين بالدور الكبير لأهل عمان عرب الخليج واليمن بالدور الهام لنشر الإسلام وحضارته في مناطقه
لقد وصلت سفن أهل عمان إلى الشرق الإفريقي، ونزلت بره وجزره.، لتجد جماعات إفريقية موغلة في البدائية والتخلف، فاستقرت بجوارها وأخدت بيدها على دروب الحضارة حتى ظهرت على سواحل الزنج إمارت وممالك إسلامية، بلغت هي الأخرى درجة هامة من الرقي والتقدم، بعد أن توافدت عليها جماعات من البحرين وشيراز واليمن. واخترق المسلمون من هذا الجانب حاجز الغابات الإستوائية الكثيفة لتصل جماعات التجار إلى بحيرة فيكتوريا وتنجانيقا وإلى حوض نهر الكونغو ومملكة بوغندة
الشمال
وبذلك تكامل الدور العماني من الشرق مع الدور العربي والبربري من لتتحول القارة الإفريقية إلى مرحلة هامة داخل المجتمع العالمي، فانفتحت على العالم بإمكانيات أهلها وطاقاتهم، وخيرات أرضها وغاباتها. وتمكن الإسلام من إرساء حياة راقبة لأول مرة داخل القارة.
ينتهي
وبدت العصور التاريخية الحديثة، مع نهضة وقوة أوروبا، وحملت تلك العصور منذ بدايتها شراً وظلماً للقارة، فبدأت عمليات الإلتفاف حول الفريسة في رحلات البرتغال حتى تمكن باثلميودياز قبل أن. القرن الخامس عشر الميلادي من الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وتبعته حملات فاسكودي جاما، والبوكيرك وغيرها وبدأت تدخل القارة فترة جديدة من التخبط والظلم والتخلف والجهل، وذلك أن الأوروبيين جميعاً، اعتبروا القارة أراضي" لأصحاب لها No Man s Land" وبدأت مرحلة جديدة من استنزاف لطاقات القارة بشرياً ومادياً وفكرياً، حتى فقدت القارة من طول تلك الفترة وقساوتها هويتها الإفريقية وتمزقت وسط ثقافات متعددة، بعيدة عن بيئتها وثرائها
ومع
•
?
تفحصنا للأوضاع الإفريقية الحالية نلاحظ أموراً هامة منها: ما يلي: الأمر الأول: أن قارة إفريقية مازالت تمثل المجال الحيوي للعالم الإسلام عامة، والعالم العربي خاصة. فقد قدمت تجربة العلاقات العربية الإفريقية والإسلامية نموذجاً حضارياً راقياً بعيداً عن الإستغلال والقهر والظلم، والمنفعة المادية، في مقابل الآثار المريرة للتجربة الأوروبية داخل القارة والتي يستنكرها المنصفون
-^- (1/13)
صفحة 14
من الغرب أيضاً
الأمر الثاني: تواجه الإنجازات العربية والإسلامية داخل القارة الإفريقية في العصر الحديثة تزاحماً وتجاهلاً من قبل المصالح الغربية، اعتقاداً أصحاب من المصالح المادية أن الإسلام ومبادئه يمثلان ثورة ضد أطماعهم، وذلك فإن مقاومة الإسلام، من وجهة نظهرهم حماية لمصالحهم ومآربهم، حتى أن هؤلاء حملوا معهم جماعات التنصير لوقف عمليات المد الإسلامي
•
الأمر الثالث: تعد إفريقية امتداداً جغرافياً طبيعياً للعالم العربي والإسلامي، ومازالت تتوالي دولها في الإنخراط في أسرة الجامعة العربية، حرصاً منها على إحياء مجدها السابق المرتبط بالعروبة والإسلام. وتحتوي البلدان الإفريقية المسلمة على حوالي عشرة مليون كم، ذات إمكانيات هائلة رعويل ومعدنياً وزراعياً. ويشكل المسلمون في قارة إفريقية حوالي %57.2? من سكانها، وحوالي 30? من سكان العالم الإسلامي عامة. مما يشير إلى تدني الكثافة السكانية في القارة الإفريقية وإمكانية إستغلال ذلك والإستفادة منه إسلامياً وعربياً.
الأمر الرابع: مازالت مسئولية العالم الإسلامي تجاه إفريقية كبيرة، وذلك أن هناك جماعات وثنية تنتشر بين سكانها لتصل في بعض الأحيان إلى 38? من جملة بعض دول غرب إفريقية، كما أن مناطق عديدة تعاني من الجهل والفقر والجوع والمرض، وخاصة المناطق الإسلامية، لأسباب عديدة مفروضة على أهل تلك
•
المناطق من خارجها الأمر الخامس: تتزايد الإهتمامات العالمية من قبل القوى الكبرى بالقارة في الأونة الأخيرة بسبب: مخزونها الإستراتيجي الهائل من المعادن الهامة مثل الماس، الذي تحتكرة القارة، والبترول، واليورانيوم، والكروم، والنيكل والنحاس، والذهب، بالإضافة إلى إمكانياتها الزراعية من نخيل الزيت والفول والكاكاو والقطن والبن، وسلعها الأخرى. وستظل القارة أكبر الاسواق العالمية
للصراعات الدولية من قبل الشركات الرأسمالية الكبرى للفوز بحصص أكبر فيها
الأمر السادس: أصبحت القارة الإفريقية تتخبط بإستمرار وسط أيدلوجيات حديثة متنافسة تتجازب القارة، فقد تخاطفتها أطماع البرتغال وبلجيكا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا حتى الحرب العالمية الأولى، ثم حلت محلها أيدلوجيات السوفييت، بسبب أهميتها. وأخيراً عادت عمليات الجذب الياباني والأوروبي بعد
والأمريكان
•
-9 - (1/14)
صفحة 15
تفكك الإتحاد السوفيتي. ويمكن إعادة إبراز النموذج الإسلامي كأفضل النماذج
والتجارب
•
من
:
من هنا فقد قمنا بإعداد هذا العمل لتحديد ملامح القارة عبر العصور التاريخية أجل إبراز أهمية العصر الإسلامي بها، ودور الإسلام في بناء الكيان والذاتية الإفريقية وتفجير طاقات أهلها، ومحاولة إظهار دور العناصر العربية في هذا المجال خاصة أهل عمان.
وقمت بتقسيم الكتاب إلى سبعة فصول: جاء الفصل الأول منها يلقي صورة من جغرافية فاستعرضت فيه ملامح القارة الطبيعية، والسلالات البشرية، والملامح العامة الإقتصادية للقارة. أما الفصل الثاني فقد جاء مشتملا على ملامح تاريخ إفريقية القديمة واستعرضت فيه ملامح عصور ما قبل التاريخ بالقارة. ومكانة إفريقية في سياسات العالم القديم وقواه الكبرى التي حرصت على الوصول إلى إمكانيات القارة لأهميتها في بناء مدينات العالم القديم. كما استعرضت في هذا الفصل أهم الممالك الإفريقية القديمة التي ظهرت في الشمال وجنوب الصحراء ومختلف أنحاء القارة، وذلك من أجل إثبات مكانة القارة وعمق دورها الحضاري
واستعرضت كذلك على عجل أهم جوانب التجارة الإفريقية للعالم القديم.
جاء الفصل الثالث من الكتاب لتحديد الدور الإسلامي والعربي في القارة، وجعلت عنوانه "إفريقية في العصر الإسلامي على أساس أنه عصر مميز بين أطماع أجنبية قديمة وحديثة. وحاولت إبراز أهمية الدور الإسلامي لإبراز الهوية الإفريقية الحقيقية واكتشاف طاقات شعوبها. فتحدثت فيه عن علاقات العرب بالأفارقة، وتتبعت أوضاع القارة وعلاقاتها بالمسلمين عبر عصور: الرسول، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين والعصر الأموي، وأوضاع إفريقية في العصر العباسي. وأشرت إلى حركة التجارة والنشطة في القارة خلال العصر الإسلامي وأهم سلعها ومراكزها
أما رابعهم فجاء مستعرضاً لانساب الإسلام وامتداده إلى إفريقية جنوب الصحراء، أو ما يسمى ببلاد السودان. فتتبعت إمتداد الإسلام في السودان الشرقي والقرن الإفريقي، وأهم الدول الإسلامية التي ظهرت في تلك الأماكن، ودور الإسلام في ظهور شخصية سودان الشرقي، السودان الحالي)، كما تحدثت عن أهم مظاهر الحضارة الإسلامية في السودان الشرقي والقرن الإفريقي متتبعاً ذلك حتى الوقت الحاضر. ثم استكملت ذلك بالحديث عن انسياب الإسلام إلى منطقة
- 1.- (1/15)
صفحة 16
بحيرة تشاد، أو ما يعرف بالسودان الأوسط، مع تحديد الظروف الجغرافية والتاريخية لذلك، وتحدثت عن ممالك كانم وبرنو والإمارات التي ظهرت في تلك النواحي، ومظاهر الحياة الإسلامية في تلك الأرجاء. مع الإشارة إلى دور الهجرات
المستمرة ومصادرها
•
ومن أهمية هذا الفصل فقد احتوى على دراسة لأهمية الإسلام في نهوض منطقة السودان الغربي، دول غرب إفريقية، فإستعرضت لأهم ممالكها من الناحية السياسية والتاريخية والإقتصادية، مع دراسة لأهمية ودور كل مملكة في نشر الإسلام والحفاظ على الهوية الحضارية الإسلامية الجديدة. من خلال الإتصال بالعالم الإسلامي ورحلات الحج المستمرة. فتحدثت عن مملكة غانا، ومالي، وصنغي. ثم تحدثت عن مظاهر الحياة الإسلامية بها حتى بداية العصور الحديثة. مع الإشارة إلى دخول الأطماع الغربية إلى تلك النواحي وبداية تدهور أوضاع المنطقة حديثاً، بعد عصر الإزدهار الإسلامي كما تحدثت في هذا الفصل عن أهم المراكز الحضارية في السودان الغربي، لتوضيح الفرق بين الصورتين الحالية والإسلامية السابقة
جاء الفصل الأخير مقتصراً على عمليات إتشار الإسلام والثقافة العربية
في شرق القارة الإفريقية ووسطها، ولما كان لأهل عمان الدور الهام في تلك النواحي من القارة الإفريقية فقد جاء الفصل الأخير مرتبطا في أغلبه بتوضيح دورهم الحيوي والفعال والمستمرة. لقد شاركت عناصر عربية وفارسية وهندية في نشر الإسلام على ذلك الساحل، لكن تلك العناصر لم تصل إلى درجة قوة الدور العماني بسبب قدمه وإستمرايته وفعاليته الواضحة حتى الوقت الحاضر. فتحدثت عن العوامل التاريخية والبشرية والطبيعية التي أدت إلى زيادة الدور العماني في نشر الإسلام في شرق القارة. وخاصة لما الموقع والظروف السياسية منذ العصر الأموي.
كما استعرضت في هذا الفصل تتابع الهجرات العربية والفارسية عامة. والعمانية خاصة، إلى شرق القارة مع تحديد فتراتها ودوافعها وآثارها في نشر الإسلام وثقافته في شرق إفريقية. وصور ومراحل التحول الإفريقي إلى الإسلام ومظاهر ذلك. وأشرت كذلك إلى أهمية وفعالية التجارة والتجار ودور المواني التجارية التي أصبحت بمثابة منارات الإسلام وثقافته داخل القارة الإفريقية فتحدثت عن منظومة الموانيء والجزر وصلاتها بحركة المد الإسلامي
-11 - (1/16)
صفحة 17
وتحدثت بالتفصيل عن مملكة كلوة التي ظلت قائمة حتى قدوم الغزو
البرتغالي، في بداية القرن السادس عشر الميلادي، بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح ووصول سفن البرتغاليين إلى المياه العربية وبداية تدهور وإنتهاء عصر السيادة العربية والعمانية على البحار، حتى ظهور دولتي يعاربة والبوسعيد، فيما بعد. وأثر تلك المرحلة في إمتداد النفوذ العربي العماني إلى قلب القارة الإفريقية في أوغنده والكونغو ومنطقة البحيرات. وتحدثت كذلك عن وصول الأطماع الأوروبية الحديثة إلى المنطقة وبداية تسللها ووضعها العراقيل أمام الوجود العربي والإسلامي مع الإشارة إلى آثار دولة البوسعيد في شرق القارة وإنجازاتها الشاملة
هذا وقد قمت بجمع ولملمة مصادر ومراجع تاريخ القارة الضحلة مكتبات من مصر وسلطنة عمان ومعارض الكتب، وبذلت قصاري جهدي في سبيل توضيح أهمية دور الإسلام في إستغلال طاقات القارة المادية والشرية من أجل وضع أسس الشخصية الإفريقية، خاصة وأن الباحثين قد أدركوا أن الإسلام هو الديانة السامية الوحيدة التي أدت إلى تقدم وتطور قارة إفريقية الواسعة" ونتمني أن يكون هذا العمل بداية لأعمال أخرى تضاف إلى إبراز الدور الهام لإفريقية في مسيرة الحضارة العالمية الذي قدمته بفضل الإسلام
*
ولا يسعني إلا أن أتقدم بخاص شكري وإمتناني إلى أستاذي الأستاذ الدكتور / أحمد عبد الحميد الشامي. وإلى العالم المحقق الشيخ / سالم بن حمد الحارثي. وإلى الأخ الفاضل الشيخ / أحمد بن سعود السيابي، مدير عام الإفتاء
من
، بوزارة العدل والأوقاف والشئون الإسلامية بسلطنة عمان، على ما قدموه لنا خدمات أثناء إنجاز هذا العمل، وأتقدم بالشكر الخالص إلى الشيخ / صالح بن راشد المعمري، مدير معهد السلطان قابوس للدراسات الإسلامية التابع لديوان البلاط السلطاني بصحار، على ما وفره لنا من مناخ علمي وتربوي خلال تدريينا لهذا المنهج لطلاب الفصل الثامن، من السنة الرابعة، المرحلة الجامعية.
- 12 -
هذا
.
وعلى الله قصد السبيل
دكتور / محمد قرقش (1/17)
صفحة 18
الفصل الأول
- 13 - (1/18)
صفحة 19
(1)
الملامح الطبيعية
تؤثر الملامح الطبيعية بصورة واضحة على شخصية ومسيرة أية منطقة جغرافية من مناطق العالم. ومازالت المدرسة الحتمية الجغرافية تجد لها أنصاراً حول هذا الأمر، وهي التي تبرز أثر الظروف الطبيعية على المستوى الحضاري للإنسان وألوان نشاطه، رغم تقدم البشرية وتمكن الإنسان من السيطرة على العديد من الظواهر الطبيعية والتحكم فيها، والتوصل كذلك إلى جوانب عديدة من نواميس
الكون وظواهره ويتضح هذا الأمر جلياً في القارة الإفريقية، فهي تبدو أشبه بعنقود من العنب يتدلى من الشمال صوب الجنوب، ويتصل بقارتي آسيا وأوروبا الشمال من الشرقي، والشمال ليسبح في الجنوب بين مياه المحيط الهندي والمحيط الأطلسي، وقد مكنها هذا الإمتداد والموقع الهام من التحكم في الممرات المائية التي تصل بين الشرق وبين الغرب عبر العصور، كما تتنوع فيها البيانات الجغرافية نظراً لإمتدادها الهائل بين دوائر العرض (1) فهناك الأقاليم المعتدلة والجافة والمدارية والإستوائية وتنفرد القارة بظاهرة تكرار تلك الأقاليم بين شمالها وبين جنوبها، بسبب مرور الإستواء في وسطها، فمناخ البحر المتوسط يتكرر في الظهور في جنوبها، على
سبيل المثال
خط
وأدى هذا التنوع البيئي للقارة إلى تنوع النشاط البشري من جهة وتعدد إمكانيات القارة وسلعها من جهة ثانية. الأمر الذي يضيف جهداً للباحثين في ضرورة الإهتمام بكل إقليم من أقاليمها حسب ظروفه وإمكانياته مع الأخذ في الاعتبار الهوية الموحدة للقارة بصورة عامة، فلم تقف الحواجز الطبيعية من صحاري وغابات وأدغال وأنهار في سبيل التواصل الحضاري بين مناطق القارة بل تمكنت كل من التكيف في محيطها والتغلب على مشاكلها وإنشاء شبكة من دروب الإتصال حسب إمكانياتها، فلم تكن الصحراء الإفريقية مجهولة إلا إلى الذين لا، حيث كانت تدب فيها الحياة عبر العصور القديمة والوسطى بصورة
جماعة
يعرفونها
(1) بدران، شارل، أطلس العالم، لندن، بدون تاريخ، ص: 3.
-18 - (1/19)
صفحة 20
(1)
أوضح من الوقت الحاضر
ومن حيث إمكانيات الموقع والموضع للقارة، فهي تعد ثاني أكبر قارات العالم القديم مساحة، بعد قارة آسيا، إذ تشمل على ما يزيد عن ثلاثين مليوناً من الكيلومترات المربعة، من اليابس العالمي، وهي بذلك تستحوذ على ما يقرب من خمس اليابس، الذي يبلغ حوالي 148 / مليون كم (2) وتشمل تلك المساحة الهائلة أقاليم جغرافية هامة تحتوي على عشرات الملايين من الأفدنة الصالحة للزراعة تمتد في وديان أنهار النيل والكونغو والنيجر والسنغال، وغيرها من الأودية المحصورة بين الجبال أو النحدرة صوب السواحل، كما تشمل على مساحات هائلة من المراعي خاصة في نطاق السافانا والمناطق الجبلية، ومازالت منتجات المراعي تمثل قطاعاً لإقتصاد دول غرب ووسط وشرق القارة (3) كما تضم الأراضي الإفريقية أهم مناجم الثروة المعدنية في العالم من ذهب وماس ونفط ونحاس وفوسفات وقصدير وغير ذلك، الأمر الذي جعل القارة محطاً لأنظار الدول الإستعمارية منذ البداية ومجالاً لتنافس الشركات الكبرى حتى الوقت الحاضر
كما تضم السواحل الإفريقية إمكانيات هائلة من حيث توفر الظروف المناسبة لإقامة سلسلة نشطة من الموانيء التجارية، قامت بدور كبير في تجارة العالم حتى الوقت الراهن، سواء على المحيط الهندي، أو المحيط الأطلسي، أو البحر الأحمر أو البحر المتوسط. كما تؤثر سواحل القارة في حركة الإتصال بين الشرق والغرب عبر تلك الموانيء والمضايق والممرات الإفريقية. من جهة ثانية وفرت القارة بتنوعها المناخي احتياجات أروربا، بصورة كبيرة، بسلع ومنتجات الأقاليم المدارية والإستوائية. وتتضح إمكانيات موقع القارة وأهميتها الحالية في الإهتمامات
العالمية بالقارة القطبية الجنوبية والتي تتداخل مع مياه القارة من الجنوب
وإذا نظرنا إلى أقاليم القارة الداخلية، وإمكانياتها، فإننا نجد أن قارة إفريقية عبارة عن كتلة مندمجة من المتناقضات الطبيعية، فمن القمم المرتفعة
(1) لوفران، جورج، تاريخ التجارة، ترجمة هاشم الحسيني، بيروت، ص: 9. فهمي، زكي. نعيم دكتور، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص: 85
(2) بدران، المرجع السابق. ص: 3.
(2) يونس، عادل، دكتور، العالم الإسلامي اليوم، ص: 256، القاهرة 1990 م.
-10 - (1/20)
صفحة 21
والهضاب العالية في مرتفعات أثيوبيا والتي تبلغ في بعض المناطق إلى 4600 متراً وجبل الكاميرون الذي يصل ارتفاعه إلى 4070 متراً، إلى أعلى قمة إفريقية في جبل كلمنجارو والتي تبلغ حوالي 5895 متراً (1)، وتتداخل تلك المرتفعات مع نطاقات الغابات والأدغال متجهة صوب خط الإستواء مكونة حزاماً من الغابات الكثيفة، مشكلة مجالاً بيئياً حول خط الإستواء، حيث تقل طولاً وكثافة لتنتهي
إلى سهول السافانا التي يسهل التحرك فيها واستغلالها والتحكم في مواردها وبالتالي أصبح هذا النطاق هو أهم أقاليم القارة الداخلية نشاطاً وحيوية منذ القدم. فظهرت عليه أهم حضاراتها ومديناتها منذ القدم، وبلغ درجة من الحضارة في العصر الإسلامي. كما شكل نطاق السافانا نقطة التقاء بين النطاقات الصحراوية الجافة التي تقع إلى شماله وبين الأقاليم الإستوائية التي تقع إلى جنوبه، وشهدت أرضه ظهور مراكز تجارية هامة منذ العصور القديمة، ومازالت الحفريات التي تتم حول بحيرة تشاد، داخل هذا النطاق، تشير إلى نشاط تجاري هام بين حضارة الفراعنة في وادي النيل وبين حزام السافانا وأواسط إفريقية، منذ الألف الثالث قبل الميلاد، ويؤكد هذا الأمر النشاط التجاري الهام عبر درب الأربعين (2).
ينساب هذا النطاق الحيوي في القارة حتى يتلاشي في الصحراء الإفريقية الكبرى. والواقع أن تلك الصحراء هي التي تتحمل القسط الأكبر في شطر القارة إلى قسمين لكل منها شخصيته المتميزة وأوضاعه الخاصة، ذلك أن الصحراء تمتد على شكل حزام يحزم القارة من الشرق إلى الغرب لتنشأ إفريقية الشمالية، والتي
(1) ترتبط الثلوج في قمم الجبال العالمية عامة، والإفريقية خاصة، بإرتفاع معين إذ أن عملية التناطق الرأسي للنبات ودرجة الحرارة تعتمد على عوامل أخرى أهمها القرب أو البعد عن خط الإستواء. فيوجد خط الثلح الدائم عند القطب الشمالي عند درجة عرض 57 شمالاً على إرتفاع صفر، ثم يرتفع كلما اتجانها جنوباً ليصل ذورة إرتفاعه في النطاق المداري، بسبب الجاف، حيث يزيد إلى 5000 متراً، ثم يعود إلى الإنخفاض لبعض الأمتار حول خط الإستواء بسبب تكون الرطوبة المستمرة والأمطار الغزيرة. كما تعتمد عمليات إستغلال المرتفعات على عوامل مواجهتها للرياح المحملة بالأمطار، وكذلك المواجهة لأشعة الشمس. فإذا كانت أوروبا تميل إلى إستغلال سفوح الجبال المواجهة لأشعة الشمس، فالأمر عكس ذلك في قارة إفريقية
انظر: طريح، عبد العزيز، الجغرافية المناخية، ص: 158 وما بعدها
M. Michacl, A history of the Arabs in the Sudan, P. 8.
-17 -
(2) (1/21)
صفحة 22
تشكل القسم الإفريقي من الوطن العربي، ثم تنشأ لنا إفريقية أخرى هي إفريقية المدارية، والتي تقع إلى جنوب الصحراء الكبرى. ومازالت الدراسات المتخصصة تفصل بشكل واضح بين الطرفين الإفريقيين، مع الإحتفاظ لمنطقة جنوب إفريقية بظروفها المحلية، حتى وصل الأمر إلى ضم إفريقية الشمالية إلى حوض البحر المتوسط وتياراته الحضارية أو إلى إقليم الشرق الأوسط (1). وحصر المفهوم الإفريقي في إفريقية المدارية جنوب الصحراء. والواقع أن هذا التقسيم يضر بمسيرة القارة الحضارية وإنجازاتها التاريخية، حيث يؤدي ذلك إلي عمليات تسرب لرصيدها الحضاري عبر خطوط حضارية أخرى.
وبرغم غلبة الجفاف على إفريقية الشمالية إلا أنها ضمت ظروفاً بيئية مناسبة
•
لإقامة نظم حضارية ووفرت لها بإستمرار أسباب الإستقرار والتطور والديناميكية ذلك أن هذا الحزام الشمالي لإفريقية يضم أودية لأنهار هامة مثل نهر النيل الذي جلب معه من قلب القارة سبل الحياة إلى شمالها، كما يضم أودية أنهار صغيرة تستفيد من أمطار جبال أطلس فتشكل في النهاية أودية خصبة صالحة لإقامة حضارات وتجمعات بشرية. كما تتلقى السواحل الشمالية كميات لا بأس بها من الأمطار العكسية التي تسقط عليها في فصل الشتاء بسبب تحرك مناطق الضغط فوق البحر المتوسط تجاه الجنوب من الشمال الأوروبي الرطب والمرتفع الآزوري في المحيط الأطلسي. الأمر الذي هيأ منطقة الشمال الإفريقي لإنتاج كميات كافية الغذاء على مر العصور (2)، بل أنها أدت دورها في تصدير ما تحتاجه حضارات حوض البحر المتوسط، حتى أنها أصبحت سلة للغلال للحضارات المجاورة.
لسكانها من
وترتب على ذلك أن شهدت إفريقية الشمالية حضارات عالمية، أدت أدوار
هامة في محيطها الإقليمي والعالمي، مثل الحضارة الفرعونية، وحضارة قرطاج
(1) ينقسم العالم إلى أقاليم سياسية عدة حسب ظروفها الطبيعية والحضارية، وبعد إقليم الشرق
الأوسط من أهم تلك الأقاليم. وهو يعد إمتداداً لدور منطقة الشرق الأدنى القديم، ويمتد
هذا الإقليم جغرافياً ليشمل منطقة شمال إفريقية وحتى منطقة افغانستان في أوسط آسيا
ويضم بذلك غرب آسيا وإفريقية شمال الصحراء. ويمثل هذا الإقليم أهمية خاصة في رصيده الحضاري وموقعه الإستراتيجي وإمكانياته الإقتصادية. ويتميز القسم الإفريقي من هذا الإقليم بقلة تضرسه وإستواء سطحه. رغم وجود جبال أطلس ومرتفعات تبتسي والهضاب المصرية. (2) هيبة، أحمد عبد السلام، دكتور، الإنتاج الغذائي في الوطن الإسلامي، ص: 24 القاهرة 1980 م.
4
- 17 - (1/22)
صفحة 23
وممالك بربرية مثل مملكة الموريين وماسولة ومازيولة، وهي الممالك التي أطلق عليها اليونان والرومان اسم النوميديين، وهي لفظة مأخوذة من لهجة البلاد في تلك العصور التاريخية القديمة (!) وقد نشأت علاقات إقتصادية بين مناطق الشمال من جهة وبين حوض البحر المتوسط وممالك الشمال من جهة ثانية بسبب توفر المواد الخام في هذا الحزام (2).
وإلى الجنوب من إفريقية الشمالية تمتد الصحراء الإفريقية الكبرى التي تمتد على شكل حزام عريض يمتد من الشرق إلى الغرب، حتى يتوقف عند نطاق السافانا الذي يقف خلفه من الجنوب نطاق الغابات الإستوائية
وحفلت الصحراء الإفريقية الكبرى هي الأخرى بأسباب الحياة والنشاط، بعد الظروف المناخية الجديدة التي كانت تسودها في العصور المطيرة خلال حقبة العصور الحجرية والتي انتهت بتغير المناخ وسيادة الجفاف بها، مما أدى إلى نزوح الإنسان عنها إلى مناطق الأنهار والأمطار، ورغم تغير المناخ وسيادة الجفاف فإن تلك الصحراء ظلت تحوي محطات حضارية هامة في نقاط متباعدة بين رمالها وهي الوحات الشهيرة في صحراء مصر الغربية وليبيا مثل واحة سيوة وواحات الداخلة والخارجة والفرافرة ومرزوق والكفرة وفزان وأغاديس وموار، بالإضافة إلى واحات المغرب الأقصى (3) كما لاخط الرحالة والجغرافيون المسلمون توفر سبل الحياة في تلك
وبذلك
الواحات وإنتاج بعضها لأنواع من الفاكهة والحبوب (4) كما اشتهرت بوجود أنواع عديدة من الثروات المعدنية أيضاً بها أو بالمناطق الصحراوية المحيط بها (5). أصبحت تلك الواحات عبر الصحراء الكبرى بمثابة محطات ومراكز تجارية يمكن الوصول إلى الواحة تلو الأخرى عبر طرق ودروب شاقة في الصحراء أصبح لأهلها خبرتهم الطويلة بها بمرور الزمن
(1) جوليان، شارل، أندرية، تاريخ إفريقية الشمالية، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة الطبعة الخامسة، ص: 29 وما بعدها.
(2) الجوهري، يسري، دكتور، شمال إفريقية، ص: 89 - 100.
(3) ريموند موني، طرق التجارة عبر الصحراء قبل الفتح العربي، مجلة البحوث التاريخية، ليبيا، 1981، العدد الأول، ص: 119 - 102.
•
(4) راجع: رحلة ابن بطوطة، وابن حوقل في صورة الأرض.
(5) ابن سعيد المغربي، أبو الحسن على بن موسى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي)، كتاب الجغرافيا، تحقيقي اسماعيل العربي، ص: 81 - 96 بيروت، 1970 م.
- 14 - (1/23)
صفحة 24
وقد قامت الصحراء الإفريقية بدور هام في عمليات التبادل التجاري
الحضاري في تاريخ إفريقية خاصة والعالم القديم والوسيط بصورة عامة، يفوق دورها في العصور الحديثة. ذلك أنها كانت الممر الوحيد الذي لا بد من إجتيازه من أجل الوصول إلى نطاقات السافانا وإفريقية الإستوائية قبل عمليات الكشوف الجغرافية التي وقعت في العصور الحديثة وما ترتب عليها من اكتشاف سواحل إفريقية الغربية المطلة على المحيط الأطلسي وربط إفريقية من تلك الجهات شبكة المواصلات البحرية العالمية عبر المحيط الأطلسي. في الوقت الذي إرتبطت مناطق السودان التي تقع إلى الجنوب منها بإنتاج سلعة إستراتيجية هامة منذ القدم، وهي الذهب السوداني الذي سال عليه لعاب اليونان والرومان وغيرهما. وأصبحت بالتالي مشقة الرحلة عبر الصحراء الكبري تقابلها عوائد هائلة من ذهب النطاق السوداني. فتتابعت الرحلات عبر الصحراء الكبرى ودبت فيها الحياة، وصارت معابر مستمرة نشطة، وقد أدت الصحراء أيضاً دورها الهام في التاريخ الإفريقي المعاصر، حيث كانت جماعات المجاهدين ضد الإستعمار الإيطالي في ليبيا، والفرنسي في الجزائر وتونس ومراكش تتخد من واحاتها معاقل لرجالها. وعبر تلك الواحات ارتبطت حركة تحرير الجزائر بجيرانها لمساعدتها ضد الإستعمار الفرنسي
بل عبر الصحراء الكبرى تمت أكبر عمليات الإنصهار المبكرة بين الشعوب الحامية والزنجية، ومن خلال واحاتها تمت عمليات الإشعاع الحضاري المستمرة لحزام السافانا الذي كان يعاني من عشرات حضارية من جزاء عزلته بين الصحراء والغابات. فعبر الصحراء نفذت المؤثرات الفرعونية واليونانية والرومانية والفينيقية، ومن خلالها إنساب الإسلام إلى إفريقية المدارية (1) ومن قبل إحتضنت الصحراء الإفريقية المسيحية من إضطهاد أباطرة الرومان وولاتهم، حينما فر إليها رجال المسيحية ومعتنقيها، وولدت في الصحرء المصرية أول نظم الأديرة العالمية والرهينة على يد باخوميوس
وإلى الجنوب من الصحراء الإفريقية تمتد أراضي السافانا لتبدأ ما يعرف
بإسم "إفريقية المدارية" أو "إفريقية جنوب الصحراء" وهي عبارة عن مناطق مرتفعة حيث يقع معظمها على إرتفاع 400 متراً، وتوجد أعلى هضاب القارة في شرق وجنوب إفريقية على إرتفاع يتراوع مابين 1300 متراً إلى 3000 متراً خاصة
(1) مؤنس، حسين، دكتور، الإسلام الفاتح. 25 وما بعدها، الزهراء للإعلام العربي، القارة
1987.
"
-19 - (1/24)
صفحة 25
الحبشة وزيمبابوى وزامبيا، وإن كان إرتفاعها يتراوح بين 500 - 1000 متراً فقط
وتصبح تلك الهضاب ذات أهمية بيئية لسكان القارة (1).
تتميز إفريقية المدارية من الناحية الجغرافية بإنتشار الأحواض الداخلية العديدة والضخمة. ومعظم تلك الأحواض ذات تصريف داخلي، حيث تنتهي الأودية إلى مناطق منخفضة تتجمع فيها المياه التي لا تصل إلى منفذ على بحر خارجي كما الحال هو في نهر النيل ونهر النيجر، حيث ينتهي الأول في البحر المتوسط، والثاني في المحيط الأطلسي. واحتفظت تلك الأحواض بكميات هائلة
من المياه أصبحت كفيلة بسد حاجيات الجماعات البشرية التي اعتمدت عليها
وتعد بحيرة تشاد نموذجاً من تلك الأحواض الإفريقية الداخلية ذات التصريف الداخلي (2)، حيث تنتهي عندها عدة أودية قادمة من الجنوب والشرق والغرب وتلقى بمياهها ورواسبها في منخفضاتها الواسع، الأمر الذي كون بمنطقتها تربة منقولة متجددة من الرواسب عبر الأودية. ورغم أن بحيرة تشاد لا تعتبر مركز تصريف تلك الأودية التي تصرف مياهها جوفياً نحو واحات بوركو Borkou (3) إلا أن منطقة بحيرة تشاد أصبحت مركزاً هاماً لنشاط إقتصادي وحضاري في حزام السافانا، المعروف باسم بلاد السودان، وشكلت على إمتداد خمسمائة ميل من الشرق إلى الغرب قسماً جغرافياً وتاريخياً عرف باسم "السودان" الأوسط" وقدم هذا القسم حضارات ونشاطات حضارية لها صفة الاستقلالية الحضارية، كما ساهمت في الإتصال الحضاري بين شرق بلاد السودان وغربه والعكس، وبين بلاد السودان وشمال إفريقية والعكس من جهة ثانية (4)، وإن كان هذا الإقليم قد فقد أهميته
الإستراتيجية حالياً
وتعد إمبراطورية البرنو والكانم من أهم إفرازات هذا الإقليم حضارياً، بحيث عدت من أهم إمبراطورية العالم في نهاية العصور الوسطى (5)، حتى ظهرت في كتب
(1) أبوعيانة، فتحي محمد، دكتور، الجغرافية الإقليمية، ص: 281 ومابعدها. م (2) الجوهري، يسري، دكتور، إفريقية الإسلامية، ص
بيروت، 1986
(3) أبوعيانة، المرجع السابق، ص: 283.
243:
(4) طرخان، إبراهيم، دكتور، إمبراطورية البرنو الإسلامية، ص: 15. عبد الجليل، الشاطر، تاريخ حضارات السودان الشرقي والزوسط، ص: 395 وما بعدها. (5) تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس، باريس 1913
، ص: 21.
- Y. - (1/25)
صفحة 26
وخرائط الغرب من بداية العصور الحديثة (1) واستفادت تلك الإمبراطورية من إمكانات الموقع والبيئة التي توفرت حول بحيرة تشاد بما لديها من تربة خصبة ومساحات شاسعة للمراعي.
تمتلك إفريقية المدارية أيضاً مجموعة هامة من الأنهار، ناتجة عن كميات المياه الجارية من الأمطار الموسمية أو الإستوائية، وهي أمطار غزيرة خاصة تلك التي تسقط في شرق القارة أو وسطها، ورغم أن نهر النيل ينبع من هذا النطاق أنه يسرع بمياهه إلى خارجه لتستفيد منه مناطق الإقليم الجاف في الشمال وتعتمد عليه بصورة أساسية في حياتها، كما أن النطاق السوداني يستفيد منه أيضاً في خطوط تصريفه السفلي (2).
إلا
الإطلاق
أما نهر الكونغو، الذي يعتبر من أهم أنهار القارة، بل والعالم القديم على
•
، من حيث ضخامة كمية مياهه، وطول مجراه، وتشعب خطوط تصريفه فإن هذا النهر يتميز بثبات التصريف المائي، بسبب غزارة الأمطار في مناطقه وثبات منسوب البحيرات التي تنبع منها العديد من روافده. كما يتميز باتساع مجراه، حتى يصل في بعض القطاعات إلى ستة عشر كيلو متراً، ولا يتفوق عليه في هذا المجال سوى مجري الأمازون في أمريكا الجنوبية. ولذلك يعد هذا النهر من أهم أنهار العالم في إمكانيات الطاقة الكهربائية، التي يمكن الحصول عليها منه، رغم أن المستغل منها حالياً قدراً ضئيلاً
وتبلغ مساحة حوض نهر الكونغو حوالي أربعة ملايين من الكيلومترات المربعة
وبالتالي فإنه يشمل معظم مساحة إفريقية الإستوائية والمدارية جنوب خط الإستواء، ولم تتمكن الجماعات الإفريقية من إستغلال إمكانيات تلك المساحة بسبب صعوبة الظروف البيئية من كثافة الغابات وصعوبة الحركة داخل هذا النطاق، الأمر الذي جعل غالبية تلك الجماعات الزنجية تعتمد على نظام الجمع والصيد والزراعة البدائية في حياتها الإقتصادية، ومازالت تقوم بتلك الأنشطة البدائية جماعات وقبائل
(1) راجع:
(2)
Ency. of Islam, Art of Islam, Vol. : 2, P.: 748
- وإن كان اسم برنو أو بارنو تعرف به طبقة المحاربين ينبع النهر من الإقليم المداري، ويشق الصحراء لمساقة طويلة. ويبلغ طوله حوالي 6400 كم. من الجنوب إلى الشمال. وتعترضه ستة جنادل. وعلى الرغم من قلة مياهه مقارنة بمياه
نهر الكونغو، فإنه يعد مصدر حضارات هامة ظهرت معتمدة عليه في الوسط وفي الشمال.
•
- 21 - (1/26)
صفحة 27
في تلك المنطقة. كما أن دولة زائير الحالية التي تشمل معظم مساحة الحوض تمتلك أكبر شبكة خطوط طيران داخلي في قارة إفريقية للتغلب على صعوبة التنقل والإتصال على الأرض. وقد أصبحت تلك المناطق ذات أهمية لإمتداد الأقاليم
المجاورة بمنتجات وسلع الأقاليم الإستوائية من العاج والجلود وغير ذلك.
وفي غرب القارة يوجد نهر النيجر، وينبع هذا النهر من الجنوب أيضاً من مرتفعات سيراليون وغينيا حيث تغزر الأمطار، فتتجه المياه صوب الشمال ثم تنحرف نحو الجنوب الشرقي حيث يتصل برافده الرئيسي في بينو Benue قبل أن إلى البحر في نيجيريا (2). كما يوجد إلى الشمال الشرقي منه نهر السنغال الذي يتجه صوب المحيط الأطلسي.
ينتهي
وقد شهدت منطقة حوض نهر النيجر وحوض نهر السنغال أهم مدنيات وحضارات السودان قاطبة، بما توفرت لديها من ثروات إقتصادية هامة من تربة صالحة للزراعة ومراعي شاسعة صالحة للرعي وثروات معدنية هائلة من الذهب فظهرت فيها مدينات هامة منذ العصور القديمة، وبدأت تظهر فيها ممالك إسلامية مثل مملكة غانة، ومملكة مالي، ومملكة صنفي، وأصبحت مدنها أهم مراكز الإشعاع الحضاري لإفريقية جنوب الصحراء. وارتبطت مراكز تلك المنطقة بشبكة من الطرق البرية أو الطرق النهرية عبر نهر النيجر (3).
أما نهر الزمبيزي فيوجد في جنوب القارة، ويتصف بتذبذب جريانه وتعدد منابعه وإعتراض العديد من الشلالات مجراه. كما توجد أنهار في القارة لعب دوراً هاماً في حياة شعوبها مثل نهر الأورانج في الجنوب، عند سفالة الزنج، على ساحل إفريقية الشرقي، ويقع حالياً في دولة جنوب إفريقية. وعلى طول الساحل الشرقي لإفريقية حتى منطقة الصومال شمالاً توجد سواحل خصبة تكونت منه دالات
(1) ظلت تسميته في العصور القديمة والوسطي باسم نهر النيل، حيث استمرت المصادر الإسلامية تذكره باسم "النيل" إعتقاداً منهم بوجود صلة بينه وبين نيل مصر والسودان من حيث المنبع أو الإتصال. خاصة وأن منابع النيجر ظلت مجهولة لفترة طويلة
انظر: ابن سعيد، المصدر السابق، ص: 80 وما بعدها
(2) أبوعيانة، المرجع السابق، ص: 457
(3) راجع: طرخان، إبراهيم، دكتور، مملكة مالي الإسلامية، ص: 47 وما بعدها، الهيئة
المصرية العامة للكتاب
- YY- (1/27)
صفحة 28
•
الأنهار الصغيرة التي تتجه صوب ساحل المحيط الهندي في الشرق
كما توجد أيضاً ظاهرة "المانجروف" وهي الأراضي التي تكونت بفعل زحف
النباتات على مياه البحر وتكون طبقات من الرواسب فوقها بمرور الزمن وقد استغلت منذ القدم من قبل السكان
وتوجد كذلك أنهار عديدة أخرى مثل نهر الفولتا في الغرب ضمن مجموعة أنهار السودان الغربي، ونهر اللمبوبو في الجنوب. وتأتي أهمية أنهار القارة الإفريقية في أنهار وفرت مجالاً حيوياً لسكانها ووسطا بيئياً مناسباً لمعيشتهم ووفرت لهم عناصر الإستقرار منذ القدم. وبالرغم من وجود عقبات تعترض مجاري تلك الأنهار فإن معظمها أصبح عنصراً فعالاً في عمليات الإتصال بين الشعوب الإفريقية، خاصة نهر النيجر في غرب القارة. كما تشكل الأنهار الإفريقية ثروة هامة في الوقت الحاضر بجانب مياهها حيث تمتلك حوالي 40? من إجمالي الطاقة المائية في العالم، الأمر الذي يعوضها عن نقص الفحم في الشمال، والبترول في الجنوب (1)
ومن ناحية أخرى فقد أثر مناخ إفريقية في تنوع أنشطة الحضارة بها
حيث تقسم القارة إلى أقاليم مناخية ثلاث: الأول صحراوي في الشمال، وهو إقليم جاف وشبه جاف ويتمثل هذا الإقليم المناخي في إفريقية الشمالية، كما يسود في صحراء ناميبيا وصحراء كلهاري في الجنوب، بالإضافة إلى صحراء الصومال في الشرق. أما سواحل البحر المتوسط الإفريقية فإنها تتلقى كميات من المطر تكفي لحياة الجماعات في مناطقها، ويتميز هذا الساحل بأنه حار جاف صيفاً ودافئ ممطر شتاء، ويرتبط بعناصر الضغط الجوي وحركة التيارات الهوائية بين المحيط الأطلسي من الغرب، وأواسط آسيا من الشرق، وبين تيارات أوروبا الرطبة الشمال، وإفريقية المدارية الجافة من الجنوب. ويتمثل هذا الإقليم المناخي الثاني أيضاً في مساحات من جنوب إفريقية تمتد على السواحل الشرقية والجنوبية
من
أما الإقليم الثالث فيمتد في معظم القارة من الشرق إلى الغرب وهو الإقليم
المداري والإستوائي المحصور بين المدارين ويشقه خط الإستواء في الوسط ويتميز بأمطاره الغزيرة طوال العام في الوسط، ثم تقل كلما اتجهنا شمالاً أو جنوباً. وبالتالي تقل كثافة الغابات حتى تنتهي بالحشائش في إقليم السافانا ثم تختفي (1) أبوعيانة، المرجع السابق، ص: 483
•
- 23 - (1/28)
صفحة 29
الصحراء،، في
الشمال في الحنوب (1)
ويسود القارة في بعض أجزائها مناخ المرتفعات المعتدل الدنيء الممطر صيفاً ويتمثل هذا النمط بصورة واضحة في منطقتين: الأولى: هضبة جنوب إفريقية والتي يتراوح ارتفاعها ما بين 300 - 2000 متراً فوق مستوى سطح البحر في المنطقة المعروفة باسم "الفلد العليا" والتي ينخفض معدل الحرارة بها عما جاورها من أراضي بسبب عامل الإرتفاع. والمنطقة الثانية هي هضبة الحبشة في الشرق حيث تتميز المناطق القليلة الإرتفاع بها بمناخ معتدل دافيء مع سقوط أمطار غزيرة في فصل الصيف بسبب الرياح الموسمية، بينما تنخفض الحرارة في المناطق المرتفعة أن الثلوج قد تتكون بصورة مستمرة فيما فوق إرتفاع 5000 متر
حتى
وقد وفرت الظروف البيئية من سطح ومناخ وتربة إمكانيات إقتصادية هائلة للقارة الإفريقية عبر عصورها التاريخية. فتضم غابات إفريقية المدارية التي تنمو في الأقاليم المناخة المطيرة تنوعاً هائلاً من الثروات الحيوانية والنباتية، فبجانب أشجار الأبنوس القيمة، توجد أنواعها عديدة من الحيوانات مثل القردة والتماسيح والنمور والأسود في نطاق السافانا. كما تم إستئناس الأغنام والأبقار للرعي في
تلك المساحات الشاسعة.
وإذا كانت تلك الإمكانيات قد استغلت من قبل سكانها، فإنها ساهمت في إمداد سكان العالم القديم والوسيط والحديث بما يحتاجه من تلك السلع الهامة
(1) أبوعيانة، المرجع نفسه
- YE- (1/29)
صفحة 30
(2)
الكان
يقدر عدد سكان قارة إفريقية حسب الإحصائيات العالمية الأخيرة بحوالي 530 مليون نسمة (1) يعيش ربع السكان في إفريقية الشمالية، والباقي بإفريقية جنوب الصحراء. وتتركز نسبة كبيرة من تلك الإعداد في غرب القارة، بسبب ظروف تاريخية وجغرافية. ويمثل سكان إفريقية حوالي 10? من جملة سكان العالم (2)، مع تميز القارة بإرتفاع معدلات الوفيات والمواليد، التي تعتبر من أعلى المعدلات الحالية. وإن كنا نلاحظ أن عدد السكان لا يتوزع بانتظام على سطح القارة، تصل أدنى مستوياتها في مناطق الغابات والصحاري. ولكن تتميز إفريقية بصورة عامة بمجالها الجيوي الكبير لسكانها حيث أنها تشمل أكثر من ?22 من اليابس العالمي
والواقع أن أكثر قارات العالم تضرساً من حيث السلالات والأجناس البشرية هي قارة إفريقية، إذ تضم خليطاً متنوعاً ومتضارياً من السلالات البشرية، بحيث يوجد بها أكثر من (700) لغة. مما يدل على أهمية دراسة تاريخ القارة بصورة موضوعية من أجل تعقب الموجات البشرية التي دخلت القارة، والجماعات العرقية التي تشكلت عبرها، أو الأجناس التي تنقلت بين مناطقها. وتدل الدراسات الأولية على أن إفريقية قد غمرتها موجات بشرية متعاقبة، وأن كل موجة كانت تدفع سابقتها نحو الداخل، وتوجد اليوم أدلة على تلك النتائج حيث توجد جماعات منزوية في صحراء كلهاري دفعتها جماعات أقوى وأحدث قدمت عليها من نطاق السافانا. ويلاحظ هذا الأمر داخل نطاق الغابات أيضاً
وتعتبر إفريقية بحق منزل كبير وجهته الأصلية صوب الشمال، حيث توجد ثلاثة أبواب رئيسة هي: الأول عبر بوغاز جبل طارق في الشمال الغربي للقارة وهو بوغاز ضيق في بعض أجزائه يصل إلى عشرة أميال. وعبر هذا البوغاز تمت
(1)
U. S. Sept. of Commerce World Population, 1983, P. 47.
(2) في حين أن نسبة سكان إفريقية المدارية، التي تقع جنوب الصحراء تشمل 8? من سكان العالم. أنظر: أبوعيانة، الجغرافية الإقليمية، ص: 407.
- YO- (1/30)
صفحة 31
التأثيرات المبكرة بين القارة الإفريقية والقارة الأوروبية كما كان له دوره الكبير في تمكن المسلمين من إقتحام القارة الأوروبية بعد أن استعصت عليهم من جهة الشرق عبر مضايق البوسفور والدردنيل، حيث أسوار القسطنطينية، والتي أنهارت أخيراً عام 1435 م أما محمد الفاتح العثماني. وظلت عمليات التأثيرات بين الطرفين حتى العصور الحديثة، حتى أن أوروبا قد وضعت خططها للإعتماد على هذا المضيق أمام الخطر النووي السوفيتي السابق (1) للإنسحاب إلى الأمان الإفريقي (2). أما المنفذ الثاني فكان عبر باب المندب، وهو ذلك المضيق الذي يصل بين
•
البحر الأحمر وبين المحيط الهندي، وبجانب ضيقه الذي لا يتعدي بضعة أميال تنتشر به الجزر العديدة التي سهلت عملية الإنتقال بين الجانبين الآسيوي والإفريقي حيث قام هذا المضيق بدور هام في العصور القديمة في تاريخ القارة الإفريقية فخلاله استمرت عمليات تدفق الجماعات السامية عبر مياهه إلى الأراضي الإفريقية. وخاصة حينما تدهورت الأحوال المناخية في شبه الجزيرة العربية منذ العصور الحجرية واستمرت الجماعات السامية تبحث عن أماكن جديدة للإستقرار، فاتجه البعض إلى الشمال حيث الهلال الحصيب، ويمم البعض الآخر وجهته صوب مصر عبر سيناء وعبر البعض الآخر باب المندب إلى قارة إفريقية. وكان قيام مملكة أكسوم الحبشة في القرن الرابع الميلادي وضمها ضفتي باب المندب تحت سيطرة مركزية واحدة تتويجاً لهذا التواصل التاريخي بين الجانبين العربي والإفريقي
4
ويبدو أن هذا المنفذ قد ظهرت أهميته في أنه يقع على منفذ مستودع الجنس السامي في شبه الجزيرة العربية، وخاصة الجنس العربي، الذي تعرض لكارثة انهيار سد مأرب وفشل محاولات ترميمة وإعادته إلى طاقاته القديمة (3)، فاتجهت قبائل عديدة إلى القارة الإفريقية قبل الإسلام وفي العصور الإسلامية. واستمر في ضخ هجرات عديدة إلى القارة الإفريقية لتعزيز الوجود العربي السابق. حتى أنه من الصعب دراسة تاريخ ومسيرة القرن الإفريقي وشرق القارة دون فهم تاريخ حنوب شبه الجزيرة العربية وأهمية باب المندب ونظراً لاتصال اليابس الآسيوي باليابس الإفريقي لأول مرة عبر سيناء، فقد
(1) الديب، محمد، دكتور، الجغرافية التاريخية، ص: 472، القاهرة 1975 م. (2) ومازالت هناك موضوعات حول شق نفق بين أوروبا وإفريقية تحت مياه مضيق جبل طارق.، أحمد، دكتور، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم، القارهرة، ص: 227
(3) فخري
- 26 - (1/31)
صفحة 32
أصبحت سيناء أهم منفذ في حجم التدفق البشري بين الجانبين. فعبر سيناء تمكنت جماعات سامية من دخول منطقة شمال إفريقية ووادي النيل والتوغل لمسافات طويلة منذ العصور القديمة، حتى غلب الطابع السامي على منطقة سيناء وشرق مصر لفترات زمنية متقطعة، رغم وجود قوة مركزية على بوابة إفريقية، وهي الإمبراطورية الفرعونية التي تمكنت من حماية تلك البوابة لفترة زمنية طويلة (1)، غير أنه في بعض الفترات تسللت بعض الجماعات لتستقر على حدودها الشرقية ثم عاودت التحرك صوب الداخل، حتى أدرك الفراعنة أن حماية أمن تلك البوابة لا يتأتى إلا عبر إمتداد نفودهم لمسافات طويلة في بلاد الشام، من هنا فقد وقعت المعارك الهامة في قادش ومجدو وغيرها من مواقع بلاد الشام، من أجل حماية مصر وإفريقية من قوى غرب آسيا
سيناء
واستمر هذا الباب مفتوحاً على مصراعيه منذ فتح مصر على يد عمر بن العاص سنة 21 هـ. في خلافة عمر بن الخطاب. فبعد النصر العسكري الحاسم للمسلمين تدفقت القبائل العربية إلى مصر لتستقر في الوادي والدلتا وتنساب عبره إلى داخل إفريقية عبر وادي النيل وواحات الصحراء المصرية مستفيدة بخبرتها السابق في اجتياز الصحراء ورصيدها السابق في مصر (2). ولما تمكن العرب من الفتح لمصر امسكوا بذلك برأس القارة الإفريقية وربطوها لأول مرة بغرب آسيا عبر اء والبحر الأحمر، وشكلت منطقة غرب آسيا وشمال إفريقية وحدة حضارية واحدة عرفت ساسم الوطن العربي ذات اللغة الواحدة والدين الواحد والآمال المشتركة. بل أن سيناء أصبحت في الوقت الحاضر همزت تواصل بين قارات العالم بعد حفر قناة السويس، ولم تتأثر كثيراً بنتائج الكشوف الجغرافية وظهور ممرات أخرى وبجانب تلك المنافذ الثلاث شهدت القارة الإفريقية قدوم عناصر وافدة إليها عبر مياه المحيط الهندي لتستقر على سواحلها وجزرها ثم تتوغل في داخلها وترجع هذه العناصر إلى أصول ماليزية وملايوية ودرافيدية من وحنوبها الشرقي. وإن كانت تلك الموجات قد عادت في العصور الحديثة تحت نشاط شركة الهند الشرقية البريطانية وغيرها من الشركات الإستعمارية.
منطقة جنوب
آسيا
(1) شقير، نعوم، تاريخ سيناء، ص: 123 وما بعدها
(2) كان تحول الشمال الإفريقي إلى الإسلام والثقافة العربية أسرع خطى من بلاد النوبة وسودان ووادي النيل بحيث بدأ تحول المصريين إلى الإسلام والعربية أسرع من غيرهم
- YY - (1/32)
صفحة 33
وتبدو تلك المجموعات في جزر موريشيوس ومدغشقر (ملاجاشي) وجزر القمر ودول إفريقية الشرقية حتى دولة جنوب إفريقية، الأمر الذي زاد من تعقيد الأصول والأجناس العرقية لقارة إفريقية، حتى أصبحت عملية تعقب دخول تلك الأجناس في النسيج الإفريقي تنم عن عملية شاقة
يجب
(2).
ومن أجل فهم الملامح الأساسية للسلالات الإفريقية الرئيسية ومصدرها وتحركاتها، فإننا لابد أن نقر أن هناك تقسيماً أولياً يعتمد على أسس أنثروبولوجية وتاريخية ذات معايير محددة تبرز شكل الرأس وأجزائها، ولون البشرة، والشعر والقامة (1)، رغم أننا أن نؤمن أنه من الصعب العثور على جماعات خالصة في صفاتها الجنسية بسبب عمليات الإختلاط والمعاشرة المستمرة بين الجماعات البشرية في القارة، والصراعات الطويلة بين الجماعات البشرية (2) ومع إقرارنا بأن الجنس الزنجي يعتبر أقدم الأجناس الإفريقية إلا أنه أنزوي في وسط القارة وعلى حافات غاباتها وفي صحرائها لفترة طويلة بسبب قدوم العناصر القوقازية التي عبرت إلى القارة في وقت أحدث، وتمكن هذا العنصر الأخير من السيطرة على مناطق وادي النيل والقرن الإفريقي وشمال إفريقية.
كما
وتضم السلالات القوقازية معظم الجماعات غير الزنجية مثل الحاميين) والساميين التي تتمركز في شمال وشرق القارة، والتي أصبحت تضم تراثاً حضارياً مميزاً لها يمتد من مصر إلى ساحل المحيط الأطلسي. عبر برقة وطرابلس وبلاد المغرب، وتضم الجماعات الحامية مجموعات داخلها مثل الطوارق والتيبو في الصحراء الكبرى وجماعات الجوانش في جزر كناريا بالمحيط الأطلسي. . أيضاً جماعات الليبيين المنتشرة في الصحراء الواسعة غرب مصر، والذين تركوا كثيراً من الأخبار مدونة حولهم في الآثار الفرعونية. ومازالت الدراسات الأثرية الحديثة تؤكد أن تلك الأجناس من خارج القارة الإفريقية، وأنهم هاجروا إليها في عصور تاريخية قديمة وشكلوا حضارات على أرض إفريقية مثل جماعات الليبيين (4)
تضم
(1) محمد، محمد عوض، دكتور، الشعوب والسلالات الإفريقية، سلسلة دراسات إفريقية، القاهرة، العدد (1)، ص: 22
(2) محمد، المرجع السابق، ص: 112
(3) يطلق لفظ حامي على المجموعات غير الزنجية التي تعيش في شمال إفريقية وجنوب الصحراء. (4) محمد عوض، المرجع السابق، ص: 32.
- YA- (1/33)
صفحة 34
والواقع أن تاريخ الشمال الإفريقي يعد أشد مناطق العالم القديم
تلاطما
•
بالموجات البشرية، وظلت منطقة وادي النيل في ركنه الشرقي، تتمتع الفترات بعنصر التصدير والتأثير الحضاري في محيطها الإفريقي بما يحمله من تنوع عرقي أما منطقة شمال إفريقية التي تمتد من طرابلس وحتى سواحل المحيط الأطلسي فقد أصبحت عرضة لتأثيرات وافدة عليها من خلال عناصر أجنبية حتى سميت باسم "جزيرة المغرب (1). فمنذ أوائل عصور التاريخ استقرت ببلاد المغرب شعوب مختلفة شديدة التنوع العرقي والحضاري، فمن اللآتين واليهود والفينيقيين والوندال واليونان والزنوج وغيرهم من الجماعات التي وفدت إلى منطقة الشمال الإفريقي إما هروباً أمام جماعات أقوى أو طمعاً في ثروات إفريقية وموقعها
ويبدو
•
أن تلك الهجرات الوافدة قد تركت آثارها على حضارة الشمال الإفريقي وامتزجت نسبياً من السكان الأصليين، ولكن لفترات محددة تلاشي بعدها هذا الأثر، في المحيط البربري الذي يمتد جنوباً. أما العرب فكانوا أكثر تلك الجماعات تأثيراً في دماء شمال إفريقية على الإطلاق، منذ العصور القديمة حتى اليوم، ذلك أن الجيوش التي تحركت عبر مصر إلى الشمال الإفريقي ضمت أعداد كبيرة خلال عصر الخلفاء الراشدين والعصر الأموي، بقدره البعض بأكثر من 150.00 مقائل، بالإضافة إلى مجموعات التجار العرب والأسر العربية والقبائل التي تدفقت إلى تلك المناطق منذ البداية ليصل العدد إلى ما يقرب من ثلث مليون. ولما كان هذا العنصر هو الفاتح والمنتصر)، فقد استقر في الأماكن الإستراتيجية والتي توفر فيها الظروف البيئية الحسنة، فأصبح لهم الغلبة في كل مجال). كما انصهرت في بوتقتهم العناصر الأخرى على مر الزمن
ويبدو
أن هجرات القبائل العربية، قد أدت في بعض الأحيان، إلى تفهقر العنصر البربري صوب الجنوب (4)، ليختلط بعناصر زنجية أو عناصر منعزلة في الواحات، الأمر الذي أدى إلى تنوع عرقي كبير في دماء العنصر البربري وظهور تقسيمات علماء الأنثربولوجيا، فقد قام برتولون Bertholon وشانتر Chanter بتقسيم سكان البربر في أقاليمهم الشرقية إلي ثلاثة أصناف هي:
(1) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، ج 1، ص: 65. (2) الجوهري، يسري، الإنسان وسلالاته، ص: 368 (3) جوليان، المرجع السابق، ص: 68 (4) جوليان، المرجع نفسه، ص: 68.
-99 - (1/34)
صفحة 35
الأول
في الشرق
: قصير القامة، مستطيل الرأس، متوسط الأنف، أسود الشعر
الثاني: قصير القامة، بيض الرأس، وفيق الأنف، أسود الشعر، وأطلقا
عليه صنف "جربة" في الوسط.
4
الثالث: طويل القامة، مستطيل الرأس، دفيق الأنف، أشقر الشعر، وله صلات بالجنس المتوسطي في الشمال والزنجي في الواحات الصحراوية. وينتمي إليه عنصر الطوارق (1)
(3)
كما أن هناك تقسيماً حضارياً آخر يقسم البربر إلى قسمين هما " البتر: وهم جماعات البدو والرحل من البربر وهم الجمالة أصحاب الترحال. ومن أشهر قبائلهم: أداسة في هوارة. ومن بطونها سفارة ونفوسة، ومن بطونها بنو زمور، وبنو مسكور، وماطوسة، وقبيلة نفزاوة. ومن بطونها ولهاصة وغساسة وزهيلة وسوماته ورسيف ومرترة وزاتمة وركول ومرئيسة وردغروس وردين. وقبيلة لوات ومن بطونها اكوره عتروزة وبنو ماصلة، ومزات وفعاغمة وجدانة وسدراته. بالإضافة إلى قبيلة زناته.
(2)
البرانس: ومن أهم قبائلهم، مطماطة، ورزداجة، ومصمودة، وأوروبة،
وعجيسة وكتامة، وصهاجة، وأوريغة (ه)
غير أننا لا نوافق ابن خلدون فيما وصل إليه من هذا التقسيم وإقرار الباحثين له، فمن الصعب اعتبار قبائل البتر من البربر بدواً رحلاً والبرانس حضراً،
ذلك أن جانباً كبيراً من زناته التي تنتمي إلى البتر كانوا رحلاً، وكلهم كانوا يعملون في مجال التجارة الصحراوية بما يمتلكون من إبل وخبرات للطرق الصحراوية، وحققوا من وراء ذلك مكاسب هامة من النواحي الإقتصادية والحضارية، كما أن
(1) جوليان. المرجع السابق، ص: 70/ 69.
(2) تقسيم تقريبي يعتمد على النمط الإقتصادي والمستوي الحضاري
(3) نسبة إلى الفروق في الملابس، فالبتر جمع أبتر وهو الثوب المقطوع، عكس البرانس، جمع برنس وقلانس. وهو ما عرف باسم "أهل الوبر" وأهل "المدر"
(4) ابن خلدون، تاريخ، ج 1، ص: 138 وما بعدها.
(5) ابن خلدون، المصدر السابق.
- r. - (1/35)
صفحة 36
قبائل نفوسة من البتر أيضاً استقروا في أودية طرابلس وحقولها عملوا بالزراعة كفلاحين مستقرين وساهموا بدور كبير في أحداث طرابلس واقتصادها وحياتها
السياسية (1)
من جهة ثانية اعتبرت صنهاجة من البرانس وهم أكثر قبائل المغرب الأقصى تنقلاً بين الشمال والغرب عبر الصحراء، حتى عرفوا بسكان الصحراء أن، حتى دولتهم التي أسسوها فيما بعد ضمت الصحراء المغربية، كما أن هوارة البرانس اشتملت على بدو رحل وحضر معاً رغم اشتراكهم في نسب واحد
الغالب
وبذلك فإننا نرى أن الفتح العربي لبلاد المغرب قد أضاف أوضاعاً حضارية جديدة إلى السكان البربر استفاد منه البربر من البرانس والبتر معاً، وأدى هذا الأمر إلى استفادة البربر من الأوضاح الجديدة والتخلي عن أنماط الحياة السابقة لديهم بحيث أن القبيلة الواحدة من البربر قد شملت كل الأنماط الإجتماعية في. حتى أن عملية الإمتزاح قد تمت بصورة سريعة وشاملة بين كافة قبائل البربر وبين العنصر العربي الجديد، مما أحدث تغيرات جديدة في بناء البربر الإجتماعي مع الاحتفاظ بالقالب القبلي بحيث أن رجال البربر قد ساهموا منذ البداية مع العرب في عمليات الفتوح خاصة في بلاد الأندلس، رغم حداثة إسلامهم (2). أيضاً إلى عنصر البربر جماعات الشاوية وهم يقطنون جبال أوراس من جبال أطلس وقبائل الشلوع، وهم سكان جبال أطلس أيضاً، كما يمكننا اعتبار جماعات الطوارق أو "الملثمون (3)، من جماعات البربر، وهي الجماعات التي مازالت محتفظة ببنائها السابق حتى العصور الحديثة في الصحراء الإفريقية بين موريتانيا والجزائر ومالي. كما يعتبر سكان جزر كناريا في المحيط الأطلسي وسكان الفولاني في غرب إفريقية من أصول بربرية. وكذلك جماعات عديدة من سكان السودان الأوسط والسودان الشرقي أيضاً من خلال هجرات البربر الكبرى أمام غارات بني وبني سليم في أعقاب تحركهم نحو الغرب
هلال
ينتمي
كما شهدت منطقة شمال إفريقية هجرات مستمرة من جماعات اليهود
(1) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، ح، ص: 27/ 26
(2) أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ص: 135. (3) أطلق العرب على الطوارق اسم الملثمين، نظراً لاستعمالهم اللثام على وجوه رجالهم، فلا يحترم أي رجل سافر منهم، ويتساوى في ذلك السادة والعبيد، حتى أنهم يرتدون =
- 31 - (1/36)
صفحة 37
والتي بدأت منذ القرن الثالث ق. م، واستمرت حتى القرن السادس عشر الميلادي في أعقاب طرد المسلمين من الأندلس. وسكنت جماعات اليهود الأولى الأجزاء الداخلية من بلاد المغرب ويسمون أنفسهم باسم "الشيتيم" بينما سكنت العناصر اليهودية الحديثة والتي وفدت إلى الشمال إفريقية من الأندلس، المدن والجهات الساحلية (1) وفي ظل الإسلام تمتع اليهود بحرية كبيرة فساهموا بدور واضح في النشاط الإقتصادي في بلاد المغرب
شهدت منطقة وادي النيل هي الأخرى مع ساحل البحر الأحمر الإفريقي تغيرات عرقية، خاصة بعد عصر الدولة الحديثة، حيث بدأت جماعات سياسية في التدفق على وادي النيل والاستقرار في صحراء مصر ووادي النيل، كما بدأت جماعات يونانية ثم رومانية تستقر في مصر، خاصة في الشمال، واختلطت تلك الجماعات بالشعب المصري وانصهرت في بوتقته (3) كما وفدت على مصر، منذ القرن العاشر الميلادي هجرات بربرية من كتامة وزويلة وغيرها، واختلطت تلك الجماعات بالدماء المصرية داخل اسفنجة وادي النيل (3)
•
(3)
4
وإلى الجنوب من مصر، وعلى امتداد وادي النيل توجد مجموعات النوبة وهي عناصر استقرت على ضفاف نهر النيل، وارتبطوا بالنهر منذ القدم، رغم ضيق الوادي في تلك المواطن من بلادهم، وعلى امتداد هذا الشريط النيلي الضيق كون النوبيون حضارتهم الشهيرة التي ارتبطت بيئتهم رغم وجود الرائحة الفرعونية الواضحة في لمساتها. ورغم التأثيرات العرقية إلى غزت المنطقة النوبية إلا أن نسب النوبي مازال واضحاً (4)
اللثام ليلاً ونهاراً وينامون به، ولا يرفعون إلا وقت تناول الطعام.، وحتى في هذه الحالة يضع الفرد منهم يده على فمه. واللثام عبارة شريحة طويلة من القماش يلتف حول الفم والأنف حتى العينين، حيث يوجد به شق يبلغ طويله بوصة لفتحه العين ويلبس لثام أسود والعين لثام أبيض في شمال الصحراء. أما النسوة فتتمتعن بحرية كاملة فلا يقمن بارتداء اللثام. رغم مخالفتهن للرجال.
(1) الجوهري، الإنسان والسلالات، ص: 392.
(2) محمد، عوض، الشعوب والسلالات الإفريقية، ص: 326 (3) الكاشف، سيدة، دكتور، مصر في نجر الإسلام، ص: 47. (4) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 284
- rr- (1/37)
صفحة 38
كان الوطن النوبي الأصلي، على ما يذكر الأثريون، في شمال كردفان ولما تكاثر النوبيون بدأوا في الإنتشار خارج أوطانهم ضمن محيط وادي النيل منذ النصف الثاني من الألف قبل الميلاد، فتدفقوا نحو الشمال، حتى وصلوا إلى
حدود جيرانهم الليبيين من الغرب والشمال عبر الواحات المصرية، ودرب الأربعين أما الكثرة فقد استقر بها المقام جنوب مصر وجعلت تلك المنطقة مستقراً لها ومقاماً. ورغم إحاطة الصحراء بمواطنهم الجديد من الشرق ومن الغرب، إلا أنهم تعرضوا لهجات مستمرة من الجنوب ومن الغرب من الجماعات الزنجية. ولذلك فقد عاشت أجيالهم في حالة حرب مستمرة، وأصبحوا مهرة في فنون القتال. ومن أهم قبائلهم: المحس، العديجا في وادي حلفا، والدناقلة والسكوت (1)
لقد ظل الليبيون لفترات طويلة في التاريخ القديم مصدراً للقلق لحكومات وادي النيل في مصر وبلاد النوبة. ويبدو أن هؤلاء كانو امتداداً لجماعات البربر قدموا من جبال أطلس (2) وحاولوا عدة مرات غزو مصر والإستقرار في وادي النيل ولكن ملوك مصر كانوا لهم بالمرصاد، خاصة زمن رمسيس الثاني بعد أن تمكن من صد هجماتهم القوية في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي ق. م. لكنهم ظلوا يترقبون فترات الإضطراب والخلل في الإدارة المركزية الفرعونية، كما اتجهوا إلى شعوب البحر وتخالفوا معهم ضد حكومات وادي النيل خاصة 1227 ق. م. وفي النهاية اضطر رمسيس الثالث 1189 ق. م، أن يسمح لهم بالإستيطان في منطقة الدلتا رغم انتصاره العسكري عليهم غرب منف. فنزلت آلاف منهم في دلتا مصر ثم انتشروا في البلاد فيما بعد (3).
خلال قوته
ويبدو أن العنصر الليبي تمكن من بسط سيادته على المنطقة الممتدة من حدود بلاد المغرب الأدنى حتى دلتا مصر، وتمكن من فرض نفوذه من العسكرية فتوغل في وادي النيل إلى مصر الوسطى، وساد هذا العنصر لفترة زمنية على مصر خاصة في الشمال والوسط وظهر نتيجة ذلك تحول في لون الحضارة الفرعونية في تلك الفترة. كما ظهر من بينهم زعيم حاكم يسمى شيشنق الأول Sheshongi الذي أسس الأسرة الثانية والعشرين الليبية في مصر في حوالي سنة
(1) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 302. (2) بدليل تشابه اسماء قوادهم مع أسماء النوميديين الواردة في تاريخ نوميديا القديم، بالمغرب
الأوسط
(3) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، جدا، ص: 71.
- TT- (1/38)
صفحة 39
95 ق. م، حيث ظهر حكام الأسرة كرجال حرب وغزو خلافاً لسيرة الفراغنة من قبل (1) وهم الذين ذكروا في النصوص الفرعونية باسم "تهينو Tehenou وبذلك زادت عمليات الانصهار بين العناصر الإفريقية في الشمال. في بوتقته دلتا نهر النيل.
وعلى حافات البحر الأحمر من الجهة الإفريقية عاشت عناصر مستقلة في خصائصها العرقية هم "البجة" والتي تمتد أوطانهم من مصر حتى الحبشة عبر أراضي السودان. وينقسم البجة إلى جماعات عديدة أهمها: العبابدة والبشاريون والهدندوة وجماعات بني عامر على حدود أريتريا. ورغم انتشار اللغة العربية بينهم بعد ظهور الإسلام إلا أن لهم لغتهم الحامية المسماة "البتداوي"
(2)
اتصل البجة منذ القدم مع المصريين منذ العصر الفرعوني والبطلمي كما اختلطوا بالأحباش، جنوب مواطنهم، خاصة وأن دولة أكسوم قد بسطت سيطرتها لفترة طويلة على مواطنهم الجنوبية، كما احتكوا بالنوبيين. ونظراً لاتصالهم بالبحر الأحمر فقد أصبح اختلاطهم بالعرب أمراً جلياً. الأحمر، أو من خلال عبر مياه ? وفود قبائل عربية وجماعات تجار عبر باب المندب إلى وادي النيل، بحيث أنهم
تحولوا إلى الإسلام ولغته بصورة عامة
•
وإلى الجنوب من البحر الأحمر توجد منطقة الحبشة، التي تعد من أعقد مناطق القارة الإفريقية من الناحية العرقية، بسبب اتصالاتها وموقعها بين الجماعات السامية، والعربية خاصة، والحامية والزنجية. بحيث أن انتشار اللغة الأمهرية تعبر حداً ثقافياً للبقاع التي شهدت الغزو والتأثير السامي القادم من شبه الجزيرة العربية (3) عبر باب المندب منذ القدم
خضعت الحبشة أيضاً لتأثيرات جماعات اليهود (4)، والصوماليين والجالا (5)
(1) فخري، أحمد، دكتور، دراسات في تاريخ الشرق القديم، الانجلو المصرية.
الطبعة الثانية، القاهرة، ص: 46.
(2) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 244
، ص: 54 وما بعدها.
(3) محسن، علي، من لهجات مهرة وآدابها (4) عرفو عند الأحباش باسم الفلاشا. أي الغرباء
(5) جماعات سكنت أعالي النيل الأزرق ومدت نفوذها حتى الحبشة.
- TE- (1/39)
صفحة 40
وتعد العناصر الحبشة أكثر الجماعات الإفريقية تأثيراً في تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصور قبل الإسلام (1) كما شهدت الهضبة الحبشية ووادي النيل استقرار جماعات عربية استمرت في تقدمها حتى وصلت إلى جنوب مصر (2).
#
*
*
وإلى الجنوب من الشمال الإفريقي تمتد الصحراء الإفريقية الكبرى، وقد احتضنت تلك الصحراء هي الأخرى جماعاتها العرقية المميزة داخل رمالها، لها. عاداتها وظروفها رغم أن الإسلام قد انتشر بينها وهذب من سلوكها. فبجانب قبائل حسان التي تعيش على الأطراف الشمالية للصحراء، والتي كان لها دور في تعريب البربر ونشر الإسلام بينها توجد في الواحات الجماعات التالية:
الصحراء
1 - قبائل الطوارق: التي يبدو أنها اتجهت إلى التكيف في بداية العصور الميلادية وواصلوا تحركهم جنوباً حتى وصلوا إلى أعالي نهر النيجر وشكلوا خطراً على ممالك السودان الغربي زمن غانة وصنفي، وأصبحوا قوة في أحداث تلك المنطقة منذ القرن السادس عشر الميلادي. ويتركزون بمنطقة الهكار وفي
اير Air ويلتزمون بالنظام القبلي، لكل قبيلة زعيم أو شيخ يدعى "أمانوكال" ولكل قبيلة بعض الأرقاء والأتباع يعملون في رعي قطعان ساداتهم. كما يوجد مجموعات من الزنوج للعمل الصناعات الحرفية مثل النجارة والحدادة. ولغتهم تسمى "التاماشيك Tamachek" وهي لهجة بربرية أما لهجة "التيفناغ Tfinagh" فتنتشر بين عدد كبير منهم. وبسبب اعتمادهم على الغزو فإنهم في سبيلهم إلى
الانقراض (3).
وبسبب
2 - قبائل التوبو Toubou والتي تستقر في وسط الصحراء في منطقة أير Air والسهول المجاورة التي تمتد من فزان شمالاً وحتى بحيرة تشاد جنوباً. وتنقسم إلى مجموعتين: التدا في الشمال والدازا في الجنوب امتداد أطان التوبو المساحات وأقاليم صحراوية شاسعة تتنوع فيها التضاريس من هضاب وجبال وأودية وواحات وصحراء، بالإضافة إلى عيشتهم في منطقة قارية
(1) علي، جواد، دكتور، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 3، ص: 511. (2) مسعد، مصطفى، دكتور، الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، ص: 78 (3) قداح، نعيم، حضارة الإسلام وحضارة أروربا في إفريقية الغربية، بيروت، ص: 25
-40 - (1/40)
صفحة 41
الأمر الذي أدى إلى تنوع الأنشطة بالنسبة لهم وتنوع أوطانهم، مع التطرف في مناخ تلك المنطقة من برد قارس وحر شديد. فعملوا في التجارة والرعي والزراعة، بحيث يمتلك الفرد منهم عدة حقول في مناطق متنوعة. وتستمر هجراتهم الفصلية حتى حدود بحيرة تشاد، ما أدى إلى اختلاطهم بالزنوج. كما احتكوا بصورة مستمرة مع جماعات الطوارق خاصة جهة الغرب
•
استطاعت جماعات التوبو أن تعطى لسكان منطقة بحيرة تشاد من بلاد كانم قوتها العسكرية خاصة في نهاية العصور الإسلامية. واختلطوا بالعناصر الزنجية، مما أدى إلى قيام ممالك جديدة جنوب الصحراء تحمل دماء وأعراق جديدة مختلطة بحيث أصبحت المجموعة النشادية العرقية تتألف من اختلاط هائل بين الزنوج العرب بالإضافة إلى عناصر أخرى (1)
والتوبو
*
وبالنسبة لحزام السافانا الذي يطلق عليه اسم "السودان" (2)، فقد انتشرت فيه الجماعات العرقية التالية: (من الغرب إلى الشرق وهي جماعات يغلب عليها
السنغال
•
وميز
هذا
العنصر الزنجي) 1 - شعب الولوف Oulouf Walaf المنتشر في حوض الشعب الطويلة وشعره الأسود الفاحم وذكائه المتوقد، وقد اختلط مع البربر ومع العرب ولذلك فقد وصل إلى مستويات حضارية راقية منذ القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي، وينقسم إلي شعب السرير Srrer الذي يستقر إلى الجنوب منه سواحل المحيط الأطلسي (3).
2 - أما شعب التكرور فيستقر في شمال حوض السنغال الأسفل، وقد عرفت المنطقة الواسعة في غرب السودان باسم هذا الشعب نظراً لنشاطه ودوره وكان يسيطر على ضفتي نهر السنغال حتى تمكن البربر من طرده من جهة الشمال، ثم مد نفوذه ونشاطه حتى بلاد النيجر، ونشروا لغتهم بين قطاعات كبيرة من سكان
(1) قداح، المرجع السابق، ص: 19.
(2) هو الحزام الذي ينحصر في قارة إفريقية بين الصحراء شمالاً والغابات المدارية والإستوائية جنوباً. ونسب إلى لون وبشرة السكان
(3) محمد، عوض، الشعوب والسلالات، ص: 52 وما بعدها
- 36 - (1/41)
صفحة 42
منطقة غرب السودان (1) ويشكل جماعات الولوف والتكرور البنية السكانية الأساسية لشعب السنغال وغمبيا الحالية (2)
- شعب الماندجو أو الماند" الذي ينتشر من منطقة السنغال الأعلى صوب الشرق حول حوض النيجر وفروعه. وبعد هذا الشعب من أهم الشعوب تأثيراً في تاريخ غرب إفريقية، وعلى جهودهم قامت دولة مالي الإسلامية القوية في غرب السودان. وارتبط هذا الشعب بدوره كوسيط تجاري بين شعوب الصحراء الإفريقية، وبين الجماعات الزنجية في غابات إفريقية، ولذلك فقد ارتبط بالتجارة والثراء حتى أنهم سيطروا على تجارة غرب السودان لفترة تاريخية طويلة، وترتب على ذلك انتشار لغتهم بين شعوب عديدة من غرب السودان (3).
وشمالها
ويسود هذا الشعب مناطقة واسعة غمبيا وغينيا ومالي وسيراليون وليبيريا وساحل العاج. ويندرج ضمن فروعه فرع السونينكة Soninka واختلط هذا الفرع بدماء بربرية مثل شعب البولا والبامبارة Bambar وانتشر هذا الفرع في وادي النيجر
وينتمي رليهم أيضاً جماعات الديالونكي الذين يعملون في زراعة جوز الكولا كما أن الشعب الصوصو والديولا يتبع المانجو أيضاً. وبذلك تتلقى عدة فروع في غرب السودان ضمن شعب الماندنجو (4).
4 - شعب الهوسا "الحوصة Haoussa" وانتشر هذا الشعب في شرق وادي النيجر (ه)، وكان له أكبر الأثر في تاريخ النيجر وشعوب، بما قدمه من وساطة
(1) قداح، المرجع السابق، ص: 18.
(2) توجد في منطقة السنغال وغمبيا أكثر من 13 لهجة أو لغة، بسبب تنوع القبائل والشعوب، وتأتي لغة الولوف في المقدمة ويشكلون حالياً نصف سكان المنطقة، ويتحرك بلغتهم حالياً حوالي 90? من السكان، وتأتي بعدها لغة التكرور. وكانت تكتب تلك اللغات بحروف عربية، إلا أن بعد الإستغلال 1960 م، قرر الرئيس السنغال ليوبول سنجور أن تكتب حروف لغة الولوف بحروف لاتينية. ورغم ذلك مازالت لغات السنغال وغمبيا تحتوي على أكثر من 25? مفرداتها ترجع إلى اللغة العربية. مجلة العربي، العدد: 436،
مارس 1995
(3) قداح، المرجع السابق، ص: 19.
(4) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 59 وما بعدها
(5) قداح، المرجع السابق، ص: 19.
•
•
- TV- (1/42)
صفحة 43
حضارية بين حضارات غرب السودان الأوسط عبر مدنة التجارية
مثل سوكوتو وكاتسينا وكانو وزاريا (1). ويسطر رجال الهوسا على مساحات واسعة من الصحراء وفرضوا نفوذهم التجاري ولغتهم حتى بحيرة تشاد. بل وصل نفوذ تجارهم حتى القاهرة والحجاز والشام والقسطنطينية. ولذلك فقد خالطوا دماء بربرية عربية، فأصبحت لغتهم تكتب بحروف عربية (2)
ه - جماعات زنجية خالصة في غرب السودان: مثل جماعات الكوا Kwa التي تختلط بها شعب الكرو Kru والينوب، والأكان، وشعوب اليوريا، والأشانتي وقبائل داهومي. كما توجد قبائل التيف Tiv بين شعوب الهوسا وشعوب والفولاني في الغرب (3).
6 - الفولاني: ظهرت شخصيته في نهاية العصور الوسطى كأقوى شعوب غرب القارة بعد ضعف الشعوب الأخرى. وتظهر فيه الملامح الحامية والبربرية. وقام هذا الشعب بعمليات غزو مستمرة لشعوب ودويلات غرب السودان ولبسط نفوذه على مساحات واسعة حتى السودان الأوسط. وكان عائقاً أمام تقدم الأوروبيين في جهات إفريقية الغربية. ومازالت لغتهم تمثل اللغة الثانية في منطقة بعد لغة الولوف
السنغال
الصفات
7 - البوهل: ينتمي إلى مجموعة الشعوب الحامية التي هاجرت إلى السودان عبر الصحراء ويبدو أنهم استقروا لفترات في منطقة برقة الليبية ومنطقة تومبكتو، حتى استقر بهم المقام في السودان الغربي، لقد ظهرت بينهم الزنجية، وبدأوا في الإنتشار في السودان الغربي والأوسط، وتمتد أوطانهم من السنغال غرباً وحتى السودان الأوسط، واستفردا في مواطن كثيرة بين الزنوج واختلطوا بهم (4).
وإلى الجنوب من نطاق السافانا فإننا نجد مجموعات زنجية داخل نطاق الغابات المدارية والإستوائية أو على حافاتها واختلطت تلك الشعوب بشعوب بلاد
(1) سنقدم دراسة مفصلة عن إمارات الهوسا في الفصول القادمة من هذا الكتاب (2) قداح، المرجع السابق. (3) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 337. (4) قداح، المرجع السابق، ص: 21
- YA- (1/43)
صفحة 44
السودان الغربي والأوسط
، بسبب
أهمية ثرواتها الطبيعية من الذهب والجلود العاج
والحيوانات وغير ذلك
•
ومن تلك الشعوب ما يلي
-1
شعب الموشي Mossy الذي يستقر في منطقة الفولتا من الشمال وحتى الغابات جنوباً ويلحق بهذا الشعب أعداد كبيرة من الشعوب الزنجية الوثنية التي ظلت على وضعها المتردي حضارياً حتى العصور الحديثة وقد سبب شعب الموسي كثيراً من المشاكل لممالك مالي وصنغي والهوسا بسبب اعتداءاته المتكررة على مناطق ومدن السودان الغربي التي وصلت إلى مستويات حضارية راقبة بالإضافة إلى تحكمه في كثير من مناجم الذهب (1).
ومن الشعوب التابعة للموشي شعب الهابة Habbe في جنوب مالي. وشعب البوبو Bobo في شمال ساحل العاج والفولتا العليا. بالإضافة إلى جماعات السينوفو Senufo ، واللوبي Lobi ، والكوروما Gouruma إلى الشمال من داهومي (؟)
(2)
2 - شعب الكرو المنتشر في ساحل العاج وساحل الكاميرون وليبيريا ويتميز بالقامة القصيرة والصنعات الزنجية الخالصة
- الأشانتي Ashanti والفون وهي التي تستقر جنوب نطاق السافانا وكان
لها دور هام في تجارة الرقيق حتى العصور الحديثة (3)
4 - كما توجد جماعات المانجبوتو على حدود الكونغو
*
#
جنوب
وتعد قبائل البانتو)، أكثر القبائل الإفريقية الزنجية انتشاراً في القارة، ولذلك فقد قسم الباحثون البانتو إلى ثلاثة أقسام رئيسة
خط الإستواء حسب أوطانهم وهم:
(1) طرخان، إبراهيم، دكتور، مملكة مالي الإسلامية، الهيئة المصرية العامة، القاهرة 1973،
ص: 159
(2) قداح، المرجع السابق، ص: 23. (3) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 337. (4) كانوا أكثر الجماعات والشعوب الإفريقية احتكاكاً بالهجرات العربية والإسلامية المتجهة إلى شرق إفريقية على طول ساحلها من الشمال إلى الجنوب
- 39 - (1/44)
صفحة 45
1 - البانتو الجنوبيون:
(1)
تمتد أوطانهم من مصب نهر الزمبيزي إلى مصب نهر كوينتي على المحيط الأطلسي (1). وبذلك تمثل أوطانهم معظم دول جنوب القارة من النصف الجنوبي من موزمبيق ثم روديسيا الجنوبية بالإضافة إلى دولة جنوب إفريقية، برغم من وجود مستوطنين جدد بينهم من أوروبيين وهنود، في الوقت الحاضر، ولكن مازالت نسبتهم تصل إلى أكثر من 85? في تلك المناطق (2).
وتضم جماعات البانتو الجنوبيين مجموعات أربعة داخلها هي
:
حتى
(أ) شعب الشونا Shona المنتشر في روديسيا الجنوبية وموزمبيق، ويتكون من قبائل عديدة. كانت لهم حضارة مزدهرة في العصور القديمة والوسطى حتى القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد. وتوفرت في مواطنهم مناجم النحاس والحديد والذهب ولذلك كانت تلك المناطق أهمية في تجارة إفريقية الخارجية (3) أن مدينة سفالة أصبحت ميناء هاماً في تجارة المحيط الهندي على اعتبار أنها منفذ لحوض نهر الزمبيزي ومنطقة موزمبيق. وظلت هي الميناء الوحيد لتصدير الذهب الإفريقي حتى بعد قدوم البرتغاليين (4)
وتدل آثار هذا الشعب الخالدة في منطقة روديسيا فيما بين نهري الزمبيزي واللمبوبو Linpopo ، التي اكتشفها آدم رندرز Adam Remders 1871 م، على أن هناك حضارة راقبة قبل الميلاد، حيث كانت تصل إليهم سفن العرب لحمل الذهب من أوفير (5). وكانت سلع حضارة روديسيا سبباً من أسباب شهرة أهل اليمن في تجارة العالم القديم، حيث استقرت جاليات يمنية على هذا الساحل لتأمين حمل تلك السلع إلى بلادهم.
(1) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 71. (2) محمد، عوض، المرجع نفسه، ص: 86.
(3)
Brimingham & Marks, Southern Africa, P.: 586.
(4) الحويري، محمود، دكتور، ساحل شرق إفريقية من فجر الإسلام حتى الغزو البرتغالي، ص: 126، دار المعارف، القاهرة، 1986 م.
(5) حوراني، جورج، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص: 128/ 127، ترجمة د. السيد
يعقوب بكر، مراجعة د. يحيى الخشاب.
ومازالت الدراسات مختلفة حول تحديد موقع أوفير.
- L.- (1/45)
صفحة 46
(ب) القسم الثاني من البانتو الجنوبيين هم شعوب: النجوني Naguni والتسونجا Tasonga ، والسوزاى، وشعب الزولو Zulu . ويعد شعب الزولو من أشهر شعوب وجماعات هذا القسم، بسبب ظهور شخصية هامة من بينهم يدعى شاكا، تمكن هذا الزعيم من غزو المناطق المجاورة وقام بتوسيع حدود ومواطن شعبه خاصة صوب الجنوب، حتى أصبح الزولو وجهاً لوجه أمام زحف المستوطنين الجدد من الأوروبيين لتلك المناطق، خاصة الهولنديين (البوير) والانجليز (1)
(جـ) أما القسم الثالث من البانتو الجنوبيين فهم جماعات الفندا Venda
والسوتو Sotho وجماعات نجراتو وتوانا
(د) وفي الجنوب الغربي لإفريقية توجد جماعات الهريرو Hereo ، وهي تمثل القسم الرابع من البانتو الجنوبيين. ومع ذلك تلك الجماعات في أغلبها ترتبط بحرفها القديمة والمتمثلة بالرعي والزراعة البدائية، بالإضافة إلى الصيد والجمع لتوفير حاجياتهم. وتنتشر بينهم العقائد الوثنية البدائية. ومع ذلك فالقبيلة هي البناء الاجتماعي الأساسي عندهم
- البانتو الغربيون:
(2)
ويمتد أوطانهم من الكاميرون شمالاً حتى روديسيا ونامبيا جنوباً. وتمثل أوطانهم الأراضي المطلة على المحيط الأطلسي والغابات الكثيرة. وكانت تلك المواطن غنية بثرواتها الطبيعية، وقد دلت الآثار على وجود حضارة قديمة في تلك المواطن حيث قامت دويلات مثل لندا Lunda . كما ظهرت في منطقة نهر الكونغو دولة بوشنجو Bushungo التي أسستها قبيلة مبالي. حيث كانت تتمتع بنظمها الإدارية والقضائية والتشريعية المستقلة بالإضافة إلى وجود قوة عسكرية كافية لحمايتها وقد لاحظ ذلك العديد من الرحالة الأجانب الذين وصلوا إلى تلك المناطق
في العصور الوسطى والحديثة
وتعد جماعات الفانج Fanig آخر جماعات البانتو الغربيين صوب الشمال حتى تتداخل أوطانهم مع قبائل الفولاني في غرب إفريقية
(1) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 86. (2) الجوهري، الإنسان وسلالاته، ص: 432. (3) الجوهري. المرجع نفسه. ص: 438 (1/46)
صفحة 47
- البانتو الشرقيون
وهم
أعقد جماعات البانتو دراسة بسبب امتداد أوطانهم لمساحات كبيرة وكثرت الإحتكاكات بينهم وبين الأمم الأخرى في داخل القارة وخارجها (2)، ولذلك فقد قسمنا مواطنهم إلى ثلاثة أقسام لتحديد شعوب كل قسم منهم. كما يلي: (أ) المنطقة الشمالية: التي تمتد بين البحيرات الإفريقية وجنوب منابع وادي النيل وتعد تلك المنطقة من أكثر مناطق القارة الإفريقية تعرضاً لغزو وتسلل الجماعات الأجنبية منذ القدم، ورغم تباينها إلا أن المنطقة تتمتع بتجانس ثقافي. ومن أشهر جماعات البانتو بها باجشو، وباينولي، وباسميد
•
(ب) المنطقة الوسطى: تعيش جماعات الكيكويو Kikuyo التي تنتشر على مرتفعات كينيا، وقبائل الكامبا إلى الجنوب منها، وقبائل الجاندا Ganda ، وقبائل البوجندا في دولة أوغندا. والشاجا Chagga في مرتفعات كليمانجارو. أما في منطقة تنزانيا فتنتشر قبائل الجوجو Gogo ، والتورو النيامويزي، والإيراكو (3).
وعلى الساحل الشرقي للقارة توجد قبائل شينيانجا Chinyanja ، وجماعات
المارفي Marevi التي تمتد أوطانهم حتى بحيرة نياسا. وقبائل البيسا Bisa واللالا Lala ، وجماعات الوزي في الزمبيزي، الأوسط، وكذلك الباروتسي Barotse
أما جماعات التوتسي Tutsi والهوتو Hutu فينتشرون في منطقة أعالي نهر كاجيرا في منطقة رواندا وبورندي. وتشكل جماعات التوتسي رغم قلة عددها ارستقراطية في المنطقة، في مقابل أغلبية من الهوتو (80?) (4)
(جـ) أما المجموعات الجنوبية من البانتو الشرقيين فهي شعوب التشاجا التي تعيش بجوار كليمانجارو على الحدود الشمالية لتنزانيا. وكذلك قبائل النجوتي التي تشمل فئات عديدة من جماعات متناثرة ومنتشرة بين جبال داركنزبرج وساحل المحيط الهندي. ويجاور تلك المجموعات من جهة الغرب جماعات البوشمن
(1) تنتشر حالياً في أوغندا وكينيا وبورندي ورواندا وزامبيا وتنزانيا وملاوي وبعض مناطق شرق
القارة الإفريقية (2) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 89.
(3) محمد، عوض، المرجع نفسه، ص: 90 (4) الجوهري. المرجع السابق، ص: 440.
- EY- (1/47)
صفحة 48
والهوتنتوت (1) وهي جماعات مازالت تعيش في مرحلة بدائية، وهي مرحلة الجمع والصيد (2) وتعيش غالبيتها في انجولا حالياً. كما توجد قبائل الأناما Nama وكورانا Korana في الكيب، إلى الجنوب من جماعات البانتو الشرقيون.
وإلى الشمال من جماعات البانتو، تعيش جماعات النيليين في المنطقة الممتدة من بحيرة فكتوريا جنوباً وحتى الخرطوم شمالاً. وتشمل جماعات النيليين ثلاث مجموعات هي:
1 - المجموعة الشمالية: الدنكا والنوير والشلك في السودان
2 - المجموعة الوسطى: وهي الأشولي في أوغندا والألوار واللانجو
3 - المجموعة الجنوبية: وهي جماعات اللو
•
ومازالت تلك المجموعات تحتفظ بعيشتها البدائية ونمطها القديم الوثني في
أغلب مناطقها (3).
وبسبب الموقع والأهمية والحضارية أصبحت جماعات البانتو الشرقيين هم أكثر الأمم الإفريقية، جنوب خط الإستواء، رقياً وتطوراً، حيث اختلطوا بصورة مستمرة بالأمم والشعوب التي قدمت إلى أوطانهم من العرب والفرس والهنود وغيرهم. ونتج عن هذا ظهور لغة جديدة علي ساحلهم تسمى اللغة السواحلية (4) التي تعتمد أساساً علي لغة البانتو والتي أصبحت الرباط القومي الذي يضم مناطق
(1) الجوهري، المرجع السابق، ص: 446
(2) وهي جماعات في طريقها إلى الإنقراض، بسبب عزلتها الطويلة.
(3) محمد، عوض، المرجع السابق، ص: 147 وما بعدها
(4)
هي اللغة التي
نشأت على ساحل إفريقية الشرقية منذ البداية العصور الوسطى، نتيجة الإتصال والهجرات المستمرة من منطقة شعب الجزيرة العربية والخليج العربي إلى تلك الأوطان التي يسكنها البانتو. ويعتقد أنها في الأصل بنيت على أصول لغة قبيلة جرياما - Gir yama ، التي تعيش إلى الشمال من ممباسا حيث تم الإتصال المبكر مع الهجرات والجماعات العربية. وأخذت تلك اللغة تنتشر شيئاً فشيئاً نحو الشمال ونجو الجنوب وصوب الداخل. وتعد اللغة السواحلية من أهم اللغات التي تمكنت من إبراز الوحدة الثقافية الحضارية لمنطقة شرق القارة في ظل التباين السياسي والعرقي، حيث تمكنت تلك اللغة من جمع ترات تلك المنطقة. وتعد اللغة الأساسية في مجال الدراسات الإفريقية. وتمثل على عدد كبير من المصطلحات العربية بالإضافة إلى دخول كلمات أوروبية بها حديثاً.
- 43 - (1/48)
صفحة 49
وشعوب البانتو في شرق القارة، حيث أصبحت لغة التعامل اليومي والمعاملات والثقافة بين شعوب وقبائل البانتو وغيرها من الجماعات الوافدة التي نزلت أرضها وعلى سواحلها وجزرها. وانزوت أمامها لغات كالانكولي والسكاما والبمبا والتونجا بالإضافة إلى اللغات الفرعية العديدة. ففي زاير وحدها يوجد ما يزيد عن 40 لغة فرعية، وأربع لغات رئيسية. وفي تنزانيا في الشرق يوجد أكثر من 100 لهجة ولغة (1). بل توجد داخل المدينة الواحدة في بعض الأحيان أكثر من ثلاثين لغة. الأمر الذي يعطى أهمية خاصة للغة السواحلية، من أجل دمج الجزر اللغوية والثقافية المتناثرت في إفريقية (2)
وتعد منطقة جنوب إفريقية ذات أوضاع عرقية خاصة بالنسبة للقارة. ذلك لأنها شهدت تطورات حديثة منذ العصور التاريخية الحديثة، بسبب أهميتها علي خطوط المواصلات الحديثة، بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح بها، منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، فاستقرت بها جماعات أوروبية، خاصة وأن مناخها وظروفها البيئية أقرب إلى الوسط البني لأوروبا. فقد وصلتها مجموعة من المستوطنين الإنجليز 1652 م. لتأسيس محطة إمداد وتموين للسفن الإنجليزية العاملة في المحيط الهندي بعد تزايد المصالح البريطانية هناك في أعقاب تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية 1600 م. والتي اتخذت من بومباي بغرب الهند مركزا لها. ومنذ ذلك الحين تدفقت الجماعات الأوروبية للاستقرار في المنطقة من هولنديين وفرنسيين وألمان وانجليز
وفي نهاية القرن الثامن عشر اضطرت الجماعات الأوروبية إلى الإستقلال بأقاليم خاصة لكل جماعة بعد ظهور النزاعات بينها، فانسحب المستوطنون الأوائل
من البوير "أي الفلاحين غالبتهم من أصل هولندي، إلى الاتجاه صوب الداخل واحتلال الأجزاء الشرقية من هضبة جنوب إفريقية على حساب جماعات البانتو
•
(1) تعد إفريقية من أشد مناطق العالم تعقيداً من الناحية اللغوية. وتقدر خريطة مدرسة اللغات الشرقية بجامعة لندن عدد اللغات الإفريقية بحوالي 1500 لغة فضلاً. عن اللغات الأوروبية
الحديثة التي دخلت القارة
(2) سعودي
الكويت 1980.
، محمد عبد الغني، دكتور، قضايا إفريقية، ص: 135، 139.
- 44 - (1/49)
صفحة 50
من السكان الأصليين، وأسسوا مقاطعتى أورانج الحرة والترنسفال بينما استقرت الجماعات الإنجليزية، بتشجيع من حكومتها في الأجزاء الحضبة في الشرق المستمرة الكاب وإقليم الباني Albany . كما تدفقت جماعات إنجليزية إلي إقليم ناتال (1). وبدأ الإنجليز في التدفق أيضاً صوب الداخل
ظهر الصراع بين الجماعات الأوروبية في القرن التاسع عشر 1867 م. بسبب
بينهم
ظهور الذهب في إقليم الترنسفال، والماس في كمبرلي ونشبت الحرب الطاحنة وهي التي عرفت باسم "حرب البوير" والتي انتهت بهزيمة البوير. وفي 1910 م. أغلبت بريطانيا قيام اتحاد جنوب إفريقية تحت التاج البريطاني، لكن الاتحاد انسحب من الكومنولث البريطاني 1961 م. وأعلن استقلاله وقيام جمهورية جنوب إفريقية المستقلة
انعكست تلك التطورات على الأوضاع العرقية والثقافية في جنوب إفريقية وأصبحت المنطقة تضم أنواع عديدة من المستوطنين الوافدين من مناطق إفريقية بعيدة ومن الهند ومن الأوروبيين. فالنسبة للأوروبيين فهم قسمان هما:
-1
البوير: ويتحدثون لغة تسمى الأفريكانز Afrikans ، يتحدث بها حوالي: %6? من الأوروبيين. وهي مبنية على أصول لغوية هولندية. ومعترف
بها رسمياً
السائدة 2 - بقية الأوروبيين: يتحدوث اللغة الإنجليزية، وهي
في الدولة (2)
وبالنسبة لجماعات البانتو من الزولو والإكسواز والسوتو والتسوانا، فقد ظلت لهم لغاتهم الخاصة ومناطقهم وإنه كانت في الغالب مناطق فقيرة (3). خاصة وأن أفراد قبيلة الهوتنتوت قد فرت إلى الصحراء كلهاري وناميبيا، بعد سياسة
العنف والقسوة التي اتبعها الجماعات الهولندية تجاهها
(1) أبوعيانة، فتحي، الجغرافية الإقليمية، ص: 520. (2) أبوعيانة، المرجع السابق، ص: 456
(3) يبلغ عدد السكان الدولة حالياً حوالي 40 مليون نسمة. تبلغ نسبة المسحيين بينهم حوالي، بينما يبلغ عدد المسلمين حوالي نصف مليون فقط، معظمهم من أصل آسيوي
% A 0
خاصة من شبه القارة الهندية
-20 - (1/50)
صفحة 51
ظهر عنصر آسيوي جديد في جنوب القارة في منطقة كيب تاون، وهو العنصر الماليزي، القادم من جنوب شرق آسيا، وقد حافظ هذا العنصر على هويته الإسلامية وثقافته الآسيوية، وأصبحوا رمزاً للوجود الإسلامي بها. كما وفدت جماعات هندية سواء للعمل في مزارع البيض أو في ظل اتحاد الكومنولث البريطاني، وتركزوا في إقليم ناتال والمدن الرئيسية مثل بورت اليزابيت وجوهانسبرج.
وبدأت شعوب البانتو تعاني من سياسة العزل والإضطهاد من جانب حكومة جنوب إفريقية، حيث وضعوا في معازل حكومية تعرف باسم "إدارة البانتو" (1). وبدأت الدولة في تطبيق التفرقة العنصرية والفصل العنصري Apartheid ، كما ظهرت توجهات لإقامة دويلات سياسه للبانتو مثل: بانتوستان، الترانسکاي
لكن تلك السياسة أثارت حفيظ المجتمع الدولي ومؤسسات العالمية والإقليمية، فاتضح أن البض لا يمثلون سوى %17.5 من السكان بينما يشكل البانتو حوالي 80? من سكان الدولة. وانتهى الأمر في النهاية إلى إلغاء تلك السياسات، بل أجرت الحكومة انتخابات حرة 1993 م، أتت بأحد الملونين وهو نيلسون مانديلا
ليكون أول رئيس إفريقي للدولة.
(1) أبوعيانة، المرجع السابق.
-?7 - (1/51)
صفحة 52
(3)
الإقتصاد
يختلف الوضع الإقتصادي للقارة الإفريقية، ودورها في التجارة العالمية حالياً. عن أوضاعها ودورها في العصور القديمة. ذلك أن وقوع الإنقلاب الصناعي في أوروبا منذ القرن السابع عشر الميلادي، جعل من القارة الإفريقية مخزناً للمواد الخام اللازمة لمصانعها، وسوقاً لتصريف منتجاتها، وظهرت نظريات إقتصادية جديدة في أوروبا تنادي دولها بأن قوة الدولة يمكن فيما تمتلكه من مستعمرات وأراضي واسعة (1). ولذلك ظلت القارة الإفريقية منذ العصور الحديثة نهبا بين الدول الأوروبية، التي أبقت على أوضاع القارة المتردية والبدائية، بل زادت في معاناة شعوبها وافسدت مجالهم البيئي الطبيعي (2). فلم يعد الإفريقي قادراً حتى داخل قارته من ممارسة أنشطته البدائية مثل حرفة الجمع والصيد والقنص وغيرها بعد انتشار الأسلحة الحديثة والتركيز على أنواع معينة من الحيوانات في عمليات الصيد
من
•
أجل الإنتفاع بمخلفاتها أما الدور الإفريقي في مجال التجارة العالمية في العصور القديمة والوسطى فقد كان دوراً إيجابياً فعالاً على المستوى العالمي، ذلك أنها قدمت للمدنيات المجاورة لها في الهند والعراق وفارس وشبه الجزيرة العربية وحوض البحر المتوسط ما تحتاجه من السلع والمنتجات المدارية والإستوائية والغابية (3)، وغيرها من السلع
(1) شقير، لبيب، دكتور، تاريخ الفكر الإقتصادي، القاهرة، ص: 242. لوفران، تاريخ التجارة، ص: 14.
(2) أدى انتشار الأسلحة النارية في القارة على أيد الأوروبيين إلى استخدامها بنطاق واسع في عمليات الصيد من قبل الجماعات الإفريقية، فانقرضت حيوانات معينة مما أضر بالمجال الحيوي في القارة. فمثلاً أدى اصطياد التماسيح بكثرة من أعالي النيل للحصول على جلودها، إلى ظهور أنواع معينة من الأسماك السفاحة. وهذه الأنواع من الأسماك تتغذي على الأسماك الأخرى التي يعتمد عليها السكان في غذائهم. وكانت التماسيح تتعقب تلك الأسماك السفاحة. كما أدى قلة أعداد الفهود إلى زيادة نسبة النسانيس والخنزير البري في
الغابات والمراعي
Miller, J. the Spice Trade of Roman Empire, P. : 114 .
- 47 -
(3) (1/52)
صفحة 53
وفي المقابل حصل الأفارقة على ما يحتاجون من المواد الخام والصناعات
اللازمة لهم من العالم الخارجي، وظهرت مدينات متقدمة في القارة الإفريقية. خاصة في العصور الإسلامي * وصلت إلى مراحل متقدمة عن نظيراتها في القارة الأوروبية المعاصرة لها في تلك الفترة. ووصل الأمر إلى ظهور شبكة من الطرق العالمية عبر الصحراء الإفريقية لربط تلك الحضارات الإفريقية بالقوى المعاصرة لها (!)
وظهر التأثير الإقتصادي الإفريقي في الإقتصاد العالمي بارتباط حركة الذهب وتأمين مصادره على قارة إفريقية أكثر من غيرها. فلجأت حكومات العصور الوسطى إلى تأمين أرصدتها بالذهب دون غيره من المعادن، وأصبح ضرب العملة الذهبية علامة على الاستقلال الاقتصادي ودرجة نقاوة العملة علامة أخرى على
الرخاء الإقتصادي، فنشطت قوافل التجارة لحمل هذه السلعة من إفريقية (2).
•
من
وكان تحكم المسلمين في تجارة الذهب الدولية في العصور الوسطى عاملاً. عوامل قوتهم الإقتصادية، ذلك أنهم وضعوا أيديهم على طرق تجارة قوافل الذهب الإفريقي. سواء القادمة من غرب القارة جنوب الصحراء، أو من بلاد النوبة والسودان الشرقي وكذلك من شرق القارة. وأصبح تدفق الذهب من مناجمه مرتبطاً بالتاجر المسلم رغم أن عمليات الإنتاج داخل المناجم كانت تتم بيد أهل منطقتها وفي صورة سرية خوفاً من وصول الأطماع الخارجية إلى تلك المناطق. وعرفت بلاد السودان في تلك الفترة باسم "بلاد التبر" (3).
ومنذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي أصبح ذهب إفريقية من أسس الإستقلال الإقتصادي في العالم عامة والإسلامي خاصة. ذلك أن عمر بن الخطاب ومن بعده عبد الملك بن مروان اتجه إلى ضبط وتنسيق أوزان العملات الفضية والذهبية للعالم الإسلامي، فصدرت عملات على النسق الفارسي والبيزنطي، مع إبراز الطابع الإسلامي الجديد، بسبب الإرتباط السابقة بين الجانبين. فكان الدينار الذهبي يعادل عشرين درهماً. وكان لتدفق الذهب الإفريقي أكثر الأثر لإتمام عملية
(1) الجنحاني، الحبيب، دكتور، المغرب الإسلامي، الحياة الإقتصادية والإجتماعية في القرنين الثالث والرابع الهجريين / التاسع والعاشر الميلاديين، ص: 34، تونس.
(2) آشتور، التاريخ الإقتصادي للشرق الأوسط، ترجمة عبد الهادي عبلة، ص: 96. (3) لمبارد، موريس، الجغرافية التاريخية للعالم الإسلامي خلال القرون الأربعة الأولى، ترجمة الدكتور / عبد الرحمن حميدة، دمشق، ص: 148.
- E^- (1/53)
صفحة 54
الإستقلال النقدي الإسلامي. وكان لازدهار العالم الإسلامي اقتصادياً سبباً في ازدياد عمليات تبادل النقد الذهبي، حيث أصبحت أراضي المسلمين محطة تجارية هامة بين الشرق والغرب. فتطورت عمليات ضرب العملة وتعددت دور سكها وتطورت الأنظمة التجارية للوفاء بمتطلبات المرحلة الإسلامية الجديدة
•
ازدهرت مراكز التجارة البرية والبحرية على طرق تجارة ذهب السودان الإفريقي ودبت الحياة في الصحراء الإفريقية الكبرى من خلال نمو واحاتها حضاريا للوفاء بمتطلبات قوافل التجارة التي بدأت تتردد على غرب السودان لحمل الذهب إلى الشرق الإسلامي وشمال إفريقية وحوض البحر المتوسط، حيث كان سكان البحر المتوسط والمشرق الإسلامي في حاجة إلى سلع السودان من الذهب وغيره (1). أن الصراع الذي دار على منطقة الشمال الإفريقي في العصور الإسلامية كان من أسباب التحكم في خطوط تجارة ذهب السودان. بعد زيادة الطلب عليه بعد استنزاف ذهب الشرق الذي استنزف في عصور ما قبل الإسلام.
ويبلو
وأدي سيطرة المسلمين على مناجم الذهب العالمية وعلى الطرق المؤدية إليها إلى أنهم أصبحوا سادة التجارة والنقد العالميين (2)، ومكن ذلك العالم الإسلامي من التحكم في نظام العملات العالمية والتجارة أيضاً، بسبب تمتع العملة الإسلامية بالنقة الدولية لما يتوافر لها مخزون ذهبي ضخم. ولم ينافس المسلمون في هذا المضمار إلا الأسبان والإنجليز في العصور الحديثة حينما تمكنوا من الوصول إلى مناجم الذهب في العالم الجديد. وبدأت حقبة جديدة في الإقتصاد العالمي. حيث توجهت الأنظار إلى المراكز الجديدة صوب الغرب.
(P)
أن
التجهت قوافل الذهب إلى العواصم الإسلامية في بغداد ودمشق والقاهرة وغيرها واستأثرت مصر ومدنها على نسبة كبيرة من الذهب الإفريقي " حتى الطولونيين حكام مصر من قبل العباسيين كانوا يرسلون .... 300 دينار ذهبي ستريا للخليفة العباسي في بغداد (4). وأدى ذلك إلى بلوغ العملة المصرية والإسلامية درجة فائقة من النقاوة تصل إلى أكثر من %99 ومازالت القارة الإفريقية تتأثر
(1) لوفران، المرجع السابق، ص: 44. (2) الجنحاني، المرجع السابق ص: 34. (3) آشتور، المرجع السابق، ص: 112
Mountgog, A; Africa P.: 46 London, 1964.
-?9 -
(4) (1/54)
صفحة 55
بنسبة كبيرة في تجارة الذهب العالمية تصل إلى %68? من الذهب العالمي. وبلغت شهرة ذهب غرب إفريقية أن أطلق على إحدى دولة اسم ساحل الذهب وهي دولة غانا (1)
من
وبجانب الذهب انتجت إفريقية للعالم القديم والوسيط معادن أخرى مثل النحاس الذي ارتبط انتاجه بساحلها الشرقي، وكان للنحاس الإفريقي شهرة هامة، حيث كان يحمل خاماً لإستخدام في الصناعات النحاسية الإسلامية كصناعة الأواني والأدوات المنزلية وكذلك العملة (2). كما توجد في إفريقية كميات هائلة. الماس يصل إنتاج الماس الإفريقي إلى حوالي %95 من انتاج الماس العالمي (3). أما الحديد فقد اعتمدت مدينات المحيط الهندي، خاصة على حديد إفريقية، ونشطت سفن أهل عمان في حمل خام الحديد من إفريقية إلى الهند، وبعد ذلك تتم عمليات التصنيع واعادة التصدير في شكل سيوف أو أدوات أخرى. ونظراً لأهمية هذا المعدن في مدينات العالم القديم والعالم الإسلامي فقد لعبت التجارة الإفريقية دورها الكبير في هذا المجال حيث أصبحت منطقة ساحل موزمبيق وسفالة الزنج من أهم المراكز العالمية في العصور القديمة والوسطى في تصدير خام الحديد بصورة منطقة مما أدى إلى قيام مراكز صناعية تعتمد على الخام الإفريقي خاصة في شبه القارة الهندية والشرق الأدنى
ونظراً لعدم وجود خبرة ملاحية إفريقية في مجال التجارة العالمية، فلم تتوفر دراسة وافرة عن أهمية هذا الخام الإفريقي فارتبط بمناطق أخرى، تعتمد ذاتها على الحديد الإفريقي مثل الهند، التي اشتهرت بانتاج الصناعات الحديدية وتصديرها للعالم الإسلامي كما أنتج هذا الخام من غرب إفريقية أيضاً
•
وإلى جوانب الثروة المعدنية الإفريقية ساهمت القارة بثرواتها وامكانياتها والنباتية والحيوانية، مثل العاج الذي ارتبط بإفريقية سواء من جهة تجارة المحيط
(1) حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص: 128
(2) يرتبط انتاج النحاس حالياً بدولة زامبيا
(3) تنقسم تجارة الماس إلى قسمين: الأول ماس الزينية، Gem Diamand وتنتج إفريقية من 93? من الإنتاج العالمي، والثاني وهو الماس الصناعية Industrial Diamand وتنتج
إفريقية من حوالي %98? من الإنتاج العالمي.
18.1 (1/55)
صفحة 56
من
الهندي أو تجارة حوض البحر المتوسط والطرق البرية. وأصبح العاج سلعة هامة. سلع العالم الإسلامي لاستخدام في صناعات الزينة، بعد أن ظهرت جوانب الترف على الحياة العامة الإسلامية، وكانت كميات العاج تحمل بكميات كبيرة من ساحل إفريقية الشرقي صوب منطقة الخليج العربي والعالم الإسلامي (1). بل حملت الفيلة مع بعض الطيور والحيوانات الإفريقية إلى المشرق الإسلامي ومدينات البحر المتوسط، حتى العصور الحديثة
هو
كما حملت التجارة السلع النباتية الإفريقية مثل الذرة (2)، وكان القمح أهم محصول للحبوب مثل سيادة الذرة الإفريقي، الذي انتشرت زراعته بعد ذلك على سواحل المحيط الهندي والبحر المتوسط (3)، وتم تحسين نوعيته في أقاليم العالم الإسلامي الشرقية. ثم ظهر هذا المحصول الإفريقي جنوب فرنسا وأسبانيا في القرن الحادي عشر الميلادي، واستمرت لإفريقية أهميتها في تصدير هذا المحصول طيلة العصور الوسطى.
•
أما القمح الإفريقي، فقد لعب دوراً هاماً في تاريخ العالم القديم والوسيط بحيث أصبحت مدينات وحضارات البحر المتوسط منذ اليونان والرومان تعتمد على القمح الوارد إليها من مصر (4)، وشمال إفريقية، واستمر الدور الإفريقي أيضاً في العصر الإسلامي بعد ذلك. إذ قامت أودية وادي النيل من مصر، وسهول نهر مجردة وأنهار بلاد المغرب وأوديتها بهذا الدور
فكانت باجة ترسل يومياً كميات من الحبوب إلى بلدان العالم الإسلامي ويبدو أن تلك الكمية الكبيرة كانت تتجمع من المناطق المحيط لها في المغرب الأدنى، كما كانت قسنطينة تصدر كميات كبيرة من الحبوب أيضاً خاصة القمح. ويبدو أن كميات من هذا المحصول قد حملت إلى بعض واحات الصحراء الإفريقية
(1) حوراني، المرجع السابق، ص: 128. (2) أكد الباحثون على أن الذرة يعتبر من النباتات ذات الأصل الإفريقي، حيث إتضح أن أول زراعتها قد تم في أقاليم السافانا الإفريقية، حيث تم زراعتها في منطقة تشاد وحزام
السودان
(3) واطسون، أندرية، الإبداع الزراعي في بدايات العالم الإسلامي، ترجمة / أحمد الأشقر، مراجعة د. / محمد نذير سنكري، جامعة صلب، 1985 م.، ص: 23. وما بعدها (4) علي، عبد اللطيف، أحمد، مصر والإمبراطورية الرومانية، ص: 63
101 - (1/56)
صفحة 57
بعد أن زادت أعدادها البشرية من جراء ازدهارها بسبب وساطتها التجارية وهجرة قبائل بربرية وعربية نحوها
وظلت منطقة شمال البحر المتوسط تعتمد على القمح الإفريقي كنتاج للسياسة الرومانية السابقة التي ارتبط شعوب أوروبا بهذا المحصول القادم من إفريقية. حيث لجأ الرومان منذ القرن الأول الميلادي إلى فرض زراعة القمح في منطقة شمال إفريقية لسد حاجة سكان إيطاليا خاصة (1) وبدأت موانيء تونس والجزائر والمغرب الأقصى تقوم بهذا الدور في العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة.
ارتبطت إفريقية أيضاً بمحصول زيت الزيتون، المستخرج من شجرة زيت الزيتون التي يشتهر بها إقليم حوض البحر المتوسط وكانت السواحل التونسية أهم مراکز انتاجه، وامتدت زراعته إلى بلاد المغرب الأقصى، خاصة منطقة فاس، حتى أصبحت تجارته تجارة إفريقية (2)، وبعد ذلك دخلت أسبانيا ودول أخرى في البحر المتوسط مجال المنافسة في تجارته.
ومكناس
ومنذ العصور القديمة ارتبط زيت الزيتون الإفريقي بشهرة واسعة ليس في مجال الطعام فقط ولكنه استخدم أيضاً في مجال التجميل والإضاءة، وعرف لدى الرومان باسم "زيت البربر (3) واعتقد الرومان بوجود فوائد طبية هامة لزيت الزيتون القادم من بلاد البربر. ورغم انتاج اسبانيا لهذا المحصول وزيته إلا أنه أجود أصنافه كانت من شمال إفريقية، ونمت تجارته في العصور الإسلامي أصبح رمزاً للثروة في مجال الزراعة والتجارة. كما ازدهرت زراعة الكروم أيضاً مع حقول ومناطق انتاج الزيتون وزيته
•
وفي مجال المنتجات الترابية والحجرية ساهمت القارة الإفريقية بدور كبير في
(1) عجزت روما عن توفير حاجيات سكانها الغذائية بعد أن وصلوا إلى مرحلة الترف والبذخ كما انتشرت المستنقعات في أراضي إيطاليا، الأمر الذي أدى إلى البحث عن مصدر ثابت لهذ السلعة الهامة للغذاء من القمح. وكانت إفريقية هي التي اتجهت إليها الأنظار لتوافر إمكانيات زراعة هناك. وكان كل 2000000 روماني يستهلكون مليون مد شهرياً في زمن الإمبراطور أغسطس. انظر: جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية جـ 1، ص: 206.
(2) لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص: 312 (3) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص: 209
- 52 - (1/57)
صفحة 58
توفير المواد اللازمة للبناء وصناعة الخزف وصناعة الزجاج، فقد بنيت بها مدن عظيمة على وادي النيل وعلى سواحل البحر المتوسط مثل الإسكندرية ومن قبلها قرطاج، وكان لا يمكن تدشين تلك المدن منذ البداية دون أن يكون هناك الكميات الكافية من مواد البناء من أحجار وتربة طيبة صالحة للحرق لصناعة قوالب من الطين المحروق. حتى أن مدينة قرطاجنة كانت عبارة عن مخزن هائل للأحجار التي حملت منها لبناء مدن جديدة مثل القيروان، ومدينة الزهراء الأندلسية، في العصر الإسلامي. حيث كانت السفن تحمل الأحجار، بعد خلعها ثم ترصها في السفن التي تقصد مدن أسبانيا (1).
و نافست شمال إفريقية مدن فارس والمشرق الإسلامي في صناعة الخزف وامدت مناطق العالم الإسلامي، حيث كانت المدن الإسلامية في حاجة إلى كميات كبيرة من الخزف المستخدم كأواني للطعام وأواني للزينة والبناء، واستهلكت مدن شمال إفريقية والأندلس كميات كبيرة من تلك السلعة، حتى بات هذا الفن حالياً مرتبطاً بالمغاربة (2) الذي حازوا على سمعة دولية في الوقت الحاضر في هذا الفن أن
نقلة الإيطاليون عنهم.
كما صدرت بلاد المغرب نوعاً من الزجاج يسمى الكريستال الصخري، الذي كان يستخدم في صناعة الأباريق كبيرة والأحواض التي يوجد بعضها في المتاحف الإسلامية حالياً.
•
وارتبطت السواحل الإفريقية المطلة على البحر المتوسط بانتاج المرجان (3)، وكانت لعمليات انتاجه نظماً وقواعد تشبه عمليات انتاج اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي، من حيث تنظيم عمليات الغرص والصيد والجمع والتجارة والسمسرة. بالإضافة إلى الحاجة لسفن وأساطيل للصيد. واستخدم مرجان إفريقية في صناعة الحلي والأطواق وغيرها من أدوات الزينة. وصدرت إلى أسبانيا وأوروبا والمشرق الإسلامي معظم كميات المرجان (4)
وصدرت إفريقية أيضاً الصدف، سواء من سواحلها المطلة على المحيط
(1) لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص: 315
(2) لومبارد، المرجع نفسه، ص: 348.
(3) الإصطخري، المسالم والممالك، ص: 37، القاهرة، 1961 م.
(4) لومبارد المرجع السابق، ص: 354
- 53 - (1/58)
صفحة 59
الهندي أو البحر المتوسط. كما صدرت العنبر، الذي كان يصدر معظمه إلى منطقة الخليج العربي والبحر المتوسط، وكان تجار منطقة الخليج العربي يحرصون على جلب العنبر من سواحل إفريقية الشرقية خاصة من سفالة الزنج، وحمله إلى العراق واشتهر في ذلك أهل عمان بصورة خاصة (1).
على أن أهم السلع التي ارتبطت بالقارة قديماً وحديثاً كانت سلعة تجارة العبيد لاستخدامهم كقوى بشرية للعمل في مجالات مختلفة في مدينات العالم القديم والعصر الإسلامي وحتى العصور الحديثة، حتى ارتبطت تلك السلعة وتجارتها بصور غير إنسانية على أيد الأوروبيين حديثاً. وقد أثر عمليات حمل العبيد الأفارقة بصورة كثيفة إلى استنزاف موارد القارة البشرية وفقد هويتها. وبالتالي ضمور عناصر الإنتاج في القارة الأمر الذي أثر سلباً على تكوين الشخصية الإفريقية في ظل ثراث طويل من المعاناة من هذا الأمر (2).
فهاهم اليونان والرومان يعتمدون على عبيد إفريقية في مجالات حياتهم وفي جيوشهم، بحيث يقدر البعض أن عدد السكان ايطاليا قد بلغ أربعة عشر مليون نسمة كان من بينهم أربعة ملايين من العبيد معظمهم من الأفارقة الذين عملوا لدى ساداتهم الرومان في المنازل وفي المزارع ومجالات أخرى (3)، بحيث شكل هؤلاء
العبيد القوة المنتجة للإقتصاد الروماني بصورة عامة.
وفي العصور الإسلامية زادت الحاجة إلى الرقيق الإفريقي، خاصة وأن الدولة توافرت لها عوامل اقتصادية حسنة هيأت لقطاعات كبيرة من السكان امتلاك العبيد. واستخدم العبيد السوداني على نطاق واسعة في استثمارات القطاع الزراعي في العراق، بعد استغلال أراضي البطائح في الجنوب (4) كما استخدم العبيد في الموانع الإسلامية للقيام بعمليات الشحن والتفزيع بعد ازدهار التجارة بها. كما استخدم في قطاعات البناء والتشييد منذ العصر الأموي. وزاد استخدامه في هذا القطاع في العصر العباسي.
(1) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص: 108 وما بعدها (2) توجد دراسة كاملة عن تلك التجارة في الفصل الثالث من الكتاب. (3) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص: 205.
(4) سنقدم دراسة عن هذا الموضوع في الفصل الثالث أيضاً.
108 - (1/59)
صفحة 60
وكان التجار المسلمون أكثر فئات المجتمع الإسلامي امتلاكاً لاعداد كبيرة من هؤلاء الرقيق، لما تتلطبه أعمالهم من حراسة ونقل وغير ذلك. حتى كان للواحد منهم أكثر من ألف عبد أحياناً (1) كما امتلكت الفئات الثرية من المجتمع الإسلامي أعداداً من العبيد للأعمال المنزلية وأعمالها الخاصة في الزراعة وغير ذلك
وظهرت أهمية العبيد الإفريقي بشكل آخر في المجال العسكري، حتى أصبح لهم وزن في الحياة السياسية بعد ذلك، منذ القرن الثلث الهجري / التاسع الميلادي فقد بلغ عبيد الفسطاط في مصر في العصر الطولوني أربعون ألفاً من عبيد السودان، بالإضافة إلى أربعة وعشرين ألفا من العبيد الترك (2). واعتمدت دويلات المغرب الإسلامي هي الأخرى على العبيد الأفارقة في المجالات الإقتصادية والعسكرية أيضاً سواء دولة سجلماسة الصفرية، وإماته تاهرت الرستمية بالإضافة إلى الأدارسة والمرابطين والموحدين أيضاً (3)
الأعداء
وكان الأغالبة أكثر من اتجه إلى ذلك، خاصة لظروف دولتهم واحاطة من كل اتجاه، فاتخذ إبراهيم بن الأغلب (184 هـ / 800 م) حرسه الخاص من العبيد السودان، ودخل العبيد السود كافة قطاعات حبشة. وجاء الفاطيون بعد ذلك فاقتفوا أثر جيرانهم في بلاد المغرب في هذا المجال، حيث اتخذ عبدالله
المهدي أثر بيعته في رقادة 297 هـ / 910 م أعداداً هائلة من العبيد السود بالإضافة إلى العبيد البيض أيضاً
ويبدو أن العبيد الأفارقة قد ارتبط بهم بشكل خاص النهضة الإقتصادية التي عمت دول شمال إفريقية والمشرق الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي حيث اعتمدت عليهم المجتمعات الإسلامية في كافة قطاعات الحياة من زراعة وتجارة وصناعة ويظهر ذلك من وجود فئات منهم مرتبطة بأعمال حرفية لدى سكان مالي الحالية والنيجر وموريتانيا، كما اعتمدت عليهم الطبقات العسكرية في حروبها وفي قطاعاتها وفي كافة أعمالها (4)، وأصبح العبيد أهم أركان الحياة الإقتصادية وأهم مقومات الإقتصاد في تلك العصور، ولذلك فقد شكلوا شريحة
(1) ابن عذاري، البيان المغرب، ج 1، ص: 93، 150، بيروت، 1948 م.
(2) ابن عذاري. المصدر السابق، ج 1، ص: 118
(3) ابن عذاري. المصدر نفسه، ج 1، ص: 15، 238 (4) الجنحاني، المغرب الإسلامي، ص: 38: 39.
-00 - (1/60)
صفحة 61
لا يستهان بها في المجتمعات.
وقد أدى عدم الإهتمام والإلتفاف إلى مطالب هذا القسم من المجتمع الإسلامي إلى بدايات للتصدع والصراعات الإجتماعية (1) في كثير من مناطق العالم الإسلامي منذ القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، وكان هذا الصراع الإجتماعي عائقاً للتقدم الحضاري الواسع والشامل الذي شهده العالم الإسلامي قبل ذلك. فظهرت في وسط جماعات العبيد والفئات التي تتساوى معها اجتماعياً أفكار معينة تولدت بعدها تنظيمات مهنية وسياسية اسفرت في النهاية عن صراع دموي من أجل تغيير أوضاعها
•
وظهرت للعبيد السود بصمات واضحة على الأوضاع السياسية في المشرق الإسلامي أيضاً، حيث أدت عمليات تجميعهم بأعداد كبيرة في الجنوب العراقي في قطاع الاستثمار التجاري والزراعي إلي قيامهم بثورتهم الكبرى في بداية النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وجعلوا لأنفسهم دولة استمرت أربعة عشر عاماً، واتخذوا لهم عاصمة هي " المختارة وتسببت ثورتهم عن كساد إقتصادي لمنطقة شمال الخليج وجنوب العراق طيلة النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (2).
من
شرق
وإذا كان العالم الإسلامي قد تمكن تنظيم شبكة من الطرق البرية والصحراوية والبحرية لحمل عبيد إفريقية إلى مدنه وأقاليمه سواء من غرب إفريقية أو القارة أيضا (3)، وكانت عمليات حملهم ونقلهم تتم في صورة عمليات منظمة وواسعة من بلاد التكرور وغانة وكانم والزنج حتى امتلات بهم قطاعات المجتمع الإسلامي لكن هؤلاء العبيد أصبحوا من الكثرة حتى اعتمد عليهم بشكل أساسي في جوانب الحياة المختلفة وأصبح الإستغناء عنهم أمراً مستحيلاً، كما أنهم أصبحوا من الكثرة حتى غلبوا على مناطق معينة، وأصبح بالتالي من السهولة توجيه طاقات هؤلاء خاصة في ظل شعارات تحمل طابع الإسلام ومبادئه، فسرعان ما يتحولوا إلى أداه
هدم ودمار
(1) حيث تجمعت الثروات والمكاسب المالية في يد فئات معينة خاصة جماعات التجار على حساب طبقة العبيد في ظل مجتمع إسلامي يؤمن بمبادئ معينة، وخاصة بعد تحول هؤلاء العبيد
إلى الإسلام.
(2) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 9، ص: 163. (3) المغربي، أبو سعيد، كتاب الجغرافيا، ص: 90، 91.
- 56 - - (1/61)
صفحة 62
وكانت عمليات نقل العبيد الأفارقة تتم بصورة هائلة، بدون وضع ضوابط وقوانين وتنظيمات بداية لتدهور أقاليم إفريقية، خاصة مناطق الوسط (1)، وهي مناطق الحزام السوداني حيث فرغت من القوى البشرية التي يمكن أن تقوم باستغلال أراضيها وكانت التنظيمات القبلية والسياسية الموجودة في هذا الحزام غير مدركة
للنتائج السلبية المترتبة علي ذلك، وانبهرت بالمقابل الزهيد التي تحصل عليه لتستغله في بعض الأحيان لفرض نفوذها الوهمي علي محيط فارغ من القوى
البشرية.
•
ساهم العامل الإقتصادي الإفريقي على تغذية كيانات سياسية وليدة رغبت في تأسيس دول لها مستقلة عن دار الخلافة الإسلامية، بسبب خلافات سياسية أو فكرية. ووجدت في بلاد المغرب والشمال الإفريقي تربة حضبة لتحقيق آمالها حيث اتخذت من واحات الصحراء الإفريقية وكذلك من الحزام السوداني ظهيراً اقتصادياً لها، ومجالاً حيوياً لأنشطة سكانها، فأنهالت عليها المكاسب الإقتصادية وتوفرت لديها البنية التحية لنهضتها الشاملة. وكان العرب قد أدركوا موارد إفريقية الإقتصادية فسارعوا بتأسيس حاضرة لهم سنة 50 هـ / 670 م (2)، في القيروان، واحتلت مكانة سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية هامة في تاريخ إفريقية والبحر المتوسط لفترة طويلة قاربت الأربع قرون. ومكنها الظهير الإفريقي من الوقوف أمام حملات البزنطيين (3)
وأصبحت القيروان عاصمة إفريقية بحق لفترة طويلة من جراء موقعها الإفريقي وتحكمها في شبكة المواصلات البرية التي تتجه صوب القلب الإفريقي لتعود بالذهب والرقيق والحيوانات فمن خلال الوصف الذي دونه المعاصرون نلاحظ أن أسواقها تعددت وتخصصت، وأصبحت عملية الأسعار غير مستقرة بسبب الإرتباط بالقلب الإفريقي، وكانت عملتها من أجود العملات العالمية نقاء بسبب إقتصادها المزدهر وثراء أهلها (4). وكانت تؤمها يومياً عشرات القوافل حسب اتجاهها وتنوعت الأسواق، حتى بلغ سماط سوق القيروان ميلين وثلثا أي حوالي ثلاثة كيلومترات ونصف (5). وتنوعت الأسواق حسب المهن من سوق البزازين وسوق
(1) الجنحاني، المرجع السابق، ص: 36.
(2) ابن عذاري، البيان المغرب، ج 1، ص: 21
(3) الجنحاني، المرجع السابق، ص: 51.
(4) البكري، المسالك، ص: 36. (5) البكري. المصدر نفسه، ص: 56
- OV- (1/62)
صفحة 63
السراجين وسوق النحاسين وسوق الزجاجين وسوق الخرازين وغير ذلك. أو بأسماء معينة مثل سوق اسماعيل وسوق ابن هشام وسوق اليهود (1).
ويبدو أن الأباضية قد تمكنوا من بسط سيطرتهم على قطاع كبير من قبائل البربر منذ البداية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، بعد المجهودات الكبرى التي بذلها الدعاة في سبيل فكرهم. وكانت تجربتهم الأولى في طرابلس، داعيا إلى أن يعيدوا النظر والتدبر في بناء إمامة لهم معتمدين على أرض إفريقية غنية بإمكانياتها، وكانت تاهرت التي تقع بالمغرب الأوسط قبلة للقوافل التجارية الصاعدة من الصحراء صوب الشمال محملة بثروات السودان وذهبه، فنمت المدينة بصورة سريعة ومقصدها التجار من كل ميم حتى سميت باسم "بصرة الغرب" أو "البصرة الصغرى" وانعكس هذا الثراء الاقتصادي على جوانب الدولة الوليدة
(Y).
فظهرت القصور والمساجد والضياع محل الغابات والأحراش (3)، ونمت فيها نهضة عملية وثقافية يدل عليها التراث الهائل الذي خلقته أباضية تاهرت حتى الوقت الحاضر، برغم ما صل بها من دمار على يد الفاطميين. وبناء على الإمكانيات الإقتصادية أصبح للأباضية حيزهم العالمي لفترة طويلة (4)، إذ ارتبطت حكومة تاهرت بممالك السودان في الجنوب وبجيرانها في القيروان وسجلماسة (ه). وفاس وحتى في قرطبة بالأندلس، وكذلك بمصر والمشرق الإسامي.
جاءت الصفرية هي الأخرى لتزرع في الأرض الإفريقية دولتها متخذة من سجلماسة عاصمة لها سنة 140 هـ / 757 - 758 م، حينما قام أبوالقاسم سمكو بن، بعد أن انتشر فكر عكرمة مولى بن العباس، أول داعية صفري ينزل بإفريقية (6). وأصبحت سجلماسة مدينة التجارة في الركن الشمالي الغربي من إفريقية، وهاجر التجار إليها من المشرق وبلاد العرب ومن الأندلس حتى أصبحت مركزاً
واسول
(1) ابن عذاري، المصدر السابق، ج 1
4
ص: 78.
(2) الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ص: 85.
(3) ابن عذاري، البيان المغرب، ج 1، ص: 24 وما بعدها.
(4) بكير، بحاز إبراهيم، الدولة الرسمية، الجزائر، 1985، ص: 110 وما بعدها.
(5) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص: 7 وما بعدها
-
- ابن الصغير، أخبار الأئمة الرسمية، ص: 13.
(6) البكري، المصدر السابق، ص: 145
10^- (1/63)
صفحة 64
تجارياً عالمياً)، لمدة قرن ونصف قرن تقريباً، وأصبح أهلها من أغنى الناس ذلك أنها أصبحت منفذ ذهب غانة في غرب إفريقية عبر أودغست (2)، حتى أن هذا الخط التجاري الذي ينتهي بغانة في الجنوب وسجلماسة في الشمال كان من التجارة العالمية بسبب كميات الذهب الإفريقي المحولة عبره
أنشط خطوط
وهكذا أصبحت الإمكانيات الإفريقية مصدر القوة المالية والعسكرية والمكانة الإقتصادية للدول الإسلامية التي قامت في منطقة الشمال الإفريقي واستفادت منه موقعها على خطوط التجارة الإفريقية القادمة من حزام السافانا، حيث الذهب
والعبيد والجلود عصرها. لكن الصراع المذهبي والسياسي أهنك قواها وعجل بها
وقد ترتب على هذا النشاط التجاري الكثيف في العصر الإسلامي صوب
القلب الإفريقي استقرار جاليات تجارية وهجرات بربرية وعربية في مناطق السافانا المعروف باسم بلاد السودان، في عجل بنقل المؤثرات الحضارية والإسلامية إلى تلك المناطق وظهور ممالك إفريقية خالصة مرتبطة ببيئتها الإفريقية، بعد أن تمكن الإسلام من تفجير إمكانياتها من أجل اصلاح مناطقها وبلدانها، فظهرت مملك غانة التي تحولت في النهاية إلى الإسلام، ثم ظهرت مملكة مالي الشهيرة، وأخيراً
مملكة
صنغي ("
(3)
وضحت جوانب الترف الإفريقي للعالم منذ القرن الحادي عشر الميلادي حتى بداية العصور الحديثية من خلال الرحلات التي كان يقوم بها ملوك الدولة الإسلامية الإفريقية صوب الشمال للحج، خاصة، وما كانت تحمله قوفلهم من كميات الذهب والهدايا والعبيد، فبدأت أعين التجار البنادقة وغيرهم من الأوروبيين أمحق هؤلاء، حتى ظهرت لأول مرة خرائط أوروبية بادية فيها دول إفريقية الفنية، وبدأت مرحلة جديدة من الأطماع الأوروبية إلى تلك المناطق
وكان الذهب الإفريقي والعاج والعبيد من أهم محركات الأطماع الأوروبية في فترة الكشوف الجغرافية، وأنهالت جماعات المغامرين الأوروبيين صوب تلك الأماكن
وتبعتها جيوش أوروبا تنتشر الشر والدمار في القارة
(1) ياقوت الحموي، المصدر السابق، ج 3، ص: 192
(2) ابن حوقل، صورة الأرض، ص: 96
(3) سنتحدث عن ذلك في فصل خاص.
- 59 - (1/64)
صفحة 65
الفصل الثاني
ملامح التاريخ الإفريقي
-1 .. (1/65)
صفحة 66
(1)
ملامح عصور ماقبل التاريخ في إفريقية
بدأت الحياة الإنسانية بظهور آدم، عليه السلام، كما نص القرآن الكريم. لكن الدراسات تعاني من قصور حول تلك البداية. وتعاني الدراسات الجيولوجية والبلنتلوجية والإنثروبولوجية والأثرية الإفريقية هى الأخرى ضعفاً عاماً في حصيلة عملها من جهة. وفي النتائج التي توصلت إليها من جهة ثانية، باستثناء شمال وادي النيل لظروفها الخاصة. ذلك أن الدراسات الحضارية والتاريخية تهمل مساهمة القارة لعصور ماقبل التاريخ والعصور التاريخية القديمة، وتركز تلك الدراسات على مراكز حضارية معينة في تلك الفترات مثل مصر والهند والصين وفارس وغيرها. الأمر الذي جعل منظمة اليونسكو العالمية تشير للباحثين أن تلك المراكز الحضارية ليست كل حضارات وتراث الإنسان القديم، وأن لكل منطقة في العالم حضارتها ومساهمتها
ورغم ذلك فقد أشارت النتائج الأولية لبعض علماء الحفريات لعصور ما قبل التاريخ إلى أنه من المرجح أن تكون إفريقية هي مهد الإنسان الأول. خاصة وأنها كانت متصلة اتصالا مباشرا بآسيا، وأن حركة الإنسان كان ميسرة بين القارتين. وقد تم اكتشاف جمجمة حفرية لنوع بشري ترجع إلى ما يقرب من مليوني سنة في منطقة شرقي إفريقية سنة 1959 م. كما تم العثور على عظام حيوانات تم اصطيادها لإنسان ذلك
العصر
(1)
وعثرت على أدوات مستخدمة لإنسان إفريقية في هذا العصر، تدل على تقنيات عالية بالنسبة لفترته، حيث وجدت آلات حجرية بجوار الجمجمة. مما يدل على أن
(2)
الإنسان الإفريقي أسبق من غيره بعشرات الآلاف من السنين. ونظرا لقدم تلك الجماجم وتعددها فقد تم التمييز بين أنواع الجماجم البشرية. فالحفريات الأولى أطلق على
(1)
Pamansky M. Prelude to East Africa History, P: 353.
(2) جوليان، تاريخ شمال إفريقية، ج 1، ص 49.
— (1/66)
صفحة 67
نوعيتها إنسان كاسر البندق، والثانية أطلق عليها اسم الإنسان الصانع. فالأول كان يتميز بضخامة ضروسه التي يستعملها في طحن وكسر الأشياء الجافة. والثاني تمكن من التوصل إلى صناعة آلات متقدمة معتمدا على تقدمه التقني والعقلي بالنسبة لعصره
(2)
(1)
وفي شمال إفريقية تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن تلك المنطقة كانت مناسبة لإقامة الإنسان منذ عشرات الآلاف من السنين حيث عثر على أقدم إنسان فيها يرجع إلى حوالي مليون سنة تقريبا (3) وأنه كان يعيش في تجمعات بشرية. ويطلق عليه اسم الإنسان المنتصب القامة Homo Erectus، أو صاحب الحضارة الأشولية، وعثر على نظائر تلك الحضارة في جاوة، في جنوب شرقي آسيا، وغيرها من جهات إفريقية. ويعتبر بعض الباحثين أن شرق إفريقية أفضل نموذج لهذا العصر. ويبدو أن إنسان هذا العصر قد توصل إلى استخراج الخامات الطبيعية.
من شرق
الأمر الذي يعطى أهمية حضارية لهذا العصر للحزام الحضاري الممتد. جنوب شبه القارة الهندية، ويرجح دوره الحضاري
إفريقية إلى جزر جنوبي شرقي آسيا. عبر الكبير في مسيرة البشرية لفترة عصور ماقبل التاريخ، رغم ضعف الدراسات المتخصصة في هذا المجال بتلك المناطق.
وتشير الآثار التي عثر عليها في كينيا، بشرق إفريقية، إلا العثور على أكوام من الصخور في كثير من المواقع يبدو أنها كانت تستخدم كمصدات للرياح أو يأوي إليها الإنسان من شدة عوامل الطبيعة. واعتمد إنسان تلك المواقع على توفير قوته اليومي عن طريق الصيد والجمع والإلتقاط. وقد تمكن من اصطياد الحيوانات الكبيرة، الأمر الذي يدل على تقدم ذهني وتقني في صناعة آلاته. كما تمكن في تلك الفترة من التحكم في
النيران.
وفي شمال ووسط إفريقية كانت الظروف البيئية مناسبة لاتصال حضاري بين وسط
(1) كل هذه الدراسات في عصر البليستوسين. أما مرحلة ماقبل الإنسان فهي عصري الميوسين والبلوسين
منذ حوالي 15 مليون سنة تقريبا
(2) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص 40 - 41.
(3) سعودي، المرجع السابق، ص 12
-
62 - (1/67)
صفحة 68
(1)
القارة وشمالها، حيث كانت الصحراء الإفريقية عبارة عن أودية وسهول خصبة تتحرك فيها الجماعات البشرية والحيوانات، وكانت تلك المناطق من أفضل مناطق الاستقرار البشري في تلك الحقبة، وخاصة مع فترة التغيرات المناخية التي سادت العالم وإنخفاض درجة الحرارة، وإزدياد حجم وامتداد الغطاءات الجليدية شمالا وجنوبا، وبالتالي أندفعت الجماعات البشرية إلى التوجه إلى إفريقية، بما فيها الصحراء حيث توجد الظروف البيئية الملائمة (2)
وألقت بعض الإكتشافات الحديثة أضواء بالغة الأهمية على مسيرة البشرية في تلك الحقبة. في منطقة الرباط بالمغرب الأقصى، حيث عثر 1933 م على شاب صغير عمره حوالي 16 سنة تقريبا، يتضح من دراسة هيكله، أنه إنسان متطور حضاريا، حتى أنه يعتبر أقدم زمنيا" من إنسان النياندرتال. كما أكتشفت حفريات في منطقة طنجة بالقرب المنطقة السابقة، وفي منطقة المونستير، بتونس، تؤكد لنا الدور الهام لإفريقية في
من
تلك العصور.
(4)
واتضحت حاليا من الحفريات التي تمت في إفريقية الشمالية والوسطى، والتي مكنت الباحثين من دراسة ما يقرب من ثلاثين نموذجا، أن إنسان إفريقية كان معتدل القامة مديدها حوالي (172 سم مستطيل الرأس أو متوسطه، طويل الأعضاء ويبدو أن هذا الجنس البشرى كان نشطا بدليل وجود نظائر له ولأنشطة في منطقة حوض البحر المتوسط (4)، وحتى جزر الكناري بالمحيط الأطلسي.
(0)
وفي سنة 1927 اكتشف هيكل الإنسان في منطقة أعالي نهر النيجر، بغرب إفريقية، وهو التلمسى، وله وجوه تشبه إنسان شمال إفريقية، مما دفع بعض العلماء إلى الإعتقاد بوجود اتصال طبيعي بين الشمال والغرب، قبل ظهور المحيط الصحراوي من صحراء إفريقية الكبرى، ليعرقل عمليات الاتصال ويعوقها في فترات
(1) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص 44.
(2)
(3) حوليان، المرجع السابق، ج 1، ص 46. (4) جوليان. المرجع نفسه، جا، ص 46. (5) جوليان، المرجع نفسه، جدا، ص 49.
Davidson P. Guide to Africa History, P. 13 . (1/68)
صفحة 69
كثيرة بعد ذلك
(1)
وفي الفترة المحصورة بين 70 ألف سنة إلى 40 ألف سنة. قبل الميلاد تمكن الإنسان الإفريقي من التغلب على قسم كبير من مشاكله البيئية، وبدأ تطور ذهنى وعقلى وتقنى واضح، يتبين من الآثار التى أكتشفت في مواقع الحفريات. ويطلق على إنسان هذه الفترة اسم إنسان "روديسيا". حيث تتميز أدوات هذا الإنسان بتطورات تقنية هامة تختلف عن الفترة التي سبقته. خاصة في دخول خامات جديدة من الأحجار، وخامات أخرى مثل عظام الحيوانات والعاج. وكان لكل قطعة من تلك الأدوات استخدام معين فهناك المكاشط والحراب والمدي ونصال السيوف. وكانت لتلك الأدوات فعاليتها الكبيرة في الحفر والصيد والقطع. كما ظهرت بدايات للصناعات الجلدية من أنواع الحيوانات التي اصطادها.
وتدل آثار النوبة، جنوب مصر، وآثار برقة، غرب مصر، وفي منطقة روديسيا بجنوب إفريقية، وفي أنجولا، بغرب القارة، وفي شمال القارة وجنوبها، على صور هامة لتطور إنسان تلك الفترة في إفريقية. الأمر الذي جعل علماء الأنثروبولوجيا يؤكدون وجود جوانب إجتماعية لإنسان هذا العصر، حيث بدأ في التوجه نحو إقامة كيانات إجتماعية، عرف فيها بدايات الأسرة، وأدرك أهمية التعاون للدفاع عن: نفسه
منطقته ضد الجماعات الأخرى، ومقاومة صعوبات الطبيعة، والتغلب عليها
ويمكننا تتبع الأوضاع والمظاهر الحضارية في مراحل العصور الحجرية
افريقية كما يلي: -
أولا: العصور الحجرية القديمة:
•
(2)
وعن
في قارة
•
(1)
1 - العصر الحجري القديم الأسفل:
وهي المرحلة التي يطلق عليها اسم مرحلة جمع الطعام، وتبدأ منذ ظهور آدم،
Davidson P. Guide to Africa History, P. 12.
(1) أطلق عليها أسم العصور الحجرية لأن الحجر شكل المادة الخام الأساسية في صناعة أدوات الإنسان سواء من الحجر العادي أو حجر الصوان شديد الصلابة. وتم تقسيم تلك الفترة الحجرية إلى أقسام طبقا للتقنية التي أدخلت على صناعة الحجر العادي ثم حجر الصوان، وقد أدرك الإنسان صلابة تلك المادة وتوفرها في كل بيئاته
64 (1/69)
صفحة 70
عليه السلام، وحتى حوالي 75 ق. م تقريبا. وقد تختلف من منطقة لأخرى. ويعتبر اكتشاف الفأس اليدوي Hand Axe الأثر المميز لتلك المرحلة الحضارية
(1)
وتعد آثار المغرب الأقصى ومصر وكينيا أهم الأدلة على وجود نشاط حضاري لإنسان إفريقية في تلك المرحلة فقد عثر على الفؤوس اليدوية في مصر في منطقة أبيدوس والفيوم وقنا وفي منطقة العباسية، شرق القاهرة، وقد أنتشرت آثار الإنسان على الهضاب والأودية وفي داخل الكهوف والمغارات، لأن الإنسان كان يتجه في تلك المناطق إلى الاحتماء بتلك الأشكال الطبيعية لحماية نفسه من تقلبات الأحوال المناخية، وأيضا من الأخطار التي تهدد حياته. وفي المناطق السطحية كان الإنسان يلجأ إلى إقامة السدود والأسوار التي تشبه المصدات لحماية نفسه من الأحوال الطبيعية أيضا
2 - العصر الحجري القديم الأوسط:
حيث ظهرت آثار تقنية بشرية على صناعة الأدوات الحجرية، حينما تمكن الإنسان من تهذيبها وتنويع أشكالها وأحجامها، وبدأت تلك الأدوات والآلات تستخدم في الأغراض التي صنعت من أجلها سواء في القطع أو الصيد، وكان الإنسان في تلك المرحلة مازال في مرحلة جمع الطعام والصيد والقنص
(2)
ويبدو أن منطقة شمال إفريقية كانت تشكل مع منطقة الشرق الأدنى أهم مناطق العالم ملاءمة لاستقرار الإنسان، حيث تميز المناخ بالدفيء، بينما سادت المناطق الشمالية من الكرة الأرضية الثلوج والمناخات الباردة، فاتجه الإنسان إلى إفريقية حيث المناخ أفضل، لكنه كان يلجأ إلى الكهوف لحمايته من البرودة أو الحرارة. وبدل النشاط الحضاري للإنسان في تلك الفترة على خروجه من عزلته السابقة، وبداية اتصالات مع تجمعات أخرى. وتدل النظائر الأثرية في مصر وتونس والمغرب وكينيا على ذلك
وأهم المواقع الأثرية التي تنتمي إلى هذا العصر في إفريقية آثار بئر العاتر في
(1) لذلك لا يمكن التقليل من أهمية ونتائج اكتشافات الإنسان في تلك المرحلة حيث مازالت الفأس تمثل أهم أدوات الإنسان الحالي في مجالات الزراعة رغم التقدم الكبير الذي أحرزه.
(2) توينبي، تاريخ البشرية، ترجمة نبيه فارس، بيروت، ج 1، ص 123 وما بعدها
—
65 (1/70)
صفحة 71
(1)
جنوب تونس، وآثار منطقة الواحات الخارجة في صحراء مصر الغربية، بالإضافة إلى آثار غرب كينيا، وليبيا. وتدل تلك الآثار على أن بيئة الصحراء الإفريقية كانت رطبة، ومناسبة لاستقرار الإنسان وحركته قبل أن يحل بها عصر الجفاف.
- العصر الحجري القديم الأعلى:
:
وتتميز
تلك الفترة الحضارية بقدرة الإنسان على الوصول إلى تقنية عليا في صناعة الحجر، حتى سميت بالمرحلة الحجرية الدقيقة " وأصبح من السهل على الإنسان حمل عدة أنواع منها. والانتقال بها من مكان لآخر. كما أصبحت تلك الأدوات لها نصل حاد وبالتالي أصبحت فعاليتها قاطعة. وكان لذلك أثره في تغلب الإنسان على ظروف البيئة بقدر المستطاع.
(2)
ويبدو أن الظروف المناخية قد أخذت في التغير في تلك المرحلة، حيث بدأت مظاهر الجفاف تظهر في مناطق من جنوب الشمال الإفريقي، وبدأ زحف النطاقات الباردة صوب الشمال يلاحظ الباحثون انتماء عظام الحيوانات إلى ظروف وبيئات المناخ الجاف مثل الغزلان والنعام وغيرهما. وفي هذا العصر وصل الإنسان إلى مرحلة حضارية متقدمة، إذ يبدو أنه تفرغ لذاته قليلا واتجه إلى التعبير عن همومه وظروفه بحفر ورسم أشكال على جدران الكهوف والمغارات. كما بدأ يعتقد بقوى خفية تتحكم في ظواهر كونه، فاتجه إلى محاولة استرضاء تلك القوى للأطمئنان على كيانه ومستقبله بين عناصر كونه المجهولة بالنسبة له (3)
ومن أهم المواقع الأثرية التي تنتمي إلى هذا العصر في إفريقية آثار بلدة السبيل بجوار مدينة كوامبو، في جنوب مصر، وآثار قفصة ووهران ببلاد المغرب. وتعد آثار قفصة أشهر المواقع، حيث عثر في قفصة، بجنوب تونس، على آثار يتضح منها تمكن
(2) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص 52.
(3) جوليان، المرجع نفسه، ص 53.
(3) الناضوري، رشيد، دكتور، المدخل في التحليل الموضوعي المقارن للتاريخ الحضاري والسياسي في جنوب غربي آسيا وشمال إفريقية، الكتاب الأول، مرحلة التكوين والتشكيل الحضاري والسياسي من العصر الحجري الحديث حتى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، ص 105/ 105. بيروت، بدون
تاريخ.
-77 - (1/71)
صفحة 72
الإنسان من الاستغلال الأمثل، حسب ظروفه، لبيئة، ووجدت آثار تدل على إمتداد هذا النشاط إلى الصحراء الإفريقية جنوبا وإلى قسنطينة في الجزائر غربا. وعثر على بدايات لتجمعات قرى قديمة، من خلال التراكم المعقد للهياكل البشرية. ويعلل الباحثون على
صلات وثيقة بين آثار السبيل في جنوب مصر وبين قفصة في جنوب تونس، حيث كانت مناطق شمال الصحراء الإفريقية مازالت رطبة
(1)
وتقوى تلك الآثار من الآراء القائلة بالأهمية الحضارية لقارة إفريقية في مسيرة الإنسان في مرحلة جمع الطعام والصيد والقنص، وأن بدايات الثورة الحضارية صوب التحول إلى الزراعة المستقرة.، قد بدأت هي الأخرى داخل القارة الإفريقية. ولم يكن توصل الإنسان في هذه المنطقة إلى هذا المستوى العالي من التفكير والإنتاج منبعثا من تفوقه البشري، بل كان نابعا من تجاربه المحلية الطويلة للإنسان الذي سبقه في تلك المنطقة أيضا. بالاضافة إلى ظروفه الجيدة، التي يسرت له في كثير من الأحيان الوقت الكافي للتأمل، وما كادت الألف الخامسة تبدأ في الظهور إلا وإنسان إفريقية قد بدأ سبيله صوب حياة مستقره، فبدأ في بناء تجمعات أشبه بقرى مستقرة. ويبدو أن وجود آثار مرحلة الاستقرار في شمال القارة كانت مرتبطة بعمليات زحف الجفاف عبر حزام الصحراء، فبدأ الإنسان يتجه إلى أماكن الأنهار والأودية وحول البحيرات.
ثانيا: العصر الحجري الحديث:
ترتب على التغيرات البيئية الكبري التي شهدتها إفريقية منذ نهاية العصر الحجري القديم، تغيرات حضارية جديدة. ذلك أن الجفاف اتجه شمالا، وحلت فترات الجفاف في المناطق المطيرة وهددت تلك الفترات الجافة مناطق الأودية والسهول والبحيرات، ويعتبر هذا الأمر تحديا للإنسان وتهديدا لكيانه، مما أدى إلى قيام الإنسان بالعمل المتواصل من أجل التحكم، بقدر ما، في ظروفه البيئية أو ما يعرف بنظرية التحدي والإستجابة Challenge and Response. (2) وعلى ذلك فقد بدأ الإنسان محاولاته الأولى في إنشاء القنوات والسدود. وأدى ذلك إلى أن الإنسان بدأ يلمس عمليات الإنبات الجيدة للمناطق الطينية التي تتكون على ضفاف السدود والقنوات، فظهرت بدايات الاتجاه نحو
(1) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص 55. (2) توينبي، المرجع السابق.
