صفحة 1
الكتاب: الميزابيون والبناء الحضاري
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
تاريخ النشر: شوّال 1436هـ / أوت 2015م
الطّبعة: الأولى
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الميزابيّون والبناء الحضاري
نشر جمعيّة التّراث
القرارة، ولاية غرداية، الجزائر (1/1)
صفحة 2
الميزابيّون والبناء الحضاري
الطّبعة الأولى
شوّال 1436هـ/ أوت 2015م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الإيداع القانوني:
ردمك:
حقوق الطّبع محفوظة للمؤلّف (1/2)
صفحة 3
نشرجمعيّة التّراث
القرارة، ولاية غرداية، الجزائر
بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} (سورة التّوبة/ 105) (1/3)
صفحة 4
/
ويتميّز المجتمع الميزابي بحيويّة بالغة، خاصّة في الجانب الاقتصادي، وبالتّضامن القويّ الذي يربط بين أفراده في الأفراح والأتراح. أما الميزة التي يتفرّدون بها عن باقي أطياف المجتمع الجزائري، فهي المرجعيّة الدّينيّة، المتمثّلة في حلقة العزّابة ...
الميزابي شخص هادئ ومسالم بطبعه، عاش بجانب أخيه العربي والتّارقي؛ جنبا إلى حنب، في تسامح وتعايش نموذجي. لم يعكِّر صفوَ العلاقة مع جيرانه إلّا بعض الأصوات الطّائفيّة البغيضة التي تريد استحضار قضايا خلافيّة من عمق التّاريخ لتجعل منها وقود حرب مستعرة، لا تُبقِي ولا تَذَر ..
الكاتب: عبد الغفور ديدي
نحن في حاجة إلى نموذج نثبت فيه أنّ الإسلام ليس موتًا، وأنَّ العروبة ليست لعنة، وأنَّ الشّعر [ليس] غرابًا ينتظر خراب المدن لينعق فوقها، ويقف على دمنها وبقاياها للبكاء. (1/4)
صفحة 5
هل شاء الله تعالى أن تكون غرداية نموذجًا لكلّ الوطن العربي في التّعالي على الحقد؟ هل قدّرها وهي الجميلة أن تعلّم كلَّ مدن الخريطة العربيّة كيف تتخطّى النّار لتركض برجلها في مغتسل بارد وشراب؟
ما أحوجنا إلى مدينة قدوة، فكونوا معنا جميعًا، ولو بأمنيّاتكم لتكون غرداية كما يجب أن تكون مدينة تغري غيرها من المدن لتكون بمثل قامتها وبمثل قلبها الكبير.
سأذهب بعيدًا لأقول: دون كلِّ المدن هذه المدينة لها في قلبي ما ليس لغيرها من مدن البلاد .. أشبّهها بعابدة حافظة للقرآن أصيلة .. خجولة. ولذلك فأنا لا أراهن على أيّ شيء فيَّ وأنا أقصدها، بل أراهن على كلِّ شيء فيها .. وأعرف أنّها لن تخذلني. أنا شاعر الرّسول صلّى الله عليه وسلّم .. وهي عاشقة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم .. وكلانا في الهوى أحمديّ، فإنّ العيون عليك .. عليّ .. علينا ..
الأديب: محمد جربوعة
البحث المعمّق ينبغي أن ينصبَّ حول لماذا تمَّ تحطيم الصّناعة الميزابيّة، التي كانت تشكّل عصب الحياة الاقتصاديّة للمنطقة، من خلال سياسة الاستيراد الأعمى للخردوات المختلفة ومنتجات الصّناعات الصّغيرة والمتوسّطة؟
البحث المعمّق ينبغي أن ينصبَّ حول كيف تمّ تحويل مركز الثّقل المالي من أيدي عائلات شريفة ذات مصادر للثّروة معروفة وشرعيّة منذ قرون من الزّمن إلى أيدي عصابات أصبحت تجمع المال الفاسد بطرق غير مشروعة، وتريد أن تتحكّم في المجتمع الميزابي من خلاله؟
البحث المعمّق ينبغي أن ينصبَّ حول مدى تأثير التّكنولوجيات الجديدة للاتّصال في النّسيج الثّقافي المتماسك منذ قرون، وضعف البديل المقدّم لتحصينه من التّخريب والهدم؟
البحث المعمّق ينبغي أن ينصبَّ حول كيفيّة صيانة الشّخصيّة الميزابيّة من الذّوبان وتوفير كافّة الوسائل لترقيّتها وتعميم نموذجها النّاجح في التّضامن والتّكاثف الاجتماعي عبر كلّ ربوع الوطن. (1/5)
صفحة 6
البحث المعمّق ينبغي أن يشمل كلَّ هذه وأكثر، إذا أردنا بالفعل أن تصبح غرداية هي الجزائر، والجزائر هي غرداية. أمّا دون ذلك فحديث على هامش الموضوع.
سليم قلالة، أستاذ جامعي
مقدّمة
حين يَضِلُّ الفردُ أو الجماعة عن سبيل العمل البنّاء، وحين تلتبس عليهم وسائل الفعل الحضاري، وإذا ما تجاوز الأمر إلى التّلفيق والكذب على النّفس والإضرار بها، بسوء التّدبير في توجيهها إلى الأقوم من السّلوك، والأهدى من السُّبل، والأجدى من الطّرق ... يصبح التّذكير بتجارب من سار في مضمار البناء الحضاري واجبّا، بل حقًّا لمن تَاهَ وَتوَّهَ معه من هو تحت وصايته وكفالته ومسؤوليّته .. ؛ عساه يفيق من غفلته، ويقوم من غفوته، وينهض من كبوته، ويتفطّن إلى هفوته .. وعسى ينتفع المغرَّرُ به والمُضلَّلُ عن سواء السّبيل في العمل الصّحيح، والفعل السّليم .. ويُفيدُ ممّن ساروا في درب البناء الحضاري بخطًى ثابتة وصحيحة، مركَّزة وراسخة .. فيفعل كما فعلوا، ويبني كما بنَوا، فيصل إلى ما وصلوا، ويحقّق حقيقة كونه خليفة الله، الذي أَنْشَأَنَا من الأرضِ واسْتَعْمَرَنَا فيها .. فَلْنُعمُرْها بما يرضيه، وكما يريدُ .. من هذا المنطلق ووَفقَ هذا المنظور يكون نقل تجارب من سار في الدّرب الحضاري، هو من الواجب الحضاري ..
هذا ما أردنا تقديمه في هذا الكتاب بما جمعناه بين دفّتيه من أعمال، سبق أن نشرناها في سنوات عديدة، في مختلف وسائل النّشر وأماكنه، في ندوات وجرائد ومواقع إلكترونيّة .. حانت فرصة تقديمها للقارئ الكريم مجموعةً فقمنا به.
يقدّم الكتاب أعمالاً تخصّ الميزابيّين وما قدّموا من أفعال حضاريّة، أسهمت في تحريك الحياة الجزائريّة بخاصّة، وأعمالاً أخري تحمل طابعَ المشاعر نحوهم، وصبغةَ المنافحة عنهم، حين مُسَّ بكرامتهم، ونيلَ من تاريخهم وأعمالهم، وحين شُوِّهَت سمعتُهُم وُنسِبَ إليهم – زورًا وبهتانًا – ما (1/6)
صفحة 7
ليس من أعمالهم، أو غُمِط حقُّهم فيما قدّموه من أعمال جليلة وجهود كبيرة في المسار الحضاري.
نقرأ في هذه المقالات، وفي هذا الصّنف من الكتابة، التي نشرناها في الكتاب سمات حضاريّة، ورؤى ثاقبة وخطوات مهمّة ... في العمل والبناء والتّشييد والتّأسيس للنّشاط الفعّال .. من هذه الزّاوية، سمحنا لأنفسنا بإدراج هذه المقالات ضمن ما أسميناه عنوانًا للكتاب: " الميزابيّون والبناء الحضاري".
أيّها القارئ الكريم!! اعلم أنّك إذا عرَّفتَ بميزاب والميزابيّين، أو دافعتَ ودفعتَ عنهم الشّبه والأباطيل، التي ألصقت بهم، أو آزرتَهم، أو أّشَدْتَ يمآثرهم .. وجدتَ نفسك تعرّف بحضارة، وتكشف عن قيم، وتدعو إلى صلاح، وتسير في طريق النّهوض بالمجتمع، وتمضي في سبيل القيام بأداء الأمانة ... لذا جمعنا في هذا الكتاب بين التّعريف بالميزابيّين والدّفاع عنهم، وردّ الشّبهات والأباطيل عنهم؛ لأنّ في كلّ ذلك وفي طيّاته بيانًا لمعالمِ حضارة، نبتت في تربة زكيّة، وبُنِيَت على أسس متينة صحيحة، أصولها في الأرض؛ ثباتًا ورسوخًا وتجذُرًا، وفروعها في السّماء؛ سموقًا ورفعة وعلوًّا وشموخًا ... أتت أكلها ثمارًا يانعة، بإذن ربّها، وتبقى وتَظلُّ منتجة طيّبات من الأعمال، بتوفيق من الله العليّ القدير، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والنّاصر للعبد المحسن .. مهما يلحقه من ضرر وعنت وكلّ أنواع التّنكيل والأذى ...
ممّا قام به الميزابيّون في أعمال وحهود، وما مارسوه من أنشطة نقف على التّنوّع في البناء الحضاري، والتّكوين والإعداد الفكري والثٌقافي، والتّربيّة الأصيلة القويّة .. ما يعطي لهم خصائص العمق في تفكيرهم ورؤاهم وتخطيطاتهم، ويمنحهم صفات الشّموليّة والتّكامليّة في أعمالهم، ويميّزهم بخلال تقديم النّفع والفائدة لمن يحتاج إليها، من دون استثناء .. هذه المميّزات هي التي صبغت نشاطهم وعملم بالصّبغة الحضاريّة ..
الكلمات المفاتيح التي وردت في الكتاب تعدُّ مرتكزاتٍ في نسيج ما تضمّنه الكتاب، وهي: (ميزاب، ميزابي، ميزابيّون، الإسلام، العقيدة، العروبة، الجزائر، الوطن، الوطنيّة، الفكر، الثّقافة، الشّخصيّة، الهويّة، التّاريخ، الحضارة، العمارة (وما اشتقّ منها)، البناء، التّكوين، الإعداد، (1/7)
صفحة 8
التّربيّة، التّعليم، جماعة، الجماعيّة، التّفكير، التّخطيط، العمل، الفعل، الجهاد، الوَحدة، اللّحمة، التّماسك، التّعاون ... )
قراءة ما جاء في الكتاب؛ باستصحاب هذه الكلمات، بدلالاتها وأبعادها، وعمق ما تحمل من إيماءات، وما تقدِّمه من إيحاءات .. تعين على إدراك حقيقة المجتمع الميزابي الذي كان حاضرًا بقوّة في المواقع والمواقف والمواطن التي برزت فيها الجزائر – وما تزال تظهر – قويّة عزيزة أبيّة. بانيّة للحضارة التي حسدها عليها من يريد لها أن تكون جسمًا متهاويًا متهالكًا متساقطًا، ممّن لا يريد لها الخير من الدّاخل والخارج ...
أرجو أن يرجع القارئ الكريم، إلى ما قرأ عن الميزابيّين إيجابًا وسلبًا، وما نشر عنهم عن حقٍّ أو باطل، ويحكّم عقله وضميره وإدراكه ومسؤوليّته الدّينيّة والأخلاقيّة والوطنيّة في ذلك كلّه، ويتحاور مع ذاته بصدق وموضوعيّة ... فيقنعها بالحقيقة التي تخدم المصلحة العامّة، وتسهم في البناء الحضاري لكلّ ملمح ومنشط له به صلة، وموطن وموقع له فيه مسؤوليّة، لتكتمل رسالة الجميع، وهي العمل من أجل توحيد الصّف، ولمِّ الشّمل، والتّعاون على كسب القوّة التي ترهب العدوّ، وتعين على التّشييد، بدل صرفها فيما يذهب الرّيح، ويكسر الشّوكة، ويعيق عن التّقدّم والتّطوّر.
نحن نريد مسيرة حضاريّة، ننفع بها أنفسنا والعالمين كلّهم، فإسلامنا دين جاء بواسطة نبيّنا محمد عليه الصّلاة والسّلام لكافّة النّاس، ليكون رحمة للعالمين، يهديهم إلى ما فيه البناء والتّشييد والحضارة والسّعادة والسّلام والهناء ...
أرجو أن نكون موفّقين في بلوغ الأهداف المنوطة بهذا العمل في هذا الكتاب، وأن يكون مرمانا واضحًا بَيِّنًا عند القارئ الكريم، وهو تبليغ رسالة حضاريّة محضة، تخدم البناء الدّاخلي لمجتمعنا، وتقدّم خدمة جليلة لأجيالنا الصّاعدة التي تنتظر منّا العون والعمل الحضاري لتهيئته لخوض معركة الحياة بقوّة وعدّة وثقة في النّفس ..... {إنُ أريدُ إلاَّ الاِصلاحَ ما استطعتُ وما تَوْفيقِيَ إلاَّ بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وإليهِ أُنيبُ} (هود/ 88) (1/8)
صفحة 9
القرارة يوم الجمعة: 29 من شوّال 1436هـ
14 من أوت ... 2015م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ملاحظة: في هذه الطّبعة الثّانيّة للكتاب إضافات
الميزابيّون ورعاية اللّغة العربيّة (1)
اللّغة العربيّة مقوّم أساس في الهويّة العربيّة الإسلاميّة؛ لأنّها - ببساطة - اللّغة التي بها نفهم الدّين الإسلامي، وبها ننقل فكرنا القومي، وعليها نعتمد في المحافظة على كياننا الإسلامي، ومنها نستمدّ حماستنا للدّين الإسلامي، إليها نلوذ لنحمي الملّة الإسلاميّة. يقول الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان (1888 – 1973م): " لا يخفى أنّ اللّغة العربيّة لغة الدّين الإسلامي، لغة القرآن المجيد، لغة الحديث الشّريف، لغة التّدوين والتّأليف في الإسلام، لغة التّخاطب والتّفاهم بين سائر المسلمين في الدّنيا والآخرة.
__________
(1) - بحث ألقي في " ندوة جهود أمازيغيّة في خدمة العربيّة وتراثها "، من تنظيم المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر، فندق الأوراسي، الجزائر، يوم: 17 من محرّم 1428هـ/ 5 من فيفري 2007م. ونشر في جريدتي: الشّروق والحوار الجزائريّتين. (1/9)
صفحة 10
فهي الصّلة بين الله تعالى وعباده، وبين رسوله وأمّته، وبين شرعه وعباده، وبين الأوائل والأواخر، وبين الغائبين والحاضرين." (1)
إنّ اللّغة العربيّة حسب ما ورد في النّصّ، هي:
1 - الأسّ الذي يقوم عليه الدّين الإسلامي.
2 – الوسيلة التي تؤلّف بِها أصول الدّين الإسلامي، وتنقل إلى المسلمين في مختلف العصور والأزمنة.
3 – هي لغة التّخاطب والتّفاهم بين المسلمين في الدّنيا والآخرة.
4 – هي الواصلة والرّابطة بين الخالق وعباده، بين رسول الله وعباد الله، بين شريعة الإسلام والمطبّقين لها.
إنّ اللّغة العربيّة بهذا العرض والتّقديم والتّقرير، هي المحور الذي تدور حوله حياة الأمّة، وهي البؤرة التي تنصهر فيها كلّ أفكارها، وهي الزّاوية التي تتحدّد فيها فلسفتها، وهي الرّكيزة التي تستند إليها كلّ مظاهر الشّخصيّة القوميّة؛ لذا وجب الاهتمام بها، ورعايتها وحمايتها، بل إحياؤها والنّهوض بها، لتحي الأمّة، موصولة الوشائج، وثيقة الصّلة بٍما يمتّ إليها بسبب: " وإحياؤها إحياء لتلك الصّلة الكبرى والرّابطة العظمى والحبل المتين، وإماتتها إماتة لتلك. وسعادة المسلمين منوطة بإحيائها، لا من حيث كونها لغة قوميّة فقط - وحياة القوميّة بحياة لغتها، وموتها بموتها – ولكن من حيث كونها لغة الدّين، ولغة الشّريعة أيضًا. إذ لا تُتلقَّى هذه كما يجب، إلاّ بإتقان تلك، وتفهم أساليبها ومناهجها عند أئمّتها وأمرائها. " (2)
إنّ هذه الملاحظات أو المعطيات التي قدّمها الشّيخ أبو اليقظان عن اللّغة العربيّة، تجمع بين الأصول والأهداف التي تربط حقيقة الأمّة. بمعنى أوضح، إنّ الاعتناء والاهتمام بها، يسمح بوضع المنتسبين إليها في خطّ مستقيم، لا انحراف فيه ولا حيدة عنه. وعدم رعاية هذه الأمور يخرج أفراد الأمّة عن هذا الخطّ المستقيم.
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان، " اللّغة العربيّة غريبة في دارها"، جريدة وادي ميزاب (الشّيخ أبو اليقظان)، ع: 55، 03/ 11/ 1927م. المقال من دون إمضاء. وهو للشّيخ إبراهيم أبي اليقظان.
(2) - المصدر نفسه. (1/10)
صفحة 11
هذه النّظرة أو الوجهة تتناغم وتنسجم مع حقيقة الشَّرع ومنهج الإسلام اللّذين حدّدتهما الآية الكريمة: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقََ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1)
هذه النّظرة إلى اللّغة العربيّة، وهذا المفهوم الذي أُعطِي لها، هما اللّذان دفعا بالعلماء الموجّهين المرشدين المربّين، والقادة الزّعماء في منطقة وادي ميزاب، إلى أن يهتمّوا بهذه اللّغة أداةَ بناء للفرد، وقاعدةَ تمييز للهويّة، ووسيلةَ تحصين للذّات. فخطّطوا لتحقيق هذا الغرض. فكانت هذه اللّغة جزءًا أساسًا في كلّ مخطّطاتهم في النّشاط والتّحرّك.
لكلّ ذلك ارتأينا أن نبدأ - في كلمتنا هذه - مِمّا يجب أن يُبْدَأَ به، ونحن نعرض تجربة من سبقنا في مجال خدمة اللّغة العربيّة، وجهودهم في ذلك. إنّ البداية تكون من البناء وتشييد الأسس ووضع المنطلقات؛ حتّى يُؤسَّس البنيانُ على القواعد الثّابتة، وتكون استفادتنا من العروض جيّدة ومهمّة، عسانا نوفّق إلى تصحيح أخطائنا في التّعامل مع اللّغة العربيّة في المجال التّربوي والتّكويني.
المنطلقات والأهداف
يمكن حصر هذه المنطلقات، وهي أهداف في الوقت نفسه في النّقط الآتية:
1 – التّركيزُ على الإسلام دينًا وقيمًا روحيّة وأخلاقيّة، والعروبة لغة وفكرًا وثقافة، تبرز وتسيطر وتهيمن على كلّ الميادين التي يتطلّبها الإصلاح، وتنشدها النّهضة، وتدعو إلى ذلك ضرورة البقاء وفرض الذّات، والابتعاد عن الاستلاب والهيمنة الخارجيّة ...
2 - المحافظةُ على الشّخصيّة الإسلاميّة، وردّ الاعتبار للّغة العربيّة، بصفتها مقوّمًا مهمًّا وأساسًا في الهويّة. وقد حرص المربّون والمكوّنون أن تكون اللّغة العربيّة، وتبقى فصيحة نقيّة في الألسنة؛ للوقوف أمام موجات المسخ والفسخ والتّشويه والتّضليل ... لذا كان الحفاظ عليها هدفًا من أهداف الحركة الإصلاحيّة. وقد اتّخذ هؤلاء الموجّهون المربّون من القرآن الكريم حجر الزّاوية في بناء الشّخصيّة الإسلاميّة العربيّة الجزائريّة، إلى جانب
__________
(1) - سورة الأنعام، الآية: 153. (1/11)
صفحة 12
المرتكزات الأخرى من السّنّة النّبوية الشّريفة والأدب العربي الأصيل ... التي كانوا يوجّهون إليها الطّلبة ..
3 – الكشفُ عن أسرار هذه اللّغة، وتعميق الصّلة بينها والنّاشئة، وتوفير وسائل تعلّمها وتشرّبها وتوظبفها في الحياة العمليّة.
هذه الأهداف دفعت بالموجّهين إلى التّخطيط لها تخطيطًا يتناسب مع أهميّة هذه اللّغة ومكانتها ودورها. والقيام بعمليّة التّوجيه؛ بما يستجيب لتحقيق الأهداف المسطّرة. فكيف خطّطوا؟ وكيف وجّهوا؟
التّخطيط والتّوجيه
اللّغة العربيّة كانت مندرجة ضمن الإصلاح الشّامل الذي تبنّاه القادة والمربّون. والاهتمام بها كان ينضوي ضمن رسالة التّوجيه والإرشاد، التي تحمّلوها وتبنّوها. لذا كانت حاضرة في المناهج التّربويّة، والبرامج الثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة. بمعنى أوضح وأصرح: إنّ اللّغة العربيّة كانت حاضرة حيث يكون التّخطيطُ والتّوجيه؛ لذا أُلْبِسَ الاهتمامُ بها لبوسًا وبُعدًا دينيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ...
ممّا اهتمّ به القادة والزّعماء والموجّهون لَفْتُ النّظر إلى نقط رئيسة في التّنشئة والإعداد، والتّركيز على مرتكزات التّكوّن. فالشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (1899 – 1981م) وهو يحدّث النّشء عن تجربته في مجال التّكوّن، خصّ مجالَ تفسير كتاب الله، وبيّن ما يجب على من يريد التّصدّي لذلك من العدّة والعتاد: " والذي أعرفه هو أنّ الذي يريد تفسير القرآن، يجب أن يكون دارسًا للعربيّة من قبل، متمكّنًا في علومها، ونحن قد درسنا في معاهدنا العلوم العربيّة كثيرًا: النّحو والصّرف والاشتقاق والبلاغة. هذا هو الذي مكّننا من العربيّة.
إذا تمكّن المرء من العربيّة سهل عليه التّفسير، وإذا كان عارفًا لمعاني الحروف التي فصّل فيها الحديثَ ابنُ هشام في المغني، فإنّه يعرف من أسرار القرآن ما لا يعرف من دون ذلك، بشرط أن يكون ذكيًّا، يستطيع (1/12)
صفحة 13
الغوص والإدراك، أمّا إذا كان ناقصًا في علوم العربيّة، فإنّه لا يستطيع أن يتعمّق في فهم القرآن." (1)
أساس الانطلاق يجب أن يكون صحيحًا، فمن أراد أن يقول شيئًا في كتاب الله، الذي نزل باللّغة العربيّة، عليه أوّلاً أن يتكوّن ويتمكّن في هذه اللّغة. تقرير الشّيخ بيّوض لهذه القاعدة، هو في الحقيقة توجيه لتحديد المنطلق في البناء والتّكوين، الذي يعقب نجاحًا وفلاحًا في الممارسة في الميدان.
ينقل الشّيخ بيّوض تجربته، ويسجّل نتائجها: " وأعزو نجاحي في تفسير القرآن إلى الله تبارك وتعالى، الذي يوفّقني كثيرًا، وأعزوه كذلك إلى حصيلتي من العلوم العربيّة، التي اعتنينا بها في معاهدنا أيّام التّلمذة، وفي مدرستي معهد الحياة، الذي درّست فيه مدّة طويلة العلوم العربيّة، فازددت لها إتقانًا. إنّ هذه الذّخيرة في العلوم العربيّة هي النّافعة لي في التّفسير، ومن فقدها يتعثّر، لا يستطيع أن يسلك في الطّريق بيسر، لهذا فإنّ من يدّعي أنّ شيئًا قليلاً من العلوم العربيّة يكفي غالطون في دعاويهم. صدق من سمّى علوم العربيّة علوم القرآن، التي تخدم القرآن. فبالنّحو والصّرف والاشتقاق والبلاغة خدم أوائلنا القرآن، وهي حقًّا أدوات التّفسير، ومن أوتيها وأوتي فهمًا وذكاءً، فإنّه يستطيع السّير في التّفسير كأنّه على فرس سابق، لا على حمار أدبر، إنّ تجربتي دلّت على ما أقول." (2)
هذه التّجربة في التّعامل مع اللّغة العربيّة، بداية من تعلّمها، ومرورًا إلى تعليمها، ثمّ تقدّمًا إلى توظيفها في الميدان بوعي وإحكام ودراية، يدلّ على أهميّة هذه اللّغة في الحياة. ويكشف عن الاهتمام الكبير بها مقوّمًا أساسًا، ومُعطًى مهمًّا في البناء والإعداد. تسجّل التّجربة – أيضًا - الفضل للموجّه والمربّي في خدمة هذه اللّغة، والمحافظة عليها.
لم يكتفِ الشّيخ بيّوض بهذا الإرشاد، وهو يدعو إلى الاعتناء بالتّمكّن من اللّغة العربيّة، فأردف قائلاً: "وكذلك دراسة الأدب العربي البليغ، وحفظ الكثير منه، شعرًا ونثرًا، ممّا يجب على من يريد التّمكّن من العربيّة؛
__________
(1) - محمّد عليّ دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1398هـ/ 1978م، ص: 129.
(2) - المصدر السّابق، ص: 129، 130. (1/13)
صفحة 14
ليستطيع الوعظ والخطابة وتفسير القرآن. وهذا ما وفّقني الله إليه، فقرأت الكثير من الأدب، وحفظت منه الكثير، لا سيّما شواهد النّحو والصّرف والبلاغة في الكتب القديمة، التي درسناها على مشايخنا رحمهم الله. إنّ هذه الشّواهد أدب بليغ، وهي تحفظ قواعد النّحو والبلاغة في النّفس. إنّ هذه الثّروة الأدبيّة من المحفوظ تمدّ الإنسان في التّدريس وفي الوعظ والخطابة ... فمن بدا له أن يستغني عن هذه الثّروة، فيزهد فيها، فإنّه لا يتعمّق، ولا ينفذ إلى الأسرار، ولا يتفقّه في اللّغة العربيّة، ولا يتشرّب روحها ... إنّ كلّ العلوم النّافعة تخدم القرآن، وهي أدوات المفسّر، ولكنّ العلوم العربيّة في مقدّمتها، فواجب على من أراد تفسير القرآن أن يتقنها إتقانًا كبيرًا. " (1)
التّركيز في النّصّ كان على (التّمكّن من اللّغة العربيّة، وإتقانها إتقانُا كبيرًا) إنّ هذا لا يدلّ إلاّ على شيء واحد، هو: إنّ اللّغة العربيّة علم لابدّ أن يعتني به ويولى أهميّة كبيرة وخاصّة، مادام هو الأساس والمعتمد والمنطلق في فهم كتاب الله العزيز، الذي هو الدّستور الذي يوجّه حياة المؤمن، فما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب. فالتّرابط بين اللّغة العربيّة والقرآن الكريم قويّ ومتين، والصّلة بينهما وثقى لا تنفصم ولا تنفصل.
يسجّل الشّيخ محمّد عليّ دبّوز (1919 – 1981م) شهادة تبيّن العناية التي كان يوليها أستاذه الشّيخ بيّوض للّغة العربيّة، وهو يعدّ طلبته الإعداد السّليم، ويبنيهم البناء الصّحيح، ويهيّئهم لحمل الرّسالة الثّقيلة، والأمانة العظيمة، والمرتكز كان اللّغة العربيّة، يقول عن شيخه: " يقول لنا في درس دلائل الإعجاز في البلاغة، وفي درس الأمالي في الأدب: إنّ غرضي من هذه الدّروس أن أنشئَ عقولاً تفهم بلاغة القرآن، ونفوسًا دارعة بعدّة الفصاحة والبلاغة. إنّ جهادنا يستلزم هذه العدّة ... " (2)
إنّ همّ الشّيخ بيّوض انصبّ على الإنشاء، وإعداد العدّة، وتوفير الدّروع. فالظّرف ينشد ذلك، والمعركة تطلب هذا. والجهاد يستلزم مثل هذا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 130.
(2) - محمّد عليّ دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1389هـ/ 1969م، ص: 38. (1/14)
صفحة 15
الأمر. فالمطلوب والمعتمد هو اللّغة العربيّة بفنونها، وما يساعد على كسب هذه المعركة، وخدمة هذا الهدف.
رفيق الشّيخ بيّوض في درب الإصلاح، الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي (1901 – 1986م) يصرّح أنّ تعلّم اللّغة العربيّة يجب أن يكون أوّل ما ينبغي الاعتناء به؛ لأنّه - بداهة - لا يمكن أخذ العلم إلاّ بلغة تُتَعَلَّمُ وَتُتْقَنُ، وهذا العلم الذي يطلب هو العلم المصبوغ بالصّبغة الإسلاميّة، الذي يتّخذ القرآن مرجعيّة ومصدرًا، ولغة القرآن هي اللّغة العربيّة، إذن لابدّ من البَدْءِِ بِهَا. يقول الشّيخ: " على أنّ العلم وإن وجب تلقّيه على وجه العموم، لكن تعلّم العربيّة المقدّم؛ لأنها لسان الدّين وترجمان القرآن، الذي أصلح الله به شأن البشريّة، إذ حادت عن السّداد، وجارت عن سواء الرّشاد. إنّها لغة الإحساس والشّعور، ومنبع البيان السّاحر والحجّة النّاهضة والمنطق الصّحيح. إنّها لسان الوطنيّة المعتدلة والديمقراطيّة الصّادقة، التي لها في تكييف الأمم وإصلاح عقائدها، وتعديل عاداتها معجزات خارقة، وفي إيقاظها من سباتها، وبعثها إلى مواطن العزّ والسّؤدد الأثر الفعّال، الذي لا ينكر ولا يجحد. فإن احتفلنا بها ولقّناها أبناءنا أوّلا فما أخطأنا، أو صبغنا بصبغتها نفوسهم فما أتينا إِدًّا. وهي صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة." (1)
كما أنّ تلميذ الشّيخ إبراهيم بيّوض وأحد أقطاب الحركة الإصلاحيّة في وادي ميزاب الشّيخ حمّو بن عمر فخّار (ت 2005م) ركّز على اللّغة العربيّة، بصفتها الوعاء الذي يحمل الفكر الإسلامي، والمقوّم الذي يغذّي أو يرعى نُموّ الشّخصيّة، ولكونها الأسّ الذي يبني الكيان البناء الصّحيح، وتقدير أنّها الحامي الذي يحمي النّفس من الذّوبان.
هذا المقوّم الذي أهين، وأهيل عليه التّراب أو كاد، هذا العنصر الذي زهد فيه ذووه ونأوا عنه وتركوه، ولم يعلموا أنّهم بذلك يحملون معاول لتخريب بيوتهم بأيديهم. دفع بالشّيخ أن يذكّر به.
__________
(1) - الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي، تقرير السّنة الدّراسيّة: 1951 – 1952م، مدرسة الفتح، بريّان، ولاية غرداية، الجزائر، (مخطوط)، ص: 47. ينظر تقارير البكري حول مدرسة الفتح للتّربيّة والتّعليم في بريّان، نشر مكتبة البكري، العطف، غرداية، الجزائر، 1430هـ/ 2009م، ص:137، 138. (1/15)
صفحة 16
ركزّ كثيرًا على نظرة النّاس إلى اللّغة العربيّة، وتصحيح علاقتهم بها. وهو في هذا السّبيل، وفي أمثال هذه المواقف يلجأُ إلى من هو القدوة، ومحلّ ثقة، كالرّسل، يستمدّ منهم الدّليل على ما يدعو إليه. فنصح الخطيبَ الذي يقف أمام النّاس ليحدّثهم عمّا أوحى به الله - عز وجل - إلى رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وما أُمِرَ به عبادُ الله، ونبّهه إلى ضرورة الارتقاء إلى مستوى كبير في اللّغة وصوغ الكلام الفصيح، فقال: " أخي الخطيب، عليك أن تعلم أنّ صوغ الكلام الجيّد الفصيح أصعب من نحت الحجر، ونقل زبر الحديد؛ لذلك قال الشّاعر العربي: إنّه ليمرّ عليّ وقت لنزع ضرس أسهل عليّ من قول بيت. وأجاب عبد الملك بن مروان الذي سأله: ما الذي شيّبك، قائلاً: شيّبتني المنابر.
فليجعل كلّ خطيب قياسه في الإجادة هذا المقياس، وما لم يصبه ما أصاب الفحول الأوفيّاء للغة القرآن، فليعلم أنّه لا يزال في طور الهذيان. كما قيل في عمر ابن أبي ربيعة: لا يزال هذا الطّفل يهذي حتّى قال شعرًا." (1)
التّكوّن القويّ في اللّغة العربيّة، والصّياغة الصّحيحة ضروريّان لمن يريد تبليغ ما جاء على لسان تلك اللّغة القويّة، وإلاّ بقي صاحبها في مستوى الهذيان، وظلَّ بعيدًا عن الوفاء للغة القرآن. هذا التّنبيه يدخل في إطار الدّعوة إلى الاستعداد أو الإعداد القويّ: " فمن الطّبيعي والبديهي أنّ الدّستور الذي صيغ بالفصحى، سوف لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربيّة، ويمتلكون ناصيتها، ويسبرون غورها، لا الغوغاء الشّبيهة بالأعاجم أو العجماوات في نطقها، ولا المبرّزون في اللّغات الأجنبيّة، التي غزت حتّى اللّهجات المحليّة، ولم تترك لإحداها ذاتيّة ولا مصداقيّة." (2)
بعد أن أكّد الشّيخ حمّو على واجب الاهتمام باللّغة العربيّة والانتصار لها، بيّن أنّ هذا يتطلّب خطوة أخرى أكثر نجاعة، وأبين برهنة على الوفاء للخطّ، وهو التّكوّن فيها، والتّخرّج على الطّريقة التي تؤهّل للتّعامل معها في الحياة العمليّة بقوّة. فقال: "وإنّما كانت الصّياغة عزيزة المنال لأنّ الكتابة
__________
(1) - حمّو بن عمر فخّار، من خطب الجمعة (1)، نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر، (د. ت)، ص: ط.
(2) - المصدر السّابق، ص: ي. (1/16)
صفحة 17
والخطابة تحتاج إلى الاستيلاء على ناصية اللّغة العربيّة؛ بامتلاك مفاتحها، ولن يتأتّى ذلك إلاّ لمن قضى العمر في السّياحة في رياض مغانيها، والسّباحة في حياض لآليها، وامتصاص رحيق الأزهار كالنّحل من روابيها، ذلك ما أهمله اليوم النّاطقون بالضّاد، وراحوا يلحنون كالأعاجم في كلّ ناد، ويهيمون بها في كلِّ واد.
لا يا قوم، لا يجوز بحال أن نخبط خبط عشواء في اللّيلةِ الظّلماء عندما نتحدّث بلغة السّماء، وتنطق ألسنتنا بفصاحة سحبان، إذا تحدّثنا بلغة الأجنبي ولغة الدّهماء.
يجب أن نصرّ على النّطق بلغة العرب الأقحاح، كما لو أنّنا بسوق عكاظ، لا لأنّ لها حلاوة، وعليها طلاوة فحسب، بل لأنّها لغة السّماء للأرض، التي كتب لها الخلود إلى قيام السّاعة، قدّسها الملك القدّوس؛ بصوغ رسالته الأخيرة للعالمين في قالبها، وصبغها بصبغته { ... ومَنَ اَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ... } (1) وأضفى عليها ثوبًا قشيبًا من كماله وجماله وجلاله، ثمَّ أنزلها دستورًا على محمّد - صلى الله عليه وسلم - من فوق سبع سموات." (2)
هنا يظهر دور التّوجيه الذي قام به هؤلاء المرشدون الواعون لرسالتهم في الوجود، والحاذقون لما يجب الاهتمام به، ولما ينبغي البدء به والتّركيز عليه. وهنا ينكشف دورهم في خدمة اللّغة العربيّة بصدق وثبات وتخطيط محكم واعٍ. للقيام بهذا الواجب خطّطوا لتجسيد هذا التّوجيه ممارسة فعليّة. فكيف طبّقوه؟
الممارسة والتّطبيق
اتّخذ التّوجيه طابع الممارسة الفعليّة، بواسطة المسجد والمدرسة والنّادي الأدبي والصّحافة والبرامج الثّقافيّة ... فمعهد الحياة (3) – مثلا - الذي أنشئ أصلاً لخدمة الثّقافة الإسلاميّة، اعتنى مؤسّسوه باللّغة العربيّة مادة رئيسة في مناهجه. وأوجدوا وسائل مساعدة ومكمّلة لرسالة التّعليم في خدمة اللّغة
__________
(1) - سورة البقرة: الآية: 138.
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: ك، ي.
(3) - أسّسه فضيلة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض سنة 1343 هـ/ 1925م) في القرارة، الجزائر. وما يزال قائمًا، يؤدّي رسالته التّربوية والتّعليميّة والدّعويّة. (1/17)
صفحة 18
العربيّة. من ببنها إنشاء جريدة الشّباب وجمعيّة الشّباب سنة 1926م. وإقامة حفلات عامّة بمناسبة الأعراس والمواسم الدّينيّة والوطنيّة وغيرها، وتخصيصها للمباريات الأدبيّة: تُنظَم فيها القصائد الشّعريّة وتُنشاُ الأناشيد، وتُكتب المقالات، وتُدبّج الخطب، وتُؤلّف المسرحيّات، وتُجرى المساجلات الشّعرية، وتُلقَى المحاضرات ...
توجّه هذه الأنشطة لخدمة اللّغة العربيّة، عن طريق التّدريب والتّطبيق لما يأخذه الطّلبة من دروس نظريّة في حلقات الدّرس؛ قصد التّمرّس على الكتابة الأدبيّة، والتّخرّج على الأساليب العربيّة الرّاقية، والتّفنّن في مجالات الإبداع. كلّ ذلك أسهم في ترقية مستوى الطّلبة في اللّغة العربيّة، بعد أن أصبح تعلّقهم بها عن هوى، منبثقٍ من هدى. فعشقوها واهتدوا إلى الطّريق الصّحيح في المحافظة عليها.
إنّ الحفلات – مثلا – كانت فرصة ومجالا لاحتضان اللّغة العربيّة، والتّمكّن منها، والمحافظة عليها وحمايتها. كانت هذه الحفلات من أكبر أسباب ثقافة الشّعب، وما تميّز به من تمسّك بالدّين واللّغة العربيّة، والتّقدّم والنّجاح.
هذه الحفلات كانت تزيّن بالأناشيد التي يعدّها ويؤلّفها طلبة معهد الحياة، فكانت لهم فرصة لإتقان اللّغة، والتّفوّق في الإبداع الأدبي. يقول محمّد عليّ دبّوز: "وقد تكوّنت لمعهد الحياة ثروة أدبيّة كبرى من هذه الأناشيد، التي ينشئها أبناؤه في كلّ عام، في مواسم الحفلات. فكانت هذه الأناشيد الضّروريّة للحفلات من المحفّزات القويّة التي تدعو الطّلبة إلى إنشاء الشّعر والتّمرّن عليه. وكم من طالب يكشف نبوغه الشّعري في نشيد قصير يضعه، فينشئ القصائد الطّويلة، وينبغ في الشّعر." (1)
من المجالا ت التي كانت ميدانًا لخدمة اللّغة العربيّة، وترقية حبّها في نفوس النّشء، والتّمسّك بها، جلسات جمعيّة الشّباب، التي أنشأها فضيلة الشّيخ عدّون (سعيد بن بالحاج شريفي) (1902 – 2004م) وكان من أهدافها:
ـ تثقيف الفكر والتّمرّن على البحث والمناظرة.
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 131. (1/18)
صفحة 19
ـ التّدرّب على الفصاحة والانطلاق في التّكلّم باللّغة العربيّة؛ لذا كان يمنع الكلام في الجلسات بغير العربيّة الفصحى.
ـ غرس قواعد النّحو والصّرف والبلاغة في النّفوس؛ لتصبح عادات في اللّسان والقلم. ومجالَ التّروُّض على إتقانها في هذه الجلسات. فقد ألزم معهد الحياة نفسه تطبيق هذه القواعد لينشئ طلبته على الطّريق السّويّ في التّكوّن.
