صفحة 1
الكتاب: تَاريخُ أهلِ عُمَان [وهو جزء مِن كتاب «كشف الغمة»]
تحقيق وشرح: سعيد عبد الفتاح عاشور
الطبعة: الأولى 1400هـ / 1980م [هي المعتمدة هنا في ترقيم الصفحات]
[الطبعة الثانية: 1426هـ / 2005م موافقة للطبعة الأولى بزيادة صفحتين لتقديم وزارة التراث]
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) تَاريخُ أهلِ عُمَان
[وهو جزء من كتاب «كشف الغمة»]
تحقيق وشرح
دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور
الطبعة الأولى: 1400هـ/1980م [هي المعتمدة هنا في ترقيم الصفحات]
[الطبعة الثانية: 1426هـ/2005م موافقة للطبعة الأولى بزيادة صفحتين لتقديم وزارة التراث] (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم [خاص بالطبعة الثانية]
الحمد لله الذي جعل العلم أفضل ميراث، وهيأ لكل وطن من يحفظ لها التراث، وأفضل الصلاة وأتم السلام على خاتم المرسلين وإمام المتقين، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، سيدنا محمد وعلى صحبه الأبرار واَله الأخيار.
وبعد. فتسر وزارة التراث والثقافة أن تتحف الساحة الثقافية بإعادة طباعة هذا الإصدار التاريخي المفيد (تاريخ أهل عمان) في ثوبه الجديد (الطبعة الثانية).
علما بأن هذا الكتاب يعد جزءاً متضمناً من الكتاب التاريخي الموسوم بـ (كشف الغمة)، ومن الواضح أن مؤلفه اتبع منهجية علمية سليمة في كتابه، حيث أنه رتب الوقائع والأحداث حسب تسلسلها التاريخي ولا أدل على صدق ذلك من استعماله حروف العطف (الواو، الفاء، ثم) التي تدل على الترتيب والتوالي ظن وذلك في كل فقرة من الكتاب.
ومما يزيد الكتاب أهمية أن مؤلفه كثيراً ما يستعمل ألفاظاً تدل على أمانته وتثبته في نقل الروايات، كقوله (سمعت، بلغنا، عرفنا، وجدت، ولا نعلم).
أضف إلى ذلك وضوح اللغة وبلاغة التعبير عن الأحداث مما يسهل تناول الكتاب لكافة طبقات القراء من باحثين متعمقين إلى طلبة المدارس المبتدئين.
وختاماً فإن هذا الإصدار مع غيره من إصدارات وزارة التراث والثقافة يجسد وبواقع ملموس الجهود التي توليها هذا الوزارة لإحياء الفكر العماني العريق، وتنفثه في روع الأجيال القادمة، لتكون لهم شعلة تأخذ من تالدهم وتضيء لطارفهم؛ فيعملوا الإنماء وإعمار هذا الوطن العزيز.
فالشكر لله على ما أنعم به وتفضل، وأسبغ علينا وأجزل، وله الحمد في الآخرة والأولى.
___________
[صفحة بيضاء في الطبعة الثانية]
___________
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
عُمان بلد عربي أصيل، له تاريخ عريق وتراث ضخم، يعبر في مجموعه عن صفحة مشرّفة في تاريخ الأمة العربية، قبل الإسلام وفي ظله. وإذا كان تاريخ هذا البلد العريق قد تعرض عبر القرون للإهمال والنكران، الأمر الذى جاء مصحوبا بتشتت مصادره، وضياع الكثير منها، وعدم عناية جانب كبير من المؤرخين والباحثين بهذا التراث، فإن هذا كله من شأنه أن يجعل مهمتنا اليوم في استكمال الحلقات المفقوده أو المهملة في تاريخ عُمان مهمة صعبة غير يسيرة، بسبب افتقارنا إلى كثير من المعلومات والحقائق والتفاصيل التي تشكل المادة الأولية اللازمة لإقامة بناء تاريخي متكامل الأجزاء متداخل الحلقات.
ومن حسن الحظ أن هذه الخواطر لم تغب عن حكومة سلطنة عُمان في نهضتها الحالية، فأظهرت في السنوات الأخيرة اهتماما ملحوظا بجمع شتات التراث العماني وإحيائه ونشره. وبذلك تكون قد بدأت البداية السليمة من حيث ينبغي فعلا أن تبدأ، لاستيفاء الحلقات المفقودة في تاريخ عُمان، وإلقاء أضواء على الجوانب غير الواضحة فيه. ذلك أن جمع شتات التراث، واستكماله، ووضعه في صورة متكاملة بين أيدي الباحثين، من شأنه أن يوفر لهم المادة العلمية اللازمة لكتابة هذا التاريخ كتابة علمية أمينة، بعيدة عن التحريف.
وثمة حقيقة نميل الى تأكيدها، هي عدم صحة الدعوى القائلة بأن تاريخ عٌمان في ظل العروبة والإسلام لم يُدوّن في القدم، وأن العناية بتسجيله في العصور (1/3)
صفحة 4
الأولى لا تعدو تلك الإشارات السريعة العابرة التي جاءت ضمن كتابات بعض المؤرخين المعروفين كالطبري واليعقوبي والمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم. ويبدو لنا أنه إذا كان تاريخ عٌمان قد تعرض للنكران فإنه تعرض لذلك علي أيدي المؤرخين من غير أبناء البلاد، وهم الذين سلطوا الأضواء علي قلب الدولة الإسلامية، وأفاضوا في وصف ما كان يجري فيها من تيارات سياسية وحضارية، دون أن تحظى أطراف الدولة – في المشرق والمغرب جميعا – إلا بنسب ضئيلة متفاوتة من عنايتهم.
وفيما عدا ذلك، فإن كافة الشواهد تشير إلى أن عُمان لم يفتقر إلى العلماء الغيورين من أبنائه الذين عنوا بتسجل تاريخ البلاد وأهلها، بقدر ما سمحت به ظروفهم. كل ما هنالك هم أن هذا التراث تعرض – نتيجة لأحداث الزمان – لما تعرضت له بقية جوانب التراث العربي الإسلامي في شتى البلاد، من الضياع والبعثرة والتشتت. هذا فضلا عما كان يصحب الحروب المحلية والفتن الداخلية من تخريب وإفساد وإحراق، مما عصف بكثير من اَثا ر التراث العماني. يضاف إلى هذا كله أنه إذا كانت الدعوة لإحياء التراث قد ظهرت في وقت مبكر في بعض البلدان العربية، فإنها لم تظهر في كافة أقطار شبه الجزيرة العربية – ومن جملتها عُمان- الا في وقت متأخر نسبيا.
* * *
وبالإضافة إلى هذه الثروة المعروفة من الكتب والمخطوطات المتعلقة بتاريخ عُمان، والتي تحرص حكومة سلطنة عُمان في الاَونة الأخيرة علي جمعها والحفاظ عليها، فإنه مازالت هناك عشرات المخطوطات المجهولة مبعثرة في دور الكتب العالمية والعربة، تحتاج إلى قدر من السعي والتقصي للوقوف عليها. ومعرفة هويتها، وتحديد نوعية ما فيها من معلومات وحقائق، تمهيدا لتحقيقها ونشرها. (1/4)
صفحة 5
ويبدو أن تنفيذ ذلك ليس بالأمر السهل. نظراً لعاملين: أولهما هو ما نلاحظه من أن كثير من الكتابات والمؤلفات التى تناولت جوانب من التراث العماني توجد، الاَن مخطوطة في صورة غير قائمة بذاتها، وغالبا ما تكون مجلدة في غلاف واحد مع رسائل ومصنفات متباينة الموضوعات، مما يتطلب التدقيق في محتويات كل مجلد للوقوف على ما يحتويه من موضوعات ورسائل، وتصيد ما يرتبط منها بالتراث العماني، من قريب أو بعيد.
أما العامل الثاني، فيبدو في أن كثيرا من هذه المخطوطات غير معروف مؤلفه، بسبب تاَكل وضياع بعض صفحاتها الأولى والأخيرة، وقلة عدد النسخ الموجوده منها. وقد يقتصر الأمر في كثير من الحالات على معرفة نسخة واحدة من الكتاب، عليها اسم الناسخ دون المؤلف، وأحيانا اسم الحاكم أو الإمام أو السلطان الذي نسح الكتاب من أجله. وربما وردت كل هذه المعلومات في عبارة غامضة في نهاية الكتاب، لا يفهم منها بالضبط إن كان الناسخ هو المؤلف، بمعنى أن تكون المخطوطة مكتوبة بيد مؤلفها.
ولا شك في أن تحديد اسم المؤلف يساعد في حالات كثيرة في معرفة هويته ومذهبه وميوله واتجاهاته الفكرية، وهذه كلها عوامل تساعدنا في الحكم على كتاباته وفي تقييم إنتاجه، وخاصة اذا كانت هذه الكتابات وذلك الإنتاج يرتبط بحقل التاريخ، ذلك أن المؤرخ –مهما يُطالب به من الناحية المثالية- من أن يكون أمينا فيما يكتب، صادقا فيما يروى، دقيقا فيما يحكي، موضوعيا فيما يعبر عنه فإنه قبل كل اعتبار- وبعد أي اعتبار- ليس إلا بشراً، يحب ويكره مثلما يحب البشر ويكرهون، ويرضى ويغضب مثلما يرضى البشر ويغضبون. وفي كثير من الحالات يستغفله قلمه ليعبر في إشارة – قد تكون عابرة، أو لفتة قد تكون سريعة- عما يحس به من أحاسيس شخصية تفصح عن ميوله الخاصة والقومية، وتكشف النقاب عن مشاعره الدينية والمذهبية، وتلقي بعض الضوء (1/5)
صفحة 6
على نزعاته الفردية واتجاهاته السياسية. ومن هنا فإن معرفة اسم المؤرخ أو الكاتب أو المؤلف، ضرورية في كثير من الحالات، لأنها بمثابة طرف الخيط الذي يؤدي بنا إلى تتبع ما يمكن الوقوف عليه من معلومات تحدد مذهبه وثقافته وميوله واتجاهاته الفكرية، وحياته الخاصة والعامة، مما يمكننا من الحكم على إنتاجه حكماً سليما متكاملا.
* * *
وثمة ملاحظة على المخطوطات التي تعالج التراث العماني. هي أن معظم ما نشر منها حتي الاَن يرجع تاريخ تأليفه إلي وقت متأخر، يعود إلى ما بعد بداية القرن الحادي عشر للهجرة، السابع عشر للميلاد.
ولكن المتمعن في هذا التراث يجد المؤلفين المتأخرين زمنيا أخذوا واستقوا عمن تقدم عليهم وسبقهم. وهناك إشارات في المؤلفات التي بين أيدينا إلى أعلام سابقين ومؤلفين في القرون السالفه لم نعثر على اّثارهم حتي الاّن، ومن هنا نتبع أهمية هذه المؤلفات التي نعتبرها حديثة نسبيا في التراث العماني لأنها حفظت لنا بدوها جزءاً هاماً من تراث السابقين. وربما تكشفت الأيام عن أن كثيرا من المؤلفات القديمة، قد فقد تماما، وصار من المعتذر الوقوف على ما جاء فيه الإ من خلال هذه الكتب التي نظنها حديثة لأنها ألفت في عصور تالية، وأخذت عمن سبقها.
وهنا نشير أنه لم تكن هناك أية غضاضة في أن ينقل المؤرخ عمن سبقه من المؤرخين، لأنه يعتبرهم المصدر الذي يستقي منه، والذي عايش الفترة الزمنية التي يكتب عنها، وعاصر الناس والأحداث الذين يؤرخ لهم. فابن الأثير مثلا لا يقلل من شأنه أنه اعتمد على الطبري وأشباهه في كتابته عن القرون الأولى للهجرة الشريفة. وبالمثل فإنه لا يقلل من شأن السالمي وابن رزيق أنهما أخذا عمن سبقهم من مؤرخي عُمان، وأشارا إلى بعضهم. (1/6)
صفحة 7
على أن هناك ظاهرة واضحة في كتابة التاريخ، تترتب على اعتماد اللاحقين من المؤرخين على السابقين، ونقلهم عنهم، هي ما نلاحظه من تشابه – قد يصل أحيانا إلي درجة التطابق – في مختلف الكتب التي تعالج حلقة واحدة من حلقات تاريخ هذا البلد أو ذلك العصر.
ولكن علينا هنا أن نضع أمامنا حقيقتين: الأولى هي أن التاريخ يعبر عن الماضي، يعبر عن أشياء حدثت فعلا، يعبر عن سياسات، وأوضاع وعلاقات وحروب ووقائع وأحداث جربت، ولا مجال كبير في الخلاف حولها يصّور أناسا – حكاما ومحكومين - قاموا بدورهم على مسرح الحياة البشرية، منهم العظيم ومنهم الوضيع، فيهم الأمين القوي صاحب الهمم، والخائف الضعيف المتقاعس ولابد أن تتشابه صور التاريخ في كافة كتبه وكتاباته، طالما يلتزم المؤلف بالحقيقة كاملة، ويتحرى الأحداث غير ناقصة، وينأى عن الأهواء وتعتمد المسخ وافتعال التشويه.
أما الحقيقة الثانية فهي أننا – رغم ما سبق – نلاحظ فوارق بين الكتابات التاريخية عندما تتعرض لسرد رواية واحدة، حتى لو كان مؤلفو هذه الكتب استقوا روايتهم عن مصدر واحد. ذلك أن المؤرخين اللاحقين عندما يأخذون عن السابقين فإنهم أحيانا لا ينقلون نقلا حرفيا، وإنما يعبر كل واحد منهم عن شخصيته وعقليته واتجاهاته الفكرية وأحاسيسه وكثيرا ما نقرأ رواية في كتابين من كتب اللاحقين أخذاها عن مصدر واحد سابق عليهما، ولكننا نجد بعض الإختلافات في العرض والتفاصيل، أحدهما أطنب والآخر تعمد الإيجاز، أحدهما حرص على أن يذكر كافة الأسماء المرتبطة بالحادث من قريب أو بعيد، والآخر اكتفي بذكر اسم أو إسمين. وربما علّق بعضهم على ما حدث برأي جديد يعبر عن وجهة نظره، أو استقاه من مصدر آخر لم يطلع عليه غيره، مما يجعل لكل كتاب طابعه ومزاياه.
* * * (1/7)
صفحة 8
وتبرز هذه الجوانب بوضوح في المخطوطة التي نقدمها اليوم محققة للباحثين في التراث العربي الإسلامي بوجه عام، وفي التراث العماني بوجه خاص. وتوجد من هذه المخطوطة نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 385، ضمن مجلد يحوي عدة مخطوطات أخرى متنوعة. وهي تبدأ في هذا المجلد بصفحة 227، وتنهى فيه بصفحة 418، أي أنها تقع في نحو 186 صفحة.
والكتاب لمؤلف مجهول، والنسخه التي بين أيدينا نسخها أحد النساخ – واسمه أبو سالم عبيد فرحان – نسخها بيده لسيده ومولاه ناصر بن محمد بن سيف بن أحمد المعولى، وذلك سنة 1313هـ. أما تاريخ تأليف الكتاب فغير معروف، وربما كان قريبا من الفترة التي توقف عندها المؤلف، وهي نهاية عهد سلطان بن مرشد اليعربي، وانتقال ملك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد سنة 1154 هـ (1741م).
ويبدو من صفحات هذا الكتاب مدى اعتزاز أهل عُمان بجذورهم الحضارية القديمة، وتاريخهم العريق، وأصالتهم الراسخة، إذ يحرص المؤلف على الإشارة إلى أن سليمان بن داود – عليه السلام أقام بعُمان عشرة أيام، وأنه حفر فيها عشرة آلاف نهر أو فلج. وأنه إذا كان الكثير من تلك الأنهار قد ردم وطمس، فإن الفرس هم الذين فعلوا ذلك عندما احتلوا هذه الأرض قبل الإسلام وعاثوا فيها فسادا.
كذلك يبدو من صفحات الكتاب مدى اعتزاز أهل عُمان بعروبتهم. فالمؤلف يتخذ من مالك بن فهم الأزدي بطلا قوميا، أشبه بالأبطال الذين يعتز بهم كثير من الأمم والشعوب، ويعتبرونهم المؤسسين الأوائل لهذه الأمه أو تلك. فمالك بن فهم هو البطل العربي الذي طرد الفرس من عُمان، وبالتالي فإنه المؤسس الأول لأمة عُمان العربية. وسيرته في الكتاب تتصف بكل ما تتصف به سير الأبطال في الملاحم الشعبية من مثالية وسمو. فهو (1/8)
صفحة 9
القائد الشجاع الذي لا يلين أمام العدو، والمحارب الذي يتقدم الصفوف دفاعاعن الأرض والعرض، والفارس الذي يتحلى بشمائل الفروسية العربية من كرم ومروءة وشهامة ونجدة. . . وغيرها حتى في وفاته تحرص الرواية التاريخية على أن تبرز مالك بن فهم وقد مات موتة البطل الشهيد الذي سقط ضحية سهم طائش أطلقة أعز أبنائه وأقربهم إلى قلبه، دون أن يدري أن السهم الذي أطلقة إنما يتجه إلى صدر أبيه، فسقط مالك بن فهم شهيداً، وهو يردد بيت الشعر الذي صار مضرب الأمثال:
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
وفي مواجهة العجم، تحرص الرواية التاريخية في هذا الكتاب على أن تؤكد فضائل العرب ومكارم أخلاقهم، وتمسكهم بما اشتهر به أهل البادية من غيرة علي الشرف، واحترام لأعرض الناس، وإسراع إلى نجدة الملهوف ويبدو هذا بوضوح في الرواية التي جاءت في المخطوطة عن خروج سليمة بن مالك بن فهم إلى بلاد العجم، وكيف ساعدهم على الخلاص من ملكهم الذي دأب على انتهاك أعراضهم والعبث بشرفهم.
ويبدو أن المواجهة بين العرب والعجم على جانبي الخليج جعلت عرب عُمان أكثر اعتداداً بعروبتهم وأصالتهم. وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في صفحات هذا الكتاب، عندما نجد المؤلف يحرص على إبراز مزايا العرب في مواجهة العجم، وأن العرب كانوا أكثر تمسكا بفضائل العروبة وروح الشهامة والمروءة والذب عن العرض والشرف. . . وهي الصورة التي تبدو على طرف نقيض مع ما كان عليه المجتمع الفارسي على الجانب المقابل للخليج، والذي فشت فيه المثالب والأمراض الاجتماعية.
فإذا ما ظهر الإسلام، حرص مؤلف الكتاب على إبراز سرعة الاستجابة التى لبى بها أهل عُمان الدعوة إلى الاسلام، فدخلوا في دين الله في سهولة ويسر، ونهضوا بدورهم كاملا كعضو عامل فعال في المجتمع الإسلامي الجديد. (1/9)
صفحة 10
ومن خلال ذلك، أفاض المؤلف في سير الأئمة المبرزين والحكام الصالحين، فأطنب في وصف حياتهم الخاصة، وسرد القصص التي تعبر عن كريم أخلاقهم وحميد صفاتهم، وأبرز دورهم ودور أهل عُمان في الدفاع عن العروية ضد العناصر غير العربية – وخاصة العجم – حينا، وفي الدفاع عن الإسلام ضد الطامعين المشركين – وخاصة من الأحباش والهنود ثم البرتغاليين – أحياناً.
وتمشيا مع هذا التيار، نلاحظ أن المؤلف يتحاشى الدخول في تفاصيل بعض مالا يحب أن ينسب لتاريخ عُمان وأهل عُمان، مثل حركة الردة. فمن المعروف أن غالبية أهل عُمان تمسكوا بالإسلام؛ وتحولوا بسرعة من مسلمين إلى مؤمنين، بحيث أن حركة الردة – بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) – لم تجد استجابة في عُمان إلا من فئة قليلة تزعمها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي – حتى أخضعهم أبو بكر فعادوا إلى الإسلام. ولكن المؤلف اختار ألا يدخل في تفاصيل مثل هذا الحادث العارض، وكأنه حرص على ألا يشوه الصورة النقية الصافية التي يمثلها غالبية أهل عُمان، وأسقط ذلك التصرف العابر الذي أتته أقلية، والذي لم ينفرد به عُمان وحده، وإنما كان له شبيه في أكثر من جزء من أجزاء شبه الجزيرة العربية.
ومن ناحية أخرى فإن المؤلف كثيرا ما أطلق العنان لقلمه، ليعبر عن أحاسيسه ومشاعره، فنراه بين حين وآخر يسطر عبارة أو يسجل كلمات تعكس ما يحس به من ألم وأسى إزاء ما كان يحدث أحياناً من اشتداد الفتن واستحكام المنازعات بين القبائل بعضتها وبعض أو بين الحكام المتنافسين، مما ترك أثراً عميقا في تاريخ البلاد والعباد.
ومن المعروف أن عصور الفتن والمنازعات الداخلية تمثل دائما حلقات معتمة في التاريخ، تتشابك فيها الأحداث وتتداخل الصور والانعكاسات، (1/10)
صفحة 11
بحيث يجد المؤرخ نفسه أمام غابة كثيفة مظلمة لا يجرؤ على اقتحامها، وإذا أوغل فها قليلا فإنه قد لا يستطيع الخروج منها، فإذا خرج فإنه لن يخرج بشئ ذى قيمة. ولا تقتصر هذه الظاهرة التاريخية على تاريخ بلد دون آخر، أو على حلقة معينة من عصور الانحلال دون أخرى، وإنما هي ظاهرة عامة مشتركة، لأنها ترتبط أولا وأخيراً بطبعة البشر وغرائزه، والظروف التي تحيط به ويتعرض لها.
وهكذا نجد مؤلف هذا الكتاب، بقدر ما يطنب في حلقات الازدهار، وعهود المبرزين من الأئمة وحكتام عمان، بقدر ما يوجز أحيانا في عصور التفكك والانحلال. وربما أضرب – مجبراً لا مختارا – عن علاج فترات طويلة من تاريخ البلاد، قد تمتد بضعة قرون، معتذراً بقوله ". . . فهذه مائتا سنتة وبضتع، لم أجد فيهن تاريخ أحتد من الأئمة والله أعلم. إنها كانت سنين فترة عن عقد الإمامة أو غاب عني معرفة أسمائهم. "
ومع هذا، ومع تشابه المعلومات التي جاءت في هذا الكتاب مع ما جاء في غيره من الكتب التي وقفنتا عليها في تاريخ عُمان، فإننا نكرر ما نسبق أن أشرنا إليه من أن الخطوط العريضة في التاريخ – تاريخ أية أمة أو أية دولة أو أي فرد – ثابتة لا تتغير، بحيث لا يكون الختلاف بين مصـ، در وآخر إلا في التفصيلات والفروع، والتعليقات، والتحليلات. فالعظيم عظيم، والحقير حقير. والصالح صالح، والطالح طالح والحق أبلج، والباطل لجلج. وهذه حقائق ثابتة في التاريخ لا تتغير من مصدر لآخر. ومع ذلك فإننا نلمس في هذا الكتاب الذي بين أيدينا بعض الإشارات والتفصيلات واللمسات التي لم نجدها في غيره من الكتب التي وقفنا عليها في تاريخ عُمان. ومن هنا تبدو أهمية إحياء التراث ونشره؛ لأنه يمكن بالمقارنة بين ما جاء في مختلف المؤلفات التي دونها السابقون أن نخرج بصورة سليمة البنيان، متكاملة التفاصيل، دقيقة الملامح، لحلقة معينة من حلقات التاريخ.
* * * (1/11)
صفحة 12
وليس من الإنصاف في دراستنا للتاريخ وإحيائنا للتراث أن ننظر إلي الماضي بعين الحاضر، أو أن نطلب من السابقين أن يعالجوا أحداث الماضي بنفس المنهج والأسلوب اللذين ننشدهما في واقعنا الحاضر، فلكل عصر مستواه الفكري والحضارى؛ ولكل جيل نظرته التي يقيم بها الحياة ومشاكلها.
لذلك لا أريد أن أظلم صاحب الكتاب بالإسهاب فيما يعتبره البعض مآخذ من وجهة نظرنا المثالية. حقيقة إن منهج المؤلف تغلب عليه صفة السرد والإطناب والاستطراد حينا، والإيجاز والاقتضاب والاختصار أحيانا. هذا فضلا عن عدم عنايته بتقسيم الكتاب إلى وحدات موضوعية، تساعد القارئ في الإنتقال من حلقة إلى أخرى، وكأن الكتاب من أوله لآخره فقرة واحدة طويلة متداخلة العبارات، وحقيقة أننا نلمس أحيانا في الكتاب عدم انتظام بعض العبارات والمعاني، بسبب سقوط أو ضياع جملة، وعدم التمسك بأصول النحو وقواعد الإملاء. . . ولكن هذه المآخذ لا ينبغي في نظرنا أن تجعلنا نسرف في توجيه اللوم والنقد إلى مؤلف الكتاب أو ناسخه، دون أن نقدر الظروف التي أحاطت بهما، والإمكانات التي أتيحت لهما. وربما كان أقرب إلي العدالة والصواب أن نشيد بالجهد الذي بذله هؤلاء وأمثالهم في تسجيل تراث السلف، وهو تراث غني دسم، من حقنا أن نفخر به ويفخر به من بعدنا الأبناء والأحفاد على مر الأيام والعصور.
* * *
ولا يفوتني في ختام هذه المقدمة الموجزة أن أتقدم بالشكر لدولة عُمان، سلطانا وحكومة وشعبا، على المعونة التي قدمها لي معالي (1/12)
صفحة 13
وزير التراث القومي والثقافة، بأن أمدنى بمجموعة من الكتب التي تعالج تراث عُمان، والتي تم نشرها أخيراً، لأستعين بها في تحقيق هذه المخطوطة.
والله أسأل أن يحقق لسلطنة عُمان وأهلها كل أسباب النهضة والقوة والعزة، لتبقى – كما كانت دائما – درعا قويا للعروبة والإسلام في هذه المنطقة الحساسة من جسم الأمة العربية الإسلامية.
القاهرة في شهر رمضان المبارك سنة 1400 هـ يوليو سنة 1980 م.
سعيد عبد الفتاح عاشور (1/13)
صفحة 14
[صفحة بيضاء] (1/14)
صفحة 15
بسم الله الرحمن الرحيم
الأزد وتعريب عُمان
[م228] ذُكر - والله أعلم، وأعز و أحكم، وأرأف وأرحم – فيما مضى وتقدم من أحاديث الأمم – فيما قيل – أن سبب إخراج الفرس من عُمان، وانتقال مالك بن فهم إليها، وكانت يومئذ أهلها الفرس، وكان مالك وقومه من أهل سبأ – وهى مأرب من اليمن (1).
قيل سبب ذلك أن لجارٍ له كلبة، تقتحم وتفّرقُ أغنامهم. فرماها رام منهم بسهم فقتلها. فشكى إليه جاره. فغضب مالك، وقال " لا أقيم ببلد ينال فيه هذا من جاري ". قال: فخرج مراغما لأخيه.
وقيل إن راعيا (لمالك بن فهم خرج بغنم، وكان) (2) في طريق بيته كلب عقور لغلام من دويس، فشد الكلب على الراعي، فرماه بسهم فقتله، فعرض صاحب الكلب على الراعي (3). فخرج مالك من السراة (4) بمن أطاعه من قومه، فسمى ذلك النجد نجد الكلبة.
--------------------------
(1) من المرجح في التاريخ أن سد مأرب تصدع عدة مرات، أشهرها كان سنة 542م على أيام أبرهة. وقد ترتب على ذلك أن هاجر كثير منن القبائل التي اعتمدت في حياتها على السد إلى أراض جديدة. ومن هذه القبائل أزد عمان، وهم القحطانيين – من نسل أزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ؛ وقد نزلوا عمان بعد سيل العرم. انظر: جواد علي (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام؛ ج2 ص 285، ج3 ص166 - 168، ج4 ص 201)
(2) مابين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان السالمي (ج1 ص21).
(3) أي تعرض صاحب الكلب للراعي.
(4) السراة: إقليم باليمن، منه يبدأ جبل السراة الذي يصل بين أقصى اليمن والشام؛ فإنه ليس بجبل واحد، وإنما هي جبال متصلة، وهي أعظم جبال العرب. (الهمداني: صفة جزيرة العرب –تحقيق محمد بن علي الأكوع؛ 58، 99) (1) برهوت: بئر بسفلى حضر موت قديمة. (الهمداني: صفة جزيرة العرب، ص 270) (2) في الأصل (هناة) وهو تخفيف الإسم الأصلي (هناءة). (3) في الأصل (فراهيدا) (1/15)
صفحة 16
[م229] فلما توسط مالك الطريق، حنّت إبله إلى مراعيها، وجعلت تتلفت إلى السراة وتردد الحنين. وسار إلى عُمان، لعله من الحجاز لا يمر بحىّ من أحياء العرب – من معد وعدنان – إلا سالموه ووادعوه، لمنعته وكثرة عساكره.
ثم سار حتى نزل برهوت (1) - وهو واد بحضر موت – فلبث فيه حتى راح واستراح. وبلغه أن بعُمان الفرس – وهم ساكنوها - فعبأ عساكره وعرضها، فيقال إنهم كانوا ستة الآف فارس وراجل. فاستعد قاصداً عُمان؛ وجعل على مقدمته ابنه هناءة (2) - ويقال فراهيد (3) – في ألفي فارس من صناديد قومه. فلما وصل الشحر تخلف مهرة بن حيدان (ابن عمرو) (4) بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير؛ فنزل الشحر (1).
فسار مالك حتى دخل عُمان، بعسكره في الخيل والعدة والعدد. فوجد بها الفرس من جهة الملك دارا بن دار بن بهمن، وهم يومئذ أهلها وسكانها. والمتقدم عليهم المرزبان عامل الملك (2).
فعندذاك اعتزل مالك بمن معه إلى جانب قلهات (3) – من شط عُمان – ليكون أمنع لهم. وترك العيال والأثقال، وترك معهم من يمنعهم من العسكر وسار ببقية العسكر. وجعل على المقدمة ابنه هناءة في ألفي فارس
--------------------------
(1) الشحر-بكسر الشين المعجمة وسكون الحاء- ساحل حضر موت (الهمداني: صفة جزيرة العرب- ص57).
(2) أي ملك فارس، والمرزبان الرئيس عند الفرس وجمعه مرازبة.
(3) قلهات: فرضة عُمان على البحر، إليهما ترفأ أكثر سفن الهند. (1)، (2) مابين حاصرتين إضافه من كتاب تحفة الأعيان للسالمى (ج1 ص 23). (3) في الأصل (يستعدوا) (م2 - تاريخ عمان) (1) في الأصل (ويكتب الكاتب) وهو تحريف في النسخ (2) الأزد من أعظم قبائل العرب وأشهرها، تنسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن نابت بن كهلان، من القحطانية. وتنقسم إلى أربعة أقسام: 1 - أزد شنوءة وهو مخلاف باليمن ب – أزد غسان وكانت منازلهم في شبه جزيرة العرب وبلاد الشام. جـ - أزد السراة وكانت منازلهم في الجبال المعروفة بهذا الاسم. د – أزد عُمان كانت منازلهم بعُمان. قيل أزد وأسد، وهي بالسين أفصح. أنظر: (القلقشندي: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب – تحقيق إبراهيم الأبيارى ص 91؛ ابن حزم: جمهرة أنساب العرب – تحقيق عبد السلام هارون ص 487، وكذلك ابن منظور والزبيدي والفيروزبادي) (3) في الأصل (هناة). (4) في الأصل (فراهيدا) (5) مابين حاصرتين إضافه. (6) في الأصل (على تلك البقيعة) وهو تحريف في النسخ. (1/16)
صفحة 17
وسار حتى نزل بناحية الجوف، فعسكر عسكره، وضرب مضاربته بالصحراء.
وأرسل إلى الفرس يطلب منهم البترول في قطر (من) (1) عُمان، وأن يمكنوا له ويفسحوا له في الماء والكلأ ليقيم معهم. فلما وصلت رسله إلى المرزبان وأصحابه، ائتمروا فيما بينهم. وساروا حتى طال ترديد الكلام والتشاور بينهم، ثم أجمع رأيهم على صرفه؛ وقالوا: " ما نحب هذا العربي ينزل معنا فيضيق علينا أرضنا وبلادنا. فلا حاجة لنا إلى قربه وجواره ".
فلما وصل جوابهم إلى مالك أرسل إليهم: " إنه لابد لي من النزول في قطر (من) (2) عُمان، وأن تواسوني في الماء والكلأ والمرعى. فإن تركتموني طوعا نزلت في البلاد وحمدتكم. وإن أبيتم أقمت على كرهكم فإن قاتلتموني قاتلتكم. فإن [م231] ظهرت عليكم قتلت المقاتلة، وسبيت الذرية، ولم أترك أحدا منكم ينزل عُمان أبداً. "
فأبوا أن يتركوه طوعا، وجعلوا يستعدون (3) لحربه وقتاله.
وأقام مالك بناحية الجوف حتى أراح واستراح، وتأهب لحرب الفرس وقتالهم، وكان هنالك حتى استعدت الفرس لحربه وقتاله.
ثم إن المرزبان أمر أن ينفخ في البوق، وتضرب الطبول، وركب من صحار في جنوده وعساكره في عسكر جم، يقال إنه في زهاء أربعين ألفا – ويقال بثلاثين ألفا – ومعه الفيلة. وسار يريد لقاء مالك. ونزل بصحراء سلوت، قريبا من نزوى، فبلغ مالك بن فهم. فركب في ستة آلاف، حتى أتى صحراء سلوت، فعسكر فيها بإزاء عسكر المرزبان. فمكثوا يومهم ذلك لم يكن بينهم حرب. (1/17)
صفحة 18
ثم إن مالك بن فهم بات ليلته يعبئ عساكره يمنة ويسرة وقلبا، ويكتب الكتائب (1)، ويوقف فرسان الأزد (2) مواقفهم. فولى الميمنة ابنه هناءة (3)، وولى الميسرة ابنه فراهيد (4)، ووقف هو في القلب في أهل النجدة والشدة.
وبات المرزبان يكتب [م232] كتائبه، ويوقف آصحابه مواقفهم واستعد كل (من) (5) الفريقين.
وركب مالك فرسا أبلقا، ولبس درعين، ولبس عليهما غلالة حمراء وتكمم على رأسه بكمة حديد، وتعمم عليها بعمامة صفراء. وركب معه ولده وفرسان الأزد على تلك التعبئة (6). وقد تقنعوا بالدروع والبيض (7) والجواشن (1)، ولم ييظهر منهم غير الحدق.
--------------------------
(1) الجوشن: الدرع، زرد يلبسه الصدر، والجمع جواشن (1) في الأصل (الحفاظ) (2) في الأصل (أبنائكم) (3) في الأصل (ملككهم) (4) أهل الحجر والمدر، سكان البادية. (5) في الأصل غير واظحة ودون تنقيط. (6) في الأصل (إلى). (1) الأسوار: قائد الفرس، وقيل هو الجيد الرمي بالسهام، وقيل هو الجيد الثابت على ظهر الفرس، والجمع أساورة وأساور (ابن منظور: لسان العرب) (2) كعت عن الشئ أكيع وأكاع؛ لغة في كععت عنه وأكع، إذا هبته وجبنت عنه (ابن منظور: لسان العرب) (3) في الأصل (يعرض). (1) في الأصل (حتى انتهوا عسكرهم)، والصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمى (ج1 ص28) (2) مابين حاصرتين إضافه. (3) في الأصل (يبدوه). (4) الفلج بالتحريك هو النهر، وقيل النهر الصغير، وهو الماء الجاري (ابن منظور: لسان العرب). (1) في الأصل (بعمان). (2) في الأصل (قايده). (3) في الأصل (بقايد). (4)، (5) في الأصل (مرازنته) (6) في الأصل (ووطيت). (7) في الأصل (مع فعلة). (1/18)
صفحة 19
فلما تواقفوا للحرب، جعل مالك يدور على أصحابه – راية راية وكتيبة كتيبة – ويقول: " يا معشر الأزد أهل النجده والحفاظ (1)!! حاموا عن أحشامكم. وذبّوا عن أبنائكم (2)! وقاتلوا! وناصحوا ملككم (3) وسلطانكم. فإنكم إن انهزمتم تبعتكم العجم بجنودها، فاحتطفوكم واصطادوكم بين كل حجر ومدر (4)، وثاروا ملككم وسلطانكم، فوطنوا أنفسكم على الحرب. وعليكم بالصبر والحفاظ، فإن هذا اليوم له ما بعده. " وجعل يحرضهم ويأمرهم بالصبر والحفاظ.
ثم إن المرزبان زحف بجميع عساكره وقواده، وجعل الفيلة أمامه.
وأقبل مالك وأصحابه، ونادى بالحملة عليهم؛ وقال: [م233]: " يامعشر الأزد! اعملوا معي!! – فداكم أبي وأمي – على هذه الفيلة، واكتنفوها (5) بأسيافكم واسنتكم ". ثم حمل – وحملوا معه – على الفيلة بالرماح والسيوف، ورشقوها بالسهام، فولت الفيلة راجعة على المرزبان وأصحابه، فانفضت صفوف العجم، وجالوا جولة.
ثم تراجعت العجم بعضها إلى بعض، وأقبلت في (6) حدّها وحديدها. وصاح المرزبان بأصحابه، وأمرهم بالحمله فحملوا؛ فالتقى الجمعان. واختلف الطعن والضرب والطعان، واشتد القتال و وعظم النزال، ولم يسمع إلا صليل الحديد، ووقع السيوف، فاقتتلوا يومهم ذلك إلى أن حال بينهم الليل. وانصرف بعضهم عن بعض، وقد كثر القتل والجراح في الجميع. (1/19)
صفحة 20
ثم ابتكروا من الغد، واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل من الفرس خلق كثير، وثبتت لهم الأزد، إلى أن حال بينهم الليل.
فلما أصبحوا في اليوم الثالث، زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، فوقفوا موقفهم تحت راياتهم، وأقبل أربعة نفر من المرازبة والأساورة (1) يعد الواحد [م234] منهم لألف رجل، حتى دنوا من مالك، فقالوا: " هلم إلينا لننصفك من أنفسنا، ونبارزك منا واحداً واحداً "
تقدم مالك إليهم، وخرج واحد منهم فجاول مالكا ساعة. فعطف مالك فطعنه برمحه في صلبه، فخر عن فرسه على الأرض، فضربه بالسيف فقتله. ثم حمل الفارس الثاني على مالك، وضرب مالكا، فلم تصنع ضربته شيئا. وضربه مالك على مفرق رأسه، فقدّ البيضة والرأس، وخرّ ميتا، ثم حمل على الفارس الثالث، فضربه مالك على عاتقه، فقسمه، ووصل السيف إلى الدابة، فقطعهما نصفين، فلما رأى الفارس الرابع ما صنع مالك بأصحابه، كاعت (2) نفسه، وولى راجعا نحو أصحابه حتى دخل فيهم وانصرف مالك إلى موقفه، وقد تفاءل بالظفر، وفرحت بذلك الأزد فرحا شديداً، ونشطوا للحرب.
فلما رأى المرزبان ما صنع مالك بقواده الثلاثة، دخلته الحمية والغضب، وخرج من بين أصحابه، وقال: " لا خير في الحياة بعدهم " ونادى مالكا، وقال: " أيها العربي! خرج إليّ إن كنت تحاول ملكا [م235] فأينا ظفر بصاحبه كان له ما يحاول، ولا نعرض (3) أصحابنا للهلاك " (1/20)
صفحة 21
فخرج إليه مالك برباطة جأش وشدة قلب؛ فتجاولا بين الصفين ملياً، وقد قبض الجمعان أعنة خيولهم، ينظرون ما يكون منهما، ثم إن المرزبان حمل على مالك بالسيف حملة الأسد، فراغ عنه مالك، ثم ضربه مالك بسيفه على مفرق الرأس، فقد البيضة والدرع، وأبان رأسه عن جسده.
فزحف الفريقان بعضهما إلى بعض، واقتتلوا من نصف النهار إلى العصر، وأكل أصحاب المرزبان بالسيف وصدقهم الأزد الطعن والضرب، فولوا منهزمين، على وجوههم هاربين، حتى انتهوا إلى معسكرهم (1)، وقد قتل منهم خلق كثير، وكثر الجراح في عامتهم.
فعند ذلك أرسلوا إلى مالك يطلبون منه الصلح، [و] (2) أن يكف عنهم الحرب، وأن يؤخرهم إلى سنة، ليخرجوا أهلهم من عمان. وأعطوه على ذلك عهداً وجزية، فأجابهم مالك إلى ذلك، وأعطاهم عهداً أن لا يعارضهم، حتى يبدؤؤه (3) بحرب، وكفّ عنهم الحرب، وعادوا إلى صحار [م236] وما حولها من الشطوط. وكانوا هنالك، والأزد في عُمان. وانحاز مالك إلى جانب قلهات.
فقيل إن الفرس في تلك المهادنة طمسوا أنهاراً كثيرة وأعموها، وكان سليمان بن داود – عليه السلام – أقام بعُمان عشرة أيام، وقد حفر فيها عشرة آلاف فلج (4). وطمس الفرس أكثرها في مدة الصلح التى طلبوها من مالك بن فهم. (1/21)
صفحة 22
ثم إن الفرس كتبوا إلى الملك دارا بن دارا بقدوم مالك إلى عُمان (1). بمن معه، وما جرى بينهم وبينه من الحرب، وقتل قائده (2) المرزبان، وجل أصابحهم، وأخبروه بما فيهم من الضعف والعجز، واستأذنوه في التحمل إليه بأهليهم وذراريهم. فلما وصل كتابهم إليه وقرأه، غضب غضباً شديداً، وداخله القلق، وأخذته الحميّة. بمن قتل من أصحابه وقواده. فعند ذلك دعا بقائد (3) من عظماء مرازبته (4) وأساورته، وعقد له على ثلاثة آلاف من أجلاء أصحابه ومرازبته (5) وبعثهم مدداً لأصحابه الذين بعُمان فتحملوا إلى البحرين، ثم تخلصوا إلى عُمان [م237].