- 1 V- (1/72)
صفحة 73
الزراعة والتحول الحضاري الجديد الذي تبع ذلك من ضرورة الاستقرار حول النبات ومتابعة نموه، والتحول من نظام الجمع إلى نظام الإنتاج.
وكانت منطقة وادى النيل في مصر، في الركن الشمالي الشرقي لقارة إفريقية، هي التي يشير إليها العلماء بأنها حملت أول ثورة حضارية لهذا العصر بسبب انتظام عمليات جريان النهر من الجنوب إلى الشمال في معظم الفترات، مما أدى إلى هجرات مستمرة للجماعات البشرية من الجنوب ومن الغرب والجنوب الغربي للاستقرار على ضفاف نهر النيل الذي يحمل كل عام كميات هائلة من الطين كافية لتجديد خصوبة ضفتيه، الأمر الذي لمسه الإنسان الذي أستقر على تلك الضفاف. كما لاحظ الإنسان انتظام كثير من الظواهر الطبيعية. وبدأت خبرة الإنسان تزداد في تلك المناطق حينما تابع كثير من تلك الظواهر مثل فصل الفيضان والجفاف وغير ذلك
(1)
(2)
•
وفي منطقة بلاد المغرب بشمال إفريقية اتجه الإنسان الإفريقي إلى الرعى بسبب اختلاف الظروف البيئية، حيث لا تتوفر لديه أودية كبيرة للإستقرار، أو مساحات من الأراضي المستوية واعتمد الإنسان في تلك المنطقة على السكنى في الكهوف والمغارات وإن كانت تتم في أماكن متقاربة. ومن أهم المراكز الأثرية التي تنتمي إلى تلك المرحلة. في بلاد المغرب كهف دار السلطان في نواحى الرباط بالمغرب الأقصي. وموقع أفتيح في الجبل الأخضر في برقة، وقرية وادبهت في المغرب الأقصي.
وترك الإنسان آثارا هامة في تلك المنطقة تنتمي إلى العصر الحجري الحديث مثل الأواني الفخارية المصقولة المزينة وكذلك الأجران ومدقاتها والرحى والأسلحة الحجرية. كما عثر على كثير من النقوش التي سجلها إنسان هذا العصر على صخور الهضاب والكهوف والجبال. وهي نقوش تعبر عن أفكار الإنسان وتأملاته وظروفه الحياتيه المحيطة به. وتوجد في تلك النقوش تأثيرات متداخلة لمواقع هذا العصر. خاصة من قبل الإنسان الذي عاش على ضفاف وادي النيل
(3)
(1) تقابل تلك المرحلة الحضارية - عمليات الإستقرار والتحول إلى الأنتاج في حضارة بلاد الرافدين.
(2) الناضوري، المرجع السابق، ص 153.
(3) الناضوري. المرجع السابق، ص 154.
-14 - (1/73)
صفحة 74
ويبدو أن البرير (1) كانوا قد تمكنوا من ا الاستيطان في منطقة ا
عائلة ضمن
الإفريقي
من عائلات الشعوب الحامية التي اختلطت بالشعوب السامية، وبدأت في ذلك في منطقة شمال إفريقية منذ العصر الحجري القديم الأعلى والعصر الحجري الحديث وهذا الأمر يعتبر ثورة عرقية جديدة لشمال إفريقية مازالت آثارها. حتى اليوم.
ومازالت مراكز الدراسات الأثرية تهتم أهتماما خاصا بالصخور المنقوشة في منطقة شمال افريقية لما لها من أهمية في كشف مراحل العلاقات بين حضارات الشرق
(2)
الأدنى القديم وإفريقية من جهة وبينها وبين أوروبا من جهة ثانية وبلغت من كثرتها في منطقة شمال افريقية أن الأهالي يسمونها " الحجرات المكتوبة " أو " الحجارة المكتوبة " ومن أهم الباحثين في هذا المجال. فلمون Flamond الذي قضى في هذا المجال أربعين سنة. وقونيه Gautier. ومونود Monod. وغيرهم. وقد تخصصت كل
ويروي
Breuil
مجموعة منهم ضمن مناطق معينة في بلاد البربر
(3)
•
تأخذ
وتمثل نقوش حجر الصوان أقدم مرحلة من مراحل النقش على الحجارة، وهى: شکل خطوط عريضة وعميقة (4) كما كانت صور الإنسان تحمل في طياتها توصل الإنسان إلى صناعة ملابس تفيه البرد أو الحر وتستر عورته، وكانت تلك الثياب مصنوعة من جلد الحيوان. وبعض الرسومات تحمل صورا فيها غطاء للرأس من الريش. كما ظهرت الأسلحة الحديثة مثل القوس والسهام والعصى والتروس
(0)
وبدأت منذ تلك المرحلة بدايات الاعتقادات في العالم الآخر، وكانت مصر من أسبق المناطق الحضارية توضيحا لتلك العقيدة فقد خلد الإنسان في مصر اعتقاده في هذا الصدد تخليدا فائقا أكثر من أى منطقة أخرى في العالم، حيث ترك مقابر خاصة للمتوفى تفوق عمارتها عمارة المنازل. وتطورت في تلك الفترة عمارة القبور تطورا كبيرا. وكانت
(1) يسمون أنفسهم الأمازيغ أي الأحرار. (2) جوليان، المرجع السابق. ج 1، ص 58.
(3) جوليان المرجع نفسه، ص 59.
(4) أكثر الأشكال. الحيوانات ضخمة مثل الجاموس أو الفيلة. رسوم
(5) الناضوري، المرجع السابق، ص 153. (1/74)
صفحة 75
الأخرى
(1)
العقيدة لها أهمية خاصة في البيئة المصرية أكثر من المناطق الأخرى فقد كان الخلود من حق الآلهة والبشر عند المصريين، بينما كانت من حق الآلهة فقط عند أصحاب الحضارات وبدأ ظهور الرموز في الاعتقادات الدينية حيث رمز اللون الأحمر إلى جريان الدم واستمرار الحياه. ومع: تلك الإعتقادات بدأت عمليات نمو المجتمعات على ضفاف وادي النيل وتنظيم أمور الدفاع ضد التسللات السامية التي بدأت تلوح من الصحراء ومن الشرق
ثالثا ": مرحلة عصر الحجر والنحاس تكوين عصر ما قبل التاريخ " يحدد العلماء تلك المرحلة بالتطور الذي طرأ على الإنسان حينما قام بمد نشاطه الاقتصادي خارج إقليمه وحدود قريته، وأنشأ علاقات مع التجمعات البشرية المجاورة. وبدأت في تلك المرحلة أيضا إمكانيات صهر المعادن، حيث تم التوصل إلى صهر معدن النحاس في منتصف الألف الخامسة قبل الميلاد. وقد بدأ ظهور هذا الخام مستوردا في كثير من المواقع من خارج تلك المواقع. الأمر الذي يدل على قيام علاقات اقتصادية نشطة بين الأقاليم والتجمعات البشرية.
وأهم المواقع الأثرية الدالة على تلك المرحلة في إفريقية هي حضارة البداري وحضارة الفيوم، حيث طرأ تقدم في صناعات الفخار والأشكال العظمية، وقد تعرضت منطقة وادى النيل في تلك الفترة إلى هجرات وتسللات بشرية منذ نهاية العصر الحجري الحديث
(1) احتفظت الآثار المصرية القديمة بجانب كبير من الأمور المرتبطة بالدين أكثر من رتباطها بالجوانب الدينية سواء من المقابر والأهرامات والمومياه، وقد أستخدم الفراعنه في إقامة مبانيهم الدينية مواد أفضل من تشييد بيوتهم. كما شيدوها في أماكن جافة صحراوية بعيدة عن السكان والأرض الزراعية. وكان الهرم أفضل وسيلة لكي يحقق الفراعنة الدوام لقبورهم ضمن فكرة الخلود. وكان أول هرم هو هرم الملك زوسر من الأسرة الثالثة الذي صممه المهندس أمنحوبت، وهو أول بناء حجرى ضخم يشيد في تاريخ البشرية. وكان المصريون يدفنون موتاهم قبل ذلك في بناء من الطوب يسمى مصبطة حاليا. مما جعل فكرة أول هرم مدرج يتكون من عدد من المصاطب.
وقد عدل:
تصميم الهرم في الأسرة الرابعة إلى الهرم الحقيقي، وأشهر الأمثلة على ذلك أهرامات خوفو، وخفرع، ومنقرع التي توجد في الجيزه. ويبدو أن عبادة الشمس هي التي أوحت إلى الفراعنة بهذا الشكل المخروطي، التي تم محاكته في بناء الأهرامات. وقد ارتبط هرم خوفو، كغيره من الأهرامات، بأنه بعد الموتى، تقام فيه عبادة الملك الميت، وهناك ممر من الحجر يؤدى من هذا
=
- V. - (1/75)
صفحة 76
، سواء من جهة الغرب أو الشرق أو الشمال أو الجنوب. حيث بدأت هجرات واسعة النطاق للجماعات البشرية خاصة في منطقة حوض البحر المتوسط ومنطقة غرب مصر. ويمكن تنبع ذلك من بقايا الهياكل والجماجم التي عثر عليها في المقابر والتي تبين دراستها تلك الفوارق البشرية وصراعاتها في تلك المرحلة
(1)
في
تلك
وبالنسبة لمنطقة شمال إفريقية وبلاد المغرب، فقد تأخر ظهور تلك المرحلة: المناطق إلى الألفين الثالثة والثانية قبل الميلاد وحسب قرب المناطق وموقعها الحضاري من حضارات وادي النيل. وخاصة منطقة ليبيا التي شهدت علاقات عسكرية وتجارية مع
فراعنة مصر. . منذ الألف الرابع ق، مما حدا بالليبيين إلى تطوير أسلحتهم ونظامهم بما م يقترب من التطور المصري، وبذلك أمتد نفوذ حضارة وادي النيل إلى شمال إفريقية
صوب الغرب.
ونظرا لظروف البيئة في معظم قارة إفريقية فإن الإنسان لم يتمكن من التوصل إلى مرحلة إقامة تجمعات بشرية وقرى إلا في مناطق محددة تتسم بموقعها وانبساط أراضيها. وظلت معظم التجمعات الرعوية تعتمد على سكنى الكهوف أو استخدام خيام. وأنشأ البربر في شمال إفريقية ملاجئ لحماية ثرواتهم من النهب يحرسها رجال مسلحون. وظل
= إلى حافة الصحراء حيث يقع معبد الوادي الذي يستقبل جثمان الملك ويقيم له الطقوس الواجبة قبل أن ينتقل عبر الممر إلى الهرم. ومن ثم فالهرم في جوهره قبر هائل يستهدف حفظ جثمان الملك الميت من الناحية المادية والروحية على السواء. وتتجمع حول الأهرامات قبور حاشية الملك من النبلاء على هيئة مصاطب. وظهرت في نهاية الدولة القديمة في مصر العليا نوع جيد من المقابر على أساس قابلية الحفر في المنحدرات الصخرية الصلبة، وينحت هيكل في الصخرة العليا يؤدى إلى ممر رئيسي، يزدي بدوره إلى حجرة الدفن. وقد استخدمت سمات معمارية متعددة في دفن فراعنة الدولة الحديثة فيما بعد. وأحدث هذه القبور المنحوته في الصخر هو قبر سيتي الأول الذي يمتد حوالى 210 مترا. وكان المصريون القدماء يعتقدون أن الملك الميت يصحب آله الشمس في رحلة لكي يشرق معه من جديد. أنظر: بارندر، جفري، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة الدكتور إمام عبدالفتاح، مراجعة الدكتور عبدالفتاح المكاوى، عالم المعرفة، العدد 173. ص 40/ 39. (1) الناضوري، المرجع السابق، ص 168.
- 71 - (1/76)
صفحة 77
هذا النموذج حتى قدوم الفينيقيين ليأسسوا مدنا هامة على سواحل افريقية الشمالية
المطلة على البحر المتوسط.
(1)
وعبد سكان شمال إفريقية آلهة عدة من الحجر والحيوان، ثم ظهرت تأثيرات لآلهة مصرية وفينيقية ورومانية. وظلت لهم حتى بداية العصر الروماني آلهة محلية تسمي " أفريكا" رأسها مغطى بجلد فيل. وكانوا يعبدونها في المغارات أو في الأماكن العالية أو بالقرب من العيون والأشجار. ويدفنون موتاهم في قبور على شكل مصاطب. بعد أن
ظهرت عندهم فكرة الإيمان باليوم الآخر (2).
رابعا: عصر ما قبل الأسرات:
وهي المرحلة التي حدثت فيها الدفعة الإنتقالية الهامة نحو العصر التاريخي. وبدأت فيها عملية تكوين أساسية للتقاليد الثقافية والدينية والسياسية في منطقة شمال شرق إفريقية وغرب آسيا. حيث وقع اندماج حضاري وترابط اقتصادي وتشابه بيئي بين منطقة غرب آسيا ومنطقة وادى النيل من إفريقية. حتى أصبح واضحا للباحثين أن الإنسان في كل من مصر والعراق هو صاحب الدور الرئيسي في تللك المرحلة)
(3)
وقدمت إفريقية في تلك المرحلة نموذجا سياسيا تمثل في بوادر الوحدة السياسية التي عرفها الإنسان لأول مرة بعد عمليات معقدة من توحيد الأنماط العقائدية والحروب الطويلة التي دارت بين مملكة شمال مصر وجنوبها، كما يستدل على ذلك من المقابض والنقوش ويظهر فيها انتصار الجنوب. كما بدأت بعد عمليات التوحيد في مصر اتساع صلاتها الخارجية التجارية والحضارية خاصة مع منطقة غرب آسيا وشمال إفريقية، وبدأت عمليات إرسال الحملات والقوافل التجارية من أجل توفير متطلبات مدن الدولة وسكانها وكذلك متطلبات معابدها في المقام الأول. وكانت منطقة شرق افريقية من أهم الجهات التي تتجه صوبها قوافل تجار مصر.
وفي المجال الثقافي والديني بدأ توصل الإنسان إلى بدايات الكتابة، ليبدأ بها
(1) جوليان، المرجع السابق، ص 58.
(2) جوليان، المرجع نفسه.
(3) الناضوري، المرجع السابق، ص 216.
- 72 (1/77)
صفحة 78
العصر التاريخي في الألف الرابعة ق. م. وتمثل ألواح " مينا " مرحلة أولية في الكتابة الهيروغليفية. فقد نظر المصريون إلى الإله تحوت THOT كاتب الآلهة على أنه مخترع الكتابة. وربطوا بين وظيفته ووظيفة زميلته الإلهه سشات SESHAT التي يعهد إليها بأرشيف الحوليات الملكية. ولاشك أن الكتابة هامة في مسألة الطقوس الدينية. ولاشك أن الكهنة كانوا يقرأون من نصوص مكتوبة على أوراق البرادي، ووجدت نقوش تحمل أسماء وتعاويد للموتى. ثم حدث تطور في فنون الكتابة في نقوش أهرامات الأسرة الخامسة والسادسة في سقارة. وأدى استخدام أوراق البردي في الكتابة إلى ابتكارات لغوية أبعد مدى (1) وبدأ عصر جديد من الحضارة العالمية من وادي النيل في إفريقية
وهى مرحلة العصور التاريخية.
ورغم تمكن الإنسان الإفريقي في منطقة وادي النيل وشمال إفريقية من التوصل إلى مراحل حضارية متقدمة أثرت في مسيرة البشرية في المجالات السياسية والدينية والثقافية فإن القارة الإفريقية مازالت تشهد حتى بداية العصور التاريخية الحديثة نماذج من مدنيات تنتمي إلى عصور متأخرة حضاريا رغم أن بعض تلك الأماكن كان لها نشاطها الحضاري الواضح في العصور الحجرية.
(2)
ويبدو أن عامل العزلة وظروف الموقع بالإضافة إلى الظروف البيئية القاسية من صحراء عازلة وسواحل مجهولة الإتصال وغابات كثيفة عالية وأحراج ومستنقات كان لها أكبر الأثر في عزل بعض الجماعات الإفريقية، من مناطق جنوب الصحراء لتظل على مستوياتها الحضارية التي كانت عليها حتى وصلها الإسلام فعدل من سلوكها وهذب من عاداتها وارتفع بمستواها واستغل طاقات أبنائها، حتى ظهرت لنا في النهاية دول حديثة متطورة. لكن مازالت هناك مناطق ظلت على نمطها القديم حتى بداية العصور الحديثة.
وكانت منطقة النوبة، جنوب مصر، ومنطقة تشاد في وسط إفريقية، من أهم مناطق القارة ارتباطا بالمسيرة الحضارية الفرعونية، فالأولى لعلاقاتها الوثيقة مع
EY.E 1
(1) بارندر، المرجع السابق. ص (2) حتى أن هناك مناطق مازال الإنسان يعيش في مرحلة جمع الطعام والصيد الأمر الذي يؤدي إلى تناقض واضح بين المستويات الحضارية للقارة وصعوبة وضع جدول أو سلم حضاري لها.
- 73 - (1/78)
صفحة 79
الفراعنة وأعتمادها على شريان واحد هو نهر النيل مما أدى إلى تشابه كبير في الجوانب
والظروف الحضارية.
أما منطقة تشاد فقد ارتبطت بمصر عبر منطقة الواحات ودرب الأربعين بعلاقات وثيقة. ويظهر من الإكتشافات الحديثة تأثر التشاديين بالآلهة الفرعونية. كما أن سكان منطقة تشاد وصلوا إلى مرحلة متقدمة حضاري في عصر الحجر والنحاس، حينما تجمع الإنسان حول بحيرة تشاد بعد سيادة الجفاف في شمال البحيرة، وظهرت مدينات راقية في تلك الأماكن. واتبعوا تقاليد دينية متأثرة بالفراعنة في دفن الموتى وفى صنع أدواتهم وأشكال آلهتهم. وكانت لهم حيواناتهم المقدسة. إذ كان لكل مدينة حيوانات مقدسة يقوم على خدمتها كهنة. كما كانت الأشحار الكبيرة موضعا للتقديس أيضا، لما لها من تأثير في عمليات الخصوبة والنمو
(1)
وفي منطقة ساحل خليج غينيا، حيث الغابات الإستوائية، عرفت شعوب تلك المناطق مظاهر عصر المعادن في فترة متأخرة، وخاصة تعدين خام الحديد والذهب. وظلت تلك المناطق مرتبطة بتلك السلع حتى العصور الحديثة. وظلت شعوب تلك المناطق بعيدة عن الاستقرار الجماعي في شكل مدن وقرى حتى مرحلة تاريخية متقدمة. ولم تعرف تلك المدينات الاستقرار إلا في العصور الحديثة في غالب الأمر، ويتضح أيضا وجود تأثيرات قديمة وصلت من وادى النيل إلى تلك المناطق، ويبدو أن البرتغاليين قد لاحظوا على ساحل غينيا مناطق تؤله ملوكها وتعتقد أنه سليل السماء
(2)
كما ظلت قبائل الأشانتي في ساحل العاج وغانا وقبائل الموسى على بدائيتها حتى بدايات العصور الحديثة، ولم يتمكن من الإفلات من التخلف إلا الجماعات التي احتلت بالمسلمين في الشمال في العصور الوسطى.
(1) قداح، نعيم، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في افريقية الغربية، ص 60.
(2) قداح، المرجع السابق، ص 62.
-
74
- (1/79)
صفحة 80
(2)
إفريقية في سياسات العالم القديم
تمخضت التطورات الحضارية الشاملة التي شهدتها منطقة الركن الشمالي الشرقي من إفريقية منذ العصر الحجري الحديث، وما تبع ذلك من عصور ما قبل الإسلام، عن نتائج حضارية هامة جعلت منها مركزا مبكرا لبداية العصور التاريخية. حيث أرست
الحضارة المصرية القديمة نماذج حضارية جديدة قبل غيرها من المناطق الحضارية الأخرى.
ونظرا لضخامة التراث الأثري التي تركته تلك الحضارة، وانكباب العديد من الهيئات والمؤسسات المتخصصة على دراسته وتحليله، وكذلك لظهور العديد من المؤلفات والدراسات حول تلك الحضارة واستمرارها، فإننا لن نتبع تلك الحضارة في عصورها ولكن نركز على الأثر الذي تركته في منطقة إفريقية وحوض البحر المتوسط والشرق
الأدنى.
فعلى الرغم من التقدم الحضاري الفرعوني في عهد الدولة القديمة، فقد بدأت مظاهر تحول جديدة في الحضارة المصرية إلى الأمام.، لعدة أسباب منها ما يتعلق بالجوانب الإقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ذلك أن مظاهر الإنتاج المادي الذي توصلت إليه التجربة المصرية في كافة جوانب الحياة الإقتصادية وفي المشروعات المدنية والحربية، قد أثر على القيم المصرية، حيث استنزفت طاقات من قدرات الدولة، كما بدأت الجماعات السامية تتحرش بالدولة وتتأهب للتسلل (1)، مما أدى إلى إنقلاب في المفاهيم المصرية القديمة من حيث كونها تعتمد على توقير الملك الإله للأمن والطمأنينة للوطن والمواطن، وبدأت بوادر التحرر من حرفية تلك القيم، وتطور الأمر إلى مرحلة ثورة اجتماعية جديدة، يبدو أنها الأولى من نوعها في تاريخ البشرية، حيث بدأت قيم جديدة تظهر لدى المواطن من المطالبة بالمساواة بين كافة أفراد المجتمع في الحقوق المدنية والدينية والأخروية (2)
(1) فخرى، أحمد، دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 41.
(2) الناضوري، المرجع السابق. ص 320.
- Vo- (1/80)
صفحة 81
وتعتبر
هذ المرحلة التي وصل إليها الإنسان في وادي النيل من أخطر مراحل التاريخ الإنساني المبكر، ومن حيث أنها أول محاولة إنسانية تهدف إلى تحقيق العدالة الإجتماعية في مجتمع أشبه بجزيرة حضارية آنذاك (1).
ونتيجة لتلك التجارب الطويلة بالنسبة للشعب وحكومته، نشأت الحكومات المستقرة، وظهرت التشكيلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وتمكنت القارة الإفريقية ممثلة في حضارة وادي النيل من إرساء بدايات التقدم العلمي في العلوم الرياضية والفلكية والهندسية والطبية، كما شملت جوانب التقدم المجالات الإقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة. وبدأت مرحلة تالية من التوسع في المناطق المجاورة وخلق ما يعرف بالمجال الحيوي، وبدأت مراحل الصراع الحضاري والعسكري بين حضارات وادي النيل الإفريقية، مع حضارات بلاد الرافدين الآسيوية خاصة في العصرين البابلي وقد أثر هذا الصراع الطويل بين القطبين السابقين على أوضاع منطقة
(2)
4
والآشوري سوريا وفلسطين (3)
وشمل التنافس الحضاري بين بلاد الرافدين وبين وادي النيل طيلة الألف الثالث ق. م. إلى أن دخلت قوى جديدة في هذا الإطار خلال الألفين الثاني والأول ق. م. حينما ظهرت قوى الفينيقيين والحيثيين والفرس، ثم ظهرت قوى الإغريق والرومان.
وهكذا ظلت الحضارة الفرعونية طيلة عصورها خير ممثل لإفريقية في التنافس الحضاري سواء في منطقة الشرق الأدنى أو في منطقة حوض البحر المتوسط. كما تمكنت تلك الحضارة لفترات زمنية طويلة من حماية قارة إفريقية من جهة الشمال الشرقي، وهى الجهة الوحيدة التي تتصل بالبابس الآسيوي عبر سيناء، تمكنت من حماية إفريقية من موجات الجماعات السامية والهندو أوروبية التى كانت في حركة مستمرة في منطقة شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب. وحتى الجماعات القليلة التي تمكنت من التسلل سرعان ما ذابت في أتون حضارة المصريين.
1) ولسن، الحضارة المصرية، ترجمة د / أحمد فخري، ص 205. (2) الناضوري، المرجع السابق، ص 344.
Hitii, History of Syria, P: 87.
(3) (1/81)
صفحة 82
ورغم حالة الضعف التي ألمت بالحضارة الفرعونية في بداية الألف الأول ق. م فإن منطقة الشرق الأدنى قد شهدت حالة جديدة من الانتعاش الحضاري خاصة منذ القرن السابع ق. م. بل أن تلك النهضة شملت العالم، حيث انتشرت تعاليم كونفوشيوس، وفلاسفة الهند. وإنتشرت الديانة الجينية في جنوب وجنوب شرق آسيا، وبدأت ديانة زرادشت في الإنتشار في إيران وأقاليم الإمبراطورية التابعة لها، وأخذت اليونان تتقدم بخطى سريعة كمقدمات لظهور قوة المقدونيين.
(1)
وتأثرت مصر وإفريقية بهذا الوضع. فظهرت نهضة فرعونية جديدة منذ الأسرة السادسة والعشرين، ولعب ملوك تلك الأسرة دورهم بجدارة في مرحلة التنافس الحضاري الجديد، حيث كان التنافس والصراع التجاري قد بلغ أشده بين القوى العالمية الجديدة، خاصة للوصول إلى تجارة إفريقية وتجارة المحيط الهندي. فظهرت دراسات مصرية جديدة زمن الملك نكاو الثاني لمحاولة إعادة تنفيذ المشروع الإستراتيجي الجديد، الذي بدأ منذ ملوك الأسرة الثانية عشر، من حيث وصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر بواسطة نهر النيل عبر حفر قناة في شرق الدلتا على مقربة من البحيرات المرة التي تمر بها قناة السويس الحالية. لكن الحكومة اضطرت إلى وقف المشروع نزولا على مشورة كهنة هيكل مدينة بوتو، لأنهم أدركوا أن تنفيذ هذا المشروع سيجعل من مصر وأرضها معبرا للشعوب الأخرى التي كانت في صراع فيما بينها في معظم الوقت
(2)
ويبدو أن شعوب البحر المتوسط كانت تواقه للوصول مباشرة إلى مياه المحيط الهندي لجلب سلع وتجارات إفريقية من سواحلها الشرقية. وكان الفينيقيون أكثر تلك الأمم حرصا على هذا الأمر، وخاصة بعد سيطرتهم على تجارة البحر المتوسط في الألف الأول ق. م وأنشائهم سلسلة من المستعمرات والمراكز التجارية على سواحل البحر المتوسط، وكان أهمها قرطاخبة. (3)
بدأت السفن الفينيقية تحاول الوصول إلى مياه المحيط الهندي بخبرتها الخاصة من القيام بمحاولات للالتفاف حول سواحل إفريقية من الغرب إلى الشرق، أو من الشرق إلى
(1) تاريخ العالم، تأليف مجموعة من المؤرخين السوفيت، ج 1، ص 157
(2) فخرى، المرجع السابق، ص 048
(3) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، جدا، ص
123
- VV- (1/82)
صفحة 83
الغرب، حيث توجد أدلة دامغة على النشاط البحري الفينيقي على سواحل إفريقية الشمالية المطلة على المحيط الأطلسي. .. كما ظهرت أدلة أخرى من قبل نصوص الفراعنة تؤكد وجود تعاون بين الفراعنة وبين الفينيقيين على أساس الاشتراك في محاولة للالتفاف حول سواحل إفريقية، وإكتشاف مجهولات تلك السواحل. وقد تمت تلك المحاولة زمن الملك نكاو الثاني، (1) حيث أبحرت عدة سفن فينيقية عبر البحر الأحمر مستفيدة من. في تلك النواحي منذ الأسرة الثانية، في الدولة القديمة وقد عادت تلك الحملة البحرية الفينيقية بعد ثلاث سنوات بعد أن دارت حول رأس الرجاء الصالح، ثم دارت حول سواحل إفريقية الغربية ودخلت إلى البحر المتوسط عبر بوغاز جبل طارق (2). وهو الأمر الذي يدلل على الدور البحري السابق للفراعنة والفينيقين في إفريقية قبل ظهور الأساطيل الأوروبية في العصور الحديثة.
نفوذ مصر
لقد كانت مصر حريصة على علاقاتها مع إفريقية منذ البداية، لأسباب استراتيجية وإقتصادية. فمصر عبارة عن صحراء جافة حولتها مياه النيل إلى جنة خضراء، كما ذكر. هيرودوت من أن مصر " هبة النيل "، من هنا فقد بدأ حكام مصر في البحث عن مصادر مياه نهر النيل والتوصل إلى معرفة أسباب الجفاف والفيضان، وبدأت محاولات جادة لاختراق قلب القارة الإفريقية في عصر الدولة القديمة، في عصر " خع سخموى " آخر فراعنة الأسرة الثانية، والملك " زوسر "، أول ملك للأسرة الثالثة. كما واصل الملك ساحورع " من الأسرة الخامسة عشرة هذا الدور، حتى أن العلماء ينسبون إليه وضع المسار البحري الثابت بين مصر وسواحل إفريقية الشرقية خاصة منطقة القرن الإفريقي
(3)
وبذلك وضع الفراعنة أسس العلاقات بين عالم البحر المتوسط وبين شرق إفريقية حيث نشطت سلسلة الموانى المصرية المطلة على البحر الأحمر عبر دروب صحراء مصر الشرقية، وبدأت أحلام سكان البحر المتوسط تتحقق في الوصول إلى سلع المحيط الهندي وإفريقية الشرقية والحصول عليها، لما لها من أهمية كبيرة لديهم خاصة في الجوانب
(1) فخري، المرجع السابق. (2) فخرى، المرجع السابق،، ص 48
(3) الناصري، سيد أحمد، دكتور، دور مصر التاريخي بين شبه الجزيرة العربية وإفريقية، جامعة
القاهرة، ص 5.
- VA - (1/83)
صفحة 84
الدينية
(1)
وظهرت قوة أهل كريت في الوساطة بين البحر المتوسط وبين البحر الأحمر فكانوا يحملون من مصر البقول والسلع الإفريقية مثل العاج والجواهر والذهب لبيعها في مناطق إفريقية، وينقلون إليها زيت الزيتون والنبيذ وأخشاب لبنان. حتى أن الفراعنة سمحوا لهم بإنشاء ميناء لهم على أرض مصر في شمال الدلتا في فاروس Pharos وكان بمثابة مكتب لهم في أرض مصر) ر وإفريقية.
(2)
ومن خلال تتبعنا لمحاولات التوغل المصري في القارة الإفريقية برا وبحرا يمكننا تحديد طابع العلاقات بين الطرفين وجوانب التأثيرات المصرية في القارة، خاصة منطقة جنوب الصحراء الإفريقية، المعروفة بالحزام السوداني، حيث أصبحت الحضارة المصرية في معظمها نتاج القارة الإفريقية،، من هنا فقد كثرت محاولات التوغل وإرسال العديد من الحملات إلى النوبة وكانت رحلة الرحالة " حرخوف " أهم تلك الرحلات، زمن الفرعون مرترع " والذي وصل فيها إلى وسط القارة عبر بلاد النوبة ومازالت النصوص الفرعونية تحمل أخبارا عديدة حول تلك الرحلات، وتفصيلات عن أخبار شعوبها وأهم
سلعها
(3)
(4)
وأصبح لتلك المحاولات المصرية الأثر الكبير في كشف القارة الإفريقية ووصلها بمركز مدينات العالم القديم في الشرق الأدنى وحوض البحر المتوسط، بالإضافة إلى حمل سلع ومنتجات إفريقية وتزويدها بما تحتاجه من المواد التي تنقصها. ولذلك ازدهرت الملاحة النهرية في إفريقية لتشكل مع الدروب الصحراوية والطرق البرية سلسلة هامة من طرق التجارة في التاريخ القديم. ورعى الحكام بأنفسهم أمن التجارة والتجار في: العصور. وكانت تلك الفترة أهم الفترات التى أيقظت الشعوب والجماعات الإفريقية (5)
(0) -
تلك
ووصلت التأثيرات الفرعونية إلى أواسط إفريقية وغربها عبر درب الأربعين وبلاد النوبة وعبر بحيرة تشاد، التي كانت مركزا حضاريا هاما لوسط القارة، واستمرت
(1) حوراني، المرجع السابق، ص 67.
(2) لوفران، تاريخ التجارة، ص 14.
(3) الناصري، المرجع السابق، ص 5.
(4) زاهر رياض، كشف القارة الإفريقية، ص 9/ 11، القاهرة 1969.
(5) الزياتي، وصف إفريقية، ص 49
- V 9 — (1/84)
صفحة 85
قوافل المصريين في التوغل في خط السافانا حتى وصلت إلى نهر النيجر ومنطقة السنغال (1)، كما توجد أدلة حالية على وجود تأثيرات مصرية فرعونية عند شعوب منطقة الكونغو وداهومى والكاميرون، تدل على علاقات مزدهرة بين الطرفين في السابق، ومازالت جوانب كثيرة من العقائد الوثنية والعادات الإجتماعية عند تلك الشعوب تحتوي على سمات للحضارة الفرعونية، كما لاحظها الباحثون
(2)
ولما كانت رحلة " حرخوف " قد تمكنت من الوصول إلى بلاد السودان الشرقي،، بعد أن استفادت من رحلات الفراعنة السابقة، حيث وصفت تلك الرحلة ظروف بلاد إفريقية الوسطى من وجود حشائش وأشجار قصيرة وأحراش، وهو نطاق السافانا، ثم توغلت جنوبا إلى الغابات الإستوائية، حيث هال أفرادها ما رأوه من تشابك الغابات وعظمتها وكثافتها، ثم شقوا طريقهم من خلالها إلى أن أعياهم الاستمرار بين تلك الغابات الكثيفة ذات الأشجار الضخمة كما وصفت الحملة أقوام الأقزام وعاداتهم وأحوالهم
(3)
وتوغلت حملات أخرى صوب الغرب حتى وصلت عبر بحيرة تشاد إلى بلاد السودان الغربي حيث توطدت العلاقات بين ممالك غرب السودان وبين الفراعنة، ويذكر البعض بوجود تأثيرات فرعونية في ثقافة أهل غانة من الأشانتي وأن هناك هجرات من المصريين كانت تتجه إلى تلك الجهات وأن الطرق التجارية كانت نشطة بين الطرفين
(4)
عادت العلاقات بين المصريين وأواسط القارة في الأزدهار من جديد منذ العصر
البطلمي منذ منتصف القرن الرابع ق. م. بعد فترة توقف أبان الغزو الفارسي وغزوات الإسكندر الأكبر لمنطقة الشرق الأدنى ومصر، نظرا لأهميتها. فقد شهد بداية العصر البطلمي في مصر حركة كشوفات جغرافية وعلمية عالمية أختص القسم الأكبر منها بالقارة الإفريقية ابتداء من سواحل البحر الأحمر حتى سواحل إفريقية الشرقية. وكانت لبعثات البرية مستمرة أيضا إلى أعماق القارة الإفريقية سواء عن طريق وادى النيل وروافده، أو
(1) الناصري، المرجع السابق، ص 5.
(2) قداح، نعيم، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في إفريقية الغربية،، ص 15 وما بعدها.
(3) رياض، كشف القارة الإفريقية، ص 52.
(4) رياض، المرجع نفسه، ص 55.
- ^.
- (1/85)
صفحة 86
عن طريق الطرق البرية. الأمر الذى أعطى البطالة نفوذا عالميا توارت أمامه باقي أجزاء الإمبراطورية الهلينسية التى تركها الإسكندر الأكبر. وذلك بفضل إمكانيات البطالمة من مصر وموارد إفريقية من الحديد والنحاس والذهب والعاج والعبيد (1).
"
(2)
وقد دفع هذا بطالمة مصر إلى العمل على تكوين إمبراطورية عالمية، تمتد جذورها عبر قارة إفريقية. وأصبحت الإسكندرية عاصمتهم، مركز المال والتجارة العالمية وأصبحت أشبه ببورصة للأسعار العالمية، وأنهالت عليها استثمارات تجار العالم القديم،
من أجل توظيف أموالهم في سلع المحيط الهندي وشرق افريقية ووسطهما. فنشطت تجارة الشرق الأدنى القديم وإفريقية، وإزدهرت حركة الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر إلى المحيط الهندي وشرق إفريقية. كما شهدت قوافل التجارة البرية عبر دروب الصحراء إلى قلب القارة الإفريقية، التي زاد الطلب العالمي على سلعها ومنتجاتها في تلك الفترة (3)
وإمعانا في زيادة الإعتماد البطلمي على إفريقية، رسم البطالمة في مصر سياستهم الحربية على أساس الإعتماد على سلاح الفيلة، الذي أصبح نموذجا للجيوش الحديثة منذ عصر الإسكندر الأكبر، خاصة وأنها أصبحت تقوم بدور يشبه المدرعات في الجيوش الحالية وحرص رجال الدولة على الإهتمام بالمجال الإفريقي لتوفير الأعداد الكافية من الفيلة اللآزمة لجيوشهم خاصة وأن منافسيهم من السلوقيين، في سوريا، كانوا يعتمدون على أنواع جيدة التدريب من الفيلة الهندية عبر طريق الخليج العربي، الأمر الذي دفع البطالمة إلى تشجيع الملاحة في البحر الأحمر لمواجهة تزايد النفوذ السلوقي في مياه المحيط الهندي، وقاموا من أجل ذلك بإرساء أسس للتعاون التجاري بينهم وبين تجار جنوب شبه الجزيرة العربية (4)
ورغم ذلك ظل النشاط والنفوذ البطلمي منحصرا في الجانب الإفريقي والعربي من مياه المحيط الهندي، حتى تمكنوا من إحتكار تجارة إفريقية الشرقية لفترة طويلة
(1) لوفران، تاريخ التجارة، ص 15.
(2) العبادي، تاريخ العرب القديم، ص 175، بيروت.
(3) حوراني، المرجع السابق، ص 96
(4) قلعجي، قدري، الخليج العربي، ص 59.
- A- (1/86)
صفحة 87
وأصبحت موانئ البحر الأحمر وشرق إفريقية تعج بالحركة والنشاط في العصر البطلمي.
ولما كانت الفيلة قد استحوذت على جانب كبير من السياسة البطلمية المصرية في القارة الإفريقية، فإن أعداد القوافل التجارية المخصصة لذلك زاد عددها، من أجل توفير أعداد كافية من الفيلة الإفريقية، التي لا ترقى كفاءتها القتالية إلى المستوى الهندي، ولذلك فقد استدعى هذا الأمر اجراءات جديدة في السياسة البطلمية في إفريقية منها
مايلي:
-:
(1) تشجيع القبائل والجماعات الإفريقية في مناطق الغابات والأحراش على الأهتمام بصيد الفيلة، بحيث بدأت قوافل التجار البطالمة بتدريب الأفارقة على هذا العمل، وكذلك وضع مكافأت مجزية لهم. وتزويديهم بالأسلحة من خلال رجال الجيش
البطلمي.
-
2
تأمين طرق التجارة البرية عبر بلاد النوبة وعبر الدروب الصحراوية إلى روافد النيل للوصل إلى منطقة الغابات. وقد أوكلت تلك المهام إلى وحدات من الجيش البطلمي
وقبائل تابعة لهم.
(1)
3 - إنشاء مراكز لتدريب الفيلة الإفريقية في منف، وكانت تلك المراكز تضم خبراء عسكريين. وكانت تلك الفيلة تصل إليهم من مراكز تجميع داخل إفريقية وجنوب مصر ومازالت هناك مراكز في جنوب مصر ترتبط بتلك الطرق القديمة لتصدير الفيلة.
- 2
(2)
(3)
زيادة النفوذ العسكري والتجاري البطلمي على سواحل شرق القارة، خاصة الصومال ومنطقة القرن الإفريقي، بعد الصعوبات التي واجهوها على الطرق البرية وكان هذا النفوذ، من وجهة نظرهم كفيلا" بتأمين مصالحهم داخل القارة الإفريقية وخاصة وأن نهاية القرن الرابع ق. م قد شهدت صراعات دولية في منطقة البحر الأحمر
والمحيط الهندي لأغراض تجارية بحته.
•
(1) الناصري، المرجع السابق، ص 16.
Roschke, New Studies in Roman Commerce with the East, P: 651.
Bunhury, A History of Ancient Geography, Vol. 2, P : 315.
-AY-
(2)
(3) (1/87)
صفحة 88
(1)
وتدل أسماء التحصينات والنقاط التجارية التي أقامها البطالمة في شرق إفريقية على نفوذهم واهتماماتهم هناك. ومن أهم تلك التحصينات والمواقع: حصن جزيرة سترابون، وحصن ديمتريوس، ومذبح كانون Canon ، وميناء انتيفيلوس، وقلعة كورهاجوس. ويتضح من تلك الأسماء أنها مأخوذة من أسماء القادة العسكريين والرواد البطالمة لتلك المناطق من إفريقية. كما وجدت موانيء أخرى على الساحل الإفريقي باسم بطليموس الثاني مثل ميناء بطوليمايس لصيد وتجميع الفيلة. ويقع بالقرب من ميناء سواكن، وأصبحت تلك المنطقة من أشهر موانيء إفريقية فيما بعد. وجد ميناء آخر هو ميناء بطيموس ثيرون Theron .. وأسس بطليموس الثالث ميناء على ساحل البحر الأحمر
كما
برنيکي
(3)
(2)
ويبدو أن البطالمة قد حرصوا على الاهتمام بالطرق البرية المؤدية إلى موانئ البحر الأحمر الجنوبية أو الوسطى، بعيدا عن منطقة شمال البحر الأحمر بسبب الصراع المستمر بينهم وبين الأنباط في تلك النواحي، بالإضافة إلى وجود مشاكل ملاحية أيضا. ولذلك فقد عملوا على توسيع ميناء برنيكي وجعلوا منه قاعدة عسكرية وتجارية في البحر الأحمر، لفترة طويلة، كما زاد اهتمامهم بالنقل النهري عبر نهر النيل.
(4)
فقد
ونتيجة لهذا الأهتمام العالمي بالقارة الإفريقية حتى نهاية القرن الأول ق. م. حفلت النقوش اليونانية، لغة العصر، بأخبار هامة عن أحوال التجار داخل قارة افريقية والعجائب التي شاهدوها، وعلاقاتهم مع زعماء القبائل هناك والثروات التي تحتوى عليها مناطق القارة الأمر الذي أدى إلى زيادة أعداد المغامرين اليونان لدخول القارة، وخاصة عبر مناطق النوبة (5). التي ازدهرت في تلك الفترة. وأصبحت منفذ تجارة
(1) الناصري، المرجع السابق، ص 17.
(2) ورغم ذلك فقد فشلت استراتيجية البطالمة العسكرية المعتمدة على الفيلة الإفريقية، أمام الفيلة الهندية، التي أعتمد عليها السلوفيين وتمكنوا من هزيمة البطالمة سنة 198 ق. م.
(3) نسبة إلى والدته. النعيم، نورة، الوضع الإقتصادي في الجزيرة العربية من القرن الثالث ق. م وحتى القرن الثالث م، ص 218.
(ع) حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي. ص 57. (5) كلمة نوبة، اسم مصري قديم، مشتق من نوبو بمعنى الذهب لتوفر هذا المعدن بها أو لمرور قوافل تجارة الذهب عبرها. محمد، عوض، الشعوب، والسلالات الإفريقية، ص
301
- AY- (1/88)
صفحة 89
إفريقية إلى مصر والإسكندرية، بالإضافة إلى موانئ البحر الأحمر.
وعجت موانئ البحر الأحمر هي الأخرى، وموانئ شرق افريقية بالمغامرين والتجار اليونان، خاصة منطقة جزيرة سوقطري، التي أصبحت مركزا تجاريا هاما بين عالم المحيط الهندي والبحر الأحمر وميناء عدول Adulis ، وفجأة وقبل أن ينتهى القرن الأول ق. م تمكن أحد البحارة اليونان ويدعى Hippalus من التوصل إلى سر الرياح الموسمية الشمالية التي تهب على شمال المحيط الهندي (1)، وكان لهذا الإكتشاف أثره الكبير على زيادة جرأة الملاحين لارتياد سواحل شرقي إفريقية وسواحل شمال المحيط الهندي، حيث كانت الملاحة قبلها تتم بصورة عشوائية، كما بدأت تنظم رحلات تجارية تتفق مع مواسم الرياح. الأمر الذي يسر الحركة الملاحية مع شرقي افريقية خاصة ومع موانئ المحيط الهندي بصورة عامة.
ونظرا للنشاط الكبير في منطقة مدخل البحر الأحمر والقرن الإفريقي حتى بداية العصور الميلادية، فإن هناك قوة محلية إفريقية الميلاد قد ظهرت، لما توفر لها ولبيئتها
من إمكانيات، وهي دولة أكسوم، وقد شاركت تلك القوة بثبات في أحداث العالم القديم حتى ظهور الإسلام. الأمر الذي يؤكد المساهمات الإفريقية في مجال السياسة
العالمية.
كما ظهر الأفارقة، كأشخاص، في موانئ ومدن العالم القديم، من حيث كونهم تجار في الإسكندرية ومنف وطيبة، وفى قرطاجنة من خلال أعمال الموانيء كالشحن والتفريغ، كما ظهروا كعمال وكقوة إنتاج هامة منذ تلك الفترة في حوض البحر المتوسط
(1) تعتمد حركة الملاحة في النصف الشمالي من المحيط الهندي على هبوب الرياح الموسمية الصيفية من الجنوب، في فصل الصيف والرياح الموسمية الشتوية من الشمال، في فصل الشتاء، وهي التي عرفت باسم الرياح التجارية لأهميتها في دفع السفن صوب موانئ إفريقية والهند وقد استفاد البحارة من الرياح الصيفية في دفع سفتهم صوب الشمال والدخول في موانئ الخليج العربي أو البحر الأحمر. أما الرياح الشتوية فقد كانت عظيمة الأهمية في دفع السفن من تلك الجهات الشمالية
صوب جنوب سواحل المحيط الهندي. وتهب إلى الرياح الشمالية من القلب الآسيوي شديد البرودة
شتاء.
انظر: أبو العينين، حسن، دكتور، آسيا الموسمية، ص 171.
-
84 (1/89)
صفحة 90
وظهرت صور الأفريقي وملامحه وشهره الأجعد ولونه الأسود كموضوع يرمز إلى الكفاح وقوة التحمل لدى فناني العصر الهلينستي.
(1)
وإذا كانت مصر تمثل قوة من قوى الشرق الأدنى القديم وحوض البحر المتوسط بالإضافة إلى كونها قوة إفريقية فإنها قامت بدور كبير ومؤثر في القارة الإفريقية في العصور القديمة. وبالإضافة إلى تلك القوة فإن هناك حضارة أخرى من حضارات الشرق الأدنى القديم قد لعبت دورا في تاريخ قارة إفريقية لا يقل عن الدور المصري القديم وهى حضارة الفينيقيين. واستمر الدور لفترة زمنية طويلة وكان له سماته الخاصة واتجاهاته المعنية.
(2)
فمن سواحل شرق البحر المتوسط انطلق البحارة الفينيقون يجوبون سواحله من الشمال والجنوب والغرب، حتى أصبحوا أمهر ربابنته وتجاره، وأصبحوا رجال تجارة وسلام لما عرفوا من حبهم للسلام ونقل التجارات والحضارات. وبدأوا في تأسيس مستعمرات تجارية وحضارية تحمل طابعهم على سواحل البحر المتوسط من أجل تسهيل عمليات التبادل التجاري والحضاري، فأسسوا مستعمرة أوتيكا Utica سنة 1110 ق. م وفي بنزرت وسرت. وكانت قرطاجنة أهم تلك المستعمرات حينما أسسها تجار من صور سنة 814 ق. كما استمر هذا النشاط الفينيقي في إنشاء مستعمرات على سواحل. م المحيط الأطلسي القريبة من مدخل البحر المتوسط.
(1) الناصري، المرجع السابق، ص 22. نقلا عن نقولا زيادة.
(2) برغم ظهورهم كقوة متوسطية منذ الألف الثاني ق. م. إلا أن معظم المصادر تشير إلى كونهم أصلا من منطقة جنوب الجزيرة العربية، وخاصة سواحل عمان المطلة على المحيط الهندي، حيث كانت تلك السواحل تشهد حركة تجارية نشطة في فترة ازدهار الوجود السامي في شبه الجزيرة العربية. لكن أدت تغير الظروف والأحوال إلى هجرات مستمرة من جماعات الساميين وكان من بين المهاجرين الفينيقيين الذين تركوا موطنهم الأصلى واتجهوا إلى سواحل بلاد الشام المطلة على البحر المتوسط وأسسوا هناك عدة دويلات مدن مثل جبيل، صور، صيدا، بيروت، عكا وغيرها. وكانت رحلتهم
عبر منطقة الخليج العربي.
والأدلة على ذلك كثيرة من الآثار ومن تسمية ميناء صور تيمنا بميناء
صور القديم على ساحل عمان. انظر: قلعجي، الخليج العربي، ص 65
- so (1/90)
صفحة 91
ومنذ تلك الفترة نشط الجهد الفنيقي داخل إفريقية وحولها، وخاصة بعد إنشاء مستعمرة قرطاجنة، قد أشرنا إلى تعاون استمرا تيجي بين الفينيقيين والفراعنة لاكتشاف سواحل إفريقية الجنوبية والغربية والإلتفاف حولها من الجنوب. وبالفعل فقد قام البحار
الفينيقي حانون Hano بقيادة مجموعة سفن والالتفاف حول إفريقية إلى أن وصل إلى خليج غانا وسواحل غرب إفريقية. كما تذكر المصادر الفينيقية أن رجلاً من أهل قرطاجنة يدعى ماجو Mago تمكن من عبور الصحراء الكبرى ووصل إلى وسط وغرب إفريقية ثلاث مرات (1). كما تمكن الفينيقيون من إكتشاف جزر المحيط الأطلسي الغربية من السواحل الشرقية مثل ماديرا والكناري والآزور.
ويبدو أن الفينيقيين قد تمكنوا من الوصول إلى سواحل المحيط الأطلسي في غرب إفريقية منذ نهاية الألف الثانية ق. م للوصول إلى ذهب إفريقية وفضة وتصدير اسبانيا، وكان هذا النشاط الفينقي في حاجة إلى ترسيخ رحلاته، بعد أن إكتشفوا إمكانيات قارة إفريقية الهائلة من الذهب والعاج. وكان الوجود الفينيقي حتى هذه اللحظة عبارة عن مراكز تجارية بسيطة لا ترقى إلى مستوى مستعمرات، إلى أن بدأوا في إنشاء مستعمرات خاصة: وكانت قرطاجنة أهمها على الإطلاق.
بهم
(2)
وقد لعبت قرطاجنة (2)، دورا هاما في تاريخ حوض البحر المتوسط من جهة وفى تاريخ إفريقية بشكل عام. فبرغم تبعيتها أول الأمر لصور، ودفعها الأتاوات لليبيين أول الأمر طيلة ثلاثة قرون ونصف دون إنقطاع (3)، فإنها سرعان ما فرضت هيبتها ونفوذها على البحر المتوسط وإفريقية، وذلك بفضل هيبة طبقتها الارستقراطية ومهارة سكانها، وخاصة ما اتصفت به عائلة ماغون القوية من روح المغامرة. وقد ساعدها على تحقيق مكانتها الكبيرة ما يلى:
1 - تدهور وانحطاط دور صور التجاري في البحر المتوسط، فبدأت قرطاجبة في (1) وايدنر، تاريخ إفريقية جنوب الصحراء، ط 1، ص 27 وما بعدها. ترجمة على
عطا الله.
أحمد، وشوقي
(3) سميت قرطاخبة بمعنى المدينة الحديثة تمييزا لها عن أوتيكا التي أسست قبلها وكانت تسمى المدينة
القديمة.
(3) عصفور، محمد، دكتور، المدن الفينيقية، ص 65 وما بعدها، بيروت.
-17 - (1/91)
صفحة 92
فرض حمايتها ونفوذها على المدن والمستعمرات الفينيقية في المنطقة، ثم ما لبث أن سيطرت عليها. وكان ضعف صور مترتبا على امتداد النفوذ الفارسي صوب سواحل الشام منذ القرن السادس ق. م. ثم احتلال الإسكندر لها بعد ذلك
(1)
2 - اتبعت قرطاج سياسة دبلوماسية مرنة مع قوى البحر المتوسط، خاصة بين القوى المجاورة لها، فقد حالفت الليبيين لفترة حتى تمكنت من فرض نفوذها على جزر كورسيكا وجزر البحر المتوسط الأخرى مثل صقلية. رغم محاولة اليونان السيطرة على صقلية وأعتمدت على سياستها الخارجية على قوتها العسكرية وتوازن القوى.
-3
شهرة سكانها في مجال التجارة والمغامرة البحرية، وخبرتهم السابقة في هذا المجال واستغلالهم للإمكانيات الإفريقية في تدعيم نفوذهم ونشاطهم في المنطقة
امتد نفوذ قرطاجنة إلى المناطق المجاورة لها في إفريقية، ووقفت أمام اليونان حينما أرادوا مد نفوذهم في المنطقة المجاورة لها في الشرق في إفريقية، وبدأت في تأسيس عدد من المستعمرات لها على سواحل ليبيا. كما أرسلت حملة بقيادة عبد ملقرط البرقي لفتح الأندلس، حيث توجد مناجم الفضة الشهيرة، وأنشأ مدينة هناك تسمى "أكر الانكى" ومات هذا القائد بعد أن ترك لقرطاجنة مناجم لا تنفذ. الفضة
أسس عزر بعل في أسبانيا مستعمرة جديدة تسمى قرطاج الجديدة
من
(2)
ومن بعده
لقد نمت قرطاج على تراب إفريقي، فإذا كانت خبراتها فينيقية، فإنها نبتت في بيئة إفريقية، فقد ساعدها موقع ميناءها الممتاز المتصل بالبحر المتوسط من جهتين وأصبح توجهها بحريا كما احتفظت بنفوذها السياسي في إفريقية، فإذا كانت مساحتها صغيرة نسبيا فقد ضمنت لنفسها سواحل البربر المطلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وأنشأت قرطاجنة أسواق شهيرة في إفريقية مثل: لبدة، وبنزرت، وعنابة، وسكيكدة، وقبة سيدى ابراهيم، ومالقة، وسكسى، كما أنشأت العديد من تلك المراكز على السواحل الأوروبية المطلة على البحر المتوسط إيضا.
(1) جوليان، تاريخ شمال إفريقية، ط 1، ص 120.
(2) الجوهري، يسري، دكتور، شمال إفريقية، ص 285 الإسكندرية، سنة 1976
- AV-
م. (1/92)
صفحة 93
إن موقع قرطاجنة جعلها منفذا لتجارة إفريقية مع حوض البحر المتوسط وأوروبا وكان دورها يتم بصورة أساسية في تجميع المواد الأولية في تلك المراكز في القيام بدور جديد في توزيعها. الأمر الذي دفع بحارتها إلى مسافات بعيدة لم يصلها بحارة الشرق الأدنى أو البحر المتوسط من قبل. ففى سبيل بحث تجارها عن الأسواق أندفعوا بجرأة ومغامرة في مياه المحيط الأطلسي. ففي أواسط القرن الخامس تمكن " جيملكن " من الإتجاه شمالا مع السواحل الأندلسية حتى وصل إلى الجزر البريطانية وواصل طريقه شمالا حتى وصل إلى أيرلندة نفسها. كما اندفع " حنون " إلى سواحل المحيط الأطلسي الجنوبية مصحوبا" بستين سفينة، ونزل في العديد من جزر الكناري والخالدات
(1)
لقد مكنت سلع إفريقية من الذهب والجلود والعاج والعنبر والعبيد بالإضافة إلى زيت الزيتون والحبوب أساسا اقتصاديا متينا للتجارة الفينيقية، وكان لابد للبحث عن أسواق تلاءم تلك الإمكانيات الجديدة، خاصة وأن أهلها أدركوا قمة تلك السلع في العالم القديم كما أنهم أصبحوا بين قونين اقتصاديين: الأولى تعتمد على تصدير صناعاتها وتقع في حوض البحر المتوسط، والثانية تعتمد على تصدير حاصلاتها من المواد الخام وهى إفريقية. ولذلك كانت الشعوب والقبائل الإفريقية ترغب في اقتناء الصناعات مثل الزجاج والمنسوجات والخرز أكثر من اقتنائها للعملة)
(2)
وقد انعكس هذا الوضع على هوية الحضارة الفينيقية حيث أصبحوا رجال تجارة واهتموا بكل ما يتصل بها من قريب أو بعيد وأهملوا بقية الجوانب الأخرى. فقد كانوا يحسنون عدة لغات ليس من أجل الثقافة بل من أجل التفاهم مع الشعوب، حتى أنهم لم يتركوا آثارا في الأدب والعلم (3)، واقتصروا في ميدان الفن على تقليد النماذج المصرية والإفريقية، بل جلبوا العديد من الفنانيين إلى مدنهم.
(3) جوليان، المرجع السابق، ص 122.
(2) ابن بطوطة، الرحلة، ص 654.
•
(3) وإن كانت الأبجدية الفينيقية هي التي سادت العالم السامي قبل أن تبعث الأبجدية اليونانية واللاتينية. ويبدو أن اختراع الفينيقيين للأبجدية راجع من تحدثهم بلغات عدة.
انظر: موسكاني، سبتينو، الحضارات السامية القديمة، ترجمة د. السيد يعقوب بكر، ص 121،
بيروت.
- 88 - (1/93)
صفحة 94
وسرعان ما إندمجت بلاد البربر في حضارة قرطاجنة في وعالم البحر المتوسط، كما اتجهت قرطاجنة إلى الإهتمام بالطرق البرية والدروب الصحراوية التي تصلها بتجارة إفريقية جنوب الصحراء والتي مثلت لها أهمية خاصة، فانتشرت عملتها البرونزية
والفضية، كما انتشرت اللغة الفينيقية بين قطاعات من سكان شمال إفريقية (1).
(2)
لقد اعتمد أهل قرطاج على إمكانيات إفريقية لبناء قوتهم الإقتصادية والسياسة في البحر المتوسط. حيث عملوا منذ البداية على استغلال الأراضي الإفريقية خاصة وأنها تقع توجد في أراضي خصبة (2). وأعانهم هذا الأمر على الصمود أمام خصومهم من اليونان أو الرومان، حيث أمنت لهم الأرض الخصبة الطعام وقت الخطر والحروب المستمرة ولم تنجح محاولات اليونان أو الرومان في البداية من إلحاق هزيمة نهائية بقرطاجنة بسبب وجودها في مجال حيوى إفريقي غني وفر لها استراتيجية إقتصادية وأمنية. (4).
(3)
(0)
كان مركز قرطاج هام جدا من ناحية أخرى للقلب الإفريقي، حيث كان يتصل بسهولة عبر أودية بلاد المغرب، ثم إلى واحات الصحراء حتى يصل إلى خط السافانا وخاصة وأن البربر قد وفروا لهم سبل الإتصال ببلاد السودان ووضعوا خبراتهم السابقة مع هؤلاء المستوطنين الجدد على السواحل الإفريقية (6) على الرغم من أن نفوذ قرطاج السياسي لم يتجاوز الأراضي التونسية، بالإضافة إلى مراكز ساحلية مرتبطة بها. لكن نشاطها شمل أجناس كثيرة فقد استعانوا بالليبيين في تكوين جيوشهم، كما استعانوا بالبربر والزنوج في أعمالهم وتجاراتهم، حتى أن التأثير الثقافي والإجتماعي لقرطاجنة كان كبيرا في بلاد المغرب والمناطق التي تتصل بها. فقد بهرت أمراء البرير مدينة قرطاجنة فتزوجوا من بنات طبقتها النبيلة وسموا أبناءهم بأسماء قرطاجنة، ومنحوا مدنهم دساتير على نمط دساتير المستعمرات الساحلية القرطاجية، وعبدوا الآلهة السامية
(1) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص 125.
(2) جوليان، المرجع نفسه، ج 1، ص 136
(3)
Hollingsworth, Ashort History of East Coast of Africa, P : 10.
(4) عصفور، المرجع السابق، ص 81.
(5) الجوهري، المرجع السابق، ص 97
Wlender, History of Africa South of the Sahara, P: 29.
-19 -
(1) (1/94)
صفحة 95
التي حملها أهل قرطاج معهم. حتى أن نفوذ قرطاج لم يزل بزوالها، فالمدنية الرومانية لم تتوطد أركانها أول وهلة في المملكات القرطاجية أو البربرية وظلت المدنيه القرطاجية سائدة هناك حتى عصور لاحقة. لقد تركت قرطاجنة آثارا عميقة في إفريقية من الجوانب الدينية بحيث ظلت التأثيرات الدينية القرطاجية حتى ظهور الإسلام عبر العصور الرومانية. كما بقيت النفوذ في بعض المدن الإفريقية تحمل كتابات قرطاجية مع أسماء أباطرة روما. ومثل الذهب أهم لسلع الإستراتيجية الإفريقية في الألف الأول ق. م التي ارتبطت بالمساعي القرطاجية في إفريقية، وغيرها من القوى الكبرى في العالم وقد ظهرت أهمية تلك السلعة في الدور الفنينيقي في التجارة العالمية في العصور القديمة.
فمنذ بداية الألف الأول ق. م حفلت نصوص التوارة باستيراد مملكة اليهود لكميات
هائلة من الذهب الخالص. وكان ذلك زمن الملك شاؤل (1030 - 1010 ق. م) والملك
داؤد (1010 - 970 ق. م) وزادت عمليات الإستيرد زمن سليمان (970 - 931 ق
(1)
وهى الفترة التي شهدت امتداد نفوذ وسيطرة اليهود على قسم كبير من بلدان لشرق الأدنى، وما ترتب على ذلك من بناء أماكن للعبادة اليهودية احتلت مكانة هامة في الفن والبذخ مثل هيكل سليمان، الذي أنفق في بنائه حوالي أربع مائة وستون قنطارا من ذهب أوفير، بالإضافة إلى ألف وستون قنطارا من ا
الفضة
(3)
(2) "
ولما
واعتمدت مناطق ودول ومدينات العالم القديم على ذهب إفريقية بصورة أساسية فإذا كانت ممالك بنى اسرائيل اعتمدت على السفن الفينيقية في استيراد ذهب إفريقية حينما ورد في أخبار اليوم الثاني " وحمل رجال حيرام وسليمان ذهبا" من أوفير " كانت حركة تجارة ذهب البحر المتوسط مرتبط بوضوح بمصدره الإفريقي، سواء الكميات التي حملها قرطاجنة، أو قوافل التجار إلى مصر، فإن إفريقية ساهمت بور كبير في تجارة ذهب المحيط الهندي.
م
(1) التوراة، ص 419.
(2) القنطار 34272 جراما من الذهب
(3) التوارة، أخبار الأيام الأول، اليوم 28، 29. ص 522.
(4) التوارة، أخبار الأيام الثاني اليوم 908، ص
534
- 9.- (1/95)
صفحة 96
(1)
ذلك أن أوفير (1) الذي تردد ذكرها بتصدير الذهب في العالم القديم ظلت مشكلة تشغل بال الجغرافيين والمؤرخين منذ ألفي سنة وحتى الآن، دول التوصل إلى حل قاطع إلى مكانها المحدد. وقد انحصرت الآراء حول موضوعها إلى ثلاثة: الأول يحددها على
ساحل الهند الغربي، والثاني يحددها على ساحل إفريقية الشرقي، والثالث يجعلها في أحدى مواضع ساحل جنوب شبه الجزيرة العربية.
(2)
ونرجح الرأي القائل بأن " أوفير " أهم مراكز الذهب في العالم القديم، كانت تقع على سواحل شرقي إفريقية وذلك للأسباب التالية: -
-1
مازالت توجد منطقة تقع على أحدى البحيرات الإفريقية الداخلية، في جنوب تنزانيا وتسمى أوفير، بالقرب من الوجيجي (3). ومازالت مرتبطة بإنتاج الذهب. كما أن دول شرق إفريقية مثل تنزانيا وموزمبيق تنتج كميات كبيرة من الذهب العالمي والذي يمثل نسبة هامة من تجارة الذهب العالمية. بالإضافة إلى مناجم الذهب الشهيرة في الأجزاء الشرقية من دولة جنوب إفريقية
(4)
2 - كانت السفن القادمة من أو غير محملة بسلع أخرى مثل العاج والقرود والطواويس وهذه السلع لاتوجد بصورة أساسية سوى في إفريقية، حيث ارتبطت تجارة العاج منذ القدم بإفريقية أو حتى العصور الحديثة بالإضافة إلى القردة والطواويس.
- كانت السفن المتجهة إلى أوفير سنفن محيطية ضخمة، كما كانت تواجه صعوبات هائلة أثناء رحلتها البحرية الطويلة، ثم تعود بعد ثلاث سنين حاملة الذهب والعاج والقردة والطواويس (5). مما يدل على أنها أبعد مكانا من جنوب الجزيرة العربية.
- {
يحتمل أن تكون رحلة ملكة سبأ إلى بلاط سليمان قد ترتب عليها تدعيما
(1) وردت أوفير كاسم للإبن الحادي عشر من أبناء قحطان، كما ورد في سفر التكوين. (2) راجع: حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 116 وما بعدها. (3) المغيري، جهينة الأخبار، ص 222، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة (4) تنتج جنوب إفريقية حاليا 662500 كج من الذهب من أقاليمها الشرقية فقط. (5) أخبار الأيام الثاني 9: 21.
- 91 - (1/96)
صفحة 97
للعلاقات التجارية بين الطرفين. وكان أهل سبا واليمن أكثر سكان المنطقة خبرة بسواحل شرقي إفريقية وبالتالي أصبحت منطقة اليمن محطة هامة للإنطلاق إلى شرق إفريقية وخاصة المنطقة الجنوبية من ساحل افريقية الشرقي الذي سيطرت عليه في الألف الأول قبل الميلاد جاليات من أهل اليمن (1) وأن اليهود قد منحوا امتياز امتياز استغلال الذهب في أوفير مع أهل سبأ
(2)
ه - هناك فريق من العلماء يرى أن أوفير هي منطقة زمبابوي، حيث أطلال روديسيا الجنوبية، وهى منطقة تقع بين نهرى الزمبيزى واللمبوبو، وقد كشفت على يدى آدم رندرز سنة 1868 م. (3). وقد أكد الآثريون الذين عملوا في تلك المنطقة أن العرب كانوا يستمدون كميات وفيرة من الذهب منها، وأن هؤلاء العرب كانوا على صلة بكل من تجار مصر وتجار اليمن والتجار الفينيقيين. وقد أكدت الدراسات على أن تلك المنطقة تعيش بها جالية كبيرة من أهل حمير وسباً، وأن السبئيين كانوا أصحاب الكلمة العليا هناك في نهاية الألف الثاني ق. م. وكانت كميات الذهب تستخرج بكميات كبيرة)
(1).
6 - هناك ترجمة في التوارة لكلمة " أوفير " بأسم " سوفارا " ولم يرد هذا الأمر عبثا في إحدى ترجمات التوارة. ولكن كان ينم عن أسمها القديم الذي أطلقه العرب على تلك المنطقة الجنوبية من الساحل الشرقي لإفريقية باسم سفالة. وظل هذا الاسم ساريا حينما قدم البرتغاليون إلى المنطقة في بداية القرن السادس عشر الميلادي، ولايزال حتى الآن يطلق على أحدى الموانئ (5). ولذلك فإن تلك الترجمة السبعينية للتوراة تؤكد أن أوفير ساحل إفريقية.
- هناك رأى يرى بأنها على ساحل إفريقية الغربي، وأن اليهود تحالفوا مع الفينيقيين خاصة أهل.، صور، من أجل استثمار خبرات أهل ص، صور وعلاقتهم بقرطاجنة ومستعمرات الفينيقيين في غرب البحر المتوسط لعبور جبل طارق إلى ساحل إفريقية
(1) بافقيه، تاريخ اليمن القديم، ص 712.
(2) حوراني، المرجع السابق، ص 127.
(3) حوراني، المرجع نفسه، ص 129.
•
(4) حوراني، المرجع السابق، ص 132. (5) حوراني، المرجع نفسه، ص 135،
- 97 - (1/97)
صفحة 98
(1)
الغربي جنوبا"، ويرى أصحاب هذا الرأى أن اليهود لم يكن في مقدورهم شراء الذهب أو مقايضة، ولذلك فقد اهتموا بالوصول إلى مناجمه هناك.
القديمة:
من هنا فقد أصبحت إفريقية تدخل في نطاقين لتجارة الذهب العالمي في العصور
النطاق الأول: عالم البحر المتوسط: حيث المدنيات الشهيرة والحضارات العريقة في مصر. وفي اليونان وعلى ساحل بلاد الشام وساحل آسيا الصغري بالإضافة إلى مدينات أوروبا الصاعدة. وقد قام بهذا الدور لفترة طويلة أهل قرطاجنة الذين وفروا تلك السلعة الإفريقية في هذا المحيط الحضاري الهام.
- النطاق الثاني: عالم المحيط الهندي، ويشمل مدينات وادي السند والهند، و مدتيات بلاد الرافدين من السومريين والبابليين والآشوريين وسواحل الخليج العربي وفارس، وقد قام بهذا الدور من الوساطة التجار سفن التجار العرب من أهل الخليج العربي ومن أهل اليمن خاصة أهل أوسان وسبأ وحمير ثم أهل عمان.
جاء العصر الروماني ليحمل أهمية جديدة للقارة الإفريقية في العالم القديم. ذلك أن الرومان تمكنوا من احتلال شمال إفريقية، وانهوا السيادة القرطاجية بها وسادوا دول البرير وغيرها من قوى الشمال الإفريقي وتمكنوا من التغلب على ثوراتها. وإن كان الرومان قد اقتصروا حتى القرنين الأول والثاني الميلاديين على احتلال السواحل الإفريقية ومراكزها التجارية، حيث بقى قسم من التلال الجزائرية ومعظم الصحراء الليبية والمغرب الأقصى خارجا عن تلك السيطرة، واقتصرت السياسة الرومانية في تلك الفترة على بناء سلسلة من القلاع والتحصينات، وشق طرق لربط مراكز الرومان في تلك المناطق مع بعضها البعض كما بدأوا في إرسال حملات لإستكشاف منابع النيل منذ القرن الأول
الميلادي.
(2)
ثم بدأ الرومان في العمل على الزحف صوب جنوب الساحل والوصول إلى نقاط
(1) موسكاني، الحضارات السامية، ص 122. (2) جوليان، المرجع السابق، ط 1، ص 223.
-97 - (1/98)
صفحة 99
4
(1)
التجارة مع إفريقية الداخلية، حيث توطد النفوذ الروماني زمن هادريان، ثم استأنف عمليات مع النفوذ إلى الجنوب، لتأمين النفوذ الروماني من هجمات البربر والإمساك ببداية خطوط الدروب الصحراوية التي تعبر الصحراء إلى إفريقية الغربية.
أصبحت إفريقية تشكل أساسا في الاقتصاد الروماني، لوجود مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة بها، بالإضافة إلى توفر الأيدي العاملة بها. ولذلك أصبحت إفريقية سلة غذاء روما بحق، بحيث كان أى تذبذب في كميات القمح الإفريقي ونقصه يؤدى إلى حدوث مجاعات في مناطق الإمبراطورية الرومانية الواسعة. وقد حاولت روما تفادي حدوث أزمة في إنتاج هذا المحصول حينما لجأت إلى زيادة المساحة المنزرعة من القمح على حساب المحاصيل الأخرى مثل الكروم والزيتون، إلى الحد الذي جعل بعض الأباطرة يقرر منع زراعة الكروم حفاظا على أنتاج أكبر كمية من القمح الإفريقي.
كما كانت إفريقية مصدرا هام لتزويد عالم البحر المتوسط الروماني بزيت الزيتون والكروم حيث بدأت تنمو زراعة تلك المحاصيل إلى الجنوب من خط الساحل في العصر الروماني. وكانت إفريقية بالرغم من وفرة سكانها تنتج ما كان يجعلها في مأمن من المجاعات التي أنهكت باقي أجزاء الإمبراطورية الأخرى.
وإذا كان الاهتمام الروماني بالشمال الإفريقي قد أنصب على الجانب الزراعي في المقام الأول، بالإضافة إلى اهتمامات أخرى تجارية وسياسية، فإن الرومان قد أهتموا بصورة مبكرة بالتجارة مع شرق إفريقية منذ البداية. ذلك أن أنتشار حالة الأمن والإستقرار الروماني في حوض البحر المتوسط أدى إلى نمو مدنه وأقاليمه وإقبال الناس على شراء السلع الكمالية التي كانت إفريقية وعالم المحيط الهندي هي مصدرها الأساسي، ولذلك فقد قام الإمبراطور أغسطس (21) ق. - 14 م) بالاهتمام بتأمين الطرق م - التجارة وعبر البحر الأحمر ومصر المتجهة إلى تلك الجهات. وقد استمر ازدهار ميناء الإسكندرية بنفس الدرجة في العصر الهلينستي. كما استمر أداء هذا الميناء بقوة اقتصادية أشمل في العصر الروماني
(2)
(1) جوليان المرجع نفسه، ط 1، ص 225. (2) لوفران، تاريخ التجارة.، ص 15.
- 9?- (1/99)
صفحة 100
واستمرت الاهتمامات الرومانية بتجارة إفريقية الشرقية من أجل تأمين تجارة الذهب والقصدير والنحاس والبرونز، فقام الرومان باحتلال ميناء عدن زمن الإمبراطور كلاوديوس (41 - 54 م). وفي عهد الأباطرة تراجان وهادريان اهتم الرومان بالمواصلات البرية والبحرية الموصلة إلى المحيط الهندي حيث سواحل شرق إفريقية، بحيث امتد النفوذ الروماني جنوبا" في بلاد العرب حتى أصبحت دولة النبط ولاية رومانية، كما أنشأ تراجان طريقا بريا من أيلة إلى ظفار على ساحل المحيط الهندي عبر الحجاز، واتجه الرومان إلى إصلاح القناة القديمة التي تصل ميناء الإسكندرية بالبحر الأحمر عبر نهر النيل، حتى سميت قناة تراجان (1) وأرسلت الإدارة الرومانية سفنها الحربية لحماية مياه البحر الأحمر من القراصنة. وقد ترتب على تلك السياسة ازدهار الملاحة في البحر الأحمر حتى أنه نافس في هذا المجال الحركة التجارية في الخليج العربي.
وصلت البعثات الرومانية إلى جنوب ساحل إفريقية الشرقي وإلى داخل القارة وبدأ الرومان يتعرفون على جبال كلمنجارو ورويتزوري، وبحيرات فكتوريا وألبرت في وسط القارة كما ظهرت معالم القارة الإفريقية على خرائط الرومان لأول مرة وبدأت سفن الرومان تصل إلى مناطق بعيدة على ساحل شرقي إفريقية، فقد وصلت إلى رهابتا Rhapta جنوب زنجبار بالقرب من دلتا الزمبيزي
(2)
وفي محاولة رومانية لاختراق إفريقية والوصول إلى قلبها عبر وادى النيل أرسل الرومان بعثات لاستكشاف منابع النيل سنة 66 م، ووصلت تلك البعثات حتى النيل الأبيض، جنوب الخرطوم الحالة، غير أن وجود الستنقعات والأحراش أعاقت طريق الرحلة إلى داخل القارة الإفريقية. وظلت مصر هي محور اهتمام الرومان للتوجه إلى داخل القارة الإفريقية. . ومن أجل ذلك فقد حاول الرومان استرضاء الجاليات الإفريقية في مصر كما والإسكندرية. فقاموا على سبيل المثال، ببناء المعابد للجاليات الحبشية في مصر. شيد الأمبراطور أغسطس معبدا في كلابشة للرب النوبي مندوليس. كما رمم النوبة لاسترضاء أهلها. حتى أن الرومان حافظوا على طرق الاتصال المصرية القديمة ودخلت الكنيسة في تلك الأهتمامات حيث نشطت في نشر رسالتها إلى
بإفريقية
(4)
(1) حوراني، المرجع السابق، ص 46، ص 49.
(2) الجمل، تاريخ کشف افريقية، ص 40. (3) الجمل، المرجع السابق، ص 67.
معابد
-90 - (1/100)
صفحة 101
الأفارقة. عبر، بعد ذلك.
تلك الطرق وأصبحت النوبة والحبشة من أهم معاقل الكنيسة في قارة إفريقية
(1)
وزادت الاهتمات الرومانية بمنفذ وادي النيل للوصول إلى داخل القارة بعد أن اضطريت أحوال الشمال الإفريقي والإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس / م،، بعد سلسلة النكسات التي تعرضت لها، وكان أهمها في إفريقية قيام قبائل الوندال بالنزول إلى الساحل الشمالي لإفريقية وتكوين مملكة لهم هناك، بعد أن تمكنوا من السيطرة على بعض مناطق من جنوب أوروبا. فقد تمكن القائد الوندالي جيسريك سنة م من عبور مضيق عمودي هرقل (جبل طارق بعد ذلك) ونزل إلى الساحل الإفريقي أوضاعه وانقسامات رجال کنيسته وثورة سكانه من البرير.
429
مستغلا تدهور
وبدأ في الانتشار في تلك المناطق والحاق الهزائم بالرومان في إفريقية. وتحالفوا مع البربر ضد القائد الروماني بونيفاس، وتمكنوا من إنزال الهزيمة به، ثم مع الوندال سلطانهم على شمال إفريقية بعد ذلك وعلى جزر البحر المتوسط مثل كورسيكا وسردينيا والبليار، وحتى جزر بحر ايجه من الشمال الشرقي للبحر المتوسط. وبدأ الوندال في مواجهة، بعد أن أصبحوا سادة البحر المتوسط وشمال إفريقية.
القسطنطينية
استغل الوندال إمكانيات قارة إفريقية من السلع الزراعية والتجارات القادمة عبر الصحراء، وحققوا أرباحا" استفادوا بها في تقوية جيوشهم وزيادة نفوذهم حتى تمكنوا
(1) الوندال Vandals من الشعوب الجرمانية الشرقية شأنها في ذلك شأن البرجنديين. غادروا ساحل بحر البلطيق. ثم توجهوا إلى بوهيا في بداية القرن الأول الميلادي. وبعد ذلك انقسموا إلى قسمين: القسم الأول تحرك صوب هنغاريا وعرفوا باسم الوندال الأسد نجيين، والفريق الثاني ظل بالقرب من بوهيميا وعرفوا باسم الوندال السلينجين. وبعد قدوم جماعات الهون انضم الوندال إلى الآلان وأتجهوا إلى داخل الإمبراطورية الرومانية بوصفهم معاهدين. لكنهم أحسوا بضعف الوجود العسكري الروماني في منطقة الراين ودخلوا إلى مناطق الإمبراطورية الرومانية كغزاة سنة 06 4 م وعاثوا في تلك المناطق فسادا، حتى ظهر بينهم قائد عظيم هو جيسريك الذي نظم صفوفهم وقادهم صوب الساحل الإفريقي.
- توينبي، تاريخ البشرية، ترجمة نقولا زيادة، - 2، ص 36، 37.
- 97 (1/101)
صفحة 102
سنة 455 م من النزول على الأراضي الإيطالية ومحاصرة روما ودخولها ثم تدميرها
وحرقها وأصبح جيسريك الوندالي حاكما لحوض البحر المتوسط حتى وفاته سنة 477 م
(1)
م
لكن الوندال عاشوا أغرابا مع أهل افريقية بسبب اعتناقهم المذهب الأريوسي، المخالف للمذهب الأثناسيوسي لروما، والمذهب الروماني المنتشر بين سكان إفريقية، كما أنهم ظلوا مرتبطين بأوروبا في أحلامهم وتطلعاتهم ولم يعملوا على مد نفوذهم إلى داخل القارة الإفريقية. وبدأت دولتهم تعاني من الخلافات والضعف حتى جاء القرن السادس م لتبدأ الإمبراطورية البيزنطية تخطط لطردهم من الشمال الإفريقي، ففي سنة 533 أرسل الإمبراطور جسبتيان الأول (527 - 565 م (قائده بليزاريوس على رأس حملة كبيرة إلى إفريقية بسبب الخلافات التي وقعت داخل القيادة الوندالية في إفريقية فأستغل القائد البيزنطي إنشغال الوندال في قمع ثورة جزيرة سردينيا فنزل بقواته على الساحل وتمكن من احتلال قرطاجنة، وهزم الوندال في معركتين (2)، وعادت شمال إفريقية إلى النفوذ الروماني من جديد حتى الفتح الإسلامي، بعد ذلك بقليل
كانت شمال إفريقية قد بدأت في التغير الإجتماعي منذ نزول الرومان بها، وحتى قدوم! الوندال، حيث استقر بها العديد من الرومان الذين ارتبطوا بالسياسات الرومانية على الجانب الآخر من البحر المتوسط، خاصة المستثمرين في مجال الزراعة والتجارة، حيث امتلكوا أراضي واسعة من الأراضي الإفريقية الخصبة، في حين بدأت قبائل البربر في التوجه صوب الجنوب في مناطق الوديان والجبال (3). وبدأوا في تجميع صفوفهم وتوجيه ضربات متكررة ضد القوات والإدارات الرومانية في الشمال الإفريقي، حتى أنهم اعتنقوا المذهب الروماني المناسب لظروفهم. كما تعاونوا مع الوندال في بداية الأمر الأمر منهم بأنهم سيخلصونهم من الوضع الروماني.
ظنا
دخلت القارة الإفريقية أيضا كعنصر أساسي في مجال المنافسة الدولية في العالم
(1) عمران، محمود سعيد، دکتور، معالم تاريخ أوروبا في ا العصور الوسطى، ص 78.
(2) عمران، المرجع السابق، ص 79.
(3) حوليان، المرجع السابق، ج 1، ص 132.
- 9 V- (1/102)
صفحة 103
(1)
القديم. ذلك أن الفرس الذين تزعموا نفوذ القوى الشرقية منذ منتصف الألف الأول ق
م. بدأوا في توجيه سياستهم صوب الاستفادة من ثروات إفريقية في محاولة لاحتكار تجارة العالم القديم. وكانت سياسة الفرس تجاه إفريقية من جبهتين:
الجبهة الأولى: مصر والبحر الأحمر: حيث تمكنوا من الوصول إلى مصر وإخضاعها فترة من الزمن لنفوذهم بعد أن احتلوا مناطق الشرق الأدنى القديم) (2). وبدأوا في تنفيذ سياسات اقتصادية لتجارة مصر والبحر الأحمر وإفريقية. وبذلك تحقق حلمهم القديم في احتكار تجارة الشرق، برية وبحرية، المتجهة إلى حوض البحر المتوسط حيث أعدادهم اليونان ثم الرومان، وقد أزعج هذا الأمر بالفعل اليونان والرومان.
الجبهة الثانية: الخليج العربي وسواحل شبه الجزيرة العربية وشرقي إفريقية: حيث بدأوا في السيطرة على سواحل الخليج العربي، خاصة في العصر الساساني، اتخدوا من طيسفون على دجلة عاصمة لهم، وأصبحت السواحل العربية الغربية من الخليج تحت السيطرة الفارسية لفترات طويلة من الزمن، وكان لسكان تلك السواحل علاقات ومصالح تجارية مع شرقي إفريقية وسواحل المحيط الهندي. وقد أستغل الفرس تلك الخبرات والعلاقات وبدأوا في توسيع نفوذهم نحو شرقي إفريقية. ومن أجل احتكار تجارة المحيط الهندي حاولوا السيطرة على اليمن، ودار صراع طويل بينهم وبين الأحباش استمرت حتى ظهور الإسلام، وحاول الرومان دعم الأحباش للوقوف في وجه الفرس في المنطقة
ظهر النفوذ الفارسي في إفريقية الشرقية بوضوح زمن الملك الفارسي الساساني أردشير الأول (225 - 241 م) الذي عمل على النهوض بالملاحة في منطقة الخليج
(1) بدأ عصر إيران الذهبي منذ القرن السادس قبل الميلاد، حينما ظهرت الدولة الأخمينية، التي أصبحت أعظم امبراطوريات وحضارات العالم القديم، ودانت لها أمم الشرق. وظهرت شخصية حاكم الفرس الشجاع " قورش " عام 559 ق. م وإستطاع بعد ثلاث سنوات من حكمه أن يكون سيدا على المنطقة، وتميز بالشجاعة والخبرة في حروبه، حيث تمكن من القضاء على القوى المجاورة له رغم تحالفها ضده. ومات سنة 530 ق. م، بعد أن أسس امبراطورية واسعة للفرس ضمت بلدان الشرق الأدنى القديم. وخلفه قمبيز على عرش البلاد الذي أطلق عليه من قبل الإعزيق " الطاغية ". فخرى المرجع السابق، ص 214/ 216 (2) تمكن قمبيز من دخول مصر زمن الملك " بسماتيك الثالث " في بداية حكمه.
-91 - (1/103)
صفحة 104
والمحيط الهندي، فأنشأ عدة موانى بحرية وتعقب القراصنة. وترتب على ذلك ازدهار العلاقات الفارسية الإفريقية في المجالات التجارية خاصة تجارة الذهب والرقيق والحديد والعاج وغير ذلك من سلع الساحل الإفريقي.
ففي نهاية القرن الثالث الميلادي قام نرسي (292 - 302 م) بعقد معاهدة مع زند أفريك شاه ملك الزنج على ساحل إفريقية الشرقي الشمالي، في الصومال، وفرض الفرس نفوذهم في تلك الفترة على جزيرة سوقطري التي أصبحت مركزا فارسيا أمام السواحل الإفريقية، وتواري أمامها الوجود اليوناني والروماني في الجزيرة (1)، وتم بناء معابد فارسية بها، نظرا لوجود جالية فارسية كبيرة بين سكان الجزيرة، وبدأت السفن الفارسية منها تدخل موانئ البحر الأحمر الإفريقية أو تتجه صوب ساحل إفريقية الشرقي جنوبا. ومكن لهم هذا الوضع مع القوة الإفريقية الناشئة في الحبشة عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي وهى دولة أكسوم التى ظهرت كقوة عالمية منذ القرن الرابع الميلادي) وأصبحت حليفة مع الرومان لاعتبارات دينية وثقافية. وكان وجود تلك القوة الإفريقية هي الأمل الوحيد أمام الرومان للوصول إلى تجارات إفريقية والمحيط الهندي بعد أن استحكمت العداوة مع الفرس الذين سددوا منافذ التجارة الشرقية أمامهم.
(2)
اتخذ الرومان سلسلة من الإجراءات لدعم الأحباش في أكسوم سياسيا ودينيا وعسكريا أمام الفرس، فقد أرسل الإمبرطور الروماني جستنيان وفدا إلى مملكة أكسوم، عارضا خدمات الرومان العسكرية والإقتصادية للأحباش مقابل أن يؤمن الأحباش لهم تجارة المحيط الهندي وإفريقية. وقد تمكن الأحباش من القيام بهذا الدور، حيث استغلوا الأحوال الاقتصادية السيئة التي تمر بها منطقة جنوب الجزيرة العربية، ومدخل البحر الأحمر، حينما انتكست تجارة اللبان والبخور، بعد تحول سكان البحر المتوسط إلى المسيحية وضعف إقبال الناس على تلك السلع التي أصبحت من موروثات النظام الوثني، ففرضتم لنفوذهم على منطقة اليمن واتجهت شمالا صوب الحجاز من أجل مدنفوذهم شمالا. ودار صراع طويل بينهم. بينهم وبين الفرس من أجل التحكم في اليمن ومدخل البحر الأحمر، واستمر هذا الصراع مستمر انتهى الأمر في القرن السابق الميلادي بظهور
(1) النعيم، المرجع السابق، ص 218. (2) فخري، المرجع السابق، ص 143.
- 99 - (1/104)
صفحة 105
الإسلام، وزوال القوى العالمية التقليدية التي كانت تتحكم في إفريقية والعالم القديم.
وهكذا ظل لإفريقية خصوصياتها الهامة في السياسة العالمية بين قوى العالم القديم. وكان منبع الأهتمام بسبب أهمية موقعها وثرواتها الهامة. وإن كانت تلك الأهتمامات قد انصبت على مصالح تلك القوى دون الإلتفات إلى ظروف ومصالح الأفارقة أنفسهم، الأمر الذي ميز الدور الإسلامي الجديد في القارة. (1/105)
صفحة 106
(3)
ممالك إفريقية قديمة
البربر - الأحباش
أولا": ممالك البربر في شمال إفريقية في العصور القديمة:
تخلو المكتبة التاريخية في الشرق والغرب عن دراسات جادة عن تاريخ ممالك البربر ولم يظهر البربر بين صفحات تاريخ العالم القديم إلا حينما أصبح لهم احتكاك بنفوذ القوى الخارجية في إفريقية مثل اليونان والرومان وقرطاجنة. ولذلك فقد ظل الباحثون
على جهل تام بحركة القبائل البربرية وانتشارها أو انهيارها والأحداث التي واجهتها لكنه تم تجميع أخبار عن الممالك والإمارات البربرية التي كانت معاصرة لمرحلة التوسع الروماني في إفريقية، على أساس أنها تمثل قوى محلية عرقلت الأنتشار الروماني فوصلت أخبارها إلى مؤرخى الإمبراطورية. هذه الممالك ثلاث ممالك هي. . ومن
كما يلي
:
1 - مملكة الموريين " " بالمغرب الأقصى - مراكش حاليا: تأسست منذ القرن الثالث قبل الميلاد على أساس تحالف كبير من القبائل البربرية، ومدت نفوذها إلى منطقة جدالة في الجنوب، حيث مملكتى ماسولة ومازيسولة. وفي الشرق وصلت حدودها إلى نهر ملوية السفلى. وفى نهاية القرن الثالث تمكنت من توسيع حدودها حتى وصلت إلى مصب نهر المساقة، في الشمال الغربي لقسنطينية
(1)
ويبدو أن قبائل الموريين كانت لها دورها الإقتصادي في زراعة سهول المغرب الأقصى قبل الميلاد، وظلت تلك القبائل لاتمثل أهمية على المستوى الأولى، حتى تمكنت من توحيد نفسها في. حلف منذ القرن الثالث حيث عثر على نفوذ تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد تشير إلى حركة واسعة لشراء القمح من تلك المناطق مما يدل على خبرة أهلها في هذا المجال. وكانت الممالك والقبائل البربرية المجاورة لها مثل ماسولة ومازيسولة تتحرك في الأراضي القرطاجية الواقعة إلى الشرقيين الموريين، في المنطقة التي تسمى
(1) جوليان، المرجع السابق، جا، ص: 131.
-1.1 - (1/106)
صفحة 107
نوميديا ويبدو أن هذا الاسم مأخوذ من لهجة البلاد ويبدو أن تلك القبائل كانت.
من المورييم.
2 - مملكة مازيسولة " في منطقة الجزائر حاليا "
من
ظهرت بوضوح في أحداث القرن الثالث قبل الميلاد، ومدت حدودها شرقا إلى المسافة ورأس تريتون، شمال قسنطية، وكانت سيرته (قسنطية) قسما من تلك المملكة وشكلت هى وصاغة تقع شرق نهر ملوية (عاصمتين لها.
وأتخذت مازيسولة عاصمتها في منطقة استراتيجية يصعب الوصول إليها، حيث تقع العاصمة على مرتفع صخري ومحاطة بمنحدرات وعرة، يجري من بينها نهر المساقة في شكل خور ليس له شواطئ. ولذلك ظلت المدينة منيعة فترة طويلة من الزمن. كما أن المنطقة الصخرية المحيطة بها حفظت مياه الأمطار في مسامها ليستفيد منها السكان في وقت الجفاف.
واحتلت مملكة مازيسولة أهم مناطق بلاد المغرب خصوبة، حيث الأرض الخصبة بين الأودية، والمياه المتوفرة من الأنهار والأمطار، حتى ضرب بسنابل قمحها المثل في الطول، كما أن أهلها كانوا لا يبذلون جهدا كبيرا في زراعة الأرض بسبب خصوبتها بحيث كانت تدر عليهم أضعاف ماتدره أراضي جيرانهم من نفس المحصول.
ومن أهم زعماء تلك المملكة البربرية " سيفاكس " حيث تمكن من تجميع قوى مملكة، وأصبح زعيما أقليميا هاما، كان من الصعب على القوى المجاورة أن تغفل دوره فمدت إليه قرطاجنة يدها، وتزوج من فتاة قرطاجبة. لكن هذا الزعيم واجهته المشاكل من الزعيم البربري المجاور وهو مسينا الذي يمكن من ضم مملكة مازيسولة إلى مملكته البربرية التي تعرف بأسم مملكة فاسولة "
- مملكة ماسولة:
(1).
ظهرت تلك المملكة على حدود ممالك البرير الشرقية، وتقلصت حدودها أمام التوسع القرطاجي منذ البداية، ولذلك كان لها أهميتها في الحرب البونية التي نشبت في المنطقة
(1) جولبان، المرجع السابق.، ص 132.
-1.1 - (1/107)
صفحة 108
(1) m
ومن أهم رجالها "غايا ثم ابن أخيه. لكن مسينسا ظهر زمن ضعف المملكة في القرن الثالث ق. م وسرعان ما أصبح هذا البطل زعيما لمملكة ماسولة، وبدأ يجمع، قوي مملكته حتى تمكن من وقف
الذي لم يخلفه في الحكم ابنه الأكبر " مسينسا بل ورثه أخوه
زحف مازيسولة المجاورة، ووسع حدود مملكته غربا حتى نهر ملويه، وشرقا حتى توسكة، بالقرب من طبرقة. وكوت جيشا قويا وأسطولا كبيرا
بدأ مسينسا يحاول صهر شعبة البربري في دولة موحدة، لكن المصالح الرومانية وقفت عائقا أمام هذا الزعيم الماسولي، ولم يتمكن من تحقيق أحلامه. لكنه ترك آثارا هامة في تاريخ ومدينة البربر تطور النظم القبلية إلى نظم عامة. ومن أجل توفير موارد مالية لدولته سعى إلى ضرائب على جماعات البدو في دولته، كما شجع الزراعة، ونشر الأمن والإستقرار في ربوع مملكة البربرية. وترتب على هذا الاستقرار ازدهار الزراعة والتجارة وإحياء الأراضي البور.
(T).
ولذلك فإنه صاحب أول " ثورة اقتصادية تقع في تاريخ بلاد المغرب بين سكانها البربر، فأزدهرت البلاد في عصره، حتى أنه ترك لكل واحد من أبنائه 874 هكتارا" مجهزة بالآلات الزراعية اللازمة للاستغلال. وظهرت في عصره القرى كبداية للاستقرار من قبل الفلاحين والرعاة. كما أصدر لدولته دستورا على غرار قوانين قرطاخبة يعتمد على حكام يسمون الأسباط. وظهرت شخصية حضارية جديدة لبلاد المغرب في
عهده
•
وقد أضفى مسينسا على معتقدات البربر مسحة جديدة، فقد ظهر في اصلاحاته في مظهر إله، وظهرت في عهده عبادة الإله الملك. وبعد مرور عشر سنوات من وفاته أقيم له معبد في توقة (دقة) (3). وكان مولعا بالفكر والثقافة اليونانية ولذلك فقد حرص على أن يتلقى أبناؤه تربية يونانية. وظهرت آثار الفكر اليوناني عنده حينما جعل في دستوره قانونا يجعل الخلافة من بعده لأكبر الأبناء مثلما هو الشأن في المدن
(1) جولبان، نفس المرجع، ص 133 (2) جوليان، المرجع السابق، ص 135.
(2) على أساس استغلال أراضي افريقية من قبل أهلها، دون الاعتماد على الرومان وغيرهم في
استغلال إمكانيات إفريقية.
-1.7 - (1/108)
صفحة 109
اليونانية.
وظهرت على يد مسينسا نظريته الجديدة التي تنادي بأن " إفريقية للإفريقيين " وكان من شأن تلك النظرية أن تجمع قبائل البربر حوله من كل مكان وتسحر رعاياه الميالين بطبعهم إلى كره الأجانب. ومن هنا فقد وضع في خططه الإستيلاء على قرطاجنة قبله بلاد البربر الحضارية. كما بدأ يفكر في إخضاع بلاد المغرب حتى ساحل المحيط الأطلسي تحت سيطرته. ولذلك فإن روما بدأت تخشى من طموحها في منطقة الشمال الإفريقي وخاصته أن كان يرفي إلى تكوين إمبراطورية بربرية جنوب البحر المتوسط. ومات مسينسا سنة 148 ق. م. وكان الزعيم البربري من بين أهم شخصيات تاريخ إفريقية عامة والبربر خاصة. الأمر الذي جعل بلاد البربر من جيد إلى نفوذ القوى الخارجية.
(1)
وبعد موته وزع مملكة مسينسا بين أبنائه الثلاثة، حسب مصلحة روما، خوفا
من وجود خليفة قوى من بعده يسير على دربه في توحيد بلاد البربر، وبالتالي إغلاق الأبواب الإفريقية أمام المصالح الرومانية.
وبعد موته بقليل وقعت تطورات خطيرة في تاريخ إفريقية، حيث سقطت قرطاج أمام روما بعد فترة طويلة من الصراع بينهما، وقررت روما سنة 146 ق. م تحويل قرطاجنة وممتلكاتها في الشمال الإفريقي وحوض البحر المتوسط إلى مقاطعة رومانية باسم المقاطعة الإفريقية أو Prarincia Africa ولاية إفريقية.
وعهدت روما إلى حكم إفريقية إلى قاض أو رتبة مساعد قنصل، ويعين لمدة سنة، ثم طور هذا المنصب بعد ذلك إلى درجة وال مثل بقية الولاة. وكان هذا الوالي مكلفا بالدفاع عن الحدود ضد البربر من البر والقراصنة من البحر، والمحافظة على الأمن الداخلي بواسطة جيوش يعين مجلس الشيوخ كل سنة عدد جنودها، ولكن هذا الوالي كان يستعين بالخلفاء من الإمارات الإفريقية المجاورة وقت الخطر.
(1) وهم: الأبن الأكبر " ميسبسا " الذي تولى الإدارة في العاصمة سيرته. والابن الثاني " غلوسة - الذي تولى قيادة الجيش. والأبن الثالث " مستنبعل " الذى تولى القضاء وبعد وفاة الأخوين غلوسة ومستنبعل انفرد ميسبسا بالحكم. وبدأت روما تلاحقه بالعديد من الالتزامات.
-1.8 - (1/109)
صفحة 110
وتحولت أراضي قرطاجنة وشمال إفريقية إلى أملاك رومانية. وكان على الرعايا الذين بقيت أملاكهم في حوزتهم بصفة وقتية أن يدفعوا ضريبة. وكان الوالى مهتما في المقام الأول بتأمين جمع الضرائب وتأمين أعمال رجال التجارة (1). ولذلك أهتم الرومان في إفريقية بالجوانب الإقتصادية أكثر من أهتماماتهم الفكرية والثقافية، حيث تركوا التأثيرات الحضارية القديمة بين البرير من الحضارة القرطاجية أو اليونانية أو الحضارة المصرية من قبل.
وتعرضت منطقة نوميديا وبلاد المغرب الأقصى، موريتانيا، لعدد كبير من الخلافات الداخلية والأطماع الخارجية، وأصبحت البلاد ساحة لتصفية حسابات الزعماء والشيوخ في روما، فتدهورت أحوال البلاد وفرضت روما سيطرتها على مساحات واسعة في الشمال الإفريقي. وحينما توجه قيصر إلى إفريقية في منتصف القرن الأول تمكن من السيطرة على مساحات واسعة. وبدأ ينظم البلاد من جديد. وقد تواصلت الهيمنة الرومانية على إفريقية، واستمر البربر في القيام بثورات ضد الرومان.
من أهم الثورات التي وقعت في إفريقية ضد الرومان ثورة البربر بقيادة " تكفاريناس Tacfacinas الذي تمكن من تنظيم صفوف البربر في زمن الأمبرطور الروماني تيبريوس. وتمكن هذا القائد البربري من دحر الجيوش الرومانية لمدة سبع سنوات. وكان مركزه منطقة نوميديا (الجزائر)، حيث استغل طاقات البربر وخلق منهم جيشا من الفرسان على غرار الجيوش الرومانية الجيدة التدريب. وأمتدت حركة تكفاريناس إلى الغرب حتى وصلت إلى بربر مورتانيا، وسيرته في الشرق، كما امتدت صوب جنوب حيث قبائل بدو البربر. وفي سنة 17 م هزم تكفاريناس أمام جيش روماني
(2)
وبعد هزيمته اضطر للإنسحاب صوب الصحراء في الجنوب ليعيد تنظيم صفوفه ويعاود الهجوم من جديد، واستمر في سياسته القائمه بالهجوم الخاطف والسريع ضد الرومان، فعجز الرومان عن إلقاء القبض على عدوهم. وفي النهاية ألقى القبض عليه أثناء حصار حصنه فرمى بنفسه وتخلص من الأسر ومات. وقد استغل الرومان اختفائه ليزحفوا بجيوشهم صوب الجنوب، وفى هذا التوجه الجديد صوب منطقة الشطوط دلالة على أهمية إفريقية للرومان. حيث بدأ الرومان في محاولة تأمين مستعمراتهم بها
(1) جوليان، المرجع السابق صص (154. (2) جوليان، المرجع السابق، ص 175
11.01 (1/110)
صفحة 111
واستغلال أراضيها.
كما نشبت ثورات عدة في منطقة مورتيانيا، في القرن الثاني الميلادي، اضطر الرومان إلى طلب النجدات من جيوشهم العاملة في سوريا ومصر واستمرت حالة القلاقل تسود افريقية حتى قدوم الوندال (1) لكن هذا لم يمنع قيام الرومان بمحاولة الاستفادة من أراضي المنطقة في الزراعة وكذلك في الوساطة التجارية بين محاصيل إفريقية وبين سلع إفريقية جنوب الصحراء من جهة وبين مراكز الإمبراطورية الرومانية في حوض البحر المتوسط وحققوا أرباحا طائلة من وراء تلك الوساطة. ولذلك لم يفرط الرومان فيها رغم الأطماع الخارجية والثورات الداخلية.
ثانيا: أكسوم قوة إفريقية في البحر الأحمر والمحيط الهندي. وعلى الجانب الشمالي الشرقي للقارة الإفريقية، وفى مواجهة حضارات الشرق الأدنى القديم العريقة، ظهرت أكسوم ممثلة لإفريقية بين قوى العالم القديم. حينما تمكنت فرض نفسها على الساحة الدولية وإيجاد موقع هام لها في مجال المنافسات العالمية
القديمة.
هي
ذلك أنه في القرن الرابع الميلادي شهدت في منطقة الحبشة مملكة إفريقية (2) مملكة أكسوم، بعد أن بدأت في الظهور من القرون الأولى للميلاد، وساعدتها الظروف
(3)
•
الإقتصادية والسياسية السيئة التي شهدتها منطقة جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر منذ القرن الأول للميلاد وحتى بداية القرن الرابع. فقد أدت الخلافات والصراعات الداخلية في اليمن منذ القرن الأول للميلاد إلى حدوث فراغ سياسي بها فمدت أكسوم نفوذها إلى اليمن وأصبحت طرفا في الصراع الداخلي، فقد تحالفت مع همدان ضدحمير حتى جاء الوقت لتفرض سيطرتها القوية على اليمن وتحولها إلى أحدى أقاليمها. (1) جوليان، المرجع نفسه، ص 180. (2) تشير كثير من الدراسات إلى أن أهل تلك المملكة يرجع أصولهم إلى عناصر عربية يمنية هاجرت من اليمن عبر باب المندب إلى منطقة الهضبة الحبشية وكونت لها إمارة هناك نمت فيا بعد لتصبح دولة أكسوم الحبشية. وبعض النظر عن ذلك فإن معظم العناصر العرقية في الحبشة ترجع إلى أصول سامية. لكننا نشير إلى أنها نمت وترعرت في أرض إفريقية. (3) بافقيه، تاريخ اليمن القديم، ص 197. طبعة بيروت سنة 1985
-1.7 - (1/111)
صفحة 112
وقبل أن ينتهى القرن الرابع الميلادي وقعت تطورات في العالم القديم، استفادت منها دولة الأحباش، فقد بدأت الديانة المسيحية تنتشر بين سكان وأقاليم البحر المتوسط والشرق الأدنى القديم، مما أدى إلى تخلى الناس عن العادات الوثنية وخاصة في مجال الدفن التي كانت تستهلك مقادير كبيرة من البخور واللبان، وهما من أهم سلع تجارة الشرق، (1) فانكست تجارة البخور واللبان وغيرها من السلع التي كانت في المعابد لأغراض العقائز الوثنية وفقدت منطقة جنوب الجزيرة العربية أهميتها في هذا المضمار، وتدهور أحوال مملكة شبوة وتيماء ومأرب وغيرها من المناطق التي كانت تستفيد من: التجارة، كما تدهورت منطقة ظفار، التي تعتمد بصورة كبيرة في إنتاج اللبان
وتصديره
(Y).
(1) قلعجي، المرجع السابق، ص 62.
تلك
(2) ارتبطت منطقة ظفار في جنوب عمان بانتاج اللبان منذ القدم. وقد أخفى أهل ظفار أن تكون بلادهم موطنا لانتاج اللبان حتى لا تتعرض بلادهم للغزو الخارجي، حيث شكل اللبان سلعة استراتيجية في العالم القديم. وينتج اللبان في ظفار من شجرة برية في منطقة الأودية الداخلية من ظفار ويتم ذلك بأن يجرح جسم الشجرة في عدة مواضع، حيث يبدأ سائله اللبان في النزول. وتسمى تلك العملية باسم التوقيع. وعمليات الجمع بأسم السعف. فالجمع الأول يسمى السعف الأول وهكذا، وأجود الأنواع منه هي التي يتم جمعها في المرات الثانية والثالثة. يتم تجميع اللبان في مراكز داخلية مثل واحة أندهور و مون، أو مواني ساحلية مثل ميناء سمهرام. ويبدأ تصديره. كما كانت هناك ممالك يمنية قامت من أجل خدمة تجارة اللبان مثل مملكة تيماء، شبوة، مأرب، حيث يمر منها قوافل تجارة اللبان إلى منطقة البحر الأحمر وبلاد الشام ع عبر الحجاز، والبحر المتوسط ومديناته
مثل اللبان أهمية عامة عند حضارات العالم القديم، فالبنسبة للفراعنة استخدموه في التحنيط، حيث عثر على كميات منه في مقبرة توت عنخ آمون، كما استخدموه في الطب والإستطباب وعند اليونان استخدم في المعابد وفي الطب والعلاج أيضا. كما أن الرومان استهلكوا كميات كبيرة منه في معابدهم وفي احتفالاتهم وفي عادات الدفن الوثنية، خاصة زمن الإمبراطور نيرون الذي استهلك كميات كبيرة أثناء دفن جثمان زوجته بوبايا. وإستخدم اللبان أيضا عند اليهود والنصارى لتطهير صفوف المسلمين. أما الإسلام فقد نهى عن استخدام عادات حرق اللبان والبخور في ا باعتبارها عادة وثنية، أى لم يجعلها عادة وقد استخدم الأطباء المسلمون اللبان في علاج كثير من الأمراض مثل الرب والتهاب الكلي والمفاصل وغير ذلك. أنظر: الغساني، عبدالقادر، ظفار أرض اللبان، ص 25 وما بعدها. حوراني، المرجع السابق، ص 90، ص 174.
المساجد
-1.1 - (1/112)
صفحة 113
(1)
في الوقت نفسه زادت شوكة المسيحين في الإمبراطورية الرومانية بعد إعلان ميلانو باعتبار المسيحية ديانة شرعية فوقعت اضرابات في الإسكندرية بين اليهود والثونيين والمسيحيين مما أدى إلى اضطراب أحوال تجارة البحر الأحمر، باعتبار الإسكندرية) أهم منافذ التجارة في البحر الأحمر في العصور القديمة منذ إنشائها على يد الإسكندر المقدوني، فتدهور أوضاع تجارة البحر الأحمر، وتحولت التجارة إلى مناطق أواسط آسيا إلى القسطنطنية عبر. فاس وآسيا الصغري. كما ترتب على قرار الإمبرطور الروماني قسطنطين نقل العاصمة الإمبراطورية من روما إلى القسطنطنية سنة 330 م، تحول طرق التجارة العالمية من البحر إلى الطريق البري: أواسط آسيا والأناضول إلى القسطنطنية، العاصمة الجديدة. حيث تعتبر تلك الطرق هي الأقرب في الإتصال بين القسطنطينية وبين تجارات الصين.
(2)
عبر
وبذلك انتكست تجارة المحيط الهندي، وتدهورت أحوال جنوب الجزيرة العربية
4
اقتصاديا وسياسيا في القرن الرابع الميلادي بصورة واضحة، الأمر الذي أدى إلى ازدياد نفوذ الأحباش في منطقة مدخل البحر الأحمر الجنوبي وفي منطقة جنوب الجزيرة العربية حيث استغلوا تلك الأوضاع السيئة وفرضوا سيطرتهم على اليمن وتطلعوا للتحرك شمالا لاستكمال السيطرة على الطرق التجارية البرية القديمة عبر الحجاز. كما أنهم أصبحوا سادة النشاط التجاري البحري في شمال المحيط الهندي، فقد اعتمدوا على حلفائهم من التجار العرب وخاصة أهل ظفار في جلب ما يحتاجونه من تجارة الهند والصين وجنوبي شرق آسيا التي يعتمد عليها شعوب ومدنيات البحر المتوسط خاصة في الجوانب الدينية والنواحي الطبية والإحتفالات العامة.
ومد الأحباش نفوذهم في تلك الفترة حتى حدود مصر شمالا (3) حيث فرضوا سيطرتهم على قبائل السودان الشرقي والبجة والجالا وغيرهم. . وعبر السودان الشرقي أمتد النفوذ الحبشي حتى وصل إلى السودان الغربي (4)، حيث ظهرت علاقات تجارية بين
(1) راجع عبدالحميد، رأفت، دكتور، الدولة والكنيسة، ج 1، ص 62 وما بعدها. (2) لوفران، تاريخ التجارة، ص 22
(3) حينما أسقطوا مملكة مروي النوبية في شمال بلاد السودان الشرقي.
(4) العارف، ممتاز، الأحباش بين مأرب وأكسوم،، ص 43 وما بعدها، بيروت، 1975.
-\.^- (1/113)
صفحة 114
مملكة أكسوم و
م وبين مملكة غانة الوثنية. وهو الأمر الذي يدل على أن مملكة أكسوم الحبشية فقلت أهم قوة سياسية وعسكرية في إفريقية وشمال المحيط الهندي الغربي وفي منطقة مدخل البحر الأحمر الجنوبي.
وبفضل الروابط العقائدية والتاريخية القديمة اعتمد الرومان في تلك الفترة على التحالف مع دولة أكسوم لتأمين وصول تجارة الهند والصين وشرقي إفريقية إليهم. وأصبح بذلك الأحباش امتدادا للنفوذ الروماني عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي وفي مياه المحيط الهندي، بل وفي داخل القارة الإفريقية، وهو الأمر الذي كان يحلم به الرومان منذ فترة طويلة (1).
وانتقلت حلبة الصراع الدولي من منطقة الهلال الخصيب وشرق البحر المتوسط إلى منطقة القرن الإفريقي وجنوب الجزيرة العربية ومدخل البحر الاحمر. ذلك أن الفرس باعتبارهم القوة الشرقية الأساسية المنافسة للرومان، كانوا قد تمكنوا من بسط سيطرتهم على الطرق التجارية العالمية من أجل احتكار تجارة العالم القديم التي تمر بأراضيهم أو بالقرب منهم. وظهرت تلك السياسة التجارية الإحتكاريه بوضوح في زمن الأسرة الساسانية التي ظهرت منذ سنة 225 (2)، وتمكنت من مد نفوذ الفرس إلى مناطق م جديدة بالقوقاز والأناضول بل وبسطوا سيطرتهم من جديد على سواحل الخليج العربي. ومن أجل اتمام سياسة إحتكار التجارة العالمية تطلع الفرس نحو البحر الأحمر
الغربية
(4)
باعتباره المنفذ التجاري على المحيط الهندي الذي لا يخضع لسيطرتهم
وبدأ الأحباش يقفون بالمرصاد لمحاولات الفرس التدخل في منطقة اليمن وجنوب البحر الأحمر وإفريقية، خاصة وإن الوجه العقائدى للصراع بينهما قد أضيف إلى الوجوه السياسية والإقتصادية بعد أن تحول ملوك أكسوم إلى المسيحية وتعصبوا لها. وظل البحر الأحمر وإفريقية تقدم للرومان وسكان البحر المتوسط حاجياتهم من سلع إفريقية والمحيط الهندي ولم يتأثروا بسياسة الإحتكار ضدهم. وتحرك التجار الرومان بحرية في
(1) العارف المرجع السابق، ص 44. (2) فخري، المرجع السابق، ص 261. (3) قلعجي، الخليج العربي، ص 45.
-1.9 - (1/114)
صفحة 115
موانئ البحر الأحمر وفي اليمن.
كان لمملكة أكسوم الإفريقية الحبشية أثرها في تاريخ الرومان وسياستهم في إفريقية من جهتين هما: -
الأولى: عدم تأثر الرومان بسياسة أعدائهم الفرس في احتكار طرق التجارة العالمية برية وبحرية، فاعتمدوا على الأحباش في القيام بهذا الدور
الثاني: بدأ الرومان في محاولات جديدة لاسترجاع نفوذهم القديم في البحر المتوسط والشرق الأدنى وشمال إفريقية. فمن القسطنطنية بدأ أباطرتها في إرسال جيوشهم وأساطيلهم نحو شمال إفريقية لطرد الوندال وغيرهم من الجماعات التي أسست لها نفوذا في إفريقية وجزر البحر المتوسط، بل أن الرومان بدأوا في إرسال السفارات والمراسلات إلى أدوليس لرسم استراتيجية حبشية رومانية في المنطقة لمد النفوذ الروماني وتدعيم النفوذ الحبشى في اليمن ضد الفرس. ولكن أحوال اليمن غير المستقرة أجلت هذه المشاريع في المنطقة (1).
هناك
فقد أدت مجريات الأحداث في اليمن إلى عكس التصور البيزنطي في تلك الفترة
حيث احتدمت الخلافات القبلية في اليمن ولم يتمكن الأحباش من توطيد مركزهم فيها كما أن أبرهة الذي تولى حكم اليمن للأحباش سنة 525 م، عمل على الإستقلال بشئون اليمن لنفسه وأصبح حاكمها المستقل، حيث وفدت إليه الرسل من الملوك والأباطرة. وكان أبرهة قد توترت العلاقات بينه وبين نجاشى الحبشة بسبب ممارساته في اليمن
رغم هزائم حمير أمام الأحباش وانتكاسة اليهود باليمن، فإن أهل اليمن قد تعرضوا في بعض الأحيان لمضايقات التجار الرومان أو القوافل التجارية المتجهة إليهم. وتذكر بعض الروايات أن أحد زعماء حمير قد أسر قافلة تجارية حبشية متجهة شمالا" نحو الروم وأمر بقتل أفرادها مما أدى إلى ارسال مساعدات عسكرية عاجلة من الإمبراطور زينون إلى الأحباش لتمكينهم من فرض سيطرتهم على منطقة اليمن وجنوب الجزيرة العربية، وظل اليمنيون يترقبون الظروف حتى تسمح لهم بشن محاولات لطرد التجار الرومان والأحباش من اليمن.
الناصري، المرجع السابق، ص 45 (1) جواد على المعضل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 3، ص 472 وما بعدها.
-11.- (1/115)
صفحة 116
وسياسات القمع والشدة ضد أهلها. لكن نجاشي الحبشة لم يتمكن إرسال قواته العسكرية إلى اليمن الحساسية أوضاعها الدولية.
وعلى أرض اليمن تأسست مملكة حبشية إفريقية، ذلك أن أبرهة استمر في ترسيخ أقدامه في اليمن وأمعن في الاستقلال عن نجاشي الحبشة، فتلقب بالقاب الملك التي كان يتلقب ملوك اليمن " ملك سبأوذي ريدان وحضرموت وغيت وأعرابها في النجاد وفي المنخفضات " واستهل هذه الألعاب بعبارة " يحول الرحمن ومسيحه ". وبدأ بالفعل في نشر مسيحيته بين أهل اليمن، فاشتهر ببناء الكنائس، وكان أشهرها كنيسة بناها من حجارة قصر بلقيس بمأرب، وجلب إليها الأخشاب والفضة والعاج من الهند وإفريقية. حتى أصبحت بهجة للناظرين، وموضوعا لروايات الإخباريين والرحالة (1).
ومن أرض اليمن حاول أبرهة تحقيق حلم الإسكندر القديم في ربط تجارة المحيط
(2)
الهندي بالبحر المتوسط مباشرة، وهو الحلم الذي لم يتمكن الإسكندر من تحقيقه بصورة نهائية لوفاته. فتوجه أبرهة إلى الحجاز على رأس حملة عسكرية كبيرة سنة 570 م (، حتى أن تلك الحملة روعت أهل مكة لما سمعوه عن أبرهة من قسوة
(4)
أو سنة 571 م) وظلم (3) لكن هذا الجيش منى بهزيمة قاسية، فعاد إلى اليمن، وبعد تلك الهزيمة بدأت الأحداث تتحرك في منطقة جنوب الجزيرة العربية واليمن ضد مصالح الأحباش.
بعد فشل محاولات اليمنيين الثورة والتخلص من الظلم الحبشي، بدأوا يفكرون في الاستعانة بقوة خارجية لمساعدتهم ضد الأحباش، وكان زعيم هذا الرأي هو الزعيم الحميري سيف بن ذي يزن الذي اكتسب شهرة عظيمة بين أهل اليمن منذ ذلك الوقت
(1) جواد على المرجع السابق، ص 490.
(2) حينما أرسل حملاته من الخليج العربي للالتفاف حول سواحل الجزيرة العربية إلى البحر الأحمر وإرساله حملات كذلك عبر نهر السند إلى المحيط الهندي.
(3) تاريخ الطبري، ج 2، ص 135.
(4) هناك تعليلات أخرى غير مقنعة لحملة الأحباش على مكة - أصحاب الفيل " منها قيام رجل عربي
بتدنيس الكنيسة التي بناها أبرهة في مأرب فأقسم الأخير على هدم الكعبة انتقاما لذلك
وقد عرف هذا العام باسم " عام الفيل" وقد ولد الرسول، صلى عليه وسلم، في هذا العام. انظر تفسير ابن كثير، ج 4، ص 548. تفسير القرطبي، جـ 2، ص 194.
-111 - (1/116)
صفحة 117
خاصة وأنه ينتمي إلى أشراف حمير، وله اتصالات مع الأمراء والملوك المجاورين.
(1)
•
وبالفعل بدأ سيف في التوجه إلى كسري طالبا العون لطرد الأحباش من بلاده
، فلقي الزعيم اليمني كل حفاوة وتكريم في البلاد الفارسي، فكانت زيارته وطلبه فرصة كان الفرس يبحثون عنها منذ القدم، تحقق تلك الحلم الفارسي القديم بالوصول إلى مياه
البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي. دخلت القوات الفارسية اليمن سنة 575 م.
بدأ الفرس في عمليات تحويل النشاط التجاري الإفريقي واليمن صوب فارس عبر مناطق ودروب شبه الجزيرة العربية أو السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، حتى أنهم جعلوا من ميناء صحار العماني (2) أهم مراكز التجارية البحرية قاطبة. كما أتخذ الفرس سلسلة من الإجراءات في اليمن لإحكام قبضتهم عليها، فقد أصبح وهرز قائد القوات الفارسية صاحب الكلمة العليا في البلاد، وتولى من بعده ابنه المرزبان بن وهرز، ومن
(1) من الروايات الشائعة عن المؤرخين والنسابة عن سبب لجوء سيف بن ذي يزن إلى الفرس الرواية التي تقول: أن أبرهة كان قد أنتزع ريحانة من زوجها أبي مرة وهو والد سيف، ففر زوجها إلى العراق، حيث التجأ إلى ملك الحيرة عمرو بن هند، وظل عنده بينما بقى سيف واسمه " معد:، يكر بن أبي مرة مع أمه عند أبرهة.
في الوقت نفسه تمكن أبرهة من التمكن من ريحانة فأنجب منها ولدا" سمى سنطورق وسماه العرب المسروق. ونشب حقد بين الأخوين. حيث بدأ معديكر في التفكير في الإنتقام من الأحباش وطردهم من البلاد. وأدرك منذ البداية صعوبة الاعتماد على القبائل العربية في تحقيق ذلك، وأهتدى إلى ضرورة البحث عن قوة عالمية تكون معادية للأحباش. وتجنب التوجه إلى الفرس الذين تقاعسوا عن نصرة والده في البداية. وكذلك لم يتوجه إلى الروم لصداقتهم مع الأحباش. وفي النهاية أدرك ضرورة التوجه صوب الفرس، وكان واسطة في ذلك النعمان بن المنذر ملك الحيرة الذي رتب له لقاء كسري في طيسفون. فوافق كسري على ذلك وأرسل قوة فارسية إلى اليمن بقيادة بقيادة وهرزن الكامجار. وتمكنت من تحقيق النصر على الأحباش وفرضت جزية عن أهل اليمن. البطري، ج 2، ص 134 وما بعدها. (2) ويلكنسون، صحار، تاريخ وحضارة، ص 5 وما بعدها، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة -
سلطنة عمان
- مونيك، كافران، مدينة صحار العالمية وعلاقتها بطريق الحرير البحرية، الندوة الدولية لطرق الحرير. جامعة السلطان قابوس، 1990 م.
- 112 – (1/117)
صفحة 118
بعده حفيده البنجان بن المرزبان، وأخيرا أصبح بازام، الذي عين من قبل كسرى حتى وصلت رسالة الإسلام إلى أهل اليمن
ورغم تلك الأحداث ظلت العلاقات الإفريقية اليمنية مستمرة، حيث ظل تجار اليمن وقريش وغيرهم من تجار العرب مرتبطين بالنشاط التجاري في موانئ البحر الأحمر الحبشية. وهو الأمر الذى أدى إلى الهجرة الأولى للمسلمين إلى الحبشة، حيث كان تجار العرب على علم بتلك النواحي، وكان ميناءي الجار والشعيبة بمنطقة الحجاز أهم موانئ ساحل البحر الأحمر الشرقي صلة بميناء عدول (أوليس (الحبشي وكان الأحباش بينهم وبين العرب مودة وتعاطف
ومع القرنين السادس والسابع الميلادين تعرضت أكسوم لعدة أخطار أدت إلى ضعفها وإنكماشها. ومن تلك الأخطار مايلي:
(1) زحف قبائل البجة من الشمال وتهديد تجارة أكسوم الحبشية مع قارة إفريقية يراء وقد هددت تلك القبائل الموانى والمدن والقرى الحبشية وعكرت صفو الأمن والإستقرار في البارد. وبذلك خسرت أكسوم مواردها الهامة من العاج والذهب، الذي يصلها عبر طرق ودروب برية مع إفريقية.
(2) الفوضى الداخلية: فقد بدأت قبائل عفر وساهو وغيرهما في التمرد على سلطة دولة أكسوم، فضاعت هيبة المملكة، وإنهارات قواها العسكرية وتشتت مواردها العسكرية والاقتصادية. فتحولت المدن والقرى المزدهرة إلى خراب وأنقاض وتحولت المزارع إلى أراضي قاحلة، وتلاشى مفهوم الدولة في تلك النواحى، وانقطعت صلة الأحباش بالعالم الخارجي، وبدأت القبائل المتمردة تشق البلاد من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. وإرتدت كثير من القبائل إلى الوثنية عن النصرانية، وكانت قبائل أجاو في مقدمتها، وهى قبائل صاحبة نقود وسطوة في الهضبة.
وانزوت أكسوم لتصبح فيما بعد قرية ومكانا مقدسا وذكرى عند الأحباش وتركت تلك الدولة آثارا عظيمة من كنائس ومسلات وقصور ومدن وغيرها (1). لقد كانت أكسوم نموذج للدولة الأفرو آسيوية في التاريخ القديم، ذلك أن معظم الدراسات الحديثة تشير إلى
(1) العارف، المرجع السابق، ص 59. (1/118)
صفحة 119
أصول تلك الدولة السامية، وأنها هجرة قديمة من اليمن إلى أراضي الهضبة الحبشية. بعد أن اشتهرت اليمن بهجراتها المستمرة في التاريخ القديم بسبب تغير أحوالها وأوضاعها من عصر لآخر. فقد نقل هؤلاء المهاجرون إلى أرض الحبشة إليهم " المقه" رب القمر عند السبئيين (1)، وكذلك قرص الشمس، وتفاعلت رموز الديانات العربية مع الديانات الإفريقية في البنية الحبشية. كما كانت لغة أكسوم مثل دينها، كمزيج من اللغات السامية العربية مع اللهجات الإفريقية، ومع مرور الزمن تطورت اللغات العربية في الحبشة، حتى أصبحت لغة أكسوم متميزة عن اللغات العربية وكذلك الإفريقية (2).
(2)
وإذا كانت أكسوم قد شاركت في حلبة المنافسات الدولية سياسيا فإنها ساهمت بدور في الصراع العقائدى الذي شهده العالم قديما، قبيل ظهور الإسلام. ذلك أن اليهودية كانت قد تمكنت من الانتشار بين قطاعات كبيرة من سكان اليمن وأصبح زعماء
تلك الديانة
(3)
"
منذ
زعيمهم أبوكرب أسعد كامل (385 -
4200 م)
حمير يعتنقون: وكانت تلك العقيدة اليهودية التي وصلت إلى اليمن تحمل حقدا دفينا ضد الرومان الذين نكلوا باليهود في أرض فلسطين مرتين الأولى سنة 70 م على يد الإمبراطور تيتوس والثانية سنة 132 م على يدها هادريان، الذي غير رسم أورشليم إلى اسم روماني هو
إليا.
وتحمس ملوك اليمن الحميريين لليهودية ضد المسيحية ووقفوا أمام أية محاولات لنشر المسيحية في بلادهم، حتى أصبح لليهودية نفوذها الكبير على يد ذونواس. وقد أدى ذلك إلى التعرض للمصالح الرومانية التجارية في منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية
ومدخل البحر الأحمر
في الجانب الإفريقي المقابل تحولت الحبشة إلى المسيحية منذ القرن الرابع الميلادي بحكم صلاتها القوية مع كنيسة الإسكندرية في مصر، كما وصلت المنطقة ارساليات
(1) جواد علي، المرجع السابق، ص 472.
(2) جواد علي، المرجع نفسه
، ص 485
(3) بافقيه، تاريخ اليمن القديم، ص 192. (4) جواد علي، المرجع السابق، ص 452.
-118 - (1/119)
صفحة 120
تبشيرية من بلاد الشام أيضا (1). وكان المبشر السكندري فر منتيوس هو أول من وصل الحبشة في سنة 330 م. وأصبح عيزنا أول ملك حبشي يعتنق المسيحية، وأنشأ هذا الملك كنيسة في بلاده وجعل عليها الأسقف السكندري فرمنتيوس، وقد أصبح هذا الأخير يحمل أسما عربيا هو " أبو سلامة " واستغل عيزانا نفوذه الكبير في إمبراطورية لنشر
المسيحية.
(2)
وكان أى إنحسار للنفوذ الحبشي من اليمن يعقبه موجة من القتل والإبادة الجماعية لنصارى اليمن وقد وقع ذلك في نجران على يد الملك الحميري ذونواس. ويبدو أن الزعيم اليمني كان يدرك الصلة بين أنتشار المسيحية وبين الرومان الذين أعانوا الأحباش على غزو بلاده. وظل هذا الصراع حتى ظهور الإسلام.
(1) توجه إلى الحبشة رهبان من طائفة السوريان "فرارا من خلافاتهم الرومان بعد أن رفضوا قرارات مجمع خلقدونية وأفسوس، وقد عمل هؤلاء الرهبان على نشر المسيحية بين الأفارقة.
(2) وهم الذين عرفوا في القرآن الكريم باسم " أصحاب الأحدود " وهناك روايات عديدة حول أعدادهم. ويبدو أنها كانت تمثل عمليات إبادة جماعية للنصاري في اليمن.
انظر: تفسير القرطبي، ج 19، ص 287.
تاريخ الطبري 230، ص 105.
11101 (1/120)
صفحة 121
(4)
تجارة إفريقية
شاركت إفريقية بدور هام في تجارة العالم القديم شرقه وغربه، حيث. تجارة المحيط الهندي من خلال منافذها الطويلة عليه من القرن الإفريقي حتى جنوب سفالة. كذلك ساهمت بدورها الهام في تجارة البحر المتوسط والشرق الأدنى.
وانتشرت السلع الإفريقية من الذهب والعاج والجلود والحديد والنحاس وغيرها من النباتات والحيوانات الإفريقية في مدن وموانئ العالم القديم، وأصبحت تهفو إليها نفوس العالم القديم. حيث كانت لتلك السلع أهمية عند سكان الهند القديمة حفل حضارة ها رابا وما هنجودارو بالسند وحضارات الفرس وحضارات بلاد الرافدين وغيرهم من حضارات الشرق الأدنى والبحر المتوسط (1). في المقابل لم تشكل الواردات الإفريقية سوى نسبة ضئيلة من اقتصادها، حيث كانت معظم مناطق إفريقية، باستثناء مصر وقرطاجنة، تعيش في مرحلة حضارية ترتبط بالأكتفاء الذاتي في أغلب الأحيان. وكانت
الموارد تفوق حاجة السكان.
وحرصت الأمم القديمة على الوصول إلى التجارة الإفريقية في منابعها الأصلية، ولذلك فقد سارع اليونان والعرب والفرس والفينيقيين بتأسيس مراكز تجارية لهم على سواحل إفريقية ومن خلال تلك الموانئ البحرية يتم تجميع السلع الإفريقية وإرسالها إلى بلادهم. وكانت الإسكندرية، المركز الحضاري اليوناني، أهم تلك المراكز في العصور القديمة، وكانت عملية إنشائها من قبل الإسكندر الأكبر تنم عن استراتيجية إفريقية مع أهداف يونانية في الشرق الأدنى. وبالفعل فقد ظلت الإسكندرية أهم مركز تجاري إفريقي على الإطلاق، وظلت لفترة طويلة في العصور القديمة تتحكم في عمليات تحديد أسعار السلع والمنتجات العالمية (2)، وأصبحت أهم مركز للتجار والمستثمرين في العصور القديمة وكانت قارة افريقية تمثل لها ظهيرا قاريا مستمرا
لوفران، تاريخ التجارة، ص 15.
بادي، تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 175
-117 - (1/121)
صفحة 122
(1)
ونظرا" للروابط التاريخية القديمة بين العرب وبين افريقية، وبحكم القرب الجغرافي كان العرب أكثر الأمم القديمة مشاركة في مجال التجارة الإفريقية، كما كانوا أنشط الأمم القديمة في تأسيس مراكز تجارية لهم على السواحل الإفريقية وعبر مناطقها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق وحتى الوسطه وكانت إفريقية تشكل لهم المجال الحيوي بصورة مستمرة،، حتى قدوم الإستعمار الغربي الذي سد تلك المنافذ أمام العرب وأثار حفيظة الأفارقة ضدهم.
(2)
فمنذ القرن السادس ق. م هاجر السبأيون إلى منطقة القرن الإفريقي المواجهة لبلادهم وأسسوا مراكز لهم على ساحل أرتيريا والحبشة سميت بأسم " تعزية " كما استقر الأوسانيون أيضا في منطقة أزانيا، التي تقع على الساحل الإفريقي المقابل لجزيرة بمبا وزنجبار، وتوغلوا بعد ذلك إلى الجنوب. وظل النفوذ العربي واضحا في منطق الساحل الشرقي لافريقية حتى! القرن الأول ق. م من سبأ وحتى حمير. كما تدل النقوش القديمة على هجرات مستمرة من قبائل سبئية وحميرية من اليمن إلى السواحل الإفريقية خاصة السواحل الأرتيرية والحبشية، وكانت أهم تلك الهجرات هجرات قبلية " الأجاعز " إلى مرتفعات أرتيريا. وتبع تلك الهجرة هجرات أخرى عربية سميت باسم " حبشات" وفي مناطقها ظهرت مملكة أكسوم الحبشية. وقد نقل العرب معهم تجربتهم الحضارية في مجال التجارة والملاحة والفلاحة والعمارة (3)
(4)
وتبع ذلك نجاح تلك الهجرات في استغلال إمكانيات إفريقية الزراعية والرعوية والطبيعية الأخرى، فقد نقلوا معهم أساليب التحكم في المياه وتنظيم استغلالها، كما آلات زراعية هامة مثل المحراث وغير ذلك، فأحدث ذلك انقلابا إقتصاديا في إفريقية وبدأت مناطق إفريقية تصدر حاصلاتها من مواثنها على ساحل البحر
نقلوا معهم!
(2)
الأحمر)
وكان عرب الخليج أيضا من أهم الأمم القديمة نشاطا بين إفريقية ومراكز العالم
(1) داندسون، بازل، إفريقية تحت أضواء جديدة، ص 224.
(2) العارف، أرتيريا بين احتلالين. ص 13.
(3) العزيز، حسين، موجز تاريخ العرب والإسلام، ص 58. (4) العارف، المرجع السابق، ص 14.
-117 - (1/122)
صفحة 123
الحضارية الأخرى، وقد ساعدهم على ذلك خبراتهم الملاحية الطويلة في مجال الإبحار ومعرفة مواقيت هبوب الرياح الموسمية التي تهب على شمال المحيط الهندي وكان لها أثرها الكبير في دفع السفن ذهابا وإيابا بين الخليج وبين سواحل المحيط الهندي صيفا وشتاء. كما ساعدهم أيضا موقعهم الهام بين حضارات العالم القديم من جهة وبين السواحل الإفريقية من جهة أخرى أى موقعهم بين مناطق العرض ومناطق الأستهلاك والطلب في الهند وفارس والعراق والشام (1)
(1)
(2)
فزادت رحلاتهم إلى سواحل افريقية منذ العصور القديمة، وأسسوا لهم مراكز تجارية هناك وتزعموا حركة التجارة بين إفريقية وبين سواحل المحيط الهندي الأخرى (2) ويذكر البعض عن وجود علاقات تجارية مباشرة بين أهل سومر وبابل وآشور وبين سواحل إفريقية الشرقية، حيث قام أهل تلك الحضارات برحلات مستمرة إلى إفريقية الشرقية، دلت على ذلك التنقيبات الآثرية، ووجود تشابه بين طراز البناء والعادات والمعتقدات وبين ما كان سائدا عند السومريين والآشوريين والبابلين، منها استخدام رسم القرن للدلالة على القوة والسيطرة (3).
ويمكننا أهم منافذ ومراكز التجارة الإفريقية في العصور القديمة، كما يلى: أولا: المنافذ والطرق الشمالية المطلة على البحر المتوسط:
(1) عنابة:
أهم المراكز التجارية لتصدير حاصلات منطقة نوميديا من صوب القمح والزيتون وكذلك المواد الأولية الأخرى مثل خشب السندورس العسلي ذو النواتيء الملتفة الجميلة الصالحة لصنع الموائد الممتازة. وكذلك تصدير الأحجار الكريمة والنباتات الطبية المستخدمة في صناعة العقاقير. وكان الرومان حريصون على جلب المرمر من نوميديا وأصبحت عنابة أهم مراكز تصدير حاصلات أقاليم غرب إفريقية، وهي منطقة نوميديا وإفريقية. ولذلك فقد تحولت من بلدية إلى مستعمره زمن أغسطس
(1) أبو العلا، محمد، موقع عمان الجغرافي وعلاقتها السكانية، ص 36.
(2)
Hollingswor the Ashort History of East Coast of Africa, London P : 10.
(3) النوري، تاريخ الإسلام في إفريقية جنوب الصحراء من القرن الرابع إلى العاشر الهجريين / 10 -
•
16 م، ص 64
-114 - (1/123)
صفحة 124
وقد أكتشفت آثار في منطقة الحجار بجنوب الجزائر، تدل على ازدهار العلاقات
التجارية بين الرومان وبين شعوب الصحراء الإفريقية وجنوبها. وترجع تلك الآثار إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، مما يدل على توغل النفوذ الروماني إلى داخل إفريقية وحرص الرومان على ضبط أحوال الأمن في نوميديا وإفريقية لتأمين وصول السلع الإفريقية إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط. ومن أجل ذلك فقد أهتم الرومان بأشغال الري وهندسة حفر الآبار ومقاومة التصمر والمحافظة على المراكز الصحراوية التجارية. وتشهد الآبار الرومانية والقنوات والصهاريج والأنابيب، التي عثر عليها حاليا، على ادراك الرومان لأهمية مراكز التجارة ومحطاتها
(1)
كما أهتم الأفارقة الذين سكنوا تلك المراكز بتجميل منازلهم ومدنهم، الأمر الذي يعكس مشاركة الأفارقة للعناصر الأجنبية في مجال التجارة، إذ كانوا يزينون منازلهم بالفسيفساء، كما ظهرت في تلك المواني الإفريقية مثل عنابة وغيرها قصور ومباني أرستقراطية لأثرياء الرومان المكلفين بإدارة المناطق، أو كبار المستثمرين الرومان.
(2) طرابلس:
كانت منطقة طرابلس أهم منافذ تجارة إفريقية الشمالية ولم ينافسها سوى قرطاجنة، وكانت طرابلس تقع على ساحل سيرتا، وتوجد بجوارها مراكز تجارية هامة أيضا مثل صبراته في المغرب، ولبدة في الشرق. ويدل وجود قوس النصر الروماني، ذو الأربع واجهات على أهمية تلك المدينة في العصر الزوماني. كما أكتشف رجال الآثار الإيطاليون كنائس ومعابد ومسارح في منطقة طرابلس وصبراته. وتم الكشف أيضا عن ميناء طرابلس وأرصفته.
(2)
وتدل الأعداد الكبيرة من الآبار والحمامات العامة على أهمية طرابلس الحضارية والتجارية في منطق شمال إفريقية، وأهميتها كذلك للمصالح الرومانية في القارة، حيث كانت ترتبط بمناطق إفريقية ومصر وإفريقية جنوب الصحراء عبر واحات تقع إلى الجنوب
منها
(4)
(1) چوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، ط 1، ص 205.
(2) جوليان، المرجع نفسه، ص 210.
(3) جوليان. المرجع السابق، ص 231. (4) جوليان، المرجع نفسه، ص 232.
-119 - (1/124)
صفحة 125
(3) صفاقس ميناء هام بالقرب من المهدية وقرطاجنة، ازدهرت في العصر الروماني وجعل منه تراجان مستعمرة ولقبها Tifera) إشارة إلى خصب أريافها، وكان لمينائها القديم ثلاثة أحواض، أحدهم داخلي، وكانت صفاقس تصدر إلى الرومان الكروم والزيتون
(1)
وغيرها من حاصلات المناطق القريبة منها.
(4) بنزرت:
ميناء هام الإفريقية على البحر المتوسط، ساعد على ازدهاره وجود خليج هادي
وجميل يحميهم من الرياح والتيارات البحرية. ولذلك فقد قصدتها سفن كثيرة في العصر الروماني من البحر المتوسط
(2)
(5) مدن وادي مجردة ووادي المليان:
ومن
أهمها مدينة حيدرة والكاف التي تسيطر على المواصلات البرية التي تربط بين أراضي نوميديا في الغرب وبين سواحل البحر المتوسط في الشمال .. . وكذلك بأراضي إفريقية من الشرق. وتحتل هذه المدن أهمية خاصة في تجارة الحبوب والزيوت والكروم. وتوجد كذلك في تلك المنطقة مدينة هنشير وهي التي أسسوا أغسطس وبلغت أوج ازدهارها بعد ذلك، وتوجد بها معابد وأسواق وحمامات كثيرة.
(6) سيرته وميناء القالة:
وكانت سيرته أهم المراكز الإدارية الرومانية في إفريقية، حيث أصبحت عاصمة المستعمرات الرومانية الأربع في شمال إفريقية نظرا لأهميتها. كما كان يقع إلى الجنوب منها عدة مراكز برية هامة كمركز لتجارة مناطقها منها خنشلة التي تشرف على الطرق المؤدية إلى الجنوب الصحراوي وتقع شرق جبال الأوراس. ومدينة لمباز وتيمتاد التي كانت تحتل الإشراف العسكرى على منطقة جنوب نوميديا، وأصبحت مدينة لقدماء الجند، ثم مدينة جميلة التي تقع وسط أراضي زراعية تغطيها سنابل القمح وتنتشر بها الغابات.
(1) جوليان، نفسه، ص 233. (2) لوفران، تاريخ التجارة، ص 15.
- 120 - (1/125)
صفحة 126
(7) شرشال: تقع على ساحل المغرب الأوسط وتزدحم بها الآثار. كدليل على أهميتها في العصر الروماني حيث كانت تتصل بالنجد النوميدي بسهولة ويسر إلى الجنوب منها. وكانت قريبة من موانئ الأندلس.
(8) موانيء نوميديا الأخرى مثل:
حيجلي، بجاية، ماتيفو، دلس، تبازة. وهى موانيء هامة لعبت أدوار في تجارة البحر المتوسط حسب أهمية المنطقة الخلفية منها واستقرار الأمن بها.
(9) طنجة:
أصبحت أهم المواني الغربية في إفريقية الشمالية زمن الإمبرطور كلوديوس وأصبحت عاصمة لإحدى الفترات. حيث تربطها بداخل مراكش، بطرق إلى مدن بسلا ووليلي حيث السهول الغنية بالزراعة التي يحتلها الرومان (1). وقد دلت الآثار على ازدهارها منذ القرن الخامس قبل الميلاد، أي قبل الاحتلال الروماني، أي منذ النفوذ القرطاجني بالمنطقة وكذلك النفوذ اليوناني.
ثانيا: الطرق الدروب الشمالية الإفريقية:
وهي الطرق التي سيطرت عليها الإدارات المصرية في العصر الفرعوني والبطلمي وربطت مصر ومنطقة الشرق الأدنى بإفريقية الشمالية والوسطى والشرقية. وهذه الطرق
هي:
i
(1) الطرق والدروب الصحراوية:
-
درب الأربعين:
ويمثل أهم خطوط التجارة الإفريقية وأنشطها بين الشمال وبين الوسط، على الإطلاق، حيث يمثل الطريق الهام بين سكان شمال وادي النيل في مصر وبين منطقة بلاد السودان الشرقي والأوسط والغربي كذلك، فيبدأ شمالا من منف أو المراكز المصرية الشمالية ثم ينحرف عبر خط الواحات المصرية الموازية لنهر النيل في صحراء مصر الغربية حتى يصل إلى جنوب الواحات ثم يتجه اتجاها جنوبيا غربيا إلى القرب من مرتفعات.
(1) جوليان، المرجع السابق، ص 237.
•
- 121 - (1/126)
صفحة 127
تبيستي، أو يهبط مباشرة على دارفوز وكردفان (1). ويستكمل رحلته صوب الشرق عبر واحة تشاد. ازدهر هذا الدرب زمن الفراعنة. والبطالمة، واعتمدت عليه الإدارات المصرية القديمة في جلب سلع وتجارات السوان من الذهب والعاج والرقيق والجلود وغيرهم. كما كان هذا الطريق يمثل أهمية خاصة لحركة القبائل العربية التي هبطت من مصر إلى السودان. وقد اتصل بهذا الطريق عدة طرق فرعية منها ما يتصل بموانئ نهرية على وادى النيل أو مدن مصرية في الصعيد المصري مثل خط قوص. أو يتصل شمالا بخط سيوة الصحراوى المتجه للصحراء الليبية صوب الغرب وقد ساعد على ازدهار هذا الطريق وجود آبار ومياه جوفية وواحات وفرت الأمن للرحلة الطويلة. وقد تعرض بعض الأحيان لغارات الليبين قديما
ب - الطرق الموازية لنهر النيل:
(2)
وهي الطرق التي كانت تلتزم برحلتها مع نهر النيل على ضفتيه الشرقية أو الغربية، وفى بعض المناطق تستخدم السفن النهرية. وتمثل أهميته لتبادل السلع داخل منطقة وادى النيل ويتفرع من هذا الطريق عدة طرق نحو سواحل البحر الأحمر الإفريقية عبر صحراء مصر الشرقية عند عيذاب أو برنسيس أو القصير، كما يتفرع منه طريق وادي العلاقي الذي أعتمد عليه الفراعنة في التوجه صوب البحر الأحمر فترة طويلة في تأمين تجارة الذهب. القادمة عبر لبحر الأحمر أو صحراء مصر الشرقية.
(3)
وقد تعرضت الطرق التي تخترق صحراء مصر الشرقية لاعتداءات مستمرة من قبل
القبائل التي تسكن عليها أو بالقرب منها خاصة قبائل البجة، مما دفع فراعنة مصر منذ زمن بيبي الثاني إلى إنشاء مراكز مستمرة لمراقبته. وقامت الأسرة الثانية عشرة الفرعونية بحفر قناة، عند الشلال الأول لتسيير الملاحة والتجارة إلى البحر الأحمر. كما أنشأت إدارة حكومية للإشراف على منطقة الشلالات وحتى النوبة. ويبدو أن انتشار الحضارة الفرعونية عند أهل النوبة وازدهار المنطقة حضاريا بعد ذلك ساعد على ازدهار
تلك الطرق التجارية.
Muller J, the Spice Trade of the Roman Empire, P: 42.
(1)
(2) فخري، المرجع السابق، ص: 37. (3) عوض، الشعوب والسلالات الإفريقية، ص 298.
- 122 - (1/127)
صفحة 128
وظلت قبائل البجة (1) القوية المنتشرة انتشارا واسعا في صحراء البحر الأحمر وهضابه من حدود أرتيريا وحتى شمال البحر الأحمر في صحراء مصر. هي صمام الأمن لتلك الطرق حيث خضعت مواني طوكر وسواكن وبورسودان و دنجوناب وعيذاب بصورة مستمرة لنفوذهم، وكذلك منطقة وادي العلاقي حيث ترتبط تلك المناطق بظروف طبيعية صعبة، بالإضافة إلى فقرها، ومهارة أفراد البجة في ركوب الإبل ودرايتهم بدروب الصحراء والمنطقة، خاصة وأنهم يعتبرون تلك المناطق مجالهم الحيوي ولا يسلمون بأي سلطة أخرى فيها بسهولة.
(2)
واحتلت مسألة البجة حيزا في سياسة الفراعنة. وكذلك في ا العصر البطلمي الذي زاد اعتماده على تجارة البحر الأحمر، وأنشأ عدة موانى، أصبحت معظمها تحت رحمة البجة، خاصة أن البطالمة اعتمدوا في جلب الفيلة من إفريقية برا وبحرا، وظلت تلك المشكلة في ا العصر الروماني، خاصة وأن البجة ظلوا على وثنيتهم، وشكلوا عائقا بين المصالح الرومانية في مصر والمصالح الرومانية في جنوب البحر الأحمر والحبشة، حيث دولة أكسوم حليفتهم، عدا بعض الجماعات القليلة منهم التي خدمت قوافل التجارة
ج - الدروب والطرق البرية عبر صحراء مصر الشرقية:
(3)
وهى الدروب والطرق التي خضعت لاعتداءات جماعات البدو، حيث كانت قوافل التجارة تحمل سلعا غالية الثمن من الهند وشرق إفريقية مثل العاج والبخور والتوابل
(1) تمتد مواطن البجة قديما على طول سواحل البحر الأحمر شرقا ونهر عطبرة ثم النيل الأكبر غربا. ومن المنحدرات الشمالية للهضبة الحبشية في الجنوب إلى نهاية الثلث الأول من النيل داخل الأراضي المصرية عند حدود قنا تقريبا. وهى منطقة كبيرة المساحة متنوعة التضاريس من جبال وهضاب وسهول وصحاري. وهم ينقسمون إلى أربعة أقسام، لكل منها زعيم يسمى ناظر وهم: البشاريون في الشمال ذات البيئة الفقيرة. الأمرار في اتجاه بورسودان. ثم الهدندوة من سواكن حتى سنار في أراضي السودان. وأخيرا تشكل جماعة بني عامر المجموعة الرابعة منهم وتمتد أوطانها من طوكر إلى داخل حدود دولة أرتيريا. ولغة البجة لغة حامية وهى المسماة البتداوي. وإن كان أكثرهم يتحدث
العربية.
انظر: عوض، الضعوب والسلالات الإفريقية، من ص 246 وما بعدها.
(2) عرفوا عند المصريين القدماء بأسم المازوي أو الماجوي.
(3) عوض، المرجع السابق، ص 251.
- 123 – (1/128)
صفحة 129
والطيب واللبان وكانت تلك المناطق تمثل حاجزا بين وصول تلك السلع وبين مناطق الكثافة السكانية في دلتا النيل، وبدأ التفكير منذ البداية في إنشاء قناة، خاصة زمن الإمبراطور الروماني تراجان (1).
- J
موانئ البحر الأحمر الإفريقية: (1) ميناء برنيکي
وهو الميناء الرئيسي لتجارة البطالمة على البحر الأحمر، حيث كان قريبا من الموانيء
(2)
العربية المقابلة له وقد أسسه بطيموس الثاني وسماه باسم والدته. ويصل بين هذا الميناء وبين قفط طريق برى مجهز بمحطات القوافل، حيث يبعد عنها مسافة 12 يوما وقد جذب هذا الميناء التجار العرب من ميناء لويكي كوما على الساحل الزبي.
(2) ميناء بطولومايس " جزيرة الريح "
(4)
(3)
أصبح المركز الرئيسي لتجميع الفيلة الإفريقية قبل إرسالها إلى مراكز التدريب في مصر عند منف. كما يوجد بالقرب منه ميناء القصير الذي ازدهر فترة في العصر الفرعوني لارتباطه بوادى العلاقي من خلال عدة دروب صحراوية تعتبر ا آمنة (5)
(3) ميناء ميوس هورموس:
ورد في كتاب " الطواف حول البحر الأرتيري ((6) وازدهر هذا الميناء في العصر البطلمي. ويقع شمال البحر الأحمر. وعرف باسم ميناء أفروديت بينه وبين ميناء السويس الحالي حوالي 300 ميل تقريبا. وقد استخدمه اليوجاليوس عند عودته من حملته إلى مصر. بينه وبين قنا على النيل حوالى شهر عبر صحراء مصر الشرقية. كما
(1)
Worth C. the Trade and Commerc of tehe Roman Empire, P: 31.
(2) النعيم، نورة، الوضع الإقتصادي في الجزيرة العربية، ص 261.
(3) الناصري، المرجع السابق، ص 31.
(4) اعتمد البطالمة في تحديث جيوشهم على الفيلة الإفريقية ولذلك فقد استوردوا كميات كبيرة منها برا
وبحرا لمنافسة جيوش منافسيهم من السلوفيين الذين اعتمدوا على الفيلة الهندية.
(5) فخرى، المرجع السابق، ص 133
(6) الناصري، المرجع السابق.
اص
32
-
124 (1/129)
صفحة 130
ارتبط بطريق آخر يتجه جنوبا إلى قفط بجنوب مصر
(4) عدول " أدوليس "
(1)
أشهر ميناء على البحر الأحمر حتى ظهور الإسلام (2)، وأشتهر هذا الميناء في العصر البطلمي. وأصبح ميناء إفريقية علي مدخل البحر الأحمر والمحيط الهندي. كما كان مركزا للتجار من الحجاز واليمن والخليج العربي وغيرها. حتى أصبح مركز تجارة العرب والأفارقة والهنود والمصريين واليونان ثم الرومان. كما كان مركزا لتجميع سلع إفريقية من العاج والجلود والذهب والرقيق. ارتبطت سمعة هذا الميناء عالميا بظهور مملكة أكسوم كقوة عالمية في القرون الأولى للميلاد، بحيث انتقلت إليه أهمية الموانئ العربية الآسيوية على الجانب الآخر من الجزيرة العربية.
ونظرا لتعرض منطقة مدخل البحر الأحمر لهجمات القراصنة الذين كانوا يتركزون أحيانا في جزيرة سوقطري أو مواقع في المحيط الهندي، فإن حكام أكسوم كانوا يجردون منه الحملات المستمرة ضد القراصنة الذين يهدون الملاحة في البحر الأحمر. ولذلك فقد قصده الكثير من التجار لحمايته من القراصنة (3)
(5) أفيالتس:
ميناء يقع عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي، ارتبط بتوفر السلع الإفريقية والسلع الهندية والعربية فيه.
وبالإضافة إلى تلك الموانئ الإفريقية على البحر الأحمر وجدت موانيء على الساحل الشرقي من البحر الأحمر في الجانب الأسيوي وارتبطت بتجارة إفريقية ومنها:
(1) النعيم، المرجع السابق، ص 261.
(2) يقول الشاعر طرقه بن العبد في معلقته.
كأن حدوج المالكية غدوة
:
خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية أو من سفين بن يامن ...
يجور بها الملاح طورا ويهتدى
(3) حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 77، 94
11401 (1/130)
صفحة 131
أ - ميناء ليكى كومي:
وهو ميناء صغير ترسو به السفن الشراعية الصغيرة التي تفرغ حمولتها في الميناء لتحمل على ظهور الإبل إلى الطريق البرى عبر الحجاز. وازدهر فترة في العصر الروماني حينما تمكن الإمبراطور تراجان من تأمين تجارته على الطرق البرية والبحرية عبر البحر الأحمر وشرق شبه الجزيرة العربية للوصول إلى المحيط الهندي.
الشمال
ب - ميناء الجار:
وهو ميناء يقع على ساحل البحر الأحمر القريب من الحجاز. أصبح ميناء المدينة. وهو قريب من ميناء ينبع الحالي. كان بينه وبين المدينة سفر ليلة. وبينه وبين أيلة في عشر محطات. ورغم صعوبة الظروف في الميناء إلا أنه كان مدخلا لدخول بضاعة مصر والحبشة إلى المدينة. نزل به المسلمون المهاجرون حينما عادوا من الحبشة سنة 7 هـ. وظل هذا الميناء مزدهرا طوال عصر الخلفاء الراشدين، خاصة بعد فتح مصر زمن عمر بن الخطاب. حيث كانت ترسو به السفن القادمة من مصر. استقر به طوائف من التجار من العرب وغيرهم. لكنه أهمل في العصر الأموى وبعد ذلك، حيث انتقلت مراكز الخلافة الإسلامية إلى مناطق أخرى (1).
ج - ميناء الشعيبة:
(2)
هو ميناء مكة على البحر الأحمر. ومنه بدأت رحلة المهاجرون المسلمون إلى الحبشة بعد أن أشتد أذى كفار قريش ضدهم. وظلت للميناء أهمية حتى أنشأ ميناء جده في خلافة عثمان بن عفان، فتدهورت أهمية ميناء الشعيبة.
ومن الملاحظ أن تلك الموانئ التي تقع على السواحل الشرقية أو الغربية للبحر الأحمر، في العصور القديمة، مثلت أهم فترات تجارة البحر الأحمر، ولم تظهر في البحر الأحمر حركة ملاحية فيما بعد تضاهى تلك الفترة لانتقال مركز الأحداث إلى البحر
المتوسط أو الخليج العربي فيما بعد
(3)
Schoff, Notes to Periplus, P: 103.
(1)
(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 5.
-177 -
(3) الناصري، المرجع السابق، ص 35. (1/131)
صفحة 132
ثالثا: الطرق والدروب عبر الصحراء الكبرى إلى بلاد السودان:
(1) طريق غرب مصر حتى ولاته في السودان الغربي.
يبدأ هذا الطريق من صحراء مصر الغربية عبر درب الأربعين، ثم يتجه صوب الغرب عبر مرتفعات تبستي جنوب ليبيا، مخترقا الواحات التي تقع جنوب الصحراء الكبرى. ويمثل هذا الطريق البديل لطريق الشمال الإفريقي الصحراوي، وبعيدا عن
الإضطرابات والقلاقل التي يتعرض لها هذا الطريق الشمالي ((1) ويتصف هذا الطريق الصحراوي بطوله، حتى أنه يعتبر أطول الطرق الإفريقية على الإطلاق. ولكنه يمر على سلسلة عديدة من الواحات التي تتوفر فيها الماء. ويصل حتى ولاته في الشمال الغربي لبلاد السودان الغربي وقد وجدت آثار في منطقة شمال بحيرة تشاد تشير إلى تأثيرات للحضارة الفرعونية في تلك الأنحاء.
وجود
(2)
(2) طريق شمال الصحراء الإفريقية الكبرى:
يبدأ من غرب مصر حيث واحة سيوة ويتصل بواحات ليبيا وهي الكفرة وفزان وإلى الغوط وتوات وتفازة (3) وقد يتفرع إلى عدة أفرع. صوب الشمال، حيث يدخل برقة وطرابلس وسجلماسة وغيرها من مراكز الشمال الإفريقي على البحر المتوسط.