يقول الشّيخ محمّد عليّ دبّوز: " من الجمعيّة إقامة احتفالات عامّة في الأعياد الدّينية والوطنيّة، كعيد المولد النّبوي. فإنّ الجمعيّة تحتفل به احتفالاً أدبيًّا عظيمًا، فتقيم سوقًا للأدب، يبيّن عظمة الرّسول، ومزايا عصره وجهاد الصّحابة ... وفي تلك الحفلات يتبارى التّلاميذ في الشّعر والنّثر، فيلقون على الجمهور قصائدهم وخطبهم الارتجاليّة والمكتوبة، فيتعلّمون الشّجاعة الأدبيّة، ويفيدون الجمهور بما يسمعونه ... (1)
إنّ الجمعيّة أفادت طلبة معهد الحياة كثيرًا في مجال تقويم اللّسان، وتمكينهم من الفصاحة، وتزويدهم بملكة اللّغة العربيّة. في هذا يقول محمّد عليّ دبّوز: " إنّنا مدينون لجمعيّة الشّباب ولمجالس مطالعة الدّروس جماعة، فهي التي علّمتنا الفصاحة، وزوّدتنا بأكبر قوّة امتَنَّ الله بها على الإنسان، وهي نعمة البيان، لولاهما لكنّا على العيّ والفهاهة، ولوجدتنا كتلاميذ المدارس العقيمة، ألسنتهم خرساء، وعقولهم كليلة. وهم في الدّنيا خزائن (حفظ) مقفلة، لا ينفعون ولا ينتفعون. " (2)
من الوسائل المهمّة التي أسهمت في تكوين طلبة معهد الحياة لغويًا وأدبيا جريدة الشّباب (3)، التي أسّسها الشّيخ حمو بن عمر لقمان (ت 1965م). سنة 1926م. هي ثمرة من ثمرات جمعيّة الشّباب، لذا سارت على نهجها وطبّقت ما خطّطته، وتبنّت أهدافها، فتكامل عملها مع عمل الجمعيّة، فأسهمت بدورها في خدمة اللّغة العربيّة، باحتضانها إبداعات الطّلبة وتوجيهها ونقدها والتّشجيع على مزيد من الكتابة الأدبيّة الجيّدة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 129.
(2) - المصدر السّابق، ص: 126.
(3) - ينظر دراستنا: " جريدة الشّباب نادٍ للتّباري في الأدب والفكر" كتابنا: دراسات عن الأدب الجزائري الحديث، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1432هـ/ 2011م، ص: 149 – 194. (1/19)
صفحة 20
يقول الشّيخ محمّد عليّ دبّوز: " وكان الطّلبة يتنافسون في الكتابة، فأجّجت فيهم هذه المنافسة الرّغبة في العلم، فأتقنوا دروسهم، وأقبلوا في نهم شديد على العلوم العربيّة والشّرعيّة؛ لأنّها غذاء عقولهم فترقى، ووسيلتهم إلى الفصاحة والبلاغة، فنشط المعهد في كلّ نواحيه، بفضل مجلّته وجمعيّته. وكان الطّلبة ينقد بعضهم بعضًا في المجلّة، فيعرف كلّ واحد عيوبه في أفكاره وأسلوبه، وقد تحتدم المناظرة بينهم فتفيدهم أجلّ الفوائد؛ لأنّها تذكي عقولهم، وتبعثهم على القراءة الكبيرة، وتزيدهم حبًّا للكتابة، وإدراكًا لخطر الفصاحة. إنّها سلاح المرء في الذّبّ عن أفكاره، ووسيلته إلى العقول، فيقرّ فيها ما يريد." (1)
جريدة الشّباب كما كان يصفها الكاتب، ويذكر ما كان يكتب الطّلبة على صفحاتها هي من أكبر الوسائل التّربويّة، التي ساعدتهم على التّكوّن في اللّغة والكتابة الأدبيّة، والتّفوّق في الفصاحة والبلاغة. فقد كان ذلك نتيجة المنافسة، والرّغبة في الحصول على الزّاد المعرفي الهائل في علوم اللّغة والشّرع. يضيف محمّد عليّ دبّوز: " رقّت عقول الطّلبة بالمقالات والقصائد والقصص التي يكتبونها، وأذكت فيهم حبّ الأدب، وخلقت في نفوسهم حبّ الجمال، وبعثهم حبّ الفصاحة والبلاغة على القراءة الكثيرة المفيدة، فاكتسبوا عادة الفصاحة والبلاغة ... " (2)
يعترف الكاتب نفسه بفضل الجريدة على تكوّنه ونبوغه في اللّغة العربيّة والكتابة الأدبيّة: " لقد كان لمجلّة الشّباب في نفوسنا الأثر الحميد، لولاها لبقيت العجمة تلجم أقلامنا، واللّكنة والقصور يقتلان عقولنا. إنّ أيّامها وأيّام الجمعيّة هي أسعد أيّام حياتنا. جزى الله خيرًا من أنشأهما، وبارك الله فيهما للمعهد والجزائر وللعربيّة والدّين. " (3)
الخاتمة
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 137، 138. يذكر أستاذنا الشّيخ محمّد عليّ دبّوز لفظة (مجلّة) لهذه الوسيلة، في الحقيقة هي (جريدة).
(2) - المصدر السّابق، ص: 138.
(3) - المصدر السّابق، ص: 139. (1/20)
صفحة 21
إنّ اللّغة العربيّة كانت محلّ اهتمام كبير من القائمين على عمليّة التّربيّة والتّكوين والإعداد في وادي ميزاب، لقد أحلّوها موقعًا مهمًّا وموضعًا رئيسًا في عمليّة بناء الفرد، فكانت حاضرة – دومًا - حيث، يكون التّخطيط والتّوجيه؛ لذا كانت جزءًا لا يتخلّف في منهجهم، تربويًّا كان أم ثقافيًّا، أم اجتماعيًّا أم سياسيًّا ...
إنّ العربيّة لم تغب عن نصّ من النّصوص التي أثبتناها في هذه الدّراسة. وهو ما يؤكّد أنّ هؤلاء الموجّهين يعدّون اللّغة العربيّة حجر الزّاوية في رفع صرح الإسلام، والعمود الفقري في تشييد كيان الأمّة، ونقطة الارتكاز في بناء الفرد ... لأنّهم يرون اللّغة العربيّة هي المفصحة والمعبّرة عن حقيقة الإسلام، وهي الحاملة لفكره. خدمتها هي خدمة للإسلام، وحمايتها حماية للإسلام، ونشرها نشر للإسلام، وتنشئة الأجيال عليها هي تنشئتهم على الإسلام.
ما قام به هؤلاء المربّون، هو توجيه وإرشاد لمن يريد سلوك الطّريق الصّحيح، ومن يبغي اتّباع المنهج السّليم في التّربية والتّكوين والبناء. فهم يقولون لهم: هذا هو المنهج وهذا هو المسلك، عليكم باللّغة العربيّة اخدموها، وضعوها في أوّل طريق منهجكم ونهجكم وفي وسطهما وفي آخرها، فتخرجوا من التّيه والحيرة والشّكّ والتّذبذب، وترسوا في شاطئ الطّمأنينة واليقين في منهج الإعداد والبناء.
هذا البناء وهذا التّوجيه وهذا الاهتمام هو جزء من جهود المربّين في وادي ميزاب في خدمة اللّغة العربيّة، وهو الأساس في هذا المجال.
الجزائر يوم الإثنين: 17 من محرّم ... 1427هـ
05 من فيفري 2008 م
محمّد بن قاسم ناصر بوحجام (1/21)
صفحة 22
أهميّة الجمعيّات الأدبيّة في إعداد الطّالب النّاجح (1)
إنّ للتّكوّن الأدبي مجالاته، خارج قاعات الدّراسة، منها النّوادي التي تفتح المجال للمبادرات، وتحتضن وتوجّه المحاولات. ومنها المنابر العامّة التي تسمح بتقديم بنات الأفكار، ونتاج القرائح. منها المسابقات الأدبيّة، التي تتيح الفرص للتّنافس والتّباري. أهمّها على الإطلاق، وأكثرها جدوى الجمعيّات والرّابطات الأدبيّة.
هي التي تنظّم عمليّة التّكوّن والتّدرّب جيّدًا، وتتيح الاجتماع لِمن ينضوون تحتها بانتظام، وتسير بِهم في خطط مهيّأة، ومشروعات مدروسة، وبرامج معدّة، وَتَتَّبِعُ معهم وسيلة المتابعة والمحاسبة، وأسلوب التّقويم والتّوجيه والتّرشيد والتّشجيع ... كلّ هذا يساعد على تطبيق ما يأخذه الطّالب – بخاصّة – في فصول الدّراسة، ويمنح الفرصة للتّركيز والتّفرّغ لتنمية المواهب، واستثمار الطّاقات، وترقية الأداء. أمّا بالنّسبة للأديب المتمرّس، فتكون له هذه الوسائل فرصة لمزيد الإبداع، وتنمية تجربته الأدبيّة.
إنّ كثيرًا من الأدباء أبدعوا فأمتعوا؛ بسبب وجودهم في جمعيّات أدبيّة. لنا أدلّة وأمثلة من " الرّابطة القلميّة " و " عصبة الأندلس " في المهاجر الأمريكيّة، التي من أقطابها أدباء كبار أمثال: جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة وإلياس أبو شبكة ... وجماعة تحت السّور، التي من بينها الأديبان الفنّانان: مفدي زكريّاء وأبو القاسم الشّابي. و"رابطة القلم الجديد "، التي كوّنها الدّكتور أبو القاسم سعد الله، لمَّا كان طالبًا بتونس مع مجموعة من الأدباء التّونسيّين، كان: " يدور الحديث فيها عن الإنتاج الأدبي، وما تنشره المجلاّت والجرائد في ميدان الشّعر الجديد، وكانوا يقرؤون فيها إنتاجهم
__________
(1) - أصل هذا المقال كلمة ألقيتها في قاعة المحاضرات بمعهد الحياة (القرارة، الجزائر) يوم الخميس: 19 من صفر 1431هـ/ 04 من فيفري 2010م، في إطار النّشاط الثّقافي للمعهد. ثمّ توسّعت فيها لتنشر مقالاً في مجلّة الحياة، (معهد الحياة، وجمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر)، العدد: الرّابع عشر، رمضان 1431هـ/ سبتمبر 2010م، ص: 132 – 148. (1/22)
صفحة 23
الشّعري ... " (1) ومن الصّالونات التي كان لها دور في تنشيط الحركة الأدبيّة وترقيتها: صالون العقّاد وصالون ميّ زيادة ..
إنّ للجمعيّات والرّابطات الطّالبيّة والشّبابيّة بخاصّة، دورًا كبيرًا في نشرالأفكار، وإعداد الطّلبة والشّباب على النّموذج الذي يريده القائمون على عمليّة التّربية والإعداد. يقدّم الدّكتور أحمد صاري تعريفًا بجمعيّة " الرّشيديّة "التي تأسّست في بداية القرن العشرين، وهي جمعيّة ودادية قدماء المدارس العربيّة الفرنسيّة لمدينة الجزائر. أسّسها السّيّد سروي Sarrouy سنة 1902م " وبما أنّ هذه الجمعيّة كانت تضمّ قدماء تلاميذ المدارس، فإنّ أهدافها كانت مركزّة على اهتمام هذه الفئة، مع إعطاء هذه الأهداف صبغة سياسيّة؛ بمحاولة تعريف هؤلاء على الثّقافة الفرنسيّة للتّمكين من إدماجهم في الوسط الفرنسي. ذلك أنّ البند الثّالث من أهدافها ينصّ على ضرورة تنظيم دروس ومحاضرات لتمكين التّلاميذ من معرفة اللّغة الفرنسيّة ومن تقديس الأفكار الفرنسيّة ... " (2)
هذه الفقرة تبيّن لنا دور الجمعيّات في نشر الأفكار، واحتضان الشّباب لتنشئتهم على النّموذج المرغوب فيه.
اهتمّ الجزائريّون المهاجرون لطلب العلم - بخاصّة - بتأسيس جمعيّات ورابطات في المهاجر التي وجدوا فيها أو أقاموا فيها، في تونس وسوريا والكويت ومصر والعراق وغيرها؛ قصد التّكونّ والتثقّف؛ لما يعرفون من دورها في إعدادهم لمستقبل الأعمال والأعباء التي تنتظرهم بعد تخرّجهم، فهي تتطلّب قوّة في هذا الإعداد حتّى يكونوا جاهزين لهذه الأعمال الكبيرة، فالجمعيّات والرّابطات والنّوادي ... تعين على هذه العمليّة. يقول الدّكتور محمد صالح الجابري، وهو يسجّل نشاط الطّلبة الجزائريّين في تونس، الذي احتضنته الجمعيّات: " لم يقتصر دور الطّلبة الجزائريّين الذين درسوا
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، الشّعر الجزائري الحديث اتّجاهاته وخصائصه الفنّية (1925 – 1975م) ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 157.
(2) - الدّكتور أحمد صاري، شخصيّات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 2004م، ص: 109. عن دور الجمعيّات والنّوادي الثّقافيّة في نشر الوعي الوطني الجزائري خلال الفترة: 1900 - 1939م، ينظر المرجع نفسه، ص: 107 – 122. (1/23)
صفحة 24
بمختلف المعاهد العلميّة بتونس، وعلى الخصوص منها الجامعة الزّيتونيّة على مجرّد تلقّي الدّروس والحصول على الشّهادات، ثمّ العودة إلى بلادهم، بل كان لهم دور بارز في مجال الأنشطة الطّالبيّة، وتأسيس الجمعيّات وتحريكها، والانخراط في الأنديّة الأدبيّة التّونسيّة، والاندفاع للعمل ضمنها." (1)
أبرز هذه الرّابطات جمعيّة الطّلبة الجزائريّين الزّيتونيّين، (جمعية الطّلبّة الجزائريّين)، التي احتضنت الطّلبة، ورعتهم من النّاحية الماديّة والأدبيّة، وسطّرت لهم برامج لتحسين مستواهم العلمي، وهيّأت لهم مناهج للتّكوين الأدبي والاجتماعي والوطني والسّياسي ... أي كانوا يتلقّون في رحاب هذه الجمعيّة وبإشرافها ما يعدّهم لتحمّل مسؤوليّة وطنهم الجزائر؛ حين يؤوبون إليه، بعد إكمال دراستهم وتكوّنهم. يقول الدّكتور محمد صالح الجابري عن إحدى فترات نشاط الجمعيّة: " ... غير أنّ عملها الأدبي – في هذه الفترة - كان أبرز وأظهر، فتعهّدت بإقامة الاجتماعات الأسبوعيّة في مساكن الطّلبة، تلقى فيها الخطب والمقالات المتنوّعة، كما تعهّدت بتصحيح المواضيع المختلفة التي تعطيها للطّلبة كلّ أسبوع؛ ممّا كانت له النّتيجة الحسنة في امتحان الشّهادة الأهليّة في تلك السّنة." (2)
هذه الجمعيّات كان من أهدافها تكوين الطّلبة علميًّا وأدبيًّا، وإعداد خطباء ومرشدين إصلاحيّين، وموجّهين سياسيّين، وهو ما تحتاجه الجزائر التي تصارع الاستعمار، وتقاوم الجهل والأميّة، وتناضل من أجل المحافظة على شخصيّتها وهويّتها، التي يجهد المحتلّ في القضاء عليها.
يقول محمد صالح الجابري ملخصًّا دور هذه الجمعيّة، ومن هذه الخلاصة ندرك أهميّة الجمعيّات في حياة طالب العلم، وإسهامها في إعداده: " وإجمالاً فإنّ جمعيّة الطّلبة الجزائريّين الزّيتونيّين نشأت نشأة أدبيّة صرفة؛ لتساعد على تكوين خطباء يرفدون حركة جمعيّة العلماء، ويكونون
__________
(1) - محمد صالح الجابري النّشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريّين بتونس 1900 – 1962م، الدّار العربيّة للكتاب، والشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، َ1983، ص: 97.
(2) - المرجع السّابق، ص: 123، 124. يتحدّث الكاتب عن فترة الثّلاثينيّات من القرن العشرين. (1/24)
صفحة 25
أصواتها في المحافل الإسلاميّة، وفي الجوامع والمساجد، إلاّ أنّها لم تلبث أن وسّعت نشاطها ليمتدّ إلى مؤازرة الحركة الوطنيّة الجزائريّة، وأولت التّعريف بالجزائر وقضيّة الوطن المحتلّ اهتمامًا خاصًّا." (1)
كذلك كان للطّلبة الجزائريّين الذين كانوا يدرسون في المشرق العربي نشاط في إطار جمعيّات، أسّسوها للغرض نفسه. سجّل الدّكتور عمّار هلال جانبًا من هذا النّشاط، وأبرز دور الجمعيّات والرّابطات الطّالبيّة في إعداد البرامج وتوجيهها والإشراف عليها، كما بيّن أثر ذلك في تكوين الطّلبة وإعدادهم لخوض معركة الدّفاع عن وطنهم الجزائر المحتلّ، والإسهام في بنائه، بعد بناء شخصيّاتهم العلميّة والاجتماعيّة والوطنيّة، وأكّد وركّز على أنّ للجمعيّات دورًا كبيرًا في هذا الإعداد والتّكوين. (2)
نستشفّ من الفقرة الآتية أهميّة هذه الجمعيّات والرّابطات في العمل من أجل الإسهام في التّكوين والإعداد، ونذكر شاهدًا على ذلك، ما جاء في القانون الأساسي لرابطة طلاّب المغرب العربي، في تحديد وسائل تحقيق أهداف الرّابطة:
" 1 – تنظيمُ نشاط طلاّب المغرب العربي الفكري والاجتماعي.
2 - إقامةُ مؤتمرات ثقافيّة دوريّة لطلاّب المغرب العربي في سوريا.
3 – العملُ على توثيق الصّلة بين طلاّب المغرب العربي في الشّرق العربي وبين المؤسّسات الثّقافيّة بالمغرب وخرّيجي الجامعات من الطّلاب المغاربة.
4 – العملُ على تعريب التّعليم وإصلاحه وتوحيد برامجه في جميع مراحله في المغرب العربي.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 148. عن نشاط الطّلبة تحت رعاية الجمعيّات، ينظر المرجع نفسه، ص: 97 – 149. . لمزيد من التّفاصيل
(2) - ينظر الدّكتور عمّار هلال، نشاط الطّلبة الجزائريّين إبّان ثورة نوفمبر 1954م مطبعة لافومي، الجزائر، 1986م، مبحث " الحركة الطّلابيّة في الشّرق العربي "، ص: 73 – 115. (1/25)
صفحة 26
5 - تسهيلُ الطّريق لطلّاب المغرب العربي ماديًّا ومعنويًّا لكي يلتحقوا بجامعات الشّرق ومعاهده الثّقافيّة. " (1)
النّوادي الأدبيّة والثّقافيّة لا تقلّ أهميّة عن الجمعيّات في الإسهام في التّكوين والإعداد، وفي دورها في البناء. هي لا تختلف عن الجمعيّات إلاّ في نظام سيرها؛ لهذا أولاها المربّون عناية كبيرة، واهتمّوا بإعداد برامج لاحتواء الطّلبة واحتضانهم فيها. عن هدف العلماء من تأسيس النّوادي الثّقافية، يوضّح أحد التّقارير الإداريّة: " تشكلّ النّوادي التي تخضع لقانون 1901م المرحلة الأولى في طريق إنشاء الجمعيّة الدّينية والمدرسة الحرّة. ففي إطار النّادي تكون الاتّصالات سهلة، وتحت مظهر الشّرعيّة يمكن من عقد الاجتماعات ... " (2)
هذا الشّيخ أبو اليقظان حين يرجع بطلبة البعثة التي ترأَّسها في تونس سنة 1914م، بعد قيام الحرب العالمية الأولى، ويفتح لهم مدرسة تأويهم في القرارة، يؤسّس معها ناديًا أدبيًّا، ليتدرّب فيه الطّلبة على ممارسة الفنون الأدبيّة، وليطبّقوا فيها ما يأخذونه من دروس في المدرسة، وهو الأديب الذي يعي طرق التّكوّن في مجال الأدب، وهو المربّي الذي يفقه ضرورة توفير الميادين التي تنمّي المواهب، ويعرف أهميّة إيجاد الفضاءات التي تغيّر من جوّ الدّراسة المتّصف بالانضباط الدّقيق والصّرامة والرّتابة، التي قد تبعث على الملل والسّأم والضّجر. فالجمعيّات الأدبيّة تقوم بهذا الدّور المهمّ في عمليّة التّكوين والإعداد الصّحيحين، وكذا النّوادي الأدبيّة. (3)
من المبادرات التي تحمل روح الجمعيّات الأدبيّة (ندوة القراءة أو المطالعة) التي كان يشرف عليها الشّيخ الحاج عمر بن يحي المليكي (ت 1339هـ/ 1921م) بالقرارة؛ لكونها فتحت المجال للتّزوّد من المعارف، وإعطاء فرصة للتّكوّن الأدبي، وبعث روح الاستزادة من العلم، وتنمية الحسّ الأدبي ... وكان لها نتائجها الإيجابيّة على المستقبل العلمي لمن كان
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 108.
(2) - شخصيّات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، ص: 118.
(3) - عن دور النّوادي والجمعيّات الثّقافيّة في تكوين النّشء، وفي النّهضة الجزائريّة الحديثة، ينظر كتاب: شخصيّات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، ص: 108 – 122. (1/26)
صفحة 27
يحضرها، أمثال المشائخ والعلماء: الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبي البقظان (ت 1393هـ/ 1973م) والشّيخ إبراهيم ابن عمر بيّوض (ت 1401هـ/1981م) والشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي الشّيخ عدّون (ت1425هـ/2004م) وغيرهم. كانت هذه النّدوة تعقد مرّة في الأسبوع، يقرأ فيها الشّيخ الحاج عمر على طلبته ما جدّ من كتب ومقالات؛ ممّا بدخل في مفهوم الثّقافة العامّة، التي لا يتمكّن الطّلبة من تلقّيها في حلقات العلم، فيفتح لهم المجال في هده النّدوة كي يتزوّدوا بالثّقافة العامّة، فيكون هذا أيضًا فرصة لتغيير جوّ الدّراسة في الحلقات .. هذا ما كان يعطي للنّدوة روح الجمعيّة. يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض، وهو الطّالب النّجيب الذي كان يلازم هذه النّدوة، وممّن يعترف بتأثيرها الإيجابي في تكوينه: " وأفادني في مجالس الشّيخ الحاج عمر غير ما ذُكِرَ الكتب المفيدة الاجتماعيّة والسّياسية والصّحف الوطنيّة العديدة، والمجلاّت التي تقرأ فيها. لقد زادت في ثقافتي العقليّة وتربيتي الاجتماعيّة، وعرّفتني بأحوال العالم الإسلامي ومقاصد المستعمرين الصّليبيّة فيه ... كان مجلس المطالعة مجلس أنس وشاي أيضًا. نشرب الشّاي ثمّ نقرأ ... وكان الشّيخ الحاج عمر رحمه الله قد خصّص أيّامًا في الأسبوع للقراءة، لا يذهب فيها إلى البستان. ويحضر مجالس القراءة صحابة الشّيخ الكبار، وبعض تلاميذه الكبار البارزين الذين انقطعوا عن التّعلّم، ولكنّهم إذا عادوا من التّجارة في الشّمال يلازمون مجالسه العلميّة ... " (1)
ممّا يكشف عن أهميّة التّجمّعات أو الرّابطات في التّكوين الأدبي بخاصّة، ما قام به الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان من تأسيس نادٍ أدبي في صيف 1343هـ/ 1924م. كان يحضر جلساته المشائخ والطّلبة الكبار؛ مواصلة لمسيرة التّكوّن والتّعلّم، يقول الشّيخ عدّون شريفي: " وكان الشّيخ (أي الشّيخ أبو اليقظان) يدعو إلى تأسيس نادٍ أدبي يجمع المتأدّبين، ويشغل
__________
(1) - محمد عليّ دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر من عام 1340 هـ 1921م إلى عام 1395هـ 1975م، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1396هـ/ 1976م، ص:158، 159. عن حقيقة. هذه النّدوة ودورها وأهميّتها، ينظر المصدر نفسه، ص: 158 – 163. (1/27)
صفحة 28
مواهبهم، فتمّ ذلك، على إثر إصلاحات المعهد المقبلة، وتأسّس تحت رئاسته، وكان الشّيخ بيّوض نائبًا للرّئيس ... " (1)
يضيف الشّيخ عدّون واصفًا هذا النّادي: " هو كاسمه نادٍ أدبي، وضع له قانون أساسي، يجتمع أعضاؤه مرّة كلّ أسبوع. الغرض منه ممارسة الأدب العربي، نثره وشعره، والتّشبّع من روائعه. يعتمدون في ذلك كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، يطالعونه ويتتبّعون نفائسه، دراسة ومناقشة، وبحثًا ونقدًا ومقارنة، وحفظًا لما يختارونه منه، وكتابة في المواضيع الأدبيّة." (2) ما قام به أعضاء النّادي الأدبي، هو ما يجب القيام به؛ للتّكوّن في المجال الأدبي.
إنّ الرّغبةَ في التّمكّن من الأدب هو عين الصّواب؛ فهو خطوة أساسيّة في طريق بناء الشّخصيّة العلميّة. لذا حرص هؤلاء الأعضاء على تأسيس هذا النّادي، ووضع برنامج يخدم هذا المطلب. " الأدب من المواد التي ترمي إلى تكوين الميل إلى الجميل وتقديره، والتّمتّع به، كالفنون الجميلة ... لكن إذا نظرنا إلى الأدب من حيث القارئ فهو لتذوّق الجمال وتربية الوجدان، وإذا نظرنا إليه من حيث الكاتب المعبّر فهو من مواد كسب المهارة ... " (3)
إنّ النّادي أسّس ليؤدّي هذه المهمّة، لذا رأينا في برنامجه قراءة الكتب الأدبيّة الأساسيّة في معرفة حقيقة الأدب، والتّشبّع منه وحفظ روائعه، ثمّ التّدرّب على طرق التّكوّن فيه: تحليلاً لنماذج منه ونقدها، والتّمرّن على الكتابة ... كلّ هذا وغيره يتمّ في النّادي.
__________
(1) - سعيد شريفي، معهد الحياة نشأته وتطوّره، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر،1409هـ/ 1989 م، ص: 44. كما كانت للشّيخ أبي اليقظان ندوة أدبيّة، كان يعقدها في منزله، وفي بستانه بالقرارة، يحضرها زملاؤه، وبعض قدماء تلاميذ شيخه الحاج عمر بن يحي في القرارة، يقرأ فيها لروّاد النّدوة بعض الكتب، والصّحف والمجلاّت الأدبيّة بخاصّة ... هذه النّدوة أنشأها لمّا رجع من تونس ببعثته، بعد قيام الحرب العالميّة الأولى. لمزيد من التّفاصيل عن هذه النّدوة ينظر الشّيخ محمد علي دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 206 – 215.
(2) - معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 159،، هامش: 1.
(3) - الدّكتور فتحي علي يونس والدّكتور محمود كامل النّاقة، أساسيّات تعليم اللّغّة العربيّة، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1977م، ص: 220. (1/28)
صفحة 29
كان من أهداف روّاد هذا النّادي المحافظة على الأدب العربي والدّفاع عنه؛ بالاهتمام به ومدارسته، حتّى يضمنوا له البقاء، ويقدّموا للنّشء النّهج الصّحيح في الاستعداد لخوض معترك الحياة بالعدّة الصّحيحة، التي من مكوّناتها التّزوّدُ بالأدب العربي، خيرِ الزّاد. فهم مسؤولون عن تربيته وتكوينه ورعايته وتوجيهه التّوجيه السّليم ... بقول الدّكتور عبد الملك مرتاض: " فلا تقوم للأدب قائمة، ولا تربح له سوق، ولا تخفق له راية، حتّى يكون له رجال ينافحون عنه، ويدافعون عن كيانه، ويحتفون بشخصه. ثمّ لا يكون لهؤلاء الرّجال شأن حتّى يكون لهم أمكنة يضطربون فيها، ونوادٍ يغشونها آناء اللّيل وأطراف النّهار. وبعبارة أخرى قد تكون أوضح، فإنّ الظّاهرة الأدبيّة، كالظّاهرة التّاريخيّة سواء، لا يكون لها وجود ما حتّى ينبغي أن تكون ذات مكان وزمان. " (1)
إنّ النّادي لم يستمرّ طويلاً؛ بسبب الارتباطات الكثيرة التي كانت في عهدة هؤلاء المشائخ، الذين هم روّاد النّادي، الشّيخ أبو اليقظان سافر إلى تونس، والشّيخ بيّوض هو مشغول بعمليّة الإصلاح، فلم تسمح له أعماله الكثيرة من مواصلة حضور جلسات النّادي ... يقول الشّيخ عدّون: " حضر الشّيخ (أبو اليقظان) جلستين أو ثلاثًا للنّادي فسافر وتركه لنائبه الشّيخ بيّوض، فسافر أيضًا كما تقدّم، فانقطعت الجلسات بسفرهما وبأشغال الخريف، الذي ينصرف فيه النّاس إلى جذاذ التّمر، فتفتر الدّراسة. ثمّ استئنفت في بعض ليالي الشّتاء، ثمّ انقطعت نهائيًا، فتوقّف المشروع. ولكنّ تلك الجلسات على قلّتها تركت أثرًا كبيرًا في حياة الأعضاء الأدبيّة، وفي مستقبل الحركة العلميّة بالقرارة. والمشروع وإن مات كجسم فإنّه حيّ خالد كروح." (2)
فعلاً كان لهذا النّادي استمرار، بجمعيّات الشّباب التي أسّسها الشّيخ عدّون سنة 1926م، بعد نشأة معهد الحياة بالقرارة، التي كانت سنة 1343هـ/ 1925م. وقد كان لهذه الجمعيّة دور كبير في تنشيط الحركة الأدبيّة، وفي تكوين الطّلبة أدبيًّا بخاصّة. كما سنرى في الصّفحات الآتية.
__________
(1) - الدّكتور عبد الملك مرتاض، نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر (1925 – 1954م) الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م، ص: 33.
(2) - معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 45. (1/29)
صفحة 30
كما كان لأعضاء النّادي الأدبي أدوار مهمّة وكبيرة في تنشيط الحركة العلميّة وتطويرها في القرارة بخاصّة، وفي منطقة وادي ميزاب بعامّة. فكما قال الشّيخ عدّون: حتّى ولو مات المشروع جسدًا، وتوقّف النّادي عن النّشاط، فإنّ الرّوح التي بها ولد وتحرّك ونشط لم تمت، بقيت حيّة، تنتظر من ينفخها فيحيا المشروع من جديد، وهذا ما حصل.
إنّ هذا الدّور الذي قام به النّادي الأدبي، رغم قصر المدّة التي بقي فيها حيًّا، والنّتائج التي جناها المجتمع من الأعضاء الذين كانوا ينشطون فيه، يبيّن ما للرّابطات والمجامع العلميّة والأدبيّة من أهميّة في التّكوين والإعداد، والاستعداد للانضمام لقافلة العاملين في دروب الحياة.
نذكر أيضًا في هذا السّياق نادي التّرقي الذي أنشأته الحركة الإصلاحيّة في الجزائر العاصمة سنة 1927م، فإلى جانب احتضانه المحاضرات والنّدوات التي يقيمها العلماء والمفكّرون، أي كبار القوم. كان يفتح المجال للشّباب والنّاشئة كي تعرض أعمالها الأدبيّة، وتتدرّب على نظم الشّعر وإلقاء الخطب، وتشارك بالأعمال العلميّة وغيرها ... من هذه النّاحية يعدّ مجالاً للتّكوّن والتّعلّم والتّثقّف، وتنمية المواهب واستثمار الطّاقات الإبداعيّة ... إذ فيه كان يُتحاور في قضايا فكريّة وعلميّة وأدبيّة وسياسيّة ... وفيه كان يُتبارى في الفصاحة وإظهار التّفوّق البياني، والبحث العلمي ...
إذن كان للنّادي: " دور أساسي في الحركة الوطنيّة؛ لكونه شكّل منارة ثقافيّة ومركز إشعاع حضاري، وذا بعد عربي إسلامي ... وقد لعب دورَا ثقافيًّا وسياسيًّا بارزًا على السّاحة الجزائريّة ... كما كان مكانًا للعديد من الاجتماعات واللّقاءات التي كان لها أثر على مسيرة الجزائر وحتّى على بلدان المغرب ... " (1) إلى جانب دوره في تكوين النّاشئة علميًا وأدبيًّا واجتماعيًّا ووطنيًّا ...
يقول عنه الدّكتور عبد الملك مرتاض: " لا يغالي الباحث في جوانب نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، أثناء العقد الرّابع من هذا القرن، أن يعدّ نادي التّرقّي بمدينة الجزائر، بل في مجموع الوطن كعكاظ في الجاهليّة في جزيرة العرب، والمربد في البصرة، أثناء القرن الأوّل
__________
(1) - شخصيّات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، ص: 117. (1/30)
صفحة 31
الهجري. فقد كان هذا النّادي مأقطًا عظيمًا، يطفح بالنّشاط الأدبي، ويفيض بالخصب الفكري، ويكتظّ بالعلم والعلماء، ويحفل بالخطب والخطباء." (1)
في الحقيقة إنّ النّوادي والجمعيّات الثّقافيّة التي وجدت في ثلاثينيّات القرن العشرين في الجزائر، كان لها فضل كبير في النّهضة الجزائريّة الحديثة. إنّ فترة الثّلاثينيّات كانت فترة عصيبة على الجزائر؛ نتيجة المخطّطات التي كانت توضع لتدمير الشّخصيّة الجزائريّة، والمؤامرات التي كانت تدبّر للقضاء على الهويّة العربيّة الإسلاميّة للجزائر، وبسبب ضعف بعض الفئات الجزائريّة في جانب الانتماء والولاء للوطن؛ نتيجة ما كان يتعرّض له الشّعب من كلّ ما ذكرنا، وبسبب نقص الهياكل التي تحمي الشّعب من الذّوبان والانخذال ... وهو ما دفع العلماء والمفكّرين وأحرار البلاد إلى المرابطة في الميدان بكلّ الوسائل الممكنة؛ لحماية الشّباب والنّشء بخاصّة من هذا الاستلاب ... فكان من بين الوسائل تأسيس نوادٍ لتقوم بهذه المهمّة وهذه الرّسالة. يقول الدّكتور عمّار هلال: " إنّ النّوادي الثّقافيّة التي كانت تنشط في فترة الثّلاثينيّات، كان لها تأثيرٌ كبير على أكثر من مجال. من ذلك المجال التّعليمي والرّوحي والسّياسي. ولم يقتصر تأثيرها على الجزائريّين المتعلّمين باللّغة العربيّة، بل مسّ كذلك بعض الفئات الأخرى التي تعلّمت بغير اللّغة العربيّة، بحيث تمّ صهرها في بوتقة الثّقافة العربيّة الإسلاميّة نهائيًا، فتحوّلت هذه الفئات، وغيّرت موقفها السّابق، الذي كان إمَا غير مبالٍ أو غير مقتنع، إلى مواقف محسوسة ثابتة ... " (2)
هذه بعض الآثار التي سجّلها الدّارسون لدور الجمعيّات والرّابطات والنّوادي والمجامع لتكوين الطّالب، والسّائر في طريق التّعلّم، ولمن يبغي المزيد - دومًا - من العلم واكتساب المعرفة. وهذه بعض النّتائج التي سجّلها القائمون على هذه الفضاءات والمراكز. هي في جملتها تقدّم صورة واضحة ومهمّة عن أهميّتها في درب العلم.
استكمالاً لهذه الصّورة نقدّم لطالب العلم تجربة، أمدّت مجال التّكوين والإعداد برصيد مهمّ في منهجية التّوجيه التّربوي والتّنشئة العلميّة والتّرقية الأدبيّة، كما قدّمت أعدادًا من الرّجال الذين رفعوا الرّايات والألوية خفّاقة في سماء المعرفة، والعمليّة التّربويّة، والعمل الاجتماعي وغيرها ... هذه التّجربة تتمثّل في جمعيّة الشّباب التّابعة لمعهد الحياة بالقرارة بالجزائر.
إنَّ رسالة معهد الحياة في إعداد رجال الحياة كبيرة ومتنوّعة، ترمي إلى تكوينهم بقواعد صلبة، وعلى أسس متينة وقويّة، وذلك بتزويدهم بالمعارف الضّروريّة، وتمكينهم من الأدوات التي تهيّئهم لخوض معترك الحياة بقوّة وثقة في النّفس.
من المجالات التي هي مناط اهتمام المعهد ميدان اللّغة العربيّة والحقل الأدبي؛ حرصًا منه على خدمة الثّقافة الإسلاميّة، والمحافظة على الشّخصيّة الأصيلة الحقيقيّة. إنّ العمل على بقاء اللّغة العربيّة في الألسنة فصيحة، والتّمرّس على الأساليب الأدبيّة الرّاقية هو جزء من رسالة المعهد.
إنّ معهد الحياة الذي وجد أصلا ليقوم بِهذه الرّسالة النّبيلة، هيّأ لها وسائل ليحقّق من خلالها أهدافه، ويمضي قدمًا في بناء شخصيّة طلبته من المقوّمات الأساسيّة، التي تحكم وتوجّه المجتمع الذي ينتمون إليه، فسار في ميدان الممارسة العمليّة في التّنشئة والتّكوين أشواطًا، فأنشأ جمعيّة الشّباب وجريدة الشّباب سنة 1345عـ/ 1926م، أي بعد عام من تأسيس معهد الشّباب (معهد الحياة).
يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " وقد يكون الشّيخ أبو اليقظان وكبار الطّلبة الميزابيّين في تونس ممّن أوحى بهذه الجمعيّة، فراق للطّلبة إنشاؤها، ورأوا فيها خيرًا كبيرًا لأنفسهم وللمعهد. وحبّذ الشّيخ بيّوض هذه الجمعيّة. وكان الشّيخ عدّون أكثر الطّلبة حماسًا وجدًّا لإنشائها. فنشأت في سنة 1345هـ 1926م، بعد عام من نشأة المعهد، فسمّوها (جمعية الشّباب)، وانتخب مدير المعهد الآن وناظره حينئذ الشّيخ عدّون رئيسًا لها (3)،
__________
(1) - نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، ص: 33، 34.
(2) - الدّكتور عمّار هلال، أبحاث ودراسات في تاريخ الجزائر المعاصرة (1930 – 1962م)، ص: 269.
(3) - توفّي يوم 19 من رمضان 1425هـ/ 02 من نوفمبر 2004م. (1/31)
صفحة 32
فأبدى كفاءة نادرة في تسييرها، فنشطت الجمعيّة نشاطًا كبيرًا، وأتت أعظم الثّمار للمعهد وللنّهضة." (1)
جمعيّة الشّباب جمعيّة أدبيّة، أسّسها الشّيخ عدّون. هي وسيلة تكوينيّة للطّلبة، يتبارون فيها على إلقاء الخطب، ونظم الأشعار، وكتابة الأناشيد، وإعداد المحاضرات. هي نادٍ يطبّق فيه طلبة معهد الحياة ما يتلقّونه من دروس في فصول المعهد. إنّ ما تهدف إليه الجمعيّة ومؤسّسوها هو تدريب اللّسان على الفصاحة، والعقل على التّفكير. وتقوية الشّجاعة الأدبيّة في النّفس، وتعليم النّقد للنّاشئة، وبعث الثّقة في أنفسهم لمزيد من المثابرة في العلم، والمغامرة في العمل، وخوض غمار الحياة بعدّة، تعين على الإقدام والتّحرّك في دروب الحياة بخطى سويّة ثابتة. باختصار شديد: إن جمعية الشّباب تعدّ أكبر ميدان تطبيقي في معهد الحياة لما يأخذه الطّلبة من دروس في فصوله وبين جدرانه.