وكل هذا لم يدره مالك. فلما وصلوا إلى أصحابهم، أخذوا يتأهبون للحرب، حتى انقضى أجل العهد. فجعل مالك يستطلع أخبارهم، وبلغه وصول المدد إليهم، فكتب إليهم: " إني قد وفيت بما كان بيني وبينكم من العهد وتأكيد الأجل – وأنتم بعد حلول بعُمان – وبلغني أنه قد أتاكم من قبل الملك مدد عظيم، وأنكم تستعدون لحربي وقتالي. فإنما أن تخرجوا من عُمان طوعاً، وإلا رجعت عليكم بخيلي ورجلي، ووطئت (6) ساحتكم، وقتلت مقاتلتكم، وسبيت ذراريكم، وغنمت الأموال ".
فلما وصل رسوله إليهم أهالهم أمره، وعظموا رسالته إليهم، مع قلة (7) عسكره، وكثرتهم وما هم فيه من القوة والمنعة. وزادهم (8) غيظاً وحنقاً، وردوا عليه أقبح رد (1). فعند ذلك زحف عليهم مالك في خيله ورجله، وسار حتى وطأ أرضهم.
--------------------------
(1) في الأصل (مرد). (1) في الأصل (هناة. . . وفراهيدا). (2) في الأصل (تابوا). (3) أي تفصدت. (4) في الأصل (ثم لم كن فرس ثابت). (1) مابين حاصرتين إضافه لتوضيح المعنى (2) في الأصل (وولده). (3)، (4) في الأصل (يحجر). والحج بطن من بني مزيقياء من الازد من القحطانية. وهم بنو الحجر بن عمران بن عمرو مزيقياء (القلقشندي: نهاية الأرب). (5) في الأصل (عرمان) وهو تحريف في النسخ (6) الندب بن الهون، بطن من الأزد من القحطانية. (7) الصيق بطن من الأزد من القحطانية، وهم بنو الصيق بن عمرو بن الأزد (القلقشندي: نهاية الأرب) (8) يشكر بن ميسر: بطن من الأزد من القحطانية، وهم بنو يشكر بن مبشر بن صعب (كحالة: معجم قبائل العرب). (1/22)
صفحة 23
واستعدت الفرس لقتاله ومعهم الفيلة، فلما قربوا من عسكره عبّأ أصحابه راية راية، وكتيبة كتيبة، وجعل على الميمنة ابنه هناءة، وعلى الميسرة ولده فراهيد (1). [م238] وأقام هو وبقية أولاده في القلب.
والتقوا هم والفرس، واقتتلوا قتالا شديداً. ودارت رحى الحرب بينهم مليًّا من النهار، ثم انكشف العجم، وكان معهم فيل عظيم، فتركوه، فدنا منه هناءه فضربه على خرطومه، فولىِّ وله صياح وتبعه معن بن مالك، فعرقبه فسقط.
ثم إن العجم ثابوا (2) وتراجعوا، وحملوا على الأزد حملة رجل واحد، فجالت الأزد جولة، ونادى مالك: " يا معشر الأزد! اقصدوا إلى لوائهم فاكشفوا اللواء ". واختلط الضرب، والتحم القتال، وارتفع الغبار، وثار العجاج حتى حجب الشمس، فلم يسمع الإ صليل الحديد ووقع السيوف، وتراموا بالسهام فانفصدت (3)، وتجالدوا بالسيوف فتكسرت، وتطاعنوا بالرماح فانحطمت، وصبروا صبراً جميلا، وكثر الجراح والقتل في الفريقين.
ثم لم يكن للفرس (4) ثبات، وولوا منهزمين على وجوههم، فاتبعهم فرسان الأزد، يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً. وجعلوا يطلبونهم [م239] حيثما لقوهم وأدركوهم، ولم يغب عنهم إلا من ستره الليل وتحمل بقية الفرس في السفن؛ وركبوا البحر إلى فارس. (1/23)
صفحة 24
وملك [مالك بن فهم] (1) عُمان ومايليها من الأطراف. وساسها سياسة حسنة، وسار فيها سيرة جميلة، وله ولأولاده في مسيرهم إلى عُمان وحربهم الفرس أشعار كثيرة، وشواهد تركتها.
* * *
ثم جاءت إلى عُمان قبائل كثيرة من الأزد. فأول من لحق بمالك من الأزد عمران بن عمر، وعامر بن ماء السماء، وولداه (2) الحجر (3) والأسود وتفرعت من الحجر (4) والأسود بعُمان قبائل كثيرة.
ثم خرج ربيعة بن الحارث بن عبد الله بن عامر الغطريفى وإخوته، وخرج ملارس بن عمرو بن عدي بن حارثة، ودخل في هداد، ثم خرج عمران (5) بن عمرو الأزد. ثم جرخت اليحمد [م240] بن حمى. ثم خرجت الحدان وأخوها زياد – وهو الندب الأصغر (6) -، ثم معولة وهم بنو شمس ثم خرجت الندب الأكبر؛ وخرجت الصيق (7).
وخرج أناس من بني يشكر (8). وخرج أناس [من] بني عامر (9) وخرجت أناس من خوالة. (1/24)
صفحة 25
وخرجت هذه القبائل كلها على راياتها، لا يمرون على أحد إلا أكلوه وحتى وصلوا عُمان فملؤوها، وأقاموا في بلد ريّف وخير وإتساع وسمّت الأزد عمان [عمانا] (1)، لأن منازلهم على واد بمأرب يقال له عُمان والعجم تسميها مزونا (2)، شعر:
إن كسرى سمى عُمان مزونا
ومزون يا صاح خير بلاد بلدة ذات مزرع ونخيل
فلم تزل الأزد تنتقل إلى عُمان، حتى كثروا بها، وقويت يدهم، واشتدت شوكتهم، وملؤوها حتى انتشروا إلى البحرين وهجر.
ثم نزل عُمان [من غير الأزد] (3) سامة بن لؤي بن غالب، نزل بتوما (4) – وهي الجو – في جوار الأزد. وكان فيها أناس من بني سعد [م241]، وأناس من بني عبد القيس، وزوج ابنته بأسد بن عمران بن عمرو [بن عامر] (5).
ونزل بعُمان ناس من بني تميم، [منهم] (6) آل جذيمة بن حازم، ونزل ناس من بني النبيت (7). (1/25)
صفحة 26
[منازلهم قرية يقال لها ضنك من أعمال السر. ونزلها بنو قطن]، (1) ومنازلهم عبري والسليف وتنعم [من أرض] السر (2). ونزلها ناس من بني الحارث [بن كعب ومنازلهم بضنك، ونزلها قوم من] (3) قضاعة – نحو مائة رجل – وهم بضنك أيضا، ونزلها أناس من بني رواحة بن قطيعة بن عبس، منهم [أبو الهشم العبيسي الرواحي] (4).
* * *
واستقوى مُلك مالك بن فهم بعُمان، وكثر ماله، وهابته جميع القبائل من يمن ونزار. وكانت له جرأة وإقدام لم يكن لغيره من الملوك، وكان ينزل إلى شاطئ قلهات، وينتقل إلى غيرها.
و [كان] (5) ينزل بناحية أخرى (6) [من نواحي عمان] ملك من الأزد، يقال له مالك بن زهير، وكان عظيم الشأن، كاد أن يكون مثل مالك في العز والقدر، فخشي مالك أن يقع بينهما تحاسد، وأن يقع بينهما حرب، فخطب منه ابنته، فزوجه [إياها] (7)، على أن لا تكون لأولادها منه التقدمة والكبر على سائر (8) الأولاد من غيرها، فأجابه مالك بن فهم إلى ذلك، وتزوجها، فولدت له [م242] سليمة بن مالك.
وملك مالك عُمان سبعين سنة. ولم ينازعه في ملكه أحد، عربي ولا عجمي. وكان عمره مائة سنة وعشرين سنة. وقيل هو الذى ذكره (1/26)
صفحة 27
الله تعالى " يأخذ كل سفينة غصبا " (1).
وقيل [هو] مسدلة بن الجلندى بن كركر من ولد مالك بن فهم، وهو جد الصفاق. وقيل (2) هو الجلندى (3) ابن المستكبر. وقيل إنه ابن المستنير بن مسعود بن الحرار بن عبد العزى بن معولة بن شمس بن غانم بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله ابن مالك بن نصر ابن الأزد.
والأشهر أنه هذا، لأنه روى عن وهب بن منبه أنه قال: كثير من أهل العلم يقولون ذلك. موسى – الذي هو في زمانه رميثا نبى الله – كان من بعد موسى بن عمران – عليه السلام - بدهر. فمن أجل ذلك قلنا إن الملك المذكور هو الجلندى المذكور، والله أعلم. وأما الجلندى الذي هو أب عبد (4) وجيفر [فكان] (5) قبل الإسلام بقليل، وقيل، أدرك الإسلام وولداه. وقصة [م243] السفينة في زمن موسى عليه السلام، وبين موسى ونبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – سنون [كثيرة] (6) معلومة في كتب التواريخ (7). (1/27)
صفحة 28
وقيل إن مالك بن فهم قتله ولده سليمة خطأ. وسبب ذلك قيل: إن مالكا جعل على أولاده الحرس بالنوبة كل ليلة على رجل منهم، ومعه الجماعة من خواصه وأمنائه، وكان سليمة أحب إخوته إلى أبيه، وأحظاهم لديه، وأكرمهم عليه، وأرفعهم منزلة عنده، وكان يعلمه الرمي حتى أحذق، وصار حاذقا ماهرا، فحسده إخوته لمكانه من أبيه، وكانوا يطلبون له عثرة مع أبيه، فلم يجدوا له عثرة، فأقبل ذات يوم نفر منهم إلى أبيهم، فقالوا " يا أبانا! إنك جعلت على كل رجل واحد منا نوبة من الحرس، وكل منا قائم بنوبته، ماخلا أخانا سليمة فإنه إذا كانت نوبته انفرد عن أصحابه، وتشاغل بالنوم عن الحرس. فلا تكن لك منه كفاية ولا معين ".
وجعلوا يوهنون أمره، وينسبونه إلى العجز والتقصير، فقال لهم أبوهم " إن كلا منكم قائم بما عليه؛ وليس بأحد منكم [م244] تقصير. وقد فهمت قولكم في ولدي سليمة، فإن لم تزل الإخوة يحسد بعضهم بعضا لإيثار الآباء بعضهم على بعض، وإن ظني به لكعلمي به ". ثم انصرفوا عنه ولم يبلغوا ما أمّلوه.
ثم [إن] (1) مالكاً داخله [الشك] فيما تكلموا به من أمر سليمة، فأراد أن يختبر دعواهم، فلما كانت نوبة سليمة في الحرس – وقد خرج سليمة في فرسان قومه – وكان من عادته إذا خرج للحرس انفرد عن أصحابه، وكمن قريبا من دار أبيه، فلما كانت تلك الليلة خرج مع أصحابه، وانفرد عنهم كعادته، وكمن في مكانه.
وكان مالك قد خرج في تلك الليلة متنكرا مستخفيا، لينظر هل يصح قول أولاده في سليمة، وكان سليمة قد أخذته تلك الساعة سنة – وهو على (1/28)
صفحة 29
ظهر فرسه – فلما رأى الفرس شخص مالك من بعيد صهيل، فانتبه سليمة من سنتته (1) مذعوراً، ورأى الفرس ناصباً أذنيه مقابلا لما يراه. وكان معوداً للفرس إذا رأى شيئا نصب أذنيه مقابلا لما يراه، فيرمي الفارس السهم بين أذني الفرس، فلا يخطأ ما يراه الفرس، ففوق سليمة سهمه، ويمنه نحو أبيه مالك، وهو لا يعلم أن [م245] ذلك الشخص أبوه. فسمع مالك صوت السهم وقد خرج من كبد القوس، فهتف به: " يا بني! لا ترم! أنا أبوك!! ". فقال " يا أبت! ملك السهم قصده! " فأصاب مالكا في لبة قلبه.
فقال مالك حين أصابه السهم قصيدة طويلة، انتخبت منها هذه الأبيات: -
جزاه الله من ولد جزاء
سليمة أنته ساء ما جزاني
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
توخاني بقدح شك لي
دقيق قد برته الراحتان
فأهوى سهمه كالبرق حتى
أصاب به الفؤاد وما عداني
ألا شلت يمينك حين ترمي
وطارت منك حملة البنان
[فلما مات مالك أنشأ ولده هناءة يقول شعراً]
لو كان يبقى على الأيام ذو شرف لمجده لم يمت فهم ولا ولدا
حلت على مالك الأملاك جائحة هدِّت بنا العلا والمجد فانقصدا
أبتا جذيمة لا تبعد ولا غلبت به المنايا وقد أودى وقد بعد
ياراعي الملك أضحى الملك بعدك لا ندْرِ الرعاة‘أجار الملك أم قصدا
لو كان يفدى لبيت العز ذو كرم فداك من حل سهل الأرض والجلدا (1/29)
صفحة 30
ولما قتل سليمة أباه خاف من إخوته واعتزلهم؛ وأجمع على [م246] الخروج من بينهم. فسار إليه أخوه هناءة في جماعة من وجوه قومه، واجتمعوا إليه، وكرهوا إليه الخروج. وكان أكثر تخوفه من أخيه معن فقال لهم: "إني لا أستطيع المقام معكم وقد قتلت أباكم. وكان ذلك من حسد إخوتي لي وقد بلغني عن معن ماأكره. إني لأخشى أن يتوقع عليّ في بعض سفاه قومه".
فناشدوه (1) الله والرحم أن يقعد معهم، وضمن له هناءة بتسليم الدية إلى إخوته من ماله، وأعفوه عن القود، فقبل ذلك سليمة، وأقام معهم. وسلم هناءة الدية من ماله إلى إخوته؛ فقبلها الإخوة وعفوا، الإ معن، فإنه قبلها ولم يعف، وطمع هناءة أن يصلح ذات بينهم، وكان حسن (2) السيرة في إخوته وقومه.
ثم إن معنا خلاله زمن لا يتعرض لسليمة بسوء، حتى أكل الدية، ثم جعل غفلة سليمة، ويغرى به سفهاء قومه من حيث لا يعلم به أحد. فبلغ ذلك سليمة، فأقسم [أنه] (3) لا يقيم بأرض عُمان، وأجمع رأيه على ركوب البحر، فخرج هارباً في نفر من قومه؛ فقطع البحر حتى نزل بر فارس. وأقام [م247] بجاسك (4)؛ وتزوج بامرأة منهم – من قوم يقال لهم الاسفاهية – فولدت له [غلاماً، فأولاده منها] (5) يسمون بني الأسفاهية. فبينما سليمة ذات يوم قاعداً يذكر أرض عمان، وانفراده عن إخوته، وما كان فيه من العز والسلطان، قال شعراً: (1/30)
صفحة 31
كفى حزناً أني مقيم ببلدة
أخلاقي عنها نازحون بعيد
أقلب إنه طرفي في البلاد فلا أرى
وجوه أخلائي الذين أريد
ثم إنه رحل ونزل أرض كرمان، وأقام عند بعض ملكوها وعرِّفه بحسبه ونسبه، وكيف حسده إخوته، وكيف قتل اباه، وكيف كان خروجه عن إخوته، فلما عرفوا مكانه وشرفه، كتموا أمره، مخافة أن يعرض له بسوء، لأجل ما كان من أبيه وأخيه جذيمة الأبرش في ملوك فارس. وأكرموا مثواه، وأعجبهم مارأوا من فصاحته وجماله وكماله، وكمال أمره، فرفعوا قدره، وأرادوا أن يزوجوه بكريمة من كرائم نسائهم (1).
وكان ذلك الزمان ملكهم ولد دارا من دارا. وكان كثير العسف والظلم؛ جباراً غشوما على رعيته وأهل مملكته؛ وقد أضرهم. [م248] وكان إذا تزوجت امرأة من نسائهم، ولم تزف إليه قبل زوجها، قتلها وقتل أهلها وبعلها. ولا يقدر أحد أن يبني بامرأة إلا بعد أن يفتضها (2) الملك ويجامعها، كانت بكراً أو ثيباً، فأخبروا سليمة صنع الملك فيهم، وشكوا إليه جوره، وأنهم لا يقدرون عليه لكثرة حماته وحرّاسه، فقال سليمة: " ماذا لي عليكم إذا كفيتكموه وأرحتكم منه؟ "فقالوا " أنّى لك ذلك، ولم يقدر عليه من كان قبلنا من أهل العز والسلطان؟ ". فقال: " تدبير (3) الأمر عليّ. فماذا لي عليكم؟. فقالوا: " ماشئت ". قال: " إذا كان الغد (4)، فليحضر عندي أهل الوفاء والعهد منكم والتقديم ".
فلما كان الغد (5) اجتمع إليه عظماء كرمان وأشرافها أهل الوفاء. (1/31)
صفحة 32
فجرى الكلام بينهم فقال سليمة " إن امكنتموني (1) مما أشرط عليكم دبرت الأمر ". فقالوا كلهم: "لك ما طلبت ". فقال " أريد أن تصيروا ملكه وسلطانه لي ولعقبي من بعدي (2)، على أن آخذ جميع غلات كرمان وخراجها إلى أن أتمكن. وأنتخب من العرب من أردت، وأجعلهم معي، وعلى أن تزوجوني من نسائكم ". فأعطوه ذلك، [م249] وضربوا على يده، وقالوا: " لك الوفاء بجميع ما طلبت وشرطت ". وبايعوه عل قتل الملك، وأعطوه العهود والمواثيق على الوفاء، وكتموا أمرهم.
وكان فيهم من بيت الملك، وهم قوامه ونظام ملكه، ولكن كثر عليهم ظلمه وكرهوه وأرادوا قتله راحة لهم، انظروا أيها السامعون في عاقبة الظلم والجور!! أدى (3) إلى أن يقتله قرباه!! ولو عدل لأحبه البعداء والأدنون، ونمنوا له طول العمر، والنظر على الأبعاد للباعد!!.
فلما فرغوا من البيعة زوجوه بامرأة (4) من كرائم نسائهم، وكل هذا لم يعلم الملك منه بشئ فلما فرغوا من أمر التزويج، عاهدهم سليمة على ليلة معلومة ليزفوه إلى الملك [في هيئة المرأة] (5). وقال: " اشهروا أمر التزويج ليتهيأ له الملك، وليتأهب إلى مباشرة العرس ". (1/32)
صفحة 33
فلما كانت (1) تلك الليلة أشهروا الزفة، وعمدوا إلى سليمة، فألبسوه الحلل الفاخرة، والحلى السّني، وضخموه بالطيب، وكان شاباً حسناً جميلا.
وكان [سليمة] (2) قد شحذ سكيناً وجعلها في سراويله. وزفوه في الخدم والحشم، حتى انتهوا به إلى الحصن. ففتحت [م250] لهم الأبواب، ودخلوا به، ونظر إليه الملك في ضوء المشاميع، وهو في تلك الهيئة الحسنة الجميلة، [فـ] أهاله (3) منظره، وسلب لبه وعقله، [وتوهم أنه المرأة] (4). فأومأ إلى النساء والخدم لينصرفوا، فانصرفوا.
فأغلق الأبواب، وأرخى الستور، وبقي هو و سليمة في غرفة واحدة. وأهوى إليه يقبله ويضمه إلى صدره، فاسترخى سليمة، وجعل يلاعبه ويداعبه – كما تفعل الجارية – حتى تمكن منه؛ فأخرج السكين، وضربه بها في خاصرته، وقتلة.
وليس سليمة درع الملك، وتقلد السيف، وجعل على رأسه البيضة، وبات متأهبا، ولم يعلم أحد بما صنع بالملك، وبات الذين بايعوه في خوف عظيم، لا يدرون ما يكون من أمر سليمة والملك.
فلما طلع الفجر، وثب سليمة إلى الأبواب ففتحها، وخرج على الحراس وخاصة الملك وحجابه، فوقع فيهم السيف حتى أباد عامتهم، وباب العامة مغلوق لم يفتحه.
ووقع الضجيج في الحصن، وعلت الأصوات، فأقبل أهل البيعة وغيرهم من أهل البلد بالسلاح التام [م251]، فأشرف عليهم سليمة من أعلى الحصن، (1/33)
صفحة 34
وعليه الدرع والبيضة، وبيده سيف الملك يقطر دما. ورمى (1) إليهم برأس الملك وجثته.
فلما نظروا إليه هالهم ما رأوه من أمر سليمة وجرأته، وسّر بذلك كثير من أهل البلد، وخاف من لم يسره ذلك، ولم يقدر يظهر حربا ولا كلاما، واستقام الأمر لسليمة بأرض كرمان، وسلّمت له جميع رعاياها طوعا وكرها ورغبة ورهبة.
ثم جعلوا في رجل الملك حبلا، وأمروا الصبيان يسحبونه، ويطوفون به شوارع البلد وسككها.
ولما استقر الأمر لسليمة أهدوا إليه عروسه، فابتنى (2) بها، وتمهد له الأمر، واستولى على كورة كرمان وثغورها ونواحيها، وأطاعوه ومكنوه في أنفسهم وأموالهم، وأعانوه في جميع أموره.
فلم يزل كذلك حتى حسدوه وبغوا عليه، وقالوا: " إلى متى يملكنا هذا العربي، ونحن أهل القوة والمنعة؟ " وجعلوا يتعرضون له في أطراف ملكه. فكتب سليمة إلى أخيه هناءة بن مالك – بعمان – يستنصره، ويطلب منه المعونة والمدد [م252]، من فرسان الأزد ورجالهم، يشد بهم عضده، ويقيم بهم أود ما اعوج عليه من أهل مملكته، فأمده بثلاثة آلاف من فرسان الأزد وشجعانهم، وحملهم في المراكب حتى اوصلهم إلى أرض كرمان، فتحصلوا (3) عند سليمة، فاشتد بهم وعضده، وأقام بهم من تعاوج عليه من العجم. (1/34)
صفحة 35
وتم أمره مستقيما بأرض كرمان. واشتد ملكه وقوى سلطانه. وولده عشرة أولاد – كلهم ذكور – وهم عبد وحماية وسعد ورواحة ومجاش وكلاب وأسد وزاهر وأسود وعثمان.
وتوفي سليمة بأرض كرمان، واختلف رأي أولاده من بعده. ودخل الناس بينهم، فكان زوال ملكهم، ورجوع الملك إلى العجم. فغلبت الفرس عليهم، واستولوا على ملك أبيهم، واضمحل أمرهم، فتفرقوا بأرض كرمان، وفرقة منهم توجهت إلى عمان، وجمهور بني سليمة بأرض كرمان لهم بأس وشدة وعدد كثير وبعمان الأقل منهم.
ثم لم تكن للفرسى رجعة إلى عمان، بعد أن جلاهم مالك عنها، إلى ان انقضى ملكه وملك أولاده [م253] من بعده، وصار ملكها إلى الجلندى بن المستكبر (1) المعولي.
وصار ملك فارس إلى بني ساسان، وهم رهط الأكاسرة وكان الصلح بينهم وبين [آل] (2) الجلندى بعمان، وكانوا يجعلون لهم أربعة آلاف من الأساورة والمرازبة (3)، مع عامل لهم بها من ملوك الأزد. وكانت الفرس في السواحل وشطوط البحر، والأزد ملوكا بالبادية والجبال وأطراف عُمان، وكل الأمور منوطة بهم. وكان كل من غضب عليه كسرى أو خافه على نفسه وملكه أرسله إلى عمان، يحبسه بها. ولم يزالوا كذلك إلى أن أظهر الله الإسلام بعمان، والله أعلم. (1/35)
صفحة 36
[صفحة بيضاء] (1/36)
صفحة 37
إسلام أهل عُمان
قيل إن مازن بن غضوبة (1) بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن مرّ بن حيان بي أبي بشر (2) بن خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طئ – وكان يسكن قرية سمائل -، وقيل إنه جد أولاد سعد بني (3) علي، كان (4) يعبد صنما يقال له ناجر. فذبح يوماً شاة وقربها إليه، فسمع صوتاً من الصنم يقول " يا مازن! اسمع تُسر!! ظهر خير وبطن بشر! [م254] بُعث نبي من مضر يدين بدين الله الأكبر! فدع عبادة نحت حجر، تسلم من حرِّ سقر! ". ففزع من ذلك وقال: " إن هذا لعجب ". ثم ذبح قرباناً آخر، وقربه إليه، فسمع من الصنم صوتاً يقول: " يا مازن! أقبل تسمع ما لا يُجهل (5)! هذا نبي مُرسل! جاء بحق منزل! فآمن به تعدل عن حر نار تُشعل. وقودها الناس والجندل ". فقال: " إن هذا لهو العجب، وإنه لخير (6) يُراد بي ".
فبينما هو كذلك إذ ورد عليه رجل من أهل الحجاز يريد دماً. فسأله " ما الخبر وراءك؟ " قال: "إنه ظهر رجل يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، يقول من جاءه: أجيبوا داعي الله، (1/37)
صفحة 38
فلست بمتكبر (1)، ولا جبار (2)، ولا مختال (3) أدعوكم إلى الله، وترك عبادة الأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السموات و الأرض، وأستنقذكم من نارلا يطفى لهيبها، ولا ينعم من سكنها ".
قال مازن " هذا والله نبأ ماسمعته من الصنم ". فشكره، [وكسر الصنم] (4) جذاذاً، وركب راحلته، ومضى قاصداً نحو رسول الله، صلي الله عليه وسلم.
فلما قدم [م255] عليه سأله عما بعُث إليه، فشرح له الإسلام، فأسلم ونوّر الله قلبه، ثم قال للنبي - صلي الله عليه وسلم – ادع الله لأهل عمان فقال:" اللهم اهدهم وثبتهم ". فقال: " زدني يا رسول الله ". فقال: " اللهم ارزقهم العفاف والكفاف، والرضى بما قدرت لهم ". قال مازن: "يا رسول الله! البحر ينضح بجانبنا، فادع (5) الله في ميرتنا وخفّنا (6) وظلفنا (7)،. فقال: اللهم وسّع عليهم في ميرتهم، وأكثر خيرهم من بحرهم ". فقال " زدني". فقال " اللهم لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم " وقال لمازن " قل آمين، فإنه يستجاب عندها الدعاء " فقا مازن " آمين ". ثم قال: يا رسول الله! إني مولع بالطرب وشرب الخمر! لجوج (8) بالنساء! [وقد نفد أكثر مالي في هذا] (1/38)
صفحة 39
وليس لي ولد. فادع‘ الله يذهب عني ما أجد، ويرزقني ولداً تقر به عيني، ويأتنا بالحياء ". فقال – عليه السلام – " اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن؛ وبالحرم حلالا؛ وبالعهر عفة الفرج، وبالخمر أرباً (1) لا إثم فيه، وآتهم بالحياء، وهب له ولداً تقر به عينه " [م256]
قال مازن: فأذهب الله عني ما كنت أجد من الطرب حججت حججاً (2) وحفظت شطراً (3) من القرآن، وتزوجت أربع عقائل من العرب، ورزقت ولداً وسميته حيان بن مازن " شعراً:
إليك رسول الله حنٍّت مطيتى
تجوز الفيافي من عُمان إلى العرج (4)
لتشفع لي يا خير من وطئ الثرى
فيغفر لي ذنبي فأرجع بالفلج (5)
وكنت امرءاً بالرعف (6) والخمر مولعا
شبابي إلى أن (7) أذن العمر بالنهج
إلى معشر خالفت في الله دينهم
فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي (8) (1/39)
صفحة 40
فبدلني بالخمر أمناً وخشية (1)
وبالعهر إحصاناً فأحصن لي فرجي
فأصبحت همي في الجهاد ونيتي
فلله ما صومي ولله ما حجي
ثم إنه كتب - صلي الله عليه وسلم – إلى أهل عمان يدعوهم إلى الإسلام (2). وعلى أهل الريف منهم عبد (3) وجيفر ابنا الجلندى؛ وكان أبوهما الجلندى قد مات في ذلك العصر. وكان كتابه - صلي الله عليه وسلم – " من محمد رسول الله إلى أهل عمان، أما بعد فأقرّوا أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، وأقيموا الصلاة، وأدوا الزكاة، واعمروا المساجد، والإ غزوتكم " [م257]
وكتب إلى عبد وجيفر: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندى. أما بعد، فإني أدعوكما (4) بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فأني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين. فإن أسلمتما وليتكما، وإن أبيتما فإن ملككما زائل (5)، وخيلي تطأ ساحتكما، وتظهر نبوتي (6) على ملككما ". والكاتب لهذا أبي بن كعب، ويملي عليه النبي صلي الله عليه وسلم. (1/40)
صفحة 41
وطوى الصحيفة، وختمها بخاتمه، وبعث بها عمرو بن العاص، فقدم بها إلى عبد وجيفروأول موضع نزل بعمان دستجرد (1)، وهي مدينة بصحار بنتها العجم، فنزل بها وقت الظهر، وبعث إلى ابني الجلندى – وهما ببادية عمان – وأهل رأيها فأول من لقيه عبد – وهو أحكم الرجلين وأحسنهما خلقاً – فأوصل عمرو إلى أخيه جيفر.
ودفع [عمرو] (2) إلى جيفر الكتاب مختوماً، ففض ختامه وقرأه، ثم دفعه إلى عبد فقرأه ثم التفت [م258] إلى عمرو فقال: " إن الذي يدعو إليه من جهة صاحبك أمر ليس بصغير، وأنا أعيد فكري فيه وأعلمك ".
ثم استحضر الأزد و وبعث إلى كعب بن برشة العودى، فسألوه عن أمر النبى صلي الله عليه وسلم، فقال لهم إنه نبي، وقد عرفت صفته، وأنه سيظهر على العرب والعجم.
وأسلم كعب وعبد وجيفر، وبعثوا إلى وجوه الناس، فبايعوهما (3) للنبي صلي الله عليه وسلم، وأدخلوهم في دينه. وألزمهم تسليم الصدقة، وأمّروا عمرو يقبضها، فقبضها، منهم على الجهة التي أمرهم بها، عليه الصلاة والسلام.
ثم بعث جيفر إلى مهيرة، والشحر ونواحيها، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، وبعث إلى دبا ومايليها إلى آخر عمان؛ فما ورد رسوله على أحد الإ أسلم وأجاب دعوته، إلا الفرس الذين كانوا بعمان، فحين أبوا عن الإسلام، اجتمعت الأزد إلى جيفر وقالوا: " لا تجاورنا العجم بعد هذا اليوم ". وأجمعوا على إخراج عامل الفرس مسكان، ومن معه من الفرس. [م259] (1/41)
صفحة 42
فدعا جيفر بالأساورة والمرازبة (1)، فقال لهم إنه قد بُعث نبي في العرب، فاختاروا منا إحدى حالتين: إما أن تسلموا وتدخلوا فيها دخلت فيه، وإما أن تخرجوا عنا بأنفسكم. فأبوا أن يسلموا (2)؛وقالوا: " لسنا نخرج ". فعند ذلك اجتمعت الأزد فقاتلوهم قتالا شديدا، وقتل مسكان و كثير من أصحابه وقواده، ثم تحصن بقيتهم في مدينة دستجرد (3) فحاصروهم أشد الحصار. فلما طال عليهم الحصار طلبوا الصلح، فصالحوهم على أن يتركوا كل صفراء وبيضاء (4)، وحلقة وكراع. فأجابوا إلى ذلك فخرجوا من عمان، وبقيت أموالهم – وهي هذه الصوافي (5)
ومكث معهم عمرو، وهم وله طائعون (6)، ولقوله سامعون، إلى أن بلغته وفاة النبي - صلي الله عليه وسلم – فأراد الرجوع إلى المدينة، فصحبه عبد بن الجلندى، وجيفر بن جشم (7) العتكى، وأبو صفرة سارف (8) بن ظالم، في جماعة من الأزد.
فقدموا مع (9) عمرو بن العاص إلى أبي بكر، رضى الله عنه، فلما دخلوا عليه، قام سارف [م260] بن ظالم، وقال، " ياخليفة (1/42)
صفحة 43
رسول الله صلي الله عليه وسلم! ويا معشر قريش! هذه أمانة كانت في أيدينا وفي ذمتنا، ووديعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم، فقد برئنا (1) إليكم منها "، فقال أبو بكر: "جزاكم الله خيرا" (2).
وقام الخطباء بالثناء عليهم والمدح، فقالوا: " كفاكم معاشر الأزد قول رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وثناؤه (3) عليكم ". وقام عمرو بن العاص، فلم يدع شيئا من المدح والثناء (4) إلا قاله في الأزد، وجاءت وجوه الأنصار من الأزد وغيرهم مسلّمين على عبد ومن معه.
فلما كان من الغد، أمر أبو بكر فجمع الناس – من المهاجرين والأنصار – وقام أبو بكر خطيبا، فحمد الله وأثنى (5) عليه، وذكر النبى فصلى عليه، فقال: " معاشر أهل عمان! إنكم أسلمتم طوعا، لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر، ولا عصيتموه كما عصت غيركم من العرب. ولم ترموا بفرقة ولا تشتت شمل، فجمع الله على الخير شملكم، ثم بعث إليكم عمرو بن العاص [م261] بلا جيش ولا سلاح. فأجبتموه إذ دعاكم، على بعد دراكم، وأطعتموه إذ أمركم – على كثرة عددكم وعدتكم – فأي فضل أبرّ من فضلكم؟ وأي فعل أشرف من فعلكم؟ كفاكم قوله عليه السلام شرفا إلى [يوم] (6) المعاد. ثم قام فيكم عمرو ما أقام مكرّما، ورحل عنكم إذ رحل مسلما. وقد من الله عليكم (1/43)
صفحة 44
بإسلام عبد وجيفر ابني (1) الجلندى وأعزكم الله به وأعزه بكم، وكنتم على خير حال وجميل، حتى أتتكم وفا ة رسول الله - صلي الله عليه وسلم – فأظهرتم ما يضاعف فضلكم، وقمتم مقاما حمدناكم فيه، ومحضتم بالنصيحه (2) وشاركتم بالنفس والمال، فيثبت الله به ألسنتكم ويهدى قلوبكم، وللناس جولة (3)، فكونوا عند حسن ظني بكم، ولست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم، ولا أن ترجعوا عن دينكم، جزاكم الله خيراً." ثم سكت.
وذكر بعض المتحدثين أن عبدا لما قدم على أبي بكر - رضي الله عنه – استنهضه في مقاتلة الرجعة (4) فأجابه إلى ذلك، فسربه سرية (5) وأمره [م262] عليها، فخرج عبد على السرية حتى وافى (6) ديار آل جفنة (7).
ولهذا خبر وحديث يطول شرحه، تركته.
وقد شهر مقام عبد، وعرف مكانه.
وكان في السرية حسان بن ثابت الأنصارى، فلما قدموا ديار آل جفنة، قام حسان وقال: " قد شهر مقام عبد في الجاهلية والإسلام، فلم أر رجلا أحزم ولا أحسن رأيا وتدبيرا من عبد، وهو من نفسه لله في يوم غارت صباحُه (8)، وأظلم صباحه ". (1/44)
صفحة 45
فسر ذلك أبا بكر - رضي الله عنه – وقال: " هو يا أبا الواليد كما ذكرت، والقول يقصر عن وصفه، والوصف يقصر عن فضله ".
فبلغ ذلك عبدا، فبعث إليه بمال عظيم، وأرسل إليه: إن مالي يعجز عن مكافأتك، فاعذر فيما قصر! واقبل ما تيسر.
ثم إن أبا بكر كتب كتابا إلى أهل عمان يشكرهم، ويثني عليهم؛ وأقر جيفر وأخاه عبدا على ملكهما؛ وجعل لهما أخذ الصدقات من أهلها وحملها إليه، وانصرف عبد ومن معه شاكربن.
ولعبد وجيفر من المآثر والمناقب ما يضيق بشرحه الكتاب وقد أوردنا لمعة [م263] من أخبارهم. ولم يزالا في عمان متقدمين إلى أن ماتا، وخلف من بعدهم عباد بن عبد بن الجلندى في زمن عثمان وعلي (1). (1/45)
صفحة 46
[صفحة بيضاء] (1/46)
صفحة 47
عُمان في العصر الأموى
فلما وقعت الفتنة، وافترقت الأمة، وصار الملك إلى معاوية، ولم يكن لمعاوية في عمان سلطان، حتى صار [المُلك] (1) لعبد الملك بن مروان، واستعمل الحجاج على أرض العراق، وكان ذلك في زمن سليمان وسعيد إبني عباد بن عبد بن الجلندى، وهما القيمان في عُمان.
فكان الحجاج يغزوهما بجيوش عظيمة، وهما يفضان جموعه، ويبيدان عساكره في مواطن كثيرة، وكان كلما أخرج إليهما جيشاً هزماه، واستوليا على سواده (2)، إلى أن أخرج عليهما القاسم بن شعوة (3) المزني، في جمع كثير وخميس (4) جرار، فخرج القاسم بجيشه، حتى انتهى [إلى] (5) عمان في سفن كثيرة، فأرسى (6) سفنه في ساحل قرية من قرى عمان، يقال لها حطاط، فسار إليه سليمان بن عباد بالأزد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الهزيمة على أصحاب الحجاج، وقتل القاسم وكثير من أصحابه [م264] وقواده، واستولى على سوادهم. (1/47)
صفحة 48
فبلغ ذلك الحجاج فأصابه هائل (1). ثم استدعى بمجاعة بن شعوة (2) – أخي القاسم – وأمره أن يندب الناس ويستصرخهم. وينادي في قبائل نزار حيث كانوا، ويستعينهم ويستنجدهم.
وأظهر الحجاج من نفسه غضبا وحمية وأنفه وكتب بذلك إلى عبد الملك بن مروان، وأبعد وجوه الأزد – الذين كانوا بالبصرة – عن النصرة لسليمان بن عباد بن عبد، فوجدت العساكر التى جمعها الحجاج وأخرجها إلى عمان كانت أربعين ألفا.
فانتهى القوم الذين خرجوا من البر، فسار إليهم سليمان بسائر (3) فرسان الأزد - كانوا ثلاثة آلاف فارس – وأصحاب النجائب (4) ثلاثة آلاف وخمس مائة والتقى بهم غند الماء الذي دون البلقعة بخمس مراحل – وقيل بثلاث مراحل – وهو الماء الذي بقرب بوشر (5)، الذي يقال له اليوم البلقعين، فاقتتلو قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحجاج، فأمعن سليمان في طلبهم. وهولا [م 265] يعلم بشئ من عسكر البحر، حتى أنهى عسكر البحر باليوتانة (6) من جلفار، فلقيهم رجل، فأعلمهم بحروج سليمان بسائر (7) العسكر للقاء القوم الذين أقبلوا من جانب البر، وأن الباقين مع أخيه شرذمة قليلة.
فواصل مجاعة [سير] (8) الليل بالنهار، حتى وصل بركا، فنزل (1/48)
صفحة 49
إليهم سعيد، فقاتلهم قتالا شديداً حتى حجز بينهم الليل، وتأمل سعيد عسكره، فإذا هم في عسكر مجاعة كالشعرة البيضاء في الثور الأسود وقد قتل منهم من قتل، فاعتزل من ليلته، وعمد إلى ذراري (1) أخيه وذراريه، فاعتزل بهم إلى الجبل الأكبر، وهو جبل بني ريام – ويقال له الجبل الأخضر، ويقال له رُضوا (2) بضم الراء – ولحقه القوم.
فلم يزالوا محصورين حتى وافى (3) سليمان، وكان مجاعة أرسى (4) سفنه في بندر مسكد (5)، وكانت ثلاث مائة سفينة. فمضى إليها سليمان، فأحرق منها نيفا وخمسين سفينه، وانفلت الباقون في لجج (7) البحر، ومضي يريد البحر [م266]، فالتقى هو و سليمان بقرية سمائل، فوقعت بينهم صكّة عظيمة، فانهزم مجاعة، ولحق بسفنه، فركبها ومضى إلى جلفار.
وكاتب الحجاج، فأخرج له من طريق البر عبد الرحمن (8) بن سليمان في خمسة آلاف عنان من بادية الشام، وكان فيهم رجل من الأزد، ولا يعلمون به أنه من الأزد فهرب في الليل حتى نزل على سليمان وسعيد، فأعلمهما (1/49)
صفحة 50
بذلك، فاستشعروا العجز (1)،فحملا ذراريهما وسوادهما، ومن خرج معهما من قومهما، ولحقا ببلد من بلدان الزنج، حتى ماتا هناك.
ودخل مجاعة وعبد الرحمن بالعسكر إلى عمان، ففعلا فيهما غير الجميل، ونهباها، نعوذ بالله من ذلك.
ثم إن الحجاج استعمل على أهل عمان الخيار بن سبرة المجاشعي (2) فلما مات عبد الملك، ولى من بعده [ابنه] (3) الوليد بن عبد الملك، ومات الحجاج، واستعمل الوليد على العراق يزيد بن أبي مسلم، فبعث يزيد سيف بن الهاني الهمداني (4) عاملاعلى عمان.
ولما مات الوليد بن عبد الملك، وولى أخوه سليمان بن عبد الملك، عزل العمال الذين كانوا [م267] على عمان، واستعمل عليها صالح بن عبد الرحمن بن قيس الليثي، ثم إنه رأى أن يكون عمال عُمان على ما كانوا عليه، فردهم، وجعل صالح بن عبد الرحمن (5) مشرفا عليهم.