(4)
(3) طرق الصحراء الليبية إلى بحيرة تشاد ودارفور جنوبا:
ويبدأ من الشمال الإفريقي ويتجه جنوبا صوب الكفرة أو مرزوق وواحة أير ويصل
(1) الزياتي، وصف إفريقية، ص 41.
(2) العمري، ابن فضل الله، مسالك الأبصار، ص 66.
(3) عوض، المرجع السابق، ص
365
(4) بحيرة تشاد تمثل منخفضا داخل القارة الإفريقية، تتكون ترتبها من التربة الخصبة، حيث يصب فيها العديد من الأودية من المرتفعات الإفريقية المحيطة بها، مثل نهر شاري والأنهار الأخرى. ونسبة التبخر فيها عالية. وظهرت أهمية تلك البحيرة في أنها توفر المياه اللازمة للجماعات الإفريقية التي تعيش حولها منذ القدم. كما أن طرق الوصول إليها يسيرة بسبب الأودية التي تؤدى إليها. وأصبحت منطقة بحيرة تشاد تمثل مركزا حضاريا هاما ومركز لقاء بين العرب والبربر والزنوج. أبو عيانة، الجغرافية الإقليمية، ص 484.
انظر
-:
إبراهيم
، محمد، إفريقيا من السنغال إلى نهر جوبا، القاهرة، ص 47.
- 127 - (1/132)
صفحة 133
إلى مرتفعات تبستى التي يتوفر بها المياه الجوفية، حتى يصل إلى منطقة بحيرة تشاد أو يتجه شرقا صوب منطقة كردفان ودارفور حيث يلتقى بدرب الأربعين القادم من الصحراء المصرية.
(3) طريق نوميديا حتى مالي:
ويبدأ من المراكز التجارية والحضارية في منطقة الجزائر، حاليا، ويتجه جنوبا عبر الصحراء الكبرى مارا بتوات وتفازه حتى يصل إلى ولاته ويتجه إما إلى تمبكتو أو إلى أو دغشت وكان هذا الطريق أقصر الطرق الصحراوية إلى بلاد السودان الغربي والتي
(1)
(2)
أشتهرت بانتاج الذهب وجلب العبيد للرومان ومن قبلهم لليونان والفينيقيين (2).
:
(4) الطريق الغربي الموازي لسواحل المحيط الأطلسي: ويبدأ من طنجة ومراكز المغرب الأقصي الشمالية وينحدر جنوبا حتى يصل إلى
(4)
(3)
باغمات ثم يصل ألى أودغشت عبر وادى درعة. وقد ازدهر هذا الطريق بفضل اهتمام القرطاجانيين به لإكتشاف سواحل المحيط الأطلسي.
(0)
(5) طرق السودان الشرقي: وهي الطرق التي تبدأ من موانيء البحر الأحمر أو روافد النيل وتتجه صوب الغرب إلى منطقة دارفور وكردفان وقد سلكتها قبائل عربية عديدة قبل الإسلام وبعده. من خلال تدفقها عبر البحر الأحمر أوباب المندب صوب الساحل الإفريقي. ومازالت معظم قبائل السودان الشرقي والسودان الأوسط ترتبط بأنسابها القديمة إلى الحميريين خاصة إلى سيف بن ذي يزن. الأمر الذي يدل على أن هناك طرق تجارية نشطة: باب المندب عبر والهضبة الحبشية أو ساحل أرتيريا. ثم:. روافد النيل وتتجه غربا صوب منطقة تشاد
(1)
تعبر
(1) قداح، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في إفريقية الغربية، ص 140.
(2) ابراهيم، المرجع السابق، ص 71.
(3) الزياتي، المرجع السابق، ص 41.
(4) قداح، المرجع السابق، ص 140.
(5) نوري، المرجع السابق، ص 136. (6) عوض، الشعوب والسلالات، ص 316.
- 128 - (1/133)
صفحة 134
أودارفور وكردفان. وقد ساهم هذا الطريق منذ القدم بتغذية إفريقية حينما تغيرت الظروف المناخية في شبه الجزيرة العربية.
امية
ويتضح في محطات تلك الطرق اختلاط واضح في الأعراق، حيث تم امتزاج دماء الساميين والحاميين والزنوج واليونان والقرطاجانيين والرومان وغيرهم من الأمم التي ساهمت واتصلت بالتجارة الإفريقية. ومازالت آثار هذا الإختلاط واضحا في العصور الحالية كما يلاحظ الباحثون.
رابعا: الموانئ الإفريقية على الساحل الشرقي للقارة:
وهي من الجنوب إلى الشمال كما يلي:
(1) مدغشقر " مالاجاشي حاليا "
أصبحت جزيرة مدغشقر أو قنبلو (1) محطة تجارية هامة للسفن العربية خاصة المتجهة إلى سواحل إفريقية الشرقية، وأستقرت بها منذ البداية جاليات عربية وآسيوية مما جعل البعض يطلق عليها اسم " شبه القارة الأفروآسيوية (2). حيث تتنوع أصول سكانها ولهجاتهم وثقاتهم، فهم أمم مختلفوا الأشكال. (3) فهم يرجعون إلي أصول
عربية وهندية وزنجية
(1) جزيرة كبيرة تقع إلى الجنوب الشرقي من إفريقية في مياه المحيط الهندي. وهي دولة مستقلة حاليا، عاصمتها تاتاريف، يفصلها عن اليابس الإفريقي مضيق يسمى مضيق موزمبيق بعرض حوالي 400 كم. ومساحتها 857,000 كم 2، استقلت عن فرنسا سنة 1960. م، تمتد على شكل
.
مستطيل من الشمال إلى الجنوب، وأقصى طول لها حوالى 1600 كم، وأعظم إتساع لها 600 كم. وأهم قبائلها: التانالا، الأنتانكارانا، الساكالانا، والهوفا، والانتيمورونا، ويبدو تأثير الوجود العربي في المجموعة الأخيرة.
انظر: -. نجم الدين، أحمد، افريقية جنوب الصحراء، ص 219.
-
أبو عيانة، الجغرافية الإقليمية، ص 596 – 603.
(2) أبوعيانة، المرجع نفسه، ص 597.
(3) المسعودى، أخبار الزمان، ص 59، طبعة بيروت دافدسون، إفريقية تحت أضواء جديدة، ص 244،
- 129 (1/134)
صفحة 135
(1)
وتدل الآثار المكتشفة على أن السفن العربية قد وصلت تلك الجزر منذ العصور القديمة خاصة سفن أهل اليمن وعمان. ويبدوا أن تطور الظروف السياسية في منطقة الخليج العربي قد أدت إلى هجرات مستمرة لجاليات عربية من المنطقة إلى جزيرة. كما أن تدهور الظروف الإقتصادية والأمنية في منطقة اليمن وجنوب الجزيرة العربية أدت إلى هجرات يمنية مستمرة إلى منطقة مدغشقر. فقد وفدت إليها أعداد كبيرة من منطقة صلالة، التي تقع جنوب عمان، بحيث أنهم سموا مدينتهم الجديدة بأسم " سالالا " تينما بأسم صلالة العمانية الأولى، ويدعى البعض بأن مدينة
مدغشقر
مسلج الواقعة على خليج بويني في مدغشقر، هى تحريف الإسم مسقط العمانية أيضا
•
وقد لاحظ المسعودي خلال رحلاته لتلك الجزيرة سنة 304 هـ / 916 م في مركب سيرافي أن هناك نشاطا مزدهرا للسفن العربية في المنطقة، خاصة سفن أهل عمان التي توجد بأعداد كبيرة. كما أشار إلى نشاط سفن أهل سيراف أيضا، بينما أغلبية أهلها کانوا وثنيون من الزنوج.
(2)
ورغم الظروف الصعبة القاسية التى تواجه السفينة التجارية المتجهة إلى مدغشقر من قسوة الأحوال المناخية والحرارة العالية والأمطار الغزيزة والأمواج العالية العاتية. الذي يقول عنها المسعودي " موجه عظيم كالجبال الشواهق وموجه لاينكسر" (3) لكن السفن اتجهت إليها لجلب سلعها الهامة. (4)
(2) جزر القمر: " الكومور "
" (0)
عبارة عن أرخبيل من الجزر البركانية بين أقصى الحافة الشرقية لافريقيا والساحل
(1) المسعودي، المصدر نفسه.
(2) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 107
(3) آورد المسعودي في ذلك شعرا
بربري وجفوني .. وموجك المجنون
جفوني وبربري: وموجها كما ترى.
(4) حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 123.
(5) مساحتها 236 2 كم 2 863) ميل (2). العربي، العدد 433، ص 39 وما بعدها.
- 130 - (1/135)
صفحة 136
الغربي لجزيرة مدغشقر. تقع في مضيق موزمبيق وتضم جزر رئيسية هي: هنزوان (انجوان) وأشهر مدنها متسمودو، وهي أكبر الجزر في الأرخبيل مساحة والثانية سكانا في الوقت الحاضر.
-
المجاريجة (القمر الكبرى (وأشهر مدنها موروني (العاصمة الحالية) وإيكوني
و ميسا ميهولى. وبها النشاط السياسي في الوقت الحاضر.
-
مايوته (ماهوري أومايوت (أقرب الجزر إلى مدغشقر، وأرضها خصبة وكانت مركز للبلاد والنشاط الإقتصادي.
- موالي (مهيلى أو الجزيرة الخضراء أصغر الجزر مساحة وأقلها سكانا وأهم
مدنها خمبوني.
وقد وفد إلى تلك الجزر عناصر من أجناس شتى من العرب وجنوب شرقي آسيا والهند بغرض التجارة. ويقال أن أول من وصل إليها وقد من الحبش الماليزي، ثم وصل العرب وحدث اختلاط بين تلك الأعراق فنتج عن ذلك ما يعرف بالجنس القوموري الحالي. وقد نزلها العرب قبل الإسلام بدليل ظهور كتابات عن وجود عربي بها بكثرة في بداية عصر الإسلام)، كما كان سكانها على صلات قوية بالتجار العرب في منطقة الساحل الشرقي لافريقية.
(1)
(3) سفالة الزنج " سوفالا "
ظلت منطقة سفالة التي تقع عند نهر الزمبيزي (2)، آخر المحطات الهامة للرحلات التجارية التي تصل إليها السفن التجارية القادمة من منطقة اليمن وعمان والخليج العربي ذلك إلى عوامل مناخية، حيث يميل المناخ إلى التغير بشكل يختلف المنطقة العربية أو منطقة شمال المحيط الهندي التي يتركز فيها النشاط التجاري
وغيرها. ويرجع عن
(3)
(1) المسعودي، خروج الذهب، ج 1، ص 123/ 122
(2) حوراني، المرجع السابق، ص 129. (3) الحويري، ساحل شرق إفريقية، ص 122.
—
131 - (1/136)
صفحة 137
وحركة التجار. كما أن المنطقة التي تقع إلى الجنوب منها خالية تقريبا من السكان. ولم تعمر إلا في العصور الحديثة على يد عناصر البوير الأوروبية التي شكلت عنصرا من عناصر دولة جنوب إفريقية الحالية.
و ارتبطت تلك المحطة الإفريقية التجارية بتجارة الذهب منذ العصور القديمة، ولعلها كانت ضمن مراكز الحضارة قديمة في تلك المنطقة، وأصبحت منفذ تلك الحضارة على العالم الخارجي. ولذلك كانت مقصدا للسفن التجارية العربية منذ العصور القديمة وحتى بداية العصور الإسلامية " وغاية مقاصد السفن القادمة من عمان وسيراف وينتهي بحر
(1) m
(2)
الزنج في بلاد سفالة وفي بلاد الواق واق، وهى بلاد تنتج التبر بكثرة ومناخها دافيء وتربتها خصبة. وقد تعددت شهرة سفالة بالذهب النقي عند البيروني والإدريسي وياقوت الحموي وغيرهم.
وبجانب الذهب الذي ارتبطت به سفالة على ساحل المحيط الهندي، فإنها اشتهرت أيضا بتصدير خام الحديد وبكثرة. وشكل هذا الخام أهمية خاصة لحضارات المحيط الهندي خاصة الهند وبلاد الرافدين في العصور القديمة، وهى حضارات كانت قد بلغت مستوى هام من التقدم التقنى وينقصها عناصر من المواد الخام. وبذلك اعتمدت صناعة الحديد الهندية في العصور القديمة والوسطى على حديد سفالة بالدرجة الأولى من خلال التجار العرب وأهل الخليج العربي)
(3)
كانت الطريقة المتبعة عن عمليات التبادل التجاري بين ذهب أهل سفالة وبين سلع التجار من أقمشة وعملات وغير ذلك، تتم عن طريق المقايضة بما يعرف باسم "
(4)
(1) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 125.
(2)
Foge, A History of Africa, P: 125.
(3) يبدو أن أهلها كانوا يعيشون في مرحلة إكتفاء ذاتى، ولم تظهر عندهم الحاجة إلى استخراج الذهب، وقد دأب التجار الأجانب على حث أهلها على استخراج الذهب وكانوا يستخرجونه بطرق بسيطة بسبب قربه من سطح الأرض وتوفره في الأودية القريبة من سفالة من جهة الخلف، وذلك بحفر حفر يتجمع إليها الماء جارفا معه الذهب. وقد ذكر البرتغاليون مناطق هامة لذهب سفالة التي تسمى " ماتوكا "
(4) المسعودي، المصدر السابق، ج 1، ص 125.
- 132 – (1/137)
صفحة 138
"التجارة الصامته " بأن توضع كميات السلع التي يحملها التجار قريبة من كميات الذهب المراد استبدالها وتتم عملية الفحص من قبل الزنوج، فإن رضوا يتم قرع الطبول بطريقة
معينة على أساس الموافقة على الصفقة وتحمل كميات الأقمشة ويعودوا إلى مناطقهم بينما يحمل التجار ذهبهم إلى سفنهم عائدين إلى بلدانهم. وقد ظلت سفالة أهم منفذ للذهب الإفريقي في العصور القديمة وفي العصور الوسطى وفي العصور الحديثة، حيث كان ذهبها من عوامل توجه البرتغاليين إلى شرق إفريقية واسقرارهم هناك
(1)
•
(4) موزمبيق:
من المراكز التجارية الإفريقية الهامة التي تقع جنوب ساحل إفريقية الشرقي، وقد كانت امتدادا أيضا لحضارة المنطقة في العصور القديمة. وارتبطت بتصدير الذهب لفترة
من الفترات. وقد ترددت عليها السفن، خاصة من العرب لحمل الذهب منها مقابل توفير التوابل والملابس واللآلي والياقوت لسكانها، وهى سلع كانت لا تتوفر في تلك المنطقة، وكانت عمليات التجارة بها تتم أيضا عن طريق المقايضة في العصور القديمة.
(2)
وكانت منطقة سفالة إحدى أقاليم موزمبيق منذ العصور القديمة، ويبدو أن التجار قد ارتبطوا بمحطة أخرى جنوب سفالة وتعرف بموزمبيق وكانت الرحلة إلى سفالة وموزمبيق شاقة وطويلة ولذلك كانت تحتاج إلى نوع كبير من السفن التجارية، لخطورة الرحلة وطولها. فقد استقرت بها جاليات عربية كبيرة قبل الإسلام. وفي العصور الإسلامية تحول أهلها إلى الإسلام، بحيث أصبحت مرتبطة بالنشاط الإسلامي في إفريقية (4).
(5) كلوة: (5)
(4)
مركز تجاري إفريقي على المحيط الهندي، ظهر بوضوح بعد ذلك قص العصور
(1) جيان، وثائق، ص 337 - 338 -
(2) حوراني، المرجع السابق.، ص 241.
(3) حوراني، المرجع نفسه، ص 266.
(4) اندهش البرتغاليون في العصور الحديثة حينما شاهدوا حاكمها مسلم وحوله رجاله ومستشاروه من العرب، ولذلك فقد قامت موزمبيق نزول البرتغاليين إلى أراضيها منذ البداية.
(5) حاليا مدينة بنفس الإسم على ساحل دولة تنزانيا.
- 133 - (1/138)
صفحة 139
الوسطى، نظرا لموقعه المتوسط على ساحل إفريقية الشرقي. وقد قصدته سفن عديدة من أهل الخليج العربي ومنطقة شيراز (1) من إيران، حتى أصبح هؤلاء الشيرازيين هم حكام المنطقة في العصور الوسطى، ونظر لامكانيات الإقليم ومنطقته فقد تمكن من تكوين إمبراطورية شملت معظم الساحل الشرقي لافريقية اعتمدت في نشاطها الأساسي على التجارة (2)
كما كانت منطقة كلوة مركزا هاما من مراكز قبائل البانتو الزنجية، حيث اتجهت إلى الاستقرار بالقرب من الساحل لاتمام عمليات التبادل التجاري وكثيرا ما وقع نزاع بين تلك الجماعات الزنجية وجماعات التجار. وكانت تلك المنطقة مركزا هاما لتجار عدن
(3)
وتجار منطقة ساحل الحجاز قبل الإسلام وبعده. حيث كانت مصدرا لتصدير العاج والجلود والذهب وغير ذلك من سلع إفريقية. ومازالت طراز الأبنية فيها تشابه مع نمط العمارة الخليجية العربية من قلاع وأسوار.
(6) محباسا: (4)
أدى توافر ميناء الصالح لاستقرار السفن بمنطقة ممباسا. ويبدو أنها كانت مركزا لإمارة قديمة، تسمى " أمفيت " بمعنى حرب). ثم أخذت اسمها الحالي من اسم قائد
(0)
برتغالي يسمى " منفسة " وقد شهدت ممباسا هجرات مستمرة من التجار العرب وخاصة
من أهل عمان واليمن. كما كانت مركزا لانتاج الحبوب وتصديره وكذلك العاج والذهب ويصدر منها تلك السلع إلى موانئ المحيط الهندي (6) كما اشتهرت بتصدير الحديد والنحاس والجلود إلى موانئ الهند. حتى ظهر فيها فيما بعد طائفة من الصناع المهرة
(1) عاصمة إقليم فارس في إيران قديما وحتى العصور الوسطى. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 3، ص 380.
(2) أحمد على، كلوة تاريخها وحضارتها من القرن العاشر حتى القرن الخامس عشر /م، رسالة
ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، ص 56.
(3) ابن بطوطة، الرحلة، ص 266.
(4) ميناء كيني على ساحل المحيط الهندي. (0) المغيري، جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، ص 83. (6) عثمان، شوقي، تجارة المحيط الهندي، ص 168. (1/139)
صفحة 140
في صناعة المعادن. وظلت على نفس شهرتها حتى قدم إليها البرتغاليون في العصور
الحديثة وجعلوا منها عاصمة لهم لمنطقة شرق إفريقية.
(7) زنجبار (1)
شكلت موقع تجاري هام على ساحل إفريقية الشرقي، حيث أصبح موقع الجزيرة القريب من الساحل الإفريقي استراتيجياً، فأصبحت في مأمن من اعتداءات جماعات الزنوج على التجار. كما اشتهرت بخصوبة أرضها وتوفر كميات المياه بها. وأصبحت مقصدا لتجار شبه الجزيرة العربية والهند للوصول إليها وحمل سلعها وقد أستقر بها العرب منذ القرن الأول ق. م، كما وفدت عليها قبائل عربية من منطقة حضرموت واليمن، حتي تحولت إلى مركز إسلامي تجاري في العصور الوسطى وحتى العصور الحديثة
(2)
ساعدت الرياح الموسمية التي تهب على شمال المحيط الهندي على انتظام الرحلات البحرية بين منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية من جهة وبين زنجبار جنوبا من جهة ثانية، فتبدأ السفن العربية رحلتها في فصل الخريف لتصل إلى ساحل الصومال وتسير بمحاذاة ساحل شرق إفريقية حتى تصل إلى زنجبار بعد أن تعبر أرخبيل لامو. وتستغل السفن أيضا الرياح الصيفية الموسمية في العودة إلى سواحل جنوب الجزيرة العربية
والخليج العربي
(3)
وتتناثر حول جزيرة زنجبار عدد من الجزر الصغيرة أهمها: أنغوما، كهاتي، مونغوه، ومكاتي، اميلا، وخميس، انغومية، أوسوبي، ككوتا، كاشاني، انجاو. وهي جزر قليلة السكان أو خالية، لكن ترجع أهميتها إلى توفر المياه العذبة بها. وكذلك وجود أشجار النارجيل بكثرة (4). وقد ظهرت أهمية زنجبار بعد ذلك في العصور
(1) يتكون اسمها من قسمين هما: زنج، يار. بمعنى بر الزنج بالفارسية. وأصلها السواحيلي "أنفوجاء " بمعنى امتلأ المنسف، وتقع قبالة ساحل تنزانيا على بعد 25 ميلا فيها. وبينها وبين مسقط 2200 ميل بحري. وبينها وبين ساحل غرب الهند في جوجيرات 2500 ميل بحري. . وتشكل مع تنجانيقا اتحاد دولة تنزانيا. انظر المغيري، جهينة الأخبار ص 15، ص 16. (2) زكريا، والعقاد زنجبار، ص 504.
(3) محمد أبو العلا، موقع عمان الجغرافي وعلاقتها المكانية، ص 35.
(4) المغيري
المصدر السابق. 16.
- 135 – (1/140)
صفحة 141
الإسلامية. وفي العصور الحديثة خاصة زمن دولة البوسعيد في عمان، حيث أصبحت
أهم مراكز شرق إفريقية اقتصاديا وسياسيا على الإطلاق.
(8) بات "باتا":
هي احدى جزر أرخبيل لامو، أصبحت مركزا للهجرات العربية من الخليج العربي واليمن في صدر الإسلام مما يدل على وجود علاقات سابقة، منذ العصور القديمة بينها وبين منطقة الخليج العربي واليمن والهند وفارس وأصبحت منطقة باب مركز الهجرات العربية والإسلامية المبكرة في صدر الإسلام، ومنها بدأت عمليات المد الإسلامي. ولذلك فقد أصبحت مركز التجارة الإفريقية في المحيط الهندي في تلك الفترة، حيث كان المهاجرون الجدد معظمهم من التجار وعلى دراية بسلع إفريقية وأهميتها. حيث جعل منها المهاجرون من أهل عمان منذ القرن السابع الميلادي المركز الأول لنشاطهم. وكانت عمان أهم الوسطاء في تجارة إفريقية المتجهة إلى الهند أو إلى بلاد الرافدين)
(9) مقديشو: (وبلاد بونت القريبة منها)
(1)
أول المراكز التجارية لساحل شرق إفريقية المطل على المحيط الهندي من جهة الشمال وتأتي أهميتها من قربها من مدخل البحر الأحمر الجنوبي حيث الحركة التجارية النشطة باستمرار في العصور القديمة لخدمة التجارة البرية أو البحرية المتجهة شمالا صوب الشام أو مصر حيث مدينات العالم القديم في البحر المتوسط. كما تأتى أهميتها في قربها من السواحل العربية في جنوب الجزيرة العربية من أهل اليمن وجنوب عمان، وهم من أ
جماعات التجار قديما كما أنها كانت على صلات وثيقة بتجارات مواني الحبشة.
أنشط
وأصبحت المدينة مركزا للتجار من كل صوب فيصفها ياقوت الحموي بقوله " أول بلاد الزنج جنوب اليمن على ساحل البحر، وأهلها كلهم غرباء ليسوا بسودان ولا ملك لهم إنما يدبر أمورهم المتقدمون علي إصلاح لهم (2)، ومنذ القدم نزلت سواحلها جماعات التجار من المصريين واليونان والفينقيين ومن العرب والهنود وغيرهم من الزنوج
(3)
Chittick, the East Coast of Madagascar, Cambridge, Vol. 3, P:198.
-177 -
(1)
(2) معجم البلدان، ج 5، ص 173
(3) جيان، المرجع السابق، ص 186. (1/141)
صفحة 142
منطقة
بونت
الألف الثالث ق. م.
(1)
ويبدو أن رحلات الفراعنة التي أرسلت إلى منطقة ساحل الصومال الشمالي وهى، كانت تحتل تلك المنطقة مكانة هامة في تجارة إفريقية والمحيط الهندي منذ وتحوى النصوص والآثار المصرية على أول رحلة أرسلت إلى بلاد بونت هى البعثة التي أمر بإرسالها الملك ساحورع من الأسرة الخامسة (حوالي 2500 ق. م)، وقد وصلت تلك الرحلة إلى تلك البلاد، ودونت أخبارها على جدران معبد أبو صير. ورد ذكر لتلك المنطقة من أرض الصومال في نصوص حجر بالرمو، وفيه تفصيل لما عادت به الحملة من خيرات بلاد يونت من جلود الحيوانات والعاج وريش النعام وبعض الأحجار نصف الكريمة، إلى جانب سلع ومواد المعابد من البخور والعطور والتي كانت من أهم أسباب تلك الرحلات إلى تلك المناطق البعيدة. كما وجد في أحدى مقابر أسوان أن أحد الموظفين يذكر أن ذهب مع سيده إلى تلك البلاد إحدى عشرة مرة
كما
(2)
ونظرا لأهمية موقع بلاد بونت على ساحل الصومال وأهمية السلع التجارية التي تجلب منها فقد أهتم ملوك الأسرة الحادية عشر (حوالي 2100 ق. م) بالتجارة مع تلك المنطقة من ساحل الصومال، حيث أرسل الملك منتوحتب الرابع مدير خزانته واسمه "حننو" لإحضار البخور، فذهب ومعه ثلاثة آلاف رجل جنوبا حتى البحر الأحمر عن طريق وادى الحمامات، ونجح في مهمة. كما وردت صعوبات الإبحار إلى بلاد بونت في نصوص فرعونية أخرى مثل قصة الملاح الغريق
(3)
وكانت أشهر رحلات المصريين وتجاراتهم مع ساحل الصومال زمن الملك حتشبسوت في الأسرة الثامنة عشر (1490 ق. م) حيث أمرت الوزير " نحسي" بالتوجه إلى بونت وأعدت سفنا كثيرة كبيرة الحجم لتلك الرحلة التي غادرت طيبة في النيل، وربما تكون قد
غادرت النيل إلى البحر الأحمر عبر قناة وادى الطميلات المستخدم في هذا العهد ووصلت إلى بلاد بونت، وعادت محملة بخيرات بونت من البخور والعطور والأخشاب وحيوانات إفريقية كما أحضرت الرحلة إحدى وثلاثين شجرة من أشجار المناطق الموسمية والإستوائية لزراعتها في حديقة معبد آمون بالدير البحري وقد أهتم المصريون بتدوين
(1) فخري، المرجع السابق، ص 66، 137.
(2) فخري، المرجع السابق، ص 137.
(3) فخري، المرجع نفسه، ص 138
(4) حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي ص 127، 158.
(4)
– 137 - (1/142)
صفحة 143
أخبار تلك الرحلة ومراسم استقبال مندوب الملكة لزعماء بونت والهدايا التي قدمها لهم، كما رسموا أيضا القديمة الساحلية التي رسوا عندها، وكذلك رسموا أنواع الأسماك التي شاهدوها أثناء الرحلة البحرية)
(1)
ومهما يثار حاليا من اختلاف حول تحديد موقع بونت فإنها تقع على ساحل الصومال بالقرب من مقديشو الحالية، على أساس أن ملامح أهل المنطقة التي وجدت على جدران الدير البحري تشبه كثيرا جنس المصريين، وكذلك معظم السلع التي حملتها الرحلات والبعثات تشبه وتتفق مع منتجات إفريقية من الحيوانات والجلود والعاج والأحجار والأخشاب، ولكن الخلاف يقع حول اللبان والبخور الذي حملته تلك الرحلات. علي أساس اشتهار منطقة ظفار في جنوب عمان وجنوب الجزيرة العربية بتلك السلع الهامة للعام القديم. مما يدل على أن تلك المنطقة كانت مركزا لتجمع تجار من ظفار وبلاد الشحر واليمن وجزيرة سوقطري، بالإضافة إلى هجرات من تلك الجهات إلى الساحل الصومالي وتعميره. الأمر الذي يؤكد منطقة الصومال في تجارة إفريقية وتجارة العالم
القديم
(2)
(L)
وفي العصور الوسطى أصبحت مقديشو، التي بناها مهاجرون حرت من منطقة الخليج العربي سنة 295 هـ / 907 م مركزا هاما (3) لتجارة الذهب والعاج) خلال، من منافذ ودروب لها داخل القارة الإفريقية مما دار عل أهلها وتجارها أموالا طائلة ظهرت بوضوح في جمال عمارة منازلها التي كانت تتكون من عدة طوابق (0). وأصبحت مقديشو بحق مركزا لتجمع تجارات المحيط الهند وإفريقية والبحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية، حتى قصدتها سفن أهل الصين والهند. فهناك آثار تدل على أرسال أسرة تانغ الصينية بعثة تجارية إليها سنة 349 هـ / 960 م. ووجدت بها عدة عملات صينية (6).
(1) حوراني، المرجع نفسه، 329.
(2) قدري، المرجع السابق، ص 139
(3) سنوضح ذلك مع الفصل القادم بالتفصيل.
(4) متز، آدم، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع هـ، تعريب الدكتور محمد عبدالهادي أبو ريدة،
ج 2، ص 436
(5) حيان، المصدر السابق، ص 258
(6) بدر الدين الصيني، العلاقات التجارية مع العرب، ص 166.
- 138 - (1/143)
صفحة 144
ويبدو من دراستنا لموانئ ساحل إفريقية الشرقي أن هناك ملاحظات منها: 1 - اعتمدت حركة النشاط التجاري مع شرق إفريقية ومراكز المحيط الهندي التجارية وكذلك البحر الأحمر على هبوب الرياح الموسمية، وأوقات هبوبها صيفا أو شتاء
تلك
حيث كانت السفن شراعية تحت رحمة الرياح. وساعد اكتشاف مواعيد هبوب: الرياح على يد هيبالوس اليوناني إلى زيادة حركة الملاحة وتنظيم الرحلات مع موانيء شرق إفريقية، حيث ارتبطت بمواعيد للذهاب والإياب. وكان التجار العرب أقدر تجار العالم القديم في هذا المجال.
-2
رغم عدم وجود ذكر واضح يتلاءم مع ا النشاط اليوناني في منطقة شرق إفريقية إلا أن اليونان والرومان قد تركزوا في محطة تجارية هامة مقابلة الساحل إفريقية الشرقي من جهة الشمال وهى جزيرة سوقطري والتي أصبحت مركزا هاما لليونان حتى العصور الوسطى وظل لهم نفوذهم التجاري عدة قرون في الجزيرة (1)
ترتب على سيادة العنصر العربي على ساحل شرق إفريقية من الشمال إلى الجنوب بسبب عوامل طبيعية وحضارية، ظهور لغة جديدة استخدمت بصورة أساسية في مجال المعاملات التجارية (2) وهي اللغة السواحيلية التي أصبحت صورة عن تنوع أصول التجار على الأرض الإفريقية من عرب وفرس وهنود بالإضافة إلى أصحاب الأرض من الزنوج، وأنضم لها حديثا اللغات الأوروبية الحديثة
4
-
(3)
•
(2)
إذا كانت منطقة شرق القارة الإفريقية قد وفرت لمدينات العالم القديم كميات
من الذهب والعاج والحديد والنحاس والجلود وغير ذلك من مواردها الطبيعية، فإنها قدمت عنصرا بشريا من عناصر الإنتاج في العالم القديم والوسيط وهو الرقيق، حيث بدأت السفن التجارية تحمل أعدادا كبيرة منهم بعد ذلك
(0)
(1) الحارثي، والسالمي، اليسرى في إنقاذ جزيرة سوقطري، ص 24 وما بعدها. (2) عوض، الشعوب والسلالات الإفريقية ص 101.
(3) العقاد وزكريا، المرجع السابق، ص 13.
(4) محمود، حسن، الإسلام والثقافة العربية في إفريقية، ص 392.
(5) أصبحت الأعداد الكبيرة من هؤلاء الرقيق يمثلون القوى البشرية العاملة خاصة في منطقة جنوب
العواق والخليج العربي.
•
- 139 - (1/144)
صفحة 145
-0
لم: السواحل الإفريقية الشرقية. في حاجة إلى سلع مقابلة من التجار أو نقود مقابل سلعها الهامة بقدر ما كانت في حاجة إلى نظم حضارية من قبل الجاليات التي استقرت بأرضها من أجل تطوير تلك المناطق. .. وهو الأمر الذي ظل مفقودا" لفترات طويلة حيث كان معظم التجار همهم الأول والأخير حمل سلعهم والعودة إلى بلادهم آمنين غانمين بغض النظر عن أوضاع الأفارقة ومستوياتهم الحضارية. ولم تتبدل تلك الصورة إلا في العصر الإسلامي على يد المسلمين الذين تركوا بصمات واضحة في حضارة الأفارقة. وأنتهي هذا الدور الإسلامي من جديد على يد المصالح الأوروبية في العصور الحديثة وهى ردة حضارية بمعنى.
الكلمة
هذا، وهناك عدة موانئ على سواحل شبه الجزيرة العربية والخليج العربي ارتبطت بصورة أساسية مع تجارة شرق إفريقية، يمكننا أن نوجز دورها في التجارة الإفريقية فيما
يلي أهمها:
(1) عدن:
(1) "
احتلت عدن مكانة مرموقة في تجارة العالم القديم والوسيط والحديث حتى أصبحت بحق: " وهيلز الصين وفرضة اليمن وخزانة المغرب ومعدن التجارات وذلك بسبب موقعها المتوسط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي من جهة وبين اليابس الآسيوي واليابس الإفريقي من جهة ثانية، فارتبطت أيضا بحضارات الهلال الخصيب من خلال طريق اليمن الشام عبر الحجاز البري. ويبدو أن صلاتها القديمة مع إفريقية وجزيرة سوقطري وبلاد الحبشة جعلت كدامي مؤرخيها يعتقدون أن اليابس العماني كان متصلا بتلك النواحي
الإفريقية من قديم الزمن
(2)
(3)
•
وأصبحت عدن بالفعل هدفا لليونان وتجارهم من أجل تأمين الوصول إلى تجارة وسلع الهند وقد أهتم بها الإسكندر من خلال إرسال حملات هيرون الصولي للإلتفاف حول سواحل الجزيرة العربية والوصول إلى مدخل البحر الأحمر الجنوبي من أجل ربط تجارة المحيط الهندي مع تجارة البحر المتوسط. كما يذكر مؤرخوها القدامي اهتمامات لملوك
(1) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.، ص 84، طبعة بيروت
(2) ابن الفقيه، البلدان، ص 105. (3) أبو مخرمة، أبو محمد عبدالله الطيب، تاريخ ثغر عدن، ص 25، مكتبة مدبولي، القاهرة. الطبعة الثانية، سنة 1411 هـ، سنة 1991 م.
-1?.- (1/145)
صفحة 146
اليهود وخاصة سليمان بتجارة عدن وسلعها الهندية والإفريقية (1)
وقد حملت إليها السلع الإفريقية من الجلود والعنبر واللؤلؤ والأخشاب والعاج والرقيق كما نزلت بها بضائع الهند من التوابل والأعشاب الطبية والحرير والمنسوجات الأخرى (2).، بالإضافة إلى سلع مصر والبحر الأحمر من المرجان والأصباغ والزئبق والمنسوجات والزجاج. حتى أصبحت أهم مراكز شمال المحيط الهندي التجارية وطارت إليها أفئدة التجار حتى قيل عنها " من يذهب إليها بألف درهم يرجع بألف دينار، ومن ذهب إليها بكندر يرجع بمثله كافوراً (3)
(2) سوقطري:
برغم دورها القديم في تجارة إفريقية والمحيط الهندي باعتبارها بوابة إفريقية ومحطة التجار، إلا أنها ازدهرت بصورة واضحة في العصر الهلينستي، حتى سماها التجار اليونان باسم " الجزيرة السعيدة ((4) لأهميتها لتجار الإسكندرية ومصر والبحر المتوسط في تجميع تجارات إفريقية والجزيرة العربية والهند، فاستقرت بها أعداد كبيرة من التجار العرب واليونان والأفارقة والهنود (5) وغلبت على سكانها الثقافة اليونانية بسبب وجود جالية كبيرة بين سكانها من اليونان. وتبدو أهمية الجزيرة في بعدها عن الساحل العربي والإفريقي، مما هيأ لها تجنب الإضرابات والقلاقل السياسية التي كانت تتعرض لها موانئ عدن وشرق إفريقية والتي كانت تهدد التجار وتجاراتهم. كما كانت تعد مركزا" لاستراحة المسافرين والتجار والتزود بالمؤن والمياه.
(1)
هذا، وقد ارتبطت سوقطري بسلع افريقية مثل العنبر والصمغ والجلود وغير ذلك،
(1) أبو مخرمة، المصدر السابق، ص 26.
(2) اليعقوبي، البلدان، ص 80.
(3) المقدسي، المصدر السابق، ص 92
(4) ترجمة للاسم السنسكريتي الهندي القديم وهو: DUIPA SUKHATRA
انظر: حوراني، المرجع السابق، ص 62.
(5) المسعودي، مروج الذهب، ج 2، ص 219.
(9) حوراني، المرجع السابق
، ص
1 ..
- 141 - (1/146)
صفحة 147
(1)
جنوب
كما ارتبطت بوجود سلع خاصة بها مثل المر والصمغ والصبر. ويبدو أنها تدهورت منذ القرن الرابع الميلادي أثناء التغيرات السياسية والإقتصادية التي شهدتها منطقة. الجزيرة العربية في تلك الفترة وتدهور تجارة البخور واللبان، وامتداد دولة أكسوم الحبشية. حتى أصبحت فيما بعد مركزا للقرصنة على مستوى البحر الأحمر والمحيط الهندي، حينما اتخذ منها القراضة الهنود مركزا لشن غارات علي سفن التجار في البحر والموانئ. حتى أصبح التجار يتفادون المرور عليها أو بالقرب منها، ويحرصون على الالتزام بالساحل الغربي، أو السواحل الإفريقية، حتى لا يتعرضوا لاعتداءات القراضة. (2) وهؤلاء كانوا ينتشرون في شمال المحيط الهندي منذ منطقة الديبل في غرب الهند ويكون انتشارهم انتشارا منظما على شكل قوارب سريعة تتباعد عن بعضها البعض بمسافات معينة على شكل دائرة تمتد لعدة أميال قد لا تنجو سفينة تجارية من تلك الدائرة في شمال المحيط الهندي في أغلب الأحيان.
(3) ظفار: أو ميناء سمهرام
(4)
ميناء جنوب عمان، وهو أيضا إقليم واسع يمثل النمط الموسمى في جنوب الجزيرة العربية مع منطقة اليمن. ظهرت أهمية تلك المنطقة منذ العصور القديمة بسبب شهرتها في إنتاج وتصدير اللبان والبخور وهى سلع هامة للعالم الوثني، وتدل الآثار على أهمية ميناء سمهرام القديم في منطقة ظفار في تجارة اللبان حيث مثل أهم السلع الإستراتيجية للعالم القديم، وتصديره وتصدير سلع إفريقية هامة من خلال ارتباط أهل ظفار بالساحل الإفريقي منذ العصور القديمة وحتى العصور الحديثة.
(1)
واتضح دور أهل ظفار في تجارة إفريقية والعالم القديم، حينما تدهورت أحوال المنطقة قبل الإسلام، وفرضت دولة أكسوم الحبشية سيطرتها على جنوب الجزيرة العربية،
(1) عبارة عن نبات مثل السوسن الأخضر، غير أن ورق الصبر أطول وأعرض وأسمك، وهو كثير الماء تستخدم عصارته للعلاج. وكان يتم جمعه وتجفيفه على جلود ثم تصديره.
انظر الحميري، الروض المعطار، ص 328.
(2) حوراني، المرجع السابق، ص 230.
(3) حميدة. آسيا الموسمية، ص 378. (4) الغساني، ظفار أرض اللبان، ص 13 وما بعدها.
-
142 (1/147)
صفحة 148
(1)
فاستغلت وجود أهل ظفار في شرقيها لجلب تجارة الهند والصين إليها، ثم تصدير تلك السلع إلى حلفائهم الرومان. كما أهتم الرومان منذ القرن الأول الميلادي بالارتباط بتجارة ظفار، حيث عقد الإمبراطور تراجان معاهدة صداقة.
عمان واهتم بطرق البرية عبر الحجاز للوصول إليها
مع حاكم ظفار.
(2)
، جنوب
ورغم الإكتشافات الهامة التي اكتشفت في المنطقة حديثا، فإنه قد تم إكتشاف مدينة إرم القديمة لقوم " عاد" في المنطقة، وتم الاستعانة بصور جوية من الأقمار الصناعية وأتضح منها أهمية تلك المنطقة في العصور التى سبقت التاريخ. ولم تبدأ بعد الحفريات لتلك المدينة الهامة التي يعلق الكثير الآمال حول كشف حقائق عن تاريخ المنطقة وحضارتها في التاريخ القديم والفترة التي سبقته
(4) جزيرة مصيرة:
جزيرة أمام ساحل عمان الشرقي، كانت محطة هامة لسفن الخليج المتجهة من شمال المحيط الهندي إلى شرق إفريقية (3) وكانت مركزا للتجار وتنقلاتهم بين موانئ سواحل عمان واليمن والهند وشرقي إفريقية.
(5) صور:
صور
ميناء هام يقع على الساحل العماني عند منطقة رأس الحد. ارتبط أهل بالمهارة في ركوب البحر والوساطة التجارية بين سلع إفريقية من الذهب والعاج والجلود وغيرها وبين الهند التي كانت تحتاج بعض خامات إفريقية. وارتبط أهلها منذ القدم
(1) بدر الدين الصيني، المرجع السابق، ص،
238
(2) وردت في كتب التراث موضعين لاسم ظفار هما:
-
الأول في اليمن قرب صنعاء، وهى التى ينسب إليها ملوك حمير " من دخل ظفار حمر الثاني: في جنوب عمان ومازالت تسمى باسم ظفار وعاصمتها صلالة. وتقع خلفها رمال
الأحقاف من صحراء الربع الخالي.
انظر: البكري، معجم ما استعجم، حد 2، ص 95. (3) أشار ابن بطوطة إلى نشاط أهلها في هذا المجال.
الرحلة، ص 580.
- ver- (1/148)
صفحة 149
بالمغامرة الوصول إلى موانئ بعيدة في شرق إفريقية، ويبدو أنهم وصلوا قبل غيرهم من عرب عمان إلى جزر القمر ومدغشقر. كما يذكر المغيري أسماء لجماعات من تجار صور وصلوا حتى مناطق بعيدة داخل إفريقية (1). ونظرا لنشاط هؤلاء التجار فقد أصبحوا أشبه بفينيقي البحر المتوسط، حتى يمكن تسميتهم بفينيقي المحيط الهندي.
ومازالت الدراسات تؤكد وجود صلة قديمة بين أهل صور وبين الفينيقيين إذ يحتمل
أن يكون الفنينقين هجرة سامية من منطقة جنوب الجزيرة العربية.
(1) ميناء صحار:
ظهرت أهمية الميناء العماني منذ إنشائه على يد الفرس في القرن الثالث الميلادي ليصبح أشهر ميناء في تاريخ الخليج العربي. ذلك لأن الفرس أدركوا حاجتهم إلى ميناء يصلهم مباشرة بسواحل إفريقية وجنوب الجزيرة العربية، يمكن أن يستفيدوا من خلاله من خبرة أهل عمان في الملاحة ومعرفة نواحي إفريقية والهند وغيرها. ومن أجل تحصين ويبدو أنه كان لحماية الميناء
هذا الموقع بن الفرس مركزا عسكريا يسمى. دستجرد.
من القبائل المجاورة وحماية حركة التجارة فيه
(4)
(3).
(2)
وقد خدمت الظروف الطبيعة الميناء من حيث وجوده في أخصب منطقة في عمان زراعيا وهي منطقة الباطنة واتصاله المباشر بمناطق الظاهرة عبر أودية عديدة. الأمر الذي جعل الميناء يستقبل أعدادا هائلة من التجار وتجاراتهم لتوفر خدمات التجار فيه واتساعه فأصبح بحق أعمر مكان بالشرق وخزانة الهند والصين، وأصبح هذا الميناء منطلقا لسفن المنطقة المتجهة الى شرق أفريقيا، وكثيرا ماكانت السفن تحمل منة سلع أفريقية المكدسة به بدلا من ان تتحمل مشاق الرحلة الى أفريقية. وبلغ أوج إزدهارة في القرن الرابع
الهجري في العصر العباسي.
(1) جهينة الأخبار، ص 20.
(2) ويلكنسون، صحار تاريخ وحضارة، ص 5 وما بعدها.
(3) ويلكنسون، المرجع السابق.
(4) حيث كانت المنطقة تشهد سراعا بين النفوذ الفارسي المتزايد في العصر الساساني على السواحل
العربية. وظلت تلك الأوضاع حتى ظهور الإسلام.
- 144 - (1/149)
صفحة 150
(7) ميناء التيز: (ميناء إقليم مكران)
ميناء يقع على ساحل مكران المطل على ساحل بحر العرب ارتبط هو الأخر بتجارة المحيط الهندي وافريقية، حيث يمثل واجهة مكران ومنطقة بلوشستان على المحيط الهندي (1). ومنفذا" لدخول السلع الإفريقية إلى تلك النواحي. وأصبح هذا الميناء ميناء مكران الأساسي (2)، لاستيراد سلع المحيط الهندي. وقام التجار العرب بدور كبير في
(2)
حركة هذا الميناء التجاري في العصور القديمة.
•
(8) الديبل: (ميناء السند)
ميناء هام على دلتا نهر السند عند مصبة في بحر العرب (3). أصبح منفذا لتجارة إقليم السند الزراعي الغني بزراعته. ونظرا لخبرة العرب بهذا الميناء فقد حملوا سلع إفريقية، واستقرت فية جاليات عربية كثيرة قبل الإسلام، حتى أصبح كلام سكانة (سندي عربي) وهي اللغة التي عرفت بالأوردية، فيما بعد، وبذلك وصلت سلع إفريقية إلى السند عبر ميناء الديبل.
(2)
لكن هذا الميناء تأثر بنشاط جماعات القراصنة الذين يعرفون باسم (الميد) حيث كان مركزهم في المياة التي تقع بالقرب منة في مثلث جوجيرات. وقد أرسلت الحكومة الساسانية حملاتها المستمرة ضد هؤلاء القراصنة واستمر هذا الوضع في العصر الإسلامي حيث كانت حملة الحجاج بن يوسف الثقفي لفتح السند، والتي قادها محمد بن القاسم الثقفي سنة 92 هـ هدفها الأول القضاء على القراصنة في تلك النواحي وتأمين حركة السفن التجارية في بحر العرب. ولم تؤهر الملاحة العربية في العصور الوسطى إلا بعدتلك الحملة التي وضعت حدا للقرصنة.
•
كما وجدت مواني على ساحل الهند الغربي ارتبطت هي الأخرى بحركة التجارة
(1) مجهول، مخطوط في علوم البحار، قم 2516 عام / 38 ك خاص، ورقة 47، المديرية العامة للوثائق والمخطوطات، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
(2) المقدسي، أحسن التقاسيم، ص 360.
(3) يقع بالقرب من ميناء كراتشي الباكستاني حاليا.
(4) شوقي، تجارة المحيط الهندي، ص 189
-120 -
- (1/150)
صفحة 151
والسلع الإفريقية منها
موانيء جوجيرات:
وهي: بروح (بروحي)، تانة (بومباي حاليا)، سفالة الهند، سندان،
سومنات، حيمور، کمباي، کمکم.
موانيء ساحل مليبار:
وهى: ألبي، بوناي، تريفندوم. سندابور، سيل، شاليات، صندابور، کاليکوت، کنوز، کيسن، هيلي، کوشن، سوارت، منجرور.
وقد ساهم العرب بدورهم الكبير في حركة النقل والإتصال بين تلك المواني، وبين ساحل إفريقية الشرقي، فكانت سلع الهند وصناعتها تصل إلى شرق أفريقية على ظهر السفن العربية وتعود تلك السفن محملة بسلع إفريقية وموادها الخام. وقد حقق العرب من تلك الوساطة أرباحا طائلة جعلتهم يتجهون بكل نشاطهم الى البحر بعيدا عن قسوة، وقد عبر عن ذلك شاعر معاصر من الخليج (1):
بلادهم
أواه يا أرض الحرائق والسموم البحر أحنى من صفافك والشراع.
:
(1) أنظر أبو العلا، جغرافية الخليج العربي، ص: 320.
11?7 - (1/151)
صفحة 152
الفصل المقارنة
افريقية في العصر الإسلامي
- 147 - (1/152)
صفحة 153
(1)
العرب و إفريقية
الصلات بين منطقة شبه الجزيرة العربية وبين القارة الإفريقية صلات قديمة ووثيقة، (1) ومن الصعب تحديد بداية لها، ذلك أن منطقة شبه الجزيرة العربية كانت تشكل جزء من قارة جندوانا القديمة التي شكلت إفريقية فيما بعد، ثم انفصلت عنها بظهور أخدود البحر الأحمر، الذي يمتد داخل القارة الإفريقية حتى الوقت الحاضر. ومازالت الظواهر الجغرافية على الساحلين الشرقي (العربي) والغربي (الإفريقي) للبحر الأحمر متشابهة تماماً. (2). وأصبحت بذلك الشعوب التي ظهرت في الدرع العربي (شبه الجزيرة العربية مرتبطة بالقارة الإفريقية (3).
(2)
ورغم تغير الظروف في منطقة شبه الجزيرة العربية وحلول الجفاف بها، وقيام الجماعات السامية التي سكنتها بالتحرك في كل صوب للبحث عن مواطن جديدة للعيش والإستقرار، فمنها ما اتجه صوب سواحلها المطلة على الخليج العربي ومارس أنشطة جديدة بجانب الزراعة والرعي مثل الملاحة، ومنها ما اتجه شمالاً صوب بلاد الشام وأقام فترة على حدود ممالكها، ثم دخلها في فترات ضعف تلك الممالك، ومنها ما اتجه إلى بلاد الرافدين. الأمر الذي أزعج حكام سومر وبابل وأكاد وآشور، مما حدى للبعض منهم إلى إنشاء تحصينات عسكرية على حدوده الجنوبية الغربية مع الصحراء العربية لحمايته من غارات القبائل العربية، ومنهم من أرسل حملات ضد مراكز تلك القبائل في شمال شبه الجزيرة العربية (4).
حتى بدأ العصر الفارسي الساساني في بلاد الرافدين وظهرت فيه إجراءات شديدة ضد غرو القبائل العربية. فقد قام سابور بحفر خندق طويل يمتد من كاظمة حتى هيث على طول الصحراء ليمنع القبائل العربية من الإغارة المستمرة على القرى الجنوبية. وقد سمى
(1) قلعجي، الخليج العربي، ص: 67.
(2) متولي، وأبو العلا، جغرافية الخليج العربي، ص: 12.
Church, H; Africa and Islands, P: 19, London, 1973. Cameron, G; History of Early Iran, P : 67, New York.
(3)
(4) (1/153)
صفحة 154
(1)
هذا الخندق باسمه خندق سابور قام سابور بإرسال حملات تأديبية ضد قبائل البحرين فنكل بهم ودمر مياههم وثقب أكتاف الأسري منهم، حتى سمى باسم «سابور ذي الأكتاف (2). وأنشأ الفرس إمارة عربية على حدودهم مع شبه الجزيرة العربية هي إمارة الحيرة كنقطة مراقبة لأوضاع الصحراء العربية.
(P)-
ورغم ذلك ظهرت الجماعات السامية في بلاد الرافدين وأسست لها كيانات منذ القدم، وجعلت من منطقة الشام والعراق مناطق ذات دماء سامية عبر العصور التاريخية (3). وقد ظهرت نتائج ذلك بصورة واضحة في انسياب الجيوش العربية الإسلامية في تلك المناطق بعد هزيمته جيوش الفرس أو الرومان (4). وسماهم العرب باسم «أبناء العمومة».
من هنا أصبحت افريقية هي المجال الحيوي للجماعات السامية خاصة العربية منها للأسباب التالية:
نقطة
1 - عدم وجود حكومات مركزية قوية على الحدود الافريقية الآسيوية باستثناء حكومة مصر، والتي كانت تتركز في الوادي والدلتا للنيل وتبتعد عن: الإتصال عبر البحر الأحمر أو شبه جزيرة سيناء، مما أعطى مجالاً لتلك الجماعات للزحف جنوب مصر من سيناء أو البحر الأحمر ثم التمركز في الصحراء الشرقية حتى إذا آنسوا من أنفسهم قوة ومن المصريين ضعفاً تسللوا إلى داخل البلاد (5). حتى سادوا مناطق في شرق مصر قبل عمليات الفتح
الإسلامي.
- الظروف الطبيعية القاسية التي كانت تتعرض لها مناطق جنوب الشام وشبه الجزيرة العربية في الوقت نفسه تمتعت منطقة وادي النيل باستقرار نسبي في
((1) قلعجي، المرجع السابق، ص: 68.
(2) قلعجي، المرجع نفسه، ص: 69.
(3) البدر، سليمان، منطقة الخليج العربي خلال الألفين الثاني والأول ق. م.
(4)
(5) فخري، ب، المرجع السابق. .، ص: 121
، ص: 64.
Olmested, History of the Persian Empire, P: 167.
-1?9 - (1/154)
صفحة 155
مجال الزراعة والتحكم في إنتاج الغذاء، مما جعل الجماعات السامية ترتبط بها وتسعى للإقامة على أرضها
(1)
3 - تعتبر اليمن الموطن الأصلي للشعوب العربية، وقد تمكن العرب بها بعد فترة الجفاف التي سادت شبه الجزيرة العربية، من تنظيم مصادر المياه والتحكم فيها خلال ما ارتبطوا به من تشييد السدود كسد مأرب (2)، لكن وقعت تغيرات من في تلك النظم منذ الألف الثاني ق. م جعلت الشعوب العربية تفكر هي الأخرى في الرحيل والبحث عن أوطان جديدة للاستقرار. وبحكم الموقع الجغرافي أصبحت القارة الإفريقية هي المتنفس الهام لتلك الجماعات عبر ا البحر الأحمر أو
(1) أحمد، خليفة، دراسات في تاريخ وحضارة الشعوب السامية، ص: 19. (2) قال الله تعالى، في كتابه الكريم ". لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عنه يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور .. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل لجازي إلا الكفور * - (سورة سبأ: 15 - 17) تعد قصة دمار سد مأرب من أكثر المواضيع التي تناولها المفسرون والباحثون والأثريون في تاريخ العرب القديم. ونسبوا أسباباً عديدة إلى أسباب خراب السد يصل بعضها إلى حد الأسطورة. وتدل معظمها على أنه سبب الحراب جاء من الفئران التي أتت على حجارة السد في النهاية. وإذا حاولنا دراسة هندسة البناء وأهميته، فإننا نجد أن إنشاء السد كان ضرورة لمنطقة تتلقى كميات كبيرة من الأمطار الموسمية، تقع في شرق اليمن، وتسير سيولها إلى منطقة قرب مأرب حيث تدخل بين الجبال في مخوات تعرف باسم جبل بلق، ويعرف الوادي النهاني الذي تصب فيه السيول قبل الفتحة باسم وادي ذنة. وجبل بلق، ذو صخور بركانية وارتفاعه .. 300 م ومتوسط الفتحة حوالي 230 م. من هنا إختار أهل سبأ هذا الموقع لبناء السد فبنوا جداراً قوياً أمام الوادي لوقفه. وبنوا جدران قوية جعلوا لها فتحات متعددة يخرج منها الماء لكل قناة تسير لرى ناحية معينة. وكان هذا السد يحقق أهداف منها:
1 - السيطرة على مياه السيول الغزيرة. 2 - تخزين المياه أمام السد. - تأمين رى منطقة مأرب الجافة وذات الأرض المرتفعة.
ويبدو أن السد قد تعرض للانهيار أكثر من مرة حتى كانت آخر محادلة لإصلاحه 542. م زمن أبرهة الحبشي. كما كان سيل العرم قبيل ميلاد الرسول، صلى الله عليه وسلم،
—10— (1/155)
صفحة 156
-101 -
عبر باب المندب، خاصة بعد انهيار سد مأرب.
لقد حفلت أخبار العصور القديمة بتعرض أوطان الساميين إلى فترات عديدة من الجفاف والجدب، مما اضطرهم إلى الخروج من تلك الأوضاع والتوجه صوب وادي النيل في إفريقية، في أغلب الأحيان. بل أن هجوم الهكسوس (1) الكاسح على مصر كان هروباً من أوضاع اقتصادية متردية أصابت غرب آسيا في القرن الثامن عشر ق. م. وبلغت قمة الأوضاع المتردية لمنطقة شبه الجزيرة العربية في العصور القديمة في القرن السادس ق. م. حيث بدأت جماعات عربية وسامية أخرى في التوجه صوب إفريقية للاستقرار بها.
ومن دراستنا لمعابر عبور الجماعات العربية إلى قارة افريقية قبيل الإسلام، وفي
صدر الاسلام، يمكننا تحديدها:
المعبر الأول: سيناء:
حيث كانت أهم المعاير وأنشطها عبر عصور التاريخ، بحيث كانت عمليات الفتح الاسلامي لشمال القارة عبر هذا المنفذ وحده. وبحكم ارتباط سيناء بشبه الجزيرة العربية في ظروفها الجغرافية وأوضاعها القبلية واتصالها البري المباشر مع غرب آسيا وشبه الجزيرة العربية بالإضافة إلى استواء سطحها ووجود الكثبان الرملية التي تحتفظ بكميات كبيرة من المياه الجوفية (2)، كل هذه العوامل جعلت من سيناء معبر العرب الأساسي إلى
إفريقية.
وشهدت سيناء استقرار جماعات عربية وسامية فيها قبل الإسلام (3)، كما عبرتها قبائل عربية في طريقها إلى مصر. فقد استقرت قبائل قضاعة في صحراء مصر الشرقية، واستقرت جماعات من الأزد في أيضا بعد عمليات انهيار سد مأرب، ونزل بها جماعة من العباسية (4) بحيث أن جيش عمرو بن العاصي لم يجد مقاومة وهو في طريقة
مصر
(1) ظل حكمهم محصورا في شمال مصر، حوالى قرن ونصف حتى طردهم أحمس الأول.
فخري، المرجع السابق، ص: 42.
(2) شقير، نقوم، تاريخ سيناء، ص: 45.
(3) التوراة، سفن التكوين، الإصحاح الثاني عشر. (4) ابن عبد الحكيم، فتوح مصر والمغرب، ص: 14 وما بعدها. (1/156)
صفحة 157
سيناء، إذ كانت قواته تتحرك وسط قبائل عربية في غالبتها. وبمجرد
(1)
فقد
إلى العاصمة. عبر فتح مصر سنة 21 هـ تدفقت تلك القبائل نحو ا الفسطاط ودلتا مصر وصعيدها نزل بالفسطاط في السنوات الأولى للفتح حوالي أربعون ألفاً. بالإضافة إلى القبائل التي تحركت صوب الصعيد جنوباً، أو التي انتشرت في قرى الدلتا وكفورها، وفي الإسكندرية.
مصر
وخلال القرنين الأول والثاني الهجريين أصبحت مصر أشبه بمستودع كبير للجماعات العربية التي بدأت في الانتشار في قارة إفريقية بفعل عوامل سياسية أو اقتصادية، بحيث أن عملية اختيار والي. شكل أهمية لدى الأمويين ثم العباسيين لما يمتلك من موارد بشرية هائلة من العرب بالإضافة إلى الإمكانيات الإقتصادية. واستمرت عمليات تدفق القبائل العربية على مصر حتى القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، حيث تحولت لغة وثقافة مصر إلى العربية رغم عراقتها وجذورها العميقة. وإن كانت الثقافة المصرية قد ظلت واضحة المعالم في الثقافة العربية الجديدة.
(2)
وبعد تمكن الوجود العربي من مصر باعتبارها بوابة إفريقية الرئيسية، بدأ يتطلع صوب الغرب، وقد حدث ذلك بعد الفتح مباشرة، بل أن بطل الفتح نفسه وهو عمرو بن العاص قد تحرك بقواته صوب الغرب واخترق برقة وطرابلس، لكنه عاد بسبب أوضاع مصر (3). وفي خلافة عثمان بن عفان بدأ الاستعداد لإرسال حملة. هي الأولى من نوعها لفتح افريقية. وقد ضمت تلك المجلة في معظمها أصحاب رسول الله، صلي الله عليه وسلم، وسميت بجيش إفريقية، وبلغ عدد هذا الجيش عشرون ألفا. وتمكن هذا الجيش من تحقيق تقدم جديد على جيهة إفريقية الشمالية، فقد ثم هزيمة الروم في معركة سبيطله (4). لكن أحداث الفتنة التي شملت العالم الإسلامي أدت إلى انسحاب الجيش إلى مصر، وهي الفتنة التي وقعت منذ السنوات الأخيرة للخليفة عثمان بن عفان وانتهت بمقتله، واستمرت أحداثه حتى في خلافه الإمام على بن أبي طالب، حيث استمرت سيوف المسلمين ضد بعضها البعض حتى. 4 هـ.
(1) ابن عبد الحكيم، المرجع السابق، ص: 217.
(2) ابن عبد الحكيم، فتوح مصر، ص: 194.
(3) محمود، حسن. الإسلام والثقافة العربية في إفريقية. ص: 86
(4) مؤنس، فتح العرب للمغرب، ص: 86، 87.
- ICT- (1/157)
صفحة 158
ومن
أجل إزالة المرارة من نفوس العرب من جراء الطريقة التي وصل بها الأمويون إلى الخلافة، ومن أجل استغلال طاقات العرب الحربية في الفتح والجهاد بدلاً. سارع معاوية إلى إرسال الجيوش لفتح افريقية بقيادة معاوية بن حديج. وأصبح
(1)
الفتنة من
للعرب خبرتهم بأرض إفريقية الشمالية ولمسوا التعامل مع أهلها مباشرة، فتمكن معاوية
ابن حديج من التوغل في إفريقية حتى وصل حضرموت (سوسة) واقتحم حصونها، ثم قفل راجعاً إلى مصر محملاً بالغنائم.
(2)
واستمرت عمليات الزحف الإسلامي في العصر الأموي ثم التراجع صوب مصر على جهة شمال إفريقية مستمرة طيلة العصر السفياني، حتى جاء إلى عمليات الاستقرار النهائي في شمال افريقية زمن عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وبدأت لأول مرة إدخال جماعات بربرية في خدمة الجيوش الإسلامية كان لها دورها الهام في عمليات الفتح الإسلامي لأسبانيا سنة 92 هـ بقيادة طارق بن زياد وأخذت عمليات الإنصهار الكبيرة بين العرب والبربر. كما أن الأعداد الكبيرة التي حملت من الجواري والغنائم البربرية إلى الشام، كانت رغم ما يحيط بها من تفسيرات هجرة قسرية إلى المنطقة العربية.
المعبر الثاني: باب المندب:
(3)
احتل أهم المعابر العربية إلى القارة الافريقية قبل الإسلام، ولم يتخل عن مكانته إلا حينما بدأت تتحرك الجيوش الإسلامية إلى داخل إفريقية الشمالية عبر مصر وسيناء. ذلك أن اليمن كانت مركزاً للجنس العربي في العصور القديمة، وبفعل عامل القرب المكاني أصبحت الحبشة ومنطقة القرن الإفريقي هي أقرب المناطق المناسبة للاستقرار والخروج من الأوضاع المتردية التي بدأت منطقة اليمن تتعرض لها
(2)
ظلت الهجرات العربية مستمرة عبر باب المندب إلى أرض «كوش» حيث تمكت من
(1) ابن تميم، أبو العرب، كتاب طبقات علماء إفريقية، ص: 26025، دار الكتاب اللبناني بيروت.
بدون تاريخ.
(2) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية.، ج، ص: 18
(3) قلعجي، الخليج العربي. ص: 48. (4) بافقية، تاريخ اليمن القديم، ص: 166.
153 (1/158)
صفحة 159
وضع أساسس الحضارة الحبشية، حتى ظهرت مملكة أكسوم التي بلغت درجة كبيرة على
(1)
المستوى العالمي كممثلة للقبائل والجماعات الإفريقية حتى نهاية العصور القديمة (1). ومنذ ذلك العهد لم تنقطع صلات العرب بالحبشة بل أن لغتهم وكتاباتهم ليست إلا الكتابة واللغة الحميرية التي كانت منتشرة في تلك الفترة. ويبدو أن هناك صلات بين ملوك أكسوم الحبشية وبين اليمن، فبمجرد ظهور أكسوم كقوة افريقية مدت سيطرتها مباشرة على اليمن، وأصبحت ألقاب هؤلاء الملوك ملك أكسوم وحمير وريدان وسلحين؟ (2)
حمير
ورغم تحول الأحباش إلى المسيحية وتعصبهم لها، إلا أن أبناء عمومتهم في اليمن ظلوا على عبادة القمر والشمس والكواكب الأخرى، ونشطت بيزنطة في إرسال مبشرين لنشر المسيحية من أجل تدعيم نفوذها السياسي والاقتصادي في اليمن وجنوب الجزيرة العربية، وفي منتصف القرن الرابع الميلادي كانت هناك في عدن كنيسة، وفي أرض ح کنيستان. لكن ظلت منطقة نجران على وثنيتها إلى آخر القرن الخامس الميلادي ولم ينجح بالتبشير بها، إلا راهب سوري اسمه «فميون». ولذلك تصادمت الديانتان اليهودية والمسيحية على أرض اليمن، خاصة نجران. حينما تهود الملك الحميري «ذو نواس» وأعلن الحرب والإضطهاد على المسيحيين، حتى وقعت مذبحة الأخدود سنة 533 م (3
(3)
دامت
واهتم الروم والأحباش بأحداث اليمن في تلك الفترة فأرسل الإمبراطور جستينان إلى النجاشي جيشاً لمساعدة مسيحي اليمن قوامه 700000،مقاتل، وبعد حرب) عامين، وجد ذو نواس أنه لا أمل له في التغلب على أعدائه ففضل الانتحار والغرق في البحر، حينما ألقى نفسه فيه مع جواده (4). وأصبح للأحباش، زمن أبرهة، اليد الطولي في اليمن جميعها فبدأت خطط حبشية لإصلاح وترميم سد مارب سنة 543 م، وبنيت
(1) فخري، دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص: 142. (2) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ص: 449 وما بعدها. (3) ورد ذكرها في القرآن الكريم: "والسماء ذات البروج واليوم الموعود • وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود • إذ هم عليها قعود) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) وما نقموا منهم إلا أن
يؤمنوا بالله العزيز الحميد - (4) جواد علي، المرجع السابق.
(سورة البروج: 1 - 8)
—
- 10?- (1/159)
صفحة 160
كنيسة كبيرة في صنعاء عرفت عند العرب باسم «القليس (1)) بالغ الأحباش في عمارتها وزخرفتها لجذب أنظار القبائل العربية إلى المسيحية.
ومهما يكن من أمر فقد أصبحت منطقة اليمن والحبشة أهم مناطق الصراعات الدولية قبل الإسلام وامتد هذا الإهتمام إلى الحجاز أيضا. ذلك أن الرومان ركزوا سياستهم على تلك المناطق للوصول إلى خيرات وتجارات المحيط الهندي، بعد أن فشلت حملتهم في القرن الأول ق. م، وبعد السياسات التي وضعها الإمبراطور تراجان، من أجل الاهتمام بتجارة ظفار واليمن والحجاز لضمان وصول تجارة المحيط الهندي براً وبحراً إلى البحر المتوسط (2). وكان الأحباش بالفعل أداة لتنفيذ تلك السياسة في المنطقة. ولم يعكر صفو هذا التحالف الروماني الحبشي على أرض اليمن، إلا حينما لجأ سيف بن ذي يزن إلى الفرس لتخليص بلاده من الأحباش. وعلى أرض اليمن بدأت مرحلة جديدة من الصراعات الدولية حتى ظهور الإسلام، فتغيرت الأوضاع من جديد.
ومن جهة ثانية امتدت العلاقات العربية واليمنية إلى الفراعنة أيضا عبر البحر الأحمر وعبر سواحل غرب البحر الأحمر، كامتداد لأوضاع الحبشة والمنطقة. حيث استخدم اليمنيون والعرب الطرق الموصلة بين البحر الأحمر والنيل ومنها طريق وادي الحمامات للتوجة شمالاً إلى دلتا النيل ويبدو أن هناك تأثيرا عقائديا ظهر في العقائد الفرعونية من عرب جنوب الجزيرة العربية. ذلك أن الإله حورس كان رمزا اتخذته إحدى القبائل كمعبود لها على هيئة الصقر وأنه جاء مع المهاجرين إلى مصر في الألف الثالث ق. م. ووصف في نصوص الأهرام بكلمات تحمل معنى الشرق (3). ولذلك فإن هناك إشارات عن موطنة الأصلي في بلاد بونت التي توجد عند جنوب البحر الأحمر. كما أن اسمه جورس في اللغة العربية مع نفس أوصاف الصقر، وقد أوردها في مادة «حر» (4) ويتضح أن العرب قد حملوا معهم إلههم حورس إلى الشمال الشرقي لافريقية عبر ساحل البحر الأحمر وأرتيريا وهى مناطق كانت تابعة لنفوذ الحضارة الفرعونية.
(1) أصلها "أكليسا" بمعنى كنيسة، ثم صرفها العرب إلى القليس. (2) حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص: 72. (3) فخري. المرجع السابق، ص: 135. (4) الدميري، كمال الدين، حياة الحيوان الكبرى، مادة حر، مادة صقر.
11001 (1/160)
صفحة 161
وبذلك أصبحت منطقة القرن الإفريقي وأرتيريا وساحل البحر الأحمر الإفريقي ذات
خصائص ودماء عربية منذ العصور القديمة، رغم امتداد الهيمنة السياسية والعسكرية للأحباش على اليمن وجنوب الجزيرة العربية، حتى فرص العرب نمط حياتهم وحضارتهم على تلك المناطق (1). من خلال استمرار تدفق الجماعات العربية إلى تلك المناطق الإفريقية من اليمن ومن منطقة ظفار في جنوب عمان.
وتؤكد الدراسات الإفريقية الحديثة، على أن العرب، خاصة القحطانية منهم، هم الذين مونوا السواحل الإفريقية الشرقية بالعناصر الحضارية التي ساهمت في تطوير القارة الإفريقية منذ البداية، من خلال هجراتهم واختلاطهم بالسكان الأفارقة، رغم معارضات القوى القديمة من البطالمة والرومان (2) وامتد هذا التأثير غرباً عبر وادي النيل إلى منطقة بحيرة تشاد. كما ساهم أهل الحجاز في تنشيط المراكز الإفريقية المواجهة لهم في ساحل البحر الأحمر وأدوليس، حيث كانت حركة ميناء الشعيبة والجار من أ أنشط موانئ وسط البحر الأحمر للتجارة الإفريقية. الأمر الذي أظهر أهمية العلاقات العربية الإفريقية القديمة في دعم انتشار الإسلام ومساندته. وكانت عمليات الهجرة الأولى من المسلمين إلى الحبشة حينما اشتد أذي قريش تحمل في مضمونها الكثير من متانة العلاقات العربية الإفريقية قبل الإسلام ومدي ما يكنه الأفارقة من تقدير واحترام للعرب. رغم وجود علاقات عربية وثيقة مع أمم أخرى من فرس وغيرهم. الأمر الذي يدل على أن الدور الحضاري العربي في إفريقية قبل الإسلام كان دوراً ايجابياً ومقدراً من قبل الأفارقة (3). حتى أن تلك العلاقات كتب لها الاستمرارية والدوام طوال فترات تاريخية طويلة، ولم يعسكر صفوها إلا حينما وصلت الأطماع الغربية حديثا إلى تلك الجهات.
المعبر الثالث: سواحل افريقية الشرقية وجزرها:
اندمج العرب بصورة أوثق مع الأقارقة في جبهة ثالثة من القارة، وهي منطقة الساحل الشرقي لإفريقية منذ العصور القديمة. ذلك أن العرب تكونت لديهم معارف راسخة عن الملاحة البحرية في المحيط الهندي، وامتلكوا ميزات هامة في هذا المضمار
(1) الغنيمي. حركة المد الإسلامي، ص: 15.
- بافقية. تاريخ اليمن القديم، ص: 22 (2) جواد علي المرجع السابق، ص: 459.
(3) مسعودي، قضايا إفريقية، ص: 77
-107 - (1/161)
صفحة 162
بحكم رصيد خبرتهم وعلاقتهم مع إفريقية والهند. ورغم توضيح المصادر اليونانية لأوضاع الملاحة في المحيط الهندي وشرقي إفريقية، إلا أن العرب كانت لديهم معارفهم الأقدم في هذا المجال وكانوا يتوارثونها ويخفونها عن الأمم الأخرى، الأمر الذي يؤكد سيطرة العرب على الملاحة في المحيط الهندي قبل أن يصل هيبالوس Hippalus اليوناني في القرن الأول ق. م (1).
وكان للعرب لهم تجربتهم في بناء السفن بما يتلاءم مع رحلاتهم الطويلة التي ينطلق بها البحارة إلى الهند والصين وإلى جنوب سواحل افريقية الشرقية، وهي السفن التي يشد ألواحها بليف أو خيوط من ليف ولا يدخل في تركيبها مسمار واحد. واتضح أن تلك السفن لها القدرة على السير لمسافات طويلة في البحار المتلاطمة الأمواج دون أن تتفكك ألواحها أثناء رحلتها الطويلة وتسمى تلك السفن باسم السفن المجلفطة، (2) وبذلك فإن العرب كانت لهم رحلاتهم البحرية الطويلة إلى سواحل شرق إفريقية حتى سفالة الزنج
(3)
وكان لأهل عمان دورهم الكبير في هذا المضمار في العصور القديمة، حيث اعتمد
عليهم حكام بلاد الرافدين في جلب سلع افريقية إليهم، وأصبحت «سفن مجان» هي الوسيط الهام بين إفريقية وبين مناطق الشرق الأدنى وحضاراته، كما كان لأهل عمان دورهم الكبير في تطوير فنون الملاحة في المحيط الهندي في العالم القديم، من جراء رحلاتهم المستمرة إلى شرق إفريقية الأمر الذي يفسر لنا توجه هجراتهم وحكامهم إلى شرق إفريقية في صدر الإسلام، بعد ذلك.
وبحكم تلك الروابط العربية الإفريقية الوثيقة قبل الإسلام، فقد حدثت هجرات
(1) حوراني، المرجع السابق، ص: 70 وما بعدها. (2) هي السفن التي لا يدخل في تركيبها مسمار واحد، وتشد ألواحها إلى بعضها البعض بخيوط من ليف من ثقوب بتلك الألواح ثم تطلى بمادة زيتية وتدهن. وهي التي عرفت باسم السفن المجلفة أو المدسرة، ويشق منها كلمة Galfter الغربية.
انظر: الشامي، أحمد، دكتور، العلاقات التجارية، ص: 19 وما بعدها.
(3) يطلق العرب، حتى اليوم، على المناطق الجنوبية اسم سفالة، وتوجد في مناطق عديدة من بلاد
العرب وسواحل الهند وكذلك على ساحل شرقي إفريقية.
حوراني، المرجع السابق، ص: 137.
- 101 - (1/162)
صفحة 163
(1)
عربية مستمرة إلى مناطق شرق إفريقية من سواحل أو جزر. وكان أهل سبأ أو أوسان أهم الجماعات العربية التي استقرت بكثرة على السواحل الإفريقية)، ووصلت إلى مسافات بعيدة جنوب سواحل إفريقية (2)، واستقرت جماعات من عمان ومن أهل أوسان في جزيرة بمبا وجزيرة زنجيار (3). وقد لاحظ ذلك التجار اليونان الذي ظهروا في المحيط الهندي في العصر الهلينستي. وأصبحت منطقة بمبا وزنجبار أهل المحطات التي استقرت بها الجماعات العربية للتجارة) (4). وحق أن يسمى شمال المحيط الهندي باسم «بحر العرب».
وأصبحت للرحلات العربية القديمة إلى شرق إفريقية دوراً هاماً في حمل ثروات إفريقية الإستوائية إلى المناطق التي تحتاجها في الشرق الأدني القديم والبحر المتوسط. وأصبح طرفي الرحلة العربية الطويلة إلى بلاد الصين وجنوب شرقي آسيا تسمى «واحد الواق» وإلى أقصى جنوب افريقية تسمى أ أيضا «واق الواق» وحتى أصبحت الثانية تسمى باسم واق واق اليمن دلالة على أصل التسمية والنشاط التجاري العربي.
(0)
ومن تتبعنا للعلاقات العربية الإفريقية قبل الإسلام نلاحظ مايلي: 1 - كانت العلاقات ترتكز أساساً على الجوانب التجارية دون التدخل أو المساس بالجوانب السياسية أو غيرها، وكان دور التاجر العربي دوراً نزيهاً بعيداً عن الإنتهازية والإستغلال وقد كان لهذا الأمر دوره في مكانه العربي في نفوس الأفارفة وما كان يكنه الأخير للعربي من الإحترام والتقدير.
2 - تعتبر منطقة القرن الإفريقي أهم مناطق التواجد العربي في القارة الإفريقية، وذلك بفضل عوامل تاريخية وجغرافية. حتى اعتبر البعض منطقة القرن الإفريقي مستودعا للجماعات السامية (6) خاصة العربية للقارة الإفريقية. ومن هذه المنطقة تحركت الجماعات العربية صوب داخل القارة في كل اتجاه،
(1) العبادي، محاضرات في تاريخ اليمن قبل الإسلام، ص: 175. (2) بافقية، المرجع السابق.
(3) حوراني، المرجع السابق، ص: 82024.
(4) حوراني، المرجع نفسه، ص: 231.
(5) حوراني، المرجع نفسه، ص: 231.
(5) لاحظ مشاهدات ابن بطوطة في رحلته، ص: 700 وما بعدها
11011 (1/163)
صفحة 164
شمالاً وغرباً وجنوباً. وكان لهذا أثره في عمليات نتشار الإسلام فيما بعد حيث كانت تلك القبائل العربية على صلة بأخبار قبائلها الأم في شبة الجزيرة العربية أوجيوشها التي تحركت لنشر الإسلام. وكانت هزيمة الجيوش الرومانية كفيلة بإظهار الصورة الحقيقية لمجتمع ما في إفريقية ودمائه العربية. وحتى المناطق التي لم تصلها الجيوش الإسلامية، فقد تحول أهل إلى العربية والإسلام دون أن يدروا وبالتدريج وكانت قبائل البجة خير دليل على ذلك.
- نقل العرب إلى أوطانهم الإفريقية أمراضهم العصبية، فظهرت العصبية القبلية بشكل مباشر أو غير مباشرين عرب إفريقية فإذا كان العرب ينقسمون إلى عصبيتين هما: عرب الشمال العدنانية النزارية القيسية) وعرب الجنوب القحطانية، اليمنية فإننا وجدنا عرب السودان الشرقي، يظهر بينهم تلك العصبية في صورة جديدة، فحرف عرب الشمال عندهم باسم الجعليين أو العباسيين، وعرب الجنوب باسم الجهينيين. (1) حتى أن هذين الفرعين كانا يمثلان تسعة أعشار العرب في السودان
(2)
4 - تميز الدور العربي في التجارة الإفريقية العالمية بالوصول إلى منابع الإنتاج للسلع الإفريقية، والمساهمة، أحياناً في عمليات الإنتاج مع السكان المحليين، عكس الدور العربي في التجارة العربية مع الهند أو مع الصين، حيث كانت المراكز التجارية على سواحل الهند أو الصين تتكدس فيها السلع المنتجات انتظاراً لمرور السفن العربية لتتم عمليات التبادل والشراء (3). وكانت الجاليات العربية على سواحل الهند أو الصين أو فيما بينهما تعيش في تلك المراكز التجارية.
ه - رغم تغير ظروف العلاقات التجارية بين العرب وإفريقية بين الإزهار أحيانا والتدهور أحيانا أخرى السبب مواقف القوى الخارجية أو الداخلية في القارة الإفريقية مثل البطالمة أو الرومان، إلا أن نشاط الجماعات العربية استمر في
(1) عوض، المرجع السابق، ص: 216.
(2) عوض، المرجع نفسه، ص: 320 وما بعدها.
(3) أشتهر، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ص: 119.
-109 - (1/164)
صفحة 165
التنقل داخل القارة الإفريقـ كما كانت عمليات التفاعل مستمرة مع الأفارقة. فبرغم وجود ممالك في النوبة وفي منطقة السودان الشرقي والأوسط بأن الجماعات العربية ظلت في حركتها وراء تجارتها أو مراعيها، حتى إذا ما آنست من نفسها قوة تظهر ذلك في شكل سياده على منطقتها.
6 - تمثل الدور الإنساني والحضاري للتاجر العربي في إفريقية في القناعة التي التزم بها في تحديده للعائد من سلعة الإفريقية أو السلع التي حملها من أماكن أخري إلي الأفارقة (1) فبرغم ما تكلفة عمليات الشحن والتفريغ والملاحة والحراسة والمؤن، فإن ربحه كان في الغالب لا يتعدي ضعف سعر السلعة وهو سعر مناسب للتكاليف التي تتكلفها السلعة، والمشاق التي يواجهها، أهمية ذلك الدور وإنسانيته، حينما تبرم الأوروبيون في نهاية العصور الوسطي وبداية العصور الحديثة من استغلال تجار البندقة وجنوة وغيرهم من تجار إيطاليا من الأسعار المرتفعه لتلك السلع التي حملتها سفنهم إلي أوربا من مواني المسلمين القربية منهم، والتي كانت تصل إلي الأوروبيين بعد أن يحصل تجار إيطاليا علي أكثر من عشر أمثال السلعة رغم قرب المسافة، وبساطة الحصول عليها بل كان هذا الامر سببا في اهتمام حكام البرتغال وأسبانيا بالكشوف الجغرافية والملاحة البحرية للوصول إلي منابع تلك السلع وكسر احتكار البنادقة وغيرهم من تجار المدن الايطالية
(2)
ظل الذهب هو السلعة الأساسية التي ظلت تتدفق من إفريقية في كل اتجاه، وعبر كل العصور فقد حملته قوافل التجار الفراعنة والفينيقيين واليونان والرومان، كما نقلته سفن أهل اليمن وعمان. وكان للذهب الإفريقي دوره
(3)
الكبير في الإستقرار الإقتصادي ثم النقدي في العالم القديم (3). ثم تأتي من المواد الخام كالحديد والنحاس وهي مواد هامة للتطور الحضاري في العالم القديم، بحيث اعتمدت مدنيات الهند وبلاد الرافدين علي تلك السلع الهامة
An Economic History of West Africa P: 45.
(1)
(2) لوفران، تاريخ التجارة، ص: 68.
(3) آشتور، التاريخ الإقتصادي والاجتماعي للشرق الأوسط في العصور الوسطى، ص: 98.
- 17.- (1/165)
صفحة 166
لها واعتمدت روما وغيرهم من قوي البحر المتوسط علي تلك السلع أيضا (1)
في المقابل شكل الملح أهم السلع التي اتجهت إلي داخل القارة الإفريقية،
خاصة في المناطق الإفريقية التي تقع علي خط السافانا وتبتعد عن الساحل ذلك أن الجماعات التي تعامل معها تجار البربر وشمال إفريقية في منطقة جنوب الصحراء كانوا من سكان منطقة السافانا المحصورة بين الرمال في الشمال والغابات في الجنوب كانوا يلجأون إلي طرق معقدة وبدائية في سبيل استخلاص الملح من النباتات. وأصبح للملح أهمية في الحياة اليومية للإنسان، خاصة في المناطق الحارة. من هنا أصبحت تلك السلعة بالنسبة للزنوج تساوي قيمة الذهب بالنسبة لسكان البحر المتوسط.
(2)
- ظلت إفريقية مرتبطة بسلع هامة في مجال التجارة العالمية عبر العصور القديمة، واستمرت مرتبطة بها أيضا في العصور الوسطي، ولم يقع التغير الكبير في مجال السلع الإفريقية إلا بعد قدوم الأوروبيين إلي تلك القارة، ووقوع الإنقلاب الصناعي. حيث انطلق الأوروبيون للبحث عن كنوز جديدة للقارة ومعادن جديدة تفيد آلاتهم الجديدة. فبينما ظل الذهب والحديد والنحاس والرقيق أهم السلع التي تخرج من القارة للعالم القديم والعالم الوسيط الأمر في عصر الإنقلاب الصناعي حيث احتاجت الآلات الأوربية إلي خامات جديدة، كما أصبحت تلك الآلات تعارض تجارة الرقيق علي أساس أن الآلة حلت محل الأيدي العاملة، في العالم الجديد، فبدأت نظريات جديد في أوربا تعمل علي وقف تجارة الرقيق تحت شعارات إنسانية براقة، ولكن المقصود كان هو إخلاء سوق العمل أمام الآلآت الأوربية لتسويقها. والمتتبع
تغير
لتلك الآراء يجب أنها لم تؤيد من حكوماتها إلا بعد الإنقلاب الصناعي.
9 - ساهم الأفارقة أيضا من جنوب الصحراء في مجال التجارة العالمية. وذلك أن الإمارات والجماعات الزنجية التي ظهرت علي سواحل إفريقية الشرقية. أو جنوب الصحراء الإفريقية الكبري المعتمدة في حياتها علي التجارة. ذلك
(1) لوفران، تاريخ إفريقية الشمالية، ج 1، ص: 68
(2) لومبارد. الجغرافية، التاريخية. .
313:
-171 - (1/166)
صفحة 167
أن تلك الجماعات شكلت وسيطا بين مناطق الغابات الإفريقية والأدغال والأحراش وبين مراكز التجارة العالمية، وكانت بحكم بئيتها علي صلة بقبائل الزنوج داخل الغابات والمناطق التي من الصعب علي التاجر الأجنبي الوصول إليها، ولذلك فقد حدث اختلاط بين الأفارقة جنوب الصحراء وبين سكان شمال إفريقية في بلاد المغرب ومصر. حيث كان هؤلاء في حالة حركة دائمة بين الشمال وبين الجنوب بعد زحف الجفاف علي مناطقهم منذ الألف الأول قبل
الميلاد.
(1)
وقد استمدت الجماعات الإفريقية قوتها الاقتصادية من نشاطها التجاري ووساطتها بين نطاق الغابات الإفريقية وبين السواحل الإفريقية الشمالية والشرقية (1). ولكن لم تورخ لتلك النشاطات في العصور القديمة وظلة غامضة مجهولة حتي بداية دخول الإسلام إلي تلك المناطق وظهورهم علي مسرح أحداث العالم الاسلامي. وإن كان الباحث بلاحظ وجود عناصر زنجية ضمن أحداث حضارات البحر المتوسط في العصور القديمة وغيرها من حضارت العالم
القديم
(2)
10 - ظلت الطرق البحرية عبر المحيط الهندي والبحر المتوسط هي المستخدمة لنقل تجارة إفريقية إلى حضارات العالم القديم ومدنياته عبر منافذ بحرية محدرة. إلا أن هذين المعبرين قد تبادلا الأهمية في نقل تجارة إفريقية. فقد ظلت مياة المحيط الهندي هي التي تشهد حمل السلع الإفريقية إلى حضارات السند والهند وفارس وبلاد الرافدين، خاصة من خلال التجارة العرب الأمر الذي أدي إلي اهتمام ملوك وحكام سومر وبابل وآشتور وأكاد وفارس بأوضاع سواحل الخليج العربي «البحر المر» أو «البحر السفلي» فهو الممر الأساسي لحمل تلك السلع الهامة إليهم كما أصبحت تلك المنطقة تشهد امتداد الاطماع الدولية القديمة إليها.
(4)
(1) جوليان، المرجع السابق، ج 1، ص: 256 وما بعدها.
(2) البدر، الخليج العربي في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، ص: 75 وما بعدها. (3) لوفران، المرجع السابق، ص: 18.
-177 - (1/167)
صفحة 168
وبظهور الرومان كقوة عالمية حوض البحر المتوسط، أصبح البحر المتوسط «بحر الروم يفوق في أهميته المحيط الهندي في حمل السلع القادمة من إفريقية لأهميتها في حياتها اليومية والعامة وفي الجوانب الدينية.
ويظهور الإسلام أصبح المنفذين البحريين: المحيط الهندي والبحر المتوسط علي أهمية واحدة علي اساس أن الدولة الإسلامية الجديدة شملت اليابس العالمي شماله المحيط بقلب القارة الإفريقية كما أصبح البحر المتوسط والمحيط الهندي، خاصة شمال، بحارا عربية إسلامية. وقد تمكن بذلك الإسلام من ربط الطرق العالمية القديمة البرية والبحرية لأول مرة في التاريخ، وهو الأمر الذي فشل منه قبل الإسكندر الأكبر المقدوني)
(1)
(1) قلعجي، المرجع السابق، ص: 36.
163 - (1/168)
صفحة 169
(2)
إفريقية في عصر
الرسول والخلفاء الراشدين
منذ بداية العقد الثالث من القرن السابع الميلادي شهدت منطقة شرق إفريقية وغرب آسيا تطورت جديدة أثرت علي التاريخ ومسيرة البشرية منذ ذلك الوقت. ذلك أن ظهور رسالة الإسلام في منطقة الحجاز ودعوتها إلي نظام إنساني عالمي سماوي جديد جعلت من القارة الإفريقية موقعا علي مستوي الأحداث العالمية منذ البداية. وبدأت مرحلة جديدة وهامة في التاريخ الإفريقي.
(1)
وكانت
لقد استفادت الدعوة الإسلامية منذ البداية من رصيد العلاقات العربية الإفريقية، وأصبحت إفريقية علي دراية بنبض منطقة مكة والمدنية وعلي علم بأحداث الحجاز، حيث كانت حركة السفن التجارية مستمرة بين الطرفين: البحر الأحمر عبر حركة الأفراد والجماعات بين الطرفين مستمرة بين الساحلين العربي والإفريقي للبحر الأحمر. فكان ميناء الشعبية وميناء الجار في أوج ازدهارهما التجاري مع ميناء عدول "أدوليس" الحبشي (2). كما كانت الحركة التجارية نشطة في ذلك الوقت بين موانيء. ء عدن والمكلا وقنا وسمهرام وغيرها من مواني الجزيرة العربية من مواني الحبشة والقرن الإفريقي. بالإضافة إلي تبعية جنوب البحر الأحمر للنفوذ الحبشي بعد استنجاد اليمنيين بالفرس.
ويبدو أن الأحباش قد نشطوا أيضا علي السواحل العربية في تلك الفترة للتجارة وفي مجالات الأعمال الأخرى. ووصل إلي عرش الحبشة في تلك الفترة شخصية تربت على أرض العرب. فتذكر الروايات أنه ظهر صراع علي عرس الحبشه بين ملكين من ملوكها الأول يدعي أبحر مع ابنه ويسمي «أصحمة» (3). وكان الأخير معاصرا للرسول صلي الله علية وسلم، وثار الأحباش علي أبحر وقتلوه، وأبعدوا ابنه أصحمة، ووصل إلي
(3)
(1) النعيم، نورة، الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية، ص: 261 وما بعدها.
(2) الناصري. المرجع السابق، ص: 48.
(3) عابدين، بين الحبشة والعرب، ص: 72 وما بعدها.
-178 - (1/169)
صفحة 170
كرسي |
الملك ملك مغتصب حينما توفي الملك المغتصب لم يكن له ولد يحلفة علي العرش فاستدعي الأحباش أصحمة بعد أن كانوا قد باعوه إلي تاجر عربي، فحمله معه إلي له الغنم. وحنيما عاد أصحمة إلي كرسي الملك لم ينس المعاملة الحسنة التي لاقاها في بلاد العرب، فظل متعاطفا مع العرب ومع قضاياهم.
بلاده يرعي
وكان أصحمة علي موعد مع الدين الجديد فتدل الروايات علي أن الأحباش ملوكا وأفرادا كان لديهم الإحساس بظروف بلاد العرب وتطورات أحداثها كما كانت بلاد العرب أيضا تحس هي الأخرى بنوايا أهل الحبشة ومايكنة ملوكها من تقدير للعرب. من هنا بدأت افريقية تشارك منذ البداية في نجاج الدعوة الاسلامية، وسبقت بذلك مناطق أخرى، ذلك أنه حينما اشتد أذي كفار قريش للمسلمين، أصبحت أرض الحبشة هي ا الأمل الوحيد أمام المسلمين للخروج من دائرة الإضطهاد والبلاء من المشركين وقد أخبر الرسول صلي الله عليه وسلم، أصحابة بالأمل الجديد بقوله «لو خرجتم إلى أرض فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتي يجعل الله لكم فرجا مما أنتم» (1)
وبذلك شهدت إفريقية، ممثلة في أرض الحبشه، أول هجرة في تاريخ الإسلام. وهو أمر له مدلولاته الجديدة. وأمن المهاجرون من المسلمين الأوائل علي أنفسهم في جوار نجاشي الحبشة (2)، وكان أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة مهاجرا، عثمان بن عفان
(1) ابن هشام، أبو محمد عبد الملك (ت 213) هـ.)، السيرة النبوية، تحقيق طه عبد الرؤف سعد، ج 1، ص: 28، بيروت 1987 م.
(2) قال عبد الله الحارث حينما أحسن النجاشي جواره وجوار من معه من المهاجرين: كل أمرئ من عباد الله فصطهد ببطن مكة مقهور ومفتون
إنا وجدنا بلاد الله واسعة ينجي من الذل والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذل الحياة وخز ى في الممات وعيب غير مأمون
وقال أيضاً:
وتلك قريش تجحد الله حقه
كما هجدت عاد ومدين والحجر
فإن أنا لم أبرهة فلا يسعني من الأرض بر ذو قضاء ولا بحر بأرض بها عبد الإله محمد أبين ما في النفس إذ بلغ النقر.
ابن هشام، المصدر السابق، جـ 1، ص: 287/ 286.
-
165 (1/170)
صفحة 171
وزوجته رقية بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عقبة بن ربيعه وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف، وبلغ عدد هؤلاء الأوائل من المهاجرين إلي الحبشه عشرة. ثم خرج جعفر بن أبي طالب. وتتابع المسلمون حتي اجتمعوا بأرض الجبشة بأعداد كبيرة فكثروا بها. فمنهم من خرج بأهلة، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه
(1)
ويذكر ابن هشام في سيرته أعدادا كبيرة من المهاجرين حسب قبائلهم، فمنهم من بني هاشم، ومن بني عبد شمس، ومن بني نوفل ومن بني أسد، ومن بني عبد قصى، ومن بني عبد الدار بن قصى، ومن بني زهرة، ومن بني هذيل، ومن بني تميم، ومن بني مخروم، ومن بني جمع، ومن بني سهم، ومن بني عدي، ومن بني عامر، ومن بني الحارث، حتي أحصاهم ثلاثة وثمانين رجلا سوي أبنائهم الذين خرجوا معهم صغارا، أو أولادهم الذين ولدوا بها.
لقد كان قرار الرسول صلي الله عليه وسلم، بخروج المسلمين من مكة إلي أرض الحبشة يدل علي حكمة فقد جعل مقدمة المهاجرين عشرة من المسلمين، وكانوا بمثابة استطلاع للموقع الجديد، واختبارا لنوايا النجاشي واستعداداته. كانوا في غالبيتهم من التجار الذين ترددوا علي موانيء الحبشة قبل ذلك ولهم دراية بأحوالها. وقد أقام هذا الوفد شهرين في بلاط النجاشي حتي حصل علي موافقتة، وبعد ذلك تدفق المسلمون بأهلهم علي الأرض الجديدة التي جعلها الله وطنا جديدا للمسلمين الأوائل (2). وكان لذلك الأمر أثره علي مسار الدعوة الإسلامية في خطوتها الأولي ومتنفسا من اضطهاد
کفار قريش وعنادهم. حيث تربي علي تلك الارض الإفريقية جيل في بيئة متسامحة.
واحتلت الأرض الإفريقية الممثلة في أرض الجبشة، وزعيمها النجاشي مكانة هامة في التاريخ الإسلامي، حتي الآن فقد وجد المسلمون علي أرضه بيئة آمنة، وأحسوا
(3)
(1) الناصري، المرجع السابق، ص: 58.
(2) ابن هشام: المصدر السابق، ص: 293.
(3) روى عن الرسول أحاديث كثيرة تثنى على هذا الموقف.
كما روت عائشة "لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نورا
ابن هشام، المصدر السابق، ص: 293
-177 - (1/171)
صفحة 172
بالأمان علي عقيدتهم، فكان ذلك نصرا هاما للإسلام وأتباعه.
أحس كفار قريش بخطورة موقف نجاش الجبشه علي موقفهم من الاسلام الذي يرمي إلي القضاء علي الإسلام والإجهاض علي دعوته، خاصة بعد هزيمة بدر، فقرروا إرسال رجلين من زعمائهم إلي النجاشي لاستدراك ذلك الأمر وهما: عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وكان لهما سبقاً في التردد علي الحبشة، وبعثت قريش معهما هدايا كثيرة للنجاشي، ولرجال الدين المسيحيين في مملكتة من البطارقة، ولم يتركوا بطريقا إلا أهدوا له هدية حتي يثيروا رجال النجاشي ضده وضد المسلمين لعلمهم بموقف النجاشي وتأييدة للمسلمين
(1)
وصل الوفد وبدأ اتصالات برجال الكنيسة والإدارة في الحبشة، وبينوا لهم أن هؤلاء المهاجرين خطرا عليهم، وأنهم رافضون لدين أهل الحبشة من المسيحية. وعقدت مفاوضات بين وفد قريش وبين نجاشي الحبشة، حتي أ أن يقاوض ويواجه هؤلاء المهاجرين بنفسه لمعرفة الحقيقة، وانتهت تلك المفاوضات بنصر جديد للإسلام علي أرض
إفريقية تمثل فيما يلي:
:
أنه قرر
1 - اقتناع النجاشي بمباديء الإسلام، والاستمرار في توفير الحماية للمسلمين المهاجرين ورفض تسليمهم لقريش بعد اقتناعه بآرائهم وأفكارهم.
سمع صدرا
2 - اتضحت صورة عيسي ابن مريم عليه السلام، بشكل واضح عند النجاشي، فمن خلال النقاش مع المهاجرين المسلمين عدل النجاشي فكره ومعتقده، حينما. من صورة مريم، من القرآن الكريم حيث شهد بأن عيسي ابن مريم عبد الله ورسوله وروح منه، وكلمة ألقاها إلي مريم.
(1) أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم. كتاباً إلى النجاشي أوضح له فيه مدى ثقته بموقفه مع المسلمين، بقوله، صلى الله عليه وسلم:
"أما بعد فكأنك من الرقة علينا فما، وكأنا من الثقة بك منك .. "
- الأحمدي، علي بن حسين، مكاتيب الرسول،،، ج 1 ص: 121، 131، بيروت، بدون تاريخ.
(2) ابن هشام، المصدر السابق، ص: 294.
-177 - (1/172)
صفحة 173
انتهي! الأمر بتحول النجاشي إلي الإسلام، وإعلان ذلك، 9 هـ، وحتي أن الرسول صلي الله عليه وسلم.، نعاه حينما علم بوفاته وصلي عليه بالبقيع واستغفر له. وكان تحول النجاشي للإسلام بعد تلك المناقشات مترتبا علي رسائل الرسول صلي الله عليه وسلم، له والتي أوضحت له أهمية وحقيقة الدين المستقيم.
فقد أوردت المصادر نص رسالة الرسول صلي الله عليه وسلم إلي النجاشي، والتي جا فيها «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله، إلي النجاشي الأصحم، ملك الحبشه، سلام عليك، فإني أحمد الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسي ابن مريم روح الله، وكلمة ألقاها إلي مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسي فخلقه من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيدة ونفخه، وأني ادعوك إلي الله وحدة لاشريك له، والمولاة علي طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي، وبالذي جائني فإني رسول الله، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإن جاؤك فأقر ودع التجبر، وإني أدعوك عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا، السلام علي من اتبع
وجنودك إلي الله
الهدي
(1)
ويتضح من محتويات الرسالة الشريفة أنها توضح النهج الصحيح الذي يجب أن ينهجه النجاشي، كما تحدد له مفهوم المسيحية الصحيح، ورسالة الإسلام، باعتبارها خاتمة الرسالات. ورغم وجود نصوص أخري للرسالة، إلا أنها تتفق في كل النصوص حول تصور الرسول صلي الله عليه وسلم. لعيسي ابن مريم. كما وصلت رسائل أخري من المسلمين وصحابة الرسل صلي الله عليه وسلم، وممن لهم علاقة بنجاشي الحبشة
(2)
توطدت العلاقات بين نجاشي الحبشه، وبين الرسول، صلي الله عليه وسلم، حيث
(1) الأحمدي المصدر السابق، ص: 131
(2) كتب أبو طالب رسالة إلى النجاشي، يوصيه بجعفر وأصحابه، يقول فيها:
تعلم مليك الحبش أن محمداً
إتى بالهدى مثل الذي أتيانه
وإنكم تتلونه في كتابكم
فلا تجعلوا لله نداً واسلموا
انظر: الأحمدي. المرجع السابق، ص: 125
نبي كموسى والمسيح بن مريم وكل بحمد الله يهدي ويعصم
بصدق حديث لا حديث المرجم
فإن طريق الحق ليس بمظلم
-174 - (1/173)
صفحة 174
بعث النجاشي بهدايا كثيرة إلي الرسول منها الثياب والطيب وغيرها من سلع بلاده، كما
أرسل النجاشي إلي المدنيه المنورة وفدا من رجال الكنيسة للإطلاع علي عقيدة الاسلام وقد أسلم هؤلاء القساوسة، وتدل مجريات الأحداث في الحبشه علي ظهور صراع بين رجال الدين من ناحية وبينهم وبين النجاشي من ناحيه ثانيه.
•
ومن أجل تامين طرق الاتصال بين المدنيه المنورة وبين الحبشة، حيث كان طريق البحر الأحمر هو المتبع في الاتصال مع ميناء أدوليس الحبشي، أرسل الرسول صلي الله عليه وسلم، قوة من المهاجرين بقيادة حمزة بن عبد المطلب ووجهها إلي سيف البحر في ثلاثين راكبا من المهاجرين فلقي أبا جهل بن هشام علي الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، ولم يقع بين الطرفين قتال. بسبب وساطة. مجدي بن عمرو الجهيني
(1)
وتدل تلك المواجهة علي اهتامات الرسول صلي الله علية وسلم بالتجارة مع إفريقية فإذا كانت مواجهة بدر تعود إلي أسباب استراتيجية لتجارة قريش مع الشام، نظرا لوقوع المدنية المنورة علي الطريق البري بين مكة والشام، فإن الرسول كان يدرك أهمية تجارة قريش مع موانيء إفريقية علي البحر الأحمر، ولذلك عقد الراية إلي حمزة بن عبد المطلب. ورغم عدم وقوع مواجهة مع رجال قريش إلا أن كبر حجم أعداد رجال قريش المترديين علي تلك المواني العربية المطلة علي البحر الاحمر والمتصلة بالتجارة الإفريقية النشاط التجاري الكبير بين الحجاز وإفريقية.
تدل.
جحم
وإذا كان تجار قريش، المعاندين للدعوة الإسلامية، ظلوا مسيطرين علي موانيء الحجاز التصلة بالتجارة الإفريقية، فإن الرسول صلي الله عليه وسلم، اعتمد علي المراسلات المستمرة بينه وبين المهاجرين في الحبشة. حيث اعتمد الرسول علي شخصية لها درايتها بالبحر الأحمر والحبشة وهو عمرو بن أمية الضمري الذي تربطه بنجاشي الحبشة علاقة طيبة، حيث أقام النجاشي عنده حينما كان مطرودا من أرضه. وقد وصل عمرو ابن أميه الضمري إلي الجبشة في زيارة أخيرة، وبدأ في تجميع المسلمين لحملهم إلي المدنية، بعد أن تمكن المسلمون من تكوين دولتهم في المدنية. وقدم المهاجرون علي سفينتين، ونزلوا ميناء الحجاز علي البحر الأحمر. وكان ذلك يوم فتح.
(1) ابن هشام، السيرة، ج 2، ص: 232. (2) ابن هشام، المصدر نفسه، ص: 233.
خير
(2)
179 - (1/174)
صفحة 175
ويبدو أن هناك صراعاً دار علي السلطة في الجبشة انتهي بنهاية النجاشي كما بدأ الإسلام ينتشر بين أهلها من خلال المجموعات التي استقرت بين أهلها من المهاجرين وإقامتهم هناك لعدة سنوات تمكنوا خلالها من توضيح الإسلام لأهلها خاصة وأن هؤلاء المهاجرين، كان معظمهم علي دراية بأحوال منطقة الحبشة ورجالها وشئون قبائلها.
(1)
وامتد التأثير الإسلامي المبكر أيضا للساحل الإفريقي المقابل لمنطقة الجحاز، وهو ساحل البحر الاحمر الإفريقي والذي يقع تحت نفوذ قبائل البجة (1)، حيث وقع تحول لسكانها نحو الإسلام استمر حتي ظهر أثره في العصر العباسي رغم استمرار تلك القبائل علي حياتها ونمطها القديم.
تدريجي
ويبد أن الأحداث كانت قد بدأت تتجه إلي العزلة في منطقة الحبشة والقرن الإفريقي، منذ طرد الأحباش من اليمن وتعرض دولتهم لمشاكل داخلية وصراعات قبلية ولم يكن لنشاط المهاجرين الأوائل من المسلمين الدور الكبير لإخراج أهل الحبشة من عزلتهم وتوجيههم للمشاركة في أحداث العالم الجديدة التي ترتبت علي ظهور الإسلام. وظلت أنوار الإسلام تصل إلي تلك المنطقة علي يد التجار الذين ظلوا يترددون علي مواني الحبشة. بينما السلطة المركزية فيها غائبة بسبب غارات قبائل "أجاو "الوثنية (2).
وأصبحت جزر البحر الأحمر الجنوبية والوسطي والشمالية تحت هي الأخرى نفوذ التجار المسلمين، وكذلك الموانئ والمراكز الساحلية. ومن هذة المراكز بدأ الإسلام يشق طريقة إلى داخل الهضبة الأنبوبية ومنطقة أريتريا وبلاد السودان. وبدأ هذا المنفذ يقوم بدوره الكبير في نشر الحضارة الإسلامية في إفريقية منذ القرن الثامن الميلادي. وانتهز التجار المسلمون، وكذلك القبائل العربية خلو منطقة جنوب البحر الأحمر الإفريقية من قوة مركزية سياسية لتمد نفوذها إلى داخل إفريقية، فقد فقدت أكسوم جزر دهلك وغيرها من جزر البحر الأحمر، وتركتها تحت نفوذ القبائل العربية والتجار العرب الذين حولوها إلي مراكز للعبور إلي داخل القارة الإفريقية وبلاد السودان.
(4)
(1) قبائل إفريقية تسيطر على سواحل البحر الأحمر الإفريقية من شمال أرتيريا جنوباً، حتى سواحل
جنوب مصر على البحر الأحمر شمالاً.
(2) العارف، الأحباش، بين مأرب، وأكسوم، ص: 77.
(3) العارف، المرجع السابق، ص: 78.
- \ V. - (1/175)
صفحة 176
وترتب علي النشاط الإسلامي المبكر علي يد التجار والقبائل العربية ظهور مراكز إسلامية داخل الهضبة الحبشية مثل مملكة "أوفات" في إقليم شوا والتي مدت نفوذها حتي بلغت ميناء زيلع حيث الطرق البرية إلي البحر الاحمر. كما ظهرت إمارت أخري إسلامية في تلك المنطقة من القارة الإفريفية مثل مملكة "عدل ومقرها زيلع. وكانت تلك المراكز الإسلامية بمثابة نقاط حضارية لنشر الإسلام داخل القارة الإفريقية (1).
الرشد اين هي.
الميلادي حتي
علي أن أعظم المراكز الإسلامية العربية التي ظهرت منذ عصر الرسول والخلفاء سلطنة "هرار "فوق الهضبة الشرقية. ويبدو أنها تأسست منذ القرن السابع أصبحت بحق مركز هام للعرب والمسلمين يعد ذلك. ثم نمت وتوسعت لموقعها التجاري داخل الهضبة. ومازالت تحتفظ هرار بلغة خاصة تسمي لغة "هدارة ترجع إلي أصول سامية) .. ومن تلك المراكز بدأ الاسلام يثبت خطاه في الحبشة وبلاد السودان الشرقي وقلب القارة.
(2)
من جهة ثانية استقبلت القارة الافريقية رسالة أخرى من الرسول صلي الله علية وسلم، من نافذة ثانية. فقد أرسل الرسول رسالة إلي والي مصر من قبل، البيزنطيين، وهو المقوقس. جاء فيها بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلي المقوقس عظيم القبط. سلام علي من اتبع الهدي إما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، اسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإنما عليك إثم القبط (ويا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون
(3)
ويتضح من تفحص الروايات والمصادر أن المقوقس أكرم وفد الرسول صلي الله عليه وسلم إليه، ورد علية بلطف، وأهدي إلية الكثير من الهدايا. من تلك الهدايا جارية اسمها مارية، وهي التي أنجبت للرسول ابنه إبراهيم وجارية أخري اسمها سيرين، وثالثة سوداء، وبغلة شهباء، وفرسا، وحمارا أشبها
Spencer The Islam in Ethipia, P.: 152.
-
(1)
(2) عوض. الشعوب والسلالات، ص: 253. (3) الأحمدي، المصدر السابق، ج 3، ص: 97
171 - (1/176)
صفحة 177
ورغم أهمية المعبر المصري لدخول الإسلام إلى القارة الإفريقية، وخاصة منذ خلافة عمر بن الخطاب، وبعد القضاء علي حركات الردة في شبه الجزيرة العربية، في خلافة أبي بكر وبداية توجيه الجيوش لمواجهة الحواجز التي تعرقل وصول الإسلام إلى الشعوب المجاوره والممثلة في جيوش الروم والفرس. فقد بدأ هناك اتصال بين القوي المعارضة للإسلام في مصر مع تلك القوي في الحبشة، واستمر ذلك عبر مراحل التاريخ حتي حل محل هذا الإتصال ظهور القوي الأوربية الحديثة.
وانعكس هذا الصراع بين التحالف الحبشي مع أعداد الإسلام في مصر، علي تهديد ذاتها، وقد ظهر ذلك في محاولة تهديد تدفق مياه النيل من
(1)
وجود المسلمين في مصر روافده في الحبشة إلي مصر.، وكثيرا ما كانت السلطات الإسلامية في مصر توسط الكنيسة في الإسكندرية لوقف تلك الاعمال ورفع الأذى، وخاصة في العصر الفاطمي حينما قام الخليفة الفاطمي المنصور بالله بطلب بطريرك كنيسة الإسكندرية، وأرسله الي الحبشة لمنع حكامها من التعرض لمياه النيل، وكذلك رفع الأذي عن المسلمين بها. ولكن تلك التحالفات لم تؤثر في التحول الجارف لسكن وادي النيل إلي الإسلام.
وتدل أوضاع إفريقية زمن الرسول صلي الله عليه وسلم، علي دلالات تاريخة هامة للباحثين منها مايلي:
(2)
1 - أن مكاتيب الرسول صلي الله عليه وسلم، التي أرسلها بعد صلح الحديبية (2)، لدعوة أمراء وحكام المناطق المجاورة للإسلام لقيت صدرا رحبا في إفريقية، أكثر مما قاقبلته في مناطق أخري مثل فارس وبلاد الروم. وقد وردت احاديث كثيرة تثني من قبل الرسول علي موقف النجاشي، وعلى أن هناك خيرا ينتظر الإسلام في أرض مصر.
(1) العارف، المرجع السابق، ص: 81.
(2) هو الوثيقة التي وقعت بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين سهيل بن عمرو، ممثل كفار مكة في
6 هـ / 628 م، حينما منعت قريش المسلمين من دخول مكة للحج. وقد احتوى على شروط قبلها الرسول. واستفاد منها الرسول في بداية تحويل دعوة الإسلام إلى جهات أخرى غير الجزيرة العربية
، وقد نزلت سورة الفتح عند الإنصراف من الحديبية، وفيها وعد من الله للمسلمين بفتح قريب لمكة.
- 172 - (1/177)
صفحة 178
كان ظهور الدعوة الإسلامية وسط ثلاث قوي: قوية تحيط بمنطقة الدعوة الإسلامية في الجحاز وهي: قوة الفرس الساسانين وقوة الروم البيزنطيين وقوة أكسوم الحبشية وكانت تلك القوى تتحكم في سياسات العالم. القديم لفترة طويلة، وشبه الجزيرة العربية خاصة. ومع ظهور الإسلام بدأ زوال القوة الإفريقية ممثلة في دولة أكسوم وجنوحها صوب العزلة والصراعات الداخلية القبلية والعرقية. وقد أدي ذلك إلي تركيز خلفاء الرسول، صلي الله عليه وسلم علي مواجهة القوتين الباقيتين في فارس والروم لتبليغ رسالة الإسلام إلي شعوبهما وكسر الحاجز العسكري للقوتين
- أدي انهيار مملكة أكسوم الحبشية مع ظهور الإسلام، بسبب عوامل داخلية وصراعها مع الفرس إلي الاعتماد علي دور التجار والهجرات القبلية في نشر الإسلام من هذا المنفذ للقارة الإفريقية. وقد اعتمد التجار العرب علي رصيد العلاقات الطويلة مع الأحباش قبل الإسلام. وكان هذا الدور يوازي دور الجيوش الإسلامية في شمال إفريقية. بل أن هذا المنفذ، فيما بعد، بالدور الإسلامي في القارة في منطقة الوسط والغرب.
4 - وصلت إفريقية رسائل من الرسول صلي الله علية وسلم، تشير علي توجيهة لأنظار المسلمن إلي إفريقية باعتبارها المجال الأرحب للدعوة الاسلامية. وبالفعل لم يكد ينتهي القرن الأول الهجري وبداية الثامن الميلادي، حتي أصبحت منطقة شمال إفريقية جزء من دولة الإسلام، وساهم سكانها في نشر الإسلام مع إخوانهم العرب، وخاصة فتوحات الاندلس. واعترف الباحثون الغربيون حديثا علي ان الإسلام هو الديانة السامية الوحيدة التي تتناسب مع الافارقة وادت الى تطوير وتقدم القارة الإفريقية الواسعة بل وبدأ عصر إفريقية التاريخي مع الإسلام.
بدأت عمليات الفتوحات الإسلامية الكبري في القارة الإفريقية منذ حلافة عمر بن
(1) طرخان، مملكة مالي، ص: 7.
(2) ابن عبد الحكيم، فتوح مصر وبلاد المغرب، ص: 80 وما بعدها.
الطبري، تاريخ الرسل والملوك، جـ 4، ص: 104 وما بعدها.
173 (1/178)
صفحة 179
الخطاب (13 هـ - 23 هـ). وقد بدأت تلك العمليلت تأخذ اتجاهين: بري وبحري. حيث كان لابد من الاستفادة من سواحل مصر الطويلة علي البحر الاحمر لربطها بالحجاز، خاصة وأن الروم ظلوا يهددون السواحل المصرية المطلة علي البحر المتوسط في تلك الفترة.
وبدأت أحداث الفتح الإسلامي لمصر منذ سنة 19 هـ / سنة 640 م، حينما توجه عمرو بن العاص جنوب مصر بعد فتح بيت المقدس وانهيار الوجود البيزنطي في الشام في أعقاب معركة اليرموك. ظل عمروبن العاص في التوجة جنوبا حتي وصل إلي الفرما، ثم توجه منها إلي الغرب، ملتزما بالطريق الشمالي في سيناء لدخول مصر، ومتفاديا الطريق الساحلي، حتي وصل إلي شرق الدلتا في منطقة بلبيس المواجهة بين الطرفين، وتمكن عمروبن العاص من دخول حصن بابليون وهزيمة الروم.
اتجه عمرو إلى الشمال ليضم العاصمة الثانية لمصر وهي الإسكندرية، والتي كانت تمثل أهمية خاصة في عالم البحر المتوسط والشرق الأدني. بالإضافة إلى وجود أسطول بيزنطي قوي بها. وكان مع عمرو قوة قواتها عشرون الفا. بينما كانت الحامية البزنطي في الإسكندرية تزيد عن خمسين ألفا، وأسطول حربي كبير يتكون من عدد كبير من السفن الحربية. وتقدم عمرو بجنودة وضرب الحصار علي مدينة الإسكندرية من الخلف وقاومت المدينة لفترة طويلة حتي استسلمت في النهاية وعقدت معاهدة الفتح مع عمرو سنة 21 هـ. وبذلك أصبحت مصر جزء من العالم الإسلامي، ومدخلاً هاما لفتخ إفريقية ..
(1)
ومهما يكن من تفصيلات المعارك الحربية التي وردت في المصادر والمراجع حول عمليات فتح مصر ثم الامتداد إلي شمال إفريقية، فإن هناك ظروفا كانت مناسبة في مصر وإفريقية أدت إلى نجاح التقدم الإسلامي وساعدت علي تحول تلك الشعوب إلى الإسلام وتمسكها به. ومن تلك الظورف والعوامل مايلي:
1 - كانت جبهة مصر وشمال إفريقية حتى المحيط الأطلسي تعتبر، في نظر العرب، جبهة واحدة، حيث كانت خاضعة للنفوذ البيزنطي وكان انتصار المسلمين في اليرموك وفي الشام وفلسطين لايتم تأمين ذلك إلا بإزاحة الوجود البيزنطي من
(1) ابن عبد الحكيم. المصدر السابق، ص: 8.
-
174 (1/179)
صفحة 180
(1)
سواحل شمال إفريقية. وقد عاني ولاة الشام الكثير من هجمات الأساطيل البيزنطي فكان لابد من حسم هذا الشريط الساحلي الذي يشمل شرق وجنوب البحر المتوسط وكانت مصر أهم المعاقل في هذا الشريط الساحلي لوجود قاعدة ضخمة للأسطول البيزنطي في الإسكندرية.
2 - اعتمد عمرو بن العاص، بعد مؤتمر الجابية علي القبائل اليمنية في التحرك جنوب مصر وهي القبائل التي لها خبرتها في قتال الحصون واختطاط المدن والزراعة والصناعة، وقد ساعدته تلك القبائل في التحرك بين القرى والمدن المصرية، ومواجهة القلاع والحصون البيزنطية بها
•
3 - لما كانت منطقة سيناء وشرق مصر مسرحا لكثير من القبائل العربية البدوية منذ قرون سابقة، كما ذكرنا، فقد اتصل العرب بتلك القبائل التي تضم علي
(2)
حدود مصر ولها نفوذها في شرق الدلتا حصوصا قبائل لخم وراشدة. وقد انحاز هؤلاء العرب إلى أبناء عمـ اء عمومتهم وقدمت تلك القبائل خدمات هامة لجيش عمرو في استكشاف الطرق وحماية مؤخرة الجيش.
4 - كان الانتشار العسكري البيزنطي يعتمد علي التمركز في المدن الهامة في الدلتا والصعيد مما أدى إلي فراغ عسكري في الجوانب الشرقية والغربية من البلاد، وأصبح من السهل كسر هذا الإنتشار من وسطه عند حصن بابليون، وبالتالي يتم عزل قوات الدلتا عن الصعيد. وقد اعتمد العرب في دخولهم مصر علي الخطة الفارسية القديمة التي ترمي إلي احتلال حصن بابليون، وعزل قوات الجنوب ثم التحرك لحصار الإسكندرية من الخلف. وقد استعان العرب في ذلك ببعض الجنود الفرس الذي لهم خبرة بعمليات مصرا العسكرية في
السابقة (3).
(1) فروخ، عمر، تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية، ص: 114، دار العلم للملايين. (2) فيصل، شكري، المجتمعات الإسلامية في القرن الأول الهجري، ص: 125 وما بعدها، دار العلم
للملايين
(3) محمود، حسن، الإسلام والثقافة العربية في إفريقية، ص: 84.
11001 (1/180)
صفحة 181
ولما أشرق العرب علي رمال إفريقية من غرب مصر، لم يجدوا أمامهم قوات معادية منظمة خاصة بعد أن دخلوا الإسكندرية، وقد حرص الخليفة عمر بن الخطاب علي أن يكون التوجة غربا منظما، خشية من تفرق جنودة وسط تلك الصحراء الواسعة والسهول المترامية والسواحل الطويلة (1). ولذلك اكتفى عمر ابن العاص بتأمين حدود مصر الغربية، رغم أن قواته واصلت التقدم غربا حتي
برقة وطرابلس
(2)
(1)
ه - رغم تبعية مصر وشمال إفريقية للإمبراطورية البيزنطية، وتحول سكانهم إلي الديانة المسيحية التي أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية منذ نهاية القرن الرابع الميلادي الا ان كنيسة مصر وكنيسة شمال إفريقية أصبح لهما فكرهما الخاص المرتبط بحضارة وظروف كل منهما ولذلك فقد عانى أتباع المسيحية في مصر وشمال إفريقية ألوانا من الإضطهاد المذهبي والأهوتي حتي ظهور الإسلام، وتطور الأمر إلى الحركة اضطهاد ديني. (3) للكنيستين وأتباعهما. فقد تكتل الشعب المصري خلف كنيستة التي ظهرت متأثرة بتعاليم مدرسة الإسكندرية القديمة ومذاهب فلاسفتها، وآمنت بالطبيعة الواحدة للمسيح، وبذلك استقلت بالرأي عن كنيسة الدولة البيزنطية، وترجم الإنجيل إلى اللغة القبطية، وأصبحت الكنيسة المصرية امتدادا للحضارة المصرية القديمة في نظامها وتقاليدها، وكان هذا الأمر يتعارض مع سيادة بيزنطية، ولذلك وجد قبط في الفتح العربي رحمة بهم من اضطهاد بيزنطية لهم.
(4)
مصر
أما البربر وسكان شمال إفريقية فقد قاموا الانتهازية الكاثوليكية وارستقراطية روما، وناهضوا تحالف الولاة الرومان مع الأساقفة والملاكين والتحار في ا المنطقة، من أجل تحقيق مكاسب علي حسابهم، فاعتنقوا المذهب الدوناتي. وقد لاقي أتباع هذا المذهب المناهض للكاثوليكية الوانا عديدة من الاضطهاد علي يد أباطرة روما وبيزنطية خاصة
(1) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، جـ 2، ص: 16. (2) مؤنس، حسين، فتح العرب للمغرب، ص: 68. (3) بكر، فتح العرب لمصر، ص: 6 وما بعدها. (4) أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ص: 72.
- 176 - (1/181)
صفحة 182
(1)
بعد وقوع أعمال عنف بين أتباع المذاهب علي أرض شمال إفريقية). وكان آخرها سياسة الإمبراطور جستنيان الذي عمل علي إعادة الأحوال إلي ماكانت علية قبل غزو الوندال لشمال إفريقية وزوال سيادة الرومان عليها. ولذلك أنزل أشد الاضطهاد لسكان إفريقية من البربر والوثنيين منذ سنة 533 م (2)، واضطهد أتباع المذهب الدوناتي. من هنا فقد أسلم البربر أيديهم الى العرب لتخليصهم من هذا الاضطهاد والظلم ووجدوا فيهم مخلصين
من
هذا العهد
ومنذ عهد عمر بن الخطاب وضع الأساس الأول في سياسة الدولة الإسلامية في إفريقية علي أساس اعتبار مصر هي المنطلق والمركز الأساسي للتوغل داخل القارة الإفريقية، وبالفعل بدأت القبائل العربية في التدفق علي مصر والاستقرار بها، وأصبحت تلك القبائل بمثابة الاحتياطي الاستراتيجي لاستمرار عمليات الفتح والتوغل صوب الغرب والذي بلغ مداه في العصر الأموي.
ولما كان عمر بن الخطاب حريصا علي أمن البحر الأحمر، خاصة بعد فتج مصر وحرصه علي سلامة السفن العاملة بين موانيء الحجاز وموانيء مصر والتي أصبحت تحمل القمح وغيره من سلع مصر ومنتجاتها. فإن الخليفة عمر اضطر إلى ارسال قوة بحرية تتكون من عدة سفن بقيادة علقمة بن مجزز (3)، وأرسلت تلك القوة إلى ساحل الحبشة وكان لها هدفان هما:
الهدف الأول: حماية التجار المسلمين المقمين علي الساحل الإفريقي وموانيء الحبشة من اعتداءات الاحباش وتدعيم الوجود الإسلامي هناك
الهدف الثاني: مواجهة خطر انتشار القراصنة في مياة البحر الأحمر الجنوبية، خاصة بعد خلو تلك المنطقة من قوة مركزية بعد زوال مملكة أكسوم (4).
(1) جوليان، المرجع السابق، جـ 2، ص: 34.
(2) عمران، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ص: 124، 125.
—
177 -
(3) الطبري، تاريخ ج 2، ص: 113/ 112
(4) العارف، المرجع السابق، ص: 84. (1/182)
صفحة 183
أرسلت تلك الحملة سنة 20 هـ / سنة 641 م، ولكنها منيت بهزيمة وخسائر جسيمة،
حيث غرقت السفن كلها. الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب يفكر مليا في عمليات البحر (1) أو عمليات التوغل في غرب إفريقية. ويبدو أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يهدف إلى تدعيم الوجود الإسلامي في البحر الأحمر والمياة الشمالية من المحيط الهندي من أعمال القراصنة التي انتشرت في تلك السواحل وتهدد حركة السفن العربية والإسلامية، وكان تأخر الخليفة عمر عن الرد علي تلك الخسائر البحرية يدل علي بعد نظره حيث أنه كان يركز أساسا علي الجبهات الشمالية التي تتركز فيها قوات الفرس وقوات الرومان. وكان لتلك السياسة آثارها الناجحة فيما بعد، حيث تم في خلافة عمر حسم الوضع
(1) مازالت قضية ركوب العرب البحر، وغزو المسلمين للبحر زمن عمر بن الخطاب لم توضح من قبل الباحثين حيث رددت معظم الدراسات بأن العرب أمة بعيدة عن غزو البحر، حتى خلافة عثمان بن عفان. وقد استندت تلك الآراء على أمرين هما: - الأول أن حياة العرب قبل الإسلام ارتبطت بالصحراء، وأنهم نشطوا في مجال التجارة البرية عبر شبكة الطرق التي تمر ببلادهم، واشتهروا بذلك فلما امتدت فتوحاتهم في عصر الإسلام وشملت سواحل ها بوا البحر لفترة طويلة.
- الثاني: رسالة عمر بن العاص في وصف البحر التي أرسلها لعمر بن الخطاب، وذكر له فيها أن "البحر خلق عظيم وأن الناس فيه دود على عود" فأقسم عمر بن الخطاب ألا يحمل فيه مسلماً أبدا .. لكننا نرى أن العرب أكثر الامم القديمة خبرة في البحر والملاحة قبل الإسلام وحتى في خلافة عمر بن الخطاب. فعرب عمان والبحرين واليمن لهم دورهم الواضح في تجارة العالم القديم البحرية وفي الملاحة في المحيط الهندي قبل الإسلام، واستمر هذا الدور بوضوح حتى العصر الإسلامي الجديد. كما كانت هجرات المسلمين مستمرة في العصر المكي إلى الحبشة عبر مياه البحر الأحمر. وكذلك كانت حركة التجارة مستمرة عبر موانيء البحر الأحمر في صدر الإسلام. وتعد الحملة البحرية الكبرى التي أرسلها الخليفة عمر بن الخطاب بقيادة واليه على الخليج العربي عثمان بن أبي العاص الثقفي على سواحل الهند الغربية وسواحل السند وقد ضمت تلك الحملة عرباً من عمان وغيرهم ممن لهم الخبرة في تلك المياه، وكان ذلك 15 هـ 636 م كما قام عثمان بحملة أخرى بحرية على سواحل فارس بإذن من الخليفة عمر بن الخطاب بعد معركة جلولاء 16 هـ / 637 م مما يدل على النشاط البحري الواضح للعرب والمسلمين في صدر الإسلام وفي خلافة
عمر بن الخطاب.
انظر: خليفة بن خياط، تاريخ، ص: 152 وما بعدها.
- البلاذري.، فتوح البلدان، ج 2. ص:
53
- 178 - (1/183)
صفحة 184
العسكري لصالح المسلمين أمام الفرس والروم.
بدأت خلافة عثمان بن عفان (23 - 35 هـ) بتطور جديد على جبهات القتال في إفريقية وسواحل البحر الأحمر. وذلك أن زمام المبادرة البحرية انتقلت لأول مرة إلى أيدي المسلمين بعد انتصارهم في معركة ذات الصواري أمام سواحل الإسكندرية سنة 34 هـ / سنة 655 م. حيث أن البيزنطين خططوا لاسترجاع الإسكندرية من جديد، فهاجموها بخمسائة مركب أو أكثر، فتصدي لهم واليها عبد الله بن أبي السرح، من قبل الخليفة عثمان وجمع لمواجهتهم أسطولا كبيرا، ودارت معركة كبري عرفت بذات الصواري لكثرة أشرعة السفن بها
(1)
وقد ترتب علي تلك المعركة البحرية انقلاب موازين القوي في البحر المتوسط وشمال إفريقية لصالح الدولة الإسلامية، وبدأت النواة الأولى للقوات البحرية الإسلامية في البحر المتوسط، التي سيكون لها دورها الهام في السيطرة علي جزر البحر المتوسط والمساهمة في تامين السواحل الشمالية لقارة إفريقية والمساعدة علي غزو سواحل أوربا الجنوبية.
وعلى الجبهة الإفريقية بدأعبد الله بن سعد في الاستعداد لغزو إفريقية والتوجة غربا، ووصلته الإمدادات من المدينة، حيث ضم جيشة العديد من الصحابة منهم عبد الرحمن ابن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، كما انضم إليه مروان بن الحكم. وتوجه الجيش إلي بلاد المغرب الأدني حيث يوجد البطريق جرجير يقود تحالفا من القبائل البربرية وقوة رومانية، (2) واتخذ من سبيطلة مركزا له. وبدأ. عبد الله يتعرف علي جنوب) المنطقة ثم. عاد لينقض برجالة علي الجيش البيزنطي في سهل سبيطلة ويتمكن من إنزال الهزيمة السريعة به، وقتل جرجير علي يد عبد الله بن الزبير. في الوقت نفسه عرض عليه البيزنطيون في السواحل دفع جزية مقابل ارتحالة عن منطقة المزاق
بن سعد
(3)
ورغم أن حملة عبد الله بن سعد لم تستمر أكثر من عام إلا أنها تمكنت من كسر
(1) ابن عبد الحكيم، المصدر السابق، ص: 90. - الطبري، ج 4، ص: 88 وما بعدها، وإن كان الطبري قد جعل تلك المعركة ضمن أحداث 31 هـ
(2) مؤنس، فتح العرب للمغرب، ص: 92. (3) جوليان، المرجع السابق، ج 2، ص: 17.
- 179 - (1/184)
صفحة 185
(1)
الهيمنة البزنطية علي شمال إفريقية، وكما تعرف المسلمون علي طبعية البلاد وقبائلها، وتحسسوا جيوب المقاومة بها. لكن أحداث الفوضي والفتنة التي حلت بالعالم الإسلامي منذ الفترة الأخيرة من سني الخليفة عثمان بن عفان، وكانت مصر طرفا فيها، الأمر الذي عرقل وأخر عمليات إتمام الفتح لمنطقة شمال إفريقية. وتحولت القوات عن حبهاتها إلي المواجهة في معركة رهيبة تعد أول صورة من صور الحرب الأهلية في ا العالم الإسلامي، وتمثل مهزلة كبرى في التاريخ الإسلامي، لما ترتب عليها من انقسامات بين المسلمين ما زالت لها آثارها حتي الان.
(1) حدثت انقسامات بين الصحابة وبعض المسلمين حول سياسة الخليفة عثمان بن عفان في سنى حكمه الأخيرة، حيث اهتمه البعض بأن قرب أقاربه من بني أمية وحظى بعضم بجزء كبير من خراج الولايات خاصة إفريقية. كما اعترض البعض على يعيينه لبعض الولاة الذين يمتون إليه بصلة. فتجمعت خيوط المعارضة في المدينة وانتهت بحصار دار الخليفة عثمان بن عفان لفترة طويلة استمرت أربعين يوماً وانتهت الأمور بقتل الخليفة عثمان بن عفان في داره على أيدي الثوار الذين قدموا من البصرة والكوفة ومصر مطالبين بتصحيح ا الأوضاع في ولاياتهم.
ورغم سرعة انتقال السلطة إلى الإمام علي بن أبي طالب سنة 35 هـ إلا أن العملية التي تم بها قتل الخليفة عثمان أدت إلى ظهور تيارات جديدة تحاول الثأر من قتله، واتخذها البعض الفرصة
للوثوب إلى الخلافة وهكذا سادت الفوضي والفتنة العالم الإسلامي
انظر: بيضون، التيارات السياسية، ص: 65 وما بعدها.
- M.- (1/185)
صفحة 186
(3)
إفريقية في السياسة الأموية
حظيت إفريقية باهتمام كبير في السياسة الإسلامية طيلة العصر الأموي، ذلك أن موقع عاصمة الأمويين في دمشق جعل الإهتمام الأكبر للأمويين يتجه صوب. البحر المتوسط، حيث تشكل السواحل الإفريقية خيرا كبيرا فيه.
لقد انتهت الأزمنة السياسية التي تعرض لها الإسلامي منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هـ حتي مقتل الإمام علي سنه 40 هـ بوصول معاوية بن أبي سفيان إلى الخلافة، بعد أحداث معركة صفين المريرة (1).وبدأ الخليفة الجديد يشمر سواعده لدفع العرب نحو استئناف حركة الفتوحات الإسلامية من جديد لإزالة المرارة التي علقت في نفوس المسلمين من أحداث الفتنة، وطريقة وصول الأمويين إلى الخلافة. ومن أجل شغل العرب بالجهاد وتوجيه حماسهم نحو نشر الإسلام (2).
(1)
هي المعركة التي وقعت بين الإمام على من جهة وبين والي الشام معاوية بن أبي سفيان. وصفين قرية صغيرة على الحدود العراقية السورية. ذلك أن معاوية علق البيعة للإمام علي بعد تسليمه قتلة الخليفة عثمان. وهي مهمة الخليفة. الأمر الذي أثار عليه الإمام علي والمسلمون معتبرين عدم البيعة للإمام على خروجاً عن الصف الإسلامي، وينبغي رد الخارج بالسيف. فتحرك الإمام علي من الكوفة بعد أن كان قد فرغ من معركة الجمل واتجه إلى الشمال الشرقي لملاقاة جيوش معاوية من الشاميين ودارت بين الطرفين معارك متتالية في صفين كاد النصر أن يكون للإمام علي لولا نصيحة عمرو بن العاص لمعاوية برفع المصاحف على أسنة الرماح طلباً للتحكيم. وانتهى الأمر بتجميد الموقف وتحوله لصالح معاوية بعد ذلك. وقد أحدث هذا الأمر انقساماً بين جند الإمام لم يتمكن من رأب صدعه، ذلك أن وجد نفسه بين تيارين من جنده أحدهما يرفض التحكم والآخر يقبله. وحينما تأكد أن الإمام أرسل وفداً للتحكم خرج من جيشه جماعة المحكة الرافضين للتحكيم رافعين شعار لاحكم إلا لله وعرفوا بالمحكمة وأصبح في العالم الإسلامي ثلاث قيادات: الإمام علي، المحكمة، معاوية، وبعد قتل الإمام
علي سنة. اهـ صار الأمر لمعاوية.
(2) بيضون. المرجع السابق، ص: 71
- 181 - (1/186)
صفحة 187
ويمكننا تقسيم النشاطاء
المرحلة الاولي:: مرحلة العصر السفياني:
علي الجبهة الإفريقية إلى مرحلتين هما:
وقد استمرت تلك المرحلة ما يقرب من ربع قرن تميزت خلالها العمليات الإسلامية بالمد والجزر، ثم تاسيس حاضرة جديدة للإسلام لأول مرة في القيروان.
المرحلة الثانية: مرحلة العصر المرواني:
عبد
وتميزت باستقرار أوضاع المنطقة الإفريقية لصالح المسلمين، وبدأت مراحل الاندماج بين العرب والبربر ومشاركة البربر في أحداث العالم الإسلامي.
(1)
بدأ معاوية بالاهتمام بفتح إفريقية فأرسل جيشا كبيرا يضم مشاهير المسلمين منهم الله، بن عمر وعبد الله بن الزبير وغيرهما، وجعل علي رأس الجيش معاوية بن حديج سنة 45 هـ / سنة 665 م /. في الوقت الذي لم تستغل فيه المراكز البيزنطية في إفريقية فترة توقف الفتوحات لتجميع صفوفها، بل زادت القسطنطينية في سياسة الاضطهاد للفرق الدينية المخالفة لها فأصدار الإمبراطور قنسطانز الثاني (642 - 668 م) مرسوما جديدا اسمه النموذج Le Type يقضي بإنزال صارم العقاب علي كل من لا يتبع الرموز القديمة من دون إشارة إلي أصحاب المشيئة الواحدة أو المشيئة المزدوجة، وأثار عليه بذلك المسيحيين الأرثوذكس في شمال إفريقية. (2)
تحرك جيش معاوية بن حديج صوب الغرب حتي وصل إلي بنزرت، وبدأت أول المواجهات بينه وبين البيزنطيين. ومن تلك المنطقة وجه معاوية بن حديج قوة بحرية من قبله صوب جزيرة صقلية يقودها عبد الله بن قيس، عادت بغنائم كثيرة (3) كما أرسل قوات من جيشه نحو الداخل يقودها عقبة بن نافع الفهري سنة 46 هـ توعلت في الداخل صوب واحة فزان ووصلت إلى غدامس واتجهت إلي قفصة وقسطيلية بالمغرب الأدني من
(1) ابن عبد الحكم، المصدر السابق. ص: 26.
(2) جوليان، المرجع السابق، ج 2، ص: 19. (3) ابن عبد الحكم المصدر نفسه. ص: 261.
182 (1/187)
صفحة 188
(1)
جهة الخلف، وكانت تلك العمليات بمثابة التفاف حول خطوط الرومان وتحصيناتهم الوقت نفسه تمكن معاوية ومعه القوة الأساسية من الجيش من هزيمة جيش بيزنطي في حضرموت "سوسة" واقتحم حصن جلوبي مذكة ثم عاد إلى. مصر بعد أن كانت تلك
المناطق قد استسلمت له.
حملت حملة معاوية بن حديج معها إلي إفريقية أهم شخصية إسلامية أثرت في تارج الإسلام وثقافتة في إفريقية وهو عقبة بم نافع الذي استفاد من تجربته السابقة في تلك المنطقة منذ أن كان مع والده. وبالإضافة إلى أعمال عقبة بن نافع العسكرية الموفقة في إفريقية ضد الروم والبربر، فإن سياسة عقبة وأعماله بإفريقية قد تمخص عنها نتائح هامة أهمها:
(2)
1 - أنشاء قوة بحرية للمسلمين لمواجهة القوة البحرية البيزنطية التي تتخذ من صقلية مركزا لها، والتي كانت تهدد دائما الوجود الإسلامي بإفريقية وخاصة سواحلها والمدن الشمالية بالمنطقة
2 - أنشاء حاضرة للإسلام في إفريقية في سهل نسيح متصل بالداخل وقريب من الساحل، وهي القيروان التي أصبحت عزا للعرب والإسلام حتى الوقت الحاضر. كما رأى عقبة. وتمكنت تلك المدينة من تأمين خطوط الاتصال بين قوات المسلمين في مصر وإفريقية (3). وأصبحت المدينة منذ سنة 50 هـ / سنة 670 م منارة للإسلام وثقافتة وحضارته
•
- التقرب إلى البربر، سكان البلاد الأصيليين وكان من نتيجة ذلك انصهار العرب مع البربر وبداية التحول الجماعي للبرير إلى الإسلام والمشاركة في أحداث العالم الإسلامي. وأصبحت شخصية عقبة أول الشخصيات التي ترتبط بوجدان البربر من القادة العرب المسلمين حتى اليوم.
(1) ابن عبد الحكم. المرجع السابق، ص: 262.
(2) حسن محمود، المرجع السابق، ص: 86. (3) شكري، المجتمعات الإسلامية، ص: 165
(4) شكري. المرجع نفسه. ص: 167.
1
183 (1/188)
صفحة 189
4 - أصبحت إفريقية تحت قيادة عقبة بن نافع تحتل حيزا هاما في السياسة الأموية، ولذلك فقد أصدر الخليفة معاوية بن أبي سفيان قرارا بفصل ولاية إفريقية عن ولاية مصر. وجعل علي إفريقية عقبة بن نافع. بينما على مصر واليه معاوية بن حديج. وهي خطوة هامة نحو ترسيخ الإدارة الإسلامية في إفريقية لكنة عاد فجمعها وعزل عقبة وولي مكانه أبا المهاجر دينار، مولي بني بعد أن عين علي مصر واليا جديدا
مخزوم
(1)
بعد انتصارات عقبة الأولى بدأ يفكر في إنشاء معسكر جديد لقواتة وللعرب في إفريقية لتخفف عنهم طول طرقها وتسهل التعامل مع ظروفها، واختار منطقة تشبه إلى حد كبير بيئة العرب التي ألفوها في شبه الجزيرة العربية كما أنها كانت بعيدة عن البحر بمسافة تمكنها من الاستعداد لأي خطر قادم منه. بالإضافة إلي ذلك فإنها تقع علي الطرق البرية للقوافل المتجهة إلى الواحات الصحراوية وإفريقية جنوب الصحراء، كما أنها تقع علي الطرق البرية التي تربط بين مراكز شمال إفريقية. وبعد تخطيط المدينة الجديدة وتأسيس المسجد الجامع بها أقبل الناس علي السكني بها وزاد عدد سكانها.
ورغم تقلب الأحوال الإدارية في إفريقية في سنوات حكم معاوية وابنه يزيد، إلا أن إنشاء القيروان حمل في طياته خطوة إدراية هامة للعرب في القارة الإفريقية، فأصبحت القيروان مدينة الإسلام ومقر الولاة والعمال، وإليها اتجهت قوافل التجار، وقصدها العرب ومختلف الأجناس، وأصبحت مطمعا لكثير من ولاة بني أمية لتزايد مواردها. بعد أن كانت الأنظار موجهة صوب مصر. وأصبحت القيروان قبلة المغرب وإفريقية ومشعل الحضارة وكعبة العلماء. ونفذ تأثيرها إلى إفريقية جنوب الصحراء بل قصدها علماء من المشرق ومن مصر.
(2)
كان للقيروان الفضل الأول في تثبيت الإسلام بين البربر وسكان إفريقية، ونشر الحضارة العربية والإسلامية بينهم بعد أن ظلوا يتقلبون بين العرب وبين الروم لمرات عديدة، فأسلموا أيديهم وقلوبهم للإسلام بصورة نهائية وأصبحت مدينة هامة للإسلام في غرب البحر المتوسط وإفريقية، وقاعدة عسكرية للزود عن الإسلام وعقيدته في تلك الأنحاء
(1) ابن عبد الحكم، المصدر السابق، ص: 265
(2) شكري، المرجع السابق، ص: 168
- 184 - (1/189)
صفحة 190
، فلولا قاعدة القيروان لقضي عن زهير بن قيس البلوي وجيشه. ارتد البربر وهبوا
المساندة الروم وانقضوا على الجيش الإسلامي.
(1)
(2)
ونظراً لبعد نظر عقبة في سياسته بإفريقية أصدر الخليفة يزيد بن معاوية قرارا بإعادة عقبة إلى إفريقية ثانية سنة 562 سنة 681 - 682 م. فعاد من جديد ليستغل إنجازاته السابقة ويشن غاراته علي البربر والروم وانطلق نحو الغرب حتي وصل إلى طنجة، بعد أن هزم الروم والبربر في باغاية ولاماباز وتاهرت وأضاف القائد العربي إلى أحضان الدولة الإسلامية مساحات جديدة وأوصل حدود الدولة الإسلامية حتي سواحل المحيط الأطلسي لأول مرة. وتمكن من كسر مقاومة البربر خاصة قائدهم كسيلة (3) وشل تحالفهم المستمر مع الروم بعد هزيمتهم في ا أكثر من معركة.
بها
خط
وأثناء عودة عقبة بن نافع بوغت في منطقة بسكرة عند رجوعه بغارة شديدة قام ا جمع من البربر والروم بعد ان كان قد قسم جيشه إلى ثلاثة فيالق واتجه هو على رأس كتيبة إلى جنوب الأوراس لكن كسيلة، وهو قائد بربري من قبيلة أوروبة كان قد عرف سيره وانسلخ عنه في مكان مجهول ووحد القبائل البربرية مع الروم وحاصر عقبة وهجموا علية في حدود الصحراء قرب تهودة علي مصب الوادي الأبيض وقتل قتيبة مع رجاله سنة 63 هـ / سنة 683 م (4). وكان هذا الأمر بمثابة كارثة حلت بجهود المسلمين في إفريقية، إذ دخل كسيلة القيروان وبقي فيها لمدة ثلاث سنوات، وأصبح صاحب السلطة الحقيقية على إفريقية وبلاد المغرب (5) وظهرت حركات ردة بين البرير من جديد. وانسحب المسلمون إلى برفة بقيادة حنش الصنعاني
(1)
جاء العصر المرواني بدماء عربية وإسلامية جديدة إلى إفريقية. وذلك أن عبد الملك
(1) حسن محمود، المرجع السابق، ص: 71.
(2) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، جـ 2، ص: 20.
(3) مؤنس، المرجع السابق، ص: 84.
(4) دفن جثمان عقبة في مسجد الواحة التي تحمل اسم "سيدي عقبة على بعد خمسة كيلومترات جنوب
تهودة تحت قبة متواضعة البناء يقد إليها المسلمون من بلاد المغرب.
(5) مؤنس، المرجع السابق، ص: 85.
(6) ابن عذاري، البيان المغرب، ج 1، ص: 12.
-110 - (1/190)
صفحة 191
ابن مروان (65 - 68 هـ / 705685 م بعد أن وطد نفسه في الشام ومصر سارع إلى إرسال جيش كبير إلي شمال إفريقية سنة 69 هـ يقودة زهير بن قيس البلوي، ووصل الجيش إلى القيروان واشتبك مع كسيلة، وتمكن الجيش من هزيمة كسيلة وجموعه وقتله في المعركة. ولكن زهير قتل بعد ذلك أمام جموع جديدة من الروم وصلت إلي منطقة برقة، حيث أنه ترك قوة بالقيروان واتجه صوب برقة حيث قتل
(1)
وبعد أن أخمد الخليفة عبد الملك ثورة ابن الزبير في الحجاز والعراق، تفرع لأوضاع إفريقية فأعاد تجهيز جيش من جديد إليها بقيادة حسان بن النعمان. وقد بادر القائد الجديد إلي انتهاج سياسة عسكرية جديدة في إفريقية، حيث اتجه إلى إزالة الوجود البيزنطي من قرطاجنة سنة 75 هـ، واتجه بقواته صوب جبال الأوراس حيث مركز المقاومة البربرية بقيادة الكاهنة "دهية "، وقبل أن يشتبك معها أمن نفسه من البحر بهزيمة تعزيزات بيزنطية وصلت المنطقة من جديد، وجعل من مدينة تونس مركزا للصناعة البحرية الإسلامية على البحر، وبدأت الخطوات الأولى للسيطرة الإسلامية النهائية على مياه البحر المتوسط وسواحله وجزره
(2)
كانت الظروف السياسية قد استقرت نهائيا للأمويين في المشرق الإسلامي والعراق، فأمد الخليفة مروان جيش حسان بتعزيزات جديدة وصلته قبل الاشتباك النهائي مع الكاهنة ودرات المعركة الحاسمة بين جيش حسان وجيش الكاهنة عند منطقة تسمى بئر الكاهنة وانتهت بمقتل الكاهنة وهزيمة البربر. وبذلك خلصت منطقة شمال إفريقية بصورة نهائية للمسلمين سواء المدن أو القرى أو سكان الجبال والصحراء.
(3)
استدعى حسان إلى دمشق وحل محله موسي بن نصير سنة 86 هـ، في ولاية إفريقية التي استقلت نهائيا عن ولاية. مصر. وبدأ الوالي الجديد يعد العدة لتوسيع نطاق ولايته، فأخضع قبائل المغرب الأقصى حتى المحيط الأطلسي وتوغل إلى سجلماسة ودخل طنجة وهي أهم مراكز قبائل البربر خاصة قبيلة صنهاجة، كما فرض نفوذه على قبائل عمارة
(1) جوليان. المرجع السابق، ج 2، ص: 25. (2) جوليان، المرجع نفسه، جـ 2، ص: 26. (3) جوليان، المرجع السابق، ج 2، ص: 30.
-147 - (1/191)
صفحة 192
وبرغوانة ومكناسة وهسكورة (1) وبدأت أعداد من تلك القبائل تنخرط في خدمة الجيش
الإسلامي
(2)
وجاءت أولى مساهمات البربر الواضحة في التاريخ الإسلامي في ولاية موسى بن نصير منذ سنة 86 هـ مع بداية عهد الخليفة الأموي الجديد الوليد بن عبد الملك (86 - 96 هـ/ 705 - 715 م)، ذلك أن موسى جعل من مدينة طنجة مركزا أساسيا للبربر في منطقة الغرب، وأسكن منهم حوالي سبعة عشر ألفا، وولى عليهم طارق بن زياد وبدأت عمليات فتح الأندلس سنة 92 هـ / سنة 711. م، تتقدمها حملة طارق بن زياد، الذي تمكن من النزول بجنده على الساحل الأندلسي في المكان المعروف باسمه الآن. ودارت المعارك الهامة في فتح الأندلس بينه وبين القوط وكان أهمها معركة "وادي لكة" التي انتصر فيها طارق وجيشه علي الملك الزريق
(3)
وأصبحت معركة وادي لكة التي انتصر فيها القائد المسلم طارق بن زياد توازي في أهميتها معركتي القادسية مع الفرس، واليرموك مع الروم، لما أسفر عنها من انهيار جبهة القوط في الأندلس أمام المسلمين وبدأت مدنهم تتهاوى أمام جيوش المسلمين فسقطت مالقة وغرناطة وطليطلة. وانساحت الجيوش العربية في أرض الأندلس في كل اتجاه. وكان للبربر دورهم الكبير في تلك الفترة، حيث كانت لهم خبرة سابقة بالسواحل الإفريقية والأندلسية، وقد شكل البربر معظم الحملات الأولى للفتح الإسلامي للأندلس. كما شاركوا في حملة موسى بن نصير التي عبرت إلى الأندلس عبر اشبيلية وساحل باجة، والتقي في النهاية مع طارق في طليطلة (4).
وأضافت سياسة موسى بن نصير انجازات إسلامية أخرى في إفريقية وأوساط البربر تضاف إلى إنجازات عقبة بن نافع وحسان بن النعمان، لقد أسس مراكز خاصة للبربر، وقربهم إليه، وحببهم في الإسلام وعرفهم بمبادئه، وأشركهم في جيشه، فأحس البربر بنظام جديد في بلادهم وروح حضارية سامية لم يألقوها من قبل فاقبلوا علي الإسلام
(1) جوليان، المرجع السابق، ج 2، ص: 31.
(2) محمد علي دبوز، تاريخ المعرب الكبير، جـ 2، ص: 114.
(3) ابن عبد الحكم، المصدر السابق، ص: 275.
(4) اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص: 285، دار صادر، بيروت.
- 187 - (1/192)
صفحة 193
وأرسل لهم من يعلمهم دينهم الجديد فرسخت مبادئه في عقولهم وقلوبهم، وبدأت ثقافة الإسلام تسري بين دماء البربر (1).
وكانت سني حكم عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ) أيضاً ذات أثر كبير في ترسيخ الإسلام بين البربر وسكان إفريقية، حيث عمل واليه اسماعيل بن أبي المهاجر علي استمالة البربر إلي الإسلام والدعوة إليه بين قبائلهم ومناطقهم (2)، وأمده الخليفة عمر بن عبد العزيز بعدد من التابعين يعلمون الناس أمور دينهم ويفقهون أهل إفريقية منهم موهب بن حد المعافري الذي مات بإفريقية، وحبان بن أبي جبلة، واسماعيل بن عبيد الله، وطلق بن جابان، وبكر بن سوادة وعبد الرحمن بن رافع التنوخي، الذي تولى قضاء إفريقية، وأبو عبد الرحمن الحبلي واسمه عبد الله بن يزيد، الذي مات بإفريقية وله مسجد بها يعرف باسمه وسعيد بن مسعود التجيبي. وقد تمكن هؤلاء الدعاة و اة وهم من خيار الفقهاء والتابعين من نشر الإسلام بين أهل إفريقية وتحريم المنكرات التي كانت سائدة بين أهلها مثل الخمر. وانتشر هؤلاء الدعاة في مضارب البربر وقراهم وأوديتهم. حتى ساد الإسلام بين قطاعات واسعة من سكان شمال إفريقية.
(4)
(3)
ورغم تلك الجهود الإيجابية من قبل معظم قادة الأمويين في إفريقية، فإن هناك ممارسات من قبل بعض الولاة وقعت في بلاد البربر، لا تمت بصلة إلي الإسلام، وأصبحت تقلق عمليات الاستقرار الإسلامي والعربي في إفريقية منذ بداية القرن الثاني الهجري. فقد حرص بعض ولاة بني أمية على جمع الأموال من البربر بطرق غير مشروعة. الأمر الذي أحدث صدمة في نفوس البربر المسلمين الذين لاحظوا أن هناك بوناً شاسعا بين مباديء وبين ممارسات هؤلاء الولاة. كما عانى البربر من عدم مساواتهم مع العرب، خاصة أثناء اشتراك البربر في عمليات عسكرية مع العرب.
وبدأ البربر يتبرمون من تلك السياسة الأمر الذي جعلهم يتقبلون فكر إسلامي حمل
(1) حسن محمود، المرجع السابق، ص: 89.
(2) حسن محمود، المرجع نفسه.
(3) ابن تميم، أبو العرب محمد بن أحمد كتاب طبقات علماء إفريقية، ص: 21. دار الكتاب اللبناني
، بيروت، بدون تاريخ.
(4) ابن تميم. المصدر نفسه، ص: 22.
-
188 - (1/193)
صفحة 194
إليهم مع دعاة المعارضة الأموية سواء من قبل جماعات المحكمة (1) أومن قبل فرق الشيعة، وأصبح البربر هم حماة تلك الأفكار ورجالها، وقدموا في سبيل نصرتها الكثير من التضحيات، حيث وجدوا في كثير منها بساطة الإسلام وعدالته الأمر الذي فقدوه في بعض عصور ولاة بني أمية. ومازالت تلك المنطقة متأثره بتاريخ تلك الفرق وأفكارها وآثارها حتي الوقت الحاضر، خاصة جماعة الأباضية التي ينتشر أتباعها في طرابلس وجبل نفوسة وجرية ووادي ميزاب ويعتبر الموقع الأخير أهم مراكزها
لقد عانى سكان المغرب في بعض فترات ولاة بني أمية من أمور أهمها ما يلي:
1 - سعي بعض القواد وراء الغنائم في بلاد البربر:
فقد عانى البرير من سلوك بعض الولاة في السعي للحصول علي الذهب والجواري البربريات كما قام بعضهم بإرهاق السكان بالجبايات، معتبرين إفريقية دار حرب حتي بعد اعتناقهم للإسلام، الأمر الذي لا يتفق مع الشرع الإسلامي، بحجة المحافظة علي مصادر تمويل الجيوش والأموال التي ترسل إلي دار الخلافة وبيت المال خاصة زمن الوالي
(1) أطلق على تلك الجماعة أسماء كثيرة منها: المحكمة: لرفعهم شعار لاحكم إلا لله ورفض التحكم. أو الحرورية نسبة إلى قرية حروراء، أو الوهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب. أو الخوارج لخروجهم من جيش الإمام علي أي أنهم الجماعة التي خرجت من جيش الإمام علي، حينما قبل وقف القتال مع معاوية وإلى الشام وقبل التحكم معه وأرسل ممثلاً له في التحكيم والتفاوض. فخرجت تلك الجماعة وعرفت باسم المحكمة لأنها رفعت شعار لا حكم إلا الله" أي لا يجوز الحكم في أمر سبق فيه حكم الله. واستقرت فترة في حروراء بالقرب من الكوفة، ثم اتجهت إلى النهروان وبايعت عبد الله بن وهب الراسبي إماماً عليها. وبعد فشل التحكم وقعت بينهم وبين الإمام علي معركة شديدة في النهروان قتل فيها معظمهم وإمامهم عبدالله بن وهب الراسبي. ثم قام أحد رجالاتهم وهو أبو بلال مرداس بن أوية التيمي وأخذ يدعو إلى فكر جماعة سراً في البصرة فانضم إليه الكثير، لكنه تعرض للاضطهاد، وقتل أيضاً سنة 61 هـ في آسك.