يقول الشّيخ عدّون عن هذه الجمعيّة: " في السّنة الثّانية من تأسيس المعهد، أي سنة 1345هـ/ 1926م، قام المراقب بتأسيس جمعيّة باسم (جمعيّة الشّباب)، تكون ناديًا أدبيًّا، يتبارى فيه الطّلبة في تطبيق دروسهم عمليًا، بالخطب والمحاضرات والمناظرات، وانتقاد الأعمال والسّلوك وتبادل الآراء. فوضع قانونًا أساسيًّا ولائحة داخليّة، أقرّها الأعضاء بعد شيء من التّنظيم والتّعديل. " (2)
يمكن تلخيص الأهداف المسطّرة والمنجزة في جمعيّة الشّباب كالآتي:
- تطبيق ما يتعلّمه الطّلبة من قواعد في مختلف فروع اللّغة العربيّة والأدب بخاصّة؛ لتتكوّن عندهم الملكة اللّغويّة والأدبيّة، التي هي ضروريّة للقيام برسالة المحافظة على الثّقافة الأصيلة، ومواصلة العمل من أجل تمكين اللّغة العربيّة والأدب من أداء دورهما في تطوير المجتمع.
- تنمية ملكة التّفكير في الطّلبة؛ بتمرينهم على البحث والمناظرة والحوار.
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربية، الجزائر، 1389هـ/ 1969م، ص: 120.
(2) - معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 70. المراقب هو الشّيخ عدّون (سعيد بن بالحاج شريفي). (1/32)
صفحة 33
- غرس الحسّ النّقدي في النّاشئة، بفتح المجال لنقد الأعمال المقدّمة في جلسات الجمعيّة.
- احتكاك الطّلبة بالشّخصيَّات العلميّة والفكريّة، التي تدعى إلى جلسات الجمعيّة لمحاورتها.
- إشاعة جوّ المرح والدّعابة والأخوّة بين الطّلبة، بتغيير الأجواء التي تكون في فصول الدّراسة، وجدران المباني التي يدرسون فيها، وتغيير منهجيّة تقديم المعلومات للطّلبة، وتبديل أساليب الإعداد التي يكون في قاعات الدّراسة.
- نشر جوّ الأنس بين الطّلبة، وتمتين روابط الأخوّة بينهم، وغرس روح الاجتماع فيهم.
- يشير الشّيخ محمد عليّ دبوز إلى نقطة أخرى مهمّة، تتعلّق باللّقاءات التي تجمع طلبة معهد الحياة ببعضهم، وبينهم وبين الكبار والصّغار. هذه اللّقاءات التي ينتج عنها الاحتكاك بينهم، فتمتزج أرواحهم وعقولهم، فيتأثّر الضّعيف بالقويّ، فيكتسب من قوّته وحصافته، يتكوّن على وجدانه القويّ المتأجّج؛ غرامًا بالعلم والمعالي، وعلى شجاعته الأدبيّة. (1)
يقول الشّيخ محمد عليّ دبوز: " ولمّا كانت التّمارين المدرسيّة، سيّما في العلوم العربيّة لا تكفي لغرس قواعد النّحو والبلاغة عاداتٍ في اللّسان والقلم، ولا يجد فيها اللّسانُ، بالأخصّ المجال للتّدرّب على الفصاحة، عزم الشّيخ عدّون ناظر معهد الحياة وكبار الطّلبة فيه على إنشاء جمعيّة أدبيّة لتلاميذ المعهد، تدربّهم على الفصاحة، وتؤكّد في نفوسهم الإخاء والمحبّة وترقّي عقولهم، وتعلّمهم التّفكير والمناقشة، والبحث والمناظرة، وتصقل أخلاقهم، وتشرف على سير المعهد، وتعمل لترقيته." (2)
يؤكّد الشّيخ الدّبوز أيضًا على حقيقة أخرى مهمّة، وهي إحدى النّتائج الطّيّبة والفوائد الباهرة لقيام نظام الجمعيّات الأدبيّة: " إنّ من أسباب الصّفاء والأخوّة والمحبّة التي تسود معهد الحياة جمعية الشّباب، التي تعينه في
__________
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 123.
(2) - المصدر السّابق، ص: 119، 120. (1/34)
صفحة 34
التّربية الخلقيّة والعقليّة، فتطبع بجوّها وقسمها، وبكل ما يقع فيها أعضاءَها بالصّفاء والمحبّة." (1)
يقدّم الشّيخ الدّبوز صورة حيّة عن جمعيّة الشّباب، وهو الذي عاش فيها، وعايشها وجدانيًّا، وأسهم بأعمال علميّة وأدبيّة فيها، وشاهد بنفسه النّتائج الكبيرة التي تَحصَّل عليها الطّلبة فيها وبها، والثّمار اليانعة والجيّدة التي قطفها المجتمع منها: " كان جوّ الجمعيّة من أوّلها إلى آخرها ممتعًا قويًّا، يختلط فيه الجدّ القويّ بالمرح والصّفاء، فنشعر بلذّة عقليّة ونشوة روحيّة، لا تجدها في مكان. وكان الصّفاء الذي يملؤها يورثها سحرها للقلوب وخلابتها للنّفوس، فترى أعضاءها كلّهم على النّشاط العقلي والمتعة الرّوحيّة، التي تبدو لك في أسرّتهم المتهلّلة، وعيونهم الضّاحكة، وأحاديثهم التي تدلّ على الانشراح والأفراح.
إنّ جوّ الجمعيّة المرح، وصفاء النّفوس الذي يملؤها هو سبب اقتدارها الكبير على التّربية، فجنى منها معهد الحياة في كلّ أدواره الخير العظيم، ورأى منها في التّربية العقليّة والخلقيّة والوجدانيّة النّتائج العظيمة التي لا تحصى، فلولا ذلك المرح ما نشطت العقول، فعملت بأقصى قوّتها فترقّت، وما تفتّحت النّفوس فأقرّت فيها الجمعيّة كلّ ما تريد من عقائد وعواطف وأخلاق، وما تنزّل الكبار إلى مستوى الصّغار، فتمتزج أرواحهم وعقولهم، فيتأثّر الضّعيف بالقويّ، فيكتسب من قوّته وحصافته، فيكون على وجدانه القويّ المتأجّج غرامًا بالعلم والمعالي، وعلى شجاعته الأدبيّة، فيزداد نشاطًا في الجمعيّة، ويلقي بدلوه مع الدّلاء في كلّ أعمالها، فيفوز بالخير الكثير. " (2)
أمّا الشّيخ عدّون مؤسّس الجمعيّة فيركّز على جانب آخر من جوانب التّأثير الإيجابي لجمعيّة الشّباب، وهو دورها في مسيرة معهد الحياة، الذي تعدّ الجمعيّة بنتها، أو من نتاجها. يقول: " كان لهذه الجمعيّة أثر كبير في سير المعهد وتقدّمه، بل هي الرّوح المسيّرة، والدّماغ المفكّر. وكان لها
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 121.
(2) - المصدر السّابق، ص: 123. عن نظام سير جلسات جمعيّة الشّباب، والأعمال التي تقدّم فيها ينظر نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 124 – 126. (1/35)
صفحة 35
نشاط أدبي واجتماعي في جميع المجالات." (1) فليُنْظَرْ إلى هذه النّقطة بمنظار تربوي ومنهجي واستراتيجي، ومن منطلق الرّؤية المستقبليّة في التّخطيط والبرمجة والتّكامل والمآل ...
يذكر الشّيخ عدّون المجالات الأدبيّة التي تنشط فيها الجمعيّة: " تقوم بحفلات أسبوع المولد، التي يشارك فيها جميع الطّلبة وغيرهم. ومهرجان كبير تعرض فيه ما تنتجه من خطب بديعة، ومن قصائد رائعة، وأناشيد حماسيّة وطنيّة تتولّى تلحينها، كما تقوم بحفلات الأعراس، تستعرض فيها نشاطها الأدبي، وتقوم بمسرحيّات تمثّل فيها روايات من إنتاجها، ومن المقتبسة، تجد لها مناسبات، أو تفرض لها فرضًا، وتقوم بتنظيم فرق فنّية في فنّ بديع، يتنزّه عن كلّ ما ينكره الدّين الحنيف، ويأباه الذّوق السّليم، وتتولّى القيام بحفلات عامّة داخل البلد وخارجه." (2)
بالتّأمّل فيما ذكره الشّيخ عدّون مؤسّس الجمعيّة نجد أنّ المجالات التي ينشط فيها الطّلبة ويكتبون ويبدعون - حتّى ولو كانت أدبيّة وفنيّة – تسهم في تكوين الطّالب في كثير من جوانب شخصيّته الدّينيّة والعلميّة والأدبيّة والاجتماعيّة والوطنيّة والإبداعيّة ... وهو ما يعدّه لينخرط في عمق المجتمع بقوّة؛ ليتحمّل مسؤوليّته في العمل على خدمته وتطويره.
إنَّ الأهداف التي سطّرها مَنْ وضع أساس إنشاء جمعيّة الشّباب، تحقّق منها الكثير، والفوائد التي جناها الطّلبة المكوَّنون في فضاء هذه الجمعيّة كثيرة جدًّا، وعلى رأسها التّدرّب على الفصاحة، والحصول على قسط كبير من البيان العربي، وهو ما ساعدهم على البروز بقوّة في دروب الحياة، فقاموا بواجبهم في التّعبير والتّبليغ بالطّرق المقبولة، وبالأساليب الرّاقية. يقول الشّيخ محمد علي دبوز: " إنّنا مدينون لجمعيّة الشّباب ولمجالس مطالعة الدّروس جماعة، فهي التي علّمتنا الفصاحة، وزوّدتنا بأكبر قوّة امتنّ الله بها على الإنسان، وهي نعمة البيان، لولاها لكنّا على العيّ والفهاهة، ولوجدتنا كتلاميذ المدارس العقيمة، ألسنتهم خرساء،
__________
(1) - معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 71.
(2) - المصدر السّابق، ص: 71، 72. عن أعمال الجمعيّة الخارجيّة وجدواها على معهد الحياة والنّهضة العلميّة والاجتماعيّة في منطقة وادي ميزاب بخاصّة، ينظر نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 128 – 132. (1/36)
صفحة 36
وعقولهم كليلة، وهم في الدّنيا خزائن (حفظ) مقفلة، لا ينفعون ولا ينتفعون." (1)
يضيف: " جمعيّة الشّباب المباركة، إنّها أمّنا البارّة العزيزة، تشبل علينا فنجد في حجرها الكريم نشوة الرّوح وغذاء العقل، وتأخذ بيدنا فندرج حتّى تشتدّ منّا السّوق، فنستطيع الإتيان ببضاعة عقليّة وخلقيّة ليست مزجاةً، ولكنّها غالية في السّوق، يشهد بذلك كلّ منصف، ينظر بالبصيرة الصّافية، ويقرّ به كلّ عضوٍ أورثه كرم الأصل عادة الاعتراف بالجميل."
بعد أن يعترف الشّيخ محمد علي دبّوز بدور الجمعيّة في الوصول بالطّلبة إلى هذا المستوى من الرّقيّ النّفسي، والصّفاء القلبي، والنّموّ العقلي، والعمل الاجتماعي وغيرها من الفوائد العظيمة، ولانشراحه ورضاه الكامل عن دور الجمعيّة المهمّ؛ بأدائها وعطائها ... بعد كلّ هذا يأسف ويرثي للمؤسّسات التّربويّة، التي تفتقر إلى هذا النّوع من النّوادي والفضاءات، ويتحسّر على التي تفتقد الرّوح التي أشار إليها، ممّا هو متوفّر في جمعيّة الشّباب: "ويل المعاهد والجمعيّات التي لا يملؤها الصّفاء والمرح والمحبّة، إنّها عقيمة لا تجدي، إنّ جوّها جوّ القبور النّتنة المظلمة التي لا تتفتّح فيها الأزهار، ولا يطلع فيها الفجر، إنّها تقتل ولا تحيي، وتبغض أشياءها للنّفوس، كما تبغض إليك أقحاف الموتى النّتنة الشّرابَ اللّذيذ الذي يصبّ فيها." (2)
" مهما أطلنا في فوائد الجمعيّة لمعهد الحياة، وجدواها على النّهضة في الجزائر، وفوائدها للدّين والوطن، لا نستطيع أن نجلو فوائدها، حسبنا فيها أن نقول: إنّها روح المعهد وصلبه، تخلّقت منه كما تتخلّق نواة الثّمرة منها، فتكون روحها." (3)
هذا نموذج لدور الجمعيّات الأدبيّة في التّكوّن والتّثقّف للنّشء والنّابتة، ومثال للإعداد والتّنشئة والتّهيئة للموجِّهين والمرشدين والمربّين. وهو منوال واقعي ممارس في الميدان، ثبتت جدواه، وبرز نفعه، فمن يبغي أن يستفيد من التّجربة، فما عليه إلاّ أن يتأمّل فيها، ويستلهم منها الإرشادات
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 126.
(2) - المصدر السّابق، ص: 123، 124.
(3) - المصدر السّابق، ص: 134. (1/37)
صفحة 37
وطرق العمل. ومن يرغب أن يستدرك ما فاته، فما عليه إلاّ أن يسترشد بها، وبذلك يقدّم لنفسه الفائدة العظيمة، وللمجتمع الخير الكثير.
من بين التّجارب التي سارت في مضمار التّكوين الاجتماعي والأدبي سيرًا حسنًا جماعة " إخوان الصّفاء"، التي تأسّست في الأربعينيّات من القرن العشرين، هي جماعة صغيرة متكوّنة من طلبة معهد الحياة، جمعت بينهم الأخوّة الصّادقة، وحبّ الاجتماع، والرّغبة في التّكوّن العلمي والأدبي، وتوفير جوّ المرح والصّفاء بينهم.
يقدّم الشّيخ محمد عليّ دبّوز هذه الجماعة قائلاً: " كنّا جماعة في عشرةأشخاصٍ، كلّهم من القرارة إلاّ أنا، فمن بريّان، ربط بيننا الحبّ في الله. ومزجت بيننا الميول الواحدة، والفطرة السّليمة، والحبّ الشّديد للعلم، والطّموح فيه، وتعشّق للأدب، والاشتغال به. فأصبحنا إخوان الصّفاء حقًّا. يشعر كلّ واحد منّا بالآخر أنّه هو." (1)
لا يملك الشّيخ الدّبوز وهم عضو فعّال في حماعة " إخوان الصّفاء" إلاّ أن يطلق العنان لمشاعره أن تنساب بين ثنايا الكلمات التي دبّج بها الفقرة الآتية، لتنقل شدّة فرحه بهذه الجماعة، وقوّة تعلّقه بها، ولتسجّل جميل الاعتراف بدورها في تكوينه، وتحدّد مكانتها في حياته:" أحلف بالله، لقد تقلّبت في عدّة أقطار راقية، واتّخذت كثيرًا من الإخوان فيها، ما منهم إلاّ وهو أديب أو عالم أو خاصّة في قومه، وفاضل في زمانه، فما وجدت فيهم كلّ ميزات إخوان الصّفاء، سيّما نقاء النّفس، وطهارة الدّخلة، والتّجرّد من الأنانية، والحبّ الخالص لله، ولا استطاعوا أن يسعدوني كإخوان الصّفاء. إنّهم أبناء القرارة الأطهار، وهي فذّة في الصّفاء في تلك العهود، فأورثته لأبنائها، وضاعف المعهد بصفائه وراثتهم، فصارت نفوسهم في النّقاء والصّفاء والطّهر كأرواح الملائكة، ونفوس الأطفال النّقيّة." (2)
هذا التّسجيل الصّادق الدّقيق يقدّم صورة عن دور الجمعيّات الأدبيّة والجماعات الأخويّة في التّكوين والتّربيّة. التي تُعمَرُ جلساتها ولقاءاتها بكلّ ما يعمل على بناء شخصيّة الفرد، خارج دروس الفصول الدّراسيّة، وبعيدًا عن فضاءات التّعليم التّقليديّة أو العامّة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 61، 62.
(2) - المصدر السّابق، ص: 62. (1/38)
صفحة 38
عمّا يدور داخل جماعة إخوان الصّفاء، يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " كانت مجالسنا تعمرها القراءة المفيدة، والمناقشة في مواضيع الصّحافة، سيّما الأدبيّة منها، وكانت تشيع فيها الدّعابة الظّريفة، والنّكتة السّاحرة، ينثرها الخفيف، وينثرها أحمد وغيرهما، من إخوان الصّفاء، وكان العقل يجد في تلك المجالس متعته، والرّوح نشوتها وغذاءها من الحبّ الطّاهر، الذي يتدفّق به كلّ قلب، والصّفاء التّام، الذي تفيض به العيون، وتلمسه في الحديث." (1)
الخلاصة
نحن نستفيد من تجربة جمعيّة الشّباب وغيرها من الجمعيّات والرّابطات، التي نشطت في ميدان التّدريب والتّرويض على التّكوين الأدبي بخاصّة، ننسج على منوال برامجها، وننهج نهجها، مادامت قد أثبتت نجاعتها، وأثمرت بها ثمارًا طيّبة جيّدة. ونعمل على تكييف كلّ هذا مع ما يتناسب مع المتغيّرات والمستجدّات والمتطلّبات والإمكانات.
نحرص أوّلا على إحياء نظام الجمعيّات الأدبيّة بالمواصفات التي تحقّق الأهداف المسطّرة، وتستجيب للظّروف الآنيّة، وتتناسب مع تطوّر الحياة المستمرّ. ونعمل على توجيه كلّ هذا توجيهًا حسنًا؛ بإعداد برامج وخطط، تدفع إلى إثارة طموح الطّلبة في استثمار طاقاتهم ومؤهّلاتهم الكامنة في الإبداع. لذا يجب التّنويع في أنشطة الجمعيّة. وتكليف الطّلبة بتدبيج الخطب، وتحرير المقالات، وإعداد البحوث، وإلقاء المحاضرات وتحرير الفصول النّقدية للأعمال الأدبيّة والعلميّة المقدّمة. وتشجيعهم على كتابة القصص، وتأليف المسرحيّات، ونظم الشّعر، وكتابة الأناشيد، وعقد النّدوات، والقيام بالمراسلات الأدبيّة، ودعوة شخصيّات لمحاورتها، وأخرى لإلقاء محاضرات في مختلف جوانب المعرفة ... تكون للجمعيّة مجلّة دوريّة، تصدر عدّة مرّات في السّنة، تكون منبرًا للأقلام النّاشئة، تتدرّب فيها على الكتابة الصّحيحة.
__________
(1) - المصدر نفسه. الخفيف هو: عيسى بن الحاج عمر ناصر بوحجام. أحمد هو: أحمد بن عمر الشّيخ أحمد. وهما من أعضاء جماعة " إخوان الصّفاء". (1/39)
صفحة 39
إنّ كلّ ذلك يساعد على التّكوّن في الكتابة والتّحدّث بطلاقة، وتنظيم التّفكير، والتّمرّن على البحث والنّقد، وتنمية العقل، وترويض النّفس على العمل الجادّ المثمر ...
الجزائر يوم الخميس: 18 من رجب 1431هـ
01 من جويلية 2010م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
معهد الحياة ممثّلا وحيدا للجزائر في قطر بمشاركة 25 دولة
/
يمثّل معهدُ الحياة في القرارة، ولاية غرداية، الجزائرَ في البطولة الدّوليّة الثّانية لمناظرات المدارس باللّغة العربيّة، بفريق طلّابي متميّز، (1/40)
صفحة 40
يضم الشّيخ بالحاج عبد المجيد، وسليمان بوعصبانة محمد، وابن عمر ياسين، وابن عيسى نور الدّين، تحت إشراف الأستاذ خيَّاط علي بن أحمد.
تستضيف الدّوحة القطريّة البطولة المنظّمة من قبل مركز مناظرات قطر، عضو مؤسّسة قطر للتّربية والعلوم وتنميّة المجتمع، الدّورة التي تقام بمركز قطر الوطني للمؤتمرات، خلال الفترة من 23 إلى 26 مارس الجاري (2014م)، وتشهد مشاركة 25 فريقا يمثّلون 21 دولة عربيّة و4 دول أجنبيّة.
تأتي البطولة الدّوليّة التي ترعاها الشّيخة هند بنت حمد آل ثاني، نائب رئيس مجلس إدارة مؤسّسة قطر، ضمن الجهود التي يبذلها المركز من أجل دعم فنّ المناظرة والحوار باللّغة العربيّة، ونشره وتوعية الشّباب بأهميّته في إعداد الأجيال الصّاعدة وتهيئة قادة المستقبل انطلاقا من أسس عربيّة أصيلة، ما يصبّ في خدمة اللّغة والهويّة والثّقافة العربيّة.
يذكر أنَّ معهد الحياة تأسّس يوم 21 ماي 1925م على يد رائد الحركة الإصلاحيّة بالجنوب الجزائري، الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (الشّيخ بيّوض) -رحمه الله - ويُعَدُّ معهد الحياة معهدا إسلاميًّا ومشروعا علميًّا تربويًّا، حيث كان التّدريس في أوّل الأمر في دار الإمام الشّيخ بيّوض، تحت اسم معهد الشّباب، حتّى صدر الاعتراف الرّسمي بجمعيّة الحياة سنة 1937م، فتحوّلت تسميّته إلى معهد الحياة. أمّا الاعتراف الرّسمي بالمعهد فكان بتاريخ 7 أفريل 1990، أمّا اعتبار الطّلبة متمدرسين فكان في 2004، حيث يستفيدون من إجراء امتحانَي شهادة التّعليم المتوسّط وشهادة البكالوريا. (1) وقد تركّزت الدّراسة في أوّل العهد على علوم الشّريعة الإسلاميّة واللّغة العربيّة، ثمّ بعد الاستقلال أضيفت إليها المناهج العلميّة المعتمدة لدى وزارة التّربية الوطنيّة، تأهيلا لطلبة معهد ”الحياة”
__________
(1) - كانت مشاركة طلبة معهد الحياة في الشّهادتين قبل التّاريخ المذكور. بالنّسبة لشهادة التّعليم المتوسّط فقد بدَأت في نهاية السّتينيّات من القرن العشرين. أمّا الباكالوريا فإنّ أوّل دفعة من الطّلبة شاركت في امتحانها كانت في السّنة الدّراسيّة (1970/ 1971م). وكان قد أُضيفَ إلى مقرّرات معهد الحياة موادَّ أخرَى في علوم التّربيّة وغيرها قبل الاستقلال ... (م. ن. ب) (1/41)
صفحة 41
ليشاركوا في شهادتَي التّعليم المتوسّط والبكالوريا، وقد حقّقوا في كلا الشّهادتين نتائج معتبرة.
ق. ث. جريدة الخبر الجزائريّة
/
واجهة معهد الحياة الشّامخ، وواجهة داخليّة الحياة (دار البعثات العلميّة البيّوضيّة) العامرة، القرارة، ولاية غرداية، الجزائر. وقد تخرّج منهما (وما يزال) رجال علماء، وزعماء، وحكماء، وكبراء ... خدموا منطقتهم ووطنهم وكثيرًا من البلدان في محتلف أصقاع المعمورة. والشّواهد على ذلك كثيرة ... (1/42)
صفحة 42
/
الميزابيّون حماةُ لحمة ودعاةُ وَحدة (1)
الفكر الوحدوي الذي نُشِّئَ عليه الميزابيّون، والجماعيَّةُ التي طبعت سلوكهم، والعقيدةُ الرّاسخة التي أُشْرِبُوها حتّى الثُّمالة، والأخوّةُ التي ترسّخت في قلوبهم وعقولهم ... هذه القيم السّامية والأساسيّة في السّير السويّ في الحياة، جعلت منهم كيانًا لا يقبل التّفريط في المقوّمات، ولا يرضي أن يصاب في انتمائه، ولا أن يمسّ فيما يربطه بأرضه وفكره وعلاقاته مع من يتّصل بهم بصلة، خاصّة من يقاسمه الدّين، ويشاركه الأرض. لذا كان الميزابيّون ويظلُّون متمسّكًين بلحمة الدّين، ووَحدة التّراب. لن يساومهم أحد في هذا المسلك، ولن يحاورهم فرد في هذا المسار، ولن يغيّر من مواقفهم شيء ممّا يحدث لهم، أو يجرّون إليه ... . الشّواهد على ذلك كثيرة، من التّاريخ القديم والحديث، ودلائله ومظاهره قائمة في الواقع المعيش في الجزائر: الوطن العزيز الغالي.
يمكن الإشارة إلى موقف واحد في هذه الصّفحات، هو دور الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – في قضيّة فصل الصّحراء
__________
(1) - نشر المقال في صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). ينظر- أيضًا - كتاب أقلام الهداية في فتنة غرداية، جمع وإعداد حمّو بن يونس أوجانه، مطبعة سكايل فيزيو، الرّويبة، الجزائر، (د. ت)، ص: 143 – 147. (1/43)
صفحة 43
عن الجزائر، الذي يمثّل موقفَ الميزابيّين في موضوع الانتماء والارتباط والولاء والوفاء، وينقل حقيقة ما يدور في حناياهم وطواياهم وزواياهم ..
يوم 12 من جوان 1959 قام جاك سوستال بزيارة ميزاب لدراسة أوضاع الصّحراء، بعد التّقارير التي قُدِّمتْ للسّلطات الفرنسيّة عن وضعيّة الصّحراء المزرية، وسوء معاملة الاستعمار الفرنسي لسكّانها، فبعد أن قدّم تقريره عمّا عزمت الحكومة الفرنسيّة فعله لتحسين الأوضاع، وتنفيذ بعض المطالب المقدّمة، أجابه الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – (باسمه ونيابة عن الميزابيّين): “ .. إنّي أشكرك على هذه الزّيارة لتطَّلع في عين المكان على حالة هذه المنطقة ... عندما اقترحْتُ إلحاقَ ميزاب بالجزائر رأسًا، أخذتُ بعين الاعتبار كون الغالبيّة العظمى من سكّان ميزاب كانت وجهتُهم نحو الشّمال في جميع عمليّاتهم التّجاريّة، ومعاملاتهم الأخرى وحركاتهم الدِّينيّة والماديّة والأدبيّة كالمساجد والمقابر والمحاكم الشّرعيّة، وليس لها شيءٌ من ذلك في الجنوب”. أجابه سوستال: “ nous vérrons” ( أعمالي في الثّورة، ص: 61، 62).
أخذ الجنرال ديغول قضيّة فصل الصّحراء بحزم وجدّ، وجعلها مسألة كرامة فرنسا وعزّتها وقوّتها وهيمنتها على المنطقة، لا يمكن التّفريط في هذا ولا التّنازل عن حقّها في حيازة الصّحراء وضمّها إلى ترابها وممتلكاتها .. فطلب من مستشاره أوليفي قيشار Olivier Guichard دراسة ملفّ الصّحراء بعمق وعناية خاصّة ..
كبرت المؤامرة، وأحكمت الخطط، واشتدّت الأزمة، وبان الخطر على مستقبل الجزائر كلّها؛ بالسّير بخطًى حثيثة لاقتطاع جزء مهمّ من ترابها .. ”وبدأت نوايا الاستعمار تتّضح في فصل النّواحي في الصّحراء عن الأوطان التّابعة لها، وتأكّد هذا الاتّجاه عند الفرنسيّين لمّا استفحلت حرب التّحرير الجزائريّة، وبعد أن استقلّت تونس والمغرب، فكان أن وافق البرلمان الفرنسي في 10 من جانفي 1957 على تكوين المنظّمة المشتركة للنّواحي الصّحراوية ( ocrs)، والغرض منها - كما نصّ القانون - استثمار الصّحراء والتّوسّع الاقتصادي ورفع المستوى الاجتماعي للمناطق (1/44)
صفحة 44
الصّحراويّة التّابعة للجمهوريّة الفرنسيّة.” (لقطات من تاريخ الولاية السّادسة ومسألة الصّحراء، المركز الثّقافي الإسلامي، بسكرة).
يتطلّب التّحرّك لمقاومة هذه المؤامرات والمناورات تخطيطًا محكمًا، وتدبيرًا قويمًا، ووقوفًا حازمًا، ونضالاً مستميتًا، يقود كلَّ ذلك رجالٌ أكفاء، يتمتّعون بِحِسٍّ وطني كبير، وفكر وحدوي أصيل، ونظر شمولي للقضيّة الصّحراويّة؛ في حاضرها ومآلها، في عمقها الاستراتيجي بالنّسبة لمستقبل الجزائر كلّها: وَحدةً ترابيّة وفكريّة وحضاريّة شاملة ..
فكان لها الوطنيّون الكبار، الذين لبسوا الوطنيّة دروعًا تقيهم ضربات المجهزين عليها من الأعداء بمختلف أشكالهم وألوانهم وأطيافهم، واتّخذوا من حبّ الوطن حصنًا منيعًا يصرفهم ويحميهم من كلّ استلاب واغتصاب لأرضهم وما يملكون عليها ...
من هؤلاء المناضلين الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض الذي وقف موقفًا حاسمًا حازمًا صارمًا في قضيّة فصل الصّحراء عن شمال الجزائر، رافضًا ومقاومًا كلّ محاولةِ سلبِ الوطن الجزائري قطعةً منه. هذا الوطنيّ المجاهد الذي قال عنه عبد الله بن طوبال، وزير الدّاخليّة في الحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة، مثمّنًا دوره في القضيّة: “ ... أصبح طرفًا مهمًّا في الكفاح ضدّ الاستعمار، إذ أصبح عرصة في قضيّة المحاولة الفرنسيّة لفصل الصّحراء عن بقيّة التّراب الوطني ... استطاع الشّيخ بيّوض الإمام والزّعيم الرّوحي أن يجرّ الصّحراء الجزائريّة في القضيّة التّحريريّة (أي القضيّة المشار إليها)، وبعد ستّة أشهر من ذلك دعانا ديغول إلى طاولة المفاوضات، فكانت في البداية (إيفيان) ثمّ (مولان) ثمّ (إيفيان) مرّة ثانبة، التي توصّلنا بها إلى استقلال الجزائر والصّحراء” (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 150، 151).
رشّحت الحكومة المؤقّتة المناضل الوطني الشّيخ بيّوض ليقوم بدور المحافظة على وَحدة التّراب الوطني؛ بمقاومة كلّ محاولة لفصل الصّحراء عن الجزائر وإلحاقها بفرنسا؛ لكفايته السّياسيّة، ووطنيّته المتميّزة، ومكانته في قومه وبني وطنه .. فكان الشّيخ بيّوض ومنطقته وادي ميزاب من خير من يقوم بدور المحافظة على الصّحراء جزائريّة. يقول عبد الله بن طوبال: (1/45)
صفحة 45
“ ... إنّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع. وغرداية تعني الشّيخ بيّوض.” (المرجع السّابق، ص: 152).
حاولت فرنسا ضرب الوَحدة الوطنيّة بإشاعة أخبار كاذبة، والقيام بحرب إعلاميّة، إذ نشرت خبرًا في جريدة (ليبراسيون Libération) الفرنسيّة أنّ وفدًا ميزابيًّا سافر إلى باريس، وطلب الانفصال عن الجزائر، وإقامة جمهوريّة صحراويّة؛ كذبًا وزورًا وبهتانًا (فكذّابو الأمس هم كذّابو اليوم، والزّور والبهتان طبيعة النّفوس الشّريرة السّفيهة الأفّاكة. فكما دُحضَت مؤامرات أعداء الأمس سُقِط في أيدي أوغاد اليوم) وعلم القاصي والدّاني زيف هذه الدّعوى.
تصدّى الشّيخ بيّوض لهذه المؤامرة وخاطب الحاكم الفرنسي. قائلاً: “وقلت بالحرف: إنّني ممثّل الأغلبيّة السّاحقة من بني ميزاب، والصّحراء جزء لا يتجزّأ من الجزائر، قديمة لم تتغيّر، ولن تتغيّر، وقد دافعت بحرارة عن توحيد السّياسة الإداريّة بين الجنوب والشّمال؛ لأنّها قطر واحد بِخطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدّستور الجزائري، وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعت عن الفكرة ضدّ الانفصاليّين من فوق منبر المجلس الجزائري، حتّى اضطرّت الحكومة الفرنسيّة إلى إرسال لجنة بحث إلى ميزاب، فكانت مظاهرات، وكان لنا معها جولات، وبعد نحو عام أرسلت لجنة أخرى برلمانيّة لنفس الغرض، جيث لم ترضِها النّتيجة الأولى، فكانت النّتيجة كذلك، إنّ ميزاب لا يريد بأيّ ثمن فصله عن الجزائر، ثمّ أكّدتُ له أنّه لا يوجد مطلقًا أيُّ وفدٍ في باريس يتكلّم باسم ميزاب، وأنَّه لن يستطيع أحدٌ أن يجرُؤَ على التّكلّم باسمه إلاّ من اختارته الأمّة بنفسها.” (أعمالي في الثّورة، ص: 32، 33).
هذا هو موقف الشّيخ بيّوض ووادي ميزاب في مسألة فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري: الرّفض القاطع لكلّ تجزئة للتّراب الجزائري، والتّصّدي لكلّ تفرقة بين أبناء الشّعب الواحد. هذا ما أكّدته جريدة المجاهد، اللّسان المركزي لجبهة التّحرير الوطني الجزائرية:”فالصّحراء الجزائرية جزء من الجزائر، والميزابيّون الجزائريّون مثلا كغيرهم من سكّان أقطار الجنوب الآخرين، جزء من الأمّة الجزائريّة، وخير دليل على ذلك (1/46)
صفحة 46
مشاركتهم الفعّالة في كفاح التّحرير.” (جريدة المجاهد، ع:2، ص: 38، 39).
أصدر الجنرال ديغول أمره بفصل الصّحراء عن التّراب الجزائري يوم: 02 من ديسمبر 1960. ثمّ أوفد مسؤولاً كبيرًا إلى وادي ميزاب، فجمع الأعيان الميزابيّين، وقال لهم: ” إنّ فرنسا ترغب منكم أن توافقوا على تأسيس جمهوريّة صحراويّة مستقلّة، على غرار جمهوريّة موريطانية، وإنّها تعدكم بالتّأييد والحماية. وأخبرهم أنّه أمر أيضًا بإبلاغ هذه الرّغبة إلى بعض الشّخصيّات الصّحراوية، أجابه الأعيان بأنّهم سيدرسون الأمر، ويجيبونه بعد حين.” (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 72، 73).
مارست فرنسا مع الشّيخ بيّوض سياسة الإغراء، ونهجت معه أسلوب التّطويع والتّليين؛ محاولة منها إقناعه بِقبولِ الطّلب، بصفته الشّخصيّة المحوريّة والأكثر نفوذًا في المنطقة، والأصعب محاورة ومفاوضة في الموضوع، فأغرته بالمال والنّفوذ وبسط السّيطرة على الصّحراء .. فلم تَجِدْ منه استجابة، ولَمْ تُجْدِ مُحاولاتُها، ولم تنل منه ما تريد. إذ أجاب الشّيخ موفد ديغول بدهاء سياسيٍّ وتملّص ذكيّ ... قائلاً: ” بما أنّ الصّحراء تضمّ خليطًا من السّكان: بني ميزاب والمخاليف والشّعانبة وغيرهم، فالجواب على طلبكم لا يكون إلاّ عن طريق استفتاء حرّ، فالقضيّة قضيّة الجميع، لا تخصّنا نحن الميزابيّين ... ” (نبذة من حياة الميزابيّين ... ج1، ص: 19)
تحرّك الشّيخ بيّوض لإجهاض المحاولات التي قامت بها السّلطات الاستعماريّة لتمرير مشروعها، وبخاصّة لقاء المسؤولين الفرنسيّين ببعض الشّخصيّات الصّحراويّة .. قام الشّيخ بالاتّصال بهذه الشّخصيّات لتنسيق الجهود معها، ولتنبيه بعضها، لخطر المشروع، حتّى لا تقع في فخّ المؤامرة المحبكة في القضيّة.
هذه الخطوات الجريئة كانت محلّ تقدير وتثمين من الرّجال المخلصين للوطن، والعارفين أقدار العاملين الجادّين، ولا يدرك عظمة الرّجال إلاّ العظماء في تفكيرهم وسلوكهم، وتصرّفاتهم وحبّهم الشّديد للخير وللوطن. قال الدّكتور محمد العربي الزّبيري: ” ولقد تمكّن أبو بكر حمزة من جعل (1/47)
صفحة 47
عدد من الشّخصيّات الصّحراويّة يحضرون أوّل لقاء في مدينة الأغواط من أجل إدخال مشروعه حيّز التّنفيذ (مشروع إقامة الجمهوريّة الصّحراويّة المستقلّة ذاتيًّا)، لكنّ الشّيخ بيّوض أجهض العمليّة، واتّصل بالحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة، يحيطها علمًا بتفاصيل الموضوع، ويستصدر الأوامر اللاّزمة لإفشال مساعي التّقسيم” (ديغول ... والصّحراء، ص: 17)
نهض الشّيخ بيّوض فقام بواجبه الدّيني والوطني، لبسقط مشروع التّآمر على وحدة التّراب الوطني، وكان من وسائله التّوعية والتّذكير بالواجب الدّيني والوطني نحو الوطن بكلّ مقوّماته، قال لإخوانه في النّضال والوطنيّة: ” إنّ ديننا وكرامتنا ووطنيّتنا لا تسمح لنا مطلقًا بأن ننفصل عن إخواننا الجزائريّين في الشّمال، وأنّه من الخير لنا ولأبنائنا أن نربط مصيرنا بمصير الجزائر كلّها ... وأن نجيب كلّنا بكلمة واحدة: إنّنا نريد أن نكون دائمًا جزائريّين، ومصير الصّحراء هو مصير الشّمال الجزائري، ولا نقبل الانفصال عنها في أيّ حال من الأحوال.” (أعمالي في الثّورة، ص: 80).
أثيرت قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال في المجلس الاقتصادي بورقلة في خريف 1961، تدخّل الشّيخ بيّوض، وقدّم عرضًا عن القضيّة، وأفاض في حيثيّاتها، وكان ممّا قاله مخاطبًا رئيس المجلس: “سيّدي الرّئيس، إنّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت، ينظر في ميزانيّة العمالة، فاختصاصنا لا يخرج عن دائرة المكاتب والمصحّات والطّرقات والمواصلات، وما أشبهها من الماديّات، ولا يحقّ لنا مطلقًا في التّكلّم باسم الأمّة في أمر سياسيّ هامّ خطير، الحقّ فيه للأمّة بأسرها. ثمّ من جهة أخرى سيّدي الرّئيس، إنّ فرنسا لم تكن تستشيرنا يوم قطعت الصّحراء، وجعلت لها نظامَ التّراب الجنوبي الخاصّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشّمال، سمّتها أحوازًا ممتزجة. فهي تصل وتفصل، وتتحكّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنَّا نطلب أشياء من حقّنا، ونرفع أصواتنا بها، فلا تسمعها، حتّى في تطبيق قوانين سنّتها هي، ولا يخفاكم موقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستورها. فإذا أرادت فرنسا اليوم أن تستشير فلتستشر (1/48)
صفحة 48
صاحب الحقّ، وهو الشّعب الجزائري كلّه.” (أعمالي في الثّورة، ص: 35، 36)
جرأةٌ لا تصدر إلاّ من قلب شجاعٍ، يؤمن بواجبه الدّيني في الجهاد لصدّ كل عدوان على الوطن مهما يكنْ نوعه، وحسٌّ وطني لا يسكن إلاّ نفسًا أبيّة عصيّة على كلّ مكر ومؤامرة، وتدبيرٌ لا يأتي إلاّ من رؤية تتّصف وتصدر عن وَحدة وشموليّة في المعالجة ... هذه هي وجهةُ الشّيخ بيّوض ومن معه من أصدقائه وأبنائه الذين صنعهم على عينه، وِجْهَتُهُمْ قبلة الوَحدة والاتّحاد وعدم الابتعاد عن الحماعيّة في التّفكير والتّدبير والتّحرّك والنّظر إلى قضايا الوطن ..