ثم ولى يزيد بن المهلب العراق وخراسان فاستعمل يزيد أخاه زيادا على عمان، فلم يزل عاملا عليها، محسنا إلى أهلها حتى مات سليمان (6) بن عبد الملك.
وولى عمر بن عبد العزيز، واستعمل عديا (7) بن أرطأه الفزاري، (1/50)
صفحة 51
على العراق، واستعمل عدي (1) على عمان عاملا، فأساء السيرة فيها، فكتبوا إلى عمر بن عبد العزيز، فاستعمل عليهم عمر بن عبد الله الأنصاري، فأحسن السيرة فيهم، فلم يزل واليا على عمان، مكرما بين أهلها، يستوفي الصدقات منهم بطيبة أنفسهم، حتى مات عمر بن عبد العزيز. فقال عمر بن عبد الله [لزياد] (2) بن المهلب:
" هذه البلاد بلاد قومك، فشأنك بها ". وخرج عمر بن عبد الله من عمان.
وقام [زياد] (3) بن المهلب في عمان، حتى ظهر أبو العباس السفاح، وصار ملك بني أمية إليه. (1/51)
صفحة 52
[صفحة بيضاء] (1/52)
صفحة 53
عُمان في العصر العباسى
وولى [أبو العباس السفاح] (1) أبا جعفر [م268] المنصور على العراق. فاستعمل أبو جعفر، جناح بن عبادة بن قيس الهنائي (2) [على عمان] (3)، وهو صاحب المسجد المعروف بمسجد جناح. ثم عزّله وولى ابنه محمد بن جناح.
إمامة الجلندى بن مسعود:
فداهن جناح بن عبادة الأباضية (4)، حتى صارت ولاية عمان لهم.
فعند ذلك عقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود، وكان سبباً لقوة المذهب، وكان عادلاً مرضياً، ثم خرج عليه شيبان، وكان شيبان يطلبه السفاح، فلما قدم إلى عمان، أخرج إليه الجلندى هلال بن عطية الخراساني، ويحي بن نجيح، وجماعة من المسلمين.
فلما التقو [بجلفار] (5) وصاروا صفين، قام يحي بن نجيح – وكان (1/53)
صفحة 54
يحيى فضله شاهراً بين المسلمين – فدعا بدعوة أنصف فيها الفريقين، فقال: " اللهم إن كنت (1) تعلم أننا على الدين الذى ترضاه، والحق الذى تحب أن يؤتى به، فاجعلنى أول قتيل من أصحابي. ثم اجعل شيبان أول قتيل من أصحابه. واجعل الدئرة (2) على أصحابه، وإن كنت (3) تعلم أن شيبان وأصحابه على الدين الذي ترضاه [269] والحق الذي تحب أن يؤتى به، فاجعل شيبان أول قتيل من أصحابه ".
ثم زحف القوم بعضهم إلى بعض، فكان أول قتيل من المسلمين يحيى بن نجيح، وأول قتيل من أصحاب شيبان [هو شيبان نفسه] (4)
فلما قتل شيبان، وصل إلى عمان خازم (5) بن خزيمة، وقال " إنا كنا نطلب هؤلاء القوم – يعنى شيبان وأصحابه – وقد كفانا الله قتالهم على أيديكم. ولكن أريد أن أخرج من عندك إلى الخليفة [السفاح] (6)، وأخبره (7) أنك له (8) سامع مطيع ".
فشاور الجلندى المسلمين (9) فلم يروا له ذلك. وقيل سأله (1) أن يعطيه سيف شيبان وخاتمه، فأبى الجلندى، فوقع القتال بين خازم
--------------------------
(1) أي أن خازماً سأل الإمام الجلندى (1) الثقافه: الحذق والمهارة والفطنه وسرعة الإدراك. والثقافة العمل بالسيف في خفة وبراعة. (2) في الأصل (فاحتملوه). (3) سنة 134 هـ (الكامل في التاريخ لابن الأثير). (4) في الأصل (اشتر). (5) كذا في الأصل. وفي كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص96) ما نصه " غرر تمونا في الحياة وتغروننا في الممات ". (6) يعني بالشيخ العماني الأمام الجلندى. (7) في الأصل (لا يهدى). (1) في الأصل (استولت الجبابرة إلى عمان) والمراد بالجبابرة ملوك الطوائف ورؤساء القبائل ونحوهم من الأمراء المحليين الذين كانوا يبرزون وقت ضعف الإمامة (تحفة الأعيان للسالمي ج1 ص 107). (2) في المتن (زايدة) (3) في الأصل (الهناوى). (4) في الأصل (بني همهيم). (5) في الأصل (بني الحرث). (6) في الأصل (من بكر) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 107). (7) في الأصل (الهناوى) (8) في الأصل (عايداً). (9) كذا في المتن؛ والأصح بنو هناءة، وهم بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية؛-= بنو هناءة بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر. ونصر هو شنوة (القلقشندي: نهاية الإرب كحالة: معجم قبائل العرب 3، ص 1227). (1) في الأصل (بذلك) (2) في الأصل (هنازل بن خنبش) (3) في الأصل (زايدة) (4) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (5) في الأصل (موسى بن موسى بن أبى جابر) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 110) والشعاع الشائع لابن رزيق (ص24)، والفتح المبين لابن رزيق (ص224). وقد ورد الاسم في المرجعين الأخير ين في صوة (موسى بن أبي جابر الأزكانى) (6) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (7) في الأصل (بن أبي عفان) (1) في الأصل (تلك الرؤساء). (2) في الأصل (فلم تعجبهم). (3) في الأصل (النصايح). (4) في الأصل (اجمعوا). (5) ذكر السالمي في تحفة الأعيان (ج 1، ص111) أن ذلك تم سنة تسع وسبعين ومائة. (1) في الأصل (جيفر) (2) في الأصل (وارث) (3) في كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص225) وكذلك في الشعاع الشائع لنفس المؤلف (ص32) جاءت العبارة (أن عيسى قاصده بعسكره) (4) كذا في الأصل، وكذلك في الفتح المبين لابن رزيق (ص225) وفي تحفة الأعيان للسالمي (مقارش بن محمد) ج 1، ص 118 (5)، 6) مابين حاصرتين إضافة للتوضيح من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 118) (1) في الأصل (مايل) (2) سنة 192 هجرية. (3) البوارج ومفردها بارجه نوع من السفن الكبيرة والمقصود هنا الإغارات التي كان يقوم قراصنة الهند على شواطئ عُمان قال السالمي في تحفة الأعيان (ج 1، ص123) "إن كفار الهند يقعودون بأطراف عُمان، ويسلبون منها، ويسبون، ويمضون إلى ناحية فارس والعراق " (1) ضرب من السفن، تسميها العامة الزواريق (الشعاع الشائع لابن رزيق ص 36) (2) في الأصل (زايدة) (3) كذا ذكر ابن رزيق الإسم في الفتح المبين (ص227) وفي الشعاع الشائع (ص 36) أما في الأصل فقد جاء الأسم (الوضاح الصقر بن محمد) (4) جاء الشعاع الشائع باللمعان لابن رزيق (ص 19) مانصه: " الشراة وأحدهم شارى هم الأباضيون الاستقاميون، سموا بذلك لقولهم: شرينا أنفسنا في سبيل الله، أي بعناها للجهاد في دين الله " كذلك أنظر: عوض خليفات: نشأة الحركة الأباضية، ص67 (5) في الأصل (شراة) (6) كذا في الأصل، وكذلك في الفتح المبين لابن رزيق (ص 227). وفي تحفة الأعيان للسالمى (ص124) السحامات. (7) في الأصل "فلم يكن" (1) مابين حاصرتين إضافة (2) في الأصل (الجايز) (3) أي أنها كانت على شكل عقود على الطريق، وفوق العقود توجد غرف الدار (4)) أسهل القوم إذا صاروا في السهل، وأسهل القوم إذا نزلوا السهل، وفي حديث رمى الجمار: ثم يأخذ ذات السمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة (لسان العرب) (5) في الأصل (عبد الملك بن حميد بن بنى سودة) (1) في الأصل (بن عمر) (2) مابين حاصرتين لضبط المعنى، من تحفة الأعيان للسالمي (ج1،ص134). (3) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى من الفتح المبين لابن رزيق ص228 (4) كذا في الأصل. و ربما كان الأصح (ويقدموه بالدولة). (5) جاء في تحفة الأعيان للسالمي (ص136) إن إمامته كانت (ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر وسبعة أيام؛ ويقال ثلاثة ايام). (6) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (7) أي لجمع الزكاة المستحقة على الماشية و السائمة. (1) آل مهرة أعراب كانوا يسكنون عندئذ الرمل من عُمان، جدهم مهرة بن حيدان (ابن رزيق: الشعاع الشائع، ص 40) (2) لعله يقصد قبور من قتل هناك من الشراة أيام عبد الملك (تحفة الأعيان للسالمى، ج1، ص152) (3) موضع من الجنوب من منح. (4) في الأصل (المفارس) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 153)، و الشعاع الشائع لابن رزيق، ص 44. (5) في الأصل (الجبل). (6) في الأصل (المنايف). (7) مابين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى. (1) مابين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى. (2) العبارة في الأصل بها اضطراب نتيجة لأخطاء في النسخ، ونصها (وشهد على حضورها العدول أنه لم يتخلف منها شئ ويعدل الشهود المعدل بادم) (3) النقض اسم البناء المنقوض إذا هدم (لسان العرب) (4) كذا في الأصل. وفي الفتح المبين لابن زريق (ص231) جاء الاسم (بن وسن)؛ وفي تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 154). ورد الاسم (ابن روشن). (5) في الأصل اضطراب نتيجة لتكرار نصه (وهرم الله بنى الجلندى، ومن معه من الهند، وقتل من قتل). (1) السويق هو ما يتخذ من الحنطة والشعير، ويقصد به الخبز. (2) السقى: الحظ من الشرب، والجمع أسقية. وفي تحفة الأعيان (ص 155)، وكذلك في الفتح المبين (ص231) جاءت العبارة (وسقاء من أسقية اللبن) (1) في الفتح لابن رزيق (ص232) " والشيخ بشير". (2) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (3) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (4) في الأصل (بهما). (1) في الفتح المبين لابن رزيق ص233 (صال عليه). (2) مابين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 243). (3) في الأصل (عزان بن الهزيم) والصيغة المثبتة تكررت في تحفة الأعيان. (4) مابين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى، من تحفة الأعيان للسالمي (ص 243). (5) في الأصل (بينهم) (6) 6، 7) مابين حاصرتين إضافة للتوضيح. (1) حجرة بمعنى ناحية (2) في الأصل (الخبور) وهو تحريف والجبور بطن من قبيلة خالد، وهي من أقدم القبائل العربية المعروفة التي تقع منازلها على ساحل الخليج (كحالة: معجم قبائل العرب، ص 163، 327) (3) في الأصل (أزكا) (4) في الأصل (الضغاين) (5) في الأصل (ثمانى) (6) هناك أكثر من بطن من القحطانية عرف بهذا الإسم. ولعل المقصود حدان بن شمس وهم بطن من شنوءة من الأزد من القحطانية. أنظر (القلقشندي: نهاية الأرب؛ كحالة: معجم قبائل العرب). (1) في الأصل (الهناوى) (2) في الأصل (صلت بن النظر) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 252). والفتح المبين لابن رزيق (ص234) (3) مابين حاصرتين إضافة من الفتح المبين لابن رزيق (ص234). (4) سنة 278 هجرية. (5) في الأصل (ست عشر بيعة). (1) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (2) مابين حاصرتين إضافة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 257). (3) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (4) في الأصل (للمقتصد) ويبدو أن الاسم اختلط على الناسخ لأنه كتبه وشطبه أكثر من مرة ويفهم من سياق العبارة أن المقصود هو الخليفة العباسي المعتضد الذي تولى الخلافة عقب وفاة الخليفة المعتمد سنة 279 هـ، وهي نفس الفترة التى يعالجها المؤلف. (5) مابين حاصرتين تكملة لضبط المعنى من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 258). (6) العبارة في الأصل بها خلط، نصها " فلما وصل محمد بن علي ذكر له الأمر " (7) مابين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 258). (8) في الاصل (ساير) (9) في الأصل (من خاصة نزار) (1/54)
صفحة 55
ابن خزيمة والجلندى، فقتل جميع أصحاب الجلندى، ولم يبق إلا هو وهلال بن عطية الخراساني، فقال الجلندى: " احمل يا هلال " فقال هلال للجلندى: " أنت الإمام، فكن أمامى، ولكن على أن لا أبقى بعدك! ". فتقدم الجلندى فقاتل حتى قتل، رحمه الله. ثم تقدم هلال بن عطية، وعليه لامة الحرب، وكان أصحاب خازم يتعجبون من ثقافته (1)، فلم يعرفوه [م270]. ثم عرفوه وقالوا: هلال بن عطية! فاحتولوه (2) حتى قتلوه، رحمه الله (3)
وكانت إمامة الجلندى سنتين وشهراً، وقيل إن الذى تولى قتل الجلندى خازم بن خزيمة. فبلغني أنه لما حضرته الوفاة قيل له " أبشر (4)، فقد فتح الله عمان على يديك " فقال " عزيتمونا في الحياة، وتعزونا في الممات (5)! هيهات! هيهات! فكيف لي بقتل الشيخ العماني! " (6).
ووجدت أن رجلا من أهل عمان خرج إلى الحج، وكان في صحبة رجل من أهل البصرة، لا يهدأ (7) الليل ولا ينام. فسأل العماني عن حاله – هو لا يعرف أن صاحبه من أهل عمان – وقال: " إني خرجت مع خازم بن خزيمة إلى عمان، فقاتلنا بها قوما لم أرى مثلهم قط. فأنا من ذلك اليوم على هذه الحالة، لا يأخذني النوم ". وقال الرجل العماني في نفسه: (1/55)
صفحة 56
" أنت حقيق بذلك إن كنت ممن قاتلهم "
فلما قتل الجلندى و أصحابه – رحمهم الله وغفر لهم - استولت الجبابرة (1) على عمان، ففسدوا فيها، وكانوا أهل ظلم وجور.
فمن هؤلاء الجبابرة محمد بن زائدة (2) وراشد بن شاذان بن [م271] النظر الجلندانيان، وفي زمنهما وقع غسان الهنائي (3) - الذي هو من بني محارب - بنزوى فنهبها؛ وهزم بني نافع منها، وبني هميم (4)؛ بعد أن قتل منهم خلقا كثيرا، وذلك في شهر شعبان سنة خمس وأربعين ومائة سنة.
ثم إن بني الحارث – من أهل إبرى – غضبوا لهم. وكان في بنى الحارث (5) رجل عبدي من بكرة (6) – يقال له زياد بن سعد البكري – فاجتمع رأيهم أن يمضوا إلى العتيك ليقتلوا الهنائي (7).فساروا إليه بين داره ودار جناح بن سعيد، بموضع يقال له الخور، - وقد رجع عائدا (8) رجلا مريضا من بني هناة (9) فمر بهم وهو لا يشعر بمكانهم [فقتلوه] (1/56)
صفحة 57
فغضب لذلك (1) منازل بن خنبش (2) وكان مسكنه نبا – وهو عامل لمحمد بن زائدة (3) وراشد بن شاذان الجلندانيين، فساروا على أهل إبرى على غفلة منهم، فبرز إليهم [جمع] (4) من أهل إبرى، فاقتتلوا قتالا شديداً، ووقعت الهزيمة على أهل إبرى، فقتل منهم أربعون رجلاً.
ثم من الله على أهل عمان بالألفة على الحق، فخرجت عصابة [م272] من المسلمين، فقاموا بحق الله، وأزالوا ملك تلك الجبابرة. وذلك أن المشايخ العلماء من أهل عمان اجتمعوا في نزوى، وكان رئيسهم وعميدهم موسى بن أبي جابر الأزكوي (5) فأرادوا عقد الإمامة لمحمد بي أبي عفان، وقد حضر معهم رؤساء لا يؤمنون على الدولة فخاف الشيخ موسى أن لا يكون للمسلمين [خير] (6) به، وأن تقع الفتنة. فقال: " قد ولينا فلانا قرية كذا، وولينا فلانا قرية كذا. . . " حتى فرق تلك الرؤساء قال: " قد ولينا ابن (7) أبي عفان نزوى وقرى الجوف " وأحسب أنه قال: " حتى تضع الحرب أوزارها ". (1/57)
صفحة 58
فقال الشيخ بشير بن المنذر: " قد كنا نرجو أن نرى ما نحب، فالآن رأينا ما نكره، ولله الحمد " وقال موسى: " إنا فعلنا ما تحب ". فأعلمه إنما أراد أن يفرقهم لئلا تقع الفتنة.
فلما خرج هؤلاء (1) الرؤساء، ونظر كل واحد منهم إلى البلد التي وليها، كتب الشيخ بعزلهم، وبعث ولاة للبلدان، فأحسب أنهم عزلوا قبل وصولهم.
وبقي محمد بي أبي عفان فالعسكر. فظهر منه المسلمين [م273] أحداث لم (2) تعجبهم، وبلغني أن الذي أنكروا عليه جفوته للمسلمين، ورد النصائح (3) والله أعلم. فلم يرضوا بسيرته، فعملوا له حيلة وأخرجوه من عسكر نزوى، فلما خرج اجتمعوا (4) فأُخفي، واختاروا إماما، وعزلوا محمدا وكانت إمامته سنتين وشهراً.
إمامة الوارث بن كعب الخروصي:
ثم عقدوا الإمامة لوارث بن كعب الخروصي الشاري اليحمدي الأزدي، وذلك سنة سبع وسبعين ومائة (5) فوطأ الوارث أثر السلف الصالح من المسلمين وسار بالحق، وأظهر دعوة المسلمين، وعز الحق وأهله، وخمد الكفر، ودفع الله الجبابرة.
وفي زمنه بعث هارون الرشيد عيسى بن جعفر (1) في ألف فارس (1/58)
صفحة 59
وخمسة آلاف راجل، فكتب داود بن يزيد الملهبي إلى الإمام الوارث (2) يخبره أن عيسى وصل بعسكره (3) فأخرج إليه الإمام فارس (4) ابن محمد، والتقوا بحتّى، فانهزم عيسى بن جعفر، وسار إلى مراكبه بالبحر، فسار إليه أبو حميد بن فلج الجلنداني السلوتي، ومعه عمرو بن عمر، في ثلاثة مراكب، فأسر عيسى وانطلق به إلى صحار، فحبس بها. فشاور [م274] فيه الإمام الشيخ علي بن عزرة [وكان من فقهاء المسلمين] (5)؛ فقال له: " إن قتلته فواسع لك، وإن تركته فواسع لك ". فأمسك الإمام عن قتله، وتركه في السجن.
وبلغنا [أن قوما] (6) من المسلمين - فيهم يحيى بن عبد العزيز، رحمه الله – انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام، حتى أتوا صحار، فتسوروا السجن، وقتلوا عيسى من حيث لا يعلم الوالي ولا الإمام، وانصرفوا من ليلتهم.
فلما قتل عيسى بن جعفر، عزم هارون على إنفاذ جيش إلى عمان، فارتاعوا منه، ثم إنه مات قبل ذلك، وكفاهم الله شره.
وبلغنا أن يحيى بن عبد العزيز كان من أفاضل المسلمين، ولعله لم يتقدم عليه أحد من أهل زمانه في القضل، ولعل كانت شهرته بعمان كشهرة عبد العزيز بن سليمان بحضرموت. (1/59)
صفحة 60
وبلغنا عن الشيخ بشير بن المنذر كان يقول: قاتل عيسى بن جعفر لم يشمّ النار.
ولم يزل الوارث إماما حسن السيرة، قائما بالعدل، حتى اختاره الله. وكان سبب موته أنه غرق في سيل وادي كلبوه من نزوى، وغرق معه سبعون رجلا من [م275] أصحابه - وسبب ذلك لعله حبس المسلمين عند سوقم مائل (1) وكان ناس محبوسين، فسال الوادي جارفا، فقيل للإمام:" إن الوادي سيلحق المحبوسين ". فأمر بإطلاقهم، فلم يجسر أحد يمضى إليهم، خوفا من الوادي، فقال الإمام " أنا أمضي إليهم، إذ هم أمانتي، وأنا المسؤول عنهم يوم القيامة "، فمضى إليهم واتبعه ناس من أصحابه فمر بهم الوادي فحملهم مع المحبوسين (2).
وقبر الإمام - من بعد أن يبس الوادي بين العقر وسعال وقبره معروف مشهور وكانت إمامته اثنتي عشرة سنة وستة أشهر إلا أياماً، والله أعلم.
إمامة غسان بن عبد الله اليحمدي:
ثم ولى من بعده غسان بن عبد الله اليحمدي الأزدي، فوطأ آثار المسلمين، وعز الحق وأهله، وخمد الكفر.
وكانت في زمنه البوارج تقع على عُمان، وتفسد فيها، وفي سواحلها (3) (1/60)
صفحة 61
فاتخذ غسان لها هذه الشذاوة (1) يغزونهم وهو أول من اتخذها وغزا فيها فانقطعت البوارج عن عُمان.
وفي زمانه قتل الصقر بن محمد زائدة (2)، وكان ممن بايع [م276] المسلمين على راشد بن النظر الجلنداني، وكان قد أعانهم بالمال والسلاح.
وكان سبب قتله أنه خرج على المسلمين رجل من أهل الشرق، ومعه بنو هناءة – وغيرهم -، باغيا على المسلمين، فألقى على المسلمين أن أخاه الصقر مع البغاة، فذكر للصقر، فقال " من يقول هذا، وإن أخي معي في الدار مريض! " فلما هزم الله البغاة تحقق أن أخاه الصقر معهم فاتهموه بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه، وكان الصقر يومئذ بسمائل، فبعث إليه الإمام، وكان الوالي يومئذ بسمائل أبا الوضاح بن عقبة (3) فمضى الوالي بالصقر إلى الشراة (4)، خوفا عليه منهم أن يبطشوا به وبعث الإمام أيضا له سرية (5) أخرى، وبعث معهم موسى بن علي فالتقوا بنجد السحاماة (6). فبينما هم في مسيرهم، إذ اعترض بعض الشراة الصقر فقتلوه، ولم يكن (7) للوالي أبي الوضاح، ولا لموسى بن علي، قدرة على منعهم من قتله، وبلغنا أن موسى خاف على نفسه، ولو قال (1/61)
صفحة 62
بشئ لقتل معهم، ولم يبلغنا عن الإمام غسان إنكار [م277] على من قتله. وكانت تلك الأيام صدور الدولة وقوتها، و [كانت] (1) جمة العلماء فهذا كان سبب قتل الصقر، والله أعلم.
ومن أحكام الإمام غسان. أنه كانت دار لبني الجلندى بسمد نزوى، ولعل موضعها المال المسمى العقودية، وكانت هذه الدار عقوداً على الطريق الجائز (2) وعليها الغرف (3) وكانت تلك العقود مظلمة، يقعد فيها الفساق، أهل الريبة، فقيل إن امرأة مرت بتلك العقود، فتعرض لها أحد من أهل الريبة، فبلغ ذلك الإمام غسان، فحكم على أهل الدار إما أن يهدموا تلك العقود، أو يسرجوا بها بالليل، حتى ينظر المار من فيها من أهل الريبة، فقيل إن أهل الدار أخرجوا طريقاً من أموالهم للناس، فكان الناس يمرون بها حتى انهدمت الدار، فرجع أهل الدار إلى الطريق التي أخرجوها، فأدخلوها في دارهم، ورجع الناس يمرون في الطريق الأول ولهذه العقود آثار ورسوم جدر، سهيلى (4) المسجد الجامع من سمد نزوى.
فلم يزل غسان قائماً بالحق والعدل [م278] حتى مرض يوم الأربعاء، لثمان ليال بقين من ذي القعدة سنة سبع ومائتين، ومات من مرضه هذا. وكانت إمامته خمس عشرة سنة، وسبعة أشهر وسبعة أيام.
إمامة عبد الملك بن حميد:
ثم ولي من بعده عبد الملك بن حميد، وهو من بني سودة (5) بن علي بن (1/62)
صفحة 63
عمرو (1) بن عامر بن ماء السماء الأزدي، فسار سيرة الحق والعدل، واتبع أثر السلف الصالح، وصارت عُمان يومئذ خير دار. وُلى يوم الإثنين لثمان ليال بقين من شوال سنة ثمان ومائتين، ولم يزل مقيم العدل حتى كبر وضعف وزمن.
وكانت تقع الأحداث في عسكره [عند ضعف وسقط و ثقل منه السمع والبصر] (2)، فشاور المسلمون [الشيخ العام] (3) موسى بن علي في عزله، فأشار عليهم أن يحضروا العسكر و يقدموا (4) بالدولة، فأحضر موسى، وأقام الدولة، ومنع الباطل، وشد عسكر المسلمين، وعبد الملك في بيته لم يعزلوه، حتى مات و هو إمام لهم، وكانت ولايته ثماني عشرة سنة (5).
إمامة المهنا بن جيفر:
ثم ولى المسلمون المهنا بن جيفر الفجحي اليحمدي الأزدي، وعقد له يوم الجمعة في شهر [م279] رجب سنة ست وعشرين ومائتين، فوطأ أثر المسلمين، وسار سيرتهم وكان له ضبط وحزم ولا يتكلم أحد في مجلسه، ولا يعين خصما على خصم، ولا يقوم أحدا من أعوانه ما دام قاعداً، ولا يدخل أحد ممن كان يجري عليهم النفقة [من] (6) العسكر إلا بالسلاح.
وكان مولياً على الصدقة رجلا من بني ضبّة من أهل منح، يقال له عبد الله بن سليمان، وكان يرسله إلى الماشية (7) فقيل إنه دخل أرض (1/63)
صفحة 64
مهرة (1)، ووصل إلى رجل منهم يقال له وسيم بن جعفر، وقد وجبت عليه فريضتان، وقد امتنع إلا أن يعطي فريضة واحدة، فقال " إن شئت تأخذ فريضة، وإلا فانظر إلى قبور أصحابكم ". (2) فسكت ورجع، و كان عنده رجل جمٍّال، فلما وصل إلى عزّ (3)، تأخر عبد الله في عزّ – وكان منزله بها – وأرسل الجّمال إلى الإمام، فقدم الجّمال على الإمام وهو في مجلسه، فلما إرتفع عن مجلسه دعا بالجّمال، فسأل عن عبد الله، وكيف كان سفره، فأخبره بما كان من وسيم. فقال الإمام للجّمال، " لا تخبر أحدًا أخبرتني، واكتم ذلك " وأكد [م 280] عليه في ذلك.
فلما وصل عبد الله بن سليمان، سأله الإمام عن خبر وسيم، فأخبره بمثل ما أخبره به الجمّال، فكتب الإمام من وقته إلى والي أدم، ووالي سناو، ووالي جعلان: " إذا ظفرتم بوسيم بن جعفر المهرى، فاستوثقوا منه وأعلموني ".
فكتب إليه والي أدم: " إني قد استوثقت منه، وإنه حُصل ". فأنفذ إليه الإمام، يحيى اليحمدي – المعروف بأبي المقارش (4) من أصحاب الخيل (5). ثم أنفذ كتيبة أخرى، فلقوهم بالمنائف (6) ثم أنفذ كتيبة [أخرى] (7) فلقوهم في قرية منح. (1/64)
صفحة 65
فلم تزل الكتائب تتراسل، والرماح تحتمله، حتى وصلوا إلى نزوى فأمر الإمام بحبسه، فمكث سنة لا يقدر أحد يذكره، ولا يسأل عن أمره، حتى وصل جماعة من المهرة، فاستعانوا على [الإمام] (1) المهنا بن جيفر بوجوه اليحمد، فأجابهم إلى إطلاقه، وشرط عليهم ثلاث خصال: إما أن يرتحلوا من عمان، وإما أن يأذنوا بالحرب، وإما أن يحضروا الماشية كل حول إلى عسكر نزوى، وتشهد على [م 281] حضروها العدول أنه لم يتخلف منها شئ، وتعدل الشهود المعدلون بأدم (2) فقالوا: أما الإرتحال فلا يمكننا، وأما الحرب فلسنا نحارب الإمام، وأما الإبل فنحن نحضرها، فعند ذلك عدل الإمام الشهود، وكانوا يحضرون إبلهم في كل سنة تدور.
وسمعت من يحكي أن هذه النقضة (3) التي بقرية فرق، بنيت في زمن المهنا، علامة لبني المهرة، ليحضروا إبلهم عندها، والله أعلم.
ورجع المغيرة بن دويس (4) الجلندانى - ومن معه من بني الجلندى وغيرهم من أهل الفتنة – بغاة على المسلمين. فوصلوا إلى توام – وكان أبو الوضاح والياً عليها للإمام المهنا – فقتلوا أبا الوضاح.
فلما بلغ [ذلك] المسلمين – وكان أبو مروان رحمه الله واليا على صحار – فسار بمن معه من الناس، وسار معهم المطار الهندى؛ ومن معه من الهند. فلما وصلوا توام، وهزم الله بني الجلندى (5)، وقُتل من قُتل، وهرب من
(م5 –تاريخ عمان) (1/65)
صفحة 66
هرب، عمد المطار الهندى – ومن معه من سفهاء الجيش – إلى دور بني الجلندى فأحرقوها [م282] بالنار. وكان في الدور دواب مربوطة من البقر وغيرها، فبلغنا أن رجلا من السرية كان يلقي نفسه في الفلج – حتى يبتل بدنه وثيابه – ثم يمضي في النار حتى يقطع للدواب حبالها، فتنجي أنفسها من النار، فبلغنا أنهم أحرقوا لهم تسعين غرفة أو خمسين.
وبلغنا أن نسوة من بني الجلندى خرجن على وجوههن إلى الصحراء هاربات، ومعهن أمة، فلبثن بها ما شاء الله، فاحتجن إلى الطعام والشراب، فانطلقت الأمة إلى القرية في الليل تلتمس لهن طعاما وشرابا، فلما وصلت إلى القرية ليلا، وجدت شيئا من السويق (1) وسقى من أسقية اللين (2). فعمدت إلى الفلج، فحملت في سقاها ماء، فبصرها رجل من السرية قد توجهت نحوالنسوة بالماء و السويق، فأدركها الرجل في بعض الطريق، فأخذ منها السويق وصبه في الرمل، وأراق الماء ثم انصرف عنها.
فبلغنا أن أبا مروان يأمر بهذا الحرق، ولعله قد نهى عنه، ولم يقبل قوله. [م 283] و بلغنا أن الإمام بعث رجلين إلى القوم الذين أحرقت منازلهم، فدعاهم إلى الإنصاف، وأن يعطوهم ما وجب لهم من الحق، وبلغنا أن القوم الذين اجتمعوا مع أبي مروان إثنا عشر ألفا، والله أعلم.
ولم يزل المهنا إماما حتى مات، يوم سادس عشر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين. وكانت إمامته عشر سنين وأشهر وأياما. (1/66)
صفحة 67
ومات والمسلمون عنه راضون، وله موالون ومؤازرون. إلا أني وجدت في سير أبي قحطان رحمه الله أن الشيخ محمد بن محبوب، وبشيرا (1)؛ اطلعا على حدث من المهنا تزول به إمامته، وأنهما كانا يبرءان منه سريرة، والله أعلم.
إمامة الصلت بن مالك الخروصي:
ثم ولى المسلمون الصلت بن مالك الخروصي، في اليوم الذي مات فيه المهنا. وكان يومئذ بقايا من [أشياخ] (2) فارقة. المسلمين – وإمامهم ورئيسهم في العلم والدين محمد بن محبوب – فبايعوا الصلت بن مالك على ما بويع عليه أئمة العدل من قبله، فسار بالحق والعدل ما شاء الله، حتى فني أشياخ [م284] المسلمين جملة الذين بايعوه، لا نعلم أن أحداً [منهم] (3) فارقة.
وعمر في الإمامة ما لم يعمر أحد قبله، كبر وأسن وضعف. وإنما كان ضعفة من قبل الرجلين، وأما العقل والسمع والبصر، فلا نعلم أن أحداً قال بهم (4) ضعف.
فلما بلغ الكتاب أجله، وأراد الله أن يختبر أهل عُمان – كما اختر الذين من قبلهم – سار إليه موسى بن موسى ومن معه، حتى نزل فرق، فتخاذلت الرعية عن الصلت، وضغف عن الإمامة، واعتزل عن بيت الإمامة. فعقد موسى الإمامة لراشد بن النظر، يوم الخميس، وثلاث خلون من شهر الحج، سنة ثلاث وسبعين ومائتين. (1/67)
صفحة 68
وكانت (5) إمامة الصلت خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر وثمانية أيام. وكانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من ذي الحجة سنة خمس وسبعين ومائتين. وفي أيامه توفي الإمام في العلم، العالم محمد بن محبوب، رحمه الله.
تجدد الفتن وإمامه عزان بن تميم الخروصى:
ثم وقعت الفتنة في عُمان، وكبرت المحنة، واختلفوا في دينهم، وافترق رأيهم، [م285] ووقعت بينهم البراءة، وعظمت الإحن، واشتدت العداوات، وكثرت بينهم السير والأقوال، وعظم القيل والقال، واشتد بينهم القتال.
ثم إن موسى برىء من راشد وفسقه وظلله، وثار (1) عليه وعزله.
ثم ولى عزان بن تميم الخروصي يوم الثلاثاء، لثلاث ليال خلون من شهر صفر، سنة سبع وسبعين ومائتين، وممن حضر البيعة [موسى بن موسى بن علي] (2) وعمر بن محمد القاضي، ومحمد بن موسى بن علي، وعزان بن الهزبر (3)، وأزهر بن محمد بن سليمان.
[وعزل عزان بن تميم عامة ولاة راشد بن النظر، وأثبت موسى بن موسى على القضاء] (4). فلبث موسى وعزان وليين لبعضهما بعض ماشاء الله من الزمان، حتى وقعت بينهما (5) الإحن، فعزل [الإمام] (6) عزان [بن تميم] (7)؛ موسى عن القضاء. (1/68)
صفحة 69
وتخوّف عزان من موسى، فعاجله بجيش أطلق فيه كافة المسجونين، فساروا إلى أزكي؛ فدخلوا حجرة النزار (1) ووضعوا على أهل أزكي، يقتلون ويأسرون ويسلبون وينهبون، وأضرموا فيها النيران، فحرقوا أناسا وهم أحياء، وقتل موسى بن موسى مع حصيات الردة التي عند مسجد الحجر من محلة الجبور (2) وفعلوا في أهل [م286] أزكي (3) ما لم يفعله أحد، فيما سمعنا.
فاشتدت الفتن، وعظمت الضغائن (4) والإحن، وجعل كل فريق يطلب إساءة صاحبه بما قدر، وأوى عزان المحدثين من أصحابه؛ وأجرى عليهم النفقات، وطرح نفقة عن من تخلف عن المسير إلى أزكي. وكانت الواقعة يوم الأحد لليلة بقيت من شهر شعبان سنة ثمان (5) وسبعين ومائتين.
فمن أجل هذه الواقعة، خرج الفضل بن الحواري لقرية الترار، ثأئرا لمن قتل من أهل أزكي وطابقته على ذلك المضرية والحُدٍّان (6)، وناس من بني الحارث من أهل الباطنة، ولحق به عبد الله الحداني؛ وخرج معه الحواري بن عبد الله السلوتي، ومضوا إلى صحار، وذلك يوم سادس عشر شوال من هذه السنة، ودخلوا صحار يوم ثالث وعشرين من هذا (1/69)
صفحة 70
الشهر – وذلك يوم الجمعة – وحضروا صلاة الجمعة، وصلى بالناس زين بن سليمان، وخطب الناس ودعا للحواري بن عبد الله السلوتي على المنبر وأقاموا فيها بقية الجمعة والسبت.
[م287] وخرجوا عشية الأحد لمحاربة الأهيف بن حمحام الهنائي (1) ومن معه من أصحاب عزان بن تميم، وذلك أن عزان بن تميم لما سمع بخروجهم، وجه إليهم الأهيف بن حمحام – رئيس يني هناءة – في جماعة من اليحمد، وفيهم فهم بن وارث، فساروا حتى بلغوا مجز من الباطنة وأرسلوا إلى الصلت بن النضر (2) وخرج إليهم في جماعة من الخيل والر جال، ووصل إليهم الفضل بن الحوارى، والحوارى بن عبد الله، وأسرعوا فيهم [القتال] (3) فقتل من المضرية يومئذ خلق كثير ووقعت الهزيمة عليهم وكانت هذه الموقعة يوم الاثنين لأربع ليالٍ بقين من شوال من هذه السنة المذكورة (4).
ولم تزل الفتن تتراكم بين أهل عُمان، ويزيد بينهم الإحن وصار أمر الإمامة بينهم لعبا ولهوا وبغيا وهوى، ولم يقتفوا بكتاب الله، ولا السلف الصالح من آبائهم وأجدادهم، حتى أنهم عقدوا في عام واحد ست عشرة بيعة (5)، ولم يفوا بواحدة ختى بلغ الكتاب أجله. (1/70)
صفحة 71
[م288] [ثم] (1) خرج محمد بن القاسم وبشير بن المنذر – من بني سامة بن لؤي بن غالب [وهم من عشيرة موسى بن موسى] (2) وقصدوا إلى البحرين، وكان يومئذ محمد بن بور عاملا [عليها] (3) للمعتضد (4) فلما قدما إليه شكيا إليه ما أصابهما من الفرقة الحميرية وسألاه الخروج معهما إلى عُمان، وأطمعاه في أشياء كثيرة، فأجابهما إلى ذلك.
فأشار عليهما أن يذهبا إلى الخليفة ببغداد، ويذكرا له أمرهما، وأنهما قدما يريدان نصرته فسار محمد بن القاسم إلى بغداد [وقعد بشير بن المنذر] (5) مع محمد بن بور، فلما وصل [محمد بن القاسم إلى الخليفة المعتضد] (6) ذكر له الأمر، واستخرج منه لمحمد بن بور عهداً إلى عمان، ورجع إلى البحرين.