بعد قتل أبي بلاد زعيم المحكمة (أو (الخوارج في البصرة انقسمت جماعة إلى فريقين هما:
- فريق متطرف: ويعرف باسم الأزارقة والنجدات وأسسوا دولاً في الأهواز واليمامة. - فريق معتدل: ويعرف باسم القعدة المعتدلة وهم: الأباضية ولهم إمامات في عمان وبلاد المغرب. كما ظهرت لهم إمامة في حضرموت واليمن والحجاز، والصفرية ولهم نفوذ في الموصل. وقد تمكن
الفريق المعتدل من تأسيس دول في بلاد المغرب.
•
- 149 - (1/194)
صفحة 195
يزيد بن أبي مسلم الذي وصل إلي المغرب ليطبق سياسة | في المشرق بفرض الجزية علي الموالي، رغم إسلامهم وقد أوقف هذا العمل في خلافة عمر بن عبد العزيز فيما بعد.
وأدى هذا الأمر إلى شعور البربر بالمهانة في كثير من الحالات فقد أحسوا أن هم
•
هولاء الولاة والقادة هو الحصول علي الإماء والجواري والعبيد والخصيان والذهب والمال كما شعر البرير بالمرارة حينما وجدوا آذان الخلفاء والولاة لا تصغي إلي شكواهم، رغم إسلامهم وبلاتهم من أجل الإسلام، فلمسوا الفرق الواضح بين مباديء الإسلام وبين ممارسات هؤلاء الولاة مما أدي إلى ميلهم إلى أفكار جماعات المحكمة أو الشيعة، رغم أن بلاد المغرب كانت أكثر الولايات الإسلامية طاعة وخضوعا للأمويين حتي. خلافة هشام بن عبد الملك (105 - 125 هـ). خاصة حينما فشلوا في عرض شكواهم علي الخليفة من خلال الوفد الذي أرسلوه من بينهم وتركوا رسالتهم عند الوزراء، وهي تتلخص في التفرقة بينهم وبين الجند العرب في الغنائم. وبأن جند البربر يكونون دائما في المقدمة وقيام بعض الولاة بسبي بناتهم وبقر ماشيتهم بحثا عن الفراء الأبيض (1).
(3)
(2)
4
وعمت
بدأت أولى ثورات البربر العارمة سنة 122 هـ بقيادة ميسرة المطغري، أرجاء كثيرة من إفريقية حتي سميت ثورة البربر واستمرت فترة من الزمن، حيث انضمت إليه قبائل عدة من البربر. وتمكن ميسرة من دخول طنجة والسوس وقتل ولاة عبيد بن الحبحاب الوالي الأموي، واتجه إلى القيروان، لكن الوالي ابن الحبحاب كان قد استعد له بجيش كبير قسمه قسمين: الأول بقيادة حبيب بن أبي عبيدة، والثاني بقيادة خالد بن أبي حبيب الفهري لكن ميسرة اضطر إلى الانسحاب والتراجع غربا صوب طنجة
الله
، حيث وقعت الخلافات بين جيشه فعزل وقتل، وبويع مكانه خالد بن حميد الزناتي.
بدأ خالد بن حميد في تجميع صفوف من البربر أمام الجيش الأموي الكبير الذي
(1) راجع فان فلوتن، السيادة العربية والشيعية والإسرائيليات في عصر بن أمينة، ص: 14، ترجمة د. حسن ابراهيم حسن، ومحمد زكي ابراهيم، الطبعة الثانية، القاهرة، سنة 1965 م. (2) الرقيق القيرواني، تاريخ إفريق والمغرب، ص: 109، تحقيق المجني الكعبي. تونس 1967 م.
(3) ابن عذاري. المصدر السابق، جـ 1،
52:
-19.- (1/195)
صفحة 196
(1)
حاصره ووقعت بين الطرفين. معر فيها من فرسان العرب وأبطالهم. ويبدو أن تلك الثورة، كانت تخضع لأفكار جماعة الصفرية منذ البداية، (2) وهي التي نشرت فكرها في تلك النواحي منذ نهاية القرن الأول الهجري، ووجدت في حالة البربر فرصة لتكوين إمامتها. وبالفعل ظلت هذه المنطقة لفترة طويلة مرتبطة بنفوذ الصفرية والقبائل البربرية الموالي لها، حتي العصر العباسي (3). وتمكنت من تكوين دول مستقلة لها بسواعد البربر.
ركة حامية سميت باسم "غزوة الأشراف" لكثرة من قتل
الثاني
2 - الصراعات القبلية والعصبية:
(2)
•
عانت بلاد المغرب أيضا من الصراعات القبلية والعصبيات التي سادت بين العرب طيلة العصر الأموي. حيث أدى الصراع بين العنصر القحطاني والعنصر النزاري إلى انصراف الولاة عن شئون البربر وتركيز همهم في أغلب الأحيان على تقوية نفوذهم القبلي وتصفية الخصومات القبلية علي حساب البربر. وهو الأمر الذي لم تدرك خطورته الخلافة الأموية رغم علمها بالأمر ونظرتها إليه نظرة قاصرة من وجهة نظرها ومصلحتها. وقد وضع ذلك جليا زمن موسى بن نصير، وهو من زعماء اليمنية الذي وصل إلى المنطقة في فترة سيادة العنصر القحطاني. وحينما عزل سنة 96 هـ / سنة 715 م، وعين الخليفة سليمان بن عبد الملك (99 هـ / 715 م) محله محمد بن يزيد، وهو من القيسية. أخذ الوالي الجديد يعمل على القضاء علي نفوذ اليمنية، وتقوية مكانة القيسية في إفريقية، لكنه لم يلبث أن عزل وذاق من نفس المصير، علي يد الوالي الجديد يزيد بن أبي مسلم الذي وصل إلي إفريقية سنة 101 هـ / سنة 720 م ليقبض على الوالي القيسي السابق، ويشبعه تعذيبا، واستمرت القيسية تعاني من الاضطهاد فترة طويلة. (5)
وقد أهملت في تلك الفترات أحوال البربر وبلادهم، وأصبح شغل هؤلاء الولاة إرضاء خلفائهم من الغنائم وتقوية نفوذهم القبلي، دون النظر إلى أهمية المشاركة البربرية
(1) الرقيق القيرواني، المصدر السابق، ص: 111.
(2) محمود اسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب، ص: 85 وما بعدها. (3) فلهوزن، تاريخ الدولة العربية.، ص: 272 وما بعدها.
(4) ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، ص: 38.
(5) اليعقوبي، تاريخ، ج 2، ص: 243.
-191 - (1/196)
صفحة 197
الجديدة في الإسلام والاهتمام بهذا العنصر الجديد الذي انضم بطاقاته وحماسته إلى الإسلام، بعد أن وجد منذ البداية في الإسلام ومبادئه مخرجا من معاناته في الماضي فأسلم يده للمسلمين. لكنه شعر بالمرارة من جراء سياسة بعض هؤلاء الولاة (1).
من هنا فقد نشطت دعاة المحكمة والشيعة بين أهل إفريقية من قبائل البربر موضحة لهم صورة الإسلام الحقيقية من أجل الوصول بأفكارها إلي إعلان إمامات إسلامية. ومنذ سنة 95 هـ / سنة 715 م خرج من سجن الحجاج في البصرة العديد من الدعاة من رجال المحكمة ووصل منهم شخصيتان كان لهما دور كبير في تاريخ إفريقية وهما:
- سلمة بن سعد الحضرمي.
- عكرمة مولي ابن العباسي.
(r).
وتذكر المصادر أنهما وصلا إلى بلاد المغرب علي بعير واحد بعد سنة 95 هـ، (2) واستقر الأول في جبل نفوسة، ونشط في الدعوة الأباضية بين قبائل البربر وقال عبارته الشهيرة وددت أن يظهر هذا الأمر يعني إمامة للأباضية. بالمغرب يوما واحدا من غدوها إلى الليل فما أبالي ضربة عنقي وبالفعل انضم إليه الكثير من البربر، حيث أصبح زعماء الحركة الإباضية من بعده من البربر، وترددوا لأخذ العلم والنصيحة من الإمام بالبصرة وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة. وانتشرت المدراس السرية للفكر الأباضي، لتتوج تلك الجهود بإعلان إمامات أباضية كان أهمها إمامة تاهرت الرستمية سنة 162 هـ. وكانت القبائل البربرية هي وقودها وسندها وحماتها.
وإلي الغرب، وفي القيروان، استقر عكرمة، مولي ابن العباس ليجعل منها ومن بلاد المغرب الأوسط والأقصي بيئة خصبة لفكر الصفرية، حيث اتصل بقبائل البربر مثل مطغرة ومكناسة وبرغواط وزناتة، وسادت أفكاره بين تلك القبائل، حيث ظهرت
دولتهم الصفريه الكبري في سجلماسة)
(4)
(1) ابن عبد الحكم. المصدر السابق، ص: 269. (2) أبو زكريا، كتاب السيرة وأخبار الأمة، ص: 40. (3) أبو زكريا، المصدر السابق، ص: 42. (4) محمود اسماعيل، المرجع السابق، ص: 78.
- 192 - (1/197)
صفحة 198
ومهما يكن من أمر، فإن دعاة الأباضية والصفرية والشيعة، قدموا خدمات هامة للإسلام في إفريقية في العصر الأموي، ذلك أنهم حافظوا علي الطابع الإسلامي الجديد في تلك البيئة، وضموا البربر إلي الصف الإسلامي في وقت عصيب من تململ البربر من انحراف بعض الولاة. وإن كان دعاة الأباضية قد لقوا ترحيبا أوسع بين صفوف البربر بسيب ما يتميز به فكرهم من الفطرة والبساطة التي تلامم فكر البربر وتتفق مع روح الإسلام. (1) وأحس البربر أن الإسلام ليس مقصورا علي ولاة بني أمية فقط.
من جهة ثانية كانت هناك عوامل أخري ساهمت في عمليات التحول الشامل لسكان مصر وإفريقية إلي الإسلام منها سياسة التسامح التي ظهرت في معاملات المسلمين مع أهل الذمة، وكذلك عمليات تعريب الدواوين، واشتراط تعلم اللغة العربية لتولي تلك الوظائف، ثم اشترط الإسلام أيضا في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكانت تلك الدواوين تضم العديد من سكان البلاد الاصلين.
وإلى جانب ذلك أصبحت مصر وإفريقية مسرحا لهحرات عربية كبيرة، وفدت إليها عبر سيناء من شبه الجزيرة العربية، واستقربها المقام في مصر وإفريقية، والتحذت تلك الأوطان الجديدة مقرا ومقاما، فاختلطت بالسكان الأصليين، وشاركتهم حياتهم العامة. فكانت عاملا هاما في التعريب ونشر الإسلام. وقد تميزت أغلبية تلك القبائل خلال العصر الأموي بعدم الاستقرار فكانت في حالة حركة وتنقل بين مناطق مصر وإفريقية.
حتي
وكانت القبائل القحطانية اليمنية لها الغلبة والسيادة علي معظم نواحي مصر لزيادة عدد أفردها. أحد ولاة مصر سنة 43 هـ نحوا من اثني عشر ا استقدم ألفا من عرب الشمال خوفا من سيادة عرب الجنوب واستبدادهم بنفوذ مصر، وكذاك من أجل تحقيق نوع آلاف من التوازن القبلي الذي يميز السياسة الأموية. وحتي سنة 109 هـ قدمت إلى مصر قبيلة قيس ونزلت في منطقة بلبيس بشرق مصر عددهم في نهاية العصر الأموي إلى حوالي أربعون ألف أسرة عربية مصر ليصل. معظمهم من عرب الشمال. كما بدأت العديد من القبائل العربية تزحف للإقامة في برقة
من
في.
•
(2)
حتي
كثر عدد القيسية النزارية
(1) جهلان، عزون، الفكر السياسي عند الأباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش. ص: 42 جمعية التراث، الجزائر، بدون تاريخ.
(2) الكندي، الولاة والقضاة، ص: 76.
- 193 – (1/198)
صفحة 199
وطرابلس والقيروان وغيرها من مناطق إفريقية الشمالية. وكان استقرار العرب في المدن أكثر من الريف والقرى حتى مطلع القرن الثاني الهجري، حيث بدأت بعض القبائل تتجه نحو الريف. وبدأت عمليات اختلاط واسعة بينهم وبين السكان الأصليين (1).
كما يمكننا اعتبار قضية السبي رغم ما يحيط بها، هجرة مضادة إلي المنطقة والقلب العربي في الشام وشبه الحزيرة العربية، خاصة الحجاز، حيث تميز سبي المغرب بأعداده الكبيرة حتى أنها كانت تماثل في عددها أعداد القبائل العربية المتجهة إلى منطقة إفريقية، فيذكر أن مروان بن موسى بن نصير قد عاد بسبي بلغ مائة ألف، وبعث والده جيشا آخر بقيادة ابنه فأصاب مائة ألف أيضا (2). وكان لتلك الهجرات القسرية إلى بلاد العرب نتائح هامة في نشر الإسلام والثقافة العربية بين البربر.
وتراجعت الثقافة اليونانية واللاتينية في إفريقية أمام الثقافة العربية الإسلامية وانحصرت فترة من الزمن في ترانيم الكنائس، كما انفرضت اللهجات واللغات المحلية أمام اللغة العربية (3) التي أصبحت لغة الدين والحكومة والإدراة والتعامل والحياة
الدنية بين الناس في مصر وإفريقية حاملة بعض المصطلحات من اللغات القديمة.
ومع امتداد الفتوحات الإسلامية إلى الأندلس من البر الأوروبي، ومشاركة البرير
الفعالة في أحداث العالم الإسلامي، أصبحت إفريقية ومركزها جزء من العالم الإسلامي بعد أن كانت تعيش على هامش الأحداث في العصر اليوناني والروماني. واتجه البربر مع العرب صوب الجنوب لعبور الصحراء للوصول إلى مناطق جديدة من قارة إفريقية.
وهكذا فإن العصر الأموي قد أدى إنجازات هامة علي مستوي القارة الإفريقية في صهر البربر في بوتقة الإسلام وترسيخ الحضارة الإسلامية بين مناطق إفريقية لأول مرة.
(1) أحمد لطفي السيد، قبائل العرب في مصر، ص: 55 وما بعدها. (2) ابن عبد الحكم، المصدر السابق، ص: 254.
(3) شكري، المجتمعات الإسلامية، ص: 178. (1/199)
صفحة 200
(4)
اوضاع إفريقية في العصر العباسي
ورث العباسيون (1) الخلافة الإسلامية سنة 132 هـ /سنة 749 م، بعد الأمويين، وبحكم طبيعة دعوتهم والعناصر التي ساندتهم فإنهم اتجهوا منذ بداية عصرهم إلى الإهتمام بأقاليم المشرق الإسلامي، بحكم اعتبارات سياسية واقتصادية، فبعض النظر عن الدعم الكبير الذي قدمته الأقاليم الشرقية لنصرة الثورة العباسية ضد الأمويين، وبغض النظر عن الجوانب الحضارية التي تميز الأقاليم الفارسية، فإن العباسيين أدركوا منذ البداية أهمية استغلال موقع ومكانة العالم الإسلامي للسيادة الحضارية علي العالم،
(1) ينحدر العباسيون من نسل العباس بن عبد المطلب، عم الرسول، صلى الله عليه وسلم، وقد ادعوا أحقيتهم في الخلافة، وأحقيتهم في إرت الرسول، بقولهم أن العصب يحجب البنت، وقد قوى حزبهم حينما ادعوا أن ولاء الكيسانية قد انتقل إليهم سنة 98 هـ /سنة 716 م. في خلافة سليمان بن عبد الملك الأموي. . ذلك أن أباهاشم بن م م بن محمد بن علي بن أبي طالب أوصى بحقه في الإمامة إلى على بن عبد الله بن عباس وابنه محمد. وأمده بأسماء داعي دعاة الكوفة. وقد ظلت الدعوة العباسية سرية ونظمت بصورة جيدة في زمن محمد العباسي الذي اتخذ واجهة دينية باسم " آل البيت" وبعد وفاة محمد بن على العباسي سنة 125 هـ / سنة 742 - 743 م أوصى إلى ابنه إبراهيم بأن يكون إماما للدعوة العباسية، فاختار إبراهيم اللون الأسود شعاراً للعباسيين. ذلك أن راية الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت سوداء أثناء فتح مكة. كما كانت راية على بن أبي طالب. وبدأت ثورة العباسيين في خراسان بفضل نشاط الدعاة والأتباع وضعف السلطة الأموية هناك. وتحولت الدعوة إلى ثورة كبرى، ورفع أبو مسلم الخراساني الرايات السوداء. وكانت الغلبة للعباسيين وزحفت جيوشهم صوب العراق والشام وتمكنت من احراز انتصارات عسكرية حاسمة علي الأمويين وهرب آخر خليفة أموي أمامهم وهو مروان الثاني، لتدخل جيوشهم دمشق سنة 132 هـ وبويع أبو العباس السفاح في الهاشمية كأول خليفة عباسي في نفس العام. ويقسم المؤرخون العصر العباسي إلى فترتين هما: الأولى تمثل سيادة العنصر العربي في القرن الأول من دولتهم، والثانية سيادة العناصر الفارسية والتركية.
انظر: - اليعقوبي، تاريخ، جـ 2، ص: 92 وما بعدها. - المسعودي، مروج الذهب، ج 2، ص: 182 وما بعدها. - الشامي، أحمد، دكتور، الدولة الإسلامية في العصر العباسي، ص: 16 وما بعدها.
•
-190 - (1/200)
صفحة 201
ولذلك فإن عصرهم يعد من أخصب مراحل التاريخ الإسلامي بصورة عامة، لما تمخض عن إنجازات حضارية مازالت تبهر البشرية حتي الوقت الحاضر.
وكان اختيار العباسيين الحاضرتهم الجديدة في بغداد يحمل اهتمامات اقتصادية عالمية واهتمامات إفريقية أيضا (1). ذلك أن الخليفة للنصور، ثاني الخلفاء العباسين بدأ في العمل لبناء حاضرة عباسية تليق بمركزهم، وجعل من شروطها أن تكون مشرعة الدنيا ومركز التجارة تفد إليها قوافل أواسط آسيا، وسفن عمان والبحرين القادمة من الصين والهند وإفريقية. وافتحت المدينة سنة 146 هـ (2) لتصبح أهم مركز حضاري عالمي لفترة طويلة، وطارت شهرة بغداد بين شعوب العالم.
(2)
أدي قيام الخلافة العباسية وتوجهها إلى المشرق وتأسيس عاصمة لها في بغداد إلى آثار هامة علي الساحة الإفريقية نحصرها فيما يلي:
:
1 - زيادة اهتمام العباسيين بأوضاع الخليج العربي لتأمين مصالحهم التجارية في المحيط الهندي بحكم خبرة أهل الخليج وعلاقاتهم التجارية، وأصبحت منطقة شرق إفريقية تمثل حيزا هاما في تجارة المحيط الهندي، ولها سلعها الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في فترة ازدهار العالم الإسلامي.
ولذلك نشطت الحركة التجارية بين عاصمة العباسيين وبين شرق إفريقية عبر الخليج العربي. وحملت السفن الخليجية المزيد من سلعها سواء من العاج أو الرقيق، في فترة الحاجة إلي أيدي عاملة جديدة من رقيق إفريقية للعمل في موانيء البصرة والخليج والقيام باستصلاح أراضي البطائح في منطقة شط العرب. وقد امتلأت تلك المناطق بعشرات الآلاف من العبيد الذين عاشوا وسط ظروف إنسانية صعبة وأصبحوا عرضة للانفجار ضد الخلافة العباسية للمطالبة بتحسين أحوالهم)
(3)
2 - علي الصيعد السياسي أدى إهمال الإدراة العباسية شئون إفريقية الشمالية إلى قوة نفوذ والي الأمويين السابق عبد الرحمن بن حبيب، الذي شكل إمارة له هناك معتمدا
(1) بدرالدين الصيني، العلاقات التجارية، ص: 39 0 40.
(2) اليعقوبي، البلدان، ص: 37. شاكر مصطفى، دكتور، دولة بني العباس، ص: 329.
أحمد
(3) علي، ثورة العبيد، ص: 68 وما بعدها
•
-197 - (1/201)
صفحة 202
(1)
علي نفوذه القبلي وانتمائه إلى بيت عقبه بن نافع وكذلك إلى وقوع حركات تمرد ونهب من قبل قبائل البربر وإلى زيارة قوة نفوذ أتباع حركات المعارضة من الأباضية والصفرية الأمر الذي هدد بانفصال هذا الجزء عن العباسيين. ولما كانت منطقة ساحل إفريقية الشرقي قد ارتبطت حضاريا بدور الوسيط العماني والخليجي والتي سنحاول توضيحها في الفصول القادمة، فإننا نحد أن العباسيين بدأو ينتبهوا إلى خطورة إهمالهم لشئون إفريقية في البداية، وظهرت منذ خلافة المنصور بعض الاهتمامات التي قد لا تتناسب مع حجم وحيز إفريقية على الساحة الإسلامية والدولية.
ذلك أنه بدأ يعالج امتداد نفوذ عبد الرحمن بن حبيب، وازدياد نفوذ إمامات المحكمة والبربر خاصة وأن هناك خلافة أموية ظهرت علي طرف إفريقية الشمالي الغربي في الأندلس، وبدأت إفريقية الشمالية مطمعا للخلافتين في بغداد وفي قرطبة. ولقد أحس العباسيون منذ البداية أن ابن حبيب الذي أعلن ولاءه للعباسبين (2) يمكن أن يمثل خطرا علي العبايسين بعد دوره في حماية بعض أفراد بني أمية الذين هربوا إلى الأندلس أو دخلوا إفريقية بل أنه لم يوافق علي فرض نفوذ العباسيين في مناطقه، كما رفض مطالبهم المالية منذ البداية وفشل والي مـ مصر العباسي صالح بن علي فيا القضاء على ابن حبيب من خلال الحملات التي أرسلها بقيادة أبي عون الأزدي، أو الحملات البحرية علي سواحل إفريقية (3)، خاصة بعد ضم إفريقية لولاية مصر سنة 136 هـ /753 - 754 م. ورغم ذلك فقد لقي ابن حبيب مصرعه علي يد أحد أفراد أاسرته (4) وأصبحت إفريقية ساحة واسعة لنفوذ دول مستقلة جديدة تتبع أفكار المحكمة أو الشيعة.
ويبدو أن المنصور وغيره من خلفاء بني العباس لم يتفهموا ظروف إفريقية وسكانها وتطلعات رجالها، واستمروا على منوال الأمويين في تغير الولاة وتجريد الجيوش كلما ظهرت لهم بها حاجة. فبدلا من الاعتماد على نفوذ عبد الرحمن بن حبيب ومكانة أسرته بين البربر على أساس أنه من نسل عقبة بن نافع، وما تحتله تلك الأسرة من مكانة في مجال التعامل الإفريقي، حرضوا أفراد أسرته عليه، ليقتل وتنتهي مركز الأسرة من بعده
(1) جوليان، تاريخ شمال إفريقية، جـ 2، ص: 39/ 38. (2) دبوز، تاريخ المغرب الكبرى، جـ 2، ص: 6.
(3) فاروق عمر، الخلافة العباسية، ص: 129. (4) ابن عذاري، المصدر السابق، ج 1، ص: 63 وما بعدها.
-197 - (1/202)
صفحة 203
(1)
، وتخلو بذلك الساحة من زعامات عربية لفترة طويلة (1). خاصة وأن العباسيين كانوا في تلك المرحلة في حاجة إلى الجند علي جبهات المشرق ومنطقة الخليج العربي وهي جبهات ذات مساس بالأمن العباسي مباشرة. وكان ابن حبيب يمكن أن يكفيهم بمجرد الاعتراف به وبنفوذه وتقوية مركزه وسط بحر متلاطم من أفكار المعارضة وآمال قبائل البربر. ويعتبر المنصور أهم شخصية عباسية يحاول البحث عن حل لقضية إفريقية. لكن محاولاته ظلت تعتمد علي القوة العسكرية. فبعد أن أعلنت إمامات أباضية وصفرية بين البرير، سارع المنصور إلى إرسال حملة عسكرية بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي سنة 143 هـ / سنة 760 م. وتمكن هذا القائد العباسي من إحراز نصر عسكري علي إمامة طرابلس الأباضية التي أعلنت منذ سنة 140 هـ (2)، وقتل الإمام الأباضي أبو الخطاب عبد الأعلي بن السمح المعافري، ورغم ذلك ظلت المنطقة علي ولانها للأباضية، بعد هزيمتهم في معركة تاورغا سنة 144 هـ / سنة 761 م أمام ابن الأشعث (2). . فلم يحاول الوالي العباسي الجديد كسب ود البربر بل انتهج سياسة قاسية نحوهم فظل السكان مرتبطين بفكرهم الأباضي
(3)
(4)
وقعت في تلك الظروف منازعات بين أتباع العباسيين في إفريقية، فاضطر المنصور إلى تعيين الحسن بن حبيب الكندي واليا، رغم شكوكه في إخلاصة لهم في المنطقة، ورغم ذلك ظلت المنطقة قلقة للعباسبين حتي تطور الأمر بإرسال المنصور حملة أخري سنة 151 هـ / سنة 768 م بقيادة عمر بن حفص العتكي (4)، وهو ينتمي إلى بيت المهلب بن أبي صفرة، من أزد عمان، وقد عرف هذا البيت بشدة كراهيته للأمويين بعد الخسائر التي منذ ولاية الحجاج للعراق واضطهاده للمهالبة، ثم النكبات التي حلت بالمهالبة في خلافة يزيد بن عبد الملك خاصة هزيمتهم في العقر سنة 102 هـ. ولذلك استعان العباسيون برجال هذا البيت لاستقرار الأوضاع في إفريقية.
لحقت
بهم
تمكن أول ولاة الأزد، من التوغل في إفريقية بين مناطقها وقبائلها. دون أن يحاول التقرب أو الاندماج مع البربر أو يعير انتباها للقبائل العربية المستقرة هناك. مما أثار
(1) جوليان، المرجع السابق، ج 2، ص: 39. (2) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص: 109 (3) ابن الأثير، الكامل، ج 5، ص: 317.
(4) أبو زكريا، كتاب السيرة، ص: 72.
-191 - (1/203)
صفحة 204
كراهية السكان له. وانتهي الأمر بوقوع ثورة كبرى ضده، تمكن خلالها البربر من احتلال القيروان، وقتل نائب الوالي. فسارع عمر بن حفص بطلب تعزيزات جديدة من بغداد، لكنه قتل أيضا قبل أن تصله النجدة سنة 154 هـ / سنة 177 م. الأمر الذي أقلق المنصور من مصير إفريقية.
ومن أجل الحفاظ علي هيبة الخلافة العباسية في إفريقية. أعلن المنصور الجهاد
(1)
ضد البرير، وأرسل جيشا جرارا يقوده قائد مهلبي جديد هو يزيد بن حاتم المهلبي وتحرك القائد المهلبي في خمسين ألف مقاتل من عرب الشام والجزيرة، ليواجة قوات بربرية منتشرة في مناطق واسعة من إفريقية. ولإبراز أهمية تلك الحملة أنفق عليها الخليفة أموالا طائلة بلغت حوالي ثلاث وستين ألف ألف درهم (2). كما رافق الخليفة حتي وصلت بيت المقدس في سنة 154 هـ/ سنة 771 م.
الحملة.
وصل جيش يزيد المهلبي إلى إفريقية، وأحرز سلسلة من الانتصارات علي جماعات الأباضية في منطقة طرابلس، حيث كانت أول مراكز المعارضة في الشمال الإفريقي من جهة حدود مصر. وقتل الإمام الأباضي أبوحاتم الملزوزي سنة 155 هـ /سنة 772 م. وقد أثرت تلك المعركة علي الوجود الأباضي في طرابلس، حيث اتجهت الأنظار إلى البحث عن مكان آمن آخر في إفريقية لتأسيس إمامة أباضية يكون بعيدا عن خط الجيوش بين مصر والقيروان، فأصبحت تاهرت هي المركز الأساسي لهم في إفريقية. ورغم ذلك ظلت منطقة جبل نفوسة وطرابلس تشكل مقاومة ضد العباسيين، حيث انسحب بعض أفراد القبائل البربرية إلى الجبال وأعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأوا في شن هجمات ضد القوات العباسية، أو القيام بثورات مثل ثورة أبي يحيي بن قرياس، في طرابلس سنة 156 هـ
(3)
في الوقت نفسه بدأت جماعات الصفرية تنسحب هي الأخرى إلى خطوط الواحات بالصحراء بعيدا عن مركز القيروان والساحل التي يتمسك بها العباسيون، وأصبحوا قوة في الصحراء وواحاتها (4)، وشكلوا مع الفرق المعارضة الأخرى حزاما حجب ساحل إفريقية عن صحرائها من الناحية السياسية.
(1) ابن عذاري، المصدر السابق، ج 2، ص: 79.
(2) فاروق عمر، الخلافة العباسية، ص: 131.
(3) ابن خلدون، العبر، جـ 6، ص: 123. (4) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، ج 2، ص: 48.
-199 - (1/204)
صفحة 205
لقد كان هذا التعامل القاسي من قبل العباسيين للأفارقه، سببا في تحول البربر
بصورة كبيرة إلى اعتناق الأفكار المعارضة للعباسيين، وسارع زعماء تلك الأفكار إلى
4
إرسال دعاتهم إلى قبائل البربر يعرضون عليهم أفكارهم في صورة سهلة وبسيطة. وتأسست بين قبائل البربر مدارس سرية لتلك الأفكار لتخريج الدعاة الذين نشطوا بين قبائلهم. وتغلغلت تلك الأفكار بين البربر ودافعوا عنها اقتناعا بأفكارها وإعجابا بالتزام قادتها، أو كتوع من البروز بشكل مستقل عن الخلافة العباسية وبسبب سوء سياسة العباسيين في إفريقية من الناحية السياسة والعسكرية، فقد بدأت علاقات البربر مع الخلافة العباسية والمشرق الإسلامي تتحة إلى التباعد، حتي فقد البرير العديد من الروابط التي شدتهم إلى المشرق الإسلامي منذ دخولهم الإسلام. فمنذ أواسط القرن الثاني الهجري / القرن الثامن الميلادي، إذ غمرت منطقة الشمال الإفريقي موجتان انحدرت أحداهما من الصحراء الغربية، وهي قبائل البربر خاصة صنهاجة. والثابية قدمت من المشرق وهم بني هلال (1). وحاول الأفارقة لأول مرة في التاريخ تشكيل دول لهم على النمط الشرقي، مرتبطين في تأسيس تلك الدول بالأساس الإسلامي.
لقد كانت زحفة. بني هلال، وبني سليم من مصر نحو المغرب، وبأمر من الخليفة، بعد أن بدات مناطق البربر تسترجع شخصيها وتراثها البربري القديم الكامن
الفاطمي في اعماقها في ظل استقلالها السياسي عن المشرق الإسلامي وسلطة العباسيين في بغداد هلال ثم سلطة الفاطميين في القاهرة. الأمر الذي أغضب الخليفة الفاطمي ورمي بهم ببني. عقابا لهم. ومنذ منتصف القرن الحادي عشر الميلادي ساد عرب بني هلال إفريقية الشمالية وأزاحوا كيانات البرير وتنظيماتهم ونشروا لغتهم العربية ونمطهم الشرقي من جديد. في وقت كاد أن يدير البربر ظهرهم للعرب. وإن كان هذا لا يعفي تلك الزحفة من أعمال السلب والنهب والتدمير التي حدثت خلالها، ومازالت واضحه الأثر بين صفحات التاريخ الإفريقيي
(Y)
وإذا حاولنا تحديد أهم الدول العربية والبربرية التي شهدتها منطقة الشمال الإفريقي منذ القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي فهي كما يلي
(1) حسن محمود الإسلام والثقافة الإسلامية في إفريقية، 100، 232 وما بعدها.
(2) جوليان، المرجع السابق، ص: 53.
- Y .. - (1/205)
صفحة 206
أولاً: دولة الأدارسة:
تنسب
تلك الدولة إلى إدريس بن عبد الله. الذي ينتسب إلى آل البيت. وقد جاء إلى طنجة سنة 788 م هاربا من المشرق بعد فشل ثورة من ثورات العلويين ضد العباسيين وواصل رحلته بصحبة مولاه راشد حتي بلغ طنجة البعيدة عن نفوذ الخلافة العباسية. ونزل بين قبيلة اورية في منطقة وليلي وهي منطقة بربرية. ولما زاد نفوذه في المنطقة بعد تاييد قبيلة أوربة له، بدأ يفكر في جعل منطقة المغرب الاقصي منطلقا له في تاسيس دولة له.
(1)
وشرع يؤسس مدينة سماها فاس واخذ. يوسع دولته معتمدا علي تاييد قبائل بربرية عديدة من شمال المغرب. وأخذ يهاجم تامسنا واحتل تلمسان.
توفي إدريس سنه 792 م. وتولي من بعده ابنه إدريس الذي تربي في أحضان البرير من أم بربرية تدعي ((كنزة)) وسط رعاية بربرية وتقدير باعتباره من أحفاد آل البيت. وأدخل دولته دماء عربية من الأندلس وتخلص من زعيم بربري منافس له وهو أبوليلي رأس قبيلة اورية. وأخذ يعمر مدينة فاس التي أسسها والده. فبني بها المسجد الجامع وقصرا وسوقا وأسكن فيها أعوانه من العرب. واستغل الأدارسة موقع مدينتهم الجديدة علي الطريق بين سهول جبال الأطلس وبين المغرب الاوسط، حيث تتحكمم في الطريق بين طنجة وتفيلالت
(2)
وعلي يد الأدارسة تأسست أول حاضرة إسلامية في الركن الشمالي الغربي من
إفريقية حيث توافد عليها القبائل والجماعات والتجار من القيروان وقرطبة ومختلف نواحي إفريقية، واستقربها جماعات لها خبرتها الحضارية وفنونها الراقية (3)، وأصبحت المدينة مركزا إسلاميا جديدا في بلاد البربر ينافس القيروان، وقدمت إليها وفود طلاب العلم والعلماء حيث مسجد القرويين. (4) كما تمكن الأدارسة من توحيد قبائل البرير في تلك الأنحاء تحت زعامة إسلامية ودولة مركزية.
لكن تلك الدولة ضعفت بعد وفاة إدريس سنة 828 م حيث تتنازع أولاده العشرة فيما
(1) جوليان المرجع السابق، ص: 55.
(2) اليعقوبي، تاريخ ج 1، ص: 194/ 193. (3) البكري، المغرب، ص: 143.
(4) ابن عذاري، البيان المغرب، ج 1، ص: 236.
-1.1 - (1/206)
صفحة 207
بينهم وتداعي صرح الأدارسة السياسي، لكن ظلت فاس تقوم بدورها الكبير في الإشعاع الحضاري علي مستوي القارة الافريقية، سواء الشمال أو في غرب إفريقية جنوب الصحراء. وظلت دولة الأدارسة تتداعي حتي. سنة 921 م حينما وصلتها جيوش الفاطميين،
ثم أسقطت نهائيا سنة 974 م علي يد أحد قواد قرطبة. (1)
ثانيا: دولة الأغالبة:
أسسها إبراهيم بن الأغلب أحد ولاة العرب في إفريقية من قبل العباسيين، حيث عهد هارون الرشيد (170 - 193 - هـ / 786 - 809 م إليه بولاية إفريقية لقاء خراج سنوي قدره أربعون الف دينار. وقد تمكن الأغالبة من فهم المحيط الإفريقي المحيط بهم فاستغلو ثورات البرير لصالحهم، في الوقت نفسه لم يقطعوا صلتهم بخلافة بغداد، بل أنهم استمدوا من ثقة الخليفة العباسي مزيدا من الشرعية والهيبة في منطقة متناحرة متلاطمة التيارات والمذاهب، واستغلوا ظروف إفريقية وموقع إمارتهم ليفرضوا سيطرتهم البحرية علي وسط البحر المتوسط بعد أن كونوا أسطولا كبيرا لهم فرضوا سيطرتهم بواسطته علي صقلية وجنوب ايطاليا، وجعلوا لأول مرة من إفريقية دولة بحرية لها نفوذها القوي في أحداث البحر المتوسط وجنوب أوربة.
(2)
ذلك أن الأغالبة أدركوا صعوبة التوسع في الأقاليم الافريقية المتاخمة لهم، وأصبح البحر هو المجال الحيوي لهم، خاصة وأنهم تمكنوا من بناء جيش واسطول قويين من قوات عربية وبربرية. ورغم أن صقلية كانت صعبة المنال علي المسلمين منذ البداية، إلا أن زيادة الله تمكن من إرسال أسطول قوي تحت قيادة القاضي أسد بن الفرات وقام باحتلال بالرمو
(1) جوليان، المرجع السابق، ص: 59. (2) الدوري، صقلية، علاقاتها بدول البحر المتوسط الإسلامية من الفتح العربي حتى الغزو النورمندي.
بغداد، ص: 162 وما بعدها.
(3) احتلها النورمان من المسلمين منذ سنة 1061 م حينما احتلوا مسينا، ثم احتلوا بالرمو سنة 1072 م، الخلافات القائمة بين القادة المسلمين في تلك الفترة واستطاع روجرز النورماندي أن بتلك
بسبب
الجزيرة باستثناء مدينتين قصريانة وجرجنت حتى استسلما سنة 1091 م.
- جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، ج 2، ص: 141. - عمران، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ص: 280، 281.
- Y.Y- (1/207)
صفحة 208
عاصمة صقلية ومسينا، وفي سنة 843 م احتلوا يلفيديو وهي بالجزيزة أيضا، وبعد أن أكمل الأغالبة احتلال إفريقية عبروا البحر واحتلوا تورمينا رغم تدخل لويس الثاني الكارولنجي، وجمهوريات ايطاليا التحارية مثل البندقية.
ثالثا: الفاطميون في المغرب:
يرجع الفضل في تأسيس الدولة الفاطمية في بلاد المغرب إلى عبيد الله الشيعي، الذي فر من المشرق واستند إلى قبيلة كتامة البربرية. ويرجع الفاطميون إلى الدعوة الإسماعيلية الشيعية، التي بدأت الامامة بإسماعيل ثم ابنه محمد، الذي أصبح الامام السابع. واستتر الأئمة الاسماعيليون، بينما تولى المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرا، ويظهرون الدعاة جهرا، وذلك حسب معتقداتهم
(1)
وقد لجأ أئمة الاسماعيلية إلى نشر دعوتهم في الخفاء وفي بلاد بعيدة عن مركز الدولة العباسية ليتجنبوا اضطهاد العباسيين (2). واتحد أئمة الإسماعيلية مدينة سلمية بالشام مركزا لنشر هذه الدعوة، وكانوا يبعثون من هذه المدينة الدعاة إلى كافة الاقطار الإسلامية ويعهدون في تنظيم الدعوة إلى كبار الدعاة الذين كان يطلق عليهم في هذا الدور وهو دور الستر، نواب الأئمة أو الحجج، وهؤلاء يبعثون دعاة لنشر المذهب الإسماعيلي في أرجاء العالم الاسلامي (3). وقد عاش في تلك المدينة التاريخية الأئمه الأربعة المستورون من ولد اسماعيل بن جعفر الصادق، وهم الذين خططوا للدولة الفاطمية التي ظهرت في المغرب وشمال إفريقية ومصر. كما أوجدوا الحركة الإسماعيلية القرمطية في الشام والعراق والبحرين وفارس واليمن.
تختلف الدعوة السرية التي لجأت إليها الإسماعيلية عن التقبة عند الشيعة الإمامية التي ترمي إلى مكاتمة المخالفين لهم وترك مظاهرتهم وستر اعتقاداتهم.
(1) الملل والنمل، ص: 192.
(4)
(2) فقد هرب محمد بن اسماعيل إلى الرى ومنها إلى جبل دماوند قرب الري، واستقر في قرية أخذت اسمه ليصبح أسمها محمد أباد، وظل مختضيا بها فترة طويلة.
(3) حسن إبراهيم، تاريخ الدولة الفاطمية، ص: 40.
(4) المظفر، عقائد الإمامية، ص: 85.
وقد
- Y.T- (1/208)
صفحة 209
(1)
بدأت الدعوة الاسماعيلية بجهود ميمون القداح وابنه عبد الله. وكان ميمون هذا مولى للإمام جعفر الصادق. ودخلت تلك الدعوة طورا جديدا علي يد عبد الله بن ميمون وأصبحت الأهواز مركزا لنشاطه ومنها أرسل الدعاة إلى أماكن متفرقه، وكان يخفي دعوته وراء ستار التشيع والعلم. ثم ارتحل الي البصرة، واستقر به المقام في سليمة (2)، حيث رزق بابنه احمد، الذي خلف والده في الدعوة. حيث ظهر حمدان قرمط بن الأشعث في تلك الفترة. وبعد موت أحمد خلفه ابنه الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح، الذي بعث داعيتين من دعاته إلى المغرب وهما: أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد وأخية أبو العباسي محمد.
غير أن بذور الشيعة الإسماعيلية أخصبت في أرض المغرب، إخضابا غير متوقعا، ووجدت في قبيلة كتامة البربرية سمادا لنموها وترعرعها. وكانت قبيلة كتامة تستقر في منطقة القبائل الصغري شرقي جبال بابور بين جيجلي وقسنطينة، وهي منطقة ذات موقع متوسط، لها اهميتها الإستراتيحية منذ العصور القديمة، كما أن العباسيين والأغالبة لم يتمكنوا من بسط سلطانهم علي تلك المنطقة (3).
وكان أفراد قبيلة كتامة علي علاقة غير موفقة بالولاة العرب منذ البداية، مما أدي إلى احتضان تلك القبيلة للأفكار المعادية للأمويين والعباسيين منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي من خلال وصول الدعاة إلى مناطقهم أو التعرف علي تلك الافكار من خلال موسم الحج، حيث اتصل الداعي أبو عبد الله، الذي أصبح له دور في الدعوة في بلاد المغرب، واتصل بحجاج كتامة واصطحبوه إلى بلادهم سنة 893 م واستقر بينهم في حصن منيع في منطقة القبائل الصغري
(4)
تمكن أبو عبد الله من توحيد كلمة كتامة مع باقي دعاة الاسماعيلية، وكون منهم جيشاً قوياً. هجم به علي افريقية، فاستولي على المسيلة سنة 902 م، ثم سطيف سنة 904 م، واحتل كل الأماكن الهامة المؤدية إلى إفريقية، فاحتل رقادة سنة 909 م. وبدأ
(1) عارف تامر، القرامطة، ص: 86.
(2) مدينة صغيرة بالشام قرب حماة في شرقي نهر العاصي، أصبحت مركز الدعوة الإسماعيلية.
(3) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، ج 2، ص: 73/ 72.
(4) الليثي، سميرة، جهاد، الشيعة، 241.
- Y.?- (1/209)
صفحة 210
14'11
يستميل الناس اليه بأن أسقط كل الضرائب غير المنصوص عليها في القرآن الكريم، وامر بضرب العملة، وعين قاضيا شيعيا، وبدأ يفرض تعاليم فكره علي الناس
(1)
وبعد تلك الانتصارات أخذ يبحث عن المهدي، الذي يدعو باسمه، في الوقت الذي أدرك عبيد الله المهدي أن سلمية لم تعد مكانا مناسبا لملاحقة العباسيين له، فاتجه الي بلاد المغرب عبر مصر وطرابلس، متحفيا في ذي تاجر، واحتمي بيني مدرار في سجلماسة، ويبدوا أنه أودع السجن، وتمكن جيش كتامة من تخليصه من الأسر. ودخل عبيد الله مدينة رقادة سنة 910 م في موكب عظيم، وتلقب رسميا بالمهدي، وسمي بأمير المؤمنين (2). وبذلك ظهرت للإسماعيلية إمامتهم الرسمية في المغرب الأقصى.
ولاشك أن تتويج عبيد الله في مدينة رقادة التي كانت تابعة للأغالبة وسط حشد من قوات بربرية من رجال كتامة، قد حمل معاني كثيرة منها مايلي:
:
1 - وضع حد للنفوذ العربي في المنطقة، وظهور قيادات بربرية شاركت في صنع أحداث المرحلة الجديدة. وأصبحت السلطة في شمال افريقية بيد القبائل البربرية، لابيد القوات المتحركة من الشرق او من مصر، وظهور بدايات لصراعات مذهبية جديدة في المنطقة. كانت امتداداً لخلافات ظهرت من الشرق.
2 - نبتت وترعرعت خلافة جديدة نافست الخلافة العباسية في أرض البربر، وعلي كواهل رجالها، وزحفت بوقودها البربري الي مصر والشام.
3 - كان لمغامرات قبيلة كتامة في العصر الفاطمي أثر كبير في انفراضها، حيث استنزفت قواها وأثرت فيها معارك المغرب ومصر وصقلية. وضعف نفوذها فيما بعد بين قبائل البربر. حيث أن المهدي كان يعتبر المغرب ليس غايته القصوي، بل يعتبره نقطة انطلاق بوصفة الحاكم الشرعي للعالم الاسلامي، من وجهة نظرة.
عموما، ما أن استقام الامر للمهدي في إفريقية وقضي علي ثورات البربر
(1) جوليان، المرجع السابق، ج 2، ص: 73.
(2) جوليان، المرجع نفسه، ص: 74. (1/210)
صفحة 211
والأغالبة وأطاح بدويلات المغرب بدأ يوجه أنظارة صوب مصر، وقد استفاد من
، حتي
(1)
فشل حملاته الأولي التي أرسلها منذ سنة 913 م في احتلال الإسكندرية والفيوم و تهديد الفسطاط، ومنذ سنة 969 م تمكن جوهر زمن المعز من دخول مصر علي رأس جيش يزيد عن مائة ألف رجل واختط عاصمة جديدة للفاطميين هي القاهرة. ولحق به المعز حاملا معه أثاث قصوره ومخلفات أجداده مؤكدا عزمه علي ترك إفريقية نهائيا والاستقرار بمصر) وظلت مصر تحت النفوذ الفاطمي لمدة قرنين من الزمان. وترك المعز لرجال صنهاجه حكم، بعد أن رحلت معه بطون كتامة إلي مصر.
المغرب
ويبدو أن البلاد قد نهضت علي يد أمراء صنهاجة، حيث بدأت مرحلة جديدة من تاسيس مدن مغربية علي الطراز الشرقي الإسلامي مثل عاصمتهم أشير، ومدينة الجزائر ومليانة والمدية. وأصبحت أشير، عاصمة صنهاجة بحق مركز المبادلات التجارية لفترة طويلة بين السهول والجبال والصحراء، وكذلك قبلة الفقهاء والعلماء وتردد علي بلاطهم ء والشعراء والأدباء. . ويرجع ذلك إلى الازدهار الاقتصادي الذي شهدتة إفريقية. فعمت المزروعات معظم مناطقها، وكانت باجة تحتاج في كل يوم إلى ألف من الإبل الحمل الحبوب، وقت الحصاد (2). لكن التمرد الذي وقع في المغرب علي سلطة الفاطميين دفع الخليفة الفاطمي بتوجيه عرب بني هلال وبني سليم إليهم لتأديبهم.
العلماء
رابعا: دولة الصفرية (بني واسول):
:
نجح دعاة الصفرية في نشر فكرهم بصورة كبيرة بين قبائل المغرب الأقصي مثل مطفرة ومكناسة وزناتة وبرغواط، كما انتشر بين قطاعات كبيرة من الأفارقة السود الذين عاشوا في تلك المناطق بحكم العلاقات الحضارية بين شمال إفريقية وإفريقية جنوب الصحراء وبذلك سمحت الظروف بظهور أول إمامة لجماعات المحكمة بلاد المغرب سنة 140 هـ 1 هـ سنة 757 م كما قاموا بثورتهم من قبل منذ سنة 121 هـ / سنة 739 م)
(3)
وكانت قبيلة مكناسة العصبية التي ارتكزت عليها دولة بني مدرار الصفرية،
هي ا
(1) جوليان. المرجع السابق، ص: 77.
(2) جوليان، نفسه، ص: 79.
(3) وهي إمامة الظهور، التي المرحلة التي يتمكن فيها رجال المحكمة من تأسيس دولة وتنصيب خليفة أو إمام يطبق الشرع ويقيم الحدود.
4
14.7 - (1/211)
صفحة 212
وتنتشر القبيلة في وادي ملوية (1) الذي يصيب في البحر المتوسط، وتقع مدينة سجلماسة في أعلاه، كما تسكن بعض بطونها في نواحي تازا وتسول بالمغرب الأقصي (2). ومن بطون مكناسة: صولات وبوحات وينو ورفلاس وقيصارة وورقطنة وورصطف، وهم من البربر البتر من سكان الصحراء. كما ساهمت عناصر أخرى من سكان سجلماسة في قيام دولة الصفرية من بربر صنهاجة وزويلة وزناتة، وجماعات من الأفارقة من جنوب الصحراء الكبري الذين استقروا في تلك النواحي، خاصة في إقليم تافيلات، بعد اعتناقهم المذهب الصفري علي يد أبي القاسم سمكو بن واسول) أن أول من تولى
(4)
حتي
الإمامة في الدولة كان سودانيا يدعي عيسي بن يزيد الأسود. ويرجع السبب في ذلك إلى أهمية موقع سجلماسة علي الطرق الصحراوية المتجهة إلى بلاد السودان الغربي.
(1)
•
حيث تقع سجلماسة في منطقة تافيللت علي طرف الصحراء، وتبعد عن مدينة فاس في اتجاه الجنوب الشرقي حوالي 315 كم، كما تقع في الجهة المقابلة تاهرت عاصمة الرستميين. وتعد سجلماسة آخر مرحلة في اتجاه الطريق الصحراوي بين افريقية الشمالية وإفريقية جنوب الصحراء وتصل القوافل التحارية إلى نطاق السافانا في بلاد السودان الغربي في حوالي شهرين. وهي نفس المدة الزمنية التي تقطعها القوافل التجارية بين سجلماسة والقيروان في الشمال الافريقي عن طريق نفزاوة وقسطيلية. ونظرا لازدهار سجلماسة علي يد بني مدرار، فإن الطرق التي كانت تربط شمال إفريقية، ببلاد السودان جنوب، خط الصحراء، أصبحت تتجة معظمها نحو المرور بسجلماسة حتي الطرق التي كانت تربط بين مصر وبلاد السودان اهملت في تلك الفترة واتجهت القوافل نحو الغرب إلى سجلماسة (5).
وأصبحت سجلماسة في مطلع القرن الثالث الهجري مدينة متسعة الأرجاء، ذات. أحياء مختلفة يحيط بها سور يحتوي علي إثنى عشر بابا، وانتشرات في ضواحيها القري الزارعية والحدائق علي مد البصر. وتحدث الرحالة والزوار عن بيوتها الرفيعة
(1) ابن خلدون، جه، ص: 129.
(2) اليعقوبي، البلدان، ص: 130.
(3) ابن خلدون. المصدر السابق.
(4) البكري، المصدر السابق ص: 148.
(5) الجنحاني، المغرب الإسلامي، ص: 151.
- Y.V- (1/212)
صفحة 213
(1)
وأبنيتها الرائعة، وقصورها العالية، وأسواقها العامرة)
(2)
•
ولذلك فقد اتجهت سياسة بني مدرار إلى الحفاظ علي هوية المنطقة ومصالحها الاقتصادية مع الحفاظ علي الاستقلال السياسي والمذهبي. وقد ساعدهم على ذلك موقع دولتهم في اقصي بلاد المغرب، وهي المنطقة التي أسقطها ولاة بني العباس من حسابهم، واكتفى الطرفان الصفري والعباسي في شمال افريقية على الاكتفاء بمناطق نفوذه. حيث اقتطع هذا الجزء نهائيا عن النفوذ العباسي واستقل به أمراء بني مدرار وأصبحت دولتهم مركزا للنشاط الصفري، وهم الذين ينكرون خلافة العباسيين والأمويين من قبلهم (3). واستفاد بنو مدرار من نكبات الصفرية السابقة علي أيدي العباسيين في الجزيرة والموصل وابن كاوان في المشرق الإسلامي، ولذلك فقد اضمروا العداء للعباسيين وعمالهم وأقاموا علاقات مع أ ألد أعدائهم وهم بنو أمية بالأندلس. لكنهم لم يقدموا علي تجهيز الجيوش لمحاربتهم في إفريقية.
(1)
لكن بني مدرار واجهوا أمراء الأغالبة ووقفوا أمام تزايد نفوذهم في الشمال الإفريقي حيث هادنوا حكام تاهرت الرستميين وحالفوا خلفاء الأندلس الأمويين، وشكلوا تحالفا ضد النفوذ الأغلبي والعباسي، الأمر الذي أعطي لهم نوعا من الاستقرار وحفظا لتوازن المصالح الاقتصادية وأمن لمرور قوافل التجارة في بلادهم.
ورغم تكون حلف جديد بين إمامات الصفرية والأباضية في بلاد المغرب وبين حكام الأندلس إلا أن هذا التحالف لم تظهر آثاره الواضحة إلا في صورة علاقات ودية، والكف عن التدخل في شئون بعضهم البعض، فقد فشل هذا التحالف في حماية بلدانهم من الخطر الشيعي الذي تمكن من اسقاط دولتي الصفرية والأباضية، دون أن يتم القيام بعمل مشترك من أمراء الصغرية والأباضية وأموي الأندلس.
(1) ابن حوقل، صورة الأرض، ص: 90. (2) اسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب، ص: 128.
(3) البغدادي، الفرق بين الفرق، ص: 272.
(4) جزيرة في الخليج العربي، وقد أطلقت على احدى جزر البحرين في العصور الإسلامي، اتجه إليها الصفرية في نهاية العصر الأموي، لكن العباسيين أرسلوا حملة بقيادة خازم بن خزيمة التيمي تمكن
من هزيمتهم.
- Y.A- (1/213)
صفحة 214
خامسا: الأباضية: ودورها المميز في تاريخ القارة الإفريقية:
مازالت الدراسات التاريخية، قديمها وحديثها، قاصرة عن وضع تصور شامل لدور رجال الأباضية في تاريخ افريقية، سواء في شمال القارة أو في شرقها او في وسطها وكان ظهور دراسات من بعض رجالها عن دورهم في بلاد السودان، حاليا، يعد بداية هامة لتتبع هذا الدور
(1)
ذلك أن الفكر الأباضي كان أنسب الأفكار الإسلامية التي وصلت إلي بلاد البربر لشرح حقيقة الإسلام وماهيته، بعد فترة طويلة مر بها البربر بين مد وجزر خلال العصر الأموي. منذ بداية القرن الثاني الهجري / القرن الثامن الميلادي، وانتشرت افكار الأباضية بين قبائل البربر بعد أن نجح سلمة بن سعد الحضرمي في نشرها بين سكان جبل نفوسة، ولاقت الدعوة نجاجا منقطع النظير، واقترنت بساطتها بفطرة البربر واصبحت هي الصورة المعبرة عن إسلام العديد من قبائل البربر لفترة طويلة. خاصة وأنها جاءت في فترة الممارسات القاسية من قبل بعض ولاة بني أمية وبني العباس.
•
لقد اقبلت قبائل هوارة ولماية وزناتة وسدراته ولواته وزواغة ونفوسة، علي اعتناق الفكر الأباضي (2). ونظرا لنشاط تلك القبائل واتساع مجالها الحيوي في مناطق إفريقية والمغربين الأدنى والأوسط. وقدمت تلك القبائل رجالها من أجل نصرة الحركة وانتشارها. حيث حملت أسماء بعثة العلم الأولى إلى البصرة أسماء هؤلاء البربر منذ البداية. ونشط رجال البربر في الدعوة للفكر الأباضى في مناطقهم وأسسوا مدارس سرية علي غرار مدرسة الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة
(3)
(1) تقوم مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، بسلطنة عمان بنشر العديد من تلك الأبحاث في الآونة الأخيرة، من قبل بعض علماء تونس والجزائر وغيرهم. وأهمها:
- الوجود الأباضي بالأندلس، للأستاذ يحيى محمد بكوش.
- دور فقهاء الأباضية في إسلام مملكة مالي. للدكتور أحمد إلياس حسين. - دور الأباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، للدكتور محمد ناصر.
(2) ابن خلدون، جـ 6، ص: 243.
(3) أبو زكريا، كتاب الأمة، ص: 57 وما بعدها.
- Y.9 - (1/214)
صفحة 215
وأصبح لرجال تلك القبائل تصورهم الخاص لاخراج شمال إفريقية من حالة الفوط والصراعات التي ظهرت في المنطقة منذ نهاية العصر الأموي. وكان هذا النظام الجديد قد وضعت أسسه منذ البداية من الإمام أبو عبيدة بالبصرة، حيث عادت بعثة حملة العلم من البصرة ومعها صلاحيات وإرشارات ونصائح للخروج بالمنطقة من أوضاعها والتحول إلى نظام الإمامة. وأخذ هؤلاء الدعاة يهيئون القبائل للثورة ويتشاورون مع زعمائها حول أنسب الطرق لتحقيقها
(1)
ومنذ بداية العصر العباسي نجح الأباضية في إعلان إمامة ظهور لهم في طرابلس وامتدت تلك الإمامة سنة 140 هـ لتشمل جبل نفوسة وطرابلس ودمر وجزيرة جرية وقابس وسرت، بل أن الإمام أبو الخطاب عبد الأعلي بن السمح المعافري تمكن من دخول القيروان وإعادة الأمن والاستقرار إليها وطرد قبائل ورفجومة منها (2). وبذلك حققت الأباضية أهم مكاسبها السياسية في إفريقية بضم القيروان لها لما تشكله القيروان من أهمية خاصة في تاريخ إفريقية الإسلامية (3) كما اتضح للبربر صورة جديدة من صور ا التسامح الإسلامي علي يد رجال الأباضية خلال ماصدر عنهم من سيرة حسنة وممارسات ملتزمة، حتى قال أحدهمم ((وأين مثل أبي الخطاب في عدله وفضله)) (4)
أدركت خلافة العباسيين خطورة اتساع نفوذ الأباضية في إفريقية، وانتشار أفكارهم بين البربر، فسارع المنصور إلى إرسال جيش كبير بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي، توجه به إلى طرابلس وتمكن من الانتصار علي الجيش الأباضي، بعد اتباع أساليب الخداع، وقتل الأمام الأباضي أبو الخطاب في المعركة سنة 144 هـ / سنة 761 م، (5) وبعد معركة تاورغا تمكن ابن الأشعث من دخول القيروان، وأخذ بتعقب رجال الأباضية، ولكن بعد أن كان الفكر الأباضي قد ترسخ بين البربر وانتشر بين قطاعات كثيرة منهم. ولم يتمكن الأغلب بن سالم التميمي أو عمر بن حفص، ولا حتى يزيد بن حاتم المهلبي من وقف الانتشار للفكر الأباضي في المنطقة.
(1) أبو زكريا، المصدر السابق، ص: 58. (2) خليفات، نشأت الحركة الأباضية، ص: 128. (3) ابن الأثير، الكامل، جـ 5، ص: 316. (4) أبو زكريا، المصدر السابق، ص: 69. (5) ابن عذاري. البيان، ج 1، ص: 72.
- 210 - (1/215)
صفحة 216
ذلك أن العباسيين ركزوا جهودهم علي الشريط الإفريقية، واقتصرت جهود
"
ولاتهم، في أغلب الأمر علي ضمان استتباب سياسة ونفوذ العباسيين في تلك المناطق فاستغل دعاة الاباضية طبيعة إفريقية وبلاد المغرب من سهول وجبال وأودية وصحراء وانسحبوا إلى مناطق الجبال وواحات الصحراء نحو الجنوب، وهي مناطق نفوذ القبائل البربرية، ولها خبرتها ونفوذها في تلك الرجاء البعيدة عن الساحل.
واستغل أحد قيادة الأباضية هذه الظروف ليحقق نصرا جديدا للأباضية وللإسلام في العمق الإفريقي نحو الجنوب، خاصة بعد مقتل الإمام الأباضي الجديد وهو أبو حاتم الملزوزي، حيث بدأ عبدالرحمن بن رستم (1) في استغلال امتداد نفوذ القبائل البربرية الموالية لفكر الأباضية نحو الجنوب، في إقامة إمامة أباضية جديدة تكون مركزا له ولأتباعه، فاتجه صوب الجنوب مخترقا الجبال والوديان واستقر به المقام في تاهرت، وأخذ يخطط في بناء مدينة جديدة في منطقة المغرب الأوسط، بعيدا عن القيروان، مستغلا موقع المكان وإمكانياته المائية وخصوبة أرضه.
وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا المكان توافرت فيه عوامل أساسية ليكون مركزاً
(1) هو عبد الرحمن بن رستم بن بهرام:، من أصل فارسي، قدم مع أبوه إلى مكة للحج، فتوفي والده هناك، فتزوجت أمه برجل من أهل القيروان. وكان عبد الرحمن صغيراً، فحملته أمه معها إلى القيروان. وفي القيروان بدأ حياة علمية جادة فتعرف على سلمة بن سعد الحضرمي، وأصبح من رجال الأباضية. أرسل ضمن بعثة العلم الأولى إلى البصرة للتتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
بعد عودة عبد الرحمن من البصرة ساهم بدور كبير في ثورات الأباضية في منطقة شمال إفريقية فاشترك في ثورة طرابلس، وعين قاضياً لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري على القيروان سنة 140 هـ، ثم أصبح والياً على القيروان سنة 141 هـ بعد أن دخلها الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى. .. وبعد هزيمة الأباضية في تاورغا سنة 144 هـ وماتم بعد ذلك من ملاحقة العباسيين للأباضية في المنطقة أدرك عبد الرحمن بن رستم أن المغرب الأدنى أصبح غير مناسب لإقامة إمامة أباضية، فاتجه نحو المغرب الأوسط ليؤسس إمامة أباضية منذ سنة 160 هـ، وكان للإمامة
الرستميين في تاهرت دوراً هاما في تاريخ المنطقة.
انظر: أبو زكريا، المصدر السابق، ص: 85 وما بعدها
ابن عذاري، ج 1، ص: 73.
- 211 - (1/216)
صفحة 217
:
للأباضية، ومن تلك العوامل مايلي:
1 - يتناسب موقع تاهرت مع الامتداد الكبير لنفوذ القبائل البربرية الموالية للأباضية، والتي يمتد نفوذها من المغرب الأدنى إلى المغرب الأوسط. وكان لابد من اختيار موقع يتناسب مع هذا الامتداد الجغرافي لأتباع الحركة. خاصة وأن الصفرية قد أسسوا عاصمة لهم في جوف الصحراء في سجلماسة، أصبحت مركزا لأتباعهم في بلاد المغرب. وأصبحت تاهرت هي مركز الأباضية الجديد في منطقة شمال افريقية. أو المعسكر المبارك " لهم. كما تذكر مصادرهم.
(1) -
وجود قبائل بربرية موالية لعبد الرحمن بن رستم في المنطقة، مثل لماية ولواتة وهوارة، ونفوسة التي رحل بعض أفرادها إلى الموقع فيما بعد. حتى أصبح لكل قبيلة منهم درب أوحى ارتبط باسمهم مثل: عدوة نفوسة، ودرب النفوسية. وأصبح من السهل على الرسمتيين تشكيل قوة عسكرية للدفاع عن كيانهم من تلك القبائل.
3 - كان موقع تاهرت (2) يشكل أهمية كبرى كعامل من عوامل اختيارها منذ البداية، وكعامل من عوامل تطورها وازدهارها فيما بعد. حتى أصبحت المدينة قصبة المغرب، فوفدت إليها الوفود من كل الأمصار من المشرق والمغرب والسودان، حتى أطلق عليها اسم عراق المغرب لازدهارها ولكثرة السكان الكوفيين والبصريين والفرس بها. وابتني الناس القصور والدور، وظهرت فئة اجتماعية جديدة من اندماج هؤلاء الفئات أصبحت تتمتع بقدر كبير من الثروة والنفوذ واتسع عمران المدينة حتى وصلت حدودها إلى
(1) أبو زكريا المصدر السابق، ص 88.
(2) أسس ابن رستم عاصمة بالقرب من مدينة قديمة تسمى تاهرت يبدو أنها كانت عاصمة لمملكة أهلية للمنطقة في العصر الروماني، حتى أنها كانت تعتبر من المدن الهامة في بلاد المغرب عند الفتح الإسلامي، ويبدو أنها لعبت دورا هاماً في التحالف البيزنطي البربري ضد عمليات الفتح الإسلامي الأولى خاصة زمن عقبة بن نافع. وكانت منطقة تاهرت كثيفة السكان قبيل الفتح الإسلامي، ولكنها هجرت بعد الانتصارات التي حققتها الجيوش الإسلامية. وقد كره ابن رستم أن ينزل في مدينة بيزنطية واتبع سبيل السلف في اختيار موضع جديد لعاصمة مستفيدا من نفس المزايا القديمة لتاهرت السابقة. ويبدو أن تاهرت القديمة هي تاهرت الحالية.
الجنحاني المرجع السابق، ص 106.
- 212 (1/217)
صفحة 218
مسافات بعيدة في الغابات والصحراء.
كانت أهمية تاهرت منذ البداية ترتكز على جوانب اقتصادية هامة، أدت إلى أهميتها الاستراتيجية فيما بعد. وكان أول تلك الجوانب الاقتصادية أنها تقع في منطقة خصبة من الناحية الزراعية بحيث تمكنت من توفير احتياجات سكانها في المستقبل زمن الازدهار فهي تقع على نهرين أو ثلاثة أنهار، كما تميزت المدينة بمناخ جيد من حيث كثرة
الغيوم
(1)
وغزارة. الأمطار.
وبذلك كان عبدالرحمن بن رستم موفقاً في اختيار تلك المنطقة كمركز مناسب لإعلان إمامته (3). وإذا كان ابن رستم واجه في البداية تحديات اقتصادية في بداية تأسيسه للمدينة، فإنه استفاد بعد ذلك من أهمية مركزها الإستراتيجي، وأصبحت مدينة تاهرت قصبة بلاد المغرب الأوسط (3)، ومركزا للاتصال بين شمال افريقية وبين بلاد السودان، فقصدتها جماعات التجار من كافة الأجناس والمناطق (4)، وتدفقت حولها العديد من القبائل البربرية للاستقرار بها أو حولها، وازدهرت المدينة حتى شبهت بعراق المغرب أو
ببصرته ..
(0)
وساعد على ازدهار المدينة أيضا سياسة الرستميين الملتزمة بالشورى وإقامة العدل والحرص على الاهتمام بالنواحي الفكرية ورعاية العلماء وحماية التجار، فبالرغم من الاعتماد على العصبية القبلية في بداية تكوين، دولتهم، فإن القضايا السياسية والجوانب الاقتصادية والاجتماعية التزمت بالأساس الإسلامي، وتوارث الخلافات أمام الزود عن. الأساس. ورغم أن معظم القبائل التي أيدت الرستميين ترجع إلى الأصل البربري البتري
(1) يقول الشاعر:
ما خلق الرحمن من طرفه
أشهى من الشمس بتاهرت
(2) يقصد بكلمة تاهرت في اللغة البربرية: محطة أو إقامة"
هذا
بکير، بحاز الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الإقتصادية والحياة الفكرية الجزائر، سنة
1985، ص 90.
(3) الجنحاني، المرجع السابق، ص 123.
(4) ابن الصغير المصدر السابق، ص 32
(5) اليعقوبي، البلدان، ص 105.
- 213 - (1/218)
صفحة 219
فإنها ارتقت فكريا وسياسياً بفضل إخلاصها لفكرها والدفاع عنه. فعمت الحياة السياسية في تاهرت وحدة المذهب والاتجاه، واشتهرت سيرة حكامها وعدلهم حتى طار خبرهم فبلغ المغرب والمشرق
(1)
ومهما يكن من أمر، فإن الدور الذي قامت به تاهرت في بلاد المغرب خاصة، وإفريقية عامة قد تعرض لتجاهل وصمت من قبل العديد من الكتابات قديمها وحديثها (2)، الأمر الذي يجعل المؤرخ أو الباحث المنصف يعمل بقدر استطاعته وموضوعيته أن يحدد الإسهام الأباضي في تاريخ المغرب وافريقية ويبرز الدور الحقيقي لرجالهم في الاتصال الحضاري بين أقاليم افريقية من جهة وبين مناطق العالم الإسلامي من
جهة ثانية.
لقد نهض الرستميون بأقاليمهم واستغلوا بصورة جيدة إمكانياتها الفلاحية والرعوية والتجارية والسياسية والاستراتيجية (3)، بصورة لم تشهدها تلك المنطقة من المغرب الأوسط بعد ذلك وحتى الوقت الحاضر.
(4)
فمن المعروف أن منطقة تاهرت والمناطق المحيطة بها هي مناطق انتاج للحبوب والثمار المتنوعة بسبب خصوبة الأرض وتوفر الظروف المناسبة لذلك، وانعكس الوضع الاقتصادي المزدهر على استغلال مساحات واسعة من الأراضي المحيطة، وظهور ضياع عديدة وبساتين متنوعة، وهي صورة جديدة لم تكن موجودة قبل تأسيس دولة الأباضية في تاهرت، خاصة وأن إدارة تاهرت والمناطق المحيطة بها قد نظمت عملية استغلال المياه من الأنهار وشقت قنوات جديدة وامتدت عمليات الاستغلال إلى الجبال المحيطة بتاهرت وأزيلت العديد من الغابات لاستغلالها في ا
السكني
(0)
من جهة ثانية حافظ الرستميون على قطاع الرعى الذي تشتهر به المنطقة سابقاً،
(1) الكعاك، موجز التاريخ العام للجزائر، ص 182.
(2) بكير بن سعيد حركة أهل الدعوة والاستقامة، ص 92،91، الجزائر، سنة 1992 م.
(3) لومبارد، المرجع السابق، ص 213.
(4) الادريسي، نزهة المشتاق، ص 87 (5) ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص 34.
- 214 (1/219)
صفحة 220
وطوروا عملية استغلاله. ذلك أن المناطق التي امتد نفوذ الأباضية فيها كانت مجالاً للقبائل البربرية البترية وهم يعتمدون على التنقل والترحال للرعى وراء الماء والعشب والكلا. ولذلك فقد أصبحت تاهرت زمن الرستميون أهم مناطق تصدير الدواب والماشية والغنم والبغال والأصواف (1)، ويصدر منها تلك الأصناف إلى مناطق المغرب وبلاد الأندلس لرخصها وجودة لحومها ويبدو أن نمو قطاع الزراعة والرعى قد وفر أساساً اقتصادياً قوياً لزيادة سكان مدينة تاهرت ونموها المستمر في القرنين الثاني والثالث الهجريين، بحيث لم تعاني المدينة في نقص في المواد الغذائية بكافة أنواعها. كما أن رجال التجارة بها قد استثمروا جزء كبير أمن عوائد تجارتهم في قطاع الزراعة وتربية الماشية والرعى، يدل ذلك على حاجة السكان لأعداد كبيرة من العبيد في تلك المجالات.
وكانت تاهرت تشهد تجارة إقليمية بين قبائل البربر الرحل الذين يفدون إليها في أيام محددة لبيع ماشيتهم وشراء ما يحتاجونه من الحبوب والتمور وبضاعة الشرق والمنسوجات الصوفية التي تصنع بها. كما كانت تتحرك منها قوافل تجارية للوصول إلى موانى البحر المتوسط لتصدير سلعها إلى الأندلس التي ارتبطت بها بعلاقات حميدة، رغم الاختلاف. المذهبي بين الطرفين، وكان ميناء تنس هو المنفذ لذلك.
(4)
وقد أدى هذا الأمر إلى تغيرات حضارية وديموغرافية في المنطقة. فقد ظهرت أعداد كبيرة من العجم في المنطقة وأصبح لهم دوراً في مجريات الأحداث الأجتماعية والسياسية، بالاضافة أيضا إلى عنصر العرب. كما ظهرت عشرات الألوف من العديد الذين حملوا من جنوب الصحراء من بلاد السودان الغربي والأوسط للحاجة إليهم في الأعمال المنزلية والتجارية وقطاعات الزراعة والرعى والحراسة، وكان هذا عاملاً حاسماً لتحول أعداد كبيرة من السودان إلى الإسلام وإزدهار الواحات والقرى في المغرب.
(1)
كما غيرت القبائل البربرية من البتر أنماط حياتها لتتكيف مع الأوضاع الجديدة، فتحولت إلى حياة الإستقرار وبدأت ترتبط بالأرض وتمارس الزراعة مع تربية الماشية
(1) ابن حوقل صورة الأرض، ص 86.
(2) الطالبي، محمد، دكتور العلاقات بين إفريقية والأندلس في القرن الثالث الهجري، ص 18.
(3) الاصطخري، المصدر السابق، ص 83.
(4) طبقات الدرجيني، ج 1، ص 77.
11101 (1/220)
صفحة 221
والأغنام وتؤسس قرى وحواجز جديدة، ويعمل بعض أفرادها في قطاع التجارة، حيث لمست تلك القبائل الأمن والإستقرار من قبل حكام تاهرت فركنت إلى الاستقرار بعد حياة التنقل والابتعاد عن المراكز والمدن لتكون في مأمن من بطش الحكام)
(1)
ومن أجل استغلال الرستميين لامكانيات الجاليات المتنوعة التي استقرت على أرضهم فإنهم نهضوا بقطاع الصناعة أيضا، فظهرت في تاهرت طوائف متعددة من الصناع سواء من الحدادين والدباغين والنساجين والنجارين وغيرهم من الصناعات التكميلية مثل صناعة الأصباغ التي اشتهر بها اليهود، وبلغت الصناعات الرستمية جودة عالية في عصرها خاصة صناعة المنسوجات وكذلك صناعات أدوات الزراعة من الفؤوس والمناجل والمحرايث وآلات الحصاد وعصر الزيوت وطحن الغلال، حتى ظهر في تاهرت باب يسمى باب المطاحن وتعددت جنسيات الصناع الذين وفدوا إلى دولة بني رستم من كوفي
وبصرى وفارسي واندلسي وقروي وغيرهم (2) كما تعددت عقائدهم ومللهم.
وأصبحت بالتالي تاهرت قوة اقتصادية هامة في بلاد المغرب والشمال الافريقي، الأمر الذى حتم عليها الدخول في علاقات نشطة من القوى المجاورة من أجل تصريف فائض انتاجها واستيراد ما يلزمها من المواد الخام، وخاصة وأنها كانت تتوسط قوى اقتصادية متنوعة. سواء في بلاد المغرب أو في حوض البحر المتوسط أو مع واحات الصحراء الافريقية وبلاد السودان. وساعد على ذلك الاستقلال النقدي للرستميين حينما قاموا بضرب عملات خاصة بهم من الدرهم والدينار الأمر الذي أعطاهم شخصية اقتصادية مستقلة ومميزة
(3)
(2)
وقد ساعد
وتشير كثير من الدلائل إلى قيام الرستميين بضرب نقود ذهبية من الدنانير، أو برونزية من الدراهم، خاصة وأن عبدالرحمن بن رستم قد سبق وأن ضرب نقوداً في القيروان، قبل أن ينتصف القرن الثاني الهجري، وقد عثر على بعض منها. الرستميون في ذلك عدة عوامل منها الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي في مناطقهم، خاصة في عصورهم الأولى، بالاضافة إلى توافر مقادير كبيرة من الذهب المصدر
(1) بكير الدولة الرستمية، ص 157.
(2) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 13 (3) دبوز، المغرب الكبير، ج 3، ص 383.
(4) حسن ورقات عن الحضارة العربية بافريقية، القسم الأول،
، ص 225
- YIT- (1/221)
صفحة 222
إليهم من بلاد السودان. (1) ويعتبر هذا الذهب هو العنصر الأساسي في الاستقرار النقدي في بلاد المغرب وفي غرب البحر المتوسط في العصور الوسطى. وتميزت تاهرت بقربها من مراكز انتاج هذا المعدن الاستراتيجي، (2) الأمر الذي أعطي الرستميين أهمية في حركة تبادل الذهب وتحرك قوافله. وقد ادرك الفاطميون، بعد ذلك، أهمية احتكار تجارة هذا الذهب. وحقق لهم ذلك أساساً قوياً في بناء دولتهم وتوسعها. حيث ترتب على امتلاك الثروات الذهبية لتلك الدول التمتع بسمعة عالية واعتراف دولي. ()
(3)
(1) لومبارد، الجغرافية التاريخية ص 155. (2) آشتور، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، ص 91. (3) لومبارد، المرجع السابق، ص 157.
-
- 217 - (1/222)
صفحة 223
(0)
حركة التجارة الافريقية في العصر الإسلامي
أدي استقرار العرب وغيرهم من الجماعات الإسلامية في الشمال الافريقي، وعلى طول السواحل الشرقية إلى قيام مراكز حضارية إسلامية نشطة أصبحت مركزا للإشعاع الحضاري على مستوى القارة، ومن أهم تلك المراكز الفسطاط والقيروان وسجلماسة وفاس وتاهرت وغيرها. وتمكن المسلمون من اختراق الحاجز الصحراوي الافريقي الذي شكل عقبة لفترات زمنية طويلة. وأصبحت الصحراء عامل وصل بعد أن كانت عامل فصل وقطع في الماضي. وأصبحت الصحراء الافريقية تشهد حركة ونشاط بصورة مستمرة لأول مرة في تاريخ القارة. وتمكن المسلمون من ربط أفريقية جنوب الصحراء ووسط القارة مع سواحلها بعدة طرق ومسالك ودروب أصبحت أشبه بشرايين للقارة.
(1)
ويمكننا تحديد أهم تلك المسالك والطرق كما يلى:
أولا: الطرق والمسالك التي تربط الصحراء وواحاتها من الشرق إلى الغرب. وهي الطرق البرية التى تخرج من القيروان أو تاهرت أو سجلماسة أو فاس نحو مصر وبلاد الشام والعراق والحجاز. بغرض التجارة أو تأدية فريضة الحج وحتى لتحركات الجيوش العسكرية. وازدهر هذا الطريق بدرجة كبيرة زمن الأغالبة (2). وأصبحت القيروان لفترة زمنية طويلة هي مركز تلك الطرق، حيث ارتبط تحديد المراحل والمسافات بين محطات تلك الطرق مع القيروان. فقد حدد الجغرافيون المسافة والرحلة بين تاهرت والقيروان في حوالي خمسة وعشرين يوماً تقطع في عدة مراحل عبر قسطيلية وقفصة. كما أن هناك عدة طرق تربط بين تاهرت والقيروان وكانت تسلكها القوافل حسب ظروف معينة، وارتبط ازدهار الطرق بين تلك المحطات في الشمال الافريقي حسب الظروف السياسية وعلاقات القوى السياسية في بلاد المغرب.
وارتبطت هذه الطرق والدروب بسلسلة من الموانيء الشمالية التي تطل على البحر المتوسط، حيث تصلها الطرق من الصحراء أو تربط بين الطرق الساحلية بعضها بالبعض
(1) لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص 257.
(2) ابن خرداذبة المالك والممالك، ص 87.
- 218 – (1/223)
صفحة 224
الآخر. وقد حرصت كل دول الشمال الإفريقى على الارتباط بالموانئ الساحلية للبحر المتوسط (1) باعتباره أهم مراكز الحضارات والفعاليات السياسية.
وقد أكد الأئمة الرستميون على هذا الاعتبار في بناء عاصمتهم تاهرت، حيث حرصوا على أن تتصل عاصمتهم بجميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة والدروب وأن يتوافد إليها الناس من كل الأقطار (2) ولذلك فقد حرصوا على توفير كافة الضمانات الأمنية لمرور القوافل التجارية أو اقامة التجار. وكان هذا الاهتمام موجهاً من قبلهم صوب جهتين بصورة أساسية: أولاهما صوب موانئ البحر المتوسط شمالاً، والآخر صوب الصحراء في الجنوب. وهى طرق طويلة وشاقة، وعمل الأئمة الرستميون على توفير الراحة للقوافل بعاصمتهم حتى ظهر فيها باب يسمى باب المنازل.
وارتبطت تلك الشبكة الافريقية أيضا بموانئ الشام وحواضره ومدن العراق أيضا عبر الفسطاط ثم رفح والرملة وطبرية ودمشق وحلب. أو تتجه صوب الأنبار في العراق. وتقدر المسافة بين القيروان وبغداد بحوالي ثلاثة آلاف ميل، تقطع على مراحل.
ومن جهة ثانية ارتبطت المراكز الحضارية في الشمال الإفريقي بالأندلس، حيث كانت تلك الحواضر في صراع مستمر مع العباسيين باستثناء الأغالبة، فتلاقت أهدافهم السياسية مع أموي الأندلس، خاصة حكام تاهرت وسجلماسه. فاعتمد الأمويون على حواضر الشمال الافريقي في توفير سلع بلاد السودان لهم، وخاصة من الذهب، فيذكر لومبارد أن الأمويين في الأندلس ظلوا يضربون عملات فضية حتى ضمنوا بصورة مستمرة تدفق ذهب السودان إليهم، فتحولت عملاتهم إلى العملات الذهبية، التي رمزت إلى الخلافة وحملت لقب أمير المؤمنين (4) وبذلك وضع الأمويون في الأندلس أساساً قوياً لرصيد عملتهم من الذهب الإفريقي.
ولذلك حاول الأمويون الوصول إلى تجار تاهرت وسجلماسه لضمان تدفق سلع
(1) ابن خرداذبة، المصدر السابق، ص 084
(2) ابن الصغير المصدر السابق، ص 13. (3) ابن الصغير المصدر نفسه.
(4) لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص 157.
- 219 - (1/224)
صفحة 225
السودان وافريقية ونشطت جزيرة جربة وميناء تنس ومرسى وهران (1) في تصدير سلع افريقية إلى الأندلس ومراكز البحر المتوسط، في المقابل نشط ميناء اشكوبرش على الساحل الأندلسي لاستيعاب حركة التجارة مع إفريقية. ومع موانئ أوروبا شمال البحر المتوسط (2)
في الوقت نفسه نشطت التجارة وحركة القوافل بين حواضر شمال افريقية وواحاتها رغم الإختلافات السياسية والمذهبية وازدهرت القرى والمزارع والواحات التي تمر بها تلك الطرق. وكان الرستميون أنشط من غيرهم في الربط بين الوحات الجنوبية وبين حواضر الشمال الإفريقي. حتى أنهم تمكنوا من تشكيل منظومة طرق برية واسعة لفترة زمنية طويلة امتدت حتى نهاية القرن الثالث الهجري، فوفدت إليها الوفود والتجار من كافة الأجناس والملل وحملت أليها ألوان وأنواع متعددة من التجارات والسلع مثل المرجان
والعنبر والذهب والزيوت والحرير والزئبق والزعفران، ووصلت إليها قوافل التوابل والبهارات والعطور. (3)
ونظرا لظروف انتشار جماعات الأباضية على مستوى العالم الإسلامي، فقد أتاح هذا الأمر امتداداً لحركة تجارة تاهرت إلى موانئ البحر الأحمر واليمن وسواحل عمان والبصرة. وكان ارتباط تاهرت بالمشرق الإسلامي يتم عبر مصر من خلال طريقين إما الساحلي الشمالي، أو طرق الواحات الصحراوية. ومن مصر تتجه قوافل تجارة تاهرت عبر البحر الأحمر إلى الحجاز واليمن (4)، ومن اليمن يتم الاتصال بعمان إما بحراً عبر موانيء اليمن وعمان المطلة على بحر العرب، أو براً عبر الطريق البري الذي يربط حضرموت بنزوي، بداخلية عمان ويتجه شمالاً صوب البحرين وكاظمة والبصرة. وقد نشطت في تلك الفترة واحات فزان وزويلة وسيوه، وموانئ البحر الأحمر.
وساعد على هذا النشاط التجاري لتاهرت أن قبائلها البربرية كانت من التبر ولها
(1) اليعقوبي، البلدان، ص 105 ابن حوقل، صورة الأرض، ص 78.
(2) بكير، الدولة الرستمية، ص 193.
(3) المقدسي، صورة الأرض، ص 245، وما بعدها. اليعقوبي، المصدر السابق، ص 109. (4) الحربي مناسك الحج تحقيق حمد الجاسر، ص 572.
- YY.- (1/225)
صفحة 226
خبرتها بالصحراء فامتد نشاطها عبر مسافات طويلة من صحراء افريقية، وأصبح لقبائل لماية وهوارة ومزاته وتفوسة ونفزاوة دور في انسياب التجارة الافريقية عبر سلسلة الواحات. وبلغ الأمر أن بعض أهل نفوسة قد حفظوا القرآن الكريم وتعلموا أصول الدين الإسلامي من وجوهم على طرق التجارة التي ترد عليها أعداد كبيرة من القوافل التجارية الإسلامية. الأمر الذي يدل على النشاط التجاري الكبير لمناطق الشمال الإفريقي، وازدهار القرى والمدن التي تقع على تلك الطرق.
ثانيا: الطرق الصحرواية مع بلاد السودان جنوب الصحراء الكبرى). كان للتجربة العربية في معرفة طرق اجتياز الصحراء أثرها الكبير في ازدهار الطرق الصحرواية للتي تشق الصحراء الكبرى إلى بلاد السودان. وساعد على نجاح تلك العملية تحول قبائل البربر إلى الإسلام واندامجهم مع العرب، فأضيفت الخبرة البربرية مع التجربة العربية للوصول إلي بلاد السودان، وقدمت صنهاجه دوراً كبيراً على طرق الصحراء الغربية إلى بلاد السودان الغربي، على سبيل المثال، وكذلك كان لقبيلة زويلة البربرية دوراً موازيا للسيطرة على الطرق الصحرواية الطرق الصحراوية إلي بلاد السودان الأوسط وبحيرة تشاد والى بلاد كوكو وماحولها من بلاد النيجر.
عبر
يمكن تحديد أهم الطرق والدروب التي ربطت بين شمال افريقية وبين بلاد السودان، ر الصحراء الأفريقية الكبرى بما يلى:
(1) طريق سجلماسة إلى بلاد السودان الغربي عبر أو دغست:
وهو الطريق الذي يبدأ من عاصمة بنى واسول الصفرية من سجلماسة ويتجه صوب الجنوب في الصحراء الكبرى لمسافات طويلة حتى يصل إلى أودغست في مدة تقترب من الشهرين تقريباً (1). . وبعد أودغست تدخل القوافل التجارية مملكة غانا بعد عشرة أيام تقريباً. ورغم انتشار القبائل البربرية على طول هذا الطريق فإن قبيلة صنهاجه كان لها اليد الطولى عليه لفترات زمنية طويلة (2)،، حتى أودغست نفسها تعتبر من مناطق نفوذ قبلية صنهاجة، كما استقرت على طول هذا الطريق قبائل مكناسة ولواته وزناته ونفوسة وغيرها بجوار صنهاجة.
(1) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 99 - 100.
(2) اليعقوبي، المصدر السابق، ص 110.
– 221 - (1/226)
صفحة 227
ويتفرع طريق سجلماسة أودغست إلى فرعين اثنين هما:
أ - طريق سجلماسة تغازي - تيشيت جهة الجنوب الشرقي إلى أودغست. وتأتى أهمية هذا الطريق إلى أن يلتقى عند تغاذي بالطرق الصحراوية القادمة من
وارجلان وبلاد الجريد من الشمال. وقد نشط زمن الدولة الرستمية)
تغازي أهم محطاته
(2)
(1)
وتعتبر
ب - طريق سجلماسة - الوبر إلى أودغست جهة الجنوب الغربي. وهو يقترب من بلاد التكرور والطريق الساحلى من المغرب الأقصى.
وبالفعل فإن مدينة أودغست (3) الصحراوية أصبحت رمزاً في تايريخ افريقية للمدن الإسلامية التي ظهرت وتطورت نتيجة التوغل الإسلامي من العرب والبربر صوب الصحراء إلى بلاد السودان، واستمدت أهميتها وقوتها من موقعها الاستراتيجي على طريق القوافل بين الشمال الافريقي وبين بلاد السودان وكان أى تغير أو تذبذب في تلك الطرق كفيلاً بطمسها وتدهورها ((4) وساعد على ازدهار أودغست قيام دول بلاد المغرب
المستقلة في الشمال مثل دولة الصفرية في سجلماسة، دولة الأباضية في تاهرت.
وبمرور الزمن تحولت أو دغست من مجرد مركز عبور واستراحة للقوافل التجارية إلى مدينة تجارية عالمية من جراء قيامها بدور الوسيط التجاري بين سلع ومنتجات الشمال الإفريقي وحوض البحر المتوسط وبين سلع ومنتجات بلاد السودان وجنوب الصحراء، وكان مؤشر هذا الدور يتمثل في سلعتين هامتين متقابلتين هما الملح المتجه من الشمال إلى
(1) البكري. المصدر السابق، ص 158.
(2) على بعد خمسة وعشرين يوماً من سجلماسة. (رحلة ابن بطوطة، ص: 674) (3) أودغست: مدينة تقع على حافة الصحراء الكبرى من الجنوب. وتقع بين جبلين، ولذلك شبها معظم الجغرافيين بمكة، إلى الجنوب من سجلماسة، وتمكن سكانها من استغلال الأمطار التي تسقط على جبالها، وتنظيم أمور الرى في الوادى الذي امتدت على ضفاف المدينة ولذلك فقد انتشرت فيها مزارع النخيل
وهي تقع حاليا في جمهورية موريتانيا.
انظر: ابن حوقل صورة الأرض، ص 91، ياقوت الحموي، معجم البلدان، ط، ص 277.
(4) الجنحاني، المرجع السابق، ص 212.
– 222 - (1/227)
صفحة 228
الجنوب والذهب المتجه من الجنوب إلى الشـ السلعتين كفيلا بتهديد مركز أود غست.
(1)
وكان تغير مسلك إحدى هاتين
حملت القوافل الهابطة من الشمال إلى بلاد السودان عبر أودغست مواد غذائية مثل التمر والزبيب والزيوت والقمح والمنسوجات والنحاس والخرز. ويحمل من أودغست الذهب الذي أعتبر أجود ذهب أهل الأرض وأصحه كما يحمل منها العبيد، كما تصدر أود غست إلى بلاد الأندلس الصمغ الذي يستخدم في صناعة الديباج وغيره، وصدرت أيضا أنواع جيدة من الجلود. ونظرا لازدهارها الكبير فقد تعاملت بالذهب الخالص أو الدينار السجلماسي الذي كان شائعاً على طول تلك المحطا.
(2)
وتستأنف أغلب القوافل التجارية رحلتها إلى مملكة غانة إلى الجنوب من أودغست وعلى بعد عشرة أيام. وإلى مملكة غانة هفت نفوس التجار وتحملوا من أجل الوصول إليها المشاق، وذلك لتوفر الذهب بها ورخص أسعاره، حتى ذكر البعض أن الذهب كان يلمع ليلاً من كثرته، إذا حسرت المياه الزائدة عن الرمال. حتى سميت منطقتها باسم " إقليم التبر) وظهرت في غانة منذ البداية بدايات استقرار جماعات التجار المسلمين من أجل تأمين حمل تلك السلعة وخدمة قوافل التجار حتى ظهرت فيها منذ القرن الثاني الهجرى / التاسع الميلادى حوالى إثنا عشر مسجداً، وكثرت فيها أحياء التجار المسلمين، رغم أن ملوكها ظلوا على وثنيتهم فترة طويلة. (4)
(3)
ومن غانة تتجه بعض القوافل شرقاً إلى إمارات ومناطق نهر النيجر، أو إلى بلاد جوجو (كوكو)، لحمل سلعها من الجلود والعبيد، ولكن كانت غانة. المقصد الأساسي هي للقوافل التجارية. ولم يتم تنظيم خطوط تجارية إلى الجنوب منها على يد البربر والمسلمين إلا بعد تحول جزء كبير من سكان غانة إلى الإسلام فيما بعد.
(1) الحميري، الروض المعطار، ص 59.
(2) ابن بطوطة، ص 681.
(3) أبو سعيد المغربي، كتاب الجغرافيا، تحقيق اسماعيل العربي، ص 92، 93.
(4) البكري، المصدر السابق، ص 158.
223 -
- (1/228)
صفحة 229
وبسبب أهمية طريق سجلماسة - أودغست - غانة التجاري في العصر الإسلامي
فقد استقرت عليه العديد من الجماعات المختلفة الأجناس والعقائد والمذاهب، ولذلك فقد شهدت مراكز هذا الطريق صراعات بين تلك الجماعات، فمثلاً كان لنشاط ومكانة تجار تاهرت من الأباضية على مراكز الطريق في الشمال أثراً في شك حكام سجلماشه من الصفرية في هؤلاء التجر، حتى أن أمراء بنى مدرار اعتبروا هؤلاء التجار أهم عقبة أمامهم (1)، فبطشوا بهم خوفا من وثوبهم إلى السلطة. رغم وجود أقليات صفرية في تاهرت ورغم وجود احتكارات كبيرة في معظم سلع السودان في يد تجار الأباضية إلا أن تلك الجوانب لم تؤثر على علاقة تاهرت بسجلماسة من الناحية السلبية، حيث أن كلاهما يعيش في محيط معادى له. وقد توجت العلاقات الحسنة بين حكام تاهرت وحكام سجلماسة بالمصاهرة بين مدرار بين اليسع من أروى بنت عبدالرحمن بن رستم
ويتضح من. هذا الأمر سيطرة تجار الأباضية على تلك المراكز التجارية منذ القرن الثالث الهجري، بحيث أصبحت لهم. اشارات واضحة عند الجغرافيين الذين زاروا المنطقة، كما ظهر لهم أثر واضح في نشر الإسلام في بلاد السودان، دون التركيز على
فيما بعد، الجوانب المذهبية.
(2) طريق نول لمطة الساحلي إلى بلاد التكرور:
ازدهر طريق نول لمطة الموازي لساحل المحيط الأطلسي منذ القرن الثالث الهجرى بعد ظهور دول مستقرة في المغرب الأقصى، وبعد ترك القوافل الطرق غانة مصر عبر الصحراء بسبب طوله وكثرة عواصفه الرملية. وأصبحت نول لمطة من مراكز تجارة الذهب القادم من بلاد السودان وكذلك الملح. ولذلك فقد ارتبطت بعلاقات وثيقة مع مدينة فاس شمالاً وموانيء سبتة ومليلة وجزر البحر المتوسط. وانعكس هذا الازدهار الاقتصادي في امتداد العمران بها رغم إحاطتها بالصحراء وتحول سكانها من البداوة إلى الاستقرار
(1) البرادي الجواهر المنتقاة، ورقة 93. أبوزكريا، المصدر السابق، ص 160.
(2) ناصر، محمد، دكتور، دور الأباضية في نـ م بغرب افريقيا، ص 28، وما بعدها، مكتبة
الضامري، مسقط.
-311 - (1/229)
صفحة 230
(1)
(2)
والتحضر. (1) وتخصص هذا الطريق فيما بعد: حمل تجارة العنبر والرقيق. (2) وأصبح له أهمية سياسية بجانب أهميته الاقتصادية في زمن دولة المرابطين.
وبجانب قصر هذا الطريق بالنسبة للطرق الأخرى الموازية له، فإن جماعات التكرور، كان لهم دور في تأمين وصول القوافل التجارية إلى أقاليمهم، خاصة وأنهم تحولوا مبكراً إلى الإسلام، وكانت لهم سيطرة واسعة على أقاليم عديدة في غرب السودان. (3)
(3) طريق تاهرت - وارجلان - إلى كوكو:
لعبت تاهرت في عصر الرستميين دوراً هاماً في التجارة الافريقية لمدة طويلة حيث أصبحت عقدة طرق تجارية تمتد إلى الجنوب وإلى الشرق وإلى الغرب. فالى الشرق تتجه منها القوافل صوب القيروان وبلاد الجرير وطرابلس ومصر. وإلى الغرب تتجه الطرق صوب فاس وسواحل المغرب الأقصى. أما إلى الجنوب فتتجه منها القوافل إلى جهتين
هما:
الأولي: صوب الجنوب الشرقي إلى وارجلان ثم إلى الصحراء الكبرى حتى تصل القوافل إلى بلاد السودان.
الثانية: إلى سجلماسة ثم غانة، وقد فصلنا هذا الأمر.
وبالنسبة لطريق تاهرت وارجلان المتجه إلى بلاد السودان عبر الصحراء الكبرى فإنه شهد نشاطاً تجارياً عظيماً بحكم وجود مدينة وارجلان عليه ذات الأهمية الدينية والاقتصادية والسياسية في بلاد المغرب، وكذلك وجود تاهرت المرتبطة بالنجاح في إدارة الصفقات التجارية الكبيرة. وكانت وارجلان بحكم موقعها على شمال الصحراء الكبرى ملتقى المسافرين القادمين من الشمال الافريقي إلى واحات الصحراء وإلى بلاد
(1) ابن حوقل المصدر السابق، ص 84
(2) أبو سعيد المصدر السابق، ص 91. لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص 266.
(3) مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 104.
ناصر، المرجع السابق، ص 8.
- 225 - (1/230)
صفحة 231
السودان (1) وكانت مركزاً لتحركات القوافل في كل اتجاه، حتى خرج منها أو التقى بها أكثر من عشرين اتجاهاً من الشمال ومن الجنوب. (1) وإنعكس هذا الأمر في ارتفاع مستوى معيشة قبائلها، وأصبح أهلها من الأغنياء وتجارها من أشهر التجار، (2) وشهردت المدينة نهضة شاملة.
عبر
وبجانب أهمية وارجلان احتلت تاهرت نفس الأهمية في التجارة مع بلاد السودان الصحراء، ولعبت القبائل البربرية التي ساندت الدعوة الأباضية دوراً كبيراً في السيطرة على الطرق التي تتجه أو تخرج من وارجلان وتاهرت مثل هوارة ونفوسة وغيرهما، وامتد نفوذ تلك القبائل في الصحراء جنوباً. (3) وإلى طرابلس والقيروان صوب الشمال الشرقي، وأصبحت معظم منطقة الشمال الإفريقي مرتبطة بنشاط القبائل الأباضية المتمركزة في تاهرت ووارجلان والخاضعة لنفوذ الرستميين (4)، وزاد من أهمية هذا الأمر أن القيروان التي تعتبر حاضرة افريقية الإسلامية أصبحت ضمن تلك المنظومة من الطرق التجارية التي امتدت إلى واحة فزان وغيرها من واحات الشمال الإفريقي وإلى الأودية التي تمتد في تلك المناطق مثل وادي ريغ الفسيح الذي كان يستريح فيه التجار ودوابهم. وقد سيطر على طرق هذا الوادي جماعة من بني برزال، وهم من الأباضية، وكانت مدينتهم المسيلة التي تبعد عن تاهرت حوالى ستة أيام وعن وارجلان اثنى عشر يوماً عبر وادي ريغ. وقد أدى تبعية هذا الوادى إلى جماعة بني برزال الأباضية إلى تأمين خروج القوافل من الصحراء صوب تاهرت ووارجلان (6)، وإذا كانت وارجلان هي البوابة الكبيرة لإفريقية جنوب الصحراء فإن وادى ريغ أصبح هو صمام الأمان لها.
(7)
(0)
تتجه القوافل طريقها صوب الجنوب إلى بلاد كوكو (جوجو) ومنطقة شمال نهر النيجر، ويتم التوقف عدة مرات في الطريق في محطات للاستراحة مثل محطة تادمكة
(1) الإدريسي، نزهة المشتاق ص 11.
(2) الإدريسي، المصدر نفسه، ص 12.
(3) اليعقوبي، البلدان، ص 103
(4) ابن خلدون، ج 1، ص 93.
(5) حسين أحمد، دور فقهاء الأباضية في إسلام مملكة مالي، ص 16.
(6) ابن خلدون، المصد السابق.
(7) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 86.
226 - (1/231)
صفحة 232
كما ترتب عمليات التحرك لتجنب حرارة الشمس، فيكون السير في آخر النهار، وآخر الليل اتقاء لحرارتها. ومن تادمكة يبدأ التجار الاستعداد لدخول بلاد السودان حيث توجد مدينة كوكو على بعد تسعة أيام من تادملة، وهي مدينة مزدهرة بأسواقها ومتاجرها، ومركز هام للتجار من كافة أنحاء العالم الإسلامي، وأصبحت كوكو، أهم مراكز تجارة الذهب الافريقي في العصور الإسلامية. (1)
وظل طريق وارجلان - تادمكة كوكو هو أنشط الطرق التجارية لتجارة الذهب وسلع بلاد السودان لفترة طويلة، خاصة أيام الدولة الرستمية في تاهرت، والتي حرص
أن
أئمتها على تدعيم علاقاتهم وروابطهم بمراكز هذا الطريق ويتجار وحكام كوكو، حتى أ أفلح بن الإمام عبدالوهاب قد فكر في زيارة بلاد كوكو زمن والده، وحقق هذا الأمر في زمن حكمه حينما بعث سفارة على مستوى عال إلى تلك البلاد برئاسة محمد بن عرفة محملة بالهدايا. (2) ونجحت تلك السفارة في تدعيم العلاقات التجارية بين مراكز تاهرت ووارجلان مع بلد كوكو وبلاد السودان. وقد حفلت السير والروايات الأباضية بأسماء عديدة من تجارهم ورجالها كان لهم الدور الهام في الوساطة التجارية بين بلاد السودان والعالم الإسلامي (3)، وقد قام هؤلاء التجار بدور بارز في نشر الاسلام في تلك المناطق (4)، وتردد أيضا ذكرهم في مختلف المصادر.
(3)
ونظراً لارتباط أغلبية التجار المسلمين بحكام كوكو وإجراء صفقات الذهب عن طريقهم، فإن كوكو قد أصبحت أعظم مدن وأقاليم السودان العربي والأوسط، وتمكنت من الخروج عن سلطان ملوك غانة وتوقفت عن دفع الجزية، وبدأت في بسط نفوذها على
(1) ابن سعيد، کتاب الجغرافيا، ص 91
- ياقوت الحموي
البلدان، معجم
، جا، ص
(2) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 31.
(3) ناصر، المرجع السابق، ص 13 وما بعدها.
495
(4) من هؤلاء أبو موسى الذي قصد غانة وأنشأ حلقة للدراسة بمساعدات مالية من تجار الأباضية.
والشيخ على بن يخلف الذي لفت نظر ملك مالي بإسلامه ودينه.
انظر: سير الشماخي، ج 2، 517.
- ناصر، المرجع السابق، ص 13 وما بعدها.
- YYV- (1/232)
صفحة 233
(1)
مناطق واسعة من الأقاليم المجاورة لها، وفرضت الجزية على عدة ممالك مجاورة. وظهر فيها بوضوح نفوذ التجار المسلمين الذين اختلطوا بأهلها وتشبهوا في ملبسهم بزى السودان، وانتهى الأمر بإسلام ملك كوكو في القرن الرابع الهجري
هو
(4) طرق طرابلس وجبل نفوسة إلى السودان:
(2)
(3)
وهي الطرق التي تربط شمال إفريقية ببلاد السودان جنوب الصحراء، خاصة السودان الأوسط والجزء الغربي من السودان الشرقي. وكان طريق طرابلس إلى بلاد الكانم. أقصر الطرق التي تربط شمال إفريقية بالسودان الأوسط ويبدأ هذا الطريق من مراكز الأباضية في طرابلس وجبل نفوسة، ويتجه صوب الجنوب نحو زويلة بعد ثلاثة عشر يوماً. وقد أصبحت زارية أهم مراكز هذا الطريق ومركز تجارته ومحط قوافله. ومن كثرة الرحلات التجارية على هذا الطريق غلب السكان البربر عليه خاصة بعد وفود العديد منهم على شكل هجرات مستمرة واستقروا في واحاته ومراكز (ه) وامتزجوا بسكانه. واستخدم هذا الطريق في جلب أعداد كبيرة من العبيد إلى طرابلس حيث يتم توزيعهم إلى مصر والمشرق الإسلامي. وكانت واحة فزان أهم محطات هذا الطريق، حيث توسطت
الرحلة بين طرابلس وبين بلاد كانم
كما يتوجه طريق اخر من طرابلس إلى واحة غدامس وإلى بلاد كوكو صوب الجنوب الغربي، حيث يبدأ من جبل نفوسة ومن مدينة شروس، ويتجه جنوباً إلى غدامس بعد مسيرة سبعة أيام في الصحراء، ويلتقى بعد فترة بطريق وارجلان المتجه إلى تادملة بعد مسيرة أربعين يوما. وقد ازدهرت غدامس کمركز تجاري هام بسبب وقوعها على هذا الطريق الذي يتصل بتجارات السودان الغربي الهامة خاصة من الذهب.
(1) اليعقوبي
المصدر السابق ص 22
المصدر السابق، ص 11.
(2) الإدريسي
(3) اليعقوبي، المصدر السابق، ص 98.
(4) الجثماني، المرجع السابق، ص 227 (5) ابن خلدون. العبر. ج 7، ص 122.
- 228 - (1/233)
صفحة 234
هذا، وقد واجهت القوافل التجارية العاملة بين شمال إفريقية وبلاد السودان العديد
من الصعوبات الطبيعية والصعوبات السياسية، نذكر منها ما يلي:
أولا: الصعوبات الطبيعية: 1 - ندرة المياه في الصحراء الواسعة.
فمن المعروف أن منطقة الصحراء الإفريقية الكبرى تعد. من أشد مناطق العالم
(2)
(1)
جفافاً، خاصة العروض الوسطى من الصحراء. فتندر بالتالي الحياة النباتية والحيوانية وهي عملية شاقة للتجار والمسافرين ودوابهم، قد تعرضهم للموت عطشاً. وبسبب خبرة العرب والبربر في تلك الصحراء فإنهم قاموا بحفر آبار على طول الطرق التي تخترق الصحراء، في المسافات التي تبتعد عن الواحات. (). لكن ظلت مسالة السيطرة على تلك الآبار محل نزاع مستمر بين القبائل البربر من أجل الاستفادة من عوائد التجارة المارة. كما أن التجار أهتموا بتلك المسألة أيضا فاصطحبوا معهم. الأدلاء لمعرفة الطرق، كما أنهم خصصوا نسبة كبيرة من الدواب الحمل المياه، قد تصل إلى النصف.
والآبار
- البرودة القارسة:
(3)
فمن المعروف أن مناخ الصحاري الداخلية مناخ متطرف قاري، حيث يميل المدى
"
الحراري إلى الارتفاع وقد يزيد متوسط هذا المدى عن ثلاثين درجة في اليوم والليلة. الأمر الذي يجعل فصل الشتاء على تلك الطرق في غاية البرودة. وتتعرض قوافل التجارة للبرودة ليلا. كما أن واحات الشمال الافريقي مثل وراجلان وتاهرت (4). وفزان تدخل في نطاق البرودة الشديدة في فصل الشتاء.
أيضا
(1) أبو عيانة، المرجع السابق، ص 449 وما بعدها. (2) مثل واحة كوار وفزان وغيرهما.
أبو سعيد، كتاب الجغرافيا، ص 114 وما بعدها.
(3) الادريسي، نزهة المشتاق، ص 11.
(4) يقول الشاعر القاهرتي أبوبكر بن حماد في ذلا ذلك: ما أطول البرد وريعانه .. وأطرف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم إذا ما بدت .. كأنما تنشر من تحت فنحن في بحر بلا لجة .. تجري بنا الريح على السمت
- ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 8.
- 229 - (1/234)
صفحة 235
الحرارة الشديدة:
-
فبسبب وقوع منطقة الصحراء الكبرى الإفريقية ضمن العروض المدارية الجافة بين خط الإستواء ومدار السرطان شمالاً، ترتفع درجة الحرارة ارتفاعاً شديداً خاصة في فصل الصيف حتى تصل إلى 58 درجة في بعض مناطقها، حيث سجلت تلك الدرجات حديثاً في إحدى واحات ليبيا. ويساعد على اشتداد درجة الحرارة قارية المكان وبعدها في الداخل عن المسطحات المائية. وقد أدى ذلك إلى قيام التجار وقوافلهم بالتحرك في أوقات مغيب الشمس عند الفجر وبعد العصر. وقد أدت تلك الحرارة إلى إزهاق أرواح العديد من دواب القوافل وأفرادها
- 2
العواصف والرياح والزوابع الرملية:
(1)
تتعرض الصحراء عموماً للزوابع والعواصف من حين لآخر بسبب تحرك مناطق الضغط الجوي، ويساعد على شدتها تفلك التربة وعدم وجود غطاء نباتي، الأمر الذي يساعد على شدتها وسرعتها، وقد تؤدى برمالها الناعمة إلى طمس الطرق والدروب وإلى إتلاف أمتعة المسافرين وإلى نفور الإبل والدواب، وقد تؤدي أحيانا إلى هلاك قوافل
تجارية كاملة
-0
التعرض لهوام الأرض والحيوانات المفترسة:
تعبر القوافل في رحلتها الطويلة مناطق واحات ومرتفعات وغابات وهي بيئة مناسبة لوجود أعداد كبيرة من هوام الأرض والحيوانات المفترسة مثل النمور والأسود، خاصة في المناطق الخالية من السكان. ولذلك كانت القوافل التجارية تسير في أعداد كبيرة يصل بعضها إلى أكثر من اثنى عشر ألف راحلة حتى تتمكن من مواجهة تلك الأخطار. وتروي المصادر الأباضية أن موضع مدينة تاهرت التي بناها عبدالرحمن بن رستم كان مرتعاً لأنواع من السباع والوحوش داخل الغابات الكثيفة، بحيث اقتضت الضرورة اقتلاع ذلك كله وانتهى الأمر بحرق الغابة وتسوية الأرض وتمهيدها للبناء. وكذلك كانت معظم مناطق وأودية إفريقية الشمالية (2).
(1) تعرف بأسماء محلية في كل منطقة بالصحراء: الخماسين في مصر. الهرمتان في ليبيا. السيروكو
في
الجزائر.
(2) الباروني، الأزهار الرياضية، ج 2، ص 6. البلادري، جـ 2، ص: 230.
- 230 - (1/235)
صفحة 236
ثانياً: الصعوبات السياسية والأمنية
:
رغم وجود دول إسلامية واضحة الحدود والمعالم في الشمال الإفريقي، فإن منطقة الصحراء وبلاد السودان لم تعرف نظماً سياسية متمكنة من فرض هيبتها ونفوذها الواضح على أقاليمها وشعوبها داخل حدود واضحة المعالم. حتى أن الباحث يلاحظ تعدداً في أنظمة حكم بلاد السودان وحكام الأقاليم بين مصدر وآخر، الأمر الذي عرض منطقة السودان لغزوات مستمرة من قبل جماعات بعضها ضد البعض الآخر في أغلب الأحيان فكل جماعة أو قبيلة من قبائل بلاد السودان عاداتها وتقاليدها ونظمها، وبمجرد شعور إحدى تلك القبائل بقوتها فإنها ما تلبث أن تمد نفوذها على المناطق المجاورة لها.
انعكس هذا الأمر بصورة سلبية على حركة القوافل التجارية المتجهة إلى بلاد السودان، حيث كان من الصعب على تلك القوافل التعامل بصورة محددة. نظام سياسي معين حتى بداية العصور الحديثة، الأمر الذي جعلها تعتمد على جاليات عربية أو بربرية داخل نطاق تلك المناطق، يتم الاتفاق معها عبر شبكة من الوسطاء البربر والعرب يقومون بتلك المهام.، مهمتهم الأساسية تسهيل وصول القوافل إلى بلاد السودان وترتيب نزولهم، وكانوا يجنون من وراء ذلك أرباحاً كبيرة لأهميتهم في التعامل بين الطرفين وتفادي وقوع العديد من المشاكل.
(1)
ورغم ذلك فقد واجهت القوافل التجارية المتجهة إلى بلاد السودان العديد من الصعوبات الأمنية، فكثيرا ما تعرضت لجماعات زنجية مهاجرة من الغابات الإستوائية صوب الشمال، وكان من الصعب التفاهم مع تلك الجماعات، وبعض تلك الجماعات وصف بأنهم من أكلة لحوم البشر. مما أدى إلى قيام القوافل بإسناد مهمة حماية أمنها وتحركاتها إلى قبائل بربرية لها خبرتها في تلك المناطق
لكن تلك الصعوبات العديدة التى كانت تعترض التجارة، كان يهون أمامها العوائد الكبيرة التي كانت تجنيها من تجارة بلاد السودان حينما تعود تلك القوافل محملة بالذهب والأحجار الكريمة والعنبر وريش النعام، وغيرها من سلع بلاد السودان، وهي سلع لها أهميتها عند شعوب البحر المتوسط وأوروبا في تلك الفترة. وارتبطت شهرة
(1) ابن بطوطة، الرحلة، ص 687.
- 231 – (1/236)
صفحة 237
وتاهرت وسجلماسة وغيرها بتلك السلع.
*
(1)
وارجلان
قضية تجارة الرقيق الإفريقي:
(2)
ورغم شهرة بلاد السودان بالذهب، إلا أنها ارتبطت في التاريخ بصورة عامة بتجارة ا حتى العصور الحديثة، وكان لابد علينا أن نوضح مفهوم تجارة الرقيق في العصور الإسلامية بعيداً عن الصورة التي ترددت في المصادر الغربية
الرقيق
لقد نشطت تجارة الرقيق الإفريقي في العصر الإسلامي، خاصة في عصور الخلافة العباسية بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتمكنت قوافل التجار من جلب أعداداً كبيرة منهم عبر دروب الصحراء الشاقة، لتمتلأ بهم أسواق تاهرت والقيروان وفاس وسجلماسة ووارجلان وطرابلس والفسطاط وغيرها من موانيء افريقية الشرقية،
(1) يقول أحد علماء وارجلان وشعرائها وهو أبو يعقوب، يوسف، من القرن السادس الهجرى في وصف سلعها وخيراتها وأخطار تجارتها:
جزى الله وارجلان خير ماجزي ... به بلداً عن طالب الخير سائر هو جنة الدنيا وأبواب مكة .. و معدن تبر غانة والدنائر فمن كان يبغى الحج فليأت وارجلان يجد سبلها رحباً وخفرة خافر فلا وجود للدنيا لمن قل ماله ولا مال إلا ما أتى بالمتاجر ويفتخر الجال بالمال و، والندا .. وقد سرقوها من جميع المخاطر ولن يكسب المال الحلال سوى أمرء يجوب الهوامي نحو غانة صابر
وليس يهاب الحر والقر والشوا
ولا الشمس ولا الظلماء ذات الدياجر
ويستصغر الأهوال من حيث أقبلت ولو أنها أمثال وخز الخنازر
انظر بكير، الدولة الرستمية، ص 222/ 223
(2) وصف رقيق السودان عند الجغرافيين المسلمين بقولهم:
الخدم السود الذين يباعون في بلدان الإسلام فهم ليسوا بنوبة ولا بزنج ولا يحبشة ولا من البجة، إلا
أنهم على. حدة أشد سواداً من الجميع"
أنظر: الاصطخري، المسالك والممالك، ص 35.
- 232 (1/237)
صفحة 238
(1)
واستأنفت تلك الأعداد طريقها إلى مناطق عديدة من العالم الإسلامي مشرقه ومغربه
وشماله إلى جنوبه.
ورغم تجاهل صفحات التاريخ الإسلامي لدورهم في الحياة الإقتصادية والاجتماعية إلا أن هناك إشارات واضحة على تأثيراتهم في المجالات الاقتصادية والإجتماعية السياسية وظهرت ثوراتهم في التاريخ الإسلامي منذ القرن الأول الهجري، حينما تحولت أعداد كبيرة منهم إلى الإسلام والمسوا مبادئه وعدالته
(2)
ففي سنة 71 هـ ظهرت إشارات إلى ثورة منهم في البصرة، في أواخر أيام مصعب ابن الزبير في العراق، حينما اجتمع منهم عدد كبير وشرعوا في الثورة والتمرد، فانبري والى البصرة خالد بن عبدالله بحربهم (3). وفي زمن الحجاج بن يوسف الثقفى على العراق، ثار الزنج وولوا عليهم رجلا منهم يسمى رياح أو رباح، ولقب بشير زنجي، أى أسد الزنج، لكن الحجاج أرسل إليهم زياد بن عمرو الذى أرسل ابنه من قبله على رأس جيش لقتالهم.، فلما هزموه، أرسل زياد جيشاً آخر أباد الزنج.
(4)
ومع الثورة الحضارية التي شملت العالم الإسلامي في العصر العباسي، وما ترتب على ذلك من ازدهار الحياة الاقتصادية لمناطق الخليج العربي والعراق بصورة خاصة. والعالم الإسلامي بصورة عامة، أصبحت هناك حاجة ماسة لاستقدام أعدادا كبيرة من الرقيق للأعمال المختلفة في مدن ومراكز العالم الإسلامي، وتنوعت مصادر جلب هؤلاء الرقيق لكن رقيق بلاد السودان كان أهم هؤلاء الرقيق أثراً على مستوى العالم الإسلامي. وقد تنوعت المصطلحات التي أطلقت على رقيق السودان، أو عبيد افريقية، فقد سماهم ابن حاقان باسم الزنج وأطلق عليهم أبو حامد الغرناطي اسم بنى قوقو، ونعتهم ابن القطان باسم "جناوة" وهو الاسم الذي ورد عند ياقوت الحموي في معجمه، كما ظهر لهم في بعض المصادر اسم المماليك (5). وقد أدى الإكثار من الرقيق إلى عوامل منها:
(1) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 97.
(2) علبي، أحمد، الزنج، صلبان التاريخ الإسلامي، مجلة العربي، العدد 242، 1979 م، ص 155 وما بعدها.
(3) ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 388 (4) ابن خلدون، العبر، ج 3، ص 98.
(5) المقري، ازهار الرياض، جه، ص 142
- 233 - (1/238)
صفحة 239
1 - حاجة قصور الحكام والأثرياء إليهم في خدمات البلاط أو القصور.
2 - تحول مجتمعات ومدن بلاد المغرب إلى الاستقرار وحياة الترف منذ نهاية
القرن الثاني الهجري، مما أدى إلى الإعتماد على الرقيق في الأعمال المنزلية من مختلف فئات المجتمع المغربي، وكذلك الأندلس ومعظم مناطق العالم الإسلامي.
3 - حدوث نهضة اقتصادية خاصة في مجال الزراعة وعمليات استصلاح الأراضي في المرتفعات وإزالة الغابات، مما استدعى الاستعانة بأيدى عاملة جديدة في قطاع الزراعة.
- L
-0
استغلال أعداد كبيرة من الرقيق كقوات حربية من قبل الدول المتعددة التي ظهرت في منطقة شمال المغرب، وهي دول متنافرة سياسياً ومذهبياً من أغالبة سنة في القيروان، ورستميين أباضية في تاهرت، ومدراريين صفرية في سجلماسة، وأدارسة شيعة في فاس، ورغم عدم نشوب حروب طويلة بين تلك الأطراف إلا كل طرف كان حذراً من الأطراف المحيطة به.
استخدام الرقيق كحراس وأدلاء للقوافل التجارية.
6 - الاستعانة بهم في عمليات تحميل وتفريغ القوافل والبضائع التي تجلبها.
لقد كانت منطقة غرب افريقية، منجماً لثروات بلاد المغرب، فقد تأسست ثروات دول المغرب على انتفاعها بالتجارة مع غرب افريقية عبر الصحراء، وجنوا من وراء ذلك الثروات الطائلة وتطورت مدنهم وقرارهم فبنوا القصور وتحول سكان مدنهم إلى مرحلة الترف فاكتظت دور وقصور الحكام ورجال الدولة بالرقيق خاصة الكتاب والوزراء والقضاة أصبحت عادة امتلاك. العبيد من الأمور العادية عند أهل المغرب والأندلس. كما امتلك هؤلاء مساحات واسعة من الأراضي الزراعية أو الصالحة للزراعة وكان لابد من الاعتماد على أعداد كبيرة من هؤلاء الرقيق في تلك المزارع والبساتين لفلاحتها (1).
والولاة، حتى
(1) أبو حامد الغرناطي، المصدر السابق، ص 43.
- 234 (1/239)
صفحة 240
واستخدم أيضا الرقيق في الأعمال الدفاعية والحرفية، فقد تميزوا بالشجاعة والقوة
في الحروب وتحمل أهوالها، وأثبت بعضهم تفوقا في العمليات الحربية وفي تسديد الضربات ضد الأعداء (1)، حتى جاءت دولة المرابطين بعد ذلك لتعتمد عليهم بصورة كثيفة، بحيث أجبر الأمير على بن يوسف رعيته على تقديم عدد من السودانيين الذين يعملون كخدم في المنازل إلى جيشه، مع ضرورة الانفاق على تسليمهم وتوفير ما يلزمهم
من المؤن والعتاد من أجل تكوين جيش كبير ضد القوى المسيحية التي تهدد الأندلس.
وظهر الاعتماد عليهم في مجال خدمات القوافل من حيث أعمال التحميل والتفريغ وأعمال الحراسة والدلالة، وهي أعمال كانت مناسبة لهم، خاصة في ظل ازدياد أعمال القوافل المتجهة إلى غرب افريقية وزيادة نشاطها، ويذكر أحد الجغرافيين صورة لتجار أود غشت أن لهم أموال عظيمة ورقيق كثير كان للرجل منهم ألف خادم أو أكثر " (2) كما زادت الأعمال المرتبطة بالتجارة في مدن وأسواق بلاد المغرب، وكان لابد لتلك القوافل من توفير حراسة لها في ظروف صعبة عبر الوديان والصحاري والقفار. وكان لهؤلاء أيضاً خبرة في معرفة دروب إفريقية جنوب الصحراء.
لكن الأعداد الكبيرة منهم ظلت مرتبطة بالخدمة في البيوت، حتى كثرت أعدادهم بصورة واضحة وأصبحوا عبئاً ثقيلاً في بعض الأحيان (3) واشتهرت بعض السودانيات باتقان أصناف من الحلوى مثل القطائف والهريسة وغيرها من صنوف الطعام، كما ظهرن في البيوت والقصور كجوارى لجمالهن.
وبعد فترة ظهرت في بلاد المغرب شكلا جديداً من أشكال الرقيق، الذي ترتب على
الحملات العسكرية ضد ممالك الأندلس المسيحية منذ نهاية القرن الرابع الهجري.
حتى أن الأمير المرابطي على بن يوسف رجع من إحدى حملاته العسكرية سنة 532 هـ مصحوباً بسبعة آلاف من السبى. وقد انخفض سعر بيع العبيد في تلك الفترة نتيجة لكثرة السبى في المعارك. ومن الرقيق البيض والسود امتلأت بيوت أهل المغرب
(1) المغرب، ص 168.
(2) المصدر السابق، ص 158.
(3) السقطى، رسالة في الحسبة، ص 49 = 50.
– 235 – (1/240)
صفحة 241
حتى بيوت الفئات المتوسطة والشعبية أحيانا.
حسنة
ويتضح أن أوضاع عبيد بلاد المغرب في زمن دولة الرستميين وما بعدها كانت، حتى أننا لم نسمع في المصادر على ثورات ضد أسيادهم، كما وقع في منطقة البصرة، في القرن الثالث الهجري، فقد كان العبيد يتصرفون بحرية بين أيدى أسيادهم، ويذكر النويري أن أحد القضاء اتصل بعبد ليتوسط له عند سيدته زوجة أحد الأمراء من دولة المرابطين من أجل رده إلى منصبه الذي عزل منه 11
(1)
كما حالف الحظ بعض العبيد وحصلوا على حريتهم، وقد تعددت المناسبات والفرص التي كانت مدعاة لعتقهم، سواء من الكفارة التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، أو الانتصار في معركة من المعارك، ففي معركة الزلافة تم عتق الآلاف من الرقاب. وكذلك كان بإمكان بعض العبيد أن يحصلوا على حريتهم بعد أن يثبتوا بالدليل والحجة حريتهم، فكان بمقدور العبد الحصول على حريته بالمال، أو بوصية من مولاه.
ويبدو من تفحص بعض النصوص أن هناك أعداداً منهم عاشت في ظروف اجتماعية وصحية بائسة، فقد سخر البعض في الأعمال المنزلية بلا انقطاع، كما أصبح البعض عرضة للأمراض الفتاكة التى أودت بحياة معظمهم، وخاصة في ظروف الاضطرابات السياسية التي شهدتها بلاد المغرب في نهاية القرن الثالث الهجري، وكذلك في نهاية عصر دولة المرابطين، حتى أن عبدا في الأندلس قد أقدم على قتل أحد الفقهاء.
(2)
وبالنسبة لبقية أرجاء العالم الإسلامي فإن الرقيق السوداني. قد ظهر بدوره بعد انتهاء العمليات العسكرية في الفتوحات الأولى التي تمت بصورة أساسية في القرن الأول الهجري، ولم يكن من السهل تمويل العالم الإسلامي بالأعداد المطلوبة منهم، في ظل تسامح الشريعة الإسلامية، الأمر الذى أدى إلى انصهارهم في المجتمع الإسلامي وذوبانهم بين طبقاته بمرور الزمن.
وأصبحت مناطق بلاد السودان، وإفريقية جنوب الصحراء، هي المنجم الأساسي
(1) نهاية الأرب، جـ 24، ص 266، القاهرة، 1983 م.
(2) ابن الحاج، النوازل، ص 24.
- 236 - (1/241)
صفحة 242
لحليب الأعداد المطلوبة منهم بصورة مستمرة، قبل أن تظهر مصادر أخري للرقيق في بلاد
الصقالبة ومناطق القوقاز
(1)
ويمكننا تقسيم معابر تجارة الرقيق الإفريقي إلى العالم الإسلامي كما يلي:
أولا: معابر الصحراء الكبرى إلى شمال افريقية.
وهو منفذ جلب الرقيق الإفريقي من بلاد غرب السودان ووسط السودان، إلى
(2)
أسواق تاهرت ووارجلان والقيروان وطرابلس وسجلماسة وفاس والأندلس، حيث توجد
مراكز تجميعهم في عواصم ومدن شمال افريقية، بعد جلبهم من بلاد التكرور والنيجر الأعلى. واعتمد حكام غانة وجاو ومالى على قبائل افريقية بدائية تخصصت في التوغل في الغابات والأدغال وتوفير الأعداد المطلوبة من العبيد بكافة الحيل. وكانت أسواق تاهرت أشهر أسواق الرقيق الإفريقي على الإطلاق، بسبب تحكم تجار الأباضية في مراكز جلبه وتجارته، واعتماد هؤلاء التجار على قبائل بربرية موالية لهم لتأمين تجارته، وقد وصل نفوذ هؤلاء التجار في كثير من الأحيان إلى أسواق م مصر عبر برقة. (3)
ونتيجة لذلك أصبح للعبيد الأفارقة دور واضح في مجالات الحياة في دول بلاد
المغرب خاصة دولة بني واسول الصفرية، وتاهرت الرستمية وكان لهؤلاء العبيد دور في التخفيف من ضغط القبائل البربرية والعناصر العربية التي ساهمت في بروز كيانات سياسية في الشمال الإفريقي، حيث تم الاستعانة بهم و كجند وحرس للولاة والحكام، بجانب أعمالهم الأخرى في الأعمال التجارية والمنزلية وأعمال الفلاحة والمهن الأخرى.
ثانياً: معبر النوبة - مصر:
حيث يتم جلب أعداد كبيرة من الرقيق من مناطق أعالي النيل وبلاد البجة ومناطق السودان الشرقي والبحيرات التي تقع إلى جنوبه. وكان هذا الطريق هو المعبر الأساسي لدخول النوبيين والأحباش إلى مصر منذ البداية بالإضافة إلى اشتراك بعض موانيء البحر
(1) لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص 265
(2) الجنحاني، المغرب الاسلامي، ص 30. (3) لومبارد، المرجع نفسه، ص 266.
- 237 - (1/242)
صفحة 243
الأحمر لمساندة هذا الطريق في بعض فترات التوتر والاضطراب في بعض مناطقه.
(1)
وقد لعبت الأديرة القبطية في مصر، في عصر ما قبل الإسلام، دوراً في انتشار عمليات إخصاء العبيد، التي انتشرت بعد ذلك على نطاق واسع، وساهم فيها تجار الرقيق خاصة العبيد العاملين في المنازل (2) كما اشتهر هذا الطريق بجلب أعداد النوبيين حسب معاهدة البقط، منذ اتفاق عبدالله بن أبي السرح من حاكم النوبة، وما اشتملت عليه من إرسال اعداد محددة من أبنائهم كل عام إلى والي.
ثالثا: موانئ البحر الأحمر والقرن الإفريقي:
مصر
(3)
حيث يجلب منها العبيد من مناطق السودان الشرقي والحبشة والصومال إلى مدن وموانيء الحجاز واليمن، وقد اشتهر ميناء زيلع بهذا الأمر في العصور الإسلامية، بعد تجميع العبيد في منطقة بربرة. واعتبر ميناء عدن أهم الموانئ التي يتم استقبال العبيد من تلك المناطق بها، حيث أصبح هناك أسواق مخصصة في الميناء للعبيد.
ونظرا لشهرة أسواق عدن المتخصصة ببيع العبيد والجواري، فقد قدم إليها التجار من الإسكندرية وموانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي لجلب الجواري والعبيد منها. وأصبح هناك نظماً متبعة للبيع والعرض. (4)
(1) تتم عملية الإخصاء للعبيد ببتر الأعضاء التناسلية للعبد، وذلك على مرحلتين الأولى بشق الصفن لاستخراج الخصيتين، ثم بتر القضيب بعد ذلك على لوح خشبى مع وضع أنبوب رصاصى أجوف للحفاظ على فتحة البول بعد التحام الجرح، وقد انتشرت تلك العملية في العصور الوسطى. ومن أشهر الخصيان كافور الاخشيد الذي حكم مصر، وأسس الدولة الاخشيدية بها. وفيه يقول المتنبي: صار الخصى إمام الأبقين بها .. فالحر مستعبد والعبد معبود ومن المعروف أن هناك تغيرات فسيولوجية ونفسية تظهر على العبد بعد إجراء تلك العملية تجعل العبد يفقد العديد من صفات الرجولة والذكورة.
- لومبارد، المرجع السابق، ص 265 (هامش) (2) لومبارد، المرجع نفسه، ص 266.
(3) سيتم تفصيل ذلك في الفصل الرابع من الكتاب.
(4) وذلك بأن تبخر الجارية وتطيب وتعدل ويشد وسطها بمنزر، ويأخذ المنادي بيدها ويدور بها =
-
238 - (1/243)
صفحة 244
رابعاً: سواحل إفريقية الشرقية:
أصبحت تلك السواحل أهم منافذ تجارة الرقيق الإفريقي للمشرق الإسلامي، منذ
•
بداية العصر العباسي، وأصبحت موانى الخليج العربي هي أهم الطرق لحمل الرقيق إلى مناطق العراق والمشرق الإسلامي. رغم ظهور أهمية لتلك السواحل منذ العصر الأموي إلا أن الإزدهار الاقتصادي الكبير الذي عم العالم الإسلامي في العصر العباسي زاد من حاجة سكان المدن الإسلامية لجلب أعداد جديدة من العبيد بصورة مستمرة، لاستخدامهم في استصلاح الأراضي البور، البطائح، وكذلك في أعمال الموانيء مثل الشحن والتفريغ
وأصبح ميناء البصرة أهم مركز لتجمع الأعداد الكبيرة من الرقيق الإفريقي، الذي أصبح عصب الحياة الإقتصادية في العالم الإسلامي. وأدت كثافة الرقيق في البصرة إلى قيامهم بثورتهم الشهيرة العارمة في جنوب العراق والتي استمرت حوالي أربعة عشر عاما (255 - 270 هـ / 868 - 883 م) وتمكنوا خلالها من احتلال جنوب العراق (1)، واتخذوا لأنفسهم عاصمة تسمى المختارة، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من بغداد، حتى تمكن الخليفة العباسي المعتضد من مواجهتهم.
(2)
وقامت سفن أهل عمان (3)، بدور كبير في هذا المجال نظراً لانتشارهم الواضح على سواحل إفريقية الشرقية، ودورهم الملموس بين أهل البصرة، بالإضافة إلى موقع بلادهم المتوسط بين الجانبين. (4)
ومع بداية العصور الحديثة نشطت السفن الأوروبية في شحن أعداد هائلة من العبيد
= وينادي عليها ويحضر التجار يقلبونها ويتم تحديد السعر بعد ذلك. وإن حدث بينهما خلاف يتم إحالة الموضوع عند الحاكم.
انظر: ابن مخرمة، أبو محمد عبدالله الطيب بن عبدالله، تاريخ ثغر عدن، ص 66، مكتب مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 51411/ سنة 1991 م.
(1) الطبري، تاريخ، ج 9، ص 663.
(2) علبي
، أحمد، ثورة العبيد في الإسلام، ص 100 وما بعدها، بيروت، 1985.
(3) سيتم تفضيل هذا الدور في الفصل الخامس.
(4) أبو العلا، المرجع السابق، ص 8.
- 239 - (1/244)
صفحة 245
إلى العالم الجديد، وشهدت ا شرية أفظع صور القسوة في عمليات جمع العبيد وترحيلهم وشحنهم عبر المحيط الأطلسي، حتى قدر البعض أن عمليات تفريغ للقوى البشرية قد تمت في تلك الفترة، الأمر الذي أفقد الشخصية الإفريقية هويتها في ظل صور الرعب والإهانة التي ألحقت بها على يد تجار أوروبا. ورغم ذلك ظهرت دعوات جديدة في أوروبا بتحريم تجارة الرقيق لأسباب إنسانية، وسارعت دول أوربية لتأييد تلك الآراء من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية، خاصة بعد وقوع الإنقلاب الصناعي وحرص دول أوروبا على تفريغ السوق أما تصدير الآلات التي تنتجها مصانعها
ومنذ القرن التاسع عشر بدأت بريطانيا في مطاردة سفن التجار التي تتردد على مواني. شرقي افريقية لحمل العبيد إلى مناطق العالم الإسلامي الأخرى. وقد اتخذت هذا بريطانيا من الأمر وسيلة لبداية فرض نفوذها على شرقي إفريقية. (1) وإذا كان الدور الإسلامي قد ظهر بجلاء في احترام للقيم الإنسانية في مسألة التجارة الأفريقية وحرصه على الأمانة في المعاملات، حتى وصف لومبارد تجار الأباضية في بلاد السودان الغربي بأنهم خبرتهم التجارية " حاذقة وشريفة في المعاملات كما ظهرت إنسانية الدور الإسلامي في تجارة الرقيق الإفريقية، أمام الصورة البشعة التي اقترنت بتلك التجارة على يد الأوروبين حديثاً. (2)
(3)
من جهة ثانية أفسح المسلمون المجال في التجارة الإفريقية أمام فئات التجار من مختلف الأصقاع والأديان في ظل حرية التجارة ونزاهة المعاملات. وكان التجار اليهود) أكثر التجار من غير المسلمين نشاطاً في مجال التجارة الإفريقية، في ظل تسامح حكام الدول الإسلامية التي تتحكم في منافذ وطرق التجارة مع بلاد السودان. خاصة حكام تاهرت من الأباضية، وحكام سجلماسة وفاس وقرطبة.
ومن مظاهر هذا التسامح والحيوية التي تمتع بها التجار والوسطاء اليهود في ظل
(1) العقاد، زكريا، زنجبار. ص 91.
(2) قداح، نعيم، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في افريقيا الغربية، ص 203 وما بعدها، الطبعة الثانية، الجزائر، سنة 1975 م. (3) كان الأساس الذي أدى إلى انتشار اليهود منذ عصور ما قبل الإسلام على خطوط التجارة =
- YE. - (1/245)
صفحة 246
الدول الإسلامية، ظهور جاليات يهودية كبيرة في معظم مراكز التجارة في إفريقية، وقيامهم بدور هام في مجال التجارة والمياه الإقتصادية، حتى أن بعض تلك الجاليات قد
تمكنت من احتكار بعض التقنيات الصناعية في بعض المراكز مثل تصنيع المعادن.
الثمينة والصياغة والدباغة وصناعة الزجاج، وازدهر دور تلك الجالبات مع ازدهار الحياة الاقتصادية، ففي القيروان أصبح لليهود سوق بها ودكاكين خاصة بحرفهم، وأخذوا مع النصارى في الإلمام بتجارة الزيت في المدن الساحلية بإفريقية وجزر البحر المتوسط (1) وفى تاهرت الرستمية، التي شكلت قلباً للتجارة الإفريقية، فكان لليهود درب خاص بهم في المدينة يعرف بدرب " الرهادنة (2) وكانوا يسافرون من المغرب إلى
= هو الضربات التي نالتهم على يد حكام بلاد الوافدين مثل بنوخذ نصر البابلي وسرجون الآشوري، بالإضافة إلى الضربات القوية التي نالتهم من الرومان فيما بعد. بعد أن وصلت مكانتهم إلى المجد زمن داود وسليمان فتشتت اليهود في البلاد على شكل جاليات استقرت على طرق التجارة البرية والبحرية، فوصلت مجموعات منهم إلى موانيء شمال إفريقية والأندلس وإلى موانئ البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي. كما نزحت جاليات منهم واستقرت على الطرق البرية التي تربط أواسط آسيا والمشرق بمناطق أوروبا، وكذلك على الطرق البرية بين شمال افريقية وبلاد السودان. وبمرور الزمن تمكنت تلك الجاليات من إحكام سيطرتها حركة مرور السلع، رغم ظروفها السياسية
الصعبة.
وفي عصر الرومان زاد اضطهاد الأباطرة الرومان لليهود، فأدى ذلك إلى الضغط عليهم واتجاههم إلى مراكز صحراوية في جزيرة العرب وإلى عبورهم باب المندب للاستقرار على الهضبة الحبشية وساحل أرنيريا. كما سلكت جماعات يهودية طرق الصحراء واستقرت داخل الواحات الإفريقية الممتدة من غرب مصر إلى بلاد والمغرب الأقصى.
ولم يشهد اليهود تسامحاً وأحتراماً من قبل الدول والحكومات القديمة مثلما شاهدوه على يد المسلمين الذين التزموا في علاقاتهم معهم بالشريعة الإسلامية، فعاش اليهود في ظروف حسنة، وانطلقوا إلى المساهمة في الإنشطة التجارية والإقتصادية والمشاركة في مجالات الحياة الإسلامية
العامة.
انظر: الملليباري، تحفة المجاهدين، ص 48 وما بعدها، المكتب الثقافي الهندي، بيروت، سنة 1985 م - لومبارد، المرجع السابق، ص 270 – 273.
(1) الحنجاني، المرجع السابق، ص 91/ 90
(2) هم اليهود الذين يتكلمون اللغات العربية والفارسية والرومية وغيرها. وأصولهم غير إفريقية،
-131 - (1/246)
صفحة 247
المشرق في حرية وأمان ويجلبون سلع المشرق إلى المغرب ويحملون سلع المغرب من الخدم والجواري والديباج والجلود إلى المشرق وأوروبا جريا وراء الربح والتجارة (1). كما شاركهم نفس الدور التجاري النصارى في تاهرت والقيروان وسجلماسة وغيرها من مراكز التجارة الإفريقية.
وتمكنت تلك الجاليات من كسب ثقة التجار والحكام في مجال التعاقدات التجارية وعمليات الإقراض، وتمكن اليهود من خلق تنظيم تجاري وإجتماعي يؤلف بينهم ويقوى مرکزهم، يتألف هذا التنظيم من كفلاء ومراسلين وبيوتات تجارية ذات فروع عديدة وتتمتع تلك التنظيمات برعاية حكام دول المغرب الإسلامي، لما لمسه هؤلاء الحكام من دور اليهود في مجال التجارة الخارجية وانسياب حركة السلع التجارية كما كان لدى اليهود نظماً متقدمة في مجال التسويق والإئتمان، فلديها ساع مهمته إعلامها بسرعة وصول القوافل التجارية مع تقرير عن حمولة القافلة وسلعها وعدد أفرادها وإمكانياتها بالتحديد، ويشرف على العقود والأسواق، وعملاء لايواء التجار والمسافرين في فنادق ونزل، وحكام للفصل في المنارعات التجارية ومعقب لافتداء الأسرى. الأمر الذي أعطى لليهود مكانة بارزة في اقتصاد تلك الدول الإسلامية.
(2)
ومهما يكن من أمر فإن هذا الجو الإسلامي المتسامح هو المناخ الذي استغله اليهود لتحقيق تلك المكاسب والنظم بعد أن لمسوا عدالة المسلمين وتسامحهم، بعد أن ذاقوا
الآلام والاضطهاد في ظل الحكومات والأمم الأخرى.
واستغل اليهود المناخ الإسلامي ليحتكروا تجارة السلع المربحة مثل المنسوجات الحريرية وتجارة الحبوب بالجملة من مصر، وتجارة السكر من الشرق خاصة من العراق والهند، وتجارة التوابل من ساحل مليبار بغرب الهند، بالإضافة إلى الذهب الإفريقي والمعادن الثمينة، كما سيطروا على تجارة الرقيق والجواري (3) وتحكموا في بعض | الأحيان
(1) ابن خرداذبة، المصدر السابق، ص 153 - 154.
(2) لومبارد. المرجع السابق، ص 276. (1) حقق الوسطاء اليهود أرباحاً كبيرة من تجارة الرقيق السوداني والمغربي، فقد كان يتم شراء العبد أو الجارية بسعر زهيد ويتم بيعه بأسعار غالية في مصر والمشرق الإسلامي، ورغم تذبذب أسعار تجارة الرقيق من مكان لآخر ومن عصر لآخر فإن القرن الثالث الهجري قد شهد ارتفاعاً في أسعار =
- 242 (1/247)
صفحة 248
في الصرافة وحركة النقود والعملات وارتباط التجار اليهود في نفس الوقت بشبكة تجارية عالمية تمتد من الهند وفارس إلى المغرب والأندلس والراين في قلب أوروبا. وأصبحت إفريقية نقطة هامة في تلك المنظومة التجارية، وحققت مراكزها ازدهاراً تجارياً كبيراً، وسعى سكانها وراء التجارة والمكاسب المادية وتغيرت أنماط حياة القبائل البربرية بها، وأصبح سكان المدن الإفريقية على درجة كبيرة من الثراء، وظهرت مظاهر للترف واللهو الأمر الذى أدى إلى ظهور تيار من علماء المدن الإفريقية يذكر الناس بعواقب الانشغال بالدنيا ولهوها وحصادها والبعد عن الحياة الاساسية في المفهوم الإسلامي.
•
إن تجربة التجارة العربية عبر المعابر الصحراوية التي أضافها العرب بعد الفتح للخبرة البربرية في إفريقية أدى إلى نشاط الجاليات الأخرى التي ساهمت مع العنصرين البربري والعربي وبداية وضع مناطق إفريقية جنوب الصحراء في مستوى الحضارة العالمية لأول مرة وفتحت بلدانهم ومناطقهم لتيارات الحضارة الإسلامية. وأصبحت عمليات التبادل التجاري بين بلاد السودان والعالم الخارجي تتم بصورة متوازنة حسب الميزان التجاري والحضاري، فحققت إفريقية أرباحها من وراء سلعها وكسبت جوانب حضارية جديدة انعكست عليها بظهور دول ومراكز حضارية راقية في العصور الوسطى ومازالت تلك التجربة الإفريقية موضع اعجاب من قبل الباحثين المنصفين من الأوروبيين ومن أهل القارة الإفريقية أيضاً.
ومهما يكن من أمر فإن العرب والمسلمين كان لهم الفضل الكبير في تهيئة هذا المناخ التجاري الذي ارتبط به العرب منذ العصور التي سبقت الإسلام واستمر في التطور والرزدهار في العصر الإسلامي واستفاد منه الأفارقة
(1)
= الجواري بلغت في بعض الأحيان حوالي ألف دينار، خاصة إذا كانت الجارية من المغنيات أو ذات جمال وأدب، في الوقت الذي كان يباع فيه العبد بأقل من عشرة دنانير.
المقريزي اتعاظ الحنفا، ج 1، ص 100.
(1) كان للعرب خبرتهم القديمة في تنظيم القوافل وحركتها عبر الصحراء الطويلة وخلال المراكز التجارية وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في بعض آياته الكريمة. فقد كان لهاشم بن عبد مناف، جد الرسول، صلى الله عليه وسلم، أكبر خبرة في تنظيم القوافل. واستطاع تجار قريش عقد اتفاقيات مع القبائل والقوى المجاورة لهم والتي تمر خلالها قوافل التجارة وقد عرف ذلك باسم الإيلاف.
- 243 - (1/248)
صفحة 249
الفصل الرابع
امتداد الإسلام إلى جنوب
!
الصحراء الكبرى
244 (1/249)
صفحة 250
(1)
في السودان الشرقي
برغم اتصال مناطق السودان الشرقي المبكر بشبه الجزيرة العربية منذ القدم، إلا أن تحول مناطقها إلى الإسلام استغرق فترات زمنية طويلة، امتدت حتى بداية العصور التاريخية الحديثة، ولا يرجع هذا الأمر إلى إعراض أهلها بقدر ما يرجع إلى تنوع أقاليمها وتباين تضاريسها واختلاف أنحائها وتغير أحوالها بسبب الهجرات المستمرة التي توالت في المرور بأقاليمها.
وتحدد مراحل انتشار الإسلام في السودان الشرقي في أربعة مراحل وهي:
الأولي: مرحلة الإشعاعات الإسلامية المبكرة من مصر بعد الفتح الإسلامي لها الثانية: اختراق الهجرات العربية لمناطق السودان، ودور التجار المسلمون. الثالثة: ظهور الكيانات السياسية في السودان الشرقي وجهودها لنشر الإسلام والثقافة العربية حسب امكانياتها وظروفها.
الرابعة: الغزو المصري زمن المماليك ثم محمد علي.
•
لقد شهد السودان هجرات عربية مستمرة في أراضيه منذ عصور ما قبل الإسلام، ورغم ذلك ظلت عملية اختراق الجيوش الإسلامية لمناطق السودان في عصر صدر الإسلام أمراً شاقاً. فبعد أن تمكن عمرو بن العاصي من فتح مصر ووجه أنظاره صوب غربها حينما أرسل حملة إلى برقة، فإنه بالتالي أراد أن يؤمن حدوده من الجنوب فوجه حملة إلى أرض النوبة (1)، إلا أن تلك الحملة لم تمكن من تحقيق هدفها، وأدرك المسلمون منذ تلك الفترة خطورة تلك المنطقة على حدود مصر من جهة الجنوب. وفي خلافة عثمان بن عفان، عاود
(1) ظهرت مملكتان في أرض النوبة جنوب مصر هما: مملكة الشمال وتتكون من مريس والمقرة وعاصمة تلك المملكة دنقلة. ثم مملكة علوة وتجاورها الحبشة من الجنوب وعاصمتها سويا وكانت تلك الممالك
مرتبطة عقائديا وحضارياً بمصر منذ القدم.
- المقريزي، الخطط، ج 1، ص 190، 191.
- الإدريسي، نزهة المشتاق ص 335.
-931 - (1/250)
صفحة 251
واليه علي مصر عبدالله بن سعد بن أبي السرح غزو بلاد النوبة من جديد مستفيداً من حملته السابقة سنة 20 هـ / 641 م.
وكانت تلك المحاولة الجديدة سنة 31 هـ / 651 م، ووصلت تلك الحملة إلى دنقلة في الوسط (1). ولكنها لم تتمكن من أحراز نصر حاسم على أهل النوبة، وعادت بخسائر منى بها أفرادها حتى أن أهل النوبة سموا رماة الحدق من شدة الدقة في التصويب بالسهام. وإصابة العديد من المسلمين في أعينهم.
انتهى الأمر بين الطرفين الإسلامي والنوبي إلى توقيع معاهدة سميت بمعاهدة البقط (2). وكانت تلك المعاهدة فاتحة خير لبداية تدفق الإشعاعات الإسلامية الإسلامية المبكرة إلى أراضي جديدة وبصورة هادئة منذ أواسط القرن الأول الهجري. ذلك أنها أحتوت على بنود كانت من كل جهة في صالح الإسلام وثقافته. حيث جاء فيها:
-1
-2
أن يحفظ نصارى النوبة من ينزل بلدهم أو يمر بطرقهم من المسلمين المعاهدين حتى يخرج عنهم، وأن يردوا كل من خرج إليهم من عبيد المسلمين إلى أرض الإسلام ولا يستولوا عليه. ولا يتعرضوا لمسلم قصده وجاوره إلى أن ينصرف
عنه.
أن يحفظوا المسجد الذي ابتناه المسلمون بمدينتهم ولا يمنعوا مصلياً وعليهم تكرمته. (وهو المسجد الذي بناه المسلمون من قبل في دنقلة.)
يدفع ملك النوية ملك مقرة الشمالية إلى بيت المال في مصر ثلاثمائة واثنين وستين رأسا من الرقيق من أبناء مملكته كل عام، وإلى والى مصر أربعين رأسا كل عام، وإلى حاكم كورة أسوان عشرين رأساً (3) و وإلي مندوب الوالي ومبعوثة خمسة من الرقيق
(1) عابدين، تاريخ الثقافة العربية في السودان، ص: 31، بيروت، سنة 1967. (2) البقط ليست أسم جنس وإنما هي مشتقة من الكلمة اليونانية Pactum أي معاهدة أو اتفاقية. حيث كانت الثقافة اليونانية منتشرة بين أهل النوبة ومرتبطة بطقوس كنائسها. (3) لأن حاكم النوبة المسلم هو الذي يتولى عمليات التسليم والتبادل للمواد الأخرى.
- 246 - (1/251)
صفحة 252
-4
-0
يتولى امداد النوبة بألف أردب من القمح سنوياً، وثلاثمائة إلى السفراء. ويرسل المسلمون كميات من العدس ومن الأقمشة إلى ملك النوبة.
يتم تنظيم التعاون بين كنيسة النوبة، وبين الكنيسة المصرية الأرثوذكسية في الأسكندرية، وهي الكنيسة الأم التي تشرف على تعيين البطارقة والكهنة في كنائس النوبة. (1) للارتباط اللاهوتي بينهما
وحملت تلك المعاهدة في بنودها العوامل والوسائل الكفيلة بنشر الإسلام وثقافته في مناطق النوبة والسودان الشرقي. ذلك أن منطقة النوبة كانت هي صمام الأمان، ومدخل السودان الشرقي من جهة مصر التي أصبحت مركزا هاماً من مراكز الإسلام وثقافته. لقد فتحت تلك المعاهدة منطقة النوبة ومناطق السودان الشرقي على مصراعيها أمام حركة التجار المسلمين وقوافلهم، في ظل احترام معتقداتهم ومساجدهم. فكثر عدد التجار المسمين المترددين على تلك الجهاد ونشطت حركة التبادل بين الطرفين حتى أصبحت تلك المناطق مسلمة دون أن يشعر حكامها بذلك إلا في النهاية. (2)
(3)
فمن مصر وصوب الجنوب اتجهت القوافل التجارية إلى بلاد السودان الشرقي عبر أسوان وكرسكو إلى صحراء العتمور وإلى أبي حمد. وصارت مناطق النوبة شمالها وجنوبها معبراً لمرور تلك القوافل، حيث يتم الإقامة في بلدانها للإستراحة والتزود وللتبادل، ومن كثرة هؤلاء التجار أسس المسلمون مسجداً في دنقلة، الأمر الذي يدل على أن عدد المسلمين أخذ في التزايد في تلك المرحلة المبكرة). وكانت معاهدة البقط قد ضمنت حرية حركة هؤلاء التجار وانتشارهم في بلاد النوبة وأثبتت لهم بذلك حقوق تواجد وإقامة. وتمكن المسلمون بذلك من الإستفادة من موارد النوبة من الذهب ومن الجلود ومن الموارد الزراعية التي تشتهر بها أراضي النوبة الخصبة في الجنوب. والتي تقع بين النيلين الأبيض والأزرق.
(1) انظر: المقريزي، المصدر السابق، ج 1، ص: 191. ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص: 12
(2)
(3) عوض، الشعوب والسلالات، ص: 314. (4) عوض، المرجع نفسه، ص: 315.
(2)
Trimingham, Islam in the Sudan, P.: 59.
-YEV- (1/252)
صفحة 253
من جهة ثانية احتوت معاهدة البقط على نقطة هامة في العلاقات السياسية والدينية بين الطرفين حيث أشارت إلى اعتراف ملك النوبة بسيطرة المسلمين على كنيسة الإسكندرية وبالتالي أصبح هناك نفوذاً لهم داخل النوبة بسبب تبعية كنيسة النوبة للإسكندرية من حيث حركة التعيينات والترقيات في السلك اللاهوتي بها. وبذلك تحكم المسلمون في إدارة كنائس النوبة بإخضاعهم سلطة كنيسة الإسكندرية (1). كما أخضوا النوبة لهم اقتصاديا بالتحكم بتوريد الحبوب من القمح والعدس لهم سنوياً. مما زاد من نفوذ التجار المسلمين في بلاد النوبة
(2)
(4)
ويبدوا أن الكتاب المسلمين القدامى، لم يدركوا أهمية تلك المعاهدة أو آثار شروط البقط بسبب تأخر ثمارها الطيبة في نشر الإسلام في السودان الشرقي، حيث وصفوها بأنها موادعة النوبة وأنها ليست بجزية ولا خراج. وهى معاهدة صلح ليتمكن كل طرف من حماية حدوده في ظل حركة التغيرات المتلاحقة التي شهدها العالم في القرنين السابع والثامن الميلاديين أبان حركة المد الإسلامي.
مباشرة
(4)
لكن تلك المعاهدة قد جعلت النوبة والسودان الشرقي أراضي إسلامية بصورة غير. فبجانب تحكم المسلمين إداريا وإقتصاديا في بعض جوانب الحياة في النوبة. فإنه مع مرور الزمن والتزام النوبيين بتسليم الأعداد الكبيرة من أبنائهم سنويا إلى والى مصر فإن تلك الأعداد كانت تعود بعد فترة إلى أوطانها مشبعة بالثقافة الإسلامية العربية، وأصبحت تلك الأعداد بمثابة عناصر لنشر الإسلام وحضارته، ذلك لأنها كانت تعمل بعد وصولها وسط محيط إسلامي كبير فعادت مرتبطة بعقيدته وتعمل على نشرها في أوطانها. حتى، أن أهل النوبة فيما بعد كانوا يتسابقون في تسليم أبنائهم ضمن أعداد كل عام ليضمنوا لهم مستويات حضارية متقدمة.
وأصبحت بعض الجماعات العربية التي بدأت في الاستقرار في مصر، في التوجه جنوباً صوب أرض النوبة والسودان الشرقي، بسبب ضغوط سياسية واقتصادية، فيما
(1) حسن محمود، المرجع نفسه، ص: 283.
(2) حسن محمود، المرجع نفسه، 315. (3) ابن خرداذبة. المصدر السابق، ص 12. (4) حسن محمود، المرجع السابق، ص 284.
- 248 (1/253)
صفحة 254
بعد، حيث فقدت بعض تلك القبائل امتيازاتها السياسية والعسكرية فاتجه بعضها للإنتشار في الريف المصري أو إلى بلاد السودان الشرقي. كما أن سكان مصر بدأوا في التحول إلى الإسلام ولغته حتى أن اللغة العربية اقتحمت أسوار الكنائس لتتلى بها
صلواتها وطقوسها وشعائرها.
(1)
وقامت الكنيسة المصرية، دون أن تدرك ذلك، بدور كبير في تقوية الوجود الإسلامي في النوبة، حينما قام رجالها بتلطيف العلاقات بين الطرفين النوبي والإسلامي، أثناء فترات التوتر بين الجانبين، وكثيرا ما كانت تتوسط لإزالة أسباب التوتر وإعادة الأمن والإستقرار بين الجانبين، في الوقت الذي سيطر فيه ولاة مصر على بطريرك الكنيسة المصرية وسيطروا على سياسة الكنيسة الخارجية (2).
ومهما يكن من مزايا شروط معاهدة البقط في انسياب إشعاعات الإسلام مبكرة، إلا أنها أعطت مزايا هامة للتجار المسلمين بأراضي النوبة حيث جعلت مسئولية أمنهم في النوبة على عاتق ملكها وضمنت حفظ أموالهم وسلامة بضاعتهم أثناء مرورهم في أراضي النوبة، كما ضمنت للمسلمين حرية في إقامة شعائرهم الإسلامية داخل أراضي النوبة وكان بناء مسجد دنقلة دليلاً على ذلك منذ البداية
(3)
من هنا فقد بدأت القوافل التجارية الإسلامية، خاصة من مصر، في التحرك بأمان وثقة بين مناطق النوبة، حتى أنها بلغت من الكثرة والتنوع إلى أنها أدت إلى شهرة بلاد النوبة وسلعها في مصر والشام والعراق والمغرب، وأصبحت كميات ذهب مصر وعاجها ورقيقها مرتبطة بخطوط التجارة مع النوبة (4) الأمر الذي يؤكد أهمية النوبة في اقتصاد العالم الإسلامي في مرحلة صدر الإسلام. كما ترددت جماعات من تجار النوبة على أسواق مصر والعالم الإسلامي، وعاد هؤلاء حاملين صور جديدة عن حضارة الإسلام.