أكّد الشّيخ بيّوض لكلّ من حاوره وناوره وحاربه وجاوره ... في موضوع قبول الميزابيّين بفصل الصّحراء بعامّة، ومنطقتهم بخاصّة عن التّراب الوطني الجزائري .. وبيّن لهم بالتّاريخ والمنطق والواقع والمصير والمآل أنّ هذا العرض مرفوض جملة وتفصيلاً: “ ... لكنّهم كانوا يجدون منّي عودًا صلبًا لا يلين. وإنّما أحاورهم بالمعقول والمنطق. ومن أقوى ما اعتمدت عليه هو أنّ جذور حياة ميزاب متغلغلة في أعماق أرض الجزائر، وأنّ عروق اقتصاده ضاربة في كلّ بقعة من بقاع أرض الجزائر منذ قرون قبل أن تقدموا أنتم إلى هذه البلاد، وأنّه مدين للجزائر في بقائه، وفي الحصول على الوسائل التي قاوم بها الطّبيعة القاسية في بلاده ولا يزال، فلن يستطيع الميزابي أن يرى نفسه يومًا ما أجنبيًّا في الجزائر، ولئن جاء ذلك اليوم – لا قدّر الله – فإنّه يوم القضاء المبرم على بني ميزاب. بهذا المنطق كنت أَدْفَعُ محاولاتهم، فرجعوا بخفّي حنين والحمد لله.” (أعمالي في الثّورة، ص: 38، 39).
انفصال ميزاب عن الجزائر هو قضاء مبرم على حقيقة الميزابي الجزائري المتجذّر بعروقه في وطنه الجزائر. ما يريد الشّيخُ بيّوض تأكيدَه – نقلاً لتفكير الميزابيّين وشعورهم، وتعبيرًا عن معتقدهم في الموضوع – أنّ انتماءهم إلى الجزائر أصيل، وعلاقتهم بالوطن متأصّلة، وارتباطهم (1/49)
صفحة 49
بأرضها وثيق، وتمسّكهم بترابها – وحدةً لا تنفصل عراها -أمر لا مساومة فيه ولا منازعة.
هذا الدّور الذي قام به الشّيخ بيّوض في مسألة فصل الصّحراء عن الشّمال الجزائري، حظي يتقدير الوفد الذي أوفدته قيادة الولاية السّادسة إلى منطقة وادي ميزاب سنة 1961. (الوفد متكوّن من السّادة: أحمد طالبي، وسعيد عبادو، وعثمان حامدي، ورشيد الصّائم). فقد اعترفوا بنضال الشّيخ بيّوض، وبمواقفه المشرّفة في القضيّة، بعد أن اقتنعوا بوجهة نظره، الذي كان رافضًا طَلبَ فرنسا موافقتَه فصلَ الجنوب عن الشّمال.
النّتيجة التي أسفرت عنها كلّ المحاولات التي قامت بها السّلطات الفرنسيّة لتليين موقف الشّيخ بيّوض والميزابيّين للقبول بالمشروع يوضّحه السّيّد رضا مالك، النّاطق الرّسمي للوفد الجزائري في مفاوضات إيفيان، وصاحب كتاب ”الجزائر في إيفيان Algerie a Evian L'“: ” سمعت من أوليفي قيشار مستشار برئاسة الجمهوريّة الفرنسيّة أنّ الجنرال ديغول أرسله إلى الصّحراء سنة 1960 ليتّصل بالميزابيّين، يَعرض عليهم تكوين مملكة ميزابيّة، كما كلّفه بالاتّصال بسكّان تمنغاست لنفس الغرض. ويقول أوليفي قيشار: اتّصلت بالشّيخ بيّوض إبراهيم بغرداية لهذا الغرض، فرفض هذه الفكرة وهذا العرض رفضًا قاطعًا، وقال له الشّيخ بيّوض: إنّ منطقة مزاب جزء لا يتجزّأ من التّراب الجزائري.” (المرحلة الانتقالية للثّورة الجزائريّة ... ، ص: 381).
كان للشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله – دور كبير وأساس في المحافظة على صحراء الجزائر ملكًا لها، وفي الإبقاء على وَحدة التّراب الوطني بعيدًا عن أيّة مساومة ومقايضة، لم يدّخر جهدًا، ولم يستسلم لأيّ ضغط، ولم ينجذب لأيّ إغراء وتغرير للتّفريط في حقّ الحفاظ على سلامة الوطن الجزائري من الاستلاب، بالدّفاع عن ارتباط جنوب الجزائر بشماله. يقول عبد الله بن طوبال: ” فإنّ الفضل يعود إلى الشّيخ بيّوض في إنقاذ وحدةَ التّراب الوطني وبقاء الصّحراء بكلّ خيراتها جزائريّة. وبدونه كان يمكن أن تستمرّ الثّورة عقدًا آخر، ومرّة أخرى أقول: إنَّ دور غرداية (1/50)
صفحة 50
(المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع، وغرداية تعني الشّيخ بيّوض.” (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 152)
يقول بسّام العسلي: “ ... ونزل الشّيخ بيّوض إلى ميدان الجهاد الجديد، وقاد معارك كبرى ضدّ فصل الصّحراء عن الشّمال، استمرّت ستَّ عشرة سنة كاملة (من سنة 1947 إلى سنة 1962)، وكان رجال النّهضة في ميزاب كلّهم حنده وأنصاره في معاركه السّياسيّة الكبرى، فالتفّوا حوله، وهم يستنكرون فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري.” (عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائرية، ص: 218، 219).
هذا هو فكر الميزابيّين، وهذا هو موقفهم، من مسألة الوَحدة الوطنيّة: أرضًا وفكرًا ونشاطًا، وتماسكًا وتآزرًا، وعلاقاتٍ تضمن العيش في أمن وسلام ووئام ومحبّة وإخاء .. ، وصدَّا ومقاومة لكلّ من يسعى لإحداث فرقة بين أفراد الشّعب الجزائري .. بأيّة وسيلة، وفي أيّ مجال، وبأيّة حجّة وذريعة ..
الشّعب الجزائري أمّة واحدة، وترابها ملك لجميع أبنائها، وتاريخها تراثهم. فلنتذّكر جميغًا قول شاعر الثّورة الجزائريّة: مفدي زكريّاء في أثناء الثّورة الجزائريّة المظفّرة ولنَسْتوعِبْه:
نَحْنُ في هَذهِ الجزائِرِ إِخْوا ... نٌ، جِرَاحاتُنَا الثَّخينةُ ... حَمْرَا
لُحْمَةُ الضَّادِ، والعُروبَةِ، والتَّ ... ريخِ، والدِّينِ، آيُ رَبِّكَ كُبْرَى
(اللّهب المقدّس، ص: 283)
إنّ الميزابيّين حُماة لُحمة، ودعاة وَحْدَة، ورعاة أخوَّة.
الجزائر يوم الأحد 24 من ربيع الأوّل 1435هـ
26 من جانفي ... 2014م (1/51)
صفحة 51
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ميزاب متجذِّرٌ في عمق الجزائر!! (1)
ميزاب منبت القيم، ومعدن الشّيم، ومعقل الشّمم، وموطن الشّهامة، وموضع المروءة ... كافح من أجل بناء مجتمع متماسك متضامن، وناضل من أجل إقامة حياة كريمة عزيزة؛ مؤسّسة على أُسُسِ الحضارة الحقيقيّة، جاهد كي يظلَّ سليلَ جدود، بنوا وشيّدوا وعمروا الأرض بما يضمن حياة سويّة، وعيشة هنيّة، عمل على مبدأ الارتباط بما له به صلة قويّة، وعلاقة وطيدة، كالدّين واللّغة والوجدان والتّراب والمسير والمصير .. امتثل في مسيرته بما سجّله الشّاعر الميزابي الجزائري مفدي زكريّاء:
نَحْنُ في هذِهِ ... الجزائِرِ إِخْوا ... نٌ، جِراحاتُنا الثَّخينَةُ حَمْرَا
لُحمةُ الضّاد والعُروبَةِ والتّا ... ريخِ وَالدّين آيُ ربِّكَ كُبْرَى
وهواها، وماؤُها، وسَماها ... وثَراهَا الزَّكيُّ، شِبْرًا فشِبْرَا
(اللّهب المقدّس، ص: 283).
إذا تغنّى الميزابي بمنبته ومسقط رأسه، وموطنه ميزاب، رَبَطَهُ بالجزائر: الوطن الغالي، وإذا افتخر بالدّولة الرّستميّة - وهو من أحفادها - وَصَلَ ذلك بالقيم التي تحتفي بها جزائرُه، بلادُه الحبيبة .. ما يعني ارتباطه بها انتماء ونشأة ومسيرة و .. و .. ، ماضيًّا وحاضرًا ومستقبلا .. يقول الشّاعر نفسه:
ويَحْفَظُ ميزاب لوح ... الجلال ... فَيُصْبِحُ ميزابُ في اللّوْحِ حرفَا
__________
(1) - نشر المقال في صفحتنا في الفايسبوك ( facebook)، وفي صحيفة " رأي اليوم" (لندن)، 01 من رمضان 1436هـ/ 18 من أوت 2015م. وصوت الأحرار الجزائريّة، يوم: 04 من رمضان 1436هـ/ 21 من أوت 2015 .. (1/52)
صفحة 52
تَقَدَّسَ واديكَ، منبتَ عِزِّي ... ومَسْقِطَ رأسي، وإلهامَ حِسِّي
وَرَبْضَ أبي، ومرابِعَ أُمِّي ... ومَغْنَى صبايَ، وَأَحْلامَ عُرْسِي
وفَخْرَ الجزائرِ، فيكِ تَنَاهتْ ... مَكارِمُ عُرْبٍ، وأمْجادُ فُرْس
وأَحْفادَ أوّلِ منْ رَكَّزُوا ... سِيادَةَ أَرْضِ الجزائِرِ أَمْس
دِماءُ ابن رُستُمَ مِلْءَ الحنايَا ... صَوارِخُ، يُلْهِبْنَ ... عِزَّةَ ... نَفْسِي
(إلياذة الجزائر، ص: 54، 55)
يعتزُّ الشّاعر (كغيره من الميزابيّين مع بقيّة الجزائريّين) بالدّولة الرّستميّة ورجالها الذين هم أجداده، قارنًا هذا الاعتزاز بأرضه الجزائر، هذه الدّولة التي كانت أوّل دولة إسلاميّة مستقلّة في هذه الأرض الطّيّبة، والتي كان لها دور كبير في قهر فرنسا في مفاوضات إيفيان، حين ادّعت أنّ الشّخصيّة الجزائريّة لم تكن موجودة قبل وصول الفرنسيّين إلى هذه التّربة الزّكيّة واحتلالها؛ لأنّ الجزائر لم يكن لها كيان دولة، قبل سنة 1830م، تاريخ احتلال فرنسا لها، فكان قيام الدّولة الرّستميّة حجّة داحضة لدعاوى المحتلّ، فسُقِطَ في يده واندحر وخسر المعركة. هذا الإنجاز أو الإرث التّاريخي سجّله مفدي زكريّاء الميزابي مقرونًا بصفته الوطنيّة الجزائريّة.
هذه المعاني، وهذه الدّلالات هي التي جعلت شيخ الصّحافة الجزائريّة الشّيخ إبراهيم أبا اليقظان يخاطب الشّعب الجزائري في أوّل افتتاحيّة لأولى جرائده (وادي ميزاب) وفي أوّل صفحة فيها، سنة 1926م؛ مركّزًا على اللّحمة التي تربط كلّ الجزائريّين فيما بينهم، ومعبّرًا عن ارتباطه وأبناء ميزاب كلّهم بالوطن الكبير الجزائر الغاليّة: " أيّها الجزائري المسلم! إنّك أخو الجزائري المسلم؛ دينًا ولغةً وجنسًا ووطنًا، وسرورًا وألمًا، فلا تظن – وقد ربطت بينكما تلك الصّلاتُ المتينة العُرَى – أنّ دينَك غيرُ دينِه، ولغتَكَ غيرُ لغتِه، وجنسَك غيرُ جنسِه، ووَطنَكَ غيرُ وطنِه، وسرورَك غيرُ سروره، وألمَكَ غيرُ أَلَمهِ. فتعيشَ وإيَّاهُ كما يعيش الزّنجي والإسكندنافي. (1/53)
صفحة 53
كلاَّ أيّها العزيز! إنّك بأخيك تعيش عزيزًا، وبدونه تعيش ذليلاً، إنّك بأخيك كثير، وبدونه قليل، وبقوّتك الإيجابيّة وقوّته السّلبيّة تتولّد الشّموس الكهربائيّة، فتضيءُ بلادك العزيزة، وبدونها تبقى في ظلام من ليل بهيم، لا تدري من أنت، ولا في أيّ عصر أصبحت، ولا في أيّ أرض صرت.
أيّها الجزائري العزيز! أنت شقيق الجزائري الرّوحي، أبوكما الإسلام، وأمّكما الجزائر، فلكما وعليكما نحو بعضكما من الحقوق والواجبات ما للأشقّاء وعليهم. أليسَ كذلك؟! ...
أيّها الجزائري! إنّ الدّين يدعوك، والجزائر تستفزّ همّتَك، وقوميّتَك تناديك بصوتها الرّخيم، إلى الاستقامة، إلى العمل، إلى الاتّحاد. فإنّ السّعادة في انتظارك في محطّة العزّة والفخار." (جريدة وادي ميزاب، العدد الأوّل. يوم: 01/ 10/1926م.
أبو اليقظان الميزابي، يخاطب الإخوة باسم الجزائر، ويدعوهم إلى التّحلّي بالقيم التي تبني النّفوس، وتؤسّس للعمل الحضاري باسم الجزائر. فلا يمكن له أن ينفصل عن هذه القيمة، قيمة الارتباط بالوطن الكبير، ولا يمكن أن يتفصَّى عن الوثاق الذي يشدّه إلى بني وطنه، ولا يمكن أن ينأى بنفسه عن الشّعور الوطني الذي يتدفّق من كيان الجزائر.
أخلاف الشّيخ أبي اليقظان بقوا في النّهج، وساروا على الدّرب، وحافظوا على هذه القيمة الحضاريّة، قيمة التّفكير بالرّوح الوطنيّة، والتّدبير بمبدأ التّعاون، والتّخطيط بمسلك التّشاور .. والتّعايش بمنهج التّماسك .. على أرض واحدة هي الجزائر. قلتُ مخاطبًا الشّعب الجزائري في قصيدة، منها هذه الأبيات:
نَرْتَقِي مِنْ ... مُسْتَنْقَعٍٍ ... يَحْكُمُهُ ... التَّمَذْهُبُ
فأَبُوك ... دينٌ، حَبَا ... كَ بِهِ ... الرّبُّ الأَطْيَبُ
أمُّكَ ... حِضْنٌ في تُرا ... بِ ... الجزائرِ أرحبُ
الرّوح التي ظهر بها الشّيخ أبو اليقظان، وهو يتحرّك في نشاطه في دوائر محكمة الصّلة، مترابطة الحلقات، جعلت الشّيخ ابن باديس يقدّم وصفة أو لوحة دقيقة لشخصيّة أبي اليقظان التي تتمتّع بالحسّ الوحدوي (1/54)
صفحة 54
والطّابع التّكاملي، قال: " وأبو اليقظان – إلى جانب ميزابيّته التي يفاخرُ بها وله الحقُّ – عربيّ يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطنيّ يناضل ويقارع في سبيل الوطنيّة، ومسلم أخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصّفّ الأوّل من كلّ أعماله." (مجلّة الشّهاب، ج10، مج7)
الارتباط بالحلقات الأربع واضحٌ في شخصيّة أبي اليقظان وفي نشاطه: الميزابيّة، الجزائريّة، العربيّة، الإسلاميّة .. هكذا هي الهويّة عنده، لا يمكن الفصل بين أيِّ مكوّن من هذه المكوّنات عن الآخر أبدًا، ولا يسوغ نكران أيّ واحد منها.
هذه الرّوح هي التي دفعت بالشّيخ إبراهيم بيّوض أن يقف موقفه الحاسم والفاصل في قضيّة فصل الصّحراء عن الكيان الجزائري، ويحبط كلّ مؤامرات فرنسة ومناوراتها، ويفسد كلّ مخطّطاتها، ويبطل كلّ محاولاتها .. لقد كان ميزاب حاضرًا في جهود الشّيخ بيّوض في معركة الدّفاع عن وحدة التّراب الوطني الجزائري؛ قوّةً كبيرة وركيزةً متينةً في إفشال ما صمّمت فرنسا على تنفيذه. قال الشّيخ بيّوض من جملة ما قال في القضيّة، وفي معركة البقاء كتلة واحدة متراصّة، ووحدة ترابيّة متماسكة: " ... أنَّ جذور حياة ميزاب متغلغلة في أعماق أرض الجزائر، وأنَّ عروق اقتصاده ضاربة في كلّ بقعة من بقاع أرض الجزائر، منذ قرون قبل أن تقدموا أنتم (يشير إلى الفرنسيّين) إلى هذه البلاد. وأنّه مدين للجزائر في بقائه، وفي الحصول على الوسائل التي قاوم بها الطّبيعة القاسيّة في بلاده ولا يزال. فلن يستطيع الميزابي أن يرى نفسه يومًا ما أجنبيًّا في الجزائر، ولئن جاء ذلك اليوم - لا قدّر الله – فإنّه يوم القضاء المبرم على بني ميزاب ... " (أعمالي في الثّورة، ص: 38، 39).
هذا هو الشّعور الذي يسكن الميزابيّين نحو وطنهم الكبير الجزائر، وهذا هو المنطق الذي يحكم العلاقة بين الميزابي ووطنه الجزائر .. الشّيخ بيّوض لخّص هذه الصّلة بقوله: انفصال ميزاب عن التّراب الجزائري هو فناؤه، والقضاء عليه. فلم يفكّر ولن يفكّر أيُّ ميزابي حرّ في الانفصال، إلاّ من أصابه مسّ من الشّيطان، أو كان في عقله خلل، أو صار في رأيه خطل، أو كان سلوكه كلّه خطأ .. (1/55)
صفحة 55
ولن يخطر ببال رجل ميزابي سويّ، ولا بعقل ميزابي أبيّ، أن يظهر بصفة غير الجزائري، بكلّ مقوّمات المواطن الجزائري .. فانتشار الميزابيّين في كلّ بقعة من بقاع الوطن الجزائري، ووجودهم في كلّ قطاع في الدّولة الجزائريّة، ومشاركاتهم في مختلف المجالس والهيئات الجزائريّة، ودورهم الفعّال في اقتصاد الجزائر، وآثارهم في مختلف الميادين التي تمثّل الثّقافة الجزائريّة، وحضورهم في مختلف المجالات التي تأخذ طابعًا سياسيًّا وغيرها .. كلّ هذه المظاهر تبرز مكانهم في عمق الجزائر، وتبيّن مكانتهم في مسير الجزائر ومصيرها. هل يمكن أن نقول بعد كلّ هذا: إنّ ميزاب يمكن أن ينفصل عن الجزائر، وهو جزء من كلّ، وغصن من شجرة، وفرع من أصل. فالصّوت الذي ينادي بهذا الخور وهذا الطّلب المتهوّر الدّنيء .. هو صوت ناشز شاذ، صوت من يبحث عن حتفه بظلفه، ومن يحفر قبره بنفسه، ومن يريد أن يقضي على حياته بذاته .. محاولاته تبوء بالخسران المبين، وتحرّكّاته تصطدم بقوّة الرّجال الصّامدين، في سبيل الحفاظ على وحدة الصّفّ والتّراب والمشاعر والوجدان.
الجزائر كانت محفورة في أعماق نفوس الميزابيّين، وهذا أمر طَبَعِي، فهم أبناء هذا الوطن المفدّى، وهم من سلالة جدود هذه البلاد. فالطّلبة في معهد الشّباب (معهد الحياة الذي تأسّس سنة 1925م، وما يزال يواصل رسالته الحضاريّة في أرض الجزائر الأبيّة) أنشؤوا جريدة الشّباب سنة 1926م، وكانوا ينشرون فيها إبداعاتهم. كان من بين الموضوعات التي كتبوا فيها موضوع الوطن الجزائري. كان للجزائر: الوطن والتّراب والشّعب والأمّة والحضارة والتّاريخ والنّهضة ... اهتمام كبير وعناية خاصّة من الكتّاب الطّلبة النّاشئبن، عبّروا من خلال ما كتبوه عن اعتزازهم بوطنهم، واستمساكهم به، ومعاهدتهم على الدّفاع عنه.
من الموضوعات التي كتبوا فيها (الوطنيّة)، من هذه المقالات ما يأتي: "الواجب الوطني"، و" ما هي الوطنيّة"، "ووطني"، و" نشأة المرء في عيشة وطنيّة"، و" تضليل الشّعوب تثبيت للسّياسة الاستعماريّة". كما كتبوا عن عظمة الجزائر، وعن فجر نهضتها، وعن زعمائها في الشّمال والحنوب .. . (ينظر دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ص: 179، 180) (1/56)
صفحة 56
ما يبيّن ارتباط الكلّ بالكلّ، وتماسك المناطق الجزائريّة فيما بينها، من بينها منطقة ميزاب، التي بقيت وفيّة لهذا النّهج، وستستمرّ، رغم ما يكال لها، وما يقال عنها، وبرغم محاولات بعض ضعاف النّفوس، ومسلوبي الضّمائر جَرَّها إليه ... لكنّهم لن ينجحوا، ولن يظفروا بما يخطّطون له بإذن الله تعالى.
هؤلاء الطّلبة كانوا ناشئة، وأصبحوا قادة وسادة وزعماء ومسؤولين .. ورجالَ غد الجزائر .. نفّذوا ما عاهدوا الله والوطن عليه، والتزموا بالحفاظ على أرض الجزائر وحدة ترابيّة وشعوريّة لا تنفصم ولا تنقسم ولا تنهدم ..
أختم مقالتي هذه وخواطري ومشاعري - بعد أن كشفت من خلالها عن سرائري - بما قاله شاعر ميزاب والجزائر والمغرب الإسلامي وشمال إفريقيّة، مفدي زكريّاء، ومنها تتأكّد الحقيقة التي حملها هذا المقال، وفيها نقرأ صورة الميزابي العاشق المتيّم الولهان بالجزائر: (مطلع المعجزات، وحجّة الله في الكائنات، وبدعة الفاطر، وروعة الصّانع القادر، وومضة الحبّ في خاطر الشّاعر .. ) القائل:
جزائرُ، يا لَحِكايةَ حُبِّي ... ويا مَنْ جَعَلتِ السَّلامَ لقَلْبِي
وَيا مَنْ سَكَبْتِ الجمالَ بروحِي ... وَيا مَنْ أَشَعْتِ الضّياءَ بدَرْبِي
ففي كُلِّ دَرْبٍ لنا لُحمَةٌ ... مُقَدَّسَةٌ، مِنْ وِشاجٍ وصُلب
وَفي كُلّ حَيٍّ لنا صَبْوَةٌ ... مُرَنَّحَةٌ مِنْ غواياتِ صَبّ
وفي كُلِّ شِبْرٍ لنا قِصَّةٌ ... مُجَنَّحَةٌ مِنْ سلام وحَرْب
(إلياذة الجزائر، ص: 41)
جزائر مفدي زكريّاء وكلّ ميزابي .. هي: حكاية حبّ، وسلام قلب، وجمال روح، وضياء درب، ولحمة مقدّسة، وصبوة مرنّحة، وقصّة مجنّحة ... ) من هو على هذه الشّاكلة، وعلى هذه الصّورة، فمن يكون؟ وكيف يكون؟ ولماذا يكون؟ ومع من يكون؟؟!! فمن لم يعرف الإجابة عن (1/57)
صفحة 57
هذه الأسئلة أو تجاهل معرفتها ... على كلّ أحد أن يحكم عليه بما يشاء .. فما بعد الدّليل دليل، وما بعد البرهان برهان. إلاّ ما قاله المتنبّي:
فَلَيْسَ يَصِحُّ في الأَذْهانِ شَيْءٌ ... إذا احْتاجَ النَّهارُ إلى ... دَليل
الجزائر يوم الأحد: 12 من شعبان 1436هـ
31 من ... ماي ... 2015م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
/ (1/58)
صفحة 58
نشر المقال: " ميزاب متجذِّرٌ في عمق الجزائر" في هذه الجريدة الإلكترونيّة التي تصدر في لندن بالمملكة المتّحدة .. وقد رحّب بما ورد فيه بعض الإخوة الكرام المعتدلين في فكرهم، والمنصفين المخلصين، الذين يسعون إلى الوَحدة والتّضامن، ويعرفون أقدار من يسير في طريق الخير والصّلاح.
" شكرا لك يا دكتور بوحجام على هذا المقال الرائع، بنو ميزاب كانوا ولا زالوا لحمة الوطنيّة والعروبة والإسلام في الجزائر، هم مفخرة الجزائر في تأسيسهم لمجتمع بوادي ميزاب؛ مثالا في التّضامن والتّعاون الأسري. لو طبّقت الدّولة الجزائريّة أسلوب حياتهم، وقاعدة الاقتصاد عندهم لصارت اليابان العربيّة. لقد كتبتُ الكثير عن الميزابيّين في الصّحافة العربيّة، وفي رأي اليوم بالذّات. كما أدرجتُ فصلا طويلا عن الدّولة الرّستمية الجزائريّة في كتابي (الجزائر في التّاريخ). شكرا لك، وتأكّد أنّ النّزعة البربريّة الهدّامة بعيدة كلّ البعد عن وادي ميزاب، أقول هذا وأنا من الشّاوية .. "
يوم: 19 من جوان 2015م
الدّكتور عثمان سعدي
مقال مشكور، ونحن بحاجة لهذه اللّحمة وخاصة الظّروف التى تمرّ بها الجزائر والمنطقة العربيّة عامة ورمضان كريم ..
يوم: 18 من جوان 2015م
أيمن سامي (1/59)
صفحة 59
الإباضيّون مصلحون ولم ينسحبوا من جمعيّة العلماء (1)
دأبت الجزائر على الاحتفال كلَّ عام بيوم العلم، الذي يصادف يوم 16 أفريل: ذكرى وفاة الإمام عبد الحميد، ابن باديس - رحمه الله -؛ تعظيمًا للعلم، وتكريمًا للعلماء العاملين، وتذكيرًا للأجيال بواجباتهم نحو دينهم ووطنهم وأمّتهم ..
بالمناسبة فإنّي أعرض على القارئ الكريم ملاحظات، هي بمثابة ردِّ على مقال للأستاذ زهير الزّاهري؛ مشاركة منّي في إحياء هذه المناسبة.
نشرت جريدة الشّعب (الجزائريّة) في عددها 5744، الصّادر يوم 17 من أفريل 1982م مقالا، بعنوان:" الشّاعر زهير الزّاهري وحديث عن الإصلاح ودور ابن باديس"، سجّل فيه الأستاذ دور رجال الإصلاح في نشر الوعي الدّيني، وعلى الخصوص أعضاء جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين. فبعد أن ذكَّر بمقاومة المصلحين للاستعمار وأذنابهم من الطّرقيّين على وجه التّحديد. انتقل إلى الحديث عن نشأة جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين.
ممّا ورد في حديثه ما يأتي: " ... ثمّ تكوّنت جمعيّة العلماء في سنة 1931، وانضمّ إليها الإباضيّون من أوّل يوم ... ولكنَّ الشّيء الذي أدهش الجميع هو أنّ الحكومة الفرنسيّة بدأت تسعى إلى تفريق شمل الجمعيّة، وكوّنت جمعيّة خاصّة بأصحاب الطّرق والزّوايا سنة 1932 باسم " السّنّة"، فبقي في الجمعيّة العلماء المصلحون والإباضيّون، ثمّ انسحب الإباضيّون فيما بعد، وبقي وحدهم العلماء المصلحون في الجمعيّة".
أزاء هذا التّصريح من الأستاذ الزّاهري، لا يسعني إلاّ أن أتوقّف مستفسرًا عمّا جاء في حديثه. الذي لا يحمل للقارئ الكريم الصّورة الحقيقيّة للجماعة الإباضيّة، التي كانت دومًا بحانب الإصلاح والمصلحين، في كلِّ لحظة من لحظات الكفاح؛ من أجل تطهير الدّين من البدع والخرافات، ومن أجل رفع كابوس الجهل والتّخلّف عن الأمّة، ومن أجل الدّفاع عن مقوّمات الشّخصيّة، وإبعاد شبح الظّلم والضّيم عن الشّعب. فلا يمكن أن نقول عن الإباضيّين: إنّهم انضمّوا إلى الجمعيّة من أوّل يوم، بل يجب أن نقرّر -
__________
(1) - مجلّة الحياة، مجلّة ثقافيّة فصليّة لطلبة معهد الحياة، القرارة، الجزائر، عدد: 6، شعبان 1403هـ/ ماي 1983م، ص: 3 – 9. (1/60)
صفحة 60
والمصادر تثبت ذلك – إنّهم شاركوا في تأسيس الجمعيّة. فهذا الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان – رحمه الله – يشارك في الجلسات الأولى للتّأسيس.
يقول الأستاذ أحمد توفيق المدني:" ... وأرى أنّني لا أذيع سرًّا إذا قلت أمامكم: إنّ أبا اليقظان الكبير، لم ينضمّ لجمعيّة العلماء، بل كان ضمن مؤسّسي جمعيّة العلماء. لقد اشترك معنا في اللّجنة التّأسيسيّة، بفكره وعمله وجهوده. وكان يأتينا إلى النّادي، ونحن نخرج تلك الجمعيّة المباركة إلى عالم الوجود؛ لكي تحتلّ فوق بساط الكفاح الجزائري المقام المحمود، وكنت أطلعه على مراسلاتنا، كما كنت أتبادل معه الرّأي في شأن القانون الأساسي المبتكر، وأطلعه على ما نتّصل به من رسائل الإخوان العلماء الذين لبّوا الدّعوة مهطعين. وهو الذي أشار علينا بوضع اسم العلاّمة الأكبر والرّجل الكامل الأطهر الشّيخ إبراهيم بيّوض ضمن قائمة المجلس الإداري الأوّل للجمعيّة العظيمة، التي برزت للنّاس بارقة أمل وميدان عمل ومجال كفاح متواصل. وكان أبو اليقظان ملازمًا لها في كلِّ أدوارها، إلى أن عُيِّن بعد ثلاثة أعوام عضوًا بمجلسها الإداري ... " (1)
يقول الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان عن إسهامه في جمعيّة العلماء: إنّني حاضر في الجزائر، وحضرت في أوان تأسيسها، من أوّله إلى آخره، وكان من المؤسّسين في اللّجنة التّحضيريّة أخي الحاج عمر العنق .. " (2)
هذا الشّيخ إبراهيم بيّوض يشارك في مناقشة قانون الجمعيّة الأساسي، وكان عضوًا في مجلسها الإداري الأوّل، وشغل منصب نائب أمين المال فيها.
الشّيخ محمد الطّرابلسي كان عضوًا في مجلسها الإداري الأوّل .. فكيف يسمح الزّاهري لنفسه أن يقرّر أنَّ الإباضيّين قد انضمّوا إلى الجمعيّة، ولا يقرّ لهم بفضل المشاركة في التّأسيس؟؟!!
أمّا عن قول الأستاذ الزّاهري: "فبقي في الجمعيّة المصلحون والإباضيّون". فنحن نتساءل: ما معنى هذه التّفرقة بين المصلحين والإباضيّين؟ هل يفهم من كلماته أنّ الإباضيّين لم يكونوا مصلحين؟ فما
__________
(1) - أحمد توفيق المدني، مهرجان الشّيخ أبي اليقظان، (25 - 31 أوت 1979م) قرى وادي مزاب، تنظيم جمعيّة البلابل الرّستميّة) غرداية، الجزائر. مألقى الأستاذ أحمد توفيق المدني محاضرته هذه في نادي النّصر بمدينة مليكة العليا.
(2) - الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان، نشأتي، (مخطوط). (1/61)
صفحة 61
عساهم يكونون؟! أيكونون طرقيّين؟! حاشا لله أن يقصد الأستاذ هذا!! فمهما يكن المفهوم الذي يعطيه القارئ لهذه التّفرقة .. فالإباضيّون هم مصلحون، وأعمالهم كانت إصلاحيّة، هدفُها هو الهدفُ نفسُه، الذي كان يبغي الوصول إليه العلماء المصلحون في الشّمال، وفي كلِّ أنحاء القطر الجزائري ..
هناك حقيقة تؤكّد ما ذهبنا إليه، وهي أنّ المهامّ الرّئيسة في الجمعيّة قد أسندت إلى المصلحين (1). ومن المؤكّد أنّ نيابة أمانة المال قد أسندت إلى المرحوم الشّيخ إبراهيم بيّوض، وهو رأس الحركة الإصلاحيّة في ميزاب.
بقول الأستاذ الزّاهري بعد ذلك: " ... ثمّ انسحب الإباضيّون فيما بعد، وبقي وحدهم العلماء المصلحون في الجمعيّة ... ".
نحن نسأل الأستاذ الزّاهري: ماذا يقصد بكلمة (انسحب الإباضيّون)؟؟ ثمّ متى حدث ذلك؟ هل يفهم من كلامه أنّ الإباضيّين تخلَّوا عن الجمعيّة؟ وهل أنَّ هذا التّخلِّي جاء نتيجة عدم الانسجام مع بقيّة الأعضاء؟ وهل كان للإباضيّة غرضٌ آخر أرادوا تحقيقه، غير أهداف الجمعيّة؟ وأسلوب آخر أرادوا انتهاجه غير أسلوبها؟ فلمَّا لم يجدوا بغيتهم انسحبوا؟! أسئلة متتالية يطرحها الإنسان على نفسه، وهو يتأمّل في عبارة الزّاهري .. فمهما يحاول القارئ الكريم تأويلها أو تفسيرها، فإنّه يصطدم بالحقيقة النّاصعة الواضحة، التي تتجلَّى له في سيرة الإباضيّين المصلحين، الذين كان ارتباطهم بالجمعيّة وثيقًا، والتفافهم حولها التفافًا محكمًا، وتمسّكهم بمبادئها تمسّكًا لا محيدَ عنه ..
يذكر الزّاهري انسحاب الإباضيّين من الجمعيّة، بعد أن أشار إلى انسحاب الطّرقيّين. وهؤلاء الأخيرون قد انسحبوا من الجمعيّة، بعد أن فشلوا الفشل الذّريع في تسخير الجمعيّة لخدمة مصالحهم، فألّبوا عليها الإدارة الاستعماريّة بعد انسحابهم منها، فأنشؤوا " السّنّة "، التي أسّسوها لضرب جمعيّة العلماء (2)
هل يفهم من كلام الزّاهري أنّ انسحاب الإباضيّين كان لغرض، كما فعل الطّرقيّون؟ نحن نقول للأستاذ: كيف ينسحب الإباضيّون من الجمعيّة، وقد
__________
(1) - ينظر عبد الكريم بوصفاف، جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين ودورها في تطوّر الحركة الوطنيّة الجزائريّة (1931 – 1945)، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1981م، ص: 95.
(2) - المرجع السّابق، ص: 131. (1/62)
صفحة 62
وجدوا فيها تحقيقًا لأغراضهم، التي كانوا يدافعون عنها؟! وهي إصلاح المجتمع من الفساد والبدع والخرافات، ووجدوا فيها الوسائل التي كانوا يستعملونها في سبيل تحقيق الأهداف السّاميّة؛ من إنشاء المدارس للتّربيّة والتّعليم، ونشر اللّغة العربيّة، وتأسيس النّوادي للتّثقيف وبثّ الوعي، واتّخاذ المساجد منابر لنشر الدّعوة الإسلاميّة، والدّفاع عن الدّين، وإقامة جمعيّات خيريّة ثقافيّة؛ للمحافظة على المشاريع وغير ذلك ...
هذا الشّيخ إبراهيم بيّوض - ومن معه من العلماء العاملين في مختلف قرى ميزاب - يعتمد تلك الوسائل لتربيّة النّشء، وتكوين الرّجال، وبناء النّفوس.
هذا الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان يلج ميدان الصّحافة بكلّ عزيمة وقوّة لرفع المهانة والذّلّة عن الشّعب الجزائري المسلم، وقد عاضده رجال عاهدوا أنفسهم على بذل النّفس والنّفيس في سبيل النّهوض بالشّعب الجزائري.
هذا الشّيخ محمد الطّرابلسي، معلّم الأجيال، ينتقل بين المدارس، يعلّم ويربّي. كلّ هؤلاء – إباضيّون – هم أعضاء في جمعيّة العلماء.
أينسحبون من الجمعيّة وقد وجدوا آمالهم تتحقّق؟! أيتخلّون عنها وقد وجدوا الجوّ الملائم لعرض أفكارهم، التي هي أفكار زملائهم من العلماء والمربّين؟! أيتركون الجمعيّة وقد وجدوا المساعدة الكاملة من أندادهم؟! لا أحسب أنّ أيّ عاقل يفوه بمثل ما قاله الزّاهري ...
يقول الأستاذ محمد علي دبوز عن الشّيخ الطّرابلسي: " ... وكان شجاعًا فصيحًا صريحًا، معتدًّا بنفسه كلَّ الاعتداد، يشمخ على المتكبّرين والأغنيّاء والحكّام الذين يحتقرون العلماء. وهو ممّن أنشأ جمعيّة العلماء، وكان عضوًا عاملاً فيها، إلى أن توفّاه الله ...
وكان في أثناء ذلك (وهو في مدرسة الإخاء ببسكرة) يلقي دروسه وخطبه في المجامع والحفلات، في مدن الشّمال التي يزورها، وينشر دعوة جمعيّة العلماء." (1)
أيّها الأستاذ المحترم، زهير الزّاهري! أتعتبر وفاة شخص انسحابًا من منظّمة كان يعمل فيها؟! إنّ العكس هو الصّحيح. إنّ بقاء شخص في عمله
__________
(1) - محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج2، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1391هـ/ 1971م، ص: 222، 225. (1/63)
صفحة 63
وفي جهاده إلى آخر يوم في حياته دليل على الارتباط الوثيق بالمؤسّسة، التي ينتمي إليها. فلولا وفاء الشّيخ الطّرابلسي وإخلاصه وتمسّكه الشّديد بالجمعيّة لما تفرّغ لنشر دعوة جمعيّة العلماء في المحافل والمساجد، إلى أن توفّاه الله سنة 1948م. ولما سُمِح له بإلقاء دروسه بنادي التّرقّي (منتدى الجمعيّة)، كما حدّثني بعض من كان يحضر هذه الدّروس.
أَيَتَعَذّر على الإمام الشّيخ إبراهيم بيّوض مغادرة مسقط رأسه (القرارة) لظروف خاصّة، ويَطلُب إعفاءَه من المجلس الإداري للجمعيّة – و ليس من الجمعيّة - أتُفرض عليه الإقامة الجبريّة في مسقط رأسه، ويتعذّر عليه حضورُ جلسات الجمعيّة .. فيعتبر أستاذنا الزّاهري صنعه هذا انسحابًا .. ؟! مع أنّه لم يتوقّف عن عمله الإصلاحي ومناصرته ومعاضدته الجمعيّة .. فقد كان يلقي دروسه في المسجد العامر بالقرارة، وفي معهد الحياة .. وهو في حالة مراقبة شديدة، من الاستعمار ..
ثمّ لوجوده في مسقط رأسه يناضل في جبهات ثلاث: ضدّ الفساد والاستعمار والجمود الفكري .. زيادة على التّربيّة والتّعليم، فإنّه لم يستطع مفارقة بلدته، ولو لمدّة قصيرة. لأنّ مغادرته المدينة يفسح المجال لهذه القوى كي تبيض وتفرّخ؛ حين يخلو لها الجوّ فتضرب ضرباتها.
ألا يعدّ بقاؤه في الجنوب وتفرّغه لهذا العمل الشّاق استكمالاً لرسالة جمعيّة العلماء؟! فهو بهذا الاعتبار ليس انسحابًا، إنّما هو انضمام إلى الجمعيّة، والتفاف حولها، إذا فهمنا معنى الانضمام أنّه التّعاون والتّآزر في سبيل تحقيق الأهداف المسطّرة.