فلما قدم [محمد بن القاسم] على محمد بن بور، [أخذ محمد بن بور] (7) في جمع العساكر من سائر (8) القبائل، [وخاصة من نزار] (9) وحصل (10) معه ناسا من الشام من طيء (1). وخرج يريد عُمان في
--------------------------
(1) طئ بن أدد قبيلة عظيمة من كهلان من القحطانية، تفرعت منهم بطون وأفخاذ عديدة كانت منازلهم باليمن، فخرجوا منه على أثر خروج الأزد منه وانتشروا في الحجاز والشام والعراق ومصر (ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، القلقشندي: نهاية الأرب) (1) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (2) في الأصل (آرائهم) (3) في الأصل (السلمى) (4) قرية في الأقليم الشرقى، على الجانب الأيسر لوادي سمد (5) في الأصل (ووصل بن محمد بن بور) وهو تحريف في النسخ. (6) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (7) في الأصل (فحلف) وهو تحريف في النسخ. (8) سنة 280 هجرية. (1) في الأصل (الرياسة) (2) في الفتح المبين لابن رزيق (ص 236) فكانت دولة الأباضية مذ ملكوها إلى أن خرجت من أيديهم مائة سنة وستين سنة إلا شهرا وإثني عشر يوماً، والله أعلم. (3) في الأصل (الهناوى) (4) في الأصل (وقبايلها) (5) في الأصل (مقابلة) (6) في الأصل (الصايب) (1) مابين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص236) والسيب مدينة على ساحل الباطنة قرب مسقط. (2) في الأصل – وكذلك في كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص236) - (الشامى).والصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 1 26) ذكر ابن خلدون " كانت بها (عمان) في الأسلام دولة لبني سامة بن لؤي بن غالب أولهم محمد بن قاسم السامى، بعثه المعتضد وأعانه، ففتحها "والمقصود بهم بنو سامة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. (أنظر القلقشندي: نهاية الأرب، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، كحالة معجم قبائل العرب). (3) كان ذلك سنة 280 هجرية. (1) في الاصل (ساير) (2) وتكتب أيضاً (بهلى) غربى نزوى بالداخل. (3) يطيش، بمعنى يذهب ويتبدد (4) أى قبر بيحرة (5) في الاصل (مؤثر) (6) في الاصل (لحية) (7) في الاصل (الجايز) (8) كان الأئمة يقسمون غالباً إلى ثلاثة أقسام: الإمام الشاري ووهو الإمام الذى يتمتع بالثقة المطلقة من قبل أتباعه جميعاً ويحظى بإجماعهم على إمامته، وإمام الدفاع و وهذا يختار في الظروف الحرجة الصعبة، يختاره أعلام القوم ليلم الشعث ويوحد الصفوف ويقودهم إلى المعركة، وربما لا تتوافر فيه كل الشروط الواجب توافرها في الإمام. وبعد القضاء على الخطر ينظر في إمامته فإما أن يبقى وأما يطلب منه الاعتزال. أما النوع الثالث فهو الإمام الضعيف الذى يكون بحاجة إلى مشورة علماء المسلمين وفقهائهم. وغالباً ما كانوا يزهدون في مبايعة إمام ضعيف، ويعودون – خلال الفترة التي لا يوجد فيها إمام – إلى كبار العلماء لحل مشاكلهم _ عُمان: تاريخ يتكلم، تأليف محمد بن عبد الله السالمي وناجي عساف، (ص 127 - 128) (1) كلب، بطن من اليحمد من الأزد من القحطانية (الاشتقاق لابن دريد، ومعجم قبائل العرب لكحالة) (2) حركة القرامطة حركة هدامة، ذات طابع سياسي اجتماعي اقتصادي، اتخذت من الدعوة الإسماعيلية قناعاً تسترت خلفه نسبت إلى أحد زعمائها وهو حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط. ظهرت دعوتهم في الكوفة وجنوب العراق بعد منتصف القرن الثالث للهجرة، وامتدت دعوتهم إلى اليمن والشام والبحرين. وفي سنة 311 هـ غزا القرامطة البصرة، وقطعوا الطريق على حجاج بيت الله الحرام. ثم قاموا الأسود ونقلوه معهم إلى الأحساء. وقد أحدث القرامطة هزة عنيفة في جسم الدولة الإسلامية حتى حلت بهم الهزيمة في العراق سنة 375 هـ، وهى نفس السنة التى شهدت أيضاً نهاية نفوذهم في عُمان، على قول ابن خلدون (تاريخ الطبري، صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد، مروج الذهب للمسعودى، المنتظم لابن الجوزى، الكامل لابن الأثير، تاريخ ابن خلدون، ومن المراجع الحديثة أنظر: دى خويه: القرامطة، ترجمة وتحقيق حسني زينه) (3) في الأصل (ثم لبث) (4) في تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 267): وبويع على ما بلغنا على المدافعة (5) مابين حاصرتين إضافة من الشعاع الشائع لابن زريق (ص59). وقد جاء في الأصل بعد قليل – ما نصه (وهذا السلطان هو سلطان بغداد) وربما قصد به بعض القادة والأمراء ممن ارتبطوا في صورة أخرى بالخلافة العباسية في ذلك الدور، قبيل ظهور معز الدولة بن بويه الذى شغل منصب السلطنة في بغداد طوال اثنتين وعشرين سنة (334 - 356 هـ)، استبد فيها بالسلطنة دون الخليفة العباسي، وخطب له في عُمان. هذا، والمقصود بالسلطان بوجه عام عند الأباضية، غير الأئمة من الأمراء الجائرين، الذين لا يتمتعون ببيعة الأمة. (1) في الاصل (ساير) (2) في المتن (الخيانى) وهو تحريف في النسخ. وهو أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، داعى القارمطة في جنوب فارس (ابن حوقل: المسالك ص 210) بعثه قرمط إلى البحرين لبث الدعوة، فصادف نجاحاً كبيراً (ابن الأثير: الكامل، ج 7، ص 340)، وكان ذلك حولى سنة 285 - 286 هـ ومن هناك هاجم البصرة، وانتصر على جيوش الخلافة العباسية، كما حاصر هجر عاصمة البحرين، واستولى عليها، ثم أخذ يمد نفوذه على اليمامة وعُمان. ويرجح أن أبا سعيد اغتيل في قصره بالأحساء سنة 301 هـ؛ وأن غزو عمان تم سنة 318 هـ - بعد اختطاف الحجر الأسود – وذلك في عهد أبي طاهر الجنابي الذي عينه أبو سعيد خلفاً له. وفي سنة 340 - 341 هـ ساعد القرامطة صاحب عُمان في محاولة لاستيلاء على البصرة أنظر: (ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، ج3، ص304، وكتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق – تحقيق عمر السعيدى، ج4، ص465). (1) كذا جاء الإسم في الأصل. أما ابن رزيق (الشعاع الشائع، ص 60، والفتح المبين ص239) فقد ذكره (جمال الدين عبد الله بن علي بن مقرب). وفي تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 267). ابن مقرب. (2) في الأصل (شظا جماجمهم). (3) في الأصل (العز، وجمما). (4) في الفتح المبين لابن رزيق (ونضوا بينهم صنما). (5) في الأصل (بكل ما وجدوه). (1) في الأصل (أعلا تزال) (2) فترة: هي المدة التى تقع بين زمنين أو نبيين. والمقصود بها في المتن سنون شاغرة من الإمامة. (3) مابين حاصرتين إضافة من الشعاع الشائع (ص91) ومن الفتح المبين (ص238) لابن رزيق. (4) مابين حاصرتين إضافة لسياق المعنى (5) في الأصل (أن) (6) مابين حاصرتين إضافة من الفتح المبين لابن رزيق (ص 239) (7) انظر تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 269). (1) سورة الرعد، آية 11 (2) سورة الشورى، آية 30 (3) سورة يونس، آية 23 (1) مابين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان (ج 1، ص275) (2) مابين حاصرتين إضافة للتوضيح. (3) أى للإمام سعيد بن عبد الله. (4) جاء في تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص257) ما نصه " غير أن ظاهر الحال يقضي بأن بيعته كانت في السنة العشرين بعد الثلاثمائة) " (5) ما بين حاصرتين إضافة لإيضاح المعنى (6) جاء في كتاب (عُمان: تاريخ يتكلم: تأليف محمد بن عبد الله السالمي وناجى عساف ص 127) ما نصه: " وإمام الدفاع ينتخب في الظروف الحرجة التى يعم بها الخطر، فيختار أعلام المسلمين رجلا من الأبطال ليلم الشعث ويوحد الصفوف ويقودهم إلى المعركة، وربما لم تتوفر فيه كل الشروط التى يجب توافرها في الإمام. وإذا استطاع رد العدو ودحره نظر في إمامته فإما أن يبقى وأما يطلب منه الاعتزال فيعتزل، وإذا رفض أن يعتزل بنفسه يقتل أو يطرد قسرا " (1) مابين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص240) وكتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج1،ص 276) (2) أى نشرت حبا ليجف في حرارة الشمس. (3) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (4) أثيبوا أخاكم أى جازوه على صنيعه، يقال أثابه يثيبه إثابة، والمقصود هنا ناصره (5) معركة ومشاجرة وتلاحم (1) الإضافة لتصحيح الاسم من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص280) (2) في الأصل (للغايب) (3) في الأصل (للقايل) (4) النضر (5) أى اجتمعوا على المأثور موسى بن موسى وراشد بن النظر فيما يتعلق بالولاية. (أنظر ماسبق) (1) في الاصل (ساير) (2) في الاصل (الرياسة) (3) مابين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 280) (4) في الاصل (مغيرهم) (5) في الاصل (ناء عنه) (6) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (7) مابين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (1) في الأصل (ولا يخدع) (2) في الأصل (غظيظاً) جاء في لسان العرب: غض طرفه وبصره، يغضه غضاً وغضاضاً وغضاضة، كفه وخفضه. (3) في الأصل (القذا)؛ أي يسمع منهم الفحش والعيب (4) في الأصل (الدايرة) (5) في الأصل (السراير) (6) في الأصل (وغلب). (1) عمل العباسيون في عهد الإمام راشد على ضم عُمان وفرض سيطرتهم الفعلية عليها وعندما تصدى الإمام لهم مدافعاً عن استقلال بلاده خذله الناس وانصرفوا عنه، فحلت به الهزيمة وهرب إلى الجبال، ثم مات سنة 342 هـ وانقطع بموته عهد الإمامة (2) يعنى الإمام راشد بن الوليد (3) في الأصل (وهو في نفر من الضعاف أقلاء) (4) في الأصل (فتحير) (5) في الأصل (ورجى) (6) في الأصل (فلم يزل بكلام حتى لعله بكدم) (7) في الأصل (الجرف). (1) هذا في المتن، وكذلك في الفتح المبين لابن رزيق (ص243) وفي تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص283) وادى النخز (2) في الأصل (فحسن) (3) العبارة في الأصل بها اضطراب، ونصها (وأعانه الأمر لا غاية له من خاصته وإخوانه) و مابين حاصرتين إضافات لضبط المعنى. (4) يعنى الإمام راشد بن الوليد (5) في الأصل (الجيش إلى أن بعثه) (6) في الأصل (الجايز) (7) في الأصل (فهزموهم) (8) في الأصل (خايفاً) (1) في الأصل (الجايز) (2) في الأصل (بالسخريا) (3) في الأصل (خايف) (4) المسافي: الأماكن الموحشة والمرتفعة، حيث تسفيٍ الريح رمالها وترابها (5) في الأصل (تهدمه) (6) مابين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص244) (7) في الأصل (خايفا) (8) في الأصل (من في الحصن) و الصيغة المثبتة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص244) وهي أكثر تمشيا مع المعنى (9) أى للإمام راشد بن الوليد (10) في الأصل (يد) (1/71)
صفحة 72
خمسة وعشرين ألفا، ومعه من الفرسان ثلاثة آلاف وخمس مائة فارس، وعليهم الدروع والجواشن و [عندهم] (1) الامتعة.
ثم اتصل خبره بعمان، فاضطربت عمان ووقع بين أهلها الخلف [م289] والعصبية. وتفرقت آراؤهم (2) وتشتت قلوبهم، فمنهم من خرج من عُمان بأهله وماله، ومنهم من أسلم للهوان لقلة احتياله وخرج سليمان بن عبد الملك السليمي (3) – ومن اتبعه إلى هرموز، وخرج أهل صحار بأهلهم وأموالهم إلى شيراز والبصرة.
وقدم محمد بن بور بجنوده وعساكره، وافتتح جلفار، ووصل إلى توام، واستولى على السر ونواحيها، وقصد نزوى. وتخاذلت الناس عن عزان بن تميم. وخرج من نزوى إلى سمد الشان (4).
ووصل محمد بن بور إلى نزوى (5)، وسلمت له نزوى ثم مضى قاصدا إلى سمد [الشان] (6)، فلحق (7) عزان بن تميم، فوقع بينهما الحرب والقتال، واشتد الطعن والنزال، وذلك يوم الأربعاء لخمس وعشرين من شهر صفر من السنة (8)، فكانت الهزيمة على أهل عُمان، وقتل عزان بن تميم، وخرجت عُمان من يد أهلها، ولم يغير الله مابهم، بل غيروا ما بأنفسهم. (1/72)
صفحة 73
وكان قتالهم وحربهم ونيتهم طلبا للملك، [م290] ورغبة في الرئاسة (1)، وكل منهم يود أن يكون الملك بيده، أو بيد من مال إليه بوده، فسلط الله من هو للمك أطلب منهم، وأفسدوا دينهم، فنزع الله عنهم دولتهم، فسلط عليهم عدوهم. وكانت دولة الأباضية منذ ملكوها إلى أن خرجت من أيديهم مائة سنة وثلاث وستون سنة إلا شهرا واثني عشر يوما، والله أعلم (2).
وبعث محمد بن بور برأس عزان بن تميم إلى الخليفة [المعتضد] ببغداد ورجع محمد بن بور إلى نزوى، وأقام بها.
ثم إن الأهيف بن حمحام الهنائي (3) كاتب مشايخ عُمان وقبائلها (4) من كل مكان، يدعوهم إلى مقاتلة (5) محمد بن بور، ويحثهم على إخراجه من عُمان، فأجابوه، وأقبلوا إليه، فسار بعسكر ضخم وجيش جرار يريد محمد بن بور، وبلغ ذلك محمد بن بور، فدخل الرعب في قلبه، فخرج هاربا، فتبعه الأهيف بعساكره، وكان الرأى الصائب (6) أن لا يلحقوه بل يسيروا خلفه رويدا رويدا، حتى يخرج [م291] من عمان ويرجعوا.
وكان لله إرادة، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فساروا سريعا حتى لحقوه بدما، واقتتلوا قتالا، حتى كثر القتل والجراح في الفريقين، وقد كادت (1/73)
صفحة 74
تكون الهزيمة على محمد بن بور، وقد ألجؤوه إلى سيف البحر [من السيب] (1).
فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم ركب من أهل قدمة وغيرهم من المضرية – على كل جمل رجلان – من قبل أبي عبيدة بن محمد السامي (2) مدداّ لمحمد بن بور – فلما كانوا قريبا من العسكرين، نزلوا عن رواحلهم وأخذوا أسلحتهم، وحملوا مع محمد بن بور على الأهيف وأصحابه عند إعياء الناس، بعدما كادت تكون الهزيمة على محمد بن بور فوقعت الهزيمة على أهل عُمان، فقتل الأهيف بن حمحام وغيره خلق كثير من عشرته و ولم يسلم من أهل عُمان إلا من تأخر أجله. (3)
ورجع محمد بن بور إلى نزوى، واستولى على كافة عُمان، وفرق أهلها، وعاث في البلاد، وأهلك بقية الحرث والأولاد، وجعل أعزة أهلها أذلة، [م292] وقطع الأيدي والأرجل والآذان، وسمل الأعين وجعل على أهلها النكال والهوان، ودفن الأنهار، وأحرق الكتب، وذهبت عُمان من أيدي أهلها. (1/74)
صفحة 75
ثم أراد الرجوع إلى البحرين، فجعل عاملا على عُمان، يقال له أحمد بن هلال ورجع هو إلى البحرين، وجعل أحمد عاملا على سائر (1) عُمان، وكانت إقامته ببهلاء (2) وجعل على نزوى عاملا يقال له بيحرة – ويكنى أبا أحمد – فقيل له ذات يوم: إن أبا الحواري ومن معه من الأصحاب يبرؤون من موسى بن موسى، فأرسل إلى أبي الحوار ي جنديا، فوصل إليه الجندي وهو قاعد في محراب مسجد ابن سعيد – المعروف بأبى القاسم، وهو مسجد الشجبي – بعد صلاة الفجر يقرأ القرآن فقال:
إن أبا أحمد يقول لك سر إليه فقال أبو الحواري: لا حاجة لى به. حتى جاءه رسول البيحرة، فقال له: لا تحدث في أبي الحواري حدثا، وذلك ببركة القرآن العظيم، وبلغني أن ذلك الجندي قال [م293]: إنما دعوته ليقوم لئلا يطش (3) دمه في المحراب.
ولم يزل البيحرة عاملا على نزوى حتى قتلوه وسحبوه، وقبره (4) معروف عندهم، أسفل من باب مؤثر (5) قليلا، في لجية (6) هنالك، على طريق الجائز (7) التى تمر على فرق، يطرحون عليه السماد والجذوع، والله أعلم.
ثم بايعوا محمد بن الحسن الخروصي على الشراء (8) ثم اعتزل. (1/75)
صفحة 76
ثم بايعوا الصلت بن القاسم الخروصي، ثم عزلوه، ثم بايعوا عزان بن الهزبر المالكي، من كلب (1) اليحمدي، ثم عزلوه. ثم عقدوا لعبد الله بن محمد الحداني، المعروف بأبي سعيد القرمطي (2) ثم عزلوه. ثم عقدوا للصلت بن القاسم ثانية، ومات في الإمامة ثم بايعوا الحسن بن سعيد السحتني، فلبث (3) أقل من شهر ومات. ثم عقدوا للحواري بن مطرف الحدانى على الدفاع (4) وكان [قد] أخذ على أيدي الفساق والسفهاء من أهل عمان أخذاً شديداً، إلا أنه كان إذا جاء السلطان [العراقي] (5) إلى عمان يجبي أهلها، اعتزل (1/76)
صفحة 77
من بيت الإمامة إلى بيت نفسه، [م294] ولم يمنعه من ظلمه وبغيه، فإذا خرج السلطان رجع هو إلى بيت الإمامة، ووضع تاج الإمامة على رأسه، وقال لمن حوله: لا حكم الإ لله، ولا طاقة لمن عصى الله وكان قائما له بالأمر عند السلطان ناس من بني سامة، إلى أن مات، وهذا السلطان هو سطان بغداد.
ثم عقدوا لان أخيه عمر بن محمد بن مطرف، وكان علي سبيل عمه، إذا جاء السلطان اعتزل، وإذا رجع السلطان، رجع إلى بيت الإمامة، ثم جاءت القرامطة إلى البحرين، فلم يرجع عمر إلى
بيت الإمامة.
وكانت القرامطة قد تغلبت على سائر (1) البلدان ومكة والشام، وسائر القبائل، وهم بنو أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي (2) وقد أبطل (1/77)
صفحة 78
الصلاة والصيام والحج والزكاة، وزخرف عليهم وموه على الضعفاء، حتى أنهم يتألهونه من دون الله تعالى.
وكان سبب زوال ملكه على يد عبد الله بن علي، وكان قيامه عليه بأربع مائة رجل، وكانوا في عساكر جمة وجنود [م295] كثيرة، فلبث في محاربتهم سبع سنين، حتى انتزع الدولة منهم، وفي ذلك يقول حماد بن عبد الله (1) – شعرا:.
سل القرامط من شظى جماجمهم فلقا وغادرهم بعد العلا خدما (2) بعد أن حل بالبحرين شأنهم وأرجفوا الشام بالغارات والحرما
ولم تزل خيلهم تغشى سنابكها
أرض العراق وتغشى تارة أدما
وحرقوا عبد قيس في
منازلها وصبروا الغر من سادتها حمما (3)
وأبطلوا الصلوات الخمس، وانتهكوا
شهر الصيام ونصبوا بينهم صنما (4)
وما بنوا مسجداً لله نعرفه
بل كل ما وجدوه قائما هدما (5) (1/78)
صفحة 79
حتى حمينا على الإسلام وانتدبت
منا فوارس تجلوا الكرب والظلما
وطالبتنا بنو الأعمام عادتنا
فلم تجد بكما فينا ولا صمما
وقلدوا الأمر منا ماجدا نجدا
يشفي ويكفي إذا إما حادث دهما
ماضي العزيمة ميمون نقيبته
أعلا نزار إلى غاياتها همما (1)
وسار تتبعه غر غطارفة
لو زاحمت سد القرنين لانثلما
هذه الأبيات من قصيدة له طويلة:
ثم كانت في عُمان سنون فترة (2) من عقد الإمامة [حتى عقددوا] (3) لمحمد [م296] بن يزيد الكندي، النازل سمد الكندي، بايعوه على الدفاع [وكان قد] (4) أعتل عن بيعة الشراء [لأن] (5) عليه ديونا.
ثم انقلب السلطان [البغداي] (6) على عُمان فحاصره بعسكرين، عسكر بالسر وعسكر بالعتيك (7). (1/79)
صفحة 80
ثم هرب محمد بن يزيد الكندي من عمان، فعقدوا الإمامة للحكم بن الملا البحرى، النازل سعال، فلا نعلم أن إماما من أهل القبلة – مسلما ولا مجرما – كان في الضعف والوهنة كمثل الحكم بن الملا، ثم إنه اعتزل عن الإمامة وأقام السلطان عسكرا بنزوى.
وفيما أظن أن الأئمة المذكورين من بعد الصلت بن مالك، لم تدن لهم عُمان، ولم يجر سلطانهم فيها، وإنما كانوا في بعض البلدان منها دون بعض، وعلى أحد من القبائل دون أحد، ولم تأتلف كلمة أهل عُمان، ولا اجتمعوا على إمام من بعد الفتن التى وقعت بينهم، وذلك لما بدلوا نعمة الله، فشتت قلوبهم " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) " وقوله تعالى " وما أصابكم [م297] من مصيبة فبما كسبت أيديكم " (2) وقال " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم " (3) وفي الحديث " كما تكونوا يولِّى عليكم ". (1/80)
صفحة 81
ذكر الإمامين ومن بعدهم من الأئمة
المنصوبين في عُمان بعدما اختلفت كلمتهم
الإمام سعيد بن عبد الله:-
سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة [القرشي] (1) وسيف بن هبيرة [هذا] (2) كان فارسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أعلم له (3) تاريخا: متى وقعت العقدة له، ولاكم أقام في الإمامة (4) ووجدت أن أول من عقد للإمام سعيد بن عبد الله [هو أبو محمد] (5) الحواري بن عثمان، ثم عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر: وكانت بيعته على الدفاع (6).
وبلغنا عن محمد بن روح – رحمه الله – أنه قال:
كان الإمام سعيد بن عبد الله أعلم الجماعة العاقدين له، والذين كانوا معه. (1/81)
صفحة 82
معه. وقد تظاهرت الأمور معنا من أهل الدار ممن ينتحل نحلة الحق على الإجماع على ولايته وهو ولينا وإمامنا، رحمه لله.
ولم نعلم أن أحدا تكلم في عقد إمامته بعيب، ولا في [م298] سيرته، ولاترك ولايته.
وقد عرفنا عن عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر – رحمه الله – أنه قال: لا نعلم في أئمة المسلمين كلهم بعمان أفضل من سعيد بن عبد الله، كان إمام عدل، وعالما وقتل شهيدا، وجمع ذلك كله، رحمه الله إلا أن يكون الجلندى بن مسعود مثله، أو يلحق به.
وعرفنا عن الشيخ محمد [بن سعيد] (1) بن أبي بكر – رحمه الله أنه قال: إن الإمام سعيد بن عبد الله أفضل من الجلندى بن مسعود، وما أحقه بذلك إنه كان إماما عادلا صحيح الإمامة، من أهل الاستقامة، عالما في زمانه، يفوق أهل عصره وأوانه.
ووجدت تاريخا للوقعة التي قتل فيها الإمام سعيد بن عبد الله – رحمه الله - سنة ثماني وعشرين بعد ثلاث مائة، والله أعلم. وسبب هذه الوقعة كانت امرأة من الغشب من الرستاق، مدوحة حبا على الشمس (2) فجاءت شاه وأكلت الحب، فرمتها بحجر فكسرت يدها فجاءت صاحبة الشاة، فجعلت تضرب المرأة التى [م299] رمت الشاة واستغاثت [هذه الأخيرة] (3) بجماعتها، فجاء أحد من جماعتها، وجاء أحد من جماعة المرأة الأخرى، فكان كل فريق يثيب (4) فريقه، ووقعت بينهم صكة (5) (1/82)
صفحة 83
عظيمة فجاء الإمام سعيد بن عبد الله – ومعه أحد من عسكره – على معنى الحاجزين بين الفريقين، فقتل في تلك المعركة.
الإمام راشد بن الوليد:
ثم من بعده وُلي راشد بن الوليد، ذلك أنه اجتمع الشيخ عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، والنعمان بن عبد الحميد، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح، وأبو المنذر بن أبي [بن] (1) محمد بن روح، وكان هؤلاء في تلك الجماعة التى حضرت في ذلك الوقت، وهم المنظور إليهم والمشار عليهم، كنحو كانت الجماعة التى حضرت البيعة للإمام سعيد بن عبد الله في زمانهم وأيامهم، لا ينكر أهل المعرفة فضلهم، ولا يجهلون عدلهم، ولا يجدون في حضرتهم من أهل طرف في زمن من الأزمنة مؤتمنون على جميع دينهم بذلك [م300] جاء الأثر؛ والحجة ممن حضر قائمة على من غاب أو شهد، وليس للشاهد أن يغير، ولا للغالب (2) أن ينكر، ولا للداخل أن يخرج، ولا للقاتل (3) أن يرجع.
فاجتمعوا في بيت كان ينزل فيه راشد بن الوليد بنزوى، وكان المقدم فيهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر، فاجتمعوا جميعا على الواقف عن موسى بن موسى وراشد بن النظر (4)، والمتبرىء منها جميعا في الولاية (5). (1/83)
صفحة 84
ثم بايعوا الإمام راشد بن الوليد على سبيل الدفاع، وخرجوا إلى الناس بالبطحاء من نزوى في جماعة من أهل عمان: من نزوى ومن سائر (1) القرى، من شرق عمان وغربها، ومن أهل العفاف منهم والفضل والجاه والرئاسة (2) مستمعون لذلك مطيعون لم يظهر لأحد منهم كراهية ولا نكيرة.
ثم قام أبو محمد عبد الله بن محمد بن [أبي] (3) شيخة على رأسها خطيبا بين الجماعة فخطب له بالإمامة، وأخبر الناس، وأمرهم بالبيع له، فبايع الناس له شاهرا وظاهرا؛ لا ينكر ذلك من الناس منكر، و [م301] ولا يغير منهم مغير (4).
ودخل الناس في بيعته أفواجا، ووفد على ذلك الوفود، وأخذ عليهم المواثيق والعهود وبعث العمال والولاة على القرى والبلدان، وصلى بنزوى الجمعات، وقبض هو وعماله الصدقات، وجهز الجيوش وعقد الرايات وأنفذ الأحكام، وجرت له فيما شاء الله من المصر الأقسام.
ولم يبق بلد من عُمان لم يغلب عليه السلطان، أو نأى (5) عنه في تلك الأيام وذلك الزمان إلا جرت فيه أحكامه، وثبتت عليهم أقسامه، وأقر في ظاهر الأمر أنه إمامه، من غير أن يظهر منه [في] (6) شيء من سيرته، ولا علانيته ولا سريرته، شدة و [لا] (7) غلظة يخاف بها ويتقى ولا هوادة ولا ميل يطمع فيه بذلك ويرتجي، فيصانع عن تقية، (1/84)
صفحة 85
[أو] (1) يخدع لطمع أو رجية.
بل كان – رحمه الله – للرعية هينا، رفيقا بآرائهم، شفيقا غضيضا (2) عن عوراتهم، مقيلا لعثراتهم، بعيد الغضب عن مسيئهم قريب الرضى عن محسنهم مساويا في الحق [م302] بين شريفهم ودينهم وفقيرهم وغنيهم، وبعيدهم وعسيرهم. منزلا لهم منازلهم، متفقدا لأمورهم وأحوالهم. مشاوراً لمن هو دونه منهم، قابلا من مشاورتهم ما يأمرونه.
فلم يزل على ذلك، يتجشم من رعيته الصبر على الكروب، ومفارقة السرور والمحبوب، ويصبر على الشتم والأذى، ويسمع منهم الخنا والقذى (3) وهو يتأنى في تلك الأمور، ويرجو من الله الدائرة (4) أن تدرو.
وكثير من أهل ممكلته ومصره يتربصون به الدوائر (4)، ويسرون له أقبح السرائر (5) تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، وما تخفي صدورهم من الغل والحسد أعظم وأكبر، وقد استحوذ عليهم الشيطان، وغلبت (6) عليهم العداوة والشنآن، حتى آلت به الأمور، وجرت عليه من الله المقدور: أن ظهر من عامة رعيته التخلف عنه والخذلان وظهر من (1/85)
صفحة 86
خواصه المعانده والعصيان، والمداهنة عليه للسلطان (1) والمباشرة له بذلك [م303] بالقول واللسان.
وجرخوا إلى السلطان مظاهرين، وتألبوا إلى ذلك متناصرين فمنعهم عن ذلك جبرا؛ وقسرهم على التخلف عن ذلك قسرا فوقع بينهم وبين عامتهم العداوة والشحناء وفارقوه على ذلك من قرية بهلا مغتضبين، معاندين له على ذلك محاربين، متوحدين عليه في ذلك متعنتين، وقد سار السلطان بالسر مقبلا، وهو (2) في نفر من الضعاف أقلاء (3) وقد انفضت جماعتهم، وصحت معه عداوتهم. و إنما خرج من نزوى في ردهم عن خروجهم ذلك في حرب العدو المقبل عليه.
فلما رأى ما نزل به من الحالات، وبان له من العداوة والعصيان، واستضعفت نفسه ومن معه عن لقاء السطان، وخاف أن يدهموه على المكان، تحير (4) بمن معه من بهلاء إلى كدم. ورجا (5) أن يكون قد استوثق لنفسه في ذلك وحزم.
فلم يزل بكدم (6)، حتى صح معه أنهم دخلوا الجوف (7)، فداخله ومن [م304] معه من الضعفاء الخوف، فانحازوا هناك إلى وادي (1/86)
صفحة 87
البحر (1) ودعا إلى حرب السلطان من حضره، واستنصر عليه من قدر عليه ونصره، واجتهد في ذلك وصبر و ودعا إلى ذلك واستنصر، وراح في ذلك وأبكر، وأقبل في ذلك وأدبر فأمده الله بمن أمده، فأيدهم طاقته وجهده. فجيش (2) إليهم أنصاره، وأعانه [في] الأمر [من] لاغناية له عنه من خاصته وإخوانه (3)، وقعد لهم في مكانه.
وكان السلطان وأعوانه بنزوى نازلين وكان (4) تخلفه عن الحرب برأي من حضره من إخوانه، وأهل صفقته ورجا أن يكون في تخلفه عز للإسلام وأهله، وقوة لعدله ونصره وكان تخلفه عن الجيش الذى بعثه (5) السلطان الجائر (6) بنزوى، قريباً من المجازة إلى عقبة بيح [و] لم يكن عنهم ببعيد، فأتى الله بالمقدور، وما قد علم الله أن تصير إليه تلك الأمور فهزم (7) أنصاره و وغلبوا وولوا عنه، وأدبروا مع ذلك وهربوا، فانفضت هنالك [م305] جماعتهم، وزالت رايتهم وخرج مخذولا ً مغلوبا، خائفا (8) يترقب مطلوبا وكان ذلك صحوة النهار، فلم يكن عشيا من يومه ذلك، حتى انفض عنه جميع من كان معه ووقعت الغلبة واليأس. وآيس مع ذلك من نصر الناس. (1/87)
صفحة 88
فاستولى السلطان الجائر (1) على جميع عُمان، من جميع النواحي والبلدان وأقبل الناس في المصانعات، وأقبل السلطان الجائر إليهم بالسخريات (2) والمداهنات، حتى دانت لهم النواحي.
والإمام خائف (3) في رؤوس الجبال والمسافي (4)؛ مشفق من السلطان والرعية، يترقب في كل موضع نزول المنية. وأن تدهمه (5) في مرقده وفي منامه [بلية] (6) وأصبح خائفا (7) على نفسه وماله هاربا من دياره وعياله.
وأصبح جميع [أهل المصر] (8) قد أمنوا واطمأنوا في منازلهم وكنوا وصانعوا سلطانهم وداهنوا. ولم يكن له (9) من الاستسلام بد (10)، إذ (11) لم يكن له إلى غيره سبيل ولا جهد (1)؛ فطالع في أمره [م306] فاستشار، واستشير له ذوي الأبصار، واتبع في أمره فيما ظهر حكم الأبرار واتخذ الرخصة من قول الأخيار.