كما حملت قوافل التجارة مع النوبة سلعة هامة، كانت بمثابة عامل سريع المفعول
(1) مؤنس، الإسلام الفاتح.، ص 22/ 21. (2) مسعد، المرجع السابق، ص 149. (3) مسعد، المرجع السابق، ص 148. (4) مسعد، المرجع نفسه، ص 151.
- 249 - (1/254)
صفحة 255
لتحول أهل النوبة وبلاد السودان الشرقي إلى الإسلام. وهي سلعة الرقيق. حيث كان خط القوافل عبر النوبة من خطول تجارة الرقيق، وكان يمون بصورة أساسية طلبات وأسواق الرقيق في مصر، في ظل الإزدهار الاقتصادي الذي عم مصر والعالم الإسلامي بصورة كبيرة منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين، وما ترتب على ذلك. من زيادة الطلب على أعداد جديدة من الرقيق. فزادت أعداد هؤلاء الرقيق في بيوتات المسلمين وفي مجالات الحياة الاقتصادية الأخرى.
زادت من أهمية الطلب على الرقيق السوداني إلى مصر عبر النوبة، التطورات السياسية التي حدثت في مصر في العصر العباسي، حيث أصبح ولاة بني العباسي لا يركنون غالباً إلى القبائل العربية بسبب طموحاتها السياسية، وإتجهت الإدارات المصرية إلى جلب أعداد كبيرة من هؤلاء الرقيق للاعتماد عليهم كقوة عسكرية (1)، خاصة زمن الطولونيين وزمن الإخشيد، بعد أن ثبت لدى هؤلاء صعوبة الأعتماد على القبائل العربية لدورها في عمليات التمرد والفتن. وزاد إقبال أهل النوبة على تزويد قوافل التجارة بتلك الأعداد من أجل الاستفادة بمزايا الإزدهار الاقتصادي الإسلامي في. مصر
(2)
وتطور هذا الأمر لتزايد الطلب على رقيق النوبة زمن الفاطميين في مصر، حيث زادت أعداد النوبيين والسودان العاملين في الجيوش الفاطمية في القرن الخامس الهجري. بجانب القبائل البربرية التي شكلت دعامة جيوشهم منذ البداية، وكان لجند النوبة والسودان دور كبير في حفظ الأمن والاستقرار في مصر ومناطق النفوذ الفاطمي، وبرز منهم قيادات هامة في مصر وإدارتها
وأصبحت القاهرة وأحيائها
4
تعج بأعداد كبيرة من أهالي النوبة ومناطق السودان
الشرقي، وكانت تلك الأعداد تتزايد أمام انحسار وجود القبائل العربية على الساحة السياسية في مصر وتحرك القبائل العربية خارج القاهرة ومدن مصر الكبرى والبحث عن مناطق أخرى للعيش، حتي انتهى الأمر باسقاط العرب من العطاء، وظلت الدول التي حکمت مصر تكثر من هؤلاء الرقيق والجند لإقصاء العرب عن مجريات الأمور في القاهرة
(1) حسن محمود، المرجع السابق، ص 287.
(2) حسن محمود، المرجع السابق.
- YO.
- (1/255)
صفحة 256
وفي الاتجاه المضاد حدثت هجرات عربية معاكسة لطرق حمل الرقيق النوبي من السودان، حيث ظلت بعض القبائل العربية في التحرك جنوباً للبحث عن أوطان جديدة. ووصلت إلى منطقة وادى حلفا، على الحدود الشمالية للنوبة، وكان هذا الإقليم يعتبر
(1)
جزء من مملكة دنقلة النوبية، وبمرور الزمن انسلخ هذا الجزء عن جسم النوبة وأصبحت القبائل العربية تهمين على أموره وامتد نفوذ القبائل العربية لتشمل منطقة إمارة مريس (2). وأصبحت الكلمة العليا في شمال النوبة للقبائل العربية التي أخذت تتجول في شمال السودان وصحراء العتمور
(3)
جاء خطر آخر من جهة الشرق لممالك النوبة، حيث أخذت قبائل البجة التي تسيطر على مواطن واسعة تمتد من أرتيريا في الجنوب وحتى جنوب مصر على طول السواحل الغربية للبحر الأحمر، أخذت تلك القبائل في التحول إلى الإسلام واللغة العربية بحكم علاقاتها التاريخية القديمة مع سواحل شبه الجزيرة العربية. وبدأت التأثيرات العربية تبدو بينهم منذ القرن الثاني الهجري / التاسع الميلادي. وظهر ذلك من اسم عظيمهم كنون ابن عبدالعزيز، الذي فاوض والي مصر العباسي عبدالله بن الجهم زمن الخليفة العباسي المأمون (4). ولكن ظلت المصادر تشير إليهم بحذر بسبب مناونتهم للسلطة المركزية في منذ البداية، كعادة قبائل البدو الذين يرفضون في الغالب الخضوع للسلطات
مصر
المركزية الأجنبية عنهم.
وكانت معاهدة البجة مع والى مصر العباسي تشبه في شروطها ومرماها معاهدة البقط بين النوبة وبين والى مصر للخليفة عثمان بن عفان. حيث نصت تلك المعاهدة على شروط مشابهة لمعاهدة البقط السابقة منها:
1 - إلزام زعماء البجة على حماية المساجد الإسلامية التي بنيت في مناطقهم. وعدم التعرض للمسلمين في بلدانهم. وكان عددهم في تلك الفترة كبيراً.
•
(1) عوض، الشعوب والسلالات، ص 315
(2) كلمة قبطية معناها الجنوب.
(3) صحراء في شرق مملكة دنقلة تجاه البحر الأحمر.
(4) المقريزي، الخطط، ج 1، ص 313
- 251 - (1/256)
صفحة 257
-2
يسهل عظيم البجة دخول عمال أمير المؤمنين إلى بلاده لجمع الصدقات لمن أسلم من قومه وبقية المسلمين. ويبدو أن عددهم كان كبيرا بدليل حرص الطرف الإسلامي على تفصيل هذا البند لما له من أهمية في زيادة موارد بيت المال عند المسلمين.
- يضمن عظيم النوبة أمن وحرية العابرين ة، أراضيهم من المسلمين، أو المقيميين في مناطقة. (1) منهم وخاصة جماعات التجار.
(2)
وقد قام بترجمة المعاهدة إلى لغة البجة رجلان من سكان الحجاز هما: زكريا ابن صالح المخرومي من سكان جدة، وعبدالله اسماعيل القرسي. الأمر الذي يشير إلى العلاقات القديمة بين الطرفين منذ عصور ما قبل الإسلام وإلى تواجد تأثيرات ثقافية بين الطرفين. وقد أدت تلك المعاهدة إلى تحول جماعي إلى الرسلام بين جماعات البجة رغم ارتباطهم بعاداتهم ونظمهم القديمة بعد ذلك لفترات طويلة (3). كما أن البجة باعتبادهم الحد الشرقي للنوبة أصبحوا عاملاً لتسهيل انهيار ممالك النوبة المسيحية والتحول بين مناطق السودان الشرقي إلى الإسلام، حيث أن البجة كانوا دائمي الحركة والتجول في مجالهم باستمرار حسب طبيعتهم.
ويبدو أن الأمر الذي دفع العباسيين إلى الإهتمام بمنطقة البجة والنوبة، هو وجود قبائل عربية ذات نفوذ في تلك الجهات بالإضافة إلى أن تلك المناطق أصبحت ملجاً لهروب الكثير من المناوئين للعباسيين بما فيهم أفراد. من البيت الأموى منهم. آل الغمر بن يزيد بن عبدالملك بن مروان الذي هرب إلى جبال الفونج وأسسوا أسرة حكمت المنطقة فيما (4) كما هرب إلى تلك المناطق عبدالله بن مروان بن محمد آخر رجال بني أمية (5). أثار مخاوف عباسية من نجاح في المستقبل للنفوذ الأموي في أرض البجة والسودان
بعد
مما
(1) المقريزي، المصدر نفسه.
(2) يتحدث البجة لغة حامية تسمى التبداوي " أو " بداويت" وتحتوى على مفردات عديدة من العربية. (3) عوض، المرجع السابق، ص 316.
(4) عبدالرحمن زكي، المسلمون في العالم، ص 9، القاهرة، سنة 1958 م.
(5) عابدين، المرجع السابق ص: 23.
- 252 – (1/257)
صفحة 258
الشرقي خاصة وأن تلك الجهات تملك أمكانيات و موارد اقتصادية هامة للعالم الإسلامي.
دفعت تلك الشكوك الإدارة العباسية في مصر إلى دفع جيش قوي بقيادة الوالي عبدالله بن الجهم ضد قبائل البجة ولتأمين تلك الجهات وضمان تبعيتها للعباسين. كما أصبحت العلاقات المصرية النوبية في تلك المرحلة العباسية في غاية التوتر بسبب: الشكوك والمخاوف العباسية، ولكنها كانت ذات أثر حسن لانتشار الإسلام وزيادة التفاعل بين المسلمين وأهالي تلك المناطق. (1)
تلك
تدهورت العلاقات بين بعض القبائل العربية وولاة العباسيين في مصر،، فاضطرت إلى اللحاق بغيرها إلى أراضي جنوب مصر والنوبة، وتعمقت بعضها في المناطق النوبية حتى تمكنت قبائل عرب ربيعة، فيما بعد، من تأسيس إمارة عربية بزعامة أبي مروان بشر بن إسحق، وامتدت تلك الإمارة إلى الجنوب من إمارة مريس، داخل بلاد النوبة (2). وقد اعترفت بتلك الإمارة الخلافة الفاطمية فيما بعد، حتى أن الفاطميين اعتمدوا عليها في بعض المهام في تلك النواحي لتأمين مصر من الجنوب وضمان طرق القوافل، ومنح الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله أحد زعمائها وهو أبو المكارم هبة الله لقب " كنز الدولة"
(3) نظير القبض على أحد المتمردين عليه. وعرف بنو ربيعة فيما بعد باسم " بنو كنز
وأصبحت منطقة النوبة ومناطق السودان الشرقي أشبه باسفنجة تمتص الهجرات العربية، خاصة الوافدة إليها من مصر، كما أصبحت للقبائل العربية بها تأثير واضح في مجرى الأحداث السياسية والعسكرية في القاهرة، ذلك أن تلك القبائل أصبحت لها أهميتها في ضمام أمن الدول التي تحكم مصر من جهة الجنوب، كما تورطت بعضها في الأحداث السياسية في القاهرة، حيث حاول بنوكنز الإطاحة بالأيوبيين وإعادة الأمير الفاطمي داؤد. بن العاضد كخليفة من جديد، لكن تلك المحاولة فشلت وتمكن صلاح الدين الأيوبي من الأطاحة بها سنة 1176 م. وانتهت بقتل زعيم المحاولة وآلاف من رجال قبيلته من بني كنز بأرض النوبة، مما اضطر تلك القبيلة إلى تلك القبيلة إلى مد أوطانها
(1) نوري، تاريخ الإسلام في إفريقية جنوب الصحراء، ص: 111/ 110.
(2) المقريزي، المصدر السابق، جدا، ص: 198.
(3) المقريزي، المصدر نفسه.
- 253 - (1/258)
صفحة 259
من جديد صوب الجنوب (1) والتوغل في أراضي السودان الشرقي.
عادت العمليات العسكرية من جديد بين المسلمين بين ممالك النوبة المسيحية في العصر الأيوبي، ذلك أن الصراع بين الأيوبيين والصليبيين (2)، بلغ أشده منذ البداية، وأصبحت مصر أهم مركز لمواجهة الخطر الصليبي في المنطقة بعد استيلاء الصلبيين على إمارات الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس، فعبأت مصر والبلاد الإسلامية المجاورة للخطر كل قواها وإمكانياتها واشترك في ذلك المسلمون والنصاري. لكن ملوك النوبة أظهروا روح التشفي من المسلمين فانغمسوا في محاولات للتعاون مع القوى الصليبية وتجلى ذلك في أمرين واضحين هما:
الأول: القيام بسلسلة من الهجمات على جنوب مصر، في وقت انشغالها وتوجيه جيوشها على جبهة الصليبيين في الشمال.
الثاني: التعرض لقوافل التجارة الإسلامية التي نشطت عبر أراضي النوبة والسودان وصحراء العتمور. والتي ترتبط بميناء عيذاب الواقع على البحر وذلك لتفادي أعمال الصلبيين في شمال البحر الأحمر، خاصة زمن حاكم حصن الكرك أرناط، الذي هدد الملاحة في خليج العقبة وشمال
الأحمر
(3)
البحر الأحمر
الأمر الذي دفع الأيوبيين إلى إرسال حملات قوية ضد النوبة، إلا أن تلك الحملات لم تتمكن من ضم مناطق بلاد النوبة إلى دائرة النفوذ الأيوبي، لانشغال الأيوبيين بالحرب المستمرة مع الصليبيين في الشام وعلى الأراضي المصرية.
(1) المقريزي، المصدر السابق، ص 199 وما بعدها (2) بدأت الحملات الصلبية بعد مؤتمر كليرمونت بفرنسا، حيث دعا البابا أوربان الثاني إلى تسيير حملات صلبية من الغرب بحجة حماية المسلمين في الشرق وتخليص بيت المقدس. وقد بدأت تلك الحملات منذ 1095 م واستمرت حوالي قرنين من الزمان لينتهي الوجود الصليبي بالشرق سنة 1293 م على يد المماليك. وقد واجه هذا الخطر الفاطميون ثم الأيوبيون ثم المماليك وكان الصليبيون قد تمكنوا من تكوين أربع إمارات صلبية في الشرق هي الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس.
(3) حسن محمود، المرجع السابق، ص
292
254 (1/259)
صفحة 260
جاء المماليك (1250 - 1517) ليضعوا نقطة تحول في الوجود الإسلامي في النوبة والسودان الشرقي وفي تاريخ وادي النيل الذي تحول بشكل رسمي إلى الإسلام لأول مرة في تاريخه. فقد بدأت الإدارة المملوكية في تحريك أعداد كبيرة من قواتها صوب بلاد، وكانت تلك الحملات تضم آلاف المقاتلين من القبائل العربية، منهم أبناء القبائل العربية في الجنوب والتى كان لها خبرة في أرض النوبة وبلاد البجة والسودان الشرقي منذ بداية العصور الإسلامية.
النوبة
(1)
(3)
ففي سنة 1276 م أرسل الظاهر ببيرس حملة قوية تمكنت من التوغل جنوباً في أراضي النوبة لأول مرة منذ صدر الإسلام، وأجبرت تلك الحملة ملك النوبة على الهرب، وانتهت إلى عقد معاهدة بين الطرفين (2)، حصل فيها المسلمون على مكاسب جديدة بأرض النوبة والسودان، وفتحت مجالات جديدة للقبائل العربية التي حرص المماليك على إبعاد نفوذها من مصر منذ البداية (3). وفى سنة 1288 م تحرك جيش مملوكي قوى زمن السلطان المنصور قلاوون، وانضمت إليه أعداد كبيرة من قبائل أبي بكر وبني عمر وبني شريف وبني شيبان وبني كنز وبني هلال (4) وتوغلت تلك الحملة داخل أراضي جديدة من النوبة والسودان الشرقي. وفي السنة التالية خرجت جموع عربية من صعيد مصر يمحة وجهها صوب بلاد النوبة لتستقر بها. وتتخذها مقراً ومقاما
وانتهى الأمر بسقوط مملكة النوبة أمام المماليك وانساح العرب في أراضي النوبة وأقاليم السودان الشرقي (5). وبدأت صورة جديدة في الظهور على أرض النوبة والسودان تنبع العالم الإسلامي، وهي بداية ظهور ممالك إسلامية على أرض النوبة والسودان وكانت تلك الإمارات والمشيخات والممالك الإسلامية منسجمة مع النسيج السوداني رغم
(1)
(1) نوري، تاريخ الإسلام في إفريقية، ص 111.
(2) المقريزي، المصدر السابق، ج 1، ص 325 وما بعدها.
(3) نوري، المرجع السابق، ص 111.
(4) لاحظ التقسيمات القبلية في السودان تختلف في مسمياتها عن التسميات الواردة في الأنساني
العربية. راجع الفصل الأول.
(5) عابدين، المرجع السابق، ص 31.
(6) يوسف فضل، مقدمة في تاريخ المملك الإسلامية في السودان، ص 213، السودان، سنة 1972.
- YOO- (1/260)
صفحة 261
ارتباطاتها القبلية. ولذلك كانت عاملا كبيرا في تحول سكان السودان الشرقي إلى الإسلام وثقافته بصورة شاملة
ورغم ما يذكر من محاولة توظيف طاقات القبائل العربية المناوئة للأيوبيين وللمماليك في غزو النوبة والتوغل في السودان لتفريغ طاقاتها القتالية بعيدا عن أطماعها في مصر، إلا أن المماليك نجحوا لأول مرة في ضم جزء جديد إلى العالم الإسلامي. ففرضت الجزية على من بقى على دينه من أهالي النوبة. وأنشأ المماليك ديواناً خاصاً لديهم لمراجعة متعلقات النوبة المالية، وأصبح ملك النوبة صاحب النوبة" من رعايا مصر والعالم الإسلامي ويخطب في جميع بلاده بأسم الخليفة المسلم وحاكم مصر. ا عين نائباً لسلطان مصر المملوكى في مدينة دنقلة النوبية (1). وبدأت القبائل العربية في الإستقرار في ربوع البلاد بصورة آمنة دون أن تشعر بخطر يتهددها.
كما
(2)
وصلت القبائل العربية جنوباً على حدود علوة النوبية الجنوبية واقتربت من سويا، عاصمتها، على النيل الأزرق، وهي مدينة مزدهرة تفوح منها الرياحين والبساتين وكانت قد احتلت أهمية كبرى في نظر القبائل العربية لإمكانياتها الزراعية والرعوية، وكذلك لأهميتها في انتاج الذهب والجلود كما بدأت بعض العناصر النوبية الهاربة من العرب والمسلمين في الشمال في التوجه داخل مملكة علوة، واعتصم بعضها في جبال النوبة)
(3)
في الوقت نفسه فتحت مملكة علوة أبوابها منذ فترات سابقة أمام قوافل التجارة العربية لحمل مواردها واستيراد ما يلزمها من الخيول العربية، التي أعتمد على استيرادها من الخارج على التجار العرب، حتى أن تلك الخيول وصلت لأول مرة إلى تلك المناطق، وأصبحت لها مكانة هامة في حياة النوبيين، وذلك منذ القرن الثاني الهجري (4). وأصبح التواجد التجاري العربي يحتل أهمية في مملكة علوة، حتى أن هؤلاء
(1) المقريزي، المصدر السابق، ج 1، ص 326. (2) حسن محمود، المرجع السابق، ص 294.
(3) مازالت جماعات نوبية قديمة تعيش في جبال النوبا، وترتبط، بثقافتها القديمة ونمطها القديم
وديانتها المسيحية المتوارثة.
- الجوهري، يسري، إفريقية الإسلامية، ص
187
1
- 256 -
(4) عوض، المرجع السابق، ص 317 (1/261)
صفحة 262
التجار المسلمين أقاموا لأنفسهم و رباطاً أشبه بمستعمرة إسلامية ينزلون فيه في عذوهم
(1)
ورواحهم ويؤدون فيه فرائض دينهم وسط بيئة غريبة عنهم .. وأصبحوا صورة حسنة للإسلام وحضارته وثقافته في مملكة علوة وأقاليمها.
وتحت ضغط القبائل العربية على حدود مملكة علوة خاصة قبيلة جهينة التي ظهرت على الساحة السياسية، وهي إحدى قبائل قضاعة، حيث تمكنت من بسط سلطانها على مناطق واسعة في جنوب مصر والنوبة وشرق السودان وغربه، وأصبحت أهم رموز العرب والمسلمين في السودان الشرقي على الاطلاق لفترة طويلة، وخاصة العرب القحطانية. في مقابل الجماعات العدنانية التى تكتلت في التحالف الجعلي في السودان.
كان انتشار قبائل جهنية في أقاليم السودان الشرقي يتمحور في محورين هما:
المحور الشرقي: ويضم إقليم البطانة في السودان بين عطبرة والنيل الأزرق ورقليم الجزيرة، بالإضافة إلى أوطانها الممتدة إلى الشرق نحو البحر الأحمر ومع مواطن قبائل البجة. ويبدو أن تلك المجموعات قد وفدت من مصر ومن البحر الأحمر. (2)
(1) الرباط: لغة مصدر رابط يرابط بمعني أقام ولازم المكان. وهو من السبل التي أت إلى انتشار الإسلام في بلاد السودان. وللرباط أهمية عند جماعات الصوفية والفقهاء وعند طلاب العلم والحجاج خاصة في بلاد السودان والصحراء الشاقة، بسبب صعوبة السفر وطول الرحلة في تلك الأماكن. وقد عرفت بلاد المغرب الربط منذ الفتح الإسلامي بسبب تعرض سواحلها لغارات الأسطول البيزنطي. ثم تطورت الربط إلى مراكز للعلماء والفقهاء وللدعوة الإسلامية.
وظهرت أهمية الربط من تاريخ بلاد السودان الغربي في نجاح عبدالله بن ياسين من تأسيس رباط في منطقة التكرور في القرن الخامس الهجري الحادى عشر م تمكن به من نشر الإسلام في تلك الأرجاء وترسيخه في مناطق جديدة، حتى أطلق على دولتهم اسم دولة المرابطين والتي لعبت دوراً هاماً في الدفاع عن الإسلام ونشره.
استمر تأسيس الربط في بلاد السودان لتأمين طلاب العلم ورحلاتهم وكذلك الحجاج المسلمين عبر تلك الطرق الطويلة. كما أصبحت مركزاً للتجار المسلمين أثناء إقامتهم في بيئات بعيدة عن أوطانهم: محمد الهيلة، الزاوية وأثرها في المجتمع، المجلة التونسية للعلوم الإجتماعية، العدد (40)
أنظر
(2) عوض، السلالات، ص 322.
- YOV- (1/262)
صفحة 263
المحور الغربي: وهي مجموعات جهنية التي يمث وجهتها صوب السودان من جهة صحراء مصر الغربية عبر درب الأربعين (1)، وانتشرت في مناطق أم
درمان وكروفان ودارفور.
ومن التوزيع الجغرافي لانتشار قبائل جهنية في السودان، فإننا لا نوافق الأستاذ الدكتور / حسن محمود فيما ذهب إليه من القول بأن هجرات جهنية بدأت من شمال النوبة وتوغلت صوب الجنوب من أجل البحث عن مراعي جديدة لها (2). ذلك أن الجماعات العربية بدأت في التوجه بكثافة نحو أراضي النوبة بعد الانتصارات التي حققتها الجماعات العربية السابقة مثل بني كنز. وقبيل تلك الفترة كانت عربية قد عبرت البحر الأحمر ونزلت على سواحل البحر الحمر الغربية ونزلت مواطن البجة واختطلت بهم منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وكان لهم في تحول المزيد من أهل البجة إلى الإسلام. بدأت تلك القبائل تستغل عمليات انهيار ممالك النوبة للتوجه صوب الغرب للاستقرار في أراضي النيل (3). في نفس الوقت الذي بدأت فيه جهنية تظهر بقوة على مسرح الأحداث في السودان الشرقي من جل إبراز كيان جديد لها وسط حطام ممالك متهالكة. حتى أن ملك علوة أضطر إلى مصاهرة زعماء جهنية لحمايته من غزوات جماعات الزعاوة القادمين من الغرب، بعد أن أحس بقوة وترابط قبائل جهنية
دور
(4)
جاءت مرحلة الانهيار النهائي لمملكة النوبة الجنوبي في سوبا، مع بداية القرن السادس عشر الميلادي، حينما تحالف العرب في مملكة علوة وفي وسط السوان مع جماعات افونج القادمين من الجنوب وتمكنوا من دخول العاصمة سويا (5). بعد أن جلس العرب على عرش مملكة مقرة في القرن الرابع عشر الميلادي من قبل. وبذلك أصبحت بلاد السودان الشرقي تحت النفوذ العرب وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ وادي النيل الجنوبي من الإنصهار بين العرب والسكان الأصليين، رغم استمرار العصبية القبلية التي حملها العرب معهم، وما ترتب عليها من طهور صور من الصراعات حول مواطن الرعي ومناطق
(1) الجوهري، المرجع السابق، ص 198. (2) الإسلام والثقافة العربية في إفريقية، ص
295
(3) الشاطر بصيلي، معالم تاريخ سودان وادي النيل، ص 22 وما بعدها.
(4) عوض، المرجع السابق، ص 318 (5) ابن خلدون، تاريخ، جه، ص 426.
- YOU- (1/263)
صفحة 264
النفوذ. وهي صور من الصور السلبية في الحياة العربية.
ورغم الدور الذي قامت به الدول العربية الإسلامية في السودان، إلا أن الصورة العامة التي طبعت الإسلام وثقافته في السودان الشرقي اتخذت طابعاً سلمياً خالصاً حيث قام العلماء والدعاة وأتباع الطرق الصوفية بدورهم الهام والبارز في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية وسط ظروف صعبة. وكان أول من أشتهر من هؤلاء العلماء رجل اسمه غلام الله بن عائد اليمني (1) الذي قدم من اليمن في أواسط القرن الرابع عشر /م واتجه إلى دنقله وأتخذها مقرأ ومقاماً وبدأ في إنشاء المدارس لتعليم الأولاء مبادئ الإسلام وقراءة القرآن الكريم. كما ظهر في القرن الخامس عشر الشيخ حمد أبو دنانة صهر الشيخ عبدالله الجزولي الشاذلي. كما أتجه بعض الفقهاء إلى دعوة إتباعهم لحمل السلاح في المناطق التي ينتهك فيها حرمة الإسلام خاصة في مناطق جبال النوبا بسبب غارات أهل جبال النوبا على المسلمين مما دفع الفقيه بدوي أبو صفية البدري إلى مجاهدة هؤلاء
المعتدين.
(2)
وفي القرن السادس عشر الميلادي، قدم من مصر الشيخ / محمود العركي زمن دولة الفونج الذي قام بدور كبير في سبيل نشر الإسلام في السودان. كما أسهم الشيخ إبراهيم البولاد بن جابر بن غلام الله بن عائد في نشر الإسلام على مذهبه المالكي، وتولى من بعده أولاده الأربعة إتمام تلك المهمة، وكان لهم دورهم الكبير في تأسيس قواعد التعليم الديني في مختلف أرجاء السوان الشرقي. وكانت أختهم فاطمة لا تقل عنهم تفانياً في هذا الدور، وقد خلفها في دورها الكبير ابنها محمد الذي تفقه على يد أخواله، وتأسست من بعدها أسرة دينية نشطة في نشر الإسلام بكل طاقاتها في السوان الشرقي. وكان هؤلاء العلماء والفقهاء يمنحون امتيازات واسعة من الحكام، ولهم مكانة عالية في نفوس الشعب .. حتى أن سلطان دارفور لم يتمكن من القبض على الفقيه سراج وشي به عند به عند السلطان عبدالرحمن الرشيد
(3)
حينما
(4)
(1) فضل، المرجع السابق، ص 123.
(0)
(2) عبدالمجيد عابدين، المرجع السابق، ص 56 وما بعدها.
(3) النوري، المرجع السابق، ص 112.
(4) نعوم شقير، تاريخ السوان، ج 2، ص 77. (5) حسن محمود، المرجع السابق، ص 340.
- 259 - (1/264)
صفحة 265
واتجه العديد من العلم اء إلى مناطق كردفان ودارفور لنشر الإسلام في المناطق
الغربية للسودان الشرقي، ومن هؤلاء الشيخ / التمر. والغلاني، والشيخ حسين عماري الأزهري، والشريف، وانتشرت على أيديهم المساجد والخلوات. وذكر الرحالة الأوربيون أنهم شاهدوا أعداداً كبيرة من الصبية يترددون دائما على خلوات العلماء ومساجد القرى لأخذ العلم على يد العلماء والفقهاء. (1). كما كانت القبائل ترسل أبنائها إلى تلك الأماكنت للتعلم. واشتهرت مراكز بهذا الأمر مثل دنقلة ودامر والضاشر. وكانت أعظم تلك المراكز في ديار الفونج
(2)
قدمت الطرق الصوفية هى الأخرى جهوداً طيبة في سبيل نشر الإسلام وثقافته في بلاد السودان الشرقي، وتمكنت تلك الطرق من ترسيخ الإسلام في نفوس الشعب وفي عمليات نشر الإسلام في أقاليم جديدة بالسودان، وتمكنت تلك الطرق من مزج الشعب السوداني في قالب إسلامي واحد بغض النظر عن العرف أو القبيلة وقربت الطرق الصوفية بين الأجناس والقبائل، وإندمج الناس في ربطهم زواياهم)
(3)
وكانت مملكة الفونج أكثر من غيرها تشجيعاً لشيوخ الصوفية، ووجد هؤلاء الدعاة في أنحاء لمملكة التربة الخصبة لنشر تعاليم طرقهم تحت رعاية زعماء الفونج الذين شجعوهم وأعانوهم ووفروا لهم الرعاية والتقدير (4). وكان أول القادمين إلى ديار الفونج من رجال التصوف هو الشيخ / تاج الدين البهاري البغدادي الذي وصل إلى السودان في بداية الربع الأخير من القرن السادس عشر، وتمكن من نشر الطريقة القادرية المنسوبة إلى الشيخ/ عبدالقادر الكيلاني (5). وكان قد سبقه لنفس الغرض في السودان الشرقي الشيخ إدريس ود الأرباب (15.7 - 1651).
وقد دخلت السودان أيضا طرق صوفية قادمة من المغرب ومن الحجاز ومن مصر، وكان من أشهرها الطريقة القادرية التي أسسها عبدالقادر الجيلاني في القرن الثاني عشر
Burchardt, Travels In Nubia, P.P. 7 - 72.
(1)
(2) عابدين، المرجع السابق، ص 84. (3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 343. (4) النوري، المرجع السابق، ص 113. (5) عابدين، المرجع السابق، ص 141 وما بعدها.
-17.- (1/265)
صفحة 266
(1)
الميلادي، ودخلت السودان منذ سنة 1540 م. (1). ثم الطريقة الشاذلية المنسوبة إلى أبي الحسن الشاذلي في القرن السادس عشر الميلادي، ثم رسخت في السودان الشرقي على يد الشيخ خوجلي عبدالرحمن المحسى فيما بعد
لدى
وأصبحت الصوفية لها اليد الطولى في المجتمع السوداني في العصر الحديث، ولها سلطتها الاجتماعية والسياسية والإدارية في البلاد. وكانت كلمتهم مطاعة حتى الحكام والمشايخ وإن كانت قد إتجهت بعضها إلى الخرافة والشعوذة في بعض الأحيان، خاصة في المناطق التي لا يتوافر بها مدارس وفقهاء على درجة من العلم لتوضيح جوانب الدين الإسلامي الحقيقية
(2)
ومهما يكن من جهود العلماء والفقهاء ورجال الطرق الصوفية في السودان الشرقي من أجل نشر الإسلام، وما سبق ذلك من دور للتجار العرب والمسلمين، فإن قيام ممالك وإمارات إسلامية على أرض السودان الشرقي كان تتويجاً لتلك الجهود، وثمرة من ثمرات الكفاح الإسلامي السابق منذ فتح مصر.
ويمكننا استعراض أهم تلك الدول والممالك والمشيخات ودورها في ترسيخ الإسلام وثقافته ونشره، كما يلي:
أولا: دولة الفونج الإسلامية:
اتخذت تلك الدولة من سنار عاصمة لها في شرقي السودان، وقد ظهرت على أنقاض مملكة علوة النوبية المسيحية منذ أوائل القرن السادس عشر /م سنة 1505 م. الفضل في ظهورها إلى زعيم الفونج " عمارة دونقس وإلى عبدالله جماع شيخ عرب القواسمة الجهني. (3) وامتدت تلك الدولة من سواكن شرقاً إلى النيل غرباً، ومن جبال
ويرجع
(1) عابدين، المرجع نفسه، ص 144.
(2) فضل، المرجع السابق، ص 131.
(3) مسعد الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، ص 206، القاهرة، سنة 1960 م.
-771 - (1/266)
صفحة 267
(1)
فازوغلي جنوباً إلى الشلال الثالث شمالاً. وعرفت باسم السلطنة السوداء (1) أو السلطنة الزرقاء " لوقوعها على النيل الأزرق. (2).
(2)
وكلمة فونج اصطلاح سياسي وليس قبلي يقصد به السيادة على سنار والمناطق الواسعة التي خضعت لها. ذلك أن الظروف السياسية والفراغ السياسي الذي ساد السودان الشرقي بعد هزائم ملوك النوبة وتغلغل الوجود العربي والإسلامي في المناطق السودانية أدى إلى ضرورة قيام نظام سياسي وإداري جديد يتناسب مع الظروف الجديدة في السودان، كما أدى تدهور العلاقات بين حكام مصر فـ في العصرين المملوكي ومن قبل في العصر الأيوبي مع شيوخ وزعماء القبائل العربية في النوبة والسوداء إلى ضرورة تكتل تلك القبائل في شكل سياسي جديد لتنسيق علاقاتها مع مصر والقوى الخارجية. وبالفعل كان ظهور دولة الفونج شكلاً. من التكتل بين الفونج والقواسمة (3)
وتنحصر النظريات التي دارت حول أصول الفونج في ثلاثة
النظرية الأولي:
هي
:
•
ترى أن الفونج يرجعون إلى أصول عربية من سلالة بني أمية حينما هربت من وجه العباسيين بعد هزيمة مروان الثاني. وترجع تلك النظرية أصولهم إلى آل الغمر بن يزيد بن عبدالملك بن مروان حيث هربت جماعة إلى الحبشة سنة 132 ه. كما ا يرجع البعض من أصحاب تلك النظرية أصولهم إلى سليمان بن عبدالملك بن مروان، حينما دخلت الحبشة أهله من، وسكنت بها ثم توجهت إلى جبال الفونج. كما يذهب البعض الآخر من أصحاب تلك النظرية إلى إرجاع أصول الفونج إلى عبدالله بن مروان آخر بني أمية الذي هرب الى السودان. ومهما يكن من تعدد الأصول العربية لتلك الأسرة التي حكمت مملكة الفونج فإنها تجمع على أن عمارة دنقس يرجع أصله إلى أصول عربية أموية، وأن هذه
جماعة
(1) يرى الكثير من الباحثين أن أصل الفونج من الزنوج، حيث تمكن هؤلاء الزنوج من اجتياح مناطق نفوذ بعض القبائل العربية، لكننا نرى أن أصل الفونج خليط من الوجود العربي من الزعماء المحليين. وإن كان وقع اختلاف في أصل الأسرة الحاكمة للدولة.
أنظر
: عوض، السودان الشمالي، ص 272
(2) نوري، المرجع السابق، ص 184.
(3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 318.
- 262 - (1/267)
صفحة 268
الأصول قدمت من الحبشة إلى السودان واستقرت بها
النظرية الثانية:
ترجع تلك النظرية أصول حكام الفونج إلى أصول البرنو الذي قدموا من الغرب صوب السودان وتمكنوا من التغلب على بعض أجزاء مملكة النوبة وأسسوا دولة قوية في سنار، وتبع ذلك توافد أعداد كبيرة من البرنو إلى تلك المنطقة ونزلوا على النيل الأبيض في قرية يسكنها الشلك ثم توسعوا بعد ذلك على حساب العرب والنوبيين، حيث كانت القبائل العربية حتى تلك الفترة على درجة كبيرة من التفكك، كما كانت مناطق مملكة علوة النوبية على درجة كبيرة من الإنهيار والتفكك. ولم يتمكن الطرفان العربي أو النوبي من وقف زحف وتوسع البرنو
النظرية الثالثة:
(2)
ترجع أصولهم إلى الزنوج من جماعات الشلك بالجنوب على ضفاف النيل الأبيض وأنهم كانوا قد تقدموا صوب سنار وهزموا العرب أمامهم سنة 1504 م. وإن كان هذا
الرأي لم يثبت صح
صحته
(4)
وإن كنا نميل إلى أصول الفونج ترجع إلى أصول عربية بعض النظر عن انتمائها إلى إلى البيت الأموى أو غيره من بيوتات العرب الهامة التي دأبت الأسر الجديدة التي ظهرت في مناطق السوان عامة على الإنتماء إليها من أجل إضفاء نوعاً من الشرعية القبلية على سلطتها. وأن تلك الأصول العربية التي يرجع! إليها الفونج قد أختطلت وذابت في المحيط السوداني الواسع التي عاشت فيه فترة طويلة من قبل.
•
(1) عابدين، تاريخ الثقافات العربية في السودان، ص 050/ 49 - أرنولد، الدعوة إلى الإسلام ص: 100.
(2) عابدين، المرجع السابق، ص 54. - أرنولد، المرجع السابق، ص 100.
(3) فضل، حسن، مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان الشرقي، ص 24، الخرطوم سنة
1972. - عوض، السوان الشمالي، ص 272.
- 263 - (1/268)
صفحة 269
بعد ظهور عمارة دونقس وتحالفه مع الشيخ عبدالله جماع، بدأت مرحلة جديدة في
(1)
تاريخ السودان الشرقي، حيث اتفق الطرفان على الإندماج السياسي والعسكري) وبدأت عملياتهما في القضاء على نصارى سنار، وغيرها من المناطق المناوئة. وبدأ عمارة
في بناء عاصمة لدولة في سنار سنة 910 هـ - 1505 م، واتجه عبدالله جماع إلى مدينة قرى عند جبال الروبات في الشرق وجعلها عاصمة لملكه وللعرب. واستمرت سنار عاصمة للدولة حتى دخلها الجيش المصري سنة 1821 م زمن محمد علي. وحكمها خمس وعشرين سلطاناً أولهم هو عمارة دونقس، الذي أسس مجد دولته وشهرتها ووضع أسسها الإدارية في صورة بعيدة عن المركزية.
خلف عمارة ابنه عبدالقادر الذي شهدت الدولة ازدهارا وتوسعاً في عهده حيث امتدت جنوباً إلى أرض الحبشة، وإلى كردفان في الغرب. وفي عهد السلطان بادي أبو دقن (1645 - 1680 م) شهدت سلطنة الفونج عصرها الذهبي حيث هزم الفونج قبائل الشلك التي تسيطر على النيل الأبيض، وسيطر الفونج على طرق القوافل والطرق العسكرية (2) في المنطقة
(2)
كما دخل الفونج في صراع مع جيرانهم من ملوك مملكة تقلى الإسلامية وفرضوا الجزية عليها كما استمرت علاقاتهم متوترة مع حكام الحبشة، وتمكن خلالها الفونج من إلحاق هزائم متعددة بالأحباش
(3)
وأصبحت دولة الفونج أهم سلطنات الشرق الإفريقى خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وأمتد نفوذها حتى السودان الأوسط إلى بحيرة تشاد، كما أثرت
(1) كان عبدالله جماع هو الذي أسس دولة العبدلاب العربية في السودان، وكانت حدودها تمتد من أريجي في الجنوب حتى! الشلال الثالث في الشمال، أي أنها شمال أرض الفونج. وكان له نفوذ
واسع على القبائل العربية والبجة والبدو. لكن حدث صدام بينه وبين عمارة دونقس انتهى بهزيمة عبدالله جماع في معركة أريجي سنة 1504 م، وتقرر بعض المعركة الاندماج بين الدولتين وأن يكون عبدالله نائباً عن عمارة في حكم منطقة الشمالية. ثم اتفقا على محاربة أعدائهما سوياً.
فضل، تاريخ الممالك الإسلامية في السودان، ص 24 - 37.
(2) فضل، المرجع السابق، ص 68.
(3) فضل، المرجع نفسه ص 70.
- 264 (1/269)
صفحة 270
في أحداث القرن الإفريقي، لكن نفوذهم بدأ ينحسر في القرن الإفريقي بعد وصول الكشوف الجغرافية الأوروبية إليها وبداية دعم النظام الحبشي ضد جيرانه (1)
لكن النزاعات الداخلية داخل أقاليم امبراطورية الفونج الواسعة وانفصال بعضها عن سلطة سنار، ووصول بعض الوزراء من الهمج إلى إدارة الدولة، كما أن العبدلاب كانوا قد انفصلوا عن الفونج منذ فترة ووقعت بين الطرفين معارك كان آخرها معركة كركوج سنة 1611 م والتي أنتهت بهزيمة العبدلان وانفصالهم عن الفونج. وقد شجع هذا الإنفصال عدة قوى للتمرد عن جسم الدولة مثل جماعة الشايقية. وانتهى الأمر بخضوعها لمحمد على (2). حينما أخذت جيوشه تجتاح المنطقة.
ثانيا: مملكة العبدلاب:
(3)
مملكة عربية ظهرت علي يد الشيخ عبدالله جماع، وقامت في شمال مملكة الفونج، على أساس تحالف مع الفونج. واتخذت من قرى عاصمة لها. وكان قيامها يرجع إلى الأصول السياسية التي عمت السودان بعد زوال ممالك النوبة وسيادة النفوذ العربي والإسلامي بها. وبعد انفصالها عن الفونج بدأت في تنظيم أصول مناطقها، لكنها أصيبت بالضعف والتدهور منذ نهاية القرن الثامن عشر / م
ثالثا: مملكة تقلي:
:
(4)
ارتبطت منذ بداية ظهورها بالمناخ الإسلامي الذي ساد منطقة كردفان غرب السودان .. ففي القرن السادس عشر م، وفي منطقة جبال النوبا بكردفان تمكن رجل من زهاد الجعليين استقر به المقام في تلال تقلي من اجتذاب الناس بورعه وتقواه وزهوه، حتى وصل إلى زعامة المنطقة بعد مصاهرته زعيم الإقليم ليصبح ابنه جيلي ملكاً سنة 1570 م. وبدأ في مد نفوذه على المناطق المجاورة شرقاً، وتكونت مملكة طلت واضحة المعالم حتى
القرن التاسع عشر
(0)
(1) نوري، المرجع السابق، ص 189
(2) نعوم شقير، تاريخ السودان، ج 2، ص 73. (3) مدينة على النيل الأبيض.
(4) نعوم شقير، المرجع السابق، ص 15.
(5) حسن محمود، المرجع السابق، ص 308.
1990 - (1/270)
صفحة 271
رابعاً: سلطنة دارفور:
ظهرت كمملكة إسلامية مستقلة في الشمال الغربي للسودان. ويرجع الفضل الكبير في ظهورها إلى الزعيم سليمان سولون، الذي تمكن من تأسيس أركان نظامها وقوتها في المنطقة لتصبح علامة بارزة في تاريخ السودان الشرقي منذ القرن الخامس عشر.
(1)
ويبدو من دراسة جغرافية وتاريخ منطقة كردفان ودارفور أنها كانت تمثل أهمية خاصة في تاريخ منطقة افريقية جنوب الصحراء، وبين مناطق السودان الشرقي والأوسط وواحات الصحراء الإفريقية، حيث كانت ملتقى للطرق الصحراوية القادمة من درب الأربعين في صحراء مصر الغربية ومن جنوب مصر، وكذلك الطرق الصحراوية القادمة من واحات ليبيا من طرابلس وجبل نفوسة. وأصبحت تلك المنطقة لشبكة هامة من الطرق من الشمال والغرب والشرق
ومنذ القرن الثاني عشر الميلادي شهدت منطقة الشمال الغربي للسودان هجرات جديدة من عناصر بربرية قدمت إليها من خطوط الواحات الصحراوية، وكانت تلك جماعات الطنجور التي اندفعت إلى منطقة دارفور على إثر غارات قبائل بني هلال وبنى سليم على بلاد المغرب وخالطت تلك الجماعات جماعات بربرية سابقة عليها من الراجو وصاهروهم. لكن جماعات الطنجور أصبح لهم السيادة في المنطقة حيث أصبح أحمد زعيماً للمنطقة. وقد نتج عن هذا الإختلاط عنصر جديد في تاريخ السودان
(2) 0
المعقور هو عنصر شعب الفور.
وصلت منطقة دارفور أيضا دماء عربية جديدة قادمة عبر أراضي وسهول السودان
من جهة الشرق، واستقرت إلى جوار شعب الفور، وحدث اختلاط واندماج بين العنصرين العربي والفوري. وترتب على هذا الإندماج وصول العرب إلى زعامة المنطقة حينما أصبح سليمان سولون (1440 - 1476 م) هو حاكم المنطقة والمؤسس الحقيقي لسلطنة دارفور. وبدأ يعمل على صبغ المنطقة بصبغة عربية، وتمكن من القضاء على تمرد جماعات الفور
(1) شقير، المرجع السابق، ج 2،. 1، ص:
(2) شقير، المرجع نفسه.
(3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 325
(4)
-777 - (1/271)
صفحة 272
الذين لجأوا إلى جبال مرة. وبدت الصبغة الصبغة الإسلامية تظهر أيضا في المنطقة بفضل أعمال سليمان سولون وخلفائه من بعده .. ومدت سيطرتها إلى منطقة كردفان خاصة زمن السلطان يراب في القرن الثاني عشر
(1)
بلغت سلطنة دارفور أقصى اتساعها ومجدها زمن السلطان عبدالحميد الرشيد الذي حكم في نهاية القرن الثامن عشر الميادي، ونقل عاصمة إلى الناشر، حيث أهمية الاستراتيجية لطرق القوافل التجارية. واتصل بالسلطان العثماني، الذي اعترف بسيادته، ومنحه لقب الرشيد" وامتدت دولة في زمنه من بئر النطرون في الصحراء الكبرى شمالاً حتى بحر الغزال جنوباً.
ومن نهر النيل شرقاً وحتى منطقة وادى غرباً (2) وكان من الممكن توسيع حدود مملكته لولا بداية وصول القوات المصرية. حيث كان يمثل ظهوره بداية تدهور معظم القوى الإقليمية في السودان. (3).
خامساً: ممالك ومشيخات وإمارات أخرى ظهرت حتى الفتح المصري في
السودان الشرقي:
1 - مشيخة خشم البحر: شرق النيل الأزرق.
2 - مشيخة الحمدة.
- مملكة الجعليين: في شندي
- مملكة الشايقية
مملكة الميرافات.
•
(1) حسن محمود، المرجع نفسه. (2) حسن محمود، المرجع السابق، ص 327.
(3) شقير، المرجع السابق، ص 84.
- 267 - (1/272)
صفحة 273
قامت الجماعات العربية والدول والإمارات والمشيخات الإسلامية بدور كبير في سبيل نشر الإسلام والثقافة العربية في بلاد السودان الشرقي وأرجائه، حيث بدأت منذ نهاية العصور الوسطى مرحلة جديدة من الإنصهار بين الجماعات العربية والبربرية وجماعات البرنو وغيرها من جماعات البجة والجماعات السودانية الأصلية. وبدأت الدماء العربية تذوب في تلك الدماء مشكلة دماء إسلامية جديدة) (1). فقد انصهر الكواهلة مع جماعات البجة في الشرق، واندمج الفور مع العرب في الغرب، كما انصهرت الجماعات الجديدة مع جماعات زنجية أخرى. وظهر جبل جديد من المولدين مرتبط بالدين الإسلامي، ومتحدثاً باللغة العربية، وظهرت لأول مرة بدايات الوحدة قومية لأقاليم السودان الشرقي تحت راية الإسلام وثقافته، بعد أن ظل لقرون طويلة ممزقاً بين الجماعات العرقية المتباينة والمتناحرة (2).
وبدأت على أرض السودان الشرقي تظهر علامات الحياة حضارية جديدة مستمرة من روح الإسلام، وذات صبغة مشتركة، بعيدة عن التنوع الجنسي والإقليمي وأقبل أبناء الجماعات السودانية على تحصيل الثقافة الإسلامية، فتأسست عندهم المساجد، التي أصبحت أول مراكز الإشعاع الحضارى الإسلامي، وظهرت الكتاتيب، والزوايا والربط والمدارس، واحتلت تلك المؤسسات الثقافية الإسلامية مكانة بارزة في نفوس أهل السودان. وبدأ أبناءهم يرتحلون لطلب العلم من مراكز إسلامية خارج أوطانهم، فتوجهت منهم أعداد إلى الأزهر، وأصبح لهم في الأزهر مكانة هامة وشهرة في علوم الفقه وغيره من العلوم الإسلامية (2).
وتشكلت قاعدة كبرى من العلماء والفقهاء والمثقفين من أهل السودان، وكان لهؤلاء دور كبير في العمل على نشر الإسلام في بقية أرجاء البلاد وخاصة مناطق الجبال والمناطق المنعزلة. حيث بدأ كل واحد منهم ينتهج نهجاً خاصاً في سبيل نشر الإسلام ففي منطقة الفونج ظهر الفقيه بدوي أبو صفية، الذي ركز جهوده على جبال النوبا فكان يأتي ببعض أهل النوبا يعلمهم القرآن الكريم ومعالم الفقه والتوحيد، ثم يعيدهم الى بلادهم ليتولوا نشر الإسلام بين ذويهم. وهو بذلك يمثل مدرسة للدعوة الإسلامية في غرب
(1) حسن محمود، المرجع نفسه، ص 325. (2) ممتاز العارف، الأحباش بين مأرب وأكسوم، ص 8 وما بعدها. وقيادة حركة
- 268 - (1/273)
صفحة 274
السودان الشرقي. حيث كانت هناك جيوب للوثنية. حيث أفتى العلماء بحرب هؤلاء الوثنيين الذين كانوا يشنون حملات إبادة ضد المسلمين، حتى يؤمنوا بالله.
ويتضح من دراسة أوضاع نشر الإسلام وثقافته في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن الروح الصليبية التي سادت العلاقات بين المسلمين وأوروبا في بداية العصور الحديثة من جراء التوسع والكشوف الجغرافية وما أصاب العالم الإسلامي من خسائر، كانت تلك الأوضاع قد أثرت بالفعل على مجرى الأحداث في السودان حيث تعرضت حدوده الجنوبية والشرقية لضربات من قبل ملوك الحبشة، الذين تحالفوا مع القوى الأوروبية لتوجيه ضربة إلى المسلمين في السودان والبحر الأحمر. لكن ممالك السودان خاصة سلطنة الفونج وزعامات عدول ومصوع على البحر الأخمر تمكنت من رد تلك الضربات والحفاظ على مكتسباتها الإسلامية.
وكانت سلطنة الفونج أهم دول السودان الشرقي في الإسهام لنشر الإسلام الجهاد الإسلامي في أرجاء السودان وحماية حدوده الجنوبية والشرقية من الإحباش، وصهر أجناسه في بونفة الإسلام والعروبة (1). كما أصبحوا يمثلون حركة الجهاد الإسلامي ضد الإمتداد الصليبيي الذي ظهر في الحبشة وتمكنوا من إلحاق هزيمة نكراء بالأحباش سنة 1744 م رغم التدريب والمعدات الأجنبية المتوفرة لقواتهم. وكان لهذا النصر دوى هائل في أنحاء العالم الإسلامي من المغرب ومصر والشام وحتى الهند، ووصلت وفود التهاني للفونج على هذا الإنجاز، وأحتلت دولتهم سمعة دولية كبرى.
(2)
اتصل زعماء الفونج بالتيارات والمؤسسات الثقافية في العالم الإسلامي فكانت لهم صلات بعلماء الأزهر الشريف وعلماء الحجاز وعلماء العراق والشام وفقهاء المغرب، ووجهوا دعوات لكثير منهم لزيارة بلادهم، كما رحبوا بهم في أي وقت وأحاطوهم برعايتهم وحمايتهم في السودان، الأمر الذي جعل للعلم والعلماء مكانة هامة في نفوس أهل السودان. كما أسس زعماء الفونج العديد من المساجد الكبرى في سنار وفي غيرها من المدن والتى أصبحت بمثابة مراكز جديدة للثقافة الإسلامية
(1) العارف، المرجع السابق، ص 102 وما بعدها. (2) شقير، المرجع السابق، ص 81.
-479 - (1/274)
صفحة 275
اهتم زعماء الفونج ايضا ومشايخ المناطق الأخرى بإرسال أبنائهم لتلقى العلم في الأزهر وأرسلوا بعثات من أبنائهم لهذا الغرض، وبلغ من كثرتهم أن أنشئ لهم رواق خاص بالأزهر سمى رواق دارفور كما بدأ علماء من الأزهر في ا التوجه إلى السودان لنشر العلم والدعوة الإسلامية. كما حرص ملوك الفونج على المساهمة في المناسبات الإسلامية الكبرى، فكان لهم مشاركة في موكب محمل، الحرمين، الذي كان يحمل من مصر، حيث كان الفونج يرسلون مساهمتهم من ريش وعاج وخيرات بلادهم، ثم تباع تلك السلع وترسل أثمانها في صرة إلى الحجاز مع موكـ موكب الحج المصرى.
(1)
من جهة ثانية حرص زعماء المسلمين وسلاطين الدول الإسلامية في السودان على تطبيق الشريعة الإسلامية في بلادهم (2). ففى مجال الأحوال الشخصية طبقت تعاليم الإسلام في الزواج وغير ذلك، وفي جوانب أحكام الإسرة كما كانت عمليات جمع الزكاة والعشور تتم بصورة تنسجم مع الشرع الإسلامي. كما أقيمت الحدود الشرعية. رغم أن سلاطين تلك الممالك قد أقروا العديد من صور التراث والبيئة السودانية المحلية والتي لا تتعارض مع الإسلام ومبادئه، وخاصة فيما يتعلق بجفلات التتويج للزعماء وملابس السلاطين وبعض الإحتفالات الوطنية المتوارثة. وإن كان الكثير منها قد بدأ يتلاشى مع مرور الزمن بفضل الدعاة ورجال الطرق الصوفية والعلماء. كما ظهرت تأثيرات من البنية السودانية في تطبيق بعض الحدود مثل مسألة حد السارق وفدية القتل (4).
(3)
وفي خلال العصر العثماني وما شهدته الثقافة الإسلامية من ركود، تأثرت الأوضاع الثقافية في السودان بهذا الأمر، حيث اتجهت مؤسسات الفكرية إلى العزلة، وبرزت مناطق السودان الشرقي كأهم مراكز الصوفية، وصار الكثير من العلماء والمفكرين يعتقدون أن علم الباطن هو أساس علم الظاهر، وفضل الكثير منهم علم الباطن دون غيره وسادت الحياة الثقافية في السودان طرق عدة للجماعات الصوفية لكل آدابها
(1) حسن محمود المرجع السابق، ص 328. (2) شقير، المرجع نفسه، ص 141.
(3) ارتبطت عملية التطبيق مع ظروف البيئة السودانية. ذلك أن القوانين في مسألة حد السرقة في بعض مناطق الغرب في السودان الشرقي أصبحت تقضي بدفع ست بقرات أو ما يعادلها ثمناً وإذا لم يدفع يتم الحبس.
(4) أصبحت فدية القتل مائة بقرة في الغالب. انظر: شقير، المرجع السابق.
، ص 145
- YV. - (1/275)
صفحة 276
ونظمها وأزكارها وأعلامها وكراماتها (1)، واحتل بعض رجالها منزلة التقديس أحياء
وأمواتاً.
وكان للمغاربة دور في تغذية تيار الصوفية في السودان، فقد شهدت أرض السودان رحيل عدد من رجال العلم بالمغرب منذ القرن الحادي عشر الميلادي، مثل الشيخ التلمساني، الذي نزل على الشيخ/ محمد بن عيسى سوار الذهب، واشتغل بالتدريس في علوم القرآن وعلم الكلام، ونزل من بعده إلى أرض السودان بعض متصفة المغاربة مثل سؤساي والليدي. (2). كما ظهرت تأثيرات للصوفية عبر وادي النيل بين مصر والسودان رغم استمرارية رواق سنار ورواق دارفور في تخريج علماء من الأزهر. (3)
ومهما يكن من أمر في مسألة التدهور الفكري الذي واكب سيادة الطرق الصوفية على المناخ الثقافي السوداني وعلى الحياة الثقافية في أقاليمه، حيث عادت من جديد بعض الأساطير والخرافات على سطح الحياة الإجتماعية إلا أن الطرق الصوفية تمكنت من صهر المجتمع السوداني في صبغه إسلامية واحدة من خلال توحيد نظمها وأورادها وفكرها، وتمكنت الصوفية من طمس الوثنية بأساليب سمية هادئة. فقد كشف الصوفي دور الساهر في المجتمع الوثني القديم (4). وكانت أكثر الطرق الصوفية نجاحاً في
العصور الحديثة هي الطريقة القادرية التي دخلت السودان مع القرن السادس عشر /م.
وقد أدى هذا الأمر إلى لون جديد من الزعامات الشعبية في السودان توارث أمامها الزعامات القبلية أو السياسية. فكان لزعماء الطرق الصوفية مكانة هامة في نفوس الناس وكانت لديهم القدرة على فض النزاعات الكبرى بين الأحياء والقبائل بما يحتلونه، مكانة هامة في نفوس الناس، وكان بإمكان تلك الزعامات أن تعيد توحيد السودان الشرقي في ظل التناحر الإقليمي وتنوع الإمارات، خاصة بعد أن تمكنت من توحيده فكرياً ووجدانياً وإجتماعياً، كما كان باستطاعتها أن توفر له الأمن والإستقرار وتحفظ له
من
(1) حسن محمود، المرجع السابق، ص 335 (2) عابدين، تاريخ الثقافة العربية في السودان، ص 82.
شقير، المرجع السابق، ص 176.
(3) حيث ارتبط هؤلاء العلماء والخريجيين بمذاهب معينة كالمالكية والشافعية مثلا
(4) حسن محمود، المرجع السابق، ص 244.
- 271 - (1/276)
صفحة 277
توازنه الإقليمي والقبلي، لكن تلك الزعامات الجديدة نزلت إلى مستوى الصراعات القبلية والطائفية والإقليمية وانحدر معظمهم إلى مستوى ثقافي متدني، حتى أن الناس لم يعد بإمكانهم أن يفرقوا بين الخرافة والإيمان الحقيقي
(1)
وظهرت جوانب أخرى ظلت مستمرة في تغذية المجتمع السوداني الإسلامي بالفكر السليم متمثلة في معاهد العلم من مساجد ومدارس وخلوات وكتاتيب خاصة في الدامر مركز الجعليين وسنار والفاشر وقري، وكان معظمها تحت إشراف حكومي أو زعامة سياسية أو قبلية، كما كان لبعض الفقهاء مساجد صغيرة قرب منازلهم. وكان الفونج أشهر الزعامات السودانية تشجيعاً للحركة الفكرية منذ البداية.
ومع التغيرات الجديدة التي وقعت في العالم الإسلامي بظهور محمد على كقوة جديدة على أرض مصر وما أرتبط به من أحلام في تكوين إمبراطورية في المنطقة على حساب الدولة العثمانية، اتجهت أنظاره إلى جنوب النيل فبدأ يخطط لغزو السودان والاستفادة من إمكانية البشرية والإقتصادية (2) الأمر الذي أنعكس على الأوضاع الثقافية والفكرية
بأت طلائع الجيش المصري في الوصول إلى بلاد النوبة سنة 1820 م وتمكنت من دخولها في ظل قوات عصرية التدريب، ثم إتجهت إلى سنار، عاصمة الفونج، فدخلتها سنة 1821 م، وفازوغلي سنة،1822 م، وكردفان سنة 1821 م، وأخضعت شرق السودان وغربه وأصبح السودان جزء من دولة محمد على منذ سنة 1825 م، وتلاشت الزعامات المحلية أمام قوات محمد على ومشاريعه. وبدأ السودان يرتبط مباشرة بأحداث البحر المتوسط والشرق الإسلامي.
بدأت حركة إصلاحات جديدة في السودان زمن محمد على، من أجل النهوض بالبلاد وخدمة مصالح دولته الكبرى، فأدخل نظم الحضارة الغربية إلى البلاد، وطور نظم التعليم على النسق الغربي، وبدأ في تكوين بعثات من أبناء السودان للالتحاق ببعثاته التي تعود إرسالها إلى أوروبا، وأسس مدارس عصرية مثل مدرسة الزراعة وغيرها.
(1) حسن محمود. المرجع نفسه، ص 347.
(2) شقير، المرجع السابق، ص 90.
- 272 (1/277)
صفحة 278
مصر مثل مدرسة قصر العيني ومدرسة الألسن، حتى أن مدرسة المبتديان كان بها وحدها أكثر من مائة طالب سوداني.
(1)
كان على محمد علي أن يختار مركزا جديدا لإدارته في السودان فأنشأ مدينة الخرطوم (2) وجعلها مركزاً لحكمه في السودان منذ سنة 1830 م، وأقامت بها حامية عسكرية كبيرة، وتلاحقت بها المؤسست الإدارية والثقافية مما أدى إلى زيادة عدد سكانها خلال فترة وجيزة، بل أنها أصبحت قبلة للعلم والثقافة من كافة إرجاء السودان الشرقي.
وقع تطور ثقافي جديد على أرض السودان في عهد خلفاء محمد على حينما قرر عباس الأول إنشاء مدارس في الخرطوم ومدن السودان وجعل رفاعة الطهطاوي مشرفاً عليها. وأقبل طلاب دنقلة وسنار وغيرها على الإنضمام للدراسة في تلك المدارس. وكان ذلك أول عهد السودان بالنظم الفكرية والتعليمية الحديثة، وإن كانت ظلت تابعة للإشراف المصري من حيث البرامج وخطط التدريس ونظم الإمتحانات والقياس وتقييم المؤهلات وإستخدمت الحكومة المصرية في السودان العديد من أبناء تلك المدارس والمعاهد للعمل في إداراتها وأجهزتها
كما أصبحت كسلا مركزا للثقافة وقبلة للعلم في ذلك العهد بالنسبة لشرق السودان منذ سنة 1840 م، وأصبحت مركزا لنشر اللغة العربية وعلومها (3). كما رحل بعض العلماء المصريين إلى أرض السودان مع الجيش المصري فقد صحب إسماعيل بن محمد معه نخبة من رجال العلم مثل القاضي محمد الأسيوطي الحنفي، والسيد أحمد البلقي والشيخ السلاوي. وتزايد وفود هؤلاء العلماء المصريين إلى أرض السودان في. ظل إدارة محمد علي وأولاده (4) وأوقفت الأوقاف للمساجد ودور العلم والمدارس ومنح المشتغلون بالثقافة والفكر منح وهبات كبيرة.
(1) حسن محمود المرجع السابق، ص 355.
(2) أصبح سكانها أكثر من 55 ألفاً بعد مرور حوالي نصف قرن على إنشائها بعد أن كانت لا تزيد عن خمسمائة منزل سنة 1839 م أثناء زيارة محمد على للسودان.
(3) شقير المرجع السابق، ج 3، ص 27.
Trimingam, Islam in the Sudan, P.P: 214 - 221.
- 273
(4) (1/278)
صفحة 279
(1)
"
وترتب على هذا العهد انتشار واسع للغة العربية والدماء العربية في كافة أرجاء السودان واستكملت. مجهودات الفونج من قبل وأسقطت الحواجز السياسية والأقليمية تحت قوة الحاميات العسكرية واندمجت المشيخات والإمارات والأحياء العربية في وطن سوداني واحد ومستقر. وعم الأمن والاستقرار وأصبحت القبائل العربية تتحرك في أمن بلا حواجز عرفية وتمضي وراء المرعى في أى إتجاه ونفذ بعضها إلى أقصى الشرق صوب البحر الأحمر أو إلى أقصى الغرب صوب بحيرة تشاد. واختطلت الدماء من جديد بصورة عامة وتهيأ الجو لظهور سودان جديد ذات ملامح جغرافية وثقافية وحضارية محددة وهو السودان الحالي.
(2)
وشجعت الإدارة المصرية بعض الطرق الصوفية التي لاحظت ارتباط أهل السودان بها. فظهرت الطريقة السامانية التي دخلت السودان سنة 1800 م على يد أحمد الطيب تلميذ الشيخ محمد بن عبدالكريم السوداني وإنتشرت بين عرب الكواهلة. كما نشطت أفكار السيد أحمد بن إدريس الفاسي المصلح الديني الذي تأثر بالأفكار الوهابية، وتتلمذ على يديه رجال من السودان مثل محمد المجذوب الصغير، والشيخ ابراهيم الرشيدي. وكان ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. وشجع محمد على الطريقة السعدية وهي فرع من الرفاعية والطريقة الرحمانية وهي فرع من الدرقاوية. الأمر الذي يسر جهود الإدارة المصرية في السودان وأعانها على نشر الفكر والثقافة العربية والإسلامية. وبدأ النفوذ المصري يتجاوز حدود السودان صوب أوغندا ومنطقة البحيرات خاصة زمن الخديوى اسماعيل من أجل إكتشاف منابع النيل ووصل النفوذ المصري بالفعل إلى منطقة البحيرات عبر السودان وعبر زنجبار. وتم معاهدة مع ملك أوغندا سنة 1874 م يعترف فيها بالحدود السودانية المصرية.
(3)
وبسبب استخدام الإدارة المصرية في السودان ومنطقة البحيرات العديد من الرحالة والمستكشفين الأوروبيين، الذين قدموا للعمل مع الحكومة المصرية وعمل معظمهم في الإدارة والجيش والتعليم، ومن هؤلاء: فردريك كايو (1819 - 1822) - 1853)، وكومب (1846). وبيكر. وأدى ذلك إلى ظهور العديد من الدراسات
(1) عابدين. المرجع السابق، ص 98. (2) حسن محمود، المرجع السابق، ص 359
(3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 361. نقلا عن
وبريم
1847)
-
274 (1/279)
صفحة 280
المكتبات
والبحوث الميدانية عن السودان وعاداته وثقافاته وظروفه وإمكانياته في ا الأوروبية لأول مرة بالتفصيل، فأدى ذلك إلى توجيه أنتباه الغرب إلى إمكانيات تلك
المناطق من إفريقية.
ترتب على الظروف الجديد التي حدثت على أرض السودان ظهور ثورة ذات صيغة صوفية شعبية هي الحركة المهدية التي تنتسب إلى محمد أحمد، المولود في جزيرة مزار التابعة لدنقلة سنة 1843 م، أخذت تلك الثورة شكلاً سياسياً جديداً ترمي إلى الدعوة لتخليص شعب السودان من ظلم الإدارة الجديدة (1) ودعت إلى طرد الأجانب، وتمكنت تلك الثورة من توحيد الشعب السوداني، وتطور الأمر إلى إعلان الجهاد لتحرير البلاد من الإحتلال، وتمكنت خلال تلك الظروف الصعبة من الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية للسودان، رغم تحالف حكام مصر مع الإنجليز لمواجهة الثورة المهدية.
لقد كانت المهدية نوعاً من التغييز الجديد يتلاءم مع ظروف السودان وطبيعة تطوره بل أنها استكملت الدور الذي قام به الجيش المصري بحقه، فإذا كان محمد على وأبنائه قد أزالوا الفوارق السياسية والأقليمية للسودان، وقام المهدي بثورته زمن الخديوى توفيق فإنه بدأ يحاول أن يزيل المذاهب المتعددة في السودان ويجمع ا السودان على دين واحد ومذهب واحد وطريقة واحدة، فألغى المذاهب الأربعة، وروض الناس على الزهد في الدنيا ومجاهدة النفس حسب نهج صوفي واع، وأحرق كل كتب الفقه والتفسير، ولم يبق في السودان إلا الكتاب والسنة وكتب التصوف للاستنباط.
وبدأ أن يطبق الحدود الشرعية من قطع يد السارق، ورجم الزاني، ويعاقب على ترك الصلاة، وصلت أحياناً إلى القتل، كما فعل المرابطون في المغرب، وفي نفس الوقت فتح باب الجهاد في سبيل الدين، وحصل على البيعة لقيادة الناس للجهاد وأقام حكومة سلفية صرفة فأنشأ بيت المال وفرض الزكاة والعشور، وقسم رايات الجيش. (2)
(1) حيث أحس السودانيون بوطأة الحكم المصري، الذي أدى إلى تغيير سريع في بنية المجتمع السوداني وعاداته، وخرجت في كثير من قرارتها عن المألوف، كما أنها فرضت الضرائب على الناس نقداً رغم ما تعارف عليه أهل السودان بنظم أخرى غير النقد وكانت الحكومة تقرب في بعض الطوائف على هواها، ولم تلتزم بالعدالة في حكمها. لذلك ردد المهدي في منشوراته بهذه المفاسد. (2) نقوم شقير، ج 3، ص 139
-
275 (1/280)
صفحة 281
(1)
وطارت المهدية إلى الافق العالمي حيث وجدت لها انصارا ومتعاطفين في مصر والحجاز وفي المغرب وفي كافة أرجاء العالم الإسلامي، واعتبرت بحق حركة إسلامية إصلاحية ناجحة تلامت مع ظروف بيئتها في النشأة ثم انطلقت إلى الأفق الإسلامي العالمي الرحب، وقد اهتزلها المسلمون جميعاً، ورأوا فيها رغبة مخلصة لاصلاح أحوال المسلمين في السودان وفي غيره من مناطق العالم، وتوجهت الوفود إلى السودان لمباركتها. بل بدأت تتجه المهدية من السودان إلى تحرير مصر من الإنجليز، وإلى فتح باب الجهاد في الحبشة في الجنوب.
لكن الإنجليز وحكومة مصر تحالفا ضد المهدية وعملا على قهرها رغم انتصارات المهدية في البداية (2)، وأعقب ذلك امتداد النفوذ الإنجليزي المباشر والقوي في السودان وأخذ يمتد إلى أرجاء أخرى من افريقية، وحرمت الساحة الإسلامية من حركة إسلامية
فعاله في السودان.
(3)
ومن دراستنا لعملية الانتشر العربي والإسلامي في السودان الشرقي نلاحظ مايلي: 1 - أن الجيوش الإسلامية دخلت السودان في وقت متأخر، بعد مراحل طويلة من المزج والانصهار بين العرب وسكان السودان الأصليين. فتمت عمليات المزج والانصهار والتغير ورسم أوضاع جديدة، فلما دخلت الجيوش بعد انتصار
-2
سريع وجدت السودان أشبه ما يكون بقطعة من العالم الإسلامي.
مازالت الدراسات التي كتبت عن السودان قديمها وحديثها يغلب عليها طابع الوصف والاستكشاف، الأمر الذي يؤدى إلى طمس دور هذا البلد في مسيرة الحضارة العالمية والإسلامية، ويؤدى إلى ركاكة الوجود العربي. الأصيل والمثمر بأرضه، وهذا ما يهدف إليه أعداء الإسلام.
لا يمكن فصل عمليات نشر الإسلام وثقافته في السودان، وكذلك طبيعة تركيب المجتمع السوداني الحالي عن الطرق الصوفية، التي مازالت تمثل
(1) عابدين، المرجع السابق، ص 128.
(2) شقير، المرجع السابق، ص 131 (3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 372.
- 276 - (1/281)
صفحة 282
انجازا سودانياً حيا لنجاحهم المستمر في صهر مجتمع متلاطم من النواحي العرفية والسياسية والحضارية حتى أن محمد على وخلفائه، رغم ايمانهم بالتطور والعصرية، أدركوا خطورة مقاومة الطرق الصوفية، ولم ينكروا دورها بل وفروا لها الحماية والرعاية (1)،
4 - تمكنت القبائل العربية التي توجهت في البداية إلى أرض النوبة والسودان تحت ضغوط سياسية وعسكرية الانتشار في ربوعه، واستغلال إمكانياته حسب كل منطقة استقرت فيها القبائل، سواء للرعى إو التجارة أو الزراعة أو التعدين، وكان انتشارها فاتحة خير لاستغلال أراضي هذا الإقليم الواسع. ومازالت السودان تتميز عن غيرها من الدول العربية والإسلامية بالانتشار العادل للكثافة السكانية والتي تبلغ %9.9/كم لعدد سكان يبلغ حوالي 25 مليون نسمة علي مساحة هائلة تقدر بحوالي مليونين ونصف من الكيلو مترات المربعة. ومازالت المدن السودانية الرئيسية حتى الوقت الحاضر لا تعاني من ضغوط سكانية.
ه - اذا كان غرض محمد على وأولاده خيرا للاستعانة من الأوروبيين في تطوير السودان إلا أن ذلك كان بداية اهتمامات غربية بالسودان وتوجيه أنظارهم نحو احتلاله واستغلال إمكانياته الزراعية والرعوية والغابية الغنية. (2)، إذ تبلغ مساحة السودان الشرقي حوالي مساحة دول غرب ووسط أوروبا تقريباً ومازالت الإهتمام الأوروبي قائماً نحو السودان رغم تغير الظروف والأحوال.
- لا صحة إطلاقاً لما يتردد حول غلبة الدماء الزنجية على السودان، ممازالت الدماء العربية تمثل %65 من دماء البلاد عامة، والقبائل الحامية والزنجية مجتمعة لا يزيد وضعها عن %25، والجماعات النوبية حوالي 4. ولم تم
(1) مثال ذلك: أم درمان في الغرب عدد سكانها 550 ألف نسمة. وسكان ميناء بورسودان حوالي 250 ألف نسمة. ووادي مدني حوالي 140 ألف، والأبيض حوالي 120 ألف نسمة، وجوبا حوالي
80 ألف نسمة. أما الخرطوم ورغم أنها العاصمة فسكانها حوالي نصف مليون نسمة فقط. - انظر عادل يونس، العالم الإسلامي اليوم، ص 48، 97. طبعة ابن سينا بالقاهرة. (2) انظر أطلس العالم، شارل بدران
277 - (1/282)
صفحة 283
-7
فصل الدماء الحامية عن الدماء الزنجية لتدنت الزنوجية إلى 5?. الأمر الذي يؤكد عروبة السودان قلباً وقالباً.
سيظل السودان، رغم ما يتعرض له حالياً، هو الأمل المعقود للعالم الإسلامي لحل مشكلة الأمن الغذائي العربي والإسلامي. وأنه يمثل حقيقة سلة الغذاء الآمنة والطبيعية للعرب والمسلمين. ويرجع ذلك إلى إمكانياته الهائلة، فمساحة الأراضي الزراعية تبلغ حوالي 250 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، لا يزرع منها حاليا سوى 7 مليون هکتار. ويوجد به 215 مليون هكتار من الغابات الطبيعية، بالإضافة إلى 25 مليون هكتار من المراعي المستديمة. كما أنه لا يعاني من قلة في موارده المائية أو اضطراب في ظروفه المناخية، ولا يحتاج إلا إلى إمكانيات مادية وبشرية لاستغلال. ورغم ذلك فإن ظروف ارتباطه بالمجاعة وعدم الاستقرار ترجع إلى
طاقاته
ظروف عابرة. (1)
- مهما يقال عن التجربة المصرية في السودان منذ محمد على، فإنها ساهمت في استمرارية السيادة العربية وحماية الثقافة الإسلامية، وسيادة الدم العربي. لكنها لم تتفهم ظروف السودان بصورة واقعية وفتحته أمام الأجانب الذين حملوا تقاريرهم إلى دولهم حول ثرواته وأسراره. . مما جعل قلوب الناس هناك تربط بين الدور المصري والإنجليزي.
- كان للسودان منذ القدم أثراً في حماية الدويلات الإسلامية الصغيرة التي قامت على ساحل البحر الأحمر في ارتيريا وزيلع وغيرها، فقد وفرت لها عمقاً عربياً وإسلامياً أمام عمليات الإبادة التي تعرض المسلمون لها في تلك الإرجاء على يد حكام الأحباش خاصة منذ العصور الحديثة. واستمرت عمليات تحول الناس إلى الإسلام في تلك المناطق. (2)
(1) تحتوى صادرات حكومات السودان الحالية نسبة كبيرة للمواد الغذائية. الأمر الذي يخلق شكوكاً حول الظروف الصعبة التي تواجه السودان حاليا.
- انظر أحمد هيبة، الإنتاج الغذائي في الوطن الإسلامي، ص 35 وما بعدها، القاهرة، 1980. (2) العارف، المرجع السابق، ص 84.
278 - (1/283)
صفحة 284
وقبل أن تنتهى من تتبع عمليات انتشار الإسلام في السودان الشرقي، كان علينا أن نشير إلى أوضاع المسلمين على ساحل البحر الأحمر الإفريقي الجنوبي، ومناطق
الحبشة
وهي المناطق التي شهدت هجرات عربية وإسلامية مبكرة. الأمر الذي أدي إلى
(1)
ظهور كيانات إسلامية متعددة على يد التجار والدعاة). وقد وقد النفوذ الإسلامي إلى تلك الأرجاء عبر منفذين هما:
الأول:: من مصر والسودان عبر الشريط الساحلي لبلاد البجة
الثاني: من اليمن والحجاز عبر البحر الأحمر.
(2)
وقد تمكنت الجماعات العربية المهاجرة إلى سواحل أرتيريا والحبشة ومدخل البحر الأحمر الإفريقي الجنوبي من الحفاظ على هويتها، دون أن تستعين بجيوش إسلامية رسمية منذ البداية وأصبحت بلاد عفر والدناقل أرضاً إسلامية، حيث تمكن التجار العرب من إتخاذ عيذاب، كرأس معبر من الحجاز إلى إفريقية واستولوا على زيلع وهرر ليتمكنوا من الوصول إلى أعالى هضبة الحبشة، وبمرور الزمن ظهرت إمارات ومشيخات إسلامية صغيرة، وبدأ الإسلام ينتشر من قبائل حبشية مثل سوامة وماحولها من قبائل البدو، ودخل الإسلام كذلك بلاد كوش مثل فتجر وداورة وهدية ويلي وأصبحت تلك المشيخات حاجزا لامتداد النفوذ الحبشي فيما بعد.
الأمر الذي أدي إلى استمرارية الصراع بين تلك المشيخات، وبين حكام الحبشة حتى العصور الحديثة، وكانت الحرب سجالاً بين الطرفين، حتى تمكن أحد القادة المسلمين وهو الإمام أحمد الجرافي من فتح الحبشة وإزالة ملكها سنة 1527 م. ومنذ القرن السادس عشر أصبحت لقبائل الجالا دورا هاماً أفيا الوجود الإسلامي في أراضي الحبشة. (3)
وخلال القرن التاسع عشر تحولت قبائل الجالا إلى الإسلام على يد التجار المسلمين ودعاتهم واشترك معهم رجال الطرق الصوفية وأصبحت القبائل الساكنة في حوض نهر جبة إسلامية مثل: جما وجيرة وليمو وحيمة وأبا جفار. كما حدث في القرن التاسع عشر أيضا تحول معظم قبائل أرتيريا إلى الإسلام، وكانت من قبل مسيحية، ومن أهمها
(1) غيث، فتحي، الإسلام والحبشة، ص 82.
(2) نوري، المرجع السابق، ص 191. (3) مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 180/ 179.
- 279 – (1/284)
صفحة 285
قبائل ماريا وبيلين وأبو غوص ومانسا وبورك، وقد ذابت تلك القبائل في الإسلام والعروبة. وبدأت تلك المناطق تدخل في صراع شديد مع حكام الحبشة منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين
(1)
وهناك أربع مناطق في تلك النواحي من مدخل البحر الأحمر الإفريقي ينتشر فيها
الإسلام وهي
:
1 - منطقة الساحل الإفريقي للبحر الأحمر، وسكانها من أهل حاقي، مثل زيلع وثقافتها عربية. (2) واستمرت منطقة الجزيرة العربية تمدها بالدماء العربية والثقافة الإسلامية باستمرار وتنتشر الجاليات الإسلامية كقوة أساسية في
بنادرها
2 - منطقة الهضاب العليا الوسطى التي تسيطر عليها إداريا الحبشة المسيحية. ويسكن فيها جماعة الجبرتيه المسلمون وقبائل الجالا وهم مسلمون أيضا.
منطقة
- السهول الشرقية الجنوبية وهضبة هرر. وهناك منازل للبدو من قبائل عفر والصوماليين وتستقر بعض قبائل الجالا في تلك الجهات، وهى إسلامية بالكامل، رغم تعدد اللهجات واللغات الحامية فيها.
- منطقة جنوب غربي الحبشة وهى منطقة الجيبة حيث دخلت الإسلام جماعات من سكان سدامة والميشاجللو. وقد دخل الإسلام إلى تلك الجهات بشكل
(3)
هادئ وبطيء بسبب ظروفها الجغرافية.
وأهم الكيانات التي ظهرت هناك هي كما يلي:
أولا: مملكة الشوا الإسلامية.
وهى مملكة ظهرت في إقليم شوا داخل أراضي الحبشة، وكونت لنفسها كيانا
(1) العارف، المرجع السابق، ص 72 وما بعدها.
(2) مؤنس، المرجع السابق، ص 180. (3) مؤنس، نفسه، ص 181.
- YA. - (1/285)
صفحة 286
(1)
سياسياً مستقلا نسب إلى اسم منطقتها. وكان حكامها من العرب من بني مخزوم، الذي ينتمي إليهم خالد بن الوليد.
(2)
ظهرت تلك الدولة منذ سنة 896 م، في ظل ظروف صعبة حيث أنها تكونت وسط بيئة معادية في الهضبة الحبشية، وقد استمرت حوالي أربعة قرون في جو معزول عن العالم الإسلامي والعالم الخارجي، وقد تمتعت خلال تلك الفترة الطويلة بنوع من الإكتفاء
الذاتي بسبب مواردها الزراعية والرعوية الكبيرة وملاءمة مناخ الهضبة للاستقرار.
انتهت دولة الشوا الإسلامية بسبب عوامل تفكك داخلية من خلال الصراع بين مناطقها، مما أدى إلى وقوعها تحت يد عناصر جديدة ودول فنية مثل دولة أيفات التي كانت قد بدأت في الظهور وأخذت في التوسع الخارجي فاصطدمت بدولة شوا واحتلتها سنة 1289 م بعد عدة معارك بين الجانبين.
ثانيا: مملكة وفات:
(3)
وتسمى أحيانا جبرة، وإليها ينتسب الجبرتي. وقامت على ساحل البحر الأحمر شرق الحبشة. وكانت تضم العديد من القرى الزراعية المتصلة الغنية. وقد امتلكت جيشاً قوياً
ألفاً.
بلغ عدده خمسة عشر | من الفرسان
ألفا، وعشرون
المشاة من
ويتبع
تلك المملكة
مدينة زيلع التجارية الشهيرة. والتى كانت نواة للتوسع العربي والإسلامي في الإقليم منذ البداية. وانتشرت في قرارها المعالم الإسلامية من المساجد وغيرها.
ثالثا: مملكة هدية:
تلي مملكة أوفات من الجنوب، وطولها ثمانية أيام وعرضها تسعة أيام، وملكها من أقوى ملوك المنطقة إذ يملك قوة عسكرية قوامها نحو أربعين ألف فارس، سوى
الرجالة.
(1) العارف، المرجع السابق، ص 100 ما بعدها.
(2) نوري، المرجع السابق، ص 192. (3) غيث، المرجع السابق، ص 85 وما بعدها.
- 281 - (1/286)
صفحة 287
رابعاً: مملكة داوارو:
تلى مملكة أوفات، سابقة الذكر، وبها قوة عسكرية من الفرسان والمشاة.
خامساً: مملكة أرابيني:
هي
مملكة مربعة المساحة، يبلغ طولها أربعة أيام في أربعة كذلك. ولديها قوة
عسكرية (1).
سادساً: مملكة شرحا:
وهى تلى مملكة هدية ولديها قوة عسكرية.
سابعاً: مملكة بالي:
تلى مملكة شرحا وطولها عشرون يوما وعرضها ستة أيام. وهي من أخصب الممالك
السابقة وأطيبها هواء.
ثامناً: مملكة داره: (2)
هي أضعف الممالك السابقة من حيث الرجال والمساحة.
ويبدو أن الممالك كنت تتبع في السيادة إلى سلطان وحاكم الحبشة الذي كانت لديه السلطة في تغيير حكامها عدا مملكة شوا. أما مملكة أوفات فقد كان لها الزعامة عليهم بسبب إمكانياتها الإقتصادي والعسكرية. ويبدو أنها بدأت تتعرض للإزالة في العصور الحديثة على يد ملوك الحبشة بعد ظهور التعاون الصليبي الحبشي في منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر. (3)
وفي القرن العشرين استمرت عمليات التدهور لأحوال المسلمين في الحبشة (4).
(1) النوري، المرجع السابق، ص 193.
(2) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 5، ص 322 وما بعدها.
(3) غيث، المرجع السابق، ص 87
(4) العارف، المرجع السابق، ص 105 ومابعها.
- 282 (1/287)
صفحة 288
حيث استمرت عمليات! والإبادة وارتكاب المذابح كان أشهرها مذبحة هرر سنة 1947 م، حينما حاول شعب هرر المسلم المطالبة بحقوقه ومساواته بالطوائف الأخرى. كما وقعت مذابح أخرى في كمباشا وفي جرسم وفي سلطنة أوسا سنة 1944 م، وفي مقاطعة القرافي، وبين قبائل دايا سنة 1942 م.
تاسعاً: قضية أرتيريا
:
تقع أرتيريا في الجزء الجنوبي الغربي من ساحل البحر الأحمر الإفريقي. وتتصل بحدودها مع السودان والحبشة والصومال. ومساحتها حوالي 45 ألف كم 2. وعدد سكانها حوالي ثلاثة ملايين. يبلغ عدد المسمين بينهم حوالي 70? من السكان والباقي من المسيحيين. ظلت مركزا إسلامياً نشطا طوال تاريخها الوسيط. وفي العصور الحديثة أصبحت تابعة للدولة العثمانية منذ سنة 1557 م. إلى 1864 م.
انتقلت إدارة ساحل أرتيريا إلى حكومة مصر زمن 1864 م. ثم اتجهت إليها الأطماع الأوروبية حيث سيطرت عليها الحبشة سنة 1889 م، وظلت تحت الحكم الإيطالي حتى سنة 1941 م. حيث نقلت إدارتها إلى بريطانيا بعد هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية الثانية، وإمتدت السيادة البريطانية على طول الساحل الغربي للبحر الأحمر من الشمالي إلى الجنوب. (1)
وفي زمن السيادة البريطانية نشطت عمليات المضايقات ضد مسلمي أرتيريا وظهرت أحزاب في الحبشة تنادي بضم أرتيريا إلى الحبشة، وصدر قرار الأمم المتحدة في هذا الشأن بعد عمليات مقاومة من جانب المسلمين، حيث أصدرت الأمم المتحدة قرارها سنة 1950 م بإنشاء حكومة أرتيريا تتمتع باتحاد فيدرالي مع أثيوبيا، وفي سنة 1952 م تقدمت القوات الأثيوبية لتمثل أرتيريا وتحولها مديرية أثيوبية يحكمها ممثل عن الإمبرطور. وكان هذا عملاً قاسياً ضد الوجود الإسلامي، حيث بدأت عمليات النزوح والهجرة للمسلمين بعد أعمال العنف ضدهم، الأمر الذي أدى إلى انخفاض عدد ونسبة المسلمين إلى النصف ليلة الإستقلال سنة 1992 م. وطمست الشخصية الإسلامية في المنطقة وتدهورت أحوال المنطقة، حتى لاحظ ذلك المراقبون الذين زاروها في يوم الإستقلال
(1) مسعود، جمال - جمعه، وفاء، إفريقية التي يراد لها أن تموت جوعاً ص 114 وما بعدها. دار الوفاء، المنصورة، مصر.
- 283 - (1/288)
صفحة 289
(1)
حيث ظلت المناصب الكبري والإمتيازات لغير أهل أرتيريا وحولت الساحل إلى مصالح أثيوبية دون النظر إلى مصالح المنطقة وهويتها الحضارية (1) وحرمت السلطات الأثيوبية تدريس اللغات الرسمية في أرتيريا وهما اللغة العربية واللغة التقرينية، ومنعت استعمالها في المكاتب والإدارات الحكومية، كما أغلقت المدارس العربية ومنعت دخول الكتب والمجلات العربية إليها (2)
وبعد تشكيل جبهة التحرير الأتيرية استمرت عمليات الكفاح المنظم لاستعادة حرية البلاد واستقلالها وتكبدت في سبيل ذلك العديد من التضحيات، حتى أنتهى الأمر بحصول البلاد على الاستقلال سنة 1992 م، وأصبحت عضواً في الأمم المتحدة. ومازال أمام أهلها طريقاً طويلاً من أجل البناء وإعادة هوية المنطقة إليها قبل دخول الأوروبيين والأحباش اليها، وممارساتهم ضد الإسلام وثقافته.
اتجهت أعداد كبيرة من أهالي أرتيريا للعيش خارج حدود بلادهم بعد عمليات الدمج بالقوة مع اثيوبيا سنة 1962 م حينما صدر قرار الغاء الإتحاد الفيدار إلى ودمجها كاملاً كأحدى أقاليم أثيوبيا في فبراير سنة 1962، فهرب العديد من أصرار أرتيريا منهم الشيخ/ عمر قادر، والشيخ ابراهيم وولدياب ماريام. بعد عمليات الإبادة الأثيوبية. وإن كانت أعداد منهم قد بدأت في العودة إلى أرتيريا من الدول الإسلامية المجاورة.
(1) مسعود، المرجع نفسه، ص 118.
(2) العارف، المرجع السابق، ص 304 وما بعدها.
-
284 (1/289)
صفحة 290
(2)
انسياب الإسلام في السودان
- الأوسط -
أولاً - كانم ويرنو:
-
تمتد منطقة السودان الأوسط حول بحيرة تشاد، وإلى الجنوب مباشرة من خط الصحراء بين طرابلس وجبل نفوسة إلى بحيرة تشاد. وعلى امتداد دوائر العرض مع بلاد السودان الشرقي والغربي. أى أنها تمثل منطقة القلب المتوسط بين بلاد السودان الشرقي والغربي من جهة، وبين واحات الصحراء في الشمال وغابات وأدغال افريقية في الجنوب، هذا الموقع المتميز فإنها أصبحت أسرع من غيرها في تلقي المؤثرات الإسلامية
وبسبب
منذ البداية
(1)
تقع منطقة بحيرة تشاد وسط عدة أودية من معظم الجهات تحمل إليها المياه العذبة والتربة المتجددة باستمرار. مما أدى إلى استمرارية مركزها الاقتصادي، ووفدت إليها جماعات عديدة للاستقرار حولها والاستفادة من مميزاتها. كما أصبحت تلك الأودية بمثابة معابر مستمرة للجماعات وقوافل التجارة بين أجزاء بلاد السودان. حتى أ أعتقد البعض أن تلك المنطقة قد شهدت أعرق الحضارات الإفريقية منذ عصور الحجرية وقبل أن يحل عصر الجفاف. وكان من أهم شعوبها شعب صاو أو ساو صاحب الحضارة، المواطن الذي ينتسب إليه شعب كانم الحالي، وشعب التوجو. وهم لا ينسبون أنفسهم إلى العرب أو البربر أو الطوارق أو المصريين، مما يدل على أصالتهم في المنطقة (2).
بدأت طلائع العرب والمسلمين إلى السودان الأوسط منذ منتصف القن الأول الهجري
(3)
، ففي سنة 666/ 546 م وصلت قوات المسلمين بقيادة عقبة بن نافع إلى إقليم كاوار وهو الإقليم الذي يصل بين طرابلس في الشمال وبين كانم في السودان الأوسط في الجنوب
(1) أبو عيانة، الجغرافية الإقليمية، ص 249. الجوهري، إفريقية الإسلامية، ص 344.
(2) مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 141. (3) واحة بها مدن وقرى وأسواق شهيرة. ياقوت الحموي، معجم البلدان، جـ 4، ص 433.
- 285 - (1/290)
صفحة 291
وأصبح هذا الطريق منذ ذلك الوقت يحمل المؤثرات الإسلام ة إلى السودان الأوسط. ومن قبل عقبة، وصل والده نافع بن عبدالقيس الفهري إلى منطقة فزان في
خلافة عثمان بن عفان. الأمر الذي يدل على خبرة عقبة بن نافع في تلك النواحي.
وبسبب خبرة عقبة بن نافع أصبحت أعماله لها دورها الكبير في إرساء الأسس لنشر الإسلام في الواحات الصحراوية والسودان الأوسط. فقد استفاد يزيد بن معاوية من جديد من خبرة عقبة، وعمل على تثبيت الإسلام في مناطق الواحات وإقليم كوار الممتد جنوباً حتى السودان الأوسط. وهي البلاد التي تقصدها قوافل التجار باستمرار الجلب الشب والعبيد والذهب، خاصة تجار جبل نفوسة وطرابلس، في مقابل تصدير القمح من سهول إفريقية ووديانها. (1)
وقد أدى التداخل عمليات التجارة وحركة القوافل المستمرة بين شمال إفريقية وبين بلاد كانم، إلى اضطراب الروايات حول تحديد فترة بعينها لدخول الإسلام إلى تلك البلاد. فيذكر البعض أنه قد حدث في بداية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، في خلافة عمر بن عبدالعزيز (99 - 101 هـ / 717 - 720 م (حينما قدم بعض جنوده إلى السودان الأوسط ونشروا الإسلام هناك. وهناك من يذكر أن الإسلام وصل إلى بحيرة تشاد على يد رجل يدعى أبن يزيد الفزاري قدم. واحة فزان أو من وادي النيل في القرن الأول الهجري، وارتبط اسمه باسرة هناك فيما بعد (2). أي أن الإسلام قد وصل إلى تلك الجهات مبكرا مع. خطواته الأولى في ا الشمال الإفريقي بسبب قوة الارتباط بين الطرفين عبر الصحراء الكبرى. وإن كنا نرجح الرأى القائل بوصول الإسلام إلى تلك النواحي مع خلافة عمر بن عمليات التبادل التجاري النشط عبر واحات الصحراء. (4)
عبدالعزيز.
(3) خلال
من
ولما كانت الطرق البرية الصحراوية التي تربط واحات مصر وواحات شمال إفريقية تتجه إلى وسط السودان، من خلال ارتباط واحات سيوه وفزان ويلما، فإن حركة القبائل
Palmer, the Barma Sahara Sudan, P: 39.
(1) عبدالكريم. المرجع السابق، ص 261.
(2)
(3) طرخان، امبرطورية البرنو، ص 66.
(4) كاني، مظاهر الاتصالات الفكرية والثقافية بين شمال إفريقية ووسط السودان، ص 12، 13، مجلة البحوث التاريخية، العدد الأول، السنة الثالثة اليبيا. سنة 1981.
YAT- (1/291)
صفحة 292
العربية التي كانت تحدث في مصر وفي. افريقية أصبح لها صدى سريع ومؤثر في السودان الأوسط. الأمر الذي أدى إلى اختلاطات عرفية سريعة في منطقة كانم منذ البداية بين العرب وبين البربر وبين الزنوج. فقد اتجهت إلى بحيرة تشاد جماعات عربية بسبب عوامل اقتصادية وسياسية. (1)
وقد ترتب على تلك الموجات المهاجرة منذ البداية في منطقة كانم ظهور شعب جيد له سماته الخاصة، ترجع معظمها إلى العنصر العربي، وتمكن هذا الجيد من هزيمة الجماعات الوثنية خاصة جماعات الزغاوة (2)، وأصبح هذا الجزء من السودان الأوسط يمثل صورة جديدة من صور التأثيرات الإسلامية في المنطقة. وظلت الجماعات الإسلامية في المنطقة تعيش وسط محيط وثنى لفترة طويلة حتى انتهى الأمر بإسلام أول حاكم في بورنو وهو الماي هيوم حلمي (1086 - 1097 م)، الذي أصدر دستوراً عن الإسلام لخلفائه، يتضمن كيفية دخول الإسلام إلى السودان الأوسط
(3)
وكان للفقيه المسلم والداعية محمد بن ماني الدور الكبير في تحول ملوك وزعماء البرنو إلى الإسلام وقد عاش هذا الداعية عمراً مديداً بلغ حوالي مائة وعشرين عاماً. وارتبط بعلاقات، حسنة مع زعماء وملوك البرنو حتى أصبح المعلم الروحي لهم. فكان
(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان، جا، ص 260. (مادة كانم). (2) قبائل الزغاوة من الشعوب التي تجمع بين الصفات الزنجية والحامية، وتكتب أحياناً زواوة أو زوارة، هاجرت من شرق المغرب الأوسط إلى واحات فزان، ثم هاجرت أغلب جماعاتها صوب الجنوب إلى دارفور. وكان ظهورهم شرق بحيرة تشاد حوالي سنة 184 هـ / 800 م.
- عبدالكريم، جودت، المرجع السابق، ص 62.
(3) نص دستور جلي على ما يلي:
-1
- أن أول بلد يدخله الإسلام في السودان هو بلاد البرنو وقد دخلها على يد الفقيه محمد بن ماني الذي عاصر خمس سنوات من حكم الماي بولووست سنوات من حكم آركى وأربع سنوات من حكم الملك كاداي هوامي وأربع عشرة سنة من حكم هيوم جلي.
- أن الملك هيوم جلي قد قام بنشر الإسلام مع الفقيه محمد بن ماني لدى عدد من القبائل والأسر التي أ أسلمت،، وبعد إسلامها أوصى الملك هيوم جلي بحرمة أموالها ودمائها ودعا على من يتعدى
على حرمتها بنار جهنم. وأنهى دستوره بالسلام. كما بداه بالبسملة والحمد الله. - طرخان، المرجع السابق.، ص 68.
- YAV- (1/292)
صفحة 293
يعلمهم مبادئ وأسس الإسلام والقرآن الكريم ويدرسهم بعض سوره. فقد أقرأ الملك بولو الجزء بين الأخيرين من القرآن الكريم. أما الملك أوكى فقد قرأ بعد سورة يس إلى نهاية سورة الناس. في حين قرأ الملك هيوم القرآن الكريم كله. كما درس السيرة النبوية الشريفة على يد هذا الفقيه
وانعكست عملية إسلام حكام برنو على سياستهم الداخلية والخارجية فقد قاموا المساجد
بنشر الإسلام ومبادئه وشجعوا القبائل على دخوله، كما أسسوا العديد من ال والتزموا بالكف عن شن الحروب على القبائل المسلمة، وحرموا أموال الأسر المسلمة لذلك. أصبحت مناطق السودان الأوسط هدفاً لهجرات العديد من القبائل العربية والبربرية المسلمة منذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادين عبر دروب الصحراء المصرية وواحات الصحراء الليبية حتى غلبت معظمها على جماعات الزغاوة أيضا في مناطق شرق بحيرة تشاد جهة منطقة دارفور، وظلت قبائل الزغاوة بين مد وجزر للتحول إلى الإسلام حتى انتهى الأمر بإسلامها كما كان للتجار العرب دور كبير في نشر الأسلام في تلك الجهات، خاصة تجار طرابلس عبر واحات ليبيا وإقليم كوار
هناك
(3)
(1)
(2)
أى أن عملية التواجد الإسلامي في السودان الأوسط كانت قائمة منذ القرن الأول الهجرى نهاية السابع الميلادي، بدليل ازدهار عمليات التبادل التجاري بين الطرفين منذ البداية وترد العديد من تجار العرب والبربر المسلمين على بلاد كانم واستقرار البعض منهم، ولكن كانت عملية إسلام الملك هيو جلي هي التي لفتت أنظار الناس جميعاً إلى الإسلام وبدأ التحدث عن الدين الإسلامي بصورة واضحة (4). فبدأت تغيرات تحدث في أسماء ملوك كانم وبرنو تحمل في بداياتها أسماء إسلامية، وعمد آخرون منهم إلى تبديل أسمائهم الوثنية إلى أسماء وألقاب عربية وإسلامية. (0)
ومنذ القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي بدأ حكام برنو يتلقبون بألقاب
(1) مقلد، حركة المد الإسلامي في غربي افريقية، ص 125، جامعة القاهرة.
(2) القلقشندي، صبح الأعسنى، جده، ص 281.
(3)
(4) طرخان، المرجع السابق، ص 69
(5) نوري، المرجع السابق، ص 105.
Palmer, the Bamu,, P: 16.
-YAA- (1/293)
صفحة 294
إسلامية مثل " أمير المؤمنين (1) كما أضيفت أعمال إلى هؤلاء الحكام قبل ذكر إسمائهم مثل: أنه أول من حطم المعبد الوثني الضخم الذي كان في كانم حيث لم يجرؤ أحد من الملوك قبله على تحطيمه. وكان أول من تلقب بلقب أمير المؤمنين الماي دوغة.
وفي عهد الملك كاداى عبدالقديم (1259) - (1278 م نشطت الدعوة الإسلامية كما نشطت في عهد خلفه عثمان بن زينب (1279) - 1300 م) الذي لقب عند العرب باسم الهادي العثماني، والذي ينسب إلى عثمان بن عفان، وقد تسمى بـ المسلمين (2) وجعل ترتيبه في الخلافة بعد الخليفة عمر بن عبدالعزيز الأموي.
(3)
خليفة
ومع بداية القرن السادس الهجري قام حكام برنو بأداء فريضة الحج، وبدأ منذ ذلك الوقت يتردد اسم حكامهم من بين حكام الدول الإسلامية في العواصم الكبرى للعالم الإسلامي، وبدأت برنو ترتبط بعلاقات فكرية وحضارية مع العالم الإسلامي في مصر والحجاز وشمال إفريقية، كما ارتبطوا بعلاقات سياسية مع حكومات تلك المناطق لأهمية تلك الدول على دروب الحج من السودان الأوسط إلى الحجاز (4). وأول ملك من البرنو قام بهذا الأمر هو الملك دونامة الذي خلف الملك هيوم جلي في الحكم. ويذكر أن هذا الملك قد قام الملك بأداء تلك الفريضة أكثر من مرة. ويرجع إليه الفضل في أنه بنى أول مسجد كبير في بورنو في مدينة بالاك في شرق كانم
(0)
ونتيجة لذلك فقد ازدهرت الطرق التجارية البرية عبر صحراء مصر الغربية وجنوبها إلى بلاد برنو، وأصبحت القوافل من الجانبين تسلكها ذهاباً وإياباً. خاصة وأن حكام برنو بدأوا يرتبطون بتجارات مصر مباشرة، وبدأوا في التنسيق مع حكام مصر للقضاء
(1)
على جماعات البدو وقطاع الطرق الذين يتهددون قوافل التجارة. وازدهرت في تلك
(1) طرخان، المرجع نفسه، ص 70.
(2) طرخان، المرجع نفسه، ص 71.
(3) كاني، المرجع السابق، ص 13. - طرخان، المرجع السابق، ص 76.
(4)
(5) كاني، المرجع السابق، ص 14. (6) القلقشندي، المصدر السابق، ص 115.
Palmer, O.P. Cit, P: 62.
289 - (1/294)
صفحة 295
الفترة مراكز تجارية مثل مدينة قوص في جنوب مصر، التي أصبحت مركز للقوافل المتجهة أو القادمة من السودان الأوسط عبر درب الأربعين ثم الاتجاه مع نهر النيل وأصبح يوجد في تلك المدينة نقابات تمثل تجار كل سلعة أو جهة ولهم تنظيماتهم المعترف بها في العصر الأيوبي والعصر المملوكي. وقد نمت تلك المدينة بفضل تجارتها مع السودان الأوسط نمواً ملحوظ وازدادت المدينة مساحة وكثافة لتصبح مخزناً لسلع السودان الأوسط وإمارات الهوسا المتجهة إلى مصر.
وانتشرت اللغة العربية في المعاملات التجارية بين تجار وأهالي برنو وكانم، كمظهر من مظاهر انتشار الإسلام، وأمتزجت التقاليد الإسلامية مع تقاليد وعادات البرنو حتى سهل انتقال تلك المناطق إلى مرحلة الحضارة الإسلامية وأنصهرت لغات القبائل في اللغة العربية باعتبارها لغة الدين الإسلامي والقرآن الكريم، بجوار بعض
(1)
لغة واحدة هي اللهجات المحلية، وأصبحت اللغة العربية هي لغة التعامل والثقافة
(2)
كما بدأت اهتمامات رسمية بالثقافة العربية من قبل ملوك كانم وبرنو، فقد حرص هؤلاء الملوك على تنشأة أبنائهم تنشأة إسلامية سليمة، فقد استدعى الملوك إلى بلا فهم علماء لهذا الغرض منهم العلامة ديلن بن بكرو الذي أشرف على تربية ابن السلطان سلما في بداية القرن السابع الهجري (3). وقام بتدريس مبادئ الإسلام ثم العلوم الإسلامية وقرأ عليه العديد من الكتب والمصادر في هذه العلوم. حتى أصبحت قصور حكام كانم منارة للعلوم الإسلامية، الأمر الذي يجعل البعض يعتقد بأن لفظ كانم يرجع إلى كانوري أي حملة النور وانتشرت اللغة العربية في البلاد وطبعت البلاد بالطابع الإسلامي منذ القرن الثالث عشر الميلادي، كما يلاحظ ذلك على شواهد القبور التي ترجع إلى تلك
الفترة
(2)
وبدأت أفواج من شباب كانم وبرنو تتوجه إلى مراكز الثقافة الإسلامية في القيروان والقاهرة وطرابلس للدراسة للتتلمذ على يد العلماء والفقهاء، وكانت أكثر تلك البعثات
(1) مقلد، المرجع السابق، ص 129
(2) حسن محمود، الإسلام والثقافة العربية، ص 239.
(3) مقلد، المرجع السابق، ص 129.
(4) مقلد، المرجع نفسه، ص 131.
- Y 9.- (1/295)
صفحة 296
تتجه صوب القيروان الأمر الذي أدي إلى ارتباط أهل كانم وبرنو بالمذهب المالكي، كما اتجه البعض للدراسة في الأزهر (1). كما اتصل علماء كانم وبرنو بالحركة الإسلامية العامة التي سادت بلاد السودان من الغرب إلى الشرق منذ القرن الخامس عشر، فاتصلوا بعلماء تنبكتو وجني ومالي وسنار وكردفان. وساهموا في عمليات نشر الإسلام وثقافته، في ظل حماية ورعاية حكامهم.
وأصبحت مدينة يحيمي عاصمة البلاد من أهم مراكز الحضارة الإسلامية في السودان الأوسط، وانتشرت المساجد العديدة ومراكز العلم من كتاتيب. وانزوت بذلك العادات والتقاليد الوثبية وتغيرت صورة المجتمعات في بلاد البرنو وكانم.
(3)
(2)
وإذا حاولنا تتبع أحوال امبرطورية البرنو وكانم في ظل الإسلام، فإننا نلاحظ أن الإسلام قد أضاف للنظام السياسي في المنطقة قوة ونفوذا وأصالة في التنظيمات الإدارية بفضل علاقات حكام المنطقة مع النظم الإسلامية والانظمة المجاورة في العالم الإسلامي. كما أضاف الإسلام تماسكا في بنيان المنطقة بعد عصور التفكك العرقي والقبلي، فأصبحت البرنو بفضل الإسلام من أقوى دول السودان. كما ازدهرت تلك الدولة ثقافياً واقتصادياً من خلال علاقاتها الوثيقة بالعالم الإسلامي. وأصبح سلطان البرنو من أحد سلاطين الدنيا الأربع. ووضعه مؤرخو السودان إلى جانب خليفة بغداد وسلطان مصر وسلطان امبرطورية مالي المجاورة. ونتيجة لذلك فقد ظهرت على خرائط الجغرافيين قبل غيرها، عند الأوروبيين. السودان، عند الأوروبيين ممالك السودان من حيث ظهرت منذ القرن الرابع عشر الميلادي (4) وعرفت دولتهم باسم دولة أورجانا، نسبة
إلى أركانا أي رئيس قبيلة
4
(1) يبدو أن طلاب كانم وبرنو لم يكن مخصص لهم رواق باسمهم بل كانوا يدرسون في رواق التكرور
بالأزهر، وهو الإسم الذي أ
أطلقه المصريون على كل نواحي بلاد السودان.
(2) مقلد، المرجع نفسه، ص 135.
- مؤنس، الإسلام الفاتح. ص 141.
(3) تقع البرنو في بداية الأمر غرب بحيرة تشاد، وفي فترات الازدهار تتوسع صوب الشرق حتى وصلت أحيانا إلى بلاد النوبة. ويرجع شعبها إلى عناصر الزنوج والصو ثم العرب والبربر.
- دائرة المعارف الإسلامية.
(4) طرخان، المرجع السابق، ص 9.
- 291 - (1/296)
صفحة 297
ويتضح من مدلول كلمة برنو (1) أن قبائلها كانت لها شهرة حربية واسعة منذ القدم
، حيث ارتبطت قبائل الكافوري التي عرفت بالبرنو بالشجاعة في لحروب. وقد تمكنت تلك القبائل من السيطرة على طرق القوافل التجارية التي تربط بين غرب السودان وبين شرقه وبين الواحات في الشمال وبين مناطق الغابات الإستوائية. وأضافت الظروف الطبيعية والمناخ عوامل مساعدة لامتداد سيادة تلك القبائل حيث توافرت في مناطقها المياه والأرض الخصبة المنبسطة، مما ساعد على قيام مراكز تجارية نشطة وقرى زراعية عريقة. وجذبت تلك العوامل قبائل أخرى للهجرة إلى مناطق البرني:
وكانت قبائل الصو من أشهر القبائل التي هاجرت إلى غرب بحيرة تشاد، حينما تركوا مواطنهم في واحة بلما في إقليم كاوار في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي. ووفدت أيضا جماعات من قبائل البربر. ومن هذا الخليط ظهرت قبائل الكاغبو الذين أسسوا امبراطورية البرنو، بالإضافة إلى قبائل الكافوري الذين اختلطوا بالبربر أيضا وينقسم تاريخ دولة البرنو إلى قسمين اثنين هما:
الأول: العصر الكانمي:
ويمتد من بداية ظهور دولة البرنو حتى القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر م.
الثاني
: العصر البرنوي:
ويمتد من أواخر القرن الثامن الهجري الرابع عشر م، وحتى القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر م. وفيه تمكنت برنو من إخضاع كانم لسيطرتها. (2)
ويبدو أن بداية ظهور البرنو كقوة سياسية في غرب بحيرة تشاد حتى إمارات الهوسا غرباً قد بدأ مع القرن الثامن الميلادي، حيث كانت تضم مجموعة من القبائل التي ترجع أصولها إلى الزنوج والتبو والليبيين، استقروا حول بحيرة تشاد بعد حياة التنقل والترحال الطويلة في الصحراء. وقد أمتد نفوذ تلك القبائل تدريجيا. . ومن هذه القبائل
(1) أطلقت كلمة برنو على قبائل الكافوري وهي تحريف لكلمة باران أو بارام التي تغني في لغة
الصحراء الرجال أو المحاربون.
نوري. المرجع السابق، ص 163 (2) نوري، المرجع السابق، ص 166.
—
292 (1/297)
صفحة 298
ظهرت قبائل الزغاوة التى أسست في البداية دولة البرنو الأولى في إقليم كانم في الشرق، والتي شملت نفوذها أراضي الصو
(1)
وفي القرن التاسع الميلادي تمكنت أسرة جديدة قدمت من الشمال تنتسب إلى أصول عربية وخاصة إلى سيف بن ذي يزيد الحمبري من الوصول إلى حكم البرنو والتغلب على
الزغاوة وأتخذ حكامها لقب "ماي" أى الملك. (2) وأنزوى الزغاوة في بعض مناطق جنوب كانم ومناطق أخرى حول بحيرة تشاد. وقد حكم البرنو حوالى أحد. عشر ملكاً. من سيف بن ذي يزن، كما تذكر رواياتهم، وكان آخرهم عبد الجليل بن شو الذي عرف باسم
سالما وقد حكم ح حتى
سنة 1075.
(3)
سلالة
واتخذ هؤلاء المايات من جيمي عاصمة لهم، ثم نقلوا عاصمتهم إلى مدينة سامينا عند الزغاوة ويعتبر دجو بن إبراهيم الملقب باسم الماى دوجو برمي أهم حاكم من تلك السلالة تمكن من توسيع حدود امبرطورية البرنو بعد سلسلة من الانتصارات الحاسمة على جيرانه. ومن بعد حكم تسعة ماياتهم: أرشو بن دجو، كانوري بن أرشو، بيومان بن كانوري، بولو بن بيوما، أركو بن بولو، شو بن أركو، جيل بن شو (سالما) ثم حكم الملك هيو الذي بدأت منذ عهده ارتباط الدولة بالاسلام. والطابع الإسلامي في كافة
مظاهرها.
بلغت قوة البرنو في زمن الملك هيوم في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وذلك لتمكنه من تحقيق انتصارات حاسمة على قبائل البولالا (4) التي غارت على دولته وكانت تلك القبائل وثنية ومدعومة من قوى وثنية مجاورة. وبعد الانتصار البرنوى عليهم في المناطق الجنوبية من البلاد أخبرهم الملك على دفع الجزية، وقد أعطى هذا العمل شهرة وسمعة للملك هيوم ولدولة وقواته العسكرية.
Palmer, the Barnu, P: 288.
(1)
(2) طرخان، امبرطورية البرنو، ص 53.
(3) يبدو أن سيف بن ذي يزن الحميري اليمني قد تزوج من نساء السودان الأوسط بدليل ترد اسمه هناك
، واصرار رواياتهم على الإرتباط. (4) طرخان، المرجع السابق، ص 53 وما بعده.
- 293 – (1/298)
صفحة 299
استمر خليفة وابنه دو منه (1098 - 1151) في الاهتمام بقواته العسكرية وحماية حدود امبراطورية من القبائل الوثنية التي تتحرش به من جهة الجنوب (1)، فأخذ يتتبع تلك القبائل حتى تمكن من ا القضاء عليهم ودخلت بعضها الإسلام وأجبر البقية على دفع الجزية. وقد بلغت القوات البرنوية في هذا العهد حوالى ربع مليون مقاتل منهم مائة ألف مارس بالاضافة إلى جنود مرتزقة من القبائل الأخرى، ولذلك زادت شهرة قبائل البرنو وأصبحت أقوى قوة عسكرية في إفريقية جنوب الصحراء.
(2)
وظل اهتمام ملوك البرنو منصباً على الجيش وعلى تنظيم العلاقات مع القبائل المجاورة حيث أنهم يعيشون في حالة حرب مستمرة من جراء الخطر الوثيني التابع في الجنوب. فقد اهتم الملك عبدالله بكر وسالما بن بكر (عبدالجليل). بهذا الأمر. وتمكنت تلك القوات من الحفاظ على هيبة البرنو وتوسيع حدودهم إلى إمارات الهوسا في الغرب. ونتيجة لذلك فقد طارت سمعة حكام البرنو إلى شمال افريقية وغيرها من مناطق العالم الإسلامي، فقد توثقت علاقات البرنو مع الدولة الحفصية في تونس ومع حكام مصر. حيث وصلت حدودهم إلى جنوب مصر وإلى غرب كردفان وإلى حوض النيجر. وإلى واحة نزان شمالاً.
(3)
ويبدو أن حكام البرنو قد رفعوا راية الجهاد ضد القبائل الوثنية في الجنوب وفي الشرق وفي الغرب حتى تمكنوا من تحويل بلاد السودان الأوسط إلى الإسلام وأصبحت بلادهم مركزاً هاماً من مراكز الإسلام وثقافة. وتمكن هؤلاء الملوك من الوقوف حاجزاً أمام المد الوثني من قبائل الجنوب التي طمعت في خبرات مدن وأقاليم البرنو المزدهرة، أو أرادت تقويض الوضع الإسلامي في المنطقة. (4)
ومنذ القرن الرابع عشر الميلادي ظهرت المنافسات الداخلية، وزادت عمليات التحرش الخارجية من القبائل المعادية من الجنوب والشرق، والتى كان الملوك السابقين قد تمكنوا من هزيمتها وإبعاد خطرها. مما أدى إلى إعادت تشكيل إدارة الإمبراطورية من
Palmer, O. P. Cit, P: 156.
(1)
(2) نوري، المرجع السابق، ص 166.
(3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 234 - 235 (4) طرخان، المرجع السابق، ص 64.
- 294 - (1/299)
صفحة 300
جديد بعد الماي عثمان بن زينب. فقد نقلت العاصمة من جيمي إلى بيرني وكان ذلك زمن الماي على بن زينب الملقب بالغازي
(1)
كما بدأت تظهر حركة منازعات خطيرة داخل البيت الحاكم فقد قتل الماي ابراهيم بن بيري ولده، ثم قتل هو أيضا بعد ذلك. كما حارب الماي داود بن فاطمة (376 - 1386 م) ابنه وظلت الحرب بينهما فترة طويلة. في الوقت نفسه زادت اعتداءات قبائل البولالا والصو على أقاليم الامبراطورية. وبدأت قبائل الصو ترفع راية العصيان ضد حكام برنو وترمي إلى الإستقلال بأقاليمها.
كانت قبائل البولالا هي الخطر الأول على الامبراطورية الإسلامية وتمكنت تلك القبائل من قائدا عبدالجليل بن سيوكوما من إجراء انتصارات على البرنو. بعد أن تمكن من قتل العديد من حكام البرنو ومن جيوشهم. وتمكن البولالا في النهاية من احتلال إقليم كانم حتى منتصف القرن السادس عشر، حينما تمكن إدريس بن على سنة 1526 م من استعادتها (2).
وقد اعتبر عصر الماي على بن زينب (1476 - 3 150) بسبب محاولاته إعادة هيبة البرنو لدى جيرانها في الغرب والشرق والجنوب، وخاصة منطقة الهوسا الذين تعرضوا لحلفائه. كما اتجه هذا الماى إلى إحياء معالم الجهاد الإسلامي في منطقة السودان الأوسط لإعادة وحدة امبراطورية برنو الموحدة، حتى لقب بالغازي. ومن زمن الماي إدريس بن على ابن عائشة) تطورت قدرات الجيش البرنوي في المنطقة وتمكن من إحراز انتصارات على القبائل الوثنية في نهاية القرن السادس عشر. وكذلك أمن حدود
(3)
دولته من الغرب بانتصاراته على الهوسا، وخصص الكثير من وقته لحرب القبائل الوثنية في الجنوب وخاصة قبائل تلالة التي كانت تسكن جزائر بحيرة تشاد، وكانت تلك القبائل أشد خطرا على المسلمين بسبب وجودها داخل أراضي البرنو. وقد نجح الماي إدريس من تشريدهم وطردهم إلى المستنقعات. (4)
Palmer, O. P. Cit, P: 213. Ibid, P: 228.
1990 -
(1)
(2)
(3) طرخان، المرجع السابق، ص 118. (4) طرخان، المرجع نفسه، ص 121. (1/300)
صفحة 301
وقد اهتم الماي إدريس بالحركة الثقافية في بلاده، فقد أمر ببناء العديد من المساجد من الطين اللين بعد أن هدم المساجد القديمة المبنية من القش (1). واعتبر عصره عصر إيمان وقوة للمسلمين. وبوفاته دب الضعف في أوصال البرنو، حيث بدأت القوى الوثنية التي كانت تتربص بالبرنو في التحالف مع الأوروبيين وتحصل على ما تحتاجه من السلاح منها كما تعرضت أقاليم البرنو للجفاف والمجاعات وكان آخر تلك المجاعات الشهيرة زمن الماي محمد بن الحاج حمد في منتصف القرن الثامن عشر .. كما ظهرت اضطرابات في كافة أقاليم الدولة من غارات البربر والطوارق الأمر الذي أنهك قوى البلاد. (2)
اضطر سلاطين البرنو في النهاية إلى الإستعانة بقائد يدعى محمد الكانمي كان يعيش في القاهرة، فتوجه صوب بلاده وحاول إعادة مجد البرنو ولكن الوقت قد أنتهى حيث سيطرت إمارات الهوسا على أجزاء من البرنو من الغرب وأصبح سلاطين البرنو لا حول لهم ولا قوة. وتوفى محمد الكانمي سنة 1835 دون أن يحقق هدفه. كما تعرضت أقاليم البرنو لغارات من السودان الشرقي، حينما تمكن رانج بن الزبير سنة 1893 م من
احتلال باجيرمي وشرق برنو، وظل هناك حتى طرده الفرنسيون سنة 1900 منها.
تأثرت البلاد بالحركات الاصلاحية التي ظهرت في الصحراء الليبية من قبل رال السنوسية فأنتشرت فيها الزوايا، وكثر نشاط الدعاة للحفاظ على الأوضاع الإسلامية من زحف الوثنية. كما تأثرت بالأفكار التي ترددت عن المهدية بالسودان الشرقي. لكن الأستعمار الفرنسي الذي وصل إلى البلاد عمل على التعدى لكل تلك التيارات الإسلامية، بل أنه عمل على الحفاظ على وضع القبائل الوثنية (3). . وعملت فرنسا على إضعاف سلطة سلاطين البرنو. وبدأت عمليات استغلال خيرات البلاد خارج حدودها لصالح
المستعمر الجديد
كان سلاطين برنو قد أصبحوا تابعين لسلطان كانم منذ سنة 1811 م وانتهت بذلك امبراطورية البرنو وعادت مدينة صغيرة مقرها العاصمة وتابعة لحكام كانم. وتبع سلطان
Palmer, O. P. Cit, P: 245.
-997 -
(1) طرخان، المرجع السابق، ص 129
(2)
(3) نوري، المرجع السابق، ص 178. (1/301)
صفحة 302
كانم بعد ذلك للنفوذ الفرنسي
(1)
وتشغل حاليا دولة تشاد معظم مساحة امبراطورية كانم والبرنو السابقة وهي دولة داخلية حبشة، تقع في وسط إفريقية بين دائرتي عرض 8 - 53 شمالاً ومساحتها 1,284,00 كم 2. ويبلغ عدد سكانها حوالي خمسة ملايين نسمة ومازال إقليم كانم في تشاد أهم أقاليمها الزراعية الحالية، ويقع شرق بحيرة تشاد.
(2)
تصل نسبة المسلمين في تشاد الحالية إلى حوالى %85? من السكان (3). كما تبلغ نسبة الأقلية المسيحية حوالي %6. (4) بينما مازال %9? من السكان على وثنيتهم وأهم اللغات المستخدمة في تشاد هي اللغة الفرنسية التي فرضت في عصر الاستعمار الفرنسي على الإدارة الحكومية والحياة الفكرية والثقافية. وبالإضافة إلى ذلك توجد اللغة العربية ولغة الهوسا ولغة الكانيمو. ويشكل العرب %30? من سكان تشاد من الناحية العرقية. والقبائل السودانية حوالى 25 (5).
(1) طرخان، المرجع نفسه، ص 139. (2) أبو عيانة، الجغفرافية الإقليمية، ص 484. (3) عادل يونس، العالم الإسلامي اليوم، ص 78. (4) ظهروا بعد عمليات التنصير خلال العصر الاستعماري الأوروبي. (5) عادل يونس، المرجع السابق، ص 86.
- 297 (1/302)
صفحة 303
(1)
:
ثانيا - إمارات الهوسا
شكلت الهوسا أو الحوصة إقليما ممتداً بين جبال العير وبين شرق النيجر. حينما استمر الصراع بين قوتين من قوى السودان هما: امبراطورية البرنو من الشرق وملوك مالي وصنغي من الغرب، وبالإضافة إلى قوى البرير والطوارق من الشمال والقوى الوثنية المتحفزة من الغابات في الجنوب. فظهرت في تلك المنطقة إمارات الهوسا.
ساعدت الظروف الاقتصادية المنتعشة التي عمت بلاد السودان منذ القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، على ظهور إمارات الهوسا السبع بين السودان الأوسط والسودان الغربي على حدود البرنو من الغرب ومالى وصنغي من الشرق. بفضل موقع إماراتها المتميز على خطوط تجارة القوافل وحركة القبائل بين بلاد السودان، أي أن شعوب تلك الإمارات عبارة عن خليط من شعوب السودان والبربر والزنوج قدموا إلى شرق نهر النيجر سعيا وراء الاستفادة من أ أعمال التجارة، أو البحث عن مراعى جيدة في
منطق السهول الفسيحة التي تمتد نحو الشرق
(2)
وفي تلك الفترة وفرت جماعات عديدة من البربر تحت ضغط قبائل بني هلال وبني سليم من الشمال من واحة أير (3) وإتجهت للاستقرار في منطقة إمارات الهوسا، وبدأ اختلاط واسع منذ البداية بين تلك العناصر (4)، الأمر الذي أعطى لشعب الهوسا صورة إسلامية مبكرة قبل غيره من كيانات السودان الأوسط والغربي
(0)
(1) تتكون من مقطعين هما: هاو: بمعنى راكب، وسأ بمعنى ثور. أى راكبي الثيران وهى كلمة تطلق على شعوب إفريقية منتشرة بين السودان الأوسط والسودان الغربي، وهى حالياً تعنى لغة تسود بين العديد من سكان الكاميرون ونيجيريا وتشاد والنيجر ويتحدث بها حوالي ثمانون مليوناً من سكان تلك الدولة، ويرى البعض أن اسمها مشتق من الشرق.
- عادل يونس. المرجع السابق، ص 77.
(2) طرخان، المرجع السابق، ص 77.
(3) واحة تقع إلى الشمال مباشرة من إمارات الهوسا في الصحراء الكبرى، وكانت مركزاً لجماعات
عديدة من البرير. انظر الخارطة بالملاحق
(4) مؤنس، الإسلام الفاتح. ص 147. (5) مؤنس. المرجع السابق. ص 148.
- 298 - (1/303)
صفحة 304
دارا
(1)
وترتب إمارات الهوسا كما يلي: كانو، كاتسينا، زارية، رانو، صوبير، بيرم، ويبدو أنها كانت قرى صغيرة تعتمد على الزراعة والرعى، ثم تحولت إلى مراكز تجارية هامة بسبب موقعها، وأصبحت مطمعاً للعديد من الجماعات للهجرة إليها فزادت مساحتها وعدد سكانها في فترة وجيزة، وتطورت حضاريا بفضل التقاء العديد من العناصر على أرضها. ثم تطورت سياسيا وأصبح لكل منها إدارته السياسية ومكانته الإقليمية، ثم أصبح لها قوتها العسكرية للحفاظ على تلك المكاسب.
(2)
والحق أن إمارات الهوسا السبع أصبحت متنفساً للضغوط التي تواجهها الجماعات المسلمة في مالي وصنغي، في الغرب، قبل تحول حكامها إلى الإسلام، وكذلك للمسلمين في الشرق قبل تحول ملوك البرنو إلى الإسلام أيضا. كما كانت متنفساً للضغوط التي تعرضت لها منطقة شمال افريقية أيان هجرات بني هلال وبني سليم نحو الغرب. ولذلك ظهرت فيها مظاهر الحياة الإسلامية منذ البداية خاصة في الإمارات الشرقية المجاورة لحدود البرنو. وهى الإمارات التي خضعت كثيراً لتقود حكم ملوك البرنو. كما كان ملوك البرنو بعد اسلامهم يشجعون الدعاة وعمليات نشر الإسلام في تلك الإمارات.
(3)
وكان لقبائل الونقارة الفضل الكبير في انتشار الإسلام بصورة عامة بين إمارات الهوسا وقد قدمت تلك القبائل إلى إقليم كانوا. كما قصدها العديد من العلماء من شمال إفريقية للدعوة إلى الإسلام ونشره بين أهلها، وأسسن بعضهم مراكز لهذا الغرض بدعم من التجار، الذين كانت لهم مراكز عبر تلك الإمارات. فأنتشر فيها المذهب المالكي الذي أخذ يدرس بين أهلها. (4)
ولما كانت تلك الإمارات تمثل دولة حاجزة بين قوى السودان الأوسط والغربي، فإنها تعرضت باستمرار لعمليات غزو من الجانبين، حتى أنها كانت في كثير من الأحيان منقسمة بين نفوذ القوتين الشرقية والغربية، الأمر الذي دفع أمراء الهوسا إلى توحيد
(1) مقلد، المرجع السابق، ص 152.
(2) مؤنس، لمرجع السابق، ص 148.
(3) جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، ص 98. (4) نوري، تاريخ الإسلام في إفريقية، ص 106
- 299 - (1/304)
صفحة 305
جهودهم لصد هذه الأخطار، وقد وقعت بينهم وبين البرنو معارك خاصة زمن الماي إدريس الذي احتل إمارة كانو
(1)
ويبدو أن ظروف ظهور إمارات الهوسا دفعت حكامها وسكانها نحو الإهتمام بالأنشطة التجارية للاستفادة من خيرات بلادهم، ولتجنب الصدام المستمر مع القوى المجاورة، فأشتهرت تلك الإمارات بنشاطها التجاري المميز، حيث ارتبطت بشهرة في الوساطة التجارية وعقد الصفقات بين التجار (2). بل أن زعمائها أرتبطوا بعمليات التحكيم التي كانت تدور بين القبائل الإفريقية لإنهاء حالات الحرب والتوتر وإقرار السلم في المناطق المجاورة، وأرتبط أهلها بالحكمة والتجربة والفكر.
(3)
حتى أن الرقيق الذي كان يجلب من تلك الإمارات تميز عن غيره من الرقيق السوداني فارتبط بالذكاء والبراعة والحكمة واتقان العمل، لدرجة أن الأوروبيين حينما دخلوا أراضي تلك الإمارات وجدوا سكانها على درجة كبيرة من الوعى الحضاري أكثر من غيرهم من سكان البلدان المجاورة.
وفي ظل تلك الأوضاع المميزة للإمارات انتشر التعليم والثقافة الإسلامية وظهرت الحركات الإصلاحية خاصة منذ القرن الخامس عشر على أيدى زعماء مثل:: محمد رونقات و محمد کوارد، ومحمد رابو وهم حكام إمارات كانو وكاتسينا وزارية. كما وصلت مجموعة من العلماء للدعوة إلى الإسلام وترسيخ مفاهيمه بين الناس ومن أشهرهم محمد بن عبدالكريم المغيلي، الذي لاقت أفكاره شهرة ورواجاً بين سكان الإمارات، وقد عاصر هذا العالم حاكم كانو وهو محمد رونقا، الذي تبني العديد من آراء التلمساني الإصلاحية والتي كان أثرها في النواحي الإجتماعية والسياسية في إمارته. كما ألف عنها الكثير العالم المصري جلال الدين السيوطي (1445 – 1505 م) الذي ألف عن ممالك السودان وأهتم بإمارات الهوسا (4) فترة جديدة وأهتم حكام الإمارات بإنشاء
(1) نوري، المرجع نفسه. ص 175. (2) مقلد، المرجع السابق، ص 157. (3) نوري. المرجع السابق، ص 106. (4) نوري، المرجع نفسه، ص 109، 107
- r .. - (1/305)
صفحة 306
•
(1)
(3)
المدارس وبناء المساجد ونشر التعليم بين سكان إماراتهم. واستضافوا العديد من العلماء فبدأت نهضة ثقافية شاملة عند الهوسا برز على أثرها العديد من العلماء من أبناء البلاد الذين قادوا حركة الاصلاح في بلادهم، كما كان لهم تأثير في نشر الإسلام في المناطق المجاورة (2) ومن أهمهم العالم محمد. ابن محمد الكاتسنياوى في القرن الثامن عشر، وكذلك العالم المصلح الشهير عثمان بن محمد بن فودي الذي تمكن في القرن التاسع عشر من نشر أفكاره الاصلاية ودعا إلى قيام نظام الخلافة الإسلامية وحماية الإسلام في بلاد السودان من أعدائه، وقد تبنى مبدأ الخلافة الإسلامية على أرض الهوسا وعرفت باسم "خلافة سوكوتو" (ويسبب أوضاع امارات الهوسا المختلفة وما تتمع به كل إمارة من ظروف داخلية أثرت في عمليات نشر الإسلام بها وفي تطورها الحضاري، فإننا سنحدد ظروف كل إمارة وأوضاع الإسلام والمسلمين بها كما يلى:
(4)
(1) مؤنس، المرجع السابق، ص 147
(2) طرخان، المرجع السابق، ص 76.
(3) ولد عثمان سنة 1754 م وتربى وشب على حب الإسلام والتبحر في علوم وثقافته. واشتهر بالتقوى والورع والزهد، مما أدى إلى إجتماع الناس حوله، فأسلم على يده العديد من سكان المناطق الوثنية. وصار لأتباعه قدراً هاماً في المنطقة، فلما استوثق من قوة اتباعه أعلن الجهاد الإسلامي سنة 1804 م وانضم إليه الكثير من سكان المنطقة والمناطق المجاورة له واتخذ لنسه لقب الشيخ وأمير المؤمنين وأخضع عدداً من إمارات الهوسا نها جديد وكاتسينا وزارية ونوبه وكبه وأنشأ بذلك سلطنة
إسلامية واسعة جعل من سوكوتو عاصمو لها.
اتجه عثمان بعد ذلك شرقاً لضم بلاد البرنو فتصدى له قائد يدى محمد الكاني استدعى من قبل حكام برنو للاستفادة منه ضد غزو عثمان، وانتهى الأمر باتفاق الجانبان على التصالح ووقف القتال.
اتجهت قوات عثمان بعد نشر الإسلام في الغرب جهة النيجر منذ سنة 1811 م وأعلن على الوثنين حرباً طويلة وتمكن من نشر الإسلام في مناطق الغابات حتى الكاميرون، وكان ذلك بفضل قائده أو إدماوة الذي توفى سنة 1847 م وكان عثمان قد توفى سنة 1818 م وإنقسمت سلطنة إلى قسمين بين أخيه عبداله (عبداللاى) وابنه محمد. الأول في الولايات الشرقية والثاني في الغرب. - انظر مؤنس، المرجع السابق، ص
- انظر مؤنس، المرجع السابق، ص 130، 131.
(4) كاني. المرجع السابق، ص 20 – 21.
- r. - (1/306)
صفحة 307
(1) إمارة كاتستيا:
من أهم إمارات الهوسا من الناحية التجارية، حيث كانت مركزاً تجارياً هاماً بين تجارة لسودان الغربي من جهة وتجارة السودان الأوسط ومصر من جهة ثانية، خاصة زمن مالي وصنغي. فقد كان الطريق التجاري الرئيسي الذي يبدأ من البهنسا في صعيد مصر ويتجه إلى الجنوب الغربي نحو الفرافرة والواحات المصرية ثم واحات الصحراء الليبية، يصل هذا الطريق إلى مالي عن طريق كاتسينا. الأمر الذي جعل الإسلام يظهر فيها قبل غيرها من إمارات الهوسا، وخاصة منذ القرن الرابع الهجري. وإن كان أول من أسلم من حكامها هو الساركن محمد كورا في سنة 1300 م
(1)
استقر بتلك الإمارة مجموعة من العلماء والدعاة كان لهم فضل هام في نشر الإسلام في تلك الإمارة وماحولها، حيث كان يتم عقد حلقات التدريس في المسجد الكبير للامارة. كما بدأت في تلك الإمارة عملية نسخ الكتب الإسلامية، مما جعلها مركزا من مراكز تطوير الحركة العلمية في افريقية الغربية والوسطى، وقد زارها جلال الدين السيوطي من القاهرة وأقام بها فترة للتدريس، وكان السيوطي صديقاً لأميرها، الساركن ابراهيم ماجي. وألف السيوطي فيها كتاباً بناء على طلب الساركن وأهاه إليه بعنوان رسالة الملوك وهذا اعتراف من السيوطي بمكانة تلك الإمارة.
(2)
(1) مؤنس، المرجع السابق، ص 147
(2) هو عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد سابق الدين السيوطي. لقب بجلال الدين. إمام ومؤرخ وحافظ وأديب تربو مؤلفاته على الستمائة مجلد. ولد في القاهرة سنة 0849 – 1445 م ونشأ يتيماً، فمات أبوه وعمره خمس سنوات. فلما بلغ الأربعين اعتزل الناس وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل منزوياً عن أصحابه جميعاً، ومن ثم كانت الفرصة مواتية له لاجراج هذا الوحيد الضخم من
المؤلفات. حفظ القرآن الكريم دون ثماني سنين، وحفظ أهم مصادر الحديث والفقه واللغة. وأخذ العلم عن مشاهير لمصر. وبدأ في التبحر في علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع. وأشتغل طول عمره بالتدريس والفتيا، ثم أعتزل التدريس والفتيا وألف كتابه النفيس في الاعتذار
عن الفتيا والتدريس.
توفي القاهرة سنة 911 هـ - 1505 م.
- انظر حسن المحاضرة، ج 1، ص 188 وما بعدها,
- r.Y- (1/307)
صفحة 308
ونستخلص من تاريخ الإمارة أن حكامها كانوا يشجعون العلم ويبذلون لأهله وطلابه
، ويرحبون بالعلماء الذين قدموا إليهم من مصر والقيروان وبلاد المغرب، ويغرقون عليهم الهبات والمنح، فأستقر بها العديد منهم، كما استقرت بها جاليات إسلامية من التجار العرب والبربر لانجاز معاملاتهم في المنطقة.
ويمكن تحديد العوامل التى أدت إلى النشاط الإسلامي في الإمارة وسرعة تطورها الحضاري قبل غيرها من إمارات الهوسا بما يلي:
(1) موقع الإمارة على دروب التجارة عبر نطاق السافانا وبين دروب الصحراء الشمالية وطرق الغابات والأدغال في الجنوب. فكانت همزة وصل بين أقاليم متنوعة وأخباس شتى. فسارع العديد من التجار المسلمين إلى الاستقرار بها منذ البداية وأسسوا مساجدهم ومارسوا حياتهم الإسلامية.
(2) قرب الإمارة من بلاد البرنو من جهة الشرق، وهى البلاد التي أصبح حكامها من أهم حماة الإسلام ورسالته في بلاد السودان قبل غيرهم من حكام المناطق المجاورة وعمل حكام البرنو على نشر الإسلام في المناطق المجاورة ومنها هذا الأمر (1). إمارات الهوسا وبالتالي استفادت كاتسينا من.
(3) اضطراب أحوال التجار المسلمين في مدينة تمبكتو في القرن السادس عشر، وبالتالي هجرة العديد من تجارها وعلمائها وفقهائها إلى كاتسينا، وأتخذوا مقرا ومقاما، كما بدأت، وفود من التجار العرب والبربر تتوجه للإقامة بها
بعد أن أصبح الإسلام عاماً بين سكانها.
(4) اهتمام أمراء كاتسينا ورعايتهم للحركة الإسلامية بها ومباركتهم نشر الإسلام وثقافته بين سكانها وبين سكان القبائل المجاورة لهم، واحترام العلماء الذين قدموا إليها فقد تولى رجل من العرب الذين قدموا إليها من برنو منصب أحمد (2). رئيس القضاة في إمارة كاتسينا سنة 1520 م ويدعى محمد بن وكان لهذا المنصب أهمية في الإمارة.
(1) مقلد، المرجع السابق، ص 159.
(2) مقلد، المرجع نفسه، ص 160.
- r.r- (1/308)
صفحة 309
(2) إمارة بيرم: ترجع أهميتها إلى أنها أول إمارات الهوسا التي استقرت بها شعوب الهوسا قبل ظهورهم كقوة اقتصادية وسياسية في المنطقة بين السودان الشرقي والسودان الغربي. كانت في بداية عهدها قرية صغيرة، تطورت ونمت بفضل وحدة قبائلها لتصبح قوة في المنطقة خاصة وأنها كانت تقع وسط محيط زراعي، ويتوافر حولها أراضي زراعية خصبة شرق نهر النيجر مما أتاح ظروفاً مناسبة لنموها. بالإضافة إلى استفادتها من أهمية موقعها التجاري بين إمارات الهوسا (1)
وبسبب بعدها النسبي عن طرق التجارة الإقليمية بين مناطق السودان وبين بلاد البرير، واقتصار دورها على تجارة إمارات الهوسا، فقد لاحظ الرحالة تأخر ظهور الإسلام بها، حيث ظل غالبية سكانها على الوثنية حتى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي (2)، وإن هذا الأمر لم يمنع وجود جماعات مسلمة بها من بين سكانها الأصليين
وكانت أهم مؤثرات نشر الإسلام وثقافته بها قادمة إليها من إمارات الهوسا المجاورة، خاصة مع بداية القرن الخامس عشر. وبدأ تحول شعبها إلى الإسلام وأصبح لهم دور في الحياة الثقافية لإمارات الهوسا. وقد لمس أهلها الأثر الكبير الذي انعكس على
حياتهم بعد اعتناقهم الإسلام.
(3) إمارة جوبير:
(4)
تقع في شمال إمارات الهوسا. أدى قربها من مواطن الفولانيين) إلى سرعة انتشار الإسلام بين سكانها، حيث أصبح الفولانيون أهم دعاة الإسلام في غرب السودان
(1) ابن بطوطة، الرحلة، ص 704. (2) ابن بطوطة، الرحلة، ص 704.
(3) الفولانيون شعب من الرعاة موطنه حوض السنغال، ثم انتشر حتى وصلت مواطنه إلى بحيرة تشاد. واشتهر منهم أربعة فروع في السنغال وغينيا والهوسا ونيجيريا وقد دخلوا الإسلام على أيدى المرابطين منذ القرن الحادي عشر وأصبحوا عماد الإسلام في بلاد السودان الغربي حتى أصبحت مراكزهم في الغرب أهم مراكز الإشعاع الإسلامي في بلاد السودان الغربي، وأصبحوا حلفاء للمرابطين. وقد تمكنوت من حماية السودان الغربي من هجمات الطوارق من الشمال وقبائ =
- r.?- (1/309)
صفحة 310
19 ?11
منذ نهاية العصور الوسطى، وتحولوا إلى قوة إسلامية واضحة منذ القرن السادس عشر. فأصبحت إمارة جوبير من أهم مراكز الإسلام في إمارات الهوسا.
ظهر بها الداعية عثمان بن محمد بن فودي، وصول شعبها إلى قوة إسلامية قوية في المنطقة وجعل منها ركزاً لأفكاره ومبادئه، وقاد حركة الجهاد الإسلامي في المنطقة فتغيرت أنماط الحياة في الإمارة وبعدت عن التقاليد الوثنية. وأصبحت الإمارة يغلب عليها عنصر الفولانيين منذ القرن التاسع عشر حيث استقروا بها وامتزجوا بسكانها ثم صارت لهم الغلبة عليها، وهو الأمر الذي عمل بانهيار اتحاد إمارات الهوسا.
(4) إمارة دارا:
تقع إلى الشرق من حوض نهر النيجر. ظلت على وثنيتها حتى العصور الحديثة حينما تمكن الفولانيون من تحويل شعبها إلى الإسلام بعد إخضاعها سنة 1805،م بعد انتصارات زعيم الفولانيين إبراهيم سايرو في النيجر، ولم تنجح محاولات أميرها لاستعانة بالسلطان أحمد بن دونامة سلطان برنو.
•
تمكن الفولانيون بفضل إعلاتهم راية الجهاد الإسلامي، واستقرارهم في الإمارة من تحويل شعبها - إلى الإسلام في القرن التاسع عشر. وأصبح شعبها جزء من خلافة عثمان
بن محمد الإسلامية. وزالت عاداته الوثنية.
(5) زارية:
إمارة تقع إلى الجنوب من إمارات الهوسا، قرب خط الاستواء والغابات الإستوائية (1) كانت في البداية قرية صغيرة من قرى الهوسا، تسرب إليها الإسلام عن
= الموشي الوثنية من الجنوب وفي منتصف القرن الثامن عشر استقرت جماعة منهم في إمارة جوبير، بعد أن تمكن زعيم منهم وهو إبراهيم سايدور من أن يبسط سلطان على وسط النيجير، ويمد سلطانهم إلى شرق النيجر وإمارات الهوسا وأصبح بذلك الفولانيون أنشط جماعات السودان في العصور الحديثة. وقد ولد من بينهم في إمارة جوبير المصلح والزعيم عثمان بن محمد بن فوديو. وظلت إمارة جوبير مركزا هاماً لأفكار عثمان وأتباعه.
- انظر: مؤنس، المرجع السابق ص 129، 130.
(1) طرخان، دولة مالي الإسلامية، ص 104. (1/310)
صفحة 311
طريق التجار الذين قدموا إلى مناطق الغابات. وكان تحول أهلها إلى الإسلام تحولا بطيئا بسبب وجودها في محيط الجنوب الوثني.
ويسبب موقعها وفدت إليها جماعات من البربر والتجار المسمين واستقروا بها واختلطوا بسكانها مما أدى إلى تحول سريع بين أهلها إلى الإسلام. وبدأ أبناء الإمارة التوجه إلى المراكز الإسلامية في الشمال من أجل التعرف على الرسلام وثقافته من مراكز إمارات الهوسا الأخرى مثل كانو وكاتسينا، كما توجه البعض منهم للدراسة في الأزهر والتحقوا برداق التكاررة حيث درسوا المذاهب المالكي المنتشر في بلاد السودان عامة.
(1)
ويتضح أهمية إمارة زاريا كمركز متقدم من مراكز الهوسا والحضارة الإسلامية نحو خط الغابات الإستوائية، حيث تقع إلى الجنوب من بلاد السودان بالقرب من المناطق.، وقد دعم مركزها وفود العديد من العلماء لنشر الإسلام في المناطق المجاورة لها، وكانت زارية هي مركز هذا النشاط. وقد أدى هذا النشاط إلى تحول قبائل الصو والجوكون والسكورانا الوثنية إلى الإسلام.
الوثنية
(6) رانو:
إمارة تقع بالقرب من إمارة كاتسينا وإمارة كانو (2). بدأت تشهد تطوراً على أرضها منذ بداية العصور الحديثة، لأهمية موقع بلادها على طرق التجارة بين إمارات الهوسا ومناطق السودان الغربي والسودان الأوسط.
وفد إليها العديد من العلماء والدعاة والفقهاء من برنو وكانو ومالى وصنغي للدعوة ونشر الإسلام بين سكانها، الذين ظلوا على وثنيتهم، كما أصبحت مركزا لاستقرار العديد من التجار المسلمين. ومنذ القرن السادس عشر أصبحت مركزاً من مراكز الحضارة الإسلامية بعد تحول شعبها إلى الإسلام واتصاله بمراكز الحضارة الإسلامية المجاورة وأصبح لهم دور في نشر الإسلام في مناطق الوثنية الأخرى
(1) مقلد، المد الإسلامي، ص 161.
(2) انظر الخارطة بالملاحق.
(3) مؤنس، المرجع السابق، ص 147.
(3)
-5.7 - (1/311)
صفحة 312
(7) کانو:
هي
أكبر وأهم إمارات الهوسا على الإطلاق من حيث المساحة والنشاط السياسي والدور الإسلامي في المنطقة، وقد استفادت الإمارة من إمكانياتها الإقتصادية وموقعها الاستراتيجي على طرق التجارة الرئيسية بين بلاد السودان. كما استفادت من موقعها على حدود بلاد البرنو، حيث تقع إلى الشرق من إمارات الهوسا. ولذلك فهى تعتبر من أقدم إمارات الهوسا تحولاً إلى الإسلام، كما تحتل مركزا بارزاً في الأنشطة الإسلامية
لبلاد الهوسا.
أصبح لإمارة كانو أهمية خاصة في بلاد الهوسا وبلاد السودان عامة، بحيث أصبح علماؤها ورجالها من أبرز مثقفى ورواد الحركة الفكرية لبلاد السودان وتوازي مكانتهم مكانة علماء تمبكتو وصنغي ومالي وبرنو وغيرها (1) الأمر الذي عجل بتحول حكامها إلى الإسلام. وكان أول من أسلم من حكامها هو باجودا.
أخذت مظاهر الحياة الإسلامية في كانو مظهرا نشطاً فقد ارتحل شبابها لطلب العلم إلى مراكز الحضارة الإسلامية في الدول المجاورة من بلاد السودان وإلى القاهرة وإلى القيروان وإلى بلاد المغرب الأقصى. كما واظب ملوكها على الخروج لأداء فريضة الحج عبر طرق القوافل التجارية إلى مصر: ثم إلى الحجاز. كما اتصل حكامها بحكام الدول الإسلامية المعاصرة لهم.
(2)
انتشرت المساجد في ربوع كانو ومن أمثلتها المسجد الجامع في الإمارة والمساجد الأخرى، وكان لتلك المساجد دورها في ازدهار الحركة الإسلامية ونشر اللغة العربية التي أصبحت اللغة الرسمية في المعاملات اليومية والرسمية وفي الإدارات الحكومة. واجتذبت تلك الإمارة أعداداً كبيرة من العلماء إليها للتدريس في مسجدها الجامع (3) الذي كان لا يقل أهمية عن جامع تمبكتو وجامع جاو.
(1) مقلد، ص 155.
(2) مقلد، المرجع السابق، ص 161.
(3) من هؤلاء العلماء الذين قدموا إليها وأقاموا بها:
- أحمد بابا التمبكتي في الفقه المالكي. مخلوف بن على.
- محمد عبدالقادر المغيلي من واحة توات. - عبدالرحمن زيت من مالي.
(3)
- T.V- (1/312)
صفحة 313
ارتحلت أيضا جماعات من التجار للإقامة في كانو بعد مالمسوا مظاهر الاستقرار
والأمن بها ومارسوا من خلالها عملياتهم التجارية في مناطق الهوسا، وكان لهؤلاء التجار دورهم البارز في تشجيع النهضة الثقافية، ونشر العادات الإسلامية وتعديل. سلوك الجماعات الوثنية بالإمارة من خلال تعاملاتهم معهم. ومع بداية القرن الخامس عشر الميلادي أصبحت كانو أهم مركز الحضارة الإسلامية في بلاد الهوسا والسودان الغربي حول منحي نهر النيجر، واستمرت تؤدى دورها الهام حتى القرن التاسع عشر
الميلادي.
وبذلك تمكن الإسلام من استغلال طاقات الشعوب الوثنية في منطقة الهوسا وشرق نهر النيجر وتمكن من توجيه خطاها الحضارية ودفها نحو الإمام لتستجيب لنظم الحضارة الإسلامية التي بدأت تشع على بلاد السودان المجاورة أوسطه وغربه
وفجر الإسلام طاقات شبابها وإمكانيات أرضها وميزات موقعها، وما أصبحت تلك الإمارات علامة من علامات الحضارة الإسلامية، حتى قدمت إليها الأطماع الإستعمارية لتردها من جديد إلى أوضاعها القديمة المتردية وتتصدى لمسيرة التيار الإسلامي بها. ومازالت آثار الحضارة الإسلامية واضحة هناك في نماذج العمارة التي دخلت إليها من مصر والمغرب والأندلس (1) وفي التراث الكبير للحياة الثقافية للعصر
الإسلامي في بلاد الهوسا
(1) مقلد، المرجع السابق، ص 165. (1/313)
صفحة 314
(3)
انسياب الإسلام إلى السودان
الغربي (1)
ارتطت منطقة غرب السودان جنوب الصحراء الكبرى بمنطقة الشمال الأفريقي لأول مرة على يد المسلمين، وأصبحت تمثل جزءاً مؤثراً في تاريخ ومجربات بلاد المغرب، بعد أن كانت تلك المناطق التي تقع جنوب الصحراء تمثل عالما منفصلاً. عن شمال إفريقية. وكانت عمليات الإتصال بين الطرفين شاقة ومحفوفة بالخاطر، بسبب بحر الرمال الكبير الذي يفصل بين الطرفين ويصل في بعض الأجزاء ثلاثة آلاف كيلو متر إتساعاً بين الشمال
والجنوب.
ومنذ القرن الأول الهجرى / السابع الميلادي نجح العرب في تنظيم شبكة عالية للطرق الصحراوية مع جنوب الصحراء وبلاد السودان الغربي معتمدين على خبرتهم في ريادة الصحراء حتى أصبحت منطقة غرب السودان جزء من العالم الإسلامي قبل غيرها من مناطق السودان الأخرى، الأمر الذي جعل البعض يقول بأن العصر التاريخي لإفريقية السوداء يبدأ مع الإسلام (2) لما ترتب على ذلك من نقل دول ومناطق جنوب الصحراء الإفريقية إلى درجات التقدم الحضاري. وتعد دولة مالي الاسلامية التي ظهرت في السودان الغربي النموذج على آثار الإسلام ونظم في تلك النواحي.
(1) يطلق على إقليم السودان الغربي حالياً اسم دول غرب إفريقية الناطقة بالفرنسية، وهي الدول التي
:
خضت غالبيتها في العصور الحديثة للاستعمار الفرنسي. ويضم هذا الإقليم حوالي 14 دولة هي: مالي، بوركينا فاسو، النيجر، السنغال، غامبيا غينيا بيساو غينيا، سياليون ليبيريا، ساحل العاج، غا، توجو، بنين، نيجيريا، كما تعتبر منطقة جنوب مورتيانيا جزءاً من هذا الإقليم وتبلغ مساحة دولة حوالي خمسة مليون كم 2 أي حوالى ضعف مساحة دول غرب ووسط أوروبا. وتضم دولة حوالي 200 مليون نسمة معظمهم من المسلمين. وأكثر دولة سكانا هي نيجيريا وأقلها سكانا غينيا بيساو. وأكبر دولة مساحة هي النيجر وأقلها مساحة هي غميبيا
- انظر: أبو عيانة، المرجع السابق، ص 395 وما بعدها.
(2) طرخان، دولة مالي الإسلامية، هي 7.
•
-7.9— (1/314)
صفحة 315
وللباحث أن يقارن بين آثار الإسلام الماضية وبين أحوال دول غرب القارة في الوقت
الحالي بعد تخلصها من حقبة الإستعمار ليتضح للباحث الفرق الواسع بين بناء الإسلام لغرب السودان وبين تدهور أوضاعه على يد الإستعمار (1). الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات والاستفسارات عن حقيقة الدور الغربي في افريقية. ويكفى أن تكون مدينة كوبي صالح عاصمة غانة، إحدى مراكز الحضارة في الغرب السوداني، أصبحت اليوم أطلالاً، بعد أن كان بها نهضة علمية وثقافية تنبعث من اثنى عشر مسجدا في سنة 60 هـ - 679 م.
كان صوت الإسلام قد وصل صداه إلى السودان الغربي منذ بداية ظهوره في شمال افريقية في بداية النصف الثاني من القرن الأول الهجرى وساهم العرب والبربر في البداية في حمل شعلة، ثم تلقفتها شعوب المنطقة من الفولانيين (2) والتكرور الذين أصبحوا عماد الإسام ورسالته في غرب القارة حتى العصور الحديثة وظهر منهم وعادة ومصلحون عملوا على نشر الإسلام ورسالة باعتباره المنقذ من التخلف والفوضي.
كما ساهم الهوسا والسوننكة في تلك العمليات في غرب القارة. وجمعت بين تلك الشعوب اللغة العربية والدين الإسلامي رغم وجود لهجات محلية عديدة منتشرة بين قبائلهم، إلا أن اللغة العربية شكلت الأساس في المعاملات منذ القرن الثاني الهجري. وأصبح ظهور أي شعب في السودان الغربي يتحتم عليه الارتباط باللغة العربية من أجل
(1) يحتوى هذا الإقليم الذي يسمى غرب إفريقية في الوقت الحالى على أفقر دول افريقية والعالم. بل أنه الإقليم الوحيد الذي يضم دول عديدة تحت خط الفقر. حيث يحتوي على أكثر من دولة تصنف في مجموعة الدول الفقيرة جداً من مجموع 49 دولة على مستوى العالم في هذا التصنيف. يطلق خبراء المنظمات الدولية والأمم المتحدة على دول غرب افريقية اسم منطقة الفقر الجهنمية" حيث يوجد ترابط بين مشاكل الجوع والفقر وقيمة الحياة ويصل متوسط دخل الفرد السنوي في بعض الدول إلى حوالي مائة دولار.
- انظر عادل يونس، العالم الإسلامي، ص 29 وما بعدها.
أبو عيانة، المرجع السابق، ص 29 وما بعدها.
(2) يدعي الفلانيون أنهم من أصل عربي فيذكر البعض منهم أنهم قدموا من صعيد مصر، والبعض الآخر أنهم من سلالة عقبة بن نافع ولكنهم عموماً من الشعوب السودانية.
- مقلد، حركة المد الإسلامي، ص 74.
-3.- (1/315)
صفحة 316
السيادة، باعتبارها لغة العصر والحضارة، وقد حدث ذلك حينما ظهر شعب الصنغي على ضفاف نهر النيجر.
ويكفي أن نذكر مدى الدور الذي قام به مسلموا السودان الغربي في أ أحداث العالم
(1)
الإسلامي حينما قامت الشرارة الأولى لدولة المرابطين من بين جماعات التكرور () السنغال الأمر الذي يؤكد لنا أهمية الوجود الإسامي في بلاد السودان منذ البداية.
بحوض
ومهما يكن من أمر فإن تمكن الإسلام من قلوب البربر في شمال افريقية وواحات الصحراء الإفريقية ابتداء من عهد عقبة بن نافع وحتى عهد موسى بن نصير، جعل هؤلاء البرير مع إخوانهم العرب يتجهون صوب الجنوب بعد آن كسر الإسلام جميع الحواجز السابقة في المنطقة وأعاد الأمن والاستقرار إلى ربوعها. بل أن هناك من يذكر أن جيوش عقبة بن نافع وموسى بن نصير قد وصلت إلى عاصمة مملكة غانة الوثنية في الجنوب ولكن دون أن تقدم لنا أدلة على ذلك. ويبدو أن تلك القوات كانت طلائع من جيوش
(2)
(1) التكرور اسم شعب يسكن إحدى أقاليم غرب السودان في منطقة نهر السنغال. وقد أطلق هذا الإسم عليهم من قبل جيرانهم من شعوب الجولف المجاورة لهم في حوض السنغال ترجع أصول التكرور إلى هجرة جماعات من واحات إقليم فزان بالصحراء الليبية وهاجروا عبر السودان الأوسط إلى موطنهم الحالى. وأختلطوا بالشعوب الزنجية. ويعتبر التكرور من أنشط وأسبق الجماعات السودانية في حمل الإسلام ولغته. حتى أن مؤرخى العصور الوسطى من المسلمين يطلقون كلمة تكرور على كل شعوب السودان الأوسط العربي لشهرة هذا الشعب في حمل الإسلام في
تلك الجهات.