إذا كان الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان قد قدّم استقالته من إدارة الجمعيّة؛ لظروف قاهرة ولأعذار معقولة، فإنّ ذلك لا يحملنا على اعتباره منسحبًا من الجمعيّة، متخلّيًا عنها. يقول الأستاذ بوصفصاف: " ... قدّم الشّيخ أبو اليقظان مدير المطبعة العربيّة بالجزائراستقالته من اللّجنة المركزيّة للعلماء متذرّعًا بأنّ قيامه بمثل هذه النّشاطات قد شغله عن مهامّه الأساسيّة الأخرى. والحقّ، إنّ أبا اليقظان بناء على أحد التّقارير السّريّة قد تخلَّى عن عضويّته من اللّجنة المركزيّة للعلماء بقصد التّهرّب من شكوك الإدارة الفرنسيّة .. " (1)
__________
(1) - عبد الكريم بوصفصاف، جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين ... ، ص: 214. (1/64)
صفحة 64
يقول الشّيخ إبراهيم أبواليقظان: " ... مرّ على الجمعيّة نحو عام والشّيخ بيّوض عضو في مجلسها كما قلنا، وفي أثناء دورتها قدّم اعتذاره إلى الجمعيّة أن يتخلّى عن العضويّة بأعذار وجيهة. وفي هذه الدّورة الثّانية انتخبتني أنا عضوًا. وكنت إذ ذاك أمين مال الجمعيّة. فسارت على هذا النّحو المومأ إليه.، وكنت إذ ذاك بين أزمتين، قيّدتني عن العمل بانطلاق وحريّة: الأزمة الأولى هي أزمة اقتصاديّة، كانت معي من أزمة المطبعة العربيّة، في نحو سنة 1931. والأزمة الثّانيّة أزمة الاستعمار، فكانت تضايقني الإدارة مضايقة خانقة .. - كما رأيت في جرائدي – حين كانت تهدّدني بواسطة عملائها، إن أنا بقيت في العاصمة، فسوف تضطرّ الحكومة إلى إبعادي .. " (1)
أيعتذر شخص عن عدم إمكانه البقاء في المجلس الإداري للجمعيّة لكونه أصبح مراقبًا من الاستعمار؛ لمواقفه الجريئة معه، حفاظًا على دوام الجمعيّة واستمرارها، ويعتبر بعد ذلك منسحبًا؟!
أظنُّ أنّ اختفاء شخص أبي اليقظان عن مسرح الأحداث، وبقاءَه يجاهد ويناضل حنديًّا في الخفاء لهو الوفاء للمبادئ والتّعلّق بالأهداف، والإيمان بالغاية. فلا يعدُّ فعله هذا انسحابًا، بل هو الانسجام الكلِّي مع مبادئ الجمعيّة الهادفة إلى سلوك أيّ سبيل يوصل إلى الغاية؛ بالتّدبير المحكم، والتّخطيط الصّحيح ..
ثمّ إنّ الحقيقة التي لا جدال فيها أنّ الشّيخ أبا اليقظان لم ينسحب من الجمعيّة، وإنّما طلب إعفاءَهُ من مجلسها الإداري فقط، كما يذكر ذلك الأستاذ عبد الكريم بوصفصاف.
نقول للأستاذ الزّاهري بعد ذلك كيف يمكن لشخص انسحب من منظّمة وتخلّى عنها أن يدافع عنها؟! فهذه صحيفة " الأمّة " للشّيخ أبي اليقظان تدافع عن الجمعيّة. (2)
ثمّ كيف يمكن للجمعيّة أن تثق فيمن انسحب وتخلّى عنها وتركها لتعمل وحدها، وتكلّفه بعد ذلك للقيام بمهامّ عظيمة، لا يُكلَّف بها إلاّ المخلصون.
__________
(1) - أبو اليقظان إبراهيم، نشأتي (مخطوط).
(2) - عبد الكريم بوصفصاف .... جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين ... ، ص: 114. (1/65)
صفحة 65
ألم تتشكّل لجنة إغاثة فلسطين، بعد قرار التّقسيم سنة 1948. وكان كثير من أفرادها أعضاء في جمعيّة المسلمين الجزائريّين .. وقد كانت تحت إشراف جماعة من العلماء هم: الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، فرحات عبّاس، الشّيخ إبراهيم بيّوض، الشّيخ الطّيّب العقبي، الحاج أحمد مصّالي، الشّيخ مصطفى القاسمي .. (1) وكان من بين أعضائها (من الإباضيّن زيادة على الشّيخ إبراهيم بيّوض) الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان، والشّبخ سليمان بن داود، ابن يوسف ..
ألا يعني هذا أنّ الإباضيّين ظلّوا في الجمعيّة، ومع الجمعيّة، وما انفكّوا عن العمل الدّؤوب في سبيل الإصلاح .. فكيف يجوز للأستاذ الزّاهري القول بانسحاب الإباضيّين من الجمعيّة؟! ولماذا لا يسمّيهم بالمصلحين .. وهم يقومون بالأعمال نفسها التي يقوم بها زملاؤُهم المصلحون الآخرون؟!!
أرجو أن لا يكون ما صرّح به الأستاذ زهير الزّاهري سوى خطأ في التّعبير، لا قصدًا إلى سوء التّقدير والتّصوير. بل إنّ هذا ما نعتقده، لكن نظرًا لما يترتّب عن هذا التّعبير من فهم خاطئ للواقع، وتصوير خاطئ --أيضًا - لأعمال هذه الطّائفة ارتأيتُ رفع الالتباس، وإزالة الإيهام؛ حتّى لا تذهب الظّنزن بالقارئ مذاهبها.
أخيرُا – بالمناسبة – فإنّني أريد أن أبدي ملاحظة، طالما سجّلها الملاحظون على كتّابنا وصحافيّينا وعلى مسؤولينا، وهي أنّهم لا يفتؤون يردّدون قائمة معيّنة من العلماء والعاملين على مسامع الأجيال والنّاشئة في كلّ مناسبة وغير مناسبة .. ويظلّون يجترّون أعمالهم؛ بإطالة المقالات، والتّنويع في الدّراسات، والإشادة بمواقفهم، وإقامة الأسابيع الثّقافيّة والمهرجانات .. ويغفلون البقيّة الباقيّة من المجاهدين والعاملين؛ حتّى ظنَّ بعض النّاس – خطأ – أنّ الجزائر لم تنجب غير هؤلاء، وأنّ النّهضة لم يقم بها غيرهم. فالجزائر الوفيّة – دائمًا - لأبنائها لا ترضى بهذا السّلوك؛ لأنّه ليس فيه وفاء للعاملين، ولا تقدير للمجهودات ..
نتساءل أيضًا: لماذا يركّز على حركة الإصلاح في الشّمال، ويغفل نشاط المصلحين في الجنوب؟ مع أنّ الإصلاح لم يُؤتِ ثماره إلاّ لمّا تآزر الشّمال مع
__________
(1) - ينظر أحمد توفيق المدني، حياة كفاح، القسم الثّاني، (في الجزائر، 1925 – 1954م) الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1977م، ص: 386. (1/66)
صفحة 66
الجنوب والشّرق والغرب .. هذه مجرّد لفتة صغيرة، أبديتها في ختام هذه الخواطر؛ قصدًا للهمس في الآذان، والله وليّ التّوفيق.
محمد ناصر بوحجام
معهد الحياة، القرارة، الجزائر.
بلاء فيه مواعظ وابتلاء فيه دروس (1)
حين يسكن الشّرّ القلب، وحين يفيض كراهيَّة وحقدًا وحسدًا، ينطلق بصاحبه ليعيث في الأرض فسادًا: يتعدّى على الممتلكات، ويحرق السّكنات، ويخرّب البنايات، ويعتدي على النّاس، ويروّع العباد، وينهب الأموال، ويسطو على الخيرات، ويقوم بكلّ ما يهديه إليه مكره وخبثه ونزعته العدوانيّة، ويقود نفسه الشّريرة إلى حيث ترتكب المناكر، وتقترف الجرائم، فتأتي ما لا يمكن تصوّره، ممّا يدخل في نطاق أعمال الذين فقدوا إنسانيّتهم ودينهم وضميرهم وكلّ ما يصرف صاحبها ويخرجه من دائرة العقلاء، ويحطّ به في خندق السّفهاء والمتوحّشين الذين لا يملكون ذرّة من الحسّ الإنساني، فضلاّ عن الوازع الإيماني. لقد زيّن الشّيطان لهؤلاء عملهم فرأوه حسنًا. لقد ضلَّ سعيُهُم فيما أقدموا عليه، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا، إنَّهم هم الأخسرون أعمالاً ..
هذه النّزعة الخبيثة إلى الإضرار، وهذا الميل القرِم إلى الظّلم، وهذه الطّبيعة المهوسة بسلب النّاس أمنهم، وزرع الرّعب في قلوبهم، وتحويل ديارهم بلاقع، وحرمانهم من الاستقرار والعيش الهنئ .. هذه النّزعات كانت وراء الأحداث التي وقعت في القرارة في الأسبوع الماضي، التي تحوّلت إلى جحيم وأرض ملتهبة؛ نتيجة ما قام به أوغاد وأنذال، لا خلاق لهم ولا دين ولا حسّ، ولا شعور ولا ذمّة. أصاب هؤلاء المجرمون النّاسَ في أموالهم
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). وكتاب أقلام الهداية في فتنة غرداية، ص: 9 – 11. (1/67)
صفحة 67
وأجسامهم وفي كلّ ما يملكون. فكانوا في زمرة الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، سيصبّ عليهم ربّك سوط عذاب في الدّنيا والآخرة، إن لم يتوبوا إلى ربّهم، ويردّوا المظالم إلى أهلها، إنّ ربّك لبالمرصاد لكلّ ظالم وجائر ومعتدٍ، ولكلّ باغٍ وطاغٍ ومستبدّ ...
لا نعير لهؤلاء كبير اهتمام، فالله كفيل بأن يتولّى أمرهم، وينتقم منهم، إنّه عزيز ذو انتقام، وإنّه ناصر المظلوم، وآخذٌ على يد الظّالم أخذة رابية، وأخذ عزيز مقتدر، كما أخذ مَنْ قبلهم من الظّالمين .. بالخسف أو النّسف، أو بالصّعق أو بإرسال حاصب من الرّيح، أو بما يشاء ويراه مناسبًا للجرم الذي ارتكبوه، فإنّهم ظالمون، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. فإنّ الحسد الذي يسكن قلوبهم سيأكلهم من داخلهم، كما تأكل النّار نفسها، والحقد الدّفين الذي يعمر نفوسهم سيأتي عليهم وعلى مؤامراتهم وينقلب عليهم وبالا وثبورًا ..
إنّ هذا ما يتكفّل الله به: {وَقَدْ مَكرُوا مَكْرَهُمْ وِعِنْد الله مَكْرُهم، وَإنْ كان مكْرُهم لِتَزولَ منهُ الجبالُ فَلا تَحْسِبَنَّ الله مُخْلِفَ وعدِهِ رُسلَه إنَّ الله عزيزٌ ذُو انْتِقامٍ} (إبراهيم:46، 47) هذا شأن الله مع عباده الظّالمين. أمّا المظلومون فوعده بنصرتهم حقّ ... ما يعنينا هو أخذ العبر من هذا البلاء، وتعلّم دروس من هذا الابتلاء:
1 – عدُّ ما حدث ابتلاء من الله العليّ الحكيم. والتّدرّبُ على حذق كيفية التّصرّف مع الأحداث، وكيفية تَصْرِيفها إلى ما يخدم المصلحة العامّة، ويقدّم دفعًا كبيرًا نحو تحسين الأحوال والأوضاع.
2 – شكرُ الله وحمدُه على نِعَمِ التّضامن والتّعاون والتّعاطف .. التي سادت مجريات الأحداث، وأفرزتها التّطوّرات والتّحرّكات التي صاحبت الوقائع والواقعات .. التّعاون كان كبيرًا وقويًّا بين الأقرباء أبناء المنطقة: تخطيطًا وتدبيرًا ومساعدات واتّصالات، ومواساة، ومآزرات .. والتّضامن كان واسعًا من الأبعداء رجال الخير والإحسان والبرّ بكلّ ما يؤدّي إلى إحقاق الحقّ، وإزهاق الباطل، والكشف عن الجرائم المرتكبة في حقّ الأبرياء.
3 – تقدبرُ قيمة الوَحدة التي سادت بين أبناء المنطقة: كباراً وصغارًا، شيوخًا وشبابًا، رجالا ونساء ... توّحدت الكلمة بين الجميع، وساد الاحترام بينهم في التّدبير والتّنفيذ، وتوحّدت المرجعيّة في تسيير الأزمة، وتوجيه الأمور .. هذا الوجه الذي بدا به نشاط الجميع هو ثمرة من ثمرات التّربية (1/68)
صفحة 68
والتّكوين القوّيين المنظّمين اللّذين نُشِّئَ عليهما أبناء المنطقة: في المدارس والمعاهد والمساجد والهيئات والمؤسّسات التي تتوفّر عليها المنظومة التّربويّة في النّسيج الاجتماعي للمنطقة .. هذه النّتيجة الرّائعة والثّمرة الطّيّبة، التي آتت أكلها بإذن ربّها، هي من غرس التّربية والإعداد المبنيين على تقوى من الله ورضوان .. هذا المكسب والمغنم يدعوان إلى التّمسّك بهذا المسلك وهذا النّهج، ودعمِهما بالالتفاف حول الهيئات والمؤسّسات التي قدّمت هذا الفضل، وعدم التّفريط فيها. فإنّ السّرعة في التّحرّك، والإحكام في التّنظيم، والنّجاعة في التّدبير، والتّحكّم في زمام الأمور .. كلّ هذا حصل نتيجة وجود هذا التّنظيم الذي أفسد على الظّلمة المعتدين الجورة أهدافهم، وقلب السّحر عليهم، فأصبحوا من المدحضين. وعلى الباعي تدور الدّوائر ..
4 – النّجاحُ في تحويل المحنة إلى منحة، وتدارك الأمور، وحسن التّصرّف في هذا الحدث، واستثماره في صالح أبناء المنطقة .. كان نتيجة الثّقة المتبادلة بينهم، التي أوجدت جوّ التّعاون والأريحية والاحترام والتّفاهم والتّناغم .. بين الجميع. الثّقة في سراة القوم، وفي الأعضاء المنتخبين في مختلف المجالس، وفي الشّباب الذي تحرّك بقوّة وحماسة وغيرة للدّفاع عن البلدة، وحماية المتضرّرين، والمحافظة على الحقوق والمكاسب .. هذه الثّقة مكسب غال، ومطلب أساس في تنظيم الحياة، وتسيير الأمور .. هذه الخلّة هي -أيضًا - ثمرة من ثمرات التّوجيه الدّيني الصّحيح والتّربية الاجتماعيّة السّليمة. فلنحافظ على المنهج ولنبقَ على النّهج.
5 – عدمُ التّأثّر بالأحداث والحوادث إلى درجة الانهزام النّفسي، واليأس من الحياة، والارتماء في أحضان الخوف والفزع والهلع وفقدان القوّة والشّجاعة لمواصلة العمل في الحياة للإعمار والبناء والتّشييد، بالوقوع تحت تأثير الإرهاب النّفسي، فنخسر كلّ شيء .. إنّ هذا أحد أهداف المدبّرين للأحداث، والمخطّطين للإفساد والتّدمير .. إنّ هذه الحوادث والوقائع شكل من أشكال الحياة ومظهر من مظاهرها. فطبيعة الحياة التّقلّب والتّلوّن والتّغيّر ... هي متباينة فيما تقدّم للفرد، تتقلّب بين اليسر والعسر، بين الفرح والتّرح، بين الانبساط والانقباض .. ما حدث شيء طَبَعِي في حياة، يسودها الصّراع بين الحقّ والباطل، ويسيّرها التّنازع بين الخير والشّرّ، المتحكّم (1/69)
صفحة 69
فيها إنسان يحمل بين جنبيه بذورًا من هذا وذاك .. ما حدث في القرارة حدث مثله وأكثر منه في الأرض في مختلف الحقب والأزمة .. وسيحدث.
العاقل هو الذي يفيد منها ما يصلح من حاله، ويأخذ منها ما يجعله قويًّا وصلدًا، ويُعِدّ منه رجلاً يطوّر من أدائه، في حياة كلّها كفاح ونضال، وتعب ونصب، وجهاد لمقاومة كلّ المعيقات والمثبّطات والمنغّصات والمقلقات .. قال الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان – رحمه الله -:
إنّما الدُّنيا ... جِهادٌ، مَنْ ... يّنَمْ ... يَوْمَهُ دَاسَتْهُ أقْدامُ ... الرّزايا
6 – إدراكُ نعمة الأمن والاستقرار والسّلامة. أيّامٌ معدودة فقدت القرارة فيها الأمن، تحوّلت الحياة فيها إلى جحيم وعسر وضنك .. فلنقدر هذه النّعمة حقّ قدرها، ولنعرف لها قيمتها؛ بالعمل على المحافظة عليها، وعدم التّفريط فيها، فلا نأتي ما يسبّب في فقدها. كما نتذكّر في هذه المحنة من يعيش تحت وطأة الخوف وعدم الاستقرار والاعتداءات المستمرّة المتكرّرة أيّامًا وشهورًا وسنوات، كيف هي حالهم، وكيف يَحيَوْن؟! إذا سألتم الله فاسألوه العافية. اللّهم أطعمنا من جوع وآمِنَّا من خوف ..
7 – هذا الحدثُ محطّة من محطّات محاسبة النّفس، في علاقتها مع الله، وعلاقتها مع ذاتها، وعلاقتها مع الآخر. هناك نقص في أداء عبادتنا، وهناك ضعف في محاسبة نفوسنا، وهناك خلل في معاملاتنا، وهناك جهل بتطبيق شرع الله في حركاتنا ونشاطنا .. فالله تعالى منحنا هذه المنحة، وابتلانا في هذا الحدث؛ لنصحّح أخطاءنا، ونغيّر ما بأنفسنا حتّى يغيّر حالنا إلى الأحسن. علينا أن نخرج من دائرة الغفلة والنّسيان وألّا نبتعد عن صراط الله المستقيم.
8 – يبيّن لنا هذا الحدثُ وينبّهنا أن نكون دائمًا في حال يقظة وتبصّر؛ حتّى لا نفاجأ بما لا تُحمد عقباه، فالشّرّ لا يغيب عن السّاحة، والأشرار يتربّصون بالخيّرين في كلّ لحظة، والشّيطان يدفع بالإنسان دائمًا إلى ارتكاب الجرائم، واجتراح السّيّئات، واقتراف الجرائر، والإضرار بالنّاس .. ما أقدم عليه هؤلاء الأغرار والأشرار في القرارة في حقّ الأخيار كان على حين غرّة، وفي حال الغفلة .. فالمؤمن كيّس فطن، وليس بالغرّ ولا بالسّاذَج .. إنّ الحذر مطلوب، والتّنبّه وملاحظة ما يحدث كياسة وفطنة، ومراقبة التّحرّكات (1/70)
صفحة 70
حقّ، بشرط أن لا ينتقل إلى الإضرار بالنّاس .. إمامنا الشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله - يقول لنا دائمًا: سيروا في الشّوارع وكونوا متيقّظي الجوارح، افتحوا أعينكم على كلّ شيء، إلاّ على عورات النّاس ..
المهمّ، إنّ ما حدث كان من ناس لا خلاق لهم، وحصل نتيجة حسد وحقد وضغائن، نسأل الله تعالى أن يقتصّ من المتسبّبين فيه، ويأخذ على أيدي القائمين بأعمال الشّغب والنّهب والحرق والكسر والضّرب، التي هي من صنف ما قام به المستعمر الفرنسي في وطننا الحبيب، وكانت عقباه الاندحار والانكسار، فعقبى هذا الظّلم الكبير أيضًا الاندحار والانهزام، يتبعه عقاب الله الشّديد، وانتقامه العزيز، ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظّالمون. في أفعال المستعمرين الطّغاة الجبابرة قال الشّيخ أحمد سحنون – رحمه الله -:
فَتجَبَّرْتُمْ، ... وقُلْتُمْ إنَّنا ... َأهْلُ بَطْشٍ، وَأُولُو بَأْسٍ شديد
فاتَّقُوا عاقِبَةَ البَغْيِ التِي ... أَهْلَكَتْ عادًا، وأَوْدَتْ بِثَمود
إنَّ يَوْمًا فيه يَهْوى نَجْمُكُمْ ... هُوَ يَوْمٌ مِنْكُمْ غَيْرُ بَعيد
إذا أمعن الظّالم في ظلمه فارقب سقوطه، وانتظر نصرَ الله عبادَه المظلومين. {إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والذِينَ آمَنُوا في الحياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الاَشْهَادُ (غافر: 51)}. ولا ننسى - قبل هذا وبعده ودائمًا - قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذينَ أَشْرَكُوا أَذًى كثيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ} (آل عمران: 186). اللّهم ثبَّتنا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة، اللّهم انصرنا على أعدائنا في كلّ مسلك وسبيل. اللهّم ردّ كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم. ووفّقنا إلى ما تحبّه وترضاه واهدنا سبل السّلام. واحفظنا في أوطاننا، واحفظ مؤسساتنا وهيئاتنا، واحفظنا واحفظ شبابنا واهدنا للتي هي أقوم.
باتنة يوم الجمعة: 25 من محرّم الحرام ... 1435هـ
29 ... من نوفمبر ... 2013م (1/71)
صفحة 71
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرّحمن الرّحيم ... والصّلاة والسّلام على رسول الله
رسالة إلى أعيان القرارة
حضرات السّادة الأكارم أعيان مدينة القرارة الكريمة، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حفظكم الله وعاكم وسدّد خطاكم، وأثابكم على ما تقومون به من أعمال البرّ والإحسان في سبيل النّهوض ببلدتنا، والحفاظ على أمنها وسلامتها، والقيام بشؤونها، والسّهر على اهتماماتها وهمومها. أجركم عند الله أعلى وأغلى وأوفى وأبقى.
ابتلانا الله تبارك وتعالى بمنحة كبيرة، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ولطف بنا، إذ لم يدم هذا البلاء طويلاً، ومن خلال ما حدث عرفنا أقدارنا، وأدركنا قيمة رجالنا وشبابنا وكلّ فرد منّا: كبارًا وصغارًا، رجالا ونساء، مقيمين في البلدة وظاعنين عنها. وعرّفنا الله عزّ وجلّ بحقيقة مَنْ نحتكّ بهم ونساكنهم، ونخالطهم. لنخطّط من جديد لعلاقاتنا مع الآخرين، على ضوء هذه المنحة، ووَفق هذه العطيّة من الربّ المنعم المتفضّل علينا.
لا أبقى في سرد الحدث ووصفه والتّعليق عليه، فأنتم أولى من يقوم بذلك وأجدر؛ لأنّكم أدرى بما جرى، وأوعى بما حصل .. إنّني أريد تذكير نفسي وإخواني، بتسجيل ملاحظات وتقديم رؤى للإفادة من هذا الحدث وغيره.
1 – نريد قراءة هذا الحدث قراءة فاحصة كاشفة نافذة ناقدة، بفكر نيّر، وقلب واعٍ، وعقل متفتّح، ونظرة شموليّة، وبرؤية استشرافيّة، تربط بين الماضي وما حمله من صور مشرقة وغير مسرّة، والحاضر وما يفرزه من حقائق ومعطيات جديرة بالتّوقّف عندها، ثمّ النّظر إلى المستقبل على ضوء الأحداث المتكرّرة، والهزّات المتتالية، والأحداث المتسارعة إيجابًا وسلبًا. انطلاقًا من مبادئنا وارتباطًا بأهدافنا ...
2 – إعادة النّظر في علاقاتنا مع من يساكننا، ومراجعة سبل التّعامل معهم، وإقرار منهجيّة جديدة فيه، بناء على ما استجدّ، أو ما كَشَفَ الغطاءَ عنه (1/72)
صفحة 72
- بشكل سافر وواضح وشفّاف - ما حدث في الأسبوع الماضي، وما حصل قبله في السّنوات الماضية .. إعادة النّظر في المفهومات الآتية ومضامينها، وطرق تنفيذها، والأهداف المسطّرة والمنشودة منها: التّعايش السّلمي، والمرونة في التّعامل، والتّقارب، والمساواة في الحقوق والواجبات وغيرها ...
3 – وضعُ استراتيجيّة محكمة، تنبع من منظومة فكريّة متكاملة شاملة، تستقي مضمونها من أصولنا الإسلاميّة، وفكرنا الإباضي، وتجاربنا في مختلف الحقب والفترات التي عاشها مذهبنا، وفي مختلف الأصعدة، ومع مختلف الفئات والجماعات والدّول .. استراتيجيّة تراعي الخصوصيّات، ولا تنسى العموميّات، ولا تغفل عن المتغيّرات ..
4 - تكوينُ مركز التّفكير الذي يضع الخطط، ويقترح البرامج، ويناقش القضايا المستجدّة، وينظر في الحاجيات، ويعالج المشاكل .. يكون أعضاؤه مفكّرين يمثّلون كلّ المجالات المطلوبة في إعداد برامج ومناهج تشمل كلّ جوانب الحياة.
5 – الاعتناءُ بالشّباب، وإعداد برامج خاصّة تصنعهم على أعيننا، وتنشّئهم على النّهج الذي يضمن لنا بقاءهم أوفيّاء لفكرهم، وأوفيّاء لعصرهم، يتحصّنون بثقافتهم الحقيقيّة، ويعيشون زمانهم بقوّة، أي يكونون مربوطين إلى فكرهم، ومرتبطين بعصرهم.
6 – الاهتمامُ بالعنصر النّسوي: بنات وطالبات ونساء، في مختلف الأعمار والمجالات والميادين.
7 – مواصلةُ العمل على تطوير المنظومة التّربويّة: تحديثًا للمناهج، وتعديلاً في البرامج، وتوفيرًا للوسائل، وتحسينًا للجانب المادي للقائمين على العمليّة التّعليميّة ..
هذه بعض المقترحات التي أملاها الحدث الذي هزّ القرارة في الأسبوع الماضي. - طبعًا - هذه الملاحظات تتوزّع على هيئات مختلفة، وتخصّ مؤسّسات متعدّدة، قصدي من هذه المراسلة هو إسناد الأمور إلى مرجع واحد، لتتوحّد الجهود وتتّحد الكلمة، وتنسجم الأعمال .. فهيئة الأعيان تمثّل سراة القوم، وأهل الحلّ والعقد. هذه الهيئة هي التي تتولّى توزيع المهام وتنسيق العمل .. (1/73)
صفحة 73
هذه ملاحظات أوّليّة، وهي منطلق لأفكار أخرى واقتراحات غيرها، ستجود بها الأيّام القادمة إن شاء الله. أريد أن يكون ردّ فعلنا حضاريًا وقويًّا، يُبنَى على العلم والمعرفة، والتّخطيط والتّفكير المتأنّي العميق؛ لننتج أعمالاً تضمن لنا البقاء في حلبات المنافسة، وميادين القوّة المؤثّرة .. وبذلك نتّقي كثيرًا من المؤامرات والمناورات التي تحاك ضدّنا، والتي كان من بينها ما حدث في القرارة مؤخّرًا، فالبقاء للأقوى والأصلح، ولمن يشيّد بنيانه على قواعد البناء الحضاري الحقيقيّة، كما بناه أجدادنا وآباؤنا ومشايخنا رحمهم الله جميعًا. ربّنا آتِنا من لدُنْكَ وهَيِّئْ لنا من أمرنا رشدًا.
باتنة يوم الجمعة: 25 من محرّم الحرام 1435هـ
29 من نوفمبر ... 2013م
أخوكم الدّاعي لكم بالخير: محمد بن قاسم ناصر بوححام
بسم الله الرّحمن الرّحيم
رسالة إلى وزير المجاهدين
معالي وزير المجاهدين المحترم، السّلام عليكم ورحمة الله.
في الوقت الذي تسعى فيه جزائرنا الحبيبة إلى جمع الجهود، وحشد الطّاقات للبناء والتّشييد والتّطوير، والتّفكير في مستقبل الجزائر، وكيف تزدهر وتتطوّر في مختلف المجالات والميادين، وتجتهد في العمل على رصّ صفوف أبنائها وتجنيدهم لحماية البلد من الأخطار المحدقة به، بمختلف أشكالها وألوانها،؛ بداية من أعدائها المتكالبين عليها - المهوسين بداء الحسد والكيد- لزعزعة استقرارها وأمنها. وفي الوقت الذي تسعى فيه لرأب الصّدع، ومنع إثارة الفتن بين أبنائها. وفي الوقت الذي تريد استثمار مقوّمات الثّورة التّحريريّة المظفّرة ومكتسباتها في تنظيم الحياة العامّة بأسلوب حضاري. وفي الوقت الذي يدعو فيه فخامة الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة في خطبه، ورسائله وتوجيهاته ونداءاته إلى شعب الجزائر الوفيّ ... إلى المحافظة على أمن البلاد وسلامته ووحدته، والنّأي به عن ظلمات الفتن والقلاقل والتّشويش والتّشويه وإثارة النّعرات.
في الوقت الذي يحتفل فيه الشّعب الجزائري بيوم الشّهيد الذي ضحّى بدمه الغالي ونفسه العزيزة؛ فداء للوطن، ليراه متحرّرًا مزدهرًا، متقدّمًا متطوّرًا، آملاً من أخلافه أن يجسّدوا في حياتهم قيمه وشمائله ومبادئه، على رأسها الوفاء للتّضحيات، والالتزام بما قدّمه المجاهدون من أجله .. في هذا الوقت يظهر علينا من حملوا صفة المجاهدين، ومن يزعمون أنّهم يمثّلونهم بأعمالهم وأفعالهم، فيبعثون الفتنة بين أبناء الشّعب الجزائري، بالتّشكيك في بعض أعمال الثّورة، والنّيل من بعض رموزها، وتشويه الحقائق، وردّ شهادات صنّاع الثّورة وقادتها، وتلطيخ سمعة من قام بأعمال جليلة في سبيل تحرير الوطن وضمان وحدته، وتطهير محيطه من أمثالهم من المشوّشين وزارعي الفتنة ...
ثلّة من أعضاء قسمة المجاهدين بمتليلي وغرداية نشروا أراجيف وأحاديث مغرضة، هي من صنف الإفك والافتراء والبهتان والقذف والكذب الصّراح. بعد نشر الأستاذ الدّكتور أحمد بن نعمان مقالاً بيّن فيه دور فضيلة الشّيخ إبراهيم ابن عمر بيّوض الأساسي والمهمّ في قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال (1)، والذي فَصَلَ في هذا الدّور شهادةً وإقرارًا واعترافًا
__________
(1) - ينظر المزيد في الموضوع كتاب الدّكتور أحمد بن نعمان، الوَحدة الوطنيّة في وحدة الهويّة، دار النّعمان للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 2014م. (1/74)
صفحة 74
وتقديرًا وثناء ... زعماءُ الثّورة ومسؤولوها، ومن كان على صلة بالشّيخ بيّوض في القضيّة، أمثال الأخضر بن طوبال، ويوسف بن خدّة، وسعيد عبادو، ورشيد الصّائم، وأحمد طالبي، وعبد الحميد مهري، وربّاح لخضر، ورضا مالك، ومفدي زكريّاء، ومن طلبة الشّيخ بيّوض ومساعديه والعاملين معه في الميدان، والأكاديميّين: أمثال الدّكاترة والأساتذة: عبد الرّزاق قسّوم، محمد العربي الزّبيدي، ومحمد بن صالح ناصر، ومحمد زغيدي، والعربي دحّو، ومحمد الأمين بلغيث، ومحمد ناصر بوحجام، ومحمد الهادي الحسني، وعدّة فلاّحي، وبسّام العسلي، وغالي الغربي، ... ثمَّ تكذيب ما نشرته جريدة المجاهد لسان حال جبهة التّحرير الوطني، في أثناء الثّورة التّحريريّة (ينظر العدد: 113، سنة 1961)
(ينظر جريدة الشّروق اليّومي: العدد: 4286، الصّادر يوم: 13/ 02/ 2014م) وجريدة الخبر اليومي، عدد: 16/ 02/ 2014).
إلى متى نبقى صامتين على هذه المؤامرات التي تنال من وحدة الشّعب الجزائري؟ إلى متى نظلّ غافلين عمّا يعمل الظّالمون والمغرضون في حقّ رموز الوطن، ودعائم بناء الدّولة الجزائريّة؟ إلى متى نسمح لإعلامنا أن يثير هذه النّعرات، ويسهم في نشر الكذب، وتزوير الحقائق؟؟! لقد نال الزّعيمَ الوطنّي الشّيخ بيّوض أذى كبيرٌ من هؤلاء المفسدين على الشّعب فرحتَه ونشوته بالانتصار على أعدائه، وظفره بحريّته، واستقراره وأمنه، وتسجيله تاريخًا رائعًا، قدّم به للعالم دروسًا وقواعد للعمل النّضالي، والتّحرّر من الاستبداد والاستغلال ...
إنّ هذه التّصرّفات المشينة النّاتجة عن الحسد والحقد والضّغينة، تزرع الشّكّ في شبابنا وناشئتنا نحو تاريخ الثّورة التّحريريّة المجيدة، وهي التي لم تعش أحداثها، إنّما تسمع عنها، فإذا نُقلَت إليها بهذا التّناقض وهذه المزايدات .. أثّر عليها سلبًا، في الاقتناع بما سجّلته الثّورة من بطولات وأمجاد .. ولأنّ ضرب الرّموز، وتشويه الحقائق، وتزييف الأحداث ... يبعث الرّيبة في مصداقية الثّورة، بخاصّة أنّ من ينشر هذه الأكاذيب، وينثر هذه السّموم ... هم من يُحسَبُون ممّثّلين لروح الثّورة بعد الاستقلال، ومن يَبرُزون أعضاء ينوبون عن وزارة المجاهدين في منطقة غرداية.
معالي الوزير المحترم! ما نرجوه منكم هو: وضع حدّ لهذه التّصرّفات المسيئة للوزارة، والماسّة بمصداقيّة ثورتنا المباركة، ثمّ محاسبة من يتاجر (1/75)
صفحة 75
بالثّورة، ويغامر بها؛ بزرع ما يشكّك في حقيقتها وفي أعمالها، ومعاقبة من يثير الفتنة بين أبناء الوطن الواحد؛ بقيامه بعمليّة الإقصاء والتّهميش والتّشويش والتّشويه والتّزييف.
إنّ وطننا الحبيب في حاجة إلى دعائم الوَحدة، وإلى أسس العمل الجماعي الموحّد، وإلى توجيه طاقات أبنائها للبناء والتّشييد، وإلى جمع الصّفّ لمقاومة كلّ ما يمسّ كرامتها وعزّتها. وإلى توحيد الجهود لصدّ المؤامرات الدّاخليّة والخارجيّة عليه.
اسمحوا لنا بتقديم هذه الرّسالة المتضمّنة هذه المشاعر نحو وطننا ورموزنا وعلمائنا وقادتنا، فقد شعرنا بالغبن الكبير الذي لحقَ بالمخلصين من الوطنيّين الأحرار الأباة. نحن نريد إنصافهم والوفاء لتضحيّاتهم. ما نرجوه منكم معالي الوزير هو وضع حدّ لهذه التّصرفات (والخرجات) التي تبرز من حين لآخر في السّاحة، تثير الفتن والقلائل، وتزعزع استقرار الجزائر.
تقبّلوا في الختام احترامنا وتقديرنا وتحيّاتنا. عاشت الجزائر حرّة مستقلّة، مزدهرة موحّدة في ترابها وأبنائها وأفكارها ومقوّماتها، ورحم الله كلّ من مات ليعيش الوطن بكرامة وعزّة وإباء. وفّقكم الله في أعمالكم ومهمّاتكم.
الجزائر يوم: 19/ 04/ 1435هـ
19/ 02/ 2014م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
عذرًا جريدة الشّروق، حافظي على خطّ الإعلام المحترف والملتزم!! (1)
عهدُنا بجريدة الشّروق الغرّاء، صحيفة تتحرّك في فضاء التّنوير بحكمة ورصانة، وتسير في مسار التّوعية باحترافيّة وتحّكم في أزِمَّة الأمور، ولا تقع في فخّ السّذاجة والعفويّة والارتجاليّة، ولا تنشر بين صفحاتها إلاّ ما يليق بسمعة الإعلام الحقيقي، ودوره في النّهوض
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). (1/77)
صفحة 76
بالمجتمع، وما يمنحه مقوّمات الحياة الحقيقيّة: من ثقافة أصيلة، ووعي عميق، وبناء حضاري لعقله ونفسه .. لكنّ هذه المميّزات وهذه الخصائص وهذه المقوّمات بدأت تغيب عن صفحات الجريدة، وبدأت تفقد مصداقيّتها عند قرّائها، ما أدخلها في نفق مظلم، وتيه إعلامي خطير.
الأدلّة على ذلك كثيرة، منها ما تنشره هذه الأيّام الأخيرة عن أحداث غرداية، التي كان دورها يتمثّل في إطفاء الفتنة التي نجمت عنها، بحسّ إعلامي حضاري احترافي، مسؤول عن الكلمة التي تنشر على صفحاتها، لا بإذكائها؛ بنشر أخبار غير صحيحة عمّا يجري في الميدان، باعتمادها على مراسل ينقل الأحداث عن غرداية، من مكان سكناه البعيد عن مدينة غرداية بما يقرب من ثلاثمائة كلم (300).
هل المسؤوليّة الأخلاقيّة للإعلام، والعمل الاحترافي يقبلان هذا المنهج في العمل؟ وهل المنطق المعتدل والعقل المتّزن يرضيان بهذا الفعل؟!
كيف تسمح الجريدة لنفسها بنشر الكذب على صفحاتها، وبقبول نشر ما يسفّه ما نطق به صنّاع الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، فتردّ شهادات الدّكتور أحمد بن نعمان عن دور الشّيخ إبراهيم بيّوض في قضيّة فصل الصّحراء عن الجزائر، المعتمدة أساسَا على تصريحات رجال الثّورة وقادتها، والأدهى من ذلك أن تنشر القذف والتّجريح والتّزوير والمساس بكرامة المجاهدين، كما ورد في مقال " قسمة المجاهدين ببلديّة متليلي تردّ على الدّكتور أحمد بن نعمان". (الشّروق، عدد: 4286) وإن كان الرّدّ سخيفًا، ليست فيه حقيقة ولا ما يغيّر نظرة القارئ في القضيّة. فلو كان فيه جديد، أو ما يرقى إلى المستوى، الذي يصحّح التّاريخ، قد نلتمس للجريدة العذر في نشر ما تنشر ... إنَّ هذه السّفاهات والسّفالات تحطّ من قدر الجريدة. ونقول ونؤكِّدُ: إنّ الجريدة أسمى من نشر ما يعكّر الصّفوَ، ويغذّي الفتنة، ويثير النّعرات ...
أرجو أن تبقى الجريدة في خطّ الإعلام المحترف الملتزم، صاحبة رسالة حضاريّة، تنشر لتبني، لا أن تقبل كلّ ما يرد إليها وللطّلب تلبِّي، فتسقط في الرّداءة والرّدّة عن أصول النّشر، وترتدّ عن المبادئ التي تمضي بمسيرة التّطوّر والوَحدة والتّضامن قدمًا إلى الأمام. كان عليها أن تُعرِض عن نشر ما يصدر ممّن هم أضلّ من الأنعام، هذا ما علّمنا خير الأنام.
الجزائر يوم الجمعة: 14 من ربيع الثّاني 1435هـ (1/78)
صفحة 77
14 من فيفري ... 2014م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كلمة صريحة إلى إدارة جريدة الشّروق (1)
الإخوة الفضلاء في إدارة الشّروق الغرّاء، السّلام عليكم.
اسمحوا لنا أن نقول لكم مرّة أخرى، عيّنوا من ينقل إليكم الأخبار أو يذيعها بين النّاس بدقّة وصحّة ونزاهة، تخدم الإعلام الملتزم والنّزيه، ومن له القدرة العقليّة والنّفسيّة .. أن ينصف الحقيقة، ويساعد على نشر الفكر الوحدوي، وله الجرأة والقابليّة لإطفاء الفتنة، ورأب الصّدع. فما نقله مراسلكم الذي يتلقّى الأخبار أو يتنقّاها عن بعد مئات الكيلومترات، عمّا حدث في مدينة مليكة غير صحيح. بل هو تزوير وتلفيق صارخ، لا يخدم الدّين ولا الوطن، ولا الأمن. ولا مصداقيّة جريدة الشّروق.