--------------------------
(1) في الأصل (ولا حمدو (1) العبارة في الأصل بها اضطراب، نصها (وماجعل الله لعباده من جرح) (2) في الأصل (فرايضه) (3) في الأصل (يده) - يعني الإمام (4) في الأصل (لقايل) (5) تغبر الشىء تلطخ بالغبار، وأغبر الشىء علاه الغبار. والمقصود أن سيرة الإمام كانت صافية، ناصعة لا يوجد ما يغبرها (6) سنة 342هـ (1) في الأصل (رضى) (2) في الأصل (فادها) (3) في الأصل (من أسرة) والصيغة المثبتة من الفتح المبين لابن رزيق (ص245) (4) في الأصل (نهيا) (1) في الأصل (للأيمة) (2) في الأصل (حراصا) (3) كذا في الأصل؛ وفي الفتح المبين لابن رزيق (ص245) " عن وصفه بالمقال" (1) بعد موت الإمام راشد بن الوليد سنة 342 هـ بقيت عُمان خاضعة للولاة مدة خمسة وستين عاما حتى اختير الخليل بن شاذان إماماً (2) في الأصل (كان) (3) ذكر السالمي في تحفة الأعيان (ج1، ص303) أن الخليل بن شاذان توفي سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وأن مدة إمامته سبع عشرة سنة وبعض سنة تقريبا ً، وبذلك تكون الإمامة قد عقدت له حوالي سنة سبع وأربعمائة (4) لايوجد تحديد لتاريخ وفاته، ويبدو أنه ظل في الإمامة مدة قصيرة (5) عبارة (من بعده) هنا فيها شيء من التجاوز، فهناك أئمة في ذلك الدور لم يذكرهم المؤلف – انظر تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 348) (6) في الأصل (العتيق) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص 350) (7) مابين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص246) (1) في الأصل (جبل ذى الجنود) وهو تحريف في النسخ جاء في تحفة الأعيان للسالمي (ج1 ص 350) ما نصه: يقال لذلك الجبل ذو الجنود، إذ كان له جروف بائنة من الصخور من أعراضه، لا من أعياله. (2) جاء في تحفة الأعيان للسالمي (ج1 ص 369) ما نصه: إمامة الحوارى بن مالك، وفي بعض الأثر مالك بن الحوارى، فلا أدرى أهما إماما، بعضهما بعد بعض، أو انقلبت العبارة سهواً على بعضهم. كذلك وقع الخلاف في تاريخ موتهما، فأرخ موت الحوارى بن مالك فقالوا مات سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة، وقالوا مات مالك بن الحوارى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. ولعل الثاني منهما ولد الأول. (1) في الأصل (أهل عقر نزوى) وما بين حاصرتين إضافه (1) (2) في الأصل (غلا) (3) بنو نبهان قوم من العتيك صار إليهم الملك في تلك الفتره القلقه غير المستقره في تاريخ عُمان. ويبدوا أنهم كانوا يعقدون للأئمه في بلاد، وملوك بني نبهان في بلدان أخر. وحيث أن قيام النباهنة اعتمد على الاستبداد بالأمر وقهر الناس – وليس على مبايعة الأمة – فإن تاريخهم لم يحظ بعناية المؤرخين العمانيين (الفتح المبين للسالمى، ج1، ص352) (4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان (ج1، ص353) والفتح المبين (ص248) (1) في الأصل (واستدعا) (2) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى؛ من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص353) (3) في الأصل (وصل) (4) في الأصل (وسلمت) والتصويب من كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص248) و تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص353) (5) في الأصل (البحر) وهو تحريف فالنسخ (6) بمعنى أنه سار براً، وسارت السفن بحذائه بحراً (7) المن: ميزان يقارب الكيلوجرام (8) جماعة من البدو (كحالحة: معجم قبائل العرب) (9) أي نهاية الشهر. جاء في لسان العرب (فسخ الشيء فسخا نقضه، وفسخ المفصل أزاله عن موضعه، وتفسخ الشعر عن الجلد زال وتطاير) (1) مابين حاصرتين أضافة. (2) (م7 - تاريخ عمان) في الأصل (حواري). (1) في الأصل (حواري) (1) (2) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص370) وفي الفتح المبين لإبن رزيق (أبو الحسن عبدلله بن خميس بن عامر الأزدي) ص257 (3) في الأصل (شيدان) (4) ما بين حاصرتين إضافة (5) في الأصل (بني هناة) وهو خطأ فالنسخ. (6) في الأصل أحمد. و ما بين حاصرتين إضافة (7) في الأصل (للملوك) (1) في الأصل (كاينا) (1) (2) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص371 - 372). (3) لاحظنا ثمة غموض وخلط بين الأسماء في هذا الجزء ففي تحفة الأعيان للسالمي! " فقضى أحمد بن صالح بن محمد بن عمر أن جميع مال آل نبهان وقبل محمد بن عمر ابن محمد هذا القضاء" ومعنى هذا أن الذي قضى ــ وهو أحمد بن صالح ــ غير أحمد بن عمر بن مفرج، السابق ذكره. وأن الذي قبل هذا القضاء ــ وهو محمد بن عمر بن محمد ــ شخص آخر خلاف أحمد بن عمر بن أحمد بن مفرج. (انظر تحفة الأعيان، ج1 ص371 - 372). (4) في الأصل (الفضاء). (5) في الأصل (بالتجزية). (6) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص372). (7) في الأصل (وما لارت له). (1) سورة البقرة: آية181 (2) يعني الإمام عمر بن الخطاب بن محمد والعبارة في الأصل بها تعريف في النسخ نصها (لم يصب أولا) (3) في الأصل (ثم نصب ثانية من بعده محمد بن سليمان) والتصويب والإضاف بين الحواصر من كتاب الفتح المبين، ص258. (4) في الأصل (الزنجي) وهو تحريف والتصويب من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص376 والشعاع الشائع الإبن زريق (ص82) (5) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص376) (6) ما بين حاصرتين إضافة (7) في الأصل (محمد بن أسماعيل الإسماعيلي). (1) في الأصل (من سكة مراروة) والصيغة المثبتة من الفتح المبين، ص259 (2) في الأصل (المعقرا) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي، ج1، ص379 جاء في لسان العرب أن العقر والعقار المنزل والصيغة. (3) في الأصل (وخلا). (4) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (5) ما بين الحواصر إضافة لضبط المعنى. (6) نفسه (1) في الأصل (بركات بن محمد القرن) وهذا خلط في النسج وتتضح العبارة مما ذكره السالمي في تحفة الأعيان (ج1، ص386) ونصه " وقدم من لم يرض إمامة بركات غيره إماماً، فنصبوا عمر بن القاسم الفضيلي في أيام بركات /. ولم يؤرخوا وقت بيعته ولا وقت وفاتة. ثم نصب أيضا عبدلله بن محمد القرن إماماً في منح يوم الجمعة لخمسة عشر يوماً من رجب سنة سبع وستين وتسعمائة. ودخل حصن بهلى يوم الأثنين" (2) في الأصل (كان) (1) في الأصل (وتسع مائة سنة) (2) في الأصل (ومظفر بن سليمان) (3) في الأصل (برياسة) (4) في الأصل (اُثني عشلا سنة) (5) في الأصل (الطايع) (1) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى، من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص388) (1) (2) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى (3) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى (4) في الأصل (بن) (5) في الأصل (فلبا) (6) في الأصل (ماشاء) (7) في الأصل (عرار) (8) في الأصل (وأعطا) (9) في الأصل (محروما) (1) في الأصل (فلقوا) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان، ج1، ص389 (2) في الأصل (زمان). (3) في الأصل (على يد). (4) في الأصل (جايرا). (5) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (6) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص390). (1) سورة القصص: آية15 (2) ما بين حاصرتين إضافة لتحديد المعنى (3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى (4) في الأصل (فأرسل الوزير إلي مولاه أن سليمان أن خلفا /.) (5) في الأصل (نكل) (6) في الأصل (وكانت تلك أموال الشيخ) (1) في الأصل (السلطان بن سليمان) (2) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى (3) في الأصل (الوزير) والتصويب من تحفة الأعيان للسالمي ج1، ص390 (4) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى (5) الغبراء: الأرض، لغبرة لونها (6) في الأصل (فوقع) (7) في الأصل (يصله) (1) في الأصل (عزان بن فلاح) وهو تحريف فالنسخ (2) في الأصل (حمير) وهو تحريف فالنسخ (3) في الأصل (إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا) (سورة الشرح: الآيتان5،6) (4) في الأصل (وكانوا) (5) في الأصل (الدخول) (1) في الأصل (وبنا) (2) في الأصل (رأس الحريرة) والصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص329) (3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (4) في الأصل (الخضراء) (5) ما بين حاصرتين لضبط المعنى (6) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (7) في الأصل (الغرب) (8) في الأصل (مع الجامع) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص392) (9) في الأصل (فمسجد) (10) في الأصل (مسجد أبي عمرو) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان (1) في الأصل (وجاء الخبر أن الأمير) (2) في الأصل (الهناوي) (3) في الأصل (الخضرا) (1) وضعت كلمة (سور) بين كلمتي (قشعوا) و (الحصن) بقلم مغاير جاء في لسان العرب انقشع الغيم وقشعته الريح أي كشفته فانقشع (2) في الأصل (ثلاثة عشر ليلة) (3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (4) سورة البقرة: آية247 (5) في الأصل (الخضرا) (6) في الأصل (يسيره) (1) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص394) (2) السير: الذهاب، سار يسير سيراً ومسيراً وتسياراً مسيرة وسيرورة. وتسيار تشير إلي الكثيرة (لسان العرب) (1) ما بين حاصرتين تكمله من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص395) (1). (2) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى (3) دارسيت (4) في الأصل (تجتمع) (5) في الأصل (ابن عمه) (1) في الأصل (ولما استولى الأمر سيف بن محمد) (2) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (3) في الأصل (بنا) (1) في الأصل (سنة زمان) (2) الدير هي الدارات في الرمل، ودارات جمع وهي الجوبة الواسعة تحفها الجبال. قال أبو حنيفة: وهي تعد من بطون الأرض المنبتة (لسان العرب) (3) السيب اسم مكان، وهي في الأصل مجرى الماء وجمعه سيوب (4) في الأصل (والأميران) (5) في تحفة الأعيان للسالمي، ج1، ص396: (وكان في الدير الأمير سنان /.) (6) في الأصل (نعله) (7) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص397) (8) مسقط (1) في الأصل (فنزلته) (2) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل. والتكملة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص397)، حيث ورد الأسم محمد بن جيفر. (3) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل. والتكملة من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص397) (4) في الأصل (نهار تسع عشرة ليلة من ربيع الآخر). (5) في الأصل (ليلتقوا). (6) في الأصل (برج محمد بن مهنا). (1) في الأصل (بمدافع). (2) في الأصل (بنو عمه). (3) يعني جماعة عمير بن حمير. (4) في الأصل (وأقام الناس) والصيغة المثبته تتفق ومستقبل الحوادث، وهي مأخوذه من تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص398). (5) ما بين حاصرتين إضافة. (6) في الأصل (فضرب ابن مخزوم). (1) في الأصل (منه). (1). (2) في الأصل (من جراحته). (3) العبارة في الأصل بها اضطراب وتكرار، وقد اعتمدنا في تصحيحها على ما جاء في كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج1، ص399). (4) في الأصل (لينصرهما). (5) ما بين حاصرتين إضافة لإيضاح المعنى. (6) في الأصل (بعض) (1)، (2) ما بين حاصرتين إضافات لضبط المعنى. (3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (4) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (1) في الأصل (الهناوي) (2) في الأصل (خرج) (3) في المتن (الدايرة) (1) في الأصل (الهناوي). (2) في الأصل (كالذياب). (3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (4) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (1) ما بين حاصرتين إضافة المعنى. (2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (3) في الأصل (قصر). (4) في الأصل (ذخايرهم). (5) يعني قلعة الرستاق. (6) في الأصل (محاصره). (7) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص4). (8) في الأصل (ومضى). والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص4). (1) في تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص4) "من سمد نزوى". (2) في الأصل (الرويحي). (3) جاء في تحفة الأعيان للسالمي أن مانع بن سنان العميري كان (ملك سمائل عندئذ). (4) ما بين حاصرتين إضافة. (5) ما بين حاصرتين إضافة. (6) أي أنه نزل العقر من نزوى. (7) كذا في الأصل. وفي كتاب القتح المبين لابن رزيق ــص265ــ (بني أبي سعيد). وفي تحفة الأعيان للسالمي ــ ج2، ص4ــ (بنو أمبو سعيد). (1) في الأصل (التجت). (2) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال الإسم؛ وفي الأصل الهناوي. (3) في الأصل (فأقام) والصيغة المثبته من تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص5). (4) في المتن (بها). (5) في الأصل (ابرى (والصيغة المثبته من كتاب القتح المبين لابن رزيق (ص265) و تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص5). (1) في الأصل (ساير). (2) صور بلد على ساحل عُمان مقابل جعلان، وقرى جعلان لها أعمال، عمرت بعدما خربت قلهات، عمرها آخر ملوك بني نبهان (الشعاع الشائع باللمعان، ص96). (3) يعني أن محمد بن جفير خرج على الإمام، وهجم بجنده على قرية نخل، فدخلوها (انضر تحفة الأعيان للسالمي ج2، ص6؛الفتح المبين لابن زريق، ص266) (4) في الأصل (أهل السرور) وهو تحريف. (1) في الأصل (أخ الإمام). (2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (4) العبارة مضطربة في الأصل، نصها (ورجع الإمام إلي نزوى، فغزا بها آل هلال، وكانوا بناحية الأفلاج من ناحية ضنك) ومابين حاصرتين من كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص267) (5) يقصد بالواليين هنا الوالي الذي عينه الإمام على حصن بات، والشيخ محمد بن يوسف الحوقاني الذي جعله الإمام مع الوالي المذكور، كما سلف في النص. (6) اسم موضع سبق ذكره. (7) في الأصل (ففدا). (8) يعني حصن ضنك. (1) كذا في الأصل، وفي كتاب القتح المبين لابن رزيق (توجه الواليان) وهي الصيغة الأصوب. (2) في الأصل (فكان به وزير من قبل الوزير من قبل الجبور) وهو تحريف والجبور قبيله. (3) في الأصل (بهم). (4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص6). (5) الخب والخبيب: الخد في الأرض (لسان العرب). (6) في الأصل (الهناوي). (7) " " " (8)، (9) ما بين حاصرتين تكمله من تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص7). (1) في الأصل (الهناوي). (2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (3) في الأصل (حتى). (4) ما بين حاصرتين إضافة. (5) في الأصل (وقايع). (6) " " " (1) في الأصل (ساير). (2) في الأصل (الهناوي). (3) بلدة في وادي سمائل. (4) في الأصل (مع). (1) دارسيت (2) في الأصل (الهناوي). (3) في الأصل (بنا). (4) في الأصل (قايد) يعني قائد جيش الإمام (5) في الأصل (الهناوي). (6) في الأصل (الهناوي). (7) ما بين حاصرتين إضافة. (8) في الأصل (إلي). (9) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي ج2 ص9. (1) يقصد بلوى ــ في حصنه ــ مع سيف بن محمد بن جيفر. (2) الضمير عائد على إخوة سيف بن محمد بن جفير ووزرائه الذين التجوا للنصارى في صحار (3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال الاسم. (4) انظر كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص271) و تحفة الأعيان للسالمي ج2 ص9. (5) في الأصل (الجبور) والصيغة المثبته من تحفة الأعيان للسالمي 2ص9. (6) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص271). (7) " " " " " " (8) في الأصل (من جنابه). (1) طوي الرولة، مزرعة شجر الرولة، والمطرح مدينة غربي مسقط. (2) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى وكانت مسقط (مسكد) عندئذ بيد النصارى من البرتغاليين. (3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (4) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (5) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (6) قرية على الساحل. (7) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (8) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح. (9) في الأصل (كان). (1) الغربان ومفردها غراب، نوع من السفن الحربية تركب فيها المقاتلة والرماة (ابن مماتي: قوانين الدواوين ص339 - 340) (2) في الأصل (قايد). (3) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح (الفتح المبين لابن زريق، ص247). (4) في الأصل (فدخلها الجيش نهاراً) و ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح. (1) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (2) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى، من تحفة الأعيان للسالمي (ج2 ص12). (3) لايصح أن يقال فلان شهيد بعينه إلا من نزل الوحي بتعيينة شهيداً كعثمان بن عفان رضي الله عنه. (1) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (2) ما بين حاصرتين إضافة لإيضاح المعنى. (3) في الأصل (يغزوا عمان) والصيغة المثبته من تحفة الأعيان للسالمي 2،ص12. (4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج2 ص12). (5) قبيلة من عدنان (1) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى، من تحفة الأعيان للسالمي (ج2 ص13). (2) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى. (1) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج2 ص14) جاء في الشعاع الشائع باللمعان في أئمة عمان لابن رزيق (ص223) أن محمد بن عثمان (يسمى حميد بن عثمان). (2) في الأصل (محمد يوسف الحوقاني) وهو تحريف. (3) في الأصل الواجهة (4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص14) (5) في الأصل (الشقب) والصيغة المثبتة من كتاب الشعاع الشائع (ص224). وكتاب الفتح المبين لابن زريق (278) و في كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص14) الشعيبة. (1) كذا في الأصل وكذلك في وكتاب الفتح المبين لابن زريق (278) و في تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص14) صقر بن عيسى. (2) في الأصل (فعفى) (3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (4) في الأصل (والتحت) (5) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن زريق (279) وجاء الأسم في صورة (حزام بن قمقام) في الشعاع الشائع (ص226). (6) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص279) (7) في الأصل (فقتلوا جميعا لقلتهم وكثرة عددهم) والصيغة المثبتة من كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص278) (8) هذا المعنى الذي أكده ابن زريق من انتصار جيش الإمام، يخالف الرواية التي جاءت في في تحفة الأعيان للسالمي (ج2، ص15) والتي يفهم منها انكسار مقدمة جيش الإمام: (فبادرهم العدو قبل أن يتكاملوا، فقتلوا عن آخرهم ورجع الجيش وقد أصيبوا بإخوانهم .. ) (1) كذا في الأصل. وفي كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص279) جاءت العبارة (من قراهم) (2) في الأصل (وأفشا) (3) في الأصل (طايفة) (4) يعني الإمام ناصر بن مرشد (5) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (1) في الأصل (قصرا) (2) إناء يعجن فيه الماء (1) ما بين حاصرتين تكمله من تحفة الأعيان للسالمي (ج2 ص17) (2)، (3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (4) في الأصل (في يقضته) (5) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (6) في الأصل (حرب) (1) الصفر: النحاس الجيد، وقيل ضرب من النحاس تصنع منه الأواني. والصفار: صانع الصفر (لسان العرب) ومن الواضح أن المقصود بالصفرية قدر من النحاس يطهى فيه الطعام. (2) في الأصل (يشاء من الدراهم). (1) في الأصل (رحمه الله في ذلك) (2) في الأصل (بنا) (3) في الأصل (الديور) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج2 ص45)، لتوضيح المعنى. (4) دأب بعض الخلاف والسلاطين في الدولة الإسلامية على إستثمار أموالهم في التجارة، حتى صار لهذه التجارة ديوان أطلق عليه اسم (المتجر) وقد انتقد ابن خلدون هذا التصرف من جانب الحكام واعتبره منافسة غير مشروعة لرعاياهم، لأن (الرعايا رافقهم السلطان في ذلك ــ وماله أعظم كثيرا منهم ــ فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته) (مقدمة ابن خلدون، الفصل الأربعون، ص281) (1) من التسديد بمعنى التوفيق للسداد (لسان العرب). (2) "بياض" في الأصل، ما بين حاصرتين تكملة من الفتح المبين لابن زريق ص292. (3) كذا في الأصل، وكذلك في الفتح المبين لابن زريق (ص293) أما في تحفة الأعيان للسالمي (ج2 ص76) فقد جاء الإسم (جبرين) وهي تقع إلي الجنوب الغربي من بهلا وقد وصف السالمي (ج2 ص90) الحصن الذي بناه الإمام بلعرب فيها بأنه (كان من أعاجيب الزمان، لايستطيع أحد أن يصفه بجميع ما فيه). (4) في الأصل (من فقهائهم). (1) ما بين حاصرتين إضافة (2) في الأصل (فوقع بينهم الحرب) (3) كذا في الأصل، وفي تحفة الأعيان (ج2 ص100) بت (4) انظر كتاب (جهينة الأخبار في زنجبار) تأليف سعيد بن علي المغيري ــ تحقيق عبد المنعم عامر، ص106ومابعده (1) ما بين حاصرتين إضافة لسياق المعنى. (2) ما بين حاصرتين إضافة لسياق المعنى. (3) أى استحدثها ولم تكن موجوده قبله. (4) في المتن (الصايغي). (5) في الأصل (بركا) وتكتب في المصادر المعاصرة باالرسمين. [وما في الأصل أصح مما أثبته المحقق]. (6) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص100). (7) المرجع السابق. (8) صنفان من النخيل. (9) في الأصل (وغير ذلك أموال والمصنعة) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص100). (10) في الأصل (لاتحصى). (11) الورس: نبت أصفر يكثر باليمن تتخذ منه الغمرة للوجة قال أبو حنيفة؛ والورس ليس ببري يزرع سنة يجلس عشرين سنة أي يقيم في الأرض ولايتعطل. ونباته مثل نبات السمسم، فإذا جف عند إدراكه، تفتقت خرائطه فينقض منه الورس (لسان العرب) (1) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى. (2) في الأصل (المفلك) ثم تكرر الاسم صحيحاً بعد قليل. (3) في الأصل (كابراس) والصيغة المثبته من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص100) وفي كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص295) كنبراس. (4) الدقل والدوقل؛ خشبة طويلة تشد في وسط السفينة يمد عليها الشراع، وتسميه البحرية الصارى. (5) في الأصل (وأولئك المراكب) و ما بين حاصرتين إضافة. (6) كل مارق فقد سخف، ونصل سخيف طويل عريض (لسان العرب). (7) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى (1) كذا في الأصل؛ وكذلك في الشعاع الشائع باللمعان (ص285) وفي تحفة الأعيان للسالمى (ج2،ص111) لاك. (2) في الأصل (بنا). (3) النعش: الارتفاع ــ يقال نعشه الله أى رفعه (لسان العرب). (4) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (1) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (2) في الأصل (يتولا) والمصر هو البلد أو القطر وجمعه أقطار. (3) العبارة في الأصل بها تحريف، نصها (فلما رأى الشيخ عدي بن سليمان أن راشد الذهلي القاضي ميل الناس /) والصيغة المثبته من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص115) وفي الفتح المبين لابن زريق (ص301). (4) الندح: السعة والفسحة، وإنك لفي ندحه من الأمر ومندوحه منه أي سعة. والمقصود أنه قال ذلك على سبيل التعميم والتجاوز (لسان العرب). (1) كذا في الأصل، وفي تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص116) وهدأت الناس. (2) كذا في الأصل، وكذلك في الفتح المبين لابن زريق (ص302) وفي تحفة الأعيان للسالمى، ج2 ص116، (القعودات) ونرجح أن المقصود باللفظ المكوس والضرائب غير الشرعية. (3) ما بين حاصرتين إضافة. (4) ما بين حاصرتين إضافة. (5) في الأصل (ماكان إلا وقيل) والإضافة بين حاصرتين للإيضاح (6) كذا في الأصل، و ما بين حاصرتين غير موجود في تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص116) ولا في كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص302) (1) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (2) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص116) (1) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (2) في الأصل (فأظهروا). (3) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (4) ما حجر عليهم الإمام أي ما منعه وحرمه. وأصل الحجر في اللغة: ماحجرت عليه أى منعته أن يوصل إليه، وكل مامنعته منه فقد حجرت عليه (لسان العرب). (5) في الأصل (من البنا). (6) في الأصل (فاستقام الحرب). (7) في الأصل (فاحترق باب مقدم الحصن جميعاً) ويبدوا أن لفظ باب تكرر ذكره سهواً (انظر الفتح المبين لابن زريق ص302) (1) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (2) في الأصل (فقدر). (3) الحجرة هي الناحية (4) في الأصل (يكن). (5) في الأصل (الرحى) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص118). (6) في الأصل (فأخذوها). (7) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (8) في الأصل (بالضيفة). (1) في الأصل (ضربتين مدفع). (2) في الأصل (في فم قوم يعرب) والتصحيح من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص118). (3) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (4) في الأصل (ثم مضى صاحبه العنبوري) كتاب الفتح المبين (ثم مضى صاحب العنبور) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص119). (5) ما بين حاصرتين إضافة. (6) جبرين (1) سورة الرعد: الآية11. (2) سورة العنكبوت: الآيتان2،1. (3) سورة العنكبوت: الآيتان11،10. (4) في الأصل (بما مضى). (5) سورة النجم: الآية31. (1) في الأصل (ووفدت). (2) في الأصل (وابهلا) والصيغة المثبتة من الفتح المبين لابن زريق ص306. (3) في الأصل (لما قدم محمد بن ناصر بن عامر مر الغافري في جماعة من قومه) والصيغة المثبتة من المرجع السابق (ص306). (4) ما بين حاصرتين إضافة. (5) ما بين حاصرتين إضافة. (6) في الأصل (سرا). (7) في الأصل (وأمر على أهل نزوى). (1) في الأصل (فرقا). (2) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص120). (3) في الأصل (وقيدوهم بها). (4) في الأصل (ويسحب مدفعين). (5) في الأصل (الجايز). (6) في الأصل (منهم). (7) في الأصل (حارة الركى) وفي الفتح المبين لابن زريق (ص307) (حارة الرحى) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص121). (1) في الأصل (كان). (2) في الأصل (من حارة إلي الرحى). (3) في الأصل (المنزلة) والصيغة المثبتة من كتاب الفتح المبين (ص307) وتحفة الأعيان للسالمى (ج2، ص121). (4) في الأصل (المعنب) والصيغة المثبتة من وتحفة الأعيان للسالمى (ج2، ص121). (5) أى البنادق. (6) في الأصل (واقتلوا). (1) في الأصل (بعسكرهم). (2) في الأصل (الخضراء). (3) في الأصل (إلا). (4) في الأصل (البلا). (5) في الأصل (واتبعهم). (1) في الأصل (قلايل). (2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (1) في الأصل (طايحا) بمعنى مذعنا. (2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (3) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (4) العبارة غير واضحة في الأصل، نصها (وأما مسكد في الكوت جاعد بن مرشد بن عدي اليعربي) والصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص124) (1) في الأصل (واستهر). (2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح. (3) في الأصل (ويحملونهم). (4) جاء في تحفة الأعيان للسالمي أن لفظ (ثيبة) لغة عمانية، بمعنى معونة ومساعدة (5) في الأصل (يكنى). (6) في الأصل (ومع). (1) في الأصل (العامري)، والتصحيح والإضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص125) وفي كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص311) أحمد بن راشد الغافري. (2) ميناء عى ساحل إقليم الباطنة. (3) في الأصل (فزع). (4) في الأصل (النهدد). (5) في الأصل (قرءه). (6) العباره في الأصل بها خلط وتكرار، نصها (وأصحابه مقبلون قاصدين رحمة بن مطر، فرجعت العيون وأعلموه أن فزعا وأصحابه مقبلين إليه، فالتقاهم رحمة/). (7) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (8) في الأصل (بالقصير). (1) في الأصل (ساير). (2) أى السفن والمراكب. (3) أى أوغلت السفن في البحر بعيدا عن البر. (4) أى التفق، وهي البنادق. (5) في الأصل (فهلكوا منهم كثير). (6) في الأصل (قايما). (1) في الأصل (مقيد). (2) في الأصل (أرسل). (3) في الأصل (الأعلا). (4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص127). (5) في الأصل (فالمعروف). (6) ذكر ابن زريق في الفتح المبين، ص312 - 313، (فقتل يومئذ من بني علي قوم كثيرون، فمن رجالهم المصاليت المشاهير شيخهم الرئيس سليمان بن سالم) والصيغة المثبتة الوارده في الأصل تتفق مع ماذكره السالمي في تحفة الأعيان (ج2، ص125). (7) في تحفة الأعيان (ج2،ص125) زيادة. (8) ما بين حاصرتين إضافة (9) في الأصل (الجرحا). (10) أى محمد بن ناصر. (1) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (2) في الأصل (الهناوي). (3) في الأصل (ينعم). (4) في الأصل (لم). (5) ما بين حاصرتين إضافة من الفتح المبين لابن زريق (ص313) (6) في الأصل (وقبائل). (7) في الأصل ــ وكذلك ــ وكذلك في تحفة الأعيان للسالمى (ج2، ص128) بالقصير. (1) في الأصل (فخرج). (2) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى. (3) في الأصل (العموري)، والتصحيح من كتاب تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص128). (4) ما بين حاصرتين بياض في الأصل (5) في الأصل (بالقصير) وكذلك في كتاب تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص128) على أنه شجعنا على التمسك بالصغة التي أوردناها (خلف القصير) ماسبق أن جاء في أصل المخطوطة (ورقة391) من عبارة نصها (وكان خلف بن مبارك ــ المعرف بالقصير ــ من أهل الغشب من الرستاق .. ). (6) كذا في الأصل. و في تحفة الأعيان للسالمى (ج2، ص128) جاء الأسم (عمر بن صالح بن محمد الغافري) (1) في الأصل (وانكسروا). (2) في الأصل (كثيرة). (3) في الأصل (عمر)،وغمر قرية صغيرة من قرى بني هناءة. (4) في الأصل (القبقين) والصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمى ج2،ص129. (5) ما بين حاصرتين من كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص315). (6) كذا في الأصل. وكذلك في تحفة الأعيان للسالمى (ج2،ص130) أما ابن زريق فقد ذكر في الفتح المبين (ص315) مانصه (فمكث محاصراً الحصن أربعة أشهر). (1) في الأصل (حجرة الخباة) وتكرر الاسم الصورة في المخطوطة. والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى. (ج2،ص131) وكذلك الفتح المبين لابن زريق (ص316) جاء في لسان العرب أن الحجرة هي الناحية، والجمع حجر وحجرات. (2) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2،ص131) (3) في الأصل (لايهتف) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2،ص131). (4) في الأصل (لم يجد). (5) أى تلقيحه. (6) في الأصل (صاروا). (7) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص131) (1) الهنائي. (2) ما بين حاصرتين لتوضيح المعنى والمقصود أهل ينقل. (3) في الأصل (عملا). (4)، (5) في الأصل (يخشى). (6) في الأصل (لم يدرون). (1) ما بين حاصرتين إضافة. (2) في الأعيان (غصن الهناوي) والصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج2 ص130). (3) يعني بلدة الغافات وحصنها. (4) العبارة غير واضحة في الأصل ونصها (حتى أتوا بسعيد بن جويد مقتولا يريه أهله ليدينوا) والصيغة المثبتة من كتاب الفتح المبين لابن زريق (ص306). (5) في الأصل (والقايد). (6) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح. (1) العبارة في الأصل مبتورة غير واضحة، نصها 0 وقع الصلح أن يسير محمد بن ناصر) (2) إبرى (3) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح (4) في الأصل (القبائل) (5) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص319) حيث جاء الاسم (محمد بن ناصر القصير) (1)، (2) مابين الحواصرإضافة لضبط المعنى. (3) مابين حاصرتين من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 319) (4) في الأصل (مكثوا) (5)، (6)، (7) ما بين الحواصر إضافة للإيضاح. (8) العبارة في الأصل بها خلط، نصها (من بيني ريام أخذوا اليعاربة أخذوا غالة البركة) [الصواب: أخذوا غالة البركة]. (9)، (10) ما بين الحواصر إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 320). (11) حربه يحربه، أي أخذ مكانه فهو محروب (لسان العرب). (1/88)
صفحة 89
ومما لا نعلم أنه فيه اختلاف، أن الإمام المدافع تسعه التقية إذا خذلته الر عية ولم يكن معنا أصح من هذا الخذلان، ولا أبين من تلك العداوة وذلك العصيان، وما جعل الله [على عباده في الدين من حرج] (1). بل الصحيح معنا أنه قد جعل لكل مدخل من دينه باب مخرج، ولعل لعاجز عن فرض من فرائضه (2) عذر وباب فرج، ولا فرق بين الإمام و الرعية، وكل منهم جاز عليه حكم القضية.
فألقى بيده (3) إلى منزله، واستسلم رجاءً أن يستر فيه ويسلم، فوصل، إليه رسول السلطان إلى مكانه يعطيه منه الميثاق بأمانه فبلغنا أنه أعطاه ذلك بلسانه، ولم يبلغنا أنه عرضه بيمين، ولا كان على باب السلطان من الوافدين، ولا من القادمين عليه والواصلين، وإنما السلطان الذي وصل إليه، واضطره إلى ذلك وجبره عليها فزالت معنا بذلك [م307] إمامته، وثبتت للعذر الواضح له ولايته.
ولا نعلم أن في الأحكام، ولا ما اختلف فيه من أمر الإمام؛ أن راشد بن الوليد – رحمه الله - يلحقه لقائل (4) في إمامته مقال، ولاطعن ولاغبر (5) في حال من الحال فلبث بعد ذلك قليلا محموداً، ومات عن قريب من ذلك مفقوداً (6).
وكان راشد بن الوليد في زمانه وأيامه، وموضعه ومكانه، مع (1/89)
صفحة 90
أرحامه والعاقدين له من أصحابه وإخوانه، في عامة أموره غريبا معدوما، ولم يكن عند أحد من أهل الخيرة في أموره معلوما ولامذموماً، فجزاه الله عن الإسلام وأهله، لما قد قام فيه من حقه وعدله، وعنا وعن جميع من عرف فضله، أفضل ما جزى إماما عن رعيته، وفضله كثير.
وكان أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر قتل في وقعة الغشب من الرستاق، وفي سيرة الإمام راشد بن الوليد، وفي طاعته.
[وكان] زوال أمر الإمام راشد بن الوليد في وقعة نزوى، وعنها زالت ولايته [م308]، وانفضت جماعته، وبان خذلان رعيته له، ولزمته التقية، وخاف من للسلطان على نفسه المنية – وكذلك الرعية – أن يقصدوه بالقتل رضاء (1) للسلطان.
ولم يرجو مستقراً في موضع من عُمان – من جلفار إلى حد رعوان -، ولا في جبال عطا، ولا في أرض الحدان والرستاق، فأدهى (2) عليه وأمر، وأعدى عليه من كل غدر وشر، والله أولى بالعذر من البشر (3) وكل من عذره الله في دينه فواجب أن يعذر ويُعان في ذات الله مما قد نزل به وينصر.
وكان راشد بن الوليد – رحمه الله – فيما ظهر إلينا في أمره ظاهر الإيمان ظاهرا عليه شواهد الفضل والإحسان، ناهيا (4) عن الشر والبهتان، صادق الفعال واللسان، ورعاً عن المحارم، مجتنباً للمآثم، (1/90)
صفحة 91
عاملا بما علم، سائلا عما نزل به ولزم، متواضعا لمن هو فوقه، متعطفا عمن هو دونه، كاظما للغيظ، بعيد الغضب، سريع الرضى، محتملا للأمة (1). حريصا (2) على إصلاح المسلمين، رؤوفا [م309] رحيما بالمؤمنين، متوحشا بمكارم الأخلاق، صبورا عند مضايق الخناق، مستقيما على الحقيقة، قاصدا قصدا الطريقة، يضرب به الأمثال، ويعجز الواصفون عن وصفه للمعال (3).
رحم الله تلك المهجة، وتلك الأوصال و وتفضل علينا وعليه بالمن والأفضال، وجمعنا وإياه على جزيل الثواب، في ثوابه وكرامته إنه أرحم الراحمين. (1/91)
صفحة 92
[صفحة بيضاء] (1/92)
صفحة 93
ذكر الأئمة المعقود لهم بعمان (1)
الخليل بن شاذان ولعله كانت (2) دولته في بضع وأربع مائة سنة (3).
ــ ثم من بعده الإمام راشد بن سعيد، ومات في الشهر المحرم، سنة خمس وأربعين وأربع مائة.
ــ ثم من بعده حفص بن راشد بن سعيد (4).
ــ ثم من بعده راشد بن علي، ومات يوم النصف من القعدة في سنة ست وسبعين وأربع مائة.
ــ ثم مات موسى بن أبي جابر المعالي بن موسى بن نجاد سنة تسع وأربعين وخمس مائة.
ــ ثم من بعده (5) محمد بن خنبش. ومات سنة سبع وخمسين وخمس مائة. وقبره على فلج [م310] الغنتق (6) [من نزوى] (7) عند جبل. (1/93)
صفحة 94
ذي الجيود (1). وأصيب أهل عمان بموته بما لم يصابوا بأحد من قبله.
ثم عقدوا للإمام مالك بن الحواري سنة تسع وثماني مائة ومات سنة اثنتين وثلاثين وثماني مائة (2)
فهذه مائتا سنة وبضع، لم أجد فيهن تاريخ أحد من الأئمة، والله أعلم. إنها كانت سنين فترة عن عقد الإمامة، أو غاب عني معرفة أسمائهم. (1/94)
صفحة 95
ذكر حوادث متفرقة
ووجدت تاريخ خروج أهل شيراز إلي عمان، ورئيسهم فخر الدين أحمد بن الداية، وشهاب الدين، وهم أربعة آلاف فارس وخمس مائة فارس. وجرى على الناس منهم أذى كثير، لا غاية له، وأخرجوا أهل العقر [من] (1) نزوى من بيوتهم خاصه، وأقاموا على ذلك أربعة أشهر في عمان. وحاصروا بهلا ولم يقدروا عليها، ومات ابن الداية، وكسر الله شوكتهم. وأصاب الناس غلاء (2) كثير، وذلك في دولة السلطان عمر بن نبهان (3)، سنة أربع وسبعين بعد ست مائة.
ووجدت أيضا تاريخاً آخر: خروج أمير من أمراء هرمرز، يسمى محمود [م311] بن أحمد الكوسي. وخرج إلي قرية قلهات. وكان المتوالي يومئذ على عُمان – والمالك لها – أبو المعالي كهلان بن نبهان، وأخوه عمر بن نبهان.
فلما نزل محمود بقلهات، طلب وصول أبي المعالي إليه، فلما حضره طلب منه المنافع من أهل عُمان، وخراج أهلها، فاعتذر أبو المعالي وقال: إني لا أملك من عُمان إلا بلدة [واحدة] (4). فقال محمود خذ من (1/95)
صفحة 96
عسكري ما شئت، وأقصد به من خالفك من أهل عُمان، فقال أبو المعالي: إن أهل عُمان ضعفاء، لا يقدرون على تسليم الخراج.
كل ذلك حمية منه على أهل عُمان، فحقد علي محمود، وأضمر له المكيدة، واستدعى (1) بأمراء البدو من [أهل] (2) عُمان، وكساهم وأعطاهم، ووعدوه النصر على أهل عُمان والخروج معه.
ثم إنه ارتحل إلى ظفار، وركب البحر. فلما وصلها (3)، قتل من أهلها خلقا كثيراً، وسلب (4) مالاً جزيلا. ورجع قاصداً عمان، فأخذ طريق البر (5)، وحمل ثقله في المراكب في البحر (6) فلما صار في طريق البر، نقص عليه الزاد، وأصابهم الجوع، حتى بلغ منُّ (7) [م312] اللحم بدينار. وأصابهم عطش كثير لقلة الماء في تلك الطريق، وقيل إنه مات من عسكره خمسة آلاف رجل، وقيل أكثر. وكان هذا سنة ستين وست مائة.
ووجدت أيضا تاريخاً: خرجت أولاد الريّس (8) على عُمان: وكان خروجهم فسخ (9) شهر شوال: سنة خمس وسبعين، بعد ست مائة وكان (1/96)
صفحة 97
المالك بعمان السيد كهلان بن عمر بن نبهان، وخرج لملتقاهم بالصحراء وخرج معه جمله من أهل العقر كافة، فسبقت أولاد الريس على العقر فدخلوها، وأحرقوا سوقها، وأخذوا جميع ما فيها، وسبو نساءها، وأحرقوا مخازن المسجد الجامع المتصلة به، وأحرقوا الكتب، وكان ذلك كله في نصف يوم، فخرج كهلان بعساكره أول يوم يوم من [ذي] (1) القعدة، واجتمعوا بالسراة، فخرجت عليهم أولاد الريس – وكانوا سبعة آلاف – فانكسرت أولاد الريّس ومن معهم من الحدان، وقتل في هذه الوقعة ثلاث مائة رجل.
فلعله كانت هذه السنون التي بين محمد بن [م313] خنبش ومالك بن الحواري (2)، سنين ملك النباهنة ولعل ملكهم كان يزيد على خمس مائة سنة إلا أنه كان فيما بعد هذه السنين بعقد الأئمة، والنباهنة ملوك في شيء من البلدان، والأئمة في بلدان أُخر. (1/97)
صفحة 98
[صفحة بيضاء] (1/98)
صفحة 99
أئمة القرنين التاسع والعاشر
ثم عقد بعد موت مالك بن الحواري (1) سبع سنين لأبي الحسن [ابن خميس] (2) بن عامر، وذلك يوم الخميس في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وثماني مائة. ومات سنة ست و أربعين بعد ثماني مائة، يوم السبت واحد وعشرين من القعدة.
الإمام عمر بن الخطاب بن محمد:
ثم عقدوا للإمام عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد بن شاذان (3) بن صلت [بن مالك الخروصي] (4)؛ سنة خمس وثمانين وثماني مائة، وهو الذي حاز أموال بني نبهان (5)، وأطلقها لمن عنده من الشراة، وكان زائدا فيها، وأمر فيها بأوامره.
وذلك أن المسلمين اجتمعوا ونظروا في الدماء التي سفكها آل نبهان، والأموال التي أخذوها واغتصبوها بغير حق، فوجدوها أكثر من قيمة أموالهم، وكان يومئذ القاضي [أبو عبدلله] محمد (6) بن سليمان بن أحمد بن مفرج [م314] وكيلا لمن ظلمه آل نبهان من المسلمين من أهل عمان. وأقام أحمد بن عمر بن أحمد بن مفرج وكيلا لملوك (7) آل نبهان. (1/99)
صفحة 100
فقضى أحمد أن جميع مال آل نبهان من أموال وأرضين ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية وغلة، وجميع مالهم كائناً (1) ما كان [قضاء واجباً تاماً] (2) وقبل محمد بن عمر (3) هذا القضاء (4) للمظلومين من أهل عُمان، من غاب منهم أو حضر، أو كبير أو صغير، الأنثى منهم والذكر.
فصارت هذه الأموال بالقضاء الكائن الصحيح للمظلومين، وقد جهلوا معرفتهم ومعرفة حقوقهم، ولم يحيطوا بهم علما، ولم يدركوا له قسما.
فصار كل مال لا يعرف قسمه، مجهولون أربابه، راجعاً إلى الفقراء. والإمام العدل – عند وجوده – أولى بقبضه، ويصرفه في إعزاز دولة المسلمين، والقيام بها، وكل من صح حقه وأثبته، فهو له من أموالهم، ويحاسب بالتجزئة (5) لما يصح له بقسطه إن أدرك ذلك،، وإن لم يدرك التجزئة، ولم يحط بها، فذلك النصيب غير معلوم، وهو مجهول للفقراء [م135] [وللإمام أن] (6) يقبض الأموال المغيبة، وأموال الفقراء، وما لا رب (7) له، ويجعله في إعزاز دولة المسلمين.
فقد صح هذا القضاء والحكم فيه،" فمن بدله بعد ما سمعه، فإنما (1/100)
صفحة 101
إثمه على الذين يبدلونه، إن الله سميع عليم " (1)
وكان هذا القضاء عشية الأربعاء، لسبع أو تسع ــ ليال خلون من جمادى الآخر، من سنة سبع وثمانين وثماني مائة وكان هذا في عقده الثاني، لأنه لما نصب أولا (2) أقام سنة، وخرج عليه سليمان بن سليمان [بن مظفر النبهاني]، فانكسر، وعسكر بحممت من وادي سمائل، لعله وادي بني رواحة، ثم نصبه ثانية [الشيخ] (3) محمد بن سليمانبن أحمد بن مفرج القاضي، في سنة أربع وتسعين بعد ثماني مائة من الهجرة.
ثم نصب [من بعده] عمر الشريف، وأقام سنة، ثم خرج إلى بهلا فنصب أهل نزوى محمد بن سليمان ثانية، ثم عقدوا لأحمد بن عمر بن محمد الربخي (4)، ثم عقد لأبي الحسن بن عبد السلام [النزوي] (5)، وأقام دون السنة ثم خرج عليه سليمان بن سليمان [بن مظفر النبهاني] (6) ثم نصب محمد بن سليمان أيضا، [م316] وأقام أياما.
الإمام محمد بن إسماعيل الحاضرى:
ثم عقد لمحمد بن إسماعيل (7)، الساكن حارة الوادي الغربية، من (1/101)
صفحة 102
سكة [باب النزار من أزكي] (1) وسبب ذلك أن سليمان بن سليمان هجم على امرأة تغسل من فلج الغنتق، فخرجت من الفلج هاربة عريانه، فجعل يعدو في أثرها حتى وصل حارة الوادي، فرآهما محمد بن إسماعيل، فخرج إليه وقبضه عنها، وصرعه على الأرض، حتى مضت المرأة، ودخلت العقر (2)، وخلّى (3) سبيله.
فعند ذلك فرح به المسلمون لما رأوا من قوته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتصبوه إماما، وذلك في سنة ست وتسع مائة [ومات] (4) يوم الخميس لتسع ليال بقين من شوال سنة اثنين وأربعين وتسع مائة.
بركات بن محمد بن إسماعيل:
ونصب ولده بركات في اليوم الذي مات فيه ابوه.
ثم لما كان يوم السبت لعشر ليال بقين من المحرم سنة خمس وستين بعد تسع مائة، خرج بركات بن محمد [من] (5) حصن بهلا [يريد نزوى] (6) ودخله محمد بن جفير بن علي بن هلال الجبري، وذلك بعد أن دخل السلطان الاعظم [م317]ـــ سلطان بن المحسن بن سليمان بن نبهان ـــ نزوى، وملكها في سنة أربع وستين بعد تسع مائة. (1/102)
صفحة 103
ثم ثبت حصن بهلا قي يد محمد بن جفير، إلي أن اشتراه منه آل عمير، بثلاث مائة لك، ودخل آل عمير حصن بهلا يوم الثلاثاء لتسع ليال بقين من جمادى الآخر سنة سبع وستين وتسع مائة.
ولعل كان الإمام عمر بن قاسم الفضيلي في أيام عبدلله بن محمد القرن (1) في منح، يوم الجمعة لخمسة عشر يوما من رجب سنة سبع وستين وتسع مائة. زدخل حصن بهلا يوم الإثنين لليلتين بقين من هذا الشهر من هذه السنة.
ثم لما كانت (2) ليلة الأربعاء لثلاث يقين من شهر رمضان سنة ثماني وستين وتسع مائة، دخل بركات بن محمد بن إسماعيل حصن بُهلا، وأخرجوا منه عبدلله بن محمد القرن ’ وكان الفقية أحمد بن مداد يبرأ من محمد بن إسماعيل وولده بركات بن محمد، وله في ذلك سيرة طويلة تركتها اختصاراً. (1/103)
صفحة 104
[صفحة بيضاء] (1/104)
صفحة 105
ملوك بني نبهان الأواخر
قيل أنه لما مات [م318] سلطان بن المحسن ـــ وكان موته يوم الأثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وتسع مائة (1)، ترك ثلاثة أولاد، وهم: طهماس بن سلطان، وسلطان بن سلطان، و مظفر بن سلطان (2).
وكان المظفر هو المتقدم عليهم في الملك، إلي أن مات وترك ولده سليمان صغيرا، لا يقوم برئاسة (3) الملك وكان عم أبيه ـــ فلاح بن المحسن مالكا لحصن مقنيات فلما علم بموت مظفر، جاء إلي بهلا، وأقام مكانه، وعدل في ملكه وملك سبع سنين، ثم مات.
فملك بعده سليمان بن مظفر، وهو ابن اثنتي عشرة سنة (4) واستولى على الأمر في عُمان ونواحيها، وأخذ خراجها من الطائع (5) والعاصي، والداني والقاصي وحاربه أهل نزوى، وكان معه جبري يقال له محمد بن جفير، وعنده جيش عظيم فطلع إليه سليمان بن مظفر، وعرار بن فلاح، وعندهم ناصر بن قطن، ومن معهم من العساكر.
فلما [م319] التقوا ـــ هم ومحمد بن جيفر ـــ استقام بينهم القتال، فقتل (1/105)
صفحة 106
محمد بن جيفر، وانكسر قومه. وكان قطن بن قطن ينتظر الأمر بينهم، فنادى بالكف بين القوم عن القتال.
وكان محمد بن جيفر [له ولد صغير السن] (1) ـــ واسمه محمد بن محمد ــــ وأمه بنت عمير بن عامر، فتزوجها سليمان بن مظفر، بعدما قُتل زوجها [محمد بن جفير] (2) فركب [سليمان] (3) بها البادية، فكان بالشتاء ببادية الشمال، ويترك ابن (4) عمه عرار بن فلاح ببهلا، و إذا جاء الصيف رجع إلي بهلا.
وكان مهنا بن محمد الهديفي مالكا بلد صحار، فعلم أن العجم متأهبون إليه، أرسل إلي سليمان مظفر لينصره عليهم، فلبّى (5) دعوته، وأطاع كلمته فخرج بمن عنده من العسكر، وتكاملت القوم بصحار، ووصلت إليهم العجم، فاستقام بينهم القتال، وعظم النزال، وارتفع العجاج، وأظلم الفجاج، فانكسر جيش العجم، وقتل منهم من (6) شاء الله.
ورجع سليمان بن مظفر إلي داره بهلا، وعند بنو عمه، وهم عشرة: عرار، ونبهان، ومخزوم، وأولاد فلاح بن [م320] المحسن، وكان المقدم عليهم عرار، و أخوه نبهان، فلا يملك رأيا دون أخيه، وكان لعرار (7) بن فلاح ملك الظاهره، وأعطى (8) سليمان بن مظفر مخزوما (9) (1/106)
صفحة 107
ملك ينقل، فبقي (1) عندهم تسعة، أحدهم حمير بن حافظ وعنده أربعة: حافظ وسلطان وكهلان وهود، كلهم أولاد حمير فمات حافظ بن حمير بعد رجوعهم إلي بهلا بسنة زمانا (2) وبقي معه من بني عمه إثنان من العشرة: مهنا بن محمد بن حافظ، وعلي بن ذهل بن محمد بن حافظ، وهم على يدي (3) سليمان بن مظفر.
وكان لسليمان وزراء في القرية، وفي النزار من قرية أزكي، وفي سمد الشان، وكانت سمد الشان لقبيلة الجهاضم. وكان جائر (4) عليهم، ففروا منها من شدة جوره وبطشه، فتفرقوا في البلدان مدة ثلاثين سنة، وهم يحتالون في دخولها، والتوصل إليها.
وكان بنو هنأة من أقرب الناس إلي سليمان بن مظفر، وكانوا أكثرهم عددا وعدة، وبأسا وشدة، وكان فيها رجلان [م321] يليان أمرهم، وهما خلف بن أبي سعيد، وسيف بن محمد بن أبي سعيد، وكانا عنده قدوة أهل زمانهم، [فافترقوا] (5).
وكان سبب الفرقة بينهم، أن قبيلتين من أهل سيفم، إحاهما بنو معن ولأخرى بنو النير [اقتتلتا] (6)، وكانتا عصبة لبني هنأة، وخصمهم واحد ثم وقعت الفرقة بين بني المعن وبني النير، وسبب ذلك أن امرأة من بني معن. (1/107)
صفحة 108
دخلت زرعا لبني النيّر تحش منه، فمرت عليها أمة رجلٍ من بني النيّر، فقالت: " اخرجي من زرع سيدي". فأبت؛ فوقع بينهما الجدال. فضربت الأمة المرأة، ففقأت عينها. فخرج ذات يوم حمار ابني النَّير ودخل زرعا لبني معن، فقطعت أذنه، فوقعت الفتنة بينهما، وكان " هذا من عمل الشيطان. إنه عدو مضل مبين ". (1)
وأصل الفتنة كالنار اليسيرة، تحرق الأشياء الكثيرة، فافترق عند ذلك القوم فرقتين: فأما بنو معن وبنو شكيل فهم مع [سليمان بن] (2) مظفر؛ وبنو النيّر مع بني هناة.
فعند ذلك سار خلف بن أبي [م322] سعيد إلي داره ـــ دارسيت ـــ، هو وبنو عمه، وكان سليمان بن المظفر بالبادية، فعلم بذلك، وأرسل إلي وزيره محمد بن خنجر أن قل لخلف يترك شأن القوم عن ذلك، [وأظهروا أنهم] (3) يريدون الإصلاح بين بيني معن وبني النيّر فأرسل الوزير إلي ملاه سليمان (4): إن خلفاً غلب (5) عن التكفية. فندب سليمان بن المظفر إلي الوزير: تراك افعل في أموال بني هناة من الغزية من كدم، فأمر الوزير بخراب أموال بني هناة من كدم.