قام عبدالله بن ياسين بدور كبير في ترسيخ الإسلام بين شعب التكرور، وتمكن من خلق قوة جديدة من بينهم حينما اعتصم بينهم وكون جماعته التي سميت باسم المرابطين" ومن بلاد التكرور بدأت أشهر دول الإسلام في المغرب وهى دولة المرابطين التي امتدت نحو الشمال واتخذت من المغرب الأقصى مركزاً لها وعبرت جبل طارق لتعيد مجرى الإسلام إلى شبه جزيرة الإندلس. وقد زادت قوة المرابطين بمساندة قبائل صنهاجة لها.
وبعد انقسام دولة المرابطين أصبح التكرور هم عماد القسم الجنوبي الذي قاده أبوبكر بن عمر وغزا
به غانة
- حسين مؤنس، المرجع السابق، ص 94 وما بعدها.
(2) القلقشندي، صبح الأعشى، جه، ص 284.
- 311 - (1/316)
صفحة 317
المسلمين الأمر الذي يدل على ارتباط السودان الغربي بأحداث شمال افريقية منذ البداية. ومنذ بداية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي بدأت العلاقات تزدهر بين شمال الصحراء وبين جنوبها من بلاد السودان، حيث كانت الحملات تتعرف على أخبار البلاد وتعود محملة بكميات من ا الذهب .. ويبدو أن هناك أفراد من تلك الحملات قد استقرت في
مناطق السودان الغربي بدليل الإشارات المتكررة في المصادر حول أصول عربية مبكرة في مملكة غانة. وقد مهدت تلك الحملات الطرق التجارية أمام القوافل، حيث بدأ التجار
(1)
المسلمون في تنظيم تلك الرحلات التجارية وكان معظم هؤلاء التجار من الشام والعراق
ومصر
(2)
فقد توافد إلى تلك البلاد تجار البصرة والكومة وبغداد وغيرها بعد ماسمعوا عن أخبارها وإرباح تجارتها ونقاوة ذهبها، حتى ذكر ابن حوقل بأنه شاهد بأكثر من أربعين ألف دينار في أودغست (3). الأمر الذي يدلل على كثرة وكثافة العمليات التجارية بين المسلمين وبين بلاد السودان الغربي.
(0)
•
(L)
كما لاحظ الرحالة انتشار العلماء المسلمين على طول مراكز الصحراء خاصة أو دغست التي أصبحت مركزا بين شمال إفريقية وبين مملكة غانة في السودان الغربي) وقد أصبح هؤلاء العلماء والتجار أشبه بمستشارين للأمراء والحكام في بلاد السودان الغربي خاصة عند حكام غانة، كما أعتمد ملك غانة على الجالية الإسلامية في بلاده لتطوير أوجه الحياة في مملكته، حتى أن هؤلاء المسلمين أسسوا لهم حياً مستقلاً في العاصمة مقابل الحى الوثنى الذي وقد اشتمل هذا الحى الإسلامي على عدد من المساجد بلغت أكثر من اثنى عشر مسجداً بالإضافة إلى المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة.
ورغم تطور الأحداث في منطقة السودان الغربي في القرن الرابع الهجرى إلا أن المسلمين ظل لهم ظل لهم وضعهم الإجتماعي المميز في بلاد السودان الغربي وأصبحوا قدوة حسنة لشعوب السودان الأخرى حتى أقبلت تلك الشعب على اعتناق الإسلام. وانتهى الأمر بقيام العديد من الدول والإمارات الإسلامية في تلك المناطق من قبل شعوب ا المنطقة ومن أهمهما:
:
(1) ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص 260.
(2) نوري، المرجع السابق، ص 81.
(3) صورة الأرض، ص 92.
(4) القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد، ص 19 (5) ابن حوقل، المصدر السابق، ص 99.
- 312 (1/317)
صفحة 318
حدودها
أولا: مملكة غانة (1):
تعد مملكة غانة أول مملكة من بلاد السودان الغربي ترد في ا ادر العربية، وتمتد تلك المصادر من جنوب موريتانيا الحالية وغرب مالي الى ساحل المحيط الاطلسي ونهر السنغال (2) غرباً، كما تمتد جنوباً حتى نطاق الغابات الإستوائية حيث كان الحكامها نفوذهم وتعاملاتهم القوية مع كيانات تلك الغابات، بحيث ان الحصول على سلع تلك الغابات كان يتم بترتيب مع حكام غانة. وفى بعض الأحيان مدت تلك المملكة نفوذها حتى الصحراء الكبراء شمالاً لتضم بعض واحاتها (3).
وقد وردت عبارات تدل على عظمة ونظام وثراء تلك المملكة في المصادر الإسلامية فيقول عنها ابن حوقل،، إن ملكها ايسر من على وجه الارض بما لدية من الاموال المدخرة
(4)
•
من التبر المثار، كما وصف ابن خلدون ملوكها بانهم كانوا اعظم ملوك المنطقة (5) وذلك بقوله أنه لما فتحت افريقبة والمغرب دخل التجار بلاد المغرب فلم يجدو فيهم أعظم
(1) ليس المقصود بمملكة غانة، موضوع حديثنا، دولة غانة الحالية، بل كانت منطقة شمال غانة تمثل جزء صغيرا من مملكة غانة القديمة. وعلو أن اسم غانة أطلق حديثا جد الاستقلال على دولة ساحل الذهب، وهو الاسم الذي أ، أطلقة الأوربيون على تلك الدولة لأهميتها في تصدير الذهب من أقاليم مملكة غانة، وولة غانة الحيدثة دلة صغيرة المساحة (حوالى (23/ 539 كم 2 ويتركز المسلمون في غانة في المناطق الشمالية.
انظر: أبو عيانة، المرجع السابق، ص 455.
الجوهري، افريقية الإسلامية، ص 337.
(2) اسم نهر السنغال مشتق من قبيلة صنهاجة القوية والتي تمكنت من بسط سيطرتها على ارجاء واسعة من جنوب المغرب الاقصى وحتى نهر السنغال Senegal فاشتق اسم النهر منها، وقد أطلق البرتغاليون على الهر اسم صنهاجال، وتردد في المراجع الغربية اسم سنغال. اما المصادر الاسلامية
فقد ذكرت بإسم نهر غانة.
انظر: ابن سعيد كتاب الجغرفيا، ص 97.
- مؤنس الإسلام الفتح، ص 96/ 95. (3) انظر الخرائط في الملاحق: 315. (4) صورة الارض، ص 98. طبعة بيروت. (5) تاريخ ابن خلدون، جـ 6، ص 412.
- 313 - (1/318)
صفحة 319
من
(1)
ملك غانة، كانوا، مجاورين للبحر المحيط من جانب الغرب، وكانوا أعظم أمة ولهم أضخم ملك، وحاضرة ملكهم غانة، مدينتان على حافتي النيل، من أعظم مدائن العالم وأكثرها معتمراً (2)
وارتبطت تلك الدولة عند المسلمين بانتشار العدل في ربوعها، لما شاهده التجار
المسلمون والرحالة من التسامح والعدل والإنصاف الذي يتميز به حكامها أمام الرعية وقد صاحب هذا العدل انتشار الحرية والأمن والاستقرار مماشجع قدوم العديد من التجار من كافة انحاء العالم الإسلامي البحر المتوسط اليها. (3)
•
وهناك أسباب ساعدت هذه المملكة على طول فترة حكامها واستقرارها مما يلى: 1 - وجود قوات عسكرية كافية لدى ملوك غانة، وقد مكنتهم تلك القوات من التصدى للقبائل الزنجية في الجنوب، وقمع حركات التمرد من قبل الشعوب والقبائل لتي تتبع الممكة. وكان ملوك غانة دائمى الإنفاق على هذا المجال. قد بلغ تعداده حوالى 240 ألفاً. من قبيلة الملك
- الإنفتاح والحرية التجارية التي طبقها ملوك غانة، حيث استطاعوا ن تفتحوا حدود بلادهم من كل اتجاه امام التجار، ونظموا لذلك السبل التي تكفل. حمايه التجر وتجارتة. كما استفادوا بذلك من امكانيات المناطق والدول المجاورة مقابل تصدير لسع والمنتجات التي تنتجها بلادهم.
كما نظموا جباية الضرئب من قوافل التجارة. فكانوا يجبون على كل حمل من الملح يدخل ديناراً ذهبياً. وعلى الحمل الذى يخرج دينارين. بالإضافة إلى ضرائب أخرى حسب نوع كل سلعة. (4)
(1) ذكر الجغرافيون والرحالة المسلمون اسم نهر النيل على نهر النيجر ونهر السنغال، اعتقاداً منهم ان النهر النيل يصل إلى تلك الجهات. انظر: ابن سعيد المصدر السابق، ص 95 وما بعدها. (2) ابن خلدون، المصدر السابق،
(3) نعيم قداح، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في افريقية الغربية، ص 29 وما بعدها، الجزائر، سنة
1975 م
(4) نوري، المرجع السابق، ص 145. (1/319)
صفحة 320
من
الأم
3 - سياسة ملوك غانة مع الرعية وما اتسمت بة تلك السياسة. العدل الذي اشاع. الأمن والإستقرار في ربوع المملكة لفترات طويلة. وادي لك إلى ازدهار البلأ ونموها وسط محيط بدائي. وقد انعكس هذا الأمر في. أشكال الإحتفالات الملكية ومواكب الملك بين رعيتة وجلوس الملك في سرادقه الكبيرة ليستمع الملك إلى مطلب الشعب (1) كما تمتع التجار بحرية كاملة في ممارسة شعائر دينهم، فقد كان يوجد مسجد لهم بجوار المعابد والهياكل الوثنية. كما كان لكبار التجار أحياء خاصة في العاصمة.
ورغم صمت المصادر والمراجع عن تحديد تاريخ معين لظهور مملكة غانة في السودان الغربي إلا أن المصادر الإسلامية تردد أن عدد ملوكها حتى سنة 5153 - سنة 20 770 م م بلغ أربعة وأربعون ملكا. أى أن التاريخ التقريبي لبداية ظهورها فهو منذ القرن الثاني للميلاد حينما تمكنت جماعات من البربر من سكان شمال إفريقية من اختراق الصحراء والنزول في غرب السودان، والامتزاج مع شعوب زنجية أخرى مثل شعب الماندنجو) وتمكنت تلك الجماعات من تكوين نظام سياسي وإدارى جديد ظهر بقوة في القرنين الثالث والرابع الميلاديين واستمر حتى العصور الحديثة. (3) ويؤرخ البعض الآخر لبداية ظهورها القرن الرابع الميلادي (4).
(2)
كان الغانيون، مثل غيرهم من القبائل الإفريقية حتى العصور الإسلامية، وثنيون وتقوم الوثنية عندهم على تقديس القوى الطبيعية كالأشجار الضخمة والحيوانات القوية المفترسة. ويدل هذا الأمر على ارتباط المجتمع بالبيئة الطبيعية وبالأجداد القدماء، حيث يعتقدون أن الميت قد يعود في شكل شجرة أو حيوان. واحتلت الحيات المكانة المقدسة عند أهل غانة، حتى أنهم اعتقدوا أن الحيات تخرج كل عام من جحورها تحتفل بعيد تتويج الملك وأن التعرض لها يعرض مصير البلاد للخطر. ومازالت تلك المعتقدات لها صداها في بعض المجتمعات الإفريقية.
(1) نعيم قداح، المرجع السابق، ص 67.
(2)
(0)
Fage, Intraduction to the Hostory of West Africa, P.P. L. 8,20.
(3) دافيدسون، إفريقية تحت أضواء جديدة، ص 183.
(4) نوري المرجع السابق، ص 144. (5) قداح، المرجع السابق، ص 69 (هامش)
15101 (1/320)
صفحة 321
ينتمي
(1)
وعلى قمة هذا النظام الوثني كان يتربع الملك الغاني على أساس أنه ممثل الآله بين الرعية، وأنه واسطة بين الرعية والآله، وهو مصدر الرزق للشعب وكان هذا الملك يـ إلى أقوى القبائل كما يشترط فيه القوة، التي هي عنصر مقدس في تلك المجتمعات) ويعيش الملك في قصر مبنى من الحجارة تحيط به بيوت حاشيته وأهله وخدمه. ثم تأتى بيوت السكان من اللبن والمسقوفة بالقش. وكان جيش البلاد من قبيلة الملك، ومن المرتزقة ويتولى قيادة الملك. وللملك احتفالات في مناسبات خاصة يلبس فيها أقراطه وقلائده وقبعاته المطرزة ويحيط به الحرس والخدم واستمرت تلك الأنظمة حتى تحول
المملكة إلى الإسلام
(2)
قبيلة
وكان النظام الإجتماعي لغانة يقوم على القبيلة التي تنحدر من أب واحد وينتمى معظم شعب غانة إلى قبيلة الساراكوله، وهي تتفرع إلى عدة عشائر أهمها عشيرة سيسيه التي ينحدر منها الملك والعائلة المالكة. كما ترتبط تلك القبيلة بالقبائل الأخرى بقرابة شديدة. وقبل الإسلام ساد مبدأ التخصص بين القبائل. فهناك قبيلة تختص بصناعة الحديد وهى تشكل مع عشائرها وحدة لتلك الحرفة. وكانت تلك. هي كوروما التي شكلت أهمية كبيرة في غانة لأهمية المجتمع إلى تلك الصناعة قديماً. كما توجد عشائر أخرى تعمل في مجال الزراعة أو الرعى أو الصيد. وكان الملك وقبيلته يمثل قمة هذا النظام من كافة النواحى، وهو يتمتع بالاحترام والتبجيل الكامل، حيث يقابله الشعب بالإنحاء ووضع التراب على رؤسهم دلالة على خضوعهم له. وقد شاهد ذلك التجار والرحالة المسلمون. (3)
وبجانب هذا النظام الصارم في غانة امتلكت أقاليم المملكة إمكانيات اقتصادية هامة حيث سيطرت غانة على أقاليم شاسعة في غرب السودان، تحتوي على إمكانيات زراعية بفضل الأنهار والأودية، وكذلك على مراعي شاسعة، حتى أنها كانت تكتفى ذاتيا في مجال المواد الغذائية من بساينها ومزارعها ومصائد أنهارها، وكان أهم
محاصيلها من الحبوب والقطن
(1) قداح، نفسه، ص 69.
(2) قداح، المرجع السابق
990.
(3) مقلد، المرجع السابق، ص 64.
- 316 - (1/321)
صفحة 322
وقد اكتسبت تلك المملكة أهميتها منذ التاريخ القديم بسبب توفر معدن الذهب بأرضه وبكميات وفيرة، حتى أن ملك غانة كان يسمى " كايامانمان أي ملك الذهب لأنه يجلس على عرش ذهبي، كما يوجد المعدن في أرضه بكميات كبيرة وبأسعار رخيصة أثارت لعاب التجار من كافة الأنحاء، فتحملوا المشاق وراء ذلك. (1)
كافة
وبسبب ذلك أصبحت غانة مركزاً هاماً لبلاد السودان تقدم أليها القوافل من " الأرجاء من الجنوب محملة بالرقيق ومنتجات الغابات الإستوائية، ومن | الشمال تفد القوافل العربية والبربرية محملة بالمنسوجات والملح والتمر والمصنوعات الأخرى وتعود محملة بالذهب والرقيق والعاج وبيض وريش النعام والصمغ والجلود وجوز الكولا. وقد زرع صيتها في أرجاء العالم بعد أن وصل المسلمون إلى بلاد المغرب. (2)
غانة
ومنذ البداية استقرت جماعات من الجنود والتجار المسلمين في بعض مناطق مملكة من جهة الشمال، بسبب سمعتها وازدهار أوضاعها وكذلك للعمل في مجال التجارة والتبادل التجاري. والدليل على ذلك أن هناك مدناً إسلامية ظهرت في القرنين الثالث والرابع الهجريين وأن بعضها كان يبلغ في تعداد حوالى 300 ألف نسمة حل سكانه من المسلمين وأصبح مدن وأقاليم غانة الشمالية يسودها العنصر العربي والبربري، بحيث جاء القرن الرابع الهجري ليشهد محاولات من جماعات الطواراق لفتح مملكة غانة، لكنها
لم تتم.
(3)
ولدواعي خدمة القوافل التجارية ولدت مدينة على حدود مملكة غانة الإسلامية وهى مدينة أودغست التي أصبحت أهم مراكز التجارة قاطبة في القرنين الثالث والرابع الهجريين واستمرت تؤدى دورها كذلك عدة قرون. (4) وكانت عبارة عن قرية صغيرة تطورت وأصبحت مدينة عامة بالسكان العرب والبربر والزنوج العاملين في مجال التجارة والتبادل بين السودان وشمال إفريقية. وانتشرت فيها المساجد الإسلامية والزوايا وقصدها العديد من العلماء والفقهاء. وحدثت نهضة اقتصادية شاملة للمناطق المحيطة بها من
(1) الحميري، محمد عبد المنعم، الروض العطار، 63، تحقيق دكتور إحسان عباس
(2) قداح، المرجع السابق، ص 72.
(3) مقلد، المرجع السابق، ص 69. (4) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 91.
- 317 - (1/322)
صفحة 323
أجل إمدادها بما تحتاجه من المواد الغذائية وحاجات التجار والمسافرين وكانت تلك المدينة متصلة المسالك مع مدن شمال إفريقية وبلاد غانة.
(1)
وقد ازدهرت المدينة بصورة عامة بفضل سكانها من المسلمين واتضح هذا الإزدهار
في الجوانب الآتية:
-1
الاتساع والامتداد العمراني فقد زادت أحيائها رغم إحاطتها بالجبال من جهتين، وأصبحت المدينة تضم أحياء متصلة ذات مباني حسنة ومنازل راقية (2)، لأول مرة في تاريخ الصحراء
2 - تنوع الأسواق بها، وتنوع سلعها ومواد تجارتها، حتى وصف سوقها بأنها عامرة الدهر كله لا يسمح الرجل فيها كلام جليسه لكثره جمعه وضوضاء
أهله (3)
3 - ثراء أهلها، حتى بلغ الأمر أن أهلها كانوا لا يتعاملون إلا بالدنانير الذهبية وأصبح مع الشخص الواحد من أهلها ألف خادم أو أكثر (4) وأن هؤلاء العبيد كانوا يمثلون القوة المنتجة في المدينة سواء في الزراعة أو تربية الحيوان أو حراسة القوافل وفي مجالات الحرف الأخرى. كما اشتهرت بحسن جواريها التي ضرب بهن المثل في الجمال وفي المهارة في العمل (5)، كما كان يحمل
منها العنبر (6) الوارد إليها من المحيط الأطلسي القريب من جهة الغرب.
ويسبب موقع المدينة الهامة فإنها أصبحت مركزاً لتجار المسلمين القادمين من وارجلات و تاهرت وسجلماسة وفاس، ولذلك أصبحت المدينة عبارة عن مدينة إسلامية
(1) الجنحاني، المغرب الإسلامي، 209.
(2) البكرى، المغرب، ص 158. (3) البكري، المصدر السابق، ص 158. (4) البكري، المصدر نفسه، 159. (5) الحميري، المصدر السابق، ص 63. (6) الحميري، المصدر نفسه، ص 64.
- 318 - (1/323)
صفحة 324
ممتدة على حدود بلاد السودان. وهو الأمر الذي كان يخشاه كثيرا ملوك وحكام مملكة غانة من ظهور أطماع لزعامات أودغست داخل أراضي مملكة غانة وخاصة من قبائل البربر القوية والسيطرة على الأقاليم المتاخمة لمملكة غانة مثل لمتونة وهم من الملثمين، وفروع قبائل صنهاجة. وكانت تحكم بالفعل من قبل شيوخ صنهاجة، الذين مدوا سلطانهم بالفعل إلى أقاليم غانة الشمالية، حيث كان يؤدى له الجزية حكام شمال مملكة. حتى قام ملك غانة في القرن العاشر الميلادي بغزو المدينة وتعين حاكم وثنى من قبله عليها. وظلت خاضعة له حتى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي
غانا
(1)
وتدل عملية المد والجزر على السيادة على أودغست بين المسلمين وبين مالك غانة على نجاح المد الإسلامي داخل مملكة غانة ذاتها بسبب ما يلي:
:
1 - كان غزو ملك غانة للمدينة يهدف إلى إبعاد نفوذ قبائل الطوارق والملثمين الذين كانوا في حركة دائمة لاختراق الصحراء ودخول مملكة غانة وكانت لهم جهود واضحة لنشر الإسلام في الواحات الصحراوية ومناطق شمال غانة، حتى أحس بذلك ملك غانة من خلال حدوث تمرد بين حكام أقاليم على
سلطانه
- لم يتعرض ملك غانة بأي أذى للتجار والحركة القوافل التجارية داخل بلاده وخاصة الإسلامية منها فقد أصبح اقتصاد الدولة مرتبطاً بالتجارة، ومواردها وكان هؤلاء التجار يتجولون في كافة أرجاء المملكة في حرية تامة وأمن وأمان، كانوا خير سفراء للإسلام في أى مكان أقاموا فيه، حيث كانت لهم حرية ممارسة شعرائهم الإسلامية علانية، فقاموا ببناء المساجد في مملكة منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، واتخذ مستشارين لإدارة ملكه.
(2)
وظلت أودغست كمنطقة حاجزة، بين نفوذ الشمال الإسلامي، وبين نفوذ ملوك غانة الوثني، حتى أنتهى الأمر بضمها إلى عبدالله بن ياسين سنة 5446/ 1054 م مؤسس دولة المرابطين، وضمت نهائياً للنفوذ الإسلامي، وبسبب هذا الصراع الطويل حول
(1) البكرى، المصدر السابق، ص 168
(2) مقلد، المرجع السابق، ص 90 وما بعدها.
- 319 - (1/324)
صفحة 325
المدينة تحولت مكانتها الهامة في مجال التجارة إلى مدينة ثانوية. وبدأت تفقد أهميتها السابقة وأخذت القوافل التجارية تبحث عن طرق أخرى آمنة غير طريق أودغست، ففي القرن السادس الهجري زراها الإدريسي ووضعها بأنها مدينة صغيرة بين جبلين شبه مكة في صحراء ماؤها قليل، وعامرها قليل، وليس بها كبير تجارة "
(1) -
ورغم ذلك فقد أتاح سيطرة دولة المرابطين على أودغست (2) ومراكز التجارة الصحراوية الأخرى، سيطرتهم على موارد هامة من عوائد التجارة، خاصة من الملح والذهب والرقيق وأصبحت طرق التجارة القادمة من دول الشمال الإفريقي تحت رحمتهم، الأمر الذي أضاف لهم نفوذاً سياسياً عالياً، ومورداً إقتصادياً لا ينضب، بحيث أصبحت أهم منافذ الذهب العالمي وهو ذهب السودان العربي تحت رحمتهم. وقد أتاحت تلك الموارد قوة واضحة لدولتهم فظهرت دولة المرابطين منذ البداية على أسس اقتصادية ثابتة وموارد مالية متجددة، ومواقع استراتيجية، وأصبحت دولتهم من أعظم دول عصرها منذ القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، كما احتلت عاصمتهم مراكش مركزاً بين مدن العالم الإسلامي وحوض البحر المتوسط.
هاماً
ويبدو أن اهتمام الباحثين بالشق الشمالي لدولة المرابطين قد ترتب عليه إهمال تفاصيل الجهاد ونشر الإسلام في السودان الغربي، حيث أتجه زعماء القسم الجنوبي من دولة المرابطين إلى اعلان الجهاد على الوثنية في بلاد السودان الغربي، حتى أن أصبح من المقبول تقسيم تاريخ انتشار الإسلام وثقافته في بلاد السودان الغربي إلى قسمين هما: الأول: قبل عصر المرابطين من القرن الأول الهجري إلى القرن الخامس الهجري). وفيه كانت عمليات امتداد الإسلام تتم بيسر وهدوء من خلال جهود التجار والدعاة
(1) نزهة المشتاق، ص 32
(2) بعد اعلان الجهاد من قبل ابن ياسين وتوحيد كلمة صنهاجة تحت زعامته وانضمام قبائل جدالة ولمتونة وسوفة وتارجا وبنى وراث إليه. قسم ابن ياسين قواته إلى إتجاهين:
الأول أتجه شمالاً صوب قبيلة زنائه فأزالها عن المغرب الأقصى وضم المغرب الأقصى. - الثاني جنوبي صوب مملكة غانة وبدأ يحتل معظم أراضيها. انطلاقاً من حوض السنغال في
الشمال الغربي لغانة.
- 320 - (1/325)
صفحة 326
والعلماء والفقهاء. ومن خلال العلاقات النشطة بين دول شمال افريقية كالرستميين والصفرية والأدارسة والأغالبة مع حكام غانة وأمراء مناطقها (1) وإن كان هناك مراكز تجارية غلبت عليها الصفة الإسلامية قبل عصر المرابطين.
الثاني: عصر المرابطين وما بعدهم:
(2)
حتى
فقد بدأ زحف المرابطين إلى أو دغست سنة 1055 م ثم اتجهوا صوب الجنوب تمكنوا من دخول مدينة كومبي صالح (غانة) العاصمة سنة 1076 م (3) وأنتهى بذلك عصر الوثنية بها وبعد تحول شامل بين سكانها نحو الإسلام، وقفت جيوش المرابطين على أبواب الغابات الإستوائية في الجنوب. وبدأ العلماء والفقهاء الذين توافدوا على غانة في نشر الإسلام بين مدنها وقبائل. وظلت غانة تحت نفوذ المسلمين حتى تمكنت جماعات الصوصو، من سكان حوض النيجر، الإغارة عليها ودخلوها 600 هـ /1203 م، فاتجهت جموع كثيرة من مسلمى غانة إلى الشمال هرباً من جماعات الصوصو، فظهرت مراكز تجارية جديدة في الشمال مثل ولاته.
بدأت قبائل غانة في تحمل جهود نشر السلام بين الجماعات الوثنية المجاورة حتى أن بعض القبائل تخصصت بكامل أفرادها في عمليات نشر الإسلام خاصة في جهة الغرب حيث إمارة وارام الوثنية وجهة الشرق بين جماعات حوض النيجر الوثنية، وكذلك جهة الجنوب، حيث قبائل الموش الوثنية. وشهدت منطقة غرب إفريقية تحولاً عن عاداتها الوثنية القديمة إلى الإسلام وحضارته وثقافته (4). وفي العصر الإسلامي حدث تحول أيضا في الحياة السياسية فقد اندمجت المناطق كلها تحت سيطرة مركزية واحدة، بعد أن تمتعت الأقاليم في السابق بنوع من التبعية الرمزية لحكام غانة الوثنيين. وانتشر الأمن
والعدل (5).
(1) مقلد، المرجع السابق، ص 82 وما بعدها.
(2) مؤنس، المرجع السابق، ص 100.
(3) كانت عبارة عن مدينتي على ضفتي نهر. وهي أكبر مدن السودان الغربي، وبها أغنى التجار في
بلاد السودان.
- الحميري، الروض المعطار، ص 425.
(5) الحميري، المصدر السابق، ص 446. (6) الحميري، المصدر نفسه، ص 425.
- (1/326)
صفحة 327
وفي مجالات انتشار اللغة العربية حدث تطور جديد، فقد أصبحت اللغة العربية لغة التفاهم بين طبقات أهل السودان وقبائلهم بالإضافة إلى كونها لغة المعاملات التجارية والمراسلات فظهرت الحاجة إلى العلماء من أجل تدريسها في المساجد، وظهرت المؤسسات الخاصة بتعليمها. وقد انبرى العديد من العلماء لتلك المهام منهم هارون بن أبي، وهو من شيوخ الأباضية من زناته اتجه صوب الجنوب إلى غانة عابراً الصحراء وتوغل إلى أبعد نقطة يصلها المسلمون صوب الجنوب وهى غيارو، التي وضعها البكري بأن بها أفضل الذهب من بلاد غانة (2). وكان غرض هذا العالم هو الدعوة ونشر الرسلام واللغة العربية بين القبائل الوثنية. وقد استمر حتى توفي ودفن هناك.
عمران
(1)
كما كان كثيراً من التجار والمشتغلين بالتجارة من أهل العلم، فلم يكن قد تم ترتيب أرزاق للعلماء والفقهاء بصور منتظمة، ومن هؤلاء فلحون بن اسحق من بنى واسين وكان مستقراً ببلاد الجريد ثم اتجه إلى غانة وبالذات إلى مدينة غيارو وأستوطن. وبفضل جهود التجار والعلماء والحكام في تلك الفترة أصبح المسلمون في غانة يتحكمون في تجارة الذهب، فازدهرت غانة وأقاليمها
بالمدينة.
(3)
(4)
وقد أثار هذا الإزدهار والحيوية التي دبت في أقاليم مملكة غانة الحقد من قبل حكام الأقاليم الوثنية المجاورة من الشرق والجنوب طمعاً في الإستفادة من هذا الإزدهار والثراء الذي ميز تلك الدولة على يد المسلمين، فقام ملك الصوصو. وهو سومانغرو كانتيه بحشد قوات عديدة من قبائل الصوصو ودخل العاصمة كومبي صالح سنة 1203/ 5600 م، وأشاع الفوضى والدمار في بعض المناطق التي هاجر سكانها من المسلمين صوب الشمال (5)، إلا أن الوجود الإسلامي بها تمكن بفضل القبائل المحلية التي أسلمت من طرد ملك الصوصو سنة 1240/ 0638 م وعادت غانة إلى الحياة الإسلامية)
(1)
(1) ناصر، محمد، دكتور، دور الأباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 14 مطبعة الضامري.
(2) البكري، المصدر السابق. ص 176.
(3) ناصر، المرجع السابق، ص 14. (4) الحميري، كتاب الجغرافيا، ص 90.
(5) طرخان، امبراطورية غانة، ص 53.
(6) قداح، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في إفريقية العربية، ص 31.
- 322 - (1/327)
صفحة 328
وهكذا فإن الزعيم المرابطي أبو بكر عمر يرجع إليه الفضل في التحول السياسي
الجديد الذي وقع في غرب السودان، حيث حول تلك المناطق إلى الحضارة الإسلامية وضمها إلى خارطة الدولة الإسلامية وأبعدها عن الوثنية ومحيطها وأوصل الإسلام إلى حدود الغابات الإستوائية. ويوازي هذا العمل في أهميته، إن لم يفوق، دور القسم الشمالي من دولة المرابطين الذي عبر زعيمهم يوسف بن تاشفين ليوقف المد المسيحي في الأندلس، وأنقذ الأوضاع المتردية للمسلمين هناك. (1)
(2)
ورغم ما قام به الصوصو من اعتداءات على مملكة غانة الإسلامية، إلا أن الإسلام قد انتشر بينهم بعد ذلك. كما أن قبائل من بلاد السودان التي أسلمت قد بدأت في التصدي لمحاولات الوثنيين وتمكنوا من طردهم ثانية صوب الشرق والجنوب وبدأت قبائل الماندنجو المسلمة تعمل من أجل الحفاظ على المكاسب الإسلامية التي تحققت وتبني دولة إسلامية جديدة هي دوة مالي التي سيكون لها دور بـ بارز في ترسيخ الهوية الإسلامية في السودان الغربي حتي ا العصور
الحديثة
(3)
الجماعات
وكانت عملية انفتاح الحدود بين ممالك المسلمين في السودان الغربي مع ا الوثنية المجاورة لها من الجنوب، ووجود جيوب وثنية داخل أقاليم السودان العربي جعلت عملية الجهاد الإسلامي مستمرة ضد تلك القبائل حتى العصور الحديثة. فمنذ دخول المرابطين غانة وحتى ظهور مملكة مالي وصنفي ظلت للوثنية وجودها في الجنوب، ولكن كانت عمليات تحولها إلى الإسلام تتم بصورة مستمرة حتى انحصرت في جيوب صغيرة صوب الجنوب. لكن تلك المناطق بدأت تقوى من جديد بعد وصول الأوروبيين إلى غرب افريقية واتخاذهم مراكز لهم في الجنوب حيث الساحل، وجعلوا أنهم ركيزة لمناهضة ووقف المد الإسلامي في تلك الجهات. كما أن الدول الإسلامية قد بدأت تعاني من التفكك، والإنقسام والدخول في حلقات مستمرة من الصراعات
(4)
وكانت قبائل الغانتي التي تمتد أوطانها صوب الجنوب، يغلب عليها الطابع الوثني
(1) مؤنس، المرجع السابق، ص 102.
(2) طرخان دولة مالي، ص 32 (3) طرخان، المرجع نفسه، ص 46. (4) طرخان. مالي، ص 195 وما بعدها.
- 323 - (1/328)
صفحة 329
حتى بداية القرن العشرين، وحينما قدم الإنجليز وفرضوا الحماية على تلك المناطق سنة 1901 م جعلوا كل منطقة ساحل الذهب تخضع لتلك القبيلة رغم قلة عدد المسلمين ها (1). من أجل تحقيق مصالحهم.
وفي غينيا الإستوائية يتمتع الوثنيون والجماعات التي تحولت إلى المسيحية بعد عمليات التنصير في القرن العشرين، بامتيازات واسعة، فللمسيحيين هناك حق الاعتراض على الموازنة والتوزيع المالي في البلاد للميزانية. (2)
كما تجاهلت الدول الاستعمارية الثقافة الإسلامية التي ترسخت في المنطقة، وكذلك اللغة العربية التي كانت تمثل اللغة الأساسية في التعامل بجانب اللغات المحلية للقبائل فمنعوا تدريس اللغة العربية. ومازالت الكتب العربية التي بدأت بعد عصر الإستقلال تتم بصور فردية لا تستند إلى أى دعم حكومي)
(3)
(1) ضناوي، محمد علي، دكتور، الإقليات المسلمة في العالم. ص 172 وما بعدها، مؤسسة الريان
، بيروت، 1992 م.
(2) ضناوي، المرجع نفسه، ص 173.
(3) طعيمة، صابر، دكتور، محنة الأقليات المسلمة، ص 70 وما بعدها، بيروت سنة 1988 م.
- 324 (1/329)
صفحة 330
ثانياً: مملكة مالي: (1)
تعد مملكة مالي أولى الكيانات السياسية الإسلامية التي ظهرت منذ البداية باسم الإسلام في بلاد غرب السودان منذ بدايتها (2). وهي أهم الدول الإسلامية التي تركت أثراً واضحاً لحضارة الإسلام وثقافته في غرب إفريقية حتى الوقت الحاضر. يتجلى ذلك في تراث علمائها الضخم باللغة العربية في علوم القرآن الكريم والعلوم الإسلامية الأخرى كما تشهد بذلك آثارها الإسلامية المتواجدة في دول غرب افريقية.
يرجع
ظهور مملكة مالي إلى قبائل الماندنجو التي سادت المنطقة الفسيحة الممتدة من
(1) أخذت مالي تسميتها من تلك القبائل التي عرفت بالمالنك أو الماندنجو وهو تحريف لكلمة ماندي. وقد يقصد بها العاصمة عند قبائل السوننكة، أو الرعايا عند جماعات الفولانيين وقد ظهرت مالي بأسماء عديدة لدى كتاب العصور الوسطى منها: مل أو ميليت أو مايلي:
وليست مالى الحديثة هي مملكة مالي التي ظهرت على أنقاض مملكة غانة. فمالي الحالية جزء من مملكة مالي السابقة، وهى الآن دولة قارية حبيسة، لا تطل على أية مسطحات مائية، وتشغل الصحراء معظم مساحتها، رغم كبر مساحتها التي تصل إلى مليون وربع من الكيلو مترات المربعة. وعاصمتها الحالية هي باماكو. أما مدينة تمبكتو الشهيرة في الماضي فقد فقدت أهميتها وأصبحت
مدينة صغيرة متواضعة.
بينما كانت مملكة مالي منذ القرن الثالث عشر الميلادي أكبر مساحة في دول بلاد السودان فقد امتدت حدودها حتى وسط إمارات الهوسا في الشرق، وإلى سواحل المحيط الهندي وبلاد التكرور في الغرب، كما أخضعت معظم واحات الصحراء ومراكز التجارة الشمالية لنفوذها وأمتد نفوذها في الجنوب حتى الغابات الإستوائية. وأصبح ملكها من أعظم ملوك عصره بجانب خليفة بغداد وسلطان
مصر.
انظر مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 103.
طرخان، دولة مالي، ص 30.
أبو عيانة، الجغرافية الرقليمية، ص 451، ص 452.
الجوهري، افريقية الإسلامية، ص 329، 330.
(2) يعتبر أبو سعيد في كتابه الجغرافيا من أهم من كتب عن بلاد السودان بوصفه الرقيق وللقرى والمدن والقبائل والجزر، لكنه لم يتمكن من تحديد الكيانات السياسية وحدودها.
انظر، ص 89 وما بعدها (الأقليم الأول).
- 325 - (1/330)
صفحة 331
نهر النيجر شرقاً وحتى نهر السنغال في الغرب. وقد قدمت تلك القبائل من الشرق زمن ملوك غانة الوثنيين وخضعوا لهم. إلا أنهم أخذوا يعملون على توحيد صفوفهم وأنتهى
الأمر بظهور إمارة لهم جديدة في إقليم كانجايا منذ القرن السابع الميلادي.
الأول: الزعامات الشمالية:
(1)
التي ظهرت في منطقة كيري بأعالي نهر السنغال بزعامة أسرة التراور) وكوناتي التي سادت في دودو جو وشكلت مملكة عرفت بأسم مملكة دو ويطلق على المملكتين الشمالتين أسم" دوني كيري Doni Kiri - وكان للزعامة الشمالية دور كبير في نشر الإسلام في الأجزاء الشمالية والغربية من السودان الغربي حتى العصور الحديثة.
الثاني: الزعامات الجنوبية:
وهى المرتبطة بأسرة Keita والتي تربط نسبها ببلال، مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهرت عظمة مالي كامبراطورية عالمية على يد تلك الزعامة خاصة زمن ماري جاطة وخلفائه. وكانت بداية تلك الإمبراطورية في إقليم كانجايا. وبدأت عاصمة تلك الزعامة من مدينة جارب بهذا الإقليم.
(2)
يعتبر بداية العصر الذهبي لامبراطورية مالي عصر ماري جاطة) الذي اتجه صوب الجنوب بعد هزيمة أسرته أمام الصوصو، فأعاد تنظيم قومه وجمع حوله بقايا جماعاً الماندنجو والقبائل الصديقة وأعلن الجهاد المقدس ضد الصوصو، وكون إمارة جديدة للماندنجو في سانكاران وباولي، ومنها بدأ يشق طريقه صوب الشمال بجيش حسن التدريب والتنظيم بلغت فرقه المحاربة حوالي اثنتي عشرة فرقة، بالإضافة إلى طوائف من الفدائيين الذين كان لهم دور في حفظ الأمن والاستقرار في دولته)
(3)
(1) اعتنق مؤسس تلك الإسرة الإسلام ويسمى منسا نوکن تراورا. (2) اسمه سندياتا، وهو الابن الثاني عشر لنادي فاغمان الذي دخلت بلاده قبائل الصوصو واحتل إقليم كانجابا أثناء ضعف مملكة مالي وقد عمد الصوصو إلى قتل كل أفراد الأسرة الحاكمة للأقليم ولم
ينجو سوي سندياته الذي قاد قومه إلى الصوصو وتحرير بلاده.
ابن خلدون، تاريخ، ج 1، ص 413.
(3) طرخان، المرجع السابق، ص 41.
- 326
- (1/331)
صفحة 332
وفي معركة كيرنيا Kirind 63 هـ / 1235 م تمكن الماندنجو بزعامة ماري جاطة من
(1)
انزال هزيمة ساحقة بالصوصو، وتمكن الماندنجو من فتح إقليم كانياجا وهو المركز الرئيسي لدولة الصوصو، وإقليم سانسانديح وإقليم سيجو، وأقاليم أخرى لتصبح جماعات الماندنجو أقوى جماعات ودول بلاد السودان.
وتمزقت جماعات الصوصو في أقاليم السودان الغربي، فاتجهت جماعات منها صوب ارض حوض السنغال، حيث اصطدموا بجماعات الولف هناك، حتي قضي عليهم الولف في القرف الرابع عشر الميلادي. كما اتجهت جماعات منهم صوب الشرق والشمال. واتجهوا بعد ذلك إلى الدخول في الإسلام، وخلوا في جماعات اخري.
(2)
تابع ماي جاطة انتصاراتة ليضم جني، كأحد المراكز التجارية علي النيجر الزعلى، والتي تتحكم في تجارة مدينة ولاتة الصحراوية، وفي سنة 638 هـ سنة 1240 م دخل ماري جاطة مدينة كومبي صالح، والتي كان هجرها العلماء والتجار إلى ولاته نحو الشمال منذ إجتياح الصوصو لها منذ سنة 1203 م. وأصبحت مالي امبراطورية تتحكم في احداث غرب السودان وفي تجارتة. وتمتد اقاليمها حتى حوض نهر السنغال غرباً وإلى حدود الصحراء شمالاً.
ومن أجل اكتمال الشكل الجديد لامبراطورية مالي قام ماري جاطة بتأسيس
(3)
عاصمة جديدة له تليق بمركز الماندنجو وباتساع حدودهم وبقوتهم، وهي مدينة نياني علي إحدى فروع نهر النيجر، وهي التي اشتهرت باسم مالي أو ملي، صار اسمها علماً علي دولة الماندنجو، وأصبحت من أهم مراكز السودان الغربي التجاريه حيث اصبحت قبلة للقوافل التجاية لفترة طويلة، ومركزاً هاماً للتجار من كافة الأنحاء. كم قصدها العلماء والفقهاء والدعاة. وهي أول مدينة تؤسس في غرب السودان علي النمط الإسلامي وبالروح الإسلامية (4) ذلك لأن الماندنجو عرفوا الإسلام قبل ان تبني إمبراطوريتهم بقرون.
•
(1) قداح، المرجع السابق، ص 48.
(2) طرخان، المرجع السابق، ص 41. (3) زكي، تاريخ الدول الإسلامية، ص 97 (4) قداح، المرجع السابق، ص 50
- 327 - (1/332)
صفحة 333
توفى ماري جاطة سنة 653 هـ / سنة 1255 م بعد أن قام ببناء امبراطورية إسلامية واسعة في بلاد السودان الغربي لأول مرة، وتحمل مع قومة عبا الدفاع عن الإسلام ضد الجماعات الوثنية خاصة في الجنوب (1)، وأعاد تلك الجماعات الوثنية إلى الانحسار والانكماش داخل نطاق الغابات أو الجزر المنعزلة في مناطق المستنقعات.
(2)
تولى بعد ماري جاطة في حكم مالي منسا ولى سنة 1255 م، ويذكره القلقشندي باسم منسا علي ويعد منسا علي من أعظم سلاطين القرن الثالث عشر في إفريقية جنوب الصحرء. فقد استفاد من خدمات قادة أبية ماري جاطة، حيث تمكن عدد من هؤلاء القادة من تأسيس إمارات تابعة لمملكة مالي ومنها مملكة بانبوك التي أسسها القائد سرماكيتا، ومملكة سانجاران التي أسسها القائد ساني نيانجا وهو من سلالة أسرة التروريين التي تأسست في الشمال (3). وبذلك بسطت مالي سيطرتها التابعة على حقول
الذهب ومنابعه.
كما
ا تمكنت ت مالي في هذا العصر من بسط سلطانها على دويلة صنغي الناشئة في حوض النيجر الأوسط. غير أن جاو Gao استعصت على جيوش مالي وقد أخذ منا على رهائن من صنغى ليضمن خضوعها واستسلامها وكان ملكها هو زاياسبي، وكان ولداه علي کولسن وسليمان نار من الرهائن لدى مالي.
(4)
•
وبعد وفاة منسا على بن ماري جاطة تعرضت البلاد لفترة من الفوضى حتى نهاية القرن الثالث عشر، أي من سنة 1270 م وحتى سنة 1300 م. وقد تولى في هذه الفترة ملوك هم منسا ولى، ثم أخوه خليفة الذي ثار عليه الرعية وقتلوه سنة 1275 م. ثم حكم من بعده أبوبكر بن بنت ماري حاطة حتى 1285 م، وفى هذه الفترة خرج رهائن صنفي وهما على كولسن وسلمان نار وأعادا توحيد قومهما. ومن بعد أبو بكر تولى سيكره وهى من موالي أسرة كينا، وقد تمكن من إخضاع صنفي من جديد ودخول العاصمة الصنغية جاو، وفتح كوكو ووصل ملكه حتى ساحل المحيط الأطلسي وهابته أمم السودان
(1) زكي، المرجع السابق، ص 102.
(2) القلقشندي، صبح الأعشى، جه - ص 193.
(3) طرخان، المرجع السابق، ص 64.
(4) الإدريسي، نزهة المشتاق، ص 213
- YYA- (1/333)
صفحة 334
وقام بأداء فريضة الحج سنة 1300 م زمن | طان المملوكي الناصر محمد بن قلادون. وخلال عودته قتل على أيدى الدناقل سنة 1300 م 1).
ربعد موت سيكره تولى الحكم فيها منسا قو بن ماري حاطة (1300 – 1305 م) ثم خلفه من بعده ابنه ها مادوا (محمد) (1305 - 1310 م) ثم تولى من بعده شخص يدعى أبا بكر من نسل أخت ماري جاطة لمدة سنتين حتى سنة 1312 م.
السلطان
ومنذ سنة 1312 م تولى الحكم في مالى أعظم سلاطين مالي على الإطلاق وهو موسي (1312/ 0712 - 738 هـ - (1337 م). واشتهرت مالي في زمنه وأصبحت ذات ثروة وعظمة وقوة ونفوذ في إفريقية والعالم الإسلامي. وقد وصفه ابن بطوطه بأنه يحب البيض ويحسن إليهم (2) وأشتهر بثقافته وورعه وإجادته للغة العربية. وفتح بلاده للاجئين من مسلمي الأندلس وعلمائهم من الإضطهاد المسيحي. وتوافدت على بلاده ومن ثم أعداد كبيرة من التجار والعلماء.
يبدو أن نفوذ مالي قد استتب زمن موسي، فقد تمكن من إخماد تمرد صنغى الأخير سنة 1325 م، ودخل جاو، وتنبكتو سنة 1329 م، وبنى في الأخيرة دارا للحكم، وقد تعرضت تلك المدينة لغزو قبائل الموشي الوثنية سنة 1330 م لكن مالي أعادتها من جديد. وبذلك أصبحت مالي تتحكم في طرق القوافل الجزية على دولة جنى موسي شرقاً وشمالا، وفي مناجم الملح والنجاح والذهب. وأصبحت مالي تضم أربع عشرة مملكة
وفرض
أو إقليم هي:
:
(3)
غانة - زاگون - ترنكا - تكرور - سنغانة - بانبغو - زرنطانيا – بيرا – دامورا - زاغا – کابرا، براغودي، کوکو، مالي. حتى قدرت مساحة مالي بمساحة أوروبا زمن
(1) القلقشندي، المصدر السابق، ص 294
(2) عرف السلطان موسى بأسم: منساكنكن موسى، أو كونكور موسى. وقد استخدم هذا اللقب من قبل الفرنسيين. وكنكن كلمة منسوبة إلى أم السلطان وهى نانا كانجو بينما عرف عن أهل مالي باسم کي مل أو مل کي کنکن موسى أي بمعنى حاكم مالي.
- انظر: طرخان، المرجع السابق، ص 73، 74. رحلة ابن بطوطة، ص 694.
(3) السعدي، تاريخ السودان، ص 24.
-
329 - (1/334)
صفحة 335
کنکن موسي (1)، وأصبحت أعظم امبراطوريات القرن الرابع عشر /م (2).
تولى من بعد السلطان موسى ابنه مغان الأول (محمد) (1337 - 1341 م) وقد تعرضت الدولة في عصره لغارات مستمرة من قبل قبائل الموش الوثنية، وقامت تلك القبائل بأعمال نهب وتخريب فهاجمت تنبكتو وإحرقتها. كما هربت رهائن صنفي ونجح الأميران الصنغيان من انتزاع جاو، وأخذا يترقبان الفرصة لاستعادة بقية أراضي إماراتهما.
(3)
4
تولى عرش مالي بعد محمد عمه سليمان (1341 - 1360 م) الذي نجح في استرجاع بعض المناطق التي فقدت زمن ابن أخيه السابق، لكنه فشل في استرجاع جاو عاصمة صنغي. وانصرف السلطان سليمان إلى الإصلاح الداخلي فعني بإقامة المساجد. وجلب إلى بلاده العلماء والفقهاء. وأدى فريضة الحج سنة 1351. وفي عهده زار ابن بطوطه مالي مرسلاً من قبل سلطان بني مرين في مراكش، وهو أبو عفان فارس المتوكل بن علي (1348/ 5749 م - 5759/ 1358 م). وذلك بهدف تنشيط التبادل التجاري بين الطرفين. وقد بدأت الرحلة أواخر سنة 752 ه، 1351 م، ودخل مالي سنة 753 هـ/ 1352 م، وغادرها سنة 754 هـ / سنة 1353 م)
ويرجع
(4)
الفضل الكبير لحكام مالي وأمرائها في ترسيخ الإسلام ونشر الثقافة الإسلامية بين سكان بلاد السودان الغربي، فقد كان الحكام من أكثر الناس تمسكاً بالإسلام وتحمساً لنشره، فأصبح دين مملكتهم الرسمي (5). وبلغ من عدل ملوكها مايرون حينما نزل على مسنى سليمان أثناء رحلة من أن الملك المالى كان دائماً بـ ينبه أمراء البلاد بالبعد عن الظلم والفساد بقوله إنى برئ من الظلم ومن ظلم منكم عاقبته، ومن علم بظالم ولم يعلمني به، فذنوب ذلك الظالم في عتقه، والله حسيبه وسائلة. كما أن منسا سليمان عزل والى مدينة ولاته التجارية الشهيرة بسبب حصول الوالي على مبلغ من أحد
(1) طرخان، المرجع السابق، ص 79.
(2) زكي، المرجع السابق، ص 110.
(3) طرخان، المرجع السابق، ص 95. (4) انظر الرحلة، ص 7 وما بعدها.
(5) حسين، أحمد إلياس، دور فقهاء الأباضية في إسلام مملكة.، ص 92، ندوة العلماء الأفارقة
- rr. - (1/335)
صفحة 336
التجار بطريقة غير مشروعة، فرد إليه الملك ماله وعزل واليه. وكان صاحب الحاجة يدخل
مباشرة على الملك المالي
(1)
وبلغ المسجد مكانة هامة في حياة ونفوس سكان مالي، فقد كان الخائف عندهم يستجير بالمسجد أو بدار الخطيب. وقام المسجد بدور كبير في حياة الناس هناك فبجانب تأدية الصلاة به، فقد كان عقد مجالس العلم وتدريس مختلف علوم الدين، وخاصة كتب الفقه المالكي، وقد قام ملوك مالي ببناء العديد من المساجد في مختلف مدن المملكة خاصة المدن الكبرى مثل ملى وجاو وتنبكتو وكوكو، وتوافدت أعداد كبيرة من العلماء إلى تلك المساجد للتدريس بها ونشر الإسلام واللغة العربية.
واحتل العلماء والفقهاء مكانة هامة لدى ملوك غانة وبين جميع طبقات المجتمع المالى المسلم وكان لهم دور في القضاء على المفاهيم الوثنية القديمة وإصلاح أحوال المجتمع المالي وإنتشرت طاهرة بناء المساجد على النظم المعمارية الإسلامية حيث بدأ نماذج العمارة المغربية والإندلسية والمصرية تدخل إلى السودان الغربي. فانتشرت حلقات العلم في المساجد وأصبح حفظ القرآن مفروضاً على كل أبناء مالي من قبل آبائهم، حتى أنهم كانوا يضعون قيداً في رجل من لم يحفظ القرآن من أولادهم. (2) وبفضل جهود والفقهاء أصبح أهل مالي أشد سكان بلاد السودان تمسكا بالدين الإسلامية.
(3)
العلماء
وكان لسكان مالي من قبائل الماندنجو الفضل في تحويل قبائل الهوسا، في الشرق إلى الإسلام في القرن الثالث عشر، فقد كان علماء مالي ودعاتها يتجهون بأعداد كبيرة نحو أراضي الشرق إلى إمارات الهوسا معهم كتبهم يعلمون بها أهل الهوسا أسس الإسلام وأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ اللغة العربية، حتى أنه وجد في مدينة جني أثناء خضوعها لمالي حوالى 4200 عالم.
وقد التزم دعاة الماندنجو بالحكمة الموعظة الحسنة حتى أنهم ألفوا قلوب القبائل الوثنية حولهم، فإذا دخل داعية منهم إلى قرية وثنية التف حوله الناس، وتميز هؤلاء
(1) الرحلة، ابن بطوطة، ص 701.
(2) ابن بطوطة، الرحلة، ص 7.3. (3) طرخان، المرجع السابق، ص 55 ..
- 331 - (1/336)
صفحة 337
الدعاة أيضا بالتفاني في نشر الإسلام، بالإضافة إلى خبرتهم في تلك النواحي، فكانوا يمتزجون بسكان المناطق التي يفدون إليها، حتى أن الإسلام في تلك المناطق الجديدة لم يؤثر على نمط الحياة اليومية بل أدى إلى تعديل سلوكهم، فاكتسبت تلك الأقاليم أنماط جديدة متقدمة دفعتهم إلى الأمام.
(1).
ولاحظ من زار تلك المناطق أن أهالى مالي أصبحوا أكثر الناس ارتباطاً بأخلاق الإسلام ومبادئه، فمن أفعالهم قلة الظلم بينهم، فهم أبعد الناس عنه، وسلطانهم لا يسامح أحداً في شيء منه. وقد ترتب على ذلك انتشار الأمن والاستقرار في بلادهم" فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق أو ظالم أو غاصب" حتى أن الناس هناك لا يتعرضون لمال من يموت في بلادهم من الأجانب، فإما يعود المال إلى أهله وبلده، أو يدفن بجواره، إذ كان مجهولاً. ولاحظ الرحالة أن مساجدهم تكون مكثفة بالمصلين يوم الجمعة حتى أن الإنسان إذا لم يبكر في الذهاب إلى المسجد. يوم
مكاناً له (2).
الجمعة لا يجد
وإلى جانب دور العلماء والفقهاء والدعاة من أهل مالي قام الأباضية تجاراً وعلماء بدور بارز في نشر الإسلام وثقافته في بلاد السودان العربي خاصة بعد سقوط الإمامة الرستمتية في نهاية القرن الثالث الهجري على يد الفاطميين الشيعة. وقد عرف هؤلاء الأباضيين عند أهل مالي باسم صنغنغو، بينما يطلق على علماء المالكية من البيض اسم
نوري
(3)
وقد نشط تجار الأباضية في التردد على بلاد السودان الغربي منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، وأصبحت مراكزهم في طرابلس وجبل نفوسة ووارجلان وتاهرت من أهم المراكز التجارية مع بلاد السودان، وأحتفظت زعاماتهم بعلاقات حسنة مع أمراء جنوب الصحراء، ولذلك سيرة القوافل بكثرة بين الجانبين. ولذلك فقد كان لهؤلاء دور في ترسيخ الإسلام ونشر ثقافية بين أقاليم مالي، مثلما الحال في: غانة من قبل.
(1) ابن بطوطه، الرحلة، ص 694. (2) ابن بطوطة، المصدر نفسه، ص 703.
(3) ابن بطوطة، الرحلة، ص 687.
- 332 - (1/337)
صفحة 338
ومن أوائل رجال الأباضية الذين سافروا إلى مملكة مالي العالم على بن يخلف المزاتي التاجر النفوسي سنة 575 هـ (1)، وانتهى به المقام إلى مدينة مالي، فأكرمه ملك مالي، وكان الملك قلما يجلس مجلساً إلا أحله معه إكراماً له وأعجاباً به وبخلقه وسيرته. وكان لهذا العالم الأباضي. في إسلام ملك مالي. وعلمه أصول الدين الإسلامي .. وصلى بالناس صلاة الاستسقاء حينما أصحاب البلاد جفاف شديد. وأخذ العالم الأباضي يعلم سكان المدينة الإسلام والقرآن وشرائع الدين ويبدو أن على بن يخلف قد تمكن من تحويل زعامة من مالي إلى الإسلام وليس ملك مالي نفسه
دور
(2)
(3)
وقد لاحظ ابن بطوطة أثناء رحلاته في مملكة مالى وجود أتباع للأباضية في زاغري (زغاري) يسمون من قبل أهل مالي باسم صنغنغو وهو الأمر الذي يدل على قدم الجهود الأباضية في بلاد السودان الغربي حتى انتهى الأمر بظهور أتباع لهم في أحد المراكز التجارية في مالي. وبدل أيضا على أن تجار الأباضية الذين قدموا من وارجلان وتاهرت وسجلماسة كانوا يقيمون بالقرب من مواقع استخراج الذهب في ذلك الوقت.
كما نشطت صلات رجال الأباضية مع مركز تجاري آخر بالسودان الغربي وهي مدينة تاد مكت التي تقع على الطريق التجاري بين واجلان في الشمال وبين كوكو وغيرها من مراكز السودان الغربي، وقد ازدهرت علاقات تجار الأباضية معها منذ العهد الرستمي في. وقد استقر بعض تجار الأباضية ووصل بعض إلى درجة كبيرة من الثراء
تاهرت
(2)
بسبب أهمية المدينة في تجارة الذهب السوداني)
(0)
(1)
على أن المذهب الذي ساد على السودان كان المذهب المالكي وذلك بفضل
(1) ناصر، المرجع السابق، ص 19 وما بعدها. (2) الدرجيني، الطبقات. جـ 2، ص 517.
(3) إلياس، المرجع السابق، ص 57. (4) ناصر، المرجع السابق، ص 26.
(5) ذكر أن أبانوح سعيد بن يخلف وصل إلى تادمكت ودخل بيت تملي حيث شاهد أكياساً مركومة من الذهب. وكان تملي يبعث كل عام إلى بلاد والجريد بثمانية آلاف دينار زكاة ماله. بعد أن كان فقيراً
قبل سفره
(6) اتباع مالك بن أنس (93 هـ - (179 م) الذي نشأ بالمدينة وتعلم بها، كان مشهورا بتقيده بالقرآن والحديث وابتعاده عن التأويل وقلة القياس
- 333 - (1/338)
صفحة 339
الروابط التاريخية الحضارية الوثيقة التي تربط بين القيروان وشمال افريقية وبين جنوب الصحراء، كما أن استمرارية تدفق هجرات القبائل وجموع ا العلماء والفقهاء من مراكز شمال إفريقية كان لها دورها الكبير في هذا الإطار.
ازدهرت الحركة العلمية والثقافية بين مدن مالى وأقاليمها، وقام سلاطين مالي بدعوة العديد من العلماء من بلاد المغرب ومن مصر ومن الأندلس، وخاصة بعد تلاحقت الكوارث على مسلمى الأندلس ففرت أعداد كبيرة من علمائها وفقهائها إلى بلاد السودان، حيث وجدوا هناك ترحيباً كبيراً من حكامها وأهلها، ولذلك فقد كان هجرة المسلمين من أسبانيا خيراً لبلاد السودان الغربي. وانتعشت المراكز التجارية تقع على طرق القوافل. حيث استقر بها اعداد من العلماء أيضا وسط سكانها. وبفضل رعاية حكام مالي ازدهرت العلوم والفنون الإسلامية، ونظمت رواتب شهرية ثابتة للعلماء والفقهاء والخطباء، بل ازدهرت مهنة نسخ الكتب وتجارتها، حتى كانت تجارة الكتب في عصر ملوك مالي ر دخلاً كبيرا لإقبال الناس على اقتنائها والانتفاع بها، كما تدل على كثرة المتعلمين بالدولة وتقدير الناس للعلم وأهله. (1)
تدر
وساعد على ازدهار الحركة العلمية بمالي اضطراب الأحوال السياسية والأمنية في الشمال الافريقي منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وقدوم العديد من علماء المسلمين من مختلف المذاهب للاستقرار في مدن مالي واتخاذها مقراً ومقاما. فازدهرت اللغة العربية بين سكان أقاليم مالي وترسخت المفاهيم الإسلامية وانزوت العادات الوثنية من الحياة العامة. وأصبحت العربية لغة الثقافة والفكر والتخاطب والمراسلات (2) بل أنها أصبحت لغة التخاطب بين القبائل الإفريقية، وكان الخط العربي المستخدم هو الخط المغربي من انتشار العربية اتجاه العديد من أبنائها لتحصيل العلم من مراكز الحضارة الإسلامية في الأزهر والقيروان وفاس ومراكش
(4)
(3)
وزاد
وقد واصلت العربية انتشارها بين اللهجات المحلية ولاسيما لهجات جماعات
(1) طرخان، المرجع السابق، ص 148.
(2) حسن محمود، المرجع السابق، ص 249. (3) القلقشندي، صبح الأعشى، جده، ص 298 .. (4) حسن محمود، المرجع نفسه، ص 244.
- 334 (1/339)
صفحة 340
الهوسا والماندنجو والفولاني، فاستخدمت الحروف العربية في كتابة اللغة الفولانية ولغة الهوسا، ولاتزال قبائل الفولاني تستخدمها حتى العصور الحديثة. كما دخلت العربية بين اللهجات المحلية في صورة آلاف المصطلحات خاصة في المجالات الدينية والثقافية والإقتصادية والسياسية ونظم الإدارة، وفي أسماء الأعلام والمدن والحيوانات والنباتات ومازال الكثير من أهالى دول غرب افريقية يعتز بأصوله العربية عبر مخطوطات مدونة بالعربية تتناقلها الأجيال (1)
وبينما كانت مدن غرب السودان تعج بالحركة العلمية والثقافية، كانت أوروبا قد بدأت في الخروج من عزلتها وتبحث عن ذهب السودان، وكانت مدنها تنقصها الكثير من استقرار وازدهار مدن غرب السودان في مالي. فكان في تنبكتو مسجد سنكري الذي أصبح جامعة شهيرة تدرس العلوم الإسلامية، وقدم للتدريس فيه علماء من العرب والبربر ومنهم المؤرخ الفقيه أحمد بابا صاحب کتاب تاريخ السودان. ومنهم الفقيه الحاج عبدالرحمن بن أبي بكر الذي تولى القضاء آخر دولة مالي. أما مدينة مالي، العاصمة، فقد كانت تضم طائفة كبيرة من العلماء من كافة الأقطار الإسلامية منهم الفقيه محمد الجزولي وشمس الدين النقوشي المصري والفقيه القرى، عبدالواحد.
•
وانتشرت المدارس في مالي في جميع المدن والأقاليم تؤدى رسالتها الثقافية بجانب المساجد ودور العبادة الإسلامية، مثل مدارس زاغة، وقد لاحظ ابن بطوطة إقبال أهل تلك المدينة على العلم بقوله ولهم ديانة وطلب علم فأنتشرت اللغة العربية حتى أصبحت اللغة الرسمية في بلاد السودان، وهكذا لم تكتفى قبائل مالي بدخول الإسلام، بل انصهرت في المحيط الهندي.
•
ورغم الروح الإسلامية العربية التي طبعت الثقافة الإسلامية في السودان الغربي فإننا نلاحظ أنها ذات طابع مغربي بحث، بسبب الدور المغربي الواضح في نشر الإسلام وثقافته في تلك المناطق من افريقية (2) فقد غلبت التقاليد المالكية من حيث المذهب وكلها تدور حول فقه الإمام مالك والعلوم المساعدة الأخرى التي تخدم هذا الفقه، والمصادر التي توضحه للناس، وقد حملت تلك المؤلفات من القيروان مع البربر والتجار
(1) طرخان، المرجع السابق، ص 154. (2) حسن محمود، المرجع السابق، ص 244.
- 335 - (1/340)
صفحة 341
إلى غرب السودان حتى غلبت المالكية على الفقه والثقافة والتراجم ومعظم جوانب الإنتاج والتأليف الفكري في دولة مالي وغرب السودان. . حتى أن المدارس الثقافية هناك لا تعدو أن تكون مدارس مغربية بحتة، فكأن العالم والفقيه هناك لا تختلف مثهجتيه عن زميله في فاس أو مراكش أو القيروان في الأسلوب وحتى في الخط المستخدم. (1)
وبذلك ارتبطت المناهج وطرق التدريس في مملكة مالي مع مناهج ونظم التعليم المالكية المغربية والأندلسية. مثل كتب القاضي عياض وسحنون وشروح ابن القاسم وخليل، وموطأ مالك، والمدونة وغير ذلك.
أما التأثيرات الأندلسية فقد وصلت بصورة سريعة خلال ثلاثة معابر هي:
(1) تجار سجلماسة وتاهرت وهى مراكز كانت مرتبطة بعلاقات حسنة مع حكومات
الأندلس الأموية وتجمع بينها العداء. . مع العباسيين في الشرق. (2)
(2) ارتباط الأندلس ببلاد المغرب زمن المرابطين والموحدين، وبالتالي دخلت الأندلس أعداد كبيرة من سكان مالي وغرب السودان كجند في الجيوش أو تجار. كما رحل إلى بلاد السودان العديد من علماء المغرب الذين أثروا وتأثرو بالثقافة الأندلسية.
(3) هجرة العديد من كثيرة منهم إلى بلاد المغرب ومدن مملكة مالي خاصة تنبكتو
علماء الأندلس أمام المد المسيحي في الأندلس فرحلت أعداد
(4)
وصلت تأثيرات ثقافية من مصر من خلال رحيل العديد من أبناء مالى للدراسة في الأزهر في رواق التكرور، ووصلت التأليف المصرية معهم ومن خلالهم. كما زار حالي ومناطق الهوسا علماء من مصر مثل السيوطي. كما حرص ملوك مالي أثناء رحلة الحج
(1) حسن محمود، المرجع نفسه، ص 245.
(2) بكوش، يحيى محمد، الوجود الأباضي بالأندلس، ص 7. محاضرة في دار العلم بغرداية سنة
1984 م، والجزائر.
(3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 245.
- 336 - (1/341)
صفحة 342
على زيارة الأزهر وإصطحاب العديد من العلماء مالي للأضطلاع على
مكتبته ومؤلفاته
(1)
لقد كانت رحلات الحج التي يقوم بها ملوك مالي فرصة هامة للأضطلاع على المستويات الحضارية في بقية أنحاء العالم الإسلامي إبتداء من السودان الأوسط وحتى بلاد الحجاز عبر مصر ومستوياتها الحضارية، فكانت تلك الرحلة فرصة لاقتباس آخر ما وصلت إليه تلك البلاد من تقدم ثقافي وفني وإجتماعي (2) وكانت أشهر رحلات الحج التي قام بها ملوك مالي رحلة منسي موسي. سنة 724 هـ / سنة 1324 م (3)، وتدل الأوصاف التي وردت في المصادر والمراجع لها على أنها كانت أشبه بموكب ملكي يليق بمدى ما وصلت إليه إمبراطورية مالي من غنى وثراء وازدهار، فقد كان بالموكب ستون ألف. جندي وعشرات العبيد والجواري، ومائة جمل من الذهب، وكانت لتلك الرحلة أثرها في انخفاض أسعار الذهب في مصر، حتى لقب منسي موسى بملك الذهب ولم بترك منسى موسى صاحب وظيفة إلا وبعث إليه بهديته من الذهب (4) ورغم ما فيها من مبالغة إلا أنها تدل على مقدار ما وصل إليه ملوك مالي من ثراء، وما بلغته دولتهم من ازدهار. وقد أدهشت تلك الرحلة الأوروبيين المتواجد في مصر فبدأوا في التفكير في الوصول إلى مالي ومناجم ذهبها
(4)
كانت رحلات الحج التي يؤديها ملوك مالي فرصة للاستفادة من تجارب بقية أقطار العالم الأسلامي من خلال إجتماع المسلمين وزعمائهم في موسم الحج، فقد استفاد منسى موسى من إحدى رحلات حجه باصطحاب المهندس المعماري القرطي أبي اسحق إبراهيم الساحلي الذي قدم معه إلى مالي وأشرف على تأسيس عدة نماذج معمارية جديدة منها عمارة مساجد جاو وتنبكتو حيث أدخل البناء بالطوب المحروق، وبنى قاعة الإجتماعات بقصر مانسى موسى في مالي من الحجر والجبس وزخرفتها بالخشب المطعم بالذهب والفضة، وأدخل نظام السقوف المسطحة للمنازل والمآذن الهرمية الشكل (6) وكانت
(0)
(1) طرخان، المرجع السابق، ص 150.
(2) مقلد، المد الإسلامي، ص 101.
(3) مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 107. (4) السعدي، تاريخ السودان، ص 80. (5) وهى المساجد التي أصبحت جامعات إسلامية فيما بعد في مالى وتنبكتو وتادمكة (6) طرخان، المرجع السابق، ص 154، 155.
- 337 (1/342)
صفحة 343
تلك المباني غير معروفة في مالي من قبل.
وعلى مستوى العادات والتقاليد لدى قبائل مالي فإنها قد توارت أمام الفكر الإسلامي الذي أبقى على العادات والتقاليد التي لا تتعارض معه. وإن كانت هناك بعض المراسم ظلت لدى أهل مالي متبعة حتى العصر الإسلامي، منها ما لاحظه ابن بطوطة من أنهم يرمون أنفسهم بالتراب على رؤسهم وأجسادهم أثناء حديثهم مع الملك كنوع من الخضوع والإجلال لشخصه (1). وإن كانت هذه الظواهر قد بدأت في التغير أمام جهود العلماء والدعاة.
فقد ترتب على تحول العديد من سكان بلاد السودان، خاصة في مالي، الحاجة إلى العديد من الدعاة والعلماء والفقهاء ليبينوا للناس مبادئ الدين الإسلامي وشعائره، الأمر الذي أدى إلى خلط بين تعاليم الإسلام وبعض العادات الوثبية ففي منطقة روفسيك على ساحل المحيط الأطلسي (البحر المحيط الغربي) توجد قبيلة ليبو التي تعمد أفرادها على الصيد البحري، رجالها متدينون مسلمون بينما النسوة وثنيات في كثير من أفعالهن، حيث يقدمن القرابين للمحاريب في البيوت. كما أن هناك اعتقاد واسع في مالي بالسحر والتعاويز والخوف من الشيطان. ومازالت بعض قبائل وادي النيجر في مالي تنتشر بينهم رقصة المطر، خاصة قبائل السوزاى والجرما، وذلك للتقرب إلى إله
(2)
المطر بالأنغام والرقص"
ورغم ذلك فهناك آثار هامة للإسلام في إفريقية في مجال القضاء على كثير من عادات الوثنية وإصلاح مظاهر إسلامية محلها فأصبحت طقوس الدفن إسلامية في كل الجهات في مالي، وأصبح الإسلام يمثل أهم روابط تجمع بين سكان غرب السودان، ليقلل من الرباط القبلي الذي يقوم على العصبية، وأصبح أنتماء أبناء مالي إلى الإسلام يشعرهم بالفخر (3) وأصبحت الصلاة أهم مظهر من مظاهر الحياة الإسلامية في مالي فالجميع يسارع إلى الصلاة في أوقاتها، خاصة يوم الجمعة، من هنا انتشرت آلاف
(1) الرحلة، ص 693، وما بعدها. (2) قداح المرجع السابق، ص 114.
(3) وهنا تتضح عظمة الإسلام لملاءمة كل إنسان في أي مستوى وأى زمان مكان فقد وجد فيه الإفريقي بساطة وفطرته فأتخذه ثوباً وعقيدة ومنهجاً.
- 338 - (1/343)
صفحة 344
المساجد في المدن والقرى وحتى على الطرق العامة حيث انتشرت مصليات عبارة عن دوائر رملية من الحجارة، أوكوخ كبير من القش. حتى وجد في مدينة جني ثلاثمائة مسجد عدا المسجد الجامع لها. (1)
كما يحتفل في مالي بالمناسبات الإسلامية كعيد الفطر وعيد الأضحي وليلة الإسراء والمعراج في احتفالات ضخمة، ويذهب الملك لحضور صلاة العيد في موكب رسمي. وتعد فريضة الحج من أشق فرائض الإسلام عند أهل مالي بسبب بعد الديار عن الحجاز، ورغم ذلك ظل بعض أهل مالي يتحملون المشاق في سبيل تأديتها، حتى أصبح الفقراء منهم يذهبون إلى الحج مشياً على الأقدام (2).
ورغم ذلك فقد كانت عملية التغيير الإجتماعي لدى أهل مالي عمليه متدرجة، وكان لأهل مالي قابلية لتغييرها بمجرد علمهم بمخالفتها للشريعة الإسلامية وقد ضرب منسي موسى بنفسه مثالاً على ذلك، ففى أثناء رحلته إلى الحج، ظهر منه تصرف غير شرعي وحينما علم بعدم شرعية هذا التصرف أنكره مباشرة، وكان رده " والله ماكنت أعلم
بذلك (3)
دخلت تقاليد شرقية إلى مملكة مالي مع تحولها إلى الإسلام ومن تلك التقاليد ظهور الأعلام والرنوك كشعارات للسلطان، وظهور ملوك مالى للجلوس في أوقات محددة
4
(4)
واتخاذ المواكب السلطانية، واتخاذ السلطان قبة للجلوس فيها، وظهور العلماء والفقهاء في مجالس السلطان ومواكبه.
أدى ارتباط مملكة بالعالم الإسلامي إلى تغيرات اقتصادية على أرضها وفي منطقة
(1) قداح، المرجع نفسه، ص 112.
(2) قداح. المرجع السابق، ص 113.
(3) القلقشندي، صبح الأعشى، جده، ص 296.
(4) ابن بطوطة، الرحلة، ص 700.
(4) عند جلوس السلطان يخرج ثلاثة من العبيد يدعون نائبه الفرارية وهم الأمراء ثم يأتي الخطيب
والفقهاء فيقعدون أمام السلحدارية.
- ابن بطوطة، ص: 700.
- 339 - (1/344)
صفحة 345
غرب إفريقية قاطبة. فقد تمكنت مملكة إقليمية من استغلال إمكانيات السودان الزراعية والمعدنية والغابية، والحيوانية كما استفادت من سيطرتها على طرق التجارة العالمية. فانعكس ذلك بالنمو والثراء على المنطقة، وحقق اقتصاد إقليم افريقي لأول مرة في ظل الإسلام تحولاً في ميزانه التجاري لصالحه، حيث حققت صادراته أرباح هائله حسب أسعارها الدولية، وأصبح ملك مالي يلقب بـ "لورد الزنوج" حينما وصلت شهرتهم ودرجة ومكانت وازدهار بلادهم إلى تجار أوروبا. وكان ذلك منذ زمن منسي موسي.
(1)
فقد قامت مملكة مالي في منطقة خصبة تتوافر بها عدد من أفرع الأنهر، المتصلة بنهر النيجر والسنغال، بالإضافة إلى عدد من الأودية التي تحمل مياة لأمطار الوفيرة. فأنتجت أقاليم مالي العديدة من المحاصيل مثل الحبوب، التي كانت رخيصة بسبب توافرها، كما زرع أهلها القطن، والخضروات، وانتجت بلادهم نبات يسمى الفوني يطحن ويعمل منه خبزاً. واستغل أهلها مراعبهم لتربية الحيوانات كالأغنام والجمال والبغال وكان لهذا الجانب اثره في الإكتفاء الذاتي الذي تمتعت به معظم مدن وأقاليم مالي. وكان ذلك مراعاة لإنتشار الإستقرار في ربوع مالي وصورة حسنة لجذب التجار للاستقرار بها وإدارة أعمالهم منها. وقد استوردت مملكة مالي الصناعات التي تحتاجها من العالم الإ سلامي مثل: السيوف والمنسوجات خاصة الحرير، والخيول، التي كانت أثمانها مرتفعة. وكانت أهم سلعهم هي الصناعات النسيجية التي تردد تجار مالي لإستيرادها من مصر كما استوردوا الزجاج والملح.
(2)
على أن أهم صادرات مالي والتي شكلت عصب الحياة الاقتصادية بها كانت سلعتي الذهب والرقيق. وقد ساعد موقع مالي وامتدادها علي السيطرة علي تجارة تلك السلع فضمت أقاليمها أهم مناجم الذهب في بلاد السودان الغربي (3)، كما أن مملكة مالي كانت تمثل المنفذ التجاري للقبائل الوثنية البدئية والمنتشرة في الغابات التي تقع الي جنوب مالي من النطاق الإستوائي.
كان لتجار مالي طرقهم الخاصة لجلب العبيد من الغابات إلي مراكز بيعهم
(1) نوري، تاريخ الإسلام في إفريقية، ص 149.
(2) طرخان المرجع السابق، ص 127. (3) طرخان، المرجع نفسة، ص 139، 140.
- T?. - (1/345)
صفحة 346
وتجميعهم، بحيث كثرت أعدادهم في مدن مالي، وأصبحوا عماد الحياة الاقتصاية بها فهم جند في الجيش، وعمال في الحرف، وزراع في المزارع، وخدم في المتاجر. وقد اعتمدت الإدارة السلطانية علي كثير من العبيد المحررين، فوصل بعضهم إلى درجة قائد في الجيش والحرس المالكي (1)، وأصبح لهم رئيس يسمي، صندكي أى رئيس العبيد. ولقبت طبقة العبيد المحررين باسم (البولا) من هنا فقد أصبحت تجارة الرقيق لها نظمها وتقاليدها في مجتمع مالي المسلم، حيث احتفظ للعبد بحقوقة ومكانتة.
(2)
ومن مالي توجهت قوافل الرقيق بأعداد كبيرة إلى مدن بلاد المغرب وإلى الأندلس وإلى مصر وإلى كافة أرجاء العالم الإسلامي، حاملة معها الجواري الحسان والخادمات التي يجدن أنوعاً متعددة من الطعام (2). ولذلك وفد التجار من مختلف الأقطار إلى أسواق تاهرت وسجلماسة، فيقول ابن حوقل عن جنسيات تجار سجلماسة،، وسكنها أهل العراق وتجار البصرة ومكة والبغداديون الذين كانوا يقطعون ذلك الطريق، فهم واولادهم وتجاراتهم دائرة ومفردتهم دائمة وقوافلهم غير منقطعة إلى أرجاح عظيمة وفوائد جسيمة ونعم سابغة كلما يدانيها التجار في بلاد الإسلام سعد. حال
44
(3)
هذا وقد تباينت أسعار الرقيق من مكان لآخر، ومن فئة إلى أخرى، حسب حاجة المنطقة ومميزات العبد أو الجارية، ومهما كان رخص تلك السلعة في اقاليم مالي فإنها قد بلغت أسعارا غالية في بلاد المشرق ومصر والأندلس، فقد بلغ ثمن الجارية النظيفة في أغلب الأحيان حوالي مائة دينار، بينما كان سعر الغلام عشرة دنانير والخادم أقل من ثلاثين. أما اذا ربيت الجارية تربية خاصة إلى جانب جمالها وادبها فقد يصل سعرها إلى ألف دينار. فقد وجهت أم الأمراء زوجة المعز لدين الله الفاطمي بصبية ربتها مع أحد الوكالاء لها لتباع في مصر. فطلب فيها ألف دينار
(4)
سيطرت مملكة مالي علي مناجم النحاس والذهب في غرب السودان، فقد توافرت كميات كبيرة من النحاس الأحمر الجيد في حقول منطقة تكدة، حيث كان يستخرج من
(1) الأدريس، نزهة المشتلق، ص 94.
(2) القادري إبراهيم، الإسلام السري في بلاد المغرب، ص 214.
(3) صوره الأرض، ص 90.
(4) المقريزي. اتعاظ الحنفا، جا، ص 600.
-131 - (1/346)
صفحة 347
مناجم خارج المدينة ثم ينقل إلى المدينة ليتم صهرة في شكل قوالب (1). ويصهر في شكل قضبان مختلفة الأشكال إلى مملكة برنو المجاورة وإلى بلاد المغرب ومصر وحوض البحر المتوسط. كما كان يصدر منة كميات صوب الغابات الإستونية حيث يتم استبداله بأعداد من العبيد. وكان معدن النحاس غالي الثمن حيث يباع بثلثي وزنه ذهبا ". أى أنة كان مورداً هاماً من موارد مالي لتوفير أعداد العبيد وكميات الذهب من المناطق المجاورة التي تستبدل النحاس بالذهب.
(2)
ظل الذهب الاستراتيجية التي يعتمد عليها اقتصاد مالي المزدهر. حيث أصبح ذهب مالي بمثابة السلعة النقد الدولية في حوض البحر المتوسط، خاصة الجزء الغربي منه، من هنا فإن عمليات استخراج الذهب كانت تتم بصورة سرية ومنظمة، وكان لدى الملك المالي أجهزة خاصة للإشراف على استخراج الذهب وتجميعه وتصديره. وكان وراء هذا النظام خوف حكومة مالي على مبابع الذهب. وقد حاول بعض التجار القادمين إلى البلاد أن يتعرفوا على مراكز استخراج الذهب فقبضوا على أحد العبيد العاملين في هذا المجال وعزبوه حتى مات، ولم يصرح لهم بشيء عما أرادوا (3).
وقد ظهرت لدى حكومة مالي اعتقاد بأن الذهب يختفي إذا ما تحولت منطقة إلى الإسلام ولذلك فقد جعلوا عمليات الاستخراج والمبادلة في يد الوثنيين من العبيد، فيقول القلقشندي ولكن ملوك هذه المملكة قد جربوا أنه إذا ما فتحت مدينة من هذه المدن وفشا
(4)
بها الإسلام، ونطق بها داعى الآذان إلا قل بها وجود الذهب ثم يتلاشي حتى يعدم ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار، فرضوا منهم: ولذلك ظلت م يبذل الطاعة وحمل مقرر عليهم. عمليات الاستخراج والصهر لهذا المعدن في يد الوثنيين من رعايا ملك مالي، حتى أشار ابن بطوطة إلى تخوف سلطان مالي من امتداد أيدي المسلمين إلى مناجم الذهب حتى لا
ينضب.
(1) برعت مملكة مالي في تقنية استخراج النحاس والذهب. فقد أوكلت عمليات استخراج الخام للعبيد خاصة الوثنيين، وكان يتم عزل التجار عن معرفة مواقع المناجم حتي تظل ثروات البلاد في مأمن من
الأطماع الخارجية.
(2) ابن بطوطة، الرحلة. ص 699.
(3) طرخان، المرجع السابق، ص 129.
(4) القلقشندي، صبح الأعسن، جده، ص 294.
- 342 - (1/347)
صفحة 348
كانت عمليات تجارة الذهب تتم عن طريق ما يعرف باسم «التجارة الصامته.
(1)
(Silent - Trade) التي كانت سمة عامة لمعظم السلع الإفريقية فكان العاملون في حقل الإنتاج لايتصلون بالتجار بل تتم عمليات المقايضة من على بعد، فيتم تجميع كميات الذهب في أكياس في مكان بعيد متفق عليه ثم يحضر التجار بالسلعة المراد الاستبدال بها، ويحضر زعيم من السودان فينظر في كمية السلعة ويتم التراجع إلى الخلف عدة مرات من قبله فإن وافق على الصفقة تقرع الطبول.
(2)
أصبح ذهب مالي السلعة العامة في تجارة إفريقية الشمالية حتى وقت قريب فقد أصبحت دول أوروبه الحديثة تنظر إليه كنوع من توفير الأمن النقدي لها ولسمعة
(3)
عملتها واستمرت حكومة مالي في الحفاظ على مناجمه في منطقة ونقارة، وقد سميت بأرض الذهب، كما وجدت كميات كبيرة منه في تغازي (4)، على حدود الصحراء الكبرى، وهي المنطقة التي توافرت بها كميات الملح أيضا، حيث كان يسشتخرج منها على هيئة ألواح صلبة. (5)
وقد وفرت هيبة حكومة مالي في منطقة غرب السودان نوعاً من الأمن والإستقرار بما تمتلكه من قوات عسكرية نظامية ومدربة، كانت في حالة استعداد مستمر لمواجهة اعتداءات القبائل الوثنية أو القبائل الطامعة في خيرات البلاد أو الأقاليم التي تحاول التمرد على سلطنها (6) وأصبحت طرق التجارة من مالي وإليها آمنة في أغلب الأحيان، كما كانت تحركات القوافل تتم في أمن وسلام. ولم يعكر صفو هذا النظام سوى اعتداءات القبائل التي تتمركز نحو الشمال في الصحراء، فكثيرا ماكانت تنتهز فرصة انشغال مالي بمشاكلها الداخلية لتنقض على قوافل التجارة. كما استغل الطوارق ضعف
(1) لوفران، تاريخ التجارة، ص 14. (2) آشتور، التاريخ الأقتصادي،، ص 101.
(3) تضم منطقة ونقارة أربعة أقاليم هى: بامبوك في السنغال الأعلى، وبور على النيجر الأعلى، ولوبي ا
على نهر الفولتا، وأشانتا شمال غانة الحالية.
(4) اليعقوبي، المصدر السابق، ص 85. (5) زكي، تاريخ الدول الاسلامية،، ص 110. (6) طرخان، دولة مالي، ص 115.
- 343 - (1/348)
صفحة 349
مالي في العصور الحديثة، وهددوا الطرق التجارية ومراكز التجارة ((1)
ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي بدأت عوامل الضعف والتدهور تظهر في مملكة مالي، فضعفت سلطة الحكام، وبدأت مظاهر الإنقسام الداخلية بين أفراد الأسرة الحاكمة، في وقت بدأت فيه الدول الأوروبية تضع الخطط للإنقضاض على إفريقية الغربية وتخطط للوصول إلى ثروات مملكة مالي، بل وصل الأمر إلى طلب ملوك مالي العون من البرتغاليين لحمايتهم من القوى المجاورة، وكان هذا الطلب حجة شرعية للتدخل البرتغالي والأوروبي في أقاليم مالي في خفم الكشوف الجغرافية الأوروبية.
(2)
ومن تلك الأخطار الأخيرة التي تعرضت لها مملكة منذ بداية العصور الحديثة وأدت
إلى زوالها مايلي: (1) الطـ
وارق: (3)
قام الطوارق بشن غارات من جهة الشمال على إمارات وإقاليم مملكة مالي، خاصة
(1) طرخان، المرجع نفسه، ص 110. (2) طرخان، المرجع نفسه، ص 88، 89
(3) الطوارق: شعب قوى وعريق ينتمى إلى أصول بربرية، ونسبوا إلى إحدى قبائل صنهاجة الصحراء التي تسمى تارجا أو تاركاً، حيث هاجر بعضها إلى نواحي تلمسان في العصر المرابطي وبقى معظمهم في الصحراء في مواطنهم الأولى في المنطقة التي تمتد من وادى درغة جنوبي المغرب الأقصى
ووادى السنغال، وامتدت منهم فروع ناحية الشرق، ثم تفرقت في نواحي الصحراء الكبرى. خينما لحق الهاربون من بني عمومتهم من بقايا قبائل صنهاجة الصحراء أثناء هروبهم أمام الموحدين فتزايدت أعدادهم وازدادت قوتهم وسادوا معظم الأقاليم الصحراوية حتى قلب الصحراء الكبرى وأصبح يطلق على هؤلاء الصحراويين جميعاً اسم تارجا أو تاركا. وقد عرب هذا الاسم ليصبح إلى طارق والنسبة إليه طارقي وجمعه طوارق. وأصبح شعب الطوارق من أكثر شعوب أفريقية دراية بالصحراء الكبرى في العصر الحديث وقد اشتهروا باسم الملثمين نسبة إلى لثام يغطون به وجوههم، وبملابسهم الزرقاء، وأصبحوا القوة الإسلامية التي وقفت أمام المد الفرنسي في الصحراء الكبرى حديثاً، ولم يتمكن الفرنسيون من بسط سيطرتهم عليهم وعجزوا عن دخول واحاتهم وأراضيهم فهادنوهم وسموهم بأسم أمراء الصحراء الزرق وإليهم يرجع الفضل في المحافظة على الصحراء أمام بعثات التبشير التي قدمت مع الأوروبيين
- TEE- (1/349)
صفحة 350
أو دغست و تمبكتو وولاته، وتمكنوا من احتلال ولاته سنة 827 هـ / 1433 م، ووضعوا أيديهم على مركز تجاري هام مع مملكة مالي، كما دخلوا مدينة تمبكتو الشهيرة واستباحوها وبذلك سيطروا على منافذ التجارة الصحراوية الشمالية مع مملكة مالي وهددوا استقرارها وزعزعوا اقتصادها. وأصبحت القوافل التجارية غير آمنة في رحلاتها
إلى مالي
وحينما ظهرت مملكة صنفى كقوة على أنقاض مملكة مالي، أصبح الصراع محتدماً بين الطوارق وبين صنفى على عدد من الأقاليم في مالي وأصبحت حركاتهم تشمل معظم الأقاليم الشمالية لمملكة صنغي. وإن كانت مملكة صنغي قد تمكنت من إخراجهم من
الإقاليم السابقة وألحقت بهم! العديد
من الهزائم
(2) قبائل الموشي Mossi :
(1)
وهم
أهم
وهي القبائل التي تقيم جنوبي منحنى نهر النيجر في منطقة فولتا العليا قبائل تلك المنطقة و تمتد سيادتهم داخل الغابات الإستوائية في الجنوب. ظلت سيادتهم على أقاليم جنوب مالي ومن قبلها غانة منذ القرون الأولى، حتى ظهرت لهم مملكة كبرى في القرن الرابع عشر الميلادي، وظلوا في حالة حرب مستمرة مع ملوك مالي، حيث ظل الموشى على وثنيتهم لمدة طويلة ثم أرسلموا أخيراً. واشتهروا بالغزو والنهب وبالعلاقات العدائية ضد جيرانهم وخاصة مالى. ويلقب ملوك الموش بأسم موغوناباً (2)
(3). وتمكن
وقد بدأ الصراع شديداً بين الموشى وملوك مالي بسبب الاختلافات العقائدية بينهم، حيث ظل الموشى يكنون حقدا ضد المسلمين حتى أسلموا، كما ظل الموشى يطمعون في خيرات مملكة مالي ويحاولون الإنقضاض على مراكزها الحضارية المزدهرة ملوك مالي زمن قوتهم من إلحاق الهزائم بالموشى، لكن الموشى ظلوا يهددون مدن مالي تمكنوا سنة 1400 م من غزو منطقة بحيرة دبو Debo في النيجر وهي منطقة هامة حتى على طرق التجارة في مالي.
(1) طرخان، المرجع السابق، ص 167.
(2) مازال هناك العديد من أصحاب الثروة والنفوذ في جمهورية بوركينا فاسوو ينتمون إلى حكام الموشى
القدماء. (3) طرخان المرجع السابق، ص
190، 197
- TEO- (1/350)
صفحة 351
(1)
(3) الفولانيون:
تمكنت الجماعات الفولانية من تهديد سلطة ملوك مالي في الشمال وفي الغرب، وذلك بفضل سيطرتهم على تلك الأنحاء وكثرة قبائلهم، ومنذ القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي أنهى الفولانيون نفوذ مالي في أعالى نهر السنغال حينما احتلوا بامبوك (2)، وأبادوا أعداداً كبيرة من الماندنجو في حوض نهر فاليم، أحد روافد نهر السنغال. وكان لتلك الأعمال أثرها في إنهاء سلطة مالى في أقاليم الغرب.
حتى أنه بسبب ضغط الفولانيين المستمر على الماندنجو اضطرت مالي إلى
الأستغاثة مرة أخرى بالبرتغاليين سنة 1534 م (3)
(4) قبائل صنفي:
(4)
ظل ملوك مالي حذرين في علاقتهم بقبائل صنفى، ولذلك استمروا يحتفظون برهائنهم في قصورهم بمالى، حتى تمكن الأخوان على وسليمان من الفرار من مالي، واعادة قوة صنغى وحصل أمراء صنغى منذ القرن الرابع عشر على لقب شي أو " أوشن" أي خليفة السلطان فتحرروا من سيطرة مالي وأسقطوا الجزية.
(0)
بدأت سياسة حكام صنفى تتجه صوب التركيز على الهجوم المستمر على مملكة مالي وعلى مدنها المجاورة لهم من الغرب، وواصلوا أعمالهم. حتى دخلوا العاصمة مالي، وقاموا بأعمال وحشية ضد أقاليم ومدن مالي، رغم أنهم كانوا على الإسلام أيضا.
ومنذ سنة 869 هـ / 1464 م تمكن سن على من تأسيس إمبراطورية صنفي، حينما
(1) شعب من الرعاة موطنهم الأصلى حوض السنغال في الغرب وقد أنتشرت جماعتهم في كافة أرجاء السودان الغربي وبلاد الهوسا وحتى الكاميرون في الجنوب، دخلوا الإسلام منذ القرن الحادي عشر
الميلادي بفضل المرابطين.
(2) ابن خلدون، تاريخ، جـ 6، ص 202 وما بعدها.
(3) طرخان، المرجع السابق، ص 167.
(4) سيرد تفصيل لأصلها وتطور نفوذها في الصفحات القادمة.
(5) طرخان، المرجع السابق، ص
111
- 346 - (1/351)
صفحة 352
قام باحتلال تنبكتو سنة 873 هـ / 1468 م، وهى مدينة لها مركزها التجاري الهام في
المنطقة. ثم دخل جنبي.
سنة 1477 م، وأصبحت صنفى سيدة حوض النيجر الأوسط. ثم تمكن من إخضاع مالي. واتفق الطرفان على أن تحتفظ مالي باستقلالها الإسمي وتدفع
الجزية لملوك صنغي
(1)
وبسبب هذا الضغط المستمر من قوات صنغى اتجه ملوك مالي إلى الاتصال بالقوى الإسلامية الكبرى، فاتصلوا بالعثمانيين الذين ظهروا كقوة إسلامية كبرى على سواحل بلاد المغرب والبحر المتوسط. وبدأت السفارات البرتغالية تصل إلى بلاط مالي لمساعدتها في كبوتها ولدراسة المنطقة التي طالما حملت بالوصول إليها قوى أوربية منذ القدم. . وكانت تلك السفارات البرتغالية تقوم بدراسة الطرق والإمكانيات وظروف مالي.
ورغم تمكن حكام صنغى من دخول مالي عدة مرات إلا أن الباحث يلاحظ ترد اسم مالي وحكامها في ظل اسم امبراطورية صنفى، وحتى بعد دخول اسكيا الحاج محمد مالي سنة 1492 م (2)، ثم دخولها مرة أخرى سنة 1501 م وتخريبها وفرار ملك مالي إلى مدينة زلن الجنوبية. والسبب في ذلك يرجع إلى أن من عادة ملوك السودان أن يبقوا على الحكام الوطنيين في مناطقهم بشرط الولاء ودفع الجزية. وظل اسم مالي رغم انسلاخ أقاليمها لحساب مملكة. صنفي
(3)
(5) خطر التكرور:
وهم جماعات مختلفة من المهاجرين البربر والزنوج، في حوض نهر السنغال تحالفوا مع الفولانيين (4) ووجهوا ضربات ضد قبائل الماندنجو سنة 1530 م. مما أفقد مالي زعامتها في الأقاليم الغربية لدولتهم، واتجهوا للاستنجاد بالبرتغاليين على أثر عمليات الإبادة ضد جماعات الماندنجو من قبل الفولاني والتكرور.
(1) نوري، المرجع السابق. ص 153. (2) زكي، المرجع السابق، ص 126/ 125.
(3) اسم عام أطلقه الوب على معظم سكان السودان الغربي. بينما أطلق التكرور على أنفسهم اسم "
فوتا نكوبي " أى سكان فوتا
- ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 138
(4) يتحدث التكرور اللغة الفولانية.
- YEV- (1/352)
صفحة 353
حاول ملوك مالي تنظيم قواتهم من جديد في منتصف القرن السادس عشر على يد محمد الثاني. لكنه هزم وهرب. وفقدت مالي أراضي جديدة سنة 5978 /سنة 1570 م وفي سنة 5999/ 1590 م وصلت قوات الغزو المراكشي للبلاد من قبل سلطان مراكش الشريف مولار أحمد الذهبي بقيادة جودر باشا. وقضى بذلك على امبراطورية صنغى، حينما دخلت القوات المراكشية مدن مالي وصنغي. وأصبح لقب سلطان مراكش " سلطان مراكش وجاو وتنبكتو وجني
كما حاول ملوك مالي التحالف مع الفولانيين سنة 1007 هـ / 1598 م، حيث قام حمد آمنة من الفولانيين بدعم من أمراء مالي بمهاجمة جيش المراكشيين في جني، لكنهم هزموا أمام أسلحة الجيش المراكشي المتطورة الحديثة، وسارع بعض أمراء مالي المهزومين بالاستقرار في باماكو التي أصبحت عاصمة دولة مالي الحالية.
(1)
(2)
وفي بداية القرن التاسع عشر أظهرت حركة إسلامية إصلاحية على يد أحد رجال قبيلة الفولاني ويدعي عثمان دون فوديو (1) الذي تمكن من تكوين إمارة إسلامية في جنوب مالي. ثم قام الحاج عمر سنة 1838 م. بمحاولة تكوين دولة إسلامية حديثة لكن الفرنسيين تصدوا لمحاولة إحياء الحركة الإسلامية في المنطقة وقاموا قواته. وبعد وفاته فإنهم استغلوا فترة الانقسامات: المنطقة ومدوا سلطانهم إلى شمال وادى النيجر وبدأوا في إنشاء خطوط جديدة لربط السودان الغربي بخليج غانا نحو الجنوب وتغيرت وجهة البلاد صوب الجنوب بعد أن كانت صلاتها صوب الشمال مع العالم الخارجي.
في
(1) سبق الحديث عن حركته
(2) اسمه عمر سيد وتال. ولد 1797 م ببلدة بودور في إقليم الفوتافور (السنغال) من جماعات التكرور. ونشأ نشأة إسلامية صحيحة، وقضى حياته في العلم والتعرف على رجال الإصلاح في المنطقة فلقى عثمان دون فوديو وحماد والشيخ. ثم ذهب للحج، وعاد ليصبح خليفة الطريقة التيجانية في السنغال، وأشتهر بورعة وتدينه فتجمع الناس حوله، ووثق صلاته مع علماء المسلمين وزعمائهم في السودان الأوسط الغربي. ولما خاف زعماء البلاد من نفوذه أتجه إلى جبال الفوتاجالون وهناك تجمع حوله الأنصار وتزايدت أعدادهم باستمرار. كون الحاج عمر جيشاً من التكرور وهاجم الماندنجو (مالي) والبمبارة، وانتزع منهم بلدة فيورو، ثم سيطر على حوض السنغال بجيش قوامه 400000 مقاتل. لكنه اصطدم بالفرنسيين فتراجع وأتجه شرقاً ليحتل بلدة سيجو ثم تنبكتو ومات سنة 1864 م.
- YEA- (1/353)
صفحة 354
ظهرت محاولة أخرى في نهاية القرن التاسع عشر لإحياء الوجود الإسلامي
بالسودان الغربي وتكوين دولة إسلامية بزعامة ساموري، على انقاض دولتي مالي وصنفي. لكنه نهض في وقت كانت القوات الفرنسية قد رسمت خططها لبسط سلطاتها الكامل على غرب افريقية. ورغم مواجهة ساموري القوية للفرنسيين إلا أن القوات الفرنسية أرغمته على الإنسحاب إلى المرتفعات وإتجه إلى فولتا العليا. تم أتجه إلى ليبيريا وحيثما أسر نفى إلى الجابون ومات سنة 1900 م. ويموته أنتهى أمر الدول الإسلامية في غرب افريقية وبسط الاستعمار سلطانه عليها
(1)
ظلت الطرق الصوفية تقوم بدورها بالحفاظ على الهوية الإسلامية في السودان الغربي ضد محاولات التنصير. وكان أهمها طريقتان هما: القادرية (2) (المريدية) والتيجانية (3)، حيث مكنت تلك الطرق المسلمين هناك روحاً جديدة. وظلت تلك الطرق تعمل ضد الوثنية حتى الوقت الحاضر رغم ظروفها الصعبة التي تواجها منذ سيطرة الاستعمار الفرنسي على مقاليد الأمور في غرب إفريقية. كما تحاول تلك الطرق الحفاظ على جوهر الدين وترسيخ الإسلام بين الأفارقة.
هي
جاءت الطريقة السنوسية (4). الأخرى إلى الساحة الإسلامية في غرب السودان، وتمكنت منذ بداية القرن العشرين من القيام بمجهودات فائقة في محاربة البدع والرجوع إلى
(1) مؤنس الإسلام الفاتح، ص 137.
(2) تأسست في العراق وانتشرت في شمال إفريقية في القرن الثاني عشر ثم وصلت إلى تنبكتو في القرن الخامس عشر. وانتشرت حتى الآن بين سكان غرب افريقية. وفي مطلع القرن العشرين أصبح الشيخ عبدالله صديا زعيم القادرية مهادنا للفرنسيين، الأمر الذي أفقدها شعبيتها واتخذت شكلا جديدا في الطريقة المريدية. (3) نشأت في الجزائر على يد أحمد بن محمد التيجاني (1737) - 1815/ ثم انتقلت إلى فاس وعبرت الصحراء إلى غرب السودان وكان لها أسلوبان في العمل: الأول سلمى، والثاني: بالجهاد لدعم الأفكار وحفظ الدين. وهى من أكثر الفرق الصوفية تأثيراً في غرب افريقية في العصور الحديثة. وكان آخر دعاتها ساموري نوري في أعالى النيجر. وكان هدفه القضاء على الوثنية ومقاومة الإستعمار الفرنسي. وإن كانت الفرقة قد انقسمت إلى فرق عديدة.
قداح. المرجع السابق، ص 89 - 91 (4) تنسب إلى محمد بن على السنوسي، وهو فقيه جزائري من مستغانم ولد سنة 1787 م =
- 349 - (1/354)
صفحة 355
11011
فكر الإسلام الصحيح. وكانت فرنسا أسبق الدول الأوروبية إدراكاً لخطورة تلك الفرقة على نفوذها في الجزائر فاضطر زعيمها محمد بن على إلى أن يستقر في واحة جغبوب.
(1)
وحينما مات المؤسس كانت الطريقة قد انتشرت في الصحراء الكبرى. ومنها إلى بلاد السودان الغربي والأوسط. وكانت الحركة السنوسية قد دعمت الطوارق في شمال النيجر. فوصلت دعوتهم إلى مالي وحوض النيجر وبقية مناطق غرب إفريقية (1) وكان لهم الفضل مع الفرق الأخرى في عمليات نشر الإسلام في إفريقية الإستوائية، حيث الغابات الكثيفة التي وقفت حائلاً منذ البداية أمام المد الإسلامي. فقد جاء الدعاة إلى تلك المناطق لنشر الإسلام واللغم العربية في القرن العشرين وأسسوا مدارس لهذا الغرض، فترسخ الإسلام بفضلهم في السيراليون وداهومي وفي توجو وليبيريا. كما تمكنوا من
نشر الإسلام بين الزنوج العائدين من أمريكا، وتحولت قبائل الأشانتي إلى الإسلام.
وكان للسنوسية الفضل في مقاومة تجارة الرقيق وتحويلها إلى وجه إيجابي. ذلك أن الجماعة كانت تشترى الرقيق ويعلمونهم في الزوايا القرآن الكريم وأصول الدين الإسلامي والمفقه مع منهجية الدعوة الإسلامية، ثم يحررونهم ليصبحوا دعاة متحمسين للإسلام. ولم تتمكن فرنسا بقواتها من مواجهتهم أو ملاحقتهم. وشكلوا أهم دعاة للإسلام في مواطنهم في دول افريقية الاستوائية. (2)
(3)
ورغم جهود الفرنسيين وبعثاتهم التبشرية في غرب افريقية فإن نسبة المسيحيين التي ولدت بين الجماعات الوثنية لم تزد عن %20% من السكان في مالى). بينما مازالت الوثنية تضم %5? من السكان (4).ومازالت جماعات الماندنجو تمثل 50? من السكان في مالي حاليا، بينما الصنفى حوالى 7، والفولاني 17 (5) من السكان، أما الطوارق فيمثلون 6، والبربر 6 أيضا. بالإضافة إلى عرقيات أخري من الديولا والمور.
= وتوفي سنة 1879 م. درس في جامعة القرويين وفي الأزهر. تأثر بفكر القادرية والوهابية وبدأ بنشر مذهبه بالجزائر سنة 1837 م، ويقوم على أساس إصلاح أحوال المسلمين والرجوع بهم إلى الإسلام
الحقيقي.
93
(1) قداح، المرجع السابق، ص 92 (2) قداح، المرجع نفسه، ص (3) عادل يونس، العالم الإسلامي المعاصر، ص 48. (4) عادل يونس، المرجع نفسه، ص 48. عدد الشعب الفولاني في كل دول غرب إفريقية حوالي خمسين مليون نسمة.
(5) يبلغ: (1/355)
صفحة 356
ثالثا: مملكة صنغي: كانت قبائل الصنفى تعيش على امتداد وادى نهر النيجر الأوسط. ثم اضطرت في
(1)
القرن الرابع الهجري التاسع الميلادي إلى التمركز حول منطقة جاو. وبسبب أهمية موقع جاو على طرق قوافل التجارة، فقد أصبحت مركزاً من مراكز استقرار التجار المسلمين والدعاة، مما أدى إلى تحول العديد من قبائل صنغى إلى الإسلام، حتى أصبح حكامها من المسلمين منذ القرن الخامس الهجرى / الحادي عشر الميلادي. وأول من أسلم من حكامها مسلم دام (2)
•
ظلت صنفي تابعة لمملكة غانة اسمياً حتى القرن السادس الهجري /الثاني عشر الميلادي. ثم خضعت لملوك مالي حتى القرن الرابع عشر الميلادي، من خلال دفع الجزية. وبعد ذلك بدأت صنغى في إعلان استقلالها وسيادتها وأصبحت إمبراطورية كبرى في السودان الغربي وقد تحولت شعوب صنغى إلي الإسلام قبل تكوين دولتهم المستقلة وذلك بسبب موقع مدنهم في وسط بلاد السودان الغربي والتي أصبحت معبراً للتجار المسلمين. كما أسلم الكثير من الصنفى وأصبحوا دعاة للإسلام في مواطنهم. وأصبحت مدينتهم جنى أهم مراكز لانتشار الإسلام في بلاد السودان الغربي منذ القرن السادس الهجري، بحيث كان بها في هذا القرن ما يقرب من 4200 عالم من علماء المسلمين. وقد نذز وعلمائها حياتهم في خدمة الإسلام بالمنطقة، وقاموا بجهود كبيرة ضد القبائل الوثنية المجاورة وأصبحت المدينة في حالة جها ومستمر ضد الأعداء. وأصبحت مراكز قبائل الصنغي الأخرى أهم مراكز نشر الدعوة الإسلامي في السودان الغربي مثل مدينة ولاتة (4) تنبكتو (5) التي هاجر إليها العديد من علماء المسلمين ودعاتهم، حتى أصبحت
ملكها
(3)
(1) جاو: من المراكز التجارية على نهر النيجر، أصبحت مركزا لتجارة الذهب والرقيق - انظر الزياتي
، وصف افريقيا، ص 543 0 544. (2) السعدي، المصدر السابق، ص 4.
(3) كان ملكها يسمي كنبرو.
- انظر السعدي، المصدر نفسه، ص 2
(4) زادت أهميتها بعد اضطراب الأحوال في مدينة أو دغست التجارية الشهيرة (5) تأسست سنة 5600 وأصبحت أعظم مدن مالي وصنفي.
- الزياتي: وصف افريقيا، ص 539 - 540.
- 351 - (1/356)
صفحة 357
تنبكتو المدينة الأم لنشر الدعوة الإسلامية في ظل أعداد المسلمين بها وأعداد علمائهم
وفقهائهم. الأمر الذي جعل الصنغي حماة للإسلام وتعاليمه منذ بداية دولتهم.
ويبدو أن زعامة الصنغي في البداية ترجع إلى أصول بربرية (1) قدمت من طرابلس عبر واحات الصحراء، ثم انتقل الحكم الى عائلة سن في القرن الرابع عشر الميلادي. وهي أيضا فرع من العائلة الأمازيغية السابقة التي قدمت من طرابلس. وقد حكم من تلك الأسرة ثمانية عشر حاكماً كان آخرهم الملك على بير (1465 - 1492 م) حتى جاء الأسكيا محمد الكبير ليقود ثورة ضد عائلة "سن" وأقام عائلة حاكمة جديدة هي حكومة الأسكيين السوننكية.
كان ظهور دولة صنغي في وقت تعج فيه بلاد السودان الغربي بالقوى من كل جانب فمن الشرق ظهرت جماعات الطوارق القوية التي تلوذ بالصحراء ومن الصعب ملاحقتها في صحرائها الواسعة. ومن الغرب توجد جماعات الماندنجو القوية عماد امبراطورية مالي القوية والتي تسيطر على معظم أقاليم السودان الغربي، ومن الشرق تتصل حدودهم مع إمارات الهوسا ومملكة البرنو.
وبسبب ما تميز به الصنغى من التماسك والتنظيم الداخلي لقبائلهم، منذ القرن السابع أصبح الصنغى أهم القوى المؤثرة في أمن واستقرار حوض النيجر، بحيث تمتعوا بالاستقلال الإسمي زمن مملكة غانة ثم زمن مملكة مالي. وبدأ الصنفى في توسيع حدودهم صوب الجنوب في نطاق الغابات وفي الشرق في نطاق السافانا في أقاليم الهوسا. ونظراً لأهمية أقاليم في حركة التجارة في المنطقة فقد اختلطوا بالعرب والبربر منذ البداية، كما استقرت في مدنهم جاليات عديدة من المسلمين من التجار والدعاة والعلماء، الأمر الذي أعطى للصنغى أهمية في نشر الإسلام قبل إعلان دولتهم.
(2)
(1) مازالت الدراسات قلقة حول تحديد أصول الصنفي. فهناك رأي يزعم بأنهم هجرة من جنوب مصر اتجهت إلى النيجر، بدليل أنهم جلبوا معهم فنون معمارية مصرية إلى وطنهم الأخير بالنيجر ورأى آخر يرى بأنهم هجرات عربية قدمت إلى السودان الغربي.
وإن كنا نرى أنهم خليط من أصول بربرية وعربية مع زنجية ظهرت في السودان الغربي.
- طرخان، المرجع السابق، ص 215. مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 109. (2) خاصة جاو (كوكو) الحميري، الروض المعطار، ص 502.
- 352 (1/357)
صفحة 358
تزامت ظهور قوة الصنفى مع قوة مملكة مالي ولذلك ظلت العلاقات بين الطرفين في حالة مد وجزر مستمرين فقد قام ملوك مالي بغزو مدن الصنغي، وحرصوا على إخضاع حكامهم وأخذ رهائن من أمرائهم. فيما أخذ الصنفى يترقبون عوامل الضعف والتفكك التي تعترى مملكة مالي ليحاولوا الإفلات من سيطرتها. ففي 756 هـ / 1335 م تمكن على كلن من الهروب من بلاط مالى وقام بإعادة تجميع شعبه من جديد وتوحيد مناطق الصنفى، وطرد الحاميات العسكرية لمالي المرابطة منها خاصة جاو (1) كما انتهزت صنفى فترة تعرض مالي لأخطار خارجية من الطوارق والفولاني والتكرور والموشى، لتحول نفسها إلى إمبراطورية إسلامية في السودان الغربي.
(2)
بدأت فترة التوسع والفتوحات الصنغية زمن الإسكيا محمد الكبير لتشمل كل وادي النيجر والمناطق الساحلية واتجهت قواته إلى الشرق لتضم عدد من مدن بلاد الهوسا سنة 1517 م. وتوغلت قواته صوب الشمال لتتعقب جماعات الطوارق وتفرض عليها جزية سنوية تؤديها لصنغي واتجه الإسكيا محمد بقواته صوب الجنوب حيث قبائل الموشى الوثنية، التي تقطن مناطق يصعب على الجيش الصنفى اجتيازها بسهولة فأعلن ملك الصنغي الإسكيا محمد الجهاد الإسلامي ضد تلك القبائل وتمكن من تحقيق انتصارات عليها، فاتسعت رقعة الامبراطورية نحو الجنوب، كما ضمت أملاك دولة مالي إلى مملكة
الصنغي.
(3)
توفي الإسكيا محمد سنة 949 هـ / 1552 م، وتولى ابنه موسى محله قبل وفاة الإسكيا محمد فحكم موسى (935 هـ / 1528 م - 938 هـ / 1531 م) ثم أعقبه سبعة
(1) نوري. المرجع السابق، ص 155.
(2) كان إسكيا محمد الكبير ضابطاً في الجيش الصنفى قبل أن يتولى الحكم، ولذلك فقد تمكن من اصلاح الخلل الذي كان يقري الجيش فألغي النظام القبلي في الجيش وجعله جيشاً نظامياً يقوم به أفراد تحت الخدمة باستمرار وجعل الانضمام إليه ممكنا من كل أهل صنغى. وأصبحت قوات صنغي زمنه أفضل قوات نظامية في بلاد السودان.
- السعدي، المصدر السابق، ص 226.
(3) لقد تلقب به حكام الأسرة الثانية من حكام صنفي وأدلهم محمد أبوبكر الطوري وزير سن على ومعنى اسكيا في لغتهم. أي المغتصب، حيث أطلق عليهم من بنات سن على.
طرخان، المرجع السابق، ص 182.
- 353 - (1/358)
صفحة 359
ملوك تسموا جميعا بالإسكيا كان آخرهم الإسكيا اسحق الثاني 997 هـ - 1 - 1588 م -
100 هـ 15910 م). حيث بدأت إمبراطورية صنغي في التدهور والانحلال.
والواقع أن هناك عوامل عجلت بزوال مملكة صنغي سريعاً منها مايلي: (1) الصراع بين أفراد الأسرة الحاكمة:
خاصة بعد وفاة الإسكيا محمد، فقد عزله أبناءه ونصبوا محله إبنه الكبير موسى. وظهرت صور عديدة للصراع على كرسي الحكم حيث كان الأخ يقتل أخاه، كما ظهرت ثورات متعددة في البلاط. وأصبح الأساكي في حالة شك مستمرة ممن حولهم منأمرائهم.
(2) الحروب المستمرة:
ضد القبائل الوثنية المجاورة والدول المجاورة لها مما أنهك قواها العسكرية وشتت برامجها في الأزدهار. وشغلب حكامها عن الإصلاحات الداخلية (!)
(3) الأطماع في ثروات مملكة صنغى الهامة من الذهب:
فقد تمكن الصنغي من احتلال مراكز انتاج الذهب التي كانت من قبل خاضعة لمالي، وأصبحت صنغي بذلك هدفاً لقوى بلاد السودان وقرى أوروبا الناشئة، وبدأت تلك القوى تتحين الفرص للأنقضاض على صنغي (!)
(2)
(4) الثورات الداخلية في الأقاليم:
فقد ثارت مدن، صنغي، خاصة الواقعة في أطراف الدولة من أجل الاستقلال. ففى تنبكتو ثار ثائر من عائلة الأساكي ضد الأسكيا أسحق الثاني. وقد كلف تمرد تنبكتو الإسكيا اسحق الكثير من المال والرجال مما أدى إلى تدهور أوضاع البلاد وانتشار الفوضى في كثير من الأقاليم.
(1) نوري، تاريخ الإسلام في إفريقية جنوب الصحراء، ص 157.
(2) زكي، المرجع السابق، ص 149.
- 354 (1/359)
صفحة 360
(5) الغزو السعدي من المغرب.
بدأ المنصور الذهبي (1) بمالديه من قوات حديثة التدريب والتسليح في الزحف نحو الجنوب بعد أن أمن نفسه مع القوى المحيطة به في الشمال الافريقي وأوروبا بعد شهرته إثر انتصاراته في معركة وادي المخازن على البرتغاليين، فأرسل جيشه لاحتلال تغازي وفرضت قواته مثقال من الذهب على كل حمل يخرج منها إلى السودان، فتوثرت علاقاته.
(2)
مع حاكم صنغي الذي كان يعتمد على داردات الملح من تغازي. وقد ساعد المنصور في هذا الأمر بعض المنشقين على اسكيا اسحق (3) الذين قدموا خدمات للجيش المغربي أثناء توجهه نحو الجنوب. وأحوال صنفي وما كانت عليه من الإنقسام والتدهور. وتطور الأمر إلى تدهور العلاقات بين المنصور الذهبي واسكيا اسحق الذي رفض إعلان التبعية له، مما دفع المنصور إلى إعلان الحرب، وأعد لذلك جيشاً كبيراً تحرك سنة 699 هـ وقد فوض المنصور جودر باشا قائداً عليها، واجتازت الصحراء ووصلت إلى نهر النيجر بعد أن قطعت مسافة تقدر بحوالي ألفي كيلو متر قطعتها في أربعة أشهر.
(4)
وقعت مواجهة شديدة بين القوات المغربية وقوات صنغي بالقرب من جاو انتصرت فيها القوات المغربية المسلحة بالأسلحة النارية الحديثة بينما كانت قوات صنفي تعتمد على السيوف والرماح والقسي، ودخلت القوات المغربية العاصمة جاء بعد أن فر سكانها إلى المدن المجاورة.
وكانت تلك الحملة المغربية لها آثارها السلبية على أوضاع المسلمين في السودان
(2)
الغربي، فقد انشغل قوات المغاربة بجمع كميات الذهب والعاج التي سترسل إلى مراكش)
(1) هو السلطان أبي العباس أحمد المنصور بالله بن أبي عبدالله، ولد في فاس سنة 956 هـ / 1548 م وبويع بالإمامة سنة 986 هـ / 1578 م بعد انتصاره على البرتغاليين في معركة وادي المخازن سنة 986 هـ / 1578 م وتمكن من تدمير معظم قواتهم. وقد عاصر السلطان العثماني مراد بن سليم. وعاهد ملك أسبانيا الملك فيليب الثاني. وقد توفى سنة 1012 هـ.
(2) نوري، المرجع السابق، ص 159.
(3) طرخان، المرجع السابق، ص 140 مؤنس الإسلام الفاتح. ص 116 وما بعدها.
(4) مؤنس، المرجع السابق، ص 117.
(5) نوري. المرجع السابق. ص 159.
19011 (1/360)
صفحة 361
وتدهورت أوضاع الأمن في صنفى والسودان الغربي، مما شجع القبائل الوثنية على العودة إلى السلب والنهب والتعرض للمسلمين، وأصبحت قوافل التجارة نادرة، خوفاً من الاضطراب الذي عم البلاد، وتدهورت الأوضاع الثقافية والمسيرة الفكرية في البلاد. . ودفع بآلاف من سكان البلاد نحو الشمال كعبيد
•
ومهما يكن من أمر، فإن عهد ملوك صنغي كان يمثل مدأ للإسلام ونفوذه في بلاد السودان الغربي. لقد كانت صنفى أول دولة إسلامية في غرب السودان تمد نفوذها بصورة رسمية نحو الجنوب داخل نطاق الغابات التي تقطنها جماعات وثنية بدانية، وقد عجز عن تحقيق هذا الأمر ملوك غانة ومالي من قبل، حيث الأمطار الكثيفة والرطوبة العالية والحرارة المرتفعة والأشجار والأدغال المتشابكة. كما مد صنغي نفوذهم داخل الصحراء وواحاتها شمالاً، وفرضت الأتاوات على قبائل الطوارق هناك)
(1)
لقد أصبحت مدن جاو وتنبكتو وغيرها منارات للإسلام بفضل دعم وتشجيع حكام صنفي، فقدم إلى مدنهم العديد من علماء بلاد المغرب وشمال إفريقية ومصر، ونهض حكام صنغي بتقديم الرعاية للعلم والعلماء والطلاب، فبنوا المساجد وأرسلوا البعثات (2) إلى جامعة فاس والقرويين والزيتونة والأزهر للوقوف على آخر الإنتاج العلمي والفكرى في تلك الجامعات.
كما حرص حكام صنغي على الإستفادة من خبرات الدول الإسلامية المجاورة في المجالات التنظيمية والإدارية، وأطلعوا على نظم الإدارة والحكم في المغرب الأقصى وفي مصر أثناء. اء عصر المماليك. وكانت رحلة الحج التي قام بها إسكي محمد (1493 - 1528 م فرصة هامة ليستفيد من الخبرات والنظم التي وصلت إليها الشعوب الإسلامية التي مر بها أثناء رحلته، كما اصطحب معه العديد من العلماء ورجال الدول لهذا الغرض
(3)
ويبدو أن ملوك صنغي كانوا يدركون الخطر المحدق بالمسلمين في السودان الغربي،
(1) مقلد، المد الإسلامي، ص 112.
(2) ناصر، المرجع السابق، ص 15. (3) مؤنس، المرجع السابق، ص 114
- 356 - (1/361)
صفحة 362
" كما وثق
حينما أحسوا بالتحركات الأوروبية نحو بلادهم، ولذلك فقد عملوا على تشكيل جبهة إسلامية ضد تلك الأخطار، نلاحظ ذلك من خلال حرص اسکي محمد على لقاء الخليفة العباسي بالقاهرة حيث خلع عليه الخليفة لقب الخليفة الأول في السودان الغربي علاقاته مع أمراء الحجاز بما لهم من مكانة في نفوس المسلمين. فاشترى أرضا ومباني في مكة المكرمة والمدينة المنورة ليجعل منها مقراً لبعثات الحج التي سترسل من بلاده في المستقبل ووفر بها سبل الراحة للحجاج
(1)
استحدث حكام صنفي تطوراً علمياً وفكرياً جديداً في بلادهم حينما أنشاوا جامعة سنكري في مدينة تنبكتو. وهي بذلك أول جامعة إسلامية في غرب إفريقية، بل أنها سبقت معظم جامعات أوروبا الشهيرة. وكان إنشاء تلك الجامعة الإسلامية متمشياً مع الحركة العلمية النشطة في بلاده وزيادة عدد المتعلمين والطلاب المتخرجين من مساجد المدن الكبرى، ووجود أعداد كبيرة من مشاهير العلماء والفقهاء في دولة وقد أنفق إسكى محمد على تلك الجامعة أموالاً طائلة، واعتنى بعلمائها وأوقف الرواتب والأعطيات لهم. وأصبحت تلك الجامعة قبلة العلم والطلاب في السودان الغربي. وساعدت تلك الجامعة على ترسيخ الإسلام ومبادئه بين شعوب السودان وصبغ المنطقة بالصبغة الإسلامية ودمجت الجميع تحت مظلة الإسلام بعيداً عن العصبيات القبلية.
(2)
وكانت تلك خطوة هامة نحو عمليات التعريب التي تواصل على تأديتها العلماء والدعاة والتجار منذ البداية، فبدأت المناهج تدرس باللغة العربية في كل المعارف والعلوم) وصارت العربية هي الكتابة والتدوين والتفاهم. حتى أصبحت تجارة الكتب من حيث البيع والنسخ تفوق مرابح تجارة الذهب، وأصبحت المصاحف والكتب الدينية العربية موضع فخر بين الناس. وكانت ثروة الرجل تقدر بعد مالديه من الكتب العربية بخزائنه وعدد الخيل في مرابطه.
وأفاض حكام صنفي بأموالهم على العلماء والفقهاء، رغم مشاكلهم الداخلية والخارجية، وكان العلماء في أروقة المساجد والمعلمون في قاعات الدروس وتحت الشجر (3) بينما كان الملوك والأمراء يتحاربون. وكان ملوك صنغي قد حاولوا عزل العلماء
(1) مؤنس، المرجع نفسه، ص 122.
(2) قداح، المرجع السابق. ص 92 (3) مؤنس، المرجع السابق، ص 123.
- rov - (1/362)
صفحة 363
والحياة الفكرية عن مشاكلهم وحروبهم فهاجر إلى مدن صنفي العلماء حاملين معهم مؤلفاتهم وفنونهم وعلومهم، حتى في الطب والصيدلة وقد تخرج على أيدى هؤلاء العديد من العلماء من أهل صنغي
(1)
(2) عدداً
وقد ذكر أحمد بابا التنبكتى في كتابه " نيل الابتهاج بتطرير الديباج كبيراً من أبناء صنغي الذين وصلوا إلى درجات علمية راقية وكانت لهم مهارة في عمليات الجراحة فقد كان أطباء صنغي يجرون عمليات استخراج حصى المثانة، وماء العين. كما ظهر منهم مهندسون بارعون في مجال العمارة خاصة عمارة المساجد (3). ومازالت آثار تلك المساجد في مدن بلاد غرب إفريقية تشهد بذلك.
ومثلت مساجد صنغي الكبري وجامعة سنكري قمة الهرم التعليمي بالبلاد، فقد كان على طلاب العلم القادمين من المناطق البعيدة والذين تلقوا مبادئ العلم بلهجات مناطقهم، عليهم أن يجيدوا اللغة العربية إذا أرادوا استئناف دراساتهم في المراحل العليا في جامعة سنكرى. الأمر الذي جعل بلاد السودان الغربي تصل إلى أعلى مستويات التعريب على يد حكام صنفي، ولم تصل إلى تلك المرحلة من قبل أو من بعد. حيث بدأت المناهج تختلف في العصر الاستعماري فانحصرت العربية من جديد. وصلت الفرنسية عى لغة الإدارة والحكومة محل العربية.
وكان لتلك النهضة الفكرية آثارها في المجالات السياسية الاقتصادية والاجتماعية. ففي المجال السياسي ظهرت دولة صنغي بمظهر إسلامي قوى بين قوى العالم الإسلامي المعاصرة لها وأقاموا علاقات قوية مع الدول الإسلامية في بلاد المغرب ومصر والعراق والحجاز ونشطت البعثات والوفود بين صنغي ودول العالم الإسلامي الأخرى. وأصبحت غرب السودان تحس لأول مرة ينبض الحياة السياسية في العالم الإسلامي الواسع
الأرجاء (4)
وفي المجال الثقافي والفكري نشطت بعثات الطلاب، من أقاليم صنفي، في
(1) نوري، تاريخ الإسلام، ص 158.
(2) قام بتحقيقه ناطق صالح مطلوب، للحصول على درجة الماجستير من كلية الآداب، جامعة القاهرة.
سنة 1972 (3) المصدر السابق، ص 47.
(4) مقلد، المر الإسلامي، ص 120.
- 358 - (1/363)
صفحة 364
علماء
الالتحاق بالجامعات الإسلامية في مصر والمغرب وتونس والعراق، ووفدت أعداد كبيرة من العلماء من مصر وبلاد المغرب، وأصبحت مدن صنغي تضم جاليات كبيرة من. وفقهاء الدول الإسلامية. وضم رواق التكرور في الجامع الأزهر أعداداً كبيرة من طلاب السودان الغربي زمن صنفي، وتمكن طلابها من الوصول إلى درجات متقدمة من التحصيل العلمي بالأزهر، حتى وصل أحد طلابها إلى درجة التدريس في الجامع الأزهر وهو " الفقيه المعتز عبدالرحيم وحرص أهل صنفي على اقتناء آخر مؤلفات العقلية الإسلامية في بلاد المشرق ومصر وبلاد المغرب. وأصبحت غرب إفريقية جزء من الحركة العلمية في العالم الإسلامي
(1)
وأصبحت الحركة العلمية في بلاد صنفي ترتوى بأضواء منارات العلم الإسلامية في بقية مراكز العالم الإسلامي، حتى أصبح من الصعب على الباحث في تلك الفترة أن يميز بين مستويات الفكر الإسلامي في تلك الأنحاء وغيره من مناطق العالم الإسلامي الأخرى في كافة مجالات العلوم والفنون الإسلامية (2).
وفي المجال الإجتماعي، تمكن الإسلام من إحداث صحوة جذرية بين شعوب وقبائل السودان الغربي، وفجر طاقات شعوبها من أجل بناء بلادهم على نظم جديدة مستندة إلى رسالة سماوية، وعمل الإسلام منذ البداية على إلغاء العصيبات والفوارق الإجتماعية التي ترتبط بالفكر الوثني البدائي السابق. وأعاد الإسلام للمرأة في المجتمع السوداني قيمتها وكيانها وأصلح من شأنها. كما بدأ الإسلام يحدد مكانة وحقوق الرقيق في المجتمع الصنغي على أساس عادل. وبذلك انهارت كل أركان الوثنية أمام التفوق الإسلامي وأمام س. فكر عقيدة الإسلام وشريعة. ففي الإسلام تأخذ الحقائق شكلاً حقيقياً ملموساً بعيداً عن الغيبية التي تميز القصائد الوثنية. وبالتالي اخترق الإسلام الأذهان الإفريقية على كل المستويات الإجتماعية بسهولة مما حمل الإفريقيين على الإقبال عليه، وفسر له الكون تفسيراً بسيطاً فطرياً وأعطى لكل إنسان أهمية في تعمير هذا الكون حسب الدور المكلف به وبذلك ائتلف الإسلام مع الفطرة السودانية ودافع عن محرماته مثل تحريم الخمر دفاعاً مقنعاً، وأبقى تعدد الزوجات الذي كان يسود الحياة
سمر
(3)
(1) حسن محمود، الإسلام والثقافة العربية في إفريقية، ص 25 وما بعدها.
(2) مؤنس، المرجع السابق، ص 115.
(3) قداح، حضارة الإسلام، ص 102 وما بعدها.
- 359 - (1/364)
صفحة 365
(1)
الإفريقية سابقاً، حسب حدود معينة، وضيق الإسلام على المشتغلين بتجارة الرق، حينما أعطى للعبد حقوقاً، وفتح أبواب عديدة لتحريره وكانت تجربة الدعوة السنوسية إحدى التجارب الإسلامية لذلك
(2)
وكانت دعوة الإسلام للمساواة ومحاربته التمييز العرقي والعنصري ومساواته في جوانب الحياة والعدالة والحكم عاملا هاماً على تحمس الأفارقة له. بل أنهم أصبحوا دعاته وحماته من أجل الحفاظ عليه والدفاع عنه. ولا يزال الأفارقة المسلمون يعتبرون الإسلام هو كيانهم وذاتهم رغم جعلهم بكثير من شرائعه ومبادئه وظل الإسلام يكتسب نظراً تلو الآخر في إفريقية حتى العصور الحديثة بعد دخول الاستعمار. حيث اتضح رسوخ الإسلام بين أهالي السودان الغربي رغم السياسة الثقافية القاسية التي انتهجتها السلطات الفرنسية ضد المسلمين بل تطور الأمر إلى اعتقاد الزنجي أن الإسلام دين. السود حيث وجد فيه الخلاص والأمل في الدنيا والأخرة ورغم ما في هذا الاعتقاد من مغالطة، على أساس أن الإسلام دين الإنسانية جمعاء لكن الإفريقي وجد في الإسلام فخراً بذاته وبأسرته وبمجتمعه.
(3)
(4)
وكان تبني حكام صنفي فكرة إعلان الجهاد الإسلامي ثمرة من ثمرات صهر المجتمع الإفريقي تحت راية الإسلام للحفاظ على مكتسباته والدفاع عنه ضد أخطار القبائل الوثنية وكانت تلك الدعوة بمثابة رباط اجتماعي صهر جميع طبقات المجتمع السوداني في بوتقه الإسلام. إلا أن قدوم الإستعمار أخيراً حاول اشعال نار العصبية من جديد من أجل القضاء على فكرة الجهاد الإسلامي.
لقد كان للإسلام الفضل الأول والأخير في بناء حضارة إنسانية على أرض السافانا الإفريقية، وتدوين أخبارها بصورتها المحلية الواقعية، وأبعد عنها أشباح الأساطير
والخرافات، فلم تعرف غرب افريقية أدب مكتوب قبل عهد صنغي) (5)، ومازالت أجزاء
(1) مؤنس، المرجع السابق، ص 127.
(2) قداح، المرجع نفسه، ص 95.
(3) طعيمة، صابر، محنة الأقليات الإسلامية، ص 46 470.
(4) نوري، تاريخ الإسلام في افريقية جنوب الصحراء، ص (16). (5) قداح المرجع السابق، ص 112.
-57.- (1/365)
صفحة 366
من
مملكة صنغي السابقة تحرص على مكتسباتها السابقة في الأدب والشعر، ويكفي ما وصل إليه أدباء موريتانيا والسنغال ومالي. حاليا من درجة كبيرة في النبوغ في العلوم والدراسات الإنسانية بفضل مكتسباتهم السابقة عن الإسلام.
*
#
ومع نهاية القرن العاشر الهجري نهاية القرن السادس عشر الميلادي، تعرضت غرب إفريقية ومملكة صنغي لأخطار خارجية أودت بها وبكافة الكيانات السياسية المجاورة لها في المنطقة أمام الأجتياح المراكشي لبلادهم. فأختفى الأمن والأستقرار وعادت بلاد السودان الغربي إلى التمزق من جديد وتعرضت أقاليمها إلى انتكاسات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية.
ويحدد أستاذنا الدكتور /حسين مؤنس أن هذه الفترة التي بدأت بالقرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي، وكانت نهاية للدول الإسلامية الكبرى في المشرق الإسلامي وفى الغرب (1) ففي الشرق استغل نادر شاه قواته الكبيرة العدد والجيدة في التسليح لتجتاح مدن الهند الإسلامية وتخريب دلهي، لينتهى بذلك مجد الإسلام في
الهند
(2)
وتبدأ الهند مرحلة جديدة مع الإستعمار البريطاني (3) كما التفت نادر شاه غرباً
إلى العراق، ودخل في صراع مرير مع العثمانيين، انتهى هذا الصراع باختفاء قوة المماليك بعد أن قدمت خدمات مجيدة للإسلام أمام المغول والصليبين. وأخيرا في الغرب صوب السعديون فوهات بنادقهم الحديثة في صدور مسلمي غرب السودان وتحملت جيوشهم قساوة الصحراء من أجل أحمال الذهب والعاج (4)، واختفى أمامهم مجد الإسلام في غرب السودان. وهكذا أصبح المسلمون بأسهم بينهم شديد
(1) الإسلام الفاتح. ص 116.
(2) النمر، عبد المنعم، تاريخ الإسلام في الهند، ص 392 وما بعدها، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1981.
(3) الساداتي، أحمد محمود، تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية، ص 439 وما بعدها، جامعة القاهرة، الطبعة الثالثة.
(4) لقب السلطان أحمد المنصور السعدي بالذهبي لوفرة كميات الذهب التي حملت إليه من صنفي.
-11 - (1/366)
صفحة 367
لقد كانت للحملة المغربية آثارها | لبية على مملكة صنغي وأوضاع المسلمين بها من النواحي التالية:
(1) أنها شغلت حكام صنغي والمسلمين هناك عن حالة الجهاد الإسلامي ضد الجماعات الوثنية وأعداء الإسلام بالمنطقة حيث أصبحت عملية المواجهة مع الجيش المراكشي هي شغل صنغي الشاغل.
(2) عادات الفوضى السياسية تدب في أنحاء غرب إفريقية بين شعوب المنطقة التي بدأت تتألف حول الإسلام، فعادات إلى التمزق من جديد، و، وخاصة أن معظمها كان حديث العهد بالإسلام. وضاعت جهود حكام صنفي في توحيد تلك المناطق والقبائل
(3) أصبحت مناطق الواحات الشمالية ومراكز التجارية تحت رحمة جماعات الطوارق، وأصبحت تلك المنطقة منفصلة عن جسم: مملكة صنغي. فانقطعت
قوافل التجارة وتدهورت حوال البلاد الإقتصادية.
وبالرغم من نجاح حملة السعديين عسكرياً على صنغى سنة 1591 م، إلا أن السعديين أدركوا صعوبة سيطرتهم على مناجم ذهب السودان التي تقع في الجنوب. وكانت عملية السيطرة عليها تحتاج إلى جهود كبيرة. فتدهورت العلاقة بين سلطان مراکش و قوائده جودر باشا فعين محله محمود زرجون. ثم عزل القائد الجديد وسادت حالة من عدم الإنضباط بين جند المراكشيين حتى أن الجند نزلوا إلى المدن والقري واندمجوا سكان صنغي وأتجهوا للعمل في مجالات أخرى، وتطور الأمر إلى استغلال ولاة غرب
مع.
(1)
•
السودان عن حكومة السعديين سنة 1620. وأصبح هؤلاء الولاة لعبة في أيدى الجند وأصبح هؤلاء جميعاً شغلهم الأول والأخير الذهب والمال فعاثوا في أقاليم صنفي فساداً ونهبوا البلاد والتجارات وسادت حالة من الفوضى في غرب السودان بحيث تولى 149 والياً في الفترة من سنة 1620 م حتى سنة 1750 م حتى اقتصرت ولاية بعضهم على بضع ساعات و اضطريت أحوال البلاد (2).
(1) ولي مكانه قائد يسمى منصور. وأمر السلطان القائد الجديد بالقبض على زرجون وقتله أو أرساله قليلاً بالحديد مع نفر كبير من فقهاء تنبكتو لأنه اتهم بخيانته.
(2) نوري، المرجع السابق. ص (161).
- 362 - (1/367)
صفحة 368
وظهرت طبقة اجتماعية جديدة وليدة عن هذا الغزو وهى طبقة " أرماى أو الأرماً فتجهت عن اختلاط جند الحملة المراكشية مع أهالى السودان. وهي تحريف لكلمة الرماة لأن جند الحملة كانوا يجيدون الرمي بالسهام والبنادق. وقد أصبحت تلك الطبقة ارستقراطية جديدة في غرب السودان، وتدنت طبقات الماندنجو والصنغي، في بلادهم، بعد مشوار طويل مع الكفاح الإسلامي. وهيأت تلك الوضاع الظروف المناسبة للمد الأوروبي في المنطقة بخطى ثابتة وقوية في ظل غياب النظام والأمن.
*
(1)
تشغل دولة النيجر حاليا معظم أقاليم صنفي. وتعرضت للغزو منذ القرن التاسع عشر. وفي سنة 1890 م ثم عقد اتفاقية بين بريطانيا وفرنسا بشأن تحديد الحدود بين النيجر ونيجريا. وبعد ذلك أصبحت المنطقة خاضعة لفرنسا بصورة عامة حتى سنة 1922. وبدأ الفرنسيون يوجهون جهودهم منذ البداية لمقاومة الروح الإسلامية في المنطقة واستقدمت العديد من بعثات التنصير إلى البلاد لمساندة جهودهم العسكرية والسياسية. ورغم ذلك فلم تتعدى نسبة المسيحية بين جماعات النيجر عن %1? فقط من الجماعات الوثنية أصلاً.
استقلت النيجر عن فرنسا سن 1960 م. ويشكل المسلمون أكثر. من 91? من السكان ومازالت الوثنية منتشرة بين 8? من السكان (2). وتحاول الدولة بعث الحياة الإسلامية من جديد بعد سنوات الطمث السابقة. ومن مظاهر ذلك الاتصال بالمراكز والهيئات والمنظمات الإسلامية.
(1) دولة داخلية في غرب افريقية تطل على بحيرة تشاد الداخية. مساحتها .... 267. 1 كم 2 يشكل الصنفي أهم عناصرها العرفية ثم جماعات الهوسا في الشرق. وللصنغي عاصمة هي نيامي وللهوسا
عاصمة في زندر.
- فتحي عيانة، الجغرافية الإقليمية، ص 453. (2) عادل يونس، العالم الإسلامي، ص 78. 181
- 363 - (1/368)
صفحة 369
رابعاً: البامبارة
(1) والتكرور:
(محاولات بعث وسط ركام الممالك الإسلامية
(1)
بعد الضربات التي حلت بمملكة مالي ومملكة صنغي، نهض فريق من الماندنجو في القرن السابع عشر محاولاً إحياء مجد الماندنجو من جديد، بعد ماحل بحكام صنغي وشعبها، وبعد انهيار امبراطورية مالي. وكان هذا الفرع يسمى البامبارة (1) وكانت جماعات البامبارة قد انتشرت في وديان نهر النيجر وفروعه العليا منذ القرن الثالث عشر الميلادي ضمن مملكة مالي. وبعد هزائم مالي أمام صنغي تمكن البامبارة من الاستقلال بشئونهم وكونوا إمارة صغيرة حول سيجو. وهى الإمارة التي انطلقت منها امبراطورية البامبارة القوية بعد ذلك
تنحصر
وبعد انهيار سلطان مالي وصنغي أصبحت القوى السياسية في غرب السودان
في قوتين هما:
-1
التكرور في الغرب في حوض السنغال.
2 - البامبارة في الوسط على فروع النيجر العليا.
وبجوار البامبارة وجدت جماعات الفولاني والهوسا لكن البامبارة أصبحت أهم تلك القوى. وبدأ البامبارة يحيطون أنفسهم بالأساطير (2)، لدعم جذورهم، وذلك في مرحلة تأسيس إمارة سيجو.
(1) البامبارة من شعوب الماندنجو، خضعوا لسلاطين مالي وعملوا تحت لوائهم، ثم صنفي. وفي زمن الغزوة المراكشية استقلوا عن باشوات تنبكتو المراكشيين. وفي القرن السابع عشر ظهرت قوتهم واندفعوا وسط الفراع السـ في غرب السودان إلى التوسع. واضطر حكام تنبكتو إلى دفع الجزية
لهم.
- حسن محمود، الإسلام والثقافة العربية، ص 259.
(2) هناك أسطورة محلية عن أصل البامبارة تقول أنه كان للبامبارة أخوين هما
: برما نجولو، ونيانجولا، هربا أمام الأعداء، وقفزا في أحد الأنهار حيث أنقذتهما سمكة إلى الشاطيء الأخر. فلقب الأخوين باسم كولوبالي أي الناجون.
طرخان، دولة مالي، ص
172
- 364 - (1/369)
صفحة 370
وبعد تخلص البامبارة من سلطة باشوات مراكش - بدأوا يتطلعون في السيطرة على المناطق المجاورة لهم. كما أخضعوا طبقة الأرما الأرستقراطية لهم، التي كانت تحتل قمة الهرم الأجتماعي بعد زوال صنغي. وفي سنة 1670 م بدأت جيوش البامبارة تكتسخ وديان النيجر وتخضع بقية شعوب الماندنجو لها، واتجهت البامبارة شمالاً لتخضع إمارات غرب السودان حتى حدود الصحراء، كما أخضعت أقاليم الجنوب حتى ا الغابات
الإستوائية.
(1)
اشتهر أمر مملكة البامبارة، وأصبحت أهم العوامل المؤثرة في أحداث غرب افريقية، حيث لجأ إليها على بن حيدر خوفاً من حاكم مراكش. لكنها سقطت سريعاً سنة 1861 م على يد الحاج عمر ورجاله من التكرور بعد أن شكل جماعة مسلحة لتطبيق فكره الإسلامي كخليفة للطريقة التيجانية. فتمكن برجاله من هزيمة البامبارة ودخول
عاصمتهم.
(2)
وبعد ذلك أتجه الماندنجو إلى الزعامات الصوفية فظهر من بينهم شخصية هامة في هذا المجال هو ساموري الطورى الذى تمكن من ملأ الفراغ السياسي في المنطقة لفترة طويلة وعرقل التقدم الأوروبي للمنطقة. (3)
وكان المسا (4) أبوبكر أشهر حكام البامبارة، ذلك أنه تمكن من توسيع حدودهم لتضم أقليم كنجوى وباكونو. وكان آخر ملوكهم هو المساكانديان
ويعتبر سامورى الطوري آخر صوت للإسلام يرتفع ضد الاستعمار الفرنسي إذ تمكن الفرنسيون من بعده من بسط سيطرتهم على غرب إفريقية (5)، وبدأت مرحلة جديدة من
(1) كان للبامبارة فرعان فرع في منطقة كا آرتا شمال نهر باخوي، أحد فروع نهر النيجر، والثاني في
سيجو. وكان التفوق للفرع الأخير
(2) سبق الحديث عن حركته.
(3) سبق الحديث عن حركته (4) مسا: بمعنى ملك أو سلطان.
(5) كانت دولة غينيا هي آخر معاقل المقاومة ضد الفرنسيين، بسبب دورها النشط في مساندة الحركات الإسلامية. كما كانت أول دولة في المنطقة حصل على إستقلالها من فرنسا سنة 1958 م.
- 365 - (1/370)
صفحة 371
المنطقة.
محاولات الاستعمار الغربي لتشويه التجربة الإسلامية الطويلة في المنطقة وسلخ دول عن حضارتها الإسلامية. ومازالت دول غرب السودان تعاني من تلك السياسة في مرحلة ما بعد الاستقلال، لما قامت الهيئات الأوروبية من إبعاد المسلمين هناك عن هويتهم القومية وتجربتهم الإسلامية.
- 366 - (1/371)
صفحة 372
(4)
أهم مراكز الحضارة الإسلامية
في السودان الغربي
ظهرت على أرض السودان الغربي في العصر الإسلامي مراكز حضارية مزدهرة أدت دورها الهام في خدمة المنطقة. وكان لكل مركز ظروفه وأوضاعه وأهميته ودوره الخاص ومن أهم تلك المراكز مايلي: (حسب الترتيب الأبجدي)
أولا " أودغست: (1) (أودغشت)
تعد مدينة أو دغست مثالاً واضحاً للمراكز الإسلامية التي ظهرت وتطورت على طرق التجارة والتبادل بين شمال إفريقية وغرب السودان عبر الصحراء الإفريقية الكبرى فكان ظهورها مرتبطاً بالنشاط التجاري وحركة القوافل على تلك الطرق، كما كان تدهورها مرتبطاً بفقد تلك الطرق أهميتها أو تحولها لأسباب سياسية وأمنية.
فقد كان ظهور مراكز حضارية في إفريقية الشمالية مثل تاهرت وسجلماسة ومن قبلها القيروان بداية لانتعاش اقتصادي كبير لمنطقة الشمال وكان من أسباب هذا الانتعاش ارتبط تلك المراكز بتجارة بلاد السودان جنوب الصحراء واستغلت تاهرت وسجلماسة موقعها على الطرق التجارة المتجهة إلى بلاد السودان لتحقق تفوقاً اقتصادياً ملموساً لفترة طويلة وأصبحت مراكز الشمال تعج بحركة القوافل التجارية المترددة على بلاد السودان لحمل سلعها الهامة من الذهب والرقيق والجلود والعاج
(2)
وكان لابد من إنشاء مراكز على طرق الصحراء الطويلة والشاقة يتمكن فيها التجار والمسافرون من استبدال دوابهم والتزود بالماء والطعام والاستراحة من طول ومشقة الطرق. وكانت أودغست (3). تلك المراكز التي أصبحت تمثل رأس مثلث تجارى قاعدته في
من
(1) تقع اليوم في جمهورية موريتانيا، واكتشف اطلالها سنة 1939 م الباحث الأثرى لافورج.
(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 1، ص 277 ومباعدها.
(3) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 98.
- 367 - (1/372)
صفحة 373
(1)
الشمال عند سجلماسة وبلاد السوس الأقصى ويتجه نحو السودان وأودغست.
ومهما يكن أمر فإن المدينة كانت قائمة قبل العصر الإسلامي، إلا أن ازدهارها ونموها الكبير وشهرتها في ا المنطقة ترجع إلى العصر الإسلامي إذ أصبحت مركز التبادل الأساسي بين بضاعة الشمال الأساسية المتجهة صوب السودان وهي الملح، وبضاعة السودان الأساسية المتجهة إلى الشمال وهو الذهب. وحققت المدينة ثروتها الضخمة لفترة طويلة من وساطتها بين تلك السلعتين لفترة طويلة وأصبحت المدينة نقطة التقاء قوافل وارجلان و تاهرت وسجلماسة المتجهة إلى خط السافانا في الجنوب. حيث كانت تبعد عن سجلماسة حوالي (51) مرحلة وعن القيروان حوالى (110) مرحلة (2).
وقد أدت أهمية الإرتباط بأودغست وتجارة الذهب من السودان عبر أودغست إلى حدوث تقارب بين قوى الشمال الإفريقي رغم الإختلافات المذهبية والسياسية. فمن أجل مراعاة المصالح التجارية وقعت علاقة مصاهرة بين الرستميين في تاهرت والصفرية في سجلماسة، حيث تزوجت أروى بنت عبدالرحمن بن رستم من مدرار بن اليسع (3)، وكانت تلك المصاهرة تحمل في طياتها محاولة الأسرتين الحفاظ على مداخل الطرق التجارية من الشمال مع أودغست حيث سلع بلاد السودان الهامة. (3) حيث تعتبر أودغست المدخل الأساسي لتجارة السودان. وكان أهلها أيسر أهل الأرض.
(0)
كانت المدينة تقوم في وادبين جيلين، أى أنها تشبه من حيث تضاريسها مكة وقد تمكن أهلها من تنظيم أمور الرى لأراضيهم من خلال التحكم في مجرى
المكرمة (6).
(1) التيجاني، المغرب الإسلامي، ص 194، 195.
- بكير، الدولة الرستمية، ص 209.
- لومبارد، الجغرافية التاريخية، ص 258
(2) تختلف مسافة المرحلة من منطقة لاخرى حسب التضاريس وظروف الطقس والمناخ والعوامل الأخرى
التي تساعد تسهيل أو صعوبة حركة القوافل.
(3) ابن خلدون، الصبر، ج 1، ص 268. (4) الجنحاني، المغرب الإسلامي، ص 195.
(5) البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، 158.
(6) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 125.
- 368 - (1/373)
صفحة 374
المدينة
الوادي. وبذلك أصبحت المنطقة تمتلك إمكانيات هامة تكفى أي زيادة في كثافة سكان، حتى أنها كانت تكتفى ذاتيا من السلع الغذائية والخضروات وغيرها، وأصبحت المدينة أشبه بواحة في الصحراء. ففيها النخيل والبساتين والآبار العذبة (1).
•
كان للتجار دور هام في تحول المدينة وأهلها إلى الإسلام منذ القرن الثاني الهجري بحيث أشارت كتابات الجغرافيين والمؤرخين والرحالة إلى وجود مظاهر عديدة للحياة الإسلامية بها منذ البداية من مساجد عديدة ومسجد جامع وأنها آهلة بالمعلمين للقرآن. وبها عدد من العلماء والفقهاء. الأمر الذي يدل على تحول أهلها إلى الإسلام منذ القرن الثاني الهجرى / الثامن الميلادي. . وقد وفدت للاستقرار في المدينة عناصر عديدة من الزنوج والبربر والعرب وسائر الأمصار.
ومنذ القرن الثاني الهجري حدث تطور ديموغرافي وعمراني في المدينة، فإزدهرت أسواق المدينة وأستمر هذا الأزدهار حتى القرن الخامس الهجرى / الحادث عشر الميلادي، حينما فتحت عنوة على يد عبدالله ياسين مؤسس دولة المرابطين سنة 5446/ 1054 م. إذ ترتب على ذلك أن أصبحت أوغست مركزاً ثانوياً لتجارة بلاد السودان بعد تحول الطرق التجارية عنها بعد أن كانت مركزاً لقبيلة صنهاجة القوية وعاصمة لزناته، إحدى بطون صنهاجة، وتمكنت أن تبلغ قمة ازدهارها على يد تين بروتان بن ويستوب نزار الصنهاجي الذي دان له أكثر من عشرين ملكاً من ملوك السودان)
(2)
ورغم تأثير غزو المرابطين للمدينة، إلا أن هناك عوامل أخرى أدت إلى تدهورها منذ القرن الخامس الهجري، منها ما يلي:
(1) تدهور أوضاع دول بلاد المغرب والتي ارتبطت في نموها ومكانتها بعلاقاتها التجارية مع بلاد السودان. ومن أهم تلك الدول الرستميين في تاهرت والصفرية في سلجماسة وكانت تلك الدولة تمثل منفذا لتجارة أودغست ومخرجاً لصادراتها.
(3)
(1) ابو حوقل، المصدر السابق، ص 62. (2) البكرى المصدر السابق، ص 164.
(3) ياقوت الحموي، المصدر السابق، جـ 1، ص 278 بكير، الدولة الرستمية، ص 205 وما بعدها اسماعيل، محمود، الخوارج، ص 177 وما بعدها.
-579 - (1/374)
صفحة 375
(2) تغير الطرق التجارية الصحراوية إلى طرق أخرى بديلة عبر واحات الصحراء الليبية إلى واحات كوار، أو إلى مركز تادمكة (1) بالنسبة إلى بلاد المغرب الأوسط وإلى طريق نول لطة على ساحل المحيط الأصلسي بالنسبة لبلاد المغرب الأقصى. كما أن أودغست أصبحت بعيدة عن مراكز الحكم والسياسة
في زمن مالي وصنغى، بينما قريبة من مدينة كومبي صالح. زمن امبراطورية غانة:
كانت القوافل التجارية القادمة من الشمال إلى بلاد السودان عبر أودغست تحمل المواد الغذائية خاصة منذ القرن الثالث الهجري حينما زاد عدد سكان المدينة، والمنسوجات والنحاس المصنوع والخرز والزجاج بالأضافة إلى الملح (2) وتعدد القوافل من أ أو دغست محملة بالذهب والرقيق، حتى ضرب المثل بذهب أودغست في تلك الفترة في أنه أجود ذهب أهل الأرض وأصحه (3) كما كانت بعض القوافل تستأنف الرحلة منها إلى غانة في الجنوب أو إلى بلاد التكرور في الغرب. كما اشتهرت مدينة أودغست بتصدير الصمغ خاصة إلى الإندلس. كما كان الملح يستخرج بالقرب منها ليباع في بلاد السودان. كما اشتهرت بتصدير العنبر القادم إلى أسواقها من ساحل المحيط.
وهكذا قامت أودغست بدور كبير في مجال الحركة التجارية والعلاقات الدولية بين منطقة شمال افريقية وحوض البحر المتوسط من جهة الشمال وبين غرب السودان من جهة الجنوب وساعدها على أداء دورها موقعها الاستراتيجي للطرق البرية الصحراوية القادمة من المغرب خاصة من سجلماسة و وليلي بالمغرب الأقصى (4)، وكذلك قربها من غانة في الجنوب وأصبحت منذ القرن الثاني الهجري مركزاً متقدماً للإشعاع الحضاري الإسلامي إلى داخل غرب السودان فعمرت المدينة بالمساجد والجوامع والكتاتيب والمدارس وأصبحت قبلة للعديد من العلماء والفقهاء الذين قدموا إليها من شمال إفريقية والأندلس. (5)
(1) تعتبر. أنشط مراكز التجارة الصحراوية المنافسة لطريق أودغست بسبب قربها من وارجلان من الشمال وقربها من الجنوب من حوض النيجر.
(2) الجنحاني، المغرب الإسلامي، ص 209.
(3) البكري، المصدر السابق، ص 159.
(4) ناصر، دور الأباضية، ص 28. (5) مقلد، المد الإسلامي، ص 122.
- TV. - (1/375)
صفحة 376
ويرجع إلى تلك المدينة الفضل في ترسيخ عمليات التحول إلى الإسلام بين أهل غانة منذ البداية، إذ كانت تضم عدداً من الرعاة كان لهم دورهم في هذا المجال. ولكن تغير الظروف في المنطقة والصراع الذي دار بين المرابطين ودولة غانة عليها، ثم دخول المرابطين المدينة غير من أهميتها وقلل من دورها الهام في غرب افريقية (1)، لتعود من جديد مركزا متواضعاً كما كانت.
ثانياً: تنبكتو:
(2)
مدينة تقع على ضفاف نهر النيجر الأعلى، ظهرت منذ القرن الخامس الهجري كمحة تجارية هامة بين بلاد السودان وبين الشمال الإفريقي، خاصة زمن دولة صنغي حيث جعل منها السلطان كنكن موسى أعظم مدن السودان الغربي وتعد أهم مدن السودان استمرارية في الأزدهار الاقتصادي والعمراني، بحيث بلغت قمة مجدها الفكري والتجاري في القرن السادس عشر الميلادي. ومازالت قصورها ومساجدها الباقية تدل على عظمة دورها في غرب السودان.
(3)
ويبدو أن تدهور الأوضاع الأمنية أودغست وغانة منذ ظهور دولة المرابطين وظهور الصراع بينها وبين ملوك غانة قد أدت تلك الأوضاع إلى نمو تنبكتو كمركز التجار المسلمين في المنطقة، فبدأت المدينة تنمو بفضل وفود أعداد كبيرة من التجار إليها كما وفد إليها أعداد كبيرة من العلماء والدعاة، وأخذت المدينة تتبوأ مكانتها كأهم مراكز الحضارة الإسلامية في غرب إفريقية بفضل تشجيع ملوك مالي وصنغي رعايتهم لنهضتها فأقاموا بها العديد من المساجد والقصور
(4)
كان ظهور تنبكتو منذ البداية امتداداً للتخطيط الإسلامي للمدن فهى عبارة عن عدة أحياء، لكل هي مسجد جامع وعدد من المساجد ويستقر في كل حي تجار بلد معين. كما ظهرت فيها أحياء الحرفيين ودكاكين وحوانيت الصيادلة والحدادين ومختلف
(1) الجنحاني، المرجع السابق، ص 203. (2) الزياتي، وصف إفريقية، ص 539 - 542.