أيّها الإخوة الكرام! اسمجوا لنا أن نجدّد لكم التّذكير بما يأتي:
نشرت جريدتكم في عددها: اليوم (18 ماي 2014) إنَّ "أشخاصا قاموا بحرق صومعة مسجد في مليكة بغرداية، بعد أن قاموا بالهجوم على مصلِّيه ومحاولة إحراقه"، إنّ هذه المعلومات لا أساس لها من الصّحّة.
- نرجو اتّخاذ موقف جريء وملتزم، يضع جدًّا لهذه الممارسات المغرضة.
- عدم الاعتماد على من ينقل المغالطات والمعلومات التّحريضيّة التي تنشرها جريدتكم بشكل مستمرّ للأسف.
- التّنبه إلى أن مراسلكم يمارس العنصريّة، ويدعو إليها من خلال تقارير كثيرة، آخرها ما نشره اليوم.
- توظيف مراسل مزابي يكون أكثر اطّلاعًا على ما يحدث ويقع في أحياء بلديّة غرداية، بدل اعتماد مراسل يعتمد على الهاتف، الذي بنقل إليه الأخبار من مسافات بعيدة. فيكون في فعله هذا بعيدًا عن الاحترافيّة، وخدمة الإعلام الشّريف النّزيه.
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). (1/79)
صفحة 78
- الإسهام في التّهدئة بنقل الحقيقة، والابتعاد عن التّرويج للإشاعات وتضليل الرّأي العام وتهيئة المناخ للفوضى كي تنتشر وتثير الفتن والأحقاد والضّغائن.
- نشر تقرير توضيحي على صفحات جريدتكم، يفنّد المزاعم الواردة في عدد اليوم، إيقافا للدّعاية، ونفيا للغة التّحريض التي وقعت فيها الجريدة بتصرّفات المراسل غير المسؤولة.
نرجو أن تكون هذه المطالب واضحة، وأن تتيّقنوا أنّها مشروعة؛ لأنّها حقّ، نطالب الإعلام توفيره لمن يواظب على قراءة ما تنشره جريدتكم في مختلف الموضوعات والمجالات. تقبّلوا تقدرينا واحترامنا.
مسقط يوم الأحد: 18/ 07/ 1435هـ
18/ 05/ 2014م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
على الباغي تدور الدّوائر والله لصاحب الحقّ ناصر (1)
سألني ولدي: هل يقتل المؤمن؟ قلت: لا {وَما كانَ لِمُومِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُومِنًا إِلاَّ خَطَأً ... } (النّساء/ 92) {وَمَنْ يَقْتُلْ مُومِنًا متعمِّدًا فَجزاؤُهُ حَهنَّمُ خالدًا فيهَا وَغَضِبَ اللهُ عليْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عذابًا عَظيمًا} (النّساء/ 93). ثمّ قال لي: هل يغدر المؤمن؟ قلت: لا، هل يظلم؟ هل ينهب أموال النّاس؟ هل يستحلّ دماءهم؟ هل يهتك حرماتهم؟ هل يعيث في الأرض فسادًا؟ هل يعبثُ بحقوق النّاس؟ هل يروّع إخوانه في الدّين؟ هل يتعدّى حدود الله؟ ...
بُنيّ! إنّ العبد لا يرتكب هذه الآثام إلاّ إذا فقد إيمانه، كما أَخبر رسولنا عليه الصّلاة والسّلام. قلت له: لماذا تسأل هذه الأسئلة الغريبة، التي تقشعرّ منها الأبدان، وتطير بها الأفئدة، وتتألّم منها النّفوس؟ .. قال لي: وجدت تناقضًا بين ما أجبتني به وما يحدث في غرداية: نفوس تزهق، وأموال تنهب،
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook) .. وكتاب أقلام الهداية في فتنة غرداية، ص: 202 – 204. (1/80)
صفحة 79
وممتلكات تخرّب، ومعالم تهدّم، وحرمات تستحّل، وصبية تروّع، ونساء تفجع ... يقوم بهذا من يُحسَبون على الإسلام، ومن يزعمون أنّهم مؤمنون ..
يا بُنيّ! دع عنك هذا الزّعم، ولا تغترّ بالمظاهر، فإنّ الإيمان ما وقر في الجَنان ونطق به اللّسان، وبرز في الميدان، كما أمر ربّ كلّ الأديان. يا بُنيّ! لا يفعل هذا إلاّ شخص فاقد الإيمان، عديم الإحساس، مصنوع من غير طين الفطرة التي فطر الله النّاس عليها. حتّى ولو خلق عليها، فإنّه بما يأتي من المنكرات يكون قد ابتعد عنها، وأخلّ بما تدعو إليه وتقتضيه؛ من حسن الخلق، وسلامة القلب، وصلاح المخبر والمظهر، وحسن المعشر، وما تأمر به من البرّ والإحسان المطلقين مع كلّ البشر، وما تدفع به من العدل والإنصاف، وما ترشد به: من اتّقاء الوقوع في أعراض النّاس، والتّعدّي على حقوقهم، وما تطلبه من الرّأفة بالخلق، وعدم التّجاوز على الحقّ، وما تقضي به من التنزّه عن الحسد والحقد، والبغض والكره، والتخلّي عن الضّغن وفعل الشّرّ، والتّحلى - بدل كلّ ذلك - بروح الأخوّة والتّسامح والصّفح والعفو، وملء القلب بالإيمان والتّقوى التي تقي من ارتكاب الشّرور والآثام ..
قال لي: هذه المعاني غابت في أحداث غرداية، وابتعدت عن آيات الله وسادت بدلها آيات شيطانيّة مناقضة لنور الكتاب المبين والهدي النّبوي الشّريف. لقد تمادى أصحابها فيما ينقض ما تبنيه الفطرة. قلت له: اعلم أنّ الإيمان بعيد عن هذه النّفوس الشّرّيرة، والتّقوى لا مكان لها في قلوب هؤلاء المخالفين لشرع الله. فهم الظّالمون الذين وصفهم الله عزّ وجلّ بقوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلاَ إنَّ حزبَ الشَّيْطان هم الخاسِرون} (المجادلة/ 19)، ورسولنا الكريم يقول لنا: المسلم من سلم النّاس من يده ولسانه، ويحذّرنا من الوقوع في ظلم المؤمنين، ومن الولوغ في أعراضهم: المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.
إذا زاغت العقيدة واختلّ الإيمان، وشوّهت الفطرة، وانْحُرِفَ بها عن سواء السّبيل .. فترقّب كلّ شرّ، وانتظر كلّ منكر. ما يمنع من الإثم هو الحياء من استحلال حرمات الله، ومن محادّاته في أوامره ونواهيه. والحياء من الإيمان، وإذا لم تستحْيِ فاصنع ما شئتَ. بقول مفدي زكريّاء المطعون في وطنيّته من خفافيش الظّلام، ومن أدعيّاء الوطنيّة المزيّفة:
هُوَ الدِّينُ ... يغمُرُ ... أرواحنَا ... بِنورِ اليَقين، ويُرسي ... العَدَالَهْ (1/81)
صفحة 80
إذا الشَّعبُ أَخْلَفَ عهْدَ الإلَه ... وَخَانَ العَقِيدَةَ، فَارْقُبْ زوَالَهْ
فلينتظر هؤلاء عقاب الله الشّديد الذي سلّط على من سبقوهم من الطّغاة، المتمادين سنين، وليس أيّامًا وشهورًا، وعلى المغرورين بما أوتوا من قوّة وبأس شديدين، وما يمتلكون من بطش ومكر .. و ... فكانت النّتيجة سخط الله وعقابه الشّديد على من هم في زمرة فرعون وهامان، ومن هم من طينة ثمود وعاد إرم ذات العماد، الذين أخبر الله جلّت قدرته، وعزّت نقمته عنهم وعن مصائرهم ومصارعهم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَل رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ العِمادِ التي لِمْ يُخلَقْ مثلُها في البِلادِ وَثُمودَ الذين جابُوا الصّخرَ بالوَادِي َوِفْرعوْنَ ذي الاَوْتَادِ الذَينَ طَغَوْا في البِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنّ رَبَّكَ لبِالمِرْصاد} (الفجر/ 6 - 14) وقال: {قُلْ سيرُوا في الاَرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ المُجْرمِينَ وَلاَ تَحْزَنْ عَليْهِمْ ولاَ تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمَّا يِمكُرون} (النّمل/69، 70).
قال لي ولدي: هل ما فعله هؤلاء الأغرار الأشرار في غرداية هو فساد وطغيان وإجرام؟ هل هو من شاكلة عمل فرعون وأضرابه، ممّن قصّ علينا الله تبارك وتعالى أخبارهم، وذكر أفعالهم الشّنيعة في القرآن الكريم. قلت: هو من طبيعة تلك الأفعال الدّنيئة. إذن فعقابه لهم بالمرصاد، نعم وألف نعم، فوعيد الله لا يتخلّف، ووعده لنصرة المظلومين والمؤمنين المحتسبين الصّابرين صادق ومحقّق. فهو القائل: { ... وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فقّد جَعَلْنًا لولِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ في القِتْلِ إنَّه كانَ منْصُورًا} (الإسراء/ 33) وقال: {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والذّينَ آمَنُوا في الحياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يقُومُ الاَشْهادُ يومَ لا ينفعُ الظّالمين مَعْذِرَتُهُم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (غافر/ 51، 52).
تذكّر قول مدبّر هذا الكون، والرّقيب على أفعال العباد والخبير بما تكنّه الصّدور وما تأتيه النّفوس من شرور، والدّوافع التي يدفع بها الغَرور إلى ارتكاب الآثام: {إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يفرَحُوا بهَا وإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شيْئًا إنَّ اللهَ بِما يعملون مُحيطٌ} (آل عمران/120). لقد غفل هؤلاء الظّالمون عن قوله عزّ وجلّ: {واتَّقُوا يومًا تُرْجَعُون فيهِ إلى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كسبَتُ وهُمْ لا يُظْلَمونَ} (البقرة/ 281). (1/82)
صفحة 81
قال لي ولدي بعد هذا الحديث الطّويل: دعنا من هذا كلّه، فقد فهمت حقيقة ما يحدث في غرداية، ووعيت طبيعتها، وأدركت أسبابها وأبعادها، واقتنعت بأنّ نهاية الظّلم وشيكة، وأنّ عاقبة الطّغاة الجناة البغاة وخيمة، بارك الله فيكم .. قل لي ما العمل مع هذه المأساة؟؟ سؤال مهمّ بُنَيّ، هو بيت القصيد، ومربط الفرس، ولبّ التّفكير السّليم، وأسّ العمل المفيد المثمر المنتج.
إنّ العاقل هو من يعتبر بالأحداث، ويخرج منها ظافراً بما يعينه على تجاوز أخطائه، وإقالة عثراته، وتصحيح مسيرته، وتنظيم شؤونه، ومن يجتهد في البحث عن الأسباب التي تساعده على بناء نفسه، وتشييد بنيان مجتمعه على أسس صحيحة. إنّ الكيّس هو من يثبت في الميدان، معتزًا بشخصيّته، متمسّكًا بمبادئه، مستمسكًا بغرز إخوانه، متحصّنًا بقواعد البناء الحضاري للحياة السّويّة، ملتفًّا حول مؤسّساته وهياكله وهيئاته التي ركّزت فيه عقيدتَه، وسَقَتْهُ بفكر نيّر، ولقّنته أصول العمل الجماعي، الذي يَقيهِ كثيرًا من شرور من أراد استئصال هذه الدّعامة المحوريّة في حياته؛ ليقضيَ عليه وعلى وجوده ..
عليك بنيّ بالصّمود أمام كلّ مؤامرة تستهدفك في أّيّ مجال من مجال حياتك، وتمسّ شخصيّتك، فإنّ صاحب المبادئ الثّابتة، وصاحب القواعد الرّاسخة في العمل، وصاحب الإرادة الصّلبة في تحدّي كلّ المخاطر .. ينتصر على الباغي والحسود والحقود والمتآمر ... مهما يُظهر من بأس وبطش، ومهما يملك من قوّة ووسائل، وسند ومدد وعدد، ومهما يَطُل أمد طغيانه، ويمتدّ حبل سلطانه .. فالحسد ينخر صاحبه من داخله، والحقد يصيبه في مفاصله، والمؤامرات تأتي على كلّ طاقاته، والغشّ والخداع والغدر والخيانة ... تبدأ بصاحبها فتنقلب عليه ..
فالثّباتَ الثّباتَ في الميدان، والتّمسّكَ التّمسّكَ بالمبادئ، والتّعلّقَ التّعلّقَ بأسباب النّصر الذي يأتي من عند الله الحنّان المنّان، والرّجوعَ الرُّجوعَ إلى الله: في المعتقد والسّلوك والمعاملة .. فما خاب من بالله استجار، وما ضاع من بنور الله استنار.
بُنيّ! لا تفرّط في حقوقك، ولا تتأخّر عن الدّفاع عن نفسك، وردّ كلّ عدوان مهما يكن نوعه ومصدره، حافظ على تراثك، فهو مصدر قوتّك وحياتك، وضمان وجودك. اقرأ تاريخك واستوعب ما بين طيّاته من (1/83)
صفحة 82
مقوّمات شخصيّتك، واستلهمه في تخطيط مسيرك، واسترفده في تنظيم شؤونك، واسْتذكرْه لتأمين مصيرك.
في تاريخك معالم، حذار ثمّ حذار الزّهدَ فيها، مهما يكِدِ الكائدون، فهي لك معاقل تحميك مهما يتآمر المتآمرون، وتنجيكَ مهما يفعل الحاقدون، وهي لك محاضن تحتضنك، لتنشأ على سَنَنِ من سبقك، فليخسأ الحاسدون. فإنّ الحسود لا ينجح ولا يسود، هو يحترق بالنّار ذات الوقود؛ لأنّه يتحدّى إرادة ربّ الوجود، فبشّره بما قال الشّاعر وبلّغه رسالته، التي هي له وعيد:
أَيَا حاسِدًا لي علَى نِعْمَتِي ... أَتَدْرِي علَى مَنْ أَسَأْتَ الأدَبْ
أَسَأْتَ عَلَى الله في حُكْمِه ... لأّنَّكَ لَمْ تَرْضَ لي مَا وَهَبْ
فأخْزاكَ ربِّي بأنْ زادَنِي ... وَسَدَّ عنْكَ وُجوهَ الطَّلَبْ
في هذا الفعل محادّاة لله المهيمن المتكبّر الجبّار، الذي أوعد محادّيه بالذّلّة والصّغار، فهو القويّ العزيز القهّار، إنّهم هم حزب الشّيطان الخاسرون: {إنَّ الذين يحادُّون اللهَ ورسُوله أُولئِكَ في الاَذَلِّين كتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ وأَنَا َرُسُلِي إنَّ الله قوِيٌّ عزيزٌ} (المجادلة/ 20، 21) وما للظّالمين من أنصار ..
تذكّر بُنيّ! قول أحد أساطين تاريخك المجيد الذي حسدك فيه مرضى القلوب، والذي اكتوى منهم بنار الحسد والحقد حيًّا وميّتًا، الشّيخ إبراهيم أبو االيقظان. فلم يُبالِ بما ناله من ذلك، ومضى في عمله، ويستمرّ خَلَفُه في دربه. والقافلة تسير ... والرّكب يحثّ الخطى ... لم تَجِدْ نارُهم ما تأكل من جسده وروحه، فأكلتهم من داخلهم، وستأكل كلّ من يسير في طريقهم، (وكلّ من سار على الدّرب وصل) ليصطلى بناره التي يوقدها، وحرّ الفتنة التي يوقظُها.: " لقد عوّدتنا الحوادث أنّ في طيّ المصائب تنبت بذور المشاريع الكبرى، ولا ينبت فيها شيءٌ في ظلال الأمن والرّخاء والاطمئنان، وإن نبتَ شيءٌ فيها فسرعان ما يتلاشَى ويتساقط؛ لأنّه لا يجدُ ما يغذِّيه من مقوِّمات الحياة." (1/84)
صفحة 83
إقرأ بُنيّ! وتدبّر وفكّر واعتبر، ودَبِّرْ أمرك، ونظّم شؤونك، وامضِ حيث تفكّر وتخطّط، فلا تتأخَر، وسر حيث تقصدولا تتوقّف، واصمد ولا تستسلم. واعزم وتوكّل ... وَ:
خُذْ لِلحياةِ سِلاحَهَا ... وَخُضِ الخطُوبَ وَلَا تَهَبْ
قالها أحد روّاد نهضتنا الحديثة الشّيخ عبد الحميد، ا بن باديس. و قال مثله شيخ الصّحافة الجزائرية الشّيخ أبو اليقظان:
إَنَّما الدُّنْيَا جِهَادٌ مَنْ ينَمْ ... يَوْمَهُ، داسَتْهُ أَقدامُ الرَّزايا
إنّ ما ابتُليتَ به بُنيّ! أنت وإخوانُك في أرضك وتراثك وتاريخك، وفي مقدّراتك وذخائرك ... هي رزايا، إن لم تصُكُّوها وتدفعوها بإرادة ويقظة وإفاقة وتصميم وتخطيط، وإن لم تهجروا من أجلها النّوم والكسل والتّخاذل والتّفرّق و ... لتُنْبِتُوا مشروعات كبرى، تسنُدون بها ما ورثْتُم من مشروعات، أريد لكم أن تُعدم، فينعدم وجودكم .. إن لم تفعلوا ذلك داستكم هذه الرّزايا، وأصبحتم كهشيم المحتظِر ...
نسأل الله الصّلاح في الولد والسّلامة في الجسد والعافيّة في البلد. وفّقنا الله إلى ما يحبّه ويرضاه، وهدى الضّالين المضلّين إلى الإنابة والتّوبة، والكفّ عن الظّلم والتّعدي على حقوق النّاس، وردّ المظالم إلى أهلها.
الجزائر يوم السّبت: 14 من رمضان ... 1435هـ
12 من جويليّة ... 2014م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/85)
صفحة 84
///
أيّها الميزابي الجزائري المسلم الحرّ!! افهم وتذكّر أنّه لا ينبغي لك أن تستسلم للضّربات الموجعة، والآلام المبرّحة، وللمؤامرات المتكرّرة، فتسقط في فخّ الاستسلام واليأس من الحياة .. عِشْ عزيزًا بإرادتك أن تنصر دينك، وتدافع عن حرماتك، وتستمرّ في مسيرتك .. إيّاك والتّوقّف في الطّريق، فلا يخوّفنَّك ما يقوم به هؤلاء الجبناء الضّعاف، وتيقّن أنَّ مؤامراتهم ستأخذهم كما أخذت من سبقهم من العتاة والبغاة والجُناة ...
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
يا أحرار الجزائر هل تتحرّك الضّمائر؟! (1)
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). (1/86)
صفحة 85
يا أحرار الجزائر أين أنتم من عصابة الإجرام، أعداء السّلام، مناهضي الوئام، مشوّهي حقيقة الإسلام!!
ميزاب مستباح للتّخريب والتّحطيم والتّقتيل والتّعذيب وكلّ أنواع الشّرور والآثام ... أين أنتم لإغاثته وإنقاذه؟؟!!
ميزاب الحضارة والنّظام والانضباط والعمل والتّعمير والتّنميّة والبناء ... يخرّب،،يحرّق، يعاقب؟؟!!
ميزاب القيم والشّمم والشّيم، والأخلاق والمبادئ والأصول و .. و .. ، يهدّم، يهشّم، يُكْلَم؟؟!!
ميزاب الوجه المشرّف للجزائر الحبيبة، والعضو المغذِّي لجسد الجزائر، والمشرّف لسمعتها .. يُجرح، يُذبح؟؟!!
الميزابيّون الذين كانوا وما يزالون من صنّاع تاريخ الجزائر النّاصع في كلّ أدواره، بداية من أسلافهم أسياد الدّولة الرّستميّة، مرورًا بحقب كثيرة في تاريخها .. ووقوفًا عند حركات مقاومة الاستعمار الفرنسي، على رأسها مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري. إلى الأعمال الإصلاحيّة، إلى الحركات الوطنيّة، إلى ثورة التّحرير المظفّرة، التي كان من أبرز أدوارهم فيها وقوف زعيمهم الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض– مع ثلّة من أحرار الجزائر الأشاوس – في وجه مؤامرة فرنسا فصل الصّحراء عن الجزائر، فقالوا بالقول والعمل: لا نرضى بهذا العمل الدّنيء، فدونه النّصر أو القبر ... فكيف يبقى هؤلاء الميزابيّون يصارعون الموت، وهم الذين وهبوا حياتهم لتحيا الجزائر حرّة، أبيّة، كريمة، عزيزة؟؟!!
الميزابيّون الذين عاشوا في سلم وأمان مع إخوانهم في منطقتهم، وقدّموا الخير الكثير لمن يعتدي عليهم، ووفّروا الحياة الكريمة – بما يستطيعون – لمن يجازيهم جزاء سِنّمار، من عصابة الأشرار والفُجَّار .. وانسجموا مع بقيّة أفراد الشّعب الجزائري وجماعاته .. في مختلف أنحاء القطر الجزائري، وما يزالون على النّهج، وفي الدّرب وعلى العهد ... هؤلاء الأباة والأماجد والأكارم، الأعزّة والفضلاء .. يُقتّل أبناؤُهم، وتنتهك حرماتهم، وتسفك دماؤهم، وتخرّب بيوتهم، وتروّع نساؤهم، ويُيتَّم أبناؤهم وتسلب أموالهم ... فأين أنتم أيّها الأحرار الأباة لتقولوا: هذا حرام، هذا (1/87)
صفحة 86
إجرام .. ما هكذا يأمر الإسلام!! ما هكذا توصي دماء الشّهداء!! هذه ليست أصولنا، هذا ليس منهجنا!!
الميزابيّون الذين عاشوا بمذهبهم (الإباضي) مع إخوانهم المالكيّة - وما يزالون، وسيظلّون- في انسجام ووئام، في تعاون وتآزر، في تلاحم وتنافس في خدمة الإسلام، والنّهوض بالوطن .. يأتي من يشوّه سمعتهم، ويزوّر الحقائق، ويورّط أحرار المالكيّة، فيعلنها فتنة منتنة، ويرفعها لواء وسخًا .. فيقول باسم المذهب المالكي: هذه فرصتكم أيّها المالكيّة لتنتقموا وتَنقمُوا، وتسترجعوا حقوقكم المسلوبة من عصابة الإباضيّة (المجرمة المغتصبة). واللهِ إنّه لقول هُراء، وفعل شنيع، ومسلك منبوذ، وتصرُّف أرعن .. ما يأتيه هؤلاء الأغرار الفّجار .. فإنّ المذهب المالكي الأصيل براء من هذه التّصرّفات، بعيد كلّ البعد عن هذا السّلوك المشين .. فما وُجِدَت المذاهب إلاّ لتتعاون على خدمة الإسلام والسّلام والوئام .. أيّها الأحرار أين أنتم لتسفّهوا هذا القول؟! أين أنتم لتردّوا عمليًّا على ما يسوّد سمعة المذهب المالكي المتجذّر في أرض الجزائر الغاليّة العالية، التي يؤلمها أن ترى الأكاذيب والضّلالات والافتراءات ... تعيش فوق أديمها، فتنال منها، هي تئنّ لما يقع على ترابها، وهي تتوجّع ما لم يقم أحرارها بالوقوف أمام هذه الأعمال الخبيثة التي هي من أعمال الشّيطان، أوحى بها إلى أتباعه، وزيّنها لهم .. كي يقضوا على أصالتها ومروءتها وشهامتها .. أين أنتم يا من يريد للجزائر الخير والصّلاح، ويكره لها الشّرّ والخسارة، يا من يبغي لها الاستقرار والازدهار، ولا يبغي عليها بالتّخريب والدّمار؟؟!! فالبدار البدار لإنقاذ الجزائر من هذه الأعمال الدّنيئة، وهذا الخزي والعار.
هل إذا كان الميزابي ميّالا إلى السّلم يُعتدى عليه؟! هل إذا كان مذهبه يمنعه من القتل، يُقتل؟! هل إذا ما عمد وعمل إلى البناء والتّعمير والتّنافس على التّشييد يُخرّب بنيانه، وتُحرّق بيوته؟! هل إذا عجز غيرُه عن القيام بهذا الدّور، والإسهام في تطوير بلاده، وتحرّك ونهض هو .. يقال له كفى من هذا العمل، قف وإلاّ أفسدت عليك عملك، وحطّمت إرادتك، وهشّمت مشروعاتك؟! لكن هيهات هيهات أن تستمرَّ هذه الأعمال الدّنيئة، فأنّى لمن يملك قوّة الإيمان بالله والوطن والعمل .. أن توقف زحفَه الحضاري أمثالُ هذه التّصرّفات الطّائشة الحمقاء اليائسة .. فأين أنتم يا أحرار الجزائر الأباة (1/88)
صفحة 87
لتعينوا الميزابيّين في البقاء في هذا النّهج القويم، وتساعدوهم على المضيّ قُدُمًا في البناء والتّشييد والتّأسيس؟؟!!
يا أحرار الجزائر!! هل عجزتم أن تقفوا في وجه هذه الشّرذمة الضّالة، وهذه العصابة المفسدة، وهذه الجماعة المهلكة للحرث والنّسل، التي تسلك مسلك فرعون وهامان وجنودهما، وتنتهج نهج البغاة العداة .. وأنتم أبناء جدود وآباء قهروا الاستعمار الفرنسي، بكلّ ما أوتي من قوّة وعدّة وعتاد وعدد .. فرموا به في البحر ليعود مندحرًا من حيث أتى؟؟!! هل يعقل أن تكون الجزائر عقيمًا من أن تلد أحرارًا يقفون ضدّ الظّلم والطّغيان والعدوان؟؟!!
يا أحرار الجزائر الأبطال!! هل نرضى أن يتفرّج علينا العالم، ويقول ما يقول بحسرة أو شماتة، بشفقة أو نكاية .. وهو يرى ويشاهد ما يتعرّض له الميزابيّون - وهم يعرفون عنهم أنّهم أبطال بأخلاقهم وأعمالهم ومشروعاتهم الكبيرة ... - ينقل عنّا جميعًا أنّنا غير قادرين على حلّ مشكلة صغيرة في أرض محدودة، يقوم بنسجها قلّة قليلة .. أنرضى بهذا التّقويم لسلوكنا وغيرتنا ومروءتنا وقدراتنا؟؟!!
هذا ميزاب يناشد أحرار الضّمائر وكلّ أبناء الجزائر الأباة أن يفيقوا ويقوموا بخطوات عمليّة لتحرير كلّ أرض الجزائر من براثن البغاة والجناة والعداة .. الذين يعيثون في أرضها فسادًا، ويريدونها شِيعًا متناحرة، وأشلاء من جسم ممزّق، وحطامًا تذروه رياح من يكيد لها ويتربّص بها الدّوائر .. يا أحرار الجزائر اتّحدوا وتوحّدوا وكونوا صفًّا واحدًا ضدّ المخرّبين المفسدين البائعين نفوسهم لهوى الشّيطان، المانحين ضمائرهم لمن يذبح الجزائر وينحرها بمخطّطاته ومؤامراته .. لكن هيهات أن ينجح هؤلاء في مساعيهم لأنّ الله بالمرصاد للظّالمين. ولا تحسبنّ الله غافلاّ عمّا يعمل الظّالمون، فالظّلم عاقبته وخيمة، والسّكوت على الظّلم جريمة أخلاقيّة كبيرة، عقباها خزي وندامة وخسران مبين .. ونقول في النّهاية: حسبنا الله ونعم الوكيل!!
الجزائر يوم الجمعة: 23 من رمضان 1436هـ
10 من ... جويليّة 2015م (1/89)
صفحة 88
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
أيّها الميزابي الأبيّ الأصيل انظر وتذكّر واعتبر!! (1)
أيّها الميزابي الحرّ الأصيل!! مُورِسَ عليك الظّلم كثيرًا، في ظلّ استقلال بلدك الحبيب، وبعد افتكاكه حريّتَه من أيدي أعتى استعمار استيطاني استبدادي متغطرس، عرفه العصر الحديث. وكنتَ تأمل أن تنعم بالرّاحة والطّمأنينة والعيش الهنيء بعد معاناتك – مع بقيّة أفراد شعبك الأبيّ، الشّعب الجزائري العزيز الكمِيِّ – فإذا بك تصطدم بقلوب قاسيّة، يحملها أناس يقاسمونك تراب منطقتك، وتلتقي بعقول متعفّنة، يملكها أفراد لا يحلُمون إلاَّ بتدبير مخطّطات التّدمير والتّخريب والإقصاء، وتُفاجأ بنفوس متّسخة بأمراض الحقد والحسد والضّغينة، ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. هذا ما لا نعرفه عن الشّعب الجزائري الذي يوجد في مختلف مناطق الجزائر ..
لقد كانت البداية إقصاءَك من المؤسّسات الرّسميّة التي تمثّل سيادة الدّولة، مرورًا بتزوير تاريخك، واستمرارًا مع مؤامرات ومخطّطات، ترمي إلى سلبك ممتلكاتك، والاستيلاء على مقدّراتك .. وفي تتابع مع مسلسل تشويه فكرك، وتزييف ثقافتك، والافتراء على خصوصيّاتك .. إلى أن وصل الأمر إلى قتل أبنائك، وحرق ممتلكاتك، وسلب أموالك، وترويع أهلك ..
يحدث كلّ هذا في كثير من محطّات الاعتداء المبرمج المخطّط، بلغ ذروته وبأشنع الصّور، وبأكثر دمويّة، وبأفظع مظاهره في شهر الرّحمة والغفران، وطلب جنّة الرّضوان، من ربّ العزةّ الرّحمن .. شهر الصّيام،
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook) .. (1/90)
صفحة 89
شهر السّلام والوئام، والتّخلّص من الآثام .. لكن والحمد لله هذا ليس من طبيعة الجزائري المسلم الحرّ، فأغلبيّة أفراد الشّعب الجزائري استنكرت هذه الأفعال الشّيطانيّة، التي لا تمتّ إلى أخلاقه بصلة، فضلاً عن أن تكون لها علاقة بالدّين الإسلامي الحنيف.
هؤلاء الأشرار ينطبق عليهم قول الحقّ تبارك وتعالى: {إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسنَةٌ تَسُؤْهُمْ وِإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا، وإنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحيطٌ} (آل عمران/ 120)
أيّها الميزابي الأبيّ!! كلّ ما حدث لك هو ظلم عظيم، لا يقبله شرع ولا وضع ولا قلب ولا عقل .. لكن تأكّد أنَّ هذا الظّلم لن يدوم، وأنّ عاقبته على من اقترفه وخيمة، وعقاب الله له قريب، وسيكون شديدًا. اعلم أنه ليس للظّالمين من نصير. فبعدًا للقوم الظّالمين.
أيّها الميزابي الأصيل!! اعتبر بما وقع لك، واتّعظ بما ابتلاك الله به، فأنت بإيمانك وتقواك وعزيمتك وحصافة رأيك أقوى من هذا الظّالم الجبان الذي لم يستطع أن ينتصر على نفسه، ولم يتمكّن من السّيطرة على نزواته، ولم يقدر على التّحرّر من كيد الشّيطان الرّجيم. إنّ ما يقوم به من عمل الشّيطان، وهو عدوّ مضلٌّ مبين، وسيعلم الذين ظلموا أيَ منقلب ينقلبون .. فماذا يجب عليك فعله مع هذه الفتنة العمياء، وهذا الابتلاء الكبير؟؟!!:
1 – ارجع إلى نفسك وحاسبْها، وتفقدّ ما بداخلها من علامات الإيمان، فاثبت عليها. وانظر إلى ما فيها ما يخالف هذا الإيمان فتخلّص منه، حتّى ينصرك الله ويحميك من كيد الكائدين، ويبعد عنك ظلم الظّالمين. {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والذينَ آمَنُوا في الحَياةِ ِالدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الاَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالمِنَ مَعْذرَتُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (غافر/ 51، 52) بالتزامك شرعَ الله وإيمانك ينصر الله تعالى لك في الدّنيا والآخرة، تنال نِعْمَ المصير. وغيرك المعتدي عليك بظلم ينال لعنة، فيطرد من رحمته، وتكون له سوء الدّار، جهنّم وبئس المصير .. (1/91)
صفحة 90
2 – فوّض أمرك إلى الله القويّ العزيز، الذي لا يظلم العباد، ويقضي بأمره ما يشاء في الظّالمين، اطلب منه أن يأخذهم أخذة رابيّة، كما فعل بمن سبقهم من الطّغاة، الذين لا يحسبون لعذاب الله حسابًا، ولا يظنّون أنّ له عقابًا. قال تعالى: {الذينَ قالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قّدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فزادَهُمُ إيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا الله وِنِعْمَ الوكيل فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وفضلٍ لمْ يَمْسَسهُمْ سوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَهُ والله ذو فَضْلٍ عظيمٍ} (آل عمران/ 173، 174).
تفويض أمرك لله، وتوكيله أن يتولَّى أمر الظّالمين، ينقلب عليك فضلاً من الله عظيمًا بنصرتك، وبوقوف إخوانك المؤمنين بجنبك، يواسونك ويأخذون لك حقَّك من هؤلاء المجرمين الظّلمة. فالشّعب الجزائري، في مختلف أنحاء البلاد واقف معك بكلّ مشاعره، يدعو على الظّالمين بالويل والثّبور. متعاطف معك تعاطفًا كبيرًا، هذا فضلٌ من الله ونعمة، إنّه ثمرة الإيمان واتّباع توجيهات الرّبّ الكريم الرّحيم؛ بالتّوكُّل عليه وتفويض الأمر إليه .. فاغنم هذه المكرمة، وعُدْ إلى ربّك ولُذْ به.
اعتقد هذا وافعله وطبّقه .. مع اتّخاذ الأسباب الكاملة؛ للحذر من غدر الغادرين، وكيد الكائدين، والحرص على أن تكون يقظًا فطنًا لما يجري حولك، فالمؤمن كَيِّسٌ فَطِنٌ، واعلم أنّ المرء يُؤْتَى من مأْمَنِهِ، ويُؤْذَى بغفلته وسذاجته، والتّهاون في حماية نفسه، وتحصينها من الاعتداءات الوحشيّة، كما حدث في العشر الأواخر من رمضان الكريم، الذي حوّله المجرمون إلى جحيم .. لا أعادها الله علينا وعلى كلّ مسلم بهذه الصّورة في أيّ مكان في العالم.
3 - استمسك بالجماعة التي تنتمي إليها، وحسّن علاقتك بها، وأعْطِ الثّقة فيها، وكن لها نصيرًا وظهيرًا، وأْتَمِرْ بأوامرها، ما دامت في دائرة شرع الله عزّ وجلّ وفي حوزة سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم. قال تعالى: {يا أيُّها الذينَ آمَنُوا أَطيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في (1/92)
صفحة 91
شَيْءٍ فَرَدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُومِنُونَ بالله واليَوْمِ االاَخِرِ ذَلِكَ خيْرٌ وأحْسَنُ تاويلاً} (النّساء/ 59)
احْتَمِ بالفكر الذي تتّصل به، وتنحدر منه، وَتَفقَّهْ فيه، واقرأ تاريخك الذي هو مصدر حياتك، وملاذك في تنميّة شخصيّتك، وبناء كيانك، وتشييد أركان مجتمعك، فمن لا يعرف تاريخه كان كالرّيشة في مهبّ الريّاح، تذروه كيف تشاء، وإلى حيث تريد. ومن لا يفقه فكره تخبّط في حياته خبط عشواء، فتحتويه أفكار أخرى، وقد لا تضمّه إليها، لكنّها تحعله يعيش متذبذبًا متقلّبًا، حائرًا شاكًّا في كلّ شيء، مُشتكيًا من كلّ شيء، مَشُوكًا من كلّ شيء. وقد يقع في أشراك غيره، فيعيش استلابًا، أو سلبيّة نحو فكره ومجتمعه ..
4 – احرص على إصلاح ذات بينك، وترتيب بيتك من الدّاخل، ولا تترك العواصف تعبث فيه؛ لأنّه إن حدث هذا انتهيْتَ، أنت ومن معك، وتسلّط عليك من يتربّص بك الدّوائر .. ويكيد لك المكايد، وينصب لك المصائد:
ما حيلةُ الرّيحِ، إذَا مِنْ داخِلٍ ... هَبَّتْ، وسُفْنٍ أُوتِيتْ مِنْ ساحل
5 - حسِّن علاقتك بإخوانك المسلمين في كلّ مكان وفي كلّ موقف، وفي كلّ مشهد، وبخاصّة إخوانك الجزائريّين الذين هم سندك وعمادك في الحياة، ومُستندك في المحن والشّدائد. فإن أضرّ بك من يساكنك وهو قريب منك، مجاورٌ لك - اطلب له الهداية والرّشاد والسّداد – فلا تنس أنَّ الخيِّرين في بقيّة أرجاء الوطن هم الأغلب والأكثر عددًا، فكثِّرْ بهم سواد الأمّة الإسلاميّة، بحسن المعاملة وطيب المعشر، ورصّ الصّفوف، والاعتراف لهم بالجميل لمواقفهم المشرّفة في كلّ مرّة تصاب فيها، أو ينالك مكرٌ أو سوءٌ، ممّن يكيد لك. فالاعتراف بالجميل وفاء وأمانة في عنق المسلم .. إيّاك والتّفريط فيه.
6 – تذكّر أخي الميزابي الحرّ الأصيل! أنّ كلّ ذي نعمة محسود، وأنّ الصّراع بين الشّر والخير أزلي وأبدي، واعلم أنّ الحسود الحقود لا دواء له، إذا تأصّل في نفسه هذا الخلق الدّنيء، وسكن قلبه وعمره وغمره. (1/93)
صفحة 92
والمثل العامي يقول: "البَصْلَة مَا تْوَلِّي تَفّاحَهْ، وَقْلِيلْ الأصْلْ مَا تَنْفَعْ فِيهْ مْلاحَهْ " واعلم أن ّ الحسود يقتله حسده، ويأكله حقده، وبُنهي حياتَه مكرُه. فلا تبتئس بما يفعل، ولا تُعْطِ له من مشاعرك أكثر ممّا يستحقُّ، ولا تحرق أعصابك بما يأتي، ولا تخرق جسمك بما يضرّ بك .. حتّى لا يشغلك عن مواصلة العطاء في الحياة، ومتابعة مسيرة التّنميّة بكل قوّة .. فالتّاريخ علّمنا وبيّن لنا أنَّ عاقبة الحسد الاندحار، وعقبى الحقد الانكسار، ونهاية المؤامرت الانهزام، وسرعان ما يضطرّ صاحبها إلى الإحجام .. فصاحبُ الحقّ َيصمد ويحقّق مراده؛ لأنّ تصرّفه طَبَعِي ومسوَّغ، وصاحب الباطل بفشل ويخسر؛ لأنّ ما يسير إلبه، وما يقوم به غير طَبَعي.
7 – لا تنسَ في خضمّ هذه الأحداث المؤلمة، أن لك رصيدًا حضاريًّا كبيرًا، يتمثّل في الاتّصاف بمقوّمات الحياة الكريمة، والعيش النّظيف النّزيه، ولا تغفل عمّا تملك من قيم التّعايش في وئام وسلام وانسجام مع من يعرف للقيم معانيها، ومن يقدر للرّجال أقدارهم ... هذه المقوّمات هي التي حملت إليك رياح التّعاطف ونسائم التّضامن معك في محنتك، التي تسبّب فيها من لا خلاق لهم، ومن لا يراعون في الله إلاًّ ولا ذمّة .. أحضر هذه المقوّمات والمكوّنات والمقوّيات لحقيقة الشّخصيّة، لتعرف كيف تتصرّف، من دون أن تفرّط في هذه الشّيم، ومن دون أن تخسر حقوقك، ومن دون أن تكون ضحيّة الاعتداءات .. فكّر وخطّط لنفسك طريقًا، يضمن لك هذا المسعى النّبيل وهذا النّهج القويم ..