وكانت تلك الأموال للشيخ (6) خلف بن أبي سعيد فوقعت العداوة والبغضاء بينهما، وعند ذلك أمر الشيخ خلف بني عمه أن اغزوا بهلا؛ (1/108)
صفحة 109
فغزوها، فقتلوا من قتلوا منها، فكتب الوزير محمد بن خجر إلي سليمان بن المظفر بما جرى في بهلا.
فلما علم سليمان ذلك قصد من الشمال إلي بُهلا، وأراد الصلح بينه وبين [بني] هناة، فلم يقع صلح، وهيأ كل واحد منهما الحرب لصاحبه؛ فجمع السلطان سليمان (1) [م323] بن المظفر ما عنده من العسكر ليقاتل بني هناة. فعلم بذلك الشيخ [خلف] (2)؛ فأرسل إلي الأمير (3) عمير بن حمير ملك سمائل ينتصر به على السلطان [سليمان] (4) بن المظفر، فسار بعسكره إلي غبرة (5) بهلا، فالتقى هو والأمير عمير بن حمير فاستقام الحرب بينهما ساعة من النهار؛ ثم رجع سليمان ر عمير بن حمير فاستقام الحرب بينهما ساعة من النهار؛ ثم رجع سليمان إلي بهلا.
ورجع الأمير عمير إلي سمائل، وترك بعض قومه في دارسيت وكان الأمير عمير ذا خلق حسن واسع فلما وصل إلي سمائل، أرسل إلي بني جهضم ـــ وهم متفرقون في في قرى شتى ـــ فأقبلوا إليه، فوقعت (6) بينه الألفة واثبات الصحبة، ثم أرسل إلي سلطان الرستاق ــ[وهو] مالك بن أبي العرب ــ ليصله (7) إلي سمائل، فسار مالك بن أبي العرب، وصحبه أبو الحسن علي بن قطن، فلما وصلا إلي سمائل، ساروا مع بني جهضم إلي سمد الشان، وبنو لهم بنيانا حول دارهم، وترك عندهم الأمير البعض من قومه، وترك لهم ما يحتاجون له من الطعام والشراب وآلة الحرب؛ ورجع [م324] إلي سمائل. (1/109)
صفحة 110
وأما بنو هنا وسليمان بن المظفر، فإنهم لم تنقطع بينهم الغزوات. ثم إن الأمير عمير بن حمير، والسلطان مالك بن أبي العرب وزير في عيني من الرستاق، فدخل عليه أهل الدار، وأخرجوه منها وجاء رجل من أهل عيني إلي وسليمان بن المظفر، يطلب منه النصر على الخصم، فأعانه ببعض قومه، وأرسل معه عرار بن فلاح (1).
فجاء الخبر إلي السلطان مالك بن أبي العرب، لما جرى في داره، فأراد المسير إلي داره، فقال له الأمير عمير " قف معنا ولا تخف؛ فهذا من علامات السرور ". فقال: "كيف ذلك والعدو في داري؟ ". فقال الأمير عمير (2): ذلك عندي! وإنا إن شاء الله من الغالبين، قال الله تعالى (إن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا) (3). وكما قال الشاعر:
إذا الحادثات بلغن المدى
وكادت تذوب لهن المهج
وحل البلاء وقلَّ العزى
فعند التناهي يكون الفرج
[م325] ثم أن بني هناة أرسلوا إلي عمير بن حمير أن أقبل علينا بمن عندك من القوم لندخل بهم بهلاء، فسار هو ومن معه إلي بعض الطريق، فنظر إلي قومه، فاستقل عددهم فرجع إلي نزوى، وكان (4) بنو هناة ينتظرونه في ليلة كانت بينهم للدخول (5) فلم يصل إليهم، فسار إليه الشيخ سيف بن محمد من دارسيت إلي نزوى، وجرى بينهم جدال كثير من باب العتاب. فقال الأمير عمير بن حمير: خذ من القوم ماشئت، فأخذ من عنده قوما كثيرا، لا يعلم عددهم إلا الله، فسار بهم إلي دارسيت، و الأمير عمير ينتظر الأمر بنزوى. (1/110)
صفحة 111
فجاء الخبر إلي سليمان بن المظفر أن القوم طلعوا من نزوى إلي دارسيت فمنهم من يقول قاصدون للقرية، ومنهم من يقول سيفم، ومنهم من يقول بهلاء، فقسم سليمان قومه، فجعل قوما منهم في القرية، وبعضا في سيفم وبنى (1) بنيانا في رأس [فلج الجزيين] (2)، مخافة أن تضر به القوم [وترك فيه (3) قوما، وقسم بقية القوم [م326] في بهلاء، وترك في الخضراء جماعة (4) من قومه، [وكذالك] (5) في حارة الغاف، وترك في الجامع من البلاد حمير بن حافظ ومن عنده من القوم، وقسم بقية قومه في العقر، وكان ابن عمه عرار بن فلاح ومن معه من القوم في عيني [من] الرستاق (6).
فسار سيف بن محمد بقومه من دارسيت إلي بهلاء ودخلها، وكان دخوله من الجانب الغربي (7)، فتسوروا السور، ودخلوا البلاد. وكان ذلك منهم ضربة لا زب، ولم يشعر بهم أحد، وقسم سيف قومه
ثلاث فرق: فرقة باليمن، و فرقة بالشمال، و فرقة بالوجه وهي التي تلي (8) الجامع من البلاد. وأحكم أمره في الأماكن المختارة للقتال، لمسجد (9) الجامع ومسجد بني عمر (10) وجميع أبواب العقر، فما بقي لسليمان بن (1/111)
صفحة 112
المظفر شيء غير الحصن والخضراء، بعد ما قتل من سادات قومه وفرسانه تلك الليلة.
ونادى سيف بن محمد بالأمان في البلاد، وكان بعض أهل البلد معه. وجاء الخبر إلي (1) الأمير عمير بن حمير ـــ وهو في [م327] نزوى ـــ أن قومك دخلوا بهلا، فركب عند ذلك هو و الأمير سليمان بن محمد والسلطان مالك بن أبي العرب، والمنصور علي بن قطن، وأهل نزوى وركب خلف بن أبي سعيد الهنائي (2) من دارسيت بمن عنده من القوم، لينصروا أصحابهم، وكان دخولهم ليلا. ونزل الأمير عمير بحارة الغاف، وكانت الخضراء (3) في ملكى السلطان بن المظفر، وفيها علي بن الزانة، فورد علي بن ذهل على قومه يحرضهم على القتال، فلم يجبه أحد منهم وعزموا على الخروج.
ووصل الخبر إلي عرار بن فلاح، وهو في عيني من الرستاق، أن القوم دخلوا بهلا، فنهض من عيني بمن معه، ودخل القرية وكانت القرية في ملكهم.
وكان عمير بن حمير وسيف بن محمد لم يشاكهما أحد في البلاد إلا الحصن وهم محدوقون به، وصنعوا في شجرة الصبار التي في السوق برجاً من [م328] خشب، في أعلا رأسها ـ باليل ــ وقعد فيه رجل من الجهاضم بقال له جمعه بن محمد المرهوب، فضرب رجلا من الحصن ـ وكان خارجا من القصبة إلي بيت الوزير ـــ ومات وعمل قوم الأمير برجا في (1/112)
صفحة 113
الجامع، فضرب صاحب البرج رجلا من الحصن في مبرز الغرفة من عسكر سليمان.
ثم إن القوم قشعوا [سور] (1) الحصن باليل، فلما انهدم بعض الجدار، علم بهم عسكر سليمان فمنعوهم من الدخول، ثم إن العسكر طلبوا من سليمان الخروج من الحصن مخافة القتل، فأقاموا ثلاث عشرة ليلة (2)، فأذن لهم، فطلبوا من الأمير عمير أن يسيرهم، [فسيرهم] (3). بما عندهم من الزانة، وسير معهم وزيره.
ثم طلع سليمان بن مظفر ـــ هو وبنو عمه وعسكره ـــ مسيّرين من بهلا إلي القرية، وخرج ـــ هو و عرار بن فلاح ـــ من القرية إلي الظاهرة، فأمر بعد ذلك الأمير عمير بن حمير بقشع الحصن، فقشع ولم يبق منه عمار ولا جدار، هذه قدرة الله، " يؤتي ملكه من يشاء، والله [م329] واسع عليم " (4)
وجعل عمير، خلف بن أبي سعيد، مأمونه في بهلا، ورجع إلي سمائل، فأقام خلف بن أبي سعيد في بهلا أربعة أشهر، ثم خرج عيه سليمان بن المظفر وابن عمه عرار بن فلاح، فدخلوا عليه الخضراء (5) وهو في العقر. وكانت هذه الدخلة ليلة رابع ربيع الأول سنة تسع عشرة بعد ألف سنة. وكان سيف بن محمد ـــ هو وبعض قومه ـــ في السر، فأرسل سليمان بن المظفر لخلف بن أبي سعيد، ليسيره (6). بما عنده من الزانة فخرج
(م8ــ تاريخ عمان) (1/113)
صفحة 114
خلف مسيّرا وأخذ الأمان على أهل البلده، فمنهم من قام، ومنهم من خرج خوف السلطان.
فلما علم سيف بن محمد هذا الخبر، جاء من السر، وعلم به الأمير عمير بن حمير، فأقبل من سمائل إلي نزوى، ومضى إلي القرية، فأخذها ووهبها لسيف بن محمد، فكان مأمونه فيها، ثم رجع إلي نزوى ينتظر الأمر مدة أيام.
فمات سليمان بن المظفر، وكان له ولد صغير السن فملك من بعده [م330] عرار بن فلاح.
ثم طلع سيف بن محمد إلي نزوى، وأخذ من الأمير عمير قوما كثيرا، فسار بهم إلي القرية، فلبثوا سبعة أيام، ودخل بهم حارة من بهلا ـــ اسمها حارة أبي مان ـــ فأحدق بهم عرار بن فلاح مدة أيام.
ثم إنه سيرهم بما عندهم من الزانة، وثبت له حصن [القرية] (1)، وتجديد الخدمه مدة سنة، وكانت هذه الدخله ليلة سادس صفر، سنة أربع وعشرين سنة بعد الألف.
ثم مات بعد ذلك عرار بن فلاح، وكان موته لعشر ليال خلون من شهر الحج من هذه السنه. وملك من بعده مظفر بن سليمان، وأقام في ملكه مدة شهرين، ثم مات. وملك من بعده مخزوم بن فلاحىمدة شهري زمان، فخرج عليه نبهان وسيف بن محمد، ليخرجاه من الحصن، فطلب التسيار (2)، فسيروه بلا زانه ولا سلاح، وكان خروجه إلي ينقل، من الظاهرة، فتولى الأمر على [أصحابها مدة من الزمان، وأقام (1/114)
صفحة 115
ببهلا بنهان بن فلاح، وجعل] (1) ابن عمه ـــ علي بن ذهل ـــ مأمونه في دار بهلا، وعلى أثره سيف بن محمد، وسار نبهان بن فلاح إلي داره مقنيات، وساعد ابن عمه سلطان بن حمير [م331] من بهلا خوفا منه أن يحاول [الاىستيلاء] (2) على الملك، فسار سلطان بن حمير من بهلا إلي صحار، فتولى مكانه ذلك الأمر سيف بن محمد مدة سنة.
ثم طلع بعد ذلك الأميرعمير بن حمير بما عنده من القوم إلي بهلا، فمنعه سيف بن محمد من الدخول، فرجع هو وقومه إلي نزوى ينتظر الأمر، ثم بعد أيام رجع عمير وقومه إلي بهلا ودخل العقر، وكان سيف بن محمد في بلاد سيت (3)، فعلم بذلك الأمر، فنهض من بلاد سيت بمن عنده من القوم، ودخل الحصن ولم يمنعه أحد، ثم أرسل إلي نبهان بن فلاح أن القوم دخلوا الدار، فأقبل بمن عندك من العسكر، فأقام مدة أيام يجمع (4) عساكره.
وكان الأميرعمير بن حمير قد أحكم مقابض البلد، من أولها إلي آخرها. وأقام سيف بن محمد بالحصن مدة ينتظر نبهان وقومه، فلم يصل إليه. ثم طلب سيف تسياراً من الأميرعمير بن حمير، فسيره بما عنده من الزانة، فقصد القرية.
وأقام عمير [م332] بن حمير في بهلا مدة أيام. ثم إنه أرسل إلي سيف بن محمد، فوقعت بينهما يمين على الصحبة. فأقام سيف على ولاية الرعية، وعدل فيها وكان متولي الأمر على بني عمه (5) وهم له ناصحون. (1/115)
صفحة 116
ولما استحكم الأمر لسيف بن محمد (1)، كان سلطان بن حمير، ومهنا بن محمد بن حافظ، وعلي بن ذهل بن محمد بن حافظ ـــ[و] (2) ومسكنهم يومئذ صحار ـــ مع محمد بن مهنا الهديفي، وكان محمد بن مهنا أراد أن يدخل بهم على ابن عمهم نبهان بن فلاح في مقنيات ليصلح بينهم وكان مخزوم بني (3) حصن ينقل، فلم يقع بينهما صلح، فطلع بعد ذلك سلطان بن حمير. وعلي بن ذهل بما عندهما من العسكر.
فجاء الخبر إلي عمير بن حمير ـــ وهو في سمائل ـــ أن سلطان بن حمير سار بقومه من الظاهرة، ليدخل بهم بهلا، فطلع هو وقومه من سمائل إلي بهلا ينتظر الأمر، ودخل سلطان بن حمير النبهاني حارة بني صلت، فجاء الأميرعمير بن حمير بقومه، وعلى أثره سيف بن محمد، ووقع بينهم القتال، [م333] وبنوا عليهم بنياناً على الحارة من أولها إلي آخرها.
وأرسل الأمير عمير بن حمير إلي أصحابه من جميع القرى، وطلع إليه الشيخ ماجد بن ربيعة بن سليمان الكندي، وعمر بن سليمان العفيف، والشيخ سعيد بن أحمد بن أبي سعيد الناعبي، مع سادات أهل نزوى ومنح.
وأقام سليمان بن حمير ـــ هو وقومه ـــ محصورين مدة، لم يخرج منهم أحد، ولا يدخل إليهم أحد، فطلب عند ذلك سليمان بن حمير من الأميرعمير بن حمير تسيارا، والخروج. وسيره ومن معه ـــ بما عنده من الزانة ـــ إلي الظاهرة.
وأقام سلطان في مقنيات مدة أيام، فأوجس نبهان منهم خفية، أن (1/116)
صفحة 117
يخرجوه من مقنيات، فأخرجهم منها فخرجوا ومضوا إلي صحار، عند الهديفي محمد بن مهنا، وأقاموا معه سنة زماناً (1).
ثم إن سلطان بن حمير أشار على محمد بن مهنا أن يغزوا دّير (2) عمير بن حمير، وهي في باطنة السيب (3). وكان الدير للأمير سنان بن سلطان، والأميرين (4) [م334] علي بن حمير، وسعيد بن حمير (5) فركب محمد بن مهنا، وسلطان بن حمير وقومهما من صحار.
فجاء الخبر إلي الأمراء ـــ وهم سنان بن سلطان، وعلي وسعيد ابنا حم ابنا حمير ـــ أن القوم طلعوا من صحار فما كان إلا قدر ما يخلع الرجل نعليه (6)، أو يغسل رجليه، حتى أقبلت العساكر، وسلت البواتر من البر والبحر، والسهل والوعر، ووقع القتال، وعظم النزال، حتى بلغت القلوب الحناجر. وقتل عند ذلك الأمير علي بن حمير، وانفصل [القتال] (7) ورجع محمد بن مهنا. فعلم ذلك الأمير عمير بن حمير بما جرى على إخوته وبني عمه، وهو في بهلا، فاعتقد عقيدة الحزم، وتسربل بسربال العزم، أن لا يرجع عن صحار حتى يحصدهم بالسيف ويحرقهم بالنار، ويبيد شملهم بكل دار، فأخذ في جمع عساكره من البر والبحر، فاجتمع مع قوم لا يحصى عددهم إلا الله، وركب إلي مسكد (8) ليحمل قوما من البحر. (1/117)
صفحة 118
وأرسل إلي ملك هرموز لينتصر به، فنصره بعدة من المراكب فملؤوها [م335] من المال والرجال وآلة الحرب.
وكان قد وصل مركب من الهند بعسكر كثير، وفيه آلة الحرب فردته (1) الريح إلي مسكد، فأخذه الأمير عمير بن حمير، وسار هو ومن معه من النصارى وغيرهم.
وأقام الأمير عمير بقومه في باطنة السيب سبع ليال، فعلم بذلك محمد بن جيفر [فتوجه بقومه لينصر محمد بن مهنا، فدخل محمد بن جيفر] (2) وقومه بصحار، وفرح به محمد بن مهنا، فأدخله الحصن، وكان بينهما بعض المقاصيد ساعة من النهار فأمر محمد بن جيفر عبده [ليقبض على] (3) محمد بن مهنا، فرمى نفسه، من سور الحصن، وندب قومه ـــ وكان بعض قومه في برج داخل الحصن ـــ فوقع القتال بينهم ساعة من نهار وطلع محمد بن جيفر بقومه من صحار، فبلغ هذا الخبر إلي الأمير عمير بن حمير، فتوجه إلي صحار بمن معه بر وبحر. ودخل صحار نهار تسعة عشر من ربيع الآخر (4)، فاستقام بينهم القتال من أول النهار إلي الليل، وانفصل القتال.
ثم بعد ذلك بيوم أو يومين هبطت النصارى من المركب [م336]، بما عندهم من آلة الحرب، وكانو يجرون قطع القطن قدامهم، ليتقوا (5) بها ضرب البنادق، وكان عندهم مدافع تسير على أعجال الخشب في البر؛ وعليها سور من الخشب.
وكان في جانب الدار برج لمحمد بن مهنا (6)، فيه عسكر كثير، فجرت (1/118)
صفحة 119
عليه النصارى قطع القطن، وضربوه بمدفع (1)، حتى انهدم البعض منه. وخرج منه القوم، فدخلته النصارى فعلم محمد بن مهنا بذلك، فندب قومه. فوقع بينهم القتال على البرج باليل. فقتل عند ذلك علي بن ذهل، وقتل محمد بن مهنا الهديفي، وأقام بعد ذلك سلطان بن حمير بن محمد بن حافظ النبهاني، وأخوه كهلان بن حمير، وابن (2) عمه مهنا بن محمد بن حافظ، وعسكرهم، في الحصن، بعدما قتل محمد بن مهنا الهديفي.
فلما علم الأمير عمير ين حمير أن سيد القوم قتل، ندب قومه في القتال، وكان القتال بينهم في النخل، ثم طلع عمير ين حمير بمن معه من تلقاء جامع البلد، فلم يمنعه أحد، فقتل [م337] عند ذلك سلطان بن حمير. فانكسر القوم (3)، فصاروا أشتاتاً متفرقين، فمنهم من قتل، ومنهم من أحرق، ومنهم من أسر، ومنهم من رجع، ومنهم من خرج ذاهباً على وجهه لا يدري أين يتوجه، ولا أين يذهب، وعلى هذا جميع أهل البلد بأجمعها، من أولها إلي آخرها، وأقام النصارى (4) في حصن صحار، ورجع الأمير إلي بلدة سمائل خذلانا، لامسروراً.
وكان مخزوم بن فلاح متولياً حصن ينقل وقبض منهم [على] (5) رجلين فأمر عبداً له ليقتل واحداً منهما، فسل عليه السيف ليضربه فاستجار به، فلم يجره، فضربه ضربة واحدة ثم عاد ليضربه ثانية، فاستجار به فلم يجره، فلما أراد أن يضربه ثالثة، استجار به ثالثه ة فأهوى إليه ليمسك فمه، والعبد قد أهوى إليه بالسيف، فضرب يد (6) مخزوم، (1/119)
صفحة 120
وأقام سبعة أيام بجراحه، ومات منها (1). وأما الرجل، فإنه سحبه العبد ـــ يظنه ميتاً وبه رمق الحياة ـــ فمر به رجل من [م338] أهل البلد، فقال " من يعينني على مواراة هذا الرجل؟ ".فنطق الجريح فقال "إنني حي." فحمله على كتفه، وأدخله البيت، فعوفي من جراحه (2)، وعاش بعد ذلك زماناً، والله على كل شيء قدير، وكان هذا بعد أن دخلت صحار بثلاثة أشهر.
فلما علم نبهان بموت أخيه، ركب من مقنيات إلي ينقل (3)، وترك بعض عسكره في حصن مقنيات، وكانوا قد أملوه من كثر جوره وبغيه، فعزموا على إخراجه من مقنيات، فتوجه ـــ رجل ـــ إلي الأمير عمير بن حمير، وسيف بن محمد، لينتصر بهما (4) فسار الأمير [عمير] (5) وسيف بن محمد بمن معهما من القوم، ودخلوا حصن مقنيات بلا منع ولاقتال، وأقاموا مدة أيام، ثم ركبا ببعض (6) قومهما إلي ينقلفعلم بذلك نبهان بن فلاح، فخاخ منهما على نفسه، فركب [م339]ــ هو وأربعة من عساكرة ــ بلازانة، وقصدوا إلي دار أخواله الريايسة، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة ست وعشرين بعد الألف.
وأقام الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد بينقل أياما ثم إن عميراً وهب البلاد لأهلها يأكلون هنيئا مريئاً، ورجع إلي مقنيات. ثم أرسل إلي أهل (1/120)
صفحة 121
البلد، فسألهم عما كان يأخذ عليهم نبهان، فقيل إنه كان يأخذ نصف غلة النخل وربع الزرع، فاقتصر عليهم الأمير عمير بن حمير بعشر الزرع. وأما أموال السلطان [فهي] (1) لمن أقام بالحصن، وجعل [في الحصن] عمر بن محمد بن أبي سعيد، ورجع الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد إلي بهلا.
ثم إن نبهان بن فلاح أخذ جنوداً من أخواله ـــ آل الريس ـــ ووصل بهم إلي الظاهرة، ودخل فدى، وأقام فيها مدة أيام، ثم جاء أحد ممن كان له مصاحبا من أهل ينقل من قبل، فقال له: " نحن ندخلك البلد، ونثبت قدمك، ونشد عضدك، وننصرك [م340] على القوم، ونستفتح لك الحصن ": فسار بقومه، وأدخله ينقل ليلة النصف من ربيع الآخر، سنة ست وعشرين بعد الألف، وحكم مقابض البلاد من أولها إلي آخرها، إلا الحصن، وكان فيه قبيلة من بني علي، فتحصنوا، وأحدق بهم نبهان، واستقام بينهم القتال. فخرج رجل من أهل الحصن، ومضى [إلي] (3) الأمير قطن بن قطن.
وكان الأمير يومئذ ناصر بن ناصر، فركب معه محمد بن محمد بن محمد بن جيفر، وعلي بن قطن بن قطن، و بن قطن بن علي هلال، وناصر بن ناصر بن قطن، بما عندهم من القوم، وكان مسكنهم ببادية الشمال، فساروا حتى ينقل، فاستقام بينهم وبين نبهان بن الفلاح القتال، واشتد الطعن والنزال، وارتفع العجاج، وارتجت الفجاج، فانكسر عسكر [السلطان] (4) نبهان بن فلاح، فمنهم من قتل، ومنهم من طلب التسيار فسير، ومنهم من مضى على وجهه. (1/121)
صفحة 122
وبلغ الخبر إلي سيف بن محمد الهنائي (1) أن نبهان بن فلاح دخل [م341] ينقل، فخرج بعساكره ليقاتل نبهان، فلما كان ببعض الطريق، بلغه ما وقع على السلطان نبهان بن فلاح من الأمر الكائن والقدرة الغالبة، فرجع (2) بعسكره إلي بهلا.
وأما الأمير عمير بن حمير، فإنه كان يومئذ يجمع الجموع لينصر بهم السلطان مالك بن أبي العرب اليعربي على بني لمك، فأمده بعساكر جمة، وكانت الدائرة (3) على بني لمك. (1/122)
صفحة 123
أئمة القرن الحادي عشر
ولبث سيف بن محمد الهنائي (1) في بهلا، وآل عمير في سمائل، و مالك بن أبي العرب اليعربي في الرستاق، والجبور في الظاهرة، إلي أن ظهر الأمام ناصر بن مرشد اليعربي ــ رحمه الله ــ واستفتح جميع عمان، ودانت له كاقة البلدان، وطهرها من البغي والعدوان، والكفر والطغيان، وأظهر فيها من العدل والأمان، وسار في أهلها في الحق والإحسان، إلي أن توفاه الله إي دار الرضوان؛ ومن عليه وعلينا بالمغفره والرضوان، إنه كريم منان.
الإمام ناصر بن مرشد:
وسنشرح [م342] ظهوره بعد أن بغى أهل عمان بعضهم على بعض بالاغتصاب والنهب، وصار بعضهم على بعض كالذئاب (2)، وانهمكوا في الهوان والعذاب، لهم نفوس عالية، وقلوب ضارية؛ وهمم متطاولة منزوعو الرحمة، ويطلبون لأنفسهم القمة، وسلب الله منهم النعمة حتى أيدهم الله بالإمام المسدد، والهمام الممجد، ناصر بن مرشد.
وكان ظهوره [بعدما اشتدت الفتن] (3) بين أهل الرستاق، [ووقعت] (4) إحن بينهم وشقاق، وسلطانهم يومئذ ماللك بن أبي العرب (1/123)
صفحة 124
اليعربي، فاستشار أهل العلم، [و] (1) أهل الإستقامة في الدين، أن ينصبوا لهم إماما يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، فأمضوا نظرهم؛ وأجالوا فكرهم، من يكون أهلا لذلك، والقدوة يومئذ الشيخ العلم خميس بن سعيد بن علي الشقصي الرستاقي.
فاجتمعت آراؤهم أن ينصبوا السيد الأجل [ناصر بن مرشد] (2)، فمضوا إليه، وطلبوا [م343] منه ذلك، ورغبوه في الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر فأجابهم إلي ذلك، فعقدوا في عام أربع وثلاثين بعد الألف، وكان مسكنه قصرى (3) من بلد الرستاق، فاظهر العدل ودمر الجهل.
وعضده رجال اليحمد بأنفسهم، وأمدوه بأموالهم وذخائرهم (4) وأجمع رأيهم أن يهجموا على القلعة ليلا (5) وكان فيه ا بنو عمه، بعد موت جده مالك، فاستفتحها الإمام ثم توجه إلي قرية نخل، وكان فيها عمه سلطان بن أبي العرب، فحاصرها (6) أياما ثم افتتحها، وكانت فرقة من أهلها غير تابعة للإمام، فظاهرت عليه الأعداء، فحصروه [في الحصن] (7) ثم أتاه رجال اليحمد، فنصروه، فبدد الله شمل أعدائه، ورجع (8) إلي الرستاق، بعد أن جعل فيها واليا. (1/124)
صفحة 125
ثم قدمت عليه رسل من نزوى يدعونه إلي ملكها، فأجابهم إلي ذلك فسار إليه بجنده حتى نزل بشرجه صفد، من سمد الكندي (1)، وأقام بها ليلة، فلم يفوا له بما وعدوه فرجع إلي الرستاق [م344]
فأتى إليه أحمد بن سليمان الرواحي (2) ــ في جماعة من بني رواحة ورجال من قبل مانع بن سنان العميري (3)، وأقاموا عنده مدة يدعونه إلي ملك سمائل، ووادي بني رواحة، فأجابهم. وسار في رجال اليحمد، حتى وصل سمائل، فترك بعض قومه عند مانع بن سنان، ومضى إلي ووادي بني رواحة.
واتفق الرأي منه ــ ومن مانع، [أن يتوجها] (4) إلي نزوى.
وسار [الأمام] (5) إليها، فصحبه القاضي خميس بن سعيد، ونصرته عصبه من أهل أزكي بالمال والرجال، فاحتوى على أزكي فسار قاصداً إلي نزوى، فالتقاه أهلها بالكرامه، ودخلها في حال السلامة.
وكان محله العقر (6)، فأقام فيها العدل والانصاف بعض الشهور. ثم اجتمعت آراء بني بوسعيد (7) ــ وهم رؤساء العقر ــ ان يخرجوا منها فلما كان يوم الجمعة، خرج الإمام للصلاة بالجامع، وخرجوا إلي الصلاة فأتى إلي الإمام من كان محبا، فأخبره بما اضمروا. (1/125)
صفحة 126
فتحقق الإمام خبرهم وأمر بإجلائهم [م3445] من البلد، ونهى عن قتلهم وفالبطش بهم، فأخرجوا منها كرها، فتفرقوا في البلدان.
والتجأ جمهورهم إلي مانع بن سنان، وكان مانع قد عاهد الإمام، وحلف له على اتباع الحق، فنقض العهد، وفرقة التجأت (1) إلي [سيف بن محمد] (2) الهنائي ببهلا، ووازرته على حرب الإمام فاستقام الحرب بين الإمام والهنائي.
وأمر الإمام بتأسيس حصن في عقر نزوى وكان قديما قد بناه الصلت بن مالك فأتم (3) الإمام بنيانه.
وجاء إليه أهل منح يدعونه إلي إقامة العدل فيهم، فتوجه إلي منح وافتتحها. فأظهر العدل فيها، وظاهره أهلها بأموالهم وأنفسهم، ثم رجع إلي نزوى.
ثم أتاه أهل سمد الشان، وكان المالك لها (4) علي بن قطن الهلالي فوجه الإمام لها جيشا يقدمهم الشيخ الفقيه مسعود بن رمضان، فافتتحها.
ثم أتاه أهل ابرا (5)، وكان المالك لها محمد بن جيفر بن جبر، فجيش عليها الإمام فافتتحها. (1/126)
صفحة 127
ودانت له [م346] سائر (1) الشرقية ماخلا صور (2) وقريات، فإنهما كانتا في أيدي النصارى.
ثم إن الإمام جهز جيشا؛ وسار علي الهنائي ببهلا، فوصل ببهلا، فوصل إلي قاع المرخ، فخان بعض جيشه فرأى الرجوع أصلح.
فرجع إلي نزوى، فجعل يجمع الجيوش والعساكر، فاجتمع له جمع كثير. فسلر بهم قاصداً إلي الظاهرة، وأفتتح بهم وادي فدى؛ وأمر ببناء حصنها. ونصره أهل العلاية من ضنك، وكان مقدمهم خميس بن رويشد العالم، ورجال الغياليين، واستقام أمره بها على رغم القالين.
ثم خرج الإمام يطوف على البلدان التي ملكها، حتى وصل إلي سمد الشان. ورجع إلي الرستاق، ومعه بنو لايام إلي أن أقبل جند محمد بن جيفر إلي قرية نخل (3)، فدخلوها واحتووا عليها، ما خلا الحصن فنهض عليهم الإمام بجيش عرمرم، ونصره رجال المعاول، فما لبث جند محمد بن جيفر فيا ليلة أو ليلتين، حتى ولى الأدبار.
ثم رجع الإمام إلي الرستاق، فأقبل [م347] إليه الشيخ خميس بن رويشد يستنصره على الظاهرة، فجهز الإمام جيشا، وسار عنده حتى نزل بالصخبري، ونصره أهل السر (4) ورجال الضحاحكة بالمال والرجال. (1/127)
صفحة 128
ومضى قاصدا حصن الغبي؛ وفيه جمهور آل هلال، ومعهم البدو والحضر، فاستقام بينهم الحرب، وكانت وقعة عظيمة، قتل فيها أخو (1) الإمام جاعد بن مرشد.
ثم توجه [الإمام] (2) إلي عبري فافتتحها، وأقام الإمام بها ليلتين ورجع [إلي] (3) الصخبري وحصر حصن الغبي حتى فتحه الله له، فولى فيه خميس بن رويشد، وجعل بقرية بات واليا من أهل الرستاق، وجعل معه محمد بن سيف الحوقاني، وأمرهما بفتح ما بقي من قرى الظاهرة ورجع الإمام إلي نزوى.
[فأذعنت للإمام قرى الظاهرة، إلا بلدة ضنك فإنها ضنك فإنها قد استولى يومئذ عليها بنو هلال] (4)، وكانوا بناحية الأفلاج من ناحية ضنك. فالتقاهم الواليان (5) بالدير (6) ففضّا جمعهم، وأخذوا إبل قطن بن قطن لينتصروا بها عليهم، وحاصروا حصن [م348] قطن بن قطن، فركب قطن إلي الإمام، ففدى (7) إبله بتسليم حصنه (8) فأنعم له الإمام برد الإبل، وسلم الحصن، فأقام له الإمام واليا. (1/128)
صفحة 129
ثم توجه الولاة (1) إلي حصن مقنيات، فحاصروه. وكان به وزير من قبل الجبور (2)، فجيش الجبور بني هلال ــ من بدو وحضر ــ وأولاد الريس، ونهضوا إلي مقنيات، فظنوا أن لاطاقة لهم بها (3) فقصدوا إلي بات، فخاف الولاة علية الغلبة [لقلة الماء] (4) ولأنه عليه المعتمد.
فسار المسلمون من مقنيات، ولم تشعر بهم الجبور، فوقع القتال بينهم ثم رجعت الجبور إلى مقنيات، فسار إليهم المسلمون، فوقع بينهم القتال من صلاة الفجر إلى نصف النهار، فشق ذلك على المسلمين وكثر القتال في البغاة حتى قيل إنهم عجزوا عن دفنهم. وكانوا السبعة والثمانية في خبة واحدة (5) وثبت الله المسلمين.
فلما بلغ الخبر إلى الإمام، جيش جيشاً، وأم به [م349] الهنائي (6) ببهلاء، وكان دخوله بهلاء ليلة عيد الحج، فحاصرها شهرين إلا ثلاثة أيام ثم أقبلت الجبور لنصرة الهنائى (7)، فالتقتهم جحافر الإمام، فاقتتلوا قتالا شديداً [وقتل] (8) من جيش [الجبور] (9) قاسم بن مذكور
(م- 9 تاريخ عمان) (1/129)
صفحة 130
الدهشمي، وأناس كثير. فرجع الجبور وبقي الهنائى (1) ومن معه محصورين، حتى سلم الحصن، وخرج منه جميع رجاله، وآلة حربه وماله، وبقي الحصن خالياً، فأقام الإمام به والياً، ورجع إلى نزوى.
ثم توجه الإمام قاصدا ً إلي سمائل، لمحاربة مانع بن سنان العميري فلما سمع مانع بإقبال الإمام إليه، لم يمتنع منه، وصالح الإمام على أن لا يخرجه من حصنه، بل يكون تابعا للحق، فتركه الإمام، ثم عزم الإمام على بنيان حصن سمائلىلقديم، فأسس بنيانه، وشيد أركانه، وجعل فيه واليا، ورجع إلي نزوى.
ثم جهز [الإمام] (2) جيشا إلي مقنيات، وسار إليها فلما وصلها وقعت بينهم الحروب، فنصره الله [350] عليهم، [فما] (3) لبثوا في حصنهم [إلا] (4) دون ثلاثة أشهر، وافتتح الإمام الحصن، وجعل فيه محمد بن علي بن محمد والياً.
فلم يزل سعيدالخيالي وجماعته مسرين البغض للإمام، يكاتبون الجبور، حتى أدخلوهم قرية الصخبري، وقتلوا رجلا من الضحاحكة وناساً من شراة الإمام وغيرهم، وحصل فيها جيش الإمام في الحال، فوقعت فيها وقائع (5) كثيرة: منها بالعجيفة وهي شديدة، ووقعه بالغابة، ووقعه بالمطهره، ووقعه بالزيادة، ووقائع (6) شديدة حتى كاد ركن الإسلام يتضعضع. (1/130)
صفحة 131
وكثير من القوم أدبر عن الوالي، وما بقي عنده إلاقليلا، وهو في حومة العدو، والجموع المشتمله عليه، حتى كاد يوهى عزمه من الخوف فبقى في حصن الغبّي محصوراً، والوالي فيه محمد بن سيف، وتصحيح الخبر عند الوالي محمد بن علي في مقنيات، فجيّش الجيوش، وقصد ناصراً لمحمد بن سيف بحصن الغبي، فدخل البلد من غيرعلم الأضداد [م351] وفرق شملهم في سائر (1) البلاد، فمنهم من دخل الصخبري، ومنهم من هرب في الفيافي، ومنهم من قصد ينقل، وهي ملك ناصر بن قطن بن جبر، ونصر الله المسلمين.
ثم إن مانع بن سنان كاتب سيف بن محمد الهنائي (2) بالكتمان، ونكث العهد وخان، وجيش الجيوش، ودخلا نزوى ولم يخلُ أهلها من الخديعة والعصيان، بل كان ذلك سراً بينهم، وظاهرهم على ذلك بعض القبائل، فدخلوا نزوى، واحتووا على العقر، وما بقي الإمام سوى الحصن، وداروا به أشد مدار، وكادوا لكثرتهم أن يهدموا عليه الجدار، حتى جاءتهم النصرة من أزكي وبهلا، ومعهم بنو ريام فدخلوا على الإمام، فسر بقدومهم. فتفرقت عنه جيوش أعدائه، وقتل منهم من قتل.
فحينئذ اشتد عزم الإمام، وقوى سلطانه، فأشاروا على الإمام ذوو الرأي بهدم حصن مانع بن سنان، فعلم مانع بتجهيز الجيش [م352] إليه، فانهزم من حصنه إلي فنجا (3). وجاء الجيش، فهدم الحصن، وقصد مانع بن سنان إلي مسكد ثم سار إلي لوى [عند] (4) محمد بن جفير. (1/131)
صفحة 132
ثم وجه الإمام الجيش إلي بلاد سيت (1) وذلك أن سيف بن محمد الهنائي (2)، لما خرج من بهلا، بني (3) حصنا ببلاد سيت، وكان قائد (4) الجيش عبدلله بن محمد بن غسان، مؤلف كتاب " خزانة الأخيار في بيع الخيار". فلما نزل الجيش إلي بلاد سيت، خرج الهنائي (5) من الحصن هارباً، فأمر الوالي بهدم حصنه فهدم. ثم أتى الهنائي (6) إلي الإمام يطلب منه العفو والغفران ودانت للإمام جميع قبائل عُمان.
ثم جهز الإمام جيشاً عظيماً، وسار فيه بنفسه ــ و [قاضيه] (7) الشيخ خميس ابن سعيد الرستاقي ــ قاصداً ناصر بن قطن في (8) ينقل، فحصرها أياماً وافتتحها، وجعل فيها والياً، ورجع إلي الرستاق.
ثم جهز جيشا قويا، وأمر عليه الشيخ عبدلله بن محمد بن غسان النزوي. وأمره أن [م353] يقصد الجو، وصحب الجيش الشيخ خميس بن روشيد الضنكي، وحافظ بن جمعه النهوي، ومحمد بن علي الرستاقي، محمد بن سيف [الحوقاني] (9) والياً ثم قصد بالجنود متوجهاً إلي قرية لوى.
وذلك أن الجبور اختلفوا فيما بينهم، وقتل محمد بن جفير، ووقعت بينهم العداوة فنزل عبدلله بالجامع منها، ودارت عساكره بالحصن. (1/132)
صفحة 133
وكان مالكه سيف بن محمد بن جفير الهلالي، وأما أخوته ووزراؤه، فالتجؤوا إلي النصارى بصحار وكان مانع بن سنان العميري يومئذ بها (1) وكانوا (2) يغزون جيش الإمام المحاصرين لحصن لوى باليل، ويمدون جماعتهم بالطعام وآلة الحرب.
ثم كاتب أبناء محمد بن جفير يسعون في أنواع الصلح. فعلم الوالي أنها خديعة، فجهز لهم جيشا، فأمر عليه محمد بن علي، فسار محمد بمن معه، فهجم عليهم قبل الفجر: وهم بالموضع المسمى المنقل، ممايلي الجنوب من الحصن، على ساحل البحر. فدارت بينهم رحى الحرب [م354]، واشتد بينهم الطعن والحرب.
ثم رجع محمد [بن علي] (3) بمن معه إلي حصن لوى، فلم يزالوا محاصرين الحصن، حتى أرسل إليهم سيف بن محمد يريد الأمان ليخرج من الحصن. فأعطاه الوالي الأمان، فخرج بمن معه، ودخل الوالي الحصن، وقد ساعد الوالي على حصر الحصن ناصر بن قطن (4)، ورجال العمور (5) وجعل عبدلله [بن محمد] (6) في الحصن [محمد بن علي] (7) واليا من جانبه (8)، ورجع هو إلي الإمام. (1/133)
صفحة 134
ثم جهز الإمام جيشا، وأمر عليه الشيخ مسعود بن رمضان، وأمره أن يقصد بهم مسكد فسار حتى نزل طوي الرولة من المطرح (1)، فدارت رحى المنون بين [المسلمين] (2) والمشركين؛ فنصر الله، المسلمين فهدوا من مسكد بروجا باذخة شامخة، وقتل من المشركين خلق كثير ثم إنهم طلبوا الصلح، فصالحهم الوالي على فك ما بأيديهم من الأموال التي للعمور والشيعة من صحار فأذعنوا بالطاعة، فأمنهم على ذلك، وأخذ منهم العهود على الوفاء [م355] ورجع إلي الإمام.
ولم يزل مانع بن سنان كامن العداوة الإمام، قادحا في ملكه [و] (3) في فساد الدولة، فاستأذن مداد بن هلوان الإمام في قتل مانع بالخديعة، فأذن له، فكاتبه مداد ليدخله حصن لوى، وطمعه فيه بلطف كلامه.
وكان في لوى حافظ بن سيف [واليا] (4) ولم يزل مداد يكاتب [مانع بن سنان] (5) العميري بالمودة والنصيحة، ويحلف له بالأيمان الصحيحة لئلا يدخل في قلبه الظنون القبيحة.