(3) السعدي، تاريخ السودان، ص 22.
(4) الزياتي، المرجع السابق
- (1/376)
صفحة 377
الصناعات. حتى أصبح للمدينة ميناءها الخاص على نهر النيجر لملاحقة عملية التصدير
وبسبب
(1)
حيث أصبحت
(2)
والإستيراد إلى بقية بلاد السودان. وكان هذا الميناء هو ميناء كابيارا المدينة القلب التجاري لمملكة مالي وغرب السودان في القرنين الرابع عشر والخامس، هذا الإزدهار الذي عم المدينة وسكانها تكالبت عليها القوى المجاورة، فقد أصبحت فترة محل صراع بين ملوك مالي وصنفى، حتى قام السلطان کنکن موسى بتشييد قصر حكمه بها سنة 1329 م (3) كما أصبحت هدفاً للغزو من قبل جماعات الطوارق في الشمال، وجماعات الموشى من الجنوب، حتى أنها خربت عدة مرات من قبل قبائل الموشي الوثنية.
ازدهرت المدينة بصورة واضحة تحت سلطان حكام صنفي، حيث ركزوا اهتماماتهم بعمارتها ونهضتها، وساعد عامل الأمن والاستقرار الذي ساد دولة صنغي في البداية على توافد أعدد كبيرة من العلماء للأستقرار بها، وأنشأت بها المكتبات الضخمة التي حرص على تجهيزها العلماء والفقهاء. وأصبحت المدينة أهم مركز لنشر الإسلام في غرب السودان قاطبة حتى العصور الحديثة. وازدهرت فيها حركة نسخ الكتب العربية وبيعها، بحيث نافست تجارة الكتب في العائد تجارة الذهب (4) وكان لبعض علمائها مكتبات تحتوي على أكثر من ستة آلاف كتاب مثل أحمد بابا التنبكتي. كما أنشأت فيها مكتبات من قبل حكام صنفي لخدمة حركة العلم والثقافة بها. حتى أصبحت المدينة ثقافية على المستوي العالي تتبابع الحركة العلمية في القاهرة والقيروان وفاس وغيرها من المراكز الإسلامية المعاصرة لها
(0)
وخرجت المدينة أعداد كبيرة من العلماء لايقلون في مستواهم واستعدادهم ومكانتهم عن إخوانهم في المغرب أو المشرق، وعرفوا بالإخلاص الشديد والحرص على العلم والتعليم واقتنوا المكتبات (6)، وأنفس الكتب ووقفوها على المتعلمين. فأصبحت تنبكتو أهم سوق للكتب في بلاد السودان تنسخ فيها الكتب وتوزع على البلاد المجاورة (7)
(1) مقلد، المد الإسلامي، ص 139 (2) مقلد المرجع السابق. (3) نوري، تاريخ الإسلام في إفريقية جنوب الصحراء، ص 103. (4) السعدي، المصدر السابق، ص 33، 46.
(5) حسن محمود الإسلام والثقافة العربية، ص 245 وما بعدها.
(6) مقلد، المد الإسلامي، ص 140. (7) حسن محمود، المرجع السابق، ص 246.
- 372 (1/377)
صفحة 378
(1)
ووصل علماء تنبكتو وغرب السودان في تلك الفترة مكانة علمية هامة فقد. روي أن فقيها اسمه عبدالرحمن التميمي جاء من الحجاز إلى تنبكتو بصحبة السلطان كنكن موسى فأقام الفقيه الحجازي زمناً في تنبكتو ولما رأى رجالها يتفوقون عليه غادرها إلى فاس كما اتجه العديد من أبناء تنبكتو للدراسة في الأزهر والزيتونة والقرويين وحتى في بغداد والأندلس وغيرها من المؤسسات الثقافية الإسلامية.
(2)
(3)
توجهت مكانة المدينة الثقافية بإنشاء أول جامعة إسلامية بها في غرب إفريقية وهي جامعة سانكري (2) التي أ أصبحت منارة إسلامية هامة على خط السافانا وحدود الغابات الإستوائية فقد أتخذ من أحد مساجدها الكبيرة وهو مسجد سانكري مركزاً للدراسات الإسلامية وغيرها وسميت بأسم جامعة سانكري. . ويعتبر هذا الحدث أهم حدث في تاريخ إفريقية جنوب الصحراء من الناحية الحضارية حيث نظمت أحوال الدراسة أحدث نظم الجامعات العالمية الإسلامية، حيث استعان حكام مالي بعلماء من مختلف الدول لهذا الغرض خاصة من جامعة الأزهر وكان إنشاء الجامعة في مدينة تنبكتو دلالة على تزايد أعداد الدراسين والمدرسين والعلماء بها. وأصبحت الجامعة مؤشراً على نبض تبنكتو من الناحية العلمية.
وبدأ الطلاب يفدون إلى مدينة تنبكتو من مختلف أقاليم السودان الغربي للإلتحاق
(1)
4
بجامعتها بعد أن يكونوا قد حفظوا أجزاء من القرآن في مدراسهم وكتاتيبهم الأقليمية فإذا أتموا تلك الدراسة شدوا الرحال إلى تنبكتو وأقاموا بها حتى يتم تعليمهم في المراحل العليا وكانت اقامة هؤلاء الطلاب ميسرة بسبب الإنفاق عليهم من قبل الحكام ومن قبل التجار. كما أن مسجد سانكرى كانت له أوقاف ينفق منها على الطلبة الوافدين إلى الجامعة. ولم تكن الدراسة في الجامعة محددة بعدد من السنوات بل كانت تتوقف على استعداد الطالب وقدرته على التحصيل. فإذا أتم الطالب دراسة حصل على الإجازة المطلوبة ورحل إلى بلده حيث يعمل في الخطابة أو الإمامة أو القضاء.
(1) السعدي، المصدر السابق، ص 51.
(2) السعدي، المصدر نفسه، ص 34.
(3) مقلد، المد الإسلامي، ص 141. (4) حسن محمود، المرجع السابق، ص 249.
- 373 - (1/378)
صفحة 379
وبرزت في المدينة طبقة هامة. من علماء جامعة سانكري أصبحوا يمثلون رمزاً للعلم
والفقه والتقوى بين الناس منهم الحاج جد القاصي عبدالرحمن بن أبي بكر الذي تولى القضاء في أواخر دولة مالي. ثم العالم عمر الساكن الذي تولى القضاء في زمن إسكى محمد، وأبوعبدالله بن محمد بن عثمان، وأبو جعفر عمر بن محمد أتيت الذي ترك أكثر من سبعمائة مجلد، ومخلوف بن على بن صالح. كما رحل عدد علماء تنبكتو وجامعتها للأضطلاع على النهضة العلمية في مراكز إسلامية أخرى فقد رحل محمد بن أحمد النازختي إلى مصر واتصل بعلمائها مثل القلقشندى وابن أبي الشريف وعبد الحق السنباطي ثم رحل إلى الحجاز، وعاد إلى تنبكتو ليدرس ماحصله من علم جديد
ومعرفة (1).
كما قدم إلى تنبكتو عدد علماء مصر والمغرب مثل الإمام السيوطي الذي كان وثيق الصلة بعلماء وحكام تنبكتو وكانت له صلة قوية مع سلطان صنغي الشهير اسكى محمد. كما قدم إلى تنبكتو علماء من مصر ومن القيروان ومن المغرب الأقصي. إنعكست خدمات سنكري بالخير على التراث السوداني والحركة العلمية بها. فقد تخرج منها علماء كان لهم دور في خدمة مجتمعات بلادهم من أمثال محمود بن عمران ومحمد بن الفقيه المختار وعبدالرحمن محمود، وكان لعلمائها دور في ظهور مؤلفات ومدونات خاصة ببلاد السودان من حيث تاريخها وقبائلها وطبيعتها وحضارتها وعاداتها، مما أضاف الجديد إلى المعرفة الإنسانية. ومن أمثلة هؤلاء العلماء عبد الرحمن) السعدي کعت (3) وأحمد بابا التنبكي. كما ظهر منها العديد من الدعاة الذين ارتحلوا لنشر الإسلام بين القبائل الوثنية في السودان الغربي والأوسط والشرقي. غير أن هذا التراث الضخم لتلك الجامعة قد تعرض للدمار والضياع خلال الحملة المراكشية وبعدها
(2)
(2)
ومحمود
كانت تنبكتو وجامعتها الكبرى بمثابة منارة للإسلام وسط محيط وثني، ولذلك كانت أهميتها بالغة لترسيخ الإسلام وثقافته بين تلك القبائل حديثة العهد بالإسلام، كما
(1) السعدي، المصدر السابق، ص 37 وما بعدها.
(2) كتابة تاريخ السودان نشره المستشرق الفرنسي هو داس في باريس سنة 1898 م. (3) كتابة تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس" نشره مع ترجمة فرنسية المستشرق هو داس، في باريس، 1963 م.
(4) له كتاب " تكملة الديباج المذهب لابن فرجون وعاصر الغزو المراكشي لتنبكتو.
- 374 (1/379)
صفحة 380
كانت أهميتها تأتي من نشر العلم والإسلام وسط القبائل الوثنية والبدائية في منطقة المستنقعات والغابات، وكان حرص ملوك مالي وصنغي على ضرورة أن: تتمتع تلك المدينة بالأمن والسلام من أجل أن تؤدى دورها الحضاري على أتم وجه في المنطقة خاصة وأن سلاطين مالي وصنغي كانوا في حالة حرب مستمرة مع القبائل الوثنية المجاورة.
(1)
ومازالت آثار جامعة سانكري واضحة في انتشار اللغة العربية وعلومها بين سكان غرب السودان، حتى أدخل هذا الأمر الفرنسيين، كما توجد مفردات عديدة من اللغة العربية في اللهجات المحلية في المنطقة.
وهكذا أدت تنبكتو دورها الكبير في المجال الثقافي لبلاد السودان، كما كانت حلقة وصل تجاري بين بلاد السودان من جهة وواحات لصحراء من جهة ثانية. وظلت تؤدى دورها حتي تدهورت الأحوال الأمنية في بلاد السودان الغربي منذ القرن السابع عشر لتصبح المدينة محلاً للصراع والفوضي.
ثالثاً: جني:
: "جنة"
مدينة تأسست سنة 435 هـ / 1033 م، أي قبل ظهور تنبكتو (2) سماها التجار الأفارقة باسم جنةً بسبب ازدهار وأهميتها التجارية وتراثها. تقع على بعد حوالي 60 كم من تنبكتو على نهر النيجر إلى الجنوب. وتتحول المدينة إلى جزيرة أثناء فيضان نهر
النيجر.
(4)
ونظراً لموقع جني وسط بلاد السودان الغربي فقد أصبحت مركزاً تجارياً هاماً مع بلاد المغرب في الشمال عبر تنبكتو ومع بلاد السودان الغربي، حيث أنها أصبحت قريبة من مواقع الذهب في الجنوب، وقد طبى تجارها أرباحاً طائلة من وراء ذلك. وكانت ترتبط بخطوط تجارية مع السودان الأوسط ومع واحات الصحراء الإفريقية. ومن كثرة التجار بها تحول حكامها إلى الإسلام منذ القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي بعد أن
(1) ابن بطوطة، الرحلة، ص 699 (2) زكي، تاريخ الدول الإسلامية، ص 224.
(3) الزياتي، وصف افريقية، ص 0537
- 375 (1/380)
صفحة 381
كان بها أكثر من أربعة آلاف من ا العلماء المسلمين. (1)
من جهة ثانية ظهرت أهمية جنى كمركز اقليمي في نطاق السافانا، حيث أنها تعتبر منتقى القبائل الرعوية في حوض النيجر ومنطقة السافانا. نطاق الغابات مع الإستوائية. فأصبحت بذلك ملتقى الزراع والرعاة والتجار ورجال الغابات. وأصبحت أهم مراكز بلاد السودان في حركة التجارة الصامته التي تقوم على التبادل (2).
(3)
يرجع الفضل في ازدهار جنى وتطور سمعتها إلى جماعات السوننكة من الماندنجو الذين جعلوها مركزا لهم. وحرصوا بعد ذلك على تحويلها إلى مركز إسلامي بعد تحولهم الى الإسلام، فبنى حاكمها مسجدها الجامع على نسق المسجد الحرام في مكة. وكان الإسلام قد بدأ في الانتشار بين سكانها منذ القرن البداية، حيث استقرت بها جماعات عديدة من التجار المسلمين من العرب والبربر. وكان لهم دورهم الهام في نشر الإسلام في مدينة جنى ومناطق النيجر المجاورة متخذين من جنى مركزا لهم بفضل ما تمتعت به من أمن واستقرار فترات طويلة، وتوافد معهم) العلماء والدعاة. (4)
ونظراً لموقع فإنها قامت بدور كبير في نشر الإسلام في المناطق الوثنية المحيطة بها خاصة في الجنوب وفي الشرق وانتشرت بها المساجد ووفدت إليها أعداد كبيرة من العلماء والفقهاء الذين ساهموا في نشر الإسلام واللغة، وظلت الحركة العلمية بها مستمرة حتى ظهرت تنبكتو كمركز ثقافي كبير فخطفت من جني الأضواء، وأصبحت جنى: تابعة لها من الناحية الفكرية
(0)
ورغم مكانة تنبكتو العالمية ومجاورتها لجني، إلا أن جني ظلت موطناً لعدد من العلماء منهم: موري حاجا، الذي كان يدرس في المسجد الجامع بها، وكانت له شهرة كبيرة في العلوم الفقهية. كما اشتهر قاضي المدينة محمد سانو الذي احتل مكانة كبري
(1) السعدي، تاريخ السودان، ص 11، 12.
(2) انظر الخارطة في الملاحق.
(3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 252. (4) السعدي، المصدر السابق، ص 13. (5) مقلد، المد الإسلامي، ص 143.
- 376 - (1/381)
صفحة 382
بين سكانها وكانت له مكانة عند حكام الماندنجو. وكذلك محمد برما بورد، وأحمد طورقو، وغيرهم من مشاهير علماء السودان الغربي. كما ظلت محتفظة بمكانتها السياسية والعلمية بعد زوال صنغي وتدهور أحوال السودان الغربي
(1)
مثلت جني أهم مراكز نشر الإسلام في نطاق الغابات الإستوائية بسبب قربها منها، كذلك في مناطق المستنقعات التي تتواجد بها الكثير من القبائل البدائية الوثنية. وكان لجني الدور الهام في نشر الإسلام بين تلك المناطق الصعبة (2).
رابعاً: جاو (غأو)
:
مدينة هامة تقع على منابع نهر النيجر العليا. وترجع أهميتها إلى توسطها بين مدن: تكده في الشرق وبين مدينة تنبكتو في الغرب. وكذلك بين طرق التجارة القادمة من خطوط الواحات الصحراوية في الشمال والمتجهة إلى بلاد السودان وبين بلاد السودان (3) ولذلك أصبحت المدينة محطة استراتيجية هامة للقوافل بين أقاليم بلاد السودان وبين الطرق التجارية القادمة من الشمال. وزادت أهميتها زمن مالي وصنغي.
ظهرت جاو منذ البداية بقوة وسلطان صنغي في المنطقة، وكانت مركزهم الهامه أثناء صراعهم المستمر مع ملوك مالي، ومنها كانت حركات التمرد من قبلهم ضد مالي. كما بدأت منها البداية
كبداية لتكوين امبراطورية صنفي حينما هرب على كلن وسليمان نار من نياني عاصمة مالي وتمكنا من تجميع قوى صنفي من جاو (4). وبالفعل بدأ الصنغي يعتمدون على أهمية جاء في المنطقة لتحقيق مركزهم وتوسيع امبراطورية وكانت أهمية جاو تعتمد على أهميتها الثقافية في نشر الإسلام وحضارته في المنطقة وفي موقعها
(1) السعدي، المصدر السابق، ص 14.
(2) مقلد، المرجع السابق، ص 144. (3) انظر الخارطة في الملاحق.
(4) القلقشندي، صبح الأعشى، جه - ص 297.
(5) قداح، حضارة الإسلام وحضارة أوروبا في إفريقية الغربية، ص 67.
(0)
- 377 (1/382)
صفحة 383
الاستراتيجي على الطرق التجارية. (1)
بدأت المؤسسات التعليمية الإسلامية تظهر في المدينة على يد حكام مالي، حينما أقام السلطان موسى ميناء مسجدها الكبير على إثر عودته من الحج سنة 1325 م، وقد أشرف على بناء هذا الجامع المهندس القرطبي أبو اسحق إبراهيم الشاطبي، وتمكن المهندس القرطبي من تنفيذ بناء المسجد بطريقة جديدة لم تكن معروفة من قبل في بلاد السودان، حينما استخدم الطين المحروق. وجعل للمسجد مئذنة هرمية الشكل. وكان هذا أول طراز معماري للمساجد الإسلامية في غرب إفريقية، حيث تم بناء مسجد سانكري في تنبكتو بعد ذلك على نفس الطراز هذا المسجد فترة طويلة استمرت حوالي ثلاثة قرون ولاتزال أطلاله موجودة حتى الآن في مدينة جاو.
(2)
•
وقد عمر
كان المسجد جاو أهميته الكبرى في نشر الإسلام وثقافته في المنطقة بفضل رعاية حكام الصنفي وأمرائهم للنهضة العلمية بالمدينة. وقدم للتدريس به علماء من تنبكتو ومن بلاد المغرب. وبذل حكام صنغي الكثير من الأعطيات على العلماء وطلاب العلم في المدينة كما وفروا سبل الراحة للطلاب الذين قدموا للدراسة في جاو وفي مسجدها الجامع.
وأصبح هذا المسجد يضم العديد من الكتب والمخطوطات اللازمة للدراسة في المسجد)
(3)
ومنذ القرن السادس عشر أصبحت جاو تفوق في أهميتها مدينة تنبكتو الشهيرة في المنطقة وذلك يرجع إلى نواحي الأمن التي تمتعت بها جاو من قبل حكام صنغي وبعدها عن الأخطار، فقامت عن تنبكتو مساحة وسكانا وازدهارا وثراء، وأصبحت المركز الأول في بلاد السودان الغربي، إذ وقدت إليها السفارات من بلاط السعديين وغيرهم، وضعها المعاصرون في تلك الفترة بأنها المدينة العظيمة حيث بلغ عدد سكانها في القرن السادس عشر حوالى خمسة وسبعون ألف نسمة، وعدد دورها يزيد عن 7626 منزلاً (4) واستمرت جاو تؤدى دورها الكبير في ا المنطقة. حتى تلاحقت الهزائم بحكام صنغي فأصبحت مدينة عادية من مدن افريقية في زمن الاستعمار الفرنسي.
(1) نوري، تاريخ الإسلام.، ص 98.
(2) طرخان، دولة مالي، ص 154، 155. (3) السعدى، تاريخ السودان، ص 827.
(4) مقلد، المرجع السابق، ص 149.
378 - (1/383)
صفحة 384
خامساً: كومبي صالح (غانة)
هي المدينة العاصمة لغانة منذ عصور ماقبل الإسلام. وكانت أول المراكز الحضارية الهامة التي أشار إليها المسلمون في السودان الغربي ورددوا أسماء ملوكها وكانت مقصداً هاماً لتجار شمال إفريقية عبر طريق أو دغست أو نول لمطة الساحلي.
شكلت المدينة أهمية كبرى بسبب موقعها الهام على طرق التجارة القادمة عبر الصحراء إلى بلاد السودان. وكانت تقع بالقرب من تلك الطرق من الشمال. كما تقع بالقرب من مراكز هامة في بلاد السودان مثل تنبكتو، التي ظهرت فيما بعد، وكذلك أو دغست، وولاته (1) كما تقع بالقرب من جنى ونياني وجاو
(2)
ظل ملوك كومبي صالح على وثنيهم فترة طويلة، رغم وجود جاليات كبيرة من التجار المسلمين في المدينة وانتشارهم في أرجاء مملكة غانة، حتى كان لهم مساجدهم الخاصة يؤدون فيها صلاتهم ويعقدون اجتماعاتهم، واتخذ ملوكها من هؤلاء التجار مستشارين لهم فانتشر الإسلام بين أهلها والمناطق المجاورة لها
(3)
كانت المدينة عبارة عن مدينتان في آن واحد إحداهما: للملك والعاملون معه، والثانية لعامة الناس والتجار. وكانت أكثر مدن غرب السودان إزدهاراً في البداية حيث امتد عمرانها لمسافة ستة أميال، وقدم إليها التجار من مختلف الأقطار، وتأسس بها المسجد الحاج ومساجد عديدة، خاصة بعد تحول ملوك غانة إلى الإسلام. وتخرج من مساجدها. العديد من العلماء والدعاة ساهموا في نشر الإسلام كمنذ البداية في المناطق
المحيطة بهم وظهرت المساجد في مدينة الملك بعد ذلك (4) ووفدت إليها وفود العلماء.
(1) لا يعرف بالضبط تاريخ تأسيسها، ولكنها ظهرت قبل ظهور تنبكتو، وكانت مركزاً تجارياً هاماً في بلاد السودان من القرن الثالث عشر الميلادي. وقد هاجر إليها العلماء والتجار بعد أحداث أودغست
تم هجرها أهلها إلى تنبكتو بعد ذلك؛ فتدنت أهميتها.
أنظر الزياتي، وصف افريقية، ص 535.
(2) مقلد، المرجع السابق، ص 148.
(3) انظر الخارطة في الملاحق.
(4) الحميري، الروض المعطار، ص 426.
- 379 - (1/384)
صفحة 385
ترجع
أهمية كومبي صالح من الناحية التجارية أيضا إلى قربها من مناجم استخراج الذهب في منطقة غيارو التي كانت تابعة لملك غانة. كما أصبحت كومبي صالح مركزاً كبيراً لتجارة الرقيق، قبل ظهور غيرها من المراكز من المراكز الأخرى (1) فأصبحت مركزاً هاماً لبلاد السودان الغربي من الناحية التجارية حيث صبت فيها سلع وتجارات إقليم السنغال والأقاليم الأخرى المجاورة كما ترتب على أهميتها ظهور مدينة أودغست إلى الشمال منها ناحية الصحراء.
ظلت المدينة منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي تقوم بدورها الهام في نشر الإسلام في غرب السودان قبل تحول ملوكها إلى الإسلام فقد كانت المدينة هي مدخل بلاد السودان الغربي منذ البداية ولولاها لتعذر على التجار والدعاة دخول إقاليم غرب السودان وإذا كان التجار الذين قدموا لحمل الذهب منها قد استقروا بها فإنهم استغلوا حالة الأمن بالمدينة وإحترام ملوك غانة لهم وتقديرهم فأسسوا المساجد وعلموا الناس أمور الدين الإسلامي وتمتعوا بتلك الحرية في كافة أرجاء مملكة غانة.
(2)
(3)
جاء التحول النهائي للإسلام في مدينة كوبي صالح وأقاليم غانة في القرن الحادي عشر على يد جماعة المرابطين الذين ظهرت قوتهم من حوض السنغال المجاور، وأصبحت
الدولة المرابطين جبهتين:
-
جبهة الشمال نحو المغرب الأقصي
جبهة الجنوب نحو غانة.
وتمكن المرابطون من تحقيق انتصارات في حوض السنغال ودخلوا مدينة غانة (4) ومدن تنبكتو وولاته وجنى وبذلك وضعوا أيديهم على مناجم الثروة والذهب وعلى طرق
(1) الحميري، المصدر نفسه.
(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، جـ 4، ص 184.
(3) يصف البكري كثرة الذهب في غانة بكثرته في أيدى الناس حتى يتدخل ملوك من أجل المحافظة
على ندرته وقيمته
- المغرب، ص 174، 175. (4) مؤنس، الإسلام الفاتح.، ص 99.
- TA.- (1/385)
صفحة 386
التجارة. وتحولت كوبي صالح وغيرها من مدن غانة إلى مراكز إسلامية خالصة فأصبح حكامها مسلمون من أهلها. ورغم ضعف سلطان المرابطين في غانة بعد موت زعيم
المرابطين في الجنوب أبوبكر بن عمر فإن الإسلام ظل متماسكا وقوياً في مدن غانه.
وهكذا ظهرت بفضل الإسلام مراكز حضارته إفريقية نبتت من أرضها ونمت وإزدهرت بفضل أبنائها وكان ذلك تحت رعاية الإسلام وتسامحه. وفيما تدهورت تلك المراكز وتراجعت عن أداء دورها عادت منطقة غرب إفريقية من جديد إلى التخلف. وتحاول حكومات الدول الإفريقية الحالية بعث تلك النهضة من جديد من خلال إحياء تراثها الإسلامي والإتصال بمراكز الثقافة في العالم الإسلامي.
(1) مؤنس، المرجع السابق، ص 101.
- 381 - (1/386)
صفحة 387
االخصال الاقامسى
الإسلام والثقافة العربية في شرق إفريقية ووسطها الدور العماني اللميز و الالستمر
-
382 (1/387)
صفحة 388
(1)
المحيط الهندي يتحول إلي محيط إسلامي
(1)
بفضل التجار العرب من أهل عمان وسواحل شبه الجزيرة العربية دبت الحركة والنشاط التجاري المستمر عبر العصور التاريخية، في منطقة المحيط الهندي وسواحله، بحيث أصبحت تلك السواحل عربية الطابع والحركة.
فمن المعروف أن البشرية لم تعرف محيطاً حتى العصور الحديثة سوى المحيط الهندي (3) ومثل هذا المحيط في العصور القديمة قاموساً للسلع والمنتجات بفضل التنوع والاختلاف في منتجاته، واحتلت تلك المنتجات أهمية خاصة في العالم القديم /الوثني بسبب أهميتها في طقوس المعابد والعادات الوثنية، فتكالبت القوى الكبرى من يونان وفرس ورومان للوصول إلى سواحل الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية كخطوة نحو الوصول لسلع المحيط الهندي، وتحركت سفن الإسكندر الأكبر والرومان نحو مياهه وسط صعوبات عديدة وشهدت السواحل العربية منذ القدم تحركات دولية هدفها الوصول إلى سواحل هذا المحيط.
كانت سواحل المحيط الهندي بحق مخزناً لسلع وإحتياجات حضارات العالم القديم ويمكننا تقسيم تلك السواحل إلى ثلاثة أقسام لكل خصائصه وإمتيازاته كما يلي: القسم الأول: سواحل الهند الغربية:
والتي تبدأ من الجنوب المقابل الجزيرة سيلان مع جزر ملديف ولكاديف، حتى ساحل الديبل وساحل مليبار وكوجيرات. وقد أمدت تلك السواحل العالم القديم بسلع هامة مثل
(1) لم يعرف هذا المسطح المائى هذا الاسم إلا في العصور الحديثة، حيث أطلق عليه أسماء عديدة من أهمها قديما: البحر الأريتري Erythraeen Sea. أو البحر المحيط وفي العصور الإسلامية أطلق عليه البحر الحبشي.، أو المحيط، وفي نهاية العصور الإسلامية ذكر بأسم البحر الهندي في بعض المصادر. ويحتل البحر العربي الجزء الشمالي منه. (2) لم تعرف المحيطات الأخرى مثل: الأطلسي والهادي، والمتجمد الشمالي، والمتجمد الجنوبي، إلا
بعد الكشوف الجغرافية.
- 383 - (1/388)
صفحة 389
الفلفل والتوابل والعود والعنبر، بالإضافة إلى صناعات الهند القديم خاصة من المنسوجات والسيوف وغيرها. وكانت تلك السواحل الغربية للهند هي: نافذة على العالم القديم، حيث انعزلت الهند عن العالم بسلاسل جبال الهميلايا مع وسط آسيا وجبال الغات الشرقية والغربية على المحيط الهندي، ومن خلال دروب عبر سلاسل الغات نفذت صادرات الهند إلى العالم الخارجي.
القسم الثاني: السواحل الجنوبية من شبه الجزيرة العربية: وتشمل سواحل اليمن وعمان. ومثلت أهمية خاصة للعالم القديم في تصدير سلعة
(1)
اللبان الهامة للعالم الوثني من جنوب عمان وارتبطت بتلك التجارة اليمن، حتى ظهرت ممالك في اليمن لخدمة تلك التجارة مثل: شبوة وتيماء ومأرب (1). كما صدرت عمان للعالم القديم النحاس والأحجار (2). وأصبح هذا القسم: أنشط جزء على سواحل المحيط الهندي قاطبة. وقام سكانه بالدور الكبير في تحمل عمليات التصدير والنقل عبر الأقسام الأخرى، بل وإلى مراكز العالم التى في حاجة إليه. كما سنرى فيما بعد.
القسم الثالث: السواحل الشرقية من القارة الإفريقية:
ورغم قلة الأبحاث حول دورها إلا أنها كانت أهم أقسام السواحل في إمكانياتها الطبيعية، بحيث كانت منجماً للمواد الخام للأقسام الأخرى أو المدنيات العالم القديم في الوقت التي ضنت المصادر عن ذكر أهميتها. لقد حمل الذهب والحديد من إفريقية إلى الهند، وقامت عليهما صناعات هامة صدرتها الهند الحضارات العالم في العصور القديمة والوسطى. كما صدرت سواحل شرقي افريقية خامات النحاس والتصدير والعاج والأخشاب إلى العالم القديم والوسيط. بالإضافة إلى آلاف الأيدي العاملة التي خرجت تلك السواحل في صورة رقيق
من
ورغم أهمية سواحل المحيط الهندي. خاصة سواحل شرقي إفريقية، فإن الباحث تنتابه الدهشة والحيرة، حينما يدرك أن العالم حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، كان يجعل حقيقة تلك السواحل وإمكانياتها. فخط سواحل المحيط الهندي، بما فيها سواحل شرقي افريقية والسواحل العربية من المعرفة العلمية أقل بكثير من أي بحر من (1) انظر الغساني، عبدالقادر. عمان أرض اللبان، ص 13 وما بعدها (2) البدر، الخليج العربي خلال الألفين الثالث والثاني ق. م، ص 57.
- TAE- (1/389)
صفحة 390
البحار الأوروبية الصغيرة مثل بحر الشمال أو بحر البلطيق. رغم أن هذا المحيط يغطي مساحة تقدر بحوالي 35 مليون كم 2 من مساحة الكرة الأرضية، ورغم دوره الكبير في إمداد العالم القديم والوسيط بمعظم المواد الخام والسلع الضرورية)
(1)
والواقع أنه لا يمكننا دراسة عمليات انتشار الإسلام والثقافة العربية على سواحل شرقي إفريفية دون النظر إلى طبيعة المحيط الهندي وسواحله. ذلك لأن الباحث يدرك من النظرة الأولى أن هذا المحيط يشكل مثلثاً قاعدته صوب الجنوب مع المحيط المتجمد الشمالي وقمته مع السواحل العربية لعمان واليمن. بينما تشكل السواحل الإفريقية ضلعه الأيمن، من الشمال والسواحل الهندية ضلعه الأيسر.
وبذلك أصبحت السواحل العربية بحكم موقعها من جهة وبحكم استفادتها من تضاريس المحيط الهندي من جهة ثانية هي النقطة الهامة في حركة النقل والمواصلات البحرية عبر مياه المحيط وسواحله منذ القدم. وأصبحت لتلك السواحل الريادة على الملاحة في المحيط قديماً وحديثاً. (2)
(1) من أجل ذلك فقد قامت الأمم المتحدة بإرسال البعثة الدولية للمحيط الهندي والتي استمرت ستة سنوات من 1959 - 1965. بهدف استكشاف دراسة تضاريس المحيط الهندي وظواهره وسواحله وإمكانياته خاصة السواحل الإفريقية. حيث أدركت أنه أكثر المحيطات والمسطحات المائية غموضاً رغم دوره الكبير في تاريخ البشرية والحضارات الإنسانية وأهميته الحالية. وأدركت البعثة أهمية المعرفة العلمية لدور البحر العربي والبحار والخلجان المتصلة به في فهم إمكانيات العالم القديم والحديث.
وقد عملت تلك البعثة على إيقاظ الدوائر العلمية في دول المحيط الهندي، خاصة إفريقية، وفي العالم أجمع، وأهمية المساهمة في برامج تخدم دول المحيط من أجل إستغلال إمكانيته الهائلة. بعد أن أدرك العالم أن البحر العربي، وهو الجزء الشمالي من هذا المحيط، كان الشريان الهام للملاحة العالمية في العصرين القديم والوسيط. وأن أصول الملاحة العالمية نبتت من سواحل البحر
العربي.
انظر بيرمان، اقتحام المجهول الأعظم، البعثة الدولية للمحيط الهندي (1959 – 1965). ترجمة شعبة الترجمة العربية باليونسكو والدكتور أنور عبدالعليم. مراجعة شعبة الترجمة العربية باليونسكو والدكتور مكرم أمين جرجس، اليونسكو، 1986 م، ص 5 وما بعدها.
(2) الفندي
، جمال الدين، طبيعيات البحر وظواهره، ص 160 وما بعدها.
- 385 - (1/390)
صفحة 391
لقد استفادت تلك المنطقة العربية، خاصة عمان، من حركة التيارات البحرية في المحيط، ومواسم هبوب الرياح الموسمية في تنظيم رحلات بحرية مستمرة، كان لها دورها في الجوانب الحضارية بغض النظر عن أرباحها المادية، وكان دور الملاح والبحار العربي، خاصة العماني، في المحيط الهندي، لايقل أهمية عن دور الفارس العربي على جبهات فارس أو شمال إفريقية، إن لم يكن دور الملاح العربي والعماني يفوق ذلك.
ويندهش الباحث حينما يدرك من خلال الإحصائيات الأخيرة، أن دور البحار المسلم من أهل الخليج خاصة، يفوق في مجال نشر الإسلام عن دور الجيوش الكثيفة التي خرجت إلى جبهات القتال في الشام والعراق وفارس وشمال إفريقية، والتي أبلت بلاء حسنا في سبيل نشر الإسلام وتحملت المشاق في سبيل إعلاء كلمة الحق والإسلام.
ويمكننا استخدام تلك الحقائق للرد على من يحاول أن يربط بين انتشار الإسلام والسيف حيث تمكن التاجر والبحار العربي، من دعوة ما يزيد عن نصف عدد المسلمين في العالم إلى الإسلام عن طريق الموعظة والقدوة الحسنة. حيث كان التاجر يمثل سفيرا للإسلام من خلال سلوكيات وأمانته والتزامه، حتى صار قدوة في كل محطة بحرية ينزلها. ولم يكن التاجر يحرص على إى شيء بقدر حرصه على مبادئ الإسلام ومثله فأقبل الناس يتعرفون على عقيدته، حتى صاروا مسلمين.
(1)
لقد نشرت إحصائيات أخيرة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي يبلغ أعضاؤها 46 دولة مسلمة، اتضح منها أن عدد مسلمي العالم حتى نهاية سنة 1989 م بلغ حوالي (1220) مليون مسلم، بما فيهم المسلمون الذين يعيشون كأقليات (2)، واتضح أن عده المسلمين في العالم يتركز حول ساحل المحيط الهندي والدول المطلة عليه من قارتي آسيا وإفريقية. وأن سبل دخول هؤلاء إلى الإسلام في البداية كان عن طريق التجارة والدعوة بالموعظة والقدوة الحسنة
فبالنسبة لساحل إفريقية الشرقي شرق إفريقية توجد الأعداد التالية: - الصومال 8,4 مليون مسلم) - جيبوتي (33). مليون مسلم) - تنزانيا
(1) مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 12.
(2) عادل يونس، العالم الإسلامي اليوم، ص 45 - 50.
- 386 - (1/391)
صفحة 392
(14,8 مليون (مسلم) - جزر القمر (43 مليون مسلم (- كينيا (4) مليون مسلم) - أوغندة (4,5 مليون مسلم) - موزمبيق (5) مليون (مسلم) - مدغشقر (2?9 مليون مسلم) - ملاهي (175) مليون مسلم) - بورندي (مليون مسلم) – رواندا (38. . مليون مسلم) - زائير (2 مليون مسلم في الأقاليم المجاورة لتنزانيا والبحيرات) (1) أى أن دول شرق إفريقية هي دول إسلامية، تضم حوالي خمسين مليون مسلم.
مع العلم أن تلك الدول أو المناطق في شرق إفريقية لم تجرد إليها الخلافة الإسلامية في أي: عصر من عصورها حملة بحرية أو برية بل كان نشر الإسلام فيها والدعوة إليه مرتبطة بالتجار في المقام الأول.، وعن طريق هؤلاء التجار عرفت منطقة شرقي إفريقية الإسلام والحضارة والتقدم.
وبالنسبة لسواحل المحيط الهندي الآسيوية (غير الهندية توجد الأعداد التالية: - - باکستان (107) مليون مسلم) - الهند (115) مليون (مسلم) – بنجلاديش (97 مليون مسلم) - جزر ملديف (2) مليون مسلم) - أندونسيا (167) مليون مسلم) - ماليزيا (86 مليون مسلم - بروني (205) مليون مسلم) - سيرلانكا (2 مليون مسلم) - تايلاند (7,5) مليون مسلم) - بورما (3) مليون مسلم) – الفلبين (6 مليون مسلم) - سنغافورة (0.440 مليون مسلم) - فيتنام (175) مليون مسلم) - الصين (120) مليون مسلم) (2) مع الأخذ في الاعتبار دور الحملات في الهند والسند
وبذلك يبلغ عدد مسلمى آسيا المطلة على المحيط الهندي، والتي وصلت مبادئ الإسلام مع السفينة العربية حوالي 630 مليون مسلم، وإذا أضفنا إليهم مسلمي شرقي إفريقيا فيبلغ العدد 680 مليون مسلم. كان الفضل في تحويل مناطقهم إلى الإسلام يرجع في المقام الأول للتاحر العربي وسفينته. أى ما يزيد عن نصف مسلمى العالم حالياً، وبالتحديد حوالي 56,6% من عدد المسلمين العام.
(1) وصلت التأثيرات الإسلامية إلى أوغندا ورواندا أو بورندي وزائير عن طرق أهمها طريق ساحل شرقي
إفريقية حيث جماعات التجار.
(2) يونس، المرجع السابق، ص 47.
- 387 (1/392)
صفحة 393
رغم أن سواحل هذا المحيط يعد من أشد مناطق العالم تعقيداً من النواحي العقائدية
، حيث تعيش على سواحله حتى الآن كل عقائد الإنسان قديمها وحديثها، وأصحاب الديانات السماوية الثلاث. فعلى السواحل الإفريقية توجد حتى الآن اتباع للعقائد الوثنية البدائية، وعلى السواحل الهندية توجد أعداد كبيرة من أتباع الهندوسية والبوذية، وما استجد منهما من أفكار جديدة. بالإضافة إلى جيوب من البوذية في دول جنوب شرقي آسيا. كما توجد أعداد من أتباع المسيحية واليهودية (1) أيضا. الأمر الذي يشير إلى قوة الدور الذي قام به التاجر وسط هذا التلاطم من العقائد والملك.
استمرت أهمية التاجر العربي في العصر الإسلامي أيضا، حيث اعتمدت شعوب العالم الإسلامي على تجار الخليج العربي في حمل سلع ومنتجات المحيط الهندي، خاصة في فترة ازدهار الدول الإسلامية في العصر العباسي، واعتمد التاجر الخليجي والعربي على خبرته السابقة في الوصول إلى تلك المناطق ليحمل منها ما تحتاجه مدنيات العالم في العصر الوسيط، والتي لا غنى للعالم عنها. حتى وصف ابن الفقيه المحيط الهندي بقوله إنه قاموس السلع (2) فقام التاجر العربي بحمل سلع سواحله وجزره، ولكنه في نفس الوقت كان يحمل أمانة سماوية راقية إلى سكان تلك السواحل وهي الإسلام.
منطقة
استفاد العرب من التجربة التاريخية الطويلة للأمم والشعوب التي حاولت الوصول إلى تجارة المحيط الهندي وشرقي إفريقية، فمن محاولات وعلاقات الفراعنة مع. القرن الإفريقي وشرقي إفريقية منذ الألف الرابع قبل الميلاد (3) إلى النشاط الفينيقي في المنطقة، قبل هجرتهم إلى سواحل البحر المتوسط)، إلى محاولات اليونان، زمن الإسكندر المقدوني، وبعده لربط تجارة تجارة المحيط الهندي والقرن الإفريقي بتجارة البحر
(4)
(1) خاصة في منطقة ساحل مليبار قديماً، بسبب أهمية المنطقة في تجارة التوابل والبخور والفلفل وموقعها على طرق التجارة
- انظر المليباري، تحفة المجاهدين، ص 45، المكتب الثقافي الهندي.
(2) ابن الفقيه الهمذاني (القرن الثالث / العاشر) مختصر کتاب البلدان، ص 15، بيروت سنة
1988
(3) فخري
أحمد، دراسات في تاريخ الشرق الأدني القديم، ص 157. (4) وهى الهجرة التى حدثت في الألف الثاني قبل الميلاد.
- YAA- (1/393)
صفحة 394
(1)
المتوسط، ليتمكنوا بذلك من السيطرة على تجارة العالم القديم. ومحاولات الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، وأخيراً محاولات الساسانيين الفرس احتكار تجارة العالم
القديم البرية والبحرية.
انصهرت كل تلك المحاولات في التجربة البحرية العربية، حيث تمكن العرب من تحقيق سيادة ملاحية على سواحل المحيط الهندي، حتى أصبحت تلك السواحل عربية قبل ظهور الإسلام،، وقد أعطى ذلك أرضية صالحة خصبة لنجاح الدعوة الإسلامية وانتشار الإسلام وثقافته على تلك السواحل لقد عرف العرب حركة التيارات البحرية ومواعيد هبوب الرياح الموسمية وإمكانيات كل منطقة من مناطق المحيط الهندي وجزره، فنظموا لذلك رحلاتهم وفق أساليب علمية، وصنعوا أدواتهم وسفنهم حسب: تلك التجربة والأساليب، فظهرت لديهم السفن المقلفطة التي لا يدخل في تركيبها مسمار واحد، حتى تتناسب مع ظروف الإبحار الطويل وطبيعة المحيط الهندي
(2)
واعتمدت مدنيات وحضارات العالم القديم على العرب في جلب سلعهم واحتياجاتهم من منطقة المحيط الهندي. فاعتمد السومريون والبابليون والآشوريون على رب الخلية العربي في هذا الصدد. كما اعتمد عليهم اليونان حتى زمن الإسكندر، واعتمد الفرس كذلك، رغم سيطرتهم على السواحل العربية الخليجية، حيث أصبح العرب هم العنصر الفعال في ا المحيط الهندي.
وبدأ العرب في دمج سواحل المحيط الهندي: الإفريقية والهندية والفارسية في منظومة حضارية متقاربة، وظهرت على طول تلك السواحل صور من التآلف الحضاري فلمس ذلك في ظهور التأثيرات العربية من الناحية اللغوية على كوجيرات والسند في ظهور اللغة الأوروبية، وكذلك في ظهور تأثيرات عربية على السواحل الإفريقية وظهور اللغة السواحيلية. وكان هذا التقارب بين العرب وغيرهم من سكان سواحل المحيط الهندي ضرورة طبيعة لكل جانب فالعرب على سواحلهم لم يجدوا سوى البحر كمورد هام، بعد أن أدركوا قسوة الصحراء وفقرها. كما كان الهنود على سواحل الهند معزولون
لهم
(1) حاول الإسكندر ربط تجارة المحيط الهندي وإفريقية بتجارة البحر المتوسط عبر الخلية العربي والبحر الأحمر ولكن محاولاته فشلت.
(2) سيتم تفصيل ذلك فيما بعد.
- 389 - (1/394)
صفحة 395
عن داخل بلادهم بسلاسل جبال الغات (1)، وكذلك كان سكان سواحل! ية الشرقية يجدون صعوبة في الإتصال بداخل قارتهم. من هنا التقت كل الأجناس التي سكنت على ساحل المحيط الهندي في وحدة حضارية تحت زعامة العرب.
وتزعم العرب هذا الإندماج بفضل نشاطهم التجاري وحركتهم المستمرة على طول سواحل المحيط خاصة الإفريقية فانتشرت الجاليات العربية على ساحل القرن الإفريقي خاصة من سكان اليمن ومنطقة ظقار من جنوب عمان. وعلى طول سواحل الصومال وشرقي إفريقية وجزرها .. وكذلك على ساحل مكران والدليل وكوجيرات ومليبار والدليل على تزعم العرب وريادتهم لشعوب وحضارات سواحل المحيط الهندي الإفريقية والهندية
ما يلي: –
(2)
(1) انتشار الجاليات العربية على طول تلك السواحل، وانتشار اللغة العربية ومفرادتها بين مناطق كثيرة من سواحل المحيط الهندي قبل الإسلام) خاصة سواحل الحبشة والصومال (3)
(2) اختلاف الباحثين والأثريين حتى الآن حول موقع يونت " وانقسامهم إلى نظريتين الأولى عربية، والثانية افريقية. وظهور نظرية ثالثة تحاول التوفيق بين النظريتين السابقتين تقول بوجود عناصر عربية على ساحل الصومال تمكنت من السيطرة على تجارة اللبان والبخور والصمغ منذ الألف الرابع قبل الميلاد. وأن العرب هم الذين احتكروا تجارة تلك السلع في المحيط الهندي بغض النظر عن مصدر تلك السلع أو أماكن انتاجها في أي موقع من مواقع المحيط
الهندي
(4)
(3) الاختلاف حول تحديد موقع أوفير " الذي اشتهر بتصدير الذهب وتردد ذكره في التوراه وإنقسام الآراء إلى ثلاثة نظريات: الأولى: إفريقية، والثانية:
(1) حميدة، جغرافية آسيا الموسمية، ص 432 وما بعدها.
(2) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 3، ص 450 وما بعدها. (3) آل حفيظ، على بن محسن، من لهجات مهرة، ص 64.
(4) فخري. المرجع السابق، ص 137
- ra. - (1/395)
صفحة 396
عربية، والثالثة هندية. وتحاول كل نظرية من الثلاث تأكيد الموقع في المكان التي تشير إليه، ولكنها تتفق جميعها على أن موقع أوفير يقع على سواحل المحيط الهندي. (1)
وهكذا تمكن العرب من تحويل سواحل المحيط الهندي إلى وحدة حضارية متقاربة بغض النظر عن أصولها العرقية أو إنتماءاتها السياسية أو أوضاعها الحضارية، وأصبح النفوذ العربي واضحاً على تلك السواحل والجزر الإفريقية كانت أو الهندية، حتى أصبح هذا المحيط أشبه ببحيرة عربية. وقد سهل هذا الأمر عمليات انتشار الإسلام وثقافته فيما بعد، على أساس أن العرب الذين تحملوا تبعات ومهام نشره في البداية.
وكان العمانيون بحق أنشط العناصر العربية منذ البداية في أداء ونجاح الدور العربي قبل الإسلام وبعده، وكان لأهل عمان الدور الهام في ترسيخ الثقافة العربية ونشر الإسلام في منطقة شرقي إفريقية.
(1) حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 127 وما بعدها.
-591 - (1/396)
صفحة 397
(2)
خصوصية الدور العماني
مع شرقى إفريقية
كانت عمان الدولة الوحيدة التي توجت الجهود العربية السابقة في المحيط الهندي في التاريخ الحديث حينما تمكنت من تكوين إمبراطورية بحرية شملت سواحل المحيط الهندي الإفريقية والعمانية واحتفظت بنفوذ لها على سواحل مليبار ومانجلور وبانجلور
وبمباي وديو وجوادر ومكران وعلى مناطق أخرى على الساحل الإيراني والبحرين.
وأعادت تلك الإمبراطورية إلى أذهان الباحثين حديثاً، مدى أهمية الدور الذي قام به العرب عامة، وأهل عمان خاصة، في تحويل منطقة الساحل الشرقي الإفريقي إلى منطقة حضارية تابعة للنفوذ والإسلامي منذ بداية ظهور الدعوة الإسلامية، بعد أن ظلت تلك السواحل الإفريقية مرتبطة بالسواحل العمانية منذ عصور ما قبل الإسلام، ولذلك فقد انساب الإسلام في سهولة ويسر مع حركة السفن والتجار العرب والعمانيين في شرقي إفريقية، وظلت عمليات الانتشار مستمرة حتى وصلت أساطيل الدول الأوروبية إلى شرقي إفريقية حديثاً.
لكن .. ماهى عناصر القوة في هذا الدور العماني؟ أو ما المقومات التي أعطت للدور العماني تميزه وإستمراريته على السواحل الشرقية لإفريقية.
يمكننا تقسيم تلك المقومات إلى مايلي: -
أولا: المقومات الطبيعية.
(1) شكل الساحل وطبيعة امتداده: -
فمن النظرة الأولى على خارطة العالم والمحيط الهندي، نجد أن عمان تشكل شريطاً ساحليا طولياً يمتد من الخليج العربي شمالاً وحتى منطقة حضرموت جنوباً، لمسافة تزيد عن 1700 كم (حالياً). ورغم أن مساحتها حوالي 1/ 3 مليون كم 2، أي أنها من الدول
- 392 - (1/397)
صفحة 398
(1)
•
متوسطة المساحة فإنها تمتلك سيادة طويلة على جزء كبير من سطح المحيط الهندي. حيث النطاق المائي لعمان حوالى 562,000 كم 2، أي نطاقها المائي يبلغ ضعف مساحتها البرية، وهو أمر يميزها في هذا النطاق عن كل أقطار الشرق الأدنى والوطن العربي بل وعلى المستوى الدولي
(2)
وتأتى أهمية الدولة في إستغلال نطاقها المائي، بما يتوافر لدى شعبها من قدرات وإمكانيات، وقد تمكن أهل عمان من ال استغلال تلك المميزات الطبيعية فبرعوا في حرفة صيد الأسماك (3). والغوص عن اللؤلؤ (4) وأصبحوا من أشهر تجار اللؤلؤ خاصة في العصر
(0)
العباسي، حيث نتشرت مغاصات اللؤلؤ على ساحل تؤام وصور ومسقط، ومن أشهرها الدرة التوعية المنسوبة إلى تؤام بعمان. كما اشتهرت من لآلئ عمان الدرة التيمية التي استخرجت من عمان في أوائل العصر العباسي، واشتراها هارون الرشيد بسبعين. كما اشتهرت لآلئ عمان في مكة ودمشق وسمرقند.
ألف درهم. كما برع العمانيون في ركوب البحر وتفننوا في السيطرة عليه منذ القدم. وأصبحوا أصحاب خبرة في هذا المجال. فا لسواحل طويلة ومنفتحة مباشرة على مياه المحيط الهندي مما أعطى الحرية لكل منطقة من مناطق عمان أن تطور قدراتها البحرية حسب إمكانياتها وظروف ظهيرها القاري.
حتى اعتقد البعض أن دور الريادة البحرية العمانية جاء مع قدوم أزد عمان بقيادة مالك بن فهم، حينما بدأت سلسلة انهيارات سد مأرب، إلى عمان عبر الطرق البرية حيث أن قدوم الأزد إلى عمان عمق من توجيه أنظار العمانيين صوب شرقي إفريقية بسبب
(1) وهي الدول التي تنحصر مساحتها فيما بين 250 ألف كم 2 وحتى 650 ألف كم 2. والأقل من تلك المساحة تعد دول صغيرة المساحة، بينما تعد الدول التي تمتلك ما يزيد عن 650 ألف كم 2 كبيرة
المساحة.
(2) راجع محاضرة الأستاذ الدكتور / صبحي عبد الحكيم، نادي الصحافة، الموسم الثقافي سنة 1993 م، وزارة الإعلام العمانية، عن عبقرية المكان لعمان - شخصية عمان "
(3) وارتبط العمانيون بتصديره مجففاً عبر العصور الإسلامية والحديثة.
(4) المسعودي، روج الذهب، ج 1، ص 148. ابن حوقل، صورة الأرض، ص 52. (5) شيخ الربوة، ص 218، الإدريسي، نزهة المشتاق، ص 40 (جزيرة العرب).
- 393 – (1/398)
صفحة 399
الخبرة الكبيرة التي حملها الأزد من مواطنهم الأصلية من اليمن إلى عمان، حيث كانت تربطهم علاقات وثيقة مع شرقي إفريقية،، ويرد هذا أصحاب هذا الرأي أن قوة العلاقات العمانية الإفريقية قبل عصور الإسلام وحتى العصور الحديثة مروراً بالعصور الإسلامية ماهي إلا استكمال الحلقات الدور اليمني القديم مع منطقة القرن الإفريقي وشرقي إفريقية منذ سيادة أهل أوسان على شرقي إفريقية وسميت المياه الافريقية من المحيط الهندي بالبحر الأوساني " في إحدى فترات التاريخ القديم.
(1).
وإن كنا نرى أن هذا الارتباط بين الدورين اليمني والعماني في شرقي إفريقية لا يصل إلى هذا الأمر، وأن هناك عوامل أخرى فرضت قوة في الدور العماني في شرقي إفريقية، وأن هجرة مالك بن فهم وجموعه من الأفراد إلى عمان وما تلاها من هجرات من وسط شبه الجزيرة العربية من النزارية، أو ماسبقتها من هجرات قحطانية (2) إنما تعود لظروف خاصة باليمن، وحينما وصلت تلك الهجرات إلى عمان وتمكنت الهجرة الثانية من تعريبها بدأ العرب يستغلون قدرات عمان وإمكانيات شكلها وطبيعتها حسب ظروفهم
الإقليمية وخبرة الجماعات التي سبقتهم ولكنهم صبغوا ذلك بصفة عربية جديدة.
ويبدو أن أهل عمان قد تمكنوا، بعد بسط نفوذهم على سواحل الخليج العربي، أن يمدوا نفوذهم إلى ميناء عدن عبر سواحل حضرموت، بحيث ظهرت نتائج لهذا الارتباط
(1) انظر: - شكري محمد سعيد، العلاقات بين اليمن وعمان في العصرين القديم والوسيط،
ص 40302. ندوة عمان في التاريخ. سنة 1994 - شهاب، حسن صالح، أضواء على تاريخ اليمن البحري، ص 58، بيروت، ط. الثانية. (2) تنقسم موجات الهجرات العربية إلى عمان قبل الإسلام إلى ثلاث موجات هي: الأولي: من العرب القحطانية، بزعامة يعرب بن قحطان. وفرضت سيادتها على جنوب عمان الثانية: من الأزد بقيادة مالك بن فهم الذي قاد جموعه نحو الشمال وأحرز انتصارا" عسكريا" على الفرس في سلوت تمكن بعده من تعريب عمان لأول مرة في تاريخها ووسع نفوذ العرب في.
منطقة
الخلية العربي - الثالثة: موجات من النزارية قدمت من شرق ووسط الجزيرة العربية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين واستقروا خاصة في الظاهرة والباطنة من عمان. انظر - العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 181، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة. - السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 12. طبعة وزارة التراث القومي والثقافة.
-
394 (1/399)
صفحة 400
في بداية العصر الإسلامي حينما ارتبط أهل عمان اليمن بالفكر الأباضي، بل أن هناك من يشير إلى أن أهل عمان ساهموا في إمامة حضرموت واليمن سنة 129 هـ، وعادوا إلى أوطانهم في عمان بعد نجاحها، وأن انتشار هذا الفكر بين أهل حضرموت واليمن كان دلالة هامة على ارتباط أهل عمان وحضرموت واليمن ضمن النشاط التجاري البحري الذي قام به أهل عمان في منطقة المحيط الهندي. ولذلك ارتبط أهل عمان مع جيرانهم من ساحل شبه الجزيرة العربية في رباط عقائدى جديد وهو فكر أهل الدعوة الذي كلل بالنجاح أولا في حضرموت سنة 129 هـ، ثم في عمان 132 هـ
(1)
وبذلك ساعد شكل الساحل العماني وامتداد، على سيادة عمان على منطقة بحر العرب وسواحل شرقي افريقية منذ عصور ما قبل، واستمر هذا الأمر في العصور
الإسلامية والعصور الحديثة.
(2) تضاريس عمان وجغرافيتها:
دفعت طبيعة التضاريس العمانية (2) أهلها منذ البداية إلى التوجه البحري. فطول السواحل العمانية، واحتوائها على عدد كبير من الموانئ الصالحة للملاحة أو الصالحة لبناء السفن، خاصة في صحار ومسقط وصور، أعطت لتلك الموانيء وأهلها دور الوساطة في المناطق التي تقع على جانينها. كما جعلت من تلك الموانيء محميات آمنة للطريق البحري الطويل بين سواحل شرقي افريقية وسواحل المحيط الهندي والخليج
العربي.
(1) مقابلة مع الشيخ / سالم بن حمد الحارثي، بالقابل.
- شكري، المرجع السابق، ص 3 40.
(2) تنقسم التضاريس العمانية إلى ثلاثة أقاسم هي: -
- السواحل وهي التي تنحصر بين مناطق الجبال وبين مياه البحر. وهي تنقسم إلى سواحل شمالية
وسواحل جنوبية. لكل ظروفه وطبيعية.
- الجبال: وهي سلاسل جبال حجر عمان التي تعد امتدادا لسلاسل جبال زاجروس في إيران ولكنها
انفصلت عنها بهبوط مضيق هرمز. وسلاسل جبال القرا في الجنوب وهى امتداد لجبال البحر الأحمر.
افيا
- الصحاري: وهي التي تقع إلى الخلف من السلاسل الجبلية وتقطعها عدد من الأودية.
انظر شولتز، فريد، إطلس سلطنة عمان، جـ 2 .. ص 6 وما بعدها.
1990 - (1/400)
صفحة 401
كما أصبح لكل ميناء من تلك الموانئ ظهيره القاري، أي المنطقة التي تعتبر
بمثابة المجال الحيوي لسكان الميناء والمنطقة حيث يتم فيها تصريف جزء من الواردات. وتجهيز ما يلزم التجار وعمال الشحن من المواد الغذائية وغيرها مثل الماء وكانت الباطنة هي الظهر القاري لميناء صحار بالإضافة إلى منطقة الظاهرة عبر أودية أهمها وادي الجزي. كما كانت المنطقة الشرقية هى الظهير القاري والحيوي لميناء صور. . وأصبحت المنطقة الداخلية هي الظهير القاري لميناء مسقط، فيما بعد، وكذلك منطقة ظهير اقاريا لميناء مرباط أو ميناء سمهرام، قبل ذلك. وتكاملت بذلك منظومة الموانئ العمانية حسب مختلف مناطق عمان.
(2)
ولذلك فقد ساهمت عمان في حركة التصدير والإستيراد داخل نطاق المحيط الهندي وموانيء إفريقية من خلال تصديرها للعديد من المحاصيل، فصدرت إلى شرقي إفريقية محاصيل هامة مثل التمور المتنوعة ((1)، وكذلك الرمان والتين والعنب والنبق والسفرجل وقصب السكر، ونباتات طبية مثل اللبان. كما صدرت عمان إلى إفريقية منتجات تلك الأقاليم التي تقع خلف الموانئ في عمان مثل المنسوجات العمانية الشهيرة. وكانت صحار أهم مراكز صناعة النسيج في عمان (3)، كما صدرت من نزوى أقمشة حريرية. كما تخصصت المناطق المحيطة بالموانئ في زراعة معظم أنواع الفاكهة والحبوب اللآزمة لأى نمو سكاني أو عمراني لتلك المناطق، مما جعلها تكتفي ذاتيا باحتياجات سكانها.
جيدة
(4)
(1) ذكر المقدسي أنواع عديدة من تمور عمان مثل:
الفرض، الخبوت، التبي، البلعق، ومعين عمان.
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 98
(2) انظر - الإدريسي، نزهة المشتاق. ص 41.
- الأصطخري، مسالك الممالك، ص 25
(3) ترك الرسول صلي الله عليه وسلم.، بعد وفاته إزارا عمانيا، كما كفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وكفن سعد بن معاذ بثلاثة أثواب صحارية.
انظر: - السيرة النبوية، جا، ص 213
- الواقدي، المغازي، ج 2، ص 527
(4) ياقوت الحموي، معجم البلدان، جـ 4. ص 776.
-597 - (1/401)
صفحة 402
وهكذا وهبت الجغرافية تضاريسا متكاملة لعمان، ترتب عليها انسجاما في أداء الدور العماني واستمراريته في وظيفته وكان مبعث ذلك الأختلاف بين تضاريس عمان مما أدى إلى تناسق بين مخرجاتها، كما أعطى للسفينة العمانية دورا راسخا وقويا بين موانئ المحيط الهندي وشرقي إفريقية.
(3) الموقع الجغرافي
:
تقع عمان في الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وعلى البوابة الرئيسية للخليج العربي، كما أنها تعد أقصى امتداد لليابس العربي داخل مياه المحيط الهندي مما أعطى لها امتيازات هامة في الملاحة البحرية (1)، حيث أصبحت أهم نقطة على سواحل المحيط في مجال التبادل التجاري والتأثير الحضاري. وتفوقت على مواقع تجارية أخرى تميزت بالقرب من السواحل الإفريقية مثل سواحل حضرموت واليمن.
•
ويتضح ذلك أيضا في الفرق بين النشاط البحري في الخليج العربي والبحر الأحمر وهما الزرعان البحرييان المتفرعان شمالا من المحيط الهندي. ورغم قرب البحر الأحمر من حوض البحر المتوسط عبر الأراضي المصرية. إلا أن الخليج العربي، باعتباره الذراع الأيمن من المحيط صوب الشرق الأدني قد فاق أهمية البحر الأحمر بفضل نشاط أهل عمان وأهل الخليج في هذا المضمار، ولم يتمكن اليمنيون أو المصريون وغيرهم في منافسة الدور العماني في مياه المحيط الهندي وشرق إفريقية (2). بل أن بقية منطقة الخليج العربي ارتبطت بشرقي إفريقية فيما بعد وأصبحت مركزا لهجرات مستمرة صوب شرقي إفريقية معتمدة على الرصيد العماني في التعامل. تلك المناطق
وأصبحت صحار وصور ومرباط من موانئ عمان مخزنا للسلع الإفريقية التي حملتها سفن أهل عمان بصورة مستمرة إلى منطقة الخليج، وظلت جماعات التجار تفد إلى موانئ عمان الحمل السلع الإفريقية وغيرها (3). وكانت قوافل أهل عمان تسير
(1) أبو العلا، محمد، دكتور، موقع عمان الجغرافي، ص 21، وما بعدها، دار النهضة العربية، م. (2) أبو العلا، المرجع السابق
القاهرة، سنة 1985
، ص 25.
(3) انظر - المسري، حسين، العلاقات بين العراق ومنطقة الخليج العربي. ص 175.
- العاني، عمان في العصور الإسلامية الأولى، ص 134 وما بعدها.
- rav - (1/402)
صفحة 403
بصورة مستمرة إلى شرقي إفريقية في شكل قوافل، يتضح ذلك في حديث أحد النواخذه أنه قال: دخلت بلاد الزنج سنة 332 هـ فقال لي بعض أهلها كم أنتم مركبا قلت
من
ستة عشر مركبا فقال يسلم منها إلى عمان خمسة عشر مركبا وينكسر واحد» (1).
وقد تمكنت السفن العمانية من الانتشار على سواحل شرقي إفريقية وحملت إمكانيات وصادرات كل جزء منه وخاصة النحاس والحديد والذهب وحملتها إلى موانئها في عمان ثم إلى الهند لتكمل الدور الحضاري في المنطقة. ولولا هذا الدور العماني لتغيرت ظروف شبه القارة الهندية والشرق الأدنى القديم.
(2)
ومن ناحية أخرى فإن موقع عمان بين دائرتي عرض 16,40 درجة، إلى 26,20 درجة شمال خط الاستواء (3) أعطى لها ميزة هامة في أ أن تكون حلقة وصل بين محاصيل وموارد المناطق المدارية والإستوائية في الجنوب وبين موارد وسلع المناطق الساخنة والباردة في الشمال، فاعتمدت مناطق الشرق الأدنى على أهل عمان في استيراد ما يلزمها من منتجات الساحل الإفريقي الشرقي التي كانت في حاجة إليها مثل العاج والذهب والنحاس والحديد والأخشاب وغير ذلك. كما حملت السفن العمانية صناعات منطقة الشرق الأني إلى ساحل إفريقية الشرقي.
كما أدى موقع عمان بين مناطق حضارية متباينة في المستوى الحضاري إلى أهمية هذا الدور في الاتصال الحضاري بين تلك المناطق. فقد تمكنت منطقة العراق من احراز تقدم حضاري وإزدهار اقتصادي في التاريخ القديم زمن السومريين والبابليين وكذلك أصبحت مركزا للخلافة الإسلامية طيلة العصر العباسي، وكانت
والآشوريين
(1)
(1) بزرك، عجائب الهند، ص 114
(2) شيخ الربوة، ص 54
- حصاد ندوة الدراسات العمانية، المجلد السابع، ص 81 وما بعدها.
(3) بالنسبة لخطوط الطول تقع عمان بين خط طول 15.5 درجة إلى 59.40 درجة شرقا.
- انظر: مسقط الحضارة والحاضر، ص 9
(4) البدر، الخليج العربي خلال الألفين الثالث والثاني ق. م. ص 57 وما بعدها. وقد ربطت حضارات أهل العراق تلك السلع بأهل عمان فسموها أسماء مختلفة حسب نوع كل سلعة، كما حاول بعض ملوك البابليين السيطرة على سواحل عمان نظرا لأهميتها التجارية.
- 398 - (1/403)
صفحة 404
(1)
تلك المنطقة تعتمد على أساس أهل عمان بصورة كبيرة في استيراد ما يلزمها من عالم المحيط الهندي وافريقية ولذلك أصبحت البصرة، وهى ميناء العراق الهام على الخليج، عمانية برجالها وعلمائها وتجارها.
وكان أهل إفريقية من جهة ثانية في وضع حضاري لا يمكنهم من معرفة مناطق العالم الأخرى التي تحتاج إلى سلعهم المكدسة حولهم، والتي لا يدركون أهميتها، حتى وصلت السفن العمانية لتحمل سلعهم بأرباح عالية يستفيد منها التاجر ومالك السلعة. بحيث أصبح الأفارقة يتجمعون في المناطق التى ينزل بها تجار عمان، وصارت تلك الأماكن أهم المراكز التجارية على ساحل شرقي إفريقية، وكانت تلك المراكز بمثابة منافذ للتجارة الإفريقية مع العالم الخارجي، وشارك الأفارقة التجار العمانيين في تلك العملية
فيما بعد.
كما تمكنت السفن العمانية من ربط سواحل الهند مع سواحل شرقي إفريقية، وشارك الهنود العمانيين في بعض العمليات التجارية التي كانت تتم في شرقي إفريقية في العصر الإسلامي زاد دورهم في العصر الحديث في شرقي إفريقية.
ساعد موقع عمان أيضا على استمرارية الدور العماني مع شرقي إفريقية، خاصة في العصور الإسلامية. فمنذ العصر الأموى أصبحت منطقة الخليج العربي تشهد حركات تمرد وثورة ضد الأمويين مثل ثورات الأزارقة في الأهواز وتهديدهم للبصرة في العقدين الثامن والتاسع من القرن الأول الهجري، وكذلك ثورة نجدة بن عامر الحنفي في اليمامة وامتداد نفوذه إلى ساحل الخليج العربي، وظهور ثورات روكات في البحرين مثل حركة أبي طالوت، حركة مسعود بن أبي زبيدة (2) الأمر الذي هدد الملاحة وحركة التجارة في شمال الخليج العربي لفترة طويلة وأصبحت القوافل التجارية غير آمنة على حركتها
ومرورها
وأدى بعد عمان عن مراكز تلك الفتن إلى أنها أصبحت مركزا لتوقف السفن القادمة
(1) - المسيري، المرجع السابق، ص 171 وما بعدها
- العاني، المرجع السابق.، ص 149.
(2) قدري قلعجي، الخليج العربي، 175 وما بعدها.
- 399 - (1/404)
صفحة 405
من إفريقية لتفرغ حمولتها وتعود إلى استئناف رحلة أخرى مع إفريقية، بدلا من الدخول إلى مناطق القلق والإضطراب في شمال الخليج العربي. وبدأ سكان البصرة والبحرين في التردد على موانيء عمان الحمل ما يحتاجونه من سلع إفريقية وغيرها.
وفي العصر العباسي اضطربت منطقة الخليج العربي اضطرابا شديدا زمن ثورة الزنج التي وقعت في البصرة وجنوب العراق في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، بعد أن مدوا سيطرتهم على سواحل البحرين واتخذوا لأنفسهم عاصمة في جنوب العراق هي المختارة فتدهورت الأحوال الأمنية لمدة أربعة عشر: عاما وهجر الأهالى مدنهم. كما تعرضت منطقة شمال الخليج إلى اضطرابات أخرى بسبب غزو القرامطة للمنطقة، ورغم امتداد نفوذهم إلى عمان فترة من الزمن إلا أن انفتاح السواحل العمانية على المحيط الهندي جعلعملية تدفق السلع الإفريقية يتم بصورة عادية وسلسلة، وإن كان يتم تجميع تلك السلع في موانئ عمان خاصة صحار التي بلغت أقصى ازدهارها في القرن الرابع الهجرى وأصبحت أهم موانئ ومدن العالم الإسلامي كما ذكر الرحالة والجغرافيون الذين زاروها في تلك الفترة. وأصبحت مركزا لتجارة الدنيا (1).
وأصبحت عمان أهم مخازن تجارة إفريقية في العصر العباسي، ولم تنافسها محطة تجارية أخرى إلا هرمز الذي عمل أميرها على فرض سيادته على موانئ عمان لاحتكار موارد التجارة إلى جزيرته. فهدد ميناء صحار وصور وقلهات وقريات. ورغم ذلك استمرت العلاقات العمانية الإفريقية بصورة جيدة، حتى ظهرت دولتي اليعاربة ثم البوسعيد في عمان.
ثانيا: المقومات التاريخية والسياسية:
كون العمانيون بسبب ظروفهم الجغرافية شخصية مستقلة رفضت الخضوع والتبعية لأية قوة من القوى السياسية التي ظهرت في منطقة الشرق الأدنى في التاريخ القديم. فقد رفضوا الخضوع للهيمنة الفارسية، رغم احتلال الفرس لبلادهم، إلا أن هذا الاحتلال
(1) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 38 - المقدسي، أحسن التقاسيم، ص 93.
- المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 108، 149.
- E .. - (1/405)
صفحة 406
(1). وفي
اقتصر على الساحل بينما ظل العمانيون يتمتعون بحريتهم في داخل بلادهم تلك الفترة من السيطرة الفارسية جعل أهل عمان من دبا مركزا لنشاطهم البحري، حتى يتفادوا الحصار والإحتكار الفارسي للتجارة العالمية.
وكان ظهور الإسلام ومسارعة أهل عمان من خلال قبول جيفر وعبد الرسالة الرسول، صلى الله عليه وسلم، حتى حملها عمرو بن العاصي وأبو زيد الأنصاري (2) نصرا جديدا لإعادة الدور العماني من جديد إلى سيادته على عمان وعلى الملاحة في الخليج العربي وشرقي إفريقية، إذ تم طرد الفرس من عمان، الذين رفضوا الدعوة، في البداية،
ظهرت المساهمة العمانية في عمليات الفتوحات الإسلامية ونشر الإسلام بصورة جلية في مساهمة القبائل العمانية في فتوحات فارس والعراق والشام ومصر وشمال إفريقية، وجزر البحر المتوسط. ونستدل على هذا الدور من مكانة المهلب بن أبي صفرة التي وصل إليها في العصر الأموى من خلال إنجازات أزد عمان في العمليات العسكرية.
يهتم أحدا.
وفي مجال الملاحة البحرية ساهمت السفن العمانية وملاحيها في استمرارية نقل سلع المحيط الهندي من الهند وشرقي إفريقية إلى العراق وغيره من مراكز المنطقة، بحيث لم من الخلفاء الراشدين بتوجيه حملات عسكرية إلى شرق إفريقية، باستثناء حملة عمر بن الخطاب إلى الحبشة. حيث لم يحدث انقطاع في عمليات نقل منتجات إفريقية إلى العالم الإسلامي.
وظلت عمان تقوم بدورها الكبير في تأمين الجبهة الإسلامية من الجنوب، حيث ساهم أهل عمان في ملاحظة فلول الفرس التي تجمعت عند اصطخر بعد معركة، واشتركوا. مع عثمان بن أبي العاصى في انزال الهزيمة بالفرس. كما أصبحوا القوة الأساسية في الحملات البحرية التي شنها عثمان بن أبي العاصي على معاقل
جلولاء
(3)
(1) مونيك كافران، مدينة صحار العمانية، ص 86 وما بعدها، حصاد الندوة الدولية لطرق الحرير.
جامعة السلطان قابوس. 1991 م.
(2) العوتبي الأنساب، ج 2، ص 259، 262.
(3) العوتبي، المصدر السابق، ج 2، صر. 324 وما بعدها.
-?.1 - (1/406)
صفحة 407
القراصنة في المحيط الهندي بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب. وبذلك كان للدور العماني أثره في فرص الهيبة والسيادة الإسلامية على مياه المحيط الهندي وسواحله. (1)
وفي العصر الأموى، ورغم عوامل التوتر بين أهل عمان والخلافة الأموية، فإن أهل عمان استمروا في جهودهم في نقل سلع إفريقية إلى العالم الإسلامي عبر الخليج العربي، كما حملوا رسالة الإسلام إلى سواحل إفريقية الشرقية وجزرها معتمدين على رصيدهم الكبير في تلك النواحي فكانوا سفراء للدين الجديد
وكان لعوائد التجارة أثرها الكبير في نجاح فكر أهل الدعوة الذي انتشر بين أهل عمان منذ زعامة جابر بن زيد للجماعة، وكان تجار أهل عمان يبذلون الكثير لرجال الدعوة ويقومون لهم الأموال لمساندة فكرهم في كل مكان، مثلما قدموا الرجال لهم. وأصبحت الدعوة الأباضية مرتبطة منذ البداية بأهل عمان وإمكانيات أهلها. ونظرا لأهمية عمان في منطقة الخليج والمشرق الإسلامي فإن الجميع سارع إلى إرسال حملات لضمها لسيطرة الأمويين، وتمكنت تلك الحملات في النهاية من دخول عمان وضمها بقيادة مجاعة بن
(2)
شعوة المزني. أدى التدخل والضغط الأموي على أهل عمان إلى خروج أمراء عمان إلى شرقي إفريقية باعتبار تلك المنطقة مجالهم الحيوي، فخرج سعيد وسليمان ابنا عباد بن عبد بن الجلندي وأهليهما إلى ساحل إفريقية، وبدأت منذ تلك الفترة الصورة الرسمية للوجود العماني الإسلامي على شرقي إفريقية، إذ نقل أنظمة إدارية معهما إلى شرقي إفريقية باعتبارهما حكام لعمان، كما تم صبغ مناطق من شرقي إفريقية بالصبغة الإسلامية
العامة لأول مرة في تاريخ منطقة شرقي إفريقية خاصة في منطقة أرخبيل لامو.
وبدأت مرحلة جديدة من انتشار الإسلام وترسيخ ثقافة بين زنوج إفريقية من خلال
(1) الحميدي، سعيد، دكتور، عرب عمان في أحداث ثغر الهند في ا القرنين الأول والثاني الهجرين. ندوة عمان في التاريخ، مسقط، سنة 1994 م.
(2) عبد الحليم، رجب، دكتور، العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، ص 199 وما بعدها.
مسقط سنة 1989
م.
-?. Y- (1/407)
صفحة 408
(1)
اختلاط العمانيين المهاجرين، حيث كانت تلك بمثابة هجرة وليست عملية تجارة وتبادل. فوقع انصهار بين الطرفين، كما أن هجرة سعيد وسليمان إلى شرقي إفريقية أدت إلى بداية عصر حضاري جديد لتلك المناطق البدائية. فملأوا الفراغ السياسي الذي كان يخيم على تلك الأرجاء وأخذوا بيد أهلها نحو آفاق حضارية جديدة، فازدهرت تلك المناطق وأصبحت هدفا لجماعات أخرى للهجرة إليها إذا اضطرها الأمر)
(2)
ومع استمرارية السياسة العباسية مع العمانيين على نفس النمط الأموي السابق، دون أن يبدى العباسيين تفهما لقضايا أهل عمان، بدأت الهجرات العمانية في التدفق على شرقي إفريقية من داخل عمان، خاصة بعد سقوط الإمامة الأباضية الأولى في عمان سنة 134، ثم ظهور صراعات في عمان، بدعم من العباسيين، وما أعقب ذلك من حملة محمد بن نور على عمان زمن الخليفة المعتضد، وما أحدثه من دمار وخراب في عمان حتى لقبه أهل عمان بابن بور (3) فاستمرت الهجرات العمانية في ا التدفق على شرقي إفريقية وكونت لها مراكزها ورسخت من أنشطتها لتصبح هناك مستعمرات عربية
عمانية.
ونتيجة للضغط العباسي على عمان وتعرض عمان خلال الفترات اللاحقة لغزوات القرامطة والبويهيين والمغول زادت الجماعات العمانية المهاجرة إلى شرقي إفريقية، وزاد عدد سكان المستعمرات العمانية في شرق افريقية حتى أصبحت تلك المناطق امتدادا طبيعيا لمشكلات عمان، في الوطن الأم، فظهرت إمارات عمانية امتدت على ساحل إفريقية الشرقي. وأصبحت السفن العمانية تحمل كل موسم ا أعدادا" هائلة من أهل عمان
(1) النقيرة، محمد، دكتور، انتشار الإسلام في شرق إفريقيا، ص 85، الرياض، سنة 1982 م. (2) هاجرت جماعات من عرب عمان من سامة بن لؤى إلى منطقة الهند أيضا وسموا باسم " العلاقيين " وكان ذلك زمن حملات الحجاج أيضا، وكانت لهم خطوة عن الملك داهر ملك الهند وبين الهنود.
وتقابل هجرتهم فترة خروج سعيد وسليمان إلى شرقي إفريقية بعد هزيمتهم في النهاية. - الحميدي، المرجع السابق، ص 9.
(3) بعد انهزام النزارية في عمان في وقعة القاع خرج محمد بن القاسم وبشير بن المنذر إلى البحرين واستنجدوا بالوالى العباسي هناك وهو محمد بن نور، فسمح له الخليفة المعتضد بالتوجه إلى عمان
- العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 322، 323.
1?.71 (1/408)
صفحة 409
إلى شرقي إفريقية، فظهرت مناطق عديدة على الساحل بمظهر إسلامي في فترة مبكرة من تاريخ الإسلام، فظهر الفقهاء والعلماء من أهل عمان في تلك المراكز، كما أسس
العمانيون مؤسسات إسلامية لتعليم أبناءهم القرآن الكريم وأصول الدين الإسلامي"
ومنذ ذلك الوقت ارتبطت شرقي إفريقية حضاريا " ووجدانيا بسواحل عمان وأهلها (2)، وأصبحت آلام أهل عمان يحس بها إخوانهم في شرقي إفريقية، كما كانت منطقة شرقي إفريقية نصرا جديدا للدور العماني في نشر الإسلام، وكسبا تجاريا في المجال الأقتصادي ومازالت التجربة العمانية في شرق إفريقية تعد تجربة طويلة ولا يمكن تجاهلها عند دراسة تاريخ شرقي إفريقية أو وسطها. وكذلك عند دراسة تاريخ سواحل المحيط
الهندي وجزره
(1) النقيرة، المرجع السابق، ص 128
(2) السيابي، عمان عبر التاريخ، جـ 2، ص 16.
— 3.3— (1/409)
صفحة 410
(3)
مراحل الإنتشار العماني والإسلامي في شرقي إفريقية
بالرغم من النشاط الملاحي والتجاري الذي قام به تجار عمان وبحارتها في أرجاء المحيط الهندي وسواحله، والذي أمتد حتى سواحل الصين، وحتى سفالة الزنة، إلا أن الوجود العماني تركز منذ البداية بصورة واضحة على سواحل شرقي إفريقية وساعده في
ذلك عوامل هامة منها مايلي:
(1) الفراغ السياسي:: فقد كانت منطقة شرق القارة الأفريقية تشهد فراغا" من القوى السياسية، وأنحصرت في تكتلات قبلية شهدت صراعاة مريرة بينها خاصة أثناء زحف جماعات البانتو من الداخل صوب الساحل
(1)
(2) أهمية السلع الإفريقية وندرتها: احتلت سلع إفريقية من الذهب والحديد والنحاس أهمية كبرى لدى مدينات العالم القديم والعالم الإسامي، كما أحتل العاج المتوفر في ا المنطقة بوفرة أهمية خاصة في العالم الإسلامي. وكانت تلك
(2)
السلع تمثل الأساس لكثير من الصناعات في عالم العصور الوسطى) بالإضافة إلى الجلود والأخشاب والعنبر. (3) استقرار جاليات عمانية كبيرة هناك: من أجل خدمة عمليات التجارة والتبادل
والتجميع استقرت منذ البداية جاليات عمانية على ساحل شرق إفريقية
زادت تلك الجاليات عددا" وكثافة منذ العقد الثامن من القرن الأول الهجري،
بسبب حملات الحجاج المستمرة ضد أهل عمان وهجرة حكام عمان إلى شرق
إفريقية. (3)
(1) الإدريسي، نزهة المشتاق، ص 29.
-
- المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 140.
(2) آشتور، التاريخ الإقتصادي،، ص 91، 111.
(1) كما بدأت عمان تتعرض من قبل لهجمات النجدات، حينما أرسل نجدة بن عامر الحنفي قائده =
•
11.01 (1/410)
صفحة 411
وبالرغم من وجود جاليات عربية وعمانية في مناطق شرق القارة منذ العصور القديمة، إلا أن العصور الإسلامية شهدت هجرات هامة إلى شرقي إفريقية تمكنت تلك الهجرات من تكوين كيانات سياسية، وأحدثتم تغيرات اقتصادية واجتماعية في منطقة شرقي إفريقية، وتمكنت من ربط شرق إفريقية بجسم العالم الإسلامي رغم المحيط الذي تعيش
فيه.
التالية:
وتحدد عمليات الانتشار العماني، وغيره في شرق إفريقية عبر الهجرات والمراحل
أولا": هجرة الأخوين سعيد وسليمان ابنا عباد بن عبد:
بعد أحداث الفتنة التي تعرض لها العالم الإسلامي وانتهت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان، ومبايعة الإمام على بن أبي طالب سنة 35 هـ، تعرض العالم الإسلامي إلى أحداث عنيفة أودت بإمكانياته حينما التقت سيوف المسلمين في معركة صفين المريرة والتي أدت إلى توقف عمليات المد الإسلامي وإنقسام الأمة الإسلامية إلى ثلاث زعامات متباعدة: إحداهما في الشام حيث أنصار معاوية، والثانية: في الكوفة حيث الإمام على الذي بويع من قبل كإمام للأمة. والثالثة في النهروان حيث عبدالله بن وهب الراسبي إمام جماعة المحكمة التى ولدت في أعقاب مهزلة التحكيم (1). وانتهى الأمر في سنة 40 هـ إلى انفراد معاوية بخلافة المسلمين بعد مقبل الإمام على، ومن قبله عبدالله بن وهب الراسبي، ثم تنازل الإمام الحسن عن ا الخلافة ولذلك سمى عام 41 هـ بعام
الجماعة.
(2)
= عطية بن الأسود لغزو عمان سنة 67 هـ. وتمكن ابن الأسود من هزيمة أهل عمان وقتل عباد ابن عبد، لكن أهل عمان تجمعوا من جديد بقيادة سعيد وسليمان ابنا عباد وطردوا ابن الأسود ومن معه. ووسط هذا التدهور الأمني في منطقة الخليج العربي والمشرق الإسلامي في العصر الأموي حاول أهل عمان الحفاظ على هويتهم وعلى استقلالهم.
(1) عن تلك الفترة راجع:
الطبري، تاريخ الرسل والملوك، جده، ص 130 وما بعدها. طبعة دار المعارف.
أبو بكر بن العربي، العواصم من القواسم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص 80 وما بعدها. (2) فضل الله، محمد جواد، صلح الإمام الحسن، أسبابه ونتائجه، ص 105.
-?.7 - (1/411)
صفحة 412
كان لأهل عمان موقفا مستقلا إزاء تلك التطورات فقد ساندوا الإمام على منذ
البداية، وإتجهت قبائل عمان، خاصة الأزد، إلى مساندة فكر المحكمة المعتدل (1) حيث كان للأزد مكانة في العراق والمشرق الإسلامي، وظهر من بينهم جابر بن زيد الذي أصبح زعيما للفريق المعتدل من المحكمة والذي عرف باسم جماعة المسلمين أو أهل الدعوة أو أهل الإستقامة، ورفض أهل عمان منذ البداية أحداث الفتنة فلم يشاركوا فيها، كما أنهم رفضوا بعد ذلك الطريقة التي وصل بها الأمويون إلى الخلافة منذ البداية. وأيدوا وجهة النظر الداعية إلى الاعتماد على الشورى في اختيار الحاكم للمسلمين، وهي الفكرة الأساسية لدى جماعة المحكمة المعتدلة.
من هنا فقد ظل أهل عمان يرفضون التبعية للأمويين من خلال واليهم على البصرة أو من خلال أى مظهر آخر، وأصبح ولاة عمان من بين أهلها. رغم أن أهل عمان وقبائلها ظلت لهم الفعالية في أحداث العالم الإسلامي من خلال الإنجازات التي حققها المهلب بن أبي صفره وقبيلة بن أزد عمان على جبهة فارس والتركستان منذ استئناف عمليات الفتوح الإسلامية في خلافة معاوية. كما أن المهلب تمكن من إعادة الأمن والاستقرار إلى البصرة بعد أن أفزع أهلها هجمات الأزارقة العنيفة في خلافة يزيد بن معاوية وحتى خلافة عبدالملك بن مروان، مرورا بعهد ابن الزبير في العراق، حتى سميت البصرة بـ " بصرة المهلب
(2)
وانشغل الأمويون بمشكلاتهم الداخلية عن الأوضاع في عمان ومنطقة الخليج العربي، حتى قدم إلى المننطقة الحجاج بن يوسف الثقفى واليا من قبل عبدالملك بن مروان على العراق والمشرق الإسلامي منذ سنة 75 هـ. وبدأ الحجاج في محاولة إعادة سيطرة الأمويين على تلك المناطق بما فيها منطقة الخليج العربي. فوطد سيطرة الأمويين على العراق بكافة الوسائل وأعاد النشاط العسكري لجبهة التركستان وأواسط آسيا. وبعد أن أخمد ثورة
عبدالرحمن بن الأشعث التي هددته سنة 81 هـ، بدأ يتطلع إلى ضم عمان إلى سلطنه
كان الأمويون وواليهم الحجاج يدرك أهمية موقع عمان على طرق التجارة البحرية (1) انقسمت المحكمة بعد مقتل أبي بلال في آسك سنة 61 هـ إلى قسمين: متطرف، معتدل، وكان هذا الانقسام بعد افتراق زعامتها بعد عودتهم من مكة سنة 64 هـ. (2) سلطان، عبدالمنعم، دكتور، المهلب بن أبي صفرة، ص 10 وما بعدها، بحث مقدم إلى ندوة عمان في التاريخ، وزارة الإعلام العمانية، سنة 1994 م.
-?. V- (1/412)
صفحة 413
1
القادمة من المحيط الهندي إلى البصرة والعراق والشام، وكانوا يدركون أهمية سلع إفريقية للعالم الإسلامي، من هنا بدأ الحجاج يجهز حملاته من البصرة قاصدة عمان - فأرسل حملته القوية بقيادة القاسم بن شعوة المزني، لكن أهل عمان تصدوا لها وهزموها وقتلوا القاسم، فأعاد الحجاج حملاته من جديد من قبائل قيسية وعلى رأسها مجاعة ابن شعوة المزني وأرسل في أعقابها إمدادات شامية. وقسمها إلى قسمين برى وبحري من أجل أن يثير الإرتباك بين قوات أهل عمان.
(1)
(2)
أدرك سعيد وسليمان ابنا عباد بن عبد أنهما لا قبل لهما بمواجهة الحملات المستمرة من الحجاج على بلادهما، فاتجها إلى شرقي إفريقية (1)، ولحق بهما العديد من أهل عمان بعد أن عين الحجاج على عمان الخيار بن سيرة المجاشعي الذي أخذينكل بأهل عمان. وبدأت منذ تلك الفترة الهجرات العمانية الكبرى إلى شرقي إفريقية. خاصة وأن الوليد بن عبدالملك (86 هـ / 705 م - 96 هـ / 715 م) قد أقر الخيار بين سبرة المجاشعي واليا على عمان. وفي خلال تلك الفترة استمرت عمليات الاضطهاد ضد أزد عمان في المشرق الإسلامي وفي البصرة وفي عمان من قبل الحجاج بن يوسف الثقفى وعماله. (4)
(3)
في الوقت نفسه كانت منطقة شرق إفريقية مهيأة لاستقبال تلك الأعداد من عرب عمان، بل أصبحت القبائل الإفريقية بقية ترحب بقدوم هجرات عمانية لما لمسته منها من عائد مادي وحضاري فإنتشرت إماراتهم ومراكزهم على الساحل الإفريقي من الشمال إلى
الجنوب
(1) القيسي، المقتبس عن كشف الغمة، ص 45، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة. (2) تاريخ أهل عمان، ص 47 وما بعدها.
(3) كان اختيار الحجاج بن يوسف الثقفي للخيار بن سيرة ليكون واليا له على عمان امتدادا للكراهية والحقد الذي كان يكنها الحجاج ضد أزد عمان في المشرق الإسلامي وفي عمان. وكان الخيار قبل ذلك من جند المهلب بن أبي صفره، ومن جند ابنه يزيد من بعده، لكنه أصبح عينا على آل المهلب للحجاج، واستعمله بعد ذلك على عمان عداوة لبني المهلب، واستمر بعمان حتى أصبح واليها زياد ابن المهلب قبض على الخيار وبسط عليه العذاب وقتل الخيار.
-
انظر العوتبي الانساب، جـ 2، ص 142 وما بعدها، طبعة وزارة التراث القومي. (4) بورد الدكتور رجب عبة الحليم أسبابا وظروفا لثورة الأخوين. وإن كنا لا نوافقه في عرضه لهذا الأمر حيث أنها لا تسمى ثورة، فهما أميران من قبل قومهما على بلدهما عمان خلفا لوالدهما:
-- E.^- (1/413)
صفحة 414
نزلت سفن أهل عمان ومعهم سعيد وسليمان ابنا عباد إلى ا منطقة لامو سنة 83 هـ / 702 م، وعرفت هذه الهجرة " بـ هجرة الأخوين" أو "هجرة بني الجلندى " وهي أكثر مناطق شرق القارة الإفريقية مناسبة للتمركز فيها من قبل هجرة كبيرة من عرب عمان. فهى تتكون من مناطق صالحة لإقامة موانئ، ويقابلها عدد من الجزر في المحيط كما كانت تتوسط الساحل الإفريقي الشرقي، بالإضافة إلى خلوها من النفوذ القبلي لجماعات البانتو. وبدت المنطقة في نظرهم أشبه بالفردوس.
وبدأت السواحل الإفريقية تشهد ظهور أول إمارة إسلامية عليها، فقد بدأ سعيد وسليمان في تنظيم جماعتهما من أهل عمان وإقامة أسس ونظم لها. فأنشأت القلعة لحمايتهم من أي هجوم من قبل القبائل الوثنية الطامعة. وهو أمر يدل على وجود عماني سابق في المنطقة، بحيث تم إنشاء الاستحكامات العسكرية في أول الأمر. ثم بدأ أهل عمان في بناء قرية. وبلغت تلك القرية نموها حينما قدم للاستقرار فيها أو حولها جماعات العرب والعمانيين السابقة عنت هجرة الأخوين. وبدأت القرية تتسع لتشمل عناصر عديدة، وتتعدت فيها أوجه النشاط الإقتصادي من زراعة وحيد وتجارة وظهرت فيها طبقة التجار بوضع متميز لدورهم في اقتصاد المركز الجديد، حيث تطورت موارد القرية ونمت لتصبح مدينة ومركز تجاري هام في شرقي إفريقية. حيث ارتبطت بخطوط تجارية داخل القارة، وجلبت إليها مختلف السلع الإفريقية مثل الحديد والذهب والعاج (1)
وأدت مظاهر التبادل التي حدثت بين المستوطنة العمانية الجديدة وبين الأفارقة إلى تغيرات إجتماعية وعقائدية بين الجانبين، حيث بدأت عمليات الزواج من نسوة افريقيات
=
عباد بن عبد، وكل ما في الأمر أن أهل عمان رفضوا التبعية للأمويين منذ البداية على أساس عدم إقتناعهم بالطريقة التي وصل بها معاوية إلى السلطة وظلت أمور عمان بين أهلها حتى جاء الحجاج الذي حاول فرص سيطرة الأمويين على أقاليم الدولة الإسلامية السابقة. ومن جانب آخر اصطدم الحجاج بنفوذ آل المهلب القوي والواضح في المشرق الإسلامي وأدرك أن هناك جذورا" لهذا النفوذ في عمان. ولذلك كان يذكر يزيد بن المهلب في مجلسه باسم " المزوني " أى العماني. كما كانت هناك اعتبارات قبلية بين القيسية واليمنية. وبدأ الحجاج يربط بين ضم عمان لسلطنه وإخضاع آل المهلب وبين سيادة نفوذه انظر: العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، ص
201 وما بعدها.
(1) النقيرة، المرجع السابق، ص 128.
-?.9 - (1/414)
صفحة 415
تنتشر في تلك الفترة التي كان أغلب المهاجرين من عمان من الرجال، وإن كانت تلك الظاهرة التي تفشت في المجتمع الجيد قد أدت إلى ذوبان العنصر العربي الوافد في المحيط الزنجي بصورة متتالية. كما أدت عمليات نزوج الأفارقة إلى إمارة لامو العمانية واستقرارهم داخلها أو بجوارها أدى ذلك أيضا إلى ذوبان العرب داخل مستوطنتهم الجديدة، خاصة وأن تلك الفترة كانت تشهد حركات مستمرة لجماعات البانتو في المنطقة
وقد بدأ بعض هؤلاء الأفارقة في اعتناق الإسلام من خلال تعامله مع العرب خاصته وأن تجار عمان وأهلها كسبوا ثقة الأفارقة من خلال عمليات البيع والشراء، كما أصبح تعلم العربية يساعد على تقوية علاقات الإفارقة مع حكام إمارة لامو وأهلها
وحاول سعيد وسليمان ابنا عباد المحافظة على نقاوة العنصر العربي لسكان مستوطنتهم الجديدة ويتجلي ذلك من أمرين هما: -
الأول
: حرص العمانيين على جلب نساء عربيات أو غير افريقيات على أيدى التجار رغم أثمانهن الباهظة، حتى قيل أنه دفع لزوجة قوقازية مائة من
الرقيق الذكور الأقوياء ثمنا لها
(1)
•
الثاني: استمرار تشجيع عمليات تدفق الهجرات العمانية والعربية إلى منطقتهم حيث أصبحت الهجرة إلى منطقة لامو مكسبا للتجار وغيرهم من العرب، بعد أن لمسوا الثروة والترف الذي عم أرجاء لامو. وصار العمانيون يشاركون أفراد تلك الهجرات الجديدة في عملياتهم التجارية ومشاريعهم في
المنطقة.
واستمرت إمارة لامو العمانية تؤدى دورها الهام في نقل منطقة وسط شرق القارة الإفريقية إلى مراتب عليا للحضارة وتعمل على استغلال إمكانياتها بصورة مفيدة لسكانها وأهلها، مما أدى إلى ارتباط ظهور عظمة تلك المنطقة بالأخوين سعيد وسليمان وكانت رؤيتهم وحكمتهم السياسية وراء ظهور إمارة لامو كأهم مراكز الحضارة في شرق
(1) رجب عبد الحليم: العمانيون، ص 208. (1/415)
صفحة 416
(1)
القارة الإفريقية (1) وتمكنا من دمج إمارات المسلمين السابقة في المنطقة في إمارة مركزية قوية تحت قيادتهم، خاصة وأن سعيد وسليمان قد تمكنا من إخضاع الجاليات التي سبقتهم في المنطقة. من المسلمين
(3)
(2)
وبذلك كانت هجرة الأخوين أول الهجرات الكبرى إلى شرقي إفريقية في العصر الإسلامي (3) وقد تمكنت من إرساء نظم جديدة من المدينة والإدارة والتنظيم في المنطقة، وكانت بداية لارتباط قوى نشأ بين ساحل شرقي إفريقية وبين العالمين العربي والإسلامي إذ بدأت عمليات التدفق العربي والإسلامي تصل إلى المنطقة في أمن وأمان، معتمدة على رصيدها السابق من إنجازات العمانيين.
ونتيجة لهذه الانجازات وفدت جماعات عربية إلى الإمارة كما قدمت إليها جماعات من العرب من اليمن والشام ومن الهند، وهيمنت تلك الجماعات على موانئ مجارة من الشمال ومن الجنوب. وأصبحت منطقة ساحل إفريقية تشهد العديد من المستوطنات الإسلامية على أراضيها منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي. وقد قام هؤلاء القادمون الجديد بالإستعانة بخبرة العمانيين السابقين.
ونظرا لمكانة حكام عمان في منطقة الأخبيل فقد تم مبايعة حفيدهم الحاج /سعيد
(4)
بالزعامة على مدنهم ومراكزهم (4) في سبيل خلق تكتل وتجمع إسلامي وسط هذا المحيط الوثني الذي يحيط بهم، وكذلك للإستفادة من خبرات زعماء عمان السابقة من قوى شرق إفريقية، كما أن أهل عمان أصبح لهم مكانتهم الهامة في التجارة والملاحة مع شرقي
(1) حسن محمود، الإسلام والثقافة العربية: ص 397.
(2)
Coupland, East Africa, P: 22.
(3) لا يوجد دليل على ما ذكره أستاذنا الدكتور / حسن محمود من وجود تفاصيل عن هجرة وقعت في القرن السابع الميلادي سنة 695 م من أهل الشام إلى المنطقة هروبا من بطش الحجاج. ذلك إن الحجاج لم يتولى ولاية الشام، بل أن الشام كانت مركز الخلافة الأموية، وأن الحجاج كان واليا على الحجاز
ثم نقلت أعماله إلى العراق.
المرجع السابق، ص 396.
Ruph, History of East Africa, P : 71.
-?11 -
(4) (1/416)
صفحة 417
إفريقية
، حتى احتكروا في أغلب الأحيان الرحلات الملاحية من وإلى شرق القارة من خلال خبراتهم في الشحن والتوزيع وطرق الملاحة وظروف المنطقة الإفريقية. وساتمرت تلك الزعامة لفترة طويلة فيما بعد باعتبارها أسبق الهجرات (1)
(2)
أدخل الحاج / سعيد نظما إسلامية في إدارته في المنطقة بعد أن حصل على البيعة من سكان المدن والموانئ المجاورة، فأنشا مجلسا استشاريا يتكون من وجهاء الأحياء، يشاركه في إتخاذ القرار وإدارة البلاد. وكان هذا المجلس بمثابة هيئة للإطلاع على مشكلات المستوطنين وحل مشكلاتهم. . كما ظهرت هيئة قضائية من العلماء والفقهاء طبقوا أمور الشرع الإسلامي بين الناس. ويبدو أن هؤلاء من الوافدين وبدأت في ظلال الإستقرار الذي عم المنطقة إقامة مؤسسات تربوية إسلامية تمثلت في ظهور كتاتيب لتعليم أولادهم مبادئ الدين الإسلامي وتحفيظهم القرآن الكريم.
وتوالت الهجرات الإسلامية إلى إمارة لامو من المناطق العربية ومن مناطق الخليج العربي الأخرى، وكذلك من مناطق المحيط الهندي المرتبطة بالمصالح التجارية مع الهند مثل منطقة ساحل الهند الغربي، من مليبار وجو جيرات، ومن ساحل السند وفارس بدأت الإمارة العمانية في الإشعاع الحضاري ونشر الإسلام وثقافته في المحيط الإفريقي المجاور لها نحو الشمال أو الجنوب أو صوب الداخل خاصة من خلال أمرين الأول عمليات التبادل التجاري مع الأفارقة، حيث أدرك الأفارقة أهمية فهم الدين الجديد أو الدخول فيه، لما لمسوه من قدوة حسنة عند المسلمين. والثاني: وفود دعاة من المسلمين من مناطق العالم الإسلامي الأخرى وقيامهم بالدعوة إلى الإسلام بالحسنى بين الأفارقة بحيث أصبحت هناك جماعات من سكان المدن من الأفارقة المسلمين، حيث أصبحوا أعضاء فـ اء في الأسرة الإسلامية. (3)
(1) المعمري، أحمد بن حمود، عمان وشرق إفريقيا، ص 44 طبعة وزارة التراث
(2) عبد الحليم، المرجع السابق، ص 208
(3) النقيرة، المرجع السابق، ص 128.
• (1/417)
صفحة 418
ثانيا: الشيعة الزيدية: (1)
حيث وقعت انقسامات بين فرق الشيعة، فاضطرت الجماعات الزيدية إلى الهروب
(2)
المنطقة
والإتجاه إلى ساحل شرقي إفريقية سنة 729 م، واستقروا في شنجايا (3)، ورغم أن تلك الهجرة لم يكن لها تأثيرها الكبير في المحيط الإفريقي، ذلك أنها قدمت مهاجرة إلى أرض غريبة عنها، ولم يكن لهولاء المهاجرين خبراتهم الملاحية أو التجارية في ا، فسرعان ما تلاشت في المحيط الإفريقي، لكنها ساهمت في نشر الإسلام على الساحل. وخاصة في منطقة شمال الساحل الإفريقي الشرقي، وهى المناطق التي نزلت فيها جماعات الزيدية في البداية.
(1)
ثالثا ": هجرة أهل صحار والباطنة في القرن الثالث الهجري:
عمان
رغم وصول أهل عمان إلى مرحلة إعلان إمامتهم الأباضية الأولى سنة 132 هـ، ثم الثانية سنة 177 هـ، إلا أنهم أصبحوا هدفا لحملات مستمرة من قبل العباسيين. لقد أدرك العباسيون خطورة وجود إمامة أباضية مخالفة لهم في عمان، حيث تتمتع: وأهلها بمكانتهم التجارية والبحرية عبر الطرق البحرية إلى شرقي إفريقية وإلى الهند والصين، وخاصة وأن عمان وتجارها ونواخذتها أصبحوا يتحكمون في الطرق البحرية
(1) أتباع الإمام زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب. ترى بحصر الخلافة والإمامة في سلالة الحسن والحسين أولاد على. وتقر تلك الفرقة بخلافة أبي بكر وخلافة عمر. وهي بذلك تخالف فرق الشيعة الأخرى. كما ترى بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. وهي تقترب أو تتقابل مع فرق
السنة في كثير من آرائها وإجتهادات علمائها.
وحاليا معظم اتباعها في جمهورية اليمن. (2) مدينة ونفورد الحالية.
(3) المعمري، المرجع السابق، ص 44.
(4) كانت الرحلات البحرية تلتزم بالساحل العربي ثم تتجه صوب سوقطرى، ومن سوقطرى تعبر إلى الساحل الشرقي لإفريقية، من هنا فقد احتلت سوقطري أهمية كبرى في الإرتبط بين منطقة شبه الجزيرة العربية وساحل شرقي إفريقية. ثم أصبحت منطقة مقديشو وشمال الساحل الإفريقي الشرقي أكثر المناطق كثافة في التواجد الإسلامي، بينما ظل التواجد العماني منذ البداية مرتبطا بالوسط عند ارخبيل لامو وزنجبار (1/418)
صفحة 419
القادمة عبر الخليج العربي والتى تؤثر بدورهام على ازدهار العراق وحاضرتهم بغداد، بعد
أن تخير المنصور موقعها لتكون قريبة من تجارة الصين والهند وإفريقية وعمان)
(1)
فحينما أحس العباسيون بخطر وجود نظام مستقل في عمان، سارعوا إلى إرسال حملات ضد أهل عمان، كانت في مهامها أشد على أهل عمان من حملات الأمويين. فقد سارع أبو جعفر المنصور بإرسال حملة خازم بن خزيمة التميمي ضد أهل عمان ولإسقاط إمامة الجلندى بن مسعود، وتمكن القائد العباسي من إنجاز مهمة في معركة جلفار الثانية سنة 134 هـ. وبدأ العباسيون في خلق ثيار موال لهم بين سكان المنطقة. وبالفعل بدأت عمان تتعرض صراعات قبلية من جديد، ويظهر على سطحها السياسي قوى سياسية متنافرة. وأنتهى الأمر بوحدة جديدة وظهور إمامة ثانية سنة 177 هـ. وبدأت القوى السياسية العمانية تتجه صوب نزوى، بعد أن أدركت سهولة دخول الساحل من قبل
العباسيين
•
سارعت القيادة العباسية بإرسال حملة جديدة ضد أهل عمان هي -
حملة:
عي
اين
جعفر في خلافة هارون الرشيد، (2) وتمكن أهل عمان من هزيمة وقتله في صحار لكن عمان بدأت منذ القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، لكن عمان بدأت تتعرض لموجة جديدة من الصراعات القبلية، أسفرت عن وقوع معارك طاحنة بين أهلها، كان من أهمها وقعة القاع (278 هـ / 891 م) في منطقة الخيام من عوتب، وقد وقعت في يوم الإثنين السادس والعشرين من شوال سنة 278 هـ. زمن الإمام عزان ابن تميم الخروصي.
(3)
(1) من دراسة توجهات السياسة العباسية منذ البداية نجد أنها إنقسمت إلى ثلاثة مياديين هما: ميدان الهند وشرقي إفريقية وجنوبي شرقي آسيا.
- ميدان التركستان وأواسط آسيا.
ميدان الشام وآسيا الصغرى والبحر المتوسط.
أي أن تلك السياسة تركزت نحو المحيط الهندي حيث ثروات إفريقية الشرقية والهند وجزر جنوبي شرقي آسيا. وكان هذا هو السبب في اختيار موقع عاصمتهم بغداد. لكنهم فوجئوا بأن مدخل عاصمتهم من الخليج تحت رحمة أهل عمان ولذلك حاربوا ظهور أية قوة بها.
(2) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 118.
(3) العوتبي، الأنساب، جـ 2، ص 320. (1/419)
صفحة 420
-913 -
حيث قدم الأهيف بن حمحام الهنائي إلى صحار لحرب الحواري بن عبدالله السلوتي والفضل ابن الحواري السامي، ومن معهما من جموع النزارية، في أعقاب مقتل موسى بن موسى بإزكى ومن معه من قومه، وندب الإمام عزان بن تميم للأهيف لحرب الحواري ومن معه والتقى الطرفان في معركة شديدة وارتفع الغبار ليستر الشمس، وانجلت المعركة عن قتلى كثيرة. وبدأت الهزيمة تلحق بمعسكر النزارية وهربت جموعهم إلى البحرين وإلى
شمال عمان
(1)
خرج زعماء النزارية الذين هزموا في المعركة إلى البحرين للاستنجاد بواليها العباسي محمد بن نور، من قبل الخليفة المعتضد العباسي، فأراد الوالى العباسي أن يستوثق من زعماء عمان فوجههم إلى الخليفة في بغداد، فأمر محمد بن نور بالتوجه على رأس حملة كبيرة إلى عمان، وكانت قواته من النزارية ومن بني طيء من الشام. وبلغت قواته حوالى خمسة وعشرين، وثلاثة آلاف) وخمسمائة فارس.
اتصل الخبر بأهل عمان فزادت الأمور اضطرابا في كل مكان، وانفض الناس عن الإمام عزان بن تميم، وعم الخوف وعدم الإستقرار في عمان، فخاف أهل صحار وماحولها من منطقة الباطنة على أنفسهم (2)، فخرجوا بأموالهم وذراريهم إلى سيراف والبصرة وهرمز وإلى مناطق أخرى مثل شرق إفريقية (3). وبدأت السفن في حمل الناس وأمتعتهم خارج صحار ومون الباطنة.
(3)
ويبدو أن تلك الهجرة الجديدة من عمان إلى شرقي افريقية قد اتجهت إلى إمارة لامو العمانية السابقة، خاصة وأن صحار كانت في تلك الفترة تمثل مركز القادمة من شرقي إفريقية، وأن ملكية السفن العاملة بينها وبين شرقي إفريقية كانت لتجار صحار، وبالتالي كانت معرفة أهل صحار والباطنة وثيقة بمنطقة شرقي إفريقية. وكان القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي تمثل عصر ازدهار الملاحة والتجارة في الخليج العربي عبر صحار وساحل الباطنة العماني. الأمر الذي يشير إلى وجود مصالح مشتركة بين أهل صحار والباطنة والجماعات العمانية في شرقي إفريقية.
(1) العوتبي، المصدر السابق.
(2) العوتبي، المصدر نفسه، ص 323.
(3) السالمي، التحفة، 2 ج، ص 259 (1/420)
صفحة 421
:
رابعا: هجرة الأخوة الحرث (1)
وقعت تلك الهجرة منذ نهاية القرن الثالث الهجري، حيث اجتاحت القرامطة مناطق العراق والخليج وأصبحت منطقة الأحساء أهم مراكزهم، فتعرضت القبائل المتواجدة في الاحساء لضغط شديد من قبل جماعات القرامطة ومنها الحرث. فاضطر الحرث إلى الهجرة إلى شرقي إفريقية سنة 291 هـ / 903 م (2).
ويبدو أن هؤلاء الحرث كانت تربطهم علاقات سابقة مع سكان شرقي إفريقية من المسلمين، أو أنهم قد سمعوا عن تلك البلاد وإمكانياتها من الجند الزنوج الذين كانوا بجيوش القرامطة، والذين يرجع أصلهم إلى شرقي إفريقية (3) ولكن مهما يكن فإن ساحل الخليج العربي اندمج منذ هجرات القبائل العربية إليه في وحدة عربية واحده ويبدو أن النفوذ العماني كان قويا على منطقة البحرين في عصور ماقبل الإسلام (4) ثم أصبحت
(1) ترتب على اشتداد نار الصراعات القبلية في عمان بعد سقوط الإمامة الأباضية الأولى، وفي خلال الأئمة الذين حكموا بعد إعلان الإمامة الثانية، عودة الصراع بين القبائل اليمنية والنزارية في عمان في منطقة إبرا وفي منطقة الباطنة، وفي بعض مناطق الأخرى. وكانت وقعة القاع في عوتب من صحار من توابع تلك الانقسامات العصبية، حيث ترتب عليها خروج العديد من الجماعات النزارية إلى خارج عمان.
وكانت البحرين من المناطق التي تتجه إليها أنظار القبائل العمانية خاصة من النزارية، وذلك بفضل الروابط القبلية بين الطرفين في الماضي، كما أن البحرين على الطريق بين البصرة والعراق من جهة وبين عمان من جهة ثانية. فاتجهت إليها جماعات من أهل عمان. وكان الحرث من الجماعات التي تركت مواطنها في عمان وتحركت شمالا صوب البحرين خاصة بعد أحداث وأعمال محمد بن نور في عمان وانعدام الأمن والإستقرار في البلاد.
ولا نؤيد الدكتور عبد الحليم فيما ذهب إليه في كتابه العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام من وجود صراعات مذهبية كانت سببا في هجرة الحرث من عمان حيث يذكر أنهم كانوا "سنة " في حالة
كونهم نزارية (ص 213). (2) المغيري جمهينة الأخبار، ص 19.
ميزون، هجرات الحرث إلى أواسط القارة الأفريقية، ص 5 وما بعدها.
(3) عبد الحليم، المرجع السابق، ص 216.
(4) مد مالك بن فهم نفوذه إلى البحرين واستمرت البحرين تابعة لعمان فترة طويلة - العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 246.
-817 - (1/421)
صفحة 422
البحرين في العصر العباسي خاضعة لإدارة البصرة. الأمر الذي يؤكد أن أصول جماعات
الحرث التي هاجرت إلى البحرين ترجع إلى عمان.
تحركت الهجرة الجديدة من الحرث من مواطنها في الأحساء إلى شرقي إفريقية، في ثلاثة سفن كبيرة يتزعمها سبعة أخوة، وبعد رحلة طويلة عبر الخليج العربي والمحيط الهندي نزلوا ساحل الصومال في منطقة مقديشو. ويبدو أن الحرث كانوا مستعدين قبل رحيلهم استعدادا عسكريا، حيث تمكنوا من النزول على الساحل الإفريقي بقوة منذ البداية وأزاحوا الجماعات السابقة عليهم من الزيدية إلى داخل البلاد، بعد أن ألحقوا بهم الهزائم وهدموا قلاعهم وحصونهم، وامتد نفوذهم لمسافات طويلة على ساحل الصومال. وبدأت لهم دولتهم المستقلة.
(1)
وفي سنة 295 هـ / 907 م، بدأ الحرث في بناء مراكز لهم تليق بنفوذهم في المنطقة فأسسوا مدينة مقديشو، كأول مدينة عربية في تلك المناطق الشمالية من ساحل شرقي إفريقية، في العصر الإسلامي، ثم أسسوا مدينة براوة سنة 365 هـ / 975 م، ومدنا أخرى مثل: وقرفادة، والنجا، وبذونة، وماندا، وأعوزي، وشاكة. واستمرت تلك المدن تحت سيطرتهم مترابطة تحت زعيمهم في مقديشو، وإن كانت في بعض الفترات قد تمتعت بإستقلال ذاتي، إلا أن حكام تلك المدن ظلوا من سلالة الأخوة السبعة من الحرث حتى العصور الحديثة. (2)
أصبحت مدن الحرث تعج بالحركة والنشاط التجاري في شرقي إفريقية نظرا لامتدادها الكبير على ساحل إفريقية الشرقي، وموقعها بالقرب من مدخل البحر الأحمر الجنوبي، ومن الساحل اليمني فبدأوا في الاستفادة من إمكانيات وسلع شرق القارة، وخاصة الذهب الذين ارتحلوا إلى كل مكان بشرق القارة لجلبه، حتى وصلوا إلى سفالة الزنج وأصبحت لهم تجارة مع الهنود والصين (
(4)
(1) حسن محمود، الإسلام والثقافة العربية، ص 298. (2) جيان، وثائق، ص 85. (3) يذكر المؤرخ الصيني بدر الدين: أن سفن الصين كانت تتردد في نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة على بنادر الصومال الحمل منتجات إفريقية من العاج والذهب إلى الصين، وتحمل إلى الصومال المنتجات الصينية التي كان الأفارقة في حاجة إليها.
- العلاقات بين العرب والصين ص 265.
- 417 - (1/422)
صفحة 423
ازدهرت منطقة ساحل الصومال و بنادره ازدهارا ملحوظا وعمت نواحي الترف
المنظمة في
والثروة التي حققتها المدن الصومالية نواحى الحياة، فزادت ثروة الناس، وظهرت الأحياء المدن، وحلت المنازل المشيدة من الطراز العربي من الحجر، محل البيوت القديمة المبينة من القش وجزوع الشجر، وظهرت في مقديشو منازل عالية تتكون من أربع أو خمس طوابق، منذ القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وجذبت مقديشو بمركزها التجاري والاقتصادي تجار شبه الجزيرة العربية ومصر وبقية مراكز شرق القارة الإفريقية، وصارت مركزا إقتصاديا وحضاريا هاما في شرق إفريقية. حتى أعتبرت العاصمة الثقافية لساحل الزنج، ومنها بدأ التيار الإسلامي يتدفق إلى داخل البلاد ليشمل المناطق التي تقع خلفه حتى الهضبة الحبشية. وإلى داخل القارة حتى مملكة أوغنده ووسط إفريقية)
(1)
وهكذا تمكنت هجرات الحرث من البحرين أن ترسخ الوجود الإسلامي السابق في منطقة القرن الإفريقي وساحل الصومال وأن نتمكن من تحويل المنطقة إلى الإسلام والثقافة العربية بصورة نهائية مع بداية العصور الحديثة، رغم ما تعرضت له من هجمات من قبل القبائل الوثنية من الخلف، وبمرور الزمن أصبحت تلك المنطقة منطقة إسلامية على الساحل الإفريقي الشرقي. وأصبحت منطقة الصومال جزء من العالم الإسلامي وتحمل كل مقوماته الثقافية
خامسا: هجرة الشيرازيين (2) إلى كلوة:
وهى هجرة من مسلمي شيراز، توجهت إلى منطقة الخليج العربي واتجهوا على على ظهر سفن عبر الخليج والمحيط الهندي إلى شرقي إفريقية. وفر هؤلاء أمام اجتياح طغرل بك، السلجوفي مدينة شيراز سنة 447 هـ / 1055 م. وكان هؤلاء المهاجرون الجدد من
الشيعة
(3)
00
وصلت تلك الهجرة إلى شرقي إفريقية في فترة قوة الحرث وامساكهم ببنادر ومدن
(1) أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ص 378.
(2) مدينة في إيران تقع إلى الخلف من ميناء سيراف السابق على الخليج، وهي مدينة داخلية. اعتمدت في شهرتها على الوساطة بين تجارة الخليج العربي وبين إيران وبين العراق والأهواز وجنوبي إيران. (3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 398.
- 418 - (1/423)
صفحة 424
شمال الساحل الإفريقي، فلم يتمكن الشيزازيون الجدد من النزول على السـ الشمالي لشرق القارة واتجهوا صوب الجنوب لتبدأ عمليات الإستقرار والإنتشار من كلوة في
الجنوب والتي أصبحت عاصتهم.
(1)
وكان خروج الشيرازيين بقيادة سبعة من أهل شيراز يقودهم أبوهم حسن بن على وتفوقوا على ساحل شرقي إفريقية من الجنوب، ونزل كل واحد منهم بلدة معينة على الساحل منزل الأول بلاد مندخة بلاد شوغ والثالث دخل بلاد ملنة، والرابع دخل بلاد منفسة، والخامس دخل الجزيرة الخضراء، والسادس دخل بلاد كلوة، والسابع دخل بلاد هنزوان وهو أبوهم حسن بن على
(2)
وتورد معظم المصادر قصة أقرب إلى الخيال في أسباب توجه حسن بن على وبنيه إلى شرقي إفريقية من أن السلطان حسن بن على رأى في يوم من الأيام فأرة خرطومها من حديد وهى تقرض الجدران بخرطومها، فظن بذلك خراب بلادهم، فلما تحقق ظنه أخبر أولاده بما رأى مؤكدا لهم أن بلدهم ستخرب في القريب العاجل، فقرروا الإنتقال إلى بلد آخر، وأحتالوا على الناس بأن أتفق مع ولده لمطه أمام الناس حتى يغضب الوالد، ويجد سببا في الخروج من البلد. (3)
فاستعد السلطان للخروج من أهل بيته وبعض أمرائه ووزرائه وبعض رعيته وتوجهوا برا إلى إحدى موانى الخليج العربي وركبوا سبعة مراكب متوجهين إلى أي بلد، فتفرقت بهم المراكب ودخل كل مركب في البلاد التي ذكرناها. فلما وصل أهل مركب كلوة وجدوها جزيرة محاطة بالماء، ولكنها متصلة بالبر حينما يهبط البحر، فوجدوا رجلا من المسلمين ومعه أولاده ومسجدا فأخبرهم بأحوال الجزيرة وحاكمها.
(1) عبد الحليم، المرجع السابق، ص 219
(2) الصوافي، عبدالله بن مصبح، السلوة في أخبار كلوة، ص 27، طبعة وزارة التراث القومى
والثقافة، سنة 1985 م.
المغيري، جهينة الأخبار، ص 38.
(3) تشبه هذه القصة ما أورده العوتبى في سبب وكيفية خروج مالك بن فهم الأزدي من اليمن
الجوانب. الأنساب، ج 2، ص 188، طبعة التراث.
من كافة
-
419 - (1/424)
صفحة 425
فلما التقوا بعد أيام بحاكم كلوة الكافر، دار بينهما حوار، وكان المسلم المذكور هو
الترجمان وأظهر الواصل رغبته في السكن في الجزيرة وشرائها، فاشترط الكافر أن يتم البيع بشرط أن يحيط المشترى البلاد بثياب ملونة، فقبل الشيرازيون ذلك. فأداروا الجزيرة بالقماش الملون، وأخذ صاحب الجزيرة الثياب وغادرها، واحتاط الشيرازيون من عودة حاكم كلوة الإفريقي وقواته من جديد، فقاموا بحفر المنطقة التي يتم فيها الجزر وحينما عاد حاكمها السابق لم يتمكن من العودة إليها، وهكذا صارت في يد أهل شيراز وظل الواصل يحكمها مدة أربعين سنة حتى مات. وكان ذلك في القرن الثالث
الهجري
(1)
والواقع أننا لا نوافق الصوافي فيما أورده في السلوة في أخبار كلوة حول تلك الأسباب والظروف التي أدت إلى خروج حسن بن على وأولاده من شيراز إلى شرقي إفريقية، والتي رددتها عدة مصادر ومراجع من بعده للأسبب التالية: -
1 - أن قصة خروج حسن بن على من شيراز ومعه أولاده. لم تردد في المصادر الفارسية المحلية، ولكنها مأخوذه نصا وروحا" من قصة خروج الزعيم الأزدي
(2)
مالك ابن فهم من اليمن إلى عمان. مما يدل على سيادة العمانيين بثقافتهم وتراثهم في تلك المنطقة قبل وصول أهل شيراز، ثم اقتبسها الفرس بعد ذلك من أجل إثبات عراقة نسبهم منذ البداية وأنهم كانوا حكاما في بلادهم. كما أن هجرة مالك كانت قبل ظهور الإسلام بعدة قرون، وهي محفوظة في صدور أهل عمان حتى الآن.
2 - أن كلوة التي تركز فيها النفوذ الشيرازي، كانت امتدادا" للتأثير العماني في شرق القارة، فهي تقع إلى الجنوب من زنجبار بحوالي مائتين كيلو مترا (3)، والدليل على ذلك أن أهل شيراز قابلوا في كلوة رجلا" من المسلمين وبعد أولاده فأخبره بظروف كلوة واسم حاكمها الإفريقي وعادات حاكمها.
(1)
(1) الصوافي. المصدر السابق، ص 28 وما بعدها. (2) العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 188. (3) تركز الوجود العماني في الشرق الإفريقي في منطقة أرخبيل لامو زنجبار وبدأ في الامتداد شمالا
صوب ممباسا ماليندي، وإلى الجنوب صوب كلوة وحتى سفالة الزنج ومدغشقر.
(4) ذكره الصوافي بأسم مرر وبر.
- ? Y.- (1/425)
صفحة 426
- لا يقبل العقل أن يتم الإتفاق بين السلطان حسن بن على وأولاده للخروج من شيراز ثم ينفرد كل واحد منهم بسفينة بعد ذلك، دون أن: يتم. تحديد الوجهة التي سيتم التوجه إليها وقصدتها وكيف يترك الأولاد والدهم وحده في تلك الظروف؟ وكيف يتم التجمع بهذه الصورة على الساحل الإفريقي وبهذا الوضع من الانتشار المنظم والمرتب. ولابد أن هناك اتفاق بين هؤلاء الفرس قبل خروجهم من بلدتهم إلى شرقي إفريقية، خاصة وأن أهل سيراف وموانيء الخليج العربي الذي خرجوا منه كان لهم دراية بالساحل الإفريقي وظروفه وأنه كان هناك اتفاق منذ البداية وتحديد للوجهة التي قصدها أهل شيراز
- L
•
(1)
تثير كميات الأقمشة التي قدمها الواصل إلى صاحب الجزيرة الإفريقي، إلى شكوك في كيفية تحميل تلك الكمية الكبيرة من الثياب التي تم إحاطة الجزيرة بها حسب شرط البيع، كما أن عملية حفر الخور الكبير الذي يربط كلوة بالساحل الإفريقي، تثيرها الأخرى شكوكا جديدة حول القدرة والكيفية التي تم بها ذلك، رغم أنهم كانوا قلة. وكان من المعروف في تلك الفترة أن المستوطنات العربية والإسلامية كانت تتركز على الساحل بعيدا عن المحيط الإفريقي، لتأمين نفسها ضد غارات القبائل الإفريقية. ولذلك تم نسج قصة حفر الخور بنفس الصورة التي تسود في المنطقة (2)
ه - بعد المؤكد أن تكون تلك الهجرة في القرن الخامس الهجري، وليس في القرن الثالث الهجري، كما ذكر صاحب أخبار كلوة، حيث بدأت في تلك الفترة انقسامات في صفوف الشيعة، كما تعرضت منطقة شيراز إلى غارات من قبل السلاحقة. وهذه هى الظروف المقبولة والمناسبة لخروج جماعات الشيعة من إيران من منطقة شيراز
(4)
أصبحت كلوة مركزا للجماعات الإسلامية التي استقرت على طول الساحل الإفريقي
(1) راجع المغري، جهينة الأخبار، ص 60.
(2) لم يتم بناء مدن عربية إسلامية داخل البر الإفريقي إلا زمن السيد سعيد بن سلطان بعد ذلك في العصور الحديثة. وظل الوجود الإسلامي على الساحل.
(3) حسن محمود، الإسلام والثقافة العربية، ص 398 ..
- 421 - (1/426)
صفحة 427
الشرقي من جنوب زنجبار، وصارت أهم مدن شرق افريقية قاطبة، وتمكنت من فرض نفوذها على معظم المراكز الساحلية حتى العصور الحديثة وشكلت بذلك إمبراطورية عرفت بأسم. " مملكة كلوة" أو "مملكة الزنج". وبدأت منذ القرن الحادي عشر ترتبط بتجارة السلع الإفريقية خاصة الذهب المستخرج من سفالة الزنج، وأصبحت منافسة لإمارة مقديشو في الشمال في هذا الأمر. وبلغت المملكة أوج ازدهارها الإقتصادي والتجاري في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين.
(1)
انعكست حالة الرخاء الاقتصادي لكلوة على أوضاعها العمرانية ومعيشة سكانها، فبنى ملوكها القصور الفخمة والمباني المتقنة الرائعة في كافة أرجاء من مملكتهم والجزر التابعة لهم، ولازالت آثار تلك المباني ماثلة حتى الآن (2). أما كلوة العاصمة فقد أصبحت أهم مراكز الحضارة في شرق القارة حتى قدوم الغزو البرتغالى إليها في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي فظهرت فيها ألوان جديدة من الهندسة المعمارية لم تكن معروفة من قبل مثل القباب والعقود وظهرت جوانب تلك العمارة في القصور والمخازن والمساجد. كما استخدم الحجر وأنواع جديدة من الأخشاب الصلبة في البناء (3) وقد أعجب ابن بطوطة بمظاهر تلك العمارة. بقوله " ومدينة كلوا من أحسن المدن وأتقنها عمارة وكلها بالخشب والأمطار بها كثيرة ".
بعيدا
(4)
ويبدو أن مملكة كلوة كانت تضم جماعات عديدة من المسلمين يعيشون في حرية تامة عن التعصب المذهبي الذي ظهر في بعض مناطق العالم الإسلامي. ويتضح ذلك من عبارة ابن بطوطة بقوله " وهم شافعية المذهب " أي يقصد أن غالبية المسلمين بها، فتوجد جماعات شيعية وجماعات من أباضية عمان، حيث تناسى المسلمون تلك المسائل
(0)
الخلافية أمام مشكلاتهم ومتطلبات بقائهم في المحيط الزنجي الوثني. الأمر الذي يجعلنا
(1) عبدالرحمن زكي، الإسلام والمسمون في شرق إفريقية، ص 124.
(2) المغيري، المصدر السابق، ص 62.
(3) الحويري، ساحل شرق إفريقية، ص 120.
(4) الرحلة. ص
201
(5) ويورد المغيري بعض الأسماء لعلماء الأباضية منهم العالم: الوليد بن سليمان بن مبارك الكلوي.
- جهينة الأخبار، ص 63) نقلا عن كشف الغمة).
- 422 (1/427)
صفحة 428
لانقبل وجود صراعات مذهبية على أرض الساحل الإفريقي في تلك الفترة من فترات الإمتداد الإسلامي.
ورغم الأخطار التي تواجه أهل كلوة من قبل جيرانهم الوثنيين وأن أهلها ظلوا في حالة جهاد مستمر لحماية بلادهم من غزو الجماعات الإفريقية الطامعة في خيرات بلادهم)، فإن حكام كلوة وأهلها ارتبطوا بعلاقات وثيقة مع مناطق العالم الإسلامي خاصة منطقة اليمن والحجاز وكان هذا الإرتباط في العلاقات ذات جوانب ثقافية وتجارية، حيث أراد حكامها مسايرة الأوضاع الثقافية في بلاد الحجاز وغيرها من مراكز العالم الإسلامي. فقد إلى المنطقة العديد من أهل الحجاز وشبه الجزيرة العربية لتدريس أصول الدين الإسلامي. والعمل في الكتاتيب والمدارس التي أنشأت في المنطقة، كما صدرت كلوة إلى منطقة الحجاز منتجات منطقة الساحل الإفريقي من الذهب والجلود
والعاج والرقيق.
(2)
وارتبطت كلوة بالنشاط التجاري السائد أيضا في منطقة المحيط الهندي، وأصبحت سوقا تجاريا مزدهراً للسلع القادمة من الصين وجنوبي شرقي آسيا والهند فكان التجار يجلبون إليها الخزف الصيني والخرز والتوابل والفلفل والمنسوجات والمصنوعات الهندية. ولذلك ظهرت لدى سلاطين كلوة عملات نقدية بدلا من عمليات التبادل، أو استخدام الودع الذي كان معمولا به قبل ذلك
(4)
ظلت مملكة كلوة تؤدى دورها في نشر الإسلام والثقافة الإسلامية ويتضح ذلك من إعلان الجهاد ضد القبائل الوثنية وأن أهلها كانوا في حالة حرب مع الوثنين وكانوا يمدون
(1) يذكر ابن بطوطة
" وكان سلطانها في عهد دخولي إليها أبو المظفر حسن وكان كثير الغزو إلي أرض الزنج يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيخرج خمسها، ويصرفه في مصارفه المعنية في كتاب الله تعالى"
الرحلة، ص 200.
(2) ويذكر أيضا ابن بطوطة ذلك بقوله " وكان الشرفاء يقصد من العراق والحجاز وسواها، ورأيت عنده
من شرفاء الحجاز جماعة ".
الرحلة. ص 200.
(3) الحويري، المرجع السابق. ص 121.
-
423 (1/428)
صفحة 429
سلطانهم على كثير من مراكز تلك المناطق الإفريقية حتى انتشر الإسلام بين أهلها بعد ذلك. وظهرت في المنطقة مؤسسات تربوية أدت رسالتها بفضل رعاية سلاطين كلوة وحرصهم على استقدام العديد من علماء الإسلامي للتدريس بها، حتى أصبحت اللغة العربية منتشرة في تلك الأرجاء. وأورد المغيري العديد من علماء وأشراف الحجاز الذين استقروا على ساحل افريقية وكان لهم مجهودات في نشر الإسلام في تلك النواحي وترسيخ التوجه الإسلامي للمنطقة
ومنذ منتصف القرن الخامس عشر تعرضت كلوة لأخطار داخلية وخارجية حيث
السلطة.
(3)
(1)
ظهرت صور من النزاع على السلطة في الداخل، وطمع بعض الوزراء في الوصول إلى بصور غير شرعية، وظهرت بجوار كلوة مدن قوية على حساب تدهور أوضاع كلوة " مثل مدينة بات من الشمال (2). كما ضعفت سيطرة كلوة على منطقة سفالة في الجنوب وهى التى تمثل لكلوة العمود الفقري في اقتصادها بسبب ما تشتهر به من استخراج الذهب بكميات كبيرة وبذلك فقدت كلوة أهم مقومات شهرتها الإقتصادية. فقل إيراد سلاطينها. وبدأ العرب يتجهون إليها من ماليندي ويكونون قوة جديدة داخل كلوة، أصبحت لها السيطرة في بعض الفترات. وسرعان ما وقعت في أيدى البرتغاليين نهاية القرن الخامس عشر حيث كان ذهب سفالة الذي لا ينضب كان العامل الأساسي في تحركات البرتغاليين في شرق إفريقية وفي عمليات الكشوف الجغرافية.
في:
(4)
وقد أصيب البرتغاليون بالدهشة لما لمسوه من تقدم حضاري وعمراني في مدن كلوة التي سقطت في أيديهم. بعد مالمسوه من تخلف على سواحل إفريقية المقابلة لهم من الغرب. وقد استحوذت منطقة سفالة ومدن كلوة على اهتمام الملك البرتغالي عمانويل الذي أمر ببناء العديد من القلاع والحصون للحفاظ على مصالح بلاده في تلك الأراضى
التربة.
(1) الحويري، المرجع السابق، ص 122.
(2) زكي، المرجع السابق، ص 125.
(3) المسعوي، مروج الذهب، ج 1، ص 125.
(4) حيث شاهدوا المنازل العالية المبنية من الخشب والحجر والمساجد، ونظافة المدن وثراء أهلها.
أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، جـ 6، ص 396.
- 424 - (1/429)
صفحة 430
سادسا: هجرة النبهانيين من عمان:
حدثت تلك الهجرة في القرن السابع للهجرة / الثالث عشر الميلادي. واتجهت من عمان إلى منطقة وسط الساحل الإفريقي الشرقي، وهو النطاق الذي أصبح مقتصرا النفوذ العماني حتى العصور الحديثة
من
ينتسب النباهنة إلى قوم من العتيك من أزد عمان (1) أقاموا دولة استمرت ما يقرب
(2)
خمسة قرون في عمان (1) ونظرا لظروف عمان التي كانت تمر بها في تلك الفترة، فقد تعرضت عمان إلى انقسامات عنيفة بين قبائلها ومناطقها، كما تعرضت لغزو مستمر من المدن الفارسية، وبالإضافة إلى ذلك حدة صراع داخلي بين أسرة النبهاهنة الحاكمة، وقد أدت تلك الظروف والأحوال إلى هجرة أحد أمراء النبهاهنة إلى شرقي إفريقية ليؤسس هناك إمارة عمانية جديدة استمرت حتى العصور الحديثة.
اتفقت معظم المصادر والمراجع على أن الزعيم النبهاني الذي هاجر من عمان إلى شرقي إفريقية هو سليمان بن سليمان بن مظفر بن نبهان (3)، وكانت هجرته للظرف التي تمر بها أسرته وعمان، واتجهت تلك الهجرة إلى منطقة بات في أرخبيل لامو من بداية القرن السابع الهجري / بداية القرن الثالث عشر الميلادي، وقد أسسوا إمارتهم المستقلة في بات ونسبوا إليها حيث بدأ يظهر لقب البتاوي في آخر أسمائهم. ويبدو أن هجرة هؤلاء إلى شرق القارة الإفريقية كانت بمثابة دماء عمانية جديدة لتغذية الوجود العماني في السابق في الأرخبيل منذ القرن الأول الهجري، والذي ظل متواجدا بصورة واضحة حتى مد سلاطين كلوة نفوذهم إلى مناطق النفوذ العماني سنة 565 هـ / 1170 م على يد السلطان سليمان حسن سلطان كلوة (4)
•
(1) السيابي، سالم بن حمود، العنوان عن تاريخ عمان. ص 255.
(2) يقسم سالم بن حمود السيابي دولة بني نبهان في عمان إلى فترتين هما: - الإولي: من أواخر القرن السادس الهجري، وحتى القرن الثامن الهجرى.
- الثانية من القرن العاشر الهجري وحتى قيام دولة اليعاربة في الربع الأول من القرن الحادي عشر
الهجري. المرجع السابق. 0 ص 2550.
(3) الفارسي، عبدالله، البوسعيديون حكام زنجبار - حسن محمود، الأسلام والثقافة، ص 399.
(4) عبد الحليم، المرجع السابق، ص 226.
، ص 130.
425 (1/430)
صفحة 431
ورغم وجود الأرضية العمانية السابقة في المنطقة التى استقر بها الأمير النبهاني إلا
أنه أراد أن يغزز من سلطته ومكانته بين سكان المنطقة فتزوج أميرة سواحيلية هي ابنة اسحق حاکم بات، وعن طريقها وصل إلى حكم بات بالميراث، (1) وأصبح أول حاكم نبهاني لبات. وبدأ الأمير العماني الجديد يقوى مركزه ويستعد لتوسيع نفوذه خاصة نحو حكام كلوة الشيرازيين. وقام بتلك المهام خلفائه. ففى زمن محمد الثاني النبهاني (690 هـ / 1291 م - 732 هـ / 1331 م) اتجه النبهانيون لتوسيع نفوذهم صوب الشمال حيث فرضت بات نفوذها شمالا على الإمارات الساحلية حتى مقديشو (2) وخاصة أن مقديشو قد بدأت أحوالها الاقتصادية في التدهور بعد حرمانها من موارد الذهب التي
(2)
كانت تعتمد عليها في تجارتها من منطقة سفالة الزنج، بسبب سياسة ملوك كلوة.
ويبدو
أن محمد النبهاني قد تمكن من ذلك بسهولة لاعتماده على تأييد الجماعات العمانية والعربية في المنطقة التي ارتبطت به منذ البداية وحالفته. وعين الزعيم النبهاني قبله على كل مدينة ضمها (3) ولقب محمد الثاني النبهاني بلقب Fumo، أى رئيس قبلية باللغة السواحيلية، وهذا يدل على حرص النبهاهنة في أى يظلوا في مظهرهم عربا وشيوخ قبائل.
حاكما
من
وفي زمن عمر بن محمد (732 هـ / 1331 م - 760 هـ / 1358 م) اتجهت سياسة النبهاهنة نحو التوسع صوب الجنوب لتضم مناطق شانجا وفازا، وهما من توابع بات نحو الجنوب، وكذلك تم ضم الجزر المجاورة مثل ماندا، ومنطقة أوزي، ودولة شاكا وأصبح الزعيم النبهاني يمثل أقوى قوة على الشمال الشرقي لإفريقية في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، فبدأت تصله الهدايا العديدة من حكام المناطق المجاورة من إفريقية أو الإمارات الساحلية كما بدأت مناطق أخرى تدفع له الجزية. وأصبحت معظم مدن كلوة تخضع لنفوذه. وخضعت ماليزي وحمبشة وميا ولندي وكيرما، وراس دلجادو، أو سلطنة كلوة التي ضعفت فقد بدأت تفقد الكثير من هبتها في المنطقة، (5) وفرض سلاطين بات
(4)
(1) حسن محمود، المرجع السابق، ص 399.
(2) ترمنجهام، الإسلام والثقافة العربية في شرق إفريقيا، ترجمة محمد النواوي، ص 45.
(3) ترمنجهام، المرجع نفسه، ص 46.
(4) عبد الحليم، العمانيون والملاحة، ص 228.
(5) عبد الحليم، المرجع نفسه، ص 229.
- 426 - (1/431)
صفحة 432
عليها مناصب لعرب من سلطنة بات خاصة، وظيفتي الأمير والوزير وبدأ مواطني بات في التحرك صوب الجنوب في نطاق كلوة
(1)
أصبحت الحركة التجارية في شرق إفريقية منذ القرن الرابع عشر في يد سلاطين بات، وخاصة أن حركة الملاحة كانت في يد العمانين باستمرار. وقد نتج عن ذلك ازدهار رواج اقتصادي بين مدن بات وجزرها. وانعكس ذلك على أهل بات ومدنها فظهرت مظاهر الثراء والترف (2)، وأنشأ أهلها منازل كبيرة، وجملوها بلمبات نحاسية وصنعوا سلالم مزينة بالفضة، وزينت اعمدة المنازل بما سمير من الفضة والذهب الخالص. كما ظهرت لديهم الأبواب المنقوشة، حيث أدخل العرب في النقش والحفر والنحت إلى تلك المناطق. وأصبحت بيوت ممباسة روعة في التناسق والنظام كما ظهر أهلها بمنظر نظيف بملابسهم
الفاخرة
(4)
أرسي البنهاهنة أسسا إدارية متقدمة في المنطقة من اجل ربط المدن والجزر المتناثرة تحت سلطانة في بات، خاصة وان دولتهم اصبحت تضم شريطا طويلاً متناثراً من المدن والجزر تفصل بينها مئات الأميال (4). وقام البنهاهنة بتعين عامل أو وال علي كل مدينة أو جزيرة يعرف باسم (ماجومب (أى التابع. وتم انشاء مجلس استشاري يسـ (جومب) حيث الإدارة المركزية. وكان هذا المجلس يعاون الحاكم في اتخاذ القرار وفي الفصل بين الراعية. واتخذ الأمير النبهاني لقب (بوانا فو مادي) أو (فومولوتي) أو (قوم لوط) بمعنى سلطان او ملك
(0)
ويقسم الهرم الإداري لسلطنة النبهاهنة في شرق إفريقية إلى ما يلي:
يسمى
(1) الملك او السلطان: وهو من النباهنة. له السلطة العليا المطلقة علي المناطق
(1) ترمنجهام، المرجع السابق، ص 45.
(2) ابن بطوطة، الرحلة، ص 207. (3) حسن محمود، المرجع السابق، ص 428. (4) حسن محمود، المرجع نفسة ص 428. (5) المغيري .. ، جهينة لأخبار ص 89
الفارسي، البوسعيديون، 117.
427 (1/432)
صفحة 433
الخاضعة لة. وتحيط به أرستقراطية عربية، وزعامات قبائل البانتو الإفريقية. ومقرة في بات. وتصب فيها دخل السلطنة، وقد ساعد بات في احتفاظها بهذا المركز توسطها لمدن السلطنة النبهانية (1)
(2) الولاة: ويتم تعين وإلى من قبل القصر في بات علي كل مدينة من مدن السواحل التابعة للنبهاهنة. وهو نائب السلطان في مدينته، ويختار عادة من بين الزعامات المحلية أو العربية حيث يكون له القدرة علي السيطرة علي أمور
مدينتة.
(3) الهيئة التشريعية: ويمثلها المجلس الاستشاري، ومقرة بات. ويعاون الملك في إصدار القرارت، وله السلطة في فض المنازعات، وتحضير مشروعات القوانين. وقد شملت تلك الهيئة كبار التجارو زعماء القبائل العربية والمحلية.
اتجه النباهنة أيضاً إلى تنظيم الجوانب الإقتصاية للسلطنة كما يلي:. (1) في مجال التجارة:
نشطت الحركة التجارية مع بقية مراكز الساحل الإفريقي الشرقي. وقد نشط التجار العرب لحمل تجارة إفريقية من العاج والذهب والرقيق والجلود إلى أسواق العالم الإسلامي. وبلدان المحيط الهندي. وقد شارك سلاطين النبهاهنة أنفسهم في هذا النشاط التجاري. وحققوا من وراء ذلك ثراء كبيرا (2) وفرضت الدولة ضرائب على عمليات التجارة
لا تتعدى 10?.
-2
في مجال الزراعة:
نشطت الزراعة في البلاد، حيث تم زراعة أراضي جديدة خصبة، وتم استغلال العديد من العبيد في مزارع المدن، ووزعت أراضي عليهم. كما اهتم العرب بالمراعي هناك وتم إدخال تربية الإبل والخيول في المنطقة بجانب الماشية والأغنام. وأدخلت محاصيل
(1) انظر الخارطة في الملاحق.
وخاصة أنها كانت مركز للهجرات العمانية منذ البداية.
(2) عبد الحليم، المرجع السابق، ص 232.
- 428 - (1/433)
صفحة 434
(1)
جديدة في البلاد. وفرضت ضريبة على الزراعة مقدارها وسقين أو حملين على كل
عشرين وسقا تنتجها جماعة العبيد في الزراعة، وهي ضريبة العشور
- الصناعة:
عرفت مدن الساحل الإفريقي صناعات هامة مثل صناعة المنسوجات وخاصة مدن الشمال. كما كانت لديهم خبرتهم في صيانة السفن وصناعتها، حيث تتوفر الأخشاب اللأزمة لتلك الصناعة في المنطقة. كما أن الرحلة البحرية كانت طويلة وتحتاج إلى أحواض لصيانة السفن قبل عودتها. كما صنعت سفن صغيرة تستخدم بين الموانئ الإفريقية)
(2)
(3)
4
ونتيجة لقوة التأثير العماني على وسط سواحل شرق القارة الإفريقية فقد ولدت لغة جديدة للتعامل بين مختلف الأجناس هى اللغة السواحيلية في منطقة زنجبار والمناطق المقابلة وامتدت لتشمل مناطق الساحل الإفريقي الشرقي مع: نطاق من داخل القارة الافريقية وهي عبارة عن أصول من لغة البانتو الإفريقية مع اللغة العربية وأصبحت تلك اللغة هي لغة التفاهم على طول الساحل، ولغة التجارة والتعامل اليومي، وتميزت تلك اللغة بمرونتها وحيويتها. وبدأت في إحتواء العديد من المصطلحات الإسلامية داخلها بمعني أنها نشأت نشأة إسلامية منذ البداية
(1)
كانت اللغة السواحيلية هي الرباط القومي والثقافي الذي تمكن من ربط منطقة الساحل الإفريقي من الشمال حتى الجنوب مع الجزر المتناثرة في المحيط، بعد أن عجزت معظم القوى العربية والإسلامية التي وصلت إلى المنطقة من تكون دولة واحدة مركزية على طول الساحل منذ البداية وحتى العصور الحديثة. وترتب على ذلك ظهور ثقافة متقاربة على الساحل ذات أصول إسلامية. وظلت تلك اللغة تكتب بحروف عربية حتى
(1) رأفت غنيمي الشيخ، إفريقية في التاريخ المعاصر، ص 329. (2) وهي محاصيل ترجع أوصلها إلى شبه القارة الهندية وتم نقلها إلى عمان ومنطقة الخلية في العصور الإسلامية الأولى، مثل قصب السكر والقطن وغيرهما مثل البرتقال والأرز والفلفل.
187
(3) النقيرة، الإسلام في شرق إفريقية، ص (4) عوض، الشعوب والسلالات، ص 192.
- 429 - (1/434)
صفحة 435
دخول الإستعمار الأوروبي إلى المنطقة فبدأت تكتب بحروف لاتينية محل الحروف العربية وأصبحت بالتالي تضم مصطلحات أوروبية جديدة في بنائها)
ومع
(1)
اللغة السواحيلية نفذ الإسلام بقوة إلى داخل القارة الإفريقية عبر البحيرات والمرتفعات إذ أصبح من اليسير على الأفارقة فهم العديد من جوانب الدين الإسلامي بغض النظر عن مستواهم الفكري، وتمكنت تلك اللغة مع التجار الذين بدأوا في شق طريقهم إلى الداخل من تكوين روابط حضارية جديدة بين الساحل وبين الداخل، حيث ظهرت بوادر ظهور شعب جديد ذات لغة واحدة وقيم مشتركة)
(2)
ساهم النباهنة بدور بارز في رعاية التوجه الثقافي الجديد للمنطقة في ظل الإسلام ولغته، فعملوا على إنشاء العديد من المساجد والكاتيب والمدارس واستقدموا الفقهاء والمدرسين، ووفدت أعداد كبيرة من الأفارقة إلى مدنهم الساحلية للدراسة وحفظ القرآن الكريم ودراسة اللغة العربية وأصول الدين الإسلامي، حيث لاحظ الأفارقة مدى ما توفره تلك الثقافة لهم من مكانة اجتماعية وأدبية راقية في مجتمعاتهم. وبدأ جيل جديد من الأفارقة في حمل رسالة الإسلام داخل بلادهم وبين قبائلهم.
وبذلك تمكن العمانيون من الاحتفاظ بالمكاسب الإسلامية على الساحل الشرقي لإفريقية حتى تمكنوا من ضمها، في العصور الحديثة، إلى دولتهم منذ زمن اليعاربة. خاصة وأنهم قد انتشروا على مدن الساحل انتشارا ملحوظا. بعد أن أصاب الساحلين العماني والإفريقي خطر واحد هو الخطر البرتغالي.
فقد ظل التواجد العماني حتى قدوم البرتغاليين قويا في ممبسة، حيث وجدت جماعة من قبيلة المناذرة العمانية. وكانت بينهم وبين عمان مراسلات زمن الإحتلال البرتغالي، كما احتفظ العمانيون بنفوذهم في تانغة بالقرب من محبسة (1) وانتشرت قبائل
(1) عبدالحليم، المرجع السابق، ص 235.
(2) جيان، وثائق، ص 321. (3) - أحمد على، كلوة، ص 192.
-
المغيري المصدر السابق، ص 105.
(3)
- ? r. - (1/435)
صفحة 436
عمان من الجنبة والسعديين والمعمري والريامي والحارثي على طول ا وكذلك انتشر العمانيون في مالندي منذ تأسيسها في القرن الثاني عشر الميلادي.
(1)
وقد تحمل هؤلاء العرب من أهل عمان خاصة، عبأ المقاومة الإسلامية والمحلية ضد الغزو البرتغالي الجديد للمنطقة، بعد أن أحسوا بمدى خطورة الخطر البرتغالي على دينهم وعلى تجارتهم وأوضاعهم. ولذلك أخذت تلك الصدامات روح الجهاد الإسلامي المقدس
في
ضد البرتغالين منذ البداية، على أساس أنها استمرار للحرب الصلبية ضد المسلمين ويدل مسارعة اليعاربة ((2): إنقاذ مناطق الساحل الشرقي لافريقية منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر في إمامة سلطان بن سيف اليعربي وسيف بن سلطان على أن الإرتباط واضح بين الطرفين: العماني والإفريقي وأن الآمال ووالآلام كانت واحدة بين الساحلين .. بعد أن أحسوا أن التواجد البرتغالي في مياه المحيط الهندي يهدد أواصر التبادل والإتصال بين الطرفين. مازالت العادات العمانية في الملبس والمأكل والمشرب و مختلف نواحي الحياة اليومية على الساحل الإفريقي. الشرقي عمانية بعض النظر عن الدولة والإقليم الذي تتبعه جماعات السكان حاليا.
(3)
امتد الوجود الإسلامي بفضل العمانيين إلى أقصى جنوب الساحل الإفريقي ليصل إلى موزمبيق ومناطق جنوب الساحل الإفريقي حيث ارتبطت سواحل موزمبيق بتوفر خامات الحديد والذهب بها، وأصبحت المنطقة تعج بالنشاط التجاري والحركة منذ نهاية العصور الوسطى، وإزدهرت على أيدى تجار عمان حتى أندهش فاسكودي جاما حينما
(1) المغيري، المصدر نفسه، ص
0237، 79،77
(2) اليعاربة: دولة أسسها في عمان الإمام ناصر بن مرشد اليعربي بعد أن بويع له سنة 1624 م واتخذ من الرستاق عاصمة له، ويرجع إليه الفضل في توحيد عمان من الداخل وإزالة الخطر البرتغالي من الساحل واستأنف خليفته سلطان بن سيف استكمال عمليات طرد البرتغاليين من قلعة مطرح ومسقط، وبدأ في ملاحقتهم في شرق إفريقية (3) ذكر سماحة الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي، مفتى عام السلطنة، أن هناك جالية عمانية تعمل في التجارة في جنوب إفريقية، قدر العدد المسجل منها في المكتب التجاري العماني حوالي ألفين، مع
احتمال أن تكون هناك أعداد أخرى كبيرة.
- محاضرة عن صور ومكانتها التاريخية. (1/436)
صفحة 437
وصل إليها مارس سنة 1498 م من وجود منازل أنيقة بها مبنية من الخشب، ومساجد مبنية من الحجر، وكذلك بيوت أخرى من الحجر. ويلبس أهلها الملابس) (1) الحريرية. وتدل أشكال ملابس أهلها وعاداتهم على التأثير العماني بالمنطقة.
وامتد الانتشار الإسلامي إلى مدغشقر ملاجاشي" حيث أكدت التنقيبات الأثرية أن العرب كان لهم نشاط بها منذ عصور ما قبل الإسلام، وتدل وجود عملات رومانية ترجع إلى القرن الرابع الميلادي، زمن الإمبراطور قسطنطين، على وصول تجار عمان والجزيرة العربية إلى تلك الأنحاء. وتأكد هذا الوجود العماني بها بعد أن ثبتت أقدام المهاجرين
العمانيين على الساحل الشرقي لإفريقية منذ العقد الثامن من القرن الأول الهجري.
وتوجد أدلة هامة على قوة الوجود العماني والعربي بالجزيرة. ففي شمالها توجد
(2)
مدينة هامة تسمى سلالا، وهي إمتداد لنفوذ ساحل ظفار ومدينة صلالة العمانية هناك () والتي ساهم أهلها بدور كبير في التجارة الرومانية والحبشية منذ القرن الرابع الميلادي حينما فرضت أكسوم هيمنتها على منطقة جنوب الجزيرة العربية أثناء إنتكاس تجارة المنطقة وتحول الطرق التجارية عنها. وقد أعتمد الرومان على الأحباش الجلب تجارة المحيط الهندي وشرق إفريقية إليهم وأعتمد الأحباش بدورهم على أهل ظفار وصلالة على جلب ما يحتاجون من جزر وسواحل شرق افريقية وسواحل المحيط الهندي، وقد تأكد ذلك بوجود عملات رومانية في مدغشقر في تلك الفترة. وكانت سلالا مركز التجار مركزا لتجار ظفار العمانية في شمال الجزيرة (3)
وبدأت عمليات التواجد الإسلامي في الجزيرة منذ الثلث الأول من القرن الثاني الهجري، حيث تحولت قبيلة الإنكارا إلى الإسلام، وبدأت تظهر ملامح إسلامية عامة في الجزيرة. وترسخ الوجود العربي بها حينما تكونت إمارة عربية إسلامية قرب بويني تسمى مسلج Masselage حيث تمكنت جماعة عربية مهاجرة من بات من التوجه جنوبا صوب مدغشقر والاستقرار في المنطقة وتكوين تلك الإمارة. الأمر الذي يعزز الدور العماني في
نشر الإسلام بالجزيرة.
(1) جيان، المرجع السابق.، ص 319
(2) عبدالحكيم، المرجع السابق، ص 254، 255.
(3) ستودارد، حاضر العالم الإسلامي، ترجمة وتعليق شكيب أرسلان، ج 3، ص 139
- 432 (1/437)
صفحة 438
وأصبحت الخطوط الملاحية عبر المحيط الهندي والمتجه إلى مدغشقر تحت سيطرة البحارة والنواخذة العمانيين خاصة في عصور إزدهار الملاحة بين افريقية والخليج العربي في العصر العباسي، وقد أشار المسعودي إلى ذلك بقوله " إن أهل المراكب من العمانيين يقطعون الخليج إلى جزيرة قنبلو من بحر الزنج وأنه ركب من عمان إلى هذه الجزيرة وعاد إلى عمان سنة 304 هـ / 916 م (1) ويتضح من تقاطيع أهلها وأشكالهم وجود أشكال عربية. ومازال العديد من رجال الأعمال بها يدعون أن أصولهم عمانية
(2)
وبفضل تلك الجهود العمانية أصبحت هناك أعداد من أهلها يعتنقون الإسلام وغلب عليهم الدين الإسلامي منذ القرن الرابع، حيث أشار الإدريسي في القرن السادس للهجرة
(3)
/ الثاني عشر الميلادي إلى غلبة الإسلام على أهلها بحيث انتشرت المساجد في مدنها المختلفة - وانتشرت بينهم التقاليد والأسماء العربية، كما تنتشر بينهم عادة ختان الأطفال حتى المسيحيين منهم في العصور الحديثة. كما توجد كثير من المفردات العربية في اللغة الملاغيشية
جزر القمر
(2)
امتد التأثير الإسلامي والنشاط التجاري العماني أيضا صوب الجنوب ليصل إلى (5) حيث وصلت سفن أهل عمان إلى تلك الجزر منذ البداية وارتبطت بالتواجد الكبير لتجار عمان. ذلك أن تلك الجزر تمثل مراكز تمثل مراكز تجارية ذات موقع هام بالنسبة لساحل شرقي إفريقية وبربرة مدغشقر. كما أنها تتميز بالبعد عن مشاكل
(1) جيان، وثائق، ص 514.
(2) مروج الذهب، جا، ص 106. (3) نزهة المشتاق في إختراق الآفاق، ص 34. (4) عبد الحكيم، المرجع السابق، ص 264.
(5) تعد حاليا جمهورية إسلامية ذات اتحاد فيدرالي. وتقع في موزمبيق بين ساحل إفريقة الشرقي وبين جزيرة مدغشقر من جهة الشمال وتضم أربع جزر أربع رئيسية كبرى، بالإضافة إلى عدد كبير من الجزر المرجانية الصغيرة والخالية. ومساحتها الإجمالية حوالي 236، 2 كم 2 وعاصمتها موروني، واللغة الرسمية فيها حاليا العربية ثم الفرنسية. وهي عضو في جامعة الدول العربية (1993 م) ومنظمة المؤتمر الإسلامي سنة 1976 م. وأهم جزرها: هنزوان (انجوان)، القمر الكبري وبها العاصمة، مايوته (ماهوري)، موالى (مهيلي). ورغم التأثيرات الماليزية السابقة على الجزر إلا أن العنصر العربي تمكن من السيادة عليها حتى الآن.