8 - طالب مسؤوليك وسادتَك الذين يحكمونك بتوفير الأمن، ومعاقبة المجرمين بصرامة لا هوادة فيها، ومحاسبة المقصّرين في الحفاظ على الأمن وسلامة المواطنين، والكشف عن المتورّطين في إذكاء الفتنة وزرع الرّعب في وسطك، وفضح المتآمرين على القتل ومعاقبتهم .. مهما تكن صفة هؤلاء، ومهما تكن مناصبهم ووظائفهم ومسؤوليّاتهم. واطلب فتح التّحقيقات في الملفّات المتعفّنة المتراكمة المتراكبة .. التي أدّت إلى هذه النّتيجة المخزية لسمعة الجزائر، التي كانت مضرب المثل في مساعدة الشّعوب على التّحرّر، والظّفر بالعيش الهنئ ... ولازِمْها أن توفّر لك أسباب العيش السّوية، وتضمن لك حقوقك المدنيّة، الماديّة والمعنويّة؛ باسم المواطنة، وحقّ العيش في أرضك، و .. و ... (1/94)
صفحة 93
9 - المهمّ في النّهاية، افهم وتذكّر أنّه لا ينبغي لك أن تستسلم للضّربات الموجعة، والآلام المبرّحة، وللمؤامرات المتكرّرة، فتسقط في فخّ الاستسلام واليأس من الحياة .. عش عزيزًا بإرادتك أن تنصر دينك، وتدافع عن حرماتك، وتستمرّ في مسيرتك .. إيّاك والتّوقّف في الطّريق، فلا يخوّفنَّك ما يقوم به هؤلاء الجبناء الضّعاف، وتيقّن أنَّ مؤامراتهم ستأخذهم كما أخذت من سبقهم من العتاة والبغاة والجناة .. ، ومن هم أشدُّ قوّة وبأسًا منهم. إيّاك واليأس من الحياة، والقنوط من رحمة الله، فإنّه لا ييأس منها إلاّ القوم الكافرون. اسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدّنيا والآخرة، وارجوه أن ينزل الرّحمة في القلوب، وأن يهيّء لنا من أمرنا رشدَا ...
الجزائر يوم الإثنين: 26 من رمضان 1436هـ/13 من جويليّة 2015م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام/ جامعة الحاج الأخضر، باتنة
نفثة مصدور مِمّا يَحْصُلُ للمقهور!! (1)
قرب عيد الفطر المبارك، فكان الشّعور يغمرنا، والأحاسيس تنتابنا، كيف نقضيه في بلدتنا العزيزة علينا، القرارة الحبيبة، مسقط رؤوسنا، ومهد صبانا، ومرتع شبابنا، موئلنا في كلّ مناسبة وفي كلّ الأوقات.؟؟!! كيف نسير إليها وندخلها آمنين مطمئنِّين، وهي منكسرة جريحة، وقد أحالها الظّالمون الجائرون إلى نقطة مرعبة مفزعة مخيفة ... ؛ بسبب ما ألحقوا بأهلينا من رعب وفزع وخراب ودمار، وبسبب ما تعرّض له مَنْ سبقنا إلى دخولها من أنواع المعاناة والقهر والاعتداء عليهم بكلّ أنواع الاعتداء المشروعة المتاحة عند المستبدّين المتغطرسين المتعجرفين. بل من المسافرين من عاد أدراجه، ورجع إلى حيث أتى، بعد أن ذاق
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). (1/95)
صفحة 94
أنواع العذاب النّفسي والجسدي، فخسر بذلك دخوله بلدته العزيزة، ونال منه الأذى نيلاً شديدًا ..
قرّرنا الذّهاب إلى مدينتنا الغاليّة، مهما تكن الظّروف، ومهما يلحقنا من أذى وضرر، فأخذنا حذرنَا، واتّخذنا كلّ الاحتياطات لدرء كلّ ما يمكن أن يلحقنا من ظلم وتعسّف من الظّالمين المجرمين، المعتدين على الحرمات، والمنغصّين على النّاس سبل الحياة ..
يا لَلعجبّ ويا لَلمفارقة! يحتاط الفرد أن يدخل بلدته بأمان وسلام .. !! يناور المتآمرين لينجو من كيدهم، ويسلم من أذاهم، وهو يعزم على الدّخول إلى بلدته!!
فَيا موتُ زُرْ إنَّ الحياةَ ذميمةٌ ... ويَا نَفْسُ جِدِّي إنَّ دَهْرَكِ هازِلُ
انطلقتُ بأهلي: زوجي وبعض أولادي وأحفادي، وأمهّاتهم من الجزائر العاصمة ليلاً، ونحن نحمل هذه الأحاسيس، ونتقلّب بين هذه المشاعر، غير أنَّنا كنَّا واثقين بحفظ الله لنا، مستصحبين أنّه {قُلْ لَنْ يُصيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّل المُومِنُون} (التّوبة/51) حاملين راية: حسبُنا الله ونعم الوكيل .. متأكّدين أنّ الله سينتقم من الجورة والسّفلة والظّلمة؛ إنّه عزيز ذو انتقام ..
وصلنا مدينة برّيان التي تبعد عن القرارة بحوالي ثلاث وسبعين كيلومترًا (73كلم)، خرجنا منها من طريق خاصّ، بعيدًا عن أعين المتربّصين الماكرين (1/96)
صفحة 95
الغادرين. يحدث هذا في أيّامٍ، كان المفروض أن يكون للفرح والسّرور والاطمئنان، وفي مكان يفترض أن يكون آمنًا سليمًا من المنغّصات ... لكنّ المجرمين أرادوا غير هذا، وارتضوا قلب اليسر عسرًا، والانشراح ضيقًا، والأمن خوفًا .. فكنّا نحمل بين جنوبنا شعورًا قويًّا بأنّنا ندخل إلى بلدتنا خائفين مترقّبين ..
يقينُنا في الله أنّه يَقينَا ويحفظُنا، وعزمُنا على الوصول إلى مدينتنا – كما تعوّدنا دائمًا – ثمّ الدّخول إليها بعزّة وثقة في النّفس .. سَمَحَ لنا ببلوغ هدفنا والحمد لله، فدخلناها صباحًا، فنجّانا الله تعالى ممّا كنَّا نخاف ونحذر .. ووقانا شرَّ ما كنّا نتوقّع، ولقَّانا سلامًا وأمْنًا والحمد لله ..
دخلنا بلدتنا الطّاهرة وسط حواجز من رجال الأمن، يحرسون بلدة كانت آمنة مطمئنّة قبلاً، وفي مناسبة هي للأمن والسّكينة والاطمئنان أصلاً، اليوم الأخير من رمضان، وقبل يوم من يوم الرّاحة والاطمئنان: عيد الفطر السّعيد والأمان، الذي تنشرح فيه الصّدور، وتطمئنّ القلوب وترتاح الجسوم ..
هذه المناظر والمشاهد تبعث في النّفوس الانقباض والضّيق .. ما هكذا تعوّدنا استقبال العيد في بلدتنا القرارة الغالية .. بعد وصولنا بدأنا تنظيم أمورنا – كما فعل أبناء البلدة الآمنة المغدور بها وبأهلها – على غير ما تعوّدوا عليه، وعلى غير ما يقتضيه الاحتفاء بالعيد، مردّدين: بأيّ حال جئت يا عيدُ! وماذا تقدّم يا ضيفُ يا ودودُ! (1/97)
صفحة 96
مظاهر العيد قلّصت، صلاة العيد أقيمت في المساجد، بدل مصلّى العيد الذي يجمع المسلمين في مكان واحد، تفرّقوا في هذا العيد في أماكن متعدّدة .. حُرِمُوا الفضاء المفتوح، ليقيموا صلاتهم تحت السّقوف ..
بهذا يفقد العيد أحد خصوصيّاته، وهو جمع المسلمين في صعيد واحد .. قلّصت الاجتماعات التي تصحب المناسبة، لإقامة شعائر العيد، والقيام بواجبات صلة الأرحام، والمداولة في شؤون البلدة، وفي الأمور الخاصّة ..
حرم بعض النّاس من التّمتّع بفرحة العيد، منهم من قضاه خارج منزله المحروق أو المهدّم أو المنهوب .. قضاه في مكان عام جُمِعَ فيه مع مجموعة من إخوان له متضرّرين مروّعين مَفجوعين .. بعضهم أمضاه بعيدًا عن أبيه المقتول، أو ولده المغدور به، أو قريب نُكِّل به. بعضُ الأسر قضت العيد متفرّقة، بعيدة عن بعضها؛ إذ توزّع أفرادها بين القرارة وخارج المدينة ..
متغيّرات كثيرة طبعت هذا العيد، ومظاهر محزنة لوّنت شكل هذا العيد .. تسبّب فيها وصنعها أفراد وعصابات نزع الله من قلوبهم الإيمان، وزُرِعَ فيها الحقد والغدر والمكر، فمكرت بالنّاس الأبريّاء، ذنبُهم أنّهم يريدون أن يحيوا كما يحيا بقيّة البشر في بلدتهم في أمن وسلام. فأبى هؤلاء المجرمون إلاّ أن ينغّصوا عليهم حياتهم .. لكنّهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. ولا يحيق المكر السّيّء إلآّ بأهله ..
أيّ قلب يحمله هؤلاء الأجلاف؟! أيّ شعور يسكن نفوسم؟! أيّ دين يحملون في قلوبهم؟! أي شرع يبيح لهم هذه الأفعال الشّنيعة؟! أيّ فكر يقود هؤلاء الأنذال؟! الشّرع لا يبيح ما فعلوه، والعقل لا يسمح بما اقترفوه، والفكر (1/98)
صفحة 97
السويّ لا يدفع إلى إتيان أمثال تلك الموبقات!! إذن من هم هؤلاء؟ ما طبيعتهم؟ من يحرّكهم؟ من يسوّغ لهم ما يفعلون؟! من يخطّط لهم ما يقومون به؟؟ الإنسان الحرّ يبقى حائرًا مندهشًا ممّا يحدث. هل هي أشراط السّاعة لاحت؛ حين تنقلب الموازين، وتتغيّر قوانين الحياة؟؟ هل هي رسل نذرٍ بأنَّ الإيمان نُزِع من القلوب؟! هل هي إرهاصات على أنّ الإسلام بدأ يرفع من الأرض؟! هل هو تعبير عن عجز النّاس على التّحكّم في النّزوات؟! هل هي مؤشِّرات على أنّ المسؤولين فقدوا السّيطرة على الأوضاع؟! إلى متى يبقى البريء الملتزم الأمين هو الذي يدفع ثمن براءته ومسالمته؟؟ إلى متى يظلّ المؤمن المعاهد هو الذي يغرمُ ضريبة بقائه في طريق الله المستقيم؟! إلى متى يظلّ المواطن الصّالح هو الذي يدفع غرامة التزامه بروح المواطنة، وحبّه لوطنه؟!
عاقبة نقض تعاليم الإسلام وخيمة، وعقبى الخيانة لمبادئ المواطنة شديدة، ونهاية الاعتداء على حقوق النّاس مخزيّة، وخاتمة الغادرين بمن أَحْسَنَ إليهم عسيرة، وما ربّك بغافل عمّا يعمل الظّالمون، وما للظّالمين من أنصار، وما للظّلم من نتيجة غير الخسران المبين. وما ذلك على الله بعزيز!! وللصّابرين أجر أعلى وأوفى وأبقى عند الربّ الأعلى، في جنّة المأوى ..
مع كلّ ما قام به المغرضون الفتّاكون الفتّانون الخائنون، الخائبون المفلسون الخاسرون ... فإنّ أهل القرارة المنصورين بجند من السّماء، وبمباركة الربّ صاحب الكبريّاء قاموا بمراسيم العيد كلّها، وتبادلوا التّهاني، وفرحوا بالعيد، ولو كان فرحًا ناقصًا، وسرورًا مبتورًا .. لكنّهم فوّتوا على الظّالمين بلوغَ أهدافهم: (1/99)
صفحة 98
حرمانَ سكَّان القرارة الطّيّبين الاحتفالَ بالعيد، ولو لم يكن في مستوى الاحتفاء المرجوّ ..
بهذا أظهروا للمعتدين قوّة شخصيّتهم، وتماسك صفوفهم، وتلاحم قواهم، وبيّنوا أنَّ الظّلم والقهر والمكر لن ينال من إيمانهم، ولن يصيب عزائمهم، ولن يقضي على آمالهم في الاستمرار في طلب الحياة، وفي البناء، والتّمسّك بتراب مدينتهم الطّاهر الزّكيّ الذي نشؤوا على أديمه، ودرجوا فيه، وعمروا ما فوقه، وشيّدوا عليه حضارة متميّزة، أوغرت صدور الحاقدين العاجزين عن القيام بما قام به المصلحون، وبقوا هم في دائرة المفسدين في الأرض، وسيظلُّون إلى أن يشاء الله فيمنَّ عليهم بالهداية والرّشد والسّداد والتّوفيق إلى القيام بالأعمال الصّالحة. نرجو ذلك .. والله على كلّ شيء قدير ..
القرارة يوم الأحد: 03 من شوّال 1436ه
19 من جويليّة 2015م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ِقْرَأْ تاريخَك وَتَعَلَّمْ وَاعْتَبِرْ (1)
اقْرَأْ مِنَ التَّاريخِ مَا ... فيهِ ... العِبَرْ ... عالِجْ بِهِ ما يَعْتَريكَ مِنَ الخَطَرْ
وانْظُرْ بهِ مَا يَسْتَفِزُّكَ
__________
(1) - جاءت هذه القصيدة من وحي أحداث القرارة الدّامية (شهر نوفمبر وديسمبر 2013م)،.التي تسبّب فيها أوباش وأوغاد، لا خلاق لهم؛ حرقًا ونهبًا وتخريبًا وترويعًا للسّكان وتعدّيًا على الحرمات، بأشكالٍ من الظّلم الذي هو من صنف أعمال الاستعمار في الجزائر ... ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). (1/100)
صفحة 99
حَاضِرًا ... تَجدِ الحُلُولَ لِمَا ... يُصيبُك مِنْ غَرَرْ
واعْمَدْ إليهِ، وَثِقْ بِهِ، واسْكُنْ لَهُ ... وَانْهَضْ بِهِ وَاشْحَذْ عزائِمَ إنْ تَخُرْ
اسْتَوْحِ مَاضِيَ سَابقينَ، تَعَاقَبَتْ ... أَيَّامُهُمْ ... في الخَيْر؛ دوْمًا ... للبَشَرْ
خُذْ مِنْهُمُ قَبسًا، ينيرُ لَكَ الطّريـ ... ــــقَ، إذَا تَغَيَّرَ أُفْقُهُ وَاكْفَهَرْ
وَاطْلُبْ بِهِ مَجْدًا جَديدًا، وارْفُدِ الـ ... ـحَسَبَ القديمَ بِصُنْعِ ... أَفْعَالٍ تَسُرْ
تَاريخُكَ نَبْعٌ نَقِيٌّ، فافْخَرَنْ ... بهِ، لا تَهُنْ، لا تَخْجَلَنْ، لا تَنْكَسِرْ
لا تَضْجَرَنْ، لا تَقْلَقَنْ، وَاعْلَمْ بِأَنْ ... نَكَ مِنْ أُصُولٍ زاكِيَاتٍ ... تَنْحَدِرْ
أَنْعِمْ بِهِ إِرْثًا غَنِيًّا زاخرًا ... حَازَ الفخارَ، وَكَانَ دَوْمًا مُشْمَخِرْ
لا تَسْمَعَنْ لِهُراءِ نَذْلٍ، لا يَعِي ... لايَرْعَوِي، ... لا يَسْتَحِي، لا يَدَّكِرْ
غَمْطُ الخَلائِقِ عِنْدَهُ مُتَأَصِّلٌ ... طَمْسُ الحَقائقِ شَرْعُه، ... لا يَنْحَسِرْ
لا ... تَنْتَظِرْ مِنْ حَاقِدٍ خيْرًا، وَلا ... مِنْ حاسِدٍ إِلاَّ عِداءً ... مُسْتَمِرْ
فَإِذا رَأَيتَهُ يَعْتَدِي، ما يَهْتَدِي ... أَوْ لا يُراعِي ذِمَّةً أَوْ يَسْتَعِرْ ... نارًا جَنانُهُ، طافحًا ... حَنَقًا وبُغْـ ... ضًا، ناقِعًا سُمًّا، بمُخْتَلِفِ ... الصُّوَرْ ... يَأْتِي عَلَى كُلِّ البُيُوت، يُخَرِّبُ ال ... أَمْلاكَ، لا يُبْقِي مَتاعًا، لا يَذَرْ ... فَاعْذُرْهُ، إِنَّهُ نَاقِصٌ عَقْلاً، وَديـ اعْلمْ بأنّهُ ... ساقطٌ ... في ... ذِلَّةٍ ... ـنًا، إنَّهُ الشّيْطانُ في جِلْدِ البَشَرْ (1/101)
صفحة 100
لَا تَنْظُرَنْ لِفِعالِهِ، لا تَعْبَأَنْ ... وَمَهَانَةٍ، وَهوَ الجَبَانُ وَإِنْ زَأَرْ ... لَا تَكْتَرِثْ بِسَفاهَةٍ يَحْيَا ... بها ... لِضِرارِهِ، فَهْوَ السَّفِيهُ بِمَا فَجَرْ ... لَا يَنْفَعُ التَّذْكيرُ معْهُ، ولاَ العِتَا ... اُسْكُتْ وأَعْرِضْ عَنْهُ، يَضْوِ وَينْدَثِرْ ... يَبْقَى الحَقودُ رَهينَ نَفْسٍ ذَاتِ خُبْـ ... بُ وَمَا يُصيبُهُ مِنْكَ مِنْ أَقْسَى الضّررْ ... يَبْغِي بِلَا حَدٍّ عَلَى مَا يَلْتَقِي ... ــثٍ مُسْتَكِنٍّ في قَرَارٍ مُسْتَقِرْ ... تَعْوِي الذِّئابُ، وَتَنْبَحُ الأُخْرَى، تَكُو ... وَينَالُ مِنْ كُلِّ الوَرَى، لا يَنْزَجِرْ ... اغْفِلْ عَنِ الغَاوِي تُصِبْ مِنْهُ الفُؤا ... نُ صَدًى لَهَا، وَالرّكبُ لَا لَا يَنْتَظِرْ ... أَلَمًا مِنَ الكَمَدِ الكَمينِ، وَلَا يَبُلْـ ... د، يَظَلُّ دَوْمًا يَكْتَوِي، بَلْ يَعْتَصِرْ ... مَكْرُ الإلَهِ لَهُ لَبالمِرْصادِ، وَعْـ ... ــلُهُ غَيْرُ ما يرْميهِ جَمْرًا أَوْ شَرَرْ ... فَهْوَ القَوِيُّ القَاهرُ، المُنْجِي عِبَا ... ـدٌ منْهُ حقٌّ، وَافِرٌ ... لِلْمُنْقّهِرْ ... أَقْدِمْ عَلَى الإِعمَارِ لا ترْكَنْ إلَى ... دَهُ حينَ تُظْلَمُ، فَاطْلُبَنْ مِنْهُ الوَزَرْ ... بَادِرْ وثابِرْ واسْتَمِرْ في السَّيْرِ، لا ... وَهَنٍ، يُصيبُكَ مِنْ مَكائِدَ، لا تَخُرْ ... اطْلُبْ حُقوقَكَ، لا تَنَمْ عَنْ وَاجِبٍ ... تَلْفِتْ وَرَاءَكَ، لا تُعِرْ وَغْدًا نَظَرْ ... فَالمَرْجعُ التّاريخُ، فانْظُرْ واسْتَبِنْ ... كُنْ حاذِرًا يقِظًا فَلَنْ تُنْسَى الكَدَرْ ... قُمْ واقْرَأَنْ سِفْرًا حَوَى نَهْجًا قَوِيـ ... واحْفَظْ وَطَالِعْ ما يُفيدُكَ وَاعْتَبِرْ (1/102)
صفحة 101
يَقْفُو خُطَى الأَجْدادِ في عزٍّ وفَخْـ ... ــمًا صَالحًا، يَبْنيكَ فَرْدًا مُقْتَدِرْ ... مَنْ يَعْرِفِ التَّاريخَ يَزْدَدْ عَقْلُهُ ... رٍ وَاعْتِدادٍ، تَابِعًا أَصْلَ الشَّجَرْ ... وَيُعينُهُ كَسْبَ المَعَارِفِ وَالمَعَا ... إِذْ يَجْتَنِي بِهِ مَا يُجَنّبُهُ العَثَرْ ... إذْ يَنْجَلي عَنْهُ الغطاءُ فَيَسْتَقِي ... لِمِ والمَعَارِكِ مِنْ كِتَابٍ مُسْتَطَرْ ... يَسْعَى بِجِدٍّ للْمَسيرِ مَسِيرَهُمْ ... خَيْرًا، ويخْتارُ المفيدَ وَيَنْتَقِرْ ... نَافِسْ أَخِي! أَصْحَابَ عَزمٍ صَادقٍ ... يَبْنِي كَمَا كَانُوا بَنَوا لِنَيْلِ الوَطَرْ ... وَمَكَارِمٍ، صَاغُوا بِهَا أَغْلَى الدُّرَرْ
خُطَّ الطَّريقَ بِمَنْهَجٍ مُتكامِلٍ ... يَحْوِي قَوَاعدَ، تَسْتَبينُ بِها الأثَرْ
تَحْيا بِمَاضٍ تَالِدٍ وَبِحاضِرٍ ... مُتَجَدِّدٍ، يَسْعَى بِعَزْمٍ منْ زُبُرْ
وَبِمَنْطِقٍ يَجْلُو رُؤًى لِمعالِمٍ ... يَحْتاجُها مُسْتَقْبلٌ كيْ يزْدَهِرْ
فَبِذَاكَ تَنْحُو بِالخُطَى طُرُقًا تُجنْ ... نِبُها السّقوطَ أَوِ الوقوعَ، ... أوِ العَثَرْ
اسْتَلْهِمِ التَّاريخَ، لا تَنْسَ الإضَا ... فَةَ مَطْمَحًا، بَلْ مَطْلَبًا، أَوْ تَنْدَحِرْ
مَاضيكَ مِضْمارٌ وَدَرْبٌ واسِعٌ ... خُذْ مِنْهُ مَا يُجْدِيكَ عِلْمًا أوْ عِبَرْ
باتنة يوم الأربعاء: 08 من صفر ... 1435هـ
11 ... من ديسمبر 2013م (1/103)
صفحة 102
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ميزابُ مرْبعُ الأجدادِ ومرْتعُ الأحفادِ (1)
ميزابُ أَرْضِي، أَفْتديهِ بِمُهجَتي ... أَحْميهِ دَوْمًا ... مِنْ ذِلَّةٍ ... وَإِذايَة
أَرْنُو لَهُ ... بِعِنايةٍ ... وَرِعَايَةٍ ... وَحِماَيةٍ لهُ مِنْ أَذًى وَإهانَة
مَنْ يَدَّعِي حَوْزًا لَهُ فَعلَيْهِ تَقْـ ... ديمُ ... الدَّلِيلِ عَلَى امْتِلاكِ الحَوْزة
بعِمَارَةِ الأَرْضِ اليَبابِ وَغَرْسِ نَخْـ ... ــلٍ في مُحيطٍ شاسِعٍ، بِعَزيمَة
آباؤُنا، أَجْدَادُنا، أَسْلافُنا ... غَرَسُوا البُذُورَ، تَجذّرُوا في التُّرْبَة
وَسَقَوْا حِياضَ نَخِيلِها عَرَقًا تَصَبْ ... ــبَبَ مِنْ سِنينَ تَتَابَعَتْ في عُسْرة
وَبَنوْا قَواعِدَهُ، وَشَادوا هَيْكلاً ... أَرْسَوْا بِهِ مُسْتَلْزَماتِ حَضَارَة
وَسْطَ الرِّمالِ مَشَوا، وَفَوْقَ الصَّخْرِ عَا ... نَوْا في المَسير، وَكَمْ لَقَوا مِنْ عَثْرة
صَمَدُوا لَها، صَبَرُوا لها، وَمَضَوْا بلا ... وَهَنٍ، يَشُقُّون الطّريقَ بِهِمَّة
آمالُهُمْ تَحْدو بِهِمْ للسَّعْيِ، دُو ... نَ تَرَدُّدٍ وَتَلَكُّؤٍ أَوْ رِدَّة
تَحْتَ الكَثيرِ مِنَ المَخَاطرِ وَالعَرا ... قيلِ التي تَفْرِي الجُسومَ بِقَسْوة
تَخِذُوا عِنايةَ ربِّهم عَوْنًا
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook)، وكتاب أقْلام الهداية في فتنة غرداية، ص: 216، 217. (1/104)
صفحة 103
لَهُم ... كَيْ يَقْهَرُوا كُلَّ الصِّعَابِ بِعَزْمة
حَطُّوا الرِّحالَ، وَخطَّطُوا لإِقامَةِ ال ... أسُسِ، التي تَبْني الحياةَ ... بِقُوّة
بِعِمارةٍ يَحْظَوْا بها ... بِكَرامَةٍ ... وَفْقًا لأَمْرِ الرَّبِ، صَاحبِ مِنّةِ ... بِمَساجِدٍ وَمَدارِسٍ وَمَعَاهِدٍ ... وَهَياكلٍ، تُعْنَى بِإِعْدادِ الأُمّة
في تُرْبَةٍ قَفْراءَ مُجْدِبَة، ٍ يَعَا ... فُ أَدِيمَها ... مُتَثاقِلٌ عَنْ هَبَّة
لا يَمْلِكُ العَزْمَ، الذي يَرْقى بِه ... كَيْ يُسْعِدَ الوَطْنَ العَزيزَ بِنَهْضَة
فالأرضُ لِلرّاعي لَهَا، وَلِمَنْ يَشيـ ... ــدُ بِهَا صُروحًا، لَا لِزَارِعِ ريبة
هَلْ يَسْتوِي مَنْ يَعْمُرُ الأَرْضَ اليَبَا ... بَ، وَمَنْ يَضِنُّ وَلَا يَجُودُ بِذَرّة
مِنْ جُهْدِهِ، يُرْضِي بِهِ رَبَّ العَطَا ... وَقَدِ اصْطَفاهُ مَقَامَ خَيْرِ خَلِيفةِ؟!!
حُرُّ الضّميرِ مُثابرٌ وَمُجَاهدٌ ... وَمُعَمِّرٌ، بِبَصيرَةِ ... وَشَرَاهَة
وَعَديمُهُ نَكَدٌ عَلَى مَنْ في البَسِيـ ... ــطَةِ، مُفْسِدٌ وَمُشاكِسٌ كَالآفَة
تَقْضِي عَلَى المَحْصولِ مِنْ غَرْسٍ نَما ... بِجُهودِ مَنْ عَمِلُوا لِخَيْرِ مَعيشَة
هَبُّوا خِفافًا لِلجِهادِ، بِمالِهمْ ... سَارُوا ثِقالاً بِالنُّفُوسِ لِنَجْدَة
فَبَنَوْا بِهَا ما تَقْتَضيهِ عِمارَةٌ ... وَمسيرُهُم وَمَصيرُهم في البُقْعة
هَلاّ يَخافُ مِنَ العَقَابِ مُعَاكِسٌ ... يُبْلَى ... بِرَجْفَةِ ... قَاهِرٍ أَوْ ... صَعْقَة
فَاللهُ لَيْسَ بِمُهْمِلٍ، أَوْ (1/105)
صفحة 104
تَارِكٍ ... عَبْدًا طَغَى، فَمَآلُه في أَخْذَة
فَبِذا قَضَى القُرآنُ حُكْمًا مِنْ عَزيـ ... ـــزٍ، قادِرٍخَسْفَ العِدَى في غِرِّة
إِنَّ الحَقُودَ عَلَى العِبادِ مُصيبَةٌ ... عَظُمَتْ، وَدَاءٌ يَنْخرُ في اللّحْمَة
إِنَّ الكَسولَ عَلَى البِلَادِ خَسَارةٌ ... تُلْقِي بِهَا دَوْمًا لِقَاعِ الهُوَّة
فَلِمَنْ يَشِيدُ وَيَبْتَنِي مُلْكُ المُحيـ ... ــط، وَمَا لَهُ أَعْطَى وَفيرَ إِعانة
ميزابُ وَطْنُ جُدودِنا، ومَوَاطنُ ال ... أَحْفَادِ في كُلِّ العُصُورِ وَحِقْبَة
مِيزَابُ مَرْبَعُنا وَمَرْتَعُنا وَمَوْ ... قِعُنا وَمَقْعَدُنا، بِرَغْمِ نِكَايَة
مِيَزابُ عِشْتَ مَلاذَنا بِجَزَائِرٍ ... ظَلَّتْ رَؤومًا حَاضِنًا لِلفِتْيَة
تَحْمِي رِباطَ عُهُودِهَا بِالوَحْدَةِ ... لَا ... تَرْتضي مَا ... يَسْتَفِزُّ ... لفُرقَة
إِسْلامُنا يَدعُو إِلَى اسْتِمْساكِنَا ... بِوِثاقِهِ، وَبِنَبْذِ كُلِّ عَداوَة
لِمَنِ اهْتَدَى بِهَذا الهُدَى عَيْشٌ رَغِيـ ... ـــــدٌ، وانقلابٌ طَيِّبٌ في جَنَّة
يَعْلوهُ صَالحٌ مِنْ جَمِيلِ فِعَالٍ وَخَيْـ ... ــرٌ خَالصٌ لِرضاءِ رَبِّ العزّة
ياربِّ كَلَّلْ بِالنّجاحِ المُرْتَجَى ... حِفْظَ البِلاد مِنَ العِدَا وَالفِتْنَة
القرارة يوم الخميس: 03 من جمادى الأولى 1435هـ
03 من أفريل ... 2014م (1/106)
صفحة 105
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
وَحدة الصَّفِّ واجبٌ شرعي وضرورةُ حياة (1)
وِحدةُ الصّفِّ ... مَطْلبُ ... وَبِهِ الخيرُ يُجلَبُ
وَحدَةُ الصّفّ ... مَنْهَجٌ ... وَبِهِ الوُدُّ يُكسَبُ
وَحدةُ الصّفّ مَغْنَمٌ ... وَبِهِ الدُّنيا تُطْلَبُ
وَحْدَةُ الصّفّ مَرْكبٌ ... وَبِهِ الأُخْرَى تَعْذُبُ
وَحْدةُ الصّفّ مَنْبَعٌ ... لِلصَّفَا، مِنْهُ اشْرَبُوا
وَحْدَةُ الصَّفِّ قُوَّةٌ ... وَبها النَّصْرُ يَعْقُبُ
وَحْدةُ الصَّفِّ مَرْتعٌ ... وَبهِ الحقلُ يُعشِبُ
كَمْ نَعُدُّ مِنَ الفَضا ... ئِلِ فيها أَوْ نَحسِبُ
والحياةُ، يَحْلُو جَنَا ... هَا: طَعَامٌ وَمَشْرَبُ
حَضَرٌ وَبداوَةٌ ... وَمرُوجٌ وَسَبْسَبُ
وَمُقامٌ وَرَوْحَةٌ ... وَمُزَاحٌ وَمَلْعَبُ
وانْشِراحٌ وَعُسْرَةٌ ... وَبِهَا يُطْوَى الغَيْهَبُ
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook)، وكتاب أقلام الهداية في فتنة غرداية، ص: 219، 220. (1/107)
صفحة 106
رِيحُنَا لا تَنِي، ولا ... تَذهبُ، أَوْ لا َتَنْضُبُ
بِاتّحادٍ يَسْري دمًا ... في العُرُوقِ، فيُنْجِبُ
قُوّةً، تُرْهِبُ العِدَا ... وَالمُوحِّدُ يَغْلِبُ
نَرْتَقِي مِنْ مُسْتَنْقَعٍ ... يَحْكُمُهُ التَّمَذْهُبُ
بَرْبَرِي أَنْتَ، أَمْ ... إلَى ... فِئَةِ العُرْبِ تُنْسَبُ
فَأَبُوكَ دينٌ حَبَا ... كَ بِهِ الرّبُّ الأَطْيَبُ
أُمُّكَ حِضْنٌ فِي تُرا ... بِ الجَزائِرِ أَرْحَبُ
وَأَخُوكَ فَرْدٌ لِحُسْـ ... ـــنِكَ دَا ئِمًا يَطْلُبُ
حَنَفِي أَنْتَ، أَمْ إِبَا ... ضِي، لِماذَا التَّعَصُّبُ؟؟
مَالِكي، شِيعِي أَنْتَ ... مَا ... ذَا يُفيدُ التَّمَذْهُبُ؟؟
إِنْ جَفَوْتَ ... أَخَاكَ، أَوْ ... جَاءَ مِنْكَ مَا يُغْضِبُ
كُنْ وَفِيًّا لِوَحْدَةٍ ... فَبِها يَزْكُو المَوْكِبُ
كُنْ رَحيمًا بصُحْبَةٍ ... فَبِذَا يَنْجُو المَرْكَبُ
فَلِمَ الخُلْفُ بَيْنَنَا ... وَالهُدَى فينا يُسْكَبُ
في كُؤُوسٍ مَخْتُومَةٍ ... بِرَحيقٍ يُسْتَعْذَبُ
نُورَ رَبٍّ، ... مُنَزَّلاً ... في كتابِهِ، يَطْلُبُ
وَيُنادِي، كُونُوا صِحَا ... بًا، رِفاقًا، لا (1/108)
صفحة 107
تَشْغَبُوا
مِنْ ذَكَرٍ، وَمِنْ إِنَا ... ثٍ، خُلِقْنَا يا يَعْرُبُ
وَشُعوبًا، قَبائلاً ... يَا أَمَازيغُ، نَغْلِبُ
كُلَّ جَانٍ، مُسْتهْدِفٍ ... وَحْدةَ الصَّفِّ، نُرْعبُ
إِنّمَا المُؤْمنون إخْ ... وَانُ دينٍ أَقاربُ
فَلماذَا تَكونُ فيـ ... هِمْ فِئاتٌ عَقَاربُ ... أَوْ أفاعٍ، أوْ يخْتلِي ... بَيْنهُم ذئبٌ، يَنْصِبُ
أَوْ يَروغُ في رَبْعِهِمْ ... مِثْلَما يَسْطُو الثَّعْلَبُ
فَالجُهودُ ... تُصَبُّ في ... مَا يُفيدُ وَيُنْجِبُ
وَالقُوَى لِلبِناءِ تُزْ ... جَى، ولِلنَّفْعِ تَذْهَبُ
وَالجِهادُ إلى الصّلا ... حِ، يُساقُ ويُسْحَبُ
وَعَنِ البَغْيِ يَخْتَفِي ... وَعَنِ الشّرِّ يُحْجَبُ
ذَا الصّوابُ لِمَنْ يَعِي ... مَا عَلَى المَهْدِي يَعْزُبُ
نَحْنُ في هَذِهِ الجزا ... ئرِ، إخوانًا نُحْسَبُ
وَبِدينٍ، ... سَنامُه ... عُرْوَةٌ وُثْقَى، ... نُذْهِبُ ... كُلَّ شَرٍّ، يَمُسُّ رِيـ ... ـحًا لَنَا أَوْ يُذْهِبُ
مَنْ يُنادِي ... بِوَحْدَةٍ ... لِلمُهَيْمِنِ أَقْرَبُ
مَنْ تَنَادَى (1/109)
صفحة 108
لِفُرْقَةٍ ... فَهْوَ إِنْسانٌ أَجْربُ
تَسْتعيذُ منْهُ الوَرَى ... تَتَوارَى وتَهْربُ
للَظًى تَسْعَى رِجْلُهُ ... جِسْمَهُ، النَّارُ تُلْهبُ
انْبُذُوا كُلَّ حَاقِدٍ ... لِلتَّآلُفِ يَنْكِبُ
وَبَغيضٍ مُسْتَنفَرٍ، ... لِصُفوفِنا يَثْلِبُ
وَحْدَةُ الصَّفِّ مَكْسَبٌ ... احْذَرُوا مِنْكُمْ تُسْلَبُ
وَحْدَةُ الصَّفِّ جَوْهَرٌ ... وَزْنَها يَدْرِي الطَّيِّبُ
إِنَّمَا العَيْشُ في وِئَا ... مٍ، هُوَ النَّهجُ الأَصْوَبُ
فَإِلىَ اتِّحادٍ مَتِيـ ... ــنٍ، بهِ يَنْجُو المَرْكَبُ
باتنة يوم السّبت: 26/ 06/ 1435هـ
26/ 04/ 2014م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قرارةُ! قُرّةُ عيني وقراري!! (1)
__________
(1) - ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). (1/110)
صفحة 109
لِقرارَةِ الوَادي وَلائِي السَّرْمدَيِ ... هِيَ مَوْطني؛ إِذْ كَانَ فِيهَا ... مَوْلِدِي
فيها نَشَأْتُ، بِها حَظِيتُ بِمَنْبِتٍ ... أُمِّي اعْتَنَتْ بِِه، لَمْ يُقَصِّرْ وَالِدِي
في مَسْجِدٍ، دَينِي أَخَذْتُ وَمَنْهَجِي ... بِكتَاتِبٍ كَانتْ بِدَايَةُ ... مَْورِدِي
بِمَدارسٍ سُقْتُ الخُطَى نَحْوَ العُلَا ... وَاصَلْتُ مَسْعايَ ... الحَثِيثَ بِمَعْهَد
أَجْنِي عُلومًا، أَسْتَقِي ... خُلُقًا، أَعُبْ ... بُ فَضائلاً، بِضِيَا صُوَاهَا أَهْتَدِي
بِعشيرةٍ جَذَّرْتُ أَصْلِي ... واهْتَمَمْ ... ـتُ بِحاضِرِي، خَطَّطْتُ فيها لِلْغَد
شِدْنا عَلَى أُسُسِ الحَضارةِ ... بَيْتَنَا ... بِتَجمُّعٍ في هَيْئَةٍ ... وَتَوَحُّدِ ... فَلِحافِظِي ... القُرآنِ أُنْشِئَ هَيْكَلٌ ... إيرْوَانَ يُدعَى ... فَهْوَ خَيرُ ... المُرْشِدِ ... بِمَحاضِرٍ قُرْبَ المَسَاجدِ يَلْتَقِي ... مِنْ كُلِّ صنْفٍ: عَالِمٌ ... أَوْ مُبْتَدِي ... وَمَكارسٌ تَحْمِي البِلادَ، تُشيعُ أَمْ ... ــنًا لِلْعِبَادِ، تَرُدُّ كَيْدَ المُعْتَدِي ... تِمْسيرِدِينُ تَجَمُّعٌ لِنِسائِنَا ... هُوَ مَرْجِعٌ في أَخْذِ دِينِ مُحَمَّدِ ... عَزَّابَةٌ ... فَوْقَ الجَميعِ تُديرُ أَمْـ ... رَ الجَمْعِ بِالإخْلاصِ، دُونَ ... تَرَدُّد
هَيْئاتُ خَيْرٍ كَانَتِ المَلْجَا لَنَا ... في خَيْرِ تَوْجيهٍ ... لِيَوْمِ ... المَوْعِدِ ... فِيهَا رِجَالٌ سَاهِرُونَ عَلَى ... بِنَا ... ءِ نُفوسِنا، بِمَناهِجٍ لَمْ ... تُعْهَدِ ... فِيهَا المشَائِخُ بالنَّصيحةِ ... أَرْشَدُوا ... بِعُلومِهِمْ ... طَارُوا ... بِنَا ... لِلْفَرْقَد (1/111)
صفحة 110
بِجماعَةٍ؛ مِنهَاجَ تَدبيرٍ ... وَتنْـ ... ــفيدٍ، ... تسيرُ أُمُورُنا ... لِلْمَقْصَدِ ... بِجماعَةٍ نَقْضِي شُؤونَ ... حَياتِنا ... وَبِها تَكُونُ أُمورُنا في ... أَرْغَد
فَتَآلَفَتْ وَتَعانَقَتْ ... وَتَضامَنَتْ ... حَلقَاتُنَا، فَتَسَاوَقَتْ لِلأَرْشَد
مِنْ كُلِّ ... خَيْرٍ فِيهِ أَمْرُ ... صَلاحِنَا ... وَفَلاحِنَا، في يَوْمِنَا ثُمَّ ... الغَد
فَبِهَا حَفِظْنَا صَفَّنَا ... مُتماسِكًا ... فَلْنَبْقَ في النَّهْجِ السَّلِيمِ الأَوْحَدِ ... مِنْ سَالِفِ الأَيَّامِ ... شَادَ ... الأُوَّلُ ... في الرّبْعِ صَرْحًا لِلْصُّعودِ الأَمْجَد
فَمَصيرُنَا مِنْ تَالِدِ الإِنْشاء، مقْـ ... ــرُونًا بِمَا يَأْتِي مِنَ المُتَجَدِّدِ ... "إنَّ القديمَ ذَخيرةٌ مِنْ صَالحٍ ... تَبْنِي المُقَصِّر، أَوْ تَحٌثُّ المُقْتَدِي" ... مِنْهُ ... الحياةُ تُقادُ، وَالمَسْعَى يُضَا ... ءُ، فَلُذْ بِهِ، وَاسْتَمْسِكًنْ وَاسْتَرْشِد
وَأضِفْ إلَيْهِ مَكارمًا وَفضَائِلاً ... تُفلِحْ، وتُكْرِمْ أنْفُسًا، بَلْ تُسْعِد
أَقَرَارَتِي يَا قُرَّةَ العَيْنِ، وَيَا قَرَا ... رِي، بِالهَنَاءِ تَدَثِّري ... وَتَزَوَّدِي
يَحْمِيكِ مِنْ كَيْدِ العِدَى رَبٌّ رَحيـ ... مٌ ... بِالعبَادِ، وَمُنْقِذٌ ... مِنْ ... مُعْتَدِي
إلَهَنَا! ثَبِّتْ عَلَى دَرْبِ ... التَّوَحْـ ... حُدِ خَطْوَنا، وَقِنَا ... شُرُورَ ... الحُسَّد
زِدْنَا وَلا تُنْقِصْ لَنَا مَددًا ... وَكُنْ ... عَوْنًا لَنَا في ... كُلِّ ... أَمرٍ ... وَاعْضُد
باتنة يوم الخميس: 19 من جمادى الثّانيّة 1436هـ (1/112)
صفحة 111
09 من أفريل ... 2015م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
عيد القرارة أسود!! (1)
عِيدُ ... القَرَارَةِ ... أَسْوَدُ ... ذَا ... مَا ... رَآهُ ... الحُسَّدُ
سَاقُوا المَنِيَّةَ في ... سِبَا ... قٍ، بَلْ تَنَادَوْا ... أَوْقِدُوا
فيهَا بِعَزْمٍ ... مِنْ ... حديـ ... ــدٍ حَرْبَكمْ، بلْ عَدِّدُوا
في ... سُبْلِ غَدْر، أَنْتُمُ ال ... أَسْيادُ فيهِ، وَشدِّدُوا
لَا تَرْحَمُوا طِفْلاً ... وَلَا ... شيْخًا، ... عَميقًا سَدِّدُوا
ضَربَاتِكُمْ ... لِتُصيبَ ... فَوْرًا، ... فَلَا ... تَتَردَّدُوا
فَتَنالَ ... جَمْعًا ... بِالجُرُو ... حِ، بَلاَ، تُمِيتُ وَتُخْمِدُ
أَنْفَاسَ قَوْمٍ ... خُلَّصٍ ... يُبغَى لَهُمْ أَنْ ... يَهْمُدُوا
أَبَدًا، ... فَلَا ... تَثَّاقَلُوا ... بَلْ سَارِعُوا وَتَوحَّدُوا
__________
(1) - قلت هذه القصيدة إثر الأحداث الدّاميّة التي اندلعت في القرارة، قام بها أوغاد وأنذال فقدوا الإيمان، وركبهم الحقد والضّغينة، فقاموا بحرق المنازل وقتل النّاس، وترويع السّكّان. أُزهقت فيها أرواحُ أربعة عشر شهيدًا،، وسقط جرحى كثيرون، ممّن قام يدافع عن الأعراض والحرمات ويردّ ويصدّ العدوان الغاشم. حدثت هذه ا لأحدات مع صلاة الصّبح والنّاس في المساجد. يوم الأربعاء: 21 من رمضان 1436هـ/ 08 من جويليّة 2015م. ينظر صفحتنا في الفايسبوك ( facebook). (1/113)
صفحة 112
ذِي فُرْصَةٌ، ... كُلُّ ... الظُّرُو ... فِ تَقُولُ: سِيرُوا، جَرِّدُوا
مِنْ غَيْرِكُمْ كُلَّ ... الحَيَا ... ةِ، فَيَرْحَلُوا، ... فَتَجَلّدُوا
لِلْفَتْكِ بِالأَجْسادِ، ... دُو ... نَ هَوَادَةٍ وَتجنَّدُوا
لِلْهَدْمِ وَالإِحْرَاق، ... قُو ... مُوا جُمْلَةً، ... وَاسْتَنْجِدُوا
بِمَعَاولٍ ... وَمَطارقٍ ... وَمَشَاعلٍ، مَا يُنْجِدُ
لِمَنَازلٍ ... وَمَتَاجِرٍ ... يُفْنِي، ... فَلَا ... يَأْتِى ... غَدُ
لِخُصُومِكُمْ، مَنْ فَاقَكُمْ ... خُلْقًا وَعِلْمًا، ... لَا تَرْقُدُوا
أَحْقادَكُمْ ... لَا ... تنْبُذُو ... هَا، بِالنَّكالِ ... تَزَوَّدُوا
بِالغِلِّ ِ غَذُّوا ... صُنْعَكُمْ ... عَنْ ضَغْنةٍ لَا تَشْرُدُوا
لِلْغَايَة ... الكُبْرَى تَعَا ... لَوْا شَمِّرُوا ... لتُبَدِّدُوا
أَشْتَاتَ ... قَوْمٍ ... أبْدَعُوا ... بِحَضَارَةٍ، ... بَلْ ... شَيَّدُوا
مَا لَا نُطيقُ لَهُ فِعَا ... لاً، فَانْظُرُوا، بَلْ ... سَدِّدُوا
تَخْطِيطَكُمْ ... لِلأَحْسَنِ ... مِنْ ... مَكْرِكُمْ ... وَتعَهَّدُوا
أَنْ تَصْدُقُوا في ... مَعْرَكٍ ... فِيهٍ ... الغِنَى ... وَالسُّؤدَدُ
قُرْبانُنَا ... في ... صَوْمِنَا ... غَدْرٌ، وَقَتْلٌ أَنْكَدُ (1/114)
صفحة 113
أَفْراحُنَا ... في ... يَوْم ... عِيـ ... ــدِ الفِطْرِ فِعْلٌ أَسْوَدُ
لِخُصُومِنا، مَنْ فَضْلُهم ... لَا ... يَعْتَليهِ ... لنَا ... يَدُ
مِنْ خُلْقِنا ... إِكْرامُهُم ... بِفَواجِعٍ لَا تُسْرَدُ
شَهْرُ ... الصِّيام ... مُحَرَّمٌ ... فِيهِ ... السّلامُ، ... فَأسْعِدُوا
فِيهِ النُّفُوسَ؛ بِزَهْقِها ... في ذَا ... النَّجَاحُ ... الأَوْكَدُ
أَفنُوهُمُ ... زَمَنَ ... الصَّلَا ... ةٍ، وَهُمْ قِيَامٌ، سُجَّدُ
لِلْعيدِ هَدْيٌ ... هَائلٌ ... قَتْلُ السُّرورِ، الأَمْجَدُ
هَذَا ضَعِيفٌ ... فِي عَقِيـ ... ــدٍ، مَنْ لِغيْرهِ ... أَكْيَدُ
لَوْ كَانَ فِي ... مَقْدورِنَا ... كَانَ ... النّكَالُ ... الأَسْوَدُ
لَكنْ تَسيرُ السُّفْنُ عَـ ... ـكْسَ الهَوَى، بَلْ تُفْسِدُ ... أَفْعَالَ قَوْمٍ سَاقِطيـ ... ـنَ، ... شِراعُهُمْ ... يَتَبَدَّدُ ... بإرَادَةِ ... القَهَّارِ، رَبْ ... بِ العِزَّةِ، مَنْ ... يَعْضُدُ ... مَنْ ... يَسْتَجيرُ بِجَاهِهِ ... وَإلى جِوَارِهِ ... يَعْمَدُ
لَكنْ سِفالُ القَوْمِ ... ضَلْ ... لُوا، ثُمَّ قَالُوا وَاعْتَدُوا:
نَحْنُ الرُّعَاُة لِكُلِّ جُرْ ... مٍٍ، ... فافْهَمَنْ يَا سَيِّدُ (1/115)
صفحة 114
يَا مَنْ يحُوزُ عَلَى ... فُؤَا ... دٍ، يَهْتَدي ويُسدِّدُ
نَحْنُ الرََّعاعُ، فَلَا ... نُلَا ... مُ، وَنَحْنُ ... قَوْمٌ ... نُحْسَدُ
عَمَّا ... نُثيرُ ... مِنَ ... الجَرا ... ئِرِ، لِلْبرايَا ... نَحْصُدُ
تبًّا لِفعلٍ مُخْلِفٍ ... هَدْيًا، أَتَاهُ مُحَمّدُ
لَكنْ لِظُلمِ ذَوِي الفَضَا ... ئلِ نِقْمةٌ، لَا ... تَبْعُدُ
عَنْ ذِي الجَلالَ وَمَنْ إِذَا ... أَخَذَ المُسيءَ يُشَدِّدُ
في المَكرِ، لَا يُرْجِي وَلَا ... يُنسِي لَهُ، بَلْ يَجْلِدُ
في دَار ... دُنْيًا، ... بَعْدَهَا ... في النَّارِ، غَدًا يُخْلِدُ
سُحْقًا لهُمْ مِنْ مُفْسِديـ ... ـنَ، وَبِئْسَ نُزْلاً مَوْعِدُ
سُقْيًا لمَنْ أَسْدَى لَهُمْ ... خَيْرًا، سَيَحْلُو المَقْعَدُ
صَبْرًا ... لِمَنْ يَشْقَى ... بِهِمْ ... فَغَدًا يَطِيبُ المَوْرِدُ
فَبَياضُ ... فِعْل الخَيِّريـ ... ــنَ، وَمَنْ يَجُودُ وَيُنْجِدُ
يَقْضِي عَلَى أَفْعالِ ... مَنْ ... يَعْلُوهُ ... غِلٌّ أَسْوَدُ
القرارة يوم الإثنين: 04 من شوّال ... 1436هـ (1/116)
صفحة 115
20 من جويليّة 2015م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
/
هذه الصّورة ملتقطة من مدينتِي (القرارة) وهي من القصور السّبعة لبني ميزاب جنوب الجزائر .. الصّورة تدلّ على النّظام الاجتماعي المحكم المتَرابط. يظهر في المقّدمة كبار مشائخ البلدة وعزّابتها. القراريّون في طريقهم إلى مصلَّى الأعياد وهم فرحون، يهلّلون ويكبِّرون. (تصوير وتعليق: أسامة الراعي)
قال الله تبارك وتعالى: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلِبُمَكَّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي (1/117)
صفحة 116
ارْتَضَى لَهُمْ وََليُبَدِّلنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمُ أَمْنًا يَعْبُدُونِي لا يُشْرِكُونَ بِِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ} ... (النّور/ 55)
إباضيّة بني مزاب مواقف ثابتة (1)
" كُلُّ مسلمٍ بشمال إفريقيا، يؤمن بالله ورسوله ووحدة شماله هو أخي وقسيم روحي. فلا أفرّق بين تونسي وجزائري ومغربي، وبين مالكي وحنفي وشافعي وإباضي وحنبلي، وبين عربي وقبائلي، ولا بين حضري وآفاقي، بل كلّهم إخواني، أحبّهم وأحترمهم وأدافع عنهم ماداموا يعملون لله والوطن. وإذا خالفت هذا المبدأ، فإنّي أَعْتبرُ نفسي أعظمَ خائن لدينه ووطنه."