ففرح بذلك مانع، واستبد برأيه، وكان مسكنه قرية دبا (6) فركب منها إلي صحار، فأقام بها أياما ينتظر [العون] (7) من مداد فجدد له مداد العهود على ماوعده، فركب [مانع] (8) إلي لوى؛ ونزل بها بعدما ضمن له مداد بدخول الحصن ووعده على ليلة معلومة فلما كانت (9). (1/134)
صفحة 135
تلك الليلة فرق الوالي العكسر يدورون في البلاد ــ كأنهم يسيرون ــ وتعاهدوا أن يلتقوا على مانع من اليمين والشمال، فلم يدر مانع إلا وقد [م356] أحاطت به الرجال من يمين وشمال، فأخذ حينئذ قهرا، وقتل صبرا فتفرقت جنوده، وقتل من بقي معه.
ثم إن الإمام جهز جيشا وجعل عليه علي بن أحمد، وعضده ببنى عمه من آل يعرب وأمره بالمسير إلي قرية جلفار ــ وهي الصير ــ وكان المالك لها يومئذ ناصر الدين العجمي، وعنده عساكر من العجم فحصرهم علي بن أحمد بحصن الصير، فنصبوا له الحرب، وقوي بينهم الطعن والضرب، وظاهرتهم فرقة من أهل الصير على جيش الإمام
وكان بحصن الصير برج معتزل له جدار متصل بالحصن، وفيه قوم تقاتل باليل والنهار، وكانت غربان (1) النصارى في البحر تدفع بمدافعها المسلمين عن الحصن فعزم المسلمون على الهجوم على البرج، فهجموا عليه ليلا، وأخذةا قهراً ومالوا على الحصن فافتتحوه، وجعل فيه قائد (2) الجيش واليا.
ثم أقبل بعض الجيش، وفيهم الدهامش وخميس بن مخزوم [فزحفوا بجلفار] (3). وكان فيها حصن على [م357] الساحل للأفرنج، فدخل الجيش [تلك الجهة] (4) نهاراً، واحتووا عليها، من كان في الحصن، وبنوا فيها حصناً فذلت دولة المشركين، (1/135)
صفحة 136
وطلبوا الصلح، فصالحهم الوالي فهبطوا من الحصن فجعل الوالي فيه والياً، وترك معه بعض العسكر.
ورجع علي بن أحمد بمن معه من العسكر إلي نزوى، فاستبشر الإمام بقدومه وبفتح الصير.
ثم إن الإمام [اتفق] (1) ووالي لوى ــ وهو حافظ بن سيف ــ، وكان معه رجال من العمور شراة، أن يصير إلي صحار، ويبني فيها حصناً فأرسل الوالي إلي من بقربه من القرى من بني خالد وبني لام والعمور، فأجتمعت عنده عساكر كثيرة وكان رجال من صحار يدعونه إلي ملكها، فمضى بجيشها، وبات بقرية عمق، وصبح للبلد ضحى ولم يعلم يه أحد من الأعداء وذلك آخر يوم من المحرم سن ثلاثة وأربعين بعد الألف، فأناخ بمكان يسمى البدعة من صحار.
وصار المشركين على المسلمين، واشتد بينهم الطعن والضرب [المسلمون على المشركين حتى وصلوا إلي حصن ابن الأحمر] (2) وكانت [م358] النصارى تضرب بمدافعها من الحصن ثم انتقل الوالي من مكان إلي آخر، ولم تزل الحرب بينهم وضرب المدافع وجاءت ضربة مدفع فأخترقت القوم حتى وصلت مجلس الوالي، وأصابت راشد بن عباد، فمات شهيداً (3)، رحمه الله فعزم الوالي على بناء حصن، فأمر بتأسيسه في الحال، حتى تم بنيانه، فنزل به الوالي ولم تزل الحرب بينهم قائمة الليل والنهار.
ثم إن القاضي خميس بن سعيد الرستاقي سار بمن معه قاصداً قرية (1/136)
صفحة 137
بوشر، فأرسلت إليه النصارى بالصلح، فأعطاهم الصلح ثم بعث رسله إلي مسكد ثم ركب حتى أناخ بالمطرح، وجاءت وجوه النصارى، وجاءت وجوه النصارى إليه، فأصطلحوا وأمر الشيخ خميس بفك المقابض عنهم، ورخص للناس في السفر إليهم، وكف الأيدي عن القتال.
ثم أن الإمام جهز جيشا إلي صور، فحاصرها الجيش حتى فتحوها وسار بعض الجيش إلي قريات، وكان بها حصن للنصارى، [م359] فبنى المسلمون فيها حصنا، وفتحوا حصن النصارى، واحتوى [الإمام] (1) على جميع إقليم عُمان، ما خلا صحار ومسكد [ففيهما النصارى على الصلح السابق تحت الطاعة] (2).
ولم يزل ناصر بن قطن يغزوا [بادية] (3) عُمان بمن معه من الأحساء [التي هرب إليها بعد خروجه من ينقل] (4)، ويأخذ من بواديها المواشي ويكسب وينهب في كل سنة، ويرجع إلي الأحساء فكتب الإمام إلي واليه محمد بن سيف الحوقاني أن تجسس عن قدوم ناصر، فإذا علم به التقاه بالجيش دون عُمان فجمع الوالي دونه العساكر من البدو والحضر فلما علم بقدوم ناصر تلقاه.
فلما علم ناصر بجيش الإمام قصد الظفرة، ودخل حصنها وتعصب له بنو ياس (5) ووجه ناصررسله إلي الوالي يطلب الصلح وكان قد قلّ على الوالي الزاد، وتعذرت عليهم البلاد فصالحهم على رد مانهبوه وغرم ما أتلفوه مما كسبوه ورجع الوالي بمن معه. (1/137)
صفحة 138
وأما ناصر، فإنه جمع البدو من الظفرة، وعزم على الهجوم على حصن الجو، وكان فيه أحمد بن خلف في ذلك اليوم [م360] والياً، وتابع ناصراً كافة أهل الجو، وأعانوه على الوالي وداروا بالحصن، فعلم به الولاة من الباطنة والظاهرة فأتوا أحمد بن خلف فخرجت جيوش الأعداء منها.
ثم أقبل الوالي الأكبر [عبدلله بن محمد] (1) من نزوى بجيشه، فأمر بهدم حصون الجو كافة، ما خلا حصن الإمام وتفرقت الأعداء وأما عمير بن محمد، [فقد] (2) مضى مع النصارى بصحار والباقون قصد العقبة من جلفار، فكانوا يقطعون الطرق، ويغزون البلدان فسارت عليهم الولاة، فقتل من قتل منهم، وانهزم من انهزم وأخذ الوالي إبلهم ورجع إلي عُمان.
وأما ناصر بن قطن ــ ومن معه ــ فمضى إلي الباطنة، فهجم على بلدان بني خالد وبني لام، فأخذوا وسلبوا ما على النساء من الحلى والحلل ورجعوا بما أخذوا إلي الأحساء.
ثم إن ناصر بن قطن أتى إلي عُمان ثانية، وقصد الباطنة للنهب والسلب فجهز له الإمام جيشاً، وأمر عليه علي بن حمد، وعضده بمحمد بن الصلت الريامي، وعلي بن محمد العبري، وأحمد بن بلحسن البوشري. فمضوا إلي قرية لوى.
فأقبل ناصر بن قطن بقومه، فوقع بينهم الحرب ثم ركب ناصر إلي مجيس، فاتبعه الوالي بمن معه ثم ركب ناصر قاصداً إلي أرض الشمال (1/138)
صفحة 139
فركب الوالي في طلبه، فكان أول من لحقه بن بلحسن البوشري، ومراد، وراشد بن حسام، وبعض الشراة، بموقع يقال له الخروس فوقع القتل في المسلمين قبل أن يتكامل جيش الإمام فقتل المقدمون جميعاً ولله الدوام.
فلما وصل الجيش، رأوا أصحابهم صرعى، ولم يروا أحداً من جيش ناصر، ثم أن ابن حميد ــ وهو محمد بن عثمان [الخالدي، وكان من أصحاب ناصر بن قطن] (1) غزا بلاد السر وكانالوالي فيها محمد بن سيف (2) الحوقاني، وكان بها يومئذ سعيد بن خلفان فطلب سعيد من ابن حميد المواجهة (3) [للمشافهة] (4)، فتواجها في مسجد الشريعة من الغبي فسأله أن يرد ما كسبه ونهبه، فأبى وازداد عتواً ونفوراً، فأمر سعيد [م361] بأسره، وقيد في حصن الغبي.
ومضى سعيد إلي الرستاق، فأخبر الإمام أن محمداً بن عثمان في حصن الغبي فأمرالإمام بإتيانه إلي الرستاق فأتي به مقيداً، فأقام في الحبس سبعة أشهر وتوفي.
ثم إن الإمام جهز جيشاً، وأمر عليه سعيد بن خلفان، وعضده بعمير بن محمد بن جفير، فساروا قاصدين إلي أخذ إبل ناصر بن قطن الهلالي فالتقتهم بنو ياس دون الإبل، بموضع يقال له الشعب (5)، قريباً من (1/139)
صفحة 140
الظفرة. فوقع بينهم الحرب وكان مقدم بني ياسرسقير (1) بن عيسى، فقتل هو وأخوه محمد وجماعة من قومه، فطلب القوم العفو من الوالي، فعفا (2) عنهم، ورجع الجيش، فأمرهم الإمام أن يمضوا إليه.
[وفي أثناء سيرهم بحثوا عن إبل ناصر بن قطن] (3)، فوجدوها سائمة، فأخذوها، وجعلوها أمانة مع عمير بن محمد بن جفير، وكان له أخ يسمى عليا، فأشار عليه بعض خدامه أن يدخل بها على ناصر بن قطن. فمضى بها إليه فلم يزالوا يغزون عمان حتى خافت منهم البدو [م 363] والحضر، والتجأت (4) البادية إلى البلدان.
ثم أقبل ناصر غازًيا، وأناخ بجيشه ناحية الجنوب، ووجه أصحابه لقطع الدروب، فوجه إليه الإمام جيشًا، وأمر عليه سيف بن مالك، وسيف بن أبي العرب وحزاما [بن عبد الله] (5).فبادرت اول زمرة من جيش ناصر بن قطن، فقتلوا [البغاة] (6) جميعًا مع قتلهم و كثرة عدوهم (7) وسار ناصر بن قطن إلى الأحساء، ورجع الجيش (8). (1/140)
صفحة 141
وأظهر الله إمام المسلمين على جميع الباغين. فأخرجهم من ديارهم وابتزهم من قرارهم (1)، واستوثق مردتهم، وأهان غزيزهم، وقمع ظالمهم، ومنع غاشهم وأمكنه الله منهم، وأعانه عليهم، وأيده بنصره، و أمده بتوفيقه، حتى استقام الإسلام و ظهر، وخفى الباطل و استتر. وأفشى (2) العدل بعمان وانتشر، فعم البدو والحضر.
ولم يبق إلا طائفة (3) من النصارى، متحضنين بسور مسكد، بعد أن نصب لهم الحرب [م 364]، حتى وهنوا وضعففوا. ووهى سلطانهم وتفرقت أعوانهم، و كاد الموت والقتل يأتي على أكثرهم.
فتوفاه الله (4) وجمع أهل الخير عنه راضوان، وكانت وفاته يوم الجمعة لعشر ليال خلون من شهر ربيع الآخر، من سنة تسع وخمسين سنة [بعد الألف] (5) من الهجرة. كما قال الشاعر في تاريخه:
فبالجمعة الزهراء مات ابن مرشد
لعشر من الشهر الربيع المؤخر
وخمسون مع تسع وألف تصرمت
لهجرة هادينا النبي المطهر
وكانت مدة ملكة ستًا وعشرين سنة وقبره في نزوى مع مساجد العباد وقبره مشهور داخل القبة، والله أعلم. (1/141)
صفحة 142
فصل في فضائل الإمام ناصر بن مرشد
رحمه الله
له فضائل مشهورة، فمنها أنه كان رجل نائماً في مسجد قصرى (1) من الرستاق، فرأى كأن في إحدى زوايا المسجد سراجا مضيئاً. فلما انتبه رأى في تلك الواية الإمام مضطجعاً، وذلك قبل أن تعقد له الإمامة.
وقيل [م365] إن أمه كان لها زوج بعد أبيه، فكان الإمام ــ رحمه الله ــ يأمرها أن تصنع طعامه قبل طعامهم، لئلا تبقى بقية من طعام زوجها من العجين، فيدخل في طعامه، فخالفت يوما أمره، فعجنت طحين زوجها ثم خبزته، ولم تغسل الوعاء، وصبت طحين الإمام في ذلك الوعاء، فقيل أن يدها لصقت بالطوبج (2)، ولم تقدر بنزعها حتى رضي عنها.
ومن فضائله ــ رحمه الله ــ بعدما عقد له، قيل أن ناس من أهل النفاق مجتمعون في بيت رجل منهم، يسبون الإمام بكلام قبيح، فنهتهم زوجة ذلك الرجل، فلم ينتهوا، فخرجت عنهم، فخر عليهم سقف البيت، فماتوا جميعاً.
ومن فضائله ــ رحمه الله وغفر له ــ قيل أن مطية أكلت من طعام بيت المال، فتحرشت، فلم تزل كذلك حتى رأت الإمام، فأتت إليه، فوضعت رأسها على منكبيه. فلم تزل كذلك حتى جاء ربها، فسأله الإمام عن حالها، فأخبره أنها أكلت [م366] من طعام بيت المال فتحرشت فرضي له الإمام وأحله، ومسح بيده الكريمة على رأسها فبرئت مما بها.
ومن فضائله ــ رحمه الله ــ قيل إن جراب تمر أشبع أربع مائة رجل (1/142)
صفحة 143
[من قومه] (1).
ومن فضائله ــ رحمه الله وغفر له ونور ضريحه ــ أنه كان ذات ليلة نائما فوق سطح في أيام الحر، إذ أتى إليه رجل يريد أن يقتله فوقف على رأس الإمام ــ والإمام نائم ــ وفي يده خنجره مشحوذة فلم يقدر أن يضرب الإمام وأمسك الله على يده، حتى إنتبه الإمام، فرآه واقفا على رأسه، وبيده خنجره مشحوذة، فسأله ما يريد؟ فقال: " ما يسعني غير عفوك". فعفى عنه ولم يعاقبه.
ومن فضائله ــ رحمه الله ــ أن بدويا ضلت له ناقة، فمضى في طلبها فبينما هو يمشي، إذ رأى أثر قدم إنسان، فاستعظم ذلك القدم، فجعل يقصها حتى انتهت به [إلي] (2) غابات ىشجر، فسمع صوتا من داخل الشجر: " فمطيتك في موضع كذا، فامض إليها. وقل للإمام ناصر بن مرشد يلزم هذه السيرة فإنها سيرة النبي صلى الله [م367] عليه وسلم"، فمضى البدوي مرعوبا، وقصد الموضع الذي وصفت له فيه ناقته، فرأى مطيته في الموضع الموصوف، ثم مضى إلي الإمام ورأى الإمام في نومه أن بدويا أتى يبشره [أنه] على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فلما وصل إليه البدوى، رآه في يقضته (4)، كما رآه في نومه [فحدثه] (5)، بما جرى عليه وبما سمع. فحمد الإمام الله على ذلك، وأمر للبدوي بنصف جراب تمر، وبنصف جري حب (6) وثوب فمضى البدوي شاكراً، ولفضل الإمام ذاكراً.
ومن فضائله ــ رحمه الله ــ أنه كان يعطى نفقة ــ له ولعياله ــ من (1/143)
صفحة 144
بيت المال. ولم يكن له صفرية (1) يطبخون فيها طعامهم. فكانت زوجته تنقص من النفقة قليلا قليلا، حتى باعته، واشترت منه صفرية. فلما رآها الإمام سألها " من أين لك هذه الصفرية؟ " فأخبرته بما صنعت. فقال لها: " استعمليها وهي لبيت المال". وأمر وكيل الغالة (2) أن ينقص من نفقتهم قدر قدر ماكانت هي تنقصه، والله أعلم.
وقيل إن القاضي [م368] محمد بن عمر دخل ذات يوم على الإمام، فرآه متغير الوجه، فسأله عن حاله فلم يخبره، فألح عليه، فأخبره أنه لم يكن معه شيء ينفقع على عياله لسنة العيد فذكر محمد بن عمر للوالي أن يدفع له شيئاً من الدراهم من بيت المال فقيل إنه دفع له عشر محمديات والله أعلم.
وفضائله لاتحصى، رحمه الله. (1/144)
صفحة 145
ذكر الأئمة بعد ناصر بن مرشد
الإمام سلطان بن سيف:
ثم إن المسلمين، لما مات الإمام ناصر بن مرشد ــ رحمه الله ــ عقدوا للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، رحمه الله (1) فقام بالعدل، وشمر وجاهد في ذات الله، وما قصر. ونصب الحرب لمن بغى من النصارى بمسكد وسار لهم بنفسه، حتى نصره الله عليهم وافتتحها. ولم يزال يجاهدهم في البر والبحر فاستفتح كثيرا من بلدانهم، وخرب كثيرا من مراكبهم، وغنم كثيرا من أمولهم.
فيقال إنما بنى (2) القلعة التي في نزوى من غنيمة الديو [من أرض الهند] (3) وقد لبث في بنائها اثنتى عشرة سنة. وأحدث [م369] فلج البركة بين أزكي ونزوى، وهو أقرب إلي نزوى.
وربما تاكلم متكلم في إمامته من أسباب التجارات لأنه له وكلاء معروفين بالبيع والشراء، وجمع مالا. (4)
(م10 ــ تاريخ عمان) (1/145)
صفحة 146
واعتمرت عُمان في دولته وزهرت، واستراحت الرعية في عصره وشكرت، ورخصت الأسعار، وصلحت الأسفار، وربحت التجار، وسدت الثمار (1).
وكان متواضعا للرعية، ولم يكن محتجبا عنهم. وكان يخرج في الطريق بغير عسكر، ويجلس مع الناس ويحدثهم، ويسلم على الكبير والصغير، والحر والعبد.
ولم يزل قائما مشمراً حتى مات، رحمه الله وغفر له، وقبر حيث قبر الإمام ناصر بن مرشد، وكانت وفاته ضحى الجمعة، سادس عشر ذي القعدة، سنة [تسع وخمسين وألف سنة] (2)، والله أعلم.
عقد الإمامة لولده بلعرب بن سلطان
فقد كان لبلعرب هذا، ولم تزل الرعية له شاكرة، ولفضله ذاكرة وكان جوادا كريما وعمر [م370] يبرين (3)، وبناها حصنا، وانتقل إليها من نزوى.
ثم وقعت بينه وبين اخيه سيف بن سلطان فتن، وأصاب كثيرا من أهل عمان ــ من فقهائهم (4) ومشايخهم، أهل ورع وزهد وعلم ــ (1/146)
صفحة 147
عقوبات كثيرة، إلي أن تلفت نفوسهم [من] (1) اتباع السفهاء، واقتفاء آرائهم، وقبول كلمتهم.
ثم إنه خرج من نزوى، وقصد ناحية الشمال، ثم رجع إلي نزوى منعه أهل نزوى دخولها، فسار إلي يبرين، واجتمع أكثر أهل عُمان، وعقدوا الإمامة لأخيه سيف بن سلطان، وأحسب أن بعضا عوقب بتركه الدخول في العقد.
إمامة سيف بن سلطان:
وخرج سيف على أخيه، وأخذ كافة حصون عُمان، ولم يبق الإحصن يبرين، فسار إليه وحاصروه، فوقعت بينهما (2) الحرب، حتى مات بلعرب في الحصار، فطلب أصحابه ليخرجوا من الحصن فأمنهم سيف، فخرجوا من الحصن، وأحسب أن بعضا من أهل العلم لم يزالوا متمسكين بإمامته حتى مات، ويروون أن سيف بن سلطان باغ على أخيه [م371].
واستولى سيف بن سلطلن على كافة عُمان، فلم يزل مقيما منصفا بينهم راداً قويهم عن ضعيفهم. وهابته القبائل من عُمان، وغيرها من الأنصار.
وحارب النصارى في كل الأقطار، وأخرجهم من ديارهم، وابتزهم من قرارهم وأخذ منهم بندر ممباسا، والجزيرة الخضراء، وزنجبار وبتَّه (3) وكلوة، وغيرهن. وهذه البلدان من ناحية الزنج بأرض السواحل (4) (1/147)
صفحة 148
وعمر عُمان كثيرا، وأجرى فيها الأنهار وغرس فيها النخل والأشجار وجمع مالاً جما، قيل [إن] (1) الأصول التي صارت له بعمان [بلغت] (2) مقدار ثلث أصولها و الأفلاج التي أجراها سبة عشر فلجاٌ حدثاً (3)، منهن أفالج مسفاة الرستاق، و فلج الحزم، و فلج الصائغي (4) وفلج الهوب، و أفالج جمة في جعلان، و البزيلي الذي عند البدو؛ وغيرهن الكثير.
وغرس في عُمان – من ناحية بركة (5) [من] (6) الباطنة [من] (7) الميسلي (8) – ثلاثين ألف نخلة، ومن النارجيل ستة آلاف وله غير ذلك أموال [في] (9) لاالمصنعة [372م] من الباطنة، لاتحصى (10) و ملك إماء وعبيدا، سمعت قيل عددهم ألف وسبع مائة
و كان شديد الحرص على المال، وغرس اشجاراً مجلوبة من البحر، وأشجاراً في الجبل، مثل الورس (11) و الزعفران و البن و جلب له ذباب النحل. (1/148)
صفحة 149
وقيل ملك من السفن أربعة وعشرين مركبا فالكبار خمسة، [أسماؤها] (1): الملك، والفلك (2)، والرحماني، وكعب رأس (3)، والناصري، والبواقي كبار، ولكن ليس مثل هؤلاء فوصف الملك، فيه ثمانون مدفعا، وبعض المددافع عزم أصله من ورائة ثلاثة أشبار، وعزم دفته قددر ثلاثة أذرع، أدر ضف بعدما كان، وعلوه سبع قامات دون الدقالة (4)، وأوصافه لاتحصى [أما بقية تلك] (5) المراكب، [فإن] الفلك أعرض منه وربما طول مثله، إلا أنه أسخف (6) والأواخر دون ذلك بقليل.
وقيل [إن] (7) رأس المال الذي بيد وكيله بمسكد سبع وخمسون لكا محمدية ولاتحصى أوصاف أشباه.
وتوفي في الرستاق وقبره [م373] في القبلة التي فوق القرن، غربي قلعة الرستاق. [وكانت] وفاته ليلة ثالث من شهر رمضان، من سنة ثلاث وعشرين سنة ومائة وألف سنة، والله أعلم. (1/149)
صفحة 150
الإمام سلطان بن سيف:
ثم عقد لولده سلطان بن سيف فقام واستقام وجاهد الأعداء في البر والبحر. وحارب العجم في مواضع شتى، وأخرجهم من بلدانهم، ودمرهم في أوطانهم من البحرين، والقشم ولارك (1)، وهرموز؛ وتلك البلدان التي بقرب ذلك.
وبنى (2) حصن الحزم بالجص والحجر، وانتقل من الرستاق إليه.
وأنفق ما ورث من ابيه من المال وأقترض كثيرا من أموال المساجد والوقوفات، ألوفا ولكوكاً، ولم تتحرك عليه حركة من أهل عمان ولاغيرها وربما ذلك بقية بقيت له من هيبة أبيه.
ومات في حصن الحزم الذي بناه، وقبره في البرج الغربي، النعشى منه (3) [وكانت] (4) وفاته يوم الأربعاء في شهر جمادى الآخر، لخمس ليال خلون منه، سنة [م374] إحدى وثلاثين ومائة سنة وألف. (1/150)
صفحة 151
ذكر اختلاف اليعاربة وإمامة مهنا بن سلطان
[ولما مات سلطان بن سيف وقع الاختلاف بين] (1) رؤوس القبائل الذين في قلوبهم العصبة والحمية، وأرادوا أن يكونوا مكانه ولده سيف، وهو صغير لم يراهق، وأراد أهل العلم أن يكون الإمام مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك، وهو الذي تزوج بنت الإمام سيف، أخت سلطان هذا اذ هو فيما عندهم أنه أهل ذلك، وأنهىذو قوة عليها، ولم يعرفوا منه مايخرجه من الولاية. ولم تجر الإمامة للصبي على حال، كما لاتجوز لم تجر الإمامة للصبي على حال، كما لاتجوز إمامته للصلاة. فكيف يكون إمام مصر يتولى (2) الأحكام، ويلي الأمور والدماء والفروج؟ ولايجوز أن يقبض ماله، فكيف يجوز أن يقبض مال الله ومال الأيتام والأغياب ومن لايملك أمره؟
فلما رأى الشيخ عدي بن سليمان الذهلي ــ القاضي (3) ــ ميل الناس إلي ولد الإمام ولم يجد رخصة ليتبعهم على ذلك، وخاف [م375] أن تقع الفتنة لاجتماع الناس على الباطل، وربما أشهروا السلاح ووقع بعض الجراح. فأراد تسكينهم، وتفرق إجماعهم، فقال لهم: " أمامكم سيف بن سلطان بفتح الألف والميم الثانية، من أمامكم يعني قدامكم، ولم يقل "إمامُكم" بكسر الألف وضم الميم الثانية، الذي يكون بذلك الملك والسلطان القائم بالإمامة، قال ذلك على معنى المندوحة (4) فعند ذلك نادوا له بالإمامة" (1/151)
صفحة 152
وضربت المدافع إظهاراً وإشهاراً، وانتشر الخبر في عمان أن الإمام سيف بن سلطان.
فلما سكنت الحركة، واهدان (1) الناس، وأدخلوا الشيخ المهنا حصن الرستاق خفية، وعقدوا له الإمامه في هذا الشهر ــ الذي مات فيه السلطان ــ من هذه السنة. فقام بالأمر، واستراحت الرعية في زمنه وحط عن الناس القعادات (2) بمسكد، ولم يجعل لها وكيلا وربحت الرعية في متجرها، ورخصت الأسعار، وبورك في الثمار. ولم ينكر [م376] عليه أحد من العلماء [شيئا] (3)، وإن لم يكن هو كثير علم، إلا أنه يتعلم ويسأل. ولم يقدم على أمر إلا بمشورة العلماء، فلبث على ذلك سنة حتى قتل ظلما.
وقصة ذلك، وسبب الفتنة بين أهل عمان، وماجرى ووقع فيها فلما وقع العقد للإمام المهنا بن سلطان، لم تزل اليعاربة وأهل الرستاق مسرين العداوة له، وللقاضي عدي بن سليمان الذهلي، رحمه الله. ولم يزالوا بيعرب بن بلعرب بن سلطان يحرضونه على القيام والخروج حتى خرج على اللإمام مهنا بن سلطان، [و] (4) سار مختفيا إلي مسكد، فما كان [بعض الوقت] (5) إلا وقيل يعرب بي بلعرب في الكوت الشرقي، والوالي على مسكد الشيخ مسعود بن محمد [بن مسعود] (6) الصارمي الريامي، وكان الإمام خارجا إلي فلج البزيلي من ناحية الجوّ، فبلغه، فرجع إلي الرستاق. (1/152)
صفحة 153
فقام [الإمام] (1) وشمّر، وجاهد وما قصر وطلب من أهل عمان النصر، فخذلوه ولم نصروه. ونصب له [م377] أهل الرستاق الحرب، وحصروه في القلعة. ثم طلع يعرب من مسكد إلي الرستاق وسأل المهنا النزول من القلعة، وأعطوه الأمان على نفسه وماله ومن معه ففكر في أمره، فرأى أنه مخذول، وليس له ناصر من أهل عمان، فتبين له منهم الخذلان، فأجابهم إلي ما أعطوه من الأمان، فنزل من القلعة، فزالت بذلك إمامته، [فأخذوه وحبسوه وخشبوه وهو وواحد من عمومته وبهض أصحابه] (2).
فاستقام السلطان يعرب بن بلعرب، ولم يدع الإمامة، بل جعلوا الإمامة لسيف بن سلطان، وهو القائم بالأمر؛ إذ سيف صغير السن، لايقوم بأمر الدولة، وسلمت له جميع حصون عمان وقبائلها، وكان هذا في سنة ثلاث وثلاثين سنة ومائة وألف، فلبثا على ذلك حولا.
إمامة يعرب بن بلعرب:
ثم إن القاضي عدي بن سليمان الذهلي، استتاب يعرب بن بلعرب من جميع أفعاله وبغية على المسلمين، وأن يعرب كان مستحلا في خروجه، هذا فلم يلزمه ضمان ما أتلف، لأن المستحيل لما ركبه ليس عليه [م378] ضمان إذا تاب ورجع. فعند ذلك عقد له الإمامة في سنة أربع وثلاثين ومائة ألف، فاستقام له الأمر، وسلمت له حصون عمان. (1/153)
صفحة 154
ثم ما لبث أياما قلائل في الرستاق وجاء إلي نزوى فدخلها يوم تسعة وعشرين من شعبان من هذه السنة، فلم يرض أهل الرستاق أن يكون [يعرب] (1) إماما، وأظهروا (2) العصبة لسيف بن سلطان، فلم يزالوا يكاتبون بلعرب بن ناصر اليعربي، وهو خال سيف بن سلطان هذا لولد، وهو مقيم بنزوى مع [الإمام] (3) يعرب.
فلم يزالوا يحرضونه حتى خرج من نزوى ليلة ست مضت من شوال من هذه السنة. وقصد بلاد سيت، فحالف بني هناة على القيام معه، على أن يطلق لهم ما حجّر (4) عليهم الإمام ناصر بن مرشد من البناء (5) وحمل السلاح وغير ذلك، وأعطاهم عطايا جزيلة، فصاحبوه إلي الرستاق.
فاستقامت (6) الحرب في الرستاق، وأخرجوا الوالي منها، وذلك انهم أحرقوا باب الحصن، فاحترق مقدم الحصن جميعا (7) واحترق ناس كثيرة من بني هناة ورؤسائهم، ورؤساء بني عدي. وفيما بلغنا أنه احترق مائة رجل، وخمسون رجلا واحترقت كتب كثيرة، مثل: بيان الشرع والمصنف، وكتاب الإستقامة، ومجلنات الطلسمات قدر أربعين مجلبا. واحترقت كتب كثيرة، ولم يكن لها نظير بعمان. (1/154)
صفحة 155
وظهر من هذا الحرق مال عظيم، مضموم في والج الجدر، فلما انكسر الجدار، ظهر ذلك.
فلما بلغ الخبر إلي [الإمام] (1) يعرب بن بلعرب بما صنع أهل الرستاق قدَّر (2) سرية، وأمر عليها صالح بن محمد بن خلف السليمي الأزكويّ من حجرة (3) النزار وأمره بالمسير إلي الرستاق فسار حتى وصل النزار وأمره بالمسير إلي الرستاق فسار حتى وصل إلي العوابي، فلم تكن (4) لهم قدرة على الحرب. فرجعوا.
ثم إن بلعرب بن ناصر كتب إلي والي مسكد، أن يخلصها لهم، وكان الوالي بها حمير بن منير [م380] بن سليمان الريامي الأزكويّ؛ يسكن حارة الرحاء (5)، فخلصها لهم، وخلصت لهم قرية نخل، بغير حرب.
ثم أخرجوا سرية عليها مالك بن سيف بن ماجد اليعربي، فوصل إلي سمائل وافتتحها بغير حرب، وصحبه بنو رواحة فجاء إلي أزكي فأخذها (6) بغير حرب فخرج الوالي منها؛ وذلك في شهر القعدة من هذه السنة.
ثم إن [الإمام] (7) يعرب خرج بمن معه من أهل نزوى وبني ريام والقاضي عدي بن سليمان الذهلي، ووصل إلي أزكي، وخرج إليه مشايخ أزكي بالضيافة (8) والطعام، وقالوا له: " نحن معك"، فمكث يكاتب (1/155)
صفحة 156
مالك بن سيف ليخرج من الحصن ــ يومين ــ فلم يخرج، فنصب يعرب الحرب، فضربه ضربتين بمدفع (1).
ثم وصلت إلي يعرب عساكر بني هناة، يقدمهم علي بن محمد العنبوري الرستاقي، فتفرقت عساكر يعرب، وكثر فيهم القتل ودخلت رصاصة مدفع عند الحرب في فم مدفع (2) يعرب، وبقي مخذولا، ورجع إلي نزوى.
وأما القاضي عدي [بن سليمان، فإنه] (3) سار [م381] إلي نحو الرستاق. فلما وصل إليهم أخذوه ــ هو سليمان بن خلفان وغيرهما ــ وصلبوهم. وجاءهم من جاءهم من أعوان بلعرب بن ناصر، فقتل سليمان بن خلفان و القاضي عدي بن سليمان مصلوبين، وسحبهما أهل الرستاق، وذلك يوم الحج الأكبر من هذه السنة.
ثم مضى العنبوري (4) إلي نزوى، وجعل يكاتب [الإمام] (5) يعرب من قلعة نزوى، ودخل على يعرب ناس كثيرة من أهل نزوى، وسألوه الخروج منها لأجل حقن الدماء، فلم يزالوا به حتى أعطاهم ذلك، على أن يتركوه في حصن بيرين (6)، ولايتعرضوا له بسوء، فأعطوه العهد على ذلك وخرج من نزوى، فزالت بذلك إمامته. (1/156)
صفحة 157
ذكر انقسام أهل عُمان
وجعل صاحب العنبور قلعة نزوى، وضرب جميع مدافعها، ونادى بالإمامة لسيف بن سلطان، وخلصت لهم جميع حصون عمان وسلمت لهم كافة القبائل والبلدان فاستقام أمرهم على ذلك شهرين، إلا ثلاثة أيام، حتى أراد الله ظهور ماسبق في علمه، أنه سيكون على أهل عمان بما غيروا وبدلوا" إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) "
وفي ذلك الإمتحان ليظهر المتثبت في دينه المخلص في سريرته، ممن زلق في دينه، وخالف علانيته وسريرته، في علم الله. قال تعالى "ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" (2) وقال جل وعلا "ومن الناس من يقول آمنا بالله، فإذا أوذي في الله، جعل فتنة الناس كعذاب الله. ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله باعلم بما في صدور العالمين. وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين" (3)
وعلم الله ظهور هاهنا ماسبق في علمه من القدر المحتوم، فيظهر من كل ذي فعل فعله، فيعاقب بما عصى (4)، ويثاب من أطاع " ليجزى الذين أساؤو بما عملوا، و يجزى الذين أحسنوا بالحسنى" (5). والفتنةهاهنا [م383] الاختبار ــ كما يختبر ال1هب الإبريز بالنار ــ وقيل: عند الإمتحان يكرم الرجل أو يهان. (1/157)
صفحة 158
فلما استقر الأمر ليعرب بن ناصر على أنه القائم بالدولة، وعلى أن الإمام سيف بن سلطان، وفدت (1) إليهم القبائل ورؤساء البلدان يهنئونهم بذلك. ثم وقع من بلعرب بن ناصر تهدد على بعض القبائل، وخاصة بني غافر وأهل بهلا (2) فقيل إنه لما قدم محمد بن ناصر بن عامر بن رميثة الغافري في جماعة من قومه (3)، وقع عليهم تهدد من بلعرب بن ناصر، فرجع محمد بن ناصر بمن معه مغضبا، وجعل يكاتب يعرب بن بلعرب وأهل بهلا ليقوموا بالحرب، وركب هو قاصداً إلي البدو؛ من الظفرة وبني نعيم، وبني قتب، وغيرهم.
وأما بلعرب بن ناصر، [فإنه] (4) أرسل إلي رؤساء نزوى ليصلوا إليه، فاجتمع كثير من رؤسائها، ومضوا إليه. فرأوا [منه] (5) محلا وكرامة، وأمرهم بالبيعه لسيف بن سلطان.
ثم إنه سرى (6) سرية، وأمر عليها سليمان بن ناصر ــ أعني أخاه ــ وأمره [م384] بالمسير من جانب وادي سمائل إلي يعرب ليأتي به إلي الرستاق، وأمر أهل نزوى (7) أن يصحبوا تلك السرية، فلم يزالوا يتشفعون بأهل الرستاق إليه لعذرهم من ذلك، فعذرهم، ومضت السرية (1/158)
صفحة 159
حتى وصلت فرق (1)، وباتت فيها، فبعث لهم أهل نزوى بطعام وعشاء.
فبينما هم كذلك، إذ سمعوا ضرب المدفع في قلعة نزوى، فسألوا: ما الخبر؟ فقيل لهم: إن يعرب بن بلعرب دخل القلعة، فعند ذلك رجعوا إلي أزكي، فأشار من أشار على سليمان بن ناصر بقبض حصن أزكي، [ففعل ذلك] (2).
وكان بلعرب بن ناصر قد سرى سرية أخرى إلي يعرب، وبعثهم من جانب الظاهرة فلما وصلوا بهلا، قيدوهم (3) بها وبعث سرية أخرى إلي وادي بني غافر، فانكسرت ورجعت إلي الرستاق.
وأما يعرب، فإنه بعث سرية إلي أزكي، تسحب (4) مدفعين، فلما وصلوا أزكى ركضوا على الحصن، وانكسروا، وقتل منهم ناس، ورجعوا إلى نزوى. ثم] 385 [بعث سرية ثانية إلى أزكى، فأقاموا بالجنى الغربيات – عند الطريق الجائز (5) – وأصبحوا من الليل راجعين، ولم يكن بينهم (6) حرب ثم بعث سرية أخرى، ووصلوا إلى أزكى، ومكثوا بالجنى الغربيات يضربون الحصى بالمدافع، فمكثوا على ذلك قدر عشرة أيام.
ثم وصل مالك بن ناصر من الرستاق إلي أزكي، فخرج هو واهل الحصن إلي قوم يعرب، على سدّى وحارة الرحى (7) من أزكي، فنهبوا (1/159)
صفحة 160
من طرفيهما، وأحرقوا مقام حمير بن منير وكان (1) خارجاً من حارة الرحى (2).
ثم ركض ولاة سرية يعرب على أهل اليمن من أزكي، فانكسروا، وقتلوا والي السرية، محمد بن ركضوا على اليمن، فأرسل إلي مشايخ النزار، وقيدهم بالجامع من أزكي.
ثم أنه أرسل إلي أهل الشرقية، فجاءت منها عساكر كثيره وجاء بنو هناءة بخلق كثير.
واجتمع العساكربأزكي [م386] فركضوا على سرية يعرب، وأخرجوا الطبول وأناس قليلا من جانب المنزلية (3) وخرجت العساكر من جانب العتب (4) يوم الجمعه عند زوال الشمس، فكانت بينهم وقعة عظيمة، سمع فيها ضرب التفق (5) كالرعد القاصف وبرق السيوف كالبرق المتراسل. فانكسرت سرية بعرب، فوقع فيهم القتل غير قليل، وقتل من الفريقين قدر ثلاث مائة رجل، والله أعلم.
ثم إن مالك بن ناصر ارتفع بمن معه من العساكر، وقصد قرية منح وأغارت شرذمة من قومه على فليج وادي الحجر، فقتلوا منه ناسا، ونهبوا ما فيه، وأحرقوا بيوتها، وقتلوا (6) من قتلوا، وتفرقت أهلها (1/160)
صفحة 161
ثم ساروا إلي نزوى، ووصلوا إلي مسجد المخاض من فرق، فضربوا هنالك معسكرهم (1) وأقامة محاصرين نزوى، وأفسدوا الزرع، وأحرقوا سككار كثيرة من الحيلي والخضراء (2)، وأحرقوا مقامات من فرق، وعاثوا في البلاد. ثم خرج أهل نزوى ومن معهم [م387] من عساكر يعرب، فوقع بينهم الحرب، ثم رجع كل فريق منهم إلي كمانه وقتل من قتل من الفريقين، فكان الحرب والقتل بينهم كل يوم إلي (3) ماشاء الله. واشتد على أهل نزوى البلاء (4).
ثم وقعت بينهم وقعة عظيمة لم يسمع بمثلها الإ ماشاء الله، وكادت تكون الهزيمة على قوم مالك، إلا أنهم لم يجدوا سبيلا للهزينة والهرب، وإذ قد أحاطت بهم الرجال كحلقة الخاتم بعدما انهزم منهم خلق كثير وبقي من بقي، فظنوا أن لاملجأ من القتل فعزموا عزماً قوياً، وجدوا في القتال. وأما أهل نزوى فظنوا أنهم غالبون، ة فاشتغل أكثرهم بالنهب والسلب، واتكل بعضهم على بعض، فعطف عليهم القوم بعزم ثابت، بجد واجتهاد، فولوا منهزمين، فكثر فيهم القتل والجراح، واتبعهم (5) القوم يقتلون ويسلبون، إلي الموضع المعروف بجنّور الخوصة؛ قريبا من جناة العقر فقتل كثير من أهل نزوى في ذلك اليوم ورجع قوم مالك إلي معسكرهم [م388] ولم يزل الحرب قائماً بينهم كل يوم.
ثم إن مالكاً خرج بكافة أصحابه ــ إلا قليلا تركهم في المعسكر ــ حتى وصل قريباً من جناة العقر، فأراد أن يحاصرهم في بستان شويخ وليثقب
(م11 ــ تاريخ عمان) (1/161)
صفحة 162
جدرها لمرامي التفق، فخرج إليهم أهل نزوى، ودارت رحى الحرب بينهم ساعة من النهار.
ثم قتل ناصر بن مالك، فانكسر قومه ورجعوا إلي معسكرهم، وأقاموا هنالك، إلا أن قوتهم ضعفت بموت مالك.