-
433 (1/438)
صفحة 439
وصراعات الساحل الإفريقي وأشتهرت مدينة صور العمانية بصلاتها القوية بتلك الجزر، وقد ذكر المغيري أن أسرة عربية أقامت في بلدة شنشعوني عاصمة جزيرة الجوان. كما وصل إليها تجار من مسقط في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وأقاموا في جزيرة المجزيجه.
كما تم الاختلاط بين عرب عمان وبين سكان جزر القمر، وبدأ أهل جزر القمر يشاركون أهل عمان في أعمالهم على الساحل الإفريقي خاصة في زنجبار حيث ظهر منهم أعدادا كبيرة في مجال التجارة، ومنطقة بات. وكان للعمانيين السيادة على الجزر حتى قدوم البرتغاليين
ومازالت مظاهر الحياة الإسلامية واضحة في ملابس الناس وعاداتهم. كما تدل كثير منها على الأثر العماني في الحياة العامة للجزر حتى الوقت الحاضر، كما تنتشر المساجد الإسلامية والتي يبلغ تعدادها حوالى (670) مسجدا وتنتشر بجوارها الكتاتيب والمدارس التي تحتوي على مناهج عربية وإسلامية، ومازالت اللغة العربية هي لغة الدواوين والحكومة والمعاملات اليومية، وإن كانت السواحيلية تظهر في عمليات التجار. ويرتبط أهل جزر القمر حتى الآن رغم بعد ديارهم بالعالم الإسلامي في جميع المناسبات الدينية، عما يدل على عمق الأثر الإسلامي الذي تركه التجار والمستوطنون بين سكان تلك الجزر منذ البداية.
(1)
واذا كانت جماعات الزيدية قد تمكنوا من نشر الإسلام على سواحل إفريقية الشرقية من جهة القرن الإفريقي ومن بعدهم استمر الحرث لفترة طويلة فإن أهل عمان أصحاب السيادة على سواحل إفريقية الشرقية انطلاقاً من أرخبيل لامو ومنطقة بات، وساعدهم ذلك توسط تلك المنطقة على ساحل إفريقية الشرقي، بالإضافة الى خبرتهم الملاحية العالية على مياة المحيط الهندي وسواحلة، وانتشارهم الواسع على تلك السواحل، فأصبح أهل عمان بحق هم الوسيلة التي تم بها التوصل بين سواحل المحيط الهندي. او بين شرق إفريقية والعالم الإسلامي)
في
(2)
(1) ستودارد، المرجع السابق، ج 3، ص 144. (2) ستودارد، المرجع نفسه. ص 145.
- 434 - (1/439)
صفحة 440
وقد حمل أهل عمان راية الإسلام مع سلعهم، فنشروا الدين الجديد بين الناس في
كل مكان، وكان ذلك بالحسنى والقدوة الحسنة، ولم يزاحموا أحداً في مذهبه، أو يجبروا أحداً على الدخول في دينهم، وكان لذلك أكبر الأثر في انسياب الإسلام بين الملايين من شرق إفريقية. وشاركهم أيضاً إخوانهم من عرب الخليج العربي واليمن والحجاز والهند وفارس ولكن دورهم كان بارزاً ومميزاً ومستمراً عن باقي الأدوار الأخرى.
ولقد أحس الأفارقة بنعمة الدين الجديد فقاموا بحمل دينهم الإسلامي إلى إخوانهم داخل القارة، مع إخوانهم من تجار العرب وبدأ انسياب الإسلام صوب قلب القارة. ومازال مستمرا بعد أن حمل رايته أهل القارة الإفريقية وأحسوا أن فية كل الخير لهم)
(1)
-
435
(1) مؤنس، الإسلام الفاتح، ص 186. (1/440)
صفحة 441
(4)
توجة التيار الإسلامي إلى وسط إفريقية
ظل الساحل الشرقي لإفريقية أشبة برصيف طويل لشحن سلع إفريقية. وعلى طول هذا الساحل من الشمال الى الجنوب انتشرت مراكز ومستوطنات كان مهمتها الأساسية تجميع سلع إفريقية وتجهيزها للشحن الى بقاع أخرى. وبالتالي ارتبطت تلك المراكز الساحلية بوسط القارة الإفريقية عبر طرق ودروب شاقة
كان الاعتماد على وصول السلع الإفريقية إلى المراكز الساحلية يعتمد على جهود القبائل الإفريقية من جماعات البانتو، حيث ادركت تلك الجماعات اهمية عوائد تلك الوساطة التجارية، ومع قدوم الجماعات العربية وجاليات التجار، بدأت عمليات انشاء مستوطنات، حيث تم فيها الاختلاط مع جماعات الزنوج، وبدأت جماعات عربية أو إسلامية تتجة إلى مصدر السلعة ومنبع إنتاجها تحت تأثر البحث عن ربح أوفر، او تحت ضغط جماعات أقوى على الساحل. ومع نهاية العصور الوسطى بدأت أواسط القارة الإفريقية تشهد نشاطات وتحركات الجماعات عربية ظهرت آثارها في العصر الحديث.
وكانت منطقة البحيرات التي تقع إلى الغرب تنجانيقا من أهم المناطق التي شهدت توغل التجار العرب والمسلمين منذ البداية من منطقة شرق القارة. فمنذ مطلع القرن الأول للميلاد شهدت منطقة البحيرات هجرات مستمرة من قبائل البانتو الإفريقية، واستمر نزوحهم: عبر تلك البحيرات صوب الشرق فيما بعد، فيما عرف باسم جماعات البانتو الشرقيين واستقروا في مناطق رواندا وبوروندي. وشكلوا في تلك المناطق الجديدة وحدات قبلية وسياسية عديدة، وأصبحت أوطاناً لهم. وخلال تلك الفترة من التاريخ القديم استمرت جماعات البانتو في العمل في مجال الصيد البحري والزراعة وفي مجال
التعدين
(2)
(1)
وقبل العصور الوسطى وفدت أيضاً عناصر جديدة إلى منطقة البحيرات كان
(1) عوض. الشعوب والقبائل، ص 314. .
(2) الجوهري، الإنسان وسلالاتة، ص 435 وما بعدها
- 436 - (1/441)
صفحة 442
من مناطق جنوب السودان من مناطق البحيرات الإستوائية، حيث
بحر
مصدرها من! الشمال قدمت إلى منطقة البحيرات مجموعات من العنصر النيلي الحامي قادمين من منطقة الغزال. وتركزت على الناطق المرتفعة ولذلك عملت في مجال الرعي في المراعي الخصبة، تلك العناصر في رواندا باسم الباتوس. وتمكن هؤلاء النيلين من تكوين ممالك وإمارات في صور إقطاعية في المنطقة، بجوار جماعات البانتو
وتسمى
أصبحت المراكز الساحلية العربية والإسلامية مرتبطة مع الإمارات والمملك الزنجية للجماعات البانتوية والنيلية بمصالح تجارية، وتطورت تلك المصالح والعلاقات بين الطرفين في توجة العيد من الأفراد من البانتو والنيلين للإقامة في المراكز الساحلية والعمل في مجال التجارة والتبادل. كما بدأت جماعات عربية في التوجة صوب الداخل وتأسيس مستعمرات عربية وإسلامية للتجارة مثل: تابورا Tapora . وأوجيجي Ugigi وكاسنغو Kasongo. وهي المركز التي ظلت مرتبطة بالوجود الإسلامي والعربي في شرق القارة الإفريقية، حيث شكلت تلك المراكز نقاط متقدمة في القلب الإفريقي، لكنها ظلت مرتبطة في وجودها وأمنها بأوضاع الساحل والظروف المحيطة بة
ظل التقدم الإسلامي إلى داخل القارة الإفريقية يواجه بالعديد من الصعوبات من أهمها خطرين هما
الأول: الأخطار الطبيعية:
وتتمثل في وجود نطاقات كبيرة من الغابات الكثيفة خلف خط الساحل تتخللها الأحراش والأنهار، كما توجد مناطق المرتفعات ومساقط المياه. وهى ظواهر لم يألفها العرب من قبل في أوطانهم الأصلية. كما أن مناخ الغابات يختلف عن مناخ الصحاري) وقد سببت تلك الظواهر عوائق صعبة أمام توغل جماعات العرب نحو الداخل، واستمرت عمليات التقدم في. صور فردية ومغامرات للجماعات (2)
(1) أبوعيانة.، الجغرافية الإقليمية، ص 459.
(2) زكريا، دور العرب في كشف إفريقيا، ص 189 وما بعدها. عالم الفكر، المجلد الأول، العدد
الرابع، الكويت.
437 (1/442)
صفحة 443
الثاني: القوى القبلية:
انتشرت في مناطق الغابات وحول البحيرات وداخل جزرها قوى قبلية ذات إمكانيات قتالية مناسبة لظروف بيئتها، ولها دراية بطبيعة المنطقة، وكثير ما قامت بشن هجمات قوية على الإمارات والسلطنات الإسلامية. وفشلت محاولات عديدة لإستمالتها نحو إمارات الساحل لكنها كانت تنزع الي الإستقلال باستمرار، كما كانت متأهبة للحرب والعدوان. وكثيراً ما هددت العرب والمسلمين المتجهة أو العائدة من الداخل، وكثيراً ما عرضت حياه التجار للخطر، وكانت سبباً في إرهاق الوجود العربي على الساحل لفترات طويلة، واتجاهه إلى التوسع شمالاً أو جنوباً دون التوجة صوب الداخل.
وكانت تلك القوى ذات آثار سلبية على عملية الوجود الإسلامي والعربي على الساحل، إذ كثيراً ما وقع نزاع بين القوى الإسلامية الساحلية بسبب تمركزها على خط واحد وكثافة زعاماتها في بعض المناطق مع فشلها في توحيد كلمتها. وكثيراً ما لجأت بعض الزعامات الساحلية صوب الداخل للاستعانة ببعض القوى القبلية الإفريقية لتصفية قوى أخرى مجاورة لها على الساحل. وكان ذلك سبباً في عدم ظهور وحدة
حساباتها
قومية على الساحل الإفريقي الشرقي.
(1)
ومنذ بداية القرن السادس عشر اضطرت الجماعات العربية والإسلامية الساحلية إلى الفرار والتوجه صوب الداخل، ورغم علمها بصعوبة الجهات التي تقصدها، إلا أنها اضطرت أمام بشاعة اعمال البرتغالين في المناطق التي تخضع لهم (1). خاصة وأنهم وجدو الساحل الشرقي الإفريقية يخضع للمسلمين وأن المحيط الهندي أشبه ببحيرة إسلامية؛ فتفننوا في ا القضاء على المسلمين بشتى الطرق والوسائل
(2)
بدأت الجماعات العربية والإسلامية في شق طريقها صوب الداخل عبر عدة طرق ودروب صعبة أهمها:
(1) طريق مدينة باجيموي ومدينة تانجا Tango إلى شمال غرب بحيرة فيكتوريا. ويمتد هذا الطريق إلى الشمال حتى يصل إلى دولة أوغندا ومنابع النيل الإستوائية.
(1) المغيري: جهينة الأخبار، 187 وما بعدها.
(2) مسعود، جمال، جمعة، وفاء، إفريقيا التي يراد لها أن تموت جوعاً ص 202.
- 438 (1/443)
صفحة 444
(2) طريق تابورا: المتجه إلى تنجانيقا حتى يصل إلى أوجيجي، ويتجه بعد ذلك
صوب الشمال إلى رواندا وبورندي. وأصبح هذا الطريق هو المألوف لحركة القبائل العمانية، حيث ذكر المغيري أسماء عددا من القبائل العمانية تمكنت من اختيار هذا الطريق صوب قلب القارة الإفريقية هروبا من البرتغاليين أو بحثا عن مناطق جديدة للعاج والذهب والجلود وانتشرت على طول هذا الطريق عدة مراكز ومستوطنات عربية وخاصة من العمانيين. وعبر هذا الطريق اتجه التاجر العماني حميد محمد المرجبي الملقب بـ " تيبو تيب" من الوصول إلى حوض نهر الكونغو.
(1)
(3) طريق محبسة ويتجه صوب إقليم كليمنجارو، وإقليم بوسوقا داخل القارة الإفريقية كما كان يتصل بأوغنده صوب الشمال الغربي.
وبسبب انتشار القبائل الزنجية على الطرق السابقة وحولها، فقد كانت عملية التوغل في القارة محفوفة بالمخاطر بصورة مستمرة، خاصة وأن منطقة رواندا وبوروندي قد خضعت لسيطرة ملوك أقوياء كانوا لا يسمحون لأى قوى خارجية سلمية أو غير سلمية بالمرور عبر أراضيهم ومناطق نفوذهم، بما في ذلك التجار العرب الذين كانت لهم مصالح تجارية في الداخل، وكان بعض هؤلاء التجار يفضل الوصول إلى الداخل للتفاوض على السلعة أو جمعها لما يدر عليه ذلك من أرباح. وكان هؤلاء يغامرون بأرواحهم في كثير
من الحالات رغم الهدايا التي يحملونها معهم، حتى يتفادون الصدام بتلك القوى
(2)
كان تحرك التجار العرب والعمانيين صوب الداخل، قد بدأ في التحسن بصورة بطيئة، حينما أنشأ التجار مستوطنة لهم في منطقة كارجوى Kargwe في غرب تنزانيا، وبدأ هؤلاء التجار المسلمون في دخول مملكة روندا وبوروندي. وكانت المملكة في أوج قوتها في زمن الملك روابقيري الذي مد نفوذه وسلطته لمسافات كبيرة في قلب القارة الإفريقية. ومن تلك المراكز التي أسسها التجار العرب في شرق تلك المملكة، بدأ التجار العرب في اختراق حواجز مملكة روابقيرى وأقاموا علاقات مع زعماء المنطقة، رغم رفض الملك إقامة علاقات مع أى قوى خارجية، وتردد مثل بينهم يقول " إنه من السهل الدخول
(1) جهينة الأخبار.، ص 222 وما بعدها
(2) القائد، محمد سليمان، قصة دخول الإسلام إلى رواندا، مقال بمجلة كلية الدعوة الإسلامية، ليبيا، 1990، ص 538 وما بعدها.
-
439 (1/444)
صفحة 445
إلى رواندا ولكنه من الصعب الخروج منها " ولذلك فشلت المحاولات الأولى، ولكن في النهاية بدأت بعض الشخصيات العربية في المرور بالمملكة (1).
ومع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي فتحت رواندا حدودها للتبادل التجاري المباشر بعد أن كانت هناك مجموعات من التجار المسلمين قد تسللوا داخل أراضيها. وكان هذا الإنفتاح مترتبا على وصول حملة عسكرية ألمانية معتمدة على قوات عربية من الساحل لمعرفة البلاد. وبدأت جماعات التجار في التوافد على أراضي رواندا وبوروندي من
أراضي تنزانيا والمراكز الساحلية ومن الشمال عبر أوغندة.
وبدأت عمليات انتشار الإسلام داخل تلك المناطق في القرن العشرين، حيث بدأت المستوطنات التجارية تؤثر في المحيط الزنجي الوثني المحيط بها. كما قام التجار العرب بإقامة مدن جديدة مثل كيجالي العاصمة الحالية وتم بناء أول مسجد بها سنة 1914 م، في حى بنارامبو (2)، رغم موقف الجماعات الأوروبية وفرق التنصير، التي كانت نشطة في تلك الأنحاء.
وكانت سرعة انتشار الإسلام في قلب القارة يرجع إلى الجهود السابقة لجماعات التجار العرب داخل القارة الإفريقية منذ العصور الوسطى وماتركوه من أثر حسن في نفوس الأفارقة عن الإسلام ومثله ومبادئه. كما كان هؤلاء التجار على علم بعادات وتقاليد تلك المناطق من قبل بسبب العلاقات السابقة معهم. وقد أزعج هذا الأمر الألمان فيقول أحد المبشرين " إن "السواحيليين والتجار الهنود والجنود من السودان والعرب الذين يعلمون القرآن كانوا يلاحقون في كل مكان موظفي السلطات الإستعمارية وفي ظل الألمان بدأ الإسلام يكسب كل يوم أراضى جديدة
(4)
ورغم التعاون الذي حدث في بادئ الأمر بين بعض الأفراد العرب وبين الأوروبيين فإن العرب قد استغلوا ذلك في نشر الإسلام، وقد أدرك الأوروبييون هذا الأمر. ذلك أن الألمان قد استعانوا بالمسلمين في منطقة البحيرات على أساس أنهم أكثر خبرة وثقافة
(1) المغيري، جهينة الأخبار، ص 221.
(2) القائد، المرجع السابق، ص،
(3) القائد، نفس المرجع.
539 (1/445)
صفحة 446
وتجربة بمناطق القارة، وأنشأت حكومة ألمانيا آلاف الوظائف لهم في وسط إفريقية، لكن هؤلاء الموظفون استغلوا هذا الأمر في نشر الإسلام بين سكان المناطق الإفريقية التي يعملون بها، في الوقت الذي بدأت فيه الحكومة الألمانية تعمل على شق طرق ممهدة جديدة وآمنة، وبناء شبكة من السكك الحديدية
وبذلك سايرت حركة المد الإسلامي داخل القارة مراحل التدخل الأوروبي فيها وكان لعرب عمان دور ذلك حيث ظهرت منهم أسماء كان لها الدور الكبير في نشر الإسلام داخل القارة في تلك الفترة. وبدأت السلطات الإلمانية تتنبه إلى عمليات انسياب التيار الإسلامي داخل القارة، في الوقت الذي كانت تلك السلطات مشغولة بإشعاع نهمها المادى، من ثروات إفريقية.
وفي سنة 1910 م عقد في مدينة برلين مؤتمر أوروبي، تم فيه مناقشة التحديات التي يواجهها الأوروبيون في القارة الإفريقية. وتم مناقشة عمليات انتشار الإسلام بين الأفارقة وتم وضع الحلول والوسائل لمواجهة هذا المد. وكان من تلك الحلول تقديم المساعدات المالية والعسكرية الفعاله للإرساليات المسيحية خصوصا في مجال التعليم والصحة. وأخذت السلطات الأوروبية تناقش أوضاعها في القارة في ضوء تلك التطورات الجديدة واتخذت من وسائل لمنع انتشار الإسلام بين الوثنيين
(1)
من جهة ثانية أخذت البعثات المسيحية تناقش برامج أعمالها الجديدة في المستقبل لتضييق الخناق على عمليات المد الإسلامي، وبدأت تعقد الإجتماعات فيما بينها من أجل التنسيق في الجهود، بعض النظر عن إنتماءاتها الكنسية واللاهوتية، واتخذت قراراتها بالتعاون مع السلطات الإستعمارية من أجل قطع الطريق على عمليات التحول الإسلامي، وكانت البعثات البروتستانية من أنشط تلك البعثات، حيث كان لها نشاط قوى في المناطق الإستوائية في أو عندا ورواندا وبورندي وزائير
(2)
كانت أولى تلك الخطوات اتباع سياسة العزل العنصري، حيث ترتب على ذلك أن انحصرت الجماعات المسلمة داخل الغابات والأحراش في ظروف بيئية صعبة وأمام
(1) القائد، المرجع السابق، ص 543.
(2) مسعود، وفاء، إفريقيا التي يراد لها أن تموت، ص 78. (1/446)
صفحة 447
الحيوانات المفترسة بينما تمتعت المناطق التي تديرها البعثات المسيحية بكافة مستلزمات وإمكانيات التنمية والخدمات. كما ربطت السلطات الإستعمارية بين الإسلام وبين العنصر السواحيلي بحيث كان يلحق بالعنصر السواحيلي أشد معاني الإزدراء والاحتقار (1)، على أساس دوره النشط في نشر الإسلام في قلب القارة.
أقدمت السلطات الأوروبية في رواندا وبورندي على خطوة جديدة حينما عملت على منع تحرك العناصر العربية والإسلامية داخل مدن رواندا وبوروندي، وحصرت إقامتهم داخل أحياء معينة أشبه بالمستعمرات داخل مدينة كيجالي ومدينة بوجمبورا، وظهرت لهم أحياء خاصة في المدن الأخرى، وكانت تسمى باسم " الحى السواحيلي " حتى أن الملك الرواندي موسنيقا أقدم على إصدار قرار تحت تأثير السلطات الاستعمارية الألمانية يمنع بمقتضاه المسلمين الروانديين الجدد من العيش مع أسرهم أو عشائرهم.
(2)
وامتدت السيطرة الاستعمارية لدول وسط القارة لتشمل المؤسسات التعليمية التي خضعت لإشراف الكنيسة، وحرم المسلمون من تكوين مؤسسات تعليمية لهم بحيث بدأت تتدنى نسبة المتعلمين بينهم وتسود بينهم مظاهر الجهل والفقر والمرض، وأصبحت نسبة المسلمين في رواندا حاليا لا تتعدى 8,5? من مجموع السكان. بينما ارتفعت نسبة الكاثوليك إلى %474، والبروتستانت إلى 14,8 مع وجود 29,3? من سكان المنطقة على الوثنية.
وعلى صعيد آخر استمر تدفق الهجرات العمانية والعربية داخل قلب القارة عبر
(3).
طرق أخرى شمال البحيرات في منطقة " انينمونرية " حيث كان ممرا للتجار العرب إلى الداخل وأسس العرب هناك مركزا تجاريا" في بلدة "تبورة" وأصبحت مركزا" لنشاطهم، حيث كان هذا المركز يتفرع منه طرقا" هي: -
الأول: شمالا صوب أوغندة.
(1) القائد. المرجع السابق، ص 543.
(2) قامت ليبيا ودولة الإمارات العربية المتحدة بانشاء مسجد ومدرسة ثانوية ومكتبة ومعهد إسلامي في
رواند سنة 1981 م.
(3) المغيري، المصدر السابق، ص 225
- 442 - (1/447)
صفحة 448
-
الثاني: جنوبا صوب الجنوب إلى أوجيجي ورواندا وبورندي.
الثالث: غربا صوب الكونغو الرابع: إلى بلاد أوروري جنوبا.
(1)
ولذلك
وكانت معظم الطرق السابقة تتمركز في بنادر باج مويو، وبنغالي لقربهما من زنجبار التي أصبحت عصب الحياة السياسية والاقتصادية في الشرق الإفريقي في العصور الحديثة، كما كانت المركز الهام لحركة التصدير وحركة تداول المال في المنطقة. ولم تهمل تلك المراكز إلا حينما اتخذت ألمانيا دار السلام عاصمة لمستعمراتها الإفريقية، كما أقامت بها محطة كبرى للسكك الحديدية، فتعطلت باج مويو وبنغاني وفقدتا مركزهما وانتقل منها التجار إلى دار السلام
(2)
ومهما يكن من أمر فإن الفضل الكبير في عمليات إمتداد النفوذ الإسلامي والعربي إلى داخل القارة الإفريقية يرجع إلى العمانيين حينما تمكنوا من ضم شرق إفريقية بصورة رسمية إليهم في زمن دولة اليعاربة ثم دولة البوسعيد، حيث أصبحت لأهل عمان في المنطقة نفوذ واضح وقوة رادعة أمام أى خطر من الداخل، ويفضل هذا الأمر بدأت عمليات زحف التجار إلى داخل القارة.
ويعتبر عام 1840 م أهم علامة في عمليات انسيان الإسلام داخل القارة الإفريقية، وذلك أن السيد / سعيد بن سلطان البوسعيدي، أدرك مدى أهمية الساحل الشرقي لإفريقية في موارد واقتصاد إمبراطوريته التي أصبحت تسيطر على أهم مراكز التجارة في الخليج العربي والمحيط الهندي، ولذلك قرر جعل زنجبار عاصمة ثانية لملكة. وكان لهذا القرار آثار ايجابية على التواجد العربي والإسلامي لشرق القارة الإفريقية ووسطها حيث بدأت عمليات استغلا واسعة للأراضي الزراعية في شرق إفريقية ووفدت جماعات عديدة من التجار ورجال الأعمال إلى المنطقة وانتعشت شرق القارة اقتصاديا وحضاريا وذلك بفضل السياسة الحكيمة التي انتهجها السيد سعيد بن سلطان مع القوى المحلية في القارة والمجاورة له، ومع القوى العالمية الكبرى
(1) المغيري، المصدر السابق، ص 225.
(2) المغيري
المصدر نفسه، ص 226.
(3)
(1) صغيرون، المؤثرات الحضارية العمانية في شرق إفريقيا في ظل دولة البوسعيد، ص: 14.
—
443 (1/448)
صفحة 449
ويفضل تلك الأوضاع الجديدة بدأت قوافل التجار العمانية تشق طريقها إلى مناطق
(1)
جديدة داخل إفريقية حتى وصلت سنة 1843 إلى مملكة يوغندة، وإلى شاطئ بحيرة فيكتوريا سنة 1843 م أيضا. وبدأت لأول مرة اتصالات بين قوى شرق القارة الإفريقية وبين قوى شمال إفريقية والبحر المتوسط وهى مصر، التي كانت بدأت تخطط في التوغل في المناطق الإستوائية ومد النفوذ المصرى هناك، واستمرت تلك السياسة زمن محمد علي وأبنائه، فبدأت تتسع مجالات العلاقات بين محد على وبين الإدارة العمانية في زنجبار.
وبدأت لأول مرة في تاريخ القارة الإفريقية ربط سواحلها الشرقية بسواحلها الغربية بطريق مباشر عبر الأدغال والغابات. يبدأ من قبالة زنجبار ويتجه غربا" حتى يصل بنقويلا Bengwela على الساحل الإفريقي المطل على المحيط الأطلسي، عبر بحيرة تنجانيقا سنة 1852 م، ووصلت بالفعل في هذا العام أول قافلة عمانية من الساحل الإفريقي المطل على المحيط الهندي إلى الساحل الإفريقي المطل على المحيط الأطلسي.
(2)
وبدأت أسماء عمانية تلعب دورها البارز في نشر الإسلام والعروبة والاحتفاظ بالمصالح العربية في داخل القارة الإفريقية، ومن الذين طبقت شهرتهم الآفاق، التاجر العماني حميد بن محمد المرجبي، ووكيله الشيخ/ محمد بن خلفان البرواني. فقد تمكن التاجر العماني من التوغل داخل القارة صوب الكونغو، وقام بتأسيس إمارة عمانية ذات طابع عربي وإسلامي في أعالى الكونغو وبسطت تلك الإمارة نفوذها على الحركة التجارية في قلب القارة الإفريقية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر حيث ازدهرت تجارة العاج على يد المرجبي وأعوانه من | ه من السواحيلين
(3)
(1)
قام المرجبي ومن معه من تجار عمان بتأسيس مدن جديدة في كل من كاسنجو وينا نجوى، على نفس النمط المعماري العربي على ساحل إفريقية الشرقي، وأصبحت كاسنجو عاصمة المرجبي ومن معه من السواحيليين. وقدمت إليها عناصر عربية فزاد عدد سكانها إلى ثلاثين ألفا" من العرب والإفارقة، وامتد فيها العمران إلى المناطق
(1) حسن محمود، الإسلام والثقافة، ص 450.
(2) المغيري، المصدر السابق، ص 223.
(3) صغيرون، المرجع السابق، ص 18. (4) المغيري، المصدر السابق، ص 223.
- 444 (1/449)
صفحة 450
المجاورة، وأصبحت بمثابة منارة حضارية في وسط القارة الإفريقية. حيث قدم إليها رجال الأعمال من عمان وغيرها وأخذوا في استغلال أرضها الزراعية وأدخلوا إليها محاصيل زراعية جديدة مثل: قصب السكر والأرز والذرة وأنواع عديدة من الفاكهة، وقد أنتجت تلك المزارع كميات وفيرة من الحبوب والفاكهة، درت على تجار عمان والساحل أرباحا" وفيرة في ظل رخص الأيدي العاملة فيها.
وانعكس الازدهار الإقتصادي لإمارة كاسنجو في عمارة بيوتها العالية الواسعة والمنظمة، كما قام المرجبي بتأسيس إدارة لها وتشكيل مجلس للشورى بالإمارة التي زاد عدد سكانها. وكان هذا الإزدهار قد أثار حقد البلجيك فاتجهوا صوب إمارة المرجبي وعاد المرجبي إلى الساحل من جديد وتوفي في زنجبار سنة 1905 م. بعد أن ساهم برجاله في نشر الإسلام وثقافته داخل القارة الإفريقية ووضع الأسس في استغلال إمكانيات تلك المناطق البدائية وفق أساليب عصرية.
ساهمت عناصر من تجار عمان أيضا في تعمير الداخل الإفريقي ونشر الإسلام والعروبة في أماكن بعيدة نحو الكونغو، وكان من هؤلاء الرواد العمانيين سعيد بن محمد، وحبيب بن سالم العفيفي، وهما أول من دخل الكونغو من أهل عمان، ثم
•
(1) وقد
العيسري ناصر بن سيف المعمري، وعيسي بن عبدالله الخروصي، وعبيد الله بن سالم الخضوري وقد نزلوا الكونغو أيضا ونزل بها أيضا من تجار عمان جمعة بن سالم البكري كان لهؤلاء دور هام في تنشيط تلك المناطق الجديدة ونشر الإسلام لأول مرة بين سكانها.
وقد كان لهؤلاء الفضل في شق وتمهيد طرق جديدة بين شرق القارة الإفريقية وبين وسطها مثل طريق مامي وكسنغاني بوسط إفريقية، وتحملوا العديد من العقبات والمشاق والمخاطر من غابات موحشة وجبال عالية وسباع ضارية وفيلة متوحشة عظيمة الحجم، بالإضافة إلى مشاكل القبائل الوثنية ومنها أكلة لحوم البشر التي تردد ذكرها من قبل الرحالة والتجار. ويذكر المغيري أن من هؤلاء التجار من مر بمناطق بدائية موغلة في التخلف أهلها عراة، ولما رأوا هؤلاء التجار العمانيين وعليهم اللباس الجيد والملون اعتقدوا أن هؤلاء الناس قد هبطوا عليهم من ا السماء
(1) المغيري، المصدر السابق، ص 217.
(2) المغيري، المصدر نفسه، ص 218.
(2)
- 445 (1/450)
صفحة 451
وقد ساهم هؤلاء التجار في تعمير تلك المناطق البدائية، حتى وصلت إليها يد
الإستعمار البلجيكي، فقام الملك البليجكي ليوبولد الثاني بإنشاء الرابطة الدولية لاستغلال ثروات الكونغو، كانت لها أثر فيما بعد في نهب ثروات الكونغو خارج القارة وعودة أهلها إلى الفقر والجهل والتخلف. (1) بعد أن كان تجار عمان قد وضعوها على بداية سلم الحضارة والتقدم، حتى وصلت جهود أهل عمان إلى جزر البحيرات الإفريقية مثل جزيرة أوفير بالقرب من أوجيجي والتى استقر بها ناصر بن سيف المعمري)
(3)
(2)
توغل العمانيون إلى داخل الكونغو، حيث وصل حبيب بن سالم العفيفي، ومحمد ابن سعيد العيسري إلى منطقة تسمى وردة داخل الكونغو، حيث تتوافر كميات كبيرة من الذهب ومن خلال تلك القدرات العمانية وصلت تلك المناطق إلى درجات متقدمة في المضمار الاقتصادي. حيث ارتبطت عبر طرق برية بساحل إفريقية الشرقي وأصبحت سلع عالمية
كان لأهل عمان دورهم الكبير في تطور أساليب الحياة والتعامل داخل القارة فيرجع إليهم الفضل الأول في إستخدام التداول النقدي على ساحل القارة في العصور الوسطي وفي داخل القارة في العصور الحديثة. بعد أن كانت العمليات التجارية تتم عن طريق التبادل وما يعرف في بعض الأحيان بالتجارة الصامته في المناطق البدائية المتخلفة، فاستخدمت العملات الإسلامية والعمانية والهندية ثم دخلت عملات أوروبية متنوعة، لتظهر في منطقة شرق إفريقية ووسطها مسلة متنوعة من العملات تذبذت أسعارها وقيمتها. حتى جاء السيد / سعيد بن سلطان، فاستورد كميات كبيرة من القطع المعدنية النحاسية وضرب عليها اسمه (4). مما أدى إلى استقرار الوضع النقدي والإقتصادي في المنطقة. حيث تمتعت عملة السيد / سعيد بالثقة في السوق العالمية بسبب متانة الإقتصاد العماني في عصره.
(1) مسعود، وفاء، إفريقيا التي يراد لها أن تموت جوعا، ص 79. (2) المغيري، المصدر السابق، ص 222.
(3) المغيري، المصدر نفسه. ص 225، 226.
(4) مصليحي، محي الدين، النشاط التجاري في شرق إفريقيا في القرن التاسع عشر حتى بداية السيطرة الأوروبية على المنطقة، ص 179 – 181، القاهرة.
- 446 (1/451)
صفحة 452
فضلا
ازدادت الاستثمارات العمانية والعربية في شرق إفريقية وفي داخلها، حيث وصلت 1,900,000 دولار، بعد أن وصلت أرباح السيد / سعيد بن سلطان
عن
(1)
سنة 1873 م إلى. من تجارته إلى 100,000 دولار سنويا"، ومن مزارعه إلى .... 50 دولار سنويا موارد الجمارك والضرائب، وكانت الأموال قد كثرت في يد الناس في هذا العصر من الزراعة والتجارة. وكانت قوافل العرب نشطة على طول خط الساحل الشرقي لإفريقية رائحة وغادية، وتتردد في داخل إفريقية للبيع والشراء، وتعود بأموالها الوفيرة. وأصبحت معيشة الناس غاية في اليسر، حتى أن اللحم والأرز واللبن لايكاد يباع بثمن، والغني والفقير سواء في الحصول الحصول على أساسيات الحياة
(2)
واجتذبت شرق القارة ووسطها العديد من العرب والمسلمين من كافة الأجناس فقد قدمت إليها عناصر إسلامية من حضرموت والشحر والمكلا وعملوا في وظائف دولة البوسعيد وفي جيوشهم وفي مناصب علمية، كما وفدت إلى المنطقة جماعات من الهنود ومن البلوش. وساد بين الناس عدم التعصب في العرق أو الدين. كما وفد العديد من أهل فارس وعملوا في الإدارة والتجارة ووسع السيد/ سعيد هؤلاء جميعا بسياسته وأفقه الواسع، حيث أصدر أوامره لعماله بعدم التعرض للمذاهب الدينية (4)
(3)
وبفضل هذا الازدهار الكبير الذي عم شرقي إفريقية بفضل سياسة أهل عمان، فإن الجهود كانت واضحة لبشر الإسلام والثقافة العربية في المنطقة وفي وسط القارة، حيث ساد استعمال اللغة العربية في مدن ومراكز الساحل ووفد العديد من العلماء والفقهاء من اليمن وحضرموت وعمان وغيرها للإستقرار في المنطقة، وبلغت تلك النهضة شهرة عالية طبقت الآفاق بحيث ربط القوى الإفريقية بين الإسلام وبين التطور والمدينة والحضارة، ونجد في حادثة ملك أوغنده موتيا في داخل القارة مثالا على ذلك. فقد أعجب الملك الأوغندي موتيا بالإسلام وأهله، وتمنى أن يكون في دولته رجال من علماء المسلمين يقومون بهداية شعبه إلى الإسلام، وتعريفه هو شخصيا بالإسلام. ومن أجل ذلك بعث الملك الأوغندي إلى الخديوى اسماعيل حاکم مصر (1865 – 1882 م) يطلب منه أن
(1) صغيرون، المرجع السابق، ص 20. (2) المغيري، المصدر السابق، ص 181.
(3) المغيري، المصدر نفسه، ص 165. (4) المغيري، المصدر نفسه، ص 174/ 175
447 (1/452)
صفحة 453
يبسط نفوذه على أرضه في أوغندا، وأن يبعث باثنين من العلماء المسلمين لهدايته وهداية شعبه إلى الإسلام. وقد أرسل الخديوى بعض الدعاة من مصر، وكان لهم أثر في نشر الإسلام في أوغندا، غير أن الخديوى اسماعيل ارتكب خطأ حينما عهد إلى ضابط انجليزي ليقوم بخطوات ضم أوغندا إليه (1) وقد تكررت نفس المآسي مع طلب حكومات أخرى (2)
ويفضل الجهد العماني أصبحت منطقة أوغندا مهيأة لنشر الإسلام، إذ انتشرت فيها جماعات التجار، وأنتشرت بين سكانها وقبائلها اللغة العربية واللغة السواحيلية،
(3)
رغم بعدها من الساحل الإفريقي. وبفضل هؤلاء التجار العمانيين بدأت عمليات استغلال مناطق أوغندا وقد صحب العمانيون في عمليات التردد على منطقة أوغنده جماعات من الهند من منطقة كوجيرات، وقد أصبحت لتلك الجالية وجود واضح في الحياة الإقتصادية الأوغندية فيما بعد حيث وصل نسبتهم حاليا إلى (1%) من
السكان (4)
•
وكان تجار عمان بمثابة دعاة للإسلام بما تحلوا به من الرفق والسماحة والكرم والدبلوماسية في التعامل مع الشعوب والقبائل الإفريقية بغض النظر عن مستوياتها الحضارية، وكان لاعتمادهم على أعداد كبيرة من الزنوج في إدارة أعمالهم الأثر الكبير
(1) ضناوي، الأقليات المسلمة، ص 28 وما بعدها.
(2) وفي بداية القرن العشرين طلب امبراطور اليابان من السلطان العثماني عبدالحميد (1876 - 1908 م) أن يرسل إليه دعاة مسلمين لإبلاغه والشعب الياباني بمبادئ الإسلام فاستدعى السلطان عبدالحميد جمال الدين الأفغاني واستشاره في الأمر، فحذر جمال الدين الأفغاني السلطان عبد الحميد من مستوى علماء المسلمين في عصره وأنهم ليسوا على المستوى المطلوب، وطلب منه أن تدرب جماعة أخرى من العلماء على الدعوة في مثل تلك البلاد، فامتنع السلطان عبدالحميد وأرسل برد ودي على امبراطور اليابان مصحوباً بهدية ووعد بتلبية رغبته.
- السامرائي، الدعوة الإسلامية في اليابان، ص 639. (3) تسود في أوغندا حاليا اللغات التالية: الإنجليزية، السواحيلية ولغات محلية. ونسبة المسلمين بها
36، بينما، المسيحية حوالي 30? " والوثنية 30? من السكان.
- يونس، المرجع السابق
، ص 74، 792.
(4) يونس، المرجع السابق، ص 79.
- 448 - (1/453)
صفحة 454
في تحول هؤلاء إلى الإسلام لارتباطهم بأعمال المسلمين.
ومازالت الأدلة عديدة تشير إلى الدور العماني الكبير في تطوير شرق القارة ووسطها فأنتشرت الأزياء العربية العمانية بين أغلب مناطق شرق إفريقية. من العبارات العربية والهمائم وارتدت النساء الإفريقيات العباءات العربية أيضا الخاصة بالنساء وانصهرت أسر إفريقية عديدة داخل البيوتات العمانية مكونة مجتمعا إسلاميا لا يعرف العصبية وأصبحت قيم تلك الأسر جزء من العادات والقيم الإسلامية والعمانية
(1)
وكان لتجار عمان أيضا الفضل في القضاء على كثير من العادات والتقاليد الوثنية على مستوى القبائل والحكام. ومن ذلك ما وقع للتاجر العماني الشهير الذي تردد على أوغنده وهو الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري، فقد واجه عادات أوغندية وثنية لا تتفق مع الإسلام، تتمثل في بعض ممارسات الملك الأوغندي والتي لا تتفق مع الرسلام، حيث عكيك الملك على شعبه سلطات. تبيح له سفك دماء الأبرياء تمشيا الطقوس الوثنية في بلاده والتي تعرف عندهم باسم " لوباري Lubaare " وكانت منتشرة في البلاد
(2)
ففي إحدى المناسبات حضر الشيخ / العامري، وبدأ الملك "الكباكا" أثناء الإحتفال يصدر أوامره بإجراء مذبحة. فقام العامري وسط الحضور متحديا" الملك وسلطاته، التي تعد جزءا" من عقيدة الشعب والحضور. وأظهر للملك خطأ تلك الطقوس وتعارضها مع شريعة السماء ومبادئ الإسلام ومع تكريم الله للإنسان، وقال للملك "يامولاي إن هؤلاء الرعايا الذين تفسك دماءهم كل يوم بغير حق إنما هم مخلوقات الله سبحانه وتعالى الذي خلقك وأنعم عليك بهذه المملكة " وأخذ العامري يرد كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الواحد
الأحد
(4)
فأعجب الملك والحضور من العامري، وانشرح صدر الملك الأوغندي الكباكا إلى الإسلام. وطلب من العامري أن يعلمه أصول الدين الإسلامي، وكان لذلك أثره الكبير في تحول جماعي إلى الإسلام بين القبائل الأوغندية من جماعات البانتو
(1) المغيري، المصدر السابق، ص 167.
(2) صغيرون، المرجع السابق، ص 29.
(3) صغيرون. نفس المرجع.
- 449 - (1/454)
صفحة 455
ساهم تجار العرب وعمان أيضاً في إنشاء مؤسسات تربوية! شرق القارة
وفي وسطها، فبغض النظر عن المساجد ودورها الكبير في نشر الإسلام وإقامة شعائر الإسلام ومن أشهر تلك المساجد مسجد جوفا في زنجبار. وقام بتأسيس مدرسة أحد أفراد أسرة آل جمل الليل، وهى من الأسر المعروفة بالعلم والفضل في القارة الإفريقية، أشهر علمائها الذين درسوا في زنجبار العلامة السيد عبدالرحمن بن أحمد جمل الليل، والعلامة السيد حسن بن محمد جمل الليل
ومن
(1)
كما ساهم تجار عمان في عملية تسهيل نشر الثقافة والعلم في مناطق شرقي القارة ووسطها، حيث أنشأت مطبعة في زنجبار لتسهيل عمليات طبع الكتب والصحف، وهي المطبعة السلطانية، وذلك زمن السيد برغش بن سعيد. وكان لتلك المطبعة آثارها الحضارية الهامة في المنطقة.
وهكذا أدى الدور العماني والعربي والإسلامي في الشرق الإفريقي دورا هاما في حمل تيار الإسلام وثقافته إلى تلك المناطق، التي استيقظت من ثباتها العميق على مبادئ الإسلام ونظمه
(2)
(1) المغيري المصدر السابق، ص 233.
(2) انظر الخرائط بالملاحق.
-20.- (1/455)
صفحة 456
(0)
تجارة شرق افريقية السلع والأخطار
أولا": السلع التجارية: -
اتجهت جماعات التجار العرب والمسلمين إلى شرق القارة الإفريقية منذ القدم من أجل الحصول على إمكانياتها الوفيرة من سلع هامة كان العالم القديم وحضاراته في حاجة إليها، كما استمر الطلب على تلك السلع باستمرار في العصور الاسلامية، في الوقت الذي نمت فيه مناطق العالم الإسلامي حضاريا، وأزدهرت إقتصاديا فإزداد الاقبال على السلع الإفريقية خاصة في العصر العباسي. واستمرت سلع إفريقية تشد إليها جميع القوى حتى الوقت الحاضر.
(1)
ونظرا لامتداد الساحل الإفريقي الشرقي من الشمال إلى الجنوب لمسافات طويلة على المحيط الهندي، وبعد هذا الساحل عن مراكز الحضارات في العالم القديم والعالم الإسلامي، فقد بدأ التجار في إقامة مستوطنات لهم ومراكز، تقوم بعمليات تجميع السلع وتجهيزها للتصدير، كما تكون بمثابة استراحة من الرحلة البحرية الطويلة والشاقة للسفن عبر مياه المحيط الهندي.
وكانت تلك السلع تتميز بأنها في صورتها الأولية الخام، حيث قامت عليها صناعات وفنون عديدة في أماكن أخرى مثل الهند والعراق وحوض البحر المتوسط. كما أصبحت تجارة الرقيق بمثابة عنصر من عناصر الأنتاج لكثير من الدول والمناطق التي وصلتها تجارة الرقيق ومن أهم السلع الإفريقية مايلي:
(2)
(1) الذهب:
:
شكل الذهب أهم المعادن في حضارات العالم القديم والعصور الوسطى وتأتى أهميته في ندرته وفي استعماله بعد ذلك في عمليات تقدير القيمة للسلع بسبب ارتفاع
(1) ترمنجهام، الإسلام في شرق إفريقيا، ص 39.
(2) المغيري، جهية الأخبار، ص 185.
-?011 (1/456)
صفحة 457
إثمانه وقوة الطلب عليه. (1) وأصبح الذهب في العصر الإسلامي بمثابة الواجهة الاقتصادية للدول. واحتل الذهب الإفريقي أهمية خاصة لحضارات الفراعنة واليمن وحضارات الهنود وكذلك بالنسبة لمدنيات العراق في العصور القديمة، وفي العصور الإسلامية ولذلك ظلت عمليات تحركات التجار في شرق إفريقية ترتبط بالبحث عن الذهب. خاصة بعد نصوب مناجم الذهب الفارسية التي كانت تعتمد عليها مناطق المشرق الإسلامي وأصبح الذهب القادم من شرق القارة الإفريقية هو العمود الفقري للتداول الذهب في الخليج العربي والهند والعراق
(2)
كما زاد الطلب على الذهب في العصر الإسلامي لأنه أصبح القاعدة في ضرب الدينار وصناعة صياغة الحلى، فكانت الورش العاملة الحساب القصور في الشام والعراق ومصر وفي المدن نشطة جدا. وكان الذهب الإفريقي يتدفق بكميات غزيرة على العالم الإسلامي عبر البحر الأحمر، والخليج العربي. حيث قام التجار ورجال الأعمال باستثمارات كبيرة كبيرة في منطقة سفالة الزنج في شرق إفريقية (3). وكان يتم نقل الذهب على رؤوس الحمالين من الداخل حتى الوكالات التجارية على الساحل. ثم ينقل إلى مراكز آمنة أخرى على الساحل الإفريقي أو يصدر على ظهور السفن مباشرة
(2)
(1)
وزادت رحلات السفن المحملة بالذهب إلى العراق وإلى الديبل وسواحل الهند. وأعتمدت الهند حتى العصور الحديثة على الذهب الإفريقي بسبب فقر أرض الهند في هذا الخام ونظر الكثافة السكانية. وأصبحت السفن تتجه إلى بومباى في العصور الحديثة بعد إنشاء شركة الهند الشرقية البريطانية هناك سنة 1600 م. وفي البداية كانت عمليات تبادل الذهب مع الزعماء الأفارقة تتم عن طريق التجارة الصامته أو التبادل، ثم تطورت في العصور الإسلامية إلى دفع عملات نقدية. وكان ذهب سفالة (0) سببا في إزدهار مدن عديدة على الساحل الإفريقي مثل مقديشو
(1) آشتور، التاريخ الاقتصادي، ص 111.
لوفران، تاريخ التجارة، ص 14. (2) آشتور، المرجع السابق، ص 110. (3) لومبارد. الجغرافية التاريخية، ص 232. (4) المسعودي، مروج الذهب، جـ 20، ص: 6. (5) لومبارد، المرجع السابق، ص: 232.
- 452 - (1/457)
صفحة 458
كما ازدهرت مدن مملكة كلوة أيضاً بسبب تجارة الذهب، وكان سببا في صراعات
الحاضر
(1) m
عديدة بين تلك المدن، كما أصبح ذهب روديسيا في العصور الحديثة، أهم عوامل الكشوف الجغرافية البرتغالية، وأهم أهداف الأساطيل الأوروبية التي قدمت بعد ذلك إلى سواحل شرق القارة. حيث ترددت أقوال في أوروبا بأن " ذهب سفالة الزنج لا ينضب. ومازالت مناطق موزمبيق وجنوب إفريقية تتحكم في إنتاج الذهب العالمي حتى الوقت. حيث تنتج جنوب إفريقية من مناجمها الشرقية حوالى 75% من إنتاج الذهب العالمي) حيث بلغ انتاجه 66250 كج سنة 1982 م، بالإضافة إلى ذهب موزمبيق. ومازالت إفريقية تحتوي على العديد من مناجم الذهب بسبب تركيبها الجيولوجي، فهى تحتوى على صخور بللورية ومتحولة قديمة والتي تعد من أنسب الصخور الحاوية للتكوينات المعدنية. ومازالت رؤس الأموال العالمية تتدفق على القارة خاصة جنوب إفريقية، من الجهة الشرقية لاستغلال مناجم الذهب خاصة (3)
(2)
(2) العاج:
بالرغم من وجود قيلة في مناطق أخرى من العالم مثل الهند، إلا أن التواجد الكثيف لها كان في إفريقية. وكانت القبائل الإفريقية لاتقدر العاج من الفيلة بأي ثمن، إلا حينما أدركت ذلك فيما بعد. فقام الزنوج بعمليات قتل واسعة للفيلة وأخذ أنيابها وبيعها لتجار عمان، ثم تكدس الكميات المحمولة من العاج على الساحل حيث يتم حملها إلى العراق والمشرق الإسلامي وإلى الهند والصين، وهى مناطق كانت لديها فنون قائمة على صناعة التحف المعتمدة على العاج كما كان الهنود يستهلكون كميات كبيرة من العاج حيث يستخدمونها في صناعة تماثيلهم وبناء أجزاء من معابدهم وهياكلهم. وبذلك احتلت تلك السلعة أهمية خاصة عند الشعوب الهندوسية والبوذية في الهند والصين وجنوب شرقي آسيا
(1) الحويري، ساحل شرق إفريقية، ص 126. (2) أبو عيانة، الجغرافية الأقليمية، ص 533.
(4)
(3) حيث يعتبر حقل الراند جول مدينة جوها نبرج أهم حقول الذهب في العالم قاطبة. ويد انتاجه سنة
1886 م.
(4) صالح العلي، التنظيمات الإقتصادية في البصرة في القرنين الأول والثاني الهجريين، ص 85.
وما بعدها.
- 453 (1/458)
صفحة 459
ويذكر المغيري أن الفضل الأول يرجع إلى تجار أهل عمان في بيان أهمية العاج للقبائل الإفريقية، حيث ارتبطت بالعمانيين تلك التجارة في البداية، وحتى قدمت عناصر أخرى وشاركتهم في تلك التجارة خاصة من تجار الفرس والهنود
(1)
وقد افتخر أهل البصرة على أهل الكوفة بأن مدينتهم مركزا للعاج بقولهم " نحن
(2)
أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا حيث كانت البصرة مركزا هامة للتجار من أهل عمان. بل أن الفيلة بدأت تحمل من إفريقية لتظهر في بغداد عند الاحتفالات التي كانت تقام
بها في العصر العباسي
(3)
(3) الحديد:
كانت مناطق العالم الإسلامي، والهند أيضا، فقيرة في خام الحديد منذ البداية، رغم ماله من أهمية في الصناعات بصورة عامة، وفي صناعة أدوات الحرب والقتال بصورة خاصة. وعلى ذلك بدأ العالم الإسلامي يعتمد في تمويله بتلك الخامات على مناطق مجاورة له. وأصبحت منطقة القوقاز، خاصته داغستان، من مناطق توريد الحديد إلى العالم الإسلامي من جهة الشمال، لكن العالم الإسلامي أعتمد بصورة أكبر على الحديد وصناعاته المستوردة من الهند. حيث تمكنت الهند من تحقيق نجاحات مبكرة في الصناعات الحديدية وكانت شهرتها منذ بداية عصور الميلاد بصناعة السيوف. وقد تزايدت الطلبات من العالم الإسلامي على الحديد والفولاذ الهندي باستمرار.
والواقع أن خامات الحديد الهندية قد نضبت مناجمها في العصور القديمة، وبدأت عمليات استيراد واسعة النطاق لخامات الحديد من شرق إفريقية عبر المحيط الهندي. وقام بدور الوسيط التجار العرب خاصة أهل عمان الذين استقروا بكثافة في مدن الهند الساحلية لدورهم في تلك التجارة. وكانت فلزات خامات الحديد من شرق إفريقية تعتبر أكثر جودة من غيرها
(4)
(1) المغيري، جهينة الأخبار، ص 305. (2) االعلي. المرجع السابق، ص 88. (3) المسعودي، المصدر السابق، ج 2، ص 13 (4) لومبارد، المرجع السابق، ص 234.
- 454 (1/459)
صفحة 460
كان يتم استخراج الحديد من شرق إفريقية من مناطق سفالة الزنج خاصة جنوب مناجم الذهب (1) وكانت عمليات الاستخراج تتم بطرق بدائية للغاية على أيدى العمال من الزنوج، ثم تحمل إلى الساحل لتصدر إلى الهند. ثم يعاد صهرها وتشكيلها وصناعتها وتصدر إلى العالم الإسلامي. وكان الفولاذ الذي يصنع منه السيوف في الهند، وضرب الأمثال والشهرة في الأدب العربي لمكانتها وحدة شفرتها ومرونتها.
(4) المنتجات البحرية: وكان أهمها السلاحف التي يصدر صدفها، وترسل إلى مناطق العالم الإسلامي في مصر والعراق والشام، حيث يوجد الصناع المهرة والمتخصصون في صناعة أدوات الصدف. أما العنبر الذي يعتبر إفرازا لحوت العنبر Cachalat فكانت منطقة شرقي إفريقية من أهم مراكز إنتاجه في العالم الإسلامي، وكانت القطع المقذوفة تجمع على وجه التحديد ثم تصدر بأثمان غالية. وكان العنبر يدخل في صناعات العطور المختلفة (2)
(5) المنتجات والسلع الغابية:
وهي المنتجات التي ترتبت على امتداد الساحل الشرقي لإفريقية امتدادا" هائلا" من الشمال إلى الجنوب عبر دوائر عرض عديدة، مما أدى إلى تنوع في الظروف المناخية. بالإضافة إلى وجود نطاق كبير من شرق القارة ضمن الغابات المدارية والإستوائية حيث الغابات الكثيفة التي تحتوي على العديد من الأشجار العالية ذات الأخشاب الصلبة، والتي يمكن استخدامها في صناعات خشبية عديدة مثل خشب الأبنوس (
(3)
كما احتوت تلك الغابات ومناطق السافانا على العديد من الحيوانات المفترسة والتي كان يتم اصطيادها واستغلال جلودها في صناعات جلدية هامة في العالم الإسلامي () واحتلت افريقية الشرقية مكانة هامة في تصدير الجلود إلى العالم الإسلامي وإلى شبه
(1) الحويري، المرجع السابق، ص 124.
(2) لومبارد، المرجع السابق، ص 249. المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 163.
(3) حوراني، العرب والملاحة، ص 231 وما بعدها.
(4) كالقردة والفيلة وغيرهما.
المسيرى العلاقات التجارية، ص 174
-
- 003 (1/460)
صفحة 461
القارة الهندية. بل صدرت بعض حيوانات الغابة إلى العالم الإسلامي على سبيل
التسلية (1)
(6) الرقيق:
ترتب على النمو السكاني الهائل في مدن العالم الإسلامي، وإزدهار مناطقه الحاجة إلى أيدى عاملة للعمل في المنازل وفي الصناعات والحرف الأخرى. كما بدأت أنظمة جديدة في العالم الإسلامي تعتمد على العبيد كجند يعتمد عليهم خوفا من أطماع القبائل العربية وتطلعاتها وكانت مدن العراق الجديدة التي مصرت زمن الخليفة عمر بن الخطاب وهما البصرة والكوفة من أهم مراكز استيراد العبيد، كما ظهرت مدن أخرى مثل واسط وبغداد وغير ذلك من أسواق العبيد الأخرى
وأصبحت سفن أهل عمان والخليج العربي هى الوسيط الذي وفرتلك السلعة إلى مراكز احتياجها وأصبحت مناطق شرق إفريقية هي مناجم التصدير لتلك السلعة والتي أصبحت أهم السلع في العصر العباسي. كما أن النمو الاقتصادي الذي شهدته منطقة الخليج العربي ترتب إليه حاجة موانئ الخليج العربي إلى أعداد كبيرة من الرقيق لعمليات التفريغ والشحن للسفن وعمليات تكديس البضائع في الموانئ، من هنا أصبحت منطقة الخليج العربي من أهم مراكز استيراد الرقيق من شرق قارة إفريقية.
وبدأت السفن العمانية تحمل الآلاف من هؤلاء العبيد إلى منطقة الخليج العربي والعراق للعمل في مدينة البصرة والكوفة وواسط. وكانت مدينة البصرة التي شهدت نموا
مضطردا وإتساعا في احيائها سوقا هامة لتلك السلعة حيث كانت تستخدم أعداد منهم في استصلاح الأراضي المالحة " البطائح" في الجنوب). وقد عاشت تلك الجماعات من
(2)
العبيد في ظروف اجتماعية صعبة، الأمر الذي جعلهم عرضة للانفجار والاستغلال.
قبل أفكار معارضة، كما حدث في ثورات الزنج في العصرين الأموي والعباسي)
(1) المسعودي، المصدر السابق، ج 2، ص 98.
(2) البلاذزي، فتوح البلدان، ج 1، ص 95.
- علبي، المرجع السابق، ص: 29
(3) علبي، المرجع نفسه، ص 36 وما بعدها.
(2)
من
1207 - (1/461)
صفحة 462
فقد وقع التمرد في صفوفهم زمن ولاية مصعب بن الزبير سنة 74 هـ. كما قاموا بثورة في ولاية الحجاج سنة 76 هـ. وتغاضت السلطات في العراق عن سماع أصوات هؤلاء الزنوج الذين أصبحوا يعدون بعشرات الآلاف (1)، وأصبحوا قوة مؤثرة في العراق
(Y) "
، وفي العصر العباسي قاموا بثورتهم الشهيرة سنة 255 هـ بزعامة على بن محمد " ملهم الزنج ". الذي تمكن من تجميع عشرات الآلاف من زنوج البصرة حوله. وقاموا بثورة عارمة هددت أمن منطقة شمال الخليج العربي وجنوب العراق وحتى بغداد، بعد أنه أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من دخولها. وهددت الخلافة العباسية لمدة أربعة عشر يوما" (3) وشكلوا دولة لهم ضمت البصرة وواسط والنعمانية، وجعلوا عاصمتهم في المختارة. بعد أن خربوا مناطق عديدة في جنوب العراق، وهرب التجار، وهجر الناس ميناء البصرة. وأرتفعت الأسعار حتى أصبح سعر كر الحنطة ثمنه مائة وخمسين دينارا (4) وارتفع سعر كر الشعير إلى مائة وعشرين دينارا. بعد أن توقفت عمليات التجارة تماما. حتى تمكن الخليفة العباسي المعتضد من القضاء على ثورتهم سنة
270 هـ (5)
(1)
والواقع أن الوساطة العمانية والعربية كانت نزيهة في عمليات تجارة الرقيق، ذلك أن عمليات جلب العبيد من داخل الغابات كان يقوم بها قبائل البانتو الإفريقية ثم يتم تجميعهم إلى الساحل حيث التجار العمانيين وغيرهم. كما شهد العديد من الرحالة على حسن معاملة العمانيين تجارا وحكاما ومواطنيين للعبيد حيث كانوا يجالسونهم ويشركونهم معهم في المأكل والمشرب، حتى أدى ذلك إلى تحول العديد من العبيد إلى الإسلام، كما عملوا في جيوشهم ومنازلهم. وقد ذكر ذلك الرحالة الأوروبيين ومنهم
(1) السامر، فيصل، ثورة الزنج، ص 34.
(2) ابن الأثير، اللباب، ج 1، ص 448.
(3) المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 319.
الطبري، تاريخ، جـ 6، ص 473.
(4) الذهبي. سير
أعلام النبلاء، ج 13، ص 130.
(5) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 11، ص 31.
(6) كما كانت هناك حروب مستمرة بين القبائل الإفريقية، وكانت القبائل المنتصرة تجد في القبائل المنهزمة مصدر هاما للدخل حيث تقوم بأسر أفراد القبائل المنهزمة وتقوم ببيعها بصورة مهينة وقد استمرت تلك العمليات حتى العصور الحديثة بتشجيع من بعض الأوروبيين.
457 (1/462)
صفحة 463
اسمي وسميت من قبل شركة الهند الشرقية البريطانية (1).
ورغم أن الرقيق الذين وصلوا إلى أيدي التجار العرب والعمانيين، كانوا في أوضاع متدنية بين القبائل الإفريقية من كافة النواحي، فإنهم شهدوا تكريما لهم ولإنسانيتهم على أيدي المسلمين، حتى تزوج منهم بعض المسلمين، وكم صار من هؤلاء الزنوج ملاك في أموال أسيادهم وشركاء في أعمالهم. وازدهرت الحاجة إلى اقتناء العبيد في شركة إفريقية بسبب إزدهار مراكزها الساحلية، كما أن بعض مناطق الداخل الإفريقي كانت تتعرض المجاعات يترتب عليها فرار العديد من القبائل أو بيع أولادهم بأزهد الأسعار.
ورغم الدور الذي قام به العرب وأهل عمان في مجال تجارة الرقيق في صورها الإنسانية. كما نص عليها الدين الإسلامي، فإن حجة تجارة الرقيق أصبحت الوسيلة التي اتخذها الأوروبيون للتدخل في شرق إفريقية، وخاصة بعد سنة 1822 م مع حكومة مسقط. وبدأت بريطانيا تعمل على فرص حمايتها على شرق إفريقية وجزرها بحجة مكافحة تجارة الرقيق. وكانت دوافع تلك الدول دوافع اقتصادية بعيدة عن الجانب الإنساني الذي أختفت خلفه. كما أن ماضيهم في تجارة الرقيق لم يلتزم بأي قيم إنسانية أو أخلاقية (2)
وبدأت بريطانيا بريطانيا بالفعل تعمل على استغلال مسألة تجارة الرقيق لمصالحها الخاصة دون النظر إلى مصالح العبيد أنفسهم. حيث أنشأت لهم مستعمرات بحجة تكوين ملاذات آمنة للرقيق المحررين، وبدأت بريطانيا تستفيد من تلك المستعمرات، فقد تولى إدارتها شركات بريطانية، أي أن عائد تلك المستعمرات كان يصب في بريطانيا وليس للرقيق، حتى أن أجورهم كانت زهيدة، وأقل في كثير من الأحيان من أجور
عملهم عند سادتهم في السابق.
(1) العقاد، وزكريا، زنجبار، ص 125.
(2) مسعود، وفاء، افريقيا، ص 96، 97. في الوقت الذي حفلت فيه الممارسات الأوروبية تجاه الرقيق الأفارقة بأساليب وحشية مازالت مائلة أزهاق الأفارقة وعند الأدباء والكتاب الأفارقة والأوروبيين وتظهر من حين لآخر في كثير من
الأعمال الأدبية.
- 458 (1/463)
صفحة 464
كما ظهر مشروع بريطاني آخر يدعو إليه " بوكستون " ويرى أن تقوم بريطانيا بإنشاء سلسلة من المراكز البريطانية التجارية على طول ساحل إفريقية الشرقي يكون الهدف منه توزيع المنتجات البريطانية وحمل السلع الإفريقية والمواد الخام من ذهب وعاج
ومعادن وسلع أخرى، باستغلال هؤلاء العبيد، تحت دعوى أنهم محررين.
وبذلك استغلت بريطانيا ودول أوروبا قضية تجارة العبيد لتحيق هدفين هما: الأول: الحد من التوغل العماني والإسلامي داخل القارة الإفريقية، ومواجهة عمليات التحول إلى الإسلام بين الجماعات الإفريقية في الداخل، حيث أدركت أن النظام الإقتصادي والإجتماعي في شرق القارة مرتبط بالعمانيين والمسلم، حتى أن حوالي ?90 من سكان شرق القارة الإفريقية كانوا يعملون لدي العرب في مزراعهم أو متاجرهم
أو منازلهم.
الثاني: هو التغلغل إلى داخل القارة بحجة ملاحقة التجار، وإنشاء مراكز بريطانية هدفها توزيع بضائع شركة الهند الشرقية البريطانية، وتجميع سلع إفريقية من الداخل. وبذلك تتمكن بريطانيا وضع يدها على منابع السلع الإفريقية دون اللجوء إلى
وسيط تجاري.
وهكذا تمكنت بريطانيا اتخاذ مسألة الرقيق حجة ضد الوجود الإسلامي والعربي في شرق القارة، وانتهى الأمر ببذر بذور الفتنة بين العرب والأفارقة. لينتهي الأمر إلى صور جديدة من المآساة.
حملت السفن العمانية والعربية إلى الأفارقة السلع التي يحتاجونها مثل: الموز الذي يحمل من منطقة ظفار، والذي يتميز بذوقه الطيب وكبر حجمه، كما حملوا إلى شرق القارة التمور العربية الشهيرة، والتي كانت تحظى بأهمية عند الأفارقة. وكذلك المنسوجات المتنوعة والبخور والعطور والصناعات الزجاجية والحديدية والتوابل، والأرز واللبان.
(1)
(1) حصاد ندوة الدراسات العمانية، جده، ص 286.
-
459 (1/464)
صفحة 465
ثانيا": الأخطار والصعوبات:
ارتبطت منطقة إفريقية بخطوط ملاحية تربطها بسواحل المحيط الهندي والعالم.
الإسلامي ومن أهم تلك الخطوط الملاحية مايلي:
(1) صحار - شرق إفريقية: -
-:
تبدأ غالبية رحلات السفن العمانية من ميناء صحار على خليج عمان، حيث
المركز التجاري للمنطقة ومن صحار إلى ساحل الزنج تمر السفينة بمحاذاة ساحل شبه الجزيرة العربية الجنوبي حتى سوقطرى عبر المحطات التالية:
(1)
صحار - العوينات - خور الحمام - الجعاريف، بني خالد – الخابورة - بندر - السويق - ودام – المصنعة - رأس السوادي - بركاء - الجرادي – الرميس – بندر السيب - الفحل - الشطيفي – مطرح – ريام - مسقط. (2)
ومن مسقط إلى سداب - البستان - الحصبة - يتى - الخيران - سيفة - ا - الشيخ مسعود - رأس بوداود - قريات – دغمر - فنس - طيوي – رأس قلهات – السنبلة - حتى تصل إلى رأس الحد و
وصور
(4)
(4)
ومن رأس الحد إلى مصيرة تتجه السفن إلى جزر الحلانيات، حتى ساحل ظفار وميناء مرباط ثم تتجه إلى ساحل الشحر ومنها إلى ميناء عدن. أو تتجه إلى سوقطرى من ساحل عمان مباشرة إلى بر الزنج.
(1) مخطوط نفحة الأزهار في علوم البحار، ورقم 76، 77، 78، 79، 80، 81، 82، 83، وزارة التراث القومى والثقافة، المديرية العامة للوثائق والمخطوطات.
(2) الحميري، الروض المعطار، ص 559
(3) عثمان، تجارة المحيط الهندي، ص 89 وما بعدها.
(4) يقول أحمد بن ماجد:
ومن الحد أجر إلى مصيرة في مغيب السهيل كن ذي بصيرة
ومن مصيرة خور با مجرب مجرى صحيحا" للأنام العقرب
**
- النونية الكبرى، تحقيق حسن صالح شهاب، وزارة التراث القومي والثقافة.
-?7.- (1/465)
صفحة 466
ومن حافوني (جفوني (تمر السفن عبر موانئ شرق إفريقية حتى سفالة الزنج عبر المحطات التالية: مقديشو، براوة، وبمبا، لامو، ماليندي، ممباسا، زنجبار، كلوة حتى تصل إلى قنبلو، وقد تتجه إلى جزر القمر ومدغشقر صوب الجنوب الشرقي.
وكانت السفن العمانية تقوم بتجارة الترانزيت في أغلب الأحيان في اتجاهها إلى شرق إفريقية. وكانت السفن تعتمد على نظام دقيق للإبحار، حيث ترتبط مواعيدها بالرياح الموسمية التجارية، وريح الصبا وريح الدبور. كما كانت السفن تستأنف رحلتها في العودة في أحيان كثيرة إلى البصرة. كما كانت السفن تقصد الهند باتجاه ساحل مكران والديبل (1).
وكانت السفينة العمانية المتجهة إلى البصرة تلتزم بأوقات معينة لرحلتها. حيث كانت البصرة مركزاً لتجارة العراق، وكان لأهل عمان دور تجاري نشط في أسواق البصرة في تلك الفترة بسبب تواجدهم الواضح في الميناء منذ البداية، ويسبب موقع بلادهم وخبرتهم الملاحية التجارية مع سواحل المحيط الهندي. وقد أشار المسعودي وغيره إلى دور بحارة عمان في هذا المجال (2)، وذكر المسعودي بأن توجه إلى شرق إفريقية في سفن يملكها عمانيون، وكانت سفنهم في رحلات مستمرة بين الخليج العربي وبين بر الزنج وحتى
(1) من صحار إلى البصرة تمر السفينة بالمحطات التالية على ساحل الخليج العربي الغربي: مجيس، لوي، مرمول، الحميري، القراقير، شناص، البليده، الخضراوية، خطمة ملاحة، كلباء، جبل حتى، مسندم، جزيرة الغنم، خصب، خور الرمس، جلفار جبل هيلي، غوابي، لمحيان، بدع قطر، جزيرة عالي، الحويلة، الزيارة، رأس عشيرج، البريجية، دوحة سلوى، جزيرة بني صالح،
جزيرة البحرين، الرفاع، المحرق، دوحة الدهان، الرمام، لنجوة، سيهات، القطيف، تاروت. رأس تنورة، رأس الجميلية، جزيرة الجريد، جزيرة رأس بو علي، منيعة، جزيرة حرقوص، السنانية، خور الخفجي، جزيرة أم المرادم، لزور، جزيرة قاروة، الشعيبة، الفحيحيل، قصر الفنيطس، جزيرة إم النمل، كاظمة، جزيرة فيلكة، جزيرة سمعان، جزيرة بوبيان، مرقة خور عبدالله، خور
البصرة.
مع العلم أن هناك طريق بحري آخر محاذي للساحل الإيراني يلتقى بهذا الطريق في ميناء البصرة. مخطوط نفحة الأزهار، ورقة 76، 77، 78.
(2) مروج الذهب، جدا و ص 108.
•
-?71 - (1/466)
صفحة 467
سفالة الزنج رغم العديد من الصعوبات التي تواجه السفن (1).
(2) طريق عدن واليمن إلى شرق القارة الإفريقية: -
عبر موانئ القرن الإفريقي وحتى ميناء مقديشو وموانيء شرق القارة التي ذكرناها سابقا. وإن كان معظم سفن أهل عدن تتجه إلى موانيء شمال الصومال وأرتيريا.
(3) طريق السويس إلى شرق إفريقية: -
فتبدأ من السويس فالعقير، مغطس فرعون، القلزم، رأس محمد، شذوان، بربرة، مصوع، زقر، حتى منطقة القرن الإفريقي
(2)
وكانت تلك الطرق البحرية التى تؤدى إلى البر الإفريقي محفوفة بالمخاطر سواء في البحر الأحمر أو الخليج العربي بالإضافة إلى صعوبات الملاحة في المحيط الهندي. وهى صعوبات تدل على أن السلع الإفريقية التي كان مردودها وفيرا، كانت أخطارها عديدة.
فلم تكن الرحلة، بل حفلت بالعديد من صور الآلام والمعاناة، فالسفينة العربية الخشبية البسيطة المقلفطة تسير عبر محيط هائج " تئن، وتنط، وتتقعقع وتتتعتع، وأبصار المسافرين مشدودة إلى السماء، كل يصلى إلى جهة على قدر معبوده ". ومازالت صفحات عديدة من مصادر التراث العربي تحوى على عدد من الآلام التي يواجهها البحارة في رحلتهم عبر المحيط الهندي حتى شبه العرب الخروج من البحر بالخروج من القبر.
وكان الملاح العربي يخرج من بره مستلما لقوى البحر والريح، رابطا مصيره ومصير من معه تلك الألواح التي تشكل سفينة البسيطة، ويتنقل بين قبضات الريح العاصفة والبحار الزاخرة، والأمواج الهائلة. وظلت عمليات الإبحار تواجه العديد من المصاعب حتى ذكر البعض أن سفن المحيط الهندي كان يلاقي العديد منها الغرق بسبب ظواهر المحيط الغامضة التى لا يتمكن الملاح العربي من مواجهتها
(1) مروج الذهب، ج 2، ص 98،6
(2) ابن ماجد، المصدر السابق، ص 127 وما بعدها.
- 462 - (1/467)
صفحة 468
(1)
ومن كثرة الرحلات البحرية عند العرب قديما (1)، كون الملاح العربي تجربة طويل التعامل مع العديد من الظواهر الطبيعية التي اعترضته، ومنها مايلي
(1) الصعوبات الطبيعية في الخليج العربي: -
-:
رغم أن الخليج العربي يعتبر جزء من المحيط الهندي، إلا أنه يشكل مسطحا مائيا مستقلا له ظروفه وظواهره ومشاكله ومنها ما يلي
أ - الرمال المتحركة: -
يذكر الجيولوجيون والجغرافيون أن الخليج العربي في سواحله الغربية، العربية يفتقر إلى رف قاري حقيقي (2)، ومازالت السواحل الغربية مستمرة في عمليات التكوين من خلال الرمال التي تحملها الأودية المنحدرة إلى ساجله من داخل الصحراء العربية باستمرار، وقد ترتب على ذلك تكوين عدد من الأخوار والبحيرات الشاطئية، سهلت بالفعل حركة الإتصال بالبحر، لكنها خلقت مشكلة ملاحية، وهى وجود الرمال المتحركة
(1) يدل النشاط العربي الملاحي في المحيط الهندي على الرد حول ما يردده البعض من أن عرب عمان والخليج العربي والجزيرة العربية مالوا إلى العزلة بسبب ظروف بلادهم القاسية .. وأن معلومات العرب الجغرافيا البحرية كانت تعتمد على التراث البحري اليوناني القديم، وقد ردد ذلك الدكتور / أنور عبدالعليم، وجورج حوراني. والرد على ذلك نورده فيما يلي:
كانت صحراء الربع الخالي بمثابة حاجز لأى توجه عماني صوب الغرب، ولذلك أصبح منفذ عمان الوحيد صوب البحر، فركبوه وأجادوا امتطائه، وأكتسبوا خبرة طويلة مازالت مصادر الملاحة تشيد بتلك الخبرة التي بنيت عليها الملاحة الحديثة في المحيط الهندي يشير موقع عمان وتاريخها على أن أهلها قاموا بدور كبير في مجال الأتصال بين مراكز وعالم المحيط الهندي، وكانت إمبراطورية البوسعيد "دليلا حيا لذلك حينما تمكنت من ربط الساحلين
الآسيوي والإفريقي للمحيط الهندي.
- أنظر حوراني، جورج، العرب والملاحة، ص 26.
عبد العليم، أنور، الملاحة وعلوم البحار، ص 61.
(2) متولي، محمد - أبو العلا، جغرافية الخليج العربي، ص 72.
کاون، روبرت، البحار وما فيها، ترجمة الدكتور عبد الحافظ حلمي، ص 195.
463 (1/468)
صفحة 469
زاحفة تمتد أحيانا إلى موانئ الملاحة التي تتردد عليها السفن. ونلاحظ بالفعل تلاشي موانئ بحرية خليجية كانت مزدهرة في فترة من الفترات، وكان لها شهرتها الهامة في الملاحة في منطقة الخليج العربي في فترة من الفترات. ومع قلة إمكانيات السيطرة على البحار قديما لم يكن في مقدور الملاحين معالجتها
(ب) قلة العمق وعدم وجود رصيف قاري (1):
:
فمن المعروف أن منطقة الخليج العربي تتميز بعدم وجود عمق، سوى في منطقة هرمز، حيث انكسار هناك نتج عنه انفصال جبال زاجروس عن جبال عمان، وتبدو أعمق نقطة هناك حوالي 100 م، أما بقية الخليج فإن عمقه لا يتعدى بضعة أمتار، مما يشكل خطورة الحركة السفن في دخولها إلى الميناء (2)
(ج) كثرة وجود الأخوار: (3)
إذا كانت الأخوار يمثل أماكن للحماية الطبيعية للسفن من الأمواج والرياح، إلا أنها كانت تشكل في كثير من الأحيان ملجأ للقراصنة الذين يتسللون إلى داخل الخليج العربي من المحيط الهندي، ويقومون بشن هجماتهم على السفن التجارة العاملة في الخليج العربي، وكثيرا ما أدت تلك الهجمات إلى توقف الملاحة في كثير من الموانئ وفي الخليج
(2)
(د) الشعاب المرجانية: (5)
وهى من الظاهرات البحرية التي تنتشر في البحار الدافئة، والمياه الصافية، قليلة
(1) تقوم دول الخليج العربي بعمل غاطس في مواقعها لكي تتمكن السفن العملاقة وناقلات النفط من دخول موانئها والخروج منها بأمان.
(2) متولي، محمد، حوض الخليج العربي، ج 1، ص 35، ص 36.
(3) الخور: لسان من المياه يتوغل في اليابس.
(4) حوراني. العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 206.
العربي
في
(5) تتميز مياه منطقة الخليج العربي بأنها مياه دافئة، بسبب وجود منطقة الخليج! أشد جهات العالم. . كما تتميز تلك المياه بصفائها السبب ندرة أمطارها الشتوية، ولذلك تنتشر فيها الشعب المرجانية، ولا يكاد يخلو قطاع من قطاعات الساحل منها، سواء الإيراني أو العربي.
- 464 - (1/469)
صفحة 470
الحركة. وتنتشر تلك الشعاب في مناطق عديدة من الخليج العربي، وقد تعرقل الملاحة
في حالة هبوب رياح تجبر السفن على التوجه إلى مناطقها
(هـ) الرطوبة العالية والحرارة المرتفعة (1)
:
•
يعتبر الخليج العربي خليجا صعيرا نسبيا، وبالتالي فإن مسطحه المائي لايؤثر في خفضه الحرارة للسواحل المجاورة له، بل على العكس من ذلك فإنه يؤدى إلى زيادة نسبة الرطوبة، وارتباط الحرارة بالرطوبة، تجعل العمل في منطقة الخليج العربي في فصل الصيف أمرا شاقا، كما أن الخليج العربي يقع في أكثر مناطق العالم جدي (2)
(و) الدردور:
ظاهرة بحرية تنتشر في الخليج العربي وخليج عمان، وهى عبارة عن حركة التفاق الماء ودورانه مما يهدد السفن التي تقع ضمن نطاقه، وكثيراً ما غرقت سفننا في مناطق الدردور حيث تبلغ سرعة الماء ودورانه درجة من السرعة لا يتمكن فيها البحارة من
الخروج.
(ز) ضيق المدى البحري في الخليج
من المعروف أن الخليج العربي ضيق في اتساعه، ولذلك فإن ظاهرة المد والجزر تكون عنيفة، عما يترتب عليه صعوبة الدخول والخروج من أى ميناء من موانئ الخليج إذا وقعت تلك الظاهرة، ولذلك كان البحارة على علم بمواقيت المد والجزر، حتى يتمكنوا من الدخول والخروج من موانئ الخليج العربي. ويبلغ أعلاه في مناطق الخلجان والأخوار التي تكون مخارجها من ناحية البحر، وتضيق كلما توغلنا في اليابسة فيبلغ في مسقط 7.6 قدما"، وفي البحرين 6,4 قدما على سبيل المثال (3).
(1) الكليب، عبدالملك، مناخ الخليج العربي، ص 71. (2) مساحة الخليج العربي: 92,500 ميل 2، أي 239,000 کم 2 متولى، المرجع السابق، ص
V.
(3) السيرافي، أخبار الهند والصين، ص 972 نشر في مجلة الموسم اللبنانية)
- المزيني الكويت وتاريخها البحري، ص 94.
1?701 (1/470)
صفحة 471
وقد تعرض الجغرافيون كثيرا إلى دراسة تلك الظاهرة، ولكن الآراء الصحيحة هي التي تربطها بالقمر، التي تؤثر جاذبيته في تلك الظاهرة البحرية، حيث تستجيب مياه
البحار لجذب القمر لكونه أقرب الأجرام السماوية إلى الأرض، ويكون لتلك الظاهرة عنصران: أفقى ورأسي.
(1)
(ج) التيارات البحرية:
التي تندفع من الجنوب عبر خليج عمان صوب الخليج العربي عبر مضيق هرمز، وذلك للتعويض نقص مياه الخليج العربي بسبب البحر الشديد وقلة موارده المائية، وتسير تلك التيارات البحرية شمالا" بمحاذاة الساحل الإيراني حتى تصل إلى رأس الخليج العربي، فتأخذ اتجاها معاكسا من الشمال إلى الجنوب بمحاذاة الساحل العربي، ولابد للبحارة من معرفة تلك التيارات حتى لا تعترض من الرحلة البحرية (2)
(2) الصعوبات الملاحية في خليج عمان والمحيط الهندي:
(أ) - التيارات البحرية العظمي:
(3)
:
:
تسود منطقة خليج عمان وشمال المحيط الهندي تيارات بحرية مستمرة، مرتبطة بالمسطح الهائل للمحيط الهندي وتضاريسه. كما تؤثر فيها الرياح الموسمية التي تغير اتجاها من موسم الآخر، وبالتالي تمثل تلك التيارات عقبة للسفن المتجهة إلى شرق
(4)
(1) كما أن تغير المسافة بين الشمس والقمر يترتب عليها تغير القوى المحدثة للمد، فمن هذا أن مدار القمر حول الأرض ومدارها حول الشمس بيضاويان، وهذا يجعل المسافات بين الأرض والقمر. والأرض والشمس تختلف في المواضع المختلفة على مدار النقط الفلكية كما توجد عوامل محلية تؤثر في المد والجزر مثل التضاريس المحلية.
182
، دمشق.
الفندي، محمد جمال الدين، طبيعيات البحر وظواهره، ص 13، مكتبة النهضة المصرية سنة 1960 م. طربوش، أمين، الجغرافيا الفلكية، ص 2 (2) - متولي، محمود أبو العلا، جغرافية الخليج العربي، ص 71. المزيني المرجع السابق، ص 94. (3) وهى حركة المياه في ا المحيط الهندي،، وتبدأ من المدارين وتسير منحرفة حتى تصطدم بشواطئ القارات، ويؤثر فيها عامل التضاريس والرياح. الفندي، طبيعيات البحر وظواهره، ص 170. (4) كاون، البحار ومافيها، ص 228.
- 466 - (1/471)
صفحة 472
إفريقية والقادمة من الخليج العربي. ولابد من ضبط التوقيت من قبل البحارة المعرفة موعد تلك الرياح واتجاهاتها. وقد علل الجغرافيون المسلمون تلك التيارات إلى اتساع المسطح المائي للمحيط الهندي، وهو تفسير مقبول حاليا (1).
(ب) الأمواج:
تشتد أمواج المحيط الهندي في منطقة اتصال بحر عمان بالمحيط الهندي، بسبب عدم تجانس الظروف السائدة بين المسطحين، وغالبا ما تكون أمواجا عالية عاتية قد تشكل عائقا كبيرا للسفن المتجهة إلى شرق إفريقية (2).
(ج) الرياح العاتية:
:
رغم أن الرياح (3) تعد العامل الأساسي في عمليات الملاحة البحرية، والتنقل بين الموانيء، حيث يترتب عليها السفينة وبداية الرحلة ونهايتها، ورغم عدم فهم العرب الكامل لأنواع الرياح ومصادر هبوبها (4) إلا أنهم تمكنوا من القيام برحلات بحرية ناجحة إلى شرق إفريقية وسواحل المحيط الهندي البعيدة اعتمادا على عنصر المغامرة في البداية ثم معرفة الرياح الموسمية الصيفية (الكوس) والموسمية الشتوية (التجارية)، بحيث أصبحت معرفتهم بالرياح الموسمية هي أساس عمليات الإبحار.
(1) القرويني، عجائب المخلوقات، ص 109. ابن الفقيه، كتاب، البلدان، ص 14.
(0)
(2) - شهاب، حسن صالح، شرح وتحقيق لمخطوطتين في فن الملاحة البحرية، ص 109، الكويت سنة 1986 م. كاون، المرجع السابق، ص 21
-
(3) كان هناك اعتقاد عند العرب قديما بأن الرياح مصدرها قاع المحيط من حيوان ضخم يسمى " الوال" الفندي، المرجع السابق، ص 99 (4) تحسنت معرفة الإنسان حاليا حول معرفته بالرياح وإتجاهاتها ومناطق هبوبها بعد ظهور الأقمار الصناعية التي تمكنت من دراسة الغلاف الجوي وحركة التيارات الهوائية.
(5) الرياح التجارية:: هي الرياح الموسمية الشتوية الجافة التي تهب من وسط آسيا صوب المحيط الهندي بسبب تركز مناطق الضغط الجوي في فصل الشتاء على وسط آسيا فتتحرك الرياح من وسط آسيا القاري صوب المحيط الهندي. وتكون جافة لأنها لا تمر على مسطحات مائية. ولكنها سميت بالتجارية لدورها الفعال في عمليات التجارة في الخليج والمحيط الهندي.
- 467 - (1/472)
صفحة 473
لكن الرياح الموسمية تكون عنيفة في بعض الأحيان الأمر الذي يعرض أشرعة السفن وصواريها إلى أضرار جسيمة قد تؤثر على سلامة الرحلة ومسارها، ومن المعروف أن الرياح الصيفية تكون عنيفة قد تصل سرعتها إلى عشرات الأميال في الساعة. . وقد كانت تلك الأخطار من جانب الرياح فيما يلى:
(1) قد تكون الرياح مصحوبة بالعواصف والأمواج العالية، وكثيرا ما عجزت السفن البسيطة عن مواجهة أخطارها، فتكون مصير تلك السفن الفرق
والهلاك.
(2) لا توجد موانيء أو جزر آمنة خلال الخط الملاحي البحري الطويل من منطقة الخليج إلى شرق إفريقية، وكثيرا ما كانت الجزر مأوى للقراصنة.
(3) تؤثر الأمطار على حمولة السفن، وذلك أن السفن العربية كانت مكشوفة ليس لها ظهور، وكثيرا ما أتلفت الأمطار الغزيرة بضاعتها وحمولتها.
ورغم ذلك فإن هناك رياح تؤثر على درجة الحرارة في الخليج وحركة الملاحة بسبب جركة الضغط الجوي بين البحر المتوسط وآسيا. وهى ريح الصبا (1) وريحا
(د) الأعاصير والعواصف:
الدبور
(2)
تنتشر على السواحل الإفريقية ظاهرة الأعاصير المدارية وهي أخطر الظواهر البحرية للرحلة البحرية المتجهة إلى إفريقية من الخليج العربي على الإطلاق وتظهر في ا من سواحل شرق إفريقية. وقد تتحرك داخل اليابس لمسافات قليلة ويبلغ قطر
الشمال
(1)
الصبا: وهى الرياح الشمالية، التي تأخذ انحرافا غربيا، مصدرها هضبة الأناضول وأرمينيا ربع
وهي جافة وباردة ومنعشة.
(2) ربح الدبور: رياح جنوبية تأخذ إنحرافا شرقا تكون غالبا مصحوبة بالرطوبة لأن مصدرها المحيط
الهندي حيث مصدر الرطوبة.
المسعودي، مروج الذهب، جـ 4، ص 147.
- القزويني، عجائب المخلوقات، ص 94، ص 95.
- 468 - (1/473)
صفحة 474
الإعصار المدارى من 100 كم إلى 250 كم.
(1)
وتتولد تلك الأعاصير على المياه الساخنة في المحيط الهندي قرب خط الإستواء أو داخل نطاق الرياح التجارية وتسير معها من الشرق إلى الغرب، ونظرا لتوافر الظروف المواتية للأعاصير في بحر العرب، فإن تلك المنطقة تشهد أعنف الأعاصير في المحيط الهندي. إذ يتحرك الهواء في منطقة الإعصار ويدور حولها في دائرة كبيرة، تكون سرعة حركتها حوالي 500 كم / في الساعة (2).
وكان العرب يسموتها "منطقة النكباء " أو "ريح الحب" ويتبر الملاحون العرب تلك المناطق من أشد وأقصي عقبات الرحلة البحرية إلى شرق إفريقية، حيث تؤدى في العادة إلى إغراق السفن وهلاكها، وقد تقوم السفن في محاولة للإفلات منها بإلقاء حمولتها للتخفيف. ويرجع الفضل للقزويني في وضع أول تفسير علمي للإعصار في تاريخ البشرية في تعريفه بالريح التي تدور حول نفسها في شكل شبه منارة (3).
(هـ) ظاهرة انعكاس التيار في بحر العرب: تتداخل مراحل عديدة بجانب الرياح في حركة التيارات البحرية في شمال المحيط
تلك
الهندي، ومنها أشكال التضاريس في قاع المحيط الهندي وشكل سواحله (4)،، وتؤدى العوامل إلى تغيير إتجاه التيارات البحرية في فصل الشتاء عنه في فصل الصيف، فيتجه التيار من الشرق إلى الغرب في فصل الشتاء بفعل الرياح المنوسمية، وعندما يصل إلى شرقي إفريقية ينحرف بعد خط الإستواء ليغير مساره من الغرب إلى الشرق. أما في فصل الصيف فتنعكس دورة التيار، حيث يندفع من الغرب إلى الشرق. ويكون
(1) أبو العينين، المرجع السابق، ص 173.
(2) - شرف، عبدالعزيز طريح، الجغرافيا المناخية والنباتية، ص 158، الطبعة الثامنة. - الفندي، المرجع السابق، ص 162.
(3) ورغم ذلك فقد حصل العالم الأوروبي "بروكن " على جائزة نوبل للسلام حول وضعه تعريف للإعصار
مطابق لتعريف القزويني.
(1) هذا، وقد انتهت الدراسات العلمية الحديثة إلى إستخدام أجهزة السونار " والأسديك " للحصول على مخطط كامل لقاع المحيط الهندي، يفيد في تحديد مسار التيارات البحرية.
- روسكو، لكن، استكشاف البحار، ص 43، ترجمة الدكتور إلياس شمعون، ايطاليا.
-?79 - (1/474)
صفحة 475
للسواحل الإفريقية أثرها الكبير في هذا الأمر 11
وبسبب كثرة الرحلات البحرية العربية إلى شرق إفريقية فقد تمكن العرب من التعامل معها في رحلاتهم إلى شرق إفريقية. وفهموا سرها حيث ربطوا بينها وبين ظاهرة
(2)
هبوب الرياح الموسمية (2
(3)
:
(و) التألق الضوئي لماء البحر
حفلت مناطق المحيط الهندي بظواهر عجيبة، منها ظاهرة الإضاءة البيولوجية وهى ترجع إلى ظهور عدد من البكتريا والبلانكتون وقناديل البحر وبعض الحيوانات اللافقارية حيث تنعكس أشعة الشمس على جلود تلك الحيوانات عند الأصيل، فيصبح لون ماء البحر أحمرا مما يسبب خوفا وهلعا عند المسافرين والبحارة، وكان لتلك الظاهرة تفسيران
هما: -
الأول: خرافي: ويربطها بوجود عفريت من الجن يهدد سكان الجزر إذا لم يتم تقديم القرايين إليه كل شهر.
الثاني: تفسير ابن ماجد ويرجعها إلى سقوط المطر والطل على البحر ليلا أو إلى ظهور حياة. وقد فسرها ابن بطوطة بأنها تقع أول كل شهر قمري. وترتبط
بالقمر
(4)
(1) الفندي، المرجع السابق، ص 170.
(2) – المسعودي، أخبار الزمان، ص 60، طبعة بيروت.
- ابن خرداذ بة، المسالك والممالك، ص 155، طبعة مكتبة المثنى ببغداد)
-
(3) خاصة بالقرب من بعض جزر المحيط الهندي. وسواحل شرقي إفريقية. عبدالعليم، أنور الملاحة وعلوم البحار، ص 165. - سجلت البعثة الدولية الظاهرة على سواحل الهند وشرق افريقية بصورة مفاجئة وتسببها أحيانا الموت الجماعي للحياة في البحر. كما وقعت في منطقة الحلانيات على الساحل الجنوبية للجزيرة العربية بفعل البلانكتون صغيرة الحجم تشبه لون دم الإنسان تماما.
- انظر اقتحام المجهول الأعظم.، ص 134 وما بعدها.
(4) أنور عبدالعليم، المرجع السابق، ص 36.
- ? V. - (1/475)
صفحة 476
والتفسير العلمي أرجعها إلى أحياء على سطح الماء بغية التناسل أول المد
(1)
القمري
(ز) كائنات غريبة:
تعرضت رحلة السفينة العربية في رحلتها إلى شرق إفريقية عبر المحيط الهندي لكثير من الظواهر والأشكال العجيبة التي صادفت البحارة، وقد حفلت بها كتب الأدب
(2)
العربي ومذكرات النواخذة وحكاياتهم وتعد حكايات السندباد وكتاب عجائب الهند من أهم الكتب التي حدث ذلك الكائنات الغريبة. ومن تلك الكائنات العجيبة التي ترددت على ألسنة البحارة والمسافرين وأصابتهم بالفزع مايلي: دواب البحر، وأنواع من الطيور الضخمة مثل الرخ، ويحوانات بحرية أشبه بالبرية لاتتواجد إلا على البر مثل الفيلة، وطيور أسطورية، وأشكال عجيبة من الإنس ذات أجسام غريبة ونظم حياة خاصة، وأحجام ضخمة من الأسماك في حجم الجزر
(3)
ورغم ما في تلك الكائنات من الجانب الأسطوري إلا أنها تركت آثارها المخيفة والمرعبة في نفوس المسافرين وفي مخيلتهم، حتى أنهم كانوا يفسرونها في جو ملئ بالرعب والخوف والقلق، وكثيرا ما كان بعض البحارة والمسافرين يقومون برمي أنفسهم في البحر خوفا من مجابهة تلك الأشكال، ومازالت حكايات ألف ليلة وليلة
(4)
تحتوى على العديد من تلك الحكايات من قبل البحارة والمسافرين
(1) لاحظ عالم بيولوجي أمريكي تلك الظاهرة على ساحل فلوريدا الأمريكية عبد العليم، المرجع السابق، ص 165.
(2) ألف ليلة وليلة، حكايات السندباد، ج 1، ص 89 - 100، المكتبة الحديثة، بيروت القزويني، عجائب المخلوقات، ص 109، ص 118.
- ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص 63.
اندريه ميكل، جغرافية دار الإسلام، ترجمة ابراهيم خوري، دمشق سنة 1983، جا،
ص 225، 226.
(4) المسعودي، أخبار الزمان، ص 42.
- 471 - (1/476)
صفحة 477
ورغم ذلك فقد كان للبحارة دور كبير في التغلب على تلك الصعوبات الطبيعية في رحلتهم إلى شرق إفريقية عبر المحيط الهندي. وكان ربابنة السفن وبحارتها لهم الدور الكبير في مواجهة العقبات والأخطار والتغلب عليها من خلال
ما يلي:
1 - أصبحت يقظة الريان ضرورية لمواجهة كافة الأخطار طوال الرحلة البحرية الطويلة وتكون عملية اليقظة مستمرة لإدراك أي موقف
(1)
2 - أصبح الربابنة عمان والخليج العربي خبرتهم الطويلة في الرحلات البحرية لشرق إفريقية، فتكونت لديهم معلومات ومبادئ للإبحار كونت ما يشبه " الدليل (2)، للسفر، تحتوى تلك المعلومات على قواعد للإبحار وترتيبات
-3
- L
البحري.
السفينة، والحلول أثناء تلك المشاكل.
أدت الخبرة البحرية الطويلة إلى تنظيم عمليات الإبحار باستمرار حسب مواعيد وفترات معينة، وكذلك الإلتزام بالسير عبر طرق ومسارات محددة، مما أدى إلى تفادي الكثير من تلك الصعوبات والأخطار.
تداولت مصادر التراث البحري أسماء عدد كبير من معالمه البحر من أهل عمان والخليج العربي، وقد تمكنوا من تحقيق مهارة فائقة في معرفة المنازل والمسافات والقياس، وحلول الشمس والقمر، ومواسم البحر، وآلات السفينة. وقضى هؤلاء البحارة معظم حياتهم على صفحة مياه المحيط الهندي فنشأت لديهم تقاليد ونظم للربحار تتسم بالأمانة والحرص على السلامة. وبذلك توافرت لدى هؤلاء الربابنة الخبرة والتجربة الكبيرة.
(1) عثمان، تجارة المحيط الهندي، ص 98.
(2) تحتفظ المديرية العامة للوثائق والمخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطة عمان بعدد كبير من تلك الأدلة البحرية. ومن أهمها:
-
مخطوط في علم البحار. رقم 2516، خاص 38.
مخطوط نفحة الأزهار في علم البحار، رقم 21819، خاص 2 ك.
كما تهتم دول الخليج العربي بهذا الجانب ويظهر ذلك في الدراسات والتحقيقات التي تتم حولها.
- 472 - (1/477)
صفحة 478
وكان قائد السفينة يتمتع بخصال وسمات منها:
- أن يكون على مستوى خلقي رفيع، ثابت الجأش، قوى القلب، مدركا" لقوة شخصيته مع باقى أفراد السفينة
(1)
•
أن يكون حذرا من التكلف والشد على السفينة أثناء مصافقة الرياح القوية.
لأن خطأ الريان كبير.
أن يلتزم بالطهارة وأداء الصلوات، وأن لا يركب معه في سفينته شخص عاص، ولا يركب في سفينته وهو فيها غير مطاع)
(2)
- أن يكون على درجة كبيرة من إجادة الفنون البحرية والملاحية وعلم الفلك تؤهله لمسايرة الظواهر الطبيعية ومعرفتها وتحديد المسافات. وأن يظل مرتبطا بالنجم القطبي الشمالي ليلا، وأن يجعله متوافقا مع البوصلة (الحقه)
- ضرورة حمل أدوات الرصد والقياس مثل: الإسطرلاب (3)، وآلة ربع الدائرة (4)
(1) المزيني، الكويت وتاريخها البحري، ص 58.
(2) الميزيني، المرجع نفسه، ص 57.
•
(3) الإسطرلاب: آلة قياس طورها العرب. لها أهمية في استخراج البرج الذي تكون فيه الشمس وتحديد خطوط الطول ودوائر العرض لأى بلد، ومعرفة القبلة، وتحديد مقدار الارتفاع عن مستوى سطح البحر على اليابسة، وتحديد أوقات الليل والنهار. وقد تمكن العرب من إضافة أشياء عديدة في استخداماتها. ويكون الإسطرلاب على حجمين: الصغير ويحمل مع الربابنة والمسافرين. والكبير ويتم استخدامه في الاغراض الكبيرة. والاسطرلاب يونانية الأصل: معناها مرآة النجوم. ويتكون الإسطرلاب من قرص مرتم تثبت فيه جميع الأجزاء، ثم الشبكة، والمحور والعضادة وهي المسطرة المتحركة. انظر – طلفاح، خير الله، كنتم خير أمة أخرجت للناس، جـ 2، ص 143، بغداد، سنة 1977 م. - ماهر، سعاد، البحرية في مصر الإسلامية، ص 258.
(4)
-
الدائرة " آلة قياس عبارة عن قوس مقداره 90 درجة يثبت فيها ضيعا يتصل بثقل من ربع الرصاص معروف، ناجى، اعراض الفلكية، ص 29 300. .
—
473 (1/478)
صفحة 479
وآلة الكمال (1)، لأن لها دور كبير في تحديد مطالع النجوم والاتجاهات وخطوط الطول ودوائر العرض. وكذلك أن يكون حريصا على حمل البوصلة
(2)
وغير ذلك من آلات السفينة.
كما تمكن بحارة عمان وبحر العرب من إرساء أسس هامة في تقنية صناعة السفن من أجل القدرة على عبور المحيط الهندي إلى جنوب الساحل الإفريقي، فكانت قدرتهم فائقة فص صناعة نوعيات من السفن تمكنت من التغلب على تلك الظواهر والصعوبات التي تقابلها في المحيط الهندي. وكانت تلك السفن تعرف باسم السفن "المقلفطة - (3) آي التي لا يدخل في تركيبها مسمار واحد، وكانت تلك السفن لها القدرة على مواجهة حركة الأمواج، وكذلك تحمل الرطوبة العالية والحرارة المرتفعة التي تعترضها في المناطق المدارية
(1) آلة خشبية طورها أحمد بن ماجد، حتى عرفت باسم خشباب ابن ماجد " عبارة عن شكل متوازي المستطيلات وسطها ثقب يمر به خليط مدرج يحركه الناظر لأخذ القياس.
-
عبدالعليم، المرجع السابق، ص 173. (2) أصل الكلمة ايطالى، معناها الحقة أو الصندوق، وقد شاع استخدامها في العصور الحديثة بهذا الأسم، على أساس أنها الآلة البحرية التى توجه الاتجاه في البحر بخاصيته الإنجذاب للإبرة المغناطيسية نحو الشمال. وكانت تلك التسمية على آخر تطور وقع لتلك الآلة في بداية القرن السادس عشر، حينما تمكن ربان ايطالي يدعى فلامنيو جيولا من تثبيت تلك الإبرة الممغنطة على طرف محور دقيق مثبت في صندوق. وتدل الشواهد على أن أول من ثبت الإبرة المغناطيسية على محور هو أحمد بن ماجد حينما وضع الإبرة المغناطيسية على محور يحمل على عمودين من الخشب، ووضع المحور في إناء به ماء حتى يقلل من حركة السفينة على أخذ الإتجاه والقياس في عرض البحر من أجل دقة القياس. أما
الإبرة فقد استخدمت منذ العصور القديمة.
انظر: - صادق، صبيح، ما ابتدعه العلماء العرب ونسب إلى العلماء الأوروبيين، مجلة آفاق عربية،
العدد 10، ص 35.
البيروني، كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، ص 213 0 214.
(2) وهى السفن التي يتم بنائها بدون استخدام المسامير. أى يتم تركيب أجزائها وتثبيت الألواح وشدها بعضها إلى جانب بعض بدون استخدام مسامير، ثم تبدأ عملية شد الألواح بخيوط من ليف، وبعد ذلك يتم سد ثقوب الألواح عبارة تسمى "صل" من مواد لزجة مع قطن مبلل بها. وتطلي بعد ذلك السفينة بالقار. وتكون لها القدرة بذلك من مواجهة الأمواج لأن ألواحها لا تفلك بسهولة.
- 474 (1/479)
صفحة 480
والإستوائية، كما قادمت نوعية أخشابها التآكل وملوحة البحر. وانتشرت مراكز بناء تلك السفن على سواحل الخليج العربي وبحر العرب، وكانت خاماتها تستورد من أماكن
بعيدة عن
المنطقة
(3) صعوبات الملاحة في البحر الأحمر: -
كانت السفن العربية القادمة من الحجاز ومصر عبر البحر الأحمر والمتجهة إلى الساحل الشرقي لافريقية تواجه صعوبات وأخطار منها:
(أ) - الشعاب المرجانية:
(1)
ومازالت ظاهرة الشعب المرجانية تقلق عمليات الملاحة في المنطقة ودولها حتى الوقت الحاضر، رغم قيام دول البحر الأحمر بعمل علامات للإرشاد في موانئها. ذلك أن البحر الأحمر يعتبر بحرا داخليا، وافي المياه مما أدى إلى ظهور مشكلة الشعاب المرجانية التي تمتد لمسافات بعيدة. وقد عرقلت الملاحة في كثير من مناطق البحر الأحمر. وكانت عمليات الملاحة تتم بحذر شديد في هذا البحر (2).
(ب) قلة المراكز العمرانية:
لا توجد موانئ نشطة وفعالة في مجال الملاحة العالمية على سواحل البحر الأحمر منذ القدم بسبب عدم وجود ظهير قاريء للسواحل الشرقية أو الغربية للبحر، فالبحر الأخر عبارة عن أخدود طويل وسط جبال فقيرة. ولذلك كانت السفن تفتقر في رحلتها الطويلة إلى موانئ تقوم بتجارة الترانزيت بينها أو تتوقف فيها للتردد بالمياه والطعام، إلا نادرا وحتى موانئ البحر الأحمر كانت موانئ صغيرة في عمرانها.
(3)
(1) تعرضت الملاحة في منطقة البحر الأحمر لانتكاسة حديثة بسبب الشعاب المرجانية على السواحل المصرية، ففي سنة 1991 مم تحطمت السفينة المصرية " سالم اكسبريس " بالقرب من ميناء سفاجا المصري وعلى ظهرها العشرات من الركاب الذين راحوا ضحية الحادث.
(2) حوراني، المرجع السابق، ص 169
(3) ابن حبير، الرحلة، ص 45 (أثناء رحلة إلى الحجاز عبر الموانى المصرية). (4) حوراني، المرجع
السابق، ص 174.
- 475 (1/480)
صفحة 481
(ج) القرصنة:
ظلت مشكلة القراضة تهدد الملاحة في البحر الأحمر منذ العصور القديمة، وكانت أشد مناطق القراضة تتركز في جزر جنوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب بسبب قربها من المحيط الهندي، حيث يتمركز القراصنة في جزيرة سوقطري في أغلب الأحيان
(د) تيارات البحر الأحمر:
:
يمثل البحر الأحمر حوضا ضيقا، عرضه في المتوسط 240 كم، وطوله نحو 1800 كم، ويتوسط عمقه نحو 700 م، وقاعه غير منتظم التضاريس إلى حد كبير، ففي منطقة باب المندب في الجنوب لايزيد عمقه عن 100 م، أما في منطقة الشمال فترتفع نسبة الملوحة في مياهه. وتسبب إمتداد البحر الأحمر امتدادا كبيرا من خط عرض 12 درجة شمالا إلى 30 درجة شمالا إلى مروره بتيارات هوائية مختلفة، وأغلبها صحراوي تتميز بالجفاف خاصة في الشمال
مما أدى إلى زيادة كميات البخر من سطح البحر كثيرا على ما يتساقط من مطر بالإضافة إلى أن هذا البحر لا تصله مصبات أنهار مثل البحار الأخرى، كما لا توجد
أودية مستمرة تصب فيه، بل لا تتعدى أهميتها عن كونها أودية قليلة الأهمية. (1)
من هنا فقد اختلفت الظروف المناخية في البحر الأحمر في شماله عن وسطه وعن جنوبه كما يلي:
- ففي شمال البحر الأحمر (شمال خط عرض 1 21) تهب الرياح الشمالية التي تهب من الشمال أو الشمال الغربي، خلال فصل الشتاء من منخفضات البحر المتوسط وشمال إفريقية القادمة من المرتفع الآزوري الأطلسي، مما يترتب عليه دوران الرياح في تلك المناطق وتستمر الإنخفضات في فصل الربيع يصحبها أهوية جنوبية شرقية ساخنة جدا تعرف باسم رياح الأذيب " أما في أواخر الخريف) أكتوبر – نوفمبر) فينجم عن مرور الإنخفاضات أو تولدها على هذه المنطقة الشمالية من البحر حدوث عواصف الرعد المحلية التي قد يصحبها مطر غزير يتدفق ماؤه إلى البحر أحيانا في مجاري صغيرة
(1) الفندي.
، جمال الدين، طبيعيات البحر، ص
187
- 476 - (1/481)
صفحة 482
متعددة
(1)
(2). وقد
وتنتشر في تلك المناطق ظاهرة الدردور، وهو حركة دوران الماء يقطع هذا التيار أو يعكسه أحيانا أهوية ساخنة تقبل من جهة الجنوب أو الجنوب الشرقي من جهة جزيرة العرب أو من المحيط الهندي، مما يؤثر على حركة الملاحة واتجاهات
السفن.
أما الجزء الأوسط من البحر الأحمر: (بين 21 إلى 19 شمالا) فإن تلك المناطق تتميز بانخفاض الضغط الجوي وكثرة حدوث حالات السكون، وتحدث عواصف الرعد في الخريف ويصحبها مطر غزير أحيانا وتهبط فيه الرؤية أو شفافية الهواء، كما تحدث أنواء محلية غاية في الشدة. وبالتالي تحدث تجمعات مائية في شمال البحر في فصل الشتاء وفي جنوبه في فصل الصيف، ولا تتسع منافذ البحر في شماله أو في جنوبه لمرور الماء بوفرة لحفظ المستوى العام للبحر مما يؤدي إلى زيادة نسبة الملوحة خاصة في قاع البحر. وتقل كميات الأوكسيجين
أما البحر الأحمر الجنوب جنوب خط عرض 19 شمالا") فتسوده رياح ما بين الشمالية والشمالية الغربية خلال الصيف إلا أنه في الموسم البارد نوعا ينقطع التيار ليحل محله تيار جنوبي أو جنوبي شرقي، وقد تحدث عواصف من الرعد في أي وقت.
وتؤدى تلك الظواهر الطبيعية إلى عرقلة مسار السفن التجارية الشراعية في البحر الأحمر، خاصة وأنه بحر لاتوجد مدن ومراكز حضارية هامة على سواحله العربية أو الإفريقية "
(4)
كما توجد مشكلة طبيعية في منطقة اتصال البحر الأحمر عند الجنوب بمياه المحيط الهندي، ذلك أن عملية تبادل المياه بين البحر الأحمر وخليج عدن عبر باب المندب لا تتبع الرياح السائدة في كل موسم، ففي فصل الشتاء يسبب التيار الجنوبي الشرقي دفع مياه السطح إلى داخل البحر الأحمر، بينما على الأعماق يفيض ماء البحر الأحمر المرتفع الملوحة إلى الجنوب صوب مياه المحيط الهندي في خليج عدن. أما في الصيف فإن الرياح
(1) الفندي، المرجع نفسه، ص 188.
(2) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 51. وذكر أن تلك المنطقة أخبث مكان في البحر الأحـ (3) الفندي، المرجع السابق .. ص 191.
477 (1/482)
صفحة 483
الشمالية تخرج المياه السطحية من البحر الأحمر، بينما ينتقل الماء إلى أبعاد غير كبيرة
إلى داخل البحر. كما يوجد تيار عميق يخرج من البحر الأحمر بصورة مستمرة.
ونظرا لما يبدو من تعقيد في عمليات التبادل المائي خاصة في الفترة الحارة فإن حسابات التبادل المائي على أساس التوازن في الأملاح غير ممكن. وقد اعتبر العلماء أن ملوحة هذا البحر في ازدياد. وبالتالي أصبحت عملية الإبحار وحياة السفن في هذا البحر عملية شاقة في ظل ظروفه الطبيعية (1)
(د) العروض المدارية والاستوائية:
تتعرض السفن القادمة نحو شرق إفريقية إلى مناخات العروض المدارية والإستوائية وما تتميز به من أمطار غزيرة، وحرارة مرتفعة ورطوبة عالية، وتؤثر تلك الظواهر على حمولة السفن وعلى الركاب وعلى جسم السفينة.
(4) أخطار البر الإفريقي: (الشرق والوسط)
(أ) اعتداءات القبائل والجماعات الزنجية:
فرغم التواجد العربي والإسلامي الواضح على شرق القارة الإفريقية منذ عصور ما قبل الإسلام وعبر العصور الإسلامية، إلا أن هذا التواجد ظل قليلا" في وسط المحيط القبلي الزنجي الذي ظل يتدفق من داخل القارة إلى مناطق الساحل الشرقي الإفريقي. وكانت جماعات البانتو مازالت مستمرة في حركتها منذ القرن الأول للميلاد في تلك المناطق تبحث عن أوطان نهائية للاستقرار بها.
وقد شهدت المنطقة الخلفية للساحل الشرقي لإفريقية صراعات بين القبائل الإفريقية بعضها وبعض، خاصة في فترة بدايات التواجد العربي. وانعكس ذلك في عدم توفر الأمن والاستقرار في المنطقة، وفضل العرب والمسلمين المستقرين في المنطقة الجزر حتى يكونوا في أمن وأمان من غارات القبائل الزنجية (2). وحتى المراكز الإسلامية الساحلية
(1) المرجع السابق، ص 192
(2) عبد الحليم، العمانيون والتجارة والملاحة ونشر الإسلام، ص 305. وما بعدها.
-
- EVA - (1/483)
صفحة 484
(1)
غلب عليها الطابع الزنجي (1) وظلت الدماء العربية محصورة في أضيق نطاق. وظلت
جماعات التجار حذرة في التعامل مع كل تلك العناصر الزنجية القلقة في نظمها
(ب) المشاكل الطبيعية والجغرافية:
يعترض طرق الإتصال بالبر الإفريقي من الساحل الشرقي لإفريقية العديد من المشاكل الطبيعية مثل إنتشار الشلالات التي تعترض طرق الأنهار (2) وسيادة الصحاري والبحيرات التي تعترض طرق الجارة ومن الصعوبات الطبيعية الضغط الجوي والأعاصير حيث تمثل مناطق الارتفاعات الجوية (3) التي تسود المناطق أهم مشاكل الملاحة في شمال منطقة ساحل شرق إفريقية وفي منطقة مدغشقر وسفالة الزنج وهي تتواجد بين مناطق الانخفاضات وتتحرك ولا تطول مدة ظهورها، وتتحرك بغير انتظام وتساعد على عمليات تسخين الهواء تدريجيا
كما توجد ظاهرة الأعاصير الإستوائية في المحيط الهندي عند منطقة خط الاستواء وداخل نطاق هبوب الرياح التجارية، ولذلك تمثل عقبة للسفينة المتجهة إلى شرق إفريقية وتسير تلك الأعاصير عكس الإنخفاضات العرضية. وأهم مناطق الأعاصير منطقة شمال المحيط الهندي وحول جزيرة مدغشقرا، وهي بذلك تمثل خطرا داهما" على السفن المتجهة إلى غرب المحيط الهندي على ساحل إفريقية الشرقي. حيث تستمر في عنفوانها حتى تدخل السفن إلى الساحل.
(4)
وتدور الرياح حول الأعاصير، كدورتها حول الإنخفاضات، مع زيادة هائلة في
(1) ابن بطوطة، الرحلة، ص 285
(2) مثل نهر الزمبيزي، الذي يعترض محراه في الجزر الأوسط منه العديد من الشلالات الشهيرة بشلالات فيكتوريا، كما أن هذا النهر يسير من الغرب إلى الشرق ولذلك لم يكن له دور في خدمة عمليات الإتصال بين البر الإفريقي وداخل إفريقية. (3) الإرتفاعات الجوية هي مناطق الضغط العالي ويصحبها طقس هادئ، وتكثر هبوب الرياح في طبقات الجو العليا. ولذا صفر السماء وترتفع درجات الحرارة أثناء النهار بسبب | ب الأشعاع الشمسى. (4) كما توجد تلك الظاهرة في جزر الهند الغربية والمكسيك وبحر الصين (وتسمى التيفون) وفي اليابان والمحيط الهادي (يسميها الأمريكان بالهريكين).
-
479 (1/484)
صفحة 485
السرعة وكثيرا ما يبدأ الإعصار باتساع يزيد على 80 كم ثم يزداد حتى يصل إلى أكثر من 500 كم. وفى مركز الإعصار يسود الهواء وتنكشف السماء وينقطع المطر، وتسمى تلك المنطقة "عين الإعصار". ثم تتغير الظروف في منطقة محيط الإعصار، فقد تهطل الأمطار بغزارة وتمثل خطورة للسفن.
(1).
وهناك نوع من الأعاصير في منطقة مدغشقر وسفالة الزنج تصل فيه سرعة الرياح إلى 500 كم في الساعة، تحدث تدميرا للسفن في البحر وللحياة علي البر، وقد تؤدي إلى إحداث خراب وتدمير شامل لكل ما تصادفه وتسمى تلك بالنكباء " التي كثيرا ما تعرض السفن في عرض البحر أو حتى السفن الراسية في الموانئ وهى من ظواهر جنوب المحيط الهندي)
(2)
تشكل الغابات مشاكل خطرة أمام جماعات التجار التي قدمت من بيئات ومناطق تختلف في ظروفها عن المنطقة الإفريقية. وكانت تلك الغابات تحتوي على العديد من الأخطار كالحيوانات المفترسة والجماعات البدائية. (3) كما كانت هناك قبائل في تلك المناطق تنتمى إلى أكلة لحوم البشر، وكثيرا ماوردت حكايتها على ألسنة جماعات التجار العائدين إلى المراكز الساحلية.
(ج) الخطر البرتغالي:
:
كان بداية قدوم الخطر البرتغالي إلى شرق إفريقية مرتبطا أساسا بالعداء الصليبي ضد المسلمين منذ قرون سابقة، ولذلك قدمت الأساطيل البرتغالية إلى المنطقة من أجل وضع للسيادة العربية التجارية لمنطقة شرق افريقية والمحيط الهندي، وقد وضح ذلك بجلاء منذ البداية من خلال أعمال وفظائع البرتغاليين ضد الجماعات والمراكز الإسلامية بداية من نهاية القرن الخامس عشر
(4)
(1) يبلغ قطر عين الإعصار 35 كم.
(2) الفندي، المرجع السابق.
اص
164
(3) الجمل، شوقي، تاريخ كشف افريقيا واستعمارها، 37 490.
(4) جمال زكريا، استقرار العرب، ص 318.
- E^.- (1/485)
صفحة 486
ولم تخطط البرتغال لاحتلال الساحل الشرقي لإفريقي فقط بل بدأت تخطط في توجيه الضربات للمسلمين والقضاء عليهم، وبدأت بالفعل عمليات الأسطول البرتغالي ضد المراكز التجارية الإسلامية على مدخل البحر الأحمر وكذلك على سواحل الخليج العربي وبحر العرب وخضعت معظم تلك المراكز التجارية للسيطرة البرتغالية (1).
وبذلك تمكن البرتغاليون من تعطيل التجارة العربية والقضاء عليها في شرق إفريقية بعد أن طبقوا نظام الإحتكار التجاري في المحيط الهندي، وانقطعت الرحلات البحرية العربية إلى سواحل شرق إفريقية، وبدأت عمليات نهب للمراكز التجارية التي أسسها التجار العرب في السابق والتي كانت بمثابة منارات حضارية للقارة وانهارات
(2)
انجازات التجارة العربية السابقة، حتى بدأ التجار المسلمون في سفالة، أرض الذهب، ينسجون ملابسهم بأنفسهم (3)، حيث لم يعد في استطاعتهم جلب المنسوجات من الهند أو غيرها إلى شرق افريقية إلا عن طريق البرتغاليين. وقد أدت تلك السياسات الإستعمارية والجشع إلى عودة الصراعات داخل القارة الإفريقية. وأصبحت مناطق شرق القارة غير آمنة حتى بدأ العهد العربي من جديد على يد اليعاربة والبوسعيد
•
وبذلك تحمل العرب خاصة أهل عمان العديد من الصعوبات والأخطار في سبيل حمل سلع القارة الإفريقية إلى العالم الخارجي، كما تحملوا العديد من المشاق في سبيل نقل سكانها إلى مراتب حضارية جديدة، بعد أن ظلوا في المراحل البدائية. ومهما يكن من مردود سلع شرق القارة الإفريقية فإن الأخطار والصعوبات كانت أعلى منه. وكانت الحصيلة النهائية لتلك الجهود لصالح الأفارقة فقد تعلموا أسس المدنية ونظم الحضارة من ء التجار وهو الإسلام الذي أخذ ينساب بين أجزاء القارة من سواحل وجزر وصحاري وجبال وسهول. بعد أن حمله التاجر في خلقه وأمانته. فحافظ عليه الأفارقة وأصبح منهم العديد من دعاة الإسلام ورجاله.
دين هؤلاء ا
وكانت التجارة وجماعات التجار أهم وسائل انتشار الإسلام ولغته العربية إلى تلك المناطق الجديدة، وجنى التجار ثمار جهدهم في الدنيا والآخرة.
(1) عبد الحليم، المرجع السابق، ص 297
(2) المليباري، تحفة المجاهدين، ص 95. (3) الحويري، ساحل شرق افريقية، ص 96
- EAS- (1/486)
صفحة 487
الخاتمة
" لقد عمل الإسلام على تطوير بلاد الزنوج ولايزال يعمل "
هكذا اعترف مانجو بارك Park ... أحد الرحالة الأوروبيين أخيرا بعد أن جاب
القارة الإفريقية، بأن الإسلام هو دين الأفارقة، وأنه الدين الوحيد الذي يتلاءم مع القارة وسكانها. ولم تبلغ القارة مستويات حضارية في تاريخها القديم، أو الحالي، مثل ما بلغته علي يد المسلمين.
والأمر الأشد غرابة أن العرب والمسلمين لم يسبق لهم أن وضعوا خططا وسياسات من أجل نشر دينهم أو لسانهم، كما يتضح من الجماعات والبعثات التي تبشر بدياناتها وأفكارها حاليا، وأنما طار الإسلام مع العربي أو المسلم مع سلعته التي يتاجر فيها، ومع حرفته التي يعمل ويكسب منها. فإذا كانت الجيوش الإسلامية قد تكبدت المشاق في الفتوحات الإسلامية من أجل كسر حاجز الظلم والقهر عند الفرس والروم والهنود والقوط لينساب الإسلام إلى أقوامهم بلا قيود. فإن الإسلام تخلل عبر القارة الإفريقية من صحرائها وغاباتها وبحيراتها بالحسنى. وكان حرص العرب والمسلمين على حرية الإنسان أيا كان لونه ومستواه، وترك الناس أحرارا، يهدى الله منهم من يشاء. كان هذا الحرص هو الذي شجع الأفارقة على الدخول في الإسلام. ووجد الأفارقة العزة والكرامة والحرية في الإسلام فقلدوا أهله حتى أصبحوا مسلمين.
وقد أدرك رهبان الكنسية الذين عملوا في القارة السوداء خطورة تلك الطريقة المثلى في الدعوة، على وجودهم و جهودهم، ونجاحها في تحول الناس من دياناتهم ومعتقداتهم إلى الإسلام. فيقولراهب أوروبي " فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام يتعرفون عليه وعلى أهله، لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به، وصنفهم به على غيرهم، فمازالوا يفعلون ذلك ويسألون عن الاسلام ويستفسرون حتى وجدوا أنفسهم
- EAY- (1/487)
صفحة 488
مسلمين دون أن يدروا.
و تأسف راهب آخر من أن العرب لم يستخدموا القوة في فرض دينهم الإسلامي، إذ لو فعلوا ذلك لزاد تمسك أصحاب الديانات الأخرى بدياناتهم ومعتقداتهم مهما كانت. وهكذا إنساب الإسلام بين الأفارقة عبر الصحاري والغابات والأدغال، وبين أشد المناطق تمسكا بدياناتها وهي مصر القبطية. ذلك أنه تناسب مع فطرة الإفريقي وعقلية القبطى وآمال البربر، فوجد الجميع فيه ضالتهم بعد رحلاتهم في البحث عن الحقيقة. لقد أثبتت دعوة الإسلام أنها دعوة الحق، وأن الرسلام رسالة البناء والإرتقاء.
لم يسجل التاريخ أن المسلمين جندوا تجارا رفعوا سيفا على رجل ليدخلوه في دينهم، أو قدموا له أى مغريات في أجل ذلك، ولا أكرهوا قبيلة من القبائل في إفريقية أو منطقة من المناطق على الدخول في الإسلام، وإنما كان السيف على حاجز الظلم والقهر والاستغلال.
لقد فجر الإسلام في نفوس الأفارقة العزة والكرامة، وأخرج طاقاتهم الكامنة، وأنعم عليهم بالوحدة والعزة والمنعة بعد أن كانوا مستضعفن أشتاتا" ممزقين بين الروم وغيرهم، وبين نيران العصبية، ونعم الأفارقة بنعمة الإسلام مثلما نعم به العرب من قبل، وانطبق عليهم قوله تعالى:
" واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم وأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم
تهتدون
(1) "
واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فاواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من
الطيبات لعلكم تشكرون
(2)
(1) آل عمران: 103.
(2) الأنفعال: 26
483
- (1/488)
صفحة 489
أصبح الإسلام هو الديانة التي أدت إلى تقدم القارة وتطور القارة الإفريقية فلم
تشهد القارة مراكز حضارية افريقية خالصة قبل الإسلام، سوى حضارة الفراعنة أما بقية المراكز فكانت تابعة لحضارات أخرى مثل قرطاجنة وغيرها. فمع الإسلام بدأ التاريخ القومي للقارة الإفريقية. حيث ظهرت لأول مرة دول إفريقية خالصة في غرب السودان ووسطه وشرقه وعلى سواحلها، وعلى حافة صحرائها. وأصبحت مالي وصنفى وبرنو ودارفور والفونج دول ذات سيادة لها مكانتها العالمية، في زمنها، وظهرت فيها المدارس والجامعات ومراكز العلم والمكتبات، لأول مرة في تاريخ إفريقية.
ولولا العرب لما وصلت إفريقية إلى ماكانت عليه، لقد حملوا إلى القارة دينهم
، ووجد
وتجربتهم، وتحمل العرب الأمانة الكبري في حمل الإسلام إلى تلك النواحي. الإفريقي في العربي عشيرا حسنا وصديقا متواضعا وتاجرا أمينا وحاكما عادلا، فألفهم الناس، وصاروا الجميع مسلمين وعربا وكانت القبائل الإفريقية تتنافس على العربي لينزل نها، فيبدأ معلما وينتهى زعيما ورائدا في منطقتها وتتحول بلادهم على يديه منارة للحضارة والمدينة بعد أن كان يسودها الفوضى والتخلف. ومازالت مناطق إفريقية تحتفظ في ذاكرتها بأدوار رائعة للعديد من العرب. ومازال الأفارقة يحرصون على انتماءاتهم
العربية.
وأقبلت الشعوب الإفريقية على تعلم الإسلام وحفظ قرآنه والتحدث بلغته وأشتركوا جنبا إلى جنب مع العرب في الدفاع عن الإسلام وتبليغ رسالته. وكانت مملكة مالي وصنغي في حالة جهاد مستمر ضد القبائل الوثنية التي حسدت تلك الممالك على ما وصلت إليه من مجد بعد تحولها إلى الإسلام، وظلت رأية الجهاد مرفوعة بفضل ملوك مالي وملوك صنفي حتى تحولت القبائل الوثنية إلى الإسلام وتحولت مناطق السافانا لأول مرة إلى قمة مجدها الحضاري، بحيث عد سلاطينها من أعظم سلاطين العالم في عصرهم، وحسدهم تجار البندقية وجنوه، وأخذوا يدفعوا دولهم للوصول إلى ثروات السافانا.
ولذلك فقد استعرضنا نبذة عن وضع تلك المناطق قبل الإسلام ليدرك القارئ والباحث مدى الآثر الذى تركه الإسلام في القارة، لقد كانت مناطق السافانا تصدر سلعها قبل الإسلام للرومان وغيرهم، ولم يهتم التاجر اليوناني أو الروماني إلا بمكسبه المادي، حتى جاء التاجر المسلم ليحمل عقيدته إلى تلك المناطق ويعرضها بالحسنى دون ضغط أو
- 484 - (1/489)
صفحة 490
إكراه، وكان هو خير سفير لدينه، فانساب الإسلام بين الأفارقة، وأصبح التجار دعاة دون أن يدروا. وارتبطت القارة الإفريقية لأول مرة بالعالم الخارجي وتعاملت مع قوى العصور الوسطى تعامل الند للند، بما أحرزته من نظم ورقي وتقدم.
وكان التاجر العماني بحق، أكثر من ترك بصمات على طول ساحل افريقية الشرقي، بل امتد أثره إلى الداخل، ليتم على يده ربط ساحل المحيط الهندي الإفريقي. بساحلها الغربي المطل على المحيط الأطلسي عبر طرق برية، وأضاء تلك الطرق بمستوطنات ومراكز حضارية تركت آثارها الإيجابية على القارة وحقق هذا التاجر نصرا" سياسيا حديثا، حينما تمكن من ربط الساحلين الآسيوي والإفريقي في دولة إسلامية واحدة هي دولة البوسعيد التي جعلت لنفسها عاصمتين احداهما آسيوية في مسقط، والثانية إفريقية في زنجبار. وكانت تلك أول تجربة في التاريخ. ومازالت آثار شرق القارة الإفريقية تشهد بمدى إخلاص التاجر العماني وأمانته ونشاطه وإخلاصه.
واصطدمت جهود التجار العمانيين والعرب والمسلمين بأحقاد جديدة وفدت من الغرب، فبدأت محاولات جديدة من أجل طمس الدور الإيجابي الذي قام به المسلمون في القارة، لكن أهل القارة الذين أسلموا تحملوا عباً الدفاع من جديد عن دينهم وعن مكتسباتهم. لكنهم بدأوا يدخلون وسط مؤمرات جديدة مفتعلة من الديون والفقر والجهل والمرض والمجاعة. وستظل القارة هي قارة الإسلام فلو بعدت عنه فإن ذلك ابتعادا عن هويتها وتراثها ومجدها
- 485 (1/490)
صفحة 491
- LV 3 - (1/491)
صفحة 492
- AV 3 -
Tropens an
RICA
الطلبة
NIGRITARY
خارطة افريقيا إستنادا إلى الحسن الوزان (خارطة رسمها ما تيا هاسيو 1737 م)
15 cm
16 - 5 (1/492)
صفحة 493
- EAA -
بر الظلمات مار
شکل (2) (1/493)
صفحة 494
البحر
الأحمر
دنقلة
الأبيض
الأبيض
دارفور
جبال النوبا.
الدنكا
الحالا
شکل (3)
أهم مراكز السودان الشرقي
البحر
الكفرة
کوار
باراك
الفاشر
بحر العرب
سجلماسة به
المحيط
شكل (4)
أهم واحات الصحراء الكبرى وطرق القوافل عبرها
الأطلسي
- EA 9 - (1/494)
صفحة 495
المحيط الهندي
قرطاج
راسة
صفاقص
جزيرة جربة
حيم
عقبة بن نافع
النوبة
کانم
البانتو
المحيط الأطلسي
(بحر
الظلمات)
موسى في تضيع قول المطلة
بلا
الطوارق
غانة
خارطة الفتوحات الإسلامية في إفريقية شکل (5)
الأبيض
المتوسط
القبائل
راس
نوميديا
شط الجريد
خدامس
شکل (6)
إفريقية الرومانية.
-?9.-
وادي نهر ملوية (1/495)
صفحة 496
المتوسط
الأندلس
الأغالية
البحر
بجودة
حيل تقوية
الرستميون
الأدارسة
الصفرية
الي
الكبرى
السودان الغربي
الفقر
الصحراء
شکل (7)
دول شمال إفريقية المستقلة في القرن الثالث الهجري
جلف
داهومي
غانا
ما حل الفاج
المحيط
الأطلسي
زعامات غرب السودان في القرن 19
xx ساموري التوري. الحاج عمر.
شکل (8)
-291 - (1/496)
صفحة 497
الهند
السند
بندر عباس
جزر سيشل
المحيط الهندي
شبه جزيرة العرب
السودان
الحبشة
أوغندا
امتداد السيادة العمانية في شرق إفريقية
شکل (9)
قادمكة
تختلو
نباي
فوتا جالون
قبائل الموشي
أشانتي
رموم بلم
شکل (10)
قبائل الماندنجو وقيام مملكة مالي
- Ear-
المحيط
الأطلسي (1/497)
صفحة 498
عمان
اليمن
ملاجاشي
البحر المتوسط
مصر
الصحراء الكبرى
بودان الشرقي
بحيرة تشاد ها
سفالة
الكنفو
جنوب إفريقية
المحيط الهندي
الأطلسي
شکل (11)
دور عمان في نشر الإسلام في داخل إفريقية
- Ear- (1/498)
صفحة 499
أولا: المخطوط
السكندري: أبو الفتح نصر عبدالرحمن، ت 561 هـ / 1165 م. كتاب الأمكنة والمياة والجبال والأثار ونحوها المذكورة في
الأنصاري
الأخبار والأشعار، مخطوط بمكتبة المتحف البريطاني.
: (شيخ الربوة (شمس الدين ابي عبدالله بن أبي طالب الدمشقي
نحبة الدهر في عجاءب البر والبحر، مخطوط لدى المكتبة
الإسلامية، روي، مسقط، سلطنة عمان، عن نسخة ليبتزج.
التميمي: عثمان بن عبدالعزيز منصور؛
-
النصف الأول من كتاب نزهة الأبصار في ذكر الأقاليم وملوك الأمصار، دار الكتب المصرية، 150 ب تيمور.
ابن وصيف شاه:
عجائب الدنيا، المتحف البريطاني، لندن، النادي
الثقافي، مسقط، سلطنة عمان.
- مؤلف مجهول:
-
السلوة في اخبار كلوة، نسخها محمد بن حسن الرمضاني في يوم 1405/ 2/26 هـ الموافق 1984/ 11/10 م، من نسخة زنجبار التي نسخها من قبل عبدالله بن مصبح ا الصوافي سنة 1294 هـ، التحف البريطاني لندن، رقم، وهي محفوظة حاليا" بالمديرية العامة للوثائق والمخطوطات، زارة التراث القومي والثقافة مسقط، سلطنة عمان.
مخطوط رقم 1828 عا / 11 ك، كتبة ناصر بن علي بن ناصر الخضوري، سنة 1339 هـ، وانتقل الى ملكية سالم بن مسلم بن يوسف الحتروشي
سنة 1360
-292 - (1/499)
صفحة 500
وط رقم 1827 عام / 10 ك، مجهول المؤلف، والناسخ والمالك من أوله إلى آخره، المديرية العامة للوثائق والمخطوطات، مسقط
مخطوط رقم 2516 عام / 38 ك، تاريخ النسخ 23 مادي الآخر سنة 1321 هـ، المديرية العامة للوثائق والمخطوطات مسقط
نفخة الأزهار في علم البحار، منسوخة سنة 1352 هـ، ملك محمد بن ناصر بن محمد، تحت رقم 1819 عام / 2 ك المديرية العامة للوثائق
والمخطوطات، مسقط.
معدن الأسرار في علم البحار، 3 أجزاء، ملك الشيخ ناصر بن علي الخضوري، تاريخ النسخ سنة 1364 هـ، رقم 1843 عام / 26 ك، المديرية العامة للتراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان
-290 - (1/500)
صفحة 501
ثانيا: المصادر العربية
- ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبدالكريم، ت
360 هـ / 1232 هـ
الكامل في التاريخ، دار الفكر بيروت، 1398 هـ / 1978 م
- الإحسائي، محمد بن عبدالله بن عبد المحسن آل عبدالقادر الأنصاري، تحفة المستفي بتاريخ الإحساء في القديم والجديد الرياض.
- الإدريسي، أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله، ت 584 هـ / 1153 م. - نزهة المشتاق في إختراق الأفاق، بيروت، بدون تاريخ.
- الأسدي محمد بن خليل، القرن التاسع الهجري / الخاس عشر الميلادي. كتاب التيسير والإعتبار والتحرير والإختيار، تحقيق دكتور عبد القادر أحمد طليمات، الفكر العربي، سنة 1968 م.
الأصفهاني، الحسن بن عبدالله، ت 310 هـ / 122 م.
بلاد العرب، تحقيق حمد الجاسر، والدكتور صالح العلي، دار اليمامة، الرياض، المملكة العربية السعودية، سنة 1968 م.
- الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمد القرشي، المعروف بأبي الفرج الأصفهاني، 356 هـ / 966 م.
-كتاب الأغاني، إشراف وتحقيق إبراهيم الإبياري، طبعة دار
الكتب المصرية، دار الشعب، القاهرة سنة 1389 هـ / سنه
1969 م.
- الإماء الشواعر، تحقيق دكتور فوزي حمود الغيسي، والدكتور يوسف السامرائي، عالم الكتب، بيروت،. سنة 1984 م.
- إبن أبي أصيبعة، موفق الدين أبو العباس حمد بن قاسم، 668 هـ / 1296 م
-247 - (1/501)
صفحة 502
عيون الأنباء في طبقات الأطباء، بيروت، بدون تاريخ.
- بزرك بن شهريار، الناخذاه الرام هرمزي، ت بداية القرن الرابع الهجريي. كتاب عجائب الهند، ليدن، سنة 1883 م.
ابن بطوطة، عبدالله بن محمد ابراهيم اللواتي، ت 799 هـ / 1369 م. - تحفة الأنظار في الأمصار وعجائب الأستار، تقديم وتحقيق محمد عبد المنعم العريان، راجعة مصطفي القصاص، دار إحياء
العلوم، بيروت، سنة 51407/ 1987 م.
البكري الأندلسي، عبدالله بن عبدالعزيز، ت 487، هـ / 1094 م. - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تحقيق مصطفي السقا، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1403 هـ / 1983 م.
- المسالك والممالك، تحقيق دكتور عبدالله يوسف الغنيم، ذات
السلاسل، الكويت، 1977 م. .
- اليلادي البحراني، الشيخ على بن الشيخ حسن.
- أنوار البدريين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين، تحقيق محمد علي رضا، النجف الأشرف، سنة 1377 هـ.
- البلاذري، أحمد بن يحيى، ت 279 هـ.
فتوح البلدان، مكتبة النهضة المصرية، الشاهرة، 1956 م.
البيروني، أبو الريحان محمد بن أ أحمد ا البيروني.، ت 440 هـ / 1048 م. - تحقيق ماللهند من مقبولة في العقل أو مرذولة، عالم الكتب بيروت الطبعة الثانية، 1403 هـ / 193 م.
- الآثار الباقية عن القرون الخالية، مكتبة المثنى، بغداد.
- كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتب، الطبعة الثالثة (1/502)
صفحة 503
- الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن مجر، ت 255 هـ / 868 م.
- كتاب التبصر بالتجارة، المطبعة الرحمانية، مصر 1354 هـ - كتاب التاج في أخلاق الملوك، تحقيق فوزى عطري، بيروت.
کتاب البخلاء، تحقيق فان قلوتن، بيروت، بدون تاريخ. - الحيوان .. تحقيق الدكتور يحيى الشامي، دار مكتبة الهلال، البيان والتبين، دار صعب، بيروت - بدون تاريخ.
-
- الجزري، عزالدين ابن الأثير.
- اللباب في تهذيب الأنساب، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ
- ابن جبير، أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير، ت 114 هـ / 1217 م.
- رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك، دار
مكتبة الهلال، الطبعة الثانية، بيروت، سنة 1986 م.
- الجدي الحجازي، الشيخ عبدالقادر بن أحمد بن محمد
ابن حزم
السلاح والعدة في تاريخ جدة، تحقيق مصطفي الجدي، دار ابن كثير، دمشق، 1408 هـ / 1988 م.
الأندلسي، أبو محمد على بن أحمد بن سعيد، ت 456 هـ /1063 م. - جمهرة أنساب العرب، راجعه لجنة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1403 هـ / 1983 م.
ابن حوقل النصيبي، أبو القاسم محمد، ت 380 هـ / 992 م. - صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، بدون تاريخ.
- الحموي، شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت، ت 626 هـ / 1228 م. - معجم البلدان دار صادر، بيروت، بدون تاريخ.
- الحميري.، محمد بن عبد المنعم، القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي.
-891 - (1/503)
صفحة 504
- الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق دكتور إحسان عباس،
مكتبة لبنان، الطبعة الثانية، سنة 1984 م.
ابن خياط، أبو عمرو خليفة بن خياط الليثي العصفري.، ت 240 هـ / 854 م. - تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق دكتور أكرم ضياء العمري، دار
القلم
، دمشق، الطبعة الثانية. سنة 1397 هـ / 1977 م.
- ابن رستة، أبو على أحمد بن عمر
- الأعلاق النفيسة، دار إحياء التراث، بيروت، 1408 هـ
- ابن سعيد المغربي، أبو الحسن على بن موسي، ت 677 هـ، 1291 م. - كتاب الجغرافيا، تحقيق اسماعيل العربي، المكتب التجاري،
بيروت، سنة 1970 م.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، ت 310 هـ / 920 م.
تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، دار
المعارف بالقاهرة.
- ابن الفقيه المهداني، أبو بكر أحمد بن محمد، المعروف بابن الفقيه.
- مختصر كتاب البلدان، دار إحياء التراث، بيروت، 1408 هـ
/1988 م.
- ابن قتيبة، زبو محمد عبدالله بن مسلم، ت 276 هـ / 889 م.
- المعارف، تحقيق دكتور ثروت عكاشة، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.
- عيون الأخبار، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1343 هـ / 1925 م.
- القرشي، أبوزيد محمد بن أبي الخطاب، ت 170 هـ / 786 م.
- جمهرة أشعار العرب، دار بيروت للطباعة، 1404 هـ (1/504)
صفحة 505
- القرشي، يحيى بن آدم، ت 203 هـ /818 م.
- كتاب الخراج، تحقيق حسين مؤنس، دار الشروق، القاهرة.
- القزويني، زكريا بن محمد بن محمود، ت 682 هـ / 1283 م. - آثار البلاد وأخبار العباد، دار بيروت، 1399 هـ، 1979 م.
-
- عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، بيروت.
- القلقشتندي، أبوالعباس أحمد بن على بن أحمد، ت 821 هـ / 1418 م. - نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، بغداد، سنة 1378 هـ /
1958 م. صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القاهرة، 1332 هـ / 1914 م - قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان، تحقيق ابراهيم الإبياري، دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1383 هـ / 1963 م
- المسعودي، أبو الحسن على بن الحسين بن على، ت 346 هـ / 957 م. - أخبار الزمان، دار الأندلس، بيروت، بدون تاريخ.
- التنبيه والأشراف، دار مكتبة الهلال، بيروت، 1981 م.
-
- مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محى عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1408 هـ / 1988 م.
- المقدسي، أبو عبدالله محمد بن أحمد، ت 390 هـ / 1000 م.
الدين
- أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، تقديم دكتور محمد مخزوم
، دار إحياء التراث.، بيروت، 1408 هـ / 1987 م.
- ابن المقفع، عبدالله بن المقنع.
- كتاب كليلة ودمنة، (ترجمة إلى العربية) بيروت
- المليباري، الشيخ أحمد زين الدين المعبري، ت 991 هـ / 1583 م. (1/505)
صفحة 506
-
- تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين، تحقيق محمد سعيد الطريحي، دائرة المعارف الهندية المركز الثقافي العربي الهندي، بيروت، 1405 هـ / 1985 م.
ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم، ت 711 هـ / 1311 م. - لسان العرب، بيروت، دار صادر، بدون تاريخ. - نثار الأزهار، شرح أحمد عبد الفتاح تمام، بيروت، 1409 هـ /
1988 م.
- ابن النديم.، محمد بن أسحق، المعروف بالورق، ت 438 هـ / 1046 م. - الفهرست، تحقيق دكتورة ناهد عباس، دار قطري بن الفجاءة،
قطر، سنة 1985 م.
- الهمداني، الحسن بن أحمد بن يعقوب، ت 334 هـ / 1041 م.
- صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن على الأكوع، دار اليمامة، الرياض، السعودية، 1977 م.
- الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير، الكتاب العاشر: الدار اليمنية، الطبعة الثانية، 1408 هـ.
- اليعقوبي، أحمد بن يعقوب بن واضح، (ت 284 هـ / 897 م). - كتاب البلدان، دار إحياء التراث، بيروت، 1408 هـ
- أبو العرب
- تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت بدون تاريخ.
أحمد، محمد بن بن تميم القيرواتي (ت 333 هـ). طبقات علماء افريقية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، بدون
المقريزي، تقى الدين أحمد بن علي، (ت 845 هـ)
- اتعاظ الحنفا بأخبار الآئمة الفاطميين الحنفا، تحقيق د. د. جمال الدين الشيال، القاهرة، سنة 9 = 1948 م.
- السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق د. محمد مصطفي زيادة،
10.11 (1/506)
صفحة 507
ثالثا: المراجع العربية:
- أبو العلا، محمد، دكتور.
موقع عمان الجغرافي، وعلاقاتها المكانية، دار النهضة
العربية، القاهرة، 1405 هـ / 1985 م.
- العائلة البشرية، القاهرة، 1950 م.
- إبراهيم زرقانة، دكتور.
- أحمد، أحمد علي.
- كلوة تاريخها وحضارتها من القرن العاشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين، رسالة ماجستير، غير منشورة، جامعة القاهرة
، 1983 م.
- السيد، أحمد لطفي.
- قبائل العرب في مصر، القاهرة، 1935 م.
- المجذوب، عبدالعزيز
- الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزبيرية، تقديم على الشامي، تونس، سنة 1975 م.
- الدوري، تقى الدين عارف.
- صقلية، علاقاتها بول البحر المتوسط الإسلامية من الفتح العربي حتى الغزو النورمندي، بغداد، سنة 1980 م.
- الجنحاني، الحبيب، دكتور.
- المغرب الإسلامي، (3) - 4 هـ - القرنين 9 - 10 م)، الدار التونسية للنشر، بدون تاريخ.
10.11 (1/507)
صفحة 508
- الشاطر، عبد الجليل.
- تاريخ حضارات السودان الشرقي والأوسط، سنة 1972 م.
التكروري
، احمد بابا.
نيل البتهاج بتطريز الديباج، دراسة وتحقيق ناطق صالح، رسالة ماجستير، غير منشورة، القاهرة،1972 م.
إبراهيم طرخان، دكتور.
الإسلام والممالك الإسلامية بالحبشة في العصور الوسطي،
القاهرة، 1959 م.
- إمبراطورية غانة الإسلامية، مصر سنة 1970 م. - دولة مالي الإسلامية، دراسة في التاريخ القومي الإفريقي الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973 م.
- العقاد، صلاح - زكرنا، جمال:
- زنجبار، سلسة الألف كتاب، القاهرة،
- الشيخ، رأفت غنيمي، دكتور:
- إفريقيا في التاريخ المعاصر، القاهرة، 1982 م.
الشيباني، سليمان بن عبدالله
- مملكة زنجبار، بدون تاريخ شر ومكان نشر.
- الجمل، شوقي، دكتور
تاريخ کشف افريقيا واستعمارها، القاهرة الطبعة الثانية
1980 م.
- السديس، عبدالرحمن بن علي
- تطور حركة انتشار الإسلام في شرق إفريقية في ظل ولة
18.71 (1/508)
صفحة 509
البوسعيد (1248 - 1349 هـ) (1832 - 1930 م) رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود (غير منشورة).
الرياض 1987 م.
- الحداد، محمد، دكتور.
- حقائق تاريخية عن العرب والإسلام ي افريقية الشرقية،
- النقيرة محمد عبدالله، دكتور.
- إنتشار الإسلام في شرق إفريقيا ومناهضة الغرب لة، الرياض.
- الغنيمي، عبدالفتاح، دكتور
حركة المد الإسلام في غرب إفريقيا، جامعة القاهرة، بدون تاريخ
- الحويري، محمود،، دكتور
- ساحل شرق إفريقية، دار المعارف، 1986 م.
- أبو العلا، محمود، دكتور
- جغرافية شبة جزيرة العرب، القاهرة،1972 م.
- جغرافية العالم الإسلامي، مكتبة الفلاح، الكويت 1981 م.
- أبو العينين، حسن سيد احمد، دکتور.
- آسيا الموسمية وعالم المحيط الهادي، دار النهضة العربية بيروت الطبعة الثامنة، سنة 1404 هـ / 1984 م. الموارد الإقتصادية، مؤسسة مكاوي، بيروت، سنة 1979 م.
- أبو الليل، محمد مرسي
- الهند، تاريخها وتقاليدها جغرافيتها، سلسة الألف كتاب.
مؤسسة سجل العرب، القاهرة سنة 1965 م.
-3°0 - (1/509)
صفحة 510
احمد، السيد مقبول، دكتور.
- صف الهند وما يجاورها من البلاد، مأخوذة من كتاب نزهة المشتاق في إختراق الأفاق، رسالة دكتوراه، نشرت في الهند
سنة
ة 19954 م.
- إسماعيل، فاروق، دكتور
- المدخل الي الإنتروبولوجيا، الإسكنرية سنة 1978 م.
- الأمين، اسماعل.
- العمانيون رواد البحار، ضياء الريس، لندن. 1990 م.
- أميني، نور عالم خليل.
- المسلمون في الهند، دار الصحوة، القاهرة 1409 هـ / 1988 م
- الباشا حسن،، دكتور.
- دراسات في الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، بدون. - المدخل الي الثار الإسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة.
- بافقية، محمد عبد القادر
- تاريخ اليمن القديم، بيروت، سنة 1986 م.
- الدبر، سليمان بن سعدون، دكتور
- بكير، بحاز.
- منطقة الخليج العربي، الكويت، سنة 1987 م.
- الدولة الرسمية دراسة في الأوضاع الإقتصادية والحياة الفكرية
، الجزائر، 1985 م.
- الجرافي، القاضي عبدالله عبدالكريم.
1001
1 (1/510)
صفحة 511
- المقتطف من تاريخ اليمن، بيروت، الطبعة الثانية، سنة
1407 هـ 1987 م.
الجعبيري، فرحات، دكتور
- البعد الحضاري للعقيدة الأباضية، مسقط، سنة 1408 هـ /
1987 م.
- جيان، بحار
- وثائق تاريخية ومعلومات جغرافية وتجارية عن سواحل افريقية
الشرقية، دونت سنة 1856 م، نقلها إلى العربية يوسف كمال القاهرة سنة 1345 هـ / 1927 م.
- الحداد، السيد علوي بن طاهر
- المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصي، عالم المعرفة، جدة، المملكة العربية السعودية، سنة 1405 هـ / 1985 م.
- آل حفيظ، علي بن محسن.
- من لهجات مهرة وأدبها، مسقط، سنة 1987 م.
- حميدة، عبد الرحمن، دكتور
- جغرافية آسيا، دار الفکر، دمشق، سنة 1408 هـ 1988 م.
- الحوفي، أحمد، دكتور.
- تيارات ثقافية بين العرب والفرس، دار نهضة مصر
- الخازن، نسيب وهيبة الشيخ.
- من السامين الي العرب، بيروت، 1962 م.
- أبو خليل، شوقي.
- أطلس التاريخ العربي، دار الفكر، دمشق، سنة 1404 هـ.
18.71
4 (1/511)
صفحة 512
درويش، أحمد، دكتور.
- مدخل الي دراسة الأدب في عمان، دار الأسرة للطبع والنشر
مسقط، سنة 1992 م.
- دلو، برهان الدين
- جزيرة العرب قبل الإسلام، دار الفارابي، بيروت، 1989 م.
- زكي، عبدالرحمن،
السلاح في الإسلام، دار المعارف في مصر، بدون تاريخ - المسلمون في العالم، القاهرة 1958 م.
- زيتون، محمد محمد، دكتور.
- المسلمون في الشرق الأقصى، دار الوفاء، المنصورة،
1405 هـ / 1985 م.
- سالم، السيد عبد العزيز، دكتور.
- دراسات في تاريخ العرب، تاريخ العرب قبل الإسلام،
الإسكندرية بدون تاريخ.
- سعيد، أحمد، دكتور.
- البيروني، دار المعارف، مصر، 1980 م.
- سليم، أحمد امين، دكتور.
- في تاريخ الشرق الأدنى القديم، دار النهضة العربية، بيروت،
1989 م.
- إيران منذ أقدم العصور حتى أواسط الألف الثالث ق-م، دار
النهضة العربية، بيروت سنة 1408 هـ / 1988 م.
- سليمان، أحمد السعيد، دكتور. (1/512)
صفحة 513
- تاريخ الدولة الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة، دار المعارف
،مصر، سنة 1972 م 10 نقل عن التركية وأضاف إلية).
- سوسة، احمد، دكتور.
•
- العرب واليهود في التاريخ، المكتب العربي للإعلان والنشر والترجمة، دمشق؛ الطبعة الرابعة سنة 1975 م
- الشامي، أحمد عبد الحميد، الأستاذ الدكتور.
في تاريخ العرب والإسلام، الأنجلو، الطبعة الأولى، 1976 م - الخلفاء الراشدون، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1982 م. - الدولة الإسلامية في العصر العباسي الأول، الأنجلو، الطبعة الثانية، القاهرة، سنة 1986 م.
- العلاقات التجارية، بين دول الخليج والشرق الأقصى، وأثر ذلك في بعض الجوانب الحضارية في العصور الوسطى، النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1978 م.
- صالح، عبدالعزيز، دکتور.
- الشرق الأدنى القديم، الأنجلو المصرية، القاهرة 1976 م.
- الصيني، بدر الدين حى،
- العلاقات بين العرب والصين، القاهرة سنة 1370 هـ/
1950 م.
-.
- عابدين، عبد المجيد
- تاريخ الثقافات العربية في السودان، بيروت، سنة سنة 1967 م.
- العبادي، مصطفي، دكتور.
- تاريخ العرب قبل الإسلام، بيروت، بدون تاريخ.
- V'o — (1/513)
صفحة 514
- عبد الجواد، توفيق أحمد، دكتور.
تاريخ العمارة والفنون في العصور الأولي، الأنجلو المصرية، الطبعة الثالثة سنة 1983 م.
- عبد الحليم، رجب محمد، دکتور
العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، مكتبة العلوم،
مسقط، سنة 1410 هـ / 1989 م.
عصفور، محمد أبو المحاسن. دكتور.
- المدن الفينيقية، بيروت، 1981 م.
- العقاد، صلاح، دكتور، قاسم، جمال زكريا.
زنجبار، سلسلة الألف كتاب، الأنجلو المصرية، بدون تاريخ.
العقاد، صلاح، دكتور.
- التيارات السياسية في الخليج العربي، الانجلو المصرية،
القاهرة، 1974 م.
- علي، جواد، دكتور
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين. بيروت، الطبعة الثانية، سبتمبر، 1977 م.
•
تاريخ العرب في الإسلام، الطبعة الأولى، دار الحداثة، بيروت، 1983 م.
- علبي، أحمد، دكتور:
العهد السري للدعوة العباسية (من الأمويين إلى العباسيين) ثورة العبيد في الإسلام، دار الآداب، بيروت، 1985 م.
0.9 - (1/514)
صفحة 515
- المياركبوري، أظهر، القاضي الهندي.
-
العرب والهند في عهد الرسالة، ترجمة عبدالعزيز عزت
عبد الجليل، القاهرة، 1973 م.
-
رجال السند والهند إلى القرن السابع، دار الأنصار، القاهرة 1398 م، جزمان
-
العقد الثمين في فتوح الهند وماورد فيها من الصحابة والتابعين، دار الأنصار، القاهرة، بدون تاريخ.
- متولى، محمد، دکتور، أبو العلا، محمود،، دكتور.
المزيني
-
، أحمد عبدالعزيز.
جرافية الخليج العربي، مكتبة الفلاح، الكويت، 1982 م.
-
الكويت وتاريخها البحرى، (رحلة الشراع) دار السلاسل، الكويت، 1407 هـ / 1986 م
-
الشعوب والسلالات الإفريقية، الدار المصرية للتأليف
- محمد، محمد عوض، دكتور.
والترجمة، 1965 م.
- موسى، على حسن.
العواصف والأعاصير، دار الفكر، دمشق، سورية، 1986 م
- مؤنس، حسين، دكتور.
-
الإسلام الفاتح، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة. 1408 هـ
- الناضوري، رشيد، دكتور.
-
المدخل في التحليل الموضوعي المقارن للتاريخ الحضاري والسياسي في جنوب غربي آسيا وشمال إفريقية، الكتاب الأول، الكتاب الثاني، دار النهضة العربية، بيروت بدون تاريخ.
181.1 (1/515)
صفحة 516
رابعاً: المراجع الأفرنجية:
:
Beachey (R.w.)
- The slave Trade of Eastern Africa, London, 1970.
- Bahannan (P.) & Curtin (P.):
- Africa and Africars, New York, 1971.
- Blyden :
- Chriaitianity,Islam and the Negro Race, London.
- Burno:
- Cany:
- A History of Niojeria, London, 1955.
Britain and West Africa, London, 1945.
- Dauidram (B.):
Africa in History, London, 1974.
- Tage (J.D.):
- A History of Africa, London, 1979.
- Jreedman (G.):
- The East Africa Coast, Oxford 1962.
- Kinejsnath (G.W.):
- Africa South of the Sahara, Combridge, 1962.
10111 (1/516)
صفحة 517
- Leevis (J. M.):
- Islam in Trapical Africa, London, 1980.
- Hagber (S.J.):
- The Mohammedan Emirats of Nigeria, Oxford, 1930.
- Hallingo Warth (L.W.):
-
Ashort History of the East Coast of Africa, London,
1951.
- Trumingham (S.):
- Islam in the Sudan.
- Islam in the West Africa.
- Micheal (M.):
-Ahistory of the Arabs in the Sudan, Combridge, 1922.
- Adlaff (R.):
- West Africa New York, 1964.
- Palmer (S.):
- The Maharm of Main Hume Jilne in Barnu, London, 1936.
- The Barnu Sahara Sudan, London, 1936.
- Welsh (A.):
- Africa South of the Sahara, London, 1951.
017 - (1/517)