وأنت تقرأ هذه الأسطر يشدُّ انتباهك قوّة معانيها، ومتانة تراكيبها، إذ أنّها تعكس جزالة قلم صاحبها، وعزّة وإباء شخصيّته، وسلامة سريرته، وافتخاره بوحدة أمّته ووطنه. إنّ في هذه الأسطر حكمة بالغة، وموعظة جامعة. فإنّي لمتأكّد بأنّ لها وقعًا بليغًا على القارئ، يجعله توّاقًا لمعرفة صاحبها. إنّه شاعر الثّورة الجزائريّة، المجاهد بالقلم مفدي زكريّاء اليزقني الغرداوي الجزائري، ذاك الذي كانت أشعاره - ولا زالت – أشدَّ وقعًا على العدوِّ المستدمر من رصاص البنادق، إنّه يدعو من خلال هذه الأسطر إلى الوَحدة والأخوّة والمحبّة، ونبذ الفرقة والعصبيّة، والإخلاص لله والوطن.
وها نحن اليوم نتأسّف لما نراه من فتنة مغرضة بين أبناء شعب واحد وبلد واحد، فتنة أذكت نارها خصلة من خصال الجاهليّة الأولى، فتنة أيقظت فتنًا نائمة وعصبيّات كانت قد قبرت منذ عهود. ثمّ إنّي أستسمحك أخي الفاضل أن تركّز معي وتنظر مليًّا في هذا السّرد البسيط للمواقف الوطنيّة الثّابتة للإخوة الميزابيّين عبر مراحل مختلفة من التّاريخ، لكي تتّضح لك بعض الحقائق؛ لأنّ الرّجال مواقف كما قال الشّيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله والتّاريخ يشهد.
في سنة 1510م/ 916هـ شارك الشّيخ (بَاحِيُّو بن موسى) وفرقته الفدائيّة من الفرسان المرابطين في السّواحل الجزائريّة ضدّ الغزاة الإسبان
__________
(1) - ينظر كتاب أقلام الهداية في فتنة غرداية، ص: 74، 75. (1/118)
صفحة 117
على جزيرة جربة بالجنوب الشّرقي لتونس، والتي تحطّمت فيها حملة (دون قارصيادو طليطلة).
في سنة 1518م/ 925هـ احتلّ الإسبان الصّليبيّون كُدية الصّابون بمدينة الجزائر فاستدعى (خير الدّين بربروس) الشّيخ (باحيّو بن موسى) وهو من العطف، ومعه أمين الميزابيّين بالجزائر يستشيرهم في أمر العدوّ الغائر، فأشاروا عليه القيام بعمليّة فدائيّة، وتطوّعوا لذلك، واختاروا منهم سبعين فدائيًّا، ثمّ وضعوا خطّة لاختراق معسكر العدوّ، وضرب مستودعات السّلاح، ومن ثمّة فنح ثغرة أمام المجاهدين من أجل الهجوم التّام. وكان النّصر يوم الأحد: 24 أوت 1518م/ 925هـ. حيث فرَّ القائد الإسباني (دون هوقو) مع باقي رجاله. أمّا الشّهداء الميزابيّون فدفنوا في حسين داي الحالي.
في سنة 1830م حين نزل العدوّ الفرنسي بسيدي فرج، وقام بمحاصرة العاصمة، أرسل الميزابيّون – مع أمينهم بالعاصمة – ألف رجل للمشاركة في الدّفاع عنها، وقد استبسلوا في ذلك، إلى أن سقط منهم عدد كبير في ميدان الشّرف. وفي مقدّمتهم (طفيش داود بن يوسف شقيق القطب). ولهؤلاء مقبرة في اسطاولي في ساحة طمست آثارها.
ولمَّا أعلن الأمير عبد القادر الجزائري الجهاد ضدَّ المستدمر الفرنسي سانده الإخوة الميزابيّون، حيث التحق به (سيدي السّعدي) وبعد ذلك انضمّ الميزابيّون إليه، وكانوا من أطوع حنده، كما أنّهم أصبحوا من أمناء سرّه. نذكر من بينهم الطّبيب (باي أحمد بن بابا عيسى) اتّخذه الأمير طبيبه الخاصّ وكاتبه وأمين سرّه. وهو من مدينة مليكة. ومن الذين حضروا معاهدة التّافنة مع الأمير. ومن التّجار الذين أعانوه بالمال والسّلاح الحاج سليمان بن داود وحمّو بن يجي يدَّر، من بني يزقن، والحاج داود بن محمد، وغيرهم من الرّجالات المخلصين.
لقد ظلَّ بنو ميزاب – مثلهم مثل الطّوارق الأحرار – يدافعون بكلّ وطنيّة وإخلاص على الوطن الجزائري والحرمات، وكذا يدعمون الانتفاضات الشّعبيّة المتواليّة بالمال والقلم والسّلاح، حيث لعبت شبكة التّجّار الميزابيّين بالعاصمة والصّحراء وسائر المناطق الأخرى دورًا فاعلاً في دعم الثّورة التّحريريّة بالمال والسّلاح والقلم إلى غاية الاستقلال. وبالرّغم من الإغراءات والعروض التي تلقَّوها من قبل الجنرالات وساسة (1/119)
صفحة 118
المستدمر الفرنسي، خاصّة بعد اكتشاف البترول بالصّحراء الجزائريّة، حيث سعت الحكومة الاستدماريّة إلى فصل الصّحراء عن الجزائر؛ مستعملة جميع الأساليب، منها:
ــ إرسال لجنة برلمانيّة إلى مزاب سنة 1951م؛ من أجل إقناع الميزابيّين بالموافقة على إقامة جمهوريّة صحراويّة، مقابل امتيازات. إلاّ أنها قوبلت بمظاهرات سلميّة في كلّ مدينة؛ رفضًا للفكرة، معبّرين على لسان الشّيخ بيّوض عن تمسّكهم بوَحدة التّراب الجزائري ..
ــ إرسال لجنة برلمانيّة ثانيّة لنفس الغرض، قوبلت بتأكيد الرّفض.
ــ إرسال لجنة ثالثة سنة 1959م. قوبلت بنفس الرّفض من قبل الإخوة الميزابيّين.
أليست هذه أخي القارئ، مواقف ثابتة لم تتزحزح؟!! فلماذا تسعى بعض الأطراف الغريبة إلى الاقتتات من فتاة الفتنة والعمل على كسر وحدة صفّنا ووطننا؟ ثمّ من المستفيد من هذا يا تُرى؟
يا عقلاء أهل وادي ميزاب! إنّ لكم أسوة في إصلاح ذات البَيْنِ في آثار عبد الحميد، ابن باديس – رحمه الله – ذلك أنّه لمّا رفعت له مسألة حول مشكل وقع بين المالكيّة والإباضيّة بغرداية، قضى فيها بالعدل، والله أعلى وأعلم. اقرؤوها فهي درس في الصّلح مديد، حيث دعا إلى حفظ الوحدة الإسلاميّة، بحفظ القلوب من داء الفرقة المهلك (1).
يا عقلاء أبناء الوطن الواحد! تنبّهوا إنّ الأطراف التي أشعلت الفتنة بينكم لم يرق لها أن تراكم متحابّين، آمنين على أموالكم وأولادكم، كما لا يعجبهم أمنُ البلاد واستقرارها. مثله مثل الجراثيم التي لا تحبّ العيش إلاّ في المستنقعات. فاحذروا فإنّ قوّة الدّولة في وحدة شعبها وترابها، وفي التّاريخ قصص وعبر أفلا تعقلون.
__________
(1) - لكنَّ فتنة غرداية الحاليّة ليست ناتجة من صراع طائفي مذهبي إطلاقًا. مُثيُرو الشّغب والفتن والمعتدون منطلقون من حسابات وتقديرات خاصّة؛ لتحقيق أهداف خاصّة، وتنفيذ مخطّطات قذرة منتنة ... دافعها الحقد والحسد والعنصريّة والرّغبة في تنغيص حياة ناس مسالمين آمنين، يريدون إعمار الوطن، وبناء حضارة، لم يتمكّنوا هم من مسايرة مستواها والسّير على وقع تطوّراتها. (م. ن. ب) (1/120)
صفحة 119
جواد عبد اللّطيف (طالب وباحث من ولاية سكيكدة)
غرداية ... إنّهم يَحرقُون الجنّة! (1)
Ghardaia ... Ils brûlent le paradis
غرداية مدينة الانضباط والعمل والفنّ مجروحة! الماء في امزاب محتار وهو يشقُّ حزينا طريقه عبر الجداول السّحريّة، لقد فقد لونه الذي لا لون له! غرداية دمعة حارَّة أم سلاح جبان؟!
الجنة تُحرق. غرداية ليست مجرّد بطاقة بريديّة، أو "شاشيّة” أو سروال تقليدي. غرداية بستان، هي قربة ماء مُنعش مهداة لعابر الصّحراء باتّجاه الصّحاري.
هي ضيافة وهندسة معماريّة، وهي عين “ اليونسكو” المنبهرة، غرداية هي مدينة الله الجميل! هي مُعلّقة شعر، وهي سهل السّلام و ملاذ العباقرة. إنّها تحترق!
إنّهم يحرقون الجنّة يا إلهي! رجاء، لا تقتلوا غرداية فقتل المدن ليس شيئا آخر غير قتل الشّعراء. لا توجد ثورة من دون شاعر، و لأنّه لا توجد ثورة من دون شاعر، فقد أنجبت هذه المدينة الجنيّة شاعر الثّورة الجزائريّة المجيدة، ابن القرن “مفدي زكرياء” (1908 - 1977) الابن المدلل [ Le fils de sa maman] ومُنشد “ آت يسجن! ”. عندما أهدت المدينة للثّورة المجيدة النّشيد
__________
(1) - ينظر النّصّ العربي والفرنسي كتاب أقلام الهداية في فتنة غرداية، ص: 159 - 161. (1/121)
صفحة 120
وحبال صوتها كان هذا إيذانا بميلاد فجر الحريّة. ابن “بني يزقن” العبقري كتب “قسما” النّشيد الوطني.
لو سمحتم لا تقتلوا غرداية ولا تحرقوا الجنّة! حتى وإن كانوا ومنذ زمن ليس ببعيد قد أقدموا على إبعاد مؤلّف النّشيد الوطني من وطنه الجزائر، فإنّ مفدي زكريّا كان محكوما عليه أن يعيش في الذّاكرة الجماعيّة للجزائريّين. الأبناء يعودون دائما للأرض المباركة؛ توفِّيَ في تونس ودفن في“ امزاب” مسقط رأسه. تضمحلّ الأنظمة السّياسيّة الواحدة تلو الأخرى ويبقى الشّعراء ما بقي الدّهر.
من بعيد ومن خارج هذا العالم يتحدّث إلينا “مفدي زكريّاء” في كلِّ مناسبة وطنيّة تقام لإحياء عيد الثّورة أو عيد الاستقلال، وفي كل مناسبة نتذكّر فيها معركة أو شهيدا أو مجاهدا، “مفدي زكريّاء” ابن “ امزاب” حاضر ودائم الحضور بيننا و نحن نُنشد “قسما”.
اسْتَيْقِظْ يا مفدي! إنّهم يحرقون الجنّة، ويمسحون الطّريق التي تركت عليها آثار أقدامك وأنت طفل صغير! وأنا حزين.
هم يحرقون الجنّة وأنا أفكّر في شاعر آخر من شعراء “ امزاب”؛ “رمضان حمُّود” (1906 – 1929م) وفي ديوانه “ [ son recueil]” بذور الحياة”. غرداية دمعة حارّة أم سلاح جبان؟!
هم يحرقون غرداية وأنا أفكّر في شاعر آخر؛ “صالح خرفي” (1932 - 1998م) ابن من أبناء “القرارة” إحدى مدن “ امْزاب”. أتذكّر و أصرخُ عاليا لا تحرقوا الجنّة!
هم يحرقون الجنّة وأنا أفكّر في العلاّمة الشّيخ “ امحمد اطفيش” (؟ _- 1914م)، صوت ثار ضدّ الفساد الفكري والدّيني والمادي.
هم يحرقون الجنّة و أنا أفكّر في الشّيخ “إبراهيم بيّوض” (1899 - 1981م).
الجنّة تُحرق وأنا أفكّر في “سيّد القلم” الخطّاط “محمد شريفي”، ذلك الذي خطّ كتاب الله بأسلوب فريد [وأفكّر في الرّسام إبراهيم مردوخ] (1)، وأفكّر كذلك في الكاتب والنّاقد الجامعي الدّكتور “محمد ناصر”!
__________
(1) - هذه الجملة سقطت في التّرجمة، أي من النّصّ العربي. (1/122)
صفحة 121
غرداية دمعة حارّة أم سلاح جبان؟! وأفكّر أيضا في صديقي “عبد الرّحمن حاج ناصر”، أبناء عمومة هو و”مفدي”، أفكّر فيه وأعيد قراءة كتابه ” المقامرة الجزائريّة” خليط من السّيرة الذّاتية والتّحليل الاقتصادي الرائع. غرداية دمعة حارة أم سلاح جبان؟! وأفكّر في الكاتب المسرحي “سليمان بن عيسى” صاحب “ البابور غْرَقْ ". صديقي العزيز سليمان لقد غرقت الباخرة!
هم يحرقون الجنّة، وأنا أفكّر فيكم أصدقائي الشّيوخ والكتّاب والشّعراء والفنّانين وأنا حزين جدًّا.
الكاتب والرّوائي الجزائري: الدّكتور أمين الزاوي
صور اليوميّات · 26 فبراير·
ترجمة: فافة الشّيخ صالح
وحدتنا كجزائريّين .. خطّ أحمر (1)
استغرب سكّان ولاية سطيف تلك النّعرات التي تروّج لها أطراف غريبة؛ من أجل إشعال نار الفتنة بين مختلف الجزائريّين في غرداية، والتّفرقة بين أبناء الوطن الواحد، خاصّة بين المذهبين المالكي والإباضي. وبحكم أنّ الآلاف من سكّان ولاية سطيف يعتبرون من السّكّان الأصليّين، ومن أتباع المذهب الإباضي، تنقّلت (الخبر) إلى أحياء، عرفت ولا تزال تعرف بأحياء (بني ميزاب)، خاصّة في وسط المدينة، بين شوارع الرّيفالي، باب بسكرة، زقاق التّمارة .. وغيرها .. اقتربت من المحلاّت التّجاريّة لأبناء بني ميزاب، واكتشفت أنّ منهم من أحرقت مخازنه الموجودة
__________
(1) - نشر المقال بالعنوان الآتي: " بنو ميزاب سطيف يرفضون مخطّطات التّفرقة: وحدتنا كجزائريّين .. خطّ أحمر". جريدة الخبر، الجزائر، عدد: الأحد 23 ربيع الثّاني، 1435هـ/ 02 فيفري 2014م. (1/123)
صفحة 122
بغرداية، ومنهم من يملك محلاّت هناك، جعلته يتخوّف من أن تمتدّ إليها أيادي التّخريب ..
رغم ما يشاع عنهم من انغلاق على أنفسهم، وعدم الاحتكاك بباقي السّكّان، إلاّ أنّنا تفاجأنا للتّرحاب الكبير، زيادة على السّماح لنا – لأوّل مرّة بمدينة سطيف – بزيارة المدارس الخاصّة لبني ميزاب. فيما كانت لنا أحاديث مع مجاهدين عايشوا الثّورة التّحريريّة، والكثير من السّكّان الذين تعايشوا مع بني ميزاب منذ قرابة القرنين.
فضّلنا - من خلال هذا الرّبورتاج – تسليط الضّوء على المسار التّاريخي لوجود عائلات بني ميزاب، حتّى قبل الوجود الاستعماري في الجزائر. ورغم أنّ الكتابات التّاريخيّة قليلة للغاية، إلاّ أنّنا تمكّنا من الوصول إلى حقائق كثيرة، دوّنها الكاتب الفرنسي "موريس فييار" في أحد الكتب النّادرة، بعنوان " تاريخ قرى ومداشر الهضاب العليا السّطايفيّة "، إضافة إلى شهادات بالجملة من طرف مجاهدين وأعيان المدينة. وكلّهم أجمعوا على سماحة العائلات الميزابيّة وقوّة شخصيّتها وأصالتها الإسلاميّة.
وبالعودة إلى تاريخ المدينة، فإنّ المنبع المائي " عين لمزابي " هي إحدى العيون الأربعة الأولى في مدينة سطيف، على غرار عين الفوّارة، عين الدّروج، عين بوعروة .. حيث حفر هذا النّبع المدعو الشّيخ البكير، الذي ينتمي إلى إحدى العائلات العريقة المزابيّة، التي تدعى عائلة "باجلمان ". وهذا سنة 1890. وفي إطار التّهيئة العمرانيّة أواخر 1800، من طرف الحكّام العثمانيّين تمّ مدّ قنوات لتزويد المدينة بمياه المنبع، التي صارت تمدّ محطّة القطار بالماء، على مدار السّنة. ويؤكّد المؤرّخون الفرنسيّون أثناء قدومهم إلى الجزائر أنّهم وجدوا الكثير من العائلات الميزابيّة والمدارس القرآنيّة وسط المدينة العريقة، تمّ تشييدها منذ 1839، (1/124)
صفحة 123
وكانت هذه العائلات ميزابيّة، وتملك العديد من العقّارات في قلب الأحياء الفرنسيّة. والغريب في الأمر أنّها تعايشت بشكل كبير مع المعمّرين، مع محافظتها على أصالتها الإسلاميّة، بمدارسها القرآنيّة العريقة؛ باعتراف الفرنسيّين أنفسهم. وكان من بين أعيان العائلات الميزابيّة الشّيخ سي محمد بن يحي، الذي كان رجل علم ودين، ولديه مكانة كبيرةعند عروش الشّرق آنذاك، من بينهم عرش عامر وأولاد عبد النّور وأولاد ثابت وريغة.
بنو ميزاب من مؤسّسي مدينة سطيف
تروي رسائل خطّيّة موجّهة من الجنرال الفرنسي " فالبوا " إلى الملك "فيليب " سنة 1871 كيف أنّ بني ميزاب شاركوا بقوّة في المقاومة، رفقة الشّيخ المقراني، نواحي سطيف، وخاصّة واقعة مقرس وعين مسعود، حيث تحالف بنو ميزاب مع الوليّ الصّالح والعلاّمة " سيدي مبارك بن سماتي "، الذي يعتبر أخ الشّيخ " سيدي السّعيد "، الذي سمّيت عليه أوّل مقبرة بمدينة سطيف، الموجودة بحيّ بوعروة، ومن شدّة المقاومة تراجعت قوّات الاستعمار المكوّنة من 120 فارس إلى الخلف، وتحصّنت بالقلعة البيزنطيّة الموجودة بمدينة التّسلية، ومن هناك بدأت ملامح المدينة الاستعماريّة الجديدة تتّضح، بعد أن راسل الملك " فيليب " قادته بضرورة تأسيس مدينة سطيف لتفادي المقاومة مستقبلاً.
مع الرّئيس فرحات عبّاس
السّياسة الاستعماريّة التي منعت الكثير من أبناء الشّعب الجزائري دخول المدارس والتّعلّم، دفعت سكّان مدينة سطيف سنة 1933 إلى تشكيل وفد من أعيان المدينة، وكان من بينهم شيوخ بني ميزاب؛ بغرض التّنقّل إلى منطقة الطّاهير بجيجل للتّحدّث مع والد الرّئيس الأسبق فرحات عبّاس، المتخرّج من كليّة الصّيدلة، بالإضافة إلى براعته في الطّبّ، ولم تكن سطيف تتوفّر آنذاك على (1/125)
صفحة 124
طبيب، تثق فيه الحركة الفدائيّة، التي بدأت تتشكّل آنذاك، فوافق والده على التّنقّل إلى سطيف؛ بمبادرة أحد أعيان بني ميزاب، الذي منحه شقّة ومحلاًّ مجهّزًا كصيدليّة بشارع باب بسكرة. هذه المبادرة أثّرت كثيرًا في شخصيّة أوّل رئيس للحكومة المؤقّتة الجزائريّة، أين ساهمت في إثراء شخصيّته، ودفعته لتكوين علاقات كبيرة مع الأعيان الميزابيّين، منهم الشّيخ بيّوض والشّيخ داود، رحمة الله عليهم. حيث لم ينس فرحات عبّاس تلك المواقف التّاريخيّة لشيوخ بني ميزاب أثناء اتفاقيّات إيفيان الشّهيرة، حيث حاول الاستعمار أن يغري شيوخ الإباضيّة من أجل الإمضاء على انفصال الصّحراء. وهنا رفض هؤلاء هذه المناورات، ممّا دفع فرحات عبّاس إلى التّنقّل إلى منابع حاسي الرّمل بنفسه لشكر الشّيخ بيّوض ومن معه على مواقفهم البطوليّة.
ثوّار .. قلبًا وقالبًا
برغم أنّ الكثير من الإشاعات تحوم حول الهدنة التي كانت بين الميزابيّين والاستعمار الفرنسي، إلاّ أنّ الكثير من الحقائق تبقى مجهولة؛ بسبب بقاء الأرشيف متفرّقًا عند الكثير من العائلات، حيث تؤكّد شهادات مجاهدين - لا يزالون على قيد الحياة - على أنّ دار التّمور الموجودة بحارة يحي الشّريف، في قلب حيّ " ريفالي " وهي ملك لعائلة ميزابيّة، كانت مقرًّا رئيسيًّا لتخزين الذّخيرة، وساهمت بشكل كبير في تغذية العمليّات الفدائيّة في المدينة، زيادة على أنّ حارة الشّيخ باجلمان داود الميزابي بحيّ باب بسكرة تبقى شاهدة على أولى التّفجيرات التي تبنّتها المنظّمة السّريّة الفرنسيّة، بعد مباشرة مفاوضات إيفيان لاستقلال الجزائر، فيما أكّدت زوجة الشّهيد حسان بلخير في حديث خصّت به " الخبر " على أنّ الشّهيد بلخير كان يعود إلى المنزل بأموال كثيرة، يمنحها له الشّيخ داود الميزابي، وكانت توجّه لبناء مدرسة الفتح التي تحمل (1/126)
صفحة 125
الآن اسم الشّيخ البشير الإبراهيمي، زيادة على أنّه كان يتكفّل برواتب المعلّمين للغة العربيّة، وتحفيظ القرآن بشكلً كلِّي.
من جهة أخرى تبقى الكثير من العائلات السّطايفيّة موجودة في حارات، هي إلى غاية الآن ملك لعائلات ميزابيّة، ولا يزال ثمن كرائها رمزيًّا، لا يتعدّى 200 دينار في الشّهر، إضافة إلى أنَّ أولى المقرّات التي تمّ تأسيس أوّل فوج للكشّافة الإسلاميّة والموجود بزقاق التّمارة، لا يزال ثمن كرائه يقدّر بـ 1 دينار جزائري، إلى غاية الآن. حيث كان هذا المقرّ نقطة لتوزيع الأضاحي على فقراء المدينة، من غير بني ميزاب، زيادة على توزيع الأقمشة على جميع العائلات، مع تقديم عون كبير للقائمين على المظاهرات، عبر توزيع القماش المستعمل في صناعة الأعلام الوطنيّة واللاّفتات مجّانًا ..
تعليم القرآن والعربيّة ورفض للتّجنيس
وفي جلسة مع أعيان العائلات الإباضيّة بمدينة سطيف أكّد هؤلاء بأنّ مجلس عمّي سعيد - الذي يعتبر أعلى هيئة في المؤسّسات الدّينية الإباضيّة - رفض تجنّس الإباضيّين بالجنسية الفرنسيّة، بدليل أنّ الكثير من أبنائهم كانت لديهم فرص للالتحاق بالجامعات الفرنسيّة، غير أنّهم رفضوا ذلك. إضافة إلى أنّ العائلات الميزابيّة كانت ترفض تقديم الفدية والمعونات الماليّة للإرهابيّين أثناء العشريّة السّوداء، التي كادت تعصف بالمجتمع الجزائري. وهي أمور موثّقة لدى مصالح الأمن، بعد رسائل كان قد وجّهها البعض من عناصر الجماعات المسلّحة إلى عائلات ميزابيّة لدفع أموال مقابل عدم إلحاق الأذى بها. غير أنّها أعلمت مصالح الأمن ورفضت تقديم الأموال، زيادة على عدم ورود أسماء إباضيّين تورّطوا في عمليّات إرهابيّة أو تخريبيّة على مرّ السّنوات. (1/127)
صفحة 126
ومن جهة أخرى زارت "الخبر" إحدى المدارس الخاصّة بالإباضيّين، وتمّ الاطّلاع على مناهج تعليم التّلامبذ، حيث يتمّ التّركيز على اللّغة العربيّة وعلومها، من نحو وإعراب وبلاغة وغيرها، إضافة إلى علوم القرآن الكريم، فيما تكون لغة الحديث والتّحاور باللّهجة الميزابيّة. وأكّد مرافقنا من عائلة باجلمان أنّ الثّقة والمصداقيّة التي تتمتّع بها جريدة " الخبر " هي ما ولّد في أنفسهم الرّغبة في إطلاعنا على كلّ هذه الحقائق، من أجل إيصالها إلى كلّ الجزائريّين؛ مؤكّدين بأنّهم لم ولن يفكّروا في التّفرقة بين الجزائريّين، مهما كان الأمر؛ لأنّ الوحدة التّرابيّة ووحدة الأمّة الجزائريّة عقيدة تولد مع كلّ جزائري، سواء أكان ميزابيًّا أو ترقيًا أو قبائليًّا .. وهي خطّ أحمر.
تقرير عبد الرزّاق ضبفي
محتويات الكتاب
مقدّمة ... 8 (1/128)
صفحة 127
الميزابيّون ورعاية اللّغة العربيّة ... 13
أهميّة الجمعيّات الأدبيّة في إعداد الطّالب النّاجح ... 32
الميزابيّون حماة لحمة ودعاة وَحدة ... 63
ميزاب متجذِّرٌ في عمق الجزائر ... 76
الإباضيّون مصلحون ولم ينسحبوا من جمعيّة العلماء ... 87
بلاء فيه مواعظ وابتلاء فيه دروس ... 98
رسالة إلى أعيان القرارة ... 105
رسالة إلى وزير المجاهدين ... 109
عذرًا جريدة الشّروق، حافظي على خطّ ... 113
الإعلام المحترف والملتزم!!
كلمة صريحة إلى إدارة جريدة الشّروق ... 115
على الباغي تدور الدّوائر والله لصاحب الحقّ ناصر ... 117
يا أحرار الجزائر هل تتحرّك الضّمائر؟! ... 126
أيّها الميزابي الأبيّ الأصيل انظر وتذكّر واعتبر!! ... 131 (1/129)
صفحة 128
نفثة مصدور مِمّا يَحْصُلُ للمقهور!! ... 138
اِقْرَأْ تاريخَك وَتَعَلَّمْ وَاعْتَبِرْ (قصيدة) ... 143
ميزابُ مرْبعُ الأجدادِ ومَرْتعُ الأحفادِ (قصيدة) ... 146
وَحدة الصَّفِّ واجبٌ شرعي وضرورةُ حياة (قصيدة) ... 149
قرارةُ! قُرّةُ عيني وقراري!! (قصيدة) ... 153
عيد القرارة أسود!! (قصيدة) ... 155
إباضيّة بني مزاب مواقف ... جواد عبد اللّطيف ... 160
غرداية ... إنهم يحرقون الجنّة! الدّكتور أمين الزّاوي ... 165
Ghardaia ... Ils brûlent le paradis
وحدتنا كجزائريّين .. خطّ أحمر .. ... 168
محتوات الكتاب ... 176 (1/130)
صفحة 129
م/
مظهر من مظاهر عيد الزّيارة في مدينة بريّان، الوفد يتقدّمه أعضاء من حلقة العزّابة، وهم في طريقهم يومَ الزّيارة - التي تكون في الرّبيع من كلّ سنة- في طريقهم إلى زيارة بعض المعالم التّاريخيّة، التي تذكّر الأجيال الصّاعدة بمآثر أجدادهم، ومن بَنَى لهم هذه الحضارة الشّامخة في وادي ميزاب.
لمزيد من التّفاصيل في معرفة هذه الأماكن التّاريخيّة، ينظر مثلاً ما كتبه الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان – رحمه الله – في مؤلّفاته التي ما تزال مخطوطة، كَتَبَ عن معالم الحضارة في القرارة، وعن الأماكن التّاريخيّة التي تزار، للاعتبار والتّأسّي. ينظر كتابنا: أبو اليقظان وقواعد البناء والإعداد والتّربية. وما ألّفه الدّكتور صالح بن عبد الله أبو بكر عن تاريخ القرارة. (1/131)
صفحة 130
/
, ... واحة من واحات وادي ميزاب الغنّاء الجميلة (1/132)