ولم تزل الحرب قائمة بينهم وبين أهل نزوى حتى وصل محمد بن ناصر الغافري بجيشه من الغربي، بعد حروب كانت بها وقعات عظيمة، منها: وقعة بوادي الصقل، ومنها بالجو، ومنها: بضنك، ومنها بالغبي، لم أشرحها لشهرتها وخوف الإطالة.
فلما وصل محمد بن ناصر الغافري أمر بالركضة، فركضوا عليهم، وأحاطوا بهم ووقع بينهم الحرب والرمي بالتفق، من الصبح إلي اليل. فلما جن الليل، أمر محمد بن ناصر أن يفسحوا لهم من [م389] الجانب الأسفل من الوادي ــ مما يلي فرق ــ ففسحوا لهم فأصبحوا منهزمين، وأصبح منزلهم من الليل خاليا، وليس فيه أحد وتفرقوا، ورجع محمد بن ناصر إلي نزوى.
وكان الإمام يعرب مريضا، فأقام محمد بن ناصر بنزوى أياما قلائل (1) وكان الحصار لنزوى قدر شهرين إلا ستة أيام.
ثم إن محمد بن ناصر أمر بالمسير إلي الرستاق، فسار إليها بجيش فدخلها، ونزل بفلج الشراة، وأراد أصحابه أن يركضوا على البومة التي فيها علي بن محمد العنبوري ــ وهي بالمزاحيط من الرستاق ــ فنهاهم عن ذلك، إلي أن ركض علي بن محمد [العنبوري] (2) ومن معه، فأمر (1/162)
صفحة 163
محمد بن ناصر قومه فركضوا ووقع بينهم حرب عظيم، فقتل صاحب العنبوري، وقتل من قتل من قومه، وانكسر الباقون.
ورجع محمد بن ناصر إلي فلج الشراة ودخل في اليوم الثاني إلي فلج المدرى من وبل فالتقاه بلعرب بن ناصر طائحا (1) فصالحه على تسليم قلعة الرستاق، وجميع الحصون [م390] التي في يده، ومضوا جميعا إلي قلعة الرستاق.
فأراد بلعرب أن يخدع محمد بن ناصر، فكان محمد بن ناصر فطنا حذرا، فأبى أن يدخل إلا بعد أن يدخل جميع القوم، فلما دخل كاقة قومه دخل هو، ووقع من القوم [في البلد] (2) السلب والنهى والسبى في الذراري، حتى أنها بيعت وحملت إلى غير عمان، وذلك بما كسبت أيدهم جزاء بما كانوا يعملون، وبما فعلوا في قاضي المسلمين ــ عدي بن سليمان الذهلي ــ، [وبما فعلوا في] (3) سليمان بن خلفان، والإمام المهنا بن سلطان وبني عمه والله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ومات يعرب في نزوى، محمد بن ناصر في الرستاق، لثلاث عشرة ليلة خلت في جمادى الآخر سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وكتم أهل نزوى موته ــ خيفة أن يقوى عليهم العدو ــ نحو خمسين يوما.
ثم إن محمد بن ناصر أمره بتقييد بلعرب بن ناصر، بعدما أمر بلعرب بتخليص الحصون التي بيده ولم يبق الإ مسكد [م391] في أيدي بناة هناءة [وفي كوت مسكد] جاعد بن مرشد بن عدي (1/163)
صفحة 164
اليعربي (4)، فاحتالوا وأخذوه منه، وأوصلوه إلي بلدة نخل، وقام محمد بن ناصر بالرستاق.
وأشهر (1) أن الإمام [هو] (2) سيف بن سلطان، وهو مع ذلك كله غير بالغ الحلم، وتفرق أهل الرستاق كلهم في الجبال والأودية، فسمعت أنه وجد في كهف من جانب الحلاة ــ من ناحية المهاليل ــ مائة نفس من صبيان ونساء ميتين من العطش؛ خافوا أن يرجعوا إلي الرستاق، فيحملهم (3) البدو ويبيعونهم، وجاءت ثيبة (4) لمحمد بن ناصر ــ بعد أخذ الرستاق بثلاثة أيام ــ قدر ألف ونصف من بني قليب وبني كعب، بتفاق ورماح. ووصل رحمة بن مطر الهوالي بنحو خمسة آلاف ــ من بدو وحضر ــ وفيهم من لا يعرف العربية، ولايعرف صديقا من عدو.
وكان خلف بن مبارك ــ المعروف بالقصير ــ من أهل الغشب من الرستاق، لم يكن [م392] بالرستاق في وقت الحرب، فقهر حصن بركا، ومسكد في يده وعه بنو هناءة، فأرسل محمد بن ناصر، علي بن محمد الخروصي ــ المكني (5) بو جامع واليا لحصن بركا، فقتلوه، ورجع أصحابه إلي الرستاق، مع (6) محمد بن ناصر.
فأمر محمد بن ناصر الجيش بالمسير إلي بركا، فسار رحمة بن مطر (1/164)
صفحة 165
بقومه، وحمزة بن حماد القليبي، وأحمد [بن علي] الغافري (1) بالعسكر الذي خرج من عند محمد بن ناصر. ومحمد بن عدي بن سليمان الذهلي بالقوم الذين جاء بهم من الصير. محمد بن ناصر الحراصى بقومه فسلر هؤلاء ــ كل وال عللا قومه ــ حتى نزلوا بالمصنعة (2).
ثم ورد كتاب من قزع (3) الدرمكي ــ من بني هناءة ــ لرحمة بن مطر، إنك لاتصل إلينا فنحن واصلون إليك، على سبيل التهديد (4). فلما قرأة (5) وعرف معناه، أمر بالمسير إلي بركا، فوجدوا قزعاً وأصحابه مقبلين إلي رحمة بن مطر فرجعت العيون، وأعلموه أن قزعا [م393] وأصحابه مقبلين إليه (6). فالتقاهم رحمه بمكان يسمى القاسمفوهب عليهم قضيب الهولي على فرس، والقوم على أثره، فقتل منهم عشرة رجال، وانكسر قزع، وخرج قضيب جريحا [جرحا] (7) هينا.
وسار رحمه مشرقا بالقوم حتى نزل بالحفري التي هي للجبور، حتى يستريحوا ويأكلوا، ثم إنه بعث عيونا، فوجدوا خلف بن مبارك القصير (8) قد طلع بقومه براً وبحراً، بجيش لايعلم عدده إلا الله، وكان عدد القوم الذين هم أصحاب محمد (1/165)
صفحة 166
ابن ناصر خمسة عشر ألفا، من بدو وحضر، من سائر (1) القبائل. فالتقوه غربي بركا، فةقعت بينهم صكة عظيمة. وكانت عند أصحاب رحمة مدافع، فضربوا الخشب (2) التي في البحر، فأغرزت الخشب بحرا (3).
وانكسر خلف بن مبارك وأصحابه، وركب ناقته، واتبعهم أصحاب محمد بن ناصر يقتلون [م394] ويأسرون. فلم يجدوا ملجأ من القتل، فكانوا يدخلون إلي البحر ليتخلصوا إلي المراكب، فأغرزت بحراً ولم ينالوها. والقوم تضربهم بالتفاقة (4)، فهلك منهم كثيرون (5)، وأخذوا أسلحتهم وغير ذلك، فالذين لفظهم البحر ألف وأثنا عشر ألف رجل ميتين ولايزالون يتبعونهم حتى دخلوا حصن بركا.
ثم نزل أصحاب محمد بن ناصر الغافري بجانب الجبل من بركا، فحاصروا الحصن، فأقاموا أربعة أيام، ثم إن أصحاب الحصن تخلصوا في المراكب، ومضوا إلي مسكد، ولم يبق منهم إلا قليل، وليس في البلد أحد.
ثم إن أصحاب محمد بن ناصر الغافري رجعوا إلي الرستاق ولم يطمعوا بالحصن ورحمة بن مطر رجع إلي بلده، فأقام محمد بن ناصر في الرستاق، وأصابه الجدري، حتى خيف عليه من شدته، ثم عوفي، ثم إنه أمر بالمسير إلي ينقل، وجعل في الرستاق محمد بن ناصر الحراصي واليا عليها، وعنده أصحاب بهلا، وسنان [م395] بن محمد بن سنان المحذور الغافري، قائما (6) بقلعة (1/166)
صفحة 167
وسار محمد بن ناصر، و سيف بن سلطان ــ وهو صغير حمله معه ــ وكافة اليعاربة، و بلعرب بن ناصر مقيداً (1)، حتى نزل بمقنيات، فأرسل (2) إلي قبائل الظاهرة وعُمان يستمدهم، وبني ياس. وجاءت إليه القوم، وأناخوا عنده عساكر كثيرة، قدر إثني عشر ألفا.
وكان نزولة بفلج المناذرة من طرف ينقل، فأرسل إلي أهل البلدان يسلموا له الحصن، فأبوا ولم يردوا له جوابا، فارتفع وقت الصبح، يريد الانتقال منها إلي الجانب الأعلى (3)، شريعة [فلج] (4) المحيدث من البطحاء. فالتقاه بنو علي بمن معهم من أهل ينقل، فوقعت بينهم صكة عظيمة، وقتل من بني علي قوم كثير، المعروف (5) منهم ابن شيخهم سليمان بن سالم (6) ومن أصحاب محمد بن ناصر سالم بن زياد (7) الغافري، وسيف بن ناصر الشكيلي؛ [وهو] (8) واحد من الجرحى (9) [م396]
ثم إنه (10) نزل شريعة المحيدث من الجانب الأعلى وأقام، محاصرهم ويضربهم بالتفق والمدافع ثم وقعت بينهم صكة، فقتل خلق كثيروقتل من أصحاب محمد بن ناصر، الوالي محمد بن خلف (1/167)
صفحة 168
القيوضي، وأحد من بني عمه، ثم إنهم كسروا الماء [عن الحصن] (1) فلم يبق معهم ماء، فعند ذلك صالحوا على تسليم الحصن.
ووصل الخبر إلي محمد بن ناصر أن سعيد بن جويد الهنائي (2) دخل السليف مع الصوافة من بني هناءة و بقومه، فأمر القوم بالمسير إلي السليف، فلما وصلها أرسل إلي سعيد بن جويد واهل السليف أن يؤدوا الطاعة، فأبوا ووصل إليه الصوافة من أهل تنعم (3) مؤدين الطاعة.
ثم إنه أمر بالركضة على حصن المراشيد من السليف، فركضوا عليه وهدموه على من فيه من نساء و رجال وأولاده، ثم أن سعيد بن جويد طلب التسيار إلي بلده ــ هو وأصحابه ــ فسيره محمد بن ناصر، وزوده وبقي بالسليف حصن الصوافة [م397] وحصن المناذرة.
فأما حصن المناذرة لما رأوا ما أصاب المراشيد، صلحوا وأدوا الطاعة لمحمد بن ناصر، فسلموا ولم يصبهم شيء وأقرهم مكانهم، وأما الصواوفة فلم (4) يؤدوا الطاعة، فأقام فحاصرهم بقطع نخيلهم، والقتل فيهم كل يوم. وفسح للبدو من أصحابه، [فلم يبق معه] (5) إلا بني ياس وقبائل (6) الحضر، وكان الحصار فوق شهرين، ثم إنهم صالحوا على هدم حصنهم بأيديهم، فهدموه.
وكان خلف بن مبارك القصير (7)، لما رأى محمد بن ناصر مشتغلا (1/168)
صفحة 169
بحرب السليف، جمع قوماً وحاصر الرستاق. فلما قتل سنان بن محمد المحذور الغافري بالقلعة، خرج (1) محمد بن ناصر الحراصي وأصحابه من حصن الرستاق بعد شدة القتال، وهدموا برجا من الحصن، فعند ذلك خرج محمد بن ناصر الحراصي [وصالحة] (2) واستقر أهل الرستاق في أموالهم وبيوتهم.
وكان سباع العنبوري (3) قد أخذ صحار، ولم ير محمد بن ناصر [بدا من] (4) الرجوع عن [م398] السليف، فمضى إلي الرستاق خوفاً منهم أن يتفقوا عليه.
ثم إن خلف القصير (5) صار على حصن الحزم ــ وكان الوالي فيه عمر بن مسعود بن صالح الغافري (6) ــ فحاصره، ورد الفلج عنه، وأرسل إليه خلف أن يخرج من الحصن ــ هو وأصحابه ــ بأمان، فأبى، وكتب إلي محمد بن ناصر ــ يخبره الخبر، وأنهم لم يبق معهم ماء إلا بركة قليلة.
فسار محمد بن ناصر إلي الحزم بعدما صالح أهل السليف، وهدم (1/169)
صفحة 170
حصنهم بجيش عظيم، فلما وصل الحزم، ركض على أصحاب خلف، فقتل من قتل منهم، وانكسر (1) أصحاب خلف.
ورجع محمد بن ناصر إلي الظاهرة، وأعرض عن الرستاق خوفاً منهم وقصد بلاد سيت، وحشد من البدو والحضر، واجتمع معه عسكر كثير (2)، وسار إلي بلاد سيت، فأرسل إليهم ليؤدوا الطاعة له، فأبوا، فحاصرهم، وأمر القوم بالهجوم عليهم، فهجموا عليهم، وقتلوا منهم خلقا كثيراً.
ثم ركض على العارض ــ وهو لبني عدي ــ فأخذوها، وأخذوا [م399] غمر (3)، وخلصت له بلدان بني هناة من العلو.
ثم رجع محمد بن ناصر إلي نزوى بمن معه، وأقام بها قدر ستة أشهر بعد الشتاء، إلي أن استوى القيظ. وأرسل إلي أهل البلاد من قرية منح أن يؤدوا الطاعة فأبوا. فجهز لهم جيشاً فحاصرهم، وقطعوا نخيلهم من فلج الفيقين (4)، قبل أن يبني لها أهلها حصنا، ثم أدوا الطاعة ثم سار إلي الظاهرة.
ثم إن خلف بن مبارك جمع قوماً، ونزل وادي المعاول، وانتقل بهم إلي نخل فحاصرهم، وكان فيها مرشد بن عدي [اليعربي] (5). فمكث أربعة أيام (6) فحاصرهم، ونزلوا من الحصن وحرقوه، وهدموا (1/170)
صفحة 171
منه ما قدروا عليه. ومع ذلك صالحه أهل الجميمي منها ثم عقب عليهم من عقب، ودخلوها، وهرب أهلها إلي سمائل، وبعض منهم إلتجأ في حجرة الجناة (1) مع بني مهلل، فآووهم.
ثم إن الذين بقوا مع أهل مهلل أرسلوا أهل نخل، أن يجيئو من جانب الحمام. فجاؤوا بقوم من حيث [م400] لم يدر بهم آل مهلل، فدخلوا عليهم حين غفلة منهم، وقتلوا [منهم من قتلوا] (2) فخرجوا إلي وادي المعاول، حتى أن المعاول نصروهم وذمروا لهم الحرب في حجرة الجناة. فمكثوا يحاربونهم ثلاثة عشر يوما، لا يهدأ (3) ضرب التفق، حتى أنهم انهزموا من الحجرة، وكثر فيهم القتل وتخيبوا.
ثم أن المعاول قالوا: لا نبغي حجرة في الجناة، فهدموها. ومكث نخل مدة من الزمان لم يوجد (4) فيها من الأنيس الإ الكلاب والسباع على القتلى. ومن بعد ذلك قسموها على بني هناءة ومكثوا فيها إلي أن ملك فيها سيف بن سلطان بعدما بلغ الحلم، وأقامه المسلمون إماماً، فعند ذلك سلموها لأهلها. وذلك الوقت أوان تخليج النخل (5)، فصاروا (6) يتوسلون بالقاضي ناصر بن سليمان المدادي من نزوى، وجاءوا بخط إلي المعاول، فسلموها [لهم] (7). (1/171)
صفحة 172
ثم إن محمد بن ناصر سار إلي بلدان العوامر، وآل وهيبة من بدوا، وبني هناءة فوقع بينهم حرب عظيم، حتى كادت تكون الغلبة [م401] على أصحاب محمد بن علي ــ أصحاب محمد بن ناصر ــ، ثم إنهم ثبتوا ثم رفعت الغلبة على بني هناءة.
ثم رجع محمد بن ناصر وقصد الظاهرة ليجمع قوما، فجمع قوما وجاء بهم إلى نزوى. وجمع أهل نزوى وبهلا وأزكي وبني ريام، وسار بهم إلي سيفم وأرسل إلي سعيد بن جويد الهناوي (1) ومن معه من أهل العقير والغافات فامتنعوا، وحاصروهم.
ثم خرج سعيد بن جويد ومن معه، ومر بالظاهرة، وإلي صحار، يجمع قوما من صحار وينقل، إذ [أن] (2) أهلها نكثوا الصلح، فاجتمع خلق كثير وجاء إلي عملي (3) وضم، واجتمع إليه قوم كثيرو فلم يزل يضرب في عمان يمينا وشمالا، فتراه يوما في الشرقية، ويوما في الغربية، يغشى (4) أموال خصمه من أعوان محمد بن ناصر، فكل يوم قيل إن سعيد بن جويد يغشى بلدة كذا، وبعض يصالحه، وبعض يغشى عليه.
ومكث على ذلك مدة طويلة، حتى توعرت منه الناس. وقد [م402] وصل الخبر إلي فلج العيسى، وأراد أن يركض على محمد بن ناصر وأصحابه ومكث مدة لم يدروا (6) أنها قدر سبعة أيام.
فتخوف منه محمد بن ناصر، حتى جعل عليه عيونا في الأماكن، خيفة أن يهجم عليه على غفلة، فأخبرته العيون أن سعيد بن جويد أقبل (1/172)
صفحة 173
بجمع كثير، فأمر محمد بن ناصر أن يلاقوهم دون البلاد، فالتقوا صدر الغافات، فوقع بينهم حرب شديد.
وهناك قتل سعيد بن جويد [الهناوي] (1) وقتل من أصحابه غضن العلوي (2) صاحب ينقل، وانكسر بقية قومه، فأمر محمد بن ناصر بحصار بلدة سعيد بن جويد (3)؛ حتى أتوا بسعيد بن جويد [وسحبوه] مقتولا [ليخوفوا به] (4) أهله، ليدينوا فلم يصالحوا، ومكثوا شهرين، وفرغ ما عندهم من الطعام،، حتى أكلوا ماعندهم من الأنعام. والقائد (5) لأصحاب محمد بن ناصر [هو] (6) مبارك بن سعيد بن بدر الغافري؛ ةلأن محمد بن ناصر رجع من بعد الصكة إلي يبرين.
ثم إنهم صالحوا بعدما فرغ ماعندهم، وضاعت أموالهم، وقتل من [م403] قتل منهم، وكان صلحهم على هدم حصنهم، فهدموه؛ ووصلوهم بأمان.
وبقى حصن العقير محاربا ولم يؤدوا الطاعة. وفسح محمد بن ناصر، لمبارك بن سعيد بن بدر، وجعل مكانه راشد بن سعيد الغافري وحاصروا حصن العقير حتى فرغ ماعندهم، فصالحوهم على هدمه، فهدموه، ثم أمنوهم، ورجع كل إلي بلده. (1/173)
صفحة 174
ثم إن محمد بن ناصر جيش جيشا من البدو و الحضر، وقصد به بلدان الحبوس من الشرقية، و المضيبي، و الروضة، و التقى هو و جيش خلف بن مبارك و الحبوس و غيرهم من بني هناءة بالمضيبي. فوقع بينهم حرب عظيم، وانكسر أصحاب خلف بن مبارك، ودخلوا حجرة المضيبي. ثم مكثوا بالمضيبي كلهم حتى وقع الصلح [بين محمد بن ناصر، و أهل المضيبي بخروج خلف و من معه عنهم] (1)
ثم إن خلف بن مبارك قصد أبرا (2) -عند الحرث – فاتبعه محمد بن ناصر و دخل خلف بن مبارك، و لم يظن أن محمد بن ناصر يتلوه بجيشه فأرسل محمد بن ناصر إلى الحرث [404م] أن يخرجوا خلف بن مبارك من عندهم، فابوا فقام بحربهم، وقطع بعض نخيلهم.
ثم إن خلف سار إلى مسكد، ورجع محمد بن ناصر إلى بيرين.
إمامة محمد بن نلصر الغافري:
ثم وصل [محمد بن ناصر] (3) بمن معه إلى نزوى، و أرسل إلى رؤساء القبائل (4) وأهل العلم، واجتمعوا، فطلب منهم أن يقام أحد مكانه مع سيف بن سلطان، وأنه يتعذّر من الحرب، فلم يعذروه، [خوفا من خلف بن مبارك القصير] (5). (1/174)
صفحة 175
وقد ولّي نزوى عبد الله بن محمد بن بشير بن مداد، نظرا [لأنه] (1) من أهل العلم، لئلا يقام الباطل في البلاد، وذلك أنه كان [في] (2) كل هذه الحروب على الباطل، لا بحجة حق و كله إثم و ذنوب.
ثم غلقت أبواب الحصن على اولئك الناس [للمشورة] (3) فمكثوا (4) يوما و ليلة إلى قرب الفجر، [حتى] (5) عقدوا الإمامة [لمحمد بن ناصر] (6) ليلة السبت لسبع ليال خلون من المحرم سنة سبع و ثلاثين و مائة و ألف، ومكث بنزوى حتى صلى الجمعة، ثم سار إلى بيرين.
ثم إن مانع بن خميس العزيزي أخذ حصن الغبّي و كذلك مهنا بن عدي بن مهنا اليعربي،- و معه [جموع] (7) من بني ريام - أخذوا غالة و البركة (8)، [فمضى إليهم محمد بن ناصر بمن معه من الرجال، فسلموا له الأمر بعد الحرب] (9)، وتحاربوا، وتصالحوا، كذلك [405م] أخذ [محمد بن ناصر] (10) حصن الغبي، ثم صار إلى سمائل و حرب (11) حجرة البكريين من سمائل، و حجرة أولاد سعيد أمبو علي التي قرب الحصن.
ثم أن المعاول وقعت بينهم وبين خلف بن مبارك شرهة و عتاب، وأخذوا عليه حصن بركا، و أرسلوا إلى محمد بن ناصر؛ فهبط (12) إلى الجبل، (1/175)
صفحة 176
وتلقوه المعاول، وعاهدوه على أن يحربوا (1) مسكد، وتعاهدوا على ذلك.
ثم إنه سار مغربا، فظن المعاول أنه يريد حصن بركا منهم، ونزلوا الحرادي، و جعل نزول المعاول وسط القوم (2)، ولما احسوا أنه يريد بركا، جعلوا خادما لهم يعمل طعاما فرشوه ورشهم (3) وسار كل إثنين منهم إلى الخور ليصلوا العصر أو المغرب، حتى أن كلهم و صلوا حصن بركا وامتنعوا وأرسل إليهم [محمد بن ناصر] (4) متاعهم، وسار إلى سمائل، وأما الركاب التي لهم [فإنهم] (5) جعلوا عليها طانفا (6) وقالوا له: سر كأنك نحو الفلاة فما لبث بهن حتى أوصلهمن وادي المعاول.
ثم بعد ذلك قصد [ناصر بن محمد] إلى ينقل، ونزل بحذاها. وكان فيها رجل اسمه عصام قد دلّه على البلد [406م]، و ثقب له ثقبا من بيته (7)، ودخلوا على أهلها من ذلك البيت، وضيع حجرتهم، و السبب ذلك الرجل. (1/176)
صفحة 177
وقصد إلى صحار، ولم يكن خلف بن مبارك فيها، ولا (1) فيها من أجنابه أحد، فدخلها، ثم جاء خلف بن مبارك، ودخلها، ووقعت (2) الحرب بينهم، حتى قتل محمد بن ناصر، و خلف بن مبارك. فأما خلف [فقد] (3) قبر في الحصن، وأما محمد بن ناصر [فقد] قبر في بيت غربي الحصن، عند حجرة الشيعة، وسار كل أحد إلى بلاده.
قال قائلون (4) إن أحدا ً أخرج محمد بن ناصر من قبره [ورمى به خارج] (5) البلد، والله اعلم.
وصار خط الباطنة كله ل خلف بن مبارك في حياته، وكذلك الرستاق قبل موته، و محمد بن ناصر في عمان، وأما حصون الغربية، فمرة تؤخذ منه (6)، ومرة يأخذها، وكذلك الشرقية، حتى مات، وحساب الفريقين مع الله.
إمامة سيف بن سلطان:
ثم إن سيف بن سلطان طلع به بنو غافر إلي القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد في (7) نزوى، ونصبوه إماما، إذ صار [م407] بالغ الحلم يوم الجمعة أول شهر شعبان من سنة أربعين سنة ومائة سنة وألف.
(م12 - تاريخ عمان) (1/177)
صفحة 178
مكث ما شاء الله حتى وصل قرية نخل، وكان الوالي بها جساس بن عمر بن راشد الحراصي، فأدخلوا (1) بلعرب بن حمير في الحصن، وسيف بن سلطان في البطحاء من حيث لم يدر، وامتنعوا عنه (2) فنهض سيف من ساعته إلي بطحاء (3) ــ أفي ــ من وادي المعاول، وأرسل خاله سيف بن ناصر إلي مسكد، وقبضها، وأما بلعرب (4) بن حمير [فقد] (5) أقاموه بنزوى إماما، فتبعته (6) فرقه، ومَلك بحيث مُلك محمد بن ناصر، وبقى لسيف بن سلطان ماكان في يد خلف بن مبارك.
ثم إن سيف بن سلطان أرسل إلي سلاطين مكران أن يمدوه بقوم، فأمدوه. وسار بهم إلي الظاهرة؛ ووقع الحرب هنالك، ووقعت الغلبة على قوم سيف، وقتل أكابر البلوش الذين جاؤوا من مكران.
ثم إن سيفا أرسل إلي العجم، وأتوه بجيش عظيم، ونزلوا بخور فكَّان (7)، آخر ليلة [م408] الخميس لأثنتى عشرة ليلة خلت من شهر الحج، سنة تسع وأربعين سنة ومائة والف سنة وقصدوا إلي الصير.
وخرج سيف بن سلطان من مسكد إلي نحوهم، وحشد بلعرب بن حمير [اليعربي] (8) ليتلقاهم، وخرج من نزوى أول شهر المحرم. (1/178)
صفحة 179
سنة خمسين ومائة ألف (1) وتحاربوا قليلا، وانكسر بلعرب بن حميرومن معه، وتشتت أقوامه، ولم يرجع أحد منهم بدابة، ولامتاع ولاسلاح، ومات أكثرهم من قتل وعطش.
وأخذ سيف الجو والظاهرة، وأدت أهل تلك البلدان من الخراج والمغرم غير قليل، ودخلو حجرة عبري، وقتلوا الرجال منه والأطفال والنساء، حتى قيل أن الأطفال يربطون في حبل (2)، ويجعلونهم في مياه الأنهار تحت القناطر، فيا أعظمها من مصيبة!! وحملوا النساء إلي شيراز.
ثم رجعت العجم إلي الصير. وصاروا مالكين أمرهم، لم يخلوا لسيف بن سلطان حظاً، وتوجه سيف إلي بهلا، وحاربهم، وصالحوه.
ثم تخلل (3) عساكر بلعرب من حصن نزوى، وكاد [م409] [بلعرب بن حمير] (4) يهرب منها ثم إن أهل بهلا أدخلوا بلعرب الحصن.
ثم جاءت زيادة عجم من شيراز مع أصحابهم إلي الصير، وقصدوا إلي عمان، وذلك [في] (5) اليوم التاسع من شوال من سنة خمسين ومائة والف سنة، وصالحتهم (6) قبائل الظاهرة، ووصلوا إلي بهلا، واقتتلوا. وقتل من العجم وأهل بهلا ناس كثير، ودخلت العجم بهلا يوم (1/179)
صفحة 180
ثلاثة وعشرين [من ذي] (7) القعدة من هذه السنة،، واستولوا عليها، وهرب أهلها منها.
وقبض العجم الحصن، حتى [أنهم] (1) ربطوا خيولهم فوق الغرف من الحصن، ومضوا إلي نزوى أول شهر الحج، وهرب بلعرب بن حمير من نزوى إلي وادي بني غافر، وثبت بنو حراص بقلعة نزوى، وبعض أهل نزوى في الحصن.
وصالح أهل نزوى العجم، إلا القلعة والحصن، وضعوا عليهم الخراج، وعذبوهم بالمجلد والقتل، وتفرق من عاش منهم، حتى قيل [إن] (2) الذين فقدوا أربعة آلاف نفس، وحملوا النساء والأطفال، وفعلوا من أنواع القبيح [م410] لايذكر ولم يتركوا مقدرة عن الحصن ــ والقلعة بالحصن (3) ــ بالحرب والتفق، وأيسوا منهم.
وخرجوا منها يوم سادس الحج، ومروا على أزكي، فصالحوهم، وأدوا الخراج، وأقاموا [فيها] (4) يوما وليلة، ومضوا قاصدين إلي الباطنة. ودخلوا مسكد يوم أربعة وعشرين من شهر الحج من سنة الخمسن بعد المائة وألف، ولم يمنعهم مانع. وأهلها: فمنهم من ركب في المراكب عند سيف بن سلطان واليعاربة، ومنهم في بقية السفن، ومنهم في الكيتان.
وحاصروا الكيتان حتى وضعوا بومة فوق الجبل الذي فيه البرج النعشي (1/180)
صفحة 181
من الكوت الشرقي، إلى يوم الخامس من صفر سنة إحدى وخمسين بعد المائة وألف مكثوا كذلك إحدى وأربعين يوما. وأنكسروا، ومروا إلى بركا وصحار.
وسيف ومن يوده ركبوا في المراكب هاربين من العجم، ثم نزل إلى بركا، وطلع إلى الطوّ، بلاد بني جابر، وسار- هو وأهل الطوّ- إلى نخل. وساروا إلى الظاهرة. والتقوا- سيف [م411] بن سلطان وبلعرب بن سلطان وبلعرب بن حمير- في وادي بني غافر، ووقع النظر بأن يخلع بلعرب بن حمير من الإمامة، ويعقد لسيف بن سلطان خوف الفرقة.
وبقى العجم في الحفري، وفي برج المذرع من بركا، والحصن فيه المعاول، ومكث بينهم الحرب زمانا طويلا.
وأما العجم الذين تركوا في بهلا، لما أبطا عليهم خبر أصحابهم، بعثوا منهم قدر مائة فاس يتجسسون عن أخبارهم، فمروا على سمائل (1) أول نهار ثامن صفر، فشمر عليهم حمير بن منير الريامي أهل سمائل، فقتلوا منهم كثيرا وانهزموا.
ثم إن حمير بن منير – ومن معه من أهل أزكى وبني ريام – طلعوا إلى بهلا، يوم التاسع عشر من صفر، ودخلوها يوم اثنين وعشرين، واحتضن العجم في الحصن، وحاصروهم، وقيل إنهم ثمان مائة رجلا (2)، بعد الذين قتلوا منهم. وأوصلوهم إلى السيد الأعظم والهمام الأكرم، أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي – وهو يومئذ [م412] والي صحار – فحبسهم ومات أكثرهم.
وأما العجم الذين انكسروا من مسكد، بعد مكثهم في بركا (1/181)
صفحة 182
[فإنهم] (1) ساروا إلى الصير، وركب منهم إلى بلدانهم، وبقى منهم من بقى في الصير.
ثم إن سيف بن سلطان ظهرت منه أحداث مما تخرجه من الإمامة، لم يرضها المسلمون، وكلف الرعية الغرم الكثير، ثم أنكر عليه المسلمون، واجتمعوا في نخل، عند السيد سلطان بن مرشد بن عدي بن جاعد اليعربي، الذى أمه بنت سيف بن سلطان الكبير، واجتمعوا من أهل نزوى الشيخ حبيب بن سالم أمبو سعيدى الأعمى، وهو أعلم أهل زمانه يؤمئذ.
إمامة سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي:-
[اجتمع من شاء الله من مشايخ العلم وشيوخ القبائل من نزوى و أزكى] (2) و أناس من أهل بهلا والرستاق، ومن سائر (3) القبائل، وعقدوا الإمامة للسيد سلطان بن مرشد المذكور هنا، ليلة الحج من سنة أربع وخمسين ومائة وألف. واستقام وخلصت له الحصون.
فأما سمائل، [فـ] فيها أحد من بني هناة من قبل سيف بن سلطان، وحارب إلى أن أيس [م413] من المدد من سيف بن سلطان، وانفتح (4) وأزكى فيها بنو رواحة عاهدوه، وخلصوا له الحصن. ونزوى خلص (5) قلعتها بنو حراص، وبهلا والشرقية، سالمته الرعية [من الفريقين] (6)، والحمدلله. (1/182)
صفحة 183
وجهز جيشا إلي الرستاق، وسار فيه، وكان سيف بن سلطان قد جمع قوما [وخرج يريد لقاء الإمام] (1) عند طوي العشرق في الوادي، بقرب ثقاب فلج الميسر، والإمام سلطان بات على ماء بقرب الجبل الذي يغشى ثقاب فلج بو ثعلب، وأصبح ليدخل الرستاق، فلما أحس سيف بقدوم الإمام انهزم، وسار إلي مسكد، وسار كل في بلده.
فدخل الإمام الرستاق، فتلقاه مشايخ الرستاق من كل حلة بالكرامه، وذلك آخر يوم من شهر شعبان ــ والجمعة ـــ من هذه السنة، واحتوى على جميع رعاياها وبقى الحصن، ومكث [الإمام] (2) محيطا به سبعين ليلة وانفتتح له، وترك فيه أخاه [واليا وهو سيف بن المهنا] (3).
ثم إن سيفا [بن سلطان] (4) جمع قوما من ساحل عمان، ومكث في بركا. فبعث له [م414] الإمام سلطان أخاه سيف بن مهنا [اليعربي] (5)، والمعاول، وأحمد السعيدى، ومن ومعهم من القبائل، وتواجهوا، في الدهس أعلا من مزرع بركا، غربي الطريق الجائز (6). وانكسر سيف وانهزم أصحابه إلي مسكد. و سيف بن مهنا رجع إلي الرستاق وفيه، قليل جراح ضربتان، وجاءت لسيف بن سلطان دولة (7)، وطلع بهم إلي حصن الحزم. (1/183)
صفحة 184
ووقعت فتنة بين قومه وبين بدو الغرب وبدو الباطنة. وتحللت عنه الأقوام. فرجع سيف بن سلطان إلي مسكد.
ثم إن الإمام سلطان حشد قوما، وهبط إلي مسكد يوم ثاني من شهر (1) الحج ــ والخميس ــ من هذه السنة. [و] (2) وصل مزرع روي يوم رابع، وأناخ هناك، وركض في الليل على المطرح، ثم طاولوا إلي مسكد، وفيها عبيد سيف بن سلطان، وسيف ركب إلي العجم، وترك العبيد كل المعاقل (3)، ماخلا الكوتين (4)، مكث يحاربهم مدة، والمعقل في المطرح ووقع بالمطرح البيع والشراء.
ووصل سيف إلي [م415] الصير، وترك مركبه الذي سار به من مسكد في خورفكان، فأخذه السيد أحمد بن سعيد البوسعيدي.
ثم أرسل العجم من الصير من يأتي لهم بقوم من شيراز. وأتوا بهم إلي عمان، ونزلوا بصحار قدر عشرين، وقيل ثلاثين ألفا، وقيل أربعين ألفا، وقيل خمسين ألفا. جميع جيشهم قعدوا إلي صحار. والسيد أحمد بن سعيد في فلج العوهي، ووثب إلي الحصن (5) وقد نزلوا حوله، فحاصروه حصارا شديدا، وكاد ينهدم الحصن، ودخلوا (6) خندقا دائرا (7) بالحجرة، (1/184)
صفحة 185
وبروجا عالية من كل جهة من البر ومن البحر مراكب كثيرة، وكانوا يضربون من الجانب الغربي عشرة مدافع في دفعة واحدة، وكذلك من المشرق، وزن الرصاصة ثلاثة أمنان بالمسكدي، وبنوا لهم حصنا يسمونه أردو، وصرفته أثقالهم.
ثم إن سيف بن سلطان سلم الكيتان للعجم، وجاؤوا إلي مسكد والمطرح بقوم عظيمة، فسار الإمام مهنا، ومر بحصن سمائل. ودوّل من عمان والغربية، [م416] وقصد بهم العجم، فنزلوا قريبا من الأردو، ودخلوا عليهم، ووقع القتل في الفريقين. وخانت بدو الغرب، وأخذوا الأموال من العجم، وساروا إلي بلدانهم، وقتل هناك السيد سيف بن مهنا مع جملة من مشايخ القبائل (1). وأصاب الأمام ضربتان تفق، وكان ذلك سبب موته. ودخل ــ هو ومن بقى ــ بخيلهم من باب، وخرجوا من باب وأكثر قتلهم من التفق من بروجهم [فلما أثخنته الجراح ذلف] (2) إلي صحار، ودخل الحصن ومكث متألما محجوبا عن (3) الناس ومات ودفن في برج الكبس، وأخفوا موته، لئلا تكون (4) شماته عليهم من العجم.
ويضربون (5) مدافعهم كل يوم ألف ضربة واثنتا عشرة، والأردو عليهم خندق، وبروجه من النخيل والطين، والسيد أحمد بن سعيد صبر على إحصار العجم، [طوال] (6) تسعة أشهر. وأصابهم (7) عدم (1/185)
صفحة 186
المعيشة (1)، حتى وصلت (2) قيمة ست حبات قاشع بغازي (3)، ومكوك الأرز بعشر محمديات، والسيد أحمد ينفق على عسكره التمر والأرز والسمن والدراهم [م417]، كثيرة ذخائره.
ومكث يكثر عليهم غزواته وسطواته، حتى ملوا وكلوا، وطلبوا الصلح بعدما ذلوا، ومات أكثرهم، وتخلل جمعهم، وقتل منهم من قتل. وخرجوا مذلولين مخذولين، وبقت منهم بقية في مسكد: السلطون، وزبن البيح، وعسكرهم. وأرسلهم السيد [أحمد بن سعيد] (4)، فسلم لهم نقد المال لتخليصها، فخلصوها له. فأما السلطون [فإنه] لم يفعل خطية، وسار بأمان. وأما زين البيح [فقد] ضيع العهد في الباطن، ورمى (7) ببعض المدافع من الكوت الغربي، وركب البحر حتى وصل بركا، ونزل بها. وقبضه السيد أحمد، وقيدوه، وحدر (8) متاعه وأرسل به من بركا إلى صحار، ثم إلى حييي – بلاد الريايسه. وقتلوه دون حييي، وماله بمنزلة سيف بن سلطان، بالانتصار للمظلومين (9) [ممن قتلهم] (10) العجم. والحمدلله على كل حال. (1/186)
صفحة 187
فهذا بما وردت به الأخبار عن الأئمة والملوك والشيوخ والشجعان، من أهل عمان. تاريخ يوم 25 جمادى الآخر سنة 1313، وكان تمامه يوم الجمعة نصف النهار. بقلم الفقير لله تعالى أبي سالم عبيدر فرحان، بيده. [م418] وقد نسخته لسيدي ومولاي، العزيز والذخر الحريز، لحباب ناصر بن محمد بن أحمد المعولي، رزقه الله حفظه. إنه كريم منان آمين.
وما قضى أحد منها لبانته.:.:. وما انتهى أرب إلا إلى أرب
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم.:.:. إلا على شجب والخلف في الشجب
مجدين لا يألون في حب جمعها.:.:. رجاء بأن تبقى عليهم فلا جرم
وكانوا على الدنيا حراصا أشحة.:.:. يقاسمون فيها كل هم وكل غم
فما وسدتهم في الثرى غير صخرها.:.:. ومازودتهم للغراق سوى الرجم
وما استصحبوا منها بعدهم وفنواهم.:.:. وما سجمت حزنا على فقدهم بدم
ألم تسقهم كأس المنية منقعا.:.:. وشابت صفاء العيش منها نهم بسم (1/187)
صفحة 188
فلو عدلت الإله بأمرها.:.:. قلامة ظفر جازها دون من ظلم
ولو دامت الدنيا لدامت لأحمد.:.:. بني الهدى لكنها قط لم تدم
ودار البقاء فيها الجزاء لأهلها.:.:. سواها فقم فيها وبالله فاعتصم
تمت بحمد الله (1/188)
صفحة 189
محتويات الكتاب
مقدمة 3
الأزد وتعريب عُمان 15
إسلام أهل عُمان 37
عُمان في العصر الأموي 47
عُمان في العصر العباسي 53
ذكر الإمامين ومن بعدهم من الأئمة المنصوبين في
عُمان بعد ما اختلفت كلمتهم 81
ذكر الأئمة المعقود لهم بعُمان 93
ذكر حوادث متفرقة 95
أئمة القرن التاسع والعاشر 99
ملوك بني نبهان الأواخر 105
أئمة القرن الحادي عشر 123
ذكر الأئمة بعد ناصر بن مرشد 145
ذكر اختلاف اليعاربة وإمامة مهنا بن سلطان 151
ذكر انقسام أهل عُمان 157 (1/189)
صفحة 190
[في الطبعة الأولى]: رقم الإيداع 4140 لسنة 1980.
مطابع سجل العرب
9 شارع عماد الدين / القاهرة. ت: 966706
[في الطبعة الثانية: حقوق الطبع محفوظة لدى وزارة التراث والثقافة. ص. ب: 668 – الرمز البريدي: 113 – مسقط – سلطنة عمان
البريد الإلكتروني E-mail:info@mhc.om رقم الإيداع 155/ 2005. طبع بالمطبعة الشرقية ومكتبتها – تلفون: 24816952]. (1/190)